بحار الأنوار
الجزء الحادي و الثلاثون
تأليف
العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

6
عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، (عليه السلام)، قَالَ: لَيْسَ النَّاصِبُ مَنْ نَصَبَ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، لِأَنَّكَ لَا تَجِدُ رَجُلًا يَقُولُ: أَنَا أُبْغِضُ مُحَمَّداً وَ آلَ مُحَمَّدٍ، وَ لَكِنَّ النَّاصِبَ مَنْ نَصَبَ لَكُمْ وَ هُوَ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَتَوَلَّوْنَّا وَ أَنَّكُمْ مِنْ شِيعَتِنَا. (1).
____________
(1) علل الشرائع: 200 ثواب الأعمال: 200 معاني الأخبار: 104 قريب منه.
بحار الأنوار: 27- 232- 233 حديث 42.
5
عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ: (ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ)، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام): لَا يَجْتَمِعُ حُبُّنَا وَ حُبُّ عَدُوِّنَا فِي جَوْفِ إِنْسَانٍ، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ، فَيُحِبُّ بِهَذَا وَ يُبْغِضُ بِهَذَا، فَأَمَّا مُحِبُّنَا فَيُخْلِصُ الْحُبَّ لَنَا كَمَا يَخْلُصُ الذَّهَبُ بِالنَّارِ لَا كَدَرَ فِيهِ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ حُبَّنَا فَلْيَمْتَحِنْ قَلْبَهُ، فَإِنْ شَارَكَهُ فِي حُبِّنَا حُبَّ عَدُوِّنَا فَلَيْسَ مِنَّا وَ لَسْنَا مِنْهُ، وَ اللَّهُ عَدُوُّهُمْ وَ جَبْرَئِيلُ وَ مِيكَائِيلُ وَ اللَّهُ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ. (1)
____________
(1) بحار الأنوار: 27- 51- حديث 1.
تفسير القمّيّ: 514 (2- 171- 172).
7
تتمة كتاب المحن و الفتن
تتمة الباب 23
الرابع عشر: أنّه أبدع في الدين بدعا كثيرة:
منها: صلاة التراويح
، فإنّه كانت بدعة (1)، لما.
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَّهُ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ الصَّلَاةَ بِاللَّيْلِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ النَّافِلَةِ جَمَاعَةً بِدْعَةٌ (2)، وَ صَلَاةُ الضُّحَى بِدْعَةٌ، أَلَا فَلَا تَجَمَّعُوا لَيْلًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي النَّافِلَةِ، وَ لَا تُصَلُّوا صَلَاةَ الضُّحَى، فَإِنَّ قَلِيلًا فِي سُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ فِي بِدْعَةٍ، أَلَا وَ إِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَ كُلَّ ضَلَالَةٍ سَبِيلُهَا إِلَى النَّارِ (3).
وَ قَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَيْلًا فَرَأَى الْمَصَابِيحَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟. فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا لِصَلَاةِ التَّطَوُّعِ، فَقَالَ: بِدْعَةٌ وَ نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ (4).
وَ قَدْ رُوِيَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لَمَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ بِالْكُوفَةِ فَسَأَلُوهُ أَنْ
____________
(1) نصّ الباجي و السيوطي و السكتواري و غيرهم على أنّ أوّل من سنّ التراويح عمر بن الخطّاب، كما في محاضرات الأوائل: 149- طبع سنة 1311- و: 98- طبع سنة- 1300.
و شرح المواهب للزرقاني 7- 149.
(2) و كذا صرّح الباجيّ و السّيوطيّ و السكتواري و غيرهم بأنّ إقامة النّوافل بالجماعات في شهر رمضان من محدثات عمر. انظر: طرح التّثريب 3- 92.
(3) جاءت في الشّافي 4- 219، و شرح ابن أبي الحديد 12- 283. و ذيلها مستفيضة عند العامّة و ضروريّة من ضروريّات المذهب عند الخاصّة. انظر: سنن أبي داود 2- 261، و مقدّمة سنن ابن ماجة: 46، و غيرهما.
(4) ذيل الحديث أخرجه البخاريّ في صحيحه 4- 218 في صلاة التّراويح باب فضل من قام رمضان، و مالك في الموطّإ 1- 114 في الصّلاة في رمضان باب ما جاء في قيام رمضان.
و أورده ابن الأثير في جامع الأصول 6- 122 حديث 4222، و القسطلاني في إرشاد السّاريّ في شرح صحيح البخاريّ 5- 4، و قال: سمّاها بدعة لأنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يسنّ لهم الاجتماع لها، و لا كانت في زمن الصّدّيق، و لا أوّل اللّيل، و لا هذا العدد!.
8
يَنْصَبَ لَهُ (1) إِمَاماً يُصَلِّي بِهِمْ نَافِلَةَ شَهْرِ رَمَضَانَ، زَجَرَهُمْ وَ عَرَّفَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ السُّنَّةِ، فَتَرَكُوهُ وَ اجْتَمَعُوا لِأَنْفُسِهِمْ وَ قَدَّمُوا بَعْضَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ الْحَسَنَ (عليه السلام)، فَدَخَلَ عَلَيْهِمُ الْمَسْجِدَ وَ مَعَهُ الدِّرَّةُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ تَبَادَرُوا الْأَبْوَابَ وَ صَاحُوا:
وَا عُمَرَاهْ؟!.
هذه الروايات أوردها السيّد (رحمه اللّه) في الشافي (2) و حاصل الاستدلال أنّ التراويح كانت بدعة جماعتها، بل أصلها، و (3) وضعها و أمر بها عمر و كلّ بدعة حرام، أمّا الأولى فلاعترافه بكونه بدعة كما مرّ.
و روى عنه صاحب النهاية (4) و غيره (5) من علمائهم.
وَ رَوَى الْبُخَارِيُ (6) وَ مُسْلِمٌ (7) فِي صَحِيحِهِمَا، وَ صَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ (8) عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي رَمَضَانَ؟. فَقَالَتْ (9): مَا كَانَ (10) يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَ لَا فِي غَيْرِهَا عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعاً فَلَا تَسْأَلُ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَ طُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعاً فَلَا تَسْأَلُ (11) عَنْ حُسْنِهِنَّ وَ طُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثاً (12)، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَ تَنَامُ قَبْلَ أَنْ
____________
(1) كذا. و الظّاهر: لهم.
(2) الشافي 4- 219، و تلخيص الشافي 4- 5، و غيرهما.
(3) لا توجد الواو في (ك)، و ذكرت بعد أسطر من دون تعليم عليها: و هي بحاجة إلى الواو.
(4) النهاية 1- 106- 107.
(5) كالباجي و السيوطي و السكتواري و القسطلاني و صاحب محاضرات الأوائل و كثير قد سلف منا في أول هذا الطعن، فليراجع.
(6) صحيح البخاريّ 3- 16 كتاب التّهجّد باب كيفيّة صلاة النّبيّ ص .
(7) صحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين باب صلاة اللّيل و عدد ركعات النّبيّ ص ، و قد أوردها و الرّواية الآتية برقم 736 و 738 [1- 509].
(8) جامع الأصول 6- 93 ضمن حديث 4198.
(9) في المصادر قالت.
(10) في (س): كانت، و في صحيح مسلم: قالت: ما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
(11) في الجامع: لا تسأل- بدون الفاء-.
(12) هنا زيادة: قالت عائشة، جاءت في المصادر.
9
تُوتِرَ؟. قَالَ: يَا عَائِشَةُ! إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَ لَا يَنَامُ قَلْبِي.
وَ رَوَى مُسْلِمٌ (1) وَ صَاحِبُ الْجَامِعِ (2)- أَيْضاً، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: أَيْ أُمَّةِ! أَخْبِرِينِي عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)؟.
فَقَالَتْ: كَانَتْ صَلَاتُهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَ غَيْرِهِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً بِاللَّيْلِ، مِنْهَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ.
وَ رَوَيَا (3) رِوَايَاتٍ أُخَرَ قَرِيبَةً مِنْ ذَلِكَ.
وَ رُوِيَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (4)، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: احْتَجَرَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) حُجَيْرَةً بِخَصَفَةٍ أَوْ حَصِيرٍ، قَالَ عَفَّانُ: فِي الْمَسْجِدِ، وَ قَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى: فِي رَمَضَانَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يُصَلِّي فِيهَا، قَالَ:
فَتَبِعَ (5) إِلَيْهِ رِجَالٌ وَ جَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، قَالَ: ثُمَّ جَاءُوا إِلَيْهِ (6) فَحَضَرُوا وَ أَبْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَنْهُمْ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ، فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ وَ حَصَّبُوا الْبَابَ (7)، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مُغْضَباً، فَقَالَ لَهُمْ: مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَتُكْتَبُ (8) عَلَيْكُمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي
____________
(1) صحيح مسلم 1- 510 بنصّه، و قد تقدّم.
(2) جامع الأصول 6- 94 ضمن حديث 4198.
(3) صحيح مسلم- كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل 1- 508- 512، و جامع الأصول:
6، في صلاة الليل- الفرع الثالث: في صفتها: 77- 108.
(4) جامع الأصول 6- 118- 119 حديث 4218.
(5) في المصدر: فتتبع.
(6) في جامع الأصول نسخة: ليلة، بدلا من: إليه. و هو الظّاهر.
(7) قال في الصّحاح 1- 112: الحصباء: الحصى. و حصّبت المسجد تحصيبا: إذا فرشته بها.
أقول: إنّه قد ضمّن في هذه اللّفظة معنى الجلوس، أي حصّبوا و جلسوا في الباب، و يحتمل أن يكون المعنى: إنّهم رموا الباب بالحصى ليخرج إليهم النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على نحو الإعلان، و هذا- و إن كان لا يليق بالمسلم العارف بحقّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بل بمن تأدّب بآداب الإسلام- إلّا أنّ أكثرهم كانوا لا يفقهون و ينادونه ص من وراء الحجرات.
(8) في المصدر: سيكتب.
10
بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ.
أخرجه البخاري (1) و مسلم (2) و أخرج أبو داود (3) و لم يذكر: في رمضان.
وَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِ (4): أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) اتَّخَذَ حُجْرَةً فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حَصِيرٍ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِيهَا لَيَالِيَ فَاجْتَمَعَ (5) إِلَيْهِ نَاسٌ ثُمَّ فُقِدَ (6) صَوْتُهُ لَيْلَةً فَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ نَامَ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَتَنَحْنَحُ لِيَخْرُجَ فَلَمْ يَخْرُجْ، فَلَمَّا خَرَجَ لِلصُّبْحِ قَالَ: مَا زَالَ بِكُمُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ، وَ لَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ (7).
وَ عَنْ أَنَسٍ (8)، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يُصَلِّي (9) فِي رَمَضَانَ، فَجِئْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ وَ جَاءَ رَجُلٌ فَقَامَ أَيْضاً حَتَّى كُنَّا رَهْطاً، فَلَمَّا أَحَسَّ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَا خَلْفَهُ جَعَلَ يَتَجَوَّزُ (10) فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ دَخَلَ رَحْلَهُ
____________
(1) صحيح البخاريّ 10- 430 كتاب الأدب باب ما يجوز من الغضب، و جاء أيضا في كتاب الجماعة باب إذا كان بين الإمام و بين القوم حائط أو سترة، و في كتاب الاعتصام باب ما يكره من كثرة السؤال.
(2) صحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين باب استحباب صلاة النافلة في بيته حديث 781.
(3) سنن أبي داود كتاب الصلاة باب فضل التطوّع في البيت حديث 1447.
(4) سنن النّسائيّ 3- 198 كتاب قيام اللّيل باب الحثّ على الصّلاة في البيوت. و لا زال الكلام لابن الأثير في جامع الأصول.
(5) في (ك) نسخة بدل: و اجتمع. و في الشّافي نسخة: حتّى اجتمع إليه النّاس.
(6) في جامع الأصول: فقدوا.
(7) كما جاء في جامع الأصول 6- 119 ذيل حديث 4218، و قد سلف قريبا.
(8) كما أورده مسلم في صحيحه كتاب الاعتصام باب النّهي عن الوصال في الصّوم حديث 1104.
و أخرجه أيضا ابن الأثير في جامع الأصول 6- 115- 116 حديث 4216.
(9) في المصدر: يقدم. و هو الظّاهر.
(10) جاء في حاشية (ك): تجوّز في صلاته: خفّف. ذكره الفيروزآباديّ. [منه ((رحمه اللّه))].
انظر: القاموس 2- 170.
11
فَصَلَّى صَلَاةً لَا يُصَلِّيهَا عِنْدَنَا، قَالَ: قُلْنَا لَهُ حِينَ خَرَجَ (1): أَ فَطَنْتَ بِنَا (2) اللَّيْلَةَ؟.
قَالَ: نَعَمْ، ذَاكَ الَّذِي حَمَلَنِي عَلَى مَا صَنَعْتُ.
و قد ذكر (3) أخبارا كثيرة نحوا ممّا ذكرنا تركناها لقلّة الجدوى في تكرارها.
فظهر من بعض (4) أخبارهم أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما كان يزيد في شهر رمضان شيئا من النوافل، و من بعضها أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يرض بإيقاع النافلة جماعة، فإبداع هذا العدد المخصوص في الشريعة (5) و جعلها سنّة أكيدة بدعة لم يأمر بها النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و لم يأت بها، فظهر أنّ قول بعضهم- أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أتى بها ثم تركها من غير نسخ- لا مستند له، و لو كانت سنّة مرغوبا فيها و مندوبا إليها، فلم كان يتركه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و يخرج إليهم مغضبا، و يقول: عليكم بالصلاة في بيوتكم؟! و لا كان يترك صلاته و يهرب منهم، و لا خلاف في أنّ الجماعة- في كلّ صلاة تجوز فيها- عبادة، و لها فضل عظيم، فلو جازت في هذه الصلاة و في غيرها من النوافل لما أغضبه الاجتماع، و لا كان يأمرهم بالصلاة في بيوتهم في غير المكتوبة.
و أمّا التعليل الوارد في رواياتهم المرويّة عن الكذّابين المشهورين فلا يخفى على عاقل أنّه من مفترياتهم، و ليس في أخبار أهل البيت (عليهم السلام) شيء من ذلك، فإنّ المواظبة على الخير و الاجتماع على الفعل المندوب إليه لا يصير سببا لأن يفرض على الناس، و ليس الربّ تعالى غافلا عن وجوه المصالح حتّى يتفطّن بذلك
____________
(1) في المصدر: فقلنا له حين أصبحنا.
(2) في جامع الأصول: لنا، بدلا من: بنا.
(3) ابن الأثير في جامع الأصول 6- 114- 125 من حديث 4215- 4226، في قيام شهر رمضان، و هو التراويح.
(4) لا توجد: بعض، في (س).
(5) قال القسطلاني في شرح البخاري 5- 4 عند قول عمر لصلاة التطوّع جماعة: بدعة و نعمت البدعة-:
لأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم لم يسنّ لهم الاجتماع لها و لا كانت في زمن الصدّيق، و لا أوّل الليل، و لا هذا العدد.
12
الاجتماع، و يظهر له الجهة المحسنة لإيجاب الفعل، و كيف أمرهم (صلّى اللّه عليه و آله) مع ذلك الخوف بأن يصلوها في بيوتهم؟ و لم لم يأمرهم بترك الرواتب خشية الافتراض (1) ثم المناسب لهذا التعليل أن يقول: خشيت أن يفرض عليكم الجماعة فيها، لا أن يفرض عليكم صلاة الليل، كما في بعض رواياتهم. و قد ذهبوا إلى أنّ الجماعة مستحبة في بعض النوافل كصلاة العيد و الكسوف و الاستسقاء و الجنازة، و لم يصر (2) الاجتماع فيها سببا للافتراض، و لم ينه عن الجماعة فيها لذلك، فلو صحّت الرواية لكانت محمولة على أنّ المراد النهي عن تكلّف ما لم يأمر اللّه به، و التحذير من أن يوجب عليهم صلاة الليل لارتكاب البدعة في الدين، ففيه دلالة واضحة على قبح فعلهم و أنّه مظنّة العقاب، و إذا كان كذلك فلا يجوز ارتكابه بعد ارتفاع الوحي أيضا.
و أمّا أنّ عمر ابتدعها، فلا خلاف فيه (3) و أمّا أنّ كلّ بدعة ضلالة، فقد استفيض (4) في أخبار الخاصّة (5) و العامّة.
____________
(1) في (ك): الإقراض.
(2) في (ك): لم يضر- بالضاد المعجمة-.
(3) و قد صرّح كلّ المخالفين: أنّها من مبدعات عمر.
انظر: تاريخ عمر بن الخطّاب لابن الجوزي: 54، تاريخ ابن سمنة حوادث سنة 23 ه، تاريخ الخلفاء للسيوطي.
و عدّها من أوليات عمر في: طبقات ابن سعد 3- 281، قال: و ذلك في شهر رمضان سنة أربع عشرة، و جعل للناس بالمدينة قارئين، قارئا يصلّي بالرجال و قارئا يصلّي بالنساء، و تاريخ الطبريّ 5- 22، و الكامل لابن الأثير 2- 41. و قد تقدّم في أول البحث عن محاضرات الأوائل، و إرشاد الساري و غيرهما.
(4) كذا، و الظاهر: استفاض.
(5) فصّلها شيخنا المصنّف- (رحمه اللّه)- في بحار الأنوار 2- 261 و 263 و 266، 301، 309، و 32- 222 و 257، و 47- 217، و 74- 217، و 74- 203، و 77- 122، و 78- 217، و غيرها.
13
فَرَوَى مُسْلِمٌ (1) فِي صَحِيحِهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَ خَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ (2).
وَ رَوَى الْبُخَارِيُ (3) وَ مُسْلِمٍ (4)، عَنْهُ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَّهُ قَالَ: مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي (5).
وَ رَوَيَا (6) أَيْضاً عَنْهُ (صلّى اللّه عليه و آله)، أَنَّهُ قَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ، فَوَ اللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ (7) بِاللَّهِ وَ أَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً (8).
وَ رَوَيَا (9)- أَيْضاً- لَهُ، عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ عَمِلَ عَمَلًا
____________
(1) صحيح مسلم 12- 37، و انظر: شرحه للنّوويّ 4- 226.
(2) و قريب منه في صحيح البخاريّ كتاب الاعتصام باب الاقتداء بسنن رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم، و نقله عنه ابن الأثير في جامع الأصول 1- 289 حديث 74.
(3) صحيح البخاريّ- كتاب النّكاح 6- 112 الحديث الأوّل [7- 2- دار الشّعب]، و انظره في شرح القسطلاني إرشاد السّاري 4- 8، و شرح العسقلانيّ فتح الباري 9- 90، و شرح العينيّ عمدة القاري 9- 354.
(4) صحيح مسلم 5- 13، و شرحه النّوويّ 5- 94.
(5) و ذكره النّسائيّ في سننه و الدّارميّ كذلك في كتاب النّكاح، و أورده أحمد بن حنبل في مسنده 2- 158، 3- 241، 259 و 285، 5- 409.
(6) صحيح البخاريّ 8- 136 [دار الشّعب 9- 120] كتاب الاعتصام، و جاء أيضا في 7- 91 كتاب الأدب. و انظر إرشاد السّاريّ 10- 378 و 9- 77، و فتح الباري 13- 235 و 10- 427، و عمدة القاريّ 11- 136 و 10- 91، و صحيح مسلم 2- 221 كتاب الفضائل، و شرحه للنووي 9- 269 باختلاف يسير.
(7) في صحيح البخاريّ: أعلمهم- بدون لام-.
(8) أقول: جاء عن عائشة- كما أورده البخاريّ في كتاب البيوع أيضا باب النّجش- معلّقا، و وصله في كتاب الصّلح 4- 298 و 5- 221، و صحيح مسلم كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة حديث 1718، و غيرهما.
(9) صحيح البخاريّ 8- 147 باب ما ذكر النّبيّ ص ..، و أورده القسطلاني في إرشاده 10- 411، و العسقلانيّ في فتحه 13- 267، و العينيّ في عمدته 11- 498.
و في صحيح مسلم 2- 42 كتاب الأقضية، و أورد شرحه النّوويّ في شرح صحيح مسلم 7- 335.
14
لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ (1).
وَ حَكَى فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (2)، عَنِ التِّرْمِذِيِ (3) وَ أَبِي دَاوُدَ (4)، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ: إِيَّاكُمْ وَ مُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ (5).
وَ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي- شَرْحِ الْبُخَارِيِّ- (6): قَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، عَنْ عَصِيفِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ ..: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ: مَا أَحْدَثَ قَوْمٌ بِدْعَةً إِلَّا رُفِعَ مِنَ السُّنَّةِ مِثْلُهَا.
و أخبارنا في ذلك متواترة (7)، و ما زعمه بعض فقهاء العامّة (8) من انقسام البدعة بالأقسام الخمسة لا وجه له (9)، بل يظهر من عموم النصوص أنّ كلّ ما أحدث في الدين ممّا لم يرد في الشريعة خصوصا أو عموما فهو بدعة محرّمة، فكلّ ما فعل على وجه العبادة و لم يكن مستفادا من دليل شرعيّ عامّ أو خاصّ فهو بدعة و تشريع، سواء كان فعلا مستقلا أو وصفا لعبادة متلقّاة من الشارع، كفعل
____________
(1) و جاء- أيضا- في سنن أبي داود كتاب السّنّة باب لزوم السّنّة 2- 506، و أخرجه ابن ماجة في المقدّمة تعظيم حديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) برقم 14، و حكاه ابن الأثير في جامع الأصول 1- 289 290 حديث 75.
(2) جامع الأصول 1- 279 ذيل حديث 67.
(3) سنن التّرمذيّ كتاب العلم باب 16 حديث 2678.
(4) سنن أبي داود كتاب السّنّة باب لزوم السّنّة حديث 4607.
(5) و أخرجه أحمد بن حنبل في المسند 4- 126- 127، و ابن ماجة في المقدّمة برقم 42 باب اتّباع سنّة الخلفاء الرّاشدين، و انظر: جامع العلوم و الحكم للحافظ ابن رجب الحنبليّ.
(6) فتح الباري 13- 214.
(7) بحار الأنوار 2- 261- 268 روايات الباب 22. و انظر: البحار 32- 221، 257، و غيرهما.
(8) كما ذكره القرافي في كتابه الفروق 4- 202- 205، و الغزالي في إحياء العلوم 1- 126.
(9) قال الشهيد الأول في القواعد و الفوائد 1- 144- 146، القاعدة [205] ما نصّه: محدثات الأمور بعد عهد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) تنقسم أقساما لا يطلق اسم البدعة عندنا إلّا على ما هو محرّم منها .. ثم قسّم محدثات الأمور إلى الأحكام الخمسة و ذكر لكلّ منها شاهدا.
15
الواجب على وجه الندب و بالعكس، و إيجاب وصف خاصّ في عبادة مخصوصة، فلو أوجب أحد إيقاع الطواف مثلا جماعة، أو زعمه مستحبّا، أو استحبّ عددا مخصوصا في الصلاة.
و بالجملة، كلّ فعل أو وصف في فعل أتى به المكلّف على غير الوجه الذي وردت به الشريعة، و تضمّن تغيير حكم شرعيّ- و إن كان بالقصد و النية- فلا ريب في أنّه بدعة و ضلالة.
و أمّا ما دلّ عليه دليل شرعيّ سواء كان قولا أو فعلا عامّا أو خاصّا فهو من السنّة.
و قد ظهر من رواياتهم أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لم يصلّ عشرين ركعة يسمّونها: التراويح، و إنّما كان يصلّي ثلاث عشرة ركعة، و لم يدلّ شيء من رواياتهم التي ظفرنا بها على استحباب هذا العدد المخصوص فضلا عن الجماعة فيها، و الصلاة- و إن كانت خيرا موضوعا يجوز قليلها و كثيرها- إلّا أنّ القول باستحباب عدد مخصوص منها في وقت مخصوص على وجه الخصوص بدعة و ضلالة، و لا ريب في أنّ المتّبعون لسنّة عمر يزعمونها على هذا الوجه سنّة وكيدة، بل عزيمة، و يجعلونها من شعائر دينهم.
و لو سلّمنا انقسام البدعة بالأقسام الخمسة و تخصيص كونها ضلالة بالبدعة المحرّمة، فلا ريب أنّ هذا ممّا عدّوه من البدع المحرّمة لما عرفت، و الأقسام الأخرى من البدع التي عدوها ليست من هذا القبيل، بل هي ممّا ورد في الشريعة عموما أو خصوصا فلا ينفعهم التقسيم، و اللّه الهادي إلى الصراط المستقيم.
و منها: أنّه وضع الخراج على أرض السواد
و لم يعط أرباب الخمس منها خمسهم، و جعلها موقوفة على كافة المسلمين (1)، و قد اعترف بجميع ذلك
____________
(1) خمس أرض السواد المفتوحة عنوة للأصناف الستة التي استعرضتها آية الخمس من سورة الأنفال، و الأربعة- أخماس الأخرى- تكون للمسلمين قاطبة الفاتحين و غيرهم.
16
المخالفون، و قد صرّح بها ابن أبي الحديد (1) و غيره، و كلّ ذلك مخالف للكتاب و السنّة و بدعة في الدين.
قال العلّامة (رحمه اللّه) في كتاب منتهى المطلب (2): أرض السواد هي الأرض المغنومة من الفرس التي فتحها عمر بن الخطاب، و هي سواد العراق، و حده في العرض من منقطع الجبال بحلوان (3) إلى طرف القادسية المتّصل بعذيب من أرض العرب، و من تخوم الموصل طولا إلى ساحل البحر ببلاد عبادان من شرقيّ دجلة، فأمّا الغربي الذي يليه البصرة فإسلاميّ (4) مثل شطّ عثمان بن أبي العاص و ما والاها كانت سباخا و مواتا فأحياها (5) ابن أبي العاص و سميت هذه الأرض:
سوادا، لأنّ الجيش لّما خرجوا من البادية رأوا هذه الأرض و التفاف شجرها فسمّوها: السواد لذلك (6)، و هذه الأرض فتحت عنوة، فتحها عمر بن الخطاب ثم بعث إليها بعد فتحه ثلاث أنفس: عمّار بن ياسر على صلاتهم أميرا، و ابن مسعود قاضيا و واليا على بيت المال، و عثمان بن حنيف على مساحة الأرض، و فرض لهم في كلّ يوم شاة شطرها (7) مع السواقط لعمّار، و شطرها للآخرين (8)،
____________
(1) في شرحه على النهج 12- 287. و قال فيه: فأمّا حديث الخراج فقد ذكره أرباب علم الخراج و الكتاب و ذكره الفقهاء أيضا في كتبهم. و انظر: سنن النسائي- كتاب الفيء- و الجصّاص في كتابه أحكام القرآن و غيرهم تجد نصوص كثيرة، و نصّ عليه السيوطي في الدرّ المنثور 3- 158 و القوشجي في شرح التجريد: 108 و عدّه من مستحدثات عمر.
(2) منتهى المطلب 2- 937- 938- حجريّة-.
(3) في المصدر: متى ينقطع الحال علوان. و لعلّه سهو في هذه النسخة.
(4) في منتهى المطلب: قائما هو إسلامي، بدلا من: فإسلامي.
(5) في المصدر زيادة: عثمان.
(6) في منتهى المطلب: كذلك.
(7) في المصدر: شاط تنظرها.
(8) في (س): للآخر. و في المصدر: و شطوها للآخرين. و جاءت فيه زيادة بعدها و هي: و قال: ما أرى قرنها يوجد منها كلّ يوم شاة لا سريع في خربها. و فيه أيضا: و فتح، بدلا من: و مسح.
17
و مسح عثمان بن حنيف أرض الخراج، و اختلفوا في مبلغها (1)، فقال الساجي (2):
اثنان و ثلاثون ألف ألف جريب، و قال أبو عبيدة: ستة و ثلاثون ألف ألف جريب، ثم ضرب على كلّ جريب نخل عشرة دراهم، و على الكرم ثمانية دراهم (3)، و على جريب الشجر و الرطبة ستة دراهم، و على الحنطة أربعة دراهم، و على الشعير درهمين، ثم كتب (4) بذلك إلى عمر فأمضاه (5).
و روي أنّ ارتفاعهما كان في عهد عمر مائة و ستين ألف ألف درهم، فلمّا كان زمن الحجّاج رجع إلى ثمانية عشر ألف ألف درهم (6)، فلمّا ولي عمر بن عبد العزيز رجع إلى ثلاثين ألف ألف درهم في أوّل سنة، و في الثانية بلغ ستين ألف ألف درهم، فقال: لو عشت سنة أخرى لرددتها إلى (7) ما كان في أيّام عمر، فمات في (8) تلك السنة، فلمّا أفضي الأمر إلى أمير المؤمنين (ع) أمضى ذلك، لأنّه لم يمكنه أن يخالف و يحكم بما يجب عنده فيه.
قال الشيخ- (رحمه اللّه)-: و الذي يقتضيه المذهب أنّ هذه الأراضي و غيرها من البلاد التي فتحت عنوة يخرج خمسها لأرباب الخمس و أربعة الأخماس الباقية تكون للمسلمين قاطبة، الغانمون و غيرهم سواء في ذلك، و يكون للإمام النظر فيها و يقبلها و يضمنها بما شاء و يأخذ ارتفاعها (9) و يصرفه في مصالح المسلمين و ما
____________
(1) في المصدر: في مثلها.
(2) في منتهى المطلب: الساحي.
(3) لا توجد في المصدر: و على الكرم ثمانية دراهم.
(4) في منتهى المطلب: تجب. و لا معنى لها.
(5) و انظر: معجم البلدان 3- 272- 275، و مراصد الاطّلاع 2- 750- 751.
(6) لا توجد: درهم، في المصدر.
(7) في المصدر لا توجد: إلى.
(8) لا توجد في المصدر: في.
(9) في المصدر: أرباعها.
18
ينوبهم من (1) سدّ الثغور و تقوية المجاهدين و بناء القناطر (2) و غير ذلك من المصالح، و ليس للغانمين في هذه الأرضين على وجه التخصيص شيء، بل هم و المسلمون فيه سواء، و لا يصحّ بيع شيء من (3) هذه الأرضين و لا هبته و لا معاوضته و لا تملّكه و لا وقفه و لا رهنه و لا إجارته و لا إرثه، و لا يصحّ أن يبنى دورا و منازل و مساجد و سقايات و لا غير ذلك من أنواع التصرّف الذي يتبع (4) الملك، و متى فعل شيء من ذلك كان التصرّف باطلا و هو باق على الأصل.
ثم قال (رحمه اللّه): و على الرواية التي رواها أصحابنا أنّ كلّ عسكر أو فرقة غزت (5) بغير أمر الإمام فغنمت تكون الغنيمة للإمام خاصّة، تكون هذه الأرضون و غيرها ممّا فتحت بعد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) إلّا ما فتح في أيّام أمير المؤمنين (عليه السلام) إن صحّ شيء من ذلك (6) للإمام خاصّة، و تكون من جملة الأنفال التي له خاصّة لا يشركه فيها غيره. انتهى كلامه رفع اللّه مقامه.
أقول.:
فالبدعة فيه من وجوه:
أحدها:
منع أرباب الخمس حقّهم، و هو مخالف لصريح آية الخمس و للسنّة أيضا، حيث
- ذَكَرَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (7) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَسَّمَ خَيْبَرَ وَ صَيَّرَهَا غَنِيمَةً وَ أَخْرَجَ خُمُسَهَا لِأَهْلِ الْخُمُسِ (8).
____________
(1) في (ك) نسخة: في، بدل: من.
(2) في المصدر: القناطير.
(3) جاءت في (س): في، بدل: من.
(4) في المصدر: يمنع.
(5) في المصدر: عرب. و لا معنى لها.
(6) زيادة: يكون، جاءت في المصدر.
(7) ذكره في شرحه على النّهج 12- 287. و أورده المصنّف- (رحمه اللّه)- نقلا بالمعنى.
(8) و أخرج أبو داود في صحيحه في بيان مواضع قسم الخمس بسنده عن يزيد بن هرمز: أنّ نجدة الحروريّ حين حجّ في فتنة ابن الزّبير أرسل إلى ابن عبّاس يسأله عن سهم ذي القربى، و يقول:
لمن تراه؟ قال ابن عبّاس: لقربى رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم قسمه لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم، و قد كان عمر عرض علينا من ذلك عرضا رأيناه دون حقّنا فرددناه عليه و أبينا أن نقبله.
و جاء في مسند أحمد بن حنبل 1- 320، و سنن البيهقيّ 6- 344 و 345 بطريقين باختلاف في اللّفظ، و أورده البيهقيّ في سننه المجلّد السّادس باب سهم ذي القربى بسنده عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى قال: لقيت عليّا (عليه السلام) عند أحجار الزّيت، فقلت له: بأبي و أمّي! ما فعل أبو بكر و عمر في حقّكم أهل البيت من الخمس .. إلى أن قال: إنّ عمر قال: لكم حقّ و لا يبلغ علمي إذا كثر أن يكون لكم كلّه، فإن شئتم أعطيتكم منه بقدرها ما أرى لكم، فأبينا عليه إلّا كلّه، فأبى أن يعطينا كلّه. و رواه الشّافعيّ في المسند في كتاب قسم الفيء: 187، و قريب منه ما ذكره في كنز العمّال 2- 305، و قد حكاها في السّبعة من السّلف 108- 109.
19
و كان الباعث على ذلك إضعاف جانب بني هاشم، و الحذر من أن يميل الناس إليهم لنيل الحطام فينتقل إليهم الخلافة فينهدم ما أسّسوه يوم السقيفة و شيّدوه بكتابة الصحيفة.
و ثانيها:
منع الغانمين بعض حقوهم (1) من أرض الخراج و جعلها موقوفة على مصالح المسلمين، و هذا إلزامي (2) عليهم لما اعترفوا به من أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قسّم الأرض المفتوحة عنوة بين الغانمين (3)، و به أفتى الشافعي (4) و أنس بن مالك (5) و الزبير و بلال كما ذكره المخالفون (6)
____________
(1) نسخة بدل في (ك): حقّهم.
(2) الكلمة مشوّشة في (س).
(3) انظر: سنن أبي داود كتاب الخراج و الإمارة، باب ما جاء في حكم أرض خيبر حديث 3010، و جامع الأصول 2- 671- 678، و فيه جملة روايات، و فصّل المسألة في بداية المجتهد 1- 401، فراجع.
(4) كما جاء في كتاب الأمّ 4- 181.
(5) و ذهب في بداية المجتهد 1- 401 إلى أن قول مالك هو عدم القسمة، و لاحظ ما ذكره في الكافي:
219، و المغني و شرحه الكبير 2- 577، و غيرها.
(6) و قد تعرّض في المغني و شرحه 2- 578 إلى قول بلال و الزبير، و اعتراض الأول على الخليفة الثاني في عدم قسمة أراضي الشام، و إنكار الثاني عليه لعدم قسمته لأراضي مصر، و جاء في المغني أيضا قبل ذلك- 2- 577 إلى أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قسّم نصف خيبر، و وقف نصفها لنوائبه.
أقول: قال ابن حزم في المحلّى 7- 344: روينا من طريق أحمد ... قال أبو هريرة: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أيّما قرية أتيتموها و أقمتم فيها فسهمكم فيها، و أيّما قرية عصت اللّه و رسوله. فإنّ خمسها للّه و رسوله، ثمّ هي لكم. قال: و هذا نصّ جليّ لا محيص عنه، و قد صحّ أنّ النبيّ ص قسّم أرض بني قريظة و خيبر، ثمّ العجب كلّه أنّ مالكا قلّد هاهنا عمر ثمّ فيما ذكرتم وقف و لم يخبر كيف يعمل في خراجها؟!.
20
و ما ذكروه من أنّه عوّض الغانمين و وقفها فهو (1) دعوى بلا ثبت، بل يظهر من كلام الأكثر خلافه، كما يستفاد من كلام ابن أبي الحديد (2) و غيره..
و ثالثها:
أنّ سيرة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) في (3) الأراضي المفتوحة عنوة كانت أخذ حصّته (عليه السلام) من غلّتها دون الدراهم المعيّنة، و سيأتي (4) بعض القول في ذلك في باب العلّة التي لم يغيّر (عليه السلام) بعض البدع في زمانه.
و منها: أنّه زاد الجزية عمّا قرّرها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) (5)
، و هو حرام على مذهب فقهائهم الأربعة إلّا أحمد في رواية (6).
و منها: تغريب نصر بن الحجّاج و أبي ذويب من غير ذنب من المدينة
، فقد روى ابن أبي الحديد في شرح النهج (7)، عن محمد بن سعيد، قال: بينا عمر يطوف في بعض سكك المدينة إذا سمع امرأة تهتف من خدرها:
____________
(1) في (س): هو.
(2) لم نجد ذلك في شرحه على النهج بل نصّ فيه 12- 289 على: أنّ التعويض ذكر في الفقه في كتاب الحاوي، و في شرح المزني للطبري.
و لعلّ الاستفادة من كتابه الآخر، أو كان ذلك في النسخة التي كانت عند المصنّف، أو اشتبه كلام المنقول بكلام المختار.
(3) في (س): هي، بدلا من: في.
(4) بحار الأنوار 8- 704- 706 [طبعة كمباني، و لا زال هذا لم يطبع بعد].
(5) كما أورده ابن الأثير في جامع الأصول 2- 696 كتاب الفيء و سهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن جملة مصادر.
(6) جاء في كتاب المغني 1- 566 قول الشافعي و أبي حنيفة، و ذكر رواية عن أحمد قوله: إنّها مقدّرة بمقدار لا يزيد عليها و لا ينقص منه. إلى آخره. نعم جاء في الكتاب 1- 567 رواية أخرى عن أحمد بن حنبل أنّه قال: أقلّها مقدّر بدينار و أكثرها غير مقدّر، لأنّ عمر زاد .. إلى آخره.
(7) شرح نهج البلاغة 12- 28- 30 بتصرّف.
21
هل من سبيل إلى خمر فأشربها* * * أم هل سبيل إلى نصر بن حجّاج
إلى فتى ماجد الأعراق مقتبل* * * سهل المحيّا كريم غير ملجاج
تنميه أعراق (1)صدق حين تنسبه* * * أخي (2) قداح عن المكروب فيّاج
(3) سامي النّواظر من بهر له (4) قدم* * * يضيء صورته في الحالك الدّاجي
فقال (5): ألا لا أرى (6) معي رجلا تهتف به العواتق في خدورهنّ! عَلَيَّ بنصر بن حجّاج، فَأُتِيَ به، و إذا هو أحسن الناس وجها و عينا و شعرا، فأمر بشعره فجزّ، فخرجت له وجنتان كأنّهما قمر، فأمره أن يعتم فأعتم، ففتن النساء (7) بعينيه، فقال عمر: لا و اللّه لا تساكنني بأرض أنا بها. فقال: و لم يا أمير المؤمنين؟!. قال: هو ما أقول لك، فسيّره إلى البصرة.
و خافت المرأة (8) التي تسمّع (9) عمر منها ما سمع أن يبدر إليها منه شيء،
____________
(1) جاء في حاشية (ك) ما يلي: الأعراق: جمع العرق- بالكسر- و هو الأصل. و رجل مقتبل الشّباب- بالفتح- لم يظهر فيه أثر كبر. المحيّا: الوجه. و الملجاج- بالكسر-: مفعال من اللّجاجة يعني الخصومة. و البهر: الإضاءة و الغلبة. و الحالك: الشّديد السّواد. الدّاجي: المظلم. [منه ((قدّس سرّه))].
انظر: لسان العرب 10- 241- 249، و 11- 545 و 2- 354، و مجمع البحرين 5- 213 و 263، و 3- 231، و 1- 134، و الصحاح 5- 1797، و 6- 2325، و 2- 598- 599، و 4- 1581، تاج العروس 10- 107، و 2- 92.
(2) في مطبوع البحار: أخو قداح.
(3) في المصدر: فراج، و هي في مطبوع البحار نسخة بدل و جعل بعدها في (ك) رمز استظهار (ظ).
قال في تاج العروس 2- 89: ناقة فيّاجة: تفيج برجليها.
(4) في شرح النهج: من بهز له.
(5) زيادة: عمر، في المصدر بعد: قال- بلا فاء-.
(6) في المصدر: لا أدري. و في (س): أرى- من دون لا-.
(7) توجد نسخة في (ك): الناس، بدلا من: النساء.
(8) ذكروا أنّ المرأة المتمنية هي الفارعة بنت همام بن عروة بن مسعود الثقفي. كما جاء في حاشية المصدر.
(9) في شرح النهج: سمع.
22
فدسّت إليه أبياتا:
قل للأمير الذي يخشى بوادره* * * ما لي و للخمر أو نصر بن حجّاج
إنّي بليت أبا حفص بغيرهما* * * شرب الحليب و طرف فاتر ساجي
لا تجعل الظنّ حقّا أو تبيّنه* * * إنّ السّبيل سبيل الخائف الراجي
ما منية قلتها عرضا بضائرة* * * و النّاس من هالك قدما و من ناجي
إنّ الهوى رمية التقوى فقيّده* * * حفظي أقرّ بألجام و أسراجي
(1) فبكى عمر، و قال: الحمد للّه الذي قيّد الهوى بالتقوى.
و كان لنصر أمّ فأتى عليه حين و اشتدّ عليها غيبة ابنها، فتعرّضت لعمر بين الأذان و الإقامة، فقعدت له على الطريق، فلمّا خرج يريد الصلاة هتفت به و قالت: يا أمير المؤمنين! لأجاثينّك (2) غدا بين يدي اللّه عزّ و جلّ، و لأخاصمنّك إليه، أجلست عاصما (3) و عبد اللّه إلى جانبيك و بيني و بين ابني الفيافي (4) و القفار و المفاوز و الأميال (5)؟!. قال: من هذه؟. قيل: أمّ نصر بن الحجّاج. فقال لها:
يا أمّ نصر! إنّ عاصما و عبد اللّه لم يهتف بهما العواتق من وراء الخدور.
قال (6): و روى عبد اللّه بن يزيد (7)، قال: بينا عمر يعس ذات ليلة إذ (8) انتهى إلى باب مجاف و امرأة تغنّي بشعر:
____________
(1) جاء البيت في المصدر هكذا:
إنّ الهوى رعية التقوى تقيّده* * * حتّى أقرّ بألجام و أسراج
(2) قال في القاموس 4- 311: جثا- كدعا و رمى- جثّوا و جثيّا- بضمّهما-: جلس على ركبتيه أو قام على أطراف أصابعه، و أجثاه غيره. و مثله في مجمع البحرين 1- 81.
(3) في شرح النهج: يبيت عاصم.
(4) الفيافي: الصحاري التي لا ماء فيها، كما في القاموس 3- 182، و مثله في الصحاح 4- 1413.
(5) في المصدر: الجبال، بدلا من: الأميال.
(6) قال ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 12- 27 بتصرّف يسير.
(7) في المصدر: عبد اللّه بن بريدة.
(8) لا توجد: إذ، في شرح النهج.
23
هل من سبيل إلى خمر فأشربها* * * أم هل سبيل إلى نصر بن حجّاج
.. و ذكر نحو ما مرّ.
ثم (1) روى عن الأصمعي .. أنّ نصر بن الحجّاج كتب إلى عمر كتابا هذه صورته: لعبد اللّه عمر أمير المؤمنين من نصر بن حجّاج: سلام عليك، أمّا بعد، يا أمير المؤمنين! (2)
لعمري لئن سيّرتني أو (3)حرمتني* * * لما نلت من عرضي عليك حرام
أ إن (4) غنّت الذلفاء (5) يوما بمنية* * * و بعض أمانيّ النّساء غرام
ظننت بي الظّنّ الّذي ليس بعده* * * بقاء فما لي في النّديّ كلام (6)
و أصبحت منفيّا (7) على غير ريبة (8)* * * و قد كان لي بالمكّتين مقام
سيمنعني عمّا (9) تظنّ تكرّمي* * * و آباء صدق صالحون (10) كرام
____________
(1) في شرح النهج 12- 27- 28 بتصرّف يسير.
(2) كذا جاء هذا البيت في المصدر. و في مطبوع البحار:
و تمنعني أمّ أتمت صلاتها* * * و حال لها في دينها و صيام.
(3) في (س): و.
(4) في مطبوع البحار: إن.
(5) الذّلف: قصر الأنف و صغره فهو أذلف و امرأة ذلفاء. و في القاموس 3- 142: .. محركة صغر الأنف و استواء الأرنبة، و قريب منه في الصحاح 4- 1362، و غيره. و في مطبوع البحار: الدلفاء بالدال المهملة- و لا مناسبة هنا لها.
(6) جاء في حاشية (ك) ما يلي: قال الفيروزآبادي: أجفت الباب: رددته. و قال: الغرام: الولوع و الشّرّ الدّائم و الهلاك و العذاب. و قال: النّديّ- كغنيّ-: مجلس القوم. و الجبّ: القطع. [منه ((قدّس سرّه))].
نصّ عليها في القاموس 3- 125، و 4- 156 و 394، و 1- 43. و انظر: لسان العرب 9- 35 و 12- 436، و 10- 363 و 1- 171، و مجمع البحرين 1- 412، و 2- 21، و تاج العروس 9- 3، و 10- 363، و 1- 171.
(7) في (س): منيغا.
(8) في مطبوع البحار: ريبته. و الظاهر ما أثبتناه.
(9) في المصدر: ممّا.
(10) في شرح النهج: سالفون.
24
و يمنعها ممّا تمنّت صلاتها* * * و حال لها في دينها و صيام
فهاتان حالانا فهل (2)أنت راجع* * * فقد جبّ (3) منّي كاهل و سنام
فقال عمر: أما ولي إمارة (4) فلا، و أقطعه أرضا بالبصرة و دارا، فلمّا قتل عمر ركب راحلته و لحق بالمدينة.
قال (5): و روى عبد اللّه بن يزيد (6): أنّ عمر خرج ليلة (7) يعس فإذا نسوة يتحدّثن، و إذا هنّ يقلن: أيّ فتيان المدينة أصبح؟. فقالت امرأة منهنّ: أبو ذؤيب و اللّه، فلمّا أصبح عمر سأل عنه، فإذا هو من بني سليم، و إذا هو ابن عمّ نصر بن حجّاج، فأتي (8) إليه، فحضر، فإذا هو أجمل الناس و أملحهم، فلمّا نظر إليه قال: أنت و اللّه ذئبهنّ!- و يكرّرها (9) و يردّدها- لا و الذي نفسي بيده لا تجامعني بأرض أبدا. فقال: يا أمير المؤمنين! إن كنت لا بدّ مسيّري فسيّرني حيث سيّرت ابن عمّي نصر بن الحجّاج (10)، فأمر بتسييره إلى البصرة، فأشخص إليها.
انتهى ما حكاه ابن أبي الحديد.
و قد روى قصّة نصر بن حجّاج جلّ أرباب السير (11)، و ربّما عدّ أحبّاء عمر
____________
(2) في مطبوع البحار: حالان هل.
(3) قال في الصحاح 1- 92: الجبّ: القطع .. و يعير أجبّ بين الجبب .. أي مقطوع السّنام، و نحوه في النهاية 1- 233، و القاموس 1- 43، و مجمع البحرين 2- 21.
(4) في المصدر: ولاية.
(5) شرح النهج لابن أبي الحديد 12- 30- 31.
(6) في المصدر: عبد اللّه بن بريدة.
(7) في شرح النهج: ليلا.
(8) جاء في المصدر: فأرسل.
(9) في شرح النهج: ذئبها يكررها.
(10) بلا ألف و لام في المصدر.
(11) انظر مثالا: طبقات ابن سعد 3- 285، تاريخ الطبريّ 4- 557، و غيرهما.
25
ذلك من حسن سياسته.
و وجه البدعة فيه ظاهر، فإنّ إخراج نصر من المدينة و تغريبه و نفيه عن وطنه بمجرّد أنّ امرأة غنّت بما يدلّ على هواها فيه و رغبتها إليه مخالف لضرورة الدين، لقوله تعالى: (وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) (1)، و لا ريب في (2) أنّ التغريب تعذيب عنيف و عقوبة عظيمة، و لم يجعل اللّه تعالى في دين من الأديان حسن الوجه و لا قبحه منشأ لاستحقاق العذاب لا في الدنيا و لا في الآخرة، و قد كان يمكنه دفع ما زعمه مفسدة من افتتان (3) النساء به بأمر أخفّ من التغريب و إن كان بدعة أيضا، و هو أن يأمره بالحجاب و ستر وجهه عن النساء أو مطلقا حتى لا يفتتن به أحد.
ثم ليت شعري ما الفائدة في تسيير نصر إلى البصرة، فهل كانت نساء البصرة أعفّ و أتقى من نساء المدينة، مع أنّها
- «مَهْبِطُ إِبْلِيسَ و مَغْرِسُ الْفِتْنَةِ» (4).
؟!. اللّهمّ إلّا أن يقال: لما كانت المدينة يومئذ مستقرّ سلطنة عمر كان القاطنون بها أقرب إلى الضلال ممّن نشأ في مغرس الفتنة، و قد حمل أصحابنا على ما يناسب هذا المقام ما روي في فضائل عمر: ما لقيك الشيطان قطّ سالكا فجّا إلّا سلك فجّا غير فجّك، و كأنّه المصداق لما قيل:
و كنت امرأ من جند إبليس فارتقت* * * بي الحال حتى صار إبليس من جندي
و هذه البدعة من فروع بدعة أخرى له عدّوها (5) من فضائله، قالوا: هو أوّل من عسّ في عمله بنفسه، و هي مخالفة للنهي الصريح في قوله تعالى: (وَ لا
____________
(1) قد جاءت في: الأنعام: 164، و الإسراء: 15، و فاطر: 18، و الزمر: 7.
(2) لا توجد: في، في (س).
(3) في (ك): افتنان.
(4) استشهاد بكلام أمير المؤمنين (عليه السلام)، انظر: نهج البلاغة 3- 18 لمحمّد عبدة، و صفحة، 375 في طبعة صبحي الصالح، في كتابه (عليه السلام) إلى عبد اللّه بن عبّاس و فيه: الفتن، بدلا من الفتنة.
(5) قد عدّها ابن الجوزي من مناقب عمر، و تبعه شاعر النيل حافظ إبراهيم و نظمها في قصيدته العمرية تحت عنوان: مثال رجوعه إلى الحقّ!.
26
تَجَسَّسُوا ...) (1).
و منها: بدعة الطلاق
، رُوِيَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (2)، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: إِنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ كَانَ كَثِيرَ السُّؤَالِ لِابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا (3) طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثاً قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا جَعَلُوهَا وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَبِي بَكْرٍ وَ صَدْراً مِنَ إِمَارَةِ عُمَرَ؟. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلْ (4) كَانَ الرَّجُلُ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثاً قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا جَعَلُوهَا وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ أَبِي بَكْرٍ وَ صَدْراً مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ (5)، فَلَمَّا أَنْ (6) رَأَى النَّاسُ قَدْ تَتَابَعُوا عَلَيْهَا (7) قَالَ:
أَجِيزُوهُنَّ عَلَيْهِمْ (8).
وَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ (9): إِنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: هَاتِ مِنْ هَنَاتِكَ (10)، أَ لَمْ يَكُنْ طَلَاقُ الثَّلَاثِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَبِي بَكْرٍ وَاحِدَةً؟. فَقَالَ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ تَتَابَعَ (11) النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ
____________
(1) الحجرات: 12.
(2) جامع الأصول 7- 597- 598 حديث 5757.
(3) في المصدر: كان إذا ..
(4) في المصدر: بلى، و هو الظّاهر.
(5) من قوله: قال ابن عبّاس .. إلى قوله: إمارة عمر، لا توجد في (س).
(6) لا توجد: أن، في المصدر.
(7) في جامع الأصول: قد تتايعوا فيها. أقول: التّتايع: التّهافت في الشّرّ و اللّجاج و لا يكون إلّا في الشّرّ. جاء في الصّحاح 3- 1192، و قال ابن الأثير في النّهاية 1- 202: التّتايع: الوقوع في الشّرّ من غير فكر و لا رويّة، و مثله في القاموس 3- 10، و مجمع البحرين 4- 309.
(8) و جاء في سنن أبي داود 1- 344، و سنن البيهقيّ 7- 339، و تيسير الوصول 2- 162، و الدّرّ المنثور 1- 279، و رواه قبله الدّارقطنيّ في سننه: 444.
(9) صحيح مسلم 1- 574 كتاب الطّلاق باب طلاق الثّلاث حديث 1472.
(10) هنات: خصلات شرّ كما في الصّحاح 6- 2537، كأنّه أراد خصلات شرّ كانت عنده و لو لم تكن له و منه.
(11) في جامع الأصول: تتايع. أقول: إنّ هذا و الّتي مرّت روايته ضبطها بعضهم: تتابع، كما في المتن.
27
فَأَجَازَهُ عَلَيْهِمْ (1).
وَ فِي رِوَايَةٍ (2) عَنْهُ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَبِي بَكْرٍ وَ سَنَتَيْنِ مِنَ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمُ .. فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ (3).
وَ فِي أُخْرَى (4): أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَ تَعْلَمُ أَنَّمَا كَانَ الثَّلَاثُ تُجْعَلُ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ أَبِي بَكْرٍ وَ ثَلَاثاً مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ؟. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ (5).
و أخرج أبو داود (6) أيضا، و النسائي (7) هذه الرواية الأخيرة. انتهى كلام جامع الأصول (8).
و وجه البدعة في جعل الواحدة ثلاثا واضح، و سيأتي تفصيل أحكام تلك
____________
(1) و رواه البيهقيّ في سننه 7- 336، و أوردها الدّارقطنيّ في سننه: 443 أيضا.
(2) صحيح مسلم 1- 574.
(3) و جاء في مسند أحمد بن حنبل 1- 314، و سنن البيهقيّ 7- 336، و مستدرك الحاكم 2- 196، و تفسير القرطبيّ 3- 130، و إرشاد السّاريّ 8- 127، و الدّرّ المنثور 1- 279، و غيرها.
(4) صحيح مسلم 1- 574.
(5) و أورده الجصّاص في أحكام القرآن 1- 459، و البيهقيّ في سننه 7- 336، و السّيوطيّ في الدّرّ المنثور 1- 279، و الطّحاويّ في شرح معاني الآثار 2- 31، و الدّارقطنيّ في سننه: 444 و 445 بطرق عديدة، و الشّافعيّ في مسنده في كتاب الطّلاق: 112، و الهنديّ في كنز العمّال 5- 162 و 163.
(6) سنن أبي داود 1- 344 كتاب الطلاق باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث حديث 2999 و 2200.
(7) سنن النسائي 6- 145 كتاب الطلاق باب طلاق الثلاث المتفرّقة قبل الدخول بالزوجة.
(8) و انظر ما قاله النووي في شرح صحيح مسلم حول هذا الحديث، و ما قاله المنذري في مختصر سنن أبي داود 3- 124، و شيخنا الأميني- (رحمه اللّه)- بعد نقل الأخبار الواردة في هذا الموضوع ناقش مفصّلا في الغدير 6- 178- 183.
28
المسألة في كتاب الطلاق (1) إن شاء اللّه تعالى (2).
و منها: تحويل المقام عن موضعه
، كما ورد في كثير من أخبارنا، و قال ابن أبي الحديد (3): قال المؤرّخون: إنّ عمر أوّل من سنّ قيام شهر (4) رمضان في جماعة و كتب به إلى البلدان، و أوّل من ضرب (5) في الخمر ثمانين، و أحرق بيت رويشد الثقفي- و كان نبّاذا- و أوّل من عسّ في عمله بنفسه (6)، و أوّل من حمل الدّرّة و أدّب بها-، و قيل بعده: كان درّة عمر أهيب من سيف الحجّاج-. (7)
____________
(1) بحار الأنوار 104- 136- 160.
(2) بمناسبة المقام نتعرّض مجملا إلى جهل عمر بمسألة طلاق الأمة، فقد نقل الكنجي في الكفاية:
129، عن الحافظين الدار قطني و ابن عساكر: أنّ رجلين أتيا عمر بن الخطّاب و سألاه عن طلاق الأمة، فمشى حتّى أتى حلقة في المسجد فيها رجل أصلع، فقال: أيّها الأصلع! ما ترى في طلاق الأمة؟، فرفع رأسه إليه ثمّ أومى إليه بالسبابة و الوسطى، قال لهما عمر: تطليقتان. فقال أحدهما:
سبحان اللّه! جئناك و أنت أمير المؤمنين فمشيت معنا حتّى وقفت على هذا الرجل فسألته فرضيت منه أن أومى إليك؟. فقال لهما: تدريان من هذا؟. قالا: لا. قال: هذا عليّ بن أبي طالب، أشهد على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لسمعته- و هو يقول-: إنّ السماوات السبع و الأرضين السبع لو وضعا في كفّة ثمّ وضع إيمان عليّ في كفّة لرجح إيمان عليّ بن أبي طالب. قال: هذا حسن ثابت. و رواه الخوارزمي في المناقب: 78 من طريق الزمخشري، و نقله العلّامة الأميني في الغدير 2- 299 عن الدار قطني و الزمخشري، و عن السيّد علي الهمداني في كتابه مودّة القربى.
(3) شرح ابن أبي الحديد 12- 75 [3- 113- أربعة مجلدات].
(4) لا توجد: شهر، في المصدر.
(5) في المصدر: و أقام الحدّ، بدلا من: و أول من ضرب. و جاء كونه أولا في هذا الإقدام في محاضرات الأوائل: 111- طبع سنة 1300 [و في طبعة أخرى: 169]، و أوليات العسكريّ، و تاريخ ابن كثير 7- 132، و تاريخ الخلفاء للسيوطي: 93، و تاريخ القرماني- هامش الكامل 1- 203، و قال الحلبيّ في سيرته 2- 314: و الثمانون طريقة عمر ... لما رآه من كثرة شرب الناس للخمر!.
(6) جاءت في المصدر بدل هذه الجملة: و أقام في عمله بنفسه.
(7) هذه قولة مشهورة، و لها موارد كثيرة جدّا، و المضحك أنّهم يتبجّحون بها ناسين أو متناسين أنّ سيف الحجّاج ما قام إلّا ظلما و إجحافا، و درّة عمر أكثر منه .. و هي كلمة حقّ، إذ لو لا فتح باب المظالم و التعدّي من الأوائل لما أمكن الحجّاج و غيره أن يفعلوا ما فعلوا. و لنسرد لك جملة من الموارد لدرّة الخليفة، و قد سبق بعضها و سنرجع لها في خشونته و جلفيّته: منها: أنّ أحد المجاهدين المسلمين قال: إنّا لمّا فتحنا المدائن أصبنا كتابا فيه علم من علوم الفرس و كلام معجب، فدعا عمر بالدرّة فجعل يضربه بها .. إلى آخر القصّة التي أوردها المتّقي في كنز العمّال 1- 95، و ابن الجوزي في سيرة عمر: 107، و ابن أبي الحديد في شرحه للنهج 3- 122، و غيرهم.
و منها: ما أورده ابن الجوزية في سيرة عمر: 174 عن أبي عمرو الشيباني، قال: خبّر عمر بن الخطاب برجل يصوم الدهر، فجعل يضربه بمخفقته- أي درّته- و يقول: كل! يا دهر يا دهر.
و منها: أنّه ضرب رجلين بالدرّة لزيارتهما بيت المقدس، كما أورده في كنز العمّال 7- 157، مع ما هناك من نصوص متظافرة في أنّه لا تشدّ الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد، و منها بيت المقدس.
و منها: ضربه لعمّاله على البلاد بالدرّة، كما في قصّة والي البحرين أبي هريرة التي أوردها ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 3- 113، بل قد ضرب بالدرّة بغير موجب جمع من الأصحاب و الوجهاء كلّ ذلك تنفيسا لعقده، و بسطا لهيمنته و سلطانه، و إخافة لصحبته و من حوله، فها هو يضرب ولده عبد اللّه بلا موجب و سبب، كما في تاريخ الخلفاء للسيوطي: 96، و ضربه للجارود العامري- سيّد ربيعة- كما في سيرة عمر لابن الجوزي: 178، و شرح النهج لابن أبي الحديد 3- 112، و كنز العمّال 2- 167، و ضربه لمعاوية عليهما اللعنة و الهاوية، كما أورده ابن كثير في تاريخه 8- 125، و ابن حجر في الإصابة 3- 434، و ضربه بالجريدة للربيع بن زياد الحارثي، كما نصّ عليه في الطبقات 3- 280، و انظر جملة من قصصه هناك في صفحة: 2308 مع أبي موسى الأشعري.
و منها: ضربه لجمع لأكلهم اللحم! كما في سيرة عمر لابن الجوزي: 68، و كنز العمّال 3- 111، و الفتوحات الإسلامية 2- 424، و مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي 5- 35.
و منها: ضربه لجمع من نسائه و نساء المهاجرين و الأنصار لبكائهم على أمواتهم، و قد فصّلنا الحديث عنه، و هذه من بطولات الخليفة التي تحدّثت بها الركبان!!.
و منها: ضربه لجمع- كتميم الداري و السائب بن يزيد و غيرهما- لصلاتهما بعد العصر، كما سيأتي مصادرها.
و منها: سأل رجل عن قوله تعالى: « (وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا)»، فجهل الخليفة و أجابه الصحابة، فأقبل عليهم بالدرّة!!. مجمع الزوائد 5- 8.
و منها: ما ذكره ابن القيّم الجوزية في كتابه الطرق الحكمية: 45 من أمر الخليفة بضرب غلام خاصم أمّه- و هو على حقّ- و ردعه ما حكم به يعسوب الدين و إمام المتّقين (صلوات اللّه عليه) في الواقعة، و قد فصّلها العلّامة الأميني في غديره 6- 104- 105، فلاحظ.
و منها: ما عن عبد اللّه بن عمر، قال: كان عمر يأتي مجزرة الزبير بن العوام بالبقيع، و لم يكن بالمدينة مجزرة و غيرها، فيأتي معه بالدرّة، فإذا رأى رجلا اشترى لحما يومين متتابعين ضربه بالدرّة، و قال: أ لا ضويت بطنك يومين. انظر: سيرة عمر لابن الجوزي: 68، و كنز العمّال 3- 111، و الفتوحات الإسلامية 2- 424، و ما جاء في مجمع الزوائد 5- 35.
.
29
____________
و منها: استدعى عمر امرأة ليسألها عن أمر- و كانت حاملا- فلشدّة هيبته ألقت ما في بطنها فأجهضت به جنينا ميّتا، فاستفتى عمر أكابر الصحابة في ذلك، فقالوا: لا شيء عليك إنّما أنت مؤدّب. فقال له عليّ (عليه السلام): إن كانوا راقبوك فقد غشوك، و إن كان هذا جهد رأيهم فقد أخطئوا عليك غرّة- يعني عتق رقبة- فرجع عمر و الصحابة إلى قوله، كما أخرجه ابن الجوزي في سيرة عمر: 117، و أبو عمر في العلم، و السيوطي، كما في ترتيب جمع الجوامع 7- 300، و ذكره ابن أبي الحديد في شرح النهج 1- 58 [أربع مجلدات].
و منها: ما رواه جمع من الحفّاظ عن بعض الصحابة قال: رأيت عمر بن الخطّاب يضرب أكفّ الرجال في صوم رجب حتّى يضعونها في الطعام، كما أورده في كنز العمّال 4- 321، و مجمع الزوائد 3- 191 و غيرهما، و ناقشه شيخنا الأميني في غديره 6- 282- 290.
و منها: ما حكي عن الشهاب في كتابه شفاء العليل فيما في لغة العرب من الدخيل عن بعض حواشي الكشّاف: أنّ عمر ضرب كاتبا كتب بين يديه: بسم اللّه الرحمن الرحيم .. و لم يبيّن السين.
.. إلى غير ذلك من الموارد الآتية و السالفة و التي تركناها خوف الإطالة.
أقول: و بعد كلّ هذا و غيره فإنّ خشونة الرجل و فضاضته و جلفه أغضب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أكثر من مرّة، فقد ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد 8- 216 عن ابن عبّاس، قال: لمّا توفي ابن لصفيّة عمّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم، فبكت عليه و صاحت .. إلى أن قال:
فاستقبلها عمر بن الخطّاب، فقال: يا صفيّة! قد سمعت صراخك، إنّ قرابتك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم لن تغني عنك من اللّه شيئا!، فبكت، فسمعها رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم- و كان يكرمها و يحبّها-، فقال: يا عمّة! أ تبكين و قد قلت لك ما قلت؟!، قالت:
ليس ذاك أبكاني يا رسول اللّه، استقبلني عمر بن الخطّاب فقال: إنّ قرابتك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم لن تغني عنك من اللّه شيئا. قال: فغضب النبيّ صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم .. إلى أن قال: فصعد المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال: ما بال أقوام يزعمون أنّ قرابتي لا تنفع، كلّ سبب و نسب منقطع يوم القيامة إلّا سببي و نسبي، فإنّها موصولة في الدنيا و الآخرة ..
الحديث.
و أورده السيوطي في الدرّ المنثور 3- 451، ذيل قوله تعالى: « (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ» ...) قال: و أخرج ابن أبي حاتم عن عبيدة السلماني .. في قصّة عيينة بن حصن و الأقرع بن حابس، و كتابة أبي بكر لهما كتابا و تناول عمر له و تفله فيه و محوه إيّاه، و قولهم له مقالة سيّئة. و زاد في ذيله المتّقي الهندي في كنز العمّال 2- 189: .. فأقبلا إلى أبي بكر- و هما يتذمّران- فقالا: و اللّه ما ندري أنت الخليفة أم عمر. فقال: بل هو، و لو شاء كان. قال: أخرجه ابن أبي شيبة و البخاري في تاريخه و يعقوب بن سفيان و ابن عساكر، و ذكره العسقلاني أيضا في الإصابة 5- 56، و أورده أيضا في كنز العمّال 6- 335 باختلاف يسير.
و منها: قصّة الدرّة- التي هي أهيب من سيف الحجّاج، كما قالوا- خير شاهد على خشونته و قساوته، و قد مرّت قبلا. و هو يضرب تارة: بدرّته، و أخرى، بمخفقته، و ثالثة: بجريدته و ...
و ..
.
30
____________
و منها: ما أخرجه ابن ماجة في أبواب النكاح باب ضرب النساء، بسنده عن الأشعث بن قيس، قال: ضفت عمر، فلمّا كان في جوف الليل قام إلى امرأته يضربها، فحجزت بينهما، فلمّا أوى إلى فراشه قال لي: يا أشعث! احفظ عنّي شيئا سمعته من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا يسأل الرجل فيم يضرب امرأته ..! الحديث. و قد رواه أحمد بن حنبل في مسنده 1- 20 خاليا من حجز الأشعث بين الخليفة و زوجته.
أقول: هذه من تقوّلاته على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بلا شبهة، و لا شك بكونها تتنافى مع روح الإسلام، و ضرورة العقل و الفطرة، قال في السبعة من السلف: 110- 111: .. فالذي أحتمله قويّا- بل أجزم به- أنّه ضرب امرأته في تلك الليلة ظلما و عدوانا، و قد عرف ذلك منه الأشعث، فافترى هذا الحديث على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لكي لا يعترض عليه بما ارتكبه و يعاتبه على ما لا ينبغي صدوره من قبله.
أقول: هذا حديث لا يعرف إلّا منه، كقوله: إنّ الميّت يعذّب ببكاء الحيّ .. و غيرهما كلّها شاهد صدق على مدى ما بلغ الرجل من الشدّة و الخبث، و كم ضرب نساءه- و أبناءه كما مرّ و سيأتي كضربه لزوجته عاتكة بنت زيد حتّى نغض رأسها، كما جاء في الطبقات لابن سعد 3- 308.
و منها: ما ذكره الطبريّ في تاريخه 4- 206: في سنة 17 من الهجرة: اعتمر عمر بن الخطّاب و بنى المسجد الحرام و وسّع فيه، و أقام بمكّة عشرين ليلة، و هدم على أقوام من جيران المسجد أبوا أن يبيعوا ... و انظر: فتوح البلدان للبلاذري: 53، و سنن البيهقيّ 6- 168، و الكامل لابن الأثير 2- 227، و تذكرة الحفّاظ للذهبي 1- 7، و الدرّ المنثور 4- 159، و وفاء الوفاء 1- 341- 349، و غيرها.
أقول: ثم إنّه قد نهى الخليفة عن البكاء على الميّت و نهى عن نهيه صاحب الرسالة و ما انتهى، و بقيت عقدة ذلك إلى أن مات، حتى اضطرّ إلى أن جعل حديثا على لسان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من: أنّ الميّت ليعذّب ببكاء الحيّ، و قد ناقشة بما لا مزيد عليه شيخنا الأميني في غديره 6- 156- 167، و ...
و في أكثر من رواية و بألفاظ مختلفة و في زمن صاحب الرسالة نهى عن البكاء حيث إنّ نساء المهاجرين و الأنصار لمّا بكين عند موت زينب و رقيّة بنتي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) جعل عمر يضربهنّ بالسوط، و أخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يده و قال: مهلا يا عمر! دعهنّ يبكين ..، كما أوردها ابن حنبل في مسنده 1- 237 و 335، و 3- 333، و 4- 408، و مستدرك الحاكم 1- 381، و 3- 191، و مسند الطيالسي: 351، و الاستيعاب- ترجمة عثمان بن مظعون 2- 482، و مجمع الزوائد 3- 17، و السنن الكبرى 4- 70، و عمدة القاري 4- 87.
.
31
____________
و قال ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 1- 181 [1- 60- أربع مجلدات]: إنّ أوّل من ضرب عمر بالدرّة أمّ فروة بنت أبي قحافة، مات أبو بكر فناح النساء عليه و فيهنّ أخته أمّ فروة، فنهاهنّ عمر مرارا، و هنّ يعاودن، فأخرج أمّ فروة من بينهنّ و علاها بالدرّة .. أقول: هذا لعلّه أوّل مرّة بعد تولّيه الخلافة، و إلّا كم ضرب قبلها، و حسبنا السقيفة و عند دار فاطمة (سلام اللّه عليها)، و قصّته مع خالد في واقعة مالك بن نويرة و غيرهم، و أمّا بعدها فحدّث و لا حرج.
و لعلّ أوج قساوته و غاية حدّته حدّه لابنه بعد الحدّ! ثم قتله، و هو ما رواه البيهقيّ في السنن الكبرى 8- 312، و ابن عبد البرّ في العقد الفريد 3- 470، و الخطيب البغداديّ في تاريخه 5- 455، و ابن الجوزي في سيرة عمر: 170، و المحبّ الطبريّ في الرياض النضرة 2- 32، و القسطلاني في إرشاد الساري 9- 439، و أبو عمرو في الاستيعاب 2- 394، و ابن حجر في الإصابة 2- 394 و غيرهم، و حاصل القصّة أنّ عبد الرحمن بن عمر الأوسط و هو أبو شحمة، و هو الذي ضربه عمرو بن العاص بمصر في الخمر بأمر الخليفة، ثمّ حمله إلى المدينة على قتب و حدّه، و في بعض الروايات: فجعل عبد الرحمن يصيح: أنا مريض و أنت قاتلي، فضربه الحدّ ثانيا و حبسه، ثمّ مرض فمات .. و فيها موارد للدقّة و العجب، أعرضنا عن ذكرها فصّل بعضها شيخنا الأميني في غديره 6- 316- 319.
32
و أوّل (1) من قاسم العمّال و شاطرهم أموالهم، (2) و هو الذي هدم مسجد رسول اللّه
____________
(1) هنا قبل: و أوّل، سقط قريب نصف الصفحة جاء في المصدر.
(2) سقط سطر هنا، و هو: و كان يستعمل قوما و يدع أفضل منهم لبصرهم بالعمل، و قال: أكره أن أدنّس هؤلاء بالعمل! أقول: قد جاء ذكر سبق عمر في مقاسمة العمّال و مشاطرتهم أموالهم في غيره، و إليك جملة من المصادر: فتوح البلدان: 286، تاريخ الطبريّ 4- 56، العقد الفريد 1- 18- 21، معجم البلدان 2- 75، صبح الأعشى 6- 386، سيرة عمر لابن الجوزي: 44، تاريخ ابن كثير 7- 18 و 115، و 9- 113، السيرة الحلبيّة 3- 220، تاريخ الخلفاء للسيوطي: 96، الفتوحات الإسلامية 2- 480، و غيرها كثير ..
ثمّ إنّه قد سبق ضربه بالدرّة لواليه على البحرين أبي هريرة، و كذا ما صنعه مع سعد بن أبي وقّاص، و أبي موسى الأشعري و إليه على البصرة، و عمرو بن العاص و إليه على مصر، و خالد بن الوليد و إليه على الشام و غيرهم، و قد نصّ البلاذري على عشرين منهم، و هم يزيدون على ذلك، كما في كتب السير و التاريخ.
33
(صلّى اللّه عليه و آله) و زاد فيه، و أدخل دار العباس فيما زاد (1)، و هو الذي أخّر المقام إلى موضعه اليوم و كان ملصقا بالبيت .. إلى آخر ما ذكره.
و قد أشار إلى تحويل المقام صاحب الكشّاف (2)، قال: إنّ عمر سأل المطلب بن أبي وداعة: هل تدري أين كان موضعه الأول؟. قال: نعم، فأراه موضعه اليوم.
وَ رَوَى ثِقَةُ الْإِسْلَامِ فِي الْكَافِي (3)، بِإِسْنَادِهِ عَنْ زُرَارَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام): أَدْرَكْتَ (4) الْحُسَيْنَ (صلوات اللّه عليه)؟. قَالَ: نَعَمْ، أَذْكُرُ وَ أَنَا مَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَ قَدْ دَخَلَ فِيهِ السَّيْلُ وَ النَّاسُ يَقُومُونَ عَلَى الْمَقَامِ يَخْرُجُ الْخَارِجُ يَقُولُ: قَدْ ذَهَبَ بِهِ (5)، وَ يَخْرُجُ مِنْهُ الْخَارِجُ فَيَقُولُ: هُوَ مَكَانَهُ، قَالَ فَقَالَ لِي: يَا فُلَانُ! مَا صَنَعَ هَؤُلَاءِ؟. فَقُلْتُ لَهُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ! يَخَافُونَ أَنْ يَكُونَ السَّيْلُ قَدْ ذَهَبَ بِالْمَقَامِ. فَقَالَ: نَادِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَهُ عَلَماً لَمْ يَكُنْ لِيَذْهَبَ بِهِ فَاسْتَقِرُّوا، وَ كَانَ مَوْضِعُ الْمَقَامِ الَّذِي وَضَعَهُ إِبْرَاهِيمُ (عليه السلام) عِنْدَ جِدَارِ الْبَيْتِ، فَلَمْ يَزَلْ هُنَاكَ حَتَّى حَوَّلَهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ فِيهِ الْيَوْمَ، فَلَمَّا فَتَحَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) مَكَّةَ رَدَّهُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهُ إِبْرَاهِيمُ (عليه السلام)، فَلَمْ يَزَلْ
____________
(1) هنا أيضا سقط قدر سطرين جاء في المصدر.
(2) تفسير الكشّاف 1- 185، ذيل آية: 125 من سورة البقرة.
(3) الكافي 4- 223 حديث 2 كتاب الحجّ، باب في قوله تعالى: «فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ ..».
(4) في المصدر: قد أدركت.
(5) في الكافي زيادة: السّيل.
34
هُنَاكَ إِلَى أَنْ وَلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَسَأَلَ النَّاسَ: مَنْ مِنْكُمْ يَعْرِفُ الْمَكَانَ الَّذِي كَانَ فِيهِ الْمَقَامُ؟. فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا، قَدْ كُنْتُ أَخَذْتُ مِقْدَارَهُ بِنِسْعٍ (1) فَهُوَ عِنْدِي، فَقَالَ: تَأْتِينِي بِهِ، فَأَتَاهُ بِهِ فَقَاسَهُ ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ.
و منها: تغيير الجزية عن النصارى
، فقد رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ (عليه السلام) (2) أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ بَنِي تَغْلِبَ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ (3) أَنِفُوا وَ اسْتَنْكَفُوا مِنْ قَبُولِ الْجِزْيَةِ وَ سَأَلُوا عُمَرَ أَنْ يُعْفِيَهُمْ عَنِ الْجِزْيَةِ وَ يُؤَدُّوا الزَّكَاةَ مُضَاعَفاً، فَخَشِيَ أَنْ يَلْحَقُوا بِالرُّومِ، فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ صَرَفَ ذَلِكَ عَنْ رُءُوسِهِمْ وَ ضَاعَفَ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةَ فَرَضُوا بِذَلِكَ.
وَ قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَامَ نَصَارَى الْعَرَبِ عَلَى الْجِزْيَةِ، فَقَالُوا: نَحْنُ عَرَبٌ لَا نُؤَدِّي مَا يُؤَدِّي الْعَجَمُ، وَ لَكِنْ خُذْ مِنَّا كَمَا يَأْخُذُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ- يَعْنُونَ الصَّدَقَةَ-. فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
قَالُوا: فَزِدْ مَا شِئْتَ بِهَذَا الِاسْمِ لَا بِاسْمِ الْجِزْيَةِ، فَرَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ ضَعَّفَ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةَ (4). انتهى.
فهؤلاء ليسوا بأهل ذمّة لمنع الجزية، و قد جعل اللّه الجزية على أهل الذمّة
____________
(1) قال في النّهاية 5- 48: النّسعة- بالكسر-: سير مضفور يجعل زماما للبعير و غيره، و الجمع: نسع و نسع و أنساع، و جاء أيضا في مجمع البحرين 4- 397، و القاموس 3- 88، و قال الجوهريّ في الصّحاح 3- 1290: النّسع: الحبل.
(2) وسائل الشّيعة 16- 286 حديث 22 [مؤسّسة آل البيت (ع): 24- 58- 59] و فيه: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لا تأكل من ذبيحة المجوسيّ، قال و قال: لا تأكل ذبيحة نصارى تغلب فإنّهم مشركوا العرب. و انظر: التّهذيب 9- 65 حديث 275، و الاستبصار 4- 82 حديث 308.
و عن الرّضا (عليه السلام) أنّه قال: إنّ بني تغلب أنفوا من الجزية، و سألوا عمر أن يعفيهم، فخشي أن يلحقوا بالرّوم، فصالحهم على أن صرف ذلك عن رءوسهم، و ضاعف عليهم الصّدقة فعليهم ما صالحوا عليه و رضوا به إلى أن يظهر الحقّ. كما في كتاب من لا يحضره الفقيه 2- 29 باب 101 حديث 1611، و أورده الشّيخ الحرّ في وسائل الشّيعة 11- 116 باب 68 حديث 6.
(3) في (س): الغرب.
(4) شرح السّنّة للبغويّ: ....
35
ليكونوا أذلّاء صاغرين، و ليس في أحد من الزكاة صغار و ذلّ، فكان عليه أن يقاتلهم و يسبي ذراريهم لو أصرّوا على الاستنكاف و الاستكبار..
و منها
: ما روي أنّ عمر أطلق تزويج قريش في سائر العرب و العجم، و تزويج العرب في سائر العجم، و منع العرب من التزويج في قريش، و منع العجم من التزويج في العرب (1) فأنزل العرب مع قريش، و العجم مع العرب منزلة اليهود و النصارى، إذ أطلق تعالى للمسلمين التزويج في أهل الكتاب، و لم يطلق تزويج أهل الكتاب في المسلمين (2).
وَ قَدْ زَوَّجَ (3) رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مِنَ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيِّ- وَ كَانَ مَوْلًى لِبَنِي كِنْدَةَ- ثُمَّ قَالَ: أَ تَعْلَمُونَ لِمَ زَوَّجْتُ ضُبَاعَةَ بِنْتَ عَمِّي مِنَ الْمِقْدَادِ؟. قَالُوا: لَا. قَالَ: لِيَتَّضِعَ النِّكَاحُ فَيَنَالَهُ كُلُّ مُسْلِمٍ، وَ لِتَعْلَمُوا (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ) (4).
، فهذه سنّة،
- وَ قَدْ قَالَ رَسُولُ
____________
(1) انظر لمزيد من الاطّلاع: الإيضاح: 153- 158، و المسترشد للطبري: 142، و الاستغاثة في بدع الثلاثة: 53- 54، و كتاب سليم بن قيس: 102- 104، و الكافي 5- 318 حديث 59، و غيرها.
(2) لاحظ: وسائل الشيعة 14- 46 حديث 4، و الكافي 5- 318 حديث 59.
(3) قد ذكر قصّة تزويج ضباعة في الكافي 5- 344 حديث 1، و التّهذيب 7- 395 حديث 1582، و انظر: وسائل الشّيعة 14- 45- 47 باب 26- أنّه يجوز لغير الهاشميّ تزويج الهاشميّة و الأعجميّ و العربيّ القرشيّة و القرشيّ الهاشميّة و غير ذلك، و مستدرك الوسائل 14- 183- 186.
(4) الحجرات: 13. و قد أظهر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ملاك التفوّق في موارد متعدّدة، فمنها:
قوله (صلّى اللّه عليه و آله) في خطبته في الحجّ الأكبر: أيّها الناس! إنّ ربّكم واحد و إنّ أباكم واحد، كلّكم لآدم و آدم من تراب، أكرمكم عند اللّه أتقاكم، و ليس لعربيّ على عجميّ فضل إلّا بالتقوى، ألا هل بلّغت؟ اللّهمّ اشهد. قالوا: نعم. قال: فليبلّغ الشاهد الغائب. و قد جاء في البيان و التبيين 2- 25، و العقد الفريد 2- 85، و تاريخ اليعقوبي 2- 91، و قريب منه في مجمع الزوائد 3- 266، و غيره.
36
اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي (1).
- وَ قِيلَ (2) لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): أَ تَزَوَّجُ (3) الْمَوَالِي بِالْعَرَبِيَّاتِ؟!. فَقَالَ:
تَتَكَافَأُ دِمَاؤُكُمْ وَ لَا تَتَكَافَأُ فُرُوجُكُمْ؟!.
و قال سبحانه: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (4)، و قال: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ) (5).
و منها: المسح على الخفّين
، كما رواه الشَّيْخُ فِي التَّهْذِيبِ (6)، بِإِسْنَادِهِ عَنْ رَقَبَةَ (7) بْنِ مَصْقَلَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، فَسَأَلْتُهُ عَنْ أَشْيَاءَ، فَقَالَ: إِنِّي أَرَاكَ مِمَّنْ يُفْتِي فِي مَسْجِدِ الْعِرَاقِ؟. فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَقَالَ لِي: مَنْ أَنْتَ؟. فَقُلْتُ: ابْنُ عَمٍّ لِصَعْصَعَةَ. فَقَالَ: مَرْحَباً بِكَ يَا ابْنَ عَمِّ صَعْصَعَةَ. فَقُلْتُ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟. فَقَالَ: كَانَ عُمَرُ يَرَاهُ ثَلَاثاً لِلْمُسَافِرِ وَ يَوْماً وَ لَيْلَةً لِلْمُقِيمِ، وَ كَانَ أَبِي لَا يَرَاهُ فِي سَفَرٍ وَ لَا حَضَرٍ، فَلَمَّا خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ فَقُمْتُ عَلَى عَتَبَةِ الْبَابِ، فَقَالَ لِي: أَقْبِلْ يَا ابْنَ عَمِّ صَعْصَعَةَ، فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَ
____________
(1) هذا من ضروريّات مذهب الخاصّة، و أورده جملة من الحفّاظ من العامّة كالبخاريّ في صحيحه 7- 2 كتاب النّكاح باب التّرغيب في النّكاح حديث 1، و مسلم في صحيحه كتاب النّكاح باب 5، و النّسائيّ في صحيحه كتاب النّكاح باب 4، و الدّارميّ في سننه كتاب النّكاح باب 3، و أحمد بن حنبل في مسنده 2- 158 و 3- 246 و 259 و 285، 5- 409 و غيرها.
(2) كما جاء في مستدرك الوسائل 14- 186. و قريب منه ما في الكافي 5- 345 حديث 5، و التّهذيب 7- 395 حديث 1583.
(3) في (ك) نسخة بدل: أ يجوز تزويج.
(4) الحجرات: 10.
(5) الحجرات: 13.
(6) التّهذيب 1- 361 في صفة الوضوء و الفرض منه حديث 1089.
(7) و في بعض النّسخ: رقيد، و في (س): لرقية، و لعلّه: رفيد بن مصقلة العبديّ الكوفيّ، و هو عامّيّ، و كان مفتي العامّة في العراق، و عدّه الشّيخ الطّوسيّ (رحمه اللّه) في رجاله من أصحاب الباقر (عليه السلام)، و لم يستبعد الوحيد، كما في معجم رجال الحديث 7- 201 اتّحاده مع: رقبة، و كون كليهما واحدا، و لم أجد لرقيد اسما في الرّجال، فلاحظ.
37
الْقَوْمَ كَانُوا يَقُولُونَ بِرَأْيِهِمْ فَيُخْطِئُونَ وَ يُصِيبُونَ، وَ كَانَ أَبِي لَا يَقُولُ بِرَأْيِهِ (1).
وَ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ:
جَمَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَصْحَابَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ فِيهِمْ عَلِيٌّ (عليه السلام)، وَ قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟. فَقَامَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ. فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): قَبْلَ (الْمَائِدَةِ) أَوْ بَعْدَهَا؟. فَقَالَ: لَا أَدْرِي. فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): سَبَقَ الْكِتَابُ الْخُفَّيْنِ، إِنَّمَا أُنْزِلَتِ الْمَائِدَةُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِشَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ (2).
أقول:: لعلّ الترديد من الراوي، أو لكون ذلك ممّا اختلفوا فيه، فتردّد (عليه السلام) إلزاما على الفريقين.
و مخالفة هذه الرأي للقرآن واضح، فإنّ الخفّ ليس بالرجل الذي أمر اللّه بمسحه، كما أنّ (الكمّ) ليس باليد، و النقاب ليس بالوجه، و لو غسلهما أحد لم يكن آتيا بالمأمور به، كما أشار (عليه السلام) إليه بقوله: سبق الكتاب الخفّين.
و قد ورد المنع من المسح على الخفّين في كثير من أخبارهم.،
فَعَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَّهُ قَالَ: أَشَدُّ النَّاسِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ رَأَى وُضُوءَهُ عَلَى جِلْدِ غَيْرِهِ (3).
____________
(1) التّهذيب 1- 361 حديث 1091. و انظر: جامع أحاديث الشّيعة 2- 319 باب 26 حديث 2188- 2228 عن جملة مصادر، فراجعها.
(2) و قد نصّت على ذلك روايات العامّة و أنّ المسح على الخفّ كان قبل نزول المائدة، ما جاء عن جرير بن عبد اللّه، على ما رواه البخاريّ في صحيحه 1- 415 في كتاب الصّلاة في الثّياب باب الصّلاة في الخفّ، و النّسائيّ في سننه 1- 81 كتاب الطّهارة باب المسح على الخفّين، و ذكره ابن الأثير في جامع الأصول 7- 238 ذيل حديث 5274 عن جملة مصادر.
انظر: الدّرّ المنثور 2- 464- 465 عند قوله تعالى: « (وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ ..)»، و قد نقل عن ابن عبّاس أنّه قال: أبى النّاس إلّا الغسل، و لا أجد في كتاب اللّه إلّا المسح، و عن أنس و الشّعبيّ: أنّ القرآن نزل بالمسح. و لاحظ تفاسير العامّة حول هذه الآية.
(3) من لا يحضره الفقيه 1- 30 حديث 96.
38
وَ رُوِيَ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: لَأَنْ أَمْسَحَ عَلَى ظَهْرِ عَيْرٍ (1) بِالْفَلَاةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمْسَحَ عَلَى خُفِّي (2).
وَ عَنْهَا، قَالَتْ: لَأَنْ يُقْطَعَ رِجْلَايَ بِالْمَوَاسِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ (3).
وَ رَوَوْا الْمَنْعُ مِنْهُ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) (4) وَ ابْنِ عَبَّاسٍ (5) وَ غَيْرِهِمَا، و سيأتي (6) بعض القول فيه في محلّه.
و منها: نقص (7) تكبير من الصلاة على الجنائز و جعلها أربعا
، قَالَ: ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ الْمُحَلَّى (8): وَ احْتَجَّ مَنْ مَنَعَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ بِخَبَرٍ رَوَيْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: جَمَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ فَاسْتَشَارَهُمْ فِي التَّكْبِيرِ عَلَى الْجِنَازَةِ، فَقَالُوا: كَبَّرَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) سَبْعاً وَ خَمْساً وَ أَرْبَعاً، فَجَمَعَهُمْ عُمَرُ عَلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ (9).
____________
(1) في (س): غير. و لا معنى له، و العير: الحمار، و غلب على الوحشيّ، كما في القاموس 2- 98، و في الصّحاح 2- 762 قال: الحمار الوحشيّ، و الأهليّ أيضا.
(2) من لا يحضره الفقيه 1- 30 حديث 97.
(3) كما في المصنّف لعبد الرّزّاق 1- 221 حديث 860، و انظر: التّفسير الكبير 11- 163، بتفاوت يسير. و جاء في المصنّف لابن أبي شيبة 1- 185 عن عائشة أنّها قالت: لأن أخرجهما بالسّكاكين أحبّ إليّ من أن أمسح عليهما، و نحوه في صفحة: 186 من ذلك المجلّد.
(4) فقد روي عنه (سلام اللّه عليه) أنّه قال: نسخ الكتاب المسح على الخفّين، كما جاء في سنن البيهقيّ 1- 272، و تفسير ابن كثير 2- 30، و جاء في التّهذيب 1- 361 حديث 1091.
(5) فقد جاء عن ابن عبّاس قوله: سبق كتاب اللّه المسح على الخفّين، كما أورده المحقّق في المعتبر:
38، و نحوه في مسند أحمد بن حنبل 1- 323، و الجعفريّات: 24، و تفسير العيّاشيّ 1- 202.
(6) بحار الأنوار 80- 300- 328.
(7) في (س): نقض.
(8) المحلّى 5- 124- المكتب التّجاريّ بيروت-.
(9) و قريب منه ما في سنن البيهقيّ 4- 37، و فتح الباري 3- 157، و إرشاد السّاري 2- 417، و عمدة القاري 4- 129. و ذكر جمع: أنّ عمر أوّل من جمع النّاس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات، كما قاله العسكريّ في الأوائل، و السّيوطيّ في تاريخ الخلفاء: 93، و القرماني في تاريخه 1- 203- هامش الكامل و غيرهم.
39
و هو خلاف ما فعله رسول اللّه ص .،
كما رواه مُسْلِمٌ فِي (1) صَحِيحِهِ (2)، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى (3)، قَالَ: كَانَ زَيْدٌ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعاً، وَ إِنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جِنَازَةٍ خَمْساً، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يُكَبِّرُهَا.
وَ رَوَاهُ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (4)، عَنْ مُسْلِمٍ وَ النَّسَائِيِ (5) وَ أَبِي دَاوُدَ (6) وَ التِّرْمِذِيِ (7)، وَ قَالَ (8): وَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَكَبَّرَ عَلَيْهَا خَمْساً وَ قَالَ: كَبَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله).
وَ رَوَى ابْنُ شِيرَوَيْهِ فِي الْفِرْدَوْسِ (9) أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْمَيِّتِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ (10).
فالروايات- كما ترى- صريحة في أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يكبّر خمس تكبيرات، و ظاهر (كان) الدوام، و لو سلّم أنّه قد كان يكبّر أربعا فلا ريب
____________
(1) لا توجد في (س): في.
(2) صحيح مسلم كتاب الجنائز باب الصّلاة على القبر حديث 957.
(3) جاء في (س): أبي عبد الرّحمن أبي ليلى. و هو غلط.
(4) جامع الأصول 6- 216 حديث 4304.
(5) سنن النّسائيّ 4- 72.
(6) سنن أبي داود كتاب الجنائز باب التّكبير على الجنائز حديث 3197.
(7) صحيح التّرمذيّ كتاب الجنائز باب ما جاء في التّكبير على الجنازة حديث 1023.
(8) ابن الأثير في جامع الأصول 6- 216.
(9) الفردوس، و لم نجد الرّواية فيه.
(10) و قريب منه ما أورده أحمد بن حنبل في مسنده 4- 368 و 370، و ابن حجر في الإصابة 2- 22، و الطّحاويّ في عمدة القاري 4- 129، و البيهقيّ في السّنن الكبرى 4- 36، و ابن ماجة في سننه 1- 458 و غيرهم، و ما ذكره ابن القيّم الجوزيّة في زاد المعاد 1- 145، و ما في هامش شرح المواهب للزرقاني 2- 70 حريّ بالملاحظة.
40
في جواز الخمس، فالمنع من الزيادة على الأربع من أسوإ البدع.
و منها:
مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ (1) وَ حَكَاهُ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (2)، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: أَبَى عُمَرُ أَنْ يُوَرِّثَ أَحَداً (3) مِنَ الْأَعَاجِمِ إِلَّا أَحَداً وُلِدَ فِي الْعَرَبِ.
قَالَ: وَ زَادَ رَزِينٌ (4) وَ (5) امْرَأَةٌ جَاءَتْ حَامِلًا فَوَلَدَتْ فِي الْعَرَبِ فَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ مَاتَتْ وَ تَرِثُهُ إِنْ مَاتَ مِيرَاثَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ. انتهى.
و مضادة هذا المنع للآيات و الأخبار، بل مخالفته لما علم ضرورة من دين الإسلام (6) من ثبوت التوارث بين المسلمين ممّا لا يريب فيه أحد.
و منها: القول بالعول و التعصيب في الميراث
كما سيأتي، و روت الخاصّة و العامّة ذلك بأسانيد جمّة يأتي (7) بعضها، و لنورد هنا خبرا واحدا
- رواه الشَّهِيدُ الثَّانِي (رحمه اللّه) (8) وَ غَيْرُهُ (9): عَنْ أَبِي طَالِبٍ الْأَنْبَارِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَافِظِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُصَيْنِ (10)، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
____________
(1) الموطّأ لمالك- إمام المالكيّة- 2- 12 [2- 520] كتاب الفرائض، باب ميراث أهل الملل.
(2) جامع الأصول 9- 603- 604 حديث 7380.
(3) في (ك) و نسخة بدل في (س): أحد- بالرّفع-.
(4) في (س): زرين، و هو غلط.
(5) في جامع الأصول: أو.
(6) أورده أبو داود في سننه 2- 332: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ليس منّا من دعا إلى عصبيّة، و ليس منّا من قاتل على العصبيّة، و ليس منّا من مات على عصبيّة .. و كم له من نظائر.
(7) بحار الأنوار 104- 331، و فيه: عن ابن عبّاس: أنّ أوّل من أعال الفرائض عمر.
(8) المسالك 2- 323، و أورده في الرّوضة البهيّة في شرح اللّمعة الدّمشقيّة 8- 89- 92 باختلاف في المتن و حذف للإسناد.
(9) جاء في الكافي 7- 79- 80 حديث 2، و من لا يحضره الفقيه 4- 187، و كنز العمّال 11- 19 20 حديث 121 باختلاف يسير، و كذا في أحكام القرآن للجصّاص 2- 109، و مستدرك الحاكم 4- 340، و السّنن الكبرى 6- 253 و غيرها.
(10) لا توجد: بن الحصين، في المصدر.
41
أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى (1) ابْنِ عَبَّاسٍ، فَجَرَى ذِكْرُ الْفَرَائِضِ وَ الْمَوَارِيثِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ! أَ تَرَوْنَ (2) الَّذِي أَحْصَى رَمْلَ عَالِجٍ (3) عَدَداً جَعَلَ فِي مَالٍ نِصْفَيْنِ (4) وَ ثُلُثاً وَ رُبُعاً- أَوْ قَالَ: نِصْفاً وَ نِصْفاً وَ ثُلُثاً- وَ هَذَانِ النِّصْفَانِ قَدْ ذَهَبَا بِالْمَالِ، فَأَيْنَ مَوْضِعُ الثُّلُثِ؟! فَقَالَ لَهُ زُفَرُ بْنُ أَوْسٍ الْبَصْرِيُّ: يَا أَبَا الْعَبَّاسِ! فَمَنْ أَوَّلُ مَنْ أَعَالَ الْفَرَائِضَ؟. فَقَالَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (5)، لَمَّا الْتَفَّتْ عِنْدَهُ الْفَرَائِضُ وَ دَفَعَ (6) بَعْضُهَا بَعْضاً، فَقَالَ: وَ اللَّهِ مَا أَدْرِي أَيَّكُمْ قَدَّمَ اللَّهُ وَ أَيَّكُمْ أَخَّرَ، وَ مَا أَجِدُ شَيْئاً هُوَ أَوْسَعُ إِلَّا أَنْ أَقْسِمَ عَلَيْكُمْ هَذَا الْمَالَ بِالْحِصَصِ، وَ أَدْخَلَ عَلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ مِنْ عَوْلِ الْفَرِيضَةِ، وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ قَدَّمَ مَنْ قَدَّمَ اللَّهُ وَ أَخَّرَ مَنْ أَخَّرَ اللَّهُ مَا عَالَتْ فَرِيضَةٌ (7) فَقَالَ لَهُ زُفَرُ بْنُ أَوْسٍ: فَأَيَّهَا قَدَّمَ وَ أَيَّهَا أَخَّرَ؟. فَقَالَ: كُلُّ فَرِيضَةٍ (8). لَمْ يُهْبِطْهَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَنْ فَرِيضَةٍ إِلَّا إِلَى فَرِيضَةٍ، فَهَذَا مَا قَدَّمَ اللَّهُ. وَ أَمَّا مَا أَخَّرَ
____________
(1) في المسالك: إلى، بدل: على.
(2) في المصدر: أ يرون.
(3) رمل عاجل: هو ما تراكم من الرّمل و دخل بعضه في بعض، و نقل أنّ رمل عالج جبال متواصلة يتّصل أعلاها بالدّهناء، و الدّهناء بقرب يمامة، و أسفلها بنجد، و في كلام البعض: رمل عالج محيط بأكثر أرض العرب. قاله الطّريحيّ في مجمعه 2- 318. و هناك ثمّة أقوال أخر تجدها في معجم البلدان 4- 69- 70، و مراصد الاطّلاع 2- 911.
(4) في المسالك: نصف [نصفا.
(5) قد نصّ على ذلك السّيوطيّ في أوائله و تاريخه: 93، و الجصّاص في أحكام القرآن 2- 109، و الحاكم في المستدرك 4- 340، و البيهقيّ في السّنن الكبرى 6- 253، و المتّقي الهنديّ في كنز العمّال 6- 7، و السكتواري في محاضرات الأوائل: 152 .. و غيرهم و يعدّ أوّل من أعال الفرائض لمّا التوت عليه و دافع بعضها بعضا.
(6) في (ك): رفع.
(7) في المصدر: الفريضة- بالألف و اللّام-.
(8) في (ك) هنا زيادة: فرضها اللّه.
42
فَكُلُّ فَرِيضَةٍ إِذَا زَالَتْ عَنْ فَرْضِهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا إِلَّا مَا بَقِيَ، فَتِلْكَ الَّتِي أَخَّرَ، وَ أَمَّا (1) الَّذِي قَدَّمَ، فَالزَّوْجُ لَهُ النِّصْفُ فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ مَا يُزِيلُهُ عَنْهُ رَجَعَ إِلَى الرُّبُعِ لَا يُزِيلُهُ عَنْهُ شَيْءٌ، وَ الزَّوْجَةُ لَهَا الرُّبُعُ فَإِذَا زَالَتْ عَنْهُ صَارَتْ إِلَى الثُّمُنِ لَا يُزِيلُهَا عَنْهُ شَيْءٌ، وَ الْأُمُّ لَهَا الثُّلُثُ فَإِذَا زَالَتْ عَنْهُ صَارَتْ إِلَى السُّدُسِ لَا يُزِيلُهَا عَنْهُ شَيْءٌ، فَهَذِهِ الْفَرَائِضُ الَّتِي قَدَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ، وَ أَمَّا الَّتِي أَخَّرَ، فَفَرِيضَةُ الْبَنَاتِ وَ الْأَخَوَاتِ لَهُنَّ النِّصْفُ وَ الثُّلُثَانِ، فَإِذَا أَزَالَتْهُنَّ الْفَرَائِضُ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ إِلَّا مَا بَقِيَ، فَتِلْكَ الَّتِي أَخَّرَ، فَإِذَا اجْتَمَعَ مَا قَدَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَ مَا أَخَّرَ (2)، بُدِئَ بِمَا قَدَّمَ اللَّهُ فَأُعْطِيَ حَقَّهُ كَامِلًا، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ كَانَ لِمَنْ أَخَّرَ (3)، وَ إِنْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ زُفَرُ بْنُ أَوْسٍ: فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تُشِيرَ بِهَذَا الرَّأْيِ عَلَى عُمَرَ؟. فَقَالَ: هِبْتُهُ (4)، وَ اللَّهِ وَ كَانَ امْرَأً مَهِيباً، قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَ اللَّهِ لَوْ لَا أَنْ تَقَدَّمَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِمَامَ عَدْلٍ كَانَ أَمْرُهُ عَلَى الْوَرَعِ أَمْضَى أَمْراً وَ حَكَمَ بِهِ وَ أَمْضَاهُ لَمَا اخْتَلَفَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ اثْنَانِ (5)
.
____________
(1) في (س): فأمّا. و في الرّوضة: فأمّا الّتي.
(2) في المصدر: و ما اللّه أخّر، بدلا من: اللّه تعالى و ما أخّر.
(3) زيادة: اللّه، بعد: أخّر، جاءت في المصدر.
(4) إلى هنا جاء في المصادر السّالفة باختلاف في اللّفظ.
(5) نذيل هذا المقام بذكر قضيّتين:
الأولى: ما رواها الحاكم في المستدرك 4- 339، بسنده عن معمّر عن الزّهريّ عن ابن سلمة، قال: جاء إلى ابن عبّاس رجل، فقال: رجل توفّي و ترك بنته و أخته لأبيه و أمّه؟. فقال: لابنته النّصف و ليس لأخته شيء. قال الرّجل: فإنّ عمر قضى بغير ذلك، جعل للابنة و للأخت النّصف. قال ابن عبّاس: أنتم أعلم أم اللّه؟!. فلم أدر ما وجه هذا حتّى لقيت ابن طاوس، فذكرت له حديث الزّهريّ، فقال: أخبرني أبي أنّه سمع ابن عبّاس يقول: قال اللّه عزّ و جلّ: ( «إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ» ..) قال ابن عبّاس: فقلتم أنتم لها النّصف و إن كان له ولد. قال: هذا حديث صحيح على شرط الشّيخين. و قد جاء أيضا فيه 2- 310 باختلاف يسير في اللّفظ، و قد رواه البيهقيّ في سننه 6- 233 أيضا. و قال السّيّد الفيروزآباديّ في السّبعة من السّلف: 92: إنّ هذا الإفتاء من عمر كان على وجه الجهل بالآية الكريمة، و إلّا فبعيد منه أنّه مع العلم بها يفتي بخلاف ما أنزل اللّه، و اللّه أعلم. و لعلّ مراده (رحمه اللّه) أن يجهر بالمخالفة، و هذا غريب منه مع صراحة آية المتعة و التّيمّم و غيرهما. الثّانية: أخرج البيهقيّ في سننه 6- 255 بعدّة طرق، و الدّارميّ في سننه 1- 154، و أبو عمر في العلم: 139، و آخرين، عن مسعود الثّقفيّ، قال: شهدت عمر بن الخطّاب أشرك الإخوة من الأب و الأمّ مع إخوة من الأمّ في الثّلث، فقال له رجل: قضيت في هذا عام أوّل بغير هذا. قال:
كيف قضيت؟. قال: جعلته للإخوة من الأمّ و لم تجعل للإخوة من الأب و الأمّ شيئا. قال: تلك على ما قضينا، و هذا على ما قضينا!.
و في لفظ: تلك على ما قضينا يومئذ و هذه على ما قضينا اليوم!.
أقول: كيف يسوغ لمثل الخليفة أن يجهل أحكام الدّين و هو القائل: ليس أبغض إلى اللّه و لا أعمّ ضرّا من جهل إمام و خرقه، كما نقله عنه ابن الجوزيّ في سيرة عمر: 100، 102، 161.
و كيف يشتغل بمنصب الإمارة قبل أن يتفقّه في دين اللّه، و هو القائل: تفقّهوا قبل أن تسودوا، ذكره البخاريّ في صحيحه في باب الاغتباط في العلم 1- 38.
43
و منها: التثويب
، و هو قول: الصلاة خير من النوم، في الأذان.
فقد (1) رَوَى فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (2) مِمَّا رَوَاهُ عَنِ الْمُوَطَّإِ (3)، قَالَ (4) عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ الْمُؤَذِّنُ جَاءَ عُمَرَ يُؤْذِنُهُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَوَجَدَهُ نَائِماً، فَقَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَجْعَلَهُمَا فِي الصُّبْحِ.
و يظهر منها أنّ ما
- رووه أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أمر بالتثويب.
من مفترياتهم، و يؤيّده أنّ رواياتهم (5) في الأذان خالية عن التثويب (6).
____________
(1) لا توجد: فقد، في (س).
(2) جامع الأصول 5- 286 حديث 3360.
(3) موطّأ مالك 1- 72 كتاب الصّلاة باب ما جاء في النّداء للصّلاة.
(4) خط على كلمة: قال، في (ك)، و جاءت زيادة: أنّ، بعد لفظة: بلغه، في الجامع.
(5) انظر مثالا إلى: سنن أبي داود كتاب الصلاة باب كيفيّة الأذان حديث 499 و باب بدء الأذان حديث 500- 507، و سنن الترمذي كتاب الصلاة باب ما جاء في بدء الأذان حديث 189، و باب ما جاء أنّ الإقامة مثنى مثنى حديث 194، و باب ما جاء في الترجيع بالصلاة في الأذان حديث 191، و مسند أحمد بن حنبل 5- 246، و صحيح مسلم كتاب الصلاة باب صفة الأذان حديث 379، و سنن النسائي 2- 4 في الأذان.
(6) أخرج الطبريّ في المستبين، و القوشجي في شرح التجريد: 879 في بحث الإمامة، و البياض في الصراط المستقيم و غيرهم، عن عمر، أنّه قال: ثلاث كنّ على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أنا محرّمهنّ و معاقب عليهنّ: متعة الحجّ، و متعة النساء، و حيّ على خير العمل في الأذان. و هذا تصرّفه الآخر في الأذان. قال الأميني- (رحمه اللّه)- في الغدير 6- 110: كان أحكام القضايا تدور مدار ما صدر عن رأي الخليفة سواء أصاب الشريعة أم أخطأ، و كان الخليفة له أن يحكم بما شاء و أراد و ليس هناك حكم يتّبع و قانون مطرد في الإسلام، و لعلّ هذا أفظع من التصويب المدحوض بالبرهنة القاطعة.
و من محدثات الخليفة: أن جعل معرفة البلوغ بالقياس بالأشبار، فإن وجد ستة أشبار فهو بالغ و إلّا فلا!!، كما أورده البيهقيّ في السنن الكبرى 5- 54 و 59، و أخرجه ابن أبي شيبة و عبد الرزاق و مسدّد و ابن المنذر في الأوسط، كما في كنز العمّال 3- 116.
و أمّا تلاعبه بالحدود تقليلا و زيادة فلو راجعت المسانيد و السنن لوجدت منها العجب العجاب.
و كفاك منها شاهدا ما أورده في كنز العمّال 3- 196 و ما بعدها عن جملة مصادر.
44
الخامس عشر:
أنّه كان يعطي من بيت المال ما لا يجوز، فأعطى عائشة و حفصة عشرة آلاف درهم في كلّ سنة (1)، و حرم أهل البيت (عليهم السلام) خمسهم الذي جعله اللّه لهم (2)، و كان عليه ثمانون ألف درهم من بيت المال يوم مات على سبيل القرض (3)، و لم يجز شيء من ذلك، أمّا الأول فلأنّ الفيء و الغنائم و نحو ذلك
____________
(1) قد اتّفق المؤرّخون أنّ عمر مفرّق لا يقسم بالسويّة- و إن اختلفوا في كميّة و كيفيّة تفرقته في العطاء- راجع تفصيل ذلك في: أخبار عمر للطنطاوي: 122، فتوح البلدان للبلاذري: 435، و الفخري للطقطقي: 60، و طبقات ابن سعد 3- 223، و الخراج لأبي يوسف: 51، و الكامل لابن الأثير 2- 247، و شرح النهج لابن أبي الحديد المعتزلي 12- 214 [3- 153 طبعة مصر أربع مجلدات]. و انظر أيضا: تاريخ الطبريّ 3- 614، و الأحكام السلطانيّة: 177، و الأموال لأبي عبيدة: 226 و غيرها.
(2) كما جاء في تفسير الكشّاف عند تفسير آية الخمس، و تفسير النسفيّ 2- 616، و تفسير المنار 1- 15، و أخبار عمر للطنطاوي: 105، و شرح النهج لابن أبي الحديد 12- 214 [3- 153].
و انظر: كتاب الأموال لأبي عبيد حديث 40 و 842، و سيذكر المصنّف- (رحمه اللّه)- مصادر أخرى في المتن، فانتظر.
(3) قد نقل ابن أبي الحديد في شرحه 4- 528 قول عمر لابنه: يا عبد اللّه بن عمر! انظر ما عليّ من الدين؟. فحسبوه فوجدوه ستة و ثمانين ألف درهم (أو نحوه).
و بنفس هذا المضمون رواه المتّقي في كنز العمّال 6- 362 في وفاة عمر. و أورد أصل الاقتراض الطبريّ في تاريخه 5- 22، و ابن الأثير في الكامل 3- 29، و غيرهما كثير.
45
ليست من الأموال المباحة التي يجوز لكلّ أحد التصرّف (1) فيها كيف شاء، بل هي من حقوق المسلمين يجب صرفه إليهم على الوجه الذي دلّت عليه الشريعة المقدّسة، فالتصرف فيها محظور إلّا على الوجه الذي قام عليه دليل شرعيّ، و تفضيل طائفة في القسمة و إعطاؤها أكثر ممّا جرت السنّة عليه لا يمكن إلّا بمنع من استحقّ بالشرع حقّه، و هو غصب لمال الغير و صرف له في غير أهله، و قد جرت السنّة النبويّة بالاتّفاق على القسم بالتسوية.
و أوّل من فضّل قوما في العطاء هو عمر بن الخطاب كما اعترف به ابن أبي الحديد (2) و غيره (3) من علمائهم.
قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (4): رَوَى أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْزِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: اسْتَشَارَ عُمَرُ الصَّحَابَةَ بِمَنْ يَبْدَأُ فِي الْقَسْمِ وَ الْفَرِيضَةِ؟، فَقَالُوا: ابْدَأْ بِنَفْسِكَ. فَقَالَ: بَلْ أَبْدَأُ بِآلِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ ذَوِي قَرَابَتِهِ، فَبَدَأَ بِالْعَبَّاسِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَ قَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ
____________
(1) في (ك): التصريف.
(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 12- 213.
(3) كابن سعد في الطبقات الكبرى 3- 282 و غيره، و ذكر أبو هلال العسكريّ في كتابه الأوائل:
114: أنّ عمر جعل لعائشة اثني عشر ألفا في كلّ سنة، و كتب أزواج النبيّ في عشرة آلاف لكلّ واحدة، و كتب بعد أزواج النبيّ عليّا (عليه السلام) في خمسة آلاف و [من] شهد بدرا من بني هاشم، و كتب عثمان في خمسة آلاف، و من شهد بدرا من موالي بني أميّة على سواء، ثمّ قال بمن نبدأ؟.
قالوا: بنفسك!. قال: بل نبدأ بآل أبي بكر، فكتب طلحة في خمسة آلاف، و بلالا في مثلها، ثم كتب لنفسه و من شهد بدرا من بطون قريش خمسة آلاف .. خمسة آلاف، ثمّ كتب الأنصار في أربعة آلاف. فقالوا: قصرت بنا على إخواننا؟!. قال: أجعل الذين قال اللّه لهم: ( «لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً»)- مثل من أتته الهجرة في داره؟!. قالوا: رضينا. ثم كتب لمن شهد فتح مكّة في ألفين .. إلى آخره.
(4) في شرحه على النّهج 12- 214- 215 بتصرف.
46
لَمْ يَفْرِضْ لِأَحَدٍ أَكْثَرَ مِمَّا فُرِضَ لَهُ، رُوِيَ أَنَّهُ فَرَضَ لَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفاً (1)، وَ رُوِيَ أَنَّهُ فَرَضَ لَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفاً، وَ هُوَ الْأَصَحُّ، ثم فرض لزوجات رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] لكلّ واحدة عشرة آلاف، و فضّل عائشة عليهنّ بألفين فأبت (2)، فقال: ذلك لفضل (3) منزلتك عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله]، فإذا أخذت فشأنك، و استثنى عن الزوجات جويرية و صفّية و ميمونة ففرض (4) لكلّ واحدة منهنّ ستّة آلاف،
- فقالت عائشة: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] يعدل بيننا.
، فعدل عمر بينهنّ و ألحق هؤلاء الثلاث بسائرهنّ، ثم فرض للمهاجرين الذين شهدوا بدرا لكلّ واحد خمسة آلاف، و لمن شهدها من الأنصار لكلّ واحد أربعة آلاف.
و قد روي أنّه فرض لكلّ واحد ممّن شهد بدرا من المهاجرين أو من الأنصار أو غيرهم من القبائل خمسة آلاف، ثم فرض لمن شهد أحدا و ما بعدها إلى الحديبية أربعة آلاف، ثم فرض لكلّ من شهد المشاهد بعد الحديبية ثلاثة آلاف، ثم فرض لكلّ من شهد المشاهد بعد (5) رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] ألفين و خمسمائة، و ألفين، و ألفا و خمسمائة، و ألفا واحدا .. إلى مائتين .. و هم أهل هجر (6)، و مات عمر على ذلك.
- قال ابن الجوزي: و أدخل عمر في أهل بدر ممّن لم يحضر بدرا أربعة، و هم الحسن و الحسين (عليهما السلام) و أبو ذرّ و سلمان، ففرض لكلّ واحد منهم خمسة
____________
(1) لا توجد من قوله: روي .. إلى هنا، في المصدر، و الظّاهر كونه سقط منه.
(2) و ذكر أبو عبيد في كتاب الأموال: 226 فرضه لعائشة اثني عشر ألف درهم.
(3) في شرح النهج: بفضل.
(4) في (س): فرض.
(5) في المصدر زيادة: وفاة.
(6) هجر: اسم بلد معروف بالبحرين .. و قرية من قرى المدينة، قاله ابن الأثير في نهايته 5- 247.
و هناك ثمّة أقوال أوردها في مراصد الاطّلاع 3- 1452، و معجم البلدان 5- 392- 393، فراجع.
47
آلاف (1).
قال ابن الجوزي: فأمّا ما اعتمده في النساء فإنّه جعل نساء أهل بدر على خمسمائة .. خمسمائة (2)، و نساء من بعد بدر إلى الحديبية على أربعمائة ..
أربعمائة (3)، و نساء من بعد ذلك على ثلاثمائة .. ثلاثمائة (4)، و جعل نساء أهل القادسية على مائتين (5)، ثم سوّى بين النساء بعد ذلك. انتهى.
- وَ رَوَى الْبُخَارِيُ (6) وَ مُسْلِمٌ (7) وَ غَيْرُهُمَا (8) بِأَسَانِيدَ عَدِيدَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ لِلْأَنْصَارِ فِي مَقَامِ التَّسْلِيَةِ قَرِيباً مِنْ وَفَاتِهِ: سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ.
هل يريب عاقل في أنّ هذا القول- بعد أن كان يسوّي بين المهاجرين و الأنصار مدّة حياته- إخبار بما يكون بعده (9) من التفضيل، و يتضمّن عدم إباحته و عدم رضاه (صلّى اللّه عليه و آله) به.
و يؤيّد حظر التفضيل و مخالفة السنّة في القسمة
- أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أبطل سيرة عمر في ذلك، و ردّ الناس إلى السنّة و القسم بالسويّة (10).
،- و هو (عليه السلام)
____________
(1) هنا سقط يراجع المصدر.
(2) لم تتكرّر كلمات: خمسمائة، أربعمائة، ثلاثمائة، في المصدر.
(3) لم تتكرّر كلمات: خمسمائة، أربعمائة، ثلاثمائة، في المصدر.
(4) لم تتكرّر كلمات: خمسمائة، أربعمائة، ثلاثمائة، في المصدر.
(5) تكرّرت كلمة: مائتين، في المصدر.
(6) صحيح البخاريّ 7- 89 و 90 في فضائل أصحاب النّبيّ ص ، و باب قول النّبيّ ص للأنصار: اصبروا، و كتاب الفتن باب قول النّبيّ ص : سترون بعدي أمورا تنكرونها.
(7) صحيح مسلم كتاب الإمارة باب الأمر بالصّبر عند ظلم الولاة حديث 1845.
(8) و التّرمذيّ في سننه كتاب الفتن، باب ما جاء في الإمرة حديث 2190، و النّسائيّ في سننه 8- 224 و 225 كتاب القضاء باب ترك استعمال من يحرّض على القضاء، و ابن الأثير في جامع الأصول 9- 168 حديث 6726.
(9) في (س): بعد- بلا ضمير-.
(10) كما جاء في خطبة له (عليه السلام): لو كان المال لي فسوّيت بينهم فكيف و المال مال اللّه .. انظر:
نهج البلاغة لمحمّد عبده 1- 260 [1- 140]، و لصبحي صالح: 183 خطبة 126.
48
يدور مع الحقّ و يدور الحقّ معه حيثما دار بنصّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) (1).
، كما تضافرت (2) به الروايات من طرق المخالف و المؤالف، و مع ذلك احتجّ (عليه السلام) على المهاجرين و الأنصار لّما كرهوا عدله في القسمة و أنكروه عليه، بمخالفة التفضيل للشريعة، و ألزمهم العدل في القسمة، فلم يردّه عليه أحد منهم، بل أذعنوا له و صدّقوا قوله، ثم فارقه طلحة و الزبير و من يقفو إثرهما رغبة في الدنيا و كراهة للحقّ، كما سيأتي (3) في باب بيعته (عليه السلام) و غيره.
و قد قال ابن أبي الحديد (4)- في بعض كلامه-:
فإن قلت: إنّ أبا بكر قد قسم بالسويّة (5)، كما قسمه أمير المؤمنين (عليه السلام)، و لم ينكروا عليه كما أنكروا على أمير المؤمنين (عليه السلام)؟.
قلت: إنّ أبا بكر قسم محتذيا بقسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله]، فلمّا ولي عمر الخلافة و فضّل قوما على قوم ألفوا ذلك و نسوا تلك القسمة الأولى، و طالت أيّام عمر، و أشربت قلوبهم حبّ المال و كثرة العطاء، و أمّا الذين اهتضموا فقنعوا و مرنّوا على القناعة، و لم يخطر لأحد من الفريقين أنّ هذه الحال تنتقض (6) أو تتغيّر بوجه ما، فلمّا ولي عثمان أجرى (7) الأمر على ما كان عمر يجريه، فازداد وثوق العوام بذلك، و من ألف أمرا أشقّ (8) عليه فراقه و تغيير العادة فيه، فلمّا ولي
____________
(1) مرّت مصادر الحديث في أوّل تحقيقاتنا.
(2) توجد حاشية في (ك) و هي: المضافرة- بالضاد و الفاء-: التّألّب، و قد تضافر القوم، و تضافروا: إذا تألّبوا. و قد تألّبوا: .. أي اجتمعوا. النهاية.
انظر: النهاية لابن الأثير 3- 93 و فيه: و تظافروا- بالظاء أخت الطاء-، و 1- 59.
(3) بحار الأنوار 32- 145- 148.
(4) شرح النهج لابن أبي الحديد 7- 42- 43، بتفاوت كثير أشرنا إلى بعضه.
(5) في المصدر: بالسواء.
(6) في (س): تنقض.
(7) في (ك): أجر.
(8) جاءت في (ك): شق.
49
أمير المؤمنين (عليه السلام) أراد أن يردّ الأمر إلى ما كان في أيّام رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و أبي بكر، و قد نسي ذلك و رفض، و تخلّل بين الزمانين اثنتان و عشرون سنة، فشقّ ذلك عليهم و أكبروه (1) حتى حدث ما حدث من نقض البيعة و مفارقة الطاعة، و للّه أمر هو بالغه!.
وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) (2) فِي بَعْضِ احْتِجَاجِهِ عَلَى طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرِ: وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتُمَا مِنْ أَمْرِ الْأُسْوَةِ (3) فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لَمْ أَحْكُمْ أَنَا فِيهِ بِرَأْيِي وَ لَا وَلِيتُهُ هَوًى مِنِّي، بَلْ وَجَدْتُ أَنَا وَ أَنْتُمَا مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قَدْ فُرِغَ مِنْهُ فَلَمْ أَحْتَجْ إِلَيْكُمَا فِيمَا (4) فَرَغَ اللَّهُ مِنْ قَسْمِهِ، وَ اللَّهُ (5) أَمْضَى فِيهِ حُكْمَهُ فَلَيْسَ لَكُمَا- وَ اللَّهِ- عِنْدِي وَ لَا لِغَيْرِكُمَا فِي هَذَا عُتْبَى، أَخَذَ اللَّهُ بِقُلُوبِكُمْ وَ قُلُوبِنَا (6) إِلَى الْحَقِّ وَ أَلْهَمَنَا وَ إِيَّاكُمُ الصَّبْرَ.
و قال ابن أبي الحديد في شرح هذا الكلام (7): قد (8) تكلّم (عليه السلام) في معنى النفل و (9) العطاء، فقال: إنّي عملت بسنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] في ذلك، و صدق (عليه السلام)، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] سوّى بين الناس في العطاء (10) و هو مذهب أبي بكر.
____________
(1) في شرح النهج: و أنكروه و أكبروه.
(2) نهج البلاغة- محمّد عبده- 2- 185، صبحي الصّالح: 322 برقم 205.
(3) مصداق الأسوة هنا هو التّسوية بين المسلمين في قسمة الأموال، و كان ذلك سببا لغضبهما على ما روي.
(4) زيادة جاءت في: صبحي الصّالح: قد.
(5) لا توجد: و اللّه، في نسختي النّهج.
(6) في النّهج: قلوبنا و قلوبكم.
(7) شرح النهج للمعتزلي 11- 10.
(8) في المصدر: ثم.
(9) في المصدر: التنفيل في، بدلا من: النفل و.
(10) في الشرح: في العطاء بين الناس- بتقديم و تأخير-.
50
ثم قال (1): إنّ طلحة و الزبير قد نقما عليه (2) الاستبداد و ترك المشاورة، و انتقلا من ذلك إلى الوقيعة فيه بمساواة الناس في قسمة المال، و أثنيا على عمر و حمدا سيرته و صوّبا رأيه، و قالا: إنّه كان يفضّل أهل السوابق .. و ضلّلا عليّا فيما رأى، و قالا: إنّه أخطأ .. و إنّه خالف سيرة عمر و هي السيرة المحمودة .. (3)،
و استنجدا عليه بالرؤساء من المسلمين الذين (4) كان عمر يفضّلهم و ينفلهم في القسم على غيرهم، و الناس أبناء الدنيا، و يحبّون الْمالَ حُبًّا جَمًّا، فتنكّرت على أمير المؤمنين (عليه السلام) بتنكّرهما قلوب كثيرة، و نغلت (5) عليه نيّات كانت من قلب (6) سليمة. انتهى.
و بالجملة، من راجع السير و الأخبار لم يبق له ريب في أنّ سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) في القسمة هو العدل تأسّيا برسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و اتّباعا لكتابه، و قد احتجّ (عليه السلام) على المصوّبين لسيرة عمر في تركه العدل بأنّ التفضيل مخالف للسنّة، فلم يقدر أحد على ردّه، و صرّح (عليه السلام) أنّ التفضيل جور و بذل المال في غير حقّه تبذير و إسراف كما سيأتي.
وَ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (7)، عَنْ هَارُونَ بْنِ سَعْدٍ (8)، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ (9) لِعَلِيٍّ (عليه السلام): يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَوْ أَمَرْتَ لِي بِمَعُونَةٍ أَوْ نَفَقَةٍ!، فَوَ اللَّهِ مَا لِي نَفَقَةٌ إِلَّا أَنْ أَبِيعَ دَابَّتِي. فَقَالَ: لَا وَ اللَّهِ، مَا أَجِدُ لَكَ شَيْئاً إِلَّا أَنْ تَأْمُرَ عَمَّكَ
____________
(1) قال ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 11- 11.
(2) جاءت العبارة في المصدر هكذا: و تنقما عليه. أقول: مرجع الضمير: طلحة و الزبير.
(3) هنا سقط جاء في الشرح.
(4) لا توجد: الذين، في المصدر.
(5) في (س): نقلت. و جاء في حاشية (ك): نفلت نيّاتهم أي فسدت صحاح. انظر: الصحاح 5- 1832.
(6) خ. ل: كان من قبل. و في المصدر: كانت من قبل، و هو الأنسب.
(7) في شرح النّهج 2- 200.
(8) في (س): مبعد، و في المصدر: سعيد.
(9) زيادة: ابن أبي طالب، جاءت في الشّرح.
51
أَنْ (1) يَسْرِقَ فَيُعْطِيَكَ..
و ذكر ابن أبي الحديد (2)- أيضا- أنّ عمر أشار (3) على أبي بكر في أيّام خلافته بترك التسوية فلم يقبل، و قال: إنّ اللّه لم يفضّل أحدا على أحد، و قال: (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ) (4) و لم يخصّ قوما دون قوم.
ثم لم يستند عمر فيما زعمه صوابا إلى شبهة فضلا عن حجّة، و لو أقام حجّة على ما زعمه لحكاه الناصرون له.
و قد روى ابن الأثير في الكامل (5) ذلك، إلّا أنّه لم يصرّح بالمشير سترا عليه (6).
و هل يرتاب عاقل في أنّه لو كان إلى جواز التفضيل و مصانعة الرؤساء
____________
(1) لا توجد في (س): أن.
(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 8- 111 بتصرّف.
(3) في المصدر: و قد كان أشار.
(4) التوبة: 60.
(5) الكامل 2- 290.
(6) و ها هو يأخذ الزكاة من الخيل مع عدم أخذ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لا أبو بكر، و قد وردت روايات في ذلك عن طريق العامّة، كما في موطإ مالك 1- 206، و مسند أحمد 1- 14، و سنن البيهقيّ 4- 118، و مستدرك الحاكم 1- 401، و مجمع الزوائد 3- 69، بل عدّ العسكريّ في أوائله، و السيوطي في تاريخ الخلفاء: 93 و غيرهما: أنّ عمر أوّل من أخذ زكاة الخيل. و من هنا وقع الشجار بينهم و بين من اتّبع السنّة النبويّة في عدم تعلّق الزكاة بالخيل أنّ الخليفة يسنّ للأمّة ما لا أصل له في الدين كزكاة الخيل و صلاة التراويح و غيرهما، و قد ينقض السنّة الثابتة للصادع الكريم خشية ظنّ الأمّة الوجوب!.
قال الشافعي في كتاب الأم 2- 189: قد بلغنا أنّ أبا بكر و عمر كانا لا يضحّيان كراهية أن يقتدى بهما فيظنّ من رءاهما أنّها واجبة. و جاء في مختصر المزني- هامش كتاب الأمّ- 5- 210.
و في رواية أخرى: مخافة أن يستنّ بهما، كما في السنن الكبرى للبيهقيّ 9- 265، و الكبير للطبراني، و المجمع للهيثمي 4- 18 من طريق الطبراني، و قال رجاله صحيح. و ذكره السيوطي في جمع الجوامع، كما في ترتيبه 3- 45 نقلا عن ابن أبي الدنيا في الأضاحي، و الحاكم في الكنى، و أبي بكر عبد اللّه بن محمّد النيسابوريّ في الزيادات، ثمّ قال: قال ابن كثير: إسناده صحيح.
و قال الهندي في كنز العمّال 3- 45 نقلا عن الشعبي: أنّ أبا بكر و عمر شهدا الموسم فلم يضحّيا. و ها هو ينقض السنّة الثابتة من الصادع الكريم خشية ظنّ الأمّة الوجوب و يسنّ لها ما لا أصل له في الدين كزكاة الخيل و صلاة التراويح و غيرهما من أحداث كثيرة!!.
52
و الأشراف للمصالح سبيل لما عدل أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى العدل و التسوية، مع ما رآه عيانا من تفرّق أصحابه عنه لذلك و ميلهم إلى معاوية بقبضه عنهم ما عوّدهم به عمر بن الخطاب كما سيأتي (1)، و لم يكن يختار أمرا يوجب حدوث الفتن و إراقة الدماء، و لما كان يمنع عقيلا صاعا من برّ فيذهب إلى معاوية.
فإن قيل: فلم كان الحسنان (عليهما السلام) يقبلان التفضيل، و أبوهما (عليه السلام) لم رضي بذلك؟.
قلنا: إمّا للتقيّة كما مرّ مرارا، أو لأنّ عمر لما حرّمهم حقّهم من الخمس و الفيء و الأنفال فلعلّهما أخذا ما أخذا عوضا من حقوقهم.
و يمكن أن يقال: لما كان أمير المؤمنين (عليه السلام) ولي الأمر فلعلّ ما أخذاه صرفه (عليه السلام) في مصارفه، و كان الأخذ من قبيل الاستنقاذ من الغاصب و الاستخلاص من السارق.
ثم من غريب ما ارتكبه عمر من المناقضة في هذه القصّة أنّه نبذ سنّة (2) رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) وراء ظهره و أعرض عنه رأسا، و فضّل من شاء على غيره، ثم لمّا قالت عائشة: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يعدل بيننا، عدل بين الثلاث و بين غيرهنّ سوى عائشة، و قد كان فضّل عائشة بألفين (3)، فكيف كانت سيرة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) في التسوية بين ثمان من الزوجات حجّة، و لم تكن حجّة في العدل بين التسع، و لا بين المهاجرين و الأنصار و غيرهم؟.
و اعلم أنّ أكثر الفتن الحادثة في الإسلام من فروع هذه البدعة، فإنّه لو استمرّ الناس على ما عوّدهم الرسول من العدل و جرى عليه الأمر في أيّام أبي بكر
____________
(1) بحار الأنوار: في عدة موارد منها ما مرّ صفحة 44 و ما سيأتي قريبا و 40- 107 و 41- 116، و عن العامّة في إحقاق الحقّ 8- 532- 573، فراجع.
(2) لا توجد: سنة، في (س).
(3) قد مرّت المصادر في أوّل الطعن، و جاءت في طبقات ابن سعد 3- 304 أيضا.
53
لما نكث طلحة و الزبير بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام)، و لم تقم فتنة الجمل، و لم يستقرّ الأمر لمعاوية، و لا تطرّق الفتور إلى اتّباع أمير المؤمنين (عليه السلام) و أنصاره، و لو كان المنازع له في أوّل خلافته معاوية لدفعه بسهولة و لم ينتقل الأمر إلى بني أميّة، و لم يحدث ما أثمرته تلك الشجرة الملعونة من إراقة الدماء المعصومة، و قتل الحسين (عليه السلام)، و شيوع سبّ أمير المؤمنين (عليه السلام) على المنابر، ثم انتقال الخلافة إلى بني العباس و ما جرى من الظلم و الجور على أهل البيت (عليهم السلام) و على سائر أهل الإسلام.
و قد كان من الدواعي على الفتن و الشرور بدعته الأخرى و هي الشورى، إذ جعل طلحة و الزبير مرشّحين للخلافة نظيرين لأمير المؤمنين (عليه السلام)، فشقّ عليهما طاعته و الصبر على الأسوة و العدل، و هذا في غاية الوضوح (1) و قد روى ابن عبد ربّه في كتاب العقد (2)- على ما حكاه العلّامة (رحمه اللّه) عنه في كشف الحقّ (3)-، قال: إنّ معاوية قال (4) لابن الحصين (5): أخبرني: ما الذي شتّت أمر المسلمين و جماعتهم (6) و مزّق ملأهم، و خالف بينهم؟!. فقال:
قتل عثمان (7). قال: ما صنعت شيئا؟. قال: فسير (8) عليّ إليك (9). قال: ما صنعت شيئا (10)؟. قال: ما عندي غير هذا يا أمير المؤمنين. قال: فأنا أخبرك،
____________
(1) ستأتي مفصّلا في الطعن الثامن عشر.
(2) العقد الفريد 4- 281 [3- 75 طبعة أخرى].
(3) كشف الحقّ (نهج الحقّ و كشف الصدق): 355.
(4) لا توجد: قال، في (س).
(5) هو: عمران بن حصين. و في العقد: حضين.
(6) لا توجد: و جماعتهم، في العقد.
(7) كذا في الكشف، و في العقد: قال: نعم، قتل الناس عثمان.
(8) في المصدرين: فمسير.
(9) في العقد زيادة: و قتاله إيّاك.
(10) في الكشف و العقد زيادة: قال: فمسير طلحة و الزبير و عائشة و قتال عليّ إيّاهم. قال: ما صنعت شيئا.
54
إنّه لم يشتّت بين المسلمين و لا فرّق أهواءهم إلّا الشورى التي جعلها عمر في (1) ستّة .. ثم فسّر معاوية ذلك، فقال: لم يكن من الستّة رجل إلّا (2) رجاها لنفسه، و رجاها (3) لقومه، و تطلّعت إلى ذلك نفوسهم (4)، و لو أنّ عمر استخلف (5) كما استخلف أبو بكر ما كان في ذلك اختلاف.
و قد حكى ابن أبي الحديد (6)- أيضا- ذلك عن معاوية و قد تمّم إثارة الفتنة بإغواء معاوية و عمرو بن العاص و إطماعهما (7) في الخلافة، و كان معاوية عامله على الشام و عمرو بن العاص أميره و عامله على مصر، فخاف أن يصير الأمر إلى عليّ (عليه السلام). فقال- لما طعن و علم بأنّه سيموت (8)-: يا أصحاب محمّد! تناصحوا فإن (9) لم تفعلوا غلبكم عليها عمرو بن العاص و معاوية بن أبي سفيان، روى ذلك ابن أبي الحديد (10) ثم حكى (11) عن شيخنا المفيد (رحمه اللّه)، أنّه قال: كان غرض عمر بإلقاء هذه الكلمة إلى الناس أن تصل إلى عمرو بن العاص و معاوية فيتغلّبا على مصر و الشام لو أفضي الأمر إلى عليّ (عليه السلام).
و بالجملة، جميع ما كان و ما يكون في الإسلام من الشرور إلى يوم النشور
____________
(1) في العقد: إلى ستة.
(2) في العقد: لم يكن رجل منهم إلّا ..
(3) في المصدرين زيادة: له، هنا.
(4) في الكشف: أنفسهم، و في العقد: نفسه.
(5) في العقد زيادة: عليهم.
(6) في شرحه على نهج البلاغة 3- 99.
(7) في (س): إطماعها. و هو سهو.
(8) جاءت العبارة في المصدر هكذا: إنّ عمر بن الخطّاب قال لما طعن ..
(9) في الشرح: فإنّكم إن ..
(10) قاله ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة 3- 99.
(11) ابن أبي الحديد في شرحه 3- 99 بتصرّف و اختصار.
55
إنّما أثمرته شجر فتنته، فغرس أصل الفتن يوم السقيفة، و ربّاها (1) ببدعه من التفضيل في العطاء و وضع الشورى و .. غير ذلك، فهو السهيم في جميع المعاصي و الأجرام، و الحامل لجملة الأوزار و الآثام، كما مرّ في الأخبار الكثيرة.
و أمّا الخمس، فالآية صريحة في أنّ لذي القربى فيه حقّا، و إن اختلفوا في قدره و لم ينكر أحد أنّ عمر بن الخطاب لم يعطهم شيئا من أرض السواد و لا من خراجها، و كذلك منع سهمهم من أرض خيبر و من سائر الغنائم و جعل الغنائم من بيت المال و وقف خراجها على مصالح، كما مرّ.
- وَ رُوِىَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (2) مِنْ صَحِيحَيْ أَبُو دَاوُدَ (3) وَ النَّسَائِيِ (4)، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ، قَالَ: إِنَّ نَجْدَةَ الْحَرُورِيَّ حِينَ حَجَّ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى لِمَنْ يَرَاهُ؟. فَقَالَ لَهُ: لِقُرْبَى (5) رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَهُمْ، وَ قَدْ كَانَ عُمَرُ عَرَضَ عَلَيْنَا مِنْ ذَلِكَ عَرْضاً رَأَيْنَاهُ دُونَ حَقِّنَا، وَ رَدَدْنَاهُ (6) عَلَيْهِ، وَ أَبَيْنَا أَنْ نَقْبَلَهُ.
هذه رواية أبي داود (7).
وَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى لِمَنْ هُوَ؟. قَالَ يَزِيدُ بْنُ هُرْمُزَ: فَأَنَا كَتَبْتُ كِتَابَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى نَجْدَةَ، كَتَبَ إِلَيْهِ: كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى لِمَنْ هُوَ؟ وَ هُوَ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، وَ قَدْ كَانَ
____________
(1) خ. ل: و ريّاها.
(2) جامع الأصول 2- 695- 696 حديث 1197 باختلاف يسير.
(3) كذا، و الصّحيح: أبي داود- بالياء- سنن أبي داود كتاب الخراج و الإمارة باب بيان مواضع قسم الخمس و سهم ذي القربى حديث 2982.
(4) سنن النّسائيّ 7- 128- 129 في قسم الفيء.
(5) في (س): كقربى.
(6) في جامع الأصول: فرددناه.
(7) و أخرجه أيضا مسلم في صحيحه كتاب الجهاد باب النساء الغازيات رضخ لهنّ و لا يسهم حديث 1812.
56
عُمَرُ دَعَانَا إِلَى أَنْ يُنْكِحَ (1) أَيِّمَنَا (2) وَ يُجْدِي (3) مِنْهُ عَائِلُنَا، وَ يُقْضَى مِنْهُ عَنْ غَارِمِنَا، فَأَبَيْنَا إِلَّا أَنْ يُسَلِّمَهُ إِلَيْنَا، وَ أَبَى ذَلِكَ فَتَرَكْنَا عَلَيْهِ.
وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ مِثْلُ أَبِي دَاوُدَ، وَ فِيهِ: وَ كَانَ الَّذِي عَرَضَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُعِينَ نَاكِحَهُمْ، وَ يَقْضِيَ عَنْ غَارِمِهِمْ، وَ يُعْطِيَ فَقِيرَهُمْ، وَ أَبَى أَنْ يَزِيدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
انتهى.
و هي- مع صحّتها عندهم- تدلّ على أنّ عمر منع ذوي القربى بعض حقّهم الذي أعطاهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و يفهم منها أنّ (4) هذا المنع إنّما كان خوفا من قوّة بني هاشم لو وصل إليهم ما فرض اللّه لهم من الخمس فيميل الناس إليهم رغبة في الدنيا فيمكنهم طلب الخلافة، و قد كان خمس الخراج من سواد العراق وحده اثنين و ثلاثين ألف ألف درهم في كلّ سنة على بعض الروايات سوى خمس خيبر و غيرها، و لا ريب أنّ قيمة خمس تلك الأراضي أضعاف أضعاف هذا المبلغ، و كذا خمس الغنائم المنقولة المأخوذة من الفرس و غيرهم مال خطير، فلو أنّهم لم يغصبوا هذا الحقّ بل أدّوا إلى بني هاشم و سائر ذوي القربى حقّهم لم يفتقر أحد منهم أبدا، فوزر ما أصابهم من الفقر و المسكنة في أعناق أبي بكر و عمر و أتباعهما إلى يوم القيامة.
و أمّا الفرض، فقد قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (5): رَوَى ابْنُ سَعْدٍ فِي كِتَابِ الطَّبَقَاتِ (6): أَنَّ عُمَرَ خَطَبَ فَقَالَ: إِنَّ قَوْماً يَقُولُونَ: إِنَّ هَذَا الْمَالَ حَلَالٌ لِعُمَرَ،
____________
(1) في المصدر زيادة: منه.
(2) الأيّم: العزب، رجلا كان أو امرأة، كما في المصباح المنير 1- 43. و الأيّم- في الأصل- الّتي لا زوج لها، بكرا كانت أو ثيّبا، مطلّقة كانت أو متوفّى عنها، كما في النّهاية 1- 85 و غيرها.
(3) جاءت الكلمة: يحذي، في المصدر، و يجزي في (س).
(4) في (س): على أن- بزيادة على-.
(5) شرح نهج البلاغة 12- 219- 220.
(6) طبقات ابن سعد 3- 275- 276، ضمن حديث بتصرف.
57
وَ لَيْسَ كَمَا قَالُوا، لَا هَا اللَّهِ (1) إِذَنْ! أَنَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْهُ، يَحِلُّ لِي مِنْهُ (2) حُلَّتَانِ، حُلَّةٌ فِي الشِّتَاءِ وَ حُلَّةٌ فِي الْقَيْظِ (3)، وَ مَا أَحُجُّ عَلَيْهِ وَ أَعْتَمِرُ مِنَ الظَّهْرِ، وَ قُوتِي وَ قُوتُ أَهْلِي كَقُوتِ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ لَيْسَ بِأَغْنَاهُمْ وَ لَا أَفْقَرِهِمْ، ثُمَّ أَنَا بَعْدُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُصِيبُنِي مَا أَصَابَهُمْ (4).
و روى ابن سعد (5)- أيضا-، أنّ عمر كان إذا احتاج أتى إلى صاحب بيت المال فاستقرضه، فربّما عسر عليه القضاء (6) فيأتيه صاحب بيت المال فيتقاضاه، فيحتال له، و ربّما خرج عطاؤه فقضاه.
و لقد (7) اشتكى مرّة فوصف له الطبيب العسل، فخرج حتى صعد المنبر و في بيت المال عكّة (8)-، فقال: إن أذنتم لي فيها أخذتها و إلّا فهي عليّ حرام، فأذنوا له فيها.
ثم قال (9): إنّما (10) مثلي و مثلكم كقوم سافروا (11) فدفعوا نفقاتهم إلى رجل
____________
(1) قال في النّهاية 5- 237: و قد يقسم بالهاء فيقال: لا ها اللّه ما فعلت .. أي لا و اللّه ما فعلت، أبدلت الهاء من الواو، و منه حديث أبي قتادة يوم حنين: قال أبو بكر: لا ها اللّه إذا .. هكذا جاء الحديث، و الصّواب لا ها اللّه ذا- بحذف الهمزة- و معناه: لا و اللّه لا يكون ذا، أو: لا و اللّه الأمر ذا، فحذف تخفيفا.
(2) لا توجد: منه، في الطّبقات.
(3) القيظ: حمّارة الصّيف، كما في الصّحاح 3- 1178، و قال في مجمع البحرين 4- 290: هو:
صميم الصّيف، و مثله في القاموس 2- 398، و النّهاية 4- 132.
(4) و نقله ابن الجوزيّ في سيرة عمر: 75- 76.
(5) طبقات ابن سعد 3- 276، بتصرّف.
(6) لا توجد: القضاء، في الطبقات.
(7) الطبقات 3- 277 بإسناد آخر و بتصرّف.
(8) العكّة- بالضم-: آنية السّمن أصغر من القربة، كما في القاموس 3- 313، و انظر الصحاح 4- 1600.
(9) جاء في طبقات ابن سعد ضمن حديث آخر في 3- 281.
(10) في المصدر: إنّ.
(11) في (س): سافر.
58
منهم لينفق عليهم، فهل يحلّ له أن يستأثر منها بشيء؟.
و روى أخبارا أخر أيضا من هذا الباب ظنّا منه أنّها تعينه على دفع الطعن، مع أنّها ممّا يؤيّده، إذ بعضها يدلّ على أنّه كان يرى الأخذ من بيت المال مجّانا حراما و لو كان للضرورة، إلّا أن يأذن ذوو الحقوق في ذلك، فيردّ حينئذ أنّ الاستئذان ممّن حضره حين صعد المنبر في الأكل من العسل لا يغني من جوع، فإنّ الحقّ لم يكن منحصرا في هؤلاء، و لم يكونوا وكلاء لمن غاب عنه حتى يكفيه إذنهم في التناول منه، مع أنّ بيت المال مصرفه مصالح المسلمين و ليس مشتركا بينهم كالميراث و نحوه، فإذا لم يكن للحاضرين حاجة مصحّحة للأخذ منه لم يكن لهم فيه حقّ حتى ينفع إذنهم في الأخذ، و كون أخذ الإمام من المصالح- لا سيّما للدواء- لا ينفع، فإنّه لو تمّ لدلّ على عدم الحاجة إلى الاستئذان مطلقا، فهذه [كذا] الاستئذان دائر بين أن يكون ناقصا (1) غير مفيد و بين أن يكون لغوا لا حاجة إليه، فيدلّ إمّا على الجهل و قلّة المعرفة أو على الشيد و المكر لأخذ قلوب العوام، كما يقال: يتورّع من سواقط الأوبار و يجرّ الأحمال مع القطار.
السادس عشر:
إنّه كان يتلوّن في الأحكام، حتى روي أنّه قضى في الجدّ بسبعين (2) قضية،
____________
(1) في (س): ناقضا.
(2) في (س): سبعين.
أقول: و قد ذكر البيهقيّ في السنن الكبرى 6- 247: أنّ أوّل جدّ ورث في الإسلام عمر بن الخطاب، مات ابن فلان بن عمر فأراد أن يأخذ المال دون إخوته، فقال له عليّ و زيد رضي اللّه عنهما: ليس لك ذلك. فقال عمر: لو لا أنّ رأيكما اجتمع لم أر أن يكون ابني و لا أكون أباه.
و قريب منه ما ذكره الدارميّ في سننه 2- 354. و انظر: مستدرك الحاكم 4- 340، و مجمع الزوائد للهيثمي 4- 227، و ترتيب جمع الجوامع للسيوطي 6- 15، و سنن الكبرى 6- 247.
و قال البيهقيّ في سننه 6- 245 عن عبيدة قال: إنّي لأحفظ عن عمر في الجدّ مائة قضية كلّها ينقض بعضها بعضا. و ذكر ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 1- 181 [1- 61 طبعة مصر]: كان عمر يفتي كثيرا بالحكم ثمّ ينقضه و يفتي بضدّه و خلافه، قضى في الجدّ مع الإخوة قضايا كثيرة مختلفة، ثمّ خاف من الحكم في هذه المسألة فقال: من أراد أن يتقحّم (يقتحم) جراثيم جهنّم فليقل في الجدّ برأيه.
59
و هذا يدلّ على قلّة علمه، و أنّه كان يحكم بمجرّد الظنّ و التخمين و الحدس من غير ثبت و دليل (1)، و مثل هذا لا يليق بإمامة المسلمين و رئاسة الدنيا و الدين..
السابع عشر:
أنّه همّ بإحراق بيت فاطمة (عليها السلام) (2)، و قد كان فيه أمير المؤمنين و فاطمة و الحسنان (عليهم السلام)، و هدّدهم و آذاهم مع أنّ رفعة شأنهم عند اللّه تعالى و عند رسوله ص ممّا لا ينكره أحد من البشر (3) إلّا من أنكر ضوء الشمس
____________
(1) و له عدّة موارد في أقضية كان حكمه فيها مجرّد رأي و تحكّم و تضارب و تشتّت، قد مرّت منها موارد و سيأتي منها موارد أخرى.
منها: ترك الخليفة القود ممّن يستحقّه محاباة، كما أورده البيهقيّ في السنن الكبرى 8- 32، و السيوطي في جمع الجوامع، كما في ترتيبه 7- 303، و غيرهما، و جاء فيهما عدّة وقائع. و نظيره ما رواه في كنز العمّال 7- 304.
و منها: قضاؤه في قتل قاتل عفا عنه بعض أولياء الدم، كما أورده الشافعي في كتابه الأم 7- 295، و البيهقيّ في سننه 8- 60 و غيرهما.
و انظر مسألة الكلالة في الطعن الثالث عشر.
(2) قال ابن قتيبة في الإمامة و السياسة تحت عنوان: كيف كان بيعة عليّ بن أبي طالب (ع) 1- 19: إنّ أبا بكر تفقّد قوما تخلّفوا عن بيعته عند عليّ (عليه السلام) فبعث إليهم عمر فجاء فناداهم- و هم في دار عليّ (عليه السلام)- فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب، و قال: و الذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنّها على من فيها. فقيل له فيها: يا أبا حفص! إنّ فيها فاطمة. فقال: و إن.
و جاء بلفظ آخر في كنز العمّال 3- 139، و قال: أخرجه ابن أبي شيبة. و فيه: و ايم اللّه ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندكم إن أمرتهم أن يحرق عليهم الباب!.
(3) و هذه فعاله و بين أيديهم هتاف النبيّ الأقدس: فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني.
و في لفظ: يقبضني ما يقبضها و يبسطني ما يبسطها.
و في ثالث: يؤذيني ما آذاها و ينصبني ما أنصبها. و في رابع: فاطمة شجنة منّي يبسطني ما يبسطها و يقبضني ما يقبضها.
و في خامس: فاطمة مضغة منّي يقبضني ما قبضها و يبسطني ما بسطها.
و في سادس: يسرّني ما يسرّها.
و في سابع: فاطمة قلبي و روحي الّتي بين جنبيّ، فمن آذاها فقد آذاني.
و قد نقلها عن تسعة و خمسين راويا العلّامة الأميني- (رحمه اللّه)- في الغدير 7- 331- 336، و تعرّض أيضا في 3- 20- 21.
و قال في شرح الجامع الصغير 4- 421: استدلّ به السهيلي على أنّ من سبّها كفر، لأنّه يغضبه.
و ذكر ابن حجر: و فيه تحريم أذى كلّ من يتأذّى المصطفى بتأذّيه، فكلّ من وقع منه في حقّ فاطمة شيء، فتأذّت به فالنبيّ يتأذّى به بشهادة هذا الخبر.
نذكر مثالا مصادر للحديث على اختلاف ألفاظه: صحيح البخاريّ 5- 274، صحيح مسلم 2- 261، سنن ابن ماجة 1- 216، سنن أبي داود 1- 324، جامع الترمذي 2- 319، نوادر الأصول للترمذي: 308، خصائص النسائي: 35، مسند أحمد بن حنبل 4- 323، 328، الأغاني 8- 156، مستدرك الحاكم: 154، 158، 159، و حلية الأولياء 2- 40، السنن الكبرى 7- 307، مشكاة المصابيح: 560، مصابيح السنّة 2- 278، الجامع الصغير و الكبير للسيوطي، تهذيب التهذيب 12- 441، الصواعق لابن حجر: 112، 114، الفصول المهمة: 150، نزهة المجالس: 228، نور الأبصار: 45 و غيرها كثير جدّا.
60
و نور القمر، و قد تقدّم (1) القول فيه مستوفى فيما غبر.
الثامن عشر: ما وقع منه في قصّة الشورى
، فقد أبدع فيها أمورا كثيرة:.
منها: أنّه خرج عن النصّ و الاختيار جميعا
، فإنّه قال قاضي القضاة في
____________
(1) بحار الأنوار 28- 231- 339، باب 4، جملة أحاديث منها: 17، 50، 69، و غيرها.
أقول: و الأدهى من كلّ ذا و أمر قولته لسيّد الوصيّين و يعسوب الدين أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه): إذا و اللّه الذي لا إله إلّا هو نضرب عنقك! بعد رفضه البيعة، و أجابه بعد قوله: تقتلون إذا عبد اللّه و أخا رسوله- قال: أمّا عبد اللّه فنعم، و أمّا أخو رسول اللّه فلا، كما أوردها ابن قتيبة في الإمامة و السياسة و غيره، و ناقشها سيّدنا الفيروزآبادي في السبعة من السلف 2- 17 مفصّلا، فراجع.
61
المغني (1): قد ثبت عند كلّ من يقول بالاختيار أنّه إذا حصل العقد من واحد برضا أربعة صار إماما، و اختلفوا فيما عدا ذلك، فلا بدّ فيما يصير به إماما من دليل، فما قارنه الإجماع يجب أن يحكم به.
و حكى (2) عن شيخه أبي علي، أنّه قال: إنّ ما روي عن عمر أنّه قال: إن بايع ثلاثة و خالف اثنان فاقتلوا الاثنين (3) .. من أخبار الآحاد، و لا شيء يقتضي صحّته، فلا يجوز أن يطعن به في الإجماع. فكلامهم صريح في أنّ الإمامة بالاختيار [إنّه] (4) لا يكون بأقلّ من خمسة، و قد ثبت عن عمر خلافه.
و منها: أنّه وصف كلّ واحد منهم بوصف زعم أنّه يمنع من الإمامة
، ثم جعل الأمر فيمن له هذه الأوصاف.
- وَ قَدْ رَوَى السَّيِّدُ فِي الشَّافِي (5)، عَنِ الْوَاقِدِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ::
قَالَ عُمَرُ: لَا أَدْرِي مَا أَصْنَعُ بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟.- وَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُطْعَنَ-، فَقُلْتُ: وَ لِمَ تَهْتَمُّ وَ أَنْتَ تَجِدُ مَنْ تَسْتَخْلِفُهُ عَلَيْهِمْ؟. قَالَ: أَ صَاحِبُكُمْ- يَعْنِي عَلِيّاً؟!-. قُلْتُ: نَعَمْ وَ اللَّهِ، هُوَ لَهَا أَهْلٌ فِي قَرَابَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) وَ صِهْرِهِ وَ سَابِقَتِهِ وَ بَلَائِهِ؟. قَالَ: إِنَّ فِيهِ بِطَالَةً وَ فُكَاهَةً (6)!. قُلْتُ:
____________
(1) المغني 20- 21- 26- القسم الثاني-. و أورده السيّد المرتضى في الشافي 3- 207.
(2) المغني 20- 26- القسم الثاني-. و نقله بمعناه السيّد في الشافي 4- 202، و ابن أبي الحديد في شرحه 12- 258.
(3) و قد نصّ الطبريّ في تاريخه 4- 229 حوادث سنة 23 ه على أمر عمر بالقتل لمن خالف الشورى، و غيره.
(4) كذا، و خطّ عليها و رمز لها نسخة بدل في مطبوع البحار.
(5) الشّافي 4- 202- 205، بتصرّف و اختصار.
(6) قال ابن أبي الحديد في شرحه على النّهج 12- 279: و أنا أعجب من لفظة عمر- إن كان قالها-:
إنّ فيه بطالة، .. حاش للّه أن يوصف عليّ (عليه السلام) بذلك، و إنّما يوصف به أهل الدّعابة و اللّهو، و ما أظنّ عمر- إن شاء اللّه- قالها، و أظنّها زيدت في كلامه! و إنّ الكلمة هاهنا دالّة على انحراف شديد!.
62
فَأَيْنَ (1) عَنْ طَلْحَةَ؟. قَالَ: فَابْنُ الزَّهْوِ وَ النَّخْوَةِ. قُلْتُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ؟. قَالَ: هُوَ رَجُلٌ صَالِحٌ عَلَى ضَعْفٍ فِيهِ. قُلْتُ: فَسَعْدٌ؟. قَالَ: صَاحِبُ (2) مِقْنَبٍ وَ قِتَالٍ لَا يَقُومُ بِقَرْيَةٍ لَوْ حُمِّلَ أَمْرُهَا. قُلْتُ: فَالزُّبَيْرُ؟. قَالَ: وَعْقَةٌ لَقِسٌ (3)، مُؤْمِنُ الرِّضَا كَافِرُ (4) الْغَضَبِ، شَحِيحٌ، وَ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَصْلُحُ (5) إِلَّا لِقَوِيٍّ فِي غَيْرِ عُنْفٍ، رَفِيقٍ (6) فِي غَيْرِ ضَعْفٍ، جَوَادٍ (7) فِي غَيْرِ سَرَفٍ. قُلْتُ: فَأَيْنَ أَنْتَ عَنْ عُثْمَانَ (8)؟.
قَالَ: لَوْ وَلِيَهَا لَحَمَّلَ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، وَ لَوْ فَعَلَهَا لَقَتَلُوهُ (9).
- قَالَ السَّيِّدُ (رحمه اللّه) (10): وَ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الطَّرِيقِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِأَصْحَابِ الشُّورَى: رُوحُوا إِلَيَّ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمْ قَالَ: قَدْ جَاءَنِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ
____________
(1) في المصدر زيادة: أنت.
(2) في الشّافي: ذاك صاحب.
(3) جاء في حاشية (ك) ما يلي: و في حديث عمر و اهتمامه للخلافة فذكر له سعد، فقال: ذلك إنّما يكون في مقنب من مقانبكم .. المقنب- بالكسر-: جماعة الخيل و الفرسان، و قيل: هي دون المائة، يريد أنّه صاحب حرب و جيوش و ليس بصاحب هذا الأمر، ذكره في النّهاية.
و قال في حديث عمر: .. و ذكر الزّبير، فقال: وعقة لقس .. الوعقة- بالسّكون-: الّذي يضجر و يتبرّم، يقال: رجل وعقة و وعقة أيضا، و وعق- بالكسر- فيهما. و اللقس: السّيّئ الخلق، و قيل:
الشّحيح. [منه (نوّر اللّه ضريحه)].
انظر: النّهاية 4- 111 فيه: هو دون .. و 5- 207 و 4- 264.
(4) في حاشية (ك): مؤمن، ثمّ كتب بعدها: ابن أبي الحديد. و لعلّها في بعض نسخه، و ما هنا مثبت في المصدر المطبوع.
(5) في الشّافي زيادة: له. و لا توجد في شرح النّهج.
(6) في (ك): رقيق.
(7) في (س) نسخة بدل: و جواد.
(8) في المصدر: و عثمان. و لا توجد: عن، فيه.
(9) حديث ابن عبّاس مع عمر جاء في الفائق 2- 425- 426، و أنساب البلاذريّ 5- 16 باختلاف في العبارة، و جاء فيه: 17: قيل: طلحة؟. قال: أنفه في السّماء و استه في الماء. و ذكره في شرح النّهج لابن أبي الحديد 12- 258- 259، باختلاف يسير.
(10) الشّافي 4- 203- 204، و نقله عنه ابن أبي الحديد في شرحه 12- 259- 260.
63
يَهُزُّ عَقِيرَتَهُ (1) يَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَلِيفَةً، أَمَّا أَنْتَ يَا طَلْحَةُ أَ فَلَسْتَ الْقَائِلَ: إِنْ قُبِضَ النَّبِيُّ ص أَنْكِحُ (2) أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ؟! فَمَا جَعَلَ اللَّهُ مُحَمَّداً بِأَحَقَّ بِبَنَاتِ أَعْمَامِنَا (3)، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (4) فِيكَ: (وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً) (5)، وَ أَمَّا (6) أَنْتَ يَا زُبَيْرُ! فَوَ اللَّهِ مَا لَانَ قَلْبُكَ يَوْماً وَ لَا لَيْلَةً، وَ مَا زِلْتَ جِلْفاً (7) جَافِياً، وَ أَمَّا أَنْتَ يَا عُثْمَانُ فَوَ اللَّهِ لَرَوْثَةٌ (8) خَيْرٌ مِنْكَ، وَ أَمَّا أَنْتَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَإِنَّكَ رَجُلٌ عَاجِزٌ تُحِبُ (9) قَوْمَكَ جَمِيعاً، وَ أَمَّا أَنْتَ يَا سَعْدُ فَصَاحِبُ عَصَبِيَّةٍ وَ فِتْنَةٍ (10)، وَ أَمَّا أَنْتَ يَا عَلِيُّ فَوَ اللَّهِ لَوْ وُزِنَ إِيمَانُكَ بِإِيمَانِ أَهْلِ الْأَرْضِ لَرَجَحَهُمْ (11)، فَقَامَ عَلِيٌّ (عليه السلام) مُوَلِّياً يَخْرُجُ (12)، فَقَالَ عُمَرُ: وَ اللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ مَكَانَ الرَّجُلِ لَوْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ لَحَمَلَكُمْ (13) عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ، قَالُوا: مَنْ هُوَ؟. قَالَ: هَذَا الْمُوَلِّي مِنْ بَيْنِكُمْ. قَالُوا: فَمَا يَمْنَعُكَ مِنْ ذَلِكَ؟. قَالَ: لَيْسَ إِلَى
____________
(1) جاء في حاشية (ك): يهزّ عقيرته .. أي رفع صوته، قيل: أصله أنّ رجلا قطعت رجله فكان يرفع المقطوعة على الصّحيحة و يصيح من شدّة وجعها بأعلى صوته، فقيل لكلّ رافع صوته: رفع عقيرته، و العقيرة- فعيلة- بمعنى مفعولة. نهاية.
انظر: النّهاية 3- 275 و فيه: إنّه رفع عقيرته .. أي صوته. و قال فيه 5- 262: نهزّ بهما .. أي نسرع السّير بهما .. هزيزا كهزيز الرّحى .. أي صوت دورانها.
(2) في المصدر: لننكحنّ.
(3) زيادة: منّا، جاءت في الشّافي.
(4) لا توجد في المصدر: تعالى.
(5) الأحزاب: 53.
(6) في (س): و ما.
(7) قال في النّهاية 1- 287: الجلف: الأحمق.
(8) زيادة: أهلك، جاءت في المصدر. و شرح ابن أبي الحديد كالمتن.
(9) في الشّافي: ما تحبّ، و ما في المتن هو الظّاهر.
(10) جاءت العبارة في الشّافي هكذا: فأنت رجل عصبيّ.
(11) في المصدر: لرجح- بلا ضمير-.
(12) لا توجد في الشّافي: يخرج.
(13) في الشّافي: مكان رجل لو ولّيتموها إيّاه لحملكم.
64
ذَلِكَ سَبِيلٌ (1).
- وَ فِي خَبَرٍ آخَرَ- رَوَاهُ الْبَلاذُرِيُّ فِي تَارِيخِهِ (2)-: أَنَّ عُمَرَ لَمَّا خَرَجَ أَهْلُ الشُّورَى مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ: إِنْ وَلَّوْهَا الْأَجْلَحَ (3) سَلَكَ بِهِمُ الطَّرِيقَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ (4): فَمَا يَمْنَعُكَ مِنْهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟. قَالَ: أَكْرَهُ أَنْ أَتَحَمَّلَهَا حَيّاً وَ مَيِّتاً.
فوصف- كما ترى (5)- كلّ واحد من القوم بوصف قبيح يمنع من الإمامة، ثم جعلها في جملتهم حتى كأنّ تلك الأوصاف تزول في حال الاجتماع، و نحن نعلم أنّ الذي ذكره إن كان مانعا من الإمامة في كلّ واحد على الانفراد فهو مانع مع الاجتماع، مع أنّه وصف عليّا (عليه السلام) بوصف لا يليق به و لا ادّعاه عدوّ قطّ عليه، بل هو معروف بضدّه من الركانة و البعد عن المزاح و الدعابة (6)، و هذا معلوم ضرورة لمن سمع أخباره (عليه السلام)، و كيف يظنّ به ذلك،
- وَ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) إِذَا أَطْرَقَ هِبْنَا أَنْ نَبْتَدِئَهُ (7) بِالْكَلَامِ.
، وَ هَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ شِدَّةِ التَّزَمُّتِ (8) وَ التَّوَقُّرِ وَ مَا يُخَالِفُ الدُّعَابَةَ وَ الْفُكَاهَةَ.
و منها: أنّه قال: لا أتحمّلها حيّا و ميّتا ..
و هذا إن كان على عدوله عن
____________
(1) لا توجد: سبيل، في (س).
(2) الأنساب للبلاذريّ 5- 18. و أورده أبو عمر في الاستيعاب 4- 274- 275 [2- 419] في ترجمة عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، و ابن سعد في الطّبقات 3- 341- 342، و الهنديّ في كنز العمّال 6- 359، و الطّبريّ في الرّياض النّضرة 2- 72 و غيرهم في غيرها.
(3) الأجلح من النّاس .. من انحسر الشّعر عن جانبي مقدّم رأسه.
(4) في الشّافي: قال ابن عمر.
(5) في الشافي: كما ترى، وقعت بعد: من القوم.
(6) في المصدر: الفكاهة، بدلا من: الدعابة.
(7) في المصدر المطبوع: تبتدئه.
(8) جاء في حاشية (ك): قال الجوهريّ: الزّميت: الوقور، و فلان أزمت النّاس .. أي أوقرهم. [منه ((رحمه اللّه))].
انظر: الصّحاح للجوهريّ 1- 250.
65
النصّ على واحد بعينه فهو قول متملّس (1) متخلّص لا يفتات على الناس في آرائهم، ثم نقض هذا بأن نصّ على ستة من بين العالم كلّه، ثم رتّب العدد ترتيبا مخصوصا يئول إلى (2) أنّ اختيار عبد الرحمن هو المقدّم، و أيّ شيء يكون من التحمّل أكبر من هذا؟ و أيّ فرق بين أن يتحمّلها بأن ينصّ على واحد بعينه و بين أن يفعل ما فعله من الحصر و الترتيب؟!.
و منها: أنّه أمر بضرب أعناق قوم- أقرّ بأنّهم أفضل الأمّة
- إن تأخّروا عن البيعة أكثر من ثلاثة أيّام، و معلوم أنّ بذلك لا يستحقّون القتل، لأنّهم إذا كانوا إنّما كلّفوا أن يجتهدوا آراءهم في اختيار الإمام فربّما طال زمان الاجتهاد و ربّما قصر بحسب ما يعرض فيه من العوارض، فأيّ معنى للأمر بالقتل إذا تجاوز الأيّام الثلاثة؟.
ثم (3) أنّه أمر بقتل من يخالف الأربعة (4)، و من يخالف العدد الذي فيه عبد
____________
(1) في حاشية (ك): الملاسة: ضدّ الخشونة، يقال: ملّسته فتملّس، و انملس من الأمر: أفلت منه.
و الافتيات: افتعال من الفوت و هو السّبق إلى الشّيء دون ائتمار من يؤتمن، يقال: افتات عليه بأمر كذا .. أي فاته به، و فلان لا يفتات عليه .. أي لا يعمل بشيء دون أمره. [منه ((رحمه اللّه))].
انظر: الصحاح 3- 979- 980 و 1- 260، و لسان العرب 6- 221 و 2- 69- 70، و فيهما:
يؤتمر، بدلا من: يؤتمن. و هو الظاهر.
(2) في (س): إلّا. و ما في الشافي كالمتن.
(3) لا توجد: ثم، في (ك).
(4) أقول: أخرج الطبريّ في تاريخه 5- 35 قال: قال عمر لصهيب: صلّ بالناس ثلاثة أيّام، و أدخل عليّا و عثمان و الزبير و سعدا و عبد الرحمن بن عوف و طلحة- إن قدم- و أحضر عبد اللّه بن عمر- و لا شيء له من الأمر- و قم على رءوسهم، فإن اجتمع خمسة و رضوا رجلا و أبى واحد فأشدخ رأسه أو اضرب رأسه بالسيف- و إن اتّفق أربعة فرضوا رجلا منهم و أبى اثنان فاضرب رءوسهما، فإن رضي ثلاثة رجلا منهم و ثلاثة رجلا منهم فحكّموا عبد اللّه بن عمر فأيّ الفريقين حكم له فليختاروا رجلا منهم، فإن لم يرضوا بحكم عبد اللّه بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، و اقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع عليه الناس.
و ذكره البلاذري في أنساب الأشراف 5- 16- 18، و ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1- 23، و ابن عبد ربّه في العقد الفريد 2- 257. و حكاه عنهم العلّامة الأميني في الغدير 5- 375، فراجع.
و قريب منه ما رواه ابن أبي الحديد 9- 50- 51 عن الشعبي في كتاب الشورى، و مقتل عثمان، و عن الجوهريّ في زيادات كتاب السقيفة.
66
الرحمن، و كلّ ذلك ممّا لا يستحقّ به القتل (1) و ما تمسّكوا به من أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) دخل في الشورى طائعا و بايع غير مكره، فتدلّ رواياتهم على خلاف ذلك، فقد
رَوَى الطَّبَرِيُ (2) فِي تِلْكَ الْقِصَّةِ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ قَالَ: يَا عَلِيُّ! لَا تَجْعَلَنَّ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلًا، فَإِنِّي نَظَرْتُ فَشَاوَرْتُ النَّاسَ فَإِذَا هُمْ لَا يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ، فَخَرَجَ عَلِيٌّ (عليه السلام) وَ هُوَ يَقُولُ:
سَيَبْلُغُ الْكِتَابُ أَجَلَهُ.
- وَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِ (3): إِنَّ النَّاسَ لَمَّا بَايَعُوا عُثْمَانَ تَلَكَّأَ (4) عَلِيٌّ (عليه السلام)، فَقَالَ عُثْمَانُ (5): (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) (6)، فَرَجَعَ عَلِيٌّ (عليه السلام) حَتَّى بَايَعَهُ وَ هُوَ يَقُولُ: خُدْعَةٌ وَ أَيُ (7) خُدْعَةٍ.
- وَ رَوَى السَّيِّدُ (8) (رحمه اللّه)، عَنِ الْبَلاذُرِيِ (9)، عَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ فِي إِسْنَادٍ لَهُ: إِنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) لَمَّا بَايَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ (10) عُثْمَانَ كَانَ
____________
(1) انتهى كلام السيّد في الشافي 4- 204- 205 باختلاف يسير.
(2) تاريخ الطّبريّ 4- 238.
(3) تاريخ الطّبريّ 4- 229 [5- 41] حوادث سنة 23 ه.
(4) قال الجوهريّ في الصّحاح 1- 71: .. تلكّأ عن الأمر تلكّؤا: تباطأ عنه و توقّف، و جاء بمعنى التّثاقل أيضا في النّهاية الأثيريّة 4- 268، و في غيرها مثلهما.
(5) في المصدر: فقال عبد الرّحمن.
(6) الفتح: 10.
(7) في تاريخ الطبريّ: و أيّما.
(8) الشّافي 4- 210.
(9) أنساب الأشراف 5- 22.
(10) خطّ على: عبد الرّحمن، في (س).
67
قَائِماً فَقَعَدَ، فَقَالَ لَهُ (1) عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَايِعْ وَ إِلَّا ضَرَبْتُ (2) عُنُقَكَ، وَ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ مَعَ أَحَدٍ (3) سَيْفٌ غَيْرَهُ، فَخَرَجَ عَلِيٌ (4) (عليه السلام) مُغْضَباً، فَلَحِقَهُ أَصْحَابُ الشُّورَى، فَقَالُوا: بَايِعْ وَ إِلَّا جَاهَدْنَا (5)، فَأَقْبَلَ مَعَهُمْ يَمْشِي حَتَّى بَايَعَ عُثْمَانَ.
فأيّ رضا هاهنا؟! و أيّ إجماع؟! و كيف يكون مختارا من يهدّد بالقتل و الجهاد؟!.
- و قد تكلّم في هذا اليوم المقداد و عمّار رضي اللّه عنهما و جماعة في ذلك عرضوا نصرتهم على أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال: وَ اللَّهِ مَا أَجِدُ أَعْوَاناً عَلَيْهِمْ وَ لَا أُحِبُّ أَنْ أُعَرِّضَكُمْ لِمَا لَا تُطِيقُونَ (6).
. و أمّا دخوله (عليه السلام) في الشورى فسيأتي ما روي من العلل في ذلك، و أيّ علّة أظهر من أنّهم رووا أنّ عمر أوصى أبا طلحة في خمسين رجلا حاملي سيوفهم على عواتقهم في إحضار القوم و قتلهم لو لم يعيّنوا خليفة في الأيّام المعيّنة.
و قال السيّد (7) رضي اللّه عنه- بعد إيراد بعض الروايات من طرقهم ممّا يدلّ على عدم رضاه (عليه السلام) بالشورى و بما (8) ترتّب عليه-: و هذه الجملة التي أوردناها قليل من كثير في أنّ الخلاف كان واقعا، و الرضا كان مرتفعا، و الأمر إنّما تمّ بالحيلة و المكر و الخداع، و أوّل شيء مكر به عبد الرحمن أنّه ابتدأ فأخرج نفسه
____________
(1) لا توجد: له، في (س).
(2) في الشّافي: أضرب.
(3) في الأنساب و الشّافي: مع أحد يومئذ- بتقديم و تأخير-.
(4) في المصدرين: فيقال إنّ عليّا خرج، بدلا من: فخرج.
(5) في الشّافي و الأنساب: جاهداك.
(6) و قد أورده السيّد في الشافي 4- 211- 212 بتفصيل، و حكاه عنه ابن أبي الحديد 12- 265 266، و رواه قبلهما الطبريّ 3- 297 حوادث سنة 23 ه.
(7) الشافي 4- 213.
(8) في (ك): و إنّما.
68
عن الأمر (1) ليتمكّن من صرفه إلى من يريد، و ليقال إنّه لو لا إيثاره (2) الحقّ و زهده في الولاية لما أخرج نفسه منها (3)، ثم عرض على أمير المؤمنين (عليه السلام) ما يعلم أنّه لا يجيب إليه (4) و لا يلزمه (5) الإجابة إليه من السيرة فيهم بسيرة الرجلين، و علم أنّه (عليه السلام) لا يتمكّن من أن يقول إنّ سيرتهما لا يلزمني (6)، لئلّا ينسب إلى الطعن عليهما، و كيف يلتزم بسيرتهما (7) و كلّ واحد منهما لم يسر بسيرة الآخر، بل اختلفا و تباينا في كثير من الأحكام، هذا بعد أن قال لأهل الشورى: و ثقوا لي (8) من أنفسكم بأنّكم ترضون باختياري إذا أخرجت (9) نفسي، فأجابوه- على
- مَا رَوَاهُ أَبُو مِخْنَفٍ بِإِسْنَادِهِ- إِلَى مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ، إِلَّا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، فَإِنَّهُ قَالَ:
انْظُرْ .. لِعِلْمِهِ بِمَا يَجُرُّ هَذَا الْمَكْرُ، حَتَّى أَتَاهُمْ أَبُو طَلْحَةَ فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِمَا عَرَضَ وَ بِإِجَابَةِ الْقَوْمِ إِيَّاهُ إِلَّا عَلِيّاً (عليه السلام)، فَأَقْبَلَ أَبُو طَلْحَةَ عَلَى عَلِيٍّ (عليه السلام)، فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! إِنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ ثِقَةٌ لَكَ وَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَمَا بَالُكَ تُخَالِفُهُ وَ قَدْ عَدَلَ بِالْأَمْرِ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَنْ يَتَحَمَّلَ الْمَأْثَمَ لِغَيْرِهِ؟! فَأَحْلَفَ عَلِيٌّ (عليه السلام) عَبْدَ الرَّحْمَنِ (10) أَنْ لَا يَمِيلَ إِلَى هَوًى، وَ أَنْ يُؤْثِرَ الْحَقَّ وَ يَجْتَهِدَ لِلْأُمَّةِ وَ لَا يُحَابِيَ (11) ذَا
____________
(1) في الشافي: من الأمر.
(2) جاءت: إيثار- بلا ضمير-، في المصدر.
(3) لا توجد: منها، في الشافي.
(4) في (ك): إنّه لا يجب. و وضع فيها على: إليه، رمز نسخة بدل.
(5) جاءت في الشافي: و لا تلزمه. و في (س): و لا يلزم.
(6) في المصدر: لا تلزمني.
(7) في الشافي: يلزم سيرتهما. و في (ك) تقرأ: يلتزم سيرتهما.
(8) جاءت: إلى، بدلا من: لي، في (ك).
(9) في الشافي: إذا خرجت.
(10) في مطبوع البحار زيادة: بما عرض. و وضع عليها رمز نسخة بدل، و لا توجد في المطبوع من المصدرين.
(11) في (ك): و لا يجابي. و في الشّافي: و لا يحامي.
69
قَرَابَةٍ، فَحَلَفَ لَهُ.
و هذا غاية ما يتمكّن (1) منه أمير المؤمنين (عليه السلام) في الحال، لأنّ عبد الرحمن لّما أخرج نفسه من الأمر فظنّت (2) به الجماعة الخير، و فوّضت إليه الاختيار، لم يقدر (3) أمير المؤمنين (عليه السلام) على أن يخالفهم و ينقض ما اجتمعوا عليه، فكان أكثر ما تمكّن منه أن أحلفه و صرّح بما يخاف من جهته من الميل إلى الهوى و إيثار القرابة غير أنّ ذلك كلّه لم يغن شيئا.
و منها: إنّه نسب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الفكاهة و البطالة
، و ذمّه عموما في ضمن ذمّ جميع الستة، و كان يهتمّ و يبذل جهده في منع أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الخلافة حسدا و بغيا، و يكفي هذا في القدح، و استبعاد ابن أبي الحديد (4) هذا و ادّعاؤه الظنّ بأنّها زيدت في كلامه غريب لاشتمال جلّ رواياتهم عليه، و ليس هذا ببدع منه.
- فَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (5) عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! لَقَدْ أَجْهَدَ هَذَا الرَّجُلُ (6) نَفْسَهُ فِي الْعِبَادَةِ حَتَّى نَحَلْتَهُ رِيَاءً!. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قُلْتُ: مَنْ هُوَ؟.
قَالَ: الْأَجْلَحُ- يَعْنِي عَلِيّاً (عليه السلام)-. قُلْتُ: وَ مَا يَقْصِدُ بِالرِّيَاءِ؟. قَالَ: يُرَشِّحُ نَفْسَهُ بَيْنَ النَّاسِ لِلْخِلَافَةِ.
- وَ رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي كِتَابِ الشُّورَى (7)، وَ عَنِ الْجَوْهَرِيِّ فِي كِتَابِ السَّقِيفَةِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيِ (8)، قَالَ: مَشَيْتُ وَرَاءَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ
____________
(1) في المصدر: ما تمكّن.
(2) في الشافي: ظنّت- بلا فاء-.
(3) جاءت العبارة في المصدر هكذا: و فوّضوا إليه الاختيار فلم يقدر ..
(4) في شرحه على نهج البلاغة 12- 279، و قد مرّ نصّ عبارته.
(5) شرح النّهج 12- 80: بتصرّف يسير، نقله عن أمالي أبي جعفر محمّد بن حبيب.
(6) خطّ على: الرّجل، في (س).
(7) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 5- 50- 55.
(8) في المصدر: قال الشّعبيّ: فحدّثني من لا أتّهمه من الأنصار. و قال أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ:
هو سهل بن سعد الأنصاريّ. و في (س) زيادة: بن، قبل: الأنصاريّ.
70
(ع) حِينَ انْصَرَفَ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ، وَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَمْشِي فِي جَانِبِهِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ لِلْعَبَّاسِ (1): ذَهَبَتْ مِنَّا وَ اللَّهِ!. فَقَالَ: كَيْفَ عَلِمْتَ؟. قَالَ: أَ لَا تَسْمَعُهُ يَقُولُ: كُونُوا فِي الْجَانِبِ الَّذِي فِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَ سَعْدٌ لَا يُخَالِفُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ (2) لِأَنَّهُ ابْنُ عَمِّهِ، وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ نَظِيرُ عُثْمَانَ وَ هُوَ صِهْرُهُ، فَإِذَا اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ! فَلَوْ أَنَّ الرَّجُلَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ كَانَا مَعِي لَمْ يُغْنِيَا عَنِّي شَيْئاً، دَعْ إِنِّي لَسْتُ أَرْجُوهُمَا وَ لَا أَحَدَهُمَا (3)، وَ مَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَحَبَّ عُمَرُ أَنْ يُعْلِمَنَا أَنَّ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَهُ فَضْلًا عَلَيْنَا لَا، لَعَمْرُ اللَّهِ (4) مَا جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهُمْ عَلَيْنَا كَمَا لَمْ يَجْعَلْ لِأَوْلَاهُمْ عَلَى أَوْلَانَا (5)، أَمَا وَ اللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَمُتْ عُمَرُ لَأَذْكُرَنَّهُ (6) مَا أَتَى إِلَيْنَا قَدِيماً، وَ لَأُعْلِمَنَّهُ (7) سُوءَ رَأْيِهِ فِينَا وَ مَا أَتَى إِلَيْنَا حَدِيثاً، وَ لَئِنْ مَاتَ- وَ لَيَمُوتَنَّ- لَيَجْمَعَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَى أَنْ يَصْرِفُوا هَذَا الْأَمْرَ عَنَّا، وَ لَئِنْ فَعَلُوهَا لَيَرَوْنِي (8) حَيْثُ يَكْرَهُونَ، وَ اللَّهِ مَا بِي رَغْبَةٌ فِي السُّلْطَانِ وَ لَا أُحِبُّ الدُّنْيَا، وَ لَكِنْ لِإِظْهَارِ الْعَدْلِ، وَ الْقِيَامِ بِالْكِتَابِ وَ السُّنَّةِ (9).
و قد ورد في الروايات التصريح بأنّه أراد بهذا التدبير قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) كما سيأتي في أخبار الشورى.
- وَ رَوَى أَبُو الصَّلَاحِ (رحمه اللّه) فِي كِتَابِ تَقْرِيبِ الْمَعَارِفِ (10)، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ
____________
(1) في مطبوع البحار: لعبّاس.
(2) لا يوجد في المصدر المطبوع: و سعد لا يخالف عبد الرّحمن.
(3) في شرح النّهج: مع أنّي لست أرجو إلّا أحدهما.
(4) في مطبوع البحار زيادة الواو قبل لفظ الجلالة.
(5) في المصدر: لأولادهم على أولادنا.
(6) في شرح النّهج: لأذكرته.
(7) في المصدر: لأغلمته.
(8) في الشّرح زيادة: و ليفعلنّ. و فيه: ليرونني- بزيادة النّون-.
(9) إلى هنا كلام ابن أبي الحديد في شرحه 9- 50- 51، بتصرّف يسير.
(10) تقريب المعارف: القسم الثّاني الشّامل لمطاعن الخلفاء الثّلاثة و غيرهم، لم يطبعه مصحّح الكتاب مع الأسف.
71
(عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ هَلَكَ وَ جَعَلَهَا شُورَى وَ جَعَلَنِي سَادِسَ سِتَّةٍ كَسَهْمِ الْجَدَّةِ، وَ قَالَ: اقْتُلُوا الْأَقَلَّ، وَ مَا أَرَادَ غَيْرِي، فَكَظَمْتُ غَيْظِي، وَ انْتَظَرْتُ أَمْرَ رَبِّي، وَ أَلْزَقْتُ كَلْكَلِي (1) بِالْأَرْضِ .. الْخَبَرَ.
- وَ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ فِي الشَّرْحِ (2)، وَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْكَامِلِ (3)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ .. أَنَّهُ قَالَ يَوْماً لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَ تَدْرِي مَا مَنَعَ النَّاسَ لَكُمْ (4)؟. قَالَ: لَا، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: وَ (5) لَكِنِّي أَدْرِي. قَالَ: مَا هُوَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟. قَالَ: كَرِهَتْ قُرَيْشٌ أَنْ تُجْمَعَ لَكُمُ النُّبُوَّةُ وَ الْخِلَافَةُ فَتَجْحَفُوا النَّاسَ جَحْفاً (6)، فَنَظَرَتْ قُرَيْشٌ لِأَنْفُسِهَا فَاخْتَارَتْ، وَ وَفَّقَتْ فَأَصَابَتْ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَ يُمِيطُ- أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ- عَنِّي غَضَبَهُ فَيَسْمَعَ؟. قَالَ: قُلْ مَا تَشَاءُ. قَالَ:
أَمَّا قَوْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ قُرَيْشاً اخْتَارَتْ (7) لِأَنْفُسِهَا فَأَصَابَتْ وَ وَفَّقَتْ .. (8) فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: (وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) (9)، وَ قَدْ عَلِمْتَ
____________
(1) في (س): الكلل. و هنا حاشية جاءت في (ك) و هي: و الكلل و الكلكل: الصّدر، أو ما بين التّرقوتين. مجمع.
انظر: مجمع البحرين 5- 465، و فيه: الكلكل و الكلكال.
(2) شرح النّهج 12- 53- 55.
(3) الكامل لابن الأثير: 3- 34 [دار الكتاب العربيّ] باختلاف كثير أشرنا لبعضه.
(4) في المصدرين: منكم. و هو الظّاهر.
(5) لا توجد الواو في الشّرح.
(6) في المصدر: فيجخفوا جخفا. الجخف: هو الفخر و الشّرف، و يروى جفخا. ذكره ابن الأثير في النّهاية 1- 242، انظر: مجمع البحرين 5- 31، و القاموس 3- 121، و في الكامل: فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا.
(7) إنّ في نقل عبارة المصدر تقديم و تأخير، فإنّ قوله: اختارت .. إلى قوله: و لا محدود، جاء في المصدر تلو آية: ( «وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»)، باختلاف نشير إليه.
(8) لا توجد في المصدر: لأنفسها فأصابت و وفّقت. توجد القضيّة إلى هنا في ديوان زهير: 281 283.
(9) القصص: 68.
72
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- أَنَّ اللَّهَ اخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ لِذَلِكَ مَنِ اخْتَارَ، فَلَوْ أَنَّ قُرَيْشاً (1) اخْتَارَتْ لِأَنْفُسِهَا حَيْثُ اخْتَارَ اللَّهُ لَهَا لَكَانَ الصَّوَابُ بِيَدِهَا غَيْرَ مَرْدُودٍ وَ لَا مَحْدُودٍ.
وَ أَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّهُمْ أَبَوْا أَنْ يَكُونَ لَنَا النُّبُوَّةُ وَ الْخِلَافَةُ .. فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ قَوْماً بِالْكَرَاهَةِ، فَقَالَ (2): (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ) (3)، وَ أَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّا كُنَّا نَجْحَفُ .. فَلَوْ جَحَفْنَا بِالْخِلَافَةِ لَجَحَفْنَا بِالْقَرَابَةِ، وَ لَكِنَّ أَخْلَاقَنَا (4) مُشْتَقَّةٌ مِنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِي حَقِّهِ (5) (وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (6)، وَ قَالَ لَهُ: (وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (7).
فَقَالَ عُمَرُ: عَلَى رِسْلِكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ!، أَبَتْ قُلُوبُكُمْ- يَا بَنِي هَاشِمٍ- إِلَّا غِشّاً فِي أَمْرِ قُرَيْشٍ لَا يَزُولُ، وَ حِقْداً عَلَيْهَا لَا يُحَوَّلُ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَهْلًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ!، لَا تُنْسَبُ قُلُوبُ بَنِي (8) هَاشِمٍ إِلَى الْغِشِّ فَإِنَّ قُلُوبَهُمْ مِنْ قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) الَّذِي طَهَّرَهُ اللَّهُ وَ زَكَّاهُ، وَ هُمْ أَهْلُ الْبَيْتِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ (9): (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (10)، وَ أَمَّا قَوْلُكَ: حِقْداً .. فَكَيْفَ لَا يَحْقِدُ مَنْ غُصِبَ شَيْئَهُ، وَ يَرَاهُ فِي يَدِ
____________
(1) في الشّرح: فلو نظرت قريش من حيث نظر اللّه لها لوفقت و أصابت قريش، بدلا من قوله: فلو أنّ قريشا .. إلى قوله: و لا محدود.
(2) في المصدر: أمّا قول أمير المؤمنين: إنّ قريشا كرهت .. فإنّ اللّه تعالى قال لقوم ..
(3) سورة محمّد ص : 9.
(4) في شرح النّهج: فلو جخفنا بالخلافة جخفنا بالقرابة و لكنّا قوم أخلاقنا ..
(5) لا توجد في المصدر: في حقّه، و بدلا منها: تعالى.
(6) القلم: 4.
(7) الشّعراء: 215.
(8) لا توجد في المصدر: قلوب بني. و كلمة: هاشم، فيه بالرّفع.
(9) في شرح النّهج: لهم.
(10) الأحزاب: 33.
73
غَيْرِهِ؟!.
فَقَالَ عُمَرُ: أَمَّا أَنْتَ- يَا عَبْدَ اللَّهِ (1)- فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ كَلَامٌ أَكْرَهُ أَنْ أُخْبِرَكَ بِهِ فَتَزُولَ مَنْزِلَتُكَ عِنْدِي. قَالَ: وَ مَا هُوَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ أَخْبِرْنِي بِهِ، فَإِنْ يَكُ بَاطِلًا فَمِثْلِي أَمَاطَ الْبَاطِلَ عَنْ نَفْسِهِ، وَ إِنْ يَكُ حَقّاً فَمَا يَنْبَغِي أَنْ تُزِيلَ مَنْزِلَتِي مِنْكَ.
فَقَالَ (2): بَلَغَنِي أَنَّكَ لَا تَزَالُ تَقُولُ: أُخِذَ هَذَا الْأَمْرُ (3) حَسَداً وَ ظُلْماً. قَالَ: أَمَّا قَوْلُكَ- يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- حَسَداً، فَقَدْ حَسَدَ إِبْلِيسُ آدَمَ، فَأَخْرَجَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، فَنَحْنُ بَنُو آدَمَ الْمَحْسُودُونَ (4)، وَ أَمَّا قَوْلُكَ: ظُلْماً، فَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَعْلَمُ صَاحِبَ الْحَقِّ مَنْ هُوَ؟!، ثُمَّ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ!، أَ لَمْ يَحْتَجَ (5) الْعَرَبُ عَلَى الْعَجَمِ بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ احْتَجَّتْ قُرَيْشٌ عَلَى سَائِرِ الْعَرَبِ بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَنَحْنُ أَحَقُّ بِرَسُولِ اللَّهِ ص مِنْ سَائِرِ قُرَيْشٍ؟!. فَقَالَ عُمَرُ: قُمِ الْآنَ فَارْجِعْ إِلَى مَنْزِلِكَ، فَقَامَ فَلَمَّا وَلَّى هَتَفَ بِهِ عُمَرُ: أَيُّهَا الْمُنْصَرِفُ! إِنِّي عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ لَرَاعٍ حَقَّكَ!. فَالْتَفَتَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: إِنَّ لِي عَلَيْكَ- يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- وَ عَلَى كُلِّ الْمُسْلِمِينَ حَقّاً بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَمَنْ حَفِظَ فَحَظَّ (6) نَفْسِهِ حَفِظَ، وَ مَنْ أَضَاعَ فَحَقَّ نَفْسِهِ أَضَاعَ، ثُمَّ مَضَى، فَقَالَ عُمَرُ لِجُلَسَائِهِ: وَاهاً (7)! لِابْنِ عَبَّاسٍ، مَا رَأَيْتُهُ يُحَاجُ (8) أَحَداً قَطُّ إِلَّا خَصَمَهُ!.
____________
(1) في المصدر: يا ابن عبّاس.
(2) في شرح النّهج: فإنّ منزلتي عندك لا تزول به. قال.
(3) زيادة: منك، في المصدر.
(4) في الشّرح: المحسود- بصيغة المفرد-.
(5) في المصدر: أ لم تحتجّ.
(6) في المصدر: فحقّ.
(7) قيل: معنى هذه الكلمة التّلهّف، و قد توضع موضع الإعجاب بالشّيء، يقال: واها له. و قد ترد بمعنى التّوجّع، و انتصابها على إجرائها مجرى المصادر، قاله الطّريحيّ في مجمع البحرين 1- 466.
(8) في الشّرح: لاحى.
74
- وَ رَوَى أَيْضاً ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (1)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ فِي أَوَّلِ خِلَافَتِهِ وَ قَدْ أُلْقِيَ لَهُ صَاعٌ مِنْ تَمْرَةٍ (2) عَلَى خَصَفَةٍ (3) فَدَعَانِي إِلَى الْأَكْلِ، فَأَكَلْتُ تَمْرَةً وَاحِدَةً، وَ أَقْبَلَ يَأْكُلُ حَتَّى أَتَى عَلَيْهِ، فَشَرِبَ مِنْ جَرَّةٍ كَانَتْ (4) عِنْدَهُ، وَ اسْتَلْقَى عَلَى مِرْفَقَةٍ لَهُ، وَ طَفِقَ يَحْمَدُ اللَّهَ .. وَ يُكَرِّرُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟. قُلْتُ: مِنَ الْمَسْجِدِ. قَالَ: كَيْفَ خَلَّفْتَ ابْنَ عَمِّكَ؟، فَظَنَنْتُهُ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، قُلْتُ: خَلَّفْتُهُ يَلْعَبُ مَعَ أَتْرَابِهِ. قَالَ: لَمْ أَعْنِ ذَلِكَ، إِنَّمَا عَنَيْتُ عَظِيمَكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ. قُلْتُ: خَلَّفْتُهُ يَمْتَحُ بِالْغَرْبِ (5) عَلَى نَخِيلَاتٍ مِنْ فُلَانٍ وَ يَقْرَأُ (6) الْقُرْآنَ. قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! عَلَيْكَ دِمَاءُ الْبُدْنِ إِنْ كَتَمْتَنِيهَا، هَلْ بَقِيَ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الْخِلَافَةِ؟. قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَ يَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) نَصَّ عَلَيْهِ (7)؟. قُلْتُ: نَعَمْ، وَ أَزِيدُكَ: سَأَلْتُ أَبِي عَمَّا يَدَّعِيهِ، فَقَالَ:
صَدَقَ. فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي أَمْرِهِ زَرْءٌ (8)
____________
(1) في شرح نهج البلاغة 12- 20- 21، بتصرف.
(2) في المصدر: من تمر- بلا تاء-.
(3) قال في الصّحاح 4- 1351: الخصفة- بالتّحريك-: الجلّة الّتي تعمل من الخوص للتّمر.
و أضاف في النّهاية 2- 37 .. و كأنّها فعل بمعنى مفعول من الخصف، و هو ضمّ الشّيء إلى الشّيء لأنّه شيء منسوج من الخوص، و جاء في مجمع البحرين 5- 41، و القاموس 3- 134.
(4) في الشّرح: ثمّ شرب من جرّ كان. و في (ك): كان، بدلا من: كانت.
أقول: الجرّ- بفتح الجيم و تشديد الرّاء- آنية من خزف، الواحدة: جرّة. انظر: الصّحاح 2- 611.
(5) جاء في حاشية (ك): و الغرب: الدّلو العظيم. صحاح.
أقول: قاله في الصّحاح 1- 193. و متح الماء يمتحه متحا: إذا نزعه. ذكره الجوهريّ في الصّحاح 1- 403، و ابن الأثير في النّهاية 4- 291، و الطّريحيّ في المجمع 2- 411، و الفيروزآباديّ في القاموس 1- 248.
(6) في المصدر: و هو يقرأ.
(7) فيه، بدلا من: عليه، جاءت في (س).
(8) في الشّرح: ذرو. يقال: ذرو من قول .. أي طرف منه و لم يتكامل. و الذّرو: النّاقص و الحقير و الشّيء المعيوب.
75
مِنْ قَوْلٍ لَا يُثْبِتُ حُجَّةً، وَ لَا يَقْطَعُ عُذْراً، وَ لَقَدْ كَانَ يَزِيغُ (1) فِي أَمْرِهِ وَقْتاً مَا، وَ لَقَدْ أَرَادَ فِي مَرَضِهِ أَنْ يُصَرِّحَ بِاسْمِهِ فَمَنَعْتُ مِنْ ذَلِكَ إِشْفَاقاً وَ حِيطَةً عَلَى الْإِسْلَامِ! وَ لَا وَ رَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ لَا تَجْتَمِعُ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ أَبَداً، وَ لَوْ وَلِيَهَا لَانْتَقَضَتْ عَلَيْهِ الْعَرَبُ مِنْ أَقْطَارِهَا، فَعَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنِّي عَلِمْتُ مَا فِي نَفْسِهِ، فَأَمْسَكَ، وَ أَبَى اللَّهُ إِلَّا إِمْضَاءَ مَا حَتَمَ.
قال (2): ذكر هذا الخبر أحمد بن أبي طاهر صاحب كتاب تاريخ بغداد في كتابه مسندا.
وَ رَوَى أَيْضاً (3)، أَنَّهُ قَالَ عُمَرُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! أَنْتُمْ أَهْلُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ بَنُو عَمِّهِ فَمَا مَنَعَ قَوْمُكُمْ مِنْكُمْ؟. قَالَ: لَا أَدْرِي (4) وَ اللَّهِ مَا أَضْمَرْنَا لَهُمْ إِلَّا خَيْراً، قَالَ (5): اللَّهُمَّ غَفْراً إِنَّ قَوْمَكُمْ كَرِهُوا أَنْ تَجْتَمِعَ (6) لَكُمُ النُّبُوَّةُ وَ الْخِلَافَةُ فَتَذْهَبُوا فِي السَّمَاءِ شتحا (7) وَ بَذَخاً (8)، وَ لَعَلَّكُمْ تَقُولُونَ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ أَخَّرَكُمْ، أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ وَ لَكِنْ حَضَرَ أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ أَحْزَمَ
____________
(1) في المصدر: يربع. و الزّيغ: هو الميل، كما في الصّحاح 4- 1320، و مجمع البحرين 5- 10، و النّهاية 2- 325. و قال في القاموس 3- 24: ربع- كمنع-: وقف و انتظر.
(2) قاله ابن أبي الحديد في الشرح 12- 21.
(3) ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 12- 9، و جاء في صفحة: 189 من الشّرح أيضا.
(4) في المصدر زيادة: علّتها.
(5) في (ك): فقال.
(6) في الشّرح: أن يجتمع.
(7) في المصدر: شمخا، و هي نسخة في مطبوع البحار، و ما في (س): تقرأ: شخما. أشخم اللّبن:
تغيّرت رائحته، و شخم- بالفتح-: الطّعام، و شخم- بالكسر-: إذا فسد، جاء في الصّحاح 5- 1959، و القاموس 4- 135. و قال ابن الأثير في النّهاية 2- 500: الشّامخ: العالي، و قد شمخ يشمخ شموخا، و كذا جاء في القاموس 1- 262. و أمّا: شتح، فلم نجد لها معنى مناسبا في كتب اللّغة الّتي بأيدينا.
(8) البذخ: الكبر، كما في الصّحاح 1- 419، و القاموس المحيط 1- 257، و النّهاية 1- 110، و الفخر و التّطاول، كما في مجمع البحرين 2- 429.
76
مِمَّا فَعَلَ، وَ لَوْ لَا رَأْيُ أَبِي بَكْرٍ فِيَّ لَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَمْرِ نَصِيباً، وَ لَوْ فَعَلَ مَا هَنَّاكُمْ مَعَ قَوْمِكُمْ .. أَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكُمْ نَظَرَ الثَّوْرِ إِلَى جَاذِرِهِ (1).
وَ رَوَى أَيْضاً (2)، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ عُمَرُ- فِي كَلَامٍ كَانَ بَيْنَهُمَا-: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! إِنَّ صَاحِبَكُمْ إِنْ وَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ أَخْشَى عُجْبُهُ بِنَفْسِهِ أَنْ يَذْهَبَ بِهِ، فَلَيْتَنِي أَرَاكُمْ بَعْدِي.
- وَ رَوَى- أَيْضاً- فِيهِ (3)، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْأَنْبَارِيِّ فِي أَمَالِيهِ: أَنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) جَلَسَ إِلَى عُمَرَ فِي الْمَسْجِدِ وَ عِنْدَهُ نَاسٌ، فَلَمَّا قَامَ عَرَضَ (4) وَاحِدٌ بِذِكْرِهِ وَ نَسَبَهُ إِلَى التِّيهِ وَ الْعُجْبِ، فَقَالَ عُمَرُ: حَقٌّ لِمِثْلِهِ أَنْ يَتِيهَ، وَ اللَّهِ لَوْ لَا سَيْفُهُ لَمَا (5) قَامَ عَمُودُ الْإِسْلَامِ، وَ هُوَ بَعْدُ أَقْضَى الْأُمَّةِ وَ ذُو سَابِقَتِهَا وَ ذُو شَرَفِهَا. فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ الْقَائِلُ:
فَمَا مَنَعَكُمْ- يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- عَنْهُ؟. قَالَ: كَرِهْنَاهُ عَلَى حَدَاثَةِ السِّنِّ وَ حُبِّهِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
فقد ظهر من تلك الأخبار أنّ عمر كان يبذل جهده في منع أمير المؤمنين عن الخلافة، مع أنّه كان يعترف مرارا أنّه كان أحقّ بها، و أنّ اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) كانا يرتضيانه لها.
و منها: أنّهم رووا أنّه قال- بعد ما طعن-: لو كان سالم حيّا لم يخالجني فيه شكّ و استخلفته
، مع أنّ الخاصّة و العامّة- إلّا شذوذا لا يعبأ بهم- اتّفقت على أنّ الإمامة لا تكون إلّا في قريش، و تضافرت بذلك الروايات، و
- رَوَوْا أَنَّهُ شَهِدَ عُمَرُ يَوْمَ السَّقِيفَةِ بِأَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ.
، وَ ذَلِكَ مُنَاقَضَةٌ صَرِيحَةٌ وَ مُخَالَفَةٌ لِلنَّصِّ وَ الِاتِّفَاقِ.
____________
(1) في الشّرح: إلى جازره.
(2) شرح النّهج لابن أبي الحديد 12- 50.
(3) شرح النّهج لابن أبي الحديد 12- 82.
(4) في (ك) زيادة: كلّ، و خطّ عليها في (س).
(5) تقرأ في (س): ما.
77
و (1) أمّا المقدّمة الأولى:
- فَرَوَى ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْكَامِلِ (2)، عَنْ عُمَرَ بْنِ مَيْمُونٍ (3): أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا طُعِنَ قِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَوِ اسْتَخْلَفْتَ؟.
قَالَ: لَوْ كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ حَيّاً لَاسْتَخْلَفْتُهُ، وَ قُلْتُ لِرَبِّي إِنْ سَأَلَنِي سَمِعْتُ نَبِيَّكَ يَقُولُ: إِنَّهُ أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَ لَوْ كَانَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ حَيّاً لَاسْتَخْلَفْتُهُ وَ قُلْتُ لِرَبِّي إِنْ سَأَلَنِي: سَمِعْتُ نَبِيَّكَ يَقُولُ: إِنَّ سَالِماً شَدِيدُ الْحُبِّ لِلَّهِ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ:
أَدُلُّكَ عَلَى (4) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. فَقَالَ: قَاتَلَكَ اللَّهُ! وَ اللَّهِ مَا أَرَدْتَ اللَّهَ بِهَذَا (5)، وَيْحَكَ! كَيْفَ أَسْتَخْلِفُ رَجُلًا عَجَزَ عَنْ طَلَاقِ امْرَأَتِهِ، لَا أَرَبَ لَنَا فِي أُمُورِكُمْ (6) مَا حَمِدْتُهَا (7) فَأَرْغَبَ فِيهَا لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، إِنْ كَانَ خَيْراً، فَقَدْ أَصَبْنَا مِنْهُ، وَ إِنْ كَانَ شَرّاً فَقَدْ صُرِفَ (8) عَنَّا، حَسْبُ آلِ عُمَرَ أَنْ يُحَاسَبَ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ وَ يُسْأَلَ عَنْ أَمْرِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله).
وَ رَوَى السَّيِّدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الشَّافِي (9)، وَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ فِي شَرْحِ النَّهْجِ (10)، عَنِ الطَّبَرِيِ (11) مِثْلَهُ.
____________
(1) لا توجد الواو في (س).
(2) الكامل 3- 34 [دار الكتاب العربيّ] [5- 33] باختلاف يسير، و مثله في العقد الفريد 2- 256.
(3) في الكامل: عمر بن ميمون الأوديّ.
(4) في المصدر: عليه- بزيادة الضّمير-. و في شرح النّهج: ولّ عبد اللّه بن عمر، بدلا من: أدلّك على عبد اللّه بن عمر. و ما في تاريخ الطّبريّ مطابق لما هنا.
(5) في شرح النّهج: و اللّه ما اللّه أردت بهذا الأمر.
(6) في شرح النّهج: لا أرب لعمر .. و في شرح النّهج: في خلافتكم، بدلا من: أموركم.
(7) في مطبوع البحار تقرأ: فماجدتها. و ما أثبتناه من المصدر و تاريخ الطّبريّ و شرح النّهج لابن أبي الحديد.
(8) في (س): صرفت. و في شرح النّهج و الطّبريّ: يصرف.
(9) الشّافي 3- 197.
(10) شرح النّهج 1- 190 عن تاريخ الطّبريّ، و قال: هذه الرّواية هي الّتي اختارها أبو جعفر محمّد بن جرير الطّبريّ صاحب التّاريخ.
(11) تاريخ الطّبريّ (تاريخ الرّسل و الملوك) 5- 33 [4- 230] حوادث سنة 23 ه. و أورد ابن سعد في طبقاته 3- 248، و الباقلانيّ في التّمهيد: 204، و أبو عمر في الاستيعاب 2- 561، و الحافظ العراقيّ في طرح التّثريب 1- 49، و ابن الأثير في أسد الغابة 2- 246 و غيرهم في غيرها، و فيه: أنّ عمر قال: لو أدركني أحد رجلين لجعلت هذا الأمر إليه و لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة، و أبي عبيدة الجرّاح، و لو كان سالم حيّا ما جعلتها شورى.
78
- وَ رَوَى السَّيِّدُ (1) (رحمه اللّه)، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ (2) الْبَلاذُرِيِّ فِي كِتَابِ تَارِيخِ الْأَشْرَافِ (3)، عَنْ عَفَّانَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ مُسْتَنِداً إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَ عِنْدَهُ ابْنُ عُمَرَ وَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، فَقَالَ: اعْلَمُوا أَنِّي لَمْ أَقُلْ فِي الْكَلَالَةِ شَيْئاً، وَ لَمْ أَسْتَخْلِفْ بَعْدِي أَحَداً، وَ إِنَّهُ مَنْ أَدْرَكَ وَفَاتِي مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ فَهُوَ حُرٌّ مِنْ مَالِ اللَّهِ. فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ:
أَمَا أَنَّكَ لَوْ أَشَرْتَ إِلَى رَجُلٍ (4) مِنَ الْمُسْلِمِينَ ائْتَمَنَكَ النَّاسُ. فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ رَأَيْتُ مِنْ أَصْحَابِي حِرْصاً سَيِّئاً، وَ إِنِّي (5) جَاعِلُ هَذَا الْأَمْرِ إِلَى هَؤُلَاءِ النَّفَرِ السِّتَّةِ الَّذِينَ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ هُوَ عَنْهُمْ (6) رَاضٍ. ثُمَّ قَالَ: لَوْ أَدْرَكَنِي أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ لَجَعَلْتُ (7) هَذَا الْأَمْرَ إِلَيْهِ وَ (8) لَوَثِقْتُ بِهِ، سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَأَيْنَ أَنْتَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؟. فَقَالَ لَهُ: قَاتَلَكَ اللَّهُ (9)! مَا أَرَدْتُ وَ اللَّهِ أَسْتَخْلِفُ رَجُلًا لَمْ يُحْسِنْ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ (10).
____________
(1) الشّافي 3- 197- 198.
(2) و في المصدر: و روى أبو الحسن أحمد بن يحيى بن جابر البلاذريّ. و هو الظّاهر، و قد توفّي في سنة 279 ه.
(3) لم نجده ممّا هو مطبوع من أنساب الأشراف (تاريخ الأشراف)، فراجع.
(4) في المصدر: برجل.
(5) في الشّافي: و أنا.
(6) وضع على: عنهم رمز نسخة بدل في مطبوع البحار.
(7) في المصدر: فجعلت.
(8) لا توجد الواو، في الشّافي.
(9) لا توجد كلمة: اللّه، في (س)، و العبارة في المصدر: قاتلك اللّه، و اللّه ما أردت اللّه بها. و هو الظّاهر.
(10) و قريب منه: ما أورده ابن سعد في طبقاته 3- 353 و 359.
79
قَالَ عَفَّانُ- يَعْنِي بِالرَّجُلِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ.
وَ قَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ قَاضِي الْقُضَاةِ (1) وَ لَمْ يَطْعَنْ فِيهَا.
و أما المقدّمة الثانية: فقد
- رَوَى الْبُخَارِيُ (2) وَ مُسْلِمٌ (3) فِي صَحِيحَيْهِمَا، وَ صَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ (4)، عَنْ (5) أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ:: النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ، مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ، وَ كَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ، النَّاسُ مَعَادِنُ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا، تَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ أَشَدَّ كَرَاهِيَةً لِهَذَا الشَّأْنِ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ.
- وَ رَوَوْا جَمِيعاً (6)، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثْنَانِ.
- وَ رَوَى الْبُخَارِيُ (7)، عَنْ مُعَاوِيَةَ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
____________
(1) المغني 20- 236- القسم الأوّل-.
(2) صحيح البخاريّ 6- 385 كتاب الأنبياء باب المناقب [4- 217 باب 1، قوله تعالى: ( «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى»). دار مطابع الشعب].
(3) صحيح مسلم كتاب الإمارة، باب النّاس تبع لقريش و الخلافة في قريش حديث 1818.
(4) في جامع الأصول 9- 209 حديث 6787 ذكر صدر الحديث باختلاف يسير. و جاء كاملا فيه 4- 42 حديث 2017، و أخرجه أحمد في مسنده 2- 243 و 261 و 395 و 433، و ابن حجر في فتح الباري 13- 101- 107 في الأحكام باب الأمراء من قريش، و ذكره قبل ذلك فيه 6- 388 في تعريف قريش، و النووي في شرح صحيح مسلم 2- 119 كتاب الإمارة باب النّاس تبع لقريش .. و غيرهم.
(5) في (س): من، بدلا من: عن.
(6) صحيح البخاريّ 6- 389 كتاب الأنبياء باب مناقب قريش، و كتاب الأحكام باب الأمراء من قريش، و صحيح مسلم كتاب الإمارة باب النّاس تبع لقريش.
(7) صحيح البخاريّ 6- 389 [4- 218- دار الشّعب] كتاب الأنبياء باب مناقب قريش، و في كتاب الأحكام باب الأمراء من قريش، و جاء في جامع الأصول 4- 43 ذيل حديث 2019.
80
عَلَيْهِ [وَ آلِهِ] وَ سَلَّمَ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا أَكَبَّهُ (1) اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ مَا أَقَامُوا الدِّينَ.
- وَ رَوَى مُسْلِمٌ (2)، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي الْخَيْرِ وَ الشَّرِّ.
- وَ رَوَى صَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ (3)، عَنِ التِّرْمِذِيِ (4) بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: قُرَيْشٌ وُلَاةُ النَّاسِ فِي الْخَيْرِ وَ الشَّرِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
و قال قاضي القضاة في المغني (5)- في بحث أنّ الأئمّة من قريش-: قد استدلّ شيوخنا على ذلك بما
- رُوِيَ عَنْهُ (صلّى اللّه عليه و آله): أَنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ (6).
- وَ رُوِيَ أَيْضاً أَنَّهُ قَالَ: هَذَا الْأَمْرُ لَا يَصْلُحُ إِلَّا فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ.
____________
(1) في المصدرين: كبّه.
(2) صحيح مسلم كتاب الإمارة باب النّاس تبع لقريش حديث 1819، و جاء في جامع الأصول 4- 42 حديث 2016 و 9- 209 حديث 6786.
(3) جامع الأصول 4- 44 ذيل حديث 2020.
(4) صحيح التّرمذيّ كتاب الفتن باب ما جاء أنّ الخلفاء من قريش إلى يوم القيامة حديث 2228، و جاء في هذا الباب عن ابن عمر، و ابن مسعود، و جابر أيضا.
(5) المغني 21- 234. باختلاف أشرنا إلى أكثره.
(6) من الرّوايات النّبويّة المتواترة معنا المستفيضة إسنادا، فبنصّه في مسند الطّيالسيّ حديث 926 و 2133 و بمضمونه في البخاريّ كتاب الأحكام باب 51، و مسلم كتاب الإمارة حديث 5- 10، و التّرمذيّ كتاب الفتن باب 46، و مسند أحمد بن حنبل 1- 398 و 5- 86- 101 و 106- 108 و غيرها.
و من مضامينه (النّاس تبع لقريش في هذا الشّأن) كما جاء في الصّحيحين و سنن النّسائيّ و مسلم و مالك و التّرمذيّ و أكثر من خمس و عشرين مورد في مسند أحمد بن حنبل. و قال عليّ (عليه السلام) كما في نهج البلاغة: 200- 201 خطبة 144- صبحي صالح-: إنّ الأئمّة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم. و أورده عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في شرح ابن أبي الحديد 9- 87.
81
و قوّوا ذلك بما كان يوم السقيفة من كون ذلك سببا لصرف الأنصار عمّا كانوا عزموا عليه، لأنّهم عند (1) هذه الرواية انصرفوا عن ذلك و تركوا الخوض فيه.
و قوّوا ذلك بأنّ أحدا لم ينكره في تلك الحال، فإنّ أبا بكر استشهد في ذلك بالحاضرين، فشهدوا به (2) حتى صار خارجا عن (3) باب خبر الواحد إلى الاستفاضة (4) و قوّوا ذلك بأنّ ما جرى هذا المجرى إذا ذكر في ملإ من الناس و ادّعى عليهم (5) المعرفة فتركهم النكير يدلّ على صحّة الخبر المذكور.
و قال شارح المواقف (6) في بحث شروط الإمامة: اشترط الأشاعرة و الجبائيان أن يكون الإمام قرشيّا، و منعه الخوارج و بعض المعتزلة.
لنا
قَوْلُهُ (صلّى اللّه عليه و آله): الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ.
ثم الصحابة عملوا بمضمون هذا الحديث، فإنّ أبا بكر استدلّ به يوم السقيفة على الأنصار حين نازعوا في الإمامة بمحضر الصحابة فقبلوه و أجمعوا عليه فصار دليلا قطعيّا يفيد اليقين باشتراط القرشيّة. (7) ثم أجاب عن حجّة المخالف.
و أجاب قاضي القضاة (8) عن المناقضة بأنّه يحتمل أن يريد عمر أنّه لو كان
____________
(1) في (ك): عنده.
(2) في المصدر زيادة: على النبيّ صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم.
(3) في المغني: من، بدلا من: عن.
(4) في المصدر: إلى الكثرة.
(5) في المغني: علم، بدلا من: عليهم.
(6) المواقف (للإيجي)، و الشارح الشريف الجرجانيّ 8- 350.
(7) إلى هنا كلام الجرجانيّ في شرحه على المواقف.
(8) في كتابه المغني 21- 236. قال: قيل له: ليس في الخبر بيان الوجه الذي كان لا يتخالجه الشكّ فيه، و يحتمل أن يريد أن يدخله في المشورة و الرأي دون الشورى، فلا يصحّ أن يقدح به فيما قلناه، بل لو ثبت عنه الرضا الصريح في ذلك يجوز أن يعترض به عليه على ما رويناه من الخبر.
82
سالم حيّا لم يتخالجه الشكّ في إدخاله في المشورة و الرأي دون التأهيل للإمامة.
و بطلانه واضح، فإنّ الروايات كما عرفت صريحة في الاستخلاف و تفويض الأمر إليه، و لا تحتمل مثل هذا التأويل، كما لا يخفى على المنصف.
ثم إنّ قوله في سالم و أبو عبيدة دليل ظاهر على جهله، فإنّ ما رووا عنه من الامتناع عن التعيين و التنصيص معلّلا بقوله: ما أردت أن أتحمّلها حيّا و ميّتا، بعد اعترافه بأنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لو ولي الأمر لحمل الناس على الحقّ، يدلّ على أنّه إنّما عدل عن النصّ احتياطا و خوفا من اللّه تعالى، و حذرا من أن يسأل يوم القيامة عمّا يفعله من استخلفه، فلذلك ترك الاستخلاف و جعل الأمر شورى ليكون أعذر عند اللّه تعالى، و مع ذلك تمنّى أن يكون سالم حيّا حتى يستخلفه و ينصّ عليه، و لم يخف من السؤال عن استخلافه، و ظنّ أنّ ما سمعه ابن عمّه في سالم أنّه: شديد الحبّ للّه تعالى، حجّة قاطعة على استحقاقه للخلافة، مع أنّ شدّة الحبّ للّه ليس أمرا مستجمعا لشرائط الإمامة، و لا يستلزم القدرة على تحمّل أعباء الخلافة، و شدّة الحبّ للّه (1) لها مراتب شتّى، فكيف يستدلّ بالخبر على أنّها بلغت حدّا يمنع صاحبها عن ارتكاب المنكرات أصلا، و لو كان مثل ذلك قاطعا للعذر كيف لم يكن وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر الطير بأنّه أحبّ الخلق إلى اللّه تعالى .. حجّة تامّة، مع أنّ المحبوبيّة إلى اللّه أبلغ من الحبّ للّه، و شدّة الحبّ لا يستلزم الفضل على جميع الخلق، فلم لم يصرّح باسم أمير المؤمنين (عليه السلام) ليعتذر يوم القيامة بهذا الخبر و سائر النصوص المتواترة و الآيات المتظافرة الدالّة على فضله و إمامته و كرامته.
و لنعم ما قال أبو الصلاح في كتاب تقريب المعارف (2): إنّ ذلك تحقيق لما ترويه الشيعة من تقدّم المعاهدة بينه و بين صاحبه (3) و أبي عبيدة و سالم مولى أبي
____________
(1) وضع في (ك) رمز نسخة بدل على: للّه.
(2) تقريب المعارف (في الكلام): 162.
(3) في المصدر: منه و من صاحبه.
83
حذيفة على نزع هذا الأمر من بني هاشم لو قد مات محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و لو لا ذلك لم يكن (1) لتمنّيه (2) سالما و إخباره عن فقد الشكّ فيه- مع حضور وجوه الصحابة و أهل السوابق و الفضائل و الذرائع التي ليس لسالم منها شيء- وجه يعقل، و كذا القول في تمنّيه (3) أبا عبيدة بن الجرّاح. انتهى.
و بالجملة، صدر عنه في الشورى ما أبدى الضغائن الكامنة في صدره، و بذلك أسّس أساسا للفتنة و الظلم و العدوان على جميع الأنام إلى يوم القيام.
قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (4): حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مَكِّيٍّ الْحَاجِبُ، قَالَ: سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ حَاجِبَ (5) الْحُجَّابِ.- قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ: وَ قَدْ رَأَيْتُ أَنَا مُحَمَّداً هَذَا، وَ كَانَتْ لِي بِهِ مَعْرِفَةٌ غَيْرُ مُسْتَحْكِمَةٍ، وَ كَانَ ظَرِيفاً أَدِيباً، وَ قَدِ اشْتَغَلَ بِالرِّيَاضِيَّاتِ مِنَ الْفَلْسَفَةِ، وَ لَمْ يَكُنْ يَتَعَصَّبُ لِمَذْهَبٍ بِعَيْنِهِ-، قَالَ جَعْفَرٌ: سَأَلْتُهُ عَمَّا عِنْدَهُ فِي أَمْرِ عَلِيٍّ (ع) وَ عُثْمَانَ؟. فَقَالَ: هَذِهِ عَدَاوَةٌ قَدِيمَةٌ (6) بَيْنَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ .. وَ سَاقَ الْكَلَامَ إِلَى قَوْلِهِ:
وَ أَمَّا السَّبَبُ الثَّانِي فِي الِاخْتِلَافِ فِي أَمْرِ الْإِمَامَةِ فَهُوَ (7): أَنَّ عُمَرَ جَعَلَ الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ السِّتَّةِ وَ لَمْ يَنُصَّ عَلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، إِمَّا مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَبَقِيَ فِي نَفْسِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَدْ رُشِّحَ لِلْخِلَافَةِ، وَ أَنَّهُ أَهْلٌ لِلْمُلْكِ وَ السَّلْطَنَةِ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ فِي نُفُوسِهِمْ وَ أَذْهَانِهِمْ مُصَوَّراً بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ مُرْتَسِماً فِي خَيَالاتِهِمْ، مُنَازَعَةً إِلَيْهِ (8) نُفُوسُهُمْ، طَامِحَةً نَحْوَهُ عُيُونُهُمْ، حَتَّى كَانَ مِنَ الشِّقَاقِ بَيْنَ عَلِيٍّ (ع) وَ عُثْمَانَ مَا
____________
(1) في (س): يمكن.
(2) في المصدر: ليمينه، و هو غلط.
(3) في التقريب: يمينه، و لعلّه سهو، و الصحيح: يمنيه. و ما أكثر الغلط في المطبوع من المصدر.
(4) في شرح نهج البلاغة 9- 24- 30 بتصرّف و اختصار.
(5) في (ك): صاحب. و جعل ما في المتن نسخة بدل فيها.
(6) في المصدر زيادة: النّسب.
(7) في المصدر: أمّا السّبب الثّاني للاختلاف فهو ..
(8) في (س): إليهم.
84
كَانَ، وَ حَتَّى أَفْضَى الْأَمْرُ إِلَى قَتْلِ عُثْمَانَ، وَ كَانَ أَعْظَمَ الْأَسْبَابِ فِي قَتْلِهِ طَلْحَةُ، وَ كَانَ لَا يَشُكُّ فِي أَنَّ الْأَمْرَ لَهُ بَعْدَهُ (1) لِوُجُوهٍ، مِنْهَا سَابِقَتُهُ، وَ مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ (2) ابْنَ عَمِّ أَبِي بَكْرٍ، وَ كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ فِي نُفُوسِ أَهْلِ ذَلِكَ الْعَصْرِ مَنْزِلَةٌ عَظِيمَةٌ أَعْظَمُ مِنْهَا الْآنَ، وَ مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ سَمْحاً جَوَاداً، وَ قَدْ كَانَ نَازَعَ عُمَرَ فِي حَيَاةِ أَبِي بَكْرٍ، وَ أَحَبَّ أَنْ يُفَوِّضَ أَبُو بَكْرٍ الْأَمْرَ إِلَيْهِ (3) فَمَا زَالَ يَفْتِلُ فِي الذِّرْوَةِ (4) وَ الْغَارِبِ فِي أَمْرِ عُثْمَانَ، وَ يُنَكِّرُ لَهُ الْقُلُوبَ، وَ يُكَدِّرُ عَلَيْهِ النُّفُوسَ، وَ يُغْرِي (5) أَهْلَ الْمَدِينَةِ وَ الْأَعْرَابَ وَ أَهْلَ الْأَمْصَارِ بِهِ، وَ سَاعَدَهُ الزُّبَيْرُ، وَ كَانَ أَيْضاً يَرْجُو الْأَمْرَ لِنَفْسِهِ، وَ لَمْ يَكُنْ رَجَاؤُهُمَا الْأَمْرَ بِدُونِ رَجَاءِ عَلِيٍّ (ع)، بَلْ رَجَاؤُهُمَا كَانَ أَقْوَى، لِأَنَّ عَلِيّاً (ع) دَحَضَهُ الْأَوَّلَانِ وَ أَسْقَطَاهُ وَ كَسَرا نَامُوسَهُ بَيْنَ النَّاسِ، وَ صَارَ نَسْياً مَنْسِيّاً، وَ مَاتَ الْأَكْثَرُ مِمَّنْ كَانَ يَعْرِفُ (6) خَصَائِصَهُ الَّتِي كَانَتْ لَهُ (7) فِي أَيَّامِ النُّبُوَّةِ وَ فَضْلَهُ، وَ نَشَأَ قَوْمٌ لَا يَعْرِفُونَهُ وَ لَا يَرَوْنَهُ إِلَّا رَجُلًا مِنْ عُرْضِ الْمُسْلِمِينَ، وَ لَمْ يَبْقَ لَهُ مِنْ فَضَائِلِهِ (8) إِلَّا أَنَّهُ ابْنُ عَمِّ الرَّسُولِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ زَوْجُ ابْنَتِهِ وَ أَبُو سِبْطَيْهِ، وَ نُسِيَ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ (9)، وَ اتَّفَقَ لَهُ مِنْ بُغْضِ قُرَيْشٍ وَ انْحِرَافِهَا مَا لَمْ يَتَّفِقْ لِأَحَدٍ، وَ كَانَتْ قُرَيْشٌ (10) تُحِبُّ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرَ، لِأَنَّ الْأَسْبَابَ الْمُوجِبَةَ لِبُغْضِهِمْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً فِيهِمَا، وَ كَانَا يَتَأَلَّفَانِ قُرَيْشاً فِي أَوَاخِرِ أَيَّامِ عُثْمَانَ
____________
(1) في شرح النّهج: من بعده.
(2) لا توجد: كان، في المصدر.
(3) زيادة: من بعده، جاءت في الشّرح بعد: إليه.
(4) الذّروة- بالكسر و الضّمّ- من كلّ شيء: أعلاه، كما في الصّحاح 6- 2345، و النّهاية 2- 156، و مجمع البحرين 3- 306، و القاموس 1- 15.
(5) في (ك) نسخة بدل: يغوي.
(6) في المصدر: ممّن يعرف.
(7) لا توجد: له، في الشّرح.
(8) في المصدر: ممّا يمت به، بدلا من: من فضائله.
(9) جاءت زيادة كلمة: كلّه، في المصدر.
(10) في المصدر زيادة: بمقدار ذلك البعض.
85
، وَ يَعِدَانِهِمْ بِالْعَطَاءِ وَ الْإِفْضَالِ، وَ هُمَا عِنْدَ أَنْفُسِهِمَا وَ عِنْدَ النَّاسِ خَلِيفَتَانِ بِالْقُوَّةِ لَا بِالْفِعْلِ، لِأَنَّ عُمَرَ نَصَّ عَلَيْهِمَا وَ ارْتَضَاهُمَا لِلْخِلَافَةِ، وَ عُمَرُ كَانَ مُتَّبَعَ الْقَوْلِ، مَرْضِيَّ الْفِعَالِ، مُطَاعاً نَافِذَ (1) الْحُكْمِ فِي حَيَاتِهِ وَ مَمَاتِهِ (2)، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ، أَرَادَهَا طَلْحَةُ وَ حَرَصَ عَلَيْهَا، فَلَوْ لَا الْأَشْتَرُ وَ قَوْمٌ مَعَهُ مِنْ شُجْعَانِ الْعَرَبِ جَعَلُوهَا فِي عَلِيٍّ (ع) لَمْ تَصِلْ إِلَيْهِ أَبَداً، فَلَمَّا فَاتَتْ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرَ، فَتَقَا ذَلِكَ الْفَتْقَ الْعَظِيمَ (3)، وَ أَخْرَجَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مَعَهُمَا، وَ قَصَدَا الْعِرَاقَ وَ أَثَارَا الْفِتْنَةَ، وَ كَانَ مِنْ حَرْبِ الْجَمَلِ مَا قَدْ عُلِمَ وَ عُرِفَ، ثُمَّ كَانَ حَرْبُ الْجَمَلِ مُقَدِّمَةً وَ تَمْهِيداً لِحَرْبِ صِفِّينَ، فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ لَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلَ مَا فَعَلَ لَوْ لَا طَمَعُهُ بِمَا جَرَى فِي الْبَصْرَةِ، ثُمَّ أَوْهَمَ أَهْلَ الشَّامِ أَنَّ عَلِيّاً (ع) قَدْ فَسَقَ بِمُحَارَبَةِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَ مُحَارَبَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَ أَنَّهُ قَتَلَ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرَ وَ هُمَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَهَلْ كَانَ الْفَسَادُ الْمُتَوَلِّدُ فِي صِفِّينَ إِلَّا فَرْعاً لِلْفَسَادِ الْكَائِنِ يَوْمَ الْجَمَلِ؟! ثُمَّ نَشَأَ مِنْ فَسَادِ صِفِّينَ وَ ضَلَالِ مُعَاوِيَةَ كُلُّ مَا جَرَى مِنَ الْفَسَادِ وَ الْقَبِيحِ فِي أَيَّامِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَ نَشَأَتْ فِتْنَةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَرْعاً مِنْ (4) يَوْمِ الدَّارِ، لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ عُثْمَانَ لَمَّا أَيْقَنَ بِالْقَتْلِ نَصَّ عَلَيَّ بِالْخِلَافَةِ، وَ لِي بِذَلِكَ شُهُودٌ، مِنْهُمْ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، أَ فَلَا تَرَى (5) كَيْفَ تَسَلْسَلَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ فَرْعاً عَلَى أَصْلٍ، وَ غُصْناً مِنْ شَجَرَةٍ (6)، وَ جَذْوَةً مِنْ ضِرَامٍ؟! وَ هَكَذَا يَدُورُ بَعْضُهُ (7) عَلَى بَعْضٍ وَ كُلُّهُ مِنَ الشُّورَى فِي السِّتَّةِ. قَالَ (8): وَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ- وَ قَدْ قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ اسْتَعْمَلْتَ
____________
(1) الكلمة مشوّشة في (س)، و في المصدر: موفّق مؤيّد مطاع نافذ.
(2) في شرح النّهج: و بعد وفاته.
(3) في الشّرح زيادة: على عليّ (عليه السلام).
(4) زيادة: فروع، جاءت في المصدر.
(5) في (ك) نسخة بدل: أ ترى.
(6) في (س): شجر.
(7) بعضهم، جاءت في (ك).
(8) في (س): و قال.
86
سَعِيدَ (1) بْنَ الْعَاصِ وَ مُعَاوِيَةَ وَ فُلَاناً وَ فُلَاناً مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ مِنَ الطُّلَقَاءِ وَ أَبْنَاءِ الطُّلَقَاءِ وَ تَرَكْتَ أَنْ تَسْتَعْمِلَ عَلِيّاً وَ الْعَبَّاسَ وَ الزُّبَيْرَ وَ طَلْحَةَ؟!- فَقَالَ: فَأَمَّا عَلِيٌّ فأتيه (2) مِنْ ذَلِكَ، وَ أَمَّا هَؤُلَاءِ النَّفَرُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَنْتَشِرُوا فِي الْبِلَادِ، فَيُكْثِرُوا فِيهَا الْفَسَادَ، فَمَنْ يَخَافُ مِنْ تَأْمِيرِهِمْ لِئَلَّا يَطْمَعُوا فِي الْمُلْكِ، وَ يَدَّعِيَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِنَفْسِهِ، كَيْفَ لَمْ يَخَفْ مِنْ جَعْلِهِمْ سِتَّةً مُتَسَاوِينَ فِي الشُّورَى، مُرَشِّحِينَ لِلْخِلَافَةِ؟! وَ هَلْ شَيْءٌ أَقْرَبُ إِلَى الْفَسَادِ مِنْ هَذَا (3)؟! وَ قَدْ رَوَوْا أَنَّ الرَّشِيدَ رَأَى يَوْماً مُحَمَّداً وَ عَبْدَ اللَّهِ- ابْنَيْهِ- يَلْعَبَانِ وَ يَضْحَكَانِ، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَلَمَّا غَابَا عَنْ عَيْنِهِ بَكَى، فَقَالَ لَهُ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَ هَذَا مَقَامُ جَذَلٍ (4) لَا مَقَامُ حُزْنٍ؟!. فَقَالَ: أَ مَا رَأَيْتَ لَعْبَهُمَا وَ مَوَدَّةَ بَيْنِهِمَا؟، أَمَا وَ اللَّهِ لَيَتَبَدَّلَنَّ ذَلِكَ بُغْضاً وَ سَيْفاً (5)، وَ لَيَخْتَلِسَنَ (6) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَفْسَ صَاحِبِهِ عَنْ قَرِيبٍ، فَإِنَّ الْمُلْكَ عَقِيمٌ، وَ كَانَ الرَّشِيدُ قَدْ (7) عَقَدَ الْأَمْرَ لَهُمَا عَلَى تَرْتِيبٍ، هَذَا بَعْدَ هَذَا، فَكَيْفَ مَنْ لَمْ يُرَتَّبُوا فِي الْخِلَافَةِ، بَلْ جُعِلُوا فِيهَا كَأَسْنَانِ الْمُشْطِ؟! فَقُلْتُ أَنَا لِجَعْفَرٍ: هَذَا كُلُّهُ تَحْكِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، فَمَا تَقُولُ أَنْتَ؟، فَقَالَ:
____________
(1) في المصدر: استعلت يزيد بن أبي سفيان و سعيد ..
(2) في شرح النّهج: أمّا عليّ فأنبه.
(3) خط على: من هذا، في (س).
(4) الجذل- بالتّحريك-: الفرح، كما في الصّحاح 4- 1654، و النّهاية 1- 251، و مجمع البحرين 5- 337، و القاموس 3- 347.
(5) في المصدر: و شنفا. أقول: الشّنف- بالتّحريك-: البغض و التّنكّر، و قد شنفت له- بالكسر أشنف شنفا .. أي أبغضه .. و الشّنف: المبغض. قاله في الصّحاح 4- 1383. و انظر: النّهاية 2- 505، و القاموس المحيط: 3- 160 و غيرهما.
(6) قال الجوهريّ في الصّحاح 3- 923: خلست الشّيء و اختلسته و تخلّسته: إذا استلبته، و أضاف ابن الأثير في نهايته 2- 61: كونه عن غفلة. انظر: مجمع البحرين 4- 66، و القاموس 2- 211.
(7) خطّ على: قد، في (س).
87
إِذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا* * * فَإِنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَتْ حَذَامِ
(1) انتهى (2) فقد ظهر أنّ جميع الفتن الواقعة في الإسلام من فروع الشورى و السقيفة و سائر ما أبدعه و أسّسه (3) هذا و أخوه.
بيان:
قوله (عليه السلام): يهرّ عقيرته .. الهرير: الصّوت و النباح (4).
و العقيرة- كفعيلة أيضا-: الصّوت (5) .. أي يرفع صوته. و في بعض النسخ بالزاي.
و عفيرته- بالفاء على التصغير- و العفرة (6): بياض الإبط (7)، و لعلّ المعنى يحرّك منكبيه للخيلاء، و الأول أظهر (8).
قال الجوهري (9): العقيرة: السّاق المقطوعة، و قولهم: رفع فلان عقيرته ..
أي صوته، و أصله أنّ رجلا قطعت إحدى رجليه فرفعها و وضعها على الأخرى و صرخ، فقيل بعد لكلّ رافع صوته: قد رفع عقيرته (10).
____________
(1) كذا، و الظّاهر: حذام، كما في المصدر. و قد نسب البيت في اللّسان (مادّة: رقش) إلى جيم بن صعب.
(2) إلى هنا كلام ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة 9- 28- 30، كما مرّ.
(3) وضع على الكلمة رمز نسخة بدل في مطبوع البحار.
(4) قاله ابن الأثير في نهايته 5- 259، و ابن منظور في لسانه 5- 261 و غيرهما في غيرهما.
(5) ذكره في لسان العرب 4- 593، و نهاية ابن الأثير 3- 275، و تاج العروس 3- 415.
(6) في (س) و (ك): عقيرته .. و العقرة. و هو سهو.
(7) انظر: النهاية 3- 261، و لسان العرب 4- 585. فيهما: بياض ليس بالناصع.
(8) لا توجد في (س): و الأول أظهر.
(9) صحاح اللغة 2- 754.
(10) لاحظ النهاية 3- 275، و تاج العروس 3- 415.
88
التاسع عشر:
أنّه أوصى بدفنه في بيت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و كذلك تصدّى لدفن أبي بكر هناك، و هو تصرّف في ملك الغير من غير جهة شرعيّة، و قد نهى اللّه الناس عن دخول بيته (صلّى اللّه عليه و آله) من غير إذن بقوله: (لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ) (1)، و ضربوا المعاول عند أذنه (صلّى اللّه عليه و آله)، قال تعالى:
(لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ) (2).
وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): حُرْمَةُ الْمُسْلِمِ مَيِّتاً كَحُرْمَتِهِ (3) حَيّاً (4).
و تفصيل القول في ذلك، أنّه ليس يخلو موضع قبر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من أن يكون باقيا على ملكه أو يكون انتقل في حياته إلى عائشة- كما ادّعاه بعضهم- فإن كان الأول لم يخل (5) من أن يكون ميراثا بعده أو صدقة، فإن كان ميراثا فما كان يحلّ لأبي بكر و عمر من بعده أن يأمرا بدفنهما فيه إلّا بعد إرضاء الورثة، و لم نجد أحدا خاطب أحدا من الورثة على ابتياع هذا المكان و لا استنزله (6) عنه بثمن و لا غيره، و إن كان صدقة فقد كان يجب أن يرضى عنه جماعة المسلمين، و ابتياعه (7) منهم- إن جاز الابتياع- لما يجري هذا المجرى، و إن كان نقل في حياته فقد كان يجب أن يظهر سبب انتقاله و الحجّة فيه، فإنّ فاطمة (عليها السلام) لم يقنع
____________
(1) الأحزاب: 53.
(2) الحجرات: 2.
(3) في مطبوع البحار: كحرمة- بلا ضمير-.
(4) هذا ما تسالم عليه الفريقان، و جاء في سنن الدارميّ في كتاب المناسك: 76 و غيره.
(5) في (س): لم يزل.
(6) الكلمة مشوّشة في المطبوع من البحار.
(7) في (س): يبتاعه.
89
منها في انتقال فدك إلى ملكها بقولها و لا شهادة من شهد لها.
و أمّا استدلال بعضهم بإضافة البيوت إليهنّ في قوله تعالى: (وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ..) (1) فمن ضعيف (2) الشبهة، إذ هي لا تقتضي الملك و إنّما تقتضي السكنى، و العادة في استعمال هذه اللفظة فيما ذكرناه ظاهرة، قال اللّه تعالى: (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) (3) و لم يرد تعالى إلّا حيث يسكنّ و ينزلن دون حيث يملكن بلا شبهة، و أيضا قوله تعالى: (لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ) (4) متأخّر في الترتيب عن قوله: (وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) (5)، فلو كان هذا دالا على ملكيّة الزوجات لكان ذلك دالا على (6) كونها ملكه (صلّى اللّه عليه و آله)، و الجمع بين الآيتين بالانتقال لا يجديهم، لتأخّر النهي عن الدخول من غير إذن عن الآية الأخرى في الترتيب، و الترتيب حجّة عند كلّهم أو جلّهم، مع أنّه ظاهر أنّ البيوت كانت في يده (صلّى اللّه عليه و آله) يتصرّف فيها كيف يشاء، و اختصاص كلّ من الزوجات بحجرة لا يدلّ (7) على كونها ملكا لها.
و أمّا اعتذارهم بأنّ عمر استأذن عائشة في ذلك، حيث رَوَى الْبُخَارِيُ (8)، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ- فِي خَبَرٍ طَوِيلٍ يُشْمَلُ عَلَى قِصَّةِ قَتْلِ عُمَرَ- قَالَ: قَالَ لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ: انْطَلِقْ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلْ: يَقْرَأُ عَلَيْكِ عُمَرُ السَّلَامَ، وَ لَا تَقُلْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنِّي لَسْتُ الْيَوْمَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَمِيراً، وَ قُلْ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ
____________
(1) الأحزاب: 33.
(2) كذا، و الظاهر: ضعف.
(3) الطلاق: 1.
(4) الأحزاب: 53.
(5) الطلاق: 1.
(6) لا توجد: على، في (س).
(7) في (س): لا يدلّه.
(8) صحيح البخاريّ 5- 19- 22- دار الشّعب- كتاب المناقب، باب مناقب عثمان، الحديث الأخير، باختلاف يسير.
90
يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ، (1) .. فَسَلَّمَ وَ اسْتَأْذَنَ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهَا فَوَجَدَهَا قَاعِدَةً تَبْكِي، فَقَالَ (2): يَقْرَأُ عَلَيْكِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ السَّلَامَ وَ يَسْتَأْذِنُ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ، (3) فَقَالَتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي وَ لَأُوثِرَنَّ بِهِ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي، فَلَمَّا أَقْبَلَ قِيلَ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَدْ جَاءَ، قَالَ (4): ارْفَعُونِي، فَأَسْنَدَهُ رَجُلٌ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا لَدَيْكَ؟. فَقَالَ:
الَّذِي تُحِبُّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَذِنَتْ. قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا كَانَ شَيْءٌ (5) أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَإِذَا أَنَا قُبِضْتُ فَاحْمِلُونِي، ثُمَّ سَلِّمْ فَقُلْ (6) يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَإِنْ أَذِنَتْ لِي فَأَدْخِلُونِي وَ إِنْ رَدَّتْنِي رُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ .. (7).
فهذا دليل واضح على جهله أو تسويله و تمويهه على العوام، لما قد عرفت من أنّه إن كان صدقة يشترك فيه المستحقّون- كما يدلّ عليه الخبر الذي افتراه أبو بكر فتحريم التصرّف فيه (8) بالدفن و نحوه واضح، و إن كان ميراثا فالتصرّف فيه قبل القسمة من دون استئذان جميع الورثة أيضا محرّم، و لا ينفع طلب الإذن من عائشة وحدها (9)
____________
(1) في المصدر زيادة: قال.
(2) في (ك): و قال.
(3) زيادة: قال، قبل: فقالت، جاءت في صحيح البخاريّ.
(4) في المصدر: فقال: قال.
(5) في المصدر: من شيء، و مثله في جامع الأصول.
(6) في صحيح البخاريّ: و قل.
(7) قريب منه في صحيح البخاريّ 2- 128 كتاب الجنائز باب ما جاء في قبر النّبيّ ص و أبي بكر و عمر، حديث 5. و أورده ابن سعد في الطّبقات 3- 338، و ابن الأثير في الكامل 3- 27، و كذا في جامع الأصول 4- 120 خلال حديث 2085، و ابن حجر في فتح الباري 7- 56- 57.
(8) وضع في المطبوع من البحار على: فيه، رمز نسخة بدل.
(9) و الذي نظنّه- و ظنّ الألمعي الصواب- أنّ من أعظم المطاعن على الخليفة الثاني و أفجع مثالبه- مع كثرتها و قلّ ما وصل منها إلينا- عدا ظلمه لآل اللّه و غصبه لحقّ وليّ اللّه و تغييره لسنّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و استخفافه بأحكام اللّه، و بدعه و جهله و تلوّنه و نفاقه .. و كلّ ما سردناه لك نهيه عن الحديث، نقلا و كتابة، فهو تارة ينهى عن نقل الحديث عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و أخرى عن الإكثار به، و ثالثة عن تفسيره، و رابعة عن تأويله .. و هكذا بعد أن عرف عنه أنّه نهى عن مشكل القرآن و عن السؤال عمّا لم يقع.
و قد وجدنا نماذج فلتت من أقلام أعلامهم و برزت، و روايات خفيت عن نقّادهم بل كلمات صدرت من الصحابة في غفلة من درّة عمر و سيف البغي.
و في هذا المقام فقد جاء عن عروة أنّه قال: إنّ عمر بن الخطّاب أراد أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في ذلك، فأشاروا عليه أن يكتبها! فطفق عمر يستخير اللّه فيها شهرا ثمّ أصبح يوما و قد عزم اللّه له، فقال: إنّي كنت أريد أن أكتب السنن و إنّي ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتابا فأكبّوا عليه و تركوا كتاب اللّه ..!!. كما أوردها الدارميّ في سننه 1- 125، و الحاكم في مستدركه 1- 104- 106، و جاء في مختصر جامع العلم: 36 و 37 و غيرهم.
و ها هو الطبريّ يحكي عن عمر قوله- كما في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3- 120- أربع مجلدات-: جرّدوا القرآن و لا تفسّروه!، و أقلّوا الرواية عن رسول اللّه و أنا شريككم. و قد قال ابن كثير في تاريخه: 8- 107: هذا معروف عن عمر، و إنّ عمر حبس ثلاثة: ابن مسعود و أبا الدرداء و أبا مسعود الأنصاري حتّى مات عمر. و قاله غير واحد كما في مجمع الزوائد 1- 149، و تذكرة الحفّاظ 1- 7.
.
91
____________
و جاء في مستدرك الحاكم 1- 110: أنّ عمر بن الخطّاب قال لابن مسعود و لأبي الدرداء و لأبي ذرّ: ما هذا الحديث عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و أحسبه حبسهم بالمدينة حتّى أصيب.
و قد سبقه الأول- كما جاء في كنز العمّال 5- 237، و تذكرة الحفّاظ 1- 5، و البداية و النهاية و غيرها عن عائشة، قالت: جمع أبي الحديث عن رسول اللّه فكانت خمسمائة حديث! فبات يتقلّب، فقلت: يتقلّب لشكوى أو لشيء بلغه؟، فلما أصبح قال: أي بنيّة! هلمّي بالأحاديث التي عندك، فجئته بها فأحرقها.
و سار الثاني على منهاج الأول، فها هو ابن سعد في الطبقات الكبرى 5- 188، و الخطيب البغداديّ في تقيّد العلم و غيرهما قالا: إنّ عمر خطب في خلافته فقال: لا يبقين أحد عنده كتابا إلّا أتاني به فأرى فيه رأيي، فظنّوا أنّه يريد النظر فيها ليقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم فأحرقها بالنار!، بل هو بعث في الأمصار يأمرهم: من كان عنده شيء فليمحه، كما جاء في جامع بيان العلم لابن عبد البرّ.
و على كلّ، فإنّ السلطة الحاكمة و السياسة الوقتية السائدة اقتضت مصالحها محو السنّة و حرقها، و عدم التحدّث بها، و معاقبة من يقول بها و ينشرها، بل و حتّى من يعمل بها، و إحياء البدع و نشرها، و إعطاءها صبغة شرعيّة، و لذا كان الاجتهاد بالرأي و القياس و الاستحسان مسألة طبيعية في الأحقاب اللاحقة نتيجة فقد النصّ، و لذا تشبّثوا بالاقتداء بسنّة أبي بكر و من لحق به و شايعه كمعاوية و نغله و مروان بن الحكم و عبد الملك و ولده الوليد و سليمان .. و هكذا دواليك إلى أن جاء عمر بن عبد العزيز فطلب من أبي بكر الحزمي أن يكتب له ما كان من حديث رسول اللّه أو سنّته أو حديث عمر بن الخطّاب! كما صرّح بذلك مالك في الموطإ 1- 5 و غيره. و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه.
أقول: هذه نماذج يسيرة جدّا عمّا هناك، و لم نستقص و ما كان من قصدنا الاستقصاء حول الدور البشع الذي واجه الخليفة به حديث الرسول ص قصد بها أغراض سياسيّة وقتيّة للسدّ على الأمّة أبواب المعرفة و حبسها في براثن الجاهليّة و حرمانها من ينبوع الوحي، و إلقائها في معترك الأهواء، و إبعادها من نمير صاحب الرسالة و أهل بيته (سلام اللّه عليهم أجمعين) و فضائلهم.
و هذه سيرة سار عليها قضت على معالم الدين و ضربت صميم الإسلام و ..
مع أنّا نعلم: أنّ الكتاب أحوج إلى السنّة من السنّة إلى الكتاب- جامع بيان العلم 2- 191 و أنّ متشابهات القرآن لا ترفع إلّا بالسنّة، و هما لا يتفارقان حتّى يردا على النبيّ الحوض ...
فحقّ لنا أن نعدّ- بعد كلّ هذا- أنّ هذا أهمّ مطاعن الرجل و أعظم مساويه.
و قولته لأبي هريرة و كعب الأحبار و غيرهما معروفة، أورد جملة منها في كنز العمّال 5- 239، و تاريخ ابن كثير 8- 106 و غيرهما.
و جاء في شرح النهج لابن أبي الحديد 1- 174: قيل لابن عبّاس لمّا أظهر قوله في العول بعد موت عمر- و لم يكن قبل يظهره-: هلّا قلت هذا و عمر حيّ؟!. قال: هبته.
و عن ابن عبّاس، قال: مكثت سنتين أريد أن أسأل عمر بن الخطّاب عن .. كما جاء في كتاب العلم لابن عمرو: 56.
و عن أبي هريرة، قال: لقد حدّثتكم بأحاديث لو حدّثت بها زمن عمر بن الخطّاب لضربني عمر بالدرّة، كما جاء في بيان العلم 2- 112.
.
92
____________
و عنه أيضا قال: ما كنّا نستطيع أن نقول: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتّى قبض عمر!. تاريخ ابن كثير 8- 107.
و بعد كلّ هذا، فها هو عمر يصرّح على المنبر: أحرّج باللّه على رجل يسأل عمّا لم يكن، فإنّ اللّه قد بيّن ما هو كائن .. سنن الدارميّ 1- 50، جامع بيان العلم 2- 141.
و من الشواهد المؤلمة قصّة صبيغ- فقد رويت عن جمع من الصحابة و بألفاظ مختلفة- أنّ رجلا يقال له: صبيغ، قدم المدينة، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر- و قد أعدّ له عراجين النخل- فقال له: من أنت؟. قال: أنا عبد اللّه صبيغ، فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين فضربه!، و قال: أنا عبد اللّه عمر، فجعل له ضربا حتّى دمي رأسه، فقال: يا أمير المؤمنين! حسبك، قد ذهب الذي كنت أجد في رأسي!. و عن السائب: فلم يزل وضيعا في قومه حتّى هلك و كان سيّد قومه!. انظر: سنن الدارميّ: 1- 54 و 55، و تاريخ ابن عساكر 6- 384، و تفسير ابن كثير 4- 232، و الإتقان للسيوطي 2- 5، و كنز العمّال 1- 228، 229، و فتح الباري 8- 17، و سيرة عمر لابن الجوزي: 109، و إحياء العلوم 1- 30 و غيرها.
و بعد نهيه عن القرآن تفسيرا، و الحديث رواية، و السنّة تدوينا، منع عن الكتب و المؤلّفات قراءة أو حفظا، و نسخا و تدوينا. و قد جاء بطرق مختلفة و مضامين متظافرة جملة من الروايات سلف بعضها، منها أنّه عاقب من حفظها بل من أخبر بوجودها، و قد أصابوا عند فتح المدائن كتبا فيها علم من علوم الفرس .. و قد عاقب آخر و ضربه حتّى قال: دعني، فو اللّه لا أدع عندي شيئا من تلك الكتب إلّا أحرقته، فتركه!.
و قد أمر عمرو بن العاص بإحراق كتب مدينة الإسكندريّة، و تلك قصّة مشهورة نقلها أكثر من واحد من المؤرّخين كما في تاريخ مختصر الدول للملطي- المتوفّى سنة 684 ه- صفحة: 180، و تاريخ التمدّن الإسلامي لجرجي زيدان 3- 40 و 42 و غيرهما، و قد ناقشها بعض المتأخّرين منّا بما لا حاصل فيه، و لم نعقد حواشينا لتفصيلها، و قد أسندها و فصّل البحث فيها شيخنا الأميني في غديره 6- 297- 302، فراجع.
ثمّ بعد هذا فقد حرّم خليفتهم كلّ بحث و تحقيق- كما ذكره حجّة إسلامهم الغزالي- يقول في إحياء العلوم: 1- 30: و [عمر] هو الذي سدّ باب الكلام و الجدل، و ضرب صبيغا بالدرّة لمّا أورد عليه سؤالا في تعارض آيتين في كتاب اللّه، و هجره، و أمر الناس بهجره!!.
فهل يبقى- و الحال هذه- مبدأ لأصول التعليم و التعلّم؟ و من هنا قد حرّمت الأمّة الكثير الكثير و نزلت الحضيض الحضيض ببركة تلك الدرّة و صاحبها.
93
و من أعجب العجب أنّ الجهّال من المخالفين بل علماؤهم يعدّون هذا الدفن من مناقبهما و فضائلهما، بل يستدلّون به على استحقاقهما للإمامة و الخلافة.
وَ قَدْ رَوَى الشَّيْخُ الْمُفِيدُ (قدّس اللّه روحه) فِي مَجَالِسِهِ (1) أَنَّ فَضَّالَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ الْكُوفِيَّ مَرَّ بِأَبِي حَنِيفَةَ- وَ هُوَ فِي جَمْعٍ (2) كَثِيرٍ يُمْلِي (3) عَلَيْهِمْ شَيْئاً مِنْ فِقْهِهِ وَ حَدِيثِهِ-، فَقَالَ لِصَاحِبٍ كَانَ مَعَهُ: وَ اللَّهِ لَا أَبْرَحُ أَوْ أُخْجِلَ أَبَا حَنِيفَةَ .. فَدَنَا مِنْهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ وَ رَدَّ الْقَوْمُ بِأَجْمَعِهِمُ السَّلَامَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَكَ اللَّهُ! إِنَّ لِي أَخاً يَقُولُ: إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ص عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ
____________
(1) جاء في الفصول المختارة 2- 44- 45، بتصرّف و اختصار.
(2) في (س): جميع.
(3) في (س): يمل.
94
السَّلَامُ) وَ أَنَا أَقُولُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ خَيْرُ النَّاسِ (1) وَ بَعْدَهُ عُمَرَ، فَمَا تَقُولُ أَنْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ؟. فَأَطْرَقَ مَلِيّاً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: كَفَى بِمَكَانِهِمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) كَرَماً وَ فَخْراً، أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّهُمَا ضَجِيعَاهُ فِي قَبْرِهِ، فَأَيُّ حُجَّةٍ أَوْضَحُ لَكَ مِنْ هَذِهِ؟!. فَقَالَ لَهُ فَضَّالٌ: إِنِّي قَدْ قُلْتُ ذَلِكَ لِأَخِي، فَقَالَ: وَ اللَّهِ لَئِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) دُونَهُمَا فَقَدْ ظَلَمَا بِدَفْنِهِمَا فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ لَهُمَا فِيهِ حَقٌّ، وَ إِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ لَهُمَا فَوَهَبَاهُ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَقَدْ أَسَاءَا وَ مَا أَحْسَنَا (2) إِذْ رَجَعَا فِي هِبَتِهِمَا وَ نَكَثَا عَهْدَهُمَا، فَأَطْرَقَ أَبُو حَنِيفَةَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ (3) لَهُ:
لَمْ يَكُنْ لَهُ وَ لَا لَهُمَا (4) خَاصَّةً، وَ لَكِنَّهُمَا نَظَرَا فِي حَقِّ عَائِشَةَ وَ حَفْصَةَ فَاسْتَحَقَّا الدَّفْنَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِحُقُوقِ (5) ابْنَتَيْهِمَا، فَقَالَ (6) فَضَّالٌ: قَدْ قُلْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ ص مَاتَ عَنْ تِسْعِ نِسَاءٍ (7)، وَ نَظَرْنَا فَإِذَا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ تُسُعُ الثُّمُنِ، ثُمَّ أَنْظَرْنَا (8) فِي تُسُعِ الثُّمُنِ فَإِذَا هُوَ شِبْرٌ فِي شِبْرٍ، فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّ الرَّجُلَانِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَ بَعْدَ فَمَا بَالُ عَائِشَةَ وَ حَفْصَةَ تَرِثَانِ رَسُولَ اللَّهِ ص وَ فَاطِمَةُ (عليها السلام) ابْنَتُهُ تُمْنَعُ الْمِيرَاثَ. فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَا قَوْمُ! نَحُّوهُ عَنِّي، فَإِنَّهُ وَ اللَّهِ رَافِضِيٌّ خَبِيثٌ. انتهى.
ثم على تقدير جواز دفنهما هناك فلا دلالة له على فضلهما بمعنى زيادة الثواب و الكرامة عند اللّه تعالى، فإنّ ذلك إنّما يكون بالصالحات من الأعمال كما
____________
(1) في المصدر زيادة: بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
(2) في المصدر: أحسنا إليه.
(3) في الفصول زيادة: قل.
(4) جاءت العبارة في المصدر هكذا: لم يكن لهما و لا له- بتقديم و تأخير-.
(5) في (ك): و بحقوق.
(6) في المصدر: فقال له.
(7) حشايا، بدلا من: نساء، جاءت في المصدر.
(8) في الفصول المهمّة: ثمّ نظرنا.
95
قال اللّه تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ) (1). نعم لو كان ذلك بوصيّة من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لكان كاشفا عن فضل و دليلا على شرف (2)، و ما رُوِيَ مِنْ أَنَّهُ يَلْحَقُ الْمَيِّتَ نَفْعٌ فِي الْآخِرَةِ بِالدَّفْنِ فِي الْمَشَاهِدِ الْمُشَرَّفَةِ فإنّما هو في الحقيقة إكرام لصاحب المشهد بالتفضّل على من حلّ بساحته و فاز بجواره (3) إن كان من شيعته و المخلصين له.
____________
(1) الحجرات: 13.
(2) و جاء في الصراط المستقيم 3- 28: عن إحياء العلوم للغزالي في الفصل الرابع من الجزء الأول:
أنّ عمر سأل حذيفة هل هو من المنافقين أم لا؟.
و لو لا أنّه علم من نفسه صفات تناسب صفات المنافقين لم يكن يشكّ فيها و لم يتقدم على فضيحتها.
(3) في المطبوع: بجوازه. و هو سهو.
تذييل:
نودّ أن نختم بحثنا هذا ببعض الكلمات المأثورة عن خليفة القوم:
منها: ما جاء في كنز العمّال 1- 103، عن قتادة قال عمر بن الخطّاب: من قال إنّي عالم فهو جاهل، و من قال إنّي مؤمن فهو كافر!!. و قريب منه جاء في شعب الإيمان.
و منها: ما قاله الضحّاك: قال عمر: يا ليتني كنت كبش أهلي سمّنوني ما بدا لهم حتّى إذا كنت أسمن ما أكون زارهم بعض من يحبّون فجعلوا بعضي شواء و بعضي قديدا ثمّ أكلوني فأخرجوني عذرة و لم أكن بشرا. ذكره المتّقي في الكنز 6- 345 و قال: أخرجه هناد.
و منها: ما ذكره ابن سعد في طبقاته 3- 286، عن سالم بن عبد اللّه أنّه قال: إنّ عمر بن الخطّاب كان يدخل يده في دبرة البعير و يقول: إنّي لخائف أن أسأل عمّا بك!.
و منها: ما عن سعيد بن يسار، قال: بلغ عمر بن الخطّاب أنّ رجلا بالشام يزعم أنّه مؤمن، فكتب إلى أميره أن ابعثه إليّ، فلمّا قدم قال: أنت الذي تزعم أنّك مؤمن؟. قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: ويحك! و ممّ ذاك؟. قال: أ و لم تكونوا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم أصنافا، مشرك و منافق و مؤمن؟ ممّن أين كنتم؟ فمدّ عمر يده إليه معرفة لما قال حتّى أخذ بيده.
و منها: سمع عمر بن الخطّاب رجلا ينادي رجلا: يا ذا القرنين، قال: أ فرغتم من أسماء الأنبياء فارتفعتم إلى أسماء الملائكة؟!. أوردها الدميري في حياة الحيوان 2- 21، و ابن حجر في فتح الباري 6- 295 و غيرهما.
و منها: قصّة شراء الخليفة للإبل من أعرابيّ، و قوله له أكثر من مرّة: إنّك رجل سوء، و قضاء عليّ (عليه السلام) لنفع الأعرابي، كما أوردها في كنز العمّال 2- 221، و المنتخب منه 2- 231- هامش مسند أحمد- و غيرهما.
و أقول: عرفته الأعراب فكيف يجهل أو يتجاهله غيرهم.
و منها: ما أورده في عمدة القاري 7- 143، و شرح النهج لابن أبي الحديد 3- 104- أربع مجلدات- و غيرهما من أنّه جاءت سرية لعبيد اللّه بن عمر تشكوه عند أبيه، فقالت: يا أمير المؤمنين! أ لا تعذرني في أبي عيسى؟!. قال: و من أبو عيسى؟. قالت: ابنك عبيد اللّه. قال: ويحك! و قد تكنّى بأبي عيسى؟!. و دعاه و قال: إيها! اكتنيت بأبي عيسى؟!. فحذّر و فزع، فأخذ يده فعضّها! حتى صاح، ثمّ ضربه.
و هذا آخر أنواع التأديب و التعزير التي لا تعرفه إلّا حكومات الغاب.
و منها: ما جاء في حاشية السيوطي المدوّنة على القاموس في لفظ (الابنة): أنّها كانت في خمسة في زمن الجاهلية أحدهم سيّدنا عمر!. و من هنا و غيره ادّعى لقب: أمير المؤمنين، حيث قال الصادق (عليه السلام) إنّه ما ادّعاه أحد غير عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) إلّا كان ممّن يؤتى في دبره، و ألّف صاحب تفسير نور الثقلين كتابا أثبت أنّ هذه الحالة كانت مع الخلفاء الأمويّين و العباسيين بأجمعهم، و استشهد بشواهد من الشعر و النثر على وجود تلك العاهة لكلّ واحد منهم من طريقي العامّة و الخاصّة.
هذا و نوصي بقراءة ما كتبه شيخنا الأميني- (رحمه اللّه)- تحت عنوان: نوادر الأثر في علم عمر في موسوعته الغدير 6- 83- 333. و كنّا غالبا في بحثنا هذا عيال عليه، و آخذين منه.
قال في محاضرات الأدباء للراغب الأصفهاني 2- 213- طبعة مصر- عن ابن عبّاس قال: كنت مع عمر بن الخطّاب في ليلة- و عمر على بغل و أنا على فرس- فقرأ آية فيها ذكر عليّ بن أبي طالب، فقال: أما و اللّه يا بني عبد المطلب لقد كان عليّ فيكم أولى بهذا الأمر منّي و من أبي بكر ..!.
97
[24] باب نسبه و ولادته و وفاته و بعض نوادر أحواله، و ما جرى بينه و بين أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه)
نسبه و ولادته
1- فس (1): قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: ثُمَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ نِكَاحَ الزَّوَانِي، فَقَالَ: (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَ الزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَ حُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (2)، وَ هُوَ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَسْتَحِلُّ التَّمَتُّعَ بِالزَّوَانِي وَ التَّزْوِيجَ بِهِنَّ، وَ هُنَّ الْمَشْهُورَاتُ الْمَعْرُوفَاتُ بِذَلِكَ (3) فِي الدُّنْيَا، لَا يَقْدِرُ الرَّجُلُ عَلَى تَحَصُّنِهِنَ (4)، وَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي نِسَاءِ مَكَّةَ، كُنَّ مُسْتَعْلِنَاتٍ بِالزِّنَا، سَارَةُ، وَ حَنْتَمَةُ، وَ الرَّبَابُ كُنَّ يَتَغَنَّيْنَ (5) بِهِجَاءِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَحَرَّمَ اللَّهُ نِكَاحَهُنَّ، وَ جَرَتْ بَعْدَهُنَّ فِي النِّسَاءِ مِنْ أَمْثَالِهِنَ (6).
____________
(1) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 2- 95- 96.
(2) النّور: 3.
(3) في المصدر لا توجد: بذلك.
(4) في التّفسير: على تحصينهنّ.
(5) جاءت في المصدر: يغنّين.
(6) من: فس إلى هنا لا يوجد في (س).
98
قَالَ الْعَلَّامَةُ- نَوَّرَ اللَّهُ ضَرِيحَهُ- فِي كِتَابِ كَشْفِ الْحَقِ (1)، وَ صَاحِبُ كِتَابِ إِلْزَامِ النَّوَاصِبِ (2): .. وَ رَوَى الْكَلْبِيُّ- وَ هُوَ مِنْ رِجَالِ أَهْلِ السُّنَّةِ- فِي كِتَابِ الْمَثَالِبِ (3)، قَالَ: كَانَتْ صُهَاكُ أَمَةً حَبَشِيَّةً لِهَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، فَوَقَعَ (4) عَلَيْهَا نُفَيْلُ بْنُ هَاشِمٍ (5)، ثُمَّ وَقَعَ عَلَيْهَا عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ رِيَاحٍ، فَجَاءَتْ بِنُفَيْلٍ جَدِّ ... و قال الفضل بن روزبهان الشهرستاني في شرحه (6)- بعد القدح في صحّة النقل-: إنّ أنكحة الجاهليّة- على ما ذكره أرباب التواريخ- على أربعة أوجه:
منها: أن يقع جماعة على امرأة ثم ولد منها يحكم فيه القائف أو تصدّق المرأة، و ربّما كان هذه من أنكحة الجاهليّة.
و أورد عليه شارح الشرح (رحمه اللّه) (7): بأنّه لو صحّ ما ذكره لما تحقّق زنا في الجاهليّة، و لما عدّ مثل ذلك في المثالب، و لكان كلّ من وقع على امرأة كان ذلك نكاحا منه عليها، و لم يسمع من أحد (8) أنّ من أنكحة الجاهليّة كون امرأة واحدة في يوم واحد أو شهر واحد في نكاح جماعة من الناس.
ثم إنّ الخطاب- على ما ذكره ابن عبد البرّ في الإستيعاب (9)- ابن نفيل بن
____________
(1) كشف الحقّ (نهج الحقّ و كشف الصّدق): 348.
(2) إلزام النّواصب: 97- النّسخة الخطّيّة- فصل: بعض ما ورد في أنسابهم، الثّاني:.
(3) المثالب للكلبيّ أبي المنذر هشام بن محمّد بن السّائب النّسّابة المتوفّى 205 ه، و لا نعلم بطبعه.
(4) في إلزام النّواصب: فواقع. و كذا ما يأتي.
(5) في الإلزام: هشام، بدلا من: هاشم.
(6) شرح كشف الحقّ للشهرستاني، الفضل بن روزبهان الخواجة مولانا في كتابه (إبطال المنهج الباطل في الردّ على ابن المطهّر) و لا نعرف له نسخة خطّية فضلا عن مطبوعه، و ما في إحقاق الحقّ منه لم يشر إلى ما ذكر هنا.
(7) لعلّه إحقاق الحقّ للشهيد الثالث التستريّ طاب ثراه، و لم نجده فيما هو مطبوع منه.
(8) في (س): عن أحد.
(9) الاستيعاب المطبوع على هامش الإصابة 2- 458.
99
عبد العزّى بن رياح بن عبد اللّه بن القرط بن زراح (1) بن عديّ بن كعب القرشي، و أمّه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم.
قال (2): و قد قالت طائفة في أمّ [فلان] حنتمة بنت هاشم بن المغيرة، و من قال ذلك فقد أخطأ، و لو كانت كذلك لكانت أخت أبي جهل بن هشام، و الحرث بن هشام (3) المغيرة، و ليس كذلك، و إنّما هي بنت عمّه، لأنّ هشام بن المغيرة و الحرث بن المغيرة أخوان لهاشم والد (4) حنتمة أمّ [فلان]، و هشام والد الحرث و أبي جهل.
و حكى بعض أصحابنا عن محمد بن شهر آشوب (5) و غيره: أنّ صُهاك كانت أمة حبشية لعبد المطلب، و كانت ترعى له الإبل، فوقع عليها نفيل فجاءت بالخطاب، ثم إنّ الخطّاب لّما بلغ الحلم رغب في صُهاك فوقع عليها فجاءت بابنة فلفّتها في خرقة من صوف و رمتها خوفا من مولاها في الطريق، فرآها هاشم بن المغيرة مرميّة فأخذها و ربّاها و سمّاها: حنتمة، فلمّا بلغت رآها خطّاب يوما فرغب فيها و خطبها من هاشم فأنكحها إيّاه فجاءت [بفلان]، فكان الخطاب أبا و جدّا و خالا [لفلان]، وَ كَانَتْ حَنْتَمَةُ أُمّاً وَ أُخْتاً وَ عَمَّةً لَهُ، فتدبّر.
و أقول.:
وجدت فِي كِتَابِ عِقْدِ الدُّرَرِ (6) لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ رَوَى (7)
____________
(1) في المصدر: رزاح.
(2) قاله ابن عبد البرّ في الاستيعاب 2- 458- 459.
(3) في المصدر زيادة: بن.
(4) جاءت العبارة في الاستيعاب هكذا: و إنّما هي ابنة عمّها فإنّ هاشم بن المغيرة و هشام بن المغيرة أخوان، فهاشم والد .. و هو الصحيح.
(5) لعلّه في كتابه المثالب، الذي يعدّ القسم الثاني من المناقب، و لا زال مخطوطا، قيّض اللّه سبحانه له من يبادر إلى طبعه و نشره.
(6) و هو كتاب عقد الدّرر في تاريخ وفاة عمر، و يسمّى الحديقة النّاضرة، مجهول المؤلّف، رتّب على أربعة فصول و خاتمة، و احتمل شيخنا الطّهرانيّ في الذّريعة 15- 298 كون الكتاب للشّيخ حسن بن سليمان الحلّيّ، و هناك كتاب باسم مقتل عمر لعليّ بن مظاهر الحلّيّ، و لاحظ ما جاء في مستدركاتنا في آخر الكتاب.
(7) لا توجد: روى، في (ك).
100
بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ (1)، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنِ ابْنِ الزَّيَّاتِ، عَنِ الصَّادِقِ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: كَانَتْ صُهَاكُ جَارِيَةً لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَ كَانَتْ ذَاتَ عَجُزٍ، وَ كَانَتْ تَرْعَى الْإِبِلَ، وَ كَانَتْ مِنَ الْحَبَشَةِ (2)، وَ كَانَتْ تَمِيلُ إِلَى النِّكَاحِ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا نُفَيْلٌ جَدُّ [فُلَانٍ] فَهَوَاهَا وَ عَشِقَهَا مِنْ مَرْعَى الْإِبِلِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَحَمَلَتْ مِنْهُ بِالْخَطَّابِ، فَلَمَّا أَدْرَكَ الْبُلُوغَ نَظَرَ إِلَى أُمِّهِ صُهَاكَ فَأَعْجَبَهُ عَجُزُهَا فَوَثَبَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ مِنْهُ بِحَنْتَمَةَ، فَلَمَّا وَلَدَتْهَا خَافَتْ مِنْ أَهْلِهَا فَجَعَلَتْهَا فِي صُوفٍ وَ أَلْقَتْهَا بَيْنَ أَحْشَامِ مَكَّةَ، فَوَجَدَهَا هِشَامُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَحَمَلَهَا إِلَى مَنْزِلِهِ وَ رَبَّاهَا وَ سَمَّاهَا بِ: الْحَنْتَمَةِ، وَ كَانَتْ مَشِيمَةُ الْعَرَبِ مَنْ رَبَّى يَتِيماً يَتَّخِذُهُ وَلَداً، فَلَمَّا بَلَغَتْ حَنْتَمَةُ نَظَرَ إِلَيْهَا الْخَطَّابُ فَمَالَ إِلَيْهَا وَ خَطَبَهَا مِنْ هِشَامٍ، فَتَزَوَّجَهَا فَأَوْلَدَ مِنْهَا [فُلَان]، وَ كَانَ الْخَطَّابُ أَبَاهُ وَ جَدَّهُ وَ خَالَهُ، وَ كَانَتْ حَنْتَمَةُ أُمَّهُ وَ أُخْتَهُ وَ عَمَّتَهُ.
و ينسب إلى الصادق (عليه السلام) في هذا المعنى شعر:
مَنْ جَدُّهُ خَالُهُ وَ وَالِدُهُ* * * وَ أُمُّهُ أُخْتُهُ وَ عَمَّتُهُ
أَجْدَرُ أَنْ يُبْغِضَ الْوَصِيَّ وَ أَنْ* * * يُنْكِرَ يَوْمَ الْغَدِيرِ بَيْعَتَهُ
انتهى (3).
و قال ابن أبي الحديد (4) في شرح
- قَوْلِهِ (عليه السلام): لَمْ يُسْهِمْ فِيهِ عَاهِرٌ، وَ لَا ضَرَبَ فِيهِ فَاجِرٌ ..
في الكلام رمز إلى جماعة من الصحابة في أنسابهم طعن، كما يقال: إنّ آل سعد بن أبي وقّاص ليسوا من بني زهرة بن كلاب، و إنّهم من بني
____________
(1) لا توجد: بن هاشم، في (ك).
(2) في (ك): الحبشية.
(3) قال في الصراط المستقيم 3- 28: و قد روى جماعة عن عمر: تعلّموا أنسابكم تصلوا بها أرحامكم، و لا يسألني أحد ما وراء الخطّاب!.
و نقل عن البخاري، و إحياء العلوم: أسند أحمد بن موسى: أنّ رجلا قال للنبيّ ص : من أبي؟. قال: حذافة. فسأله آخر: من أبي؟. قال: سالم. فبرك عمر على ركبتيه و قال- بعد كلام-:
لا تبد علينا سوأتنا، و اعف عنّا. رواه أبو يعلى الموصلي في المسند عن أنس.
(4) شرح نهج البلاغة 11- 67- 68.
101
عذرة من قحطان، و كما يقال إنّ آل زبير (1) بن العوّام من أرض مصر من القبط، و ليسوا من بني أسد بن عبد (2) العزّى.
ثم قال (3): قال شَيْخُنَا أَبُو عُثْمَانَ فِي كِتَابِ «مُفَاخَرَاتِ قُرَيْشٍ» (4): ... بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنَّ أُنَاساً مِنْ رُوَاةِ الْأَشْعَارِ وَ حَمَلَةِ الْآثَارِ يَقْصِبُونَ (5) النَّاسَ وَ يَثْلِبُونَهُمْ (6) فِي أَسْلَافِهِمْ، فَقَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: إِيَّاكُمْ وَ ذِكْرَ الْعُيُوبِ وَ الْبَحْثَ عَنِ الْأُصُولِ، فَلَوْ قُلْتُ لَا يَخْرُجِ الْيَوْمَ (7) مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ إِلَّا مَنْ لَا وَصْمَةَ فِيهِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْكُمْ أَحَدٌ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ- نَكْرَهُ أَنْ نَذْكُرَهُ فَقَالَ إِذَا كُنْتُ أَنَا وَ أَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَخْرُجُ فَقَالَ كَذَبْتَ بَلْ كَانَ يُقَالُ لَكَ يَا قَيْنَ ابْنَ قَيْنٍ اقْعُدْ قُلْتُ: الرَّجُلُ الَّذِي قَامَ هُوَ الْمُهَاجِرُ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ (8) الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ، وَ كَانَ عُمَرُ يُبْغِضُهُ لِبُغْضِهِ أَبَاهُ خَالِداً، وَ لِأَنَّ الْمُهَاجِرَ كَانَ عَلَوِيَّ الرَّأْيِ جِدّاً، وَ كَانَ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِخِلَافِهِ، شَهِدَ الْمُهَاجِرُ صِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ (عليه السلام) وَ شَهِدَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ مَعَ مُعَاوِيَةَ، وَ كَانَ الْمُهَاجِرُ مَعَ عَلِيٍّ (عليه السلام) يَوْمَ الْجَمَلِ، وَ فُقِئَتْ (9) ذَلِكَ الْيَوْمَ عَيْنُهُ، وَ لِأَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي بَلَغَ عُمَرَ بَلَغَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِ (10)، وَ كَانَ
____________
(1) في المصدر: و كما قالوا: إنّ آل الزبير.
(2) لا توجد: عبد، في (س).
(3) قاله ابن أبي الحديد في شرحه 11- 68- 69.
(4) مفاخرات قريش للجاحظ، بحثنا عنه فلم نجد له نسخة مطبوعة.
(5) في المصدر: يعيبون. أقول: يقصبون: يقعون في النّاس، كما في مجمع البحرين 2- 143- 144، و انظر: القاموس 1- 117، و النّهاية 4- 67، و الصّحاح 1- 203.
(6) ثلبه ثلبا: إذا صرّح بالعيب و تنقّصه، كما في الصّحاح 1- 94، و النّهاية 1- 218، و مجمع البحرين 2- 19، و القاموس 1- 42.
(7) في (س): القوم، بدلا من: اليوم.
(8) لا توجد: بن، في (س).
(9) فقأ العين: كسرها، أو قلعها، أو بخقها، كما في القاموس: 1- 23.
(10) في المصدر: عن المهاجر.
102
الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ- مَعَ جَلَالَتِهِ فِي قُرَيْشٍ وَ كَوْنِهِ يُسَمَّى: رَيْحَانَةَ قُرَيْشٍ، وَ يُسَمَّى:
الْعَدْلَ، وَ يُسَمَّى (1): الْوَحِيدَ- حَدَّاداً يَصْنَعُ الدُّرُوعَ (2) بِيَدِهِ، ذَكَرَ ذَلِكَ فِيهِ ابْنُ قُتَيْبَةَ (3) فِي كِتَابِ الْمَعَارِفِ (4).
وَ رَوَى أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ هَذَا الْخَبَرَ فِي كِتَابِ أُمَّهَاتِ الْخُلَفَاءِ (5)، وَ قَالَ: إِنَّهُ رُوِيَ عِنْدَ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام) بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ: لَا تَلُمْهُ يَا ابْنَ أَخِي، إِنَّهُ أَشْفَقَ أَنْ يُحْدَجَ بِقِصَّةِ (6) نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى وَ صُهَاكَ أَمَةِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (7)، ثُمَّ قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَعْدُ السُّنَّةَ، وَ تَلَا: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (8). انتهى..
بيان: قال الجوهري (9): حدجه بذنب غيره: رماه به.
انظر كيف بيّن (عليه السلام) رداءة نسب عمر و سبب مبالغته في النهي عن التعرّض للأنساب، ثم مدحه تقيّة، و ما أومى إليه من قصّة أمة الزبير هو.
ما رواه الْكُلَيْنِيُّ طَيَّبَ اللَّهُ تُرْبَتَهُ فِي رَوْضَةِ الْكَافِي (10)، عَنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ زُرْعَةَ، عَنْ سَمَاعَةَ، قَالَ: تَعَرَّضَ رَجُلٌ مِنْ وُلْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِجَارِيَةِ رَجُلٍ
____________
(1) الكلمة مشوّشة في (ك) نظير: هيمى.
(2) في المصدر زيادة: و غيرها.
(3) في شرح النهج: عنه عبد اللّه بن قتيبة.
(4) المعارف: 250.
(5) أمّهات الخلفاء، و لا نعرف كتابا بهذا الاسم إلّا ما ذكره النّديم في الفهرس: 141، في أنّه لأبي المنذر هشام بن محمّد بن السّائب النّسّابة المتوفّى سنة 205 ه، و لا نعلم بطبعه.
(6) في شرح النّهج: بقضيّة.
(7) في (س): عبد اللّه المطّلب. و خطّ على لفظ الجلالة في (ك)، و هو الظّاهر كما في المصدر.
(8) النّور: 11.
(9) في صحاح اللغة 1- 305، و ذكره ابن منظور في اللسان 2- 232.
(10) الكافي 8- 258- 260 حديث 372. و جاءت أيضا في بحار الأنوار 22- 268- 271 حديث 13، و 47- 386- 389 حديث 109، عنه.
103
عَقِيلِيٍّ، فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ هَذَا الْعُمَرِيَ (1) قَدْ آذَانِي. فَقَالَ لَهَا: عِدِيهِ وَ أَدْخِلِيهِ الدِّهْلِيزَ، فَأَدْخَلَتْهُ، فَشَدَّ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ وَ أَلْقَاهُ فِي الطَّرِيقِ، فَاجْتَمَعَ الْبَكْرِيُّونَ وَ الْعُمَرِيُّونَ وَ الْعُثْمَانِيُّونَ، وَ قَالُوا: مَا لِصَاحِبِنَا كُفْوٌ؟ لَنْ نَقْتُلَ بِهِ إِلَّا جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَ مَا قَتَلَ صَاحِبَنَا غَيْرُهُ، وَ كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَدْ مَضَى نَحْوَ قُبَا، فَلَقِيتُهُ بِمَا اجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ. فَقَالَ: دَعْهُمْ. قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ وَ رَأَوْهُ (2) وَثَبُوا عَلَيْهِ، وَ قَالُوا: مَا قَتَلَ صَاحِبَنَا أَحَدٌ غَيْرُكَ، وَ مَا نَقْتُلُ بِهِ أَحَداً غَيْرَكَ!، فَقَالَ: لِتُكَلِّمْنِي (3)مِنْكُمْ جَمَاعَةٌ، فَاعْتَزَلَ قَوْمٌ مِنْهُمْ، فَأَخَذَ بِأَيْدِيهِمْ فَأَدْخَلَهُمُ الْمَسْجِدَ، فَخَرَجُوا وَ هُمْ يَقُولُونَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ يَفْعَلُ هَذَا وَ لَا يَأْمُرُ بِهِ، انْصَرِفُوا. قَالَ: فَمَضَيْتُ مَعَهُ، فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ! مَا كَانَ أَقْرَبَ رِضَاهُمْ مِنْ سَخَطِهِمْ. قَالَ: نَعَمْ، دَعَوْتُهُمْ فَقُلْتُ: أَمْسِكُوا وَ إِلَّا أَخْرَجْتُ الصَّحِيفَةَ. فَقُلْتُ:
وَ مَا هَذِهِ الصَّحِيفَةُ جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ؟!. فَقَالَ: أُمُ (4) الْخَطَّابِ كَانَتْ أَمَةً لِلزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَسَطَّرَ بِهَا نُفَيْلٌ فَأَحْبَلَهَا، فَطَلَبَهُ الزُّبَيْرُ، فَخَرَجَ هَارِباً إِلَى الطَّائِفِ، فَخَرَجَ الزُّبَيْرُ خَلْفَهُ فَبَصُرَتْ بِهِ ثَقِيفٌ، فَقَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! مَا تَعْمَلُ هَاهُنَا؟.
قَالَ: جَارِيَتِي سَطَّرَ بِهَا نُفَيْلُكُمْ، فَهَرَبَ مِنْهُ إِلَى الشَّامِ، فَخَرَجَ (5) الزُّبَيْرُ فِي تِجَارَةٍ لَهُ إِلَى الشَّامِ، فَدَخَلَ عَلَى مَلِكِ الدُّومَةِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ؟.
قَالَ: وَ مَا حَاجَتُكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ؟. فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِكَ (6) قَدْ أَخَذْتَ وَلَدَهُ فَأُحِبُّ أَنْ تَرُدَّهُ عَلَيْهِ. قَالَ: لِيَظْهَرْ لِي حَتَّى أَعْرِفَهُ. فَلَمَّا أَنْ كَانَ مِنَ الْغَدِ دَخَلَ إِلَى الْمَلِكِ فَلَمَّا رَآهُ الْمَلِكُ ضَحِكَ، فَقَالَ: مَا يُضْحِكُكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ؟. قَالَ: مَا أَظُنُّ هَذَا الرَّجُلَ وَلَدَتْهُ عَرَبِيَّةٌ، لَمَّا رَآكَ قَدْ دَخَلْتَ لَمْ يَمْلِكِ اسْتَهُ أَنْ جَعَلَ يَضْرِطُ. فَقَالَ: أَيُّهَا
____________
(1) في (س): لعمري- بلا همزة-.
(2) في (س): وراءه.
(3) في روضة الكافي: ليكلّمني.
(4) في المصدر: أنّ أمّ ..
(5) في روضة الكافي: و خرج.
(6) لا توجد في (ك): فقال: رجل من أهلك.
104
الْمَلِكُ! إِذَا صِرْتُ إِلَى مَكَّةَ قَضَيْتُ حَاجَتَكَ، فَلَمَّا قَدِمَ الزُّبَيْرُ تَحَمَّلَ عَلَيْهِ بِبُطُونِ قُرَيْشٍ كُلِّهَا أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ ابْنَهُ فَأَبَى، ثُمَّ تَحَمَّلَ عَلَيْهِ بِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: مَا بَيْنِي وَ بَيْنَهُ عَمَلٌ، أَ مَا عَلِمْتُمْ مَا فَعَلَ فِي ابْنِي فُلَانٍ، وَ لَكِنِ امْضُوا أَنْتُمْ إِلَيْهِ، فَقَصَدُوهُ وَ كَلَّمُوهُ، فَقَالَ لَهُمُ الزُّبَيْرُ: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَهُ دَوْلَةٌ وَ إِنَّ ابْنَ هَذَا ابْنُ الشَّيْطَانِ، وَ لَسْتُ آمَنُ أَنْ يَتَرَأَّسَ عَلَيْنَا، وَ لَكِنْ أَدْخِلُوهُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ عَلَيَّ عَلَى أَنْ أُحْمِيَ لَهُ حَدِيدَةً وَ أَخُطَّ فِي وَجْهِهِ خُطُوطاً، وَ أَكْتُبَ عَلَيْهِ وَ عَلَى ابْنِهِ أَنْ لَا يَتَصَدَّرَ فِي مَجْلِسٍ، وَ لَا يَتَأَمَّرَ عَلَى أَوْلَادِنَا، وَ لَا يُضْرَبَ مَعَنَا بِسَهْمٍ. قَالَ: فَفَعَلُوا وَ خَطَّ وَجْهَهُ بِالْحَدِيدِ، وَ كَتَبَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، وَ ذَلِكَ الْكِتَابُ عِنْدَنَا. فَقُلْتُ لَهُمْ: إِذَا مسكتم (1) وَ إِلَّا أَخْرَجْتُ الْكِتَابَ فَفِيهِ فَضِيحَتُكُمْ، فَأَمْسَكُوا.
وَ تُوُفِّيَ مَوْلًى لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَمْ يُخَلِّفْ وَارِثاً، وَ خَاصَمَ (2) فِيهِ وُلْدُ الْعَبَّاسِ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع)، وَ كَانَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ (3) قَدْ حَجَّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، فَجَلَسَ لَهُمْ، فَقَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ: الْوَلَاءُ لَنَا. وَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): بَلِ الْوَلَاءُ لِي، فَقَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ: إِنَّ أَبَاكَ قَاتَلَ مُعَاوِيَةَ. فَقَالَ: إِنْ كَانَ أَبِي قَاتَلَ مُعَاوِيَةَ فَقَدْ كَانَ خَطُّ (4) أَبِيكَ فِيهِ الْأَوْفَرَ، ثُمَّ فَرَّ بِجَنَاحَيْهِ (5). وَ قَالَ: وَ اللَّهِ! لَأُطَوِّقَنَّكَ غَداً طَوْقَ (6) الْحَمَامَةِ، فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ: كَلَامُكَ هَذَا أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ بَعْرَةٍ فِي وَادِ الْأَزْرَقِ، فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ وَادٍ لَيْسَ لَكَ وَ لَا لِأَبِيكَ فِيهِ حَقٌّ، قَالَ: فَقَالَ
____________
(1) في المصدر: إن أمسكتم. و هو الظّاهر.
(2) في روضة الكافي: فخاصم.
(3) في (ك): عبد المطّلب، و هو غلط.
(4) في المصدر: حظّ، و هو الظّاهر.
(5) في روضة الكافي: بخيانته.
(6) الطّوق: حليّ يجعل في العنق، و كلّ شيء استدار فهو طوق، و المطوّقة: الحمامة الّتي في عنقها طوق.
انظر: النّهاية: 3- 143، و القاموس 3- 259، و مجمع البحرين 5- 209- 210. و حاصل المعنى إنّي لأجعلنّ في عنقك طوقا كطوق الحمامة لا يفارقك أبدا.
105
هِشَامٌ: إِذَا كَانَ غَداً جَلَسْتُ لَكُمْ (1)، فَلَمَّا أَنْ كَانَ مِنَ الْغَدِ خَرَجَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) وَ مَعَهُ كِتَابٌ فِي كِرْبَاسَةٍ، وَ جَلَسَ لَهُمْ هِشَامٌ، فَوَضَعَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) الْكِتَابَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا (2) قَرَأَهُ قَالَ: ادْعُوا إِلَيَ (3) جَنْدَلَ الْخُزَاعِيَّ وَ عُكَّاشَةَ الضُّمَيْرِيَ (4)- وَ كَانَا شَيْخَيْنِ قَدْ أَدْرَكَا الْجَاهِلِيَّةَ-، فَرَمَى الْكِتَابَ (5) إِلَيْهِمَا، فَقَالَ:
تَعْرِفَانِ هَذِهِ الْخُطُوطَ؟. قَالا: نَعَمْ، هَذَا خَطُّ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَ هَذَا خَطُّ فُلَانٍ وَ فُلَانٍ لِفُلَانٍ (6) مِنْ قُرَيْشٍ، وَ هَذَا خَطُّ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، فَقَالَ هِشَامٌ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! أَرَى خُطُوطَ أَجْدَادِي عِنْدَكُمْ؟. فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قَدْ (7) قَضَيْتُ بِالْوَلَاءِ لَكَ.
قَالَ: فَخَرَجَ وَ هُوَ يَقُولُ:
إِنْ عَادَتِ الْعَقْرَبُ عُدْنَا لَهَا* * * وَ كَانَتِ النَّعْلُ (8)لَهَا حَاضِرَةً
قَالَ: قُلْتُ (9): مَا هَذَا الْكِتَابُ جُعِلْتُ فِدَاكَ؟. قَالَ: فَإِنَّ نَيثلة (10) كَانَتْ أَمَةً لِأُمِّ الزُّبَيْرِ وَ لِأَبِي طَالِبٍ وَ عَبْدِ اللَّهِ فَأَخَذَهَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَأَوْلَدَهَا فُلَاناً، فَقَالَ لَهُ الزُّبَيْرُ: هَذِهِ الْجَارِيَةُ وَرِثْنَاهَا مِنْ أُمِّنَا وَ ابْنُكَ هَذَا عَبْدٌ لَنَا، فَتَحَمَّلَ عَلَيْهِ بِبُطُونِ قُرَيْشٍ. قَالَ: فَقَالَ: قَدْ أَجَبْتُكَ عَلَى خَلَّةٍ عَلَى أَنْ لَا يَتَصَدَّرَ (11) ابْنُكَ هَذَا فِي مَجْلِسٍ، وَ لَا يُضْرَبَ مَعَنَا بِسَهْمٍ، فَكَتَبَ عَلَيْهِ كِتَاباً وَ أَشْهَدَ عَلَيْهِ، فَهُوَ هَذَا
____________
(1) وضع على: لكم، في (ك) رمز نسخة بدل.
(2) زيادة: أن، جاءت في المصدر قبل: قرأه.
(3) في روضة الكافي: لي.
(4) في المصدر: الضّمريّ.
(5) بالكتاب، جاءت في الكافي.
(6) في (ك) نسخة بدل: لقوم فلان.
(7) في المصدر: فقد.
(8) في (س): لنعل.
(9) في المصدر: فقلت.
(10) في روضة الكافي: نثيلة. و في (ك) نسخة بدل: نفيلة. و هو الظّاهر.
(11) في (س): أن يتصدّر- من غير لا-.
106
الْكِتَابُ (1).
بيان: قوله: تعرّض (2) .. أي أراد الفجور معها و مراودتها.
قوله: فقالت له .. أي للعقيلي مولاها.
قوله: فشدّ عليه .. أي حمل عليه (3)، و قد كان كمن له في الدهليز.
قوله: فلقيته .. أي قال سماعة: فذهبت إليه و أخبرته بالواقعة (4).
قوله (عليه السلام): فسطر- بالسين المهملة- .. أي زخرف لها الكلام و خدعها (5). قال الجزري (6): سطر (7) فلان على فلان: إذا زخرف له الأقاويل و نمّقها، و تلك الأقاويل: الأساطير و السّطر، و في بعض النسخ: بالشين المعجمة.
قال الفيروزآبادي (8): يقال: شطر شطره .. أي قصد قصده، أو هو
____________
(1) أقول: و لعلّه من موضوعات أحمد بن هلال العبرتائيّ الملعون، إذ أنّ داود بن عليّ- عمّ السّفّاح العبّاسيّ و المنصور- صار أميرا على الحجاز في صدر دولة بني العبّاس سنة 132، و حجّ هشام بن عبد الملك الأمويّ سنة 106 ه، و فيه أمور لا تتلاءم مع الواقع التّاريخيّ و فقه الحديث.
و لعلّ خلطه بأشياء و أمور و حوادث ليخرج عن حقيقته.
(2) التّعرّض: التّصدّي و التّعوّج و عدم الاستقامة. و ما ذكره له من المعنى مصداق له، انظر: تاج العروس 5- 51، و لسان العرب 7- 182.
(3) ذكره في مجمع البحرين 3- 76، و الصحاح 2- 492 و غيرهما.
(4) لعلّ مراده- (قدّس سرّه)-: أنّ الفاء في: فلقيته فصيحة .. و أنّ اللقاء مضمّن معنى الإخبار.
و التقدير: و ذهبت إليه و لقيته و أخبرته بالواقعة.
(5) نصّ عليه الطريحي في مجمعه 3- 331، و ابن الزبيدي في تاجه 3- 367. و قالا: نمقّها، بدلا من: خدعها.
(6) في النهاية 2- 365. و ذكره في تاج العروس 3- 267، و لسان العرب 3- 365.
(7) سطّر: بتضعيف الطاء فتكون مزيدا فيها كما عن بعض. و بتضعيف الراء فتكون رباعيّة كما عن بعض آخر.
(8) في القاموس 2- 58. و قارن بتاج العروس 3- 298، و قريب منه ما في لسان العرب 4- 408.
107
تصحيف شغر بها- بالغين المعجمة- .. أي رفع رجلها للجماع (1) قوله (عليه السلام): على ملك الدّومة .. أي دومة الجندل، و هي- بالضم-:
حصن بين المدينة و الشّام، و منهم من يفتح الدّال (2) قوله: تحمل عليه ببطون قريش .. أي كلّفهم الشّفاعة (3) عند الزبير ليدفع إليه الخطّاب، فلمّا يئس من ذلك ذهب إلى عبد المطلب ليتحمّل على زبير بعبد المطلب مضافا إلى بطون قريش، فقال عبد المطلب لنفيل: ما بيني و بينه عمل؟
أي معاملة و ألفة- أ ما علمتم أنّه- يعني زبيرا- ما فعل بي في ابني فلان- و أشار بذلك إلى ما سيأتي من قصّة العباس في عجز الخبر- قال: و لكن امضوا أنتم- يعني نفيلا- مع بطون قريش إلى الزبير.
قوله: أن لا يتصدّر .. أي لا يجلس في صدر المجلس (4) قوله: و لا يضرب معنا بسهم .. أي لا يشترك معنا في قسمة شيء لا ميراث و لا غيره (5) قوله (عليه السلام): فقد كان خطّ (6) أبيك .. أي جدّك عبد اللّه بن العباس
____________
(1) قاله في تاج العروس 3- 306، و انظر: مجمع البحرين 3- 352.
(2) لاحظ الصحاح 5- 1923، و النهاية 2- 141. و قال في مجمع البحرين 6- 65: و دومة الجندل:
حصن عاديّ بين المدينة و الشام يقرب من تبوك، و هي أقرب إلى الشام، و هي الفصل بين الشام و العراق، و هي إحدى حدود فدك، و يقال إنّها تسمّى بالجوف. و انظر ما جاء في مراصد الاطّلاع 2- 543، و معجم البلدان 2- 487- 489.
(3) ذكره في النهاية 1- 443، مجمع البحرين 5- 358.
(4) ذكره في تاج العروس 3- 328، انظر: لسان العرب 4- 446.
(5) قال في لسان العرب 1- 547: و قد ضربت بالقداح، و الضريب و الضارب: الموكّل بالقداح، و قيل: الذي يضرب بها، و جمع الضريب: ضرباء.
أقول: يحتمل قراءة: يضرب معنا بسهم مبنيّا للفاعل و مبنيّا للمفعول. و على الأول يكون المعنى: إنّه لا يضرب معنا لعدم كونه ضريبا معنا، لأنّه أقلّ بكثير رتبة من أن يكون مثلنا. و على الثاني يكون حاصل المعنى: أنّ الموكّل بضرب القداح و السهم إذا ضرب لا يجعل ذلك الشخص معنا و في مرتبتنا فيضرب له و لنا. انظر: تاج العروس 1- 348، و الصحاح 1- 169.
(6) كذا، و الصحيح: حظّ، كما مرّ.
108
فيه الأوفر .. أي أخذ حظّا وافرا من غنائم تلك الغزوة، و كان من شركائها و أعوانه (عليه السلام) فيها.
قوله (عليه السلام): ثم فرّ بجنايته (1) .. إشارة إلى جناية عبد اللّه في بيت مال البصرة، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.
أقول:
قد مرّ من تفسير علي بن إبراهيم (2) في تفسير قوله تعالى:
(ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً) (3) بإسناده، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال (عليه السلام): الوحيد ولد الزنا، و هو زفر .. إلى آخر الآيات (4)
. أمّا حسبه:
فَحَكَى الْعَلَّامَةُ فِي كِتَابِ كَشْفِ الْحَقِ (5)، عَنِ ابْنِ عَبْدِ رَبِّهِ فِي كِتَابِ الْعِقْدِ (6)، أَنَّ عُمَرَ كَانَ حَطَّاباً (7) فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَأَبِيهِ الْخَطَّابِ.
وَ قَالَ مُؤَلِّفُ إِلْزَامِ النَّوَاصِبِ (8): رَوَى ابْنُ عَبْدِ رَبِّهِ فِي كِتَابِ الْعِقْدِ (9) فِي اسْتِعْمَالِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (10)، فَقَالَ عَمْروٌ (11): قَبَّحَ اللَّهُ زَمَاناً
____________
(1) كذا، و قد سلف: بجناحيه، و في نسخة: بخيانته. و في الواقع كلام ليس هذا محله.
(2) تفسير عليّ بن إبراهيم 2- 395.
(3) المدّثّر: 11.
(4) و انظر: ما ذكره البحرانيّ في حلية الأبرار 1- 180. و لا توجد في (س) من قوله: أقول .. إلى هنا.
(5) كشف الحقّ: 348.
(6) العقد الفريد 1- 48. و في (س): روي أنّ عبد ربّه في كتاب العقد. و هو سهو.
(7) في (ك): خطّابا.
(8) إلزام النّواصب: 97- 98- الخطّيّة- باختلاف يسير.
(9) العقد الفريد 1- 48. و أورده العلّامة الحلّيّ في كشف الحقّ: 348.
(10) في الإلزام زيادة: في بعض ولايته.
(11) في كشف الحقّ: فقال عمرو بن العاص.
109
عَمِلَ فِيهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَ اللَّهِ إِنِّي لَأَعْرِفُ الْخَطَّابَ يَحْمِلُ (1) حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ وَ عَلَى (2) ابْنِهِ مِثْلُهَا وَ مَا مَعَهُ إِلَّا تَمْرَةٌ لَا تُنْفَعُ مَنْفَعَةً (3).
و قال ابن الأثير في النهاية (4)- في تفسير الخبط: و هو ورق الشّجر- في حديث عمر: لقد رأيتني في هذا (5) الجبل أحتطب مرّة و أختبط أخرى .. أي أضرب الشّجر لينتثر (6) الخبط منه (7) وَ قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (8): كَتَبَ عُمَرُ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ- وَ هُوَ عَامِلُهُ فِي مِصْرَ- كِتَاباً وَ وَجَّهَ إِلَيْهِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ لِيَأْخُذَ مِنْهُ شَطْرَ مَالِهِ (9)، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ (10) اتَّخَذَ لَهُ طَعَاماً وَ قَدَّمَهُ إِلَيْهِ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ، فَقَالَ لَهُ (11): مَا لَكَ لَا تَأْكُلُ طَعَامَنَا. قَالَ: إِنَّكَ عَمِلْتَ لِي طَعَاماً هُوَ تَقْدِمَةٌ لِلشَّرِّ، وَ لَوْ كُنْتَ عَمِلْتَ لِي طَعَامَ الضَّيْفِ لَأَكَلْتُهُ، فَأَبْعِدْ عَنِّي طَعَامَكَ وَ أَحْضِرْنِي (12) مَالَكَ؟، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَحْضَرَ مَالَهُ، فَجَعَلَ مُحَمَّدٌ يَأْخُذُ شَطْراً وَ يُعْطِي عَمْراً شَطْراً، فَلَمَّا رَأَى عَمْرٌو مَا حَازَ مُحَمَّدٌ مِنَ الْمَالِ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَقُولُ؟. قَالَ: قُلْ مَا تَشَاءُ. قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ يَوْماً كُنْتُ فِيهِ وَالِياً لِابْنِ الْخَطَّابِ! فَوَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُ وَ رَأَيْتُ أَبَاهُ، وَ إِنَّ عَلَى (13) كُلِّ وَاحِدٍ
____________
(1) في نهج الحقّ زيادة: على رأسه.
(2) في كشف الحقّ زيادة: و على رأس.
(3) في العقد: و ما منهما إلّا في نمرة لا تبلغ رسغيه. و في كشف الحقّ: تمرة لا تبلغ مضغة.
(4) النهاية 2- 8.
(5) في المصدر: بهذا.
(6) الكلمة مشوّشة في مطبوع البحار، و تقرأ: ينتشر، أيضا.
(7) و انظر: تاج العروس 5- 125.
(8) في شرحه على النّهج 12- 43- 44. باختلاف يسير ذكرناه.
(9) من قوله: كتابا .. إلى هنا، نقل بالمعنى.
(10) في المصدر: فلمّا قدم إليه محمّد.
(11) لا توجد: له، في شرح النّهج.
(12) في المصدر: و أحضر لي.
(13) لا توجد: على، في (س).
110
مِنْهُمَا عَبَاءَةً قُطْوَانِيَّةً، مُؤْتَزِراً بِهَا مَا يَبْلُغُ مَأْبِضَ (1) رُكْبَتَيْهِ، عَلَى عُنُقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُزْمَةٌ مِنْ حَطَبٍ، وَ إِنَّ الْعَاصَ بْنَ وَائِلٍ لَفِي مُزَرَّرَاتِ الدِّيبَاجِ. فَقَالَ مُحَمَّدٌ (2):
إِيهاً (3) يَا عَمْرُو! فَعُمَرُ وَ اللَّهِ- خَيْرٌ مِنْكَ، وَ أَمَّا أَبُوكَ وَ أَبُوهُ فَفِي النَّارِ.
وَ قَالَ- أَيْضاً (4)-: قَرَأْتُ فِي تَصَانِيفِ (5) أَبِي أَحْمَدَ الْعَسْكَرِيِّ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَخْرُجُ (6) مَعَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فِي تِجَارَةٍ لِلْوَلِيدِ إِلَى الشَّامِ (7)- وَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَ كَانَ (8) يَرْعَى لِلْوَلِيدِ إِبِلَهُ، وَ يَرْفَعُ أَحْمَالَهُ، وَ يَحْفَظُ مَتَاعَهُ- فَلَمَّا كَانَ بِالْبَلْقَاءِ لَقِيَهُ رَجُلٌ مِنْ عُلَمَاءِ الرُّومِ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَ يُطِيلُ النَّظَرَ لِعُمَرَ، ثُمَّ قَالَ: أَظُنُّ اسْمَكَ- يَا غُلَامُ- عَامِراً أَوْ عِمْرَانَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ؟. قَالَ: اسْمِي عُمَرُ.
قَالَ: اكْشِفْ عَنْ (9) فَخِذَيْكَ، فَكَشَفَ، فَإِذَا عَلَى أَحَدِهِمَا شَامَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَدْرِ رَاحَةِ الْكَفِّ، فَسَأَلَهُ أَنْ يَكْشِفَ عَنْ رَأْسِهِ، فَإِذَا (10) هُوَ أَصْلَعُ، فَسَأَلَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ بِيَدِهِ، فَاعْتَمَدَ (11)، فَإِذَا أَعْسَرُ أَيْسَرُ. فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ مَلِكُ الْعَرَبِ (12). قَالَ:
فَضَحِكَ عُمَرُ مُسْتَهْزِئاً، فَقَالَ (13): أَ وَ تَضْحَكُ؟ وَ حَقِّ مَرْيَمَ الْبَتُولِ أَنْتَ مَلِكُ
____________
(1) قال في القاموس 2- 323: المأبض- كمجلس-: باطن الرّكبة.
(2) في (س): محمّدا. و هو سهو.
(3) قال في مجمع البحرين 6- 342: و في الغريبين: إيها: تصديق، كأنّه قال: صدقت، و في الحديث: إيها و اللّه .. أي صدقت. و يقال: إيها عنّا .. أي كفّ عنّا.
(4) في شرح النّهج لابن أبي الحديد 12- 183- 184.
(5) في المصدر: في كتاب من تصانيف.
(6) في شرح النّهج: إنّ عمر خرج عسيفا. و العسف: الأجير.
(7) جاء في الشّرح بتقديم و تأخير: إلى الشّام في تجارة للوليد.
(8) في المصدر: فكان.
(9) لا توجد: عن، في (ك).
(10) في الشّرح: فكشف فإذا.
(11) في الشّرح: أن يعتمل بيده فاعتمل.
(12) زيادة: و حقّ مريم البتول، جاءت في المصدر بعد: العرب.
(13) في المصدر: قال.
111
الْعَرَبِ وَ مَلِكُ الرُّومِ وَ الْفُرْسِ، فَتَرَكَهُ عُمَرُ وَ انْصَرَفَ مُسْتَهِيناً بِكَلَامِهِ، فَكَانَ (1) عُمَرُ يُحَدِّثُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَ يَقُولُ: تَبِعَنِي ذَلِكَ الرُّومِيُ (2) رَاكِبَ حِمَارٍ فَلَمْ يَزَلْ مَعِي حَتَّى بَاعَ الْوَلِيدُ مَتَاعَهُ وَ ابْتَاعَ بِثَمَنِهِ عِطْراً وَ ثِيَاباً، وَ قَفَلَ إِلَى (3) الْحِجَازِ، وَ الرُّومِيُّ يَتْبَعُنِي، لَا يَسْأَلُنِي حَاجَةً وَ يُقَبِّلُ يَدِي كُلَّ يَوْمٍ إِذَا أَصْبَحْتُ كَمَا يُقَبِّلُ يَدَ الْمَلِكِ، حَتَّى خَرَجْنَا مِنْ حُدُودِ الشَّامِ وَ دَخَلْنَا فِي أَرْضِ الْحِجَازِ رَاجِعِينَ إِلَى مَكَّةَ، فَوَدَّعَنِي وَ رَجَعَ، وَ كَانَ الْوَلِيدُ يَسْأَلُنِي عَنْهُ فَلَا أُخْبِرُهُ، وَ مَا أَرَاهُ إِلَّا هَلَكَ، وَ لَوْ كَانَ حَيّاً لَشَخَصَ إِلَيْنَا (4).
أقول: أعسر أيسر .. أي كان يعمل بيديه جميعا، و الّذي عمل بالشّمال فهو أعسر (5). و إخبار الرومي إمّا من جهة الكهانة، أو كان قرأ في الكتب أوصاف فراعنة هذه الأمّة و من يغصب حقوق الأئمّة، فإنّه كما كانت أوصاف أئمّتنا (عليهم السلام) مسطورة في الكتب كانت أوصاف أعدائهم أيضا مذكورة فيها، كما يدلّ عليه أخبارنا، و لذا كان يقبّل يديه لأنّه كان يعلم أنّه يخرّب دين من ينسخ أديانهم كما قبّل إبليس يد [فلان] في أوّل يوم صعد منبر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و استبشر بذلك، و هذه الأخبار صارت باعثة لإسلامه و صاحبه ظاهرا، طمعا في الملك كما ذكره القائم (عليه السلام) لسعد بن عبد اللّه (6)، و لذا أخبره بالملك لا بالخلافة و الرئاسة الدينيّة (7)
____________
(1) في شرح النّهج: و كان.
(2) زيادة: و هو، جاءت في المصدر.
(3) أي: رجع.
(4) أورده شيخنا المجلسيّ- (رحمه اللّه)- مفصّلا في البحار 54- 86، فراجع.
(5) انظر: لسان العرب 4- 565، و الصحاح 2- 745 و فيهما: أعسر يسر.
(6) الاحتجاج للطبرسيّ: 2- 269، طبعة النجف (2- 461- طبعة إيران).
(7) و أورد أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي النحوي- المتوفّى سنة 337 ه- في أماليه بإسناده عن عمر بن الخطّاب قال: خرجت مع أناس من قريش في تجارة إلى الشام في الجاهليّة ..
و جاءت في آخره: فانتهيت إلى دير فاستظللت في فنائه، فخرج إليّ رجل- ثم ذكر- أنّه كان من أعلم أهل الكتاب، و أخبره: أنّه يجد صفته، و أنّه يخرجه من الدير و يغلب عليهم، فأخذ منه كتابا إذا صار خليفة لا يخرجه من الدير و لا يكدر عليه .. إلى آخره.
112
و قال ابن الأثير في النهاية (1) في تفسير المبرطش فيه: كَانَ عُمَرُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مُبَرْطِشاً، وَ هُوَ السَّاعِي بَيْنَ الْبَائِعِ وَ الْمُشْتَرِي شِبْهُ الدَّلَّالِ، و يروى بالسّين المهملة بمعناه.
و ذكر ذلك صاحب القاموس (2) و قال: هو بالمهملة-: الّذي يكتري للنّاس الإبل و الحمير و يأخذ عليه جعلا.
و يدلّ اعتذار عمر عن جهله بسنّة الاستئذان بقوله: ألهاني عنه الصفق بالأسواق، كما رواه البخاري و غيره، و قد مرّ (3) على أنّه كان مشتغلا به في الإسلام أيضا.
و قال في الإستيعاب (4): إليه كانت السفارة في الجاهليّة، و ذلك أنّ قريشا كانت إذا وقعت بينهم حرب أو بينهم و بين غيرهم بعثوه سفيرا، و إن نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر (5) بعثوه منافرا و (6) مفاخرا و رضوا به (7)، و ذكر نحو ذلك في روضة الأحباب (8).
____________
(1) النهاية 1- 119.
(2) القاموس 2- 200. و قارن بتاج العروس 4- 107.
(3) في مطاعنه في جهله بالكتاب. قال أبيّ لعمر- في آية جهلها عمر-: و اللّه أقرأنيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أنت تبيع الخيط. و في أخرى: أقرأنيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و إنّك لتبيع القرظ بالبقيع. و قال عمر:
صدقت، و إن شئت قلت: شهدنا و غبتم، و نصرنا و خذلتم، و آوينا و طردتم. كما في تفسير الطبريّ 1- 7، و مستدرك الحاكم 3- 305، و تفسير القرطبيّ 8- 238، و تفسير ابن كثير 2- 383، و تفسير الزمخشري 2- 42، و الدرّ المنثور 3- 269، و كنز العمّال 1- 287، و روح المعاني- طبع المنيريّة 1- 8 ... و غيرهم.
و جاء قول أبي له: أنّه كان يلهيني القرآن و يلهيك الصفق بالأسواق .. في سنن البيهقيّ 7- 69، و تفسير القرطبيّ 4- 126، و كنز العمّال 1- 279 و غيرها.
(4) الاستيعاب المطبوع بهامش الإصابة 2- 459.
(5) جاءت زيادة: رضوا به، في المصدر، و هو الظاهر.
(6) في (س): أو.
(7) لا توجد: و رضوا به، في المصدر هنا. و في (س): رفعوا به، و هو سهو.
(8) روضة الأحباب. انظر: التعليقة رقم (4) صفحة: 533 من المجلد (30).
113
فقد ظهر بما ذكرناه أنّ قولة بعض العامّة: إنّ عمر كان من صناديد قريش و عظمائهم في الجاهليّة إنّما نشأ من شدّة العصبيّة و فرط الجهل بالآثار، و متى كان عظيم من العظماء حطّابا و راعيا للبعير و مبرطشا للحمير، و مدّاحا للقوم و مفاخرا من قبل القبيلة، فكانت دناءة نسبه، و رذالة حسبه، و سفالة أفعاله شواهد ما صدر عنه في خواتم أعماله كما عرفت، ....
و أمّا مقتله و كيفيّة قتله:
فَقَالَ مُؤَلِّفُ الْعُدَدِ الْقَوِيَّةِ (1) (رحمه اللّه)- نَقْلًا مِنْ كُتُبِ الْمُخَالِفِينَ-: فِي يَوْمِ السَّادِسِ وَ الْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَ عِشْرِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ طُعِنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رِيَاحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطِ بْنِ رَزَاحِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَشِيِّ الْعَدَوِيِّ أَبُو حَفْصٍ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ (2): قَتَلَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَ طَعَنَ مَعَهُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَمَاتَ مِنْهُ (3)، فَرَمَى عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ بُرْنُساً (4) ثُمَّ بَرَكَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَحَرَّكَ وَجَأَ (5) بِنَفْسِهِ فَقَتَلَهَا (6).
عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ (7)، قَالَ: أَقْبَلَ عُمَرُ فَعَرَضَ لَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ- غُلَامُ الْمُغِيرَةِ
____________
(1) العدد القويّة: 328- 331.
(2) أورده ابن عبد البرّ في الاستيعاب 3- 467- 468، المطبوع بهامش الإصابة.
(3) في الاستيعاب: ستّة، بدلا من: منه، و هو الظّاهر. و في المصدر: فمات منهم ستّة.
(4) البرنس: كلّ ثوب رأسه منه ملتزق به، درّاعة كان أو ممطر أو جبّة.
(5) الوجء: اللّكز و الضّرب. أقول: و تقرأ هذه الكلمة في (س): و لجأ بنفسه.
(6) و أورده العلّامة المجلسيّ- (رحمه اللّه)- في البحار 98- 199 أيضا.
(7) عبّر عنه في الاستيعاب 2- 468- 469 بقوله: من أحسن شيء يروى في مقتل عمر و أصحّه.
و أورده في طبقات ابن سعد 3- 340- 341 ..
114
بْنِ شُعْبَةَ- فَنَاجَى (1) عُمَرُ قَبْلَ أَنْ تَسْتَوِيَ الصُّفُوفُ ثُمَّ طَعَنَهُ ثَلَاثَ طَعَنَاتٍ، فَسَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: دُونَكُمُ الْكَلْبَ فَقَدْ (2) قَتَلَنِي. وَ مَاجَ النَّاسُ وَ أَسْرَعُوا إِلَيْهِ، فَجَرَحَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَانْكَفَى عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ احْتَضَنَهُ (3)، وَ حُمِلَ عُمَرُ وَ مَاجَ النَّاسُ حَتَّى قَالَ قَائِلٌ: الصَّلَاةَ عِبَادَ اللَّهِ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَقَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَصَلَّى (4) بِأَقْصَرِ سُورَتَيْنِ فِي الْقُرْآنِ: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ، وَ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ. وَ دَخَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ! اخْرُجْ فَنَادِ فِي النَّاسِ: أَ عَنْ مَلَإٍ (5) مِنْكُمْ هَذَا، فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! عُمَرُ يَقُولُ: أَ عَنْ مَلَإٍ مِنْكُمْ هَذَا، فَقَالُوا: مَعَاذَ اللَّهِ، وَ اللَّهِ مَا عَلِمْنَا وَ لَا اطَّلَعْنَا.
فَقَالَ (6): ادْعُوا لِيَ الطَّبِيبَ، فَدُعِيَ الطَّبِيبُ، فَقَالَ: أَيُّ الشَّرَابِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟.
قَالَ: النَّبِيذُ! فَسُقِيَ نَبِيذاً فَخَرَجَ مِنْ (7) بَعْضِ طَعَنَاتِهِ، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هَذَا دَمٌ، هَذَا صَدِيدٌ. فَقَالَ: اسْقُونِي لَبَناً، فَسُقِيَ لَبَناً، فَخَرَجَ مِنَ الطَّعْنَةِ. فَقَالَ لَهُ الطَّبِيبُ: مَا أَرَى (8) أَنْ تَمْشِيَ (9)، فَمَا كُنْتَ فَاعِلًا فَافْعَلْ .. و ذكر باقي الخبر في
____________
(1) في المصدر و الاستيعاب: ففاجأ.
(2) في المصدر: فإنّه، بدلا من: فقد.
(3) في المصدر: فاحتضنه. و الاحتضان: الاحتمال و الجعل في الحضن، كما في الصّحاح 5- 2101 2102، و النّهاية 1- 400، و الحضن: الجنب، كذا قاله في القاموس 4- 215، و مجمع البحرين 6- 237.
(4) في العدد القويّة زيادة: بنا.
(5) ملإ .. أي تشاور و اجتماع، كما في مجمع البحرين 1- 396- 399، القاموس 1- 28، و قال ابن الأثير في النّهاية 4- 351: و في حديث عمر حين طعن: أ كان هذا عن ملإ منكم؟ .. أي تشاور من أشرافكم و جماعتكم.
(6) في المصدر: و قال.
(7) في (ك): عن.
(8) خطّ على: ما أرى، في (س). و في المصدر: لا أرى.
(9) و لعلّ الكلمة تقرأ في (ك) تمنّى. و في المصدر و الاستيعاب و طبقات ابن سعد و الإمامة و السّياسة 1- 21: أن تمسي. و هو الظّاهر.
115
الشورى و تقديمه لصهيب في الصلاة، و قوله في عليّ (عليه السلام): إن ولّوها الأحلج (1) سلك بهم الطريق المستقيم يعني عليّا، فقال له ابن عمر: ما يمنعك أن تقدم علينا (2). فقال: أكره أن أتحمّلها حيّا و ميّتا (3) قال عبد اللّه بن الزبير (4): غدوت مع عمر بن الخطاب إلى السوق- و هو متّكئ على يدي، فلقيه أبو لؤلؤة- غلام المغيرة بن شعبة- فقال له: أ لا تكلّم مولاي يضع عنّي من خراجي؟. قال: كم خراجك؟. قال: دينار. فقال عمر:
ما أرى أن أفعل، إنّك لعامل محسن و ما هذا بكثير؟، ثم قال له عمر: أ لا تعمل لي رحى. قال: بلى، فلمّا ولّى، قال أبو لؤلؤة: لأعملنّ لك رحى يتحدّث بها ما بين المشرق و المغرب. قال ابن الزبير: فوقع في نفسي قوله، فلمّا كان في النداء لصلاة الصبح خرج أبو لؤلؤة فضربه بالسكين ستة طعنات، إحداهنّ من تحت سرّته و هي قتلته، و جاءه بسكين لها طرفان، فلمّا جرح عمر جرح معه ثلاثة عشر رجلا في المسجد، ثم أخذ فلمّا أخذ قتل نفسه (5) و اختلف (6) في سنّ عمر:
____________
(1) في المصدر: الأصلع. و في الطبقات و الاستيعاب الأجلح.
قال في القاموس 3- 51: الصّلع- محركة-: انحسار شعر الرأس مقدّم الرأس لنقصان مادة الشعر في تلك البقعة .. و هو أصلع، و مثله في الصحاح 3- 1244. أقول: و الأجلح مثل الأصلع، راجع القاموس 1- 218، و مجمع البحرين 2- 345.
(2) لا توجد: علينا، في (س). و في المصدر و الاستيعاب: عليّا. و هو الظاهر.
(3) أورد قريبا منه ابن سعد في الطبقات 3- 337- 340 عن عمر بن ميمون عدّة روايات، و كذا عن حذيفة، و ابن شهاب، و ابن عبد البرّ في الاستيعاب 2- 467- 468.
(4) و قريب منه في الطبقات لابن سعد 3- 347 رواه عن أبي الحويرث. و جاء بنصّه في الاستيعاب 2- 469 عن عبد اللّه بن الزبير عن أبيه. و فيه زيادة: عن أبيه.
(5) و قريب منه في العقد الفريد 4- 272.
(6) لا زال الكلام لصاحب العدد القويّة. و ذكر هذه الأقوال ابن الأثير في الكامل 3- 19، و الطبريّ في تاريخه 1- 187- 217، و 2- 80- 82، و انظر: تاريخ اليعقوبي 2- 117، و الإصابة 2- 459، و حلية الأولياء 1- 38، و غيرها.
116
فقيل: توفي و هو ابن ثلاث و ستين (1) و قال عبد اللّه بن عمر: توفي عمر و هو ابن بضع و خمسين (2) و عن سالم بن عبد اللّه: أن عمر قبض و هو ابن خمس و خمسين (3) و قال الزهري: توفي و هو ابن أربع و خمسين (4) و قال قتادة: توفي و هو ابن اثنتين (5) و خمسين.
و قيل: مات و هو ابن ستين (6) عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: صَلَّى عُمَرُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ حِينَ مَاتَ، وَ صَلَّى صُهَيْبٌ عَلَى عُمَرَ (7)، وَ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ- فِي انْصِرَافِهِ فِي حَجَّتِهِ (8) الَّتِي لَمْ يَحُجَّ بَعْدَهَا-:
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ مَا يَشَاءُ، لَقَدْ كُنْتُ بِهَذَا الْوَادِي- يَعْنِي ضَجْنَانَ (9)- أَرْعَى غَنَماً (10) لِلْخَطَّابِ- وَ كَانَ فَظّاً غَلِيظاً، يُتْعِبُنِي إِذَا عَمِلْتُ، وَ يَضْرِبُنِي إِذَا قَصَّرْتُ- وَ قَدْ أَصْبَحْتُ وَ أَمْسَيْتُ وَ لَيْسَ بَيْنِي وَ بَيْنَ اللَّهِ أَحَداً أَخْشَاهُ، ثُمَّ تَمَثَّلَ:
____________
(1) كما في المعجم الكبير 1- 68، و طبقات ابن سعد 3- 365، و مسند أحمد بن حنبل 4- 96 و 97 و 100، و سنن الترمذي حديث 33 و 37، صحيح البخاريّ حديث 23 و 52.
(2) و ذكره ابن سعد في الطبقات 3- 365 أيضا.
(3) جاء في معجم الطبراني 1- 69، و المصنّف لعبد الرزاق حديث 67 و 91، و مجمع الزوائد 9- 78 و 79، و طبقات ابن سعد 3- 365.
(4) في المصدر زيادة: سنة.
(5) في العدد القويّة: اثنين.
(6) هذا ما أورده ابن عبد البرّ في الاستيعاب 2- 470- 471. و هناك أقوال أخر ذكرها في المعجم الكبير 1- 67- 71. و في المصدر زيادة: و قيل: ابن ثلاث و ستين سنة.
(7) جاء في المصادر السالفة، و رواه في الاستيعاب 2- 472، و كذا الرواية التالية.
(8) في الاستيعاب: من حجّته.
(9) في المصدر: ضجعان، و ما في المتن أظهر لعدم وجود محلّ بهذا الاسم، انظر: معجم البلدان 3- 453، و مراصد الاطّلاع 2- 865.
(10) في الاستيعاب: إبلا.
117
لا شيء مما ترى يبقي بشاشة (1)* * * يبقى الإله و يؤذى (2) المال و الولد
لم يغن (3) عن هرمز يوما خزائنه* * * و الخلد قد حاولت عادا فما خلد
و لا سليمان إذ تجري (4) الرياح له* * * و الإنس و الجن فيما بينها (5) يرد (6)
أين الملوك التي كان (7) لعزتها* * * من كل أوب إليها وافد يفد
حوض هنالك مورود بلا كذب* * * لا بد من ورده يوما كما وردوا
أُمُّهُ حَنْتَمَةُ (8) بِنْتُ هَاشِمِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ (9) وُلِدَ عُمَرُ بَعْدَ الْفِيلِ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَ قَالَ عُمَرُ: وُلِدْتُ قَبْلَ الْفِجَارِ الْأَعْظَمِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ.
أَسْلَمَ ظَاهِراً (10) بَعْدَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا وَ أَحَدَ عَشَرَ امْرَأَةً.
بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ (11) لَمَّا مَاتَ أَبُو بِكْرٍ بِاسْتِخْلَافِهِ لَهُ سَنَةَ (12) ثَلَاثَ عَشْرَةَ.
كَانَ آدَمَ شَدِيدَ الْأُدْمَةِ (13) طُوَالًا، كَثَّ اللِّحْيَةِ (14)، أَصْلَعَ أَعْسَرَ أَيْسَرَ،
____________
(1) في العدد القويّة: تبقى بشاشته.
(2) في المصدر و الاستيعاب: و يؤدّى- بالدّال المهملة-.
(3) في العدد: لم تغن.
(4) إذ يجري، كذا جاء في المصدر.
(5) في (س): بينهما.
(6) عبارة المصدر: تردّ.
(7) توجد نسخة بدل في (ك): كانت. و هو الظّاهر.
(8) في المصدر: حيتمة. و هو سهو.
(9) انظر: المعجم الكبير 1- 65، و مجمع الزّوائد 9- 61، و غيرهما.
(10) لا توجد: ظاهرا، في العدد القويّة.
(11) في (س): الخلافة- بلا باء-.
(12) في مطبوع البحار: ستّة. و هو غلط.
(13) قال الجوهريّ في الصّحاح 5- 1859، و ابن الأثير في نهايته 1- 32: الأدمة- بالضّمّ-: السّمرة.
و الأدم من النّاس: الأسمر.
(14) قال في النّهاية 4- 152: الكثاثة في اللّحية: أن تكون غير رقيقة و لا طويلة و لكن فيها كثافة، و انظر: القاموس 1- 172، و الصّحاح 1- 290.
118
وَ قِيلَ: كَانَ طَوِيلًا جَسِيماً، أَصْلَعَ شَدِيدَ الصَّلَعِ، أَبْيَضَ، شَدِيدَ حُمْرَةِ الْعَيْنَيْنِ، فِي عَارِضَيْهِ خِفَّةٌ (1) وَ قِيلَ: كَانَ رَجُلًا آدَمَ ضَخْماً كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ سَدُوسٍ (2) مُدَّةُ وِلَايَتِهِ عَشْرُ سِنِينَ وَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَ أَيَّامٌ (3).
أقول: قَالَ ابْنُ عَبْدِ رَبِّهِ فِي كِتَابِ الْإِسْتِيعَابِ (4): كَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ عَشْرَ سِنِينَ وَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ...، وَ قُتِلَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِأَرْبَعِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَ عِشْرِينَ.
وَ قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَ غَيْرُهُ: لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، طَعَنَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ فَيْرُوزُ غُلَامُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ-، قَالَ: وَ مِنْ أَحْسَنِ شَيْءٍ يُرْوَى فِي مَقْتَلِ عُمَرَ وَ أَصَحِّهِ (5) مَا حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ، عَنْ سَهْلٍ- بِإِسْنَادٍ ذَكَرَهُ- عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ..
وَ سَاقَ الْخَبَرَ مِثْلَ مَا مَرَّ (6) إِلَى قَوْلِهِ: أَكْرَهُ أَنْ أَتَحَمَّلَهَا حَيّاً وَ مَيِّتاً، ثم روى الخبر الثاني عَنِ الْوَاقِدِيِّ- بِإِسْنَادِهِ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ قَالَ (7): وَ اخْتُلِفَ فِي شَأْنِ أَبِي لُؤْلُؤَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ مَجُوسِيّاً، وَ قَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ نَصْرَانِيّاً ... وَ جَاءَ بِسِكِّينٍ لَهُ طَرَفَانِ، فَلَمَّا جُرِحَ عُمَرُ جُرِحَ مَعَهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ أُخِذَ، فَلَمَّا أُخِذَ قَتَلَ نَفْسَهُ.
أقول: ما ذكر أنّ مقتله كان في ذي الحجّة هو المشهور بين فقهائنا
____________
(1) في (س): حفة.
(2) ذكر في الصّحاح 3- 937: و سدوس- بالفتح-: أبو قبيلة. و قال ابن الكلبيّ: سدوس الّتي في بني شيبان بالفتح، و سدوس الّتي في طيّ بالضّمّ.
(3) انظر بالإضافة إلى ما مرّ: الاستيعاب- المطبوع بهامش الإصابة 2- 458- 473-، و البدء و التّاريخ 5- 88 و 167، و الكنى و الألقاب للدّوالبيّ 1- 7.
(4) الاستيعاب 2- 467- 468.
(5) في (س): واضحة.
(6) بتقديم و تأخير لكلام الواقديّ في الاستيعاب.
(7) ابن عبد البرّ في الاستيعاب 2- 470.
119
الإماميّة، و قال إبراهيم بن علي الكفعمي (رحمه اللّه) في الجنّة الواقية (1) في سياق أعمال شهر ربيع الأول: إنّه
- رَوَى صَاحِبُ مَسَارِّ الشِّيعَةِ (2) أَنَّهُ مَنْ أَنْفَقَ فِي الْيَوْمِ التَّاسِعِ مِنْهُ (3) شَيْئاً غُفِرَ لَهُ، وَ يُسْتَحَبُّ فِيهِ إِطْعَامُ الْإِخْوَانِ وَ تَطْيِيبُهُمْ وَ التَّوْسِعَةُ فِي (4) النَّفَقَةِ، وَ لُبْسُ الْجَدِيدِ، وَ الشُّكْرُ وَ الْعِبَادَةُ، وَ هُوَ يَوْمُ نَفْيِ الْهُمُومِ، وَ رُوِيَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ صَوْمٌ.
، وَ جُمْهُورُ الشِّيعَةِ يَزْعُمُونَ أَنَّ فِيهِ قُتِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ .. وَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ فِي سَرَائِرِهِ (5): مَنْ زَعَمَ أَنَّ عُمَرَ قُتِلَ فِيهِ فَقَدْ أَخْطَأَ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ التَّوَارِيخِ وَ السِّيَرِ، و كذلك قال المفيد (رحمه اللّه) في كتاب التواريخ.
و إنّما قتل (6) يوم الإثنين لأربع بقين من ذي الحجّة سنة ثلاث و عشرين من الهجرة، نصّ على ذلك صاحب الغرّة و صاحب المعجم (7) و صاحب الطبقات (8) و صاحب كتاب مسارّ الشيعة (9) و ابن طاوس (10)، بل الإجماع حاصل من الشيعة و أهل السنّة على ذلك. انتهى.
و المشهور بين الشيعة في الأمصار و الأقطار في زماننا هذا هو أنّه اليوم التاسع
____________
(1) الجنّة الواقية، المشتهر بالمصباح للكفعمي: 510- 511 الفصل الثاني و الأربعون في ذكر الشهور، و فيه: و في تاسعه روى ..
(2) مسارّ الشّيعة: 48- 51، و لم يتعرّض لما ذكره في الجنّة الواقية.
(3) في المصدر: فيه، بدلا من: في اليوم التّاسع منه.
(4) في (س): واو، بدلا من: في.
(5) السّرائر: 96- الحجريّة- [1- 419- طبعة جماعة المدرّسين] باب صيام التّطوّع بتصرف في الألفاظ فقط.
(6) في الجنّة الواقية زيادة: عمر، بعد: قتل، و زيادة: ليال، بعد: لأربع.
(7) المعجم للطبراني 1- 70.
(8) طبقات ابن سعد 3- 365.
(9) مسارّ الشيعة: 42، قال: و في التاسع و العشرين منه (أي ذي الحجة الحرام) سنة 23 ثلاث و عشرين من الهجرة قبض عمر بن الخطّاب.
(10) في كتابه زوائد الفوائد، و لم نحصل على نسخته.
120
من ربيع الأول، و هو أحد الأعياد، و مستندهم في الأصل.
ما رواه خلف السيّد النبيل عليّ بن طاوس- رحمة اللّه عليهما- في كتاب زوائد الفوائد (1)، و الشيخ حسن بن سليمان في كتاب المحتضر (2)، و اللفظ هنا للأخير، و سيأتي بلفظ السيّد (قدّس سرّه) في كتاب الدعاء (3) قَالَ الشَّيْخُ حَسَنٌ: نَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّ الشَّيْخِ الْفَقِيهِ عَلِيِّ بْنِ مُظَاهِرٍ الْوَاسِطِيِّ، بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيِّ الْوَاسِطِيِّ وَ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ (4) بْنِ جَرِيحٍ (5) الْبَغْدَادِيِّ، قَالا: تَنَازَعْنَا فِي ابْنِ (6) الْخَطَّابِ فَاشْتَبَهَ عَلَيْنَا أَمْرُهُ، فَقَصَدْنَا جَمِيعاً أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ الْقُمِّيَّ صَاحِبَ أَبِي الْحَسَنِ (7) الْعَسْكَرِيِّ (عليه السلام) بِمَدِينَةِ قُمَّ، وَ قَرَعْنَا عَلَيْهِ الْبَابَ، فَخَرَجَتْ إِلَيْنَا صَبِيَّةٌ عِرَاقِيَّةٌ مِنْ دَارِهِ (8)، فَسَأَلْنَاهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: هُوَ مَشْغُولٌ بِعِيدِهِ (9) فَإِنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ. فَقُلْنَا: سُبْحَانَ اللَّهِ! الْأَعْيَادُ أَعْيَادُ (10) الشِّيعَةِ أَرْبَعَةٌ: الْأَضْحَى، وَ الْفِطْرُ، وَ يَوْمُ (11) الْغَدِيرِ، وَ يَوْمُ (12) الْجُمُعَةِ،
____________
(1) زوائد الفوائد: لم نحصل على نسخة مطبوعة منه.
(2) المحتضر للشيخ حسن: 44- 55.
(3) بحار الأنوار 98- 351- 355 باختلاف يسير عمّا هنا.
و قد رواه مسندا الطبريّ (القرن الرابع) في كتابه دلائل الإمامة، الفصل المتعلّق بأمير المؤمنين (عليه السلام)، و كذا الشيخ هاشم بن محمّد (القرن السادس) في كتابه مصباح الأنوار، و تعرضنا لبعض الاختلافات بينه و بين المتن، و الجزائريّ في الأنوار النعمانية: 4 و الإسناد فيها مختلف، فراجعه.
(4) وضع على كلمة: محمّد، رمز نسخة بدل في (ك).
(5) في البحار، كتاب الدّعاء: حويج.
(6) جاء العنوان و السّند في المصدر هكذا: و ممّا جاء في عمر بن الخطّاب- من أنّه كان منافقا- ما نقله الشّيخ الفاضل عليّ بن مظاهر الواسطيّ، عن محمّد العلاء الهمدانيّ الواسطيّ و يحيى بن جريح البغداديّ، قال: تنازعنا في أمر ابن.
(7) لا توجد: أبي الحسن، في المصدر، و قد جاء في المصباح.
(8) وضع على: من داره، رمز نسخة بدل في مطبوع البحار. و فيه: في داره صبيّة عراقيّة- بتقديم و تأخير-.
(9) في المصدر: بعياله.
(10) في المحتضر: عند، بدلا من: أعياد.
(11) لا توجد: يوم، في (س) في كلا الموردين.
(12) لا توجد: يوم، في (س) في كلا الموردين.
121
قَالَتْ: فَإِنَّ أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ (1) يَرْوِي عَنْ سَيِّدِهِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيِّ (عليهما السلام) أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ هُوَ يَوْمُ عِيدٍ، وَ هُوَ أَفْضَلُ الْأَعْيَادِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَيْتِ (عليهم السلام) وَ عِنْدَ مَوَالِيهِمْ. قُلْنَا: فَاسْتَأْذِنِي لَنَا بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ، وَ عَرِّفِيهِ بِمَكَانِنَا، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ وَ أَخْبَرَتْهُ بِمَكَانِنَا، فَخَرَجَ عَلَيْنَا (2) وَ هُوَ مُتَّزِرٌ بِمِئْزَرٍ لَهُ مُحْتَبِي (3) بِكِسَائِهِ (4) يَمْسَحُ وَجْهَهُ، فَأَنْكَرْنَا ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَا عَلَيْكُمَا، فَإِنِّي كُنْتُ اغْتَسَلْتُ لِلْعِيدِ. قُلْنَا: أَ وَ هَذَا يَوْمُ عِيدٍ؟. قَالَ: نَعَمْ، وَ كَانَ يَوْمُ التَّاسِعِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ-، قَالا جَمِيعاً: فَأَدْخَلَنَا دَارَهُ (5) وَ أَجْلَسَنَا عَلَى سَرِيرٍ لَهُ، وَ قَالَ: إِنِّي قَصَدْتُ مَوْلَانَا أَبَا الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيَّ (عليه السلام) مَعَ جَمَاعَةِ إِخْوَتِي- كَمَا قَصَدْتُمَانِي بِسُرَّمَنْرَأَى (6)، فَاسْتَأْذَنَّا بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَنَا، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ (صلوات اللّه عليه) فِي مِثْلِ (7) هَذَا الْيَوْمِ- وَ هُوَ يَوْمُ التَّاسِعِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ- وَ سَيِّدُنَا (عليه السلام) قَدْ أَوْعَزَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ خَدَمِهِ أَنْ يَلْبَسَ مَا يُمْكِنُهُ (8) مِنَ الثِّيَابِ الْجُدُدِ، وَ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِجْمَرَةٌ (9) يُحْرِقُ الْعُودَ بِنَفْسِهِ، قُلْنَا: بِآبَائِنَا أَنْتَ وَ أُمَّهَاتِنَا يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ! هَلْ تَجَدَّدَ لِأَهْلِ الْبَيْتِ فِي هَذَا الْيَوْمِ (10) فَرَحٌ؟!. فَقَالَ: وَ أَيُّ يَوْمٍ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ أَهْلِ الْبَيْتِ مِنْ هَذَا الْيَوْمِ؟!. وَ لَقَدْ حَدَّثَنِي أَبِي (عليه السلام) أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ
____________
(1) لا توجد في المصدر: ابن إسحاق.
(2) في المحتضر: فخرج إلينا.
(3) في (ك): مجتبى. و في المصدر: محتضن. و جملة جاءت في مطبوع البحار نسخة بدل و هي: يفوح مسكا، بعد: محتبى.
(4) في المحتضر: لكسائه.
(5) عبارة المصدر هكذا: يوم عيد- و كان يوم التّاسع من شهر ربيع الأوّل-؟ قال: نعم، ثمّ أدخلنا داره.
(6) في المحتضر: من إخوتي بسرّمنرأى كما قصدتماني. بزيادة: من، مع تقديم و تأخير.
(7) لا توجد في المصدر: فأذن .. إلى هنا. و فيه: في هذا اليوم.
(8) جاءت في المصدر: له، بدلا من: يمكنه.
(9) زيادة: و هو، في المحتضر قبل: يحرق.
(10) لا توجد في المصدر: في هذا اليوم.
122
دَخَلَ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ- وَ هُوَ (1) التَّاسِعُ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ- عَلَى جَدِّي رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، قَالَ حُذَيْفَةُ: رَأَيْتُ (2) سَيِّدِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ وَلَدَيْهِ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ (عليهم السلام) يَأْكُلُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ هُوَ (3) يَتَبَسَّمُ فِي وُجُوهِهِمْ (عليهم السلام) وَ يَقُولُ لِوَلَدَيْهِ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام): كُلَا هَنِيئاً لَكُمَا بِبَرَكَةِ هَذَا الْيَوْمِ، فَإِنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي يُهْلِكُ اللَّهُ (4) فِيهِ عَدُوَّهُ وَ عَدُوَّ جَدِّكُمَا، وَ يَسْتَجِيبُ فِيهِ دُعَاءَ أُمِّكُمَا.
كُلَا! فَإِنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي (5) يَقْبَلُ اللَّهُ فِيهِ أَعْمَالَ شِيعَتِكُمَا وَ مُحِبِّيكُمَا.
كُلَا! فَإِنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي يُصَدَّقُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ: (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا) (6) كُلَا! فَإِنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي يَتَكَسَّرُ (7) فِيهِ شَوْكَةُ مُبْغِضِ جَدِّكُمَا.
كُلَا! فَإِنَّهُ يَوْمٌ (8) يُفْقَدُ فِيهِ فِرْعَوْنُ أَهْلِ بَيْتِي وَ ظَالِمُهُمْ وَ غَاصِبُ حَقِّهِمْ.
كُلَا! فَإِنَّهُ الْيَوْمُ (9) الَّذِي يَقْدَمُ (10) اللَّهُ فِيهِ إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَيَجْعَلُهُ هَباءً مَنْثُوراً قَالَ حُذَيْفَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَ فِي أُمَّتِكَ وَ أَصْحَابِكَ مَنْ يَنْتَهِكُ (11) هَذِهِ الْحُرْمَةَ؟.
____________
(1) في المصدر زيادة: اليوم.
(2) لا توجد في المحتضر: حذيفة. و فيه: فرأيت.
(3) في المصدر: و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، بدلا من: و هو.
(4) لا توجد في المحتضر: فإنّه اليوم. و فيه: يقبض، بدلا من: يهلك.
(5) في المصدر: الّذي فيه.
(6) النّمل: 52.
(7) في (س): يكسر، و في المصباح: تكسّر.
(8) زيادة كلمة: الّذي، جاءت في المصدر بعد: يوم.
(9) لا توجد: اليوم، في (س).
(10) في المحتضر: يعمد.
(11) في (ك) نسخة بدل: يهتك.
123
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ((صلّى اللّه عليه و آله)): نَعَمْ يَا حُذَيْفَةُ (1)! جِبْتٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَتَرَأَّسُ عَلَيْهِمْ وَ يَسْتَعْمِلُ فِي أُمَّتِي الرِّيَاءَ، وَ يَدْعُوهُمْ إِلَى نَفْسِهِ، وَ يَحْمِلُ عَلَى عَاتِقِهِ دِرَّةَ الْخِزْيِ، وَ يَصُدُّ النَّاسَ (2) عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَ يُحَرِّفُ كِتَابَهُ، وَ يُغَيِّرُ سُنَّتِي، وَ يَشْتَمِلُ عَلَى إِرْثِ وَلَدِي، وَ يَنْصِبُ نَفْسَهُ عَلَماً، وَ يَتَطَاوَلُ عَلَى إِمَامَةِ مَنْ (3) بَعْدِي، وَ يَسْتَحِلُ (4) أَمْوَالَ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ حِلِّهَا، وَ يُنْفِقُهَا فِي غَيْرِ طَاعَتِهِ (5)، وَ يُكَذِّبُنِي (6) وَ يُكَذِّبُ أَخِي وَ وَزِيرِي، وَ يُنَحِّي ابْنَتِي عَنْ حَقِّهَا، وَ تَدْعُو (7) اللَّهَ عَلَيْهِ وَ يَسْتَجِيبُ اللَّهُ (8) دُعَاءَهَا فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ.
قَالَ حُذَيْفَةُ: قُلْتُ (9): يَا رَسُولَ اللَّهِ! لِمَ لَا تَدْعُو (10) رَبَّكَ عَلَيْهِ لِيُهْلِكَهُ فِي حَيَاتِكَ؟!. قَالَ (11): يَا حُذَيْفَةُ! لَا أُحِبُّ أَنْ أَجْتَرِئَ عَلَى قَضَاءِ اللَّهِ (12) لِمَا قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ، لَكِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ الْيَوْمَ الَّذِي يَقْبِضُهُ فِيهِ (13) فَضِيلَةً عَلَى سَائِرِ الْأَيَّامِ لِيَكُونَ ذَلِكَ سُنَّةً يَسْتَنُّ بِهَا أَحِبَّائِي وَ شِيعَةُ أَهْلِ بَيْتِي وَ مُحِبُّوهُمْ، فَأَوْحَى إِلَيَّ جَلَّ ذِكْرُهُ، فَقَالَ لِي (14): يَا مُحَمَّدُ! كَانَ فِي سَابِقِ عِلْمِي أَنْ تَمَسَّكَ (15) وَ أَهْلَ بَيْتِكَ
____________
(1) فقال (صلّى اللّه عليه و آله): يا حذيفة. هكذا جاءت في المصدر.
(2) لا توجد في المحتضر: النّاس.
(3) في المصدر: على من بعدي.
(4) نسخة بدل: يستجلب، جاءت في (ك).
(5) في (ك): طاعة- بلا ضمير-.
(6) لا توجد في المصدر: و يكذّبني.
(7) في المصدر: فتدعوا. و الظّاهر زيادة: الألف.
(8) لا توجد لفظة الجلالة في المحتضر.
(9) في المصدر: فقلت.
(10) في المصدر: فلم لا تدعوا. و الألف زائدة ظاهرا.
(11) في المحتضر: فقال.
(12) جاءت زيادة: تعالى، في المحتضر بعد لفظ الجلالة.
(13) في المصدر: له، بدلا من: فيه.
(14) في المصدر: أنّ، بدلا من: فقال لي. و في (س): فقال- من دون: لي.
(15) في (س): يمسّك.
124
مِحَنُ الدُّنْيَا وَ بَلَاؤُهَا، وَ ظُلْمُ الْمُنَافِقِينَ وَ الْغَاصِبِينَ مِنْ عِبَادِي مَنْ (1) نَصَحْتَهُمْ وَ خَانُوكَ، وَ مَحَضْتَهُمْ وَ غَشُّوكَ، وَ صَافَيْتَهُمْ وَ كَاشَحُوكَ (2)، وَ أَرْضَيْتَهُمْ (3) وَ كَذَّبُوكَ، وَ انْتَجَيْتَهُمْ (4) وَ أَسْلَمُوكَ، فَإِنِّي بِحَوْلِي (5) وَ قُوَّتِي وَ سُلْطَانِي لَأَفْتِحَنَّ عَلَى رُوحِ مَنْ يَغْصِبُ بَعْدَكَ عَلِيّاً حَقَّهُ أَلْفَ بَابٍ مِنَ النِّيرَانِ مِنْ سَفَالِ الْفَيْلُوقِ، وَ لَأُصْلِيَنَّهُ (6) وَ أَصْحَابَهُ قَعْراً يُشْرِفُ عَلَيْهِ إِبْلِيسُ فَيَلْعَنُهُ، وَ لَأَجْعَلَنَّ ذَلِكَ الْمُنَافِقَ (7) عِبْرَةً فِي الْقِيَامَةِ لِفَرَاعِنَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَ أَعْدَاءِ الدِّينِ فِي الْمَحْشَرِ، وَ لَأَحْشُرَنَّهُمْ وَ أَوْلِيَاءَهُمْ وَ جَمِيعَ الظَّلَمَةِ وَ الْمُنَافِقِينَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ زُرْقاً كَالِحِينَ أَذِلَّةً خَزَايَا نَادِمِينَ، وَ لَأُخْلِدَنَّهُمْ فِيهَا أَبَدَ الْآبِدِينَ، يَا مُحَمَّدُ! لَنْ يُوَافِقَكَ (8) وَصِيُّكَ فِي مَنْزِلَتِكَ إِلَّا بِمَا يَمَسُّهُ مِنَ الْبَلْوَى مِنْ فِرْعَوْنِهِ (9) وَ غَاصِبِهِ الَّذِي يَجْتَرِئُ عَلَيَّ وَ يُبَدِّلُ كَلَامِي، وَ يُشْرِكُ بِي وَ يَصُدُّ النَّاسَ عَنْ سَبِيلِي، وَ يَنْصِبُ مِنْ (10) نَفْسِهِ عِجْلًا لِأُمَّتِكَ، وَ يَكْفُرُ بِي فِي عَرْشِي، إِنِّي قَدْ أَمَرْتُ
____________
(1) الّذي، بدلا من: من، جاءت في المحتضر.
(2) قال في الصّحاح 1- 399: الكاشح: الّذي يضمر لك العداوة، يقال: كشح له بالعداوة و كاشحه بمعنى، و انظر: النّهاية 4- 175، و مجمع البحرين 2- 407، و القاموس المحيط 1- 245.
(3) في المصدر: و صدّقتهم، بدلا من: و أرضيتهم.
(4) في (ك): انتجبتهم. و فيه نسخة بدل: جنبتهم. و في المحتضر: أنجيتهم.
(5) في المحتضر: فأنا آليت بحولي.
(6) في (س): و لأصلّبنّه، و في المصدر: من أسفل الفيلوق و لأصلينّه.
أقول: قال في القاموس 4- 352: صلى اللّحم يصليه صليا: شواه أو ألقاه في النّار للإحراق كأصلاه و صلاه و صلّاه. و فيه 4- 352: و أصلاه النّار و صلاه إيّاها و فيها و عليها .. أدخله إيّاها و أشواه فيها. و انظر: الصّحاح 6- 2402- 2404 و 3- 50- 51، و مجمع البحرين 1- 266 269. أمّا الفيلوق: فلعلّه مأخوذ من الفلق الّذي قيل إنّه صدع في النّار أو جبّ في جهنّم يتعوّذ أهل النّار من شدّة حرّه سأل اللّه أن يأذن له أن يتنفّس فأذن له فأحرق جهنّم، كما فصّله شيخنا الطّريحيّ في مجمع البحرين 5- 229. و لاحظ: القاموس 3- 277 و غيره.
(7) في (س): المنافقين.
(8) في المحتضر: لن يرافقك، و هو الظّاهر. و في البحار: إنّ مرافقك.
(9) في (س): من فرعون- بلا ضمير-.
(10) لا توجد: من، في المصدر.
125
مَلَائِكَتِي فِي (1) سَبْعِ سَمَاوَاتِي لِشِيعَتِكُمْ وَ مُحِبِّيكُمْ (2) أَنْ يَتَعَيَّدُوا فِي هَذَا (3) الْيَوْمِ الَّذِي أَقْبِضُهُ (4) إِلَيَّ، وَ أَمَرْتُهُمْ أَنْ يَنْصِبُوا كُرْسِيَّ كَرَامَتِي حِذَاءَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَ يُثْنُوا عَلَيَّ وَ يَسْتَغْفِرُوا لِشِيعَتِكُمْ وَ مُحِبِّيكُمْ مِنْ وُلْدِ آدَمَ، وَ أَمَرْتُ الْكِرَامَ الْكَاتِبِينَ أَنْ يَرْفَعُوا الْقَلَمَ عَنِ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَ لَا أَكْتُبُ (5) عَلَيْهِمْ شَيْئاً مِنْ خَطَايَاهُمْ كَرَامَةً لَكَ وَ لِوَصِيِّكَ، يَا مُحَمَّدُ! إِنِّي قَدْ جَعَلْتُ ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيداً لَكَ وَ لِأَهْلِ بَيْتِكَ وَ لِمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ (6) شِيعَتِهِمْ، وَ آلَيْتُ عَلَى نَفْسِي بِعِزَّتِي وَ جَلَالِي وَ عُلُوِّي فِي مَكَانِي لَأَحْبُوَنَّ مَنْ تَعَيَّدَ (7) فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مُحْتَسِباً ثَوَابَ الْخَافِقَيْنِ، وَ لَأُشَفِّعَنَّهُ (8) فِي أَقْرِبَائِهِ وَ ذَوِي رَحِمِهِ، وَ لَأَزِيدَنَّ فِي مَالِهِ إِنْ وَسَّعَ عَلَى نَفْسِهِ وَ عِيَالِهِ فِيهِ، وَ لَأُعْتِقَنَّ مِنَ النَّارِ فِي كُلِّ حَوْلٍ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَلْفاً مِنْ مَوَالِيكُمْ وَ شِيعَتِكُمْ، وَ لَأَجْعَلَنَّ سَعْيَهُمْ مَشْكُوراً، وَ ذَنْبَهُمْ مَغْفُوراً، وَ أَعْمَالَهُمْ مَقْبُولَةً.
قَالَ حُذَيْفَةُ: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَدَخَلَ إِلَى (9) بَيْتِ (10) أُمِّ سَلَمَةَ (11)، وَ رَجَعْتُ عَنْهُ وَ أَنَا غَيْرُ شَاكٍّ فِي أَمْرِ الشَّيْخِ (12)، حَتَّى تَرَأَّسَ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِ
____________
(1) في المصدر لا توجد: ملائكتي في.
(2) في (س): و شيعتك و محبّيك. و وضع عليها رمز نسخة بدل صحيحة. و خطّ عليها في (ك).
(3) وضع على: هذا، رمز نسخة بدل في (س).
(4) جاءت زيادة: فيه، في المحتضر.
(5) في (ك) نسخة بدل: و لا يكتبوا. و في المصدر: لا يكتبون. و لا توجد فيه الواو و لفظة: عليهم.
(6) لا توجد في المحتضر: من المؤمنين و.
(7) في المصدر: من يعيد.
(8) لا توجد: و لأشفعنه، في المصدر.
(9) وضع على: إلى، في (ك) رمز نسخة بدل.
(10) في مطبوع البحار جعل على: بيت، رمز نسخة بدل. و لا توجد في المصدر.
(11) جاءت: فدخل في المصدر هنا- أي بتقديم و تأخير-.
(12) في (ك): الثّاني، نسخة بدل من: الشّيخ.
126
(صلّى اللّه عليه و آله) وَ أُتِيحَ الشَّرُّ وَ عَادَ (1) الْكُفْرُ، وَ ارْتَدَّ عَنِ الدِّينِ، وَ تَشَمَّرَ (2) لِلْمُلْكِ، وَ حَرَّفَ الْقُرْآنَ، وَ أَحْرَقَ بَيْتَ الْوَحْيِ، وَ أَبْدَعَ السُّنَنَ، وَ غَيَّرَ الْمِلَّةَ، وَ بَدَّلَ السُّنَّةَ، وَ رَدَّ شَهَادَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، وَ كَذَّبَ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ص (3)، وَ اغْتَصَبَ فَدَكاً، وَ أَرْضَى الْمَجُوسَ وَ الْيَهُودَ وَ النَّصَارَى، وَ أَسْخَنَ (4) قُرَّةَ عَيْنِ الْمُصْطَفَى وَ لَمْ يُرْضِهَا (5)، وَ غَيَّرَ السُّنَنَ كُلَّهَا، وَ دَبَّرَ عَلَى قَتْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، وَ أَظْهَرَ الْجَوْرَ، وَ حَرَّمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَ أَحَلَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَ أَلْقَى إِلَى النَّاسِ أَنْ يَتَّخِذُوا مِنْ جُلُودِ الْإِبِلِ دَنَانِيرَ، وَ لَطَمَ وَجْهَ (6) الزَّكِيَّةِ، وَ صَعِدَ مِنْبَرَ رَسُولِ اللَّهِ غَصْباً وَ ظُلْماً، وَ افْتَرَى عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) وَ عَانَدَهُ وَ سَفَّهَ رَأْيَهُ. قَالَ حُذَيْفَةُ:
فَاسْتَجَابَ (7) اللَّهُ دُعَاءَ مَوْلَاتِي (عليها السلام) عَلَى ذَلِكَ الْمُنَافِقِ، وَ أَجْرَى قَتْلَهُ عَلَى يَدِ قَاتِلِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَدَخَلْتُ عَلَى (8) أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لِأُهَنِّئَهُ بِقَتْلِ الْمُنَافِقِ (9) وَ رُجُوعِهِ إِلَى دَارِ الِانْتِقَامِ.
قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) (10): يَا حُذَيْفَةُ! أَ تَذْكُرُ الْيَوْمَ الَّذِي دَخَلْتَ فِيهِ عَلَى سَيِّدِي (11) رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَنَا وَ سِبْطَاهُ نَأْكُلُ مَعَهُ، فَدَلَّكَ عَلَى فَضْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي دَخَلْتَ عَلَيْهِ فِيهِ؟. قُلْتُ: بَلَى يَا أَخَا رَسُولِ اللَّهِ ص .
____________
(1) لا توجد في المحتضر: و أتيح الشّرّ. و فيه: و أعاد، بدلا من: و عاد.
(2) في المصدر: و شمّر.
(3) لا توجد: بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، في المحتضر.
(4) في المصدر: و أسخط. و هي نسخة بدل في مطبوع البحار.
(5) في المحتضر: و لم يرضهم- بضمير الجمع-.
(6) جاءت زيادة: حر، قبل كلمة: وجه، في المصدر.
(7) خ. ل: استجاب- بلا فاء-، جاءت على مطبوع البحار.
(8) لا توجد في (س): على.
(9) في المصدر: بقتله. و لا توجد كلمة: المنافق.
(10) عبارة المصدر هكذا: قال: فقال لي.
(11) لا توجد: سيّدي، في المحتضر.
127
قَالَ (1): هُوَ وَ اللَّهِ هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي أَقَرَّ اللَّهُ بِهِ عَيْنَ آلِ الرَّسُولِ، وَ إِنِّي لَأَعْرِفُ لِهَذَا الْيَوْمِ اثْنَيْنِ وَ سَبْعِينَ اسْماً، قَالَ حُذَيْفَةُ: قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أُحِبُّ أَنْ تُسْمِعَنِي أَسْمَاءَ هَذَا الْيَوْمِ، وَ كَانَ يَوْمَ التَّاسِعِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ (2) فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): هَذَا يَوْمُ الِاسْتِرَاحَةِ، وَ يَوْمُ تَنْفِيسِ الْكُرْبَةِ، وَ يَوْمُ الْغَدِيرِ (3) الثَّانِي، وَ يَوْمُ تَحْطِيطِ (4) الْأَوْزَارِ، وَ يَوْمُ الْخِيَرَةِ (5)، وَ يَوْمُ رَفْعِ الْقَلَمِ، وَ يَوْمُ الْهُدُوِّ (6)، وَ يَوْمُ الْعَافِيَةِ، وَ يَوْمُ الْبَرَكَةِ، وَ يَوْمُ الثَّارَاتِ (7)، وَ يَوْمُ (8) عِيدِ اللَّهِ الْأَكْبَرِ، وَ يَوْمٌ يُسْتَجَابُ فِيهِ (9) الدُّعَاءُ، وَ يَوْمُ الْمَوْقِفِ الْأَعْظَمِ، وَ يَوْمُ التَّوَافِي، وَ يَوْمُ الشَّرْطِ، وَ يَوْمُ نَزْعِ السَّوَادِ، وَ يَوْمُ نَدَامَةِ الظَّالِمِ، وَ يَوْمُ انْكِسَارِ الشَّوْكَةِ، وَ يَوْمُ نَفْيِ الْهُمُومِ، وَ يَوْمُ الْقُنُوعِ، وَ يَوْمُ عَرْضِ الْقُدْرَةِ (10)، وَ يَوْمُ التَّصَفُّحِ، وَ يَوْمُ فَرَحِ الشِّيعَةِ، وَ يَوْمُ التَّوْبَةِ، وَ يَوْمُ الْإِنَابَةِ، وَ يَوْمُ الزَّكَاةِ الْعُظْمَى، وَ يَوْمُ الْفِطْرِ الثَّانِي، وَ يَوْمُ سَيْلِ (11) النغاب (12)، وَ يَوْمُ تَجَرُّعِ الرِّيقِ (13)، وَ يَوْمُ الرِّضَا، وَ يَوْمُ عِيدِ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَ يَوْمٌ ظَفِرَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَ يَوْمٌ يَقْبَلُ اللَّهُ أَعْمَالَ الشِّيعَةِ (14)، وَ يَوْمُ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ،
____________
(1) في المصدر: فقال.
(2) لا توجد: و كان يوم التّاسع من شهر ربيع الأوّل، في المصدر.
(3) في المحتضر: العيد، بدلا من: الغدير.
(4) جاءت: حطّ، بدلا من: تحطيط، في المصدر.
(5) نسخة بدل في (ك): الحبوة.
(6) في (ك): الهدي.
(7) في المحتضر: الثّار.
(8) لا توجد كلمة: اليوم، في (س)، و هي نسخة بدل في (ك).
(9) في المصدر: أجابت، بدلا من: يستجاب فيه.
(10) كذا جاءت العبارة في حاشية (س)، و في متن (ك): يوم العرض، و يوم القدرة، و وضع عليها رمز نسخة بدل.
(11) الكلمة مشوّشة في المطبوع من البحار.
(12) في المحتضر: الشّعاب.
(13) الدّقيق، بدلا من الرّيق، جاءت في المصدر.
(14) في المحتضر: و يوم قبول الأعمال.
128
وَ يَوْمُ الزِّيَارَةِ (1)، وَ يَوْمُ قَتْلِ الْمُنَافِقِ، وَ يَوْمُ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ، وَ يَوْمُ سُرُورِ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَ يَوْمُ الشَّاهِدِ وَ يَوْمُ (2) الْمَشْهُودِ، وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ (3)، وَ يَوْمُ الْقَهْرِ عَلَى الْعَدُوِّ (4)، وَ يَوْمُ هَدْمِ الضَّلَالَةِ، وَ يَوْمُ التَّنْبِيهِ (5)، وَ يَوْمُ التَّصْرِيدِ (6)، وَ يَوْمُ الشَّهَادَةِ، وَ يَوْمُ التَّجَاوُزِ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ، وَ يَوْمُ الزَّهْرَةِ، وَ يَوْمُ الْعُذُوبَةِ، وَ يَوْمُ الْمُسْتَطَابِ بِهِ، وَ يَوْمُ ذَهَابِ (7) سُلْطَانِ الْمُنَافِقِ، وَ يَوْمُ التَّسْدِيدِ، وَ يَوْمٌ يَسْتَرِيحُ فِيهِ الْمُؤْمِنُ (8)، وَ يَوْمُ الْمُبَاهَلَةِ، وَ يَوْمُ الْمُفَاخَرَةِ، وَ يَوْمُ قَبُولِ الْأَعْمَالِ، وَ يَوْمُ التَّبْجِيلِ (9)، وَ يَوْمُ إِذَاعَةِ السِّرِّ (10)، وَ يَوْمُ نَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَ يَوْمُ الزِّيَارَةِ (11)، وَ يَوْمُ التَّوَدُّدِ، وَ يَوْمُ التَّحَبُّبِ (12)، وَ يَوْمُ الْوُصُولِ، وَ يَوْمُ التَّزْكِيَةِ (13) وَ يَوْمُ كَشْفِ الْبِدَعِ، وَ يَوْمُ الزُّهْدِ فِي
____________
(1) نسخة في (ك): الزياة. و لعلّها: الزّيادة. و نسخة بدل في مطبوع البحار: و يوم طلب الزّيارة. و قد وضع على: الطّلب، رمز نسخة بدل.
(2) جاءت كلمة: يوم، في (س) بعنوان أنّها نسخة بدل.
(3) لا توجد: و يوم يعضّ الظّالم على يديه، في المصدر. و فيه بدلا من: المشهود، الشّهود- بلا ميم-.
(4) في المحتضر: للعدوّ.
(5) خ. ل: النبلة، كذا على المطبوع من البحار.
(6) في (ك) لعلّها تقرأ: التصربد. أقول: لم أجد معنى مناسبا لها، أمّا التّصريد فهو في السّقي دون الرّيّ، و التّصريد في العطاء تقليله ..، و الصّرد: البرد .. تقول: يوم صرد، كما صرّح بذلك في النّهاية 3- 21، و الصّحاح 6- 496- 497، و الفائق 1- 236، و مجمع البحرين 3- 363 365. و قال في القاموس المحيط 1- 307: الصّرد: الخالص من كلّ شيء.
(7) في المصدر: و يوم الزّهرة، و يوم التّعريف، و يوم الاستطابة، و يوم الذّهاب. و لا توجد فيه:
سلطان المنافق.
(8) في المحتضر جاءت العبارة هكذا: و يوم التّشديد، و يوم ابتهاج المؤمن. و في (س): تصريح، بدلا من: يستريح، و هو غلط.
(9) هنا زيادة: و يوم النّحلة في (ك)، و وضع عليها رمز نسخة بدل في (س)، و لا توجد في المصدر.
(10) كذا في المصدر، و في (س): إضاعة الصّرّ، و في (ك): إذاعة الصّرّ.
(11) في المصدر زيادة: و يوم النّصرة، و يوم زيادة الفتح.
(12) في المحتضر: المفاكهة، بدلا من: التّحبّب.
(13) التّذكية- بالذّال المعجمة-، جاءت في المصدر.
129
الْكَبَائِرِ، وَ يَوْمُ التَّزَاوُرِ (1)، وَ يَوْمُ الْمَوْعِظَةِ، وَ يَوْمُ الْعِبَادَةِ، وَ يَوْمُ الِاسْتِسْلَامِ (2) قَالَ حُذَيْفَةُ: فَقُمْتُ مِنْ عِنْدِهِ- يَعْنِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)- وَ قُلْتُ فِي نَفْسِي: لَوْ لَمْ أُدْرِكْ مِنْ أَفْعَالِ الْخَيْرِ وَ مَا أَرْجُو (3) بِهِ الثَّوَابَ إِلَّا فَضْلَ هَذَا الْيَوْمِ لَكَانَ مُنَايَ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، وَ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ (4) بْنِ جَرِيحٍ: فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا وَ قَبَّلَ رَأْسَ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ سَعِيدٍ الْقُمِّيِّ، وَ قُلْنَا (5): الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَيَّضَكَ لَنَا حَتَّى شَرَّفْتَنَا بِفَضْلِ هَذَا الْيَوْمِ، وَ (6) رَجَعْنَا عَنْهُ، وَ تَعَيَّدْنَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (7).
قال السيّد (8): نقلته من خطّ محمد بن علي بن محمد بن طيّ (رحمه اللّه)، و وجدنا فيما تصفّحنا من الكتب عدّة روايات موافقة لها فاعتمدنا عليها، فينبغي تعظيم هذا اليوم المشار إليه و إظهار السرور فيه (9).
____________
(1) في المصباح: و يوم الزّهد و يوم الورع، و لا توجد: في الكبائر.
(2) زيادة: و يوم السّلم و يوم النّحر و يوم البقر، جاءت في المصدر.
(3) في طبعتي البحار و المصدر بالألف: أرجوا، و هو غلط.
(4) لا توجد: بن محمّد، في المصدر.
(5) هنا زيادة: له، في المصباح.
(6) في المصدر: ثمّ، بدلا من: الواو.
(7) لا توجد: اليوم، في المصباح. و إلى هنا جاء في المحتضر باختلافات لفظيّة. و أوردها محمّد بن جرير الطّبريّ في دلائل الإمامة في الفصل المتعلّق بأمير المؤمنين (ع) مسندا. و رواها مسندا في مصباح الأنوار للشّيخ هاشم بن محمّد- من أعلام علماء الإماميّة في القرن السّادس- و نص سند المصباح هو: قال: أخبرنا أبو محمّد الحسن بن محمّد القمّيّ بالكوفة، قال: حدّثنا أبو بكر محمّد بن جعدويه القزوينيّ- و كان شيخا صالحا زاهدا سنة إحدى و أربعين و ثلاثمائة صاعد إلى الحجّ قال: حدّثني محمّد بن عليّ القزوينيّ، قال: حدّثنا الحسن بن الحسن الخالديّ بمشهد أبي الحسن الرّضا (عليه السلام)، قال: حدّثنا محمّد بن العلاء الهمدانيّ الواسطيّ و يحيى بن محمّد بن جريح البغداديّ قالا ..
(8) الظاهر في كتابه زوائد الفوائد الذي لم نحصل على نسخة منه حتّى الآن.
(9) انتهى كلام السيّد في الزوائد. و انظر: مستدرك الوسائل 1- 155 رواه عن الشيخ المفيد، و البحار 20- 332. و حكي عن السيّد رضيّ الدين عليّ بن طاوس في كتاب زوائد الفوائد.
أقول: قال العلّامة المجلسي في بحاره: 98- 356: و إن كان يمكن أن يكون تأويل ما رواه أبو جعفر ابن بابويه في أنّ قتل من ذكر كان يوم تاسع ربيع الأوّل، لعلّ معناه أن السبب الذي اقتضى عزم القاتل على قتل من قتل كان ذلك السبب يوم تاسع ربيع الأوّل، فيكون اليوم الذي فيه سبب القتل أصل القتل، و يمكن أن يسمّى مجازا بالقتل، و يمكن أن يتأوّل بتأويل آخر، و هو أن يكون توجّه القاتل من بلده إلى البلد الذي وقع القتل كان يوم سابع [كذا] ربيع الأوّل .. إلى آخره.
و قال قبل ذلك: فإذا كانت وفاة مولانا الحسن العسكريّ (عليه السلام)- كما ذكره هؤلاء- لثمان خلون من ربيع الأوّل، فيكون ابتداء ولاية المهديّ (عليه السلام) على الأمّة يوم تاسع ربيع الأوّل، فلعلّ تعظيم هذا اليوم- و هو يوم تاسع ربيع الأوّل- لهذا الوقت المفضّل و العناية لمولى المعظّم المكمل ..
و عليك بملاحظة ما جاء في حاشية كتاب المحتضر: 44- 55.
130
بيان:
في القاموس (1): احتَبَى بِالثَّوْبِ: اشْتَمَلَ. و في بعض النسخ مكان قوله محتبي بكساء (2): يفوح مسكا و هو (3) قوله (عليه السلام): و يوم سيل النغاب .. هو مقابل قولهم: غصّ بريقه.
في القاموس (4): نَغَبَ الرِّيقَ- كمنع و نصر و ضرب-: ابْتَلَعَهُ، و الطّائر حسا من الماء .. و الإنسان في الشّرب: جرع، و النُّغْبَةُ: الجرعة. و في بعض النسخ: يوم سبيل اللّه.
قوله (عليه السلام): و يوم ظفرت به بنو إسرائيل .. أي يشبه ذلك اليوم، فإنّه كان فرعون هذه الأمّة أو كان ضفر بني إسرائيل أيضا في هذا اليوم، و الوجهان جاريان في بعض الفقرات الأخر: كنزع السواد.
و التّصريد: التّقليل (5)، و كأنّه سقط بعض الفقرات من الرواة، و بضمّ
____________
(1) القاموس 4- 315. و جاء في تاج العروس 10- 81، و لسان العرب 14- 160.
(2) في (ك): بكسائه.
(3) خطّ على: و هو، في (ك).
(4) القاموس 1- 133، و كذا ذكره ابن منظور في لسانه 1- 765، و الزبيدي في التاج 1- 490.
(5) نصّ عليه في الصحاح 2- 497، و القاموس 1- 307، و لسان العرب 3- 249، و تاج العروس 2- 396.
131
بعض النسخ يتمّ العدد.
أقول: و قَالَ السَّيِّدُ عَلِيُّ بْنُ طَاوُسٍ (قدّس اللّه روحه) فِي كِتَابِ الْإِقْبَالِ (1) بَعْدَ ذِكْرِ الْيَوْمِ التَّاسِعِ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ: اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ- وَجَدْنَا فِيهِ رِوَايَةً- عَظِيمَ (2) الشَّأْنِ، وَ وَجَدْنَا جَمَاعَةً مِنَ الْعَجَمِ وَ الْإِخْوَانِ يُعَظِّمُونَ السُّرُورَ فِيهِ، وَ يَذْكُرُونَ أَنَّهُ يَوْمُ هَلَاكِ بَعْضِ مَنْ كَانَ يَهُونُ بِاللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَ رَسُولِهِ (صلوات اللّه عليه و آله) وَ يُعَادِيهِ، وَ لَمْ أَجِدْ فِيمَا تَصَفَّحْتُ مِنَ الْكُتُبِ إِلَى الْآنَ مُوَافِقَةً أَعْتَمِدُ عَلَيْهَا لِلرِّوَايَةِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا عَنِ ابْنِ بَابَوَيْهِ تَغَمَّدَ اللَّهُ بِالرِّضْوَانِ (3)، فَإِنْ أَرَادَ أَحَدٌ تَعْظِيمَهُ مُطْلَقاً لِسِرٍّ يَكُونُ فِي مَطَاوِيهِ غَيْرَ الْوَجْهِ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ احْتِيَاطاً لِلرِّوَايَةِ فَهَكَذَا (4) عَادَةُ ذَوِي الدِّرَايَةِ ... (5)، وَ إِنْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُ مَا رَوَاهُ أَبُو (6) جَعْفَرِ بْنُ بَابَوَيْهِ فِي أَنَّ قَتْلَ مَنْ ذُكِرَ كَانَ فِي (7) تَاسِعِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، لَعَلَّ مَعْنَاهُ أَنَّ السَّبَبَ الَّذِي اقْتَضَى عَزْمَ الْقَاتِلِ عَلَى قَتْلِهِ كَانَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (8)، وَ يُمْكِنُ أَنْ يُسَمَّى مَجَازاً سَبَبُ الْقَتْلِ (9) بِالْقَتْلِ، أَوْ يَكُونَ (10) تَوَجُّهُ الْقَاتِلِ مِنْ بَلَدِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوْ وَصُولُ الْقَاتِلِ إِلَى مَدِينَةِ الْقَتْلِ فِيهِ.
وَ أَمَّا تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَ أَنَّ الْخَبَرَ بِالْقَتْلِ وَصَلَ إِلَى بَلَدِ ابْنِ بَابَوَيْهِ فِيهِ فَلَا
____________
(1) الإقبال: 597- 598 (الحجرية).
(2) في (ك) نسخة بدل: عظيمة.
(3) في (س): رضوانه، و في المصدر نسخة بدل: بالغفران.
(4) في الإقبال: فكذا.
(5) هنا سقط كبير، ذكر فيه مصادر جمّة في وفاة الحسن العسكريّ (عليه السلام)- ثمّ قال: أقول ...
(6) لا توجد في المصدر: أبو.
(7) في الإقبال: يوم، بدلا من: في.
(8) جاءت العبارة في المصدر: قتل من قتل كان ذلك السّبب يوم تاسع ربيع الأوّل، فيكون اليوم الّذي فيه سبب القتل أصل القتل، بدلا من: قتله كان في ذلك اليوم.
(9) لا توجد: سبب القتل، في المصدر.
(10) هنا زيادة في المصدر و هي: يمكن أن يؤوّل بتأويل آخر و هو أن يكون. و فيه: الواو، بدلا من: أو.
132
يَصِحُ (1)، لِأَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ بَابَوَيْهِ عَنِ الصَّادِقِ (عليه السلام) تَضَمَّنَ أَنَّ الْقَتْلَ كَانَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (2)، فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا التَّأْوِيلُ؟. انْتَهَى ملخّص كلامه نوّر اللّه ضريحه.
و يظهر منه ورود رواية أخرى عن الصادق (عليه السلام) بهذا المضمون رواها الصدوق (رحمه اللّه)، و يظهر من كلام خلفه الجليل ورود عدّة روايات دالّة على كون قتله في ذلك اليوم، فاستبعاد ابن إدريس و غيره رحمة اللّه عليهم ليس في محلّه، إذ اعتبار تلك الروايات مع الشهرة بين أكثر الشيعة سلفا و خلفا لا يقصر عمّا ذكره المؤرّخون من المخالفين، و يحتمل أن يكونوا غيّروا هذا اليوم ليشتبه الأمر على الشيعة فلا يتّخذوه يوم عيد و سرور.
فإن قيل: كيف اشتبه هذا الأمر العظيم بين الفريقين مع كثرة الدواعي على ضبطه و نقله.
قلنا: نقلب الكلام عليكم، مع أنّ هذا الأمر ليس بأعظم من وفاة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، مع أنّه وقع الخلاف فيه بين الفريقين، بل بين كلّ منهما مع شدّة تلك المصيبة العظمى، و ما استتبعته من الدواهي الأخرى، مع أنّهم اختلفوا في يوم القتل كما عرفت و إن اتّفقوا في كونه في ذي الحجة، و من نظر في اختلاف الشيعة و أهل الخلاف في أكثر الأمور التي توفّرت الدواعي على نقلها مع كثرة حاجة الناس إليها كالأذان و الوضوء و الصلاة و الحجّ و تأمّل فيها لا يستبعد أمثال ذلك، و اللّه تعالى أعلم بحقائق الأمور..
ما جرى بينه وبين أمير المؤمنين (عليه السلام)
1- مَا (3): جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي الْفَضْلِ (4)، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَحْمَدَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ تَسْنِيمٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ
____________
(1) في الإقبال: إلى بلد أبي جعفر بن بابويه يوم تاسع ربيع الأوّل، فإنّه لا يصحّ.
(2) في المصدر: كان في يوم تاسع ربيع الأوّل.
(3) أمالي الشّيخ الطّوسيّ 2- 188 مع اختصار في الإسناد.
(4) في المصدر: أبي المفضّل. و هي نسخة في حاشية (ك).
133
الْحَمِيدِ، عَنْ رُقَيَّةَ (1) بْنِ مَصْقَلَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُوَيْعَةَ بْنِ حَمْزَةَ (2) الْعَبْدِيِ (3)، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَدِمَنَا وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ فِي إِمَارَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَسَأَلَهُ رَجُلَانِ مِنَّا عَنْ طَلَاقِ الْأَمَةِ، فَقَامَ مَعَهُمَا وَ (4) قَالَ: انْطَلِقَا، فَجَاءَ إِلَى حَلْقَةٍ فِيهَا رَجُلٌ أَصْلَعُ، فَقَالَ: يَا أَصْلَعُ! كَمْ طَلَاقُ (5) الْأَمَةِ؟، قَالَ: فَأَشَارَ (6) بِإِصْبَعَيْهِ .. هَكَذَا- يَعْنِي اثْنَتَيْنِ-. قَالَ: فَالْتَفَتَ عُمَرُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ، فَقَالَ:
طَلَاقُهَا اثْنَتَانِ. فَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمَا: سُبْحَانَ اللَّهِ! جِئْنَاكَ وَ أَنْتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَسَأَلْنَاكَ فَجِئْتَ إِلَى الرَّجُلِ، وَ اللَّهِ (7) مَا كَلَّمَكَ. فَقَالَ: وَيْلَكَ! أَ تَدْرِي مَنْ هَذَا؟. هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: لَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ وُضِعَتَا فِي كِفَّةٍ وَ وُضِعَ إِيمَانُ عَلِيٍّ فِي كِفَّةٍ لَرَجَحَ إِيمَانُ عَلِيٍّ.
2- د (8): قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ رُسْتُمَ الطَّبَرِيُّ- لَيْسَ التَّارِيخِيَّ-: لَمَّا وَرَدَ سَبْيُ الْفُرْسِ إِلَى الْمَدِينَةِ أَرَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَيْعَ النِّسَاءِ وَ أَنْ يَجْعَلَ الرِّجَالَ عَبِيداً. فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ:
أَكْرِمُوا كَرِيمَ كُلِّ قَوْمٍ. فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ وَ إِنْ خَالَفَكُمْ. فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): هَؤُلَاءِ قَوْمٌ قَدْ أَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ (9) وَ رَغِبُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِيهِمْ ذُرِّيَّةٌ، وَ أَنَا أُشْهِدُ اللَّهَ وَ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ عَتَقْتُ نَصِيبِي مِنْهُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى. فَقَالَ جَمِيعُ بَنِي هَاشِمٍ: قَدْ
____________
(1) في الأمالي: رقبة- بالباء الموحّدة-.
(2) في المصدر: خونعة بن ضمرة.
(3) في (ك) وضع على: العبديّ، رمز نسخة بدل.
(4) لا توجد الواو في المصدر.
(5) في الأمالي: ما طلاق.
(6) زيادة: له، جاءت في المصدر.
(7) في الأمالي: إلى رجل فو اللّه.
(8) العدد القويّة: 56- 58.
(9) في المصدر: السّلام.
134
وَهَبْنَا حَقَّنَا أَيْضاً لَكَ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ أَنِّي قَدْ عَتَقْتُ (1) مَا وَهَبُونِي لِوَجْهِ اللَّهِ.
فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ: وَ قَدْ وَهَبْنَا حَقَّنَا لَكَ يَا أَخَا رَسُولِ اللَّهِ ص . فَقَالَ:
اللَّهُمَّ اشْهَدْ أَنَّهُمْ قَدْ وَهَبُوا لِي حَقَّهُمْ وَ قَبِلْتُهُ، وَ أُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ عَتَقْتُهُمْ (2) لِوَجْهِكَ.
فَقَالَ عُمَرُ: لِمَ نَقَضْتَ عَلَيَّ عَزْمِي فِي الْأَعَاجِمِ، وَ مَا الَّذِي رَغِبَكَ عَنْ رَأْيِي فِيهِمْ؟.
فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي إِكْرَامِ الْكُرَمَاءِ، فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ وَهَبْتُ لِلَّهِ وَ لَكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ مَا يَخُصُّنِي وَ سَائِرَ مَا لَمْ يُوهَبْ لَكَ. فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَى مَا قَالَهُ (3) وَ عَلَى عِتْقِي إِيَّاهُمْ. فَرَغِبَ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي أَنْ يَسْتَنْكِحُوا النِّسَاءَ. فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): هَؤُلَاءِ لَا يُكْرَهْنَ عَلَى ذَلِكَ وَ لَكِنْ يُخَيَّرْنَ، مَا اخْتَرْنَهُ عُمِلَ بِهِ (4). فَأَشَارَ جَمَاعَةٌ إِلَى شَهْرَبَانُوَيْهِ بِنْتِ كِسْرَى، فَخُيِّرَتْ وَ خُوطِبَتْ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ وَ الْجَمْعُ حُضُورٌ. فَقِيلَ لَهَا: مَنْ تَخْتَارِينَ مِنْ خُطَّابِكِ (5)؟ وَ هَلْ أَنْتِ مِمَّنْ تُرِيدِينَ بَعْلًا؟. فَسَكَتَتْ. فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): قَدْ أَرَادَتْ وَ بَقِيَ الِاخْتِيَارُ. فَقَالَ عُمَرُ: وَ مَا عِلْمُكَ بِإِرَادَتِهَا الْبَعْلَ؟. فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) كَانَ إِذَا أَتَتْهُ كَرِيمَةُ قَوْمٍ لَا وَلِيَّ لَهَا وَ قَدْ خُطِبَتْ يَأْمُرُ أَنْ يُقَالَ لَهَا: أَنْتِ رَاضِيَةٌ بِالْبَعْلِ، فَإِنِ اسْتَحْيَتْ وَ سَكَتَتْ جعلت [جَعَلَ إِذْنَهَا صُمَاتَهَا، وَ أَمَرَ بِتَزْوِيجِهَا. وَ إِنْ قَالَتْ: لَا، لَمْ تُكْرَهْ عَلَى مَا تَخْتَارُهُ، إِنَّ شَهْرَبَانُوَيْهِ أُرِيَتِ (6) الْخُطَّابَ فَأَوْمَأَتْ بِيَدِهَا وَ اخْتَارَتِ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ (عليهما السلام)، فَأُعِيدَ الْقَوْلُ عَلَيْهَا فِي التَّخْيِيرِ، فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا وَ قَالَتْ بِلُغَتِهَا: هَذَا إِنْ كُنْتُ مُخَيَّرَةً، وَ جَعَلَتْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَّهَا، وَ تَكَلَّمَ حُذَيْفَةُ
____________
(1) في العدد: قد أعتقت.
(2) في المصدر: قد أعتقتهم.
(3) في العدد: على ما قالوا.
(4) لا توجد: به، في (س).
(5) في (ك) نسخة بدل: خطبك.
(6) في (س): أ رأيت.
135
بِالْخِطْبَةِ (1)، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَهَا: مَا اسْمُكِ؟. فَقَالَتْ: شَاهْزَنَانُ بِنْتُ كِسْرَى.
قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) (2): أَنْتِ شَهْرَبَانُوَيْهِ، وَ أُخْتُكِ مُرْوَارِيدُ بِنْتُ كِسْرَى، قَالَتْ: آريه (3).
3- يب (4): مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَارَةَ، عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام)، قَالَ: دَخَلَ عَلِيٌّ (عليه السلام) وَ عُمَرُ الْحَمَّامَ، فَقَالَ عُمَرُ: بِئْسَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ، يَكْثُرُ فِيهِ الْغِنَاءُ (5) وَ يَقِلُّ فِيهِ الْحَيَاءُ. فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): نِعْمَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ، يُذْهِبُ الْأَذَى وَ يُذَكِّرُ بِالنَّارِ (6).
4- نَهْجٌ (7): وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ (عليه السلام) وَ قَدْ شَاوَرَهُ عُمَرُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الرُّومِ:
وَ قَدْ تَوَكَّلَ اللَّهُ لِأَهْلِ هَذَا الدِّينِ بِإِعْزَازِ الْحَوْزَةِ وَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَ الَّذِي نَصَرَهُمْ وَ هُمْ قَلِيلٌ لَا يَنْتَصِرُونَ وَ مَنَعَهُمْ وَ هُمْ (8) قَلِيلٌ لَا يَمْتَنِعُونَ (9) حَيٌّ لَا يَمُوتُ إِنَّكَ مَتَى
____________
(1) إلى هنا جاء في بحار الأنوار 103- 331 حديث 1.
(2) زيادة جاءت في المصدر و هي: نه، شاه زنان نيست مگر دختر محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و هي سيّدة النّساء. بمعنى: لا، ليست سيّدة النّساء إلّا بنت محمّد (صلّى اللّه عليه و آله).
(3) آرية، لغة الفرس، و هي بالعربيّة: نعم. و جاء هذا الحديث في دلائل الإمامة للطّبريّ: 81 82. و أورده أيضا في البحار 46- 15- 16 و 104- 199- 200.
(4) التّهذيب للشّيخ الطّوسيّ 1- 377 حديث 1166 [حجريّ 1- 107].
(5) في المصدر: العناء، و هو الظّاهر.
(6) أقول: جاءت في أبواب آداب الحمّام و التّنظيف و الزّينة جملة روايات، كما في وسائل الشّيعة 1- 361 و ما بعدها، منها: ما أورده الكلينيّ (رحمه اللّه) في فروع الكافي 2- 218 بسنده من قوله الصّادق (عليه السلام): قال أمير المؤمنين (عليه السلام): نعم البيت الحمّام، يذكّر النّار، و يذهب بالدّرن. و قال عمر: بئس البيت الحمّام، يبدي العورة و يهتك السّتر. قال: فنسب النّاس قول أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى عمر، و قول عمر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام).
(7) نهج البلاغة- صبحي الصّالح-: 193 برقم 134، و- محمّد عبده- 2- 18.
(8) في مطبوع البحار: و هو.
(9) في (ك) نسخة بدل: يمنعون.
136
تَسِرْ إِلَى هَذَا الْعَدُوِّ بِنَفْسِكَ فَتَلْقَهُمْ (1) فَتُنْكَبْ، لَا تَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ كَانِفَةٌ دُونَ أَقْصَى بِلَادِهِمْ لَيْسَ بَعْدَكَ مَرْجِعٌ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ، فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ رَجُلًا مُجَرَّباً (2) وَ احْفِزْ مَعَهُ أَهْلَ الْبَلَاءِ وَ النَّصِيحَةِ فَإِنْ أَظْهَرَ (3) اللَّهُ فَذَاكَ مَا تُحِبُّ، وَ إِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى كُنْتَ رداء [رِدْءاً لِلنَّاسِ وَ مَثَابَةً لِلْمُسْلِمِينَ (4).
توضيح: و قد توكّل اللّه .. أي صار وكيلا (5)، و يروى: تَكَفَّلَ .. أي صار كفيلا (6)، و الحَوْزَة: النّاحية، و بَيْضَة الملك (7) قوله (عليه السلام): فتنكب، قال ابن أبي الحديد (8): مجزوم معطوف على تسر.
قوله (عليه السلام): كانفة .. أي جهة عاصمة من قولك كنفت الإبل:
جعلت لها كنيفا من الشّجر يستتر به (9) قوله (عليه السلام): مجرّبا- على المفعول- .. أي جرّبته الأمور و أحكمته، و يمكن أن يقرأ على اسم الفاعل (10).
و إن كان الخلاف المشهور [كذا]، و في بعض النسخ بالحاء المهملة بكسر الميم مخفّفا من الحرب.
و حفزته: دفعته من خلفه و سقته سوقا (11) شديدا، و أهل البلاء .. أي
____________
(1) في نهج البلاغة- محمّد عبده- هنا زيادة: بشخصك.
(2) في النّهج: محربا- بالحاء المهملة-. و يذكر المصنّف- (رحمه اللّه)- في بيانه أنّها نسخة.
(3) في (س): أظهره- بالضّمير-.
(4) انظر شرحها في شرح النّهج لابن أبي الحديد 8- 296، و شرح ابن ميثم 3- 161، و منهاج البراعة 2- 54 و غيرها.
(5) كما في نهاية ابن الأثير 5- 221، و انظر: مفردات الراغب: 531.
(6) قاله ابن منظور في اللسان 11- 590، و الزبيدي في التاج 8- 99.
(7) نصّ عليه في الصحاح 3- 876، و لسان العرب 5- 342، و تاج العروس 4- 29.
(8) في شرحه على النهج 8- 296.
(9) انظر: صحاح الجوهريّ 4- 1424، و تاج الزبيدي 6- 238، و لسان العرب 9- 309.
(10) و يحتمل أن يقرأ: مجربا- كمفعل- كما جاء ضبطه في نسخ المطبوع من النهج.
(11) ذكره الطريحي في المجمع 4- 16، و الزبيدي في تاج العروس 4- 37، و لاحظ: لسان العرب 5- 337.
137
المختبرين الممتحنين (1) أو الذين لهم حقوق في الإسلام كقوله: (لِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً) (2) و الرِّدْء- بالكسر-: العَوْن (3) و الْمَثَابَةُ: المَرْجِعُ (4) فإن قلت: فما بال أمير المؤمنين (عليه السلام) شهد الحروب بنفسه.
قلت: لوجهين:
أحدهما: إنّه كان عالما من جهة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه لا يقتل في هذه الحروب.
و ثانيهما: أنّه كان عالما بأنّه لا يقوم مقامه في تلك الحروب أحد، و لم يجد مجرّبا من أهل البلاء و النصيحة، فبعض المجرّبين لم يكونوا من أهل النصيحة له، و بعض أهل النصيحة لم يكونوا مجرّبين، و من كان مجرّبا ناصحا- كمالك و أضرابه فمع قلّتهم ربّما لم يطعهم الناس.
5- نَهْجٌ (5): وَ مِنْ كَلَامِهِ (عليه السلام) لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ- وَ قَدِ اسْتَشَارَهُ (6) فِي غَزْوِ الْفُرْسِ بِنَفْسِهِ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ نَصْرُهُ وَ لَا خِذْلَانُهُ بِكَثْرَةٍ وَ لَا بِقِلَّةٍ (7)، وَ هُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي أَظْهَرَهُ وَ جُنْدُهُ الَّذِي أَعَدَّهُ وَ أَمَدَّهُ حَتَّى بَلَغَ مَا بَلَغَ وَ طَلَعَ حَيْثُ طَلَعَ، وَ نَحْنُ
____________
(1) انظر: الصحاح 6- 2285، و لسان العرب 14- 83، و مجمع البحرين 1- 60.
(2) الأنفال: 17.
(3) نصّ عليه في مجمع البحرين 1- 171، و الصحاح 1- 52، و لسان العرب 1- 85.
(4) صرّح به في لسان العرب 1- 244، و مجمع البحرين 2- 19، و الصحاح 1- 95.
(5) نهج البلاغة- محمّد عبده- 2- 29، و طبعة صبحي الصّالح: 203 برقم 146.
(6) جاء في حاشية (ك): و قد استشار عمر بن الخطّاب في الشّخوص لقتال الفرس بنفسه. كذا في النّهج.
أقول: و هي كذلك. و في شرح ابن ميثم: لغزو الفرس.
(7) في نهج- محمّد عبده-: لا قلّة.
138
عَلَى مَوْعُودٍ مِنَ اللَّهِ (1)، وَ اللَّهُ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ وَ نَاصِرٌ جُنْدَهُ، وَ مَكَانُ الْقَيِّمِ بِالْأَمْرِ مَكَانُ النِّظَامِ مِنَ الْخَرَزِ (2) يَجْمَعُهُ وَ يَضُمُّهُ فَإِنِ انْقَطَعَ النِّظَامُ تَفَرَّقَ (3) وَ ذَهَبَ ثُمَّ لَمْ يَجْتَمِعْ بِحَذَافِيرِهِ أَبَداً، وَ الْعَرَبُ الْيَوْمَ- وَ إِنْ كَانُوا قَلِيلًا- فَهُمْ كَثِيرُونَ بِالْإِسْلَامِ عَزِيزُونَ (4) بِالاجْتِمَاعِ، فَكُنْ قُطْباً وَ اسْتَدِرِ الرَّحَى بِالْعَرَبِ، وَ أَصْلِهِمْ دُونَكَ نَارَ الْحَرْبِ، فَإِنَّكَ إِنْ (5) شَخَصْتَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ انْتَقَضَتْ عَلَيْكَ الْعَرَبُ (6) مِنْ أَطْرَافِهَا وَ أَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ مَا تَدَعُ وَرَاءَكَ (7) مِنَ الْعَوْرَاتِ أَهَمَّ إِلَيْكَ مِمَّا بَيْنَ يَدَيْكَ، إِنَّ الْأَعَاجِمَ إِنْ يَنْظُرُوا إِلَيْكَ غَداً يَقُولُوا هَذَا أَصْلُ الْعَرَبِ فَإِذَا اقْتَطَعْتُمُوهُ (8) اسْتَرَحْتُمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَشَدَّ لِكَلَبِهِمْ عَلَيْكَ وَ طَمَعِهِمْ فِيكَ، فَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ مَسِيرِ الْقَوْمِ إِلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ أَكْرَهُ لِمَسِيرِهِمْ مِنْكَ، وَ هُوَ أَقْدَرُ عَلَى تَغْيِيرِ مَا يَكْرَهُ، وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ عَدَدِهِمْ فَإِنَّا لَمْ نَكُنْ نُقَاتِلُ فِيمَا مَضَى بِالْكَثْرَةِ، وَ إِنَّمَا كُنَّا نُقَاتِلُ بِالنَّصْرِ وَ الْمَعُونَةِ (9).
بيان: قال ابن أبي الحديد (10): .. قد اختلف في الحال الذي قال أمير المؤمنين عليه
____________
(1) قال ابن ميثم في شرحه 3- 196: ثمّ وعدنا بموعود و هو النّصر و الغلبة و الاستخلاف في الأرض كما قال: « (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)» .. الآية، النّور: 55.
(2) في (ك): الحرز- بالحاء المهملة-.
(3) زيادة: الخرز، جاءت في طبعة صبحي الصّالح.
(4) في (ك): و عزيزون.
(5) وضع على: إن، في (ك) رمز نسخة بدل.
(6) في (ك) نسخة بدل: الحرب.
(7) نسخة بدل: وراك، جاءت في (ك).
(8) في طبعة صبحي الصّالح: قطعتموه.
(9) انظر: شرح النّهج لابن أبي الحديد 9- 95، و شرح ابن ميثم 3- 194، و منهاج البراعة 2- 57 و غيرها.
(10) شرح النهج لابن أبي الحديد 9- 97. و قد نقله المصنّف (قدّس سرّه) بالمعنى.
139
السلام، فقيل: قاله (1) في غزاة القادسيّة، و قيل في غزاة نهاوند، ذهب إلى الأخير محمد بن جرير (2)، و إلى الأول المدائني.
و نظام العقد: الخيط الجامع له (3) بحذافيره .. أي بأسره أو بجوانبه أو بأعاليه (4) قوله (عليه السلام): و أصلهم .. أي اجعلهم صالين لها، يقال: صليت اللّحم: إذا شويته (5)، أو ألقهم في نار الحرب دونك، أو من صلى فلان بالأمر:
إذا قاسى حرّها و شدّتها (6) و العورة: الخلل في الثّغر و غيره (7)، و كلّ مكمن للسّتر (8) لكلبهم .. أي لمرضهم و شدّتهم (9) قوله (عليه السلام): فأمّا ما ذكرت .. جواب لما قال عمر: من أنّ هؤلاء الفرس قد قصدوا المسير إلى المسلمين و أنا أكره أن يغزونا قبل أن نغزوهم.
ثم اعلم أنّ هذا الكلام و ما تقدّم يدلّ أنّهم كانوا محتاجين إليه (عليه السلام)
____________
(1) في المصدر: قال له.
(2) في (ك): حرير. و هو سهو. و في المصدر: و إلى هذا القول الأخير ذهب محمّد بن جرير الطبريّ في التاريخ الكبير. و إلى القول الأوّل ذهب المدائني في كتاب الفتوح.
(3) انظر: مجمع البحرين 6- 176، و لسان العرب 12- 578، و تاج العروس 9- 76، و الصحاح 5- 2041.
(4) قاله في الصحاح 2- 626، مجمع البحرين 3- 262، و لسان العرب 4- 177، و تاج العروس 3- 132.
(5) ذكره ابن الأثير في النهاية 3- 50، و الجوهريّ في الصحاح 6- 2403، و انظر: مجمع البحرين 1- 268.
(6) نصّ عليه في الصحاح 6- 2403، و لاحظ: مجمع البحرين 1- 266.
(7) في (س): و غيرهم.
(8) كما في تاج العروس 3- 429، و لسان العرب 4- 617، و انظر: الصحاح 2- 760، و النهاية 3- 319.
(9) كذا في مجمع البحرين 2- 163، و تاج العروس 1- 459- 460، و لاحظ: الصحاح 1- 214.
140
في التدبير و إصلاح الأمور التي يتوقّف عليها الرئاسة و الخلافة، فهو (عليه السلام) كان أَحَقَّ بِها وَ أَهْلَها و كانوا هم الغاصبين حقّه، و أمّا إراءتهم مصالحهم فلا يدلّ على كونهم على الحقّ، لأنّ ذلك كان لمصلحة الإسلام و المسلمين لا لمصلحة الغاصبين، و جميع تلك الأمور كان حقّه (عليه السلام) قولا و فعلا و تدبيرا فكان يلزمه القيام بما يمكنه من تلك الأمور، و لا يسقط الميسور بالمعسور.
141
باب نادر
قَالَ أَبُو الْفَتْحِ الْكَرَاجُكِيُّ فِي كَنْزِ الْفَوَائِدِ (1): أَخْبَرَنِي الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ صَخْرٍ، عَنْ فَارِسِ بْنِ مُوسَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الطُّوسِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَارِجَةَ الرَّقِّيِّ، قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ فَضْلَةَ (2) كُنْتُ فِي الْوَفْدِ الَّذِينَ وَجَّهَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَ فَتَحْنَا مَدِينَةَ حُلْوَانَ، وَ طَلَبْنَا الْمُشْرِكِينَ فِي الشَّعْبِ فَلَمْ يُرَدُّوا عَلَيْهِمْ (3)، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَهَيْتُ إِلَى مَاءٍ فَنَزَلْتُ عَنْ فَرَسِي وَ أَخَذْتُ بِعِنَانِهِ، ثُمَّ تَوَضَّأْتُ وَ أَذَّنْتُ، فَقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ .. اللَّهُ أَكْبَرُ .. فَأَجَابَنِي شَيْءٌ مِنَ الْجَبَلِ وَ هُوَ يَقُولُ: كَبِرَتْ تَكْبِيراً .. فَفَزِعْتُ لِذَلِكَ فَزَعاً شَدِيداً وَ نَظَرْتُ يَمِيناً وَ شِمَالًا، فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَأَجَابَنِي وَ هُوَ يَقُولُ: الْآنَ حِينَ (4) أَخْلَصْتُ. فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله). فَقَالَ: نَبِيٌّ بُعِثَ. فَقُلْتُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. فَقَالَ: فَرِيضَةٌ افْتُرِضَتْ. فَقُلْتُ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ. فَقَالَ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَجَابَهَا، فَاسْتَجَابَ (5)
____________
(1) كنز الفوائد: 59- 60- الحجرية- بتفصيل في الإسناد و الأسماء.
(2) في (س): نضلة. و في المصدر: العضلة.
(3) في المصدر: فلم نقدر عليهم. و في (ك) نسخة بدل: علينا.
(4) وضع على: حين، رمز نسخة بدل في مطبوع البحار.
(5) في المصدر: و استجاب.
142
لَهَا. فَقُلْتُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ. فَقَالَ: الْبَقَاءُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ص وَ عَلَى رَأْسِهَا تَقُومُ السَّاعَةُ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ أَذَانِي نَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي حَتَّى أَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ (1) الْجَبَلِ، فَقُلْتُ: إِنْسِيٌّ أَمْ جِنِّيٌّ؟. قَالَ: فَأَطْلَعَ رَأْسَهُ مِنْ كَهْفِ الْجَبَلِ، فَقَالَ: مَا (2) أَنَا بِجِنِّيٍّ وَ لَكِنِّي إِنْسِيٌّ. فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟. قَالَ: أَنَا وذيب (3) بْنُ ثِمْلَا مِنْ حَوَارِيِّ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (عليه السلام)، أَشْهَدُ أَنَّ صَاحِبَكُمْ نَبِيٌّ، وَ هُوَ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَ لَقَدْ أَرَدْتُ الْوُصُولَ إِلَيْهِ فَحَالَتْ فِيمَا (4) بَيْنِي وَ بَيْنَهُ فَارِسٌ وَ كِسْرَى وَ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ أَدْخَلَ رَأْسَهُ فِي كَهْفِ الْجَبَلِ فَرَكِبْتُ دَابَّتِي وَ لَحِقْتُ بِالنَّاسِ وَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَمِيرُنَا، فَأَخْبَرْتُهُ بِالْخَبَرِ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَجَاءَ كِتَابُ عُمَرَ يَقُولُ: الْحَقِ الرَّجُلَ، فَرَكِبَ سَعْدٌ وَ رَكِبْتُ مَعَهُ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الْجَبَلِ، فَلَمْ نَتْرُكْ كَهْفاً وَ لَا شِعْباً وَ لَا وَادِياً إِلَّا الْتَمَسْنَاهُ فِيهِ (5) فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ، وَ حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ صَلَاتِي نَادَيْتُ (6) بِأَعْلَى صَوْتِي: يَا صَاحِبَ الصَّوْتِ الْحَسَنِ وَ الْوَجْهِ الْجَمِيلِ قَدْ سَمِعْنَا مِنْكَ كَلَاماً حَسَناً فَأَخْبِرْنَا مَنْ أَنْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ أَقْرَرْتُ بِاللَّهِ وَ نَبِيِّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) (7)، قَالَ: فَأَطْلَعَ رَأْسَهُ مِنْ كَهْفِ الْجَبَلِ فَإِذَا شَيْخٌ أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَ اللِّحْيَةِ، لَهُ هَامَةٌ كَأَنَّهَا رَحًى، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ (8) قُلْتُ (9): وَ عَلَيْكَ السَّلَامُ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ، مَنْ أَنْتَ
____________
(1) قال ابن الأثير في النّهاية 4- 274: اللّابة: الحرّة، و هي الأرض ذات الحجارة السّود قد ألبستها لكثرتها.
(2) لا توجد: ما، في (س).
(3) في المصدر: ذريب، في (ك): وزيب، و توجد نسخة فيه: رزيب. و يأتي في متن الخبر أيضا.
(4) لا توجد في كنز الفوائد: فيما.
(5) لا توجد في المصدر: فيه.
(6) لا توجد: ناديت، في (ك).
(7) في المصدر زيادة: تعالى و وحدانيّته. و لا توجد فيه: و نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله) .. و هناك نسخة: و وفد نبيّه.
(8) لا توجد في الكنز: و بركاته.
(9) في (ك): فقلت.
143
يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟. قَالَ: أَنَا رزيب (1) بْنُ ثِمْلَا وَصِيُّ الْعَبْدِ الصَّالِحِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (ع) كَانَ سَأَلَ رَبَّهُ لِي الْبَقَاءَ إِلَى نُزُولِهِ مِنَ السَّمَاءِ وَ قَرَارِي فِي هَذَا الْجَبَلِ، وَ أَنَا مُوصِيكُمْ سَدِّدُوا وَ قَارِبُوا وَ خِصَالًا يَظْهَرُ (2) فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَإِنْ ظَهَرَتْ فَالْهَرَبَ الْهَرَبَ (3)، لِيَقُومَ أَحَدُكُمْ عَلَى نَارِ جَهَنَّمَ حَتَّى تُطْفَأَ مِنْهُ (4) خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْبَقَاءِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ. قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ فَضْلَةَ (5): قُلْتُ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ! أَخْبِرْنَا بِهَذِهِ الْخِصَالِ لِنَعْرِفَ ذَهَابَ دُنْيَانَا وَ إِقْبَالَ آخِرَتِنَا؟. قَالَ: نَعَمْ، إِذَا اسْتَغْنَى رِجَالُكُمْ بِرِجَالِكُمْ، وَ اسْتَغْنَتْ نِسَاؤُكُمْ بِنِسَائِكُمْ، وَ انْتَسَبْتُمْ إِلَى غَيْرِ مَنَاسِبِكُمْ، وَ تَوَلَّيْتُمْ إِلَى غَيْرِ مَوَالِيكُمْ، وَ لَمْ يَرْحَمْ كَبِيرُكُمْ صَغِيرَكُمْ، وَ لَمْ يُوَقِّرْ صَغِيرُكُمْ لِكَبِيرِكُمْ، وَ كَثُرَ طَعَامُكُمْ فَلَمْ تَرَوْهُ إِلَّا بِأَغْلَى (6) أَسْعَارِكُمْ، وَ صَارَتْ خِلَافَتُكُمْ فِي صِبْيَانِكُمْ، وَ رَكَنَ عُلَمَاؤُكُمْ إِلَى وُلَاتِكُمْ، فَأَحَلُّوا الْحَرَامَ وَ حَرَّمُوا الْحَلَالَ، وَ أَفْتَوْهُمْ بِمَا يَشْتَهُونَ، وَ اتَّخَذُوا (7) الْقُرْآنَ أَلْحَاناً وَ مَزَامِيرَ فِي أَصْوَاتِهِمْ، وَ مَنَعْتُمْ حُقُوقَ اللَّهِ مِنْ أَمْوَالِكُمْ، وَ لَعَنَ آخِرُ أُمَّتِكُمْ أَوَّلَهَا، وَ زَوَّقْتُمُ الْمَسَاجِدَ، وَ طَوَّلْتُمُ الْمَنَابِرَ (8)، وَ حَلَّيْتُمُ الْمَصَاحِفَ بِالذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ، وَ رَكِبَ نِسَاؤُكُمُ السُّرُوجَ، وَ صَارَ مُسْتَشَارُ أُمُورِكُمْ نِسَاءَكُمْ وَ خِصْيَانَكُمْ، وَ أَطَاعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، وَ عَقَّ وَالِدَيْهِ (9)، وَ ضَرَبَ الشَّابُّ وَالِدَيْهِ (10)، وَ قَطَعَ كُلُّ ذِي رَحِمٍ رَحِمَهُ، وَ بَخِلْتُمْ بِمَا فِي أَيْدِيكُمْ، وَ صَارَتْ أَمْوَالُكُمْ عِنْدَ شِرَارِكُمْ، وَ كَنَزْتُمُ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ، وَ شَرِبْتُمُ الْخَمْرَ، وَ لَعِبْتُمْ بِالْمَيْسِرِ، وَ ضَرَبْتُمْ
____________
(1) في المصدر: ذريب.
(2) و إيّاكم و خصالا تظهر، جاءت في الكنز.
(3) جاءت كلمة الهرب ثالثا في (ك).
(4) خطّ في (ك) على: منه. و في المصدر: عنه.
(5) في (س): نضلة. و في المصدر: العضلة.
(6) في الكنز: غلاء، بدلا من: بأغلى.
(7) في (س): اتّخذوا- بلا واو-.
(8) جاءت في (ك) نسخة بدل: المناير.
(9) في المصدر: و جفا والديه. و ذكر فيه: عقّ، نسخة.
(10) في الكنز: والدته.
144
بِالْكَبَرِ، وَ مَنَعْتُمُ الزَّكَاةَ وَ رَأَيْتُمُوهَا مَغْرَماً، وَ الْخِيَانَةَ مَغْنَماً، وَ قُتِلَ الْبَرِيءُ لتعتاظ [لِتَغْتَاظَ (1) الْعَامَّةُ بِقَتْلِهِ، وَ اختسلت [اخْتُلِسَتْ قُلُوبُكُمْ فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَ لَا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَ قَحَطَ الْمَطَرُ فَصَارَ قَيْظاً، وَ الْوَلَدُ غَيْظاً، وَ أَخَذْتُمُ الْعَطَاءَ فَصَارَ فِي السِّقَاطِ (2)، وَ كَثُرَ أَوْلَادُ الْخَبِيثَةِ- يَعْنِي الزِّنَا-، وَ طُفِّفَتِ الْمِكْيَالُ، وَ كَلِبَ عَلَيْكُمْ عَدُوُّكُمْ، (3) وَ ضَرَبْتُمْ بِالْمَذَلَّةِ، وَ صِرْتُمْ أَشْقِيَاءَ، وَ قَلَّتِ الصَّدَقَةُ حَتَّى يَطُوفَ الرَّجُلُ مِنَ الْحَوْلِ إِلَى الْحَوْلِ مَا يُعْطَى (4) عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَ كَثُرَ الْفُجُورُ، وَ غَارَتِ الْعُيُونُ، فَعِنْدَهَا نَادَوْا فَلَا جَوَابَ لَهُمْ، يَعْنِي دَعَوْا فَلَمْ يُسْتَجَبْ لَهُمْ.
قال الكراجكي (رحمه اللّه) (5): اعلم- أيّدك اللّه (6)-: إنّ قوله في هذا الخبر:
و لعن آخر أمّتكم أوّلها ممّا يظن الناصبي أنّ فيه طعنا علينا، لما نحن فيه (7) من ذمّ الظالمين (8) بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ذلك ظنّ فاسد، لأنّا إنّما نلعن من ثبت عندنا ظلمه، و قد لعن اللّه تعالى الظالمين في كتابه، فقال: (أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (9). و أخبر (10) النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بأنّ من أصحابه من يغير بعده و يبدّل و يغوي و يفتن و يضلّ و يظلم و يستحقّ العقاب الأليم و الخلود في الجحيم.
فَمِمَّا رُوِيَ (11) عَنْهُ (12) فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ (صلّى اللّه عليه و آله) لِأَصْحَابِهِ: لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ
____________
(1) العبارة مشوّشة جدّا في (س)، و في حاشيته: ليستعط، و رمز لها برمز الاستظهار.
(2) الكلمة مشوّشة في (س).
(3) زيادة: و ضربتم بالذّلّة، جاءت في المصدر.
(4) في (س): يعطى- بدون ما-.
(5) في كنز الفوائد- الحجريّة-: 60- 61.
(6) زيادة: تعالى، جاءت في المصدر.
(7) في المصدر: عليه، بدلا من: فيه.
(8) في (س): المعطّلين، و في الكنز: المعتلّين.
(9) هود: 18.
(10) في (ك): و أخبره. و قد أوردنا جملة من الروايات في أوّل تحقيقنا للكتاب.
(11) في المصدر: رووا- بصيغة الجمع-.
(12) كما في صحيح البخاريّ 13- 255 كتاب الاعتصام باب قول النّبيّ ص : لتتّبعنّ سنن من كان قبلكم، و كتاب الأنبياء باب ما ذكر عن بني إسرائيل، و صحيح مسلم كتاب العلم باب اتّباع سنن اليهود و النّصارى حديث 2669، و أورده ابن الأثير في جامع الأصول 10- 35 حديث 7493، و ذكر فيه مائة رواية بمضامين متعدّدة في هذا الباب، فراجع.
145
مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْراً بِشِبْرٍ وَ ذِرَاعاً بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ (1) ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الْيَهُودَ وَ النَّصَارَى؟. قَالَ: فَمَنْ إِذَنْ؟!..
وَ قَوْلُهُ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): وَ قَدْ ذُكِرَتْ عِنْدَهُ فِتْنَةُ الدَّجَّالِ-: أَلَا وَ إِنِّي (2) لَفِتْنَةُ بَعْضِكُمْ أَخْوَفُ مِنِّي لِفِتْنَةِ الدَّجَّالِ..
وَ قَوْلُهُ (عليه السلام) لِأَصْحَابِهِ: إِنَّكُمْ لَمَحْشُورُونَ (3) يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً، وَ إِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي!.
فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا (4) مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ (5).
وَ قَوْلُهُ (عليه السلام) فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِأَصْحَابِهِ: أَلَا لَأُخْبِرَنَّكُمْ تَرْتَدُّونَ بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ (6) رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا إِنِّي قَدْ شَهِدْتُ وَ غِبْتُمْ (7).
وَ قَوْلُهُ (صلّى اللّه عليه و آله)- فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ-: أَقْبَلَتِ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يَتْبَعُ آخِرُهَا أَوَّلَهَا، الْآخِرَةُ شَرٌّ مِنَ الْأُولَى (8).
____________
(1) قد تقرأ في مطبوع البحار: في حجر- بتقديم الحاء المهملة على الجيم-.
(2) في الكنز: لا فإنّي.
(3) في المصدر: إنّكم محشورون إلى اللّه.
(4) في الكنز: لا يزالوا.
(5) و أورد البخاريّ في صحيحه كتاب الأنبياء حديث 8 و 48، و في تفسير الآية الرّابعة عشر من سورة المائدة، و كتاب الرّقاق: 45، و مسلم في صحيحه كتاب الجنّة: 58، و التّرمذيّ في سننه كتاب القيامة: 3، و تفسير الآية الرّابعة من سورة الأنبياء، و النّسائيّ في سننه كتاب الجنائز: 119، و أحمد في المسند 1- 235، 253، 258.
(6) لا توجد: بعضكم، في (س).
(7) انظر: المجلّد الأوّل من كتاب الغدير، فقد فصّل القول في الواقعة سندا و متنا و أشبعه مصدرا و استدلالا.
(8) كما جاء في صحيح مسلم كتاب الإيمان: 186، و مسند أحمد 1- 189، و 2- 304، 372، 390، 408، 416، 523، و 3- 453 و غيرها، و كتاب الفتن من سنن أبي داود و التّرمذيّ و ابن ماجة و النّسائيّ، و قد سلف منّا جملة مصادر في أوّل بحثنا.
146
وَ قَوْلُهُ (صلّى اللّه عليه و آله): يَكُونُ لِأَصْحَابِي بَعْدِي ذِلَّةٌ (1) يَعْمَلُ بِهَا قَوْمٌ يُكِبُّهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي النَّارِ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ.
وَ حَدَّثَنِي مِنْ طَرِيقِ الْعَامَّةِ عَبْدُ اللَّهِ (2) بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حِمَاسٍ بِمَدِينَةِ الرَّمْلَةِ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ الْعَسْقَلَانِيِّ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ (3) أَبِي الْحَسَنِ الْحَذَّاءِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حِمْيَرٍ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرَّةَ، عَنْ فُلَانَةَ الْحَرَمِيِ (4)، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ (5) الْجَرَّاحِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِلِحْيَتِي- وَ أَنَا أَعْرِفُ الْحَزَنَ فِي وَجْهِهِ-، فَقَالَ: يَا عُمَرُ! إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (6)، أَتَانِي جَبْرَئِيلُ آنِفاً فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (7)، فَقُلْتُ:
أَجَلْ، فَ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، فَمِمَّ ذَاكَ يَا جَبْرَئِيلُ؟. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ مُفْتَتِنَةٌ (8) بَعْدَكَ بِقَلِيلٍ مِنَ الدَّهْرِ غَيْرِ كَثِيرٍ. فَقُلْتُ: فِتْنَةَ كُفْرٍ أَوْ فِتْنَةَ ضَلَالَةٍ؟. قَالَ: كُلٌّ سَيَكُونُ. فَقُلْتُ: وَ مِنْ أَيْنَ ذَلِكَ وَ أَنَا تَارِكٌ فِيهِمْ كِتَابَ اللَّهِ؟. قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ يُضَلُّونَ، وَ أَوَّلُ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ أُمَرَائِهِمْ وَ قُرَّائِهِمْ، يَمْنَعُ الْأُمَرَاءُ الْحُقُوقَ فَيَسْأَلُ النَّاسُ حُقُوقَهُمْ فَلَا يُعْطُونَهَا فَيَفْتَتِنُوا وَ يَقْتَتِلُوا، وَ يَتَّبِعُوا الْقُرَّاءُ هَوَى (9) الْأُمَرَاءِ فَيَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يَقْصُرُونَ. فَقُلْتُ: يَا جَبْرَئِيلُ! فَبِمَ يَسْلَمُ مَنْ يَسْلَمُ مِنْهُمْ؟. قَالَ:
____________
(1) في المصدر: زلّة.
(2) في الكنز: أبو محمّد عبد اللّه ..
(3) جاء في المصدر: عبيد.
(4) في المصدر: عن عمر بن ذوة عن قلابة الحرميّ.
(5) لا توجد: بن، في الكنز، و التّاء من كلمة: عبيدة في (ك).
(6) البقرة: 156.
(7) البقرة: 156.
(8) في (س): مفتنة.
(9) في المصدر: فليفتنوا فيفتتنوا و يقتلوا يتبع القرّاء هؤلاء ..
147
بِالْكَفِّ وَ الصَّبْرِ، إِنْ أُعْطُوا الَّذِي لَهُمْ أَخَذُوهُ وَ إِنْ مَنَعُوهُ (1) تَرَكُوهُ.
فهذا بعض ما ورد من الأخبار في أنّه كان بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من ضلّ و أضلّ، و ظلم و غشم، و وجب البراءة منه من (2) فعله، فأمّا الوجه (3) الذي يجب أن يحمل عليه (4) ما تضمّنه الخبر الذي أوردناه من قوله ص : و لعن آخر أمّتكم أوّلها، فهو ما استحلّه الظالمون المبغضون لأمير المؤمنين (عليه السلام) من لعنه و المجاهرة بسبّه و ذمّه. قلت (5): فلسنا نشكّ في أنّه قد برئت (6) منه الخوارج و لعنه معاوية و من بعده من بني أميّة على المنابر، و تقرّب أكثر الناس إلى ولاة الجور بذمّه، و نشأ أولادهم على سماع البراءة منه و سبّه..
____________
(1) في الكنز: منعوهم- بضمير الجمع-.
(2) في (ك): في، بدلا من كلمة: من.
(3) في الكنز زيادة: في اللعن.
(4) لا توجد: عليه، في (س).
(5) لا توجد في المصدر: قلت، و وضع عليها رمز نسخة بدل في (ك).
(6) في الكنز: قد تبرّأت.
149
[25] باب الاحتجاج على المخالفين بما رووه في كتبهم
الأول:
أنّه ولّى أمور المسلمين من لا يصلح لذلك و لا يؤتمن عليه، و من ظهر منه الفسق و الفساد، و من لا علم له، مراعاة لحرمة القرابة، و عدولا عن مراعاة حرمة الدين و النظر للمسلمين، حتّى ظهر ذلك منه و تكرّر، و قد كان عمر حذّره من ذلك حيث وصفه بأنّه كلّف بأقاربه، و قال له: إذا وليت هذا الأمر فلا تحمل بني أبي معيط على رقاب الناس (1) فوقع منه ما حذّره إيّاه، و عوتب عليه فلم ينفع العتب، و ذلك نحو استعماله الوليد بن عقبة (2) و تقليده إيّاه حتّى ظهر منه شرب الخمر، و استعماله سعيد بن العاص (3) حتى ظهرت منه الأمور التي عندها أخرجه
____________
(1) كما ذكره البلاذري في الأنساب 5- 16 و 30، و ابن سعد في الطبقات 3- 247، و الطبريّ في الرياض النضرة 2- 76، و القاضي أبو يوسف في الآثار: 217، و غيرهم في غيرها.
(2) انظر ترجمته في: الإصابة 3- 637- 638 برقم 9147، و الاستيعاب المطبوع بهامش الإصابة 3- 631- 637، و معرفة علوم الحديث للحاكم: 193، و الأعلام 8- 122 و غيرها.
(3) انظر ترجمته في: الإصابة 2- 47- 48 برقم 3268، و الاستيعاب 2- 8- 11 هامش الإصابة، و طبقات ابن سعد 5- 19، و تهذيب ابن عساكر 6- 131- 145، و تاريخ الإسلام 2- 266، و غيرها.
150
أهل الكوفة، و توليه عبد اللّه بن أبي سرح (1) و عبد اللّه بن عامر بن كريز (2)، حتى روي عنه في أمر ابن أبي صرح (3) أنّه لما تظلّم منه أهل مصر و صرفه عنهم بمحمد بن أبي بكر كاتبه بأن يستمر على ولاية (4) و أبطن خلاف ما أظهر، و هذه (5) طريقة من غرضه خلاف الدين. و روي أنّه كاتبه بقتل محمد بن أبي بكر و غيره ممّن يرد عليه، و ظفر بذلك الكتاب، و لذلك عظم التظلّم من بعد و كثر الجمع، و كان ذلك سبب الحصار و القتل، و حتى كان من أمر مروان و تسلّطه عليه و على أموره ما قتل بسببه (6) و لا يمكن أن يقال: إنّه لم يكن عالما بأحوال هؤلاء الفسقة، فإنّ الوليد كان في جميع أحواله من المجاهرين بالفجور و شرب الخمور، و كيف يخفى على عثمان، و هو قريبه و لصيقه و أخوه لأمّه؟!، و لذا قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ- فِي رِوَايَةِ الْوَاقِدِيِ (7)- وَ قَدْ دَخَلَ الْكُوفَةَ: يَا أَبَا وَهْبٍ (8)! أَمِيرٌ أَمْ زَائِرٌ؟. قَالَ: بَلْ أَمِيرٌ.
____________
(1) هذا هو عبد اللّه بن سعد [سعيد] بن أبي سرح أخو عثمان من الرضاعة، و كان واليا على البصرة.
انظر ترجمته في: أسد الغابة 3- 173، و البداية و النهاية 7- 250، و الكامل لابن الأثير 3- 114، و النجوم الزاهرة 1- 94- 97 و غيرها.
(2) و هو ابن خال عثمان، لأنّ أمّ عثمان أروى بنت كريز، كما في تاريخ الإسلام 2- 266، و طبقات ابن سعد 5- 30- 35، و الكامل لابن الأثير 3- 206 و غيرها.
و انظر ترجمته في: الإصابة 3- 61 ترجمة 6175، و تهذيب التهذيب 5- 273، و تيسير الوصول 1- 265.
(3) في (س): سريح. و الظاهر: سرح.
(4) كذا، و الظاهر: الولاية- بالألف و اللام- أو: ولايته.
(5) في (س): هذا.
(6) قد تعرّض شيخنا الأميني- (رحمه اللّه)- في الغدير 9- 168- 217 إلى قضيّة الحصار الأول و الثاني و مقتله مفصّلا، فراجع.
(7) كما حكاها السّيّد في الشّافي 4- 251، و تلخيص الشّافي 4- 75، و أورد الرّواية البلاذريّ في الأنساب 5- 29.
(8) هذه كنية الوليد.
151
فَقَالَ سَعْدٌ: مَا أَدْرِي أَ حَمِقْتُ بَعْدَكَ أَمْ كِسْتَ (1) بَعْدِي؟!. فَقَالَ: مَا حَمِقْتَ بَعْدِي وَ لَا كِسْتُ (2) بَعْدَكَ، وَ لَكِنَّ الْقَوْمَ مَلِكُوا فَاسْتَأْثَرُوا (3). فَقَالَ سَعْدٌ: مَا أَرَاكَ إِلَّا صَادِقاً.
وَ فِي رِوَايَةِ أَبِي مِخْنَفٍ لُوطِ بْنِ يَحْيَى (4): أَنَّ الْوَلِيدَ لَمَّا دَخَلَ الْكُوفَةَ مَرَّ عَلَى مَسْجِدِ (5) عَمْرِو بْنِ زُرَارَةَ النَّخَعِيِ (6) فَوَقَفَ، فَقَالَ عَمْرٌو: يَا مَعْشَرَ بَنِي أَسَدٍ! بِئْسَ مَا اسْتَقْبَلَنَا بِهِ أَخُوكُمْ ابْنُ عَفَّانَ، أَ مِنْ عَدْلِهِ أَنْ يَنْزِعَ عَنَّا ابْنَ أَبِي وَقَّاصٍ الْهَيِّنَ اللَّيِّنَ السَّهْلَ الْقَرِيبَ وَ يَبْعَثَ عَلَيْنَا بَدَلَهُ (7) أَخَاهُ الْوَلِيدَ الْأَحْمَقَ الْمَاجِنَ الْفَاجِرَ قَدِيماً وَ حَدِيثاً؟! وَ اسْتَعْظَمَ النَّاسُ مَقْدَمَهُ، وَ عُزِلَ سَعْدٌ بِهِ، وَ قَالُوا: أَرَادَ عُثْمَانُ كَرَامَةَ أَخِيهِ بِهَوَانِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) (8).
و قال ابن عبد البرّ في الإستيعاب (9) في ترجمة الوليد: أمّه أروى بنت كريز ابن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، أمّ عثمان بن عفّان، و الوليد (10) بن عقبة أخو عثمان لأمّه يكنّى: أبا وهب، أسلم يوم فتح (11) مكة، و ولّاه عثمان بالكوفة و عزل عنها سعد بن أبي وقّاص، فلمّا قدم الوليد على سعد قال له سعد: و اللّه ما أدري
____________
(1) في الشّافي: كيّست، و هو ضدّ الحمق. و في التّلخيص: أم كنت.
(2) في الشّافي: كيّست، و في التّلخيص: و لا كنت.
(3) في تلخيص الشّافي زيادة: و ملكنا فاستأثرنا.
(4) كما حكاها السّيّد في الشّافي 4- 251، و أورده الشّيخ في تلخيصه 4- 75 باختلاف يسير.
(5) في الشّافي و تلخيصه: مجلس، و في (ك): مجلسي، نسخة بدل.
(6) في تلخيص الشّافي للشّيخ الطّوسيّ: اللّخميّ، بدلا من: النّخعيّ.
(7) لا توجد في المصدر: بدله.
(8) و قد جاء أيضا في أنساب البلاذريّ 5- 32- 33.
(9) الاستيعاب- المطبوع هامش الإصابة- 3- 631.
(10) في المصدر: فالوليد.
(11) في المصدر زيادة: هو و أخوه خالد بن عقبة. أقول: هنا سقط كثير و إن كان ظاهر العبارة هو الاتصال، و فيه: ثم ولاه عثمان.
152
أ كست (1) بعدنا أم حمقنا بعدك؟!. فقال: لا تجزعنّ أبا إسحاق، فإنّما هو الملك يتغدّاه قوم و يتعشّاه آخرون. فقال سعد: أراكم و اللّه ستجعلونها ملكا.
قال (2): وَ رَوَى جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ (3): لَمَّا قَدِمَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ أَمِيراً عَلَى الْكُوفَةِ أَتَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ؟. قَالَ: جِئْتُ أَمِيراً. فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا أَدْرِي أَ صَلَحْتَ بَعْدَنَا أَمْ فَسَدَ النَّاسُ؟!.
و له أخبار (4) فيها نكارة و شناعة تقطع على سوء (5) حاله و قبح أفعاله (6) غفر اللّه لنا و له (7)، فلقد كان من رجال قريش ظرفا و حلما و شجاعة و أدبا، و كان من الشعراء المطبوعين (8)، كان الأصمعي و أبو عبيدة و ابن الكلبي و غيرهم يقولون:
كان الوليد بن عقبة فاسقا شريب خمر، و كان شاعرا كريما (9) أخباره في شرب الخمر و منادمته أبا زبيد الطائي كثيرة مشهورة (10) يسمج بنا ذكرها هاهنا، و نذكر منها طرفا (11).
____________
(1) في الاستيعاب: أ كبت. أقول: الكبت: الصرف و الإذلال، كما في الصحاح 1- 262، و النهاية 4- 138، و القاموس 1- 155، و مجمع البحرين 2- 216. و الكيس: العقل و الفطنة و جودة القريحة، كما في مجمع البحرين 4- 101 و غيره.
(2) قاله ابن عبد البرّ في الاستيعاب 3- 633- 634- هامش الإصابة-.
(3) لا توجد: قال، في المصدر.
(4) هذا استمرار لكلام صاحب الاستيعاب.
(5) في (س): سواد.
(6) في (س): قبح حاله أحواله. و لعلّ إحداهما نسخة بدل.
(7) لا توجد: و له، في (س).
(8) في (س): مطبوغين. و لعلّها سهو.
(9) في المصدر زيادة: قال أبو عمر.
(10) في الاستيعاب: مشهورة كثيرة- بتقديم و تأخير-.
(11) في مطبوع البحار: ظرفا.
153
ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ شَيْبَةَ (1) بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، قَالَ: صَلَّى الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ بِأَهْلِ الْكُوفَةِ صَلَاةَ الصُّبْحِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ:
أَزِيدُكُمْ؟!. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَا زِلْنَا مَعَكَ فِي زِيَادَةٍ مُنْذُ الْيَوْمِ.
قَالَ: وَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ (2) جَرِيرٍ، عَنِ الْأَجْلَحِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي حَدِيثِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ حِينَ شَهِدُوا عَلَيْهِ-، فَقَالَ الْحُطَيْئَةُ (3):
شَهِدَ الْحُطَيْئَةُ يَوْمَ يَلْقَى رَبَّهُ* * * إِنَّ الْوَلِيدَ أَحَقُّ بِالْعُذْرِ
نَادَى وَ قَدْ تَمَّتْ (4)صَلَاتُهُمْ* * * أَ أَزِيدُكُمْ سُكْراً وَ مَا يَدْرِي؟
فَأَبَوْا أَبَا وَهْبٍ وَ لَوْ أَذِنُوا (5)* * * لَقَرَنْتُ بَيْنَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ
وَ ذَكَرَ أَبْيَاتاً أُخَرَ فِي ذَلِكَ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ (6): وَ خَبَرَ صَلَاتِهِ بِهِمْ (7) سَكْرَانَ. و قوله لهم: أزيدكم؟ بعد أن صلّى الصبح أربعا مشهور من رواية الثقات من نقل أهل الحديث و أهل الأخبار.
ثم قال (8):
وَ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ- فِيمَا عَلِمْتُ- أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى (9): (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) (10) نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَ ذَلِكَ أَنَّهُ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ مُصَدِّقاً فَأَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ (11)
____________
(1) في المصدر: شبّة.
(2) في الاستيعاب: قال، بدلا من: عن.
(3) هو جرول بن أوس بن مالك العبسيّ.
(4) في الأنساب للبلاذري: نفدت. و ما في الأغاني كالمتن.
(5) و في بعض المصادر: و لو فعلوا.
(6) أي ابن عبد البرّ في الاستيعاب 3- 634 المطبوع بهامش الإصابة.
(7) هنا زيادة: و هو، جاءت في المصدر.
(8) في الاستيعاب 3- 632. و حكاه عنه ابن الأثير في أسد الغابة 5- 90.
(9) في المصدر: عزّ و جلّ، بدل: تعالى.
(10) الحجرات: 6.
(11) لا توجد: أنّهم، في (س).
154
ارْتَدُّوا وَ أَبَوْا مِنْ أَدَاءِ الصَّدَقَةِ، وَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ خَرَجُوا إِلَيْهِ فَهَابَهُمْ (1) وَ لَمْ يَعْرِفْ مَا عِنْدَهُمْ، فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ وَ أَخْبَرَ بِمَا ذَكَرْنَا، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَ أَمَرَهُ أَنْ يَتَثَبَّتَ فِيهِمْ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ مُتَمَسِّكُونَ بِالْإِسْلَامِ وَ نَزَلَتِ ... الْآيَةُ.
و روى عن مجاهد و قتادة مثل ما ذكرنا.
وَ عَنِ (2)
ابْنِ أَبِي لَيْلَى فِي قَوْلِهِ (3) تَعَالَى (4): (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ ..) (5) قَالَ: نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ.
- وَ مِنْ حَدِيثِ الْحَكَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) وَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ (6): (أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ) (7).
انتهى كلام ابن عبد البرّ (8).
وَ قَالَ الْمَسْعُودِيُّ فِي مُرُوجِ الذَّهَبِ (9): كَانَ عُمَّالُهُ عَلَى أَعْمَالِهِ (10) جَمَاعَةً مِنْهُمُ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ (11) عَلَى الْكُوفَةِ، وَ هُوَ مِمَّنْ
أَخْبَرَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَّهُ مِنْ
____________
(1) في (س): فهاجمهم.
(2) ذكر ابن عبد البرّ في الاستيعاب 3- 632- 633 الإسناد مفصّلا و حذفه هنا.
(3) في (ك): و قوله.
(4) جاءت: عزّ و جلّ، بدلا من: تعالى، في المصدر.
(5) الحجرات: 6.
(6) في قصّة ذكرها في المصدر.
(7) السّجدة: 18.
(8) و أخرج الطبريّ في تفسيره 21- 62 بإسناده، عن عطاء بن يسار، قال: كان بين الوليد و عليّ كلام، فقال الوليد: أنا أبسط منك لسانا، و أحدّ منك سنانا، و أردّ منك للكتيبة. فقال عليّ: اسكت، فأنت فاسق فأنزل اللّه فيهما: « (أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً)» .. الآية.
و قريب منه ما في الأغاني 4- 185، و تفسير الخازن 3- 470، و أسباب النزول: 263، و الرياض للطبري 2- 206، و ذخائر العقبى: 88، و مناقب الخوارزمي: 188، و كفاية الكنجي:
55، و تفسير النيشابوري، و نظم درر السمطين و غيرها كثير.
(9) مروج الذّهب 2- 334- 337.
(10) لا توجد: على أعماله، في المصدر.
(11) جاء في حاشية (ك): عقبة بن أبي معيط. مروج. و هي كذلك في المصدر.
155
أَهْلِ النَّارِ.
، وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَرْحٍ عَلَى مِصْرَ، وَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى الشَّامِ، وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَ صَرَفَ عَنِ الْكُوفَةِ الْوَلِيدَ (1) وَ وَلَّاهَا سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ.
- وَ كَانَ السَّبَبُ فِي صَرْفِ الْوَلِيدِ (2)- عَلَى مَا رُوِيَ- أَنَّهُ (3) كَانَ يَشْرَبُ مَعَ نُدَمَائِهِ وَ مُغَنِّيهِ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ إِلَى الصَّبَاحِ، فَلَمَّا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ لِلصَّلَاةِ خَرَجَ مُتَفَضِّلًا (4) فِي غَلَائِلِهِ (5)، فَتَقَدَّمَ عَلَى (6) الْمِحْرَابِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فَصَلَّى بِهِمْ أَرْبَعاً، وَ (7) قَالَ: أَ تُرِيدُونَ أَنْ أَزِيدَكُمْ؟!. وَ قِيلَ: إِنَّهُ قَالَ فِي سُجُودِهِ- وَ قَدْ أَطَالَ الشَّرَابَ (8) فَاسْقِنِي، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ كَانَ خَلْفَهُ (9): مَا تَزِيدُ (10)؟ لَا زَادَكَ اللَّهُ بِخَيْرٍ، وَ اللَّهِ مَا أَعْجَبُ إِلَّا مِمَّنْ بَعَثَكَ إِلَيْنَا وَالِياً، وَ عَلَيْنَا أَمِيراً، وَ كَانَ هَذَا الْقَائِلُ عَتَّابَ بْنَ غَيْلَانَ (11) الثَّقَفِيَ (12) وَ خَطَبَ النَّاسَ الْوَلِيدُ فَحَصَبَهُ (13) النَّاسُ بِحَصَى الْمَدِينَةِ (14)، وَ شَاعَ بِالْكُوفَةِ فِعْلُهُ وَ ظَهَرَ فِسْقُهُ وَ مُدَاوَمَتُهُ شُرْبَ الْخَمْرِ، فَهَجَمَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْهُمْ أَبُو
____________
(1) في مروج الذّهب زيادة: بن عقبة.
(2) في المصدر زيادة: بن عقبة و ولاية سعيد.
(3) في المروج: أنّ الوليد.
(4) في (س): منفضلا.
(5) جاء في حاشية (ك): منفضلا في غلالته. مروج. و في المصدر: متفضّلا في غلائلة.
(6) كذا. و في المصدر: إلى، و هو الظّاهر.
(7) وضع على الواو في (ك) رمز نسخة بدل.
(8) في (ك) نسخة بدل: الشّرب. و في مروج الذّهب: اشرب و اسق و اسقني.
(9) في نسخة بدل جاءت في (ك): حاضر خلفه. و في المصدر: خلفه في الصّفّ الأوّل.
(10) في (س): تريد. و في المصدر: من الخير، بدلا من: بخير، و لا أعجب، بدلا من: ما أعجب.
(11) جاءت في مروج الذّهب: عيلان- بالعين المهملة-.
(12) في (ك) نسخة بدل: الأسديّ.
(13) جاء في حاشية (ك): و حصب النّاس الوليد بحصى المسجد .. مروج. حصب: أي رمى.
(14) في مروج الذّهب: بحصباء المسجد. و هنا سقط كثير راجع المصدر. و فيه: و أشاعوا.
156
زَيْنَبَ بْنُ عَوْفٍ الْأَزْدِيُّ وَ أَبُو (1) جُنْدَبِ بْنُ زُهَيْرٍ الْأَزْدِيُّ وَ غَيْرُهُمَا (2) فَوَجَدُوهُ (3) سَكْرَاناً مُضْطَجِعاً عَلَى سَرِيرِهِ لَا يَعْقِلُ (4)، فَأَيْقِظُوهُ مِنْ رَقْدَتِهِ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ، ثُمَّ تَقَيَّأَ عَلَيْهِمْ مَا شَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ فَانْتَزَعُوا خَاتَمَهُ مِنْ يَدِهِ وَ خَرَجُوا مِنْ فَوْرِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَتَوْا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَشَهِدُوا عِنْدَهُ أَنَ (5) الْوَلِيدَ أَنَّهُ (6) يَشْرَبُ الْخَمْرَ، فَقَالَ عُثْمَانُ: وَ مَا يُدْرِيكُمْ أَنَ (7) مَا شَرِبَ خَمْرٌ (8)؟. فَقَالُوا: هُوَ الْخَمْرَةُ الَّتِي كُنَّا نَشْرَبُ (9) فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَ أَخْرَجَا خَاتَمَهُ فَدَفَعَاهُ إِلَيْهِ فَزَبَرَهُمَا (10) وَ دَفَعَ فِي صُدُورِهِمَا، وَ قَالَ: تَنَحَّيَا عَنِّي!. فَخَرَجَا وَ أَتَيَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) فَأَخْبَرَاهُ (11) بِالْقِصَّةِ، فَأَتَى عُثْمَانَ وَ هُوَ يَقُولُ: دَفَعْتَ الشُّهُودَ وَ أَبْطَلْتَ الْحُدُودَ؟!. فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: فَمَا تَرَى؟. قَالَ: أَرَى أَنْ تَبْعَثَ إِلَى صَاحِبِكَ (12)، فَإِنْ أَقَامَا الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ فِي وَجْهِهِ وَ لَمْ يُدْلِ (13) بِحُجَّةٍ أَقَمْتَ عَلَيْهِ الْحَدَّ، فَلَمَّا حَضَرَ الْوَلِيدُ دَعَاهُمَا (14) فَأَقَامَا الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ وَ لَمْ يُدْلِ (15) بِحُجَّةٍ، فَأَلْقَى عُثْمَانُ السَّوْطَ إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام)، فَقَالَ
____________
(1) لا توجد: أبو، في المصدر.
(2) في (س): و غيرهم.
(3) جاء في (س): فوجدوهم. و لعلّه سهو.
(4) في (س): و لا يعقل.
(5) وضع على: أنّ، رمز نسخة بدل في (ك). و في المصدر بدلا عنها: على.
(6) لا توجد في (س): أنّه.
(7) في (ك) نسخة بدل: أنّه.
(8) في نسخة جاءت في (ك): خمرا. و العبارة في المصدر هكذا: و ما يدريكما أنّه شرب خمرا.
(9) في المصدر: كنّا نشربها. و في (ك) نسخة بدل: كنّا نشربه.
(10) في مروج الذّهب: فزجرهما.
(11) جاءت في المصدر: و أخبراه.
(12) زيادة: فتحضره، جاءت في مروج الذّهب. و قد جاءت في حاشية (ك) أيضا.
(13) في حاشية (ك): و لم يدرأ بنفسه. مروج. و في المصدر: و لم يدرأ عن نفسه ..
(14) جاءت هنا زيادة: عثمان، في مروج الذّهب.
(15) في (ك): فلم يدل.
157
عَلِيٌ (1) لِابْنِهِ الْحَسَنِ (عليهما السلام): قُمْ يَا بُنَيَّ! فَأَقِمْ عَلَيْهِ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
فَقَالَ: يَكْفِينِيهِ بَعْضُ مَنْ تَرَى، فَلَمَّا نَظَرَ عَلِيٌّ (عليه السلام) (2) إِلَى امْتِنَاعِ الْجَمَاعَةِ عَنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ تَوَقِّياً لِغَضَبِ عُثْمَانَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ أَخَذَ عَلِيٌّ السَّوْطَ (3) وَ دَنَا مِنْهُ، فَلَمَّا أَقْبَلَ نَحْوَهُ سَبَّهُ الْوَلِيدُ، وَ قَالَ: يَا صَاحِبُ مُكْثٍ (4)!. فَقَالَ عَقِيلُ (5) بْنُ أَبِي طَالِبٍ- وَ كَانَ فِيمَنْ (6) حَضَرَ-: إِنَّكَ لَتَتَكَلَّمُ يَا ابْنَ أَبِي مُعَيْطٍ كَأَنَّكَ لَا تَدْرِي مَنْ أَنْتَ؟ وَ أَنْتَ عِلْجٌ مِنْ أَهْلِ صَفُّورِيَةَ (7) .. كَانَ ذُكِرَ أَنَ (8) أَبَاهُ (9) يَهُودِيٌ (10) مِنْهَا، فَأَقْبَلَ الْوَلِيدُ يَرُوغُ (11) مِنْ عَلِيٍّ (عليه السلام) فَاجْتَذَبَهُ (12) وَ ضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ وَ عَلَاهُ بِالسَّوْطِ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: لَيْسَ لَكَ أَنْ تَفْعَلَ بِهِ هَذَا؟. قَالَ: بَلَى (13) وَ شَرٌّ (14) مِنْ هَذَا، إِذَا فَسَقَ وَ مَنَعَ حَقَّ اللَّهِ (15) أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ، فَوَلَّى (16) سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، فَلَمَّا
____________
(1) لا توجد في (س) لفظ: عليّ.
(2) لا توجد: عليّ (عليه السلام)، في المصدر.
(3) في (س): أخذ السّوط. من دون لفظ: عليّ.
(4) جاءت في حاشية (ك): مكمن. مروج. و في المصدر: مكس، و المكث- بالضّمّ-: الانتظار، أو الإقامة مع الانتظار، و فيها تعريض كما لا يخفى.
(5) في (ك): علي، بدلا من: عقيل. و فيه نسخة بدل: عقيل. و الظّاهر ما أثبتناه.
(6) في المصدر: ممّن.
(7) هنا سقط جاء في مروج الذّهب، فراجع.
(8) خ. ل: ذكران.
(9) في (س): إيّاه.
(10) في المصدر: كان يهوديّ ..
(11) يروغ .. أي يحيد و يميل.
(12) في المصدر زيادة: عليّ.
(13) في مروج الذّهب: بل.
(14) جاءت في (ك): و شرّا.
(15) في المصدر: اللّه تعالى.
(16) في مروج الذّهب: و ولّى الكوفة بعده .. و جاء في حاشية (ك): فولّى الكوفة بعده .. مروج.
158
دَخَلَ سَعِيدٌ الْكُوفَةَ (1) أَبَى أَنْ يَصْعَدَ الْمِنْبَرَ إِلَّا أَنْ (2) يُغْسَلَ وَ أَمَرَ بِغَسْلِهِ، وَ قَالَ: إِنَّ الْوَلِيدَ كَانَ نَجِساً رَجِيماً (3)، فَلَمَّا اتَّصَلَتْ أَيَّامُ سَعِيدٍ بِالْكُوفَةِ ظَهَرَتْ مِنْهُ أُمُورٌ أُنْكِرَتْ عَلَيْهِ وَ ابْتَزَّ (4) الْأَمْوَالَ، وَ قَالَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ أَوْ أَنَّهُ كَتَبَ (5) إِلَى عُثْمَانَ: إِنَّمَا هَذِهِ (6) السَّوَادُ قَطِينٌ (7) لِقُرَيْشٍ. فَقَالَ لَهُ الْأَشْتَرُ: أَ تَجْعَلُ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْنَا بِسُيُوفِنَا (8) وَ مَرَاكِزِ رِمَاحِنَا بُنْيَاناً (9) لَكَ وَ لِقَوْمِكَ؟ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى عُثْمَانَ فِي سَبْعِينَ رَاكِباً فَذَكَرَ (10) سُوءَ سِيرَةِ سَعِيدٍ وَ سَأَلُوهُ عَزْلَهُ، وَ مَكَثَ (11) الْأَشْتَرُ وَ أَصْحَابُهُ أَيَّاماً لَا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ (12) مِنْ عُثْمَانَ فِي سَعِيدٍ شَيْءٌ، وَ اتَّصَلَتْ (13) (14) أَيَّامُهُمْ بِالْمَدِينَةِ .. إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.
وَ رَوَى ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْكَامِلِ قِصَّةَ شُرْبِ الْوَلِيدِ، وَ قَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّ الَّذِي جَلَدَهُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ.
و روى ابن أبي الحديد في شرح النهج (15) روايات عديدة في قصّة الوليد
____________
(1) زيادة: واليا، جاءت في المصدر.
(2) في المروج: حتّى، بدلا من: إلّا أن.
(3) في حاشية (ك): رجسا نجسا. مروج. و في المصدر: نجسا رجسا.
(4) الكلمة مشوّشة في (س). و جاء في حاشية (ك): و استبدّ. مروج. و لا توجد في المصدر: أنكرت عليه. و فيه: فاستبدّ بالأموال.
(5) في مروج الذّهب: كتب به، بدلا من: أنّه كتب.
(6) في المصدر: هذا.
(7) جاءت في (س): قصر.
(8) في مروج الذّهب: بظلال سيوفنا. و كذا جاءت في حاشية (ك) أيضا.
(9) خ. ل: بستانا. و كذا جاءت في المصدر.
(10) في المصدر: راكبا من أهل الكوفة فذكروا.
(11) في (س): و مكثا. و في مروج الذّهب: و سألوا عزله عنهم فمكث.
(12) في المصدر: لهم، بدلا من: إليهم.
(13) في مروج الذّهب: و امتدّت.
(14) الكامل 3- 53.
(15) شرح النهج لابن أبي الحديد 17- 227- 245، و انظر فيه: 3- 12 و 17 و 18، و 4- 81، و 6- 269.
159
و شربه الخمر و نزول الآية فيه .. و غير ذلك حكاها عن كتاب الأغاني (1) لأبي الفرج الأصفهاني.
و منها:
- مَا رَوَاهُ أَبُو الْفَرَجِ (2) بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام): أَنَّ امْرَأَةَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) تَشْتَكِي إِلَيْهِ الْوَلِيدَ، وَ قَالَتْ: إِنَّهُ يَضْرِبُهَا، فَقَالَ لَهَا: ارْجِعِي إِلَيْهِ وَ قُولِي لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ... (3) مَدَّ يَدَهُ وَ قَالَ:
اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالْوَلِيدِ .. مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً (4).
وَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَ هِشَامِ بْنِ الْكَلْبِيِّ وَ الْأَصْمَعِيِّ أَنَّ الْوَلِيدَ تَقَيَّأَ فِي الْمِحْرَابِ لَمَّا شَرِبَ الْخَمْرَ بِالْكُوفَةِ (5)، وَ صَلَّى الصُّبْحَ أَرْبَعاً، وَ قَرَأَ بِالْمَأْمُومِينَ رَافِعاً صَوْتَهُ:
عَلَّقَ الْقَلْبُ الرَّبَابَا* * * بَعْدَ مَا شَابَتْ وَ شَابَا
فَشَخَصَ بَعْضُ (6) أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَى عُثْمَانَ .. إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ (7) وَ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ: أَنَّ أَبَا زُبَيْدٍ- وَ هُوَ أَحَدُ نُدَمَاءِ الْوَلِيدِ- وَفَدَ عَلَى الْوَلِيدِ حِينَ اسْتَعْمَلَهُ عُثْمَانُ عَلَى الْكُوفَةِ، فَأَنْزَلَهُ الْوَلِيدُ دَارَ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ وَ اسْتَوْهَبَهَا مِنْهُ فَوَهَبَهَا لَهُ، وَ كَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ الطَّعْنِ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، لِأَنَّ أَبَا زُبَيْدٍ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ دَارِهِ حَتَّى يُشَقَّ الْمَسْجِدُ إِلَى الْوَلِيدِ، فيسمر (8) عِنْدَهُ وَ يَشْرَبُ مَعَهُ فَيَخْرُجُ وَ يَشُقُّ الْمَسْجِدَ وَ هُوَ سَكْرَانُ.
____________
(1) الأغاني 4- 174 و 175 و 176 و 177 و 178 و 179 و 180 و 182 و 184 و 185 و 187.
(2) في الأغاني 4- 183. و حكاه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 17- 239- 240.
(3) هنا سقط جاء في شرح النّهج و هو: قد أجارني فانطلقت، فمكثت ساعة ثمّ رجعت، فقالت: إنّه ما أقلع عنّي، فقطع رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم هدبة من ثوبه، و قال: اذهبي بها إليه و قولي له: إنّ رسول اللّه قد أجارني، فانطلقت فمكثت ساعة ثمّ رجعت، فقالت: ما زادني إلّا ضربا، فرفع رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم يده ثمّ قال: ..
(4) و جاء في شرح ابن أبي الحديد 17- 230 و 254 بتصرّف و إيجاز أيضا.
(5) في (س): في الكوفة.
(6) لا توجد في المصدر: بعض.
(7) و ذكرها ابن أبي الحديد أيضا في شرحه على نهج البلاغة 17- 230.
(8) في (ك): فيستمرّ.
160
وَ رُوِيَ فِي كِتَابِ الْإِسْتِيعَابِ (1) بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: رَأَيْتُ الَّذِي يَلْعَبُ بَيْنَ يَدَيِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ فَيُرِي أَنَّهُ يَقْطَعُ رَأْسَ رَجُلٍ ثُمَّ يُعِيدُهُ (2)، فَقَامَ إِلَيْهِ جُنْدَبُ بْنُ كَعْبٍ فَضَرَبَ وَسَطَهُ بِالسَّيْفِ، وَ قَالَ: قُولُوا لَهُ فَلْيُحْيِي نَفْسَهُ الْآنَ.
قَالَ: فَحَبَسَ الْوَلِيدُ جُنْدَباً وَ كَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ، فَكَتَبَ عُثْمَانُ أَنْ خَلِّ سَبِيلَهُ، فَتَرَكَهُ.
وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: كَانَ سَاحِرٌ يَلْعَبُ بَيْنَ يَدَيِ الْوَلِيدِ يُرِيهِمْ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي فَمِ الْحِمَارِ وَ يَخْرُجُ مِنْ ذَنَبِهِ أَوْ مِنْ دُبُرِهِ، وَ يَدْخُلُ فِي اسْتِ الْحِمَارِ وَ يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ (3)، وَ يُرِيهِمْ أَنَّهُ يَضْرِبُ رَأْسَ نَفْسِهِ فَيَرْمِي بِهِ ثُمَّ يَشْتَدُّ فَيَأْخُذُهُ ثُمَّ يُعِيدُهُ مَكَانَهُ، فَانْطَلَقَ جُنْدَبٌ إِلَى الصَّيْقَلِ وَ سَيْفُهُ عِنْدَهُ، فَقَالَ: وَجَبَ أَجْرُكَ فَهَاتِهِ. قَالَ: فَأَخَذَهُ وَ اشْتَمَلَ (4) عَلَيْهِ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى السَّاحِرِ مَعَ أَصْحَابِهِ- وَ هُوَ فِي بَعْضِ مَا كَانَ يَصْنَعُ فَضَرَبَ عُنُقَهُ فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُ الْوَلِيدِ وَ دَخَلَ هُوَ الْبَيْتَ، وَ أَخَذَ جُنْدَبٌ وَ أَصْحَابُهُ فَسُجِنُوا، فَقَالَ لِصَاحِبِ السِّجْنِ: قَدْ عَرَفْتُ السَّبَبَ الَّذِي سُجِنَّا فِيهِ، فَخَلِّ سَبِيلَ أَحَدِنَا حَتَّى يَأْتِيَ عُثْمَانَ، فَخَلَّى سَبِيلَ أَحَدِهِمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْوَلِيدَ فَأَخَذَ صَاحِبَ السِّجْنِ فَصَلَبَهُ، قَالَ: وَ جَاءَ كِتَابُ عُثْمَانَ: أَنْ خَلِّ سَبِيلَهُمْ وَ لَا تَعْرِضْ لَهُمْ، وَ وَافَى كِتَابُ عُثْمَانَ قَبْلَ قَتْلِ الْمَصْلُوبِ فَخَلَّى سَبِيلَهُ (5) وَ قَالَ الْمَسْعُودِيُ (6): ضَرَبَ عُنُقَ السَّجَّانِ وَ صَلَبَهُ بِالْكُنَاسَةِ.
وَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (7) فِي تَرْجَمَةِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ: كَانَ سَعِيدٌ هَذَا أَحَدَ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ اسْتَعْمَلَهُ عُثْمَانُ عَلَى الْكُوفَةِ ثُمَّ عَزَلَهُ، وَ وَلَّى الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ فَمَكَثَ مُدَّةً ثُمَّ شَكَاهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فَعَزَلَهُ وَ رُدَّ سَعِيدٌ فَرَدَّهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَ كَتَبُوا إِلَى عُثْمَانَ: لَا
____________
(1) الاستيعاب- المطبوع هامش الإصابة- 1- 218 باختصار، و جاء بنصه في صفحة: 219- 220.
(2) في (ك): يعيد- بلا ضمير-.
(3) في المصدر: من فمه.
(4) في الاستيعاب: فاشتمل.
(5) و ذكر القصّة المسعوديّ في مروج الذّهب 2- 339 باختلاف.
(6) مروج الذّهب 2- 339.
(7) في الاستيعاب المطبوع هامش الإصابة- 2- 9- 10 بتصرّف.
161
حَاجَةَ لَنَا فِي سَعِيدِكَ وَ لَا وَلِيدِكَ، وَ كَانَ فِي سَعِيدٍ تَجَبُّرٌ وَ غِلْظَةٌ وَ شِدَّةُ سُلْطَانٍ.
وَ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (1)، عَنِ الْوَاقِدِيِّ وَ الْمَدَائِنِيِّ وَ ابْنِ الْكَلْبِيِّ وَ غَيْرِهِمْ، قَالَ: وَ ذَكَرُهُ الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ (2)، وَ غَيْرُهُ مِنَ (3) الْمُؤَرِّخِينَ: أَنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) لَمَّا رَدَّ الْمِصْرِيِّينَ رَجَعُوا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَأَخْرَجُوا صَحِيفَةً فِي أُنْبُوبَةِ رَصَاصٍ، وَ قَالُوا:
وَجَدْنَا غُلَامَ عُثْمَانَ بِالْمَوْضِعِ الْمَعْرُوفِ: بِالْبُوَيْبِ عَلَى بَعِيرٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ- لِأَنَّا اسْتَرَبْنَا بِأَمْرِهِ (4)- فَوَجَدْنَا فِيهِ هَذِهِ الصَّحِيفَةَ- وَ مَضْمُونُهَا- أَمْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ بِجَلْدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُدَيْسٍ وَ عَمْرِو بْنِ الْحَمِقِ، وَ حَلَقَ رُءُوسَهُمَا وَ لِحَاهُمَا وَ حَبَسَهُمَا، وَ صَلَبَ قَوْمٌ آخَرِينَ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ.
وَ قِيلَ: إِنَّ الَّذِي أَخَذْتُ مِنْهُ الصَّحِيفَةَ أَبُو الْأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ ... (5) وَ جَاءَ النَّاسُ إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام) وَ سَأَلُوهُ أَنْ يَدْخُلَ إِلَى عُثْمَانَ فَيَسْأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الْحَالِ، فَقَامَ فَجَاءَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ، فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ مَا كَتَبْتُ وَ لَا أَمَرْتُ (6)، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ:
صَدَقَ، هَذَا مِنْ عَمَلِ مَرْوَانَ. فَقَالَ: لَا أَدْرِي، وَ كَانَ أَهْلُ مِصْرَ حُضُوراً، فَقَالُوا: أَ فَيَجْتَرِئُ عَلَيْكَ وَ يَبْعَثُ غُلَامَكَ عَلَى جَمَلٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَ يَنْقُشُ عَلَى خَاتَمِكَ، وَ يَبْعَثُ إِلَى عَامِلِكَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ وَ أَنْتَ لَا تَدْرِي؟!. قَالَ: نَعَمْ.
قَالُوا: إِنَّكَ إِمَّا صَادِقٌ أَوْ كَاذِبٌ، فَإِنْ كُنْتَ كَاذِباً فَقَدِ اسْتَحْقَقْتَ الْخَلْعَ لَمَّا أَمَرْتَ بِهِ مِنْ قَتْلِنَا وَ عُقُوبَتِنَا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً فَقَدِ اسْتَحْقَقْتَ الْخَلْعَ لِضَعْفِكَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ وَ غَفْلَتِكَ، وَ خُبْثِ بِطَانَتِكَ، وَ لَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ بِيَدِ مَنْ يَقْطَعُ (7) الْأُمُورَ دُونَهُ لِضَعْفِهِ وَ غَفْلَتِهِ، فَاخْلَعْ نَفْسَكَ مِنْهُ .. إِلَى آخِرِ الْخَبَرِ
.
____________
(1) في شرح النّهج 2- 149- 150 بتصرف.
(2) في المصدر: و ذكره أبو جعفر في التّاريخ. تاريخ الطّبريّ: 3- 391 حوادث سنة 35 ه.
(3) جاءت زيادة: جميع، في شرح النّهج.
(4) في المصدر: أمره- بلا حرف جرّ-.
(5) هنا سقط، لاحظ المصدر.
(6) في شرح النّهج: ما كتبته و لا علّمته و لا أمرت به.
(7) في المصدر: تقطع.
162
الثاني:
أنّه لو لم يقدم عثمان على أحداث يوجب خلعه و البراءة منه لوجب على الصحابة أن ينكروا على من قصده من البلاد متظلّما، و قد علمنا أنّ بالمدينة قد كان كبار الصحابة من المهاجرين و الأنصار و لم ينكروا على القوم بل أسلموه و لم يدفعوا عنه، بل أعانوا قاتليه و لم يمنعوا من قتله، (1)
____________
(1) روى البلاذري في الأنساب 5- 165، 372 عن المدائني، عن عبد اللّه بن فائد أنّه قال: إنّي لأبغضهم. فقال سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان: تبغضهم لأنّهم قتلوا أباك. قال: صدقت قتل أبي علوج الشام و جفاته و قتل جدّك المهاجرون و الأنصار.
و قال ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1- 92: إنّ عشرة آلاف رجل قالوا: نحن قتلنا عثمان.
و جاء في كتاب صفّين لابن مزاحم: 213: أنّ عشرين ألفا أو أكثر قالوا: كلّنا قتل عثمان.
و أورد ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1- 158، و المسعودي في مروج الذهب 2- 62، و ابن عساكر في تاريخه 7- 201، و السيوطي في تاريخ الخلفاء: 133، و ابن عبد البرّ في الاستيعاب في الكنى: قال معاوية لأبي الطفيل عامر بن واثلة: أ كنت ممّن قتل عثمان أمير المؤمنين؟. قال: لا، و لكن ممّن شهده فلم ينصره. قال: و لم؟. قال: لم ينصره المهاجرون و الأنصار.
و ورد في تاريخ ابن عساكر 6- 83: أنّ القاضي أبا إسحاق سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف المدني الزهري المتوفّى سنة 125 ه قال: إنّ أهل المدينة قتلوا عثمان. و فيه 7- 319 عن ابن مسلم الخولاني التابعي أنّه قال: يا أهل المدينة! كنتم بين قاتل و خاذل.
أقول: بل لم يكن أحد من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يدفع عن عثمان و لا ينكر ما يقال فيه إلّا زيد بن ثابت و أبو أسيد الساعدي و كعب بن مالك و حسّان بن ثابت الأنصاري، و اجتمع المهاجرون و غيرهم إلى عليّ (عليه السلام) فسألوه أن يكلّم عثمان و يعظه.
كما جاء في أنساب البلاذري 5- 6، و تاريخ الطبريّ 5- 97، و الكامل لابن الأثير 3- 63، و تاريخ أبي الفداء 1- 168، و تاريخ ابن خلدون 2- 391 و غيرها.
و قال حسّان بن ثابت- كما في مروج الذهب 1- 442-:
خذلته الأنصار إذ حضر الموت* * * و كانت ولاته الأنصار
من عذيري من الزبير و من طلحة* * * إذ جاء أمر له مقدار
فتولّى محمّد بن أبي بكر* * * عيانا و خلفه عمّار
و عليّ في بيته يسأل الناس* * * ابتداء و عنده الأخبار
باسطا للّذي يريد يديه* * * و عليه سكينة و وقار
و مثله في عقد الفريد 2- 267.
و أخرج الطبريّ في تاريخه 5- 115 من طريق عبد الرحمن بن يسار، أنّه قال: لما رأى الناس ما صنع عثمان كتب من بالمدينة من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم إلى من بالآفاق منهم و كانوا قد تفرّقوا في الثغور: إنّكم إنّما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل اللّه عزّ و جلّ يطلبون دين محمّد صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم، فإنّ دين محمّد قد أفسده من خلفكم و ترك، فهلموا فأقيموا دين محمّد صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم.
و جاء في لفظ الكامل لابن الأثير 5- 70: فإنّ دين محمّد قد أفسده خليفتكم فأقيموه.
و في لفظ شرح ابن أبي الحديد 1- 165: قد أفسده خليفتكم فاخلعوه، فاختلفت عليه القلوب، فأقبلوا من كلّ أفق حتّى قتلوه.
و في الإمامة و السياسة 1- 32: بسم اللّه الرحمن الرحيم، من المهاجرين الأولين و بقيّة الشورى إلى من بمصر من الصحابة و التابعين، أمّا بعد، أن تعالوا إلينا و تداركوا خلافة رسول اللّه قبل أن يسلبها أهلها، فإنّ كتاب اللّه قد بدّل، و سنّة رسول اللّه قد غيّرت، و أحكام الخليفتين قد بدّلت، فننشد اللّه من قرأ كتابنا من بقيّة أصحاب رسول اللّه و التابعين بإحسان إلّا أقبل إلينا.
و أخرج الطبريّ في تاريخه 5- 116 من طريق عبد اللّه بن الزبير، عن أبيه، قال: كتب أهل المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة و يحتجّون و يقسمون له باللّه لا يمسكون عنه أبدا حتّى يقتلوه أو يعطيهم ما يلزمه من اللّه.
قال شيخنا الأميني- (قدّس سرّه)- في الغدير 9- 163- بعد ذكر أحاديث متضافرة التي وردت عن آحاد الصحابة من المهاجرين و الأنصار أو عامّة الفريقين، أو عن جامعة الصحابة قد تبلغ مائتين حديثا-: أنّ ذلك إجماع منهم أثبت من إجماعهم على نصب الخليفة في الصدر الأول، فإن كانت فيه حجّة فهي في المقامين إن لم تكن في المقام الثاني أولى بالاتباع.
و قال في الغدير أيضا 9- 166: و كيف لا و فيهم عمد الصحابة و دعائمها و عظماء الملّة و أعضادها و ذوو الرأي و التقوى و الصلاح من البدريّين و غيرهم، و فيهم .. أمّ المؤمنين و غير واحد من العشرة المبشّرة و رجال الشورى، فإذا لم يحتجّ بإجماع مثله لا يحتجّ بأيّ إجماع قطّ.
163
و حضروه و منعوا (1) الماء عنه و تركوه بعد القتل ثلاثة أيّام لم يدفن، مع أنّهم متمكّنون من خلاف ذلك، و ذلك من أقوى الدلائل على ما ذكر، و لو لم يكن (2) في أمره إلّا ما
- روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال:
____________
(1) في (س): أمنع.
(2) في (س): لم يمكن.
164
اللّه قتله و أنا معه (1).
. و إنّه كان في أصحابه من يصرّح بأنّه قتل عثمان و مع ذلك لا يقيّدهم و لا ينكر عليهم، و كان أهل الشام يصرّحون بأنّ مع أمير المؤمنين قتلة عثمان، و يجعلون ذلك من أوكد الشبه و لا ينكر ذلك عليهم، مع أنّا نعلم أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لو أراد منعهم من قتله و الدفع عنه مع غيره لما قتل، فصار كفّه عن ذلك مع (2) غيره من أدلّ الدلائل على أنّهم صدقوا عليه ما نسب إليه من الأحداث، و أنّهم لم يقبلوا ما جعله عذرا، و لا يشكّ من نظر في أخبار الجانبين في أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يكن كارها لما وقع في أمر عثمان.
فقد
- رَوَى السَّيِّدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الشَّافِي (3)، عَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ الصَّلْتِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيّاً (عليه السلام) عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حِينَ قُتِلَ عُثْمَانُ وَ هُوَ يَقُولُ: مَا أَحْبَبْتُ قَتْلَهُ وَ لَا كَرِهْتُهُ، وَ لَا أَمَرْتُ بِهِ وَ لَا نَهَيْتُ عَنْهُ (4).
- و قد (5) رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَفَّانَ، عَنْ حَرِيرِ (6) بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ أَبِي جَلْدَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيّاً (عليه السلام) يَقُولُ- وَ هُوَ يَخْطُبُ فَذَكَرَ عُثْمَانَ: وَ قَالَ-: وَ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا قَتَلْتُهُ (7) وَ لَا مَالَأْتُ (8) عَلَى قَتْلِهِ، وَ لَا سَاءَنِي (9).
____________
(1) كما ذكره السيّد في الشافي 4- 230، و ابن أبي الحديد في شرح النهج 2- 128 [1- 158].
(2) في (ك) نسخة بدل: من، بدلا من: مع.
(3) الشّافي 4- 307- 308.
(4) و أورده البلاذريّ في الأنساب 5- 101.
(5) كما في الشافي 4- 308.
(6) و في المصدر: جوين، و في (ك): جرير.
(7) في (س): قتله.
(8) قال في النّهاية 4- 353: و منه حديث عليّ .. و لا مالأت .. أي ما ساعدت و لا عاونت، و نظيره في مجمع البحرين 1- 397- 399.
(9) في مطبوع البحار: ساءتي. و أوردها البلاذريّ في الأنساب 5- 98 عن أبي حادة.
165
- وَ رَوَاهُ أَبُو بَشِيرٍ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيّاً (عليه السلام) يَقُولُ: مَنْ كَانَ سَائِلِي عَنْ دَمِ عُثْمَانَ فَإِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُ وَ أَنَا مَعَهُ.
- وَ قَدْ رُوِيَ هَذَا اللَّفْظُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، وَ قَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الضُّبَعِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ أَبِي أَخْبَرَنِي أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيّاً (عليه السلام) يَقُولُ: أَلَا مَنْ كَانَ سَائِلِي عَنْ دَمِ عُثْمَانَ فَإِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُ وَ أَنَا مَعَهُ. قَالَ (1): صَدَقَ أَبُوكَ، هَلْ تَدْرِي مَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ؟ إِنَّمَا عَنَى أَنَّ اللَّهَ قَتَلَهُ وَ أَنَا مَعَ اللَّهِ (2).
قال السيّد (3) (رحمه اللّه) (4): فإن قيل: كيف يصحّ الجمع بين معاني هذه الأخبار؟.
قلنا: لا تنافي بين الجميع، لأنّه تبرأ من مباشرة قتله و المؤازرة عليه، ثم قال: ما أمرت بذلك و لا نهيت عنه .. يريد أنّ قاتليه لم يرجعوا إليّ و لم يكن منّي قول في ذلك بأمر (5) و لا نهي، فأمّا قوله: اللّه قتله و أنا معه، فيجوز أن يكون المراد اللّه حكم بقتله و أوجبه و أنا كذلك، لأنّ من المعلوم أنّ اللّه لم يقتله على الحقيقة، فإضافة القتل إلى اللّه لا يكون (6) إلّا بمعنى الحكم و الرضا، و ليس يمتنع (7) أن يكون ممّا حكم اللّه به ما لم يتولّه بنفسه، و لا آزر عليه، و لا شايع فيه.
فإن قال: هذا ينافي قوله (عليه السلام) (8): ما أحببت قتله و لا كرهته ..
و كيف يكون من حكم اللّه و (9) حكمه أن يقتل و هو لا يحبّ قتله؟.
____________
(1) في المصدر: فقال.
(2) و قد تعرّض لها مسهبا شيخنا الأمينيّ في الغدير 9- 69- 77 و 315 و 375، فراجع.
(3) في الشافي 4- 308- 309.
(4) في (س): ره عنه، و خطّ على: عنه، في (ك)، و هو الظاهر. و لعلّها: رضي اللّه عنه.
(5) لا توجد في المصدر: بأمر.
(6) في الشافي: لا تكون.
(7) في المصدر: يمنع.
(8) جاءت في الشافي: ما روي عنه، بدلا من: قوله (عليه السلام).
(9) زيادة: في، جاءت في المصدر.
166
قلنا: يجوز أن يريد بقوله ما أحببت قتله و لا كرهته .. أنّ ذلك لم يكن منّي على سبيل التفصيل و لا خطر لي ببال، و إن كان على سبيل الجملة يحبّ (1) قتل من غلب على أمور المسلمين، و طالبوه بأن يعتزل (2)، لأنّه بغير حقّ مستول عليهم فامتنع من ذلك، و يكون فائدة هذا الكلام التبرّؤ من مباشرة قتله و الأمر به على سبيل التفصيل (3) أو النهي، و يجوز أن يريد: أنّني ما أحببت قتله إن كانوا تعمّدوا القتل و لم يقع على سبيل الممانعة و هو غير مقصود، و يريد بقوله: ما كرهته .. إنّي لم أكرهه على كلّ حال و من كلّ وجه. انتهى.
و أقول: يمكن أن يكون المعنى: إنّي ما أحببت قتله لتضمّنه الفتن العظيمة الّتي نشأت بعد قتله من ارتداد آلاف من المسلمين و قتلهم و عدم استقرار الخلافة عليه (صلوات اللّه عليه)، و لا كرهته (4) لأنّه كان كافرا مستحقّا للقتل، فلا تنافي بين الأمرين.
و أمّا تركه غير مدفون ثلاثة أيّام:
فقد رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْإِسْتِيعَابِ (5)، قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ أُلْقِيَ عَلَى الْمَزْبَلَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلِ (6) أَتَاهُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فِيهِمْ حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى وَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ (7) وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ حَاطِبٍ (8) وَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَلَمَّا سَارُوا إِلَى الْمَقْبَرَةِ لِيَدْفِنُوهُ (9) نَادَاهُمْ قَوْمٌ مِنْ بَنِي مَازِنٍ: وَ اللَّهِ لَئِنْ دَفَنْتُمُوهُ
____________
(1) في الشافي: يجب.
(2) في المصدر: بأن يعزل.
(3) جاء في الشافي: التفضيل. و هو خلاف الظاهر.
(4) لا توجد في (س): و لا كرهته.
(5) الاستيعاب- المطبوع هامش الإصابة- 3- 80.
(6) في المصدر: من اللّيل.
(7) لعلّه يقرأ: خرام- بالخاء المعجمة-.
(8) في الاستيعاب: و جدّي، بدلا من: و محمّد بن حاطب و مروان بن حكم. و فيه: فاحتملوه.
(9) في (س): ليدفنوهم.
167
هَاهُنَا لَنُخْبِرَنَّ النَّاسَ غَداً، فَاحْتَمَلُوهُ- وَ كَانَ عَلَى بَابٍ وَ أَنَّ رَأْسَهُ عَلَى الْبَابِ لَيَقُولُ طق طق- حَتَّى سَارُوا بِهِ إِلَى حُشِ (1) كَوْكَبٍ فَاحْتَفَرُوا لَهُ، وَ كَانَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ عُثْمَانَ مَعَهَا مِصْبَاحٌ فِي حُقٍ (2)، فَلَمَّا أَخْرَجُوهُ لِيَدْفِنُوهُ صَاحَتْ، فَقَالَ لَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ:
وَ اللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَسْكُتِي لَأَضْرِبَنَّ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاكِ. قَالَ: فَسَكَتَتْ، فَدُفِنَ.
وَ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (3)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، قَالَ:: بَقِيَ عُثْمَانُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يُدْفَنُ، ثُمَّ إِنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ وَ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ كَلَّمَا عَلِيّاً (عليه السلام) فِي أَنْ يَأْذَنَ فِي دَفْنِهِ فَفَعَلَ، فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ بِذَلِكَ قَعَدَ لَهُ قَوْمٌ فِي الطَّرِيقِ بِالْحِجَارَةِ، وَ خَرَجَ بِهِ نَاسٌ يَسِيرٌ مِنْ أَهْلِهِ، وَ مَعَهُمُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (ع) وَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَ أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَ الْعِشَاءِ، فَأَتَوْا بِهِ حَائِطاً مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ، يُعْرَفُ بِ: حُشِّ كَوْكَبٍ، وَ هُوَ خَارِجَ الْبَقِيعِ، فَصَلَّوْا عَلَيْهِ، وَ جَاءَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لِيَمْنَعُوا مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ عَلِيٌّ (عليه السلام) فَمَنَعَ مِنْ رَجْمِ سَرِيرِهِ، وَ كَفَّ الَّذِينَ رَامُوا مَنْعَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَ دُفِنَ فِي حُشِّ كَوْكَبٍ، فَلَمَّا ظَهَرَ مُعَاوِيَةُ عَلَى الْإِمْرَةِ (4) أَمَرَ بِذَلِكَ الْحَائِطِ فَهُدِمَ وَ أُدْخِلَ فِي الْبَقِيعِ، وَ أَمَرَ النَّاسَ فَدَفَنُوا (5) مَوْتَاهُمْ حَوْلَ قَبْرِهِ حَتَّى اتَّصَلَ بِمَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ بِالْبَقِيعِ.
وَ قِيلَ: إِنَّ عُثْمَانَ لَمْ يُغَسَّلْ، وَ إِنَّهُ كُفِّنَ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا (6).
____________
(1) جاء في حاشية (ك): و الحشّ و الحشّ أيضا: المخرج، لأنّهم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين.
صحاح. و منه حديث عثمان أنّه دفن في حشّ كوكب، هو بستان بظاهر المدينة خارج البقيع، و فيه أنّ عثمان دفن بحشّ كوكب، اسم رجل أضيف إليه الحشّ، و هو البستان. نهاية.
انظر: الصّحاح 3- 1001.
و انظر أيضا: النّهاية 1- 390، و 4- 290.
(2) في الاستيعاب: في جرّة.
(3) شرح النّهج لابن أبي الحديد 2- 158 باختلاف كثير.
(4) في المصدر: على الأمر.
(5) في شرح النّهج: أن يدفنوا.
(6) إلى هنا انتهى كلام ابن أبي الحديد في شرح النّهج.
168
وَ قَدْ رَوَى ذَلِكَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْكَامِلِ (1) وَ الْأَعْثَمُ الْكُوفِيُّ فِي الْفُتُوحِ (2) مُطَابِقاً لِمَا حَكَاهُ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ، وَ زَادَ (3) الْأَعْثَمُ: إِنَّهُمْ دَفَنُوهُ بَعْدَ مَا ذَهَبَ الْكِلَابُ بِإِحْدَى رِجْلَيْهِ، وَ قَالَ: صَلَّى عَلَيْهِ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ أَوْ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ (4).
و لا يخفى على ذي مسكة من العقل دلالته على أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان راضيا بكونه مطروحا ثلاثة أيّام على المزبلة، بل على أنّه لم يأذن في دفنه إلّا بعد الأيّام الثلاثة، فلو كان أمير المؤمنين (عليه السلام) معتقدا لصحّة إمامته، بل لو كان يراه كأحد من المسلمين و من عرض (5) الناس لما رضي بذلك بل كان يعجّل في تجهيزه و دفنه، و يأمر بدفنه (6) في مقابر المسلمين حتى لا يلتجئ المجهّزون له إلى دفنه في حشّ كوكب.
و الحشّ هو المخرج (7)، و كان ذلك الموضع بستانا كان الناس يقضون الحوائج فيه كما هو دأبهم في قضاء الحاجة في البساتين، و كوكب اسم رجل من الأنصار، كما ذكره في الإستيعاب (8).
و الإمام الّذي رضي له أمير المؤمنين (عليه السلام) بمثل تلك الحال فحاله غير خفيّ على أولي الألباب، و لا ريب في أنّه لو لم يكن (عليه السلام) راضيا بقتله لجاهد قاتليه، فإنّه ليس في المنكرات أشنع و أقبح من قتل إمام فرض اللّه طاعته على
____________
(1) الكامل 3- 91.
(2) تاريخ ابن أعثم (الفتوح) 1- 430. و لا توجد في (س): و الأعثم الكوفيّ في الفتوح.
(3) نقل ابن الأعثم إلى هنا بالمعنى و بتصرّف.
(4) و قد تعرّض العلّامة الأمينيّ في الغدير 9- 208- 217 لتجهيزه و دفنه، و ذيّله بما هو حريّ بالملاحظة.
(5) في (س): عوض. قال في القاموس 2- 335: و هو من عرض الناس .. من العامّة.
(6) في (س): دفنه- بلا حرف جر-.
(7) كما في الصحاح 3- 1001، و قال في النهاية 1- 390: و فيه: أنّ هذه الحشوش محتضرة .. يعني الكنف و مواضع قضاء الحاجة، الواحد حشّ- بالفتح- و أصله من الحشّ: البستان، لأنّهم كانوا كثيرا ما يتغوّطون في البساتين.
(8) الاستيعاب 3- 81. و جاء في النهاية 4- 290.
169
العالمين و (1) حكم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) بأنّ من مات و لم يعرفه كان ميتته ميتة جاهليّة، و قد صرّح (عليه السلام) في كثير من كلماته بأنّه لم ينه عن قتله و لم ينصره، و أنّه كان في عزلة عن أمره (2) كما سيأتي، و هل يريب اللبيب في أنّه (عليه السلام) لو كان نصره أو أنكر قتله لبالغ في إظهار ذلك للناس و في مكاتباته إلى معاوية، فإنّه لم يكن لمعانديه (عليه السلام) شبهة أقوى من اتّهامه بقتل عثمان، و إنّما كان (عليه السلام) يقتصر على التبرّي من قتله لأنّه لم يكن من المباشرين، و ذلك ممّا لا يرتاب فيه من له معرفة بالسير و الآثار، و حينئذ فالكفّ عن نصرة عثمان و الذبّ عنه إمّا مطعن لا مخلص عنه فيمن يدور الحقّ معه حيثما داروا (3) في أعيان الصحابة الكبار حيث لم يدفعوا شرذمة قليلة عن إمامتهم (4) في دار عزّهم حتى قتلوه أهون قتلة، و طرحوه في المزابل، و لم يتمكّن رهطه و عشيرته من دفنه في مقابر المسلمين، أو هو قدح في ذلك الإمام حيث اختلس الخلافة و غصبها من أهلها، و لم يخلع نفسه منها.
فلينظر الناصرون له في أمرهم بعين الإنصاف، و ليتحرّزوا عن اللجاج و الاعتساف!.
الثالث:
أنّه ردّ الحكم بن أبي العاص طريد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد امتنع أبو بكر من ردّه، فصار بذلك مخالفا للسنّة و لسيرة من تقدّمه، و قد شرط عليه في عقد البيعة اتّباع سيرتهما.
____________
(1) في (س): في، بدلا من: الواو.
(2) في (ك) نسخة بدل: من أمره.
(3) كذا، و الصحيح: دار.
(4) كذا، و الظاهر: عن إمامهم.
170
قَالَ السَّيِّدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الشَّافِي (1): رَوَى الْوَاقِدِيُّ مِنْ طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ وَ غَيْرُهُ، أَنَّ الْحَكَمَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ أَخْرَجَهُ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) إِلَى الطَّائِفِ، وَ قَالَ: لَا يُسَاكِنُنِي (2) فِي بَلَدٍ أَبَداً، فَجَاءَهُ عُثْمَانُ فَكَلَّمَهُ فَأَبَى، ثُمَّ كَانَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ مِنْ عُمَرَ مِثْلُ ذَلِكَ، فَلَمَّا قَامَ (3) عُثْمَانُ أَدْخَلَهُ وَ وَصَلَهُ وَ أَكْرَمَهُ، فَمَشَى فِي ذَلِكَ عَلِيٌّ (عليه السلام) وَ الزُّبَيْرُ وَ طَلْحَةُ وَ سَعْدٌ وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ حَتَّى دَخَلُوا عَلَى عُثْمَانَ، فَقَالُوا لَهُ:
إِنَّكَ قَدْ أَدْخَلْتَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ- يَعْنُونَ الْحَكَمَ وَ مَنْ مَعَهُ- وَ قَدْ كَانَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) أَخْرَجَهُمْ (4) وَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ، وَ إِنَّا نُذَكِّرُكَ اللَّهَ وَ الْإِسْلَامَ وَ مَعَادَكَ، فَإِنَّ لَكَ مَعَاداً وَ مُنْقَلَباً، وَ قَدْ أَبَتْ ذَلِكَ الْوُلَاةُ قَبْلَكَ (5) وَ لَمْ يَطْمَعْ أَحَدٌ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ فِيهِمْ (6)، وَ هَذَا شَيْءٌ نَخَافُ اللَّهَ (7) عَلَيْكَ فِيهِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّ قَرَابَتَهُمْ مِنِّي حَيْثُ تَعْلَمُونَ، وَ قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ حَيْثُ كَلَّمْتُهُ أَطْمَعَنِي فِي أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ (8)، وَ إِنَّمَا أَخْرَجَهُمْ لِكَلِمَةٍ (9) بَلَغَتْهُ عَنِ الْحَكَمِ، وَ لَنْ يَضُرَّكُمْ مَكَانَهُمْ شَيْئاً، وَ فِي النَّاسِ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُمْ.
فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): لَا أَجِدُ (10) شَرّاً مِنْهُ وَ لَا مِنْهُمْ، ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): هَلْ تَعْلَمُ (11) عُمَرُ يَقُولُ: وَ اللَّهِ لَيَحْمِلَنَّ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ،
____________
(1) الشّافي 4- 269- 270.
(2) في المصدر: لا تساكنني.
(3) في (س): فلمّا قدم.
(4) في المصدر: أخرجه.
(5) زيادة: من، جاءت في المصدر.
(6) في الشّافي: فيه، بدلا من: فيهم.
(7) جاءت العبارة في المصدر هكذا: و هذا سبب نخاف اللّه تعالى ..
(8) في الشّافي: له.
(9) في (س): كلمة.
(10) جاءت في المصدر: أحد- بالحاء المهملة-.
(11) زيادة: أن، جاءت في الشّافي.
171
وَ (1) وَ اللَّهِ إِنْ فَعَلَ لَيَقْتُلُنَّهُ؟!. قَالَ: فَقَالَ عُثْمَانُ: مَا كَانَ أَحَدٌ مِنْكُمْ (2) يَكُونُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ مِنَ الْقَرَابَةِ مَا (3) بَيْنِي وَ بَيْنَهُ وَ يَنَالُ مِنَ الْقُدْرَةِ (4) مَا أَنَالُ إِلَّا أَدْخَلَهُ، وَ فِي النَّاسِ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ. قَالَ: فَغَضِبَ عَلِيٌّ (عليه السلام)، وَ قَالَ: وَ اللَّهِ لَتَأْتِينَا بِشَرٍّ مِنْ هَذَا إِنْ سَلِمْتَ، وَ سَتَرَى- يَا عُثْمَانُ- غِبَ (5) مَا تَفْعَلُ، ثُمَّ خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ (6).
و ما ادّعاه بعض المتعصّبين (7) من أنّ عثمان اعتذر بأنّه استأذن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في ذلك .. فليس في الكتب منه عين و لا أثر، و هذا الخبر ليس فيه إلّا أنّ الرسول أطمعه في ردّه، ثم صرّح بأنّ رعاية القرابة هي الموجبة لردّه و مخالفته رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
وَ قَالَ السَّيِّدُ (8): وَ قَدْ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ أَنَّ عُثْمَانَ لَمَّا كَلَّمَ أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ فِي رَدِّ الْحَكَمِ أَغْلَظَا لَهُ وَ زَبَرَاهُ، وَ قَالَ لَهُ عُمَرُ: يُخْرِجُهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ تَأْمُرُنِي أَنْ أُدْخِلَهُ؟! وَ اللَّهِ لَوْ أَدْخَلْتُهُ لَمْ آمَنْ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ غَيَّرَ عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ اللَّهِ لَئِنْ أُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ كَمَا تُشَقُّ الْأُبْلُمَةُ (9) أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُخَالِفَ
____________
(1) لا توجد الواو في المصدر.
(2) في الشّافي: منكم أحد- بتقديم و تأخير-.
(3) في (س): بما.
(4) جاءت في المصدر: المقدرة.
(5) غبّ ما تفعل: أي عاقبته و آخره.
(6) إلى هنا كلام السّيّد المرتضى أعلى اللّه مقامه في الشّافي.
(7) كالبلاذري في الأنساب 5- 27، و محبّ الدين الطبريّ في الرياض النضرة 2- 143، و اليافعي في مرآة الجنان 1- 85، و ابن حجر في الصواعق: 68، و الحلبيّ في السيرة 2- 86. و قد ذكرهم العلّامة الأميني- (رحمه اللّه)- في الغدير 8- 257 و ناقشهم بما يغني عن تكراره.
(8) الشّافي 4- 270- 271.
(9) في المصدر: كما تنشقّ الأبلمة. و هو مثل يضرب في المساواة، أي لو أشقّ شقّين.
أقول: و الإبلم و الأبلم و الأبلم و الإبلمة و الأبلمة كلّ ذلك الخوصة، قاله في لسان العرب 12- 53. يقال: المال بيننا و الأمر بيننا شقّ الإبلمة ... و ذلك لأنّهما تؤخذ فتشقّ طولا على السّواء، و في حديث السّقيفة: الأمر بيننا و بينكم كقدّ الأبلمة- بضمّ الهمزة و اللّام و فتحهما و كسرهما- أي خوصة المقل.
172
رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَمْراً!!، وَ إِيَّاكَ- يَا ابْنَ عَفَّانَ- أَنْ تُعَاوِدَنِي فِيهِ بَعْدَ الْيَوْمِ.
وَ مَا رَأَيْنَا عُثْمَانَ قَالَ فِي جَوَابِ هَذَا التَّعْنِيفِ وَ التَّوْبِيخِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ، إِنَّ عِنْدِي عَهْداً مِنَ الرَّسُولِ (صلّى اللّه عليه و آله) (1) لَا (2) أَسْتَحِقُّ مَعَهُ عِتَاباً وَ لَا تَهْجِيناً، وَ كَيْفَ تَطِيبُ نَفْسُ مُسْلِمٍ مُوَقِّرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مُعَظِّمٍ لَهُ بِأَنْ يَأْتِيَ إِلَى عَدُوٍّ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يُصَرِّحُ (3) بِعَدَاوَتِهِ وَ الْوَقِيعَةِ فِيهِ حَتَّى يَبْلُغَ (4) بِهِ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ كَانَ يَحْكِي مِشْيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ص فَطَرَدَهُ (5) وَ أَبْعَدَهُ وَ لَعَنَهُ حَتَّى صَارَ مَشْهُوراً بِأَنَّهُ طَرِيدُ رَسُولِ اللَّهِ ص ، فَيُكْرِمُهُ (6) وَ يَرُدُّهُ إِلَى حَيْثُ أُخْرِجَ مِنْهُ، وَ يَصِلُهُ بِالْمَالِ الْعَظِيمِ (7) إِمَّا مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ مَالِهِ، إِنَّ هَذَا لَعَظِيمٌ كَبِيرٌ؟!.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْإِسْتِيعَابِ (8): الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ .. عَمُّ عُثْمَانَ (9) وَ أَبُو مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، كَانَ مِنْ مُسَلَّمَةِ الْفَتْحِ، وَ أَخْرَجَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنَ الْمَدِينَةِ وَ طَرَدَهُ عَنْهَا فَنَزَلَ الطَّائِفَ، وَ خَرَجَ مَعَهُ ابْنُهُ مَرْوَانُ.
، وَ قِيلَ: إِنَّ مَرْوَانَ وُلِدَ بِالطَّائِفِ فَلَمْ يَزَلِ الْحَكَمُ بِالطَّائِفِ إِلَى أَنْ وُلِّيَ عُثْمَانُ فَرَدَّهُ (10) إِلَى الْمَدِينَةِ وَ بَقِيَ فِيهَا، وَ تُوُفِّيَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ (11).
وَ اخْتُلِفَ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِنَفْيِ الرَّسُولِ (12) (صلّى اللّه عليه و آله) إِيَّاهُ،
____________
(1) زيادة: فيه، جاءت في المصدر.
(2) في (ك): ألا.
(3) في الشّافي: مصرح.
(4) في المصدر: بلغ.
(5) جاءت العبارة في الشّافي هكذا: يحكي مشيته، فطرده رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)- بتقديم و تأخير-.
(6) خ. ل: و يكرمه. و في المصدر: فيؤويه و يكرمه.
(7) زيادة: و يصله، جاءت في الشّافي.
(8) الاستيعاب- المطبوع بهامش الإصابة 1- 317- 318.
(9) زيادة: ابن عفّان، جاءت في المصدر.
(10) زيادة: عثمان، في المصدر.
(11) و في المصدر زيادة: قبل القيام على عثمان بأشهر فيما أحسب.
(12) في الاستيعاب: رسول اللّه.
173
فَقِيلَ: كَانَ يَتَحَيَّلُ وَ يَخْتَفِي (1) وَ يَتَسَمَّعُ مَا يَسُرُّهُ رَسُولُ اللَّهِ (2) (صلّى اللّه عليه و آله) إِلَى كَبَائِرِ أَصْحَابِهِ فِي مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وَ سَائِرِ الْكُفَّارِ وَ فِي (3) الْمُنَافِقِينَ، فَكَانَ (4) يُغَشِّي (5) ذَلِكَ عَنْهُ حَتَّى ظَهَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَ كَانَ يَحْكِيهِ فِي مِشْيَتِهِ وَ بَعْضِ حَرَكَاتِهِ ..
إِلَى أُمُورٍ غَيْرِهَا كَرِهْتُ ذِكْرَهَا.،
ذَكَرُوا أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) كَانَ إِذَا يَمْشِي (6) يَتَكَفَّأُ وَ كَانَ الْحَكَمُ (7) يَحْكِيهِ، فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) يَوْماً فَرَآهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَقَالَ (صلّى اللّه عليه و آله): فَكَذَلِكَ فَلْتَكُنْ، فَكَانَ الْحَكَمُ مُخْتَلِجاً يَرْتَعِشُ مِنْ يَوْمَئِذٍ (8)..
ثم روى أخبارا في لعنه (9).
____________
(1) في المصدر: و يستخفي.
(2) لا توجد: رسول اللّه، في المصدر.
(3) لا توجد: في، في المصدر.
(4) في (ك): و كان.
(5) في (س): يفشي.
(6) جاءت في المصدر: مشى. و هو الظّاهر.
(7) زيادة: بن أبي العاص، جاءت في الاستيعاب.
(8) قاله ابن هشام في السّيرة النّبويّة 2- 25، و جاء في السّيرة الحلبيّة 1- 337، و الإصابة 1- 345 346، و تاج العروس 6- 35، و الفائق للزّمخشريّ 2- 305 و غيرهم. و ما ذكر هنا مقارب أيضا لما صرّح به البلاذريّ في الأنساب 5- 27، فلاحظ.
(9) لقد وردت جملة من روايات لعنه- لعنه اللّه- على لسان الصادق الأمين- (صلوات اللّه عليه و آله)-، منها: ما ذكره ابن حجر في تطهير الجنان- هامش الصواعق المحرقة-: 104، و ما ذكره البلاذري في الأنساب 5- 126، و الحاكم في المستدرك 4- 481 و صحّحه الواقدي، كما في السيرة الحلبيّة و ذكروا جملة روايات هناك. و قد ذكر الهندي في كنز العمّال 6- 39، 90 رواية حريّة بالملاحظة تركنا نقلها خوفا من الإطالة.
و انظر: تفسير القرطبيّ 16- 197، و تفسير الزمخشري 3- 99، و الفائق له 2- 325، و تفسير ابن كثير 4- 159، و تفسير الرازيّ 7- 491، و أسد الغابة لابن الأثير 2- 34، و نهاية ابن الأثير 3- 23، و شرح ابن أبي الحديد 2- 55، و إرشاد الساري 7- 325، و الدرّ المنثور 6- 41، 191، و تفسير الآلوسي 15- 107 و 26- 20 و 29- 28، و عشرات المصادر الأخر مرّ بعضها. و حسبه ما أورده المفسّرون ذيل الآية العاشرة من سورة القلم، و انظر بحث العلّامة الأميني في الغدير حول:
بنو أميّة في القرآن 8- 248- 250 فقد أشبع البحث تحقيقا و مصدرا.
174
و أمّا التمسّك بالاجتهاد في هذا الباب فهو أوهن و أهجن لأنّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) إذا حظر شيئا أو أباحه لم يكن لأحد أن يجتهد في خلافه، و لو سوّغنا الاجتهاد (1) في مقابل النصّ لم نأمن أن يؤدّي الاجتهاد إلى تحليل الخمر و إسقاط الصلاة، و إنّما يجوز الاجتهاد عندهم فيما لا نصّ فيه كما ذكره السيد (2) (رحمه اللّه).
- و قد ورد في أخبارنا إيواء عثمان المغيرة بن أبي العاص، و قد نهى الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) عن ذلك و لعن من يحمله و من يطعمه و من يسقيه و أهدر دمه ..
و فعل جميع ذلك، و قتل رقيّة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و زنا بجاريتها (3)، و قد مرّت في باب أحوالها (4) (عليها السلام).
الرابع:
ما صنع بأبي ذرّ رضي اللّه عنه من الإهانة و الضرب و الاستخفاف و التسيير مع علوّ شأنه الذي لا يخفى على أحد.
فَقَدْ رَوَى السَّيِّدُ (رحمه اللّه) فِي الشَّافِي (5) وَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ فِي شَرْحِ النَّهْجِ (6)- وَ اللَّفْظُ لِلسَّيِّدِ-: إِنَّ عُثْمَانَ لَمَّا أَعْطَى مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ مَا أَعْطَاهُ، وَ أَعْطَى الْحَارِثَ بْنَ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَ أَعْطَى زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، جَعَلَ أَبُو ذَرٍّ يَقُولُ: بَشِّرِ الْكَافِرِينَ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، وَ يَتْلُو قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ (7): (وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ
____________
(1) من قوله: في هذا الباب .. إلى هنا لا توجد في (س).
(2) الشافي 4- 272.
(3) و قد أوردها في الكافي 3- 251- 253 [1- 64 و 66 و 69- 70 حديث 8]، و الاحتجاج 1- 94- 96 حديث 156، و المسائل السروية للشيخ المفيد: 62- 64، و بحار الأنوار 22- 162.
(4) بحار الأنوار 22- 158، 163، 202.
(5) الشّافي 4- 293- 297.
(6) شرح النّهج لابن أبي الحديد 3- 54- 57 [1- 240- 242].
(7) في المصدر: تعالى، بدلا من: عزّ و جلّ.
175
بِعَذابٍ أَلِيمٍ) (1)، فَرَفَعَ ذَلِكَ مَرْوَانُ إِلَى عُثْمَانَ (2)، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ نَائِلًا مَوْلَاهُ:
أَنِ انْتَهِ عَمَّا يَبْلُغُنِي عَنْكَ، فَقَالَ: أَ يَنْهَانِي عُثْمَانُ عَنْ قِرَاءَةِ كِتَابِ اللَّهِ (3)، وَ عَيْبِ مَنْ تَرَكَ أَمْرَ اللَّهِ، فَوَ اللَّهِ لَأَنْ أُرْضِيَ اللَّهَ بِسَخَطِ عُثْمَانَ أَحَبُّ إِلَيَّ وَ خَيْرٌ لِي مِنْ أَنْ أُرْضِيَ عُثْمَانَ بِسَخَطِ اللَّهِ! فَأَغْضَبَ عُثْمَانَ ذَلِكَ، فَأَحْفَظَهُ وَ تَصَابَرَ (4)، وَ قَالَ عُثْمَانُ يَوْماً:
أَ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْمَالِ (5) فَإِذَا أَيْسَرَ قَضَاهُ؟!. فَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، فَقَالَ (6) أَبُو ذَرٍّ: يَا ابْنَ الْيَهُودِيَّيْنِ، أَ تُعَلِّمُنَا دِينَنَا؟!. فَقَالَ عُثْمَانُ: قَدْ كَثُرَ أَذَاكَ لِي وَ تَوَلُّعُكَ بِأَصْحَابِي، الْحَقْ بِالشَّامِ، فَأَخْرَجَهُ إِلَيْهَا، فَكَانَ(7) أَبُو ذَرٍّ يُنْكِرُ عَلَى مُعَاوِيَةَ أَشْيَاءَ يَفْعَلُهَا، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: إِنْ كَانَتْ مِنْ عَطَائِيَ الَّذِي حَرَّمْتُمُونِيهِ عَامِي هَذَا قَبِلْتُهَا، وَ إِنْ كَانَتْ صِلَةً فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهَا، وَ رَدَّهَا عَلَيْهِ.
وَ بَنَى مُعَاوِيَةُ الْخَضْرَاءَ بِدِمَشْقَ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا مُعَاوِيَةُ! إِنْ كَانَتْ هَذِهِ مِنْ مَالِ اللَّهِ فَهِيَ الْخِيَانَةُ، وَ إِنْ كَانَتْ (8) مِنْ مَالِكَ فَهُوَ الْإِسْرَافُ، وَ كَانَ أَبُو ذَرٍّ (رحمه اللّه) تَعَالَى يَقُولُ: وَ اللَّهِ لَقَدْ حَدَثَتْ أَعْمَالٌ مَا أَعْرِفُهَا، وَ اللَّهِ مَا هِيَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ لَا فِي (9) سُنَّةِ نَبِيِّهِ ص ، وَ اللَّهِ إِنِّي لَأَرَى حَقّاً يُطْفَأُ، وَ بَاطِلًا يُحْيَى، وَ صَادِقاً مُكَذَّباً،
____________
(1) التّوبة: 34.
(2) زيادة: مرارا، جاءت في (ك).
(3) في المصدر زيادة: تعالى.
(4) في الشّافي: فتصابر.
(5) جاء في حاشية (ك): شيئا قرضا. ابن أبي الحديد، أي في نسخته. أقول: قد تقدّم من المصنّف (رحمه اللّه) أنّ اللّفظ للسّيّد.
(6) في الشّافي: فقال له.
(7) في المصدر: و كان.
(8) جاءت في الشّافي: كان- بلا تاء-.
(9) لا توجد: في، في المصدر.
176
وَ أَثَرَةً بِغَيْرِ تُقًى، وَ صَالِحاً مُسْتَأْثَراً عَلَيْهِ. وَ قَالَ (1) حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيُ (2) لِمُعَاوِيَةَ: إِنَّ أَبَا ذَرٍّ لَمُفْسِدٌ عَلَيْكُمُ الشَّامَ فَتَدَارَكْ أَهْلَهُ إِنْ كَانَتْ لَكُمْ فِيهِ حَاجَةٌ، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عُثْمَانَ فِيهِ، فَكَتَبَ عُثْمَانُ إِلَى مُعَاوِيَةَ: أَمَّا بَعْدُ، فَاحْمِلْ جُنَيْدِباً (3) إِلَيَّ عَلَى أَغْلَظِ مَرْكَبٍ وَ أَوْعَرِهِ (4)، فَوَجَّهَ بِهِ مَعَ مَنْ سَارَ بِهِ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ، وَ حَمَلَهُ (5) عَلَى شَارِفٍ (6) لَيْسَ عَلَيْهَا إِلَّا قَتَبٌ (7)، حَتَّى قَدِمَ بِهِ (8) الْمَدِينَةَ، وَ قَدْ سَقَطَ لَحْمُ فَخِذَيْهِ مِنَ الْجَهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ أَبُو ذَرٍّ الْمَدِينَةَ، بَعَثَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ أَنِ (9) الْحَقْ بِأَيِّ أَرْضٍ شِئْتَ، فَقَالَ: بِمَكَّةَ؟. قَالَ: لَا. قَالَ: فَبَيْتِ الْمَقْدِسِ؟. قَالَ: لَا. قَالَ: فَبِأَحَدِ الْمِصْرَيْنِ (10)؟. قَالَ: لَا، وَ لَكِنِّي مُسَيِّرُكَ إِلَى الرَّبَذَةِ .. فَسَيَّرَهُ إِلَيْهَا، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ.
وَ فِي رِوَايَةِ الْوَاقِدِيِ: أَنَّ أَبَا ذَرٍّ لَمَّا دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ قَالَ لَهُ: لَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِكَ عَيْناً يَا جُنْدَبُ (11). فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: أَنَا جُنْدَبٌ وَ سَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): عَبْدَ اللَّهِ، فَاخْتَرْتُ اسْمَ رَسُولِ اللَّهِ الَّذِي سَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ (12) بِهِ عَلَى اسْمِي. فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: أَنْتَ (13) الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّا نَقُولُ إِنَّ يَدَ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، وَ إِنَّ اللَّهَ
____________
(1) في المصدر: فقال.
(2) في المطبوع من البحار: القهري.
(3) في الشّافي: جندبا.
(4) قال ابن الأثير في النّهاية 5- 206: على جبل وعر .. أي غليظ حزن يصعب الصّعود إليه.
(5) في المصدر: و حمل.
(6) قال الفيروزآباديّ في القاموس 3- 157: الشّارف من النّوق: المسنّة الهرمة.
(7) القتب- بالتّحريك-: رحل البعير صغير على قدر السّنام، قاله في مجمع البحرين 2- 139.
(8) لا توجد في المصدر: به.
(9) في الشّافي: بأن.
(10) المصران: هما الكوفة و البصرة، ذكره الطّريحيّ في مجمع البحرين 3- 482.
(11) في المصدر: لا أنعم اللّه عينا يا جنيدب.
(12) لا توجد في المصدر: رسول اللّه. و فيه: الّذي سمّاني به على اسمي.
(13) في (س): أنّك.
177
فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ؟!. فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: لَوْ كُنْتُمْ (1) لَا تَزْعُمُونَ، لَأَنْفَقْتُمْ مَالَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَ لَكِنِّي أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يَقُولُ: إِذَا بَلَغَ بَنُو أَبِي الْعَاصِ ثَلَاثِينَ رَجُلًا جَعَلُوا مَالَ اللَّهِ دُوَلًا، وَ عِبَادَ اللَّهِ خَوَلًا (2)، وَ دِينَ اللَّهِ دَخَلًا، ثُمَّ يُرِيحُ اللَّهُ الْعِبَادَ مِنْهُمْ. فَقَالَ عُثْمَانُ لِمَنْ حَضَرَهُ: أَ سَمِعْتُمُوهَا مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ص ؟!. فَقَالُوا: مَا سَمِعْنَاهُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: وَيْلَكَ يَا أَبَا ذَرٍّ! أَ تَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ؟!. فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ لِمَنْ حَضَرَهُ: أَ مَا تَظُنُّونَ أَنِّي صَدَقْتُ؟!. فَقَالُوا: لَا، وَ اللَّهِ مَا نَدْرِي (3). فَقَالَ عُثْمَانُ: ادْعُوا لِي عَلِيّاً، فَدُعِيَ (4)، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ عُثْمَانُ لِأَبِي ذَرٍّ:
اقْصُصْ عَلَيْهِ حَدِيثَكَ فِي بَنِي أَبِي الْعَاصِ، فَحَدَّثَهُ، فَقَالَ عُثْمَانُ لِعَلِيٍّ (عليه السلام): هَلْ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟. فَقَالَ (عليه السلام): لَا، وَ صَدَقَ أَبُو ذَرٍّ، فَقَالَ (5): كَيْفَ عَرَفْتَ صِدْقَهُ؟. فَقَالَ (6): لِأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يَقُولُ: مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ وَ لَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ مِنْ ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ، فَقَالَ مَنْ حَضَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) جَمِيعاً: لَقَدْ (7) صَدَقَ أَبُو ذَرٍّ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: أُحَدِّثُكُمْ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا (8) مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) ثُمَّ تَتَّهِمُونِي؟! مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي أَعِيشُ حَتَّى أَسْمَعَ هَذَا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)!.
وَ رَوَى الْوَاقِدِيُّ فِي خَبَرٍ آخَرَ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ صَهْبَانَ مَوْلَى الْأَسْلَمِيِّينَ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ يَوْمَ دُخِلَ بِهِ عَلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي فَعَلْتَ .. وَ فَعَلْتَ؟!.
____________
(1) في المصدر: و لو كنتم.
(2) خولا .. أي خدما و عبيدا، قاله ابن الأثير في النّهاية 2- 88 بعد ذكر الحديث.
(3) لا توجد في المصدر المطبوع عبارة: فقالوا: لا و اللّه ما ندري.
(4) لا توجد: فدعي، في الشّافي.
(5) في المصدر: و قد صدق أبو ذرّ، فقال عثمان.
(6) في الشّافي: قال- بلا فاء-.
(7) لا توجد: لقد، في المصدر.
(8) في الشّافي: سمعته هذا.
178
فَقَالَ لَهُ أَبُو ذَرٍّ (1): قَدْ نَصَحْتُكَ فَاسْتَغْشَشْتَنِي وَ نَصَحْتُ صَاحِبَكَ فَاسْتَغَشَّنِي. فَقَالَ عُثْمَانُ: كَذَبْتَ، وَ لَكِنَّكَ تُرِيدُ الْفِتْنَةَ وَ تُحِبُّهَا، قَدْ (2) قَلَبْتَ الشَّامَ عَلَيْنَا. فَقَالَ لَهُ أَبُو ذَرٍّ: اتَّبِعْ سُنَّةَ صَاحِبَيْكَ، لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ عَلَيْكَ كَلَامٌ. فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا لَكَ وَ لِذَلِكَ لَا أُمَّ لَكَ!. فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: وَ اللَّهِ مَا وَجَدْتُ لِي عُذْراً إِلَّا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَغَضِبَ عُثْمَانُ وَ قَالَ: أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي هَذَا الشَّيْخِ الْكَذَّابِ!، إِمَّا أَنْ أَضْرِبَهُ أَوْ أَحْبِسَهُ أَوْ أَقْتُلَهُ، فَإِنَّهُ قَدْ فَرَّقَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ أَنْفِيَهُ مِنَ الْأَرْضِ، فَتَكَلَّمَ عَلِيٌّ (عليه السلام)- وَ كَانَ حَاضِراً-، فَقَالَ: أُشِيرُ عَلَيْكَ بِمَا قَالَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ: (وَ إِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَ إِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) (3)، فَأَجَابَهُ عُثْمَانُ بِجَوَابٍ غَلِيظٍ لَمْ أُحِبَّ أَنْ أَذْكُرَهُ، وَ أَجَابَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام) بِمِثْلِهِ.
ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ حَظَرَ عَلَى النَّاسِ أَنْ (4) يُقَاعِدُوا أَبَا ذَرٍّ وَ يُكَلِّمُوهُ، فَمَكَثَ كَذَلِكَ أَيَّاماً، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُؤْتَى بِهِ، فَلَمَّا أُتِيَ بِهِ وَ (5) وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: وَيْحَكَ يَا عُثْمَانُ! أَ مَا رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) وَ رَأَيْتَ أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ!، هَلْ رَأَيْتَ هَذَا هَدْيَهُمْ، إِنَّكَ لَتَبْطِشُ فِيَ (6) بَطْشَ جَبَّارٍ!. فَقَالَ: اخْرُجْ عَنَّا مِنْ بِلَادِنَا. فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَمَا أَبْغَضَ إِلَيَّ جِوَارَكَ! فَإِلَى (7) أَيْنَ أَخْرُجُ؟. قَالَ: حَيْثُ شِئْتَ. قَالَ:
فَأَخْرُجُ إِلَى الشَّامِ أَرْضِ الْجِهَادِ. فَقَالَ: إِنَّمَا جَلَبْتُكَ مِنَ الشَّامِ لِمَا قَدْ أَفْسَدْتَهَا، أَ فَأَرُدُّكَ إِلَيْهَا؟!. قَالَ: إِذَنْ أَخْرُجُ (8) إِلَى الْعِرَاقِ .. قَالَ: لَا. قَالَ: وَ لِمَ؟. قَالَ:
____________
(1) في المصدر: قال أبو ذرّ.
(2) في (ك): و قد.
(3) الغافر: 28.
(4) لا توجد في المصدر: أن.
(5) في الشّافي: وقف- بلا واو-.
(6) في المصدر: إنّك تبطش بي.
(7) زيادة: قال، جاءت في الشّافي قبل: فإلى.
(8) في المصدر: أ فأخرج، بدلا من: إذن أخرج.
179
تَقْدُمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ شُبْهَةٍ (1) وَ طَعْنٍ عَلَى الْأَئِمَّةِ. قَالَ: فَأَخْرُجُ (2) إِلَى مِصْرَ؟. قَالَ:
لَا. قَالَ: فَإِلَى (3) أَيْنَ أَخْرُجُ؟. قَالَ: حَيْثُ شِئْتَ. فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: هُوَ إِذَنْ (4) التَّعَرُّبُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، أَخْرُجُ إِلَى نَجْدٍ؟. فَقَالَ عُثْمَانُ: الشرف الشرف [إِلَى الشَّرْقِ الْأَبْعَدِ أَقْصَى فَأَقْصَى. فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: قَدْ أَبَيْتُ ذَلِكَ عَلَيَّ. قَالَ: امْضِ عَلَى وَجْهِكَ هَذَا، وَ لَا تَعْدُوَنَّ الرَّبَذَةَ. فَخَرَجَ إِلَيْهَا (5).
أقول:: الجواب الغليظ الّذي لم يحبّ ذكره هو قوله لعنه اللّه: بفيك التراب، و قوله (عليه السلام): بل بفيك التراب، كما رواه في تقريب المعارف (6) ثم قال (7).:
وَ رَوَى الْوَاقِدِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَبِي الرِّجَالِ (8)، عَنْ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيَّ قَالَ: كُنْتُ أُحِبُّ لِقَاءَ أَبِي ذَرٍّ لِأَسْأَلَهُ عَنْ سَبَبِ خُرُوجِهِ، فَنَزَلْتُ (9) الرَّبَذَةَ، فَقُلْتُ لَهُ: أَ لَا تُخْبِرُنِي! خَرَجْتَ مِنَ الْمَدِينَةِ طَائِعاً أَوْ أُخْرِجْتَ؟. قَالَ: أَمَا إِنِّي كُنْتُ فِي ثَغْرٍ مِنَ الثُّغُورِ أُغْنِي (10) عَنْهُمْ، فَأُخْرِجْتُ إِلَى مَدِينَةِ الرَّسُولِ، فَقُلْتُ: دَارُ هِجْرَتِي وَ أَصْحَابِي، فَأُخْرِجْتُ مِنْهَا إِلَى مَا تَرَى، ثُمَّ قَالَ: بَيْنَا أَنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ نَائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)
____________
(1) في الشّافي: شبه- بصيغة الجمع-.
(2) في (س): أ فأخرج- بهمزة استفهام-.
(3) لا توجد: فإلى، في المصدر.
(4) في الشّافي: و هو أيضا، بدلا من: هو إذن.
(5) لا توجد في الشّافي: فخرج إليها. و هي موجودة في شرح النّهج. انتهى كلام ابن أبي الحديد و السّيّد (رحمه اللّه).
(6) تقريب المعارف: لم يطبع القسم الثاني (المطاعن) منه، و نفي أبي ذر جاء في صفحة: 165.
(7) أي السيّد (رحمه اللّه) في الشافي 4- 298، و ابن أبي الحديد في شرحه 3- 57.
(8) في الشّافي: الرّحال.
(9) زيادة: به، جاءت في المصدر.
(10) في (س): تقرأ: غنيّ. و الهمزة منها طمست. أقول: أغني .. أي أدفع، كما في مجمع البحرين 1- 320 و غيره.
180
وَ سَلَّمَ، فَقَالَ: فَضَرَبَنِي بِرِجْلَيْهِ (1)، فَقَالَ: لَا أَرَاكَ نَائِماً فِي الْمَسْجِدِ. فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي! غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ فِيهِ. فَقَالَ: كَيْفَ تَصْنَعُ إِذَا أَخْرَجُوكَ مِنْهُ؟.
فَقُلْتُ: إِذَنْ أَلْحَقُ بِالشَّامِ، فَإِنَّهَا أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ، وَ أَرْضُ تَقِيَّةِ (2) الْإِسْلَامِ، وَ أَرْضُ الْجِهَادِ. فَقَالَ: كَيْفَ بِكَ إِذَا أَخْرَجُوكَ مِنْهَا؟. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ (3): أَرْجِعُ إِلَى الْمَسْجِدِ. قَالَ: كَيْفَ تَصْنَعُ إِذَا أَخْرَجُوكَ مِنْهُ؟. قُلْتُ: آخُذُ سَيَفِي فَأَضْرِبُ بِهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): أَ لَا أَدُلُّكَ عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ، اسْتَقِ (4) مَعَهُمْ (5) حَيْثُ سَاقُوكَ، وَ تَسْمَعُ وَ تُطِيعُ، فَسَمِعْتُ وَ أَطَعْتُ وَ أَنَا أَسْمَعُ وَ أُطِيعُ، وَ اللَّهِ لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ عُثْمَانُ (6) وَ هُوَ آثِمٌ فِي جَنْبِي.
وَ كَانَ يَقُولُ بِالرَّبَذَةِ: مَا تَرَكَ الْحَقُّ لِي (7) صَدِيقاً.
وَ كَانَ يَقُولُ فِيهَا: رَدَّنِي عُثْمَانُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَعْرَابِيّاً.
ثم قال السيد (8) رضي اللّه عنه: و الأخبار في هذا الباب أكثر من أن نحصرها و أوسع من أن نذكرها.
أقول:.
وَ رَوَى الْمَسْعُودِيُّ فِي مُرُوجِ الذَّهَبِ (9) أَبْسَطَ مِنْ ذَلِكَ .. إِلَى أَنْ قَالَ: لَمَّا رَدَّ عُثْمَانُ أَبَا ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى بَعِيرٍ عَلَيْهِ قَتَبٌ يَابِسٌ، مَعَهُ
____________
(1) في الشّافي: فضربني برجله- من دون كلمة: فقال. و هو الظّاهر.
(2) في شرح النّهج و الشّافي: بقيّة.
(3) لا توجد: له، في المصدر.
(4) في الشّافي: انسق.
(5) في (س): من، بدلا من: معهم. و جعلت فيه معهم نسخة بدل. و خطّ على: من، في (ك).
(6) لا توجد في (س): عثمان.
(7) لا توجد في (ك): لي.
(8) الشافي 4- 298. و مثله في شرح النهج لابن أبي الحديد 3- 58. و اللفظ للأخير.
(9) مروج الذّهب 2- 340- 342 بتصرّف. و جاء في تاريخ الخميس 2- 268: إنّ عثمان حبس عبد اللّه بن مسعود و أبا ذرّ عطاءهما، و أخرج أبا ذرّ إلى الرّبذة.
181
خَمْسُمِائَةٍ (1) مِنَ الصَّقَالِبَةِ (2) يَطْرُدُونَ (3) بِهِ حَتَّى أَتَوْا بِهِ الْمَدِينَةَ وَ قَدْ تَسَلَّخَتْ بَوَاطِنُ أَفْخَاذِهِ وَ كَادَ يَتْلَفُ (4)، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ تَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ؟. فَقَالَ: هَيْهَاتَ! لَنْ أَمُوتَ حَتَّى أُنْفَى .. وَ ذَكَرَ مَا يَنْزِلُ بِهِ مِنْ هَؤُلَاءِ فِيهِ (5) .. وَ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ: فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: وَارِ وَجْهَكَ عَنِّي. قَالَ (6): أَسِيرُ إِلَى مَكَّةَ. قَالَ: لَا وَ اللَّهِ (7). قَالَ: فَإِلَى الشَّامِ؟. قَالَ: لَا وَ اللَّهِ. قَالَ: فَإِلَى (8) الْبَصْرَةِ؟. قَالَ: لَا وَ اللَّهِ. فَاخْتَرْ غَيْرَ هَذِهِ الْبُلْدَانِ. قَالَ: لَا وَ اللَّهِ لَا أَخْتَارُ (9) غَيْرَ مَا ذَكَرْتُ لَكَ وَ لَوْ تَرَكْتَنِي فِي دَارِ هِجْرَتِي مَا أَرَدْتُ شَيْئاً مِنَ الْبُلْدَانِ، فَسَيِّرْنِي حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الْبِلَادِ. قَالَ: إِنِّي (10) مُسَيِّرُكَ إِلَى الرَّبَذَةِ. قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ! صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ قَدْ أَخْبَرَنِي بِكُلِّ مَا أَنَا لَاقٍ. قَالَ (11): وَ مَا قَالَ لَكَ؟. قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنِّي أُمْنَعُ مِنْ مَكَّةَ (12) وَ الْمَدِينَةِ وَ أَمُوتُ بِالرَّبَذَةِ، وَ يَتَوَلَّى دَفْنِي نَفَرٌ يَرِدُونَ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى نَحْوِ (13) الْحِجَازِ، وَ بَعَثَ أَبُو ذَرٍّ إِلَى جَمَلٍ (14) فَحَمَلَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، وَ قِيلَ: ابْنَتَهُ، وَ أَمَرَ عُثْمَانُ أَنْ يَتَجَافَاهُ النَّاسُ
____________
(1) في المصدر: خمسة.
(2) جاء في مجمع البحرين 2- 100: و في الحديث ذكر الصّقالبة، و هم جيل تتاخم بلادهم بلاد الخزورين و قسطنطنيّة، و لاحظ: القاموس المحيط 1- 93.
(3) في المروج: يطيرون، بدلا من: يطردون.
(4) جاءت: و كان أن يتلف، في المصدر.
(5) في المروج: و ذكر جوامع ما ينزل به بعد.
(6) في المصدر: وار عنّي وجهك فقال.
(7) هنا سقط جاء في مروج الذّهب: قال: فتمنعني من بيت ربّي أعبده فيه حتّى أموت، قال: إي و اللّه.
(8) لا توجد: إلى، في المصدر.
(9) في مروج الذّهب: ما أختار.
(10) في المصدر: فإنّي.
(11) في المصدر: قال عثمان.
(12) جاءت العبارة في المروج هكذا: بأنّي أمنع عن مكّة.
(13) عبارة المصدر: و يتولّى مواراتي نفر ممّن يردون من العراق نحو ..
(14) زيادة: له، جاءت في المصدر.
182
حَتَّى يَسِيرَ إِلَى الرَّبَذَةِ، وَ لَمَّا (1) طَلَعَ عَنِ الْمَدِينَةِ- وَ مَرْوَانُ يُسَيِّرُهُ عَنْهَا- طَلَعَ عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) وَ مَعَهُ ابْنَاهُ (2) (عليهما السلام) وَ عَقِيلٌ أَخُوهُ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ وَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، فَاعْتَرَضَ مَرْوَانُ وَ قَالَ: يَا عَلِيُّ! إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَنْهَى النَّاسَ أَنْ يَمْنَحُوا أَبَا ذَرٍّ أَوْ يَسْقُوهُ (3)، فَإِنْ كُنْتَ لَمْ تَعْلَمْ بِذَلِكَ (4) فَقَدْ أَعْلَمْتُكَ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ (5) بِالسَّوْطِ، فَضَرَبَ بَيْنَ أُذُنَيْ نَاقَةِ مَرْوَانَ (6) وَ قَالَ: تَنَحَّ! نَحَّاكَ اللَّهُ إِلَى النَّارِ، وَ مَضَى مَعَ أَبِي ذَرٍّ فَشَيَّعَهُ ثُمَّ وَدَّعَهُ وَ انْصَرَفَ، فَلَمَّا أَرَادَ عَلِيٌّ (ع) الِانْصِرَافَ بَكَى أَبُو ذَرٍّ وَ قَالَ: رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَهْلَ الْبَيْتِ إِذَا رَأَيْتُكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ وَ وُلْدَكَ ذَكَرْتُ بِكُمْ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ. فَشَكَا مَرْوَانُ إِلَى عُثْمَانَ مَا فَعَلَ بِهِ عَلِيٌّ (عليه السلام) (7)، فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ! مَنْ يَعْدُونِي (8) مِنْ عَلِيٍّ؟ رَدَّ رَسُولِي عَمَّا وَجَّهْتُهُ لَهُ، وَ فَعَلَ وَ فَعَلَ (9)، وَ اللَّهِ لِنُعْطِيهِ (10) حَقَّهُ، فَلَمَّا رَجَعَ عَلِيٌّ اسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ وَ قَالُوا (11): إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْكَ غَضْبَانُ لِتَشْيِيعِكَ أَبَا ذَرٍّ!. فَقَالَ عَلِيٌّ (ع):
غَضَبُ الْخَيْلِ عَلَى اللُّجُمِ (12)، فَلَمَّا كَانَ بِالْعَشِيِّ وَ (13) جَاءَ عُثْمَانُ قَالَ (14): مَا حَمَلَكَ عَلَى
____________
(1) في مروج الذّهب: فلمّا.
(2) في المصدر زيادة: الحسن و الحسين.
(3) جاء في حاشية (س): أو يستحوه. كذا.
(4) جاءت العبارة في مروج الذّهب هكذا: فقال: يا عليّ! إنّ أمير المؤمنين قد نهى النّاس أن يصحبوا أبا ذرّ في مسيره و يشيّعوه فإن كنت لا تدري بذلك.
(5) في المصدر زيادة: عليّ بن أبي طالب.
(6) في مروج الذّهب: و ضرب بين أذني راحلته.
(7) في المصدر: عليّ بن أبي طالب.
(8) في مروج الذّهب: من يعذرني.
(9) جاءت في المصدر: كذا، بدلا من: و فعل- الثّانية-.
(10) في مروج الذّهب: لنعطينّه. و كذلك هي في نسختي البحار.
(11) في المصدر: فقالوا.
(12) و هي من أمثال العرب تضرب لمن يغضب غضبا لا ينتفع به و لا موضع له، انظر: مجمع الأمثال 2- 67 برقم 2662.
(13) لا توجد الواو في مروج الذّهب.
(14) في المصدر: فقال له.
183
مَا صَنَعْتَ بِمَرْوَانَ؟ وَ لِمَ اجْتَرَأْتَ عَلَيَّ وَ رَدَدْتَ رَسُولِي وَ أَمْرِي؟. فَقَالَ (1): أَمَّا مَرْوَانُ فَاسْتَقْبَلَنِي بِرَدِّي (2) فَرَدَدْتُهُ عَنْ رَدِّي، وَ أَمَّا أَمْرَكَ لَمْ أَرُدَّهُ. فَقَالَ (3) عُثْمَانُ: أَ لَمْ يَبْلُغْكَ أَنِّي قَدْ نَهَيْتُ النَّاسَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَ شيعه (4)؟. فَقَالَ عَلِيٌّ (ع): أَ وَ كُلَّ مَا أَمَرْتَنَا بِهِ مِنْ شَيْءٍ نَرَى طَاعَةَ اللَّهِ وَ الْحَقَّ فِي خِلَافِهِ اتَّبَعْنَا فِيهِ أَمْرَكَ، لَعَمْرُ اللَّهِ مَا نَفْعَلُ.
فَقَالَ (5) عُثْمَانُ: أَقِدْ مَرْوَانَ. قَالَ: وَ مِمَّ أُقِيدُهُ؟. قَالَ: ضَرَبْتَ بَيْنَ أُذُنَيْ رَاحِلَتِهِ وَ شَتَمْتَهُ فَهُوَ شَاتِمُكَ وَ ضَارِبٌ بَيْنَ أُذُنَيْ رَاحِلَتِكَ!!. قَالَ عَلِيٌّ (ع): أَمَّا رَاحِلَتِي فَهِيَ تِلْكَ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَضْرِبَهَا كَمَا ضَرَبْتُ رَاحِلَتَهُ فَعَلَ (6)، وَ أَمَّا أَنَا فَوَ اللَّهِ لَئِنْ شَتَمَنِي لَأَشْتِمَنَّكَ بِمِثْلِهِ لَا كَذِبَ (7) فِيهِ وَ لَا أَقُولُ إِلَّا حَقّاً. قَالَ عُثْمَانُ: وَ لِمَ لَا يَشْتِمُكَ إِذَا شَتَمْتَهُ، فَوَ اللَّهِ مَا أَنْتَ بِأَفْضَلَ عِنْدِي مِنْهُ!، فَغَضِبَ عَلِيٌّ (عليه السلام) وَ قَالَ: لِي (8) تَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ؟! أَ مَرْوَانُ يُعْدَلُ بِي؟!!! فَلَا وَ اللَّهِ أَنَا (9) أَفْضَلُ مِنْكَ وَ أَبِي أَفْضَلُ مِنْ أَبِيكَ، وَ أُمِّي أَفْضَلُ مِنْ أُمِّكَ، وَ هَذِهِ نَبْلِي قَدْ نَثَلْتُهَا فَانْثُلْ نَبْلَكَ (10)، فَغَضِبَ عُثْمَانُ وَ احْمَرَّ وَجْهُهُ وَ قَامَ فَدَخَلَ (11)، وَ انْصَرَفَ عَلِيٌّ (عليه السلام) فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَهْلُ بَيْتِهِ وَ رِجَالُ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ وَ اجْتَمَعَ النَّاسُ (12) شَكَا إِلَيْهِمْ
____________
(1) في مروج الذّهب: قال- من دون فاء-.
(2) في المصدر: يردّني.
(3) في مروج الذّهب: فلم أردّه قال ..
(4) في المصدر: و عن تشييعه.
(5) في مروج الذّهب: باللّه لا نفعل، قال ..
(6) في المصدر: فليفعل.
(7) في مروج الذّهب: أنت مثلها بما لا أكذب، بدلا من: بمثله لا كذب.
(8) في المصدر: فغضب عليّ بن أبي طالب و قال: إليّ.
(9) في مروج الذّهب: و بمروان تعدلني!! فأنا و اللّه أفضل ..
(10) في المصدر: و هلمّ فانثل بنبلك. قال في القاموس 4- 54: نثل الكنانة: استخرج نبلها فنثرها.
و نحوه في الصّحاح 5- 1825.
(11) جاءت في المصدر: فقام و دخل داره.
(12) زيادة: إلى عثمان، جاءت في مروج الذّهب.
184
عَلِيّاً (ع) وَ قَالَ: إِنَّهُ يَغُشُّنِي وَ يُظَاهِرُ مَنْ يَغُشُّنِي (1)- يُرِيدُ بِذَلِكَ أَبَا ذَرٍّ وَ عَمَّاراً (2) أَوْ غَيْرَهُمَا-، فَدَخَلَ النَّاسُ بَيْنَهُمَا حَتَّى اصْطَلَحَا. وَ قَالَ (3) عَلِيٌّ (ع): وَ اللَّهِ مَا أَرَدْتُ بِتَشْيِيعِي أَبَا ذَرٍّ (4) إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى.
انتهى (5) و قد مرّ في باب أحوال أبي ذرّ (6) تلك القصّة و فضائله و مناقبه من طرق أهل البيت (عليهم السلام) (7).
____________
(1) في المصدر: إنّه يعييني و يظاهر من يعيبني.
(2) في مروج الذّهب: و عمّار بن ياسر.
(3) زيادة: له، بعد: قال، جاءت في المصدر.
(4) في المصدر: أبي ذرّ. و لعلّها سهو.
(5) و ذكر أكثر ما مرّ و زاد عليه غيره، انظر: الأنساب للسمعاني 5- 52- 54، طبقات ابن سعد 4- 168، تاريخ اليعقوبي 2- 148، فتح الباري 3- 213، عمدة القاري 4- 291، و صحيح البخاري كتابا الزكاة و التفسير و فصل كيفيّة الأبعاد، و ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة 2- 375- 387.
(6) بحار الأنوار 22- 393- 433.
(7) و لعلّ ما جاء عن طريق العامّة أكثر و أكثر، فهو ممّن تعبّد قبل البعثة و كان موحّدا قبل الإسلام، بل ممّن لم يعبد صنما و سبق في الإسلام إذ كان ثالث أو رابع أو خامس من أسلم، و كان من أوعية العلم و الزهد و الورع، و أبرز من قال بالحقّ و لم تأخذه في اللّه لومة لائم، و هو أوّل من حيّى الرسول بتحية الإسلام.
و حسبه ما قاله فيه أبو الحسن (عليه السلام): وعى علما عجز فيه. و كان شحيحا حريصا على دينه، حريصا على العلم، و كان يكثر السؤال فيعطى و يمنع.
و نحن خوفا من الإطالة نعرض عن ذكر النصوص و نكتفي بالمصادر، فمن أراد فليراجعها، منها: طبقات ابن سعد 4- 161 و 164- 166 و 170، صحيح مسلم كتاب المناقب 7- 153 156، صحيح البخاريّ 6- 24 باب إسلام أبي ذر، حلية الأولياء 1- 157- 158، صفوة الصفوة لابن الجوزي 1- 238، تاريخ ابن عساكر 7- 217، مستدرك الحاكم 3- 338 و 342، الاستيعاب 1- 83، 2- 664، أسد الغابة 5- 186، شرح الجامع الصغير للمناوي 5- 423، الإصابة 4- 63- 64 و 3- 484، مسند أحمد بن حنبل 5- 163 و 174، مجمع الزوائد 9- 339 331، و غيرها كثير.
185
وَ رَوَى ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (1) بِرِوَايَةِ التِّرْمِذِيِ (2)، عَنْ أَنَسٍ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ وَ لَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ أَصْدَقَ لَهْجَةٍ مِنْ أَبِي ذَرٍّ، أَشْبَهِ عِيسَى فِي وَرَعِهِ. قَالَ عُمَرُ: أَ فَنَعْرِفُ (3) ذَلِكَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟!. قَالَ: نَعَمْ، فَاعْرِفُوا لَهُ..
وَ عَنْ بُرَيْدَةَ (4)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنَّ اللَّهَ (5) أَمَرَنِي بِحُبِّ أَرْبَعَةٍ وَ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُحِبُّهُمْ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! سَمِّهِمْ لَنَا؟. قَالَ: عَلِيٌّ مِنْهُمْ .. يَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثاً، وَ أَبُو ذَرٍّ، وَ الْمِقْدَادُ، وَ سَلْمَانُ، أَمَرَنِي بِحُبِّهِمْ وَ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُحِبُّهُمْ (6)..
وَ عَنِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (7)، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ وَ لَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ.
قَالَ:
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُ (8).
وَ (9) عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَا أَظَلَّتِ
____________
(1) جامع الأصول 8- 567 حديث 6377.
(2) سنن التّرمذيّ كتاب المناقب، باب مناقب أهل بيت النّبيّ ص ، و باب مناقب معاذ و زيد و أبيّ بن كعب و أبي عبيدة حديث 3793، و 3794.
(3) في المصدر: فتعرف له.
(4) كما في سنن التّرمذيّ كتاب المناقب باب مناقب عليّ بن أبي طالب حديث 3720، و الحاكم في المستدرك 3- 130 و قال: صحيح على شرط مسلم.
(5) في المصدر زيادة: تبارك و تعالى.
(6) و قد رواه ابن الأثير في جامع الأصول 8- 579 حديث 6393.
(7) جامع الأصول 9- 50 حديث 6593.
(8) سنن التّرمذيّ كتاب المناقب باب مناقب أبي ذرّ 2- 213 حديث 3803، و قال: هذا حديث صحيح.
و أورده ابن ماجة في سننه 1- 66، و الحاكم في المستدرك 3- 830، و أبو نعيم في حلية الأولياء 1- 172، و ابن عبد البرّ في الاستيعاب 2- 557، و ابن حجر في الإصابة 3- 455، و المناوي في شرح الجامع الصّغير 2- 215 و غيرهم.
(9) جامع الأصول ذيل الحديث السّابق.
186
الْخَضْرَاءُ وَ لَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ مِنْ ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ (1) مِنْ أَبِي ذَرٍّ، شَبِيهِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ- كَالْحَاسِدِ-: يَا رَسُولَ اللَّهِ ص ! أَ فَنَعْرِفُ ذَلِكَ لَهُ؟. قَالَ: نَعَمْ، فَاعْرِفُوهُ.
قال: أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُ (2)، وَ قَالَ: قَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ: أَبُو ذَرٍّ يَمْشِي فِي الْأَرْضِ بِزُهْدِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (3).
____________
(1) لا توجد في (س): أصدق. و في جامع الأصول: و لا أصدق و لا أوفى.
(2) صحيح التّرمذيّ 2- 221.
(3) يمكن عدّ حديث صدق أبي ذرّ و زهده من أظهر مصاديق التّواتر المعنويّ، إذ أخرجه جملة الحفّاظ على اختلاف ألفاظه كابن سعد و التّرمذيّ و ابن ماجة و أحمد و ابن أبي شيبة و ابن جرير و أبي عمر و أبي نعيم و البغويّ و الحاكم و ابن عساكر و الطّبرانيّ و ابن الجوزيّ و غيرهم.
انظر: الطّبقات 4- 167 و 168، سنن ابن ماجة 1- 68، مسند أحمد 2- 163 و 175 و 223، و 5- 197، و 6- 442، مستدرك الحاكم 3- 342، و 4- 480 و قد صحّحه و أقرّه عليه الذّهبيّ، مصابيح السّنّة 2- 228، صفة الصّفوة 1- 340، الاستيعاب 1- 84، مجمع الزّوائد 9- 329، الإصابة لابن حجر 3- 622 و 4- 62، كنز العمّال 6- 169 و 8- 15- 17، و جملة كتب الحديث و الرّجال و التّراجم.
و جاء عن طريق العامّة جملة روايات في فضل أبي ذرّ نذكر منها أمثلة:
منها: ما جاء في السّيرة النّبويّة لابن هشام 4- 179: رحم اللّه أبا ذرّ يمشي وحده، و يموت وحده، و يبعث وحده. و أخرجه في الطّبقات 4- 170، الاستيعاب 1- 83، و أسد الغابة 5- 188، و الإصابة 4- 164.
و منها: ما ذكره الهيثميّ في مجمع الزّوائد 9- 39 أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: إنّ الجنّة تشتاق إلى ثلاثة: عليّ و عمّار و أبي ذرّ.
و قد أورد الحاكم في مستدركه 3- 344، بإسناده عن عبد الرّحمن بن غنم، قال: كنت مع أبي الدّرداء فجاء رجل من قبل المدينة، فسأله فأخبره: أنّ أبا ذرّ مسيّر إلى الرّبذة، فقال أبو الدّرداء:
إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، لو أنّ أبا ذرّ قطع لي عضوا أو يدا ما هجّنته بعد ما سمعت النّبيّ ص يقول: ما أظلّت .. إلى آخره. و قريب منه في مسند أحمد 5- 197.
و لنختم البحث بكلام سيّد الوصيّين و أمير المؤمنين (عليه السلام) إذ يقول:
«يا أبا ذرّ! إنّك غضبت للّه فارج من غضبت له، إنّ القوم خافوك على دنياهم و خفتهم على دينك، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه، و اهرب منهم بما خفتهم عليه، فما أحوجهم إلى ما منعتهم و ما أغناك عمّا منعوك ... لا يؤنسنّك إلّا الحقّ، و لا يوحشنّك إلّا الباطل، فلو قبلت دنياهم لأحبّوك، و لو قرضت منها لأمّنوك». نهج البلاغة- محمّد عبده- 2- 12- 13، صبحي الصّالح:
188 برقم 130، و انظر ما ذكره ابن أبي الحديد في ذيل كلامه (عليه السلام) 8- 252- 262 [2- 354- 358 ذا أربع مجلّدات].
187
أقول:: و إذا كان أبو ذرّ (رضوان اللّه عليه) من الذي يحبّهم اللّه و أمر رسوله بحبّهم فإيذاؤه و الإهانة به في حكم المعاداة للّه و لرسوله، و إذا كان أصدق الناس لهجة فحال من شهد عليه بالكذب و الضلال معلوم، و ما اشتملت عليه القصّة من منازعته مع أمير المؤمنين (عليه السلام) و شتمه يكفي في القدح فيه و وجوب لعنه.
الخامس:
أنّه ضرب عبد اللّه بن مسعود حتّى كسر بعض أضلاعه، و قد رووا في فضله في صحاحهم أخبارا كثيرة، و كان ابن مسعود يذمّه و يشهد بفسقه و ظلمه.
قَالَ (1) السَّيِّدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الشَّافِي (2): قَدْ رَوَى كُلُّ مَنْ رَوَى السِّيرَةَ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ- عَلَى اخْتِلَافِ طُرُقِهِمْ- أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ: لَيْتَنِي وَ عُثْمَانُ بِرَمْلِ عَالِجٍ يَحْثُو عَلَيَّ وَ أَحْثُو عَلَيْهِ (3) حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَزُ مِنِّي وَ مِنْهُ.
وَ رَوَوْا أَنَّهُ كَانَ يَطْعَنُ عَلَيْهِ فَيُقَالُ لَهُ: أَلَا خَرَجْتَ إِلَيْهِ لِيَخْرُجَ (4) مَعَكَ؟!.
فَيَقُولُ: وَ اللَّهِ لَأَنْ أُزَاوِلَ جَبَلًا رَاسِياً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ (5) أُزَاوِلَ مُلْكاً مُؤَجَّلًا. وَ كَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ بِالْكُوفَةِ جَاهِراً مُعْلِناً: إِنَّ أَصْدَقَ الْقَوْلِ كِتَابُ اللَّهِ، وَ أَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَ كُلَّ مُحْدَثٍ بِدْعَةٌ،
____________
(1) في (ك): و قال.
(2) الشّافي 4- 279- 280.
(3) في المصدر: يحثي عليّ و أحثي عليه.
(4) في الشّافي: لنخرج.
(5) لا توجد: أن، في المصدر.
188
وَ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَ كُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ، وَ إِنَّمَا كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ مُعَرِّضاً بِعُثْمَانَ حَتَّى غَضِبَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ (1) مِنِ اسْتِمْرَارِ تَعْرِيضِهِ (2) وَ نَهَاهُ عَنْ خُطْبَتِهِ هَذِهِ فَأَبَى أَنْ يَنْتَهِيَ، فَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ فِيهِ، فَكَتَبَ عُثْمَانُ يَسْتَقْدِمُهُ عَلَيْهِ ... (3).
وَ قَدْ رُوِيَ (4) عَنْهُ مِنْ طُرُقٍ لَا تُحْصَى كَثْرَةً أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا يَزِنُ عُثْمَانُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ (5) ..
وَ (6) أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ (7)، وَ لَمَّا أَتَاهُ عُثْمَانُ فِي مَرَضِهِ وَ طَلَبَ مِنْهُ الِاسْتِغْفَارَ قَالَ: أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَأْخُذَ لِي مِنْكَ بِحَقِّي ...
وَ رَوَى الْوَاقِدِيُ (8) بِإِسْنَادِهِ، وَ غَيْرُهُ، أَنَّ عُثْمَانَ (9) لَمَّا اسْتَقْدَمَهُ (10) الْمَدِينَةَ دَخَلَهَا لَيْلَةَ جُمُعَةٍ، فَلَمَّا عَلِمَ عُثْمَانُ بِدُخُولِهِ، قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ قَدْ طَرَقَكُمُ اللَّيْلَةَ
____________
(1) لا يوجد في الشّافي: بن عقبة.
(2) في المصدر: تعرّضه.
(3) و منها، ما قاله للوليد: ما أرى صاحبكم إلّا و قد غيّر و بدّل، كما ذكره البلاذريّ في الأنساب 5- 36، و فيه: و كتب الوليد إلى عثمان بذلك و قال: إنّه يعيبك و يطعن عليك.
(4) كما جاء في الشّافي 4- 280.
(5) في (ك) نسخة بدل: ذباب، و هي الّتي جاءت في الشّافي. ثمّ إنّ هنا سقط، لاحظه في الشّافي.
(6) الكلام للسّيّد المرتضى في الشّافي 4- 280- 281، ذكر المصنّف (رحمه اللّه) هنا مضمون النّصّ و الوصيّة، و اختزل منه جمل مفيدة، فراجع.
(7) و منها: وصيّة ابن مسعود بأن لا يصلّي عليه عثمان، بل لم يعلم بدفنه، كما فصّلها ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة 1- 236، و ابن عبد البرّ القرطبيّ في الاستيعاب 1- 373، و الحاكم في المستدرك 3- 313، و ابن كثير في تاريخه 7- 163 و غيرهم.
(8) كما حكاه السّيّد في الشّافي 4- 281- 282 بتصرّف.
(9) في (ك) نسخة بدل: ابن مسعود، و هو غلط.
(10) جاء على (ك): استقدم، و رمز لها بنسخة بدل.
189
دُوَيْبَةٌ مِنْ تَمْرٍ (1) عَلَى طَعَامِهِ تَقِيءُ وَ تَسْلَحُ (2). فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَسْتُ كَذَلِكَ، وَ لَكِنِّي (3) صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَوْمَ بَدْرٍ، وَ صَاحِبُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَ صَاحِبُهُ يَوْمَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، وَ صَاحِبُهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَ صَاحِبُهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ.
قَالَ: وَ صَاحَتْ (4) عَائِشَةُ: أَيَا عُثْمَانُ! أَ تَقُولُ هَذَا لِصَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)؟!. فَقَالَ عُثْمَانُ: اسْكُتِي. ثُمَّ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ (5):
أَخْرِجْهُ إِخْرَاجاً عَنِيفاً، فَأَخَذَهُ ابْنُ زَمْعَةَ فَاحْتَمَلَهُ حَتَّى جَاءَ بِهِ بَابَ الْمَسْجِدِ، فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ فَكَسَرَ ضِلْعاً مِنْ أَضْلَاعِهِ. فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: قَتَلَنِي ابْنُ زَمْعَةَ الْكَافِرُ بِأَمْرِ عُثْمَانَ.
وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّ ابْنَ زَمْعَةَ الَّذِي فَعَلَ بِهِ مَا فَعَلَهُ كَانَ مَوْلًى لِعُثْمَانَ
____________
(1) و في الشّافي: دويبة من تمشي، و في (ك) نسخة بدل: دويبة تمشي، و ذكر في حاشيتها: و في بعض النّسخ: دويبة تمر على طعامه تقيّئ و يسلح .. و لعلّه شبّهه بالدّودة الّتي تقع في الثّمر و يقيء و تسلح فيه، و تذكر الضّمير في المواضع باعتبار المشبّه. و في بعض النّسخ: من يمشي .. أي دابّة تمشي على طعام ذلك الرّجل و تقيّئ و يسلح فيه. و في بعضها: من تمشّ ..، و المشّ: المصّ، و فلان تميش من فلان .. أي يصيب منه، و تمشّشت العظم: أكلت مشاشه، و هي رءوس العظام اللّيّنة. و في بعضها: مرتمس.
[منه (نوّر اللّه ضريحه)] أقول: ذكر المعنى الأخير في لسان العرب 6- 347، و الصّحاح 3- 1019، و غيرهما.
(2) في الشّافي: يقيء و يسلح. و السّلح: التّغوّط، و غرض عثمان أنّ ابن مسعود كذئب صغير قد مرّت الدّويبة على طعامه فأفسدته عليه و تقيّأ و تغوّط فيه، فاجتنبوه لئلّا يفسد عليكم عيشكم.
(3) في (ك) نسخة بدل: و لكنّني، و قد جاءت في المصدر.
(4) في المصدر: فصاحت.
(5) في المصدر زيادة: بن المطّلب بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ.
و لعلّ ترك المصنّف (رحمه اللّه) لهذه الزّيادة جاء من كون هذا الشّخص من شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام)، و يبعد صدور مثل ذلك منه، و يحتمل قويّا كونه ابن زمعة الّذي كان عبدا أسود من عبيد عثمان، كما صرّح بذلك في الرّواية الأخرى.
190
أَسْوَدَ، وَ كَانَ مُشَذَّباً (1) طُوَالًا.
وَ فِي رِوَايَةٍ (2): أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ يَحْمُومُ مَوْلَى عُثْمَانَ.
وَ فِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَهُ لِيُخْرِجَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ نَادَاهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنْ تُخْرِجَنِي مِنْ مَسْجِدِ خَلِيلِي رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). قَالَ الرَّاوِي:
فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى حُمُوشَةِ (3) سَاقَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَ رِجْلَاهُ يَخْتَلِفَانِ عَلَى عُنُقِ مَوْلَى عُثْمَانَ حَتَّى أُخْرِجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَ هُوَ الَّذِي
- يَقُولُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
لَسَاقَا ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ (4).
. وَ قَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرْطِيِ (5): أَنَّ عُثْمَانَ ضَرَبَ ابْنَ مَسْعُودٍ أَرْبَعِينَ سَوْطاً فِي دَفْنِهِ أَبَا ذَرٍّ، وَ هَذِهِ قِصَّةٌ أُخْرَى، وَ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ (6) لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بِالرَّبَذَةِ وَ لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا امْرَأَتُهُ وَ غُلَامُهُ أَوْصَى إِلَيْهِمَا (7) أَنْ غَسِّلَانِي ثُمَّ كَفِّنَانِي ثُمَّ ضَعَانِي عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، فَأَوَّلُ رَكْبٍ يَمُرُّونَ بِكُمْ قُولَا (8)
____________
(1) في (ك) مسدما. و في المصدر: أنّ ابن زمعة مولى لعثمان أسود و كان مسدما. و جاء في حاشية (ك) ما يلي: في القاموس: مخل مسدوم، و سدم- محرّكة- .. و معظم (أي كمعظم): هائج ..
و كمعظم: البصير المهمل.
و في بعض النّسخ: مشذّبا، و هو الأظهر. قال في النّهاية: المشذّب: هو الطّويل البائن الطّول مع نقص في لحمه. [منه ((قدّس سرّه))].
انظر: القاموس 4- 128، و قارن بما جاء في تاج العروس 8- 334. و لاحظ: النّهاية 2- 453.
(2) في المصدر زيادة كلمة: أخرى.
(3) جاء في حاشية (ك): يقال رجل حمش السّاقين- بمفتوحة فساكنة فمعجمة- .. أي دقيقهما.
مجمع.
انظر: مجمع البحرين 4- 134.
(4) مسند أحمد بن حنبل 1- 421 و 5- 131.
(5) في المصدر: القرظيّ.
(6) في المصدر: إنّ أبا ذرّ (رحمه اللّه) تعالى.
(7) في (ك) نسخة بدل: عهد إليهما، و هي كذلك في المصدر.
(8) في الشّافي: يمرّ بكم فقولوا هذا، و جاءت فقولوا نسخة بدل في (ك).
191
لَهُمْ: هَذَا أَبُو ذَرٍّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَأَعِينُونَا عَلَى دَفْنِهِ، فَلَمَّا مَاتَ فَعَلَا (1) ذَلِكَ، وَ أَقْبَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي رَكْبٍ مِنَ الْعِرَاقِ مُعْتَمِرِينَ (2)، فَلَمْ يَرُعْهُمْ (3) إِلَّا الْجِنَازَةُ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ قَدْ كَادَتِ الْإِبِلُ تَطَؤُهَا، فَقَامَ إِلَيْهِمُ الْعَبْدُ، فَقَالَ: هَذَا أَبُو ذَرٍّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَأَعِينُونَا عَلَى دَفْنِهِ، فَأَنْهَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ بَاكِياً وَ قَالَ (4):
- صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، قَالَ (5): تَمْشِي (6) وَحْدَكَ، وَ تَمُوتُ وَحْدَكَ، وَ تُبْعَثُ وَحْدَكَ.
، ثُمَّ نَزَلَ هُوَ وَ أَصْحَابُهُ فَوَارَوْهُ.
هَذَا بَعْضُ مَا رَوَاهُ فِي الشَّافِي (7) آخِذاً مِنْ كُتُبِهِمُ الْمُعْتَبَرَةِ (8).
____________
(1) في المصدر: فعلوا.
(2) في الشّافي: عمّارا، و في حاشية المصدر نسخة بدل: معتمرين.
(3) في المصدر: فلم ترعهم.
(4) في (ك) نسخة بدل: يبكي و يقول، و هي الّتي وردت في المصدر.
(5) في الشّافي زيادة: له، بعد قال.
(6) في المصدر: تمسي.
(7) الشّافي 4- 279- 283، باختلاف أشرنا إلى أكثره.
(8) و لنورد لك تذييلا لبعض ما أورده أعلامهم، و فيه جوانب كثيرة حريّة بالتّأمّل:
منها: ما ذكره البلاذريّ في الأنساب 5- 36: .. ثمّ أمر عثمان به- أي ابن مسعود- فأخرج من المسجد إخراجا عنيفا، و ضرب به عبد اللّه بن زمعة الأرض، و يقال: بل احتمله: يحموم- غلام عثمان- و رجلاه تختلفان على عنقه حتّى ضرب به الأرض فدقّ ضلعه.
و في لفظ الواقديّ: فأخذه ابن زمعة فاحتمله حتّى جاء به باب المسجد فضرب به الأرض فكسر ضلعا من أضلاعه، فقال ابن مسعود: قتلني ابن زمعة الكافر بأمر عثمان!.
و منها: ما ذكره ابن كثير في تاريخه 7- 163 قال: جاءه عثمان في مرضه عائدا، فقال له: ما تشتكي؟. قال: ذنوبي. قال: فما تشتهي؟. قال: رحمة ربّي. قال: أ لا آمر لك بطبيب؟. قال:
الطّبيب أمرضني. قال: أ لا آمر لك بعطائك؟- و كان قد تركه سنين!- فقال: لا حاجة لي. فقال:
يكون لبناتك من بعدك. فقال: أ تخشى على بناتي الفقر؟. إنّي أمرت بناتي .. إلى آخره ..، و رواه الواقديّ و البلاذريّ بتفصيل، و مرّت في المتن مجملا.
و منها: ما أخرجه البلاذريّ- من طريق أبي موسى القرويّ- بإسناده: أنّه دخل عثمان على ابن مسعود في مرضه .. إلى أن قال: فلمّا انصرف عثمان قال بعض من حضر: إنّ دمه لحلال ..!، فقال ابن مسعود: ما يسرّني أنّني سددت إليه سهما يخطئه، و أنّ لي مثل أحد ذهبا!. و انظر ما ذكره اليعقوبيّ في تاريخه 2- 147.
و منها: ما ذكره في تاريخ الخميس 2- 267: أنّ عثمان حبس عبد اللّه بن مسعود و أبا ذرّ عطاءهما، و ذلك جرم يضاف إلى ما جناه، كما في السّيرة الحلبيّة 2- 87.
192
و قد رووا في أصولهم المشهورة كجامع الأصول (1) و الإستيعاب (2) و صحاحهم المتداولة (3) مناقب جمّة لابن مسعود لم ينقلوا مثلها لعثمان تركناها مخافة الإطناب، فضربه و إخراجه و إهانته و إيذاؤه من أعظم الطعون على عثمان، ....
____________
(1) جامع الأصول 9- 46- 50 في فضائل عبد اللّه بن مسعود حديث 6586 و غيره من الأبواب.
(2) الاستيعاب المطبوع على هامش الإصابة 2- 316- 324.
(3) فقد جاء في صحيح البخاريّ كتاب المناقب عن حذيفة بن اليمان قال: ما أعرف أحدا أقرب سمتا و هديا و دلاء برسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] من ابن أمّ عبد. و قريب منه ما ذكره الترمذي بل زاد عليه.
انظر: مسند أحمد بن حنبل 1- 388، و 5- 389، مستدرك الحاكم 3- 315- 320، حلية الأولياء 1- 124- 127، الاستيعاب 1- 371- 372، صفة الصفوة 1- 156- 158، تاريخ ابن كثير 2- 162- 163، تيسير الوصول 3- 297، الإصابة 2- 270- 369- 469، كنز العمّال 6- 180- 181، و 7- 55- 56، و ذكرت جملة من فضائله ذيل آية: 52 من سورة الأنعام، كما في تفسير القرطبيّ 16- 432- 433، تفسير ابن كثير 2- 135، تفسير بن جزي 2- 10، تفسير الدرّ المنثور 3- 13، تفسير الخازن 2- 18، تفسير الشوكاني 2- 115، و لأمير المؤمنين (عليه السلام) و جمع من الصحابة كلمات فيه جاءت في المصادر السالفة، و مجمع الزوائد 9- 287- 289، و كنز العمّال 6- 181- 180، 7- 56- 55، تاريخ ابن عساكر 6- 100، الطبقات الكبرى 3- 108، سنن ابن ماجه 1- 63، مرآة الجنان 1- 87، تهذيب التهذيب 6- 28، تاريخ البخاري 1- قسم 2- 152 و غيرها.
193
السادس:
ما صنع بعمّار بن ياسر رضي اللّه عنه- الذي أطبق المؤالف و المخالف على فضله و علوّ شأنه، و رووا أخبارا مستفيضة دالّة على كرامته و علوّ درجته-.
قال السيد رضي اللّه عنه في الشافي (1): ضرب عمّار ممّا لم يختلف فيه الرواة و إنّما اختلفوا في سببه.
فَرَوَى عَبَّاسُ بْنُ (2) هِشَامٍ الْكَلْبِيُ (3)، عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ فِي إِسْنَادِهِ أَنَّهُ كَانَ فِي بَيْتِ الْمَالِ بِالْمَدِينَةِ سَفَطٌ فِيهِ حُلِيٌّ وَ جَوْهَرٌ، فَأَخَذَ مِنْهُ عُثْمَانُ مَا حَلَّى بِهِ بَعْضُ أَهْلِهِ فَأَظْهَرَ النَّاسُ الطَّعْنَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَ كَلَّمُوهُ فِيهِ بِكُلِّ كَلَامٍ شَدِيدٍ حَتَّى غَضِبَ (4) فَخَطَبَ، وَ قَالَ (5): لَنَأْخُذَنَّ حَاجَتَنَا مِنْ هَذَا الْفَيْءِ وَ إِنْ رَغِمَتْ أُنُوفُ أَقْوَامٍ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام): إِذًا تُمْنَعُ مِنْ (6) ذَلِكَ وَ يُحَالُ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ. فَقَالَ عَمَّارٌ: أُشْهِدُ اللَّهَ أَنْ أَنْفِيَ أَوَّلُ رَاغِمٍ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ عُثْمَانُ: أَ عَلَيَّ- يَا ابْنَ يَاسِرٍ (7) وَ سُمَيَّةَ تَجْتَرِي؟ خُذُوهُ .. فَأَخَذُوهُ، وَ دَخَلَ عُثْمَانُ فَدَعَا بِهِ وَ ضَرَبَهُ (8) حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أُخْرِجَ فَحُمِلَ إِلَى مَنْزِلِ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ص (9) فَلَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ وَ الْعَصْرَ وَ الْمَغْرِبَ، فَلَمَّا أَفَاقَ تَوَضَّأَ وَ صَلَّى. وَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، لَيْسَ هَذَا أَوَّلَ يَوْمٍ أُوذِينَا فِيهِ
____________
(1) الشافي 4- 289- 291.
(2) في المصدر: عن، بدلا من: بن. و هو الظّاهر.
(3) كما أخرجه البلاذريّ في الأنساب 5- 480، و الزّهريّ- كما في الأنساب للبلاذريّ 5- 88- بألفاظ متقاربة.
(4) في الشّافي: أغضبوه. و كذا جاء في الأنساب للبلاذريّ.
(5) في المصدر: فقال.
(6) لا توجد: من، في المصدر، و جاءت في الأنساب.
(7) في الأنساب: يا ابن المتكاء.
(8) في المصدر و الأنساب: فضربه.
(9) زاد في الشّافي: رحمة اللّه عليها.
194
فِي اللَّهِ تَعَالَى (1). فَقَالَ هِشَامُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ- وَ كَانَ عَمَّارٌ حَلِيفاً لِبَنِي مَخْزُومٍ-: يَا عُثْمَانُ! أَمَّا عَلِيٌّ فَاتَّقَيْتَهُ (2)، وَ أَمَّا نَحْنُ فَاجْتَرَأْتَ عَلَيْنَا وَ ضَرَبْتَ أَخَانَا حَتَّى أَشْفَيْتَ بِهِ (3) عَلَى التَّلَفِ، أَمَا وَ اللَّهِ لَئِنْ مَاتَ لَأَقْتُلَنَّ بِهِ رَجُلًا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ عَظِيمَ الشَّأْنِ (4). فَقَالَ عُثْمَانُ: وَ إِنَّكَ لَهَاهُنَا يَا ابْنَ الْقَسْرِيَّةِ! (5).
قَالَ: فَإِنَّهُمَا قَسْرِيَّتَانِ- وَ كَانَتْ أُمُّهُ وَ جَدَّتُهُ قَسْرِيَّتَيْنِ مِنْ بَجِيلَةَ (6)-، فَشَتَمَهُ عُثْمَانُ وَ أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَأُتِيَ بِهِ أُمَّ سَلَمَةَ فَإِذَا هِيَ قَدْ غَضِبَتْ لِعَمَّارٍ، وَ بَلَغَ عَائِشَةَ مَا صُنِعَ بِعَمَّارٍ فَغَضِبَتْ وَ أَخْرَجَتْ شَعْراً مِنْ شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ نَعْلًا مِنْ نِعَالِهِ وَ ثَوْباً مِنْ ثِيَابِهِ، وَ قَالَتْ: مَا أَسْرَعَ مَا تَرَكْتُمُ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَ هَذَا ثَوْبُهُ وَ شَعْرُهُ (7) وَ نَعْلُهُ لَمْ يَبْلَ بَعْدُ.
وَ رَوَى آخَرُونَ: أَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ أَنَّ عُثْمَانَ مَرَّ بِقَبْرٍ جَدِيدٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، فَغَضِبَ عَلَى عَمَّارٍ لِكِتْمَانِهِ إِيَّاهُ مَوْتَهُ- إِذَا (8) كَانَ الْمُتَوَلِّي لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَ الْقِيَامِ بِشَأْنِهِ- فَعِنْدَهَا وَطِئَ عُثْمَانُ عَمَّاراً حَتَّى أَصَابَهُ الْفَتْقُ.
وَ رَوَى آخَرُونَ (9): أَنَّ الْمِقْدَادَ وَ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرَ وَ عَمَّاراً وَ عِدَّةً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ص كَتَبُوا كِتَاباً عَدَّدُوا فِيهِ أَحْدَاثَ عُثْمَانَ وَ خَوَّفُوهُ رَبَّهُ، وَ أَعْلَمُوهُ أَنَّهُ (10) مُوَاثِبُوهُ إِنْ لَمْ يُقْلِعْ، فَأَخَذَ عَمَّارٌ الْكِتَابَ فَأَتَاهُ بِهِ فَقَرَأَ مِنْهُ صَدْراً، فَقَالَ عُثْمَانُ: أَ عَلَيَ
____________
(1) لا توجد: تعالى، في الأنساب و المصدر.
(2) زاد في الأنساب هنا: و بني أبيه.
(3) أشفيت هنا بمعنى أشرفت، كما في الصّحاح 6- 2394.
(4) في الشّافي: عظيم السّيرة، و في (ك) نسخة بدل: السّرّة، و في الأنساب: عظيم السّرّة.
(5) في المصدر: ابن القسريّة- بدون حرف النّداء-.
(6) في الشّافي: بجيلة- من دون كلمة: من-. و في (ك): بحيلة.
(7) في المصدر و الأنساب بتقديم و تأخير: شعره و ثوبه. و أورد البلاذريّ في كتابه هنا ذيلا مفصّلا.
(8) كذا، و الصّحيح: إذ.
(9) منهم البلاذريّ في الأنساب 5- 49.
(10) في المصدر: أنّهم، بدلا من: أنّه.
195
تَقْدَمُ مِنْ بَيْنِهِمْ؟. فَقَالَ: لِأَنِّي أَنْصَحُهُمْ لَكَ (1). فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا ابْنَ سُمَيَّةَ!.
فَقَالَ: أَنَا وَ اللَّهِ ابْنُ سُمَيَّةَ وَ أَنَا ابْنُ يَاسِرٍ، فَأَمَرَ غِلْمَانَهُ فَمَدُّوا بِيَدَيْهِ وَ رِجْلَيْهِ ثُمَ (2) ضَرَبَهُ عُثْمَانُ بِرِجْلَيْهِ (3)- وَ هُمَا (4) فِي الْخُفَّيْنِ- عَلَى مَذَاكِيرِهِ فَأَصَابَهُ الْفَتْقُ، وَ كَانَ ضَعِيفاً كَبِيراً فَغُشِيَ عَلَيْهِ (5).
ثم قال (رحمه اللّه) (6): وَ قَدْ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ وَ بِأَسَانِيدَ كَثِيرَةٍ، أَنَّ عَمَّاراً كَانَ يَقُولُ: ثَلَاثَةٌ يَشْهَدُونَ (7) عَلَى عُثْمَانَ بِالْكُفْرِ وَ أَنَا الرَّابِعُ، وَ أَنَا شَرُّ الْأَرْبَعَةِ!:
(وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ) (8) وَ أَنَا أَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ.
وَ رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ مِنْ طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: بِأَيِّ شَيْءٍ أَكْفَرْتُمْ عُثْمَانَ؟. فَقَالَ: بِثَلَاثٍ (9)، جَعَلَ الْمَالَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ، وَ جَعَلَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بِمَنْزِلَةِ مَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ عَمِلَ بِغَيْرِ كِتَابِ اللَّهِ .. ثم ساق السيّد الكلام .. إلى أن قال (10): فلا عذر يسمع من
____________
(1) في المصدر: أنّهم، بدلا من: أنّه.
(2) لا توجد: ثمّ، في الشّافي.
(3) خ. ل: برجله.
(4) خ. ل: و هي، و كذا جاءت في المصدر.
(5) و أورده ابن أبي الحديد في شرحه عن نهج البلاغة 1- 239 من دون غمز فيه.
أقول: قال ابن قتيبة في الإمامة و السّياسة: ذكروا أنّه اجتمع ناس من أصحاب رسول اللّه ص كتبوا كتابا ذكروا فيه ما خالف فيه عثمان من سنّة رسول اللّه و سنّة صاحبيه .. ثمّ عدّد جملة كبيرة من مطاعنه حريّة بالملاحظة، و أجمل ذكر ذلك ابن عبد البرّ في العقد الفريد 2- 272.
(6) السيّد المرتضى في الشافي 4- 291.
(7) في (س): يشهدوه.
(8) المائدة: 44.
(9) في المصدر: قال بثلاثة.
(10) الشافي 4- 292- 293.
196
إيقاع نهاية المكروه مّمن (1)
- رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ فِيهِ: عَمَّارٌ جِلْدَةُ مَا بَيْنَ الْعَيْنِ وَ الْأَنْفِ وَ (2) مَتَى تنكى [تُنْكَأِ (3) الْجِلْدَةُ تُدْمَ الْأَنْفُ.
- وَ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ ص : مَا لَهُمْ وَ لِعَمَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَ يَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ؟!.
- وَ رُوِيَ، عَنْ خَالِدٍ: أَنَ (4) رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: مَنْ عَادَى عَمَّاراً عَادَاهُ اللَّهُ، وَ مَنْ أَبْغَضَ عَمَّاراً أَبْغَضَهُ اللَّهُ (5).
و أيّ كلام غليظ سمعه عثمان (6) من عمّار يستحقّ به ذلك المكروه العظيم الذي تجاوز مقدار ما (7) فرضه اللّه تعالى في الحدود؟! و إنّما كان عمّار و غيره ينثوا (8) عليه أحداثه و معايبه (9) أحيانا على ما يظهر من سيّئ أفعاله، و قد كان يجب عليه أحد أمرين: إمّا أن ينزع عمّا يواقف عليه من تلك الأفعال، أو أن يبيّن عذره فيها و (10) براءته منها ما يظهر و يشتهر و ينتشر (11)، فإن أقام مقيم بعد ذلك على توبيخه
____________
(1) في المصدر: بمن.
(2) وضع في مطبوع البحار على الواو رمز نسخة بدل.
(3) في الشّافي: و متى تنكأ. و نكأ القرحة: قشرها قبل أن تبرأ، و نكى القرحة نكأها.
(4) في المصدر: و روى العوّام بن حوشب، عن سلمة بن كهيل، عن علقمة، عن خالد بن الوليد أنّ ..
(5) ستأتي مصادر جمّة لهذه الأحاديث، و انظر ما ذكره في الإصابة حرف العين، و السّيرة النّبويّة لابن هشام 2- 115 و غيرهما.
(6) لا يوجد في الشافي: عثمان.
(7) في المصدر: يتجاوز المقدار الذي.
(8) في الشافي: أثبتوا و ..، و جاء في (ك) نسخة بدل: بئثون، و أورد في حاشيتها: نثى الحديث:
حدّث به و أشاعه، و الشّيء: فرّقه و أذاعه. و النثي: ما اخبرت به عن الرّجل من حسن أو سيّئ، ذكره الفيروزآبادي. و في بعض النسخ: يبثّون- بالباء-. [منه ((رحمه اللّه))].
انظر: القاموس 4- 293، و قارن ما ذكره في تاج العروس 10- 356.
(9) في (ك) نسخة بدل: يعاتبونه.
(10) في المصدر: أو، بدلا من: الواو.
(11) في المصدر: و ينتشر و يشتهر- بتقديم و تأخير-.
197
و تفسيقه زجره عن ذلك بوعظ أو غيره، و لا يقدم على ما يفعله (1) الجبابرة و الأكاسرة من شفاء الغيظ بغير ما أنزل اللّه تعالى و حكمه به (2). انتهى.
و عندي أنّ السبب الحامل لعثمان على ما صنع بعمّار هو أنّ عمّارا كان من المجاهرين بحبّ عليّ (عليه السلام)، و أنّ من غلبه على الخلافة غاصب لها، فحملته عداوته لأمير المؤمنين (عليه السلام) و حبّه للرئاسة على إهانته و ضربه حتى حدث به الفتق و كسر ضلعا من أضلاعه، فإنّه قَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْكَامِلِ (3) وَ غَيْرُهُ فِي غَيْرِهِ فِي قِصَّةِ الشُّورَى أَنَّ عَمَّاراً كَانَ يَقُولُ لِابْنِ عَوْفٍ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ الْمُسْلِمُونَ فَبَايِعْ عَلِيّاً (ع)، وَ عَارَضَهُ فِي ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَرْحٍ وَ غَيْرُهُ وَ اشْتَدَّ الْأَمْرُ وَ شَتَمَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً.
وَ رَوَى الْمَسْعُودِيُّ فِي مُرُوجِ الذَّهَبِ (4): أَنَّ عَمَّاراً حِينَ بُويِعَ عُثْمَانُ بَلَغَهُ قَوْلُ أَبِي سُفْيَانَ (5) فِي دَارِ عُثْمَانَ عَقِيبَ الْوَقْتِ الَّذِي بُويِعَ فِيهِ عُثْمَانُ، وَ دَخَلَ دَارَهُ وَ مَعَهُ بَنُو أُمَيَّةَ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَ فِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِكُمْ؟- وَ قَدْ كَانَ عُمِيَ-، قَالُوا: لَا.
قَالَ: يَا بَنِي أُمَيَّةَ! تَلَقَّفُوهَا تَلَقُّفَ الْكُرَةِ، وَ الَّذِي (6) يَحْلِفُ بِهِ أَبُو سُفْيَانَ مَا زِلْتُ أَرْجُوهَا لَكُمْ وَ لَتَصِيرَنَّ إِلَى صِبْيَانِكُمْ وِرَاثَةً، فَانْتَهَرَهُ عُثْمَانُ وَ سَاءَهُ مَا قَالَ، وَ أَنْهَى (7) هَذَا الْقَوْلَ إِلَى الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ (8)، فَقَامَ عَمَّارٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! أَمَا إِذَا صَرَفْتُمْ هَذَا الْأَمْرَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ مَرَّةً هَاهُنَا وَ مَرَّةً هَاهُنَا (9) فَمَا
____________
(1) في الشافي: تفعله.
(2) الشافي 4- 292- 293.
(3) الكامل لابن الأثير 3- 37 باختصار.
(4) مروج الذّهب 2- 342- 343.
(5) في المصدر زيادة: صخر بن حرب.
(6) في المروج: فو الّذي.
(7) في المصدر: و نمي، و قد تقرأ في (ك): و انتهى.
(8) في مروج الذّهب زيادة: و غير ذلك الكلام.
(9) في المصدر: هاهنا مرّة و هاهنا مرّة، و لا توجد في (س): و مرّة هاهنا- الثّانية-.
198
أَنَا بِآمِنٍ أَنْ يَنْزِعَهُ اللَّهُ مِنْكُمْ فَيَضَعَهُ فِي غَيْرِكُمْ كَمَا نَزَعْتُمُوهُ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ بَعْدَ نَبِيِّكُمْ (1).
وَ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (2)، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْجَوْهَرِيِّ: أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَالَ- لَمَّا بُويِعَ عُثْمَانُ-: كَانَ هَذَا الْأَمْرُ فِي تَيْمٍ، وَ أَنَّى لِتَيْمٍ هَذَا الْأَمْرُ (3)؟، ثُمَّ صَارَ إِلَى عَدِيٍّ فَأَبْعَدَ وَ أَبْعَدَ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى مَنَازِلِهَا وَ اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ قَرَارَهُ، فَتَلَقَّفُوهَا تَلَقُّفَ الْكُرَةِ!.
قَالَ: وَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَ حَدَّثَنِي مُغِيرَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُهَلَّبِيُّ، قَالَ: ذَاكَرْتُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ الْقَاضِي بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَالَ لِعُثْمَانَ: بِأَبِي أَنْتَ! (4) أَنْفِقْ وَ لَا تَكُنْ كَأَبِي حَجَرٍ، وَ تَدَاوَلُوهَا يَا بَنِي أُمَيَّةَ تَدَاوُلَ الْوِلْدَانِ الْكُرَةَ، فَوَ اللَّهِ مَا مِنْ جَنَّةٍ وَ لَا نَارٍ، وَ كَانَ الزُّبَيْرُ حَاضِراً، فَقَالَ عُثْمَانُ لِأَبِي سُفْيَانَ: اعْزُبْ! فَقَالَ:
يَا بَنِيَّ! هَاهُنَا (5) أَحَدٌ؟. قَالَ الزُّبَيْرُ: نَعَمْ وَ اللَّهِ لَا كَتَمْتُهَا (6) عَلَيْكَ.
قَالَ (7): فَقَالَ إِسْمَاعِيلُ: هَذَا بَاطِلٌ. قُلْتُ: وَ كَيْفَ ذَلِكَ؟. قَالَ: مَا أُنْكِرَ هَذَا مِنْ أَبِي سُفْيَانَ، وَ لَكِنْ أُنْكِرَ أَنْ يَكُونَ عُثْمَانُ سَمِعَهُ (8) وَ لَمْ يَضْرِبْ عُنُقَهُ. انتهى.
و إنّما أوردت هذا الخبر ليظهر لك حقيقة إسلام القوم.
و لنرجع إلى بعض ما كنّا فيه:.
رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (9)- نَقْلًا مِنْ كِتَابِ السَّقِيفَةِ لِأَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجَوْهَرِيِّ- بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي كَعْبٍ الْحَارِثِيِّ، قَالَ: .. أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَأَتَيْتُ عُثْمَانَ
____________
(1) في المروج: من أهله و وضعتموه في غير أهله.
(2) في شرحه على نهج البلاغة 2- 45.
(3) لا توجد في (س): الأمر.
(4) في (ك): بأبي أنت و أمّي.
(5) في المصدر: أ هاهنا ..؟.
(6) في مطبوع البحار: لأكتمنّها، و هو غلط، و ما أثبتناه من المصدر.
(7) لا توجد: قال، في (س).
(8) في شرح النّهج: سمعه عثمان.
(9) في شرحه على نهج البلاغة 9- 3- 5.
199
بْنَ عَفَّانَ- وَ هُوَ الْخَلِيفَةُ يَوْمَئِذٍ-، فَسَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ دِينِي، وَ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنِّي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ (1) بْنِ كَعْبٍ، وَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ أَشْيَاءَ (2) فَأْمُرْ حَاجِبَكَ أَنْ لَا يَحْجُبَنِي. فَقَالَ: يَا وَثَّابُ! إِذَا جَاءَكَ هَذَا الْحَارِثِيُّ فَأْذَنْ لَهُ. قَالَ: فَكُنْتُ إِذَا جِئْتُ قَرَعْتُ (3) الْبَابَ، قَالَ: مَنْ ذَا؟ فَقُلْتُ:
الْحَارِثِيُّ، فَيَقُولُ: ادْخُلْ، فَدَخَلْتُ يَوْماً فَإِذَا عُثْمَانُ جَالِسٌ وَ حَوْلَهُ نَفَرٌ سُكُوتٌ لَا يَتَكَلَّمُونَ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرَ، فَسَلَّمْتُ ثُمَّ جَلَسْتُ، فَلَمْ أَسْأَلْهُ عَنْ شَيْءٍ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حَالِهِمْ وَ حَالِهِ، فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذَا جَاءَ نَفَرٌ فَقَالُوا: إِنَّهُ أَبَى أَنْ يَجِيءَ.
قَالَ: فَغَضِبَ وَ قَالَ: أَبَى أَنْ يَجِيءَ؟! اذْهَبُوا فَجِيئُوا بِهِ، فَإِنْ أَبَى فَجَرُّوهُ جَرّاً، قَالَ: فَمَكَثْتُ قَلِيلًا فَجَاءُوا وَ مَعَهُمْ رَجُلٌ آدَمُ طُوَالٌ أَصْلَعُ فِي مُقَدَّمِ رَأْسِهِ شَعَرَاتٌ وَ فِي قَفَاهُ شَعَرَاتٌ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟. قَالُوا: عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ. فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: أَنْتَ الَّذِي يَأْتِيكَ (4) رُسُلُنَا فَتَأْبَى أَنْ تَجِيءَ؟. قَالَ: فَكَلَّمَهُ بِشَيْءٍ لَمْ أَدْرِ مَا هُوَ، ثُمَّ خَرَجَ فَمَا زَالُوا يَنْفَضُّونَ مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى مَا بَقِيَ غَيْرِي، فَقَامَ، فَقُلْتُ: وَ اللَّهِ لَا أَسْأَلُ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ أَحَداً، أَقُولُ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ حَتَّى أَدْرِيَ مَا يَصْنَعُ (5)، فَتَبِعْتُهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا عَمَّارٌ جَالِسٌ إِلَى سَارِيَةٍ (6) وَ حَوْلَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ يَبْكُونَ. فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا وَثَّابُ! عَلَيَّ بِالشُّرَطِ، فَجَاءُوا.
فَقَالَ: فَرِّقُوا (7) بَيْنَ هَؤُلَاءِ، فَفَرَّقُوا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَتَقَدَّمَ عُثْمَانُ فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا كَبَّرَ قَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ حُجْرَتِهَا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! .. ثُمَّ تَكَلَّمَتْ فَذَكَرَتْ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ وَ مَا بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ، ثُمَّ قَالَتْ: تَرَكْتُمْ أَمْرَ اللَّهِ
____________
(1) في (ك): الحرث، و المعنى واحد.
(2) لا توجد في المصدر: عن أشياء.
(3) في شرح النّهج: فقرعت.
(4) في المصدر: تأتيك.
(5) في (س): تصنع.
(6) قال في القاموس 4- 341: السّارية: الأسطوانة.
(7) في (ك): افرقوا.
200
وَ خَالَفْتُمْ عَهْدَهُ .. وَ نَحْوَ هَذَا، ثُمَّ صَمَتَتْ، وَ تَكَلَّمَتْ امْرَأَةٌ أُخْرَى بِمِثْلِ ذَلِكَ فَإِذَا هُمَا عَائِشَةُ وَ حَفْصَةُ، قَالَ: فَسَلَّمَ عُثْمَانُ وَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَ قَالَ: لَإِنَّ هَاتَيْنِ لَفَتَّانَتَانِ يَحِلُّ لِي سَبُّهُمَا وَ أَنَا بِأَصْلِهِمَا عَالِمٌ، فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ: أَ تَقُولُ هَذَا لِحَبَائِبِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ؟!. فَقَالَ: وَ فِيمَ أَنْتَ وَ مَا هَاهُنَا؟، ثُمَّ أَقْبَلَ نَحْوَ سَعْدٍ عَامِداً لِيَضْرِبَهُ فَانْسَلَّ سَعْدٌ، فَخَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاتَّبَعَهُ عُثْمَانُ فَلَقِيَ عَلِيّاً (ع) بِبَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌ (1) (عليه السلام): أَيْنَ تُرِيدُ؟. قَالَ:
أُرِيدُ (2) هَذَا الَّذِي ... كَذَا وَ كَذَا يَعْنِي سَعْدٌ يَشْتِمُهُ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام): أَيُّهَا الرَّجُلُ! دَعْ عَنْكَ هَذَا؟. قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ بَيْنَهُمَا كَلَامٌ حَتَّى غَضِبَا.
فَقَالَ عُثْمَانُ: أَ لَسْتَ الَّذِي خَلَّفَكَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ (3) يَوْمَ تَبُوكَ؟.
فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): أَ لَسْتَ الْفَارَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ (4)، قَالَ: ثُمَّ حَجَزَ النَّاسُ بَيْنَهُمَا، قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ حَتَّى
____________
(1) لا توجد: عليّ، في المصدر.
(2) في (س) لا توجد: قال أريد.
(3) في شرح النّهج زيادة: له.
(4) ذكر جملة المفسّرين إن لم نقل كلّهم- من الفريقين- في تفسير قوله تعالى من سورة آل عمران:
( «إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ» ...) أنّ من المنهزمين الخلفاء الثّلاثة، و قد انهزم عثمان مع رجلين من الأنصار يقال لهما سعد (سعيد) و عقبة (علقمة) ابنا عثمان، حتّى بلغوا موضعا بعيدا ثمّ رجعوا بعد ثلاثة أيّام!.
قاله الفخر الرّازيّ في تفسيره الكبير ذيل الآية، و صرّح به ابن حجر في الإصابة 2- القسم الأوّل- 190 في ترجمة رافع بن المعلّى الأنصاريّ الزّرقيّ، و 3- القسم الأوّل- 101 في ترجمة سعيد بن عثمان الأنصاريّ. و صرّح جمع من المفسّرين أنّ معنى (تَوَلَّى) في سورة النّجم: 33، أي ترك المركز يوم أحد، أريد به عثمان، كما في أسباب النّزول للواحديّ: 298، و تفسير القرطبيّ 17- 111، و الكشّاف 3- 146، و تفسير النّيشابوريّ (المطبوع هامش تفسير الطّبريّ): 27- 50 و غيرهم.
و قد أخرج أحمد بن حنبل في مسنده 2- 101 بإسناده، قال: جاء رجل من مصر لحجّ البيت، قال: فرأى أقواما حبوسا، فقال: من هؤلاء القوم؟. فقالوا: قريش. قال: فمن الشّيخ فيهم؟. قالوا: عبد اللّه بن عمر. قال: يا ابن عمر! إنّي أسألك عن شيء- أو أنشدك بحرمة هذا البيت أ تعلم أنّ عثمان فرّ يوم أحد؟. قال: نعم. و أخرجه البخاريّ في صحيحه 6- 122، و نصّ عليه بمصادره العلّامة الأمينيّ في غديره 10- 70.
201
انْتَهَيْتُ إِلَى الْكُوفَةِ (1) فَوَجَدْتُ أَهْلَهَا أَيْضاً بَيْنَهُمْ شَرْقٌ (2) نَشِبُوا (3) فِي الْفِتْنَةِ وَ رَدُّوا سَعِيدَ (4) بْنَ الْعَاصِ فَلَمْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ رَجَعْتُ حَتَّى أَتَيْتُ بِلَادَ قَوْمِي (5).
و قد مرّ (6) .. و سيأتي الأخبار في فضل عمّار (7)، و هو أشهر من الشمس في رابعة النهار.
وَ قَدْ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْإِسْتِيعَابِ (8) وَ غَيْرِهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ أَشَاءُ أَنْ أَقُولَ فِيهِ إِلَّا قُلْتُ إِلَّا عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ يَقُولُ:
مُلِئَ عَمَّارٌ إِيمَاناً حَتَّى أَخْمَصَ قَدَمَيْهِ. وَ بِرِوَايَةٍ أُخْرَى: حُشِيَ مَا بَيْنَ أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِيمَاناً (9)..
____________
(1) الكلمة مشوّشة في (س).
(2) انشرق: انشقّ، كما في القاموس 3- 248.
(3) في المصدر: وقع بينهم شرّ و نشبوا.
(4) في (ك): سعد.
(5) ستأتي مصادره، و عن ابن عبّاس، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في حديث-: إنّ عمّارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه، و اختلط الإيمان بلحمه و دمه. انظر: حلية الأولياء 1- 139، كنز العمّال 6- 184، 7- 75، تفسير الزّمخشريّ 2- 176، تفسير البيضاويّ 1- 683، تفسير الآلوسيّ 14- 237 و غيرها.
(6) بحار الأنوار 22- 315- 354.
(7) بحار الأنوار 33- 37- 38، و غيره.
(8) الاستيعاب- المطبوع هامش الإصابة- 2- 478- 479، مع الإسناد.
(9) و قد جاءت عن عائشة جملة روايات و بألفاظ متعدّدة، انظر: مجمع الزّوائد 9- 295، تيسير الوصول 3- 279، البداية و النّهاية 7- 311، كنز العمّال 6- 184، الاستيعاب 2- 435 حيث أخرج الأخير الرّوايات بألفاظ ثلاث، فلاحظ.
202
وَ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ قَالَ: مَنْ أَبْغَضَ عَمَّاراً أَبْغَضَهُ اللَّهُ (1). قَالَ خَالِدٌ: فَمَا زِلْتُ أُحِبُّهُ مِنْ يَوْمِئِذٍ..
وَ عَنْ أَنَسٍ عَنْهُ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: اشْتَاقَتِ الْجَنَّةُ إِلَى عَلِيٍّ وَ عَمَّارٍ وَ سَلْمَانَ وَ بِلَالٍ (2).
وَ عَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام) قَالَ: جَاءَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ (3) يَسْتَأْذِنُ عَلَى النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ يَوْماً فَعَرَفَ صَوْتَهُ، فَقَالَ: مَرْحَباً بِالطَّيِّبِ الْمُطَيِّبِ، ائْذَنُوا لَهُ (4).
وَ رُوِيَ فِي الْمِشْكَاةِ (5)، عَنِ التِّرْمِذِيِ (6)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- فِي حَدِيثٍ- قَالَ: عَمَّارٌ: هُوَ الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ (صلّى اللّه عليه و آله).
وَ عَنْ أَنَسٍ، عَنْهُ (صلّى اللّه عليه و آله)، قَالَ: قَالَ: إِنَّ الْجَنَّةَ تَشْتَاقُ إِلَى ثَلَاثَةٍ:
عَلِيٍّ وَ عَمَّارٍ وَ سَلْمَانَ (7).
____________
(1) في المصدر زيادة: تعالى.
(2) ستأتي مصادر له قريبا، و له نظائر كثيرة.
(3) لا يوجد في المصدر: بن ياسر.
(4) كما أخرجه أحمد في مسنده 1- 100، 126، 138، تاريخ البخاريّ 4- 229، حلية الأولياء 1- 140، مصابيح السّنّة للبغوي 2- 288، الاستيعاب 2- 435، سنن ابن ماجة 1- 65، البداية و النّهاية 7- 311، الجامع الكبير للسّيوطيّ 7- 71. إلّا أنّ في بعض مصادر العامّة كما في سنن ابن ماجة 1- 65، و أبو نعيم الأصفهانيّ في حلية الأولياء 1- 139، و ابن حجر في الإصابة 2- 512 و غيرهم بإسنادهم، عن هاني بن هاني، قال: كنّا عند عليّ فدخل عليه عمّار، فقال:
مرحبا بالطّيّب المطيّب، سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم يقول: عمّار ملئ إيمانا إلى مشاشه.
(5) مشكاة المصابيح 3- 278- 279 حديث 6223.
(6) سنن التّرمذيّ، كتاب المناقب حديث 37، و انظر: صحيح البخاريّ 5- 30 و 31 فضائل الصّحابة، و كتاب بدء الخلق، و كتاب الاستئذان، و مسند أحمد بن حنبل 6- 449 و 451.
(7) جاء بألفاظ متعدّدة و أسماء مختلفة و أعداد متنوّعة، كما في حلية الأولياء 1- 143، و مستدرك الحاكم النّيسابوريّ 3- 137، تفسير القرطبيّ 10- 181، و تاريخ ابن كثير 7- 311، و مجمع الزّوائد 9- 307، و تاريخ ابن عساكر 3- 306، 6- 198- 199، و الاستيعاب 2- 435، و مشكاة المصابيح 3- 279 حديث 6225، و غيرها.
203
وَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَا خُيِّرَ عَمَّارٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَشَدَّهُمَا عَلَى بَدَنِهِ (1).
وَ عَنْ أَحْمَدَ (2) بِإِسْنَادِهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، قَالَ: كَانَ بَيْنِي وَ بَيْنَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ كَلَامٌ فَأَغْلَظْتُ لَهُ فِي الْقَوْلِ، فَانْطَلَقَ عَمَّارٌ يَشْكُونِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، قَالَ: فَجَاءَ خَالِدٌ وَ هُوَ يَشْكُوهُ إِلَى النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)، قَالَ:
فَجَعَلَ يُغَلِّظُهُ لَهُ وَ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا غِلْظَةً وَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) سَاكِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ، فَبَكَى عَمَّارٌ وَ قَالَ: أَ لَا تَرَاهُ؟. فَرَفَعَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) رَأْسَهُ، وَ قَالَ: مَنْ عَادَى عَمَّاراً عَادَاهُ اللَّهُ، وَ مَنْ أَبْغَضَ عَمَّاراً أَبْغَضَهُ اللَّهُ.
قَالَ خَالِدٌ: فَخَرَجْتُ فَمَا كَانَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رِضَى عَمَّارٍ، فَلَقِيتُهُ بِمَا رَضِيَ فَرَضِيَ (3).
وَ رُوِيَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (4)، عَنِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
____________
(1) كذا أورده التّرمذيّ في صحيحه- كتاب المناقب- باب مناقب عمّار بن ياسر- حديث 3800، و حكاه في جامع الأصول 9- 46 حديث 6584 عن عائشة، و فيه: قالت: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):
ما خيّر عمّار بين أمرين إلّا اختار أرشدهما، و ذكره أحمد في مسنده 1- 389 و 6- 113، و الحاكم في المستدرك، و في لفظ ابن ماجة في سننه 1- 66: .. إلّا اختار الأرشد منهما. و انظر: تفسير القرطبيّ 10- 181، مشكاة المصابيح 3- 279 حديث 6227، تيسير الوصول 3- 279، كنز العمّال 6- 184، الإصابة 2- 512، شرح ابن أبي الحديد 2- 274.
(2) مسند أحمد بن حنبل 4- 89.
(3) و قد جاء بأكثر من عشرة ألفاظ و جملة أسانيد، أخرجها على اختلاف ألفاظها جمع كثير من الحفّاظ و أئمّة الفنّ، منهم الحاكم في المستدرك 3- 390- 391، و الخطيب البغداديّ في تاريخ بغداد 1- 152، و ابن عبد البرّ في الاستيعاب 2- 435، و ابن كثير في تاريخه 7- 311، و المتّقي الهنديّ في كنز العمّال 6- 185 و 7- 61- 75، و ابن الأثير في أسد الغابة 4- 45، و ابن حجر في الإصابة 2- 512، و غيرهم في غيرها.
(4) جامع الأصول 9- 44 وسط حديث 6583.
204
الْخُدْرِيِ فِي ذِكْرِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، قَالَ: كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً (1) وَ عَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ (2)، فَرَآهُ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ، وَ يَقُولُ: وَيْحَ عَمَّارٍ! يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَ يَدْعُونَهُ (3) إِلَى النَّارِ.
قَالَ: وَ يَقُولُ عَمَّارٌ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ (4).
و روى من صحاحهم الأخبار السالفة بأسانيد.
و لا يخفى على عاقل- بعد ملاحظة الأخبار السابقة التي رووها في صحاحهم حال من ضرب و شتم و أهان و عادى رجلا
- قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنَ (5) مَنْ عَادَاهُ فَقَدْ عَادَى اللَّهَ وَ مَنْ أَبْغَضَهُ فَقَدْ أَبْغَضَ اللَّهَ، وَ إِنَّ الْجَنَّةَ تَشْتَاقُ إِلَيْهِ، وَ إِنَّهُ مَمْلُوٌّ إِيمَاناً، وَ إِنَّ اللَّهَ أَجَارَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ،.
(6).
____________
(1) لا توجد في (س): لبنة- الثّانية-.
(2) لا توجد: لبنتين- الثّانية، في (س).
(3) في (ك) نسخة بدل: تدعونه.
(4) كما جاء في سيرة ابن هشام 2- 115، و العقد الفريد 2- 289، و شرح النّهج لابن أبي الحديد 3- 274، و تاريخ ابن كثير 7- 268.
(5) وضع في (ك) على: إن، رمز نسخة بدل.
(6) و كفى في فضل عمّار ما مدحه الكتاب الكريم و أورده المفسّرون تبعا للمحدّثين ذيل الآية 9 من الزّمر في أنّها نزلت فيه ( «أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ» ...) كما في تفسير الخازن 3- 53، و الشّوكانيّ في تفسيره 4- 442، و الآلوسيّ في تفسيره 23- 247، و السّيوطيّ في الدّرّ المنثور 5- 323، و الزّمخشريّ في تفسيره 3- 22، و نصّ عليه ابن سعد في الطّبقات 3- 178.
و كذا ما جاء من أحاديث ذيل الآية 52 من سورة الأنعام، كما في تفسير الطّبريّ 7- 127 128، و تفسير القرطبيّ 16- 432، و تفسير البيضاويّ 1- 380، و تفسير الزّمخشريّ 1- 453، و تفسير الرّازيّ 4- 50، و تفسير ابن كثير 2- 134، و الدّرّ المنثور 3- 14، و تفسير الخازن 2 18، و تفسير الشّوكانيّ 2- 115 و غيرها.
و ما أورده من أخبار ذيل الآية: 106 من سورة النّحل: ( «إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ» ..)، و الآية: 61 من سورة القصص: ( «أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ» ...) فقد أجمع الفريقان على أنّه نزلت فيه (رضوان اللّه عليه) و لعن اللّه ظالميه و قاتليه.
205
السابع:
أنّه جمع الناس على قراءة زيد بن ثابت خاصّة و أحرق المصاحف (1) و أبطل ما لا شكّ أنّه منزل من القرآن، و أنّه مأخوذ من الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و لو كان ذلك حسنا لسبق إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)،
- وَ سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْقُرْآنِ (2) أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) جَمَعَ الْقُرْآنَ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) كَمَا أَوْصَأَ (3) بِهِ فَجَاءَ بِهِ إِلَى الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ اشْتِمَالَهُ عَلَى فَضَائِحِ الْقَوْمِ أَعْرَضَا عَنْهُ وَ أَمَرَا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ وَ إِسْقَاطِ مَا اشْتَمَلَ مِنْهُ عَلَى الْفَضَائِحِ، وَ لَمَّا اسْتُخْلِفَ (4) عُمَرُ سَأَلَ عَلِيّاً (عليه السلام) أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ الْقُرْآنَ الَّذِي جَمَعَهُ لِيُحْرِقَهُ (5) وَ يُبْطِلَهُ، فَأَبَى (عليه السلام) عَنْ ذَلِكَ، وَ قَالَ: (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) (6) مِنْ وُلْدِي، وَ لَا يُظْهَرُ حَتَّى يَقُومَ الْقَائِمُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ
____________
(1) كما نصّ عليه السيّد المرتضى في الشافي 4- 283- 286، و الشيخ الطوسيّ في تلخيص الشافي 4- 105- 108، و انظر ما جاء في تاريخ الخميس: 223، و الرياض لمحبّ الدين 2- 141، و الأنساب للبلاذري 5- 62 و غيرها، و البحث فيه ذو شجون.
و ذكر في التاج الجامع لأصول العامّة 4- 34 إحراق عثمان ما وجد في كلّ صحيفة أو مصحف من القرآن غير ما جمعه منه. و أورد البخاري في صحيحه 1- 14- 19 باب جمع القرآن، و باب نزول القرآن بلغة قريش، و كتاب الأنبياء جملة روايات، و كذا الترمذي في كتاب التفسير سورة التوبة حديث 3103. و أورد ابن الأثير في جامع الأصول 2- 503- 507 حديث 975، و نصّ على جملة منها أبو داود في سننه في كتاب المصاحف 34- 35، و في كنز العمّال- بهامش مسند أحمد 2- 43- 52، و ذكر في تعليقة جامع الأصول اختلاف عدد المصاحف التي أرسلها بها عثمان إلى الآفاق، فلاحظ.
(2) بحار الأنوار 92- 40- 53.
(3) كذا، و الصّحيح: أوصى.
(4) في (س): استخلفت.
(5) جاء في بحار الأنوار 92- 43: فيحرفوهم فيما بينهم.
(6) الواقعة: 79.
206
(عليهم السلام) فَيَحْمِلَ النَّاسَ عَلَيْهِ وَ يَجْرِيَ السُّنَّةَ عَلَى مَا يَتَضَمَّنُهُ وَ يَقْتَضِيهِ.
و سيأتي (1) الأخبار الكثيرة في ذلك من طرق الخاصّة و العامّة.
و تفصيل القول في ذلك، أنّ الطعن فيه من وجهين:
الأول: جمع الناس على قراءة زيد بن ثابت إبطال للقرآن المنزل، و عدول عن الراجح إلى المرجوح في اختيار زيد بن ثابت من حملة (2) قراءة القرآن (3)، بل هو ردّ صريح لقول الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) على ما يدلّ عليه صحاح أخبارهم.
و الثاني: أنّ إحراق المصاحف الصحيحة استخفاف بالدين و محادّة للّه ربّ العالمين.
أمّا الثاني، فلا يخفى على من له حظّ من العقل و الإيمان.
و أمّا الأول، فلأنّ أخبارهم متضافرة في أنّ القرآن نزل على سبعة أحرف، و أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لم ينه أحدا عن الاختلاف في قراءة القرآن بل قرّرهم عليه، و صرّح بجوازه، و أمر الناس بالتعلّم من ابن مسعود و غيره ممّن منع عثمان من قراءتهم، و ورد في فضلهم و علمهم بالقرآن ما لم يرد في زيد بن ثابت، فجمع الناس على قراءته و حظر ما سواه ليس إلّا ردّا لقول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و إبطالا للصحيح الثابت من كتاب اللّه عزّ و جلّ. فأمّا ما يدلّ من رواياتهم على
____________
(1) بحار الأنوار- كتاب القرآن، باب ما جاء في كيفيّة جمع القرآن 92- 40- 77، و كذا في 40- 155- 157 عن جملة من مصادر العامّة.
(2) في (س): من جملة.
(3) أقول: أخرج البخاري من طريق عبد اللّه بن مسعود، قال: أخذت من في رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) سبعين سورة، و إنّ زيد بن ثابت لصبيّ من الصبيان، و في لفظ: أحكمتها قبل أن يسلم زيد بن ثابت و له ذؤابة يلعب مع الغلمان. و في لفظ: ما ينازعني فيها أحد، كما جاء في حلية الأولياء 1- 125، و الاستيعاب 1- 373، و تهذيب التهذيب 6- 28 و صحّحه، و كنز العمّال 7- 56 نقلا عن أبي داود، و قد أورده ابن داود في سننه كتاب المصاحف: 14 و 16 من طريق خمير و جمع، و أخرجه الترمذي في كتاب التفسير باب سورة براءة حديث 3103. و جاء في صحيح البخاريّ 1- 14 18 كتاب فضائل القرآن باب جمع القرآن و باب نزول القرآن بلغة قريش و كتاب الأنبياء، و قد مرّت.
207
أنّ القرآن نزل على سبعة أحرف، و على تقرير النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) على الاختلاف في القراءة.
فمنها.:
مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُ (1)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: أَقْرَأَنِي جَبْرَئِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ فَزَادَنِي (2)، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَ يَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ (3).
وَ رُوِيَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (4)، عَنِ الْبُخَارِيِ (5) وَ مُسْلِمٌ (6) وَ مَالِكٌ (7) وَ أَبُو دَاوُدَ (8) وَ النَّسَائِيُ (9) بِأَسَانِيدِهِمْ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا هُوَ يَقْرَؤُهُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ (10) فِي الصَّلَاةِ، فَتَرَبَّصْتُ حَتَّى سَلَّمَ فَلَبَبْتُهُ بِرِدَائِهِ (11)، فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَؤُهَا؟. قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ، فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
____________
(1) صحيح البخاريّ 6- 97 [6- 227 دار الشّعب] باب فضائل القرآن، و قريب منه في البخاريّ 4- 75 [4- 137 دار الشّعب] كتاب بدء الخلق.
(2) لا توجد: فزادني في صحيح البخاريّ المطبوع في دار الشّعب.
(3) و أورده القسطلاني في إرشاد السّاري 5- 321 و 7- 537، و العسقلانيّ في فتح الباري 6- 222 و 9- 20، و العينيّ في عمدة القاري 7- 204، و 9- 308.
(4) جامع الأصول 2- 477- 478 حديث 939.
(5) صحيح البخاريّ 9- 20- 21 كتاب فضائل القرآن، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف، و باب من لم ير بأسا أن يقول: سورة البقرة و سورة كذا، و كتاب الخصومات باب كلام الخصومات بعضهم في بعض، و كتاب التّوحيد باب قول اللّه تعالى: ( «فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ»).
(6) صحيح مسلم، كتاب الصلاة باب بيان أن القرآن أنزل على سبعة أحرف حديث 818.
(7) موطّأ مالك 1- 201 كتاب القرآن باب ما جاء في القرآن.
(8) سنن أبي داود، كتاب الصّلاة، باب ما أنزل من القرآن على سبعة أحرف حديث 1475.
(9) سنن النّسائيّ 2- 150- 152، كتاب الصّلاة باب جامع القرآن.
(10) قال في القاموس 2- 53: ساوره: أخذ برأسه، و فلانا: واثبه.
(11) في (س): برداء.
208
عَلَيْهِ [وَ آلِهِ] وَ سَلَّمَ قَدْ أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقُلْتُ (1): إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تَقْرَأْنِيهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ: أَرْسِلْهُ، اقْرَأْ يَا هِشَامُ.
فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي (2) سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ: كَذَلِكَ (3) أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ (4): اقْرَأْ يَا عُمَرُ. فَقَرَأْتُهُ الْقِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ: كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ.
قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ. وَ قَالَ التِّرْمِذِيُ (5) هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَ رَوَى مُسْلِمٌ (6) وَ التِّرْمِذِيُ (7) وَ أَبِي دَاوُدَ (8) وَ النَّسَائِيُ (9) فِي صِحَاحِهِمْ- وَ أَوْرَدَهُ فِي الْمِشْكَاةِ (10) وَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (11)- عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَدَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي فَقَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا، ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ (12) آخَرُ فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَى قِرَاءَةِ
____________
(1) في المصدر زيادة: يا رسول اللّه، بعد: فقلت.
(2) في المصدر: الّتي كنت.
(3) في جامع الأصول: هكذا.
(4) في المصدر: قال النّبيّ صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم.
(5) سنن التّرمذيّ، كتاب القراءات باب ما جاء أنّ القرآن أنزل على سبعة أحرف حديث 2944.
(6) صحيح مسلم 1- 225 كتاب الصّلاة باب بيان أنّ القرآن نزل على سبعة أحرف حديث 820.
(7) صحيح التّرمذيّ، كتاب القراءات باب ما جاء أنّ القرآن أنزل على سبعة أحرف حديث 2945، و قال: و إسناده حسن.
(8) كذا، و الظّاهر: أبو داود، انظر: سنن أبي داود كتاب الصّلاة باب أنزل القرآن على سبعة أحرف حديث 1477 و 1478.
(9) سنن النّسائيّ كتاب الصّلاة باب جامع ما جاء في القرآن 2- 152- 154.
(10) مشكاة المصابيح 1- 680 حديث 2213 باختلاف يسير عمّا هنا.
(11) جامع الأصول 2- 479- 480 حديث 490.
(12) لا توجد: رجل، في المصدر.
209
صَاحِبِهِ، فَلَمَّا قَضَيْتُ (1) الصَّلَاةَ دَخَلْنَا جَمِيعاً عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا قَرَأَ (2) قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا (3) عَلَيْهِ، فَدَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَأَمَرَهُمَا النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ فَقَرَءَا فَحَسَّنَ (4) شَأْنَهُمَا فَسُقِطَ فِي نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ وَ لَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ (5)، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ مَا قَدْ غَشِيَنِي، ضَرَبَ فِي صَدْرِي فَفِضْتُ عَرَقاً، وَ كَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ (6) فَرَقاً. فَقَالَ لِي: يَا أُبَيُّ! أُرْسِلَ إِلَيَّ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ:
أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّانِيَةَ: اقْرَأْهُ (7) عَلَى حَرْفَيْنِ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ: أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّالِثَةَ: اقْرَأْهُ (8) عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، وَ لَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا مَسْأَلَةٌ تَسْأَلُنِيهَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، وَ أَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ (عليه السلام).
أقول:: و قد رووا روايات كثيرة بتلك المضامين (9) لا نطيل الكلام بإيرادها،
____________
(1) في بعض المصادر السّالفة: قضينا.
(2) في جامع الأصول: قد قرأ.
(3) في (س): أنكر بها.
(4) في المصدر زيادة: النّبيّ صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم.
(5) جاء في هامش جامع الأصول: معناه: و وسوس لي الشّيطان تكذيبا للنّبوّة أشدّ ممّا كنت عليه في الجاهليّة، لأنّه في الجاهليّة كان غافلا أو متشكّكا فوسوس له الشّيطان الجزم بالتّكذيب، فتدبّر.
(6) في الجامع زيادة: عزّ و جلّ بعد لفظ الجلالة. و في مشكاة المصابيح كالمتن.
(7) في جامع الأصول: أن اقرأه.
(8) في جامع الأصول: أن اقرأه.
(9) كما جاء في صحيح أبي داود- كتاب الوتر: 22، و مسند أحمد بن حنبل 1- 24، 40، 43، 264، 299، 313، 445 و 2- 300، 332، 440 و 4- 170، 204، 205 و غيرها، و سنن الترمذي 11- 62 كتاب القرآن 6- 227- 228 باب أنزل القرآن على سبعة أحرف، و الموطإ لمالك كتاب القرآن: 15، و صحيح مسلم باب أنّ القرآن أنزل على سبعة أحرف 2- 202 و 203، و كتاب المسافرين: 264، 370، 372، 374 [طبعة محمّد علي صبيح بمصر]، و تفسير الطبريّ 1- 9 15، و أورد جملة منها في صحيح البخاريّ كتاب فضائل القرآن الباب الخامس، و كتاب الخصومات الباب الرابع، و كتاب بدء الخلق الباب السادس، و كتاب التوحيد الباب الثالث و الخمسون، و غيره. و انظر أيضا الروايات و الأقوال حول هذه المسألة، و كذا تفسير القرطبيّ 1- 43 و غيرها.- و أدرجت بقية الأقوال هناك، فلاحظ.
أقول: و هي جملة روايات بمضامين متعدّدة جاءت من طرق العامّة، و هي مخالفة صريحا لما ورد عن بيت العصمة و الطهارة (سلام اللّه عليهم)، ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:
إنّ القرآن واحد نزل من عند واحد، و لكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة [أصول الكافي- كتاب فضل القرآن- باب النوادر الرواية: 12]. و في الرواية التي تليها في جواب الفضيل بن يسار حيث سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) قائلا: إنّ الناس يقولون: إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): كذبوا- أعداء اللّه- و لكنّه نزل على حرف واحد من عند الواحد .. و غيرها.
210
- وَ فِي بَعْضِهَا قَالَ: لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) جَبْرَئِيلَ، فَقَالَ: يَا جَبْرَئِيلُ! إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيِّينَ مِنْهُمُ الْعَجُوزُ وَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَ الْغُلَامُ وَ الْجَارِيَةُ وَ الرَّجُلُ الَّذِي لَا يَقْرَأُ كِتَاباً قَطُّ، فَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ.
فهذه الأخبار كما ترى صريحة في جواز القراءة على الوجوه المختلفة، و إنّ كلّا من الأحرف السبعة من كلام اللّه المنزل، و في بعض الروايات تصريح بأنّه (صلّى اللّه عليه و آله) كره المنع من القراءات المتعدّدة، فجمع الناس على قراءة واحدة، و المنع عمّا سواها ردّ صريح و مضادّة لنصّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).
و ما قيل: من أنّ المراد بنزوله على سبعة أحرف اشتماله على سبعة معان، كالوعد و الوعيد و المحكم و المتشابه و الحلال و الحرام و القصص و الأمثال و الأمر و النهي .. و نحو ذلك فالأخبار تدفعه، لأنّها ناطقة بأنّ السبعة الأحرف ممّا يختلف به اللفظ و ليس الاختلاف فيها مقصورا على المعنى.
و كذا ما يقال- من أنّ هذه الأحرف السبعة ظهرت و استفاضت عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ضبطتها عنه الأئمّة و أثبتها عثمان و الجماعة في المصحف و أخبروا بصحّتها، و إنّما حذفوا عنها ما لم يثبت متواترا، و إنّ هذه الأحرف تختلف معانيها تارة و ألفاظها أخرى- فهو مردود بأنّ من راجع السير و كتب القراءة علم أنّ مصحف عثمان لم يكن إلّا حرفا واحد، و أنّه أبطل ما سوى ذلك الحرف، و لذلك نقم عليه ابن مسعود و غيره، و كان غرضه رفع الاختلاف و جمع الناس على أمر واحد و اختيار هؤلاء السبعة من بين القرّاء، و الاقتصار على قراءتهم، و رفض
211
من سواهم من القرّاء على كثرتهم إنّما هو من فعل المتأخّرين، و قد تشعّبت القراءات و اختلفت كلمة القرّاء بعد ما جمع عثمان الناس على قراءة زيد بن ثابت، و كتب المصاحف السبعة- على المشهور بين القرّاء- فبعث بواحد منها إلى الكوفة و بواحد إلى البصرة و إلى كلّ من الشام و مكة و اليمن و البحرين بواحد و أمسك في المدينة مصحفا كانوا يقولون له: الإمام، ثم لّما كانت تلك المصاحف مجرّدة عن النقط و علامة الإعراب و نحو ذلك، و كانت الكلمات المشتملة على حرف الألف مرسومة فيها بغير ألف، اختلفت القراءات بحسب ما تحتمله صورة الكتابة، فقرأ كلّ بما ظنّه أولى من حيث المعنى أو من جهة قواعد العربية و اللغة إلّا في مواضع يسيرة لم يتّفقوا على صورة الكتابة، و الظاهر أنّها نشأت من كتّاب المصاحف السبعة، و اختلافها إمّا لأنّ كلّا منهم كتب الكلمة بلغة كانت عنده أصحّ كالصراط- بالصاد و السين-، أو للسهو و الغفلة، أو لاشتباه حصل في صورة الكتابة.
و بالجملة، جميع القرّاء المتأخّرين عن عصر الصحابة السبعة و غيرهم يزعمون مطابقة قراءتهم لمصحف من مصاحف عثمان، بل للقراءة الواحدة التّي جمع عثمان الناس عليها و أمر بترك ما سواها، فهذه القراءات إنّما تشعّبت عن مصاحف عثمان، و لذلك اشترط علماء القراءة في صحّة القراءة و وجوب اعتبارها ثلاثة شروط: كونها منقولة عن الثقات، و كونها غير مخالفة للقواعد، و كونها مطابقة لرسم مصحف من تلك المصاحف بحيث تحتملها صورة الكتابة و إن كانت محتملة لغيرها، و ادّعوا انعقاد الإجماع على صحّة كلّ قراءة كانت كذلك، و لما كثر اختلاف القرّاء و تكثّرت القراءات الصحيحة عندهم جرى المتأخّرون منهم على سنّة عثمان في إبطال القراءات، فاقتصر طائفة منهم على السبعة، و زاد طائفة ثلاثة، و زاد بعضهم على العشرة، و طرح بعضهم الثلاثة من العشرة، و زاد عشرين رجلا، و زاد الطبري على السبعة نحو خمسة عشر رجلا (1)، و قد فعلوا
____________
(1) تفسير الطبريّ 1- 15.
212
بالرواة عن السبعة أو العشرة أو فوقهما ما فعلوا بهؤلاء، فاعتبروا قوما من الرواة و طرحوا أكثرهم.
و قد بسط الجزري في النشر (1) الكلام في ذلك، قال- بعد إيراد تشعّب القراءات و كثرتها ما هذا لفظه-: بلغنا عن بعض من لا علم له أنّ القراءات الصحيحة هي التّي عن هؤلاء السبعة، أو أنّ الأحرف (2) السبعة التّي أشار إليها النبيّ صلّى اللّه عليه [و آله] هي قراءة هؤلاء السبعة، بل غلب على كثير من الجهّال أنّ القراءات الصحيحة هي التّي في الشاطبيّة و التيسير، و أنّها (3) هي المشار إليها
- بِقَوْلِهِ (صلّى اللّه عليه و آله): أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ.
، حتّى أنّ بعضهم يطلق على ما لم يكن في هذين الكتابين أنّه شاذّ.
ثم قال (4): و إنّما أوقع هؤلاء في الشبهة كونهم سمعوا: أنزل القرآن على سبعة أحرف، و سمعوا قراءات السبعة، فظنّوا أنّ هذه السبعة هي تلك المشار إليها، و لذلك (5) كره كثير من الأئمّة المتقدّمين اقتصار ابن مجاهد على سبعة من القرّاء و خطّئوه في ذلك، و قالوا: أ لا أقتصر على دون هذا العدد أو زاده أو بين مراده ليخلّص من لا يعلم من هذه الشبهة؟ .. ثم نقل مثل هذا الكلام عن إمامه أبي العباس المهدوي.
أقول: فظهر أنّ تعدّد تلك القراءات لا ينفع في القدح فيما فعله عثمان من المنع من غير قراءة زيد بن ثابت و جمع الناس عليها، ثم لو تنزّلنا عن هذا المقام و قلنا بجواز جمع الناس على قراءة واحدة فنقول: اختيار زيد بن ثابت على مثل عبد اللّه بن مسعود و المنع من قراءته و تعلّم القرآن منه مخالفة صريحة لأمر الرسول
____________
(1) النشر في القراءات العشر 1- 36.
(2) لا توجد في (س): الأحرف.
(3) في (س): إنّما.
(4) النشر 1- 36.
(5) في (ك): كذلك.
213
(صلّى اللّه عليه و آله) على ما تظافرت به أخبارهم الصحيحة عندهم.
فقد رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْإِسْتِيعَابِ (1) فِي تَرْجَمَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَقْرِءُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ فَبَدَأَ بِابْنِ أُمِّ عَبْدٍ (2).
وَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ يَقُولُ: خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ- فَبَدَأَ بِهِ- وَ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ.
قَالَ: وَ قَالَ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْمَعَ الْقُرْآنَ غَضّاً فَلْيَسْمَعْهُ مِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ. وَ بَعْضُهُمْ (3) يَرْوِيهِ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضّاً كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ. و عن عبد اللّه مثله.
وَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ (4)، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَ مَا أَنَا بِخَيْرِهِمْ، وَ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ سُورَةٌ وَ لَا آيَةٌ إِلَّا وَ أَنَا أَعْلَمُ فِيمَا نَزَلَتْ، وَ مَتَى نَزَلَتْ. قَالَ أَبُو وَائِلٍ (5): فَمَا سَمِعْتُ أَحَداً أَنْكَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ (6).
وَ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: لَقَدْ عَلِمَ الْمَحْفُوظُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ (7) كَانَ مِنْ أَقْرَبِهِمْ وَسِيلَةً، وَ أَعْلَمِهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ (8).
____________
(1) المطبوع هامش الإصابة 2- 319.
(2) في الاستيعاب: بعبد اللّه بن مسعود، بدلا من: ابن أمّ عبد.
(3) كما ذكره ابن عبد البرّ في الاستيعاب 2- 320.
(4) كما أورده في الاستيعاب 2- 321. و في (ك): وابل.
(5) في (ك): وابل.
(6) في الاستيعاب: ذلك عليه- بتقديم و تأخير-.
(7) في المصدر زيادة: بن مسعود.
(8) لا يوجد: عزّ و جلّ، في الاستيعاب.
214
وَ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ (1)، قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: أَيَّ الْقِرَاءَتَيْنِ تَقْرَأُ؟.
قُلْتُ: الْقِرَاءَةُ الْأُولَى، قِرَاءَةُ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ. فَقَالَ لِي: بَلْ هِيَ الْقِرَاءَةُ الْأَخِيرَةُ (2)، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ كَانَ يَعْرِضُ الْقُرْآنَ عَلَى جَبْرَئِيلَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ عَرَضَهُ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، فَحَضَرَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ فَعَلِمَ مَا نُسِخَ مِنْ ذَلِكَ وَ مَا بُدِّلَ.
وَ عَنْ عَلْقَمَةَ (3)، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ- وَ هُوَ بِعَرَفَاتٍ- فَقَالَ: جِئْتُكَ مِنَ الْكُوفَةِ وَ تَرَكْتُ بِهَا رَجُلًا يُمْلِي (4) الْمَصَاحِفَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، فَغَضِبَ عُمَرُ غَضَباً شَدِيداً وَ قَالَ: وَيْحَكَ! وَ مَنْ هُوَ؟. قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. قَالَ: فَذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ (5)، وَ سَكَنَ وَ عَادَ إِلَى حَالِهِ، وَ قَالَ: وَ اللَّهِ مَا أَعْلَمُ مِنَ النَّاسِ أَحَداً هُوَ أَحَقُ (6) بِذَلِكَ مِنْهُ.
قَالَ (7): وَ سُئِلَ عَلِيٌّ (عليه السلام) عَنْ قَوْمٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: أَمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَرَأَ الْقُرْآنَ وَ عَلِمَ السُّنَّةَ .. وَ كَفَى بِذَلِكَ.
وَ عَنْ شَقِيقٍ (8)، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: لَمَّا أَمَرَ عُثْمَانُ فِي الْمَصَاحِفِ بِمَا أَمَرَ، قَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ خَطِيباً، فَقَالَ: تَأْمُرُونَنِي (9) أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى قِرَاءَةِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ؟ وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ
____________
(1) كما في الاستيعاب- هامش الإصابة- 2- 322.
(2) في المصدر: فقال: أجل هي الآخرة، بدل: فقال لي: بل هي القراءة الأخيرة.
(3) كما في الاستيعاب- هامش الإصابة- 2- 322- 323.
(4) في المصدر: يحكي، بدلا من: يملي.
(5) في الاستيعاب: ذلك الغضب.
(6) في (س) لا توجد: أحقّ.
(7) أي ابن عبد البرّ في الاستيعاب 2- 323.
(8) كما في الاستيعاب 2- 23، و فيه: عن شقيق بن سلمة بن أبي وائل. و في (س): وائل. و في (ك):
وابل.
(9) في المصدر: أ يأمرونّي.
215
سَبْعِينَ سُورَةً، وَ إِنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ لَذُو ذُؤَابَةٍ يَلْعَبُ مَعَ (1) الْغِلْمَانِ، وَ اللَّهِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ إِلَّا وَ أَنَا أَعْلَمُ فِي أَيِّ شَيْءٍ نَزَلَ، وَ مَا أَحَدٌ أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي، وَ لَوْ أَعْلَمُ أَحَداً أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَابِ اللَّهِ تَبْلُغُنِيهِ الْإِبِلُ لَأَتَيْتُهُ (2). قَالَ: ثُمَّ اسْتَحْيَا مِمَّا قَالَ، فَقَالَ: وَ مَا أَنَا بِخَيْرِكُمْ.
قَالَ شَقِيقٌ: فَقَعَدْتُ فِي الْحَلَقِ فِيهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ فَمَا سَمِعْتُ أَحَداً أَنْكَرَ (3) عَلَيْهِ وَ لَا رَدَّ مَا قَالَ.
وَ رَوَى فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (4)، عَنِ الْبُخَارِيِ (5) وَ مُسْلِمٌ (6) وَ التِّرْمِذِيُ (7)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ يَقُولُ: خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ، مِنْ: عَبْدِ اللَّهِ، وَ سَالِمٍ، وَ مُعَاذٍ، وَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ (8).
اسْتَقْرِءُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ، مِنِ: ابْنِ مَسْعُودٍ- فَبَدَأَ بِهِ-، وَ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَ مُعَاذٍ، وَ أُبَيٍّ.
وَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ: خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ، مِنِ: ابْنِ مَسْعُودٍ، وَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ.
____________
(1) في الاستيعاب: به، بدلا من: مع.
(2) في المصدر: أحدا تبلغنيه الإبل أعلم بكتاب اللّه منّي لأتيته.
(3) في الاستيعاب: أنكر ذلك.
(4) جامع الأصول 8- 568- 569 حديث 6378.
(5) صحيح البخاريّ 9- 42 و 43 كتاب فضائل القرآن، باب القرّاء من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و كتاب فضائل أصحاب النّبيّ ص ، باب مناقب سالم، و باب مناقب معاذ بن جبل، و باب مناقب أبيّ بن كعب.
(6) صحيح مسلم، كتاب فضائل الصّحابة، باب في فضائل عبد اللّه بن مسعود حديث 2464.
(7) سنن التّرمذيّ، كتاب المناقب، باب مناقب عبد اللّه بن مسعود حديث 3812.
(8) في المصدر زيادة هنا: و في رواية.
216
و روي من الصحاح أكثر الأخبار السالفة بأسانيد، فهذا ما رووه في ابن مسعود و أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أمر الناس بأخذ القرآن منه، و صرّح بأنّ قراءته مطابقة للقرآن المنزل، فالمنع من قراءته و إحراق مصحفه ردّ على الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و محادّة للّه عزّ و جلّ، و مع التنزّل عن مخالفة النصّ أيضا نقول كان على عثمان أن يجمعهم على قراءة عبد اللّه دون زيد، إذ قد روي في فضل عبد اللّه ما سمعت و لم يذكروا لزيد بن ثابت فضلا يشابه ما روي في عبد اللّه سندا و لا متنا، و قد رووا ما يقدح فيه و لم يذكر أحد منهم قدحا في عبد اللّه، و الإطناب في ذلك يوجب الخروج عمّا هو المقصود من الكتاب، و من أراد ذلك فليرجع إلى الإستيعاب (1) و غيره (2) ليظهر له ما ذكرنا.
و قال في الإستيعاب (3): كان زيد عثمانيّا و لم يكن فيمن شهد شيئا من مشاهد عليّ (عليه السلام) مع الأنصار.
فظهر أنّ السبب الحامل لهم على تفويض جمع القرآن إليه أوّلا، و جمع الناس على قراءته ثانيا تحريف الكلم عن مواضعه، و إسقاط بعض الآيات الدالّة على فضل أهل البيت (عليهم السلام) و النصّ عليهم، كما يظهر من الأخبار المأثورة عن الأئمّة الأطهار (عليهم السلام)، و لو فوّضوا إلى غيره لم يتيسّر لهم ما حاولوا.
و من جملة القراءات التّي حظرها و أحرق المصحف المطابق لها قراءة أبيّ بن كعب و معاذ بن جبل، و قد عرفت في بعض الروايات السابقة أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أمر بالأخذ عنهما. هذا سوق الطعن على وجه الإلزام و بناء الكلام على الروايات العاميّة، و أمّا إذا بني الكلام على ما روي عن أهل البيت (عليهم السلام)
____________
(1) الاستيعاب المطبوع هامش الإصابة 2- 316- 324.
(2) حلية الأولياء 1- 124، تاريخ الخميس 2- 257، البيان و التبيان 2- 56، البدء و التاريخ 5- 97 و غيرها.
(3) الاستيعاب المطبوع هامش الإصابة 1- 554.
217
فتوجّه الطعن أظهر و أبين، كما ستطّلع عليه في كتاب القرآن (1) إن شاء اللّه.
توضيح:
قوله: فَسُقِطَ في نفسي .. يقال للنّادم المتحسِّر على فعل فعله: سُقِطَ في يده و هو مسقوط في يده (2)، قال اللّه تعالى: (لَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ) (3) و لعلّه هنا أيضا بهذا المعنى. و قال بعض شرّاح الحديث من العامّة: سقط- ببناء مجهول- ..
أي ندمت و وقع في خاطري من تكذيب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ما لم أقدر على وصفه، ففاعل سقط محذوف .. أي سقط في نفسي ما لم يسقط مثله في الإسلام و لا في الجاهليّة، لأنّه كان في الجاهليّة غافلا أو متشكّكا، و كان من أكابر الصحابة، و ما وقع له فهو من نزغة الشيطان و زال ببركة يد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).
و قال النووي في شرح صحيح مسلم (4): أي وقع في نفسي من تصويب قراءة الرجلين أشدّ ممّا كنت في الجاهليّة، لأنّه كان إمّا جاهلا أو متشكّكا و وسوس له الشيطان الجزم بالتكذيب (5).
قوله: فَفِضْتُ- بكسر الفاء-، قوله (6): عرقا، تمييز، كقولهم تصيّب الفرس عرقا. و قال الكرماني: إسناد الفيضان إلى نفسه و إن كان مستدركا بالتميّز فإنّ فيه إشارة إلى أنّ العرق فاض منه حتّى كأنّ النفس فاضت معه، و مثله قولهم: سالت
____________
(1) بحار الأنوار 40- 57، و قد مرّت في 24- 35 بهذا المضمون، و انظر المقدّمة الثامنة من تفسير الصافي.
(2) كما في القاموس 2- 365، و مجمع البحرين 4- 253، و الصحاح 3- 1132.
(3) الأعراف: 149.
(4) شرح صحيح مسلم للنووي 6- 102، باختلاف كثير. و لاحظ 4- 144 فضائل القرآن باب 16، و في المتن منه 1- 225.
(5) في المصدر جاءت العبارة هكذا: معناه وسوس لي الشيطان تكذيبا للنبوّة أشدّ ممّا كنت عليه في الجاهليّة، لأنّه في الجاهليّة كان غافلا أو متشكّكا فوسوس له الشيطان الجزم بالتكذيب.
(6) في (س): و قوله.
218
عيني دمعا..
الثامن:
إنّه كان يؤثر أهل بيته بالأموال العظيمة من بيت مال المسلمين، نحو ما روي (1) أنّه دفع إلى أربعة من قريش- زوّجهم بناته- أربعمائة ألفي دينار، و أعطى مروان مائة ألف عند فتح إفريقية، و يروى (2) خمس إفريقية.
وَ رَوَى السَّيِّدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (3)، عَنِ الْوَاقِدِيِّ بِإِسْنَادِهِ، قَالَ: قَدِمَتْ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ عَلَى عُثْمَانَ فَوَهَبَهَا لِلْحَارِثِ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ (4).
وَ رُوِيَ أَيْضاً أَنَّهُ وَلَّى الْحَكَمَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ صَدَقَاتِ قُضَاعَةَ فَبَلَغَتْ ثَلَاثَمِائَةِ
____________
(1) بل أعطى عبد اللّه بن خالد بن أسيد ثلاثمائة ألف بعد أن زوّجه ابنته، كما ذكره ابن عبد ربّه في العقد الفريد 2- 261، و ابن قتيبة في المعارف: 84 و غيرهما، بل ذكر ابن أبي الحديد في شرحه 1- 66 [أربع مجلدات]: أنّه أعطاه أربعمائة ألف درهم، و انظر قول فريد وجدي في دائرة معارفه 6- 166: و أنكح الحرث بن الحكم ابنته عائشة فأعطاه مائة ألف من بيت المال. و لاحظ ما جاء في السيرة الحلبيّة 2- 87، و الصواعق المحرقة 2- 87، و فصلها بمصادرها شيخنا الأميني (رحمه اللّه) في غديره 8- 267- 288.
(2) قاله ابن عبد ربّه في العقد الفريد 2- 261. و عدّ ابن قتيبة في المعارف: 84، و أبو الفداء في تاريخه 1- 168، و ابن عبد ربّه في العقد الفريد 2- 261: ممّا نقم الناس على عثمان، قطعه فدك لمروان، و نقله ابن أبي الحديد في شرحه 1- 67، و صرّح ابن قتيبة في المعارف: 84، و أبو الفداء في تاريخه 1- 168- بعد ما مرّ-: و هي صدقة رسول اللّه، و لم تزل فدك في يد مروان و بنيه إلى أن تولّى عمر ابن عبد العزيز فانتزعها من أهله و ردّها صدقة.
(3) الشّافي 4- 273- 274.
(4) كما رواه البلاذريّ في الأنساب 5- 28، و قال في 5- 52: و أعطى الحارث بن الحكم بن أبي العاص ثلاثمائة ألف درهم. و قال ابن قتيبة في المعارف: 48، و الرّاغب في المحاضرات 2- 212، و ابن عبد ربّه في العقد الفريد 2- 261، و ابن أبي الحديد في شرحه 1- 67، و غيرهم أنّه: تصدّق رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم بموضع السّوق بالمدينة يعرف بمهزون (تهروز، مهزور) على المسلمين فأقطعه عثمان الحارث بن الحكم. و قال الحلبيّ في سيرته 2- 87: أعطى عثمان الحارث عشر ما يباع في السّوق- أي سوق المدينة-.
219
أَلْفٍ فَوَهَبَهَا لَهُ حِينَ أَتَاهُ بِهَا (1).
وَ قَدْ (2) رَوَى أَبُو مِخْنَفٍ وَ الْوَاقِدِيُّ جَمِيعاً: أَنَّ النَّاسَ أَنْكَرُوا عَلَى عُثْمَانَ إِعْطَاءَهُ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ (3) مِائَةَ أَلْفٍ (4)، فَكَلَّمَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام) وَ الزُّبَيْرُ وَ طَلْحَةُ وَ سَعْدٌ وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّ لِي قَرَابَةً وَ رَحِماً. فَقَالُوا: أَ مَا كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ قَرَابَةٌ وَ ذُو رَحِمٍ؟!. فَقَالَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ كَانَا يَحْتَسِبَانِ فِي مَنْعِ قَرَابَتِهِمَا، وَ أَنَا أَحْتَسِبُ فِي إِعْطَاءِ قَرَابَتِي (5)، قَالُوا: فَهُدَاهُمَا (6) وَ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ هُدَاكَ.
وَ قَدْ رَوَى أَبُو مِخْنَفٍ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ عَلَى (7) عُثْمَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدِ (8) بْنِ أَبِي الْعَاصِ مِنْ مَكَّةَ- وَ نَاسٌ مَعَهُ- أَمَرَ لِعَبْدِ اللَّهِ بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ وَ لِكُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ (9) مِنَ الْقَوْمِ بِمِائَةِ أَلْفٍ (10)، وَ صَكَّ بِذَلِكَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ- وَ كَانَ خَازِنَ بَيْتِ الْمَالِ- فَاسْتَكْثَرَهُ وَ برد (11) الصَّكَّ بِهِ، وَ يُقَالُ إِنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ أَنْ يَكْتُبَ عَلَيْهِ (12) بِذَلِكَ كِتَابَ دَيْنٍ فَأَبَى ذَلِكَ، وَ امْتَنَعَ ابْنُ الْأَرْقَمِ أَنْ يَدْفَعَ الْمَالَ إِلَى الْقَوْمِ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ:
____________
(1) و نقله البلاذريّ في الأنساب 5- 28 عن ابن عبّاس، و ذكره اليعقوبيّ في تاريخه 2- 41 من: أنّ عثمان أعطى صدقات قضاعة الحكم بن أبي العاص عمّه طريد النّبيّ بعد ما قرّبه و أدناه و ألبسه.
(2) لا توجد: قد، في المصدر.
(3) في الشّافي: بن أبي العاص.
(4) و ذكره جمع منهم ابن قتيبة في المعارف: 84، و ابن عبد ربّه في العقد الفريد 2- 261، و الرّاغب الأصفهانيّ في المحاضرات 2- 212، و اليافعيّ في مرآة الجنان 1- 85 و غيرهم.
(5) إلى هنا ذكره البلاذريّ في الأنساب 5- 28.
(6) في المصدر: قال: فهديهما.
(7) لا توجد: على، في (س).
(8) في (س): أسعد.
(9) لا توجد في المصدر و لا (س): واحد.
(10) جاء في العقد الفريد 2- 261، و المعارف لابن قتيبة: 84، إلّا أنّه في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1- 66: أنّه أعطى عبد اللّه أربعمائة ألف درهم.
(11) كذا، و الظّاهر: و ردّ، كما في الأنساب للبلاذريّ 5- 58.
(12) لا يوجد: عليه، في المصدر.
220
إِنَّمَا أَنْتَ خَازِنٌ لَنَا فَمَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟. فَقَالَ ابْنُ الْأَرْقَمِ: كُنْتُ أَرَانِي (1) خَازِناً لِلْمُسْلِمِينَ وَ إِنَّمَا خَازِنُكَ غُلَامُكَ، وَ اللَّهِ لَا أَلِي لَكَ بَيْتَ الْمَالِ أَبَداً، وَ جَاءَ (2) بِالْمَفَاتِيحِ فَعَلَّقَهَا عَلَى الْمِنْبَرِ، وَ يُقَالُ: بَلْ أَلْقَاهَا إِلَى عُثْمَانَ، فَدَفَعَهَا عُثْمَانُ إِلَى نَائِلٍ مَوْلَاهُ (3).
وَ رَوَى الْوَاقِدِيُّ أَنَّ عُثْمَانَ أَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَنْ يَحْمِلَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ فِي عَقِيبِ هَذَا الْفِعْلِ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا دَخَلَ بِهَا عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَرْسَلَ إِلَيْكَ يَقُولُ لَكَ (4): إِنَّا قَدْ شَغَلْنَاكَ عَنِ التِّجَارَةِ وَ لَكَ ذُو رَحِمٍ أَهْلُ حَاجَةٍ، فَفَرِّقْ هَذَا الْمَالَ فِيهِمْ، وَ اسْتَعِنْ بِهِ عَلَى عِيَالِكَ.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَرْقَمِ: مَا لِي إِلَيْهِ حَاجَةٌ وَ مَا عَمِلْتُ لِأَنْ يُثِيبَنِي عُثْمَانُ؟ وَ اللَّهِ لَئِنْ كَانَ هَذَا مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ مَا بَلَغَ قَدْرُ عَمَلِي أَنْ أُعْطَى ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَ لَئِنْ كَانَ مِنْ مَالِ عُثْمَانَ مَا أُحِبُّ أَنْ أزرأ (5) مِنْ مَالِهِ شَيْئاً (6).
____________
(1) في مطبوع البحار: أواني، و هو غلط.
(2) في المصدر: فجاء.
(3) و قد أورد البلاذريّ في الأنساب 5- 58، و ابن أبي الحديد في شرح النّهج 1- 67 قصّة أخرى شبيهة بهذا، فلاحظ، و نظيره في تاريخ اليعقوبيّ 2- 145.
أقول: قال البلاذريّ في الأنساب 5- 30: لمّا قدم الوليد الكوفة ألفى ابن مسعود على بيت المال، فاستقرضه مالا ..- و قد كانت الولاة تفعل ذلك ثمّ تردّ ما تأخذ- .. فأقرضه عبد اللّه ما سأله، ثمّ إنّه اقتضاه إيّاه، فكتب الوليد في ذلك إلى عثمان، فكتب عثمان إلى عبد اللّه بن مسعود:
إنّما أنت خازن لنا فلا تعرض للوليد فيما أخذ من المال، فطرح ابن مسعود المفاتيح و قال: كنت أظنّ أنّي خازن للمسلمين، فأمّا إذ كنت خازنا لكم فلا حاجة لي في ذلك، و أقام بالكوفة بعد إلقائه مفاتيح بيت المال.
(4) لا توجد في (س): لك.
(5) في (ك): إزراءه، و في الشّافي: أرزأه، و يحتمل أن تكون: أرزأ بمعنى أصيب، و قد يكون: أزر فعل المتكلّم وحده- من الوزر، و الإزراء من الزّري، قال في القاموس 4- 338: زرى عليه زريا:
عابه و عاتبه، كأزرى- لكنّه قليل- و تزرى، و أزرى بأخيه: أدخل عليه عيبا أو أمرا يريد أن يلبّس عليه به.
(6) إلى هنا ما ذكره السّيّد في الشّافي.- و قد ذكر أبو عمرو في الاستيعاب و ابن حجر في الإصابة في ترجمة عبد اللّه بن أرقم أنّه قد ردّ ما بعث إليه عثمان من ثلاثمائة ألف، و في رواية الواقديّ: قال عبد اللّه: ما لي إليه حاجة، و ما عملت لأن يثيبني عثمان، و اللّه لئن كان هذا من مال المسلمين ما بلغ قدر عملي أن أعطى ثلاثمائة ألف درهم، و لئن كان من مال عثمان ما أحبّ أن آخذ من ماله شيئا.
221
وَ رَوَى الْوَاقِدِيُ (1)، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: أَغْزَانَا عُثْمَانُ سَنَةَ (2) سَبْعٍ وَ عِشْرِينَ إِفْرِيقِيَةَ فَأَصَابَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ غَنَائِمَ جَلِيلَةً، فَأَعْطَى عُثْمَانُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ تِلْكَ الْغَنَائِمَ.
وَ رَوَى الْوَاقِدِيُ (3)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أُمِّ بَكْرٍ بِنْتِ الْمِسْوَرِ، قَالَتْ: لَمَّا بَنَى مَرْوَانَ دَارَهُ بِالْمَدِينَةِ دَعَا النَّاسَ إِلَى طَعَامِهِ- وَ كَانَ الْمِسْوَرُ مِمَّنْ دَعَاهُ فَقَالَ مَرْوَانُ- وَ هُوَ يُحَدِّثُهُمْ-: وَ اللَّهِ مَا أَنْفَقْتُ فِي دَارِي هَذِهِ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ دِرْهَماً فَمَا فَوْقَهُ. فَقَالَ الْمِسْوَرُ: لَوْ أَكَلْتَ طَعَامَكَ وَ سَكَتَّ كَانَ خَيْراً لَكَ، لَقَدْ غَزَوْتَ مَعَنَا إِفْرِيقِيَةَ وَ إِنَّكَ لَأَقَلُّنَا مَالًا وَ رَقِيقاً وَ أَعْوَاناً وَ أَخَفُّنَا ثِقْلًا، فَأَعْطَاكَ ابْنُ عَمِّكَ (4) خُمُسَ إِفْرِيقِيَةَ وَ عَمِلْتَ عَلَى الصَّدَقَاتِ فَأَخَذْتَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ (5).
وَ رَوَى الْكَلْبِيُ (6)، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ: أَنَّ مَرْوَانَ ابْتَاعَ خُمُسَ إِفْرِيقِيَةَ بِمِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَ مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ وَ كَلَّمَ عُثْمَانَ فَوَهَبَهَا لَهُ، فَأَنْكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ عَلَى عُثْمَانَ (7) .. هذا ما أورده السيّد (رحمه اللّه) من الأخبار.
____________
(1) كما حكاه السّيّد المرتضى في الشّافي 4- 275.
(2) في مطبوع البحار: ستّة، و هو غلط.
(3) كما في الشّافي 4- 275- 276.
(4) في الأنساب للبلاذريّ: ابن عفّان، بدلا من: ابن عمّك.
(5) و ذكره البلاذريّ في الأنساب 5- 28.
(6) كما حكاه السّيّد في الشّافي 4- 276، و البلاذريّ في الأنساب 5- 27- 28 و غيرهما.
(7) روى ابن قتيبة في المعارف: 84، و أبو الفداء في تاريخه 1- 168 و غيرهما: أنّ عثمان أعطى مروان بن الحكم بن أبي العاص ابن عمّه و صهره من ابنته أمّ أبان خمس غنائم إفريقية- و هي خمسمائة ألف دينار- و في ذلك يقول عبد الرّحمن بن حنبل الجمحيّ الكنديّ مخاطبا للخليفة:
دعوت اللّعين فأدنيته* * * خلافا لسنّة من قد مضى
و أعطيت مروان خمس العباد* * * ظلما لهم و حميت الحمى
و ذكر هذه الأبيات في الأنساب 5- 38 و نسبها إلى أسلم بن أوس بن بجرة السّاعديّ الخزرجيّ، و قال بعد البيت الأوّل: يعني الحكم والد مروان، كما أوردها ابن عبد ربّه في العقد الفريد 2- 261.
و قد تعرّض العلّامة الأمينيّ في غديره 8- 260- 267 باختصار لحال مروان و أبيه و ولده، و موقف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) معهم، و قوله ص له: هو الوزغ بن الوزغ الملعون بن الملعون، و غيرهما. و قول أمير المؤمنين (عليه السلام) عن مروان: ليحملنّ راية الضّلالة بعد ما يشيب صدغاه.
و قول السّبط الأكبر الحسن بن عليّ (عليهما السلام) مخاطبا لمروان: فو اللّه لقد لعنك اللّه و أنت في صلب أبيك، و غيرها، فراجع.
222
و روى المسعودي (1) و غيره (2)- من مؤرّخي الخاصّة و العامّة- أكثر من ذلك (3).
____________
(1) مروج الذهب 2- 332- 334.
(2) قال الحلبيّ في سيرته 2- 87: و كان من جملة ما انتقم به على عثمان أنّه أعطى ابن عمّه مروان بن الحكم مائة ألف و خمسين أوقية. و روى البلاذري في الأنساب 5- 25، و ابن سعد في الطبقات 3- 44: أنّ عثمان كتب لمروان بخمس مصر و أعطى أقرباءه المال، و تأوّل في ذلك الصلة التي أمر اللّه بها، و اتّخذ الأموال و استسلف من بيت المال. و قال ابن الأثير في الكامل 3- 38: و ظهر بهذا أنّ عثمان أعطى عبد اللّه بن سعد خمس الغزوة الأولى، و أعطى مروان خمس الغزوة الثانية التي افتتحت فيها جميع إفريقية. و في رواية الواقدي و ذكره ابن كثير في تاريخه 7- 152: صالح عثمان خمس إفريقية بطريقها على ألفي ألف دينار و عشرين ألف دينار فأطلقها كلّها عثمان في يوم واحد لآل الحكم، و يقال: لآل مروان. و في تاريخ الطبريّ 5- 50: كان الذي صالحهم عليه ألفي ألف دينار و خمسمائة ألف دينار و عشرين ألف دينار .. إلى أن قال: كان الذي صالحهم عبد اللّه بن سعد على ثلاثمائة قنطار ذهب فأمر بها عثمان لآل الحكم، قلت: أو لمروان؟. قال: لا أدري.
(3) و ها نذكر لك نماذج من أعطيات الخليفة و تفريطه بأموال المسلمين و إعمار كنوز أهل بيته و قومه:
فقد ذكر اليعقوبي في تاريخه 2- 145 فقال: زوّج عثمان ابنته من عبد اللّه بن خالد بن أسيد و أمر له بستمائة ألف درهم، و كتب إلى عبد اللّه بن عامر أن يدفعها إليه من بيت مال البصرة!.
و جاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1- 67: أنّ عثمان أعطى أبا سفيان بن حرب مائتي ألف من بيت المال في اليوم الذي أمر لمروان بن الحكم بمائة ألف من بيت المال. و أورد فيه أيضا: أنّه أعطى عبد اللّه بن أبي سرح جميع ما أفاء اللّه عليه في فتح إفريقية بالمغرب و هي من طرابلس الغرب إلى طنجة من غير أن يشركه فيه أحد من المسلمين!.
و أورد البلاذري في الأنساب 5- 49- 51، و ابن كثير في تاريخه 7- 157 و غيرهما: أنّه بعث عثمان إلى ابن أبي حذيفة بثلاثين ألف درهم و بجمل عليه كسوة، فأمر فوضع في المسجد و قال: يا معشر المسلمين! أ لا تردن إلى عثمان يخادعني عن ديني و يرشوني عليه. كما و قد ذكره شيخنا الأميني في غديره 9- 144، و أدرج لنا في 8- 286 منه قائمة بجملة من هباته مع مصادرها، نذكرها درجا:
فقد أعطى لمروان 500000 دينار ذهب، و 100000 درهم فضة، و لابن أبي سرح 100000 دينار، و لطلحة ضعفه مع ثلاثين مليون درهم مرّة، و مليونين و مائتين ألف درهم فضة، و لعبد الرحمن 2560000 دينار، و ليعلى بن أميّة نصف مليون دينار، و لزيد بن ثابت مائة ألف دينار .. و هكذا دواليك للحكم و آل الحكم و الحارث و سعيد و الوليد و عبد اللّه و أبي سفيان و الزبير و ابن أبي الوقّاص و غيرهم من حزبه و أعوانه يطول علينا درجها فضلا من إحصائها.
و لنختم بحثنا هذا بكلام مولى الموحّدين و سيّد الأوصياء (سلام اللّه عليه) الذي جاء في شقشقته و على مسمع و مرأى من القوم حيث يقول في عثمان: ... قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله و معتلفه، و قام معه بنو أبيه [أميّة] يخضمون مال اللّه خضمة الإبل نبتة الربيع إلى أن انتكث فتله، و أجهز عليه عمله، و كبت به بطنته. و قد مرّ كلامه (عليه السلام) بتمامه مع مصادره.
و من هنا يعرف مغزى ما قاله (صلوات اللّه عليه) في اليوم الثاني من بيعته: ألا إنّ كلّ قطيعة أقطعها عثمان و كلّ مال أعطاه من مال اللّه فهو مردود في بيت المال، فإنّ الحقّ القديم لا يبطله شيء، و لو وجدته قد تزوّج به النساء و فرّق في البلدان لرددته إلى حاله.
قد نقله ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 1- 269 [1- 90] عن الكلبي، و انظر: نهج البلاغة- لصبحي الصالح 1- 57، و محمّد عبده 1- 46، و غيرهما.
223
و هذا عدول عن سنّة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سيرة المتقدّمين عليه، و أصل الخروج عن العدول في القسمة و إن كان من بدع عمر إلّا أنّ عثمان ترك العدل رأسا بحيث لم يخف بطلانه و تضمّنه للجور العظيم و البدعة الفاحشة على العوام أيضا، و لما اعتاد الرؤساء في أيّامه بالتوثّب على الأموال و اقتناء الذخائر و نسوا سنّة الرسول في التسوية بين الوضيع و الشريف شقّ عليهم سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) فعدلوا عن طاعته و مال طائفة منهم إلى معاوية و خرج عليه طلحة و الزبير فقامت فتنة الجمل و غيرها، فهذه البدعة- مع قطع النظر عن خطر التصرّف في أموال المسلمين- كانت من موادّ الشرور و الفتن الحادثة بعدها إلى يوم النشور.
224
التاسع:
أنّه عطّل الحدود الواجبة كالحدّ في عبيد اللّه بن عمر، فإنّه قتل الهرمزان بعد إسلامه (1) فلم يقد به، و قد كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يطلبه (2).
رَوَى السَّيِّدُ (رحمه اللّه) فِي الشَّافِي (3)، عَنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبَانِ بْنِ صَالِحٍ: أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) أَتَى عُثْمَانَ بَعْدَ مَا اسْتُخْلِفَ، فَكَلَّمَهُ فِي عُبَيْدِ اللَّهِ وَ لَمْ يُكَلِّمْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ، فَقَالَ: اقْتُلْ هَذَا الْفَاسِقَ الْخَبِيثَ الَّذِي قَتَلَ امْرَأً مُسْلِماً. فَقَالَ عُثْمَانُ: قَتَلُوا (4) أَبَاهُ (5) بِالْأَمْسِ وَ أَقْتُلُهُ الْيَوْمَ؟!، وَ إِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَلَمَّا أَبَى عَلَيْهِ مَرَّ عُبَيْدُ اللَّهِ عَلَى عَلِيٍّ (عليه السلام)، فَقَالَ لَهُ: يَا فَاسِقُ! إِيهِ! أَمَا وَ اللَّهِ لَئِنْ ظَفِرْتُ بِكَ يَوْماً مِنَ الدَّهْرِ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ، فَلِذَلِكَ خَرَجَ مَعَ مُعَاوِيَةَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) (6).
____________
(1) في (س): إسلام.
(2) قال العلّامة الأميني في غديره 8- 133: أخرج البيهقيّ في السنن الكبرى 8- 61 بإسناده، عن عبيد اللّه بن عبيد بن عمير، قال: لما طعن عمر وثب عبيد اللّه بن عمر على الهرمزان فقتله، فقيل:
لعمر: إنّ عبيد اللّه بن عمر قتل الهرمزان. قال: و لم قتله؟. قال: إنّه قتل أبي، قيل: و كيف ذلك؟. قال: رأيته قبل ذلك مستخليا بأبي لؤلؤة، و هو أمره بقتل أبي!. و قال عمر: ما أدري ما هذا، انظروا إذا أنا متّ فاسألوا عبيد اللّه البيّنة على الهرمزان هو قتلني، فإن أقام البيّنة فدمه بدمي، و إن لم يقم البيّنة فأقيدوا عبيد اللّه من الهرمزان، فلمّا ولي عثمان قيل له: أ لا تمضي وصيّة عمر في عبيد اللّه؟. قال: و من وليّ الهرمزان؟. قالوا: أنت يا أمير المؤمنين!. فقال: قد عفوت عن عبيد اللّه ابن عمر!!.
أقول: حقّا هو خليفة لعمر.
(3) الشّافي 4- 304.
(4) في (ك): قتل.
(5) في (س): إيّاه.
(6) و لاحظ: مصادر نهج البلاغة و أسانيده 3- 274، و العقد الفريد لابن عبد ربّه 1- 125، 2- 171.
225
وَ رَوَى الْقُبَادُ (1)، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عِيسَى، عَنْ (2) زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا قَالَ عُثْمَانُ: إِنِّي قَدْ عَفَوْتُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالُوا: لَيْسَ لَكَ أَنْ تَعْفُوَ عَنْهُ.
قَالَ: بَلَى، إِنَّهُ لَيْسَ لِجُفَيْتَةَ (3) وَ الْهُرْمُزَانِ قَرَابَةٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَ أَنَا (4) أَوْلَى بِهِمَا- لِأَنِّي وَلِيُّ الْمُسْلِمِينَ- فَقَدْ عَفَوْتُ.
فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): إِنَّهُ لَيْسَ كَمَا تَقُولُ، إِنَّمَا أَنْتَ فِي أَمْرِهِمَا بِمَنْزِلَةِ أَقْصَى الْمُسْلِمِينَ، وَ إِنَّمَا قَتْلُهُمَا فِي إِمْرَةِ غَيْرِكَ، وَ قَدْ حَكَمَ الْوَالِي الَّذِي قَبْلَكَ الَّذِي قُتِلَا فِي إِمَارَتِهِ بِقَتْلِهِ، وَ لَوْ كَانَ قَتْلُهُمَا فِي إِمَارَتِكَ لَمْ يَكُنْ لَكَ الْعَفْوُ عَنْهُ، فَاتَّقِ اللَّهَ! فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُكَ عَنْ هَذَا. وَ لَمَّا (5) رَأَى عُثْمَانُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَبَوْا إِلَّا قَتْلَ عُبَيْدِ اللَّهِ أَمَرَهُ فَارْتَحَلَ إِلَى الْكُوفَةِ وَ أَقْطَعَهُ بِهَا دَاراً وَ أَرْضاً (6)، وَ هِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: كُوَيْفَةُ ابْنِ عُمَرَ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَ أَكْبَرُوهُ وَ كَثُرَ كَلَامُهُمْ فِيهِ..
وَ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَلِيِ (7) بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليهم السلام) أَنَّهُ قَالَ: مَا أَمْسَى عُثْمَانُ يَوْمَ وُلِّيَ حَتَّى نَقَمُوا عَلَيْهِ فِي أَمْرِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، حَيْثُ لَمْ يَقْتُلْهُ بِالْهُرْمُزَانِ. انتهى ما رواه السيّد رضي اللّه عنه.
وَ رَوَى الشَّيْخُ فِي مَجَالِسِهِ (8)، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّلْتِ، عَنِ ابْنِ
____________
(1) كما أورده السّيّد المرتضى في الشّافي 4- 304- 305.
(2) في الشّافي: بن، بدلا من: عن.
(3) في (ك): لجفينة.
(4) في (س): و إن.
(5) في المصدر: فلمّا.
(6) في الشّافي: و ابتنى بها دارا و أقطعه أرضا، بدلا من: و أقطعه بها دارا و أرضا.
(7) في المصدر: عبد اللّه بن حسن بن حسن بن عليّ.
(8) أمالي الشّيخ الطّوسيّ 2- 320- 321 مع تفصيل في الإسناد و اختلاف يسير.
226
عُقْدَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (1) الْعَلَوِيِّ، عَنْ عَمِّهِ الْقَاسِمِ بْنِ جَعْفَرٍ الْعَلَوِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ (2)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ: أَنَّ النَّاسَ كَلَّمُوا عُثْمَانَ فِي أَمْرِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَ قَتْلِهِ الْهُرْمُزَانَ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! قَدْ أَكْثَرْتُمْ فِي أَمْرِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَ الْهُرْمُزَانِ وَ إِنَّمَا قَتَلَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ تُهَمَةً بِدَمِ أَبِيهِ، وَ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِدَمِ الْهُرْمُزَانِ اللَّهُ ثُمَّ الْخَلِيفَةُ، أَلَا وَ إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ دَمَهُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ!.
فَقَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! مَا كَانَ لِلَّهِ كَانَ اللَّهُ أَمْلَكَ بِهِ مِنْكَ، وَ لَيْسَ لَكَ أَنْ تَهَبَ مَا اللَّهُ (3) أَمْلَكُ بِهِ مِنْكَ، فَقَالَ: نَنْظُرُ (4) وَ تَنْظُرُونَ، فَبَلَغَ قَوْلُ عُثْمَانَ عَلِيّاً (عليه السلام) فَقَالَ: وَ اللَّهِ لَئِنْ مَلَكْتُ لَأَقْتُلُ عُبَيْدَ اللَّهِ بِالْهُرْمُزَانِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُبَيْدَ اللَّهِ فَقَالَ: وَ اللَّهِ لَئِنْ مَلَكَ لَفَعَلَ.
وَ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْكَامِلِ (5) وَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْإِسْتِيعَابِ (6) وَ صَاحِبُ رَوْضَةِ الْأَحْبَابِ (7) وَ كَثِيرٌ مِنْ أَرْبَابِ السِّيَرِ: قَتَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بِأَبِيهِ ابْنَةَ أَبِي لُؤْلُؤَةَ وَ قَتَلَ جُفَيْتَةَ وَ الْهُرْمُزَانَ وَ أَشَارَ عَلِيٌّ (عليه السلام) عَلَى عُثْمَانَ بِقَتْلِهِ بِهِمْ فَأَبَى، ثم ذكر في الكامل (8) رواية يتضمّن (9) عفو ابن هرمزان عن عبيد اللّه، و أنّ عثمان مكّنه من
____________
(1) في المصدر: جعفر أبو عبد اللّه.
(2) لا توجد: عن أبيه، في المصدر.
(3) في (س): باللّه.
(4) في المجالس: تنظر.
(5) الكامل 3- 40 و ما جاء في صفحة: 39.
(6) الاستيعاب- المطبوع هامش الإصابة- 2- 431 و 433.
(7) روضة الأحباب للدّشتكيّ 2- 170- طبعة لكنهو- و فيه: عبد اللّه، و هو غلط. و لاحظ ما ذكرناه في التّعليقة رقم (4) من صفحة: 533، من المجلّد 30.
(8) الكامل لابن الأثير 3- 40.
(9) في (س): بتضمّن، و الظاهر: تتضمن.
227
قتله، ثم قال: و الأول أصحّ، لأنّ عليّا (عليه السلام) لّما ولي الخلافة أراد قتله فهرب منه إلى معاوية بالشام، و لو كان إطلاقه بأمر وليّ الدم لم يتعرّض له عليّ (عليه السلام). انتهى (1).
و إذا تأمّلت فيما نقلنا لا يبقى لك ريب في بطلان ما أجاب به المتعصّبون من المتأخّرين، و كفى في طعنه معارضته أمير المؤمنين (عليه السلام)- الذي لا يفارق الحقّ باتّفاقهم- معه في ذلك، و اللّه العاصم عن الفتن و المهالك.
العاشر:
أنّه حمى الحمى (2) عن المسلمين، مع أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)
____________
(1) و لنا نماذج كثيرة لتعطيله الحدود، قصدا أو جهلا، ستأتي منّا مستدركا، و لعلّ قصّة الوليد بن عقبة- الفاسق بنصّ الكتاب و صريح السنّة، و واليه على الكوفة، التي مرّت في الطعن الأول- تعدّ الفرد الأكمل و المصداق الأتمّ لهذا المعنى، إذ لا شبهة في شربه للخمر و سكره و صلاته بالناس صلاة الصبح أربعا في تلك الحال- كما في الأنساب 5- 33، و صحيح مسلم و بقيّة المصادر السالفة- و قد التفت إلى المصلّين قائلا: أزيدكم ..؟ إلى آخر القصّة، و فيها شهادة الأربعة عليه فأوعدهم عثمان و تهدّدهم، و قال لجندب بن زهير- أحد الشهود-: أنت رأيت أخي يشرب الخمر؟! و غير ذلك، و من هنا قالت عائشة بعد ما شهد عندها الشهود: أنّ عثمان أبطل الحدود و توعّد الشهود. بل نراه قد ضرب بعض الشهود أسواطا، و قد أقام عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) الحدّ بعد ذلك، انظر القصّة مفصّلا في مسند أحمد بن حنبل 1- 144، و سنن البيهقيّ 8- 318، و تاريخ اليعقوبي 2- 142، و الكامل لابن الأثير 3- 42، و أسد الغابة 5- 91، 92، و الإصابة 3- 638، و تاريخ الخلفاء للسيوطي: 104، و السيرة الحلبيّة 2- 314، و الأغاني 4- 178- 180، و العقد الفريد 2- 273.
(2) لقد أباحت الشريعة الغرّاء و رسالة السماء جميع منابت العشب و مساقط الغيث، و المروج و السهول للمسلمين إذا لم يحجر عليها و لم يكن لها مالك خاصّ، و عدّت من المباحات الأصليّة، و لا يحقّ لأحد- مهما كان و أيّ كان- أن يحمي لنفسه الحمى و يمنع الناس عنه، و ها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إذ يقول: المسلمون شركاء في ثلاث: في الكلإ و الماء و النار. و قال (صلوات اللّه عليه و آله): ثلاث لا يمنعن: الماء و الكلأ و النار، كما جاء في صحيح البخاريّ 3- 110، الأموال لابن عبيدة: 296، سنن أبي داود 2- 101، سنن ابن ماجة 2- 94 و غيرها. نعم كانت هناك سنّة جاهليّة لحقتها بدعة أمويّة يأكل بها القويّ الضعيف، و اكتسحها الإسلام و أبطلها بقول صاحب الرسالة (سلام اللّه عليه و آله): لا حمى إلّا للّه و لرسوله، كما في صحيح البخاريّ 3- 113، الأمّ للشافعي 3- 207، و غيرهما.
228
جعلهم شرعا سواء في الماء و الكلإ (1).
و أجاب قاضي القضاة (2) و غيره بأنّه حماه لإبل الصدقة، و قد روى عنه هذا الكلام بعينه، و أنّه قال: إنّما فعلت ذلك لإبل الصدقة، و قد أطلقته الآن، و أنا أستغفر اللّه.
و ردّ عليهم السيد رضي اللّه عنه (3) بأنّ المرويّ بخلاف ما ذكر (4)، لأنّ الواقدي روى بإسناده، قال: كان عثمان يحمي الرَّبَذة (5) و السَّرِف (6) و النَّقِيع (7) فكان لا يدخل الحمى بعير له و لا فرس و لا لبني أميّة، حتّى كان آخر الزمان،
____________
(1) كما في الأنساب للبلاذري 5- 37، و السيرة الحلبيّة 2- 87، و شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1- 67، و غيرها.
(2) المغني: 20- القسم الثاني-: 52.
(3) في الشافي 4- 278، بتصرّف.
(4) في المصدر: ذكره.
(5) قال في مراصد الاطّلاع 2- 601: الربذة- بفتح أوّله و ثانيه و ذال معجمة مفتوحة- من قرى المدينة على ثلاثة أميال .. إلى آخره، و انظر: معجم البلدان 3- 24- 25، و فيه: و بهذا الموضع قبر أبي ذرّ الغفاري رضي اللّه عنه، و اسمه جندب بن جنادة، و كان قد خرج إليها مغاضبا لعثمان بن عفّان.
(6) السرف- بالفتح ثمّ الكسر و آخره فاء-: موضع على ستة أميال من مكّة، كما صرّح بذلك في مراصد الاطّلاع 2- 708، و انظر ما ذكره في معجم البلدان 3- 212. و في الغدير 8- 236 و المصدر و الموطإ و غيرها: الشرف- بالمعجمة و فتح الراء- و هي كبد نجد، و عند البخاري بالسين، و الأول أظهر، لاحظ أيضا: معجم البلدان 3- 12، و مراصد الاطّلاع 2- 791.
(7) النقيع- بالفتح ثمّ الكسر و ياء ساكنة و عين مهملة- قاله في المراصد 3- 1378. ثم قال: و قيل:
النقيع: موضع قرب المدينة حماه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لخيله و هو غير نقيع الخضمات، و لاحظ: معجم البلدان 5- 301- 302. أمّا البقيع: فلم يأت بدون إضافة، إذ هو لغة بمعنى الموضع الذي فيه أروم الشجر من ضروب شتّى، و به سمّي بقيع الغرقد الذي هو مقبرة أهل المدينة. لاحظ: معجم البلدان 1- 473، و مراصد الاطّلاع 1- 213 و غيرهما.
229
فكان يحمي السرف (1) لإبله، و كانت ألف بعير و لإبل الحكم بن أبي العاص، و يحمي الربذة لإبل الصدقة، و يحمي النقيع (2) لخيل المسلمين و خيله و خيل بني أميّة (3).
على أنّه لو كان إنّما حماه لإبل الصدقة لم يكن بذلك مصيبا، لأنّ اللّه تعالى و رسوله ص أباحا الكلأ (4) و جعلاه مشتركا فليس لأحد أن يغيّر هذه الإباحة.
و لو كان في هذا الفعل مصيبا، و إنّما حماه لمصلحة تعود على المسلمين لما جاز أن يستغفر اللّه (5) منه (6) و يعتذر، لأنّ الاعتذار إنّما يكون من الخطإ دون الصواب. انتهى.
و قد رَوَى الْبُخَارِيُ (7) فِي صَحِيحِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ (8) وَ لِرَسُولِهِ (9).
فَجَعَلَ الْحِمَى مُخْتَصّاً بِإِبِلِهِ وَ إِبِلِ الْحَكَمِ وَ خَيْلِ بَنِي أُمَيَّةَ مُنَاقَضَةً لِنَصِّهِ (صلّى اللّه عليه و آله).
وَ قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (10) فِي شَرْحِ الْخُطْبَةِ الشِّقْشِقِيَّةِ: أَنَّ عُثْمَانَ ... حَمَى
____________
(1) في المصدر: الشرف- بالمعجمة-، انظر: ما ذكرناه في تعليقة رقم (6) في الصفحة السالفة.
(2) انظر: تعليقة رقم (7) من الصفحة السالفة، و في شرح نهج البلاغة بكلا طبعتيه-: و البقيع.
(3) و أورده ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 3- 39 [1- 235- طبعة أربع مجلدات].
(4) في المصدر: أحلّا الكلأ و أباحاه.
(5) لا يوجد لفظ الجلالة في المصدر.
(6) في (ك): عنه، بدلا من: منه.
(7) صحيح البخاريّ- كتاب الجهاد- حديث 146.
(8) في (س): اللّه.
(9) و ذكره ابن حنبل في مسنده 4- 38 و 71 و 73. أقول: جاء في صحيح البخاريّ كتاب المساقاة حديث 11: أنّ عمر حمى السّرف و الرّبذة!.
(10) في شرحه على نهج البلاغة 1- 199 [1- 67 طبعة ذات أربع مجلّدات].
230
الْمَرَاعِيَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ كُلَّهَا مِنْ مَوَاشِي الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ إِلَّا عَنْ بَنِي أُمَيَّةَ.
الحادي عشر:
أنّه أعطى من بيت المال الصدقة المقاتلة و غيرها، و ذلك ممّا لا يحلّ في الدين، و دفع الاعتراضات الواردة عليه مذكور في الشافي (1).
الثاني عشر:
إتمامه الصلاة بمنى مع كونه مسافرا، و هو مخالف للسنّة و لسيرة من تقدّمه (2).
____________
(1) الشافي 4- 278.
(2) اعلم أنّ إتمامه الصلاة في منى كان من المسلّم عند العامّة، و تشبّثوا في توجيهه و تبريره بما لا يزيده إلّا طعنا.
فقد أخرج البيهقيّ في سننه 3- 144، عن الزهري: أنّ عثمان بن عفّان أتمّ الصلاة بمنى من أجل الأعراب لأنّهم كثروا عامئذ فصلّى بالناس أربعا ليعلمهم أنّ الصلاة أربع!!. و ذكره في تيسير الوصول 2- 286، و نيل الأوطار 2- 260.
و أورد المتّقي في الكنز 4- 229، و البيهقيّ في السنن الكبرى 3- 144، عن حميد، عن عثمان بن عفّان أنّه أتمّ الصلاة بمنى، ثمّ خطب فقال: يا أيّها الناس! إنّ السنّة سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم و سنّة صاحبيه و لكنّه حدث العام من الناس فخفت أن يستنّوا.
و قال ابن حجر في فتح الباري 2- 456: أخرج أحمد و البيهقيّ من حديث عثمان و أنّه صلّى بمنى أربع ركعات أنكر الناس عليه، فقال: إنّي تأهّلت بمكّة لما قدمت، و إنّي سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: من تأهّل ببلدة فإنّه يصلّي صلاة مقيم. قال: هذا حديث لا يصحّ منقطع، أو في رواته من لا يحتجّ به، و يردّه أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان يسافر بزوجاته و قصّر.
و روى ابن حزم في المحلّى 4- 270، و ابن التركماني في ذيل سنن البيهقيّ 3- 144 من طريق سفيان بن عيينة، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، قال: اعتلّ عثمان- و هو بمنى- فأتى عليّ فقيل له: صلّ بالناس. فقال: إن شئتم صلّيت لكم صلاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم؟.
قالوا: لا، إنّ صلاة أمير المؤمنين- يعني عثمان- أربعا، فأبى.
231
فقد رَوَى فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (1)، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ (2)، قَالَ: صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. فَقَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ، وَ مَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ، فَيَا لَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ.
قال: أخرجه البخاري (3) و مسلم (4) و أبو داود (5). وَ فِي أُخْرَى لِأَبِي دَاوُدَ (6) زِيَادَةُ: وَ مَعَ عُثْمَانَ صَدْراً مِنْ إِمَارَتِهِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا .. وَ ذَكَرَ الْحَدِيثَ (7).
وَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِ (8)، قَالَ: صَلَّى عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعاً حَتَّى بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ.
وَ لَهُ فِي أُخْرَى، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ، وَ مَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ.
وَ رَوَى الْبُخَارِيُ (9) وَ مُسْلِمٌ (10) وَ النَّسَائِيُ (11)- عَلَى مَا أَوْرَدَهُ صَاحِبُ جَامِعِ
____________
(1) جامع الأصول 5- 704 حديث 4020.
(2) في المصدر زيادة: و هو أخو الأسود النّخعيّ.
(3) صحيح البخاريّ 2- 465 كتاب تقصير الصلاة، باب الصلاة بمنى. و في كتاب الحجّ، باب الصلاة بمنى 2- 154.
(4) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب قصر الصلاة بمنى 2- 260، حديث 695.
(5) سنن أبي داود، المجلد 12، باب الصلاة بمنى، باختلاف يسير في اللفظ.
(6) سنن أبي داود، كتاب المناسك، باب الصّلاة بمنى 1- 308، حديث 1960.
(7) و رواه الدّارميّ في سننه 2- 55، و البيهقيّ في السّنن الكبرى 3- 143، و غيرهما.
(8) سنن النّسائيّ 3- 120- 121، كتاب تقصير الصّلاة، باب تقصير الصّلاة بمنى. و فيه روايته الأخرى التّالية.
(9) صحيح البخاريّ 2- 464، كتاب تقصير الصّلاة، باب الصّلاة بمنى، و في كتاب الحجّ، باب الصّلاة بمنى.
(10) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب قصر الصّلاة بمنى، حديث 694.
(11) سنن النّسائيّ 3- 121، كتاب تقصير الصّلاة، باب الصّلاة بمنى، عن أنس بن مالك.
232
الْأُصُولِ (1)-، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَ عُمَرُ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ، وَ عُثْمَانُ صَدْراً مِنْ خِلَافَتِهِ، ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بَعْدُ أَرْبَعاً، وَ كَانَ (2) ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ صَلَّى أَرْبَعاً، وَ إِذَا صَلَّى (3) وَحْدَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ (4).
قال: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَ مُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى (5)، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ أَنَّهُ: صَلَّى صَلَاةَ الْمُسَافِرِ بِمِنًى وَ غَيْرِهِ رَكْعَتَيْنِ، وَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ عُثْمَانُ رَكْعَتَيْنِ صَدْراً مِنْ خِلَافَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّهَا أَرْبَعاً.
و أخرجه البخاري (6) و لم يقل: و غيره (7).
وَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مُخْتَصَرٌ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (8) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
____________
(1) جامع الأصول 5- 705، حديث 4021.
(2) في جامع الأصول: فكان.
(3) في المصدر: صلّاها.
(4) و رواه أحمد في مسنده 2- 16 و 55 و 56 باختصار، و الطّحاويّ في شرح معاني الآثار، باب صلاة المسافرين. و انظر: ما جاء في مسند أحمد بن حنبل 1- 145، 378 و 2- 44، و سنن البيهقيّ 3- 126 و غيرهما.
(5) في المصدر: و أخرجه مسلم من طريق آخر، بدلا من: من طرق أخرى.
(6) في المصدر زيادة: نحوه.
(7) أقول: و قريب منه ما أخرجه مالك في الموطإ 1- 282، عن عروة، و القاضي أبو يوسف في الآثار:
30، و الشافعي في كتابه الأمّ 1- 159، و 7- 175، عن عبد الرحمن بن يزيد. و نقله الترمذي في صحيحه 1- 71، و البيهقيّ في سننه 3- 153، عن أبي نضرة بتفصيل، و قال: حسن صحيح.
و في لفظ ابن حزم في المحلّى 4- 270: أنّ ابن عمر كان إذا صلّى مع الإمام بمنى أربع ركعات انصرف إلى منزله فصلّى فيه ركعتين، أعادها.
و جاء في صحيح البخاريّ 2- 154، و صحيح مسلم 1- 261، و مسند أحمد بن حنبل 1- 425 و غيرهما بالإسناد، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: صلّى بنا عثمان بن عفّان بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد اللّه بن مسعود، فاسترجع، ثمّ قال: .. و جاءت رواية عبد الرحمن بن يزيد في السنن الكبرى 3- 144 و غيرها بإسناد آخر.
(8) في المصدر: النّبيّ، بدلا من: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
233
[وَ آلِهِ] وَ سَلَّمَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ، وَ مَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ.
وَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (1)، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ صَلَّى الصَّلَاةَ (2) بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ صَلَّاهَا (3) بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ (4) صَلَّاهَا بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَ أَنَّ عُثْمَانَ صَلَّاهَا (5) رَكْعَتَيْنِ شَطْرَ إِمَارَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّهَا بَعْدُ.
قال: أخرجه الموطأ (6).
وَ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ بِمِنًى وَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَ مَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ وَ مَعَ عُثْمَانَ صَدْراً مِنْ إِمَارَتِهِ.
قال: أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُ (7).
عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ- وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ، فَقَالَ-: حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَ مَعَ (8) عُمَرَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَ مَعَ عُثْمَانَ سِتَّ سِنِينَ مِنْ خِلَافَتِهِ أَوْ ثَمَانِيَ سِنِينَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. قال: أخرجه الترمذي (9).
وَ عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: كَيْفَ أُصَلِّي إِذَا كُنْتُ
____________
(1) جامع الأصول 5- 706، حديث 4022.
(2) لا توجد: الصّلاة، في المصدر.
(3) في جامع الأصول زيادة: بمنى.
(4) لا يوجد: بن الخطّاب، في المصدر.
(5) في المصدر زيادة: بمنى.
(6) الموطأ 1- 402 كتاب الحجّ، باب الصلاة بمنى.
(7) سنن النّسائيّ 3- 120 كتاب تقصير الصّلاة، باب الصّلاة بمنى.
و أورده ابن الأثير في جامع الأصول 5- 706، حديث 4023، و أخذه المصنّف (رحمه اللّه) من الأخير، كما أورده إمام الحنابلة في مسنده 1- 145.
(8) في المصدر: و حججت مع ..
(9) سنن الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في التقصير في السفر، حديث 545، و قال: هذا حديث حسن صحيح. و أورده ابن الأثير في جامع الأصول 5- 706، حديث 4024.
234
بِمَكَّةَ إِذَا لَمْ أُصَلِّ مَعَ الْإِمَامِ؟!. قَالَ: رَكْعَتَيْنِ، سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ (1).
وَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِ (2)، قَالَ: تَفُوتُنِي الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ- وَ أَنَا بِالْبَطْحَاءِ- مَا تَرَى أُصَلِّي؟. قَالَ: رَكْعَتَيْنِ، سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ (3).
وَ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ- وَ نَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا (4) وَ آمَنُهُ- بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ.
أخرجه البخاري (5) و مسلم (6) و الترمذي (7).
وَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ (8) وَ النَّسَائِيِ (9)، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِمِنًى (10) وَ النَّاسُ أَكْثَرُ مَا كَانُوا، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ (11).
____________
(1) كذا أورده مسلم بن الحجّاج القشيريّ في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين و قصرها، حديث 688.
(2) سنن النّسائيّ 3- 119، كتاب تقصير الصّلاة، باب الصّلاة بمكّة.
(3) و عن حميد الضّمريّ قريب منه، كما جاء في كنز العمّال 4- 240.
(4) في المصدر زيادة: قطّ.
(5) صحيح البخاريّ 2- 464، كتاب تقصير الصلاة بمنى، و في كتاب الحجّ، باب الصلاة بمنى.
(6) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب قصر الصلاة بمنى، حديث 696.
(7) سنن الترمذي، كتاب الحجّ، باب ما جاء في تقصير الصلاة بمنى، حديث 882.
(8) سنن أبي داود، كتاب الحجّ، باب القصر لأهل مكّة، حديث 1965.
(9) سنن النّسائيّ 3- 119- 120، كتاب تقصير الصّلاة، باب الصّلاة بمنى. و مجموع ما ذكره في سننه أربع أحاديث.
(10) في (س): بمنى ركعتين، و خطّ على الأخيرة في (ك)، و في المصدر: صلّيت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم بمنى أكثر ما كانوا ...
(11) و أورده في جامع الأصول 5- 703- 704، حديث 4019. و عن حارثة بن وهب قال: صلّى بنا النّبيّ صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم آمن ما كان بمنى ركعتين، كذا رواه البخاريّ في صحيحه في كتاب التّقصير، باب الصّلاة بمنى، و كرّر ذكرها في كتاب الحجّ في باب الصّلاة بمنى باختلاف يسير، و أوردها أبو نعيم في حلية الأولياء 4- 344، 7- 188 بطريقين.
235
وَ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْكَامِلِ (1): إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَصْحَابِ عَابُوا عَلَيْهِ مَا صَنَعَ بِمِنًى، قَالَ: وَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَ عِشْرِينَ حَجَّ عُثْمَانُ فَضَرَبَ فُسْطَاطَهُ بِمِنًى- وَ كَانَ أَوَّلَ فُسْطَاطٍ ضَرَبَهُ عُثْمَانُ بِمِنًى- وَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ بِهَا وَ بِعَرَفَةَ، وَ كَانَ أَوَّلُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّاسُ فِي عُثْمَانَ ظَاهِراً حِينَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ بِمِنًى، فَعَابَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَ قَالَ لَهُ عَلِيٌّ (ع): مَا حَدَثَ أَمْرٌ وَ لَا قَدُمَ عَهْدٌ، وَ لَقَدْ عَهِدْتُ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ وَ أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ وَ أَنْتَ صَدْراً مِنْ خِلَافَتِكَ، فَمَا أَدْرِي مَا تَرْجِعُ إِلَيْهِ؟ (2) أَ لَمْ تُصَلِّ فِي هَذَا الْمَكَانِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ وَ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ صَلَّيْتَهُمَا (3) أَنْتَ رَكْعَتَيْنِ؟. قَالَ: بَلَى! وَ لَكِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ بَعْضَ مَنْ حَجَّ مِنَ الْيَمَنِ وَ جُفَاةَ النَّاسِ قَالُوا إِنَّ الصَّلَاةَ لِلْمُقِيمِ رَكْعَتَانِ، وَ احْتَجُّوا بِصَلَاتِي وَ قَدِ اتَّخَذْتُ بِمَكَّةَ أَهْلًا وَ لِي بِالطَّائِفِ مَالٌ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَا فِي هَذَا عُذْرٌ، أَمَّا قَوْلُكَ اتَّخَذْتُ بِهَا أَهْلًا فَإِنَّ زَوْجَكَ بِالْمَدِينَةِ تَخْرُجُ بِهَا إِذَا شِئْتَ وَ إِنَّهَا (4) تَسْكُنُ بِسُكْنَاكَ، وَ أَمَّا مَالُكَ بِالطَّائِفِ، فَبَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ مَسِيرَةُ ثَلَاثِ لَيَالٍ، وَ أَمَّا قَوْلُكَ عَنْ حَاجِّ الْيَمَنِ وَ غَيْرِهِمْ فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَ الْإِسْلَامُ قَلِيلٌ ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ فَصَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ، وَ قَدْ ضَرَبَ الْإِسْلَامُ بِجِرَانِهِ (5). فَقَالَ: أَعْمَلُهُ بِمَا أَرَى (6). فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَاقَى ابْنَ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: وَ الْخِلَافُ شَرٌّ (7)، وَ قَدْ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي أَرْبَعاً. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ:
____________
(1) الكامل لابن الأثير 3- 51 [دار الكتاب العربيّ- بيروت] 3- 42، بتصرّف و اختصار.
(2) هنا سقط لا يتمّ الكلام إلّا به، حيث جاء في المصدر: ما يرجع إليه، فقال: رأي رأيته، و بلغ الخبر عبد الرّحمن بن عوف و كان معه، فجاءه فقال له: ..
(3) في الكامل: و عمر ركعتين و صلّيتها ..
(4) في المصدر: و إنّما.
(5) قال في النّهاية 1- 263: ضرب الحقّ بجرانه .. أي قرّ قراره و استقام، كما أنّ البعير إذا برك و استراح مدّ عنقه على الأرض، و الجران: باطن العنق.
(6) في الكامل: فقال عثمان: هذا رأي رأيته.
(7) هنا سقط، و جاء في المصدر: فقال: أبا محمّد! غير ما تعلم. قال: فما أصنع؟. قال: اعمل بما ترى و تعلم. فقال ابن مسعود: الخلاف شرّ.
.
236
قَدْ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي رَكْعَتَيْنِ، وَ أَمَّا الْآنَ فَسَوْفَ أُصَلِّي أَرْبَعاً. قَالَ: وَ قِيلَ كَانَ ذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ (1).
وَ رَوَى نَحْوَ ذَلِكَ صَاحِبُ رَوْضَةِ الْأَحْبَابِ (2)، وَ قَالَ: أَنْكَرَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ ضَرْبَ الْفُسْطَاطِ بِمِنًى وَ إِطْعَامَهُ النَّاسَ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ شِعَارِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَ لَمْ يُقْدِمْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مُنْذُ بُعِثَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) إِلَى ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَ قَدْ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): لَنَضْرِبَنَّ لَكَ فُسْطَاطاً بِمِنًى، فَقَالَ: لَا، مِنَى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ..
وَ رُوِيَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (3)، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ (4): قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَ لَا نَبْنِي لَكَ بِمِنًى بَيْتاً يُظَلِّلُ (5) مِنَ الشَّمْسِ؟، فَقَالَ: لَا، إِنَّمَا هُوَ مُنَاخٌ لِمَنْ سَبَقَ إِلَيْهِ..
قال: أخرجه الترمذي (6) و أبو داود (7)
____________
(1) قريب منه الطّبريّ في تاريخه في حوادث سنة 29 ه، 5- 56، و انظر: تاريخ ابن كثير 7- 154، و تاريخ ابن خلدون 2- 386، و الأنساب للبلاذريّ 5- 39.
أقول: و ها هو أمير المؤمنين و يعسوب الدّين (سلام اللّه عليه) يقف أمام هذه البدعة، فقد روى ابن حزم في المحلّى 4- 270 بإسناده، قال: اعتلّ عثمان و هو بمنى، فأتى عليّ فقيل له: صلّ بالنّاس. فقال: إن شئتم صلّيت لكم صلاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم، يعني ركعتين.
قالوا: لا، إلّا صلاة أمير المؤمنين!- يعنون عثمان- أربعا، فأبى. و أوردها ابن التركماني في ذيل سنن البيهقيّ 3- 144، و قد سلفت.
(2) روضة الأحباب .. انظر: تعليقة رقم (4) في صفحة: 533 من المجلّد السّالف: 30.
(3) جامع الأصول 3- 437، حديث 1775.
(4) لا توجد: قالت، في (س).
(5) في المصدر: يضلك.
(6) سنن الترمذي، كتاب الحجّ، باب ما جاء في أنّ منى مناخ من سبق، حديث 881.
(7) سنن أبي داود، كتاب المناسك، باب تحريم حرم مكّة، حديث 2019.
أقول: و أخرجه أيضا ابن ماجة في كتاب المناسك، باب النزول بمنى، حديث 3006 و 3007، و أحمد بن حنبل في مسنده 6- 187 و 206، و الدارميّ في سننه 2- 73 كتاب المناسك، باب كراهيّة البنيان بمنى، و مستدرك الحاكم 1- 467 كتاب الحجّ، باب منى مناخ من سبق.
237
ثم إنّ الشافعي (1) ذهب إلى أنّ قصر الصلاة رخصة ليس بعزيمة، لقوله تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ) (2)، و قال: و القصر أفضل.
و قال مالك (3) و أبو حنيفة (4): إنّه عزيمة (5)، و يدلّ عليه من طرق الجمهور روايات كثيرة، و نفي الجناح لا ينافي كون القصر عزيمة، و سيأتي القول فيه في بابه (6)، مع أنّ القول بالتخيّر لا ينفع في دفع الطعن عنه، إذ لو كان له سبيل إليه لما اعتذر بالأعذار الواهية كما عرفت، بل يظهر من إعراض المعترض و المعتذر عنه رأسا اتّفاق (7) الأصحاب على بطلانه.
الثالث عشر:
جرأته على الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و مضادّته له.،
فقد حكى الْعَلَّامَةُ (رحمه اللّه) فِي كِتَابِ كَشْفِ الْحَقِ (8)، عَنِ الْحُمَيْدِيِ (9)، قَالَ: قَالَ السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ
____________
(1) الأم للشافعي 1- 179- صدر المسألة، المبسوط للسرخسي 1- 239، بداية المجتهد 1- 166، القوانين الفقهيّة: 82، المجموع 4- 335، 336، 339 و غيرها.
(2) سورة النساء: 101.
(3) كما جاء في المجموع 4- 337.
(4) ذكره في بداية المجتهد 1- 166، و المبسوط 1- 239، و المجموع 4- 337، و القوانين الفقهيّة:
82. و غيرها.
(5) بل ذهب عمر و ابنه و ابن عبّاس و جابر و جبير بن مطعم و الحسن و القاضي إسماعيل و حمّاد بن سليمان و عمر بن عبد العزيز و قتادة و الكوفيّون إلى أنّ القصر واجب، كما في تفسير القرطبيّ 5- 351، و تفسير الخازن 1- 413 و غيرهما.
(6) بحار الأنوار 89- 1 و ما بعدها، و لاحظ صفحة: 110- 116 من المجلد الثامن من الغدير، و 8- 185 منه.
(7) في (س): لاتّفاق.
(8) نهج الحقّ و كشف الصّدق: 304- 305، باختلاف أشرنا لبعضه.
(9) في كتابه الجمع بين الصّحيحين، و لا زال- حسب علمنا- مخطوطا.
238
تَعَالَى: (وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً) (1) إِنَّهُ لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ وَ عَبْدُ اللَّهِ (2) بْنُ حُذَافَةَ وَ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ امْرَأَتَيْهِمَا: أُمَّ سَلَمَةَ وَ حَفْصَةَ، قَالَ طَلْحَةُ وَ عُثْمَانُ: أَ يَنْكِحُ مُحَمَّدٌ نِسَاءَنَا إِذَا مِتْنَا وَ لَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُ إِذَا مَاتَ؟! وَ اللَّهِ لَوْ قَدْ مَاتَ لَقَدْ أَجْلَبْنَا (3) عَلَى نِسَائِهِ بِالسِّهَامِ، وَ كَانَ طَلْحَةُ يُرِيدُ عَائِشَةَ، وَ عُثْمَانُ يُرِيدُ أُمَّ سَلَمَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً* إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) (4)، وَ أُنْزِلَ: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً) (5).
الرابع عشر:
عدم إذعانه لقضاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالحقّ.،
فقد رَوَى الْعَلَّامَةُ (رحمه اللّه) فِي كَشْفِ الْحَقِ (6)، عَنِ السُّدِّيِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَ يَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالرَّسُولِ وَ أَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ ما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) (7)، (وَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَ إِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ رَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.) (8) الْآيَاتِ، وَ قَالَ (9):
____________
(1) الأحزاب: 53.
(2) في المصدر: و خنيس، بدلا من: و عبد اللّه.
(3) في (س): أجّلنا.
(4) الأحزاب: 53 و 54.
(5) النّور: 57.
(6) نهج الحقّ و كشف الصّدق: 305، باختلاف يسير.
(7) النّور: 47.
(8) النّور: 48- 50.
(9) في (س): و قد، بدلا من: و قال. و في المصدر: قال السّدّيّ: نزلت هذه في عثمان بن عفّان.
239
نَزَلَتْ فِي عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بَنِي النَّضِيرِ فَغَنِمَ أَمْوَالَهُمْ، فَقَالَ عُثْمَانُ لِعَلِيٍّ (عليه السلام): ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ فَاسْأَلْهُ أَرْضَ .. كَذَا وَ كَذَا، فَإِنْ أَعْطَاكَهَا فَأَنَا شَرِيكٌ فِيهَا، وَ آتِيهِ أَنَا فَأَسْأَلُهُ إِيَّاهَا فَإِنْ أَعْطَانِيهَا فَأَنْتَ شَرِيكِي فِيهَا، فَسَأَلَهُ عُثْمَانُ أَوَّلًا فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا، فَقَالَ لِي عَلِيٌّ (عليه السلام): أَشْرِكْنِي، فَأَبَى عُثْمَانُ، فَقَالَ: بَيْنِي وَ بَيْنَكَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَأَبَى أَنْ يُخَاصِمَهُ إِلَى النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ لَا تَنْطَلِقُ مَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)؟!، فَقَالَ هُوَ ابْنُ عَمِّهِ فَأَخَافُ (1) أَنْ يَقْضِيَ لَهُ!. فَنَزَلَتِ الْآيَاتُ، فَلَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ ص (2) مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ أَقَرَّ لِعَلِيٍّ (عليه السلام) بِالْحَقِّ.
و قد مرّ (3) هذا من تفسير عليّ بن إبراهيم (4)، و أنّها نزلت فيه بوجه آخر..
الخامس عشر:
أنّه زعم أنّ في المصحف لحنا،
- فقد حَكَى الْعَلَّامَةُ (رحمه اللّه) فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ (5)، عَنْ تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِ (6) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنْ هذانِ لَساحِرانِ) (7)، قَالَ:
قَالَ عُثْمَانُ: إِنَّ فِي الْمُصْحَفِ لَحْناً (8). فَقِيلَ لَهُ: أَ لَا تُغَيِّرُهُ؟. فَقَالَ: دَعُوهُ! فَلَا يُحَلِّلُ
____________
(1) لا توجد: فأخاف، في (س)، و أثبتت في المصدر.
(2) كذا، و في المصدر: عثمان، و هو الظّاهر.
(3) بحار الأنوار 22- 98 حديث 52.
(4) تفسير القمّيّ 2- 107.
(5) كشف الحقّ: 146- طبعة دار السّلام، بغداد-.
(6) تفسير الثّعلبيّ 3- 32، و قد حذفت الرّواية في المطبوع منه، أو لعلّها في مكان آخر من التّفسير، فراجع.
(7) طه: 63.
(8) في المصدر زيادة هنا و هي: و استسقمه العرب بألسنتهم.
240
حَرَاماً وَ لَا يُحَرِّمُ حَلَالًا.
، وَ رَوَاهُ الرَّازِيُّ أَيْضاً فِي تَفْسِيرِهِ (1).
السادس عشر:
تقديمه الخطبتين في العيدين، و كون الصلاة مقدّمة على الخطبتين قبل عثمان ممّا تضافرت به الأخبار العاميّة (2).،
فقد رَوَى مُسْلِمٌ (3) فِي صَحِيحِهِ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَّهُ يُصَلِّي قَبْلَ الْخُطْبَةِ (4).
وَ عَنْ عَطَاءٍ (5)، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) قَامَ يَوْمَ الْفِطْرِ فَصَلَّى فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ.
وَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ (6) ابْنِ عُمَرَ (7): أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَبَا بَكْرٍ
____________
(1) تفسير الفخر الرّازيّ 22- 75.
(2) قال الترمذي في الصحيح 1- 70: و العمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم و غيرهم أنّ صلاة العيدين قبل الخطبة. و تأتيك جملة من المصادر.
(3) صحيح مسلم 1- 325- كتاب العيدين-، حديث 884.
(4) و جاء بمضامين متعدّدة في صحاح العامّة و مسانيدهم بهذا الإسناد، انظر: صحيح البخاريّ 2- 377 [2- 116]، كتاب العيدين، باب الخطبة بعد العيد، و في أكثر من ثلاث عشرة [ثلاثة عشر كتاب، [كتابا و سنن أبي داود 1- 178 كتاب الصّلاة، باب الخطبة يوم العيد، حديث 1142- 1146 و 1447، و سنن النّسائيّ 3- 183 كتاب العيدين، باب الخطبة في العيدين بعد الصّلاة، و باب موعظة الإمام النّساء بعد الفراغ من الخطبة، سنن ابن ماجة 1- 385، سنن البيهقيّ 3- 296.
(5) كذا أورده أبو داود في سننه بهذا الإسناد في كتاب الصّلاة، باب الخطبة يوم العيد، حديث 1141، و جاء بهذا المضمون في عدّة روايات متّحدة الإسناد مختلفة المضمون، كما أوردها ابن الأثير في جامع الأصول 6- 131- 133.
(6) في (ك): و عن.
(7) كما أورده البخاريّ في صحيحه 2- 375 [2- 111- 112]، كتاب العيدين، باب المشي و الرّكوب إلى العيد و الصّلاة باختلاف يسير، و باب الخطبة بعد العيد، و صحيح مسلم 1- 326 كتاب العيدين في فاتحته، حديث 888، و سنن التّرمذيّ 1- 70 كتاب الصّلاة، باب ما جاء في صلاة العيدين قبل الخطبة، حديث 531، و سنن النّسائيّ 3- 183 كتاب العيدين، باب صلاة العيدين قبل الخطبة، و ذكره ابن الأثير في جامع الأصول 6- 131، حديث 4239، و موطّأ مالك 1- 146، و مسند أحمد بن حنبل 2- 38، و كتاب الأمّ للشّافعيّ 1- 208 و فيه: أنّ النّبيّ و أبا بكر و عمر كانوا يصلّون في العيدين قبل الخطبة، سنن ابن ماجة 1- 387، و سنن البيهقيّ 3- 296، و المحلّى لابن حزم 5- 85، و بدائع الصّنائع 1- 276. و اللّفظ مختلف و المعنى واحد. و جاء عن أبي سعيد الخدريّ و عبد اللّه بن سائب و أنس بن مالك و البراء بن عازب و أبي عبيدة مولى ابن أزهر و غيرهم، انظر مثلا: صحيح البخاريّ 2- 110، 111، صحيح مسلم 1- 325، سنن ابن ماجة 1- 386، 389، سنن البيهقيّ 3- 296، 297، 298، 301، سنن أبي داود 1- 178، 180، سنن النّسائيّ 3- 185- 186، المدوّنة الكبرى لمالك 1- 155، المحلّى 5- 86، موطّأ مالك 1- 147، كتاب الأمّ للشّافعيّ 1- 171.
241
وَ عُمَرَ كَانُوا يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ.
و الأخبار في ذلك من طرق أهل البيت (عليهم السلام) مستفيضة.
و قال العلّامة (رحمه اللّه) في المنتهى (1): لا نعرف في ذلك خلافا إلّا من بني أميّة.
وَ رَوَى الْكُلَيْنِيُ (2)، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ يُونُسَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: الْخُطْبَةُ فِي الْعِيدَيْنِ (3) بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَ إِنَّمَا أَحْدَثَ الْخُطْبَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ عُثْمَانُ (4).
وَ رَوَى الشَّيْخُ فِي التَّهْذِيبِ (5) بِإِسْنَادِهِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَحَدِهِمَا (عليهما السلام) فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ، قَالَ: الصَّلَاةُ قَبْلَ الْخُطْبَتَيْنِ ... (6)، وَ كَانَ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهَا بَعْدَ الْخُطْبَةِ
____________
(1) منتهى المطلب 1- 245- الحجريّة- في صلاة العيدين، و العبارة منقولة بالمعنى و باختصار.
(2) الكافي 3- 460، حديث 3.
(3) لا توجد في المصدر: في العيدين.
(4) أورده الحرّ العامليّ في الوسائل 5- 110، حديث 9805، و رواه الشّيخ المفيد في المقنعة: 33، و الشّيخ في التّهذيب 1- 289.
(5) التّهذيب 3- 287، حديث 860. و جاء صدر الحديث في التّهذيب 5- 10، و ذكره الشّيخ الحرّ العامليّ في وسائل الشّيعة 5- 110، حديث 2 من الباب 11.
(6) في المصدر زيادة هنا حذفها المصنّف طاب ثراه لعدم ارتباطها بما نحن فيه، فراجع.
242
عُثْمَانُ لَمَّا أَحْدَثَ إِحْدَاثَهُ، كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قَامَ النَّاسُ لِيَرْجِعُوا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَدَّمَ الْخُطْبَتَيْنِ وَ احْتَبَسَ النَّاسَ لِلصَّلَاةِ (1).
السابع عشر:
إحداثه الأذان يوم الجمعة زائدا على ما سنّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و هو بدعة محرّمة، و يعبّر عنه تارة ب: الأذان الثالث، لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) شرّع للصلاة أذانا و إقامة فالزيادة ثالث، أو مع صلاة الصبح، و تارة ب: الأذان الثاني، و الوجه واضح، و هو ما يقع ثانيا بالزمان، أو ما لم يكن بين يدي الخطيب، لأنّه الثاني باعتبار الإحداث سواء وقع أولا بالزمان أو ثانيا.
و قال ابن إدريس (2): ما يفعل بعد نزول الإمام.
و قَدْ رَوَى إِحْدَاثَ عُثْمَانَ الْأَذَانَ الثَّالِثَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْكَامِلِ (3) فِي حَوَادِثِ سَنَةِ ثَلَاثِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَ رَوَاهُ صَاحِبُ رَوْضَةِ الْأَحْبَابِ (4)، وَ رَوَاهُ مِنْ
____________
(1) و ذكر قريب من هذا ابن حجر في فتح الباري 2- 361، و يعجبني نقل عبارته برمّتها قال: أوّل من خطب قبل الصّلاة عثمان، صلّى بالنّاس ثمّ خطبهم!، فرأى ناسا لم يدركوا الصّلاة ففعل ذلك، أي صار يخطب قبل النّاس، و هذه العلّة غير الّتي اعتلّ بها مروان، لأنّ عثمان رأى مصلحة الجماعة في إدراكهم الصّلاة، و أمّا مروان فراعى مصلحتهم في إسماعهم الخطبة، لكن قيل: إنّهم كانوا في زمن مروان يتعمّدون ترك سماع خطبته لما فيها من سبّ ما لا يستحقّ السّبّ، و الإفراط في مدح بعض النّاس!، و انظر: ما ذكره في 2- 359، و أورده الشّوكانيّ في نيل الأوطار 3- 362 و 374.
و ذكره السّيوطيّ في الأوائل، و تاريخ الخلفاء: 111، و السكتواري في محاضرات الأوائل: 145.
(2) السرائر: 64- الحجريّة- في صلاة الجمعة [1- 304- طبعة جامعة المدرسين]، و العبارة ليست نصّا.
(3) الكامل 3- 48، و أورده الطّبريّ في تاريخه 5- 68.
(4) روضة الأحباب .. لاحظ: التّعليقة رقم (4) في صفحة: (533) من المجلّد السّالف (30).
243
أَصْحَابِ صِحَاحِهِمُ الْبُخَارِيِ (1) وَ أَبِي دَاوُدَ (2) وَ التِّرْمِذِيِ (3) وَ النَّسَائِيِ (4) عَلَى مَا رَوَاهُ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (5) عَنْهُمْ، عَنْ زَيْدِ بْنِ السَّائِبِ فِي رِوَايَاتٍ عَدِيدَةٍ:
- مِنْهَا: أَنَّهُ كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ إِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ نَادَى النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ (6).
وَ رُوِيَ (7)، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا صَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ أَحَبُّ إِلَيَّ.
____________
(1) صحيح البخاريّ 2- 326- 327 [2- 95- 96]، كتاب الجمعة، باب الأذان يوم الجمعة، و باب المؤذّن الواحد يوم الجمعة، و باب الجلوس على المنبر عند التّأذين، و باب التّأذين عند الخطبة، بمعاني متقاربة.
(2) كذا، و الصّحيح: و أبو داود، انظر: سنن أبي داود 1- 171- كتاب الصّلاة، باب النّداء يوم الجمعة، حديث 1087- 1090.
(3) سنن التّرمذيّ 1- 67- كتاب الصّلاة- باب ما جاء في أذان يوم الجمعة، حديث 516، بلفظه.
(4) سنن النّسائيّ 3- 100- 101، كتاب الجمعة، باب الأذان للجمعة.
(5) جامع الأصول 5- 674- 675، حديث 3966. و جاء أيضا في سنن ابن ماجة 1- 348، و كتاب الأمّ للشّافعيّ 1- 173، و سنن البيهقيّ 1- 429 و 3- 192، 205، و فيض الإله للبقاعي 1- 193. و لا يخفى كون الألفاظ مختلفة جدّا و المعنى واحدا، فلاحظ.
قال البلاذريّ في الأنساب 5- 39: .. ثمّ إنّ عثمان نادى النّداء الثّالث في السّنة السّابعة [من خلافته] فعاب النّاس ذلك و قالوا: بدعة. و لاحظ ما قاله ابن حجر في فتح الباري 2- 315، و الشّوكانيّ في نيل الأوطار 3- 332، و شرح السّنن الكبرى للبيهقيّ 1- 429.
(6) الكلمة مشوّشة في المطبوع. قال في القاموس 2- 42: الزّوراء: موضع بالمدينة قرب المسجد، و نحوه في تاج العروس 3- 246 و عددا بهذا الاسم عدّة مواضع، و ذكر في فتح الباري 2- 315، و عمدة القاري 3- 291: أنّه حجر كبير عند باب المسجد. و لاحظ: مراصد الاطّلاع 2- 674، و معجم البلدان 4- 412.
و انظر ما ذكره شيخنا الأمينيّ طاب ثراه في غديره 8- 125- 128، و اعتبر.
(7) الأمّ للشّافعيّ 1- 195، و لعلّه يشكل استفادة ما ذكره هنا منه، و لعلّه جاء من أشياع الشّافعيّ و تلامذته.
244
الثامن عشر:
ما ذكره في روضة الأحباب (1) أنّه لّما حجّ في سنة ست و عشرين من الهجرة أمر بتوسيع المسجد الحرام، فابتاع دار من رضي بالبيع من الساكنين في جوار المسجد، و من لم يرض به أخذ داره قهرا، ثم لمّا اجتمعوا إليه و شكوا (2) و تظلّموا أمر بحبسهم حتّى كلّمهم فيهم عبد اللّه بن خالد بن الوليد فشفّعه فيهم و أطلقهم (3).
و لا ريب في أنّ غصب الدور و جعلها مسجدا حرام في الشريعة باتّفاق المسلمين.
التاسع عشر:
إنّه لم يتمكّن من الإتيان بالخطبة، فقد رُوِيَ فِي رَوْضَةِ الْأَحْبَابِ (4) أَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَوَّلُ جُمُعَةٍ مِنْ خِلَافَتِهِ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَعَرَضَهُ الْعِيُّ فَعَجَزَ عَنْ أَدَاءِ الْخُطْبَةِ وَ تَرَكَهَا، فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ: أَيُّهَا النَّاسُ! سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً وَ بَعْدَ عِيٍّ نُطْقاً، وَ إِنَّكُمْ إِلَى إِمَامٍ فَعَّالٍ أَحْوَجُ مِنْكُمْ إِلَى إِمَامٍ قَوَّالٍ، أَقُولُ قَوْلِي وَ اسْتَغْفِرُوا
____________
(1) روضة الأحباب .. انظر: التعليقة رقم (4) من صفحة: 533، من المجلد السالف (30).
(2) لا توجد: و شكوا، في (س).
(3) هذا ما ذكره أصحاب التواريخ، فقد نصّ عليه الطبريّ في تاريخه 5- 47 حوادث سنة 26 ه، و اليعقوبي في تاريخه 2- 142، و ابن الأثير في الكامل 3- 36، قال الأول: و فيها زاد عثمان في المسجد الحرام و وسّعه و ابتاع من قوم و أبى آخرون، فهدم عليهم و وضع الأثمان في بيت المال، فصاحوا بعثمان، فأمر بهم الحبس!.
و قد سبقه بذلك سابقه عمر و زيادته في المسجد و محاكمة العباس بن عبد المطلب معه و إباؤه عن إعطاء داره، و رواية أبيّ بن كعب و أبي ذرّ الغفاري و غيرهما سلف منّا مجملا.
أقول: أخرج البلاذري في الأنساب 5- 38 من طريق مالك، عن الزهري، قال: وسّع عثمان مسجد النبيّ صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم فأنفق عليه من ماله عشرة آلاف درهم، فقال الناس:
يوسّع مسجد رسول اللّه و يغيّر سنّته!.
(4) روضة الأحباب: لاحظ التّعليقة رقم (1).
245
اللَّهَ لِي وَ لَكُمْ .. فَنَزَلَ.
قَالَ: وَ فِي رِوَايَةٍ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ .. وَ عَجَزَ عَنِ الْكَلَامِ.
وَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ: أَوَّلُ كُلِّ مَرْكَبٍ صَعْبٌ، وَ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ (1) وَ عُمَرَ كَانَا يُعِدَّانِ لِهَذَا الْمَقَامِ مَقَالًا وَ أَنْتُمْ إِلَى إِمَامٍ عَادِلٍ أَحْوَجُ مِنْكُمْ إِلَى إِمَامٍ قَائِلٍ، وَ إِنْ أَعِشْ فَآتِكُمُ الْخُطْبَةَ عَلَى وَجْهِهَا، وَ يَعْلَمُ اللَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (2).
وَ قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (3) فِي شَرْحِ
- قَوْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): وَ إِنَّا لَأُمَرَاءُ الْكَلَامِ، وَ فِينَا تَنَشَّبَتْ عُرُوقُهُ، وَ عَلَيْنَا تَهَدَّلَتْ غُصُونُهُ. (4).
إِنَّهُ رَوَى أَبُو عُثْمَانَ فِي كِتَابِ الْبَيَانِ وَ التَّبْيِينِ (5)، إِنَّ عُثْمَانَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَأُرْتِجَ عَلَيْهِ (6). فَقَالَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ كَانَا يُعِدَّانِ لِهَذَا الْمَقَامِ مَقَالًا، وَ أَنْتُمْ إِلَى إِمَامٍ عَادِلٍ أَحْوَجُ مِنْكُمْ إِلَى إِمَامٍ خَطِيبٍ، وَ سَآتِيكُمْ (7) الْخُطْبَةَ عَلَى وَجْهِهَا (8) .. ثُمَّ نَزَلَ.
قَالَ: وَ خَطَبَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَحَصِرَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَحْمَدُكَ
____________
(1) في (س): و أنا أبا بكر، و هو غلط.
(2) و بهذا المعنى جاء في الأنساب للبلاذريّ 5- 24، و الطّبقات لابن سعد 3- 43- ليدن-، و تاريخ أبي الفداء 1- 166، و بدائع الصّنائع لملك العلماء 1- 262.
قال اليعقوبيّ في تاريخه 2- 140: صعد عثمان المنبر و جلس في الموضع الّذي كان يجلس فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم و لم يجلس أبو بكر و لا عمر فيه ... فتكلّم النّاس في ذلك، فقال بعضهم: اليوم ولد الشّرّ.
(3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 13- 13.
(4) نهج البلاغة- محمّد عبده- 2- 226، و الدّكتور صبحي الصّالح: 354 برقم 233.
قال ابن ميثم في شرحه على النّهج 4- 113، و قوله: إنّا لأمراء الكلام .. استعار لفظ الأمراء لنفسه و لأهل بيته ملاحظة كونهم مالكين لأزمّة الكلام يتصرّفون فيه تصرّف الأمراء في ممالكهم.
(5) البيان و التّبيان للجاحظ 1- 272 و 2- 195.
(6) قال في القاموس 1- 190: الرّجرجة: الاضطراب، كالارتجاج .. و الإعياء.
(7) في البيان و المصدر: و ستأتيكم.
(8) في البيان و التّبيان: الخطب على وجهها و تعلمون إن شاء اللّه.
246
وَ نَسْتَعِينُكَ وَ نُشْرِكُ بِكَ! (1).
قَالَ: وَ خَطَبَ مُصْعَبُ بْنُ حَيَّانَ خُطْبَةَ نِكَاحٍ فَحَصِرَ، فَقَالَ: لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَتْ أُمُّ الْجَارِيَةِ: عَجَّلَ اللَّهُ مَوْتَكَ، أَ لِهَذَا دَعَوْتُكَ (2)؟. انتهى (3).
و الظاهر من هذه الروايات أنّ الخطبة كانت خطبة الجمعة الواجبة (4)، و أنّ عثمان (5) لما حصر و عرضه العيّ ترك الخطبة و لم يأمر أحدا بالقيام بها و إقامة الصلاة، و إلّا لرووه و لم يهملوا ذكره، فالأمر في ذلك ليس مقصورا على العجز و القصور بل فيه ارتكاب المحظور، فيكون أوضح في الطعن (6).
العشرون:
جهله بالأحكام.،
فقد رَوَى الْعَلَّامَةُ (قدّس اللّه روحه) فِي كَشْفِ الْحَقِ (7)، عَنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَ أَوْرَدَهُ صَاحِبُ رَوْضَةِ الْأَحْبَابِ أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتْ عَلَى زَوْجِهَا فَوَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَرُفِعَ ذَلِكَ (8) إِلَى عُثْمَانَ فَأَمَرَ بِرَجْمِهَا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ (عليه السلام)، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ: (وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً) (9)، وَ قَالَ تَعَالَى: (وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ) (10) فَلَمْ يَصِلْ رَسُولُهُ إِلَيْهِمْ إِلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ رَجْمِهَا،.
____________
(1) في شرح النّهج: و لا نشرك بك، و هو غلط، حيث أنّه في مقام بيان من ارتجّ عليه.
(2) في المصدر: دعوناك.
(3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 13- 13- 14.
(4) كما هو صريح روضة الأحباب، و في أكثرها يظهر أنّه في أوّل يوم بويع له، و بعضها مطلق.
(5) وضع في مطبوع البحار على كلمة: عثمان، رمز نسخة بدل.
(6) و من الظريف في المقام أنّهم صرّحوا أنّه كان يماطل الخطبة باستخبار الناس و سؤالهم عن أخبارهم و أسعارهم و هو على المنبر، كما أخرجه أحمد في مسنده 1- 73، و الهيثمي في مجمع الزوائد 2- 187 و قال: رجاله رجال الصحيح.
(7) نهج الحقّ و كشف الصّدق: 302- 303، مع اختلاف يسير.
(8) في كشف الحقّ: فذكر ذلك، و في (س): فوقع.
(9) الأحقاف: 15.
(10) لقمان: 14. و إلى هنا كلام العلّامة، و جاء بعده: قال: فو اللّه، ما كان عند عثمان إلى أن بعث إليها فرجمت.
.
247
فَقَتَلَ الْمَرْأَةَ (1) لِجَهْلِهِ بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ:
____________
(1) و قد أخرجها مالك في الموطّإ 2- 176، و البيهقيّ في السّنن الكبرى 7- 442، و ابن عبد البرّ في كتاب العلم: 150، و ابن كثير في تفسيره 4- 157، و ابن الرّبيع في تيسّر الوصول 2- 9، و العينيّ في عمدة القاري 9- 642، و السّيوطيّ في الدّرّ المنثور 6- 40، و غيرهم و ذلك بأسانيد متعدّدة و مضامين متقاربة، و في بعضها: فأمر بها عثمان أن تردّ فوجدت قد رجمت!.
أقول: و لنستدرك المقام بموارد من جهل الخليفة، و هي غيض من فيض، سواء بكتاب اللّه أو سنّة نبيّه (صلوات اللّه عليه و آله) أو أمور لغويّة و أخرى عرفيّة، أو ما ابتدعه أو اجتهده خلافا للنّصّ، و قد سلف بعض منه و سيأتي آخر البحث الشّيء الكثير.
منها: ما ذكره ملك العلماء في بدائع الصّنائع 1- 111 من: أنّ عمر ترك القراءة في المغرب في إحدى الأوليتين قضاها في الرّكعة الأخيرة و جهر، و عثمان ترك القراءة في الأوليتين في صلاة العشاء فقضاها في الأخيرتين و جهر، و نظيره في صفحة: 172. و قد- تقدّم في مطاعن عمر- و بذا خرج الخليفتان بهذه الفضيحة عن السّنّة الثّابتة الصّريحة من ناحيتين: الأولى: الاجتراء بركعة لا قراءة فيها. و الثّانية: تكرير الحمد في الأخيرة أو الأخيرتين بقضاء الفائتة مع صاحبة الرّكعة. و قد ذكر شيخنا الأمينيّ في غديره 8- 173- 184 جملة من الرّوايات و كثير من المصادر لإثبات هذه السّنّة عن طريقهم، و أنّ من لم يقرأ بفاتحة الكتاب فلا صلاة له، و أنّ الأمّة مطبّقة على أنّ تدارك الفائتة من قراءة ركعة في ركعة أخرى لم يرد في السّنّة النّبويّة، و إنّ رأي الرّجلين غير مدعوم بحجّة و لا يعمل به و لا يعوّل عليه، و لا يستنّ به أحد من رجال الفتوى قطّ، و الحقّ أحقّ أن يتّبع.
و منها: إنّه أوجب كون دية الذّمّيّ مثل دية المسلم، و كون عقل الكافر كعقال المؤمن، بل إنّه قد همّ بقتل مسلم قودا بذمّيّ، كما أخرجه البيهقيّ في السّنن الكبرى 8- 33، و الشّافعيّ في كتاب الأمّ 7- 293، و انظر ما جاء في كتاب الدّيات لأبي عاصم الضّحّاك: 76، مع إجماع السّلف و الخلف بل قامت عليه ضرورة الدّين أنّه لا يقتل مؤمن بكافر. و أخرج البيهقيّ- أيضا- أنّ رجلا مسلما قتل رجلا من أهل الذّمّة عمدا و رفع إلى عثمان فلم يقتله و غلّظ عليه الدّية مثل دية المسلم، مع أنّ دية المعاهد نصف دية المسلم.
و منها: ما جاء في صحيح مسلم 1- 142، و قريب منه في صحيح البخاريّ 1- 109 من أنّ عثمان ذهب إلى أنّ الرّجل لو جامع امرأته و لم يمن فلا غسل عليه، و ادّعى أنّه سمع ذلك من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد فصّل القول فيه إمام الحنابلة في مسنده 1- 63، 64، و البيهقيّ في السّنن الكبرى 1- 164- 165 و غيرهم. مع أنّ الإجماع قائم من المسلمين كافّة على أنّه إذا التقى الختان بالختان وجب الغسل أنزل أم لم ينزل، و أنّ المراد بالجنابة لغة هي الجماع و إن لم يكن فيه ماء دافق، و به أوجبوا إجراء حدّ الزّنا و تمام المهر و غيرهما من الأحكام. و ها هو كتاب اللّه ناطق بالحكم، و هناك روايات مستفيضة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) صريحة في ذلك، كما في صحيح البخاريّ 1- 108، و صحيح مسلم 1- 142- 143، و سنن الدّارميّ 1- 194، و سنن البيهقيّ 1- 163- 165، و مسند أحمد بن حنبل 2- 234، 347، 393 و 6- 116، و المحلّى لابن حزم 2- 2 و 3، و مصابيح السّنّة 1- 30، و تفسير القرطبيّ 5- 200، و الموطّإ 1- 51، و كتاب الأمّ للشّافعيّ 1- 31، 33، و صحيح التّرمذيّ 1- 16 و غيرهم، و عليه فهو إمّا جاهل أو وضّاع مفتر أو هما معا، كما هو ظاهر.
.
248
____________
و منها: ما أخرجه البلاذريّ في الأنساب 5- 26، عن الزّهريّ من: أنّ عثمان كان يأخذ من الخيل الزّكاة، و أورده ابن حزم في المحلّى 5- 227، و أنكر عليه بقول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):
عفوت لكم عن صدقه الخيل و الرّقيق، بل هناك نصوص صريحة من طريقهم على عدم الزّكاة على الخيل و الرّقيق تجد بعضها في صحيح البخاريّ 3- 30، 31، صحيح مسلم 1- 361، سنن التّرمذيّ 1- 80 سنن أبي داود 1- 253، سنن ابن ماجة 1- 555- 556، سنن النّسائيّ 5- 35 37، السّنن الكبرى 4- 85- 90 و 117، مسند أحمد 1- 62، 212، 132، 145، 146، 148 و 2- 243 و غيرها، و الأمّ للشّافعيّ 2- 22، و موطّأ مالك 1- 206، و أحكام القرآن للجصّاص 3- 189، و المحلّى لابن حزم 5- 229، و عمدة القاري للعينيّ 4- 383، مستدرك الحاكم 1- 390- 398.
و منها: ما أخرجه إمام الحنابلة في مسنده 1- 104، و ابن كثير في تفسيره 1- 478، و الهنديّ في كنز العمّال 3- 227 و غيرهم بإسنادهم من أن يحيس و صفيّة كانا من سبي الخمس، فزنت صفيّة برجل من الخمس و ولدت غلاما فادّعى الزّاني و يحيس فاختصما إلى عثمان، فرفعهما عثمان إلى عليّ بن أبي طالب، فقال عليّ: أقضي فيهما بقضاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): الولد للفراش و للعاهر الحجر، و جلدهما خمسين خمسين.
و هذا جهل بالحكم و مخالفة لصريح الكتاب و مستفيض سنّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
و منها: ما أخرجه البيهقيّ في السّنن الكبرى 7- 417، عن أبي عبيدة، قال: أرسل عثمان إلى أبي يسأله عن رجل طلّق امرأته ثمّ راجعها حين دخلت في الحيضة الثّالثة .. و هي صريحة بجهله بالحكم و أخذه بفتيا غيره، و الّذي علّمه أولى منه.
و جاء في كتاب اختلاف الحديث للشّافعيّ- هامش الأمّ- 7- 22 أنّه قد: أخبرت الفريعة بنت مالك عثمان بن عفّان أنّ النّبيّ ص أمرها أن تمكث بيتها و هي متوفّى عنها حتّى يبلغ الكتاب أجله، فاتّبعه و قضى به. و هي من الأحكام الّتي جهلها و اتّبع فيها قول امرأة، و القصّة مشهورة قال عنها ابن القيّم: حديث صحيح مشهور، انظر: الرّسالة للشّافعيّ: 116، كتاب الأمّ له 5- 208، موطّأ مالك 2- 36، سنن أبي داود 1- 362، سنن البيهقيّ 7- 434، أحكام القرآن للجصّاص 1- 496، زاد المعاد 2- 404، الإصابة 4- 386، نيل الأوطار 7- 100 و غيرها.
و منها: ما أخرجه مالك في الموطّإ 2- 10 بإسناده: أنّ رجلا سأل عثمان بن عفّان، عن الأختين من ملك اليمين هل يجمع بينهما؟. فقال عثمان: أحلّتهما آية و حرّمتهما آية، فأمّا أنا فلا أحبّ أن أصنع ذلك. قال: فخرج من عنده فلقي رجلا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم فسأله عن ذلك، فقال: لو كان لي من الأمر شيء ثمّ وجدت أحدا فعل ذلك لجعلته نكالا. قال ابن شهاب: أراه عليّ بن أبي طالب. و علّق ابن عبد البرّ في كتاب الاستذكار على هذه الرّواية بقوله:
إنّما كنّى قبيصة بن ذؤيب عن عليّ بن أبي طالب لصحبته عبد الملك بن مروان، و كانوا يستثقلون ذكر عليّ بن أبي طالب!!.
.
249
____________
و الرّواية وردت بمضامين أخرى متقاربة، كما في السّنن الكبرى 7- 164، و أحكام القرآن للجصّاص 2- 158، و المحلّى لابن حزم 9- 522، و تفسير الزّمخشريّ 1- 359، و تفسير القرطبيّ 5- 116- 117، و تفسير الخازن 1- 356، و الدّرّ المنثور 2- 136، و تفسير الشّوكانيّ 1- 418، و تفسير الرّازيّ 3- 193، و غيرها. و ذكرها شيخنا الأمينيّ طاب ثراه في غديره مفصّلا 8- 214 223، فلاحظ.
و منها: ما ذكره ابن ماجة في سننه 1- 634، و ابن كثير في تفسيره 1- 276، و البيهقيّ في سننه 7- 450- 451، و ابن القيّم في زاد المعاد 2- 403، و الهنديّ في كنز العمّال 3- 223، و نيل الأوطار 7- 35 و غيرهم- بألفاظ متعدّدة و المعنى واحد-، عن نافع أنّه سمع ربيع بنت معوذ بن عفراء و هي تخبر عبد اللّه بن عمر أنّها اختلعت من زوجها على عهد عثمان، فجاء معاذ بن عفراء إلى عثمان فقال:
إنّ ابنة معوذ اختلعت من زوجها اليوم، أ تنتقل؟. فقال له عثمان: تنتقل، و لا ميراث بينهما و لا عدّة عليها، إلّا أنّها لا تنكح حتّى حيضة خشية أن يكون بها حبل!.
و هذه مخالفة لصريح قوله تعالى: ( «وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ» ...)، و ما تطابقت عليه فتاوى الصّحابة و التّابعين و العلماء من بعدهم، بل أئمّة المذاهب الأربعة على حدّ تعبير ابن كثير في تفسيره.
و منها: ما أورده أحمد بن حنبل في مسنده 1- 100، 104، و الشّافعيّ في كتاب الأمّ 7- 157، و أبو داود في سننه 1- 291، و البيهقيّ في السّنن الكبرى 5- 194، و الطّبريّ في تفسيره 7- 45، 46، و ابن حزم في المحلّى 8- 254، و الهنديّ في كنز العمّال 2- 53 و غيرهم، و جاء بألفاظ متنوّعة و أسانيد متعدّدة نذكر واحدا منها: قال: أقبل عثمان إلى مكّة فاستقبلت بقديد فاصطاد أهل الماء حجلا فطبخناه بماء و ملح، فقدّمناه إلى عثمان و أصحابه فأمسكوا، فقال عثمان: صيد لم نصده و لم نأمر بصيده اصطاده قوم حلّ، فأطعموناه فما بأس به، فبعث إلى عليّ، فجاء، فذكر له، فغضب عليّ و قال: أنشد رجلا شهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حين أتي بقائمة حمار وحشيّ، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):
إنّا قوم حرم، فأطعموه أهل الحلّ، فشهد اثنا عشر رجلا من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ثمّ قال عليّ: أنشد اللّه رجلا شهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حين أتي ببيض نعام، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنّا قوم حرم أطعموه أهل الحلّ، فشهد دونهم من العدّة من الاثني عشر.
و عن بسر بن سعيد: أنّ عثمان بن عفّان كان يصاد له الوحش على المنازل ثمّ يذبح فيأكله و هو محرّم سنتين من خلافته.
و هذا جهل بصريح كتاب اللّه و المسلّم من سنّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، صرّحت به صحاحهم و أفتى به جمهورهم، انظر: صحيح مسلم 1- 449، مسند أحمد 1- 290، 338، 341، 4- 37، سنن الدّارميّ 2- 39، سنن ابن ماجة 2- 262، سنن النّسائيّ 5- 184، 185، سنن البيهقيّ 5- 192، 193، أحكام القرآن للجصّاص 2- 586، تفسير الطّبريّ 7- 48، تيسير الوصول 1- 272، المحلّى لابن حزم 7- 249، و تفسير القرطبيّ 6- 322، و رواه الطّحاويّ في شرح معاني الآثار- كتاب الحجّ-: 386 مختصرا، و المتّقي الهنديّ في كنز العمّال 3- 53 و قال: أخرجه ابن جرير و صحّحه، و أخرجه الطّحاويّ و أبو يعلى، و ذكره الهيثميّ في مجمع الزّوائد 3- 229.
.
250
____________
و منها: ما أخرجه البخاريّ في صحيحه 2- 175 [دار الشّعب]، عن مروان بن الحكم، قال:
شهدت: عثمان و عليّا، و عثمان ينهى عن المتعة و أن يجمع بينهما، فلمّا رأى عليّ أحلّ بهما لبّيك بعمرة و حجّة. قال: ما كنت لأدع سنّة النّبيّ صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم بقول أحد.
و زاد في بعض الرّوايات: قال: فقال عثمان: أ تراني أنهى النّاس عن شيء و تفعله أنت؟!. قال:
لم أكن لأدع سنّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لقول أحد من النّاس.
و ها هو مروان يحدّثنا- كما في شرح معاني الآثار، كتاب مناسك الحجّ: 380- قال: كنّا مع عثمان بن عفّان، فسمعنا رجلا يهتف بالحجّ و العمرة، فقال عثمان: من هذا؟. قالوا: عليّ، فسكت.
و جاء بلفظ آخر في مسند أحمد بن حنبل، و أخرج البخاريّ في صحيحه، كتاب الحجّ، باب التّمتّع 2- 176 [دار الشّعب]، و مسلم في صحيحه باب جواز التّمتّع، بإسنادهما عن سعيد بن المسيّب، قال: اجتمع عليّ و عثمان بعسفان، و كان عثمان ينهى عن المتعة، فقال له عليّ: ما تريد إلى أمر فعله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) تنهى عنه؟. قال: دعنا منك!!. قال: إنّي لا أستطيع أن أدعك، فلمّا رأى عليّ أهلّ بهما جميعا. و قريب منه ما رواه ابن حنبل في مسنده 1- 136، و البيهقيّ في سننه 5- 22. و هناك جملة روايات بمضامين أخرى، انظر: صحيح البخاريّ 3- 69، 71، صحيح مسلم 1- 349، مسند أحمد 1- 61، 95، 135، سنن النّسائيّ 2- 14، 15 [5- 148، 152]، سنن البيهقيّ 4- 352، 5- 22، مستدرك الحاكم 1- 472، تيسير الوصول 1- 282، مسند الطّيالسيّ 1- 16، سنن الدّارميّ 2- 69، شرح معاني الآثار للطّحاويّ- كتاب مناسك الحجّ-: 376 و 371 بطريقين، المتّقي في كنز العمّال 3- 31، و قال: أخرجه العدنيّ و الطّحاويّ و العقيليّ، و قاله الدّارقطنيّ في سننه، كتاب الحجّ، باب المواقيت بطريقين، و غيرهم في غيرها.
و منها: جهله باللّغة، إذ أخرج الطّبريّ في تفسيره 4- 188، عن ابن عبّاس، أنّه دخل على عثمان، فقال: لم صار الأخوان يردّان الأمّ إلى السّدس، و إنّما قال اللّه: ( «فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ» ..) و الأخوان في لسان قومك، و كلام قومك ليسا بإخوة؟. فقال عثمان: هل يستطيع نقض أمر كان قبلي و توارثه النّاس و مضى في الأمصار. و في لفظ الحاكم و البيهقيّ: لا أستطيع أن أردّ ما كان قبلي و مضى في الأمصار و توارث به النّاس، كما جاء في المستدرك 4- 335، و السّنن الكبرى 6- 227، و المحلّى لابن حزم 9- 258، و تفسير الرّازيّ 3- 163، و تفسير ابن كثير 1- 459، و الدّرّ المنثور 2- 126، و روح المعاني للآلوسيّ 4- 225. و هذا عدم تضلّع بالعربيّة، و كفانا الجصّاص في أحكام القرآن 2- 98 حيث فصّل و أفاد، و أخزى خليفته و أجاد، و أجره عليه يوم التّناد، و كذا شيخنا الأمينيّ طاب ثراه في غديره 8- 223- 227.
و حيث لا نحبّ الإطالة- و الحرّ تكفيه الإشارة- لذا نحيل جملة من مطاعنه في جهله و جوره إلى موسوعة شيخنا و مولانا العلّامة الأمينيّ (رحمه اللّه) و غيره من أعلامنا في موسوعاتهم، كالشّهيد الثّالث في إحقاق الحقّ و السّيّد صاحب العبقات في كتابه و غيرهم أعلى اللّه مقامهم، و نشير منها درجا إلى:
.
251
____________
1- رأي الخليفة في الإحرام قبل الميقات. الغدير 8- 208- 213.
2- رأي الخليفة في ردّ الأخوين للأمّ عن الثّلث. الغدير 8- 223- 227.
3- رأي الخليفة في المعترفة بالزّنا. 8- 227- 230.
4- رأي الخليفة في امرأة فقدت زوجها 8- 200- 206 ... و غيرها كثير جدّا.
و لنختم حديثنا عن بعض أوّليّاته و ما تفرّد به، إذ ليس ما مرّ أوّل قارورة له- على حدّ تعبير المثل فله أوّليّات و بدع و شطحات غيرها.
منها: أنّه أوّل من ترك التّكبير في كلّ خفض و رفع في الصّلاة، مع أنّها سنّة ثابتة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عرفتها الصّحابة، و تسالمت عليها الأمّة كافّة، و استقرّ عليها إجماع أئمّة المسلمين. يقول عمران بن حصين- و هو ممّن تعرف-: صلّيت خلف عليّ صلاة ذكرني صلاة صلّيتها مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم و الخليفتين، قال: فانطلقت فصلّيت معه، فإذا هو يكبّر كلّما سجد و كلّما رفع رأسه من الرّكوع، فقلت: يا أبا نجيد! من أوّل من تركه؟. قال:
عثمان، حين كبّر و ضعف صوته تركه، كما أورده البخاريّ في صحيحه 2- 57، 70، و مسلم في كتابه 2- 8، و أبو داود في سننه 1- 133، و أحمد في مسنده 4- 428، 429، 432، 440، 444، و النّسائيّ في سننه 2- 204، و البحر الزّاخر 1- 254 و غيرهم.
و قد تبع معاوية عثمان و أصبحت سنّة بني أميّة، ثمّ سنّة المسلمين- و يا للأسف- حتّى نسيت و محقت هذه السّنّة، كما قاله الزرقاني في شرح الموطّإ 2- 145. قال ابن حجر في فتح الباري 2- 215: إنّ زيادا تركه- أي التّكبير- بترك معاوية، و كان معاوية تركه بترك عثمان!. و قريب منه ما في نيل الأوطار 2- 266.
و منها: أنّه أوّل من ضرب الفسطاط بمنى- و مضى في الطّعون- و قد رواه الطّبريّ في تاريخه و غيره ممّا سنذكره، كما و أنّه أوّل من أتمّ صلاته بمنى و عرفة، كما سلف. و لعلّه لم يقل كلمة حقّ في حياته إلّا ما أجاب به سيّد الوصيّين (عليه السلام) عند إنكاره عليه فقال مجيبا: رأي رأيته؟!.
نعم، هؤلاء سادات مدرسة الرّأي و القياس الّذين اتّخذوا إلههم هواهم.
و منها: أنّه أوّل من ضرب بالسّياط، قال ابن قتيبة في الإمامة و السّياسة 1- 29: ذكروا أنّه اجتمع ناس من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم كتبوا كتابا ذكروا فيه ما خالف فيه عثمان من سنّة رسول اللّه و صاحبيه .. إلى أن قال: ما كان من مجاوزته الخيزران إلى السّوط، و إنّه أوّل من ضرب بالسّياط ظهور النّاس!، و إنّما كان ضرب الخليفتين بالدّرّة و الخيزران.
و نصّ على ذلك ابن عبد البرّ في العقد الفريد 2- 272 مختصرا، و أورده بمصادره شيخنا الأمينيّ في غديره 9- 17، فلاحظ.
.
252
(وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ) (1).
و من الشواهد على جهله أن مرويّاته في كتب الجمهور- مع حرص أتباعه من بني أميّة و المتأخّرين عنهم على إظهار فضله- لم يزد على مائة و ستة و أربعين (2).
و قد رووا عن أبي هريرة الدوسي خمسة آلاف و ثلاثمائة و أربعة و سبعين حديثا (3)،
____________
(1) المائدة: 44.
(2) قال السيوطي في تدريب الراوي 2- 218: و جملة ما روي له مائة حديث و اثنان و أربعون حديثا.
(3) مقدّمة ابن الصلاح: 429، فتح الباري 1- 167.
و انظر: كتاب شيخ المضيرة أبو هريرة للشيخ محمود أبو ريّة، و كتاب أبو هريرة الدوسي لسيّدنا «السيّد عبد الحسين شرف الدين» حقّا.
253
و ذلك إمّا لغلبة الغباوة حيث لم يأخذ في طول الصحبة إلّا نحوا ممّا ذكر، أو لقلّة الاعتناء برواية كلام الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و كلاهما يمنعان عن استيهال الخلافة و الإمامة (1).
تذييل و تتميم:
اعلم أنّ عبد الحميد بن أبي الحديد- بعد ما أورد مطاعن عثمان- أجاب عنها إجمالا، فقال (2): إنّا لا ننكر أنّ عثمان أحدث أحداثا أنكرها كثير من المسلمين، و لكنّا ندّعي مع ذلك أنّها لم تبلغ درجة الفسق، و لا أحبطت ثوابه، و أنّها من الصغائر المكفّرة، و ذلك لأنّا قد علمنا أنّه مغفور له، و أنّه من أهل الجنّة لثلاثة أوجه:
أحدها: أنّه من أهل بدر،
- و قد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ.
و عثمان- و إن لم يشهد بدرا- لكنّه تخلّف على رقيّة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله]، و ضمن (3) رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] لسهمه و أجره باتّفاق سائر الناس.
و الثاني: أنّه من أهل بيعة الرضوان الذين قال اللّه تعالى فيهم: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) (4)، و هو و إن لم يشهد تلك البيعة و لكنّه
- كَانَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَ لِأَجْلِهِ كَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ، حَيْثُ أُرْجِفَ بِأَنَّ قُرَيْشاً قَتَلَتْ عُثْمَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنْ كَانُوا قَتَلُوهُ لَأُضْرِمَنَّهَا عَلَيْهِمْ نَاراً، ثُمَّ جَلَسَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَ بَايَعَ
____________
(1) في (ك): الإمام، و جعل لفظ: الإمامة، نسخة بدل.
(2) شرح نهج البلاغة 3- 68- 69 بتصرّف و اختصار.
(3) في المصدر: و ضربه له.
(4) سورة الفتح: 18.
254
النَّاسَ عَلَى الْمَوْتِ. ثُمَ (1) قَالَ: إِنْ كَانَ عُثْمَانُ حَيّاً فَأَنَا أُبَايِعُ عَنْهُ، فَمَسَحَ (2) بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ، وَ قَالَ: شِمَالِي خَيْرٌ مِنْ يَمِينِ (3) عُثْمَانَ، رَوَى (4) ذَلِكَ أَهْلُ السِّيَرِ مُتَّفِقاً عَلَيْهِ.
و الثالث: أنّه من جملة العشرة الذين تظاهرت الأخبار بأنّهم من أهل الجنّة.
و إذا كانت هذه الوجوه دالّة على أنّه مغفور (5) له، و أنّ اللّه تعالى قد رضي عنه، و أنّه من أهل الجنّة، بطل أن يكون فاسقا، لأنّ الفاسق يخرج عندنا من الإيمان و ينحبط (6) ثوابه، و يحكم له بالنار، و لا يغفر له، و لا يرضى عنه، و لا يرى الجنّة و لا يدخلها (7)، فاقتضت هذه الوجوه أن يحكم بأنّ كلّ ما وقع منه فهو من باب الصغائر المكفّرة توفيقا بين الأدلّة. انتهى كلامه (8).
و يرد على ما ذكره إجمالا أنّ المستند في جميع تلك الوجوه ليس إلّا ما تفرّد المخالفون بروايته، و لا يصحّ التمسّك به في مقام الاحتجاج كما مرّ مرارا، و الأصل في أكثرها
- مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُ (9)، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (10)، قَالَ: قَالَ (11) رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ فَحَدِّثْنِي، هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ
____________
(1) لا توجد: ثمّ، في (س).
(2) هنا كلمة: فصفح، خطّ عليها في (ك).
(3) في (س): يميني.
(4) في (س): و روى.
(5) في (س): مغفورا، و هو سهو.
(6) في المصدر: يحيط، و ما أثبت هنا كان نسخة في المصدر.
(7) في (س): يدخلنها.
(8) ابن أبي الحديد في شرح النهج 3- 69، بتصرّف كثير و اختصار.
(9) صحيح البخاريّ 6- 122 [5- 18- 19 دار الشّعب]، و قد نقلها بالمعنى.
(10) في المصدر: بن موهب.
(11) في (ك): قال سأل.
255
فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ؟. قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ وَ لَمْ يَشْهَدْ؟. قَالَ:
نَعَمْ. قَالَ: تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ:
اللَّهُ أَكْبَرُ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: تَعَالَ أُبَيِّنْ لَكَ، أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى (1) عَفَا عَنْهُ وَ غَفَرَ لَهُ، وَ أَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَتْ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ وَ كَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ: إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْراً وَ سَهْمَهُ، وَ أَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، فَلَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ عُثْمَانَ وَ كَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ، فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ.
فَقَالَ: هَذِهِ لِعُثْمَانَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ (2) ابْنُ عُمَرَ: اذْهَبْ بِهَا الْآنَ مَعَكَ (3).
و ابن عمر هو الذي قعد عن نصرة أمير المؤمنين (عليه السلام) و بايع رجل الحجّاج (4)، و لا عبرة بقوله و روايته، مع قطع النظر عن سائر رواة الخبر، و حديث العشرة المبشّرة أيضا ممّا تفرّدوا بروايته، و سيأتي في قصّة الجمل تكذيب أمير المؤمنين
____________
(1) لا يوجد في البخاريّ: تعالى.
(2) لا توجد: له، في (س)، و في المصدر: فقال.
(3) و قريب منه ما أورده إمام الحنابلة في مسنده 2- 101، و بهذا المضمون أخرج الحاكم في المستدرك 3- 98، و هناك رواية طويلة أعرضنا عن سردها هنا أوردها المحبّ الطّبريّ في الرّياض النّضرة 2- 94، و قد حذف سندها تحفّظا عليها!، و في متنها شواهد تدلّ على وضعها، و أنّها مكذوبة مختلقة.
أقول: أ لا تعجب من هذه الأعذار الباردة و هل خفيت على الصّحابة الحضور يوم بدر- و لم يكن معهم ابن عمر إلّا صبيّا استصغره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)- البالغ جمعهم ثلاثمائة و أربعة عشر رجلا صحيح البخاريّ 6- 74، تاريخ الطّبريّ 2- 272، سيرة ابن هشام 2- 354- و على الّذين بايعوا تحت الشّجرة، و كانوا ألفا و أربعمائة أو أكثر- صحيح البخاريّ 7- 223 في تفسير سورة الفتح، تفسير القرطبيّ 16- 276- و بعض هذه الرّوايات جاء بها عثمان نفسه.
(4) انظر ترجمته و ضعفه في الحديث عند العامّة في الغدير 10- 42- 46، تجد ما يكفيك.
256
(عليه السلام) هذه الرواية (1)، و يؤيّد ضعفه أيضا أنّه ليس بمرويّ في صحاحهم إلّا عن رجلين عدّا أنفسهما من جملة العشرة، و هما سعيد بن زيد بن عمرو (2) بن نفيل و عبد الرحمن بن عوف، و التهمة في روايتهما لتزكيتهما أنفسهما واضحة.
و يؤكّده أيضا ما ذكره السيّد الأجل رضي اللّه عنه في الشافي (3) من: أنّه تعالى لا يجوز أن يعلم مكلّفا- يجوز أن يقع منه القبيح و الحسن و ليس بمعصوم من الذنوب- بأنّ عاقبته الجنّة، لأنّ ذلك يغريه بالقبيح، و لا خلاف في أنّ أكثر العشرة (4) لم يكونوا معصومين من الذنوب، و قد أوقع بعضهم بالاتّفاق كبائر و إن ادّعى المخالفون أنّهم (5) تابوا منها، قال: و ممّا يبيّن بطلان هذا الخبر أنّ أبا بكر لم يحتجّ به لنفسه و لا احتجّ له به في مواطن وقع فيه الاحتياج (6) إلى الاحتجاج كالسقيفة و غيرها، و كذلك عمر، و عثمان لما حصر (7) و طولب بخلع نفسه و همّوا بقتله، و قد رأينا (8) احتجّ بأشياء تجري مجرى الفضائل و المناقب، و ذكر القطع له بالجنّة أولى منها و أحرى بأن (9) يعتمد عليه في الاحتجاج، و في عدول الجماعة عن ذكره دلالة واضحة على بطلانه. انتهى.
و يؤيّد بطلانه- أيضا- أنّ كثيرا من أعيان المهاجرين و الأنصار كانوا بين
____________
(1) بحار الأنوار 36- 324، و هي من افتراءات سعيد بن زيد بن نفيل في ولاية عثمان، و انظر: البحار 72- 142، و كذا في 49- 189- 190، و فصّل الحديث في الحديث شيخنا الأميني في غديره 10- 118- 128، فلاحظ.
(2) في (س): عمر، و هو غلط.
(3) الشافي 4- 30.
(4) في المصدر: و لا خلاف أنّ التسعة.
(5) جاءت العبارة في الشافي هكذا: على مذهب خصومنا كبائر و واقع خطايا و إن ادّعوا أنّهم ..
(6) في المصدر: دفع فيها، بدلا من: وقع فيه الاحتياج.
(7) في (ك): حصر له.
(8) في الشافي: رأيناه.
(9) في المصدر: أن.
257
قاصد لقتل عثمان خارج عليه و بين راض بقتله، و تركوه بعد قتله منبوذا بالعراء غير مدفون حتى دفن في المزبلة بعد ثلاثة أيّام (1)، و كيف يظنّ ذلك بأمثال هؤلاء مع علمهم بكونه من أهل الجنّة؟ و كيف لم يحتجّ أنصاره من بني أميّة عليهم بهذا؟
و هل يظنّ بأمير المؤمنين (عليه السلام) أن يتركه كذلك ثلاثة أيّام مع علمه بذلك؟
و أيضا لو صحّ ذلك لزم كفر طلحة بكونه من المستحلّين بقتله، و لا ريب في أنّ استحلال قتل من شهد له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالجنّة لصغائر مكفّرة ليس بأدون من استحلال شرب جرعة من الخمر، و كذلك يلزم كفر كلّ من المتخاصمين يوم الجمل لكون كلّ منهما مستحلّين لقتل الآخر مع الشهادة لهما بالجنّة، و الأوّل باطل عند المخالفين، و الثاني عند الجميع، فإنّ من الخصمين أمير المؤمنين (عليه السلام) و قد استحلّ قتل طلحة و الزبير، و القول بعدم علمهم بهذه الشهادة ظاهر الفساد.
و يؤكّد بطلانه- أيضا- ما رُوِيَ مِنْ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ حُذَيْفَةَ عَنْ عَدِّ رَسُولِ اللَّهِ ص إِيَّاهُ فِي جُمْلَةِ الْمُنَافِقِينَ (2)، إِذْ لَوْ كَانَ مِمَّنْ قُطِعَ لَهُ بِالْجَنَّةِ لَمْ يَخْتَلِجْهُ الشَّكُّ فِي النِّفَاقِ.
ثم لو قطعنا النظر عن تفرّد المخالفين بتلك الروايات و دلالة الشواهد و الأدلّة المعارضة لها على وضعها و بطلانها، نقول: يرد على ما استند إليه من الرواية أنّها إمّا أن تحمل على ظاهرها الّذي فهمه ابن أبي الحديد (3) من الرخصة العامّة و المغفرة الشاملة لما تقدّم من ذنبهم و ما تأخّر، أو يتطرّق التجوّز إليها و تخصيص عمومها، و على الأوّل يلزم سقوط التكليف عن البدريّين و الرخصة لهم في ارتكاب المحرّمات كبائرها و صغائرها، و لو كان الفعل ممّا يؤدّي إلى الكفر
____________
(1) سيأتي تفصيلا مع مصادره.
(2) و قد مرّ مفصّلا مع مصادره في مطاعن عمر، و راجع بحار الأنوار 21- 196- 222، و غيره.
(3) في شرحه على نهج البلاغة 3- 69. و قد مرّ قريبا.
258
كالاستخفاف بالقرآن و نحو ذلك، و هذا لو لم يكن الاعتقاد مندرجا في العمل المشتمل عليه الرواية و إلّا فالأمر أوضح، و البدريّون- على المشهور- كانوا ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا (1) مع (2) القوم الذين ضرب لهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بسهامهم و هم غائبون، و عدّتهم ثمانية.
و سقوط التكليف عن هؤلاء القوم مخالف للإجماع و لضرورة الدين، و لم يدّع أحد العصمة في أهل البدر إلّا في عليّ (عليه السلام)، و لا ريب في أنّ الباقين كانوا يكتسبون الآثام و يقارفون الذنوب، و في إعلامهم بالمغفرة لهم في الذنوب التي يرتكبونها بعد ذلك إغراء ظاهر لهم بالقبيح، و هو قبيح.
و على الثاني، فإمّا (3) أن يخصّص الرخصة بالصغائر و يعمّم المغفرة بالذنوب (4) السالفة و المستأنفة، و حينئذ يتوجّه مع مخالفة الضرورة و الإجماع أنّه لا يستلزم المدّعى، إذ الرخصة في الصغائر و غفرانها ممّا لا يوجب كون ما صدر منهم من الصغائر المكفّرة، و مع ذلك تعميم المغفرة- المبتني عليه الوجهان- مخالف للظاهر، و هو ظاهر. و إمّا أن يخصّص المغفرة بالذنوب السالفة و يكون المراد بلفظة: اعملوا ما شئتم، المبالغة في حسن ما عملوا في بدر و إظهار الرضا الكامل لعملهم الصالح من غير رخصة لهم في الأيّام الآتية، و حينئذ فلا تعلّق للرواية بالمدّعى، هذا على تقدير تسليم المساواة التّي ادّعاها ابن أبي الحديد (5) في عثمان للبدريّين. و مستند من رواه من أهل السير ليس إلّا قول ابن عمر كما عرفت.
و أمّا ما تمسّك به ثانيا من أنّه في حكم من بايع بيعة الرضوان، و أنّ رسول
____________
(1) و قيل أربعة عشر، كما في صحيح البخاريّ 6- 74، و تاريخ الطبريّ 2- 272، و سيرة ابن هشام 2- 354 و غيرها.
(2) في (س): على، بدلا من: مع.
(3) في (س): إمّا.
(4) في (س): في الذنوب.
(5) في شرحه للنهج 3- 69.
259
اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بايع عنه، فبعد تسليم صحّة الرواية يتوجّه عليه أنّه لا دلالة له على المدّعى بوجوه:
الأول: أن دخول عثمان و أضرابه في المؤمنين ممنوع، و قد علّق اللّه الرضا في الآية على الإيمان و البيعة دون البيعة وحدها حتى يكون جميع من بايع تحت الشجرة مرضيّا، و قد ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) ما يدلّ على ... الثاني: أنّ كون الألف و اللام للاستغراق ممنوع، كما أشار إليه السيد رضي اللّه عنه في الشافي (1) حيث قال: الظاهر عندنا أنّ آلة التعريف مشتركة متردّدة بين العموم و الخصوص، و إنّما يحمل (2) على أحدهما بدلالة غير الظاهر، و قد دلّلنا على ذلك في مواضع كثيرة، و خاصّة في كلامنا المنفرد للوعيد من جملة (3) مسائل أهل الموصل.
- قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام) (4): إِنَّهُ تَعَالَى قَدْ وَصَفَ مَنْ رَضِيَ عَنْهُ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ بِأَوْصَافٍ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّهَا لَمْ تَحْصُلْ لِجَمِيعِ الْمُبَايِعِينَ، فَيَجِبُ أَنْ يَخْتَصَّ الرِّضَا بِمَنِ اخْتَصَّ بِتِلْكَ الْأَوْصَافِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: (فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً) (5).
و لا خلاف بين أهل النقل في أنّ الفتح الذي كان بعد بيعة الرضوان بلا فصل- هو فتح خيبر،
- و أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعث أبا بكر و عمر فرجع كلّ واحد منهما منهزما ناكصا على عقبيه، فغضب النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ قَالَ: لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَداً رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ
____________
(1) الشافي 4- 17، بتصرّف و اختصار.
(2) رسائل الشريف المرتضى 1- 147- 151، جواب المسائل الطبرية، و لم نجد جواب المسائل الموصلية الأولى، و المطبوع منها الثانية و الثالثة.
(3) في الشافي زيادة: جواب، قبل مسائل.
(4) كما قاله السّيّد في الشّافي 4- 18، بتصرّف.
(5) كما قاله السّيّد في الشّافي 4- 18، بتصرف.
260
وَ رَسُولَهُ (1) كَرَّارٌ غَيْرُ فَرَّارٍ لَا يَرْجِعُ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ (2). فَدَعَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)- فَكَانَ (3) أَرْمَدَ فَتَفَلَ فِي عَيْنَيْهِ فَزَالَ مَا كَانَ يَشْتَكِي- وَ أَعْطَاهُ الرَّايَةَ وَ مَضَى مُتَوَجِّهاً وَ كَانَ الْفَتْحُ عَلَى يَدَيْهِ.
، فيجب أن يكون هو المخصوص بحكم الآية، و من كان معه في ذلك الفتح من أهل البيعة تحت الشجرة لتكامل الشرائط فيهم، و يجب أن يخرج عنها من لم يجتمع له (4) الشرائط، و ليس لأحد أن يقول إنّ الفتح كان لجميع المسلمين و إن تولاه بعضهم و جرى على يديه، فيجب أن يكون جميع أهل بيعة الرضوان ممّن رزق الفتح و أُثيب به، و هذا يقتضي شمول الرضا للجميع، و ذلك لأنّ هذا عدول عن الظاهر، لأنّ من فعل الشيء بنفسه هو الذي يضاف إليه على سبيل الحقيقة، و يقال إنّه أثيب به و رزق إيّاه، و لو جاز ذلك جاز أن يوصف من كان بخراسان من المسلمين بأنّه هزم جنود الروم و فتح حصونهم و إن وصفنا بذلك من يتولاهم (5) و يجري على يديه. انتهى.
و دخول عثمان في جملة من جرى الفتح على أيديهم [مع أنّه] ممّا لم يذكره أرباب السير، بل الظاهر عدمه كما خرج عنهم المتقدّمان عليه، فهو في محلّ المنع، كما أنّ دخوله فيمن أنزلت (6) عليه السكينة ممنوع.
الثالث: أنّه بعد تسليم شمول الآية له لا دلالة للرضا عن المؤمنين حال البيعة، أو لها (7) على أنّه لا يصدر عنهم كبيرة بعد ذلك حتى يكون أحداث عثمان من الصغائر المكفّرة، و قد كان أهل بيعة الرضوان- على ما ذكره أرباب السير
____________
(1) في المصدر: يحبّ اللّه تعالى و رسوله و يحبّه اللّه.
(2) في الشّافي: عليه، بدلا من: على يديه.
(3) في المصدر: و كان.
(4) لا توجد: له، في (ك).
(5) في المصدر: من يتولّاه. و ما هنا نسخة في (ك).
(6) في (س): نزلت.
(7) أي لا دلالة في الآية على أنّه لا يصدر عنهم ..
261
ألفا و خمسمائة أو ثلاثمائة (1)، و قد كان منهم من يرتكب أنواع المحرّمات، و هل يقول عاقل بعدم صدور كبيرة واحدة عن أحد من هؤلاء مع كثرتهم.
و ما تمسّك به من حديث بشارة العشرة (2) فبعد ما عرفت من أنّها من الروايات الّتي تفرّدوا بها و قامت الشواهد على ضعفها و بطلانها، يتوجّه عليه أنّ الرواية- على تقدير صحّتها- لا تدلّ على صلاحيّة الإمامة، إذ ليس جميع أهل الجنّة مستأهلين للإمامة، و ليس المانع عنه مقصورا على ارتكاب الكبيرة المخرجة عن الإسلام الموجبة لدخول النار- على ما زعمه ابن أبي الحديد (3) و أصحابه-.
و من جملة الموانع الضعف عن القيام بأمر الإمامة و عدم القدرة على دفع الأشرار و الجهل بالأحكام، و عدم استقرار الرأي لضعف العقل و نحو ذلك.
و من جملة مطاعنه الضعف عن منع الأشرار و الفسّاق من بني أميّة
، و قد عزم- غير مرّة- على عزل كثير منهم لما رأى من ظلمهم و انحراف الناس عنه لأجلهم فحال مروان بينه و بين ما أراد حتى حصبوه على المنبر، و آل الحال إلى الحصر و القتل.
و منها الجهل بكثير من الأحكام
كما عرفت، فبعد تسليم الرواية أيضا لا يتمّ الجواب.
أقول: و عدّ (4) أبو الصلاح في تقريب المعارف (5) من بدعه تقليد عبد اللّه بن عامر بن كريز على البصرة للخئولة التّي بينهما، و عبد اللّه بن أبي سرح على مصر
____________
(1) و قيل: ألفا و أربعمائة أو أكثر، انظر: صحيح البخاريّ 7- 223 في تفسير سورة الفتح، و تفسير القرطبيّ 16- 276، و انظر: بحار الأنوار 36- 121 و 20- 354- 358.
(2) تحدّث شيخنا الأميني في غديره 10- 118- 128 عن حديث العشرة المبشّرة سندا و متنا، فلاحظه. و كذا ذكر فضائل عثمان الموضوعة المختلفة و ناقشها بما لا مزيد عليه في الغدير 8- 126، و 9- 328- 338، و 10- 137- 190 و 212.
(3) شرح ابن أبي الحديد 3- 69.
(4) في المطبوع من البحار: وعدا.
(5) تقريب المعارف: لم يطبع هذا القسم من الكتاب لمصالح رآها مصحّحه.
262
للرضاعة التي بينهما، و يعلى بن أميّة على اليمن، و أسيد بن الأخنس بن شريق على البحرين لكونه ابن عمّته، و عزل المأمونين من الصحابة على الدين المختارين الولاية المرضييّن السيرة. قال.:
و منها: استخفافه بعليّ (عليه السلام)
حين أنكر عليه تكذيب أبي ذرّ (1).
و منها: عزل عبد اللّه بن الأرقم عن بيت المال لما أنكر عليه إطلاق الأموال لبني أميّة بغير حقّ (2).
و منها: قوله لعبد الرحمن بن عوف: يا منافق!
(3)، و هو الذي اختاره و عقد له (4).
و منها: حرمانه (5) عائشة و حفصة ما كان أبو بكر و عمر يعطيانهما
، و سبّه لعائشة و قوله- و قد أنكرت عليه الأفاعيل القبيحة-: لئن لم تنته لأدخلنّ عليك الحجرة سودان الرجال و بيضانها!.
و منها: حماية الكلإ و تحريمه على المسلمين
و تخصّصه به و منع غلمانه الناس
____________
(1) قد سلف بعض مصادره، انظر منها: الأنساب 5- 52- 54، طبقات ابن سعد 4- 168، مروج الذهب 1- 438، تاريخ اليعقوبي 2- 148، شرح ابن أبي الحديد 1- 240- 242، فتح الباري 3- 213، عمدة القاري 4- 491. و منه قوله لعليّ- (عليه السلام): ما أنت بأفضل عندي من مروان!!!.
(2) انظر: أنساب البلاذري 5- 58. و ذكر أبو عمر في الاستيعاب و ابن حجر في الإصابة حديث عبد اللّه بن أرقم في ترجمته و ردّه ما بعث إليه من ثلاثمائة ألف درهم و قوله: و اللّه لئن كان هذا من مال المسلمين ما بلغ قدر عملي أن أعطى ثلاثمائة ألف درهم و لئن كان من مال عثمان ما أحبّ أن آخذ من ماله شيئا.
(3) لا توجد في (س): يا منافق.
(4) و قد أورد في تاريخ الخميس 2- 268 جملة من مطاعن عثمان، و قال في السيرة الحلبيّة 2- 87: من جملة ما انتقم به على عثمان أنّه حبس عبد اللّه بن مسعود و هجره، و حبس عطاء أبيّ بن كعب، و أشخص عبادة بن الصامت من الشام لما شكاه معاوية، و ضرب عمّار بن ياسر و كعب بن عبدة ضربه عشرين سوطا، و نفاه إلى بعض الجبال .. و قال لعبد الرحمن بن عوف: إنّك منافق.
(5) هذه الكلمة مشوّشة في (س).
263
منه، و تنكيلهم بمن أراده.
و منها: ضربه عبد اللّه بن حذيفة بن اليمان
حتى مات من ضربه، لإنكاره عليه ما يأتيه غلمانه إلى المسلمين في رعي الكلإ.
و منها: أكله الصيد- و هو محرم- مستحلا
، و صلاته بمنى أربعا، و إنكاره متعة الحجّ..
و منها: ضربه عبد الرحمن بن حنبل الجمحي
-
- و كان بدريّا- مائة سوط، و حمله على جمل يطاف به في المدينة لإنكاره عليه الأحداث و إظهاره عيوبه في الشعر (1)، و حبسه بعد ذلك موثقا بالحديد حتّى كتب إلى عليّ و عمّار من الحبس:
أبلغ عليّا و عمّارا فإنّهما* * * بمنزل الرشد إنّ الرشد مبتدر (2)
لا تتركا جاهلا حتّى توقّره (3)* * * دين الإله و إن هاجت به مرر
لم يبق لي منه إلّا السيف إذ علقت* * * حبال (4) الموت فينا الصادق البرر
يعلم بأنّي مظلوم إذا ذكرت* * * وسط الندى حجاج القوم و الغدر
فلم يزل عليّ (عليه السلام) بعثمان يكلّمه حتّى خلّى سبيله على أن لا يساكنه بالمدينة، فسيّره إلى خيبر، فأنزله قلعة بها تسمّى: القموص، فلم يزل بها حتى ناهض المسلمون عثمان و ساروا إليه من كلّ بلد، فقال في الشعر:
لو لا عليّ فإنّ اللّه أنقذني* * * على يديه من الأغلال و الصفد
لما رجوت لدى شدّ بجامعة* * * يمنى يديّ غياث الفوت من أحد
____________
(1) قال اليعقوبي في تاريخه 2- 150: ... و كان سبب تسييره إيّاه أنّه بلغه كرهه مساوي ابنه و خاله، و أنّه هجاه بأبيات. و ذكر في الاستيعاب أنّه لما أعطى عثمان مروان خمسمائة ألف من خمس إفريقية هجا عبد الرحمن عثمان فأمر به فحبس بخيبر. (2) الكلمة مشوّشة في مطبوع البحار. (3) جاء في تاريخ الطبريّ: يوقّره. (4) في (ك): جبال- بالجيم المعجمة-. و في المصادر الآتية: حبائل. و هو الظاهر
264
نفسي فداء عليّ إذ يخلّصني* * * من كافر بعد ما أغضى على صمد (1)
. و منها: تسيير حذيفة بن اليمان إلى المدائن
حين أظهر ما سمعه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فيه و أنكر أفعاله، فلم يزل يعرض بعثمان حتّى قتل (2).
و منها: نفي الأشتر و وجوه أهل الكوفة عنها إلى الشام
حين أنكروا على سعيد بن العاص و نفيهم من دمشق إلى حمص (3).
____________
(1) سبقت مصادره، و انظر: تاريخ الطبريّ 6- 25، تاريخ اليعقوبي 2- 150، الاستيعاب 2- 410، شرح النهج لابن أبي الحديد 1- 66، الإصابة 2- 395.
(2) و منها: تسيير عامر بن عبد قيس البصري الزاهد الناسك إلى الشام.
و قد ذكره ابن حجر في الإصابة 3- 85، و ابن قتيبة في المعارف: 84 و 194، و ابن عبد البرّ [ربّه في العقد الفريد 2- 261، و الراغب الأصفهاني في المحاضرات 2- 212، و الطبريّ في التاريخ 5- 94، و ابن الأثير في الكامل 3- 62، و ابن خلدون في تاريخه 2- 390 و غيرهم.
و قال البلاذري في الأنساب 5- 57: قال أبو مخنف لوط بن يحيى و غيره: كان عامر بن قيس التميمي ينكر على عثمان أمره و سيرته، فكتب حمران بن أبان مولى عثمان إلى عثمان بخبره، فكتب عثمان إلى عبد اللّه بن عامر بن كريز فحمله، فلمّا قدم عليه فرآه، و قد أعظم الناس إشخاصه و إزعاجه عن بلده لعبادته و زهده.
و قال ابن قتيبة في المعارف: كان خيّرا فاضلا.
و منها: تسييره كعب بن عبدة و ضربه، حيث أشخصه سعيد من الكوفة إلى المدينة و أمر عثمان بكعب فجرّد و ضرب عشرين سوطا و سيره إلى دباوند، و يقال إلى الري، و في ثالثة إلى بعض الجبال.
قد فصّل القصة البلاذري في الأنساب 5- 41- 42، و الطبريّ في تاريخه 5- 137، و الرياض النضرة 2- 140- 149، و الصواعق المحرقة لابن حجر: 68، و السيرة الحلبيّة 2- 78، و الشرح لابن أبي الحديد 1- 168، و غيرهم.
و منها: تسييره عمرو بن زرارة النخعيّ الصحابيّ إلى الشام.
ذكره البلاذري في الأنساب 5- 30، و أسد الغابة 4- 104، و الإصابة 1- 548 و 2- 536.
(3) روى البلاذري في الأنساب 5- 40- 41 بسنده قصّة تسيير صلحاء الكوفة من العلماء و الأوتاد إلى الشام و بعض إلى حمص، بعد أن أمر عثمان واليها عليها سعيد بن العاص، حيث سيّر مالك بن الحارث الأشتر النخعيّ، و زيد و صعصعة بن صوحان، و حرقوص بن زهير السعدي، و جندب بن زهير الأزدي، و شريح بن أوفى بن يزيد بن زاهر العبسي، و كعب بن عبدة النهدي- و كان ناسكا-، و عدي بن حاتم الطائي أبا طريف، و كدام بن حضري بن ثقف، و يزيد بن قيس الأرحبي، و عائذ بن حملة الطهوي من بني تميم، و كميل بن زياد النخعيّ، و الحارث بن عبد اللّه الأعور الهمداني، و يزيد بن المكفف النخعيّ، و ثابت بن قيس بن المنقع النخعيّ، و أصعر [أصغر، كما في أنساب الأشراف و الإصابة] بن قيس بن الحارث الحارثي الهمداني .. و غيرهم.
و للقصّة ذيول و تفصيلات تجدها في تاريخ الطبريّ 5- 88- 90، و الكامل لابن الأثير 3- 57 60، و شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1- 158- 160، و تاريخ ابن خلدون 2- 387 389، و تاريخ أبي الفداء 1- 168 في حوادث سنة 33 ه.
.
265
و منها: معاهدته لعليّ (عليه السلام) و وجوه الصحابة على الندم
على ما فرط منه و العزم على ترك معاودته، و نقض ذلك و الرجوع عنه مرّة بعد مرّة، و إصراره على ما ندم منه و عاهد اللّه تعالى و أشهد القوم على تركه من الاستئثار بالفيء و بطانة السوء و تقليد الفسقة أمور المسلمين (1)..
و منها: كتابه إلى ابن أبي سرح بقتل رؤساء المصريّين
و التنكيل بالأتباع و تخليدهم (2) الحبس- لإنكارهم ما يأتيه ابن أبي سرح إليهم- و يسير به فيهم من الجور الذي اعترف به و عاهد على تغييره (3).
____________
(1) قد فصّل البلاذري في الأنساب 5- 26- 69، 95، و الطبريّ في تاريخه 5- 105، 111، 112، 115، 116 و 119- 121 معاهدته و تكرّرها منه و نقضه كرارا أيضا، و جاء في الإمامة و السياسة 1- 33- 37، و المعارف لابن قتيبة: 84، و العقد الفريد 2- 263، و الرياض النضرة 2- 123، 125، و الكامل لابن الأثير 3- 67- 71 و 94، و تاريخ ابن خلدون 2- 396- 397، و حياة الحيوان للدميري 1- 53، و شرح ابن أبي الحديد 1- 163- 166، و الصواعق المحرقة: 69، و تاريخ الخميس 2- 259، و تاريخ اليعقوبي 2- 152، و الفتنة الكبرى: 226، و السيرة الحلبيّة 2- 84، 87، و تاريخ الخلفاء للسيوطي: 106، 107، و تاريخ ابن كثير 7- 172- 184 و 186 و 189 و غيرها كثير جدّا. و تعرّض لها في الغدير 9- 170- 197، فراجع.
(2) في (س): و تقليدهم.
(3) انظر مثالا: الأنساب 5- 26- 69 و 95، و الإمامة و السياسة 1- 33- 37، و المعارف لابن قتيبة:
84، و العقد الفريد 2- 263، و تاريخ الطبريّ 5- 119- 120، و الرياض النضرة 2- 123، 125، و الكامل لابن الأثير 3- 70، 71، و شرح ابن أبي الحديد 1- 165- 166، و تاريخ ابن كثير 7- 173 و 174، و حياة الحيوان للدميري 1- 53، و تاريخ ابن خلدون 2- 397، و تاريخ الخميس 2- 259، و الصواعق المحرقة: 69، و تاريخ الخلفاء للسيوطي: 106- 107، و السيرة الحلبيّة 2- 84، 86، 87. و قد استوفى البحث شيخنا الأميني- (رحمه اللّه)- في الغدير 9- 177- 185 بما لا مزيد عليه.
266
و منها: تعريضه نفسه و من معه من الأهل و الأتباع للقتل
، و لم يعزل ولاة السوء..
و منها: استمراره على الولاية مع إقامته على المنكرات الموجبة للفسخ
، و تحريم التصرّف في أمر الأمّة، و ذلك تصرّف قبيح، لكونه غير مستحقّ عندهم مع ثبوت الفسق (1).
بيان
: قوله: مبتدر .. على بناء المفعول .. أي ينبغي أن يبتدر إليه.
قوله: حتى توقّره (2) .. بصيغة الخطاب بقصد كلّ واحد، أو بصيغة الغيبة. فقوله: دين الإله فاعله.
و هيجان المرّة (3) .. كناية عن السفاهة و الغضب في غير محلّه.
قوله: يعلم .. أي الصادق البرّ، أو على بناء المجهول.
و قوله: حجّاج القوم .. مفعول مكان فاعل ذكرت (4).
و النّديّ- بالتشديد و كسر الدال-: مجتمع القوم (5).
قوله: لما رجوت .. مفعول غداة الغوثة كما في بعض النسخ، و في بعضها:
غياث الفوت.
____________
(1) و منهما: كتمانه لحديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فقد أخرج إمام الحنابلة في مسنده 1- 65، عن أبي صالح، قال: سمعت عثمان يقول على المنبر: أيّها الناس! إنّي كتمتكم حديثا سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم كراهية تفرّقكم عنّي ..! و نظيره جاء في 1- 57، فراجع .. و سنتعرض استدراكا جملة من مطاعنه الأخرى.
(2) قال في القاموس 2- 155: الوقر: ثقل في الأذن، أو ذهاب السّمع كلّه، و قد وقر- كوعد و وجل- ..
وقرها اللّه يقرها .. و أوقر الدابّة إيقارا و قرة.
(3) قال الطريحي في المجمع 3- 481: المرّة: خلط من أخلاط البدن غير الدم، و قال أيضا فيه 2- 337: هاج الشيء يهيج: إذا ثار.
(4) كذا، و الظاهر: و قوله حجّاج مفعول لفعل: ذكرت.
(5) كما ذكره في مجمع البحرين 1- 412، و الصحاح 6- 2505، و القاموس 4- 394.
267
قوله: لديّ شدّ ظرفه .. أي لما رجوت عند شدّ يدي اليمنى إلى عنقي بالجامعة.
الغياث من الفوت أو غداة الغوث .. أي غداة يغيثني فيه غياث.
قوله: بعد ما أغضي .. أي أغمض (1) عن حقّي.
على صمد .. أي عمد (2).
ثم قال (رحمه اللّه) في التقريب (3): و أمّا.
النكير على عثمان
فظاهر مشهور من أهل الأمصار، و قطّان المدينة من الصحابة و التابعين، يغني بشهرة جملته عن تفصيله، و نحن نذكر من ذلك طرفا يستدلّ به على ما لم نذكره، فمن ذلك:.
نكير أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
(4):
مَا رَوَاهُ الثَّقَفِيُ (5) مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: أَتَيْتُ عَلِيّاً
____________
(1) و قد جاء في القاموس المحيط 4- 370، و مجمع البحرين 1- 318، و الصحاح 6- 2447.
(2) الصمد: القصد، كما في مجمع البحرين 3- 88، و القاموس 1- 308، و الصحاح 2- 499، و في (س): عمدا- بالنصب-.
(3) تقريب المعارف، و قد جاء في القسم الثاني الشامل لمطاعن الخلفاء الثلاثة و غيرهم، و لم يطبع مع الأسف، و إن عدّ جملة من مطاعنه في القسم الأوّل: 163- 167، فلاحظ.
(4) أنّ ما جرى بين أمير المؤمنين أبي الحسن (عليه السلام) و عثمان قصّة طويلة و ذات جذور أصيلة بامتداد الزمن و نزاع الحقّ و الباطل و النور و الظلمة .. و حديث ذو
شجون، فهو في الوقت الذي يحدّثنا التاريخ عن كلمات جافية و تعابير مهينة و عبارات- قائلها أحقّ بها- صدرت من الخليفة الثالث، ذكر جملة منها شيخنا الأميني في غديره 9- 60- 63 نجده يهدّد و يهمّ بنفي أبي الحسن (عليه السلام) من المدينة، بل همّ أكثر من مرّة أن يقاتل عليّا (عليه السلام)، كما أخرج أبو عمر في كتاب العلم 2- 30، و انظر ما جاء في زاد المعاد لابن القيّم الجوزيّة 1- 177- 225 و غيرها. و لاحظ نكيره (سلام اللّه عليه) في الغدير 9- 69- 77. مع أنّه أورد في الغدير 8- 214 عن الحافظ العاصمي في كتابه:
زين الفتى في شرح سورة هل أتى .. في قصّة طريفة قال في آخرها الخليفة: لو لا عليّ لهلك عثمان.
(5) أقول: اقتصر شيخنا المجلسيّ في عدّ هذه المطاعن على تقريب المعارف لأبي الصّلاح و هو قد اكتفى في ما ذكره على مصدرين- كما سيصرّح في آخر كلامه- هما تاريخ الثّقفيّ و الواقديّ، و قد فحصنا موارد متعدّدة ممّا ذكره عنهما في الغارات للثّقفيّ، أو المغازي للواقديّ فلم نجدها، نعم جاء ذكر المصدرين في كلّ من الشّافي للسّيّد المرتضى و تلخيصه للشّيخ الطّوسيّ و غيرهما من كتب التّاريخ و السّير، و قد أدرجنا بعضها، فلاحظ.
268
(عليه السلام) أَسْتَشْفِعُ بِهِ إِلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ: إِلَى حَمَّالِ الْخَطَايَا (1)..
وَ رَوَى الثَّقَفِيُّ: أَنَّ الْعَبَّاسَ كَلَّمَ عَلِيّاً فِي عُثْمَانَ، فَقَالَ: لَوْ أَمَرَنِي عُثْمَانُ أَنْ أَخْرُجَ مِنْ دَارِي لَخَرَجْتُ، وَ لَكِنْ أَبَى أَنْ يُقِيمَ كِتَابَ اللَّهِ (2)..
وَ رَوَى الثَّقَفِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام)، قَالَ: دَعَانِي عُثْمَانُ، فَقَالَ: أَغْنِ عَنِّي نَفْسَكَ وَ لَكَ عِيرٌ أَوَّلُهَا بِالْمَدِينَةِ وَ آخِرُهَا بِالْعِرَاقِ. فَقُلْتُ: بَخْ بَخْ قَدْ (3) أَكْثَرْتَ لَوْ كَانَ مِنْ مَالِكَ. قَالَ: فَمِنْ مَالِ مَنْ هُوَ؟. قُلْتُ: مِنْ مَالِ قَوْمٍ ضَارَبُوا بِأَسْيَافِهِمْ.
قَالَ لِي: أَ وَ هُنَاكَ تَذْهَبُ؟!، ثُمَّ قَامَ إِلَيَّ فَضَرَبَنِي حَتَّى حَجَرَهُ عَنِّي الرَّبْوُ (4)، وَ أَنَا أَقُولُ لَهُ: أَمَا إِنِّي لَوْ شِئْتُ لَانْتَصَفْتُ.
وَ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي كِتَابِ الدَّارِ، قَالَ: دَخَلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ
____________
(1) قد نقل ابن أبي الحديد في شرحه على النّهج 1- 179 [أربع مجلّدات]: أنّ عليّا (عليه السلام) قال في منبر الكوفة: يا أبناء المهاجرين! انفروا إلى أئمّة الكفر، و بقيّة الأحزاب، و أولياء الشّيطان، انفروا إلى من يقاتل على دم حمّال الخطايا، فو اللّه الّذي فلق الحبّة و برأ النّسمة إنّه ليحمل خطاياهم إلى يوم القيامة لا ينقص من أوزارهم شيئا، و قد سلف.
(2) و قد أخرج القصّة مفصّلا في الأنساب 5- 14. و انظر كلامه (سلام اللّه عليه) في عثمان في نهج البلاغة 1- 76 و ما فسّره به ابن أبي الحديد في شرحه 1- 158، و ما جاء فيه أيضا 1- 468 [أربع مجلّدات] جوابا لابن عبّاس و فيه: و اللّه لقد دفعت عنه حتّى خشيت أن أكون آثما، و ما جاء في أنساب البلاذريّ 5- 98 و 101، و كتاب صفّين لابن مزاحم: 227، و تاريخ الطّبريّ 6- 4، و الكامل 3- 125.
و تجد في العقد الفريد 2- 274، و الإمامة و السّياسة 1- 30، و غيرهما: كان عليّ كلّما اشتكى النّاس إليه أمر عثمان أرسل ابنه الحسن إليه، فلمّا أكثر عليه قال له: إنّ أباك يرى أنّ أحدا لا يعلم ما يعلم، و نحن أعلم بما نفعل! فكفّ عنه.
و لاحظ: الخطبة الشّقشقيّة: .. إلى أن قام ثالث القوم .. و غيرها كثير جدّا.
(3) لا توجد: قد، في (س).
(4) الرّابية: الّتي أخذها الرّبو، و هو النّهيج و تواتر النّفس الّذي يعرض للمسرع في مشيه و حركته. قاله في النّهاية 2- 192، و قريب منه في غيره، و سيأتي في بيان المصنّف طاب ثراه.
269
ابْنُ عَوْفٍ وَ الزُّبَيْرُ وَ طَلْحَةُ وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) عَلَى عُثْمَانَ فَكَلَّمُوهُ فِي (1) بَعْضِ مَا رَأَوْا مِنْهُ، فَكَثُرَ الْكَلَامُ بَيْنَهُمْ، وَ كَانَ عَلِيٌّ (عليه السلام) مِنْ أَعْظَمِهِمْ عَلَيْهِ، فَقَامَ عَلِيٌّ (عليه السلام) مُغْضَباً فَأَخَذَ الزُّبَيْرُ بِثَوْبِهِ، فَقَالَ: اجْلِسْ، فَأَبَى، فَقَالَ عُثْمَانُ: دَعْهُ فَوَ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ لَمَّا يكل (2)، وَ اللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا لَا تَكُونُ فِيهِ وَ لَا فِي وَاحِدٍ مِنْ وُلْدِهِ.
وَ رَوَى الْوَاقِدِيُّ فِي كِتَابِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي عُثْمَانَ ظَاهِراً أَنَّهُ صَلَّى بِمِنًى أَوَّلَ وِلَايَتِهِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى إِذَا كَانَتِ السَّنَةُ السَّادِسَةُ أَتَمَّهَا فَعَابَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُكْثِرَ عَلَيْهِ حَتَّى جَاءَهُ (3) عَلِيٌّ فِي مَنْ جَاءَهُ، فَقَالَ: وَ اللَّهِ مَا حَدَثَ أَمْرٌ وَ لَا قَدِمَ عَهْدٌ، وَ لَقَدْ عَهِدْتُ نَبِيَّكَ (صلّى اللّه عليه و آله) صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ أَنْتَ صَدْراً مِنْ وِلَايَتِكَ، فَمَا هَذَا؟ قَالَ عُثْمَانُ: رَأْيٌ رَأَيْتُهُ.
نكير أُبيّ بن كعب:
وَ ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ بِإِسْنَادِهِ، قَالَ:: جَاءَ (4) رَجُلٌ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ! إِنَّ عُثْمَانَ قَدْ كَتَبَ لِرَجُلٍ مِنْ آلِ أَبِي مُعَيْطٍ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، فَقَالَ أُبَيٌّ: لَا يَزَالُ تَأْتُونِي بِشَيْءٍ مَا أَدْرِي مَا هُوَ فِيهِ؟ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ مَرَّ بِهِ الصَّكُّ، فَقَامَ فَدَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ: يَا ابْنَ الْهَاوِيَةِ! يَا ابْنَ النَّارِ الْحَامِيَةِ! أَ تَكْتُبُ لِبَعْضِ آلِ أَبِي مُعَيْطٍ إِلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِصَكٍّ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ؟!، فَغَضِبَ عُثْمَانُ وَ قَالَ: لَوْ لَا أَنِّي قَدْ كَفَيْتُكَ لَفَعَلْتُ بِكَ كَذَا وَ كَذَا.
وَ ذَكَرَ (5) الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ، قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا
____________
(1) وضع على: في، رمز نسخة بدل في (ك).
(2) خ. ل: لا ينكل. و تقرأ في المطبوع: لم أيكل.
(3) قد تقرأ في (ك): حتّى جاء به.
(4) لا توجد في (س): جاء.
(5) لا توجد: و ذكر، في (س).
270
الْمُنْذِرِ! أَ لَا تُخْبِرُنِي عَنْ عُثْمَانَ مَا قَوْلُكَ فِيهِ؟ فَأَمْسَكَ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: جَزَاكُمُ اللَّهُ شَرّاً يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ! شَهِدْتُمُ الْوَحْيَ وَ عَايَنْتُمُوهُ ثُمَّ نَسْأَلُكُمُ التَّفَقُّهَ فِي الدِّينِ فَلَا تُعَلِّمُونَّا؟!. فَقَالَ أُبَيٌّ عِنْدَ ذَلِكَ: هَلَكَ أَصْحَابُ الْعُقْدَةِ وَ رَبِّ الْكَعْبَةِ، أَمَا وَ اللَّهِ مَا عَلَيْهِمْ آسَى وَ لَكِنْ آسَى عَلَى و مَنْ (1) أُهْلِكُوا. وَ اللَّهِ لَئِنْ أَبْقَانِيَ اللَّهُ إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ لَأَقُومَنَّ مَقَاماً أَتَكَلَّمُ فِيهِ بِمَا أَعْلَمُ، أَ قُتِلْتُ (2) أَوِ اسْتُحْيِيتُ، فَمَاتَ (رحمه اللّه) يَوْمَ الْخَمِيسِ.
نكير أبي ذر:
رَوَى الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ بِإِسْنَادِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:: اسْتَأْذَنَ أَبُو ذَرٍّ عَلَى عُثْمَانَ فَأَبَى أَنْ يَأْذَنَ لَهُ، فَقَالَ لِي: اسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَرَجَعْتُ إِلَى عُثْمَانَ فَاسْتَأْذَنْتُ لَهُ عَلَيْهِ، قَالَ: إِنَّهُ يُؤْذِينِي. قُلْتُ: عَسَى أَنْ لَا يَفْعَلَ، فَأَذِنَ لَهُ مِنْ أَجْلِي، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ يَا عُثْمَانُ!، فَجَعَلَ يَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ ..
وَ عُثْمَانُ يَتَوَعَّدُهُ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: إِنَّهُ قَدْ حَدَّثَنِي نَبِيُّ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَّهُ يُجَاءُ بِكَ وَ بِأَصْحَابِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتُبْطَحُونَ (3) عَلَى وُجُوهِكُمْ، فَتَمُرُّ عَلَيْكُمُ الْبَهَائِمُ فَتَطَؤُكُمْ كُلُّ مَا مَرَّتْ آخِرُهَا رُدَّتْ أَوَّلُهَا، حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ.
قَالَ يَحْيَى بْنُ سَلَمَةَ: فَحَدَّثَنِي الْعَرْزَمِيُّ أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: تَرْفَعُونِي حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ مَعَ الثُّرَيَّا ضُرِبَ بِكُمْ عَلَى وُجُوهِكُمْ فَتَطَأُكُمُ الْبَهَائِمُ.
وَ ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ: أَنَّ أَبَا ذَرٍّ لَمَّا رَأَى أَنَّ عُثْمَانَ قَدْ أَمَرَ بِتَحْرِيقِ الْمَصَاحِفِ، فَقَالَ: يَا عُثْمَانُ! لَا تَكُنْ أَوَّلَ مَنْ حَرَقَ كِتَابَ اللَّهِ فَيَكُونَ دَمُكَ أَوَّلَ دَمٍ يُهَرَاقُ.
وَ ذَكَرَ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَكِيمٍ، قَالَ:: بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ عُثْمَانَ وَ عِنْدَهُ أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَ غَيْرِهِمْ- فَجَاءَ
____________
(1) وضع على: الواو، في (ك) رمز نسخة بدل. و الظّاهر زيادتها.
(2) في (ك): قتلت- بلا الهمزة الاستفهاميّة-.
(3) قال في القاموس 1- 216: بطحه- كمنعه-: ألقاه على وجهه.
271
أَبُو ذَرٍّ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصَاهُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا عُثْمَانُ! إِنَّكَ تَسْمَعُ .. كَذَا وَ كَذَا، وَ تَصْنَعُ .. كَذَا وَ كَذَا .. وَ ذَكَرَ مَسَاوِيَهُ، فَسَكَتَ عُثْمَانُ حَتَّى إِذَا انْصَرَفَ، قَالَ: مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ هَذَا الَّذِي لَا يَدَعُ مَسَاءَةً إِلَّا (1) ذَكَرَهَا. فَسَكَتَ الْقَوْمُ فَلَمْ يُجِيبُوهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام)، فَجَاءَ، فَقَامَ فِي مَقَامِ أَبِي الذَّرِّ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! مَا تَرَى أَبَا الذَّرِّ لَا يَدَعُ لِي مَسَاءَةً إِلَّا ذَكَرَهَا؟. فَقَالَ: يَا عُثْمَانُ! إِنِّي أَنْهَاكَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، يَا عُثْمَانُ أَنْهَاكَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ..- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-، اتْرُكْهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ: (إِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَ إِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) (2). قَالَ لَهُ عُثْمَانُ: بِفِيكَ التُّرَابُ!. قَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام): بَلْ بِفِيكَ التُّرَابُ، ثُمَّ انْصَرَفَ.
وَ رَوَى الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ- وَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ-، فَقَالَ:
أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: لَيُجَاءُ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ بِكَ وَ بِأَصْحَابِكَ حَتَّى تَكُونَ بِمَنْزِلَةِ الْجَوْزَاءِ مِنَ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُرْمَى بِنَا إِلَى الْأَرْضِ فَتُوطَأُ عَلَيْنَا الْبَهَائِمُ حَتَّى يُفْرَغَ مِنْ مُحَاسَبَةِ الْعِبَادِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! هَلْ سَمِعْتَ هَذَا مِنَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)؟. فَقَالَ: لَا. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ سَمِعْتَ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: مَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ وَ لَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ. قَالَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ سَمِعْتُ، فَرَجَعَ أَبِي ذَرٍّ وَ هُوَ يَقُولُ: وَ اللَّهِ مَا كَذَبْتُ..
وَ ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ شيدان السُّلَمِيِ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي ذَرٍّ: مَا لَكُمْ وَ لِعُثْمَانَ؟، مَا تُهَوِّنُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: بَلَى وَ اللَّهِ لَوْ أَمَرَنِي أَنْ أَخْرُجَ مِنْ دَارِي لَخَرَجْتُ وَ لَوْ حَبْواً، وَ لَكِنَّهُ أَبَى أَنْ يُقِيمَ كِتَابَ اللَّهِ (3).
____________
(1) لا توجد: إلّا، في (س).
(2) غافر: 28.
(3) لا توجد في (س) من قوله: و ذكر الثّقفيّ .. إلى هنا. و فيه: و ذكر الثّقفيّ في تاريخه أنّ أبا ذرّ ألقي بين يدي عثمان، فقال: يا كذّاب!. فقال عليّ (عليه السلام): ما هو بكذّاب. قال: بلى، و اللّه لو أمرني أن أخرج من داري لخرجت و لو حبوا و لكنّه أبى أن يقيم كتاب اللّه.
أقول: هذه العبارة مكرّرة لا معنى لها.
272
وَ ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ: أَنَّ أَبَا ذَرٍّ أُلْقِيَ بَيْنَ يَدَيْ عُثْمَانَ، فَقَالَ: يَا كَذَّابُ!.
فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): مَا هُوَ بِكَذَّابٍ. قَالَ: بَلَى، وَ اللَّهِ إِنَّهُ لَكَذَّابٌ. قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): مَا هُوَ بِكَذَّابٍ. قَالَ عُثْمَانُ: التَّرْبَاءُ فِي فِيكَ يَا عَلِيُّ!. قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): بَلِ التَّرْبَاءُ فِي (1) فِيكَ يَا عُثْمَانُ. قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ وَ لَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ. قَالَ: أَمَا وَ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ لَأُسَيِّرَنَّهُ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ حَدَّثَنِي خَلِيلِي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ أَنَّكُمْ تُخْرِجُونِّي مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ..
وَ ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ جَالِساً عِنْدَ عُثْمَانَ وَ كُنْتُ عِنْدَهُ جَالِساً إِذْ قَالَ عُثْمَانُ: أَ رَأَيْتُمْ مَنْ أَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ هَلْ فِي مَالِهِ حَقٌّ غَيْرُهُ؟. قَالَ كَعْبٌ: لَا، فَدَفَعَ أَبُو ذَرٍّ بِعَصَاهُ فِي صَدْرِ كَعْبٍ، ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ الْيَهُودِيَّيْنِ! أَنْتَ تُفَسِّرُ كِتَابَ اللَّهِ بِرَأْيِكَ: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ...) (2) إِلَى قَوْلِهِ: (وَ آتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينَ) (3)، ثُمَّ قَالَ: أَ لَا تَرَى أَنَّ عَلَى الْمُصَلِّي بَعْدَ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ حَقّاً فِي مَالِهِ؟!، ثُمَّ قَالَ عُثْمَانُ: أَ تَرَوْنَ بَأْساً أَنْ نَأْخُذَ (4) مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ مَالًا فَنُفَرِّقُهُ فِيمَا يَنُوبُنَا (5) مِنْ أَمْرِنَا ثُمَّ نَقْضِيهِ؟، ثُمَّ قَالَ أُنَاسٌ مِنْهُمْ: لَيْسَ بِذَلِكَ بَأْسٌ. وَ أَبُو ذَرٍّ سَاكِتٌ، فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا كَعْبُ! مَا تَقُولُ؟. فَقَالَ كَعْبٌ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، فَرَفَعَ أَبُو ذَرٍّ عَصَاهُ فَوَجَأَ بِهَا (6) فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَنْتَ يَا ابْنَ
____________
(1) لا توجد في (س): في.
(2) البقرة: 177.
(3) البقرة: 177.
(4) في (ك) نسخة بدل: يؤخذ.
(5) قد تقرأ في مطبوع البحار: ينوينا.
(6) قال في القاموس 1- 31: وجأه باليد أو بالسّكّين- كوضعه-: ضربه.
273
الْيَهُودِيَّيْنِ تُعَلِّمُنَا دِينَنَا؟!. فَقَالَ عُثْمَانُ: مَا أَكْثَرَ أَذَاكَ لِي وَ أَوْلَعَكَ بِأَصْحَابِيَ؟! الْحَقْ بِمَكِينِكَ وَ غَيِّبْ عَنِّي وَجْهَكَ.
وَ ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عِيسَى بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ أَبَا ذَرٍّ أَظْهَرَ عَيْبَ عُثْمَانَ وَ فِرَاقَهُ لِلدِّينِ، وَ أَغْلَظَ لَهُ حَتَّى شَتَمَهُ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ وَ بَرِئَ مِنْهُ، فَسَيَّرَهُ عُثْمَانُ إِلَى الشَّامِ.
وَ ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا ذَرٍّ زَارَ أَبَا الدَّرْدَاءِ بِحِمْصٍ فَمَكَثَ عِنْدَهُ لَيَالِيَ فَأَمَرَ (1) بِحِمَارِهِ فَأَوْكَفَ (2)، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: لَا أَرَانِيَ اللَّهُ مشيعك (3)، وَ أَمَرَ بِحِمَارِهِ فَأُسْرِجَ. فَسَارَا جَمِيعاً عَلَى حِمَارَيْهِمَا، فَلَقِيَا رَجُلًا شَهِدَ الْجُمُعَةَ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ بِالْجَابِيَةِ فَعَرَفَهُمَا الرَّجُلُ وَ لَمْ يَعْرِفَاهُ (4) فَأَخْبَرَهُمَا خَبَرَ النَّاسِ، ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ قَالَ: وَ خَبَرٌ آخَرُ كَرِهْتُ أَنْ أُخْبِرَكُمْ بِهِ الْآنَ وَ أَرَاكُمْ تَكْرَهَانِهِ، قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: لَعَلَّ أَبَا ذَرٍّ قَدْ نُفِيَ؟. قَالَ: نَعَمْ وَ اللَّهِ، فَاسْتَرْجَعَ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَ صَاحِبُهُ قَرِيباً مِنْ عَشْرِ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: فَارْتَقِبْهُمْ وَ اصْطَبِرْ كَمَا قِيلَ لِأَصْحَابِ النَّاقَةِ، اللَّهُمَّ إِنْ كَانُوا كَذَّبُوا أَبَا ذَرٍّ فَإِنِّي لَا أُكَذِّبُهُ! وَ إِنِ اتَّهَمُوهُ فَإِنِّي لَا أَتَّهِمُهُ! وَ إِنِ اسْتَغَشُّوهُ فَإِنِّي لَا أَسْتَغِشُّهُ! إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) كَانَ يَأْتَمِنُهُ حَيْثُ لَا يَأْتَمِنُ أَحَداً، وَ يُسِرُّ إِلَيْهِ حَيْثُ (5) لَا يُسِرُّ إِلَى أَحَدٍ، أَمَا وَ الَّذِي نَفْسُ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَطَعَ يَمِينِي مَا أَبْغَضْتُهُ بَعْدَ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ وَ لَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ.
____________
(1) الكلمة مشوّشة في المطبوع، و قد تقرأ: قاصر. و ما أثبتناه هو الظّاهر.
(2) قال الجوهريّ في الصّحاح 4- 1446: و الوكاف و الإكاف للحمار، يقال: آكفت البغل و أوكفته.
و قال الفيروزآباديّ في قاموسه 3- 118: إكاف الحمار- ككتاب و غراب- و وكافه: برذعته، و الأكّاف صانعه، و آكف الحمار و أكّفه تأكيفا: شدّه عليه.
(3) في (س): الكلمة مشوّشة، و قد تقرأ: مشيعتك، أو: شيعتك.
(4) كذا، و الظّاهر: فعرفا الرّجل و لم يعرفهما.
(5) في (س): حتّى.
274
وَ ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ بِإِسْنَادِهِ، قَالَ: قَامَ مُعَاوِيَةُ خَطِيباً بِالشَّامِ، فَقَالَ:
أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّمَا أَنَا خَازِنٌ فَمَنْ أَعْطَيْتُهُ فَاللَّهُ يُعْطِيهِ وَ مَنْ حَرَمْتُهُ فَاللَّهُ يَحْرِمُهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو ذَرٍّ، فَقَالَ: كَذَبْتَ وَ اللَّهِ يَا مُعَاوِيَةُ، إِنَّكَ لَتُعْطِي مَنْ حَرَمَ اللَّهُ وَ تَمْنَعُ مَنْ أَعْطَى اللَّهُ.
وَ ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قُلْتُ لِمُعَاوِيَةَ: أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: إِنَّ أَحَدَنَا فِرْعَوْنُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَمَّا أَنَا فَلَا (1).
وَ عَنْهُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ابْنِ أَخِي أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عُثْمَانَ: إِنَّ أَبَا ذَرٍّ قَدْ حَرَّفَ قُلُوبَ أَهْلِ الشَّامِ وَ بَغَّضَكَ إِلَيْهِمْ فَمَا يَسْتَفْتُونَ غَيْرَهُ، وَ لَا يَقْضِي بَيْنَهُمْ إِلَّا هُوَ، فَكَتَبَ عُثْمَانُ إِلَى مُعَاوِيَةَ: أَنِ احْمِلْ أَبَا ذَرٍّ عَلَى نَابٍ صَعْبَةٍ وَ قَتَبٍ (2)،
____________
(1) قد أورد في العقد الفريد 2- 223 [و في طبعة أخرى: 2- 285] و من كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى معاوية: أمّا بعد فو اللّه ما قتل ابن عمّك غيرك، و إنّي لأرجو أن ألحقك به على مثل ذنبه و أعظم من خطيئته.
و نقل ابن أبي الحديد في شرحه 4- 58 [أربع مجلّدات] من كتاب ابن عبّاس إلى معاوية: و أمّا قولك: إنّي من السّاعين على عثمان و الخاذلين و السّافكين دمه .. فأقسم باللّه لأنت المتربّص بقتله، و المحبّ لهلاكه، و الحابس النّاس قبلك عنه على بصيرة من أمره ..
و ذكر ابن مزاحم في كتاب صفّين: 210، و الطّبريّ في تاريخه 5- 243، و ابن الأثير في الكامل 3- 123، و ابن أبي الحديد في شرحه 1- 342 خطبة شبث بن ربعيّ معاوية: إنّه و اللّه لا يخفى علينا ما تغزو و ما تطلب .. و قد علمنا أن قد أبطأت عنه بالنّصر، و أحببت له القتل لهذه المنزلة الّتي أصبحت تطلب ...
و جاء جواب أبي أيّوب الأنصاريّ لمعاوية: إنّ الّذي تربّص بعثمان و ثبّط أهل الشّام عن نصرته لأنت .. كما في الإمامة و السّياسة 1- 93 [و في طبعة أخرى: 81]، و شرح ابن أبي الحديد المعتزليّ 2- 281.
و لعمري، إنّ النّكير على معاوية و الكتب إليه من وجوه الصّحابة و غيرهم أكثر و أكثر كلّها تعرب عن علّة خذلانه عثمان حيّا و مطالبته بدمه ميّتا، و ما ذكرناه ليس إلّا قطرة من بحر، راجع ما سرده العلّامة الأمينيّ في غديره 9- 149- 151 و غيرها.
(2) قال في القاموس 1- 135: النّاب: النّاقة المسنّة. و فيه 1- 114: القتب: الإكاف، و بالتّحريك أكثر، أو الإكاف الصّغير على قدر سنام البعير.
275
ثُمَّ ابْعَثْ مَعَهُ مَنْ يَنْجَشُ بِهِ نَجْشاً (1) عَنِيفاً حَتَّى يَقْدَمَ بِهِ عَلَيَّ، قَالَ: فَحَمَلَهُ مُعَاوِيَةُ عَلَى نَاقَةٍ صَعْبَةٍ عَلَيْهَا قَتَبٌ مَا عَلَى الْقَتَبِ إِلَّا مِسْحٌ (2)، ثُمَّ بَعَثَ مَعَهُ مَنْ يُسَيِّرُهُ سَيْراً عَنِيفاً، وَ خَرَجْتُ مَعَهُ فَمَا لَبِثَ الشَّيْخُ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى سَقَطَ مَا يَلِي الْقَتَبَ مِنْ لَحْمِ فَخِذَيْهِ وَ قُرِحَ، فَكُنَّا إِذَا كَانَ اللَّيْلُ أَخَذْتُ مُلَائِي (3) فَأَلْقَيْتُهُمَا تَحْتَهُ، فَإِذَا كَانَ السَّحَرُ نَزَعْتُهَا مَخَافَةَ أَنْ يَرَوْنِي فَيَمْنَعُونِي مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَ بَلَغْنَا عُثْمَانَ مَا لَقِيَ أَبُو ذَرٍّ مِنَ الْوَجَعِ وَ الْجَهْدِ، فَحَجَبَهُ جُمُعَةً وَ جُمُعَةً حَتَّى مَضَتْ عِشْرُونَ لَيْلَةً أَوْ نَحْوُهَا وَ أَفَاقَ أَبُو ذَرٍّ، ثُمَّ أُرْسِلَ إِلَيْهِ- وَ هُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى يَدِي- فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ وَ هُوَ مُتَّكِئٌ فَاسْتَوَى قَاعِداً، فَلَمَّا دَنَا أَبُو ذَرٍّ مِنْهُ قَالَ عُثْمَانُ:
لَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِعَمْرٍو عَيْناً* * * تَحِيَّةَ السُّخْطِ إِذَا الْتَقَيْنَا
فَقَالَ لَهُ أَبُو ذَرٍّ: لِمَ (4)؟، فَوَ اللَّهِ مَا سَمَّانِيَ اللَّهُ عَمْراً (5) وَ لَا سَمَّانِيَ أَبَوَايَ عَمْراً (6)، وَ إِنِّي عَلَى الْعَهْدِ الَّذِي فَارَقْتُ عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مَا غَيَّرْتُ وَ لَا بَدَّلْتُ.
فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: كَذَبْتَ! لَقَدْ كَذَبْتَ عَلَى نَبِيِّنَا وَ طَعَنْتَ فِي دِينِنَا، وَ فَارَقْتَ رَأَيْنَا، وَ ضَغَّنْتَ قُلُوبَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْنَا، ثُمَّ قَالَ لِبَعْضِ غِلْمَانِهِ: ادْعُ لِي قُرَيْشاً، فَانْطَلَقَ رَسُولُهُ فَمَا لَبِثْنَا أَنِ امْتَلَأَ الْبَيْتُ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ. فَقَالَ لَهُمْ عُثْمَانُ: إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ فِي هَذَا الشَّيْخِ الْكَذَّابِ، الَّذِي كَذَبَ عَلَى نَبِيِّنَا وَ طَعَنَ فِي دِينِنَا، وَ ضَغَّنَ قُلُوبَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْنَا، وَ إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَقْتُلَهُ أَوْ أَصْلِبَهُ أَوْ أَنْفِيَهُ مِنَ
____________
(1) النّجش: الإسراع. ذكره الفيروزآباديّ في القاموس 2- 289.
(2) قال في القاموس المحيط 1- 249: المسح- بالكسر-: البلاس.
(3) جاء في النّهاية 4- 352: الملاء- بالضّمّ و المدّ-: جمع الملاءة، و هي الإزار و الرّيطة. ثمّ إنّ الرّيطة:
كلّ ملاءة غير ذات لفقين كلّها نسج واحد، أو قطعة واحدة، أو كلّ ثوب ليّن رقيق، كما ذكره في القاموس 2- 362.
(4) في (ك): و لم.
(5) كذا، و الصّحيح: عمرا.
(6) كذا، و الصّحيح: عمرا.
276
الْأَرْضِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَأْيُنَا لِرَأْيِكَ تَبَعٌ. وَ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّهُ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ لَهُ حَقٌّ، فَمَا مِنْهُمْ أَحَدٌ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصًى سَتْراً فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَ نَظَرَ وَ لَمْ يَجِدْ مَقْعَداً فَاعْتَمَدَ عَلَى عَصَاهُ، فَمَا أَدْرِي أَ تَخَلُّفُ عَهْدٍ أَمْ يُظَنُّ بِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): فِيمَا أَرْسَلْتُمْ إِلَيْنَا؟. قَالَ عُثْمَانُ: أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ فِي أَمْرٍ قَدْ فُرِّقَ لَنَا فِيهِ الرَّأْيُ فَاجْمَعْ رَأْيَنَا وَ رَأْيَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ عَلَى أَمْرٍ. قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): وَ لِلَّهِ الْحَمْدُ، أَمَا إِنَّكُمْ لَوِ اسْتَشَرْتُمُونَا لَمْ نَأْلُكُمْ نَصِيحَةً. فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ فِي هَذَا الشَّيْخِ الَّذِي قَدْ كَذَبَ عَلَى نَبِيِّنَا، وَ طَعَنَ فِي دِينِنَا، وَ خَالَفَ رَأْيَنَا، وَ ضَغَّنَ قُلُوبَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْنَا، وَ قَدْ رَأَيْنَا أَنْ نَقْتُلَهُ أَوْ نَصْلِبَهُ أَوْ نَنْفِيَهُ مِنَ الْأَرْضِ.
قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): أَ فَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ وَ أَقْرَبَ رُشْداً؟ تَتْرُكُونَهُ بِمَنْزِلَةِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ إِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَ إِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (1). قَالَ لَهُ عُثْمَانُ: بِفِيكَ التُّرَابُ!. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام): بَلْ بِفِيكَ التُّرَابُ، وَ سَيَكُونُ بِهِ. فَأَمَرَ بِالنَّاسِ فَأُخْرِجُوا.
وَ عَنْهُ فِي تَارِيخِهِ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا قُدِمَ بِأَبِي ذَرٍّ مِنَ الشَّامِ إِلَى عُثْمَانَ كَانَ مِمَّا أَبَّنَهُ (2) بِهِ أَنْ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: أَجَلْ أَنَا أَقُولُ، وَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي (3) رَابِعُ أَرْبَعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مَا أَسْلَمَ غَيْرُنَا، وَ مَا أَسْلَمَ أَبُو بَكْرٍ وَ لَا عُمَرُ، وَ لَقَدْ وُلِّيَا وَ مَا وُلِّيتُ، وَ لَقَدْ مَاتَا وَ إِنِّي لَحَيٌّ. فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): وَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُ وَ إِنَّهُ
____________
(1) غافر: 28.
(2) قال في القاموس 4- 194: أبنه بشيء يأبنه و يأبنه: اتّهمه .. و أبّنه تأبينا: عابه.
(3) في مطبوع البحار: أ رأيتني.
277
لربع (1) الْإِسْلَامِ، فَرَدَّ عُثْمَانُ ذَلِكَ عَلَى عَلِيٍّ (عليه السلام) وَ كَانَ بَيْنَهُمَا كَلَامٌ، فَقَالَ عُثْمَانُ: وَ اللَّهِ لَقَدْ هَمَمْتُ بِكَ، قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): وَ أَنَا وَ اللَّهُ لَأَهِمُّ بِكَ، فَقَامَ عُثْمَانُ وَ دَخَلَ بَيْتَهُ، وَ تَفَرَّقَ النَّاسُ.
وَ عَنْهُ فِي تَارِيخِهِ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: بَيْنَمَا (2) نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ إِذْ جَاءَ أَبُو ذَرٍّ، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! هَلِ افْتَقَرَ اللَّهُ مُنْذُ اسْتَغْنَى؟. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! بَلِ اللَّهُ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ، لَا يَفْتَقِرُ أَبَداً وَ نَحْنُ الْفُقَرَاءُ إِلَيْهِ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَمَا بَالُ هَذَا الْمَالِ يُجْمَعُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ. فَقَالَ: مَالُ اللَّهِ قَدْ مَنَعُوهُ أَهْلَهُ مِنَ الْيَتَامَى وَ الْمَسَاكِينِ، ثُمَّ انْطَلَقَ. فَقُلْتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: مَا لَكُمْ لَا تَأْبَوْنَ مِثْلَ هَذَا؟. قَالَ: إِنَّ هَذَا رَجُلٌ قَدْ وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى أَنْ يُذْبَحَ فِي اللَّهِ، أَمَا إِنِّي أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ وَ لَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ، فَإِذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَنْظُرُوا إِلَى أَشْبَهِ النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ بِرّاً وَ زُهْداً وَ نُسْكاً فَعَلَيْكُمْ بِهِ (3).
وَ عَنْهُ فِي تَارِيخِهِ، عَنِ الْمَغْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: كَانَ عُثْمَانُ يَخْطُبُ فَأَخَذَ أَبُو ذَرٍّ بِحَلْقَةِ الْبَابِ، فَقَالَ: أَنَا أَبُو ذَرٍّ! مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي وَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَا جُنْدَبٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: إِنَّمَا مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي مَثَلُ سَفِينَةِ نُوحٍ فِي قَوْمِهِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا هَلَكَ وَ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا. قَالَ لَهُ عُثْمَانُ: كَذَبْتَ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام): إِنَّمَا كَانَ عَلَيْكَ أَنْ تَقُولَ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ:
____________
(1) في (س): لريع.
(2) في (ك): بينهما.
(3) و أخرجه باختلاف ألفاظه و أسانيده ابن سعد و التّرمذيّ و ابن ماجة و أحمد و ابن أبي شيبة و ابن جرير و أبو عمر و أبو نعيم و البغويّ و الحاكم و ابن عساكر و الطّبرانيّ و ابن الجوزيّ و غيرهم، انظر مثالا:
صحيح التّرمذيّ 2- 221، سنن ابن ماجة 1- 68، مسند أحمد 2- 163 و 175 و 223، و 5- 197، و 4426، و مستدرك الحاكم 3- 342، و الاستيعاب 1- 84، و مجمع الزّوائد 9- 329، و الإصابة 3- 622 و 4- 64، و كنز العمّال 6- 169 و 8- 15- 17، و غيرهم.
278
(إِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَ إِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) (1) فَمَا أَتَمَّ حَتَّى قَالَ عُثْمَانُ: بِفِيكَ التُّرَابُ. فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): بَلْ بِفِيكَ التُّرَابُ (2).
وَ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي مَرْوَانَ الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: لَمَّا صُدَّ النَّاسُ عَنِ الْحَجِّ فِي سَنَةِ ثَلَاثِينَ أَظْهَرَ أَبُو ذَرٍّ بِالشَّامِ عَيْبَ عُثْمَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَوْ خَرَجَ شَتَمَ عُثْمَانَ وَ ذَكَرَ مِنْهُ خِصَالًا كُلُّهَا قَبِيحَةٌ، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى عُثْمَانَ كِتَاباً يَذْكُرُ لَهُ مَا يَصْنَعُ أَبُو ذَرٍّ. وَ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ مَا تَضَمَّنَهُ الْكِتَابُ حَذَفْنَاهُ اخْتِصَاراً.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ جَاءَنِي كِتَابُكَ وَ فَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ جُنَيْدِبٍ فَابْعَثْ إِلَيَّ بِهِ وَ احْمِلْهُ عَلَى أَغْلَظِ الْمَرَاكِبِ وَ أَوْعَرِهَا (3)، وَ ابْعَثْ مَعَهُ دَلِيلًا يَسِيرُ بِهِ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ حَتَّى لَا يَنْزِلَ عَنْ مَرْكَبِهِ فَيَغْلِبَهُ النَّوْمُ فَيُنْسِيَهُ ذِكْرِي وَ ذِكْرَكَ.
قَالَ: فَلَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ عَلَى مُعَاوِيَةَ حَمَلَهُ عَلَى شَارِفٍ (4) لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا قَتَبٌ، وَ بَعَثَ مَعَهُ دَلِيلًا، وَ أَمَرَ أَنْ يُغِذَّ (5) بِهِ السَّيْرَ حَتَّى قَدِمَ بِهِ الْمَدِينَةَ وَ قَدْ سَقَطَ لَحْمُ فَخِذَيْهِ، قَالَ: فَلَقَدْ أَتَانَا آتٍ وَ نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ ضَحْوَةً مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، فَقِيلَ (6): أَبُو ذَرٍّ قَدْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَخَرَجْتُ أَعْدُوا (7) فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ سَبَقَ إِلَيْهِ، فَإِذَا شَيْخٌ نَحِيفٌ آدَمُ طُوَالٌ أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَ اللِّحْيَةِ يَمْشِي مَشْياً مُتَقَارِباً، فَدَنَوْتُ إِلَيْهِ،
____________
(1) الغافر: 28.
(2) و قريب منه ما جاء في رواية الواقديّ من طريق صهبان مولى الأسلميّين، كما في الأنساب 5- 52، و شرح ابن أبي الحديد 1- 241. و قال الأخير فيه: فأجابه عثمان بجواب غليظ لا أحبّ ذكره و أجابه (عليه السلام) بمثله. و ستأتي له مصادر أكثر.
(3) الوعر: ضدّ السّهل، كالوعر و الواعر و الوعير و الأوعر، كما في القاموس 2- 154.
(4) قال الفيروزآبادي في القاموس المحيط 3- 157: الشّارف من النّوق: المسنّة الهرمة، و سيأتيان في بيان المصنّف (رحمه اللّه).
(5) أغذّ السّير، و فيه: أسرع، نصّ عليه في القاموس المحيط 1- 356.
(6) في (ك) نسخة بدل: فقال.
(7) في (س): أغدو.
279
فَقُلْتُ: يَا عَمِّ! مَا لِي أَرَاكَ لَا تَخْطُو إِلَّا خَطْواً قَرِيباً. قَالَ: عَمَلُ ابْنِ عَفَّانَ، حَمَلَنِي عَلَى مَرْكَبٍ وَعْرٍ وَ أَمَرَ بِي أَنْ أُتْعَبَ، ثُمَّ قَدِمَ بِي عَلَيْهِ لِيَرَى فِيَّ رَأْيَهُ. قَالَ: فَدَخَلَ بِهِ عَلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: لَا أَنْعَمَ اللَّهُ لَكَ عَيْناً يَا جُنَيْدِبُ ..
وَ سَاقَ الْحَدِيثَ كَمَا مَرَّ بِرِوَايَةِ ابْنِ أَبِي الْحَدِيدِ.
ثم قال أبو الصلاح (1) (رحمه اللّه): وَ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي تَارِيخِهِ (2)، عَنْ صُهْبَانَ مَوْلَى الْأَسْلَمِيِّينَ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ يَوْمَ دُخِلَ بِهِ عَلَى عُثْمَانَ عَلَيْهِ عَبَاءٌ مِدْرَعاً قَدْ دُرِعَ بِهَا عَلَى شَارِفٍ حَتَّى أُنِيخَ بِهِ عَلَى بَابِ عُثْمَانَ. فَقَالَ: أَنْتَ الَّذِي فَعَلْتَ وَ فَعَلْتَ؟!. فَقَالَ: أَنَا الَّذِي نَصَحْتُكَ فَاسْتَغْشَشْتَنِي، وَ نَصَحْتُ صَاحِبَكَ فَاسْتَغَشَّنِي .. وَ سَاقَ الْحَدِيثَ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ .. إِلَى قَوْلِهِ، قَالَ: امْضِ عَلَى وَجْهِكَ هَذَا وَ لَا تَعْدُوَنَّ الرَّبَذَةَ، فَخَرَجَ أَبُو ذَرٍّ إِلَى الرَّبَذَةِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى تُوُفِّيَ.
نكير عمّار بن ياسر:
و ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، قَالَ: خَطَبَ عُثْمَانُ النَّاسَ ثُمَّ قَالَ فِيهَا: وَ اللَّهِ لَأُوثِرَنَّ بَنِي أُمَيَّةَ، وَ لَوْ كَانَ بِيَدِي مَفَاتِيحُ الْجَنَّةِ لَأُدْخِلَنَّهُمْ (3) إِيَّاهَا، وَ لَكِنِّي سَأُعْطِيهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ مَنْ رَغِمَ.
فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ: أَنْفِي وَ اللَّهِ تَرْغَمُ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ عُثْمَانَ: فَأَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ.
____________
(1) في تقريب المعارف- القسم الثاني الخاصّ بمطاعن الثلاثة و غيرهم و لم يطبع- و جاء في القسم الأوّل منه في صفحة: 165 و منها: إخراج أبي ذرّ إلى الشام لأمره بالمعروف، ثمّ حمله من الشام لإنكاره على معاوية خلافه للكتاب و السنّة مهانا معسّفا، و استخفافه به، و نيله من عرضه و تسميته بالكذّاب مع شهادة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) له بالصدق، و نفيه عن المدينة إلى الربذة حتّى مات بها (رحمه اللّه) تعالى مغرّبا.
(2) لم نحصل على تاريخ الواقديّ إلّا ما نقل عنه في المصادر السّالفة، و لكن ورد في كتاب المغازي للواقديّ 3- 1000- 1001 روايات حول أبي ذرّ و حياته طاب ثراه.
(3) في (س): لأدخلتهم.
280
فَقَالَ عَمَّارٌ: وَ أَنْفُ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ تَرْغَمُ.
قَالَ: وَ إِنَّكَ لَهُنَاكَ يَا ابْنَ سُمَيَّةَ .. ثُمَّ نَزَلَ إِلَيْهِ فَوَطَأَهُ فَاسْتُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهِ وَ قَدْ غُشِيَ عَلَيْهِ وَ فَتَقَهُ (1).
وَ ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَمَّارٍ فَقَالَ: ثَلَاثٌ يَشْهَدُونَ عَلَى عُثْمَانَ وَ أَنَا الرَّابِعُ، وَ أَنَا أَسْوَأُ الْأَرْبَعَةِ: (وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ) (2) (وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (3) وَ (وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) (4) وَ أَنَا أَشْهَدُ لَقَدْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ.
وَ عَنْهُ فِي تَارِيخِهِ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِعَمَّارٍ يَوْمَ صِفِّينَ: عَلَى مَا تُقَاتِلُهُمْ يَا أَبَا الْيَقْظَانِ؟!. قَالَ: عَلَى أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ عُثْمَانَ مُؤْمِنٌ وَ نَحْنُ نَزْعُمُ أَنَّهُ كَافِرٌ (5).
وَ عَنْهُ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ الْحَرَشِيِّ، قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى عَمَّارٍ فِي مَسْجِدِ الْبَصْرَةِ وَ عَلَيْهِ بُرْنُسٌ وَ النَّاسُ قَدْ أَطَافُوا بِهِ وَ هُوَ يُحَدِّثُهُمْ مِنْ أَحْدَاثِ عُثْمَانَ وَ قَتْلِهِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ وَ هُوَ يَذْكُرُ عُثْمَانَ: رَحِمَ اللَّهُ عُثْمَانَ!.
فَأَخَذَ عَمَّارٌ كَفّاً مِنْ حَصَى الْمَسْجِدِ فَضَرَبَ بِهِ وَجْهَهُ، ثُمَّ قَالَ: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَا كَافِرُ، اسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ .. وَ أَوْعَدَ الرَّجُلَ فَلَمْ يَزَلِ الْقَوْمُ يُسَكِّنُونَ عَمَّاراً عَنِ الرَّجُلِ حَتَّى قَامَ وَ انْطَلَقَ وَ قَعَدَتِ الْقَوْمُ حَتَّى فَرَغَ عَمَّارٌ مِنْ حَدِيثِهِ وَ سَكَنَ غَضَبُهُ، ثُمَّ إِنِّي قُمْتُ مَعَهُ فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ! رَحِمَكَ اللَّهُ أَ مُؤْمِناً قَتَلْتُمْ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَمْ
____________
(1) قد مرّ سند الحديث و مصادره.
(2) المائدة: 44.
(3) المائدة: 45.
(4) المائدة: 47.
(5) و جاء في تاريخ الطّبريّ 5- 187، و الكامل لابن الأثير 3- 97، و شرح ابن أبي الحديد 3- 285 و 292 عن مسروق بن الأجدع: أنّه سأل عمّارا: يا أبا اليقظان! علام قتلتم عثمان؟. قال: على شتم أعراضنا و ضرب أبشارنا- جمع بشرة: أعلى جلدة الوجه-.
281
كَافِراً؟!. فَقَالَ: لَا، بَلْ قَتَلْنَاهُ كَافِراً .. بَلْ قَتَلْنَاهُ كَافِراً (1).
وَ عَنْهُ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ: وَ اللَّهِ مَا أَخَذَنِي أَسَى عَلَى شَيْءٍ تَرَكْتُهُ خَلْفِي غَيْرَ أَنِّي وَدِدْتُ أَنَّا كُنَّا أَخْرَجْنَا عُثْمَانَ مِنْ قَبْرِهِ فَأَضْرَمْنَا عَلَيْهِ نَاراً.
وَ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: أَتَيْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ- وَ عُثْمَانُ مَحْصُورٌ-، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ قَامَ مَعِي فَكَلَّمْتُهُ، فَلَمَّا ابْتَدَأْتُ الْكَلَامَ جَلَسَ ثُمَّ اسْتَلْقَى وَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقُلْتُ: وَيْحَكَ يَا أَبَا الْيَقْظَانِ! إِنَّكَ كُنْتَ فِينَا لَمِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَ السَّابِقَةِ، وَ مَنْ عُذِّبَ فِي اللَّهِ، فَمَا الَّذِي تَبْغِي مِنْ سَعْيِكَ فِي فَسَادِ الْمُؤْمِنِينَ؟ وَ مَا صَنَعْتَ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَأَهْوَى إِلَى عِمَامَتِهِ فَنَزَعَهَا عَنْ رَأْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: خَلَعْتُ عُثْمَانَ كَمَا خَلَعْتُ عِمَامَتِي هَذِهِ، يَا أَبَا إِسْحَاقَ! إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَكُونَ خِلَافَةٌ كَمَا كَانَتْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) فَأَمَّا أَنْ يُعْطِيَ مَرْوَانَ خُمُسَ إِفْرِيقِيَةَ، وَ مُعَاوِيَةَ عَلَى الشَّامِ، وَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ شَارِبَ الْخَمْرِ عَلَى الْكُوفَةِ، وَ ابْنَ عَامِرٍ عَلَى الْبَصْرَةِ. وَ الْكَافِرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَى مِصْرَ، فَلَا وَ اللَّهِ لَا كَانَ هَذَا أَبَداً حَتَّى يُبْعَجَ (2) فِي خَاصِرَتِهِ (3) بِالْحَقِّ.
نكير عبد اللّه بن مسعود:
وَ ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: قُلْنَا لِعَبْدِ اللَّهِ:
فِيمَ طَعَنْتُمْ عَلَى عُثْمَانَ؟. قَالَ: أَهْلَكَهُ الشُّحُّ وَ بِطَانَةُ السَّوْءِ.
وَ عَنْهُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ وَ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: لَوَدِدْتُ أَنِّي وَ عُثْمَانَ بِرَمْلِ عَالِجٍ فَنَتَحَاثَى التُّرَابَ حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَزُ (4).
____________
(1) و بمضمونه أورده الباقلانيّ في التّمهيد: 220، و نصر بن مزاحم في كتاب صفّين: 361- 369 [طبعة مصر]، و جمهرة الخطب 1- 181، و غيرهم.
(2) قال في القاموس 1- 179: بعجه- كمنعه-: شقّه.
(3) الخاصرة- بكسر الصّاد-: ما بين رأس الورك و أسفل الأضلاع، كما نصّ عليه في مجمع البحرين 3- 286.
(4) و ما زال ابن مسعود على اعتقاده بالرّجل حتّى أنّه أوصى أن لا يصلّي عليه، كما في شرح ابن أبي الحديد 1- 236، و تاريخ الخميس 2- 268.
و جاء في الفتنة الكبرى: 171 و غيره روي: أنّ ابن مسعود كان يستحلّ دم عثمان أيّام كان في الكوفة، و كان يخطب و يقول: إنّ شرّ الأمور محدثاتها، و كلّ محدث بدعة، و كلّ بدعة ضلالة، و كلّ ضلالة في النّار، يعرّض في ذلك بعثمان. و أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء 1- 138، و فصّلها البلاذريّ في الأنساب 5- 36. و ذكره في المستدرك 3- 313، و الاستيعاب 1- 373، و تاريخ ابن كثير 7- 163.
و قد شرع العلّامة الأمينيّ- (رحمه اللّه)- الجزء التّاسع من الغدير ب: الخليفة يخرج ابن مسعود من المسجد عنفا، و ذكر موقف الخليفة معه و ضربه يحموم غلام عثمان بإذنه على الأرض و دقّ ضلعه و غير ذلك ثمّ عقّبه ب: لعلّك لا تستكنّه هذه الجرأة و لا تبلغ مداها حتّى تعلم أنّ ابن مسعود من هو؟.
و ذكر روايات جمّة في فضائل ابن مسعود عن مصادر كثيرة جدّا .. إلى أن قال: لما ذا شتم على رءوس الأشهاد و لما ذا أخرج من مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مهانا عنفا؟ و لما ذا ضرب به الأرض فدقّت أضالعه؟ .. كلّ ذلك لأنّه امتنع عن أن يبيح للوليد بن عقبة الخالع الماجن من بيت مال الكوفة يوم كان عليه ما أمر به .. انظر: الغدير 9- 3- 15 فإنّها جديرة بالملاحظة.
282
وَ عَنْهُ وَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ- مِنْهُمْ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَ مَسْرُوقُ بْنُ الْأَخْدَعِ، وَ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ، وَ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ وَ غَيْرُهُمْ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَا يَعْدِلُ عُثْمَانُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ.
وَ فِي أُخْرَى: جَنَاحَ ذُبَابٍ.
وَ عَنْهُ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ يَلْعَنُ عُثْمَانَ، فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَشْهَدُ لَهُ بِالنَّارِ.
وَ عَنْهُ، عَنْ خُثَيْمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِي بَيْتٍ وَ نَحْنُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا نَتَذَاكَرُ أَمْرَ الدَّجَّالِ وَ فِتْنَتَهُ إِذْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقَالَ: مَا تَتَذَاكَرُونَ مِنْ أَمْرِ الدَّجَّالِ؟ وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ فِي الْبَيْتِ لَمَنْ هُوَ أَشَدُّ عَلَى أُمَّتِي مِنَ الدَّجَّالِ، وَ قَدْ مَضَى مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ يَوْمَئِذٍ غَيْرِي وَ غَيْرُ عُثْمَانَ، وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي وَ عُثْمَانَ بِرَمْلِ عَالِجٍ نَتَحَاثَى التُّرَابَ حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَزُ.
وَ عَنْهُ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: صَلَّى
283
هَؤُلَاءِ جُمُعَتَهُمْ؟. قُلْتُ: لَا. قَالَ: إِنَّمَا هَؤُلَاءِ حُمُرٌ! إِنَّمَا يُصَلِّي مَعَ هَؤُلَاءِ الْمُضْطَرُّ، وَ مَنْ لَا صَلَاةَ لَهُ، فَقَامَ بَيْنَنَا فَصَلَّى بِغَيْرِ أَذَانٍ وَ لَا إِقَامَةٍ.
وَ عَنْهُ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، قَالَ: دَخَلُوا (1) عَلَى عَبْدِ اللَّهِ حَيْثُ كَتَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يُسَيِّرُهُ وَ عِنْدَهُ (2) أَصْحَابُهُ، فَجَاءَ رَسُولُ الْوَلِيدِ، فَقَالَ: إِنَّ الْأَمِيرَ أَرْسَلَ إِلَيْكَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ: إِمَّا أَنْ تَدَعَ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَ إِمَّا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَرْضِكَ. قَالَ:
رُبَّ كَلِمَاتٍ لَا أَخْتَارُ مِصْرِي عَلَيْهِنَّ. قِيلَ: مَا هُنَّ؟. قَالَ: أَفْضَلُ الْكَلَامِ كِتَابُ اللَّهِ، وَ أَحْسَنُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ شَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَ كُلُّ مُحْدَثَةٍ ضَلَالَةٌ. فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَيَخْرُجَنَّ مِنْهَا ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ وَ لَا أَتْرُكُهُنَّ أَبَداً، وَ قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُهُنَّ.
و قد ذكر (3) ذلك أجمع و زيادة عليه الواقدي في كتاب الدار تركناه إيجازا.
نكير حذيفة بن اليمان:
وَ ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: جَاءَتْ بَنُو عَبْسٍ (4) إِلَى حُذَيْفَةَ يَسْتَشْفِعُونَ بِهِ عَلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَقَدْ أَتَيْتُمُونِي مِنْ عِنْدِ رَجُلٍ وَدِدْتُ (5) أَنَّ كُلَّ سَهْمٍ فِي كِنَانَتِي فِي بَطْنِهِ.
وَ عَنْهُ، عَنْ حَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ فَذَكَرْنَا عُثْمَانَ، فَقَالَ:
عُثْمَانُ وَ اللَّهِ مَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ فَاجِراً فِي دِينِهِ أَوْ أَحْمَقَ فِي مَعِيشَتِهِ.
وَ عَنْهُ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى حُذَيْفَةَ، عَنْ أَبِي شُرَيْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ يُحَدِّثُ، قَالَ:: طَلَبْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)
____________
(1) في حاشية (ك) استظهر كون الكلمة: دخلت.
(2) في (س): عند- بلا ضمير-.
(3) في (س): ذكرت.
(4) في (س): بنو أعبس.
(5) في (س): و رددت.
284
فِي مَنْزِلِهِ فَلَمْ (1) أَجِدْهُ وَ طَلَبْتُهُ فَوَجَدْتُهُ فِي حَائِطٍ نَائِماً رَأْسُهُ تَحْتَ نَخْلَةٍ، فَانْتَظَرْتُهُ طَوِيلًا فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ فَكَسَرْتُ جَرِيدَةً فَاسْتَيْقَظَ، فَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: ائْذَنْ لِي، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ (عليه السلام) فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ وَ أُبَشِّرَهُ بِالْجَنَّةِ، ثُمَّ قَالَ: يَجِيئُكُمُ الْخَامِسُ لَا يَسْتَأْذِنُ وَ لَا يُسَلِّمُ، وَ هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَجَاءَ عُثْمَانُ حَتَّى وَثَبَ مِنْ جَانِبِ الْحَائِطِ، ثُمَّ قَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَنُو فُلَانٍ يُقَابِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً.
وَ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ: لَقَدْ دَخَلَ عُثْمَانُ قَبْرَهُ بِفُجْرِهِ.
وَ عَنْهُ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ، قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ أَتَى حُذَيْفَةُ وَ هُوَ بِالْمَدَائِنِ، فَقِيلَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! لَقِيتُ رَجُلًا آنِفاً عَلَى الْجِسْرِ فَحَدَّثَنِي أَنَّ عُثْمَانَ قُتِلَ، قَالَ:
هَلْ تَعْرِفُ الرَّجُلَ؟. قُلْتُ: أَظُنُّنِي أَعْرِفُهُ وَ مَا أُثَبِّتُهُ. قَالَ حُذَيْفَةُ: إِنَّ ذَلِكَ عَيْثَمُ الْجِنِّيُّ، وَ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُ بِالْأَخْبَارِ، فَحَفِظُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ فَوَجَدُوهُ قُتِلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَقِيلَ لِحُذَيْفَةَ: مَا تَقُولُ فِي قَتْلِ عُثْمَانَ؟. فَقَالَ: هَلْ هُوَ إِلَّا كَافِرٌ قُتِلَ كَافِراً أَوْ مُسْلِمٌ (2) قُتِلَ كَافِراً. فَقَالُوا: أَ مَا جَعَلْتَ لَهُ مَخْرَجاً؟. فَقَالَ: اللَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً.
وَ عَنْهُ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي وَابِلٍ (3): حَدِّثْنَا، فَقَدْ أَدْرَكْتَ مَا لَمْ نُدْرِكْ. فَقَالَ: اتَّهِمُوا الْقَوْمَ عَلَى دِينِكُمْ فَوَ اللَّهِ مَا مَاتُوا حَتَّى خَلَطُوا، لَقَدْ قَالَ حُذَيْفَةُ فِي عُثْمَانَ: أَنَّهُ دَخَلَ حُفْرَتَهُ وَ هُوَ فَاجِرٌ.
نكير المقداد:
وَ ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ فَإِذَا النَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَى عُثْمَانَ وَ إِذَا رَجُلٌ يَمْدَحُهُ، فَوَثَبَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ
____________
(1) في (ك): و لم.
(2) ما أثبتناه نسخة في (ك)، و هو الظّاهر. و في مطبوع البحار: و مسلم.
(3) في (س): وائل.
285
فَأَخَذَ (1) كَفّاً مِنْ حَصًا أَوْ تُرَابٍ فَأَخَذَ يَرْمِيهِ بِهِ فَرَأَيْتُ عُثْمَانَ يَتَّقِيهِ بِيَدِهِ.
وَ ذَكَرَ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ:: لَمْ يَكُنِ الْمِقْدَادُ يُصَلِّي مَعَ عُثْمَانَ وَ لَا يُسَمِّيهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَ ذُكِرَ، عَنْ سَعِيدٍ- أَيْضاً-، قَالَ: لَمْ يَكُنْ عَمَّارٌ وَ لَا الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ يُصَلِّيَانِ خَلْفَ عُثْمَانَ وَ لَا يُسَمِّيَانِهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
نكير عبد الرحمن بن حنبل القرشي:
وَ ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عِيسَى بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَنْبَلٍ الْقُرَشِيُّ- وَ هُوَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ- مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى عُثْمَانَ، وَ كَانَ يَذْكُرُهُ فِي الشِّعْرِ وَ يَذْكُرُ جَوْرَهُ وَ يَطْعَنُ عَلَيْهِ وَ يَبْرَأُ مِنْهُ وَ يَصِفُ صَنَائِعَهُ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ عَنْهُ ضَرَبَهُ مِائَةَ سَوْطٍ وَ حَمَلَهُ عَلَى بَعِيرٍ وَ طَافَ بِهِ فِي الْمَدِينَةِ، ثُمَّ حَبَسَهُ مُوثَقاً فِي الْحَدِيدِ (2).
نكير طلحة بن عبيد اللّه:
وَ ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ النَّصْرِ الأرجي (3) أَنَّ طَلْحَةَ قَامَ إِلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ وَ كَرِهُوكَ لِلْبِدَعِ الَّتِي أَحْدَثْتَ وَ لَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا وَ لَا يَعْهَدُونَهَا، فَإِنْ تَسْتَقِمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ وَ إِنْ أَبَيْتَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَضَرَّ بِذَلِكَ مِنْكَ فِي دُنْيَا وَ لَا آخِرَةٍ.
وَ ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: انْطَلَقْتُ بِأَبِي أَقُودُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا دَخَلْنَا سَمِعْنَا لَغَطَ (4) النَّاسِ وَ أَصْوَاتَهُمْ، فَقَالَ أَبِي: يَا بُنَيَّ! مَا
____________
(1) في (س): و أخذ.
(2) هنا حاشية غير معلم محلها في (ك) لعلّ محلّها هنا، و هي: أقول: ذكر ابن عبد البرّ في الاستيعاب أبياتا في ذمّ عثمان و عدّ بدعه. [منه ((رحمه اللّه))].
انظر: تاريخ الطّبريّ 6- 25، و تاريخ اليعقوبيّ 2- 150، و الاستيعاب 2- 410، و الإصابة 2- 395، و شرح ابن أبي الحديد المعتزليّ 1- 66 و غيرها.
(3) قد تقرأ الكلمة في (ك): الأرحبيّ.
(4) قال في النّهاية 4- 257: اللّغط: صوت و ضجّة لا يفهم معناها.
286
هَذَا؟. فَقُلْتُ: النَّاسُ مُحْدِقُونَ بِدَارِ عُثْمَانَ. فَقَالَ: مَنْ تَرَى مِنْ قُرَيْشٍ؟. قُلْتُ:
طَلْحَةَ. قَالَ: اذْهَبْ بِي إِلَيْهِ فَأَدْنِنِي مِنْهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! أَ لَا تَنْهَى النَّاسَ مِنْ قَتْلِ هَذَا الرَّجُلِ؟. قَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ! إِنَّ لَكَ دَاراً فَاذْهَبْ فَاجْلِسْ فِي دَارِكَ، فَإِنَّ نَعْثَلًا لَمْ يَكُنْ يَخَافُ هَذَا الْيَوْمَ.
وَ ذَكَرَ فِي تَارِيخِهِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عِيسَى، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ كَانَ يَوْمَئِذٍ فِي جَمَاعَةِ النَّاسِ عَلَيْهِ السِّلَاحُ عِنْدَ بَابِ الْقَصْرِ يَأْمُرُهُمْ بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ.
وَ ذُكِرَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ أَيَّامَ حَصْرِ عُثْمَانَ فِي الدَّارِ فَإِذَا طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فِي مِثْلِ الْخَزَّةِ (1) السَّوْدَاءِ مِنَ الرِّجَالِ (2) وَ السِّلَاحِ، مُطِيفٌ بِدَارِ عُثْمَانَ حَتَّى قُتِلَ.
وَ ذَكَرَ عَنْهُ، قَالَ: رَأَيْتُ طَلْحَةَ يُرَامِي الدَّارَ وَ هُوَ فِي خَزَّةٍ (3) سَوْدَاءَ عَلَيْهِ الدِّرْعُ قَدْ كُفِرَ عَلَيْهَا بِقَبَاءٍ فَهُمْ يُرَامُونَهُ وَ يُخْرِجُونَهُ مِنَ (4) الدَّارِ ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُرَامِيهِمْ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ مِنْ دَارٍ مِنْ قِبَلِ دَارِ ابْنِ حَزْمٍ فَقُتِلَ.
وَ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا أَشْخَصَ النَّاسُ لِعُثْمَانَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ (5)، قَالَ مَالِكٌ: وَ اشْتَرَى مِنِّي ثَلَاثَةَ أَدْرُعٍ وَ خَمْسَةَ أَسْيَافٍ، فَرَأَيْتُ تِلْكَ الدُّرُوعَ عَلَى أَصْحَابِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَلْزَمُونَهُ قَبْلَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ.
وَ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي تَارِيخِهِ، قَالَ: مَا كَانَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ
____________
(1) في (س): الحرّة. قال في القاموس 2- 7: الحرّ: ضدّ البرد ... و جمع الحرّة: لأرض ذات حجارة نخرة سود. و قال فيه 2- 175: الخزّ: من الثّياب معروف .. و وضع الشّوك في الحائط لئلّا يتسلّق، و الانتظام بالسّهم.
(2) في (ك) نسخة بدل: مع الرّجال.
(3) في (س): حزه. و لا مناسبة لها بالمقام.
(4) في (س) نسخة: إلى، بدلا من: من.
(5) و ذكره البلاذريّ في الأنساب 5- 81، و ابن عبد البرّ في العقد الفريد 2- 269، و غيرهما.
287
عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَشَدَّ عَلَى عُثْمَانَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حَتَّى مَاتَ، وَ مِنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ حَتَّى مَاتَ عُثْمَانُ وَ أَعْطَى النَّاسَ الرِّضَى، وَ مِنْ طَلْحَةَ وَ كَانَ أَشَدَّهُمْ، فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ كَهْفَ الْمِصْرِيِّينَ وَ غَيْرِهِمْ يَأْتُونَهُ بِاللَّيْلِ يَتَحَدَّثُونَهُ عِنْدَهُ إِلَى أَنْ جَاهَدُوا فَكَانَ وَلِيَّ الْحَرْبِ وَ الْقِتَالِ وَ عَمَلِ الْمَفَاتِيحِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَ تَوَلَّى الصَّلَاةَ بِالنَّاسِ وَ مَنَعَهُ وَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْمَاءِ، وَ رَدَّ شَفَاعَةَ عَلِيٍّ (عليه السلام) فِي حَمْلِ الْمَاءِ إِلَيْهِمْ، وَ قَالَ لَهُ: لَا وَ اللَّهِ وَ لَا نُعِّمَتْ عَيْنٌ وَ لَا بَرَكَتْ وَ لَا يَأْكُلُ وَ لَا يَشْرَبُ حَتَّى يُعْطِيَ بَنُو أُمَيَّةَ الْحَقَّ مِنْ أَنْفُسِهَا.
وَ رَوَى قَوْلَهُ لِمَالِكِ بْنِ أَوْسٍ- وَ قَدْ شُفِّعَ إِلَيْهِ فِي تَرْكِ التَّأْلِيبِ عَلَى عُثْمَانَ-:
يَا مَالِكُ! إِنِّي نَصَحْتُ عُثْمَانَ فَلَمْ يَقْبَلْ نَصِيحَتِي وَ أَحْدَثَ أَحْدَاثاً وَ فَعَلَ أُمُوراً وَ لَمْ نَجِدْ بُدّاً مِنْ أَنْ تغيرها (1)، وَ اللَّهِ لَوْ وَجَدْتُ مِنْ ذَلِكَ بُدّاً مَا تَكَلَّمْتُ وَ لَا أَلَّبْتُ (2).
نكير الزبير بن العوّام (3):
وَ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي تَارِيخِهِ، قَالَ: عَتَبَ عُثْمَانُ عَلَى الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: مَا فَعَلْتُ وَ لَكِنَّكَ صَنَعْتَ بِنَفْسِكَ أَمْراً قَبِيحاً، تَكَلَّمْتَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِأَمْرٍ أَعْطَيْتَ النَّاسَ فِيهِ الرِّضَا، ثُمَّ لَقِيَكَ مَرْوَانُ وَ صَنَعْتَ مَا لَا يُشْبِهُكَ، حَضَرَ النَّاسُ يُرِيدُونَ مِنْكَ مَا أَعْطَيْتَهُمْ، فَخَرَجَ مَرْوَانُ فَآذَى وَ شَتَمَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: فَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.
وَ ذَكَرَ فِي تَارِيخِهِ: أَنَّ عُثْمَانَ أَرْسَلَ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ إِلَى الزُّبَيْرِ فَوَجَدَهُ بِأَحْجَارِ
____________
(1) كذا، و الظّاهر: نغيّرهما.
(2) ذكر البلاذريّ في الأنساب 5- 44 أنّ طلحة قال لعثمان: إنّك أحدثت أحداثا لم يكن النّاس يعهدونها. فقال عثمان: ما أحدثت أحداثا و لكنّكم أظنّاء تفسدون عليّ النّاس و تؤلّبوهم.
أقول: التّأليب: التّحريض، كما في صحاح اللّغة 1- 88، و القاموس 1- 37.
(3) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 2- 404: كان طلحة من أشدّ الناس تحريضا عليه (أي على عثمان) و كان الزبير دونه في ذلك، رووا أنّ الزبير كان يقول: اقتلوه فقد بدّل دينكم، فقالوا له: إنّ ابنك يحامي عنه بالباب. فقال: ما أكره أن يقتل عثمان و لو بدئ بابني، إنّ عثمان لجيفة على الصراط غدا.
و انظر ما قاله في 2- 500 و 3- 290.
288
الزَّيْتِ (1) فِي جَمَاعَةٍ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ عُثْمَانَ وَ مَنْ مَعَهُ قَدْ مَاتَ عَطَشاً. فَقَالَ لَهُ الزُّبَيْرُ:
(وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ) (2).
نكير عبد الرحمن بن عوف:
وَ ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عِيسَى بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَثُرَ الْكَلَامُ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَ بَيْنَ عُثْمَانَ، حَتَّى قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَمَا وَ اللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُ لَكَ لَأُخْرِجَنَّكَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ كَمَا أَدْخَلْتُكَ فِيهِ، وَ مَا غَرَرْتَنِي إِلَّا بِاللَّهِ (3).
وَ ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ، عَنِ الْحَكَمِ قَالَ: كَانَ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَ بَيْنَ عُثْمَانَ كَلَامٌ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَ اللَّهِ مَا شَهِدْتَ بَدْراً، وَ لَا بَايَعْتَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَ فَرَرْتَ يَوْمَ حُنَيْنٍ. فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: وَ أَنْتَ وَ اللَّهِ دَعَوْتَنِي إِلَى الْيَهُودِيَّةِ.
وَ عَنْهُ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ عُثْمَانَ أَبَى أَنْ يُقِيمَ فِيكُمْ كِتَابَ اللَّهِ. فَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ أَوَّلُ مَنْ بَايَعَهُ، وَ أَوَّلُ مَنْ عَقَدَ لَهُ. قَالَ: إِنَّهُ نَقَضَ وَ لَيْسَ لِنَاقِضٍ عَهْدٌ.
وَ عَنْهُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: ضَجَّ النَّاسُ يَوْماً حِينَ صَلَّوُا الْفَجْرَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ فَنَادَوْا بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَيْهِمْ وَ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ خَلَعَ قَمِيصَهُ مِنْ جَيْبِهِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ! يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ! أُشْهِدُ اللَّهَ
____________
(1) أحجار الزّيت: موضع بالمدينة، كما ذكره في النّهاية 1- 343. و أضاف في معجم البلدان 1- 109: .. إنّه قريب من الزّوراء، و هو موضع صلاة الاستسقاء. و لاحظ: مراصد الاطّلاع 1- 35.
(2) سبأ: 54.
و انظر ما أورده البلاذريّ في الأنساب حول طلحة و الزّبير و موقفهما من عثمان 2- 404، و 5- 14، و 105- 120، و كتاب صفّين لابن مزاحم: 60 و 66 و 72، و الإمامة و السّياسة 1- 55، 56، 57، 58، 74، و نهج البلاغة 2- 2، و تاريخ الطّبريّ 5- 160 و 168، المستدرك للحاكم 3- 118، و العقد الفريد 2- 278، و غيرها.
(3) و قريب منه ما ذكره ابن عبد البرّ في العقد الفريد 2- 258، 261، 272.
289
وَ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ خَلَعْتُ عُثْمَانَ مِنَ الْخِلَافَةِ كَمَا خَلَعْتُ سِرْبَالِي هَذَا. فَأَجَابَهُ مُجِيبٌ.
مِنَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ: (آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (1). فَنَظَرُوا مِنَ الرَّجُلِ، فَإِذَا هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام).
وَ عَنْهُ، قَالَ: أَوْصَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَنْ يُدْفَنَ سِرّاً لِئَلَّا يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ (2).
وَ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ السَّرِيدِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ- فِي شَكْوَاهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَعُودُهُ- فَذُكِرَ عِنْدَهُ عُثْمَانُ، فَقَالَ:
عَاجِلُوا طَاغِيَتَكُمْ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَتَمَادَى فِي مُلْكِهِ. قَالُوا: فَأَنْتَ وَلَّيْتَهُ! قَالَ: لَا عَهْدَ لِنَاقِضٍ.
وَ ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ بِلَالِ بْنِ حَارِثٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ جَالِساً فَطَلَعَ عُثْمَانُ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَقَدْتَ أَكْثَرَكَ شَعْراً.
وَ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ عُثْمَانَ أَنْفَذَ الْمِسْوَرَ (3) بْنَ مَخْرَمَةَ (4) إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَسْأَلُهُ الْكَفَّ عَنِ التَّحْرِيصِ (5) عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَنَا أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ وَحْدِي وَ لَكِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ جَمِيعاً، إِنَّهُ غَيَّرَ وَ بَدَّلَ. قَالَ الْمِسْوَرُ: قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ فَدَعْ أَنْتَ مَا تَقُولُ فِيهِ؟. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَا وَ اللَّهِ مَا أَجِدُهُ يَسَعُنِي أَنْ أَسْكُتَ عَنْهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: قُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ خَالِي: اتَّقِ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ وَ مَا أَعْطَيْتَنِي مِنَ الْعَهْدِ وَ الْمِيثَاقِ لَتَعْمَلَنَّ بِكِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ صَاحِبِكَ، فَلَمْ تَفِ (6).
____________
(1) يونس: 91.
(2) ذكر البلاذريّ في الأنساب 5- 57، و ذكر أبو الفداء في تاريخه 1- 166، و ابن عبد البرّ في العقد الفريد 2- 258، و 261، 272 قالوا: دخل عثمان عائدا له (لعبد الرّحمن) في مرضه، فتحوّل عنه إلى الحائط و لم يكلّمه. و قريب منهما في شرح ابن أبي الحديد 1- 65- 66.
(3) في مطبوع البحار: المسود- بالدّال المهملة- و هو سهو، كما في كتب التّراجم.
(4) لعلّها تقرأ: محزمة. و هو غلط.
(5) كذا، و لعلّها: التّحريض- بالضّاد المعجمة-. قال في القاموس 2- 297: الحرص: الجشع ..
و الحرص: الشّقّ. و قال فيه 2- 327: حرّضه تحريضا: حثّه. و قال قبل ذلك: أحرضه: أفسده.
(6) كما صرّح به ابن حجر في الصّواعق المحرقة: 68، و السّيرة الحلبيّة 2- 87 و غيرهما.
290
وَ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي أَحْدَاثِ عُثْمَانَ: هَذَا مِمَّا عَمِلْتَ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَدْ أَخَذْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَثِيقَةِ فَأَمْرُكُمْ إِلَيْكُمْ.
وَ ذَكَرَ فِيهِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام) لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: هَذَا عَمَلُكَ.
فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَإِذَا شِئْتَ فَخُذْ سَيْفَكَ وَ آخُذُ سَيْفِي (1).
نكير عمرو بن العاص:
وَ ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ: عَنْ لُوطِ بْنِ يَحْيَى الْأَزْدِيِّ، قَالَ:: جَاءَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَقَالَ لِعُثْمَانَ: إِنَّكَ رَكِبْتَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ النَّهَابِيرَ (2) وَ رَكِبُوهَا بِكَ، فَاتَّقِ اللَّهَ وَ تُبْ إِلَيْهِ. فَقَالَ: يَا ابْنَ النَّابِغَةِ! قَدْ تُبْتُ إِلَى اللَّهِ وَ أَنَا أَتُوبُ إِلَيْهِ، أَمَا إِنَّكَ مِنْ مَنْ يُؤَلِّبُ عَلَيَّ وَ يَسْعَى فِي السَّاعِينَ، قَدْ- لَعَمْرِي- أَضْرَمْتُهَا فَأَسْعِرْ وَ أَضْرِمْ مَا بَدَا لَكَ، فَخَرَجَ عَمْرٌو حَتَّى نَزَلَ فِي أَدَانِي الشَّامِ (3).
وَ ذَكَرَ فِيهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ذَكَرَ عُثْمَانَ، فَقَالَ:
إِنَّهُ اسْتَأْثَرَ بِالْفَيْءِ فَأَسَاءَ الْأَثَرَةَ وَ اسْتَعْمَلَ أَقْوَاماً لَمْ (4) يَكُونُوا بِأَهْلِ الْعَمَلِ مِنْ قَرَابَتِهِ وَ آثَرَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ سَفْكُ دَمِهِ وَ انْتِهَاكُ حُرْمَتِهِ.
وَ عَنْهُ فِيهِ، قَالَ:: قَامَ عَمْرٌو إِلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا عُثْمَانُ! إِمَّا أَنْ
____________
(1) أخرجه البلاذريّ في الأنساب 5- 57 أيضا، و قريب منه ما ذكره أبو الفداء في تاريخه 1- 166، و ابن عبد البرّ في العقد الفريد 2- 258، 261، 272.
و انظر ما أورده الطّبريّ في تاريخه 5- 113، و ابن الأثير في الكامل 3- 70، و ابن كثير في تاريخه 7- 206، و ابن أبي الحديد في شرحه 1- 35، 63، 66، 165، و ابن قتيبة في المعارف: 239.
(2) النّهابير: المهالك، الواحدة: نهبرة و نهبورة. قاله في القاموس 2- 151.
(3) و قد أورده باختلاف في التّعبير الطّبريّ في تاريخه 5- 110، 114، و البلاذريّ في الأنساب 5- 74، و ابن عبد البرّ في الاستيعاب في ترجمة عثمان، و ابن الأثير في الكامل 3- 68، و ابن أبي الحديد في شرحه 2- 113، و الزّمخشريّ في الفائق 2- 296، و ابن الأثير في النّهاية 4- 196، و ابن كثير في التّاريخ 7- 157، و ابن خلدون في تاريخه 3- 396، و الزّبيديّ في تاج العروس 3- 592، و ابن منظور في لسان العرب 7- 98.
(4) لا توجد في (س): لم.
291
تَعْدِلَ وَ إِمَّا أَنْ تَعْتَزِلَ! .. فَلَمَّا أَنْ نَشِبَ النَّاسُ فِي أَمْرِ عُثْمَانَ تَنَحَّى عَنِ الْمَدِينَةِ وَ خَلَّفَ ثَلَاثَةَ غِلْمَةٍ لَهُ لِيَأْتُوهُ بِالْخَبَرِ، فَجَاءَ اثْنَانِ بِحَصْرِ عُثْمَانَ، فَقَالَ: إِنِّي إِذَا نَكَأْتُ قَرْحَةً أَدْمَيْتُهَا، وَ جَاءَ الثَّالِثُ بِقَتْلِ عُثْمَانَ وَ وِلَايَةِ عَلِيٍّ (عليه السلام)، فَقَالَ:
وَا عُثْمَانَاهْ! وَ لَحِقَ بِالشَّامِ.
وَ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي تَارِيخِهِ أَنَّ عُثْمَانَ عَزَلَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ عَنْ مِصْرَ وَ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، فَقَدِمَ عَمْرٌو الْمَدِينَةَ فَجَعَلَ يَأْتِي عَلِيّاً (عليه السلام) فَيُؤَلِّبُهُ عَلَى عُثْمَانَ، وَ يَأْتِي الزُّبَيْرَ وَ يَأْتِي طَلْحَةَ وَ يَلْقَى الرُّكْبَانَ يُخْبِرُهُمْ بِأَحْدَاثِ عُثْمَانَ، فَلَمَّا حُصِرَ عُثْمَانُ الْحِصَارَ الْأَوَّلَ خَرَجَ إِلَى أَرْضِ فِلَسْطِينَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى جَاءَهُ خَبَرُ قَتْلِهِ، فَقَالَ: أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إِنِّي إِذَا أُحِلُّ قَرْحَةً نَكَأْتُهَا، إِنِّي كُنْتُ لَأَحْرَصَ عَلَيْهِ حَتَّى إِنِّي لَأَحْرَصُ عَلَيْهِ [مِنَ] الرَّاعِي فِي غَنَمِهِ (1).
فَلَمَّا بَلَغَهُ بَيْعَةُ النَّاسِ عَلِيّاً (عليه السلام) كَرِهَ ذَلِكَ وَ تَرَبَّصَ حَتَّى قُتِلَ طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ ثُمَّ لَحِقَ بِمُعَاوِيَةَ.
نكير محمد بن مسلمة الأنصاري:
وَ ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ الْأَنْصَارِيِّ: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ يَوْمَ قُتِلَ عُثْمَانُ: مَا رَأَيْتُ يَوْماً قَطُّ أَقَرَّ لِلْعُيُونِ وَ لَا أَشْبَهَ بِيَوْمِ بَدْرٍ مِنْ هَذَا الْيَوْمِ.
وَ رَوَى فِيهِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى آلِ أَحْمَدَ، قَالَ: أَتَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ
____________
(1) فصّل القصّة الطّبريّ في تاريخه 5- 108، 203، و البلاذريّ في الأنساب 5- 74، و ابن قتيبة في الإمامة و السّياسة 1- 42، و ابن عبد البرّ في الاستيعاب في ترجمة عبد اللّه بن سعيد بن أبي سرح، و ابن أبي الحديد في الشّرح 1- 63، و أجملها ابن كثير في تاريخه 7- 170 جريا على عادته فيما يرويه خلافا لمبادئه.
و جاء طعنه على عثمان و تحريضه عليه في الاستيعاب في ترجمة محمّد بن أبي حذيفة، و في الإصابة 3- 381. و الظّريف ما أورده البلاذريّ في الأنساب 5- 88 من قول عمرو بن العاص: و هذا منبر نبيّكم، و هذه ثيابه، و هذا شعره لم يبل فيكم و قد بدّلتم و غيّرتم!.
292
الْأَنْصَارِيَّ فَقُلْتُ: قَتَلْتُمْ عُثْمَانَ؟. فَقَالَ: نَعَمْ وَ ايْمُ اللَّهِ مَا (1) وَجَدْتُ رَائِحَةً هِيَ أَشْبَهُ بِرَائِحَةِ يَوْمِ بَدْرٍ مِنْهَا.
وَ قَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ (2) مِثْلَ مَا ذَكَرَهُ الثَّقَفِيُ (3).
نكير أبي موسى:
وَ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي تَارِيخِهِ، قَالَ: لَمَّا وَلَّى عُثْمَانُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ كَرِيزٍ الْبَصْرَةَ قَامَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، خَطِيباً، فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَتَاكُمْ رَجُلٌ كَثِيرُ الْعَمَّاتِ وَ الْخَالاتِ فِي قُرَيْشٍ، يَبْسُطُ الْمَالَ فِيهِمْ بَسْطاً، وَ قَدْ كُنْتُ قَبَضْتُهُ عَنْكُمْ.
نكير جبلة بن عمرو الساعدي:
وَ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: أَوَّلُ مَنِ اجْتَرَأَ (4) عَلَى عُثْمَانَ بِالْمَنْطِقِ السَّيِّئِ جَبَلَةُ بْنُ عَمْرٍو السَّاعِدِيُّ، مَرَّ بِهِ عُثْمَانُ- وَ هُوَ جَالِسٌ فِي نَادِي (5) قَوْمِهِ وَ فِي يَدِ جَبَلَةَ بْنِ عَمْرِو بن جامعة (6)- فَسَلَّمَ (7) وَ رَدَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ جَبَلَةُ: لِمَ تَرُدُّونَ عَلَى رَجُلٍ فَعَلَ كَذَا وَ كَذَا؟!. قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ:
وَ اللَّهِ لَأَطْرَحَنَّ هَذِهِ الْجَامِعَةَ فِي عُنُقِكَ أَوْ لَتَتْرُكَنَّ بِطَانَتَكَ هَذِهِ، قَالَ عُثْمَانُ: أَيَّ بِطَانَةٍ؟ فَوَ اللَّهِ إِنِّي لَأَتَخَيَّرُ (8) النَّاسَ. فَقَالَ: مَرْوَانُ تَخَيَّرْتَهُ؟! وَ مُعَاوِيَةُ تَخَيَّرْتَهُ؟!
____________
(1) في (ك): أ ما.
(2) في (س) نسخة: مسلم، بدلا من: مسلمة.
(3) و قد نقل قصّة وساطته مع المصريّين الطّبريّ في تاريخه 5- 118، و ابن الأثير في الكامل 3- 70، و غيرهما.
(4) و قد ذكره الطّبريّ أيضا في تاريخه 3- 399.
(5) جاء في تاريخ الطّبريّ: في ندى.
(6) كذا، و الظّاهر كما في تاريخ الطّبريّ: عمرو جامعة- من دون كلمة: بن-.
(7) في تاريخ الطّبريّ: فلمّا مرّ عثمان سلّم ..
(8) في الطّبريّ: لا أتخيّر، و هو الظّاهر.
293
وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ كَرِيزٍ تَخَيَّرْتَهُ؟! وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ (1) سَعْدٍ تَخَيَّرْتَهُ؟! مِنْهُمْ مَنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِذَمِّهِ وَ أَبَاحَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) دَمَهُ. فَانْصَرَفَ عُثْمَانُ، فَمَا زَالَ النَّاسُ مُجْتَرِءُونَ عَلَيْهِ (2).
وَ ذَكَرَ فِيهِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ السَّرِيدِ (3)، قَالَ: مَرَّ عُثْمَانُ عَلَى جَبَلَةَ بْنِ عَمْرٍو السَّاعِدِيِّ- وَ هُوَ عَلَى بَابِ دَارِهِ (4) وَ مَعَهُ جَامِعَةٌ-، فَقَالَ: يَا نَعْثَلُ! وَ اللَّهِ لَأَقْتُلَنَّكَ أَوْ لَأَحْمِلَنَّكَ عَلَى جَرْبَاءَ (5)، وَ لَأُخْرِجَنَّكَ إِلَى حَرَّةِ النَّارِ، ثُمَّ جَاءَهُ مَرَّةً أُخْرَى وَ هُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَأَنْزَلَهُ عَنْهُ (6).
وَ ذَكَرَ فِيهِ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ مَشَى إِلَى جَبَلَةَ- وَ مَعَهُ ابْنُ عَمِّهِ أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ- فَسَأَلَاهُ الْكَفَّ عَنْ عُثْمَانَ. فَقَالَ: وَ اللَّهِ لَا أَقْصُرُ عَنْهُ أَبَداً، وَ لَا أَلْقَى اللَّهَ فَأَقُولُ: (أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) (7).
____________
(1) لا توجد في (س): بن.
(2) و قد أورده الطّبريّ في تاريخه 5- 114 [3- 400]، و ابن الأثير في الكامل 3- 70، و ابن كثير في تاريخه 7- 176، و ابن أبي الحديد في شرحه 1- 165 [أربع مجلّدات]، و قريب منه في الأنساب للبلاذريّ 5- 47، و غيرهم.
(3) في تاريخ الطّبريّ 5- 114: عثمان بن الشّريد.
(4) في الطّبريّ: و هو بفناء داره.
(5) في تاريخ الطّبريّ: على قلوص جرباء. قال في القاموس 2- 314: القلوص من الإبل: الشّابّة، أو الباقية على السّير، أو أوّل ما يركب من إناثها إلى أن تثني .. النّاقة الطّويلة القوائم. و قال في مجمع البحرين 2- 23: الجرب: داء معروف .. و ناقة جرباء و إبل أجرب.
(6) و في الأنساب للبلاذريّ 5- 47، و الطّبريّ في تاريخه 5- 114 [3- 399]: كان أوّل من اجترأ على عثمان بالمنطق السّيّئ: جبلة بن عمرو السّاعديّ.
(7) الأحزاب: 67.
و ذكره البلاذريّ في الأنساب 5- 47 من دون ذكر اسم من سأل الكفّ عنه. و قال في الإصابة 1- 223: إنّهم لمّا أرادوا دفن عثمان فانتهوا إلى البقيع فمنعهم من دفنه جبلة بن عمرو، فانطلقوا إلى حشّ كوكب فدفنوه فيه.
294
نكير جهجاه بن عمرو الغفاري:
وَ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: خَرَجَ عُثْمَانُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَ مَعَهُ نَاسٌ مِنْ مَوَالِيهِ فَنَجَدَ النَّاسُ يَنْتَابُونَهُ (1) يَمِيناً وَ شِمَالًا، فَنَادَاهُ بَعْضُهُمْ: يَا نَعْثَلُ! وَ بَعْضُهُمْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَشَتَمُوهُ فَسَكَتَ حَتَّى سَكَتُوا، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! اتَّقُوا وَ اسْمَعُوا وَ أَطِيعُوا، فَإِنَّ السَّامِعَ الْمُطِيعَ لَا حُجَّةَ عَلَيْهِ، وَ السَّامِعَ الْعَاصِيَ لَا حُجَّةَ لَهُ .. فَنَادَاهُ بَعْضُهُمْ: أَنْتَ .. أَنْتَ السَّامِعُ الْعَاصِي.
فَقَامَ إِلَيْهِ جَهْجَاهُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ- وَ كَانَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ (2)- فَقَالَ: هَلُمَّ إِلَى مَا نَدْعُوكَ إِلَيْهِ. قَالَ: وَ مَا هُوَ؟. قَالَ: نَحْمِلُكَ عَلَى شَارِفٍ جَرْبَاءَ فَتَلْحَقُكَ بِجَبَلِ الدُّخَانِ. قَالَ عُثْمَانُ: لَسْتُ هُنَاكَ لَا أُمَّ لَكَ!. وَ تَنَاوَلَ ابْنُ جَهْجَاهٍ الْغِفَارِيُّ عَصًا فِي يَدِ عُثْمَانَ- وَ هِيَ عَصَا النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)- فَكَسَرَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ (3).
وَ دَخَلَ عُثْمَانُ دَارَهُ فَصَلَّى بِالنَّاسِ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ.
وَ ذَكَرَ فِيهِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي حَبِيبَةَ .. الْحَدِيثَ، وَ قَالَ فِيهِ: إِنَّ عُثْمَانَ قَالَ لَهُ: قَبَّحَكَ اللَّهُ وَ قَبَّحَ مَا جِئْتَ بِهِ. قَالَ أَبُو حَبِيبَةَ: وَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ مَلَإٍ مِنَ النَّاسِ، وَ قَامَ إِلَى عُثْمَانَ شِيعَتُهُ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ فَحَمَلُوهُ فَأَدْخَلُوهُ الدَّارَ (4)، وَ كَانَ آخِرَ يَوْمٍ رَأَيْتُهُ فِيهِ.
____________
(1) نجد: اجترأ، و انتابهم انتيابا: أتاهم مرّة بعد أخرى. قاله في القاموس 1- 340 و 135.
(2) قد جاء في الاستيعاب و الإصابة و أسد الغابة في ترجمته.
(3) ذكر هذا و غيره البلاذريّ في الأنساب 5- 47، و الطّبريّ في تاريخه 5- 114 [40083]، و ابن عبد البرّ في الاستيعاب المطبوع هامش الإصابة في ترجمة جهجاه 1- 252، و ابن الأثير في الكامل 3- 70، و في الإصابة 1- 253، و تاريخ الخميس 2- 260، و تاريخ ابن كثير 7- 175، و الرّياض النّضرة 2- 123، و شرح ابن أبي الحديد 1- 165 [أربع مجلّدات] .. و غيرها.
(4) قد ورد في أكثر المصادر السّالفة.
295
نكير عائشة
: وَ ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ (1) وَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ (2)، قَالَ: جَاءَتْ عَائِشَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَقَالَتْ: أَعْطِنِي مَا كَانَ يُعْطِينِي أَبِي وَ عُمَرُ، قَالَ: لَا أَجِدُ لَهُ مَوْضِعاً فِي الْكِتَابِ وَ لَا فِي السُّنَّةِ، وَ لَكِنْ كَانَ أَبُوكِ وَ عُمَرُ يُعْطِيَانِكِ عَنْ طِيبَةِ أَنْفُسِهِمَا، وَ أَنَا لَا أَفْعَلُ. قَالَتْ: فَأَعْطِنِي مِيرَاثِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص ؟!. قَالَ: أَ وَ لَمْ تَجِئْ فَاطِمَةُ (ع) تَطْلُبُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص ، فَشَهِدْتِ أَنْتِ وَ مَالِكُ بْنُ (3) أَوْسٍ الْبَصْرِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ص لَا يُوَرِّثُ، وَ أَبْطَلْتِ حَقَّ فَاطِمَةَ وَ جِئْتِ تَطْلُبِينِهِ؟!، لَا أَفْعَلُ.
وَ زَادَ الطَّبَرِيُ (4): وَ كَانَ عُثْمَانُ مُتَّكِئاً فَاسْتَوَى جَالِساً، وَ قَالَ: سَتَعْلَمُ فَاطِمَةُ أَيُّ ابْنِ عَمٍّ لَهَا مِنِّي الْيَوْمَ؟! أَ لَسْتِ وَ أَعْرَابِيٌّ يَتَوَضَّأُ بِبَوْلِهِ شَهِدْتِ عِنْدَ أَبِيكِ.
قَالا جَمِيعاً فِي تَارِيخِهِمَا: فَكَانَ إِذَا خَرَجَ عُثْمَانُ إِلَى الصَّلَاةِ أَخْرَجَتْ قَمِيصَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ تُنَادِي أَنَّهُ قَدْ خَالَفَ صَاحِبَ هَذَا الْقَمِيصِ.
وَ زَادَ الطَّبَرِيُ (5) يَقُولُ: هَذَا قَمِيصُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَمْ تَبْلَ
____________
(1) تاريخ الطّبريّ 5- 140- 176، و لم أجد هذا الحديث هناك و لا الّذي يليه بعد أن سبرته أكثر من مرّة و في عدّة طبعات و إن كانت هناك قطعة منه، و لعلّ أبا الصّلاح في تقريب المعارف أراد الواقديّ، إذ لم يعتمد في هذا الفصل على الطّبريّ و تاريخه، أ لا تراه يقول في آخر البحث- كما سيأتي-: ..
و أمثال هذه الأقوال و أضعافها المتضمّنة للنّكير على عثمان من الصّحابة أو التّابعين منقولة في جميع التّواريخ، و إنّما اقتصرنا على تاريخي الثّقفيّ و الواقديّ لأنّ لنا إليهما طريقا، و لئلّا يطول الكتاب، و فيما ذكرناه كفاية، و من أراد العلم بمطابقة التّواريخ لما أوردناه من هذين التّاريخين فليتأمّلها يجدها موافقة .. إلى آخر كلامه أعلى اللّه مقامه، و ليست العبارة للعلّامة المجلسيّ هنا، و لم نحصّل على نسخة تقريب المعارف كما مرّ.
(2) انظر: تعليقة رقم (1).
(3) لا توجد في (س): بن.
(4) انظر: التّعليقة السّالفة برقم (1).
(5) و قريب منه ما في الأنساب للبلاذريّ: 5- 88، و قد حكاه عن الزّهريّ.
296
وَ قَدْ غَيَّرَ عُثْمَانُ سُنَّتَهُ، اقْتُلُوا نَعْثَلًا قَتَلَ اللَّهُ نَعْثَلًا (1).
وَ ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ مُوسَى الثَّعْلَبِيِّ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ فَإِذَا النَّاسُ مُجْتَمِعُونَ، وَ إِذَا كَفٌّ مُرْتَفِعَةٌ وَ صَاحِبُ الْكَفِّ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! الْعَهْدُ حَدِيثٌ، هَاتَانِ نَعْلَا رَسُولِ اللَّهِ وَ قَمِيصُهُ إِنَّ فِيكُمْ فِرْعَوْنَ أَوْ مِثْلَهُ، فَإِذَا هِيَ عَائِشَةُ تَعْنِي عُثْمَانَ، وَ هُوَ يَقُولُ: اسْكُتِي إِنَّمَا هَذِهِ امْرَأَةٌ رَأْيُهَا رَأْيُ الْمَرْأَةِ.
وَ ذَكَرَ فِي تَارِيخِهِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: رَفَعَتْ عَائِشَةُ وَرَقَاتٍ مِنْ وَرَقِ الْمُصْحَفِ بَيْنَ عُودَيْنِ مِنْ وَرَاءِ حِجَابِهَا- وَ عُثْمَانُ عَلَى الْمِنْبَرِ-، فَقَالَتْ: يَا عُثْمَانُ! أَقِمْ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنْ تُصَاحِبْ تُصَاحِبْ غَادِراً، وَ إِنْ تُفَارِقْ تُفَارِقْ عَنْ قِلًى. فَقَالَ عُثْمَانُ: أَمَا وَ اللَّهِ لَتَنْتَهِيَنَّ أَوْ لَأُدْخِلَنَّ عَلَيْكِ حُمْرَانَ الرِّجَالِ وَ سُودَانَهَا!!.
قَالَتْ عَائِشَةُ: أَمَا وَ اللَّهِ إِنْ فَعَلْتَ لَقَدْ لَعَنَكَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) ثُمَّ مَا اسْتَغْفَرَ لَكَ حَتَّى مَاتَ.
وَ ذُكِرَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: أَخْرَجَتْ عَائِشَةُ قَمِيصَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقَالَ لَهَا عُثْمَانُ: لَئِنْ لَمْ تَسْكُتِي لَأَمْلَأَنَّهَا عَلَيْكِ حُبْشَاناً (2).
قَالَتْ: يَا غَادِرُ يَا فَاجِرُ! أَخْرَبْتَ أَمَانَتَكَ وَ مَزَّقْتَ كِتَابَ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَتْ: وَ اللَّهِ مَا ائْتَمَنَهُ رَجُلٌ قَطُّ إِلَّا خَانَهُ، وَ لَا صَحِبَهُ رَجُلٌ قَطُّ إِلَّا فَارَقَهُ عَنْ قِلًى.
وَ ذَكَرَ فِيهِ، قَالَ: نَظَرَتْ عَائِشَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَقَالَتْ: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ
____________
(1) قال ابن أبي الحديد في شرحه على النّهج 6- 215 [2- 77- طبعة أربع مجلّدات]: قال كلّ من صنّف في السّير و الأخبار: أنّ عائشة كانت من أشدّ النّاس على عثمان حتّى أنّها أخرجت ثوبا من ثياب رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم فنصبته في منزلها، و كانت تقول للدّاخلين إليها: هذا ثوب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يبل و عثمان قد أبلى سنّته. قالوا: أوّل من سمّى عثمان: نعثلا عائشة، و كانت تقول: اقتلوا نعثلا قتل اللّه نعثلا.
(2) قال في القاموس 2- 266: الحبش- محرّكتين- و الأحبش- بضمّ الباء-: جنس من السّودان جمعه حبشان.
297
فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَ بِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) (1).
وَ ذَكَرَ فِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ عُثْمَانَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَاطَّلَعَتْ عَائِشَةُ وَ مَعَهَا قَمِيصُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) ثُمَّ قَالَتْ: يَا عُثْمَانُ! أَشْهَدُ أَنَّكَ بَرِيءٌ مِنْ صَاحِبِ هَذَا الْقَمِيصِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا ...) (2) الْآيَةَ.
وَ ذَكَرَ فِيهِ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ مَوْلَى ثَابِتٍ، قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَمَرَّ عُثْمَانُ فَنَادَتْهُ عَائِشَةُ: يَا غَادِرُ يَا فَاجِرُ! أَخْرَبْتَ أَمَانَتَكَ وَ ضَيَّعْتَ رَعِيَّتَكَ، وَ لَوْ لَا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ لَمَشَى إِلَيْكَ رِجَالٌ حَتَّى يَذْبَحُوكَ ذَبْحَ الشَّاةِ، فَقَالَ لَهَا عُثْمَانُ: (امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ ...) الْآيَةَ (3).
وَ ذَكَرَ فِيهِ، أَنَّ عُثْمَانَ صَعِدَ، فَنَادَتْ عَائِشَةُ وَ رَفَعَتِ الْقَمِيصَ، فَقَالَتْ: لَقَدْ خَالَفْتَ صَاحِبَ هَذَا. فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّ هَذِهِ الزَّعْرَاءَ عَدُوَّةُ اللَّهِ، ضَرَبَ اللَّهُ مِثْلَهَا وَ مِثْلَ صَاحِبَتِهَا حَفْصَةَ فِي الْكِتَابِ: (امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ ...) (4) الْآيَةَ.
فَقَالَتْ لَهُ: يَا نَعْثَلُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ! إِنَّمَا سَمَّاكَ رَسُولُ اللَّهِ بِاسْمِ نَعْثَلِ الْيَهُودِيِّ الَّذِي بِالْيَمَنِ .. وَ لَاعَنَتْهُ وَ لَاعَنَهَا.
وَ ذَكَرَ فِيهِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُصْعَبٍ الْعَبْدِيِّ، قَالَ: قَامَ عُثْمَانُ ذَاتَ يَوْمٍ خَطِيباً، فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: نِسْوَةٌ يَكِبْنَ فِي الْآفَاقِ لَتَنْكُثُ بَيْعَتِي وَ يُهَرَاقُ دَمِي، وَ اللَّهِ لَوْ شِئْتُ أَنْ أَمْلَأَ عَلَيْهِنَّ حُجُرَاتِهِنَّ رِجَالًا سُوداً وَ بِيضاً لَفَعَلْتُ، أَ لَسْتُ خَتَنَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى ابْنَتَيْهِ؟. أَ لَسْتُ جَهَّزْتُ جَيْشَ الْعُسْرَةِ؟، أَ لَمْ أَكُ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ؟. قَالَ: إِذْ (5) تَكَلَّمَتِ امْرَأَةٌ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ، قَالَ:
فَجَعَلَ تَبْدُو لَنَا خِمَارَهَا أَحْيَاناً، فَقَالَتْ: صَدَقْتَ، لَقَدْ كُنْتَ خَتَنَ (6) رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَى ابْنَتَيْهِ، فَكَانَ مِنْكَ فِيهِمَا مَا قَدْ عَلِمْتَ، وَ جَهَّزْتَ جَيْشَ
____________
(1) هود: 98.
(2) التّحريم: 10.
(3) التّحريم: 10.
(4) التّحريم: 10.
(5) كذا، و الظّاهر: إذا.
(6) لا توجد في (س): ختن.
298
الْعُسْرَةِ وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً) (1) وَ كُنْتَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ غَيَّبَكَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ لِأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ لَهَا أَهْلًا، قَالَ فَانْتَهَرَهَا عُثْمَانُ، فَقَالَتْ: أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِرْعَوْنَ، وَ إِنَّكَ فِرْعَوْنُ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
وَ ذَكَرَ فِيهِ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ، قَالَ (2): لَمَّا اشْتَدَّ الْحِصَارُ عَلَى عُثْمَانَ تَجَهَّزَتْ عَائِشَةُ لِلْحَجِّ، فَجَاءَهَا مَرْوَانُ وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَتَّابِ بْنِ الْأَسِيدِ فَسَأَلَاهَا الْإِقَامَةَ وَ الدَّفْعَ عَنْهُ، فَقَالَتْ: قَدْ عَزَيْتُ (3) غَرَائِرِي، وَ أَدْنَيْتُ رِكَابِي، وَ فَرَضْتُ عَلَى نَفْسِي الْحَجَّ فَلَسْتُ بِالَّتِي أُقِيمُ، فَنَهَضَا وَ مَرْوَانُ يَتَمَثَّلُ:
فَحَرَقَ قَيْسٌ عَلَى الْبِلَادِ* * * حَتَّى إِذَا اشْتَعَلَتْ أَجْذَمَا
فَقَالَتْ: أَيُّهَا الْمُتَمَثِّلُ بِالشِّعْرِ ارْجِعْ، فَرَجَعَ، فَقَالَتْ: لَعَلَّكَ تَرَى أَنِّي إِنَّمَا قُلْتُ هَذَا الَّذِي قُلْتُهُ شَكّاً فِي صَاحِبِكَ، فَوَ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ عُثْمَانَ مَخِيطٌ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ غَرَائِرِي (4) حَتَّى أَكُونَ أَقْذِفُهُ فِي الْيَمِّ، ثُمَّ ارْتَحَلْتُ حَتَّى نَزَلْتُ بَعْضَ الطَّرِيقِ فَلَحِقَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ أَمِيراً عَلَى الْحَجِّ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَاكَ لِسَاناً وَ عِلْماً (5) فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنْ تَخْذُلَ عَنْ قَتْلِ هَذَا الطَّاغِيَةِ غَداً، ثُمَّ انْطَلَقَتْ فَلَمَّا قَضَتْ نُسُكَهَا بَلَغَهَا أَنَّ عُثْمَانَ قُتِلَ، فَقَالَتْ: أَبْعَدَهُ اللَّهُ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ
____________
(1) الأنفال: 36.
(2) و جاء في طبقات ابن سعد 5- 25، و الأنساب للبلاذريّ 5- 70.
(3) في (س): غريت، و في (ك) نسخة بدل: غررت. و جاء في طبقات ابن سعد: قد حلبت ظهري و عريت غرائري.
(4) في لفظ البلاذريّ: وددت و اللّه أنّه في غرّارة من غرائري هذه، و أنّي طوّقت حملة حتّى ألقيه في البحر.
(5) و في لفظ الطّبريّ 3- 343: فقالت: يا ابن عبّاس! أنشدك اللّه فإنّك قد أعطيت لسانا إزعيلا أن تخذل عن هذا الرّجل و أن تشكّك فيه النّاس.
و في لفظ البلاذريّ: يا ابن عبّاس! إنّ اللّه قد آتاك عقلا و فهما و بيانا فإيّاك أن تردّ النّاس عن هذا الطّاغية.
299
الَّذِي قَتَلَهُ، وَ بَلَغَهَا أَنَّ طَلْحَةَ وُلِّيَ بَعْدَهُ، فَقَالَتْ: إيهن [إِيهٍ ذَا الْإِصْبَعِ، فَلَمَّا بَلَغَهَا أَنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) بُويِعَ، قَالَتْ: وَدِدْتُ أَنَّ هَذِهِ وَقَعَتْ عَلَى هَذِهِ (1).
وَ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي تَارِيخِهِ كَثِيراً مِمَّا ذَكَرَهُ الثَّقَفِيُّ، وَ زَادَ فِي حَدِيثِ مَرْوَانَ وَ مَجِيئِهِ إِلَى عَائِشَةَ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَ مَعَهُ وَ أَنَّهَا قَالَتْ: وَدِدْتُ وَ اللَّهِ أَنَّكَ وَ صَاحِبَكَ هَذَا الَّذِي يعينك [يَعْنِيكَ أَمْرُهُ فِي رَجُلٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا رَحًى، وَ أَنَّهُ فِي الْبَحْرِ، وَ أَمَّا أَنْتَ- يَا زَيْدُ- فَمَا أَقَلَّ وَ اللَّهِ مَنْ لَهُ مِثْلُ مَا لَكَ مِنْ عِضْدَانِ الْعَجْوَةِ.
وَ ذُكِرَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ: أَنَّ الْمُكَلِّمَ لَهَا فِي الْإِقَامَةِ مَعَ مَرْوَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، قَالَتْ: لَا وَ اللَّهِ وَ لَا سَاعَةً، إِنَّ عُثْمَانَ غَيَّرَ فَغَيَّرَ اللَّهُ بِهِ أَثَرَكُمْ وَ اللَّهِ وَ تَرَكَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله).
وَ زَادَ فِي خِطَابِهَا لِابْنِ عَبَّاسٍ عتاب [عِتَاباً: إِنَّكَ قَدْ أُعْطِيتَ لِسَاناً وَ جَدَلًا وَ عَقْلًا وَ بَيَاناً، وَ قَدْ رَأَيْتُ مَا صَنَعَ ابْنُ عَفَّانَ، اتَّخَذَ عِبَادَ اللَّهِ خَوَلًا، فَقَالَ: يَا أُمَّهْ! دَعِيهِ وَ مَا هُوَ فِيهِ لَا يَنْفَرِجُونَ عَنْهُ حَتَّى يَقْتُلُوهُ. قَالَتْ: بَعَّدَهُ اللَّهُ.
وَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ: إِيَّاكَ أَنْ تَرُدَّ النَّاسَ عَنْ هَذِهِ الطَّاغِيَةِ، فَإِنَّ الْمِصْرِيِّينَ قَاتَلُوهُ.
وَ رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهَا بِالْبَصْرَةِ فَذَكَّرْتُهَا هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَتْ: ذَلِكَ الْمَنْطِقُ الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ يَوْمَئِذٍ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَنِي، لَمْ أَرَ بِي (2) تَوْبَةً إِلَّا الطَّلَبَ بِدَمِ عُثْمَانَ وَ رَأَيْتُ أَنَّهُ قُتِلَ مَظْلُوماً. قَالَ: فَقُلْتُ لَهَا: فَأَنْتِ قَتَلْتِيهِ بِلِسَانِكِ، فَأَيْنَ تَخْرُجِينَ؟! تُوبِي وَ أَنْتِ فِي بَيْتِكِ، أَوْ أَرْضِي وُلَاةَ دَمِ عُثْمَانَ وُلْدَهُ. قَالَتْ: دَعْنَا مِنْ جِدَالِكَ فَلَسْنَا (3) مِنَ الْبَاطِلِ فِي شَيْءٍ.
وَ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ قُدَامَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِ
____________
(1) و قد حكى ابن أبي الحديد في شرحه 2- 77 من طرق مختلفة فقرات منه.
(2) قد تقرأ في (س): و لم أولي.
(3) وضع على: فلسنا، رمز نسخة بدل في مطبوع البحار.
300
(صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ [كَذَا]- وَ عُثْمَانُ مَحْصُورٌ قَدْ حِيلَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْمَاءِ-: أَحْسَنَ أَبُو مُحَمَّدٍ حِينَ حَالَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْمَاءِ. فَقَالَتْ لَهَا (1): يَا أُمَّهْ! عَلَى عُثْمَانَ. فَقَالَتْ: إِنَّ عُثْمَانَ غَيَّرَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سُنَّةَ الْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِهِ فَحَلَّ دَمُهُ.
وَ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ كَرِيمَةَ بِنْتِ الْمِقْدَادِ، قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: إِنَّ عُثْمَانَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ أُرْسِلَ إِلَى طَلْحَةَ فَأَبَيْتُ، وَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ أَقِيمِي وَ لَا تَخْرُجِي إِلَى مَكَّةَ، فَقُلْتُ: قَدْ جَبَلْتُ (2) ظَهْرِي وَ غَرَيْتُ (3) غَرَائِرِي، وَ إِنِّي خَارِجَةٌ غَداً إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَا وَ اللَّهِ مَا أَرَانِي أَرْجِعُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَالَتْ: قُلْتُ:
بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ، كَانَ أَبِي- تَعْنِي الْمِقْدَادَ- يَنْصَحُ لَهُ فَيَأْبَى إِلَّا تَقْرِيبَ مَرْوَانَ وَ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَتْ عَائِشَةُ: حُبُّهُمْ وَ اللَّهِ صَنَعَ مَا تَرَيْنَ، حَمَلَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ (4) مِائَةَ أَلْفٍ، وَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفٍ، وَ إِلَى حَارِثِ (5) بْنِ الْحَكَمِ مِائَةَ أَلْفٍ، وَ أَعْطَى مَرْوَانَ خُمُسَ إِفْرِيقِيَةَ لَا يَدْرِي كَمْ هُوَ، فَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَدَعَ عُثْمَانَ.
وَ ذَكَرَ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ أَشَدَّ النَّاسِ عَلَى عُثْمَانَ تُحَرِّضُ النَّاسَ عَلَيْهِ وَ تُؤَلِّبُ حَتَّى قُتِلَ (6) فَلَمَّا قُتِلَ وَ بُويِعَ
____________
(1) لا توجد: لها، في (س).
(2) في (ك): جلبت.
(3) توجد نسخة بدل في (ك): غررت.
(4) في (س): العبّاس، و هو غلط.
(5) في (س): الحارث- بالألف و اللّام-.
(6) مصادر حول إنكار عائشة غير ما مرّ: طبقات ابن سعد 5- 25، أنساب البلاذريّ 5- 70، 75، 91، الإمامة و السّياسة 1- 43، 46، 57، تاريخ الطّبريّ 5- 140، 166، 172، 176، العقد الفريد 2- 267، 272، تاريخ ابن عساكر 7- 319، الاستيعاب في ترجمة صخر بن قيس 2- 192 من المطبوع هامش الإصابة، تاريخ أبي الفداء 1- 172، شرح ابن أبي الحديد 2- 77، 506، تذكرة سبط ابن الجوزيّ: 38، 40، نهاية ابن الأثير 4- 166، أسد الغابة 3- 15، كامل ابن الأثير 3- 87، حياة الحيوان للدّميريّ 2- 359، السّيرة الحلبيّة 3- 314، لسان العرب 14- 193، تاج العروس 8- 141 و غيرها كثير. تتميم:
نقل شيخنا المصنّف (طاب ثراه)، عن أبي الصّلاح في التّقريب جملة ممّن أنكر على عثمان، متعرّضا لبعض كلامهم، مقتصرا على مصدرين فحسب، و نودّ استدراك ذكر جملة أخرى من الصّحابة و التّابعين ممّن ردّ عليه، أو لم يرض بفعله، أو قال فيه، أو أباح دمه و طلب إزالته من منصبه بشكل مجمل و مفهرس محيلين التّفاصيل إلى الموسوعات و المصادر.
قال البلاذريّ في الأنساب 5- 49: إنّ المقداد بن عمرو، و عمّار بن ياسر، و طلحة، و الزّبير في عدّة من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كتبوا كتابا عدّدوا فيه أحداث عثمان و خوّفوه ربّه و أعلموه أنّهم مواثبوه إن لم يقلع، فأخذ عمّار الكتاب و أتاه به فقرأ صدرا منه، فقال له عثمان: أ علي تقدم من بينهم؟! .. إلى آخره. و ذكره ابن أبي الحديد في شرحه 1- 239 ... و نقل ابن قتيبة في الإمامة و السّياسة 1- 29 صورة مفصّلة لاجتماع النّاس من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كتابتهم كتابا ذكروا فيه ما خالف فيه عثمان من سنّة رسول اللّه و سنّة صاحبيه .. إلى آخره. و اختصره ابن عبد ربّه في العقد الفريد 2- 272، و أشارت غالب المصادر إلى هذا الكتاب مجملا، و ها نذكر جملة أخرى من الأصحاب.
فمنهم: عبد اللّه بن حسّان العنزيّ الكوفيّ، القائل في عثمان: هو أوّل من فتح أبواب الظّلم، و أرتج أبواب الحقّ .. كما في الأغاني 16- 10، تاريخ الطّبريّ 6- 155، تاريخ ابن عساكر 2 379، الكامل لابن الأثير 3- 209، و غيرها.
و منهم: هاشم المرقال، القائل- كما في كتاب صفّين لابن مزاحم: 402، طبعة مصر-، و تاريخ الطّبريّ 6- 23، و شرح ابن أبي الحديد 2- 278، و الكامل لابن الأثير 3- 135 و غيرها في قصّة طويلة حدثت في صفّين: .. و ما أنت و ابن عفّان؟! إنّما قتله أصحاب محمّد و قرّاء النّاس حين أحدث أحداثا و خالف حكم الكتاب.
و منهم: سهل بن حنيف أبو ثابت الأنصاريّ البدريّ.
و منهم: رفاعة بن رافع بن مالك أبو معاذ الأنصاريّ البدريّ.
و منهم: الحجّاج بن غزيّة الأنصاريّ.
فقد روى البلاذريّ في الأنساب 5- 78 قول سهل بن حنيف جوابا لزيد بن ثابت: يا زيد! أشبعك عثمان من عضدان المدينة- و العضيدة: نخلة قصيرة ينال حملها-. و قول الحجّاج بن غزيّة الأنصاريّ: و اللّه لو لم يبق من عمره- أي عثمان- إلّا بين الظّهر و العصر لتقرّبنا إلى اللّه بدمه. و في المصدر صفحة: 90 جاء بلفظ آخر و قال: و جاء رفاعة بن مالك الأنصاريّ ثمّ الزّرقيّ بنار في حطب فأشعلها في أحد البابين فاحترق و سقط، و فتح النّاس الباب الآخر و اقتحموا الدّار. و أورد ابن حجر في الإصابة 1- 313 و غيرها بعض كلماتهم في تراجمهم. و منهم: أبو أيّوب الأنصاريّ البدريّ، فقد ذكر له أصحاب السّير- كما في جمهرة الخطب 1- 236، و الإمامة و السّياسة 1- 112 [1- 128]- خطبة شريفة أشاد فيها بأبي الحسن (سلام اللّه عليه) و ذمّ فيها من سبقه.
.
301
عَلِيٌّ (عليه السلام) طَلَبَتْ بِدَمِهِ.
____________
و منهم: قيس بن سعد بن عبادة الأنصاريّ البدريّ. فقد أورد له الطّبريّ في تاريخه 5- 228، و ابن الأثير في الكامل 3- 115، و ابن أبي الحديد في الشّرح 2- 23، خطبة بمصر في أخذ البيعة لأمير المؤمنين (عليه السلام)، و فيها: الحمد للّه الّذي جاء بالحقّ و أمات الباطل، و كبّت الظّالمين. أيّها النّاس! إنّا قد بايعنا خير من نعلم بعد محمّد نبيّنا ص .. و له رسائل مع معاوية، و محاورات مع صحبه، و خطب في صفّين كلّها صريحة في هذا، انظر مثالا: كتاب صفّين لابن مزاحم: 511، الإمامة و السّياسة 1- 94 [1- 83]، جمهرة الخطب 1- 190، شرح ابن أبي الحديد 2- 23، 25، 298، تاريخ الطّبريّ 5- 227، 231، الكامل لابن الأثير 3- 116، النّجوم الزّاهرة 1- 99.
و منهم: فروة بن عمرو بن ودقة البياضيّ الأنصاريّ البدريّ، و كان ممّن أعان على قتل عثمان، و قد أخرج له مالك في الموطّإ حديثا في باب العمل في القراءة باسم البياضيّ، و ترجمه في أسد الغابة 4- 179، و الإصابة 3- 204، و شرح الموطّإ للزّرقانيّ 1- 152.
و منهم: محمّد بن عمرو بن حزم أبو سليمان الأنصاريّ، قال أبو عمرو في الاستيعاب في ترجمته:
يقال: إنّه كان أشدّ النّاس على عثمان المحمّدون، محمّد بن أبي بكر، محمّد بن أبي حذيفة، محمّد بن عمرو بن حزم.
و منهم: عبد اللّه بن عبّاس حبر الأمّة، و قد كان في واقعة الدّار أميرا للحاجّ في سنته تلك، و مع ذلك فهو ممّن قال فيه معاوية- كما في شرح النّهج لابن أبي الحديد 4- 58: لعمري لو قتلتك بعثمان رجوت أن يكون ذلك للّه رضا، و أن يكون رأيا صوابا، فإنّك من السّاعين عليه، و الخاذلين له، و السّافكين دمه .. و انظر جوابه له، و ما ذكره أبو عمر في الاستيعاب في ترجمة مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) في عثمان عند ما سئل عنه قال: ألهته نومته عن يقظته، بل لم يحرّض الحاجّ على نصرة الخليفة عند ما حوصر في الدّار و استنجد بهم و استغاث في كتاب قرأه عليهم نافع بن طريف، و كأنّ عائشة شعرت منه ذلك فقالت يوم مرّ بها ابن عبّاس في منزل من منازل الحجّ: يا ابن عبّاس! إنّ اللّه قد آتاك عقلا و بيانا، فإيّاك أن تردّ النّاس عن هذا الطّاغية. كما في الطّبقات لابن سعد 5- 25، و الأنساب للبلاذريّ و الإمامة و السّياسة، و تاريخ الطّبريّ، و ابن عساكر، و أبي الفداء، و العقد الفريد 2- 267 و غيرها من مصادر مرّت في نكيرها لعثمان.
و منهم: عمرو بن العاص! فقد كان واليا لعثمان على مصر فعزله، و أخرج الطّبريّ في تاريخه 5- 108، 203، و البلاذريّ في الأنساب 5- 74، و ابن قتيبة في الإمامة و السّياسة 1- 42، و ابن عبد البرّ في الاستيعاب في ترجمة عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، و ابن أبي الحديد في شرحه 1- 63، و الإصابة 3- 381، و أجمله ابن كثير في تاريخه 7- 170 و غيرهم محاورة له مع الخليفة جديرة بالمراجعة لمعرفة بواطن الأمور و سرائر القوم. و له ترجمة مفصّلة في الغدير 2- 117- 176.
و لنختم القول فيه بما أورده الطّبريّ في تاريخه 5- 234 من طريق الواقديّ، قال: لمّا بلغ عمروا قتل عثمان قال: أنا أبو عبد اللّه قتلته و أنا بوادي السّباع، من يلي هذا الأمر من بعده؟ إن يله طلحة فهو فتى العرب سيبا، و إن يله ابن أبي طالب فلا أراه إلّا سيستنظف الحقّ! و هو أكره من يليه إليّ.
و منهم: أبو الطّفيل عامر بن واثلة الصّحابيّ، فقد ذكر المسعوديّ في مروج الذّهب 2- 62، و ابن قتيبة في الإمامة و السّياسة 1- 158، و ابن عساكر في تاريخه 7- 201، و السّيوطيّ في تاريخ الخلفاء:
133 و غيرهم موقف رائع له مع معاوية عليه اللّعنة و الهاوية.
و منهم: مالك الأشتر بن الحارث.
و منهم: عبد الرّحمن بن أبي بكر.
.
302
____________
و منهم: المسور بن مخرمة. فقد ذكر البلاذريّ في الأنساب 5- 46 ما كتبه عثمان لهؤلاء الثّلاثة و أصحابهم داعيهم للطاعة و ترك الفرقة، و جوابهم له بعنوان: الخليفة المبتلى الخاطئ الحائد عن سنّة نبيّه، النّابذ لحكم القرآن وراء ظهره.
و منهم: أبو القاسم محمّد بن أبي حذيفة العبشميّ، و كان من أشدّ النّاس تأليبا على عثمان، و كان يقول: يا أهل مصر! إنّا خلّفنا الغزو وراءنا، يعني غزو عثمان .. إلى غير ذلك ممّا أورده البلاذريّ في الأنساب 5- 49- 51، و ابن كثير في تاريخه 7- 157، و الطّبريّ في تاريخه 5- 109، و ابن عبد البرّ في الاستيعاب 1- 233، و ابن الأثير في الكامل 3- 67، و ابن حجر في الإصابة 3- 373 و غيرهم.
و منهم: كميل بن زياد بن نهيك النّخعيّ.
و منهم: عمرو بن زرارة النّخعيّ. فقد أورد البلاذريّ في الأنساب 5- 30 أنّهما أوّل من دعا إلى خلع عثمان، و قال الأخير: أيّها النّاس! إنّ عثمان قد ترك الحقّ و هو يعرفه، و قد أغرى بصلحائكم يولّي عليهم شراركم، و هو ممّن سيّره عثمان من أهل الكوفة إلى دمشق، و صرّح بذلك في أسد الغابة 4- 104، و الإصابة 1- 548 و 2- 536 و غيرهم.
و منهم: عبادة بن الصّامت الأنصاريّ. روى أحمد بن حنبل في مسنده 5- 325 في حديث طويل جاء في آخره .. فلم يفجأ عثمان إلّا و هو قاعد في جنب الدّار، فالتفت إليه فقال: يا عبادة بن الصّامت! ما لنا و لك!، فقام عبادة بين ظهري النّاس، فقال: سمعت رسول اللّه أبا القاسم محمّدا ص يقول: إنّه سيلي أموركم بعدي رجال يعرّفونكم ما تنكرون و ينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى اللّه تبارك و تعالى. و يكون عبادة كأبي ذرّ (رحمهما اللّه) من القوّالين بالحقّ الآمرين بالمعروف و النّاهين عن المنكر و لم تأخذهم في اللّه لومة لائم أبدا. و قد أوذوا في سبيل اللّه و ظلموا ظلما شديدا.
و منهم: صعصعة بن صوحان. فقد روى ابن عساكر في تاريخه 6- 424 نكيره على عثمان، و أنّه مال عن الحقّ.
و منهم: حكيم بن جبلة العبديّ. كان أحد زعماء الثّائرين على عثمان من أهل البصرة، و ممّن يعيب على عثمان، كما في مروج الذّهب 2- 7، و دول الإسلام للذهبي 1- 18، و كتاب صفّين:
82، و الاستيعاب 1- 121، و شرح ابن أبي الحديد 1- 259 و غيرها.
و منهم: هشام بن الوليد المخزوميّ. صرّح ابن حجر في الإصابة 3- 606 بمناوأته للسّلطة الحاكمة، و إنشاده الشّعر في الخليفة، و دفاعه عن عمّار عند ضربه.
و منهم: حجر بن عديّ الكوفيّ و صحبه (رضوان اللّه عليهم). و هم القائلون عن عثمان أنّه: هو أوّل من جار في الحكم و عمل بغير الحقّ، كما جاء في واقعة طويلة ذكرها الطّبريّ في تاريخه 6- 141 160، و ابن عساكر في تاريخه 2- 370- 381، و ابن الأثير في الكامل 3- 202- 210، و ابن كثير في تاريخه 8- 49- 55، و أبو الفرج في الأغاني 16- 2- 11 و غيرهم.
و منهم: جهجاه بن سعيد الغفاريّ الصّحابيّ ممّن بايع تحت الشّجرة، و قد خاطبه في المسجد بأبشع القول و أقذع الكلام، و سمّاه: نعثلا، كما صرّح بذلك البلاذريّ في الأنساب 5- 47، و ذكر ذلك في ترجمته في الاستيعاب، و الإصابة 1- 253، و تاريخ الخميس 2- 260، و الرّياض النّضرة 2- 123، و نصّ عليه أهل السّير و التّاريخ كابن الأثير في الكامل 3- 70، و الطّبريّ في التّاريخ 5- 114، و ابن كثير في كتابه 7- 175 و غيرهم.
و منهم: قيس بن قهدان، و هو القائل:
أقسم باللّه ربّ البيت مجتهدا* * * أرجو الثّواب به سرّا و إعلانا
لأخلعنّ أبا وهب و صاحبه* * * كهف الضّلالة عثمان بن عفّانا
كما في أسد الغابة 4- 104، و الإصابة 1- 548، و الأنساب 5- 30 و غيرها.
304
.. و أمثال هذه الأقوال و أضعافها المتضمّنة للنكير على عثمان من الصحابة أو التابعين منقولة في جميع التواريخ، و إنّما اقتصرنا على تاريخي الثقفي و الواقدي لأنّ لنا إليهما طريقا، و لأن لا يطول الكتاب، و فيما ذكرناه كفاية، و من أراد العلم بمطابقة التواريخ لما أوردناه في هذين التاريخين فليتأمّلها يجدها موافقة.
305
ثم أطبق أهل الأمصار و قطان المدينة من المهاجرين و الأنصار- إلّا النفر الذي اختصّهم عثمان لنفسه و آثرهم بالأموال كزيد بن ثابت و حسّان و سعيد بن العاص و عبد اللّه بن الزبير و مروان و عبد اللّه بن عمر- على حصره في الدار و مطالبته بخلع نفسه من الخلافة أو قتله إلى أن قتلوه على الإصرار إلى ما أنكروا عليه و من ظفروا به في الحال من أعوانه، و أقام ثلاثا لا يتجاسر أحد من ذويه أن يصلّي عليه و لا يدفنه خوفا من المسلمين إلى أن شفعوا إلى عليّ (عليه السلام) في دفنه، فأذن في ذلك على شرط أن لا يدفنوه في مقابر المسلمين، فحمل إلى حشّ كوكب (1) مقبرة اليهود، و لما أراد النفر الذين حملوه الصلاة عليه منعهم من ذلك المسلمون و رجموهم بالأحجار، فدفن بغير صلاة، و لم يزل قبره منفردا من مقابر المسلمين إلى أن ولي معاوية فأمر بأن يدفن الناس من حوله حتى اتّصل المدفن بمقابر المسلمين، و لم يسأل عنه أحد من (2) بعد القتل من وجوه المهاجرين و الأنصار كعليّ (عليه السلام) و عمّار و محمد بن أبي بكر و غيرهم و أماثل التابعين إلّا قال: قتلناه كافرا.
و هذا الذي ذكرناه من نكير الصحابة و التابعين على عثمان موجود في جميع التواريخ و كتب الأخبار، و لا يختلف في صحّته مخالط الأهل و السير (3) و الآثار، و إنّ أحسن الناس كان فيه رأيا من أمسك عن نصرته و معونة المطالبين له بالخلع، و كفّ عن النكير عنه و عنهم كما ذكرناه من مواليه و بني أميّة، و من عداهم بين قاتل و معاون بلسانه أو بيده (4) أو بهما، و معلوم تخصّص قاتليه بولاية عليّ (عليه السلام) و كونهم بطانة له و خواصّا كمحمد بن أبي بكر و عمّار بن ياسر و الأشتر و غيرهم من المهاجرين و الأنصار و أهل الأمصار، و تولّي الكافة لهم تولّي الصالحين و المنع منهم بالأنفس و الأموال و إراقة الدماء في نصرتهم و الذبّ عنهم و رضاهم بعليّ عليه
____________
(1) يأتي التعرّض لهذه الكلمة في هامش صفحة: 309.
(2) وضع على: من، رمز نسخة بدل في (ك).
(3) كذا في (ك)، و في (س): فخاط الأهل و الميسر.
(4) هذا ما استظهرناه، و في الأصل: بيداه، و لعله بصيغة التثنية في حال الجر، أي بيديه.
306
السلام مع علمهم برأيه في عثمان و التأليب عليه و تولّي الصلاة- و هو محصور- بغير أمره، و اتّخاذه مفاتح لبيوت الأموال، و اتّخاذ قتلته أولياء خاصّة أصفياء، و إطباقهم على اختياره و قتالهم معه و الدفاع عنه و عنهم، و استفراغ الوسع في ذلك، و عدم نكير من أحد من الصحابة أو التابعين يعتدّ بنكيره، ثم اشتهر التديّن بتكفير عثمان بعد قتله و كفر من تولّاه من عليّ (عليه السلام) و ذريّته و شيعته و وجوه الصحابة و التابعين إلى يومنا هذا، و حفظ عنهم التصريح بذلك بحيث لا يحتاج إلى ذكره، غير أنّ في ذكره إيناسا للبعيد عن سماع العلم، و تنبيها للغافل من سنّة الجهل.
فمن ذلك.
مَا رَوَوْهُ مِنْ طُرُقِهِمْ (1)، أَنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) خَطَبَ النَّاسَ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ فَذَكَرَ أَشْيَاءَ قَدْ مَضَى بَيَانُهَا، مِنْ جُمْلَتِهَا قَوْلُهُ (عليه السلام): سَبَقَ الرَّجُلَانِ وَ قَامَ الثَّالِثُ كَالْغُرَابِ هِمَّتُهُ بَطْنُهُ وَ فَرْجُهُ، وَيْلَهُ! لَوْ قُصَّ جَنَاحَاهُ وَ قُطِعَ رَأْسُهُ كَانَ خَيْراً لَهُ، شُغِلَ عَنِ الْجَنَّةِ وَ النَّارُ أَمَامَهُ.
وَ رَوَوْا عَنْ عَلِيِّ بْنِ خَرُورٍ، عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ عَلِيّاً (عليه السلام) عَنْ عُثْمَانَ، فَقَالَ: وَ مَا سُؤَالُكَ عَنْ عُثْمَانَ؟ إِنَّ لِعُثْمَانَ ثَلَاثَ كَفَرَاتٍ، وَ ثَلَاثَ غَدَرَاتٍ، وَ مَحَلَّ ثَلَاثِ لَعَنَاتٍ، وَ صَاحِبُ بَلِيَّاتٍ، لَمْ يَكُنْ بِقَدِيمِ الْإِيمَانِ وَ لَا ثَابِتِ الْهِجْرَةِ، وَ مَا زَالَ النِّفَاقُ فِي قَلْبِهِ، وَ هُوَ الَّذِي صَدَّ النَّاسَ يَوْمَ أُحُدٍ .. الْحَدِيثُ طَوِيلٌ..
وَ ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ عَنْ (2) رَجُلٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، قَالَ: أَتَيْتُ عَلِيّاً (عليه السلام) فِي الرَّحْبَةِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! حَدِّثْنَا عَنْ عُثْمَانَ؟.
قَالَ: أَدْنِ. فَدَنَوْتُ، قَالَ: ارْفَعْ صَوْتَكَ. فَرَفَعْتُ صَوْتِي، قَالَ: كَانَ ذَا ثَلَاثِ كَفَرَاتٍ، وَ ثَلَاثِ غَدَرَاتٍ، وَ فَعَلَ ثَلَاثَ لَعَنَاتٍ، وَ صَاحِبَ بَلِيَّاتٍ، مَا كَانَ بِقَدِيمِ الْإِيمَانِ وَ لَا حَدِيثِ النِّفَاقِ، يُجْزِي بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ .. فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ (3)..
____________
(1) انظر لمزيد الاطّلاع كتاب الغدير 9- 69- 77.
(2) لا توجد في (س): عن.
(3) هذا استمرار كلام أبي الصّلاح الحلبيّ في تقريب المعارف (في الكلام) من القسم الّذي لم يطبع منه.
307
وَ ذَكَرَ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ- وَ كَانَ قَدْ أَدْرَكَ عَلِيّاً (عليه السلام)-، قَالَ: مَا يَزِنُ عُثْمَانُ عِنْدَ اللَّهِ ذُبَاباً. فَقَالَ: ذُبَاباً؟!.
فَقَالَ: وَ لَا جَنَاحَ ذُبَابٍ، ثُمَّ قَالَ: (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً) (1)..
وَ ذَكَرَ فِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ التَّيْمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيّاً (عليه السلام) يَقُولُ: أَنَا يَعْسُوبُ الْمُؤْمِنِينَ وَ عُثْمَانُ يَعْسُوبُ الْكَافِرِينَ.
وَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ: وَ عُثْمَانُ يَعْسُوبُ الْمُنَافِقِينَ.
وَ ذَكَرَ فِيهِ، عَنْ هُبَيْرَةَ ابْنِ مَرْيَمَ، قَالَ: كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ عَلِيٍّ (عليه السلام)، فَدَعَا ابْنَهُ عُثْمَانَ، فَقَالَ لَهُ: يَا عُثْمَانُ! ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَمْ أُسَمِّهِ بِاسْمِ عُثْمَانَ ...، إِنَّمَا سَمَّيْتُهُ بِاسْمِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ.
وَ ذَكَرَ فِي تَارِيخِهِ، مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ، أَنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) كَانَ يَسْتَنْفِرُ النَّاسَ وَ يَقُولُ: انْفِرُوا إِلَى أَئِمَّةِ الْكُفْرِ وَ بَقِيَّةِ الْأَحْزَابِ وَ أَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ، انْفِرُوا إِلَى مَنْ يَقُولُ كَذَبَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ (صلّى اللّه عليه و آله)، انْفِرُوا إِلَى مَنْ يُقَاتِلُ عَلَى دَمِ حَمَّالِ الْخَطَايَا، وَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيَحْمِلُ خَطَايَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ (2).
وَ ذَكَرَ فِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ هِنْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام)، أَنَّهُ قَالَ: لَا يَجْتَمِعُ (3) حُبِّي وَ حُبُّ عُثْمَانَ فِي قَلْبِ رَجُلٍ إِلَّا اقْتَلَعَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ.
وَ رَوَى فِيهِ مِنْ طُرُقٍ: أَنَّ جِيفَةَ عُثْمَانَ بَقِيَتْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يُدْفَنُ، فَسَأَلَ عَلِيّاً (عليه السلام) رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي دَفْنِهِ فَأَذِنَ لَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يُدْفَنَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَقَابِرِهِمْ وَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، فَلَمَّا عَلِمَ النَّاسُ بِذَلِكَ قَعَدُوا لَهُ فِي الطَّرِيقِ بِالْحِجَارَةِ،
____________
(1) الكهف: 105.
(2) قريب ممّا ذكره أبو الصّلاح في التّقريب عن الثّقفيّ ما أورده ابن أبي الحديد في شرحه للنّهج 1- 179 [أربع مجلّدات].
(3) في (ك): لا تجتمع.
308
فَخَرَجُوا بِهِ يُرِيدُونَ بِهِ (1) حَشَّ كَوْكَبٍ مَقْبَرَةَ الْيَهُودِ، فَلَمَّا انْتَهَوْا بِهِ إِلَيْهِمْ رُجِمُوا (2) سَرِيرَهُ..
وَ رَوَى فِيهِ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام)، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ كَانَ سَائِلًا عَنْ دَمِ عُثْمَانَ فَإِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُ وَ أَنَا مَعَهُ.
وَ رَوَى فِيهِ عَنْ مَالِكِ بْنِ خَالِدٍ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ آبَائِهِ، قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليهما السلام) يَقُولُ: مَعْشَرَ الشِّيعَةِ! عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمْ بُغْضَ عُثْمَانَ، فَإِنَّهُ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ حُبٌّ لِعُثْمَانَ فَأَدْرَكَ الدَّجَّالَ آمَنَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ آمَنَ بِهِ فِي قَبْرِهِ.
وَ رَوَوْا فِيهِ عَنْ بَكْرِ بْنِ أَيْمَنَ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام)، قَالَ: إِنَّا وَ بَنِي أُمَيَّةَ تَعَادَيْنَا فِي اللَّهِ فَنَحْنُ وَ هُمْ كَذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَجَاءَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) بِرَايَةِ الْحَقِّ فَرَكَزَهَا (3) بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَ جَاءَ إِبْلِيسُ بِرَايَةِ الْبَاطِلِ فَرَكَزَهَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَ إِنَّ أَوَّلَ قَطْرَةٍ سَقَطَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ دَمِ الْمُنَافِقِينَ دَمُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ.
وَ رَوَى فِيهِ عَنِ الْحُسَيْنِ (عليه السلام): أَنَّ عُثْمَانَ جِيفَةٌ عَلَى الصِّرَاطِ مَنْ أَقَامَ عَلَيْهَا أَقَامَ عَلَى أَهْلِ النَّارِ، وَ مَنْ جَاوَزَهُ جَاوَزَ إِلَى الْجَنَّةِ.
وَ رَوَى فِيهِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله): أَنَّ عُثْمَانَ جِيفَةٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَعْطِفُ عَلَيْهِ مَنْ أَحَبَّهُ وَ يُجَاوِزُهُ (4) عَدُوُّهُ.
وَ رَوَى فِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ يَلْعَنُ عُثْمَانَ وَ يَقُولُ: كَانَتْ أَبْوَابُ الضَّلَالَةِ مُغْلَقَةً حَتَّى فَتَحَهَا عُثْمَانُ.
____________
(1) لا توجد: به، في (س).
(2) في (س): و جمعوا.
(3) في (س): فوكزها.
(4) جاءت في (ك): يحاوزه- بالحاء المهملة- و لها عدّة معاني لاحظها في القاموس 2- 173- 174، و النّهاية 1- 459، و الصّحاح 3- 875، و بعضها مناسب للمقام.
309
وَ رَوَى فِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام)، أَنَّهُ قَالَ: لَا تَكُونُ حَرْبٌ سَالِمَةً حَتَّى يَبْعَثَ قَائِمُنَا ثَلَاثَةَ أَرَاكِيبَ فِي الْأَرْضِ رَكْبٌ يُعْتِقُونَ مَمَالِيكَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَ رَكْبٌ يَرُدُّونَ الْمَظَالِمَ، وَ رَكْبٌ يَلْعَنُونَ عُثْمَانَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ.
وَ رَوَى قُتَيْبَةُ عَنْ أَبِي سَعْدٍ التَّيْمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ يَقُولُ:
ثَلَاثٌ يَشْهَدْنَ عَلَى عُثْمَانَ بِالْكُفْرِ وَ أَنَا الرَّابِعُ ..
وَ قَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ وَ شَهَادَةَ عَمَّارٍ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ فِي مَقَامٍ بَعْدَ مَقَامٍ.
وَ رَوَى فِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَفَّرْتُمْ عُثْمَانَ؟. قَالَ: بِثَلَاثٍ، جَعَلَ الْمَالَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ، وَ جَعَلَ الْمُهَاجِرِينَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ عَمِلَ بِغَيْرِ كِتَابِ اللَّهِ.
وَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، قَالَ: كَفَّرْنَاهُ بِثَلَاثٍ: فَرَّقَ كِتَابَ اللَّهِ وَ نَبَذَهُ فِي الْحُشُوشِ (1)، وَ إِنْزَالِ الْمُهَاجِرِينَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ جَعَلَ الْمَالَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ، فَمِنْ ثَمَّ أَكْفَرْنَاهُ وَ قَتَلْنَاهُ.
وَ رَوَى فِيهِ (2) عَنْ أَنَسِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قُلْتُ لِزُبَيْدٍ الْإِمَامِيِّ أَنَّ أَبَا صَادِقٍ، قَالَ: وَ اللَّهِ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ فِي قَلْبِي مِثْقَالَ حَبَّةِ خَرْدَلٍ حُبّاً لِعُثْمَانَ (3) وَ لَوْ أَنَّ لِي أُحُداً ذَهَباً، وَ هُوَ شَرٌّ عِنْدِي مِنْ حِمَارٍ مُجَدَّعٍ لَطْحَانَ (4). فَقَالَ زُبَيْدٌ: صَدَقَ أَبُو صَادِقٍ.
وَ رَوَى فِيهِ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ: حَضَرْنَا فِي مَوْضِعٍ، فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ
____________
(1) قال ابن الأثير في نهايته 1- 390: إنّ هذه الحشوش محتضرة .. يعني الكنف و مواضع قضاء الحاجة، الواحد حشّ- بالفتح، و أصله من الحشّ: البستان، لأنّهم كانوا كثيرا ما يتغوّطون في البساتين، و منه حديث عثمان أنّه دفن في حشّ كوكب، و هو بستان بظاهر المدينة خارج البقيع.
(2) لا توجد: فيه، في (س).
(3) في مطبوع البحار: خ. ل: لنعمان.
(4) قال في القاموس 1- 247: لطحه- كمنعه-: ضربه ببطن كفّه .. و به: ضرب به الأرض، و لعلّ له معنى آخر.
310
مُصَرِّفٍ الْإِمَامِيُّ: يَأْبَى قَلْبِي إِلَّا حُبَّ عُثْمَانَ، فَحَكَيْتُ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ.
وَ رَوَوْا عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ عُثْمَانَ عِنْدِي شَرٌّ مِنْ قرون (1).
وَ رَوَوْا فِيهِ عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُهُ فَقُلْتُ: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ، عُثْمَانُ أَمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟. قَالَ: وَ لَا سَوَاءٌ مَنْ جَاءَ إِلَى أَمْرٍ فَاسِدٍ فَأَصْلَحَهُ خَيْراً وَ مَنْ جَاءَ إِلَى أَمْرٍ صَالِحٍ فَأَفْسَدَهُ.
وَ رَوَوْا فِيهِ عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: قَالَ لِي: يَا جُوَيْبِرُ! اعْلَمْ أَنَّ شَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْأَشْيَاخُ الثَّلَاثَةُ، قُلْتُ: مَنْ هُمْ؟. قَالَ: عُثْمَانُ وَ طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ.
وَ رَوَوْا فِيهِ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ زَرُودٍ الرَّقِّيِّ، عَنْ أَبِي جَارُودٍ الْعَبْدِيِّ، قَالَ: أَمَّا عِجْلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَعُثْمَانُ، وَ فِرْعَوْنُهَا مُعَاوِيَةُ، وَ سَامِرِيهَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَ ذُو الثُّدَيَّةِ وَ أَصْحَابُ النَّهَرِ مَلْعُونُونَ، وَ إِمَامُ الْمُتَّقِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام).
وَ رُوِيَ عَنْ أَبِي الْأَرْقَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ يَقُولُ: وَ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ وَجَأْتُ عُثْمَانَ بِخَنْجَرٍ فِي بَطْنِهِ فَقَتَلْتُهُ.
وَ رَوَوْا عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: يُرْفَعُ عُثْمَانُ وَ أَصْحَابُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُبْلَغَ بِهِمُ الثُّرَيَّا، ثُمَّ يُطْرَحُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ.
وَ رَوَى فِيهِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الذُّهْلِيِّ، قَالَ: وَ اللَّهِ لَا يَكُونُ الْأَرْضُ سِلْماً سِلْماً حَتَّى يُلْعَنَ عُثْمَانُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ أَحَدٌ.
وَ رَوَى فِيهِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ حَنْبَلٍ الْجُمَحِيَّ- وَ كَانَ بَدْرِيّاً- قَالَ:
ذُقْ يَا أَبَا عَمْرٍو بِسُوءِ الْفِعْلِ* * * وَ ذُقْ صُنْعَ كَافِرٍ ذِي جَهْلٍ
لَمَّا سَدَدْتُ بَابَ كُلِّ عَدْلٍ* * * وَ رُمْتَ نَقْصَ حَقِّنَا بِالْبُطْلِ (2)
____________
(1) استظهر في مطبوع البحار كون الكلمة: قرود. و لعلّها: قارون. (2) قال الفيروزآباديّ في القاموس 3- 335: بطل بطلا و بطولا و بطلانا- بضمّهنّ-: ذهب ضياعا و خسرا
311
غَداً عَلَيْكَ أَهْلُ كُلِّ فَضْلٍ* * * بِالْمِشْرَفِيَّاتِ (1)الْقِضَابِ (2)الْفَصْلِ
فَذُقْتَ قَتْلًا لَكَ أَيَّ قَتْلٍ* * * كَذَاكَ نَجْزِي كُلَّ عَاتٍ وَ غَلٍ (3)
.
.. في أمثال (4) هذه الأقوال المحفوظة عن الصحابة و التابعين ذكر جميعها يخرج عن الغرض، و في بعض ما ذكرناه كفاية في المقصود، و المنّة للّه.
و قال (رحمه اللّه) في موضع آخر (5): تناصر الخبر من طريقي الشيعة و أصحاب الحديث بأنّ عثمان و طلحة و الزبير و سعدا و عبد الرحمن من جملة أصحاب العقبة الذين نفّروا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و أنّ عثمان و طلحة القائلان: أ ينكح محمد نساءنا و لا ننكح نساءه؟!. و اللّه لو قد مات لأجلبنا على نسائه بالسهام، و قولة طلحة: لأتزوجنّ أمّ سلمة، فأنزل اللّه سبحانه (6): (وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً) (7).
و قول عثمان يوم أحد: لألحقنّ بالشام، فإنّ لي بها صديقا يهوديّا. و قول طلحة: لألحقنّ بالشام فإنّ لي بها صديقا نصرانيّا، فأنزل اللّه تعالى: (يا أَيُّهَا
____________
(1) جاء في الصّحاح 4- 1380: و المشرفيّة: سيوف، قال أبو عبيدة: نسبت إلى مشارف، و هي قرى من أرض العرب تدنو من الرّيف، يقال سيف مشرفيّ.
(2) سيف قاضب و قضيب .. أي قطّاع و الجمع قواضب و قضب، كما في الصّحاح 1- 203. أقول:
القضاب إمّا جمع القضيب- ككرام و كريم- أو جمع قاضب- كطالب و طلّاب-.
(3) و مرّت له قصيدته الّتي أوّلها:
إن تقتلوني فأنا ابن حنبل* * * أنا الّذي قد قلت فيكم نعثل
و قد جاءت في تاريخ الطّبريّ 6- 25، و تاريخ اليعقوبيّ 2- 150، و الاستيعاب 2- 410، و الإصابة 2- 395، و شرح ابن أبي الحديد 1- 66.
(4) كذا، و الظاهر: و أمثال .. و العبارة مشوّشة في (س).
(5) لا زال الكلام لأبي الصلاح (ره) في تقريب المعارف- القسم الذي لم يطبع منه مع الأسف-، فراجع.
(6) انظر مثالا: تفسير القرطبيّ 14- 228، و فيض القدير 4- 290، و تفسير ابن كثير 3- 506، و تفسير البغوي 5- 225، و تفسير الخازن 5- 225، و تفسير الآلوسي 22- 74.
(7) الأحزاب: 53.
312
الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَ النَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) (1).
و قول عثمان لطلحة- و قد تنازعا-: و اللّه إنّك أوّل أصحاب محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) تزوّج بيهوديّة، فقال طلحة: و أنت و اللّه لقد قلت ما ينجينا هاهنا إلّا أن نلحق بقومنا (2).
بيان:
الرّبو- بالفتح- النّفس العالي (3).
و أسي على مصيبته- بالكسر- يأسي أسا .. أي حزن، و قد أسيت لفلان ..
أي حزنت له (4).
____________
(1) المائدة: 51.
(2) ما ذكره شيخنا المصنّف- (قدّس سرّه)- ليست إلّا نبذة قليلة و حصّة ضئيلة تركها لنا التاريخ الظالم، و غفلت عنها أيدي الطغاة الأمويّة بعد أن حرّف القوم الكلم عن مواضعه و أثبتوا ما وافق هواهم و أهواءهم و تركوا ما لا يروق لهم.
قال الطبريّ في تاريخه 5- 108: إنّ الواقدي ذكر في سبب مسير المصريّين إلى عثمان و نزولهم ذا خشب أمورا كثيرة منها ما تقدّم ذكره، و منها ما أعرضت عن ذكره كراهيّة منّي ذكره لبشاعته!.
و قال في 5- 113: قد ذكرنا كثيرا من الأسباب التي ذكر قاتلوه أنّهم جعلوها ذريعة إلى قتله فأعرضنا عن ذكر كثير منها لعلل دعت إلى الإعراض عنها.
و قال في 5- 232: إنّ محمّد بن أبي بكر كتب إلى معاوية لما ولي فذكر مكاتبات جرت بينهما كرهت ذكرها لما فيه ممّا لا يتحمّل سماعه العامّة.
و قال في الكامل 3- 70: قد تركنا كثيرا من الأسباب التي جعلها الناس ذريعة إلى قتله لعلل دعت إلى ذلك.
و لنختم الحديث بعد كلّ ما مرّ و كلّ الاجتهادات التي جاءت بها الصحابة أمام النصوص الصريحة و السنّة النبويّة الواضحة، و أنّ النهي عند السلف ما كان إلّا سياسة وقتيّة، قد اتّخذوا إلههم هواهم و ما هذا إلّا لزيغهم عن الصراط، و تركهم المحجّة الواضحة، و باب مدينة العلم، و لا نودّ ذكر الشواهد الكثيرة جدّا لذلك، انظر ما أدرجه شيخنا الأميني- طاب ثراه- في غديره 8- 116 و ما بعدها من سرد بعض النماذج لذلك.
(3) كما في الصحاح 6- 2350، و لسان العرب 14- 305.
(4) ذكره في لسان العرب 14- 34، و الصحاح 6- 2269، و انظر: النهاية 1- 50.
313
قوله: إنّ في هذا الحديث .. أي روى الغزرمي- مكان- فتبطحون على وجوهكم- هكذا: ترفعون .. أي يرفعكم الملائكة إلى مكان الثريّا من السماء ثم يضربونكم على الأرض على وجوهكم فتطؤكم البهائم، و هذا أشدّ في التعذيب.
و قوله: ليجاء بي .. لعلّ هذا الترديد و التبهيم للتقيّة و المصلحة مع وضوح المقصود.
قوله لعنه اللّه: الترباء في فيك يا عليّ .. الترباء- بالفتح أو بضم التاء و فتح الراء- لغتان في التّراب (1)، انظر هذا الذي خانت أمّه أباه كيف شتم و عقّ مولاه، لعنة اللّه عليه و على من والاه.
و قال الجوهري: النّاب: المسنّة من النّوق (2).
و قال: مرّ فلان ينجش نجشا .. أي يسرع (3).
و الشّارف من النّوق: المسنّة الهرمة (4).
و أغذّ السّير و فيه: أسرع (5).
و بعج بطنه بالسّكّين- كمنع-: شقّه (6).
و النّهابير: المهالك (7).
و التنجيد: العدو (8).
و قال في النهاية: كان أعداء عثمان يسمّونه: نعثلا تشبيها برجل من مصر
____________
(1) جاء في القاموس 1- 39، و لسان العرب 1- 227.
(2) الصحاح 1- 230، و مثله في لسان العرب 1- 776، و القاموس 1- 135.
(3) الصحاح 3- 1021، و نظيره في اللسان 6- 351، و انظر: القاموس 2- 289، و النهاية 5- 22.
(4) نصّ عليه في النهاية 2- 462، و القاموس 3- 157.
(5) ذكره الفيروزآبادي في القاموس 1- 356، و انظر: لسان العرب 3- 501، و النهاية 3- 347، و الصحاح 2- 567.
(6) كما في الصحاح 1- 300، و مجمع البحرين 2- 277، و قريب منهما في النهاية 1- 139.
(7) قاله في مجمع البحرين 5- 133- 134، و القاموس 2- 151.
(8) صرّح به في تاج العروس 2- 512، و ذكره الفيروزآبادي في القاموس المحيط 1- 340.
314
كان طويل اللّحية اسمه: نعثل، و قيل النّعثل: الشّيخ الأحمق، و ذكر الضباع (1).
انتهى.
و يقال زعر الشّعر و الرّيش: قلّ، و الزّعارّة: سوء الخلق (2).
و الغرارة- بالكسر-: الجوالق (3).
قولها: إنّ هذه .. أي السماء، وقعت على هذه .. أي الأرض.
و قال الفيروزآبادي: العضد و العضيد: الطّريقة من النّخل، و الجمع كغربان (4)، و المعنى أنّ ذلك أموالا كثيرة تحميه لبقائها أو حصلتها ببركته.
و قال في القاموس: الرّكب: ركبان الإبل اسم جمع أو جمع و هم العشرة فصاعدا، و قد يكون للخيل .. و الأركوب- بالضّمّ- أكثر من الرّكب (5)..
____________
(1) النهاية 5- 79- 80، و مثله في لسان العرب 11- 669- 670.
(2) أورده في القاموس 2- 39، و انظر: مجمع البحرين 3- 317، و الصحاح 2- 670.
(3) نقله الجوهريّ في الصحاح 2- 769، و الفيروزآبادي في القاموس 2- 101.
(4) القاموس 1- 314، و قارن ب: تاج العروس 2- 434. و قريب منهما في لسان العرب 3- 294.
(5) القاموس 1- 75، و نظيره في لسان العرب 1- 429- 430.
315
[26] باب الشورى و احتجاج أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) على القوم في ذلك اليوم
ل (1): أَبِي وَ ابْنُ الْوَلِيدِ مَعاً، عَنْ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي الْخَطَّابِ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مِسْكِينٍ، عَنْ أَبِي الْجَارُودِ وَ هُشَيْمِ بْنِ أَبِي سَاسَانَ (2) وَ أَبِي طَارِقٍ السَّرَّاجِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، قَالَ: كُنْتُ فِي الْبَيْتِ يَوْمَ الشُّورَى، فَسَمِعْتُ عَلِيّاً (عليه السلام) وَ هُوَ يَقُولُ: اسْتَخْلَفَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ وَ أَنَا وَ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْأَمْرِ وَ أَوْلَى بِهِ مِنْهُ، وَ اسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ وَ أَنَا وَ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْأَمْرِ وَ أَوْلَى بِهِ مِنْهُ، إِلَّا أَنَ (3) عُمَرَ جَعَلَنِي مَعَ خَمْسَةٍ (4) أَنَا سَادِسُهُمْ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ عَلَيَّ فَضْلٌ، وَ لَوْ أَشَاءُ لَاحْتَجَجْتُ عَلَيْهِمْ بِمَا
____________
(1) الخصال 2- 553- 563، بتفصيل في الإسناد.
و قد مرّ في أوّل كتابنا هذا ذكر بعض مصادر حديث المناشدة من طريق العامّة و الخاصّة و نزيد هاهنا ما جاء في لسان الميزان للذّهبيّ 2- 156- 157 عن أبي الطّفيل عامر بن واثلة، و ما ذكره الخوارزميّ في مناقبه: 301، 314- 315 و غيرها.
(2) في المصدر: و هشام أبي ساسان.
(3) في (ك) نسخة بدل: الآن.
(4) في الخصال زيادة: نفر.
316
لَا يَسْتَطِيعُ- عَرَبِيُّهُمْ وَ لَا عَجَمِيُّهُمْ، الْمُعَاهَدُ مِنْهُمْ وَ الْمُشْرِكُ- تَغْيِيرَ ذَلِكَ.
ثُمَّ قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ أَيُّهَا النَّفَرُ! هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ وَحَّدَ اللَّهَ قَبْلِي؟!. قَالُوا:
اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ سَاقَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لِرَبِّ الْعَالَمِينَ هَدْياً فَأَشْرَكَهُ فِيهِ، غَيْرِي؟! قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِطَيْرٍ يَأْكُلُ (1) مِنْهُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ ائْتِنِي بِأَحَبِّ خَلْقِكَ إِلَيْكَ يَأْكُلُ مَعِي مِنْ هَذَا الطَّيْرِ، فَجِئْتُهُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ وَ إِلَى رَسُولِكَ .. وَ إِلَى رَسُولِكَ، غَيْرِي (2)؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حِينَ رَجَعَ عُمَرُ يُجَبِّنُ أَصْحَابَهُ وَ يُجَبِّنُونَهُ قَدْ رَدَّ رَايَةَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مُنْهَزِماً- فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَداً رَجُلًا لَيْسَ بِفَرَّارٍ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ يُحِبُّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَا يَرْجِعُ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ:
ادْعُوا لِي عَلِيّاً. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ص ! هُوَ رَمِدٌ مَا (3) يَطْرِفُ. فَقَالَ:
جِيئُونِي (4)، فَلَمَّا قُمْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ تَفَلَ فِي عَيْنِي وَ قَالَ: اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُ الْحَرَّ وَ الْبَرْدَ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَنِّي الْحَرَّ وَ الْبَرْدَ إِلَى سَاعَتِي هَذِهِ، وَ أَخَذْتُ الرَّايَةَ فَهَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ وَ أَظْفَرَنِي بِهِمْ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
____________
(1) في (س): يأكله.
(2) في المصدر: فجئته أنا، غيري ...، و لا توجد: فقال: اللّهمّ .. إلى آخرها.
(3) خطّ على: ما، في (س).
(4) زيد في الخصال: به.
317
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ لَهُ أَخٌ مِثْلُ أَخِي جَعْفَرٍ الْمُزَيَّنِ بِالْجَنَاحَيْنِ فِي الْجَنَّةِ يَحِلُّ فِيهَا حَيْثُ يَشَاءُ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ لَهُ عَمٌّ مِثْلُ عَمِّي حَمْزَةَ أَسَدِ اللَّهِ وَ أَسَدِ رَسُولِهِ وَ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ لَهُ سِبْطَانِ مِثْلُ سِبْطَيَّ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ ابْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَيِّدَيْ (1) شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا:
اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ لَهُ زَوْجَةٌ مِثْلُ زَوْجَتِي فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ بَضْعَةٍ مِنْهُ وَ سَيِّدَةِ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا:
اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
مَنْ فَارَقَكَ فَارَقَنِي وَ مَنْ فَارَقَنِي فَارَقَ اللَّهَ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
لَيَنْتَهِيَنَّ بَنُو وَلِيعَةَ (2) أَوْ لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْهِمْ (3) رَجُلًا كَنَفْسِي طَاعَتُهُ كَطَاعَتِي وَ مَعْصِيَتُهُ كَمَعْصِيَتِي يَغْشَاهُمْ بِالسَّيْفِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا (4).
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
مَا مِنْ مُسْلِمٍ وَصَلَ إِلَى قَلْبِهِ حُبِّي إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ ذُنُوبَهُ، وَ مَنْ وَصَلَ حُبِّي إِلَى قَلْبِهِ فَقَدْ وَصَلَ حُبُّكَ إِلَى قبله [قَلْبِهِ، وَ كَذَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُحِبُّنِي وَ يُبْغِضُكَ، غَيْرِي؟!. قَالُوا:
اللَّهُمَّ لَا.
____________
(1) قد تقرأ في مطبوع البحار: سيّدا- بالرّفع-. و في الاحتجاج: هل فيكم أحد ابناه ابنا رسول اللّه ص .. إلى آخره.
(2) قال في القاموس 3- 97: و بنو وليعة- كسفينة- حيّ من كندة.
(3) في (ك) نسخة بدل: عليهم.
(4) لاحظ: مناقب الخوارزميّ: 217.
318
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
أَنْتَ الْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ وَ الْوَلَدِ (1) وَ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ غَيْبَةٍ، عَدُوُّكَ عَدُوِّي وَ عَدُوِّي عَدُوُّ اللَّهِ، وَ وَلِيُّكَ وَلِيِّي وَ وَلِيِّي وَلِيُّ اللَّهِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
يَا عَلِيُّ! مَنْ أَحَبَّكَ وَ وَالاكَ سَبَقَتْ لَهُ الرَّحْمَةُ وَ مَنْ أَبْغَضَكَ وَ عَادَاكَ سَبَقَتْ لَهُ اللَّعْنَةُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ص ! ادْعُ اللَّهَ لِي وَ لِأَبِي لَا يَكُونُ (2) مِمَّنْ يُبْغِضُهُ وَ يُعَادِيهِ، فَقَالَ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): اسْكُنِي، إِنْ كُنْتِ أَنْتِ وَ أَبُوكِ مِمَّنْ يَتَوَلَّاهُ وَ يُحِبُّهُ فَقَدْ سَبَقَتْ لَكُمَا الرَّحْمَةُ، وَ إِنْ كُنْتُمَا مِمَّنْ يُبْغِضُهُ وَ يُعَادِيهِ فَقَدْ سَبَقَتْ لَكُمَا اللَّعْنَةُ، وَ لَقَدْ خَبُثْتِ (3) أَنْتِ، وَ أَبُوكِ (4) أَوَّلُ مَنْ يَظْلِمُهُ وَ أَنْتِ أَوَّلُ مَنْ يُقَاتِلُهُ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِثْلَ مَا قَالَ لِي: يَا عَلِيُّ! أَنْتَ أَخِي وَ أَنَا أَخُوكَ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ مَنْزِلُكَ مُوَاجِهَ مَنْزِلِي كَمَا يَتَوَاجَهُ الْإِخْوَانُ فِي الْخُلْدِ؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
يَا عَلِيُّ! إِنَّ اللَّهَ خَصَّكَ بِأَمْرٍ وَ أَعْطَاكَهُ لَيْسَ مِنَ الْأَعْمَالِ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ وَ لَا أَفْضَلَ مِنْهُ عِنْدَهُ، الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا، فَلَيْسَ تَنَالُ مِنْهَا شَيْئاً وَ لَا تَنَالُ (5) مِنْكَ وَ هِيَ زِينَةُ الْأَبْرَارِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَطُوبَى لِمَنْ أَحَبَّكَ وَ صَدَّقَ عَلَيْكَ، وَ وَيْلٌ لِمَنْ أَبْغَضَكَ وَ كَذَّبَ عَلَيْكَ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)
____________
(1) في (س) وضع على: الولد، نسخة بدل.
(2) في المصدر: لا نكون، و هو الظّاهر.
(3) في الخصال: جئت.
(4) في (س) زيادة: إن كان أبوك.
(5) في الخصال: تناله.
319
لِيَجِيءَ بِالْمَاءِ كَمَا بَعَثَنِي، فَذَهَبْتُ حَتَّى حَمَلْتُ الْقِرْبَةَ عَلَى ظَهْرِي وَ مَشَيْتُ بِهَا فَاسْتَقْبَلَتْنِي رِيحٌ فَرَدَّتْنِي حَتَّى أَجْلَسَتْنِي، ثُمَّ قُمْتُ فَاسْتَقْبَلَتْنِي رِيحٌ فَرَدَّتْنِي ثُمَ (1) أَجْلَسَتْنِي، ثُمَّ قُمْتُ فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَقَالَ لِي: مَا حَبَسَكَ (2)؟. فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ: قَدْ جَاءَنِي جَبْرَئِيلُ فَأَخْبَرَنِي، أَمَّا الرِّيحُ الْأُولَى فَجَبْرَئِيلُ كَانَ فِي أَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُسَلِّمُونَ عَلَيْكَ، وَ أَمَّا الثَّانِيَةُ فَمِيكَائِيلُ جَاءَ فِي أَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُسَلِّمُونَ عَلَيْكَ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ مَنْ قَالَ لَهُ جَبْرَئِيلُ: يَا مُحَمَّدُ ص ! أَ تَرَى هَذِهِ الْمُوَاسَاةَ مِنْ عَلِيٍّ (ع)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنَّهُ مِنِّي وَ أَنَا مِنْهُ، فَقَالَ جَبْرَئِيلُ: وَ أَنَا مِنْكُمَا، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ كَانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) كَمَا جَعَلْتُ أَكْتُبُ فَأَغْفَى (3) رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَأَنَا أَرَى أَنَّهُ يُمْلِي عَلَيَّ، فَلَمَّا انْتَبَهَ قَالَ لَهُ: يَا عَلِيُّ! مَنْ أَمْلَى عَلَيْكَ مِنْ هَاهُنَا إِلَى هَاهُنَا، فَقُلْتُ:
أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ص . فَقَالَ: لَا، وَ لَكِنْ جَبْرَئِيلُ أَمْلَى (4) عَلَيْكَ، غَيْرِي؟!.
قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا (5).
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) كَمَا قَالَ لِي: لَوْ لَا أَنْ (6) لَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا قَبَضَ مِنْ أَثَرِكَ قَبْضَةً يَطْلُبُ بِهَا الْبَرَكَةَ لِعَقِبِهِ
____________
(1) في المصدر: بدل: ثمّ، جاءت: حتّى، و هي نسخة بدل في (س).
(2) في المصدر زيادة: عنّي.
(3) وضع (كذا) على الكلمة في مطبوع البحار.
قال في الصّحاح 6- 2448: أغفيت إغفاء .. أي نمت.
أقول: على ذلك لا معنى لكلمة (كذا) هنا.
(4) كذا، في (ك): أملاه، و هو الظّاهر.
(5) هنا زيادة جاءت في المصدر و هي: قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد نادى له مناد من السّماء: لا سيف إلّا ذو الفقار و لا فتى إلّا عليّ، غيري؟!. قالوا: اللّهمّ لا.
(6) في المصدر زيادة: أخاف أن، و هو الظّاهر.
320
مِنْ بَعْدِهِ لَقُلْتُ فِيكَ قَوْلًا لَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا قَبَضَ مِنْ أَثَرِكَ قَبْضَةً (1)؟!. فَقَالُوا:
اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
احْفَظِ الْبَابَ فَإِنَّ زُوَّاراً مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَزُورُنِي فَلَا تَأْذَنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ، فَجَاءَ عُمَرُ فَرَدَدْتُهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَ أَخْبَرْتُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مُحْتَجِبٌ وَ عِنْدَهُ زُوَّارٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَ عِدَّتُهُمْ كَذَا وَ كَذَا، ثُمَّ أَذِنْتُ لَهُ فَدَخَلَ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي جِئْتُ غَيْرَ مَرَّةٍ كُلَّ ذَلِكَ يَرُدُّنِي عَلِيٌّ وَ يَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مُحْتَجِبٌ وَ عِنْدَهُ زُوَّارٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَ عِدَّتُهُمْ كَذَا وَ كَذَا، فَكَيْفَ عَلِمَ بِالْعِدَّةِ؟ أَ عَايَنَهُمْ؟!.
فَقَالَ (2): لَا، يَا عَلِيُّ! قَدْ صَدَقَ، كَيْفَ عَلِمْتَ بِعِدَّتِهِمْ؟. فَقُلْتُ: اخْتَلَفَتْ عَلَيَ (3) التَّحِيَّاتُ وَ سَمِعْتُ الْأَصْوَاتِ فَأَحْصَيْتُ الْعَدَدَ. قَالَ: صَدَقْتَ، فَإِنَّ فِيكَ سُنَّةً مِنْ أَخِي عِيسَى، فَخَرَجَ عُمَرُ وَ هُوَ يَقُولُ: ضَرَبَهُ لِابْنِ مَرْيَمَ مَثَلًا فَأَنْزَلَ (4) اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: (وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) (5)- قَالَ يَضِجُّونَ (6) (وَ قالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَ جَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ وَ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ) (7) غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) كَمَا قَالَ لِي: إِنَّ طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ أَصْلُهَا فِي دَارِ عَلِيٍّ (ع) لَيْسَ مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَ فِي
____________
(1) في الخصال زيادة: غيري، و هو الظّاهر.
(2) في الخصال زيادة: له.
(3) وضع على: عليّ، في مطبوع البحار رمز نسخة بدل مصحّحة.
(4) في (س): و أنزل.
(5) في الخصال: تناله.
(6) في (ك): يقبّحون.
(7) الزّخرف: 57.
321
مَنْزِلِهِ غُصْنٌ مِنْ أَغْصَانِهَا، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ (1) رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
تُقَاتِلُ (2) عَلَى سُنَّتِي وَ تُبْرِئُ (3) ذِمَّتِي، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
تُقَاتِلُ (4) النَّاكِثِينَ وَ الْقَاسِطِينَ وَ الْمَارِقِينَ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ رَأْسُهُ فِي حَجْرِ جَبْرَئِيلَ (عليه السلام) فَقَالَ لِي: ادْنُ دُونَكَ رَأْسَ (5) ابْنِ عَمِّكَ فَأَنْتَ أَوْلَى بِهِ مِنِّي، غَيْرِي (6)؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) رَأْسَهُ فِي حَجْرِهِ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ وَ لَمْ يُصَلِّ الْعَصْرَ فَلَمَّا انْتَبَهَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: يَا عَلِيُّ! صَلَّيْتَ (7)؟. قُلْتُ: لَا، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَرُدَّتِ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً فَصَلَّيْتُ ثُمَّ انْحَدَرَتْ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ رَسُولَهُ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنْ يَبْعَثَ بِبَرَاءَةَ، فَبَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَأَتَاهُ جَبْرَئِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّهُ لَا يُؤَدِّي عَنْكَ إِلَّا أَنْتَ أَوْ رَجُلٌ مِنْكَ، فَبَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَأَخَذْتُهَا مِنْ أَبِي بِكْرٍ فَمَضَيْتُ بِهَا وَ أَدَّيْتُهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فَأَثْبَتَ (8)
____________
(1) لا توجد في (س): له.
(2) كذا في الخصال، و في مطبوع البحار: فقاتل.
(3) في المصدر: و تبر.
(4) في مطبوع البحار: فقاتل.
(5) في المصدر: من، بدلا من: دونك رأس.
(6) لا توجد: غيري، في (ك).
(7) في المصدر زيادة: العصر، بعد: صلّيت.
(8) في المصدر: و أثبت.
322
اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ: أَنِّي مِنْهُ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
أَنْتَ إِمَامُ مَنْ أَطَاعَنِي، وَ نُورُ أَوْلِيَائِي، وَ الْكَلِمَةُ الَّتِي أَلْزَمْتُهَا الْمُتَّقِينَ، غَيْرِي؟!.
قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَحْيَا حَيَاتِي وَ يَمُوتَ مَوْتِي وَ يَسْكُنَ جَنَّتِيَ الَّتِي وَعَدَنِي رَبِّي جَنَّاتِ عَدْنٍ قَضِيبٌ غَرَسَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: كُنْ، فَكَانَ، فَلْيُوَالِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (ع) وَ ذُرِّيَّتَهُ مِنْ بَعْدِهِ، فَهُمُ الْأَئِمَّةُ، وَ هُمُ الْأَوْصِيَاءُ أَعْطَاهُمُ اللَّهُ عِلْمِي وَ فَهْمِي، لَا يُدْخِلُونَكُمْ فِي بَابِ ضَلَالٍ، وَ لَا يُخْرِجُونَكُمْ مِنْ بَابِ هُدًى، لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ، يَزُولُ الْحَقُّ مَعَهُمْ أَيْنَمَا زَالُوا (1)، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
قَضَى فَانْقَضَى (2)، إِنَّهُ لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَ لَا يُبْغِضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ (3)، غَيْرِي؟!.
قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِثْلَ مَا قَالَ لِي: أَهْلُ وَلَايَتِكَ يَخْرُجُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ قُبُورِهِمْ عَلَى نُوقٍ بِيضٍ، شِرَاكُ نِعَالِهِمْ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ، قَدْ سُهِّلَتْ عَلَيْهِمُ الْمَوَارِدُ، وَ فُرِّجَتْ عَنْهُمُ الشَّدَائِدُ، وَ أُعْطُوا الْأَمَانَ، وَ انْقَطَعَتْ عَنْهُمُ الْأَحْزَانُ حَتَّى يَنْطَلِقَ بِهِمْ إِلَى ظِلِّ عَرْشِ الرَّحْمَنِ، تُوضَعُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ (4) مَائِدَةٌ يَأْكُلُونَ مِنْهَا حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الْحِسَابِ، يَخَافُ النَّاسُ وَ لَا يَخَافُونَ، وَ يَحْزَنُ النَّاسُ وَ لَا يَحْزَنُونَ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)
____________
(1) قال في القاموس 3- 391: زال الشّمس: مالت.
(2) خ. ل: مضافا إلى ما مضى.
(3) في المصدر: إلّا كافر منافق.
(4) في (س): يديهم.
323
حِينَ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ يَخْطُبُ فَاطِمَةَ (عليها السلام)، فَأَبَى أَنْ يُزَوِّجَهُ، وَ جَاءَ عُمَرُ يَخْطُبُهَا فَأَبَى أَنْ يُزَوِّجَهُ، فَخَطَبْتُ إِلَيْهِ فَزَوَّجَنِي، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ فَقَالا: أَبِيتَ أَنْ تُزَوِّجَنَا وَ زَوَّجْتَهُ؟!. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَا مَنَعْتُكُمَا وَ زَوَّجْتُهُ، بَلِ اللَّهُ مَنَعَكُمَا وَ زَوَّجَهُ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ سَمِعْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: كُلُّ سَبَبٍ وَ نَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا سَبَبِي وَ نَسَبِي، فَأَيُّ سَبَبٍ أَفْضَلُ مِنْ سَبَبِي؟
وَ أَيُّ نَسَبٍ أَفْضَلُ مِنْ نَسَبِي؟ إِنَّ أَبِي وَ أَبَا رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَأَخَوَانِ، وَ إِنَّ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ ابْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَيِّدَيْ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ابْنَايَ، وَ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) زَوْجَتِي سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فَفَرَّقَهُمْ فِرْقَتَيْنِ، فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ الْفِرْقَتَيْنِ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ شُعُوباً فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ شُعْبَةٍ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ قَبَائِلَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ قَبِيلَةٍ، ثُمَّ جَعَلَهُمُ بُيُوتاً فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ بَيْتٍ، ثُمَّ اخْتَارَ مِنْ (1) أَهْلِ بَيْتِي: أَنَا وَ عَلِيّاً وَ جَعْفَراً، فَجَعَلَنِي خَيْرَهُمْ، فَكُنْتُ نَائِماً (2) بَيْنَ ابْنَيْ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) فَجَاءَ جَبْرَئِيلُ وَ مَعَهُ مَلَكٌ فَقَالَ: يَا جَبْرَئِيلُ! إِلَى أَيِّ هَؤُلَاءِ أُرْسِلْتَ؟. فَقَالَ: إِلَى هَذَا، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَأَجْلَسَنِي، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ سَدَّ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَبْوَابَ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ (3) وَ لَمْ يَسُدَّ بَابِي، فَجَاءَهُ الْعَبَّاسُ وَ حَمْزَةُ وَ قَالا: أَخْرَجْتَنَا وَ أَسْكَنْتَهُ؟.
فَقَالَ لَهُمَا: مَا أَنَا أَخْرَجْتُكُمْ وَ أَسْكَنْتُهُ بَلِ اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ وَ أَسْكَنَهُ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَ
____________
(1) في (س): في.
(2) في (س): قائما.
(3) في الخصال زيادة: في المسجد.
324
أَوْحَى إِلَى أَخِي مُوسَى (عليه السلام) أَنِ اتَّخِذْ مَسْجِداً طَهُوراً وَ اسْكُنْهُ أَنْتَ وَ هَارُونُ (1) وَ ابْنَا هَارُونَ، وَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَوْحَى إِلَيَّ أَنِ اتَّخِذْ مَسْجِداً طَهُوراً وَ اسْكُنْهُ أَنْتَ وَ عَلِيٌّ وَ ابْنَا عَلِيٍّ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
الْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ وَ عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ لَا يَفْتَرِقَانِ حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، غَيْرِي؟!. قَالُوا:
اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ وَقَى رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حَيْثُ جَاءَ الْمُشْرِكُونَ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ، فَأُضْجِعْتُ فِي مَضْجَعِهِ وَ ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) نَحْوَ الْغَارِ وَ هُمْ يَرَوْنَ أَنِّي أَنَا هُوَ، فَقَالُوا: أَيْنَ ابْنُ عَمِّكَ؟. فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي، فَضَرَبُونِي حَتَّى كَادُوا يَقْتُلُونَنِي (2)؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) كَمَا قَالَ لِي: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِوَلَايَةِ عَلِيٍّ فَوَلَايَتُهُ وَلَايَتِي وَ وَلَايَتِي وَلَايَةُ رَبِّي، عَهْدٌ عَهِدَهُ إِلَيَّ رَبِّي وَ أَمَرَنِي أَنْ أُبَلِّغَكُمُوهُ، فَهَلْ سَمِعْتُمْ؟. قَالُوا: نَعَمْ قَدْ سَمِعْنَاهُ، قَالَ: أَمَا إِنَّ فِيكُمْ مَنْ يَقُولُ قَدْ سَمِعْتُ وَ هُوَ يَحْمِلُ النَّاسَ عَلَى كَتِفَيْهِ وَ يُعَادِيهِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخْبِرْنَا بِهِمْ. قَالَ: أَمَا إِنَّ رَبِّي قَدْ أَخْبَرَنِي بِهِمْ وَ أَمَرَنِي بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ لِأَمْرٍ قَدْ سَبَقَ، وَ إِنَّمَا يَكْتَفِي أَحَدُكُمْ بِمَا يَجِدُ لِعَلِيٍّ فِي قَلْبِهِ (3)؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَتَلَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ تِسْعَةً مُبَارَزَةً غَيْرِي كُلُّهُمْ يَأْخُذُ اللِّوَاءَ، ثُمَّ جَاءَ صواب الْحَبَشِيُّ مَوْلَاهُمْ وَ هُوَ يَقُولُ: وَ اللَّهِ لَا أَقْتُلُ بِسَادَتِي إِلَّا مُحَمَّداً، قَدْ أَزْبَدَ شِدْقَاهُ (4) وَ احْمَرَّتَا عَيْنَاهُ، فَاتَّقَيْتُمُوهُ وَ حِدْتُمْ عَنْهُ،
____________
(1) في (س): و عليّ، بدلا من: و هارون.
(2) في المصدر زيادة: غيري.
(3) في المصدر زيادة: غيري.
(4) قال في القاموس 3- 248: الشّدق- بالكسر و يفتح و الدّالّ مهملة-: طفطفة الفم من باطن الخدّين و من الوادي عرضاه و ناحيتاه كشديقه.
325
وَ خَرَجْتُ إِلَيْهِ فَلَمَّا أَقْبَلَ (1) كَأَنَّهُ قُبَّةٌ مَبْنِيَّةٌ، فَاخْتَلَفْتُ أَنَا وَ هُوَ ضَرْبَتَيْنِ فَقَطَعْتُهُ بِنِصْفَيْنِ وَ بَقِيَتْ رِجْلَاهُ وَ عَجُزُهُ وَ فَخِذَاهُ قَائِمَةً عَلَى الْأَرْضِ يَنْظُرُ إِلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَ يَضْحَكُونَ مِنْهُ (2)؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَتَلَ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ (3) مِثْلَ قَتْلِي؟!.
قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ جَاءَ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ يُنَادِي: هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ، فَكِعْتُمْ (4) عَنْهُ كُلُّكُمْ فَقُمْتُ أَنَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ؟. فَقُلْتُ: أَقُومُ إِلَى هَذَا الْفَاسِقِ. فَقَالَ: إِنَّهُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ص : إِنْ كَانَ هُوَ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ فَأَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَأَعَادَ عَلَيَّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الْكَلَامَ وَ أَعَدْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: امْضِ عَلَى اسْمِ اللَّهِ، فَلَمَّا قَرُبْتُ مِنْهُ قَالَ: مَنِ الرَّجُلُ؟. قُلْتُ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. قَالَ: كُفْوٌ كَرِيمٌ ارْجِعْ يَا ابْنَ أَخِي فَقَدْ كَانَ لِأَبِيكَ مَعِي صُحْبَةٌ وَ مُحَادَثَةٌ فَأَنَا أَكْرَهُ قَتْلَكَ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا عَمْرُو! إِنَّكَ قَدْ عَاهَدْتَ اللَّهَ أَنْ لَا يُخَيِّرَكَ أَحَدٌ ثَلَاثَ خِصَالٍ إِلَّا اخْتَرْتَ إِحْدَاهُنَّ. فَقَالَ: اعْرِضْ عَلَيَّ. قُلْتُ: تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَ تُقِرُّ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. قَالَ: هَاتِ غَيْرَ هَذِهِ. قُلْتُ: تَرْجِعُ مِنْ حَيْثُ جِئْتَ. قَالَ: وَ اللَّهِ لَا تُحَدِّثْ نِسَاءَ قُرَيْشٍ بِهَذَا أَنِّي رَجَعْتُ عَنْكَ. فَقُلْتُ: فَانْزِلْ فَأُقَاتِلَكَ. قَالَ: أَمَّا هَذِهِ فَنَعَمْ، فَنَزَلَ فَاخْتَلَفَ (5) أَنَا وَ هُوَ ضَرْبَتَيْنِ فَأَصَابَ
____________
(1) في (س): أقبلت.
(2) في الخصال زيادة: غيري.
(3) في (ك) نسخة بدل: العرب.
(4) في (ك) نسخة بدل: فكففتم. و أورد في حاشيتها: كعت عن الشّيء: إذا هبته و جبنت عنه.
مجمع.
انظر: مجمع البحرين 4- 387. و ستأتي في بيان المصنّف قريبا.
(5) كذا، و الظّاهر: فاختلفت.
326
الْحَجَفَةَ (1) وَ أَصَابَ السَّيْفُ رَأْسِي، وَ ضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً فَانْكَشَفَتْ رِجْلَيْهِ فَقَتَلَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيَّ، فَفِيكُمْ أَحَدٌ فَعَلَ هَذَا؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ حِينَ جَاءَ مَرْحَبٌ وَ هُوَ يَقُولُ:
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي مرحب [مَرْحَباً* * * شَاكِ السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبٌ
أَطْعَنُ أَحْيَاناً وَ حِيناً أَضْرِبُ
فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَضَرَبَنِي وَ ضَرَبْتُهُ وَ (2) عَلَى رَأْسِهِ نَقِيرٌ مِنْ جَبَلِ حَجَرٍ لَمْ يَكُنْ تَصْلُحُ (3) عَلَى رَأْسِهِ بَيْضَةٌ مِنْ عِظَمِ رَأْسِهِ، فَقَلِقْتُ (4) النَّقِيرَ وَ وَصَلَ السَّيْفُ إِلَى رَأْسِهِ فَقَتَلْتُهُ، فَفِيكُمْ أَحَدٌ فَعَلَ هَذَا؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ آيَةَ التَّطْهِيرِ عَلَى رَسُولِهِ (صلّى اللّه عليه و آله): (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (5) فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) كِسَاءً خَيْبَرِيّاً فَضَمَّنِي فِيهِ وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ! هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَ طَهِّرْهُمْ تَطْهِيراً؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
أَنَا سَيِّدُ وُلْدِ آدَمَ وَ أَنْتَ يَا عَلِيُّ سَيِّدُ الْعَرَبِ؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي الْمَسْجِدِ إِذْ نَظَرَ إِلَى شَيْءٍ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ فَبَادَرَهُ وَ لَحِقَهُ أَصْحَابُهُ فَانْتَهَى إِلَى سُودَانٍ أَرْبَعَةٍ يَحْمِلُونَ سَرِيراً، فَقَالَ لَهُمْ: ضَعُوا، فَوَضَعُوا. فَقَالَ: اكْشِفُوا عَنْهُ، فَكَشَفُوا
____________
(1) قال في مجمع البحرين 5- 35: الحجفة- بالتّحريك-: التّرس، و ذلك إذا كانت من جلود و ليس فيها خشب، و انظر: النّهاية 1- 345، و في الأصل: الجحفة، و لا معنى مناسب لها.
(2) لا توجد الواو في (س).
(3) في المصدر: من جبل لم تكن تصلح.
(4) كذا، و في الخصال: فقلّبت، و الظّاهر: ففلقت.
(5) الأحزاب: 33.
327
فَإِذَا أَسْوَدُ مُطَوَّقٌ بِالْحَدِيدِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَنْ هَذَا؟. قَالُوا:
غُلَامُ الرِّيَاحِيِّينَ (1) كَانَ قَدْ أَبَقَ عَنْهُمْ خُبْثاً وَ فِسْقاً فَأَمَرُونَا أَنْ نَدْفِنَهُ فِي حَدِيدِهِ كَمَا هُوَ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا رَآنِي قَطُّ إِلَّا قَالَ: أَنَا وَ اللَّهِ أُحِبُّكَ، وَ اللَّهِ مَا أَحَبَّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَ لَا أَبْغَضَكَ إِلَّا كَافِرٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
يَا عَلِيُّ! لَقَدْ أَثَابَهُ اللَّهُ بِذَا، هَذَا سَبْعُونَ قَبِيلًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ- كُلُّ قَبِيلٍ عَلَى أَلْفِ قَبِيلٍ قَدْ نَزَلُوا يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، فَفَكَّ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حَدِيدَتَهُ وَ صَلَّى عَلَيْهِ وَ دَفَنَهُ؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِثْلَ مَا قَالَ لِي: أُذِنَ لِيَ الْبَارِحَةَ فِي الدُّعَاءِ فَمَا سَأَلْتُ رَبِّي شَيْئاً إِلَّا أَعْطَانِيهِ، وَ مَا سَأَلْتُ لِنَفْسِي شَيْئاً إِلَّا سَأَلْتُ لَكَ مِثْلَهُ وَ أَعْطَانِيهِ. فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ؟!. قَالُوا:
اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي خُزَيْمَةَ (2) فَفَعَلَ مَا فَعَلَ فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) الْمِنْبَرَ فَقَالَ: (3) إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ .. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ يَا عَلِيُّ، فَذَهَبْتُ فَوَدَيْتُهُمْ ثُمَّ نَاشَدْتُهُمْ بِاللَّهِ هَلْ بَقِيَ شَيْءٌ؟. فَقَالُوا: إِذْ نَشَدْتَنَا بِاللَّهِ فَمِيلَغَةُ كِلَابِنَا، وَ عِقَالُ بَعِيرِنَا، فَأَعْطَيْتُهُمْ لَهُمَا، وَ بَقِيَ مَعِي ذَهَبٌ كَثِيرٌ فَأَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهُ، وَ قُلْتُ: هَذَا لِذِمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ لِمَا تَعْلَمُونَ وَ لِمَا لَا تَعْلَمُونَ وَ لِرَوْعَاتِ النِّسَاءِ وَ الصِّبْيَانِ، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ (4): وَ اللَّهِ مَا يَسُرُّنِي يَا عَلِيُّ أَنَّ لِي بِمَا صَنَعْتَ حُمْرَ النَّعَمِ؟!. قَالُوا: اللَّهُمَ
____________
(1) في المصدر: للرّياحيّين، و كأنّه نسبة إلى رياح بطن من تميم.
(2) في المصدر: بني جذيمة، و هو الصّواب كما في الكامل، و في القاموس: أنّها بفتح فكسر على وزن سفينة.
(3) في الخصال زيادة: اللّهمّ.
(4) في المصدر: فقال.
328
نَعَمْ (1).
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ سَمِعْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: يَا عَلِيُّ! عُرِضْتُ (2) عَلَى أُمَّتِي الْبَارِحَةَ فَمَرَّ بِي أَصْحَابُ الرَّايَاتِ، فَاسْتَغْفَرْتُ لَكَ وَ لِشِيعَتِكَ؟!. فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ سَمِعْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ! اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي تَجِدُهُ فِي مَوْضِعِ .. كَذَا وَ كَذَا، فَرَجَعَ، فَقَالَ: قَتَلْتَهُ؟. قَالَ: لَا، وَجَدْتُهُ يُصَلِّي. قَالَ: يَا عُمَرُ! اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ، فَرَجَعَ قَالَ (3) لَهُ: قَتَلْتَهُ؟. قَالَ: لَا، وَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَقَالَ: آمُرُكُمَا بِقَتْلِهِ، فَتَقُولَانِ وَجَدْنَاهُ يُصَلِّي؟!، فَقَالَ (4): يَا عَلِيُّ! اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ، فَلَمَّا مَضَيْتُ قَالَ: إِنْ أَدْرَكَهُ قَتَلَهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ص لَمْ أَجِدْ أَحَداً. فَقَالَ: صَدَقْتَ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ وَجَدْتَهُ (5) لَقَتَلْتَهُ؟!. فَقَالُوا (6): اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) كَمَا قَالَ لِي: إِنَّ وَلِيَّكَ فِي الْجَنَّةِ وَ عَدُوَّكَ فِي النَّارِ؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ عَلِمْتُمْ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَيْسَ مِنْكَ وَ إِنَّهُ ابْنُ فُلَانٍ الْقِبْطِيِّ. قَالَ: يَا عَلِيُّ! اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ.
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ص ! إِذَا بَعَثْتَنِي أَكُونُ (7) كَالْمِسْمَارِ الْمُحْمَى فِي الْوَبَرِ أَوْ أَتَثَبَّتُ؟. قَالَ: لَا، بَلْ تَثَبَّتْ، فَذَهَبَ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيَّ اسْتَنَدَ إِلَى حَائِطٍ فَطَرَحَ نَفْسَهُ
____________
(1) أورد هذه المناشدة ابن إسحاق في سيرته 4- 70 في قصّة طويلة، فلاحظها، و أجملها ابن الأثير في الكامل 2- 173- 174.
(2) في الخصال: لقد عرضت.
(3) في المصدر: فقال:.
(4) في المصدر: قال.
(5) في (س) و المصدر: لو أنّك وجدته ..
(6) في الخصال: قالوا.
(7) في (ك): فأكون.
329
فِيهِ فَطَرَحْتُ نَفْسِي عَلَى أَثَرِهِ، فَصَعِدَ عَلَى نَخْلٍ فَصَعِدْتُ (1) خَلْفَهُ (2)، فَلَمَّا رَآنِي قَدْ صَعِدْتُ رَمَى بِإِزَارِهِ فَإِذَا لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا يَكُونُ لِلرِّجَالِ، فَجِئْتُ فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَرَفَ (3) عَنَّا السُّوءَ أَهْلَ الْبَيْتِ؟!. فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ (4).
فَقَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ.
بيان:
قوله (صلّى اللّه عليه و آله): لو لا أن لا يبقى .. ظاهره عدم جواز الاستشفاء و التبرّك بتراب قدم الإمام و هو بعيد، و لعلّه ذكر هذا و أراد لازمه و هو الغلوّ و الاعتقاد بالألوهيّة، كما
- ورد في أخبار أخر: لو لا أن تقول فيك طوائف من أمّتي ما قالت النصارى في عيسى ابن مريم لقلت فيك قولا لم تمرّ بملإ إلّا أخذوا التراب من تحت قدميك يستشفون به.
، أو هو مبنيّ على أنّ وضوح الأمر بهذا الحدّ ينافي الابتلاء الذي لا بدّ منه في التكليف، و الأول أظهر.
و الزّور- بالفتح- و الزّوّار- بالضم-: جمع الزّائر- كسفر و سفّار جمع سافر (5).
و قال الجوهري: كعت عن الأمر (6) أكيع و أكاع .. إذا هبته و جبنت (7).
و قال: رجل شاك في السّلاح و شاكي السّلاح (8) و الشّاكي السّلاح (9) و (10) هو
____________
(1) في المصدر: و صعدت.
(2) في (س): على خلفه.
(3) في (س): صرفنا.
(4) في الخصال: لا، بدلا من: نعم.
(5) كذا أورده الطريحي في مجمع البحرين 3- 319، و الصحاح 2- 673، و غيرهما.
(6) في الصحاح: عن الشيء.
(7) الصحاح 3- 1278، و قريب منه في مجمع البحرين 4- 387.
(8) في المصدر: رجل شاكي السلاح و شاك في السلاح.
(9) في المصدر: و الشاكي في السلاح.
(10) لا توجد الواو في الصحاح.
330
اللّابس السّلاح التّام (1).
و قال: الشّوكة: شدّة البأس و الحدّ في السّلاح (2)، و قد شاك الرّجل (3) يشاك شوكا .. أي ظهرت شوكته و حدّته فهو شائك السّلاح و شاكي السّلاح أيضا مقلوب منه (4).
و البطل- بالتحريك-: الشّجاع (5).
و النّقير: ما نقر من الحجر و الخشب و نحوه، ذكره الفيروزآبادي (6).
قوله (عليه السلام): إلى شيء ينزل من السماء .. أي أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا نظر إلى الملائكة ينزلون قام و مشى نحوهم لينظر لأيّ شيء و إلى أيّ شيء ينزلون فمشى حتى انتهى إلى تلك الجنازة و علم أنّ نزولهم لذلك.
و قال في النهاية
في (7) حديث عليّ (ع): أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم بعثه ليدي قوما قتلهم خالد بن الوليد فأعطاهم ميلغة الكلب.
.. هي الإناء الّتي (8) يلغ فيه الكلب .. يعني أعطاهم قيمة كلّ ما ذهب لهم حتّى قيمة الميلغة (9).
2- ج (10): رَوَى عُمَرُ بْنُ شِمْرٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ صَلَوَاتُ
____________
(1) الصحاح 4- 1594.
(2) في المصدر: لا توجد من قوله: الشوكة .. إلى هنا. و قال الفيروزآبادي في القاموس المحيط 3- 310: الشوكة: السلاح أو حدّته، و من القتال: شدّة بأسه و النكاية في العدوّ. و قال ابن الأثير في النهاية 2- 510: و شوكة القتال: شدّته و حدّته.
(3) في الصحاح زيادة: للسلاح، و شيك هو- على ما لم يسمّ فاعله-.
(4) الصحاح 4- 1595.
(5) ذكره في القاموس 3- 335، و الصحاح 4- 1635، و غيرهما.
(6) في القاموس المحيط 2- 147، و جاء في لسان العرب 5- 228 أيضا.
(7) في المصدر: و منه، بدلا من: في.
(8) في المصدر: الذي.
(9) النهاية 5- 226، و جاء في لسان العرب 8- 460 أيضا بنصّه.
(10) الاحتجاج 1- 135- 145 طبعة النّجف [1- 192- 210] بتفصيل في الإسناد.
331
اللَّهِ عَلَيْهِ، قَالَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَ أَجْمَعَ عَلَى الشُّورَى، بَعَثَ إِلَى سِتَّةِ نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، وَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَ إِلَى زُبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ (1)، وَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا إِلَى بَيْتٍ (2) فَلَمْ (3) يَخْرُجُوا مِنْهُ حَتَّى يُبَايِعُوا لِأَحَدِهِمْ، فَإِنِ اجْتَمَعَ أَرْبَعَةٌ عَلَى وَاحِدٍ وَ أَبَى وَاحِدٌ أَنْ يُبَايِعَهُمْ قُتِلَ، وَ إِنِ امْتَنَعَ اثْنَانِ وَ بَايَعَ ثَلَاثَةٌ قُتِلَا، فَاجْتَمَعَ (4) رَأْيُهُمْ عَلَى عُثْمَانَ، فَلَمَّا رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مَا هَمَّ الْقَوْمُ بِهِ مِنَ الْبَيْعَةِ لِعُثْمَانَ، قَامَ فِيهِمْ لِيَتَّخِذَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ، فَقَالَ (عليه السلام) لَهُمْ: اسْمَعُوا مِنِّي (5) فَإِنْ يَكُ مَا أَقُولُ حَقّاً فَاقْبَلُوا وَ إِنْ يَكُ بَاطِلًا فَأَنْكِرُوا.
ثُمَّ قَالَ لَهُمْ (6): أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي يَعْلَمُ صِدْقَكُمْ إِنْ صَدَقْتُمْ وَ يَعْلَمُ كَذِبَكُمْ إِنْ كَذَبْتُمْ، هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ صَلَّى إِلَى الْقِبْلَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ مَنْ بَايَعَ الْبَيْعَتَيْنِ- بَيْعَةَ الْفَتْحِ (7) وَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ-، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أَخُوهُ الْمُزَيَّنُ بِالْجَنَاحَيْنِ فِي الْجَنَّةِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ عَمُّهُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا:
لَا.
____________
(1) في المصدر: و إلى ..
(2) في طبعة النّجف: إلى البيت.
(3) في الاحتجاج: و لا، و هو الظّاهر.
(4) في المصدر: فأجمع.
(5) في الاحتجاج زيادة كلمة: كلامي.
(6) لا توجد في المصدر كلمة: لهم.
(7) في المصدر: بايع البيعتين كلتيهما- الفتح ...
332
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ زَوْجَتُهُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ (1)، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ ابْنَاهُ ابْنَا رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ هُمَا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ عَرَفَ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُ الرِّجْسَ وَ طَهَّرَهُ تَطْهِيراً، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ عَايَنَ جَبْرَئِيلَ (عليه السلام) فِي مِثَالِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أَدَّى الزَّكَاةَ وَ هُوَ رَاكِعٌ، غَيْرِي؟!. قَالُوا:
لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) (2) وَ أَعْطَاهُ الرَّايَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ فَلَمْ يَجِدْ حَرّاً وَ لَا بَرْداً، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ نَصَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ بِأَمْرِ اللَّهِ (3)، فَقَالَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ (4) أَخُو رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي الْحَضَرِ وَ رَفِيقُهُ فِي السَّفَرِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
____________
(1) في الاحتجاج: نساء العالمين.
(2) كذا، و في المصدر زيادة: عينيه.
(3) في المصدر زيادة: تعالى.
(4) في الاحتجاج زيادة: هو.
333
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ بَارَزَ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَ قَتَلَهُ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، غَيْرِي؟!. قَالُوا:
لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ مَنْ سَمَّاهُ (1) اللَّهُ فِي عَشْرِ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ مُؤْمِناً، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ نَاوَلَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَرَمَى بِهِ (2) فِي وُجُوهِ الْكُفَّارِ فَانْهَزَمُوا، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ وَقَفَتِ الْمَلَائِكَةُ مَعَهُ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ ذَهَبَ النَّاسُ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَضَى دَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ (3): نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ اشْتَاقَتِ الْجَنَّةُ إِلَى رُؤْيَتِهِ، غَيْرِي؟!.
قَالُوا: لَا (4).
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ شَهِدَ وَفَاةَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ غَسَّلَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ كَفَّنَهُ (5)، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
____________
(1) في (ك): هل فيكم أحد من سمّاه ...
(2) في المصدر: بها، بدلا من: به، و هو الظّاهر.
(3) لا توجد هذه المناشدة في طبعتي الاحتجاج.
(4) لا توجد في (س): قالوا: لا.
(5) في الاحتجاج زيادة: و لحده.
334
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ وَرِثَ سِلَاحَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ رَايَتَهُ وَ خَاتَمَهُ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) طَلَاقَ نِسَائِهِ بِيَدِهِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ حَمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَى ظَهْرِهِ حَتَّى كَسَرَ الْأَصْنَامَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ نُودِيَ بِاسْمِهِ يَوْمَ بَدْرٍ: لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفَقَارِ وَ لَا فَتَى إِلَّا عَلِيٌّ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أَكَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنَ الطَّائِرِ (1) الَّذِي أُهْدِيَ إِلَيْهِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
أَنْتَ صَاحِبُ رَايَتِي فِي الدُّنْيَا وَ صَاحِبُ لِوَائِي فِي الْآخِرَةِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاهُ صَدَقَةً، غَيْرِي؟!.
قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ يَخْصِفُ (2) نَعْلَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
أَنَا أَخُوكَ وَ أَنْتَ أَخِي، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
اللَّهُمَّ عَلِيٌ (3) أَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَيَّ وَ أَقْوَلُهُمْ بِالْحَقِّ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
____________
(1) في المصدر زيادة: المشويّ.
(2) في الاحتجاج: خصف.
(3) في المصدر: أنت أحبّ، و لا توجد اللّهمّ عليّ.
335
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ اسْتَقَى (1) مِائَةَ دَلْوٍ بِمِائَةِ تَمْرَةٍ وَ جَاءَ بِالتَّمْرِ فَأَطْعَمَهُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)- وَ هُوَ جَائِعٌ-، غَيْرِي (2)؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ سَلَّمَ عَلَيْهِ جَبْرَئِيلُ وَ مِيكَائِيلُ وَ إِسْرَافِيلُ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ غَمَّضَ (3) رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ وَحَّدَ اللَّهَ قَبْلِي (4)؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ كَانَ أَوَّلَ دَاخِلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ آخِرَ خَارِجٍ مِنْ عِنْدِهِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ مَشَى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَمَرَّ عَلَى حَدِيقَةٍ، فَقُلْتُ: مَا أَحْسَنَ هَذِهِ الْحَدِيقَةَ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): وَ حَدِيقَتُكَ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذِهِ .. حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى ثَلَاثِ حَدَائِقَ كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهُ: حَدِيقَتُكَ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذِهِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا:
لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
أَنْتَ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِي (5) وَ أَوَّلُ مَنْ يُصَافِحُنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِيَدِهِ وَ يَدِ امْرَأَتِهِ وَ ابْنَيْهِ حَتَّى (6) حِينَ أَرَادَ أَنْ يُبَاهِلَ نَصَارَى أَهْلِ نَجْرَانَ، غَيْرِي؟!.
____________
(1) في الاحتجاج: أحد وجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) جائعا فاستقى ..
(2) في المصدر: غيري و هو جائع.
(3) في المصدر زيادة: عين.
(4) في الاحتجاج زيادة: غيري.
(5) في الاحتجاج زيادة: و صدّقني.
(6) كذا، و لا توجد: حتّى، في المصدر، و هو الظّاهر.
336
قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ (1) رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
أَوَّلُ طَالِعٍ يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْبَابِ- يَا أَنَسُ!- فَإِنَّهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ وَ خَيْرُ الْوَصِيِّينَ (2) وَ أَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ، فَقَالَ أَنَسٌ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَكُنْتُ أَنَا (3) الطَّالِعَ، فَقَالَ لَهُ (4) رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لِأَنَسٍ: مَا أَنْتَ يَا أَنَسُ (5) بِأَوَّلِ رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمَهُ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ) (6)، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَ فِي وُلْدِهِ: (إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً) (7) ... إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، غَيْرِي؟!.
قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (8) فِيهِ: (أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَ عِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ جاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ) (9)، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَلْفَ
____________
(1) لا توجد في (س): له.
(2) لا توجد في الاحتجاج: و خير الوصيّين.
(3) في (ك): فكنت أوّل.
(4) كذا، و الظّاهر أنّ: له، زائدة، و لا توجد في المصدر.
(5) لا توجد: يا أنس، في المصدر.
(6) المائدة: 55.
(7) الإنسان: 5.
(8) لا توجد: تعالى، في الاحتجاج.
(9) التّوبة: 19.
337
كَلِمَةٍ كُلُّ كَلِمَةٍ مِفْتَاحُ أَلْفِ كَلِمَةٍ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ نَاجَاهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَوْمَ الطَّائِفِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ (1): نَاجَيْتَ عَلِيّاً دُونَنَا؟! فَقَالَ لَهُمْ (2) (صلّى اللّه عليه و آله): مَا أَنَا نَاجَيْتُهُ بَلِ اللَّهُ أَمَرَنِي بِذَلِكَ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ سَقَاهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنَ الْمِهْرَاسِ (3)، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
أَنْتَ أَقْرَبُ الْخَلْقِ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْخُلُ بِشَفَاعَتِكَ الْجَنَّةَ أَكْثَرُ الْخَلْقِ مِنْ (4) رَبِيعَةَ وَ مُضَرَ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
يَا عَلِيُّ! أَنْتَ (5) تُكْسَى حِينَ أُكْسَى، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: أَنْتَ وَ شِيعَتُكَ الْفَائِزُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
كَذَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُحِبُّنِي وَ يُبْغِضُ هَذَا، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
مَنْ أَحَبَّ شَعَرَاتِي (6) هَذِهِ فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَ مَنْ أَحَبَّنِي فَقَدْ أَحَبَّ اللَّهَ، فَقِيلَ لَهُ: وَ مَا
____________
(1) في المصدر زيادة: يا رسول اللّه.
(2) في الاحتجاج زيادة: النّبيّ.
(3) المهراس: حجر منقور يدقّ فيه و يتوضّأ منه، و قد تعرّض لها المصنّف (رحمه اللّه) في بيانه الآتي و ذكرناها هناك.
(4) لا يوجد في المصدر: الخلق، و فيه: من عدد.
(5) لا توجد في (ك): يا عليّ أنت.
(6) في المصدر: شطراتي. أقول: قال في مجمع البحرين 3- 346: .. و قد يجيء الشّطر بمعنى النّصف و الجزء و هو كثير، و فصّله في القاموس المحيط 2- 85، فراجع.
338
شَعَرَاتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ص (1)؟ قَالَ: عَلِيٌّ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ وَ فَاطِمَةُ، غَيْرِي؟!.
قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
أَنْتَ خَيْرُ الْبَشَرِ بَعْدَ النَّبِيِّينَ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ص : أَنْتَ الْفَارُوقُ تُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
أَنْتَ أَفْضَلُ الْخَلَائِقِ عَمَلًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَعْدَ النَّبِيِّينَ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) كِسَاءَهُ وَ حَطَّهُ (2) عَلَيْهِ وَ عَلَى زَوْجَتِهِ وَ ابْنَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَنَا وَ أَهْلُ بَيْتِي إِلَيْكَ لَا إِلَى النَّارِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ كَانَ يَبْعَثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) الطَّعَامَ وَ هُوَ فِي الْغَارِ وَ يُخْبِرُهُ الْأَخْبَارَ (3)، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ (4): نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
لَا سِرَّ دُونَكَ (5)، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
أَنْتَ أَخِي وَ وَزِيرِي وَ صَاحِبِي مِنْ أَهْلِي، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
أَنْتَ أَقْدَمُهُمْ سِلْماً، وَ أَفْضَلُهُمْ عِلْماً، وَ أَكْثَرُهُمْ حِلْماً، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
____________
(1) لا يوجد في الاحتجاج: يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
(2) لا يوجد في الاحتجاج: و حطّه.
(3) في المصدر: بالأخبار.
(4) لا توجد هذه المناشدة في طبعتي الاحتجاج.
(5) في (ك) نسخة بدل: لا سرّ لأمر.
339
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ (1) قَتَلَ مَرْحَبَ الْيَهُودِيَّ مُبَارَزَةً فَارِسَ الْيَهُودِ (2)، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ عَرَضَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) الْإِسْلَامَ فَقَالَ لَهُ: أَنْظِرْنِي حَتَّى أَلْقَى وَالِدِي. فَقَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) فَإِنَّهَا أَمَانَةٌ عِنْدَكَ. فَقُلْتُ: وَ إِنْ (3) كَانَتْ أَمَانَةً عِنْدِي فَقَدْ أَسْلَمْتُ، غَيْرِي؟!. قَالُوا:
لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ احْتَمَلَ بَابَ خَيْبَرَ حِينَ فَتَحَهَا فَمَشَى بِهِ مِائَةَ ذِرَاعٍ ثُمَّ عَالَجَهُ بَعْدَهُ أَرْبَعُونَ (4) رَجُلًا فَلَمْ يُطِيقُوهُ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً) (5) فَكُنْتُ أَنَا الَّذِي قَدَّمَ (6)، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
مَنْ سَبَّ عَلِيّاً فَقَدْ سَبَّنِي وَ مَنْ سَبَّنِي فَقَدْ سَبَّ اللَّهَ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
مَنْزِلِي مُوَاجِهَ مَنْزِلِكَ فِي الْجَنَّةِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
قَاتَلَ اللَّهُ مَنْ قَاتَلَكَ، وَ عَادَى اللَّهُ مَنْ عَادَاكَ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ اضْطَجَعَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى
____________
(1) في (ك) زيادة هنا: قال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
(2) في المصدر: فارس اليهود مبارزة- بتقديم و تأخير-.
(3) في الاحتجاج: فإن.
(4) في المصدر: أربعين.
(5) المجادلة: 12.
(6) في الاحتجاج زيادة: الصّدقة.
340
اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَسِيرَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) (1) إِلَى الْمَدِينَةِ وَ وَقَاهُ بِنَفْسِهِ مِنَ (2) الْمُشْرِكِينَ حِينَ أَرَادُوا قَتْلَهُ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
أَنْتَ أَوْلَى النَّاسِ بِأُمَّتِي مِنْ بَعْدِي، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
أَنْتَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ وَ اللَّهُ يَكْسُوَكَ ثَوْبَيْنِ أَحَدُهُمَا أَخْضَرُ وَ الْآخَرُ وَرْدِيٌّ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ النَّاسِ بِسَبْعِ سِنِينَ وَ أَشْهُرٍ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
أَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ آخِذٌ بِحُجْزَةِ رَبِّي- وَ الْحُجْزَةُ (3) النُّورُ- وَ أَنْتَ آخِذٌ بِحُجْزَتِي وَ أَهْلُ بَيْتِي آخِذُونَ (4) بِحُجْزَتِكَ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
أَنْتَ كَنَفْسِي وَ حُبُّكَ حُبِّي وَ بُغْضُكَ بُغْضِي، غَيْرِي (5)؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
وَلَايَتُكَ كَوَلَايَتِي عَهْدٌ عَهِدَهُ إِلَيَّ رَبِّي وَ أَمَرَنِي أَنْ أُبَلِّغَكُمُوهُ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
____________
(1) لا يوجد في المصدر: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
(2) لا توجد: من، في الاحتجاج.
(3) في المصدر: الحجزة. أقول: و أصل الحجزة: موضع شدّ الإزار، ثمّ قيل للإزار: حجزة، للمجاورة، كما قال في النّهاية 1- 344 و فيه: و منه الحديث الآخر: و النّبيّ آخذ بحجزة اللّه .. أي بسبب منه. و انظر: القاموس المحيط 2- 171، و الصّحاح 3- 872، و غيرهما.
(4) في المصدر: أخذن.
(5) لا يوجد في الاحتجاج- طبعة إيران-: غيري.
341
اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لِي عَوْناً وَ عَضُداً وَ نَاصِراً، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
الْمَالُ يَعْسُوبُ الظَّلَمَةِ وَ أَنْتَ يَعْسُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ رَجُلًا امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أَطْعَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) رُمَّانَةً وَ قَالَ: هَذِهِ مِنْ رُمَّانِ الْجَنَّةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ وَصِيُّ نَبِيٍّ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
مَا سَأَلْتُ رَبِّي شَيْئاً إِلَّا أَعْطَانِيهِ وَ لَمْ أَسْأَلْ رَبِّي شَيْئاً إِلَّا سَأَلْتُ لَكَ مِثْلَهُ، غَيْرِي؟!.
قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
أَنْتَ أَقْوَمُهُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَ أَوْفَاهُمْ بِعَهْدِ اللَّهِ، وَ أَعْلَمُهُمْ بِالْقَضِيَّةِ، وَ أَقْسَمُهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَ أَعْظَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَزِيَّةً، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
فَضْلُكَ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ كَفَضْلِ الشَّمْسِ عَلَى الْقَمَرِ، وَ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى النُّجُومِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
يُدْخِلُ اللَّهُ وَلِيَّكَ الْجَنَّةَ وَ عَدُوَّكَ النَّارَ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
النَّاسُ مِنْ أَشْجَارٍ شَتَّى وَ أَنَا وَ أَنْتَ مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ (1): نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي آيَتَيْنِ (2) مِنَ
____________
(1) هنا تأخير لهذه المناشدة عن الآتية في المصدر بطبعتيه.
(2) في المصدر: الآيتين.
342
الْقُرْآنِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
أَنَا سَيِّدُ وُلْدِ آدَمَ وَ أَنْتَ سَيِّدُ الْعَرَبِ (1) وَ لَا فَخْرَ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
مَوْعِدُكَ مَوْعِدِي وَ مَوْعِدُ شِيعَتِكَ الْحَوْضُ إِذَا خَافَتِ الْأُمَمُ وَ وُضِعَتِ الْمَوَازِينُ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهُ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
أَنْتَ تُحَاجُّ النَّاسَ فَتَحُجُّهُمْ (2) بِإِقَامَةِ (3) الصَّلَاةِ، وَ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَ إِقَامَةِ (4) الْحُدُودِ، وَ الْقَسْمِ بِالسَّوِيَّةِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَوْمَ بَدْرٍ (5) بِيَدِهِ فَرَفَعَهَا حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَى بَيَاضِ إِبْطِهِ وَ (6) يَقُولُ: أَلَا إِنَّ هَذَا ابْنُ عَمِّي وَ وَزِيرِي فَوَازِرُوهُ وَ نَاصِحُوهُ وَ صَدِّقُوهُ فَإِنَّهُ وَلِيُّكُمْ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أُنْزِلَتْ (7) فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ: (وَ يُؤْثِرُونَ
____________
(1) في المصدر زيادة: و العجم.
(2) في المصدر: متحججهم، و المعنى مقارب. انظر: مجمع البحرين 2- 286، و الصّحاح 1- 304، و غيرهما.
(3) في (س) زيادة: النّاس، و خطّ عليها في (ك).
(4) في الاحتجاج: أقام.
(5) كذا في (س)، و لا توجد في (ك): بدر، و استظهر في كلتيهما: غدير، و يوم بدر، نسخة في المصدر.
(6) في المصدر زيادة: و هو.
(7) في الاحتجاج: نزلت.
343
عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (1)، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ كَانَ جَبْرَئِيلُ أَحَدَ ضِيفَانِهِ، غَيْرِي؟!.
قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ (2) فِيكُمْ أَحَدٌ أَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حَنُوطاً مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ قَالَ (3): اقْسِمْهُ أَثْلَاثاً، ثُلُثاً لِي تُحَنِّطُنِي بِهِ، وَ ثُلُثاً لِابْنَتِي، وَ ثُلُثاً لَكَ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ (4) فِيكُمْ أَحَدٌ كَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حَيَّاهُ وَ أَدْنَاهُ (5) وَ تَهَلَّلَ لَهُ وَجْهُهُ، غَيْرِي؟!. قَالُوا (6): لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ (7) فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
أَنَا أَفْتَخِرُ بِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا افْتَخَرَتِ الْأَنْبِيَاءُ بِأَوْصِيَائِهَا، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ (8) فِيكُمْ أَحَدٌ سَرَّحَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بَسُورَةِ بَرَاءَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ بِأَمْرِ اللَّهِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنِّي لَأَرْحَمُكَ مِنْ ضَغَائِنَ فِي صُدُورِ أَقْوَامٍ عَلَيْكَ لَا يُظْهِرُونَهَا حَتَّى يَفْقِدُونِي، فَإِذَا فَقَدُونِي خَالَفُوا فِيهَا، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): أَدَّى اللَّهُ عَنْ
____________
(1) الحشر: 9.
(2) في المصدر: قال: فهل.
(3) لا توجد: قال، في المصدر.
(4) في الاحتجاج: قال: فهل ...
(5) في الاحتجاج زيادة: و رحّب به.
(6) في طبعة الاحتجاج في إيران: فقالوا.
(7) في المصدر: قال: فهل.
(8) في المصدر: قال: فهل.
344
أَمَانَتِكَ، أَدَّى اللَّهُ عَنْ ذِمَّتِكَ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ (1): فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ فَتَحَ حِصْنَ خَيْبَرَ، وَ سَبَى بِنْتَ مَرْحَبٍ فَأَدَّاهَا (2) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): أَنْتَ قَسِيمُ النَّارِ تُخْرِجُ مِنْهَا مَنْ زَكَا وَ تَذَرُ فِيهَا كُلَّ كَافِرٍ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: هَلْ (3) فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): تَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضَ أَنْتَ وَ شِيعَتُكَ رِوَاءً مَرْوِيِّينَ مُبْيَضَّةً وُجُوهُهُمْ، وَ يَرِدُ عَلَيَّ عَدُوُّكَ ظِمَاءَ مُظْمَئِينَ مُفْحَمِينَ (4) مُسْوَدَّةً وُجُوهُهُمْ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
ثُمَ (5) قَالَ لَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات اللّه عليه و آله) وَ رِضْوَانُهُ: أَمَّا إِذَا أَقْرَرْتُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَ اسْتَبَانَ لَكُمْ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ نَبِيِّكُمْ (صلّى اللّه عليه و آله) فَعَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَ أَنْهَاكُمْ عَنْ (6) سَخَطِهِ وَ لَا تَعْصُوا أَمْرَهُ، وَ رُدُّوا الْحَقَّ إِلَى أَهْلِهِ، وَ اتَّبِعُوا سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، فَإِنَّكُمْ إِذَا (7) خَالَفْتُمْ خَالَفْتُمُ اللَّهَ، فَادْفَعُوهَا إِلَى مَنْ هُوَ أَهْلُهَا وَ هِيَ لَهُ.
قَالَ: فَتَغَامَزُوا بَيْنَهُمْ وَ تَشَاوَرُوا، وَ قَالُوا: قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَهُ وَ عَلِمْنَا أَنَّهُ أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا، وَ لَكِنَّهُ رَجُلٌ لَا يُفَضِّلُ أَحَداً عَلَى أَحَدٍ، فَإِنْ وَلَّيْتُمُوهَا إِيَّاهُ جَعَلَكُمْ وَ جَمِيعَ النَّاسِ فِيهَا شَرَعاً سَوَاءً، وَ لَكِنْ وَلُّوهَا عُثْمَانَ فَإِنَّهُ يَهْوَى الَّذِي تَهْوُونَ، فَدَفَعُوهَا إِلَيْهِ.
____________
(1) هذه المناشدة متأخّرة عن الّتي تليها في طبعتي الاحتجاج.
(2) في مطبوع البحار: فآذاها، و هو غلط.
(3) في المصدر: فهل.
(4) في المصدر: مقتحمين.
(5) لا توجد في المصدر: ثمّ.
(6) في (س): من، بدلا من: عن.
(7) في الاحتجاج: إن، بدلا من: إذا.
345
بيان:
صلّى إلى القبلتين .. أي معا في صلاة واحدة أو جميع (1) في مكة بين الكعبة و بيت المقدس، مع أنّه لا استبعاد في عدم إتيان غيره بالصلاة إلى تحوّل القبلة، فإنّ الصلاة في أوّل الأمر لم تكن واجبة يأتي بها جميع المسلمين لكنّه بعيد.
و لعلّ المراد ببيعة الفتح بيعة افتتاح تبليغ الرسالة يوم جمع بني عبد المطلب، فإنّهم لم يكونوا داخلين في تلك البيعة، و يحتمل عدم دخول بعضهم في بيعة فتح مكة، و بعضهم في بيعة الرضوان.
قوله (عليه السلام): أوّل داخل .. إلى آخره .. أي كلّ يوم أو في أوّل سنة بمكة و عند وفاة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).
و قال الجوهري: المهراس: حجر منقور يدقّ فيه و يتوضّأ (2).
قوله (عليه السلام): من أحبّ شعراتي .. تشبيههم بالشعرات لكونهم (عليهم السلام) منه (صلّى اللّه عليه و آله) و موجبين لحسنه كما أنّ الشعر بالنسبة إلى الإنسان كذلك.
قوله (عليه السلام): بعد النبيّين .. أي بعد درجة النبيّين من حيث المجموع، فإنّ فيهم من هو أفضل منه، و يحتمل أن يكون هذا للتقيّة و المصلحة لئلّا يغلق (3).
فيه الناس، أو يكون هذا حاله (عليه السلام) قبل الإمامة و بعده يكون أفضل منهم، و به يجمع بين الأخبار.
قوله (عليه السلام): أنظرني .. لعلّه (عليه السلام) أراد أن يشرك والده في
____________
(1) كذا، و الظاهر: جمع، بصيغة المفرد المذكر الغائب.
(2) الصحاح 3- 990 و فيها: يتوضأ منه، و قريب منه في لسان العرب 6- 248.
(3) أقول: كلام غلق .. أي مشكل، قاله في الصحاح 4- 1538، و القاموس 3- 273، و في النهاية 3- 380: الغلق- بالتحريك- ضيق الصدر و قلّة الصّبر، و رجل غلق: سيّئ الخلق. و نظيره في مجمع البحرين 5- 223.
346
الإسلام رعاية لحقّه بعد إظهار ما يجب من الطاعة و القبول، فلمّا قال له الرسول (صلّى اللّه عليه و آله): إنّها أمانة عندك، علم أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) لا يحبّ انتشار الأمر، فخاف من إعلام والده ذلك، فبادر (1) إلى البيعة و ما يستحبّ من إظهار كمال المتابعة و الانقياد.
قوله (عليه السلام): رضي اللّه عنه .. في آيتين من القرآن إحداهما قوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ...) (2) الآية، و الأخرى قال اللّه: (هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ...) إلى قوله: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ) (3)، أو قوله تعالى: (وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ) (4)، و قوله تعالى: (أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ ...) إلى قوله: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ) (5)، أو (6) قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ...) إلى قوله: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ) (7)، و الأخير أظهر للأخبار الكثيرة الدالّة على نزولها فيه (عليه السلام) و في شيعته، و يحتمل أن يكون المراد بالتثنية مطلق التكرار نحو: لبّيك و سعديك .. فيشمل الجميع.
قوله (صلّى اللّه عليه و آله): أدّى اللّه .. دعاء أو خبر .. أي يوفّقك اللّه لأداء الأمانات و الذمم و العهود، و الأول أظهر.
____________
(1) في (س): فبادروا.
(2) الفتح: 18.
(3) المائدة: 119.
(4) التوبة: 100.
(5) المجادلة: 22.
(6) في (ك): واو، بدلا من: أو.
(7) البيّنة: 7- 8.
347
3- ل (1): فِيمَا أَجَابَ بِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) الْيَهُودِيَّ السَّائِلَ عَمَّا امْتَحَنَ بِهِ مِنْ بَيْنِ الْأَوْصِيَاءِ.
وَ أَمَّا الرَّابِعَةُ- يَا أَخَا الْيَهُودِ-: فَإِنَّ الْقَائِمَ بَعْدَ صَاحِبِهِ كَانَ يُشَاوِرُنِي فِي مَوَارِدِ الْأُمُورِ فَيُصْدِرُهَا عَنْ أَمْرِي وَ يُنَاظِرُنِي فِي غَوَامِضِهَا فَيُمْضِيهَا عَنْ رَأْيِي لَا أُعْلِمُهُ (2) أَحَداً وَ لَا يَعْلَمُهُ أَصْحَابِي، لَا (3) يُنَاظِرُهُ فِي ذَلِكَ غَيْرِي، وَ لَا يَطْمَعُ فِي الْأَمْرِ بَعْدَهُ سِوَايَ، فَلَمَّا أَنْ أَتَتْهُ مَنِيَّتُهُ عَلَى فَجْأَةٍ بِلَا مَرَضٍ كَانَ قَبْلَهُ وَ لَا أَمْرٍ كَانَ أَمْضَاهُ فِي صِحَّةٍ مِنْ بَدَنِهِ، لَمْ أَشُكَّ أَنِّي قَدِ اسْتَرْجَعْتُ حَقِّي فِي عَافِيَةٍ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي كُنْتُ أَطْلُبُهَا، وَ الْعَاقِبَةِ الَّتِي كُنْتُ أَلْتَمِسُهَا، وَ إِنَّ اللَّهَ سَيَأْتِي بِذَلِكَ عَلَى أَحْسَنِ مَا رَجَوْتُ وَ أَفْضَلِ مَا أَمَّلْتُ، فَكَانَ (4) مِنْ فِعْلِهِ أَنْ خَتَمَ أَمْرَهُ بِأَنْ سَمَّى قَوْماً أَنَا سَادِسُهُمْ وَ لَمْ يُسَوِّنِي (5) بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ وَ لَا ذَكَرَ لِي حَالًا فِي وِرَاثَةِ الرَّسُولِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ لَا قَرَابَةً وَ لَا صِهْراً (6) وَ لَا نَسَبَ (7)، وَ لَا كَانَ (8) لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ مِثْلُ سَابِقَةٍ مِنْ سَوَابِقِي، وَ لَا أَثَرٌ مِنْ آثَارِي، وَ صَيَّرَهَا شُورَى بَيْنَنَا، وَ صَيَّرَ ابْنَهُ فِيهَا حَاكِماً عَلَيْنَا، وَ أَمَرَهُ أَنْ يَضْرِبَ أَعْنَاقَ النَّفَرِ السِّتَّةِ الَّذِينَ صَيَّرَ الْأَمْرَ فِيهِمْ إِنْ لَمْ يُنَفِّذُوا أَمْرَهُ، وَ كَفَى بِالصَّبْرِ عَلَى هَذَا- يَا أَخَا الْيَهُودِ- صَبْراً، فَمَكَثَ الْقَوْمُ أَيَّامَهُمْ كُلَّهَا كُلٌّ يَخْطُبُ لِنَفْسِهِ وَ أَنَا مُمْسِكٌ، إِلَى (9) أَنْ سَأَلُونِي عَنْ أَمْرِي، فَنَاظَرْتُهُمْ فِي أَيَّامِي وَ أَيَّامِهِمْ، وَ آثَارِي وَ آثَارِهِمْ، وَ أَوْضَحْتُ
____________
(1) الخصال 2- 374- 377 باب السّبعة.
(2) خ. ل: لا أعلم أحدا، و لا أعلم أصحابي يناظره.
(3) لا توجد: لا، في المصدر.
(4) في الخصال: و كان.
(5) في المصدر: و لم يستوني.
(6) وضع في مطبوع البحار على: صهرا، رمز نسخة بدل.
(7) خ. ل: نسبا، جاء على البحار، و هو الظّاهر.
(8) لا توجد: كان، في المصدر.
(9) في الخصال: عن، بدلا من: إلى.
348
لَهُمْ مَا لَمْ يَجْهَلُوهُ مِنْ وُجُوهِ اسْتِحْقَاقِي لَهَا دُونَهُمْ، وَ ذَكَّرْتُهُمْ عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِلَيْهِمْ، وَ تَأْكِيدَ مَا أَكَّدَهُ مِنَ الْبَيْعَةِ (1) لِي فِي أَعْنَاقِهِمْ، دَعَاهُمْ حُبُّ الْإِمَارَةِ وَ بَسْطُ الْأَيْدِي وَ الْأَلْسُنِ فِي الْأَمْرِ وَ النَّهْيِ، وَ الرُّكُونُ إِلَى الدُّنْيَا، وَ الِاقْتِدَاءُ بِالْمَاضِينَ قَبْلَهُمْ إِلَى تَنَاوُلِ مَا لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُمْ، فَإِذَا خَلَوْتُ بِالْوَاحِدِ ذَكَّرْتُهُ أَيَّامَ اللَّهِ وَ حَذَّرْتُهُ مَا هُوَ قَادِمٌ عَلَيْهِ وَ صَائِرٌ إِلَيْهِ الْتَمَسَ مِنِّي شَرْطاً أَنْ أُصَيِّرَهَا لَهُ بَعْدِي، فَلَمَّا لَمْ يَجِدُوا عِنْدِي إِلَّا الْمَحَجَّةَ الْبَيْضَاءَ وَ الْحَمْلَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ وَصِيَّةِ الرَّسُولِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَعْطَاهُ (2) كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ وَ مَنَعَهُ مَا لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ، أَزَالُوهَا (3) عَنِّي إِلَى ابْنِ عَفَّانَ طَمَعاً إِلَى التَّبَجُّحِ (4) مَعَهُ فِيهَا، وَ ابْنُ عَفَّانَ رَجُلٌ لَمْ تُسَوَّ بِهِ (5) وَ بِوَاحِدٍ مِمَّنْ حَضَرَهُ حَالٌ لَهُ (6) قَطُّ فَضْلًا عَمَّنْ (7) دُونَهُمْ، لَا بِبَدْرٍ- الَّتِي هِيَ سَنَامُ فَخْرِهِمْ-، وَ لَا غَيْرِهَا مِنَ الْمَآثِرِ الَّتِي أَكْرَمَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ مَنِ اخْتَصَّهُ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، ثُمَّ لَمْ أَعْلَمِ الْقَوْمَ أَمْسَوْا مِنْ يَوْمِهِمْ ذَلِكَ حَتَّى ظَهَرَتْ نَدَامَتُهُمْ، وَ نَكَصُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ، وَ أَحَالَ بَعْضُهُمْ عَلَى كَلِ (8) بَعْضٍ، كُلٌّ يَلُومُ نَفْسَهُ وَ يَلُومُ أَصْحَابَهُ، ثُمَّ لَمْ تَطُلِ الْأَيَّامُ بِالْمُسْتَبِدِّ بِالْأَمْرِ ابْنِ عَفَّانَ حَتَّى أَكْفَرُوهُ وَ تَبَرَّءُوا مِنْهُ، وَ مَشَى إِلَى أَصْحَابِهِ خَاصَّةً وَ سَائِرِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
____________
(1) لا توجد في (س): البيعة.
(2) كذا، و الظّاهر: إعطاء- بلا ضمير- كما في المصدر، أو: إعطاءه.
(3) في الخصال: أزالها.
(4) جاءت حاشية على (ك) و هي: و التّبحبح: التّمكّن في الحلول و المقام. صحاح.
انظر: الصّحاح 1- 354. و في (س): التّبحبح، و قد جاءت العبارة في المصدر: طمعا في الشّحيح معه فيها.
(5) في المصدر: لم يستو.
(6) لا توجد: له، في الخصال، و هو الظّاهر، و قد وضع عليها في (ك) رمز نسخة بدل.
(7) في (ك) نسخة بدل: عن.
(8) لا توجد: كل، في الخصال، كما هو الظّاهر، و قد خطّ عليها في (ك).
349
وَ آلِهِ عَلَى هَذِهِ (1) يَسْتَقِيلُهُمْ مِنْ بَيْعَتِهِ وَ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِنْ فَلْتَتِهِ، فَكَانَتْ هَذِهِ- يَا أَخَا الْيَهُودِ- أَكْبَرَ مِنْ أُخْتِهَا وَ أَفْظَعَ (2) وَ أَحْرَى أَنْ لَا يُصْبَرَ عَلَيْهَا، فَنَالَنِي مِنْهَا الَّذِي لَا (3) يَبْلُغُ وَصْفَهُ وَ لَا يَجِدُ (4) وَقْتَهُ، وَ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي فِيهِ إِلَّا الصَّبْرُ عَلَى مَا أَمَضَّ وَ أَبْلَغَ مِنْهَا، وَ لَقَدْ أَتَانِي الْبَاقُونَ مِنَ السِّتَّةِ مِنْ يَوْمِهِمْ كُلٌّ رَاجِعٌ عَمَّا كَانَ رَكِبَ مِنِّي، يَسْأَلُنِي خَلْعَ ابْنِ عَفَّانَ وَ الْوُثُوبَ عَلَيْهِ وَ أَخْذَ حَقِّي، وَ يُعْطِينِي صَفْقَتَهُ وَ بَيْعَتَهُ عَلَى الْمَوْتِ تَحْتَ رَايَتِي، أَوْ يَرُدَّ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيَّ حَقِّي، فَوَ اللَّهِ- يَا أَخَا الْيَهُودِ- مَا مَنَعَنِي مِنْهَا إِلَّا الَّذِي مَنَعَنِي مِنْ أُخْتَيْهَا قَبْلَهَا، وَ رَأَيْتُ الْإِبْقَاءَ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنَ الطَّائِفَةِ أَبْهَجَ لِي وَ آنَسَ لِقَلْبِي مِنْ فَنَائِهَا، وَ عَلِمْتُ أَنِّي إِنْ حَمَلْتُهَا عَلَى دَعْوَةِ الْمَوْتِ رَكِبْتُهُ، فَأَمَّا نَفْسِي فَقَدْ عَلِمَ مَنْ حَضَرَ مِمَّنْ تَرَى وَ مَنْ غَابَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَّ الْمَوْتَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الشَّرْبَةِ الْبَارِدَةِ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْحَرِّ مِنْ ذِي الْعَطَشِ الصَّدَى، وَ لَقَدْ كُنْتُ عَاهَدْتُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ رَسُولَهُ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَا وَ عَمِّي حَمْزَةُ وَ أَخِي جَعْفَرٌ وَ ابْنُ عَمِّي عُبَيْدَةُ عَلَى أَمْرٍ وَفَيْنَا بِهِ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لِرَسُولِهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَتَقَدَّمَنِي أَصْحَابِي وَ تَخَلَّفْتُ بَعْدَهُمْ لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِينَا: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (5) حَمْزَةُ وَ جَعْفَرٌ وَ عُبَيْدَةُ، وَ أَنَا وَ اللَّهِ الْمُنْتَظِرُ- يَا أَخَا الْيَهُودِ- وَ مَا بَدَّلْتُ تَبْدِيلًا، وَ مَا سَكَّتَنِي عَنِ ابْنِ عَفَّانَ وَ حَثَّنِي عَلَى الْإِمْسَاكِ (6) إِلَّا أَنِّي عَرَفْتُ مِنْ أَخْلَاقِهِ فِيمَا اخْتَبَرْتُ مِنْهُ بِمَا لَنْ يَدَعَهُ حَتَّى يَسْتَدْعِيَ الْأَبَاعِدَ إِلَى قَتْلِهِ وَ خَلْعِهِ فَضْلًا عَنِ الْأَقَارِبِ، وَ أَنَا فِي عُزْلَةٍ، فَصَبَرْتُ حَتَّى كَأَنَّ ذَلِكَ، لَمْ أَنْطِقْ فِيهِ بِحَرْفٍ مِنْ لَا،
____________
(1) في الخصال: بدلا من: على هذه، كلمة: عامّة.
(2) قد تقرأ الكلمة في مطبوع البحار: أقظع، و الظّاهر ما في المصدر: أقطع.
(3) لا توجد: لا، في المصدر.
(4) في (ك): يحدّ.
(5) الأحزاب: 23.
(6) في الخصال زيادة: عنه.
350
وَ لَا: نَعَمْ، ثُمَّ أَتَانِي الْقَوْمُ وَ أَنَا- عَلِمَ اللَّهُ- كَارِهٌ لِمَعْرِفَتِي بِمَا تَطَاعَمُوا بِهِ مِنِ اعْتِقَادِ (1) الْأَمْوَالِ وَ الْمَرَجِ (2) فِي الْأَرْضِ، وَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ تِلْكَ لَيْسَتْ لَهُمْ عِنْدِي وَ شَدِيدِ عَادَةٍ مُنْتَزَعَةٍ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدُوا عِنْدِي تَعَلَّلُوا الْأَعَالِيلَ.
ثُمَّ الْتَفَتَ (عليه السلام) إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَ لَيْسَ كَذَلِكَ؟. فَقَالُوا: بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
بيان:
عمّن (3) دونهم .. أي من لم يحضر، أو عند الناس فإنّ فيهم من كان أكثر سوابق ممّن حضر كأهل بيت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و المقداد و عمّار و غيرهم..
4- مَا (4): ابْنُ الصَّلْتِ، عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ، عَنْ عَلِيِ (5) بْنِ مُحَمَّدٍ الْكِنْدِيِّ، عَنْ حَسَنِ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِي غَيْلَانَ سَعْدِ بْنِ طَالِبٍ، عَنْ أَبِي (6) إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: كُنْتُ فِي الْبَيْتِ يَوْمَ الشُّورَى وَ سَمِعْتُ عَلِيّاً (عليه السلام) يَقُولُ:
أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ (7) جَمِيعاً أَ فِيكُمْ أَحَدٌ صَلَّى الْقِبْلَتَيْنِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ (8) جَمِيعاً هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ وَحَّدَ اللَّهَ قَبْلِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
____________
(1) في المصدر: اعتقال.
(2) في الخصال: المرح.
(3) في (س): و عثمان، بدلا من: عمّن.
(4) أمالي الشّيخ الطّوسيّ 1- 342 بتفصيل في الإسناد. و في (ك) نسخة بدل للرّمز: فا. و لا معنى له.
(5) كذا، و في المصدر: أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد إجازة، قال: حدّثنا عليّ ..
(6) لا توجد: أبي، في الأمالي.
(7) في المصدر: باللّه.
(8) وضع في (س) على حرف الباء رمز نسخة بدل.
351
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ جَمِيعاً هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ هُوَ (1) أَخُو رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ (2): أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ لَهُ أَخٌ مِثْلُ أَخِي جَعْفَرٍ؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ لَهُ زَوْجَةٌ مِثْلُ زَوْجَتِي فَاطِمَةَ سَيِّدَةِ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ لَهُ سِبْطَانِ مِثْلُ سِبْطَيَّ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ ابْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) سَيِّدَيْ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ (3) نَاجَاهُ (4) رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاهُ صَدَقَةً، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ، غَيْرِي؟!. قَالُوا:
اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ (5) هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أُتِيَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) بِطَيْرٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ ايتِنِي بِأَحَبِّ خَلْقِكَ إِلَيْكَ يَأْكُلُ مَعِي مِنْ هَذَا الطَّائِرِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ وَ إِلَيَّ فَلَمْ يَأْكُلْ مَعَهُ أَحَدٌ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ.
____________
(1) لا توجد: هو، في المصدر.
(2) في الأمالي: تقديم لهذه المناشدة على الّتى تليها.
(3) في (س): من، بدلا من: أحد، و قد خطّ على: من، في (ك).
(4) في الأمالي: ناجى، و هو الظّاهر.
(5) في (س): اللّه.
352
5- ج (1): عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ عُتْبَةَ الْهَاشِمِيِّ، قَالَ: كُنْتُ جَالِساً (2) عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) بِمَكَّةَ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ أُنَاسٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَ .. سَاقَ الْحَدِيثَ .. إِلَى أَنْ قَالَ: قَالَ (عليه السلام): يَا عَمْرُو! لَوْ أَنَّ الْأُمَّةَ قَلَّدَتْكَ أَمْرَهَا فَمَلَكْتَهُ بِغَيْرِ قِتَالٍ وَ لَا مَئُونَةٍ فَقِيلَ لَكَ: وَلِّهَا مَنْ شِئْتَ، مَنْ كُنْتَ تَتَوَلَّاهُ (3).؟
قَالَ: كُنْتُ أَجْعَلُهَا شُورَى بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ: بَيْنَ كُلِّهِمْ؟.
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَسَقَتِهِمْ وَ خِيَارِهِمْ؟.
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: قُرَيْشٍ وَ غَيْرِهِمْ؟.
قَالَ: الْعَرَبِ وَ الْعَجَمِ.
قَالَ: أَخْبِرْنِي (4)- يَا عَمْرُو- أَ تَتَوَلَّى أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ أَوْ تَتَبَرَّأُ مِنْهُمَا؟.
قَالَ: أَتَوَلَّاهُمَا.
قَالَ: يَا عَمْرُو! إِنْ كُنْتَ رَجُلًا تَتَبَرَّأُ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ (5) الْخِلَافُ عَلَيْهِمَا، وَ إِنْ كُنْتَ تَتَوَلَّاهُمَا فَقَدْ خَالَفْتَهُمَا، قَدْ عَهِدَ عُمَرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَبَايَعَهُ وَ لَمْ يُشَاوِرْ أَحَداً، ثُمَّ رَدَّهَا أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهِ وَ لَمْ يُشَاوِرْ أَحَداً، ثُمَّ جَعَلَهَا عُمَرُ شُورَى بَيْنَ سِتَّةٍ فَأَخْرَجَ (6) مِنْهَا الْأَنْصَارَ- غَيْرَ أُولَئِكَ السِّتَّةِ مِنْ قُرَيْشٍ-، ثُمَّ أَوْصَى النَّاسَ فِيهِمْ بِشَيْءٍ مَا أَرَاكَ
____________
(1) الاحتجاج 2- 118- 120- طبعة النّجف-، و 2- 362- 363- طبعة إيران-.
(2) لا توجد: جالسا، في طبعتي المصدر و لا في (س).
(3) في المصدر بطبعتيه: تولّي، و هو الظّاهر. و في (س): نتولّى. قال في القاموس 4- 401: و تولّاه:
اتّخذ وليّا، و الأمر: قلّده.
(4) في الاحتجاج: فأخبرني.
(5) في المصدر: لك، بدلا من: ذلك.
(6) في الاحتجاج- طبعة إيران-: فخرج.
353
تَرْضَى بِهِ (1) أَنْتَ وَ لَا أَصْحَابُكَ، قَالَ: وَ مَا صَنَعَ؟. قَالَ: أَمَرَ صُهَيْباً أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَ أَنْ يَتَشَاوَرُوا أُولَئِكَ السِّتَّةَ لَيْسَ فِيهِمْ أَحَدٌ سِوَاهُمْ إِلَّا ابْنُ عُمَرَ يُشَاوِرُونَهُ (2)، وَ لَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، وَ أَوْصَى مَنْ بِحَضْرَتِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ إِنْ مَضَتْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغُوا وَ يُبَايِعُوا أَنْ تُضْرَبَ (3) أَعْنَاقُ السِّتَّةِ جَمِيعاً، وَ إِنِ اجْتَمَعَ أَرْبَعَةٌ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ (4) ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَ خَالَفَ اثْنَانِ أَنْ تُضْرَبَ (5) أَعْنَاقُ الِاثْنَيْنِ (6)، أَ فَتَرْضَوْنَ بِذَا (7) فِيمَا تَجْعَلُونَ مِنَ الشُّورَى فِي الْمُسْلِمِينَ؟. قَالُوا:
لَا..
6، 7- يب (8)، كا (9): عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ .. مِثْلَهُ.
8- ج (10): فِي خَبَرِ أَبِي الْهُذَيْلِ حِينَ نَاظَرَ الشِّيعِيَّ الَّذِي يُرْمَى بِالْجُنُونِ، قَالَ لَهُ: أَخْبِرْنِي- يَا أَبَا الْهُذَيْلِ- عَنْ عُمَرَ حِينَ صَيَّرَهَا شُورَى فِي (11) سِتَّةٍ وَ زَعَمَ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: إِنْ خَالَفَ اثْنَانِ لِأَرْبَعَةٍ فَاقْتُلُوا الِاثْنَيْنِ، وَ إِنْ خَالَفَ ثَلَاثَةٌ لِثَلَاثَةٍ فَاقْتُلُوا الثَّلَاثَةَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَهَذِهِ دِيَانَةٌ أَنْ يَأْمُرَ بِقَتْلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟!.
____________
(1) لا توجد: به، في المصدر.
(2) في الاحتجاج: و يشاورونه.
(3) في الاحتجاج: ثلاثة أيّام و لم يفرغوا و يبايعوه أن يضرب ..
(4) قد تقرأ في (س): تمضي.
(5) في الاحتجاج: يضرب.
(6) في (س): الاثنتين.
(7) في المصدر: بهذا.
(8) التّهذيب 6- 148- 151، حديث 261.
(9) الكافي: 5- 23- 27، حديث 1.
(10) الاحتجاج 2- 150- 154- النّجف-، و 2- 382- 385- إيران-.
(11) في المصدر: بين، بدلا من: في.
354
وَ أَخْبِرْنِي- يَا أَبَا الْهُذَيْلِ- عَنْ عُمَرَ لَمَّا طُعِنَ دَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ (1) قَالَ: فَرَأَيْتُهُ جَزِعاً، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! مَا هَذَا الْجَزَعُ؟. فَقَالَ (2): يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! مَا جَزَعِي لِأَجْلِي وَ لَكِنْ (3) لِهَذَا الْأَمْرِ مَنْ يَلِيهِ بَعْدِي. قَالَ: قُلْتُ: وَلِّهَا طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ. قَالَ: رَجُلٌ لَهُ حِدَّةٌ، كَانَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) يَعْرِفُهُ فَلَا أُوَلِّي أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ حَدِيداً. قَالَ: قُلْتُ: وَلِّهَا زُبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ. قَالَ: رَجُلٌ بَخِيلٌ، رَأَيْتُ (4) يُمَاكِسُ امْرَأَتَهُ فِي كُبَّةٍ مِنْ غَزْلٍ، فَلَا أُوَلِّي أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ بَخِيلًا. قَالَ:
قُلْتُ: وَلِّهَا سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ. قَالَ: رَجُلٌ صَاحِبُ فَرَسٍ وَ قَوْسٍ وَ لَيْسَ مِنْ أَحْلَاسِ الْخِلَافَةِ. قُلْتُ (5): وَلِّهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ. قَالَ: رَجُلٌ لَيْسَ يُحْسِنُ أَنْ يَكْفِيَ عِيَالَهُ. قَالَ: قُلْتُ: وَلِّهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، فَاسْتَوَى جَالِساً وَ (6) قَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! مَا وَ (7) اللَّهِ أَرَدْتَ بِهَذَا، أُوَلِّي (8) رَجُلًا لَمْ يُحْسِنْ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ؟. قُلْتُ (9):
وَلِّهَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ. فَقَالَ (10): وَ اللَّهِ لَئِنْ وَلَّيْتُهُ لَيَحْمِلَنَّ آلَ (11) أَبِي مُعَيْطٍ عَلَى رِقَابِ الْمُسْلِمِينَ، وَ أَوْشَكَ- إِنْ فَعَلَهَا- (12) أَنْ يَقْتُلُوهُ .. قَالَهَا ثَلَاثاً (13)، ثُمَّ سَكَتُّ لِمَا أَعْرِفُ
____________
(1) في المصدر: عبّاس.
(2) في الاحتجاج: قال.
(3) في المصدر زيادة: جزعي.
(4) في الاحتجاج: رأيته، و هو الظّاهر.
(5) في الاحتجاج: قال قلت.
(6) في المصدر: ثمّ، بدلا من: الواو.
(7) لا توجد الواو في المصدر، و هو الظّاهر.
(8) لا توجد في (ك): أولي.
(9) في المصدر: قال قلت.
(10) في الاحتجاج: قال.
(11) في المصدر: بني، بدلا من: آل.
(12) في الاحتجاج: و يوشك، بدلا من: و أوشك أن أفعلها.
(13) في المصدر زيادة: قال.
355
مِنْ مُعَانَدَتِهِ (1) لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، قَالَ (2) لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! اذْكُرْ صَاحِبَكَ. قَالَ: قُلْتُ: وَلِّهَا (3) عَلِيّاً. قَالَ: وَ اللَّهِ (4) مَا جَزَعِي إِلَّا لِمَا أَخَذْنَا (5) الْحَقَّ مِنْ أَرْبَابِهِ، وَ اللَّهِ لَئِنْ وَلَّيْتُهُ لَيَحْمِلَنَّهُمْ عَلَى الْمَحَجَّةِ العظماء، الْعُظْمَى وَ إِنْ يُطِيعُوهُ يُدْخِلْهُمُ الْجَنَّةَ .. فَهُوَ يَقُولُ هَذَا ثُمَّ صَيَّرَهَا شُورَى بَيْنَ السِّتَّةِ، فَوَيْلٌ لَهُ مِنْ رَبِّهِ .. الْخَبَرَ.
بيان:
من أحلاس الخلافة .. أي من يلازمها و يليق بها. قال في النهاية (6)- في حديث الفتن عدّ منها فتنة الأحلاس (7) ..- جمع حلس و هو الكساء الّذي يلي (8) ظهر البعير تحت القتب، شبّهها به للزومها و دوامها، و منه الحديث .. (9): كونوا أحلاس بيوتكم .. أي الزموها، و منه .. نحن أحلاس الخيل: يريدون لزومهم ظهورها (10).
9-(ع)(11): أَبِي عَلِيٌّ، عَنْ أَبِيهِ، رَفَعَهُ إِلَى (12) أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: لَمَّا كَتَبَ عُمَرُ كِتَابَ الشُّورَى بَدَأَ بِعُثْمَانَ فِي أَوَّلِ الصَّحِيفَةِ وَ أَخَّرَ عَلِيّاً أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَجَعَلَهُ فِي آخِرِ الْقَوْمِ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! يَا أَبَا
____________
(1) في الاحتجاج: مغايرته.
(2) في المصدر: فقال.
(3) في الاحتجاج: فولّها.
(4) في المصدر: فو اللّه.
(5) في (س): أخذت.
(6) النهاية 1- 423- 424، و نظيره في لسان العرب 6- 55.
(7) في (ك): تكرّر كلمة: الأحلاس.
(8) في المصدر: بلى.
(9) في النهاية: و منه حديث أبي موسى ..
(10) في المصدر: لظهورها.
(11) علل الشّرائع: 171، باب 134، حديث 1.
(12) في المصدر: أبي (رحمه اللّه)، حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، بإسناده إلى.
356
الْحَسَنِ! أَشَرْتُ عَلَيْكَ فِي يَوْمَ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنْ تَمُدَّ يَدَكَ فَنُبَايِعَكَ فَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لِمَنْ سَبَقَ إِلَيْهِ، فَعَصَيْتَنِي حَتَّى بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ، وَ أَنَا أُشِيرُ عَلَيْكَ الْيَوْمَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ كَتَبَ اسْمَكَ فِي الشُّورَى وَ جَعَلَكَ آخِرَ الْقَوْمِ وَ هُمْ يُخْرِجُونَكَ مِنْهَا، فَأَطِعْنِي وَ لَا تَدْخُلْ فِي الشُّورَى، فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ، فَلَمَّا بُويِعَ عُثْمَانُ قَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ؟. قَالَ لَهُ: يَا عَمِّ! إِنَّهُ قَدْ خَفِيَ عَلَيْكَ أَمْرٌ، أَ مَا سَمِعْتَ قَوْلَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَجْمَعَ لِأَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ الْخِلَافَةَ وَ النُّبُوَّةَ؟
فَأَرَدْتُ أَنَّ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ بِلِسَانِهِ فَيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّ قَوْلَهُ بِالْأَمْسِ كَانَ كَذِباً بَاطِلًا، وَ أَنَّا نَصْلُحُ لِلْخِلَافَةِ، فَسَكَتَ الْعَبَّاسُ.
10- بَ (1): عَنْهُمَا، عَنْ حَنَانٍ (2)، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا مَنَعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنْ يَجْعَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فِي الشُّورَى؟.
فَقَالَ: قَدْ قِيلَ ذَلِكَ لِعُمَرَ، فَقَالَ: كَيْفَ أَجْعَلُ رَجُلًا لَمْ يُحْسِنْ أَنْ يُطَلِّقَ..
11- مَا (3): الْمُفِيدُ، عَنِ الْكَاتِبِ، عَنِ الزَّعْفَرَانِيِّ، عَنِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ لُوطِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُنْدَبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا بُويِعَ عُثْمَانُ سَمِعْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيَّ يَقُولُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: وَ اللَّهِ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ! مَا رَأَيْتُ مِثْلَ مَا أُتِيَ إِلَى أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَ مَا أَنْتَ وَ ذَاكَ يَا مِقْدَادُ؟. قَالَ (4):
إِنِّي وَ اللَّهِ أُحِبُّهُمْ لِحُبِّ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَهُمْ (5) وَ يَعْتَرِينِي- وَ اللَّهِ- وَجْدٌ لَا أَبُثُّهُ بَثَّةً بَثَّةً (6) لِتَشَرُّفِ قُرَيْشٍ عَلَى النَّاسِ بِشَرَفِهِمْ وَ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى نَزْعِ سُلْطَانِ
____________
(1) قرب الإسناد: 48.
(2) في المصدر زيادة: بن سدير.
(3) أمالي الشّيخ الطّوسيّ 1- 194 بتفصيل في الإسناد.
(4) لا توجد: قال، في (ك).
(5) لا توجد: لهم، في الأمالي، و أثبتت في المجالس.
(6) لا توجد: بثّة، في المصدر، و هي نسخة في (ك).
357
رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنْ أَيْدِيهِمْ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَيْحَكَ! وَ اللَّهِ لَقَدِ اجْتَهَدْتُ نَفْسِي لَكُمْ. قَالَ لَهُ الْمِقْدَادُ (1): وَ اللَّهِ لَقَدْ تَرَكْتُ رَجُلًا مِنَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ، أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ لِي عَلَى قُرَيْشٍ أَعْوَاناً لَقَاتَلْتُهُمْ قِتَالِي إِيَّاهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ وَ أُحُدٍ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مِقْدَادُ! لَا يَسْمَعَنَّ هَذَا (2) الْكَلَامَ مِنْكَ النَّاسُ، أَمَ وَ اللَّهِ إِنِّي لَخَائِفٌ أَنْ تَكُونَ صَاحِبَ فِرْقَةٍ وَ فِتْنَةٍ. قَالَ جُنْدَبٌ: فَأَتَيْتُهُ بَعْدَ مَا انْصَرَفَ مِنْ مَقَامِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا مِقْدَادُ! أَنَا مِنْ أَعْوَانِكَ. فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ، إِنَّ الَّذِي نُرِيدُ لَا يُغْنِي فِيهِ الرَّجُلَانِ وَ الثَّلَاثَةُ، فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ فَأَتَيْتُ (3) عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (صلوات اللّه عليه) فَذَكَرْتُ لَهُ مَا قَالَ وَ مَا قُلْتُ (4)، قَالَ: فَدَعَا لَنَا بِخَيْرٍ.
12- جا (5): الْكَاتِب مِثْلَهُ.
13- شَا (6): رَوَى يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَادِقٍ، قَالَ: لَمَّا جَعَلَهَا عُمَرُ شُورَى فِي سِتَّةٍ، فَقَالَ:
إِنْ بَايَعَ اثْنَانِ لِوَاحِدٍ وَ اثْنَانِ لِوَاحِدٍ فَكُونُوا مَعَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ فِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَ اقْتُلُوا الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ لَيْسَ فِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، خَرَجَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مِنَ الدَّارِ وَ هُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى يَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ- فَقَالَ: يَا ابْنَ الْعَبَّاسِ! إِنَّ الْقَوْمَ قَدْ عَادَوْكُمْ بَعْدَ نَبِيِّكُمْ كَمُعَادَاتِهِمْ لِنَبِيِّكُمْ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي حَيَاتِهِ، أَمَ وَ اللَّهِ لَا يُنِيبُ (7) بِهِمْ
____________
(1) في مجالس الشّيخ المفيد: فقال له المقداد: أما و اللّه ..
(2) في (ك): بهذا.
(3) في المصدر: و أتيت، و في مجالس المفيد: فدخلت على.
(4) في أمالي الشّيخ: و قلت، و ما هنا في مجالس الشّيخ المفيد و المتن.
(5) أمالي الشّيخ المفيد: 169- 170، حديث 5.
(6) الإرشاد: 151- 152.
(7) في (ك) نسخة: لا يثبت. قال في النّهاية 5- 123: يقال: أناب ينيب إنابة فهو منيب، إذا أقبل و رجع. و قاله في مجمع البحرين 2- 177 أيضا.
358
إِلَى الْحَقِّ إِلَّا السَّيْفُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَ كَيْفَ ذَلِكَ (1)؟. قَالَ: أَ مَا سَمِعْتَ قَوْلَ عُمَرَ: إِنْ بَايَعَ اثْنَانِ لِوَاحِدٍ وَ اثْنَانِ لِوَاحِدٍ فَكُونُوا مَعَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِيهِمْ وَ اقْتُلُوا الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ لَيْسَ فِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلَى، قَالَ: أَ وَ لَا تَعْلَمُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْنُ عَمِّ سَعْدٍ، وَ أَنَّ عُثْمَانَ صِهْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟. قَالَ: بَلَى.
قَالَ: فَإِنَّ عُمَرَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ سعد [سَعْداً وَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَ عُثْمَانَ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي الرَّأْيِ، وَ أَنَّهُ مَنْ بُويِعَ مِنْهُمْ كَانَ الِاثْنَانِ مَعَهُ، وَ أَمَرَ بِقَتْلِ مَنْ خَالَفَهُمْ وَ لَمْ يُبَالِ أَنْ يُقْتَلَ طَلْحَةُ إِذَا قَتَلَنِي وَ قَتَلَ الزُّبَيْرَ، أَمَ وَ اللَّهِ لَئِنْ عَاشَ عُمَرُ لَأُعَرِّفَنَّهُ سُوءَ رَأْيِهِ فِينَا قَدِيماً وَ حَدِيثاً، وَ لَئِنْ مَاتَ لَيَجْمَعُنِي وَ إِيَّاهُ يَوْمَ يَكُونُ فِيهِ فَصْلُ الْخِطَابِ.
14- شَا (2): رَوَى عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ جَيْشٍ الْكِنَانِيِّ، قَالَ: لَمَّا صَفَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى يَدِ عُثْمَانَ فِي (3) يَوْمِ الدَّارِ، قَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام):
حَرَّكَكَ الصِّهْرُ وَ بَعَثَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ (4)، وَ اللَّهِ مَا أَمَّلْتَ مِنْهُ إِلَّا مَا أَمَّلَ صَاحِبُكَ مِنْ صَاحِبِهِ، دَقَّ اللَّهُ بَيْنَكُمَا عِطْرَ مَنْشِمَ..
بيان:
قال الجوهري (5): قال الأصمعيّ: منشم- بكسر الشّين-: اسم امرأة كانت بمكّة عطّارة، و كانت خزاعة و جرهم إذا أرادوا القتال تطيّبوا من طيبها، و كانوا إذا فعلوا ذلك كثرت القتلى فيما بينهم، و كان (6) يقال: أشأم من عطر منشم، فصار مثلا. قال زهير: تفانوا (7) و دقّوا بينهم عطر منشم، و يقال: هو حبّ
____________
(1) في المصدر: ذاك.
(2) الإرشاد: 152.
(3) في المصدر: بالبيعة في.
(4) في الإرشاد: ما صنعت.
(5) في الصحاح 5- 2040- 2041، و مثله في لسان العرب 12- 577.
(6) في الصحاح: فكان.
(7) في (ك): تفالو.
359
بلسان (1).
15- جا (2): عُمَرُ (3) بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّيْرَفِيُّ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عُتَيْبَةَ (4)، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ بَحْرِيَّةَ (5) الْكِنْدِيِّ، قَالَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا هُوَ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَلِيٌّ (عليه السلام) وَ عُثْمَانُ وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَ طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَ كُلُّكُمْ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِالْإِمَارَةِ بَعْدِي؟!. فَقَالَ الزُّبَيْرُ: نَعَمْ (6)، كُلُّنَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِالْإِمَارَةِ بَعْدَكَ وَ يَرَاهَا لَهُ أَهْلًا، فَمَا الَّذِي أَنْكَرْتَ؟. فَقَالَ عُمَرُ: أَ فَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِمَا عِنْدِي فِيكُمْ؟. فَسَكَتُوا، فَقَالَ (7) عُمَرُ: أَ لَا أُحَدِّثُكُمْ عَنْكُمْ (8)؟.
فَسَكَتُوا، فَقَالَ لَهُ الزُّبَيْرُ: حَدِّثْنَا وَ إِنْ سَكَتْنَا. فَقَالَ: أَمَّا أَنْتَ يَا زُبَيْرُ مُؤْمِنُ (9) الرِّضَا كَافِرُ الْغَضَبِ، تَكُونُ يَوْماً شَيْطَاناً وَ يَوْماً إِنْسَاناً، أَ فَرَأَيْتَ الْيَوْمَ (10) الَّذِي تَكُونُ فِيهِ شَيْطَاناً مَنْ يَكُونُ الْخَلِيفَةُ يَوْمَئِذٍ؟.
وَ أَمَّا أَنْتَ يَا طَلْحَةُ، فَوَ اللَّهِ لَقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ إِنَّهُ عَلَيْكَ لَعَاتِبٌ.
____________
(1) في الصحاح: البلسان، و ما هنا كما في لسان العرب.
أقول: و قد ذكر المثل الميداني في مجمع الأمثال 1- 381، و جاء في فرائد اللآلي 1- 321، و المستصفى 1- 184، و قال الأول: قد اختلف الرواة في لفظ هذا الاسم و معناه، و في اشتقاقه و في سبب المثل.
(2) أمالي الشّيخ المفيد: 62- 63، حديث 8، بتفصيل في الإسناد.
(3) في (ك): عمرو.
(4) في الأمالي: عنبسة.
(5) في المصدر: مخرمة.
(6) لا توجد: نعم، في المصدر.
(7) وضع في (ك) على: فقال، رمز نسخة بدل.
(8) في (ك): عنه.
(9) في المصدر: فمؤمن، و هو الظّاهر.
(10) لا توجد: اليوم، في المصدر و لا في (ك).
360
وَ أَمَّا أَنْتَ يَا عَلِيُّ، فَإِنَّكَ صَاحِبُ بِطَالَةٍ وَ مِزَاحٍ.
وَ أَمَّا أَنْتَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَوَ اللَّهِ إِنَّكَ لِمَا جَاءَ بِكَ مِنْ خَيْرٍ أَهْلٌ، وَ إِنَّ مِنْكُمْ لَرَجُلًا لَوْ قُسِمَ إِيمَانُهُ بَيْنَ جُنْدٍ مِنَ الْأَجْنَادِ لَوَسِعَهُمْ، وَ هُوَ عُثْمَانُ.
16- جا (1): عَلِيُّ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْفَهَانِيِّ، عَنِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ سَعِيدٍ الْأَرْحَبِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى الْعَبْسِيِّ، عَنْ كَامِلٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَ الْقَوْمُ الدَّارَ لِلشُّورَى جَاءَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيُّ (رحمه اللّه)، فَقَالَ: أَدْخِلُونِي مَعَكُمْ، فَإِنَّ لِلَّهِ (2) عِنْدِي نُصْحاً وَ لِي بِكُمْ خَيْراً، فَأَبَوْا، فَقَالَ: أَدْخِلُوا رَأْسِي وَ اسْمَعُوا مِنِّي، فَأَبَوْا عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَمَّا إِذَا أَبَيْتُمْ فَلَا تُبَايِعُوا رَجُلًا لَمْ يَشْهَدْ بَدْراً، وَ لَمْ يُبَايِعْ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَ انْهَزَمَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَ (3) يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ، فَقَالَ عُثْمَانُ: أَمَ وَ اللَّهِ لَئِنْ وُلِّيتُهَا لَأَرُدَّنَّكَ إِلَى رَبِّكَ الْأَوَّلِ، فَلَمَّا نَزَلَ بِالْمِقْدَادِ الْمَوْتُ قَالَ: أَخْبِرُوا عُثْمَانَ أَنِّي قَدْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّيَ الْأَوَّلِ وَ الْآخِرِ، فَلَمَّا بَلَغَ عُثْمَانَ مَوْتُهُ جَاءَ حَتَّى أَتَى (4) قَبْرَهُ، فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ إِنْ (5) كُنْتَ وَ إِنْ كُنْتَ .. يُثْنِي عَلَيْهِ خَيْراً. فَقَالَ لَهُ الزُّبَيْرُ:
لَأَعْرِفَنَّكَ بَعْدَ الْمَوْتِ تَنْدُبُنِي* * * وَ فِي حَيَاتِي مَا زَوَّدْتَنِي زَادِي
فَقَالَ: يَا زُبَيْرُ! تَقُولُ هَذَا؟ أَ تَرَانِي أُحِبُّ أَنْ يَمُوتَ مِثْلُ هَذَا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ص وَ هُوَ عَلَيَّ سَاخِطٌ؟!.
17- فض (6): رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) أَنَّهُ خَطَبَ ذَاتَ يَوْمٍ وَ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! أَنْصِتُوا لِمَا أَقُولُ رَحِمَكُمُ اللَّهُ، أَيُّهَا النَّاسُ!
____________
(1) أمالي الشّيخ المفيد: 114، حديث 7، بتفصيل في الإسناد.
(2) في (ك): اللّه.
(3) لا توجد الواو في المصدر، و هو الظّاهر.
(4) في المصدر: بدل، أتى: قام على.
(5) لا توجد: إن، في المصدر.
(6) لم نجده في روضة الواعظين للفتّال النّيسابوريّ، و لا كتاب الرّوضة لشيخنا الكلينيّ، و لا الفضائل لابن شاذان، حيث احتملنا نوع تصحيف أو تحريف من النّسّاخ.
361
بَايَعْتُمْ أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ أَنَا وَ اللَّهِ أَوْلَى مِنْهُمَا وَ أَحَقُّ مِنْهُمَا بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَأَمْسَكْتُ، وَ أَنْتُمُ الْيَوْمَ تُرِيدُونَ تُبَايِعُونَ عُثْمَانَ، فَإِنْ فَعَلْتُمْ وَ سَكَتُ (1) وَ اللَّهِ مَا تَجْهَلُونَ فَضْلِي وَ لَا جَهِلَهُ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَ لَوْ لَا ذَلِكَ قُلْتُ مَا لَا تُطِيقُونَ دَفْعَهُ.
فَقَالَ الزُّبَيْرُ: تَكَلَّمْ يَا أَبَا الْحَسَنِ!.
فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ وَحَّدَ اللَّهَ وَ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَبْلِي؟!.
أَمْ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أَعْظَمُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مَكَاناً مِنِّي؟.
أَمْ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ (2) مَنْ كَانَ يَأْخُذُ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ: سَهْمَ الْقَرَابَةِ وَ سَهْمَ الْخَاصَّةِ وَ سَهْمَ الْهِجْرَةِ، غَيْرِي؟!.
أَمْ هَلْ (3) فِيكُمْ أَحَدٌ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ تَمْرَةً، غَيْرِي؟!.
أَمْ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ (4) مَنْ قَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاهُ صَدَقَةً- لَمَّا بَخِلَ النَّاسُ- بِبَذْلِ مُهْجَتِهِ، غَيْرِي؟!.
أَمْ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِيَدِهِ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ وَ قَالَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ، وَ لْيُبَلِّغِ الْحَاضِرُ الْغَائِبَ؟! فَهَلْ كَانَ فِي أَحَدٍ، غَيْرِي؟!.
أَمْ هَلْ فِيكُمْ مَنْ أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِمَوَدَّتِهِ فِي الْقُرْآنِ حَيْثُ يَقُولُ: (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) (5)، هَلْ قَالَ (6) مِنْ قَبْلُ لِأَحَدٍ،
____________
(1) خطّ على: و سكتّ، في (ك).
(2) خطّ على كلمة: أحد، في (س)، و هو الظّاهر.
(3) لا توجد: هل، في (س).
(4) لا توجد في (س): أحد.
(5) الشّورى: 23.
(6) في (ك) زيادة: له فيكم، بعد كلمة: قال، و وضع على: له، رمز نسخة بدل.
362
غَيْرِي؟!.
أَمْ هَلْ فِيكُمْ مَنْ غَمَّضَ عَيْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، غَيْرِي؟!.
أَمْ هَلْ فِيكُمْ مَنْ وَضَعَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي حُفْرَتِهِ، غَيْرِي؟!.
أَمْ هَلْ فِيكُمْ مَنْ جَاءَتْهُ آيَةُ التَّنْزِيهِ (1) مَعَ جَبْرَئِيلَ (عليه السلام) وَ لَيْسَ فِي الْبَيْتِ إِلَّا أَنَا وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ وَ فَاطِمَةُ، فَقَالَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام): السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! رَبُّكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَ يَقُولُ لَكَ:
(إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (2) الْآيَةَ (3)، هَلْ كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، غَيْرِي؟!.
أَمْ هَلْ فِيكُمْ مَنْ تُرِكَ بَابُهُ مَفْتُوحاً مِنْ قِبَلِ الْمَسْجِدِ لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ، حَتَّى قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ص ! أَخْرَجْتَنَا وَ أَدْخَلْتَهُ، فَقَالَ: اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَدْخَلَهُ وَ أَخْرَجَكُمْ، غَيْرِي؟!.
أَمْ هَلْ فِيكُمْ مَنْ قَاتَلَ وَ جَبْرَئِيلُ عَنْ يَمِينِهِ وَ مِيكَائِيلُ عَنْ شِمَالِهِ (4)، غَيْرِي؟!.
أَمْ هَلْ فِيكُمْ مَنْ لَهُ سِبْطَانِ مِثْلُ سِبْطَيَّ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ سَيِّدَيْ (5) شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ابْنَا أَحَدٍ، غَيْرِي؟!.
أَمْ هَلْ فِيكُمْ مَنْ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، غَيْرِي؟!.
أَمْ هَلْ فِيكُمْ مَنْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي حَقِّهِ يَوْمَ خَيْبَرَ:
____________
(1) في (ك) نسخة: جاءه، و في (س): جاءه التّنزيل.
(2) لا يوجد في (س): و يطهّركم تطهيرا.
(3) الأحزاب: 33.
(4) في (ك): عن يساره، و جعل «عن شماله» نسخة بدل.
(5) وضع على: سيّدي، في (ك) رمز نسخة بدل.
363
لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَداً رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ كَرَّارٌ غَيْرُ فَرَّارٍ يُفْتَحُ عَلَى يَدِهِ بِالنَّصْرِ، فَأَعْطَاهَا أَحَداً، غَيْرِي؟!.
أَمْ هَلْ فِيكُمْ مَنْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَوْمَ الطَّائِرِ الْمَشْوِيِّ:
اللَّهُمَّ ائْتِنِي بِأَحَبِّ خَلْقِكَ إِلَيْكَ يَأْكُلُ مَعِي، فَأَتَيْتُ أَنَا مَعَهُ، هَلْ أَتَاهُ أَحَدٌ، غَيْرِي؟!.
أَمْ هَلْ فِيكُمْ مَنْ سَمَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: وَلِيَّهُ، غَيْرِي؟!.
أَمْ هَلْ فِيكُمْ مَنْ طَهَّرَهُ اللَّهُ مِنَ الرِّجْسِ فِي كِتَابِهِ، غَيْرِي؟!.
أَمْ هَلْ فِيكُمْ مَنْ زَوَّجَهُ اللَّهُ بِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، غَيْرِي؟!.
أَمْ هَلْ فِيكُمْ مَنْ بَاهَلَ بِهِ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله)، غَيْرِي؟!.
قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ قَامَ الزُّبَيْرُ وَ قَالَ: مَا سَمِعْنَا أَحَداً قَالَ أَصَحَّ مِنْ مَقَالِكَ، وَ مَا نَذْكُرُ مِنْهُ شَيْئاً، وَ لَكِنَّ النَّاسَ بَايَعُوا الشَّيْخَيْنِ وَ لَمْ نُخَالِفِ الْإِجْمَاعَ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ نَزَلَ وَ هُوَ يَقُولُ: (وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً) (1).
18- د (2): عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَيْنَا أَمْشِي مَعَ عُمَرَ يَوْماً إِذْ تَنَفَّسَ نَفَساً ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ قُصِمَتْ أَضْلَاعُهُ، فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَ اللَّهِ مَا أَخْرَجَ مِنْكَ (3) هَذَا إِلَّا أَمْرٌ عَظِيمٌ. فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! مَا أَدْرِي مَا أَصْنَعُ بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله)؟!. قُلْتُ: وَ لِمَ، وَ أَنْتَ قَادِرٌ أَنْ تَصْنَعَ (4) ذَلِكَ مَكَانَ الثِّقَةِ؟. قَالَ: إِنِّي أَرَاكَ تَقُولُ إِنَّ صَاحِبَكَ أَوْلَى النَّاسِ بِهَا- يَعْنِي عَلِيّاً (عليه السلام)-؟. قُلْتُ: أَجَلْ وَ اللَّهِ، إِنِّي لَأَقُولُ ذَلِكَ فِي سَابِقَتِهِ وَ عِلْمِهِ وَ قَرَابَتِهِ وَ صِهْرِهِ. قَالَ: إِنَّهُ كَمَا ذَكَرْتَ، وَ لَكِنَّهُ كَثِيرُ الدُّعَابَةِ.
____________
(1) الكهف: 51.
(2) العدد القويّة في المخاوف اليوميّة: 251- 253.
(3) في المصدر: هذا منك.
(4) في المصدر: تضع.
364
وَ فِي رِوَايَةٍ: فِيهِ دُعَابَةٌ.
وَ فِي رِوَايَةٍ: لِلَّهِ دَرُّهُمْ إِنْ وَلَّوْهَا الْأُصَيْلِعَ، كَيْفَ يَحْمِلُهُمْ عَلَى الْحَقِّ، وَ لَوْ كَانَ السَّيْفُ عَلَى عُنُقِهِ. فَقُلْتُ: أَ تَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ وَ لَا تُوَلِّيهِ؟!. قَالَ: إِنْ لَمْ أَسْتَخْلِفْ وَ أَتْرُكُهُمْ فَقَدْ تَرَكَهُمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي. قُلْتُ: فَعُثْمَانُ؟. قَالَ: وَ اللَّهِ لَوْ فَعَلْتُ لَجَعَلَ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ يَعْمَلُونَ فِيهِمْ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَقْتُلُوهُ، وَ اللَّهِ لَوْ فَعَلْتُ لَفَعَلَ، وَ لَوْ فَعَلَ لَفَعَلُوا، فَوَثَبَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَقَتَلُوهُ.
وَ فِي رِوَايَةٍ: كُلِّفَ بِأَقَارِبِهِ. قُلْتُ: طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ؟. قَالَ: الْأَكْنَعُ، هُوَ أَزْهَى مِنْ ذَلِكَ، مَا كَانَ اللَّهُ لِيَرَانِي أُوَلِّيهِ أَمْرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّهْوِ.
وَ فِي رِوَايَةٍ: قَالَ: فِيهِ نَخْوَةٌ، يَعْنِي كِبْراً، قُلْتُ: الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ؟. قَالَ: إِذَنْ كَانَ يُلَاطِمُ النَّاسَ فِي الصَّاعِ وَ الْمُدِّ.
وَ فِي رِوَايَةٍ: كَافِرُ الْغَضَبِ مُؤْمِنُ الرِّضَا. قُلْتُ: سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ؟.
قَالَ: لَيْسَ بِصَاحِبِ ذَاكَ (1)، ذَلِكَ صَاحِبُ مِقْنَبٍ يُقَاتِلُ بِهِ.
وَ فِي رِوَايَةٍ: صَاحِبُ مِقْنَبِ خَيْلٍ. قُلْتُ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ؟. قَالَ:
نِعْمَ الرَّجُلُ ذَكَرْتَ، وَ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ عَنْ ذَلِكَ.
وَ فِي رِوَايَةٍ: ذَلِكَ الرَّجُلُ لَيِّنٌ أَوْ ضَعِيفٌ.
وَ فِي رِوَايَةٍ: ذَاكَ الرَّجُلُ لَوْ وَلَّيْتُهُ جَعَلَ خَاتَمَهُ فِي إِصْبَعِ امْرَأَتِهِ، وَ اللَّهِ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! مَا يَصْلُحُ هَذَا (2) الْأَمْرُ إِلَّا لِلْقَوِيِّ فِي غَيْرِ عُنْفٍ، وَ اللَّيِّنِ فِي غَيْرِ ضَعْفٍ (3)، وَ الْجَوَادِ فِي غَيْرِ سَرَفٍ، الْمُمْسِكِ فِي غَيْرِ بُخْلٍ.
هذا آخر ما نقلت من كتاب الإستيعاب.
____________
(1) لا توجد في (س): ذاك. و في المصدر: ذلك، ذاك- بتقديم و تأخير-.
(2) في (س): لهذا.
(3) جاءت: ضعيف، في (س) بدلا من: ضعف.
365
بيان:
الأصيلع- تصغير- الأصلع: و هو الّذي انحسر الشّعر عن رأسه (1).
و قال في النهاية: كلفت بهذا الأمر أكلف به: إذا ولعت (2) به و أحببته (3).
و قال في حديث عمر أنّه قال عن طلحة لما عرض عليه للخلافة: الأكنع إنّ فيه نخوة و كبرا. الأكنع: الأشلّ، و قد كنعت أصابعه كنعا: إذا تشنّجت و يبست، و قد كانت يداه (4) أصيبت يوم أحد لما وقى بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم فشلّت (5).
و قال: الزّهو: الكبر و الفخر (6).
و قال في حديث عمر .. فذكر له سعد، فقال: ذاك (7) إنّما يكون في مقنب من مقانبكم. المقنب- بالكسر-: جماعة الخيل و الفرسان، و قيل: هو دون المائة، يريد أنّه صاحب حرب و جيوش، و ليس بصاحب هذا الأمر (8).
19- نَهْجٌ (9): وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ (عليه السلام) فِي وَقْتِ الشُّورَى: لَنْ (10) يُسْرِعَ أَحَدٌ قَبْلِي إِلَى دَعْوَةِ حَقٍّ، وَ صِلَةِ رَحِمٍ، وَ عَائِدَةِ كَرَمٍ، فَاسْمَعُوا قَوْلِي، وَ عُوا مَنْطِقِي، عَسَى أَنْ تَرَوْا هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِ هَذَا الْيَوْمِ تُنْتَضَى فِيهِ السُّيُوفُ وَ تُخَانُ فِيهِ الْعُهُودُ، حَتَّى يَكُونَ بَعْضُكُمْ أَئِمَّةً لِأَهْلِ الضَّلَالَةِ وَ شِيعَةً لِأَهْلِ الْجَهَالَةِ.
____________
(1) كما في لسان العرب 8- 204، و النهاية 3- 47، و انظر: الصحاح 3- 1244.
(2) في (ك) و لسان العرب: أولعت.
(3) النهاية 4- 196، و نحوه في لسان العرب 9- 307، و كذا في الصحاح 4- 1423.
(4) في النهاية: يده.
(5) النهاية 4- 204، و مثله في لسان العرب 8- 315.
(6) النهاية 2- 323، و نحوه في الصحاح 6- 2370.
(7) في المصدر: ذلك.
(8) النهاية 4- 111، و لسان العرب 1- 690 مثله.
(9) نهج البلاغة 2- 22- 23- محمّد عبده-، و صبحي الصّالح: 196 برقم 139.
(10) في طبعة- محمّد عبده- من النّهج: لم، بدل: لن.
366
توضيح:
قوله (عليه السلام): إلى دعوة حقّ .. أي لن يدعو أحد قبلي إلى حقّ فما لم أدع إليه لم يكن حقّا، أو لم يسبقني أحد إلى إجابة دعوة حقّ، فما لم أجب إليه لا يكون حقّا.
و نضا السّيف من غمده و انتضاه: أخرجه (1).
قال ابن ميثم (رحمه اللّه): إشارة إلى ما علمه (عليه السلام) من حال البغاة و الخوارج و الناكثين لعهد بيعته و ما وقع بعد هذا اليوم من قتل الحسين (عليه السلام) و ظهور بني أميّة و غيرهم، و أشار بأئمّة أهل الضلالة إلى طلحة و الزبير، و بأهل الضلالة إلى أتباعهم، و بأهل الجهالة إلى معاوية و رؤساء الخوارج و أمراء بني أميّة، و بشيعتهم إلى أتباعهم (2).
20- مَا (3): جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُعْبَةَ الْأَنْصَارِيُّ وَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ رميس الْهُبَيْرِيُّ بِالْقَصْرِ وَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ (4) بْنِ كَاسٍ النَّخَعِيُّ بِالرَّمْلَةِ، وَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ جَمِيعاً، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا الْأَزْدِيِّ الصُّوفِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حَمَّادِ بْنِ طَلْحَةَ الْقَنَّادِ (5)، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْأَزْدِيِّ، عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوزَ (6) وَ زِيَادِ بْنِ الْمُنْذِرِ وَ سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَسَدِيِ (7)، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ (8) الْكِنَانِيِّ، قَالَ: لَمَّا احْتُضِرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ جَعَلَهَا شُورَى بَيْنَ سِتَّةٍ، بَيْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) وَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَ طَلْحَةَ (9) وَ الزُّبَيْرِ وَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
____________
(1) قاله في النهاية 5- 73، و القاموس 4- 396، و غيرهما.
(2) شرح نهج البلاغة لابن ميثم 3- 175، باختلاف كثير.
(3) أمالي الشّيخ الطّوسيّ 2- 166- 168، بتفصيل في الإسناد.
(4) في المصدر: عليّ بن الحسين.
(5) في الأمالي: القتّاد.
(6) كذا، و الظّاهر: خرّبوذ- بالذّال أخت الدّال-.
(7) في المصدر: الأسلميّ.
(8) في الأمالي: وائلة.
(9) لا توجد في (ك): و طلحة.
367
عَوْفٍ، وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فِيمَنْ يُشَاوَرُ وَ لَا يُوَلَّى.
قَالَ أَبُو الطُّفَيْلِ: فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَجْلَسُونِي عَلَى الْبَابِ أَرُدُّ عَنْهُمُ النَّاسَ، فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): إِنَّكُمْ قَدِ اجْتَمَعْتُمْ لِمَا اجْتَمَعْتُمْ لَهُ فَأَنْصِتُوا فَأَتَكَلَّمُ فَإِنْ قُلْتُ حَقّاً صَدَّقْتُمُونِي، وَ إِنْ قُلْتُ بَاطِلًا رُدُّوا عَلَيَّ وَ لَا تَهَابُونِي، إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ كَأَحَدِكُمْ:
أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ لَهُ مِثْلُ ابْنِ عَمِّي (صلّى اللّه عليه و آله) أَقْرَبُ (1) إِلَيْهِ رَحِماً مِنِّي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ (2) مِثْلُ عَمِّي حَمْزَةَ أَسَدِ اللَّهِ وَ أَسَدِ رَسُولِهِ؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ لَهُ أَخٌ مِثْلُ أَخِي جَعْفَرٍ ذِي الْجَنَاحَيْنِ مُضَرَّجٍ بِالدِّمَاءِ الطَّيَّارِ فِي الْجَنَّةِ؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ لَهُ زَوْجَةٌ مِثْلُ زَوْجَتِي فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) سَيِّدَةِ نِسَاءِ عَالَمِهَا فِي الْجَنَّةِ؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ صَلَّى الْقِبْلَتَيْنِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَبْلِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ لَهُ سَهْمَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي الْخَاصِّ وَ الْعَامِّ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بَابَهُ مَفْتُوحاً يَحِلُّ لَهُ مَا يَحِلُّ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ رَجُلٌ نَاجَى رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَشْرَ مَرَّاتٍ يُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاهُ صَدَقَةً، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
____________
(1) في المصدر: و أقرب.
(2) في الأمالي: فيكم له.
368
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مَا قَالَ فِي غَزَاةِ تَبُوكَ: إِنَّمَا أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى غَيْرَ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مَقَالَتَهُ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ وَصَّى رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي أَهْلِهِ وَ مَالِهِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَتَلَ الْمُشْرِكِينَ كَقَتْلِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ غَسَّلَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ: لَا.
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أَقْرَبُ عَهْداً بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنِّي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ نَزَلَ فِي حُفْرَةِ (1) رَسُولِ اللَّهِ (2) (صلّى اللّه عليه و آله)، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَاصْنَعُوا مَا أَنْتُمْ صَانِعُونَ.
فَقَالَ طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ عِنْدَ ذَلِكَ: نَصِيبُنَا مِنْهَا لَكَ يَا عَلِيُّ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: قَلِّدُونِي هَذَا الْأَمْرَ عَلَى أَنْ أَجْعَلَهَا لِأَحَدِكُمْ. قَالُوا: قَدْ فَعَلْنَا. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: هَلُمَّ يَدَكَ يَا عَلِيُّ تَأْخُذُهَا بِمَا فِيهَا عَلَى أَنْ تَسِيرَ فِينَا بِسِيرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ. فَقَالَ عَلِيٌ (3) (عليه السلام): آخُذُهَا بِمَا فِيهَا عَلَى أَنْ أَسِيرَ فِيكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ
____________
(1) جاءت في (س) عبارة: في حفرة، قبل: غيري.
(2) في البحار- بطبعتيه- وضع على: رسول اللّه، رمز نسخة بدل.
(3) لا يوجد في الأمالي: عليّ.
369
وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) جُهْدِي، فَخَلَّى عَنْ يَدِ عَلِيٍّ، وَ قَالَ: هَلُمَّ يَدَكَ يَا عُثْمَانُ خُذْهَا بِمَا فِيهَا عَلَى أَنْ تَسِيرَ فِينَا بِسِيرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ. فَقَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا.
و روى أبو رافع مولى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) حديث المناشدة.
21- مَا (1): جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْعَلَوِيِّ الْحَسَنِيِّ وَ أَبِي عَبْدِ (2) اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْمُؤَمِّلِ الصَّيْرَفِيِّ، قَالا:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ الْعَطَّارُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: لَمَّا اجْتَمَعَ أَصْحَابُ الشُّورَى- وَ هُمْ سِتَّةُ نَفَرٍ- مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) وَ عُثْمَانُ وَ طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ (3) وَ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، فَقَالَ:
أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ (4) أَيُّهَا النَّفَرُ! هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَنْزِلَتُكَ مِنِّي- يَا عَلِيُّ- مَنْزِلَةُ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟ أَ تَعْلَمُونَ قَالَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ؟، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّفَرُ! هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ لَهُ سَهْمَانِ، سَهْمٌ فِي الْخَاصِّ وَ سَهْمٌ فِي الْعَامِّ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: ..... وَ ذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَ طَرِيقِ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ (عليه السلام).
بيان:
السهم في الخاصّ إشارة إلى السهم الذي أعطاه رسول اللّه لقتال الملائكة
____________
(1) أمالي الشّيخ الطّوسيّ 2- 168- 169، مع تفصيل في الإسناد.
(2) في الأمالي بالتصغير: عبيد، بدلا من: عبد.
(3) في المصدر: بتقديم و تأخير.
(4) في الأمالي: اللّه.
370
معه، أو إلى السهم الذي خصّه الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) من تعليمه و معاشرته في الخلوة مضافا إلى ما كان له (عليه السلام) مع سائر الصحابة، و الأول أظهر.
22- مَا (1): جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ، عَنْ أَبِي طَالِبٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي مشعر (2) السُّلَمِيِّ الْحَرَّانِيِّ بِحَرَّانَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَسْوَدَ أَبِي عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ الْقَاضِي، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَفْصٍ التَّيْمِيِ (3)، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ الْعَبْدِيِّ، عَنْ وَهْبِ بْنِ (4) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ذبي [دُنَيٍّ الْهُنَائِيِّ، عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي الْأَسْوَدِ، قَالَ: لَمَّا طَعَنَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَعَلَ الْأَمْرَ بَيْنَ سِتَّةِ نَفَرٍ:
عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، وَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَ طَلْحَةَ، وَ الزُّبَيْرِ، وَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مَعَهُمْ يَشْهَدُ النَّجْوَى وَ لَيْسَ لَهُ فِي الْأَمْرِ نَصِيبٌ، وَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا لِذَلِكَ بَيْتاً وَ يُغْلِقُوا عَلَيْهِمْ بَابَهُ.
قَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ: فَكُنْتُ عَلَى الْبَابِ أَنَا وَ نَفَرٌ مَعِي حَاجَتُهُمْ (5) أَنْ يَسْمَعُوا الْحِوَارَ الَّذِي يَجْرِي بَيْنَهُمْ (6)، فَابْتَدَرَ الْكَلَامَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَقَالَ: لِيَذْكُرْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ رَجُلًا إِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا الْأَمْرُ كَانَتِ الْخِيَرَةُ لِصَاحِبِهِ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: قَدِ اخْتَرْتُ عَلِيّاً. وَ قَالَ طَلْحَةُ: قَدِ اخْتَرْتُ عُثْمَانَ. وَ قَالَ سَعْدٌ: قَدِ اخْتَرْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ (7)، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَدْ رَضِيَ الْقَوْمُ بِنَا وَ قَدْ جُعِلَ الْأَمْرُ فِينَا، وَ لَنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ، فَأَيُّكُمْ يُخْرِجُ عَنْ (8) هَذَا الْأَمْرِ نَفْسَهُ وَ يَخْتَارُ لِلْمُسْلِمِينَ رَجُلًا رَضِيَ فِي الْأُمَّةِ، فَأَمْسَكَ الشَّيْخَانِ، فَعَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِكَلَامِهِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام):
____________
(1) أمالي الشّيخ الطّوسيّ 2- 169- 170، مع اختصار في الإسناد.
(2) في المصدر: معشر.
(3) في الأمالي: التّيميّ قال حدّثنا أبو عمر عن ابن أذينة.
(4) في (ك): وهب بن وهب بن.
(5) في (س): حاجبهم.
(6) في (س): فيهم.
(7) في المصدر زيادة: بن عوف.
(8) في الأمالي: من، بدلا من: عن.
371
كُنْ أَنْتَ ذَلِكَ الرَّجُلَ. قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْتَ وَ عُثْمَانُ، فَأَيُّكُمَا يَتَقَلَّدُ هَذَا الْأَمْرَ عَلَى أَنْ يَسِيرَ فِي الْأُمَّةِ بِسِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سِيرَةِ (1) صَاحِبَيْهِ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ فَلَا يَعْدُوهُمَا. قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): أَنَا (2) آخُذُهَا عَلَى (3) أَنْ أَسِيرَ فِي الْأُمَّةِ بِسِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) جُهْدِي وَ طَوْقِي وَ أَسْتَعِينَ (4) عَلَى ذَلِكَ بِرَبِّي.
قَالَ: فَمَا عِنْدَكَ أَنْتَ (5) يَا عُثْمَانُ؟. قَالَ: أَسِيرُ فِي الْأُمَّةِ بِسِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) وَ سِيرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ. قَالَ: فَرَدَّهَا (6) عَلَى عَلِيٍّ (عليه السلام) ثَلَاثاً، وَ عَلَى عُثْمَانَ ثَلَاثاً كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمَا يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ، فَلَمَّا تَوَافَقُوا عَلَى رَأْيٍ وَاحِدٍ، قَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ (عليه السلام): إِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعُوا مِنِّي قَوْلًا أَقُولُ لَكُمْ، قَالُوا: قُلْ يَا أَبَا الْحَسَنِ.
قَالَ: فَإِنِّي أَسْأَلُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَجُلٍ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى غَيْرَ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا، .. وَ ذَكَرَ الْمُنَاشَدَةَ نَحْوَهُ.
23- مَا (7): أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّلْتِ، عَنْ أَبِي عُقْدَةَ الْحَافِظِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ (8) عَبْدِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ، عَنْ عَمِّهِ الْقَاسِمِ بْنِ جَعْفَرٍ الْعَلَوِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ، عَنْ أَبِيهِ (9)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ
____________
(1) في المصدر: و بسيرة.
(2) في الأمالي: إنّي.
(3) لا توجد: على، في (ك).
(4) في (س): واسعين.
(5) في (ك) لا توجد: أنت.
(6) في المصدر: قرّرها.
(7) أمالي الشّيخ الطّوسيّ 2- 320، بتفصيل في الإسناد.
(8) في المصدر: أبو، بدلا من: بن.
(9) لا توجد: عن أبيه، في الأمالي.
372
حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ الْقَوْمَ حِينَ اجْتَمَعُوا لِلشُّورَى، فَقَالُوا فِيهَا وَ نَاجَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ كُلَ (1) رَجُلٍ مِنْهُمْ عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ: عَلَيْكَ عَهْدُ اللَّهِ وَ مِيثَاقُهُ لَئِنْ وُلِّيتَ لَتَعْمَلَنَ (2) بِكِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ وَ سِيرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ، فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَ مِيثَاقُهُ لَئِنْ وُلِّيتُ أَمْرَكُمْ لَأَعْمَلَنَّ بِكِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِعُثْمَانَ كَقَوْلِهِ لِعَلِيٍّ (عليه السلام)، فَأَجَابَهُ: أَنْ نَعَمْ. فَرَدَّ عَلَيْهِمَا الْقَوْلَ ثَلَاثاً، كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ عَلِيٌّ (عليه السلام) كَقَوْلِهِ، وَ يُجِيبُهُ عُثْمَانُ: أَنْ نَعَمْ، فَبَايَعَ عُثْمَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عِنْدَ ذَلِكَ.
24- إِرْشَادُ الْقُلُوبِ (3): عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) وَ عُثْمَانَ وَ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرَ وَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ أَمَرَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يَدْخُلُوا بَيْتاً وَ يُغْلِقُوا عَلَيْهِمْ بَابَهُ وَ يَتَشَاوَرُوا فِي أَمْرِهِمْ، وَ أَجَّلَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ تَوَافَقَ خَمْسَةٌ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ وَ أَبَى رَجُلٌ مِنْهُمْ قُتِلَ ذَلِكَ (4)، وَ إِنْ تَوَافَقَ أَرْبَعَةٌ وَ أَبَى اثْنَانِ قُتِلَ الِاثْنَانِ، فَلَمَّا تَوَافَقُوا جَمِيعاً عَلَى رَأْيٍ وَاحِدٍ قَالَ لَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام): إِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعُوا مِنِّي مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنْ يَكُنْ حَقّاً فَاقْبَلُوهُ وَ إِنْ يَكُنْ بَاطِلًا فَأَنْكِرُوهُ. قَالُوا: قُلْ.
قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ ..- أَوْ قَالَ: أَسْأَلُكُمْ بِاللَّهِ- الَّذِي يَعْلَمُ سَرَائِرَكُمْ وَ يَعْلَمُ صِدْقَكُمْ إِنْ صَدَقْتُمْ وَ يَعْلَمُ كَذِبَكُمْ إِنْ كَذَبْتُمْ، هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ آمَنَ قَبْلِي بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ صَلَّى الْقِبْلَتَيْنِ قَبْلِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أُمِّرَ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (5) سِوَايَ؟. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
____________
(1) لا يوجد في المصدر: كلّ.
(2) في (س) لا توجد: لتعملنّ.
(3) إرشاد القلوب 2- 51- 57، مع اختلاف يسير لم نشر له لعدم الوثوق بالمطبوع.
(4) في الإرشاد زيادة: الرّجل.
(5) النّساء: 59.
373
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ نَصَرَ أَبُوهُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ كَفَّلَهُ، غَيْرِي (1)؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ (2): فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ (3) أَخُوهُ ذِي (4) الْجَنَاحَيْنِ (5) فِي الْجَنَّةِ، غَيْرِي؟!.
قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ وَحَّدَ اللَّهَ قَبْلِي وَ لَمْ يُشْرِكْ بِهِ شَيْئاً؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ عَمُّهُ حَمْزَةُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ زَوْجَتُهُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا:
اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ ابْنَاهُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا:
اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِنَاسِخِ الْقُرْآنِ وَ مَنْسُوخِهِ وَ السُّنَّةِ مِنِّي؟!. قَالُوا:
اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ سَمَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي عَشْرِ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ مُؤْمِناً، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ نَاجَى رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَشْرَ مَرَّاتٍ يُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاهُ صَدَقَةً، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ، لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ ذَلِكَ،
____________
(1) في الإرشاد: غير أبي، و هو الظّاهر.
(2) لا توجد هذه المناشدة في المصدر.
(3) في (س): بعد كلمة أحد كلمة مشوّشة لعلّها: يطير.
(4) كذا، و الصّواب: ذو- بالرّفع-، و لا توجد في (س).
(5) في (س): بالجناحين.
374
غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَداً رَجُلًا (1) يُحِبُّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ كَرَّاراً (2) غَيْرَ فَرَّارٍ لَا يُوَلِّي الدُّبُرَ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، وَ ذَلِكَ حَيْثُ رَجَعَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ مُنْهَزِمَيْنِ، فَدَعَانِي- وَ أَنَا أَرْمَدُ- فَتَفَلَ فِي عَيْنِي، وَ قَالَ: اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُ الْحَرَّ وَ الْبَرْدَ، فَمَا وَجَدْتُ بَعْدَهَا حَرّاً وَ لَا بَرْداً يُوذِيَانِي، ثُمَّ أَعْطَانِي الرَّايَةَ، فَخَرَجْتُ بِهَا فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدِي خَيْبَرَ، فَقَتَلْتُ مُقَاتِلِيهِمْ- وَ فِيهِمْ مَرْحَبٌ- وَ سَبَيْتُ ذَرَارِيَّهُمْ، فَهَلْ كَانَ ذَلِكَ غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): اللَّهُمَّ ائْتِنِي بِأَحَبِّ الْخَلْقِ إِلَيْكَ وَ إِلَيَّ وَ أَشَدِّهِمْ لِي وَ لَكَ حُبّاً يَأْكُلُ مَعِي مِنْ هَذَا الطَّيْرِ، فَأَتَيْتُ فَأَكَلْتُ مَعَهُ، فَهَلْ كَانَ غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): لَتَنْتَهُنَّ يَا بَنِي وَلِيعَةَ أَوْ لَأَبْعَثَنَّ عَلَيْكُمْ رَجُلًا نَفْسُهُ كَنَفْسِي وَ طَاعَتُهُ كَطَاعَتِي وَ مَعْصِيَتُهُ كَمَعْصِيَتِي يَعْصَاكُمْ أَوْ يَقْصَعُكُمْ (3) بِالسَّيْفِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): كَذَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُحِبُّنِي وَ يُبْغِضُ عَلِيّاً، هَلْ كَانَ غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ ثَلَاثَةُ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَ فِيهِمْ جَبْرَئِيلُ وَ مِيكَائِيلُ وَ إِسْرَافِيلُ لَيْلَةَ الْقَلِيبِ لَمَّا جِئْتُ بِالْمَاءِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ جَبْرَئِيلُ: هَذِهِ هِيَ الْمُوَاسَاةُ، وَ ذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) (4): إِنَّهُ مِنِّي وَ أَنَا مِنْهُ، فَقَالَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام): وَ أَنَا مِنْكُمَا، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
____________
(1) في (ك): رجلا غدا.
(2) في (ك): كرّار- بالرّفع-.
(3) في (ك) نسخة بدل: يقصفكم.
(4) في إرشاد القلوب زيادة هنا و هي: و ما يمنعه من ذلك؟.
375
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ نُودِيَ بِهِ مِنَ السَّمَاءِ: لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفَقَارِ وَ لَا فَتَى إِلَّا عَلِيٌّ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ مَنْ يُقَاتِلُ النَّاكِثِينَ وَ الْقَاسِطِينَ وَ الْمَارِقِينَ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنِّي قَاتَلْتُ عَلَى تَنْزِيلِ الْقُرْآنِ وَ سَتُقَاتِلُ أَنْتَ- يَا عَلِيُّ- عَلَى تَأْوِيلِهِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ غَسَّلَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مَعَ الْمَلَائِكَةِ (1) الْمُقَرَّبِينَ بِالرَّوْحِ وَ الرَّيْحَانِ تُقَلِّبُهُ لِيَ الْمَلَائِكَةُ وَ أَنَا أَسْمَعُ قَوْلَهُمْ وَ هُمْ يَقُولُونَ: اسْتُرُوا عَوْرَةَ نَبِيِّكُمْ سَتَرَكُمُ اللَّهُ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ مَنْ كَفَّنَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ وَضَعَهُ فِي حُفْرَتِهِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ بِالتَّعْزِيَةِ حَيْثُ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ فَاطِمَةُ (عليها السلام) تَبْكِيهِ إِذْ سَمِعْنَا حِسّاً عَلَى الْبَابِ وَ قَائِلًا يَقُولُ- نَسْمَعُ حِسَّهُ (2) وَ لَا نَرَى شَخْصَهُ وَ هُوَ يَقُولُ-: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ، رَبُّكُمْ عَزَّ وَ جَلَّ يُقْرِئُكُمُ السَّلَامَ وَ يَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ فِي اللَّهِ خَلَفاً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَ عَزَاءً مِنْ كُلِّ هَالِكٍ، وَ دَرَكاً مِنْ كُلِّ فَوْتٍ، فَتَعَزَّوْا بِعَزَاءِ اللَّهِ، وَ اعْلَمُوا أَنَّ أَهْلَ الْأَرْضِ يَمُوتُونَ، وَ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ لَا يَبْقَوْنَ، وَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ، وَ أَنَا فِي الْبَيْتِ وَ فَاطِمَةُ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ أَرْبَعَةٌ لَا خَامِسَ لَنَا سِوَى (3) رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مُسَجًّى بَيْنَنَا، غَيْرُنَا؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ رُدَّتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ أَوْ (4) كَادَتْ تَغِيبُ
____________
(1) من هنا إلى قوله: و إنّكم لن تضلّوا .. سقط من المصدر.
(2) في (ك) نسخة بدل: صوته.
(3) في (ك) نسخة بدل: إلّا.
(4) في (ك): واو، بدلا من: أو.
376
حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ فِي وَقْتِهَا، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِأَخْذِ (1) بَرَاءَةَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ مَا انْطَلَقَ أَبُو بَكْرٍ بِهَا فَقَبَضْتُهَا مِنْهُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ- بَعْدَ مَا رَجَعَ-: يَا رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)! أَ نَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ لَا يُؤَدِّي عَنِّي إِلَّا عَلِيٌّ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى غَيْرَ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَ لَوْ كَانَ بَعْدِي لَكُنْتَهُ يَا عَلِيُّ، غَيْرِي؟!.
قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ مَنْ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنَّهُ لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَ لَا يُبْغِضُكَ إِلَّا كَافِرٌ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَمَرَ بِسَدِّ أَبْوَابِكُمْ وَ فَتْحِ بَابِي، فَقُلْتُمْ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَا أَنَا سَدَدْتُ أَبْوَابَكُمْ وَ لَا أَنَا فَتَحْتُ بَابَهُ (2) بَلِ اللَّهُ سَدَّ أَبْوَابَكُمْ وَ فَتَحَ بَابَهُ؟!. قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) نَاجَانِي يَوْمَ الطَّائِفِ دُونَ النَّاسِ فَأَطَالَ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُكُمْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ص ! إِنَّكَ قَدِ انْتَجَيْتَ عَلِيّاً دُونَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَا أَنَا انْتَجَيْتُهُ بَلِ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ انْتَجَاهُ؟!. قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: الْحَقُّ مِنْ بَعْدِي مَعَ عَلِيٍّ وَ عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ يَدُورُ الْحَقُّ مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ؟. قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: فَهَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللَّهِ وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي وَ إِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَ إِنَّكُمْ
____________
(1) في (س): يأخذ. و لعلّها بتقدير: أن.
(2) لا يوجد في (س): بابه.
377
لَنْ تَضِلُّوا (1) مَا اتَّبَعْتُمُوهُمَا وَ اسْتَمْسَكْتُمْ بِهِمَا؟. قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ وَفَى (2) رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِنَفْسِهِ وَ رَدَّ بِهِ كَيْدَ (3) الْمُشْرِكِينَ وَ اضْطَجَعَ فِي مَضْجَعِهِ، وَ شَرَى بِذَلِكَ مِنَ اللَّهِ نَفْسَهُ، غَيْرِي؟!.
قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ حَيْثُ آخَى رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَ كَانَ لَهُ أَخاً (4) غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ أَحَدٌ ذَكَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِمَا ذَكَرَنِي إِذْ قَالَ: (وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) (5)، غَيْرِي؟!.
قَالَ: فَهَلْ سَبَقَنِي مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ آتَى الزَّكَاةَ وَ هُوَ رَاكِعٌ، فَنَزَلَتْ فِيهِ: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ) (6)، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ بَرَزَ لِعَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ حَيْثُ عَبَرَ خَنْدَقَكُمْ وَحْدَهُ وَ دَعَا جَمِيعَكُمْ إِلَى الْبِرَازِ فَنَكَصْتُمْ عَنْهُ، وَ خَرَجْتُ إِلَيْهِ فَقَتَلْتُهُ وَ فَتَّ اللَّهُ (7) بِذَلِكَ فِي أَعْضَادِ الْمُشْرِكِينَ وَ الْأَحْزَابِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بَابَهُ مَفْتُوحاً فِي الْمَسْجِدِ يَحِلُّ لَهُ مَا يَحِلُّ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى رَسُولِ
____________
(1) إلى هنا سقط عن إرشاد القلوب.
(2) كذا، و لعلّه: وقى، كما في المصدر.
(3) في المصدر: مكر، و هي نسخة بدل جاءت على مطبوع البحار.
(4) في إرشاد القلوب: و كأنّ لم يكن له أخ ..
(5) الواقعة: 10- 11.
(6) المائدة: 55.
(7) في (س) زيادة: إليه، و وضع عليها رمز نسخة بدل في (ك).
378
اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ آيَةَ التَّطْهِيرِ حَيْثُ يَقُولُ تَعَالَى:
(إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (1)، غَيْرِي وَ غَيْرَ زَوْجَتِي وَ ابْنَيَّ؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): أَنَا سَيِّدُ وُلْدِ آدَمَ (عليه السلام) وَ عَلِيٌّ سَيِّدُ الْعَرَبِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ (2) فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَا سَأَلْتُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لِي شَيْئاً إِلَّا سَأَلْتُ لَكَ مِثْلَهُ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ (3): فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ كَانَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي الْمَوَاطِنِ كُلِّهَا، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ (4): فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ نَاوَلَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ فَرَمَى بِهَا فِي وُجُوهِ الْكُفَّارِ فَانْهَزَمُوا، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَضَى دَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَنْجَزَ عِدَاتِهِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ اشْتَاقَتِ الْمَلَائِكَةُ إِلَى رُؤْيَتِهِ فَاسْتَأْذَنَتِ اللَّهَ تَعَالَى فِي زِيَارَتِهِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ وَرِثَ سِلَاحَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَدَاتَهُ (5)، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
____________
(1) الأحزاب: 33.
(2) لا توجد: فهل، في (س).
(3) هذه المناشدة جاءت في إرشاد القلوب بعد مناشدة الاضطجاع في لحاف واحد.
(4) وقعت هذه المناشدة بعد المناشدة التّالية.
(5) في إرشاد القلوب: و دوابّه.
379
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ اسْتَخْلَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي أَهْلِهِ وَ جَعَلَ أَمْرَ أَزْوَاجِهِ إِلَيْهِ مِنْ بَعْدِهِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ حَمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَى كَتِفِهِ حَتَّى كَسَرَ الْأَصْنَامَ الَّتِي كَانَتْ عَلَى الْكَعْبَةِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ اضْطَجَعَ هُوَ وَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ إِذْ كَفَّلَنِي، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا (1).
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): أَنْتَ صَاحِبُ رَايَتِي وَ لِوَائِي فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ كَانَ أَوَّلَ دَاخِلٍ (2) عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ آخِرَ خَارِجٍ مِنْ عِنْدِهِ وَ لَا يَحْجُبُ عَنْهُ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ مَنْ نَزَلَتْ فِيهِ وَ فِي زَوْجَتِهِ وَ وَلَدَيْهِ: (وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً ...) (3) .. إِلَى سَائِرِ مَا اقْتَصَ (4) اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذِكْرِنَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ: (أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَ عِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ جاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (5)، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: (أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ.) (6) .. إِلَى آخِرِ مَا اقْتَصَّ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ خَبَرِ الْمُؤْمِنِينَ،
____________
(1) هنا مناشدة في المصدر، و قد تقدّمت في المتن، و أشرنا إلى موضعها.
(2) في المصدر: وارد.
(3) الإنسان: 80.
(4) في إرشاد القلوب: قصّ.
(5) في التّوبة: 19.
(6) السّجدة: 18.
380
غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَ فِي زَوْجَتِهِ وَ وَلَدَيْهِ آيَةَ الْمُبَاهَلَةِ، وَ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ نَفْسَهُ نَفْسَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، غَيْرِي؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ: (وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ) (1) لَمَّا وَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَيْلَةَ الْفِرَاشِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ سَقَى (2) رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنَ الْمِهْرَاسِ لَمَّا اشْتَدَّ ظَمَؤُهُ وَ أَحْجَمَ عَنْ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): اللَّهُمَّ إِنِّي أَقُولُ كَمَا قَالَ عَبْدُكَ مُوسَى: (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي) (3) ..
إِلَى آخِرِ دَعْوَةِ مُوسَى (عليه السلام) إِلَّا النُّبُوَّةَ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ هُوَ أَدْنَى الْخَلَائِقِ بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنِّي كَمَا أَخْبَرَكُمْ بِذَلِكَ (صلوات اللّه عليه و آله)، غَيْرِي؟!.
قَالُوا: لَا.
قَالَ (4): فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنَّ مِنْ شِيعَتِكَ رَجُلًا يَدْخُلُ فِي شَفَاعَتِهِ الْجَنَّةَ مِثْلُ رَبِيعَةَ وَ مُضَرَ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): أَنْتَ وَ شِيعَتُكَ
____________
(1) البقرة: 208.
(2) العبارة مشوّشة في مطبوع البحار و أخذت من المصدر.
(3) طه: 25- 31.
(4) لا توجد هذه المناشدة في إرشاد القلوب.
381
هُمُ الْفَائِزُونَ تَرِدُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رِوَاءً مَرْوِيِّينَ وَ يَرِدُ عَدُوُّكُمْ ظِمَاءً مُقْمَحِينَ (1)، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَنْ أَحَبَّ هَذِهِ الشَّعَرَاتِ فَقَدْ أَحَبَّنِي وَ مَنْ أَحَبَّنِي فَقَدْ أَحَبَّ اللَّهَ تَعَالَى، وَ مَنْ أَبْغَضَهَا وَ آذَاهَا فَقَدْ أَبْغَضَنِي وَ آذَانِي وَ مَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ تَعَالَى، وَ مَنْ آذَى اللَّهَ تَعَالَى لَعَنَهُ اللَّهُ وَ أَعَدَّ لَهُ جَهَنَّمَ وَ سَاءَتْ مَصِيراً. فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَ مَا شَعَرَاتُكَ هَذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)؟. قَالَ: عَلِيٌّ وَ فَاطِمَةُ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): أَنْتَ يَعْسُوبُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمَالُ يَعْسُوبُ الظَّالِمِينَ، وَ أَنْتَ الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ، وَ أَنْتَ الْفَارُوقُ الْأَعْظَمُ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ طَرَحَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) ثَوْبَهُ وَ أَنَا تَحْتَ الثَّوْبِ وَ فَاطِمَةُ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَ (2) أَنَا وَ أَهْلُ بَيْتِي هَؤُلَاءِ إِلَيْكَ لَا إِلَى النَّارِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِالْجُحْفَةِ بِالشُّجَيْرَاتِ مِنْ خُمٍّ: مَنْ أَطَاعَكَ فَقَدْ أَطَاعَنِي وَ مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَ مَنْ عَصَاكَ فَقَدْ عَصَانِي وَ مَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بَيْنَهُ وَ بَيْنَ زَوْجَتِهِ؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ (3) جَلَسَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ زَوْجَتِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): لَا سَتْرَ دُونَكَ يَا عَلِيُّ، غَيْرِي؟!. قَالُوا:
لَا.
____________
(1) في (ك) نسخة بدل: مظمئين.
(2) لا توجد: اللّهمّ، في (ك).
(3) سقط من إرشاد القلوب المطبوع: قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد.
382
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ احْتَمَلَ بَابَ خَيْبَرَ يَوْمَ فَتَحْتُ حِصْنَهَا ثُمَّ مَشَى بِهِ سَاعَةً ثُمَّ أَلْقَاهُ فَعَالَجَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعُونَ رَجُلًا فَلَمْ يُقِلُّوهُ (1) مِنَ الْأَرْضِ، غَيْرِي؟!.
قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): أَنْتَ مَعِي فِي قَصْرِي وَ مَنْزِلُكَ تُجَاهَ مَنْزِلِي فِي الْجَنَّةِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): أَنْتَ أَوْلَى النَّاسِ بِأُمَّتِي (2) مِنْ بَعْدِي، وَالَى اللَّهُ مَنْ وَالاكَ وَ عَادَى اللَّهُ مَنْ عَادَاكَ، وَ قَاتَلَ اللَّهُ مَنْ قَاتَلَكَ بَعْدِي، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) سَبْعَ سِنِينَ وَ أَشْهُراً قَبْلَ النَّاسِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنَّكَ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ يَا عَلِيُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْسُوكَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بُرْدَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَحْمَرُ وَ الْآخَرُ أَخْضَرُ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أَطْعَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مِنْ فَاكِهَةِ الْجَنَّةِ لَمَّا هَبَطَ بِهَا جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) وَ قَالَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْكُلَهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ وَصِيُّ نَبِيٍّ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): أَنْتَ أَقْوَمُهُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَ أَوْفَاهُمْ بِعَهْدِ اللَّهِ، وَ أَعْلَمُهُمْ بِالْقَضِيَّةِ، وَ أَقْسَمُهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَ أَرْأَفُهُمْ بِالرَّعِيَّةِ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): أَنْتَ قَسِيمُ النَّارِ تُخْرِجُ مِنْهَا مَنْ آمَنَ وَ أَقَرَّ، وَ تَدَعُ فِيهَا مَنْ كَفَرَ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
____________
(1) في المصدر: فلم ينقلوه.
(2) في (ك): منّي.
383
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لِلْعَيْنِ وَ قَدْ غَاضَتْ: انْفَجِرِي! فَانْفَجَرَتْ، فَشَرِبَ مِنْهَا الْقَوْمُ وَ أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ الْمُسْلِمُونَ مَعَهُ فَشَرِبَ وَ شَرِبُوا وَ شَرِبَتْ خَيْلُهُمْ وَ مَلَئُوا رَوَايَاهُمْ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حَنُوطاً مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ، قَالَ: اقْسِمْ هَذَا أَثْلَاثاً، ثُلُثاً لِي حَنِّطْنِي بِهِ، وَ ثُلُثاً لِابْنَتِي، وَ ثُلُثاً لَكَ، غَيْرِي؟!. قَالُوا: لَا.
قَالَ: .. فَمَا زَالَ يُنَاشِدُهُمْ وَ يَذْكُرُ لَهُمْ مَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَ أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِهِ حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ وَ دَنَتِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ وَ قَالَ: أَمَّا إِذَا أَقْرَرْتُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَ بَانَ لَكُمْ مِنْ سَبَبِيَ الَّذِي (1) ذَكَرْتُ، فَعَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَحْدَهُ، وَ أَنْهَاكُمْ عَنْ سَخَطِ اللَّهِ فَلَا تَعَرَّضُوا لَهُ (2) وَ لَا تُضَيِّعُوا أَمْرِي، وَ رُدُّوا الْحَقَّ إِلَى أَهْلِهِ، وَ اتَّبِعُوا سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سُنَّتِي مِنْ بَعْدِهِ، فَإِنَّكُمْ إِنْ خَالَفْتُمُونِي خَالَفْتُمْ نَبِيَّكُمْ فَقَدْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ جَمِيعُكُمْ، وَ سَلِّمُوهَا إِلَى مَنْ هُوَ لَهَا أَهْلٌ وَ هِيَ لَهُ أَهْلٌ، أَمَا وَ اللَّهِ مَا أَنَا بِالرَّاغِبِ فِي دُنْيَاكُمْ، وَ لَا قُلْتُ مَا قُلْتُ لَكُمْ افْتِخَاراً وَ لَا تَزْكِيَةً لِنَفْسِي، وَ لَكِنْ حَدَّثْتُ بِنِعْمَةِ رَبِّي، وَ أَخَذْتُ عَلَيْكُمْ بِالْحُجَّةِ .. وَ نَهَضَ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: فَتَوَامَرَ (3) الْقَوْمُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَ تَشَاوَرُوا، فَقَالُوا: قَدْ فَضَّلَ اللَّهُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بِمَا ذَكَرَ لَكُمْ، وَ لَكِنَّهُ رَجُلٌ لَا يُفَضِّلُ أَحَداً عَلَى أَحَدٍ وَ يَجْعَلُكُمْ وَ مَوَالِيَكُمْ سَوَاءً، وَ إِنْ وَلَّيْتُمُوهُ إِيَّاهَا سَاوَى بَيْنَ أَسْوَدِكُمْ وَ أَبْيَضِكُمْ، وَ وَضَعَ السَّيْفَ عَلَى عَاتِقِهِ، وَ لَكِنْ وَلُّوهَا عُثْمَانَ فَهُوَ أَقْدَمُكُمْ (4) مِيلَاداً، وَ أَلْيَنُكُمْ عَرِيكَةً، وَ أَجْدَرُ أَنْ يَتَّبِعَ مَسَرَّتَكُمْ (5)، وَ اللَّهُ رَءُوفٌ رَحِيمٌ.
____________
(1) في (ك): مزيّتي الّتي .. و جعل ما في المتن نسخة بدل.
(2) لا توجد في (س): له.
(3) في المصدر: فتأمّر، و هو الظّاهر.
(4) في (س): فهو اللّه فكم، و لا معنى لها.
(5) في إرشاد القلوب: بسيرتكم.
384
25- مَا (1): جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ (2)، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زَكَرِيَّا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَيَّارٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ يَرْفَعُهُ إِلَى أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِثْلَهُ.
إيضاح:
قال الجوهري: عصوته بالعصا: ضربته بها .. و العصا- مقصورا (3)-:
مصدر قولك عصي بالسّيف يعصى: إذا ضرب به (4).
و قال: قصعت هامته: إذا ضربتها ببسط كفّك و قصع اللّه شبابه (5). و في النهاية: فقصعه اللّه (6) .. أي دفعه (7) و كسره (8).
و في بعض النسخ بالفاء و هو الكسر و الدّفع الشّديد (9).
و قال الجوهري: فتّ الشّيء .. أي كسره ..، يقال: فتّ عضدي و هدّ ركني (10).
و قال الفيروزآبادي: فتّ في ساعده: أضعفه (11).
و الإقماح: رفع الرّأس و غضّ البصر، يقال: أقمحه الغلّ: إذا ترك رأسه
____________
(1) أمالي الشّيخ الطّوسيّ 2- 159، بتفصيل في الإسناد.
(2) في (ك): أبي الطّفيل المفضّل.
(3) في المصدر: و العصى مقصور. و هو الصحيح.
(4) الصحاح 6- 2429، و مثله في لسان العرب 15- 64.
(5) الصحاح 3- 1266، و كذا في لسان العرب 8- 274، و غيرهما.
(6) جاء في حاشية (ك): قصعه فاطمأن. نهاية. انظر: النهاية لابن الأثير 4- 73.
(7) في (س): في رفعة، بدلا من: أي دفعه.
(8) النهاية: 4- 73، و جاء قريب منه في لسان العرب 8- 276.
(9) كما في لسان العرب 9- 283، و النهاية 4- 73، و غيرهما.
(10) الصحاح 1- 259، و لسان العرب 2- 65 مثله.
(11) القاموس 1- 153، و لسان العرب 2- 65.
385
مرفوعا من ضيقه (1). و في بعض النسخ: مظمئين، كما في الروايات الأخر على التأكيد، و في بعضها: مفحمين .. أي مسكتين (2) بالحجّة..
أقول: قَالَ أَرْبَابُ السِّيَرِ وَ الْمُحَدِّثُونَ مِنَ الْمُخَالِفِينَ (3) لَمَّا طَعَنَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَ عُلِمَ أَنَّهُ قَدِ انْقَضَتْ أَيَّامُهُ وَ اقْتَرَبَ أَجَلُهُ، قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: لَوِ اسْتَخْلَفْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَقَالَ: لَوْ كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ حَيّاً لَاسْتَخْلَفْتُهُ وَ قُلْتُ لِرَبِّي إِنْ سَأَلَنِي: سَمِعْتُ نَبِيَّكَ يَقُولُ: أَبُو عُبَيْدَةَ أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَ لَوْ كَانَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ حَيّاً اسْتَخْلَفْتُهُ، وَ قُلْتُ لِرَبِّي إِنْ سَأَلَنِي: سَمِعْتُ نَبِيَّكَ يَقُولُ: إِنَّ سَالِماً شَدِيدُ الْحُبِّ لِلَّهِ (4)، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَلِّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: قَاتَلَكَ اللَّهُ، وَ اللَّهِ مَا أَرَدْتَ اللَّهَ بِهَذَا! وَيْحَكَ! كَيْفَ أَسْتَخْلِفُ رَجُلًا عَجَزَ عَنْ طَلَاقِ امْرَأَتِهِ (5)؟! رَوَاهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْكَامِلِ (6) وَ الطَّبَرِيُ (7)، عَنْ شُيُوخِهِ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ (8)، ثُمَّ قَالَ: لَا إِرْبَ لِعُمَرَ فِي خِلَافَتِكُمْ (9) فَمَا حَمِدْتُهَا فَأَرْغَبَ فِيهَا لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَإِنْ (10) تَكُ
____________
(1) قاله في النهاية 4- 106، و القاموس 1- 244.
(2) ذكره في مجمع البحرين 6- 130، و النهاية 3- 417، و غيرهما.
(3) كما ذكره ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة 1- 190، و قريب منه في 12- 143، و غيره. و الأصل فيه كتاب السّفيانيّة للجاحظ كما نصّ عليه ابن أبي الحديد في شرحه 1- 185، و سيذكره المصنّف طاب ثراه قريبا.
(4) و قد جاء في العقد الفريد 3- 407: قيل له: استخلف. فقال: ما أجد من أستخلف، فذكر له السّتّة من أهل حراء فكلّهم طعن عليه، ثمّ قال: لو أدركت سالما مولى أبي حذيفة حيّا لما شككت فيه.
(5) قد أورده مجملا ابن سعد في الطّبقات 3- 343 بطرق متعدّدة.
(6) الكامل 3- 34، باختلاف في اللّفظ.
(7) تاريخ الطّبريّ 4- 227 و ما بعدها حوادث سنة 23 ه [طبعة دار المعارف- بيروت]، و 3- 293 294 [الأعلمي- بيروت].
(8) في (ك) نسخة بدل: مختلفة.
(9) في تاريخ الطّبريّ: ما.
(10) في تاريخ الطّبريّ: إن.
386
خَيْراً فَقَدْ أَصَبْنَا مِنْهُ وَ إِنْ (1) تَكُ شَرّاً فَقَدْ صُرِفَ عَنَّا، حَسْبُ آلِ عُمَرَ أَنْ يُحَاسَبَ مِنْهُمْ (2) وَاحِدٌ وَ يُسْأَلَ عَنْ أَمْرِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَخَرَجَ النَّاسُ (3) وَ رَجَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالُوا لَهُ: لَوْ عَهِدْتَ عَهْداً، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَجْمَعْتُ بَعْدَ مَقَالَتِي (4) أَنْ أُوَلِّي أَمْرَكُمْ رَجُلًا هُوَ أَحْرَاكُم أَنْ يَحْمِلَكُمْ عَلَى الْحَقِّ- وَ أَشَارَ إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام)- فَرَهَقَتْنِي غَشْيَةٌ فَرَأَيْتُ رَجُلًا دَخَلَ (5) جَنَّةً فَجَعَلَ يَقْطِفُ (6) كُلَّ غَضَّةٍ وَ يَانِعَةٍ فَيَضُمُّهَا إِلَيْهِ وَ يُصَيِّرُهَا تَحْتَهُ، فَخِفْتُ أَنْ أَتَحَمَّلَهَا حَيّاً وَ مَيِّتاً، وَ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ غَالِبُ أَمْرِهِ.
ثُمَّ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِالرَّهْطِ الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ (7) رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
إِنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ مَاتَ وَ هُوَ رَاضٍ عَنْ هَذِهِ السِّتَّةِ مِنْ قُرَيْشٍ (8): عَلِيٍّ، وَ عُثْمَانَ، وَ طَلْحَةَ، وَ الزُّبَيْرِ، وَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَ قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَجْعَلَهَا شُورَى بَيْنَهُمْ لِيَخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي (9)، وَ إِنْ أَتْرُكْ فَقَدْ تَرَكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي (10)، وَ لَنْ يُضِيعَ اللَّهُ دِينَهُ (11)، ثُمَّ قَالَ: ادْعُوهُمْ لِي .. فَدَعَوْهُمْ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَ هُوَ مُلْقًى عَلَى فِرَاشِهِ يَجُودُ بِنَفْسِهِ،
____________
(1) في (س): فإن.
(2) في تاريخ الطّبريّ زيادة: رجل.
(3) في تاريخ الطّبريّ زيادة: من عنده ثمّ راحوا له.
(4) في تاريخ الطّبريّ زيادة: لكم.
(5) في تاريخ الطّبريّ: يدخل.
(6) في (س): يغطف. قال في القاموس 3- 181: الغطف- محرّكة- سعة العيش و طول الأشفار و تثنّيها أو كثرة شعر الحاجب. و في تاريخ الطّبريّ: يقطف، و هو الظّاهر.
(7) لا توجد: لهم، في (س). و في تاريخ الطّبريّ: عنهم.
(8) من قوله: و مات .. إلى من قريش، لا توجد في تاريخ الطّبريّ، و جاءت في شرح النّهج 1- 158 هي و الّتي بعدها من الكلام، و خلط بين موضعي كلام شارح النّهج.
(9) في شرح النّهج 1- 185 زيادة: يعني أبا بكر.
(10) في شرح النّهج زيادة: يعني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
(11) لا توجد: و لن يضيع اللّه دينه، في المصدر.
387
فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَ كُلُّكُمْ يَطْمَعُ فِي الْخِلَافَةِ (1)؟! فَوَجَمُوا، فَقَالَ لَهُمْ ثَانِيَةً، فَأَجَابَهُ الزُّبَيْرُ، وَ قَالَ: مَا الَّذِي يُبْعِدُنَا مِنْهَا، وُلِّيتَهَا أَنْتَ فَقُمْتَ بِهَا وَ لَسْنَا دُونَكَ فِي قُرَيْشٍ وَ لَا فِي السَّابِقَةِ وَ لَا فِي الْقَرَابَةِ (2). فَقَالَ عُمَرُ: أَ فَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ أَنْفُسِكُمْ؟. قَالُوا:
قُلْ، فَإِنَّا لَوِ اسْتَعْفَيْنَاكَ لَمْ تُعْفِنَا، فَقَالَ: أَمَّا أَنْتَ يَا زُبَيْرُ! فَوَعِقَةٌ لَقِسٌ (3)، مُؤْمِنُ الرِّضَا كَافِرُ الْغَضَبِ، يَوْماً إِنْسَانٌ وَ يَوْماً شَيْطَانٌ، وَ لَعَلَّهَا لَوْ أَفْضَتْ إِلَيْكَ ظَلْتَ يَوْمَكَ تُلَاطِمُ (4) بِالْبَطْحَاءِ عَلَى مُدٍّ مِنْ شَعِيرٍ، فَإِنْ (5) أَفْضَتْ إِلَيْكَ- فَلَيْتَ شِعْرِي مَنْ يَكُونُ لِلنَّاسِ يَوْمَ تَكُونُ شَيْطَاناً، وَ مَنْ يَكُونُ يَوْمَ تَغْضَبُ إِمَاماً (6)، وَ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَجْمَعَ لَكَ (7) أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ أَنْتَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ.
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى طَلْحَةَ- وَ كَانَ لَهُ مُبْغِضاً مُنْذُ قَالَ لِأَبِي بِكْرٍ يَوْمَ وَفَاتِهِ: مَا قَالَ فِي عُمَرَ، وَ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ (8)- فَقَالَ لَهُ: أَقُولُ أَمْ أَسْكُتُ؟. قَالَ: قُلْ، فَإِنَّكَ لَا تَقُولُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئاً. قَالَ: أَمَا إِنِّي أَعْرِفُكَ مُنْذُ أُصِيبَتْ إِصْبَعُكَ يَوْمَ أُحُدٍ وَ الْبَأْوَ (9)
____________
(1) في المصدر زيادة: بعدي.
(2) هنا سقط جاء في شرح نهج البلاغة 1- 185 و هو: قال الشّيخ أبو عثمان الجاحظ: و اللّه لو لا علمه أنّ عمر يموت في مجلسه ذلك لم يقدم على أن يفوّه من هذا الكلام بكلمة! و لا ينبس منه بلفظة.
(3) هنا حاشية جاءت على (ك) غير معلّم محلّها، و موضعها هنا و هي: في حديث عمر و ذكر الزّبير فقال: وعقة لقس. الوعقة- بالسّكون- الّذي يضجر و يتبرّم. و اللّقس: السّيّئ الخلق، و قيل:
الشّحيح. النّهاية.
انظر: النّهاية 5- 207، 4- 264.
(4) في (س): طلاطم.
(5) في المصدر: أ فرأيت إن.
(6) لا توجد: إماما، في المصدر.
(7) خطّ على: لك، في (س).
(8) و قد تقدّم قريبا، و هي من زيادة المصنّف (رحمه اللّه).
(9) في (ك): اليأو. أقول: البأو: و هو بمعنى الكبر و الفخر، و نقل صاحب اللّسان عن الفقهاء: و في طلحة بأواء. قال في النّهاية 6- 2278: البأو: الكبر و الفخر .. و كذلك البأواء، و مثله في القاموس 4- 302، و سيأتي من المصنّف.
388
الَّذِي حَدَثَ لَكَ، وَ لَقَدْ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ هُوَ (1) سَاخِطاً (2) عَلَيْكَ لِلْكَلِمَةِ (3) الَّتِي قُلْتَهَا يَوْمَ أُنْزِلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ-، وَ الْكَلِمَةُ الْمَذْكُورَةُ هِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ قَالَ طَلْحَةُ: مَا الَّذِي يُغْنِيهِ حِجَابُهُنَّ الْيَوْمَ وَ سَيَمُوتُ غَداً فَنَنْكِحُهُنَّ، كَذَا ذَكَرُهُ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ عَنْ شَيْخِهِ الْجَاحِظِ (4).
وَ رَوَى الْمُفَسِّرُونَ (5)، عَنْ مُقَاتِلٍ، قَالَ: قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: لَئِنْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَأَنْكِحَنَّ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ: (وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً ...) (6) الْآيَةَ.
و قد مرّ (7) فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ طَلْحَةَ قَالَ: لَئِنْ أَمَاتَ اللَّهُ مُحَمَّداً لَنَرْكُضَنَّ بَيْنَ خَلَاخِيلِ نِسَائِهِ كَمَا رَكَضَ بَيْنَ خَلَاخِيلِ نِسَائِنَا.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (8): قَالَ الْجَاحِظُ: لَوْ قَالَ لِعُمَرَ قَائِلٌ: أَنْتَ قُلْتَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مَاتَ وَ هُوَ رَاضٍ عَنِ السِّتَّةِ، فَكَيْفَ تَقُولُ (9) لِطَلْحَةَ إِنَّهُ مَاتَ (صلّى اللّه عليه و آله) سَاخِطاً عَلَيْكَ لِلْكَلِمَةِ الَّتِي قُلْتَهَا لَكَانَ قَدْ
____________
(1) في (ك) خطّ على: و هو، و هي لا توجد في تاريخ الطّبريّ و شرح نهج البلاغة.
(2) كذا، و الظّاهر أنّها بالرّفع: ساخط.
(3) في المصدر: بالكلمة.
(4) في كتابه السّفيانيّة، قال في شرح النّهج: قال شيخنا أبو عثمان الجاحظ .. و ما ذكره هنا أورده المصنّف (رحمه اللّه) بألفاظ متقاربة و بتصرّف، و انظر: شرح نهج البلاغة 1- 185 و 13- 287.
(5) قاله الزّمخشريّ في الكشّاف 3- 556، و أخرجه ابن سعد عن الواقديّ بإسناده، و قاله عبد الرّزّاق في مسنده، و جاء عن طريق السّدّيّ، و بأسانيد متعدّدة صرّح في بعضها باسم طلحة و في أخرى:
إنّه رجل، كما لم يصرّح في بعض الرّوايات باسم عائشة، و انظر: الدّرّ المنثور للسّيوطيّ 5- 404، و غيرهما.
(6) الأحزاب: 53.
(7) بحار الأنوار 22- 239.
(8) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1- 186.
(9) في المصدر زيادة: الآن، و ذكرها في حاشية (ك) و نسبها إلى ابن أبي الحديد.
389
رَمَاهُ بِمَشَاقِصِهِ (1)، وَ لَكِنْ مَنِ الَّذِي كَانَ يَجْسُرُ (2) عَلَى عُمَرَ أَنْ يَقُولَ لَهُ مَا دُونَ هَذَا، فَكَيْفَ هَذَا؟.
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَنْتَ صَاحِبُ مِقْنَبٍ مِنْ هَذِهِ الْمَقَانِبِ تُقَاتِلُ بِهِ وَ صَاحِبُ قَنَصٍ (3) وَ قَوْسٍ وَ سَهْمٍ (4)، وَ مَا زُهْرَةُ (5) وَ الْخِلَافَةُ وَ أُمُورُ النَّاسِ؟!.
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَقَالَ: وَ أَمَّا أَنْتَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ! فَلَوْ وُزِنَ نِصْفُ إِيمَانِ الْمُسْلِمِينَ بِإِيمَانِكَ لَرَجَحَ إِيمَانُكَ وَ لَكِنْ لَا يَصْلُحُ لِهَذَا الْأَمْرِ مَنْ فِيهِ (6) ضَعْفٌ كَضَعْفِكَ، وَ مَا زُهَرَةُ وَ هَذَا الْأَمْرُ؟!.
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ (عليه السلام)، فَقَالَ: لِلَّهِ أَنْتَ، لَوْ لَا دُعَابَةٌ! فِيكَ، أَمَا وَ اللَّهِ لَئِنْ وُلِّيتَهُمْ لَتَحْمِلَنَّهُمْ عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ وَ الْحَقِّ الْوَاضِحِ (7).
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ: هِيهاً (8) إِلَيْكَ! كَأَنِّي بِكَ قَدْ قَلَّدَتْكَ قُرَيْشٌ هَذَا الْأَمْرَ لِحُبِّهَا إِيَّاكَ فَحَمَلْتَ بَنِي أُمَيَّةَ وَ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ وَ آثَرْتَهُمْ بِالْفَيْءِ فَسَارَتْ إِلَيْكَ عِصَابَةٌ (9) مِنْ ذُؤْبَانِ الْعَرَبِ فَذَبَحُوكَ عَلَى فِرَاشِكَ ذَبْحاً، وَ اللَّهِ لَئِنْ فَعَلُوا لَتَفْعَلَنَّ، وَ لَئِنْ فَعَلْتَ لَيَفْعَلُنَّ، ثُمَّ أَخَذَ بِنَاصِيَتِهِ، فَقَالَ: فَإِذَا (10) كَانَ ذَلِكَ فَاذْكُرْ قَوْلِي، فَإِنَّهُ كَائِنٌ.
____________
(1) في (س): بمناقضة. و جاء في حاشية (ك): و المشقص: النصال ما طال و عرض. صحاح.
انظر: الصّحاح 3- 1043 و فيه: من النصال.
(2) في (س): الكلمة مشوّشة و قد تقرأ: يجسر أو يجبر.
(3) قال في حاشية (ك): القائص: الصّائد، و كذلك القنص- بالتّحريك-. انظر: الصّحاح 3- 1054، و فيه القنص: الصّيد.
(4) في المصدر: و أسهم.
(5) و الزّهرة: قبيلة سعد بن أبي وقّاص. و في (ك): و ما زه- بفصل بين الزّاء و الهاء-.
(6) في المصدر: لرجح إيمانك به، و لكن ليس يصلح هذا الأمر لمن ..
(7) في المصدر بتقديم و تأخير: الحقّ الواضح و المحجّة البيضاء.
(8) في (س): هبها.
(9) في (س): غضابة.
(10) في (س): إذا.
390
قال ابن أبي الحديد (1): ذكر هذا الخبر كلّه أبو عثمان الجاحظ في (2) كتاب السفيانيّة، و ذكره جماعة غيره في باب فراسة عمر.
وَ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْفَائِقِ (3): إِنَّ عُمَرَ دَخَلَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ- حِينَ طُعِنَ فَرَآهُ مُغْتَمّاً لِمَنْ يَسْتَخْلِفُ بَعْدَهُ، فَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَذْكُرُ لَهُ أَصْحَابَهُ، فَذَكَرَ عُثْمَانَ، فَقَالَ: إِنَّهُ كَلِفٌ بِأَقَارِبِهِ، وَ رُوِيَ: أَخْشَى حَفَدَهُ وَ أُثْرَتَهُ (4). قَالَ: فَعَلِيٌّ؟.
قَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ فِيهِ دُعَابَةٌ!. قَالَ: فَطَلْحَةُ؟. قَالَ: لَوْ لَا بَأْوٌ فِيهِ. وَ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: الْأَكْنَعُ، إِنَّ فِيهِ بَأْوَاً أَوْ نَخْوَةً. قَالَ: فَالزُّبَيْرُ؟. قَالَ: وَعِقَةٌ لَقِسٌ. وَ قَالَ (5) رُوِيَ: ضَرِسٌ ضَبِسٌ (6)، أو قال: ضمس (7). وَ رُوِيَ: لَا يَصْلُحُ أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ إِلَّا حَصِيفُ الْعُقْدَةِ قَلِيلُ الْغِرَّةِ، الشَّدِيدُ فِي غَيْرِ عُنْفٍ. فَعَبْدُ الرَّحْمَنِ؟. قَالَ:
أَوْهِ! ذَكَرْتَ رَجُلًا صَالِحاً وَ (8) لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَ هَذَا الْأَمْرُ لَا يَصْلُحُ لَهُ إِلَّا اللَّيِّنُ مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ وَ الْقَوِيُّ مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ (9)، وَ (10) اللَّيِّنُ فِي غَيْرِ ضَعْفٍ، الْجَوَادُ فِي غَيْرِ
____________
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1- 186.
(2) في المصدر: كلّه شيخنا أبو عثمان في .. أقول: قال المسعودي في مروج الذهب 3- 253: إن الجاحظ ألّف كتابا في نصرة معاوية بن أبي سفيان!.
(3) الفائق للزّمخشريّ 3- 275- 276 دار المعرفة- بيروت [2- 425- 426].
(4) قال ابن الأثير في النّهاية 1- 22: و في حديث الآخر لمّا ذكر له عثمان للخلافة فقال: أخشى حفده و أثرته .. أي إيثاره.
(5) وضع في (ك) على: و قال، رمز نسخة بدل. و لا توجد في المصدر.
(6) قال في النهاية 3- 72: و الضّبيس: الصعب العسر، يقال: ضبس و ضبيس، و منه حديث عمر، و ذكر الزبير فقال: ضبس ضرس. و قال في 3- 83: الضرس: الصعب السيّئ الخلق، و منه حديث عمر .. قال في الزبير: هو ضبس ضرس. و قال في 3- 100: في حديث عمر قال عن الزبير:
ضرس ضمس. و الرواية: ضبس، و الميم قد تبدّل من الباء، و هما بمعنى الصعب العسر.
(7) في الفائق: ضميس. و ما هنا جاء نسخة هناك.
(8) لا توجد الواو في المصدر.
(9) من قوله: و روي لا يصلح .. إلى قوله: غير عنف، جعلها في (ك) جملة زائدة، و ذكرها بعينها بعد هذا. و هي كذلك في المصدر بتقديم و تأخير.
(10) لا توجد الواو في (ك).
391
سَرَفٍ، الْبَخِيلُ فِي غَيْرِ وَكَفٍ. قَالَ: فَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ؟. قَالَ: ذَاكَ (1) يَكُونُ فِي مِقْنَبٍ مِنْ مَقَانِبِكُمْ.
ثم فسّر ألفاظه، فقال (2): الكلف: الإيلاع بالشيء مع شغل القلب و المشقّة (3)، يقال: كلف فلان بهذا الأمر و بهذه الجارية فهو بها كلف مكلّف، و منه المثل: لا يكن حبّك كلفا و لا بغضك تلفا (4)، و هو من كلّف الشيء بمعنى تكلّفه ..
الحفد (5): الجمع و هو من أخوات الحفل و الحفش، و منه المحفد بمعنى المحفل، و احتفد بمعنى احتفل. عن (6) الأصمعي، و قيل: لمن يخف في الخدمة، و للسائر إذا خبّ: حافد، لأنّه يحتشد في ذلك، و يجمع له نفسه، و يأتي بخطئه متتابعة، ... و تقول العرب للأعوان و الخدم: الحفدة، و أخشى حفده .. أي حفوفه في مرضاة أقاربه (7).
الأثرة: الاستيثار بالفيء و غيره.
الدعابة- كالمزاحة- و دعب يدعب كمزح يمزح، و رجل دعب و دعابة.
البأو: العجب و الكبر.
الأكنع: الأشل، و قد كنعت أصابعه كنعا إذا تشنّجت (8)، ... و قد كانت أصيبت يده مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] وقاه بها يوم أحد.
____________
(1) في المصدر: ذلك.
(2) الفائق 3- 276.
(3) في المصدر: قلب و مشقّة.
(4) انظر المثل في مجمع الأمثال للميداني 2- 150.
(5) انظر المثل في مجمع الأمثال للميداني 2- 150.
(6) في (س): و عن.
(7) في الفائق: تقديم و تأخير و تغيّر.
(8) و قد تقرأ في مطبوع البحار: تشبّخت أيضا، و لا معنى لها.
392
النخوة: العظيمة (1) و الكبر. و قد نخا كزها و انتخى.
رجل وعقة لعقة (2) و وعق لعق .. إذا كان فيه حرص و وقوع في الأمر بجهل و ضيق نفس و سوء خلق ... و يخفّف فيقال: وعقة و وعق، و هو من العجلة و التسرّع، ... و يقال: ما أوعقك عن كذا .. أي ما أعجلك ...
لقست نفسه إلى الشيء: إذا نازعت إليه (3) و حرصت عليه لقسا، و الرجل لقس، و قيل: لقست: خبثت. و عن أبي زيد: اللقس: هو الذي يلقّب الناس و يسخر منهم، و يقال: النقس- بالنون- ينقس الناس نقسا.
الضرس: الشرس، الزعر من الناقة الضروس، و هي التي تعضّ حالبها، و يقال: اتّق الناقة بجزّ (4) ضراسها .. أي بحدثان نتاجها و سوء خلقها، و ذلك لشدّة عطفها على ولدها في هذا الوقت (5).
الضيس (6) و الضمس قريبان من الضرس، يقال: فلان ضيس شر، و جمعه أضياس.
الضمس: المضغ.
الوكف: الوقوع في المآثم و العيب، و قد وكف فلان يوكف وكفا و أوكفته أنا إذا أوقعته (7). قال (8):
الحافظو عورة العشيرة لا* * * يأتيهم من ورائهم وكف
____________
(1) في المصدر: العظمة.
(2) في الفائق: و قد يجيء كزهي و انتحى و رجل وعقه و لعقه.
(3) في الفائق: نازعته.
(4) في (س): بحزّ. و في المصدر: فإنها بجن.
(5) في الفائق: بتقديم في هذا الوقت على: و ذلك.
(6) كذا، و الظاهر: الضّبس- بالباء الموحّدة- كما في المصدر، و كذا ما بعدها من الكلمات من هذه المادة.
(7) هنا زيادة: فيه، جاءت في المصدر.
(8) جاء في حاشية (ك) ما يلي: الشاعر: عمرو بن إمرئ القيس، و يقال: قيس بن الخطيم.
393
و هو من وكف المطر إذا وقع، و (1) منه توكّف الخبر (2) و هو توقّعه.
المقنب من الخيل .. الأربعون و (3) الخمسون.
و في كتاب العين زهاء ثلاثمائة (4)، يعني أنّه صاحب جيوش، و ليس يصلح (5) لهذا الأمر. انتهى كلام الزمخشري (6).
وَ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْإِسْتِيعَابِ (7) أَنَّهُ قَالَ فِي عَلِيٍّ (عليه السلام): إِنْ وَلَّوْهَا الْأَجْلَحَ سَلَكَ بِهِمُ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُقَدِّمَ عَلِيّاً؟. قَالَ: أَكْرَهُ أَنْ أَتَحَمَّلَهَا (8) حَيّاً وَ مَيِّتاً.
وَ حَكَاهُ السَّيِّدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الشَّافِي (9)، عَنِ الْبَلاذُرِيِّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ عَفَّانَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ مَسْلَمَةَ (10)، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ مُسْتَنِداً إِلَى ابْنِ الْعَبَّاسِ- وَ عِنْدَهُ ابْنُ عُمَرَ وَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ-، فَقَالَ: اعْلَمُوا أَنِّي لَمْ أَقُلْ فِي الْكَلَالَةِ شَيْئاً، وَ لَمْ أَسْتَخْلِفْ بَعْدِي أَحَداً، وَ إِنَّهُ مَنْ أَدْرَكَ وَفَاتِي مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ فَهُوَ حُرٌّ مِنْ مَالِ اللَّهِ. فَقَالَ (11) سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَشَرْتَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ائْتَمَنَكَ النَّاسُ. فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ رَأَيْتُ مِنْ أَصْحَابِي حِرْصاً شَنِيعاً (12) وَ أَنَا جَاعِلٌ هَذَا الْأَمْرَ إِلَى هَؤُلَاءِ النَّفَرِ السِّتَّةِ الَّذِينَ مَاتَ
____________
(1) لا توجد الواو في (ك).
(2) في (ك): الخير.
(3) في (ك): أو، بدلا من: الواو.
(4) في (ك): أو، بدلا من: الواو.
(5) في المصدر: و لا يصلح.
(6) الفائق 3- 276- 278، مع اختصار و اختلاف أشرنا له.
(7) الاستيعاب المطبوع هامش الإصابة 2- 469.
(8) في المصدر: أحملها.
(9) الشّافي 3- 197- 198.
(10) في المصدر: سلمة.
(11) في الشّافي: قال.
(12) في المصدر: سيّئا.
394
رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ هُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ أَدْرَكَنِي أَحَدُ رَجُلَيْنِ فَجَعَلْتُ هَذَا الْأَمْرَ إِلَيْهِ لَوَثِقْتُ بِهِ، سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَأَيْنَ أَنْتَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؟. فَقَالَ لَهُ: قَاتَلَكَ اللَّهُ! وَ اللَّهِ مَا أَرَدْتَ اللَّهَ بِهَا، مَا (1) أَسْتَخْلِفُ رَجُلًا لَمْ يُحْسِنْ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ. قَالَ عَفَّانُ: يَعْنِي بِالرَّجُلِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ (2) بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ (3).
و قال في موضع آخر منه (4): رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُيَيْنَةَ (5)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: لَا أَدْرِي مَا أَصْنَعُ بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله)؟!- وَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُطْعَنَ-، فَقُلْتُ: وَ لِمَ تَهْتَمُّ وَ أَنْتَ تَجِدُ مَنْ تَسْتَخْلِفُهُ عَلَيْهِمْ؟. قَالَ: أَ صَاحِبُكُمْ؟
يَعْنِي عَلِيّاً (عليه السلام). قُلْتُ: نَعَمْ وَ اللَّهِ هُوَ لَهَا أَهْلٌ فِي قَرَابَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ وَ صِهْرِهِ وَ سَابِقَتِهِ وَ بَلَائِهِ. فَقَالَ (6) عُمَرُ: إِنَّ فِيهِ بَطَالَةً وَ فُكَاهَةً. قُلْتُ: فَأَيْنَ أَنْتَ عَنْ طَلْحَةَ؟. قَالَ: فَإِنَّ فِيهِ (7) الزَّهْوَ وَ النَّخْوَةَ. قُلْتُ:
عَبْدُ الرَّحْمَنِ؟. قَالَ: رَجُلٌ صَالِحٌ عَلَى ضَعْفٍ فِيهِ. قُلْتُ: فَسَعْدٌ؟. قَالَ: ذَلِكَ صَاحِبُ مِقْنَبٍ وَ قِتَالٍ لَا يَقُومُ بِقَرْيَةٍ لَوْ حَمَلَ أَمْرَهَا. قُلْتُ: فَالزُّبَيْرُ؟. قَالَ: وَعِقَةٌ لَقِسٌ، مُؤْمِنُ الرِّضَا كَافِرُ الْغَضَبِ، شَحِيحٌ، وَ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَصْلُحُ (8) إِلَّا لِقَوِيٍّ فِي غَيْرِ عُنْفٍ، رَفِيقٍ فِي غَيْرِ ضَعْفٍ، جَوَادٍ فِي غَيْرِ سَرَفٍ. قُلْتُ: فَأَيْنَ أَنْتَ عَنْ
____________
(1) لا توجد: ما، في المصدر، و عليه فتصبح الجملة استفهاميّة.
(2) في الشّافي: عليه، بدلا من: إليه.
(3) و أورده ابن الأثير في الكامل 3- 34 و غيره.
(4) الشافي 4- 202- 203، و قريب منه في الشافي أيضا 3- 197.
(5) في المصدر: عتبة.
(6) في (س): و قال.
(7) في المصدر: فأين، بدلا من: فإنّ فيه.
(8) في الشّافي زيادة: له.
395
عُثْمَانَ (1)؟. قَالَ: لَوْ وَلِيَهَا لَحَمَلَ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، وَ لَوْ فَعَلَهَا لَقَتَلُوهُ.
وَ رَوَى أَحْمَدُ بْنُ أَعْثَمَ فِي تَارِيخِهِ (2): أَنَّ كَلَامَهُ فِي حَقِّ السِّتَّةِ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَطْعَنَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، وَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا هَدَّدَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ- وَ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فِي غَدِهِ وَ ذَكَرَ رُؤْيَا رَآهَا فِي لَيْلَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَا أَرْتَابُ فِي اقْتِرَابِ أَجَلِي فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَاخْتَارُوا رَجُلًا مِنَ السِّتَّةِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ (3) رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ هُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ .. وَ ذَكَرَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ، ثُمَّ نَزَلَ فَأَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ وَ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ تَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ وَ قَالَ: إِنِّي لَا أَجْزَعُ مِنَ الْمَوْتِ وَ لَكِنْ أَحْزَنُ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ بَعْدِي، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: مَا تَقُولُ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، فَقَدْ لَاحَ لَكَ أَمْرُهُ فِي الْهِجْرَةِ وَ الْقَرَابَةِ وَ السَّوَابِقِ؟. فَقَالَ: صَدَقْتَ (4) يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! وَ إِنِّي لَأَعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ صَارَ إِلَيْهِ لَأَقَامَ النَّاسَ عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ، وَ لَكِنِّي يَمْنَعُنِي مِنْهُ دُعَابَةٌ فِيهِ وَ حِرْصُهُ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ .. ثُمَّ ذَكَرَ كُلًّا مِنَ الْبَاقِينَ وَ عَابَهُ بِنَحْوٍ مِمَّا ذُكِرَ آنِفاً، ثُمَّ تَأَسَّفَ عَلَى فَقْدِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَ أَبِي عُبَيْدَةَ، ثُمَّ دَخَلَ دَارَهُ.
قَالَ (5): ثُمَّ طَعَنَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَنْجَرٍ لَهُ رَأْسَانِ وَ قَبْضَتُهُ فِي وَسَطِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ (6): وَ لَمْ يَكُنْ طَلْحَةُ يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: انْتَظِرُوا بِطَلْحَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ جَاءَ وَ إِلَّا فَاخْتَارُوا رَجُلًا مِنَ الْخَمْسَةِ.
____________
(1) في المصدر: أين أنت و عثمان.
(2) الفتوح 1- 323- 324، باختصار و تصرّف.
(3) في الفتوح: فارقهم.
(4) في تاريخ ابن أعثم: و اللّه- يا ابن عبّاس- و إنّه لكما تقول، و لو أنّه ولي هذا الأمر من بعدي لحملكم- و اللّه- على طريقة من الحقّ تعرفونها.
(5) تاريخ ابن أعثم 1- 326.
(6) الفتوح 1- 327.
396
وَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُ (1): إِنَّ طَلْحَةَ لَمْ يُذْكَرْ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ وَ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ.
ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: انْهَضُوا (2) إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ (3) فَتَشَاوَرُوا فِيهَا، وَ وَضَعَ رَأْسَهُ وَ قَدْ نَزَفَهُ الدَّمُ، فَدَخَلُوا الْحُجْرَةَ وَ تَنَاجَوْا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: (4) إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَمُتْ بَعْدُ فَفِيمَ هَذَا اللَّغَطُ؟!، وَ انْتَبَهَ عُمَرُ وَ سَمِعَ الْأَصْوَاتَ، فَقَالَ: أَعْرِضُوا عَنْهَا فَإِذَا أَنَا مِتُّ فَتَشَاوَرُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَ لْيُصَلِّ بِالنَّاسِ صُهَيْبٌ، وَ لَا يَأْتِيَنَّ الْيَوْمُ الرَّابِعُ مِنْ مَوْتِي إِلَّا وَ عَلَيْكُمْ أَمِيرٌ، وَ لْيَحْضُرْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مُشِيراً وَ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الْأَمْرِ، وَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ شَرِيكُكُمْ فِي الْأَمْرِ، فَإِنْ قَدِمَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَأَحْضِرُوهُ أَمْرَكُمْ، وَ إِلَّا فَأَرْضُوهُ، وَ مَنْ لِي بِرِضَا طَلْحَةَ!. فَقَالَ سَعْدٌ: أَنَا لَكَ بِهِ وَ لَنْ نُخَالِفَ (5) إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ (6) وَصِيَّتَهُ لِأَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ وَ مَا خُصَّ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ مِنْ كَوْنِ الْحَقِّ فِي الْفِئَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَ أَمَرَهُ بِقَتْلِ مَنْ يُخَالِفُ، ثُمَّ خَرَجَ النَّاسُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِلْعَبَّاسِ: عُدِلَ بِالْأَمْرِ عَنِّي يَا عَمِ (7)؟. قَالَ: وَ مَا عِلْمُكَ؟. قَالَ: قَرَنَ بِي عُثْمَانَ، وَ قَالَ (8): كُونُوا مَعَ الْأَكْثَرِ، فَإِنْ رَضِيَ رَجُلَانِ رَجُلًا وَ رَجُلَانِ رَجُلًا فَكُونَا مَعَ الَّذِينَ فِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَسَعْدٌ لَا يُخَالِفُ ابْنَ عَمِّهِ، وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ صِهْرُ عُثْمَانَ لَا يَخْتَلِفَانِ، فَيُوَلِّيهَا أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَلَوْ كَانَ الْآخَرَانِ مَعِي لَمْ يُغْنِيَا شَيْئاً. فَقَالَ الْعَبَّاسُ: لَمْ أَرْفَعْكَ إِلَى شَيْءٍ إِلَّا رَجَعْتَ إِلَيَّ مُسْتَأْخِراً بِمَا أَكْرَهُ، أَشَرْتُ عَلَيْكَ عِنْدَ
____________
(1) تاريخ الطّبريّ 3- 293 حوادث سنة 23 ه، باختلاف يسير.
(2) في المصدر: فانهضوا.
(3) في تاريخ الطّبريّ زيادة: بإذن منها.
(4) في المصدر زيادة: سبحان اللّه.
(5) في المصدر: و لا يخالف.
(6) أي الطّبريّ في تاريخه 3- 294- 295 مع اختلاف و اختصار.
(7) في المصدر: عدلت عنّا، بدلا من: عدل بالأمر عنّي يا عمّ.
(8) في (ك): و قال عمر.
397
مَرَضِ (1) رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنْ تَسْأَلَهُ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ فِيمَنْ هُوَ؟ فَأَبَيْتَ، وَ أَشَرْتُ عَلَيْكَ عِنْدَ (2) وَفَاتِهِ أَنْ تُعَاجِلَ الْبَيْعَةَ (3) فَأَبَيْتَ، وَ قَدْ أَشَرْتُ عَلَيْكَ حِينَ سَمَّاكَ عُمَرُ فِي الشُّورَى الْيَوْمَ أَنْ تَرْفَعَ نَفْسَكَ عَنْهَا وَ لَا تَدْخُلَ مَعَهُمْ، فَأَبَيْتَ، فَاحْفَظْ عَنِّي وَاحِدَةً، كُلَّمَا عَرَضَ عَلَيْكَ الْقَوْمُ الْأَمْرَ فَقُلْ: لَا، إِلَّا أَنْ يُوَلُّوكَ، وَ اعْلَمْ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَا (4) يَبْرَحُونَ يَدْفَعُونَكَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ حَتَّى يَقُومَ لَكَ بِهِ غَيْرُكَ، وَ ايْمُ اللَّهِ لَا تَنَالُهُ إِلَّا بِشَّرٍ لَا يَنْفَعُ مَعَهُ خَيْرٌ.
فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): أَمَا إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُمْ سَيُوَلُّونَ عُثْمَانَ، وَ لَيُحْدِثَنَّ الْبِدَعَ وَ الْأَحْدَاثَ، وَ لَئِنْ بَقِيَ لَأُذَكِّرَنَّكَ وَ إِنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ لَيَتَدَاوَلُنَّهَا (5) بَنُو أُمَيَّةَ بَيْنَهُمْ، وَ إِنْ كُنْتُ حَيّاً لَتَجِدُنِي حَيْثُ يَكْرَهُونَ، ثُمَّ تَمَثَّلَ:
حَلَفْتُ (6)بِرَبِّ الرَّاقِصَاتِ عَشِيَّةَ* * * غَدَوْنَ خِفَافاً يَبْتَدِرْنَ (7) الْمُحَصَّبَا (8)
لَيَحْتَلِبَنَ (9) رَهْطَ ابْنِ يَعْمَرَ غُدْوَةً (10)* * * بَخِيعاً (11) بَنُو الشُّدَّاخِ (12) وِرْداً مُصَلَّبَا
____________
(1) في تاريخ الطّبريّ: وفاة.
(2) في المصدر: بعد، بدلا من: عند.
(3) في المصدر: الأمر، بدلا من: البيعة.
(4) في المصدر: و احذر هؤلاء الرّهط فإنّهم لا ..
(5) جاء في حاشية (ك): ليناولونها. ابن أبي الحديد.
(6) في (س): حلقت.
(7) في المصدر: فتبدرن، و في (س): يبتدرون. و جاء في حاشية (ك): فابتدرن. الكامل.
(8) قال في النّهاية 1- 393: حصبوا .. أي أقيموا بالمحصّب، و هو الشّعب الّذي مخرجه إلى الأبطح بين مكّة و منى.
(9) في المصدر: ليحتلينّ، و جاء في حاشية (ك): ليحتلبا. كامل.
(10) في المصدر: مارئا، و في (ك) نسخة: فارسا. كامل.
(11) في المصدر: نجيعا. قال في النّهاية 1- 102: بخع أنفسهم .. أي قهرها و إذلالها بالطّاعة.
(12) قال في القاموس 1- 262: و يعمر الشّدّاخ- كطوّال و طيّاب، و قد يفتح- أحد حكّامهم حكم بين قضاعة و قصيّ في أمر الكعبة، و كثر القتل فشدخ دماء قضاعة تحت قدمه و أبطلها فقضى بالبيت لقصيّ.
398
قَالَ (1): ثُمَّ الْتَفَتَ فَرَأَى أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ فَكَرِهَ مَكَانَهُ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: لَا تَرُعْ أَبَا حَسَنٍ .. و هذا الذي حكيناه عن الطبري.
ذكره ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْكَامِلِ (2)، قَالُوا: ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: ادعُو لِي أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ، فَدَعَوْهُ لَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا طَلْحَةَ! إِنَّ اللَّهَ طَالَمَا أَعَزَّ بِكُمُ الْإِسْلَامَ، فَإِذَا عُدْتُمْ مِنْ حُفْرَتِي (3) فَاخْتَرْ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ حَامِلِي سُيُوفِهِمْ وَ خُذْ هَؤُلَاءِ النَّفَرَ بِإِمْضَاءِ الْأَمْرِ وَ تَعْجِيلِهِ، وَ اجْمَعْهُمْ فِي بَيْتٍ وَ قِفْ بِأَصْحَابِكَ عَلَى بَابِ الْبَيْتِ لِيَتَشَاوَرُوا وَ يَخْتَارُوا وَاحِداً مِنْهُمْ، فَإِنِ اتَّفَقَ خَمْسٌ وَ أَبَى وَاحِدٌ فَاشْدَخْ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ، وَ إِنِ اتَّفَقَ أَرْبَعَةٌ وَ أَبَى اثْنَانِ فَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمَا، وَ إِنِ اتَّفَقَ ثَلَاثَةٌ وَ خَالَفَ ثَلَاثَةٌ فَانْظُرِ الثَّلَاثَةَ الَّتِي فِيهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَإِنْ أَصَرَّتِ الثَّلَاثَةُ الْأُخْرَى عَلَى خِلَافِهَا فَاضْرِبْ أَعْنَاقَهَا.
وَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْأَثِيرِ (4): فَإِنْ رَضِيَ ثَلَاثَةٌ فَحَكِّمُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، فَإِنْ لَمْ يَرْضَوْا بِحُكْمِ عَبْدِ اللَّهِ فَكُونُوا مَعَ الَّذِينَ فِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَ اقْتُلُوا الْبَاقِينَ.
ثُمَّ قَالَ (5): وَ إِنْ مَضَتْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى الْأَمْرِ فَاضْرِبْ أَعْنَاقَ السِّتَّةِ وَ دَعِ الْمُسْلِمِينَ يَخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ، فَلَمَّا دُفِنَ عُمَرُ، جَمَعَهُمْ أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ فِي بَيْتِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَ قِيلَ: فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَ قِيلَ: فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ بِإِذْنِهَا، وَ وَقَفَ عَلَى بَابِ الْبَيْتِ بِالسَّيْفِ فِي خَمْسِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ حَامِلِي سُيُوفِهِمْ، فَجَاءَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَجَلَسَا عَلَى بَابِ الْبَيْتِ فَحَصَبَهُمَا (6) سَعْدٌ
____________
(1) أي الطّبريّ في تاريخه 3- 295، و لا توجد: قال، في (س).
(2) الكامل لابن الأثير 3- 35، باختلاف يسير و اختصار، و لا زال الكلام لابن أبي الحديد في شرح النّهج 1- 187.
(3) لا توجد: فإذا عدتم من حفرتي، في المصدر.
(4) الكامل لابن الأثير 3- 35.
(5) أي ابن أبي الحديد المعتزليّ في شرحه على نهج البلاغة 1- 187- 188، مع اختلاف يسير.
(6) جاء في حاشية (ك): رجمها بالحصباء. نهاية.
انظر: النّهاية لابن الأثير 1- 394.
399
وَ أَقَامَهُمَا وَ قَالَ: تُرِيدَانِ أَنْ تَقُولَا حَضَرْنَا وَ كُنَّا فِي أَهْلِ الشُّورَى، ثُمَّ تَكَلَّمَ أَهْلُ الشُّورَى فَأَشْهَدَهُمْ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ وَهَبَ حَقَّهُ مِنَ الشُّورَى لِعُثْمَانَ، وَ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ أَنَّ النَّاسَ لَا يَعْدِلُونَ بِهِ عَلِيّاً (عليه السلام) وَ عُثْمَانَ، وَ أَنَّ الْخِلَافَةَ لَا تَخْلُصُ لَهُ، فَأَرَادَ تَقْوِيَةَ أَمْرِ عُثْمَانَ وَ إِضْعَافَ جَانِبِ عَلِيٍّ (عليه السلام) بِهِبَتِهِ أمر [أَمْراً (1) لَا انْتِفَاعَ لَهُ بِهِ، وَ ذَلِكَ كَانَ لِانْحِرَافِهِ عَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام) لِكَوْنِهِ تَيْمِيّاً وَ ابْنَ عَمِّ أَبِي بَكْرٍ، وَ قَدْ كَانَ فِي صُدُورِ بَنِي هَاشِمٍ حَنَقٌ وَ غَيْظٌ عَلَى بَنِي تَيْمٍ لِخِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَ كَذَا فِي صُدُورِ تَيْمٍ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، فَلَمَّا رَأَى زُبَيْرٌ ذَلِكَ قَالَ: وَ أَنَا أُشْهِدُكُمْ عَلَى نَفْسِي أَنِّي قَدْ وَهَبْتُ حَقِّي مِنَ الشُّورَى لِعَلِيٍّ (عليه السلام)، وَ ذَلِكَ لِمَا دَخَلَتْهُ مِنْ حَمِيَّةِ النَّسَبِ، وَ ذَلِكَ (2) لِأَنَّهُ كَانَ ابْنَ عَمَّةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، وَ هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَ كَانَ أَبُو طَالِبٍ (عليه السلام) خَالَهُ فَبَقِيَ مِنَ السِّتَّةِ أَرْبَعَةٌ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ: وَ أَنَا قَدْ وَهَبْتُ حَقِّي لِابْنِ عَمِّي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمَا كَانَا مِنْ بَنِي زُهْرَةَ، وَ كَانَ سَعْدٌ يَعْلَمُ أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَتِمُّ لَهُ، فَلَمَّا (3) لَمْ يَبْقَ إِلَّا الثَّلَاثَةُ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِعَلِيٍّ (عليه السلام) وَ عُثْمَانَ: أَيُّكُمَا يُخْرِجُ نَفْسَهُ مِنَ الْخِلَافَةِ وَ يَكُونَ إِلَيْهِ الِاخْتِيَارُ فِي الِاثْنَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ؟!. فَلَمْ يَتَكَلَّمْ مِنْهُمَا أَحَدٌ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ (4) نَفْسِي مِنَ الْخِلَافَةِ عَلَى أَنْ أَخْتَارَ أَحَدَهُمَا (5)، فَأَمْسَكَا، فَبَدَأَ بِعَلِيٍّ (عليه السلام)، فَقَالَ لَهُ: أُبَايِعُكَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ رَسُولِهِ ص وَ سِيرَةِ الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ. فَقَالَ: بَلْ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ رَسُولِهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ اجْتِهَادِ رَأْيِي، فَعَدَلَ عَنْهُ إِلَى عُثْمَانَ، فَعَرَضَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَقَالَ:
نَعَمْ، فَعَادَ إِلَى عَلِيٍّ (ع) فَأَعَادَ قَوْلَهُ، فَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ذَلِكَ ثَلَاثاً، فَلَمَّا رَأَى أَنَّ عَلِيّاً
____________
(1) كذا، و الظّاهر: أمرا- بالنّصب-، و يحتمل أن تكون بهبة- بدون ضمير-.
(2) خطّ على: و ذلك، في (ك).
(3) لا توجد: فلمّا، في (س).
(4) في (ك): خرّجت.
(5) وضع على: أحدهما، رمز نسخة بدل في (ك).
400
غَيْرُ رَاجِعٍ عَمَّا قَالَهُ، وَ أَنَّ عُثْمَانَ يُنْعِمُ (1) لَهُ بِالْإِجَابَةِ، صَفَقَ عَلَى يَدِ عُثْمَانَ، فَقَالَ:
السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): وَ اللَّهِ مَا فَعَلْتَهَا إِلَّا لِأَنَّكَ رَجَوْتَ مِنْهُ مَا رَجَا صَاحِبُكُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، دَقَّ اللَّهُ بَيْنَكُمَا عِطْرَ مَنْشِمَ. قَالُوا: فَفَسَدَ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَ عُثْمَانَ وَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ حَتَّى مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ.
وَ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (2)، عَنْ أَبِي (3) هِلَالٍ الْعَسْكَرِيِّ فِي كِتَابِ الْأَوَائِلِ:
اسْتُجِيبَتْ دَعْوَةُ عَلِيٍّ (عليه السلام) فِي عُثْمَانَ وَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَمَا مَاتَا إِلَّا مُتَهَاجِرَيْنِ مُتَعَادِيَيْنِ، ... وَ لَمَّا بَنَى عُثْمَانُ قَصْرَهُ طَمَارَ (4) وَ الزَّوْرَاءَ (5) وَ صَنَعَ طَعَاماً كَثِيراً وَ دَعَا النَّاسَ إِلَيْهِ كَانَ فِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الْبِنَاءِ وَ الطَّعَامِ، قَالَ: يَا ابْنَ عَفَّانَ! لَقَدْ صَدَّقْنَا عَلَيْكَ مَا كُنَّا نُكَذِّبُ فِيكَ، وَ إِنِّي أَسْتَعِيذُ اللَّهَ (6) مِنْ بَيْعَتِكَ، فَغَضِبَ عُثْمَانُ، وَ قَالَ: أَخْرِجْهُ عَنِّي يَا غُلَامُ، فَأَخْرَجُوهُ، وَ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ لَا يُجَالِسُوهُ، فَلَمْ يَكُنْ يَأْتِيهِ أَحَدٌ إِلَّا ابْنُ عَبَّاسٍ، كَانَ يَأْتِيهِ فَيَتَعَلَّمُ مِنْهُ الْقُرْآنَ وَ الْفَرَائِضَ، وَ مَرِضَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَعَادَهُ عُثْمَانُ وَ كَلَّمَهُ فَلَمْ يُكَلِّمْهُ حَتَّى مَاتَ.
و الذي يظهر من رواية ابن الأثير في الكامل و محمد بن جرير في تاريخه هو أنّه لم يتحقّق بيعة عثمان في اليوم الأول من الشورى.
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ (7): كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَدُورُ لَيَالِيَهُ يَلْقَى أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ
____________
(1) جاء في حاشية (ك) ما يلي: أنعم له: أي قال له و نعم. صحاح.
انظر: الصّحاح 5- 2043.
(2) شرح نهج البلاغة 1- 196.
(3) لا توجد: أبي، في (س).
(4) جاء في حاشية (ك): و طمار- بالفتح- المكان المرتفع. و الزّوراء .. موضع بالمدينة يقف المؤذّنون على سطحه. مجمع.
انظر: مجمع البحرين 3- 330، و 3- 377 و فيه: و الزّوراء- بالفتح و المدّ- بغداد و موضع ..
إلى آخره.
(5) في المصدر: بالزّوراء.
(6) في (ك) نسخة بدل: باللّه، و قد جاءت في المصدر.
(7) الكامل 3- 36، باختلاف و تصرّف.
401
(صلّى اللّه عليه و آله) وَ أُمَرَاءَ الْأَجْنَادِ يُشَاوِرُهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي صَبِيحَتُهَا تُسْتَكْمَلُ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي أَجَّلَهَا عُمَرُ أَتَى مَنْزِلَ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ فَأَيْقَظَهُ، وَ قَالَ:
إِنِّي لَمْ أَذُقْ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ كَثِيرَ (1) غُمْضٍ، فَانْطَلِقْ فَادْعُ الزُّبَيْرَ وَ سَعْداً، فَدَعَاهُمَا فَبَدَأَ بِالزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهُ: خَلِ (2) ابْنَيْ عَبْدِ مَنَافٍ وَ (3) هَذَا الْأَمْرَ، فَقَالَ: نَصِيبِي لِعَلِيٍّ (عليه السلام)، وَ قَالَ لِسَعْدٍ: اجْعَلْ نَصِيبَكَ لِي. فَقَالَ: إِنِ اخْتَرْتَ نَفْسَكَ فَنَعَمْ، وَ إِنِ اخْتَرْتَ عُثْمَانَ فَعَلِيٌّ أَحَبُّ إِلَيَّ، أَيُّهَا الرَّجُلُ! بَايِعْ لِنَفْسِكَ وَ أَرِحْنَا. فَقَالَ لَهُ: جَعَلْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ أَخْتَارَ (4) وَ إِنْ (5) لَمْ أَفْعَلْ لَمْ أَرُدَّهَا، إِنِّي رَأَيْتُ رَوْضَةً خَضْرَاءَ كَثِيرَةَ الْعُشْبِ فَدَخَلَ فَحْلٌ مَا رَأَيْتُ أَكْرَمَ مِنْهُ فَمَرَّ كَأَنَّهُ سَهْمٌ وَ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا حَتَّى قَطَعَهَا وَ لَمْ يَعْرُجْ، وَ دَخَلَ بَعِيرٌ يَتْلُوهُ وَ اتَّبَعَ أَثَرَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا، ثُمَّ دَخَلَ فَحْلٌ عَبْقَرِيٌّ يَجُرُّ خِطَامَهُ (6) وَ مَضَى قَصْدَ الْأَوَّلَيْنِ، ثُمَّ دَخَلَ بَعِيرٌ رَابِعٌ فَوَقَعَ (7) فِي الرَّوْضَةِ، وَ لَا (8) وَ اللَّهِ لَا أَكُونُ الرَّابِعَ، إِنَّ أَحَداً (9) وَ لَا يَقُومُ مَقَامَ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ بَعْدَهُمَا فَيَرْضَى النَّاسُ عَنْهُ.
قَالَ (10): وَ أَرْسَلَ الْمِسْوَرُ يَسْتَدْعِي عَلِيّاً فَنَاجَاهُ طَوِيلًا ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى عُثْمَانَ
____________
(1) في (ك) نسخة بدل: كبير.
(2) في (ك): خلو، و جعل كلمة: خلّ، نسخة بدل.
(3) لا توجد الواو في (س).
(4) جاء في حاشية (ك) ما يلي: قد خلعت نفسي على أن أختار، كذا في الكامل، و في النّسخ [كذا] البحار الموجودة عندي، كما في المتن. محمّد خليل.
أقول: و هو يختلف عمّا في الكامل المطبوع، فراجع.
(5) في (ك) نسخة بدل: و لو، بدلا من: و إن.
(6) في (س): حطامه.
(7) في المصدر: مرتع.
(8) لا توجد الواو في (ك).
(9) في (ك) نسخة بدل: و إنّ، و جاء في حاشيتها: و إن أحد، ليس في الكامل.
أقول: لعلّ الواو زائدة من المتن، أي إنّ أحدا لا يقوم .. إلى آخره.
(10) أي ابن الأثير في الكامل 3- 37. باختلاف يسير.
402
فَتَنَاجَيَا حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الصُّبْحُ ...، فَلَمَّا صَلَّوُا الصُّبْحَ جَمَعَ الرَّهْطَ وَ بَعَثَ إِلَى مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ أَهْلِ السَّابِقَةِ وَ الْفَضْلِ مِنَ الْأَنْصَارِ وَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ فَاجْتَمَعُوا حَتَّى ارْتَجَّ الْمَسْجِدُ بِأَهْلِهِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَحَبُّوا (1) أَنْ يَرْجِعَ أَهْلُ الْأَمْصَارِ إِلَى أَمْصَارِهِمْ فَأَشِيرُوا عَلَيَّ؟. فَقَالَ عَمَّارٌ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ النَّاسُ فَبَايِعْ عَلِيّاً (عليه السلام). فَقَالَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ: صَدَقَ عَمَّارٌ، إِنْ بَايَعْتَ عَلِيّاً (عليه السلام) قُلْنَا سَمْعاً وَ طَاعَةً. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ (2) بْنُ أَبِي سَرْحٍ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ قُرَيْشٌ فَبَايِعْ عُثْمَانَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ:
صَدَقَ، إِنِ بَايَعْتَ عُثْمَانَ قُلْنَا سَمِعْنَا وَ أَطَعْنَا (3) ...، فَشَتَمَ عَمَّارٌ ابْنَ أَبِي سَرْحٍ، وَ قَالَ: مَتَى كُنْتَ تَنْصَحُ الْمُسْلِمِينَ؟!. فَتَكَلَّمَ بَنُو هَاشِمٍ وَ بَنُو أُمَيَّةَ، فَقَالَ عَمَّارٌ:
أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللَّهَ أَكْرَمَنَا بِنَبِيِّهِ (4) فَأَنَّى تَصْرِفُونَ هَذَا الْأَمْرَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ؟!. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: لَقَدْ عَدَوْتَ طَوْرَكَ يَا ابْنَ سُمَيَّةَ، وَ مَا أَنْتَ وَ تَأْمِيرَ قُرَيْشٍ لِأَنْفُسِهَا. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ! افْرُغْ مِنْ أَمْرِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْتَتِنَ النَّاسُ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ (5): إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ وَ شَاوَرْتُ فَلَا تَجْعَلَنَّ أَيُّهَا الرَّهْطُ- عَلَى أَنْفُسِكُمْ سَبِيلًا، وَ دَعَا عَلِيّاً (عليه السلام)، فَقَالَ: عَلَيْكَ عَهْدُ اللَّهِ وَ مِيثَاقُهُ لَتَعْمَلَنَّ بِكِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ رَسُولِهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سِيرَةِ الْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ. قَالَ: أَرْجُو أَنْ أَفْعَلَ وَ أَعْمَلَ بِمَبْلَغِ عِلْمِي وَ طَاقَتِي، وَ دَعَا عُثْمَانَ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِعَلِيٍّ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَرَفَعَ (6) عَبْدُ الرَّحْمَنِ رَأْسَهُ إِلَى سَقْفِ الْمَسْجِدِ وَ يَدُهُ فِي يَدِ عُثْمَانَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْمَعْ وَ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ إِنِّي جَعَلْتُ مَا بِرَقَبَتِي مِنْ ذَاكَ فِي رَقَبَةِ عُثْمَانَ، فَبَايَعَهُ. فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): لَيْسَ هَذَا بِأَوَّلِ يَوْمٍ تَظَاهَرْتُمْ فِيهِ
____________
(1) في المصدر: أجمعوا.
(2) في (س): عبد الرّحمن.
(3) جاء في حاشية (ك): فتبسّم ابن أبي سرح فقال عمّار: متى .. كامل.
(4) في المصدر زيادة: و أعزّنا بدينه.
(5) في (س): فقال يا عبد الرّحمن.
(6) في (س): فوقع.
403
عَلَيْنَا، (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) (1)، وَ اللَّهِ مَا وَلَّيْتَ عُثْمَانَ إِلَّا لِيَرُدَّ الْأَمْرَ إِلَيْكَ، وَ اللَّهُ كُلَّ يَوْمٍ فِي شَأْنٍ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يَا عَلِيُّ! لَا تَجْعَلَنَّ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلًا- يَعْنِي يَقْتُلُكَ أَبُو طَلْحَةَ حَسَبَ مَا أَمَرَهُ بِهِ عُمَرُ-. فَخَرَجَ عَلِيٌّ (عليه السلام) وَ هُوَ يَقُولُ: سَيَبْلُغُ الْكِتَابُ أَجَلَهُ. فَقَالَ عَمَّارٌ (2): يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ! لَقَدْ تَرَكْتُهُ وَ إِنَّهُ مِنَ الَّذِينَ يَقْضُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ ...، ثُمَّ قَالَ الْمِقْدَادُ: تَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَ مَا أُتِيَ إِلَى أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ، إِنِّي لَأَعْجَبُ مِنْ قُرَيْشٍ أَنَّهُمْ تَرَكُوا رَجُلًا مَا أَقُولُ وَ لَا أَعْلَمُ أَنَّ أَحَداً (3) أَقْضَى بِالْحَقِّ وَ لَا أَعْلَمُ وَ لَا أَتْقَى مِنْهُ، أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ أَجِدُ أَعْوَاناً عَلَيْهِ لَقَاتَلْتُهُمْ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: اتَّقِ اللَّهَ يَا مِقْدَادُ! فَإِنِّي خَائِفٌ عَلَيْكَ الْفِتْنَةَ ... وَ قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): إِنِّي لَأَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِهِمْ، إِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ إِلَى قُرَيْشٍ وَ قُرَيْشٌ تَنْظُرُ (4) فِي صَلَاحِ شَأْنِهَا، فَتَقُولُ: إِنْ وُلِّيَ عَلَيْكُمْ بَنُو هَاشِمٍ لَمْ تَخْرُجْ مِنْهُمْ أَبَداً، وَ مَا كَانَ فِي غَيْرِهِمْ فَهُوَ مُتَدَاوَلٌ فِي بُطُونِ قُرَيْشٍ.
قَالَ (5): وَ قَدِمَ (6) طَلْحَةُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي بُويِعَ فِيهِ لِعُثْمَانَ، فَقِيلَ لَهُ بَايِعْ (7) لِعُثْمَانَ. فَقَالَ: كُلُّ قُرَيْشٍ رَاضٍ بِهِ؟. قَالُوا: نَعَمْ، فَأَتَى عُثْمَانَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ:
أَنْتَ عَلَى رَأْسِ أَمْرِكَ وَ إِنْ أَبَيْتَ رَدَدْتُهَا. قَالَ: أَ تَرُدُّهَا؟. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَ كُلُّ النَّاسِ بَايَعُوكَ؟. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قَدْ (8) رَضِيتُ، لَا أَرْغَبُ عَمَّا أَجْمَعُوا (9) عَلَيْهِ.
وَ قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! قَدْ أَصَبْتَ إِنْ بَايَعْتَ عُثْمَانَ، وَ قَالَ
____________
(1) يوسف: 18.
(2) في المصدر: فقال المقداد.
(3) جاء في حاشية (ك): رجلا. الكامل.
(4) في مطبوع البحار: ينظر.
(5) الكامل لابن الأثير 3- 37- 38.
(6) في (س): و وفد.
(7) في (ك) نسخة بدل: بايعوا و هو كذلك في المصدر.
(8) لا توجد: قد، في (س).
(9) جاء في حاشية (ك): و بايعه. الكامل.
404
لِعُثْمَانَ: لَوْ بَايَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ غَيْرَكَ مَا رَضِينَا. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: كَذَبْتَ يَا أَعْوَرُ! لَوْ بَايَعْتُ غَيْرَ عُثْمَانَ لَبَايَعْتَهُ وَ لَقُلْتَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، قَالَ: وَ كَانَ الْمِسْوَرُ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ أَحَداً مَدَّ (1) قَوْماً فِيمَا دَخَلُوا فِيهِ بِمِثْلِ مَا مَدَّهُمْ (2) عَبْدُ الرَّحْمَنِ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ (3): وَ قَدْ ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ رِوَايَةً أُخْرَى فِي الشُّورَى، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَرِيباً مِمَّا تَقَدَّمَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا دَفَنُوا عُمَرَ جَمَعَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَ خَطَبَهُمْ وَ أَمَرَهُمْ بِالاجْتِمَاعِ وَ تَرْكِ التَّفَرُّقِ، فَتَكَلَّمَ عُثْمَانُ ... و ذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ مَا خَطَبَ بِهِ عُثْمَانُ ثُمَّ الزُّبَيْرُ وَ لَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى إِيرَادِ خُطْبَتِهِمَا.
ثُمَّ أَوْرَدَ (4) كَلَامَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) وَ هُوَ قَوْلُهُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اخْتَارَ (5) مُحَمَّداً (صلّى اللّه عليه و آله) مِنَّا نَبِيّاً وَ ابْتَعَثَهُ (6) إِلَيْنَا رَسُولًا، فَنَحْنُ أَهْلُ (7) بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَ مَعْدِنُ الْحِكْمَةِ، وَ أَمَانٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ، وَ نَجَاةٌ لِمَنْ طَلَبَ، إِنَ (8) لَنَا حَقّاً إِنْ نُعْطَهُ نَأْخُذْهُ (9) وَ إِنْ نُمْنَعْهُ نَرْكَبْ أَعْجَازَ الْإِبِلِ وَ إِنْ (10) طَالَ السُّرَى، لَوْ عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَهْداً لَأَنْفَذْنَا عَهْدَهُ، وَ لَوْ قَالَ لَنَا قَوْلًا لَجَادَلْنَا عَلَيْهِ حَتَّى نَمُوتَ، لَنْ يُسْرِعَ أَحَدٌ قَبْلِي إِلَى دَعْوَةِ حَقٍّ وَ صِلَةِ رَحِمٍ، وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، اسْمَعُوا كَلَامِي وَ عُوا مَنْطِقِي عَسَى أَنْ تَرَوْا هَذَا الْأَمْرَ
____________
(1) في المصدر: بذّ.
(2) في الكامل. ما بذّهم.
(3) الكامل 3- 38.
(4) أي ابن الأثير في الكامل 3- 39.
(5) في المصدر: بعث، بدلا من: اختار.
(6) جاء في حاشية (ك) نسخة بدل: و بعثه. الكامل، و هي كذلك في المصدر.
(7) وضع على كلمة: أهل، رمز نسخة بدل في (ك)، و لا توجد في المصدر.
(8) لا توجد: إن، في المصدر.
(9) وضع على الهاء في (س)، رمز نسخة بدل.
(10) في المصدر: و لو. و هي نسخة جاءت في (ك).
405
بَعْدَ هَذَا الْجَمْعِ (1) تُنْتَضَى فِيهِ السُّيُوفُ، وَ تُخَانُ فِيهِ الْعُهُودُ، حَتَّى لَا يَكُونَ (2) لَكُمْ جَمَاعَةٌ، وَ حَتَّى (3) يَكُونَ بَعْضُكُمْ أَئِمَّةً لِأَهْلِ الضَّلَالَةِ، وَ شِيعَةً لِأَهْلِ الْجَهَالَةِ.
وَ قَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (4) هَذَا الْكَلَامَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، ثُمَّ قَالَ: وَ ذَكَرَ الْهَرَوِيُّ فِي كِتَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْغَرِيبَيْنِ قَوْلَهُ (عليه السلام):
وَ إِنْ نُمْنَعْهُ نَرْكَبْ أَعْجَازَ الْإِبِلِ .. و فسّره على وجهين: أحدهما: أنّ من ركب عجز البعير يعاني (5) مشقّة (6)، فكأنّه قال: و إن نمنعه نصبر على المشقّة كما يصبر عليها راكب عجز البعير. و الوجه الثاني: أنّه أراد نتبع (7) غيرنا كما أنّ راكب عجز البعير يكون رديفا لمن هو أمامه، فكأنّه قال: و إن نمنعه نتأخّر و نتبع غيرنا (8) كما يتأخّر راكب عجز (9) البعير (10).
____________
(1) في المصدر: المجمع.
(2) في الكامل: لا تكون.
(3) لا يوجد في المصدر: حتّى.
(4) في شرحه على نهج البلاغة 1- 195 بتصرّف.
(5) في مطبوع البحار: يعافى.
(6) جاء في حاشية (ك): و يقاسي جهدا، ابن أبي الحديد. و هو كذلك.
(7) في (ك): أن نتبع. و هو الظاهر.
(8) في (ك): نسخة بدل: غيره.
(9) لا توجد: عجز، في شرح النهج.
(10) و أضاف في النهاية 3- 185- 186 وجها ثالثا، قال: و قيل: يجوز أن يريد و إن نمنعه نبذل الجهد في طلبه فعل من يضرب في ابتغاء طلبته أكباد الإبل، و لا يبالي باحتمال طول السرى، و الأوّلان أوجه، لأنّه سلّم و صبر على التأخّر و لم يقاتل و إنّما قاتل بعد انعقاد الإمامة له.
407
[27] باب احتجاج أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) على جماعة من المهاجرين و الأنصار لما تذاكروا فضلهم في أيّام خلافة عثمان و غيره ممّا احتجّ به في أيّام خلافة خلفاء الجور و بعدها
1- ج (1): رُوِيَ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ الْهِلَالِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيّاً (عليه السلام) فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ وَ جَمَاعَةٌ يَتَحَدَّثُونَ وَ يَتَذَاكَرُونَ الْعِلْمَ، فَذَكَرُوا قُرَيْشاً وَ فَضْلَهَا وَ سَوَابِقَهَا وَ هِجْرَتَهَا وَ مَا قَالَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنَ الْفَضْلِ، مِثْلَ قَوْلِهِ (صلّى اللّه عليه و آله): الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ. وَ قَوْلِهِ (صلّى اللّه عليه و آله): النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ وَ قُرَيْشٌ أَئِمَّةُ الْعَرَبِ.
وَ قَوْلِهِ: لَا تَسُبُّوا (2) قُرَيْشاً. وَ قَوْلِهِ: إِنَّ لِلْقُرَشِيِّ مِثْلَ قُوَّةِ رَجُلَيْنِ مِنْ غَيْرِهِمْ. وَ قَوْلِهِ: مَنْ أَبْغَضَ قُرَيْشاً أَبْغَضَهُ اللَّهُ. وَ قَوْلِهِ: مَنْ أَرَادَ هَوَانَ قُرَيْشٍ أَهَانَهُ اللَّهُ .. وَ ذَكَرُوا الْأَنْصَارَ وَ فَضْلَهَا وَ سَوَابِقَهَا وَ نُصْرَتَهَا وَ مَا أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي كِتَابِهِ، وَ مَا قَالَ فِيهِمْ
____________
(1) الاحتجاج 1- 145- 155- طبعة إيران-، 1- 210- 225- طبعة النّجف.
(2) في المصدر: لا تسبقوا، و ما ذكر في المتن نسخة في المصدر.
408
رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنَ الْفَضْلِ (1)، وَ ذَكَرُوا مَا قَالَهُ (2) فِي سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَ (3) فِي جَنَازَتِهِ (4)، وَ الَّذِي غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَ الَّذِي حَمَتْهُ الدَّبْرُ .. فَلَمْ يَدَعُوا شَيْئاً مِنْ فَضْلِهِمْ حَتَّى قَالَ كُلُّ حَيٍّ: مِنَّا فُلَانٌ وَ فُلَانٌ. وَ قَالَتْ قُرَيْشٌ: مِنَّا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ مِنَّا حَمْزَةُ، وَ مِنَّا جَعْفَرٌ، وَ مِنَّا عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ، وَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَ مِنَّا أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ سَعْدٌ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَ سَالِمٌ وَ ابْنُ عَوْفٍ .. فَلَمْ يَدَعُوا مِنَ الْحَيَّيْنِ أَحَداً مِنْ أَهْلِ السَّابِقَةِ إِلَّا سَمَّوْهُ، وَ فِي الْحَلْقَةِ أَكْثَرُ مِنْ مِائَتَيْ رَجُلٍ فِيهِمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) وَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَ طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ وَ عَمَّارٌ وَ الْمِقْدَادُ وَ أَبُو ذَرٍّ وَ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ وَ ابْنُ عُمَرَ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ (عليهما السلام) وَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَ مِنَ الْأَنْصَارِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ وَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ وَ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَ أَبُو مَرْيَمَ (5) وَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى، وَ أَبُو لَيْلَى وَ مَعَهُ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَاعِداً (6) بِجَنْبِهِ غُلَامٌ صَبِيحُ (7) الْوَجْهِ مَدِيدُ الْقَامَةِ أَمْرَدُ (8)، فَجَاءَ أَبُو الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ وَ مَعَهُ ابْنُهُ الْحَسَنُ غُلَامٌ أَمْرَدُ (9) صَبِيحُ الْوَجْهِ مُعْتَدِلُ الْقَامَةِ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ
____________
(1) هنا سقط جاء في الاحتجاج و هو: مثل قوله: الأنصار كرشي و عيبتي، و مثل قوله: من أحبّ الأنصار أحبّه اللّه، و من أبغض الأنصار أبغضه اللّه، و مثل قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لا يبغض الأنصار رجل يؤمن باللّه و برسوله، و قوله: لو سلك النّاس شعبا لسلكت شعب الأنصار.
(2) في المصدر: قال.
(3) لا توجد الواو في الاحتجاج.
(4) هنا سقط- أيضا- جاء في المصدر و هو: و إنّ العرش اهتزّ لموته، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لمّا جيء إليه بمناديل من اليمن، فأعجب النّاس بها فقال-: لمناديل سعد في الجنّة أحسن منها.
(5) لا توجد: و أبو مريم، في المصدر.
(6) في الاحتجاج: و عبد الرّحمن قاعد.
(7) في المصدر: غلام أمرد.
(8) في (س): أمره، و لا معنى لها ظاهرا.
(9) في (س): أمره، و لا معنى لها ظاهرا.
409
ابْنِ أَبِي لَيْلَى فَلَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَجْمَلُ، غَيْرَ أَنَّ الْحَسَنَ أَعْظَمُهُمَا وَ أَطْوَلُهُمَا، وَ أَكْثَرُ الْقَوْمِ وَ ذَلِكَ مِنْ بُكْرَةٍ إِلَى حِينِ (1) الزَّوَالِ وَ عُثْمَانُ فِي دَارِهِ لَا يَعْلَمُ بِشَيْءٍ مِمَّا هُمْ فِيهِ، وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) لَا يَنْطِقُ هُوَ وَ لَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْحَسَنِ! مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ؟. فَقَالَ (2): مَا مِنَ الْحَيَّيْنِ أَحَدٌ إِلَّا وَ قَدْ ذَكَرَ فَضْلًا وَ قَالَ حَقّاً، فَأَنَا أَسْأَلُكُمْ- يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ وَ الْأَنْصَارِ!- بِمَنْ أَعْطَاكُمُ اللَّهُ هَذَا الْفَضْلَ؟ أَ بِأَنْفُسِكُمْ وَ عَشَائِرِكُمْ وَ أَهْلِ بُيُوتَاتِكُمْ أَمْ بِغَيْرِكُمْ؟. قَالُوا: بَلْ أَعْطَانَا اللَّهُ وَ مَنَّ بِهِ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ عَشِيرَتِهِ لَا بِأَنْفُسِنَا وَ عَشَائِرِنَا وَ لَا بِأَهْلِ بُيُوتَاتِنَا.
قَالَ: صَدَقْتُمْ، يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ وَ الْأَنْصَارِ! أَ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي (3) نِلْتُمْ بِهِ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ خَاصَّةً دُونَ (4) غَيْرِهِمْ؟ فَإِنَّ ابْنَ عَمِّي رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: إِنِّي وَ أَهْلَ بَيْتِي كُنَّا نُوراً بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ آدَمَ (عليه السلام) بِأَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ سَنَةٍ فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَضَعَ ذَلِكَ النُّورَ فِي صُلْبِهِ وَ أَهْبَطَهُ إِلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ حَمَلَهُ فِي السَّفِينَةِ فِي صُلْبِ نُوحٍ (عليه السلام)، ثُمَّ قَذَفَ بِهِ فِي النَّارِ فِي صُلْبِ إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام)، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَنْقُلُنَا مِنَ الْأَصْلَابِ الْكَرِيمَةِ إِلَى الْأَرْحَامِ الطَّاهِرَةِ، وَ مِنَ الْأَرْحَامِ الطَّاهِرَةِ إِلَى الْأَصْلَابِ الْكَرِيمَةِ مِنَ الْآبَاءِ وَ الْأُمَّهَاتِ لَمْ يَلْتَقِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى سِفَاحٍ قَطُّ.
فَقَالَ أَهْلُ السَّابِقَةِ وَ الْقُدْمَةِ (5) وَ أَهْلُ بَدْرٍ وَ أَهْلُ أُحُدٍ: نَعَمْ قَدْ سَمِعْنَا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله).
ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ، أَ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَوَّلُ الْأُمَّةِ إِيمَاناً بِاللَّهِ وَ بِرَسُولِهِ؟.
____________
(1) جاء في حاشية (ك) نسخة بدل: إن حضرت الصّلاة الأولى.
(2) في الاحتجاج: فقال (عليه السلام) لهم.
(3) في المصدر: أ تعلمون الّذي.
(4) في (ك) نسخة بدل: دونكم جميعا.
(5) وضع على هذه الكلمة في مطبوع البحار رمز نسخة بدل، و لا توجد في المصدر.
410
قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ (1) بِاللَّهِ، أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَضَّلَ فِي كِتَابِهِ السَّابِقَ عَلَى الْمَسْبُوقِ فِي غَيْرِ آيَةٍ، وَ إِنِّي لَمْ يَسْبِقْنِي إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ إِلَى رَسُولِهِ ص أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟. قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: أَنْشُدُكُمْ (2) بِاللَّهِ، أَ تَعْلَمُونَ حَيْثُ نَزَلَتْ: (وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ) (3) (وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) (4) سُئِلَ (5) عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فَقَالَ: أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَ فِي أَوْصِيَائِهِمْ، فَأَنَا أَفْضَلُ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) وَصِيِّي أَفْضَلُ الْأَوْصِيَاءِ؟. قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ، أَ تَعْلَمُونَ حَيْثُ نَزَلَتْ: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (6)، وَ حَيْثُ نَزَلَتْ: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ) (7)، وَ حَيْثُ نَزَلْتَ: (وَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لا رَسُولِهِ وَ لَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً) (8). قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَ خَاصَّةٌ فِي بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ أَمْ عَامَّةٌ بِجَمِيعِهِمْ (9)؟ فَأَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ نَبِيَّهُ أَنْ يُعْلِمَهُمْ وُلَاةَ أَمْرِهِمْ وَ أَنْ يُفَسِّرَ لَهُمْ مِنَ الْوَلَايَةِ مَا فَسَّرَ لَهُمْ مِنْ صَلَاتِهِمْ وَ زَكَاتِهِمْ وَ صَوْمِهِمْ وَ حَجِّهِمْ، فَنَصَبَنِي لِلنَّاسِ (10) بِغَدِيرِ خُمٍّ، ثُمَّ خَطَبَ
____________
(1) في المصدر: فأنشدكم.
(2) في المصدر: فأنشدكم.
(3) التّوبة: 100.
(4) الواقعة: 10- 11.
(5) في الاحتجاج: و سئل.
(6) النّساء: 59.
(7) المائدة: 55.
(8) التّوبة: 16.
(9) في (س) نسخة بدل: في جميعهم، و في المصدر: لجميعهم.
(10) في الاحتجاج زيادة: علما.
411
فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي بِرِسَالَةٍ ضَاقَ بِهَا صَدْرِي فَظَنَنْتُ (1) أَنَّ النَّاسَ مُكَذِّبُونِي (2) فَأَوْعَدَنِي لَأُبَلِّغُهَا (3) أَوْ لَيُعَذِّبَنِّي، ثُمَّ أَمَرَ فَنُودِيَ بِ الصَّلَاةَ جَامِعَةً ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ مَوْلَايَ وَ أَنَا مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَ أَنَا أَوْلَى بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟. قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: قُمْ يَا عَلِيُّ، فَقُمْتُ، فَقَالَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ، فَقَامَ سَلْمَانُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ص ! وَلَاءٌ (4) كَمَا ذَا؟. قَالَ: وَلَاءٌ (5) كَوَلَائِي، مَنْ (6) كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْ نَفْسِهِ فَعَلِيٌّ أَوْلَى بِهِ مِنْ نَفْسِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) (7)، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ تَمَامُ (8) نُبُوَّتِي وَ تَمَامُ دِينِ اللَّهِ وَلَايَةُ عَلِيٍّ بَعْدِي، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ قَالا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ص ! هَذِهِ (9) الْآيَاتُ خَاصَّةٌ فِي عَلِيٍّ؟!. قَالَ: بَلَى، فِيهِ وَ فِي أَوْصِيَائِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ص ! بَيِّنْهُمْ لَنَا. قَالَ: أَخِي (10) وَ وَزِيرِي وَ وَصِيِّي وَ خَلِيفَتِي فِي أُمَّتِي وَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ (11) بَعْدِي، ثُمَّ ابْنِيَ الْحَسَنُ ثُمَّ ابْنِيَ الْحُسَيْنُ ثُمَ (12) تِسْعَةٌ مِنْ وُلْدِ الْحُسَيْنِ وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ، الْقُرْآنُ مَعَهُمْ وَ هُمْ مَعَ الْقُرْآنِ لَا يُفَارِقُونَهُ وَ لَا يُفَارِقُهُمْ حَتَّى يَرِدُوا
____________
(1) في (س): و ظننت.
(2) في الاحتجاج: مكذّبيّ.
(3) في المصدر: لأبلّغنّها.
(4) في الاحتجاج- طبعة النّجف-: ولاه.
(5) في الاحتجاج- طبعة النّجف-: ولاه.
(6) في (ك): و من.
(7) المائدة: 3.
(8) في الاحتجاج: فقال: اللّه أكبر على تمام ..
(9) في المصدر: هؤلاء.
(10) في (ك): على أخي.
(11) لا توجد في المصدر: و مؤمنة، و في (س): و على كلّ مؤمنة، و خطّ في (ك) على: على كلّ.
(12) في المصدر: الحسن و الحسين ثمّ ..
412
عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَقَالُوا كُلُّهُمْ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَدْ سَمِعْنَا ذَلِكَ وَ شَهِدْنَا كَمَا قُلْتَ سَوَاءً.
وَ قَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ حَفِظْنَا جُلَّ مَا قُلْتَ وَ لَمْ نَحْفَظْ (1) كُلَّهُ، وَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَفِظُوا أَخْيَارُنَا وَ أَفَاضِلُنَا، فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): صَدَقْتُمْ، لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَسْتَوِي فِي الْحِفْظِ.
أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ (2) مَنْ حَفِظَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، لَمَّا قَامَ وَ أَخْبَرَ بِهِ. فَقَامَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَ الْبَرَاءُ بْنُ (3) عَازِبٍ وَ أَبُو ذَرٍّ، وَ الْمِقْدَادُ، وَ عَمَّارٌ، فَقَالُوا: نَشْهَدُ لَقَدْ حَفِظْنَا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ هُوَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ وَ أَنْتَ إِلَى جَنْبِهِ وَ هُوَ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي (4) أَنْ أَنْصِبَ لَكُمْ إِمَامَكُمْ وَ الْقَائِمَ فِيكُمْ بَعْدِي وَ وَصِيِّي وَ خَلِيفَتِي وَ الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ (5) عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي كِتَابِهِ طَاعَتَهُ وَ قَرَنَهُ بِطَاعَتِهِ وَ طَاعَتِي، وَ أَمَرَكُمْ بِوَلَايَتِهِ، وَ إِنِّي رَاجَعْتُ رَبِّي خَشْيَةَ طَعْنِ أَهْلِ النِّفَاقِ وَ تَكْذِيبِهِمْ فَأَوْعَدَنِي رَبِّي (6) لَأُبَلِّغَنَّهَا أَوْ يُعَذِّبَنِي (7).
أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ فِي كِتَابِهِ بِالصَّلَاةِ فَقَدْ بَيَّنْتُهَا لَكُمْ وَ الزَّكَاةِ وَ الصَّوْمِ وَ الْحَجِّ فَبَيَّنْتُهَا (8) لَكُمْ وَ فَسَّرْتُهَا، وَ أَمَرَكُمْ بِالْوَلَايَةِ وَ إِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنَّهَا لِهَذَا خَاصَّةً- وَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى يَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)- ثُمَّ لِابْنَيْهِ مِنْ بَعْدِهِ، ثُمَّ لِلْأَوْصِيَاءِ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ وُلْدِهِمْ (عليهم السلام) لَا يُفَارِقُونَ الْقُرْآنَ وَ لَا يُفَارِقُهُمْ حَتَّى يَرِدُوا عَلَيَّ الْحَوْضَ.
أَيُّهَا النَّاسُ! قَدْ بَيَّنْتُ لَكُمْ مَفْزَعَكُمْ بَعْدِي وَ إِمَامَكُمْ وَ دَلِيلَكُمْ وَ هَادِيَكُمْ،
____________
(1) في (ك) نسخة بدل: يحفظ.
(2) لا توجد: عزّ و جلّ، في الاحتجاج.
(3) لا توجد: بن، في (س).
(4) في المصدر: أمرني اللّه.
(5) لا يوجد لفظ الجلالة في الاحتجاج.
(6) لا توجد: ربّي، في المصدر.
(7) في المصدر: ليعذّبني.
(8) في الاحتجاج: فقد بيّنتها.
413
وَ هُوَ أَخِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَ هُوَ فِيكُمْ بِمَنْزِلَتِي فِيكُمْ، فَقَلِّدُوهُ دِينَكُمْ وَ أَطِيعُوهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِكُمْ، فَإِنَّ عِنْدَهُ جَمِيعَ مَا عَلَّمَنِيَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ عِلْمِهِ وَ حِكْمَتِهِ فَاسْأَلُوهُ وَ تَعَلَّمُوا مِنْهُ وَ مِنْ أَوْصِيَائِهِ بَعْدَهُ، وَ لَا تُعَلِّمُوهُمْ وَ لَا تَتَقَدَّمُوهُمْ وَ لَا تَخَلَّفُوا عَنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ مَعَ الْحَقِّ وَ الْحَقُّ مَعَهُمْ، وَ لَا يُزَايِلُونَهُ وَ لَا يُزَايِلُهُمْ (1) .. ثُمَّ جَلَسُوا.
قَالَ سُلَيْمٌ: ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): أَيُّهَا النَّاسُ! أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْزَلَ فِي كِتَابِهِ: (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (2) فَجَمَعَنِي وَ فَاطِمَةَ وَ ابْنَيَ (3) حَسَناً وَ حُسَيْناً ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْنَا كِسَاءً (4)، وَ قَالَ:
اللَّهُمَّ إِنَ (5) هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي وَ لُحْمَتِي (6) يُؤْلِمُنِي مَا يُؤْلِمُهُمْ، وَ يَجْرَحُنِي مَا يَجْرَحُهُمْ، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَ طَهِّرْهُمْ تَطْهِيراً. فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ص ؟. فَقَالَ: أَنْتِ إِلَى خَيْرٍ، إِنَّمَا نَزَلَتْ فِيَّ وَ فِي أَخِي عَلِيٍ (7) وَ فِي ابْنَيَّ وَ فِي تِسْعَةٍ مِنْ وُلْدِ الْحُسَيْنِ خَاصَّةً لَيْسَ (8) مَعَنَا أَحَدٌ غَيْرُنَا، فَقَالُوا كُلُّهُمْ: نَشْهَدُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْنَا بِذَلِكَ، فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَحَدَّثَنَا كَمَا حَدَّثَتْنَا بِهِ أُمُّ سَلَمَةَ.
ثُمَ (9) قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ، أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (10)؟. فَقَالَ سَلْمَانُ: يَا رَسُولَ
____________
(1) في المصدر: معهم لا يزايلهم، و خطّ على الواو الأولى في (ك).
(2) الأحزاب: 33.
(3) في المصدر: و ابنيه.
(4) في الاحتجاج زيادة: فدكيّا.
(5) لا توجد: إنّ، في المصدر.
(6) في الاحتجاج: و لحمي.
(7) في المصدر زيادة: و في ابنتي فاطمة.
(8) في الاحتجاج: و ليس.
(9) لا توجد: ثمّ، في المصدر.
(10) التّوبة: 119.
414
اللَّهِ! عَامَّةٌ هَذِهِ الْآيَةُ أَمْ (1) خَاصَّةٌ؟. فَقَالَ: أَمَّا الْمَأْمُورُونَ فَعَامَّةُ الْمُؤْمِنِينَ أُمِرُوا بِذَلِكَ، وَ أَمَّا الصَّادِقُونَ فَخَاصَّةٌ (2) لِأَخِي عَلِيٍّ (ع) وَ أَوْصِيَائِي بَعْدَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟. فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ (3) بِاللَّهِ، أَ تَعْلَمُونَ أَنِّي قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي غَزْوَةِ (4) تَبُوكَ: وَ لِمَ خَلَّفْتَنِي (5) مَعَ النِّسَاءِ وَ الصِّبْيَانِ (6)؟. فَقَالَ: إِنَّ الْمَدِينَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا بِي أَوْ بِكَ، وَ أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي؟.
قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ (7) بِاللَّهِ، أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْزَلَ فِي سُورَةِ الْحَجِّ:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ.) (8) إِلَى آخِرِ السُّورَةِ؟، فَقَامَ سَلْمَانُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَنْتَ عَلَيْهِمْ شَهِيدٌ وَ هُمْ شُهَدَاءُ عَلَى النَّاسِ، الَّذِينَ اجْتَبَاهُمُ اللَّهُ وَ لَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ؟. قَالَ: عَنَى بِذَلِكَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا خَاصَّةً دُونَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَقَالَ سَلْمَانُ: بَيِّنْهُمْ لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟. فَقَالَ: أَنَا وَ أَخِي عَلِيٌّ وَ أَحَدَ عَشَرَ مِنْ وُلْدِي؟. قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ، أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَامَ خَطِيباً- وَ (9) لَمْ يَخْطُبْ بَعْدَ ذَلِكَ-، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللَّهِ
____________
(1) لا توجد: أم، في (س).
(2) في الاحتجاج: خاصّة.
(3) في المصدر: أنشدكم.
(4) في الاحتجاج: غزاة.
(5) في المصدر: لم تخلفني؟!.
(6) في (س) زيادة: تخلفني كما، و لعلّها نسخة، و خطّ عليها في (ك). و هو الظّاهر.
(7) في المصدر: أنشدكم.
(8) الحجّ: 77. و ذكر في المصدر ذيلها: «لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ».
(9) وضع في مطبوع البحار على الواو رمز نسخة بدل.
415
وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي فَتَمَسَّكُوا بِهِمَا لَا تَضِلُّوا، فَإِنَّ اللَّطِيفَ الْخَبِيرَ أَخْبَرَنِي وَ عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ- وَ هُوَ شِبْهُ الْمُغْضَبِ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَ كُلُّ أَهْلِ بَيْتِكَ؟!. فَقَالَ: لَا، وَ لَكِنَّ أَوْصِيَائِي مِنْهُمْ، أَوَّلُهُمْ عَلِيٌّ أَخِي وَ وَزِيرِي وَ خَلِيفَتِي فِي أُمَّتِي وَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ (1) بَعْدِي، هُوَ أَوَّلُهُمْ، ثُمَّ ابْنِيَ الْحَسَنُ، ثُمَّ ابْنِيَ الْحُسَيْنُ، ثُمَّ تِسْعَةٌ مِنْ وُلْدِ الْحُسَيْنِ وَاحِدٌ (2) بَعْدَ وَاحِدٍ حَتَّى يَرِدُوا عَلَيَّ الْحَوْضَ شُهَدَاءُ لِلَّهِ (3) فِي أَرْضِهِ وَ حُجَجُهُ عَلَى خَلْقِهِ، وَ خُزَّانُ عِلْمِهِ، وَ مَعَادِنُ حِكْمَتِهِ، مَنْ أَطَاعَهُمْ أَطَاعَ اللَّهَ (4)، وَ مَنْ عَصَاهُمْ فَقَدْ (5) عَصَى اللَّهَ. فَقَالُوا كُلُّهُمْ: نَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قَالَ ذَلِكَ ...
ثُمَّ تَمَادَى بِعَلِيٍّ (عليه السلام) السُّؤَالُ (6): فَمَا تَرَكَ شَيْئاً إِلَّا نَاشَدَهُمُ اللَّهَ فِيهِ وَ سَأَلَهُمْ عَنْهُ حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِ (7) مَنَاقِبِهِ وَ مَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، كُلَّ ذَلِكَ يُصَدِّقُونَهُ وَ يَشْهَدُونَ أَنَّهُ حَقٌّ، ثُمَّ قَالَ حِينَ فَرَغَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ.
وَ قَالُوا: اللَّهُمَّ اشْهَدْ أَنَّا لَمْ نَقُلْ إِلَّا مَا سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ مَا حَدَّثَنَاهُ (8) مَنْ نَثِقُ بِهِ مِنْ هَؤُلَاءِ وَ غَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ سَمِعُوهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله).
قَالَ: أَ تُقِرُّونَ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُحِبُّنِي وَ يُبْغِضُ عَلِيّاً فَقَدْ كَذَبَ وَ لَيْسَ يُحِبُّنِي؟!. وَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ:
كَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ص ؟. قَالَ: لِأَنَّهُ مِنِّي وَ أَنَا مِنْهُ، وَ مَنْ أَحَبَّهُ فَقَدْ أَحَبَّنِي
____________
(1) في المصدر زيادة: و مؤمنة.
(2) في (ك): واحدا.
(3) في (ك): اللّه.
(4) لا يوجد لفظ الجلالة في (س). و في المصدر: فقد أطاع اللّه.
(5) لا توجد: فقد، في (س).
(6) في المصدر زيادة: و المناشدة، بعد كلمة: السّؤال.
(7) في الاحتجاج: أتى عليّ على أكثر ..
(8) لا يوجد الضّمير في المصدر، و هو الظّاهر.
416
وَ مَنْ أَحَبَّنِي فَقَدْ أَحَبَّ اللَّهَ، وَ مَنْ أَبْغَضَهُ فَقَدْ أَبْغَضَنِي وَ مَنْ أَبْغَضَنِي فَقَدْ أَبْغَضَ اللَّهَ. قَالَ: نَحْوٌ مِنْ (1) عِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ أَفَاضِلِ الْحَيَّيْنِ: اللَّهُمَّ نَعَمْ. وَ سَكَتَ بَقِيَّتُهُمْ.
فَقَالَ لِلسُّكُوتِ: مَا لَكُمْ سَكَتُّمْ؟!. قَالُوا: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ شَهِدُوا عِنْدَنَا ثِقَاتٌ فِي قَوْلِهِمْ وَ فَضْلِهِمْ وَ سَابِقَتِهِمْ، قَالُوا: اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ (2)- وَ كَانَ يُقَالُ لَهُ (3) دَاهِيَةُ (4) قُرَيْشٍ-: فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِمَا ادَّعَى أَبُو بَكْرٍ وَ أَصْحَابُهُ الَّذِينَ صَدَّقُوهُ وَ شَهِدُوا عَلَى مَقَالَتِهِ يَوْمَ أَتَوْهُ بِكَ (5) تُقَادُوا (6) وَ (7) فِي عُنُقِكَ حَبْلٌ، فَقَالُوا لَكَ: بَايِعْ، فَاحْتَجَجْتَ بِمَا احْتَجَجْتَ بِهِ فَصَدَّقُوكَ جَمِيعاً. ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: أَبَى اللَّهُ أَنْ يَجْمَعَ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ النُّبُوَّةَ وَ الْخِلَافَةَ، فَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ عُمَرُ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَ سَالِمٌ وَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ (8)، ثُمَّ قَالَ طَلْحَةُ:
كُلُّ الَّذِي قُلْتَ وَ ادَّعَيْتَ وَ احْتَجَجْتَ بِهِ مِنَ السَّابِقَةِ وَ الْفَضْلِ حَقٌّ نُقِرُّ بِهِ وَ نَعْرِفُهُ.
فَأَمَّا (9) الْخِلَافَةُ فَقَدْ شَهِدَ أُولَئِكَ الْأَرْبَعَةُ بِمَا سَمِعْتَ. فَقَامَ (10) عَلِيٌّ (عليه السلام)- عِنْدَ ذَلِكَ وَ غَضِبَ مِنْ مَقَالَتِهِ- فَأَخْرَجَ شَيْئاً قَدْ كَانَ يَكْتُمُهُ، وَ فَسَّرَ شَيْئاً قَالَهُ يَوْمَ
____________
(1) لا توجد: من، في المصدر.
(2) في الاحتجاج: عبد اللّه- بالتّكبير-.
(3) في مطبوع البحار نسخة بدل: إنّه.
(4) في (س): واهية.
(5) في المصدر زيادة هنا: بعتلّ. و العتلّ لغة هو: الجذب العنيف، كما في الصّحاح 5- 1758، و مجمع البحرين 5- 419، و غيرهما.
(6) كذا، و الصّحيح: تقاد، و لا توجد الكلمة في المصدر.
(7) لا توجد الواو في (س).
(8) لا يوجد في المصدر: بن جبل.
(9) في الاحتجاج: و أمّا.
(10) في (س): فقال.
417
مَاتَ عُمَرُ (1) لَمْ يَدْرِ مَا عَنَى بِهِ، فَأَقْبَلَ عَلَى طَلْحَةَ وَ النَّاسُ يَسْمَعُونَ (2)، فَقَالَ: أَمَا وَ اللَّهِ- يَا طَلْحَةُ- مَا صَحِيفَةٌ أَلْقَى اللَّهَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ صَحِيفَةِ الْأَرْبَعَةِ، هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةُ (3) الَّذِينَ تَعَاهَدُوا وَ تَعَاقَدُوا (4) عَلَى الْوَفَاءِ بِهَا فِي الْكَعْبَةِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ (5) إِنْ قَتَلَ اللَّهُ مُحَمَّداً أَوْ تَوَفَّاهُ أَنْ يَتَوَازَرُوا عَلَيَّ وَ يَتَظَاهَرُوا فَلَا تَصِلُ إِلَيَّ الْخِلَافَةُ، وَ الدَّلِيلُ- وَ اللَّهِ (6)- عَلَى بَاطِلِ مَا شَهِدُوا وَ مَا قُلْتَ- يَا طَلْحَةُ- قَوْلُ نَبِيِّ اللَّهِ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ: مَنْ كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْ نَفْسِهِ فَعَلِيٌّ أَوْلَى بِهِ مِنْ نَفْسِهِ، فَكَيْفَ أَكُونُ أَوْلَى بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ هُمْ أُمَرَاءُ عَلَيَّ وَ حُكَّامٌ؟! وَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى غَيْرَ النُّبُوَّةِ، فَلَوْ كَانَ مَعَ النُّبُوَّةِ غَيْرَهَا لَاسْتَثْنَاهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ قَوْلُهُ: إِنِّي قَدْ (7) تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ كِتَابَ اللَّهِ وَ عِتْرَتِي لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَا تَتَقَدَّمُوهُمْ (8) وَ لَا تَخَلَّفُوا عَنْهُمْ، وَ لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ، أَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ (9) الْخَلِيفَةُ عَلَى الْأُمَّةِ إِلَّا أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ، وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: (أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (10)، وَ قَالَ (11): (وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ
____________
(1) في المصدر: قال له عمر يوم مات.
(2) في (ك): يستمعون.
(3) لا توجد: هؤلاء الخمسة، في المصدر.
(4) لا توجد: و تعاقدوا، في المصدر.
(5) لا توجد في المصدر: في حجّة الوداع.
و قد جاءت هنا عبارة في (س)، رمز عليها في (ك) رمز زائد و هي: إن قتل الّذين تعاهدوا بها على الوفاء بها في الكعبة، و لا توجد في المصدر.
(6) وضع على لفظ الجلالة في (ك) رمز نسخة بدل.
(7) لا توجد: قد، في المصدر.
(8) في الاحتجاج: لا تقدّموهم.
(9) في المصدر: أن لا يكون، و هو الظّاهر.
(10) يونس: 35.
(11) في المصدر: و قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ..
418
وَ الْجِسْمِ) (1)، وَ قَالَ: (ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) (2)، وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): مَا وَلَّتْ أُمَّةٌ قَطُّ أَمْرَهَا رَجُلًا وَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ إِلَّا لَمْ يَزَلْ يَذْهَبُ أَمْرُهُمْ سَفَالًا (3) حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى مَا تَرَكُوا، فَأَمَّا (4) الْوَلَايَةُ فَهِيَ (5) غَيْرُ الْإِمَارَةِ، وَ الدَّلِيلُ عَلَى كَذِبِهِمْ وَ بَاطِلِهِمْ وَ فُجُورِهِمْ أَنَّهُمْ سَلَّمُوا عَلَيَّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ مِنَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وَ عَلَيْكَ خَاصَّةً وَ عَلَى هَذَا مَعَكَ- يَعْنِي الزُّبَيْرَ- وَ عَلَى الْأُمَّةِ رَأْساً، وَ عَلَى هَذَا (6) سَعْدٌ وَ ابْنُ عَوْفٍ وَ خَلِيفَتُكُمْ هَذَا الْقَائِمُ- يَعْنِي عُثْمَانَ- فَإِنَّا مَعْشَرَ الشُّورَى السِّتَّةِ (7) أَحْيَاءٌ كُلُّنَا إِنْ جَعَلَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الشُّورَى إِنْ كَانَ قَدْ صَدَقَ هُوَ (8) وَ أَصْحَابُهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، أَ جَعَلَنَا شُورَى فِي الْخِلَافَةِ أَوْ (9) فِي غَيْرِهَا؟ فَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّهُ جَعَلَهَا (10) شُورَى فِي غَيْرِ الْإِمَارَةِ فَلَيْسَ لِعُثْمَانَ إِمَارَةٌ، وَ إِنَّمَا أَمَرَنَا أَنْ نَتَشَاوَرَ فِي غَيْرِهَا، وَ إِنْ كَانَتِ الشُّورَى فِيهَا فَلِمَ أَدْخَلَنِي فِيكُمْ، فَهَلَّا أَخْرَجَنِي وَ قَدْ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَخْرَجَ أَهْلَ بَيْتِهِ مِنَ الْخِلَافَةِ، وَ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا نَصِيبٌ؟!. وَ لِمَ قَالَ عُمَرُ حِينَ دَعَانَا رَجُلًا رَجُلًا، فَقَالَ (11) لِعَبْدِ اللَّهِ ابْنِهِ
____________
(1) البقرة: 247.
(2) الأحقاف: 4.
(3) جاء في حاشية (ك) ما يلي: السّفال: نقيض .. العلاء. صحاح.
انظر: الصّحاح 5- 1730.
(4) في الاحتجاج: فما.
(5) لا توجد: فهي، في المصدر.
(6) وضع على: رأسا، في المطبوع من البحار رمز نسخة بدل، و في (ك) وضع على: رأسا و على هذا، رمز النّسخة، و لا توجد في المصدر، و فيه: و على سعد.
(7) وضع على السّتّة في (ك) رمز نسخة بدل، و لا توجد في الاحتجاج.
(8) لا توجد: هو، في المصدر.
(9) في المصدر: أم، بدلا من: أو.
(10) في (ك): جعلنا.
(11) في المصدر زيادة: عليّ (عليه السلام).
419
وَ هَا هُوَ إِذاً (1)- أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ! مَا قَالَ لَكَ حِينَ خَرَجْتَ؟. قَالَ: أَمَّا إِذَا نَاشَدْتَنِي بِاللَّهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: إِنْ يَتَّبِعُوا (2) أَصْلَعَ قُرَيْشٍ لَحَمَلَهُمْ (3) عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ وَ أَقَامَهُمْ عَلَى كِتَابِ رَبِّهِمْ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِمْ. قَالَ: يَا ابْنَ عُمَرَ! فَمَا قُلْتَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ؟. قَالَ: قُلْتُ لَهُ: فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَسْتَخْلِفَهُ؟. قَالَ: وَ مَا رَدَّ عَلَيْكَ؟. قَالَ:
رَدَّ عَلَيَّ شَيْئاً أَكْتُمُهُ. قَالَ (4) (عليه السلام): فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أَخْبَرَنِي (5) بِهِ فِي حَيَاتِهِ: ثُمَّ أَخْبَرَنِي بِهِ لَيْلَةَ مَاتَ أَبُوكَ فِي مَنَامِي، وَ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي نَوْمِهِ (6) فَقَدْ رَآهُ فِي يَقَظَتِهِ (7). قَالَ: فَمَا أَخْبَرَكَ (8)؟.
قَالَ (عليه السلام): فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ يَا ابْنَ عُمَرَ! لَئِنْ أَخْبَرْتُكَ بِهِ لَتُصَدِّقَنَّ؟.
قَالَ: إِذًا أَسْكُتَ. قَالَ: فَإِنَّهُ قَالَ لَكَ حِينَ قُلْتَ لَهُ: فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَسْتَخْلِفَهُ؟.
قَالَ: الصَّحِيفَةُ الَّتِي كَتَبْنَاهَا بَيْنَنَا وَ الْعَهْدُ فِي الْكَعْبَةِ، فَسَكَتَ ابْنُ عُمَرَ وَ قَالَ (9):
أَسْأَلُكَ بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ (10) ص لَمَّا (11) سَكَتَّ عَنِّي.
قَالَ سُلَيْمٌ: فَرَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ خَنَقَتْهُ (12) الْعَبْرَةُ وَ عَيْنَاهُ تَسِيلَانِ، وَ أَقْبَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ (عليه السلام) عَلَى طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرِ وَ ابْنِ عَوْفٍ
____________
(1) في الاحتجاج: ذا، بدلا من: إذا.
(2) جاء على مطبوع البحار: بايعوا، ثمّ رمز لها بنسخة صحيحة.
(3) في المصدر: يحملهم.
(4) في الاحتجاج زيادة لفظة: عليّ.
(5) في المصدر: خبّرني.
(6) في الاحتجاج: مناما، بدلا من: في نومه.
(7) لا يوجد في المصدر: في يقظته.
(8) زاد في الاحتجاج لفظ: به.
(9) في الاحتجاج: فقال.
(10) في المصدر: رسولك.
(11) في الاحتجاج: لم.
(12) في (س): حنقه.
420
وَ سَعْدٍ، فَقَالَ: وَ اللَّهِ (1) لَئِنْ كَانَ أُولَئِكَ الْخَمْسَةُ أَوِ الْأَرْبَعَةُ كَذَبُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مَا يَحِلُّ لَكُمْ وَلَايَتُهُمْ، وَ إِنْ كَانُوا صَدَقُوا مَا حَلَّ لَكُمْ أَيُّهَا الْخَمْسَةُ (2) أَنْ تُدْخِلُونِي مَعَكُمْ فِي الشُّورَى، لِأَنَّ إِدْخَالَكُمْ إِيَّايَ فِيهَا خِلَافٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ رَدٌّ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ مَنْزِلَتِي فِيكُمْ وَ مَا تَعْرِفُونِّي بِهِ، أَ صَادِقٌ أَنَا فِيكُمْ أَمْ كَاذِبٌ؟!. قَالُوا: بَلْ صِدِّيقٌ صَدُوقٌ، وَ اللَّهِ (3) مَا عَلِمْنَاكَ كَذَبْتَ كَذِبَةً (4) قَطُّ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَ لَا إِسْلَامٍ (5).
قَالَ: فَوَ اللَّهِ الَّذِي أَكْرَمَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ بِالنُّبُوَّةِ وَ جَعَلَ مِنَّا مُحَمَّداً (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَكْرَمَنَا بَعْدَهُ بِأَنْ جَعَلَنَا أَئِمَّةَ الْمُؤْمِنِينَ (6) لَا يَبْلُغُ عَنْهُ غَيْرُنَا، وَ لَا تَصْلُحُ الْإِمَامَةُ وَ الْخِلَافَةُ إِلَّا فِينَا، وَ لَمْ يَجْعَلْ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ فِيهَا مَعَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ نَصِيباً وَ لَا حَقّاً، أَمَّا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَ لَيْسَ (7) بَعْدَهُ نَبِيٌّ وَ لَا رَسُولٌ، خَتَمَ بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) الْأَنْبِيَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ جَعَلَنَا مِنْ بَعْدِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) خُلَفَاءَ فِي أَرْضِهِ (8) وَ شُهَدَاءَ عَلَى خَلْقِهِ، وَ فَرَضَ طَاعَتَنَا فِي كِتَابِهِ، وَ قَرَنَنَا بِنَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ الْمُنْزَلِ (9) وَ بَيَّنَهُ (10) فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَ اللَّهُ (11) عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَ مُحَمَّداً نَبِيّاً وَ جَعَلَنَا خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِهِ فِي خَلْقِهِ وَ شُهَدَاءَ عَلَى خَلْقِهِ، وَ فَرَضَ
____________
(1) لا يوجد لفظ الجلالة و لا واو القسم في المصدر.
(2) في الاحتجاج زيادة: أو الأربعة.
(3) في المصدر: قالوا: صدوق، لا و اللّه، و في (ك) وضع على صدوق رمز نسخة بدل.
(4) لا توجد: كذبة، في الاحتجاج.
(5) في الاحتجاج: الجاهليّة و لا الإسلام.
(6) في المصدر: للمؤمنين.
(7) في الاحتجاج: خاتم النّبيّين ليس.
(8) في (س): خلفاء من بعده في خلقه.
(9) لم ترد عبارة: في كتابه المنزل، في المصدر و لا في (س).
(10) في الاحتجاج: و نبيه، و ما هنا أظهر.
(11) وضع في (ك) على لفظ الجلالة رمز نسخة بدل، و في المصدر: فاللّه.
421
طَاعَتَنَا فِي كِتَابِهِ وَ قَرَنَنَا بِنَفْسِهِ (1) فِي كِتَابِهِ الْمُنْزَلِ.
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى (2) أَمَرَ نَبِيَّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنْ يُبَلِّغَ ذَلِكَ أُمَّتَهُ فَبَلَّغَهُمْ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ .. فَأَيُّهُمَا (3) أَحَقُّ بِمَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ مَكَانِهِ، وَ قَدْ سَمِعْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حِينَ بَعَثَنِي بِبَرَاءَةَ، فَقَالَ: لَا يُبَلِّغْ عَنِّي إِلَّا رَجُلٌ مِنِّي، أَنْشُدُكُمْ (4) بِاللَّهِ، أَ سَمِعْتُمْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)؟. قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، نَشْهَدُ أَنَّا سَمِعْنَا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حِينَ بَعَثَكَ بِبَرَاءَةَ.
فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): لَا يَصْلُحُ لِصَاحِبِكُمْ أَنْ يُبَلِّغَ عَنْهُ صَحِيفَةً قَدْرَ (5) أَرْبَعِ أَصَابِعَ، وَ إِنَّهُ لَا (6) يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الْمُبَلِّغُ عَنْهُ غَيْرِي، فَأَيُّهُمَا أَحَقُّ بِمَجْلِسِهِ وَ مَكَانِهِ- الَّذِي سُمِّيَ بِخَاصَّتِهِ (7) أَنَّهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَوْ مَنْ حَضَرَ مَجْلِسَهُ مِنَ الْأُمَّةِ-؟!. فَقَالَ طَلْحَةُ: قَدْ سَمِعْنَا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فَفَسِّرْ لَنَا كَيْفَ لَا يَصْلُحُ لِأَحَدٍ أَنْ يُبَلِّغَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) غَيْرُكَ؟، وَ لَقَدْ قَالَ لَنَا وَ لِسَائِرِ النَّاسِ: لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَقَالَ- بِعَرَفَةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ-: نَضَّرَ (8) اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي (9) ثُمَّ بَلَّغَهَا غَيْرَهُ، فَرُبَ
____________
(1) من قوله: في خلقه .. إلى بنفسه، لا يوجد في الاحتجاج، كما لا توجد الواو قبل كلمة: فرض، في (س).
(2) في المصدر: عزّ و جلّ، بدلا من: تبارك و تعالى.
(3) في الاحتجاج: فأيّكما، و جاء في (س) بعدها كلمة: شاء، خطّ عليها في (ك)، و لا توجد في المصدر.
(4) في المصدر: أنشدتكم.
(5) لا توجد: قدر، في (س)، و لا المصدر.
(6) لا توجد: و إنّه لا، في الاحتجاج.
(7) في الاحتجاج: بخاصّة.
(8) في الاحتجاج: نصر.
(9) في المصدر زيادة: فدعاها.
422
حَامِلِ فِقْهٍ لَا فِقْهَ لَهُ، وَ رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ (1)، ثَلَاثٌ لَا يُغِلُ (2) عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ (3) الْعَمَلِ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، وَ السَّمْعُ وَ الطَّاعَةُ وَ الْمُنَاصَحَةُ لِوُلَاةِ الْأَمْرِ وَ لُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ مُحِيطَةٌ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَ قَالَ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ (4): لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ.
فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): إِنَّ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ وَ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَ يَوْمَ قُبِضَ (5) فِي آخِرِ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا حِينَ قَالَ:
إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى (6) وَ أَهْلَ بَيْتِي، فَإِنَّ اللَّطِيفَ الْخَبِيرَ قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُمَا لَا يَفْتَرِقَانِ حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ كَهَاتَيْنِ الْإِصْبَعَيْنِ، أَلَا إِنَ (7) أَحَدَهُمَا قُدَّامُ الْآخَرِ فَتَمَسَّكُوا بِهِمَا لَا تَضِلُّوا (8) وَ لَا تَزِلُّوا، وَ لَا تَقَدَّمُوهُمْ وَ لَا تَخَلَّفُوا عَنْهُمْ، وَ لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ، وَ (9) إِنَّمَا أَمَرَ الْعَامَّةَ (10) جَمِيعاً أَنْ يُبَلِّغُوا مَنْ لَقُوا مِنَ الْعَامَّةِ إِيجَابَ طَاعَةِ الْأَئِمَّةِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ وَ (عليهم السلام) وَ إِيجَابَ حَقِّهِمْ، وَ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ غَيْرَ ذَلِكَ، وَ إِنَّمَا أَمَرَ الْعَامَّةَ أَنْ يُبَلِّغُوا الْعَامَّةَ حُجَّةَ مَنْ لَا يُبَلِّغُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) جَمِيعَ
____________
(1) مرّت مصادر الحديث مفصّلا، و هو من خطبته (صلوات اللّه عليه و آله) في حجّة الوداع في مسجد الخيف، و أورده أيضا ابن ماجة في سننه 1- 84، حديث 230، و التّرمذيّ في سننه 5- 34، و السّيوطيّ في الجامع الصّغير 2- 22 و 187، و الكفاية للخطيب البغداديّ: 267 و 289، و تدريب الرّاوي 2- 126، و غيرها.
(2) في الاحتجاج: لا يحلّ.
(3) في المصدر: أخلص.
(4) في (س): في غير خبر موطن، و قد خطّ على خبر في (ك)، و لا توجد في المصدر.
(5) لا توجد: و يوم قبض، في المصدر.
(6) لا توجد: تعالى، في الاحتجاج.
(7) لا توجد: لا، قبل كلمة يفترقان، و فيه: و لا أقول كهاتين- فأشار إلى سبّابته و إبهامه- لأنّ ..
(8) في الاحتجاج: لن تضلّوا.
(9) لا توجد الواو في (س).
(10) في المصدر زيادة لفظ الجلالة قبل العامّة.
423
مَا يَبْعَثُهُ (1) اللَّهُ بِهِ غَيْرَهُمْ، أَ لَا تَرَى- يَا طَلْحَةُ-! أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ لِي- وَ أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ-: يَا أَخِي إِنَّهُ لَا يَقْضِي عَنِّي دَيْنِي وَ لَا يُبْرِئُ ذِمَّتِي غَيْرُكَ، تُبْرِئُ ذِمَّتِي وَ تُؤَدِّي دَيْنِي وَ غَرَامَاتِي وَ تُقَاتِلُ عَلَى سُنَّتِي؟!، فَلَمَّا وُلِّيَ أَبُو بَكْرٍ قَضَى عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ دَيْنَهُ وَ عِدَاتِهِ (2) فَاتَّبَعْتُمُوهُ جَمِيعاً؟!، فَقَضَيْتُ دَيْنَهُ وَ عِدَاتِهِ، وَ قَدْ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَا يَقْضِي عَنْهُ دَيْنَهُ وَ عِدَاتِهِ غَيْرِي، وَ لَمْ يَكُنْ مَا أَعْطَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ قَضَاءً لِدَيْنِهِ وَ عِدَاتِهِ، وَ إِنَّمَا كَانَ الَّذِي قَضَى (3) مِنَ الدَّيْنِ وَ الْعِدَةِ هُوَ الَّذِي أَبْرَأَهُ مِنْهُ، وَ إِنَّمَا بَلَّغَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) جَمِيعَ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنْ بَعْدِهِ (4) الْأَئِمَّةُ الَّذِينَ فَرَضَ اللَّهُ فِي الْكِتَابِ طَاعَتَهُمْ وَ أَمَرَ بِوَلَايَتِهِمُ، الَّذِينَ مَنْ أَطَاعَهُمْ (5) أَطَاعَ اللَّهَ وَ مَنْ عَصَاهُمْ (6) عَصَى اللَّهَ. فَقَالَ طَلْحَةُ: فَرَّجْتَ عَنِّي مَا كُنْتُ أَدْرِي مَا عَنَى بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حَتَّى فَسَّرْتَهُ لِي، فَجَزَاكَ اللَّهُ يَا أَبَا الْحَسَنِ عَنْ جَمِيعِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) الْجَنَّةَ. يَا أَبَا الْحَسَنِ! شَيْءٌ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْهُ، رَأَيْتُكَ خَرَجْتَ بِثَوْبٍ مَخْتُومٍ، فَقُلْتَ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي لَمْ أَزَلْ مُشْتَغِلًا بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِغُسْلِهِ وَ كَفْنِهِ وَ دَفْنِهِ، ثُمَّ اشْتَغَلْتُ بِكِتَابِ اللَّهِ حَتَّى جَمَعْتُهُ، فَهَذَا كِتَابُ اللَّهِ عِنْدِي مَجْمُوعاً (7) لَمْ يَسْقُطْ عَنِّي (8) حَرْفٌ وَاحِدٌ، وَ لَمْ أَرَ (9) ذَلِكَ الَّذِي كَتَبْتَ وَ أَلَّفْتَ، وَ قَدْ رَأَيْتُ عُمَرَ بَعَثَ إِلَيْكَ أَنِ ابْعَثْ بِهِ إِلَيَّ، فَأَبَيْتَ أَنْ تَفْعَلَ، فَدَعَا عُمَرُ
____________
(1) في الاحتجاج: بعثه.
(2) في المصدر: عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عداته و دينه.
(3) في الاحتجاج: قضيت.
(4) لا يوجد ضمير بعده في المصدر.
(5) في الاحتجاج زيادة: فقد.
(6) في الاحتجاج زيادة: فقد.
(7) في (ك) نسخة بدل: مختوما.
(8) في المصدر: حتّى.
(9) في (ك): أردّ.
424
النَّاسَ فَإِذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى آيَةٍ كَتَبَهَا، وَ إِذَا (1) مَا لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهَا غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَرْجَاهَا فَلَمْ يَكْتُبْ، فَقَالَ عُمَرُ- وَ أَنَا أَسْمَعُ-: إِنَّهُ قَدْ قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ قَوْمٌ كَانُوا يَقْرَءُونَ قُرْآناً لَا يَقْرَؤُهُ غَيْرُهُمْ فَقَدْ ذَهَبَ، وَ قَدْ جَاءَتْ شَاةٌ إِلَى صَحِيفَةٍ وَ كِتَابٍ يَكْتُبُونَ فَأَكَلَتْهَا وَ ذَهَبَ مَا فِيهَا، وَ الْكَاتِبُ يَوْمَئِذٍ عُثْمَانُ، وَ سَمِعْتُ عُمَرَ وَ أَصْحَابَهُ الَّذِينَ أَلْقَوْا (2) مَا كَتَبُوا عَلَى عَهْدِ عُمَرَ وَ عَلَى عَهْدِ عُثْمَانَ يَقُولُونَ: إِنَّ الْأَحْزَابَ كَانَتْ تَعْدِلُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَ إِنَّ النُّورَ نَيِّفٌ وَ مِائَةُ (3) آيَةٍ، وَ الْحِجْرَ مِائَةٌ وَ تِسْعُونَ (4) آيَةً، فَمَا هَذَا؟، وَ مَا يَمْنَعُكَ- يَرْحَمُكَ اللَّهُ- أَنْ تُخْرِجَ كِتَابَ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ وَ قَدْ عَهِدَ عُثْمَانُ حِينَ أَخَذَ مَا أَلَّفَ عُمَرُ فَجَمَعَ لَهُ الْكِتَابَ وَ حَمَلَ النَّاسَ عَلَى قِرَاءَةٍ وَاحِدَةٍ، فَمَزَّقَ مُصْحَفَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَ أَحْرَقَهُمَا بِالنَّارِ؟!. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام):
يَا طَلْحَةُ! إِنَّ كُلَّ آيَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ جَلَّ وَ عَلَا عَلَى مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) عِنْدِي بِإِمْلَاءِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ خَطِّ يَدِي، وَ تَأْوِيلَ كُلِّ آيَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ كُلُّ حَلَالٍ وَ حَرَامٍ (5) أَوْ حَدٍّ أَوْ حُكْمٍ أَوْ شَيْءٍ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْأُمَّةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (6) عِنْدِي (7) مَكْتُوبٌ بِإِمْلَاءِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ خَطِّ يَدِي حَتَّى أَرْشِ الْخَدْشِ.
فَقَالَ (8) طَلْحَةُ: كُلُّ شَيْءٍ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ (9) كَبِيرٍ أَوْ خَاصٍّ أَوْ عَامٍّ أَوْ (10) كَانَ أَوْ
____________
(1) في الاحتجاج: و إن، بدلا من: و إذا.
(2) في المصدر: ألّفوا.
(3) في الاحتجاج: ستّون و مائة.
(4) في المصدر: تسعون و مائة.
(5) في المصدر: حرام و حلال- بتقديم و تأخير-.
(6) من قوله: و كلّ حلال .. إلى يوم القيامة، خطّ عليها في (س).
(7) لا توجد: عندي، في الاحتجاج.
(8) في المصدر: قال.
(9) في المصدر: واو، بدلا من: أو.
(10) لا توجد: أو، في الاحتجاج، و قد وضع عليها رمز نسخة بدل في (ك).
425
يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَهُوَ عِنْدَكَ مَكْتُوبٌ؟!. قَالَ: نَعَمْ، وَ سِوَى ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَسَرَّ إِلَيَّ فِي مَرَضِهِ مِفْتَاحَ أَلْفِ بَابٍ مِنَ الْعِلْمِ يَفْتَحُ (1) كُلُّ بَابٍ أَلْفَ بَابٍ، وَ لَوْ أَنَّ الْأُمَّةَ مُنْذُ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) اتَّبَعُونِي وَ أَطَاعُونِي لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ، يَا طَلْحَةُ! أَ لَسْتَ قَدْ شَهِدْتَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حِينَ دَعَا بِالْكَتِفِ لِيَكْتُبَ فِيهِ مَا لَا تَضِلُّ أُمَّتُهُ (2)، فَقَالَ صَاحِبُكَ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ يَهْجُرُ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَتَرَكَهَا؟. قَالَ (3): بَلَى، قَدْ شَهِدْتُهُ. قَالَ: فَإِنَّكُمْ لَمَّا (4) خَرَجْتُمْ أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِالَّذِي أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ وَ يُشْهِدَ عَلَيْهِ الْعَامَّةَ، فَأَخْبَرَهُ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَدْ (5) قَضَى عَلَى أُمَّتِهِ (6) الِاخْتِلَافَ وَ الْفُرْقَةَ، ثُمَّ دَعَا بِصَحِيفَةٍ فَأَمْلَى عَلَيَّ مَا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ فِي الْكَتِفِ، وَ أَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ ثَلَاثَةَ رَهْطٍ:
سَلْمَانُ وَ أَبُو ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادُ، وَ سَمَّى مَنْ يَكُونُ مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ بِطَاعَتِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَسَمَّانِي أَوَّلَهُمْ ثُمَّ ابْنِي هَذَا ثُمَّ ابْنِي هَذَا- وَ أَشَارَ إِلَى (7) الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ- ثُمَّ تِسْعَةً مِنْ وُلْدِ ابْنِيَ الْحُسَيْنِ، أَ كَذَلِكَ (8) كَانَ يَا أَبَا ذَرٍّ وَ يَا مِقْدَادُ؟!.
فَقَامَا ثُمَّ قَالا: نَشْهَدُ بِذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله). فَقَالَ طَلْحَةُ: وَ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: مَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ وَ لَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ وَ لَا أَبَرَّ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَبِي ذَرٍّ، وَ أَنَا أَشْهَدُ أَنَّهُمَا لَمْ يَشْهَدَا
____________
(1) في المصدر زيادة: من.
(2) في (ك) نسخة بدل: و لا تختلف أمّته.
(3) في الاحتجاج: و تركها فقال.
(4) في (س): لمّا قد، و قد حذفت من (ك)، و لعلّها نسخة بدل عن: لمّا.
(5) لا توجد: عزّ و جلّ قد، في الاحتجاج- طبعة إيران-، و قد أثبت: قد، في طبعة النّجف.
(6) في المصدر: أمّتك.
(7) في الاحتجاج: ثمّ ابني هذين، و أشار بيده إلى.
(8) في المصدر: و كذلك.
426
إِلَّا بِحَقٍّ وَ أَنْتَ (1) عِنْدِي أَصْدَقُ وَ أَبَرُّ مِنْهُمَا.
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلِيٌّ (عليه السلام)، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَ (2) يَا طَلْحَةُ! وَ أَنْتَ يَا زُبَيْرُ! وَ أَنْتَ يَا سَعْدُ! وَ أَنْتَ يَا ابْنَ عَوْفٍ! اتَّقُوا اللَّهَ وَ آثِرُوا رِضَاهُ، وَ اخْتَارُوا مَا عِنْدَهُ، وَ لَا تَخَافُوا فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ. ثُمَّ قَالَ طَلْحَةُ: لَا أَرَاكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ أَجَبْتَنِي عَمَّا سَأَلْتُكَ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الْقُرْآنِ، أَلَا تُظْهِرُهُ لِلنَّاسِ؟!. قَالَ: يَا طَلْحَةُ! عَمْداً (3) كَفَفْتُ عَنْ جَوَابِكَ، فَأَخْبِرْنِي عَمَّا كَتَبَ عُمَرُ وَ عُثْمَانُ، أَ قُرْآنٌ كُلُّهُ أَمْ فِيهِ مَا لَيْسَ بِقُرْآنٍ؟!. قَالَ طَلْحَةُ: بَلْ قُرْآنٌ كُلُّهُ. قَالَ: إِنْ أَخَذْتُمْ بِمَا فِيهِ نَجَوْتُمْ مِنَ النَّارِ وَ دَخَلْتُمُ الْجَنَّةَ، فَإِنَّ فِيهِ حُجَّتَنَا، وَ بَيَانَ حَقِّنَا، وَ فَرْضَ طَاعَتِنَا. قَالَ طَلْحَةُ:
حَسْبِي، أَمَّا إِذَا كَانَ قُرْآناً فَحَسْبِي.
ثُمَّ قَالَ طَلْحَةُ: أَخْبِرْنِي عَمَّا فِي يَدَيْكَ مِنَ الْقُرْآنِ وَ تَأْوِيلِهِ وَ عِلْمِ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ إِلَى مَنْ تَدْفَعُهُ؟ وَ مَنْ صَاحِبُهُ بَعْدَكَ؟. قَالَ: إِنَّ الَّذِي أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنْ أَدْفَعَهُ إِلَيْهِ. قَالَ: مَنْ هُوَ؟. قَالَ (4) وَصِيِّي (5) وَ أَوْلَى النَّاسِ بَعْدِي بِالنَّاسِ ابْنِي الْحَسَنُ ثُمَّ يَدْفَعُهُ ابْنِي الْحَسَنُ عِنْدَ مَوْتِهِ (6) إِلَى ابْنِي الْحُسَيْنِ، ثُمَّ يَصِيرُ إِلَى وَاحِدٍ بَعْدَ وَاحِدٍ مِنْ وُلْدِ الْحُسَيْنِ حَتَّى يَرِدَ آخِرُهُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) (7) حَوْضَهُ، هُمْ مَعَ الْقُرْآنِ لَا يُفَارِقُونَهُ وَ الْقُرْآنُ مَعَهُمْ لَا يُفَارِقُهُمْ، أَمَا إِنَّ مُعَاوِيَةَ وَ ابْنَهُ سَيَلِيَانِ (8) بَعْدَ عُثْمَانَ ثُمَّ يَلِيهِمَا (9) سَبْعَةٌ مِنْ وُلْدِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي
____________
(1) في (ك): و لا أنت، و في المصدر: و لأنت.
(2) لا يوجد في الاحتجاج: عزّ و جلّ.
(3) في (س): عهدا، و قد خطّ عليها في (ك).
(4) لا توجد: قال: من هو قال ..، في المصدر.
(5) في مطبوع البحار: وصيّتي.
(6) لا توجد: عند موته، في (س)، و لا المصدر.
(7) لا توجد في الاحتجاج: على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
(8) في (ك) نسخة بدل: سيليانها.
(9) في المصدر: يليها.
427
الْعَاصِ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ تَكْمِلَةُ (1) اثْنَيْ عَشَرَ إِمَامَ ضَلَالَةٍ، وَ هُمُ الَّذِينَ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَى مِنْبَرِهِ يَرُدُّونَ الْأُمَّةَ عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى، عَشَرَةٌ مِنْهُمْ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَ رَجُلَانِ أَسَّسَا ذَلِكَ لَهُمْ، وَ عَلَيْهِمَا مِثْلُ جَمِيعِ أَوْزَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
أقول::- روى الصدوق (رحمه اللّه) في إكمال الدين (2) مختصرا من هذا الإحتجاج، عن أبيه و ابن الوليد معا، عن سعد، عن ابن يزيد، عن حمّاد بن عيسى، عن ابن أذينة، عن أبان بن أبي عيّاش، عن سليم بن قيس.
و وجدت في أصل كتاب سليم (3) مثله.
بيان: قال الجوهري (4): الدّبر- بالفتح-: جماعة النّحل .. و يقال للزّنابير أيضا (5) دبر، و منه قيل لعاصم بن ثابت الأنصاري: حميّ الدبر، و ذلك أنّ المشركين لمّا قتلوه أرادوا أن يمثّلوا به فسلّط اللّه عليهم الزنابير الكبار تأبر الدارع (6) فارتدعوا عنه حتّى أخذه المسلمون فدفنوه.
قوله (عليه السلام): حجّة من لا يبلغ ... المراد بالموصول الأئمّة (عليهم السلام)، فإنّهم الذين لا يبلغ سواهم جميع ما يبعث اللّه النبيّ ص به (7)، و الغرض أنّ ما يلزمهم إبلاغه هو الكلام الذي يكون حجّة للإمام على الخلق من النصّ عليه و ما يدلّ على وجوب طاعته، فإنّ بإخبار الإمام فقط لا تتمّ الحجّة في ذلك، فأمّا تبليغ سائر الأشياء فهو شأن الإمام (عليه السلام).
____________
(1) في مطبوع البحار: تكلمة، و لا معنى لها.
(2) إكمال الدين 1- 274- 279، بتفصيل في الإسناد.
(3) كتاب سليم بن قيس: 111- 125، و جاء في آخره: فقالوا: يرحمك اللّه يا أبا الحسن و جزاك اللّه أفضل الجزاء عنّا.
(4) الصحاح 2- 652، و قارن ب: لسان العرب 4- 274- 275.
(5) في المصدر: أيضا للزنابير- بتقديم و تأخير-.
(6) في (س): الدراع، و هو غلط.
(7) لا يوجد: به، في (ك).
428
قوله (عليه السلام): و لم يكن ما أعطاهم .. لعل المعنى أنّ قاضي الدين و العدات هو الذي يبرئ ذمّة الغريم و الواعد، و (1) لا يبرئ الذمّة إلّا ما كان بجهة شرعيّة، و بعد تعيين النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عليّا (عليه السلام) لقضاء الدين و العداة و نهي الغير عن ذلك، إذا أتى به غيره لم يكن بجهة شرعيّة فلا يبرئ الذمّة، فما أدّاه أبو بكر لم يكن داخلا في قضاء الدين و العدة. فقوله (عليه السلام): و إنّما كان الذي قضى .. إشارة إلى ما ذكرنا، أي ليس القاضي إلّا الذي أبرأ المديون منه، و أبو بكر لم يكن كذلك.
و لنذكر بَعْضَ الزَّوَائِدِ الَّتِي وَجَدْنَاهَا فِي كِتَابِ سُلَيْمٍ، وَ بَعْضَ الِاخْتِلَافَاتِ (2) بَيْنَهُ وَ بَيْنَ سَائِرِ الرِّوَايَاتِ.
قَالَ- بَعْدَ قَوْلِهِ (3)-: لَمْ يَلْتَقِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى سِفَاحٍ قَطُّ .. فَقَالَ أَهْلُ السَّابِقَةِ وَ الْقُدْمَةِ وَ أَهْلُ بَدْرٍ وَ أَهْلُ أُحُدٍ نَعَمْ قَدْ سَمِعْنَا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله).
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمُ اللَّهَ، أَ تُقِرُّونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) آخَى بَيْنَ كُلِّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَ آخَى بَيْنِي وَ بَيْنَ نَفْسِهِ، وَ قَالَ: أَنْتَ أَخِي وَ أَنَا أَخُوكَ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ؟. فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: أَ تُقِرُّونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) اشْتَرَى مَوْضِعَ مَسْجِدِهِ وَ مَنَازِلَهُ فَأَتَيْنَاهُ (4) ثُمَّ بَنَى عَشَرَةَ مَنَازِلَ تِسْعَةً لَهُ وَ جَعَلَ لِي عَاشِرَهَا فِي وَسَطِهَا، ثُمَ (5) سَدَّ كُلَّ بَابِ شَارِعٍ إِلَى الْمَسْجِدِ غَيْرَ بَابِي، فَتَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ مَنْ تَكَلَّمَ، فَقَالَ: مَا أَنَا
____________
(1) لا توجد الواو في (ك).
(2) و هي أكثر بكثير ممّا أورده المصنّف طاب ثراه ممّا لو قيست بكتاب سليم بن قيس المطبوع، لم نتعرّض لها.
(3) كتاب سليم بن قيس الهلاليّ: 114- 117.
(4) في المصدر: فأتبنى [خ. ل: فأثبناه].
(5) لا توجد: ثمّ، في كتاب سليم.
429
سَدَدْتُ أَبْوَابَكُمْ وَ فَتَحْتُ بَابَهُ وَ لَكِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِسَدِّ أَبْوَابِكُمْ وَ فَتْحِ بَابِهِ، وَ لَقَدْ نَهَى النَّاسَ (1) جَمِيعاً أَنْ يَنَامُوا فِي الْمَسْجِدِ غَيْرِي، وَ كُنْتُ أُجْنِبُ فِي الْمَسْجِدِ وَ مَنْزِلِي وَ مَنْزِلُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي الْمَسْجِدِ يُولَدُ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ لِي فِيهِ أَوْلَادٌ؟. قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: أَ فَتُقِرُّونَ أَنَّ عُمَرَ حَرَصَ عَلَى كُوَّةٍ قَدْرَ عَيْنِهِ يَدَعُهَا مِنْ مَنْزِلِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَأَبَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنَّ اللَّهَ أَمْرَ مُوسَى (عليه السلام) أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِداً طَاهِراً لَا يَسْكُنُهُ غَيْرُهُ وَ غَيْرُ هَارُونَ وَ ابْنَيْهِ، وَ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ مَسْجِداً طَاهِراً لَا يَسْكُنُهُ غَيْرِي وَ غَيْرُ أَخِي وَ ابْنَيْهِ؟. قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: أَ فَتُقِرُّونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ- فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ-: أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى وَ أَنْتَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ بَعْدِي؟. قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: أَ فَتُقِرُّونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حِينَ دَعَا أَهْلَ نَجْرَانَ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ إِلَّا بِي وَ بِصَاحِبَتِي وَ ابْنَيَّ؟. قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: أَ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ دَفَعَ إِلَيَّ اللِّوَاءَ يَوْمَ خَيْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: لَأَدْفَعُهَا إِلَى (2) رَجُلٍ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ يُحِبُّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ، لَيْسَ بِجَبَانٍ وَ لَا فَرَّارٍ يَفْتَحُهَا اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ (3)؟. قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: أَ فَتُقِرُّونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بَعَثَنِي بِبَرَاءَةَ وَ قَالَ: لَا يُبَلِّغُ عَنِّي إِلَّا رَجُلٌ مِنِّي؟. قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: أَ فَتُقِرُّونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَمْ يَنْزِلْ (4) بِهِ شَدِيدَةٌ قَطُّ إِلَّا قَدَّمَنِي لَهَا ثِقَةً بِي، وَ أَنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِاسْمِي قَطُّ إِلَّا أَنْ يَقُولَ: يَا أَخِي .. وَ ادْعُوا (5) لِي
____________
(1) في (س): للنّاس.
(2) في المصدر: لواء خيبر ثمّ قال: لأدفعنّ الرّاية غدا إلى ..
(3) في كتاب سليم: يده.
(4) في المصدر: تنزل.
(5) جاء في كتاب سليم: و أدخلوا.
430
أَخِي (1) ..؟. قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: أَ فَتُقِرُّونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَضَى بَيْنِي وَ بَيْنَ جَعْفَرٍ وَ زِيدٍ فِي ابْنَةِ حَمْزَةَ، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ! أَنْتَ (2) مِنِّي وَ أَنَا مِنْكَ وَ أَنْتَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي؟. قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: أَ فَتُقِرُّونَ أَنَّهُ كَانَتْ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي كُلِّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ دَخْلَةً وَ خَلْوَةً، إِذَا سَأَلْتُهُ أَعْطَانِي، وَ إِذَا سَكَتْتُ (3) ابْتَدَأَنِي؟. قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: أَ فَتُقِرُّونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَضَّلَنِي عَلَى حَمْزَةَ وَ جَعْفَرٍ (4)، فَقَالَ لِفَاطِمَةَ: إِنَّ زَوْجَكِ (5) خَيْرُ أَهْلِي وَ خَيْرُ أُمَّتِي، أَقْدَمُهُمْ سِلْماً، وَ أَعْظَمُهُمْ حِلْماً (6)؟. قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: أَ فَتُقِرُّونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: أَنَا سَيِّدُ وُلْدِ (7) آدَمَ (ع) وَ أَخِي عَلِيٌّ سَيِّدُ الْعَرَبِ، وَ فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟. قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: أَ فَتُقِرُّونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَمَرَنِي بِغُسْلِهِ وَ أَخْبَرَنِي أَنَّ جَبْرَئِيلَ (عليه السلام) يُعِينُنِي عَلَيْهِ؟. قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: أَ فَتُقِرُّونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ فِي آخِرِ خُطْبَةٍ خَطَبَكُمْ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَ أَهْلَ بَيْتِي؟. قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
____________
(1) قد تقرأ في مطبوع البحار: و ادعوا إليّ أخي.
(2) في المصدر: أمّا أنت.
(3) كذا، و الصّحيح كتابتها هكذا: سكتّ.
(4) في المصدر: بتقديم و تأخير.
(5) في كتاب سليم: زوجتك.
(6) في المصدر زيادة: و أكثرهم علما.
(7) لا توجد: ولد، في (س).
431
قَالَ: فَلَمْ يَدَعْ شَيْئاً مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ خَاصَّةً وَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَ لَا عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِلَّا نَاشَدَهُمُ اللَّهَ بِهِ، فَمِنْهُ (1) مَا يَقُولُونَ جَمِيعاً نَعَمْ، وَ مِنْهُ مَا يَسْكُتُ بَعْضُهُمْ وَ يَقُولُ بَعْضُهُمْ اللَّهُمَّ نَعَمْ، وَ يَقُولُ الَّذِينَ سَكَتُوا أَنْتُمْ عِنْدَنَا ثِقَاتٌ، وَ قَدْ حَدَّثَنَا غَيْرُكُمْ مِمَّنْ نَثِقُ بِهِ أَنَّهُمْ سَمِعُوا (2) مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، ثُمَّ قَالَ حِينَ فَرَغَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ .. وَ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ (3):
فَقَالَ: أَمَا وَ اللَّهِ- يَا طَلْحَةُ- (4) مَا صَحِيفَةٌ أَلْقَى اللَّهَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ صَحِيفَةِ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ الَّذِينَ تَعَاهَدُوا وَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْوَفَاءِ بِهَا فِي الْكَعْبَةِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، إِنْ قَتَلَ اللَّهُ مُحَمَّداً أَوْ مَاتَ أَنْ يَتَوَازَرُوا أَوْ (5) يَتَظَاهَرُوا عَلَيَّ .. وَ سَاقَ إِلَى قَوْلِهِ (6):
فَأَيُّنَا (7) أَحَقُّ بِمَجْلِسِهِ وَ مَكَانِهِ الَّذِي يُسَمَّى بِخَاصَّةٍ أَنَّهُ مِنْ (8) رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، أَوْ مَنْ خَصَّ مِنْ بَيْنِ الْأُمَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) (9) .. وَ سَاقَ إِلَى قَوْلِهِ (10): يَا طَلْحَةُ! عَمْداً كَفَفْتُ عَنْ جَوَابِكَ. قَالَ:
فَأَخْبِرْنِي عَمَّا كَتَبَ عُمَرُ وَ عُثْمَانُ، أَ قُرْآنٌ كُلُّهُ أَمْ فِيهِ مَا لَيْسَ بِقُرْآنٍ؟. قَالَ: بَلْ قُرْآنٌ
____________
(1) في المصدر: منه.
(2) في كتاب سليم: سمعوه.
(3) كتاب سليم: 118.
(4) في المصدر: يا طلحة! أما و اللّه.
(5) في المصدر: واو، بدلا من: أو.
(6) كتاب سليم بن قيس: 121.
(7) في المصدر: فأيّهما.
(8) في المصدر: يسمّى خاصّة من ..
(9) من قوله: أو من خصّ .. إلى هنا لا يوجد في المصدر.
(10) كتاب سليم: 124.
432
كُلُّهُ إِنْ (1) أَخَذْتُمْ بِمَا فِيهِ نَجَوْتُمْ مِنَ النَّارِ .. وَ سَاقَ إِلَى قَوْلِهِ (2): وَ مَنْ صَاحِبُهُ بَعْدَكَ؟. قَالَ: إِلَى الَّذِي أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنْ أَدْفَعَهُ إِلَيْهِ. قَالَ:
مَنْ هُوَ؟. قَالَ: وَصِيِّي .. وَ سَاقَ إِلَى قَوْلِهِ فِي آخِرِ الْخَبَرِ (3).
يَرُدُّونَ أُمَّتَهُ عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى (4)، فَقَالُوا: يَرْحَمُكَ اللَّهُ يَا أَبَا الْحَسَنِ وَ جَزَاكَ اللَّهُ أَفْضَلَ الْجَزَاءِ عَنَّا.
2- ل (5): الْقَطَّانُ وَ السِّنَانِيُّ وَ الدَّقَّاقُ وَ الْمُكَتِّبُ وَ الْوَرَّاقُ جَمِيعاً، عَنِ ابْنِ زَكَرِيَّا الْقَطَّانِ، عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ، عَنِ ابْنِ بُهْلُولٍ (6)، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حُكَيْمٍ، عَنْ ثَوْرِ (7) بْنِ يَزِيدَ، عَنْ مَكْحُولٍ، قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام): لَقَدْ عَلِمَ الْمُسْتَحْفَظُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ رَجُلٌ لَهُ مَنْقَبَةٌ إِلَّا وَ قَدْ شَرِكْتُهُ فِيهَا وَ فَضَلْتُهُ، وَ لِي سَبْعُونَ مَنْقَبَةً لَمْ يَشْرَكْنِي فِيهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ.
قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَأَخْبِرْنِي بِهِنَّ.
فَقَالَ (عليه السلام): إِنَّ أَوَّلَ مَنْقَبَةٍ لِي أَنِّي لَمْ أُشْرِكْ بِاللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَ لَمْ أَعْبُدِ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى.
وَ الثَّانِيَةُ: أَنِّي لَمْ أَشْرَبِ الْخَمْرَ قَطُّ.
وَ الثَّالِثَةُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) اسْتَوْهَبَنِي مِنْ أَبِي فِي صِبَايَ (8)
____________
(1) في المصدر: قال طلحة: بل قرآن كلّه، قال: إن.
(2) كتاب سليم: 124.
(3) كتاب سليم بن قيس: 124- 125.
(4) وردت هنا زيادة في كتاب سليم و هي: عشرة منهم من بني أميّة و رجلان أسّسا ذلك لهم و عليهما مثل أوزار هذه الأمّة.
(5) الخصال 2- 572- 580، مع تفصيل في الإسناد.
(6) في (ك): أبي بهلول، و في المصدر: نميم بن بهلول.
(7) في (ك): ثوير.
(8) في الخصال: عن أبي في صبائي.
433
فَكُنْتُ أَكِيلَهُ وَ شَرِيبَهُ وَ مُؤْنِسَهُ وَ مُحَدَّثَهُ.
وَ الرَّابِعَةُ: أَنِّي أَوَّلُ النَّاسِ إِيمَاناً وَ إِسْلَاماً.
وَ الْخَامِسَةُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ لِي: يَا عَلِيُّ! أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي.
وَ السَّادِسَةُ: أَنِّي كُنْتُ آخِرَ النَّاسِ عَهْداً بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ دَلَّيْتُهُ فِي حُفْرَتِهِ.
وَ السَّابِعَةُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَامَنِي عَلَى فِرَاشِهِ حَيْثُ ذَهَبَ إِلَى الْغَارِ وَ سَجَّانِي (1) بِبُرْدِهِ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُشْرِكُونَ ظَنُّونِي مُحَمَّداً فَأَيْقَظُونِي، وَ قَالُوا: مَا فَعَلَ صَاحِبُكَ؟. فَقُلْتُ: ذَهَبَ فِي حَاجَتِهِ. فَقَالُوا: لَوْ كَانَ هَرَبَ لَهَرَبَ هَذَا مَعَهُ.
وَ أَمَّا الثَّامِنَةُ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَّمَنِي أَلْفَ بَابٍ مِنَ الْعِلْمِ يَفْتَحُ كُلُّ بَابٍ أَلْفَ بَابٍ، وَ لَمْ يُعْلِمْ ذَلِكَ أَحَداً غَيْرِي.
وَ أَمَّا التَّاسِعَةُ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ لِي: يَا عَلِيُّ! إِذَا حَشَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ نَصَبَ لِي مِنْبَراً فَوْقَ مَنَابِرِ (2) النَّبِيِّينَ، وَ نَصَبَ لَكَ مِنْبَراً فَوْقَ مَنَابِرِ الْوَصِيِّينَ، فَتَرْتَقِي عَلَيْهِ.
وَ أَمَّا الْعَاشِرَةُ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: (3) لَا أُعْطَى فِي الْقِيَامَةِ شَيْئاً (4) إِلَّا سَأَلْتُ لَكَ مِثْلَهُ.
وَ أَمَّا الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: يَا عَلِيُّ! أَنْتَ أَخِي وَ أَنَا أَخُوكَ يَدُكَ فِي يَدِيِ حَتَّى نَدْخُلَ (5) الْجَنَّةَ.
وَ أَمَّا الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: يَا
____________
(1) أي غطّاني، كما في النّهاية 2- 344.
(2) في (ك): منبر- بصيغة المفرد-.
(3) في الخصال زيادة: يا عليّ.
(4) لا توجد: شيئا، في المصدر.
(5) في المصدر: تدخل.
434
عَلِيُّ! مَثَلُكَ فِي أُمَّتِي كَمَثَلِ سَفِينَةِ نُوحٍ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ.
وَ أَمَّا الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَمَّمَنِي بِعِمَامَةِ نَفْسِهِ بِيَدِهِ وَ دَعَا لِي بِدَعَوَاتِ النَّصْرِ عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ، فَهَزَمْتُهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ.
وَ أَمَّا الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَمَرَنِي أَنْ أَمْسَحَ يَدِي عَلَى ضَرْعِ شَاةٍ قَدْ يَبِسَ ضَرْعُهَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَلِ امْسَحْ أَنْتَ. فَقَالَ:
يَا عَلِيُّ! فِعْلُكَ فِعْلِي، فَمَسَحْتُ عَلَيْهَا يَدِي فَدَرَّ عَلَيَّ مِنْ لَبَنِهَا فَسَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) شَرْبَةً، ثُمَّ أَتَتْ عَجُوزٌ (1) فَشَكَتِ الظَّمَأَ فَسَقَيْتُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يُبَارِكَ فِي يَدِكَ فَفَعَلَ.
وَ أَمَّا الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَوْصَى إِلَيَّ وَ قَالَ:
يَا عَلِيُّ! لَا يَلِي غُسْلِي غَيْرُكَ، وَ لَا يُوَارِي عَوْرَتِي غَيْرُكَ، فَإِنَّهُ إِنْ رَأَى أَحَدٌ عَوْرَتِي غَيْرُكَ تَفَقَّأَتْ عَيْنَاهُ (2). فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ؟ فَكَيْفَ (3) لِي بِتَقْلِيبِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ص ؟. فَقَالَ: إِنَّكَ سَتُعَانُ، فَوَ اللَّهِ مَا أَرَدْتُ أَنْ أُقَلِّبَ عُضْواً مِنْ أَعْضَائِهِ إِلَّا قُلِّبَ لِي.
وَ أَمَّا السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: فَإِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أُجَرِّدَهُ فَنُودِيتُ، يَا وَصِيَ (4) مُحَمَّدٍ! لَا تُجَرِّدْهُ، فَغَسَّلْتُهُ (5) وَ الْقَمِيصُ عَلَيْهِ، فَلَا وَ اللَّهِ الَّذِي أَكْرَمَهُ بِالنُّبُوَّةِ وَ خَصَّهُ بِالرِّسَالَةِ مَا رَأَيْتُ لَهُ عَوْرَةً، خَصَّنِيَ اللَّهُ بِذَلِكَ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِهِ.
وَ أَمَّا السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ زَوَّجَنِي فَاطِمَةَ- وَ قَدْ كَانَ خَطَبَهَا أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ- فَزَوَّجَنِيَ اللَّهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
____________
(1) في المصدر: عجوزة.
(2) فقأ العين و البثرة نحوهما [خ. ل: نحوها]- كمنع-: كسرها أو قلعها أو بحقها كفقأها فانفقأت و تفقّأت، قاله في القاموس 1- 23.
(3) لا توجد: كيف- الأولى-، في المصدر، و وضع على: فكيف، رمز الزّيادة في (س).
(4) في (س): يا أخ، وصيّ، و خطّ على: أخ، في (ك)، و هو الظّاهر.
(5) في المصدر: فغسّله.
435
وَ آلِهِ: هَنِيئاً لَكَ يَا عَلِيُّ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَدْ (1) زَوَّجَكَ فَاطِمَةَ سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَ هِيَ بَضْعَةٌ مِنِّي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)! أَ وَ لَسْتُ مِنْكَ؟. قَالَ: بَلَى يَا عَلِيُّ، وَ أَنْتَ مِنِّي وَ أَنَا مِنْكَ كَيَمِينِي مِنْ شِمَالِي، لَا أَسْتَغْنِي عَنْكَ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ.
وَ أَمَّا الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: يَا عَلِيُّ! أَنْتَ صَاحِبُ لِوَاءِ الْحَمْدِ فِي الْآخِرَةِ، وَ أَنْتَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَقْرَبُ الْخَلَائِقِ مِنِّي مَجْلِساً يُبْسَطُ لِي وَ يُبْسَطُ لَكَ فَأَكُونُ فِي زُمْرَةِ النَّبِيِّينَ، وَ تَكُونُ فِي زُمْرَةِ الْوَصِيِّينَ، وَ يُوضَعُ عَلَى رَأْسِكَ تَاجُ النُّورِ وَ إِكْلِيلُ الْكَرَامَةِ، يَحُفُّ بِكِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يَفْرُغَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ حِسَابِ الْخَلَائِقِ.
وَ أَمَّا التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ (2): فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: سَتُقَاتِلُ النَّاكِثِينَ وَ الْقَاسِطِينَ وَ الْمَارِقِينَ، فَمَنْ قَاتَلَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ شَفَاعَةً فِي مِائَةِ أَلْفٍ مِنْ شِيعَتِكَ.
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ص ! فَمَنِ النَّاكِثُونَ؟. قَالَ: طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ، سَيُبَايِعُونَكَ بِالْحِجَازِ، وَ يَنْكُثَانِكَ بِالْعِرَاقِ، فَإِذَا فَعَلَا ذَلِكَ فَحَارِبْهُمَا فَإِنَّ فِي قِتَالِهِمَا طَهَارَةً لِأَهْلِ الْأَرْضِ.
قُلْتُ: فَمَنِ الْقَاسِطُونَ؟. قَالَ: مُعَاوِيَةُ وَ أَصْحَابُهُ.
فَقُلْتُ: فَمَنِ الْمَارِقُونَ؟. قَالَ: أَصْحَابُ ذُو الثُّدَيَّةِ، وَ هُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَاقْتُلْهُمْ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ فَرَجاً لِأَهْلِ الْأَرْضِ، وَ عَذَاباً مُعَجَّلًا عَلَيْهِمْ، وَ ذُخْراً لَكَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَ أَمَّا الْعِشْرُونَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ (3): مَثَلُكَ فِي أُمَّتِي مَثَلُ بَابِ حِطَّةٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَمَنْ دَخَلَ فِي وَلَايَتِكَ فَقَدْ دَخَلَ الْبَابَ
____________
(1) لا توجد: قد، في الخصال.
(2) في (ك) من الثّالثة عشرة إلى التّاسعة عشرة حذفت التّاء من العشرة.
(3) في المصدر زيادة: لي.
436
كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ.
وَ أَمَّا الْحَادِيَةُ وَ الْعِشْرُونَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ:
أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَ عَلِيٌّ بَابُهَا، وَ لَنْ يُدْخَلَ (1) الْمَدِينَةُ إِلَّا مِنْ بَابِهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا عَلِيُّ! إِنَّكَ سَتَرْعَى ذِمَّتِي وَ تُقَاتِلُ عَلَى (2) سُنَّتِي، وَ تُخَالِفُكَ أُمَّتِي.
وَ أَمَّا الثَّانِيَةُ وَ الْعِشْرُونَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ:
إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ ابْنَيَّ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ مِنْ نُورٍ أَلْقَاهُ إِلَيْكَ وَ إِلَى فَاطِمَةَ، وَ هُمَا يَهْتَزَّانِ (3) كَمَا يَهْتَزُّ الْقُرْطَانِ إِذَا كَانَا فِي الْأُذُنَيْنِ، وَ نُورُهُمَا مُتَضَاعِفٌ عَلَى نُورِ الشُّهَدَاءِ سَبْعِينَ أَلْفَ ضِعْفٍ، يَا عَلِيُّ! إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَدْ وَعَدَنِي أَنْ يُكْرِمَهُمَا كَرَامَةً لَا يُكْرِمُ بِهَا أَحَداً مَا خَلَا النَّبِيِّينَ وَ الْمُرْسَلِينَ.
وَ أَمَّا الثَّالِثَةُ وَ الْعِشْرُونَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَعْطَانِي خَاتَمَهُ فِي حَيَاتِهِ وَ دِرْعَهُ وَ مِنْطَقَتَهُ (4) وَ قَلَّدَنِي سَيْفَهُ وَ أَصْحَابُهُ كُلُّهُمْ حُضُورٌ وَ عَمِّيَ الْعَبَّاسُ حَاضِرٌ، فَخَصَّنِيَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْهُ بِذَلِكَ دُونَهُمْ.
وَ أَمَّا الرَّابِعَةُ وَ الْعِشْرُونَ: فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ (صلّى اللّه عليه و آله): (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً) (5) فَكَانَ لِي دِينَارٌ فبعثه [فَبِعْتُهُ (6) بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، فَكُنْتُ (7) إِذَا نَاجَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَصَّدَّقُ قَبْلَ ذَلِكَ بِدِرْهَمٍ، وَ وَ اللَّهِ مَا فَعَلَ هَذَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ قَبْلِي وَ لَا بَعْدِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: (أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ
____________
(1) في الخصال: تدخل.
(2) لا توجد: على، في (س).
(3) في (ك): تهزّان.
(4) في (ك): منطقه.
(5) المجادلة: 12.
(6) في المصدر: فبعته، و هو الصّحيح.
(7) في (ك) زيادة: أنا.
437
صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ...) (1)- الْآيَةَ، فَهَلْ تَكُونُ التَّوْبَةُ إِلَّا مِنْ ذَنْبٍ كَانَ؟.
وَ أَمَّا الْخَامِسَةُ وَ الْعِشْرُونَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: الْجَنَّةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى أَدْخُلَهَا أَنَا، وَ هِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْأَوْصِيَاءِ حَتَّى تَدْخُلَهَا أَنْتَ يَا عَلِيُّ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بَشَّرَنِي فِيكَ بِبُشْرَى لَمْ يُبَشِّرْ بِهَا نَبِيّاً قَبْلِي، بَشَّرَنِي (2) بِأَنَّكَ سَيِّدُ الْأَوْصِيَاءِ، وَ أَنَّ ابْنَيْكَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَ أَمَّا السَّادِسَةُ وَ الْعِشْرُونَ: فَإِنَّ جَعْفَراً أَخِي الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ الْمُزَيَّنُ بِالْجَنَاحَيْنِ مِنْ دُرٍّ وَ يَاقُوتٍ وَ زَبَرْجَدٍ.
وَ أَمَّا السَّابِعَةُ وَ الْعِشْرُونَ: فَعَمِّي حَمْزَةُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ.
وَ أَمَّا الثَّامِنَةُ وَ الْعِشْرُونَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَعَدَنِي فِيكَ وَعْداً لَنْ يُخْلِفَهُ، جَعَلَنِي نَبِيّاً وَ جَعَلَكَ وَصِيّاً، وَ سَتَلْقَى مِنْ أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي مَا لَقِيَ مُوسَى مِنْ فِرْعَوْنَ، فَاصْبِرْ وَ احْتَسِبْ حَتَّى تَلْقَانِي فَأُوَالِيَ مَنْ وَالاكَ وَ أُعَادِيَ مَنْ عَادَاكَ.
وَ أَمَّا التَّاسِعَةُ وَ الْعِشْرُونَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ:
يَا عَلِيُّ! أَنْتَ صَاحِبُ الْحَوْضِ لَا يَمْلِكُهُ غَيْرُكَ وَ سَيَأْتِيكَ قَوْمٌ فَيَسْتَسْقُونَكَ فَتَقُولُ:
لَا .. وَ لَا مِثْلُ ذَرَّةٍ، فَيَنْصَرِفُونَ مُسْوَدَّةً وُجُوهُهُمْ، وَ سَتَرِدُ عَلَيْكَ شِيعَتِي وَ شِيعَتُكَ فَتَقُولُ: رِدُوا (3) رِوَاءً مَرْوِيِّينَ، فَيَرِدُونَ (4) مُبْيَضَّةً وُجُوهُهُمْ.
____________
(1) المجادلة: 13- 14.
(2) في (ك): بشّرت.
(3) في المصدر: روّوا.
(4) في الخصال: فيروون، و هو الظّاهر.
438
وَ أَمَّا الثَّلَاثُونَ: فَإِنِّي سَمِعْتُهُ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: يُحْشَرُ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى خَمْسِ رَايَاتٍ، فَأَوَّلُ رَايَةٍ تَرِدُ عَلَيَّ رَايَةُ فِرْعَوْنِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَ هُوَ مُعَاوِيَةُ.
وَ الثَّانِيَةُ: مَعَ سَامِرِيِّ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَ هُوَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ.
وَ الثَّالِثَةُ: مَعَ جَاثَلِيقِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَ هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ.
وَ الرَّابِعَةُ: مَعَ أَبِي الْأَعْوَرِ السُّلَمِيِّ.
وَ أَمَّا الْخَامِسَةُ: فَمَعَكَ يَا عَلِيُّ تَحْتَهَا الْمُؤْمِنُونَ وَ أَنْتَ إِمَامُهُمْ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لِلْأَرْبَعَةِ: (ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ ...) (1) وَ هُمْ شِيعَتِي وَ مَنْ وَالانِي وَ قَاتَلَ مَعِي (2) الْفِئَةَ الْبَاغِيَةَ وَ النَّاكِبَةَ (3) عَنِ الصِّرَاطِ، وَ بَابُ الرَّحْمَةِ هُمْ شِيعَتِي، فَيُنَادِي هَؤُلَاءِ: أَ لَمْ نَكُنْ فِيهِ (4) (مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَ لكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَ تَرَبَّصْتُمْ وَ ارْتَبْتُمْ وَ غَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَ غَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) (5) (فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَ لا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ) (6)، ثُمَّ تَرِدُ أُمَّتِي وَ شِيعَتِي فَيُرَوَّوْنَ مِنْ حَوْضِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله)، بِيَدِي (7) عَصَى عَوْسَجٍ (8) أَطْرُدُ بِهَا أَعْدَائِي طَرْدَ غَرِيبَةِ الْإِبِلِ.
وَ أَمَّا الْحَادِيَةُ وَ الثَّلَاثُونَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ:
لَوْ لَا أَنْ يَقُولَ فِيكَ الْغَالُونَ مِنْ أُمَّتِي مَا قَالَتِ النَّصَارَى فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ لَقُلْتُ
____________
(1) الحديد: 13.
(2) في (ك): مع، و هو غلط.
(3) في (س): النّاكبة، سقطت النّقاط أو النّقطة، و في المصدر: النّاكثة.
(4) في المصدر: أ لم أكن معكم.
(5) الحديد: 14.
(6) الحديد: 15.
(7) في (س): بيده، و في المصدر: و بيدي.
(8) العوسجة: شوك، جمعها عوسج، قاله في القاموس 1- 199.
439
فِيكَ قَوْلًا لَا تَمُرُّ بِمَلَإٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا أَخَذُوا التُّرَابَ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْكَ (1) يَسْتَشْفُونَ بِهِ.
وَ أَمَّا الثَّانِيَةُ وَ الثَّلَاثُونَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ:
إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى نَصَرَنِي بِالرُّعْبِ فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَنْصُرَكَ بِمِثْلِهِ فَجَعَلَ لَكَ مِنْ ذَلِكَ مِثْلَ الَّذِي جَعَلَهُ (2) لِي.
وَ أَمَّا الثَّالِثَةُ وَ الثَّلَاثُونَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) الْتَقَمَ أُذُنِي وَ عَلَّمَنِي مَا كَانَ وَ مَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَسَاقَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى (3) إِلَى (4) لِسَانِ نَبِيِّهِ (صلّى اللّه عليه و آله).
وَ أَمَّا الرَّابِعَةُ وَ الثَّلَاثُونَ: فَإِنَّ النَّصَارَى ادَّعَوْا أَمْراً فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ:
(فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ) (5) فَكَانَتْ نَفْسِي نَفْسَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ النِّسَاءُ فَاطِمَةَ (ع)، وَ الْأَبْنَاءُ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ، ثُمَّ نَدِمَ الْقَوْمُ فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) الْإِعْفَاءَ فَأَعْفَاهُمْ، وَ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى وَ الْفُرْقَانَ عَلَى مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) لَوْ بَاهَلُونَا لَمُسِخُوا قِرَدَةً وَ خَنَازِيرَ.
وَ أَمَّا الْخَامِسَةُ وَ الثَّلَاثُونَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَجَّهَنِي يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِكَفِّ حَصَيَاتٍ مَجْمُوعَةً فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، فَأَخَذْتُهَا ثُمَّ شَمِمْتُهَا فَإِذَا هِيَ طَيِّبَةٌ تَفُوحُ مِنْهَا رَائِحَةُ الْمِسْكِ، فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَرَمَى بِهَا وُجُوهَ الْمُشْرِكِينَ، وَ تِلْكَ الْحَصَيَاتُ أَرْبَعٌ مِنْهَا كُنَّ مِنَ الْفِرْدَوْسِ، وَ حَصَاةٌ مِنَ الْمَشْرِقِ، وَ حَصَاةٌ مِنَ الْمَغْرِبِ، وَ حَصَاةٌ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ، مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِائَةُ أَلْفِ مَلَكٍ مَدَدٍ لَنَا، لَمْ يُكْرِمِ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ
____________
(1) في المصدر: قدمك.
(2) في الخصال: جعل.
(3) في المصدر: عزّ و جلّ، و هي نسخة جاءت على (س).
(4) في (س): ذلك إلى، و حذفت ذلك من (ك)، و في المصدر: إلي.
(5) آل عمران: 61، و أورد ذيلها في المصدر: «ثمّ نبتهل فنجعل لعنة اللّه على الكافرين».
440
بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ أَحَداً (1) قَبْلُ وَ لَا بَعْدُ.
وَ أَمَّا السَّادِسَةُ وَ الثَّلَاثُونَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ:
وَيْلٌ لِقَاتِلِكَ، إِنَّهُ أَشْقَى مِنْ ثَمُودَ وَ مِنْ عَاقِرِ النَّاقَةِ، وَ إِنَّ عَرْشَ الرَّحْمَنِ لَيَهْتَزُّ لِقَتْلِكَ، فَأَبْشِرْ يَا عَلِيُّ، فَإِنَّكَ فِي زُمْرَةِ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ أَمَّا السَّابِعَةُ وَ الثَّلَاثُونَ: فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَدْ خَصَّنِي مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) بِعِلْمِ النَّاسِخِ وَ الْمَنْسُوخِ وَ الْمُحْكَمِ وَ الْمُتَشَابِهِ وَ الْخَاصِّ وَ الْعَامِّ، وَ ذَلِكَ مِمَّا مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيَّ وَ عَلَى رَسُولِهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ قَالَ لِيَ الرَّسُولُ (صلّى اللّه عليه و آله): يَا عَلِيُّ! إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَمَرَنِي أَنْ أُدْنِيَكَ وَ لَا أُقْصِيَكَ، وَ أُعَلِّمَكَ وَ لَا أَجْفُوَكَ، وَ حَقٌّ عَلَيَّ أَنْ أُطِيعَ رَبِّي وَ حَقٌّ عَلَيْكَ أَنْ تَعِيَ.
وَ أَمَّا الثَّامِنَةُ وَ الثَّلَاثُونَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بَعَثَنِي بَعْثاً وَ دَعَا لِي بِدَعَوَاتٍ وَ أَطْلَعَنِي عَلَى مَا يَجْرِي بَعْدَهُ، فَحَزِنَ لِذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَ (2) قَالَ:
لَوْ قَدَرَ مُحَمَّدٌ أَنْ يَجْعَلَ ابْنَ عَمِّهِ نَبِيّاً لَجَعَلَهُ، فَشَرَّفَنِيَ اللَّهُ عَلَيَّ بِالاطِّلَاعِ عَلَى ذَلِكَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ (صلّى اللّه عليه و آله).
وَ أَمَّا التَّاسِعَةُ وَ الثَّلَاثُونَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ:
كَذَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُحِبُّنِي وَ يُبْغِضُ عَلِيّاً، لَا يَجْتَمِعُ حُبِّي وَ حُبُّهُ إِلَّا فِي قَلْبِ مُؤْمِنٍ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَ (3) جَعَلَ أَهْلَ حُبِّي وَ حُبِّكَ يَا عَلِيُّ فِي أَوَّلِ زُمْرَةِ السَّابِقِينَ إِلَى الْجَنَّةِ، وَ جَعَلَ أَهْلَ بُغْضِي وَ بُغْضِكَ فِي أَوَّلِ زُمْرَةِ الضَّالِّينَ مِنْ أُمَّتِي إِلَى النَّارِ.
وَ أَمَّا الْأَرْبَعُونَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَجَّهَنِي فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ إِلَى رَكِيٍ (4) فَإِذَا لَيْسَ فِيهِ مَاءٌ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ (5) فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: أَ فِيهِ
____________
(1) لا توجد: أحدا، في (ك).
(2) لا توجد الواو في الخصال.
(3) لا توجد: عزّ و جلّ، في (ك).
(4) الرّكيّ: جنس للرّكيّة، و هي البئر، و جمعها ركايا، قاله في النّهاية 2- 261.
(5) لا توجد: إليه، في (ك).
441
طِينٌ؟. فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: ايتِنِي (1) مِنْهُ، فَأَتَيْتُ مِنْهُ بِطِينٍ، فَتَكَلَّمَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ:
أَلْقِهِ فِي الرَّكِيِّ، فَأَلْقَيْتُهُ، فَإِذَا الْمَاءُ قَدْ نَبَعَ حَتَّى امْتَلَأَ جَوَانِبَ الرَّكِيِّ، فَجِئْتُ إِلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ لِي: وُفِّقْتَ يَا عَلِيُّ وَ بِبَرَكَتِكَ نَبَعَ الْمَاءُ، فَهَذِهِ الْمَنْقَبَةُ خَاصَّةٌ لِي (2) مِنْ دُونِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله).
وَ أَمَّا الْحَادِيَةُ وَ الْأَرْبَعُونَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ:
أَبْشِرْ يَا عَلِيُّ! فَإِنَّ جَبْرَئِيلَ (عليه السلام) أَتَانِي فَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى نَظَرَ إِلَى أَصْحَابِكَ فَوَجَدَ ابْنَ عَمِّكَ وَ خَتَنَكَ عَلَى ابْنَتِكَ فَاطِمَةَ خَيْرَ أَصْحَابِكَ، فَجَعَلَهُ وَصِيَّكَ وَ الْمُؤَدِّي عَنْكَ.
وَ أَمَّا الثَّانِيَةُ وَ الْأَرْبَعُونَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ:
أَبْشِرْ يَا عَلِيُّ! فَإِنَّ مَنْزِلَكَ فِي الْجَنَّةِ مُوَاجِهَ مَنْزِلِي، وَ أَنْتَ مَعِي فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ مَا أَعْلَى عِلِّيُّونَ؟. فَقَالَ:
قُبَّةٌ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مِصْرَاعٍ مَسْكَنٌ لِي وَ لَكَ يَا عَلِيُّ.
وَ أَمَّا الثَّالِثَةُ وَ الْأَرْبَعُونَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ رَسَّخَ حُبِّي فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وَ كَذَلِكَ رَسَّخَ حُبَّكَ يَا عَلِيُّ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَ رَسَّخَ بُغْضِي وَ بُغْضَكَ فِي قُلُوبِ الْمُنَافِقِينَ، فَلَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَ لَا يُبْغِضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ كَافِرٌ.
وَ أَمَّا الرَّابِعَةُ وَ الْأَرْبَعُونَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ:
لَنْ يُبْغِضَكَ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا دَعِيٌّ، وَ لَا مِنَ الْعَجَمِ إِلَّا شَقِيٌّ، وَ لَا مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا سَلَقْلَقِيَّةٌ (3).
وَ أَمَّا الْخَامِسَةُ وَ الْأَرْبَعُونَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) دَعَانِي- وَ أَنَا
____________
(1) في المصدر: ائتني- بالأصل-.
(2) في الخصال: بي، بدلا من: لي.
(3) قال في القاموس 3- 246: و السّلقلق: الّتي تحيض من دبرها، و بهاء: الصّخّابة. و قال في 1- 92:
الصّخب- محرّكة-: شدّة الصّوت، صخب- كفرح- فهو صخّاب .. و هي صخبة و صخّابة.
442
رَمِدُ الْعَيْنِ- فَتَفَلَ فِي عَيْنِي، وَ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ حَرَّهَا فِي بَرْدِهَا وَ بَرْدَهَا فِي حَرِّهَا، فَوَ اللَّهِ مَا اشْتَكَتْ عَيْنِي إِلَى هَذِهِ السَّاعَةِ (1).
وَ أَمَّا السَّادِسَةُ وَ الْأَرْبَعُونَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَمَرَ أَصْحَابَهُ وَ عُمُومَتَهُ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ وَ فَتْحِ بَابِي بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مَنْقَبَةٌ مِثْلُ مَنْقَبَتِي.
وَ أَمَّا السَّابِعَةُ وَ الْأَرْبَعُونَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَمَرَنِي فِي وَصِيَّتِهِ بِقَضَاءِ دُيُونِهِ وَ عِدَاتِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي مَالٌ.
فَقَالَ: سَيُعِينُكَ اللَّهُ، فَمَا أَرَدْتُ أَمْراً مِنْ قَضَاءِ دُيُونِهِ وَ عِدَاتِهِ إِلَّا يَسَّرَهُ اللَّهُ لِي حَتَّى قَضَيْتُ دُيُونَهُ وَ عِدَاتِهِ، وَ أَحْصَيْتُ ذَلِكَ فَبَلَغَ ثَمَانِينَ أَلْفاً وَ بَقِيَ بَقِيَّةٌ أَوْصَيْتُ الْحَسَنَ أَنْ يَقْضِيَهَا.
وَ أَمَّا الثَّامِنَةُ وَ الْأَرْبَعُونَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَتَانِي فِي مَنْزِلِي وَ لَمْ يَكُنْ طَعِمْنَا مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ- فَقَالَ: يَا عَلِيُّ! هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟. فَقُلْتُ:
وَ الَّذِي أَكْرَمَكَ بِالْكَرَامَةِ وَ اصْطَفَاكَ بِالرِّسَالَةِ مَا طَعِمْتُ وَ زَوْجَتِي وَ ابْنَايَ مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): يَا فَاطِمَةُ! ادْخُلِي الْبَيْتَ وَ انْظُرِي هَلْ تَجِدِينَ شَيْئاً؟. فَقَالَتْ: خَرَجْتُ السَّاعَةَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَدْخُلُهُ أَنَا؟!. فَقَالَ: ادْخُلْهُ بِسْمِ اللَّهِ، فَدَخَلْتُ فَإِذَا أَنَا بِطَبَقٍ مَوْضُوعٍ عَلَيْهِ رُطَبٌ (2) وَ جَفْنَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ، فَحَمَلْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ! رَأَيْتَ الرَّسُولَ الَّذِي حَمَلَ هَذَا الطَّعَامَ، فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: صِفْهُ لِي، فَقُلْتُ: مِنْ بَيْنِ أَحْمَرَ وَ أَخْضَرَ وَ أَصْفَرَ. فَقَالَ: تِلْكَ خِطَطُ جَنَاحِ جَبْرَئِيلَ (عليه السلام) مُكَلَّلَةً بِالدُّرِّ وَ الْيَاقُوتِ، فَأَكَلْنَا مِنَ الثَّرِيدِ حَتَّى شَبِعْنَا، فَمَا رُئِيَ إِلَّا خَدْشُ أَيْدِينَا وَ أَصَابِعِنَا، فَخَصَّنِيَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِذَلِكَ مِنْ بَيْنِ الصَّحَابَةِ.
____________
(1) أوردها النّسائيّ في الخصائص: 38، و أبو داود الطّيالسيّ في مسنده 1- 122، و الرّياض النّضرة 2- 189، و غيرهم.
(2) في الخصال زيادة: من تمر.
443
وَ أَمَّا التَّاسِعَةُ وَ الْأَرْبَعُونَ: فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَصَّ نَبِيَّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) بِالنُّبُوَّةِ وَ خَصَّنِي النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) بِالْوَصِيَّةِ، فَمَنْ أَحَبَّنِي فَهُوَ سَعِيدٌ يُحْشَرُ فِي زُمْرَةِ الْأَنْبِيَاءِ (عليهم السلام).
وَ أَمَّا الْخَمْسُونَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بَعَثَ بِبَرَاءَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا مَضَى أَتَى جَبْرَئِيلُ (عليه السلام)، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! لَا يُؤَدِّي عَنْكَ إِلَّا أَنْتَ أَوْ رَجُلٌ مِنْكَ، فَوَجَّهَنِي عَلَى نَاقَتِهِ الْغَضْبَاءِ (1)، فَلَحِقْتُهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَأَخَذْتُهَا مِنْهُ، فَخَصَّنِيَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِذَلِكَ.
وَ أَمَّا الْحَادِيَةُ وَ الْخَمْسُونَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَقَامَنِي لِلنَّاسِ كَافَّةً يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ، فَقَالَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، فَبُعْداً وَ سُحْقاً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَ أَمَّا الثَّانِيَةُ وَ الْخَمْسُونَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: يَا عَلِيُّ! أَ لَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام)؟!. فَقُلْتُ: بَلَى. قَالَ: قُلْ: «يَا رَزَّاقَ الْمُقِلِّينَ، وَ يَا رَاحِمَ الْمَسَاكِينِ، وَ يَا أَسْمَعَ السَّامِعِينَ، وَ يَا أَبْصَرَ النَّاظِرِينَ، وَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، ارْحَمْنِي وَ ارْزُقْنِي».
وَ أَمَّا الثَّالِثَةُ وَ الْخَمْسُونَ: فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَنْ يَذْهَبَ بِالدُّنْيَا حَتَّى يَقُومَ مِنَّا الْقَائِمُ يَقْتُلُ مُبْغِضِينَا (2) وَ لَا يَقْبَلُ الْجِزْيَةَ، وَ يَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَ الْأَصْنَامَ، وَ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها، وَ يَدْعُو إِلَى أَخْذِ الْمَالِ فَيَقْسِمُهُ بِالسَّوِيَّةِ، وَ يَعْدِلُ فِي الرَّعِيَّةِ.
وَ أَمَّا الرَّابِعَةُ وَ الْخَمْسُونَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ:
يَا عَلِيُّ! سَيَلْعَنُكَ بَنُو أُمَيَّةَ وَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ مَلَكٌ بِكُلِّ لَعْنَةٍ أَلْفَ لَعْنَةٍ، فَإِذَا قَامَ الْقَائِمُ لَعَنَهُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
وَ أَمَّا الْخَامِسَةُ وَ الْخَمْسُونَ: سَمِعْتُ أَنَ (3) رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ لِي: سَيَفْتَتِنُ فِيكَ طَوَائِفُ مِنْ أُمَّتِي، فَتَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَمْ
____________
(1) في المصدر: العضباء، و هو الظّاهر، و قد تقرأ كذلك في (س).
(2) لا توجد: مبغضينا، في (س).
(3) في الخصال: فإنّ، بدلا من: سمعت أنّ.
444
يُخَلِّفْ شَيْئاً فِيمَا إِذَا أَوْصَى عَلِيّاً، أَ وَ (1) لَيْسَ كِتَابُ رَبِّي أَفْضَلَ الْأَشْيَاءِ بَعْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ؟ وَ الَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَئِنْ لَمْ تَجْمَعْهُ بِإِتْقَانٍ لَمْ يُجْمَعْ أَبَداً، فَخَصَّنِيَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِذَلِكَ مِنْ دُونِ الصَّحَابَةِ.
وَ أَمَّا السَّادِسَةُ وَ الْخَمْسُونَ: فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَصَّنِي بِمَا خَصَّ بِهِ أَوْلِيَاءَهُ وَ أَهْلَ طَاعَتِهِ وَ جَعَلَنِي وَارِثَ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَمَنْ سَاءَهُ سَاءَهُ وَ مَنْ سَرَّهُ سَرَّهُ .. وَ أَوْمَى بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَدِينَةِ.
وَ أَمَّا السَّابِعَةُ وَ الْخَمْسُونَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) كَانَ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ فَفُقِدَ (2) الْمَاءُ، فَقَالَ لِي: يَا عَلِيُّ! قُمْ إِلَى هَذِهِ الصَّخْرَةِ، وَ قُلْ: أَنَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) انْفَجِرِي إِلَيَ (3) مَاءً، فَوَ اللَّهِ الَّذِي أَكْرَمَهُ بِالنُّبُوَّةِ، لَقَدْ أَبْلَغْتُهَا الرِّسَالَةَ فَاطَّلَعَ مِنْهَا مِثْلُ ثَدْيِ الْبَقَرَةِ، فَسَالَ مِنْ كُلِّ ثَدْيٍ مِنْهَا مَاءٌ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ أَسْرَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: انْطَلِقْ يَا عَلِيُّ فَخُذْ مِنَ الْمَاءِ، وَ جَاءَ الْقَوْمُ حَتَّى مَلَئُوا قِرَبَهُمْ وَ أَدَوَاتِهِمْ وَ سَقَوْا دَوَابَّهُمْ وَ شَرِبُوا وَ تَوَضَّوْا، فَخَصَّنِيَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِذَلِكَ مِنْ دُونِ الصَّحَابَةِ.
وَ أَمَّا الثَّامِنَةُ وَ الْخَمْسُونَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَمَرَنِي فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ- وَ قَدْ نَفِدَ الْمَاءُ-، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ! ائْتِ (4) بِتَوْرٍ، فَأَتَيْتُهُ بِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى وَ يَدِي مَعَهَا فِي التَّوْرِ، فَقَالَ: انْبُعْ، فَنَبَعَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِنَا.
وَ أَمَّا التَّاسِعَةُ وَ الْخَمْسُونَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَجَّهَنِي إِلَى خَيْبَرَ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ وَجَدْتُ الْبَابَ مُغْلَقاً فَزَعْزَعْتُهُ شَدِيداً فَقَلَعْتُهُ وَ رَمَيْتُ بِهِ أَرْبَعِينَ خُطْوَةً، فَدَخَلْتُ فَبَرَزَ إِلَيَّ مَرْحَبٌ فَحَمَلَ عَلَيَّ وَ حَمَلْتُ عَلَيْهِ، وَ سَقَيْتُ الْأَرْضَ مِنْ (5)
____________
(1) في المصدر: فيقولون إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يخلّف شيئا فبما ذا أوصى عليّا. و هو الظّاهر.
(2) في المصدر: فقد- بدون فاء-.
(3) في الخصال: لي، و هو الظّاهر.
(4) في المصدر: ايتيني.
(5) لا توجد: من، في (س).
445
دَمِهِ، وَ قَدْ كَانَ وَجَّهَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ فَرَجَعَا مُنْكَسِفَيْنِ.
وَ أَمَّا السِّتُّونَ: فَإِنِّي قَتَلْتُ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ، وَ كَانَ يُعَدُّ بِأَلْفِ رَجُلٍ.
وَ أَمَّا الْحَادِيَةُ وَ السِّتُّونَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ:
يَا عَلِيُّ! مَثَلُكَ فِي أُمَّتِي مَثَلُ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، فَمَنْ أَحَبَّكَ بِقَلْبِهِ فَكَأَنَّمَا قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، وَ مَنْ أَحَبَّكَ بِقَلْبِهِ وَ أَعَانَكَ بِلِسَانِهِ فَكَأَنَّمَا قَرَأَ ثُلُثَيِ الْقُرْآنِ، وَ مَنْ أَحَبَّكَ بِقَلْبِهِ وَ أَعَانَكَ بِلِسَانِهِ وَ نَصَرَكَ بِيَدِهِ فَكَأَنَّمَا قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ.
وَ أَمَّا الثَّانِيَةُ وَ السِّتُّونَ: فَإِنِّي كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي جَمِيعِ الْمَوَاطِنِ وَ الْحُرُوبِ وَ كَانَتْ رَايَتُهُ مَعِي.
وَ أَمَّا الثَّالِثَةُ وَ السِّتُّونَ: فَإِنِّي لَمْ أَفِرَّ مِنَ الزَّحْفِ قَطُّ، وَ لَمْ يُبَارِزْنِي أَحَدٌ إِلَّا سَقَيْتُ الْأَرْضَ مِنْ دَمِهِ.
وَ أَمَّا الرَّابِعَةُ وَ السِّتُّونَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أُتِيَ بِطَيْرٍ مَشْوِيٍّ مِنَ الْجَنَّةِ فَدَعَا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهِ أَحَبَّ الْخَلْقِ (1) إِلَيْهِ فَوَفَّقَنِيَ اللَّهُ لِلدُّخُولِ عَلَيْهِ حَتَّى أَكَلْتُ مَعَهُ مِنْ ذَلِكَ الطَّيْرِ.
وَ أَمَّا الْخَامِسَةُ وَ السِّتُّونَ: فَإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَجَاءَ سَائِلٌ فَسَأَلَ- وَ أَنَا رَاكِعٌ-، فَنَاوَلْتُهُ خَاتَمِي مِنْ إِصْبَعِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فِيَّ: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ) (2).
وَ أَمَّا السَّادِسَةُ وَ السِّتُّونَ: فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى رَدَّ عَلَيَّ الشَّمْسَ مَرَّتَيْنِ، وَ لَمْ يَرُدَّهَا عَلَى أَحَدٍ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) غَيْرِي.
وَ أَمَّا السَّابِعَةُ وَ السِّتُّونَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَمَرَ أَنْ أُدْعَى بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ فِي حَيَاتِهِ وَ بَعْدَ مَوْتِهِ وَ لَمْ يُطْلِقْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ غَيْرِي.
وَ أَمَّا الثَّامِنَةُ وَ السِّتُّونَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: يَا عَلِيُّ! إِذَا
____________
(1) في المصدر: خلقه.
(2) المائدة: 55.
446
كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ مِنْ بُطْنَانِ الْعَرْشِ: أَيْنَ سَيِّدُ الْأَنْبِيَاءِ؟ فَأَقُومُ، ثُمَّ يُنَادِي: أَيْنَ سَيِّدُ الْأَوْصِيَاءِ؟ فَتَقُومُ، وَ يَأْتِينِي رِضْوَانُ بِمَفَاتِيحِ الْجَنَّةِ، وَ يَأْتِينِي مَالِكٌ بِمَقَالِيدِ النَّارِ، فَيَقُولَانِ: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ أَمَرَنَا أَنْ نَدْفَعَهَا إِلَيْكَ وَ نَأْمُرَكَ (1) أَنْ تَدْفَعَهَا إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَتَكُونُ يَا عَلِيُّ قَسِيمَ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ.
وَ أَمَّا التَّاسِعَةُ وَ السِّتُّونَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ:
لَوْلَاكَ مَا عُرِفَ الْمُنَافِقُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَ أَمَّا السَّبْعُونَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) نَامَ وَ نَوَّمَنِي وَ زَوْجَتِي فَاطِمَةَ وَ ابْنَيَّ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ وَ أَلْقَى عَلَيْنَا عَبَاءَةً قَطَوَانِيَّةً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فِينَا:
(إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (2)، وَ قَالَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام): أَنَا مِنْكُمْ يَا مُحَمَّدُ، فَكَانَ سَادِسُنَا جَبْرَئِيلَ (عليه السلام).
3 وَ 4- ل (3)، لِي (4): ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ، عَنِ السَّعْدَآبَادِيِّ، عَنِ الْبَرْقِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِي الْجَارُودِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) (5)، فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ قُدَّامَ مِنْبَرِكُمْ هَذَا أَرْبَعَةُ رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مِنْهُمْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ الْأَنْصَارِيُ (6) وَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ وَ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْبَجَلِيُّ .. ثُمَّ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ (7) عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَقَالَ: يَا أَنَسُ! إِنْ كُنْتَ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ، ثُمَّ لَمْ
____________
(1) في (س): تأمرك.
(2) الأحزاب: 33.
(3) الخصال 1- 219- 220 باب الأربعة، مع تفصيل في الإسناد.
(4) أمالي الشّيخ الصّدوق: 106- 107، و السّند مختزل و المصنّف أخذه منه.
(5) في الأمالي: أمير المؤمنين (عليه السلام).
(6) لا يوجد: الأنصاريّ، في الخصال.
(7) لا يوجد في الخصال: بوجهه.
447
تَشْهَدْ لِيَ الْيَوْمَ بِالْوَلَايَةِ فَلَا أَمَاتَكَ اللَّهُ حَتَّى يَبْتَلِيَكَ بِبَرَصٍ لَا تُغَطِّيهِ الْعِمَامَةُ، وَ أَمَّا أَنْتَ يَا أَشْعَثُ فَإِنْ كُنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ هُوَ يَقُولُ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ (1) ثُمَّ لَمْ تَشْهَدْ لِيَ الْيَوْمَ بِالْوَلَايَةِ فَلَا أَمَاتَكَ اللَّهُ حَتَّى يَذْهَبَ بِكَرِيمَتَيْكَ، وَ أَمَّا أَنْتَ يَا خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ إِنْ (2) كُنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ ثُمَّ لَمْ تَشْهَدْ لِيَ الْيَوْمَ بِالْوَلَايَةِ فَلَا أَمَاتَكَ اللَّهُ إِلَّا مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَ أَمَّا أَنْتَ يَا بَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ إِنْ (3) كُنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ ثُمَّ لَمْ تَشْهَدْ لِيَ الْيَوْمَ (4) بِالْوَلَايَةِ فَلَا أَمَاتَكَ اللَّهُ إِلَّا حَيْثُ هَاجَرْتَ مِنْهُ.
قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ: وَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَ قَدِ ابْتُلِيَ بِبَرَصٍ يُغَطِّيهِ بِالْعِمَامَةِ فَمَا تَسْتُرُهُ، وَ لَقَدْ رَأَيْتُ الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ وَ قَدْ ذَهَبَتْ كَرِيمَتَاهُ وَ هُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ دُعَاءَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) (5) بِالْعَمَى فِي الدُّنْيَا وَ لَمْ يَدْعُ عَلَيَّ بِالْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ فَأُعَذَّبَ، وَ أَمَّا (6) خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ فَإِنَّهُ مَاتَ فَأَرَادَ أَهْلُهُ أَنْ يَدْفِنُوهُ، وَ حُفِرَ لَهُ فِي مَنْزِلِهِ فَدُفِنَ، فَسَمِعَتْ بِذَلِكَ كِنْدَةُ فَجَاءَتْ بِالْخَيْلِ وَ الْإِبِلِ فَعَقَرَتْهَا عَلَى بَابِ مَنْزِلِهِ، فَمَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَ أَمَّا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ فَإِنَّهُ وَلَّاهُ مُعَاوِيَةُ الْيَمَنَ فَمَاتَ بِهَا وَ مِنْهَا كَانَ هَاجَرَ.
____________
(1) لا يوجد في الخصال من قوله: اللّهمّ .. إلى هنا.
(2) في الخصال: فإن.
(3) في الخصال: فإن.
(4) في حاشية (ك) كلمة: اليوم، غير معلم عليها، و لا توجد في (س)، و جاءت في المصدرين.
(5) في الأمالي زيادة: عليّ.
(6) في الأمالي: فأمّا.
449
[28] باب ما جرى بين أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) و بين عثمان و ولاته و أعوانه و بعض أحواله
1- مَا (1): بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَسْعَدَ (2) بْنِ زُرَارَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (3) بْنِ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ أَبُو ذَرٍّ عَلَى عُثْمَانَ قَالَ: أَخْبِرْنِي أَيُّ الْبِلَادِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟. قَالَ: مُهَاجَرِي. قَالَ: لَسْتَ بِمُجَاوِرِي. قَالَ: فَأَلْحَقُ بِحَرَمِ اللَّهِ فَأَكُونَ فِيهِ. قَالَ: لَا. قَالَ: فَالْكُوفَةُ أَرْضٌ بِهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله).
قَالَ: لَا. قَالَ: فَلَسْتُ بِمُخْتَارٍ غَيْرَهُنَّ، فَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الرَّبَذَةِ. فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ لِي: اسْمَعْ وَ أَطِعْ وَ أَنْفِذْ حَيْثُ قَادُوكَ وَ لَوْ لِعَبْدٍ حَبَشِيٍّ مُجَدَّعٍ، فَخَرَجَ إِلَى الرَّبَذَةِ، فَأَقَامَ هُنَا مُدَّةً ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ (4) فَدَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ وَ النَّاسُ عِنْدَهُ سِمَاطَيْنِ (5)-، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنْ أَخْرَجْتَنِي مِنْ أَرْضِي إِلَى
____________
(1) أمالي الشّيخ الطّوسيّ 2- 321- 322، بتفصيل في الإسناد.
(2) في المصدر: عبد الرّحمن بن سعد.
(3) في الأمالي: عبد الرّحمن، بدلا من: عبد اللّه.
(4) في المصدر: فأقام مدّة ثمّ أتى إلى المدينة.
(5) قال في النّهاية 2- 401: و في حديث الإيمان: حتّى سلم من طرف السّماط. السّماط: الجماعة من النّاس و النّخل، و المراد به في الحديث الجماعة الّذين كانوا جلوسا عن جانبيه.
450
أَرْضٍ لَيْسَ بِهَا زَرْعٌ وَ لَا ضَرْعٌ إِلَّا شُوَيْهَاتٌ، وَ لَيْسَ لِي خَادِمٌ إِلَّا مُحَرَّرَةٌ (1)، وَ لَا ظِلٌّ يُظِلُّنِي إِلَّا ظِلُّ شَجَرَةٍ فَأَعْطِنِي خَادِماً وَ غُنَيْمَاتٍ أَعِيشُ فِيهَا، فَحَوَّلَ وَجْهَهُ عَنْهُ، فَتَحَوَّلَ عَنْهُ (2) إِلَى السِّمَاطِ الْآخَرِ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ حَبِيبُ بْنُ سَلَمَةَ: لَكَ عِنْدِي يَا أَبَا ذَرٍّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَ خَادِمٌ وَ خَمْسُمِائَةِ شَاةٍ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: أَعْطِ خَادِمَكَ وَ أَلْفَكَ وَ شُوَيْهَاتِكَ مَنْ هُوَ أَحْوَجُ إِلَى ذَلِكَ مِنِّي، فَإِنِّي إِنَّمَا أَسْأَلُ حَقِّي فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَجَاءَ عَلِيٌّ (عليه السلام)، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: أَ لَا تُغْنِي عَنْهَا (3) سَفِيهَكَ هَذَا!. قَالَ: أَيُّ سَفِيهٍ؟!. قَالَ: أَبُو ذَرٍّ. قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): لَيْسَ بِسَفِيهٍ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ وَ لَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنْزَلَهُ بِمَنْزِلَةِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ: (إِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَ إِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) (4). قَالَ عُثْمَانُ: التُّرَابُ فِي فِيكَ. قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): بَلِ التُّرَابُ فِي فِيكَ، أَنْشُدُ بِاللَّهِ مَنْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ ذَلِكَ لِأَبِي ذَرٍّ، فَقَامَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَ عَشَرَةٌ فَشَهِدُوا بِذَلِكَ، فَوَلَّى عَلِيٌّ (عليه السلام).
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَلَى الْعَشَاءِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ إِذْ جَاءَ الْخَادِمُ فَقَالَ: هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْبَابِ، فَدَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسَ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: تَعَشَّ.
قَالَ: تَعَشَّيْتُ، فَوَضَعَ يَدَهُ، فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنَ الْعَشَاءِ قَامَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ وَ جَلَسْتُ وَ تَكَلَّمَ عُثْمَانُ، فَقَالَ: يَا خَالِ! أَشْكُو إِلَيْكَ ابْنَ أَخِيكَ- يَعْنِي عَلِيّاً (عليه السلام) فَإِنَّهُ أَكْثَرَ فِي شَتْمِي (5) وَ نَطَقَ فِي عِرْضِي، وَ أَنَا أَعُوذُ بِاللَّهِ فِي ظُلْمِكُمْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنْ يَكُنْ هَذَا الْأَمْرُ لَكُمْ فَقَدْ سَلَّمْتُمُوهُ إِلَى مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنِّي، وَ إِنْ لَا يَكُنْ
____________
(1) في (س): مررّة. و لا مناسبة لها بالمقام.
(2) لا توجد: عنه، في (س).
(3) في المصدر: عنّا. و هو الصّحيح.
(4) غافر: 28.
(5) في المصدر: أكثر عليّ.
451
لَكُمْ فَحَقِّي أَخَذْتُ، فَتَكَلَّمَ الْعَبَّاسُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ ذَكَرَ مَا خَصَّ اللَّهُ بِهِ قُرَيْشاً مِنْهُ، وَ مَا خَصَّ بِهِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ خَاصَّةً، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَمَا حَمِدْتُكَ لِابْنِ أَخِي وَ لَا حَمِدْتُ ابْنَ أَخِي فِيكَ، وَ مَا هُوَ وَحْدَهُ، وَ لَقَدْ نَطَقَ غَيْرُهُ، فَلَوْ أَنَّكَ هَبَطْتَ مِمَّا صَعِدْتَ وَ صَعِدُوا مِمَّا هَبَطُوا لَكَانَ ذَلِكَ أَقْرَبَ. فَقَالَ: أَنْتَ وَ ذَلِكَ يَا خَالِ (1). فَقَالَ: فَلِمَ تَكَلَّمُ بِذَلِكَ عَنْكَ؟.
قَالَ: نَعَمْ، أَعْطِهِمْ عَنِّي مَا شِئْتَ. وَ قَامَ عُثْمَانُ فَخَرَجَ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ رَجَعَ إِلَيْهِ فَسَلَّمَ وَ هُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: يَا خَالِ! لَا تَعْجَلْ بِشَيْءٍ حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكَ، فَرَفَعَ (2) الْعَبَّاسُ يَدَيْهِ وَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْبِقْ لِي (3) مَا لَا خَيْرَ (4) لِي فِي إِدْرَاكِهِ، فَمَا مَضَتِ الْجُمْعَةُ حَتَّى مَاتَ.
2- مَا (5): ابْنُ الصَّلْتِ، عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ (6) عَبْدِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ، عَنْ عَمِّهِ الْقَاسِمِ بْنِ جَعْفَرٍ الْعَلَوِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ (7)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ (8) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ نَزَلَ عَلَى خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ بِمَكَّةَ، فَقَالَ لَهُ: لَوْ أَتَيْتَ ابْنَ عَمِّكَ فَوَصَلَكَ (9)، فَأَتَى عُثْمَانَ فَكَتَبَ لَهُ (10) إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ أَنْ صِلْهُ بِسِتِّمِائَةِ أَلْفٍ، فَنَزَلَ بِهِ مِنْ قَابِلٍ فَسَأَلَهُ (11)، فَقَالَ لَهُ:
____________
(1) في المصدر: يا خالي- بالياء-.
(2) في (س): فوقع.
(3) في الأمالي: استو بي. و في (ك): بي، بدلا من: لي، و جعل الأخيرة نسخة بدل.
(4) في المصدر: لا خبر.
(5) الأمالي للشّيخ الطّوسيّ 2- 322، بتفصيل في الإسناد.
(6) لا توجد: بن، في المصدر.
(7) لا توجد: عن أبيه، في الأمالي.
(8) في الأمالي: أبو عبد اللّه.
(9) في الأمالي: فوصلت.
(10) لا توجد: له، في المصدر.
(11) في الأمالي: فسأل.
452
قَدْ بَارَكَ اللَّهُ لِي فِي مَشُورَتِكَ فَأَتَيْتُهُ فَأَمَرَ لِي بِسِتِّمِائَةِ أَلْفٍ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: سِتِّينَ أَلْفاً!. قَالَ: مِائَةُ أَلْفٍ وَ مِائَةُ أَلْفٍ وَ مِائَةُ أَلْفٍ (1) .. سِتَّ مَرَّاتٍ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ:
اسْكُتْ! فَمَا أَسْوَدَ عُثْمَانَ.
- أقول: رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ فِي شَرْحِ النَّهْجِ (2)، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ، قَالَ:
رَوَى فِي الْمُوَفَّقِيَّاتِ (3) عَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام)، قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ عُثْمَانُ فِي الْهَاجِرَةِ (4) فَتَقَنَّعْتُ بِثَوْبِي وَ أَتَيْتُهُ، فَدَخَلْتُ (5) وَ هُوَ عَلَى سَرِيرِهِ- وَ فِي يَدِهِ قَضِيبٌ وَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَالٌ دَثِرٌ (6) صُبْرَتَانِ مِنْ وَرِقٍ وَ ذَهَبٍ-، فَقَالَ: دُونَكَ خُذْ مِنْ هَذَا حَتَّى تَمْلَأَ بَطْنَكَ فَقَدْ أَحْرَقْتَنِي. فَقُلْتُ: وَصَلَتْكَ رَحِمٌ! إِنْ كَانَ هَذَا الْمَالُ وَرِثْتَهُ أَوْ أَعْطَاكَهُ مُعْطٍ أَوِ اكْتَسَبْتَهُ مِنْ تِجَارَةٍ كُنْتُ أَحَدَ رَجُلَيْنِ: إِمَّا آخُذُ وَ أَشْكُرُ أَوْ أُوَفِّرُ وَ أَجْهَدُ، وَ إِنْ كَانَ مِنْ مَالِ اللَّهِ وَ فِيهِ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْيَتِيمِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ، فَوَ اللَّهِ مَا لَكَ أَنْ تُعْطِيَنِيهِ وَ لَا لِي أَنْ آخُذَهُ. فَقَالَ: أَبَيْتَ وَ اللَّهِ إِلَّا مَا أَبَيْتَ. ثُمَّ قَامَ إِلَيَّ بِالْقَضِيبِ فَضَرَبَنِي، وَ اللَّهِ مَا أَرُدُّ يَدَهُ حَتَّى قَضَى حَاجَتَهُ، فَتَقَنَّعْتُ بِثَوْبِي وَ رَجَعْتُ إِلَى مَنْزِلِي وَ قُلْتُ: اللَّهُ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ إِنْ كُنْتُ أَمَرْتُكَ بِمَعْرُوفٍ وَ نَهَيْتُكَ (7) عَنْ مُنْكَرٍ.
وَ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ (8) فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ (9)، قَالَ: رَوَى عَنْ عَمِّهِ، عَنْ عِيسَى بْنِ دَاوُدَ، عَنْ رِجَالِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا بَنَى عُثْمَانُ دَارَهُ بِالْمَدِينَةِ أَكْثَرَ
____________
(1) لا توجد: و مائة ألف، في المصدر.
(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9- 16، بتصرّف.
(3) الموفّقيّات: 612.
(4) قال في النّهاية 5- 246: و الهجير و الهاجرة: اشتداد الحرّ نصف النّهار.
(5) في الموفّقيّات زيادة: عليه.
(6) قال في النّهاية 2- 100: فيه (ذهب أهل الدّثور بالأجور) الدّثور- جمع دثر- و هو المال الكثير، و يقع على الواحد و الاثنين و الجميع.
(7) في الموفّقيّات: نهيت.
(8) في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9- 6.
(9) الموفّقيّات: 602- 603.
453
النَّاسُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَبَلَغَهُ، فَخَطَبَنَا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ثُمَّ صَلَّى (1) بِنَا، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى رَسُولِهِ ص ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ النِّعْمَةَ إِذَا حَدَثَتْ حَدَثَ (2) لَهَا حُسَّادٌ حَسَبَهَا، وَ أَعْدَاءٌ قَدْرَهَا، وَ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحْدِثْ لَنَا نِعَماً لِيَحْدُثَ لَهَا حُسَّادٌ عَلَيْهَا، وَ مُتَنَافِسُونَ (3) فِيهَا، وَ لَكِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ بِنَاءِ مَنْزِلِنَا هَذَا مَا كَانَ إِرَادَةُ جَمْعِ الْمَالِ فِيهِ وَ ضَمُّ الْقَاصِيَةِ إِلَيْهِ، فَأَتَانَا عَنْ أُنَاسٍ مِنْكُمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ:
أَخَذَ فَيْئَنَا (4) وَ أَنْفَقَ شَيْئاً (5) وَ اسْتَأْثَرَ بِأَمْوَالِنَا، يَمْشُونَ خَمَراً، وَ يَنْطِقُونَ سِرّاً، كَأَنَّا غُيَّبٌ عَنْهُمْ، وَ كَأَنَّهُمْ يَهَابُونَ مُوَاجَهَتَنَا، مَعْرِفَةً مِنْهُمْ بِدُحُوضِ حُجَّتِهِمْ، فَإِذَا غَابُوا عَنَّا يَرُوحُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِهِمْ يَذْكُرُنَا، وَ قَدْ وَجَدُوا عَلَى ذَلِكَ أَعْوَاناً مِنْ نُظَرَائِهِمْ، وَ مُؤَازِرِينَ مِنْ شُبَهَائِهِمْ، فَبُعْداً بُعْداً! وَ رَغْماً رَغْماً!.
قَالَ: ثُمَّ أَنْشَدَ بَيْتَيْنِ يُومِئُ فِيهِمَا إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام):
تَوَقَّدْ بِنَارٍ أَيْنَمَا كُنْتَ وَ اشْتَعِلْ* * * فَلَسْتَ تَرَى مِمَّا تُعَالِجُ شَافِياً
تَشِطُّ فَيَقْضِي الْأَمْرُ دُونَكَ أَهْلَهُ (6)* * * وَشِيكاً وَ لَا تُدْعَى إِذَا كُنْتَ نَائِياً
وَ ذَكَرَ تَمَامَ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ هَمَّ بِالنُّزُولِ فَبَصُرَ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) وَ مَعَهُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ (رحمه اللّه) وَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ هَوَاهُ (7) يَتَنَاجَوْنَ، فَقَالَ:
إِيهاً .. إِيهاً! إِسْرَاراً لَا جِهَاراً؟! أَمَا وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَحْنَقَ (8) عَلَى جَرَّةٍ (9)، وَ لَا
____________
(1) في (ك): قد صلّى.
(2) في (س): حدت، و في المصدرين: حدثت.
(3) في المصدرين: و منافسون.
(4) في (س): فيأ. و لعلّها: فيئا، قد كتبت كذلك.
(5) في الموفّقيّات: شيئنا.
(6) وضع على أهله في (س) رمز نسخة بدل.
(7) في (ك): أهواه.
(8) في مطبوع البحار: أخنق.
(9) قال في النّهاية 1- 451: (لا يصلح هذا الأمر إلّا لمن لا يحنق على جرّته) .. أي لا يحقد على رعيّته. و الحنق: الغيظ. و الجرّة: ما يخرجه البعير من جوفه و يمضغه، و الإحناق: لحوق البطن و التصاقه.
454
أُوتِيَ مِنْ ضَعْفِ مِرَّةٍ (1)، وَ لَوْ لَا النَّظَرُ مِنِّي (2) وَ (3) لِي وَ لَكُمْ، وَ الرِّفْقُ (4) بِي وَ بِكُمْ لَعَاجَلْتُكُمْ، فَقَدِ اغْتَرَرْتُمْ وَ أَقَلْتُمْ (5) مِنْ أَنْفُسِكُمْ.
ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو (6) وَ هُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ قَدْ تَعْلَمُ حُبِّي لِلْعَافِيَةِ وَ إِيثَارِي لِلسَّلَامَةِ فَأْتِنِيهَا (7)، قَالَ: فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ عَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام)، وَ قَامَ عَدِيُّ بْنُ الْخِيَادِ ... وَ كَلَّمَهُ (8) بِكَلَامٍ ذَكَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَ نَزَلَ عُثْمَانُ فَأَتَى مَنْزِلَهُ وَ أَتَاهُ النَّاسُ وَ فِيهِمُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَلَمَّا أَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ أَقْبَلَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: مَا لِي وَ لَكُمْ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟! مَا أَغْرَاكُمْ بِي، وَ أَوْلَعَكُمْ بِتَعْقِيبِ أَمْرِي لَتَنْقِمُونَ (9) عَلَيَّ أَمْرَ الْعَامَّةِ .. وَ عَاتَبَهُ بِكَلَامٍ طَوِيلٍ، فَأَجَابَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَ قَالَ- فِي جُمْلَةِ كَلَامِهِ-: ..
اخْسَأِ (10) الشَّيْطَانَ عَنْكَ لَا يَرْكَبْكَ، وَ اغْلِبْ غَضَبَكَ وَ لَا يَغْلِبْكَ، فَمَا دَعَاكَ إِلَى هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي كَانَ مِنْكَ؟. قَالَ: دَعَانِي إِلَيْهِ ابْنُ عَمِّكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَ عَسَى أَنْ يُكَذِّبَ مُبَلِّغَكَ!. قَالَ عُثْمَانُ: إِنَّهُ ثِقَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
إِنَّهُ لَيْسَ بِثِقَةٍ مَنْ أُولِعَ (11) وَ أَغْرَى. قَالَ عُثْمَانُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! اللَّهَ إِنَّكَ مَا تَعْلَمُ مِنْ
____________
(1) في (س): قرّة. و المرّة: القوّة و الشدّة، قاله في النّهاية 4- 316. و قال 4- 318: قرّ يومنا يقرّ قرّة و يوم قرّ .. أي بارد و ليلة قرّة.
(2) لا توجد: منّي، في المصدرين.
(3) وضع على (ك) على الواو رمز نسخة بدل.
(4) في (س): بالرّفق.
(5) في (س): أفلتم.
(6) لا توجد: يدعو، في (س).
(7) في المصدر: فألبسنيها. و هي نسخة بدل في مطبوع البحار.
(8) في (ك): و تكلّمه، و لا معنى لها.
(9) في (ك) نسخة بدل: أ تنقمون، و هي الّتي وردت في شرح النّهج و الموفّقيّات.
(10) في المصدرين: اخس، و هو الظّاهر.
(11) في المصدرين: بلغ.
455
عَلِيٍّ مَا شَكَوْتُ مِنْهُ؟. قَالَ: اللَّهُمَّ لَا، إِلَّا أَنْ يَقُولَ كَمَا يَقُولُ النَّاسُ، وَ يَنْقِمُ كَمَا يَنْقِمُونَ، فَمَنْ أَغْرَاكَ بِهِ وَ أَوْلَعَكَ بِذِكْرِهِ دُونَهُمْ؟. قَالَ عُثْمَانُ: إِنَّمَا أَفْتَى مِنْ أَعْظَمِ الدَّاءِ الَّذِي يَنْصِبُ نَفْسَهُ لِرَأْسِ الْأَمْرِ وَ هُوَ عَلِيٌّ ابْنُ عَمِّكَ، وَ هَذَا- وَ اللَّهِ- كُلُّهُ مِنْ نَكَدِهِ وَ شُؤْمِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَهْلًا! اسْتَثْنِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! قُلِ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ قَالَ: إِنِّي أَنْشُدُكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! الْإِسْلَامَ وَ الرَّحِمَ، فَقَدْ وَ اللَّهِ غُلِبْتُ وَ ابْتُلِيتُ بِكُمْ، وَ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ كَانَ صَائِراً (1) إِلَيْكُمْ دُونِي فَحَمَلْتُمُوهُ عَنِّي وَ كُنْتُ أَحَدَ أَعْوَانِكُمْ عَلَيْهِ، إِذاً وَ اللَّهِ لَوَجَدْتُمُونِي لَكُمْ خَيْراً مِمَّا وَجَدْتُكُمْ لِي، وَ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الْأَمْرَ لَكُمْ وَ لَكِنَّ قَوْمَكُمْ دَفَعُوكُمْ عَنْهُ وَ اخْتَزَلُوهُ دُونَكُمْ، فَوَ اللَّهِ مَا أَدْرِي أَ رَفَعُوكُمْ أَمْ رَفَعُوهُ عَنْكُمْ (2). قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَهْلًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَإِنَّا نَنْشُدُكَ اللَّهَ وَ الْإِسْلَامَ وَ الرَّحِمَ مِثْلَ مَا نَشَدْتَنَا، أَنْ تَطْمَعَ فِينَا وَ فِيكَ عَدُوّاً، وَ تُشْمِتَ بِنَا وَ بِكَ حَسُوداً، إِنَّ أَمْرَكَ إِلَيْكَ مَا كَانَ قَوْلًا، فَإِذَا صَارَ فِعْلًا فَلَيْسَ إِلَيْكَ وَ لَا فِي يَدِكَ، وَ إِنَّا وَ اللَّهِ لتخالفن [لَنُخَالِفَنَ (3) إِنْ خُولِفْنَا، وَ لتنازعن [لَنُنَازِعَنَّ إِنْ نُوزِعْنَا، وَ مَا يمتنك [تَمَنِّيكَ (4) أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ صَارَ إِلَيْنَا دُونَكَ إِلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ مِنَّا مَا يَقُولُهُ النَّاسُ وَ يَعِيبَ كَمَا عَابُوا! وَ أَمَّا صَرْفُ قَوْمِنَا عَنَّا الْأَمْرَ فَعَنْ حَسَدٍ قَدْ (5) وَ اللَّهِ وَ (6) مَا عَرَفْتَهُ، وَ بَغْيٍ وَ اللَّهِ (7) عَلِمْتَهُ، فَاللَّهُ بَيْنَنَا وَ بَيْنَ قَوْمِنَا، وَ أَمَّا قَوْلُكَ إِنَّكَ لَا تَدْرِي أَ رَفَعُوهُ عَنَّا أَمْ رَفَعُونَا عَنْهُ (8)؟، فَلَعَمْرِي إِنَّكَ لَتَعْرِفُ أَنَّهُ لَوْ صَارَ إِلَيْنَا هَذَا الْأَمْرُ مَا ازْدَدْنَا بِهِ
____________
(1) في المصدرين: كان صار.
(2) في المصدرين: أ دفعوه عنكم أم دفعوكم عنه.
(3) في المصدرين: يديك .. لنخالفنّ .. لتنازعن. و في (س): لننازعنّ.
(4) في الموفّقيّات: و ما تمنّيك، و هو الظّاهر.
(5) قد: اسم مرادف لحسب، كما في مجمع البحرين 3- 126.
(6) وضع على الواو في (ك) رمز نسخة بدل.
(7) في المصدرين: قد و اللّه عرفته، و بغي قد و اللّه. و في (س): و بقي، و في (ك): قد، و وضع عليها رمز نسخة بدل.
(8) في الموفّقيّات: أ دفعوه عنّا أم دفعونا عنه.
456
فَضْلًا إِلَى فَضْلِنَا، وَ لَا قَدْراً إِلَى قَدْرِنَا، وَ إِنَّا لَأَهْلُ الْفَضْلِ وَ أَهْلُ الْقَدْرِ، وَ مَا فَضَلَ فَاضِلٌ إِلَّا بِفَضْلِنَا، وَ لَا سَبَقَ سَابِقٌ إِلَّا بِسَبْقِنَا، وَ لَوْ لَا هُدَانَا مَا اهْتَدَى أَحَدٌ، وَ لَا أَبْصَرُوا مِنْ عَمًى، وَ لَا قَصَدُوا مِنْ جَوْرٍ. فَقَالَ عُثْمَانُ: حَتَّى مَتَى- يَا ابْنَ عَبَّاسٍ يَأْتِينِي عَنْكُمْ مَا يَأْتِينِي؟! هَبُونِي كُنْتُ بَعِيداً، أَ مَا كَانَ لِي مِنَ الْحَقِّ عَلَيْكُمْ أَنْ أُرَاقِبَ وَ أَنْ أُنَاظِرَ؟ بَلَى، وَ رَبِّ الْكَعْبَةِ وَ لَكِنَّ الْفُرْقَةَ سَهَّلَتْ لَكُمُ الْقَوْلَ فِيَّ، وَ تَقَدَّمَتْ بِكُمْ إِلَى الْإِسْرَاعِ إِلَيَّ، وَ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ (1).
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ عَلِيّاً (عليه السلام) وَ إِذَا بِهِ مِنَ الْغَضَبِ وَ التَّلَظِّي أَضْعَافُ مَا بِعُثْمَانَ، فَأَرَدْتُ تَسْكِينَهُ فَامْتَنَعَ، فَأَتَيْتُ مَنْزِلِي وَ أَغْلَقْتُ بَابِي وَ اعْتَزَلْتُهُمَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ، فَأَتَيْتُهُ وَ قَدْ هَدَأَ غَضَبُهُ، فَنَظَرَ إِلَيَّ ثُمَّ ضَحِكَ، وَ قَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! مَا أَبْطَأَ بِكَ عَنَّا، إِنَّ تَرْكَكَ الْعَوْدَ إِلَيْنَا دَلِيلٌ (2) عَلَى مَا رَأَيْتَ عَنْ صَاحِبِكَ (3) وَ عَرَفْتَ مِنْ حَالِهِ، فَاللَّهُ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُ، خُذْ بِنَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَكَانَ عُثْمَانُ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ عَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام) شَيْءٌ فَأَرَدْتُ التَّكْذِيبَ عَنْهُ يَقُولُ: وَ لَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ أَبْطَأْتَ عَنَّا وَ تَرَكْتَ الْعَوْدَ إِلَيْنَا، فَلَا أَدْرِي كَيْفَ أَرُدُّ عَلَيْهِ (4).
وَ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ (5)- فِي كِتَابِ (6) الْمَذْكُورِ (7)-، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ،
____________
(1) هنا سقط جاء في شرح النّهج 9- 10، و الموفّقيّات: 606، و هو: قال ابن عبّاس: مهلا! حتّى ألقى عليّا، ثمّ أحمل إليك على قدر ما رأى. قال عثمان: أفعل قد فعلت، و طالما طلبت فلا أطلب و لا أجاب و لا أعتب.
(2) في الموفّقيّات: لدليل.
(3) في شرح النّهج: عند صاحبك.
(4) و قد جاء في شرح النّهج لابن أبي الحديد 6- 10، باختلاف كثير. و كذا في الموفّقيّات: 601 607.
(5) كما أورده و حكاه ابن أبي الحديد في شرح النّهج 9- 13- 14، مع اختلاف كثير.
(6) كذا. و الظّاهر: في الكتاب- بالألف و اللّام-.
(7) الموفّقيّات: 610- 612، باختلاف يسير.
457
قَالَ:: مَا سَمِعْتُ مِنْ أَبِي قَطُّ شَيْئاً فِي أَمْرِ عُثْمَانَ تَلُومُهُ فِيهِ أَوْ يَعْذِرُهُ (1) وَ لَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ أَهْجُمَ مِنْهُ عَلَى مَا لَا يُوَافِقُهُ، فَإِنَّا عِنْدَهُ لَيْلَةً- وَ نَحْنُ نَتَعَشَّى- إِذْ قِيلَ: هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ بِالْبَابِ. فَقَالَ: ائْذَنُوا لَهُ. فَدَخَلَ فَأَوْسَعَ لَهُ عَلَى فِرَاشِهِ، وَ أَصَابَ مِنَ الْعَشَاءِ مَعَهُ، فَلَمَّا رُفِعَ قَامَ مَنْ كَانَ هُنَاكَ وَ ثَبَتُّ أَنَا، فَحَمِدَ عُثْمَانُ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ يَا خَالِ! فَإِنِّي جِئْتُكَ (2) أَسْتَعْذِرُكَ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ عَلِيٍّ شَتَمَنِي وَ شَهَرَ أَمْرِي وَ قَطَعَ رَحِمِي وَ طَعَنَ فِي دِينِي، وَ إِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكُمْ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِنَّ لَكُمْ حَقّاً تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ (3) غُلِبْتُمْ عَلَيْهِ فَقَدْ تَرَكْتُمُوهُ فِي يَدَيَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِكُمْ وَ أَنَا أَقْرَبُ إِلَيْكُمْ رَحِماً مِنْهُ؟ وَ مَا لُمْتُ مِنْكُمْ أَحَداً إِلَّا عَلِيّاً، وَ لَقَدْ دُعِيتُ أَنْ أَبْسُطَ عَلَيْهِ فَتَرَكْتُهُ لِلَّهِ وَ الرَّحِمِ، وَ أَنَا أَخَافُ أَنْ لَا يَتْرُكَنِي (4) فَلَا أَتْرُكَهُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَحَمِدَ أَبِي اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، يَا ابْنَ أُخْتِي فَإِنْ كُنْتَ لَا تَحْمَدُ عَلِيّاً لِنَفْسِكَ فَإِنِّي لَا أَحْمَدُكَ (5) لِعَلِيٍّ، وَ مَا عَلِيٌّ وَحْدَهُ قَالَ فِيكَ، بَلْ غَيْرُهُ، فَلَوْ أَنَّكَ اتَّهَمْتَ نَفْسَكَ لِلنَّاسِ اتَّهَمَ النَّاسُ أَنْفُسَهُمْ لَكَ، وَ لَوْ أَنَّكَ نَزَلْتَ مِمَّا رَقِيتَ وَ ارْتَقَوْا مِمَّا نَزَلُوا فَأَخَذْتَ مِنْهُمْ وَ أَخَذُوا مِنْكَ مَا كَانَ بِذَلِكَ بَأْسٌ.
قَالَ عُثْمَانُ: فَذَلِكَ إِلَيْكَ يَا خَالِ وَ أَنْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ. قَالَ: فَأَذْكُرُ (6) لَهُمْ ذَلِكَ عَنْكَ. قَالَ: نَعَمْ، وَ انْصَرَفَ. فَمَا لَبِثْنَا أَنْ قِيلَ: هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ رَجَعَ بِالْبَابِ.
قَالَ أَبِي ائْذَنُوا لَهُ، فَدَخَلَ فَقَامَ قَائِماً وَ لَمْ يَجْلِسْ وَ قَالَ: لَا تَعْجَلْ يَا خَالِ حَتَّى أُوذِنَكَ، فَنَظَرْنَا فَإِذَا مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ كَانَ جَالِساً بِالْبَابِ يَنْتَظِرُهُ حَتَّى خَرَجَ فَهُوَ الَّذِي فَتَأَهُ (7) عَنْ رَأْيِهِ الْأَوَّلِ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ أَبِي، وَ قَالَ: يَا بُنَيَّ! مَا إِلَى هَذَا مِنْ أَمْرِهِ
____________
(1) في المصدرين: يلومه فيه و لا يعذره.
(2) في المصدرين: فإنّي قد جئتك.
(3) في (س): لكم، و في الموفّقيّات: إن كان لكم حقّا تزعمون أنّكم.
(4) في الموفّقيّات: أن يتركني.
(5) في (ك): لأحمدك.
(6) في الموفّقيّات: أ فأذكر.
(7) في (س): فشاءه، كذا، و الظّاهر: فشاه. و في الموفّقيّات: ثنّاه، و هو أولى.
458
مِنْ شَيْءٍ. ثُمَّ قَالَ: يَا بُنَيَّ! امْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ حَتَّى تَرَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْبِقْ بِي (1) مَا لَا خَيْرَ لِي فِي إِدْرَاكِهِ، فَمَا مَرَّتْ جُمْعَةٌ حَتَّى مَاتَ (رحمه اللّه).
وَ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ (2)- فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ (3)-، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ الْعَصْرَ يَوْماً ثُمَّ خَرَجْتُ فَإِذَا أَنَا بِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ فِي بَعْضِ أَزِقَّةِ (4) الْمَدِينَةِ وَحْدَهُ، فَأَتَيْتُهُ إِجْلَالًا لَهُ وَ تَوْقِيراً لِمَكَانِهِ، فَقَالَ لِي: هَلْ رَأَيْتَ عَلِيّاً؟.
فَقُلْتُ: خَلَّفْتُهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْآنَ فِيهِ فَهُوَ فِي مَنْزِلِهِ. قَالَ: أَمَّا مَنْزِلُهُ فَلَيْسَ فِيهِ، فَابْغِهِ لَنَا فِي الْمَسْجِدِ، فَتَوَجَّهْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَ إِذَا عَلِيٌّ (عليه السلام) يَخْرُجُ مِنْهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَ قَدْ كُنْتُ أَمْسَ ذَلِكَ الْيَوْمِ عِنْدَ عَلِيٍّ (عليه السلام) فَذُكِرَ عُثْمَانُ وَ تَجَرُّمُهُ عَلَيْهِ، وَ قَالَ: أَمَا وَ اللَّهِ- يَا ابْنَ عَبَّاسٍ- إِنَّ مِنْ دَوَائِهِ لَقَطْعُ كَلَامِهِ وَ تَرْكُ لِقَائِهِ.
فَقُلْتُ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ! كَيْفَ لَكَ بِهَذَا؟ فَإِنْ تَرَكْتَهُ ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْكَ فَمَا أَنْتَ صَانِعٌ؟. قَالَ: أَعْتَلُّ وَ أَعْتَلُ (5) فَمَنْ يَقْسِرُنِي؟. فَقُلْتُ: لَا أَحَدَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
فَلَمَّا تَرَاءَيْنَا لَهُ وَ هُوَ خَارِجٌ مِنَ الْمَسْجِدِ ظَهَرَ مِنْهُ مِنَ التَّفَلُّتِ وَ الطَّلَبِ لِلِانْصِرَافِ مَا اسْتَبَانَ لِعُثْمَانَ، فَنَظَرَ إِلَيَّ عُثْمَانُ وَ قَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! أَ مَا تَرَى ابْنَ خَالِنَا يَكْرَهُ لِقَاءَنَا. فَقُلْتُ: وَ لِمَ حَقُّكَ (6) أَلْزَمُ، وَ هُوَ بِالْفَضْلِ أَعْلَمُ، فَلَمَّا تَقَارَبَا رَمَاهُ عُثْمَانُ بِالسَّلَامِ فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنْ تَدْخُلْ فَإِيَّاكَ أَرَدْنَا، وَ إِنْ تَمْضِ فَإِيَّاكَ طَلَبْنَا، فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): أَيَّ ذَلِكَ أَحْبَبْتَ؟. قَالَ: تَدْخُلُ، فَدَخَلَا، وَ أَخَذَ عُثْمَانُ بِيَدِهِ فَأَهْوَى بِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ فَقَصُرَ عَنْهَا وَ جَلَسَ قُبَالَتَهَا، فَجَلَسَ عُثْمَانُ إِلَى جَانِبِهِ
____________
(1) خطّ على: بي، في (ك).
(2) كما أورده ابن أبي الحديد في شرح النّهج 9- 18، باختلاف يسير.
(3) الموفّقيّات: 614- 617.
(4) في مطبوع البحار: أذقة، و هو غلط.
(5) في (ك): فاعتلّ، و هو الوارد في الموفّقيّات.
(6) في الموفّقيّات: و حقّك.
459
فَنَكَصْتُ عَنْهُمَا فَدَعَوَانِي جَمِيعاً فَأَتَيْتُهُمَا، فَحَمِدَ عُثْمَانُ اللَّهَ (1) وَ صَلَّى عَلَى رَسُولِهِ (صلّى اللّه عليه و آله) ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، يَا ابْنَيْ خَالِي وَ ابْنَيْ عَمِّي فَإِذَا جَمَعْتُكُمَا فِي النِّدَاءَ فَأَسْتَجْمِعُكُمَا (2) فِي الشِّكَايَةِ عَلَى رِضَايَ عَنْ أَحَدِكُمَا (3) وَ وَجْدِي عَلَى الْآخَرِ .. إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ.
وَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَطْرَقَ عَلِيٌّ (عليه السلام) وَ أَطْرَقْتُ مَعَهُ طَوِيلًا، أَمَّا أَنَا فَأَجْلَلْتُهُ أَنْ أَتَكَلَّمَ قَبْلَهُ، وَ أَمَّا هُوَ فَأَرَادَ أَنْ أُجِيبَ عَنِّي وَ عَنْهُ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: أَ تَتَكَلَّمُ أَمْ أَتَكَلَّمُ أَنَا عَنْكَ؟. فَقَالَ: بَلْ تَكَلَّمْ عَنِّي وَ عَنْكَ، فَحَمِدْتُ اللَّهَ وَ أَثْنَيْتُ عَلَى رَسُولِهِ (4) (صلّى اللّه عليه و آله) ثُمَّ قُلْتُ: .. وَ ذَكَرَ كَلَامَهُ (5).
قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيَّ عَلِيٌّ (عليه السلام) نَظَراً هِبْتُهُ (6)، وَ قَالَ: دَعْهُ حَتَّى يَبْلُغَ رِضَاهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ، فَوَ اللَّهِ لَوْ ظَهَرَتْ لَهُ قُلُوبُنَا وَ بَدَتْ لَهُ سَرَائِرُنَا حَتَّى رَآهَا بِعَيْنِهِ كَمَا يَسْمَعُ الْخَبَرَ عَنْهَا بِأُذُنِهِ مَا زَالَ مُتَجَرِّماً سُقْماً (7)، وَ اللَّهِ مَا أَنَا مُلْقًى عَلَى وَضَمَةٍ وَ إِنِّي لَمَانِعٌ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي (8)، وَ إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ مِنْهُ (9) لِمُخَالَفَتِهِ مِنْهُ وَ سُوءِ عِشْرَةٍ (10) .. ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ عُثْمَانَ وَ مَا أَجَابَهُ بِهِ عَلِيٌّ (عليه السلام)، ثُمَّ قَالَ (11): فَأَخَذْتُ بِأَيْدِيهِمَا حَتَّى تَصَافَحَا وَ تَصَالَحَا وَ تَمَازَحَا وَ نَهَضْتُ عَنْهُمَا فَتَشَاوَرَا وَ تَوَامَرَا (12) وَ تَذَاكَرَا ثُمَّ افْتَرَقَا، فَوَ اللَّهِ
____________
(1) في المصدرين زيادة هنا و هي: و أثنى عليه.
(2) في شرح النّهج: فسأجمعكما.
(3) في المصدرين: عن رضاي على أحدكما.
(4) في المصدرين: عليه و صلّيت على رسوله.
(5) كما في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9- 19، بتصرّف.
(6) في المصدرين: نظر هيبة.
(7) في المصدرين: منتقما.
(8) لا يوجد ضمير المتكلّم في الموفّقيّات.
(9) لا توجد: منه، في الموفّقيّات، و هو الظّاهر.
(10) كما في شرح النّهج للمعتزليّ 9- 20، باختلاف يسير.
(11) في شرح النّهج لابن أبي الحديد 9- 21.
(12) في المصدر: تآمرا.
460
مَا مَرَّتْ ثَالِثَةٌ حَتَّى لَقِيَنِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَذْكُرُ مِنْ صَاحِبِهِ مَا لَا يَبْرُكُ عَلَيْهِ الْإِبِلُ، فَعَلِمْتُ أَنْ لَا سَبِيلَ إِلَى صُلْحِهِمَا بَعْدَهَا (1).
وَ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ- أَيْضاً (2)-، عَنْ شَيْخِهِ أَبِي عُثْمَانَ الْجَاحِظِ، قَالَ:
ذُكِرَ فِي كِتَابِ الَّذِي أُورِدَ فِيهِ الْمَعَاذِيرُ عَلَيْهِ عَنْ أَحْدَاثِ عُثْمَانَ: أَنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) اشْتَكَى فَعَادَهُ عُثْمَانُ مِنْ شِكَايَةٍ (3)، فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام):
وَ عَائِدَةٍ تَعُودُ لِغَيْرِ وُدٍّ* * * تَوَدُّ لَوْ (4)أَنَّ ذَا دَنَفٍ يَمُوتُ
فَقَالَ عُثْمَانُ: وَ اللَّهِ مَا أَدْرِي أَ حَيَاتُكَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَمْ مَوْتُكَ؟، إِنْ مِتَّ هَاضَنِي فَقْدُكَ، وَ إِنْ حَيِيتَ فَتَنَتْنِي حَيَاتُكَ، لَا أعدِم ما بقيتَ طاعنا يتخذك درية (5) يَلْجَأُ إِلَيْهَا.
فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): مَا الَّذِي جَعَلَنِي درية (6) لِلطَّاعِنِينَ الْعَائِبِينَ (7) إِنَّمَا سُوءُ ظَنِّكَ بِي أَحَلَّنِي مِنْ قِبَلِكَ (8) هَذَا الْمَحَلَّ، فَإِنْ كُنْتَ (9) تَخَافُ جَانِبِي فَلَكَ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَ مِيثَاقُهُ أَنْ لَا بَأْسَ عَلَيْكَ مِنِّي أَبَداً مَا بَلَّ بَحْرٌ صُوفَةً، وَ إِنِّي لَكَ لَرَاعٍ، وَ إِنِّي عَنْكَ لَمُحَامٍ، وَ لَكِنْ لَا يَنْفَعُنِي ذَلِكَ عِنْدَكَ، وَ أَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّ فَقْدِي يَهِيضُكَ .. فَكَلَّا أَنْ تُهَاضَ لِفَقْدِي مَا بَقِيَ لَكَ الْوَلِيدُ وَ مَرْوَانُ، فَقَامَ عُثْمَانُ فَخَرَجَ.
قَالَ (10): وَ قَدْ رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ هُوَ الَّذِي أَنْشَدَ هَذَا الْبَيْتَ، وَ قَدْ كَانَ اشْتَكَى
____________
(1) لا توجد: بعدها، في (س).
(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9- 22، بتصرّف.
(3) في (س): شكاته، و في المصدر: شكايته.
(4) لا توجد: لو، في (س).
(5) في شرح النّهج: دريئة، و سيذكر المصنّف (قدّس سرّه) في بيانه لاختلاف النّسخ.
(6) في شرح النّهج: دريئة، و سيذكر المصنّف (قدّس سرّه) في بيانه لاختلاف النّسخ.
(7) في (س): العائنين.
(8) في شرح النّهج: من قلبك.
(9) لا توجد: فإن كنت، في (س).
(10) أي ابن أبي الحديد في شرحه على النّهج 9- 22، بتصرّف.
461
فَعَادَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام)، فَقَالَ عُثْمَانُ (1):
وَ عَائِدَةٍ تَعُودُ لِغَيْرِ نُصْحٍ* * * تَوَدُّ لَوْ أَنَ (2)ذَا دَنَفٍ يَمُوتُ
.
وَ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (3) أَيْضاً، عَنْ أَبِي سَعْدٍ الْآبِيِّ، قَالَ: وَ رَوَى (4) فِي كِتَابِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَقَعَ بَيْنَ عُثْمَانَ وَ عَلِيٍّ (عليه السلام) كَلَامٌ، فَقَالَ عُثْمَانُ: مَا أَصْنَعُ إِنْ كَانَتْ قُرَيْشٌ لَا تُحِبُّكُمْ وَ قَدْ قَتَلْتُمْ مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ شُنُوفُ (5) الذَّهَبِ يُسْرِعُ أَنْفُهُمْ (6) قَبْلَ شِفَاهِهِمْ؟!.
قَالَ: وَ رَوَى الْمَذْكُورُ- أَيْضاً-، أَنَّ عُثْمَانَ لَمَّا نَقَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ مَا نَقَمُوا، قَامَ مُتَوَكِّئاً عَلَى مَرْوَانَ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ آفَةً (7)، وَ إِنَّ آفَةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ عَاهَةَ هَذِهِ النِّعْمَةِ قَوْمٌ عَيَّابُونَ طَعَّانُونَ يُظْهِرُونَ لَكُمْ مَا تُحِبُّونَ وَ يُسِرُّونَ مَا تَكْرَهُونَ، طَغَامٌ (8) مِثْلُ النَّعَامِ يَتَّبِعُونَ أَوَّلَ نَاعِقٍ، وَ لَقَدْ نَقَمُوا عَلَيَّ مَا نَقَمُوا عَلَى عُمَرَ (9) فَقَمَعَهُمْ وَ وَقَمَهُمْ (10)، وَ إِنِّي لَأَقْرَبُ نَاصِراً وَ أَعَزُّ نَفَراً فَمَا لِي لَا أَفْعَلُ فِي فُضُولِ الْأَمْوَالِ مَا أَشَاءُ.
____________
(1) لا توجد في (س): فقال عثمان.
(2) في (س): أ و لو، و في المصدر: لغير نصح تودّ لو أنّ.
(3) شرح نهج البلاغة 9- 23.
(4) لا توجد الواو في (س)، و في شرح النّهج: و روى أبو سعد الآبيّ في كتابه عن ابن عبّاس.
(5) الشّنف- بالضّمّ-: لحن القرط الأعلى، أو معلاق في قوف الأذن، أو ما علّق في أعلاها، قاله في القاموس 3- 160، و سيأتي.
(6) في (ك) نسخة بدل: أنوفهم.
(7) في شرح النّهج: و لكلّ نعمة عاهة.
(8) قال في الصّحاح 5- 1975: الطّغام: أوغاد النّاس .. و الطّغام أيضا: رذال الطّير.
(9) في المصدر: عمر مثله.
(10) يقرأ في (س): و قمّهم، و قد خطّ على الواو الثّانية. أقول: قممت البيت: كنسته، و القمامة:
الكناسة، قاله في النّهاية 4- 110، و غيره.
462
وَ رَوَى (1) أَيْضاً، عَنِ الْمُوَفَّقِيَّاتِ (2)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ عُثْمَانُ فِي كَلَامِهِ لِعَمَّارٍ- بَعْدَ ذِكْرِهِ عَلِيّاً (عليه السلام)-: أَمَا إِنَّكَ مِنْ شُنَاتِنَا (3) وَ أَتْبَاعِهِمْ.
بيان: أقول: لا يريب عاقل بعد النظر في تلك الأخبار التّي رواها أتباع عثمان و أحبّاؤه في أنّها تدلّ على أنّه كان ينزل أمير المؤمنين (عليه السلام) منزلة العدوّ، و يرى أتباعه (عليه السلام) من المبغضين له، كما هو الواقع و الحقّ، و كفى بمعاداة أمير المؤمنين (عليه السلام) له آية ل ... و قال في القاموس (4): الخمر- بالتحريك- ما واراك من شجر و غيره ..
و جاءنا على خمرة- بالكسر- و خمر- محرّكة-: في سرّ، و غفلة و خفية.
و في الصحاح (5): يقال (6) للرّجل إذا اختل (7) صاحبه: هو يدبّ له الضرّاء و يمشي له الخمر.
قوله: تشطّ- بكسر الشين و ضمّها- .. أي تبعد (8).
و في الصحاح (9): تجرّم عليّ فلان .. أي ادّعى ذنبا لم أفعله (10).
قوله (عليه السلام): ما أنا ملقى على وضمة .. أي لست بذليل كاللحم المطروح يأخذ منه من شاء.
____________
(1) ابن أبي الحديد في شرحه 9- 11.
(2) الموفّقيّات للزّبير بن بكّار: 608.
(3) في المصدر: شنائنا.
(4) القاموس 2- 23، و انظر: لسان العرب 4- 256- 257.
(5) الصحاح 2- 650.
(6) في (ك): فقال.
(7) في الصحاح: ختل.
(8) كما في القاموس 2- 368، و الصحاح 3- 1137، و لسان العرب 7- 333.
(9) الصحاح 5- 1886.
(10) و مثله في لسان العرب 12- 91 و غيره.
463
قال الجوهري (1): الوضم: كلّ شيء يجعل عليه اللّحم من خشب أو بارية يوقى به من الأرض.
و قال (2): هاض العظم يهيضه هيضا .. أي كسره بعد الجبور .. و يقال:
هاضني الشّيء: إذا ردّك في مرضك.
و قال (3): الدّريّة: البعير أو غيره يستتر به الصّائد فإذا أمكنه الرّمي رمى.
قال أبو زيد: هو (4) مهموز لأنّها تدرأ نحو الصّيد .. أي تدفع.
و قال (5) و الدّريّة- أيضا-: حلقة يتعلّم عليها الطّعن.
أقول: و ذكر في المعتلّ (6)، عن الأصمعيّ: الدّريّة بالمعنيين بالياء المشدّدة من غير همز.
و الفيروزآبادي (7): الدريّة بالمعنى الأخير (8) كذلك، و بالجملة يظهر منهما أنّ الوجهين جائزان.
و الشنوف- بالضم-: جمع الشّنف- بالفتح- و هو القرط الأعلى (9).
____________
(1) الصحاح 5- 2053، و انظر ما جاء في النهاية 5- 199، و لسان العرب 12- 640.
(2) الصحاح 3- 1113، و أورده في مجمع البحرين 4- 233، و النهاية 5- 288.
(3) الصحاح 1- 49.
(4) في المصدر: و هو.
(5) الصحاح 1- 49، و انظر هذا و الذي قبله في لسان العرب 1- 74، و النهاية 2- 110 و غيرهما.
(6) أي الجوهريّ في الصحاح في مادة: درى. قال 6- 2335: الدرية- غير مهموز- و هي دابة يستتر بها الصائد فإذا أمكنه رمى، و قال أبو زيد: هو مهموز لأنّها تدرأ نحو الصيد .. أي تدفع.
أقول: لعلّ مراده من المعنيين: الاستتار، و الدفع. فإن الدرية بمعنى حلقة يتعلّم .. لا توجد في المعتل من الصحاح. و مثله في لسان العرب 14- 255. نعم قد أورد المعنى الأخير في النهاية 2- 110، و نسبه إلى القيل.
(7) القاموس 4- 327.
(8) المراد من المعنى الأخير هو ما يتعلّم عليه الطعن.
(9) قاله في الصحاح 4- 1383، و القاموس 3- 160، و لاحظ مجمع البحرين 5- 76، و النهاية 2- 505.
464
و قوله: يسرع أنفهم .. بيان لطول أنوفهم و هو ممّا يزيد في الحسن.
3- ج (1): رُوِيَ أَنَّ يَوْماً مِنَ الْأَيَّامِ قَالَ عُثْمَانُ (2) لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام): إِنَّكَ إِنْ تَرَبَّصْتَ بِي فَقَدْ تَرَبَّصْتَ بِمَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ وَ مِنِّي (3)، قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): وَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي؟. قَالَ: أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ. فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام):
كَذَبْتَ أَنَا خَيْرٌ مِنْكَ وَ مِنْهُمَا، عَبَدْتُ اللَّهَ قَبْلَكُمْ وَ عَبَدْتُهُ بَعْدَكُمْ..
4- كا (4): عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: إِنَّ جَمَاعَةً مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ فِي إِمْرَةِ (5) عُثْمَانَ اجْتَمَعُوا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ وَ هُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُزَوِّجُوا رَجُلًا مِنْهُمْ، وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) قَرِيبٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَلْ لَكُمْ أَنْ نُخْجِلَ عَلِيّاً (عليه السلام) السَّاعَةَ، نَسْأَلُهُ أَنْ يَخْطُبَ بِنَا وَ يَتَكَلَّمَ (6) فَإِنَّهُ يَخْجَلُ وَ يعين [يَعْيَا بِالْكَلَامِ؟!، فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْحَسَنِ! إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نُزَوِّجَ فُلَاناً فُلَانَةَ وَ نَحْنُ نُرِيدُ أَنْ تَخْطُبَ (7)، فَقَالَ: فَهَلْ تَنْتَظِرُونَ أَحَداً؟.
فَقَالُوا: لَا، فَاللَّهِ (8) مَا لَبِثَ حَتَّى قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُخْتَصِّ بِالتَّوْحِيدِ، الْمُقْدِمِ (9) بِالْوَعِيدِ، الْفَعَّالِ لِمَا يُرِيدُ، الْمُحْتَجِبِ بِالنُّورِ دُونَ خَلْقِهِ، ذِي (10) الْأُفُقِ الطَّامِحِ،
____________
(1) الاحتجاج 1- 157- طبعة إيران-، 1- 229- طبعة النّجف-.
(2) في المصدر: عثمان بن عفّان.
(3) في المصدر: بتقديم و تأخير: منّي و منك.
(4) الكافي- الفروع- 5- 369- 370، باب خطب النّكاح، حديث 1.
(5) في المصدر: إمارة، و هي نسخة على مطبوع البحار.
(6) في المصدر: و نتكلّم.
(7) في الكافي زيادة: بنا.
(8) في (س): و اللّه، و في الفروع من الكافي: فو اللّه.
(9) في المصدر: المتقدّم.
(10) في (س): ذوي.
465
وَ الْعِزِّ الشَّامِخِ، وَ الْمُلْكِ الْبَاذِخِ، الْمَعْبُودِ بِالْآلَاءِ، رَبِّ الْأَرْضِ وَ السَّمَاءِ، أَحْمَدُهُ عَلَى حُسْنِ الْبَلَاءِ، وَ فَضْلِ الْعَطَاءِ، وَ سَوَابِغِ النَّعْمَاءِ، وَ عَلَى مَا يَدْفَعُ رَبُّنَا مِنَ الْبَلَاءِ، حَمْداً يَسْتَهِلُّ لَهُ الْعِبَادُ، وَ يَنْمُو بِهِ الْبِلَادُ، وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَ لَا يَكُونُ شَيْءٌ بَعْدَهُ، وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً (صلّى اللّه عليه و آله) عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ اصْطَفَاهُ بِالتَّفْضِيلِ وَ هَدَى بِهِ مِنَ التَّضْلِيلِ، اخْتَصَّهُ لِنَفْسِهِ، وَ بَعَثَهُ إِلَى خَلْقِهِ بِرِسَالاتِهِ وَ بِكَلَامِهِ، يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَتِهِ وَ تَوْحِيدِهِ وَ الْإِقْرَارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَ التَّصْدِيقِ بِنَبِيِّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، بَعَثَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَ صَدْفٍ عَنِ الْحَقِّ، وَ جَهَالَةٍ (1)، وَ كُفْرٍ بِالْبَعْثِ وَ الْوَعِيدِ، فَبَلَّغَ رِسَالاتِهِ، وَ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، وَ نَصَحَ لِأُمَّتِهِ، وَ عَبَدَهُ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كَثِيراً، أُوصِيكُمْ وَ نَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ الْعَظِيمِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَدْ جَعَلَ لِلْمُتَّقِينَ الْمَخْرَجَ مِمَّا يَكْرَهُونَ، وَ الرِّزْقَ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُونَ، فَتَنَجَّزُوا مِنَ اللَّهِ مَوْعِدَهُ (2)، وَ اطْلُبُوا مَا عِنْدَهُ بِطَاعَتِهِ، وَ الْعَمَلِ بِمَحَابِّهِ، فَإِنَّهُ لَا يُدْرَكُ الْخَيْرُ إِلَّا بِهِ، وَ لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ، وَ لَا تُكْلَانَ فِيمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَّا عَلَيْهِ، وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ:
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ أَبْرَمَ الْأُمُورَ وَ أَمْضَاهَا عَلَى مَقَادِيرِهَا فَهِيَ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ عَنْ مَجَارِيهَا دُونَ بُلُوغِ غَايَاتِهَا فِيمَا قَدَّرَ وَ قَضَى مِنْ ذَلِكَ، وَ قَدْ كَانَ فِيمَا قَدَّرَ وَ قَضَى مِنْ أَمْرِهِ الْمَحْتُومِ وَ قَضَايَاهُ الْمُبْرَمَةِ مَا قَدْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْأَخْلَاقُ (3)، وَ جَرَتْ بِهِ الْأَسْبَابُ (4) مِنْ تَنَاهِي الْقَضَايَا بِنَا وَ بِكُمْ إِلَى حُضُورِ هَذَا الْمَجْلِسِ الَّذِي خَصَّنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ لِلَّذِي كَانَ مِنْ تَذَكُّرِنَا آلَاءَهُ وَ حُسْنَ بَلَائِهِ، وَ تَظَاهُرَ نَعْمَائِهِ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَ لَكُمْ بَرَكَةَ مَا جَمَعَنَا وَ إِيَّاكُمْ عَلَيْهِ (5)، وَ سَاقَنَا وَ إِيَّاكُمْ إِلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ ذَكَرَ فُلَانَةَ
____________
(1) في المصدر زيادة: بالرّبّ.
(2) في الكافي: موعوده.
(3) في المصدر: الأخلاف.
(4) في الكافي زيادة: و قضى.
(5) في (س): إليه.
466
بِنْتَ فُلَانٍ وَ هُوَ فِي الْحَسَبِ مَنْ قَدْ عَرَفْتُمُوهُ، وَ فِي النَّسَبِ مَنْ لَا تَجْهَلُونَهُ، وَ قَدْ بَذَلَ لَهَا مِنَ الصَّدَاقِ مَا قَدْ عَرَفْتُمُوهُ، فَرُدُّوا خَيْراً تُحْمَدُوا عَلَيْهِ، وَ تُنْسَبُوا إِلَيْهِ، وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ.
بيان: المختصّ بالتوحيد .. أي بتوحيد الناس له (1) أو بتوحيده لنفسه، فإنّه لم يوحّده حقّ توحيده غيره (2).
المحتجب بالنور .. أي ليس له حجاب إلّا الظهور الكامل أو الكمال التامّ، أو عرشه محتجب بالأنوار الظاهرة.
ذي الأفق الطامح: الطّموح: الارتفاع (3)، و لعلّه كناية عن ارتفاعه عن إدراك الحواس و العقول و الأوهام، أو عن أن يصل إليه أحد بسوء، و كذا الفقرتان الآتيتان، و يحتمل التوزيع.
و الشّامخ: العالي (4)، و كذا الباذخ (5).
يستهلّ له العباد .. أي يرفعون به أصواتهم (6) أو (7) يستبشرون بذكره.
و ينمو به البلاد .. بزيادة النعم على أهاليها.
بالتفضيل .. أي بان فضله على جميع الخلق.
من التضليل .. أي لئلّا يضلّهم الشيطان أو يجدهم ضالّين، أو لئلّا يكونوا مضلّين.
____________
(1) لا توجد: له، في (س).
(2) في (ك): غير- بدون ضمير-.
(3) قاله في مجمع البحرين 2- 393، و الصحاح 1- 388، و القاموس 1- 238.
(4) كما في النهاية 2- 500، و القاموس 1- 262، و مجمع البحرين 2- 435.
(5) ذكره في الصحاح 1- 418، و مجمع البحرين 2- 429، و النهاية 1- 110.
(6) نصّ عليه في النهاية 5- 271، و لسان العرب 11- 701، و القاموس 4- 70، و مجمع البحرين 5- 500.
(7) في (ك): واو، بدلا من: أو.
467
و صدف .. أي ميل و إعراض (1).
حتى أتاه اليقين .. أي الموت المتيقّن.
و تنجّز الحاجة: طلب قضاءها لمن وعدها (2).
و التوكّل: إظهار العجز و الاعتماد على الغير، و الاسم التكلان- بالضم- (3).
و قال الجوهري: انتهى عنه و تناهى .. أي كفّ (4).
و قال: شعبت الشّيء: فرقته، و شعبته: جمعته، و هو من الأضداد (5).
5- كا (6): عَلِيٌّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: حَجَّ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) فَأَقَامَ بِمِنًى ثَلَاثاً يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَنَعَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ صَنَعَ ذَلِكَ عُمَرُ، ثُمَّ صَنَعَ ذَلِكَ عُثْمَانُ سِتَّ سِنِينَ ثُمَّ أَكْمَلَهَا عُثْمَانُ أَرْبَعاً، فَصَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعاً ثُمَّ تَمَارَضَ لِيَشُدَّ بِذَلِكَ بِدْعَتَهُ، فَقَالَ لِلْمُؤَذِّنِ: اذْهَبْ إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام) فَلْيَقُلْ (7) لَهُ فَلْيُصَلِ (8) بِالنَّاسِ الْعَصْرَ، فَأَتَى الْمُؤَذِّنُ عَلِيّاً (عليه السلام)، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (9) يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ الْعَصْرَ، فَقَالَ: لَا (10)، إِذَنْ لَا أُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ كَمَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ
____________
(1) صرّح به في مجمع البحرين 5- 78، و القاموس 3- 161، و لسان العرب 9- 187، و الصحاح 4- 1384.
(2) ذكر ذلك في المصباح المنير 2- 292، و القاموس 2- 193، و الصحاح 3- 898، و نظيره في لسان العرب 5- 414.
(3) كما أورده الطريحي في مجمع البحرين 5- 493، و قاله في القاموس 4- 66، و لسان العرب 11- 736، و الصحاح 5- 1845.
(4) الصحاح 6- 2517، و في لسان العرب 15- 343 مثله.
(5) الصحاح 1- 156، و بنصّه في لسان العرب 1- 497.
(6) الكافي 4- 518- 519، حديث 3، مع اختصار في الإسناد من الماتن طاب ثراه.
(7) في المصدر: فقل، و هو الظّاهر.
(8) في (ك): فليصلّي.
(9) في الكافي زيادة: عثمان.
(10) لا توجد: لا، في المصدر.
468
(صلّى اللّه عليه و آله)، فَذَهَبَ الْمُؤَذِّنُ فَأَخْبَرَ عُثْمَانَ بِمَا قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام)، فَقَالَ:
اذْهَبْ إِلَيْهِ وَ قُلْ (1) لَهُ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ هَذَا فِي شَيْءٍ، اذْهَبْ فَصَلِّ كَمَا تُؤْمَرُ. قَالَ عَلِيٌّ: لَا وَ اللَّهِ لَا أَفْعَلُ .. فَخَرَجَ عُثْمَانُ فَصَلَّى بِهِمْ أَرْبَعاً، فَلَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ وَ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَ قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) حَجَّ مُعَاوِيَةُ فَصَلَّى بِالنَّاسِ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ الظُّهْرَ ثُمَّ سَلَّمَ، فَنَظَرَتْ بَنُو أُمَيَّةَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَ ثَقِيفٌ وَ مَنْ كَانَ مِنْ شِيعَةِ عُثْمَانَ ثُمَّ قَالُوا: قَدْ قَضَى عَلَى صَاحِبِكُمْ وَ خَالَفَ وَ أَشْمَتَ بِهِ عَدُوَّهُ، فَقَامُوا فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقَالُوا: أَ تَدْرِي مَا صَنَعْتَ؟ مَا زِدْتَ عَلَى أَنْ قَضَيْتَ عَلَى صَاحِبِنَا، وَ أَشْمَتَّ بِهِ عَدُوَّهُ، وَ رَغِبْتَ عَنْ صَنِيعِهِ وَ سُنَّتِهِ، فَقَالَ: وَيْلَكُمْ! أَ مَا تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) صَلَّى فِي هَذَا الْمَكَانِ رَكْعَتَيْنِ وَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ، وَ صَلَّى صَاحِبُكُمْ سِتَّ سِنِينَ كَذَلِكَ، فَتَأْمُرُونِّي أَنْ أَدَعَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ مَا صَنَعَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ عُثْمَانُ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ، فَقَالُوا: لَا وَ اللَّهِ، مَا نَرْضَى عَنْكَ إِلَّا بِذَلِكَ!. قَالَ: فَأَقْبِلُوا فَإِنِّي مُتَّبِعُكُمْ (2) وَ رَاجِعٌ إِلَى سُنَّةِ صَاحِبِكُمْ، فَصَلَّى الْعَصْرَ أَرْبَعاً فَلَمْ تَزَلِ (3) الْخُلَفَاءُ وَ الْأُمَرَاءُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى الْيَوْمِ.
6- مَعَ (4): الْمُكَتِّبُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْوَرَّاقِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي يَعْفُورٍ (5) الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَنْبَرٍ مَوْلَى عَلِيٍّ (عليه السلام)، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَأَحَبَّ الْخَلْوَةَ وَ أَوْمَى (6) إِلَيَّ عَلِيٌّ (عليه السلام) بِالتَّنَحِّي، فَتَنَحَّيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ، فَجَعَلَ عُثْمَانُ يُعَاتِبُ عَلِيّاً عَلَيْهِ
____________
(1) في الكافي: فقل.
(2) في الكافي: فأقيلوا فإنّي مشفّعكم.
(3) في المصدر: يزل.
(4) معاني الأخبار: 293، مع تفصيل في الإسناد.
(5) في المصدر: بن أبي يعقوب، و الظّاهر ما أثبتناه.
(6) في المعاني: فأومى.
469
السَّلَامُ وَ عَلِيٌّ (عليه السلام) مُطْرِقٌ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ، فَقَالَ: مَا لَكَ لَا تَقُولُ؟.
فَقَالَ: إِنْ قُلْتُ لَمْ أَقُلْ إِلَّا مَا تَكْرَهُ، وَ لَيْسَ لَكَ عِنْدِي إِلَّا مَا تُحِبُّ.
قال المبرد: تأويل ذلك إن قلت اعتديت عليك بمثل ما اعتديت (1) به عليّ، فليدغك (2) عتابي، و عندي أن لا أفعل- فإن (3) كنت عاتبا- إلّا ما تحبّ.
7- نَهْج (4): مِنْ كَلَامٍ لَهُ (عليه السلام): إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَيُفَوِّقُونَنِي (5) تُرَاثَ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) تَفْوِيقاً (6)، وَ اللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُ لَهُمْ لَأَنْفُضَنَّهُمْ نَفْضَ اللَّحَّامِ الْوِذَامَ التَّرِبَةَ.
وَ يُرْوَى: التِّرَابَ الْوَذِمَةَ.
وَ هُوَ عَلَى الْقَلْبِ.
قال السيّد رضي اللّه عنه: قوله (عليه السلام): ليفوّقونني .. أي يعطونني من المال قليلا قليلا كفواق النّاقة و هو الحلبة الواحدة من لبنها.
و الوذام- جمع وذمة- و هي الحزّة من الكرش أو الكبد تقع في التّراب فتنفض (7).
بيان:
الحزّة- بالضم-: هي القطعة من اللّحم و غيره (8)، و قيل: خاصّة بالكبد (9) و قيل: قطعة من اللّحم قطعت طولا (10).
____________
(1) في المصدر: اعتددت- في الموردين-.
(2) كذا، و الظاهر: فيلدغك. و في المصدر: فيلذعك.
(3) خ. ل: و إن.
(4) نهج البلاغة 1- 126- محمّد عبده-، و صفحة: 104 خطبة 77- صبحي صالح-.
(5) في مطبوع البحار: ليوفّقونني. و ما أثبت من المصدر.
(6) في (س): تفريقا.
(7) و انظر ما ذكره ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 6- 174، و ابن ميثم في شرحه 2- 212، و منهاج البراعة للقطب الراونديّ 1- 309، و غيرها.
(8) كما في النهاية 1- 377، و انظر: لسان العرب 14- 334، و غيره.
(9) ذكره في القاموس 2- 172، و لسان العرب 14- 334.
(10) قاله في الصحاح 3- 873، و النهاية 1- 388، و القاموس 2- 172.
470
و الكرش- ككتف- كما في بعض (1) النّسخ، و بالكسر (2): لكلّ مجترّ بمنزلة المعدة للإنسان، و هي مؤنّثة (3).
و نفض الثّوب و غيره: تحريكه (4) ليسقط منه التّراب و غيره.
و قال ابن الأثير في النهاية (5): التّراب: جمع ترب تخفيف ترب .. يريد اللّحوم الّتي تعفّرت بسقوطها في التّراب.
و الوذمة: المنقطعة الأوذام، و هي السّيور الّتي (6) يشدّ بها عرى الدّلو. قال الأصمعيّ: سألت (7) شعبة عن هذا الحرف فقال (8): ليس هو هكذا، إنّما هو نفض القصّاب الوذام التّربة، و هي الّتي قد سقطت في التّراب. و قيل: الكروش كلّها تسمّى تربة لأنّها تحصل (9) فيها التّراب من المرتع. و الوذمة: الّتي أخمل (10) باطنها، و الكروش: وذمة لأنّها مخملة، و يقال لخملها الوذم، و معنى الحديث: لئن وليتهم لأطهّرنّهم من الدّنس و لأطيّبنّهم من الخبث (11).
و قيل: أراد بالقصّاب السّبع، و التّراب أصل ذراع الشّاة، و السّبع إذا أخذ الشّاة قبض على ذلك المكان ثمّ نفضها. انتهى (12).
____________
(1) لا توجد في (س): بعض.
(2) أي الكرش.
(3) كما جاء في القاموس 2- 286، و الصحاح 3- 1017، و غيرهما.
(4) كما أورده في النهاية 5- 97، و قبله في الصحاح 3- 1109، و القاموس 2- 346.
(5) قاله ابن الأثير في النهاية 1- 185. و قال- قبل ذلك-: و في حديث علي (لئن وليت بني أميّة لأنفضنّهم نفض القصّاب التراب الوذمة)، التراب .. إلى آخره.
(6) في (س): الذي.
(7) كذا في البحار و اللسان، و في المصدر: سألني.
(8) كذا في البحار و اللسان، و في النهاية: فقلت.
(9) في المصدرين: يحصل.
(10) في (ك): احمل.
(11) في المصدر: بعد، بدلا من: من. و أشير إليها في حاشية (ك) بما يلي: بعد. نهاية.
(12) و قريب منه ما في لسان العرب 1- 231.
471
و الظاهر أنّ المراد من النفض منعهم (1) من غصب الأموال و أخذ ما في أيديهم من الأموال المغصوبة، و دفع بغيهم و ظلمهم و مجازاتهم بسيّئات أعمالهم.
وَ قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (2): اعْلَمْ أَنَّ أَصْلَ هَذَا الْخَبَرِ قَدْ رَوَاهُ أَبُو الْفَرَجِ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي كِتَابِ الْأَغَانِي (3)، بِإِسْنَادٍ رَفَعَهُ إِلَى حَرْبِ (4) بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: بَعَثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ- وَ هُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْكُوفَةِ مِنْ قِبَلِ عُثْمَانَ- بِهَدَايَا إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَ بَعَثَ مَعِي هَدِيَّةً إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام)، وَ كَتَبَ إِلَيْهِ: أَنِّي لَمْ أَبْعَثْ إِلَى أَحَدٍ أَكْثَرَ مِمَّا بَعَثْتُ بِهِ إِلَيْكَ، إِلَّا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (5)، فَلَمَّا أَتَيْتُ عَلِيّاً وَ قَرَأَ كِتَابَهُ (6) قَالَ: لَشَدَّ مَا تخطر [يَحْظُرُ عَلَيَّ بَنُو أُمَيَّةَ تُرَاثَ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله)، أَمَا وَ اللَّهِ لَئِنْ وَلِيتُهَا لَأَنْفُضَنَّهَا نَفْضَ الْقَصَّابِ التِّرَابَ الْوَذِمَةَ.
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ: وَ هَذَا خَطَأٌ، وَ إِنَّمَا هُوَ: الْوِذَامُ التَّرِبَةُ.
قَالَ (7): وَ حَدَّثَنِي (8) بِذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجَوْهَرِيُّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ شَيْبَةَ، بِإِسْنَادِهِ- ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ- أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ حَيْثُ كَانَ أَمِيرَ الْكُوفَةِ بَعَثَ مَعَ ابْنِ أَبِي عَائِشَةَ مَوْلَاهُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) بِصِلَةٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): وَ اللَّهِ لَا يَزَالُ غُلَامٌ مِنْ غِلْمَانِ بَنِي أُمَيَّةَ يَبْعَثُ إِلَيْنَا مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ* بِمِثْلِ قُوتِ الْأَرْمَلَةِ، وَ اللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُ لَأَنْفُضَنَّهَا كَمَا يَنْفُضُ الْقَصَّابُ التِّرَابَ
____________
(1) في (ك): منهم.
(2) في شرحه على نهج البلاغة 6- 174، بتصرف.
(3) الأغاني 2- 144 (طبعة دار الكتب)، مع اختلاف كثير أشرنا له.
(4) في المصدر: الحارث، و في (س): الحرب- بالألف و اللّام-.
(5) في الأغاني: إلّا شيئا في خزائن أمير المؤمنين.
(6) في الأغاني زيادة: فأخبرته.
(7) أي ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة 6- 175، بتصرّف.
(8) الخبر في الأغاني: عن أبي زيد، عن عبد اللّه بن محمّد بن حكيم الطّائيّ، عن السّعديّ، عن أبيه ..
472
الْوَذِمَةَ (1)
. 8- نَهْجٌ (2): وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ (عليه السلام)- وَ قَدْ وَقَعَتْ مُشَاجَرَةٌ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ عُثْمَانَ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ الْأَخْنَسِ لِعُثْمَانَ: أَنَا أَكْفِيكَهُ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) (3) لِلْمُغِيرَةِ: يَا ابْنَ اللَّعِينِ الْأَبْتَرِ، وَ الشَّجَرَةِ الَّتِي لَا أَصْلَ لَهَا وَ لَا فَرْعَ، أَنْتَ تَكْفِينِي؟! فَوَ اللَّهِ مَا أَعَزَّ اللَّهُ مَنْ أَنْتَ نَاصِرُهُ، وَ لَا قَامَ مَنْ أَنْتَ مُنْهِضُهُ، اخْرُجْ عَنَّا أَبْعَدَ اللَّهُ نَوَاكَ، ثُمَّ أَبْلِغْ جُهْدَكَ فَلَا أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ إِنْ أَبْقَيْتَ.
إيضاح:
المغيرة: هو ابن أخنس الثقفي.
و قال ابن أبي الحديد (4) و غيره (5): إنّما قال (عليه السلام): يا ابن اللعين .. لأنّ الأخنس كان من أكابر المنافقين، ذكره أصحاب الحديث كلّهم في المؤلّفة الذين أسلموا يوم الفتح بألسنتهم دون قلوبهم،
و أعطاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مائة من الإبل من غنائم حنين يتألّف بها قلبه.
، و
ابنه أبو الحكم بن الأخنس قتله أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم أحد كافرا في الحرب.
، و إنّما قال (عليه السلام): يا ابن الأبتر، لأنّ من كان عقبه ضالا خبيثا فهو كمن لا عقب له، بل من لا عقب له خير منه، و كنّى (عليه السلام) بنفي أصلها و فرعها من دناءته و حقارته، و قيل لأنّ في نسب ثقيف طعنا. و قتل المغيرة مع عثمان في الدار، و قوله (عليه السلام): ما أعزّ اللّه .. يحتمل الدعاء و الخبر.
قوله (عليه السلام): أبعد اللّه نواك .. النّوى: الوجه الّذي تذهب فيه،
____________
(1) في المصدر: نفض القصّاب الوذام التّربة.
(2) نهج البلاغة- محمّد عبده- 2- 18، صبحي صالح: 193، خطبة 135، بتصرّف.
(3) في المصدر: عليّ (كرّم اللّه وجهه).
(4) في شرح نهج البلاغة 8- 301.
(5) شرح النهج لابن ميثم البحرانيّ 3- 163، و منهاج البراعة 2- 55، و غيرهما.
473
و الدار (1) .. أي أبعد اللّه مقصدك أو دارك، و يروى: أبعد اللّه نوأك- بالهمزة- ..
أي خيرك (2) من أنواء النّجوم الّتي كانت العرب تنسب المطر إليها (3).
ثم أبلغ جهدك .. أي غايتك و طاقتك في الأذى (4)، و في النهاية: أبقيت عليه .. إذا (5) رحمته و أشفقت عليه (6).
9- نَهْجٌ (7): مِنْ كَلَامٍ لَهُ (عليه السلام) قَالَهُ (8) لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ (رحمهما اللّه) وَ قَدْ جَاءَهُ بِرِسَالَةٍ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَ هُوَ مَحْصُورٌ يَسْأَلُهُ فِيهَا الْخُرُوجَ إِلَى مَالِهِ بِيَنْبُعَ لِيَقِلَّ هَتْفُ النَّاسِ بِاسْمِهِ لِلْخِلَافَةِ بَعْدَ أَنْ كَانَ سَأَلَهُ مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ، فَقَالَ (عليه السلام): يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! مَا يُرِيدُ عُثْمَانُ أَنْ يَجْعَلَنِي إِلَّا جَمَلًا (9) نَاضِحاً بِالْغَرْبِ أَقْبِلْ وَ أَدْبِرْ، بَعَثَ إِلَيَّ أَنْ أَخْرُجَ .. بَعَثَ (10) إِلَيَّ أَنْ أَقْدُمَ، ثُمَّ هُوَ الْآنَ يَبْعَثُ إِلَيَّ أَنْ أَخْرُجَ، وَ اللَّهِ لَقَدْ دَفَعْتُ عَنْهُ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ آثِماً (11)..
____________
(1) قاله في القاموس 4- 397، و لسان العرب 15- 347، و انظر: الصحاح 6- 2516.
(2) قال في القاموس 1- 31: طلب نوأه .. أي عطاءه. و قال في النهاية 5- 122: مطرنا بنوء كذا ..
أي وقت كذا .. و إنّ اللّه خطّأ نوأها .. قيل: هو دعاء عليها، كما يقال: لا سقاه اللّه الغيث، و أراد بالنوء الذي يجيء فيه المطر.
(3) انظر: النهاية 5- 122، و الصحاح 1- 79، و ما سبق.
(4) قال في النهاية 1- 320: قد تكرّر لفظ الجهد و الجهد في الحديث كثيرا، و هو بالضم: الوسع و الطاقة، و بالفتح المشقّة، و قيل: المبالغة و الغاية، و قيل: هما لغتان في الوسع و الطاقة، فأمّا في المشقّة و الغاية فالفتح لا غير، و جاء نظيره بزيادة في لسان العرب 3- 133.
(5) لا توجد: إذا، في (س).
(6) النهاية 1- 147.
(7) نهج البلاغة- محمّد عبده- 2- 233، صبحي صالح: 358، خطبة 240، باختلاف يسير بينهما، و كذا مع المتن.
(8) في (ك): قال.
(9) في المصدر: ما يريد عثمان إلّا أن يجعلني جملا.
(10) في النّهج: ثمّ بعث.
(11) قال ابن ميثم في شرح نهجه 4- 323: أقول: ... و سبب الرّسالة، أنّ القوم الّذين حضروه كانوا يكثرون نداه و الصّياح به، و توبيخه على أحداثه، من تفريق بيت المال على غير مستحقّيه، و وضعه في غير مواضعه، و سائر الأحداث الّتي ذكرنا أنّها نسبت إليه .. و قد كان قصده بتلك الرّسالة من بين سائر الصّحابة لأحد أمرين:
أحدهما: اعتقاده أنّه كان أشرف الجماعة، و النّاس له أطوع، و أنّ قلوب الجماعة معه حينئذ.
و الثّاني: أنّه كان يعتقد أنّ له شركة مع النّاس في فعلهم به، و كانت بينهما هناة، فكان بعثه له من بين الجماعة متعيّنا، لأنّهم إن رجعوا بواسطته فهو الغرض، و إن لم يرجعوا حصّلت بعض المقاصد أيضا، و هو تأكّد ما نسبه إليه من المشاركة في أمره، و بقاء ذلك حجّة عليه لمن بعده ممّن يطلب بدمه حتّى كان لسبب هذا الغرض الثّاني ما كان من الوقائع بالبصرة و صفّين و غيرهما.
و انظر: ما ذكره ابن أبي الحديد في شرحه 12- 296.
474
بيان: لم يكن هذا الفصل في أكثر نسخ النهج.
و النّاضح: البعير يستقى عليه (1).
و الغرب: الدّلو العظيمة (2).
أقبل و أدبر .. أي يقال له أقبل و أدبر على التكرار (3).
____________
(1) ذكره في الصحاح 1- 411، و النهاية 5- 69، و انظر ما أورده الطريحي في مجمع البحرين 2- 419.
(2) كما قاله في القاموس 1- 109، و مجمع البحرين 2- 131، و الصحاح 1- 193.
(3) ما ذكره في المتن من الإعراب في كليهما (أقبل و أدبر) لا يوافق ما استفاده (قدّس سرّه).
475
[29] باب كيفيّة قتل عثمان و ما احتجّ عليه القوم في ذلك و نسبه و تاريخه
1- مَا (1): الْمُفِيدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ خَالِدٍ الْمَرَاغِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْبَزَّازِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الصَّلْتِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي النَّجْمِ، عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْيَسَعِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ صُوحَانَ الْعَبْدِيِّ (رحمه اللّه)، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ، فَقَالَ عُثْمَانُ: قَدِّمُوا رَجُلًا مِنْكُمْ يُكَلِّمُنِي، فَقَدَّمُونِي، فَقَالَ عُثْمَانُ: هَذَا ..!، وَ كَأَنَّهُ اسْتَحْدَثَنِي، فَقُلْتُ لَهُ:
إِنَّ الْعِلْمَ لَوْ كَانَ بِالسِّنِّ لَمْ يَكُنْ لِي وَ لَا لَكَ فِيهِ سَهْمٌ، وَ لَكِنَّهُ بِالتَّعَلُّمِ. فَقَالَ عُثْمَانُ:
هَاتِ!.
فَقُلْتُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ) (2).
فَقَالَ عُثْمَانُ: فِينَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ؟!. فَقُلْتُ لَهُ: فَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَ انْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَقَالَ عُثْمَانُ: دَعْ ذَا (3)، وَ هَاتِ مَا مَعَكَ.
____________
(1) أمالي الشّيخ الطّوسيّ 1- 241- 242، مع اختصار في الإسناد من الماتن (رحمه اللّه).
(2) الحجّ: 41.
(3) في المصدر: هذا.
476
فَقُلْتُ لَهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ...) (1) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: وَ هَذِهِ أَيْضاً فِينَا نَزَلَتْ؟! فَقُلْتُ لَهُ: فَأَعْطِنَا بِمَا أَخَذْتَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى (2). فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! عَلَيْكُمْ بِالسَّمْعِ وَ الطَّاعَةِ وَ إِنَ (3) يَدَ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَ إِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْقَذِّ (4) فَلَا تَسْمَعُوا (5) إِلَى قَوْلِ هَذَا، فَإِنَ (6) هَذَا لَا يَدْرِي مَنِ اللَّهُ؟ وَ لَا أَيْنَ اللَّهُ؟.
فَقُلْتُ لَهُ: أَمَّا قَوْلُكَ عَلَيْكُمْ بِالسَّمْعِ وَ الطَّاعَةِ، فَإِنَّكَ تُرِيدُ مِنَّا أَنْ نَقُولَ غَداً:
(رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) (7)، وَ أَمَّا قَوْلُكَ: إِنِّي لَا أَدْرِي مَنِ اللَّهُ، فَإِنَّ اللَّهَ رَبُّنَا وَ رَبُّ آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ، وَ أَمَّا قَوْلُكَ: إِنِّي لَا أَدْرِي أَيْنَ اللَّهُ؟، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِالْمِرْصَادِ. قَالَ: فَغَضِبَ وَ أَمَرَ بِصَرْفِنَا وَ غَلَّقَ الْأَبْوَابَ دُونَنَا.
2- مَعَ (8): الْقَطَّانُ، عَنِ ابْنِ زَكَرِيَّا الْقَطَّانِ، عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَلِيٍّ الْمَدَائِنِيِّ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُكْرَمٍ، عَنْ سَعْدٍ الْخَفَّافِ، عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ، قَالَ: كَتَبَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ- حِينَ أُحِيطَ بِهِ- إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام): أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ جَاوَزَ الْمَاءُ الزُّبَى، وَ بَلَغَ الْحِزَامُ الطُّبْيَيْنِ (9)، وَ تَجَاوَزَ الْأَمْرُ بِي قَدْرَهُ، وَ طَمِعَ فِيَّ مَنْ لَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ كُنْتُ مَأْكُولًا فَكُنْ خَيْرَ آكِلٍ، وَ إِلَّا
____________
(1) الحجّ: 40.
(2) لا توجد: تعالى، في الأمالي.
(3) في المصدر: فإنّ.
(4) في الأمالي: الفذّ- بالفاء-، و هو الظّاهر، و معناها: الفرد، كما في القاموس 1- 357.
(5) في الأمالي: تستمعوا.
(6) في المصدر: و إنّ.
(7) الأحزاب: 67.
(8) معاني الأخبار: 340، بتفصيل في الإسناد.
(9) في (س): الحزام. أقول: الحزام الطّبيين- بالحاء المهملة و الزّاء المعجمة- كناية عن المبالغة في تجاوز الحدّ في الشّرّ و الأذى، كما سيأتي من المصنّف- طاب ثراه- و يعدّ من الأمثال كما قاله في المستقصى 2- 13. و قال في مجمع الأمثال 1- 166: بلفظ جاوز الحزام الطّبيين. و نظيره في فرائد اللّآل 1- 140.
477
فَأَدْرِكْنِي وَ لَمَّا أُمَزَّقْ.
قال الصدوق (رحمه اللّه): قال المبرد: قوله: قد جاوز الماء الزبى .. فالزبية مصيدة الأسد و لا تتّخذ إلّا في قلّة جبل، و تقول العرب: قد بلغ الماء الزبى (1)، و ذلك أشدّ ما يكون من السبل، و يقال في العظيم من الأمر: قد علا الماء الزبى، و بلغ السكّين العظم، و بلغ الحزام الطبيين، و قد انقطع السلى في البطن، قال العجّاج: فقد علا الماء الزبى إلى غير .. أي قد جلّ الأمر عن أن يغيّر أو يصلح.
و قوله: و بلغ الحزام الطبيين .. فإنّ السباع و الطير (2) يقال لموضع الأخلاف منها أطباء (3) واحدها طبي، كما يقال في الخفّ و الظلف: خلف و ضرع (4) هذا مكان هذا، فإذا بلغ الحزام الطبيين فقد انتهى في المكروه، و مثل هذا من أمثالهم:
التقت حلقتا البطان، و يقال: التقت حلقة البطان (5).
و الحقب و يقال حقب البعير .. إذا صار الحزام في الحقب منه.
مزيد توضيح:
قال في النهاية (6): في حديث عثمان: .. أمّا بعد فقد بلغ السّيل الزّبى و جاوز الحزام الطبيين (7) .. هي جمع زبية و هي الرّابية الّتي لا يعلوها الماء، و هي من الأضداد. و قيل: إنّما أراد الحفرة .. للسّبع و لا تحفر إلّا في مكان عال من
____________
(1) ذكر المثل في مجمع الأمثال 1- 91، و فرائد اللآل 1- 75، و المستقصى للزمخشري 2- 14.
(2) في (س): الطين.
(3) في (ك): الأطباء.
(4) في المصدر: خفّ و ظلف.
(5) كما يقال (تلاقت)، و المثل يضرب في الحادثة إذا بلغت النهاية، كما في فرائد اللآل في مجمع الأمثال 2- 155، و مجمع الأمثال للميداني 2- 221.
(6) النهاية 2- 295، و انظر: لسان العرب 14- 353.
(7) لا توجد في المصدر: و جاوز الحزام الطبيين.
478
الأرض لئلّا يبلغها السّيل فتنطمّ و هو (1) مثل يضرب للأمر يتفاقم و يتجاوز (2) الحدّ.
و قال (3): الأطباء: الأخلاف واحدها طبي- بالضّمّ و الكسر-، و قيل:
يقال لموضع الأخلاف من الخيل و السّباع أطباء كما يقال في ذوات الخفّ و الظّلف: خلف و ضرع.
و (4) قوله: جاوز الحزام الطبيين .. كناية عن المبالغة في تجاوز حدّ الشّرّ و الأذى، لأنّ الحزام إذا انتهى إلى الطّبيين فقد انتهى إلى بعد غايته فكيف إذا جاوزه (5).
و قال الجوهري (6): السّلى- مقصورا (7)-: الجلدة الرّقيقة الّتي يكون فيها الولد من المواشي إن نزعت عن وجه الفصيل ساعة يولد و إلّا قتلته، و كذلك (8) إن انقطع السّلى في البطن، فإذا خرج السّلى سلمت النّاقة و سلم الولد، و إن انقطع في بطنها هلكت و هلك الولد. يقال (9): انقطع السّلى في البطن إذا ذهبت الحيلة، كما يقال: بلغ السّكّين العظم.
و قال (10): البطان للقتب: الحزام الّذي يجعل تحت بطن البعير. و يقال:
التقت حلقتا البطان للأمر: إذا اشتدّ، و هو بمنزلة التّصدير للرّجل (11).
____________
(1) لا توجد: هو، في (س).
(2) في (ك): يجاوز.
(3) أي ابن الأثير في النهاية 3- 115، و انظر: لسان العرب 15- 4.
(4) لا توجد الواو في (ك).
(5) قاله في النهاية 3- 115، و لسان العرب 15- 4.
(6) في الصحاح 6- 2381، و مثله في لسان العرب 14- 396.
(7) في المصدر: مقصور- بالرفع-.
(8) لا توجد الواو في الصحاح، و في (ك): و كذا، بدلا من: و كذلك.
(9) في المصدر زيادة: أيضا، بعد: يقال.
(10) في الصحاح 5- 2079.
(11) في المصدر: للرحل، و هو الصواب.
479
و قال (1): الحقب- بالتّحريك-: حبل يشدّ به الرّحل إلى بطن البعير ممّا يلي ثيله كيلا يجتذبه التّصدير، تقول منه أحقبت البعير و حقب البعير- بالكسر- إذا أصاب حقبه ثيله (2) فاحتبس بوله.
3- بَ (3): مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، عَنِ الْقَدَّاحِ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ (عليهما السلام)، قَالَ: لَمَّا حَصَرَ النَّاسُ عُثْمَانَ جَاءَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ إِلَى عَائِشَةَ- وَ قَدْ تَجَهَّزَتْ لِلْحَجِّ-، فَقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! إِنَّ عُثْمَانَ قَدْ حَصَرَهُ النَّاسُ فَلَوْ تَرَكْتِ الْحَجَّ وَ أَصْلَحْتِ أَمْرَهُ كَانَ النَّاسُ يَسْتَمِعُونَ (4) مِنْكِ، فَقَالَتْ: قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ وَ شَدَدْتُ غَرَائِرِي (5)، فَوَلَّى مَرْوَانُ وَ هُوَ يَقُولُ:
حَرَّقَ قَيْسٌ عَلَيَّ الْبِلَادَ* * * حَتَّى إِذَا اضْطَرَمَتْ أَجْذَمَا
(6) فَسَمِعَتْهُ عَائِشَةُ، فَقَالَتْ: تَعَالَ، لَعَلَّكَ تَظُنُّ أَنِّي فِي شَكٍّ مِنْ صَاحِبِكَ، وَ اللَّهِ (7) لَوَدِدْتُ أَنَّكَ وَ هُوَ فِي غِرَارَتَيْنِ مِنْ غَرَائِرِي مَخِيطٌ عَلَيْكُمَا تُغَطَّانِ فِي الْبَحْرِ حَتَّى تَمُوتَا.
بيان: قال الجوهري (8): الإجذام: الإقلاع عن الشّيء. قال الرّبيع بن زياد:
____________
(1) أي الجوهريّ في الصحاح 1- 114، و مثله في لسان العرب 1- 324.
(2) في مطبوع البحار قد تقرأ: يثله- بتقديم الياء على الثاء- و لا معنى لها هنا.
(3) قرب الإسناد: 14، مع تفصيل في الإسناد.
(4) في المصدر: يسمعون.
(5) قد مرّ معناها قريبا في نكير عائشة على عثمان، و ستأتي قريبا. و قد تقرأ في مطبوع البحار: عزائري.
(6) جاء البيت في الفتوح هكذا:
ضرم قيس على البلاد دما* * * حتّى إذا اضطرمن فأحجما
(7) في قرب الإسناد: فو اللّه.
(8) الصحاح 5- 1884، و جاء في لسان العرب 12- 19 بنصّه.
480
و حرّق قيس .. البيت (1).
أقول: و روى ذلك الأعثم في الفتوح (2)، و فيه مكان: أجدما: أحجما ..
أي نكص و تأخّر (3).
و الغرارة- بالكسر-: الجوالق (4).
و قال الجوهري (5): واحدة الغرائر الّتي للطّين (6) و أظنّه معربا.
4- سر (7): مُوسَى بْنُ بَكْرٍ، عَنِ الْمُفَضَّلِ (8)، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: إِنَّ فُلَاناً وَ فُلَاناً غَصَبَانَا (9) حَقَّنَا وَ قَسَمَاهُ بَيْنَهُمْ، فَرَضُوا بِذَلِكَ عَنْهُمَا (10)، وَ إِنَّ عُثْمَانَ لَمَّا مَنَعَهُمْ وَ اسْتَأْثَرَ عَلَيْهِمْ غَضِبُوا لِأَنْفُسِهِمْ.
5- قب (11): نَقَلَتِ الْمُرْجِئَةُ (12)، عَنْ أَبِي الْجَهْمِ الْعَدَوِيِّ- وَ كَانَ مُعَادِياً لِعَلِيٍّ (عليه السلام)-، قَالَ: خَرَجْتُ بِكِتَابِ عُثْمَانَ- وَ الْمِصْرِيُّونَ قَدْ نَزَلُوا بِذِي خَشَبٍ (13) إِلَى مُعَاوِيَةَ وَ قَدْ طَوَيْتُهُ طَيّاً لَطِيفاً وَ جَعَلْتُهُ فِي قِرَابِ سَيْفِي، وَ قَدْ تَنَكَّبْتُ عَنِ الطَّرِيقِ وَ تَوَخَّيْتُ سَوَادَ اللَّيْلِ حَتَّى كُنْتُ بِجَانِبِ الْجُرْفِ، إِذَا رَجُلٌ عَلَى حِمَارٍ مُسْتَقْبِلِي وَ مَعَهُ
____________
(1) أي إلى آخر البيت السالف.
(2) تاريخ ابن الأعثم- الفتوح- 3- 420.
(3) كما ذكره في النهاية 1- 347، و لسان العرب 12- 116، و لاحظ: مجمع البحرين 6- 32، و القاموس 4- 93.
(4) ذكره في القاموس 2- 101، و لسان العرب 5- 18.
(5) في الصحاح 2- 769، و لاحظ: لسان العرب 5- 18.
(6) في (س): للتّبن، و هو الظاهر.
(7) مستطرفات السّرائر (النّوادر): 17- تحقيق مدرسة الإمام المهديّ (عليه السلام)-.
(8) في المصدر: الفضيل.
(9) في السّرائر: ظلمانا.
(10) في المستطرفات: منهما.
(11) مناقب ابن شهرآشوب 2- 259- 260.
(12) في المصدر زيادة كلمة: و النّاصبة.
(13) في المناقب: خشر، و ما هنا نسخة هناك.
481
رَجُلَانِ يَمْشِيَانِ أَمَامَهُ فَإِذَا هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) قَدْ أَتَى مِنْ نَاحِيَةِ الْبَدْوِ فَأَثْبَتَنِي وَ لَمْ أُثْبِتْهُ حَتَّى سَمِعْتُ كَلَامَهُ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا صَخْرُ؟. قُلْتُ:
الْبَدْوَ، فَأَدَعُ الصَّحَابَةَ. قَالَ: فَمَا هَذَا الَّذِي فِي قِرَابِ سَيْفِكَ؟. قُلْتُ: لَا تَدَعُ مِزَاحَكَ أَبَداً ثُمَّ جرته [جُزْتُهُ (1).
6- جا (2): الْكَاتِبُ، عَنِ الزَّعْفَرَانِيِّ، عَنِ الثَّقَفِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ اللُّؤْلُؤِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَبِيحٍ الْكِنْدِيِّ، عَنْ أَبِي يَحْيَى مَوْلَى مُعَاذِ بْنِ عُفْرَةَ (3) الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: إِنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ (4) بَعَثَ إِلَى الْأَرْقَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ- وَ كَانَ خَازِنَ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ-، فَقَالَ لَهُ:
أَسْلِفْنِي مِائَةَ أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. فَقَالَ لَهُ الْأَرْقَمُ: أَكْتُبُ عَلَيْكَ بِهَا صَكّاً لِلْمُسْلِمِينَ.
قَالَ: وَ مَا أَنْتَ وَ ذَاكَ؟ لَا أُمَّ لَكَ! إِنَّمَا أَنْتَ خَازِنٌ لَنَا. قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَ الْأَرْقَمُ ذَلِكَ خَرَجَ مُبَادِراً إِلَى النَّاسِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! عَلَيْكُمْ بِمَالِكُمْ فَإِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي خَازِنُكُمْ وَ لَمْ أَعْلَمْ أَنِّي خَازِنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ حَتَّى الْيَوْمَ، وَ مَضَى فَدَخَلَ بَيْتَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ، فَخَرَجَ إِلَى النَّاسِ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ ثُمَّ رَقِيَ الْمِنْبَرَ، وَ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُؤْثِرُ بَنِي تَيْمٍ عَلَى النَّاسِ، وَ إِنَّ عُمَرَ كَانَ يُؤْثِرُ بَنِي عَدِيٍّ عَلَى كُلِّ النَّاسِ، وَ إِنِّي أُوثِرُ- وَ اللَّهِ- بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَ لَوْ كُنْتُ جَالِساً بِبَابِ الْجَنَّةِ ثُمَّ اسْتَطَعْتُ أَنْ أُدْخِلَ بَنِي أُمَيَّةَ جَمِيعاً الْجَنَّةَ لَفَعَلْتُ، وَ إِنَّ هَذَا الْمَالَ لَنَا، فَإِنِ احْتَجْنَا إِلَيْهِ أَخَذْنَاهُ وَ إِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَقْوَامٍ!.
فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ (رحمه اللّه): مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ! اشْهَدُوا أَنَّ ذَلِكَ مُرْغِمٌ لِي.
فَقَالَ عُثْمَانُ: وَ أَنْتَ هَاهُنَا، ثُمَّ نَزَلَ مِنَ الْمِنْبَرِ يَتَوَطَّؤُهُ بِرِجْلَيْهِ (5) حَتَّى غُشِيَ عَلَى عَمَّارٍ
____________
(1) في المصدر: جزنه، و هو الظّاهر.
(2) مجالس الشّيخ المفيد: 69- 72، حديث 5، مع تفصيل في السّند و اختلاف في المتن أشرنا له.
(3) في المجالس: عفراء.
(4) لا توجد في (س): عفّان.
(5) في المصدر: فجعل يتوطّؤه برجله.
482
وَ احْتُمِلَ- وَ هُوَ لَا يَعْقِلُ- إِلَى بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، وَ بَقِيَ عَمَّارٌ مُغْمًى عَلَيْهِ لَمْ يُصَلِّ يَوْمَئِذٍ الظُّهْرَ وَ الْعَصْرَ وَ الْمَغْرِبَ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَقَدِيماً أُوذِيتُ فِي اللَّهِ، وَ أَنَا أَحْتَسِبُ مَا أَصَابَنِي فِي جَنْبِ اللَّهِ، بَيْنِي وَ بَيْنَ عُثْمَانَ الْعَدْلُ الْكَرِيمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قَالَ: وَ بَلَغَ عُثْمَانَ أَنَّ عَمَّاراً عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: مِمَّا هَذِهِ الْجَمَاعَةُ فِي بَيْتِكِ مَعَ هَذَا الْفَاجِرِ، أخرجهم [أَخْرِجِيهِمْ (1) مِنْ عِنْدِكِ. فَقَالَتْ: وَ اللَّهِ مَا عِنْدَنَا مَعَ عَمَّارٍ إِلَّا بِنْتَاهُ، فَاجْتَنِبْنَا- يَا عُثْمَانُ- وَ اجْعَلْ سَطْوَتَكَ حَيْثُ شِئْتَ، وَ هَذَا صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَجُودُ بِنَفْسِهِ مِنْ فِعَالِكَ (2)، قَالَ: فَنَدِمَ عُثْمَانُ عَلَى مَا صَنَعَ فَبَعَثَ إِلَى طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرِ يَسْأَلُهُمَا أَنْ يَأْتِيَا عَمَّاراً فَيَسْأَلَاهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ، فَأَتَيَاهُ فَأَبَى عَلَيْهِمَا، فَرَجَعَا إِلَيْهِ فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: مِنْ حُكْمِ اللَّهِ يَا بَنِي أُمَيَّةَ يَا فِرَاشَ النَّارِ وَ ذُبَابَ الطَّمَعِ، شَنَّعْتُمْ عَلَيَّ، وَ آلَيْتُمْ (3) عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، ثُمَّ إِنَّ عَمَّاراً (رحمه اللّه) صَلَحَ مِنْ مَرَضِهِ فَخَرَجَ إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ نَاعِي أَبِي ذَرٍّ عَلَى عُثْمَانَ مِنَ الرَّبَذَةِ، فَقَالَ: إِنَّ أَبَا ذَرٍّ مَاتَ بِالرَّبَذَةِ وَحِيداً وَ دَفَنَهُ قَوْمٌ سَفْرٌ، فَاسْتَرْجَعَ عُثْمَانُ وَ قَالَ: (رحمه اللّه). فَقَالَ عَمَّارٌ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ مِنْ كُلِّ أَنْفُسِنَا. فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: وَ إِنَّكَ لَهُنَاكَ بَعْدَ مَا بَرَأْتَ (4) أَ تَرَانِي نَدِمْتُ عَلَى تَسْيِيرِي إِيَّاهُ؟!. قَالَ لَهُ عَمَّارٌ: لَا وَ اللَّهِ، مَا أَظُنُّ ذَاكَ. قَالَ: وَ أَنْتَ أَيْضاً فَالْحَقْ بِالْمَكَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ أَبُو ذَرٍّ فَلَا تَبْرَحْهُ مَا حَيِينَا.
قَالَ عَمَّارٌ: أَفْعَلُ، فَوَ اللَّهِ (5) لَمُجَاوَرَةُ السِّبَاعِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مُجَاوَرَتِكَ. قَالَ: فَتَهَيَّأَ عَمَّارٌ لِلْخُرُوجِ وَ جَاءَتْ بَنُو مَخْزُومٍ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) فَسَأَلُوهُ
____________
(1) في المصدر: أخرجيهم، و جاءت نسخة على (ك)، و هو الصّحيح.
(2) في المجالس زيادة: به.
(3) في المصدر: و ألبتم، و هو الظّاهر.
(4) في المجالس محلّ: ما برأت، يا عاضّ أير أبيه، و هو مثل.
(5) في المصدر: و اللّه- بدون فاء-.
483
أَنْ يَقُومَ مَعَهُمْ إِلَى عُثْمَانَ لِيَسْتَنْزِلَهُ عَنْ تَسْيِيرِ عَمَّارٍ، فَقَامَ مَعَهُمْ (1) فَسَأَلَهُ فِيهِمْ وَ رَفَقَ بِهِ حَتَّى أَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ.
7- جا (2): عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ، عَنِ الزَّعْفَرَانِيِّ، عَنِ الثَّقَفِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مُجَاشِعٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: جَاءَتْ عَائِشَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَقَالَتْ لَهُ:
أَعْطِنِي مَا كَانَ يُعْطِينِي أَبِي وَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ!. فَقَالَ (3): لَمْ أَجِدْ لَكِ مَوْضِعاً فِي الْكِتَابِ وَ لَا فِي السُّنَّةِ، وَ إِنَّمَا كَانَ أَبُوكِ وَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُعْطِيَانِكِ بِطِيبَةٍ مِنْ أَنْفُسِهِمَا، وَ أَنَا لَا أَفْعَلُ. قَالَتْ (4): فَأَعْطِنِي مِيرَاثِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله). فَقَالَ لَهَا: أَ وَ لَمْ تَحْسَبِي (5) أَنْتِ وَ مَالِكُ بْنُ أَوْسَ النَّضْرِيُ (6) فَشَهِدْتُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَا يُوَرِّثُ حَتَّى مَنَعْتُمَا فَاطِمَةَ مِيرَاثَهَا، وَ أَبْطَلْتُمَا حَقَّهَا، فَكَيْفَ تَطْلُبِينَ الْيَوْمَ مِيرَاثاً مِنَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)؟! فَتَرَكَتْهُ وَ انْصَرَفَتْ، وَ كَانَ عُثْمَانُ إِذَا خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ أَخَذَتْ قَمِيصَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَى قَصَبَةٍ فَرَفَعَتْهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: إِنَّ عُثْمَانَ قَدْ خَالَفَ صَاحِبَ هَذَا الْقَمِيصِ وَ تَرَكَ سُنَّتَهُ.
أَقُولُ: رَوَى فِي كَشْفِ الْغُمَّةِ (7) نَحْواً مِنْ ذَلِكَ، وَ زَادَ فِي آخِرِهِ: فَلَمَّا آذَتْهُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الزَّعْرَاءَ (8) عَدُوَّةُ اللَّهِ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَهَا وَ مَثَلَ صَاحِبَتِهَا حَفْصَةَ فِي الْكِتَابِ: (امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا
____________
(1) لا توجد: معهم، في المجالس.
(2) المجالس للشّيخ المفيد: 125- 126، حديث 3، بتفصيل في الإسناد.
(3) في المصدر زيادة: لها.
(4) في المجالس زيادة: له.
(5) في المجالس: أو لم تجئني.
(6) كذا، و في المصدر: النّصريّ، و هو الظّاهر، كما في الإصابة 3- 339 ترجمة 7595 و هامشها الاستيعاب 3- 382 و غيرهما.
(7) كشف الغمّة 1- 323 نقلا بالمعنى.
(8) الزّعراء: هي المرأة القليلة الشّعر كما في النّهاية 2- 303، و متفرّقة الشّعر كما في القاموس 2- 39.
484
صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما). إِلَى قَوْلِهِ: (وَ قِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) (1)، فَقَالَتْ لَهُ: يَا نَعْثَلُ! يَا عَدُوَّ اللَّهِ! إِنَّمَا سَمَّاكَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِاسْمِ نَعْثَلِ الْيَهُودِيِّ الَّذِي بِالْيَمَنِ، فَلَاعَنَتْهُ وَ لَاعَنَهَا، وَ حَلَفَتْ أَنْ لَا تُسَاكِنَهُ (2) بِمِصْرَ أَبَداً، وَ خَرَجَتْ إِلَى مَكَّةَ.
ثُمَّ قَالَ: قَدْ نَقَلَ ابْنُ أَعْثَمَ صَاحِبُ الْفُتُوحِ (3) أَنَّهَا قَالَتْ: اقْتُلُوا نَعْثَلًا قَتَلَ اللَّهُ نَعْثَلًا، فَلَقَدْ أَبْلَى سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ هَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ، وَ خَرَجَتْ إِلَى مَكَّةَ.
قَالَ (4): وَ رَوَى غَيْرُهُ أَنَّهُ لَمَّا قُتِلَ جَاءَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَقِيَهَا فُلَانٌ فَسَأَلَتْهُ عَنِ الْأَمْوَالِ فَخَبَّرَهَا وَ أَنَّ النَّاسَ اجْتَمَعُوا عَلَى عَلِيٍّ (عليه السلام)، فَقَالَتْ: وَ اللَّهِ لَأُطَالِبَنَّ بِدَمِهِ. فَقَالَ لَهَا: وَ أَنْتِ حَرَصْتِ عَلَى قَتْلِهِ. قَالَتْ: إِنَّهُمْ لَمْ يَقْتُلُوهُ حَيْثُ قُلْتُ وَ لَكِنْ تَرَكُوهُ حَتَّى تَابَ وَ نَقِيَ مِنْ ذُنُوبِهِ وَ صَارَ كَالسَّبِيكَةِ (5) وَ قَتَلُوهُ.
تأييد:
قال في النهاية (6): في مقتل عثمان لا يمنعك (7) مكان ابن سلام أن تسبّ نعثلا كان (8) أعداء عثمان يسمّونه: نعثلا، تشبيها برجل من مصر كان طويل اللّحية اسمه نعثل، و قيل: النّعثل: الشّيخ الأحمق. و ذكر الضّباع، و منه حديث
____________
(1) التّحريم: 10.
(2) في (ك): أن لا تسكن.
(3) الفتوح 2- 419- 420.
(4) كشف الغمّة 1- 323، باختلاف كثير و اختصار.
(5) قال في الصّحاح 4- 1589: سبكت الفضّة و غيرها أسبكها سبكا: أذبتها، و الفضّة سبيكة.
(6) النهاية 5- 80، و مثله في لسان العرب 11- 670، و قريب منه في تاج العروس 8- 141. و قال في القاموس 4- 59: النّعثل- كجعفر- الذكر من الضباع، و الشيخ الأحمق، و يهوديّ كان بالمدينة، و رجل لحياني كان يشبّه به عثمان إذا نيل منه.
(7) في المصدر: لا يمنعنّك.
(8) لا توجد في (ك): كان.
485
عائشة: اقتلوا نعثلا قتل اللّه نعثلا، تعني عثمان، و هذا كان منها لما غاضبته و ذهبت إلى مكّة.
8- مَا (1): أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّلْتِ، عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ الْحَافِظِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ (2) عَبْدِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ، عَنْ عَمِّهِ الْقَاسِمِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ (3)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ:
حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عُمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَ الْمِصْرِيُّونَ بِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فِي مَرَّتِهِمُ الثَّانِيَةِ دَعَا مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ فَاسْتَشَارَهُ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْقَوْمَ لَيْسَ هُمْ لِأَحَدٍ أَطْوَعَ مِنْهُمْ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، وَ هُوَ أَطْوَعُ النَّاسِ فِي النَّاسِ، فَابْعَثْهُ إِلَيْهِمْ فَلْيُعْطِهِمُ الرِّضَا وَ لِيَأْخُذْ لَكَ عَلَيْهِمُ الطَّاعَةَ، وَ يُحَذِّرَهُمُ الْفِتْنَةَ، فَكَتَبَ عُثْمَانُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام): سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ قَدْ جَازَ السَّيْلُ الزُّبَى، وَ بَلَغَ الْحِزَامُ الطُّبْيَيْنِ، وَ ارْتَفَعَ أَمْرُ النَّاسِ بِي فَوْقَ قَدْرِهِ، وَ طَمِعَ فِيَّ مَنْ كَانَ يَعْجِزُ عَنْ نَفْسِهِ، فَأَقْبِلْ عَلَيَّ أَوْ لِي، وَ تَمَثَّلَ:
فَإِنْ كُنْتُ مَأْكُولًا فَكُنْ خَيْرَ آكِلٍ* * * وَ إِلَّا فَأَدْرِكْنِي وَ لَمَّا أُمَزَّقْ
وَ السَّلَامُ.
فَجَاءَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام)، فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! ائْتِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ فَادْعُهُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلّى اللّه عليه و آله). فَقَالَ: نَعَمْ، إِنْ أَعْطَيْتَنِي عَهْدَ اللَّهِ وَ مِيثَاقَهُ عَلَى أَنْ تَفِيءَ لَهُمْ بِكُلِّ شَيْءٍ أَعْطَيْتَهُ عَنْكَ (4). فَقَالَ: نَعَمْ، فَأَخَذَ عَلَيْهِ عَهْداً غَلِيظاً، وَ مَشَى إِلَى الْقَوْمِ فَلَمَّا دَنَا مِنْهُمْ قَالُوا: وَرَاءَكَ. قَالَ: لَا. قَالُوا:
وَرَاءَكَ. قَالَ: لَا، فَجَاءَ بَعْضُهُمْ لِيَدْفَعَ فِي صَدْرِهِ (5)، فَقَالَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:
____________
(1) أمالي الشّيخ الطّوسيّ 2- 323- 325، بتفصيل في الإسناد كالمعتاد.
(2) في المصدر بدل: بن، أبو.
(3) لا توجد في الأمالي: عن أبيه.
(4) في الأمالي زيادة: لهم.
(5) في المصدر زيادة: حين قال ذلك.
486
سُبْحَانَ اللَّهِ! أَتَاكُمْ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ يَعْرِضُ كِتَابَ اللَّهِ .. اسْمَعُوا مِنْهُ وَ اقْبَلُوا، قَالُوا: تَضْمَنُ لَنَا كَذَلِكَ؟. قَالَ: نَعَمْ، فَأَقْبَلَ مَعَهُ أَشْرَافُهُمْ وَ وُجُوهُهُمْ حَتَّى دَخَلُوا (1) عَلَى عُثْمَانَ فَعَاتَبُوهُ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى مَا أَحَبُّوا، فَقَالُوا: اكْتُبْ لَنَا عَلَى هَذَا كِتَاباً، وَ لْيَضْمَنْ عَلِيٌّ عَنْكَ مَا فِي الْكِتَابِ. قَالَ: اكْتُبُوا أَنَّى شِئْتُمْ، فَكَتَبُوا بَيْنَهُمْ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا كَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ عُثْمَانُ (2) أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لِمَنْ نَقَمَ عَلَيْهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُسْلِمِينَ، أَنَّ لَكُمْ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ أَنَّ الْمَحْرُومَ يُعْطَى، وَ أَنَّ الْخَائِفَ يُؤْمَنُ، وَ أَنَّ الْمَنْفِيَّ يُرَدُّ، وَ أَنَّ الْمَبْعُوثَ لَا يُجْمَرُ، وَ أَنَّ الْفَيْءَ لَا يَكُونُ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ، وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) ضَامِنٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى عُثْمَانَ الْوَفَاءَ لَهُمْ عَلَى مَا فِي (3) الْكِتَابِ، وَ (4) شَهِدَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَ أَبُو أَيُّوبَ بْنُ زَيْدٍ، وَ كَتَبَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَ عِشْرِينَ، فَأَخَذُوا الْكِتَابَ ثُمَّ انْصَرَفُوا، فَلَمَّا نَزَلُوا أَيْلَةَ إِذَا هُمْ بِرَاكِبٍ فَأَخَذُوهُ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟. قَالَ: أَنَا رَسُولُ عُثْمَانَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ لَوْ فَتَّشْنَاهُ لِئَلَّا يَكُونَ (5) قَدْ كَتَبَ فِينَا، فَفَتَّشُوهُ فَلَمْ يَجِدُوا مَعَهُ شَيْئاً، فَقَالَ كِنَانَةُ بْنُ بِشْرٍ النَّجِيبِيُ (6): انْظُرُوا إِلَى أَدَوَاتِهِ فَإِنَّ لِلنَّاسِ حِيَلًا، فَإِذَا قَارُورَةٌ مَخْتُومَةٌ بِمُومٍ، فَإِذَا فِيهَا كِتَابٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ:
إِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَاقْطَعْ (7) أَيْدِي الثَّلَاثَةِ مَعَ أَرْجُلِهِمْ، فَلَمَّا قَرَءُوا الْكِتَابَ رَجَعُوا حَتَّى أَتَوْا عَلِيّاً (عليه السلام)، فَأَتَاهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اسْتَعْتَبَكَ الْقَوْمُ فَأَعْتَبْتَهُمْ (8)
____________
(1) في الأمالي: دخل.
(2) في الأمالي زيادة: بن عفّان.
(3) في المصدر زيادة: هذا.
(4) لا توجد الواو في (س) و المصدر.
(5) كتبت في المصدر هكذا: لأن لا يكون.
(6) في المصدر: البجي.
(7) في (س): فقطع.
(8) في المصدر: استغشك القوم فأعتبهم.
487
ثُمَّ كَتَبْتَ هَذَا كِتَابَكَ نَعْرِفُهُ (1)؟!، الْخَطَّ الْخَطَّ، وَ الْخَاتَمَ الْخَاتَمَ، فَخَرَجَ عَلِيٌّ (عليه السلام) مُغْضَباً وَ أَقْبَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ سَعْدٌ مِنَ الْمَدِينَةِ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ! أَيْنَ تُرِيدُ؟. قَالَ: إِنِّي (2) فَرَرْتُ بِدِينِي مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَ أَنَا الْيَوْمَ أَهْرُبُ بِدِينِي مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ. وَ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ لِعَلِيٍّ (عليهما السلام)- حِينَ أَحَاطَ النَّاسُ بِعُثْمَانَ-: اخْرُجْ مِنَ الْمَدِينَةِ وَ اعْتَزِلْ، فَإِنَّ النَّاسَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْكَ، وَ إِنَّهُمْ لَا يَأْتُونَكَ (3) وَ لَوْ كُنْتَ بِصَنْعَاءَ (4)، وَ أَخَافُ أَنْ يُقْتَلَ هَذَا الرَّجُلُ وَ أَنْتَ حَاضِرُهُ. فَقَالَ: يَا بُنَيَّ! أَخْرُجُ عَنْ دَارِ هِجْرَتِي، وَ مَا أَظُنُّ أَحَداً يَجْتَرِئُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ كُلِّهِ، وَ قَامَ كِنَانَةُ بْنُ بِشْرٍ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! أَقِمْ لَنَا كِتَابَ اللَّهِ، فَإِنَّا لَا نَرْضَى بِالْقَوْلِ دُونَ الْفِعْلِ، قَدْ كَتَبْتَ وَ أَشْهَدْتَ لَنَا شُهُوداً وَ أَعْطَيْتَنَا عَهْدَ اللَّهِ وَ مِيثَاقَهُ، فَقَالَ: مَا كَتَبْتُ بَيْنَكُمْ كِتَاباً، فَقَامَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ بْنُ الْأَخْنَسِ وَ ضَرَبَ بِكِتَابِهِ وَجْهَهُ وَ خَرَجَ إِلَيْهِمْ عُثْمَانُ لِيُكَلِّمَهُمْ:، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَرَفَعَتْ عَائِشَةُ قَمِيصَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ نَادَتْ: أَيُّهَا النَّاسُ! هَذَا قَمِيصُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَمْ يَبْلَ وَ قَدْ غُيِّرَتْ سُنَّتُهُ، فَنَهَضَ النَّاسُ وَ كَثُرَ (5) اللَّغَطُ (6) وَ حَصَبُوا (7) عُثْمَانَ حَتَّى نَزَلَ مِنَ الْمِنْبَرِ وَ دَخَلَ (8) بَيْتَهُ، فَكَتَبَ نُسْخَةً وَاحِدَةً إِلَى مُعَاوِيَةَ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَهْلَ السَّفَهِ وَ الْبَغْيِ وَ الْعُدْوَانِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَ مِصْرَ وَ الْمَدِينَةِ أَحَاطُوا بِدَارِي وَ لَنْ يُرْضِيَهُمْ مِنِّي دُونَ خَلْعِي أَوْ قَتْلِي، وَ أَنَا مُلَاقِي اللَّهِ قَبْلَ أَنْ أُتَابِعَهُمْ عَلَى
____________
(1) في الأمالي: تعرفه.
(2) في المصدر زيادة: قد.
(3) في الأمالي: و إن هم يأتونك، و هو الظّاهر.
(4) في الأمالي زيادة: اليمن.
(5) في مطبوع البحار: و كسر، و هو غلط.
(6) قال في النّهاية 4- 257: اللّغط: صوت و ضجّة لا يفهم معناها.
(7) قال في النّهاية 1- 394: و في حديث مقتل عثمان: أنّهم تخاصموا في المسجد حتّى أبصر أديم السّماء .. أي تراموا بالحصباء .. و حصبهما .. أي رجمهما بالحصباء ليسكتهما.
(8) في المصدر: فدخل.
488
شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَأَعِينُونِي.
فَلَمَّا بَلَغَ كِتَابُهُ ابْنَ عَامِرٍ، قَامَ وَ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ ذَكَرَ أَنَّ شِرْذِمَةً مِنْ أَهْلِ مِصْرَ وَ الْعِرَاقِ نَزَلُوا بِسَاحَتِهِ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْحَقِّ فَلَمْ يُجِيبُوا، فَكَتَبَ إِلَيَ (1) أَنْ أَبْعَثَ إِلَيْهِ مِنْكُمْ ذَوِي الرَّأْيِ وَ الدِّينِ وَ الصَّلَاحِ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَدْفَعَ عَنْهُ ظُلْمَ الظَّالِمِ وَ عُدْوَانَ الْمُعْتَدِي (2).
فَلَمْ يُجِيبُوهُ إِلَى الْخُرُوجِ.
ثُمَّ إِنَّهُ (3) قِيلَ لِعَلِيٍّ (عليه السلام) إِنَّ عُثْمَانَ قَدْ مُنِعَ الْمَاءَ فَأْمُرْ بِالرَّوَايَا (4) فَعُكِمَتْ (5)، وَ جَاءَ النَّاسَ (6) عَلِيٌّ (عليه السلام) فَصَاحَ بِهِمْ صَيْحَةً انْفَرَجُوا ..
فَدَخَلَتِ الرَّوَايَا، فَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ (عليه السلام) اجْتِمَاعَ النَّاسِ (7) دَخَلَ عَلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ- وَ هُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى وَسَائِدَ-، فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ مَقْتُولٌ فَامْنَعُوهُ. فَقَالَ: أَمَ وَ اللَّهِ دُونَ أَنْ تُعْطِيَ بَنُو أُمَيَّةَ الْحَقَّ مِنْ أَنْفُسِهَا.
9- نَهْجٌ (8): مِنْ كَلَامٍ لَهُ (عليه السلام) لَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَ شَكَوْا مَا نَقَمُوهُ عَلَى عُثْمَانَ، وَ سَأَلُوهُ مُخَاطَبَتَهُ عَنْهُمْ وَ اسْتِعْتَابَهُ لَهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ وَرَائِي وَ قَدِ اسْتَسْفَرُونِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُمْ، وَ وَ اللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ؟، مَا أَعْرِفُ شَيْئاً تَجْهَلُهُ وَ لَا أَدُلُّكَ عَلَى أَمْرٍ لَا تَعْرِفُهُ (9)، إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نَعْلَمُ مَا
____________
(1) لا توجد: إليّ، في المصدر.
(2) في الأمالي: الظّالمين ... المعتدين.
(3) هنا سقط جاء في المصدر و هو: نزل، فقدموا من كلّ فجّ حتّى حضروا المدينة و ..
(4) الرّوايا من الإبل: الحوامل للماء، واحدتها: راوية، قاله في النّهاية 2- 279، و في الأمالي: الرّوايا بدون باء.
(5) قال في القاموس 4- 153: عكم المتاع يعكمه: شدّه بثوب.
(6) في المصدر: للنّاس.
(7) في الأمالي زيادة: و وجوههم.
(8) نهج البلاغة- محمّد عبده- 2- 68، صبحي صالح: 234 خطبة 164، باختلاف يسير بينهما، و كذا مع الأصل.
(9) في (س): نعرفه.
489
سَبَقْنَاكَ إِلَى شَيْءٍ فَنُخْبِرَكَ عَنْهُ وَ لَا خَلَوْنَا بِشَيْءٍ فَنُبَلِّغَكَهُ، وَ قَدْ رَأَيْتَ كَمَا رَأَيْنَا، وَ سَمِعْتَ كَمَا سَمِعْنَا، وَ صَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) كَمَا صَحِبْنَا، وَ مَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ وَ لَا ابْنُ الْخَطَّابِ بِأَوْلَى بِعَمَلِ الْحَقِّ مِنْكَ، وَ أَنْتَ أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَشِيجَةَ رَحِمٍ مِنْهُمَا، وَ قَدْ نِلْتَ مِنْ صِهْرِهِ مَا لَمْ يَنَالا، فَاللَّهَ ..
اللَّهَ فِي نَفْسِكَ فَإِنَّكَ وَ اللَّهِ مَا تُبَصَّرُ مِنْ عَمًي وَ لَا تُعَلَّمُ مِنْ جَهْلٍ، وَ إِنَّ الطُّرُقَ لَوَاضِحَةٌ وَ إِنَّ أَعْلَامَ الدِّينِ لَقَائِمَةٌ، فَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللَّهِ عِنْدَ اللَّهِ إِمَامٌ عَادِلٌ هُدِيَ وَ هَدَى فَأَقَامَ سُنَّةً مَعْلُومَةً وَ أَمَاتَ بِدْعَةً مَجْهُولَةً، وَ إِنَّ السُّنَنَ لَنَيِّرَةٌ لَهَا أَعْلَامٌ، وَ إِنَّ الْبِدَعَ لَظَاهِرَةٌ (1) لَهَا أَعْلَامٌ، وَ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ إِمَامٌ جَائِرٌ ضَلَّ وَ ضُلَّ بِهِ، فَأَمَاتَ سُنَّةً مَأْخُوذَةً وَ أَحْيَا بِدْعَةً مَتْرُوكَةً، وَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْإِمَامِ الْجَائِرِ وَ لَيْسَ مَعَهُ نَصِيرٌ وَ لَا عَاذِرٌ فَيُلْقَى فِي جَهَنَّمَ فَيَدُورُ فِيهَا كَمَا تَدُورُ الرَّحَى، ثُمَّ يَرْتَبِطُ فِي قَعْرِهَا، وَ إِنِّي أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنْ تَكُونَ (2) إِمَامَ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَقْتُولَ (3)، فَإِنَّهُ كَانَ يُقَالُ يُقْتَلُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ إِمَامٌ يَفْتَحُ عَلَيْهَا الْقَتْلَ وَ الْقِتَالَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَ تَلْبِسُ (4) أُمُورَهَا عَلَيْهَا وَ يَبُثُّ الْفِتَنَ فِيهَا فَلَا يُبْصِرُونَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ يَمُوجُونَ فِيهَا مَوْجاً وَ يَمْرُجُونَ فِيهَا مَرْجاً، فَلَا تَكُونَنَ (5) لِمَرْوَانَ سَيِّقَةً يَسُوقُكَ حَيْثُ شَاءَ بَعْدَ جَلَالِ السِّنِّ وَ تَقَضِّي الْعُمُرِ. فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ:
كَلِّمِ النَّاسَ فِي أَنْ يُؤَجِّلُونِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْهِمْ مِنْ مَظَالِمِهِمْ. فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): مَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَلَا أَجَلَ فِيهِ، وَ مَا غَابَ فَأَجَلُهُ وُصُولُ أَمْرِكَ إِلَيْهِ (6)..
____________
(1) في (ك): الظّاهرة.
(2) في نهج- محمّد عبده-: أن لا تكون.
(3) في البحار- الحجريّ-: المقتولة.
(4) في المصدر: يلبس.
(5) في (س): فلا تكون.
(6) و انظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9- 261، و شرح ابن ميثم البحرانيّ 3- 302، و منهاج البراعة 2- 127- 132.
490
توضيح: الاستعتاب: طلب العتبى (1) و هو الرّجوع (2) و الرّضا (3).
قوله (عليه السلام): ما أعرف شيئا تجهله .. الغرض بيان وضوح قبائح أعماله بحيث يعرفه الصبيان لا بيان وفور علمه (4).
قوله (عليه السلام): و أنت أقرب .. الواو للحال، و يحتمل العطف، و الوشيجة تميّزه، و هي عرق الشّجرة .. و الواشجة: الرّحم المشتبكة، و قد وشجت بك قرابة فلان و الاسم: الوشيج، ذكره الجوهري (5).
قوله (عليه السلام): فإنّه كان يقال .. أي كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يقول وأبهم (عليه السلام) لمصلحة، و المراد بالإمام إمام يدعو إلى النار.
و قال الجوهري (6): مرجت ..: فسدت، و مرج ..: اختلط و اضطرب، .. و منه الهرج و المرج.
و السّيّقة- بتشديد الياء المكسورة-: ما استاقه العدوّ من الدّواب (7).
و في القاموس (8): جلّ يجلّ جلالة و جلالا: أسنّ.
____________
(1) قاله في مجمع البحرين 2- 114، و القاموس 1- 100، و لسان العرب 1- 579، و قارن بالصحاح 1- 176.
(2) ذكره في النهاية 3- 175، و لسان العرب 1- 577، و مجمع البحرين 2- 114.
(3) صرّح بالأخير صاحب القاموس 1- 100، و لسان العرب 1- 578.
(4) قال القطب الراونديّ في شرحه- منهاج البراعة- 2- 132 في شرح هذه العبارة: ليس هذا إقرارا بأنّه يعلم من العلوم الدينيّة و الأحكام الشرعيّة مثل ما يعلمه أمير المؤمنين (عليه السلام)، بل هو (عليه السلام) كان يراقب جانبه و يداريه و يقول قولا لينا لعلّه يتذكّر، و العرب تتكلّم بالمطلق من الكلام و مرادهم شيء مخصوص من جملة ما يقع عليه.
أقول: و لعلّ مراده (صلوات اللّه عليه و آله) أنّ الحجّة عليك تامّة، و لا أعرف شيئا تجهله ممّا يدينك و يحكمك، فتأمّل.
(5) الصحاح 1- 347، و مثله في لسان العرب 2- 398. و انظر: مجمع البحرين 2- 334.
(6) الصحاح 1- 341، و مثله في النهاية 4- 314، و في لسان العرب 2- 365.
(7) قاله في لسان العرب 1- 167، و الصحاح 4- 1499.
(8) القاموس 3- 349، و مثله في لسان العرب 11- 117.
491
10- الْكَافِيَةُ فِي إِبْطَالِ تَوْبَةِ الْخَاطِئَةِ (1): عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ عُثْمَانَ وَ هُوَ مَحْصُورٌ، فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُ مَقْتُولٌ بَعَثَنِي وَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَزْهَرَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)- وَ قَدِ اسْتَوْلَى طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَلَى الْأَمْرِ-، فَقَالَ: انْطَلِقَا فَقُولَا لَهُ: أَمَا إِنَّكَ أَوْلَى بِالْأَمْرِ مِنِ ابْنِ الْحَصْرَمِيَّةِ (2) فَلَا يَغْلِبُنَّكَ عَلَى أُمَّةِ ابْنِ عَمِّكَ..
وَ عَنِ (3) الْفُضَيْلِ بْنِ وكين [دُكَيْنٍ، عَنْ فِطْرٍ، عَنِ عِمْرَانَ الْخُزَاعِيِّ، عَنْ مَيْسَرَةَ بْنِ جَدِيرٍ (4)، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ الزُّبَيْرِ عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ وَ هُوَ آخِذٌ بِيَدِي، فَأَتَاهُ رَجُلٌ يَشْتَدُّ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! إِنَّ أَهْلَ الدَّارِ قَدْ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْمَاءِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: دَبَّرُوا بِهَا دَبَّرُوا: (وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ) (5).
وَ عَنْ (6) إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: قِيلَ لِطَلْحَةَ:
هَذَا عُثْمَانُ قَدْ مُنِعَ الطَّعَامَ وَ الشَّرَابَ، فَقَالَ: إِمَّا تُعْطِينِي بَنُو أُمَيَّةَ الْحَقَّ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَ إِلَّا فَلَا.
وَ عَنْ (7) مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ زَيْدِ (8) بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: رَأَيْتُ طَلْحَةَ يُرَامِي فِي (9) أَهْلِ الدَّارِ وَ هُوَ فِي خِرْقَةٍ (10)
____________
(1) الكافية للشّيخ المفيد: 7- 8 الرّسالة الثّانية من المجلّد السّادس من طبعة المؤتمر العالميّ.
(2) في المصدر: ابن الحضرميّة، و هو الظّاهر.
(3) الكافية: 11 حديث 6، و فيه: عن الفضل بن دكين عن فطر بن خليفة.
(4) في المصدر: جرير، و كذا جاء في الجمل للشّيخ المفيد (رحمه اللّه): 232.
(5) سبأ: 54.
(6) الكافية في توبة الخاطئة للشّيخ المفيد: 8 حديث 2.
(7) الكافية: 8- 9 حديث 3.
(8) في المصدر: يزيد، بدلا من: زيد، و هو الظّاهر.
(9) خطّ على: في، في (ك).
(10) جاء في حاشية (ك) هنا: و خزّة سوداء. أقول: و الظّاهر أنّها نسخة بدل من: خرقة.
492
وَ عَلَيْهِ الدِّرْعُ وَ قَدْ كَفَرَ عَلَيْهَا بِقَبَاءٍ (1) فَهُمْ يُرَامُونَهُ فَيُخْرِجُونَهُ مِنَ الدَّارِ ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُرَامِيهِمْ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ دَارِ ابْنِ حَزْمٍ فَقُتِلَ.
وَ عَنْ (2) مُوسَى بْنِ مُصَيْطِرٍ (3)، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: دَخَلْتُ الْمَدِينَةَ فَبَدَأْنَا بِطَلْحَةَ، فَخَرَجَ مُشْتَمِلًا بِقَطِيفَةٍ لَهُ حَمْرَاءَ، فَذَكَرْنَا لَهُ أَمْرَ عُثْمَانَ فَصِيحَ الْقَوْمُ، فَقَالَ: قَدْ كَادَ سُفَهَاؤُكُمْ أَنْ يَغْلِبُوا حُلَمَاءَكُمْ عَلَى الْمَنْطِقِ، قَالَ (4): أَ جِئْتُمْ مَعَكُمْ بِحَطَبٍ وَ إِلَّا فَخُذُوا هَاتَيْنِ الْحُزْمَتَيْنِ فَاذْهَبُوا بِهِمَا إِلَى بَابِهِ، فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ وَ أَتَيْنَا الزُّبَيْرَ، فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ، فَخَرَجْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلِيّاً (عليه السلام) عِنْدَ أَحْجَارِ (5) الزَّيْتِ فَذَكَرْنَا أَمْرَهُ، فَقَالَ: اسْتَتِيبُوا الرَّجُلَ وَ لَا تَعْجَلُوا، فَإِنْ رَجَعَ مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ وَ تَابَ فَاقْبَلُوا مِنْهُ (6)..
وَ عَنْ (7) إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبِي أروى [رَوَى (8) أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ اسْتَوْلَى عَلَى أَمْرِ عُثْمَانَ وَ صَارَتِ الْمَفَاتِيحُ بِيَدِهِ، وَ أَخَذَ لِقَاحاً (9) كَانَتْ لِعُثْمَانَ، وَ أَخَذَ مَا كَانَ فِي دَارِهِ، فَمَكَثَ بِذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
____________
(1) في المصدر: نقبا.
(2) الكافية للشّيخ المفيد: 9- 10 حديث 4.
(3) قد كتب فوق كلمة: مصيطر في (س): كذا، و في المصدر: مطير، و هو الظّاهر.
(4) في المصدر: ثمّ قال.
(5) في (س): أحجاز.
(6) في المصدر: و إلّا فانظروا، بدلا من: فاقبلوا منه.
أقول: قال البلاذريّ في الأنساب 5- 30: إنّ أوّل من دعا إلى خلع عثمان و البيعة لعليّ عمرو بن زرارة بن قيس النّخعيّ و كميل بن زياد بن نهيك النّخعيّ، فقام عمرو بن زرارة، فقال: أيّها النّاس! إنّ عثمان قد ترك الحقّ و هو يعرفه، و قد أغرى بصلحائكم يولّي عليهم شراركم .. إلى آخره، و قد جاء في أسد الغابة 4- 104، و الإصابة 1- 548، و 2- 536، و غيرهما.
(7) الكافية في توبة الخاطئة للشّيخ المفيد: 10 حديث 5.
(8) كذا، و الظّاهر: روى- بدون همزة-، و الصّحيح: ابن أبزى، أي عبد الرّحمن بن أبزى الخزاعيّ، كما جاء في كتب التّراجم. لاحظ هامش المصدر.
(9) قال في النّهاية: 4- 262: اللّقحة- بالكسر و الفتح- النّاقة القريبة العهد بالنّتاج، و الجمع لقح، و ناقة لقوح: إذا كانت غزيرة اللّبن .. و اللّقاح: ذوات الألبان.
493
11- د (1): فِي الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ سَنَةِ خَمْسٍ وَ ثَلَاثِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ الْأُمَوِيُ (2)، كُنْيَتُهُ: أَبُو عَمْرٍو، وَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَ أَبُو لَيْلَى، مَوْلِدُهُ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ بَعْدَ (3) الْفِيلِ بَعْدَ مِيلَادِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِقَلِيلٍ.
مُدَّةُ وَلَايَتِهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً إِلَّا أَيَّاماً، قُتِلَ بِالسَّيْفِ وَ لَهُ يَوْمَئِذٍ اثْنَتَانِ وَ ثَمَانُونَ سَنَةً، وَ قِيلَ: سِتٌّ وَ ثَمَانُونَ سَنَةً، وَ أُخْرِجَ مِنَ الدَّارِ وَ أُلْقِيَ عَلَى بَعْضِ مَزَابِلِ الْمَدِينَةِ لَا يُقْدِمُ أَحَدٌ عَلَى مُوَارَاتِهِ خَوْفاً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ، حَتَّى احْتِيلَ لِدَفْنِهِ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَأُخِذَ سِرّاً فَدُفِنَ فِي حَشِّ كَوْكَبٍ، وَ هِيَ مَقْبَرَةٌ كَانَتْ لِلْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا وَلِيَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَصَلَهَا بِمَقَابِرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ.
وَ فِي هَذَا الْيَوْمِ بِعَيْنِهِ بَايَعَ النَّاسُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بَعْدَ عُثْمَانَ، وَ رَجَعَ الْأَمْرُ إِلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ وَ الْبَاطِنِ، وَ اتَّفَقَتِ الْكَافَّةُ عَلَيْهِ طَوْعاً بِالاخْتِيَارِ (4)، وَ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَلَجَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ مِنَ السَّحَرَةِ (5)، وَ أَخْزَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِرْعَوْنَ وَ جُنُودَهُ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَ الضَّلَالِ، وَ فِيهِ نَجَّى اللَّهُ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) مِنَ النَّارِ وَ جَعَلَهَا بَرْداً وَ سَلَاماً كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَ فِيهِ نَصَبَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَصِيَّهُ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ وَ نَطَقَ بِفَضْلِهِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، وَ فِيهِ أَظْهَرَ عِيسَى وَصِيَّهُ شَمْعُونَ الصَّفَا، وَ فِيهِ أَشْهَدَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ (عليهما السلام) سَائِرَ رَعِيَّتِهِ عَلَى اسْتِخْلَافِ آصَفَ وَصِيِّهِ (عليه السلام)، وَ فِيهِ نَصَبَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) (6) وَ دَلَّ عَلَى فَضْلِهِ بِالْآيَاتِ وَ الْبَيِّنَاتِ، وَ هُوَ يَوْمٌ كَثِيرُ الْبَرَكَاتِ.
____________
(1) العدد القويّة في المخاوف اليوميّة: 200- 201.
(2) في المصدر زيادة: و هو أوّل خلفاء بني أميّة. و إلى هنا قد أورده المصنّف- (رحمه اللّه)- في بحاره 98- 194 أيضا.
(3) في العدد زيادة: عام.
(4) و من قوله: في هذا اليوم .. إلى هنا ذكره العلّامة المجلسيّ أيضا في بحاره 98- 194.
(5) في المصدر: فلح موسى بن عمران على السّحرة .. و هو الظّاهر.
(6) من قوله: و فيه نصب .. إلى هنا لا يوجد في العدد المطبوع.
494
12- ختص (1): قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ (2) وَ هُوَ ابْنُ إِحْدَى وَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَ وَلِيَ الْأَمْرَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً.
أَقُولُ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْإِسْتِيعَابِ (3): عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ، يُكَنَّى: أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَ أَبَا عَمْرٍو (4)، وَ وُلِدَ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ بَعْدَ الْفِيلِ، أُمُّهُ أَرْوَى بِنْتُ كَرِيزِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ، وَ أُمُّهَا الْبَيْضَاءُ أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) (5)،
زَوَّجَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) ابْنَتَيْهِ رُقَيَّةَ ثُمَّ أُمَّ كُلْثُومٍ وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى (6).
، وَ بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ يَوْمَ السَّبْتِ غُرَّةَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَ عِشْرِينَ بَعْدَ دَفْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِاجْتِمَاعِ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَ قُتِلَ بِالْمَدِينَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِثَمَانِ عَشْرَةَ أَوْ سَبْعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَ ثَلَاثِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، ذَكَرَهُ الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ نَافِعٍ.
وَ قَالَ الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ: قُتِلَ فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: قُتِلَ عُثْمَانُ عَلَى رَأْسِ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً وَ أَحَدَ عَشَرَ شَهْراً وَ اثْنَيْنِ وَ عِشْرِينَ يَوْماً مِنْ مَقْتَلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَ عَلَى رَأْسِ خَمْسٍ وَ عِشْرِينَ (7) مِنْ مُتَوَفَّى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله).
____________
(1) الاختصاص: 130.
(2) لا يوجد في (س) و المصدر: بن عفّان.
(3) الاستيعاب المطبوع هامش الإصابة 3- 69- 81، و هي مقاطع من كلامه هناك.
(4) هنا سقط يراجع الاستيعاب.
(5) هنا سقط كثير يراجع المصدر 3- 70- 71.
(6) في المصدر: بعد واحدة. ثمّ بعده سقط جاء في صفحة: 71.
(7) في المصدر: بعد واحدة. ثمّ بعده سقط جاء في صفحة: 71.
495
وَ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: قُتِلَ (1) يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِثَمَانِ لَيَالٍ خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَ ثَلَاثِينَ.
و قد قيل: إنّه قتل يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ذي الحجّة، و قد روي ذلك عن الواقدي أيضا.
وَ (2) قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَ حَاصَرُوهُ تِسْعَةً وَ أَرْبَعِينَ يَوْماً، وَ قَالَ الزُّبَيْرُ: حَاصَرُوهُ شَهْرَيْنِ وَ عِشْرِينَ يَوْماً، وَ كَانَ أَوَّلُ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ الدَّارَ (3) مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، فَقَالَ لَهُ (4): دَعْهَا يَا ابْنَ أَخِي فَوَ اللَّهِ (5) لَقَدْ كَانَ أَبُوكَ يُكْرِمُهَا، فَاسْتَحَى وَ خَرَجَ، ثُمَّ دَخَلَ رُومَانُ بْنُ أَبِي (6) سِرْحَانَ- رَجُلٌ أَزْرَقُ قَصِيرٌ مَحْدُودٌ عِدَادُهُ فِي مُرَادٍ، وَ هُوَ مِنْ ذِي أَصْبَحَ- مَعَهُ خَنْجَرٌ فَاسْتَقْبَلَهُ بِهِ وَ قَالَ: عَلَى أَيِّ دِينٍ أَنْتَ يَا نَعْثَلُ؟. فَقَالَ عُثْمَانُ: لَسْتُ بِنَعْثَلَ، وَ لَكِنِّي عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَ أَنَا عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَالَ: كَذَبْتَ، وَ ضَرَبَهُ عَلَى صُدْغِهِ الْأَيْسَرِ فَقَتَلَهُ، فَخَرَّ، وَ أَدْخَلَتْهُ امْرَأَتُهُ نَائِلَةُ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ ثِيَابِهَا، وَ كَانَتِ امْرَأَةً جَسِيمَةً، وَ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ مَعَهُ السَّيْفُ مُصْلَتاً، فَقَالَ: وَ اللَّهِ لَأَقْطَعَنَّ أَنْفَهُ، فَعَالَجَ الْمَرْأَةَ فَكَشَفَ عَنْ ذِرَاعَيْهَا وَ قَبَضَتْ عَلَى السَّيْفِ فَقَطَعَ إِبْهَامَهَا، فَقَالَتْ لِغُلَامِ عُثْمَانَ (7) يُقَالُ لَهُ: رَبَاحٌ وَ مَعَهُ سَيْفُ عُثْمَانَ: أَعِنِّي عَلَى هَذَا وَ أَخْرِجْهُ عَنِّي، فَضَرَبَهُ الْغُلَامُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ، وَ أَقَامَ (8) عُثْمَانُ يَوْمَهُ ذَلِكَ مَطْرُوحاً إِلَى اللَّيْلِ فَحَمَلَهُ رِجَالٌ عَلَى بَابٍ
____________
(1) في المصدر زيادة: عثمان.
(2) خطّ على الواو في (ك).
(3) في الاستيعاب 2- 477- 478: الدّار عليه- بتقديم و تأخير-.
(4) لا توجد: له، في المصدر.
(5) في الاستيعاب: و اللّه.
(6) لا توجد في المصدر: أبي.
(7) في المصدر: لعثمان.
(8) في الاستيعاب: و بقي، بدلا من: و أقام.
496
لِيَدْفِنُوهُ فَعَرَضَ لَهُمْ نَاسٌ لِيَمْنَعُوهُمْ (1) مِنْ دَفْنِهِ، فَوَجَدُوا قَبْراً قَدْ كَانَ حُفِرَ لِغَيْرِهِ فَدَفَنُوهُ فِيهِ، وَ صَلَّى عَلَيْهِ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ.
وَ اخْتُلِفَ فِيمَنْ بَاشَرَ قَتْلَهُ بِنَفْسِهِ، فَقِيلَ: مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ضَرَبَهُ بِمِشْقَصٍ، وَ قِيلَ: بَلْ حَبَسَهُ مُحَمَّدٌ وَ أَشْعَرَهُ (2) غَيْرُهُ، وَ كَانَ الَّذِي قَتْلَهُ سُودَانُ بْنُ حُمْرَانَ، وَ قِيلَ: بَلْ وَلِيَ قَتْلَهُ رُومَانُ الْيَمَانِيُّ، وَ قِيلَ: بَلْ رُومَانُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ (3)، وَ قِيلَ: (4) إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ فَهَزَّهَا، وَ قَالَ: مَا أَغْنَى عَنْكَ مُعَاوِيَةُ، وَ مَا أَغْنَى عَنْكَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ، مَا (5) أَغْنَى عَنْكَ ابْنُ عَامِرٍ. فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ أَخِي! أَرْسِلْ لِحْيَتِي وَ اللَّهِ (6) إِنَّكَ لَتَجْبِذُ (7) لِحْيَةً كَانَتْ تَعِزُّ عَلَى أَبِيكَ، وَ مَا كَانَ أَبُوكَ يَرْضَى مَجْلِسَكَ هَذَا مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّهُ حِينَئِذٍ تَرَكَهُ وَ خَرَجَ عَنْهُ، وَ يُقَالُ:
إِنَّهُ حِينَئِذٍ أَشَارَ إِلَى مَنْ (8) مَعَهُ فَطَعَنَهُ أَحَدُهُمْ وَ قَتَلُوهُ، فَاللَّهُ (9) أَعْلَمُ. وَ أَكْثَرُهُمْ يَرْوِي أَنَّ قَطْرَةً أَوْ قَطَرَاتٍ مِنْ دَمِهِ سَقَطَتْ عَلَى الْمُصْحَفِ عَلَى قَوْلِهِ (10):
(فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (11).
وَ رُوِيَ أَنَّهُ قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ يُقَالُ لَهُ: جَبَلَةُ بْنُ الْأَيْهَمِ، ثُمَّ طَافَ
____________
(1) قد تقرأ في (ك): ليمنعونهم.
(2) في المصدر: محمّد بن أبي بكر و أسعده.
(3) في الاستيعاب: حزيمة.
(4) جاءت زيادة: بل، في المصدر.
(5) في المصدر: و ما، و قد كتب على الواو رمز الاستظهار في (ك) و لا توجد في (س).
(6) في المصدر: فو اللّه.
(7) قال في النّهاية 1- 235: الجبذ لغة في الجذب، و قيل: هو مقلوب.
(8) زيادة: كان، في الاستيعاب.
(9) في المصدر: و اللّه.
(10) الزّيادة في المصدر: جلّ و علا.
(11) البقرة: 137. و ما بعدها نقل بالمعنى عن المصدر.
497
بِالْمَدِينَةِ ثَلَاثاً يَقُولُ: أَنَا قَاتِلُ نَعْثَلٍ (1)، ثُمَّ رَوَى خَبَرَ دَفْنِهِ كَمَا مَرَّ (2).
وَ قَالَ (3): وَ اخْتُلِفَ فِي سِنِّهِ حِينَ قُتِلَ (4)، فَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: قُتِلَ وَ هُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَ قَالَ غَيْرُهُ: ابْنُ ثَمَانٍ وَ ثَمَانِينَ (5)، وَ قِيلَ: ابْنُ تِسْعِينَ (6)، وَ قَالَ قَتَادَةُ (7): ابْنُ سِتٍّ وَ ثَمَانِينَ (8). وَ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: لَا خِلَافَ عِنْدَنَا أَنَّهُ قُتِلَ وَ هُوَ ابْنُ اثْنَتَيْنِ (9) وَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَ قِيلَ: ابْنُ تِسْعِينَ سَنَةً (10). وَ دُفِنَ لَيْلًا بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ:
____________
(1) و أخرج الحاكم في المستدرك 3- 106 بإسناده عن كنانة العدويّ، قال: كنت فيمن حاصر عثمان، قال: قلت: محمّد بن أبي بكر قتله؟. قال: لا، قتله جبلة بن الأيهم- رجل من أهل مصر- قال: و قيل: قتله كبيرة السّكونيّ، فقتل في الوقت. و قيل: قتله كنانة بن بشر التجيبي، ثمّ قال: و لعلّهم اشتركوا في قتله. و ذكر الاختلاف في قتل عثمان المحبّ الطّبريّ في رياضه 2- 130، و ابن عساكر في تاريخه 7- 175 و غيرهما.
(2) أقول: روى ابن عبد البرّ في الاستيعاب- المطبوع هامش الإصابة- 3- 341- 342 و في 3- 353 ما حاصله- أنّه كان أشدّ الناس على التأليب على عثمان المحمّدون: محمّد بن أبي بكر، و محمّد بن أبي حذيفة، و محمّد بن عمرو بن حزم.
ثمّ إنّ الحجّاج لمّا قدم المدينة أقام بها شهرا أو شهرين فأساء إلى أهلها و استخفّ بهم، و قال:
إنّهم قتلة أمير المؤمنين عثمان!، و ختم يد جابر بن عبد اللّه (الأنصاري) برصاص و أيدي قوم آخرين كما يفعل بالذمّة، منهم: أنس بن مالك ختم عنقه، و أرسل إلى سهل بن سعد فدعاه، فقال: ما منعك أن تنصر أمير المؤمنين عثمان بن عفّان؟. قال: قد فعلت. قال: كذبت، ثمّ أمر به فختم في عنقه برصاص!. كما أورده البلاذري في الأنساب 5- 373، و الطبريّ في تاريخه 7- 206، و ابن الأثير في الكامل 4- 149، و غيرهم.
و صرّح في الاستيعاب- المطبوع هامش الإصابة- 3- 199 في ترجمة فروة بن عمرو أنّه كان ممّن أعان على قتل عثمان، و به قال في أسد الغابة 4- 179، و الإصابة 3- 204، و شرح الموطإ للزرقاني 1- 152.
(3) الاستيعاب- المطبوع هامش الإصابة- 3- 80 [2- 477- 478].
(4) في المصدر: قتلوه.
(5) في الاستيعاب زيادة: و قتل و هو ابن ... سنة.
(6) زيادة: سنة، جاءت في المصدر.
(7) في الاستيعاب زيادة: قتل عثمان و هو ..
(8) زيادة: سنة، جاءت في المصدر.
(9) في المصدر: اثنين.
(10) لا يوجد في المصدر: و قيل ابن تسعين سنة، و فيه: و هو قول ابن اليقظان.
498
حَشُّ كَوْكَبٍ، وَ كَوْكَبٌ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَ الْحَشُّ الْبُسْتَانُ (1).
وَ قِيلَ (2): صَلَّى عَلَيْهِ عَمْرٌو ابْنُهُ، وَ قِيلَ: بَلْ صَلَّى عَلَيْهِ حَكِيمُ بْنُ خرام [حِزَامٍ (3)، وَ قِيلَ: الْمِسْوَرُ بْنُ محزمة [مَخْرَمَةَ (4). وَ قِيلَ: كَانُوا خَمْسَةً أَوْ سِتَّةً .. فَلَمَّا دَفَنُوهُ غَيَّبُوا قَبْرَهُ.
وَ قَالَ (5) ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتْ وَلَايَتُهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً إِلَّا اثْنَيْ عَشَرَ يَوْماً (6).
وَ قَالَ غَيْرُهُ: كَانَتْ خِلَافَتُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً وَ أَحَدَ عَشَرَ شَهْراً وَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْماً، وَ قِيلَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْماً.
أقول: روى مؤلف كتاب إلزام النواصب (7)، عن هشام بن محمد السائب، أنّه قال: و ممّن كان (8) يلعب به و يفتحل (9) عفّان أبو عثمان، قال: و كان يضرب بالدفّ.
____________
(1) قال في النّهاية 1- 390: و فيه: أنّ هذه الحشوش محتضرة .. يعني الكنف و مواضع قضاء الحاجة، الواحد حشّ- بالفتح- و أصله من الحشّ: البستان، لأنّهم كانوا كثيرا ما يتغوّطون في البساتين، و منه حديث عثمان (أنّه دفن في حشّ كوكب) و هو بستان بظاهر المدينة خارج البقيع.
(2) هنا كلام غير متّصل، و ما يأتي مضمون الكلام.
(3) في المصدر: حزام.
(4) في الاستيعاب: مخرمة.
(5) في المصدر: قال- بلا واو-.
(6) زاد في المصدر: و قيل: ثمانية عشر يوما.
(7) إلزام النواصب- من النسخة الخطية المصورة عندنا المرقمة بصفحة: 98.
(8) لا توجد: كان، في المصدر.
(9) قال في الصحاح 5- 1789: و أفحلته: إذا أعطيته فحلا يضرب في إبله، و فحلت إبلي: إذا أرسلت فيها فحلا، و تفحّل .. أي تشبّه بالفحل. هذا و لعلّ الافتحال بمعنى طلب الفحل. و في الاستيعاب: يقتحر، و لم نجد له معنى مناسبا في ما بأيدينا من مصادر لغويّة.
499
[30] باب تبري أمير المؤمنين (عليه السلام) عن دم عثمان و عدم إنكاره أيضا
1- نَهْجٌ (1): مِنْ كَلَامٍ لَهُ (عليه السلام) فِي قَتْلِ عُثْمَانَ: لَوْ أَمَرْتُ بِهِ لَكُنْتُ قَاتِلًا، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ لَكُنْتُ نَاصِراً، غَيْرَ أَنَّ مَنْ نَصَرَهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ خَذَلَهُ مَنْ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، وَ مَنْ خَذَلَهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ نَصَرَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، وَ أَنَا جَامِعٌ لَكُمْ أَمْرَهُ، اسْتَأْثَرَ فَأَسَاءَ الْأَثَرَةَ، وَ جَزِعْتُمْ فَأَسَأْتُمُ الْجَزَعَ، وَ لِلَّهِ حُكْمٌ وَاقِعٌ فِي الْمُسْتَأْثِرِ وَ الْجَازِعِ (2).
بيان: قال ابن أبي الحديد (3): معناه أنّ خاذليه كانوا خيرا من ناصريه، لأنّ الذين نصروه كانوا (4) فسّاقا كمروان بن الحكم و أضرابه، و خذله المهاجرون و الأنصار.
و المستأثر بالشّيء: المستبدّ به (5) .. أي أساء عثمان في استقلاله برأيه في
____________
(1) نهج البلاغة- محمّد عبده- 1- 75، صبحي صالح: 73 خطبة: 30.
(2) و لقد أجاد ابن ميثم (رحمه اللّه) في شرحه للخطبة في 2- 54- 59 و بيان مراده (عليه السلام)، فراجع.
(3) في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2- 128.
(4) في المصدر: كان أكثرهم.
(5) قاله في مجمع البحرين 3- 199، و القاموس 1- 362، و غيرهما.
500
الخلافة و إحداث ما أحدث.
قوله (عليه السلام): للّه حكم واقع .. أي ثابت محقّق (1) في علمه تعالى، فالحكم يحتمل الدنيوي و الأخروي أو سيقع و يتحقّق خارجا في الآخرة أو في الدنيا، لأنّ مجموعه لم يتحقّق بعد و إن تحقّق بعضه.
2- نَهْجٌ (2): مِنْ كَلَامٍ لَهُ (عليه السلام) لَمَّا بَلَغَهُ اتَّهَامُ بَنِي أُمَيَّةَ لَهُ بِالْمُشَارَكَةِ فِي دَمِ عُثْمَانَ:
أَ وَ لَمْ يَنْهَ بَنِي (3) أُمَيَّةَ عِلْمُهَا بِي عَنْ قَرْفِي؟، أَ مَا وَزَعَ الْجُهَّالَ سَابِقَتِي عَنْ تُهَمَتِي؟
وَ لَمَا وَعَظَهُمُ اللَّهُ بِهِ أَبْلَغُ مِنْ لِسَانِي (4)، أَنَا حَجِيجُ الْمَارِقِينَ، وَ خَصِيمُ الْمُرْتَابِينَ (5)، عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى تُعْرَضُ الْأَمْثَالُ، وَ بِمَا فِي الصُّدُورِ تُجَازَى الْعِبَادُ.
توضيح: قرفه- كضربه- .. أي اتّهمه (6).
و وزعه عنه: صرفه و كفّه (7).
____________
(1) قال في القاموس 3- 96: وقع القول: وجب، و الحقّ: ثبت.
(2) نهج البلاغة- محمّد عبده- 1- 125، صبحي صالح: 102 خطبة: 75، بتصرّف.
(3) لا توجد في مطبوع البحار: بني.
(4) قال ابن ميثم (رحمه اللّه) في شرح قوله (عليه السلام): و لما وعظهم اللّه به أبلغ من لساني: 2- 206:
تعذير لنفسه في عدم ردعه لهم عن الغيبة و أمثالها .. أي إذا كان وعظ اللّه لهم- مع كونه أبلغ من كلامي- لا يردعهم، فكلامي بطريق الأولى! و زواجر كتاب اللّه كقوله: ( «إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ») ... و نحوه من القرآن كثير، و أراد بلسانه وعظه مجازا إطلاقا لاسم السّبب على المسبّب.
و انظر ما جاء في شرح ابن أبي الحديد 6- 169، و منهاج البراعة 1- 299، و غيرهما.
(5) في نهج البلاغة- صبحي صالح-: و خصيم النّاكثين.
(6) قاله في القاموس 3- 184، و الصحاح 4- 1415.
(7) قال في مجمع البحرين 4- 402: و وزعته وزعا: كففته فاتّزع .. أي كفّ، و منه حديث عليّ (عليه السلام): أ ما وزع الجهّال سابقتي عن تهمتي .. أي دفع و كفّ، و قال في المصباح المنير 2- 377:
وزعته عن الأمر أزعه وزعا- من باب وهب-: منعته عنه و حبسته. و قال في النهاية 5- 180: ..
لا يزعني .. أي لا يزجرني و لا ينهاني. و لاحظ: القاموس 3- 93، و الصحاح 3- 1297.
501
و السّابقة: الفضيلة و التّقدّم (1)، و المراد باللسان القول.
و الحجيج: المغالب بإظهار الحجّة (2).
و المارقون: الخارجون من الدّين (3).
و الخصيم: المخاصم (4).
و المرتابون: الشّاكّون (5) في الدين أو في إمامته، أو في كلّ حقّ.
و المحاجّة: المخاصمة (6) إمّا في الدنيا، أو فيها، و في الآخرة.
وَ قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ لِلنَّهْجِ:
- رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) (7)، فَقَالَ: عَلِيٌّ وَ حَمْزَةُ وَ عُبَيْدَةُ وَ عُتْبَةُ وَ شَيْبَةُ وَ الْوَلِيدُ ...
إلى آخر ما مرّ في الأخبار الكثيرة في غزوة بدر (8).
قال:
و كان عليّ (عليه السلام) يكثر من قوله: أنا حجيج المارقين.
.. و يشير إلى هذا المعنى، و أشار إلى ذلك
بقوله: على كتاب اللّه تعرض الأمثال.
.. يريد قوله: (هذانِ خَصْمانِ.) (9) الآية، و قال بعضهم: لمّا كان في أقواله و أفعاله (عليه السلام) ما يشبه الأمر بالقتل أو فعله فأوقع في نفوس الجهّال شبهة القتل نحو ما
- رُوِيَ عَنْهُ (عليه السلام): اللَّهُ قَتَلَهُ وَ أَنَا مَعَهُ.
، و كتخلّفه في داره عن الخروج يوم قتل،
____________
(1) قال في مجمع البحرين 5- 182، و الصحاح 4- 1494، و القاموس 3- 243: و له سابقة في هذا الأمر .. أي سبق الناس إليه، و قال في الأخير: سبقه: تقدّمه.
(2) ذكره في النهاية 1- 341، و لسان العرب 2- 228.
(3) صرّح بذلك في النهاية 4- 320، و لسان العرب 10- 341، و غيرهما.
(4) كما قاله في القاموس 4- 107، و لسان العرب 12- 181.
(5) أورده في لسان العرب 1- 442، و القاموس 1- 77.
(6) قال في المصباح المنير 1- 149: و حاجّه- محاجّة فحجّه يحجّه، من باب قتل- إذا غلبته في الحجّة، و قال في لسان العرب 2- 228: حاجّه محاجّة و حجاجا: نازعه الحجّة.
(7) الحجّ: 19.
(8) بحار الأنوار 19- 133 و 202 و ما بعدها، و الرواية جاءت في 19- 289.
(9) الحجّ: 19.
502
فقال: ينبغي أن يعرض ذلك على كتاب اللّه، فإن دلّ على كون شيء من ذلك قتلا فليحكم به و إلّا فلا.
و يحتمل أن يراد بالأمثال الحجج أو (1) الأحاديث كما ذكرها في القاموس (2) .. أي ما احتجّ به في مخاصمة المارقين و المرتابين و ما يحتجّون به في مخاصمتي ينبغي عرضها على كتاب اللّه حتى يظهر صحّتهما و فسادهما، أو ما يسندون إليّ في أمر عثمان و ما يروى في أمري و أمر عثمان يعرض على كتاب اللّه.
و بما في الصدور .. أي بالنيّات و العقائد، أو بما يعلمه اللّه من مكنون الضمائر لا على وفق ما يظهره المتخاصمان عند الإحتجاج يجازي اللّه العباد.
3- نَهْجٌ (3): مِنْ كَلَامٍ لَهُ (عليه السلام) بَعْدَ مَا بُويِعَ بِالْخِلَافَةِ وَ قَالَ (4) لَهُ قَوْمٌ مِنَ الصَّحَابَةِ: لَوْ عَاقَبْتَ قَوْماً مِمَّنْ أَجْلَبَ عَلَى عُثْمَانَ.
فَقَالَ (عليه السلام): يَا إِخْوَتَاهْ! إِنِّي لَسْتُ أَجْهَلُ مَا تَعْلَمُونَ، وَ لَكِنْ كَيْفَ لِي بِقُوَّةٍ وَ الْقَوْمُ الْمُجْلِبُونَ عَلَى حَدِّ شَوْكَتِهِمْ، يَمْلِكُونَنَا وَ لَا نَمْلِكُهُمْ، وَ هَا هُمْ هَؤُلَاءِ قَدْ ثَارَتْ مَعَهُمْ عِبْدَانُكُمْ، وَ الْتَفَّتْ إِلَيْهِمْ أَعْرَابُكُمْ، وَ هُمْ خِلَالَكُمْ يَسُومُونَكُمْ مَا شَاءُوا، وَ هَلْ تَرَوْنَ مَوْضِعاً لِقُدْرَةٍ عَلَى شَيْءٍ تُرِيدُونَهُ؟ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ أَمْرُ جَاهِلِيَّةٍ، وَ إِنَّ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مَادَّةً، إِنَّ النَّاسَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ- إِذَا حُرِّكَ- عَلَى أُمُورٍ فِرْقَةٌ تَرَى مَا تَرَوْنَ، وَ فِرْقَةٌ تَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَ فِرْقَةٌ لَا تَرَى لَا هَذَا وَ لَا هَذَا (5)، فَاصْبِرُوا حَتَّى يَهْدَأَ النَّاسُ، وَ تَقَعَ الْقُلُوبُ مَوَاقِعَهَا، وَ تُؤْخَذَ الْحُقُوقُ مُسْمَحَةً، فَاهْدَءُوا عَنِّي، وَ انْظُرُوا مَا ذَا يَأْتِيكُمْ بِهِ (6) أَمْرِي، وَ لَا تَفْعَلُوا فَعْلَةً تُضَعْضِعُ قُوَّةً (7) وَ تُسْقِطُ مُنَّةً،
____________
(1) في (ك): و، بدلا من: أو.
(2) القاموس 4- 49.
(3) نهج البلاغة- محمّد عبده- 2- 80، صبحي صالح: 243، خطبة 168.
(4) في النّهج: و قد قال.
(5) في المصدر: لا ترى هذا و لا ذاك و هو الظّاهر.
(6) في (س) وضع على: به، رمز نسخة بدل.
(7) هنا عبارة جاءت في (س): و تسقط قوّة، و قد خطّ عليهما في (ك)، و لا توجد في المصدر.
503
وَ تُورِثُ وَهْناً وَ ذِلَّةً، وَ سَأُمْسِكُ الْأَمْرَ مَا اسْتَمْسَكَ، وَ إِذَا لَمْ أَجِدْ بُدّاً، فَآخِرُ الدَّوَاءِ الْكَيُ (1)..
إيضاح:
لو عاقبت .. جزاء الشرط محذوف .. أي لكان حسنا و نحوه.
و أجلبوا (2) عليه .. تجمّعوا و تألّبوا (3).
قوله (عليه السلام): على حدّ شوكتهم.
.. أي لم ينكسر سورتهم، و الحدّ:
منتهى الشّيء، و من كلّ شيء: حدّته، و منك: بأسك (4).
و الشّوكة: شدّة البأس و الحدّ (5) في السّلاح (6).
- وَ رُوِيَ أَنَّهُ (عليه السلام) أَجْمَعَ النَّاسَ وَ وَعَظَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: لِتَقُمْ قَتَلَةُ عُثْمَانَ، فَقَامَ النَّاسُ بِأَسْرِهِمْ إِلَّا قَلِيلٌ.
، وَ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ مِنْهُ (عليه السلام) اسْتِشْهَاداً عَلَى قَوْلِهِ.
و العبدان (7): جمع عبد (8).
____________
(1) في المطبوع من البحار: فآخر الدّاء الكيّ.
و انظر شرح كلامه (صلوات اللّه عليه و آله) في شرح ابن أبي الحديد 9- 291 و ما بعدها، و شرح ابن ميثم البحرانيّ 3- 320- 323، و منهاج البراعة 2- 143، و غيرها.
(2) قال هذا في النهاية 1- 282، و قال بعده: و أجلبه: أعانه، و أجلب عليه: إذا صاح به و استحثّه.
و بنصّه ذكره في الصحاح 1- 100.
(3) في (س): ثالبوا. و لا معنى لها هنا.
(4) كما في القاموس 1- 286.
(5) كذا، و الظاهر: الحدّة، كما في المصادر الآتية.
(6) قاله في مجمع البحرين 5- 277، و في معناه في لسان العرب 10- 454، و المصباح المنير 1- 396، و القاموس 3- 3110. و انظر- أيضا-: النهاية 2- 510، و الصحاح 4- 1595.
(7) أقول: عبدان، و عبدان، و عبدان ... كلّها جمع عبد، كما قاله في القاموس 1- 311.
(8) صرّح به في الصحاح 2- 502، و القاموس 1- 311.
504
و التفّت .. أي انضمّت و اختلطت (1).
و هم خلالكم .. أي بينكم (2).
يسومونكم .. أي يكلّفونكم (3).
قوله (عليه السلام): إنّ هذا الأمر.
.. أي أمر المجلبين عليه، كما قال ابن ميثم، و المعنى أنّ قتلهم لعثمان كان عن تعصّب و حميّة لا لطاعة أمر اللّه و إن كان في الواقع مطابقا له.
و يمكن أن يكون المراد أنّ ما (4) تريدون من معاقبة القوم أمر جاهليّة نشأ عن تعصّبكم و حميّتكم و أغراضكم الباطلة، و فيه إثارة للفتنة و تهييج للشرّ، و الأول أنسب بسياق الكلام (5)، إذ ظاهر أنّ إيراد تلك الوجوه للمصلحة و إسكات الخصم، و عدم تقوية شبه المخالفين الطالبين لدم عثمان.
قوله: مسمحة ... أي منقادة بسهولة (6).
و يقال: ضعضعه .. أي هدمه حتّى الأرض (7).
و المنّة- بالضّم-: القوّة (8).
قوله (عليه السلام): فآخر الدواء الكيّ.
- كذا في أكثر النسخ المصحّحة،
____________
(1) قال في المصباح المنير 2- 249: لففته لفّا من باب قتل، فالتفّ، و التفّ النبات بعضه ببعض:
اختلط و نشب، و التفّ بثوبه: اشتمل. و قال في لسان العرب 9- 318: التفّ الشيء: تجمّع و تكاثف. و انظر: مجمع البحرين 5- 121، و القاموس 3- 195- 196.
(2) كما ذكره في مجمع البحرين 5- 364، و لسان العرب 11- 213، و انظر: الصحاح 4- 1687، و النهاية 2- 72، و المصباح المنير 1- 219.
(3) كما قاله في القاموس 4- 133، و لسان العرب 12- 311، و لاحظ: مجمع البحرين 6- 93.
(4) في (ك): إما أن.
(5) و يؤيد ذلك قوله: فاصبروا حتّى يهدأ الناس.
(6) قال في النهاية 2- 398 يقال: أسمحت نفسه .. أي انقادت. و قال في الصحاح 1- 376:
أسمحت قرونته .. أي ذلّت نفسه و تابعت، و مثلهما في القاموس 1- 229.
(7) ذكره في الصحاح 3- 1250، و القاموس 3- 56، و مجمع البحرين 4- 365.
(8) قاله في مجمع البحرين 6- 319، و الصحاح 6- 2207، و القاموس 4- 272.
505
و لعلّ المعنى بعد الداء الكيّ إذا اشتدّ الداء و لم يزل بأنواع المعالجات فيزول بالكيّ و ينتهي أمره إليه (1).
و قال ابن أبي الحديد (2): آخر الدواء الكيّ مثل مشهور، و يقال: آخر الطبّ (3)، و يغلط فيه العامّة فتقول: آخر الداء الكيّ، ثم قال: ليس معناه:
و سأصبر عن معاقبة هؤلاء ما أمكن فإذا لم أجد بدّا عاقبتهم، و لكنّه كلام قاله (عليه السلام) أوّل مسير طلحة و الزبير إلى البصرة، فإنّه حينئذ أشار عليه قوم بمعاقبة المجلبين فاعتذر (عليه السلام) بما ذكر، ثم قال: سأمسك نفسي عن محاربة هؤلاء الناكثين و أقنع بمراسلتهم و تخويفهم، فإذا لم أجد بدّا فآخر الدواء الحرب.
أقول: و يحتمل أن يكون ذلك تورية منه (عليه السلام) ليفهم بعض المخاطبين المعنى الأول (4)، و مراده المعنى الثاني.
4- مَا (5): أَبُو عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، قَالَ: إِنْ شَاءَ النَّاسُ قُمْتُ لَهُمْ خَلْفَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَحَلَفْتُ لَهُمْ بِاللَّهِ مَا قَتَلْتُ عُثْمَانَ وَ لَا أَمَرْتُ بِقَتْلِهِ، وَ لَقَدْ نَهَيْتُهُمْ فَعَصَوْنِي.
قب (6): رُوِيَ أَنَّ أَصْحَابَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (7) كَانُوا فِرْقَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا:
____________
(1) قال في المستقصى 1- 5: و من روى آخر الدواء الكيّ، فهذا المثل يضرب في إعمال المخاشنة مع العدوّ إذا لم يجد معه اللين و المداراة.
(2) في شرحه على نهج البلاغة 9- 291.
(3) ذكره في المستقصى 1- 3، و غيره.
(4) قال في المستقصى 1- 5: آخر الدواء الكيّ: يضرب في من يستعمل في أوّل الأمر ما يجب استعماله في آخره.
(5) أمالي الشّيخ الطّوسيّ 1- 275، مع تفصيل في الإسناد.
(6) المناقب لابن شهرآشوب 2- 144- 145.
(7) في المصدر: و ذلك أنّ أصحابه، بدلا من: روي أنّ أصحاب أمير المؤمنين.
506
اعْتَقَدُوا أَنَّ عُثْمَانَ (1) قُتِلَ مَظْلُوماً وَ يَتَوَالاهُ وَ يَتَبَرَّأُ (2) مِنْ أَعْدَائِهِ، وَ الْأُخْرَى- وَ هُمْ جُمْهُورُ أَهْلِ (3) الْحَرْبِ وَ أَهْلِ الْغَنَاءِ (4) وَ الْبَأْسِ- اعْتَقَدُوا (5) أَنَّ عُثْمَانَ قُتِلَ لِأَحْدَاثٍ أَوْجَبَتْ عَلَيْهِ الْقَتْلَ، وَ مِنْهُمْ مَنْ يُصَرِّحُ بِتَكْفِيرِهِ، وَ كُلٌّ مِنْ هَاتَيْنِ الْفِرْقَتَيْنِ تَزْعُمُ أَنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) مُوَافِقٌ لَهُ عَلَى رَأْيِهِ، وَ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَتَى وَافَقَ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ بَايَنَتْهُ (6) الْأُخْرَى وَ أَسْلَمَتْهُ، وَ تَوَلَّتْ عَنْهُ وَ خَذَلَتْهُ، فَكَانَ يَسْتَعْمِلُ فِي كَلَامِهِ مَا يُوَافِقُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ.
أقول:: قد مرّ القول في ذلك في سياق مطاعنه، و لا يخفى على أحد أنّ أقواله و أفعاله (عليه السلام) في تلك الواقعة تدلّ على أنّه (عليه السلام) كان منكرا لأفعاله و خلافته راضيا بدفعه، لكن لم يأمر صريحا بقتله لعلمه بما يترتّب عليه من المفاسد أو تقيّة، و لم ينه القاتلين أيضا لأنّهم كانوا محقّين، و كان (عليه السلام) يتكلّم في الإحتجاج على الخصوم على وجه لا يخالف الواقع و لا يكون للجهّال و أهل الضلال أيضا عليه حجّة، و كان هذا ممّا يخصّه من فصل الخطاب و ممّا يدلّ على وفور علمه في كلّ باب.
____________
(1) في المناقب: أحدهما على أنّ عثمان ..
(2) في المصدر: و تتولّاه و تتبرّأ.
(3) لا توجد: أهل، في المصدر.
(4) في (ك): نسخة بدل: العناء، و هو الظّاهر. و في المصدر: الغنى.
(5) في المناقب: يعتقدون.
(6) الكلمة مشوّشة في المطبوع. و ما أثبتناها من المصدر. و تقرأ: بايبته.
507
[31] باب ما ورد في لعن بني أميّة و بني العبّاس و كفرهم
الآيات:
إبراهيم: (وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ) (1).
و قال تعالى: (أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَ بِئْسَ الْقَرارُ) (2).
الإسراء: (وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَ نُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً) (3).
تفسير: (مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ.) (4).
____________
(1) إبراهيم: 26.
(2) إبراهيم: 28- 29.
(3) الإسراء: 60.
(4) إبراهيم: 26.
508
قال في مجمع البيان (1): و (2) هي كلمة الشرك و الكفر .. (3)، و قيل: (4) كلّ كلام في معصية اللّه ... (كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ) غير زاكية، و هي شجرة الحنظل ...
و قيل: إنّها شجرة هذه صفتها، و هو أنّه لا قرار لها في الأرض ... و قيل: إنّها الكشوث ... (5).
- وَ رَوَى أَبُو الْجَارُودِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام): أَنَّ هَذَا مَثَلُ بَنِي أُمَيَّةَ (اجْتُثَّتْ). أَيْ قُطِعَتْ وَ اسْتُؤْصِلَتْ وَ اقْتَلَعْتَ جُثَّتَهَا مِنَ الْأَرْضِ (ما لَها مِنْ قَرارٍ). أَيْ مَا لِتِلْكَ الشَّجَرَةِ مِنْ ثَبَاتٍ، فَإِنَّ الرِّيحَ تَنْسِفُهَا وَ تَذْهَبُ بِهَا ...
وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا شَجَرَةٌ لَمْ يَخْلُقْهَا اللَّهُ بَعْدُ وَ إِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ.
(أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ.) (6) .. أي (7) أ لم تر إلى هؤلاء الكفّار عرفوا نعمة اللّه بمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله) .. أي عرفوا محمّدا ثم كفروا به فبدّلوا مكان الشكر كفرا.
- وَ عَنِ الصَّادِقِ (عليه السلام)، أَنَّهُ قَالَ: نَحْنُ- وَ اللَّهِ- نِعْمَةُ اللَّهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ، وَ بِنَا يَفُوزُ مَنْ فَازَ ..
أو المراد جميع نعم اللّه على العموم بدّلوها أقبح التبديل، إذ جعلوا مكان شكرها الكفر بها، و اختلف في المعني بالآية ..
- فَرُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَ ابْنِ جُبَيْرٍ وَ مُجَاهِدٍ
____________
(1) مجمع البيان 6- 313، و النقاط الثلاث علامة الحذف.
(2) خطّ على الواو في (ك).
(3) في التفسير: الكفر و الشرك- بتقديم و تأخير-.
(4) في المصدر زيادة: هو.
(5) قال في القاموس 1- 173: الكشوث- و يضم- و الكشوثى- و يمدّ- و الأكشوث- بالضم-: خلف نبت يتعلّق بالأغصان و لا عرق له في الأرض. و قيل: نبت يلتفّ على الشوك و الشجر لا أصل له في الأرض و لا ورق.
(6) إبراهيم: 28.
(7) كما جاء في مجمع البيان 6- 314، بتصرّف.
509
وَ الضَّحَّاكِ، أَنَّهُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ كَذَّبُوا نَبِيَّهُمْ وَ نَصَبُوا لَهُ (1) الْحَرْبَ وَ الْعَدَاوَةَ.
- وَ سَأَلَ رَجُلٌ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ: هُمَا الْأَفْجَرَانِ مِنْ قُرَيْشٍ بَنُو أُمَيَّةَ وَ بَنُو الْمُغِيرَةِ، فَأَمَّا بَنُو أُمَيَّةَ فَمُتِّعُوا إِلَى حِينٍ، وَ أَمَّا بَنُو الْمُغِيرَةِ فَكَفَيْتُمُوهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ.
و قيل: إنّهم جبلة بن الأبهم و من تبعه (2) من العرب تنصّروا و لحقوا بالروم.
(و دارَ الْبَوارِ) (3): دار الهلاك (4).
(وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا) (5) فيه أقوال (6):
أحدها: أنّ المراد بالرؤيا رؤية العين، و هي الإسراء (7)، و سمّاها فتنة للامتحان و شدّة التكليف ..
و ثانيها: أنّها رؤيا نوم رآها أنّه سيدخل مكة و هو بالمدينة، فقصدها قصده (8) المشركون حتى (9) دخلت على قوم منهم الشبهة ...، ثم رجع فدخل في القابل و ظهر صدق الرؤيا.
و ثالثها:
- أنّ ذلك رؤيا رآها النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) (10) أنّ قرودا تصعد منبره و تنزل، فساءه ذلك و اغتمّ به،- رواه سهل بن سعيد، عن أبيه ... و هو المرويّ
____________
(1) في (س): قصبوا له.
(2) في مجمع البيان: اتبعوه.
(3) إبراهيم: 29.
(4) ذكره في مجمع البحرين 3- 231، و الصحاح 2- 598، و القاموس 1- 377.
(5) الإسراء: 60.
(6) ذكرها الطبرسيّ في مجمع البيان 6- 424، بتصرّف و اختصار.
(7) في المصدر: و هي ما ذكره في أوّل السورة من إسراء النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من مكّة إلى بيت المقدس و إلى السموات في ليلة واحدة، إلّا أنّه لمّا رأى ذلك ليلا و أخبر بها حين أصبح سمّاها:
رؤيا.
(8) كذا، و في المصدر: فصدّه. و هو الصواب.
(9) في المجمع جاءت العبارة هكذا: في الحديبية عن دخولها حتّى شكّ قوم و دخلت عليهم الشبهة.
(10) في المصدر زيادة: في منامه.
510
عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام).
، و قالوا: على هذا التأويل أنّ الشجرة الملعونة (1) هي بنو أميّة، أخبره اللّه بتغلّبهم على مقامه و قتلهم ذريّته ...
و قيل: هي شجرة الزقّوم ...
و قيل: هي اليهود ...
و تقدير الآية: و ما جعلنا الرؤيا التي أريناك و الشجرة الملعونة إلّا فتنة للناس.
الأخبار
1- نَهْجٌ (2): قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): إِنَّ لِبَنِي أُمَيَّةَ مِرْوَداً يَجْرُونَ فِيهِ، وَ لَوْ قَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ ثُمَّ كَادَتْهُمُ الضِّبَاعُ لَغَلَبَتْهُمْ.
قال السيّد رضي اللّه عنه: و المرود هاهنا مفعل من الإرواد، و هو من الإمهال و الإنظار (3)، و هذا من أفصح الكلام و أغربه، فكأنّه (عليه السلام) شبّه المهلة الّتي هم فيها بالمضمار الّذي يجرون فيه إلى الغاية، فإذا بلغوا أيّام (4) منقطعها انتقض (5) نظامهم بعدها (6).
____________
(1) في المجمع زيادة: في القرآن.
(2) نهج البلاغة- محمّد عبده- 3- 262، صبحي صالح: 557، كلمات: 464.
(3) في النهج لصبحي صالح: و الإظهار، بدلا من: الإنظار.
قال ابن ميثم في شرحه 5- 461 ما نصّه: أقول: استعار لفظ المرود لمدّة دولتهم، و وجه المشابهة هو ما ذكره السيّد. و الكلام ظاهر الصدق، فإنّ دولتهم لم تزل على الاستقامة إلى حين اختلافهم، و ذلك حين ولّي الوليد بن يزيد فخرج عليه يزيد بن الوليد فخرج عليه إبراهيم بن الوليد، و قامت حينئذ دعاة بني العباس بخراسان، و أقبل مروان بن محمّد من الجزيرة يطلب الخلافة، فخلع إبراهيم بن الوليد و قتل قوما من بني أميّة و اضطرب أمر دولتهم، و كان زوالها على يد أبي مسلم، و كان في بدو أمره أضعف خلق اللّه و أشدّهم فقرا، و في ذلك تصديق قوله (عليه السلام): ثم كادتهم الضباع لغلبتهم. و لفظ: الضباع قد يستعار للأراذل و الضعفاء .. و هذا من كراماته.
(4) لا توجد: أيّام، في النهج- بطبعتيه-.
(5) في (س): انتفض.
(6) انظر شرح كلامه (عليه السلام) في منهاج البراعة للقطب الراونديّ 3- 432، و شرح ابن أبي الحديد 20- 182.
511
2- ل (1): ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ، عَنِ الْأَشْعَرِيِّ، عَنِ ابْنِ عِيسَى، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: لِلْكُفْرِ جَنَاحَانِ: بَنُو أُمَيَّةَ وَ آلُ الْمُهَلَّبِ.
توضيح:
آل المهلّب: طائفة من الولاة منسوبون إلى المهلّب بن أبي صفرة الأزدي العثكي البصري، و كان رجلا شجاعا حمى البصرة من الخوارج، و له معهم وقائع مشهورة بالأهواز، و تقلّبت به الأحوال إلى أن ولّي خراسان من جهة الحجّاج، و لم يزل واليا بخراسان حتى أدركته الوفاة، فولّى ابنه يزيد و لم يزل، كانوا ولاة في زمن بني أميّة و بني العبّاس، و كانوا من أعوان خلفاء الجور، و لهم وقائع مشهورة مذكورة في التواريخ.
3- فس (2): (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً) (3)، قَالَ: نَزَلَتْ فِي بَنِي أُمَيَّةَ، حَيْثُ خَالَفُوهُمْ (4) عَلَى أَنْ لَا يَرُدُّوا الْأَمْرَ فِي بَنِي هَاشِمٍ، ثُمَّ قَالَ: يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ يَعْنِي الْقُوَّةَ (5).
وَ قَوْلُهُ: (وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَ يُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) (6) قَالَ: آيَاتُ اللَّهِ هُمُ الْأَئِمَّةُ (عليهم السلام).
____________
(1) الخصال 1- 35- باب الاثنين-، مع تفصيل في الإسناد.
(2) تفسير القمّيّ 1- 156. و في (س): فل، و هو غلط.
(3) النّساء: 139. و جاء بعدها: يعني القوّة.
(4) في المصدر: خالفوا نبيّهم.
(5) من قوله: ثمّ قال .. إلى هنا لا يوجد في المصدر.
(6) النّساء: 140، و ذكر في المصدر ذيلها «إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ».
512
4- فس (1): (وَ لَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَ لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (2)، قَالَ: نَزَلَتْ فِي بَنِي أُمَيَّةَ، ثُمَّ قَالَ: (بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) (3)، قَالَ: مِنْ عَدَاوَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) (وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) (4).
5- فس (5): جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (6)، قَالَ (عليه السلام): نَزَلَتْ فِي بَنِي أُمَيَّةَ، فَهُمْ أَشَرُّ خَلْقِ اللَّهِ، هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي بَاطِنِ الْقُرْآنِ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
6- شي، تفسير العياشي (7): عَنْ جَابِرٍ، عَنْهُ (عليه السلام) مِثْلَهُ (8).
7- فس (9): (وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ) (10) فِي رِوَايَةِ أَبِي الْجَارُودِ (11)، قَالَ: كَذَلِكَ الْكَافِرُونَ لَا تَصْعَدُ أَعْمَالُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ، وَ بَنُو أُمَيَّةَ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِي مَجْلِسٍ وَ لَا فِي مَسْجِدٍ وَ لَا تَصْعَدُ أَعْمَالُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ إِلَّا قَلِيلٌ (12) مِنْهُمْ.
____________
(1) تفسير القمّيّ 1- 196.
(2) الأنعام: 27.
(3) الأنعام: 28.
(4) الأنعام: 28.
(5) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 1- 279.
(6) الأنفال: 55.
(7) تفسير العيّاشيّ 2- 65 حديث 72، مع اختلاف يسير متنا، و تباين إسنادا.
(8) و انظر: تفسير البرهان 2- 90، و تفسير الصّافي: 674- حجريّة- [2- 310].
(9) تفسير القمّيّ 1- 369.
(10) إبراهيم: 26.
(11) في المصدر زيادة: عن أبي جعفر (عليه السلام).
(12) في (ك) نسخة بدل: قليلا.
513
8- فس (1): أَبِي، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ (2): (أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً) (3)، قَالَ: نَزَلَتْ فِي الْأَفْجَرَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ (4) بَنِي أُمَيَّةَ وَ بَنِي الْمُغِيرَةِ، فَأَمَّا بَنُو الْمُغِيرَةِ فَقَطَعَ اللَّهُ دَابِرَهُمْ (5)، وَ أَمَّا بَنُو أُمَيَّةَ فَمُتِّعُوا إِلَى حِينٍ.
ثُمَّ قَالَ: وَ نَحْنُ وَ اللَّهِ نِعْمَةُ اللَّهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ وَ بِنَا يَفُوزُ مَنْ فَازَ..
بيان:
روى الجزء الأول من الخبر إلى قوله: (فمتّعوا إلى حين) الزمخشري (6) و البيضاوي (7)، عن عليّ (عليه السلام)
. 9- فس (8): (وَ سَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) (9) يَعْنِي مِمَّنْ هَلَكُوا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ: (وَ تَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَ ضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ) (10) (وَ قَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَ عِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَ إِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ) (11) (12)، قَالَ: مَكْرُ بَنِي فُلَانٍ.
بيان: المراد ببني فلان إمّا بنو العبّاس كما هو الظاهر، أو بنو أميّة، فيكون الخطاب
____________
(1) تفسير القمّيّ 1- 371.
(2) لا توجد: عزّ و جلّ، في المصدر.
(3) إبراهيم: 28.
(4) في التّفسير زيادة: و من.
(5) في المصدر زيادة: يوم بدر.
(6) الكشّاف 2- 555.
(7) تفسير البيضاوي 3- 160.
(8) تفسير القمّيّ 1- 372.
(9) إبراهيم: 45.
(10) إبراهيم: 45.
(11) في المصدر زيادة: ثمّ قال.
(12) إبراهيم: 46.
514
للمتأخّرين من بني أميّة بتحذيرهم عمّا نزل على السابقين منهم في غزوة بدر و غيرها، أو الخطاب لبني العبّاس بتحذيرهم عمّا نزل ببني (1) أميّة أوّلا و أخيرا، و على تقدير كون المراد بني العبّاس يكون قوله تعالى: (وَ قَدْ مَكَرُوا.) (2) على سبيل الالتفات، و على التقادير يحتمل أن يكون المراد أنّ قصّة هؤلاء نظير قصّة من نزلت الآية فيه، و القرآن لم ينزل لجماعة مخصوصة، بل نزل فيهم و في نظائرهم إلى يوم القيامة.
10- فس (3): قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ: (وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ) (4)، قَالَ: نَزَلَتْ لَمَّا رَأَى النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي نَوْمِهِ كَأَنَّ قُرُوداً تَصْعَدُ مِنْبَرَهُ فَسَاءَهُ ذَلِكَ وَ غَمَّهُ غَمّاً شَدِيداً فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) (5) لَهُمْ لِيَعْمَهُوا فِيهَا (وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ) (6) كَذَلِكَ (7) نَزَلَتْ، وَ هُمْ بَنُو أُمَيَّةَ.
بيان: أي كان في القرآن: ليعمهوا فيها.
11- فس (8): (فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ) (9) فِي خَبَرٍ (10) هُمْ بَنُو أُمَيَّةَ، وَ الْغَاوُونَ بَنُو فُلَانٍ (قالُوا وَ هُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ
____________
(1) في (ك): على بني.
(2) إبراهيم: 46.
(3) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 2- 21.
(4) الإسراء: 60.
(5) الإسراء: 60.
(6) الإسراء: 60.
(7) في المصدر: كذا.
(8) تفسير القمّيّ 2- 123.
(9) الشّعراء: 94. و في التّفسير زيادة: قال الصّادق (عليه السلام): نزلت في قوم وصفوا عدلا ثمّ خالفوه إلى غيره.
(10) في المصدر زيادة: آخر.
515
نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ) (1) يَقُولُونَ لِمَنْ تَبِعُوهُمْ: أَطَعْنَاكُمْ كَمَا أَطَعْنَا اللَّهَ فَصِرْتُمْ أَرْبَاباً.
بيان: بنو فلان: بنو العبّاس، و قد مرّ أنّ كلّ من يطاع بغير أمره تعالى فهم الأصنام و من أطاعهم من المشركين في بطن القرآن، فلا ينافي (2) كونها ظاهرا في الأصنام و عبدتهم مع أنّ ضمير (هم) أنسب بهذا التأويل.
12- فس (3): مُحَمَّدٌ الحمير [الْحِمْيَرِيُ (4)، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ وَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ مَعاً (5)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَسَارٍ (6)، عَنِ الْمُنَخَّلِ بْنِ خَلِيلٍ (7)، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ: (وَ كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ) (8) يَعْنِي بَنِي أُمَيَّةَ.
13- كَنْزٌ (9): مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ (10)، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُعَلَّى، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مِيثَمٍ، عَنْ عَبَايَةَ، عَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام)، قَالَ: قَوْلُهُ عَزَّ
____________
(1) الشّعراء: 96- 98.
(2) في (س): في، بدلا من: فلا ينافي.
(3) تفسير القمّيّ 2- 255.
(4) كذا، و في المصدر: محمّد بن عبد اللّه الحميريّ.
(5) في التّفسير: جميعا.
(6) في المصدر: سنان، بدلا من: يسار.
(7) في التّفسير زيادة: الرّقّيّ.
(8) غافر: 6.
(9) تأويل الآيات الظّاهرة 1- 434 حديث 1، مع تفصيل في الإسناد.
(10) في المصدر: أحمد بن محمّد بن سعيد.
516
وَ جَلَّ: (الم غُلِبَتِ الرُّومُ.) (1) هِيَ فِينَا وَ فِي بَنِي أُمَيَّةَ (2).
14- كَنْزٌ (3): مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ الْعَمِّيِ (4)، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَشِيرٍ (5)، عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ تَفْسِيرِ (الم غُلِبَتِ الرُّومُ.) (6)
قَالَ: هُمْ بَنُو أُمَيَّةَ، وَ إِنَّمَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ (7): (الم غُلِبَتِ الرُّومُ) (8) بَنُو أُمَيَّةَ (فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ) (9) عِنْدَ قِيَامِ الْقَائِمِ (عليه السلام).
تبيين:
كذا في النسخ: غلبت الروم بنو أميّة، و لعلّه كان غلبت بنو أميّة فزاد النسّاخ لفظ الروم، و على ما في النسخ و ما في الخبر الأول من تفسير الروم ببني أميّة يكون التعبير عنهم بالروم إشارة إلى ما سيأتي من أنّ نسبهم ينتهي إلى عبد روميّ، و هذا بطن للآية و لا ينافي ما مرّ من تفسير الآية موافقا للمشهور.
قوله (عليه السلام): عند قيام القائم (عليه السلام).
.. لعلّه على هذا التأويل قوله: يَوْمَئِذٍ إشارة إلى قوله: مِنْ بَعْدُ
____________
(1) الرّوم: 1- 2.
(2) و انظر: تفسير البرهان 3- 257 حديث 1.
(3) تأويل الآيات الظّاهرة 1- 434 حديث 2.
(4) في المصدر: القمّيّ.
(5) في التّأويل زيادة: الوشّاء.
(6) الرّوم: 1- 2.
(7) في المصدر زيادة: عزّ و جلّ.
(8) الرّوم: 1- 2.
(9) الرّوم: 3- 5.
517
15- فس (1): (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) يَعْنِي بَنِي أُمَيَّةَ (يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ) (2) يَعْنِي إِلَى وَلَايَةِ عَلِيٍّ (عليه السلام) (فَتَكْفُرُونَ) (3).
بيان: يُنادَوْنَ. أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: لَمَقْتُ اللَّهِ إِيَّاكُمْ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ الْأَمَّارَةَ بِالسُّوءِ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ قال البيضاويُ (4): ظرف لفعل دلّ عليه المقت الأول لا له، لأنّه أخبر عنه، و لا للثاني لأنّ مقت (5) أنفسهم يوم القيامة حين عاينوا جزاء أعمالها الخبيثة.
16- ل (6): عَمَّارُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأُسْرُوشِيُ (7) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِصْمَةَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّبَرِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ (8) بْنِ أَبِي شُجَاعٍ الْبَجَلِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (9) الْحَنَفِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قُلْتُ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام): يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! حَدِّثْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: (هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) (10)، قَالَ: نَحْنُ وَ بَنُو أُمَيَّةَ اخْتَصَمْنَا فِي اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، قُلْنَا:
صَدَقَ اللَّهُ، وَ قَالُوا: كَذَبَ اللَّهُ، فَنَحْنُ وَ إِيَّاهُمُ الْخَصْمَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ..
____________
(1) تفسير القمّيّ 2- 255.
(2) غافر (المؤمن): 10.
(3) غافر (المؤمن): 10.
(4) تفسير البيضاوي 5- 35.
(5) في المصدر: مقتهم.
(6) الخصال 1- 42- 43، مع تفصيل في الإسناد.
(7) في المصدر: الأسروشني.
(8) في الخصال: أبو الحسن، لا الحسن.
(9) في (س): عبيد اللّه.
(10) الحجّ: 19.
518
بيان: لا ينافي هذا التأويل ما مرّ من نزول الآية في ستة نفر تبارزوا في غزوة بدر، أمير المؤمنين (عليه السلام) قتل الوليد بن عتبة، و حمزة قتل عتبة، و عبيدة بن الحرث قتل شيبة، فإنّها تشمل كلّ طائفتين تخاصمتا (1) في اللّه و إن كانت نزلت فيهم.
17- ل (2): الْقَطَّانُ، عَنِ ابْنِ زَكَرِيَّا، عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ (3)، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ الزُّرَقِيِ (4)، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ (عليهم السلام)، قَالَ: إِنَ (5) لِلنَّارِ سَبْعَةَ أَبْوَابٍ: بَابٌ يَدْخُلُ مِنْهُ فِرْعَوْنُ وَ هَامَانُ وَ قَارُونُ، وَ بَابٌ يَدْخُلُ مِنْهُ الْمُشْرِكُونَ وَ الْكُفَّارُ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَ بَابٌ يَدْخُلُ مِنْهُ بَنُو أُمَيَّةَ هُوَ لَهُمْ خَاصَّةً لَا يُزَاحِمُهُمْ فِيهِ أَحَدٌ، وَ هُوَ بَابُ لَظَى، وَ هُوَ بَابُ سَقَرَ، وَ هُوَ بَابُ الْهَاوِيَةِ تَهْوِي بِهِمْ سَبْعِينَ خَرِيفاً، فَكُلَّمَا هَوَى بِهِمْ سَبْعِينَ خَرِيفاً فَصَارَ (6) بِهِمْ فَوْرَةٌ قُذِفَ بِهِمْ فِي أَعْلَاهَا سَبْعِينَ خَرِيفاً، ثُمَّ هَوَى (7) بِهِمْ كَذَلِكَ سَبْعِينَ خَرِيفاً، فَلَا يَزَالُونَ هَكَذَا أَبَداً (8) خَالِدِينَ مُخَلَّدِينَ، وَ بَابٌ يَدْخُلُ فِيهِ (9) مُبْغِضُونَا وَ مُحَارِبُونَا وَ خَاذِلُونَا، وَ إِنَّهُ لَأَعْظَمُ الْأَبْوَابِ وَ أَشَدُّهَا حَرّاً.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ الزُّرَقِيُ (10): فَقُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): الْبَابُ
____________
(1) في (س): تخاصما.
(2) الخصال 2- 361- 362، مع تفصيل في الإسناد.
(3) في المصدر: عبد اللّه- مكبّرا-.
(4) في المصدر: الرّزقيّ.
(5) لا توجد: إنّ، في الخصال.
(6) في الخصال: فار.
(7) في المصدر: تهوي.
(8) وضع على: أبدا، في (س) رمز نسخة بدل.
(9) في المصدر: منه، بدلا من: فيه.
(10) في الخصال: الرّزقيّ.
519
الَّذِي ذَكَرْتَ عَنْ أَبِيكَ عَنْ جَدِّكَ (عليهما السلام) أَنَّهُ يَدْخُلُ مِنْهُ بَنُو أُمَيَّةَ، يَدْخُلُهُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَلَى الشِّرْكِ أَوْ مِمَّنْ (1) أَدْرَكَ مِنْهُمُ الْإِسْلَامَ. فَقَالَ: لَا أُمَّ لَكَ! أَ لَمْ تَسْمَعْهُ يَقُولُ: وَ بَابٌ يَدْخُلُ مِنْهُ الْمُشْرِكُونَ وَ الْكُفَّارُ، فَهَذَا الْبَابُ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مُشْرِكٍ وَ كُلُّ كَافِرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ، وَ هَذَا الْبَابُ الْآخَرُ الَّذِي (2) يَدْخُلُ مِنْهُ بَنُو أُمَيَّةَ إِنَّهُ (3) هُوَ لِأَبِي سُفْيَانَ وَ مُعَاوِيَةَ وَ آلِ مَرْوَانَ خَاصَّةً يَدْخُلُونَ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فَتَحْطِمُهُمُ النَّارُ حَطْماً (4) لَا تُسْمَعُ لَهُمْ فِيهَا وَاعِيَةٌ وَ لَا يَحْيَوْنَ فِيهَا وَ لَا يَمُوتُونَ..
بيان: لعلّ السائل اعترض السؤال بين الكلام فلم يتمّ (عليه السلام) عدد الأبواب، أو يكون السبعة باعتبار الاسم، أو المراد (5) أنّ بني أميّة يدخلون من أربعة أبواب، باب بعد باب، أو كلّ طائفة منهم من باب، فالمراد بالباب في الثالث الجنس، و الأول أظهر.
18- مَا (6): الْمُفِيدُ، عَنِ الْجِعَابِيِّ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ الْحُبَابِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأُبُلِّيِّ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَسَدِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْحَنَفِيِّ، عَنْ جُمَيْعِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ (7) عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَقُولُ: انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِلَى الْعَقَبَةِ، فَقَالَ: لَا يُجَاوِزُهَا أَحَدٌ، فَعَوَّجَ الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ فَمَهُ مُسْتَهْزِئاً بِهِ (صلّى اللّه عليه و آله) (8)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ، فَعَوَّجَ الْحَكَمُ
____________
(1) في الخصال: من. و هي نسخة بدل في (س).
(2) لا توجد: الّذي، في المصدر.
(3) في الخصال: لأنّه.
(4) في (س): حتما، و هو سهو.
(5) في (ك): و المراد.
(6) أمالي الشّيخ الطّوسيّ 1- 179، مع اختصار في الإسناد و حذف للصّدر.
(7) في المصدر: أسمعت.
(8) في الأمالي: و قال.
520
فَمَهُ فَبَصُرَ بِهِ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) فَدَعَا عَلَيْهِ، فَصُرِعَ شَهْرَيْنِ ثُمَّ أَفَاقَ، فَأَخْرَجَهُ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) عَنِ الْمَدِينَةِ طَرِيداً وَ نَفَاهُ عَنْهَا.
19- مَا (1): الْمُفِيدُ، عَنِ الْمَرَاغِيِ (2)، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ (3)، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هَارُونَ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ بِالْكُوفَةِ صَلَاةَ الْغَدَاةِ- وَ كَانَ سَكْرَاناً- فَتَغَنَّى فِي الثَّانِيَةِ مِنْهَا، وَ زَادَنَا رَكْعَةً أُخْرَى، وَ نَامَ فِي آخِرِهَا، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ (4) خَاتَمَهُ مِنْ يَدِهِ، فَقَالَ فِيهِ عِلْبَاءٌ السَّدُوسِيُّ:
تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ وَ زَادَ فِيهَا* * * مُجَاهَرَةً وَ عَالَنَ بِالنِّفَاقِ
وَ فَاحَ الْخَمْرُ عَنْ سِتْرِ (5)الْمُصَلِّي* * * وَ نَادَى وَ الْجَمِيعُ (6) إِلَى افْتِرَاقٍ
أَزِيدُكُمْ (7) عَلَى أَنْ تَحْمِدُونِي* * * فَمَا لَكُمْ وَ مَا لِي مِنْ خَلَاقٍ
.
20- ل (8): ابْنُ مُوسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الدَّقَّاقِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ الْحَنْظَلِيِّ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُعْفِيِّ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مِسْكِينٍ، عَنْ أَبِي الْجَارُودِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَعَنَ أَبَا سُفْيَانَ فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ فِي كُلِّهِنَّ لَا يَسْتَطِيعُ إِلَّا أَنْ يَلْعَنَهُ:
أَوَّلُهُنَّ: يَوْمَ لَعَنَهُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ هُوَ خَارِجٌ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مُهَاجِراً وَ أَبُو سُفْيَانَ جَاءَ مِنَ الشَّامِ، فَوَقَعَ فِيهِ أَبُو سُفْيَانَ يَسُبُّهُ وَ يُوعِدُهُ، وَ هَمَّ أَنْ يَبْطِشَ بِهِ فَصَرَفَهُ اللَّهُ عَنْ رَسُولِهِ.
____________
(1) أمالي الشّيخ الطّوسيّ 1- 179- 180، مع حذف الصّدر و اختصار في الإسناد.
(2) في (ك): المراعيّ.
(3) في المصدر زيادة في السّند: حدّثنا القتّاد عن ..
(4) في (ك): وابل.
(5) في المصدر: من سنن.
(6) في (س): الجمع.
(7) في الأمالي: أزيد بكم.
(8) الخصال 2- 397- 398، مع تفصيل في الإسناد.
521
وَ الثَّانِيَةُ: يَوْمَ الْعِيرِ، إِذَا طَرَدَهَا لِيُحْرِزَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَلَعَنَهُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ.
وَ الثَّالِثَةُ: يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: اعْلُ هُبَلُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): اللَّهُ أَعْلَى وَ أَجَلُّ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَنَا عُزَّى وَ لَا عُزَّى لَكُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): اللَّهُ (1) مَوْلَانَا وَ لَا مَوْلَى لَكُمْ.
وَ الرَّابِعَةُ: يَوْمَ الْخَنْدَقِ، يَوْمَ جَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فِي جَمْعِ قُرَيْشٍ فَرَدَّهُمُ اللَّهُ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً، (2) وَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الْقُرْآنِ آيَتَيْنِ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ، فَسَمَّى أبو [أَبَا سُفْيَانَ وَ أَصْحَابَهُ كُفَّاراً، وَ مُعَاوِيَةُ يَوْمَئِذٍ (3) مُشْرِكٌ عَدُوٌّ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ.
وَ الْخَامِسَةُ: يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَ الْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَ صَدَّ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَ صَدُّوا بُدْنَهُ أَنْ تَبْلُغَ الْمَنْحَرَ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَمْ يَطُفْ بِالْكَعْبَةِ وَ لَمْ يَقْضِ نُسُكَهُ، فَلَعَنَهُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ.
وَ السَّادِسَةُ: يَوْمَ الْأَحْزَابِ، يَوْمَ جَاءَ أَبُو سُفْيَانَ بِجَمْعِ (4) قُرَيْشٍ وَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ بِجَمْعِ هَوَازِنَ، وَ عُيَيْنَةُ بْنُ حُصَيْنٍ (5) بِغَطْفَانَ، وَ وَاعَدَهُمْ قُرَيْظَةُ وَ النَّضِيرُ أَنْ يَأْتُوهُمْ فَلَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) الْقَادَةَ وَ الْأَتْبَاعَ، وَ قَالَ: أَمَّا الْأَتْبَاعُ فَلَا تُصِيبُ (6) اللَّعْنَةُ مُؤْمِناً، وَ أَمَّا الْقَادَةُ فَلَيْسَ فِيهِمْ مُؤْمِنٌ وَ لَا نَجِيبٌ وَ لَا نَاجٍ.
وَ السَّابِعَةُ: يَوْمَ حَمَلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي الْعَقَبَةِ، وَ هُمْ
____________
(1) سقط لفظ الجلالة من مطبوع البحار.
(2) في (س): بغيظ.
(3) لا توجد: يومئذ، في المصدر، و وضع عليها في (س) رمز نسخة بدل.
(4) في (س): يجمع.
(5) في المصدر: حصن.
(6) في (س): فلا تطيب.
522
اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَ خَمْسَةٌ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ، فَلَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مَنْ عَلَى الْعَقَبَةِ غَيْرَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ نَاقَتِهِ وَ سَائِقِهِ وَ قَائِدِهِ.
قال الصدوق (رحمه اللّه): جاء هذا الخبر هكذا، و الصحيح أنّ أصحاب العقبة كانوا أربعة عشر.
بيان:
أقول: سيأتي مثله في احتجاج الحسن (عليه السلام) على معاوية (1).
قوله: و الرابعة، يوم الخندق.
أقول: سيأتي في السادسة يوم الأحزاب و هما متّحدان، و لعلّ التكرار لتكرّر اللعن بجهتين، أو الأول لبيان لعن اللّه تعالى إيّاهم و تسميتهم كفّارا، و الثاني لبيان لعن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و فيما سيأتي من احتجاج الحسن (عليه السلام)، و الرابعة: يوم حنين، و هو بعيد من جهتين:
الأولى: أنّ أبا سفيان في غزوة حنين كان مع عسكر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).
و الثانية: أنّ الآية نزلت في الأحزاب، و لعلّه لتوهّم التكرار صحّفه الرواة و النسّاخ، و فيما سيأتي هكذا:
و السابعة: يوم الثنية، يوم شدّ على رسول اللّه ص اثنا عشر رجلا سبعة منهم من بني أميّة و خمسة من سائر قريش.
، و لعلّه أقرب، و ما ذكره الصدوق (رحمه اللّه) يمكن أن يكون لإحدى العقبتين، فإنّ ظاهر الأخبار أنّ المنافقين كمنوا له (صلّى اللّه عليه و آله) في عقبة تبوك مرّة، و في عقبة الغدير عند الرجوع من حجّة الوداع أخرى، و اللّه يعلم.
21- ل (2): أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّقْرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الزَّعْفَرَانِيِّ، عَنْ
____________
(1) بحار الأنوار 43- 331- نوادر من احتجاجاته (سلام اللّه عليه)-.
(2) الخصال 1- 191، بتفصيل في السّند.
523
أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي غَسَّانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَرْثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ الزُّبَيْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَكِبَ بَعِيراً لَهُ وَ مُعَاوِيَةُ يَقُودُهُ وَ يَزِيدُ يَسُوقُ بِهِ، فَلَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) الرَّاكِبَ وَ الْقَائِدَ وَ السَّائِقَ.
22- ص (1): بِالْإِسْنَادِ إِلَى الصَّدُوقِ، بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: دَخَلَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) يَوْماً، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ص ! أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ شَيْءٍ؟. فَقَالَ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنْ شِئْتَ أَخْبَرْتُكَ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَنِي.
قَالَ: افْعَلْ. قَالَ: أَرَدْتَ أَنْ تَسْأَلَ عَنْ مَبْلَغِ عُمُرِي؟. فَقَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ص . فَقَالَ: إِنِّي أَعِيشُ ثَلَاثاً وَ سِتِّينَ سَنَةً. فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ صَادِقٌ. فَقَالَ (صلّى اللّه عليه و آله): بِلِسَانِكَ دُونَ قَلْبِكَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَ اللَّهِ مَا كَانَ إِلَّا مُنَافِقاً، قَالَ: وَ لَقَدْ كُنَّا فِي مَحْفِلٍ فِيهِ أَبُو سُفْيَانَ وَ قَدْ كُفَّ بَصَرُهُ وَ فِينَا عَلِيٌّ (صلوات اللّه عليه) فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَلَمَّا قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: هَاهُنَا مَنْ يُحْتَشَمُ (2)؟.
قَالَ وَاحِدٌ مِنَ الْقَوْمِ: لَا. فَقَالَ: لِلَّهِ دَرُّ أَخِي بَنِي هَاشِمٍ، انْظُرُوا أَيْنَ وَضَعَ اسْمَهُ؟. فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): أَسْخَنَ اللَّهُ عَيْنَكَ (3) يَا أَبَا سُفْيَانَ، اللَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: (وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ) (4). فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَسْخَنَ اللَّهُ عَيْنَ مَنْ قَالَ لِي لَيْسَ هَاهُنَا مَنْ يُحْتَشَمُ.
23- شي، تفسير العياشي (5): عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي قَوْلِ
____________
(1) قصص الأنبياء: خطّيّ لم نحصل على نسخة جيّدة.
(2) قال في القاموس 4- 96: الحشمة- بالكسر-: الحياء و الانقباض، احتشم منه و عنه و حشمه و أحشمه: أخجله، و أن يجلس إليك الرّجل فتؤذيه و تسمعه ما يكره.
(3) قال في القاموس 4- 233: سخنة العين .. نقيض قرّتها .. و أسخن اللّه عينه و بعينه: أبكاه.
(4) الانشراح: 4.
(5) تفسير العيّاشيّ 1- 360 حديث 23.
524
اللَّهِ: (فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ ...) (1) قَالَ: لَمَّا تَرَكُوا وَلَايَةَ عَلِيٍّ (عليه السلام) وَ قَدْ أُمِرُوا بِهَا (أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ) (2) قَالَ: نَزَلَتْ فِي وُلْدِ الْعَبَّاسِ (3).
بيان: لعلّ المعنى نزلت في استيلاء ولد العبّاس على بني أميّة ليوافق الخبر التالي (4)، مع أنّه يحتمل نزولها فيهما و في أمثالهما، و يكون انطباقها على بني أميّة أظهر فلذا خصّت بهم في الخبر الثاني (5)، و الحاصل أنّه ذكر في كلّ مقام ما يناسبه من مورد نزول الآية، و أكثر الأخبار الواردة في تأويل الآيات كذلك.
24- شي، تفسير العياشي (6): عَنْ مَنْصُورِ بْنِ يُونُسَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي قَوْلِ اللَّهِ: (فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ ...) إِلَى قَوْلِهِ: (فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ) (7) قَالَ: أَخَذَ بَنِي أُمَيَّةَ بَغْتَةً وَ يُؤْخَذُ بَنُو الْعَبَّاسِ جَهْرَةً (8).
25- شي، تفسير العياشي (9): عَنْ مُسْلِمٍ الْمَشُوفِ (10)، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ: (وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ) (11)، قَالَ: هُمَا الْأَفْجَرَانِ مِنْ قُرَيْشٍ: بَنُو أُمَيَّةَ وَ بَنُو الْمُغِيرَةِ (12).
____________
(1) الأنعام: 44.
(2) الأنعام: 44. و قد ذكر في المصدر الآية التّالية لها، و هي: ( «فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ»).
(3) و لاحظ: تفسير البرهان 1- 526، و تفسير الصّافي 1- 517 [2- 121].
(4) في (ك): الثاني.
(5) كذا، و الظاهر: التالي، كما مرّ.
(6) تفسير العيّاشيّ 1- 360 حديث 24.
(7) الأنعام: 44.
(8) و انظر: تفسير البرهان 1- 526، و تفسير الصّافي 1- 517 [2- 121]، و إثبات الهداة 5- 426.
(9) تفسير العيّاشيّ 2- 230 حديث 28.
(10) كذا، و في المصدر: المشوب، و في تفسير البرهان: معصم المسرف.
(11) إبراهيم: 28.
(12) و لاحظ: تفسير البرهان 2- 318.
525
26- شي، تفسير العياشي (1): عَنْ جَرِيرٍ (2)، عَمَّنْ سَمِعَ أَبَا (3) جَعْفَرٍ (عليه السلام) (وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً) لَهُمْ لِيَعْمَهُوا فِيهَا (وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ) (4) يَعْنِي بَنِي أُمَيَّةَ (5).
27- شي، تفسير العياشي (6): عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: كُنْتُ بِمَكَّةَ، فَقَدِمَ عَلَيْنَا مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ، فَقَالَ: قَالَ (7) لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): إِنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) قَالَ لِعُمَرَ: يَا أَبَا حَفْصٍ! أَ لَا (8) أُخْبِرُكَ بِمَا نَزَلَ فِي بَنِي أُمَيَّةَ؟. قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّهُ نَزَلَ فِيهِمْ: (وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ) (9). فَغَضِبَ عُمَرُ، وَ قَالَ: كَذَبْتَ، بَنُو أُمَيَّةَ خَيْرٌ مِنْكَ وَ أَوْصَلُ لِلرَّحِمِ (10)..
28- شي، تفسير العياشي (11): عَنِ الْحَلَبِيِّ، عَنْ (12) زُرَارَةَ وَ حُمْرَانَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالُوا: سَأَلْنَاهُ عَنْ قَوْلِهِ: (وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ ...) (13)، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أُرِيَ أَنَّ رِجَالًا عَلَى الْمَنَابِرِ وَ (14) يَرُدُّونَ النَّاسَ ضُلَّالًا زُرَيْقٌ (15)
____________
(1) تفسير العيّاشيّ 2- 297 حديث 93.
(2) في المصدر: حريز.
(3) في التّفسير: عن أبي ..
(4) الإسراء: 60.
(5) و لاحظ: تفسير البرهان 2- 424- 425، و تفسير الصّافي 1- 975 [3- 199].
(6) تفسير العيّاشيّ 2- 297 حديث 94.
(7) لا توجد: قال، في المصدر.
(8) في (س) لا توجد: يا أبا حفص، أ لا ..
(9) الإسراء: 60، و بعده كلمة: قال، جاءت في المصدر.
(10) و انظر: تفسير البرهان 2- 424- 425، و تفسير الصّافي 1- 975 [3- 199].
(11) تفسير العيّاشيّ 2- 297- 298 حديث 95.
(12) في (س) وضع على عن: واو، ثمّ رمز الاستظهار (ظ) أي كون الظّاهر الواو بدلا من: عن، و لعلّه لاتّحاد الطّبقة، فتأمّل.
(13) الإسراء: 60.
(14) لا توجد الواو في المصدر.
(15) في المصدر: رزيق.
526
وَ زُفَرُ، وَ قَوْلِهِ: (وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ) (1). قَالَ: هُمْ بَنُو أُمَيَّةَ (2)..
وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى (3) عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَدْ رَأَى رِجَالًا مِنْ نَارٍ عَلَى مَنَابِرَ وَ (4) يَرُدُّونَ النَّاسَ عَلَى أَعْقَابِهِمُ الْقَهْقَرَى، وَ لَسْنَا نُسَمِّي (5) أَحَداً (6).
وَ فِي رِوَايَةِ سَلَامٍ الْجُعْفِيِ (7)، عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّا لَا نُسَمِّي الرِّجَالَ بِأَسْمَائِهِمْ وَ لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) رَأَى قَوْماً عَلَى مِنْبَرِهِ يُضِلُّونَ النَّاسَ بَعْدَهُ عَنِ (8) الصِّرَاطِ الْقَهْقَرَى
. 29- شي، تفسير العياشي (9): عَنْ قَاسِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَوْماً حَاسِراً حَزِيناً، فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟!. فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ صِبْيَانَ بَنِي أُمَيَّةَ يَرْقَوْنَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا، فَقُلْتُ:
يَا رَبِّي! مَعِي؟. فَقَالَ: لَا، وَ لَكِنْ بَعْدَكَ (10).
بيان: قوله (عليه السلام): حاسرا .. أي كاشفا (11) عن ذراعيه، أو من الحسرة و إن كان الغالب فيه الحسير، و الحاسر أيضا من لا مغفر له و لا درع و لا جنّة (12).
____________
(1) الإسراء: 60.
(2) و قد جاء في تفسير البرهان 2- 425، و تفسير الصّافي 1- 975 [3- 199].
(3) جاءت في تفسير العيّاشيّ 2- 298 حديث 96.
(4) في المصدر: من نار، بدلا من: الواو.
(5) في (ك): تسمى.
(6) و لاحظ: تفسير البرهان 2- 425، و تفسير الصّافي 1- 975 [3- 200].
(7) تفسير العيّاشيّ 2- 298 حديث 97.
(8) في المصدر: على، بدلا من: عن. و في (ك) نسخة بدل: من بعده.
(9) تفسير العيّاشيّ 2- 298 حديث 98.
(10) و جاء في تفسير الصّافي 1- 975 [3- 200]، و تفسير البرهان 2- 425.
(11) قاله في القاموس 2- 8، و النهاية 1- 383، و الصحاح 2- 629.
(12) نصّ عليه في القاموس 2- 9، و قال في الصحاح 2- 629: الحاسر: الذي لا مغفر له و لا درع. و مثله في النهاية 1- 383.
527
30- شي، تفسير العياشي (1): عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: كُنْتُ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، فَسَمِعْتُ عَلِيّاً (عليه السلام) يَقُولُ- وَ هُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ- وَ نَادَاهُ ابْنُ الْكَوَّاءِ وَ هُوَ فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: (وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ) (2)، فَقَالَ: الْأَفْجَرَانِ مِنْ قُرَيْشٍ وَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ (3)..
بيان: لعلّ المراد بالأفجرين هنا الأول و الثاني، فقوله: و من بني أميّة .. أي و جماعة من بني أميّة، و يحتمل أن يكون كما مرّ، فصحّف.
31- شي، تفسير العياشي (4): عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْقَصِيرِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ: (وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ ...) (5)، قَالَ: أَرَى رِجَالًا مِنْ بَنِي تَيْمٍ وَ عَدِيٍّ عَلَى الْمَنَابِرِ يَرُدُّونَ النَّاسَ عَنِ الصِّرَاطِ الْقَهْقَرَى. قُلْتُ: (وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ) (6). قَالَ: هُمْ بَنُو أُمَيَّةَ، يَقُولُ اللَّهُ: (وَ نُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً) (7)..
32- شي، تفسير العياشي (8): عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَشَلِّ، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: (وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ...) الْآيَاتِ (9)، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) نَامَ فَرَأَى أَنَّ بَنِي أُمَيَّةَ يَصْعَدُونَ الْمَنَابِرَ، فَكُلَّمَا صَعِدَ مِنْهُمْ رَجُلٌ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) الذِّلَّةَ وَ الْمَسْكَنَةَ، فَاسْتَيْقَظَ جَزُوعاً مِنْ
____________
(1) تفسير العيّاشيّ 2- 298 حديث 99.
(2) الإسراء: 60.
(3) و أورده صاحب تفسير البرهان 2- 425، و الصّافي 1- 975.
(4) تفسير العيّاشيّ 2- 298 حديث 100.
(5) الإسراء: 60.
(6) الإسراء: 60.
(7) الإسراء: 60.
(8) تفسير العيّاشيّ 2- 298 حديث 101.
(9) الإسراء: 60، و في المصدر: الآية.
528
ذَلِكَ، وَ كَانَ الَّذِينَ رَآهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، فَأَتَاهُ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) بِهَذِهِ الْآيَةِ، ثُمَّ قَالَ جَبْرَئِيلُ: إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئاً إِلَّا مَلَكَ أَهْلُ الْبَيْتِ ضِعْفَيْهِ (1).
بيان: لعلّ التخصيص بالاثني عشر لعدم (2) الاعتناء بشأن بعضهم ممّن كان ملكه قليلا، و كان أقلّ ضررا على المسلمين كمعاوية بن يزيد و مروان بن محمد لأنّهم كانوا أكثر من اثني عشر، إذ (3) كان أوّل ملوكهم عثمان، ثم معاوية، ثم يزيد بن معاوية، ثم معاوية بن يزيد، ثم مروان بن الحكم، ثم عبد الملك بن مروان، ثم الوليد بن عبد الملك، ثم سليمان بن عبد الملك، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك، ثم الوليد بن يزيد بن عبد الملك، ثم يزيد بن الوليد الناقص، ثم إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، ثم مروان بن محمد.
33- شي، تفسير العياشي (4): عَنْ زُرَارَةَ، قَالَ: كَانَ يُوسُفُ بْنُ (5) الْحَجَّاجِ صَدِيقاً لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام)، وَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَضُمَّهَا- أَعْنِي أُمَّ الْحَجَّاجِ-، قَالَ: فَقَالَتْ (6) لَهُ: (7) إِنَّمَا عَهْدُكَ بِذَاكَ السَّاعَةَ. قَالَ: فَأَتَى عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) فَأَخْبَرَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُمْسِكَ عَنْهَا، فَأَمْسَكَ عَنْهَا، فَوَلَدَتْ
____________
(1) و جاء في تفسير الصّافي 1- 975 [3- 200]، و تفسير البرهان 2- 425، و الكلمة الأخيرة مشوّشة في (س).
(2) في (س): عدم.
(3) في (س): إذا.
(4) تفسير العيّاشيّ 2- 299 حديث 103.
(5) في المصدر: أبو الحجّاج، و جاء في (س) عليها رمز نسخة بدل.
(6) في (س): فقال.
(7) في المصدر زيادة: أ ليس.
529
بِالْحَجَّاجِ وَ هُوَ ابْنُ شَيْطَانِ ذِي الرَّدْهَةِ (1).
بيان: إنّما عهدك (2) بذلك .. أي بالجماع، و إنّما قالت ذلك لأنّ الشيطان كان قد أتاها قبل ذلك بصورة يوسف، و شيطان الردهة وقع في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في مواضع.
34- قب (3): حَدَّثَنِي ابْنُ كَادِشٍ فِي تَكْذِيبِ الْعِصَابَةِ الْعَلَوِيَّةِ فِي ادِّعَائِهِمُ الْإِمَامَةَ النَّبَوِيَّةَ: أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) رَأَى الْعَبَّاسَ فِي ثَوْبَيْنِ أَبْيَضَيْنِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَأَبْيَضُ الثَّوْبَيْنِ، وَ هَذَا جَبْرَئِيلُ يُخْبِرُنِي أَنَّ وُلْدَهُ يَلْبَسُونَ السَّوَادَ.
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي كِتَابِ صِفِّينَ: أَنَّهُ نَشَرَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فِي يَوْمِ صِفِّينَ رَايَةً سَوْدَاءَ .. الْخَبَرَ.
- وَ فِي أَخْبَارِ دِمَشْقَ: عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيِّ، قَالَ ثَوْبَانُ: قَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): يَكُونُ لِبَنِي الْعَبَّاسِ رَايَتَانِ مَرْكَزُهُمَا كُفْرٌ وَ أَعْلَاهُمَا ضَلَالَةٌ، إِنْ أَدْرَكْتَهُمَا (4)- يَا ثَوْبَانُ- فَلَا تَسْتَظِلَّ بِظِلِّهِمَا (5).
أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: أَوَّلُ الرَّايَاتِ السُّودِ نَصْرٌ، وَ أَوْسَطُهَا غَدْرٌ، وَ آخِرُهَا كُفْرٌ، فَمَنْ أَعَانَهُمْ كَانَ كَمَنْ أَعَانَ فِرْعَوْنَ عَلَى مُوسَى.
- تَارِيخُ بَغْدَادَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): إِذَا أَقْبَلَتِ الرَّايَاتُ السُّودُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ فَإِنَّ أَوَّلَهَا فِتْنَةٌ، وَ أَوْسَطَهَا هَرْجٌ، وَ آخِرَهَا ضَلَالَةٌ.
أَخْبَارُ دِمَشْقَ: عَنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) أَبُو أُمَامَةَ فِي خَبَرٍ: أَوَّلُهَا
____________
(1) و جاء في تفسير البرهان 2- 426.
(2) في (ك): عهد- بلا ضمير-.
(3) المناقب لابن شهرآشوب 3- 300.
(4) في (س): أدركتها، و وضع عليها: كذا، و جاءت في المصدر كذلك.
(5) في (س): بظلّها، و وضع عليها: كذا، و جاءت في المصدر كذلك.
530
مَنْشُورٌ، وَ آخِرُهَا مَثْبُورٌ (1).
تَارِيخُ الطَّبَرِيِّ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامَ أَنْفَذَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ لِوَاءَ النُّصْرَةِ وَ ظِلَّ السَّحَابِ، وَ كَانَ أَبْيَضَ، طُولُهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ ذِرَاعاً (2)، مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا بِالْحِبْرِ: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (3)، فَأَمَرَ أَبُو مُسْلِمٍ غُلَامَهُ أَرْقَمَ أَنْ يَتَحَوَّلَ بِكُلِّ لَوْنٍ مِنَ الثِّيَابِ، فَلَمَّا لَبِسَ السَّوَادَ قَالَ: مَعَهُ هَيْبَةٌ، فَاخْتَارَهُ خِلَافاً لِبَنِي أُمَيَّةَ وَ هَيْبَةً لِلنَّاظِرِ، وَ كَانُوا يَقُولُونَ: هَذَا السَّوَادُ حِدَادُ آلِ مُحَمَّدٍ، وَ شُهَدَاءِ كَرْبَلَاءَ، وَ زَيْدٍ وَ يَحْيَى.
35- ني (4): عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنِ الْبَرْقِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (5)، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): لَا بُدَّ مِنْ وَيْلٍ لِوُلْدِي مِنْ وُلْدِكَ (6)، وَ وَيْلٌ لِوُلْدِكَ مِنْ وُلْدِي!. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (7)! أَ فَلَا أَجُبُّ نَفْسِي؟. فَقَالَ لِي: عِلْمُ اللَّهِ قَدْ مَضَى وَ الْأُمُورُ بِيَدِ اللَّهِ، وَ إِنَّ الْأَمْرَ فِي وُلْدِي (8)..
36- ني (9): مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَابُنْدَادَ (10)، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ هِلَالٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحِمْيَرِيِ (11)، عَنْ أَبِيهِ،
____________
(1) في (س): مبثور.
(2) في المناقب: زرّاعا، و هو غلط.
(3) الحجّ: 39.
(4) كتاب الغيبة للنّعمانيّ: 248 حديث 2، بتفصيل في السّند.
(5) في المصدر زيادة: قال، و هو الظّاهر.
(6) جاءت العبارة في المصدر هكذا: لأبي: يا عبّاس! ويل لذرّيّتي من ولدك.
(7) في المصدر زيادة: أجتنب النّساء، أو قال: ..
(8) و العبارة في الغيبة هكذا: قال: إن علم اللّه عزّ و جلّ قد مضى، و الأمور بيده، و إنّ الأمر سيكون في ولده.
(9) الغيبة للنّعمانيّ: 249- 250 حديث 4، بتفصيل في الإسناد.
(10) في المصدر: مابنداذ.
(11) في الغيبة: الجريريّ.
531
عَنْ أَبِي صَادِقٍ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، أَنَّهُ قَالَ: مُلْكُ بَنِي الْعَبَّاسِ عُسْرٌ عُسْرٌ لَيْسَ فِيهِ يُسْرٌ، تَمْتَدُّ فِيهِ دَوْلَتُهُمْ (1)، لَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمُ التُّرْكُ وَ الدَّيْلَمُ وَ السِّنْدُ وَ الْهِنْدُ لَمْ يُزِيلُوهُمْ (2)، وَ لَا يَزَالُونَ يَتَمَرَّغُونَ وَ يَتَنَعَّمُونَ (3) فِي غَضَارَةٍ مِنْ مُلْكِهِمْ حَتَّى يَشِذَّ (4) عَنْهُمْ مَوَالِيهِمْ وَ أَصْحَابُ أَلْوِيَتِهِمْ (5)، وَ يُسَلِّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عِلْجاً يَخْرُجُ مِنْ حَيْثُ بَدَأَ مُلْكُهُمْ، لَا يَمُرُّ بِمَدِينَةٍ إِلَّا فَتَحَهَا، وَ لَا تُرْفَعُ لَهُ رَايَةٌ إِلَّا هَدَّهَا، وَ لَا نِعْمَةٌ إِلَّا أَزَالَهَا، الْوَيْلُ لِمَنْ نَاوَاهُ، فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَظْفَرَ وَ يُدْفَعَ (6) إِلَى رَجُلٍ مِنْ عِتْرَتِي يَقُولُ بِالْحَقِّ وَ يَعْمَلُ بِهِ.
قال النعماني: يقول أهل اللغة: العلج: الكافر، و العلج: الجافي في الخلقة، و العلج: اللئيم، و العلج: الشديد في أمره.
- و قال أمير المؤمنين عليّ (7) (عليه السلام) لرجلين كانا عنده: إنّكما علجان فعالجا عن (8) دينكما.
، و كانا من العرب.
بيان:
قَالَ فِي النِّهَايَةِ (9)،
- فِي (10) حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع): «أَنَّهُ بَعَثَ رَجُلَيْنِ فِي وَجْهٍ وَ قَالَ:
إِنَّكُمَا عِلْجَانِ فَعَالِجَا عَنْ دِينِكُمَا».
العلج: الرّجل القويّ الضّخم، و عالجا .. أي
____________
(1) لا يوجد في المصدر من قوله: عسر عسر .. إلى هنا، و فيه: يسر لا عسر فيه، و جاء في (س): عشر عشر، و هو غلط، كما حذفت منه: فيه.
(2) في الغيبة بدلا من: لم يزيلوهم: و البربر و الطّيلسان لن يزيلوه.
(3) لا يوجد في المصدر: يتمرّغون و يتنعّمون.
(4) في (ك): يشد.
(5) في المصدر: دولتهم، و ما هنا جاء نسخة هناك.
(6) في الغيبة زيادة: بظفره.
(7) في المصدر زيادة: بن أبي طالب.
(8) في المصدر العبارة: تعالجان غيبه عن.
(9) النّهاية 3- 286، و بلفظه في لسان العرب 2- 326- 327.
(10) في المصدر: منه، بدلا من: في.
532
مارسا العمل الّذي ندبتكما إليه و اعملا به. و قال: العلج: الرّجل من كفّار العجم و غيرهم.
و في القاموس (1): العلج- بالكسر-: العير ..، و حمار الوحش السّمين القويّ، و الرّغيف الغليظ الحرف و الرّجل من كفّار العجم .. و رجل علج ككتف و صرد و سكّر (2)- شديد صريع معالج للأمور. انتهى.
و لعلّه (رحمه اللّه) إنّما ذكر هذه المعاني لاستبعاد أن يكون من يأخذ الحقّ منهم و يعطي صاحب الحقّ من الكفّار، و كان ذلك قبل انقراض دولتهم، و الآن ظهر أنّ من استأصلهم كان هلاكو، و كان من الكفّار.
و أمّا قوله (عليه السلام) يدفع- فعلى البناء للمجهول- .. أي ثم يدفع إلى القائم (عليه السلام) و لو بعد حين، و يحتمل أن يكون من الأخبار البدائية.
37- كا (3): الْعِدَّةُ، عَنِ الْبَرْقِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى، عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ رَفَعَهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ نَزَعَ الشَّهْوَةَ مِنْ رِجَالِ بَنِي أُمَيَّةَ وَ جَعَلَهَا فِي نِسَائِهِمْ وَ كَذَلِكَ فَعَلَ بِشِيعَتِهِمْ، وَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ نَزَعَ الشَّهْوَةَ مِنْ نِسَاءِ بَنِي هَاشِمٍ وَ جَعَلَهَا فِي رِجَالِهِمْ، وَ كَذَلِكَ فَعَلَ بِشِيعَتِهِمْ.
38- كا (4): الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْمُعَلَّى، عَنِ الْوَشَّاءِ، عَنْ أَبَانٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنْ حُجْرَتِهِ وَ مَرْوَانُ وَ أَبُوهُ يَسْتَمِعَانِ إِلَى حَدِيثِهِ، فَقَالَ لَهُ: الْوَزَغُ بْنُ الْوَزَغِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): فَمِنْ يَوْمِئِذٍ يَرَوْنَ أَنَّ الْوَزَغَ يَسْمَعُ الْحَدِيثَ.
____________
(1) القاموس 1- 200، و بنصّه في لسان العرب 2- 326- 327.
(2) في المصدر: خلّر.
(3) الكافي 5- 564 حديث 35، مع تفصيل في الإسناد. و تقديم و تأخير.
(4) الكافي- الرّوضة- 8- 238 حديث 323، مع تفصيل في الإسناد.
533
39- كا (1): بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ، عَنْ أَبَانٍ، عَنْ زُرَارَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: لَمَّا وُلِدَ مَرْوَانُ عَرَضُوا بِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنْ يَدْعُوَ لَهُ، فَأَرْسَلُوا بِهِ إِلَى عَائِشَةَ لِيَدْعُوَ لَهُ، فَلَمَّا قَرَّبَتْهُ مِنْهُ، قَالَ: أَخْرِجُوا عَنِّي الْوَزَغَ بْنَ الْوَزَغِ. قَالَ زُرَارَةُ: وَ لَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَ لَعَنَهُ.
40- كا (2): بِالْإِسْنَادِ عَنْ أَبَانٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمَكِّيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: إِنَّ عُمَرَ لَقِيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، فَقَالَ: أَنْتَ الَّذِي تَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ) (3) تَعَرُّضاً بِي وَ بِصَاحِبِي؟!. قَالَ: أَ فَلَا أُخْبِرُكَ بِآيَةٍ نَزَلَتْ فِي بَنِي أُمَيَّةَ: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ) (4). فَقَالَ: كَذَبْتَ، بَنُو أُمَيَّةَ أَوْصَلُ لِلرَّحِمِ مِنْكَ، وَ لَكِنَّكَ أَبَيْتَ إِلَّا عَدَاوَةً لِبَنِي تَيْمٍ وَ عَدِيٍّ وَ بَنِي أُمَيَّةَ (5)..
41- كا (6): مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِي عِيسَى (7) وَ أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ جَمِيعاً، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَدِيدٍ، عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ، عَنْ زُرَارَةَ، قَالَ: كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَذَكَرَ بَنِي أُمَيَّةَ وَ دَوْلَتَهُمْ، فَقَالَ (8) لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: إِنَّمَا نَرْجُو أَنْ تَكُونَ صَاحِبَهُمْ وَ أَنْ يُظْهِرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ هَذَا الْأَمْرَ عَلَى يَدِكَ (9). فَقَالَ: مَا أَنَا بِصَاحِبِهِمْ وَ لَا يَسُرُّنِي أَنْ أَكُونَ صَاحِبَهُمْ، إِنَّ أَصْحَابَهُمْ أَوْلَادُ الزِّنَا، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ
____________
(1) الكافي- الرّوضة- 8- 238 حديث 324، مع تفصيل في الإسناد.
(2) الكافي- الرّوضة- 8- 239 حديث 325، مع تفصيل في الإسناد.
(3) القلم: 6.
(4) محمّد ص : 22.
(5) و جاءت أيضا في الرّوضة من الكافي 8- 103 حديث 76.
(6) الكافي- الرّوضة- 8- 341 حديث 538، مع تفصيل في الإسناد، و قليل من الاختلاف.
(7) في المصدر: ابن عيسى.
(8) في (ك): و قال.
(9) في الكافي: يديك.
534
سِنِينَ وَ لَا أَيَّاماً أَقْصَرَ مِنْ سِنِيهِمْ وَ أَيَّامِهِمْ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَأْمُرُ الْمَلَكَ الَّذِي فِي يَدِهِ الْفَلَكُ فَيَطْوِيهِ طَيّاً.
42- كا (1): عَلِيٌّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: وُلْدُ الْمِرْدَاسِ مَنْ تَقَرَّبَ مِنْهُمْ أَكْفَرُوهُ، وَ مَنْ تَبَاعَدَ مِنْهُمْ أَفْقَرُوهُ، وَ مَنْ نَاوَاهُمْ قَتَلُوهُ، وَ مَنْ تَحَصَّنَ مِنْهُمْ أَنْزَلُوهُ، وَ مَنْ هَرَبَ مِنْهُمْ أَدْرَكُوهُ حَتَّى يَنْقَضِيَ (2) دَوْلَتُهُمْ.
بيان: التعبير عن ولد العباس بولد (3) مرداس كناية بعيدة- لشدّة التقية- لابن عباس بن مرداس، من الصحابة، فروعي لاشتراك الاسم بين العبّاسين.
أقول: قد مرّت الأخبار الكثيرة في لعن بني أميّة في أبواب الآيات النازلة في الأئمّة (عليهم السلام) لا سيّما في باب تأويل الإيمان بهم (عليهم السلام) و الشرك بأعدائهم (4)، و تأويل آية النور (5)، و سيأتي في خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد البيعة و سائر أبواب هذا المجلد (6)، و في باب احتجاج الحسن (عليه السلام) على معاوية (7).
____________
(1) الكافي- الرّوضة- 8- 341- 342 حديث 539، بتفصيل في الإسناد.
(2) في المصدر: تنقضي.
(3) في (ك): بن.
(4) بحار الأنوار 51- 46.
(5) في (س) جملة: و سيأتي تأويل آية النور، و حذفت في (ك)، و هو الظاهر.
انظر: بحار الأنوار 9- 228 و 23- 207، 363 و 364 و 51- 48، و 53- 56.
(6) بحار الأنوار 41- 349.
(7) بحار الأنوار 43- 353، 44- 43. و انظر ما ذكره شيخنا الأميني في غديره 8- 248- 251 و 288.
535
43- مد (1): مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِ (2)، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: كُنْتُ جَالِساً مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) (3) بِالْمَدِينَةِ وَ مَعَنَا مَرْوَانُ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ الصَّادِقَ الصِّدِّيقَ (4) يَقُولُ: هَلَاكُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ غِلْمَةِ قُرَيْشٍ (5). فَقَالَ مَرْوَانُ: غِلْمَةٌ؟!.
فَقَالَ (6) أَبُو هُرَيْرَةَ: لَوْ شِئْتُ أَنْ أَقُولَ بَنِي فُلَانٍ وَ بَنِي فُلَانٍ لَفَعَلْتُ (7)، وَ كُنْتُ أَخْرُجُ مَعَ جَدِّي إِلَى بَنِي مَرْوَانَ حِينَ مُلِّكُوا الشَّامَ فَإِذَا (8) رَآهُمْ غِلْمَانَ أَحْدَاثاً، قَالَ لَنَا:
عَسَى هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونُوا مِنْهُمْ!. قُلْتُ (9): أَنْتَ أَعْلَمُ..
وَ مِنْ (10) صَحِيحِ مُسْلِمٍ (11)، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي النَّبَّاحِ (12)، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)، قَالَ: يُهْلِكُ أُمَّتِي هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ. قَالُوا: فَمَا (13) تَأْمُرُنَا؟. قَالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ اعْتَزَلُوهُمْ..
____________
(1) العمدة لابن بطريق: 469- 470 حديث 814، مع اختلاف كبير.
(2) صحيح البخاريّ- كتاب الفتن 9- 47.
(3) في المصدر زيادة: يوما.
(4) في العمدة: المصدّق.
(5) في المصدر: من قريش.
(6) في العمدة: مروان لعنة اللّه عليهم غلمة قال.
(7) في المصدر زيادة: من بني فلان و بني فلان فعلت قال: ..
(8) في المصدر: مع جدّي سعيد إلى الشّام حين هلك بني مروان فإذا ..
(9) في العمدة: هؤلاء الّذين عناهم أبو هريرة!. فقلت ..
(10) كما جاء في العمدة لابن بطريق: 452- حديث 941.
(11) صحيح مسلم- كتاب الفتن- 8- 186.
(12) في المصدر: أبي التّيّاح.
(13) في (ك) نسخة بدل: و ما.
536
وَ رَوَى مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ (1) مِثْلَهُ (2).
44- مد (3): مِنْ تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: (وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) (4)، قَالَ: أُرِيَ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى الْمَنَابِرِ فَسَاءَهُ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا الدُّنْيَا يُعْطُونَهَا، فَنَزَلَ عَلَيْهِ: (إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) قَالَ: بَلَاءً لِلنَّاسِ (5).
وَ بِإِسْنَادِهِ أَيْضاً (6)، عَنِ الْمُهَلَّبِيِ (7)، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بَنِي أُمَيَّةَ يَنْزُونَ عَلَى مِنْبَرِهِ نَزْوَ الْقِرَدَةِ فَسَاءَهُ (8)، فَمَا اسْتَجْمَعَ ضَاحِكاً حَتَّى مَاتَ، فَأَنْزَلَ (9) اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي ذَلِكَ: (وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ) (10).
بيان: قوله: فما استجمع ضاحكا .. أي لم يضحك ضحكا تامّا.
قال الطّيبي في قوله: مستجمعا ضاحكا: المستجمع: المستجدّ للشيء القاصد له، أي ضاحكا كلّ الضحك.
____________
(1) الجمع بين الصّحيحين للحميديّ، و لا نعلم بطبعه إلى الآن كما ذكرنا ذلك مكرّرا.
(2) كما ذكره ابن بطريق في العمدة: 456 حديث 954.
(3) العمدة: 452 ذيل حديث 942.
(4) الإسراء: 60.
(5) في المصدر: يعطونها، فسرى عنه. فتنة النّاس قال: بلاء النّاس.
و قد أورده السّيوطيّ في الدّرّ المنثور 4- 191، و غيره.
(6) كما في العمدة: 453 حديث 943.
(7) في المصدر: البهلي.
(8) في العمدة زيادة: ذلك.
(9) في المصدر: و أنزل.
(10) الإسراء: 60.
أقول: رؤيا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لبني أميّة على منبره جاء في بحار الأنوار 28- 77 حديث 36، و الكافي 4- 159، 8- 445، و سنن التّرمذيّ حديث 3408، و منتخب كنز العمّال 5- 399، و شرح النّهج لابن أبي الحديد 1- 372 و غيرها كثير.
537
45- مد (1): عَنِ الثَّعْلَبِيِ (2)، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
(... الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَ بِئْسَ الْقَرارُ) (3). قَالَ: هُمَا الْأَفْجَرَانِ مِنْ قُرَيْشٍ بَنُو الْمُغِيرَةِ وَ بَنُو أُمَيَّةَ، فَأَمَّا بَنُو الْمُغِيرَةِ فَكُفِيتُمُوهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وَ أَمَّا بَنُو أُمَيَّةَ فَمُتِّعُوا إِلَى حِينٍ (4).
وَ قَالَ الثَّعْلَبِيُ (5) أَيْضاً (6) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ) (7) نَزَلَتْ فِي بَنِي أُمَيَّةَ (8) وَ بَنِي هَاشِمٍ (9).
46- مد (10) مِنْ مُسْنَدِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ (11)، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)، قَالَ: إِذَا بَلَغَ آلُ أَبِي الْعَاصِ ثَلَاثِينَ رَجُلًا اتَّخَذُوا مَالَ اللَّهِ دُوَلًا، وَ عِبَادَهُ خَوَلًا، وَ دِينَهُ دَخَلًا.
وَ ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُ (12) فِي الْفَائِقِ (13) فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِذَا بَلَغَ (14) بَنُو الْعَاصِ ثَلَاثِينَ رَجُلًا كَانَ مَالُ اللَّهِ دُوَلًا، وَ عِبَادُهُ خَوَلًا (15).
____________
(1) العمدة لابن بطريق: 453 ذيل حديث 944، باختلاف يسير.
(2) في تفسيره 2- 281، و لم ترد الرّواية هناك ذيل الآية.
(3) إبراهيم: 28- 29.
(4) و أورده السّيوطيّ في الدّرّ المنثور 4- 84.
(5) تفسير الثّعلبيّ 4- 167.
(6) ذكره ابن بطريق في العمدة: 454 حديث 946.
(7) محمّد ص : 22.
(8) و جاء إلى هنا في غاية المرام: 445 نقلا عن الثّعلبيّ.
(9) لا توجد: و بني هاشم، في المصادر السّالفة.
(10) العمدة لابن بطريق: 471 حديث 992.
(11) مسند أحمد بن حنبل 3- 80، عن مسند أبي سعيد الخدريّ.
(12) كما ذكره ابن بطريق في العمدة: 472 حديث 993.
(13) الفائق 1- 420.
(14) في البحار المطبوع تكرّر لفظ: بلغ، و لا وجه له، و في العمدة: بلغ بنو أبي ..
. (15) في المصدر: ثلاثين، كان دين اللّه دخلا، و مال اللّه نحلا، و عباد اللّه خولا.
538
وَ نَشَأَ لِلْحَكَمِ (1) بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَحَدٌ وَ عِشْرُونَ ابْناً، وَ وُلِدَ لِمَرْوَانَ (2) بْنِ الْحَكَمِ تِسْعَةُ بَنِينَ (3).
إيضاح:
قال في النهاية (4) في (5) حديث أبي هريرة: إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين كان مال اللّه دولا (6) و دين اللّه دخلا و عباد اللّه خولا.
قال (7): الدّول (8): جمع دولة- بالضّمّ-: و هو ما يتداول من المال فيكون لقوم دون قوم.
و الدّخل- بالتحريك-: العيب و الغشّ و الفساد .. و حقيقته أن يدخلوا في الدّين أمورا لم تجر بها السّنّة (9).
و قوله: خولا .. أي خدما و عبيدا، يعني أنّهم يستخدمونهم و يستعبدونهم (10).
47- مد (11): مِنْ كِتَابِ الْمَلَاحِمِ، تَأْلِيفِ أَبِي الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ وَ دَخَلَ عَلَيْهِ
____________
(1) في العمدة: و عباد اللّه خولا، و دينه دخلا، و ولد للحكم ..
(2) لا يوجد: لمروان، في المصدر.
(3) و أورده الهنديّ في كنز العمّال 11- 165.
(4) النهاية 2- 108، و ذكر جملة منه في 2- 88 و 2- 140.
(5) في المصدر: و منه.
(6) لا توجد في النهاية: كان مال اللّه دولا.
(7) النهاية 2- 140، و مثله في لسان العرب 11- 252.
(8) في المصدر: دولا.
(9) كما في لسان العرب 11- 241، و النهاية 2- 108.
(10) نصّ عليه في النهاية 2- 88، و لسان العرب 11- 225.
(11) العمدة لابن بطريق: 472 حديث 994، بتفصيل في الإسناد.
539
مَرْوَانُ فِي حَوَائِجِهِ، فَقَالَ: اقْضِ حَوَائِجِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنِّي (1) أَصْبَحْتُ أَبَا عَشَرَةٍ وَ أَخَا عَشَرَةٍ، وَ قَضَى (2) حَوَائِجَهُ ثُمَّ خَرَجَ، فَلَمَّا أَدْبَرَ قَالَ مُعَاوِيَةُ لِابْنِ عَبَّاسٍ- وَ هُوَ مَعَهُ عَلَى الزبير [السَّرِيرِ (3)-: أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! أَ مَا تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ: إِذَا بَلَغَ بَنُو الْحَكَمِ (4) ثَلَاثِينَ رَجُلًا اتَّخَذُوا مَالَ اللَّهِ بَيْنَهُمْ دُوَلًا، وَ عِبَادَهُ خَوَلًا، وَ كِتَابَهُ دَخَلًا، فَإِذَا بَلَغُوا تسع [تِسْعاً (5) وَ تِسْعِينَ وَ أَرْبَعَمِائَةٍ كَانَ هَلَاكُهُمْ أَسْرَعَ مِنْ أَوَّلِ تَمْرَةٍ (6). فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، ثُمَّ إِنَّ مَرْوَانَ ذَكَرَ حَاجَةً (7) لِمَا حَصَلَ فِي بَيْتِهِ (8) فَوَجَّهَ ابْنَهُ عَبْدَ الْمَلِكِ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَكَلَّمَهُ فِيهَا فَقَضَاهَا (9)، فَلَمَّا أَدْبَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ قَالَ مُعَاوِيَةُ (10) لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! أَ مَا تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص ذَكَرَ هَذَا، فَقَالَ: هَذَا أَبُو الْجَبَابِرَةِ الْأَرْبَعَةِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ادَّعَى مُعَاوِيَةُ زِيَاداً (11)..
وَ رَوَى (12) الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ (13) وَ الْوَاقِدِيُّ وَ كَافَّةُ (14) رُوَاةِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْحَكَمَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ كَانَ سَبَبُ طَرْدِهِ وَ وَلَدَهُ مَرْوَانَ حِينَ طَرَدَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
____________
(1) في العمدة: فو اللّه إنّ مئونتي لعظيمة و إنّي ..
(2) في المصدر: فقضى.
(3) في مطبوع البحار نسخة بدل: السّرير- كما في المصدر- و هو الصّحيح.
(4) في المصدر: آل الحكم.
(5) في العمدة: سبعة، و ذكر: تسع نسخة. و كذا في كنز العمّال.
(6) كذا، و في المصدر: لوك تمرة، و هو الظّاهر.
(7) في المصدر: حاجته، و ما أثبت أظهر.
(8) في العمدة: منزله.
(9) زاد في المصدر: ثمّ رجع.
(10) لا يوجد: معاوية، في العمدة.
(11) و ذكرها المتّقي الهنديّ في كنز العمّال 11- 361.
(12) كما أورده ابن بطريق في العمدة: 472- 473 حديث 995.
(13) تاريخ الطّبريّ 11- 356.
(14) في المصدر: و عامّة.
540
وَ آلِهِ أَنَّ الْحَكَمَ اطَّلَعَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَوْماً فِي دَارِهِ مِنْ وَرَاءِ الْجِدَارِ- وَ كَانَ مِنْ سَعَفٍ (1)- فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِقَوْسٍ لِيَرْمِيَهُ فَهَرَبَ.
وَ فِي رِوَايَةٍ (2)، أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)- فِي قِسْمَةِ خبر- [خَيْبَرَ (3): اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ!. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): لَعَنَكَ اللَّهُ وَ لَعَنَ مَا فِي صُلْبِكَ، أَ تَأْمُرُنِي بِالتَّقْوَى؟! وَ أَنَا حِبٌ (4) مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ يَزَالا طَرِيداً (5) حَتَّى مَلَكَ عُثْمَانُ فَأَدْخَلَهُمَا (6)..
بيان: الْحِبُّ- بالكسر-: المحبوبُ (7).
أقول: قَالَ السَّيُوطِيُّ- مِنْ مَشَاهِيرِ عُلَمَاءِ الْمُخَالِفِينَ- فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ (8):
أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ هَامَانَ (9)، قَالَ: كَانَ مَرْوَانُ عَلَى الْحِجَازِ اسْتَعْمَلَهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فَخَطَبَ فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ لِكَيْ يُبَايَعَ لَهُ بَعْدَ أَبِيهِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ شَيْئاً، فَقَالَ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ عَائِشَةَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ مَرْوَانُ: إِنَّ هَذَا أُنْزِلَ فِيهِ: (وَ الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما) (10)، فَقَالَتْ عَائِشَةُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِينَا شَيْئاً مِنَ الْقُرْآنِ، إِلَّا
____________
(1) في العمدة: سقف، و ما أثبت هنا أظهر.
(2) لا زال الكلام لابن بطريق في العمدة: 473 حديث 996.
(3) كذا، و في المصدر: خيبر، و هو الظّاهر. و في (س): خير.
(4) في العمدة: جئت به.
(5) لا توجد كلمة: تعالى، في المصدر، و فيه: لعنك اللّه، اخرج فلا تجاورني، فلم يريا إلّا طريدين ..
(6) و جاءت كلتا الرّوايتين في الإصابة 1- 344- 345، و الاستيعاب 1- 316- 317. و انظر ترجمة مفصّلة له في الغدير 8- 241- 257 تغنينا عن كلّ تفصيل و حديث.
(7) نصّ عليه في النهاية 1- 326، و القاموس 1- 50.
(8) الدّرّ المنثور 6- 10- 11.
(9) في (ك) نسخة بدل: ماهان، و في المصدر: ماهك. و الكلمة مشوّشة في (س).
(10) الأحقاف: 17.
541
أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عُذْرِي (1).
- وَ أَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَ النَّسَائِيُّ وَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَ الْحَاكِمُ وَ صَحَّحَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: لَمَّا بَايَعَ مُعَاوِيَةُ لِابْنِهِ قَالَ مَرْوَانُ: سُنَّةُ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ.
فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: سُنَّةُ هِرَقْلَ وَ قَيْصَرَ. فَقَالَ مَرْوَانُ: هَذَا الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ:
(وَ الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما. الْآيَةَ) (2)، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: كَذَبَ مَرْوَانُ .. كَذَبَ مَرْوَانُ، وَ اللَّهِ مَا هُوَ بِهِ، وَ لَوْ شِئْتُ أَنْ أُسَمِّيَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ لَسَمَّيْتُهُ وَ لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَعَنَ أَبَا مَرْوَانَ وَ مَرْوَانَ (3) فِي صُلْبِهِ، فَمَرْوَانُ فَضْفَضٌ (4) مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ.
- وَ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: إِنِّي لَفِي الْمَسْجِدِ حِينَ خَطَبَ مَرْوَانُ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَرَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي يَزِيدَ رَأْياً حَسَناً وَ إِنْ يَسْتَخْلِفْهُ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بِكْرٍ: أَ هِرَقْلِيَّةٌ!؟
إِنَّ أَبَا بَكْرٍ- وَ اللَّهِ- مَا جَعَلَهَا فِي أَحَدٍ مِنْ وُلْدِهِ وَ لَا أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَ لَا جَعَلَهَا
____________
(1) قال في تاج العروس 5- 69: و منه قول عائشة لمروان حين كتب عليه معاوية ليبايع النّاس ليزيد، فقال عبد الرّحمن بن أبي بكر: أ جئتم بها هرقلية قوقية تبايعون لأبنائكم؟!. فقال مروان: أيّها النّاس! هذا الّذي قال اللّه فيه: ( «وَ الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما»). الآية فغضبت عائشة. و قالت:
و اللّه ما هو به، و لو شئت أن أسمّيه لسمّيته، و لكنّ اللّه لعن أباك و أنت في صلبه، فأنت فضض من لعنة اللّه. و يروى فضض- كعنق- و فضاض- مثل غراب- الأخير عن شمر .. أي قطعة و طائفة منها .. أي من لعنة اللّه و رسوله صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم هكذا فسّره شمر، و قال ثعلب: .. أي خرجت من صلبه متفرّقا يعني ما انفضّ من نطفة الرّجل و تردّد في صلبه، نقله الجوهريّ. و روى بعضهم في هذا الحديث: فأنت فظاظة- بظاءين- من الفظيظ، و هو ماء الكرش، و أنكره الخطّابيّ. و قال الزّمخشريّ: افتظظت الكرش: اعتصرت ماءها، كأنّه عصارة من اللّعنة، أو فعالة من الفظيظ: ماء الفحل .. أي نطفة من اللّعنة.
(2) الأحقاف: 17.
(3) لا يوجد في المصدر: و مروان.
(4) في (ك): فضض. أقول: هو الظّاهر، و سيتعرّض المصنّف (رحمه اللّه) لاختلاف النّسخ في بيانه، و لم يذكر ما في المتن. قال في القاموس 2- 340: و الفضفضة: سعة الثّوب، و الدّرع، و العيش.
542
مُعَاوِيَةُ إِلَّا رَحْمَةً وَ كَرَامَةً لِوُلْدِهِ. فَقَالَ مَرْوَانُ: أَ لَسْتَ الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما؟!.
فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَ لَسْتَ ابْنَ اللَّعِينِ الَّذِي لَعَنَ أَبَاكَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)؟!. قَالَ: وَ سَمِعَتْهَا عَائِشَةُ، فَقَالَتْ: يَا مَرْوَانُ! أَنْتَ الْقَائِلُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ .. كَذَا وَ كَذَا، كَذَبْتَ وَ اللَّهِ مَا فِيهِ نَزَلَتْ، وَ لَكِنْ (1) نَزَلَتْ فِي فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ.
وَ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: (وَ الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ.) (2)
الْآيَةَ، قَالَ: هَذَا ابْنٌ لِأَبِي بَكْرٍ.
وَ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (3) فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ لِأَبَوَيْهِ (4)- وَ كَانَا قَدْ أَسْلَمَا وَ أَبَى هُوَ أَنْ يُسْلِمَ- فَكَانَا يَأْمُرَانِهِ بِالْإِسْلَامِ وَ يَرُدُّ عَلَيْهِمَا وَ يُكَذِّبُهُمَا، فَيَقُولُ: فَأَيْنَ فُلَانٌ .. وَ أَيْنَ فُلَانٌ .. يَعْنِي مَشَايِخَ قُرَيْشٍ مِمَّنْ قَدْ مَاتَ ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ فَنَزَلَتْ تَوْبَتُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ:
(وَ لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) (5).
تبيين:
أقول: وَ رَوَى ابْنُ بِطْرِيقٍ (6) مَضَامِينَ تِلْكَ الْأَخْبَارِ عَنِ الثَّعْلَبِيِ (7)، وَ رَوَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَ مُجَاهِدٌ وَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَ قِيلَ: فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ. قَالَ لَهُ أَبَوَاهُ أَسْلِمْ وَ أَلَحَّا عَلَيْهِ فِي دُعَائِهِ إِلَى الْإِيمَانِ، فَقَالَ: أَحْيُوا لِي (8) عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُذْعَانَ وَ عَامِرَ بْنَ كَعْبٍ
____________
(1) لا توجد: و لكن، في الدّرّ المنثور.
(2) الأحقاف: 17.
(3) في المصدر ذكر الآية: ( «وَ الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما» ..).
(4) في الدّرّ المنثور: لوالديه.
(5) الأنعام: 132.
(6) في العمدة: 454 حديث 947.
(7) تفسير الثّعلبيّ 4- 152. و لم أجد الكلام ذيل الآية الكريمة، و لعلّه في محلّ آخر من التّفسير، أو حذف و حرف، كما نجد في بعض المصادر المطبوعة لأبناء العامّة أخيرا.
(8) في المصدر: أجيبوا إلى.
543
وَ مَشَايِخَ مِنْ قُرَيْشٍ حَتَّى أَسْأَلَهُمْ عَمَّا تَقُولُونَ (1).
وَ قَالَ فِي النِّهَايَةِ (2) فِي (3) حَدِيثِ عَائِشَةَ: «قَالَتْ لِمَرْوَانَ: إِنَّ اللَّهَ (4) لَعَنَ أَبَاكَ وَ أَنْتَ فَضَضٌ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ»، .. أي قطعة و طائفة منها.
و رواه بعضهم «فظاظة من لعنة اللّه»- بظاءين- من الفظيظة (5) و هو ماء الكرش، و أنكره الخطّابي. و قال الزّمخشري: «افتظظت الكرش اعتصرت (6) ماءها، كأنّها عصارة من اللّعنة، أو فعالة من الفظيظ: ماء الفحل .. أي نطفة من اللّعنة.
و قال في القاموس (7): الفضض- محرّكة-: ما انتشر من الماء إذا تطهّر به، .. و كلّ متفرّق و منتشر، و منه قول عائشة لمروان: فأنت فضض من لعنة اللّه، و يروى فضض- كعنق و غراب- .. أي قطعة منها.
و ذكر (8) فظاظة أيضا على وزن فعالة في بابه، و فسّره بماء الكرش يعتصر و يشرب في المفاوز.
فائدة:
قال صاحب الكامل البهائي (9): أنّ أميّة كان غلاما روميّا لعبد الشمس، فلمّا ألقاه كيسا فطنا أعتقه و تبناه، فقيل أميّة بن عبد الشمس كما كانوا يقولون قبل
____________
(1) في الدّرّ المنثور: يقولون.
(2) النّهاية 3- 454. و نظيره في لسان العرب 7- 208، و تاج العروس 5- 69.
(3) في المصدر: و منه.
(4) في النّهاية: النّبيّ، بدلا من: اللّه.
(5) في المصدر: الفظيظ.
(6) كذا ورد في لسان العرب، و في النهاية: إذا اعتصرت، و جعل: إذا بين معكوفين.
(7) القاموس 2- 340، و قريب منه في تاج العروس 5- 69، و لسان العرب 7- 208.
(8) أي صاحب القاموس 2- 397، و كذا في لسان العرب 7- 452، و تاج العروس 5- 257.
(9) كامل البهائي- فارسي- (للحسن بن عليّ بن محمّد الطبريّ- عماد الدين الطبريّ-) 1- 269، و هذه حاصل الترجمة، و قد نقلها عن كتاب البديع لمحمّد بن عبد الرحمن بن محمّد الأصفهاني.
544
نزول الآية زيد بن محمد، و لذا
- رُوِيَ عَنِ الصَّادِقَيْنِ (عليهما السلام) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
(الم غُلِبَتِ الرُّومُ ...) (1) أَنَّهُمْ بَنُو أُمَيَّةَ.
، و من هنا يظهر نسب عثمان و معاوية و حسبهما، و أنّهما لا يصلحان للخلافة
- لِقَوْلِهِ (صلّى اللّه عليه و آله): الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ.
أقول:
ذكر ابن أبي الحديد في آخر المجلد الخامس عشر من شرحه على النهج (2) فصلا طويلا في مفاخرة بني هاشم و بني أميّة و فيه مثالب كثيرة من بني أميّة لم نذكرها مخافة الإطناب و الخروج عن مقصود الكتاب.
و قال مؤلّف كتاب إلزام النواصب (3): أميّة لم يكن (4) من صلب عبد شمس و إنّما هو من الروم (5) فاستلحقه عبد شمس فنسب إليه، فبنو أميّة كلّهم ليس من (6) صميم قريش، و إنّما هم يلحقون بهم، و يصدّق ذلك قَوْلُ (7) أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) (8) أَنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لِصَاقٌ وَ لَيْسُوا صَحِيحِي النَّسَبِ إِلَى عَبْدِ مَنَافٍ، وَ لَمْ يَسْتَطِعْ مُعَاوِيَةُ إِنْكَارَ ذَلِكَ.
____________
(1) الرّوم: 1- 2.
(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 15- 198- 295.
(3) إلزام النواصب: 104- 105- من نسختنا.
(4) في المصدر العبارة هكذا: و شأن أميّة بن عبد الشمس شأن العوام، فإنّه لم يكن.
(5) في إلزام النواصب هكذا: عبد الشمس بن عبد مناف، و إنّما هو عبد من الروم.
(6) في المصدر: كما نسب العوام إلى خويلد، فبنو أميّة جميعهم ليسوا من ..
(7) في المصدر: ملحقون بهم و تصديق ذلك جواب ..
(8) هنا سقط جاء في إلزام النّواصب و هو: لمعاوية لمّا كتب إليه: إنّما نحن و أنتم بنو عبد مناف، فكان جواب عليّ (عليه السلام): ليس المهاجر كالطّليق، و ليس الصّريح كاللّصيق. و هذا شهادة من عليّ (عليه السلام) على بني أميّة أنّهم لصق و ليسوا بصحيحي النّسب .. إلى آخره.
545
48- نَهْجٌ (1): مِنْ كَلَامٍ لَهُ (عليه السلام): وَ اللَّهِ لَا يَزَالُونَ حَتَّى لَا يَدَعُوا لِلَّهِ مُحَرَّماً إِلَّا اسْتَحَلُّوهُ، وَ لَا عَقْداً إِلَّا حَلُّوهُ، وَ حَتَّى لَا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَ لَا وَبَرٍ إِلَّا دَخَلَهُ ظُلْمُهُمْ، وَ نَبَا بِهِ سُوءُ رِعَتِهِمْ (2) حَتَّى (3) يَقُومَ الْبَاكِيَانِ يَبْكِيَانِ: بَاكٍ يَبْكِي لِدِينِهِ، وَ بَاكٍ يَبْكِي لِدُنْيَاهُ، وَ حَتَّى تَكُونَ نُصْرَةُ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِهِمْ كَنُصْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِ، إِذَا شَهِدَ أَطَاعَهُ وَ إِذَا غَابَ اغْتَابَهُ، وَ حَتَّى يَكُونَ أَعْظَمُكُمْ فِيهَا غَنَاءً (4) أَحْسَنَكُمْ بِاللَّهِ ظَنّاً، فَإِنْ أَتَاكُمُ اللَّهُ بِعَافِيَةٍ فَاقْبَلُوا، وَ إِنِ ابْتُلِيتُمْ فَاصْبِرُوا، فَ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (5).
بيان: لا يزالون .. أي بنو أميّة ظالمين، فحذف الخبر، و سدّت (حتى و ما بعدها) مسدّ الخبر.
و يقال: نبا به منزله: إذا ضرّه و لم يوافقه (6).
و سوء رعتهم .. أي سوء ورعهم و تقواهم، يقال: ورع يرع- بالكسر فيهما ورعا و رعة (7)، و يروى: سوء رعيهم.
قوله (عليه السلام): نصرة أحدكم .. أي انتقامه من أحدهم بإضافة المصدر إلى الفاعل، و قيل: المصدر مضاف إلى المفعول في الموضعين، و تقدير
____________
(1) نهج البلاغة- محمّد عبده- 6- 190، صبحي صالح: 143 خطبة 98.
(2) في (ك) نسخة بدل: سوء رعيهم، و في (س): سوء وعنهم، و لعلّه غلط. و جاء في النّهج طبعة صبحي: رعيهم، و قد تعرّض لها المصنّف (رحمه اللّه) في بيانه الآتي.
(3) في النّهج- محمّد عبده-: و حتّى.
(4) في النّهج- صبحي صالح-: عناء، و لعلّه الأنسب.
(5) و انظر شرحها في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 7- 78، و شرح ابن ميثم 4- 409، و منهاج البراعة 1- 430، و غيرهما.
(6) قاله في الصحاح 6- 2500، و القاموس 4- 393، و النهاية 5- 11، و لم يرد فيها جميعا: إذا ضرّه و ..
(7) كما ذكره في الصحاح 3- 1296، و مجمع البحرين 4- 401، و انظر: القاموس 3- 93.
546
الكلام حتى يكون نصرة أحد هؤلاء الولاة لأحدكم، و (من) في الموضعين داخلة على محذوف تقديره من جانب أحدكم (1) و من جانب سيّده و هو ضعيف، و لا حاجة إلى التقدير، بل هو معنى (من) الابتدائية.
49- نَهْجٌ (2): مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عليه السلام): أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، (3) وَ طُولِ هَجْعَةٍ (4) مِنَ الْأُمَمِ، وَ انْتِقَاضٍ (5) مِنَ الْمُبْرَمِ، فَجَاءَهُمْ بِتَصْدِيقِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَ النُّورِ الْمُقْتَدَى بِهِ، ذَلِكَ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ وَ لَنْ يَنْطِقَ، وَ لَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ أَلَا إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي، وَ الْحَدِيثَ عَنِ الْمَاضِي، وَ دَوَاءَ دَائِكُمْ (6)، وَ نَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ (7).
مِنْهَا (8): فَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَ لَا وَبَرٍ إِلَّا وَ أَدْخَلَهُ الظَّلَمَةُ تَرْحَةً، وَ أَوْلَجُوا فِيهِ نِقْمَةً فَيَوْمَئِذٍ لَا يَبْقَى لَهُمْ (9) فِي السَّمَاءِ عَاذِرٌ (10) وَ لَا فِي الْأَرْضِ نَاصِرٌ، أَصْفَيْتُمْ بِالْأَمْرِ (11) غَيْرَ أَهْلِهِ، وَ أَوْرَدْتُمُوهُ غَيْرَ مَوْرِدِهِ وَ سَيَنْتَقِمُ (12) اللَّهُ مِمَّنْ ظَلَمَ، مَأْكَلًا
____________
(1) قد تقرأ في (س): أحدهم.
(2) نهج البلاغة- محمّد عبده- 2- 53، و صبحي صالح: 223 خطبة 158.
(3) قال في مجمع البحرين 3- 434: الفترة: انقطاع ما بين النّبيّين، و قال في الصّحاح 2- 777:
الفترة: ما بين الرّسولين من رسل اللّه. و في القاموس 2- 107: الفترة: ما بين كلّ نبيّين.
(4) الهجعة: نومة خفيفة من أوّل اللّيل، قاله في مجمع البحرين 4- 409، و الصّحاح 3- 1306، و غيرهما.
(5) في (ك): انتفاض.
(6) و في متن البحار الحجريّ: داء دوائكم. و ما أثبتناه نسخة في (ك)، و هي جاءت في المصدر.
(7) للشّيخ ابن ميثم البحرانيّ في شرحه على نهج البلاغة 3- 273 كلام حريّ بالملاحظة.
(8) في طبعة صبحي: و منها.
(9) في طبعة عبده: لكم.
(10) لا توجد: عاذر، في طبعة محمّد عبده من النّهج.
(11) في (ك) نسخة: في الأمر، و في المصدر: أصفيت بالأمر.
(12) في (ك): غير ورده و سينتقم. و في (س): غير وروده و سينقم، و ما أثبت من المصدر.
547
بِمَأْكَلٍ، وَ مَشْرَباً بِمَشْرَبٍ مِنْ مَطَاعِمِ الْعَلْقَمِ وَ مَشَارِبِ الصَّبِرِ (1) وَ الْمَقِرِ، وَ لِبَاسِ شِعَارِ الْخَوْفِ، وَ دِثَارِ السَّيْفِ، وَ إِنَّمَا هُمْ مَطَايَا الْخَطِيئَاتِ، وَ زَوَامِلُ الْآثَامِ، فَأُقْسِمُ ثُمَّ أُقْسِمُ لَتَنْخَمَنَّهَا (2) أُمَيَّةُ مِنْ بَعْدِي كَمَا تُلْفَظُ النُّخَامَةُ ثُمَّ لَا تَذُوقُهَا وَ لَا تَتَطَعَّمُ بِطَعْمِهَا أَبَداً مَا كَرَّ الْجَدِيدَانِ (3).
توضيح:
قوله (عليه السلام): فعند ذلك .. إخبار عن ملك بني أميّة بعده و زوال أمرهم عند تفاقم (4) فسادهم في الأرض.
أصفيتم .. أي خصصتم بالأمر (5) .. أي الخلافة.
و أوردتموه غير وروده .. أي أنزلتموه عند غير مستحقّه.
و المقر- ككتف-: المرّاء (6) و الصّبر أو شبيه به أو السّمّ (7).
و الزّاملة (8): الّتي تحمل عليها من الإبل و غيرها (9).
____________
(1) الصّبر- ككتب- عصارة شجر مرّ، كما في القاموس 2- 67.
(2) في (س): لتتحمنها، و في (ك): لتتخمنها، و في حاشيتها: نخم- كنصر- لعب. قاموس.
انظر: القاموس 4- 180، و لا يوجد ما ذكره في الحاشية، فلاحظ.
(3) و انظر شرح الخطبة أيضا في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9- 217، و منهاج البراعة 2- 105، و غيرهما.
(4) تفاقم الأمر: عظم، قاله في الصحاح 5- 2003.
(5) قال في مجمع البحرين 1- 263: أ فأصفاكم .. أي آثركم. و قال في الصحاح 6- 2402:
أصفيته بالأمر: إذا آثرت به.
(6) قاله في الصحاح 2- 819، و لسان العرب 5- 182.
(7) ذكره في القاموس 2- 136، و لسان العرب 5- 182، و قارن بالنهاية 4- 347.
(8) في (س): الناملة، و في حاشية (ك): الزاملة: البعير الذي يحمل عليها الطعام و المتاع، كأنّه فاعلة من الزمل: الحمل. نهاية.
انظر: النهاية لابن الأثير 2- 313.
(9) كما في القاموس 3- 390، و لسان العرب 11- 310، و الصحاح 4- 1718.
548
قوله (عليه السلام): ثم لا تذوقها .. قال ابن أبي الحديد (1): فإن قلت:
إنّهم قد ملكوا بعد الدولة الهاشميّة بالمغرب مدّة طويلة؟.
قلت: الاعتبار بملك العراق و الحجاز، و ما عداهما من الأقاليم النائية لا اعتداد به.
أقول: لعلّ المراد به انقطاع تلك الدولة المخصوصة و عدم العود إلى أصحابها، و مع ذلك لا بدّ من التخصيص بغير السفياني الموعود.
50- نَهْجٌ (2): مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عليه السلام): حَتَّى يَظُنَّ الظَّانُّ أَنَّ الدُّنْيَا مَعْقُولَةٌ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ، تَمْنَحُهُمْ دَرَّهَا (3)، وَ تُورِدُهُمْ صَفْوَهَا، وَ لَا يُرْفَعُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَوْطُهَا وَ لَا سَيْفُهَا، وَ كَذَبَ الظَّانُّ لِذَلِكَ، بَلْ هِيَ مَجَّةٌ مِنْ لَذِيذِ الْعَيْشِ يَتَطَعَّمُونَهَا بُرْهَةً، ثُمَّ يَلْفِظُونَهَا جُمْلَةً (4).
بيان: المنح: العطاء (5).
و الدّرّ- في الأصل-: اللّبن (6)، ثم استعمل في كلّ خير.
و مجّ الشّراب: قذفه من فيه (7)، كنّى (عليه السلام) بكونها مطعومة لهم عن تلذّذهم بها مدّة ملكهم و بكونها ملفوظة من فيهم عن زوالها عنهم.
____________
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9- 220، و فيه: فإن قلت: كيف قال: ثم لا تذوقها أبدا ..
و قد ملكوا بعد قيام الدولة.
(2) نهج البلاغة- محمّد عبده- 1- 155- آخر الخطبة، صبحي صالح: 120 خطبة: 87، بنصّه.
(3) في (س): تمنحها درهما.
(4) انظر شرحها في شرح ابن أبي الحديد 6- 363، و شرح ابن ميثم على النّهج 2- 304، و منهاج البراعة 1- 361، و غيرها.
(5) كذا جاء في مجمع البحرين 2- 415، و الصحاح 1- 408.
(6) كما نصّ عليه في النهاية 2- 112، و القاموس 2- 28، و مجمع البحرين 3- 301 من دون كلمة في الأصل.
(7) كما ذكره في الصحاح 1- 340، و النهاية 4- 297، و المصباح المنير 2- 260.
549
و البرهة: مدّة من الزّمان لها طول (1).
ثم يلفظونها .. أي يرمونها (2).
51- نَهْجٌ (3): مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عليه السلام) فِي ذِكْرِ الْمَلَاحِمِ: يَعْطِفُ الْهَوَى عَلَى الْهُدَى (4) إِذَا عَطَفُوا الْهُدَى عَلَى الْهَوَى، وَ يَعْطِفُ الرَّأْيَ عَلَى الْقُرْآنِ إِذَا عَطَفُوا الْقُرْآنَ عَلَى الرَّأْيِ.
مِنْهَا (5): حَتَّى تَقُومَ الْحَرْبُ بِكُمْ عَلَى سَاقٍ بَادِياً نَوَاجِذُهَا (6)، مَمْلُوءَةً أَخْلَافُهَا، حُلْواً رَضَاعُهَا، عَلْقَماً عَاقِبَتُهَا، أَلَا وَ فِي غَدٍ- وَ سَيَأْتِي غَدٌ بِمَا لَا تَعْرِفُونَ يَأْخُذُ الْوَالِي مِنْ غَيْرِهَا عُمَّالَهَا عَلَى مَسَاوِي أَعْمَالِهَا، وَ تُخْرِجُ لَهُ الْأَرْضُ أَفَالِيذَ كَبِدِهَا، وَ تُلْقِي إِلَيْهِ سِلْماً مَقَالِيدَهَا، فَيُرِيكُمْ كَيْفَ عَدْلُ السِّيرَةِ، وَ يُحْيِي مَيِّتَ الْكِتَابِ وَ السُّنَّةِ.
مِنْهَا: كَأَنِّي بِهِ قَدْ نَعَقَ بِالشَّامِ وَ فَحَصَ بِرَايَاتِهِ فِي ضَوَاحِي كُوفَانَ، فَعَطَفَ
____________
(1) قاله في مجمع البحرين 6- 343، و انظر: القاموس 4- 281.
(2) صرّح به في القاموس 2- 399، و الصحاح 3- 1179، و انظر: مجمع البحرين 4- 291.
(3) نهج البلاغة- محمّد عبده- 2- 21، صبحي صالح: 195، خطبة: 138.
(4) قال ابن ميثم في شرحه على النّهج 3- 168: أقول: الإشارة في هذا الفصل إلى وصف الإمام المنتظر في آخر الزّمان الموعود به في الخبر و الأثر. فقوله: يعطف الهوى على الهدى .. أي يردّ النّفوس الحائرة عن سبيل اللّه المتّبعة لظلمات أهوائها عن طرقها الفاسدة و مذاهبها المختلفة إلى سلوك سبيله و اتّباع أنوار هداه، و ذلك إذا ارتدّت تلك النّفوس عن اتّباع أنوار هدى اللّه في سبيله الواضح إلى اتّباع أهوائها في آخر الزّمان، و حين ضعّفت الشّريعة و زعمت أنّ الحقّ و الهدى هو ذلك. و كذلك قوله: و يعطف الرّأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرّأي .. أي يردّ على كلّ رأي رآه غيره إلى القرآن فيحملهم على ما وافقه منها دون ما خالفه، و ذلك إذا تأوّل النّاس القرآن و حملوه على آرائهم و ردّوه إلى أهوائهم كما عليه المذاهب المتفرّقة من فرق الإسلام كلّ على ما خيّل إليه، و كلّ يزعم أنّ الحقّ الّذي يشهد به القرآن هو ما رآه و أنّه لا حقّ وراءه سواه.
(5) في نهج البلاغة- صبحي-: و منها.
(6) في شرح ابن ميثم: نواجدها، و هو الظّاهر.
550
عَلَيْهَا عَطْفَ الضَّرُوسِ (1)، وَ فَرَشَ الْأَرْضَ بِالرُّءُوسِ، قَدْ فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ وَ ثَقُلَتْ فِي الْأَرْضِ وَطْأَتُهُ، بَعِيدَ الْجَوْلَةِ، عَظِيمَ الصَّوْلَةِ، وَ اللَّهِ لَيُشَرِّدَنَّكُمْ فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْكُمْ إِلَّا قَلِيلُ (2) كَالْكُحْلِ فِي الْعَيْنِ، فَلَا تَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى تَئُوبَ إِلَى الْعَرَبِ عَوَازِبُ أَحْلَامِهَا فَالْزَمُوا السُّنَنَ الْقَائِمَةَ وَ الْآثَارَ الْبَيِّنَةَ، وَ الْعَهْدَ الْقَرِيبَ الَّذِي عَلَيْهِ بَاقِي النُّبُوَّةِ، وَ اعْلَمُوا أَنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا يُسَنِّي لَكُمْ طُرُقَهُ لِتَتَّبِعُوا عَقِبَهُ (3).
إيضاح:
لعلّ أوّل الكلام إشارة إلى ظهور القائم (عليه السلام)، و كذا قوله: و سيأتي غد و ما قبله .. إلى الفترة التي تظهر قبل القائم (عليه السلام).
و قيام الحرب على ساق: كناية عن شدّتها، و قيل الساق: الشّدّة (4).
و بدو نواجذها (5) عن الضحك تهكّما .. عن بلوغ الحرب غايتها، كما أنّ غاية الضحك أن تبدو النواجذ.
و الأخلاف للنّاقة (6): حلمات الضّرع (7)، و إنّما قال (عليه السلام): حلوا رضاعها لأنّ أهل النجدة في أوّل الحرب يقبلون عليها، و مرارة عاقبتها لأنّها القتل، و لأنّ مصير أكثرهم إلى النار، و المنصوبات الأربعة (8) أحوال، و المرفوع بعد
____________
(1) الضّروس: النّاقة السّيّئة الخلق تعضّ حالبها، كما في القاموس 2- 225.
(2) في البحار المطبوع: قليل منكم.
(3) و انظر شرح الخطبة في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9- 40، و ابن ميثم في شرحه النّهج 3- 168 و ما بعدها، و منهاج البراعة 2- 56، و غيرها.
(4) قاله في الصحاح 4- 1499، و القاموس 3- 247.
(5) قال في النهاية 5- 20: النواجذ من الأسنان: الضواحك، و هي التي تبدو عند الضحك، و الأكثر الأشهر أنّها أقصى الأسنان. و مثله في مجمع البحرين 3- 190.
(6) في (ك): الناقة.
(7) كما في الصحاح 4- 1355، و القاموس 3- 136.
(8) و هي: باديا، و مملوة، و حلوا، و علقما.
551
كلّ منها فاعل، و إنّما ارتفع عاقبتها بعد علقما- مع أنّه اسم صريح- لقيامه مقام اسم الفاعل كأنّه قال: مريرة عاقبتها (1).
قوله (عليه السلام): ألا و في غد .. قال ابن أبي الحديد: تمامه (2).
قوله (عليه السلام): يأخذ الوالي .. و بين الكلام جملة اعتراضيه قد كان تقدّم ذكر طائفة من الناس كانت ذات ملك وافرة فذكر (عليه السلام): أنّ الوالي يعني القائم (عليه السلام) يأخذ عمّال هذه الطائفة على سوء أعمالهم، و (على) هاهنا متعلقة بيأخذ، و هي بمعنى يؤاخذ.
و الأفاليذ:- جمع أفلاذ، و هي جمع فلذة- و هي القطعة من الكبد (3)، كناية عن الكنوز (4) الّتي تظهر للقائم (عليه السلام)، و قد فسّر قوله تعالى: (وَ أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها) (5) بذلك في بعض التفاسير.
و قوله (عليه السلام): سلما .. مصدر سدّ مسدّ الحال أو تمييز.
قوله (عليه السلام): كأنّي به .. الظاهر أنّه (6) إشارة إلى السفياني، و قال ابن أبي الحديد (7): إخبار عن عبد الملك بن مروان و ظهوره بالشام و ملكه بعد ذلك
____________
(1) العبارة مأخوذة من شرح ابن ميثم على النهج 3- 170. و كذا بعض ما قبلها و ما بعدها.
(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9- 42.
(3) كما قاله في القاموس 1- 357، و الصحاح 2- 568.
(4) نصّ عليه الفيروزآبادي في القاموس المحيط 1- 357، و انظر: النهاية 3- 470.
(5) الزلزلة: 2.
(6) لا توجد في (ك): أنّه.
(7) شرح ابن أبي الحديد 9- 47، و جاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 7- 99 ما نصّه: و هذا كناية عن عبد الملك بن مروان، لأنّ هذه الصفات و الأمارات فيه أتمّ منها في غيره، لأنّه قام بالشام حين دعا إلى نفسه و هو معنى نعيقه، و فحصت راياته بالكوفة تارة حين شخص بنفسه إلى العراق و قتل مصعبا، و تارة لما استخلف الأمراء على الكوفة كبشر بن مروان أخيه و غيره حتّى انتهى الأمر إلى الحجّاج، و هو زمان اشتداد شكيمة عبد الملك و ثقل وطأته، و حينئذ صعب الأمر جدّا، و تفاقمت الفتن مع الخوارج و عبد الرحمن بن الأشعث، فلمّا كمل أمر عبد الملك- و هو معنى «أينع زرعه»- هلك، و عقدت رايات الفتن المعضلة من بعده كحروب أولاده مع بني المهلّب، و كحروبهم مع زيد بن عليّ (عليه السلام)، و كالفتن الكائنة بالكوفة أيّام يوسف بن عمر و خالد القسري و عمر بن هبيرة و غيرهم، و ما جرى فيها من الظلم و استئصال الأموال و ذهاب النفوس .. إلى آخره ..
552
العراق، و ما قتل من العرب فيها أيّام عبد الرحمن بن الأشعث، و قتله أيّام مصعب ابن الزبير.
و قال: مفعول فحص محذوف .. أي فحص الناس براياته، أي نحّاهم و قلّبهم يمينا و شمالا.
ضواحي كوفان .. ما قرب (1) منها من القرى (2)، و قد سار لقتال مصعب بعد أن قتل المصعب المختار، فالتقوا بأرض مسكن من نواحي الكوفة.
قد فغرت فاغرته .. أي انفتح فوه، و يقال: فغر فاه يتعدّى و لا يتعدّى (3).
و ثقل وطائه .. كناية عن شدّة ظلمه و جوره.
بعيد الجولة .. أي جولان خيوله و جيوشه في البلاد، فيكون كناية عن اتّساع ملكه، أو جولان رجاله في الحرب بحيث لا يتعقّبه السكون.
و شرد البعير .. نفر (4) و ذهب في الأرض.
و عوازب أحلامها .. أي ما ذهب و غاب من عقولها (5).
و قال ابن ميثم (رحمه اللّه) (6): فإن قلت: قوله (عليه السلام): حتى تئوب ..
____________
(1) في (س): ما قريب.
(2) قال في الصحاح 6- 2406: ضاحية كلّ شيء: ناحيته البارزة، و يقال: هم ينزلون الضواحي.
و قال في النهاية 3- 78: و ضاحية مضر .. أي أهل البادية منهم، و جمع الضاحية: ضواح. و قال في القاموس 4- 354: و ضواحيك: ما برز منك للشمس كالكتفين و المنكبين، و من الحوض نواحيه، و من الروم ما ظهر من بلادهم.
(3) كما ذكره في القاموس 2- 110، و الصحاح 2- 782.
(4) كما في مجمع البحرين 3- 77، و الصحاح 2- 494، و القاموس 1- 305.
(5) قال في النهاية 3- 227: و الحلوم عوازب: جمع عازب .. أي أنّها خالية بعيدة العقول. و قال قبل ذلك: عزب .. أي بعد، و عزب: إذا أبعد. و مثله في لسان العرب 1- 597، و قال فيه 1- 596:
عزب عنه .. ذهب، و عزب يعزب: إذا غاب.
(6) شرح نهج البلاغة لابن ميثم 3- 174، باختلاف كثير و تصرّف.
553
يدلّ على انقطاع تلك الدولة بظهور العرب (1)، و عبد الملك مات و قام بعده بنوه بالدولة (2).
قلت: الغاية ليست غاية (3) لدولة عبد الملك بل غاية لكونهم لا يزالون مشرّدين في البلاد مقهورين، و ذلك الانقهار و إن كان أصله من عبد الملك إلّا أنّه استمرّ في زمان أولاده إلى حين انقضاء دولتهم. و قال بعض الشارحين: إنّ ملك أولاده ملكه.
و هذا جواب من لم يتدبّر في كلامه (عليه السلام).
و العرب هاهنا هم بنو العباس و من معهم من العرب أيّام ظهور دولتهم كقحطبة بن شبيب البطائي و ابنيه حميد و الحسن، و كبني رزيق (4) منهم طاهر بن الحسين و إسحاق بن إبراهيم و غيرهم من العرب. و قيل: إنّ أبا مسلم أصله عربي.
قوله (عليه السلام): و العهد القريب.
.. قال ابن أبي الحديد (5) .. أي عهده و أيّامه (عليه السلام)، و كأنّه (6) دفع لما عساه يتوهّمونه من أنّه إذا آبت إلى العرب عوازب أحلامها فيجب عليهم اتّباع الدولة الجديدة في كل ما تفعله (7)، فوصّاهم
____________
(1) في المصدر زيادة: و عود عوازب أحلامها.
(2) في شرح ابن ميثم زيادة: و لم يزل الملك عنه بظهور العرب، فأين فائدة الغاية؟.
(3) لا توجد في (س): ليست غاية.
(4) في (س): رزين.
(5) في شرحه على نهج البلاغة 9- 48، و نصّ العبارة هي: و العهد القريب الذي عليه باقي النبوّة يعني عهده و أيّامه (عليه السلام)- و كأنّه خاف من أن يكون بإخباره لهم بأنّ دولة هذا الجبّار ستنقض إذا آبت إلى العرب عوازب أحلامها، كالأمر لهم باتّباع ولاة الدولة الجديدة في كلّ ما تفصله، فاستظهر عليهم بهذه الوصيّة، و قال لهم: إذا ابتذلت الدولة، فالزموا الكتاب و السنّة، و العهد الذي فارقتكم عليه.
(6) في (ك): كان.
(7) في (س): تفعلهم.
554
بأنّه إذا تبدّلت الدولة فالزموا الكتاب و السنّة و العهد الذي فارقتكم عليه.
قوله (عليه السلام): إنّما يسنّي .. أي يسهّل (1).
52- كا (2): أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَمَّدِيِّ، عَنْ أَبِي رَوْحٍ فَرَجِ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بِالْمَدِينَةِ (3) فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ وَ آلِهِ، ثُمَّ قَالَ:
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَقْصِمْ جَبَّارِي دَهْرٍ (4) إِلَّا مِنْ بَعْدِ تَمْهِيلٍ وَ رَخَاءٍ، وَ لَمْ يَجْبُرْ (5) كَسْرَ عَظْمٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا بَعْدَ أَزْلٍ وَ بَلَاءٍ.
أَيُّهَا النَّاسُ! فِي (6) دُونِ مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ خَطْبٍ (7) وَ اسْتَدْبَرْتُمْ مِنْ خَطْبٍ مُعْتَبَرٌ، وَ مَا كُلُّ ذِي قَلْبٍ بِلَبِيبٍ، وَ لَا كُلُّ ذِي سَمْعٍ بِسَمِيعٍ، وَ لَا كُلُّ ذِي نَاظِرِ عَيْنٍ بِبَصِيرٍ.
عِبَادَ اللَّهِ! أَحْسِنُوا فِيمَا يُعِينُكُمُ (8) النَّظَرَ فِيهِ، ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى عَرَصَاتِ مَنْ قَدْ أَفَادَهُ (9) اللَّهُ بِعِلْمِهِ كَانُوا عَلَى سُنَّةٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ أَهْلَ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ
____________
(1) قاله في القاموس 4- 345، و النهاية 2- 415، و غيرهما.
(2) الكافي الرّوضة- 8- 63- 66 حديث 22.
(3) و بهذا المضمون ورد في نهج البلاغة- محمّد عبده- 1- 155، صبحي صالح: 121 خطبة: 88، فراجع، إذ لم نذكر الفروق بينها و بين المصدر. و جاء في إرشاد المفيد: 155- 156.
(4) في (ك) زيادة: قطّ.
(5) جاء في حاشية (ك): و لم يجبر عظم أحد. نهج.
(6) في (ك) نسخة بدل: و في.
(7) في الكافي: عطب.
(8) قد تقرأ في البحار بصعوبة: يعنيكم، و هو الظّاهر.
(9) في المصدر: أقاده.
555
وَ مَقامٍ كَرِيمٍ، (10) ثُمَّ انْظُرُوا بِمَا خَتَمَ اللَّهُ لَهُمْ بَعْدَ النَّضْرَةِ وَ السُّرُورِ، وَ الْأَمْرِ وَ النَّهْيِ وَ لِمَنْ صَبَرَ مِنْكُمُ الْعَافِيَةُ (1) فِي الْجِنَانِ- وَ اللَّهِ- مُخَلَّدُونَ وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ، فَيَا عَجَباً! وَ مَا لِيَ لَا أَعْجَبُ مِنْ خَطَإِ هَذِهِ الْفِرَقِ عَلَى اخْتِلَافِ حُجَجِهَا فِي دِينِهَا لَا يَقْتَفُونَ (2) أَثَرَ نَبِيٍّ وَ لَا يَقْتَدُونَ بِعَمَلِ وَصِيٍّ، وَ لَا يُؤْمِنُونَ بِغَيْبٍ، وَ لَا يَعْفُونَ عَنْ عَيْبٍ (3)، الْمَعْرُوفُ فِيهِمْ مَا عَرَفُوا وَ الْمُنْكَرُ عِنْدَهُمْ مَا أَنْكَرُوا (4)، وَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ أَخَذَ مِنْهَا فِيمَا يَرَى بِعُرًى وَثِيقَاتٍ وَ أَسْبَابٍ مُحْكَمَاتٍ، فَلَا يَزَالُونَ بِجَوْرٍ وَ لَنْ يَزْدَادُوا إِلَّا خَطَأً، لَا يَنَالُونَ تَقَرُّباً وَ لَنْ يَزْدَادُوا إِلَّا بُعْداً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، أُنْسُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَ تَصْدِيقُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، كُلُّ ذَلِكَ وَحْشَةً مِمَّا وَرَّثَ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ نُفُوراً مِمَّا أَدَّى إِلَيْهِمْ مِنْ أَخْبَارِ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ، أَهْلُ حَسَرَاتٍ، وَ كُهُوفُ شُبُهَاتٍ، وَ أَهْلُ عَشَوَاتٍ وَ ضَلَالَةٍ وَ رِيبَةٍ، مَنْ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ وَ رَأْيِهِ فَهُوَ مَأْمُونٌ عِنْدَ مَنْ يَجْهَلُهُ غَيْرُ الْمُتَّهَمِ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ، فَمَا أَشْبَهَ هَؤُلَاءِ بِأَنْعَامٍ قَدْ غَابَ عَنْهَا رِعَاؤُهَا، وَ وَا أَسَفَى مِنْ فَعَلَاتِ شِيعَتِي مِنْ بَعْدِ قُرْبِ مَوَدَّتِهَا الْيَوْمَ، كَيْفَ يَسْتَذِلُّ بَعْدِي بَعْضُهَا بَعْضاً، وَ كَيْفَ يَقْتُلُ بَعْضُهَا بَعْضاً، الْمُتَشَتِّتَةِ غَداً عَنِ الْأَصْلِ النَّازِلَةِ بِالْفَرْعِ، الْمُؤَمِّلَةِ الْفَتْحَ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ، كُلُّ حِزْبٍ مِنْهُمْ أَخَذَ مِنْهُ بِغُصْنٍ أَيْنَمَا مَالَ الْغُصْنُ مَالَ مَعَهُ، مَعَ أَنَّ اللَّهَ- وَ لَهُ الْحَمْدُ- يَسْتَجْمِعُ هَؤُلَاءِ لِشَرِّ يَوْمٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ كَمَا يَجْمَعُ قَزَعَ (5) الْخَرِيفِ يُؤَلِّفُ اللَّهُ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَجْعَلُهُمْ رُكَاماً كَرُكَامِ السَّحَابِ، ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَاباً يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَشَارِهِمْ (6) كَسَيْلِ الْجَنَّتَيْنِ سَيْلِ الْعَرِمِ
____________
(10) لا توجد في (س): و عيون.
(1) في المصدر: العاقبة.
(2) في حاشية (ك): لا يقتصّون. نهج، و هو الّذي جاء في الكافي.
(3) جاء في حاشية (ك): يعملون في الشّبهات و يسيرون في الشّهوات. نهج.
(4) جاء في حاشية (ك): مفزعهم في المعضلات إلى أنفسهم، و تعويلهم في المهمّات إلى آرائهم، كأنّ كلّ امرئ .. إلى آخره. نهج.
(5) في (س): فرق.
(6) في المصدر: مستثارهم.
556
حَيْثُ بَعَثَ عَلَيْهِ فَأْرَةً فَلَمْ تَثْبُتْ (1) عَلَيْهِ أَكَمَةٌ وَ لَمْ يَرُدَّ سَنَنَهُ رَصُّ طَوْرٍ يُذَعْذِعُهُمُ (2) اللَّهُ فِي بُطُونِ أَوْدِيَةٍ ثُمَّ يَسْلُكُهُمْ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ يَأْخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ وَ يُمَكِّنُ مِنْ (3) قَوْمٍ لِدِيَارِ قَوْمٍ تَشْرِيداً لِبَنِي أُمَيَّةَ وَ لِكَيْلَا يَغْتَصِبُوا مَا غَصَبُوا، يُضَعْضِعُ اللَّهُ بِهِمْ رُكْناً، وَ يَنْقُضُ بِهِمْ طَيَّ الْجَنَادِلِ مِنْ إِرَمَ، وَ يَمْلَأُ مِنْهُمْ بُطْنَانَ الزَّيْتُونِ، فَوَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ لَيَكُونَنَّ ذَلِكَ، وَ كَأَنِّي أَسْمَعُ صَهِيلَ خَيْلِهِمْ، وَ طَمْطَمَةَ رِجَالِهِمْ، وَ ايْمُ اللَّهِ لَيَذُوبَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ بَعْدَ الْعُلُوِّ وَ التَّمَكُّنِ (4) فِي الْبِلَادِ كَمَا تَذُوبُ الْأَلْيَةُ عَلَى النَّارِ، مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مَاتَ ضَالًّا، وَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ يُفْضِي مِنْهُمْ مَنْ دَرَجَ، وَ يَتُوبُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى مَنْ تَابَ، وَ لَعَلَّ اللَّهَ يَجْمَعُ شِيعَتِي بَعْدَ التَّشَتُّتِ لِشَرِّ يَوْمٍ لِهَؤُلَاءِ، وَ لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ الْخِيَرَةُ، بَلْ لِلَّهِ الْخِيَرَةُ وَ الْأَمْرُ جَمِيعاً.
أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ الْمُنْتَحِلِينَ لِلْإِمَامَةِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا كَثِيرٌ، وَ لَوْ لَمْ تَخَاذَلُوا (5) عَنْ مُرِّ الْحَقِّ وَ لَمْ تَهِنُوا عَنْ تَوْهِينِ الْبَاطِلِ لَمْ يَتَشَجَّعْ عَلَيْكُمْ مَنْ لَيْسَ مِثْلَكُمْ، وَ لَمْ يَقُومَنَّ قَوِيٌّ عَلَيْكُمْ وَ عَلَى هَضْمِ الطَّاعَةِ وَ إِزْوَائِهَا عَنْ أَهْلِهَا، لَكِنْ تِهْتُمْ كَمَا تَاهَتْ بَنُو (6) إِسْرَائِيلَ عَلَى عَهْدِ مُوسَى (عليه السلام)، وَ لَعَمْرِي أَيْضاً غفر [لَيُضَاعَفَنَّ عَلَيْكُمُ (7) التِّيهُ مِنْ بَعْدِي أَضْعَافَ مَا تَاهَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَ لَعَمْرِي أَنْ لَوْ قَدِ اسْتَكْمَلْتُمْ مِنْ بَعْدِي مُدَّةَ سُلْطَانِ بَنِي أُمَيَّةَ لَقَدِ اجْتَمَعْتُمْ عَلَى سُلْطَانِ الدَّاعِي إِلَى الضَّلَالَةِ، وَ أَحْيَيْتُمُ الْبَاطِلَ، وَ خَلَّفْتُمُ الْحَقَّ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، وَ قَطَعْتُمُ الْأَدْنَى مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَ وَصَلْتُمُ
____________
(1) في الكافي: يثبت.
(2) في المصدر: رض طود يذعذهم. و في (س): يزعزهم. و سيأتي في بيانه: طود.
(3) في الكافي: بهم، بدلا من: من.
(4) في المصدر: التّمكين.
(5) في المصدر: تتخاذلوا.
(6) في (ك): بني، و هو خلاف الظّاهر.
(7) في الكافي: ليضاعفنّ، و في (ك): أ يضاعفنّ عليكم.
557
الْأَبْعَدَ مِنْ أَبْنَاءِ الْحَرْبِ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ لَعَمْرِي أَنْ لَوْ قَدْ ذَابَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ لَدَنَا التَّمْحِيصُ لِلْجَزَاءِ، وَ قَرُبَ الْوَعْدُ، وَ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ، وَ بَدَا لَكُمُ النَّجْمُ ذُو الذَّنَبِ (1) مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ (2) وَ لَاحَ لَكُمُ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَرَاجِعُوا التَّوْبَةَ، وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنِ اتَّبَعْتُمْ طَالِعَ الْمَشْرِقِ سَلَكَ بِكُمْ مَنَاهِجَ الرَّسُولِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَتَدَاوَيْتُمْ مِنَ الْعَمَى وَ الصَّمَمِ وَ الْبَكَمِ، وَ كُفِيتُمْ مَئُونَةَ الطَّلَبِ وَ التَّعَسُّفِ، وَ نَبَذْتُمُ الثِّقْلَ الْقَادِحَ (3) عَنِ الْأَعْنَاقِ، وَ لَا يُبَعِّدُ اللَّهُ إِلَّا مَنْ أَبَى وَ ظَلَمَ وَ اعْتَسَفَ وَ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ، وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
توضيح:
في دون ما استقبلتم .. الظاهر أنّ هذه الخطبة كانت بعد قتل عثمان و انعقاد البيعة له (عليه السلام)، و حدوث بعض مبادي الفتن، فالمراد بما استدبروه استيلاء خلفاء الجور و تمكّنهم ثم زوال دولتهم، و بما استقبلوه ما حدث من الفتن بعد خلافته (عليه السلام)، فإنّ التدبّر فيها يورث العلم بأنّ بناء الدنيا على الباطل، و أنّ الحقّ لا يستقيم فيها، و أنّ الحقّ و الباطل كليهما إلى فناء و انقضاء، أو المراد بما استدبروه ما وقع في زمن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أوّلا و آخرا، و بما استقبلوه ما كان بعده (صلّى اللّه عليه و آله) مطابقا للأحوال السابقة من غلبة الباطل أوّلا ثم مغلوبيّته ثانيا، و يحتمل أن يكون المراد بما يستقبل و ما يستدبر شيئا واحدا فإنّ ما يستقبل قبل وروده يستدبر بعد مضيّه، أو المراد بما يستقبلونه ما أمامهم من أحوال البرزخ و القيامة، و بما استدبروه ما مضى من أيّام عمرهم، و لا يخفى بعده.
فيما يعينكم (4)- بالمهملة- .. أي يهمّكم (5) أو بالمعجمة.
____________
(1) في (ك): و الذنب.
(2) في (س): الشّرق.
(3) في الكافي كما في بيان المصنّف (رحمه اللّه): الفادح.
(4) كذا، و الظاهر: ما يعنيكم.
(5) قاله في النهاية 3- 314، و مجمع البحرين 1- 309، و الصحاح 6- 2440، كلّها في مادة: عنى.
558
و قوله (عليه السلام): النظر فيه .. بدل اشتمال لقوله فيما يعينكم أو فاعل لقوله: يعينكم، بتقدير الظرف (1).
من قد أقاده اللّه .. أي جعله قائدا (2) و مكّنه من الملك أو من القود (3).
و في الإرشاد (4): أباده اللّه بعمله .. و هو أظهر.
بما ختم اللّه لهم .. الظرف صلة للختم قدم عليه .. أي انظروا بأيّ شيء ختم لهم، أو الباء بمعنى في، أو إلى، أو زائدة.
و اللّه مخلّدون .. خبر محذوف (5) و الجملة مبنيّة و مؤكّدة للسابقة أو استئنافيّة، كأنّه سأل عن عاقبتهم فقيل هم و اللّه مخلّدون.
وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ. أي مرجعها إلى حكمه، أو عاقبة الملك و الدولة و العزّة للّه و لمن طلب رضاه.
فيا عجبا- بغير تنوين- و أصله: يا عجبي، أو بالتّنوين .. أي يا قوم اعجبوا عجبا، و الأوّل أظهر (6).
في دينها .. متعلّق بالاختلاف، أو بالخطإ، أو بهما على التنازع.
و المراد بالحجج (7): المذاهب و الطرق أو الدلائل عليها.
و لا يعفّون- بالتشديد و كسر العين- من العفّة، أو بالتخفيف و السكون من العفو.
المعروف فيهم ما عرفوا .. أي المعروف و المنكر تابعان لآرائهم- و إن
____________
(1) في (س): النظر قبل الظرف، و خطّ على: النظر قبل، في (ك)، و هو الظاهر.
(2) ذكره الطريحي (رحمه اللّه) في مجمع البحرين 3- 133.
(3) قال في القاموس 1- 330: و أقاده خيلا .. أعطاه ليقودها، و القاتل بالقتيل: قتله به. و قال في المصباح المنير 2- 204: أقاد القاتل بالقتيل: قتله به قودا.
(4) الإرشاد: 155.
(5) أي محذوف مبتدؤه.
(6) و قد قرّر الوجه الثاني في مجمع البحرين 1- 115.
(7) في مطبوع البحار: الحجّ.
559
خالفت الواقع- أو لشهواتهم، و لا يبالون بعدم موافقة الشريعة.
و كهوف شبهات .. أي تأوي إليهم (1).
و العشوة: أن يركب أمرا على غير بيان (2).
من وكله اللّه إلى نفسه .. أي بسبب إعراضه عن الحقّ، و هو مبتدأ.
و قوله: فهو مأمون خبره، و لعلّ المراد بالموصول أئمّة من قد ذمّهم سابقا لا أنفسهم.
من فعلات شيعتي .. أي من يتّبعني اليوم ظاهرا.
كلّ حزب منهم أخذ بغصن .. أي لتفرّقهم عن أئمّة الحقّ صاروا شعبا شتّى كلّ منهم أخذ بغصن من أغصان شجرة الحقّ بزعمهم ممّن يدّعي الانتساب إلى أهل البيت (عليهم السلام) مع تركهم الأصل.
يستجمع هؤلاء .. إشارة إلى اجتماعهم على أبي مسلم لدفع بني أميّة، لكن دفعوا الفاسد بالأفسد (3).
كما يجمع قزع الخريف .. أي قطع السّحاب المتفرّقة، و إنّما خصّ الخريف لأنّه أوّل الشّتاء، و السّحاب يكون فيه متفرّقا غير متراكم و لا مطبق ثمّ يجتمع بعضه إلى بعض بعد ذلك (4).
____________
(1) قال في مجمع البحرين 5- 118: و في الحديث: الدعاء كهف الإجابة، كما أنّ السحاب كهف المطر .. أي الإجابة تأوي إليه فيكون مظنّة لها كالمطر مع السحاب. و قال في القاموس 3- 193، و الصحاح 4- 1425: كهف: أي ملجأ.
(2) ذكره في القاموس 4- 362، و لسان العرب 15- 59، و نحوه في مجمع البحرين 1- 293، و النهاية 3- 242، و في الصحاح 6- 2427: العشوة: أن تركب أمرا على غير بيات. و لعلّ الأصوب:
بيان، و هي غلطة مطبعية.
(3) في (ك): بأفسد.
(4) نصّ عليه في النهاية 4- 59، و لسان العرب 8- 271، و غيرهما.
560
و الرّكام: السّحاب المتراكم (1) بعضه فوق بعض (2)، و نسبة هذا التأليف إليه تعالى- مع أنّه لم يكن برضاه- على المجاز الشائع في الآيات و الأخبار.
ثم يفتح لهم أبوابا .. فتح الأبواب كناية عمّا هيّأ لهم من الأسباب استدراجا، و المستشار (3) موضع ثوراتهم (4) و هيجانهم، و شبّه (عليه السلام) تسلّط هذا الجيش عليهم بسوء أعمالهم بما سلّط اللّه على أهل سبإ بعد إتمام النعمة عليهم لكفرانهم، كما قال تعالى: (لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَ بَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ وَ شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ) (5).
قوله (عليه السلام): حيث بعث عليه فأرة (6).
.. هذا مؤيّد لما قيل: أنّ العرم: الفأرة (7)، و أضيف السيل إليه لأنّه نقب لهم سكرا (8) ضربت لهم بلقيس.
و في النهج: كسيل الجنّتين حيث لم تسلم عليه فارة و لم تثبت له أكمة (9)، و الفارة:
____________
(1) في (س): المتراكب.
(2) صرّح به في لسان العرب 12- 251. و في النهاية 2- 260 بدل المتراكم: المتراكب. و انظر: مجمع البحرين 6- 75، و الصحاح 5- 1936، و القاموس 4- 122.
(3) كذا، و الظاهر أنّه المستثار- لعلها تقرأ في (ك)- أو المثار. قال في مجمع البحرين 3- 238: و في الخبر: ثارت قريش بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فخرج هاربا .. أي هيّجوه من مكانه، من قولهم ثار الغبار يثور ثورانا: هاج .. و الثوران: الهيجان. و قال في القاموس 1- 383: الثور:
الهيجان .. و استثاره: غيره.
(4) في (س): ثورانهم.
(5) سبأ: 15- 16.
(6) في النهج- طبعة صبحي صالح-: قارة.
(7) انظر: القاموس 4- 149.
(8) قال في القاموس 2- 50: السكر: سدّ النهر، و بالكسر الاسم منه و ما سدّ به النهر.
(9) في النهج: تسلّم عليه قارة و لم تثبت عليه ألمة.
561
الجبل الصّغير (1)، و الأكمة: التّلّ (2).
و الحاصل بيان شدّة الشبه به بأنّه أحاط بالجبال و ذهب بالتلال و لم يمنعه شيء.
و لم يرد سننه رصّ طود .. السّنن: الطّريق (3)، و الرّصّ: التصاق الأجزاء بعضها ببعض (4)، و الطّود: الجبل (5)، أي لم يرد طريقه طود مرصوص. و في النهج بعده: و لا حداب (6) أرض.
و لما فرغ (عليه السلام) من بيان شدّة المشبّه به أخذ في بيان شدّة المشبّه، فقال: يذعذعهم اللّه في بطون أودية. الذّعذعة (7): التّفريق (8) .. أي يفرّقهم اللّه في السبل (9) متوجّهين إلى البلاد.
ثم يسلكهم يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ- هي من ألفاظ القرآن- .. أي كما أنّ اللّه تعالى ينزّل الماء من السماء فيستكنّ في أعماق الأرض ثم يظهر ينابيع إلى ظاهرها، كذلك هؤلاء يفرّقهم اللّه في بطون الأودية و غوامض الأغوار ثم يظهرهم بعد
____________
(1) قال في القاموس 2- 112: و فورة الجبل: سراته و متنه. و قال في النهاية 3- 405: جبال فاران:
هو اسم عبرانيّ لجبال مكّة. و لم نحصل على نصّ كلامه (قدّس سرّه) في كتب اللغة.
(2) كما ذكره في القاموس 4- 75، و المصباح المنير 1- 24، و انظر: لسان العرب 12- 20، و مجمع البحرين 6- 8.
(3) قاله في المصباح المنير 1- 352، و لسان العرب 13- 226، و انظر: مجمع البحرين 6- 268، و النهاية 2- 410.
(4) كما في النهاية 2- 227، و الصحاح 3- 1041.
(5) نصّ عليه في القاموس 1- 310، و انظر: الصحاح 2- 502، و النهاية 3- 141.
(6) في (ك): أخداب.
(7) الكلمة في (س) مشوّشة و قد تقرأ: الزعزعة.
(8) جاء في مجمع البحرين 4- 328، و النهاية 2- 160، و الصحاح 3- 1211.
(9) قد يقرأ في مطبوع البحار: السيل.
562
الاختفاء، كذا ذكره (1) ابن أبي الحديد (2).
و يحتمل أن يكون بيانا لاستيلائهم على البلاد و تفرّقهم فيها و ظهورهم في كلّ البلاد و تيسير أعوانهم من سائر العباد، فكما أنّ مياه الأنهار و وفورها توجب وفور مياه العيون و الآبار فكذلك يظهر أثر هؤلاء في كلّ البلاد و تكثر أعوانهم في جميع الأقطار، و كلّ ذلك ترشيح (3) لما سبق من التشبيه.
من قوم .. أي بني أميّة.
حقوق قوم .. أي أهل البيت (عليهم السلام) للانتقام من أعدائهم و إن لم يصل الحقّ إليهم.
و يمكّن من قوم .. أي بني العباس.
لديار قوم .. أي بني أميّة، و في بعض النسخ: و يمكّن بهم قوما في ديار قوم، و في النهج: و يمكّن لقوم في ديار قوم .. و هما أظهر.
تشريدا لبني أميّة .. أي ليس الغرض إلّا (4) تفريق بني أميّة و رفع ظلمهم.
يضعضع اللّه بهم ركنا .. ضعضعه: هدمه حتّى الأرض (5) .. أي يهدم اللّه بهم ركنا وثيقا هو أساس دولة بني أميّة. و ينقض بهم طيّ الجنادل من إرم ..
الجنادل- جمع جندل-: و هو ما يقلّه الرّجل من الحجارة (6) .. أي ينقض اللّه (7) الأبنية التي طويت و بنيت بالجنادل.
من بلاد إرم .. و هي دمشق و الشام، إذ كان مستقرّ ملكهم في أكثر الأزمان
____________
(1) في (س): كما ذكره.
(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9- 285- 286، بتصرّف و اختصار.
(3) في (ك): ترشح.
(4) في (س): أي، بدلا من: إلّا.
(5) كما في الصحاح 3- 1250، و مجمع البحرين 4- 365، و القاموس 3- 56.
(6) كما جاء في القاموس 3- 352، و لسان العرب 11- 128، و انظر: الصحاح 4- 1654، و مجمع البحرين 5- 336.
(7) وضع في (ك) على لفظ الجلالة رمز نسخة بدل.
563
تلك البلاد، و في بعض النسخ: على الجنادل.
و يملأ منهم بطنان الزيتون .. بطنان الشيء: وسطه و دواخله (1). و قال الفيروزآبادي: الزّيتون مسجد دمشق، أو جبال الشّام، و بلد بالصّين (2)، و الغرض استيلاؤهم على وسط بلاد بني أميّة.
و الصّهيل- كأمير-: صوت الفرس (3).
و قال الفيروزآبادي: رجل طمطم و طمطميّ (4)- بكسرهما- و طمطمانيّ (5) بالضّمّ- في لسانه عجمة (6). انتهى.
و أشار (عليه السلام) بذلك إلى أنّ أكثر عسكرهم من العجم- كما كان- إذ (7) عسكر أبي مسلم كان أكثرهم من خراسان.
ليذوبنّ ما في أيديهم .. أي بني أميّة. و يحتمل أن يكون إشارة إلى انقراض هؤلاء الغالبين من بني العباس.
و إلى اللّه عزّ و جلّ يقضي منهم من درج .. في بعض النسخ: يفضي- بالفاء-.
أي يوصل (8)، و في بعضها بالقاف بمعنى المحاكمة (9) أو الإنهاء (10)
____________
(1) نصّ عليه في النهاية 1- 137، و لسان العرب 13- 55، و مجمع البحرين 6- 215، و فيه:
و داخله. و انظر: الصحاح 5- 2079.
(2) قاله في القاموس 1- 148، و قارنه ب: تاج العروس 1- 546، و لسان العرب 2- 35.
(3) صرّح به في مجمع البحرين 5- 408، و الصحاح 5- 1747، و القاموس 4- 4.
(4) سقط في (ك): طمطمي.
(5) في (س): طمطمان.
(6) كما ذكره في القاموس 4- 145، و نحوه في لسان العرب 12- 371، و قارن به 3- 139 منه.
(7) كذا، و الظاهر: كما أنّ عسكر .. إلى آخره.
(8) قال في مجمع البحرين 1- 331: الإفضاء إلى الشيء: الوصول إليه بالملامسة، و أصله من الفضاء و هو السعة. و قال في المصباح المنير 2- 150: أفضيت إلى الشيء: وصلت إليه، و أفضيت إليه بالسرّ: أعلمته به، و انظر: النهاية 3- 456، و الصحاح 6- 2455، و القاموس 4- 374.
(9) قاله في الصحاح 6- 2463، و النهاية 4- 78، و القاموس 4- 378، و لسان العرب 15- 186، و فيه: القضاء: الحكم.
(10) كما ورد في القاموس 4- 379، و الصحاح 6- 2463، و لسان العرب 15- 187.
564
و الإيصال (1).
و درج الرّجل .. أي مشى (2)، و درج أيضا: مات (3)، و درج القوم:
انقرضوا (4)، و الظاهر أنّ المراد به هنا الموت. أي من رأت (5) منهم مات ضالا و أمره إلى اللّه يعذّبه كيف يشاء، و على الأول المعنى من بقي منهم فعاقبته الفناء و اللّه يقضي فيه بعلمه.
و لعلّ اللّه يجمع شيعتي.
.. إشارة إلى ظهور القائم (عليه السلام) و لا يلزم اتّصاله بملكهم، لأنّه شرّ لهم، كما سيأتي في الأخبار على كلّ حال.
عن مرّ الحقّ .. أي الحقّ الذي هو مرّ، أو خالص الحقّ، فإنّه أمرّ. و في النهج (6): عن نصر الحقّ.
و على هضم الطاعة .. أي كسرها (7) و إزوائها، يقال: زوى الشيء عنه:
أي صرفه و نحّاه (8)، و لم أظفر بهذا البناء (9).
لكن تهتم كما تاهت بنو إسرائيل .. في خارج المصر أربعين سنة في الأرض بسبب عصيانهم و ترك الجهاد فكذا أصحابه (عليه السلام) تحيّروا في أديانهم و أعمالهم لما لم ينصروه على عدوّه. و في النهج (10): و لكنّكم تهتم متاه بني إسرائيل أضعاف ما
____________
(1) قال في القاموس 4- 379: قضى وطره: أتمّه و بلغه .. و عليه عهدا أوصاه و أنفذه .. و دينه: أدّاه، و قريب منه في النهاية 4- 78، و لسان العرب 15- 187، و المصباح المنير 2- 190.
(2) كما جاء في الصحاح 1- 313، و القاموس 1- 187، و مجمع البحرين 2- 299، و لسان العرب 2- 266.
(3) نصّ عليه في المصباح المنير 1- 231، و مجمع البحرين 2- 299.
(4) قاله في لسان العرب 2- 266، و الصحاح 1- 313، و القاموس 1- 187.
(5) كذا، و الصحيح: مات.
(6) نهج البلاغة- محمّد عبده- 2- 77، و صبحي صالح: 240 خطبة: 166.
(7) قاله في مجمع البحرين 6- 186، و النهاية 5- 265، و الصحاح 5- 2059.
(8) نصّ عليه في النهاية 2- 320، و لاحظ: لسان العرب 14- 364.
(9) أي لم أعثر على مصدر (زوى) من باب الإفعال.
(10) نهج البلاغة 2- 77- محمّد عبده-، و صفحة: 240 خطبة 166- صبحي صالح-.
565
تاهت .. أي بحسب الشدّة أو بحسب الزمان.
و الداعي إلى الضلالة .. داعي بني العباس.
و خلفتم الحقّ .. أي متابعة أهل البيت (عليهم السلام).
و قطعتم الأدنى .. أي الأدنين إلى الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) نسبا، الناصرين له في غزوة بدر، يعني نفسه و أولاده (عليهم السلام).
و وصلتم الأبعد .. أي أولاد العباس فإنّهم كانوا أبعد نسبا من أهل البيت (عليهم السلام)، و كان جدّهم العباس ممّن حارب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في غزوة بدر.
أن لو قد ذاب ما في أيديهم.
.. أي ذهب ملك بني العباس.
لذي (1) التمحيص للجزاء .. أي قرب قيام القائم (عليه السلام). و فيه التمحيص و الابتلاء ليجزي الكافرين و يعذّبهم في الدنيا أو (2) القيامة.
و قرب الوعد.
.. أي وعد الفرج.
و انقضت المدّة.
.. أي قرب انقضاء مدّة أهل الباطل.
و النجم ذو الذنب، من علامات ظهور القائم (عليه السلام).
و المراد بالقمر المنير .. القائم (عليه السلام)، و كذا طالع المشرق إذ مكة شرقيّة بالنسبة إلى المدينة أو لأنّ اجتماع العساكر عليه و توجّهه إلى فتح البلاد من الكوفة و هي كالشرقيّة بالنسبة إلى الحرمين، و لا يبعد أن يكون ذكر المشرق ترشيحا للاستعارة أي القمر الطالع من مشرقه، و يحتمل أن يكون إشارة إلى ظهور السلطان إسماعيل أنار اللّه برهانه.
و التّعسّف: الظّلم (3).
____________
(1) كذا، و الصحيح: لدنا.
(2) في (س): أي، بدلا من: أو.
(3) كما جاء في مجمع البحرين 5- 100، و القاموس 3- 175، و لسان العرب 9- 246.
566
و الثّقل الفادح (1): الديون المثقلة و المظالم أو بيعة أهل الجور و طاعتهم و ظلمهم.
إلّا من أبى .. أي عن طاعة القائم (عليه السلام) أو الربّ تعالى.
و اعتسف .. أي مال (2) عن طريق الحقّ إلى غيره، أو ظلم (3) على غيره (4).
53- مَا (5): الْحُسَيْنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَهْبَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَبَشِيٍّ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَفْوَانَ وَ جَعْفَرِ بْنِ عِيسَى (6)، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي غُنْدَرٍ (7)، عَنِ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: اتَّقُوا اللَّهَ وَ عَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ لِأَئِمَّتِكُمْ، قُولُوا مَا يَقُولُونَ وَ اصْمُتُوا عَمَّا صَمَتُوا، فَإِنَّكُمْ فِي سُلْطَانِ مَنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَ إِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ) (8) يَعْنِي بِذَلِكَ وُلْدَ الْعَبَّاسِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فَإِنَّكُمْ فِي هُدْنَةٍ، صَلُّوا فِي عَشَائِرِهِمْ، وَ اشْهَدُوا جَنَائِزَهُمْ، وَ أَدُّوا الْأَمَانَةَ إِلَيْهِمْ ..
____________
(1) قال في القاموس 1- 239: فدح الدين: أثقله، فادحا .. أي مثقلا صعبا، و في مجمع البحرين 2- 397: الأمر الفادح: الذي يثقل و يبهض، و الجمع فوادح .. فدحه الدين: أثقله. و انظر:
النهاية 3- 419.
(2) نصّ عليه في لسان العرب 9- 2450، و القاموس 3- 175، و غيرهما.
(3) قاله في مجمع البحرين 5- 100، و القاموس 3- 175، و لسان العرب 9- 246.
(4) أقول: انظر شرح الخطبة في شرح النهج لابن ميثم 2- 305، و منهاج البراعة للقطب الراونديّ 1- 365، و شرح ابن أبي الحديد 6- 384، و قريب منه في 9- 285- 286.
(5) أمالي الشّيخ الطّوسيّ 2- 280، مع تفصيل في الإسناد.
(6) لا يوجد: و جعفر بن عيسى، في المصدر.
(7) في (س): عندر، بالعين المهملة.
(8) إبراهيم: 46.
567
[32]
باب ما ورد في جميع الغاصبين و المرتدّين مجملا
1- مَ (1): قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) (2).
قَالَ الْإِمَامُ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ (عليهما السلام): مَثَلُ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً أَبْصَرَ بِهَا مَا حَوْلَهُ، فَلَمَّا أَبْصَرَ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهَا بِرِيحٍ أَرْسَلَهَا عَلَيْهَا فَأَطْفَأَهَا أَوْ بِمَطَرٍ، كَذَلِكَ مَثَلُ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ النَّاكِثِينَ لَمَّا أَخَذَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَيْعَةِ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) أَعْطَوْا ظَاهِراً شَهَادَةَ (3) أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ وَ أَنَّ عَلِيّاً وَلِيُّهُ وَ وَصِيُّهُ وَ وَارِثُهُ وَ خَلِيفَتُهُ فِي أُمَّتِهِ، وَ قَاضِي دُيُونِهِ، وَ مُنْجِزُ عِدَاتِهِ، وَ الْقَائِمُ بِسَايِسَةِ عِبَادِ اللَّهِ
____________
(1) تفسير الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام): 130- 134.
(2) البقرة: 16.
(3) في المصدر: بشهادة.
568
مَقَامَهُ، فَوَرِثَ مَوَارِيثَ الْمُسْلِمِينَ بِهَا (1)، وَ وَالَوْهُ مِنْ أَجْلِهَا (2)، وَ أَحْسَنُوا عَنْهُ الدِّفَاعَ بِسَبَبِهَا، وَ اتَّخَذُوهُ أَخاً يَصُونُونَهُ مِمَّا يَصُونُونَ عَنْهُ أَنْفُسَهُمْ بِسِمَاعِهِمْ مِنْهُ لَهَا، فَلَمَّا جَاءَ (3) الْمَوْتُ وَقَعَ (4) فِي حُكْمِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْعَالِمِ بِالْأَسْرَارِ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، فَأَخَذَهُمْ بِعَذَابِ بَاطِنِ (5) كُفْرِهِمْ فَذَلِكَ حِينَ ذَهَبَ نُورُهُمْ وَ صَارُوا فِي ظُلُمَاتِ عَذَابِ اللَّهِ، ظُلُمَاتِ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ لَا يَرَوْنَ مِنْهَا خُرُوجاً وَ لا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً ثُمَّ قَالَ: صُمٌّ .. يَعْنِي يَصُمُّونَ فِي الْآخِرَةِ فِي عَذَابِهَا، بُكْمٌ .. يَبْكَمُونَ (6) بَيْنَ أَطْبَاقِ نِيرَانِهَا، عُمْيٌ .. يَعْمَوْنَ (7) هُنَاكَ.
وَ ذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ (8): (وَ نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَ بُكْماً وَ صُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً) (9).
قَالَ الْعَالِمُ (عليه السلام)، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، قَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ وَ لَا أَمَةٍ أَعْطَى بَيْعَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي الظَّاهِرِ وَ نَكَثَهَا فِي الْبَاطِنِ، وَ أَقَامَ عَلَى نِفَاقِهِ إِلَّا وَ إِذَا جَاءَهُ (10) مَلَكُ الْمَوْتِ لِقَبْضِ (11) رُوحِهِ
____________
(1) جاء في حاشية (ك) هنا: و فلح من المسلمين بها، و كتب بعدها (صح)، و في المصدر نسخة: و نكح في المسلمين.
(2) في (ك) نسخة بدل: لأجلها.
(3) في المصدر: جاءه.
(4) في (ك) نسخة بدل: وقعوا.
(5) في التّفسير: العذاب بباطن.
(6) هنا زيادة في المصدر: هناك.
(7) في (ك) نسخة بدل: يعمهون. و قد وردت في تفسير البرهان 1- 64 حديث 1.
(8) زيادة في المصدر: عزّ و جلّ.
(9) الإسراء: 97.
(10) في (ك): جاء.
(11) في التّفسير: ليقبض.
569
تَمَثَّلَ لَهُ إِبْلِيسُ وَ أَعْوَانُهُ وَ تَمَثَّلُ لَهُ (1) النِّيرَانُ وَ أَصْنَافُ عَقَارِبِهَا (2) لِعَيْنَيْهِ وَ قَلْبِهِ وَ مَعَاقِدِهِ (3) مِنْ مَضَايِقِهَا، وَ يمثل [تَمَثَّلُ (4) لَهُ أَيْضاً الْجِنَانُ وَ مَنَازِلُهُ فِيهَا لَوْ كَانَ بَقِيَ عَلَى إِيمَانِهِ وَ وَفَى بِبَيْعَتِهِ، فَيَقُولُ لَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ: انْظُرْ! فَتِلْكَ (5) الْجِنَانُ لَا يُقَادِرُ قَدْرَهَا (6) سَرَّائَهَا وَ بَهْجَتَهَا وَ سُرُورَهَا إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، كَانَتْ مُعَدَّةً لَكَ، فَلَوْ كُنْتَ بَقِيتَ عَلَى وَلَايَتِكَ لِأَخِي مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) كَانَ يَكُونُ (7) إِلَيْهَا مَصِيرُكَ يَوْمَ فَصْلِ الْقَضَاءِ، لَكِنَّكَ نَكَثْتَ وَ خَالَفْتَ فَتِلْكَ النِّيرَانُ وَ أَصْنَافُ عَذَابِهَا وَ زَبَانِيَتُهَا بِمِرْزَبَاتِهَا (8) وَ أَفَاعِيهَا الْفَاغِرَةُ أَفْوَاهَهَا، وَ عَقَارِبُهَا النَّاصِبَةُ أَذْنَابَهَا، وَ سِبَاعُهَا الشَّائِلَةَ مَخَالِبُهَا، وَ سَائِرُ أَصْنَافِ عَذَابِهَا هُوَ لَكَ وَ إِلَيْهَا مَصِيرُكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: (يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا) (9)، فَقَبِلْتُ مَا أَمَرَنِي بِهِ وَ الْتَزَمْتُ مِنْ مُوَالاةِ عَلِيٍّ (ع) مَا أَلْزَمَنِي، قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَ رَعْدٌ وَ بَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَ اللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَ إِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (10).
قَالَ الْعَالِمُ (11) (عليه السلام): ثُمَّ ضَرَبَ اللَّهُ (12) لِلْمُنَافِقِينَ مَثَلًا آخَرَ (13)، فَقَالَ:
____________
(1) لا توجد: له، في المصدر.
(2) في (ك) نسخة بدل: عقابها، و هي كذلك في المصدر، إلّا أنّ في تفسير البرهان: عفاريتها.
(3) في المصدر: مقاعده.
(4) في التّفسير: و تمثّل.
(5) في (ك) نسخة بدل: إلى تلك.
(6) في المصدر: الجنان الّتي لا يقدر قدر .. و جاءت: يقدر نسخة بدل في (ك).
(7) لا توجد: يكون، في المصدر، و هو الظّاهر.
(8) في التّفسير: و مرزباتها.
(9) الفرقان: 27.
(10) البقرة: 19- 20.
(11) في المصدر: الإمام.
(12) زيادة في التّفسير: عزّ و جلّ.
(13) أضاف في المصدر: للمنافقين.
570
مَثَلُ مَا خُوطِبُوا بِهِ مِنْ هَذَا الْقُرْآنِ الَّذِي أَنْزَلَنَا عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ مُشْتَمِلًا عَلَى بَيَانِ تَوْحِيدِي وَ إِيضَاحِ حُجَّةِ نُبُوَّتِكَ، وَ الدَّلِيلِ الْبَاهِرِ (1) عَلَى اسْتِحْقَاقِ أَخِيكَ عَلِيٍ (2) لِلْمَوْقِفِ الَّذِي وَقَفْتَهُ، وَ الْمَحَلِّ الَّذِي أَحْلَلْتَهُ، وَ الرُّتْبَةِ الَّتِي رَفَعْتَهُ إِلَيْهَا، وَ السِّيَاسَةِ الَّتِي قَلَّدْتَهُ إِيَّاهَا فِيهِ (3)، فَهِيَ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَ رَعْدٌ وَ بَرْقٌ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! كَمَا أَنَّ فِي هَذَا الْمَطَرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَ مَنِ ابْتُلِيَ بِهِ خَافَ فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ فِي رَدِّهِمْ بَيْعَةَ (4) عَلِيٍّ (ع) وَ خَوْفِهِمْ أَنْ تَعْثُرَ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ عَلَى نِفَاقِهِمْ كَمَنْ هُوَ فِي هَذَا (5) الْمَطَرِ وَ الرَّعْدِ وَ الْبَرْقِ يَخَافُ أَنْ يَخْلَعَ الرَّعْدُ فُؤَادَهُ، أَوْ يَنْزِلَ الْبَرْقُ بِالصَّاعِقَةِ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ يَخَافُونَ أَنْ تَعْثُرَ عَلَى كُفْرِهِمْ فَتُوجِبَ قَتْلَهُمْ وَ اسْتِيصَالَهُمْ (يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ) (6) كَمَا يَجْعَلُ هَؤُلَاءِ الْمُبْتَلُونَ بِهَذَا الرَّعْدِ وَ الْبَرْقِ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ لِئَلَّا يَخْلَعَ صَوْتُ الرَّعْدِ أَفْئِدَتَهُمْ، فَكَذَلِكَ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ إِذَا سَمِعُوا لَعْنَكَ لِمَنْ نَكَثَ الْبَيْعَةَ، وَ وَعِيدَكَ لَهُمْ إِذَا عَلِمْتَ أَحْوَالَهُمْ. (يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ) (7) لِئَلَّا يَسْمَعُوا لَعْنَكَ وَ لَا وَعِيدَكَ فَتَغَيَّرَ أَلْوَانُهُمْ فَيَسْتَدِلُّ أَصْحَابُكَ أَنَّهُمُ الْمَعْنِيُّونَ (8) بِاللَّعْنِ وَ الْوَعِيدِ، لِمَا قَدْ ظَهَرَ مِنَ التَّغْيِيرِ وَ الِاضْطِرَابِ عَلَيْهِمْ فَيَتَقَوَّى (9) التُّهَمَةُ عَلَيْهِمْ فَلَا يَأْمَنُونَ هَلَاكَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى يَدِكَ وَ حُكْمِكَ (10). ثُمَّ قَالَ: (وَ اللَّهُ مُحِيطٌ
____________
(1) زاد في الأصل: القاهر.
(2) في المصدر: عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).
(3) لا توجد: فيه، في المصدر.
(4) في التّفسير: لبيعة.
(5) في مطبوع البحار نسخة بدل: في مثل هذا، و هو الّذي ورد في تفسير الإمام (عليه السلام).
(6) البقرة: 19.
(7) البقرة: 19.
(8) قد تقرأ في مطبوع البحار: المعينون.
(9) في (ك): فيقوى.
(10) في (س) نسخة بدل: في حكمك، و هي الّتي جاءت في المصدر.
571
بِالْكافِرِينَ) (1) مُقْتَدِرٌ عَلَيْهِمْ وَ (2) لَوْ شَاءَ أَظْهَرَ لَكَ نِفَاقَ مُنَافِقِيهِمْ، وَ أَبْدَى لَكَ أَسْرَارَهُمْ، وَ أَمَرَكَ بِقَتْلِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: (يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ) (3)، وَ هَذَا مَثَلُ قَوْمٍ ابْتُلُوا بِبَرْقٍ فَلَمْ يَغُضُّوا عَنْهُ أَبْصَارَهُمْ وَ لَمْ يَسْتُرُوا عَنْهُ (4) وُجُوهَهُمْ لِتَسْلَمَ عُيُونُهُمْ مِنْ تَلَأْلُؤِهِ، وَ لَمْ يَنْظُرُوا إِلَى الطَّرِيقِ الَّذِي يُرِيدُونَ أَنْ يَتَخَلَّصُوا فِيهِ بِضَوْءِ الْبَرْقِ وَ لَكِنَّهُمْ نَظَرُوا إِلَى نَفْسِ الْبَرْقِ فَكَادَ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ يَكَادُ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْآيَاتِ الْمُحْكَمَةِ الدَّالَّةِ عَلَى نُبُوَّتِكَ الْمُوضِحَةِ عَنْ صِدْقِكَ فِي نَصْبِ عَلِيٍّ أَخِيكَ (5) إِمَاماً، وَ يَكَادُ مَا يُشَاهِدُونَهُ مِنْكَ- يَا مُحَمَّدُ ص وَ مِنْ أَخِيكَ عَلِيٍّ (ع)- مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّاتِ عَلَى أَنَّ أَمْرَكَ وَ أَمْرَهُ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ، ثُمَّ هُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يَنْظُرُونَ فِي دَلَائِلِ مَا يُشَاهِدُونَ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ وَ آيَاتِكَ وَ آيَاتِ أَخِيكَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، يَكَادُ ذَهَابُهُمْ عَنِ الْحَقِّ فِي حُجَجِكَ (6) يُبْطِلُ عَلَيْهِمْ سَائِرَ مَا قَدْ عَلِمُوا (7) مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَعْرِفُونَهَا، لِأَنَّ مَنْ جَحَدَ حَقّاً وَاحِداً أَرَاهُ (8) ذَلِكَ الْجُحُودَ إِلَى أَنْ يَجْحَدَ كُلَّ حَقٍّ فَصَارَ جَاحِدُهُ فِي بُطْلَانِ سَائِرِ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ كَالنَّاظِرِ إِلَى جِرْمِ الشَّمْسِ فِي ذَهَابِ نُورِ بَصَرِهِ.
ثُمَّ قَالَ: (كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ) (9) إِذَا ظَهَرَ مَا اعْتَقَدُوا (10) أَنَّهُ هُوَ الْحُجَّةُ
____________
(1) البقرة: 19.
(2) لا توجد الواو في (س). و هي كذلك في المصدر.
(3) البقرة: 20.
(4) في (ك) نسخة بدل: منه، و هي الّتي جاءت في المصدر.
(5) في المصدر بتقديم و تأخير: أخيك عليّ.
(6) في (ك) نسخة بدل: بحجّتك.
(7) في تفسير الإمام (ع): عملوا.
(8) في المصدر: أدّى، و هو الظّاهر.
(9) البقرة: 20.
(10) في (ك) نسخة بدل: قد اعتقدوا، و هي الّتي في المصدر.
572
«مَشَوْا فِيهِ» ثَبَتُوا عَلَيْهِ، وَ هَؤُلَاءِ كَانُوا إِذَا نَتَجَتْ (1) خَيْلُهُمْ (2) الْإِنَاثَ، وَ نِسَاؤُهُمْ الذُّكُورَ، وَ حَمَلَتْ نَخِيلُهُمْ، وَ زَكَتْ زُرُوعُهُمْ، وَ نَمَتْ (3) تِجَارَتُهُمْ، وَ كَثُرَتِ الْأَلْبَانُ فِي ضُرُوعِهِمْ (4)، قَالُوا: يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ هَذَا بِبَرَكَةِ بَيْعَتِنَا لِعَلِيٍّ (ع) أَنَّهُ مَنْجُوتٌ (5) مُدَالٌ (6) يَنْبَغِي أَنْ نُعْطِيَهُ ظَاهِراً (7) الطَّاعَةَ لِنَعِيشَ فِي دَوْلَتِهِ.
(وَ إِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا). أَيْ وَ إِذَا أَنْتَجَتْ خُيُولُهُمْ، الذُّكُورَ وَ نِسَاؤُهُمْ الْإِنَاثَ وَ لَمْ يَرْبَحُوا فِي تِجَارَاتِهِمْ، وَ لَا حَمَلَتْ نَخِيلُهُمْ وَ لَا زَكَتْ زُرُوعُهُمْ، وَقَفُوا وَ قَالُوا هَذَا بِشُؤْمِ هَذِهِ الْبَيْعَةِ الَّتِي بَايَعْنَاهَا عَلِيّاً، وَ التَّصْدِيقِ الَّذِي صَدَّقْنَا مُحَمَّداً، وَ هُوَ نَظِيرُ مَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: يَا مُحَمَّدُ! (إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ)، قَالَ اللَّهُ: (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) (8) بِحُكْمِهِ النَّافِذِ وَ قَضَائِهِ لَيْسَ ذَلِكَ لِشُؤْمِي وَ لَا لِيُمْنِي، ثُمَّ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: (وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ) (9) حَتَّى لَا يَتَهَيَّأَ لَهُمُ الِاحْتِرَازُ (10) مِنْ أَنْ تَقِفَ عَلَى كُفْرِهِمْ أَنْتَ وَ أَصْحَابُكَ الْمُؤْمِنُونَ تُوجِبُ (11) قَتْلَهُمْ، (إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ
____________
(1) في المصدر: أنتجت، و قد جاءت نسخة بدل على (ك).
(2) في المصدر: خيولهم، و قد جاءت نسخة بدل على (ك).
(3) في (ك) نسخة بدل: و ربحت، و هي الّتي جاءت في المصدر.
(4) في التّفسير: ضروع جزوعهم.
(5) كذا، و الظّاهر: مبخوت، كما في المصدر، قال في المصباح المنير 1- 48، و مجمع البحرين 2- 191: و البخت: الحظّ وزنا و معنى، و هو عجميّ.
(6) قال في القاموس 3- 378، و الصّحاح 4- 1700: أدالنا اللّه من عدوّنا .. من الدّولة، و في النّهاية 2- 141 قال: و الدّولة: الانتقال من حال الشدّة إلى الرّخاء. أقول: عليه مدال اسم مفعول من أدالنا اللّه من عدوّنا.
(7) في (س): ظاهر.
(8) النّساء: 78.
(9) البقرة: 20.
(10) في (س): الإحراز.
(11) في المصدر: و توجب.
573
قَدِيرٌ) لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
إيضاح:
قوله (عليه السلام): بسماعهم منه لها .. الضمير في منه راجع إلى أمير المؤمنين، و في (لها) إلى الأنفس .. أي بأنّهم كانوا يسمعون منه (عليه السلام) ما ينفع أنفسهم من المعارف و الأحكام و المواعظ، أو ضمير سماعهم راجع إلى المسلمين و ضمير منه إلى المنافق، و ضمير لها إلى الشهادة .. أي اتّخاذهم له أخا بسبب أنّهم سمعوا منه الشهادة.
و الشّائلة: المرتفعة (1).
2- شي، تفسير العياشي (2): عَنْ زُرَارَةَ وَ حُمْرَانَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ عَنْ (3) أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليهما السلام) فِي (4) قَوْلِهِ تَعَالَى (5): (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) (6) قَالَ:
هُمْ قُرَيْشٌ (7).
بيان: قال الطبرسي (8): جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ. أي فرّقوه و جعلوه أعضاء كأعضاء الجزور، فآمنوا ببعضه و كفروا ببعضه. و عن ابن عباس: جعلوه جزءا
____________
(1) قال في النهاية 2- 510: الشائلة: الناقة التي شال لبنها .. أي ارتفع، و بنصّه في لسان العرب 11- 375. و قال في المصباح المنير 1- 397: شال الميزان يشول: إذا خفّت إحدى كفتيه فارتفعت. و قال في القاموس 3- 404: شالت الناقة بذنبها شولا و شوالا و أشالته: رفعته، فشال الذنب نفسه لازم متعدّ.
(2) تفسير العيّاشيّ 2- 252 حديث 44.
(3) لا توجد: عن، في المصدر، كما لا توجد الواو في (س).
(4) في التّفسير: عن، بدلا من: في.
(5) لا توجد: تعالى، في المصدر.
(6) الحجر: 91.
(7) و أوردها العلّامة المجلسيّ في البحار 4- 61، و جاءت في تفسير البرهان 2- 354- 356، و تفسير الصّافي 1- 913 [3- 122].
(8) مجمع البيان 6- 345.
574
جزءا (1)، فقالوا: سِحْرٌ، و قالوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، و قالوا: مُفْتَرىً
3- قب (2): الْبَاقِرُ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ: (وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) (3) يَعْنِي إِنْكَارَهُمْ وَلَايَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام).
الشوهاني (4): بِإِسْنَادِهِ، سَأَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطَاءٍ الْمَكِّيُّ الْبَاقِرَ (عليه السلام) عَنْ قَوْلِهِ: (رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ) (5) قَالَ: يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُسْمِعُ الْخَلَائِقَ: أَلَا إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُسْلِمٌ، فَيَوْمَئِذٍ (يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ) (6) لِوَلَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام).
وَ قَالَ (عليه السلام): نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) هَكَذَا، وَ قَالَ (الظَّالِمُونَ) (7) آلَ مُحَمَّدٍ حَقَّهُمْ (لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ) (8) وَ عَلِيٌّ هُوَ الْعَذَابُ، (هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ) (9)، يَقُولُونَ (10) نُرَدُّ فَنَتَوَلَّى عَلِيّاً (ع)، قَالَ اللَّهُ: (وَ تَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها) (11) .. يَعْنِي أَرْوَاحَهُمْ تُعْرَضُ عَلَى النَّارِ (خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ) (12) إِلَى عَلِيٍ(مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ) (13) فَ (قالَ الَّذِينَ آمَنُوا) (14) بِآلِ مُحَمَّدٍ (إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ) (15) لِآلِ مُحَمَّدٍ حَقَّهُمْ (فِي عَذابٍ) (16) أَلِيمٍ..
الْحَسْكَانِيُّ فِي شَوَاهِدِ التَّنْزِيلِ (17): بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنِ ابْنِ
____________
(1) في المصدر جاءت العبارة هكذا: جعلوا القرآن عضين .. أي جزّءوه أجزاء. و جاءت: عن ابن عباس بعد كلمة: مفترى.
(2) المناقب لابن شهرآشوب 3- 212.
(3) الزّمر: 60.
(4) في (س): الشوهان، و هو غلط. و قد جاء في المناقب 3- 215- 216.
. (5) الحجر: 2.
(6) الحجر: 2.
(7) الشّورى: 44.
(8) الشّورى: 44.
(9) الشّورى: 44.
(10) في المصدر: فيقولون.
(11) الشّورى: 45.
(12) الشّورى: 45.
(13) الشّورى: 45.
(14) الشّورى: 45.
(15) الشّورى: 45.
(16) الشّورى: 45.
(17) شواهد التّنزيل 1- 206- 207 حديث 269.
575
عَبَّاسٍ، أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ قَوْلُهُ: (وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) (1) قَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): مَنْ ظَلَمَ عَلِيّاً مَقْعَدِي هَذَا بَعْدَ وَفَاتِي فَكَأَنَّمَا جَحَدَ نُبُوَّتِي وَ نُبُوَّةَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي.
أقول:
رَوَى السَّيُوطِيُّ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ (2)، عَنْ عَبْدِ (3) بْنِ حُمَيْدٍ وَ ابْنِ جَرِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ) (4) الْآيَةَ. قَالَ: كَيْفَ رَأَيْتُمُ الْقَوْمَ حِينَ تَوَلَّوْا عَنْ كِتَابِ اللَّهِ، أَ لَمْ (5) يَسْفِكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ، وَ قَطَّعُوا الْأَرْحَامَ، وَ عَصَوُا الرَّحْمَنَ؟!.
4- فس (6): أَبِي، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: (وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ) يَا عَلِيُ (فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً) (7) هَكَذَا نَزَلَتْ، ثُمَّ قَالَ: (فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ) يَا عَلِيُ (8)! (فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ) (9) يَعْنِي (10) فِيمَا تَعَاهَدُوا وَ تَعَاقَدُوا عَلَيْهِ بَيْنَهُمْ مِنْ خِلَافِكَ (11) وَ غَصْبِكَ (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ) (12) عَلَيْهِمْ يَا مُحَمَّدُ! عَلَى لِسَانِكَ مِنْ وَلَايَتِهِ (وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (13) لِعَلِيٍّ (عليه السلام).
____________
(1) الأنفال: 25.
(2) الدّرّ المنثور 6- 49.
(3) في (ك): عبد اللّه.
(4) محمّد ص : 22.
(5) في (ك): ما لم.
(6) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 1- 142.
(7) النّساء: 64.
(8) لا توجد: يا عليّ، في (ك).
(9) النّساء: 65.
(10) في (ك): يعني يحكّموا- يا عليّ- فيما شجر بينهم يعني ..
(11) في المصدر: من خلافك بينهم- بتقديم و تأخير-.
(12) النّساء: 65.
(13) النّساء: 65.
576
5- فس (1) (وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ) (2) يَعْنِي مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً إِلَّا وَ فِي أُمَّتِهِ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَ الْجِنِ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ، أَيْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ لَا تُؤْمِنُوا بِ: (زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً) (3) فَهَذَا وَحْيٌ كَذِبٌ.
بيان: المشهور في التفسير أنّ زخرف القول و الغرور صفة (4) لكلامهم الذي يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ، أي يقول بعضهم إلى بعض، أي يوسوس و يلقي خفية بعضهم إلى بعض كلاما مموّها مزيّنا يستحسن ظاهره و لا حقيقة له، غُرُوراً. أي يغرونهم بذلك غرورا، أي ليغروهم (5)، و على ما في (6) تفسير علي بن إبراهيم:
المعنى يلقي بعضهم إلى بعض الكلام الذي يقولونه (7) في شأن القرآن، و هو أنّه زخرف القول غرورا، و لا يخلو من بعد لكن لا يأبى عن الاستقامة.
6- فس (8): (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً) (9) قَالَ: نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ آمَنُوا بِرَسُولِ اللَّهُ إِقْرَاراً لَا تَصْدِيقاً ثُمَّ كَفَرُوا لَمَّا كَتَبُوا الْكِتَابَ فِيمَا بَيْنَهُمْ أَنْ لَا يَرُدُّوا الْأَمْرَ فِي (10) أَهْلِ بَيْتِهِ أَبَداً، فَلَمَّا نَزَلَتِ الْوَلَايَةُ وَ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الْمِيثَاقَ عَلَيْهِمْ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ آمَنُوا إِقْرَاراً لَا
____________
(1) تفسير القمّيّ 1- 214.
(2) الأنعام: 112، و ذكر في المصدر ذيلها: ( «زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً»).
(3) الأنعام: 112.
(4) في (س): صفته. و هو خلاف الظاهر.
(5) في (س): أو ليغررهم.
(6) لا توجد: في، في مطبوع البحار.
(7) في (س): يقولون.
(8) تفسير القمّيّ 1- 156.
(9) النّساء: 137.
(10) في المصدر: إلى، بدلا من: في.
577
تَصْدِيقاً، فَلَمَّا مَضَى رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كَفَرُوا فَازْدَادُوا (1) كُفْراً (لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَ لا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ) (2).
7- فس (3): (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (4) قَالَ: هُوَ مُخَاطَبَةٌ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الَّذِينَ غَصَبُوا آلَ مُحَمَّدٍ حَقَّهُمْ وَ ارْتَدُّوا عَنْ دِينِ اللَّهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ نَزَلَ (5) فِي الْقَائِمِ (عليه السلام) وَ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ (6) يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (وَ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) (7).
8- فس (8): أَبِي، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ (9)، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ: (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ أَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ) (10) قَالَ: بيت [ثَبَتَ (11) مَكْرُهُمْ .. أَيْ مَاتُوا فَأَلْقَاهُمُ اللَّهُ فِي النَّارِ، وَ هُوَ مَثَلٌ لِأَعْدَاءِ آلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ وَ (عليهم السلام).
____________
(1) في التّفسير: و ازدادوا.
(2) النّساء: 168- 169. و في تفسير القمّيّ: ( «لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا») يعني طريقا ( «إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ»)، فتكون الآية: 137 من سورة النّساء.
(3) تفسير القمّيّ 1- 170.
(4) المائدة: 54.
(5) في التّفسير: نزلت.
(6) لا توجد: الّذين، في المصدر.
(7) المائدة: 54.
(8) تفسير القمّيّ 1- 384.
(9) في المصدر: محمّد بن أبي عمير.
(10) النّحل: 26.
(11) في المصدر: ثبّت.
578
بيان: قوله: بيت مكرهم .. أي المراد بالبنيان بيت مكرهم الذي بنوه مجازا. قال في مجمع البيان (1): قيل: إنّ هذا (2) مثل ضربه اللّه لاستئصالهم، و المعنى فأتى اللّه مكرهم من أصله .. أي عاد ضرر المكر إليهم.
9- فس (3): (الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ) (4) قَالَ: كَفَرُوا بَعْدَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ صَدُّوا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ: (بِما كانُوا يُفْسِدُونَ) (5).
10- فس (6): (وَ الشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ) (7) قَالَ: نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ غَيَّرُوا دِينَ اللَّهِ (8) وَ خَالَفُوا أَمْرَ اللَّهِ، هَلْ رَأَيْتُمْ شَاعِراً يَتَّبِعُهُ (9) أَحَدٌ؟! إِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ الَّذِينَ وَضَعُوا دِيناً بِآرَائِهِمْ فَتَبِعَهُمُ (10) النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ، وَ يُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ: (أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ) (11) يَعْنِي يُنَاظِرُونَ بِالْأَبَاطِيلِ وَ يُجَادِلُونَ بِالْحُجَجِ الْمُضِلَّةِ، وَ فِي كُلِّ مَذْهَبٍ يَذْهَبُونَ: (وَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ) (12) بِرَدِّهِمْ (13). قَالَ:
يَعِظُونَ النَّاسَ وَ لَا يَتَّعِظُونَ، وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ لَا يَنْتَهُونَ، وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ لَا
____________
(1) مجمع البيان 6- 357 باختلاف يسير.
(2) لا يوجد في (س): إنّ هذا.
(3) تفسير القمّيّ 1- 388.
(4) النّحل: 88.
(5) النّحل: 88.
(6) تفسير القمّيّ 2- 125.
(7) الشّعراء: 224.
(8) في المصدر زيادة: بآرائهم.
(9) في (ك) نسخة بدل: شاعرا قطّ تبعه، و هو الموجود في المصدر.
(10) في التّفسير: فيتبعهم.
(11) الشّعراء: 225.
(12) الشّعراء: 226.
(13) لا توجد: بردّهم، في المصدر، و هو الظّاهر.
579
يعلمون [يَعْمَلُونَ (1) وَ هُمُ الَّذِينَ غَصَبُوا آلَ مُحَمَّدٍ حَقَّهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ آلَ مُحَمَّدٍ (عليهم السلام) وَ شِيعَتَهُمُ الْمُهْتَدِينَ، فَقَالَ: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ ذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَ انْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا) (2) ثُمَّ ذَكَرَ أَعْدَاءَهُمْ وَ مَنْ ظَلَمَهُمْ، فَقَالَ:
(وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا) (3) آلَ مُحَمَّدٍ حَقَّهُمْ (أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) (4) هَكَذَا وَ اللَّهِ نَزَلَتْ.
11- فس (5): (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا) (6) قَالَ: الَّذِينَ ظَلَمُوا آلَ مُحَمَّدٍ حَقَّهُمْ (وَ أَزْواجَهُمْ) (7) قَالَ: وَ أَشْبَاهَهُمْ.
12- فس (8): فِي رِوَايَةِ أَبِي الْجَارُودِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ: (الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَ بِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا ...) إِلَى قَوْلِهِ: (كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ) (9) فَقَدْ سَمَّاهُمُ اللَّهُ كَافِرِينَ (10) مُشْرِكِينَ بِأَنْ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَ قَدْ (11) أَرْسَلَ اللَّهُ رُسُلَهُ بِالْكِتَابِ وَ بِتَأْوِيلِهِ فَمَنْ كَذَّبَ بِالْكِتَابِ أَوْ كَذَّبَ بِمَا أَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْكِتَابِ فَهُوَ مُشْرِكٌ كَافِرٌ.
13- فس (12): (وَ لكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَ الظَّالِمُونَ) لِآلِ مُحَمَّدٍ
____________
(1) في المصدر: يعملون، و هو الظّاهر.
(2) الشّعراء: 227.
(3) الشّعراء: 227.
(4) الشّعراء: 227.
(5) تفسير القمّيّ 2- 222.
(6) الصّافّات: 22. و في المصدر زيادة من الآية ( «وَ أَزْواجَهُمْ»).
(7) الصّافّات: 22.
(8) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 2- 260.
(9) غافر: 70- 74.
(10) في المصدر: سمّى اللّه الكافرين.
(11) في (ك): و بما، و جاءت: و قد، فيها نسخة بدل.
(12) تفسير القمّيّ 2- 272- 273.
580
حَقَّهُمْ (ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ) (1).
(وَ لَوْ لا كَلِمَةُ الْفَصْلِ) (2) (3) قَالَ: الْكَلِمَةُ الْإِمَامُ، وَ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (4) يَعْنِي الْإِمَامَةَ، ثُمَّ قَالَ:
(وَ إِنَّ الظَّالِمِينَ) (5) يَعْنِي الَّذِينَ ظَلَمُوا هَذِهِ الْكَلِمَةَ (لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)، ثُمَّ قَالَ:
(تَرَى الظَّالِمِينَ) (6) يَعْنِي الَّذِينَ ظَلَمُوا آلَ مُحَمَّدٍ حَقَّهُمْ (مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا).
أَيْ خَائِفِينَ مِمَّا ارْتَكَبُوا وَ عَمِلُوا (وَ هُوَ واقِعٌ بِهِمْ) (7) .. مَا (8) يَخَافُونَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْكَلِمَةِ وَ اتَّبَعُوهَا، فَقَالَ: (وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ ...) (9) إِلَى قَوْلِهِ: (ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) (10) (ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا) بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ (وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ) مِمَّا أُمِرُوا بِهِ.
ثُمَّ قَالَ (11): (وَ تَرَى الظَّالِمِينَ) آلَ مُحَمَّدٍ حَقَّهُمْ (لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ) (12) .. أَيْ إِلَى الدُّنْيَا.
14- فس (13): (وَ تَرَى الظَّالِمِينَ) (14) آلَ (15) مُحَمَّدٍ حَقَّهُمْ (لَمَّا رَأَوُا
____________
(1) الشّورى: 8.
(2) تفسير القمّيّ 2- 274- 275.
(3) الشّورى: 21. و جاءت زيادة: ( «لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ»): من الآية في المصدر.
(4) الزّخرف: 28.
(5) الشّورى: 21.
(6) الشّورى: 21.
(7) الشّورى: 22.
(8) في المصدر: أي ما.
(9) الشّورى: 22.
(10) تتمّة للآية السّالفة، و لا توجد في المصدر.
(11) تفسير القمّيّ 2- 277.
(12) الشّورى: 44.
(13) تفسير القمّيّ 2- 278.
(14) الشّورى: 44.
(15) في (ك) نسخة بدل: لآل.
581
الْعَذابَ) وَ عَلِيٌّ هُوَ الْعَذَابُ فِي هَذَا الْوَجْهِ (يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ) فَنُوَالِي عَلِيّاً (وَ تَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ) ... أَيْ (1) لِعَلِيٍ (يَنْظُرُونَ) إِلَى عَلِيٍ (مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَ قالَ الَّذِينَ آمَنُوا) يَعْنِي آلَ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ شِيعَتَهُمْ (إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ) آلَ مُحَمَّدٍ حَقَّهُمْ (فِي عَذابٍ مُقِيمٍ) (2). قَالَ: وَ اللَّهِ يَعْنِي النُّصَّابَ الَّذِينَ نَصَبُوا الْعَدَاوَةَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ ذُرِّيَّتِهِ وَ الْمُكَذِّبِينَ (وَ ما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ) (3).
بيان: قوله: يعني النصّاب .. حال من فاعل قال، و قوله: و ما كان .. مفعول قال، و في بعض النسخ: قال: و اللّه .. فالواو للقسم.
15- فس (4): (وَ الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ ...) إِلَى قَوْلِهِ: (ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (5) قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ.
حدّثني العباس بن محمد، عن (6) الحسن بن سهل، بإسناد رفعه إلى جابر ابن زيد، عن جابر بن عبد اللّه، قال: ثم أتبع اللّه جلّ ذكره مدح الحسين بن عليّ (عليهما السلام) بذمّ عبد الرحمن بن أبي بكر.
بيان: روت العامّة أيضا أنّ الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر، و يمكن أن
____________
(1) لا توجد: أي، في المصدر.
(2) الشّورى: 45.
(3) الشّورى: 46.
(4) تفسير القمّيّ 2- 297.
(5) الأحقاف: 17.
(6) في المصدر: قال: حدّثني، بدل: عن.
582
يكون قول الوالدين له (1)، لظاهر الأمر للمصلحة لا على وجه الاعتقاد، و يظهر من بعض الأخبار أنّ المراد بالوالدين رسول اللّه و أمير المؤمنين (عليهما السلام)، و من بعضها أنّ المراد بهما هنا الحسنان (عليهما السلام).
قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (2)- قَبْلَ ذَلِكَ- قَوْلُهُ: (وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً) (3) قَالَ: الْإِحْسَانُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، قَوْلُهُ: بِوالِدَيْهِ إِنَّمَا عَنَي الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ (عليهما السلام)، ثُمَّ عَطَفَ عَلَى الْحُسَيْنِ (عليه السلام)، فَقَالَ:
(حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً ...) وَ سَاقَ الْكَلَامَ إِلَى قَوْلِهِ: (وَ الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما ...) (4).
إلى آخر ما أوردنا، فيظهر منه أنّ المراد بالوالدين على هذا التأويل الحسنان، و قد تكلّمنا في الخبر في مجلد الإمامة (5).
16- فس (6): (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ) (7) مُخَاطَبَةٌ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) الَّذِينَ وَعَدُوهُ أَنْ يَنْصُرُوهُ وَ لَا يُخَالِفُوا أَمْرَهُ وَ لَا يَنْقُضُوا عَهْدَهُ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، فَعَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُمْ لَا يَفُونَ (8) بِمَا يَقُولُونَ، فَقَالَ: (لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ ...) (9) الْآيَةَ، وَ قَدْ سَمَّاهُمُ اللَّهُ مُؤْمِنِينَ بِإِقْرَارِهِمْ وَ إِنْ لَمْ يَصْدُقُوا.
17- فس (10): (فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) (11) قَالَ: إِذَا
____________
(1) لا توجد في (س): له.
(2) في تفسيره 2- 297.
(3) الأحقاف: 15.
(4) الأحقاف: 17.
(5) بحار الأنوار 36- 158، 43- 246، 258، 44- 231، 53- 102 و غيرها.
(6) تفسير القمّيّ 2- 365.
(7) الصّفّ: 2.
(8) في المصدر: لا يوفون.
(9) الصّفّ: 2- 3.
(10) تفسير القمّيّ 2- 379.
(11) الملك: 27.
583
كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَ نَظَرَ أَعْدَاءُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْمَنْزِلَةِ الشَّرِيفَةِ الْعَظِيمَةِ وَ بِيَدِهِ لِوَاءُ الْحَمْدِ- وَ هُوَ عَلَى الْحَوْضِ يَسْقِي وَ يَمْنَعُ يَسْوَدُّ (1) وُجُوهُ أَعْدَائِهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: (هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ) (2) مَنْزِلَهُ (3) وَ مَوْضِعَهُ وَ اسْمَهُ.
18- ير (4): أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ (5)، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَ اللَّهُ أَمَرَنا بِها، قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) (6) فَقَالَ: رَأَيْتَ (7) أَحَداً يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالزِّنَا وَ شُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَحَارِمِ؟!. فَقُلْتُ: لَا. فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْفَاحِشَةُ الَّتِي يَدَّعُونَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِهَا؟!. فَقُلْتُ: اللَّهُ أَعْلَمُ وَ وَلِيُّهُ. قَالَ: فَإِنَّ هَذِهِ فِي أَئِمَّةِ الْجَوْرِ ادَّعَوْا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُمْ بِالائْتِمَامِ بِقَوْمٍ لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِالائْتِمَامِ بِهِمْ، فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَ أَخْبَرَنَا أَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا عَلَيْهِ الْكَذِبَ فَسَمَّى اللَّهُ ذَلِكَ (8) مِنْهُمْ فَاحِشَةً..
19- شي، تفسير العياشي (9): عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدٍ صَالِحٍ، قَالَ:: سَأَلْتُهُ ..
وَ ذَكَرَ مِثْلَهُ (10).
20- شي، تفسير العياشي (11): عَنْ كُلَيْبٍ الصَّيْدَاوِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)
____________
(1) في المصدر: تسودّ.
(2) الملك: 27.
(3) في المصدر هكذا: أي هذا الّذي كنتم به تدّعون منزلته.
(4) بصائر الدّرجات: 54 حديث 4.
(5) في تفسير العيّاشيّ هنا زيادة: عن عبد صالح.
(6) الأعراف: 28.
(7) في البصائر: أ رأيت، و هو الظّاهر.
(8) لا توجد: ذلك في البصائر، و أثبتت في تفسير البرهان و تفسير العيّاشيّ.
(9) تفسير العيّاشيّ 2- 12 حديث 15.
(10) باختلاف يسير، و أورده في تفسير البرهان 2- 8، و تفسير الصّافي 1- 571 [2- 188].
(11) تفسير العيّاشيّ 1- 385 حديث 131.
584
عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كانُوا شِيَعاً) (1) ثُمَّ قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ (صلوات اللّه عليه) يَقْرَؤُهَا: فَارَقُوا دِينَهُمْ، قَالَ (2): فَارَقَ وَ اللَّهِ الْقَوْمُ دِينَهُمْ (3)..
بيان: قال الطبرسي (رحمه اللّه) (4): قرأ حمزة و الكسائي (5) فارقوا- بالألف- و هو المرويّ عن عليّ (عليه السلام) و الباقون فَرَّقُوا بالتشديد.
ثم قال: قال أبو علي: من قرأ «فَرَّقُوا» فتقديره يؤمنون ببعض و يكفرون ببعض .. و من قرأ «فارقوا دينهم» فالمعنى باينوه و خرجوا عنه ...
و قال (6): اختلف في المعنيين بهذه الآية على أقوال:
أحدها: أنّهم الكفّار و أصناف المشركين ..
و ثانيها: أنّهم اليهود و النصارى، لأنّه يكفّر بعضهم بعضا ...
و ثالثها:
أنّهم أهل الضلالة و أصحاب الشبهات و البدع من هذه الأمّة.
رواه أبو هريرة و عائشة مرفوعا، و هو المرويّ عن الباقر (عليه السلام): جعلوا دين اللّه أديانا لإكفار بعضهم بعضا و صاروا أحزابا و فرقا.
و تتمّة (7) الآية: (لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ) (8).
قيل: المعنى أنّك لا تجتمع معهم في شيء من مذاهبهم الباطلة.
____________
(1) الأنعام: 159.
(2) في المصدر: ثمّ قال.
(3) و ذكره في تفسير البرهان 1- 565، و تفسير الصّافي 1- 560 [2- 174].
(4) في مجمع البيان 4- 388- 389، و ما فيه نقاط ثلاث فهو علامة الحذف.
(5) في المصدر زيادة: هاهنا و في الروم.
(6) في مجمع البيان 4- 389.
(7) من هنا تلخيص لما ذكره الطبرسيّ في مجمعه.
(8) الأنعام: 159.
585
و قيل: أي لست من مخالطتهم في شيء.
و قيل: أي لست من قتالهم في شيء. ثم نسختها آية القتال: (إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ...) (1).
و قيل: في (2) مجازاتهم على سوء أفعالهم، أو في الإنظار و الاستئصال، أو الحكم بينهم في اختلافهم إلى اللّه.
____________
(1) الأنعام: 159.
(2) في (ك) خطّ على: و قيل في.
587
تتميم [و استدراك من محقق الكتاب في ما فات عن المجلسي رحمه الله هنا في الخلفاء أو بني أميّة أو المرأتين أو في أعدائهم و إن ذكره في سائر الأبواب]
بعد أن أدرجنا في مقدّمة الكتاب بعض العناوين العامّة في الأبواب المتفرقة من كتاب بحار الأنوار، نسرد هنا جملة من الروايات الواردة عنهم (صلوات اللّه عليهم) في خصوص كل واحد من الخلفاء أو بني أميّة أو المرأتين أو في أعدائهم مما حصلنا عليه في هذه الموسوعة و لم يدرجه المصنّف (رحمه اللّه) هنا، أو أدرجه من مصدر آخر تعيينا للمصداق، و تطبيقا صغرويا لكلّ الكبريات التي سلفت في المقدّمة، و اللّه المستعان و عليه التكلان.
فنقول:
فممّا ورد في أبي بكر:
1- ذكر العلّامة المجلسي في بحاره 60/ 278- 280 في تفسير قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ ... (الأحزاب: 72) وجوها، ثم قال:
ثامن: إنّ المراد بالأمانة: الإمامة الكبرى، وَ حَمَلَهَا ادّعاؤها بغير حق، و المراد ب (الإنسان) أبو بكر، و قد وردت الأخبار الكثيرة في ذلك أوردتها في كتاب الإمامة و غيرها.
فقد
روي بأسانيد عن الرضا (عليه السلام) قال: الأمانة: الولاية، من ادّعاها بغير حقّ كفر.
و قال علي بن ابراهيم: ... وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ الأوّل ...
و عن الصادق (عليه السلام): الأمانة: الولاية، و الإنسان: أبو الشرور المنافق.
و عن الباقر (عليه السلام): هي الولاية: فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها كفرا، وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ، و الإنسان: أبو فلان.
2- قال العلّامة المجلسي- أيضا- في بحاره 60/ 284، ذيل قوله سبحانه: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ. .. و قال علي بن ابراهيم: نزلت في الأول.
و في المناقب عن الكاظم (عليه السلام)، قال: الإنسان: الأوّل ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (التين: 1- 5) ببغضه أمير المؤمنين (عليه السلام).
3-
ير: بإسناده عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول اللّه تبارك و تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ (الأحزاب:
72)، قال: الولاية فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها كفرا بها و عنادا وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ و الإنسان الذي حملها: أبو فلان.
[بحار الأنوار: 23/ 281، حديث 24، عن بصائر الدرجات: 76، حديث 3]
588
4-
فس: قال علي بن ابراهيم في قوله [عزّ و جلّ]: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها ... قال: الأمانة: هي الإمامة [و الأمر] و النهي، و الدليل على أنّ الأمانة هي الإمامة قوله عزّ و جلّ للأئمّة: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها يعنى الإمامة، و الأمانة: الإمامة؛ عرضت على السموات و الأرض و الجبال فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها قال: أبين أن يدّعوها أو يغصبوها أهلها و أشفقن منها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ أي فلان [الأوّل] إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا.
[بحار الأنوار: 23/ 280، حديث 21، عن تفسير علي ابن ابراهيم: 2/ 198]
5- مع: بإسناده عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا قال: الأمانة: الولاية، و الإنسان: أبو الشرور المنافق.
بيان: على تأويلهم (عليهم السلام) يكون اللام في الإنسان للعهد؛ و هو أبو الشرور ...
أي أبو بكر، أو للجنس و مصداقه الأول في هذا الباب أبو بكر، و المراد بالحمل الخيانة كما مرّ، أو المراد بالولاية: الخلافة، و ادّعاؤها بغير حق، فعرض ذلك على أهل السموات و الأرض أو عليهما بأن بيّن لهم عقوبة ذلك، و قيل لهم: هل تحملون ذلك؟ فأبوا إلّا هذا المنافق و أضرابه، حيث حملوا ذلك مع ما بيّن لهم من العقاب المترتّب عليه.
[بحار الأنوار: 23/ 279- 280 حديث 20، عن معاني الأخبار: 38 (11، حديث 2)]
6-
فس: وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ* وَ طُورِ سِينِينَ* وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ قال: التين: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و الزيتون: أمير المؤمنين (عليه السلام)، و طور سينين: الحسن و الحسين (عليهما السلام)، و هذا البلد الأمين: الأئمة (عليهم السلام)، لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ قال: نزلت في زريق [الأول]، ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ قال: ذاك أمير المؤمنين ... الى آخره.
[بحار الأنوار: 24/ 105، حديث 12، عن تفسير علي ابن ابراهيم القمي: 730 (2/ 429- 430)]
7-
فس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ .. (المائدة: 90)، و ذلك لأنّ أبا بكر شرب قبل أن تحرّم الخمر، فسكر فجعل يقول الشعر و يبكي على قتلى المشركين من أهل بدر، فسمع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال: اللّهمّ امسك على لسانه، فأمسك على لسانه فلم
589
يتكلّم حتى ذهب عنه السكر، فأنزل اللّه تحريمها بعد ذلك ...
[بحار الأنوار: 79/ 131، حديث 20، عن تفسير القمي: 167 (1/ 180)]
8-
فس: أبي، عن بعض رجاله رفعه الى أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: لمّا كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في الغار قال لأبي بكر: كأنّي أنظر الى سفينة جعفر في أصحابه يعوم في البحر، و أنظر الى الأنصار محتبين في أفنيتهم. فقال أبو بكر: و تراهم يا رسول اللّه؟!. قال:
نعم. قال: فأرنيهم، فمسح على عينيه فرآهم، فقال في نفسه: الآن صدّقت أنّك ساحر، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أنت الصدّيق.
[بحار الأنوار: 19/ 53، حديث 10 عن تفسير القمي: 265- 266]
9-
كا: بإسناده عن أبي خالد الكابلي، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَ رَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا (الزمر: 29)، قال:
أمّا الذي فيه شركاء متشاكسون فلان الأوّل يجمع المتفرّقون ولايته و هم في ذلك يلعن بعضهم بعضا و يبرأ بعضهم من بعض، فأمّا رجل سلم لرجل [سلما لرجل] فإنّه الأوّل حقّا و شيعته.
[بحار الأنوار: 24/ 160 حديث 9، عن الكافي (الروضة): 8/ 224]
و روى العياشي؛ بإسناده عن أبي خالد، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: الرجل السلم للرجل عليّ حقّا و شيعته.
[بحار الأنوار: 24/ 161 حديث 11، و مجمع البيان:
8/ 497]
و ممّا ورد في الخليفة الثاني عمر:
10-
مع: بإسناده عن المفضّل بن عمر، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن معنى قول أمير المؤمنين (عليه السلام)- لمّا نظر الى الثاني و هو مسجّى بثوبه-: ما أحد أحبّ إليّ أن ألقى اللّه بصحيفته من هذا المسجّى، فقال: عنى بها صحيفته التي كتبت في الكعبة.
[بحار الأنوار: 28/ 117، حديث 5، عن معاني الأخبار: 412]
11-
فس: وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ (البقرة: 205)، قال: الحرث في هذا الموضع:
الدين، و النسل: الناس، و نزلت في الثاني [فلان]، و يقال: في معاوية.
590
[بحار الأنوار: 9/ 189، حديث 21، عن تفسير علي ابن ابراهيم القمي: 1/ 71]
12-
فس: وَ كانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً (الفرقان: 55)، قال علي بن ابراهيم:
قد يسمّى الإنسان ربّا، كقوله: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ (يوسف: 42)، و كلّ مالك شيء يسمّى ربّه، فقوله: وَ كانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً، فقال: الكافر: الثاني، كان على أمير المؤمنين ظهيرا.
[بحار الأنوار: 36/ 169، حديث 155، عن تفسير القمي: 467 (2/ 115)]
13-
فس: بإسناده عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول اللّه: وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشى، قال: الليل في هذا الموضع: الثاني [فلان] غشي أمير المؤمنين (عليه السلام) في دولته التي جرت عليه، و أمر أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يصبر في دولتهم حتى تنقضي ...
الخبر.
[بحار الأنوار: 24/ 71، حديث 5، عن تفسير القمي: 727 (2/ 425)]
14-
فس: قوله: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ (المجادلة: 14)، قال: نزلت في الثاني، لأنّه مرّ به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو جالس عند رجل من اليهود يكتب خبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)- فأنزل اللّه جلّ ثناؤه: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَ لا مِنْهُمْ، فجاء [الثاني] الى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): رأيتك تكتب عن اليهود و قد نهى اللّه عن ذلك، فقال:
يا رسول اللّه! كتبت عنه ما في التوراة من صفتك، و أقبل يقرأ ذلك على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو غضبان، فقال له رجل من الأنصار: ويلك! أما ترى غضب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عليك؟. فقال: أعوذ باللّه من غضب اللّه و غضب رسوله، إنّي إنّما كتبت ذلك لما وجدت فيه من خبرك، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا فلان! لو أنّ موسى بن عمران فيهم قائما ثمّ أتيته رغبة عمّا جئت به لكنت كافرا بما جئت به.
[بحار الأنوار: 9/ 242، حديث 143، عن تفسير القمي: 2/ 357]
15-
كنز: جاء في تفسير أهل البيت (عليهم السلام)، بإسناده عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) ...
و قوله: سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (المدّثر: 17)، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): صعود؛ جبل
591
في النار من نحاس يحمل عليه حبتر ليصعده كارها، فاذا ضرب بيديه على الجبل ذابتا حتى تلحقا بالركبتين، فاذا رفعهما عادتا، فلا يزال هكذا ما شاء اللّه، و قوله تعالى: إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ* فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ .. (المدّثر: 18- 19) الى قوله: إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (المدّثر:
25)، قال: هذا يعني تدبيره و نظره و فكرته و استكباره في نفسه و ادّعاؤه الحقّ لنفسه دون أهله، ثم قال اللّه تعالى: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (المدّثر: 26) .. الى قوله: (لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ) (المدّثر:
29)، قال: يراه أهل الشرق كما يراه أهل الغرب، إنّه اذا كان في سقر يراه أهل الشرق و الغرب و يتبيّن حاله، و المعنيّ في هذه الآيات جميعها حبتر ...
[بحار الأنوار: 24/ 326- 327، حديث 41، تأويل الآيات الظاهرة: 2/ 734، حديث 6]
16-
كنز: بإسناده عن أبي الخطّاب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: و اللّه ما كنّى اللّه في كتابه حتى قال: يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا (الفرقان: 28)، و إنّما هي في مصحف علي (عليه السلام): يا ويلتى ليتني لم أتّخذ الثاني خليلا، و سيظهر يوما.
[بحار الأنوار: 24/ 19، حديث 31، عن تأويل الآيات الظاهرة: 1/ 374، حديث 8، (الحجرية:
191- 192)، و البرهان: 3/ 162، حديث 4]
17-
كنز: بإسناده عن حريز، عن رجل، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا* يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا (الفرقان: 27- 28)، قال: يقول الأول الثاني.
[بحار الأنوار: 24/ 19، حديث 32، عن تأويل الآيات الظاهرة: 1/ 374- 375، حديث 9- الحجرية: 192- و البرهان: 3/ 162، حديث 5]
18-
كنز: بإسناده عن جابر، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قوله تعالى:
وَ الْفَجْرِ هو القائم، و «الليالي العشر» الأئمّة (عليهم السلام) من الحسن إلى الحسن، و الشَّفْعِ أمير المؤمنين و فاطمة (عليهما السلام)، و «الوتر» هو اللّه وحده لا شريك له، «وَ اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ» هي دولة حبتر، فهي تسري الى قيام القائم (عليه السلام).
[بحار الأنوار: 24/ 78، حديث 19، عن تأويل الآيات الظاهرة: 2/ 792، حديث 1، (الحجرية:
385)، البرهان: 4/ 457، حديث 1]
19-
قب: كتاب ابن مردويه و غيره، بالإسناد عن جابر الأنصاري و غيره، كلّهم عن
592
عمر بن الخطاب، قال: كنت أجفو عليّا، فلقيني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: إنّك آذيتني يا عمر، فقلت: أعوذ باللّه من أذى رسوله، قال: إنّك قد آذيت عليّا، و من آذى عليّا فقد آذاني.
و العكبريّ في الابانة: بإسناده عن سعد بن أبي وقّاص، قال: كنت أنا و رجلان في المسجد، فنلنا من عليّ (عليه السلام)، فأقبل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) مغضبا فقال: ما لكم و لي؟ من آذى عليّا فقد آذاني [من آذى عليّا فقد آذاني، من آذى عليّا فقد آذاني].
[بحار الأنوار: 39/ 331- من حديث 1، عن المناقب:
2/ 10- 12 (3/ 210- 211)]
20-
قب: بإسناده عن الأصبغ بن نباتة، قال: سألت الحسين (عليه السلام)، فقلت: سيّدي! أسألك عن شيء أنا به موقن، و إنّه من سرّ اللّه و أنت المسرور اليه ذلك السرّ، فقال:
يا أصبغ! أتريد أن ترى مخاطبة رسول اللّه لأبي دون يوم مسجد قبا؟. قال: قلت: هذا الذي أردت. قال: قم، فإذا أنا و هو بالكوفة، فنظرت فإذا المسجد من قبل أن يرتدّ اليّ بصري، فتبسّم في وجهي، ثم قال: يا أصبغ! إنّ سليمان بن داود أعطي الريح غُدُوُّها شَهْرٌ وَ رَواحُها شَهْرٌ و أنا قد أعطيت أكثر ممّا أعطي سليمان، فقلت: صدقت و اللّه يا بن رسول اللّه. فقال:
نحن الذين عندنا علم الكتاب، و بيان ما فيه، و ليس عند أحد [لإحد] من خلقه ما عندنا، لأنّا أهل سرّ اللّه، فتبسّم في وجهي، ثم قال: نحن آل اللّه و ورثة رسوله، فقلت: الحمد للّه على ذلك. قال لي: أدخل، فدخلت، فإذا أنا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) محتبئ في المحراب بردائه، فنظرت فإذا [أنا] بأمير المؤمنين (عليه السلام) قابض على تلابيب الأعسر، فرأيت رسول اللّه يعضّ على الأنامل و هو يقول: بئس الخلف خلفتني أنت و أصحابك، عليكم لعنة اللّه و لعنتي ...
الخبر.
أقول: قيل: المراد بأبي دون؛ هو أبو بكر، و قيل: الأعسر؛ هو أحدهما.
[بحار الأنوار: 44/ 184- 185، حديث 11، عن المناقب: 4/ 52]
21-
عن كتاب سليم بن قيس، و فيه: قال سلمان: ... و لم يكن منّا أحد أشدّ قولا من الزبير، فإنّه لمّا بايع قال: يا بن صهّاك! أما و اللّه لو لا هؤلاء الطغاة الذين أعانوك لما كنت تقدم عليّ و معي سيفي، لما أعرف من جبنك و لؤمك، و لكن وجدت طغاة تقوى بهم و تصول، فغضب عمر، و قال: أتذكر صهّاكا؟. فقال:
و من صهّاك؟ و ما يمنعني من ذكرها؟!، و قد كانت صهّاك زانية، أو تنكر ذلك؟ أو ليس قد كانت أمة حبشية لجدي عبد المطلب فزنى بها جدّك نفيل فولدت أباك الخطّاب، فوهبها عبد المطلب له
593
بعد ما زنى بها فولدته، و إنّه لعبد جدّي ولد زنا، فأصلح بينهما أبو بكر و كفّ كلّ واحد منهما عن صاحبه.
[بحار الأنوار: 28/ 277، عن كتاب سليم بن قيس:
89- 90]
22-
عيون المعجزات: في حديث مفصّل ... فقال من تولّى الأمر!: هاتوا من نساء المسلمين من تنبش هذه القبور حتى نجد فاطمة (ع)، فنصلّي عليها و نزور قبرها، فبلغ ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام)، فخرج مغضبا قد احمرّت عيناه و قد تقلّد سيفه ذالفقار حتى بلغ البقيع و قد اجتمعوا فيه، فقال (عليه السلام): لو نبشتم قبرا من هذه القبور لوضعت السيف فيكم، فتولى القوم عن البقيع.
[بحار الأنوار: 43/ 212، حديث 41]
23-
ما: بإسناده عن جابر بن عبد اللّه، قال: كنت عند النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنا من جانب و عليّ أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) من جانب إذ أقبل عمر بن الخطّاب و معه رجل قد تلبّب به، فقال: ما باله؟. قال: حكى عنك يا رسول اللّه أنّك قلت: من قال: «لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه» دخل الجنة، و هذا اذا سمعته الناس فرّطوا في الأعمال، أفأنت قلت ذلك يا رسول اللّه؟. قال: نعم اذا تمسّك بمحبّة هذا و ولايته.
[بحار الأنوار: 68/ 101، حديث 8، عن أمالي الشيخ الطوسي: 1/ 288. و رواه في: 68/ 133 حديث 67،
عن بشارة المصطفى، بإسناده عن جابر بن عبد اللّه ...
مثله]
24-
ب: بإسناده عن صفوان الجمّال، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: لمّا نزلت الولاية لعليّ (عليه السلام) قام رجل من جانب الناس فقال: لقد عقد هذا الرسول لهذا الرجل عقدة لا يحلّها بعده إلّا كافر، فجاءه الثاني فقال له: يا عبد اللّه! من أنت؟.
قال: فسكت، فرجع الثاني الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال: يا رسول اللّه! إنّي رأيت رجلا في جانب الناس و هو يقول: لقد عقد هذا الرسول لهذا الرجل عقدة لا يحلّها إلّا كافر.
فقال: يا فلان! ذلك جبرئيل، فإيّاك أن تكون ممن يحلّ العقدة فينكص. [خ. ل: فتكفى].
[بحار الأنوار: 37/ 120- 121 حديث 12، عن قرب الإسناد: 29- 30]
25-
فر: بإسناده عن كعب بن عجرة، قال ابن مسعود رضي اللّه عنه: غدوت الى رسول اللّه في مرضه الذي قبض فيه، فدخلت المسجد- و الناس أحفل ما كانوا كأنّ على رؤوسهم
594
الطير-، إذ أقبل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) حتى سلّم على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فتغامز به بعض من كان عنده، فنظر إليهم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فقال: أ لا تسألون عن أفضلكم؟. قالوا: بلى يا رسول اللّه. قال: أفضلكم عليّ بن أبي طالب، أقدمكم إسلاما، و أوفركم إيمانا، و أكثركم علما، و أرجحكم حلما، و أشدّكم للّه غضبا، و أشدّكم نكاية في الغزو و الجهاد. فقال له بعض من حضر: يا رسول اللّه! و إنّ عليّا قد فضلنا بالخير كلّه؟. فقال رسول اللّه: أجل هو عبد اللّه و أخو رسول اللّه، فقد علّمته علمي و استودعته سرّي، و هو أميني على أمّتي. فقال بعض من حضر: لقد أفتن عليّ رسول اللّه حتّى لا يرى به شيئا، فأنزل اللّه الآية: فَسَتُبْصِرُ وَ يُبْصِرُونَ* بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (القلم: 5 و 6).
[بحار الأنوار: 36/ 144- 145، حديث 114، عن تفسير فرات: 188]
26-
دعوات الراوندي: قال: أبو عبيدة في غريب الحديث، في حديث النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) حين أتاه عمر، فقال: إنّا نسمع أحاديث من اليهود تعجبنا، فترى أن نكتب بعضها؟. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أمتهوّكون أنتم كما تهوّكت اليهود و النصارى؟
لقد جئتكم [بها] بيضاء نقية، و لو كان موسى حيّا ما وسعه إلّا اتّباعي. قال أبو عبيدة:
أمتحيّرون أنتم في الاسلام و لا تعرفون دينكم حتى تأخذوه من اليهود و النصارى؟ كأنّه كره ذلك [منه].
[بحار الأنوار: 2/ 99، حديث 54، عن دعوات الراوندي:
170، حديث 475، عن غريب الحديث 1/ 390]
27، 28-
يل، فض: بالإسناد يرفعه الى أنس بن مالك أنّه قال: وفد الأسقف النجراني على عمر بن الخطّاب لأجل أدائه الجزية، فدعاه عمر الى الإسلام، فقال له الأسقف: أنتم تقولون: إنّ للّه جنّة عرضها السماوات و الأرض، فأين تكون النار؟. قال:
فسكت عمر و لم يردّ جوابا.
قال: فقال له الجماعة الحاضرون: أجبه يا أمير المؤمنين حتّى لا يطعن في الإسلام، قال: فأطرق خجلا من الجماعة الحاضرين ساعة لا يردّ جوابا، فإذا بباب المسجد رجل قد سدّه بمنكبيه، فتأمّلوه و إذا به عيبة علم النبوّة عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) قد دخل، قال: فضجّ الناس عند رؤيته.
قال: فقام عمر بن الخطّاب و الجماعة على أقدامهم و قال: يا مولاي! أين كنت عن هذا الأسقف الذي قد علانا منه الكلام؟ أخبره يا مولاي بالعجل إنّه يريد الإسلام فأنت البدر التمام، و مصباح الظلام، و ابن عمّ رسول الأنام ..
595
فقال الإمام (عليه السلام): ما تقول يا أسقف؟. قال: يا فتى أنتم تقولون: إنّ الجنة عرضها السماوات و الأرض، فأين تكون النار؟. قال له الإمام (عليه السلام): إذا جاء اللّيل أين يكون النهار؟. فقال له الأسقف: من أنت يا فتى؟ دعني حتى أسأل هذا الفظّ الغليظ، أنبئني- يا عمر- عن أرض طلعت عليها الشمس ساعة و لم تطلع مرّة أخرى؟. قال عمر: أعفني عن هذا، و اسأل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ثمّ قال: أخبره يا أبا الحسن!، فقال عليّ (عليه السلام): هي أرض البحر الذي فلقه اللّه تعالى لموسى حتى عبر هو و جنوده، فوقعت الشمس عليها تلك الساعة و لم تطلع عليها قبل و لا بعد، و انطبق البحر على فرعون و جنوده.
فقال الأسقف: صدقت يا فتى قومه و سيّد عشيرته، أخبرني عن شيء هو في أهل الدنيا، تأخذ الناس منه مهما أخذوا فلا ينقص بل يزداد؟. قال (عليه السلام): هو القرآن و العلوم.
فقال: صدقت. أخبرني عن أوّل رسول أرسله اللّه تعالى لا من الجنّ و لا من الإنس؟.
فقال (عليه السلام): ذلك الغراب الذي بعثه اللّه تعالى لمّا قتل قابيل أخاه هابيل، فبقي متحيّرا لا يعلم ما يصنع به، فعند ذلك بعث اللّه غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه.
قال: صدقت يا فتى، فقد بقي لي مسألة واحدة؛ أريد أن يخبرني عنها هذا- و أومأ بيده الى عمر- فقال له: يا عمر! أخبرني أين هو اللّه؟. قال: فغضب عند ذلك عمر و أمسك و لم يردّ جوابا.
قال: فالتفت الإمام عليّ (عليه السلام) و قال: لا تغضب يا أبا حفص حتى لا يقول: إنّك قد عجزت، فقال: فأخبره أنت يا أبا الحسن، فعند ذلك قال الإمام (عليه السلام): كنت يوما عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذ أقبل إليه ملك فسلّم عليه فردّ (عليه السلام)، فقال له:
أين كنت؟. قال: عند ربّي فوق سبع سماوات.
قال: ثمّ أقبل ملك آخر فقال: أين كنت؟. قال: عند ربّي في تخوم الأرض السابعة السفلى، ثمّ أقبل ملك آخر ثالث فقال له: أين كنت؟. قال: عند ربّي في مطلع الشمس، ثمّ جاء ملك آخر فقال: أين كنت؟. قال: كنت عند ربيّ في مغرب الشمس، لأنّ اللّه لا يخلو منه مكان، و لا هو في شيء، و لا على شيء، و لا من شيء، وسع كرسيّه السماوات و الأرض، ليس كمثله شيء و هو السميع البصير، لا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض و لا في السماء و لا أصغر من ذلك و لا أكبر، يعلم ما في السماوات و ما في الأرض، ما يكون من نجوى ثلاثة إلّا هو رابعهم و لا خمسة إلّا هو سادسهم و لا أدنى من ذلك و لا أكثر إلّا هو معهم أينما كانوا.
قال: فلمّا سمع الأسقف قوله، قال له: مدّ يدك فإنّي أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أنّ محمّدا رسول اللّه، و أنّك خليفة اللّه في أرضه و وصيّ رسوله، و أنّ هذا الجالس الغليظ الكفل المحبنطئ ليس هو لهذا المكان بأهل، و إنّما أنت أهله، فتبسّم الإمام (عليه السلام).
596
[بحار الأنوار: 10/ 58، حديث 3، عن فضائل ابن شاذان: 149- 151 باختلاف يسير]
29-
ير: بإسناده عن أبي عمارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و بإسناده عن أبان بن تغلب، عنه (عليه السلام): أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لقي أبا بكر فاحتجّ عليه، ثم قال له:
أ ما ترضى برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بيني و بينك؟. قال: و كيف لي به؟، فأخذ بيده و أتى مسجد قبا، فإذا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فيه، فقضى على أبي بكر، فرجع أبو بكر مذعورا، فلقى عمر فأخبره، فقال: تبا لك [مالك]! أ ما علمت سحر بني هاشم!.
[بحار الأنوار: 6/ 247، حديث 81، عن بصائر الدرجات: 77 (294، حديث 2)]
30-
ير: بإسناده عن أبي سعيد المكاري، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لقي [أتى] أبا بكر، فقال له: ما أمرك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن تطيعني؟. فقال: لا، و لو أمرني لفعلت، قال: فانطلق بنا الى مسجد قبا، [فانطلق معه] فإذا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يصلّي، فلما انصرف قال عليّ: يا رسول اللّه! إنّي قلت لأبي بكر:
[ما] أمرك رسول اللّه أن تطيعني؟ فقال: لا، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): [بلى] قد أمرتك فأطعه، قال: فخرج، فلقي عمر و هو ذعر، فقال له: ما لك؟، فقال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): كذا و كذا، قال: تبّا لأمّتك [لأمّته]، تترك [ولوك] أمرهم، أما تعرف سحر بني هاشم؟!.
[بحار الأنوار: 6/ 131، حديث 41، عن بصائر الدرجات: 296، حديث 9. و هناك تسع روايات أخر في الباب الخامس من الجزء السادس من البصائر، فراجعها]
31-
ير: أحمد بن إسحاق، عن الحسن بن عبّاس بن جريش، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) رجل من أهل بيته عن سورة إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فقال: ويلك سألت عن عظيم، إيّاك و السؤال عن مثل هذا، فقام الرجل، قال:
فأتيته يوما فأقبلت عليه، فسألته، فقال: إِنَّا أَنْزَلْناهُ نور عند الأنبياء و الأوصياء لا يريدون حاجة من السماء و لا من الأرض إلّا ذكروها لذلك النّور فأتاهم بها، فإنّ ممّا ذكر عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) من الحوائج أنّه قال لأبي بكر يوما: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ..، فاشهد أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مات شهيدا، فإيّاك أن تقول:
إنّه ميّت، و اللّه ليأتينّك، فاتّق اللّه إذا جاءك الشيطان غير متمثّل به.
597
فبعث به أبو بكر، فقال: إن جاءني و اللّه أطعته و خرجت ممّا أنا فيه، قال: و ذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) لذلك النّور فعرج إلى أرواح النبيّين، فإذا محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) قد ألبس وجهه ذلك النّور و أتى و هو يقول: يا أبا بكر آمن بعليّ (عليه السلام) و بأحد عشر من ولده إنّهم مثلي إلّا النبوّة، و تب إلى اللّه بردّ ما في يديك إليهم، فإنّه لا حقّ لك فيه، قال: ثمّ ذهب فلم ير.
فقال أبو بكر: أجمع الناس فأخطبهم بما رأيت و أبرأ إلى اللّه ممّا أنا فيه إليك- يا علي- على أن تؤمنني، قال: ما أنت بفاعل، و لو لا أنّك تنسى ما رأيت لفعلت، قال: فانطلق أبو بكر إلى عمر و رجع نور إنّا أنزلناه إلى عليّ (عليه السلام)، فقال له: قد اجتمع أبو بكر مع عمر، فقلت: أو علم النّور؟ قال: إنّ له لسانا ناطقا و بصرا نافذا يتجّسس الأخبار للأوصياء و يستمع الأسرار، و يأتيهم بتفسير كلّ أمر يكتتم به أعداؤهم.
فلمّا أخبر أبو بكر الخبر عمر قال: سحرك، و إنّها لفي بني هاشم لقديمة، قال: ثمّ قاما يخبران الناس، فما دريا ما يقولان، قلت: لماذا؟. قال: لأنّهما قد نسياه، و جاء النّور فأخبر عليّا (عليه السلام) خبرهما، فقال: بعدا لهما كما بعدت ثمود.
بيان: قوله (عليه السلام): لفعلت، لعلّ المعنى لفعلت أشياء أخر من التشنيع، و النسبة إلى السحر و غيرهما كما يؤمي إليه آخر الخبر، و يمكن أن يقرأ على صيغة المتكلّم لكنّه يأبى عنه ما بعده في الجملة.
[بحار الأنوار: 25/ 51- 52، حديث 12، عن بصائر الدرجات: 80]
32-
قال العلّامة المجلسي في بحاره: 42/ 55 تحت باب 117 ما ورد من غرائب معجزاته (عليه السلام) بالأسانيد الغريبة، في أنّه وجده في بعض الكتب، و فيه:
.. فقال (عليه السلام): يا ملائكة ربّي! ائتوني الساعة بإبليس الأبالسة و فرعون الفراعنة، قال: فو اللّه ما كان بأسرع من طرفة عين حتى أحضروه عنده ... فقالت الملائكة:
يا خليفة اللّه! زد الملعون لعنة و ضاعف عليه العذاب ... قال: فلما جرّوه بين يديه قام و قال:
واويلاه من ظلم آل محمد! واويلاه من اجترائي عليهم!، ثم قال: يا سيّدي! ارحمني فإنّي لا أحتمل هذا العذاب، فقال (عليه السلام): لا رحمك اللّه و لا غفر لك، أيّها الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان، ثم التفت إلينا و قال (عليه السلام): أنتم تعرفون هذا باسمه و جسمه؟. قلنا: نعم يا أمير المؤمنين، فقال (عليه السلام): سلوه حتى يخبركم من هو، فقالوا:
من أنت؟. فقال: أنا إبليس الأبالسة و فرعون هذه الأمّة، أنا الذي جحدت سيّدي و مولاي أمير المؤمنين و خليفة ربّ العالمين و أنكرت آياته و معجزاته ... الى آخره.
598
أقول- استدراكا لما سلف في نسب الخليفة-: لا بأس بمراجعة كتاب «نسب عمر بن الخطّاب» للشيخ هاشم بن سليمان الكتكتاني، كما ذكره في رياض العلماء، و الذريعة:
24/ 141 برقم 701.
و كتاب «عقد الدرر في تاريخ وفاة عمر»، و يقال له: الحديقة الناضرة، احتمل شيخنا في الذريعة 15/ 289 نسبته الى الشيخ حسن بن سليمان الحلّي.
و كتاب «عقد الدرر في تاريخ قتل عمر»، للسيّد مرتضى بن داود الحسيني المعاصر للعلّامة المجلسي الثاني.
و كتاب «مقتل عمر»، للشيخ زين الدين علي بن مظاهر الحلّي.
و مثله باسمه للسيد حسين المجتهد الكركي المتوفّى سنة 1001 ه بأردبيل، كما صرّح بذلك في الرياض و الذريعة 22/ 34 برقم 5919 و 5920.
و كتاب «نسيم عيش در شرح دعاى صنمي قريش»، فارسي، لمير سيّد علي بن مرتضى الطبيب الموسوي الدزفولي.
ثمّ إنّ لهذا الدعاء شروحا أخر أدرجها في الذريعة في مواطن متعدّدة، لاحظ: 4/ 102، و 10/ 9، و 11/ 236، و 13/ 256، و 15/ 123 و 289، و 19/ 73- 76، و غيرها.
ثم لا بأس بملاحظة بيان المصنّف طاب ثراه في بحار الأنوار 86/ 224- 225 ذيل ما حكاه عن مهج الدعوات فإنّه حريّ بالمراجعة.
و ممّا ورد في عثمان:
33-
فس: عَبَسَ وَ تَوَلَّى* أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى، قال: نزلت في عثمان و ابن أمّ مكتوم، و كان ابن أمّ مكتوم مؤذّن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كان أعمى، و جاء الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و عنده أصحابه و عثمان عنده، فقدمه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على عثمان، فعبس عثمان وجهه و تولّى عنه، فأنزل اللّه: عَبَسَ وَ تَوَلَّى يعني: عثمان؛ أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أي يكون طاهرا زكى، أَوْ يَذَّكَّرُ قال: يذكّره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى، ثم خاطب عثمان، فقال: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى* فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى، قال: أنت إذا جاءك غني تتصدّى له و ترفعه وَ ما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى أي لا تبالي زكيّا كان أو غير زكّي اذا كان غنيّا، وَ أَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى يعني ابن أمّ مكتوم وَ هُوَ يَخْشى* فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى أي تلهو و لا تلتفت اليه.
[بحار الأنوار: 17/ 85، حديث 13، عن تفسير القمي: 711- 712 (2/ 404- 405)].
599
34- فس: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا نزلت في عثكن يوم الخندق، و ذلك أنّه مرّ بعمّار ابن ياسر- و هو يحفر الخندق و قد ارتفع الغبار من الحفر- فوضع عثكن كمّه على أنفه و مرّ، فقال عمّار:
لا يستوي من يبتني المساجدا* * * يظلّ فيها راكعا و ساجدا
كمن يمرّ بالغبار حائدا* * * يعرض عنه جاحدا معاندا
فالتفت إليه عثكن فقال: يابن السوداء! إيّاي تعني؟ ثمّ أتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال له: لم ندخل معك لتسبّ أعراضنا، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): قد أقلتك إسلامك فاذهب، فأنزل اللّه عزّ و جلّ: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي ليس هم صادقين، إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (الحجرات: 17- 18).
بيان: قوله: في عثكن المراد به عثمان، كما هو المصرّح في بعض النسخ و سائر الأخبار.
[بحار الأنوار: 20/ 243، حديث 7، عن تفسير القمي: 2/ 322 (الحجرية: 642)]
35، 36-
ختص، ير: بإسناده عن بعض أصحابنا، قال: كان رجل عند أبي جعفر (عليه السلام) من هذه العصابة يحادثه في شيء من ذكر عثمان، فإذا وزغ قد قرقر من فوق الحائط، فقال أبو جعفر (عليه السلام): أتدري ما يقول؟. قلت: لا. قال: يقول: لتكفنّ عن ذكر عثمان أو لأسبنّ عليّا.
[بحار الأنوار: 27/ 267 برقم 15، عن الاختصاص:
301، و بصائر الدرجات: 103 (الجزء السابع، باب 16، ص 373)]
37-
نهج: و من كلام له (عليه السلام) في معنى طلحة بن عبيد اللّه:
قد كنت و ما أهدّد بالحرب و لا أرهب بالضرب و أنا على ما قد وعدني ربّي من النّصر، و اللّه ما أستعجل متجرّدا للطلب بدم عثمان إلّا خوفا من أن يطالب بدمه، لأنّه [كان] مظنّته و لم يكن في القوم أحرص عليه منه، فأراد أن يغالط بما أجلب فيه ليلتبس الأمر و يقع الشكّ.
و واللّه ما صنع في أمر عثمان واحدة من ثلاث؛ لئن كان ابن عفّان ظالما- كما كان يزعم- لقد كان ينبغي له أن يؤازر قاتليه أو ينابذ ناصريه.
و لئن كان مظلوما؛ لقد كان ينبغي له أن يكون من المنهنهين عنه و المعذرين فيه.
و لئن كان في شكّ من الخصلتين؛ لقد كان ينبغي له أن يعتزله و يركد جانبا و يدع الناس معه، فما فعل واحدة من الثلاث و جاء بأمر لم يعرف بابه و لم تسلم معاذيره.
600
[بحار الأنوار: 34/ 95، حديث 65، و رواه السيّد الرضيّ رفع اللّه مقامه في المختار (174) من كتاب نهج البلاغة، صبحي صالح: 249، و محمد عبده: 2/ 88- 89]
و ممّا ورد فيهما أو فيهم ..:
38-
فس: أبي، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ..، و ساق الحديث الى أن قال: قلت: الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبانٍ؟. قال: هما بعذاب اللّه. قلت:
الشمس و القمر يعذّبان؟. قال: سألت عن شيء فأيقنه؛ إنّ الشمس و القمر آيتان من آيات اللّه يجريان بأمره، مطيعان له، ضوؤهما من نور عرشه، و حرّهما من جهنم، فإذا كانت القيامة عاد الى العرش نورهما و عاد الى النار حرّهما، فلا يكون شمس و لا قمر، و إنّما عناهما لعنهما اللّه، أو ليس قد روى الناس أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: الشمس و القمر نوران في النار؟.
قلت: بلى. قال: أما سمعت قول الناس: فلان و فلان شمس هذه الأمّة و نورها؟ فهما في النار، و اللّه ما عنى غيرهما ..
الخبر.
[بحار الأنوار: 7/ 120، حديث 58، عن تفسير القمي: 658 (2/ 243).
و ذكره بهذا السند عن تفسير علي بن ابراهيم- مع زيادة في أوّله و آخره- في بحار الأنوار: 36/ 171- 172، حديث 160]
39-
فس: بإسناده عن الفضيل، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول اللّه تبارك و تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ (الإسراء: 71)، قال: يجيء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في قرنه، و عليّ في قرنه، و الحسن في قرنه، و الحسين في قرنه [في المصدر: فرقة، في الجميع]، و كلّ من مات بين ظهراني قوم جاؤوا معه. قال علي بن ابراهيم: قال: ذلك يوم القيامة، ينادي مناد: ليقم أبو بكر و شيعته، و عمر و شيعته، و عثمان و شيعته، و عليّ و شيعته، قوله: و لا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا، قال: الجلدة التي في ظهر النواة.
[بحار الأنوار: 8/ 9- 10، من حديث 1، عن تفسير القمي: 385 (2/ 23)]
40-
فس: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ، قال: هم الذين سمّوا أنفسهم بالصدّيق و الفاروق و ذي النورين. قوله: لا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا، قال:
601
القشرة التي تكون على النواة، ثم كنّى عنهم، فقال: انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ و هم هؤلاء الثلاثة. و قوله: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ الطَّاغُوتِ وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا. ..
و قد روى فيه- أيضا- أنّها نزلت في الذين غصبوا آل محمّد حقّهم و حسدوا منزلتهم ... ثم قال: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ يعني بالناس هنا أمير المؤمنين و الأئمة (عليهم السلام) عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (النساء: 51 و 54) و هي الخلافة بعد النبوة، و هم الأئمة (عليهم السلام).
[بحار الأنوار: 9/ 193- 194، حديث 37، عن تفسير القمي: 128- 129 (1/ 141)].
41-
فس: بإسناده عن علي بن حمزة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: ما بعث اللّه رسولا إلّا و في وقته شيطانان يؤذيانه و يفتنانه و يضلّان الناس بعده، فأمّا الخمسة أولو العزم من الرسل: نوح و ابراهيم و موسى و عيسى و محمّد صلّى اللّه عليهم، و أما صاحبا نوح؛ فقيطيفوس و خرام، و أما صاحبا ابراهيم؛ فمكيل ورذام، و أما صاحبا موسى؛ فالسامريّ و مرعقيبا، و أما صاحبا عيسى؛ فمولس و مريسا، و أما صاحبا محمّد؛ فحبتر و زريق.
[بحار الأنوار: 13/ 212، حديث 5، عن تفسير القمي: 422].
42-
فس: بإسناده عن صالح بن سهل الهمداني، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول في قول اللّه: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ... الى أن قال: أَوْ كَظُلُماتٍ فلان و فلان فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ يعني نعثل، مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ ... طلحة و الزبير، ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ معاوية وفتن بني أميّة، إِذا أَخْرَجَ المؤمن، يَدَهُ في ظلمة فتنتهم، لَمْ يَكَدْ يَراها وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (النور: 35- 40) فما له من إمام يوم القيامة يمشي بنوره ...
[بحار الأنوار: 23/ 304- 305، حديث 1، عن تفسير القمي: 2/ 106].
43-
فس: بإسناده عن الحسين بن خالد، عن الرضا (عليه السلام) ...
و قوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ* قال: في الظاهر مخاطبة الجنّ و الإنس، و في الباطن فلان و فلان.
[بحار الأنوار: 24/ 68، من حديث 1، عن تفسير القمي: 658- 659 (2/ 344)].
602
44-
فس: بإسناده عن ابن كثير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ (الحجرات: 7) يعني أمير المؤمنين (عليه السلام) (وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْيانَ الأوّل و الثاني و الثالث.
[بحار الأنوار: 35/ 336 حديث 1، عن تفسير علي بن ابراهيم: 640 (2/ 319)، و فيه: فلان و فلان و فلان].
45-
و بهذا الإسناد عن عبد الرحمن، قال: سألت الصادق (عليه السلام) عن قوله: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ؛ قال: أمير المؤمنين و أصحابه كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ؛ حبتر و زريق و أصحابهما أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ؛ أمير المؤمنين و أصحابه كَالْفُجَّارِ؛ حبتر و دلام و أصحابهما، كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ؛ هم أمير المؤمنين و الأئمّة (عليهم السلام) وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ؛ فهم أولو الألباب، قال: و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يفتخر بها و يقول: ما أعطي أحد قبلي و لا بعدي مثل ما أعطيت.
[بحار الأنوار: 35/ 336 ذيل حديث 1، و انظر بيان المصنّف (رحمه اللّه)، عن تفسير القمي: 565 (2/ 234)].
46-
فس: بإسناده عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: نزلت هاتان الآيتان هكذا، قول اللّه: حَتَّى إِذا جاءانا- يعني فلانا و فلانا- يقول أحدهما لصاحبه حين يراه: يا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ فقال اللّه تعالى لنبيّه: قل لفلان و فلان و أتباعهما: لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ آل محمّد حقّهم أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ ثمّ قال اللّه لنبيّه: أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَ مَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ* فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ يعني من فلان و فلان، ثمّ أوحى اللّه إلى نبيّه:
فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ في عليّ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني إنّك على ولاية عليّ، و عليّ هو الصراط المستقيم.
[بحار الأنوار: 35/ 368، حديث 11، عن تفسير القمي: 612 (2/ 286)].
بيان: قال الطبرسيّ- (رحمه اللّه)-: قرأ أهل العراق غير أبي بكر حَتَّى إِذا جاءَنا على الواحد، و الباقون (جاآنا) على الاثنين، انتهى. (مجمع البيان: 9/ 47)
قال المجلسيّ في ذيله [35/ 368- 369]: أقول: قد مرّ في الآية السابقة وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ و يظهر من بعض الأخبار أنّ الموصول كناية عن أبي بكر حيث عمي عن ذكر الرحمن- يعني أمير المؤمنين- و الشيطان المقيّض له هو عمر
603
وَ إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ أي الناس عَنِ السَّبِيلِ و هو أمير المؤمنين (عليه السلام) و ولايته وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ. ثمّ قال بعد ذلك: «حتى إذا جاءانا» يعني العامي عن الذكر و شيطانه: أبا بكر و عمر قالَ أبو بكر لعمر: يا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ.
و يؤيّد أنّ المراد بالشيطان: عمر؛
ما رواه علي بن ابراهيم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله تعالى: وَ لا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (الزخرف: 62) قال: يعني الثاني؛ عن أمير المؤمنين (عليه السلام)
[تفير القمي: 612 (2/ 287)].
47-
فس: بإسناده عن حمّاد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ...
و قوله: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ يعني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و الأوصياء من بعده يحملون علم اللّه وَ مَنْ حَوْلَهُ يعني الملائكة يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا يعني شيعة آل محمّد رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا من ولاية فلان و فلان و بني أميّة وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ أي ولاية وليّ اللّه وَ قِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ الى قوله: الْحَكِيمُ يعني من تولّى عليّا (عليه السلام)، فذلك صلاحهم وَ قِهِمُ السَّيِّئاتِ وَ مَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ يعني يوم القيامة وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (المؤمن: 7 و 8) لمن نجّاه اللّه من هؤلاء يعني ولاية فلان و فلان.
[بحار الأنوار: 68/ 78 حديث 139، عن تفسير القمي:
583 (2/ 255)]
48-
فس: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ.. قال: الفلق جبّ في جهنّم يتعوّذ أهل النار من شدّة حرّه، سأل اللّه أن يأذن له أن يتنفس، فأذن له، فتنفّس فأحرق جهنّم. قال: و في ذلك الجبّ صندوق من نار يتعوّذ أهل تلك الجبّ من حرّ ذلك الصندوق، و هو التابوت، و في ذلك التابوت ستة من الأولين و ستة من الآخرين؛ فأما الستة من الأولين ...، و أما الستة من الآخرين؛ فهو الأول و الثاني و الثالث و الرابع و صاحب الخوارج و ابن ملجم.
[بحار الأنوار: 8/ 296، حديث 46، عن تفسير القمي: 743- 744 (2/ 449)].
49-
شي: بإسناده عن أبي بصير، قال: يؤتى بجهنّم لها سبعة أبواب؛ بابها الأول للظالم؛ و هو زريق، و بابها الثاني؛ لحبتر، و الباب الثالث؛ للثالث، و الرابع؛ لمعاوية، و الباب الخامس؛ لعبد الملك، و الباب السادس؛ لعسكر بن هوسر، و الباب السابع؛ لأبي سلامة، فهم (خ. ل: فهي) أبواب لمن اتّبعهم.
[بحار الأنوار: 8/ 301، حديث 57، عن تفسير العياشي: 2/ 243، حديث 19. و جاء في البحار:
604
4/ 378، و 8/ 220، و في البرهان: 2/ 345].
50-
شي: عن جابر، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ (البقرة: 165) قال: فقال: هم أولياء فلان و فلان و فلان، اتّخذوهم أئمّة دون الإمام الّذي جعله اللّه للناس إماما، فلذلك قال اللّه تبارك و تعالى: وَ لَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا .. إلى قوله: وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (البقرة:
165- 166) قال: ثمّ قال أبو جعفر (عليه السلام): هم و اللّه- يا جابر- أئمّة الظلم و أتباعهم.
[بحار الأنوار: 8/ 363، حديث 41، عن تفسير العياشي: 1/ 72، حديث 142، و جاء في البرهان:
1/ 172، و الصافي: 1/ 156، و إثبات الهداة:
1/ 262 أيضا].
51-
شي: عن الحسين بن بشّار، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قول اللّه:
وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا قال: فلان و فلان وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ (البقرة: 205) هم الذريّة، و الحرث: الزرع.
[بحار الأنوار: 9/ 189، حديث 22، عن تفسير العياشي: 1/ 100، حديث 287، و جاء في تفسير البرهان: 1/ 305، و الصافي: 1/ 181].
52-
شي: عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ (البقرة: 208) قال: أ تدري ما السّلم؟. قال: قلت: أنت أعلم، قال: ولاية عليّ و الأئمة الأوصياء من بعده (عليهم السلام)، قال: و خُطُواتِ الشَّيْطانِ و اللّه ولاية فلان و فلان.
[بحار الأنوار: 24/ 159، حديث 1، عن تفسير العياشي: 1/ 102، حديث 294، و جاء في البرهان:
1/ 208، و تفسير الصافي: 1/ 182، و في إثبات الهداة: 3/ 45].
53-
شي: في رواية سعد الاسكاف عنه، قال: يا سعد! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ و هو محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)؛ فمن أطاعه فقد عدل، وَ الْإِحْسانِ عليّ (عليه السلام)؛ فمن تولّاه فقد أحسن، و المحسن في الجنّة وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى قرابتنا، أمر اللّه العباد بمودّتنا و إيتائنا و نهاهم عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ فمن بغى علينا أهل البيت و دعا الى غيرنا ..
الى آخره.
605
[بحار الأنوار: 7/ 130، و 24/ 190- 192، حديث 14، عن تفسير العياشي: 2/ 268، حديث 63، و جاء في تفسير البرهان: 2/ 381 من سورة النحل: 90].
54-
شي: عن الثمالي، عن علي بن الحسين (عليهما السلام)، قال: ثلاثة لا يكلّمهم اللّه يوم القيامة و لا ينظر اليهم و لا يزكّيهم و لهم عذاب أليم؛ من جحد إماما من اللّه، أو ادّعى إماما من غير اللّه، أو زعم أنّ لفلان و فلان في الإسلام نصيبا.
[بحار الأنوار: 25/ 111، حديث 4، و صفحة:
112، حديث 10، عن تفسير العياشي: 1/ 178.
و أورده- أيضا- في البحار: 7/ 212 حديث 113 و 8/ 363، حديث 40، عن الكافي: 1/ 373- 374 حديث 12 باختلاف يسير].
55-
شي: بإسناده عن ابن أبي يعفور، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: ثلاثة لا ينظر اللّه اليهم يوم القيامة و لا يزكّيهم و لهم عذاب أليم؛ من ادّعى إمامة من اللّه ليست له، و من جحد إماما من اللّه، و من قال: إنّ لفلان و فلان في الإسلام نصيبا.
[بحار الأنوار: 25/ 112- 113.
و ذكره أيضا في هذا الباب برقم 4، عن تفسير العياشي:
1/ 178. برقم 10 حديث 64،
و جاء- أيضا- في البحار: 8/ 218، و حكاه في تفسير البرهان: 1/ 293، و رواه عن غيبة النعماني حديث 55،
بإسناده عن علي بن ميمون مثله،
و أيضا
عن غيبة النعماني، بإسناده عن عمران الأشعري، عن جعفر بن محمد مثله،
حديث 11، و أورده في البحار:
25/ 113].
56-
شي: بإسناده عن سعدان، عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله:
وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ (البقرة:
284)، قال: حقيق على اللّه أن لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من حبّهما.
[بحار الأنوار: 27/ 57 حديث 15، عن تفسير العياشي:
1/ 156- 157، حديث 528، و جاء في البرهان:
606
1/ 267، و الصافي: 1/ 137 أيضا].
57-
شي: بإسناده عن جابر الجعفي، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن تفسير هذه الآية في باطن القرآن: وَ آمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَ لا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ (البقرة: 41) يعني فلانا و صاحبه و من تبعهم ودان بدينهم، قال اللّه يعنيهم: وَ لا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ يعني عليّا (عليه السلام).
[بحار الأنوار: 36/ 97، حديث 36، عن تفسير العياشي: 1/ 42، حديث 31، و رواه أيضا في البرهان: 1/ 91].
58-
شي: عن عبد اللّه النجاشي، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ عِظْهُمْ وَ قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً يعني و اللّه فلانا و فلانا وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ .. إلى قوله: تَوَّاباً رَحِيماً يعني و اللّه النبيّ و عليّا بما صنعوا .. أي لو جاؤوك بها- يا علي- فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ بما صنعوا وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ، ثم قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): هو و اللّه عليّ بعينه ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ على لسانك- يا رسول اللّه-، يعني به ولاية عليّ (عليه السلام) وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (النساء: 36- 37) لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام).
[بحار الأنوار: 36/ 98، حديث 37، عن تفسير العياشي: 1/ 255، حديث 182، و جاء- أيضا- في البحار: 9/ 101، و تفسير البرهان: 1/ 391].
59-
شي: بإسناده عن عطاء الهمداني، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول اللّه: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى (النحل: 90)؛ قال: (العدل) شهادة أن لا إله إلّا اللّه، و (الْإِحْسانِ) ولاية أمير المؤمنين، وَ يَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ؛ (الْفَحْشاءِ) الأوّل، و (الْمُنْكَرِ) الثاني، و (الْبَغْيِ) الثالث.
[بحار الأنوار: 36/ 180 حديث 173، عن تفسير العياشي: 2/ 268 حديث 62، و جاء في بحار الأنوار:
36/ 179 حديث 172، و 24/ 188 و 190، حديث 6 و 13.
و بهذا المضمون و المعنى، رواه عن تفسير القمي:
363- 364 (1/ 388) في تفسير هذه الآية.
607
و أورده في البرهان: 2/ 381- 382].
60-
شي: بإسناده عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن هذه الآية:
وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ* أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَ ما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (النحل: 20- 21)؛ قال: الذين يدعون من دون اللّه: الأوّل و الثاني و الثالث، كذّبوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بقوله: والوا عليّا و اتّبعوه، فعادوا عليّا و لم يوالوه و دعوا الناس الى ولاية أنفسهم، فذلك قول اللّه: وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؛ قال: و أمّا قوله: لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً فإنّه يعني لا يعبدون شيئا وَ هُمْ يُخْلَقُونَ فإنّه يعني و هم يعبدون، و أمّا قوله:
أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ يعني كفّار غير مؤمنين، و أمّا قوله: وَ ما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ فإنّه يعني إنّهم لا يؤمنون أنّهم يشركون إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فإنّه كما قال اللّه، و أمّا قوله: فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فإنّه يعني لا يؤمنون بالرجعة أنّها حقّ، و أمّا قوله: قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ فإنّه يعني قلوبهم كافرة، و أمّا قوله: وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ فإنّه يعني عن ولاية عليّ (عليه السلام) مستكبرون، قال اللّه لمن فعل ذلك وعيدا منه لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ عن ولاية عليّ (عليه السلام).
61-
شي: و مثله بإسناده عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام).
[بحار الأنوار: 36/ 103- 104 برقم 46، عن تفسير العياشي: 2/ 256، حديث 14. و لاحظ- أيضا-:
بحار الأنوار: 9/ 102. و جاء في تفسير البرهان: 2/ 363].
62-
شي: عنه؛ أنّه سئل الصادق (عليه السلام) عن أعداء اللّه؟، فقال: الأوثان الأربعة، فقيل: من هم؟، فقال: أبو الفصيل، و رمع، و نعثل، و معاوية و من دان بدينهم، فمن عادى هؤلاء فقد عادى أعداء اللّه.
63-
كا: بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله عزّ و جلّ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ؛ قال: أمير المؤمنين و الأئمة وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ؛ قال: فلان و فلان و فلان فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ (آل عمران: 7) و هم أمير المؤمنين و الأئمة (عليهم السلام).
[بحار الأنوار: 23/ 208، حديث 12، عن أصول الكافي:
1/ 414 (و قريب منه في مناقب آل أبي طالب 3/ 522، و تفسير العياشي 1/ 162 و انظر بحار الأنوار 22/ 488].
64-
كا: بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه
608
عزّ و جلّ: الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ (الأنعام: 82)؛ قال: بما جاء به محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) من الولاية و لم يخلطوها بولاية فلان و فلان، فهو الملبّس بالظلم.
[بحار الأنوار: 23/ 371، حديث 49، عن أصول الكافي: 1/ 413].
65-
كا: بإسناده عن عبد اللّه بن كثير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً (النساء: 137) لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ (آل عمران: 90)؛ قال: نزلت في فلان و فلان و فلان آمنوا بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في أوّل الأمر، و كفروا حيث عرضت عليهم الولاية حين قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): من كنت مولاه فعليّ مولاه، ثمّ آمنوا بالبيعة لأمير المؤمنين (عليه السلام)، ثمّ كفروا حيث مضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فلم يقرّوا بالبيعة، ثمّ ازدادوا كفرا بأخذهم من بايعه بالبيعة لهم، فهؤلاء لم يبق فيهم من الإيمان شيء.
[بحار الأنوار: 23/ 375 حديث 57، عن أصول الكافي: 1/ 420].
66-
و بالإسناد السابق، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى فلان و فلان و فلان، ارتدّوا عن الإيمان في ترك ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، قلت: قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ؛ قال: نزلت- و اللّه- فيهما و في أتباعهما، و هو قول اللّه عزّ و جلّ الذي نزّل به جبرئيل (عليه السلام) على محمّد (صلّى اللّه عليه و آله): ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ في عليّ (عليه السلام) سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ (محمّد: 25- 26)؛ قال: دعوا بني أميّة الى ميثاقهم الّا يصيّروا الأمر فينا بعد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لا يعطونا من الخمس شيئا ..
الى آخره.
[بحار الأنوار: 23/ 375- 376 حديث 58، عن أصول الكافي: 1/ 420- 421]
67-
كا: بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله:
وَ هُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَ هُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (الحج: 24)؛ قال: ذاك حمزة و جعفر و عبيدة و سلمان و أبو ذرّ و المقداد بن الأسود و عمّار، هدوا الى أمير المؤمنين، و قوله: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ؛ يعني أمير المؤمنين (عليه السلام)، وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْيانَ (الحجرات: 7)؛ الأوّل و الثاني و الثالث.
[بحار الأنوار: 23/ 379- 380، حديث 67، عن
609
أصول الكافي: 1/ 425، حديث 66].
68-
كا: بإسناده عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، أنّه قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة له: «و لئن تقمّصها دوني الأشقيان، و نازعاني فيما ليس لهما بحقّ، و ركباها ضلالة، و اعتقداها جهالة، فلبئس ما عليه وردا، و لبئس ما لأنفسهما مهّدا، يتلاعنان في دورهما و يتبرّأ كلّ من صاحبه، يقول لقرينه إذ التقيا: يا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (الزخرف: 38) فيجيبه الأشقى على رثوثه: يا ليتني لم أتّخذك خليلا، لقد أضللتني عن الذكر بعد إذ جاءني و كان الشيطان للإنسان خذولا، فأنا الذكر الذي عنه ضلّ، و السبيل الذي عنه مال، و الإيمان الذي به كفر، و القرآن الذي إيّاه هجر، و الدين الذي به كذب، و الصراط الذي عنه نكب ..»
الى تمام الخطبة المنقوله في الروضة.
[بحار الأنوار: 24/ 19، حديث 33، عن الروضة من الكافي: 8/ 27- 28].
69-
كا: بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)؛ قال: قلت: وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها؛ قال: ذلك أئمّة الجور الذين استبدّوا بالأمر دون آل الرسول عليهم الصلاة و السلام، و جلسوا مجلسا كان آل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أولى به منهم، فغشوا دين اللّه بالظلم و الجور، فحكى اللّه فعلهم، فقال وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها .... الى آخره.
[بحار الأنوار: 24/ 73، حديث 7، عن روضة الكافي 8/ 50].
70-
كا: بإسناده عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (الانشقاق: 19)؛ قال: يا زرارة! أ و لم تركب هذه الأمّة بعد نبيّها طبقا عن طبق في أمر فلان و فلان و فلان.
[بحار الأنوار: 24/ 350، حديث 64، عن أصول الكافي: 1/ 415].
71-
كا: بإسناده عن زرين صاحب الأنماط، عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: من قال: «اللّهم إنّي أشهدك و أشهد ملائكتك المقرّبين و حملة عرشك المصطفين أنّك أنت اللّه لا إله إلّا أنت الرحمن الرحيم و أنّ محمّدا عبدك و رسولك و أنّ فلان بن فلان إمامي ... و أبرأ من فلان و فلان و فلان» فإن مات في ليلته دخل الجنّة.
[أصول الكافي: 2/ 522، حديث 3].
72-
كنز: بإسناده عن عمرو بن شمر، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أبا بكر و عمر و عليّا (عليه السلام) أن يمضوا الى الكهف و الرقيم فيسبغ
610
أبو بكر الوضوء و يصفّ قدميه و يصلّى ركعتين و ينادي ثلاثا، فإن أجابوه و إلّا فليقل مثل ذلك عمر، فإن أجابوه و إلّا فليقل مثل ذلك عليّ (عليه السلام)، فمضوا و فعلوا ما أمرهم به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فلم يجيبوا أبا بكر و لا عمر، فقام عليّ (عليه السلام) و فعل ذلك، فأجابوه، و قالوا: لبّيك لبّيك- ثلاثا-، فقال لهم: لم لم تجيبوا صوت الأوّل و الثاني و أجبتم الثالث؟، فقالوا: إنّا أمرنا أن لا نجيب إلّا نبيّا أو وصيّا، ثمّ انصرفوا الى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فسألهم ما فعلوا؟، فأخبروه، فأخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) صحيفة حمراء، فقال لهم: اكتبوا شهادتكم بخطوطكم فيها بما رأيتم و سمعتم، فأنزل اللّه عزّ و جلّ: سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَ يُسْئَلُونَ (الزخرف: 19)؛ يوم القيامة.
[بحار الأنوار: 36/ 153، حديث 133، عن تأويل الآيات الظاهرة: 2/ 553- 554، حديث 7، و أوردها في تفسير البرهان: 4/ 137- 138].
73-
كنز: بإسناده عن أبي بصير، قال: ذكر أبو جعفر (عليه السلام) الكتاب الذي تعاقدوا عليه في الكعبة، و أشهدوا و ختموا عليه بخواتيمهم، فقال: يا أبا محمّد! إنّ اللّه أخبر نبيّه بما صنعوه قبل أن يكتبوه، و أنزل اللّه فيه كتابا، قلت: أنزل اللّه فيه كتابا؟. قال: أ لم تسمع قوله تعالى: سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَ يُسْئَلُونَ (الزخرف: 19).
[بحار الأنوار: 36/ 153 ذيل حديث 133، عن تأويل الآيات الظاهرة: 2/ 555 حديث 9، و أورده في تفسير البرهان: 4/ 143].
74-
كنز: بإسناده عن حمّاد بن عيسى، عن بعض أصحابه، رفعه الى أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لا هُدىً وَ لا كِتابٍ مُنِيرٍ* ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (الحج: 8- 9)؛ قال: هو الأوّل، ثاني عطفه الى [أي] الثاني، و ذلك لمّا أقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أمير المؤمنين (عليه السلام) علما للناس، و قال: و اللّه لا نفي بهذا أبدا.
[بحار الأنوار: 24/ 24، حديث 52، عن تأويل الآيات الظاهرة: 1/ 333 (الحجرية: 129)، و جاء في البرهان: 3/ 78، حديث 3].
75-
كنز: بحذف الإسناد، عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه، قال: رأيت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و هو خارج من الكوفة ... الى أن قال: ثم رجع و دخلنا الكوفة و دخلت خلفه الى المسجد، فجعل يخطو خطوات و هو يقول: لا و اللّه لا فعلت، لا و اللّه
611
لا كان ذلك أبدا.
فقلت: يا مولاي! لمن تكلّم و لمن تخاطب و ليس أرى أحدا؟. فقال: يا جابر! كشف لي عن برهوت، فرأيت شيبويه و حبتر و هما يعذّبان في جوف تابوت في برهوت، فنادياني: يا أبا الحسن! يا أمير المؤمنين! ردّنا الى الدنيا نقرّ بفضلك و نقرّ بالولاية لك، فقلت: لا و اللّه لا فعلت، لا و اللّه لا كان ذلك أبدا، ثم قرأ هذه الآية: وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (الأنعام: 28)، يا جابر! و ما من أحد خالف وصيّ نبيّ إلّا حشر أعمى يتكبكب في عرصات القيامة.
[بحار الأنوار: 27/ 306- 307 حديث 11، عن تأويل الآيات الظاهرة: 82 (1/ 163- 164) باختلاف يسير.
و عنه- أيضا- في البحار: 41/ 221، حديث 33، و البرهان: 1/ 522، حديث 5].
76-
كنز: بإسناده عن الهيثم عبد الرحمن، عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) في قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ* فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (القارعة: 6- 7)؛ قال: نزلت في عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وَ أَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ* فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (القارعة: 8- 9)؛ قال: نزلت في الثلاثة.
[بحار الأنوار: 36/ 67، حديث 10، عن تأويل الآيات الظاهرة: 2/ 849، حديث 1].
77-
كنز: روى الشيخ المفيد بإسناده الى محمد بن سائب الكلبي، قال: لما قدم الصادق (عليه السلام) العراق نزل الحيرة، فدخل عليه أبو حنيفة و سأله [عن] مسائل، و كان مما سأله أن قال له: جعلت فداك! ما الأمر بالمعروف؟، فقال (عليه السلام): المعروف- يا أبا حنيفة- المعروف في أهل السماء؛ المعروف في أهل الأرض؛ و ذاك أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: جعلت فداك! فما المنكر؟. قال: اللّذان ظلماه حقّه، و ابتزّاه أمره، و حملا الناس على كتفه ...
[بحار الأنوار: 10/ 208، حديث 10، و 24/ 58، حديث 34، عن تأويل الآيات الظاهرة: 2/ 852، حديث 8، و جاء في تفسير البرهان: 4/ 503، حديث 12].
78-
كنز: بإسناده عن الفضل بن العباس، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: ...
612
وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (الشمس: 4)؛ حبتر و دلام، غشيا عليه الحقّ ...
[بحار الأنوار: 24/ 72، حديث 6، عن تأويل الآيات الظاهرة: 2/ 803 باختلاف يسير، و إثبات الهداة:
7/ 131، حديث 660، و ذيله في البحار: 53/ 120، حديث 155، و البرهان: 4/ 467، حديث 11].
79-
و انظر ما جاء من روايات في تأويل الآيات الظاهرة: 2/ 805 في تفسير الآية الشريفة، قال: ذاك أئمة الجور الذين استبدّوا بالأمور دون آل الرسول، و جلسوا مجلسا كان آل محمّد أولى به منهم، فغشوا دين اللّه بالجور و الظلم.
[و جاء في بحار الأنوار: 24/ 71، و البرهان: 4/ 467، و إثبات الهداة: 7/ 141، حديث 661].
80-
يج: روى عن شريك بن عبد اللّه- و هو يومئذ قاض-: أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بعث عليّا (عليه السلام) و أبا بكر و عمر الى أصحاب الكهف، فقال: ائتوهم فأبلغوهم منّي السلام، فلما خرجوا من عنده قالوا [قال أبو بكر] لعليّ: أتدري أين هم؟، فقال: ما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعثنا الى مكان إلّا هدانا اللّه له، فلما أوقفهم على باب الكهف قال: يا أبا بكر! سلّم، فإنّك أسنّنا، فسلّم فلم يجب، ثم قال: يا أبا حفص! سلّم فإنّك أسنّ منّي، فسلّم فلم يجب، قال: فسلّم عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فردّوا السلام و حيّوه و أبلغهم سلام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فردّوا عليه، فقال أبو بكر: سلهم، ما لهم سلّمنا عليهم فلم يسلّموا علينا [فلم يجيبوا]؟، قال: سلهم أنت، فسألهم فلم يكلّموه، ثم سألهم عمر فلم يكلّموه، فقالا: يا أبا الحسن! سلهم أنت، فقال عليّ (عليه السلام): إنّ صاحبيّ هذان سألاني أن أسألكم: لم رددتم عليّ و لم تردّوا عليهما؟، قالوا: إنّا لا نكلّم إلّا أنبياء أو وصيّ نبيّ.
[بحار الأنوار: 39/ 136- 137، حديث 3، عن الخرائج و الجرائح: 1/ 189- 190 حديث 24].
81-
يج: روى عن الرضا، عن آبائه (عليهم السلام)؛ أنّ غلاما يهوديّا قدم على أبي بكر في خلافته، فقال: السلام عليك يا أبا بكر، فوجا عنقه و قيل له: لم لا تسلّم عليه بالخلافة؟، ثم قال له أبو بكر: ما حاجتك؟، قال: مات أبي يهوديّا و خلّف كنوزا و أموالا؛ فإن أنت أظهرتها و أخرجتها إليّ أسلمت على يديك و كنت مولاك، و جعلت لك ثلث ذلك المال، و ثلثا للمهاجرين و الأنصار، و ثلثا لي، فقال أبو بكر: يا خبيث! و هل يعلم الغيب إلّا اللّه.
و فيه- ما حاصله- أنّ الغلام انتهى الى عمر و قال بما قال لأبي بكر و قصّ قصّته معه
613
و أجاب عمر بما أجابه أبو بكر، و جاء الى أمير المؤمنين (عليه السلام) و سلّم عليه بإمرة المؤمنين، و اعترضوا عليه لم لا تسلّم عليهما بإمرة المؤمنين و سلّمت على عليّ بن أبي طالب بهذا الاسم، فقال:
و اللّه ما سمّيته بهذا الاسم حتى وجدت ذلك في كتب آبائي و أجدادي في التوراة .. و علّمه أمير المؤمنين طريقة لإظهار الكنوز .. أن صار الى وادي برهوت ...
الى آخر ما ذكر.
[بحار الأنوار: 41/ 196 حديث 9، عن الخرائج و الجرائح: 1/ 192- 194، حديث 29، و جاء في مدينة المعاجز: 100 حديث 268، و مشارق أنوار اليقين: 81].
82-
يج: روي عن داود بن كثير الرقّي، قال: كنت عند الصادق (عليه السلام) أنا و أبو الخطّاب، و المفضّل، و أبو عبد اللّه البلخي؛ إذ دخل علينا كثير النّواء، فقال: إنّ أبا الخطّاب هذا يشتم أبا بكر و عمر [و عثمان] و يظهر البراءة منهم، فالتفت الصادق (عليه السلام) الى أبي الخطّاب و قال: يا محمد! ما تقول؟، قال: كذب و اللّه ما سمع منّي قطّ شتمهما [منّي]، فقال الصادق (عليه السلام): قد حلف، و لا يحلف كذبا، فقال: صدق، لم أسمع أنا منه، و لكن حدّثني الثقة به عنه، قال الصادق (عليه السلام): و إنّ الثقة لا يبلغ ذلك. فلمّا خرج كثير [النّوا] قال الصادق (عليه السلام): أما و اللّه لئن كان أبو الخطّاب ذكر ما قال كثير، لقد علم من أمرهما [هم] ما لم يعلمه كثير، و اللّه لقد جلسا مجلس أمير المؤمنين (عليه السلام) غصبا فلا غفر اللّه لهما، و لا عفا عنهما، فبهت أبو عبد اللّه البلخي، و نظر الى الصادق (عليه السلام) متعجّبا ممّا قال فيهما، فقال الصادق (عليه السلام): أنكرت ما سمعت فيهما؟، قال: كان ذلك، قال الصادق (عليه السلام): فهلّا كان الإنكار منك ليلة دفع [رفع] إليك فلان بن فلان البلخي جاريته فلانة لتبيعها له، فلمّا عبرت النهر افترشتها في أصل شجرة؟!، فقال البلخي: قد مضى و اللّه لهذا الحديث أكثر من عشرين سنة، و لقد تبت الى اللّه من ذلك، فقال الصادق (عليه السلام): لقد تبت و ما تاب اللّه عليك، و لقد غضب اللّه لصاحب الجارية، ثمّ ركب و سار البلخيّ معه، فلمّا برزا، قال الصادق (عليه السلام)- و قد سمع صوت حمار-: إنّ أهل النار يتأذّون بهما و بأصواتهما كما تتأذّون بصوت الحمار ...
الى آخره.
[بحار الأنوار: 47/ 111، حديث 149، عن الخرائج و الجرائح: 198 (تحقيق مدرسة الامام المهدي عج:
1/ 297- 299، حديث 5)، و أورده في إثبات الهداة:
5/ 404، حديث 136، و مدينة المعاجز: 381، حديث 77 و غيره].
614
83-
يج: روي عن سلمان؛ أنّ عليّا (عليه السلام) بلغه عن عمر ذكر شيعته؛ فاستقبله في بعض طرقات بساتين المدينة و في يد عليّ (عليه السلام) قوس عربيّة، فقال: يا عمر بلغني عنك ذكرك لشيعتي، فقال: اربع على ظلعك، فقال: إنّك لهيهنا؟ ثمّ رمى بالقوس الى [على] الأرض فإذا هي ثعبان كالبعير فاغر فاه، و قد أقبل نحو عمر ليبتلعه، فصاح عمر: اللّه اللّه يا أبا الحسن لا عدت بعدها في شيء، و جعل يتضرّع إليه، فضرب عليّ يده الى الثعبان فعادت القوس كما كانت، فمرّ عمر الى بيته مرعوبا، قال سلمان: فلمّا كان في الليل دعاني عليّ (عليه السلام)، فقال: صر الى عمر فإنّه حمل إليه مال من ناحية المشرق و لم يعلم به أحد، و قد عزم أن يحتبسه، فقل له: يقول لك عليّ: أخرج إليك مال من ناحية المشرق ففرّقه على من جعل لهم و لا تحبسه فأفضحك، قال سلمان: فأدّيت إليه الرسالة، فقال: حيّرني أمر صاحبك من أين علم به؟ فقلت: و هل يخفى عليه مثل هذا، فقال لسلمان: اقبل منّي ما أقول لك: ما عليّ إلّا ساحر! و إنّي لمشفق عليك منه، و الصواب أن تفارقه و تصير في جملتنا، قلت: بئس ما قلت، لكنّ عليّا ورث من أسرار النبوّة ما قد رأيت منه و ما هو أكبر منه، قال: ارجع إليه فقل له:
السمع و الطاعة لأمرك، فرجعت الى عليّ (عليه السلام) فقال: أحدّثك بما جرى بينكما؟ فقلت:
أنت أعلم به منّي، فتكلّم بكلّ ما جرى [به] بيننا، ثمّ قال: إنّ رعب الثعبان في قلبه الى أن يموت.
[بحار الأنوار: 41/ 256- 257 حديث 17، عن الخرائج و الجرائح: 20 و 21 (1/ 232 حديث 77)، و مدينة المعاجز: 200، حديث 551، و إثبات الهداة:
4/ 547، حديث 195].
84-
يل: روي عن الصادق (عليه السلام) أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) بلغه عن عمر ابن الخطاب أمر، فأرسل إليه سلمان رضي اللّه عنه و قال: قل له: قد بلغني عنك كيت و كيت، و كرهت أن أعتب عليك في وجهك، فينبغي أن لا يقال فيّ إلّا الحق، فقد غصبت حقّي على القذى و صبرت حتى تبلغ الكتاب أجله ... في حديث طويل في معاني مقاربة للتي سلفت.
[بحار الأنوار: 42/ 42- 43 حديث 15، عن الفضائل: 65- 66].
85-
ل: بإسناده عن اسحاق بن عمّار، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) في حديث طويل- يقول فيه-: يا إسحاق! إنّ في النار لواديا يقال له: سقر لم يتنفّس منذ خلقه اللّه ...
الى أن قال: و إنّ في ذلك القليب لحيّة يتعوّذ جميع أهل ذلك القليب من خبث تلك الحيّة و نتنها و قذرها و ما أعدّ اللّه في أنيابها من السمّ لإهلها، و إنّ في جوف تلك الحيّة لصناديق فيها خمسة
615
من الأمم السالفة، و إثنان من هذه الأمّة. قال: قلت: جعلت فداك؛ و من الخمسة و من الاثنان؟ ... و من هذه الأمّة الأعرابيان.
[بحار الأنوار: 8/ 310- 311، حديث 77، عن الخصال: 2/ 34].
86-
ل: بإسناده عن حنان بن سدير، عن رجل من أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام)؛ قال: سمعته يقول: إنّ أشدّ الناس عذابا يوم القيامة لسبعة نفر؛ أوّلهم ابن آدم الذي قتل أخاه، و نمرود الذي حاجّ إبراهيم في ربّه، و اثنان في بني إسرائيل هوّدا قومهم و نصرّاهم، و فرعون الذي قال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى، و اثنان من هذه الأمّة.
[بحار الأنوار: 11/ 233، حديث 12، عن الخصال:
2/ 4].
87-
ختص: بإسناده عن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) في حديث ... فأمرها- مالك- فخمدت، فرأيت رجلين في أعناقهما سلاسل النيران، معلّقين بها الى فوق، و على رؤسهما قوم معهم مقامع النيران يقمعونهما بها، فقلت: يا مالك! من هذان؟.
فقال: و ما قرأت على ساق العرش؛ و كنت قبل قراءته قبل أن يخلق اللّه الدنيا بألفي عام: «لا إله إلّا اللّه، محمّد رسول اللّه أيّدته و نصرته بعليّ»، فقال: هذان عدوّا أولئك و ظالماهم.
[بحار الأنوار: 39/ 191- 192 ذيل حديث 27، عن الاختصاص: 108- 109].
88-
ختص- خص: من كتاب البصائر لسعد بن عبد اللّه بإسناده، قال: دخل أبو بكر على أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال له: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يحدث إلينا في أمرك شيئا بعد أيّام الولاية في الغدير، و أنا أشهد أنّك مولاي مقرّ بذلك، و قد سلّمت عليك على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بإمرة المؤمنين، و أخبرنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّك وصيّه و وارثه و خليفته في أهله و نسائه، و أنّك وارثه، و ميراثه قد صار إليك، و لم يخبرنا أنّك خليفته في أمّته من بعده، و لا جرم لي فيما بيني و بينك، و لا ذنب لنا فيما بيننا و بين اللّه تعالى، فقال له عليّ (عليه السلام): إن أريتك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتّى يخبرك بأنّي أولى بالأمر الّذي أنت فيه منك؟ و أنّك إن لم تعزل نفسك عنه فقد خالفت اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله). فقال: إن أريتنيه حتّى يخبرني ببعض هذا اكتفيت به، فقال (عليه السلام): فتلقّاني إذا صلّيت المغرب حتّى أريكه، قال: فرجع إليه بعد المغرب، فأخذ بيده و أخرجه إلى مسجد قبا، فإذا هو برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جالس في القبلة، فقال له: يا فلان! و ثبت على مولاك عليّ (عليه السلام) و جلست مجلسه- و هو مجلس النبوّة- لا يستحقّه غيره، لأنّه وصيّي و خليفتي،
616
فنبذت أمري، و خالفت ما قلته لك، و تعرّضت لسخط اللّه و سخطي، فانزع هذا السربال الّذي تسربلته بغير حقّ و لا أنت من أهله، و إلّا فموعدك النار؛ قال: فخرج مذعورا ليسلّم الأمر إليه، و انطلق أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) فحدّث سلمان بما كان جرى، فقال له سلمان: ليبدينّ هذا الحديث لصاحبه و ليخبرنّه بالخبر، فضحك أمير المؤمنين (عليه السلام) و قال: أما إنّه سيخبره و ليمنعنّه إن همّ بأن يفعل، ثمّ قال: لا و اللّه لا يذكران ذلك أبدا حتّى يموتا؛ قال: فلقى صاحبه فحدّثه بالحديث كلّه، فقال له: ما أضعف رأيك و أخور قلبك؛ أما تعلم أنّ ذلك من بعض سحر ابن أبي كبشة؟! أنسيت سحر بني هاشم؟! فأقم على ما أنت عليه!.
[بحار الأنوار: 41/ 228- 229، حديث 38، عن الاختصاص: 272- 273، و بصائر الدرجات: 78، و مختصره: 109- 110].
89-
ختص: عمرو بن ثابت، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول اللّه:
وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ (البقرة: 165)، قال:
فقال: هم و اللّه أولياء فلان و فلان و فلان، اتّخذوهم أئمّة دون الإمام الذي جعله اللّه للناس إماما، فذلك قول اللّه: وَ لَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ* إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَ رَأَوُا الْعَذابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ* وَ قالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (البقرة: 165- 167)، ثم قال أبو جعفر (عليه السلام):
هم و اللّه- يا جابر- أئمّة الظلمة و أشياعهم.
[بحار الأنوار: 72/ 137، حديث 23، عن الاختصاص: 334].
90-
ختص: بإسناده عن جابر الجعفي- في حديث طويل- و فيه: ثم خاطب اللّه عزّ و جلّ في ذلك الموقف محمّدا، فقال يا محمّد! وَ إِذا رَأَوْا الشكّاك و الجاحدون تِجارَةً يعني الأول أَوْ لَهْواً يعني الثاني انْفَضُّوا إِلَيْها. .. قُلْ يا محمّد! ما عِنْدَ اللَّهِ من ولاية عليّ و الأوصياء خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ التِّجارَةِ يعني بيعة الأول و الثاني ...
[بحار الأنوار: 89/ 278 من حديث 24، عن الاختصاص: 128- 130].
91-
خص: بإسناده عن خالد بن يحيى، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): سمّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أبا بكر صدّيقا؟ فقال: نعم، إنّه حيث كان معه أبو بكر في الغار،
617
قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنّي لأرى سفينة بني عبد المطلب تضطرب في البحر ضالّة، فقال له أبو بكر: و إنّك لتراها؟! قال: نعم. فقال: يا رسول اللّه! تقدر أن ترينيها؟. فقال:
ادن منّي، فدنا منه، فمسح يده على عينيه، ثم قال له: انظر ... فنظر أبو بكر، فرأى السفينة تضطرب في البحر، ثم نظر الى قصور أهل المدينة، فقال في نفسه: الآن صدقت انّك ساحر، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): صدّيق أنت؟.
فقلت: لم سمّي عمر: الفاروق؟. قال: نعم، ألا ترى إنّه قد فرق بين الحقّ و الباطل، و أخذ الناس بالباطل، فقلت: فلم سمّي سالما: الأمين؟. قال: لمّا أن كتبوا الكتب و وضعوها على يد سالم، فصار الأمين. قلت: فقال: اتّقوا دعوة سعد؟. قال: نعم، قلت: و كيف ذلك؟، قال: إنّ سعدا يكرّ فيقاتل عليّا (عليه السلام).
[بحار الأنوار: 53/ 75- حديث 76، عن منتخب البصائر: 29- 30].
92-
قب: الباقر و الصادق (عليهما السلام)، قال: وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (الشمس:
4): عتيق و ابن الصهّاك و بنو أميّة و من تولّاهم.
[بحار الأنوار 24/ 74- حديث 8، عن المناقب لابن شهر آشوب: 1/ 243 (1/ 283)].
93-
قب: حدّث أبو عبد اللّه محمّد بن أحمد الديلمي البصري، عن محمّد بن أبي كثير الكوفي، قال: كنت لا أختم صلاتي و لا أستفتحها إلّا بلعنهما، فرأيت في منامي طائرا معه تور من الجوهر فيه شيء أحمر شبه الخلوق فنزل الى البيت المحيط برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثمّ أخرج شخصين من الضريح فخلقهما بذلك الخلوق، في عوارضهما، ثم ردّهما الى الضريح، و عاد مرتفعا، فسألت من حولي: من هذا الطائر؟ و ما هذا الخلوق؟، فقال: هذا ملك يجيء في كلّ ليلة جمعة يخلقهما، فأزعجني ما رأيت، فأصبحت لا تطيب نفسي بلعنهما، فدخلت على الصادق (عليه السلام)، فلمّا رآني ضحك و قال: رأيت الطائر؟، فقلت: نعم يا سيّدي، فقال:
إقرأ: إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (المجادلة: 10)، فإذا رأيت شيئا تكره فاقرأها و اللّه ما هو ملك موكّل بهما لإكرامهما بل هو ملك موكّل بمشارق الأرض و مغاربها إذا قتل قتيل ظلما أخذ من دمه فطوّقهما به في رقابهما، لأنّهما سبب كلّ ظلم مذ كانا.
[بحار الأنوار: 47/ 124 حديث 177، عن المناقب:
4/ 237، و مرّ في هذه المجلّدات عن غيره].
94-
ن: بإسناده عن عبد العظيم الحسني، عن أبي الحسن الثالث، عن آبائه، عن
618
الحسين بن علي (عليهم السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ أبا بكر منّي لبمنزلة السمع، و إنّ عمر منّي لبمنزلة البصر، و إنّ عثمان منّي لبمنزلة الفؤاد، فلمّا كان من الغد دخلت إليه- و عنده أمير المؤمنين (عليه السلام) و أبو بكر و عمر و عثمان- فقلت له: يا أبه! سمعتك تقول في أصحابك هؤلاء قولا، فما هو؟، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): نعم، ثم أشار إليهم فقال:
هم السمع و البصر و الفؤاد و سيسألون عن وصيّي هذا- و أشار الى عليّ (عليه السلام)- ثم قال:
إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (الإسراء:
36)، ثم قال: و عزّة ربّي إنّ جميع أمّتي لموقوفون يوم القيامة و مسؤولون عن ولايته، و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ: وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (الصافات: 24).
[بحار الأنوار: 36/ 77- حديث 4، عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 174].
95-
قب: الرضا (عليه السلام): إنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قرء: إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (الإسراء: 36)، فسئل عن ذلك، فأشار الى الثلاثة، فقال: هم السمع و البصر و الفؤاد، و سيسألون عن وصيّي هذا- و أشار الى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)- ثم قال: و عزّة ربّي إنّ جميع أمّتي لموقوفون يوم القيامة و مسؤولون عن ولايته، و ذلك قول اللّه: وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (الصافات: 24).
[بحار الأنوار: 24/ 271- حديث 47، عن المناقب:
2/ 4- 5 (2/ 152)].
أقول: روى في تأويل الآيات الظاهرة: 2/ 493 ذيل حديث 1، و أورده العلّامة المجلسي في بحاره: 24/ 270 حديث 44، و جاء في تفسير البرهان: 4/ 71 حديث 5، و تفسير فرات: 130 تفسير الآية: وَ قِفُوهُمْ ... (الصافات: 24) بالسؤال عن الولاية.
و جاء عن طريق العامّة، عن أبي نعيم، عن ابن عباس، و مثله عن أبي سعيد الخدري و سعيد ابن جبير؛ كلّهم عن رسول اللّه ص ذلك. و جاء الحديث عن عدّة مصادر في البحار:
24/ 270- 271 حديث 44، 45، 46، 47. و جاء في كتاب اليقين في إمرة أمير المؤمنين:
57. كما حكاه في البحار 39/ 201، حديث 22 برواية مفصّلة عن أبي سعيد الخدري، عن رسول اللّه ص ، و لاحظ ما جاء في أمالي الشيخ الطوسي: 182، و حكاه في البحار 39/ 196 حديث 6.
96- أورد شيخنا الكليني في الروضة و غيره من قوله: و سئل القاروني ذات يوم عن قوله تعالى: وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (الصافات: 24)، فقال: اقعد يا هذا الرجل، فما هذا موضع هذه المسألة، فقال له: لا بدّ من تفسير هذه الآية و يؤدّى فيه الأمانة، فقال له: اعلم
619
أنّه إذا كان يوم القيامة تحشر الخلق حول الكرسي كلّ على طبقاتهم؛ الأنبياء (عليهم السلام) و الملائكة المقرّبون و سائر الأوصياء (عليهم السلام)، فيؤمر الخلق بالحساب، فينادي اللّه عزّ و جلّ: وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ عن ولاية عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)؟، فقال له السائل: و محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) يسأل عن ولاية عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)؟، فقال له:
نعم و محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) يسأل عن ولاية عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).
[بحار الأنوار: 39/ 228- 229 حديث 2، عن روضة الكافي: 9- 10، و الفضائل لابن شاذان و غيرهما].
97-
قب: الواقدي: إنّ فاطمة لمّا حضرتها الوفاة أوصت عليّا أن لا يصلّي عليها أبو بكر و عمر، فعمل بوصيّتها.
و بإسناده عن ابن عباس، قال: أوصت فاطمة أن لا يعلم إذا ماتت أبو بكر و لا عمر و لا يصلّيا عليها، قال: فدفنها عليّ (عليه السلام) ليلا و لم يعلمهما بذلك.
[بحار الأنوار: 43/ 182- 183- حديث 16،
عن المناقب لابن شهر آشوب: 3/ 363].
و فيه: و أوصت الى عليّ بثلاث ... و أن لا يشهد أحد جنازتها ممّن ظلمها، و أن لا يترك أن يصلّي عليها أحد منهم.
98-
بإسناده عن عائشة- في خبر طويل- يذكر فيه أنّ فاطمة أرسلت الى أبي بكر تسأل ميراثها من رسول اللّه ... القصة- قال: فهجرته و لم تكلّمه حتى توفّيت و لم يؤذن بها أبا بكر يصلّي عليها.
[بحار الأنوار: 43/ 182، عن المناقب: 3/ 262- 263].
99-
و من هذا الباب ما جاء في الروضة من قولها (سلام اللّه عليها) و لعنة اللّه على من ظلمها: .. ثم قالت: أوصيك أن لا يشهد أحد جنازتي من هؤلاء الذين ظلموني و أخذوا حقّي، فإنّهم عدوّي و عدوّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و لا تترك أن يصلّي عليّ أحد منهم و لا من أتباعهم، و ادفنّي في الليل إذا هدأت العيون و نامت الأبصار.
[بحار الأنوار: 43/ 192 حديث 20، عن روضة الواعظين للفتّال: 1/ 151].
100-
ع: بإسناده عن ابن البطائني، عن أبيه؛ سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام): قال:
لأيّ علّة دفنت فاطمة (عليها السلام) بالليل و لم تدفن بالنهار؟ قال: لأنّها أوصت أن لا يصلّ
620
عليها الرجلان الأعرابيّان.
[بحار الأنوار: 43/ 206- 207 حديث 34. و قريب منه في: 81/ 250 حديث 8، عن العلل: 1/ 176 و 186].
101-
لي: بإسناده عن ابن عباس- في خبر طويل-، و فيه عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): و إنّي لمّا رأيتها ذكرت ما يصنع بها بعدي، كأنّي بها و قد دخل الذلّ بيتها، و انتهكت حرمتها، و غصبت حقّها، و منعت إرثها، و كسر جنبها، و أسقطت جنينها، و هي تنادي: يا محمّداه! فلا تجاب، و تستغيث فلا تغاث، فلا تزال بعدي محزونة، مكروبة، باكية، تتذكّر انقطاع الوحي عن بيتها مرّة، و تتذكّر فراقي أخرى، و تستوحش إذا جنّها الليل لفقد صوتي الذي كانت تسمع إليه إذا تهجّدت بالقرآن، ثم ترى نفسها ذليلة بعد أن كانت في أيّام أبيها عزيزة. فعند ذلك يؤنسها اللّه تعالى ذكره بالملائكة، فنادتها بما نادت به مريم بنت عمران، فتقول: يا فاطمة! إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (آل عمران:
37) يا فاطمة! اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَ اسْجُدِي وَ ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (آل عمران: 38)، ثم يبتدئ بها الوجع فتمرض فيبعث اللّه عزّ و جلّ إليها مريم بنت عمران تمرّضها و تؤنسها في علّتها، فتقول عند ذلك: يا ربّ! إنّي قد سئمت الحياة و تبرّمت بأهل الدنيا، فألحقني بأبي، فيلحقها اللّه عزّ و جلّ بي، فتكون أوّل من يلحقني من أهل بيتي، فتقدم عليّ محزونة، مكروبة، مغمومة، مغصوبة، مقتولة، فأقول عند ذلك: اللّهمّ العن من ظلمها، و عاقب من غصبها، و ذلّل من أذلّها، و خلّد في نارك من ضرب جنبيها حتى ألقت ولدها، فتقول الملائكة عند ذلك: آمين.
[بحار الأنوار: 43/ 172- 173 حديث 13].
102-
لي: بإسناده عن ابن نباتة، قال: سئل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) عن علّة دفنه فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ليلا؟، فقال: إنّها كانت ساخطة على قوم كرهت حضورهم جنازتها، و حرام على من يتولّاهم أن يصلّى على أحد من ولدها.
[بحار الأنوار: 43/ 209 حديث 37، عن أمالي الشيخ الصدوق: 524، باب 94، و أورده ابن شهر آشوب في المناقب: 3/ 363، و ذكره العلّامة المجلسي في بحار الأنوار: 43/ 183 حديث 16، عن روضة الواعظين: 1/ 153].
103-
ما: المفيد، بإسناده عن عبد اللّه بن عباس، قال: لمّا حضرت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الوفاة بكى حتى بلّت دموعه لحيته، فقيل له: يا رسول اللّه! ما يبكيك؟، فقال:
621
أبكي لذريّتي و ما تصنع بهم أشرار أمّتي من بعدي، كأنّي بفاطمة بنتي و قد ظلمت بعدي و هي تنادي: يا أبتاه! فلا يعينها أحد من أمّتي، فسمعت ذلك فاطمة (عليها السلام)، فبكت، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا تبكين يا بنيّة، فقال: لست أبكي لما يصنع بي من بعدك، و لكنّي أبكي لفراقك يا رسول اللّه، فقال لها: أبشري يا بنت محمّد بسرعة اللحاق بي فإنّك أوّل من يلحق بي من أهل بيتي.
[بحار الأنوار: 43/ 156 حديث 2].
104-
ن: بإسناده عن إسحاق بن حمّاد بن زيد، قال: سمعت يحيى بن أكثم ...- في حديث- قال آخر: فإنّ أبا بكر أغلق بابه و قال: هل من مستقيل فأقيله، فقال عليّ (عليه السلام): قدّمك رسول اللّه فمن ذا يؤخّرك؟!.
فقال المأمون: هذا باطل من قبل أنّ عليّا (عليه السلام) قعد عن بيعة أبي بكر، و رويتم أنّه قعد عنها حتى قبضت فاطمة (عليها السلام)، و أنّها أوصت أن تدفن ليلا لئلّا يشهدا جنازتها.
[بحار الأنوار: 49/ 192 حديث 2، انظر باب ما كان يتقرّب به المأمون الى الرضا (عليه السلام) في الاحتجاج على المخالفين، عن عيون أخبار الرضا (ع): 2/ 187، و بحار الأنوار: 49/ 189- 215].
105-
مصباح الأنوار: عن جعفر بن محمد، عن آبائه (عليهم السلام)، قال: مكثت فاطمة (عليها السلام) بعد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) خمسة و سبعين يوما ثم مرضت، فاستأذن عليها أبو بكر و عمر، فلم تأذن لهما، فأتيا أمير المؤمنين (عليه السلام) فكلّماه في ذلك، فكلّمها، و كانت لا تعصيه، فأذنت لهما، فدخلا، و كلّماها فلم ترد عليهما جوابا، و حوّلت وجهها الكريم عنهما، فخرجا و هما يقولان لعلّي: إن حدث بها حدث فلا تفوتنا، فقالت: عند خروجهما لعليّ (عليه السلام): إنّ لي إليك حاجة فأحبّ أن لا تمنعنيها، فقال (عليه السلام): و ما ذاك؟ فقالت:
أسألك أن لا يصلّ عليّ أبو بكر و لا عمر، و ماتت من ليلتها، فدفنها قبل الصباح.
فجاءا حين أصبحا فقالا: لا تترك عداوتك يا ابن أبي طالب أبدا، ماتت بنت رسول اللّه فلم تعلمنا؟!، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): لئن لم ترجعا لأفضحنّكما! قالها ثلاثا، فلما قال انصرفوا ...
[بحار الأنوار: 81/ 254- 255 حديث 13].
106-
مصباح الأنوار: في حديث طويل، بإسناده عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر (عليه السلام) ... فلمّا فرغ أمير المؤمنين من دفنها لقيه الرجلان فقالا له: ما حملك على ما
622
صنعت؟، قال: وصيّتها وعهدها.
[بحار الأنوار: 43/ 201 ذيل حديث 30].
107-
مصباح الأنوار: عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: دفن أمير المؤمنين (عليه السلام) فاطمة بنت محمّد (صلوات اللّه عليهم) بالبقيع، ورشّ ماء حول تلك القبور لئلّا يعرف القبر، و بلغ أبا بكر و عمر أنّ عليّا دفنها ليلا، فقالا له: فلم لم تعلمنا؟، قال: كان الليل و كرهت أن أشخصكم!، فقال له عمر: ما هذا، و لكن شحناء في صدرك!، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أمّا إذا أبيتما فإنّها استحلفتني بحقّ اللّه و حرمة رسوله و بحقّها عليّ أن لا تشهدا جنازتها.
[بحار الأنوار: 81/ 255 حديث 15].
108-
في الكشف: عن طرق العامّة؛ أنّ أبا بكر و عمر عاتبا عليّا (عليه السلام) كونه لم يؤذنهما بالصلاة عليها، فاعتذر أنّها أوصته بذلك، و حلف لهما، فصدّقاه و عذّراه.
[بحار الأنوار: 43/ 190، حديث 19، عن كشف الغمة 2/ 68.
أقول: انظر: باب 7 في ما وقع عليها من الظلم و بكائها و حزنها و شكايتها في مرضها الى شهادتها و غسلها و دفنها، و بيان العلّة في إخفاء دفنها (صلوات اللّه عليها) و لعنة اللّه على من ظلمها. بحار الأنوار: 43/ 155- 218].
109-
قال العلّامة المجلسي في بحاره: ما نصّه: روي في:
بعض مؤلّفات أصحابنا، بإسناده الى المفضّل بن عمر، قال المفضّل: يا مولاي! ثم ماذا؟، قال الصادق (عليه السلام): تقوم فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فتقول: اللّهمّ أنجز وعدك و موعدك لي فيمن ظلمني و غصبني، و ضربني و جزعني بكلّ أولادي، فتبكيها ملائكة السموات السبع و حملة العرش، و سكّان الهواء و من في الدنيا و من تحت أطباق الثرى، صائحين صارخين الى اللّه تعالى، فلا يبقى أحد ممّن قاتلنا و ظلمنا و رضي بما جرى علينا إلّا قتل في ذلك اليوم ألف قتلة دون من قتل في سبيل اللّه ...
الى آخره.
[بحار الأنوار: 53/ 23- 24 باب 25 حديث 1].
110-
ك، ن: في حديث طويل في الإسراء، و فيه: قال [ربّ العزّة سبحانه]: هؤلاء الأئمّة، و هذا القائم الذي يحلّ حلالي و يحرّم حرامي، و به أنتقم من أعدائي، و هو راحة لأوليائي، و هو الذي يشفي قلوب شيعتك من الظالمين و الجاحدين و الكافرين، فيخرج اللّات و العزّى طريّين فيحرقهما ...
الى آخره.
623
[بحار الأنوار: 1/ 252- 253 باب 23 حديث 2، عن كمال الدين: 150 و عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 35 (1/ 58 حديث 27).
و أورده في البحار كاملا: 36/ 245 حديث 58].
111-
ك: و في ذيل خبر سعد بن عبد اللّه: و لمّا قال: أخبرني عن الصّديق و الفاروق أسلما طوعا أو كرها؟ لم لم تقل له: بل أسلما طمعا، لأنّهما كانا يجالسان اليهود و يستخبرانهم عمّا كانوا يجدون في التوراة و سائر الكتب المتقدّمة الناطقة بالملاحم، من حال الى حال من قصّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و من عواقب أمره، فكانت اليهود تذكر أنّ محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) يسلّط على العرب كما كان بخت نصّر سلّط على بني إسرائيل، و لا بدّ له من الظفر بالعرب كما ظفر بخت نصّر ببني إسرائيل غير أنّه كاذب في دعواه.
فأتيا محمّدا فساعداه على [قول] شهادة أن لا إله إلّا اللّه و بايعاه طمعا في أن ينال كل منهما من جهته ولاية بلد إذا استقامت أموره و استتبّت أحواله، فلمّا أيسا من ذلك تلثّما و صعدا العقبة مع أمثالهما من المنافقين، على أن يقتلوه، فدفع اللّه كيدهم، وردّهم بغيظهم لم ينالوا خيرا، كما أتى طلحة و الزبير عليّا (عليه السلام) فبايعاه و طمع كلّ واحد منهما أن ينال من جهته ولاية بلد، فلمّا أيسا نكثا بيعته و خرجا عليه، فصرع اللّه كلّ واحد منهما مصرع أشباههما من الناكثين.
[بحار الأنوار: 52/ 86، عن كمال الدين: 2/ 134].
112-
كنز: بإسناده عن داود الرقّي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قوله تعالى:
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ* أي بأيّ نعمتي تكذّبان؛ بمحمّد أم بعليّ؟ فيهما أنعمت على العباد.
[بحار الأنوار: 24/ 59- حديث 34، و صفحة: 309 ذيل حديث 12، عن تأويل الآيات الظاهرة: 320 (2/ 633- حديث 6 و ما بعدها من الروايات). و جاء في تفسير البرهان: 4/ 264- حديث 24].
113-
قب: بإسناده الى الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (البقرة: 185) قال: اليسر؛ أمير المؤمنين (عليه السلام)، و العسر؛ فلان و فلان.
[بحار الأنوار: 36/ 103 حديث 45، عن المناقب لابن شهر آشوب: 3/ 103].
624
114-
ص: و سئل الصادق (عليه السلام) عن قوله تعالى: وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ (فصّلت: 29)، قال: هما .. هما.
[بحار الأنوار: 11/ 243- حديث 35].
115- ص: الصدوق، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: صلّى النبّي (صلّى اللّه عليه و آله) ذات ليلة ثمّ توجّه الى البقيع، فدعا أبا بكر و عمر و عثمان و عليّا فقال: امضوا حتّى تأتوا أصحاب الكهف و تقرؤهم منّي السلام، و تقدّم أنت يا أبا بكر فإنّك أسنّ القوم، ثمّ أنت يا عمر، ثمّ أنت يا عثمان، فإن أجابوا واحدا منكم و إلّا تقدّم أنت يا عليّ، كن آخرهم، ثمّ أمر الريح فحملتهم حتّى وضعتهم على باب الكهف، فتقدّم أبو بكر فسلّم فلم يردّوا فتنحّى، فتقدّم عمر فسلّم فلم يردّوا عليه، و تقدّم عثمان و سلّم فلم يردّوا عليه، و تقدّم عليّ و قال: السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته، أهل الكهف الذين آمنوا بربّهم وزادهم هدى، و ربط على قلوبهم، أنا رسول رسول اللّه إليكم، فقالوا: مرحبا برسول اللّه و برسوله، و عليك السلام يا وصيّ رسول اللّه و رحمة اللّه و بركاته، قال: فكيف علمتم أنّي وصيّ النبيّ؟ فقالوا:
إنّه ضرب على آذاننا ألّا نكلّم إلّا نبيّا أو وصيّ نبيّ، فكيف تركت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ و كيف حشمه؟ و كيف حاله؟ .. و بالغوا في السؤال، و قالوا: خبّر أصحابك هؤلاء أنّا لا نكلّم إلّا نبيّا أو وصيّ نبيّ، فقال لهم: أسمعتم ما يقولون؟ قالوا: نعم، قال: فاشهدوا.
[بحار الأنوار: 14/ 420- حديث 2].
116-
كتاب الاستدراك: بإسناده قال: إنّ المتوكّل قيل له: إنّ أبا الحسن- يعني عليّ ابن محمّد بن عليّ الرضا (عليهم السلام)- يفسّر قول اللّه عزّ و جلّ: يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ .. (الفرقان: 27) الآيتين في الأول و الثاني، قال: فكيف الوجه في أمره؟ قالوا: تجمع له الناس و تسأله بحضرتهم، فإن فسّرها بهذا كفاك الحاضرون أمره، و إن فسّرها بخلاف ذلك افتضح عند أصحابه، قال: فوجّه الى القضاة و بني هاشم و الأولياء و سئل (عليه السلام)، فقال:
هذان رجلان كنى عنهما، و منّ بالستر عليهما، أفيحبّ أمير المؤمنين أن يكشف ما ستره اللّه؟
فقال: لا أحبّ.
[بحار الأنوار: 50/ 214- حديث 26].
117-
سن: بإسناده عن جابر، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ما من مؤمن إلّا و قد خلص ودّي الى قلبه، و ما خلص ودّي الى قلب أحد إلّا و قد خلص ودّ عليّ الى قلبه، كذب- يا علي- من زعم أنّه يحبّني و يبغضك، قال: فقال رجلان من المنافقين: لقد فتن رسول اللّه بهذا الغلام!، فأنزل اللّه تبارك و تعالى: فَسَتُبْصِرُ وَ يُبْصِرُونَ* بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (القلم: 5- 6) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ* وَ لا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ
625
(القلم: 9- 10)، قال: نزلت فيهما .. الى آخر الآية.
[بحار الأنوار: 39/ 254- حديث 26، عن المحاسن:
151].
118-
سر: من كتاب المسائل ... بإسناده عن أحمد بن محمد بن زياد و موسى بن محمد ابن عليّ، قال: كتبت الى أبي الحسن (عليه السلام) أسأله عن الناصب هل أحتاج في امتحانه الى أكثر من تقديمه الجبت و الطاغوت و اعتقاد إمامتهما؟، فرجع الجواب: من كان على هذا فهو ناصب.
[بحار الأنوار: 72/ 135- حديث 18، عن مستطرفات السرائر: 68- حديث 13، و في الوسائل:
6/ 341- حديث 14، و 19/ 100- حديث 4].
119-
ني: بإسناده عن جابر، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول اللّه: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ (البقرة: 165) قال: هم أولياء فلان و فلان اتّخذوهم أئمّة دون الامام الذي جعله اللّه للناس إماما، و كذلك قال: وَ لَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ* إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَ رَأَوُا الْعَذابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ* وَ قالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا (البقرة: 165- 167).
ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): هم و اللّه- يا جابر- أئمّة الظلم و أشياعهم.
[بحار الأنوار: 23/ 359 حديث 16، و جاء في:
8/ 363- حديث 41، عن تفسير العيّاشي: 1/ 72- حديث 142 باختلاف، و جاء في تفسير البرهان:
1/ 172، و تفسير الصافي: 1/ 156، و إثبات الهداة:
1/ 262، و الاول عن غيبة النعماني 64].
120-
ير: بإسناده عن سوادة بن علي، عن بعض رجاله، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) للحارث الأعور- و هو عنده-: هل ترى ما أرى؟، فقال: كيف أرى ما ترى و قد نوّر اللّه لك و أعطاك ما لم يعط أحدا؟. قال: هذا فلان- الأول- على ترعة من ترع النار، يقول:
يا أبا الحسن! استغفرلي، لا غفر اللّه له. قال: فمكث هنيئة ثم قال: يا حارث! هل ترى ما أرى؟، فقال: كيف أرى ما ترى و قد نوّر اللّه لك و أعطاك ما لم يعط أحدا، قال: هذا فلان- الثاني- على ترعة من ترع النار يقول: يا أبا الحسن! استغفرلي، لا غفر اللّه له.
[بحار الأنوار: 40/ 185 حديث 68، عن بصائر
626
الدرجات: 124 (441، حديث 11- الجزء التاسع)].
121-
ثو: بإسناده عن ابن سدير، عن رجل من أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إنّ أشدّ الناس عذابا يوم القيامة لسبعة نفر: أوّلهم ابن آدم الذي قتل أخاه، و نمرود الّذي حاجّ ابراهيم في ربّه، و اثنان في بني إسرائيل هوّدا قومهم و نصّراهم، و فرعون الذي قال: أنا ربّكم الأعلى، و اثنان من هذه الأمّة أحدهما شرهما في تابوت من قوارير تحت الفلق في بحار من نار.
[بحار الأنوار: 8/ 313- حديث 83، عن ثواب الأعمال: 207].
122-
فض: بالأسانيد الى أبي عبد اللّه (عليه السلام) إنّه قال: لمّا نزلت هذه الآية:
الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ (الأنعام: 82) قال:
بولاية عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، و لم يخلطوا بولاية فلان و فلان، فإنّه التلبّس بالظلم.
[بحار الأنوار: 36/ 114، عن الروضة من الكافي:
8/ 18].
123-
شف: بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): (الجنّة مشتاقة الى أربعة من أمّتي)، فهبت أن أسأله من هم؟، فأتيت أبا بكر فقلت له: إنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: (إنّ الجنّة تشتاق الى أربعة من أمّتي) فاسأله من هم؟، فقال:
أخاف أن لا أكون منهم فيعيرني به بنو تيم، فأتيت عمر، فقلت له مثل ذلك، فقال: أخاف أن لا أكون منهم فيعيرني به بنو عديّ، فأتيت عثمان، فقلت له مثل ذلك، فقال: أخاف أن لا أكون منهم فيعيرني به بنو أميّة، فأتيت عليّا (عليه السلام)- و هو في ناضح له-، فقلت له إنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: (إنّ الجنّة مشتاقة الى أربعة من أمّتي)، فأسأله من هم؟، فقال:
و اللّه لأسألنّه، فإن كنت منهم لأحمدنّ اللّه عزّ و جلّ و إن لم أكن منهم لأسألنّ اللّه أن يجعلني منهم و أودّهم، و جئت معه الى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فدخلنا على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)- و رأسه في حجر دحية الكلبي- فلمّا رآه دحية قام إليه و سلّم عليه و قال: خذ برأس ابن عمّك يا أمير المؤمنين فأنت أحقّ به [منّي]، فاستيقظ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و رأسه في حجر عليّ (عليه السلام)، فقال له: يا أبا الحسن! ما جئتنا إلّا في حاجة، قال: بأبي و أمّي يا رسول اللّه، دخلت و رأسك في حجر دحية الكلبيّ فقام إليّ و سلّم عليّ، و قال: خذ برأس ابن عمّك إليك فأنت أحقّ به منّي يا أمير المؤمنين، فقال له النبيّ: فهل عرفته؟، فقال: هو دحية الكلبي، فقال له:
ذاك جبرئيل، فقال له: بأبي و أمّي يا رسول اللّه؛ أعلمني أنس أنّك قلت: إنّ الجنّة مشتاقة الى
627
أربعة من أمّتي، فمن هم؟، فأومأ إليه بيده فقال: أنت و اللّه أوّلهم، أنت و اللّه أوّلهم- ثلاثا-، فقال له: بأبي و أمّي فمن الثلاثة؟، فقال له: المقداد و سلمان و أبو ذرّ.
[بحار الأنوار: 40/ 11- 12 حديث 26، عن اليقين في إمرة أمير المؤمنين: 17- 18].
124-
شف: من كتاب المعرفة تأليف عبّاد بن يعقوب الرواجني، بإسناده قال: لمّا أن سيّر أبو ذرّ- رضي اللّه عنه- اجتمع هو و عليّ (عليه السلام) و المقداد بن الأسود، قال: أ لستم تشهدون أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: أمّتي ترد عليّ الحوض على خمس رايات: أوّلها راية العجل فأقوم فآخذ بيده فإذا أخذت بيده اسودّ وجهه، و رجفت قدماه، و خفقت أحشاؤه، و من فعل ذلك تبعه، فأقول: ماذا خلفتموني في الثقلين بعدي؟ فيقولون: كذّبنا الأكبر و مزّقناه و اضطهدنا الأصغر و ابتززناه حقّه؟ فأقول: اسلكوا ذات الشمال، فيصرفون ظماء مظمئين مسودّة وجوههم لا يطعمون منه قطرة. ثمّ ترد عليّ راية فرعون أمّتي فيهم أكثر الناس و هم المبهرجون؛ قلت: يا رسول اللّه! و ما المبهرجون؟ أبهرجوا الطريق؟، قال: لا و لكنّهم بهرجوا دينهم، و هم الذين يغضبون للدنيا و لها يرضون و لها يسخطون و لها ينصبون، فآخذ بيد صاحبهم فإذا أخذت بيده اسودّ وجهه، و رجفت قدماه، و خفقت أحشاؤه، و من فعل ذلك تبعه، فأقول: ما خلفتموني في الثقلين بعدي؟ فيقولون: كذّبنا الأكبر و مزّقناه و قاتلنا الأصغر و قتلناه، فأقول: اسلكوا طريق أصحابكم، فينصرفون ظماء مظمئين مسودّة وجوههم لا يطعمون منه قطرة، ثم ترد عليّ راية فلان و هو إمام خمسين ألفا من أمّتي، فأقوم فآخذ بيده فإذا أخذت بيده اسودّ وجهه و رجفت قدماه، و خفقت أحشاؤه، و من فعل ذلك تبعه، فأقول: ما خلفتموني في الثقلين بعدي؟ فيقولون: كذّبنا الأكبر و عصيناه و خذلنا الأصغر و خذلنا عنه، فأقول: اسلكوا سبيل أصحابكم، فينصرفون ظماء مظمئين مسودّة وجوههم لا يطعمون منه قطرة. ثم يرد عليّ المخدج برايته و هو إمام سبعين ألفا من أمّتي، فإذا أخذت بيده اسودّ وجهه، و رجفت قدماه، و خفقت أحشاؤه، و من فعل ذلك تبعه، فأقول: ماذا خلفتموني في الثقلين بعدي؟ فيقولون: كذّبنا الأكبر و عصيناه و قاتلنا الأصغر فقتلناه، فأقول: اسلكوا سبيل أصحابكم، فينصرفون ظماء مظمئين مسودّة وجوههم لا يطعمون منه قطرة. ثمّ يرد عليّ أمير المؤمنين و قائد الغرّ المحجّلين فأقوم فآخذ بيده فيبيضّ وجهه و وجوه أصحابه، فأقول: ماذا خلفتموني في الثقلين بعدي؟ فيقولون: اتّبعنا الأكبر و صدّقناه و وازرنا الأصغر و نصرناه و قتلنا معه، فأقول روّوا، فيشربون شربة لا يظمؤون بعدها أبدا، إمامهم كالشمس الطالعة، و وجوههم كالقمر ليلة البدر، أو كانوا كأضوأ نجم في السماء؛ قال: ألستم تشهدون على ذلك؟، قالوا: بلى، قال: و أنا على ذلكم من الشاهدين.
628
[بحار الأنوار: 8/ 14 حديث 19، عن اليقين في إمرة أمير المؤمنين (عليه السلام): 126 مجلس 129، و مثله في صفحة: 150 و 167].
125-
شف: بإسناده عن سليمان بن هارون، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لمّا سلّم على عليّ (عليه السلام) بإمرة المؤمنين خرج الرجلان و هما يقولان: و اللّه لا نسلّم له ما قال أبدا.
[بحار الأنوار: 37/ 312- حديث 45، عن اليقين:
93 باب 113].
126-
شف: بإسناده عن أبي يعقوب رفعه الى أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله: فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ قِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ قال: لمّا رأى فلان و فلان منزلة عليّ (عليه السلام) يوم القيامة إذا رفع اللّه تعالى لواء الحمد الى محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) يجيئه كلّ ملك مقرّب و كلّ نبيّ مرسل فدفعه الى عليّ سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ قِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ أي باسمه تسمّون: أمير المؤمنين.
[بحار الأنوار: 37/ 302، حديث 23].
127-
قال العلّامة المجلسي: روي في بعض مؤلّفات أصحابنا، بإسناده عن المفضّل ابن عمر في حديث، و جاء فيه: قال الصادق (عليه السلام): يا مفضّل! لو تدبّر القرآن شيعتنا لما شكّوا في فضلنا، أما سمعوا قوله عزّ و جلّ: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (القصص: 5 و 6)، و اللّه يا مفضّل! إنّ تنزيل هذه الآية في بني إسرائيل و تأويلها فينا، و انّ فرعون و هامان: تيم وعديّ.
[بحار الأنوار: 53/ 26 باب 25].
128-
مل: بإسناده عن عبد اللّه بن بكر الأرجاني قال: صحبت أبا عبد اللّه (عليه السلام) في طريق مكّة من المدينة، فنزلنا منزلا يقال له: عسفان، ثم مررنا بجبل أسود عن يسار الطريق وحش، فقلت له: يابن رسول اللّه! ما أوحش هذا الجبل؟ ما رأيت في الطريق مثل هذا، فقال لي: يابن بكر! أتدري أيّ جبل هذا؟، قلت: لا، قال: هذا جبل يقال له: الكمد، و هو على واد من أودية جهنّم، و فيه قتلة أبي الحسين (عليه السلام) استودعهم فيه تجري من تحتهم مياه جهنّم من الغسلين و الصديد و الحميم و ما يخرج من جبّ الحوى، و ما يخرج من الفلق، و ما يخرج من آثام، و ما يخرج من طينة الخبال، و ما يخرج من جهنّم، و ما يخرج من لظى و من الحطمة، و ما يخرج من سقر، و ما يخرج من الحميم، و ما يخرج من الهاوية، و ما يخرج من السعير. [و في نسخة أخرى: و ما يخرج من جهنّم، و ما يخرج من لظى]، و ما مررت بهذا الجبل في سفري
629
فوقفت به إلّا رأيتهما يستغيثان إليّ، و إنّي لأنظر الى قتلة أبي فأقول لهما: هؤلاء إنّما فعلوا ما أسّستما: لم ترحمونا إذ وليتم، و قتلتمونا و حرمتمونا، و ثبتم على قتلنا [حقّنا] و استبددتم بالأمر دوننا، فلا رحم اللّه من يرحمكما، ذوقا و بال ما قدّمتما، و ما اللّه بظلّام للعبيد، و أشدّهما تضرّعا و استكانة الثاني، فربّما وقفت عليهما ليتسلّى عنّي بعض ما في قلبي، و ربّما طويت الجبل الذي هما فيه- و هو جبل الكمد-. قال: قلت له: جعلت فداك! فإذا طويت الجبل فما تسمع؟، قال: أسمع أصواتهما يناديان: عرّج علينا نكلّمك فإنّا نتوب، و أسمع من الجبل صارخا يصرخ بي: أجبهما و قل لهما: اخسؤوا فيها و لا تكلّمون، قال: قلت له: جعلت فداك! و من معهم؟، قال: كلّ فرعون عتا على اللّه و حكى اللّه عنه فعاله، و كلّ من علّم العباد الكفر، قلت: من هم؟، قال: نحو بولس الذي علّم اليهود أنّ يد اللّه مغلولة، و نحو نسطور الذي علّم النصارى أنّ عيسى المسيح ابن اللّه، و قال لهم: هم ثلاثة، و نحو فرعون موسى الذي قال: أنا ربّكم الأعلى، و نحو نمرود الذي قال: قهرت أهل الأرض و قتلت من في السماء و قاتل أمير المؤمنين، و قاتل فاطمة و محسن، و قاتل الحسن و الحسين، فأمّا معاوية و عمر فما يطمعان في الخلاص و معهم كلّ من نصب لنا العداوة و أعان علينا بلسانه و يده و ماله، ...
[بحار الأنوار: 25/ 372 حديث 24، عن كامل الزيارات: 326- 327 باب 108- حديث 2].
129-
عيون المعجزات: عن محمّد بن الفضل، عن داود الرقّي، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): حدّثني عن أعداء أمير المؤمنين و أهل بيت النبوّة، فقال: الحديث أحبّ إليك أم المعاينة؟، قلت: المعاينة، فقال لأبي إبراهيم موسى (عليه السلام): ائتني بالقضيب، فمضى و أحضره إيّاه، فقال له: يا موسى! اضرب به الأرض و أرهم أعداء أمير المؤمنين (عليه السلام) و أعداءنا، فضرب به الأرض ضربة فانشقّت الأرض عن بحر أسود، ثم ضرب البحر بالقضيب، فانفلق عن صخرة سوداء، فضرب الصخرة فانفتح منها باب، فإذا بالقوم جميعا لا يحصون لكثرتهم وجوههم مسودّة و أعينهم زرق، كلّ واحد منهم مصفّد مشدود في جانب من الصخرة، و هم ينادون يا محمّد! و الزبانية تضرب وجوههم و يقولون لهم: كذبتم ليس محمّد لكم و لا أنتم له.
فقلت له: جعلت فداك! من هؤلاء؟، فقال: الجبت و الطاغوت و الرجس و اللعين ابن اللعين، و لم يزل يعدّدهم كلّهم من أوّلهم الى آخرهم حتى أتى على أصحاب السقيفة، و أصحاب الفتنة، و بني الأزرق، و الأوزاع، و بني أمّية جدّد اللّه عليهم العذاب بكرة و أصيلا.
ثمّ قال (عليه السلام) للصخرة: انطبقي عليهم الى الوقت المعلوم.
[بحار الأنوار: 48/ 84- حديث 104 عن المصدر: 100].
630
130-
تقريب المعارف، لأبي الصلاح الحلبي: بإسناده عن مولى لعليّ بن الحسين (عليهما السلام) قال: كنت معه (عليه السلام) في بعض خلواته، فقلت: إنّ لي عليك حقّا، أ لا تخبرني عن هذين الرجلين؛ عن أبي بكر و عمر، فقال: كافران؛ كافر من أحبّهما.
و عن أبي حمزة الثمالي؛ أنّه سأل عليّ بن الحسين (عليهما السلام) عنهما، فقال: كافران؛ كافر من تولّاهما.
قال: و تناصر الخبر عن عليّ بن الحسين و محمّد بن عليّ و جعفر بن محمّد (عليهم السلام) من طرق مختلفة أنّهم قالوا: ثلاثة لا ينظر اللّه إليهم يوم القيامة و لا يزكّيهم و لهم عذاب أليم:
من زعم أنّه إمام و ليس بإمام، و من جحد إمامة إمام من اللّه، و من زعم أنّ لهما في الاسلام نصيبا.
و من طرق أخر: إنّ للأوّلين، و من آخر: للأعرابيّين في الاسلام نصيبا.
ثم قال (رحمه اللّه): .. الى غير ذلك من الروايات عمّن ذكرناه و عن أبنائهم (عليهم السلام) مقترنا بالمعلوم من دينهم لكلّ متأمّل حالهم أنّهم يرون في المتقدّمين على أمير المؤمنين (عليه السلام) و من دان بدينهم أنّهم كفّار، و ذلك كاف عن إيراد رواية، و أورد أخبارا أخر أوردناها في كتاب الفتن.
[بحار الأنوار: 72/ 137- 138- حديث 25. و جاء في البحار: 72/ 131 حديث 2، عن الخصال:
1/ 52، و قريب منه في البحار: 25/ 111 حديث 4، عن تفسير العياشي: 1/ 178 حديث 65. و أورده في بحار الأنوار: 7/ 209. و جاء في تفسير البرهان:
7/ 209، و مثله حديث 10 من البحار: 15/ 112- 123].
131-
كتاب ما نزل في أعداء آل محمّد، في قوله: يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ ..
رجل من بني عدّي، و يعذّبه عليّ (عليه السلام) فيعضّ على يديه، و يقول العاضّ- و هو رجل من بني تميم: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً أي شيعيّا.
[بحار الأنوار: 35/ 60].
132-
قال العلّامة المجلسي: روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أصابه خصاصة فجاء الى رجل من الأنصار فقال له: هل عندك من طعام؟، فقال: نعم يا رسول اللّه، و ذبح له عناقا و شواه، فلمّا أدناه منه تمنّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يكون معه عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام)، فجاء أبو بكر و عمر، ثم جاء
631
عليّ (عليه السلام) بعدهما، فأنزل اللّه في ذلك: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍ و لا محدّث إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ؛ يعني أبا بكر و عمر فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ (الحج: 52- 53)؛ يعني لمّا جاء عليّ (عليه السلام) بعدهما ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ للنّاس؛ يعني ينصر اللّه أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثمّ قال: لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً يعني فلانا و فلانا لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ يعني الى الإمام المستقيم، ثمّ قال: وَ لا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ أي في شكّ من أمير المؤمنين حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ، قال: العقيم: الذي لا مثل له في الأيّام، ثمّ قال: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ* وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا قال: و لم يؤمنوا بولاية أمير المؤمنين و الأئمّة (عليهم السلام) فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (الحج: 55- 57).
[بحار الأنوار: 17/ 86].
133-
سلف دعاء صنمي قريش الذي هو دعاء رفيع الشأن عظيم المنزلة، رواه عبد اللّه ابن عباس، عن عليّ (عليه السلام) أنّه كان يقنت به، و قال: إنّ الداعي به كالرامي مع النبيّ ص في بدر و أحد و حنين بألف ألف سهم،
و قد جاء في البحار- أيضا-: 82/ 261 باب 55- حديث 5، عن البلد الأمين: 551 (الحجرية) فضل ذكر قنوت الأئمّة (عليهم السلام)، و جنّة الأمان (مصباح الشيخ): 552- 555 الحجرية. و باب ثواب اللعن على أعدائهم 27/ 218.
134-
عن تفسير أبي محمد العسكري (عليه السلام): أنّه أرادت الفجرة ليلة العقبة قتل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و من بقي في المدينة قتل عليّ (عليه السلام)، فلمّا تبعه و قصّ عليه بغضاءهم فقال: أ ما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى؟ ..
الخبر.
[بحار الأنوار: 44/ 34، عن تفسير الامام العسكري (عليه السلام): 380].
أقول: و يحسن بنا أن نلحق هنا حديث الصحيفة و قصّة العقبة، و قد أشار لها العلّامة المجلسي طاب ثراه في بحاره: 28/ 97، حديث 3 نقلا عن إرشاد القلوب، و بحار الأنوار:
37/ 119- حديث 8، و قد خلط بينهما، و ندرج بعض الروايات هنا عنهما، و عن قصص الأنبياء بإسناده عن موسى بن بكر كما في البحار: 21/ 233- حديث 10 و حديث 11 عن الخرائج، و عن دلائل النبوة للبيهقي في 21/ 247 من البحار، و في كتاب أبان بن عثمان، قال الأعشى: و كانوا اثني عشر، سبعة من قريش- كما في البحار: 21/ 248- و حاصل القصّة في البحار: 37/ 116 و 135 و 154 و لاحظ الحديث الآتي ...
135-
ل: بإسناده عن حذيفة بن اليمان أنّه قال: الذين نفروا برسول اللّه ناقته في
632
منصرفه من تبوك أربعة عشر: أبو الشرور، و أبو الدواهي، و أبو المعازف و أبوه، و طلحة، و سعد ابن أبي وقّاص، و أبو عبيدة، و أبو الأعور، و المغيرة، و سالم مولى أبي حذيفة، و خالد بن الوليد، و عمرو بن العاص، و أبو موسى الأشعري، و عبد الرحمن بن عوف، و هم الذين أنزل اللّه عزّ و جلّ فيهم: وَ هَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا ...
قال العلّامة المجلسي بعد ذلك:
بيان: أبو الشرور و أبو الدواهي و أبو المعازف: أبو بكر و عمر و عثمان، فيكون المراد بالأب الوالد المجازيّ، أو لأنّه كان ولد زنا، أو المراد بأبي المعازف: معاوية،: أبو سفيان، و لعلّه أظهر، و يؤيده الخبر السابق.
[بحار الأنوار: 21/ 222- 223 حديث 5، عن الخصال: 2/ 91].
136-
كا: بإسناده عن الحارث بن حصيرة الأسدي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كنت دخلت مع أبي الكعبة، فصلّى على الرخامة الحمراء بين العمودين، فقال: في هذا الموضع تعاقد القوم إن مات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن لا يردّوا هذا الأمر في أحد من أهل بيته أبدا، قال: قلت: و من كان؟، قال: الأول و الثاني و أبو عبيدة بن الجرّاح و سالم بن الحبيبة.
[بحار الأنوار: 28/ 85- حديث 1، عن الكافي:
4/ 545، و مثله في الكافي: 8/ 334].
137-
عن تفسير القمي في حديث طويل: فاستفهمه عمر من بين أصحابه، فقال:
يا رسول اللّه! هذا من اللّه أو من رسوله؟، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): نعم من اللّه و من رسوله، إنّه أمير المؤمنين، و إمام المتّقين، و قائد الغرّ المحجّلين، يقعده اللّه يوم القيامة على الصراط فيدخل أولياءه الجنّة و أعداءه النار، فقال أصحابه الذين ارتدّوا بعده: قد قال محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) في مسجد الخيف ما قال، و قال ههنا ما قال، و إن رجع الى المدينة يأخذنا بالبيعة له، فاجتمعوا أربعة عشر نفرا و تآمروا على قتل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و قعدوا له في العقبة، و هي عقبة أرشى بين الجحفة و الأبواء، فقعدوا سبعة عن يمين العقبة و سبعة عن يسارها لينفروا ناقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فلمّا جنّ الليل تقدّم رسول اللّه في تلك الليلة العسكر، فأقبل ينعس على ناقته، فلمّا دنا من العقبة ناداه جبرئيل: يا محمّد! إنّ فلانا و فلانا و فلانا قد قعدوا لك، فنظر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال: من هذا خلفي؟، فقال حذيفة بن اليمان: أنا حذيفة بن اليمان يا رسول اللّه، قال: سمعت ما سمعت؟، قال: بلى، قال: فاكتم، ثمّ دنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) منهم فناداهم بأسمائهم، فلمّا سمعوا نداء رسول اللّه فرّوا و دخلوا في غمار الناس، و قد كانوا عقلوا رواحلهم فتركوها، و لحق الناس برسول
633
اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و طلبوهم، و انتهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الى رواحلهم فعرفها، فلمّا نزل قال: ما بال أقوام تحالفوا في الكعبة إن أمات اللّه محمّدا أو قتله أن لا يردّوا هذا الأمر في أهل بيته أبدا؟، فجاؤوا الى رسول اللّه فحلفوا أنّهم لم يقولوا من ذلك شيئا، و لم يريدوه، و لم يهمّوا بشيء من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فأنزل اللّه: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَ لَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَ هَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا من قتل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) وَ ما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَ إِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ ما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ (التوبة: 74)، فرجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الى المدينة و بقي بها المحرّم و النصف من صفر لا يشتكي شيئا، ثمّ ابتدأ به الوجع الذي توفّي فيه (صلّى اللّه عليه و آله).
[بحار الأنوار: 37/ 115- 116 ذيل حديث 6، عن تفسير القمي: 159- 162 (1/ 174- 175)].
138-
فس: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَ لَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ، قال: نزلت في الذين تحالفوا في الكعبة أن لا يردّوا هذا الأمر في بني هاشم، فهي كلمة الكفر، ثم قعدوا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في العقبة، و همّوا بقتله و هو قوله: وَ هَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا ... (التوبة: 74).
قوله: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ قال علي بن ابراهيم: إنّها نزلت لمّا رجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الى المدينة و مرض عبد اللّه ابن أبيّ، و كان ابنه عبد اللّه بن عبد اللّه مؤمنا ... فدخل اليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و المنافقون عنده، فقال ابنه عبد اللّه بن عبد اللّه: يا رسول اللّه! استغفر اللّه له، فاستغفر له، فقال عمر: أ لم ينهك اللّه يا رسول اللّه أن تصلّي عليهم؟ أو تستغفر لهم؟، فأعرض عنه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و أعاد عليه، فقال له: ويلك! إنّي خيّرت فاخترت، إنّ اللّه يقول:
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (البقرة: 74- 80)، فلمّا مات عبد اللّه جاء ابنه ... فحضر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قام على قبره، فقال له عمر: يا رسول اللّه! أ لم ينهك اللّه أن تصلّي على أحد منهم مات أبدا و أن تقوم على قبره؟، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ويلك! و هل تدري ما قلت؟ إنّما قلت: اللّهمّ احش قبره نارا، و جوفه نارا، و أصله النار، فبدا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما لم يكن يحب.
[بحار الأنوار: 22/ 96- 97 حديث 49، عن تفسير علي بن ابراهيم القمي: 277 (1/ 301)، و صدر
635
فأنزل اللّه عزّ و جلّ فيهم هذه الآية.
قال: قلت: قوله عزّ و جلّ: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ* أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَ نَجْواهُمْ بَلى وَ رُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (الزخرف: 79- 80)، قال: و هاتان الآيتان نزلتا فيهم ذلك اليوم، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لعلّك ترى أنّه كان يوم يشبه يوم كتب الكتاب إلّا يوم قتل الحسين (عليه السلام)، و هكذا كان في سابق علم اللّه عزّ و جلّ الذي أعلمه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن إذا كتب الكتاب قتل الحسين (عليه السلام) و خرج الملك من بني هاشم فقد كان ذلك كله،
الحديث.
[بحار الأنوار: 28/ 123 حديث 6، عن روضة الكافي: 8/ 179، و بحار الأنوار 24/ 364 حديث 92].
141-
فس: بإسناده عن سليمان بن خالد، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول اللّه: إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ (المجادلة: 7)، قال: الثاني، قوله: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ (المجادلة: 10)، قال: فلان و فلان، و أبو [ابن] فلان أمينهم حين اجتمعوا و دخلوا الكعبة فكتبوا بينهم كتابا إن مات محمّد أن لا يرجع الأمر فيهم أبدا.
[بحار الأنوار: 28/ 85 حديث 2، عن تفسير القمي:
669 (2/ 356)].
142-
فس: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً، قال: إذا كان يوم القيامة جمع اللّه الذين غصبوا آل محمّد حقّهم فيعرض عليهم أعمالهم فيحلفون له أنّهم لم يعملوا منها شيئا كما حلفوا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في الدنيا حين حلفوا أن لا يردّوا الولاية في بني هاشم، و حين همّوا بقتل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في العقبة، فلمّا أطلع اللّه نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أخبرهم حلفوا له أنّهم لم يقولوا ذلك و لم يهمّوا به، فأنزل اللّه على رسوله: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَ لَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَ هَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَ ما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ (التوبة: 74)، قال: اذا عرض اللّه ذلك عليهم في القيامة ينكرونه و يحلفون كما حلفوا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
[بحار الأنوار: 7/ 209- حديث 102، عن تفسير القمي: 671 (2/ 358)].
143-
فس: بإسناده عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: لمّا أقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أمير المؤمنين عليّا يوم غدير خمّ كان بحذائه سبعة نفر من المنافقين، منهم أبو بكر و عمر و عبد الرحمن بن عوف و سعد بن أبي وقّاص و أبو عبيدة و سالم مولى أبي حذيفة و المغيرة بن
634
الحديث في البحار: 17/ 205].
139-
الصراط المستقيم: قال: و يعضده ما أسنده سليم الى معاذ بن جبل أنّه عند وفاته دعا على نفسه بالويل و الثبور، فقيل له: لم ذاك؟ قال: لموالاتي عتيقا و عمر على أن أزوي خلافة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن عليّ (عليه السلام)، و روى مثل ذلك عن ابن عمر أنّ أباه قاله عند وفاته و كذا أبو بكر، و قال: هذا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و معه عليّ بيده الصحيفة التي تعاهدنا عليها في الكعبة و هو يقول: و قد وفيت بها و تظاهرت على وليّ اللّه أنت و أصحابك، فأبشر بالنار في أسفل السافلين، ثمّ لعن ابن صهّاك، و قال: هو الّذي صدّني عن الذّكر بعد إذ جاءني.
قال العباس بن الحارث: لمّا تعاقدوا عليها نزلت: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ، و قد ذكرها أبو إسحاق في كتابه و ابن حنبل في مسنده، و الحافظ في حليته، و الزمخشريّ في فائقه، و نزل: وَ مَكَرُوا مَكْراً وَ مَكَرْنا مَكْراً (النمل: 50).
و عن الصادق (عليه السلام): نزلت: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (الزخرف: 79).
و لقد وبّخهما النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا نزلت، فأنكرا، فنزلت: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَ لَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ.
و رووا أنّ عمر أودعها أبا عبيدة، فقال له النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): أصبحت أمين هذه الأمّة، و روته العامّة أيضا.
و قال عمر عند موته: ليتني خرجت من الدنيا كفافا لا عليّ و لا لي، فقال ابنه: تقول هذا؟، فقال: دعني؛ نحن أعلم بما صنعنا أنا و صاحبي و أبو عبيدة و معاذ.
و كان أبيّ يصيح في المسجد: ألا هلك أهل العقدة؛ فيسأل عنهم، فيقول: ما ذكرناه، ثمّ قال: لئن عشت الى الجمعة لأبيننّ للناس أمرهم، فمات قبلها.
[بحار الأنوار: 28/ 122- 123 حديث 5، عن الصراط المستقيم: 3/ 151- 152 بتلخيص، و قد مرّ مقال أبيّ بن كعب في بحار الأنوار: 28/ 34 و 118].
140-
كا: بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ:
ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (المجادلة: 7)، قال: نزلت هذه الآية في فلان و فلان، و أبي عبيدة بن الجرّاح، و عبد الرحمن بن عوف، و سالم مولى أبي حذيفة، و المغيرة بن شعبة، حيث كتبوا الكتاب بينهم، و تعاهدوا و توافقوا: لئن مضى محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) لا تكون الخلافة في بني هاشم و لا النبوّة أبدا،
636
شعبة، قال عمر: أما ترون عينيه كأنّهما عينا مجنون؟!- يعني النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)!- الساعة يقوم و يقول: قال لي ربّي، فلمّا قام قال: أيّها الناس من أولى بكم من أنفسكم؟، قالوا: اللّه و رسوله، قال: اللّهمّ فاشهد، ثم قال: ألا من كنت مولاه فعليّ مولاه، و سلّموا عليه بإمرة المؤمنين، فأنزل جبرئيل (عليه السلام) و أعلم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بمقالة القوم، فدعاهم فسألهم، فأنكروا و حلفوا، فأنزل اللّه: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ... (التوبة: 74).
[بحار الأنوار: 37/ 119- حديث 8، عن تفسير القمي: 277 (1/ 301)].
144-
مجمع البيان: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ ... (التوبة: 48)، و قيل: أراد بالفتنة الفتك بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في غزوة تبوك ليلة العقبة، و كانوا اثنى عشر رجلا من المنافقين وقفوا على الثنية ليفتكوا بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، عن ابن جبير و ابن جريح.
[بحار الأنوار: 21/ 193، عن مجمع البيان: 5/ 36].
و قال (رحمه اللّه) في قوله تعالى: يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ قيل: نزلت في اثني عشر رجلا وقفوا على العقبة ليفتكوا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عند رجوعه من تبوك [و ذكر فيه] اخبار جبرئيل عن نيّتهم الفاسدة و أمره بإرسال من يضرب وجوه رواحلهم، و كان عمّار و حذيفة معه، فقال لحذيفة: اضرب وجوه رواحلهم، و سئل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عن حذيفة أنّه عرف من القوم؟ فقال: لم أعرف منهم أحدا، فعدّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كلّهم.
[بحار الأنوار: 21/ 196- ملخّصا].
قوله تعالى: وَ هَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا (التوبة: 74) فيه أقوال؛ أحدها: أنّهم همّوا بقتل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ليلة العقبة و التنفير بناقته.
[بحار الأنوار: 21/ 198.
و تفصيل الواقعة جاء في الاحتجاج: 2/ 33، و تفسير الامام الحسن العسكري (عليه السلام)، و أورده في بحار الأنوار: 21/ 223- 232، حديث 6].
145-
قب: عن الباقر (عليه السلام): في قوله تعالى: كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ إذا عاينوا عند الموت ما أعدّ لهم من العذاب الأليم، و هم أصحاب الصحيفة التي كتبوا على مخالفة عليّ وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (البقرة: 167).
و عنه (عليه السلام) في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً (آل عمران:
118) أعلمهم بما في قلوبهم، و هم أصحاب الصحيفة.
[بحار الأنوار: 28/ 116 حديث 4، عن المناقب:
637
3/ 212- 213].
146-
عن جعفر بن محمد الخزاعي، عن أبيه: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: لمّا قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ما قال في غدير خمّ و صاروا بالأخبية مرّ المقداد بجماعة منهم و هم يقولون: و اللّه إن كنّا أصحاب كسرى و قيصر لكنّا في الخزّ و الوشي و الديباج و النساجات، و إنّا معه في الأخشنين، نأكل الخشن و نلبس الخشن، حتّى إذا دنا موته و فنيت أيّامه و حضر أجله أراد أن يولّيها عليّا من بعده، أما و اللّه ليعلمنّ، قال: فمضى المقداد و أخبر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) به، فقال: الصلاة جامعة، قال: فقالوا: قد رمانا المقداد فنقوم نحلف عليه، قال: فجاؤوا حتّى جثوا بين يديه، فقالوا: بآبائنا و أمّهاتنا- يا رسول اللّه- لا و الذي بعثك بالحقّ و الذي أكرمك بالنبوّة ما قلنا ما بلغك، لا و الذي اصطفاك على البشر، قال: فقال النبيّ:
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَ لَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَ هَمُّوا بك يا محمّد ليلة العقبة وَ ما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ (التوبة:
74) كان أحدهم يبيع الرؤوس و آخر يبيع الكراع و ينقل القرامل فأغناهم اللّه برسوله، ثمّ جعلوا حدّهم و حديدهم عليه.
قال أبان بن تغلب عنه (عليه السلام): لمّا نصب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عليّا (عليه السلام) يوم غدير خمّ، فقال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» ضمّ رجلان من قريش رؤوسهما و قالا: و اللّه لا نسلّم له ما قال أبدا، فأخبر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فسألهم عمّا قالا، فكذّبا و حلفا باللّه ما قالا شيئا، فنزّل جبرئيل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا .. الآية، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لقد تولّيا و ما تابا.
[بحار الأنوار: 37/ 154 حديث 38، و جاء في تفسير البرهان: 2/ 146- 147].
147-
قال العلّامة المجلسي:
فصل: و روي أنّ اللّه تعالى عرض عليّا على الأعداء يوم الابتهال، فرجعوا عن العداوة، و عرضه على الأولياء يوم الغدير فصاروا أعداء، فشتّان ما بينهما؟ و روى أبو سعيد السمّان، بإسناده: أنّ إبليس أتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في صورة شيخ حسن السمت فقال: يا محمّد! ما أقلّ من يبايعك على ما تقول في ابن عمّك عليّ؟!، فأنزل اللّه: وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (سبأ: 20)، فاجتمع جماعة من المنافقين الذين نكثوا عهده فقالوا: قد قال محمّد بالأمس في مسجد الخيف ما قال، و قال ههنا ما قال، فإن رجع الى المدينة يأخذ البيعة له، و الرأي أن نقتل محمّدا قبل أن يدخل المدينة، فلمّا كان في تلك الليلة قعد له (صلّى اللّه عليه و آله) أربعة عشر رجلا في العقبة ليقتلوه- و هي عقبة
638
بين الجحفة و الأبواء- فقعد سبعة عن يمين العقبة و سبعة عن يسارها لينفروا ناقته، فلمّا أمسى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) صلّى و ارتحل، و تقدّم أصحابه- و كان على ناقة ناجية- فلمّا صعد العقبة ناداه جبرئيل: يا محمّد! .. إنّ فلانا و فلانا .. و سمّاهم كلّهم .. و ذكر صاحب الكتاب أسماء القوم المشار إليهم، ثمّ قال: قال جبرئيل: يا محمّد! هؤلاء قد قعدوا لك في العقبة ليغتالوك، فنظر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الى من خلفه فقال: من هذا خلفي؟، فقال حذيفة بن اليمان: أنا حذيفة يا رسول اللّه، قال (صلّى اللّه عليه و آله): سمعت ما سمعناه؟، قال: نعم، قال: اكتم، ثمّ دنا منهم فناداهم بأسمائهم و أسماء آبائهم، فلمّا سمعوا نداء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مرّوا و دخلوا في غمار الناس و تركوا رواحلهم و قد كانوا عقلوها داخل العقبة، و لحق الناس برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و انتهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الى رواحلهم فعرفها، فلمّا نزل قال: ما بال أقوام تحالفوا في الكعبة إن أمات اللّه محمّدا أو قتل لا يردّ هذا الأمر الى أهل بيته، ثمّ همّوا بما همّوا به؟ فجاؤوا الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يحلفون أنّهم لم يهمّوا بشيء من ذلك! فأنزل اللّه تبارك و تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَ لَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَ هَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا (التوبة: 74) الآية.
[بحار الأنوار: 37/ 135].
148-
مل: و أوّل من يحكم فيه محسن بن عليّ (عليه السلام) في قاتله، ثمّ في قنفذ، فيؤتيان هو و صاحبه فيضربان بسياط من نار، لو وقع سوط منها على البحار لغلت من مشرقها الى مغربها، و لو وضعت على جبال الدنيا لذابت حتى تصير رمادا، فيضربان بها.
ثمّ يجثو أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) بين يدي اللّه للخصومة مع الرابع و تدخل الثلاثة في جبّ فيطبق عليهم لا يراهم أحد و لا يرون أحدا، فيقول الذين كانوا في ولايتهم: رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (فصّلت:
29)، قال اللّه عزّ و جلّ: وَ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (الزخرف: 39)، فعند ذلك ينادون بالويل و الثبور، و يأتيان الحوض يسألان عن أمير المؤمنين (عليه السلام)- و معهم حفظة- فيقولان اعف عنّا و اسقنا و خلّصنا، فيقال لهم: فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ قِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (الملك: 38) بإمرة المؤمنين، ارجعوا ظماء مظمئين الى النار فما شرابكم إلّا الحميم و الغسلين، و ما تنفعكم شفاعة الشافعين.
[بحار الأنوار: 28/ 64، عن كامل الزيارات: 332- 335].
639
و ممّا ورد في عائشة و حفصة و بني أميّة:
149-
فس: وَ الْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ؛ المؤتفكات: البصرة، و الخاطئة: فلانة.
[بحار الأنوار: 32/ 227- حديث 117، عن تفسير القمي: 2/ 384].
و جاء في بيان المجلسي (رحمه اللّه): و أما تأويل الذي ذكره عليّ بن إبراهيم فقد رواه
مؤلف تأويل الآيات الباهرة- بإسناده- عن حمران، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقرأ: وَ جاءَ فِرْعَوْنُ؛ يعني الثالث، وَ مَنْ قَبْلَهُ؛ يعني الأوّلين، وَ الْمُؤْتَفِكاتُ؛ أهل البصرة، بِالْخاطِئَةِ (الحاقة: 9)؛ الحميراء فالمراد بمجيء الأوّلين و الثالث بعائشة أنّهم أسّسوا لها بما فعلوا من الجور على أهل البيت (عليهم السلام) أساسا به تيسّر لها الخروج و الاعتداء على أمير المؤمنين (عليه السلام)، و لو لا ما فعلوا لم تكن تجترئ على ما فعلت.
150-
شي: بإسناده عن سالم الأشل، عن الصادق (عليه السلام)، قال: كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً (النحل: 92)؛ عائشة هي نكثت أيمانها.
[بحار الأنوار: 32/ 286- حديث 238 عن تفسير العياشي: 2/ 269- حديث 65].
151-
مد: من صحيح البخاري، بإسناده عن نافع بن عبد اللّه، قال: قام النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) خطيبا و أشار نحو مسكن عائشة، فقال: هنا الفتنة- ثلاثا- من حيث يطلع قرن الشيطان.
[بحار الأنوار: 32/ 287- حديث 241، عن العمدة لابن بطريق: 456- حديث 956. و انظر العمدة لابن بطريق: 453، حديث 952 و ما بعده و حديث 942 و 943 و 944 و 946 و 947 و 948 و 950 و 955 و ما بعدها من الروايات].
152-
كنز: بإسناده عن سالم بن مكرم، عن أبيه، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول في قوله: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً (العنكبوت: 41)؛ قال: هي الحميراء.
[بحار الأنوار: 32/ 286- حديث 239- 240، عن تأويل الآيات الظاهرة: 1/ 430- حديث 7، و البرهان: 3/ 252- حديث 1].
640
153-
كنز: و بإسناده عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قال:
أ تدري ما الفاحشة المبيّنة؟، قلت: لا، قال: قتال أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ يعني أهل الجمل.
[بحار الأنوار: 32/ 286، عن تأويل الآيات الظاهرة:
2/ 453- حديث 13، و جاء في تفسير البرهان:
3/ 308- حديث 3].
154-
ع: بإسناده عن عبد الرحيم القصير، قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام): أما لو قام قائمنا لقد ردّت اليه الحميراء حتى يجلدها الحدّ، و حتى ينتقم لابنة محمّد فاطمة (عليها السلام) منها. قلت: جعلت فداك! و لم يجلدها الحدّ؟، قال: لفريتها على أمّ ابراهيم، قلت:
فكيف أخّره اللّه للقائم (عليه السلام)؟، فقال له: لأنّ اللّه تبارك و تعالى بعث محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) و بعث القائم (عليه السلام) نقمة.
[بحار الأنوار: 22/ 242، حديث 8 و 52/ 314- 315 حديث 9، عن علل الشرائع: 193 (2/ 267)، و جاء في المحاسن: 339 مثله].
155-
ل: بإسناده عن ابن عمارة، عن أبيه، قال: سمعت جعفر بن محمد (عليهما السلام) يقول: ثلاثة كانوا يكذبون على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أبو هريرة و أنس بن مالك، و امرأة.
[بحار الأنوار: 22/ 242 حديث 7، عن الخصال:
1/ 89].
156-
تقريب المعارف: بإسناده عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله عزّ و جلّ: وَ إِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً .. (التحريم: 3)؛ قال: أسرّ إليهما أمر القبطية، و أسرّ إليهما أنّ أبا بكر و عمر يليان أمر الأمّة من بعده ظالمين فاجرين غادرين.
[بحار الأنوار: 22/ 246 حديث 16].
157-
الصراط المستقيم: في حديث الحسين بن علوان و الديلمي، عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: وَ إِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً .. (التحريم: 3)؛ هي حفصة، قال الصادق (عليه السلام): كفرت في قولها: مَنْ أَنْبَأَكَ هذا، و قال اللّه فيها و في أختها: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما (التحريم: 4) .. أي زاغت، و الزيغ: الكفر.
و في رواية: أنّه أعلم حفصة أنّ أباها و أبا بكر يليان الأمر، فأفشت الى عائشة، فأفشت الى أبيها، فأفشى الى صاحبه، فاجتمعا على أن يستعجلا ذلك على أن يسقياه سمّا، فلمّا أخبره
641
اللّه بفعلهما همّ بقتلهما، فحلفا له أنّهما لم يفعلا، فنزل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ ... (التحريم: 7).
[بحار الأنوار: 27/ 246- حديث 17، عن الصراط المستقيم: 3/ 168، و في الصراط المستقيم روايات عديدة و فصول متعدّدة في أنّ أمّ الشرور عائشة:
1/ 161- 176 الى آخر الباب الرابع عشر].
158-
شي: بإسناده عن عبد الصمد بن بشير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: تدرون مات النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أو قتل؟، إنّ اللّه يقول: أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ (آل عمران: 144)؛ فسمّ قبل الموت، إنّهما سمّتاه! فقلنا: إنّهما و أبويهما شرّ من خلق اللّه.
[بحار الأنوار: 28/ 20 حديث 28، و 8/ 6، عن تفسير العياشي: 1/ 200- حديث 152، و تفسير البرهان:
1/ 320، و تفسير الصافي: 1/ 305].
159-
شي: عن جابر قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن هذه الآية من قول اللّه:
فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ قال: تفسيرها في الباطن: لمّا جاءهم ما عرفوا في عليّ كفروا به، فقال اللّه فيهم: فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ؛ يعني بني أميّة هم الكافرون في باطن القرآن.
قال أبو جعفر (عليه السلام): نزلت هذه الآية على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) هكذا:
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ في عليّ بَغْياً و قال اللّه في عليّ: أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ؛ يعني عليّا، قال اللّه: فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ؛ يعني بني أميّة وَ لِلْكافِرِينَ؛ يعني بني أميّة عَذابٌ مُهِينٌ. و قال جابر: قال أبو جعفر (عليه السلام): نزلت هذه الآية على محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) هكذا و اللّه: وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ من ربّكم في عليّ، يعني بني أميّة قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا؛ يعني في قلوبهم بما أنزل اللّه عليه وَ يَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ (البقرة: 89- 91) ...
الى آخره.
[بحار الأنوار: 9/ 101 و 36/ 98- حديث 38 أيضا، و في تفسير العياشي: 1/ 50- 51 حديث 70 و 71، و تفسير الصافي: 1/ 118 و تفسير البرهان: 1/ 391].
160-
فس: وَ إِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ؛ هم الأوّلان و بنو أميّة، ثم ذكر من كان بعده ممّن غصب آل محمّد حقّهم فقال: وَ آخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ؛ و هم
642
بنو السباع فيقول بنو أميّة: لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ فيقول بنو فلان: بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا و بدأتم بظلم آل محمّد فَبِئْسَ الْقَرارُ؛ ثم يقول بنو أميّة:
رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ؛ يعنون الأوّلين، ثم يقول أعداء آل محمّد في النار: ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ في الدنيا و هم شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ، ثم قال: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (سورة ص: 55- 64) فيما بينهم، و ذلك قول الصادق (عليه السلام): و اللّه إنّكم لفي الجنّة تحبرون، و في النار تطلبون.
[بحار الأنوار: 68/ 13 حديث 14، عن تفسير القمي: 2/ 242- 243].
161-
فر: بإسناده عن عكرمة، و سئل عن قول اللّه تعالى ... وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (الشمس: 4)؛ بنو أميّة.
قال ابن عباس: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): بعثني اللّه نبيّا فأتيت بني أميّة فقلت: يا بني أميّة! إنّي رسول اللّه إليكم، قالوا: كذبت ما أنت برسول اللّه، قال: ثم ذهبت الى بني هاشم، فقلت: يا بني هاشم! إنّي رسول اللّه إليكم، فآمن بي مؤمنهم أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب و حماني ...، قال ابن عباس: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):
ثم بعث اللّه جبرئيل بلوائه فركزها في بني هاشم و بعث إبليس بلوائه فركزها في بني أميّة؛ فلا يزالون أعداءنا، و شيعتهم أعداء شيعتنا الى يوم القيامة.
[بحار الأنوار: 24/ 79- 80 حديث 20، عن تفسير فرات: 211- 213].
162-
فر: بإسناده عن عكرمة، و سئل عن قول اللّه: وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها* وَ الْقَمَرِ إِذا تَلاها؛ قال: الشَّمْسِ وَ ضُحاها؛ هو محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ الْقَمَرِ إِذا تَلاها؛ أمير المؤمنين (عليه السلام)، وَ النَّهارِ إِذا جَلَّاها؛ آل محمّد، و هما الحسن و الحسين، وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها؛ بنو أميّة. و قال ابن عباس هكذا، و قال أبو جعفر (عليه السلام) هكذا ...
الخبر.
[بحار الأنوار: 16/ 89- حديث 17، عن تفسير فرات: 212].
163-
كنز: بإسناده عن عيسى بن داود، عن أبي الحسن موسى، عن أبيه (عليهما السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ: فَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ (الحج: 50) قال: أولئك آل محمّد (عليهم السلام)، وَ الَّذِينَ سَعَوْا في قطع مودّة آل محمّد مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (الحج: 51)؛ قال: هي الأربعة نفر؛ يعني التيميّ
643
و العديّ و الأمويّين.
[بحار الأنوار: 23/ 381- حديث 73، عن تأويل الآيات الظاهرة: 1/ 345- حديث 29، و جاء في تفسير البرهان: 3/ 98- حديث 1].
164-
كنز: بإسناده عن ابن عباس في قوله عزّ و جلّ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (محمّد: 22)؛ قال: نزلت في بني هاشم و بني أميّة.
[بحار الأنوار: 23/ 385- 386 حديث 89، عن تأويل الآيات الظاهرة: 2/ 585 حديث 12].
165-
كنز: بإسناده عن ابن عباس في قوله عزّ و جلّ: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ .. (سورة ص: 28) عليّ و حمزة و عبيدة كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ عتبة و شيبة و الوليد أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ عليّ و أصحابه كَالْفُجَّارِ فلان و أصحابه.
[بحار الأنوار: 24/ 7- حديث 20، عن تأويل الآيات الظاهرة: 264 (2/ 503 حديث 2)، و أورده في تفسير البرهان: 4/ 46 حديث 2، و أخرجه في البحار:
41/ 79، عن مناقب ابن شهر آشوب: 2/ 311 الى قوله: و الوليد.].
166-
كنز: بإسناده عن عليّ (صلوات اللّه عليه) أنّه قال: سورة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) آية فينا و آية في بني أميّة.
[بحار الأنوار: 23/ 384- حديث 84، عن تأويل الآيات الظاهرة: 2/ 582 حديث 1].
167-
كنز: بإسناده عن ابن عباس في قول اللّه عزّ و جلّ ... وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها بنو أميّة، ثم قال ابن عباس: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): بعثني اللّه نبيّا، فأتيت بني أميّة فقلت: يا بني أميّة! إنّي رسول اللّه إليكم، قالوا: كذبت ما أنت برسول، ثم أتيت بني هاشم، فقلت: إنّي رسول اللّه إليكم، فآمن بي عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) سرّا و جهرا، و حماني أبو طالب (عليه السلام) جهرا و آمن بي سرّا، ثم بعث اللّه جبرئيل بلوائه فركزه في بني هاشم و بعث إبليس بلوائه فركزه في بني أميّة، فلا يزالون أعداءنا و شيعتهم أعداء شيعتنا الى يوم القيامة.
[بحار الأنوار: 24/ 76- حديث 14، عن تأويل الآيات الظاهرة: 466- 467 الرضوية (2/ 806
644
حديث 6)، و أورده في البرهان: 4/ 467 حديث 10].
168-
كنز: بإسناده عن جابر بن يزيد، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): قول اللّه عزّ و جلّ: وَ كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ؛ يعني بني أميّة هم الذين كفروا و هم أصحاب النار، ثم قال: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ؛ يعني الرسول و الأوصياء من بعده (عليهم السلام) يحملون علم اللّه، ثم قال: وَ مَنْ حَوْلَهُ؛ يعني الملائكة يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ .. يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا؛ و هم شيعة آل محمّد (عليهم السلام)، يقولون: رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا من ولاية هؤلاء و بني أميّة وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ؛ و هو أمير المؤمنين (عليه السلام) وَ قِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ* رَبَّنا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَ أَزْواجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* وَ قِهِمُ السَّيِّئاتِ و السيّئات؛ بنو أميّة و غيرهم و شيعتهم، ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ يعني بنو أميّة يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ، ثم قال: ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ بولاية عليّ (عليه السلام) وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَ إِنْ يُشْرَكْ بِهِ؛ يعني بعليّ (عليه السلام) تُؤْمِنُوا أي إذا ذكر إمام غيره تؤمنوا به فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (المؤمن: 6- 12).
[بحار الأنوار: 23/ 363- حديث 23، عن تأويل الآيات الظاهرة: 277- حجرية- (2/ 528- 529 حديث 7)، و جاء في تفسير البرهان: 4/ 93 حديث 16، و قريب منه في تفسير القمي: 583 حجرية، و بحار الأنوار: 24/ 210- حديث 8، و انظر ما بعدها من الروايات في البحار: 23/ 364 حديث 26، عن (كنز) تأويل الآيات الظاهرة].
169-
ير: بإسناده عن يحيى بن أمّ الطويل، قال: صحبت عليّ بن الحسين (عليهما السلام) من المدينة الى مكّة- و هو على بغلته و أنا على راحلة- فجزنا وادي ضجنان، فإذا نحن برجل أسود في رقبته سلسلة و هو يقول: يا علي بن الحسين! اسقني، فوضع رأسه على صدره ثم حرّك دابّته، قال: فالتفت فإذا برجل يجذبه و هو يقول: لا تسقه لا سقاه اللّه، قال:
فحرّكت راحلتي و لحقت بعليّ بن الحسين (عليهما السلام)، فقال لي: أيّ شيء رأيت؟، فأخبرته، فقال: ذاك معاوية لعنه اللّه.
[بحار الأنوار: 6/ 248- 249 حديث 86، عن بصائر الدرجات: 82 (306- حديث 6)].
645
170-
ختص: بإسناده عن عبد الملك بن عبد اللّه القمي، عن أخيه إدريس، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: بينا أنا و أبي متوجّهين الى مكّة- و أبي قد تقدّمني في موضع يقال له: ضجنان-، إذ جاء رجل في عنقه سلسلة يجرّها، فأقبل عليّ فقال: اسقني، اسقني، فصاح بي أبي: لا تسقه لا سقاه اللّه، قال: و في طلبه رجل يتبعه، فجذب سلسلته جذبة طرحه بها في أسفل درك من النّار.
[بحار الأنوار: 39/ 247 حديث 82، عن الاختصاص: 276].
171-
ختص: بإسناده عن بشير النبّال، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): كنت مع أبي بعسفان في واد بها أو بضجنان، فنفرت بغلته فإذا رجل في عنقه سلسلة و طرفها في يد آخر يجرّه، فقال: اسقني، فقال الرجل: لا تسقه لا سقاه اللّه، فقلت لأبي: من هذا؟، فقال: هذا معاوية.
[بحار الأنوار: 6/ 247- 248 حديث 83، و لا حظ ما قبله و ما بعده من الروايات في هذا الباب، و قريب منه ما رواه عن الاختصاص: 276 بإسناده عن مالك بن عطيّة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و جاء في بحار الأنوار: 46/ 280 حديث 81].
172-
ج: فيما احتجّ به الحسن (عليه السلام) على معاوية و أصحابه أنّه قال لمغيرة بن شعبة: أنت ضربت فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتى أدميتها و ألقت ما في بطنها استذلالا منك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و مخالفة منك لأمره، و انتهاكا لحرمته، و قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أنت سيّدة نساء أهل الجنّة، اللّه مصيّرك الى النار.
[بحار الأنوار: 43/ 197- حديث 8، عن الاحتجاج:
1/ 414 طبعة النجف].
173-
ل: بإسناده عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن رجل من أهل الشام، عن أبيه، قال: سمعت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: من شرّ خلق اللّه خمسة: إبليس، و ابن آدم الذي قتل أخاه، و فرعون ذو الأوتاد، و رجل من بني إسرائيل ردّهم عن دينهم، و رجل من هذه الأمّة يبايع على كفر عند باب لدّ، قال: ثم قال: إنّي لمّا رأيت معاوية يبايع عند باب لدّ ذكرت قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فلحقت بعليّ (عليه السلام) فكنت معه.
[بحار الأنوار: 11/ 233- حديث 13، عن الخصال:
1/ 155].
646
174-
مل: بإسناده عن عبد اللّه بن بكر الأرجاني، قال: صحبت أبا عبد اللّه (عليه السلام) في طريق مكّة من المدينة، فنزلنا منزلا يقال له: عسفان، ثمّ مررنا بجبل أسود عن يسار الطريق موحش، فقلت له: يابن رسول اللّه! ما أوحش هذا الجبل! ما رأيت في الطريق مثل هذا، فقال لي: يابن بكر! تدري أيّ جبل هذا؟، قلت: لا، قال: هذا جبل يقال له:
الكمد؛ و هو على واد من أودية جهنّم، و فيه قتلة أبي: الحسين (عليه السلام)؛ استودعهم فيه، تجري من تحتهم مياه جهنّم من الغسلين و الصديد و الحميم، و ما يخرج من جبّ الحوى، و ما يخرج من الفلق من آثام، و ما يخرج من طينة الخبال، و ما يخرج من جهنّم، و ما يخرج من لظى من الحطمة، و ما يخرج من سقر، و ما يخرج من الجحيم، و ما يخرج من الهاوية، و ما يخرج من السعير- و في نسخة اخرى: و ما يخرج من جهنّم، و ما يخرج من لظى و من الحطمة، و ما يخرج من سقر، و ما يخرج من الحميم- و ما مررت بهذا الجبل في سفري فوقفت به إلّا رأيتهما يستغيثان إليّ، و إنيّ لأنظر الى قتلة أبي فأقول لهما: هؤلاء إنّما فعلوا ما أسّستما لم ترحمونا إذ وليتم، و قتلتمونا و حرمتمونا، و وثبتم على حقّنا، و استبددتم بالأمر دوننا، فلا رحم اللّه من يرحمكما، ذوقا و بال ما قدّمتما، و ما اللّه بظلّام للعبيد. فقلت له: جعلت فداك! أين منتهى هذا الجبل؟، قال: الى الأرض السادسة و فيها جهنّم على واد من أوديته، عليه حفظة أكثر من نجوم السماء و قطر المطر و عدد ما في البحار و عدد الثرى، قد وكّل كلّ ملك منهم بشيء و هو مقيم عليه لا يفارقه.
[بحار الأنوار: 6/ 288- حديث 10، عن كامل الزيارات: 326- 328 باب 108].
175-
تفسير القمي: عن الباقر (عليه السلام) في قوله سبحانه: وَ كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ يعني بني أميّة ... و إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني بني أميّة.
[تفسير القمي: 2/ 255].
176-
و في تفسير فرات: 79: الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ بنو أميّة و بنو المغيرة.
[تفسير الفرات: 79].
177-
كشف: ممّا خرّجه العزّ الحنبلي قوله تعالى: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ؛ المؤمن عليّ، و الفاسق: الوليد.
و روى الحافظ أبو بكر بن مردويه بعدّة طرق في قوله: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً؛ المؤمن عليّ، و الفاسق الوليد.
و روى الثعلبي و الواحدي؛ أنّها نزلت في عليّ (عليه السلام) و في الوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان لأمّه، و ذلك انّه كان بينهما تنازع في شيء، فقال الوليد لعليّ (عليه السلام):
647
اسكت فإنّك صبي و أنا و اللّه أبسط منك لسانا و أحدّ سنانا و أملأ للكتيبة منك، فقال له عليّ (عليه السلام): اسكت فإنّك فاسق، فأنزل اللّه سبحانه تصديقا لعليّ (عليه السلام): أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً؛ يعني بالمؤمن عليّا و بالفاسق الوليد.
[بحار الأنوار: 35/ 341- 343 حديث 16].
أقول: روى ابن بطريق في المستدرك عن أبي نعيم، بإسناده الى حبيب و ابن عباس مثل الخبرين الأخيرين.
[بحار الأنوار: 35/ 343. و في العمدة لابن بطريق:
184، و الطرائف لابن طاووس: 24 مثله.]
178-
و روى أبو الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّ هذا مثل بني أميّة اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ أي استؤصلت و اقتلعت جثّته من الأرض: ما لَها مِنْ قَرارٍ ما لتلك الشجرة من ثبات، فإنّ الريح تنسفها و تذهب بها، فكما أنّ هذه الشجرة لا ثبات لها و لا بقاء و لا ينتفع بها أحد فكذلك الكلمة الخبيثة لا ينتفع بها صاحبها.
و في قوله: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً أي عرفوا نعمة اللّه بمحمّد ... أي عرفوا محمّدا ثم كفروا به فبدّلوا مكان الشكر كفرا. و روي عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال:
نحن و اللّه نعمة اللّه التي أنعم بها على عباده و بنا يفوز من فاز ...
و سأل رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن هذه الآية فقال: هما الأفجران من قريش:
بنو أميّة و بنو المغيرة، فأمّا بنو أميّة فمتّعوا الى حين، و أما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر. و قيل:
إنّهم جبلّة بن الأيهم و من تبعه من العرب تنصّروا و لحقوا بالروم وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ..
أي دار الهلاك.
[بحار الأنوار: 9/ 112، عن مجمع البيان: 6/ 314- 315، و تفسير القمي: 1/ 371].
179- قال العلّامة (قدّس اللّه روحه) في كشف الحقّ، و مؤلف كتاب إلزام النواصب، و صاحب كتاب تحفة الطالب: ذكر أبو المنذر هشام بن محمد الكلبي من علماء الجمهور أنّ من جملة البغايا و ذوات الرايات صعبة بنت الخضرمي كانت لها راية بمكّة و استبضعت بأبي سفيان، فوقع عليها أبو سفيان و تزوّجها عبيد اللّه بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، فجاءت بطلحة بن عبيد اللّه لستة أشهر، فاختصم أبو سفيان و عبيد اللّه في طلحة، فجعلا أمرهما الى صعبة، فألحقته بعبيد اللّه، فقيل لها: كيف تركت أبا سفيان؟، فقالت: يد عبيد اللّه طلقة و يد أبي سفيان نكرة ...
و قال [العلّامة] في كشف الحقّ أيضا: و ممّن كان يلعب به و يتخنّث عبيد اللّه أبو طلحة،
648
فهل يحلّ لعاقل المخاصمة مع هؤلاء لعليّ (عليه السلام)؟! انتهى.
[بحار الأنوار: 32/ 218- 219.
أقول: و انظر باب أحوال عائشة و حفصة في بحار الأنوار: 22/ 227- 246، و ما ذكره العلّامة المجلسي في بحاره: 28/ 135 حديث 1، عن جامع الأصول:
9/ 436، و سنن الترمذي: 5/ 275 في قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّكنّ لأنتنّ صواحب يوسف ... و له طاب ثراه في البحار: 28/ 130- 174 تبيين و تتميم حريّ بالملاحظة، بل غالب ذاك المجلد ينفع في هذا الباب. و لاحظ البحار: 44/ 270 باب 2 في سائر ما جرى بين الامام الحسن الزكيّ (صلوات اللّه عليه) و بين معاوية لعنه اللّه و أصحابه].
و ممّا ورد في أعداء آل محمّد (صلوات اللّه عليهم) و اللعنة على أعدائهم، و في الاستهزاء بهم أو إيذائهم:
و لنختم الكلام في الاشارة الى بعض الروايات ممّا يدلّ على المراد عموما، و هي كثيرة جدّا، نتبرّك ببعضها:
180-
شي: عن أبي بصير، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: عدوّ [أعداء] عليّ هم المخلّدون في النار، قال اللّه: وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها (المائدة: 37).
[بحار الأنوار: 72/ 135- حديث 16، عن تفسير العياشي: 1/ 317 حديث 100، و أورده في تفسير البرهان: 1/ 470، و تفسير الصافي: 1/ 441].
181-
شي: عن منصور بن حازم، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (البقرة: 167)؛ قال: أعداء عليّ (عليه السلام) هم المخلّدون في النّار أبد الآبدين و دهر الداهرين.
[بحار الأنوار: 8/ 362 حديث 37، و 72/ 135- حديث 17، عن تفسير العياشي: 1/ 317- 318 حديث 101، و جاء في بحار الأنوار: 3/ 396، و أورده في تفسير البرهان: 1/ 470، و تفسير الصافي:
649
1/ 441].
182-
فس: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ (النساء: 60) نزلت في الزبير ابن العوّام فإنّه نازع رجلا من اليهود في حديقة، فقال الزبير: ترضى بابن شيبة اليهودي، و قال اليهودي: ترضى بمحمّد، فأنزل اللّه تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ.. الى قوله: رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (النساء: 61) هم أعداء آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- كلّهم جرت فيهم هذه الآية.
[بحار الأنوار: 9/ 194- حديث 38، عن تفسير القمي: 1/ 140- 142].
183-
فس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: وَ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَ رَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (يونس: 40)؛ فهم أعداء محمّد و آل محمّد من بعده.
[بحار الأنوار: 23/ 371 حديث 47، عن تفسير القمي: 1/ 312].
184-
فس: بإسناده عن منصور بن يونس، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: إنّ في النار لنارا يتعوّذ منها أهل النار، ما خلقت إلّا لكلّ متكبّر جبّار عنيد، و لكلّ شيطان مريد، و لكلّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب، و لكلّ ناصب العداوة لآل محمّد، و قال: إنّ أهون الناس عذابا يوم القيامة لرجل في ضحضاح من نار، عليه نعلان من نار و شرا كان من نار، يغلى منها دماغه كما يغلى المرجل، ما يرى انّ في النار أحد أشدّ عذابا منه، و ما في النار أحد أهون عذابا منه.
[بحار الأنوار: 8/ 295- حديث 44، عن تفسير القمي: 2/ 257- 258].
185-
فس: وَ السَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ؛ قال: السماء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و عليّ (عليه السلام) ذات الحبك، و قوله: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ؛ يعني مختلف في عليّ، اختلفت هذه الأمّة في ولايته، فمن استقام على ولاية عليّ (عليه السلام) دخل الجنّة، و من خالف ولاية عليّ دخل النار، يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (الذاريات: 7- 8)؛ فإنّه يعني عليّا (عليه السلام) من أفك عن ولايته أفك عن الجنّة.
[بحار الأنوار: 36/ 169- حديث 156، عن تفسير القمي: 2/ 329].
186-
فر: بإسناده مرفوعا، عن أبي ذرّ رضي اللّه عنه، قال: قال النبيّ صلّى اللّه عليه
650
و آله: يا أبا ذرّ! يؤتى بجاحد حقّ عليّ و ولايته يوم القيامة أصمّ و أبكم و أعمى، يتكبكب في ظلمات يوم القيامة، ينادي يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ (الزمر: 56) و يلقى في عنقه طوق من النار، و لذلك الطوق ثلاثمائة شعبة، على كلّ شعبة شيطان يتفل في وجهه، و يكلح من جوف قبره الى النار.
[بحار الأنوار: 7/ 211- حديث 106، عن تفسير فرات الكوفي: 134].
187-
كا: بإسناده عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام)، قال: سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ ... قلت: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ؛ قال: هم الذين فجروا في حقّ الأئمّة و اعتدوا عليهم، قلت: ثم يقال: هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (المطففين: 7 و 17)؛ قال: يعني أمير المؤمنين (عليه السلام)، قلت: تنزيل؟ قال: نعم.
[بحار الأنوار: 24/ 340- ذيل حديث 59، عن اصول الكافي: 1/ 435].
188-
كنز: بإسناده عن محمد بن سهل العطّار، عن أبيه، عن جدّه عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليهم السلام)، قال: قال لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا علي! ما بين من يحبّك و بين أن يرى ما تقرّ به عيناه إلّا أن يعاين الموت، ثم تلا: رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ؛ يعني إنّ أعداءنا إذا دخلوا النار قالوا:
ربّنا أخرجنا نعمل صالحا في ولاية عليّ (عليه السلام) غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ في عداوته، فيقال لهم في الجواب: أَ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَ جاءَكُمُ النَّذِيرُ؛ و هو النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ لآل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) مِنْ نَصِيرٍ (فاطر: 37) ينصرهم و لا ينجيهم منه و لا يحجبهم عنه.
[بحار الأنوار: 23/ 361 حديث 19، عن تأويل الآيات الظاهرة: 2/ 485- 486، و البرهان: 3/ 366 حديث 2 و بحار الأنوار: 27/ 159 حديث 7].
189-
و يؤيّده ما رواه عليّ بن ابراهيم، بإسناده عن زيد الشحّام، قال: دخل قتادة بن دعامة على أبي جعفر (عليه السلام) و سأله عن قوله عزّ و جلّ: وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (سبأ: 20)؛ قال: لمّا أمر اللّه نبيّه أن ينصب أمير المؤمنين (عليه السلام) للناس- و هو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ في عليّ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ (المائدة: 71) أخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بيد عليّ (عليه السلام) بغدير خمّ و قال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، حثت الأبالسة التراب على رؤوسها، فقال
651
لهم إبليس الأكبر- لعنه اللّه-: ما لكم؟ قالوا: قد عقد هذا الرجل عقدة لا يحلّها إنسيّ الى يوم القيامة، فقال لهم إبليس: كلّا! الذين حوله قد و عدوني فيه عدة و لن يخلفوني فيها! فأنزل اللّه سبحانه هذه الآية: وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ؛ يعني بأمير المؤمنين (عليه السلام) و على ذريّته الطيّبين.
[بحار الأنوار: 37/ 169 ذيل حديث 45، عن تأويل الآيات الظاهرة: 2/ 474].
190-
كنز: بإسناده عن عيسى بن داود، عن موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: كنت عند أبي يوما في المسجد إذ أتاه رجل فوقف أمامه، و قال: يابن رسول اللّه! أعيت عليّ آية في كتاب اللّه عزّ و جلّ، سألت عنها جابر بن يزيد فأرشدني إليك، فقال: و ما هي؟، قال: قوله عزّ و جلّ: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ .. الآية، فقال: نعم فينا نزلت؛ و ذلك أنّ فلانا و فلانا و طائفة معهم- و سمّاهم- اجتمعوا الى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فقالوا: يا رسول اللّه! الى من يصير هذا الأمر بعدك؟ فو اللّه لئن صار الى رجل من أهل بيتك إنّا لنخافهم على أنفسنا، و لو صار الى غيرهم لعلّ غيرهم أقرب و أرحم بنا منهم، فغضب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من ذلك غضبا شديدا، ثم قال: أما و اللّه لو آمنتم باللّه و رسوله ما أبغضتموهم، لأنّ بغضهم بغضي، و بغضي هو الكفر باللّه، ثم نعيتم إلى نفسي، فواللّه لئن مكنهم اللّه في الأرض ليقيموا الصلاة لوقتها، و ليؤتوا الزكاة لمحلّها، و ليأمرنّ بالمعروف، و لينهنّ عن المنكر، إنّما يرغم اللّه أنوف رجال يبغضوني و يبغضون أهل بيتي و ذريّتي، فأنزل اللّه عزّ و جلّ: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ .. الى قوله: وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ فلم يقبل القوم ذلك، فأنزل اللّه سبحانه:
وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ عادٌ وَ ثَمُودُ* وَ قَوْمُ إِبْراهِيمَ وَ قَوْمُ لُوطٍ* وَ أَصْحابُ مَدْيَنَ وَ كُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (سورة الحج: 41- 44).
[بحار الأنوار: 24/ 165- حديث 8، عن تأويل الآيات الظاهرة: 174- 175- حجرية- (1/ 342- 343 حديث 24)، و جاء في تفسير البرهان: 3/ 95 حديث 3].
191-
م: في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا؛ قال: قال اللّه في صفة الكاتمين لفضلنا أهل البيت إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ المشتمل على ذكر فضل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) على جميع النبيّين و فضل عليّ على جميع الوصيّين وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا يكتمونه ليأخذوا عليه عرضا من الدنيا يسيرا،
652
و ينالوا به في الدنيا عند جهّال عباد اللّه رئاسة، قال اللّه عزّ و جلّ: أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ بدلا من اصابتهم اليسير من الدنيا لكتمانهم الحقّ وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ بكلام خير، بل يكلّمهم بأن يلعنهم و يخزيهم و يقول: بئس العباد أنتم، غيّرتم ترتيبي، و أخّرتم من قدمته، و قدّمتم من أخّرته، و واليتم من عاديته، و عاديتم من واليته وَ لا يُزَكِّيهِمْ من ذنوبهم وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (البقرة: 174) موجع في النار.
[بحار الأنوار: 7/ 213- حديث 115، عن تفسير الامام الحسن العسكري (عليه السلام): 585- 586 حديث 352].
192-
م: و فيه: إِنَّما يَأْمُرُكُمْ الشيطان بِالسُّوءِ بسوء المذاهب و الاعتقاد في خير خلق اللّه محمّد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و جحود ولاية أفضل أولياء اللّه بعد محمّد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (البقرة: 169) بإمامة من لم يجعل اللّه له في الامامة حظّا، و من جعله من أراذل أعدائه و أعظمهم كفرا به.
[بحار الأنوار: 24/ 379- من حديث 106، عن تفسير الامام الحسن العسكري (عليه السلام): 242- 243 (581 حديث 342)].
193-
م: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ .. الآية، قال الامام: قال عليّ بن الحسين (عليهما السلام) ... وَ آمن ب الْيَوْمِ الْآخِرِ يوم القيامة التي أفضل من يوافيها محمّد سيّد النبيّين، و بعده عليّ أخوه و صفيّه سيّد الوصيّين و التي لا يحضرها من شيعة محمّد أحد إلّا أضاءت فيها أنواره فصار فيها الى جنّات النعيم هو و إخوانه و أزواجه و ذريّاته و المحسنون إليه و الدافعون في الدنيا عنه، و لا يحضرها من أعداء محمّد أحد إلّا غشيته ظلماتها، فيسير فيها الى العذاب الأليم هو و شركاؤه في عقده و دينه و مذهبه و المتقرّبون كانوا في الدنيا إليه من غير تقيّة لحقتهم منه. الخبر.
[بحار الأنوار: 9/ 187- 188 حديث 19، عن تفسير الامام الحسن العسكري: 248 (589- 590) حديث 353، و الآية: البقرة: 177].
194-
ما: المفيد، بإسناده عن أبان، عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد (عليهما السلام)، قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: أين خليفة اللّه في أرضه؟، فيقوم داود النبيّ (عليه السلام) فيأتي النداء من عند اللّه عزّ و جلّ: لسنا إيّاك أردنا و إن كنت للّه تعالى خليفة.
653
ثم ينادي ثانية: أين خليفة اللّه في أرضه؟، فيقوم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فيأتي النداء من قبل اللّه عزّ و جلّ: يا معشر الخلائق! هذا عليّ بن أبي طالب خليفة اللّه في أرضه و حجّته على عباده فمن تعلّق بحبله في دار الدنيا فليتعلّق بحبله في هذا اليوم يستضيء بنوره و ليتّبعه الى الدرجات العلى من الجنّات، قال: فيقوم الناس الذين قد تعلّقوا بحبله في الدنيا فيتّبعونه الى الجنّة، ثم يأتي النداء من عند اللّه جلّ جلاله: ألا من ائتمّ بإمام في دار الدنيا فليتبعه الى حيث يذهب به، فيحنئذ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَ رَأَوُا الْعَذابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ* وَ قالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (البقرة: 166- 167).
[بحار الأنوار: 8/ 10- حديث 3، عن أمالي الشيخ المفيد: 39 (طبعة النجف: 167) [285] [حديث 3 من المجلس الرابع و الثلاثين].
195-
قب: الواحدي في أسباب النزول، و مقاتل بن سليمان و أبو القاسم القشيري في تفسيرهما؛ أنّه نزل قوله تعالى: وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ (الأحزاب: 58)؛ في عليّ بن أبي طالب، و ذلك أنّ نفرا من المنافقين كانوا يؤذونه و يسمعونه و يكذّبون عليه، و في رواية مقاتل: وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ؛ يعني عليّا وَ الْمُؤْمِناتِ؛ يعني فاطمة فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً؛ قال ابن عباس: و ذلك أنّ اللّه تعالى أرسل عليهم الجرب في جهنّم، فلا يزالون يحتكّون حتى تقطع أظفارهم، ثم يحتكّون حتى تنسلخ جلودهم، ثم يحتكّون حتى تبدوا لحومهم، ثم يحتكّون حتى تظهر عظامهم، و يقولون: ما هذا العذاب الذي نزل بنا؟، فيقولون لهم: معاشر الأشقياء! هذا عقوبة لكم ببغضكم أهل بيت محمّد (صلّى اللّه عليه و آله).
[بحار الأنوار: 39/ 330- 331 حديث 1، عن مناقب ابن شهر آشوب: 2/ 10- 12 (3/ 210)].
196-
لي: بإسناده عن القلانسي، عن الصادق (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إذا قمت المقام المحمود تشفّعت في أصحاب الكبائر من أمّتي، فيشفّعني اللّه فيهم، و اللّه لا تشفّعت فيمن آذى ذريّتي.
[بحار الأنوار: 96/ 218 حديث 4، عن أمالي الصدوق: 177].
197-
ن، لي: بإسناده عن عمرو بن خالد، قال: حدّثني زيد بن عليّ- و هو آخذ بشعره- قال: حدّثني أبي علي بن لحسين (عليهما السلام)- و هو آخذ بشعره- قال: حدّثني الحسين
654
ابن علي (عليهما السلام)- و هو آخذ بشعره- قال: حدّثني علي بن أبي طالب- و هو آخذ بشعره- عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو آخذ بشعره- قال: من آذى شعرة منّي فقد آذاني، و من آذاني فقد آذى اللّه عزّ و جلّ، و من آذى اللّه جلّ و عزّ لعنه اللّه ملء السماء و ملء الأرض.
[بحار الأنوار: 96/ 219 حديث 6 و لاحظ أحاديث الباب، عن عيون الأخبار: 1/ 250، و أمالي الصدوق:
199
، و عن كتاب الغايات مثله، بإسناده عن محمد بن رزمة القزويني إلّا أنّ فيه: فعليه لعنة اللّه، موضع: لعنه اللّه. و قريب منه ما رواه عن كتاب المسلسلات بإسنادين: 96/ 233- حديث 31 و 32].
198-
يف: أحمد في مسنده، و ابن المغازلي في مناقبه من عدّة طرق؛ أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: يا أيّها الناس! من آذى عليّا فقد آذاني. و زاد فيه ابن المغازلي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): يا أيّها الناس! من آذى عليّا بعث يوم القيامة يهوديّا أو نصرانيّا، فقال جابر بن عبد اللّه الأنصاري: يا رسول اللّه! و إن شهدوا أن لا إله إلّا اللّه و أنّك رسول اللّه؟، فقال: يا جابر! كلمة يتحجّزون بها أن تسفك دماؤهم و تؤخذ أموالهم و أن لا يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون.
[بحار الأنوار: 39/ 333 حديث 4، و قريب منه ما ذكره عن الروضة في الفضائل بإسناده عن ابن عباس، و انظر عدّة روايات في الباب: 39/ 333- حديث 3 و ما بعده، و أورده في الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف:
19 (75- حديث 96)، و جاء في مسند أحمد:
3/ 483، و مناقب ابن المغازلي: 52].
199-
الترمذي في الجامع، و أبو نعيم في الحلية، و البخاري في الصحيح، و الموصلي في المسند، و أحمد في الفضائل، و الخطيب في الأربعين؛ عن عمران بن الحصين و ابن عباس و بريدة أنّه رغب عليّ (عليه السلام) من الغنائم في جارية، فزايده حاطب بن أبي بلتعة و بريدة الأسلمي، فلمّا بلغ قيمتها قيمة عدل في يومها أخذها بذلك، فلمّا رجعوا وقف بريدة قدّام الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و شكا من عليّ، فأعرض عنه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، ثم جاء عن يمينه و عن شماله و من خلفه يشكو، فأعرض عنه، ثم قام الى بين يديه فقالها، فغضب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و تغيّر لونه و تربّد وجهه و انتفخت أوداجه و قال: ما لك يا بريدة! ما آذيت رسول اللّه منذ اليوم؟ أما سمعت اللّه تعالى يقول: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي
655
الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (الأحزاب: 57)، أما علمت أنّ عليّا منّي و أنا منه و أنّ من آذى عليّا فقد آذاني، و من آذاني فقد آذى اللّه و من آذى اللّه فحقّ على اللّه أن يؤذيه بأليم عذابه في نار جهنّم؟ يا بريدة! أنت أعلم أم اللّه أعلم؟ أم قرّاء اللوح المحفوظ أعلم؟ أنت أعلم أم ملك الأرحام أعلم؟ أنت أعلم يا بريدة أم حفظة عليّ بن أبي طالب؟، قال: بل حفظته، قال: و هذا جبرئيل أخبرني عن حفظة عليّ أنّهم ما كتبوا قطّ عليه خطيئة منذ ولد؛ ثمّ حكى عن ملك الأرحام و قرّاء اللوح المحفوظ- و فيها-: ما تريدون من عليّ،- ثلاث مرّات-، ثمّ قال: إنّ عليّا منّي و أنا منه، و هو وليّ كلّ مؤمن بعدي. و في رواية أحمد: دعوا عليّا.
[بحار الأنوار: 39/ 332 حديث 1، عن المناقب لابن شهر آشوب 2/ 12].
200-
قب: ابن سيرين، عن أنس؛ قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): من حسد عليّا فقد حسدني و من حسدني فقد كفر. و في خبر: و من حسدني فقد دخل النار.
[بحار الأنوار: 39/ 333 حديث 2، عن المناقب لابن شهر آشوب 2/ 12، و 39/ 334 عن امالي الشيخ:
40].
201-
فض: بإسناده الى عبد اللّه بن عباس أنّه قال: كنت عند النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إذ أقبل عليّ بن أبي طالب و هو مغضب، فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله): ما بك يا أبا الحسن؟، قال: آذوني فيك يا رسول اللّه، فقام (صلّى اللّه عليه و آله) و هو مغضب و قال: أيّها الناس! من منكم آذى عليّا؟ فإنّه أوّلكم إيمانا و أوفاكم بعهد اللّه، أيّها الناس! من آذى عليّا بعثه اللّه يوم القيامة يهوديّا أو نصرانيّا؛ فقال جابر بن عبد اللّه الأنصاري: يا رسول اللّه! و إن شهد أن لا إله إلّا اللّه؟، قال: نعم؛ و إن شهد أنّ محمّد رسول اللّه يا جابر.
[بحار الأنوار: 39/ 333 حديث 3، عن الكافي- الروضة-: 8/ 12].
202-
فر: بإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ؛ قال: فهو حارث بن قيس و أناس معه كانوا إذا مرّ عليهم أمير المؤمنين (عليه السلام) قالوا: انظروا الى هذا الذي اصطفاه محمّد و اختاره من أهل بيته و كانوا يسخرون منه، فإذا كان يوم القيامة فتح بين الجنّة و النار باب فأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) على الأريكة متّكئ فيقول: هل لكم؟، فإذا جاؤوا سدّ بينهم الباب فهو كذلك يسخر منهم و يضحك، قال اللّه عزّ و جلّ: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ* عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ ... (سورة المطففين: 34 و 35).
656
[بحار الأنوار: 36/ 69- حديث 15، عن تفسير فرات: 204].
203-
كشف: روي في قوله تعالى: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ* عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ؛ قيل: نزلت في أبي جهل و الوليد بن المغيرة و العاص بن وائل و غيرهم من مشركي مكّة، كانوا يضحكون من بلال و عمّار و غيرهما من أصحابهما، و قيل: إنّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) جاء في نفر من المسلمين الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فسخر منهم المنافقون و ضحكوا و تغامزوا، و قالوا لأصحابهم: رأينا اليوم الأصلع فضحكنا منه، فأنزل اللّه تعالى الآية قبل أن يصل الى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله). و عن مقاتل و الكلبي: لمّا نزل قوله تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى قالوا: هل رأيتم أعجب من هذا؟
يسفّه أحلامنا، و يشتم آلهتنا، و يرى قتلنا، و يطمع أن نحبّه؟، فنزل: قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ أي ليس لي من ذلك أجر، لأنّ منفعة المودّة تعود عليكم و هو ثواب اللّه تعالى و رضاه.
[بحار الأنوار: 36/ 120- 121 حديث 65].
204-
كنز: بإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (المطففين: 29)؛ قال: ذلك هو الحارث بن قيس و أناس معه، كانوا إذا مرّ بهم عليّ (عليه السلام) قالوا: انظروا الى هذا الذي اصطفاه محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و اختاره من أهل بيته فكانوا يسخرون و يضحكون، فإذا كان يوم القيامة فتح بين الجنّة و النار باب، فعليّ (عليه السلام) يومئذ على الأرائك متّكئ يقول لهم: هلمّ لكم، فإذا جاؤوا يسدّ بينهم الباب فهو كذلك يسخر منهم و يضحك، و هو قوله تعالى: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ* عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ* هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (المطففين: 34- 36).
[بحار الأنوار: 35/ 339 حديث 9، عن تأويل الآيات الظاهرة: 2/ 781 حديث 16، و جاء في تفسير البرهان: 4/ 44 حديث 2. و في البحار أيضا:
36/ 69 حديث 15، عن تفسير الفرات: 204 مثله، و قريب منه في البحار: 36/ 66 حديث 8، عن (كنز) تأويل الآيات الظاهرة: 2/ 781 حديث 15، و البحار:
35/ 339- 340. و روي أيضا بإسناده، عن عباية بن ربعي، عن عليّ (عليه السلام) في البحار: 36/ 66 حديث 7، و قريب منه في تفسير الفرات: 204، و جاء]
657
[بإسناده عن ابن عباس في البحار: 36/ 69 حديث 15 و 8/ 150 حديث 86، و 24/ 3 حديث 8، و تفسير البرهان: 4/ 440- 441 حديث 1 و 2 و 9، فراجع].
205-
روي في قوله تعالى: وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ؛ يعني عن ولاية عليّ (عليه السلام)، و قوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَ مَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ قيل: نزلت في قصّة بدر في حمزة و عليّ و عبيدة ابن الحارث، لمّا برزوا لقتال عتبة و شيبة و الوليد.
[بحار الأنوار: 36/ 120- 121 حديث 65].
206-
ل: بإسناده عن محمد بن الفضيل الزرقي، عن أبي عبد اللّه، عن آبائه، عن عليّ (عليهم السلام)، قال: إنّ للجنّة ثمانية أبواب، باب يدخل منه النبيّون و الصدّيقون، و باب يدخل منه الشهداء و الصالحون، و خمسة أبواب يدخل منه شيعتنا و محبّونا، و باب يدخل منه سائر المسلمين ممّن يشهد أن لا إله إلّا اللّه و لم يكن في قلبه مقدار ذرّة من بغضنا أهل البيت.
الخبر.
[بحار الأنوار: 72/ 158- 159 حديث 5، عن الخصال: 2/ 39].
207-
مع: بإسناده عن الصباح بن سيابة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: إنّ الرجل ليحبّكم و ما يدري ما تقولون فيدخله اللّه الجنّة، و إنّ الرجل ليبغضكم و ما يدري ما تقولون فيدخله اللّه النار،
الخبر.
[بحار الأنوار: 72/ 159- حديث 7، عن معاني الأخبار: 392].
208-
سن: بإسناده عن مالك الجهنّي، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): انّه ليس من قوم ائتمّوا بإمامهم في الدنيا إلّا جاء يوم القيامة يلعنهم و يلعنونه إلّا أنتم و من على مثل حالكم.
[بحار الأنوار: 8/ 11- حديث 4، عن المحاسن:
143].
209-
كنز: بإسناده عن محمد بن سليمان، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما معنى قوله تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ؛ قال: الذين همزوا آل محمّد حقّهم و لمزوهم و جلسوا مجلسا كان آل محمّد أحقّ به منهم.
[بحار الأنوار: 24/ 309- 310 حديث 13، عن
658
تأويل الآيات الظاهرة: 2/ 854 حديث 1 (ص: 406 الرضوية)، و جاء في تفسير البرهان: 4/ 505 حديث 1].
210-
ثو: بإسناده عن داود بن فرقد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: من ادّعى الامامة و ليس بإمام فقد افترى على اللّه و على رسوله و علينا.
[بحار الأنوار: 25/ 112- حديث 8، و انظر حديث 9، عن ثواب الأعمال: 206].
211-
سن: بإسناده عن قدامة الترمذي، عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: من شكّ في أربعة فقد كفر بجميع ما أنزل اللّه عزّ و جلّ، أحدها: معرفة الامام في كلّ زمان و أوان بشخصه و نعته ...
[بحار الأنوار: 72/ 135- حديث 15، عن المحاسن:
90].
212-
شي: عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام): وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَ مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ (الأنعام: 93)؛ قال: من ادّعى الامامة دون الامام (عليه السلام).
[بحار الأنوار: 25/ 113 حديث 12، عن تفسير العياشي: 1/ 370 حديث 61، و تفسير البرهان:
1/ 542، و تفسير الصافي: 1/ 532، و إثبات الهداة:
1/ 265].
213-
ني: بإسناده عن ابن ظبيان، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ: وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (الزمر: 60)؛ قال: من زعم أنّه إمام و ليس بإمام.
[بحار الأنوار: 25/ 113 حديث 13. و بهذا المضمون ذيل الآية عن تفسير القمي 25/ 111 حديث 6، و عن ثواب الأعمال، بإسناده عن سورة بن كليب، عن أبي جعفر (عليه السلام)، و عن غيبة النعماني: 54، بإسناده عن سورة مثله: 25/ 112].
214-
كنز: بإسناده عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر، عن جابر بن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ... ثم قال: يا عليّ! ادن منّي، فدنا منه، ثم قال: فأدخل
659
أذنك في فمي، ففعل، فقال: يا أخي! ألم تسمع قول اللّه في كتابه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ؟ قال: بلى يا رسول اللّه، قال: هم أنت و شيعتك تجيؤن غرّا محجّلين، شباعا مرويّين، أ و لم تسمع قول اللّه عزّ و جلّ في كتابه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ الْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (البيّنة: 6- 7)، قال: بلى يا رسول اللّه، قال: هم أعداؤك و شيعتهم يجيؤن يوم القيامة مسودّة وجوههم ظمآء مظمئين أشقياء معذّبين كفّارا منافقين، ذاك لك و لشيعتك و هذا لعدوّك و شيعتهم.
[بحار الأنوار: 24/ 263- حديث 22، و 68/ 54 حديث 97، عن تأويل الآيات الظاهرة 2/ 832- 833 حديث 5، و تفسير البرهان: 4/ 490 حديث 3، و حلية الأبرار: 1/ 465. و بهذا المضمون ذيل الحديث عن أمالي الطوسي، بإسناده عن محمد بن عبد الرحمن:
68/ 70 حديث 130].
215-
كنز: بإسناده عن عيسى بن داود، عن موسى بن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) في قوله تعالى: وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَ لا هَضْماً (طه:
112)؛ قال: مؤمن بمحبّة آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و مبغض لعدوّهم.
[بحار الأنوار: 23/ 360- حديث 17، و 24/ 257- حديث 4، عن تأويل الآيات الظاهرة: 1/ 318 ذيل حديث 15، و تفسير البرهان: 3/ 44- حديث 1].
216-
مع: بإسناده عن ابراهيم بن زياد، قال: قال الصادق (عليه السلام): كذب من زعم أنّه يعرفنا و هو مستمسك بعروة غيرنا.
[بحار الأنوار: 2/ 82- حديث 7، عن معاني الأخبار:
378 حديث 57].
و لنختم بهذه الأحاديث الطاهرة في الولاية و البراءة تبرّكا:
217-
كا: بإسناده عن أحمد الخراساني، عن أبيه رفعه، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): يسأل الميّت في قبره عن خمس: عن صلاته، و زكاته، و حجّه، و صيامه، و ولايته إيّانا أهل البيت، فتقول الولاية عن جانب القبر للأربع: ما دخل فيكنّ من نقص فعليّ تمامه.
[بحار الأنوار: 6/ 265- 266 حديث 111، عن فروع الكافي: 3/ 66].
218-
فر: بإسناده عن جعفر الفزاري معنعنا عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى:
660
وَ مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (المائدة: 5)؛ قال:
الايمان في بطن القرآن علي بن أبي طالب، فمن كفر بولايته فقد حبط عمله.
[بحار الأنوار: 35/ 348 حديث 28، عن تفسير فرات: 18].
219-
كتاب صفات الشيعة: بإسناده عن عبيد اللّه، عن الصادق (عليه السلام)، قال: من أقرّ بسبعة أشياء فهو مؤمن: البراءة من الجبت و الطاغوت، و الإقرار بالولاية، و الايمان بالرجعة ...
الى آخره.
[بحار الأنوار: 65/ 193 حديث 12، عن صفات الشيعة: 178].
220- ن: بإسناده عن الحسن بن جهم، قال: حضرت مجلس المأمون يوما- و عنده عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) و قد اجتمع الفقهاء و أهل الكلام من الفرق المختلفة- ...
و قال عليّ (عليه السلام): يهلك فيّ اثنان و لا ذنب لي: محبّ مفرط و مبغض مفرّط .. الى أن قال الرضا (عليه السلام): فمن ادّعى للأنبياء ربوبيّة أو ادّعى للأئمة ربوبيّة أو نبوّة و لغير الأئمّة إمامة، فنحن منه براء في الدنيا و الآخرة.
فسأله بعضهم؛ فقال له: يابن رسول اللّه! بأيّ شيء تصحّ الامامة لمدّعيها؟، قال:
بالنصّ و الدلائل ..
[بحار الأنوار: 25/ 135 من حديث 6، عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 324- 325].
«رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا»
«رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا» «رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَ اعْفُ عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ»
ربّنا .. و تقبّل منّا و تجاوز عن سيّئاتنا و تب علينا و لمن سبقنا بالايمان و لوالدينا و لمن وجب حقّه علينا، و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين و سلام على المرسلين.
عبد الزهراء علوي
661
الفهرس
الموضوع/ الصفحه
الطعن الرابع عشر: أنّه أبدع في الدين بدعا كثيرة 7
الطعن الخامس عشر التفريط في بيت المال 44
الطعن السادس عشر التلوّن في الأحكام 58
الطعن السابع عشر همّ بإحراق بيت فاطمة (عليها السلام) 59
طعن الثامن عشر: قصّة الشورى و ما أبدع فيها 60
الطعن التاسع عشر وصيّته بدفنه في بيت النبيّ 88
باب [24] نسب عمر و ولادته و وفاته و بعض نوادر أحواله، و ما جرى بينه و بين أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) 97
حسب عمر 108
مقتل عمر و كيفيّة قتله 113
ما جرى بينه وبين أمير المؤمنين (عليه السلام) 132
باب نادر 141
[25] باب تفصيل مثالب عثمان و بدعه و الاحتجاج بها على المخالفين بما رووه في كتبهم و بعض أحواله 149
الطعن الأول تولية من لا يصلح للولاية على المسلمين 149
الطعن الثاني إنكار الصحابة عليه بالاجماع 162
الطعن الثالث رده للحكم بن أبي العاص طريد رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) 169
الطعن الرابع ما صنع مع أبي ذر من الاهانة و الضرب و الشتم و غيره 174
الطعن الخامس ضزب ابن مسعود و إهانته 187
الطعن السادس ما صنع بعمار بن ياسر 193
662
الطعن السابع: حرقة المصاحف و جمع الناس على قراءة زيد بن ثابت 205
الطعن الثامن: إيثاره أهل بيته من بيت مال المسلمين 218
الطعن التاسع: تعطيله للحدود الواجبة 224
الطعن العاشر: إنه حمى الحمى عن المسلمين 227
الطعن الحادي عشر: أعطى من بيت المال الصدقة المقاتلة و غيرها 230
الطعن الثاني عشر: أتم الصلاة في حال السفر بمنى 230
الطعن الثالث عشر: جرأته على الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و مضادّته له 237
الطعن الرابع عشر: عدم إإطذعانه لقضاء رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) بالحق 238
الطعن الخامس عشر: زعم في المصحف لحناً 239
الطعن السادس عشر: تقديمه الخطبتين في العيدين و قدم الصلاة عليهما 240
الطعن السابع عشر: إحداث الأذان يوم الجمعة زائد على ما سنّه رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) 242
الطعن الثامن عشر: مصادرة الدور حول المسجد الحرام لتوسعته و حبس من اعترض 244
الطعن التاسع عشر: عدم تمكّنه من الإتيان بالخطبة 244
الطعن العشرون: جهله بالأحكام 246
تذييل و تتميم: 253
نكير أُبيّ بن كعب: 269
نكير أبي ذر: 270
نكير عمّار بن ياسر: 279
نكير عبد اللّه بن مسعود: 281
نكير حذيفة بن اليمان: 283
نكير المقداد: 284
نكير عبد الرحمن بن حنبل القرشي: 285
نكير طلحة بن عبيد اللّه: 285
نكير الزبير بن العوّام: 287
نكير عبد الرحمن بن عوف: 288
نكير عمرو بن العاص: 290
نكير محمد بن مسلمة الأنصاري: 291
نكير أبي موسى: 292
نكير جبلة بن عمرو الساعدي: 292
نكير جهجاه بن عمرو الغفاري: 294
663
نكير عائشة 295
باب [26] الشورى و احتجاج أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) على القوم في ذلك اليوم 315
باب [27] احتجاج أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) على جماعة من المهاجرين و الأنصار لمّا تذاكروا فضلهم في أيّام خلافة عثمان و غيره ممّا احتجّ به في أيّام خلافة خلفاء الجور و بعدها 407
باب [28] ما جرى بين أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) و بين عثمان و ولاته و أعوانه و بعض أحواله 449
باب [29] كيفيّة قتل عثمان و ما احتجّ عليه القوم في ذلك و نسبه و تاريخه 475
باب [30] تبرّي أمير المؤمنين (عليه السلام) عن دم عثمان و عدم إنكاره أيضا 499
باب [31] ما ورد في لعن بني أميّة و بني العبّاس و كفرهم 507
باب [32] ما ورد في جميع الغاصبين و المرتدّين مجملًا 567
استدراك (تتميم) 587
ما ورد في أبي بكر 587
ما ورد في عمر 589
ما ورد في عثمان 598
ما ورد فيهما أو فيهم 600
ما ورد في عائشة و حفصة و بني أمية 638
ما ورد في أعداء آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) 648
الفهرس 661
