بحار الأنوار


الجزء الثالث


تأليف

العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي


جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

http://www.masaha.org


http://www.masaha.org

4

وَ اللَّهِ هِيَ الْكَرَامَةُ الَّتِي لَا يُشْبِهُهَا كَرَامَةُ الْآدَمِيِّينَ قَالَ ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)اعْمَلُوا قَلِيلًا تَتَنَعَّمُوا كَثِيراً.

7- يد، التوحيد الْهَمَدَانِيُّ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ زِيَادٍ الْكَرْخِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَنْ مَاتَ وَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئاً أَحْسَنَ أَوْ أَسَاءَ دَخَلَ الْجَنَّةَ.

يد، التوحيد القطان عن السكري عن الجوهري عن جعفر بن محمد بن عمارة عن أبيه عن جعفر بن محمد عن آبائه عن النبي(ص)مثله.

8 يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنِ ابْنِ أَسْبَاطٍ عَنِ الْبَطَائِنِيِ‏ (1) عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى‏ وَ أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ قَالَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى وَ لَا يُشْرِكَ بِي عَبْدِي شَيْئاً وَ أَنَا أَهْلٌ إِنْ لَمْ يُشْرِكْ بِي عَبْدِي شَيْئاً أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَ قَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَقْسَمَ بِعِزَّتِهِ وَ جَلَالِهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ أَهْلَ تَوْحِيدِهِ بِالنَّارِ أَبَداً.

9- يد، التوحيد السِّنَانِيُّ عَنِ الْأَسَدِيِّ عَنِ النَّخَعِيِّ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَالِمٍ‏ (2) عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى حَرَّمَ أَجْسَادَ الْمُوَحِّدِينَ عَلَى النَّارِ.

10- ثو، ثواب الأعمال يد، التوحيد أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَيْفٍ عَنْ أَخِيهِ‏

____________

(1) بالباء المفتوحة و الطاء المهملة المفتوحة و الالف ثمّ الهمزة المكسورة، هو عليّ بن أبي حمزة سالم المترجم في(ص)175 من رجال النجاشيّ بقوله: على بن أبي حمزة، و اسم أبى حمزة سالم البطائنى أبو الحسن، مولى الأنصار، كوفيّ. و كان قائد أبي بصير يحيى بن القاسم، و له أخ يسمى جعفر بن أبي حمزة، روى عن أبي الحسن موسى و روى عن أبي عبد اللّه (عليهما السلام)، ثمّ وقف؛ و هو أحد عمد الواقفة، و صنف كتبا عدة، منها: كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب التفسير و أكثره عن أبي بصير، كتاب جامع في أبواب الفقه- ثم ذكر طرقه إلى كتبه- و روى الكشّيّ في(ص)225 من كتابه روايات تدل على ذمه جدا-.

(2) هو البطائنى المتقدم.

1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ و الصلاة على سيد الموحدين و فخر العارفين محمد و أهل بيته الطاهرين الغر الميامين‏

كتاب التوحيد

و هو المجلد الثاني من كتاب بحار الأنوار تأليف المذنب الخاطي الخاسر محمد المدعو بباقر ابن مروج أخبار الأئمة الطاهرين و محيي آثار أهل بيت سيد المرسلين صلى الله عليه و آله أجمعين محمد الملقب بالتقي حشره الله تعالى مع مواليه شفعاء يوم الدين‏

باب 1 ثواب الموحدين و العارفين و بيان وجوب المعرفة و علته و بيان ما هو حق معرفته تعالى‏

1- يد، التوحيد لي، الأمالي للصدوق حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الْعَلَوِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ النَّهَاوَنْدِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمَّادٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ (1) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ الَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ بَشِيراً لَا يُعَذِّبُ اللَّهُ بِالنَّارِ مُوَحِّداً أَبَداً وَ إِنَّ أَهْلَ التَّوْحِيدِ لَيَشْفَعُونَ فَيُشَفَّعُونَ ثُمَّ قَالَ(ص)إِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَمَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بِقَوْمٍ سَاءَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي دَارِ الدُّنْيَا إِلَى النَّارِ فَيَقُولُونَ يَا رَبَّنَا كَيْفَ تُدْخِلُنَا النَّارَ وَ قَدْ كُنَّا نُوَحِّدُكَ فِي دَارِ الدُّنْيَا وَ كَيْفَ تُحْرِقُ بِالنَّارِ أَلْسِنَتَنَا وَ قَدْ نَطَقَتْ بِتَوْحِيدِكَ‏

____________

(1) بكسر العين المهملة و سكون الكاف و كسر الراء المهملة هو مولى ابن عبّاس يكنى أبا عبد اللّه كان من علماء العامّة، سمع من ابن عبّاس، مات سنة 105 و 107 على اختلاف و لم يرد من الاخبار أو علماء الرجال ما يدلّ على توثيقه.

3

عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ‏ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ مَا جَزَاءُ مَنْ أَنْعَمْتُ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إِلَّا الْجَنَّةُ.

ما، الأمالي للشيخ الطوسي شيخ الطائفة عن الحسين بن عبيد الله الغضائري عن الصدوق بالإسناد مثله- ما، الأمالي للشيخ الطوسي جماعة عن أبي المفضل عن أحمد بن إسحاق بن عباس بن إسحاق بن موسى بن جعفر عن أبيه عن جده عن أبيه موسى بن جعفر عن آبائه عن أمير المؤمنين(ع)مثله.

3- ما، الأمالي للشيخ الطوسي جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْعَلَوِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)التَّوْحِيدُ ثَمَنُ الْجَنَّةِ الْخَبَرَ.

4- ع، علل الشرائع ل، الخصال فِي خَبَرِ أَسْمَاءِ النَّبِيِّ وَ أَوْصَافِهِ(ص)وَ جَعَلَ اسْمِي فِي التَّوْرَاةِ أُحَيْدَ فَبِالتَّوْحِيدِ حَرَّمَ أَجْسَادَ أُمَّتِي عَلَى النَّارِ.

5- ثو، ثواب الأعمال يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ هِلَالٍ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ‏ مَا مِنْ شَيْ‏ءٍ أَعْظَمَ ثَوَاباً مِنْ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يَعْدِلُهُ شَيْ‏ءٌ وَ لَا يَشْرَكُهُ فِي الْأَمْرِ أَحَدٌ.

بيان لعل التعليل مبني على أنه إذا لم يعدله تعالى شي‏ء لا يعدل ما يتعلق بألوهيته و كماله و وحدانيته شي‏ء إذ هذه الكلمة الطيبة أدل الأذكار على وجوده و وحدانيته و اتصافه بالكمالات و تنزهه عن النقائص و يحتمل أن يكون المراد أنها لما كانت أصدق الأقوال فكانت أعظمها ثوابا.

6- يد، التوحيد ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ الْأَسَدِيِّ عَنِ النَّخَعِيِّ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى ضَمِنَ لِلْمُؤْمِنِ ضَمَاناً قَالَ قُلْتُ وَ مَا هُوَ قَالَ ضَمِنَ لَهُ إِنْ هُوَ أَقَرَّ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَ لِمُحَمَّدٍ(ص)بِالنُّبُوَّةِ وَ لِعَلِيٍّ(ع)بِالْإِمَامَةِ وَ أَدَّى مَا افْتَرَضَهُ عَلَيْهِ أَنْ يُسْكِنَهُ فِي جِوَارِهِ قَالَ قُلْتُ فَهَذِهِ‏

2

فِي دَارِ الدُّنْيَا وَ كَيْفَ تُحْرِقُ قُلُوبَنَا وَ قَدْ عَقَدَتْ عَلَى أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَمْ كَيْفَ تُحْرِقُ وُجُوهَنَا وَ قَدْ عَفَّرْنَاهَا لَكَ فِي التُّرَابِ‏ (1) أَمْ كَيْفَ تُحْرِقُ أَيْدِيَنَا وَ قَدْ رَفَعْنَاهَا بِالدُّعَاءِ إِلَيْكَ فَيَقُولُ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ عِبَادِي سَاءَتْ أَعْمَالُكُمْ فِي دَارِ الدُّنْيَا فَجَزَاؤُكُمْ نَارُ جَهَنَّمَ فَيَقُولُونَ يَا رَبَّنَا عَفْوُكَ أَعْظَمُ أَمْ خَطِيئَتُنَا فَيَقُولُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بَلْ عَفْوِي فَيَقُولُونَ رَحْمَتُكَ أَوْسَعُ أَمْ ذُنُوبُنَا فَيَقُولُ عَزَّ وَ جَلَّ بَلْ رَحْمَتِي فَيَقُولُونَ إِقْرَارُنَا بِتَوْحِيدِكَ أَعْظَمُ أَمْ ذُنُوبُنَا فَيَقُولُ تَعَالَى بَلْ إِقْرَارُكُمْ بِتَوْحِيدِي أَعْظَمُ فَيَقُولُونَ يَا رَبَّنَا فَلْيَسَعْنَا عَفْوُكَ وَ رَحْمَتُكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَيَقُولُ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ مَلَائِكَتِي وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي مَا خَلَقْتُ خَلْقاً أَحَبَّ إِلَيَّ مِنَ الْمُقِرِّينَ بِتَوْحِيدِي وَ أَنْ لَا إِلَهَ غَيْرِي وَ حَقٌّ عَلَيَّ أَنْ لَا أُصْلِيَ أَهْلَ تَوْحِيدِي أَدْخِلُوا عِبَادِيَ الْجَنَّةَ.

بيان قوله و حق علي الظاهر أنه اسم أي واجب و لازم علي و يمكن أن يقرأ على صيغة الماضي المعلوم و المجهول قال الجوهري قال الكسائي يقال حق لك أن تفعل هذا و حققت أن تفعل هذا بمعنى و حق له أن يفعل كذا و هو حقيق به و محقوق به أي خليق له و حق الشي‏ء يحق بالكسر أي وجب و قال يقال صليت الرجل نارا إذا أدخلته النار و جعلته يصلاها فإن ألقيته فيها إلقاء كأنك تريد الإحراق قلت أصليته بالألف و صليته تصلية و قال صلي فلان النار يصلى صليا احترق.

2- يد، التوحيد لي، الأمالي للصدوق الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى الْكِلَابِيِّ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (2) عَنْ أَبِيهِ‏

____________

(1) عفّر وجهه بالتراب أي مرغه و دسه فيه.

(2) هو صاحب كتاب الجعفريات، المترجم في(ص)19 من رجال النجاشيّ بأنّه سكن مصر و ولده بها، و له كتب يرويها عن أبيه، عن آبائه، منها: كتاب الطهارة، كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب الصوم، كتاب الحجّ، كتاب الجنائز، كتاب الطلاق، كتاب النكاح، كتاب الحدود، كتاب الدعاء، كتاب السنن و الآداب، كتاب الرؤيا. أخبرنا الحسين بن عبيد اللّه قال: حدّثنا أبو محمّد سهل بن أحمد بن سهل، قال: حدّثنا أبو عليّ محمّد بن محمّد الاشعث بن محمّد الكوفيّ بمصر قراءة عليه، قال حدّثنا موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر قال: حدّثنا أبى بكتبه انتهى. أقول: و يسمى الجعفريات الاشعثيات أيضا لرواية محمّد بن محمّد الاشعث ذلك، و للعلامة النوريّ حول الكتاب و صاحبه كلام في ج 3 من المستدرك(ص)290.

5

عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ (1) عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ (2) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّهُ قَالَ: الْمُوجِبَتَانِ مَنْ مَاتَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَ مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئاً يَدْخُلُ النَّارَ.

11- ثو، ثواب الأعمال لي، الأمالي للصدوق يد، التوحيد بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ سَيْفٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الصَّبَّاحِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ مَنْ أَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.

بيان إشارة إلى قوله تعالى‏ وَ خابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ

12- يد، التوحيد أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْخُوزِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ الْخُوزِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُوَيْبَارِيِّ وَ يُقَالُ لَهُ الْهَرَوِيُّ وَ النَّهْرَوَانِيُّ وَ الشَّيْبَانِيُّ عَنِ الرِّضَا عَلِيِّ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَا جَزَاءُ مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إِلَّا الْجَنَّةُ (3).

13- يد، التوحيد وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةٌ عَظِيمَةٌ كَرِيمَةٌ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَنْ قَالَهَا مُخْلِصاً اسْتَوْجَبَ الْجَنَّةَ وَ مَنْ قَالَهَا كَاذِباً عَصَمَتْ مَالَهُ وَ دَمَهُ وَ كَانَ مَصِيرُهُ إِلَى النَّارِ.

بيان قوله(ع)و من قالها كاذبا أي في الإخبار عن الإذعان لها و التصديق بها.

14- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) يد، التوحيد مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الشَّاهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبَّاسٍ الطَّائِيُّ بِالْبَصْرَةِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي فِي سَنَةِ سِتِّينَ وَ مِائَتَيْنِ قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا(ع)سَنَةَ أَرْبَعٍ وَ سِتِّينَ وَ مِائَةٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي‏

____________

(1) حكى عن رجال الشيخ انه عده من أصحاب الباقر و الصادق (عليهما السلام)، و عن تقريب أن حجاج بن ارطاة الكوفيّ القاضي أحد الفقهاء، صدوق كثير الخطاء و التدليس، من السابعة، مات سنة خمس و أربعين أي بعد المائة. انتهى. أقول: لم نقف في رجال الخاصّة على ما يدلّ على توثيقه.

(2) لم نقف على اسمه و على ما يدلّ على توثيقه، نعم ربما يستفاد ممّا ورد في(ص)27 و 29 من رجال الكشّيّ في ترجمة جابر بن عبد اللّه كون الرجل إماميا حيث روى عن جابر حديث «على خير البشر، فمن أبى فقد كفر» و يأتي الحديث في محله.

(3) تقدم مثله مع صدر تحت الرقم 2.

6

مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حِصْنِي فَمَنْ دَخَلَهُ أَمِنَ مِنْ عَذَابِي.

15- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) يد، التوحيد مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ النَّيْسَابُورِيُّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْخَزْرَجِيِّ عَنْ أَبِي الصَّلْتِ الْهَرَوِيِ‏ (1) قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا(ع)حِينَ رَحَلَ مِنْ نَيْسَابُورَ وَ هُوَ رَاكِبٌ بَغْلَةً شَهْبَاءَ فَإِذَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَ أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ وَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدْ تَعَلَّقُوا بِلِجَامِ بَغْلَتِهِ فِي الْمُرَبَّعَةِ فَقَالُوا بِحَقِّ آبَائِكَ الطَّاهِرِينَ حَدِّثْنَا بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ أَبِيكَ فَأَخْرَجَ رَأْسَهُ مِنَ الْعَمَّارِيَّةِ وَ عَلَيْهِ مِطْرَفُ خَزٍّ ذُو وَجْهَيْنِ وَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي الْعَبْدُ الصَّالِحُ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي الصَّادِقُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ بَاقِرُ عِلْمِ الْأَنْبِيَاءِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ سَيِّدُ الْعَابِدِينَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي سَيِّدُ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ(ص)يَقُولُ قَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ إِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِي وَ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ بِالْإِخْلَاصِ دَخَلَ فِي حِصْنِي وَ مَنْ دَخَلَ فِي حِصْنِي أَمِنَ مِنْ عَذَابِي.

بيان قال الجوهري الشهبة في الألوان البياض الذي غلب على السواد و قال المربع موضع القوم في الربيع خاصة أقول يحتمل أن يكون المراد بالمربعة الموضع المتسع الذي كانوا يخرجون إليه في الربيع للتنزه أو الموضع الذي كانوا يجتمعون فيه للعب من قولهم ربع الحجر إذا أشاله و رفعه لإظهار القوة و سمعت جماعة من أفاضل نيسابور أن المربعة اسم للموضع الذي عليه الآن نيسابور إذ كانت البلدة في زمانه(ع)في مكان آخر قريب من هذا الموضع و آثارها الآن معلومة و كان هذا الموضع من أعمالها و قراها و إنما كان يسمى بالمربعة لأنهم كانوا يقسمونه بالرباع‏

____________

(1) اسمه عبد السلام بن صالح و هو ثقة عند الخاصّة و العامّة، و من عدا الشيخ و العلامة في القسم الثاني من الخلاصة صرحوا بكون الرجل إماميا، و لكن الشيخ في رجاله و العلامة في القسم الثاني قالا: إنّه عامى.

7

الأربعة فكانوا يقولون ربع كذا و ربع كذا و قالوا هذا الاصطلاح الآن أيضا دائر بيننا معروف في دفاتر السلطان و غيرها و قال الجوهري المطرف و المطرف واحد المطارف و هي أردية من خز مربعة لها أعلام قال الفراء و أصله الضم لأنه في المعنى مأخوذ من أطرف أي جعل في طرفيه العلمان و لكنهم استثقلوا الضمة فكسروه.

16- ثو، ثواب الأعمال مع، معاني الأخبار ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) يد، التوحيد ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ الْأَسَدِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الصُّوفِيِّ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ قَالَ: لَمَّا وَافَى أَبُو الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)نَيْسَابُورَ وَ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا إِلَى الْمَأْمُونِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ فَقَالُوا لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ تَرْحَلُ عَنَّا وَ لَا تُحَدِّثُنَا بِحَدِيثٍ فَنَسْتَفِيدَهُ مِنْكَ وَ كَانَ قَدْ قَعَدَ فِي الْعَمَّارِيَّةِ فَأَطْلَعَ رَأْسَهُ وَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبِي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبِي مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبِي عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبِي الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ(ع)يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ سَمِعْتُ جَبْرَئِيلَ يَقُولُ سَمِعْتُ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حِصْنِي فَمَنْ دَخَلَ حِصْنِي أَمِنَ عَذَابِي قَالَ فَلَمَّا مَرَّتِ الرَّاحِلَةُ نَادَانَا بِشُرُوطِهَا وَ أَنَا مِنْ شُرُوطِهَا.

قال الصدوق (رحمه الله ) من شروطها الإقرار للرضا(ع)بأنه إمام من قبل الله عز و جل على العباد مفترض الطاعة عليهم.

17- يد، التوحيد أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ تَمِيمٍ السَّرَخْسِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّامِيِّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِسْرَائِيلَ عَنْ جَرِيرٍ (1) عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ (رحمه الله ) قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَمْشِي وَحْدَهُ لَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ قَالَ فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ فَالْتَفَتَ فَرَآنِي فَقَالَ مَنْ هَذَا قُلْتُ أَبُو ذَرٍّ جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ قَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ تَعَالَ فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْأَقَلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْراً فَنَفَخَ فِيهِ بِيَمِينِهِ وَ شِمَالِهِ وَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ وَرَاءَهُ وَ عَمِلَ فِيهِ خَيْراً قَالَ فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ اجْلِسْ هَاهُنَا

____________



(1) و في نسخة: عن حريز.

8

وَ أَجْلَسَنِي فِي قَاعٍ حَوْلَهُ حِجَارَةٌ فَقَالَ لِي اجْلِسْ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ قَالَ وَ انْطَلَقَ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى لَمْ أَرَهُ وَ تَوَارَى عَنِّي فَأَطَالَ اللَّبْثَ ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ(ع)وَ هُوَ مُقْبِلٌ وَ هُوَ يَقُولُ وَ إِنْ زَنَى وَ إِنْ سَرَقَ قَالَ فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ مَنْ تُكَلِّمُهُ فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ فَإِنِّي مَا سَمِعْتُ أَحَداً يَرُدُّ عَلَيْكَ شَيْئاً قَالَ ذَاكَ جَبْرَئِيلُ عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ فَقَالَ بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ شَيْئاً دَخَلَ الْجَنَّةَ قَالَ قُلْتُ يَا جَبْرَئِيلُ وَ إِنْ زَنَى وَ إِنْ سَرَقَ قَالَ نَعَمْ وَ إِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ-.

قال الصدوق (رحمه الله ) يعني بذلك أنه يوفق للتوبة حتى يدخل الجنة بيان قال الجزري فيه المكثرون هم المقلون إلا من نفخ فيه يمينه و شماله أي ضرب يديه فيه بالعطاء النفخ الضرب و الرمي.

أقول يظهر من الأخبار أن الإخلال بكل ما يجب الاعتقاد به و إنكاره يوجب الخروج عن الإسلام داخل في الشرك و التوحيد الموجب لدخول الجنة مشروط بعدمه‏ (1) فلا يلزم من ذلك دخول المخالفين الجنة (2) و أما أصحاب الكبائر من الشيعة فلا استبعاد في عدم دخولهم النار و إن عذبوا في البرزخ و في القيامة مع أنه ليس في الخبر أنهم لا يدخلون النار و قد ورد في بعض الأخبار أن ارتكاب بعض الكبائر و ترك بعض الفرائض أيضا داخلان في الشرك فلا ينبغي الاغترار بتلك الأخبار و الاجتراء بها على المعاصي و على ما عرفت لا حاجة إلى ما تكلفه الصدوق (قدس سره).

18- ما، الأمالي للشيخ الطوسي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَاذَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ بِلَالٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشِيرٍ الدَّهَّانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَمَاعَةَ قَالَ: سَأَلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الصَّادِقَ(ع)فَقَالَ لَهُ أَخْبِرْنِي أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ قَالَ تَوْحِيدُكَ لِرَبِّكَ قَالَ فَمَا أَعْظَمُ الذُّنُوبِ قَالَ تَشْبِيهُكَ لِخَالِقِكَ.

19- يد، التوحيد أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ غَالِبٍ الْأَنْمَاطِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ غَزْوَانَ‏

____________

(1) و في نسخة: و التوحيد مشروط بعدمه.

(2) سيأتي في أخبار البرزخ ما يدلّ على دخول المخالفين الجنة إذا لم يكونوا ناصبين كرواية زيد الكناسى عن الصادق (عليه السلام) و غيرها. ط.

9

عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)بَيْنَمَا رَجُلٌ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ وَ إِلَى النُّجُومِ وَ يَقُولُ وَ اللَّهِ إِنَّ لَكَ لَرَبّاً هُوَ خَالِقُكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي قَالَ فَنَظَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ فَغَفَرَ لَهُ.

قال الصدوق (رحمه الله ) و قد قال الله عز و جل‏ أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ يعني بذلك أ و لم يتفكروا في ملكوت السماوات و الأرض و في عجائب صنعها و لم ينظروا في ذلك نظر مستدل معتبر فيعرفوا بما يرون ما أقامه الله عز و جل من السماوات و الأرض‏ (1) مع عظم أجسامها و ثقلها على غير عمد و تسكينه إياها بغير آلة فيستدلوا بذلك على خالقها و مالكها و مقيمها أنه لا يشبه الأجسام و لا ما يتخذه الكافرون إلها من دون الله عز و جل إذ كانت الأجسام لا تقدر على إقامة الصغير من الأجسام في الهواء بغير عمد و بغير آلة فيعرفوا بذلك خالق السماوات و الأرض و سائر الأجسام و يعرفوا أنه لا يشبهها و لا تشبهه في قدرة الله و ملكه و أما ملكوت السماوات و الأرض فهو ملك الله لها و اقتداره عليها و أراد بذلك أ لم ينظروا و يتفكروا في السماوات‏ (2) و الأرض في خلق الله عز و جل إياهما على ما يشاهدونهما عليه فيعلموا أن الله عز و جل هو مالكها و المقتدر عليها لأنهما مملوكة مخلوقة و هي في قدرته و سلطانه و ملكه فجعل نظرهم في السماوات و الأرض و في خلق الله لها نظرا في ملكوتها و في ملك الله لها لأن الله عز و جل لا يخلق إلا ما يملكه و يقدر عليه و عنى بقوله‏ وَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ يعني من أصناف خلقه فيستدلوا به على أن الله خالقها و أنه أولى بالإلهية من الأجسام المحدثة المخلوقة.

20- يد، التوحيد عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي يَزِيدَ بْنِ مَحْبُوبٍ الْمُزَنِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عِيسَى الْبِسْطَامِيِّ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ‏

____________

(1) و في نسخة: و الأرضين.

(2) و في نسخة: فى ملكوت السماوات.

11

حَظْرُ الْفَسَادِ وَ الْأَمْرُ بِالصَّلَاحِ وَ النَّهْيُ عَنِ الْفَوَاحِشِ إِلَّا بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مَعْرِفَةِ الْآمِرِ وَ النَّاهِي فَلَوْ تُرِكَ النَّاسُ بِغَيْرِ إِقْرَارٍ بِاللَّهِ وَ لَا مَعْرِفَتِهِ لَمْ يَثْبُتْ أَمْرٌ بِصَلَاحٍ وَ لَا نَهْيٌ عَنْ فَسَادٍ إِذْ لَا آمِرَ وَ لَا نَاهِيَ وَ مِنْهَا أَنَّا وَجَدْنَا الْخَلْقَ قَدْ يُفْسِدُونَ بِأُمُورٍ بَاطِنِيَّةٍ (1) مَسْتُورَةٍ عَنِ الْخَلْقِ فَلَوْ لَا الْإِقْرَارُ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ خَشْيَتُهُ بِالْغَيْبِ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ إِذَا خَلَا بِشَهْوَتِهِ وَ إِرَادَتِهِ يُرَاقِبُ أَحَداً فِي تَرْكِ مَعْصِيَةٍ وَ انْتِهَاكِ حُرْمَةٍ وَ ارْتِكَابِ كَبِيرَةٍ إِذَا كَانَ فِعْلُهُ ذَلِكَ مَسْتُوراً عَنِ الْخَلْقِ غَيْرَ مُرَاقَبٍ لِأَحَدٍ وَ كَانَ يَكُونُ فِي ذَلِكَ هَلَاكُ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ فَلَمْ يَكُنْ قِوَامُ الْخَلْقِ وَ صَلَاحُهُمْ إِلَّا بِالْإِقْرَارِ مِنْهُمْ بِعَلِيمٍ خَبِيرٍيَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى‏ آمِرٍ بِالصَّلَاحِ نَاهٍ عَنِ الْفَسَادِ وَ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ لِيَكُونَ فِي ذَلِكَ انْزِجَارٌ لَهُمْ عَمَّا يَخْلُونَ بِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْفَسَادِ فَإِنْ قَالَ فَلِمَ وَجَبَ عَلَيْهِمُ الْإِقْرَارُ وَ الْمَعْرِفَةُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَاحِدٌ أَحَدٌ قِيلَ لِعِلَلٍ مِنْهَا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمُ الْإِقْرَارُ وَ الْمَعْرِفَةُ لَجَازَ أَنْ يَتَوَهَّمُوا مُدَبِّرَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَ إِذَا جَازَ ذَلِكَ لَمْ يَهْتَدُوا إِلَى الصَّانِعِ لَهُمْ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ كَانَ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ إِنَّمَا يَعْبُدُ غَيْرَ الَّذِي خَلَقَهُ وَ يُطِيعُ غَيْرَ الَّذِي أَمَرَهُ فَلَا يَكُونُونَ عَلَى حَقِيقَةٍ مِنْ صَانِعِهِمْ وَ خَالِقِهِمْ وَ لَا يَثْبُتُ عِنْدَهُمْ أَمْرُ آمِرٍ وَ لَا نَهْيُ نَاهٍ إِذْ لَا يَعْرِفُ الْآمِرَ بِعَيْنِهِ وَ لَا النَّاهِيَ مِنْ غَيْرِهِ وَ مِنْهَا أَنْ لَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ اثْنَيْنِ لَمْ يَكُنْ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ أَوْلَى بِأَنْ يُعْبَدَ وَ يُطَاعَ مِنَ الْآخَرِ وَ فِي إِجَازَةِ أَنْ يُطَاعَ ذَلِكَ الشَّرِيكُ إِجَازَةُ أَنْ لَا يُطَاعَ اللَّهُ وَ فِي أَنْ لَا يُطَاعَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْكُفْرُ بِاللَّهِ وَ بِجَمِيعِ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ وَ إِثْبَاتُ كُلِّ بَاطِلٍ وَ تَرْكُ كُلِّ حَقٍّ وَ تَحْلِيلُ كُلِّ حَرَامٍ وَ تَحْرِيمُ كُلِّ حَلَالٍ وَ الدُّخُولُ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ وَ الْخُرُوجُ مِنْ كُلِّ طَاعَةٍ وَ إِبَاحَةُ كُلِّ فَسَادٍ وَ إِبْطَالُ كُلِّ حَقٍّ وَ مِنْهَا أَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ لَجَازَ لِإِبْلِيسَ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ ذَلِكَ الْآخَرُ حَتَّى يُضَادَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي جَمِيعِ حُكْمِهِ وَ يَصْرِفَ الْعِبَادَ إِلَى نَفْسِهِ فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ أَعْظَمُ الْكُفْرِ وَ أَشَدُّ النِّفَاقِ فَإِنْ قَالَ فَلِمَ وَجَبَ عَلَيْهِمُ الْإِقْرَارُ بِاللَّهِ بِأَنَّهُ‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ قِيلَ لِعِلَلٍ مِنْهَا أَنْ يَكُونُوا قَاصِدِينَ نَحْوَهُ بِالْعِبَادَةِ وَ الطَّاعَةِ دُونَ غَيْرِهِ غَيْرَ مُشْتَبِهٍ عَلَيْهِمْ أَمْرُ رَبِّهِمْ وَ

____________



(1) و في نسخة: قد يفسدون بأمور باطنة.

10

أَبِي بَشِيرٍ الْعَنْبَرِيِّ عَنْ حُمْرَانَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَنْ مَاتَ وَ هُوَ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ حَقٌّ دَخَلَ الْجَنَّةَ.

- 21- يد، التوحيد الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُودٍ عَنْ حُمْرَانَ عَنْ مَالِكِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ‏ (1) عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: كُنْتُ رَدِفَ‏ (2) النَّبِيَّ(ص)قَالَ يَا مُعَاذُ هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى الْعِبَادِ يَقُولُهَا ثَلَاثاً قَالَ قُلْتُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)حَقُّ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ لَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ثُمَّ قَالَ(ص)هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ قَالَ قُلْتُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ أَوْ قَالَ أَنْ لَا يُدْخِلَهُمُ النَّارَ.

22- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّقِيِّ عَنْ آبَائِهِ(ع)عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَنِ النَّبِيِّ(ص)عَنْ جَبْرَئِيلَ سَيِّدِ الْمَلَائِكَةِ قَالَ: قَالَ اللَّهُ سَيِّدُ السَّادَاتِ جَلَّ وَ عَزَّ إِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا مَنْ أَقَرَّ لِي بِالتَّوْحِيدِ دَخَلَ حِصْنِي وَ مَنْ دَخَلَ حِصْنِي أَمِنَ عَذَابِي.

- 23- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ع، علل الشرائع فِي عِلَلِ الْفَضْلِ عَنِ الرِّضَا(ع)فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لِمَ أَمَرَ اللَّهُ الْخَلْقَ بِالْإِقْرَارِ بِاللَّهِ وَ بِرُسُلِهِ وَ حُجَجِهِ وَ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قِيلَ لِعِلَلٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا أَنَّ مَنْ لَمْ يُقِرَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يَجْتَنِبْ مَعَاصِيَهُ وَ لَمْ يَنْتَهِ عَنِ ارْتِكَابِ الْكَبَائِرِ وَ لَمْ يُرَاقِبْ أَحَداً فِيمَا يَشْتَهِي وَ يَسْتَلِذُّ مِنَ الْفَسَادِ وَ الظُّلْمِ فَإِذَا فَعَلَ النَّاسُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَ ارْتَكَبَ كُلُّ إِنْسَانٍ مَا يَشْتَهِي وَ يَهْوَاهُ مِنْ غَيْرِ مُرَاقَبَةٍ لِأَحَدٍ كَانَ فِي ذَلِكَ فَسَادُ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ وَ وُثُوبُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَغَصَبُوا الْفُرُوجَ وَ الْأَمْوَالَ وَ أَبَاحُوا الدِّمَاءَ وَ النِّسَاءَ وَ قَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً مِنْ غَيْرِ حَقٍّ وَ لَا جُرْمٍ فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ خَرَابُ الدُّنْيَا وَ هَلَاكُ الْخَلْقِ وَ فَسَادُ الْحَرْثِ وَ النَّسْلِ وَ مِنْهَا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ حَكِيمٌ وَ لَا يَكُونُ الْحَكِيمُ وَ لَا يُوصَفُ بِالْحِكْمَةِ إِلَّا الَّذِي يَحْظُرُ الْفَسَادَ وَ يَأْمُرُ بِالصَّلَاحِ وَ يَزْجُرُ عَنِ الظُّلْمِ وَ يَنْهَى عَنِ الْفَوَاحِشِ وَ لَا يَكُونُ‏

____________



(1) و في نسخة: عن الأسود بن بلال.

(2) الردف بالكسر: الراكب خلف الراكب كالرديف و المرتدف.

12

صَانِعِهِمْ وَ رَازِقِهِمْ وَ مِنْهَا أَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ لَمْ يَدْرُوا لَعَلَّ رَبَّهُمْ وَ صَانِعَهُمْ هَذِهِ الْأَصْنَامُ الَّتِي نَصَبَتْهَا لَهُمْ آبَاؤُهُمْ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النِّيرَانُ إِذَا كَانَ جَائِزاً أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِمْ مُشْتَبِهَةٌ (1) وَ كَانَ يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْفَسَادُ وَ تَرْكُ طَاعَاتِهِ كُلِّهَا وَ ارْتِكَابُ مَعَاصِيهِ كُلِّهَا عَلَى قَدْرِ مَا يَتَنَاهَى إِلَيْهِمْ مِنْ أَخْبَارِ هَذِهِ الْأَرْبَابِ وَ أَمْرِهَا وَ نَهْيِهَا وَ مِنْهَا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْرِفُوا أَنْ‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ لَجَازَ عِنْدَهُمْ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ مَا يَجْرِي عَلَى الْمَخْلُوقِينَ مِنَ الْعَجْزِ وَ الْجَهْلِ وَ التَّغَيُّرِ وَ الزَّوَالِ وَ الْفَنَاءِ وَ الْكَذِبِ وَ الِاعْتِدَاءِ وَ مَنْ جَازَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ لَمْ يُؤْمَنْ فَنَاؤُهُ وَ لَمْ يُوثَقْ بِعَدْلِهِ وَ لَمْ يُحَقَّقْ قَوْلُهُ وَ أَمْرُهُ وَ نَهْيُهُ وَ وَعْدُهُ وَ وَعِيدُهُ وَ ثَوَابُهُ وَ عِقَابُهُ وَ فِي ذَلِكَ فَسَادُ الْخَلْقِ وَ إِبْطَالُ الرُّبُوبِيَّةِ.

24- ثو، ثواب الأعمال أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى وَ ابْنِ هَاشِمٍ وَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْكُوفِيِّ جَمِيعاً عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَيْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ الْمَدِينِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا قَالَ كَتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ كِتَاباً قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ بِأَلْفَيْ عَامٍ فِي وَرَقِ آسٍ ثُمَّ وَضَعَهَا عَلَى الْعَرْشِ ثُمَّ نَادَى يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي أَعْطَيْتُكُمْ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُونِي وَ غَفَرْتُ لَكُمْ قَبْلَ أَنْ تَسْتَغْفِرُونِي فَمَنْ لَقِيَنِي مِنْكُمْ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدِي وَ رَسُولِي أَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي.

25- سن، المحاسن الْوَشَّاءُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَائِذٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ السَّوَّاقِ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: يَا أَبَانُ إِذَا قَدِمْتَ الْكُوفَةَ فَارْوِ هَذَا الْحَدِيثَ مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصاً وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ قَالَ قُلْتُ لَهُ إِنَّهُ يَأْتِينِي كُلُّ صِنْفٍ مِنَ الْأَصْنَافِ فَأَرْوِي لَهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ نَعَمْ يَا أَبَانُ إِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَ جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ فَيُسْلَبُ مِنْهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِلَّا مَنْ كَانَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ.

سن، المحاسن ابن محبوب عن عمرو بن أبي المقدام عن أبان بن تغلب‏ مثله.

26- سن، المحاسن صَالِحُ بْنُ السِّنْدِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ الصَّبَّاحِ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ‏

____________



(1) في نسخة: مشبها.

13

إِلَّا اللَّهُ فَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ قَالَ قُلْتُ فَعَلَامَ تَخَاصُمُ النَّاسِ إِذَا كَانَ مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ فَقَالَ إِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَسُوهَا.

27- صح، صحيفة الرضا (عليه السلام) عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حِصْنِي فَمَنْ دَخَلَ حِصْنِي أَمِنَ مِنْ عَذَابِي.

28- ضا، فقه الرضا (عليه السلام) نَرْوِي‏ أَنَّ رَجُلًا أَتَى أَبَا جَعْفَرٍ(ع)فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنَّهُ قَالَ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)الْخَبَرُ حَقٌّ فَوَلَّى الرَّجُلُ مُدْبِراً فَلَمَّا خَرَجَ أَمَرَ بِرَدِّهِ ثُمَّ قَالَ يَا هَذَا إِنَّ لِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ شُرُوطاً أَلَا وَ إِنِّي مِنْ شُرُوطِهَا.

29- غو، غوالي اللئالي قَالَ النَّبِيُّ(ص)مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَ إِنْ زَنَى وَ إِنْ سَرَقَ‏ (1).

30- ما، الأمالي للشيخ الطوسي جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مُعَتِّبٍ مَوْلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ(ع)(2) قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ(ص)فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لِلْجَنَّةِ مِنْ ثَمَنٍ قَالَ نَعَمْ قَالَ مَا ثَمَنُهَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَقُولُهَا الْعَبْدُ مُخْلِصاً بِهَا قَالَ وَ مَا إِخْلَاصُهَا قَالَ الْعَمَلُ بِمَا بُعِثْتُ بِهِ فِي حَقِّهِ وَ حُبُّ أَهْلِ بَيْتِي قَالَ فِدَاكَ أَبِي وَ أُمِّي وَ إِنَّ حُبَّ أَهْلِ الْبَيْتِ لَمِنْ حَقِّهَا قَالَ إِنَّ حُبَّهُمْ لَأَعْظَمُ حَقِّهَا.

31 كَنْزُ الْكَرَاجُكِيِّ، رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ رَفَعَ دَرَجَةَ اللِّسَانِ فَأَنْطَقَهُ بِتَوْحِيدِهِ مِنْ بَيْنِ الْجَوَارِحِ.

32- ضا، فقه الرضا (عليه السلام)إِنَّ أَوَّلَ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ وَ أَوْجَبَ عَلَى خَلْقِهِ مَعْرِفَةُ الْوَحْدَانِيَّةِ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى‏ وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ‏ يَقُولُ مَا عَرَفُوا اللَّهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ.

33- وَ نَرْوِي عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ‏ مَا جَزَاءُ مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَعْرِفَةِ إِلَّا الْجَنَّةُ (3).

____________

(1) تقدم الحديث مسندا عن التوحيد تحت الرقم 17.

(2) في الأمالي المطبوع: عن جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ.

(3) تقدم الحديث مسندا عن التوحيد و الأمالي تحت الرقم 2.

14

34- وَ أَرْوِي‏ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ التَّصْدِيقُ وَ التَّسْلِيمُ وَ الْإِخْلَاصُ فِي السِّرِّ وَ الْعَلَانِيَةِ.

وَ أَرْوِي‏ أَنَّ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ أَنْ تُطِيعَ وَ لَا تَعْصِيَ وَ تَشْكُرَ وَ لَا تَكْفُرَ.

35- مص، مصباح الشريعة قَالَ الصَّادِقُ(ع)الْعَارِفُ شَخْصُهُ مَعَ الْخَلْقِ وَ قَلْبُهُ مَعَ اللَّهِ لَوْ سَهَا قَلْبُهُ عَنِ اللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لَمَاتَ شَوْقاً إِلَيْهِ وَ الْعَارِفُ أَمِينُ وَدَائِعِ اللَّهِ وَ كَنْزُ أَسْرَارِهِ وَ مَعْدِنُ نُورِهِ وَ دَلِيلُ رَحْمَتِهِ عَلَى خَلْقِهِ وَ مَطِيَّةُ عُلُومِهِ وَ مِيزَانُ فَضْلِهِ وَ عَدْلِهِ قَدْ غَنِيَ عَنِ الْخَلْقِ وَ الْمُرَادِ وَ الدُّنْيَا فَلَا مُونِسَ لَهُ سِوَى اللَّهِ وَ لَا نُطْقَ وَ لَا إِشَارَةَ وَ لَا نَفَسَ إِلَّا بِاللَّهِ وَ لِلَّهِ وَ مِنَ اللَّهِ وَ مَعَ اللَّهِ فَهُوَ فِي رِيَاضِ قُدْسِهِ مُتَرَدِّدٌ وَ مِنْ لَطَائِفِ فَضْلِهِ إِلَيْهِ مُتَزَوِّدٌ وَ الْمَعْرِفَةُ أَصْلٌ فَرْعُهُ الْإِيمَانُ.

36- جع، جامع الأخبار جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَالَ مَا رَأْسُ الْعِلْمِ قَالَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ قَالَ وَ مَا حَقُّ مَعْرِفَتِهِ قَالَ أَنْ تَعْرِفَهُ بِلَا مِثَالٍ وَ لَا شَبَهٍ وَ تَعْرِفَهُ إِلَهاً وَاحِداً خَالِقاً قَادِراً أَوَّلًا وَ آخِراً وَ ظَاهِراً وَ بَاطِناً لَا كُفْوَ لَهُ وَ لَا مِثْلَ لَهُ فَذَاكَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ.

37- جع، جامع الأخبار قَالَ النَّبِيُّ(ص)أَفْضَلُكُمْ إِيمَاناً أَفْضَلُكُمْ مَعْرِفَةً.

38- أَقُولُ، رَوَى الصَّدُوقُ (رحمه الله ) فِي كِتَابِ صِفَاتِ الشِّيعَةِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ رَفَعَهُ إِلَى أَحَدِهِمْ(ع)أَنَّهُ قَالَ: بَعْضُكُمْ أَكْثَرُ صَلَاةً مِنْ بَعْضٍ وَ بَعْضُكُمْ أَكْثَرُ حَجّاً مِنْ بَعْضٍ وَ بَعْضُكُمْ أَكْثَرُ صَدَقَةً مِنْ بَعْضٍ وَ بَعْضُكُمْ أَكْثَرُ صِيَاماً مِنْ بَعْضٍ وَ أَفْضَلُكُمْ أَفْضَلُكُمْ مَعْرِفَةً.

39- ما، الأمالي للشيخ الطوسي جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ عَنْ خَالِهِ أَبِي الصَّلْتِ الْهَرَوِيِّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ الرِّضَا(ع)لَمَّا دَخَلَ نَيْسَابُورَ وَ هُوَ رَاكِبٌ بَغْلَةً شَهْبَاءَ وَ قَدْ خَرَجَ عُلَمَاءُ نَيْسَابُورَ فِي اسْتِقْبَالِهِ فَلَمَّا صَارَ إِلَى الْمُرَبَّعَةِ تَعَلَّقُوا بِلِجَامِ بَغْلَتِهِ وَ قَالُوا يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ حَدِّثْنَا بِحَقِّ آبَائِكَ الطَّاهِرِينَ حَدِيثاً عَنْ آبَائِكَ (صلوات الله عليهم أجمعين) فَأَخْرَجَ رَأْسَهُ مِنَ الْهَوْدَجِ وَ عَلَيْهِ مِطْرَفُ خَزٍّ فَقَالَ حَدَّثَنِي أَبِي مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ- عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ سَيِّدِ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَالَ أَخْبَرَنِي جَبْرَئِيلُ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَنِ اللَّهِ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ وَ جَلَّ وَجْهُهُ قَالَ إِنِّي‏

15

أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي عِبَادِي فَاعْبُدُونِي وَ لْيَعْلَمْ مَنْ لَقِيَنِي مِنْكُمْ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصاً بِهَا أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ حِصْنِي وَ مَنْ دَخَلَ حِصْنِي أَمِنَ عَذَابِي قَالُوا يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَ مَا إِخْلَاصُ الشَّهَادَةِ لِلَّهِ قَالَ طَاعَةُ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ وَلَايَةُ أَهْلِ بَيْتِهِ ع.

باب 2 علة احتجاب الله عز و جل عن خلقه‏

1- ع، علل الشرائع الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بُنْدَارَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ خَادِمِ الرِّضَا(ع)(1) قَالَ: قَالَ بَعْضُ الزَّنَادِقَةِ لِأَبِي الْحَسَنِ(ع)لِمَ احْتَجَبَ اللَّهُ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ(ع)إِنَّ الْحِجَابَ عَنِ الْخَلْقِ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِمْ‏ (2) فَأَمَّا هُوَ فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فِي آنَاءِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ قَالَ فَلِمَ لَا تُدْرِكُهُ حَاسَّةُ الْبَصَرِ قَالَ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ خَلْقِهِ الَّذِينَ تُدْرِكُهُمْ حَاسَّةُ الْأَبْصَارِ ثُمَّ هُوَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ تُدْرِكَهُ الْأَبْصَارُ أَوْ يُحِيطَ بِهِ وَهْمٌ أَوْ يَضْبِطَهُ عَقْلٌ قَالَ فَحُدَّهُ لِي قَالَ إِنَّهُ لَا يُحَدُّ قَالَ لِمَ قَالَ لِأَنَّ كُلَّ مَحْدُودٍ مُتَنَاهٍ إِلَى حَدٍّ فَإِذَا احْتَمَلَ التَّحْدِيدُ احْتَمَلَ الزِّيَادَةُ وَ إِذَا احْتَمَلَ الزِّيَادَةُ احْتَمَلَ النُّقْصَانُ فَهُوَ غَيْرُ مَحْدُودٍ وَ لَا مُتَزَايِدٍ وَ لَا مُتَجَزٍّ وَ لَا مُتَوَهَّمٍ.

2- ع، علل الشرائع عَلِيُّ بْنُ حَاتِمٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ حَمْدَانَ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)لِأَيِّ عِلَّةٍ حَجَبَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْخَلْقَ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بَنَاهُمْ بُنْيَةً عَلَى الْجَهْلِ فَلَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْظُرُونَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَمَا كَانُوا بِالَّذِينَ يَهَابُونَهُ وَ لَا يُعَظِّمُونَهُ نَظِيرُ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ إِذَا نَظَرَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ أَوَّلَ مَرَّةٍ عَظَّمَهُ فَإِذَا أَتَتْ عَلَيْهِ أَيَّامٌ وَ هُوَ يَرَاهُ لَا يَكَادُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ إِذَا مَرَّ بِهِ وَ لَا يُعَظِّمُهُ ذَلِكَ التَّعْظِيمَ.

بيان لعل المراد بالنظر الألطاف الخاصة التي تستلزم غاية العرفان و الوصول‏

____________

(1) لم نجد له ذكرا في كتب الرجال.

(2) لعل السؤال كان عن احتجابه تعالى عن القلوب، أو حمل (عليه السلام) السؤال على ذلك، و ربما يؤيد الأول سؤاله ثانيا بقوله: فلم لا تدركه حاسة البصر؟.

16

أي لو كانت مبذولة لعامة الناس لكانت لعدم استحقاقهم ذلك مورثا لتهاونهم بربهم أو النظر إلى آثار عظمته التي لا تظهر إلا للأنبياء و الأوصياء(ع)كنزول الملائكة و عروجهم و مواقفهم و منازلهم و العرش و الكرسي و اللوح و القلم و غيرها على أنه يحتمل أن يكون دليلا آخر مع التنزل عن استحالة إدراكه بالبصر على وفق الأفهام العامية.

باب 3 إثبات الصانع و الاستدلال بعجائب صنعه على وجوده و علمه و قدرته و سائر صفاته‏

الآيات البقرة الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَ السَّماءَ بِناءً وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏ و قال تعالى‏ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏ يونس‏ إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ‏ و قال‏ قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما تُغْنِي الْآياتُ وَ النُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ‏ الرعد اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ وَ هُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَ أَنْهاراً وَ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَ جَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ صِنْوانٌ وَ غَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى‏ بِماءٍ واحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى‏ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏ إبراهيم‏ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ

17

وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ الحجر وَ لَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَ زَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ وَ حَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها وَ أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْزُونٍ وَ جَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَ ما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ وَ إِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَ نُمِيتُ وَ نَحْنُ الْوارِثُونَ‏ النحل‏ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَ الْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْ‏ءٌ وَ مَنافِعُ وَ مِنْها تَأْكُلُونَ وَ لَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَ حِينَ تَسْرَحُونَ وَ تَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى‏ بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ وَ الْخَيْلَ وَ الْبِغالَ وَ الْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَ زِينَةً وَ يَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ‏ و قال تعالى‏ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَ مِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَ الزَّيْتُونَ وَ النَّخِيلَ وَ الْأَعْنابَ وَ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَ ما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ وَ هُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَ تَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَ أَلْقى‏ فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَ أَنْهاراً وَ سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ‏ و قال تعالى‏ وَ اللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ وَ إِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَ دَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ وَ مِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَ الْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَ رِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَ أَوْحى‏ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى‏ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ

18

و قال تعالى‏ وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَ حَفَدَةً وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَ بِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ‏ و قال تعالى‏ وَ اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَ يَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَ مِنْ أَصْوافِها وَ أَوْبارِها وَ أَشْعارِها أَثاثاً وَ مَتاعاً إِلى‏ حِينٍ وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَ جَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَ سَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ‏ الإسراء وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا و قال تعالى‏ رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً وَ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَ كانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً طه‏ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَ سَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى كُلُوا وَ ارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى‏ مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى‏ الأنبياء أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ وَ جَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَ جَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ هُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ‏

19

المؤمنون‏ وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَ إِنَّا عَلى‏ ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَ مِنْها تَأْكُلُونَ وَ شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَ صِبْغٍ لِلْآكِلِينَ وَ إِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَ لَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَ مِنْها تَأْكُلُونَ وَ عَلَيْها وَ عَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ‏ و قال تعالى‏ وَ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وَ هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ وَ لَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ‏ و قال تعالى‏ قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُوَ يُجِيرُ وَ لا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ‏ النور أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ وَ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ وَ اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ بَطْنِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ رِجْلَيْنِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ الفرقان‏ أَ لَمْ تَرَ إِلى‏ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَ لَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَ النَّوْمَ سُباتاً وَ جَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً وَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَ نُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَ أَناسِيَّ كَثِيراً و قال تعالى‏ وَ هُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَ هذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَ جَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَ حِجْراً مَحْجُوراً وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً وَ كانَ رَبُّكَ قَدِيراً و قال تعالى‏

21

و قال تعالى‏ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ هُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ لقمان‏ خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَ أَلْقى‏ فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ و قال تعالى‏ أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى وَ أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَ أَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ وَ إِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ التنزيل‏ أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَ أَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ‏ فاطر الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى‏ وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَ ما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏ و قال تعالى‏ وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً و قال تعالى‏ أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَ مِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَ حُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَ غَرابِيبُ سُودٌ وَ مِنَ النَّاسِ وَ الدَّوَابِّ وَ الْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ يس‏ وَ آيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَ أَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَ جَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنابٍ وَ فَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَ ما

20

تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَ جَعَلَ فِيها سِراجاً وَ قَمَراً مُنِيراً وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً الشعراء أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ‏ القصص‏ قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَ فَلا تَسْمَعُونَ قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَ فَلا تُبْصِرُونَ وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ العنكبوت‏ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ‏ و قال تعالى‏ وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ‏ و قال تعالى‏ فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ‏ الروم‏ وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ وَ مِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ وَ مِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ‏ و قال عز و جل‏ وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَ لِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ و قال تعالى‏ اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَ يَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ فَانْظُرْ إِلى‏ آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى‏ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ

22

عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَ فَلا يَشْكُرُونَ سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ مِمَّا لا يَعْلَمُونَ وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ وَ آيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَ خَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ وَ إِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَ لا هُمْ يُنْقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَ مَتاعاً إِلى‏ حِينٍ‏ و قال تعالى‏ أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ وَ ذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَ مِنْها يَأْكُلُونَ وَ لَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَ مَشارِبُ أَ فَلا يَشْكُرُونَ‏ و قال سبحانه‏ أَ وَ لَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ‏ الصافات‏ فَاسْتَفْتِهِمْ أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ‏ الزمر خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَ يُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ‏ و قال تعالى‏ أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى‏ لِأُولِي الْأَلْبابِ‏ المؤمن‏ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَ يُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَ ما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ‏

23

و قال تعالى‏ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ النَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَ السَّماءَ بِناءً وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَ أُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَ لِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ فَإِذا قَضى‏ أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏ و قال عز و جل‏ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَ مِنْها تَأْكُلُونَ وَ لَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَ لِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَ عَلَيْها وَ عَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ وَ يُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ‏ فصلت‏ قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَ بارَكَ فِيها وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَ أَوْحى‏ فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ حِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ‏ و قال تعالى‏ سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحِيطٌ حمعسق‏ فاطِرُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَ مِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ‏ و قال تعالى‏ وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَ هُوَ عَلى‏ جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ و قال سبحانه‏ وَ مِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى‏ ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَ يَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ وَ يَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ‏

24

الزخرف‏ وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَ جَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَ الَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ وَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَ الْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلى‏ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَ تَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَ إِنَّا إِلى‏ رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ‏ الجاثية إِنَّ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ فِي خَلْقِكُمْ وَ ما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏ و قال تعالى‏ اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏ و قال سبحانه‏ وَ قالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ‏ الذاريات‏ وَ فِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ‏ و قال جل و علا وَ السَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَ إِنَّا لَمُوسِعُونَ وَ الْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ وَ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏ الطور أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْ‏ءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ‏ الرحمن‏ الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ‏ إلى آخر الآيات الواقعة نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَ ما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى‏ أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَ نُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى‏ فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً

26

شَقًّا فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَ عِنَباً وَ قَضْباً وَ زَيْتُوناً وَ نَخْلًا وَ حَدائِقَ غُلْباً وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ‏ الغاشية أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَ إِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَ إِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ‏

1- ج، الإحتجاج عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه)وَ لَوْ فَكَّرُوا فِي عَظِيمِ الْقُدْرَةِ وَ جَسِيمِ النِّعْمَةِ لَرَجَعُوا إِلَى الطَّرِيقِ وَ خَافُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ وَ لَكِنِ الْقُلُوبُ عَلِيلَةٌ وَ الْأَبْصَارُ مَدْخُولَةٌ (1) أَ فَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى صَغِيرِ مَا خَلَقَ كَيْفَ أَحْكَمَ خَلْقَهُ وَ أَتْقَنَ تَرْكِيبَهُ وَ فَلَقَ لَهُ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ سَوَّى لَهُ الْعَظْمَ وَ الْبَشَرَ انْظُرُوا إِلَى النَّمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا وَ لِطَافَةِ هَيْئَتِهَا لَا تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ وَ لَا بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا وَ ضَنَّتْ عَلَى رِزْقِهَا (2) تَنْقُلُ الْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا وَ تُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا وَ فِي وُرُودِهَا لِصُدُورِهَا (3) مَكْفُولٌ بِرِزْقِهَا مَرْزُوقَةٌ بِوَفْقِهَا لَا يُغْفِلُهَا الْمَنَّانُ وَ لَا يَحْرِمُهَا الدَّيَّانُ وَ لَوْ فِي الصَّفَا الْيَابِسِ وَ الْحَجَرِ الْجَامِسِ لَوْ فَكَّرْتَ فِي مَجَارِي أَكْلِهَا وَ فِي عُلْوِهَا وَ سُفْلِهَا وَ مَا فِي الْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطْنِهَا وَ مَا فِي الرَّأْسِ مِنْ عَيْنِهَا وَ أُذُنِهَا لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً وَ لَقِيتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً فَتَعَالَى الَّذِي أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا وَ بَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا لَمْ يَشْرَكْهُ فِي فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ وَ لَمْ يُعِنْهُ عَلَى خَلْقِهَا قَادِرٌ وَ لَوْ ضَرَبْتَ فِي مَذَاهِبِ فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ غَايَاتِهِ مَا دَلَّتْكَ الدَّلَالَةُ إِلَّا عَلَى أَنَّ فَاطِرَ النَّمْلَةِ هُوَ فَاطِرُ النَّحْلَةِ لِدَقِيقِ تَفْصِيلِ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ غَامِضِ اخْتِلَافِ كُلِّ حَيٍّ وَ مَا الْجَلِيلُ وَ اللَّطِيفُ وَ الثَّقِيلُ وَ الْخَفِيفُ وَ الْقَوِيُّ وَ الضَّعِيفُ فِي خَلْقِهِ إِلَّا سَوَاءٌ كَذَلِكَ السَّمَاءُ وَ الْهَوَاءُ وَ الرِّيحُ وَ الْمَاءُ فَانْظُرْ إِلَى الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ النَّبَاتِ وَ الشَّجَرِ وَ الْمَاءِ وَ الْحَجَرِ وَ اخْتِلَافِ هَذَا اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ تَفَجُّرِ هَذِهِ الْبِحَارِ وَ كَثْرَةِ هَذِهِ الْجِبَالِ وَ طُولِ هَذِهِ الْقِلَالِ وَ تَفَرُّقِ هَذِهِ اللُّغَاتِ وَ الْأَلْسُنِ الْمُخْتَلِفَاتِ فَالْوَيْلُ لِمَنْ أَنْكَرَ الْمُقَدِّرَ وَ جَحَدَ الْمُدَبِّرَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ كَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارِعٌ وَ لَا لِاخْتِلَافِ صُوَرِهِمْ صَانِعٌ لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى حُجَّةٍ فِيمَا ادَّعَوْا وَ لَا تَحْقِيقٍ لِمَا وَعَوْا وَ هَلْ يَكُونُ بِنَاءٌ مِنْ غَيْرِ بَانٍ‏

____________



(1) و في نسخة: و البصائر مدخولة.

(2) و في نسخة من الكتاب و الاحتجاج المطبوع: كيف صبت على رزقها.

(3) و في نسخة: لصدرها.

25

وَ مَتاعاً لِلْمُقْوِينَ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ‏ الطلاق‏ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ وَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً الملك‏ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى‏ فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى‏ مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ‏ و قال تعالى‏ أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَ يَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ بَصِيرٌ و قال سبحانه‏ أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَ نُفُورٍ و قال تعالى‏ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ‏ و قال سبحانه‏ قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ‏ المرسلات‏ أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ إِلى‏ قَدَرٍ مَعْلُومٍ فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَ أَمْواتاً وَ جَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَ أَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏ النبأ أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَ الْجِبالَ أَوْتاداً وَ خَلَقْناكُمْ أَزْواجاً وَ جَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً وَ بَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً وَ جَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً وَ أَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَ نَباتاً وَ جَنَّاتٍ أَلْفافاً النازعات‏ أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَ أَغْطَشَ لَيْلَها وَ أَخْرَجَ ضُحاها وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَ مَرْعاها وَ الْجِبالَ أَرْساها مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ‏ عبس‏ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى‏ طَعامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ‏

27

أَوْ جِنَايَةٌ مِنْ غَيْرِ جَانٍ وَ إِنْ شِئْتَ قُلْتَ فِي الْجَرَادَةِ إِذْ خَلَقَ لَهَا عَيْنَيْنِ حَمْرَاوَيْنِ وَ أَسْرَجَ لَهَا حَدَقَتَيْنِ قَمْرَاوَيْنِ وَ جَعَلَ لَهَا السَّمْعَ الْخَفِيَّ وَ فَتَحَ لَهَا الْفَمَ السَّوِيَّ وَ جَعَلَ لَهَا الْحِسَّ الْقَوِيَّ وَ نَابَيْنِ بِهِمَا تَقْرِضُ وَ مِنْجَلَيْنِ بِهِمَا تَقْبِضُ تَرْهَبُهَا الزُّرَّاعُ فِي زَرْعِهِمْ وَ لَا يَسْتَطِيعُونَ ذَبَّهَا وَ لَوْ أَجْلَبُوا بِجَمْعِهِمْ حَتَّى تَرِدَ الْحَرْثَ فِي نَزَوَاتِهَا وَ تَقْضِيَ مِنْهُ شَهَوَاتِهَا وَ خَلْقُهَا كُلُّهُ لَا يَكُونُ إِصْبَعاً مُسْتَدِقَّةً فَتَبَارَكَ الَّذِي يَسْجُدُ لَهُ‏ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ يُعَفِّرُ لَهُ خَدّاً وَ وَجْهاً وَ يُلْقِي بِالطَّاعَةِ إِلَيْهِ سِلْماً وَ ضَعْفاً وَ يُعْطِي لَهُ الْقِيَادَ رَهْبَةً وَ خَوْفاً فَالطَّيْرُ مُسَخَّرَةٌ لِأَمْرِهِ أَحْصَى عَدَدَ الرِّيشِ مِنْهَا وَ النَّفَسِ وَ أَرْسَى قَوَائِمَهَا عَلَى النَّدَى وَ الْيَبَسِ قَدَّرَ أَقْوَاتَهَا وَ أَحْصَى أَجْنَاسَهَا فَهَذَا غُرَابٌ وَ هَذَا عُقَابٌ وَ هَذَا حَمَامٌ وَ هَذَا نَعَامٌ دَعَا كُلَّ طَائِرٍ بِاسْمِهِ وَ كَفَلَ لَهُ بِرِزْقِهِ وَ أَنْشَأَ السَّحَابَ الثِّقَالَ فَأَهْطَلَ دِيَمَهَا وَ عَدَّدَ قِسَمَهَا فَبَلَّ الْأَرْضَ بَعْدَ جُفُوفِهَا وَ أَخْرَجَ نَبْتَهَا بَعْدَ جُدُوبِهَا.

إيضاح مدخولة أي معيوبة من الدخل بالتحريك و هو العيب و الغش و الفساد و فلق أي شق و البشر ظاهر جلد الإنسان و لا بمستدرك الفكر إما مصدر ميمي أي بإدراك الفكر أو اسم مفعول من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف‏ (1) أي بإدراك الفكر الذي يدركه الإنسان بغاية سعيه أو اسم مكان و الباء بمعنى في أي في محل إدراكه و الغرض المبالغة في صغرها بحيث لا يمكن إدراك تفاصيل أعضائه لا بالنظر و لا بالفكر كيف دبت أي نشت و ضنت بالضاد المعجمة و النون أي بخلت و في بعض النسخ صبت بالصاد المهملة و الباء الموحدة على بناء المجهول إما على القلب أي صب عليها الرزق أو كناية عن هجومها و اجتماعها على رزقها بإلهامه تعالى فكأنها صبت على الرزق و يمكن أن يقرأ على بناء المعلوم من الصبابة و هي حرارة الشوق لصدرها الصدر بالتحريك رجوع المسافر من مقصده و الشاربة من الورد أي تجمع في أيام التمكن من الحركة لأيام العجز عنها فإنها تخفي في شدة الشتاء لعجزها عن البرد و المنان هو كثير المن و العطاء و الديان القهار و القاضي و الحاكم و السائس و

____________

(1) في بعض النسخ: إلى الموصوف الخاص، و المراد بالفكر الذي يدركه الإنسان بغاية سعيه.

28

المجازي و الصفا مقصورا جمع الصفاة و هي الحجر الصلد الضخم الذي لا ينبت و الجامس اليابس الجامد قال الخليل في كتاب العين جمس الماء جمد و صخرة جامسة لزمت مكانا انتهى و الضمير في علوها و سفلها إما راجع إلى المجاري أو إلى النملة أي ارتفاع أجزاء بدنها و انخفاضها على وجه تقتضيه الحكمة و قال الجوهري الشراسيف مقاط الأضلاع و هي أطرافها التي تشرف على البطن و يقال الشرسوف غضروف معلق بكل ضلع مثل غضروف الكتف لقضيت من خلقها عجبا القضاء بمعنى الأداء أي لأديت عجبا و يحتمل أن يكون بمعنى الموت أي لقضيت نحبك من شدة تعجبك و يكون عجبا مفعولا لأجله و لو ضربت أي سرت كما قال تعالى‏ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ‏ غاياته أي غايات فكرك إلا سواء أي في دقة الصنعة و غموض الخلقة أو في الدلالة على الفاطر و كمال قدرته و علمه و القلال بالكسر جمع قلة بالضم و هي أعلى الجبل زعموا أنهم كالنبات أي كما زعموا في النبات أو كنبات لا زارع له حيث لا ينسب إلى الزارع و إن نسب إلى ربه تعالى لما وعوا أي جمعوا و حفظوا و أسرج لها حدقتين أي جعلهما مضيئتين كالسراج و يقال حدقة قمراء أي منيرة كما يقال ليلة قمراء أي نيرة بضوء القمر بهما تقرض بكسر الراء أي تقطع و المنجل كمنبر حديدة يقضب بها الزرع شبهت بها يداها و الذب الدفع و المنع في نزواتها أي و ثباتها و خلقها كله الواو حالية سلما بالكسر و بالتحريك أي استسلاما و انقيادا و أرسى أي أثبت أي جعل لها رجلين يمكنها الاستقرار بهما على الأراضي اليابسة و الندية و الهطل تتابع المطر و الديم بكسر الدال و فتح الياء جمع الديمة بالكسر و هي المطر الذي ليس فيه رعد و لا برق و الجذوب قلة النبات و الزرع.

2- ج، الإحتجاج عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ(ع)فِي قَوْلِهِ تَعَالَى‏ وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى‏ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى‏ قَالَ فَمَنْ لَمْ يَدُلَّهُ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ دَوَرَانُ الْفَلَكِ بِالشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ الْآيَاتُ الْعَجِيبَاتُ عَلَى أَنَّ وَرَاءَ ذَلِكَ أَمْراً هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى قَالَ فَهُوَ عَمَّا لَمْ يُعَايِنْ أَعْمَى وَ أَضَلُّ سَبِيلًا.

بيان لعل المراد على هذا التفسير فهو في أمر الآخرة التي لم ير آثارها أشد عمى و ضلالة.

29

3- ج، الإحتجاج رُوِيَ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ مِنْ سُؤَالِ الزِّنْدِيقِ الَّذِي أَتَى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ مَا الدَّلِيلُ عَلَى صَانِعِ الْعَالَمِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)وُجُودُ الْأَفَاعِيلِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى أَنَّ صَانِعَهَا صَنَعَهَا أَ لَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا نَظَرْتَ إِلَى بِنَاءٍ مُشَيَّدٍ مَبْنِيٍّ عَلِمْتَ أَنَّ لَهُ بَانِياً وَ إِنْ كُنْتَ لَمْ تَرَ الْبَانِيَ وَ لَمْ تُشَاهِدْهُ قَالَ وَ مَا هُوَ قَالَ هُوَ شَيْ‏ءٌ بِخِلَافِ الْأَشْيَاءِ ارْجِعْ بِقَوْلِي شَيْ‏ءٌ إِلَى إِثْبَاتِهِ وَ أَنَّهُ شَيْ‏ءٌ بِحَقِيقَةِ الشَّيْئِيَّةِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا جِسْمٌ وَ لَا صُورَةٌ وَ لَا يُحَسُّ وَ لَا يُجَسُّ وَ لَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ الْخَمْسِ لَا تُدْرِكُهُ الْأَوْهَامُ وَ لَا تَنْقُصُهُ الدُّهُورُ وَ لَا يُغَيِّرُهُ الزَّمَانُ قَالَ السَّائِلُ فَإِنَّا لَمْ نَجِدْ مَوْهُوماً إِلَّا مَخْلُوقاً قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَمَا تَقُولُ لَكَانَ التَّوْحِيدُ مِنَّا مُرْتَفِعاً (1) فَإِنَّا لَمْ نُكَلَّفْ أَنْ نَعْتَقِدَ غَيْرَ مَوْهُومٍ لَكِنَّا نَقُولُ كُلُّ مَوْهُومٍ بِالْحَوَاسِّ مُدْرَكٌ بِهَا تَحُدُّهُ الْحَوَاسُّ مُمَثَّلًا فَهُوَ مَخْلُوقٌ وَ لَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِ صَانِعِ الْأَشْيَاءِ خَارِجاً مِنَ الْجِهَتَيْنِ الْمَذْمُومَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا النَّفْيُ إِذْ كَانَ النَّفْيُ هُوَ الْإِبْطَالَ وَ الْعَدَمَ وَ الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ التَّشْبِيهُ بِصِفَةِ الْمَخْلُوقِ الظَّاهِرِ التَّرْكِيبِ وَ التَّأْلِيفِ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إِثْبَاتِ الصَّانِعِ لِوُجُودِ الْمَصْنُوعِينَ وَ الِاضْطِرَارِ مِنْهُمْ إِلَيْهِ أَنَّهُمْ مَصْنُوعُونَ وَ أَنَّ صَانِعَهُمْ غَيْرُهُمْ وَ لَيْسَ مِثْلَهُمْ إِذْ كَانَ مِثْلُهُمْ شَبِيهاً بِهِمْ‏ (2) فِي ظَاهِرِ التَّرْكِيبِ وَ التَّأْلِيفِ وَ فِيمَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنْ حُدُوثِهِمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُونُوا وَ تَنَقُّلِهِمْ مِنْ صِغَرٍ إِلَى كِبَرٍ وَ سَوَادٍ إِلَى بَيَاضٍ وَ قُوَّةٍ إِلَى ضَعْفٍ وَ أَحْوَالٍ مَوْجُودَةٍ لَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى تَفْسِيرِهَا لِثَبَاتِهَا وَ وُجُودِهَا قَالَ السَّائِلُ فَأَنْتَ قَدْ حَدَدْتَهُ إِذْ أَثْبَتَّ وُجُودَهُ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)لَمْ أَحْدُدْهُ وَ لَكِنْ أَثْبَتُّهُ إِذْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْإِثْبَاتِ وَ النَّفْيِ مَنْزِلَةٌ قَالَ السَّائِلُ فَقَوْلُهُ‏ الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)بِذَلِكَ وَصَفَ نَفْسَهُ وَ كَذَلِكَ هُوَ مُسْتَوْلٍ عَلَى الْعَرْشِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ الْعَرْشُ حَامِلًا لَهُ وَ لَا أَنَّ الْعَرْشَ مَحَلٌّ لَهُ لَكِنَّا نَقُولُ هُوَ حَامِلٌ لِلْعَرْشِ وَ مُمْسِكٌ لِلْعَرْشِ وَ نَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا قَالَ‏ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ‏ فَثَبَّتْنَا مِنَ الْعَرْشِ وَ الْكُرْسِيِّ مَا ثَبَّتَهُ وَ نَفَيْنَا أَنْ يَكُونَ الْعَرْشُ وَ الْكُرْسِيُ‏

____________



(1) و في نسخة: لكان التوحيد عنّا مرتفعا.

(2) و في نسخة: إذ كان مثلهم شبيها لهم.

30

حَاوِياً لَهُ وَ أَنْ يَكُونَ عَزَّ وَ جَلَّ مُحْتَاجاً إِلَى مَكَانٍ أَوْ إِلَى شَيْ‏ءٍ مِمَّا خَلَقَ بَلْ خَلْقُهُ مُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ قَالَ السَّائِلُ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ تَرْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ إِلَى السَّمَاءِ وَ بَيْنَ أَنْ تَخْفِضُوهَا نَحْوَ الْأَرْضِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)ذَلِكَ فِي عِلْمِهِ وَ إِحَاطَتِهِ وَ قُدْرَتِهِ سَوَاءٌ وَ لَكِنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَمَرَ أَوْلِيَاءَهُ وَ عِبَادَهُ بِرَفْعِ أَيْدِيهِمْ إِلَى السَّمَاءِ نَحْوَ الْعَرْشِ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ مَعْدِنَ الرِّزْقِ فَثَبَّتْنَا مَا ثَبَّتَهُ الْقُرْآنُ وَ الْأَخْبَارُ عَنِ الرَّسُولِ(ص)حِينَ قَالَ ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ هَذَا تُجْمِعُ عَلَيْهِ فِرَقُ الْأُمَّةِ كُلُّهَا.

يد، التوحيد الدقاق عن أبي القاسم العلوي عن البرمكي عن الحسين بن الحسن عن إبراهيم بن هاشم القمي عن العباس بن عمرو الفقيمي عن هشام بن الحكم‏ مثله مع زيادة أثبتناها في باب احتجاج الصادق(ع)على الزنادقة بيان قوله(ع)و أنه شي‏ء بحقية الشيئية المراد بالشيئية إما الوجود أو معنى مساوق له و على التقديرين فالمراد إما بيان عينية الوجود أو قطع طمع السائل عن تعقل كنهه تعالى بل بأنه شي‏ء و أنه بخلاف الأشياء و الجس بالجيم المس قوله فإنا لم نجد موهوما إلا مخلوقا أي يلزم مما ذكرت أنه لا تدركه الأوهام أن كل ما يحصل في الوهم يكون مخلوقا فأجاب(ع)بما حاصله أن مرادنا أنه تعالى لا يدرك كنه حقيقته العقول و الأوهام و لا يتمثل أيضا في الحواس إذ هو مستلزم للتشبيه بالمخلوقين و لو كان كما توهمت من أنه لا يمكن تصوره تعالى بوجه من الوجوه لكان تكليفنا بالتصديق بوجوده و توحيده و سائر صفاته تكليفا بالمحال إذ لا يمكن التصديق بثبوت شي‏ء لشي‏ء بدون تصور ذلك الشي‏ء فهذا القول مستلزم لنفي وجوده و سائر صفاته عنه تعالى بل لا بد في التوحيد من إخراجه عن حد النفي و التعطيل و عن حد التشبيه بالمخلوقين ثم استدل(ع)بتركيبهم و حدوثهم و تغير أحوالهم و تبدل أوضاعهم على احتياجهم إلى صانع منزه عن جميع ذلك غير مشابه لهم في الصفات الإمكانية و إلا لكان هو أيضا مفتقرا إلى صانع لاشتراك علة الافتقار.

قوله فقد حددته إذا ثبتت وجوده أي إثبات الوجود له يوجب التحديد إما

31

بناء على توهم أن كل موجود لا بد أن يكون محدودا بحدود جسمانية أو بحدود عقلانية أو باعتبار التحدد بصفة هو الوجود أو باعتبار كونه محكوما عليه فيكون موجودا في الذهن محاطا به فأجاب(ع)بأنه لا يلزم أن يكون كل موجود جسما أو جسمانيا حتى يكون محدودا بحدود جسمانية و لا أن يكون مركبا حتى يكون محدودا بحدود عقلانية أو لا يلزم كون حقيقته حاصلة في الذهن أو محدودة بصفة فإن الحكم لا يستدعي حصول الحقيقة في الذهن و الوجود ليس من الصفات الموجودة المغايرة التي تحد بها الأشياء.

4- ج، الإحتجاج عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: دَخَلَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ عَلَى الصَّادِقِ(ع)فَقَالَ لَهُ الصَّادِقُ يَا ابْنَ أَبِي الْعَوْجَاءِ أَ مَصْنُوعٌ أَنْتَ أَمْ غَيْرُ مَصْنُوعٍ قَالَ لَسْتُ بِمَصْنُوعٍ فَقَالَ لَهُ الصَّادِقُ(ع)فَلَوْ كُنْتَ مَصْنُوعاً كَيْفَ كُنْتَ تَكُونُ فَلَمْ يُحِرِ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ جَوَاباً وَ قَامَ وَ خَرَجَ.

يد، التوحيد الهمداني عن علي عن أبيه عن العباس بن عمرو الفقيمي عن هشام‏ مثله بيان لما كان التصديق بوجود الصانع تعالى ضروريا نبهه(ع)بأن العقل يحكم بديهة بالفرق بين المصنوع و غيره و فيك جميع صفات المصنوعين فكيف لم تكن مصنوعا (1).

5- ج، الإحتجاج‏ دَخَلَ أَبُو شَاكِرٍ الدَّيَصَانِيُّ وَ هُوَ زِنْدِيقٌ‏ (2) عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقَالَ لَهُ يَا جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ دُلَّنِي عَلَى مَعْبُودِي فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ اجْلِسْ فَإِذَا غُلَامٌ صَغِيرٌ فِي كَفِّهِ بَيْضَةٌ يَلْعَبُ بِهَا فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)نَاوِلْنِي يَا غُلَامُ الْبَيْضَةَ فَنَاوَلَهُ إِيَّاهَا فَقَالَ‏

____________



(1) لا يخفى أن الرواية غير مسوقة للتنبيه على ما ذكره، بل إلزام له بالترجيح بلا مرجّح فان اختياره عدم المصنوعيّة مع جواز مصنوعيّته قول بلا دليل. ط.

(2) الزنديق بالكسر من الثنويّة أو القائل بالنور و الظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة و الربوبيّة أو من يبطن الكفر و يظهر الايمان، أو هو معرّب زن دين أي دين المرأة. قاله في القاموس. و في المصباح: المشهور على ألسنة الناس أن الزنديق هو الذي لا يتمسك بشريعة و يقول بدوام الدهر و العرب تعبر عن هذا بقولهم: ملحد، أي طاعن في الأديان. انتهى. و نقل عن مفاتيح العلوم: أن الزنادقة هم المانويّة و كانت المزدكيّة يسمّون بذلك. أقول: و الظاهر أن الزنديق معرب لزنددين، و الزند اسم لكتاب المجوس جاء زردشت الذي يزعم المجوس أنّه نبى، أو معرّب زندىّ أي المنسوب إلى زند فاخذ كلمة واحدة و زيد عليه القاف و له نظائر.

32

أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَا دَيَصَانِيُّ هَذَا حِصْنٌ مَكْنُونٌ لَهُ جِلْدٌ غَلِيظٌ وَ تَحْتَ الْجِلْدِ الْغَلِيظِ جِلْدٌ رَقِيقٌ وَ تَحْتَ الْجِلْدِ الرَّقِيقِ ذَهَبَةٌ مَائِعَةٌ وَ فِضَّةٌ ذَائِبَةٌ فَلَا الذَّهَبَةُ الْمَائِعَةُ تَخْتَلِطُ بِالْفِضَّةِ الذَّائِبَةِ وَ لَا الْفِضَّةُ الذَّائِبَةُ تَخْتَلِطُ بِالذَّهَبَةِ الْمَائِعَةِ فَهِيَ عَلَى حَالِهَا لَمْ يَخْرُجْ‏ (1) مِنْهَا خَارِجٌ مُصْلِحٌ فَيُخْبِرَ عَنْ إِصْلَاحِهَا وَ لَمْ يَدْخُلْ‏ (2) فِيهَا دَاخِلٌ مُفْسِدٌ فَيُخْبِرَ عَنْ إِفْسَادِهَا لَا يُدْرَى لِلذَّكَرِ خُلِقَتْ أَمْ لِلْأُنْثَى تَنْفَلِقُ عَنْ مِثْلِ أَلْوَانِ الطَّوَاوِيسِ أَ تَرَى لَهَا مُدَبِّراً قَالَ فَأَطْرَقَ مَلِيّاً ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ وَ أَنَّكَ إِمَامٌ وَ حُجَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَ أَنَا تَائِبٌ مِمَّا كُنْتُ فِيهِ.

6- يد، التوحيد ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ الْخَفَّافِ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ الدَّيَصَانِيَّ أَتَى بَابَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُ فَلَمَّا قَعَدَ قَالَ لَهُ يَا جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ دُلَّنِي عَلَى مَعْبُودِي فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)مَا اسْمُكَ فَخَرَجَ عَنْهُ وَ لَمْ يُخْبِرْهُ بِاسْمِهِ فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ كَيْفَ لَمْ تُخْبِرْهُ بِاسْمِكَ قَالَ لَوْ كُنْتُ قُلْتُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ كَانَ يَقُولُ مَنْ هَذَا الَّذِي أَنْتَ لَهُ عَبْدٌ فَقَالُوا لَهُ عُدْ إِلَيْهِ فَقُلْ يَدُلُّكَ عَلَى مَعْبُودِكَ وَ لَا يَسْأَلُكَ عَنِ اسْمِكَ فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ يَا جَعْفَرُ دُلَّنِي عَلَى مَعْبُودِي وَ لَا تَسْأَلْنِي عَنِ اسْمِي فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)اجْلِسْ وَ إِذَا غُلَامٌ صَغِيرٌ إِلَى آخِرِ الْخَبَرِ.

بيان قد أوردنا الخبر بتمامه في باب القدرة و تقرير استدلاله(ع)أن ما في البيضة من الإحكام و الإتقان و الاشتمال على ما به صلاحها و عدم اختلاط ما فيها من الجسمين السيالين و الحال أنه ليس فيها حافظ لها من الأجسام فيخرج مخبرا عن صلاحها و لا يدخلها جسماني من خارج فيفسدها و هي تنفلق عن مثل ألوان الطواويس يدل على أن له مبدأ غير جسم و لا جسماني و لا يخفى لطف نسبة الإصلاح إلى ما يخرج منها و الإفساد إلى ما يدخل فيها لأن هذا شأن أهل الحصن الحافظين له و حال الداخل فيه بالقهر و الغلبة.

____________

(1) في الاحتجاج المطبوع: لا يخرج.

(2) في الاحتجاج المطبوع: و لا تدخل.

33

7- ج، الإحتجاج عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ قَالَ: كَانَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ (1) مِنْ تَلَامِذَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فَانْحَرَفَ عَنِ التَّوْحِيدِ فَقِيلَ لَهُ تَرَكْتَ مَذْهَبَ صَاحِبِكَ وَ دَخَلْتَ فِيمَا لَا أَصْلَ لَهُ وَ لَا حَقِيقَةَ قَالَ إِنَّ صَاحِبِي كَانَ مِخْلَطاً يَقُولُ طَوْراً بِالْقَدَرِ وَ طَوْراً بِالْجَبْرِ فَمَا أَعْلَمُهُ اعْتَقَدَ مَذْهَباً دَامَ عَلَيْهِ فَقَدِمَ مَكَّةَ تَمَرُّداً وَ إِنْكَاراً عَلَى مَنْ يَحُجُّ وَ كَانَ يَكْرَهُ الْعُلَمَاءُ مُجَالَسَتَهُ وَ مُسَاءَلَتَهُ لِخُبْثِ لِسَانِهِ وَ فَسَادِ ضَمِيرِهِ فَأَتَى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَجَلَسَ إِلَيْهِ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ نُظَرَائِهِ فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إِنَّ الْمَجَالِسَ بِالْأَمَانَاتِ وَ لَا بُدَّ لِكُلِّ مَنْ بِهِ سُعَالٌ أَنْ يَسْعُلَ أَ فَتَأْذَنُ لِي فِي الْكَلَامِ فَقَالَ الصَّادِقُ(ع)تَكَلَّمْ بِمَا شِئْتَ فَقَالَ إِلَى كَمْ تَدُوسُونَ هَذَا الْبَيْدَرَ (2) وَ تَلُوذُونَ بِهَذَا الْحَجَرِ وَ تَعْبُدُونَ هَذَا الْبَيْتَ الْمَرْفُوعَ بِالطُّوبِ وَ الْمَدَرِ وَ تُهَرْوِلُونَ حَوْلَهُ كَهَرْوَلَةِ الْبَعِيرِ إِذَا نَفَرَ إِنَّ مَنْ فَكَّرَ فِي هَذَا وَ قَدَّرَ عَلِمَ أَنَّ هَذَا فِعْلٌ أَسَّسَهُ غَيْرُ حَكِيمٍ وَ لَا ذِي نَظَرٍ فَقُلْ فَإِنَّكَ رَأْسُ هَذَا الْأَمْرِ وَ سَنَامُهُ وَ أَبُوكَ أُسُّهُ وَ نِظَامُهُ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ مَنْ أَضَلَّهُ اللَّهُ وَ أَعْمَى قَلْبَهُ اسْتَوْخَمَ الْحَقَّ وَ لَمْ يَسْتَعْذِبْهُ وَ صَارَ الشَّيْطَانُ وَلِيَّهُ يُورِدُهُ مَنَاهِلَ الْهَلَكَةِ ثُمَّ لَا يُصْدِرُهُ وَ هَذَا بَيْتٌ اسْتَعْبَدَ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ لِيَخْتَبِرَ طَاعَتَهُمْ فِي إِتْيَانِهِ فَحَثَّهُمْ عَلَى تَعْظِيمِهِ وَ زِيَارَتِهِ وَ جَعَلَهُ مَحَلَّ أَنْبِيَائِهِ وَ قِبْلَةً لِلْمُصَلِّينَ لَهُ فَهُوَ شُعْبَةٌ مِنْ رِضْوَانِهِ وَ طَرِيقٌ يُؤَدِّي إِلَى غُفْرَانِهِ مَنْصُوبٌ عَلَى اسْتِوَاءِ الْكَمَالِ وَ مُجْتَمَعِ الْعَظَمَةِ وَ الْجَلَالِ خَلَقَهُ اللَّهُ قَبْلَ دَحْوِ الْأَرْضِ بِأَلْفَيْ عَامٍ فَأَحَقُّ مَنْ أُطِيعَ فِيمَا أَمَرَ وَ انْتُهِيَ عَمَّا نَهَى عَنْهُ وَ زَجَرَ اللَّهُ الْمُنْشِئُ لِلْأَرْوَاحِ وَ الصُّوَرِ فَقَالَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ ذَكَرْتَ اللَّهَ‏ (3) فَأَحَلْتَ عَلَى غَائِبٍ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَيْلَكَ كَيْفَ يَكُونُ غَائِباً مَنْ هُوَ مَعَ خَلْقِهِ شَاهِدٌ وَ إِلَيْهِمْ أَقْرَبُ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ يَسْمَعُ كَلَامَهُمْ وَ يَرَى أَشْخَاصَهُمْ وَ يَعْلَمُ أَسْرَارَهُمْ‏

____________



(1) عده السيّد المرتضى (رحمه الله ) في كتابه الأمالي ممن كان يتستر باظهار الإسلام و يحقن باظهار شعائره و الدخول في جملة أهله دمه و ماله، و كان في الباطن زنديقا ملحدا، و كافرا مشركا، و قال:

حكى ان عبد الكريم بن أبي العوجاء قال- لما قبض عليه محمّد بن سليمان و هو والى الكوفة من قبل المنصور، و أحضره للقتل، و أيقن بمفارقة الحياة-: لان قتلتموني لقد وضعت في أحاديثكم أربعة آلاف حديث مكذوبة مصنوعة.

(2) البيدر: الموضع الذي يجمع فيه الحصيد و يداس و يدق.

(3) في الأمالي: ذكرت يا أبا عبد اللّه.

34

فَقَالَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ فَهُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَ لَيْسَ إِذَا كَانَ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَكُونُ فِي الْأَرْضِ وَ إِذَا كَانَ فِي الْأَرْضِ كَيْفَ يَكُونُ فِي السَّمَاءِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّمَا وَصَفْتَ الْمَخْلُوقَ الَّذِي إِذَا انْتَقَلَ مِنْ مَكَانٍ اشْتَغَلَ بِهِ مَكَانٌ وَ خَلَا مِنْهُ مَكَانٌ فَلَا يَدْرِي فِي الْمَكَانِ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ مَا حَدَثَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ فَأَمَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الشَّأْنِ الْمَلِكُ الدَّيَّانُ فَلَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ وَ لَا يَشْتَغِلُ بِهِ مَكَانٌ وَ لَا يَكُونُ إِلَى مَكَانٍ أَقْرَبَ مِنْهُ إِلَى مَكَانٍ.

لي، الأمالي للصدوق ابن مسرور عن ابن عامر عن عمه عن أبي أحمد محمد بن زياد الأزدي عن الفضل بن يونس‏ مثله- ع، علل الشرائع الهمداني و المكتب و الوراق جميعا عن علي عن أبيه عن الفضل‏ مثله.

8- يد، التوحيد الدَّقَّاقُ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ الْقَاسِمِ الْعَلَوِيِّ عَنِ الْبَرْمَكِيِّ عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ‏ مِثْلَهُ وَ زَادَ فِي آخِرِهِ وَ الَّذِي بَعَثَهُ بِالْآيَاتِ الْمُحْكَمَةِ وَ الْبَرَاهِينِ الْوَاضِحَةِ وَ أَيَّدَهُ بِنَصْرِهِ وَ اخْتَارَهُ لِتَبْلِيغِ رِسَالَتِهِ صَدَّقْنَا قَوْلَهُ بِأَنَّ رَبَّهُ بَعَثَهُ وَ كَلَّمَهُ فَقَامَ عَنْهُ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ وَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ مَنْ أَلْقَانِي فِي بَحْرِ هَذَا وَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْوَلِيدِ مَنْ أَلْقَانِي فِي بَحْرِ هَذَا سَأَلْتُكُمْ أَنْ تَلْتَمِسُوا لِي خُمْرَةً فَأَلْقَيْتُمُونِي عَلَى جَمْرَةٍ قَالُوا مَا كُنْتَ فِي مَجْلِسِهِ إِلَّا حَقِيراً قَالَ إِنَّهُ ابْنُ مَنْ حَلَقَ رُءُوسَ مَنْ تَرَوْنَ.

بيان الطوب بالضم الآجر و طعام وخيم غير موافق و استوخمه أي لم يستمرئه و لم يستعذبه أي لم يدرك عذوبته و حاصل ما ذكره(ع)أنه تعالى إنما استعبدهم بذلك ليختبرهم في إطاعتهم له و الاختبار فيما خفي وجه الحكمة فيه على أكثر العقول مع أن لخصوص هذا المكان الشريف مزايا و شرائف لكونه محل الأنبياء و قبلة المصلين و سابقا في الخلق على جميع الأرض و قد أشار(ع)بقوله فهو شعبة مع الفقرات التي بعدها إلى ما جعل الله فيه من الكمالات المعنوية و الأسرار الخفية حيث جعله محلا لقربه و رضوانه و مهبطا لرحماته و غفرانه و ما أفاض عليه من أنوار جبروته و أخفى فيه من أسرار ملكوته و الاستواء الاعتدال و الوريد هو العرق الذي في صفحة العنق و بقطعه تزول الحياة ففي التشبيه به دون سائر الأعضاء إشعار بكيفية قربه بأن قربه قرب بالعلية و التأثير و فيما بعدها من الفقر إشارة إلى جهة أخرى من قربه و هي‏

35

الإحاطة العلمية و الخمرة بالضم حصيرة صغيرة من السعف أي طلبت منكم أن تطلبوا لي خصما ألعب به كالخمرة فألقيتموني على جمرة ملتهبة.

9- ج، الإحتجاج وَ رُوِيَ‏ أَنَّ الصَّادِقَ(ع)قَالَ لِابْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ إِنْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُ وَ لَيْسَ كَمَا تَقُولُ نَجَوْنَا وَ نَجَوْتَ وَ إِنْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَمَا نَقُولُ نَجَوْنَا وَ هَلَكْتَ.

10- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) م، تفسير الإمام (عليه السلام) ج، الإحتجاج وَ بِالْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ(ع)أَنَّهُ قَالَ: فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى‏ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً الْآيَةَ جَعَلَهَا مُلَائِمَةً لِطَبَائِعِكُمْ مُوَافِقَةً لِأَجْسَادِكُمْ لَمْ يَجْعَلْهَا شَدِيدَةَ الْحَمْيِ وَ الْحَرَارَةِ فَتُحْرِقَكُمْ وَ لَا شَدِيدَةَ الْبُرُودَةِ فَتُجْمِدَكُمْ وَ لَا شَدِيدَةَ طِيبِ الرِّيحِ فَتُصَدَّعَ هَامَاتُكُمْ‏ (1) وَ لَا شَدِيدَةَ النَّتْنِ فَتُعْطِبَكُمْ‏ (2) وَ لَا شَدِيدَةَ اللِّينِ كَالْمَاءِ فَتُغْرِقَكُمْ وَ لَا شَدِيدَةَ الصَّلَابَةِ فَتَمْتَنِعَ عَلَيْكُمْ فِي حَرْثِكُمْ‏ (3) وَ أَبْنِيَتِكُمْ وَ دَفْنِ مَوْتَاكُمْ وَ لَكِنَّهُ جَعَلَ فِيهَا مِنَ الْمَتَانَةِ مَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ وَ تَتَمَاسَكُونَ وَ تَتَمَاسَكُ عَلَيْهَا أَبْدَانُكُمْ‏ (4) وَ جَعَلَ فِيهَا مِنَ اللِّينِ مَا تَنْقَادُ بِهِ لِحَرْثِكُمْ‏ (5) وَ قُبُورِكُمْ وَ كَثِيرٍ مِنْ مَنَافِعِكُمْ فَلِذَلِكَ جَعَلَ الْأَرْضَ فِرَاشاً لَكُمْ ثُمَّ قَالَ‏ وَ السَّماءَ بِناءً يَعْنِي سَقْفاً مِنْ فَوْقِكُمْ مَحْفُوظاً يُدَبِّرُ فِيهَا شَمْسَهَا وَ قَمَرَهَا وَ نُجُومَهَا لِمَنَافِعِكُمْ ثُمَّ قَالَ‏ وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً يَعْنِي الْمَطَرَ يُنْزِلُهُ مِنْ عَلًا لِيَبْلُغَ قُلَلَ جِبَالِكُمْ وَ تِلَالَكُمْ وَ هِضَابَكُمْ وَ أَوْهَادَكُمْ‏ (6) ثُمَّ فَرَّقَهُ رَذَاذاً وَ وَابِلًا وَ هَطْلًا وَ طَلًّا لِتَنْشَفَهُ أَرْضُكُمْ‏ (7) وَ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ الْمَطَرَ نَازِلًا عَلَيْكُمْ قِطْعَةً وَاحِدَةً فَتَفْسُدَ أَرْضُكُمْ وَ أَشْجَارُكُمْ وَ زُرُوعُكُمْ وَ ثِمَارُكُمْ ثُمَّ قَالَ‏ فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ‏ يَعْنِي مِمَّا يُخْرِجُهُ مِنَ الْأَرْضِ رِزْقاً لَكُمْ‏ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً أَيْ أَشْبَاهاً وَ أَمْثَالًا مِنَ الْأَصْنَامِ الَّتِي لَا تَعْقِلُ وَ لَا تَسْمَعُ وَ لَا تُبْصِرُ وَ لَا تَقْدِرُ عَلَى شَيْ‏ءٍ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏ أَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى شَيْ‏ءٍ مِنْ هَذِهِ النِّعَمِ الْجَلِيلَةِ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْكُمْ رَبُّكُمْ.

____________

(1) جمع الهامة و هي الرأس.

(2) أي فتهلككم.

(3) في العيون: دوركم.

(4) في العيون: و بنيانكم.

(5) في العيون: لدوركم.

(6) جمع الوهدة و هي الأرض المنخفضة. و الهوة في الأرض.

(7) نشف الماء في الأرض: ذهب و جرى و سال.

36

بيان الهضاب جمع الهضبة و هي الجبل المنبسط على الأرض أو جبل خلق من صخرة واحدة و الرذاذ كسحاب المطر الضعيف أو الساكن الدائم الصغار القطر و الوابل المطر الشديد الضخم القطر و الهطل المطر الضعيف الدائم و تتابع المطر المتفرق العظيم القطر و الطل المطر الضعيف أو أخف المطر و أضعفه أو الندى أو فوقه و دون المطر كل ذلك ذكرها الفيروزآبادي.

11- يد، التوحيد لي، الأمالي للصدوق ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) الْعَطَّارُ عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ هَاشِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا(ع)أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا الدَّلِيلُ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ فَقَالَ أَنْتَ لَمْ تَكُنْ ثُمَّ كُنْتَ وَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّكَ لَمْ تُكَوِّنْ نَفْسَكَ وَ لَا كَوَّنَكَ مَنْ هُوَ مِثْلُكَ.

ج، الإحتجاج مرسلا مثله.

- 12- يد، التوحيد ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سَمِينَةَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْكُوفِيِّ الصَّيْرَفِيِ‏ (1) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ خَادِمِ الرِّضَا(ع)(2) قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الزَّنَادِقَةِ عَلَى الرِّضَا(ع)وَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ فَقَالَ لَهُ أَبُو الْحَسَنِ(ع)أَ رَأَيْتَ إِنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَكُمْ وَ لَيْسَ هُوَ كَمَا تَقُولُونَ أَ لَسْنَا وَ إِيَّاكُمْ شَرَعاً سَوَاءً وَ لَا يَضُرُّنَا مَا صَلَّيْنَا وَ صُمْنَا وَ زَكَّيْنَا وَ أَقْرَرْنَا فَسَكَتَ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ(ع)إِنْ يَكُنْ الْقَوْلُ قَوْلَنَا وَ هُوَ كَمَا نَقُولُ‏ (3) أَ لَسْتُمْ قَدْ هَلَكْتُمْ وَ نَجَوْنَا قَالَ رَحِمَكَ اللَّهُ فَأَوْجِدْنِي كَيْفَ هُوَ وَ أَيْنَ هُوَ قَالَ وَيْلَكَ إِنَّ الَّذِي ذَهَبْتَ إِلَيْهِ غَلَطٌ هُوَ أَيَّنَ الْأَيْنَ وَ كَانَ وَ لَا أَيْنَ وَ هُوَ كَيَّفَ الْكَيْفَ وَ كَانَ وَ لَا كَيْفَ فَلَا يُعْرَفُ بِكَيْفُوفِيَّةٍ وَ لَا بِأَيْنُونِيَّةٍ وَ لَا بِحَاسَّةٍ وَ لَا يُقَاسُ بِشَيْ‏ءٍ قَالَ الرَّجُلُ فَإِذَنْ‏

____________



(1) هو محمّد بن عليّ بن إبراهيم بن موسى أبو جعفر القرشيّ مولاهم الصيرفى، هكذا عنونه النجاشيّ في(ص)234 من رجاله و قال: ابن اخت خلّاد المقرى، و هو خلّاد بن عيسى، و كان يلقب محمّد بن على أبا سمينة، ضعيف جدا، فاسد الاعتقاد، لا يعتمد في شي‏ء، و كان ورد قم و قد اشتهر بالكذب بالكوفة و نزل على أحمد بن محمّد بن عيسى مدة، ثمّ تشهّر بالغلو فخفى، و أخرجه أحمد بن محمّد بن عيسى عن قم و له قصة إلخ.

(2) غير معلوم حاله.

(3) و في نسخة: و هو قولنا و كما نقول.

37

إِنَّهُ لَا شَيْ‏ءَ إِذَا لَمْ يُدْرَكْ بِحَاسَّةٍ مِنَ الْحَوَاسِّ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ(ع)وَيْلَكَ لَمَّا عَجَزَتْ حَوَاسُّكَ عَنْ إِدْرَاكِهِ أَنْكَرْتَ رُبُوبِيَّتَهُ وَ نَحْنُ إِذَا عَجَزَتْ حَوَاسُّنَا عَنْ إِدْرَاكِهِ أَيْقَنَّا أَنَّهُ رَبُّنَا وَ أَنَّهُ شَيْ‏ءٌ بِخِلَافِ الْأَشْيَاءِ قَالَ الرَّجُلُ فَأَخْبِرْنِي مَتَى كَانَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ(ع)أَخْبِرْنِي مَتَى لَمْ يَكُنْ فَأُخْبِرَكَ مَتَى كَانَ قَالَ الرَّجُلُ فَمَا الدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ(ع)إِنِّي لَمَّا نَظَرْتُ إِلَى جَسَدِي فَلَمْ يُمْكِنِّي فِيهِ زِيَادَةٌ وَ لَا نُقْصَانٌ فِي الْعَرْضِ وَ الطُّولِ وَ دَفْعُ الْمَكَارِهِ عَنْهُ وَ جَرُّ الْمَنْفَعَةِ إِلَيْهِ عَلِمْتُ أَنَّ لِهَذَا الْبُنْيَانِ بَانِياً فَأَقْرَرْتُ بِهِ مَعَ مَا أَرَى مِنْ دَوَرَانِ الْفَلَكِ بِقُدْرَتِهِ وَ إِنْشَاءِ السَّحَابِ وَ تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَ مَجْرَى الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ النُّجُومِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْعَجِيبَاتِ الْمُتْقَنَاتِ عَلِمْتُ أَنَّ لِهَذَا مُقَدِّراً وَ مُنْشِئاً قَالَ الرَّجُلُ فَلِمَ احْتَجَبَ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ(ع)إِنَّ الْحِجَابَ عَلَى الْخَلْقِ‏ (1) لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِمْ فَأَمَّا هُوَ فَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فِي آنَاءِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ قَالَ فَلِمَ لَا تُدْرِكُهُ حَاسَّةُ الْبَصَرِ قَالَ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ خَلْقِهِ الَّذِينَ تُدْرِكُهُمْ حَاسَّةُ الْأَبْصَارِ مِنْهُمْ وَ مِنْ غَيْرِهِمْ ثُمَّ هُوَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُدْرِكَهُ بَصَرٌ أَوْ يُحِيطَ بِهِ وَهْمٌ أَوْ يَضْبِطَهُ عَقْلٌ قَالَ فَحُدَّهُ لِي فَقَالَ لَا حَدَّ لَهُ قَالَ وَ لِمَ قَالَ لِأَنَّ كُلَّ مَحْدُودٍ مُتَنَاهٍ إِلَى حَدٍّ وَ إِذَا احْتَمَلَ التَّحْدِيدَ احْتَمَلَ الزِّيَادَةَ وَ إِذَا احْتَمَلَ الزِّيَادَةَ احْتَمَلَ النُّقْصَانَ فَهُوَ غَيْرُ مَحْدُودٍ وَ لَا مُتَزَايِدٍ وَ لَا مُتَنَاقِصٍ وَ لَا مُتَجَزِّئٍ وَ لَا مُتَوَهَّمٍ قَالَ الرَّجُلُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِكُمْ إِنَّهُ لَطِيفٌ وَ سَمِيعٌ وَ بَصِيرٌ وَ عَلِيمٌ وَ حَكِيمٌ‏ (2) أَ يَكُونُ السَّمِيعُ إِلَّا بِالْأُذُنِ وَ الْبَصِيرُ إِلَّا بِالْعَيْنِ وَ اللَّطِيفُ إِلَّا بِعَمَلِ الْيَدَيْنِ وَ الْحَكِيمُ إِلَّا بِالصَّنْعَةِ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ(ع)إِنَّ اللَّطِيفَ مِنَّا عَلَى حَدِّ اتِّخَاذِ الصَّنْعَةِ أَ وَ مَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَتَّخِذُ شَيْئاً فَيَلْطُفُ فِي اتِّخَاذِهِ فَيُقَالُ مَا أَلْطَفَ فُلَاناً فَكَيْفَ لَا يُقَالُ لِلْخَالِقِ الْجَلِيلِ لَطِيفٌ إِذْ خَلَقَ خَلْقاً لَطِيفاً وَ جَلِيلًا وَ رَكَّبَ فِي الْحَيَوَانِ مِنْهُ أَرْوَاحَهَا وَ خَلَقَ كُلَّ جِنْسٍ مُتَبَايِناً مِنْ جِنْسِهِ فِي الصُّورَةِ وَ لَا يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضاً فَكُلٌّ لَهُ لُطْفٌ مِنَ الْخَالِقِ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ فِي تَرْكِيبِ صُورَتِهِ ثُمَّ نَظَرْنَا إِلَى الْأَشْجَارِ وَ حَمْلِهَا أَطَايِبَهَا الْمَأْكُولَةَ مِنْهَا وَ غَيْرَ الْمَأْكُولَةِ فَقُلْنَا عِنْدَ

____________



(1) في نسخة من التوحيد: ان الاحتجاب عن الخلق.

(2) في التوحيد: لطيف سميع. بترك العاطف في الجميع.

38

ذَلِكَ إِنَّ خَالِقَنَا لَطِيفٌ لَا كَلُطْفِ خَلْقِهِ فِي صَنْعَتِهِمْ وَ قُلْنَا إِنَّهُ سَمِيعٌ لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَصْوَاتُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ الْعَرْشِ إِلَى الثَّرَى مِنَ الذَّرَّةِ إِلَى أَكْبَرَ مِنْهَا فِي بَرِّهَا وَ بَحْرِهَا وَ لَا تَشْتَبِهُ عَلَيْهِ لُغَاتُهَا فَقُلْنَا عِنْدَ ذَلِكَ إِنَّهُ سَمِيعٌ لَا بِأُذُنٍ وَ قُلْنَا إِنَّهُ بَصِيرٌ لَا بِبَصَرٍ لِأَنَّهُ يَرَى أَثَرَ الذَّرَّةِ السَّحْمَاءِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ عَلَى الصَّخْرَةِ السَّوْدَاءِ وَ يَرَى دَبِيبَ النَّمْلِ فِي اللَّيْلَةِ الدُّجُنَّةِ وَ يَرَى مَضَارَّهَا وَ مَنَافِعَهَا وَ أَثَرَ سِفَادِهَا (1) وَ فِرَاخَهَا وَ نَسْلَهَا فَقُلْنَا عِنْدَ ذَلِكَ إِنَّهُ بَصِيرٌ لَا كَبَصَرِ خَلْقِهِ قَالَ فَمَا بَرِحَ حَتَّى أَسْلَمَ وَ فِيهِ كَلَامٌ غَيْرُ هَذَا.

ج، الإحتجاج رواه مرسلا عن محمد بن عبد الله الخراساني إلى آخر الخبر بيان أوجدني أي أفدني كيفيته و مكانه و أظفرني بمطلبي الذي هو العلم بهما هو أين الأين أي جعل الأين أينا بناء على مجعولية الماهيات أو أوجد حقيقة الأين و كذا الكيف و الكيفوفية و الأينونية الاتصاف بالكيف و الأين قوله فإذن إنه لا شي‏ء هذا السائل لما كان وهمه غالبا على عقله زعم أن الموجود ما يمكن إحساسه فنفى الوجود عنه تعالى بناء على أنه(ع)نفى عنه أن يحس فأجاب(ع)بأنك جعلت تعاليه عن أن يدرك بالحواس دليلا على عدمه و نحن إذا عرفناه بتعاليه عن أن يدرك بالحواس أيقنا أنه ربنا بخلاف شي‏ء من الأشياء إذا المحسوسية تستلزم أمورا كل منها مناف للربوبية على ما برهن عليه في محله قوله فأخبرني متى كان الظاهر أنه سأل عن ابتداء كونه و وجوده و يحتمل أن يكون السؤال عن أصل زمان وجوده تعالى فعلى الأول حاصل جوابه(ع)أن ابتداء الزمان إنما يكون لحادث كان معدوما ثم صار موجودا و هو تعالى يستحيل عليه العدم و على الثاني فالمراد أن الكائن في الزمان إنما يكون فيه بتغير و تبدل في ذاته و صفاته لأن الزمان نسبة المتغير إلى المتغير فيكون بحال في زمان لا يكون كذلك في زمان آخر و هو متعال عن التغير في الذات و الصفات قوله فلم احتجب توهم السائل أن احتجابه تعالى عبارة عن كونه وراء حجاب فأجاب(ع)بأنا غير محجوبين عنه لإحاطة علمه بنا و كنه ذاته و صفاته محجوبة عنا لعجزنا و قصورنا عن إدراكه بأن يكون المراد بالذنوب الحجب الظلمانية الإمكانية و يحتمل أن يكون‏

____________

(1) السفاد: الجماع.

39

المراد أن عدم ظهوره تعالى على عامة الخلق كظهوره على أوليائه لغاية المعرفة إنما هو لذنوبهم التي حالت بينهم و بين تلك المعرفة و إلا فهو تعالى قد تجلى لأوليائه فظهر لهم ظهورا فوق الإحساس و الجواب عن الإحساس ظاهر إذ الفرق بينه و بين خلقه و هو كونه غير جسم و لا جسماني و لا حاصلا في جهة و مكان هو الذي صار سببا لعدم إمكان رؤيته قوله فحده يحتمل أن يكون المراد التحديد بالحدود الجسمانية فحاصل جوابه(ع)أن الحد نهاية لشي‏ء ذي مقدار يمكن أن ينتهي إلى نهاية أخرى بعد تلك النهاية فيزيد مقداره و مثل هذا يمكن نقصانه لكون المقادير قابلة للانقسام فيكون ذا أجزاء فيكون محتاجا إلى أجزائه فيكون ممكنا فلا يكون صانعا بل يكون مصنوعا أو احتمال النقص ينافي الكمال الذي يحكم الوجدان باتصاف الصانع به و السحماء السوداء و الدجنة بكسر الجيم أي المتغيمة المظلمة و سيأتي تفسير آخر الخبر في باب معاني الأسماء قوله و فيه كلام غير هذا أي قيل إنه لم يسلم أو في الخبر تتمة تركناها.

13- لي، الأمالي للصدوق أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: دَخَلَ أَبُو شَاكِرٍ الدَّيَصَانِيُّ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ(ع)فَقَالَ لَهُ إِنَّكَ أَحَدُ النُّجُومِ الزَّوَاهِرِ وَ كَانَ آبَاؤُكَ بُدُوراً بَوَاهِرَ وَ أُمَّهَاتُكَ عَقِيلَاتٍ عَبَاهِرَ وَ عُنْصُرُكَ مِنْ أَكْرَمِ الْعَنَاصِرِ وَ إِذَا ذُكِرَ الْعُلَمَاءُ فَبِكَ تُثْنَى الْخَنَاصِرُ فَخَبِّرْنِي أَيُّهَا الْبَحْرُ الْخِضَمُّ الزَّاخِرُ مَا الدَّلِيلُ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ فَقَالَ الصَّادِقُ(ع)يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِأَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ قَالَ وَ مَا هُوَ قَالَ فَدَعَا الصَّادِقُ(ع)بِبَيْضَةٍ فَوَضَعَهَا عَلَى رَاحَتِهِ ثُمَّ قَالَ هَذَا حِصْنٌ مَلْمُومٌ دَاخِلُهُ غِرْقِئٌ رَقِيقٌ تُطِيفُ بِهِ فِضَّةٌ سَائِلَةٌ وَ ذَهَبَةٌ مَائِعَةٌ ثُمَّ تَنْفَلِقُ عَنْ مِثْلِ الطَّاوُسِ أَ دَخَلَهَا شَيْ‏ءٌ قَالَ لَا قَالَ فَهَذَا الدَّلِيلُ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ قَالَ أَخْبَرْتَ فَأَوْجَزْتَ وَ قُلْتَ فَأَحْسَنْتَ وَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّا لَا نَقْبَلُ إِلَّا مَا أَدْرَكْنَاهُ بِأَبْصَارِنَا أَوْ سَمِعْنَاهُ بِآذَانِنَا أَوْ لَمَسْنَاهُ بِأَكُفِّنَا أَوْ شَمِمْنَاهُ بِمَنَاخِرِنَا أَوْ ذُقْنَاهُ بِأَفْوَاهِنَا أَوْ تُصُوِّرَ فِي الْقُلُوبِ بَيَاناً وَ اسْتَنْبَطَتْهُ الرِّوَايَاتُ إِيقَاناً فَقَالَ الصَّادِقُ(ع)ذَكَرْتَ الْحَوَاسَّ الْخَمْسَ وَ هِيَ لَا تَنْفَعُ شَيْئاً بِغَيْرِ دَلِيلٍ كَمَا لَا تُقْطَعُ الظُّلْمَةُ بِغَيْرِ مِصْبَاحٍ.

40

يد، التوحيد ابن الوليد عن الصفار عن ابن عيسى عن الحسين بن سعيد عن علي بن منصور عن هشام بن الحكم‏ مثله بيان قال الجوهري العقيلة كريمة الحي و الدرة عقيلة البحر و قال الفيروزآبادي العبهر الممتلي الجسيم و العظيم الناعم الطويل من كل شي‏ء كالعباهر فيهما و بهاء الجامعة للحسن و الجسم و الخلق انتهى و العنصر الأصل قوله فبك تثنى الخناصر أي أنت تعد أولا قبلهم لكونك أفضل و أشهر منهم و إنما يبدأ في العد بالخنصر و الثني العطف و الخضم بكسر الخاء و فتح الضاد المشددة (1) الكثير العطاء و قال الجوهري زخر الوادي إذا امتد جدا و ارتفع يقال بحر زاخر و قال كتيبة ملمومة مضمومة بعضها إلى بعض و قال الغرقئ قشر البيض التي تحت القيض و القيض ما تفلق من قشور البيض قوله(ع)و هي لا تنفع شيئا بغير دليل أي هي عاجزة تتوقف إدراكها على شرائط فكيف تنفي ما لم تدركه بحسك‏ (2) كما أن البصر لا يبصر الأشياء بغير مصباح و يحتمل أن يكون المراد بالدليل العقل أي لا تنفع الحواس بدون دلالة العقل فهو كالسراج لإحساس الحواس و أنت قد عزلت العقل و حكمه و اقتصرت على حكم الحواس.

14- م، تفسير الإمام (عليه السلام) ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْمُفَسِّرُ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ وَ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَيَّارٍ عَنْ أَبَوَيْهِمَا عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ الرِّضَا عَلِيِّ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ قَالَ‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً لِتَعْتَبِرُوا بِهِ وَ تَتَوَصَّلُوا بِهِ إِلَى رِضْوَانِهِ وَ تَتَوَقَّوْا بِهِ مِنْ عَذَابِ نِيرَانِهِ‏ ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ أَخَذَ فِي خَلْقِهَا وَ إِتْقَانِهَا فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ

____________



(1) في الصحاح: الخضم بوزن الهجف.

(2) بل المراد أن الحواس إنّما لها الإدراك التصورى و أمّا التصديق و الحكم فللعقل. ط.

41

عَلِيمٌ‏ وَ لِعِلْمِهِ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِمَ الْمَصَالِحَ فَخَلَقَ لَكُمْ كُلَّ مَا فِي الْأَرْضِ لِمَصَالِحِكُمْ يَا بَنِي آدَمَ.

15- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) الطَّالَقَانِيُّ عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ (1) عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ: قُلْتُ لَهُ لِمَ خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْخَلْقَ عَلَى أَنْوَاعٍ شَتَّى وَ لَمْ يَخْلُقْهُمْ نَوْعاً وَاحِداً فَقَالَ لِئَلَّا يَقَعَ فِي الْأَوْهَامِ أَنَّهُ عَاجِزٌ فَلَا تَقَعُ صُورَةٌ فِي وَهْمِ مُلْحِدٍ إِلَّا وَ قَدْ خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهَا خَلْقاً وَ لَا يَقُولَ قَائِلٌ هَلْ يَقْدِرُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ عَلَى صُورَةِ كَذَا وَ كَذَا إِلَّا وَجَدَ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فَيَعْلَمُ بِالنَّظَرِ إِلَى أَنْوَاعِ خَلْقِهِ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ.

16- م، تفسير الإمام (عليه السلام) مع، معاني الأخبار مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْمُفَسِّرُ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ وَ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَيَّارٍ وَ كَانَا مِنَ الشِّيعَةِ الْإِمَامِيَّةِ عَنْ أَبَوَيْهِمَا عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ فَقَالَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يَتَأَلَّهُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْحَوَائِجِ وَ الشَّدَائِدِ كُلُّ مَخْلُوقٍ عِنْدَ انْقِطَاعِ الرَّجَاءِ مِنْ كُلِّ مَنْ دُونَهُ وَ تَقَطُّعِ الْأَسْبَابِ مِنْ جَمِيعِ مَنْ سِوَاهُ تَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ أَيْ أَسْتَعِينُ عَلَى أُمُورِي كُلِّهَا بِاللَّهِ الَّذِي لَا تَحِقُّ الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ الْمُغِيثُ إِذَا اسْتُغِيثَ وَ الْمُجِيبُ إِذَا دُعِيَ وَ هُوَ مَا قَالَ رَجُلٌ لِلصَّادِقِ(ع)يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى اللَّهِ مَا هُوَ فَقَدْ أَكْثَرَ عَلَيَّ الْمُجَادِلُونَ وَ حَيَّرُونِي فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَلْ رَكِبْتَ سَفِينَةً قَطُّ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَهَلْ كُسِرَ بِكَ حَيْثُ لَا سَفِينَةَ تُنْجِيكَ وَ لَا سِبَاحَةَ تُغْنِيكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَهَلْ تَعَلَّقَ قَلْبُكَ هُنَالِكَ أَنَّ شَيْئاً مِنَ الْأَشْيَاءِ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُخَلِّصَكَ مِنْ وَرْطَتِكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ الصَّادِقُ(ع)فَذَلِكَ الشَّيْ‏ءُ هُوَ اللَّهُ الْقَادِرُ عَلَى الْإِنْجَاءِ حَيْثُ لَا مُنْجِيَ وَ عَلَى الْإِغَاثَةِ حَيْثُ لَا مُغِيثَ.

بيان قال الفيروزآبادي أله إليه كفرح فزع و لاذ و ألهه أجاره و آمنه.

____________

(1) بضم العين المهملة و سكون القاف و فتح الدال، هو أحمد بن محمّد بن سعيد السبيعى الهمدانيّ الحافظ، المكنى بأبي العباس، ترجمه العامّة و الخاصّة في كتب تراجمهم، و بالغوا في إكباره و الثناء عليه، قال النجاشيّ في(ص)68 من رجاله: أحمد بن محمّد بن سعيد بن عبد الرحمن بن زياد بن عبد اللّه بن زياد بن عجلان، مولى عبد الرحمن بن سعيد بن قيس السبيعى الهمدانيّ، هذا رجل جليل في أصحاب الحديث، مشهور بالحفظ، و الحكايات تختلف عنه في الحفظ و عظمه، و كان كوفيا زيديا جاروديا على ذلك مات. الخ.

42

17- ل، الخصال الْفَامِيُّ وَ ابْنُ مَسْرُورٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ بُطَّةَ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ(ع)أَنَّ رَجُلًا قَامَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا عَرَفْتَ رَبَّكَ قَالَ بِفَسْخِ الْعَزْمِ‏ (1) وَ نَقْضِ الْهِمَمِ لَمَّا أَنْ هَمَمْتُ حَالَ بَيْنِي وَ بَيْنَ هَمِّي وَ عَزَمْتُ فَخَالَفَ الْقَضَاءُ عَزْمِي فَعَلِمْتُ أَنَّ الْمُدَبِّرَ غَيْرِي قَالَ فَبِمَا ذَا شَكَرْتَ نَعْمَاءَهُ قَالَ نَظَرْتُ إِلَى بَلَاءٍ قَدْ صَرَفَهُ عَنِّي وَ أَبْلَى بِهِ غَيْرِي فَعَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ أَنْعَمَ عَلَيَّ فَشَكَرْتُهُ قَالَ فَبِمَا ذَا أَحْبَبْتَ لِقَاءَهُ قَالَ لَمَّا رَأَيْتُهُ قَدِ اخْتَارَ لِي دِينَ مَلَائِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ أَنْبِيَائِهِ عَلِمْتُ أَنَّ الَّذِي أَكْرَمَنِي بِهَذَا لَيْسَ يَنْسَانِي فَأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ.

يد، التوحيد الهمداني عن علي عن أبيه عن محمد بن سنان عن أبي الجارود عن أبي جعفر عن أبيه عن جده(ع)مثله.

18- يد، التوحيد مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ عَمِّهِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْكُوفِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي هَاشِمٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَسِّنٍ الْمِيثَمِيِّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي مَنْصُورٍ الْمُتَطَبِّبِ فَقَالَ أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي قَالَ كُنْتُ أَنَا وَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُقَفَّعِ‏ (2) فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَالَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ تَرَوْنَ هَذَا الْخَلْقَ وَ أَوْمَى بِيَدِهِ إِلَى مَوْضِعِ الطَّوَافِ مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ أُوجِبُ لَهُ اسْمَ الْإِنْسَانِيَّةِ (3) إِلَّا ذَلِكَ الشَّيْخُ الْجَالِسُ يَعْنِي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ(ع)فَأَمَّا الْبَاقُونَ فَرَعَاعٌ وَ بَهَائِمُ فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ وَ كَيْفَ أَوْجَبْتَ هَذَا الِاسْمَ لِهَذَا الشَّيْخِ دُونَ هَؤُلَاءِ قَالَ لِأَنِّي رَأَيْتُ عِنْدَهُ مَا لَمْ أَرَ عِنْدَهُمْ فَقَالَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ مَا بُدٌّ مِنِ اخْتِبَارِ مَا قُلْتَ فِيهِ مِنْهُ فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْمُقَفَّعِ لَا تَفْعَلْ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ‏

____________



(1) و في نسخة: بفسخ العزائم.

(2) قيل: إن اسمه «روزبه» قبل الإسلام و عبد اللّه بعد الإسلام، و المقفع اسمه المبارك، و لقب بالمقفع لان الحجاج بن يوسف ضربه ضربا فتقفعت يده- و رجل متقفع اليدين أي متشنجهما- و قيل: هو المقفع بكسر العين، لعمله القفعة- بفتح القاف و سكون الفاء- و القفعة: شي‏ء يشبه الزنبيل بلا عروة و تعمل من خوص ليست بالكبيرة. ذكر السيّد المرتضى في ج 1(ص)89 من أماليه ابن المقفع من جملة الزنادقة و الملاحدة الذين يبطنون الكفر و يظهرون الإسلام.

(3) في نسخة: وجب له اسم الإنسانيّة.

43

يُفْسِدَ عَلَيْكَ مَا فِي يَدِكَ فَقَالَ لَيْسَ ذَا رَأْيَكَ وَ لَكِنَّكَ تَخَافُ أَنْ يَضْعُفَ رَأْيُكَ عِنْدِي فِي إِحْلَالِكَ إِيَّاهُ الْمَحَلَّ الَّذِي وَصَفْتَ فَقَالَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ أَمَّا إِذَا تَوَهَّمْتَ عَلَيَّ هَذَا فَقُمْ إِلَيْهِ وَ تَحَفَّظْ مَا اسْتَطَعْتَ مِنَ الزَّلَلِ وَ لَا تَثْنِ عِنَانَكَ إِلَى اسْتِرْسَالٍ يُسَلِّمْكَ إِلَى عِقَالٍ وَ سِمْهُ مَا لَكَ أَوْ عَلَيْكَ قَالَ فَقَامَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ وَ بَقِيتُ وَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ فَرَجَعَ إِلَيْنَا وَ قَالَ يَا ابْنَ الْمُقَفَّعِ مَا هَذَا بِبَشَرٍ وَ إِنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا رُوحَانِيٌّ يَتَجَسَّدُ إِذَا شَاءَ ظَاهِراً وَ يَتَرَوَّحُ إِذَا شَاءَ بَاطِناً فَهُوَ هَذَا فَقَالَ لَهُ وَ كَيْفَ ذَاكَ قَالَ جَلَسْتُ إِلَيْهِ فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ غَيْرِي ابْتَدَأَنِي فَقَالَ إِنْ يَكُنِ الْأَمْرُ عَلَى مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ وَ هُوَ عَلَى مَا يَقُولُونَ يَعْنِي أَهْلَ الطَّوَافِ فَقَدْ سَلِمُوا وَ عَطِبْتُمْ وَ إِنْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ وَ لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ فَقَدِ اسْتَوَيْتُمْ وَ هُمْ فَقُلْتُ لَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ وَ أَيَّ شَيْ‏ءٍ نَقُولُ وَ أَيَّ شَيْ‏ءٍ يَقُولُونَ مَا قَوْلِي وَ قَوْلُهُمْ إِلَّا وَاحِدٌ فَقَالَ كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُكَ وَ قَوْلُهُمْ وَاحِداً وَ هُمْ يَقُولُونَ إِنَّ لَهُمْ مَعَاداً وَ ثَوَاباً وَ عِقَاباً وَ يَدِينُونَ بِأَنَّ لِلسَّمَاءِ إِلَهاً وَ أَنَّهَا عُمْرَانٌ وَ أَنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ السَّمَاءَ خَرَابٌ لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ قَالَ فَاغْتَنَمْتُهَا مِنْهُ فَقُلْتُ لَهُ مَا مَنَعَهُ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُ أَنْ يَظْهَرَ لِخَلْقِهِ وَ يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَتِهِ حَتَّى لَا يَخْتَلِفَ مِنْهُمُ اثْنَانِ وَ لِمَا احْتَجَبَ عَنْهُمْ وَ أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ وَ لَوْ بَاشَرَهُمْ بِنَفْسِهِ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ فَقَالَ لِي وَيْلَكَ وَ كَيْفَ احْتَجَبَ عَنْكَ مَنْ أَرَاكَ قُدْرَتَهُ فِي نَفْسِكَ نُشُوءَكَ وَ لَمْ تَكُنْ وَ كِبَرَكَ بَعْدَ صِغَرِكَ وَ قُوَّتَكَ بَعْدَ ضَعْفِكَ وَ ضَعْفَكَ بَعْدَ قُوَّتِكَ وَ سُقْمَكَ بَعْدَ صِحَّتِكَ وَ صِحَّتَكَ بَعْدَ سُقْمِكَ وَ رِضَاكَ بَعْدَ غَضَبِكَ وَ غَضَبَكَ بَعْدَ رِضَاكَ وَ حُزْنَكَ بَعْدَ فَرَحِكَ وَ فَرَحَكَ بَعْدَ حُزْنِكَ وَ حُبَّكَ بَعْدَ بُغْضِكَ وَ بُغْضَكَ بَعْدَ حُبِّكَ وَ عَزْمَكَ بَعْدَ إِبَائِكَ وَ إِبَاءَكَ بَعْدَ عَزْمِكَ وَ شَهْوَتَكَ بَعْدَ كَرَاهَتِكَ وَ كَرَاهَتَكَ بَعْدَ شَهْوَتِكَ وَ رَغْبَتَكَ بَعْدَ رَهْبَتِكَ وَ رَهْبَتَكَ بَعْدَ رَغْبَتِكَ وَ رَجَاءَكَ بَعْدَ يَأْسِكَ وَ يَأْسَكَ بَعْدَ رَجَائِكَ وَ خَاطِرَكَ بِمَا لَمْ يَكُنْ فِي وَهْمِكَ وَ عُزُوبَ مَا أَنْتَ مُعْتَقِدُهُ مِنْ ذِهْنِكَ وَ مَا زَالَ يَعُدُّ عَلَيَّ قُدْرَتَهُ الَّتِي فِي نَفْسِي الَّتِي لَا أَدْفَعُهَا حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَهُ.

بيان قال الجزري رعاع الناس أي غوغاؤهم و سقاطهم و أخلاطهم الواحد رعاعة قوله و لا تثن من الثني و هو العطف و الميل أي لا ترخ عنانك إليه بأن تميل إلى الرفق و الاسترسال و التساهل فتقبل منه بعض ما يلقي إليك فيسلمك من التسليم أو

44

الإسلام إلى عقال أي يعقلك بتلك المقدمات التي تسلمت منه بحيث لا يبقى لك مفر كالبعير المعقول قوله و سمه ما لك أو عليك نقل عن الشيخ البهائي (قدس الله روحه) أنه من السوم من سام البائع السلعة يسوم سوما إذا عرضها على المشتري و سامها المشتري بمعنى استامها و الضمير راجع إلى الشيخ على طريق الحذف و الإيصال و الموصول مفعوله و يروى عن الفاضل التستري نور ضريحه أنه كان يقرأ سمه بضم السين و فتح الميم المشددة أمرا من سم الأمر يسمه إذا سبره و نظر إلى غوره و الضمير راجع إلى ما يجري بينهما و الموصول بدل عنه و قيل هو من سممت سمك أي قصدت قصدك و الهاء للسكت أي أقصد ما لك و ما عليك و الأظهر أنه من وسم يسم سمة بمعنى الكي‏ (1) و الضمير راجع إلى ما يريد أن يتكلم به أي اجعل على ما تريد أن تتكلم به علامة لتعلم أي شي‏ء لك و أي شي‏ء عليك فالموصول بدل من الضمير قوله(ع)و هو على ما يقولون اعترض(ع)الجملة الحالية بين الشرط و الجزاء للإشارة إلى ما هو الحق و لئلا يتوهم أنه(ع)في شك من ذلك و العطب الهلاك قوله(ع)ليس فيها أحد أي لها أو عليها أو بالظرفية المجازية لجريان حكمه و حصول تقديره تعالى فيها و حاصل استدلاله(ع)أنك لما وجدت في نفسك آثار القدرة التي ليست من مقدوراتك ضرورة علمت أن لها بارئا قادرا و كيف يكون غائبا عن الشخص من لا يخلو الشخص ساعة عن آثار كثيرة يصل منه إليه.

19- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جَنَاحٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَا خَلَقَ اللَّهُ خَلْقاً أَصْغَرَ مِنَ الْبَعُوضِ وَ الْجِرْجِسُ أَصْغَرُ مِنَ الْبَعُوضِ وَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ الْوَلَغَ أَصْغَرَ مِنَ الْجِرْجِسِ وَ مَا فِي الْفِيلِ شَيْ‏ءٌ إِلَّا وَ فِيهِ مِثْلُهُ وَ فُضِّلَ عَلَى الْفِيلِ بِالْجَنَاحَيْنِ‏ (2).

____________

(1) بل الأظهر أنّه أمر من التسمية كناية عن تعيين ما هو مقبول عنده من المقدمات و ما ليس بمقبول.

(2) و بالرجلين، و خرطوم الفيل المصمت، و خرطومه مجوف نافذ للجوف، فإذا طعن به جسد الإنسان استقى الدم و قذف به إلى جوفه فهو كالبلعوم و الحلقوم و لذلك اشتد عضها، و قويت على خرق الجلود الغلاظ، و ممّا ألهمه اللّه تعالى أنّه إذا جلس على عضو من أعضاء الإنسان لا يزال يتوخى.

45

بيان قال الفيروزآبادي الجرجس بالكسر البعوض الصغار انتهى فالمراد أن الجرجس أصغر من سائر أصناف البعوض ليوافق أول الكلام و كلام أهل اللغة على أنه يحتمل أن يكون الحصر في الأول إضافيا كما أن الظاهر أنه لا بد من تخصيصه بالطيور إذ قد يحس من الحيوانات ما هو أصغر من البعوض إلا أن يقال يمكن أن يكون للبعوض أنواع صغار لا يكون شي‏ء من الحيوانات أصغر منها و الولغ هنا بالغين المعجمة و في الكافي بالمهملة و هما غير مذكورين فيما عندنا من كتب اللغة و الظاهر أنه أيضا صنف من البعوض و الغرض بيان كمال قدرته تعالى فإن القدرة في خلق الأشياء الصغار أكثر و أظهر منها في الكبار كما هو المعروف بين الصناع من المخلوقين‏ (1) فتبارك الله أحسن الخالقين.

20- يد، التوحيد الدَّقَّاقُ عَنِ الْكُلَيْنِيِّ بِإِسْنَادِهِ رَفَعَ الْحَدِيثَ‏ أَنَّ ابْنَ أَبِي الْعَوْجَاءِ حِينَ كَلَّمَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَادَ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَجَلَسَ وَ هُوَ سَاكِتٌ لَا يَنْطِقُ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)كَأَنَّكَ جِئْتَ تُعِيدُ بَعْضَ مَا كُنَّا فِيهِ فَقَالَ أَرَدْتُ ذَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)مَا أَعْجَبَ هَذَا تُنْكِرُ اللَّهَ وَ تَشْهَدُ أَنِّي ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ الْعَادَةُ

____________



بخرطومه المسام التي يخرج منها العرق، لانها أرق بشرة من جلد الإنسان فإذا وجدها وضع خرطومه فيها، و فيه من الشره أن يمص الدم إلى أن ينشق و يموت، او إلى أن يعجز عن الطيران فيكون ذلك سبب هلاكه، و من عجيب أمره أنّه ربما قتل البعير و غيره من ذوات الاربع فيبقى طريحا في الصحراء فتجتمع السباع حوله، و الطير التي تاكل الجيف، فمن أكل منها شيئا مات لوقته. قال وهب بن منبه لما أرسل اللّه تعالى البعوض على النمرود اجتمع منه في عسكره ما لا يحصى عددا فلما عاين النمرود ذلك انفرد عن جيشه و دخل بيته، و أغلق الأبواب و أرخى الستور و نام على قفاه مفكرا، فدخلت بعوضة في أنفه و صعدت إلى دماغه فعذب بها أربعين يوما، حتى أنّه كان يضرب برأسه الأرض و كان أعز الناس عنده من يضرب رأسه ثمّ سقطت منه كالفرخ و هي تقول: كذلك يسلط اللّه رسله على من يشاء من عباده، ثمّ هلك حينئذ. و قد أودع اللّه في مقدم دماغها قوة الحفظ، و في وسطه قوة الفكر و في مؤخره قوة الذكر، و خلق لها حاسة البصر، و حاسة اللمس، و حاسة الشم، و خلق لها منفذا للغذاء، و مخرجا للفضلة، و خلق لها جوفا و أمعاء و عظاما، فسبحان من قدر فهدى، و لم يخلق شيئا من المخلوقات سدى. قاله الدميرى في كتابه حياة الحيوان.

(1) هذا بحسب الدقة و اللطف و كانه (عليه السلام) في هذا المقام، و أمّا بحسب القدرة فالامر بالعكس من جهة توفيق الذرات و توديع القوى العظيمة الهائلة، قال تعالى: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏ المؤمن: 57. ط.

46

تَحْمِلُنِي عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ الْعَالِمُ(ع)فَمَا يَمْنَعُكَ مِنَ الْكَلَامِ قَالَ إِجْلَالًا لَكَ‏ (1) وَ مَهَابَةً مَا يَنْطِقُ لِسَانِي بَيْنَ يَدَيْكَ فَإِنِّي شَاهَدْتُ الْعُلَمَاءَ وَ نَاظَرْتُ الْمُتَكَلِّمِينَ فَمَا تَدَاخَلَنِي هَيْبَةٌ قَطُّ مِثْلُ مَا تَدَاخَلَنِي مِنْ هَيْبَتِكَ قَالَ يَكُونُ ذَلِكَ وَ لَكِنْ أَفْتَحُ عَلَيْكَ بِسُؤَالٍ وَ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَ مَصْنُوعٌ أَنْتَ أَوْ غَيْرُ مَصْنُوعٍ فَقَالَ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ بَلْ أَنَا غَيْرُ مَصْنُوعٍ فَقَالَ لَهُ الْعَالِمُ(ع)فَصِفْ لِي لَوْ كُنْتَ مَصْنُوعاً كَيْفَ كُنْتَ تَكُونُ فَبَقِيَ عَبْدُ الْكَرِيمِ مَلِيّاً لَا يُحِيرُ جَوَاباً وَ وَلِعَ بِخَشَبَةٍ كَانَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ هُوَ يَقُولُ طَوِيلٌ عَرِيضٌ عَمِيقٌ قَصِيرٌ مُتَحَرِّكٌ سَاكِنٌ كُلُّ ذَلِكَ صِفَةُ خَلْقِهِ‏ (2) فَقَالَ لَهُ الْعَالِمُ(ع)فَإِنْ كُنْتَ لَمْ تَعْلَمْ صِفَةَ الصَّنْعَةِ غَيْرَهَا فَاجْعَلْ نَفْسَكَ مَصْنُوعاً لِمَا تَجِدُ فِي نَفْسِكَ مِمَّا يَحْدُثُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْكَرِيمِ سَأَلْتَنِي عَنْ مَسْأَلَةٍ لَمْ يَسْأَلْنِي عَنْهَا أَحَدٌ قَبْلَكَ وَ لَا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ بَعْدَكَ عَنْ مِثْلِهَا فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)هَبْكَ عَلِمْتَ أَنَّكَ لَمْ تُسْأَلْ فِيمَا مَضَى فَمَا عِلْمُكَ أَنَّكَ لَا تُسْأَلُ فِيمَا بَعْدُ عَلَى أَنَّكَ يَا عَبْدَ الْكَرِيمِ نَقَضْتَ قَوْلَكَ لِأَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ الْأَشْيَاءَ مِنَ الْأَوَّلِ سَوَاءٌ فَكَيْفَ قَدَّمْتَ وَ أَخَّرْتَ ثُمَّ قَالَ يَا عَبْدَ الْكَرِيمِ أَزِيدُكَ وُضُوحاً أَ رَأَيْتَ لَوْ كَانَ مَعَكَ كِيسٌ فِيهِ جَوَاهِرُ فَقَالَ لَكَ قَائِلٌ هَلْ فِي الْكِيسِ دِينَارٌ فَنَفَيْتَ كَوْنَ الدِّينَارِ فِي الْكِيسِ فَقَالَ لَكَ قَائِلٌ صِفْ لِيَ الدِّينَارَ وَ كُنْتَ غَيْرَ عَالِمٍ بِصِفَتِهِ هَلْ كَانَ لَكَ أَنْ تَنْفِيَ كَوْنَ الدِّينَارِ عَنِ الْكِيسِ وَ أَنْتَ لَا تَعْلَمُ قَالَ لَا فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَالْعَالَمُ أَكْبَرُ وَ أَطْوَلُ وَ أَعْرَضُ مِنَ الْكِيسِ فَلَعَلَّ فِي الْعَالَمِ صَنْعَةً مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُ صِفَةَ الصَّنْعَةِ مِنْ غَيْرِ الصَّنْعَةِ فَانْقَطَعَ عَبْدُ الْكَرِيمِ وَ أَجَابَ إِلَى الْإِسْلَامِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَ بَقِيَ مَعَهُ بَعْضٌ فَعَادَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَقَالَ أَقْلِبُ السُّؤَالَ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)اسْأَلْ عَمَّا شِئْتَ فَقَالَ مَا الدَّلِيلُ عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ فَقَالَ إِنِّي مَا وَجَدْتُ شَيْئاً صَغِيراً وَ لَا كَبِيراً إِلَّا وَ إِذَا ضُمَّ إِلَيْهِ مِثْلُهُ صَارَ أَكْبَرَ وَ فِي ذَلِكَ زَوَالٌ وَ انْتِقَالٌ عَنِ الْحَالَةِ الْأُولَى وَ لَوْ كَانَ قَدِيماً مَا زَالَ وَ لَا حَالَ لِأَنَّ الَّذِي يَزُولُ وَ يَحُولُ يَجُوزُ أَنْ يُوجَدَ وَ يُبْطَلَ فَيَكُونُ بِوُجُودِهِ بَعْدَ عَدَمِهِ دُخُولٌ فِي الْحُدُوثِ وَ فِي كَوْنِهِ فِي الْأَزَلِ دُخُولُهُ فِي الْقِدَمِ وَ لَنْ تَجْتَمِعَ صِفَةُ الْأَزَلِ وَ الْحُدُوثِ وَ الْقِدَمِ وَ الْعَدَمِ‏

____________



(1) في نسخة: إجلال لك.

(2) و في نسخة: كل ذلك صنعة خلقه.

47

فِي شَيْ‏ءٍ وَاحِدٍ (1) فَقَالَ عَبْدُ الْكَرِيمِ هَبْكَ عَلِمْتَ فِي جَرْيِ الْحَالَتَيْنِ وَ الزَّمَانَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْتَ وَ اسْتَدْلَلْتَ عَلَى حُدُوثِهِا فَلَوْ بَقِيَتِ الْأَشْيَاءُ عَلَى صِغَرِهَا مِنْ أَيْنَ كَانَ لَكَ أَنْ تَسْتَدِلَّ عَلَى حُدُوثِهِا فَقَالَ الْعَالِمُ(ع)إِنَّمَا نَتَكَلَّمُ عَلَى هَذَا الْعَالَمِ الْمَوْضُوعِ فَلَوْ رَفَعْنَاهُ وَ وَضَعْنَا عَالَماً آخَرَ كَانَ لَا شَيْ‏ءَ أَدَلَّ عَلَى الْحُدُوثِ مِنْ رَفْعِنَا إِيَّاهُ وَ وَضْعِنَا غَيْرَهُ وَ لَكِنْ أَجَبْتُكَ‏ (2) مِنْ حَيْثُ قَدَّرْتَ أَنْ تُلْزِمَنَا وَ نَقُولَ‏ (3) إِنَّ الْأَشْيَاءَ لَوْ دَامَتْ عَلَى صِغَرِهَا لَكَانَ فِي الْوَهْمِ أَنَّهُ مَتَى مَا ضُمَّ شَيْ‏ءٌ (4) إِلَى مِثْلِهِ كَانَ أَكْبَرَ وَ فِي جَوَازِ التَّغْيِيرِ عَلَيْهِ خُرُوجُهُ مِنَ الْقِدَمِ كَمَا بَانَ فِي تَغْيِيرِهِ دُخُولُهُ فِي الْحَدَثِ‏ (5) لَيْسَ لَكَ وَرَاءَهُ شَيْ‏ءٌ يَا عَبْدَ الْكَرِيمِ فَانْقَطَعَ وَ خَزِيَ فَلَمَّا أَنْ كَانَ مِنَ الْعَامِ الْقَابِلِ الْتَقَى مَعَهُ فِي الْحَرَمِ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ شِيعَتِهِ إِنَّ ابْنَ أَبِي الْعَوْجَاءِ قَدْ أَسْلَمَ فَقَالَ الْعَالِمُ(ع)هُوَ أَعْمَى مِنْ ذَلِكَ لَا يُسْلِمُ فَلَمَّا بَصُرَ بِالْعَالِمِ قَالَ سَيِّدِي وَ مَوْلَايَ فَقَالَ لَهُ الْعَالِمُ(ع)مَا جَاءَ بِكَ عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فَقَالَ عَادَةُ الْجَسَدِ وَ سُنَّةُ الْبَلَدِ وَ لِنُبْصِرَ مَا النَّاسُ فِيهِ مِنَ الْجُنُونِ وَ الْحَلْقِ وَ رَمْيِ الْحِجَارَةِ فَقَالَ لَهُ الْعَالِمُ أَنْتَ بَعْدُ عَلَى عُتُوِّكَ وَ ضَلَالِكَ يَا عَبْدَ الْكَرِيمِ فَذَهَبَ يَتَكَلَّمُ فَقَالَ لَهُ لَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَ نَفَضَ رِدَاءَهُ مِنْ يَدِهِ وَ قَالَ إِنْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُ وَ لَيْسَ كَمَا تَقُولُ نَجَوْنَا وَ نَجَوْتَ وَ إِنْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَمَا نَقُولُ وَ هُوَ كَمَا نَقُولُ نَجَوْنَا وَ هَلَكْتَ فَأَقْبَلَ عَبْدُ الْكَرِيمِ عَلَى مَنْ مَعَهُ فَقَالَ وَجَدْتُ فِي قَلْبِي حَرَارَةً فَرُدُّونِي فَرَدُّوهُ وَ مَاتَ لَا (رحمه الله ).

ج، الإحتجاج روي مرسلا بعض الخبر تنوير لا يحير جوابا بالمهملة أي لا يقدر عليه و الولوع بالشي‏ء الحرص عليه و المبالغة في تناوله قوله كل ذلك صفة خلقه أي خلق الخالق و الصانع و يمكن أن يقرأ بالتاء أي صفة المخلوقية و الحاصل أنه لما سأل الإمام(ع)عنه أنك لو كنت مصنوعا هل كنت على غير تلك الأحوال و الصفات التي أنت عليها الآن أم لا أقبل يتفكر

____________

(1) في التوحيد المطبوع: و لن يجتمع صفة الازل و العدم في شي‏ء واحد.

(2) و في نسخة: اجيبك.

(3) و في نسخة: فنقول.

(4) و في نسخة: ما ضم شي‏ء منه إلى شي‏ء منه.

(5) و في نسخة: كما أن في تغييره دخوله في الحدث.

48

في ذلك فتنبه أن صفاته كلها صفات المخلوقين و كانت معاندته مانعة عن الإذعان بالصانع تعالى فبقي متحيرا فقال(ع)إذا رجعت إلى نفسك و وجدت في نفسك صفة المخلوقين فلم لا تذعن بالصانع فاعترف بالعجز عن الجواب و قال سألتني عن مسألة لم يسألني عنها أحد قبلك و لا يسألني أحد بعدك قوله(ع)هبك أي افرض نفسك أنك علمت ما مضى و سلمنا ذلك لك قال الفيروزآبادي هبني فعلت أي احسبني فعلت و اعددني كلمة للأمر فقط و حاصل جوابه(ع)أولا أنك بنيت أمورك كلها على الظن و الوهم لأنك تقطع بأنك لا تسأل بعد ذلك عن مثلها مع أنه لا سبيل لك إلى القطع به. و أما قوله(ع)على أنك يا عبد الكريم نقضت قولك يحتمل وجوها الأول أن يكون المراد أن نفيك للصانع مبني على أنك تزعم أن لا عليه بين الأشياء و لا نسبة الوجود و العدم إليها على السواء و الاستدلال على الأشياء الغير المحسوسة إنما يكون بالعلية و المعلولية فكيف حكمت بعدم حصول الشي‏ء في المستقبل فيكون المراد بالتقدم و التأخر العلية و المعلولية أو ما يساوقهما.

الثاني أن يكون مبنيا على ما لعلهم كانوا قائلين به و ربما أمكن إلزامهم بذلك بناء على نفي الصانع من أن الأشياء متساوية غير متفاوتة في الكمال و النقص فالمراد أنك كيف حكمت بتفضيلي على غيري و هو مناف للمقدمة المذكورة فالمراد بالتقدم و التأخر ما هو بحسب الشرف.

الثالث أن يكون مبنيا على ما ينسب إلى أكثر الملاحدة من القول بالكمون و البروز أي مع قولك بكون كل حقيقة حاصلة في كل شي‏ء كيف يمكنك الحكم بتقدم بعض الأشياء على بعض في الفضل و الشرف.

قوله(ع)و في ذلك زوال و انتقال حاصل استدلاله(ع)إما راجع إلى دليل المتكلمين من أن عدم الانفكاك عن الحوادث يستلزم الحدوث أو إلى أنه لا يخلو إما أن يكون بعض تلك الأحوال الزائلة المتغيرة قديما أم لا بل يكون كلها حوادث و كل منهما محال أما الأول فلما تقرر عند الحكماء من أن ما ثبت قدمه امتنع عدمه و أما الثاني فللزوم التسلسل بناء على جريان دلائل إبطاله في الأمور المتعاقبة و يمكن‏

49

أن يكون مبنيا على ما يظهر من الأخبار الكثيرة من أن كل قديم يكون واجبا بالذات و لا يكون المعلول إلا حادثا و وجوب الوجود ينافي التغير و لا يكون الواجب محلا للحوادث كما برهن عليه ثم قال ابن أبي العوجاء لو فرضنا بقاء الأشياء على صغرها لم يمكنك الاستدلال على حدوثها بالتغير فأجاب(ع)أولا على سبيل الجدل بأن كلامنا كان في هذا العالم الذي نشاهد فيه التغيرات فلو فرضت رفع هذا العالم و وضع عالم آخر مكانه لا يعتريه التغير فزوال هذا العالم دل على كونه حادثا و إلا لما زال و حدوث العالم الثاني أظهر ثم قال و لكن أجيبك من حيث قدرت بتشديد الدال أي فرضت لأن تلزمنا أو بالتخفيف أي زعمت أنك تقدر أن تلزمنا و هو بأن تفرض في الأول مكان هذا العالم عالما لا يكون فيه التغير فنقول يحكم العقل بأن الأجسام يجوز عليها ضم شي‏ء إليها و قطع شي‏ء منها و جواز التغير عليه يكفي لحدوثها بنحو ما مر من التقرير.

21- يد، التوحيد ابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ هِشَامِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقِيلَ لَهُ بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ قَالَ بِفَسْخِ الْعَزْمِ وَ نَقْضِ الْهَمِّ عَزَمْتُ فَفُسِخَ عَزْمِي وَ هَمَمْتُ فَنُقِضَ هَمِّي.

22 يد، التوحيد المكتب عن الأسدي عن البرمكي عن محمد بن عبد الرحمن الخزاز عن سليمان بن جعفر عن علي بن الحكم عن هشام بن سالم قال‏ حضرت محمد بن نعمان الأحول فقام إليه رجل فقال له بم عرفت ربك قال بتوفيقه و إرشاده و تعريفه و هدايته قال فخرجت من عنده فلقيت هشام بن الحكم فقلت له ما أقول لمن يسألني فيقول لي بم عرفت ربك فقال إن سأل سائل فقال بم عرفت ربك قلت عرفت الله جل جلاله بنفسي لأنها أقرب الأشياء إلي و ذلك أني أجدها أبعاضا مجتمعة و أجزاء مؤتلفة ظاهرة التركيب متينة الصنعة مبنية على ضروب من التخطيط و التصوير زائدة من بعد نقصان و ناقصة من بعد زيادة قد أنشئ لها حواس مختلفة و جوارح متبائنة من بصر و سمع و شام و ذائق و لامس مجبولة على الضعف و النقص و المهانة لا تدرك واحدة منها مدرك صاحبتها و لا تقوى على ذلك عاجزة عن اجتلاب‏

50

المنافع إليها و دفع المضار عنها و استحال في العقول وجود تأليف لا مؤلف له و ثبات صورة لا مصور لها فعلمت أن لها خالقا خلقها و مصورا صورها مخالفا لها في جميع جهاتها (1) قال الله جل جلاله‏ وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ‏

23- يد، التوحيد الدَّقَّاقُ عَنِ الْأَسَدِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْمَأْمُونِ الْقُرَشِيِ‏ (2) عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (3) عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو شَاكِرٍ الدَّيَصَانِيُّ إِنَّ لِي مَسْأَلَةً تَسْتَأْذِنُ لِي عَلَى صَاحِبِكَ فَإِنِّي قَدْ سَأَلْتُ عَنْهَا جَمَاعَةً مِنَ الْعُلَمَاءِ فَمَا أَجَابُونِي بِجَوَابٍ مُشْبِعٍ فَقُلْتُ هَلْ لَكَ أَنْ تُخْبِرَنِي بِهَا فَلَعَلَّ عِنْدِي جَوَاباً تَرْتَضِيهِ فَقَالَ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَلْقَى بِهَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَاسْتَأْذَنْتُ لَهُ فَدَخَلَ فَقَالَ لَهُ أَ تَأْذَنُ لِي فِي السُّؤَالِ فَقَالَ لَهُ سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ فَقَالَ لَهُ مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ لَكَ صَانِعاً فَقَالَ وَجَدْتُ نَفْسِي لَا تَخْلُو مِنْ إِحْدَى جِهَتَيْنِ إِمَّا أَنْ أَكُونَ صَنَعْتُهَا أَنَا فَلَا أَخْلُو مِنْ أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ إِمَّا أَنْ أَكُونَ صَنَعْتُهَا وَ كَانَتْ مَوْجُودَةً أَوْ صَنَعْتُهَا وَ كَانَتْ مَعْدُومَةً فَإِنْ كُنْتُ صَنَعْتُهَا وَ كَانَتْ مَوْجُودَةً فَقَدِ اسْتَغْنَيْتُ بِوُجُودِهَا عَنْ صَنْعَتِهَا وَ إِنْ كَانَتْ مَعْدُومَةً فَإِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ الْمَعْدُومَ لَا يُحْدِثُ شَيْئاً فَقَدْ ثَبَتَ الْمَعْنَى الثَّالِثُ أَنَّ لِي صَانِعاً وَ هُوَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَقَامَ وَ مَا أَجَابَ جَوَاباً.

بيان هذا برهان متين مبني على توقف التأثير و الإيجاد على وجود الموجد و المؤثر و الضرورة الوجدانية حاكمة بحقيتها و لا مجال للعقل في إنكارها.

24- يد، التوحيد أَبِي وَ ابْنُ الْوَلِيدِ مَعاً عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ وَ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ سَهْلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَعْقُوبَ الْهَاشِمِيِّ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: دَخَلَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقَالَ أَ لَيْسَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)بَلَى فَقَالَ لَهُ أَنَا أَخْلُقُ فَقَالَ لَهُ كَيْفَ تَخْلُقُ قَالَ أُحْدِثُ فِي الْمَوْضِعِ ثُمَّ أَلْبَثُ عَنْهُ فَيَصِيرُ دوابا [دَوَابَّ فَأَكُونُ أَنَا الَّذِي خَلَقْتُهَا فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ‏

____________



(1) و في نسخة: مخالفا لها في جميع صفاتها.

(2) لم نقف على ترجمته.

(3) لعله هو أبو حفص الملقب بزحل الذي ترجمه النجاشيّ في رجاله(ص)202 قال: عربى بصرى مخلط، له كتاب.

51

ع أَ لَيْسَ خَالِقُ الشَّيْ‏ءِ يَعْرِفُ كَمْ خَلَقَهُ قَالَ لَهُ بَلَى قَالَ فَتَعْرِفُ الذَّكَرَ مِنْهَا مِنَ الْأُنْثَى وَ تَعْرِفُ كَمْ عُمُرُهَا فَسَكَتَ.

25- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ هَاشِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمَّادٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَعْقُوبَ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ مَنْصُورٍ (1) قَالَ لِي هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ كَانَ زِنْدِيقٌ بِمِصْرَ يَبْلُغُهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَخَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيُنَاظِرَهُ فَلَمْ يُصَادِفْهُ بِهَا فَقِيلَ لَهُ هُوَ بِمَكَّةَ فَخَرَجَ الزِّنْدِيقُ إِلَى مَكَّةَ وَ نَحْنُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقَارَبَنَا الزِّنْدِيقُ وَ نَحْنُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي الطَّوَافِ فَضَرَبَ كَتِفَهُ كَتِفَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ(ع)مَا اسْمُكَ قَالَ اسْمِي عَبْدُ الْمَلِكِ قَالَ فَمَا كُنْيَتُكَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قَالَ فَمَنِ الْمَلِكُ الَّذِي أَنْتَ لَهُ عَبْدٌ أَ مِنْ مُلُوكِ السَّمَاءِ أَمْ مِنْ مُلُوكِ الْأَرْضِ وَ أَخْبِرْنِي عَنِ ابْنِكَ أَ عَبْدُ إِلَهِ السَّمَاءِ أَمْ عَبْدُ إِلَهِ الْأَرْضِ فَسَكَتَ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)قُلْ مَا شِئْتَ تُخْصَمْ قَالَ هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ قُلْتُ لِلزِّنْدِيقِ أَ مَا تَرُدُّ عَلَيْهِ فَقَبَّحَ قَوْلِي فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِذَا فَرَغْتَ مِنَ الطَّوَافِ فَأْتِنَا فَلَمَّا فَرَغَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَتَاهُ الزِّنْدِيقُ فَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ نَحْنُ مُجْتَمِعُونَ عِنْدَهُ فَقَالَ لِلزِّنْدِيقِ أَ تَعْلَمُ أَنَّ لِلْأَرْضِ تَحْتاً وَ فَوْقاً قَالَ نَعَمْ قَالَ فَدَخَلْتَ تَحْتَهَا قَالَ لَا قَالَ فَمَا يُدْرِيكَ بِمَا تَحْتَهَا قَالَ لَا أَدْرِي إِلَّا أَنِّي أَظُنُّ أَنْ لَيْسَ تَحْتَهَا شَيْ‏ءٌ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَالظَّنُّ عَجْزٌ مَا لَمْ تَسْتَيْقِنْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَصَعِدْتَ إِلَى السَّمَاءِ قَالَ لَا قَالَ فَتَدْرِي مَا فِيهَا قَالَ لَا قَالَ فَعَجَباً لَكَ لَمْ تَبْلُغِ الْمَشْرِقَ وَ لَمْ تَبْلُغِ الْمَغْرِبَ وَ لَمْ تَنْزِلْ تَحْتَ الْأَرْضِ وَ لَمْ تَصْعَدْ إِلَى السَّمَاءِ وَ لَمْ تَجُزْ هُنَالِكَ فَتَعْرِفَ مَا خَلَقَهُنَّ وَ أَنْتَ جَاحِدٌ مَا فِيهِنَّ وَ هَلْ يَجْحَدُ الْعَاقِلُ مَا لَا يَعْرِفُ فَقَالَ الزِّنْدِيقُ مَا كَلَّمَنِي بِهَذَا أَحَدٌ غَيْرُكَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَأَنْتَ فِي شَكٍّ مِنْ ذَلِكَ فَلَعَلَّ هُوَ أَوْ لَعَلَّ لَيْسَ هُوَ قَالَ الزِّنْدِيقُ وَ لَعَلَّ ذَاكَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَيُّهَا الرَّجُلُ لَيْسَ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ يَعْلَمُ فَلَا حُجَّةَ لِلْجَاهِلِ يَا أَخَا أَهْلِ مِصْرَ تَفَهَّمْ عَنِّي فَإِنَّا لَا نَشُكُّ فِي اللَّهِ أَبَداً أَ مَا تَرَى الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ يَلِجَانِ‏

____________



(1) أورده النجاشيّ في(ص)176 من رجاله، قال: على بن منصور أبو الحسن كوفيّ، سكن بغداد، متكلم، من أصحاب هشام، له كتب: منها كتاب التدبير في التوحيد و الإمامة.

52

لَيْسَ لَهُمَا مَكَانٌ إِلَّا مَكَانُهُمَا فَإِنْ كَانَا يَقْدِرَانِ عَلَى أَنْ يَذْهَبَا وَ لَا يَرْجِعَانِ فَلِمَ يَرْجِعَانِ وَ إِنْ لَمْ يَكُونَا مُضْطَرَّيْنِ فَلِمَ لَا يَصِيرُ اللَّيْلُ نَهَاراً وَ النَّهَارُ لَيْلًا اضْطُرَّا وَ اللَّهِ يَا أَخَا أَهْلِ مِصْرَ إِلَى دَوَامِهِمَا وَ الَّذِي اضْطَرَّهُمَا أَحْكَمُ مِنْهُمَا وَ أَكْبَرُ مِنْهُمَا قَالَ الزِّنْدِيقُ صَدَقْتَ ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَا أَخَا أَهْلِ مِصْرَ الَّذِي تَذْهَبُونَ إِلَيْهِ وَ تَظُنُّونَهُ بِالْوَهْمِ فَإِنْ كَانَ الدَّهْرُ يَذْهَبُ بِهِمْ لِمَ لَا يَرُدُّهُمْ وَ إِنْ كَانَ يَرُدُّهُمْ لِمَ لَا يَذْهَبُ بِهِمُ الْقَوْمُ مُضْطَرُّونَ يَا أَخَا أَهْلِ مِصْرَ السَّمَاءُ مَرْفُوعَةٌ وَ الْأَرْضُ مَوْضُوعَةٌ لِمَ لَا تَسْقُطُ السَّمَاءُ عَلَى الْأَرْضِ وَ لِمَ لَا تَنْحَدِرُ الْأَرْضُ فَوْقَ طِبَاقِهَا فَلَا يَتَمَاسَكَانِ وَ لَا يَتَمَاسَكُ مَنْ عَلَيْهِمَا فَقَالَ الزِّنْدِيقُ أَمْسَكَهُمَا وَ اللَّهِ رَبُّهُمَا وَ سَيِّدُهُمَا فَآمَنَ الزِّنْدِيقُ عَلَى يَدَيْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقَالَ لَهُ حُمْرَانُ بْنُ أَعْيَنَ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنْ آمَنَتِ الزَّنَادِقَةُ عَلَى يَدَيْكَ فَقَدْ آمَنَتِ الْكُفَّارُ عَلَى يَدَيْ أَبِيكَ فَقَالَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي آمَنَ عَلَى يَدَيْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)اجْعَلْنِي مِنْ تَلَامِذَتِكَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)لِهِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ خُذْهُ إِلَيْكَ فَعَلِّمْهُ فَعَلَّمَهُ هِشَامٌ فَكَانَ مُعَلِّمَ أَهْلِ مِصْرَ وَ أَهْلِ الشَّامِ وَ حَسُنَتْ طَهَارَتُهُ حَتَّى رَضِيَ بِهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع.

ج، الإحتجاج عن هشام بن الحكم‏ مثله إيضاح قوله(ع)فمن الملك لعله(ع)سلك أولا في الاحتجاج عليه مسلك الجدل لبنائه على الأمر المشهور عند الناس أن الاسم مطابق لمعناه و يحتمل أن يكون على سبيل المطايبة و المزاح لبيان عجزه عن فهم الواضحات و رد الجواب عن أمثال تلك المطايبات أو يكون منبها على ما ارتكز في العقول من الإذعان بوجود الصانع و إن أنكروه ظاهرا لكفرهم و عنادهم ثم ابتدأ(ع)بإزالة إنكار الخصم و إخراجه منه إلى الشك لتستعد نفسه لقبول الحق فأزال إنكاره بأنه غير عالم بما تحت الأرض و ليس له سبيل إلى الجزم بأن ليس تحتها شي‏ء ثم زاده بيانا بأن السماء التي لم يصعدها كيف يكون له الجزم و المعرفة بما فيها و ما ليس فيها و كذا المشرق و المغرب فلما عرف قبح إنكاره و تنزل عنه و أقر بالشك بقوله و لعل ذاك أخذ(ع)في هدايته و قال ليس للشاك دليل و للجاهل حجة فليس لك إلا طلب الدليل فاستمع و تفهم فإنا لا نشك فيه أبدا و المراد بولوج الشمس و القمر غروبهما أو دخولهما بالحركات‏

53

الخاصة في بروجهما و بولوج الليل و النهار دخول تمام كل منهما في الآخر أو دخول بعض من كل منهما في الآخر بحسب الفصول.

و حاصل الاستدلال أن لهذه الحركات انضباطا و اتساقا و اختلافا و تركبا فالانضباط يدل على عدم كونها إرادية كما هو المشاهد من أحوال ذوي الإرادات من الممكنات و الاختلاف يدل على عدم كونها طبيعية فإن الطبيعة العادمة للشعور لا تختلف مقتضياتها كما نشاهد من حركات العناصر كما قالوا إن الطبيعة الواحدة لا تقتضي التوجه إلى جهة و الانصراف عنه و يمكن أن يقال حاصل الدليل راجع إلى ما يحكم به الوجدان من أن مثل تلك الأفعال المحكمة المتقنة الجارية على قانون الحكمة لا يصدر عن الدهر و الطبائع العادمة للشعور و الإرادة و إلى هذا يرجع قوله(ع)إن كان الدهر يذهب بهم أي الدهر العديم الشعور كيف يصدر عنه الذهاب الموافق للحكمة و لا يصدر عنه بدله الرجوع أو المراد أنه لم يقتضي طبعه ذهاب شي‏ء و لا يقتضي رده و بالعكس بناء على أن مقتضيات الطبائع تابعة لتأثير الفاعل القادر القاهر و يمكن أن يكون المراد بالذهاب بهم إعدامهم و بردهم إيجادهم و المراد بالدهر الطبيعة كما هو ظاهر كلام أكثر الدهرية أي نسبة الوجود و العدم إلى الطبائع الإمكانية على السواء فإن كان الشي‏ء يوجد بطبعه فلم لا يعدم فترجح أحدهما ترجح بلا مرجح يحكم العقل باستحالته و يجري جميع تلك الاحتمالات في قوله(ع)السماء مرفوعة إلى آخر كلامه و قوله(ع)لم لا تسقط السماء على الأرض أي لا تتحرك بالحركة المستقيمة حتى تقع على الأرض و قوله و لم لا تنحدر الأرض أي تتحرك إلى جهة التحت حتى تقع على أطباق السماء أو المراد الحركة الدورية فيغرق الناس في الماء فيكون ضمير طباقها راجعا إلى الأرض و طباق الأرض أعلاها أي تنحدر الأرض بحيث تصير فوق ما علا منها الآن قوله(ع)فلا يتماسكان أي في صورة السقوط و الانحدار أو المراد فظهر أنه لا يمكنهما التمسك بأنفسهما بل لا بد من ماسك يمسكهما.

أقول تفصيل القول في شرح تلك الأخبار الغامضة يقتضي مقاما آخر و إنما نشير في هذا الكتاب إلى ما لعله يتبصر به أولو الأذهان الثاقبة من أولي الألباب‏

54

و سنبسط الكلام فيها في كتاب مرآة العقول إن شاء الله تعالى.

26- م، تفسير الإمام (عليه السلام) قَالَ الْإِمَامُ(ع)لَمَّا تَوَعَّدَ (1) رَسُولُ اللَّهِ(ص)الْيَهُودَ وَ النَّوَاصِبَ فِي جَحْدِ النُّبُوَّةِ وَ الْخِلَافَةِ قَالَ مَرَدَةُ الْيَهُودِ وَ عُتَاةُ النَّوَاصِبِ‏ (2) مَنْ هَذَا الَّذِي يَنْصُرُ مُحَمَّداً وَ عَلِيّاً عَلَى أَعْدَائِهِمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ بِلَا عَمَدٍ مِنْ تَحْتِهَا وَ لَا عِلَاقَةٍ مِنْ فَوْقِهَا تَحْبِسُهَا مِنَ الْوُقُوعِ عَلَيْكُمْ وَ أَنْتُمْ يَا أَيُّهَا الْعِبَادُ وَ الْإِمَاءُ أُسَرَائِي وَ فِي قَبْضِي الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِكُمْ لَا مَنْجَى لَكُمْ مِنْهَا إِنْ هَرَبْتُمْ وَ السَّمَاءُ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ لَا مَحِيصَ لَكُمْ عَنْهَا إِنْ ذَهَبْتُمْ فَإِنْ شِئْتُ أَهْلَكْتُكُمْ بِهَذِهِ وَ إِنْ شِئْتُ أَهْلَكْتُكُمْ بِتِلْكَ ثُمَّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ مِنَ الشَّمْسِ الْمُنِيرَةِ فِي نَهَارِكُمْ لِتَنْتَشِرُوا فِي مَعَايِشِكُمْ وَ مِنَ الْقَمَرِ الْمُضِي‏ءِ لَكُمْ فِي لَيْلِكُمْ لِتُبْصِرُوا فِي ظُلُمَاتِهِ وَ إِلْجَائِكُمْ بِالاسْتِرَاحَةِ بِالظُّلْمَةِ إِلَى تَرْكِ مُوَاصَلَةِ الْكَدِّ الَّذِي يَنْهَكُ‏ (3) أَبْدَانَكُمْ‏ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ الْمُتَتَابِعَيْنِ الْكَادَّيْنِ عَلَيْكُمْ بِالْعَجَائِبِ الَّتِي يُحْدِثُهَا رَبُّكُمْ فِي عَالَمِهِ مِنْ إِسْعَادٍ وَ إِشْقَاءٍ وَ إِعْزَازٍ وَ إِذْلَالٍ وَ إِغْنَاءٍ وَ إِفْقَارٍ وَ صَيْفٍ وَ شِتَاءٍ وَ خَرِيفٍ وَ رَبِيعٍ وَ خِصْبٍ وَ قَحْطٍ وَ خَوْفٍ وَ أَمْنٍ‏ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ‏ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ مَطَايَاكُمْ لَا تَهْدَأُ (4) لَيْلًا وَ لَا نَهَاراً وَ لَا تَقْتَضِيكُمْ عَلَفاً وَ لَا مَاءً وَ كَفَاكُمْ بِالرِّيَاحِ مَئُونَةً تُسَيِّرُهَا بِقُوَاكُمْ الَّتِي كَانَتْ لَا تَقُومُ بِهَا لَوْ رَكَدَتْ عَنْهَا الرِّيَاحُ لِتَمَامِ مَصَالِحِكُمْ وَ مَنَافِعِكُمْ وَ بُلُوغِ الْحَوَائِجِ لِأَنْفُسِكُمْ‏ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ وَابِلًا وَ هَطْلًا وَ رَذَاذاً (5) لَا يُنْزِلُ عَلَيْكُمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً فَيُغْرِقَكُم وَ يُهْلِكَ مَعَايِشَكُمْ لَكِنَّهُ يُنْزِلُ مُتَفَرِّقاً مِنْ عَلًا حَتَّى يَعُمَّ الْأَوْهَادَ وَ التِّلَالَ وَ التِّلَاعَ‏ (6) فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها فَيُخْرِجُ نَبَاتَهَا وَ ثِمَارَهَا وَ حُبُوبَهَا وَ بَثَّ فِيها

____________



(1) أي هدّد.

(2) العتاة. جمع للعاتى و هو المستكبر و من جاوز الحد.

(3) أي يدنف و يضنى.

(4) المطايا جمع للمطية و هي الدابّة التي تركب. و لا تهدأ أي لا تسكن.

(5) الوابل: المطر الشديد. الهطل- بفتح الهاء-: المطر الضعيف الدائم. و تتابع المطر المتفرق العظيم القطر. الرذاذ كسحاب: المطر الضعيف، أو الساكن الدائم الصغار القطر كالغبار، أو هو بعد الطل.

(6) جمع للتلعة: ما ارتفع من الأرض و ما انهبط منها، من الاضداد. و لعلّ المراد في الخبر المعنى الثاني.

55

مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ مِنْهَا مَا هُوَ لِأَكْلِكُمْ وَ مَعَايِشِكُمْ وَ مِنْهَا سِبَاعٌ ضَارِيَةٌ حَافِظَةٌ عَلَيْكُمْ لِأَنْعَامِكُمْ لِئَلَّا تَشُذَّ عَلَيْكُمْ خَوْفاً مِنِ افْتِرَاسِهَا لَهَا وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ‏ الْمُرَبِّيَةِ لِحُبُوبِكُمْ الْمُبَلِّغَةِ لِثِمَارِكُمْ النَّافِيَةِ لركد [لِرُكُودِ الْهَوَاءِ وَ الْأَقْتَارِ عَنْكُمْ‏ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ‏ يَحْمِلُ أَمْطَارَهَا وَ يَجْرِي بِإِذْنِ اللَّهِ وَ يَصُبُّهَا مِنْ حَيْثُ يُؤْمَرُ لَآياتٍ‏ دَلَائِلَ وَاضِحَاتٍ‏ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏ يَتَفَكَّرُونَ بِعُقُولِهِمْ أَنَّ مَنْ هَذِهِ الْعَجَائِبُ مِنْ آثَارِ قُدْرَتِهِ قَادِرٌ عَلَى نُصْرَةِ مُحَمَّدٍ وَ عَلِيٍّ وَ آلِهِمَا(ع)عَلَى مَنْ يَشَاءُ.

بيان الكادين من الكد بمعنى الشدة و الإلحاح في الطلب كناية عن عدم تخلفهما و الباء في قوله(ع)بالعجائب بمعنى مع و قوله و الأقتار كأنه جمع القترة بمعنى الغبرة أي يذهب الأغبرة و الأبخرة المجتمعة في الهواء الموجبة لكثافتها و تعفنها و الضمير في قوله أمطارها إما راجع إلى الأرض أو إلى السحاب للجمعية.

27- جع، جامع الأخبار سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَنْ إِثْبَاتِ الصَّانِعِ فَقَالَ الْبَعْرَةُ تَدُلُّ عَلَى الْبَعِيرِ وَ الرَّوْثَةُ تَدُلُّ عَلَى الْحَمِيرِ وَ آثَارُ الْقَدَمِ تَدُلُّ عَلَى الْمَسِيرِ فَهَيْكَلٌ عُلْوِيٌّ بِهَذِهِ اللَّطَافَةِ وَ مَرْكَزٌ سُفْلِيٌّ بِهَذِهِ الْكَثَافَةِ كَيْفَ لَا يَدُلَّانِ عَلَى اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ.

28- وَ قَالَ(ع)بِصُنْعِ اللَّهِ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ وَ بِالْعُقُولِ تُعْتَقَدُ مَعْرِفَتُهُ وَ بِالتَّفَكُّرِ تَثْبُتُ حُجَّتُهُ مَعْرُوفٌ بِالدَّلَالاتِ مَشْهُورٌ بِالْبَيِّنَاتِ.

29- جع، جامع الأخبار سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه) مَا الدَّلِيلُ عَلَى إِثْبَاتِ الصَّانِعِ قَالَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ تَحْوِيلُ الْحَالِ وَ ضَعْفُ الْأَرْكَانِ وَ نَقْضُ الْهِمَّةِ.

أقول سيأتي ما يناسب هذا الباب في أبواب الاحتجاجات و أبواب المواعظ و الخطب و الحكم إن شاء الله تعالى و لنذكر بعد ذلك توحيد المفضل بن عمر و رسالة الإهليلجة المرويتين عن الصادق(ع)لاشتمالهما على دلائل و براهين على إثبات الصانع تعالى و لا يضر إرسالهما لاشتهار انتسابهما إلى المفضل و قد شهد بذلك السيد بن طاوس و غيره‏ (1) و لا ضعف محمد بن سنان و المفضل لأنه في محل المنع بل يظهر من الأخبار

____________

(1) قال ابن طاوس في(ص)9 من كتابه كشف المحجة: و انظر كتاب المفضل بن عمر الذي أملاه عليه مولانا الصادق (عليه السلام) فيما خلق اللّه جلّ جلاله من الآثار، و انظر كتاب الإهليلجة و ما فيه من.

56

الكثيرة علو قدرهما و جلالتهما مع أن متن الخبرين شاهدا صدق على صحتهما (1) و أيضا هما يشتملان على براهين لا تتوقف إفادتها العلم على صحة الخبر.

____________

الاعتبار، فان الاعتناء بقول سابق الأنبياء و الأوصياء و الأولياء عليهم أفضل السلام موافق لفطرة العقول و الاحلام. و قال في(ص)78 من كتابه الأمان من أخطار الأسفار و الازمان: و يصحب معه كتاب الإهليلجة و هو كتاب مناظرة مولانا الصادق (عليه السلام) الهندى في معرفة اللّه جلّ جلاله بطريق غريبة عجيبة ضرورية، حتى أقر الهندى بالالهية و الوحدانية، و يصحب معه كتاب المفضل بن عمر الذي رواه عن الصادق (عليه السلام) في معرفة وجوه الحكمة في إنشاء العالم السفلى و أسراره، فانه عجيب في معناه. أقول: و عدّ النجاشيّ من كتبه كتاب الفكر كتاب في بدء الخلق و الحث على الاعتبار وصية المفضل، و ذكر طريقه إليه هكذا: أخبرنى أبو عبد اللّه بن شاذان، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن يحيى عن أبيه، عن عمران بن موسى، عن إبراهيم بن هاشم، عن محمّد بن سنان، عن المفضل. انتهى. و لعل المراد منه هو كتاب توحيده هذا.

(1) أما متن الخبر الأوّل المشتهر بتوحيد المفضل فهو مطابق لجل الاخبار المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) المطابقة لمعارف الكتاب العزيز و ما يشتمل عليه من الأدلة براهين تامّة لا غبار عليها. و أمّا خبر الإهليلجة فمحصل ما فيه إثبات حجية حكم العقل و عدم كفاية الحواس في الاحكام، و اثبات وجود الصانع من طريق السببية، و إثبات وحدته من طريق اتصال التدبير و هذا لا شك فيه من جهة العقل و لا من جهة مطابقته لسائر النقل، غير أنّه مشتمل على تفاصيل لا شاهد عليها من النقل و العقل بل الامر بالعكس، كاشتماله على كون علوم الهيئة و أحكام النجوم مستندا إلى الوحى، و كذا كون علم الطبّ و القرابادين مستندين إلى الوحى مستدلا بأن إنسانا واحدا لا يقدر على هذا التتبع العظيم و التجارب الوسيع. مع أن ذلك مستند الى أرصاد كثيرة و محاسبات علمية و تجاربات ممتدة من امم مختلفة في أعصار و قرون طويلة تراكمت حتّى تكونت في صورة فمن أنتجه مجموع تلك المجاهدات العظيمة، و الدليل عليه أن النهضة الأخيرة سبكت علمى الهيئة و الطبّ في قالب جديد أوسع من قالبهما القديم بما لا يقدر من الوسعة، و لا مستند له الا الارصاد و التجارب و المحاسبات العلمية، و كذا ما هو مثلهما في الوسعة كالكيميا و الطبيعيات و علم النبات و الحيوان و غير ذلك، نعم من الممكن استناد أصلهما الى الوحى و بيان النبيّ.

و ممّا يشتمل عليه الخبر كون البحار باقية على حال واحدة دائما من غير زيادة و نقيصة مع أن التغيرات الكلية فيها ممّا هو اليوم من الواضحات. على أن الكتاب و السنة يساعدانه أيضا.

و الذي أظنه- و اللّه أعلم- أن أصل الخبر ممّا صدر عنه (عليه السلام) لكنه لم يخل عن تصرف المتصرفين فزادوا و نقصوا بما أخرجه عن استقامته الاصلية، و يشهد على ذلك النسخ المختلفة المجيبة التي سينقلها المصنّف (رحمه الله ) فان النسخ يمكن أن تختلف بالكلمة و الكلمتين و الجملة و الجملتين لسهو من الراوي في ضبطه أو من الكاتب في استنساخه، و أمّا بنحو الورقة و الورقتين و خمسين سطرا و مائة سطر فمن المستبعد جدا، الا أن يستند الى تصرف عمدى، و ممّا يشهد على ذلك أيضا الاندماج و عسر البيان الذي يشاهد في أوائل الخبر و أواسطه. و اللّه أعلم. ط.

57

باب 4 الخبر المشتهر بتوحيد المفضل بن عمر

1- رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ ذَاتَ يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ جَالِساً فِي الرَّوْضَةِ بَيْنَ الْقَبْرِ وَ الْمِنْبَرِ وَ أَنَا مُفَكِّرٌ فِيمَا خَصَّ اللَّهُ بِهِ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً(ص)مِنَ الشَّرَفِ وَ الْفَضَائِلِ وَ مَا مَنَحَهُ وَ أَعْطَاهُ وَ شَرَّفَهُ بِهِ وَ حَبَاهُ‏ (1) مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ الْجُمْهُورُ مِنَ الْأُمَّةِ وَ مَا جَهِلُوهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ عَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ وَ خَطَرِ مَرْتَبَتِهِ‏ (2) فَإِنِّي لَكَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ فَجَلَسَ بِحَيْثُ أَسْمَعُ كَلَامَهُ فَلَمَّا اسْتَقَرَّ بِهِ الْمَجْلِسُ إِذَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ قَدْ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ فَتَكَلَّمَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ فَقَالَ لَقَدْ بَلَغَ صَاحِبُ هَذَا الْقَبْرِ الْعِزَّ بِكَمَالِهِ وَ حَازَ الشَّرَفَ بِجَمِيعِ خِصَالِهِ وَ نَالَ الْحُظْوَةَ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ إِنَّهُ كَانَ فَيْلَسُوفاً ادَّعَى الْمَرْتَبَةَ الْعُظْمَى وَ الْمَنْزِلَةَ الْكُبْرَى وَ أَتَى عَلَى ذَلِكَ بِمُعْجِزَاتٍ بَهَرَتِ الْعُقُولَ وَ ضَلَّتْ فِيهَا الْأَحْلَامُ وَ غَاصَتِ الْأَلْبَابُ عَلَى طَلَبِ عِلْمِهَا فِي بِحَارِ الْفِكْرِ فَرَجَعَتْ خَاسِئَاتٌ وَ هِيَ حَسِيرٌ فَلَمَّا اسْتَجَابَ لِدَعْوَتِهِ الْعُقَلَاءُ وَ الْفُصَحَاءُ وَ الْخُطَبَاءُ دَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِهِ أَفْوَاجاً فَقَرَنَ اسْمَهُ بِاسْمِ نَامُوسِهِ فَصَارَ يَهْتِفُ بِهِ عَلَى رُءُوسِ الصَوَامِعِ فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ وَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي انْتَهَتْ إِلَيْهَا دَعْوَتُهُ وَ عَلَتْ بِهَا كَلِمَتُهُ وَ ظَهَرَتْ فِيهَا حُجَّتُهُ بَرّاً وَ بَحْراً وَ سَهْلًا وَ جَبَلًا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ خَمْسُ مَرَّاتٍ مُرَدَّداً فِي الْأَذَانِ وَ الْإِقَامَةِ لِيَتَجَدَّدَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ ذِكْرُهُ لِئَلَّا يُخْمَلَ أَمْرُهُ فَقَالَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ دَعْ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ(ص)فَقَدْ تَحَيَّرَ فِيهِ عَقْلِي وَ ضَلَّ فِي أَمْرِهِ فِكْرِي وَ حَدِّثْنَا فِي ذِكْرِ الْأَصْلِ الَّذِي يَمْشِي بِهِ ثُمَّ ذَكَرَ ابْتِدَاءً الْأَشْيَاءَ وَ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ بِإِهْمَالٍ لَا صَنْعَةَ فِيهِ وَ لَا تَقْدِيرَ وَ لَا صَانِعَ لَهُ وَ لَا مُدَبِّرَ بَلِ الْأَشْيَاءُ تَتَكَوَّنُ مِنْ ذَاتِهَا بِلَا مُدَبِّرٍ وَ عَلَى هَذَا كَانَتِ الدُّنْيَا لَمْ تَزَلْ وَ لَا تَزَالُ.

بيان الحوز الجمع و كل من ضمّ إلى نفسه شيئا فقد حازه و الحظوة بالضم و الكسر و الحاء المهملة و الظاء المعجمة المكانة و المنزلة و الفيلسوف العالم و خساء

____________

(1) أي أعطاه.

(2) الخطر: الشرف و ارتفاع القدر و المرتبة.

58

البصر أي كل و الناموس صاحب السر المطلع على أمرك أو صاحب سر الخير و جبرئيل(ع)و الحاذق و من يلطف مدخله ذكرها الفيروزآبادي و مراده هنا الرب تعالى شأنه و خمل ذكره خفي و الخامل الساقط الذي لا نباهة له و قوله الذي يمشي به أي يذهب إلى دين محمد(ص)و غيره بسببه أو يهتدي به كقوله تعالى‏ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ‏ (1) و في بعض النسخ يسمي إما بالتشديد أي يذكر اسمه أو بالتخفيف أي يرتفع الناس به و يدعون الانتساب إليه.

الَ الْمُفَضَّلُ فَلَمْ أَمْلِكْ نَفْسِي غَضَباً وَ غَيْظاً وَ حَنَقاً (2) فَقُلْتُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ أَلْحَدْتَ فِي دِينِ اللَّهِ وَ أَنْكَرْتَ الْبَارِئَ جَلَّ قُدْسُهُ الَّذِي خَلَقَكَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ وَ صَوَّرَكَ فِي أَتَمِّ صُورَةٍ وَ نَقَلَكَ فِي أَحْوَالِكَ حَتَّى بَلَغَ بِكَ إِلَى حَيْثُ انْتَهَيْتَ فَلَوْ تَفَكَّرْتَ فِي نَفْسِكَ وَ صَدَقَكَ لَطِيفُ حِسِّكَ لَوَجَدْتَ دَلَائِلَ الرُّبُوبِيَّةِ وَ آثَارَ الصَّنْعَةِ فِيكَ قَائِمَةً وَ شَوَاهِدَهُ جَلَّ وَ تَقَدَّسَ فِي خَلْقِكَ وَاضِحَةً وَ بَرَاهِينَهُ لَكَ لَائِحَةً فَقَالَ يَا هَذَا إِنْ كُنْتَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ كَلَّمْنَاكَ فَإِنْ ثَبَتَ لَكَ حُجَّةٌ تَبِعْنَاكَ وَ إِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْهُمْ فَلَا كَلَامَ لَكَ وَ إِنْ كُنْتَ مِنْ أَصْحَابِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ فَمَا هَكَذَا يُخَاطِبُنَا وَ لَا بِمِثْلِ دَلِيلِكَ يُجَادِلُنَا وَ لَقَدْ سَمِعَ مِنْ كَلَامِنَا أَكْثَرَ مِمَّا سَمِعْتَ فَمَا أَفْحَشَ فِي خِطَابِنَا وَ لَا تَعَدَّى فِي جَوَابِنَا وَ إِنَّهُ لَلْحَلِيمُ الرَّزِينُ الْعَاقِلُ الرَّصِينُ لَا يَعْتَرِيهِ‏ (3) خُرْقٌ وَ لَا طَيْشٌ وَ لَا نَزَقٌ وَ يَسْمَعُ كَلَامَنَا وَ يُصْغِي إِلَيْنَا وَ يَسْتَعْرِفُ حُجَّتَنَا حَتَّى اسْتَفْرَغْنَا مَا عِنْدَنَا وَ ظَنَنَّا أَنَّا قَدْ قَطَعْنَاهُ أَدْحَضَ حُجَّتَنَا بِكَلَامٍ يَسِيرٍ وَ خِطَابٍ قَصِيرٍ يُلْزِمُنَا بِهِ الْحُجَّةَ وَ يَقْطَعُ الْعُذْرَ وَ لَا نَسْتَطِيعُ لِجَوَابِهِ رَدّاً فَإِنْ كُنْتَ مِنْ أَصْحَابِهِ فَخَاطِبْنَا بِمِثْلِ خِطَابِهِ.

بيان و صدقك بالتخفيف أي قال لك صدقا لطيف حسك أي حسك اللطيف أي لم يلتبس على حسك غرائب صنع الله فيك لمعاندتك للحق و في بعض النسخ حسنك فالمراد بصدق الحسن ظهور ما أخفى الله فيه منه على الناظر و على الوجهين يمكن أن يقرأ صدقك بالتشديد بتكلف لا يخفى على المتأمل و الرزين الوقور و الرصين بالصاد

____________

(1) الأنعام: 122.

(2) الحنق: شدة الاغتياظ.

(3) أي لا يصيبه.

59

المهملة الحكم الثابت و الخرق بالضم ضد الرفق و النزق الطيش و الخفة عند الغضب و قوله استفرغنا لعله من الإفراغ بمعنى الصب قال الفيروزآبادي استفرغ مجهوده بذل طاقته و الإدحاض الإبطال.

الَ الْمُفَضَّلُ فَخَرَجْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ مَحْزُوناً مُفَكِّراً فِيمَا بُلِيَ بِهِ الْإِسْلَامُ وَ أَهْلُهُ مِنْ كُفْرِ هَذِهِ الْعِصَابَةِ وَ تَعْطِيلِهَا (1) فَدَخَلْتُ عَلَى مَوْلَايَ (صلوات الله عليه) فَرَآنِي مُنْكَسِراً فَقَالَ مَا لَكَ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا سَمِعْتُ مِنَ الدَّهْرِيِّينَ‏ (2) وَ بِمَا رَدَدْتُ عَلَيْهِمَا فَقَالَ لَأُلْقِيَنَّ إِلَيْكَ مِنْ حِكْمَةِ الْبَارِئِ جَلَّ وَ عَلَا وَ تَقَدَّسَ اسْمُهُ فِي خَلْقِ الْعَالَمِ وَ السِّبَاعِ وَ الْبَهَائِمِ وَ الطَّيْرِ وَ الْهَوَامِّ وَ كُلِّ ذِي رُوحٍ مِنَ الْأَنْعَامِ وَ النَّبَاتِ وَ الشَّجَرَةِ الْمُثْمِرَةِ وَ غَيْرِ ذَاتِ الثَّمَرِ وَ الْحُبُوبِ وَ الْبُقُولِ الْمَأْكُولِ مِنْ ذَلِكَ وَ غَيْرِ الْمَأْكُولِ مَا يَعْتَبِرُ بِهِ الْمُعْتَبِرُونَ وَ يَسْكُنُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ الْمُؤْمِنُونَ وَ يَتَحَيَّرُ فِيهِ الْمُلْحِدُونَ فَبَكِّرْ عَلَيَّ غَداً قَالَ الْمُفَضَّلُ فَانْصَرَفْتُ مِنْ عِنْدِهِ فَرِحاً مَسْرُوراً وَ طَالَتْ عَلَيَّ تِلْكَ اللَّيْلَةُ انْتِظَاراً لِمَا وَعَدَنِي بِهِ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ فَاسْتُوذِنَ لِي فَدَخَلْتُ وَ قُمْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَمَرَنِي بِالْجُلُوسِ فَجَلَسْتُ ثُمَّ نَهَضَ إِلَى حُجْرَةٍ كَانَ يَخْلُو فِيهَا فَنَهَضْتُ بِنُهُوضِهِ فَقَالَ اتْبَعْنِي فَتَبِعْتُهُ فَدَخَلَ وَ دَخَلْتُ خَلْفَهُ فَجَلَسَ وَ جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ يَا مُفَضَّلُ كَأَنِّي بِكَ وَ قَدْ طَالَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ اللَّيْلَةُ انْتِظَاراً لِمَا وَعَدْتُكَ فَقُلْتُ أَجَلْ يَا مَوْلَايَ فَقَالَ يَا مُفَضَّلُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ وَ لَا شَيْ‏ءَ قَبْلَهُ وَ هُوَ بَاقٍ وَ لَا نِهَايَةَ لَهُ فَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَلْهَمَنَا وَ لَهُ الشُّكْرُ عَلَى مَا مَنَحَنَا وَ قَدْ خَصَّنَا مِنَ الْعُلُومِ بِأَعْلَاهَا وَ مِنَ الْمَعَالِي بِأَسْنَاهَا وَ اصْطَفَانَا عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ بِعِلْمِهِ وَ جَعَلَنَا مُهَيْمِنِينَ عَلَيْهِمْ بِحِكَمِهِ فَقُلْتُ يَا مَوْلَايَ أَ تَأْذَنُ لِي أَنْ أَكْتُبَ مَا تَشْرَحُهُ وَ كُنْتُ أَعْدَدْتُ مَعِي مَا أَكْتُبُ فِيهِ فَقَالَ لِي افْعَلْ.

بيان أسناها أي أرفعها أو أضوؤها و المهيمن الأمين و المؤتمن و الشاهد.

6 يَا مُفَضَّلُ إِنَّ الشُّكَّاكَ جَهِلُوا الْأَسْبَابَ وَ الْمَعَانِيَ فِي الْخِلْقَةِ وَ قَصُرَتْ أَفْهَامُهُمْ عَنْ تَأَمُّلِ الصَّوَابِ وَ الْحِكْمَةِ فِيمَا ذَرَأَ (3) الْبَارِئُ جَلَّ قُدْسُهُ وَ بَرَأَ (4) مِنْ صُنُوفِ خَلْقِهِ فِي‏

____________



(1) العصابة: الجماعة من الرجال.

(2) الدهرى: الملحد القائل: بأن العالم موجود أزلا و أبدا، لا صانع له.

(3) أي خلق.

(4) أي خلقه من العدم.

60

الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ السَّهْلِ وَ الْوَعْرِ (1) فَخَرَجُوا بِقِصَرِ عُلُومِهِمْ إِلَى الْجُحُودِ وَ بِضَعْفِ بَصَائِرِهِمْ إِلَى التَّكْذِيبِ وَ الْعُنُودِ حَتَّى أَنْكَرُوا خَلْقَ الْأَشْيَاءِ وَ ادَّعَوْا أَنَّ كَوْنَهَا بِالْإِهْمَالِ لَا صَنْعَةَ فِيهَا وَ لَا تَقْدِيرَ وَ لَا حِكْمَةَ مِنْ مُدَبِّرٍ وَ لَا صَانِعٍ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَصِفُونَ وَ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ‏ فَهُمْ فِي ضَلَالِهِمْ وَ عَمَاهُمْ وَ تَحَيُّرِهِمْ بِمَنْزِلَةِ عُمْيَانٍ دَخَلُوا دَاراً قَدْ بُنِيَتْ أَتْقَنَ بِنَاءٍ وَ أَحْسَنَهُ وَ فُرِشَتْ بِأَحْسَنِ الْفُرُشِ وَ أَفْخَرِهِ وَ أُعِدَّ فِيهَا ضُرُوبُ الْأَطْعِمَةِ وَ الْأَشْرِبَةِ وَ الْمَلَابِسِ وَ الْمَآرِبِ‏ (2) الَّتِي يُحْتَاجُ إِلَيْهَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهَا وَ وُضِعَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ مِنْ ذَلِكَ مَوْضِعَهُ عَلَى صَوَابٍ مِنَ التَّقْدِيرِ وَ حِكْمَةٍ مِنَ التَّدْبِيرِ فَجَعَلُوا يَتَرَدَّدُونَ فِيهَا يَمِيناً وَ شِمَالًا وَ يَطُوفُونَ بُيُوتَهَا إِدْبَاراً وَ إِقْبَالًا مَحْجُوبَةً أَبْصَارُهُمْ عَنْهَا لَا يُبْصِرُونَ بُنْيَةَ الدَّارِ (3) وَ مَا أُعِدَّ فِيهَا وَ رُبَّمَا عَثَرَ بَعْضُهُمْ بِالشَّيْ‏ءِ الَّذِي قَدْ وُضِعَ مَوْضِعَهُ وَ أُعِدَّ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ وَ هُوَ جَاهِلٌ بِالْمَعْنَى فِيهِ وَ لِمَا أُعِدَّ وَ لِمَا ذَا جُعِلَ كَذَلِكَ فَتَذَمَّرَ وَ تَسَخَّطَ وَ ذَمَّ الدَّارَ وَ بَانِيَهَا فَهَذِهِ حَالُ هَذَا الصِّنْفِ فِي إِنْكَارِهِمْ مَا أَنْكَرُوا مِنْ أَمْرِ الْخِلْقَةِ وَ ثَبَاتِ الصَّنْعَةِ (4) فَإِنَّهُمْ لَمَّا غَرَبَتْ‏ (5) أَذْهَانُهُمْ عَنْ مَعْرِفَةِ الْأَسْبَابِ وَ الْعِلَلِ فِي الْأَشْيَاءِ صَارُوا يَجُولُونَ فِي هَذَا الْعَالَمِ حَيَارَى وَ لَا يَفْهَمُونَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ إِتْقَانِ خِلْقَتِهِ وَ حُسْنِ صَنْعَتِهِ وَ صَوَابِ تَهْيِئَتِهِ وَ رُبَّمَا وَقَفَ بَعْضُهُمْ عَلَى الشَّيْ‏ءِ لِجَهْلِ سَبَبِهِ وَ الْإِرْبِ فِيهِ فَيُسْرِعُ إِلَى ذَمِّهِ وَ وَصْفِهِ بِالْإِحَالَةِ وَ الْخَطَإِ كَالَّذِي أَقْدَمَتْ عَلَيْهِ الْمَانَوِيَّةُ الْكَفَرَةُ وَ جَاهَرَتْ بِهِ الْمُلْحِدَةُ الْمَارِقَةُ الْفَجَرَةُ وَ أَشْبَاهُهُمْ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ الْمُعَلِّلِينَ أَنْفُسَهُمْ بِالْمُحَالِ فَيَحِقُّ عَلَى مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِمَعْرِفَتِهِ وَ هَدَاهُ لِدِينِهِ وَ وَفَّقَهُ لِتَأَمُّلِ التَّدْبِيرِ فِي صَنْعَةِ الْخَلَائِقِ وَ الْوُقُوفِ عَلَى مَا خُلِقُوا لَهُ مِنْ لَطِيفِ التَّدْبِيرِ وَ صَوَابِ التَّعْبِيرِ بِالدَّلَالَةِ الْقَائِمَةِ الدَّالَّةِ عَلَى صَانِعِهَا أَنْ يُكْثِرَ حَمْدَ اللَّهِ مَوْلَاهُ عَلَى ذَلِكَ وَ يَرْغَبَ إِلَيْهِ فِي الثَّبَاتِ عَلَيْهِ وَ الزِّيَادَةِ مِنْهُ فَإِنَّهُ جَلَّ اسْمُهُ يَقُولُ‏ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ.

____________

(1) وعر الأرض: صلب و صعب السير فيه، ضد السهل.

(2) المآرب: الحوائج.

(3) و في نسخة: هيئة الدار.

(4) و في نسخة: إثبات الصنعة.

(5) في نسخة عزبت، و في نسخة اخرى: غبت، و في ثالثة: وعرت.

61

بيان قاتلهم الله أي قتلهم أو لعنهم‏ أَنَّى يُؤْفَكُونَ‏ كيف يصرفون عن الحق و قال الجوهري ظل يتذمر على فلان إذا تنكر له و أوعده انتهى و غربت بمعنى غابت و الإرب بالفتح و الكسر الحاجة و وصفه بالإحالة أي بأنه يستحيل أن يكون له خالق مدبر أو يستحيل أن يكون من فعله تعالى و المانوية فرقة من الثنوية أصحاب ماني الذي ظهر في زمان سابور بن أردشير و أحدث دينا بين المجوسية و النصرانية و كان يقول بنبوة المسيح على نبينا و آله و (عليه السلام) و لا يقول بنبوة موسى على نبينا و آله و (عليه السلام) و زعم أن العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين أحدهما نور و الآخر ظلمة و هؤلاء ينسبون الخيرات إلى النور و الشرور إلى الظلمة و ينسبون خلق السباع و الموذيات و العقارب و الحيات إلى الظلمة فأشار(ع)إلى فساد وهمهم بأن هذا لجهلهم بمصالح هذه السباع و العقارب و الحيات التي يزعمون أنها من الشرور التي لا يليق بالحكيم خلقها قوله(ع)المعللين أي الشاغلين أنفسهم عن طاعة ربهم بأمور يحكم العقل السليم باستحالته قال الفيروزآبادي علله بطعام و غيره تعليلا شغله به.

يَا مُفَضَّلُ أَوَّلُ الْعِبَرِ وَ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْبَارِئِ جَلَّ قُدْسُهُ تَهْيِئَةُ هَذَا الْعَالَمِ وَ تَأْلِيفُ أَجْزَائِهِ وَ نَظْمُهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ فَإِنَّكَ إِذَا تَأَمَّلْتَ الْعَالَمَ بِفِكْرِكَ وَ مَيَّزْتَهُ بِعَقْلِكَ وَجَدْتَهُ كَالْبَيْتِ الْمَبْنِيِّ الْمُعَدِّ فِيهِ جَمِيعُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ عِبَادُهُ فَالسَّمَاءُ مَرْفُوعَةٌ كَالسَّقْفِ وَ الْأَرْضُ مَمْدُودَةٌ كَالْبِسَاطِ وَ النُّجُومُ مَنْضُودَةٌ كَالْمَصَابِيحِ وَ الْجَوَاهِرُ مَخْزُونَةٌ كَالذَّخَائِرِ وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِيهَا لِشَأْنِهِ مُعَدٌّ وَ الْإِنْسَانُ كَالْمُمَلَّكِ ذَلِكَ الْبَيْتَ وَ الْمُخَوَّلِ جَمِيعَ مَا فِيهِ وَ ضُرُوبُ النَّبَاتِ مُهَيَّأَةٌ لِمَآرِبِهِ وَ صُنُوفُ الْحَيَوَانِ مَصْرُوفَةٌ فِي مَصَالِحِهِ وَ مَنَافِعِهِ فَفِي هَذَا دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ الْعَالَمَ مَخْلُوقٌ بِتَقْدِيرٍ وَ حِكْمَةٍ وَ نِظَامٍ وَ مُلَائَمَةٍ وَ أَنَّ الْخَالِقَ لَهُ وَاحِدٌ وَ هُوَ الَّذِي أَلَّفَهُ وَ نَظَّمَهُ بَعْضاً إِلَى بَعْضٍ جَلَّ قُدْسُهُ وَ تَعَالَى جَدُّهُ وَ كَرُمَ وَجْهُهُ وَ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الْجَاحِدُونَ وَ جَلَّ وَ عَظُمَ عَمَّا يَنْتَحِلُهُ الْمُلْحِدُونَ.

بيان قال الفيروزآبادي نضد متاعه ينضده جعل بعضه فوق بعض فهو منضود انتهى و التخويل الإعطاء و التمليك قوله(ع)و أن الخالق له واحد

62

أقول أشار(ع)بذلك إلى أقوى براهين التوحيد (1) و هو أن ائتلاف أجزاء العالم و احتياج بعضها إلى بعض و انتظام بعضها ببعض يدل على وحدة مدبرها كما أن ارتباط أجزاء الشخص بعضها ببعض و انتظام بعض أعضائه مع بعض يدل على وحدة مدبره و قد قيل في تطبيق العالم الكبير على العالم الصغير لطائف لا يسع المقام ذكرها و ربما يستدل عليه أيضا بما قد تقرر من أن المتلازمين إما أن يكون أحدهما علة للآخر أو هما معلولا علة ثالثة و سيأتي الكلام فيه في باب التوحيد.

بْتَدِئُ يَا مُفَضَّلُ بِذِكْرِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ فَاعْتَبِرْ بِهِ فَأَوَّلُ ذَلِكَ مَا يُدَبَّرُ بِهِ الْجَنِينُ فِي الرَّحِمِ وَ هُوَ مَحْجُوبٌ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ظُلْمَةِ الْبَطْنِ وَ ظُلْمَةِ الرَّحِمِ وَ ظُلْمَةِ الْمَشِيمَةِ حَيْثُ لَا حِيلَةَ عِنْدَهُ فِي طَلَبِ غِذَاءٍ وَ لَا دَفْعِ أَذًى وَ لَا اسْتِجْلَابِ مَنْفَعَةٍ وَ لَا دَفْعِ مَضَرَّةٍ فَإِنَّهُ يَجْرِي إِلَيْهِ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ مَا يَغْذُوهُ كَمَا يَغْذُو الْمَاءُ النَّبَاتَ فَلَا يَزَالُ ذَلِكَ غِذَاؤَهُ حَتَّى إِذَا كَمَلَ خَلْقُهُ وَ اسْتَحْكَمَ بَدَنُهُ وَ قَوِيَ أَدِيمُهُ عَلَى مُبَاشَرَةِ الْهَوَاءِ وَ بَصَرُهُ عَلَى مُلَاقَاةِ الضِّيَاءِ هَاجَ الطَّلْقُ بِأُمِّهِ فَأَزْعَجَهُ أَشَدَّ إِزْعَاجٍ وَ أَعْنَفَهُ حَتَّى يُولَدَ وَ إِذَا وُلِدَ صَرَفَ ذَلِكَ الدَّمَ الَّذِي كَانَ يَغْذُوهُ مِنْ دَمِ أُمِّهِ إِلَى ثَدْيَيْهَا فَانْقَلَبَ الطَّعْمُ وَ اللَّوْنُ إِلَى ضَرْبٍ آخَرَ مِنَ الْغِذَاءِ وَ هُوَ أَشَدُّ مُوَافَقَةً لِلْمَوْلُودِ مِنَ الدَّمِ فَيُوَافِيهِ فِي وَقْتِ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ فَحِينَ يُولَدُ قَدْ تَلَمَّظَ وَ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ طَلَباً لِلرَّضَاعِ فَهُوَ يَجِدُ ثَدْيَيْ أُمِّهِ كَالْإِدَاوَتَيْنِ الْمُعَلَّقَتَيْنِ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ فَلَا يَزَالُ يَغْتَذِي بِاللَّبَنِ مَا دَامَ رَطْبَ الْبَدَنِ رَقِيقَ الْأَمْعَاءِ لَيِّنَ الْأَعْضَاءِ حَتَّى إِذَا تَحَرَّكَ وَ احْتَاجَ إِلَى غِذَاءٍ فِيهِ صَلَابَةٌ لِيَشْتَدَّ وَ يَقْوَى بَدَنُهُ طَلَعَتْ لَهُ الطَّوَاحِنُ مِنَ الْأَسْنَانِ وَ الْأَضْرَاسِ لِيَمْضَغَ بِهِ الطَّعَامَ فَيَلِينَ عَلَيْهِ وَ يَسْهُلَ لَهُ إِسَاغَتُهُ فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُدْرِكَ فَإِذَا أَدْرَكَ وَ كَانَ ذَكَراً طَلَعَ الشَّعْرُ فِي وَجْهِهِ فَكَانَ ذَلِكَ عَلَامَةَ الذَّكَرِ وَ عِزَّ الرَّجُلِ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ مِنْ حَدِّ الصَّبَا وَ شِبْهِ النِّسَاءِ وَ إِنْ كَانَتْ أُنْثَى يَبْقَى وَجْهُهَا نَقِيّاً مِنَ الشَّعْرِ لِتَبْقَى لَهَا الْبَهْجَةُ وَ النَّضَارَةُ الَّتِي تُحَرِّكُ الرِّجَالَ لِمَا فِيهِ دَوَامُ النَّسْلِ وَ بَقَاؤُهُ.

____________

(1) الذي وصف (عليه السلام) به هذا الدليل هو أنّه أول الأدلة أي أقرب الأدلة منا إذا أردنا التفهم بالاستدلال، و أمّا كونه أقواها كما ذكره (رحمه الله ) فلعل هناك ما هو أقوى منه و إن كان أبعد من أفهامنا كما بين في محله. ط.

63

بيان الأديم الجلد و الطلق وجع الولادة و يقال أزعجه أي قلعه عن مكانه و يقال تلمظ إذا أخرج لسانه فمسح به شفتيه و تلمظت الحية إذا أخرجت لسانها كتلمظت الأكل و الإداوة بالكسر إناء صغير من جلد يتخذ للماء و الطواحن الأضراس و يطلق الأضراس غالبا على المآخير و الأسنان على المقاديم كما هو الظاهر هنا و إن لم يفرق اللغويون بينهما و المراد بالطواحن هنا جميع الأسنان و الإساغة الأكل و الشرب بسهولة.

6 اعْتَبِرْ يَا مُفَضَّلُ فِيمَا يُدَبَّرُ بِهِ الْإِنْسَانُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ هَلْ تَرَى يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِالْإِهْمَالِ أَ فَرَأَيْتَ لَوْ لَمْ يَجْرِ إِلَيْهِ ذَلِكَ الدَّمُ وَ هُوَ فِي الرَّحِمِ أَ لَمْ يَكُنْ سَيَذْوِي وَ يَجِفُّ كَمَا يَجِفُّ النَّبَاتُ إِذَا فَقَدَ الْمَاءَ وَ لَوْ لَمْ يُزْعِجْهُ الْمَخَاضُ‏ (1) عِنْدَ اسْتِحْكَامِهِ أَ لَمْ يَكُنْ سَيَبْقَى فِي الرَّحِمِ كَالْمَوْءُودِ فِي الْأَرْضِ وَ لَوْ لَمْ يُوَافِقْهُ اللَّبَنُ مَعَ وِلَادَتِهِ أَ لَمْ يَكُنْ سَيَمُوتُ جُوعاً أَوْ يَغْتَذِي بِغِذَاءٍ لَا يُلَائِمُهُ وَ لَا يَصْلُحُ عَلَيْهِ بَدَنُهُ وَ لَوْ لَمْ تَطْلُعْ عَلَيْهِ الْأَسْنَانُ فِي وَقْتِهَا أَ لَمْ يَكُنْ سَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَضْغُ الطَّعَامِ وَ إِسَاغَتُهُ أَوْ يُقِيمُهُ عَلَى الرَّضَاعِ فَلَا يَشُدُّ بَدَنُهُ وَ لَا يَصْلُحُ لِعَمَلٍ ثُمَّ كَانَ تَشْتَغِلُ أُمُّهُ بِنَفْسِهِ عَنْ تَرْبِيَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَوْلَادِ وَ لَوْ لَمْ يَخْرُجِ الشَّعْرُ فِي وَجْهِهِ فِي وَقْتِهِ أَ لَمْ يَكُنْ سَيَبْقَى فِي هَيْئَةِ الصِّبْيَانِ وَ النِّسَاءِ فَلَا تَرَى لَهُ جَلَالَةً وَ لَا وَقَاراً فَقَالَ الْمُفَضَّلُ فَقُلْتُ يَا مَوْلَايَ فَقَدْ رَأَيْتُ مَنْ يَبْقَى عَلَى حَالَتِهِ وَ لَا يَنْبُتُ الشَّعْرُ فِي وَجْهِهِ وَ إِنْ بَلَغَ حَالَ الْكِبَرِ فَقَالَ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَ إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ فَمَنْ هَذَا الَّذِي يَرْصُدُهُ حَتَّى يُوَافِيَهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَآرِبِ إِلَّا الَّذِي أَنْشَأَهُ خَلْقاً بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ ثُمَّ تَوَكَّلَ لَهُ بِمَصْلَحَتِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ فَإِنْ كَانَ الْإِهْمَالُ يَأْتِي بِمِثْلِ هَذَا التَّدْبِيرِ فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْعَمْدُ وَ التَّقْدِيرُ يَأْتِيَانِ بِالْخَطَإِ وَ الْمُحَالِ لِأَنَّهُمَا ضِدُّ الْإِهْمَالِ وَ هَذَا فَظِيعٌ‏ (2) مِنَ الْقَوْلِ وَ جَهْلٌ مِنْ قَائِلِهِ لِأَنَّ الْإِهْمَالَ لَا يَأْتِي بِالصَّوَابِ وَ التَّضَادَّ لَا يَأْتِي بِالنِّظَامِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْمُلْحِدُونَ عُلُوّاً كَبِيراً وَ لَوْ كَانَ الْمَوْلُودُ يُولَدُ فَهِماً عَاقِلًا لَأَنْكَرَ الْعَالَمَ عِنْدَ وِلَادَتِهِ وَ لَبَقِيَ حَيْرَانَ تَائِهَ الْعَقْلِ‏ (3) إِذَا رَأَى مَا لَمْ يَعْرِفْ وَ وَرَدَ عَلَيْهِ‏

____________



(1) المخاض: وجع الولادة و هو الطلق.

(2) فظع الامر: اشتدت شناعته و جاوز المقدار في ذلك.

(3) أي ضائع العقل.

64

مَا لَمْ يَرَ مِثْلَهُ مِنِ اخْتِلَافِ صُوَرِ الْعَالَمِ مِنَ الْبَهَائِمِ وَ الطَّيْرِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُشَاهِدُهُ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ وَ يَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ وَ اعْتَبِرْ ذَلِكَ بِأَنَّ مَنْ سُبِيَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وَ هُوَ عَاقِلٌ يَكُونُ كَالْوَالِهِ الْحَيْرَانِ فَلَا يُسْرِعُ فِي تَعَلُّمِ الْكَلَامِ وَ قَبُولِ الْأَدَبِ كَمَا يُسْرِعُ الَّذِي يُسْبَى صَغِيراً غَيْرَ عَاقِلٍ ثُمَّ لَوْ وُلِدَ عَاقِلًا كَانَ يَجِدُ غَضَاضَةً إِذَا رَأَى نَفْسَهُ مَحْمُولًا مُرْضَعاً مُعَصَّباً بِالْخِرَقِ مُسَجًّى فِي الْمَهْدِ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ هَذَا كُلِّهِ لِرِقَّةِ بَدَنِهِ وَ رُطُوبَتِهِ حِينَ يُولَدُ ثُمَّ كَانَ لَا يُوجَدُ لَهُ مِنَ الْحَلَاوَةِ وَ الْوَقْعِ مِنَ الْقُلُوبِ مَا يُوجَدُ لِلطِّفْلِ فَصَارَ يَخْرُجُ إِلَى الدُّنْيَا غَبِيّاً غَافِلًا عَمَّا فِيهِ أَهْلُهُ فَيَلْقَى الْأَشْيَاءَ بِذِهْنٍ ضَعِيفٍ وَ مَعْرِفَةٍ نَاقِصَةٍ ثُمَّ لَا يَزَالُ يَتَزَايَدُ فِي الْمَعْرِفَةِ قَلِيلًا قَلِيلًا وَ شَيْئاً بَعْدَ شَيْ‏ءٍ وَ حَالًا بَعْدَ حَالٍ حَتَّى يَأْلَفَ الْأَشْيَاءَ وَ يَتَمَرَّنَ‏ (1) وَ يَسْتَمِرَّ عَلَيْهَا فَيَخْرُجَ مِنْ حَدِّ التَّأَمُّلِ لَهَا وَ الْحَيْرَةِ فِيهَا إِلَى التَّصَرُّفِ وَ الِاضْطِرَابِ إِلَى الْمَعَاشِ بِعَقْلِهِ وَ حِيلَتِهِ وَ إِلَى الِاعْتِبَارِ وَ الطَّاعَةِ وَ السَّهْوِ وَ الْغَفْلَةِ وَ الْمَعْصِيَةِ وَ فِي هَذَا أَيْضاً وُجُوهٌ أُخَرُ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ يُولَدُ تَامَّ الْعَقْلِ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ لَذَهَبَ مَوْضِعُ حَلَاوَةِ تَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ وَ مَا قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ لِلْوَالِدَيْنِ فِي الِاشْتِغَالِ بِالْوَلَدِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَ مَا يُوجِبُ تَرْبِيَةً لِلْآبَاءِ عَلَى الْأَبْنَاءِ مِنَ الْمُكَلَّفَاتِ‏ (2) بِالْبِرِّ وَ الْعَطْفِ عَلَيْهِمْ عِنْدَ حَاجَتِهِمْ إِلَى ذَلِكَ مِنْهُمْ ثُمَّ كَانَ الْأَوْلَادُ لَا يَأْلَفُونَ آبَاءَهُمْ وَ لَا يَأْلَفُ الْآبَاءُ أَبْنَاءَهُمْ لِأَنَّ الْأَوْلَادَ كَانُوا يَسْتَغْنُونَ عَنْ تَرْبِيَةِ الْآبَاءِ وَ حِيَاطَتِهِمْ‏ (3) فَيَتَفَرَّقُونَ عَنْهُمْ حِينَ يُولَدُونَ فَلَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَ أُمَّهُ وَ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ نِكَاحِ أُمِّهِ وَ أُخْتِهِ وَ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ مِنْهُ إِذَا كَانَ لَا يَعْرِفُهُنَّ وَ أَقَلُّ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْقَبَاحَةِ بَلْ هُوَ أَشْنَعُ وَ أَعْظَمُ وَ أَفْظَعُ وَ أَقْبَحُ وَ أَبْشَعُ لَوْ خَرَجَ الْمَوْلُودُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَ هُوَ يَعْقِلُ أَنْ يَرَى مِنْهَا مَا لَا يَحِلُّ لَهُ وَ لَا يُحْسِنُ بِهِ أَنْ يَرَاهُ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ أُقِيمَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ مِنَ الْخِلْقَةِ عَلَى غَايَةِ الصَّوَابِ وَ خَلَا مِنَ الْخَطَإِ دَقِيقُهُ وَ جَلِيلُهُ.

بيان أ فرأيت أي أخبرني قال الزمخشري لما كانت مشاهدة الأشياء و رؤيتها طريقا إلى الإحاطة بها علما و صحة الخبر عنها استعملوا أ رأيت بمعنى أخبر انتهى و يقال ذوى العود أي يبس و الموءود الذي دفن في الأرض حيا كما كان المشركون‏

____________

(1) أي يتعود و يتدرّب.

(2) و في نسخة: من المكافاة.

(3) أي حفظهم و تعهّدهم.

65

يفعلون في الجاهلية ببناتهم قوله(ع)أو يقيمه أي عدم طلوع الأسنان قوله(ع)ذلك بما قدمت أيديهم يحتمل أن يكون هذا لتعذيب الآباء و إن كان الأولاد يؤجرون لقباحة منظرهم أو للأولاد لما كان في علمه تعالى صدوره عنهم باختيارهم و يرصده أي يرقبه قوله(ع)فإن كان الإهمال أي إذا لم يكن الأشياء منوطة بأسبابها و لم ترتبط الأمور بعللها فكما جاز أن يحصل هذا الترتيب و النظام التام بلا سبب فجاز أن يصير التدبير في الأمور سببا لاختلالها و هذا خلاف ما يحكم به عقول كافة الخلق لما نرى من سعيهم في تدبير الأمور و ذمهم من يأتي بها على غير تأمل و روية و يحتمل أن يكون المراد أن الوجدان يحكم بتضاد آثار الأمور المتضادة و ربما أمكن إقامة البرهان عليه أيضا فإذا أتى الإهمال بالصواب يجب أن يأتي ضده و هو التدبير بالخطإ و هذا أفظع و أشنع و المراد بالمحال الأمر الباطل الذي لم يأت على وجهه الذي ينبغي أن يكون عليه قال الفيروزآبادي المحال من الكلام بالضم ما عدل عن وجهه انتهى و التيه الضلال و الحيرة و الغضاضة بالفتح الذلة و المنقصة و قوله(ع)معصبا أي مشدودا و التسجية التغطية بثوب يمد عليه و الغبي على فعيل قليل الفطنة و الاعتبار من العبرة و ذكر في مقابله السهو و الغفلة و قوله ما قدر و ما يوجب كلاهما معطوفان على موضع و قوله من المكلفات بيان لما يوجب أي لذهب التكاليف المتعلقة بالأولاد بأن يبروا آباءهم و يعطفوا عليهم عند حاجة الآباء إلى تربيتهم و إعانتهم لكبرهم و ضعفهم جزاء لما قاسوا من الشدائد في تربيتهم قوله أن يرى خبر لقوله أقل ما في ذلك.

اعْرِفْ يَا مُفَضَّلُ مَا لِلْأَطْفَالِ فِي الْبُكَاءِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ وَ اعْلَمْ أَنَّ فِي أَدْمِغَةِ الْأَطْفَالِ رُطُوبَةً إِنْ بَقِيَتْ فِيهَا أَحْدَثَتْ عَلَيْهِمْ أَحْدَاثاً جَلِيلَةً وَ عِلَلًا عَظِيمَةً مِنْ ذَهَابِ الْبَصَرِ وَ غَيْرِهِ فَالْبُكَاءُ يُسِيلُ تِلْكَ الرُّطُوبَةَ مِنْ رُءُوسِهِمْ فَيُعْقِبُهُمْ ذَلِكَ الصِّحَّةَ فِي أَبْدَانِهِمْ وَ السَّلَامَةَ فِي أَبْصَارِهِمْ أَ فَلَيْسَ قَدْ جَازَ أَنْ يَكُونَ الطِّفْلُ يَنْتَفِعُ بِالْبُكَاءِ وَ وَالِدَاهُ لَا يَعْرِفَانِ ذَلِكَ فَهُمَا دَائِبَانِ لِيُسْكِتَاهُ وَ يَتَوَخَّيَانِ فِي الْأُمُورِ مَرْضَاتَهُ لِئَلَّا يَبْكِيَ وَ هُمَا لَا يَعْلَمَانِ أَنَّ الْبُكَاءَ أَصْلَحُ لَهُ وَ أَجْمَلُ عَاقِبَةً فَهَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ مَنَافِعُ لَا يَعْرِفُهَا الْقَائِلُونَ‏

66

بِالْإِهْمَالِ وَ لَوْ عَرَفُوا ذَلِكَ لَمْ يَقْضُوا عَلَى الشَّيْ‏ءِ أَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَهُ وَ لَا يَعْلَمُونَ السَّبَبَ فِيهِ فَإِنَّ كُلَّ مَا لَا يَعْرِفُهُ الْمُنْكِرُونَ يَعْلَمُهُ الْعَارِفُونَ‏ (1) وَ كَثِيرٌ مِمَّا يَقْصُرُ عَنْهُ عِلْمُ الْمَخْلُوقِينَ مُحِيطٌ بِهِ عِلْمُ الْخَالِقِ جَلَّ قُدْسُهُ وَ عَلَتْ كَلِمَتُهُ فَأَمَّا مَا يَسِيلُ مِنْ أَفْوَاهِ الْأَطْفَالِ مِنَ الرِّيقِ فَفِي ذَلِكَ خُرُوجُ الرُّطُوبَةِ الَّتِي لَوْ بَقِيَتْ فِي أَبْدَانِهِمْ لَأَحْدَثَتْ عَلَيْهِمُ الْأُمُورَ الْعَظِيمَةَ كَمَنْ تَرَاهُ قَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الرُّطُوبَةُ فَأَخْرَجَتْهُ إِلَى حَدِّ الْبَلَهِ‏ (2) وَ الْجُنُونِ وَ التَّخْلِيطِ (3) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْمُخْتَلِفَةِ كَالْفَالِجِ وَ اللَّقْوَةِ (4) وَ مَا أَشْبَهَهُمَا فَجَعَلَ اللَّهُ تِلْكَ الرُّطُوبَةَ تَسِيلُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ فِي صِغَرِهِمْ لِمَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الصِّحَّةِ فِي كِبَرِهِمْ فَتَفَضَّلَ عَلَى خَلْقِهِ بِمَا جَهِلُوهُ وَ نَظَرَ لَهُمْ بِمَا لَمْ يَعْرِفُوهُ وَ لَوْ عَرَفُوا نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ لَشَغَلَهُمْ ذَلِكَ عَنِ التَّمَادِي فِي مَعْصِيَتِهِ فَسُبْحَانَهُ مَا أَجَلَّ نِعْمَتَهُ وَ أَسْبَغَهَا عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ وَ غَيْرِهِمْ مِنْ خَلْقِهِ وَ تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الْمُبْطِلُونَ عُلُوّاً كَبِيراً.

بيان الدءوب الجدّ و التعب و التوخّي التحري و القصد و قوله(ع)كل ما لا يعرفه أي مما لا يقصر عنه علم المخلوقين و يقال أبطل أي جاء بالباطل.

انْظُرِ الْآنَ يَا مُفَضَّلُ كَيْفَ جُعِلَتْ آلَاتُ الْجِمَاعِ فِي الذَّكَرِ وَ الْأُنْثَى جَمِيعاً عَلَى مَا يُشَاكِلُ ذَلِكَ فَجُعِلَ لِلذَّكَرِ آلَةٌ نَاشِزَةٌ (5) تَمْتَدُّ حَتَّى تَصِلَ النُّطْفَةُ إِلَى الرَّحِمِ إِذْ كَانَ مُحْتَاجاً إِلَى أَنْ يَقْذِفَ مَاءَهُ فِي غَيْرِهِ وَ خُلِقَ لِلْأُنْثَى وِعَاءٌ قَعِرٌ لِيَشْتَمِلَ عَلَى الْمَاءَيْنِ جَمِيعاً وَ يَحْتَمِلَ الْوَلَدَ وَ يَتَّسِعَ لَهُ وَ يَصُونَهُ حَتَّى يَسْتَحْكِمَ أَ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ تَدْبِيرِ حَكِيمٍ لَطِيفٍ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ.

بيان المشاكلة المشابهة و المناسبة و اسم الإشارة راجع إلى ما مضى من التدبير في الخلق و يحتمل إرجاعه إلى الجماع.

____________

(1) و في نسخة: يعرفه العارفون.

(2) أي ضعف العقل و عجز الرأى.

(3) أي اضطراب العقل و اختلاله.

(4) اللقوة: علة ينجذب لها شقّ الوجه إلى جهة غير طبيعية، فيخرج النفخة و البزقة من جانب واحد، و لا يحسن التقاء الشفتين، و لا ينطبق احدى العينين.

(5) أي رافعة. و في نسخة ناشرة.

67

6 فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي أَعْضَاءِ الْبَدَنِ أَجْمَعَ وَ تَدْبِيرِ كُلٍّ مِنْهَا لِلْإِرْبِ فَالْيَدَانِ لِلْعِلَاجِ وَ الرِّجْلَانِ لِلسَّعْيِ وَ الْعَيْنَانِ لِلِاهْتِدَاءِ وَ الْفَمُ لِلِاغْتِذَاءِ وَ الْمَعِدَةُ لِلْهَضْمِ وَ الْكَبِدُ لِلتَّخْلِيصِ‏ (1) وَ الْمَنَافِذُ لِتَنْفِيذِ الْفُضُولِ‏ (2) وَ الْأَوْعِيَةُ لِحَمْلِهَا وَ الْفَرْجُ لِإِقَامَةِ النَّسْلِ وَ كَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَعْضَاءِ إِذَا تَأَمَّلْتَهَا وَ أَعْمَلْتَ فِكْرَكَ فِيهَا وَ نَظَرَكَ وَجَدْتَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ مِنْهَا قَدْ قُدِّرَ لِشَيْ‏ءٍ عَلَى صَوَابٍ وَ حِكْمَةٍ قَالَ الْمُفَضَّلُ فَقُلْتُ يَا مَوْلَايَ إِنَّ قَوْماً يَزْعُمُونَ أَنَّ هَذَا مِنْ فِعْلِ الطَّبِيعَةِ فَقَالَ سَلْهُمْ عَنْ هَذِهِ الطَّبِيعَةِ أَ هِيَ شَيْ‏ءٌ لَهُ عِلْمٌ وَ قُدْرَةٌ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ أَمْ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَإِنْ أَوْجَبُوا لَهَا الْعِلْمَ وَ الْقُدْرَةَ فَمَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ إِثْبَاتِ الْخَالِقِ فَإِنَّ هَذِهِ صَنْعَتُهُ وَ إِنْ زَعَمُوا أَنَّهَا تَفْعَلُ هَذِهِ الْأَفْعَالَ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لَا عَمْدٍ وَ كَانَ فِي أَفْعَالِهَا مَا قَدْ تَرَاهُ مِنَ الصَّوَابِ وَ الْحِكْمَةِ عُلِمَ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لِلْخَالِقِ الْحَكِيمِ وَ أَنَّ الَّذِي سَمَّوْهُ طَبِيعَةً هُوَ سُنَّةٌ فِي خَلْقِهِ الْجَارِيَةُ عَلَى مَا أَجْرَاهَا عَلَيْهِ.

إيضاح قوله(ع)فما يمنعهم لعل المراد أنهم إذا قالوا بذلك فقد أثبتوا الصانع فلم يسمونه بالطبيعة و هي ليست بذات علم و إرادة و قدرة قوله(ع)علم أن هذا الفعل أي ظاهر بطلان هذا الزعم و الذي صار سببا لذهولهم أن الله تعالى أجرى عادته بأن يخلق الأشياء بأسبابها فذهبوا إلى استقلال تلك الأسباب في ذلك و بعبارة أخرى إن سنة الله و عادته قد جرت لحكم كثيرة أن تكون الأشياء بحسب بادئ النظر مستندة إلى غيره تعالى ثم يعلم بعد الاعتبار و التفكر أن الكل مستند إلى قدرته و تأثيره تعالى و إنما هذه الأشياء وسائل و شرائط لذلك فلذا تحيروا في الصانع تعالى فالضمير المنصوب في قوله أجراها راجع إلى السنة و ضمير عليه راجع إلى الموصول.

6 فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي وُصُولِ الْغِذَاءِ إِلَى الْبَدَنِ وَ مَا فِيهِ مِنَ التَّدْبِيرِ فَإِنَّ الطَّعَامَ يَصِيرُ

____________



(1) التخليص: التصفية و التمييز عن غيره، و ذلك لان الكبد يحيل الكيلوس الى الخلط، و يصفى الاخلاط كل واحد عن الآخر، و ينفذها الى البدن، كلها في مجارى مهيأة له.

(2) أي لاخراج الفضول.

68

إِلَى الْمَعِدَةِ فَتَطْبُخُهُ وَ تَبْعَثُ بِصَفْوِهِ إِلَى الْكَبِدِ فِي عُرُوقٍ رِقَاقٍ وَاشِجَةٍ بَيْنَهَا قَدْ جُعِلَتْ كَالْمُصَفِّي لِلْغِذَاءِ لِكَيْلَا يَصِلَ إِلَى الْكَبِدِ مِنْهُ شَيْ‏ءٌ فَيَنْكَأَهَا وَ ذَلِكَ أَنَّ الْكَبِدَ رَقِيقَةٌ لَا تَحْتَمِلُ الْعُنْفَ ثُمَّ إِنَّ الْكَبِدَ تَقْبَلُهُ فَيَسْتَحِيلُ بِلُطْفِ التَّدْبِيرِ دَماً وَ يَنْفُذُ إِلَى الْبَدَنِ كُلِّهِ فِي مَجَارِيَ مُهَيَّأَةٍ لِذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمَجَارِي الَّتِي تُهَيَّأُ لِلْمَاءِ حَتَّى يَطَّرِدَ فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا وَ يَنْفُذُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ مِنَ الْخَبَثِ وَ الْفُضُولِ إِلَى مَفَايِضَ قَدْ أُعِدَّتْ لِذَلِكَ فَمَا كَانَ مِنْهُ مِنْ جِنْسِ الْمِرَّةِ الصَّفْرَاءِ جَرَى إِلَى الْمَرَارَةِ وَ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ السَّوْدَاءِ جَرَى إِلَى الطِّحَالِ وَ مَا كَانَ مِنَ الْبِلَّةِ وَ الرُّطُوبَةِ جَرَى إِلَى الْمَثَانَةِ فَتَأَمَّلْ حِكْمَةَ التَّدْبِيرِ فِي تَرْكِيبِ الْبَدَنِ وَ وَضْعِ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ مِنْهُ مَوَاضِعَهَا وَ إِعْدَادِ هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ فِيهِ لِتَحْمِلَ تِلْكَ الْفُضُولَ لِئَلَّا تَنْتَشِرَ فِي الْبَدَنِ فَتُسْقِمَهُ وَ تَنْهَكَهُ فَتَبَارَكَ مَنْ أَحْسَنَ التَّقْدِيرَ وَ أَحْكَمَ التَّدْبِيرَ وَ لَهُ الْحَمْدُ كَمَا هُوَ أَهْلُهُ وَ مُسْتَحِقُّهُ قَالَ الْمُفَضَّلُ فَقُلْتُ صِفْ نُشُوءَ (1) الْأَبْدَانِ وَ نُمُوَّهَا حَالًا بَعْدَ حَالٍ حَتَّى تَبْلُغَ التَّمَامَ وَ الْكَمَالَ فَقَالَ(ع)أَوَّلُ ذَلِكَ تَصْوِيرُ الْجَنِينِ فِي الرَّحِمِ حَيْثُ لَا تَرَاهُ عَيْنٌ وَ لَا تَنَالُهُ يَدٌ وَ يُدَبِّرُهُ حَتَّى يَخْرُجَ سَوِيّاً مُسْتَوْفِياً جَمِيعَ مَا فِيهِ قِوَامُهُ وَ صَلَاحُهُ مِنَ الْأَحْشَاءِ وَ الْجَوَارِحِ وَ الْعَوَامِلِ إِلَى مَا فِي تَرْكِيبِ أَعْضَائِهِ مِنَ الْعِظَامِ وَ اللَّحْمِ وَ الشَّحْمِ وَ الْمُخِّ وَ الْعَصَبِ وَ الْعُرُوقِ وَ الْغَضَارِيفِ فَإِذَا خَرَجَ إِلَى الْعَالَمِ تَرَاهُ كَيْفَ يَنْمِي بِجَمِيعِ أَعْضَائِهِ وَ هُوَ ثَابِتٌ عَلَى شَكْلٍ وَ هَيْئَةٍ لَا تَتَزَايَدُ وَ لَا تَنْقُصُ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ إِنْ مُدَّ فِي عُمُرِهِ أَوْ يَسْتَوْفِيَ مُدَّتَهُ قَبْلَ ذَلِكَ هَلْ هَذَا إِلَّا مِنْ لَطِيفِ التَّدْبِيرِ وَ الْحِكْمَةِ يَا مُفَضَّلُ انْظُرْ إِلَى مَا خُصَّ بِهِ الْإِنْسَانُ فِي خَلْقِهِ تَشْرِيفاً وَ تَفْضِيلًا عَلَى الْبَهَائِمِ فَإِنَّهُ خُلِقَ يَنْتَصِبُ قَائِماً وَ يَسْتَوِي جَالِساً لِيَسْتَقْبِلَ الْأَشْيَاءَ بِيَدَيْهِ وَ جَوَارِحِهِ وَ يُمْكِنَهُ الْعِلَاجُ وَ الْعَمَلُ بِهِمَا فَلَوْ كَانَ مَكْبُوباً عَلَى وَجْهِهِ كَذَاتِ الْأَرْبَعِ لَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَعْمَلَ شَيْئاً مِنَ الْأَعْمَالِ.

____________

(1) بالنون المفتوحة و الشين الساكنة ثمّ الهمزة. أو بالنون و الشين المضمومتين و الواو الساكنة ثمّ الهمزة.

69

بيان قال الفيروزآبادي و شجت العروق و الأغصان اشتبكت و قال نكأ القرحة كمنع قشرها قبل أن تبرأ فنديت انتهى و المفايض في بعض النسخ بالفاء أي مجاري من فاض الماء و في بعضها بالغين من غاض الماء غيضا أي نضب‏ (1) و ذهب في الأرض و المغيض المكان الذي يغيض فيه و إلى في قوله إلى ما في تركيب بمعنى مع و قال الفيروزآبادي الغضروف كل عظم رخو يؤكل و هو مارن الأنف‏ (2) و بعض الكتف و رءوس الأضلاع و رهابة الصدر و داخل فوق الأذن انتهى و قوله تتزايد و لا تنقص أي النسبة بين الأعضاء و بلوغ الأشد و هو القوة أن يكتهل و يستوفي السنّ الذي يستحكم فيها قوَّته و عقله و تميزه.

انْظُرِ الْآنَ يَا مُفَضَّلُ إِلَى هَذِهِ الْحَوَاسِّ الَّتِي خُصَّ بِهَا الْإِنْسَانُ فِي خَلْقِهِ وَ شُرِّفَ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ كَيْفَ جُعِلَتِ الْعَيْنَانِ فِي الرَّأْسِ كَالْمَصَابِيحِ فَوْقَ الْمَنَارَةِ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ مُطَالَعَةِ الْأَشْيَاءِ وَ لَمْ تُجْعَلْ فِي الْأَعْضَاءِ الَّتِي تَحْتَهُنَّ كَالْيَدَيْنِ وَ الرِّجْلَيْنِ فَتَعْرِضَهَا الْآفَاتُ وَ تُصِيبَهَا مِنْ مُبَاشَرَةِ الْعَمَلِ وَ الْحَرَكَةِ مَا يُعَلِّلُهَا وَ يُؤَثِّرُ فِيهَا وَ يَنْقُصُ مِنْهَا وَ لَا فِي الْأَعْضَاءِ الَّتِي وَسَطَ الْبَدَنِ كَالْبَطْنِ وَ الظَّهْرِ فَيَعْسُرَ تَقَلُّبُهَا وَ اطِّلَاعُهَا نَحْوَ الْأَشْيَاءِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي شَيْ‏ءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ مَوْضِعٌ كَانَ الرَّأْسُ أَسْنَى الْمَوَاضِعِ لِلْحَوَاسِّ وَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الصَّوْمَعَةِ لَهَا فَجُعِلَ الْحَوَاسُّ خَمْساً تَلْقَى خَمْساً لِكَيْ لَا يَفُوتَهَا شَيْ‏ءٌ مِنَ الْمَحْسُوسَاتِ فَخُلِقَ الْبَصَرُ لِيُدْرِكَ الْأَلْوَانَ فَلَوْ كَانَتِ الْأَلْوَانُ وَ لَمْ يَكُنْ بَصَرٌ يُدْرِكُهَا لَمْ يَكُنْ مَنْفَعَةٌ فِيهَا وَ خُلِقَ السَّمْعُ لِيُدْرِكَ الْأَصْوَاتَ فَلَوْ كَانَتِ الْأَصْوَاتُ وَ لَمْ يَكُنْ سَمْعٌ يُدْرِكُهَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِرْبٌ‏ (3) وَ كَذَلِكَ سَائِرُ الْحَوَاسِّ ثُمَّ هَذَا يَرْجِعُ مُتَكَافِئاً فَلَوْ كَانَ بَصَرٌ وَ لَمْ يَكُنْ أَلْوَانٌ لَمَا كَانَ لِلْبَصَرِ مَعْنًى وَ لَوْ كَانَ سَمْعٌ وَ لَمْ يَكُنْ أَصْوَاتٌ لَمْ يَكُنْ لِلسَّمْعِ مَوْضِعٌ فَانْظُرْ كَيْفَ قَدَّرَ بَعْضَهَا يَلْقَى بَعْضاً فَجَعَلَ لِكُلِّ حَاسَّةٍ مَحْسُوساً يَعْمَلُ فِيهِ وَ لِكُلِّ مَحْسُوسٍ حَاسَّةً تُدْرِكُهُ وَ مَعَ هَذَا فَقَدْ جُعِلَتْ أَشْيَاءُ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ الْحَوَاسِّ وَ الْمَحْسُوسَاتِ لَا يَتِمُّ الْحَوَاسُّ إِلَّا بِهَا كَمَثَلِ الضِّيَاءِ وَ الْهَوَاءِ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ضِيَاءٌ يُظْهِرُ اللَّوْنَ لِلْبَصَرِ لَمْ يَكُنِ الْبَصَرُ يُدْرِكُ اللَّوْنَ‏

____________



(1) أي جرى و سال. غار في الأرض.

(2) أي طرف الانف، أو ما لان من طرفه.

(3) الارب: الحاجة.

70

وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ هَوَاءٌ يُؤَدِّي الصَّوْتَ إِلَى السَّمْعِ لَمْ يَكُنِ السَّمْعُ يُدْرِكُ الصَّوْتَ فَهَلْ يَخْفَى عَلَى مَنْ صَحَّ نَظَرُهُ وَ أَعْمَلَ فِكْرَهُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الَّذِي وَصَفْتُ مِنْ تَهْيِئَةِ الْحَوَاسِّ وَ الْمَحْسُوسَاتِ بَعْضُهَا يَلْقَى بَعْضاً وَ تَهْيِئَةِ أَشْيَاءَ أُخَرَ بِهَا تَتِمُّ الْحَوَاسُّ لَا يَكُونُ إِلَّا بِعَمْدٍ وَ تَقْدِيرٍ مِنْ لَطِيفٍ خَبِيرٍ.

بيان قوله(ع)بعضها يلقى بعضا حال أو صفة بتأويل أو تقدير.

فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِيمَنْ عَدِمَ الْبَصَرَ مِنَ النَّاسِ وَ مَا يَنَالُهُ مِنَ الْخَلَلِ فِي أُمُورِهِ فَإِنَّهُ لَا يَعْرِفُ مَوْضِعَ قَدَمِهِ وَ لَا يُبْصِرُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَفْرُقُ بَيْنَ الْأَلْوَانِ وَ بَيْنَ الْمَنْظَرِ الْحَسَنِ وَ الْقَبِيحِ وَ لَا يَرَى حُفْرَةً إِنْ هَجَمَ عَلَيْهَا (1) وَ لَا عَدُوّاً إِنْ أَهْوَى إِلَيْهِ بِسَيْفٍ وَ لَا يَكُونُ لَهُ سَبِيلٌ إِلَى أَنْ يَعْمَلَ شَيْئاً مِنْ هَذِهِ الصِّنَاعَاتِ مِثْلِ الْكِتَابَةِ وَ التِّجَارَةِ وَ الصِّيَاغَةِ حَتَّى إِنَّهُ لَوْ لَا نَفَاذُ ذِهْنِهِ لَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْحَجَرِ الْمُلْقَى وَ كَذَلِكَ مَنْ عَدِمَ السَّمْعَ يَخْتَلُّ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ فَإِنَّهُ يَفْقِدُ رَوْحَ الْمُخَاطَبَةِ وَ الْمُحَاوَرَةِ وَ يَعْدَمُ لَذَّةَ الْأَصْوَاتِ وَ اللُّحُونِ الشَّجِيَّةِ [وَ الْمُطْرِبَةِ وَ يُعْظِمُ الْمَئُونَةَ عَلَى النَّاسِ فِي مُحَاوَرَتِهِ حَتَّى يَتَبَرَّمُوا بِهِ‏ (2) وَ لَا يَسْمَعُ شَيْئاً مِنْ أَخْبَارِ النَّاسِ وَ أَحَادِيثِهِمْ حَتَّى يَكُونُ كَالْغَائِبِ وَ هُوَ شَاهِدٌ أَوْ كَالْمَيِّتِ وَ هُوَ حَيٌّ فَأَمَّا مَنْ عَدِمَ الْعَقْلَ فَإِنَّهُ يُلْحَقُ بِمَنْزِلَةِ الْبَهَائِمِ بَلْ يَجْهَلُ كَثِيراً مِمَّا يَهْتَدِي إِلَيْهِ الْبَهَائِمُ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ صَارَتِ الْجَوَارِحُ وَ الْعَقْلُ وَ سَائِرُ الْخِلَالِ‏ (3) الَّتِي بِهَا صَلَاحُ الْإِنْسَانِ وَ الَّتِي لَوْ فَقَدَ مِنْهَا شَيْئاً لَعَظُمَ مَا يَنَالُهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْخَلَلِ يُوَافِي خِلْقَةً عَلَى التَّمَامِ حَتَّى لَا يَفْقِدَ شَيْئاً مِنْهَا فَلِمَ كَانَ كَذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّهُ خُلِقَ بِعِلْمٍ وَ تَقْدِيرٍ (4).

بيان روح المخاطبة بالفتح أي راحتها و لذتها و الشجو الحزن و لا يتوهم جواز الاستدلال به على عدم حرمة الغناء مطلقا لاحتمال أن يكون المراد الأفراد المحللة منها كما ذكرها الأصحاب و سيأتي ذكرها في بابه أو يكون فائدة إدراك تلك اللذة عظم الثواب في تركها لوجهه تعالى و قوله(ع)يوافي خلقة خبر صارت.

6 قَالَ الْمُفَضَّلُ فَقُلْتُ فَلِمَ صَارَ بَعْضُ النَّاسِ يَفْقِدُ شَيْئاً مِنْ هَذِهِ الْجَوَارِحِ فَيَنَالُهُ فِي‏

____________



(1) أي انتهى إليها بغتة على غفلة منه.

(2) أي حتّى يملوا و يضجروا به.

(3) جمع الخلة و هي الخصلة.

(4) و في نسخة: إلّا لانه خلق بعلم و بقدر.

71

ذَلِكَ مِثْلُ مَا وَصَفْتَهُ يَا مَوْلَايَ قَالَ(ع)ذَلِكَ لِلتَّأْدِيبِ وَ الْمَوْعِظَةِ لِمَنْ يَحِلُّ ذَلِكَ بِهِ وَ لِغَيْرِهِ بِسَبَبِهِ كَمَا قَدْ يُؤَدِّبُ الْمُلُوكُ النَّاسَ لِلتَّنْكِيلِ‏ (1) وَ الْمَوْعِظَةِ فَلَا يُنْكَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بَلْ يُحْمَدُ مِنْ رَأْيِهِمْ وَ يُصَوَّبُ مِنْ تَدْبِيرِهِمْ ثُمَّ لِلَّذِينَ يَنْزِلُ بِهِمْ هَذِهِ الْبَلَايَا مِنَ الثَّوَابِ بَعْدَ الْمَوْتِ إِنْ شَكَرُوا وَ أَنَابُوا مَا يَسْتَصْغِرُونَ مَعَهُ مَا يَنَالُهُمْ مِنْهَا حَتَّى إِنَّهُمْ لَوْ خُيِّرُوا بَعْدَ الْمَوْتِ لَاخْتَارُوا أَنْ يُرَدُّوا إِلَى الْبَلَايَا لِيَزْدَادُوا مِنَ الثَّوَابِ فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي الْأَعْضَاءِ الَّتِي خُلِقَتْ أَفْرَاداً وَ أَزْوَاجاً وَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَ التَّقْدِيرِ وَ الصَّوَابِ فِي التَّدْبِيرِ فَالرَّأْسُ مِمَّا خُلِقَ فَرْداً وَ لَمْ يَكُنْ لِلْإِنْسَانِ صَلَاحٌ فِي أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ أَ لَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أُضِيفَ إِلَى رَأْسِ الْإِنْسَانِ رَأْسٌ آخَرُ لَكَانَ ثِقْلًا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَيْهِ لِأَنَّ الْحَوَاسَّ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا مُجْتَمِعَةٌ فِي رَأْسٍ وَاحِدٍ ثُمَّ كَانَ الْإِنْسَانُ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ لَوْ كَانَ لَهُ رَأْسَانِ فَإِنْ تَكَلَّمَ مِنْ أَحَدِهِمَا كَانَ الْآخَرُ مُعَطَّلًا لَا إِرْبَ فِيهِ وَ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ وَ إِنْ تَكَلَّمَ مِنْهُمَا جَمِيعاً بِكَلَامٍ وَاحِدٍ كَانَ أَحَدُهُمَا فَضْلًا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَ إِنْ تَكَلَّمَ بِأَحَدِهِمَا بِغَيْرِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ مِنَ الْآخَرِ لَمْ يَدْرِ السَّامِعُ بِأَيِّ ذَلِكَ يَأْخُذُ وَ أَشْبَاهُ هَذَا مِنَ الْأَخْلَاطِ وَ الْيَدَانِ مِمَّا خُلِقَ أَزْوَاجاً وَ لَمْ يَكُنْ لِلْإِنْسَانِ خَيْرٌ فِي أَنْ يَكُونَ لَهُ يَدٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ يُخِلُّ بِهِ فِيمَا يَحْتَاجُ إِلَى مُعَالَجَتِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ أَ لَا تَرَى أَنَّ النَّجَّارَ وَ الْبَنَّاءَ لَوْ شَلَّتْ إِحْدَى يَدَيْهِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعَالِجَ صِنَاعَتَهُ وَ إِنْ تَكَلَّفَ ذَلِكَ لَمْ يُحْكِمْهُ وَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهُ مَا يَبْلُغُهُ إِذَا كَانَتْ لَهُ يَدَانِ يَتَعَاوَنَانِ عَلَى الْعَمَلِ أَطِلِ الْفِكْرَ يَا مُفَضَّلُ فِي الصَّوْتِ وَ الْكَلَامِ وَ تَهْيِئَةِ آلَاتِهِ فِي الْإِنْسَانِ فَالْحَنْجَرَةُ كَالْأُنْبُوبَةِ (2) لِخُرُوجِ الصَّوْتِ وَ اللِّسَانُ وَ الشَّفَتَانِ وَ الْأَسْنَانُ لِصِيَاغَةِ الْحُرُوفِ وَ النَّغْمِ أَ لَا تَرَى أَنَّ مَنْ سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ لَمْ يُقِمِ السِّينَ وَ مَنْ سَقَطَتْ شَفَتُهُ لَمْ يُصَحِّحِ الْفَاءَ وَ مَنْ ثَقُلَ لِسَانُهُ لَمْ يُفْصِحِ الرَّاءَ وَ أَشْبَهُ شَيْ‏ءٍ بِذَلِكَ الْمِزْمَارُ الْأَعْظَمُ فَالْحَنْجَرَةُ يُشْبِهُ قَصَبَةَ الْمِزْمَارِ وَ الرِّئَةُ يُشْبِهُ الزِّقَّ الَّذِي يُنْفَخُ فِيهِ لِتَدْخُلَ الرِّيحُ وَ الْعَضَلَاتُ الَّتِي تَقْبِضُ عَلَى الرِّئَةِ لِيَخْرُجَ الصَّوْتُ كَالْأَصَابِعِ الَّتِي تَقْبِضُ عَلَى الزِّقِّ حَتَّى تَجْرِيَ الرِّيحُ فِي الْمِزْمَارِ وَ الشَّفَتَانِ‏

____________



(1) نكّل به: صنع به صنيعا يحذّر غيره و يجعله عبرة له.

(2) وزان أرجوزة: ما بين العقدتين من القصب.

72

وَ الْأَسْنَانُ الَّتِي تَصُوغُ الصَّوْتَ حُرُوفاً وَ نَغْماً كَالْأَصَابِعِ الَّتِي يَخْتَلِفُ فِي فَمِ الْمِزْمَارِ فَتَصُوغُ صَفِيرَهُ أَلْحَاناً غَيْرُ أَنَّهُ وَ إِنْ كَانَ مَخْرَجُ الصَّوْتِ يُشْبِهُ الْمِزْمَارَ بِالدَّلَالَةِ وَ التَّعْرِيفِ فَإِنَّ الْمِزْمَارَ بِالْحَقِيقَةِ هُوَ الْمُشَبَّهُ بِمَخْرَجِ الصَّوْتِ قَدْ أَنْبَأْتُكَ بِمَا فِي الْأَعْضَاءِ مِنَ الْغِنَاءِ فِي صَنْعَةِ الْكَلَامِ وَ إِقَامَةِ الْحُرُوفِ وَ فِيهَا مَعَ الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ مَآرِبُ أُخْرَى فَالْحَنْجَرَةُ لِيُسْلَكَ فِيهَا هَذَا النَّسِيمُ إِلَى الرِّئَةِ فَتَرَوَّحَ عَلَى الْفُؤَادِ بِالنَّفَسِ الدَّائِمِ الْمُتَتَابِعِ الَّذِي لَوِ احْتَبَسَ‏ (1) شَيْئاً يَسِيراً لَهَلَكَ الْإِنْسَانُ وَ بِاللِّسَانِ تُذَاقُ الطُّعُومُ فَيُمَيِّزُ بَيْنَهَا وَ يَعْرِفُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا حُلْوَهَا مِنْ مُرِّهَا وَ حَامِضَهَا مِنْ مُزِّهَا وَ مَالِحَهَا مِنْ عَذْبِهَا وَ طَيِّبَهَا مِنْ خَبِيثِهَا وَ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ مَعُونَةٌ عَلَى إِسَاغَةِ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ وَ الْأَسْنَانُ تَمْضَغُ الطَّعَامَ حَتَّى تُلِينَ وَ يَسْهُلَ إِسَاغَتُهُ وَ هِيَ مَعَ ذَلِكَ كَالسَّنَدِ لِلشَّفَتَيْنِ تُمْسِكُهُمَا وَ تَدْعَمُهُمَا مِنْ دَاخِلِ الْفَمِ‏ (2) وَ اعْتَبِرْ ذَلِكَ بِأَنَّكَ تَرَى مَنْ سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ مُسْتَرْخِيَ الشَّفَةِ وَ مُضْطَرِبَهَا وَ بِالشَّفَتَيْنِ يَتَرَشَّفُ الشَّرَابَ‏ (3) حَتَّى يَكُونَ الَّذِي يَصِلُ إِلَى الْجَوْفِ مِنْهُ بِقَصْدٍ وَ قَدْرٍ لَا يَثُجُّ ثَجّاً فَيَغَصَّ بِهِ الشَّارِبُ أَوْ يَنْكَأَ فِي الْجَوْفِ ثُمَّ هُمَا بَعْدَ ذَلِكَ كَالْبَابِ الْمُطْبَقِ عَلَى الْفَمِ يَفْتَحُهُمَا الْإِنْسَانُ إِذَا شَاءَ وَ يُطْبِقُهُمَا إِذَا شَاءَ فَفِيمَا وَصَفْنَا مِنْ هَذَا بَيَانُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ يَتَصَرَّفُ وَ يَنْقَسِمُ إِلَى وُجُوهٍ مِنَ الْمَنَافِعِ كَمَا تَتَصَرَّفُ الْأَدَاةُ الْوَاحِدَةُ فِي أَعْمَالٍ شَتَّى وَ ذَلِكَ كَالْفَأْسِ‏ (4) يُسْتَعْمَلُ فِي النِّجَارَةِ (5) وَ الْحَفْرِ وَ غَيْرِهِمَا مِنَ الْأَعْمَالِ وَ لَوْ رَأَيْتَ الدِّمَاغَ إِذَا كُشِفَ عَنْهُ لَرَأَيْتَهُ قَدْ لُفَّ بِحُجُبٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ لِتَصُونَهُ مِنَ الْأَعْرَاضِ وَ تُمْسِكَهُ فَلَا يَضْطَرِبَ وَ لَرَأَيْتَ عَلَيْهِ الْجُمْجُمَةَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْضَةِ كَيْمَا يَفُتَّهُ هَدُّ الصَّدْمَةِ وَ الصَّكَّةِ (6) الَّتِي رُبَّمَا وَقَعَتْ فِي الرَّأْسِ ثُمَّ قَدْ جُلِّلَتِ الْجُمْجُمَةُ بِالشَّعْرِ حَتَّى صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْفَرْوِ لِلرَّأْسِ‏ (7) يَسْتُرُهُ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ

____________



(1) و في نسخة: لو حبس.

(2) دعم الشي‏ء: أسنده لئلا يميل.

(3) رشّف الماء أي بالغ في مصّه.

(4) الفاس: آلة لقطع الخشب و غيره.

(5) وزان الكتابة: حرفة النجار.

(6) الصكة: الضرب الشديد أو اللطم.

(7) الفرو: شي‏ء كالجبة يبطّن من جلود بعض الحيوانات كالارانب و السمور.

73

وَ الْبَرْدِ فَمَنْ حَصَّنَ الدِّمَاغَ هَذَا التَّحْصِينَ إِلَّا الَّذِي خَلَقَهُ وَ جَعَلَهُ يَنْبُوعَ الْحِسِّ وَ الْمُسْتَحِقَّ لِلْحِيطَةِ وَ الصِّيَانَةِ بِعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ مِنَ الْبَدَنِ وَ ارْتِفَاعِ دَرَجَتِهِ وَ خَطَرِ مَرْتَبَتِهِ.

بيان المز بين الحلو و الحامض و الثج السيلان و الغصص أن يقف الشي‏ء في الحلق فلم يكد يسيغه و الجمجمة عظم الرأس المشتمل على الدماغ و البيضة هي التي توضع على الرأس في الحرب و الفت الكسر و هد البناء كسره و ضعضعه و هدته المصيبة أي أوهنت ركنه و الحيطة بالكسر الحياطة و الرعاية.

تَأَمَّلْ يَا مُفَضَّلُ الْجَفْنَ عَلَى الْعَيْنِ كَيْفَ جُعِلَ كَالْغِشَاءِ وَ الْأَشْفَارَ كَالْأَشْرَاجِ وَ أَوْلَجَهَا فِي هَذَا الْغَارِ وَ أَظَلَّهَا بِالْحِجَابِ وَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الشَّعْرِ.

بيان الجفن غطاء العين من أعلى و أسفل و الأشفار هي حروف الأجفان التي عليها الشعر و الأشراج العرى و كأنه(ع)شبه الأشفار بالعرى و الخيط المشدود بها فإن بهما ترفع الأستار و تسدل عند الحاجة إليهما أو بالعرى التي تكون في العيبة من الأدم‏ (1) و غيره يكون فيها خيط إذا شدت به يكون ما في العيبة محفوظا مستورا و كلاهما مناسب و الأول أنسب بالغشاء قال الجزري في حديث الأحنف فأدخلت ثياب صوني العيبة فأشرجتها يقال أشرجت العيبة و شرجتها إذا شددتها بالشرج و هي العرى انتهى و أولجها يعني أدخلها.

يَا مُفَضَّلُ مَنْ غَيَّبَ الْفُؤَادَ فِي جَوْفِ الصَّدْرِ وَ كَسَاهُ الْمِدْرَعَةَ الَّتِي هِيَ غِشَاؤُهُ وَ حَصَّنَهُ بِالْجَوَانِحِ وَ مَا عَلَيْهَا مِنَ اللَّحْمِ وَ الْعَصَبِ لِئَلَّا يَصِلَ إِلَيْهِ مَا يَنْكَؤُهُ مَنْ جَعَلَ فِي الْحَلْقِ مَنْفَذَيْنِ أَحَدُهُمَا لِمَخْرَجِ الصَّوْتِ وَ هُوَ الْحُلْقُومُ الْمُتَّصِلُ بِالرِّئَةِ وَ الْآخَرُ مَنْفَذُ الْغِذَاءِ وَ هُوَ الْمَرِي‏ءُ الْمُتَّصِلُ بِالْمَعِدَةِ الْمُوصِلُ الْغِذَاءِ إِلَيْهَا وَ جَعَلَ عَلَى الْحُلْقُومِ طَبَقاً يَمْنَعُ الطَّعَامَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الرِّئَةِ فَيَقْتُلَ مَنْ جَعَلَ الرِّئَةَ مِرْوَحَةَ الْفُؤَادِ لَا تَفْتُرُ وَ لَا تُخِلُّ لِكَيْلَا تَتَحَيَّزَ الْحَرَارَةُ فِي الْفُؤَادِ فَتُؤَدِّيَ إِلَى التَّلَفِ مَنْ جَعَلَ لِمَنَافِذِ الْبَوْلِ وَ الْغَائِطِ أَشْرَاجاً تَضْبِطُهُمَا لِئَلَّا يَجْرِيَا جَرَيَاناً دَائِماً فَيَفْسُدَ عَلَى الْإِنْسَانِ عَيْشُهُ فَكَمْ عَسَى أَنْ يُحْصِيَ الْمُحْصِي مِنْ هَذَا بَلِ الَّذِي لَا يُحْصَى مِنْهُ وَ لَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ أَكْثَرُ مَنْ جَعَلَ الْمَعِدَةَ عَصَبَانِيَّةً شَدِيدَةً وَ قَدَّرَهَا

____________



(1) العيبة الزنبيل من أدم. ما تجعل فيه الثياب كالصندوق. الادم: الجلود المدبوغة.

74

لِهَضْمِ الطَّعَامِ الْغَلِيظِ وَ مَنْ جَعَلَ الْكَبِدَ رَقِيقَةً نَاعِمَةً لِقَبُولِ الصَّفْوِ اللَّطِيفِ مِنَ الْغِذَاءِ وَ لِتَهْضِمَ وَ تَعْمَلَ مَا هُوَ أَلْطَفُ مِنْ عَمَلِ الْمَعِدَةِ إِلَّا اللَّهُ الْقَادِرُ أَ تَرَى الْإِهْمَالَ يَأْتِي بِشَيْ‏ءٍ مِنْ ذَلِكَ‏ (1) كَلَّا بَلْ هُوَ تَدْبِيرٌ مِنْ مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ قَادِرٍ عَلِيمٍ بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ خَلْقِهِ إِيَّاهَا لَا يُعْجِزُهُ شَيْ‏ءٌ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ

تبيان الجوانح الأضلاع التي مما يلي الصدر و قوله(ع)لا تخل من الإخلال بالشي‏ء بمعنى تركه و قوله تتحيّز إما من الحيز أي تسكن أو من قولهم تحيزت الحية أي تلوت.

فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ لِمَ صَارَتِ الْمُخُّ الرَّقِيقُ مُحَصَّناً فِي أَنَابِيبِ الْعِظَامِ هَلْ ذَلِكَ إِلَّا لِيَحْفَظَهُ وَ يَصُونَهُ لِمَ صَارَ الدَّمُ السَّائِلُ مَحْصُوراً فِي الْعُرُوقِ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ فِي الظُّرُوفِ إِلَّا لِتَضْبِطَهُ فَلَا يَفِيضَ لِمَ صَارَتِ الْأَظْفَارُ عَلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إِلَّا وِقَايَةً لَهَا وَ مَعُونَةً عَلَى الْعَمَلِ لِمَ صَارَ دَاخِلُ الْأُذُنِ مُلْتَوِياً كَهَيْئَةِ الْكَوْكَبِ‏ (2) إِلَّا لِيَطَّرِدَ فِيهِ الصَّوْتُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى السَّمْعِ وَ لِيَتَكَسَّرَ حُمَّةُ الرِّيحِ فَلَا يَنْكَأَ فِي السَّمْعِ لِمَ حَمَلَ الْإِنْسَانُ عَلَى فَخِذَيْهِ وَ أَلْيَتَيْهِ هَذَا اللَّحْمَ إِلَّا لِيَقِيَهُ مِنَ الْأَرْضِ فَلَا يَتَأَلَّمُ مِنَ الْجُلُوسِ عَلَيْهِمَا كَمَا يَأْلَمُ مَنْ نَحَلَ جِسْمُهُ وَ قَلَّ لَحْمُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْأَرْضِ حَائِلٌ يَقِيهِ صَلَابَتُهَا مَنْ جَعَلَ الْإِنْسَانَ ذَكَراً وَ أُنْثَى إِلَّا مَنْ خَلَقَهُ مُتَنَاسِلًا وَ مَنْ خَلَقَهُ مُتَنَاسِلًا إِلَّا مَنْ خَلَقَهُ مُؤَمِّلًا وَ مَنْ خَلَقَهُ مُؤَمِّلًا وَ مَنْ أَعْطَاهُ آلَاتِ الْعَمَلِ إِلَّا مَنْ خَلَقَهُ عَامِلًا وَ مَنْ خَلَقَهُ عَامِلًا إِلَّا مَنْ جَعَلَهُ مُحْتَاجاً وَ مَنْ جَعَلَهُ مُحْتَاجاً إِلَّا مَنْ ضَرَبَهُ بِالْحَاجَةِ وَ مَنْ ضَرَبَهُ بِالْحَاجَةِ إِلَّا مَنْ تَوَكَّلَ بِتَقْوِيمِهِ مَنْ خَصَّهُ بِالْفَهْمِ إِلَّا مَنْ أَوْجَبَ لَهُ الْجَزَاءَ وَ مَنْ وَهَبَ لَهُ الْحِيلَةَ إِلَّا مَنْ مَلَّكَهُ الْحَوْلَ وَ مَنْ مَلَّكَهُ الْحَوْلَ إِلَّا مَنْ أَلْزَمَهُ الْحُجَّةَ مَنْ يَكْفِيهِ مَا لَا تَبْلُغُهُ حِيلَتُهُ إِلَّا مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مَدَى شُكْرِهِ فَكِّرْ وَ تَدَبَّرْ مَا وَصَفْتُهُ هَلْ تَجِدُ الْإِهْمَالَ عَلَى هَذَا النِّظَامِ وَ التَّرْتِيبِ تَبَارَكَ اللَّهُ عَمَّا يَصِفُونَ.

____________

(1) في نسخة: أ ترى من الاهمال يأتي بشي‏ء من ذلك.

(2) أقول: فى بعض النسخ «اللولب» مكان الكوكب و هو آلة من خشب أو حديد ذات محور، ذى دوائر ناتئة، و هو الذكر، أو داخلة و هو الأنثى.

75

بيان الكوكب المحبس و اطّرد الشي‏ء تبع بعضه بعضا و جرى و قال الجوهري حمّة الحرّ معظمه و قوله(ع)إلا من خلقه مؤمّلا إشارة إلى أن الأمل و الرجاء في البقاء هو السبب لتحصيل النسل و لذا جعل الإنسان ذا أمل لبقاء نوعه قوله(ع)إلا من ضربه بالحاجة أي سبّب له أسباب الاحتياج و خلقه بحيث يحتاج قوله(ع)إلا من توكّل بتقويمه أي تكفّل برفع حاجته و تقويم أوده و الحول القوّة.

أَصِفُ لَكَ الْآنَ يَا مُفَضَّلُ الْفُؤَادَ اعْلَمْ أَنَّ فِيهِ ثُقَباً مُوَجَّهَةً نَحْوَ الثُّقَبِ الَّتِي فِي الرِّئَةِ تُرَوِّحُ عَنِ الْفُؤَادِ حَتَّى لَوِ اخْتَلَفَتْ تِلْكَ الثُّقَبُ وَ تَزَايَلَ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ لَمَا وَصَلَ الرَّوْحُ إِلَى الْفُؤَادِ وَ لَهَلَكَ الْإِنْسَانُ أَ فَيَسْتَجِيزُ ذُو فِكْرٍ وَ رَوِيَّةٍ أَنْ يَزْعُمَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا يَكُونُ بِالْإِهْمَالِ وَ لَا يَجِدُ شَاهِداً مِنْ نَفْسِهِ يَنْزِعُهُ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ لَوْ رَأَيْتَ فَرْداً مِنْ مِصْرَاعَيْنِ فِيهِ كَلُّوبٌ أَ كُنْتَ تَتَوَهَّمُ أَنَّهُ جُعِلَ كَذَلِكَ بِلَا مَعْنًى بَلْ كُنْتَ تَعْلَمُ ضَرُورَةً أَنَّهُ مَصْنُوعٌ يَلْقَى فَرْداً آخَرَ فَتُبْرِزُهُ لِيَكُونَ فِي اجْتِمَاعِهِمَا ضَرْبٌ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَ هَكَذَا تَجِدُ الذَّكَرَ مِنَ الْحَيَوَانِ كَأَنَّهُ فَرْدٌ مِنْ زَوْجٍ مُهَيَّأٌ (1) مِنْ فَرْدٍ أُنْثَى فَيَلْتَقِيَانِ لِمَا فِيهِ مِنْ دَوَامِ النَّسْلِ وَ بَقَائِهِ فَتَبّاً وَ خَيْبَةً وَ تَعْساً لِمُنْتَحِلِي الْفَلْسَفَةِ كَيْفَ عَمِيَتْ قُلُوبُهُمْ عَنْ هَذِهِ الْخِلْقَةِ الْعَجِيبَةِ حَتَّى أَنْكَرُوا التَّدْبِيرَ وَ الْعَمْدَ فِيهَا لَوْ كَانَ فَرْجُ الرَّجُلِ مُسْتَرْخِياً كَيْفَ كَانَ يَصِلُ إِلَى قَعْرِ الرَّحِمِ حَتَّى يُفْرِغَ النُّطْفَةَ فِيهِ وَ لَوْ كَانَ مُنْعَظاً أَبَداً كَيْفَ كَانَ الرَّجُلُ يَتَقَلَّبُ فِي الْفِرَاشِ أَوْ يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ وَ شَيْ‏ءٌ شَاخِصٌ أَمَامَهُ ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مَعَ قُبْحِ الْمَنْظَرِ تَحْرِيكُ الشَّهْوَةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنَ الرِّجَالِ وَ النِّسَاءِ جَمِيعاً فَقَدَّرَ اللَّهُ جَلَّ اسْمُهُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ ذَلِكَ لَا يَبْدُو لِلْبَصَرِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَ لَا يَكُونُ عَلَى الرِّجَالِ مِنْهُ مَئُونَةٌ بَلْ جَعَلَ فِيهِ الْقُوَّةَ عَلَى الِانْتِصَابِ وَقْتَ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ لِمَا قَدَّرَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ دَوَامُ النَّسْلِ وَ بَقَاؤُهُ.

توضيح قال الجوهري وزعته أزعه وزعا كففته‏ (2) انتهى و الكلوب بالتشديد حديدة معوجة الرأس و في بعض النسخ كلون و هو فارسي قوله(ع)مهيأة في بعض النسخ بالياء فلفظة من تعليلية و في بعضها بالنون فمن تعليلية أو

____________

(1) و في نسخة: كأنّه فرد من زوج مهنأ.

(2) لم نجد في كلامه (عليه السلام) لفظة و زعته.

76

ابتدائية أي إنما يتم عيشه بأنثى و على التقديرين يحتمل أن يكون بمعنى مع أن جوز استعماله فيه و قال الجوهري تبا لفلان تنصبه على المصدر بإضمار فعل أي ألزمه الله هلاكا و خسرانا و قال التعس الهلاك يقال تعسا لفلان أي ألزمه الله هلاكا.

اعْتَبِرِ الْآنَ يَا مُفَضَّلُ بِعَظِيمِ النِّعْمَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي مَطْعَمِهِ وَ مَشْرَبِهِ وَ تَسْهِيلِ خُرُوجِ الْأَذَى أَ لَيْسَ مِنْ حُسْنِ التَّقْدِيرِ فِي بِنَاءِ الدَّارِ أَنْ يَكُونَ الْخَلَاءُ فِي أَسْتَرِ مَوْضِعٍ فِيهَا (1) فَكَذَا جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمَنْفَذَ الْمُهَيَّأَ لِلْخَلَاءِ مِنَ الْإِنْسَانِ فِي أَسْتَرِ مَوْضِعٍ مِنْهُ فَلَمْ يَجْعَلْهُ بَارِزاً مِنْ خَلْفِهِ وَ لَا نَاشِراً مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ بَلْ هُوَ مُغَيَّبٌ فِي مَوْضِعٍ غَامِضٍ مِنَ الْبَدَنِ مَسْتُورٌ مَحْجُوبٌ يَلْتَقِي عَلَيْهِ الْفَخِذَانِ وَ تَحْجُبُهُ الْأَلْيَتَانِ بِمَا عَلَيْهِمَا مِنَ اللَّحْمِ فَيُوَارِيَانِهِ فَإِذَا احْتَاجَ الْإِنْسَانُ إِلَى الْخَلَاءِ وَ جَلَسَ تِلْكَ الْجِلْسَةَ أَلْفَى ذَلِكَ الْمَنْفَذَ مِنْهُ مُنْصَبّاً مُهَيَّئاً لِانْحِدَارِ الثُّفْلِ فَتَبَارَكَ اللَّهُ مَنْ تَظَاهَرَتْ آلَاؤُهُ وَ لَا تُحْصَى نَعْمَاؤُهُ.

بيان ألفى أي وجد و قوله(ع)منصبا إما من الانصباب كناية عن التدلي أو من باب التفعيل من النصب قال الفيروزآبادي نصب الشي‏ء وضعه و رفعه ضد كنصبه فانتصب و تنصب.

6 فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي هَذِهِ الْطَوَاحِنِ الَّتِي جُعِلَتْ لِلْإِنْسَانِ فَبَعْضُهَا حُدَادٌ لِقَطْعِ الطَّعَامِ وَ قَرْضِهِ وَ بَعْضُهَا عُرَاضٌ لِمَضْغِهِ وَ رَضِّهِ‏ (2) فَلَمْ يَنْقُصْ وَاحِدٌ مِنَ الصِّفَتَيْنِ إِذْ كَانَ مُحْتَاجاً إِلَيْهِمَا جَمِيعاً تَأَمَّلْ وَ اعْتَبِرْ بِحُسْنِ التَّدْبِيرِ فِي خَلْقِ الشَّعْرِ وَ الْأَظْفَارِ فَإِنَّهُمَا لَمَّا كَانَا مِمَّا يَطُولُ وَ يَكْثُرُ حَتَّى يُحْتَاجَ إِلَى تَخْفِيفِهِ أَوَّلًا فَأَوَّلًا جُعِلَا عَدِيمَيِ الْحِسِّ لِئَلَّا يُؤْلِمَ الْإِنْسَانَ الْأَخْذُ مِنْهُمَا وَ لَوْ كَانَ قَصُّ الشَّعْرِ وَ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ مِمَّا يُوجَدُ لَهُ مَسٌّ مِنْ ذَلِكَ لَكَانَ الْإِنْسَانُ مِنْ ذَلِكَ بَيْنَ مَكْرُوهَيْنِ إِمَّا أَنْ يَدَعَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى يَطُولَ فَيَثْقُلَ عَلَيْهِ وَ إِمَّا أَنْ يُخَفِّفَهُ بِوَجَعٍ وَ أَلَمٍ يَتَأَلَّمُ مِنْهُ‏

____________



(1) و في نسخة: فى أستر موضع منها.

(2) رضّه: دقّه و جرشه.

77

قَالَ الْمُفَضَّلُ فَقُلْتُ فَلِمَ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ خِلْقَةً لَا تَزِيدُ فَيَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ إِلَى النُّقْصَانِ مِنْهُ فَقَالَ(ع)إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ اسْمُهُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْعَبْدِ نِعَماً لَا يَعْرِفُهَا فَيَحْمَدَ عَلَيْهَا اعْلَمْ أَنَّ آلَامَ الْبَدَنِ وَ أَدْوَاءَهُ تَخْرُجُ بِخُرُوجِ الشَّعْرِ فِي مَسَامِّهِ‏ (1) وَ بِخُرُوجِ الْأَظْفَارِ مِنْ أَنَامِلِهَا وَ لِذَلِكَ أُمِرَ الْإِنْسَانُ بِالنُّورَةِ وَ حَلْقِ الرَّأْسِ وَ قَصِّ الْأَظْفَارِ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ لِيُسْرِعَ الشَّعْرُ وَ الْأَظْفَارُ فِي النَّبَاتِ فَتَخْرُجَ الْآلَامُ وَ الْأَدْوَاءُ بِخُرُوجِهَا وَ إِذَا طَالا تَحَيَّرَا وَ قَلَّ خُرُوجُهُمَا فَاحْتُبِسَتِ الْآلَامُ وَ الْأَدْوَاءُ فِي الْبَدَنِ فَأَحْدَثَتْ عِلَلًا وَ أَوْجَاعاً وَ مَنَعَ مَعَ ذَلِكَ الشَّعْرَ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُضِرُّ بِالْإِنْسَانِ وَ يُحْدِثُ عَلَيْهِ الْفَسَادَ وَ الضَّرَرَ لَوْ نَبَتَ الشَّعْرُ فِي الْعَيْنِ أَ لَمْ يَكُنْ سَيَعْمَى الْبَصَرُ وَ لَوْ نَبَتَ فِي الْفَمِ أَ لَمْ يَكُنْ سَيَغَصُّ عَلَى الْإِنْسَانِ طَعَامَهُ وَ شَرَابَهُ وَ لَوْ نَبَتَ فِي بَاطِنِ الْكَفِّ أَ لَمْ يَكُنْ سَيَعُوقُهُ عَنْ صِحَّةِ اللَّمْسِ وَ بَعْضِ الْأَعْمَالِ فَلَوْ نَبَتَ فِي فَرْجِ الْمَرْأَةِ أَوْ عَلَى ذَكَرِ الرَّجُلِ أَ لَمْ يَكُنْ سَيُفْسِدُ عَلَيْهِمَا لَذَّةَ الْجِمَاعِ فَانْظُرْ كَيْفَ تَنَكَّبَ الشَّعْرُ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ ثُمَّ لَيْسَ هَذَا فِي الْإِنْسَانِ فَقَطْ بَلْ تَجِدُهُ فِي الْبَهَائِمِ وَ السِّبَاعِ وَ سَائِرِ الْمُتَنَاسِلاتِ فَإِنَّكَ تَرَى أَجْسَامَهُنَّ مُجَلَّلَةً بِالشَّعْرِ وَ تَرَى هَذِهِ الْمَوَاضِعَ خَالِيَةً مِنْهُ لِهَذَا السَّبَبِ بِعَيْنِهِ فَتَأَمَّلِ الْخِلْقَةَ كَيْفَ تَتَحَرَّزُ وُجُوهَ الْخَطَإِ وَ الْمَضَرَّةِ وَ تَأْتِي بِالصَّوَابِ وَ الْمَنْفَعَةِ إِنَّ الْمَنَّانِيَّةَ (2) وَ أَشْبَاهَهُمْ حِينَ اجْتَهَدُوا فِي عَيْبِ الْخِلْقَةِ وَ الْعَمْدِ عَابُوا الشَّعْرَ النَّابِتَ عَلَى الرَّكَبِ وَ الْإِبْطَيْنِ‏ (3) وَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ رُطُوبَةٍ تَنْصَبُّ إِلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ فَيَنْبُتُ فِيهَا الشَّعْرُ كَمَا يَنْبُتُ الْعُشْبُ فِي مُسْتَنْقَعِ الْمِيَاهِ أَ فَلَا تَرَى إِلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ أَسْتَرَ وَ أَهْيَأَ لِقَبُولِ تِلْكَ الْفَضْلَةِ مِنْ غَيْرِهَا ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ تُعَدُّ (4) مِمَّا يَحْمِلُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَئُونَةِ هَذَا الْبَدَنِ وَ تَكَالِيفِهِ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ فَإِنَّ اهْتِمَامَهُ بِتَنْظِيفِ بَدَنِهِ وَ أَخْذِ مَا يَعْلُوهُ مِنَ الشَّعْرِ مِمَّا يَكْسِرُ بِهِ شِرَّتَهُ وَ يَكُفُّ عَادِيَتَهُ وَ يَشْغَلُهُ عَنْ بَعْضِ مَا يُخْرِجُهُ إِلَيْهِ الْفَرَاغُ مِنَ الْأَشَرِ وَ الْبِطَالَةِ تَأَمَّلِ الرِّيقَ وَ مَا فِيهِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ فَإِنَّهُ جُعِلَ يَجْرِي جَرَيَاناً دَائِماً إِلَى الْفَمِ لِيَبُلَّ الْحَلْقَ وَ اللَّهَوَاتِ فَلَا يَجِفَ‏

____________



(1) المسامة: ثقبة و منافذ كمنابت الشعر.

(2) و في نسخة: المانوية.

(3) الابطين: باطن الكتفين.

(4) و في نسخة بعد.

78

فَإِنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ لَوْ جُعِلَتْ كَذَلِكَ كَانَ فِيهِ هَلَاكُ الْإِنْسَانِ ثُمَّ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُسِيغَ طَعَاماً إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْفَمِ بِلَّةٌ تُنْفِذُهُ تَشْهَدُ بِذَلِكَ الْمُشَاهَدَةُ وَ اعْلَمْ أَنَّ الرُّطُوبَةَ مَطِيَّةُ الْغِذَاءِ وَ قَدْ تَجْرِي مِنْ هَذِهِ الْبِلَّةِ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الْمِرَّةِ فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ صَلَاحٌ تَامٌّ لِلْإِنْسَانِ وَ لَوْ يَبِسَتِ الْمِرَّةُ لَهَلَكَ الْإِنْسَانُ وَ لَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ جَهَلَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَ ضَعَفَةِ الْمُتَفَلْسِفِينَ بِقِلَّةِ التَّمَيُّزِ وَ قُصُورِ الْعِلْمِ لَوْ كَانَ بَطْنُ الْإِنْسَانِ كَهَيْئَةِ الْقَبَاءِ يَفْتَحُهُ الطَّبِيبُ إِذَا شَاءَ فَيُعَايِنُ مَا فِيهِ وَ يُدْخِلُ يَدَهُ فَيُعَالِجُ مَا أَرَادَ عِلَاجَهُ أَ لَمْ يَكُنْ أَصْلَحَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُصْمَتاً مَحْجُوباً عَنِ الْبَصَرِ وَ الْيَدِ لَا يُعْرَفُ مَا فِيهِ إِلَّا بِدَلَالاتٍ غَامِضَةٍ كَمِثْلِ النَّظَرِ إِلَى الْبَوْلِ وَ حِسِّ الْعِرْقِ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ فِيهِ الْغَلَطُ وَ الشُّبْهَةُ حَتَّى رُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ سَبَباً لِلْمَوْتِ فَلَوْ عَلِمَ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةُ أَنَّ هَذَا لَوْ كَانَ هَكَذَا كَانَ أَوَّلَ مَا فِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَسْقُطُ عَنِ الْإِنْسَانِ الْوَجَلُ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَ الْمَوْتِ وَ كَانَ يَسْتَشْعِرُ الْبَقَاءَ وَ يَغْتَرُّ بِالسَّلَامَةِ فَيُخْرِجُهُ ذَلِكَ إِلَى الْعُتُوِّ وَ الْأَشَرِ ثُمَّ كَانَتِ الرُّطُوبَاتُ الَّتِي فِي الْبَطْنِ تَتَرَشَّحُ وَ تَتَحَلَّبُ فَيُفْسِدُ عَلَى الْإِنْسَانِ مَقْعَدَهُ وَ مَرْقَدَهُ وَ ثِيَابَ بِذْلَتِهِ وَ زِينَتِهِ بَلْ كَانَ يُفْسِدُ عَلَيْهِ عَيْشَهُ ثُمَّ إِنَّ الْمَعِدَةَ وَ الْكَبِدَ وَ الْفُؤَادَ إِنَّمَا تَفْعَلُ أَفْعَالَهَا بِالْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ مُحْتَبِسَةً فِي الْجَوْفِ فَلَوْ كَانَ فِي الْبَطْنِ فَرْجٌ يَنْفَتِحُ حَتَّى يَصِلَ الْبَصَرُ إِلَى رُؤْيَتِهِ وَ الْيَدُ إِلَى عِلَاجِهِ لَوَصَلَ بَرْدُ الْهَوَاءِ إِلَى الْجَوْفِ فَمَازَجَ الْحَرَارَةَ الْغَرِيزِيَّةَ وَ بَطَلَ عَمَلُ الْأَحْشَاءِ فَكَانَ فِي ذَلِكَ هَلَاكُ الْإِنْسَانِ أَ فَلَا تَرَى أَنَّ كُلَّ مَا تَذْهَبُ إِلَيْهِ الْأَوْهَامُ سِوَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْخِلْقَةُ خَطَأٌ وَ خَطَلٌ.

إيضاح الركب بالتحريك منبت العانة و مستنقع الماء بالفتح مجتمعه و شرة الشباب بالكسر حرصه و نشاطه و العادية الظلم و الشرّ و الأشر بالتحريك البطر و شدة الفرح و اللهوات جمع لهات و هي اللحمة في سقف أقصى الفم و قوله(ع)من المرة بيان لموضع آخر و عتا عتوا استكبر و جاوز الحد و يقال تحلب العرق أي سال و الخطل المنطق الفاسد المضطرب.

فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي الْأَفْعَالِ الَّتِي جُعِلَتْ فِي الْإِنْسَانِ مِنَ الطَّعْمِ وَ النَّوْمِ وَ الْجِمَاعِ وَ مَا دُبِّرَ فِيهَا فَإِنَّهُ جُعِلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي الطِّبَاعِ نَفْسِهِ مُحَرِّكٌ يَقْتَضِيهِ وَ يَسْتَحِثُّ بِهِ‏

79

فَالْجُوعُ يَقْتَضِي الطَّعْمَ الَّذِي بِهِ حَيَاةُ الْبَدَنِ وَ قِوَامُهُ وَ الْكَرَى تَقْتَضِي النَّوْمَ الَّذِي فِيهِ رَاحَةُ الْبَدَنِ وَ إِجْمَامُ قُوَاهُ وَ الشَّبَقُ يَقْتَضِي الْجِمَاعَ الَّذِي فِيهِ دَوَامُ النَّسْلِ وَ بَقَاؤُهُ وَ لَوْ كَانَ الْإِنْسَانُ إِنَّمَا يَصِيرُ إِلَى أَكْلِ الطَّعَامِ لِمَعْرِفَتِهِ بِحَاجَةِ بَدَنِهِ إِلَيْهِ وَ لَمْ يَجِدْ مِنْ طِبَاعِهِ شَيْئاً يَضْطَرُّهُ إِلَى ذَلِكَ كَانَ خَلِيقاً أَنْ يَتَوَانَى عَنْهُ أَحْيَاناً بِالتَّثَقُّلِ وَ الْكَسَلِ حَتَّى يَنْحَلَ بَدَنُهُ فَيَهْلِكَ كَمَا يَحْتَاجُ الْوَاحِدُ إِلَى الدَّوَاءِ بِشَيْ‏ءٍ مِمَّا يَصْلُحُ بِبَدَنِهِ فَيُدَافِعُ بِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ ذَلِكَ إِلَى الْمَرَضِ وَ الْمَوْتِ وَ كَذَلِكَ لَوْ كَانَ إِنَّمَا يَصِيرُ إِلَى النَّوْمِ بِالتَّفَكُّرِ فِي حَاجَتِهِ إِلَى رَاحَةِ الْبَدَنِ وَ إِجْمَامِ قُوَاهُ كَانَ عَسَى أَنْ يَتَثَاقَلَ عَنْ ذَلِكَ فَيَدْمَغُهُ حَتَّى يَنْهَكَ بَدَنَهُ وَ لَوْ كَانَ إِنَّمَا يَتَحَرَّكُ لِلْجِمَاعِ بِالرَّغْبَةِ فِي الْوَلَدِ كَانَ غَيْرَ بَعِيدٍ أَنْ يَفْتُرَ عَنْهُ حَتَّى يَقِلَّ النَّسْلُ أَوْ يَنْقَطِعَ فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَرْغَبُ فِي الْوَلَدِ وَ لَا يَحْفِلُ بِهِ فَانْظُرْ كَيْفَ جُعِلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ الَّتِي بِهَا قِوَامُ الْإِنْسَانِ وَ صَلَاحُهُ مُحَرِّكٌ مِنْ نَفْسِ الطَّبْعِ يُحَرِّكُهُ لِذَلِكَ وَ يَحْدُوهُ عَلَيْهِ‏ (1) وَ اعْلَمْ أَنَّ فِي الْإِنْسَانِ قُوًى أَرْبَعاً قُوَّةٌ جَاذِبَةٌ تَقْبَلُ الْغِذَاءَ وَ تُورِدُهُ عَلَى الْمَعِدَةِ وَ قُوَّةٌ مُمْسِكَةٌ تَحْبِسُ الطَّعَامَ حَتَّى تَفْعَلَ فِيهِ الطَّبِيعَةُ فِعْلَهَا وَ قُوَّةٌ هَاضِمَةٌ وَ هِيَ الَّتِي تَطْبُخُهُ‏ (2) وَ تَسْتَخْرِجُ صَفْوَهُ وَ تَبُثُّهُ فِي الْبَدَنِ وَ قُوَّةٌ دَافِعَةٌ تَدْفَعُهُ وَ تَحْدُرُ الثُّفْلَ الْفَاضِلَ بَعْدَ أَخْذِ الْهَاضِمَةِ حَاجَتَهَا تَفَكَّرْ فِي تَقْدِيرِ هَذِهِ الْقُوَى الْأَرْبَعَةِ الَّتِي فِي الْبَدَنِ وَ أَفْعَالِهَا وَ تَقْدِيرِهَا لِلْحَاجَةِ إِلَيْهَا وَ الْإِرْبِ فِيهَا وَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّدْبِيرِ وَ الْحِكْمَةِ وَ لَوْ لَا الْجَاذِبَةُ كَيْفَ يَتَحَرَّكُ الْإِنْسَانُ لِطَلَبِ الْغِذَاءِ الَّتِي بِهَا قِوَامُ الْبَدَنِ وَ لَوْ لَا الْمَاسِكَةُ كَيْفَ كَانَ يَلْبَثُ الطَّعَامُ فِي الْجَوْفِ حَتَّى تَهْضِمَهُ الْمَعِدَةُ وَ لَوْ لَا الْهَاضِمَةُ كَيْفَ كَانَ يَنْطَبِخُ حَتَّى يَخْلُصَ مِنْهُ الصَّفْوُ الَّذِي يَغْذُو الْبَدَنَ وَ يَسُدُّ خُلَلَهُ وَ لَوْ لَا الدَّافِعَةُ كَيْفَ كَانَ الثُّفْلُ الَّذِي تُخَلِّفُهُ الْهَاضِمَةُ يَنْدَفِعُ وَ يَخْرُجُ أَوَّلًا فَأَوَّلًا أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ وَكَّلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِلَطِيفِ صُنْعِهِ وَ حُسْنِ تَقْدِيرِهِ هَذِهِ الْقُوَى بِالْبَدَنِ وَ الْقِيَامِ بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُ وَ سَأُمَثِّلُ لَكَ فِي ذَلِكَ مِثَالًا إِنَّ الْبَدَنَ بِمَنْزِلَةِ دَارِ الْمَلِكِ وَ لَهُ فِيهَا حَشَمٌ وَ صِبْيَةٌ وَ قُوَّامٌ مُوَكَّلُونَ بِالدَّارِ فَوَاحِدٌ لِإِقْضَاءِ حَوَائِجِ الْحَشَمِ وَ إِيرَادِهَا عَلَيْهِمْ وَ آخَرُ لِقَبْضِ مَا يَرِدُ وَ خَزْنِهِ إِلَى أَنْ يُعَالَجَ‏

____________



(1) أي يبعثه و يسوقه إليه.

(2) و في نسخة: و هي التي تطحنه.

80

وَ يُهَيَّأَ وَ آخَرُ لِعِلَاجِ ذَلِكَ وَ تَهْيِئَتِهِ وَ تَفْرِيقِهِ وَ آخَرُ لِتَنْظِيفِ مَا فِي الدَّارِ مِنَ الْأَقْذَارِ وَ إِخْرَاجِهِ مِنْهَا فَالْمَلِكُ فِي هَذَا هُوَ الْخَلَّاقُ الْحَكِيمُ مَلِكُ الْعَالَمِينَ وَ الدَّارُ هِيَ الْبَدَنُ وَ الْحَشَمُ هِيَ الْأَعْضَاءِ وَ الْقُوَّامُ هِيَ هَذِهِ الْقُوَى الْأَرْبَعُ وَ لَعَلَّكَ تَرَى ذِكْرَنَا هَذِهِ الْقُوَى الْأَرْبَعَ وَ أَفْعَالَهَا بَعْدَ الَّذِي وُصِفَتْ فَضْلًا وَ تَزْدَاداً وَ لَيْسَ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ هَذِهِ الْقُوَى عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي كُتُبِ الْأَطِبَّاءِ وَ لَا قَوْلُنَا فِيهِ كَقَوْلِهِمْ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوهَا عَلَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي صِنَاعَةِ الطِّبِّ وَ تَصْحِيحِ الْأَبْدَانِ وَ ذَكَرْنَاهَا عَلَى مَا يَحْتَاجُ فِي صَلَاحِ الدِّينِ وَ شِفَاءِ النُّفُوسِ مِنَ الْغَيِّ كَالَّذِي أَوْضَحْتُهُ بِالْوَصْفِ الشَّافِي وَ الْمَثَلِ الْمَضْرُوبِ مِنَ التَّدْبِيرِ وَ الْحِكْمَةِ فِيهَا.

تبيان الطعم بالضم الأكل و الكرا السهر و الجمام بالفتح الراحة يقال جمّ الفرس جمّا و جماما إذا ذهب إعياؤه و الشبق بالتحريك شدّة شهوة الجماع و توانى في حاجته أي قصّر و لا يحفل به أي لا يبالي به و تحدر الثفل كتنصر أي ترسل و قوله(ع)و لو لا الجاذبة يدلّ على أن لها مدخلا في شهوة الطعام و قوله(ع)خلله كأنه بالضم جمع الخلة و هي الحاجة أو بالكسر أي الخلال و الفرج التي حصلت في البدن بتحلّل الرطوبات قوله(ع)و لعلك ترى يحتمل أن يكون الغرض دفع توهّم السائل كون ذكر التمثيل بعد ذكر القوى و منافعها على الوجه الذي ذكره الأطباء و اكتفوا به إطنابا و تكرارا و حاصله أن الأطباء إنما ذكروها على ما يحتاجون إليه في صناعتهم من ذكر أفعال تلك القوى و سبب تعطلها و لذا لم يحتاجوا إلى ذكر ما أوردنا من التمثيل و نحن إنما ذكرنا هذا التمثيل لتتضح دلالتها على صانعها و مدبرها إذ هذه مقصودنا من ذكرها و يحتمل أن يكون الغرض رفع توهم أن ذكره هذه القوى بعد كونها مذكورة في كتب الأطباء فضل لا حاجة إليه بأن الغرض مختلف في بياننا و بيانهم و بذلك يختلف التقرير أيضا فلذا ذكرنا هاهنا بهذا التقرير الشافي فالضمير في قوله وصفت على بناء المجهول راجع إلى القوى و العائد محذوف أي وصفت به لكنه بعيد.

تَأَمَّلْ يَا مُفَضَّلُ هَذِهِ الْقُوَى الَّتِي فِي النَّفْسِ وَ مَوْقِعَهَا مِنَ الْإِنْسَانِ أَعْنِي الْفِكْرَ وَ الْوَهْمَ وَ الْعَقْلَ وَ الْحِفْظَ وَ غَيْرَ ذَلِكَ أَ فَرَأَيْتَ لَوْ نُقِصَ الْإِنْسَانُ مِنْ هَذِهِ الْخِلَالِ الْحِفْظَ

81

وَحْدَهُ كَيْفَ كَانَتْ تَكُونُ حَالُهُ وَ كَمْ مِنْ خَلَلٍ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ فِي أُمُورِهِ وَ مَعَاشِهِ وَ تَجَارِبِهِ إِذَا لَمْ يَحْفَظْ مَا لَهُ وَ عَلَيْهِ وَ مَا أَخَذَهُ وَ مَا أَعْطَى وَ مَا رَأَى وَ مَا سَمِعَ وَ مَا قَالَ وَ مَا قِيلَ لَهُ وَ لَمْ يَذْكُرْ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ مِمَّنْ أَسَاءَ بِهِ وَ مَا نَفَعَهُ مِمَّا ضَرَّهُ ثُمَّ كَانَ لَا يَهْتَدِي لِطَرِيقٍ لَوْ سَلَكَهُ مَا لَا يُحْصَى وَ لَا يَحْفَظُ عِلْماً وَ لَوْ دَرَسَهُ عُمُرَهُ وَ لَا يَعْتَقِدُ دِيناً وَ لَا يَنْتَفِعُ بِتَجْرِبَةٍ وَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْتَبِرَ شَيْئاً عَلَى مَا مَضَى بَلْ كَانَ حَقِيقاً أَنْ يَنْسَلِخَ مِنَ الْإِنْسَانِيَّةِ أَصْلًا فَانْظُرْ إِلَى النِّعْمَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الْخِلَالِ وَ كَيْفَ مَوْقِعُ الْوَاحِدَةِ مِنْهَا دُونَ الْجَمِيعِ وَ أَعْظَمُ مِنَ النِّعْمَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي الْحِفْظِ النِّعْمَةُ فِي النِّسْيَانِ فَإِنَّهُ لَوْ لَا النِّسْيَانُ لَمَا سَلَا أَحَدٌ عَنْ مُصِيبَةٍ وَ لَا انْقَضَتْ لَهُ حَسْرَةٌ وَ لَا مَاتَ لَهُ حِقْدٌ وَ لَا اسْتَمْتَعَ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا مَعَ تَذَكُّرِ الْآفَاتِ وَ لَا رَجَا غَفْلَةً مِنْ سُلْطَانٍ وَ لَا فَتْرَةً مِنْ حَاسِدٍ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ جُعِلَ فِي الْإِنْسَانِ الْحِفْظُ وَ النِّسْيَانُ وَ هُمَا مُخْتَلِفَانِ مُتَضَادَّانِ وَ جُعِلَ لَهُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا ضَرْبٌ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَ مَا عَسَى أَنْ يَقُولَ الَّذِينَ قَسَّمُوا الْأَشْيَاءَ بَيْنَ خَالِقَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمُتَضَادَّةِ الْمُتَبَايَنَةِ وَ قَدْ تَرَاهَا تَجْتَمِعُ عَلَى مَا فِيهِ الصَّلَاحُ وَ الْمَنْفَعَةُ.

بيان دون الجميع أي فضلا عن الجميع و يقال سلا عنه أي نسيه و قد مضى منا ما يمكن أن يستعمل في فهم آخر الكلام في موضعين فتذكر.

انْظُرْ يَا مُفَضَّلُ إِلَى مَا خُصَّ بِهِ الْإِنْسَانُ دُونَ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ مِنْ هَذَا الْخَلْقِ الْجَلِيلُ قَدْرُهُ الْعَظِيمُ غَنَاؤُهُ أَعْنِي الْحَيَاءَ فَلَوْلَاهُ لَمْ يُقْرَ ضَيْفٌ وَ لَمْ يُوَفَّ بِالْعِدَاتِ وَ لَمْ تُقْضَ الْحَوَائِجُ وَ لَمْ يُتَحَرَّ الْجَمِيلُ‏ (1) وَ لَمْ يَتَنَكَّبِ الْقَبِيحُ فِي شَيْ‏ءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ حَتَّى إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأُمُورِ الْمُفْتَرَضَةِ أَيْضاً إِنَّمَا يُفْعَلُ لِلْحَيَاءِ فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَوْ لَا الْحَيَاءُ لَمْ يَرْعَ حَقَّ وَالِدَيْهِ وَ لَمْ يَصِلْ ذَا رَحِمٍ وَ لَمْ يُؤَدِّ أَمَانَةً وَ لَمْ يَعِفَّ عَنْ فَاحِشَةٍ (2) أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ وُفِّيَ لِلْإِنْسَانِ جَمِيعُ الْخِلَالِ الَّتِي فِيهَا صَلَاحُهُ وَ تَمَامُ أَمْرِهِ.

بيان إقراء الضيف ضيافتهم و إكرامهم و التنكّب التجنّب و وفي على بناء المجهول من التوفية و هي إعطاء الشي‏ء وافيا.

____________

(1) تحرّى: طلب ما هو أحرى بالاستعمال في غالب الظنّ: أو طلب أحرى الامرين أي أولاهما.

(2) أي لم يكف و لم يمتنع عن فاحشة.

82

تَأَمَّلْ يَا مُفَضَّلُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ بِهِ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ هَذَا النُّطْقِ الَّذِي يُعَبِّرُ بِهِ عَمَّا فِي ضَمِيرِهِ وَ مَا يَخْطُرُ بِقَلْبِهِ وَ نَتِيجَةِ فِكْرِهِ وَ بِهِ يَفْهَمُ عَنْ غَيْرِهِ مَا فِي نَفْسِهِ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْبَهَائِمِ الْمُهْمَلَةِ الَّتِي لَا تُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهَا بِشَيْ‏ءٍ وَ لَا تَفْهَمُ عَنْ مُخْبِرٍ شَيْئاً وَ كَذَلِكَ الْكِتَابَةُ الَّتِي بِهَا تُقَيَّدُ أَخْبَارُ الْمَاضِينَ لِلْبَاقِينَ وَ أَخْبَارُ الْبَاقِينَ لِلْآتِينَ وَ بِهَا تُخَلَّدُ الْكُتُبُ فِي الْعُلُومِ وَ الْآدَابِ وَ غَيْرِهَا وَ بِهَا يَحْفَظُ الْإِنْسَانُ ذِكْرَ مَا يَجْرِي بَيْنَهُ وَ بَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الْمُعَامَلَاتِ وَ الْحِسَابِ وَ لَوْلَاهُ لَانْقَطَعَ أَخْبَارُ بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ عَنْ بَعْضٍ وَ أَخْبَارُ الْغَائِبِينَ عَنْ أَوْطَانِهِمْ وَ دَرَسَتِ الْعُلُومُ‏ (1) وَ ضَاعَتِ الْآدَابُ وَ عَظُمَ مَا يَدْخُلُ عَلَى النَّاسِ مِنَ الْخَلَلِ فِي أُمُورِهِمْ وَ مُعَامَلَاتِهِمْ وَ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَى النَّظَرِ فِيهِ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ وَ مَا رُوِيَ لَهُمْ مِمَّا لَا يَسَعُهُمْ جَهْلُهُ وَ لَعَلَّكَ تَظُنُّ أَنَّهَا مِمَّا يُخْلَصُ إِلَيْهِ بِالْحِيلَةِ وَ الْفِطْنَةِ وَ لَيْسَتْ مِمَّا أُعْطِيَهُ الْإِنْسَانُ مِنْ خَلْقِهِ وَ طِبَاعِهِ وَ كَذَلِكَ الْكَلَامُ إِنَّمَا هُوَ شَيْ‏ءٌ يَصْطَلِحُ عَلَيْهِ النَّاسُ فَيَجْرِي بَيْنَهُمْ وَ لِهَذَا صَارَ يَخْتَلِفُ فِي الْأُمَمِ الْمُخْتَلِفَةِ بِأَلْسُنٍ مُخْتَلِفَةٍ وَ كَذَلِكَ الْكِتَابَةُ كَكِتَابَةِ الْعَرَبِيِّ وَ السِّرْيَانِيِّ وَ الْعِبْرَانِيِّ وَ الرُّومِيِّ وَ غَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الْكِتَابَةِ الَّتِي هِيَ مُتَفَرِّقَةٌ فِي الْأُمَمِ إِنَّمَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا كَمَا اصْطَلَحُوا عَلَى الْكَلَامِ فَيُقَالُ لِمَنْ ادَّعَى ذَلِكَ إِنَّ الْإِنْسَانَ وَ إِنْ كَانَ لَهُ فِي الْأَمْرَيْنِ جَمِيعاً فِعْلٌ أَوْ حِيلَةٌ فَإِنَّ الشَّيْ‏ءَ الَّذِي يَبْلُغُ بِهِ ذَلِكَ الْفِعْلَ وَ الْحِيلَةَ عَطِيَّةٌ وَ هِبَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي خَلْقِهِ‏ (2) فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِسَانٌ مُهَيَّأٌ لِلْكَلَامِ وَ ذِهْنٌ يَهْتَدِي بِهِ لِلْأُمُورِ لَمْ يَكُنْ لِيَتَكَلَّمَ أَبَداً وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَفٌّ مُهَيَّأَةٌ وَ أَصَابِعُ لِلْكِتَابَةِ لَمْ يَكُنْ لِيَكْتُبَ أَبَداً وَ اعْتَبِرْ ذَلِكَ مِنَ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَا كَلَامَ لَهَا وَ لَا كِتَابَةَ فَأَصْلُ ذَلِكَ فِطْرَةُ الْبَارِئِ جَلَّ وَ عَزَّ وَ مَا تَفَضَّلَ بِهِ عَلَى خَلْقِهِ فَمَنْ شَكَرَ أُثِيبَ‏ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ‏

بيان كلامه هاهنا مشعر بأن واضع اللغات البشر فتدبّر (3).

ذَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ‏ (4) فِيمَا أُعْطِيَ الْإِنْسَانُ عِلْمَهُ وَ مَا مُنِعَ فَإِنَّهُ أُعْطِيَ عِلْمَ جَمِيعِ مَا فِيهِ‏

____________



(1) أي ذهب أثرها و انمحى.

(2) و في نسخة: فى خلقته.

(3) و أهم منه دلالته على كون الاوضاع تعينية لا تعيينية، و كذا إشعاره بأن هذه و أمثالها اصطلاحات و اعتبارات تضطر إليها البشر. ط.

(4) و في نسخة فكر يا مفضل.

83

صَلَاحُ دِينِهِ وَ دُنْيَاهُ فَمِمَّا فِيهِ صَلَاحُ دِينِهِ مَعْرِفَةُ الْخَالِقِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بِالدَّلَائِلِ وَ الشَّوَاهِدِ الْقَائِمَةِ فِي الْخَلْقِ وَ مَعْرِفَةُ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ مِنَ الْعَدْلِ عَلَى النَّاسِ كَافَّةً وَ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَ مُوَاسَاةِ أَهْلِ الْخُلَّةِ وَ أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ تُوجَدُ مَعْرِفَتُهُ وَ الْإِقْرَارُ وَ الِاعْتِرَافُ بِهِ فِي الطَّبْعِ وَ الْفِطْرَةِ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ مُوَافِقَةً أَوْ مُخَالِفَةً وَ كَذَلِكَ أُعْطِيَ عِلْمَ مَا فِيهِ صَلَاحُ دُنْيَاهُ كَالزِّرَاعَةِ وَ الْغِرَاسِ‏ (1) وَ اسْتِخْرَاجِ الْأَرَضِينَ وَ اقْتِنَاءِ الْأَغْنَامِ وَ الْأَنْعَامِ وَ اسْتِنْبَاطِ الْمِيَاهِ‏ (2) وَ مَعْرِفَةِ الْعَقَاقِيرِ (3) الَّتِي يُسْتَشْفَى بِهَا مِنْ ضُرُوبِ الْأَسْقَامِ وَ الْمَعَادِنِ الَّتِي يُسْتَخْرَجُ مِنْهَا أَنْوَاعُ الْجَوَاهِرِ وَ رُكُوبِ السُّفُنِ وَ الْغَوْصِ فِي الْبَحْرِ وَ ضُرُوبِ الْحِيَلِ فِي صَيْدِ الْوَحْشِ وَ الطَّيْرِ وَ الْحِيتَانِ وَ التَّصَرُّفِ فِي الصِّنَاعَاتِ وَ وُجُوهِ الْمَتَاجِرِ وَ الْمَكَاسِبِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ شَرْحُهُ وَ يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ مِمَّا فِيهِ صَلَاحُ أَمْرِهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَأُعْطِيَ عِلْمَ مَا يُصْلِحُ بِهِ دِينَهُ وَ دُنْيَاهُ وَ مُنِعَ مَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ فِي شَأْنِهِ وَ لَا طَاقَتِهِ أَنْ يَعْلَمَ كَعِلْمِ الْغَيْبِ وَ مَا هُوَ كَائِنٌ وَ بَعْضُ مَا قَدْ كَانَ أَيْضاً كَعِلْمِ مَا فَوْقَ السَّمَاءِ وَ مَا تَحْتَ الْأَرْضِ وَ مَا فِي لُجَجِ الْبِحَارِ (4) وَ أَقْطَارِ الْعَالَمِ‏ (5) وَ مَا فِي قُلُوبِ النَّاسِ وَ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَ أَشْبَاهِ هَذَا مِمَّا حُجِبَ عَلَى النَّاسِ عِلْمُهُ وَ قَدِ ادَّعَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ هَذِهِ الْأُمُورَ فَأَبْطَلَ دَعْوَاهُمْ مَا بُيِّنَ مِنْ خَطَائِهِمْ‏ (6) فِيمَا يَقْضُونَ عَلَيْهِ وَ يَحْكُمُونَ بِهِ فِيمَا ادَّعَوْا عِلْمَهُ فَانْظُرْ كَيْفَ أُعْطِيَ الْإِنْسَانُ عِلْمَ جَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِدِينِهِ وَ دُنْيَاهُ وَ حُجِبَ عَنْهُ مَا سِوَى ذَلِكَ لِيَعْرِفَ قَدْرَهُ وَ نَقْصَهُ وَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ فِيهِمَا صَلَاحُهُ تَأَمَّلِ الْآنَ يَا مُفَضَّلُ مَا سُتِرَ عَنِ الْإِنْسَانِ عِلْمُهُ مِنْ مُدَّةِ حَيَاتِهِ فَإِنَّهُ لَوْ عَرَفَ مِقْدَارَ عُمُرِهِ وَ كَانَ قَصِيرَ الْعُمُرِ لَمْ يَتَهَنَّأْ بِالْعَيْشِ مَعَ تَرَقُّبِ الْمَوْتِ وَ تَوَقُّعِهِ لِوَقْتٍ قَدْ عَرَفَهُ‏

____________



(1) الغراس جمع المغروس: ما يغرس من الشجر.

(2) أي استخرجها.

(3) جمع للعقار: ما يتداوى به من النبات، الدواء مطلقا.

(4) اللجج جمع اللجّة: معظم الماء.

(5) أي جهاتها الاربع.

(6) و في نسخة: ما يبين من خطائهم.

84

بَلْ كَانَ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَدْ فَنِيَ مَالُهُ أَوْ قَارَبَ الْفَنَاءَ فَقَدِ اسْتَشْعَرَ الْفَقْرَ وَ الْوَجَلَ مِنْ فَنَاءِ مَالِهِ وَ خَوْفِ الْفَقْرِ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَدْخُلُ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ فَنَاءِ الْعُمُرِ أَعْظَمُ مِمَّا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ فَنَاءِ الْمَالِ لِأَنَّ مَنْ يَقِلُّ مَالُهُ يَأْمُلُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مِنْهُ فَيَسْكُنَ إِلَى ذَلِكَ وَ مَنْ أَيْقَنَ بِفَنَاءِ الْعُمُرِ اسْتَحْكَمَ عَلَيْهِ الْيَأْسُ وَ إِنْ كَانَ طَوِيلَ الْعُمُرِ ثُمَّ عَرَفَ ذَلِكَ وَثِقَ بِالْبَقَاءِ (1) وَ انْهَمَكَ فِي اللَّذَّاتِ وَ الْمَعَاصِي وَ عَمِلَ عَلَى أَنَّهُ يَبْلُغُ مِنْ ذَلِكَ شَهْوَتَهُ ثُمَّ يَتُوبُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَ هَذَا مَذْهَبٌ لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ وَ لَا يَقْبَلُهُ أَ لَا تَرَى لَوْ أَنَّ عَبْداً لَكَ عَمِلَ عَلَى أَنَّهُ يُسْخِطُكَ سَنَةً وَ يُرْضِيكَ يَوْماً أَوْ شَهْراً لَمْ تَقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ وَ لَمْ يَحِلَّ عِنْدَكَ مَحَلَّ الْعَبْدِ الصَّالِحِ دُونَ أَنْ يُضْمِرَ طَاعَتَكَ وَ نُصْحَكَ فِي كُلِّ الْأُمُورِ وَ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ عَلَى تَصَرُّفِ الْحَالاتِ‏ (2) فَإِنْ قُلْتَ أَ وَ لَيْسَ قَدْ يُقِيمُ الْإِنْسَانُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ حِيناً ثُمَّ يَتُوبُ فَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ شَيْ‏ءٌ يَكُونُ مِنَ الْإِنْسَانِ لِغَلَبَةِ الشَّهَوَاتِ وَ تَرْكِهِ مُخَالَفَتَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَدِّرَهَا فِي نَفْسِهِ وَ يَبْنِيَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ فَيَصْفَحُ اللَّهُ عَنْهُ وَ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ فَأَمَّا مَنْ قَدَّرَ أَمْرَهُ عَلَى أَنْ يَعْصِيَ مَا بَدَا لَهُ ثُمَّ يَتُوبَ آخِرَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يُحَاوِلُ خَدِيعَةَ مَنْ لَا يُخَادَعُ بِأَنْ يَتَسَلَّفَ التَّلَذُّذَ فِي الْعَاجِلِ وَ يَعِدَ وَ يُمَنِّيَ نَفْسَهُ التَّوْبَةَ فِي الْآجِلِ وَ لِأَنَّهُ لَا يَفِي بِمَا يَعِدُ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ النُزُوعَ مِنَ التَّرَفُّهِ وَ التَّلَذُّذِ (3) وَ مُعَانَاةَ التَّوْبَةِ وَ لَا سِيَّمَا عِنْدَ الْكِبَرِ وَ ضَعْفِ الْبَدَنِ أَمْرٌ صَعْبٌ وَ لَا يُؤْمَنُ عَلَى الْإِنْسَانِ مَعَ مُدَافَعَتِهِ بِالتَّوْبَةِ أَنْ يُرْهِقَهُ الْمَوْتُ فَيَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا غَيْرَ تَائِبٍ كَمَا قَدْ يَكُونُ عَلَى الْوَاحِدِ دَيْنٌ إِلَى أَجَلٍ وَ قَدْ يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهِ فَلَا يَزَالُ يُدَافِعُ بِذَلِكَ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ وَ قَدْ نَفِدَ الْمَالُ فَيَبْقَى الدَّيْنُ قَائِماً عَلَيْهِ فَكَانَ خَيْرَ الْأَشْيَاءِ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُسْتَرَ عَنْهُ مَبْلَغُ عُمُرِهِ فَيَكُونَ طُولَ عُمُرِهِ يَتَرَقَّبُ الْمَوْتَ فَيَتْرُكَ الْمَعَاصِيَ وَ يُؤْثِرَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ فَإِنْ قُلْتَ وَ هَا هُوَ الْآنَ قَدْ سُتِرَ عَنْهُ مِقْدَارُ حَيَاتِهِ وَ صَارَ يَتَرَقَّبُ الْمَوْتَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ يُقَارِفُ‏ (4) الْفَوَاحِشَ وَ يَنْتَهِكُ الْمَحَارِمَ قُلْنَا إِنَّ وَجْهَ التَّدْبِيرِ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ الَّذِي جَرَى‏

____________



(1) كذا في النسخ و الظاهر: ثم لو عرف ذلك وثق بالبقاء.

(2) و في نسخة: على تصرف الآيات.

(3) أي الكف من التنعّم و التلذّذ.

(4) أي يكتسب.

85

عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْإِنْسَانُ مَعَ ذَلِكَ لَا يَرْعَوِي‏ (1) وَ لَا يَنْصَرِفُ عَنِ الْمَسَاوِي فَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ مَرَحِهِ‏ (2) وَ مِنْ قَسَاوَةِ قَلْبِهِ لَا مِنْ خَطَإٍ فِي التَّدْبِيرِ كَمَا أَنَّ الطَّبِيبَ قَدْ يَصِفُ لِلْمَرِيضِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ فَإِنْ كَانَ الْمَرِيضُ مُخَالِفاً لِقَوْلِ الطَّبِيبِ لَا يَعْمَلُ بِمَا يَأْمُرُهُ وَ لَا يَنْتَهِي عَمَّا يَنْهَاهُ عَنْهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِصِفَتِهِ وَ لَمْ يَكُنِ الْإِسَاءَةُ فِي ذَلِكَ لِلطَّبِيبِ بَلْ لِلْمَرِيضِ حَيْثُ لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ وَ لَئِنْ كَانَ الْإِنْسَانُ مَعَ تَرَقُّبِهِ لِلْمَوْتِ كُلَّ سَاعَةٍ لَا يَمْتَنِعُ عَنِ الْمَعَاصِي فَإِنَّهُ لَوْ وَثِقَ بِطُولِ الْبَقَاءِ كَانَ أَحْرَى بِأَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْكَبَائِرِ الْفَظِيعَةِ فَتَرَقُّبُ الْمَوْتِ عَلَى كُلِّ حَالٍ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الثِّقَةِ بِالْبَقَاءِ ثُمَّ إِنَّ تَرَقُّبَ الْمَوْتِ وَ إِنْ كَانَ صِنْفٌ مِنَ النَّاسِ يَلْهَوْنَ عَنْهُ وَ لَا يَتَّعِظُونَ بِهِ فَقَدْ يَتَّعِظُ بِهِ صِنْفٌ آخَرُ مِنْهُمْ وَ يَنْزِعُونَ عَنِ الْمَعَاصِي وَ يُؤْثِرُونَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ وَ يَجُودُونَ بِالْأَمْوَالِ وَ الْعَقَائِلِ النَّفِيسَةِ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَ الْمَسَاكِينِ فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْعَدْلِ أَنْ يُحْرَمَ هَؤُلَاءِ الِانْتِفَاعَ بِهَذِهِ الْخَصْلَةِ لِتَضْيِيعِ أُولَئِكَ حَظَّهُمْ مِنْهَا.

بيان انهمك الرجل في الأمر أي جدّ و لجّ و التسلّف الاقتراض كأنه يجري معاملة مع ربه بأن يتصرّف في اللذات عاجلا و يعد ربه في عوضها التوبة ليؤدّي إليه آجلا و في بعض النسخ يستسلف و هو طلب بيع الشي‏ء سلفا و المعاناة مقاساة العناء و المشقّة و يرهقه أي يغشاه و يلحقه و انتهاك المحارم المبالغة في خرقها و إتيانها و الارعواء الكفّ عن الشي‏ء و قيل الندم على الشي‏ء و الانصراف عنه و تركه و المرح شدّة الفرح و قال الفيروزآبادي العقيلة من كل شي‏ء أكرمه و كريمة الإبل و قال العقال ككتاب زكاة عام من الإبل.

فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي الْأَحْلَامِ كَيْفَ دَبَّرَ الْأَمْرَ فِيهَا فَمَزَجَ صَادِقَهَا بِكَاذِبِهَا فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ كُلُّهَا تَصْدُقُ لَكَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَنْبِيَاءَ وَ لَوْ كَانَتْ كُلُّهَا تَكْذِبُ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَنْفَعَةٌ بَلْ كَانَتْ فَضْلًا لَا مَعْنَى لَهُ فَصَارَتْ تَصْدُقُ أَحْيَاناً فَيَنْتَفِعُ بِهَا النَّاسُ فِي مَصْلَحَةٍ يَهْتَدِي لَهَا أَوْ مَضَرَّةٍ يَتَحَذَّرُ مِنْهَا (3) وَ تَكْذِبُ كَثِيراً لِئَلَّا يَعْتَمِدَ عَلَيْهَا كُلَّ الِاعْتِمَادِ

____________



(1) أي لا يكف.

(2) مرح الرجل: اشتد فرحه و نشاطه حتّى جاوز القدر، و تبختر و اختال.

(3) و في نسخة: يتحرز منها.

86

فَكِّرْ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَرَاهَا مَوْجُودَةً مُعَدَّةً فِي الْعَالَمِ مِنْ مَآرِبِهِمْ فَالتُّرَابُ لِلْبِنَاءِ وَ الْحَدِيدُ لِلصِّنَاعَاتِ وَ الْخَشَبُ لِلسُّفُنِ وَ غَيْرِهَا وَ الْحِجَارَةُ لِلْأَرْحَاءِ (1) وَ غَيْرِهَا وَ النُّحَاسُ لِلْأَوَانِي وَ الذَّهَبُ وَ الْفِضَّةُ لِلْمُعَامَلَةِ وَ الْجَوْهَرُ لِلذَّخِيرَةِ وَ الْحُبُوبُ لِلْغِذَاءِ وَ الثِّمَارُ لِلتَّفَكُّهِ وَ اللَّحْمُ لِلْمَأْكَلِ وَ الطِّيبُ لِلتَّلَذُّذِ وَ الْأَدْوِيَةُ لِلتَّصْحِيحِ وَ الدَّوَابُّ لِلْحُمُولَةِ وَ الْحَطَبُ لِلتَّوَقُّدِ وَ الرَّمَادُ لِلْكِلْسِ وَ الرَّمْلُ لِلْأَرْضِ وَ كَمْ عَسَى أَنْ يُحْصِيَ الْمُحْصِي مِنْ هَذَا وَ شِبْهِهِ أَ رَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دَاخِلًا دَخَلَ دَاراً فَنَظَرَ إِلَى خَزَائِنَ مَمْلُوَّةٍ مِنْ كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ وَ رَأَى كُلَّ مَا فِيهَا مَجْمُوعاً مُعَدّاً لِأَسْبَابٍ مَعْرُوفَةٍ لَكَانَ يَتَوَهَّمُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا يَكُونُ بِالْإِهْمَالِ وَ مِنْ غَيْرِ عَمْدٍ فَكَيْفَ يَسْتَجِيزُ قَائِلٌ أَنْ يَقُولَ هَذَا فِي الْعَالَمِ وَ مَا أُعِدَّ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.

بيان التفكّه التنعّم الكلس بالكسر الصاروج قوله(ع)للأرض أي لفرشها.

اعْتَبِرْ يَا مُفَضَّلُ بِأَشْيَاءَ خُلِقَتْ لِمَآرِبِ الْإِنْسَانِ وَ مَا فِيهَا مِنَ التَّدْبِيرِ فَإِنَّهُ خُلِقَ لَهُ الْحَبُّ لِطَعَامِهِ وَ كُلِّفَ طَحْنَهُ وَ عَجْنَهُ وَ خَبْزَهُ وَ خُلِقَ لَهُ الْوَبَرُ (2) لِكِسْوَتِهِ فَكُلِّفَ نَدْفَهُ وَ غَزْلَهُ وَ نَسْجَهُ وَ خُلِقَ لَهُ الشَّجَرُ فَكُلِّفَ غَرْسَهَا وَ سَقْيَهَا وَ الْقِيَامَ عَلَيْهَا وَ خُلِقَتْ لَهُ الْعَقَاقِيرُ لِأَدْوِيَتِهِ فَكُلِّفَ لَقْطَهَا وَ خَلْطَهَا وَ صُنْعَهَا وَ كَذَلِكَ تَجِدُ سَائِرَ الْأَشْيَاءِ عَلَى هَذَا الْمِثَالِ فَانْظُرْ كَيْفَ كُفِيَ الْخِلْقَةَ الَّتِي لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِيهَا حِيلَةٌ وَ تُرِكَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَيْ‏ءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ مَوْضِعُ عَمَلٍ وَ حَرَكَةٍ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الصَّلَاحِ لِأَنَّهُ لَوْ كُفِيَ هَذَا كُلُّهُ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُ فِي الْأَشْيَاءِ مَوْضِعُ شُغُلٍ وَ عَمَلٍ لَمَا حَمَلَتْهُ الْأَرْضُ أَشَراً وَ بَطَراً وَ لَبَلَغَ بِهِ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ يَتَعَاطَى أُمُوراً فِيهَا تَلَفُ نَفْسِهِ وَ لَوْ كُفِيَ النَّاسَ كُلُّ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ لَمَا تَهَنَّئُوا بِالعَيْشِ وَ لَا وَجَدُوا لَهُ لَذَّةً أَ لَا تَرَى لَوْ أَنَّ امْرَأً نَزَلَ بِقَوْمٍ فَأَقَامَ حِيناً بَلَغَ جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَطْعَمٍ وَ مَشْرَبٍ وَ خِدْمَةٍ لَتَبَرَّمَ‏ (3) بِالْفَرَاغِ وَ نَازَعَتْهُ نَفْسُهُ إِلَى التَّشَاغُلِ بِشَيْ‏ءٍ فَكَيْفَ لَوْ كَانَ طُولُ‏

____________



(1) جمع للرحى و هي الطاحون.

(2) الوبر للابل و الارانب و نحوها كالصوف للغنم.

(3) أي لتضجّر.

87

عُمُرِهِ مَكْفِيّاً لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْ‏ءٍ وَ كَانَ مِنْ صَوَابِ التَّدْبِيرِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي خُلِقَتْ لِلْإِنْسَانِ أَنْ جُعِلَ لَهُ فِيهَا مَوْضِعُ شُغُلٍ لِكَيْلَا تَبَرَّمَهُ الْبِطَالَةُ وَ لِتَكُفَّهُ عَنْ تَعَاطِي مَا لَا يَنَالُهُ وَ لَا خَيْرَ فِيهِ إِنْ نَالَهُ وَ اعْلَمْ يَا مُفَضَّلُ أَنَّ رَأْسَ مَعَاشِ الْإِنْسَانِ وَ حَيَاتِهِ الْخُبْزُ وَ الْمَاءُ فَانْظُرْ كَيْفَ دُبِّرَ الْأَمْرُ فِيهِمَا فَإِنَّ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ إِلَى الْمَاءِ أَشَدُّ مِنْ حَاجَتِهِ إِلَى الْخُبْزِ وَ ذَلِكَ أَنَّ صَبْرَهُ عَلَى الْجُوعِ أَكْثَرُ مِنْ صَبْرِهِ عَلَى الْعَطَشِ وَ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ أَكْثَرُ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْخُبْزِ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِشُرْبِهِ وَ وُضُوئِهِ وَ غُسْلِهِ وَ غَسْلِ ثِيَابِهِ وَ سَقْيِ أَنْعَامِهِ وَ زَرْعِهِ فَجُعِلَ الْمَاءُ مَبْذُولًا لَا يُشْتَرَى لِتَسْقُطَ عَنِ الْإِنْسَانِ الْمَئُونَةُ فِي طَلَبِهِ وَ تَكَلُّفِهِ وَ جُعِلَ الْخُبْزُ مُتَعَذِّراً لَا يُنَالُ إِلَّا بِالْحِيلَةِ وَ الْحَرَكَةِ لِيَكُونَ لِلْإِنْسَانِ فِي ذَلِكَ شُغُلٌ يَكُفُّهُ عَمَّا يُخْرِجُهُ إِلَيْهِ الْفَرَاغُ مِنَ الْأَشَرِ وَ الْعَبَثِ أَ لَا تَرَى أَنَّ الصَّبِيَّ يُدْفَعُ إِلَى الْمُؤَدِّبِ وَ هُوَ طِفْلٌ لَمْ يَكْمُلْ ذَاتُهُ لِلتَّعْلِيمِ كُلُّ ذَلِكَ لِيَشْتَغِلَ عَنِ اللَّعِبِ وَ الْعَبَثِ اللَّذَيْنِ رُبَّمَا جَنَيَا عَلَيْهِ وَ عَلَى أَهْلِهِ الْمَكْرُوهَ الْعَظِيمَ وَ هَكَذَا الْإِنْسَانُ لَوْ خَلَا مِنَ الشُّغُلِ لَخَرَجَ مِنَ الْأَشَرِ وَ الْعَبَثِ وَ الْبَطَرِ إِلَى مَا يَعْظُمُ ضَرَرُهُ عَلَيْهِ وَ عَلَى مَنْ قَرُبَ مِنْهُ وَ اعْتَبِرْ ذَلِكَ بِمَنْ نَشَأَ فِي الْجِدَةِ وَ رَفَاهِيَةِ الْعَيْشِ وَ التَّرَفُّهِ وَ الْكِفَايَةِ وَ مَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ إِلَيْهِ اعْتَبِرْ لِمَ لَا يَتَشَابَهُ النَّاسُ وَاحِدٌ بِآخَرَ كَمَا يَتَشَابَهُ الْوُحُوشُ وَ الطَّيْرُ وَ غَيْرُ ذَلِكَ‏ (1) فَإِنَّكَ تَرَى السِّرْبَ مِنَ الظِّبَاءِ وَ الْقَطَا (2) تَتَشَابَهُ حَتَّى لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ وَاحِدٍ مِنْهَا وَ بَيْنَ الْأُخْرَى وَ تَرَى النَّاسَ مُخْتَلِفَةً صُوَرُهُمْ وَ خَلْقُهُمْ حَتَّى لَا يَكَادَ اثْنَانِ مِنْهُمْ يَجْتَمِعَانِ فِي صِفَةٍ وَاحِدَةٍ وَ الْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ مُحْتَاجُونَ إِلَى أَنْ يَتَعَارَفُوا بِأَعْيَانِهِمْ وَ حُلَاهُمْ لِمَا يَجْرِي بَيْنَهُمْ مِنَ الْمُعَامَلَاتِ وَ لَيْسَ يَجْرِي بَيْنَ الْبَهَائِمِ مِثْلُ ذَلِكَ فَيَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِعَيْنِهِ وَ حِلْيَتِهِ أَ لَا تَرَى أَنَّ التَّشَابُهَ فِي الطَّيْرِ وَ الْوَحْشِ لَا يَضُرُّهُمَا شَيْئاً وَ لَيْسَ كَذَلِكَ الْإِنْسَانُ فَإِنَّهُ رُبَّمَا تَشَابَهَ التَوْأَمَانِ تَشَابُهاً شَدِيداً فَتَعْظُمُ الْمَئُونَةُ عَلَى النَّاسِ فِي مُعَامَلَتِهِمَا

____________



(1) المراد بالتشابه التشابه العرفى كما يدلّ عليه بيانه الآتي، و أمّا التشابه الحقيقي فليس منه أثر لا في الإنسان و لا في غيره و قد قام عليه البرهان و ساعده التجارب العلمى. ط.

(2) السرب- بكسر السين و سكون الراء-: القطيع من الظباء و الطير و غيرها. و القطا جمع للقطاة: طائر في حجم الحمام.

88

حَتَّى يُعْطَى أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَ يُؤْخَذُ أَحَدُهُمَا بِذَنْبِ الْآخَرِ وَ قَدْ يُحْدَثُ مِثْلُ هَذَا فِي تَشَابُهِ الْأَشْيَاءِ فَضْلًا عَنْ تَشَابُهِ الصُّورَةِ فَمَنْ لَطُفَ لِعِبَادِهِ بِهَذِهِ الدَّقَائِقِ الَّتِي لَا تَكَادُ تَخْطُرُ بِالْبَالِ حَتَّى وَقَفَ بِهَا عَلَى الصَّوَابِ إِلَّا مَنْ وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْ‏ءٍ لَوْ رَأَيْتَ تِمْثَالَ الْإِنْسَانِ مُصَوَّراً عَلَى حَائِطٍ فَقَالَ لَكَ قَائِلٌ إِنَّ هَذَا ظَهَرَ هَاهُنَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ لَمْ يَصْنَعْهُ صَانِعٌ أَ كُنْتَ تَقْبَلُ ذَلِكَ بَلْ كُنْتَ تَسْتَهْزِئُ بِهِ فَكَيْفَ تُنْكِرُ هَذَا فِي تِمْثَالٍ مُصَوَّرٍ جَمَادٍ وَ لَا تُنْكِرُ فِي الْإِنْسَانِ الْحَيِّ النَّاطِقِ لِمَ صَارَتْ أَبْدَانُ الْحَيَوَانِ وَ هِيَ تَغْتَذِي أَبَداً لَا تَنْمِي بَلْ تَنْتَهِي إِلَى غَايَةٍ مِنَ النُّمُوِّ ثُمَّ تَقِفُ وَ لَا تَتَجَاوَزُهَا لَوْ لَا التَّدْبِيرُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ مِنْ تَدْبِيرِ الْحَكِيمِ فِيهَا أَنْ يَكُونَ أَبْدَانُ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا عَلَى مِقْدَارٍ مَعْلُومٍ غَيْرَ مُتَفَاوِتٍ فِي الْكَبِيرِ وَ الصَّغِيرِ (1) وَ صَارَتْ تَنْمِي حَتَّى تَصِلَ إِلَى غَايَتِهَا ثُمَّ يَقِفُ ثُمَّ لَا يَزِيدُ وَ الْغِذَاءُ مَعَ ذَلِكَ دَائِمٌ لَا يَنْقَطِعُ وَ لَوْ كَانَتْ تَنْمِي نُمُوّاً دَائِماً لَعَظُمَتْ أَبْدَانُهَا وَ اشْتَبَهَتْ مَقَادِيرُهَا حَتَّى لَا يَكُونَ لِشَيْ‏ءٍ مِنْهَا حَدٌّ يُعْرَفُ لِمَ صَارَتْ أَجْسَامُ الْإِنْسِ خَاصَّةً تُثْقِلُ عَنِ الْحَرَكَةِ وَ الْمَشْيِ وَ يَجْفُو عَنِ الصِّنَاعَاتِ اللَّطِيفَةِ إِلَّا لِتَعْظِيمِ الْمَئُونَةِ فِيمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ لِلْمَلْبَسِ وَ الْمَضْجَعِ وَ التَّكْفِينِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ لَوْ كَانَ الْإِنْسَانُ لَا يُصِيبُهُ أَلَمٌ وَ لَا وَجَعٌ بِمَ كَانَ يَرْتَدِعُ عَنِ الْفَوَاحِشِ وَ يَتَوَاضَعُ لِلَّهِ وَ يَتَعَطَّفُ عَلَى النَّاسِ أَ مَا تَرَى الْإِنْسَانَ إِذَا عَرَضَ لَهُ وَجَعٌ خَضَعَ وَ اسْتَكَانَ وَ رَغِبَ إِلَى رَبِّهِ فِي الْعَافِيَةِ وَ بَسَطَ يَدَيْهِ بِالصَّدَقَةِ وَ لَوْ كَانَ لَا يَأْلَمُ مِنَ الضَّرْبِ بِمَ كَانَ السُّلْطَانُ يُعَاقِبُ الدُّعَّارَ (2) وَ يُذِلُّ الْعُصَاةَ الْمَرَدَةَ وَ بِمَ كَانَ الصِّبْيَانُ يَتَعَلَّمُونَ الْعُلُومَ وَ الصِّنَاعَاتِ وَ بِمَ كَانَ الْعَبِيدُ يَذِلُّونَ لِأَرْبَابِهِمْ وَ يُذْعِنُونَ لِطَاعَتِهِمْ أَ فَلَيْسَ هَذَا تَوْبِيخٌ لِابْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ وَ ذَوِيِّهِ الَّذِينَ جَحَدُوا التَّدْبِيرَ وَ الْمَانَوِيَّةِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا الْأَلَمَ وَ الْوَجَعَ لَوْ لَمْ يُولَدْ مِنَ الْحَيَوَانِ إِلَّا ذَكَرٌ (3) فَقَطْ أَوْ إِنَاثٌ فَقَطْ أَ لَمْ يَكُنِ النَّسْلُ مُنْقَطِعاً وَ بَادَ مَعَ ذَلِكَ أَجْنَاسُ الْحَيَوَانِ فَصَارَ بَعْضُ الْأَوْلَادِ يَأْتِي ذُكُوراً وَ بَعْضُهَا يَأْتِي إِنَاثاً لِيَدُومَ التَّنَاسُلُ وَ لَا يَنْقَطِعُ لِمَ صَارَ الرَّجُلُ وَ الْمَرْأَةُ إِذَا أَدْرَكَا نَبَتَتْ لَهُمَا الْعَانَةُ ثُمَّ نَبَتَتِ اللِّحْيَةُ لِلرَّجُلِ وَ تَخَلَّفَتْ عَنِ الْمَرْأَةِ لَوْ لَا التَّدْبِيرُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمَا جَعَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ

____________



(1) و في نسخة: فى الكبر و الصغر.

(2) و في نسخة: الدغار.

(3) و في نسخة: ذكورا.

89

تَعَالَى الرَّجُلَ قَيِّماً وَ رَقِيباً عَلَى الْمَرْأَةِ وَ جَعَلَ الْمَرْأَةَ عِرْساً وَ خَوَلًا لِلرَّجُلِ أَعْطَى الرَّجُلَ اللِّحْيَةَ لِمَا لَهُ مِنَ الْعِزَّةِ وَ الْجَلَالَةِ وَ الْهَيْبَةِ وَ مَنَعَهَا الْمَرْأَةَ لِتَبْقَى لَهَا نِظَارَةُ الْوَجْهِ وَ الْبَهْجَةُ الَّتِي تُشَاكِلُ الْمُفَاكَهَةَ وَ الْمُضَاجَعَةَ أَ فَلَا تَرَى الْخِلْقَةَ كَيْفَ يَأْتِي بِالصَّوَابِ فِي الْأَشْيَاءِ وَ تَتَخَلَّلُ مَوَاضِعَ الْخَطَإِ فَتُعْطَى وَ تَمْنَعُ عَلَى قَدْرِ الْإِرْبِ وَ الْمَصْلَحَةِ بِتَدْبِيرِ الْحَكِيمِ عَزَّ وَ جَلَّ.

بيان جنى الذنب عليه يجنيه جناية جرّه إليه و الجدة بالتخفيف الغناء قوله(ع)في تشابه الأشياء أي قد يشبه مال شخص بمال شخص آخر كثوب أو نعل أو دينار أو درهم فيصير سببا للاشتباه و التشاجر و التنازع فضلا عن تشابه الصورة فإنه أعظم فسادا و المراد أن الناس كثيرا ما يشتبه عليهم أمر رجلين لتشابه لباسهما و مركوبهما و غير ذلك فيؤخذ أحدهما بالآخر فكيف مع تشابه الصورة قوله(ع)و اشتبهت مقاديرها أي لم يعرف غاية ما ينتهي إليه مقداره فيشتبه الأمر عليه فيما يريد أن يهيئه لنفسه من دار و دابة و ثياب و زوجة قوله(ع)و يجفو أي يبعد و يجتنب و لا يداوم على الصناعات اللطيفة أي التي فيها دقة و لطافة قال الجزري و في الحديث اقرءوا القرآن و لا تجفوا عنه أي تعاهدوه و تبعدوا عن تلاوته انتهى.

و الحاصل أن الله تعالى جعل الإنسان بحيث تثقل عن الحركة و المشي قبل سائر الحيوانات و تكل عن الأعمال الدقيقة لتعظم عليه مئونة تحصيل ما يحتاج إليه فلا يبطر و لا يطغى أو ليكون لهذه الأعمال أجر فيصير سببا لمعايش أقوام يزاولونها و الدعار في بعض النسخ بالمهملة من الدعر محركة الفساد و الفسق و الخبث و في بعضها بالمعجمة من الدغرة و هي أخذ الشي‏ء اختلاسا و العرس بالكسر امرأة الرجل و الخول محركة ما أعطاك الله من النعم و العبيد و الإماء و المفاكهة الممازحة و المضاحكة قوله(ع)و تخلل مواضع الخطإ يحتمل أن تكون الجملة حالية أي تأتي بالصواب مع أنها تدخل مواضع هي مظنة الخطإ من قولهم تخللت القوم أي دخلت خلالهم و يحتمل أن يكون المراد بالتخلل التخلف أو الخروج من خلالها لكن تطبيقهما على المعاني اللغوية يحتاج إلى تكلف.

قَالَ الْمُفَضَّلُ ثُمَّ حَانَ وَقْتُ الزَّوَالِ فَقَامَ مَوْلَايَ إِلَى الصَّلَاةِ وَ قَالَ بَكِّرْ إِلَيَّ غَداً

90

إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَانْصَرَفْتُ مِنْ عِنْدِهِ مَسْرُوراً بِمَا عَرَفْتُهُ مُبْتَهِجاً بِمَا أُوتِيتُهُ حَامِداً لِلَّهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيَّ شَاكِراً لِأَنْعُمِهِ عَلَى مَا مَنَحَنِي بِمَا عَرَّفَنِيهِ مَوْلَايَ وَ تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيَّ فَبِتُّ فِي لَيْلَتِي مَسْرُوراً بِمَا مَنَحَنِيهِ مَحْبُوراً بِمَا عَلَّمَنِيهِ.

تم المجلس الأول و يتلوه المجلس الثاني من كتاب الأدلة على الخلق و التدبير و الرد على القائلين بالإهمال و منكري العمد برواية المفضل عن الصادق (صلوات الله عليه و على آبائه).

قَالَ الْمُفَضَّلُ فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي بَكَّرْتُ إِلَى مَوْلَايَ فَاسْتُوذِنَ لِي فَدَخَلْتُ فَأَمَرَنِي بِالْجُلُوسِ فَجَلَسْتُ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ مُدِيرِ الْأَدْوَارِ (1) وَ مُعِيدِ الْأَكْوَارِ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ وَ عَالَماً بَعْدَ عَالَمٍ‏ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى‏ عَدْلًا مِنْهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ وَ جَلَّتْ آلَاؤُهُ‏ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَ لكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏ يَشْهَدُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ قُدْسُهُ‏ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ‏ فِي نَظَائِرَ لَهَا فِي كِتَابِهِ الَّذِي فِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ وَ لِذَلِكَ قَالَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ (صلوات الله عليه و آله) إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ تُرَدُّ إِلَيْكُمْ ثُمَّ أَطْرَقَ هُنَيَّةً ثُمَّ قَالَ يَا مُفَضَّلُ الْخَلْقُ حَيَارَى عَمِهُونَ سُكَارَى فِي طُغْيَانِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ وَ بِشَيَاطِينِهِمْ وَ طَوَاغِيتِهِمْ يَقْتَدُونَ بُصَرَاءُ عُمْيٌ لَا يُبْصِرُونَ نُطَقَاءُ بُكْمٌ لَا يَعْقِلُونَ سُمَعَاءُ صُمٌّ لَا يَسْمَعُونَ رَضُوا بِالدُّونِ وَ حَسِبُوا أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ حَادُوا عَنْ مَدْرَجَةِ الْأَكْيَاسِ وَ رَتَعُوا فِي مَرْعَى الْأَرْجَاسِ الْأَنْجَاسِ كَأَنَّهُمْ مِنْ مُفَاجَأَةِ الْمَوْتِ آمِنُونَ وَ عَنِ الْمُجَازَاتِ مُزَحْزَحُونَ يَا وَيْلَهُمْ مَا أَشْقَاهُمْ وَ أَطْوَلَ عَنَاءَهُمْ وَ أَشَدَّ بَلَاءَهُمْ‏ يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ‏ قَالَ الْمُفَضَّلُ فَبَكَيْتُ لِمَا سَمِعْتُ مِنْهُ فَقَالَ لَا تَبْكِ تَخَلَّصْتَ إِذْ قَبِلْتَ وَ نَجَوْتَ إِذْ عَرَفْتَ ثُمَّ قَالَ أَبْتَدِئُ لَكَ بِذِكْرِ الْحَيَوَانِ لِيَتَّضِحَ لَكَ مِنْ أَمْرِهِ مَا وَضَحَ لَكَ مِنْ غَيْرِهِ فَكِّرْ فِي أَبْنِيَةِ أَبْدَانِ الْحَيَوَانِ وَ تَهْيِئَتِهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ فَلَا هِيَ صِلَابٌ كَالْحِجَارَةِ وَ لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَا تَنْثَنِي وَ لَا تَتَصَرَّفُ فِي الْأَعْمَالِ وَ لَا هِيَ عَلَى غَايَةِ اللِّينِ وَ الرَّخَاوَةِ فَكَانَتْ‏

____________



(1) و في نسخة: الحمد للّه مدبر الادوار.

91

لَا تَتَحَامَلُ وَ لَا تَسْتَقِلُّ بِأَنْفُسِهَا فَجُعِلَتْ مِنْ لَحْمٍ رَخْوٍ تَنْثَنِي تَتَدَاخَلُهُ عِظَامٌ صِلَابٌ يُمْسِكُهُ عَصَبٌ وَ عُرُوقٌ تَشُدُّهُ وَ يُضَمُّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ وَ غُلِفَتْ‏ (1) فَوْقَ ذَلِكَ بِجِلْدٍ يَشْتَمِلُ عَلَى الْبَدَنِ كُلِّهِ وَ مِنْ أَشْبَاهِ ذَلِكَ هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي تُعْمَلُ مِنَ الْعِيدَانِ‏ (2) وَ تُلَفُّ بِالْخِرَقِ وَ تُشَدُّ بِالْخُيُوطِ وَ يُطَّلَى فَوْقَ ذَلِكَ بِالصَّمْغِ‏ (3) فَيَكُونُ الْعِيدَانُ بِمَنْزِلَةِ الْعِظَامِ وَ الْخِرَقُ بِمَنْزِلَةِ اللَّحْمِ وَ الْخُيُوطُ بِمَنْزِلَةِ الْعَصَبِ وَ الْعُرُوقِ وَ الطَّلَا بِمَنْزِلَةِ الْجِلْدِ فَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْحَيَوَانُ الْمُتَحَرِّكُ حَدَثَ بِالْإِهْمَالِ مِنْ غَيْرِ صَانِعٍ جَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ التَّمَاثِيلِ الْمَيِّتَةِ فَإِنْ كَانَ هَذَا غَيْرَ جَائِزٍ فِي التَّمَاثِيلِ فَبِالْحَرِيِّ أَنْ لَا يَجُوزَ فِي الْحَيَوَانِ وَ فَكِّرْ بَعْدَ هَذَا فِي أَجْسَادِ الْأَنْعَامِ فَإِنَّهَا حِينَ خُلِقَتْ عَلَى أَبْدَانِ الْإِنْسِ مِنَ اللَّحْمِ وَ الْعَظْمِ وَ الْعَصَبِ أُعْطِيَتْ أَيْضاً السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ لِيَبْلُغَ الْإِنْسَانُ حَاجَتَهُ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ عُمْياً صُمّاً (4) لَمَا انْتَفَعَ بِهَا الْإِنْسَانُ وَ لَا تَصَرَّفَتْ فِي شَيْ‏ءٍ مِنْ مَآرِبِهِ ثُمَّ مُنِعَتِ الذِّهْنَ وَ الْعَقْلَ لِتَذِلَّ لِلْإِنْسَانِ فَلَا تَمْتَنِعَ عَلَيْهِ إِذَا كَدَّهَا الْكَدَّ الشَّدِيدَ وَ حَمَلَهَا الْحِمْلَ الثَّقِيلَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إِنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلْإِنْسَانِ عَبِيدٌ مِنَ الْإِنْسِ يَذِلُّونَ وَ يُذْعِنُونَ بِالْكَدِّ الشَّدِيدِ وَ هُمْ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُ عَدِيمِي الْعَقْلِ وَ الذِّهْنِ فَيُقَالُ فِي جَوَابِ ذَلِكَ إِنَّ هَذَا الصِّنْفَ مِنَ النَّاسِ قَلِيلٌ فَأَمَّا أَكْثَرُ النَّاسِ فَلَا يُذْعِنُونَ بِمَا تُذْعِنُ بِهِ الدَّوَابُّ مِنَ الْحَمْلِ وَ الطَّحْنِ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَ لَا يُغْرَوْنَ بِمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْهُ‏ (5) ثُمَّ لَوْ كَانَ النَّاسُ يُزَاوِلُونَ مِثْلَ هَذِهِ الْأَعْمَالِ بِأَبْدَانِهِمْ لَشُغِلُوا بِذَلِكَ عَنْ سَائِرِ الْأَعْمَالِ لِأَنَّهُ كَانَ يُحْتَاجُ مَكَانَ الْجَمَلِ الْوَاحِدِ وَ الْبَغْلِ الْوَاحِدِ إِلَى عِدَّةِ أَنَاسِيَّ فَكَانَ هَذَا الْعَمَلُ يَسْتَفْرِغُ النَّاسَ حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهِمْ عَنْهُ فَضْلٌ لِشَيْ‏ءٍ مِنَ الصِّنَاعَاتِ مَعَ مَا يَلْحَقُهُمْ مِنَ التَّعَبِ الْفَادِحِ فِي أَبْدَانِهِمْ وَ الضِّيقِ وَ الْكَدِّ فِي مَعَاشِهِمْ.

إيضاح مدير الأدوار لعل فيه مضافا محذوفا أي ذوي الأدوار أو الإسناد مجازي‏

____________

(1) و في نسخة: و عليت فوق ذلك.

(2) جمع العود و هي الخشب.

(3) أي يلطخ فوق ذلك بالصمغ.

(4) و في نسخة: فانها لو كانت عما صما.

(5) و في نسخة: و لا يعزون بما يحتاج إليه منه.

92

و في بعض النسخ بالباء الموحدة و هو أظهر و الأكوار جمع كور بالفتح و هو الجماعة الكثيرة من الإبل و القطيع من الغنم و يقال كل دور كور و المراد إما استئناف قرن بعد قرن و زمان بعد زمان أو إعادة أهل الأكوار و الأدوار جميعا في القيامة و الأول أظهر و قال الجزري قيل للقرن طبق لأنهم طبق للأرض ثم ينقرضون فيأتي طبق آخر قوله(ع)في نظائر أي قالها في ضمن نظائر لها أو مع نظائرها قوله(ص)إنما هي أي المثوبات و العقوبات أعمالكم أي جزاؤها و العمه التحير و التردد و الحيد الميل و المدرجة المذهب و المسلك و زحزحه أبعده و الانثناء الانعطاف و الميل قوله(ع)و لا يغرون في بعض النسخ بالغين المعجمة و الراء المهملة على بناء المفعول من قولهم أغريت الكلب بالصيد أي لا يؤثر فيهم الإغراء و التحريص على جميع الأعمال التي يحتاج إليها الخلق من ذلك العمل الذي تأتي به الدواب و في بعضها بالعين المهملة و الزاي المعجمة من عزي من باب تعب أي صبر على ما نابه و الأول أظهر و الفادح من قولهم فدحه الدين أثقله ثم اعلم أنه ينبغي حمل السؤال على أنه كان يمكن أن يكتفى بخلق الحيوانات لأن بعضهم ينقادون و يطيعون بعضا فالجواب منطبق من غير تكلف.

فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي هَذِهِ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَ فِي خَلْقِهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ صَلَاحُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فَالْإِنْسُ لَمَّا قُدِّرُوا أَنْ يَكُونُوا ذَوِي ذِهْنٍ وَ فِطْنَةٍ وَ عِلَاجٍ لِمِثْلِ هَذِهِ الصِّنَاعَاتِ مِنَ الْبِنَاءِ وَ التِّجَارَةِ وَ الصِّيَاغَةِ (1) وَ غَيْرِ ذَلِكَ خُلِقَتْ لَهُمْ أَكُفٌّ كِبَارٌ ذَوَاتُ أَصَابِعَ غِلَاظٍ لِيَتَمَكَّنُوا مِنَ الْقَبْضِ عَلَى الْأَشْيَاءِ وَ أَوْكَدُهَا هَذِهِ الصِّنَاعَاتُ وَ آكِلَاتُ اللَّحْمِ لَمَّا قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ مَعَايِشُهَا مِنَ الصَّيْدِ خُلِقَتْ لَهُمْ أَكُفٌّ لِطَافٌ مُدَّمِجَةٌ (2) ذَوَاتُ بَرَاثِنَ وَ مَخَالِيبَ تَصْلُحُ لِأَخْذِ الصَّيْدِ وَ لَا تَصْلُحُ لِلصِّنَاعَاتِ وَ آكِلَاتُ النَّبَاتِ لَمَّا قُدِّرَ أَنْ يَكُونُوا لَا ذَاتَ صَنْعَةٍ وَ لَا ذَاتَ صَيْدٍ خُلِقَتْ لِبَعْضِهَا أَظْلَافٌ‏ (3) تَقِيهَا خُشُونَةَ الْأَرْضِ‏

____________



(1) و في نسخة: و الخياطة.

(2) و في نسخة: اكف لطاف مذبحة.

(3) جمع الظلف- بكسر الظاء و سكون اللام- و هو لما اجترّ من الحيوانات كالبقرة و الظبى بمنزلة الحافر للفرس.

93

إِذَا حَاوَلَ طَلَبَ الرَّعْيِ وَ لِبَعْضِهَا حَوَافِرُ مُلَمْلَمَةٌ ذَوَاتُ قَعْرٍ كَأَخْمَصِ الْقَدَمِ تَنْطَبِقُ عَلَى الْأَرْضِ لِيَتَهَيَّأَ لِلرُّكُوبِ وَ الْحَمُولَةِ تَأَمَّلِ التَّدْبِيرَ فِي خَلْقِ آكِلَاتِ اللَّحْمِ مِنَ الْحَيَوَانِ حِينَ خُلِقَتْ ذَوَاتُ أَسْنَانٍ حِدَادٍ (1) وَ بَرَاثِنَ شِدَادٍ وَ أَشْدَاقٍ وَ أَفْوَاهٍ وَاسِعَةٍ فَإِنَّهُ لَمَّا قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ طُعْمُهَا اللَّحْمَ خُلِقَتْ خِلْقَةً تُشَاكِلُ ذَلِكَ وَ أُعِينَتْ بِسِلَاحٍ وَ أَدَوَاتٍ تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ وَ كَذَلِكَ تَجِدُ سِبَاعَ الطَّيْرِ ذَوَاتَ مَنَاقِيرَ وَ مَخَالِيبَ مُهَيَّأَةٍ لِفِعْلِهَا وَ لَوْ كَانَتِ الْوُحُوشُ ذَوَاتَ مَخَالِبَ كَانَتْ قَدْ أُعْطِيَتْ مَا لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِأَنَّهَا لَا تَصِيدُ وَ لَا تَأْكُلُ اللَّحْمَ وَ لَوْ كَانَتِ السِّبَاعُ ذَوَاتَ أَظْلَافٍ كَانَتْ قَدْ مُنِعَتْ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَعْنِي السِّلَاحَ الَّذِي بِهِ تَصِيدُ وَ تَتَعَيَّشُ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ أُعْطِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الصِّنْفَيْنِ مَا يُشَاكِلُ صِنْفَهُ وَ طَبَقَتَهُ بَلْ مَا فِيهِ بَقَاؤُهُ وَ صَلَاحُهُ انْظُرِ الْآنَ إِلَى ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ كَيْفَ تَرَاهَا تَتْبَعُ أُمَّاتِهَا مُسْتَقِلَّةً بِأَنْفُسِهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى الْحَمْلِ وَ التَّرْبِيَةِ كَمَا تَحْتَاجُ أَوْلَادُ الْإِنْسِ فَمِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ أُمَّهَاتِهَا مَا عِنْدَ أُمَّهَاتِ الْبَشَرِ مِنَ الرِّفْقِ وَ الْعِلْمِ بِالتَّرْبِيَةِ وَ الْقُوَّةِ عَلَيْهَا بِالْأَكُفِّ وَ الْأَصَابِعِ الْمُهَيَّأَةِ لِذَلِكَ أُعْطِيَتِ النُّهُوضَ وَ الِاسْتِقْلَالَ بِأَنْفُسِهَا وَ كَذَلِكَ تَرَى كَثِيراً مِنَ الطَّيْرِ كَمِثْلِ الدَّجَاجِ وَ الدُّرَّاجِ وَ الْقَبْجِ‏ (2) تَدْرُجُ وَ تَلْقُطُ حِينَ يَنْقَابُ عَنْهَا الْبَيْضُ فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا ضَعِيفاً لَا نُهُوضَ فِيهِ كَمِثْلِ فِرَاخِ الْحَمَامِ وَ الْيَمَامِ وَ الْحُمَّرِ فَقَدْ جُعِلَ فِي الْأُمَّهَاتِ فَضْلُ عَطْفٍ عَلَيْهَا فَصَارَتْ تَمُجُّ الطَّعَامَ فِي أَفْوَاهِهَا بَعْدَ مَا تُوعِيهِ حَوَاصِلُهَا فَلَا تَزَالُ تَغْذُوهَا حَتَّى تَسْتَقِلَّ بِأَنْفُسِهَا وَ لِذَلِكَ لَمْ تُرْزَقِ الْحَمَامُ فِرَاخاً كَثِيرَةً مِثْلَ مَا تُزْرَقُ الدَّجَاجُ لِتَقْوَى الْأُمُّ عَلَى تَرْبِيَةِ فِرَاخِهَا فَلَا تَفْسُدُ وَ لَا تَمُوتُ فَكُلٌّ أُعْطِيَ بِقِسْطٍ مِنْ تَدْبِيرِ الْحَكِيمِ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ انْظُرْ إِلَى قَوَائِمِ الْحَيَوَانِ كَيْفَ تَأْتِي أَزْوَاجاً لِتَتَهَيَّأَ لِلْمَشْيِ وَ لَوْ كَانَتْ أَفْرَاداً لَمْ تَصْلُحْ لِذَلِكَ لِأَنَّ الْمَاشِيَ يَنْقُلُ قَوَائِمَهُ‏ (3) وَ يَعْتَمِدُ عَلَى بَعْضٍ فَذُو الْقَائِمَتَيْنِ يَنْقُلُ وَاحِدَةً وَ يَعْتَمِدُ عَلَى وَاحِدَةٍ وَ ذُو الْأَرْبَعِ يَنْقُلُ اثْنَيْنِ وَ يَعْتَمِدُ عَلَى اثْنَيْنِ وَ ذَلِكَ مِنْ خِلَافٍ لِأَنَّ ذَا الْأَرْبَعِ لَوْ كَانَ يَنْقُلُ قَائِمَيْنِ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ وَ يَعْتَمِدُ عَلَى قَائِمَيْنِ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ

____________



(1) و في نسخة: حيث جعلت ذوات أسنان.

(2) بالقاف و الباء المفتوحتين: طائر يشبه الحجل.

(3) كذا في النسخ و الظاهر أن الصحيح: ينقل بعض قوائمه.

94

لَمَا يَثْبُتُ عَلَى الْأَرْضِ كَمَا لَا يَثْبُتُ السَّرِيرُ وَ مَا أَشْبَهَهُ فَصَارَ يَنْقُلُ الْيُمْنَى مِنْ مَقَادِيمِهِ مَعَ الْيُسْرَى مِنْ مَآخِيرِهِ وَ يَنْقُلُ الْأُخْرَيَيْنِ أَيْضاً مِنْ خِلَافٍ فَيَثْبُتُ عَلَى الْأَرْضِ وَ لَا يَسْقُطُ إِذَا مَشَى أَ مَا تَرَى الْحِمَارَ كَيْفَ يَذِلُّ لِلطَّحْنِ وَ الْحَمُولَةِ وَ هُوَ يَرَى الْفَرَسَ مُودَعاً مُنَعَّماً وَ الْبَعِيرَ لَا يُطِيقُهُ عِدَّةُ رِجَالٍ لَوِ اسْتَعْصَى كَيْفَ كَانَ يَنْقَادُ لِلصَّبِيِّ وَ الثَّوْرَ الشَّدِيدَ كَيْفَ كَانَ يُذْعِنُ لِصَاحِبِهِ حَتَّى يَضَعَ النِّيرَ عَلَى عُنُقِهِ وَ يَحْرِثَ بِهِ وَ الْفَرَسَ الْكَرِيمَ يَرْكَبُ السُّيُوفَ وَ الْأَسِنَّةَ بِالْمُؤَاتَاةِ لِفَارِسِهِ وَ الْقَطِيعَ مِنَ الْغَنَمِ يَرْعَاهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ وَ لَوْ تَفَرَّقَتِ الْغَنَمُ فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي نَاحِيَةٍ لَمْ يَلْحَقْهَا وَ كَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَصْنَافِ مُسَخَّرَةٌ لِلْإِنْسَانِ فَبِمَ كَانَتْ كَذَلِكَ إِلَّا بِأَنَّهَا عُدِمَتِ الْعَقْلَ وَ الرَّوِيَّةَ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ تَعْقِلُ وَ تُرَوِّي فِي الْأُمُورِ كَانَتْ خَلِيقَةً أَنْ تَلْتَوِيَ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَآرِبِهِ حَتَّى يَمْتَنِعَ الْجَمَلُ عَلَى قَائِدِهِ وَ الثَّوْرُ عَلَى صَاحِبِهِ وَ تَتَفَرَّقُ الْغَنَمُ عَنْ رَاعِيهَا وَ أَشْبَاهُ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ (1) وَ كَذَلِكَ هَذِهِ السِّبَاعُ لَوْ كَانَتْ ذَاتَ عَقْلٍ وَ رَوِيَّةٍ فَتَوَازَرَتْ عَلَى النَّاسِ كَانَتْ خَلِيقَةً أَنْ تَجْتَاحَهُمْ‏ (2) فَمَنْ كَانَ يَقُومُ لِلْأُسْدِ وَ الذِّئَابِ وَ النُّمُورَةِ وَ الدِّبَبَةِ لَوْ تَعَاوَنَتْ وَ تَظَاهَرَتْ عَلَى النَّاسِ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ حُجِرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا وَ صَارَتْ مَكَانَ مَا كَانَ يُخَافُ مِنْ إِقْدَامِهَا وَ نِكَايَتِهَا تَهَابُ مَسَاكِنَ النَّاسِ وَ تُحْجِمُ عَنْهَا ثُمَّ لَا تَظْهُرُ وَ لَا تَنْشُرُ لِطَلَبِ قُوتِهَا إِلَّا بِاللَّيْلِ فَهِيَ مَعَ صَوْلَتِهَا كَالْخَائِفِ لِلْإِنْسِ بَلْ مَقْمُوعَةٍ مَمْنُوعَةٍ مِنْهُمْ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَسَاوَرَتْهُمْ فِي مَسَاكِنِهِمْ وَ ضَيَّعَتْ عَلَيْهِمْ‏ (3) ثُمَّ جُعِلَ فِي الْكَلْبِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ السِّبَاعِ عَطْفٌ عَلَى مَالِكِهِ وَ مُحَامَاةٌ عَنْهُ وَ حِفَاظٌ لَهُ فَهُوَ يَنْتَقِلُ عَلَى الْحِيطَانِ وَ السُّطُوحِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ لِحِرَاسَةِ مَنْزِلِ صَاحِبِهِ وَ ذَبِّ الدَّغَّارِ عَنْهُ‏ (4) وَ يَبْلُغُ مِنْ مَحَبَّتِهِ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَبْذُلَ نَفْسَهُ لِلْمَوْتِ دُونَهُ وَ دُونَ مَاشِيَتِهِ وَ مَالِهِ وَ يَأْلَفُهُ غَايَةَ الْإِلْفِ حَتَّى يَصْبِرَ مَعَهُ عَلَى الْجُوعِ وَ الْجَفْوَةِ فَلِمَ طُبِعَ الْكَلْبُ عَلَى هَذَا

____________



(1) أي نظر في الأمور و تفكر فيها.

(2) أي تستأصلهم و تهلكهم.

(3) و في نسخة: و ضيقت عليهم.

(4) و في نسخة: و ذب الذعار عنه.

95

الْإِلْفِ إِلَّا لِيَكُونَ حَارِساً لِلْإِنْسَانِ لَهُ عَيْنٌ بِأَنْيَابٍ وَ مَخَالِبَ وَ نُبَاحٌ هَائِلٌ لِيُذْعَرَ مِنْهُ السَّارِقُ وَ يَتَجَنَّبَ الْمَوَاضِعَ الَّتِي يَحْمِيهَا وَ يَخْفِرُهَا.

بيان و أوكدها أي أوكد الأشياء و أحوجها إلى هذا النوع من الخلق هذه الصناعات و يحتمل إرجاع الضمير إلى جنس البشر فيكون فعلا أي ألزمها أو ألهمها هذه الصناعات و لا يبعد إرجاعه إلى الأكف أيضا قوله(ع)مدمجة أي انضم بعضها إلى بعض قال الجوهري دمج الشي‏ء دموجا إذا دخل في الشي‏ء و استحكم فيه و أدمجت الشي‏ء إذا لففته في ثوب و في بعض النسخ مدبحة بالباء و الحاء المهملة و لعل المراد معوجة من قولهم دبح تدبيحا أي بسط ظهره و طأطأ رأسه و هو تصحيف و البراثن من السباع و الطير بمنزلة الأصابع من الإنسان و المخلب ظفر البرثن و الململم بفتح اللامين المجتمع المدور المصموم و الأخمص من باطن القدم ما لا يصيب الأرض و الشدق جانب الفم و الطعم بالضم الطعام و الأمات جمع الأم و قيل إنما تستعمل في البهائم و أما في الناس فيقال أمهات و يقال قاب الطير بيضته فلقها فانقابت و اليمام حمام الوحش و الحمر بضم الحاء و فتح الميم طائر و قد يشدد الميم و يقال مج الرجل الطعام من فيه إذا رمى به و المودع من الخيل بفتح الدال المستريح و نير الفدان بالكسر الخشبة المعترضة في عنق الثورين قوله(ع)يركب السيوف أي يستقبلها بجرأة كأنه يركبها أو بمعنى يرتكب مواجهتها و المواتاة الموافقة و الدببة كعنبة جمع الدب و يقال أحجم القوم عنه أي نكصوا و تأخروا و تهيبوا أخذه و ساوره واثبه و يقال حاميت عنه أي منعت منه و العين بالفتح الغلظ في الجسم و الخشونة و الخفر المنع.

يَا مُفَضَّلُ تَأَمَّلْ وَجْهَ الدَّابَّةِ كَيْفَ هُوَ فَإِنَّكَ تَرَى الْعَيْنَيْنِ شَاخِصَتَيْنِ أَمَامَهَا لِتُبْصِرَ مَا بَيْنَ يَدَيْهَا لِئَلَّا تَصْدِمَ حَائِطاً أَوْ تَتَرَدَّى فِي حُفْرَةٍ وَ تَرَى الْفَمَ مَشْقُوقاً شَقّاً فِي أَسْفَلِ الْخَطْمِ وَ لَوْ شُقَّ كَمَكَانِ الْفَمِ مِنَ الْإِنْسَانِ فِي مُقَدَّمِ الذَّقَنِ لَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَتَنَاوَلَ بِهِ شَيْئاً مِنَ الْأَرْضِ أَ لَا تَرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَتَنَاوَلُ الطَّعَامَ بِفِيهِ وَ لَكِنْ بِيَدِهِ تَكْرِمَةً لَهُ عَلَى سَائِرِ الْآكِلَاتِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلدَّابَّةِ يَدٌ تَتَنَاوَلُ بِهَا الْعَلَفَ جُعِلَ خَطْمُهَا مَشْقُوقاً مِنْ أَسْفَلِهِ‏

96

لِتَقْبِضَ بِهِ عَلَى الْعَلَفِ ثُمَّ تَقْضَمُهُ وَ أُعِينَتْ بِالْجَحْفَلَةِ تَتَنَاوَلُ بِهَا مَا قَرُبَ وَ مَا بَعُدَ اعْتَبِرْ بِذَنَبِهَا وَ الْمَنْفَعَةِ لَهَا فِيهِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الطَّبَقِ عَلَى الدُّبُرِ وَ الْحَيَاءِ جَمِيعاً يُوَارِيهِمَا وَ يَسْتُرُهُمَا وَ مِنْ مَنَافِعِهَا فِيهِ أَنَّ مَا بَيْنَ الدُّبُرِ وَ مَرَاقَّيِ الْبَطْنِ مِنْهَا وَضَرٌ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الذُّبَابُ وَ الْبَعُوضُ فَجُعِلَ لَهَا الذَّنَبُ كَالْمَذَبَّةِ تَذُبُّ بِهَا عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَ مِنْهَا أَنَّ الدَّابَّةَ تَسْتَرِيحُ إِلَى تَحْرِيكِهِ وَ تَصْرِيفِهِ يَمْنَةً وَ يَسْرَةً فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ قِيَامُهَا عَلَى الْأَرْبَعِ بِأَسْرِهَا وَ شُغِلَتِ الْمُقَدِّمَتَانِ بِحَمْلِ الْبَدَنِ عَنِ التَّصَرُّفِ وَ التَّقَلُّبِ كَانَ لَهَا فِي تَحْرِيكِ الذَّنَبِ رَاحَةٌ وَ فِيهِ مَنَافِعُ أُخْرَى يَقْصُرُ عَنْهَا الْوَهْمُ يُعْرَفُ مَوَاقِعُهَا فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الدَّابَّةَ تَرْتَطِمُ فِي الْوَحَلِ‏ (1) فَلَا يَكُونُ شَيْ‏ءٌ أَعْوَنَ عَلَى نُهُوضِهَا مِنَ الْأَخْذِ بِذَنَبِهَا وَ فِي شَعْرِ الذَّنَبِ مَنَافِعُ لِلنَّاسِ كَثِيرَةٌ يَسْتَعْمِلُونَهَا فِي مَآرِبِهِمْ ثُمَّ جُعِلَ ظَهْرُهَا مُسَطَّحاً مَبْطُوحاً عَلَى قَوَائِمَ أَرْبَعٍ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ رُكُوبِهَا وَ جُعِلَ حَيَاهَا بَارِزاً مِنْ وَرَائِهَا لِيَتَمَكَّنَ الْفَحْلُ مِنْ ضَرْبِهَا وَ لَوْ كَانَ أَسْفَلَ الْبَطْنِ كَمَكَانِ الْفَرْجِ مِنَ الْمَرْأَةِ لَمْ يَتَمَكَّنِ الْفَحْلُ مِنْهَا أَ لَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَأْتِيَهَا كِفَاحاً كَمَا يَأْتِي الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ تَأَمَّلْ مِشْفَرَ الْفِيلِ وَ مَا فِيهِ مِنْ لَطِيفِ التَّدْبِيرِ فَإِنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْيَدِ فِي تَنَاوُلِ الْعَلَفِ وَ الْمَاءِ وَ ازْدِرَادِهِمَا (2) إِلَى جَوْفِهِ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَتَنَاوَلَ شَيْئاً مِنَ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ رَقَبَةٌ يَمُدُّهَا كَسَائِرِ الْأَنْعَامِ فَلَمَّا عَدِمَ الْعُنُقَ أُعِينَ مَكَانَ ذَلِكَ بِالْخُرْطُومِ الطَّوِيلِ لِيَسْدُلَهُ‏ (3) فَيَتَنَاوَلَ بِهِ حَاجَتَهُ فَمَنْ ذَا الَّذِي عَوَّضَهُ مَكَانَ الْعُضْوِ الَّذِي عَدِمَهُ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ إِلَّا الرَّءُوفُ بِخَلْقِهِ وَ كَيْفَ يَكُونُ هَذَا بِالْإِهْمَالِ كَمَا قَالَتِ الظَّلَمَةُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَمَا بَالُهُ لَمْ يَخْلُقْ ذَا عُنُقٍ كَسَائِرِ الْأَنْعَامِ قِيلَ لَهُ إِنَّ رَأْسَ الْفِيلِ وَ أُذُنَيْهِ أَمْرٌ عَظِيمٌ وَ ثِقْلٌ ثَقِيلٌ وَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى عُنُقٍ عَظِيمَةٍ لَهَدَّهَا وَ أَوْهَنَهَا فَجَعَلَ رَأْسَهُ مُلْصَقاً بِجِسْمِهِ لِكَيْلَا يَنَالَ مِنْهُ مَا وَصَفْنَا وَ خَلَقَ لَهُ مَكَانَ الْعُنُقِ هَذَا الْمِشْفَرَ لِيَتَنَاوَلَ بِهِ غِذَاءَهُ فَصَارَ مَعَ عَدَمِهِ الْعُنُقَ مُسْتَوْفِياً مَا فِيهِ بُلُوغُ حَاجَتِهِ انْظُرِ الْآنَ كَيْفَ جُعِلَ حَيَاءُ الْأُنْثَى مِنَ الْفِيَلَةِ فِي أَسْفَلِ بَطْنِهَا فَإِذَا هَاجَتْ لِلضِّرَابِ‏

____________



(1) أي تسقط في الوحل.

(2) الازدراد: البلع.

(3) أي ليرسله و يرخيه.

97

ارْتَفَعَ وَ بَرَزَ حَتَّى يَتَمَكَّنَ الْفَحْلُ مِنْ ضَرْبِهَا فَاعْتَبِرْ كَيْفَ جُعِلَ حَيَاءُ الْأُنْثَى مِنَ الْفِيَلَةِ عَلَى خِلَافِ مَا عَلَيْهِ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْأَنْعَامِ ثُمَّ جُعِلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْخَلَّةُ لِيَتَهَيَّأَ لِلْأَمْرِ الَّذِي فِيهِ قِوَامُ النَّسْلِ وَ دَوَامُهُ فَكِّرْ فِي خَلْقِ الزَّرَافَةِ وَ اخْتِلَافِ أَعْضَائِهَا وَ شِبْهِهَا بِأَعْضَاءِ أَصْنَافٍ مِنَ الْحَيَوَانِ فَرَأْسُهَا رَأْسُ فَرَسٍ وَ عُنُقُهَا عُنُقُ جَمَلٍ وَ أَظْلَافُهَا أَظْلَافُ بَقَرَةٍ وَ جِلْدُهَا جِلْدُ نَمِرٍ وَ زَعَمَ نَاسٌ مِنَ الْجُهَّالِ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَنَّ نِتَاجَهَا مِنْ فُحُولٍ شَتَّى قَالُوا وَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَصْنَافاً مِنْ حَيَوَانِ الْبَرِّ إِذَا وَرَدَتِ الْمَاءَ تَنْزُو عَلَى بَعْضِ السَّائِمَةِ وَ يُنْتَجُ مِثْلُ هَذَا الشَّخْصِ الَّذِي هُوَ كَالْمُلْتَقَطِ مِنْ أَصْنَافٍ شَتَّى وَ هَذَا جَهْلٌ مِنْ قَائِلِهِ وَ قِلَّةُ مَعْرِفَتِهِ بِالْبَارِئِ جَلَّ قُدْسُهُ وَ لَيْسَ كُلُّ صِنْفٍ مِنَ الْحَيَوَانِ يُلْقِحُ كُلَّ صِنْفٍ فَلَا الْفَرَسُ يُلْقِحُ الْجَمَلَ وَ لَا الْجَمَلُ يُلْقِحُ الْبَقَرَ وَ إِنَّمَا يَكُونُ التَّلْقِيحُ مِنْ بَعْضِ الْحَيَوَانِ فِيمَا يُشَاكِلُهُ وَ يَقْرُبُ مِنْ خَلْقِهِ كَمَا يُلْقِحُ الْفَرَسَ الحمارة [الْحِمَارُ فَيَخْرُجُ بَيْنَهُمَا الْبَغْلُ وَ يُلْقِحُ الذِّئْبُ الضَّبُعَ فَيَخْرُجُ بَيْنَهُمَا السِّمْعُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ يَكُونُ فِي الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِمَا عُضْوٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَا فِي الزَّرَافَةِ عُضْوٌ مِنَ الْفَرَسِ وَ عُضْوٌ مِنَ الْجَمَلِ وَ أَظْلَافٌ مِنَ الْبَقَرَةِ بَلْ يَكُونُ كَالْمُتَوَسِّطِ بَيْنَهُمَا الْمُمْتَزِجِ مِنْهُمَا كَالَّذِي تَرَاهُ فِي الْبَغْلِ فَإِنَّكَ تَرَى رَأْسَهُ وَ أُذُنَيْهِ وَ كَفَلَهُ وَ ذَنَبَهُ وَ حَوَافِرَهُ وَسَطاً بَيْنَ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ مِنَ الْفَرَسِ وَ الْحِمَارِ وَ شَحِيجَهُ كَالْمُمْتَزِجِ مِنْ صَهِيلِ الْفَرَسِ وَ نَهِيقِ الْحِمَارِ فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَتِ الزَّرَافَةُ مِنْ لِقَاحِ أَصْنَافٍ شَتَّى مِنَ الْحَيَوَانِ كَمَا زَعَمَ الْجَاهِلُونَ بَلْ هِيَ خَلْقٌ عَجِيبٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى قُدْرَتِهِ الَّتِي لَا يُعْجِزُهَا شَيْ‏ءٌ وَ لِيُعْلِمَ أَنَّهُ خَالِقُ أَصْنَافِ الْحَيَوَانِ كُلِّهَا يَجْمَعُ بَيْنَ مَا يَشَاءُ مِنْ أَعْضَائِهَا فِي أَيِّهَا شَاءَ وَ يُفَرِّقُ مَا شَاءَ مِنْهَا فِي أَيِّهَا شَاءَ وَ يَزِيدُ فِي الْخِلْقَةِ مَا شَاءَ وَ يَنْقُصُ مِنْهَا مَا شَاءَ دَلَالَةً عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى الْأَشْيَاءِ وَ أَنَّهُ لَا يُعْجِزُهُ شَيْ‏ءٌ أَرَادَهُ جَلَّ وَ تَعَالَى فَأَمَّا طُولُ عُنُقِهَا وَ الْمَنْفَعَةُ لَهَا فِي ذَلِكَ فَإِنَّ مَنْشَأَهَا وَ مَرْعَاهَا فِي غَيَاطِلَ ذَوَاتِ أَشْجَارٍ شَاهِقَةٍ ذَاهِبَةٍ طُولًا فِي الْهَوَاءِ فَهِيَ تَحْتَاجُ إِلَى طُولِ الْعُنُقِ لِتَنَاوَلَ بِفِيهَا أَطْرَافَ تِلْكَ الْأَشْجَارِ فَتَتَقَوَّتَ مِنْ ثِمَارِهَا تَأَمَّلْ خَلْقَ الْقِرْدِ وَ شِبْهَهُ بِالْإِنْسَانِ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَعْضَائِهِ أَعْنِي الرَّأْسَ وَ الْوَجْهَ وَ الْمَنْكِبَيْنِ وَ الصَّدْرَ وَ كَذَلِكَ أَحْشَاؤُهُ شَبِيهَةٌ أَيْضاً بِأَحْشَاءِ الْإِنْسَانِ وَ خُصَّ مِنْ ذَلِكَ بِالذِّهْنِ‏

98

وَ الْفِطْنَةِ الَّتِي بِهَا يَفْهَمُ عَنْ سَائِسِهِ مَا يُومِئُ إِلَيْهِ وَ يَحْكِي كَثِيراً مِمَّا يَرَى الْإِنْسَانَ يَفْعَلُهُ حَتَّى إِنَّهُ يَقْرُبُ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ وَ شَمَائِلِهِ فِي التَّدْبِيرِ فِي خِلْقَتِهِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ عِبْرَةً لِلْإِنْسَانِ فِي نَفْسِهِ فَيَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ طِينَةِ الْبَهَائِمِ وَ سِنْخِهَا إِذْ كَانَ يَقْرُبُ مِنْ خَلْقِهَا هَذَا الْقُرْبَ وَ أَنَّهُ لَوْ لَا فَضِيلَةٌ فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهَا فِي الذِّهْنِ وَ الْعَقْلِ وَ النُّطْقِ كَانَ كَبَعْضِ الْبَهَائِمِ عَلَى أَنَّ فِي جِسْمِ الْقِرْدِ فُضُولًا أُخْرَى يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْإِنْسَانِ كَالْخَطْمِ وَ الذَّنَبِ الْمُسَدَّلِ وَ الشَّعْرِ الْمُجَلِّلِ لِلْجِسْمِ كُلِّهِ وَ هَذَا لَمْ يَكُنْ مَانِعاً لِلْقِرْدِ أَنْ يُلْحَقَ بِالْإِنْسَانِ لَوْ أُعْطِيَ مِثْلَ ذِهْنِ الْإِنْسَانِ وَ عَقْلِهِ وَ نُطْقِهِ وَ الْفَصْلُ الْفَاصِلُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْإِنْسَانِ بِالصِّحَّةِ هُوَ النَّقْصُ فِي الْعَقْلِ وَ الذِّهْنِ وَ النُّطْقِ.

بيان شخص البصر ارتفع و شخص الرجل بصره إذا فتح عينيه و الخطم بالفتح من كل طائر منقاره و من كل دابة مقدم أنفه و فمه و قضم كسمع أكل بأطراف أسنانه و الجحفلة بمنزلة الشفة للبغال و الحمير و الخيل و هي بتقديم الجيم على الحاء المهملة و الطبق محرّكة غطاء كلّ شي‏ء و الحياء الفرج و المراد بمراقي البطن ما ارتفع منه من وسط أو قرب منه و الوضر الدرن و المذبّة بكسر الميم ما يذبّ به الذباب و بطحه ألقاه على وجهه و كفحته كفحا و كفاحا إذا استقبلته و المشفر من البعير كالجحفلة من الفرس و قال الجوهري الزرافة و الزرافة بفتح الزاي و ضمها مخففة الفاء دابّة يقال لها بالفارسية أشتر گاو پلنگ و قال الفيروزآبادي السمع بكسر السين و سكون الميم ولد الذئب من الضبع لا يموت حتف أنفه كالحية و عدوه أسرع من الطير و وثبته تزيد على ثلاثين ذراعا و قال شحيج البغل و الحمار صوته و الغياطل جمع الغيطل و هو الشجر الكثير الملتفّ قوله(ع)أن يكون أي خلق كذلك لأن يكون عبرة للإنسان و السنخ بالكسر الأصل قوله بالصحة هو النقص في العقل أي الفصل الصحيح الذي يصلح واقعا أن يكون فاصلا و في أكثر النسخ و هو و على هذا لا يبعد أن تكون تصحيف القحة أي قلة الحياء.

انْظُرْ يَا مُفَضَّلُ إِلَى لُطْفِ اللَّهِ جَلَّ اسْمُهُ بِالْبَهَائِمِ كَيْفَ كُسِيَتْ أَجْسَامُهُمْ هَذِهِ الْكِسْوَةَ مِنَ الشَّعْرِ وَ الْوَبَرِ وَ الصُّوفِ لِيَقِيَهَا مِنَ الْبَرْدِ وَ كَثْرَةِ الْآفَاتِ وَ أُلْبِسَتْ قَوَائِمُهَا الْأَظْلَافَ وَ

100

مَاتَتْ إِلَّا الْوَاحِدَ بَعْدَ الْوَاحِدِ يَصِيدُهُ قَانِصٌ أَوْ يَفْتَرِسُهُ سَبُعٌ فَإِذَا أَحَسُّوا بِالْمَوْتِ كَمَنُوا (1) فِي مَوَاضِعَ خَفِيَّةٍ فَيَمُوتُونَ فِيهَا وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَامْتَلَأَتِ الصَّحَارِي مِنْهَا حَتَّى تَفْسُدَ رَائِحَةُ الْهَوَاءِ وَ يُحْدَثُ الْأَمْرَاضُ وَ الْوَبَاءُ فَانْظُرْ إِلَى هَذَا الَّذِي يَخْلُصُ إِلَيْهِ النَّاسُ وَ عَمِلُوهُ بِالتَّمْثِيلِ الْأَوَّلِ الَّذِي مُثِّلَ لَهُمْ كَيْفَ جُعِلَ طَبْعاً وَ ادِّكَاراً فِي الْبَهَائِمِ وَ غَيْرِهَا لِيَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ مَعَرَّةِ مَا يُحْدَثُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَ الْفَسَادِ.

توضيح السرب بالكسر و السربة القطيع من الظباء و القطا و الخيل و نحوها و الجمع أسراب و المهاة البقرة الوحشية و الجمع مها و الوعل بالفتح و ككتف تيس الجبل و الجمع وعال و وعول و الأيل بضم الهمزة و كسرها و فتح الياء المشددة و كسيد الذكر من الأوعال و يقال هو الذي يسمى بالفارسية گوزن و الجمع أياييل و القانص الصائد و خلص إليه وصل و المراد بالتمثيل ما ذكره الله تعالى في قصة قابيل و المعرة الأذى.

6 فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي الْفَطَنِ الَّتِي جُعِلَتْ فِي الْبَهَائِمِ لِمَصْلَحَتِهَا بِالطَّبْعِ وَ الْخِلْقَةِ لُطْفاً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُمْ لِئَلَّا يَخْلُوَ مِنْ نِعَمِهِ جَلَّ وَ عَزَّ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ لَا بِعَقْلٍ وَ رَوِيَّةٍ فَإِنَّ الْأُيَّلَ يَأْكُلُ الْحَيَّاتِ فَيَعْطَشُ عَطَشاً شَدِيداً فَيَمْتَنِعُ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ خَوْفاً مِنْ أَنْ يَدِبَّ السَّمُّ فِي جِسْمِهِ فَيَقْتُلَهُ وَ يَقِفُ عَلَى الْغَدِيرِ وَ هُوَ مَجْهُودٌ عَطَشاً فَيَعِجُّ عَجِيجاً عَالِياً وَ لَا يَشْرَبُ مِنْهُ وَ لَوْ شَرِبَ لَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ فَانْظُرْ إِلَى مَا جُعِلَ مِنْ طِبَاعِ هَذِهِ الْبَهِيمَةِ مِنْ تَحَمُّلِ الظَّمَاءِ الْغَالِبِ خَوْفاً مِنَ الْمَضَرَّةِ فِي الشُّرْبِ وَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَكَادُ الْإِنْسَانُ الْعَاقِلُ الْمُمَيِّزُ يَضْبِطُهُ مِنْ نَفْسِهِ وَ الثَّعْلَبَ إِذَا أَعْوَزَهُ الطُّعْمُ تَمَاوَتَ وَ نَفَخَ بَطْنَهُ حَتَّى يَحْسَبَهُ الطَّيْرُ مَيِّتاً فَإِذَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ لِتَنْهَشَهُ وَثَبَ عَلَيْهَا فَأَخَذَهَا فَمَنْ أَعَانَ الثَّعْلَبَ الْعَدِيمَ النُّطْقِ وَ الرَّوِيَّةِ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ إِلَّا مَنْ تَوَكَّلَ بِتَوْجِيهِ الرِّزْقِ لَهُ مِنْ هَذَا وَ شِبْهِهِ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ الثَّعْلَبُ يَضْعُفُ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا يَقْوَى عَلَيْهِ السِّبَاعُ مِنْ مُسَاوَرَةِ الصَّيْدِ أُعِينَ بِالدَّهَاءِ (2) وَ الْفِطْنَةِ وَ الِاحْتِيَالِ لِمَعَاشِهِ وَ الدُّلْفِينَ يَلْتَمِسُ صَيْدَ الطَّيْرِ فَيَكُونُ حِيلَتُهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ السَّمَكَ فَيَقْتُلَهُ وَ

____________



(1) أي تواروا و اختفوا.

(2) الدهاء جودة الرأى و الحذق، المكر و الاحتيال.

99

الْحَوَافِرَ وَ الْأَخْفَافَ لِيَقِيَهَا مِنَ الْحَفَا إِذْ كَانَتْ لَا أَيْدِيَ لَهَا وَ لَا أَكُفَّ وَ لَا أَصَابِعَ مُهَيَّأَةً لِلْغَزْلِ وَ النَّسْجِ فَكُفُوا بِأَنْ جُعِلَ كِسْوَتُهُمْ فِي خِلْقَتِهِمْ بَاقِيَةً عَلَيْهِمْ مَا بَقُوا لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى تَجْدِيدِهَا وَ الِاسْتِبْدَالِ بِهَا فَأَمَّا الْإِنْسَانُ فَإِنَّهُ ذُو حِيلَةٍ وَ كَفٍّ مُهَيَّأَةٍ لِلْعَمَلِ فَهُوَ يَنْسِجُ وَ يَغْزِلُ وَ يَتَّخِذُ لِنَفْسِهِ الْكِسْوَةَ وَ يَسْتَبْدِلُ بِهَا حَالًا بَعْدَ حَالٍ وَ لَهُ فِي ذَلِكَ صَلَاحٌ مِنْ جِهَاتٍ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَشْتَغِلُ بِصَنْعَةِ اللِّبَاسِ عَنِ الْعَبَثِ وَ مَا يُخْرِجُهُ إِلَيْهِ الْكِفَايَةُ وَ مِنْهَا أَنَّهُ يَسْتَرِيحُ إِلَى خَلْعِ كِسْوَتِهِ إِذَا شَاءَ وَ لُبْسِهَا إِذَا شَاءَ وَ مِنْهَا أَنْ يَتَّخِذَ لِنَفْسِهِ مِنَ الْكِسْوَةِ ضُرُوباً لَهَا جَمَالٌ وَ رَوْعَةٌ فَيَتَلَذَّذُ بِلُبْسِهَا وَ تَبْدِيلِهَا وَ كَذَلِكَ يَتَّخِذُ بِالرِّفْقِ مِنَ الصَّنْعَةِ ضُرُوباً مِنَ الْخِفَافِ وَ النِّعَالِ يَقِي بِهَا قَدَمَيْهِ وَ فِي ذَلِكَ مَعَايِشُ لِمَنْ يَعْمَلُهُ مِنَ النَّاسِ وَ مَكَاسِبُ يَكُونُ فِيهَا مَعَاشُهُمْ وَ مِنْهَا أَقْوَاتُهُمْ وَ أَقْوَاتُ عِيَالِهِمْ فَصَارَ الشَّعْرُ وَ الْوَبَرُ وَ الصُّوفُ يَقُومُ لِلْبَهَائِمِ مَقَامَ الْكِسْوَةِ وَ الْأَظْلَافُ وَ الْحَوَافِرُ وَ الْأَخْفَافُ مَقَامَ الْحِذَاءِ.

بيان قال الجوهري قال الكسائي رجل حاف بيّن الحفوة و الحفاء بالمد و هو الذي يمشي بلا خفّ و لا نعل و قال و أما الذي حفي من كثرة المشي أي رقّت قدمه أو حافره فإنه حفّ بيّن الحفا مقصورا و أحفاه غيره انتهى قوله(ع)و روعه من قولهم راعني الشي‏ء أعجبني.

فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي خِلْقَةٍ عَجِيبَةٍ جُعِلَتْ فِي الْبَهَائِمِ فَإِنَّهُمْ يُوَارُونَ أَنْفُسَهُمْ إِذَا مَاتُوا كَمَا يُوَارِي النَّاسُ مَوْتَاهُمْ وَ إِلَّا فَأَيْنَ جِيَفُ هَذِهِ الْوُحُوشِ وَ السِّبَاعِ وَ غَيْرِهَا لَا يُرَى مِنْهَا شَيْ‏ءٌ وَ لَيْسَتْ قَلِيلَةً فَتَخْفَى لِقِلَّتِهَا بَلْ لَوْ قَالَ قَائِلٌ إِنَّهَا أَكْثَرُ مِنَ النَّاسِ لَصَدَقَ فَاعْتَبِرْ ذَلِكَ بِمَا تَرَاهُ فِي الصَّحَارِي وَ الْجِبَالِ مِنْ أَسْرَابِ الظِّبَاءِ وَ الْمَهَا وَ الْحَمِيرِ وَ الْوُعُولِ وَ الْأَيَائِلِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوُحُوشِ وَ أَصْنَافِ السِّبَاعِ مِنَ الْأُسْدِ وَ الضِّبَاعِ وَ الذِّئَابِ وَ النُّمُورِ وَ غَيْرِهَا وَ ضُرُوبِ الْهَوَامِّ وَ الْحَشَرَاتِ وَ دَوَابِّ الْأَرْضِ وَ كَذَلِكَ أَسْرَابُ الطَّيْرِ مِنَ الْغِرْبَانِ‏ (1) وَ الْقَطَا (2) وَ الْإِوَزِّ (3) وَ الْكَرَاكِي‏ (4) وَ الْحَمَامِ وَ سِبَاعِ الطَّيْرِ جَمِيعاً وَ كُلُّهَا لَا يُرَى مِنْهَا شَيْ‏ءٌ إِذَا

____________



(1) جمع الغراب.

(2) جمع القطاة: طائر في حجم الحمام.

(3) جمع الاوزّة: طائر مائىّ يقال له: الوزّة أيضا.

(4) جمع الكركى: طائر كبير أغبر اللون، طويل العنق و الرجلين، أبتر الذنب، قليل اللحم، يأوى إلى الماء أحيانا.

101

يَشْرَحَهُ‏ (1) حَتَّى يَطْفُوَ عَلَى الْمَاءِ يَكْمُنُ تَحْتَهُ وَ يُثَوِّرُ الْمَاءَ الَّذِي عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَتَبَيَّنَ شَخْصُهُ فَإِذَا وَقَعَ الطَّيْرُ عَلَى السَّمَكِ الطَّافِي وَثَبَ إِلَيْهَا فَاصْطَادَهَا فَانْظُرْ إِلَى هَذِهِ الْحِيلَةِ كَيْفَ جُعِلَتْ طَبْعاً فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ لِبَعْضِ الْمَصْلَحَةِ قَالَ الْمُفَضَّلُ فَقُلْتُ خَبِّرْنِي يَا مَوْلَايَ عَنِ التِّنِّينِ وَ السَّحَابِ فَقَالَ(ع)إِنَّ السَّحَابَ كَالْمُوَكَّلِ بِهِ يَخْتَطِفُهُ حَيْثُمَا ثَقِفَهُ كَمَا يَخْتَطِفُ حَجَرُ الْمِغْنَاطِيسِ الْحَدِيدَ فَهُوَ لَا يَطْلُعُ رَأْسَهُ فِي الْأَرْضِ خَوْفاً مِنَ السَّحَابِ وَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا فِي الْقَيْظِ مَرَّةً إِذَا صَحَتِ السَّمَاءُ فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا نُكْتَةٌ مِنْ غَيْمَةٍ قُلْتُ فَلِمَ وَكَّلَ السَّحَابَ بِالتِّنِّينِ يَرْصُدُهُ وَ يَخْتَطِفُهُ إِذَا وَجَدَهُ قَالَ لِيَدْفَعَ عَنِ النَّاسِ مَضَرَّتَهُ.

بيان قوله لا بعقل و روية لعل المراد أن هذه الأمور من محض لطفه تعالى حيث يلهمهم ذلك لا بعقل و روية و في أكثر النسخ لا يعقل و مروته و هو تصحيف و المراد معلوم و الجهد الطاقة و المشقة أي أصابته مشقة عظيمة من العطش و العجيج الصياح و رفع الصوت و أعوزه الشي‏ء أي احتاج إليه و التماوت إظهار الموت حيلة و المساورة هي الوثوب على وجه الصيد و قال الفيروزآبادي الدلفين بالضم دابّة بحريّة تنجي الغريق‏ (2) و قوله(ع)يثور الماء أي يهيجه و يحركه و التنين حيّة عظيمة معروفة و ثقفه أي وجده و القيظ صميم الصيف من طلوع الثريا إلى طلوع سهيل و الصحو ذهاب الغيم.

6 قَالَ الْمُفَضَّلُ فَقُلْتُ قَدْ وَصَفْتَ لِي مَوْلَايَ مِنْ أَمْرِ الْبَهَائِمِ مَا فِيهِ مُعْتَبَرٌ لِمَنِ اعْتَبَرَ فَصِفْ لِيَ الذَّرَّةَ (3) وَ النَّمْلَ وَ الطَّيْرَ فَقَالَ(ع)يَا مُفَضَّلُ تَأَمَّلْ وَجْهَ الذَّرَّةِ الْحَقِيرَةِ الصَّغِيرَةِ هَلْ تَجِدُ فِيهَا نَقْصاً عَمَّا فِيهِ صَلَاحُهَا

____________



(1) أي يقطعه.

(2) و قيل: هو خنزير البحر، و هو دابة تنجى الغريق، و هو كثير بأواخر نيل مصر من جهة البحر الملح، لانه يقذف به البحر إلى النيل، و صفته كصفة الزقّ المنفوخ، و له رأس صغير جدا، و ليس في دواب البحر ما له رئة سواه، فلذلك يسمع منه النفخ و النفس، و هو إذا ظفر بالغريق كان أقوى الأسباب في نجاته، لانه لا يزال يدفعه إلى البر حتّى ينجيه، و لا يؤذى أحدا، و من طبعه الانس بالانسان و خاصّة بالصبيان.

(3) الذرة: النحلة الصغيرة الحمراء.

102

فَمِنْ أَيْنَ هَذَا التَّقْدِيرُ وَ الصَّوَابُ فِي خَلْقِ الذَّرَّةِ إِلَّا مِنَ التَّدْبِيرِ الْقَائِمِ فِي صَغِيرِ الْخَلْقِ وَ كَبِيرِهِ انْظُرْ إِلَى النَّمْلِ وَ احْتِشَادِهَا فِي جَمْعِ الْقُوتِ وَ إِعْدَادِهِ فَإِنَّكَ تَرَى الْجَمَاعَةَ مِنْهَا إِذَا نَقَلَتِ الْحَبَّ إِلَى زُبْيَتِهَا بِمَنْزِلَةِ جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ يَنْقُلُونَ الطَّعَامَ أَوْ غَيْرَهُ بَلْ لِلنَّمْلِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْجِدِّ وَ التَّشْمِيرِ مَا لَيْسَ لِلنَّاسِ مِثْلُهُ أَ مَا تَرَاهُمْ يَتَعَاوَنُونَ عَلَى النَّقْلِ كَمَا يَتَعَاوَنُ النَّاسُ عَلَى الْعَمَلِ ثُمَّ يَعْمِدُونَ إِلَى الْحَبِّ فَيُقَطِّعُونَهُ قِطَعاً لِكَيْلَا يَنْبُتَ فَيَفْسُدَ عَلَيْهِمْ‏ (1) فَإِنْ أَصَابَهُ نَدًى أَخْرَجُوهُ فَنَشَرُوهُ حَتَّى يَجِفَّ ثُمَّ لَا يَتَّخِذُ النَّمْلُ الزُّبْيَةَ إِلَّا فِي نشر [نَشَزٍ مِنَ الْأَرْضِ كَيْ لَا يُفِيضَ السَّيْلُ فَيُغْرِقَهَا (2) فَكُلُّ هَذَا مِنْهُ بِلَا عَقْلٍ وَ لَا رَوِيَّةٍ بَلْ خِلْقَةٌ خُلِقَ عَلَيْهَا لِمَصْلَحَةٍ لُطْفاً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ انْظُرْ إِلَى هَذَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ اللَّيْثُ وَ تُسَمِّيهِ الْعَامَّةُ أَسَدَ الذُّبَابِ وَ مَا أُعْطِيَ مِنَ الْحِيلَةِ وَ الرِّفْقِ فِي مَعَاشِهِ فَإِنَّكَ تَرَاهُ حِينَ يُحِسُّ بِالذُّبَابِ قَدْ وَقَعَ قَرِيباً مِنْهُ تَرَكَهُ مَلِيّاً حَتَّى كَأَنَّهُ مَوَاتٌ لَا حَرَاكَ بِهِ فَإِذَا رَأَى الذُّبَابَ قَدِ اطْمَأَنَّ وَ غَفَلَ عَنْهُ دَبَّ دَبِيباً دَقِيقاً (3) حَتَّى يَكُونَ مِنْهُ بِحَيْثُ يَنَالُهُ وَثْبُهُ ثُمَّ يَثِبُ عَلَيْهِ فَيَأْخُذُهُ فَإِذَا أَخَذَهُ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ بِجِسْمِهِ كُلِّهِ مَخَافَةَ أَنْ يَنْجُوَ مِنْهُ فَلَا يَزَالُ قَابِضاً عَلَيْهِ حَتَّى يُحِسَّ بِأَنَّهُ قَدْ ضَعُفَ وَ اسْتَرْخَى ثُمَّ يُقْبِلُ عَلَيْهِ فَيَفْتَرِسُهُ وَ يَحْيَا بِذَلِكَ مِنْهُ فَأَمَّا الْعَنْكَبُوتُ فَإِنَّهُ يَنْسِجُ ذَلِكَ النَّسْجَ فَيَتَّخِذُهُ شَرَكاً وَ مَصْيَدَةً لِلذُّبَابِ ثُمَّ يَكْمُنُ فِي جَوْفِهِ فَإِذَا نَشِبَ فِيهِ الذُّبَابُ‏ (4) أَجَالَ عَلَيْهِ يَلْدَغُهُ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ فَيَعِيشُ بِذَلِكَ مِنْهُ فَكَذَلِكَ يُحْكَى صَيْدُ الْكِلَابِ وَ الْفُهُودِ وَ هَكَذَا يُحْكَى صَيْدُ الْأَشْرَاكِ وَ الْحَبَائِلِ‏

____________



(1) و يقطع الكفرة و يقسمها أرباعا، لما الهم من أن كل نصف منها ينبت.

(2) قال الدميرى: يحفر قريته بقوائمه و هي ست، فإذا حفرها جعل فيها تعاريج، لئلا يجرى إليها ماء المطر، و ربما اتخذ قرية فوق قرية بسبب ذلك، و انما يفعل ذلك خوفا على ما يدخره من البلل، و من عجائبه اتخاذ القرية تحت الأرض، و فيها منازل و دهاليز و غرف و طبقات معلقة، يملؤها حبوبا و ذخائر للشتاء.

(3) و في نسخة: دب دبيبا رقيقا.

(4) أي وقع فيه.

103

فَانْظُرْ إِلَى هَذِهِ الدُّوَيْبَّةِ الضَّعِيفَةِ كَيْفَ جُعِلَ فِي طَبْعِهَا مَا لَا يَبْلُغُهُ الْإِنْسَانُ إِلَّا بِالْحِيلَةِ وَ اسْتِعْمَالِ آلَاتٍ فِيهَا فَلَا تَزْدَرِ بِالشَّيْ‏ءِ إِذَا كَانَتِ الْعِبْرَةُ فِيهِ وَاضِحَةً كَالذَّرَّةِ وَ النَّمْلَةِ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمَعْنَى النَّفِيسَ قَدْ يُمَثَّلُ بِالشَّيْ‏ءِ الْحَقِيرِ فَلَا يَضَعُ مِنْهُ ذَلِكَ كَمَا لَا يَضَعُ مِنَ الدِّينَارِ وَ هُوَ مِنْ ذَهَبٍ أَنْ يُوزَنَ بِمِثْقَالٍ مِنْ حَدِيدٍ.

بيان الاحتشاد الاجتماع و الزبية بالضم الحفرة و النشر بالفتح و بالتحريك المكان المرتفع و قال الجوهري الليث الأسد و ضرب من العناكب يصطاد الذباب بالوثب انتهى و الموات بالفتح ما لا روح فيه و يقال ما به حراك كسحاب أي حركه و الشرك بالتحريك حبالة الصائد و يقال أحال عليه بالسوط يضربه أي أقبل قوله(ع)فكذلك أي كفعل الليث و قوله هكذا أي كالعنكبوت و الازدراء الاحتقار قوله(ع)فلا يضع منه أي لا ينقص من قدر المعنى النفيس تمثيله بالشي‏ء الحقير قال الفيروزآبادي وضع عنه حط من قدره.

تَأَمَّلْ يَا مُفَضَّلُ جِسْمَ الطَّائِرِ وَ خِلْقَتَهُ فَإِنَّهُ حِينَ قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ طَائِراً فِي الْجَوِّ خُفِّفَ جِسْمُهُ وَ أُدْمِجَ خَلْقُهُ فَاقْتَصَرَ بِهِ مِنَ الْقَوَائِمِ الْأَرْبَعِ عَلَى اثْنَتَيْنِ وَ مِنَ الْأَصَابِعِ الْخَمْسِ عَلَى أَرْبَعٍ وَ مِنْ مَنْفَذَيْنِ لِلزِّبْلِ وَ الْبَوْلِ عَلَى وَاحِدٍ يَجْمَعُهُمَا ثُمَّ خُلِقَ ذَا جُؤْجُؤٍ مُحَدَّدٍ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرِقَ الْهَوَاءَ كَيْفَ مَا أَخَذَ فِيهِ كَمَا جُعِلَ السَّفِينَةُ بِهَذِهِ الْهَيْئَةِ لِتَشُقَّ الْمَاءَ وَ تَنْفُذَ فِيهِ وَ جُعِلَ فِي جَنَاحَيْهِ وَ ذَنَبِهِ رِيشَاتٌ طِوَالٌ مِتَانٌ لِيَنْهَضَ بِهَا لِلطَّيَرَانِ وَ كُسِيَ كُلُّهُ الرِّيشَ لِيُدَاخِلَهُ الْهَوَاءُ فَيُقِلَّهُ وَ لَمَّا قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ طُعْمُهُ الْحَبَّ وَ اللَّحْمَ يَبْلَعُهُ بَلْعاً بِلَا مَضْغٍ نُقِصَ مِنْ خَلْقِهِ الْأَسْنَانُ وَ خُلِقَ لَهُ مِنْقَارٌ صُلْبٌ جَاسٍ يَتَنَاوَلُ بِهِ طُعْمَهُ فَلَا ينسجح [يَنْسَحِجُ مِنْ لَقْطِ الْحَبِّ وَ لَا يَتَقَصَّفُ مِنْ نَهْشِ اللَّحْمِ وَ لَمَّا عَدِمَ الْأَسْنَانَ وَ صَارَ يَزْدَرِدُ الْحَبَ‏ (1) صَحِيحاً وَ اللَّحْمَ غَرِيضاً أُعِينَ بِفَضْلِ حَرَارَةٍ فِي الْجَوْفِ تَطْحَنُ لَهُ الطُّعْمَ طَحْناً يَسْتَغْنِي بِهِ عَنِ الْمَضْغِ وَ اعْتَبِرْ ذَلِكَ بِأَنَّ عَجَمَ الْعِنَبِ وَ غَيْرِهِ يَخْرُجُ مِنْ أَجْوَافِ الْإِنْسِ صَحِيحاً وَ يُطْحَنُ فِي أَجْوَافِ الطَّيْرِ لَا يُرَى لَهُ أَثَرٌ ثُمَّ جُعِلَ مِمَّا يَبِيضُ بَيْضاً وَ لَا يَلِدُ وِلَادَةً لِكَيْلَا يَثْقُلَ عَنِ الطَّيَرَانِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَتِ الْفِرَاخُ فِي جَوْفِهِ تَمْكُثُ حَتَّى تَسْتَحْكِمَ لَأَثْقَلَتْهُ وَ عَاقَتْهُ عَنِ النُّهُوضِ‏

____________



(1) أي يبتلعه و يسرع.

104

وَ الطَّيَرَانِ فَجُعِلَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ مِنْ خَلْقِهِ مُشَاكِلًا لِلْأَمْرِ الَّذِي قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ ثُمَّ صَارَ الطَّائِرُ السَّائِحُ فِي هَذَا الْجَوِّ يَقْعُدُ عَلَى بَيْضِهِ فَيَحْضُنُهُ أُسْبُوعاً وَ بَعْضُهَا أُسْبُوعَيْنِ وَ بَعْضُهَا ثَلَاثَةَ أَسَابِيعَ حَتَّى يَخْرُجَ الْفَرْخُ مِنَ الْبَيْضَةِ ثُمَّ يُقْبِلُ عَلَيْهِ فَيَزُقُّهُ الرِّيحَ لِتَتَّسِعَ حَوْصَلَتُهُ لِلْغِذَاءِ ثُمَّ يُرَبِّيهِ وَ يُغَذِّيهِ بِمَا يَعِيشُ بِهِ فَمَنْ كَلَّفَهُ أَنْ يَلْقُطَ الطُّعْمَ وَ يَسْتَخْرِجَهُ بَعْدَ أَنْ يَسْتَقِرَّ فِي حَوْصَلَتِهِ وَ يَغْذُو بِهِ فِرَاخَهُ وَ لِأَيِّ مَعْنًى يَحْتَمِلُ هَذِهِ الْمَشَقَّةَ وَ لَيْسَ بِذِي رَوِيَّةٍ وَ لَا تَفَكُّرٍ وَ لَا يَأْمُلُ فِي فِرَاخِهِ مَا يَأْمُلُ الْإِنْسَانُ فِي وَلَدِهِ مِنَ الْعِزِّ وَ الرَّفْدِ (1) وَ بَقَاءِ الذِّكْرِ فَهَذَا هُوَ فِعْلٌ‏ (2) يَشْهَدُ بِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى فِرَاخِهِ لِعِلَّةٍ لَا يَعْرِفُهَا وَ لَا يُفَكِّرُ فِيهَا وَ هِيَ دَوَامُ النَّسْلِ وَ بَقَاؤُهُ لُطْفاً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ انْظُرْ إِلَى الدَّجَاجَةِ كَيْفَ تُهَيَّجُ لِحِضْنِ الْبَيْضِ وَ التَّفْرِيخِ وَ لَيْسَ لَهَا بَيْضٌ مُجْتَمَعٌ وَ لَا وَكْرٌ (3) مُوَطَّأٌ بَلْ تَنْبَعِثُ وَ تَنْتَفِخُ وَ تُقَوْقِي وَ تَمْتَنِعُ مِنَ الطُّعْمِ حَتَّى يُجْمَعَ لَهَا الْبَيْضُ فَتَحْضُنُهُ وَ تُفْرِخُ فَلِمَ كَانَ ذَلِكَ مِنْهَا إِلَّا لِإِقَامَةِ النَّسْلِ وَ مَنْ أَخَذَهَا بِإِقَامَةِ النَّسْلِ وَ لَا رَوِيَّةَ وَ لَا تَفَكُّرَ لَوْ لَا أَنَّهَا مَجْبُولَةٌ عَلَى ذَلِكَ اعْتَبِرْ بِخَلْقِ الْبَيْضَةِ وَ مَا فِيهَا مِنَ الْمُحِّ الْأَصْفَرِ الْخَاثِرِ وَ الْمَاءِ الْأَبْيَضِ الرَّقِيقِ فَبَعْضُهُ لِيَنْتَشِرَ مِنْهُ الْفَرْخُ وَ بَعْضُهُ لِيُغَذَّى بِهِ‏ (4) إِلَى أَنْ تَنْقَابَ عَنْهُ الْبَيْضَةُ وَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّدْبِيرِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ نُشُوءُ الْفَرْخِ فِي تِلْكَ الْقِشْرَةِ الْمُسْتَحْصَنَةِ الَّتِي لَا مَسَاغَ لِشَيْ‏ءٍ إِلَيْهَا لَجُعِلَ مَعَهُ فِي جَوْفِهَا مِنَ الْغِذَاءِ مَا يَكْتَفِي بِهِ إِلَى وَقْتِ خُرُوجِهِ مِنْهَا كَمَنْ يُحْبَسُ فِي حَبْسٍ حَصِينٍ لَا يُوصَلُ إِلَى مَنْ فِيهِ فَيُجْعَلُ مَعَهُ مِنَ الْقُوتِ مَا يَكْتَفِي بِهِ إِلَى وَقْتِ خُرُوجِهِ مِنْهُ فَكِّرْ فِي حَوْصَلَةِ الطَّائِرِ وَ مَا قُدِّرَ لَهُ فَإِنَّ مَسْلَكَ الطُّعْمِ إِلَى الْقَانِصَةِ (5) ضَيِّقٌ لَا يَنْفُذُ فِيهِ الطَّعَامُ إِلَّا قَلِيلًا قَلِيلًا فَلَوْ كَانَ الطَّائِرُ لَا يَلْقُطُ حَبَّةً ثَانِيَةً حَتَّى تَصِلَ الْأُولَى إِلَى الْقَانِصَةِ لَطَالَ عَلَيْهِ وَ مَتَى كَانَ يَسْتَوْفِي طُعْمَهُ فَإِنَّمَا يَخْتَلِسُهُ اخْتِلَاساً لِشِدَّةِ الْحَذَرِ

____________



(1) الرفد: النصيب، المعاونة.

(2) و في نسخة: فهذا من فعله يشهد بأنّه معطوف على فراخه.

(3) الوكر- بفتح الواو و سكون الكاف-: عش الطائر.

(4) و في نسخة: ليغتذى به.

(5) القانصة للطير: كالمعدة للإنسان.

105

فَجُعِلَتِ الْحَوْصَلَةُ كَالْمِخْلَاةِ الْمُعَلَّقَةِ أَمَامَهُ لِيُوعِيَ فِيهَا مَا أَدْرَكَ مِنَ الطُّعْمِ بِسُرْعَةٍ ثُمَّ تُنْفِذُهُ إِلَى الْقَانِصَةِ عَلَى مَهْلٍ وَ فِي الْحَوْصَلَةِ أَيْضاً خَلَّةٌ أُخْرَى فَإِنَّ مِنَ الطَّائِرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَزُقَّ فِرَاخَهُ فَيَكُونُ رَدُّهُ لِلطُّعْمِ مِنْ قُرْبٍ أَسْهَلَ عَلَيْهِ.

توضيح أقلّه أي حمله و رفعه و جسا كدعا صلب و يبس و يقال سحجت جلده فانسحج أي قشرته فانقشر و التقصّف التكسّر و الغريض الطريّ أي غير مطبوخ و العجم بالتحريك النوى و حضن الطائر بيضته يحضنه إذا ضمّه إلى نفسه تحت جناحه و زقّ الطائر فرخه يزقّه أي أطعمه بفيه و تقوقي أي تصيح و المحّ بضم الميم و الحاء المهملة صفرة البيض و في بعض النسخ بالخاء المعجمة و قال الأصمعي أخثرت الزبد تركته خاثرا و ذلك إذا لم تذبه و تنقاب أي تنفلق.

6 قَالَ الْمُفَضَّلُ فَقُلْتُ يَا مَوْلَايَ إِنَّ قَوْماً مِنَ الْمُعَطِّلَةِ يَزْعُمُونَ أَنَّ اخْتِلَافَ الْأَلْوَانِ وَ الْأَشْكَالِ فِي الطَّيْرِ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ قِبَلِ امْتِزَاجِ الْأَخْلَاطِ وَ اخْتِلَافِ مَقَادِيرِهَا بِالْمَرَجِ وَ الْإِهْمَالِ فَقَالَ يَا مُفَضَّلُ هَذَا الْوَشْيُ الَّذِي تَرَاهُ فِي الطَّوَاوِيسِ وَ الدُّرَّاجِ وَ التَّدَارِجِ‏ (1) عَلَى اسْتِوَاءٍ وَ مُقَابَلَةٍ كَنَحْوِ مَا يَخُطُّ بِالْأَقْلَامِ كَيْفَ يَأْتِي بِهِ الِامْتِزَاجُ الْمُهْمَلُ عَلَى شَكْلٍ وَاحِدٍ لَا يَخْتَلِفُ وَ لَوْ كَانَ بِالْإِهْمَالِ لَعَدِمَ الِاسْتِوَاءَ وَ لَكَانَ مُخْتَلِفاً تَأَمَّلْ رِيشَ الطَّيْرِ كَيْفَ هُوَ فَإِنَّكَ تَرَاهُ مَنْسُوجاً كَنَسْجِ الثَّوْبِ مِنْ سُلُوكٍ دِقَاقٍ قَدْ أُلِّفَ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ كَتَأْلِيفِ الْخَيْطِ إِلَى الْخَيْطِ وَ الشَّعْرَةِ إِلَى الشَّعْرَةِ ثُمَّ تَرَى ذَلِكَ النَّسْجَ إِذَا مَدَدْتَهُ يَنْفَتِحُ قَلِيلًا وَ لَا يَنْشَقُّ لِتُدَاخِلَهُ الرِّيحُ فَيَقِلَّ الطَّائِرُ إِذَا طَارَ وَ تَرَى فِي وَسَطِ الرِّيشَةِ عَمُوداً غَلِيظاً مَتِيناً قَدْ نُسِجَ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ مِثْلُ الشَّعْرِ لِيُمْسِكَهُ بِصَلَابَتِهِ وَ هُوَ الْقَصَبَةُ الَّتِي هُوَ فِي وَسَطِ الرِّيشَةِ وَ هُوَ مَعَ ذَلِكَ أَجْوَفُ لِيَخِفَّ عَلَى الطَّائِرِ وَ لَا يَعُوقَهُ عَنِ الطَّيَرَانِ.

____________

(1) قال الدميرى: التدرج كحبرج: طائر كالدرّاج يغرد في البساتين بأصوات طيبة، يسمن عند صفاء الهواء و هبوب الشمال، و يهزل عند كدورته و هبوب الجنوب، يتخذ داره في التراب اللين، و يضع البيض فيها لئلا يتعرض للآفات. و قال ابن زهر: هو طائر مليح يكون بأرض خراسان و غيرها من بلاد فارس.

106

بيان: المرج بالتحريك الفساد و الاضطراب و الاختلاط و في بعض النسخ بالزاي المعجمة و الأول أظهر و الوشي نقش الثوب و يكون من كل لون و السلوك جمع السلك و هو جمع السلكة بالكسر الخيط يخاط بها.

هَلْ رَأَيْتَ يَا مُفَضَّلُ هَذَا الطَّائِرَ الطَّوِيلَ السَّاقَيْنِ وَ عَرَفْتَ مَا لَهُ مِنَ الْمَنْفَعَةِ فِي طُولِ سَاقَيْهِ فَإِنَّهُ أَكْثَرُ ذَلِكَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ الْمَاءِ فَتَرَاهُ بِسَاقَيْنِ طَوِيلَيْنِ كَأَنَّهُ رَبِيئَةٌ فَوْقَ مَرْقَبٍ وَ هُوَ يَتَأَمَّلُ مَا يَدِبُّ فِي الْمَاءِ فَإِذَا رَأَى شَيْئاً مِمَّا يَتَقَوَّتُ بِهِ خَطَا خُطُوَاتٍ رَقِيقاً (1) حَتَّى يَتَنَاوَلَهُ وَ لَوْ كَانَ قَصِيرَ السَّاقَيْنِ وَ كَانَ يَخْطُو نَحْوَ الصَّيْدِ لِيَأْخُذَهُ يُصِيبُ بَطْنُهُ الْمَاءَ فَيَثُورُ وَ يُذْعَرُ مِنْهُ فَيَتَفَرَّقُ عَنْهُ فَخُلِقَ لَهُ ذَلِكَ الْعَمُودَانِ لِيُدْرِكَ بِهِمَا حَاجَتَهُ وَ لَا يَفْسُدَ عَلَيْهِ مَطْلَبُهُ تَأَمَّلْ ضُرُوبَ التَّدْبِيرِ فِي خَلْقِ الطَّائِرِ فَإِنَّكَ تَجِدُ كُلَّ طَائِرٍ طَوِيلِ السَّاقَيْنِ طَوِيلَ الْعُنُقِ وَ ذَلِكَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ تَنَاوُلِ طُعْمِهِ مِنَ الْأَرْضِ وَ لَوْ كَانَ طَوِيلَ السَّاقَيْنِ قَصِيرَ الْعُنُقِ لَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَتَنَاوَلَ شَيْئاً مِنَ الْأَرْضِ وَ رُبَّمَا أُعِينَ مَعَ طُولِ الْعُنُقِ‏ (2) بِطُولِ الْمَنَاقِيرِ لِيَزْدَادَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ سُهُولَةً لَهُ وَ إِمْكَاناً أَ فَلَا تَرَى أَنَّكَ لَا تُفَتِّشُ شَيْئاً مِنَ الْخِلْقَةِ إِلَّا وَجَدْتَهُ عَلَى غَايَةِ الصَّوَابِ وَ الْحِكْمَةِ.

توضيح ماء ضحضاح أي قريب القعر و الربيئة بالهمز العين و الطليعة الذي ينظر للقوم لئلا يدهمهم عدو و لا يكون إلا على جبل أو شرف و المرقب الموضع المشرف يرتفع عليه الرقيب و الذعر الخوف.

انْظُرْ إِلَى الْعَصَافِيرِ كَيْفَ تَطْلُبُ أُكُلَهَا بِالنَّهَارِ فَهِيَ لَا تَفْقِدُهُ وَ لَا هِيَ تَجِدُهُ مَجْمُوعاً مُعَدّاً بَلْ تَنَالُهُ بِالْحَرَكَةِ وَ الطَّلَبِ وَ كَذَلِكَ الْخَلْقُ كُلُّهُ فَسُبْحَانَ مَنْ قَدَّرَ الرِّزْقَ كَيْفَ قَوَّتَهُ‏ (3) فَلَمْ يَجْعَلْ مِمَّا لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ إِذْ جَعَلَ لِلْخَلْقِ حَاجَةً إِلَيْهِ وَ لَمْ يَجْعَلْهُ مَبْذُولًا وَ يُنَالُ بِالْهُوَيْنَا إِذْ كَانَ لَا صَلَاحَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ يُوجَدُ مَجْمُوعاً مُعَدّاً كَانَتِ الْبَهَائِمُ تَتَقَلَّبُ عَلَيْهِ وَ لَا تَنْقَلِعُ حَتَّى تَبْشَمَ فَتَهْلِكَ وَ كَانَ النَّاسُ أَيْضاً يَصِيرُونَ بِالْفَرَاغِ إِلَى غَايَةِ الْأَشَرِ وَ الْبَطَرِ حَتَّى يَكْثُرَ الْفَسَادُ وَ يَظْهَرَ الْفَوَاحِشُ‏

____________



(1) و في نسخة: خطوات رقيقات.

(2) و في نسخة: اعين على طول العنق.

(3) و في نسخة: كيف قدّره.

107

أَ عَلِمْتَ مَا طُعْمُ هَذِهِ الْأَصْنَافِ مِنَ الطَّيْرِ الَّتِي لَا تَخْرُجُ إِلَّا بِاللَّيْلِ كَمِثْلِ الْبُومِ وَ الْهَامِ‏ (1) وَ الْخُفَّاشِ قُلْتُ لَا يَا مَوْلَايَ قَالَ إِنَّ مَعَاشَهَا مِنْ ضُرُوبٍ تَنْتَشِرُ فِي هَذَا الْجَوِّ مِنَ الْبَعُوضِ وَ الْفَرَاشِ وَ أَشْبَاهِ الْجَرَادِ وَ الْيَعَاسِيبِ وَ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الضُّرُوبَ مَبْثُوثَةٌ فِي الْجَوِّ لَا يَخْلُو مِنْهَا مَوْضِعٌ وَ اعْتَبِرْ ذَلِكَ بِأَنَّكَ إِذَا وَضَعْتَ سِرَاجاً بِاللَّيْلِ فِي سَطْحٍ أَوْ عَرْصَةِ دَارٍ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا شَيْ‏ءٌ كَثِيرٌ فَمِنْ أَيْنَ يَأْتِي ذَلِكَ كُلُّهُ إِلَّا مِنَ الْقُرْبِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إِنَّهُ يَأْتِي مِنَ الصَّحَارِي وَ الْبَرَارِي قِيلَ لَهُ كَيْفَ يُوَافِي تِلْكَ السَّاعَةَ مِنْ مَوْضِعٍ بَعِيدٍ وَ كَيْفَ يُبْصِرُ مِنْ ذَلِكَ الْبُعْدِ سِرَاجاً فِي دَارٍ مَحْفُوفَةٍ بِالدُّورِ فَيَقْصِدُ إِلَيْهِ مَعَ أَنَّ هَذِهِ عِيَاناً تَتَهَافَتُ عَلَى السِّرَاجِ‏ (2) مِنْ قُرْبٍ فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا مُنْتَشِرَةٌ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنَ الْجَوِّ فَهَذِهِ الْأَصْنَافُ مِنَ الطَّيْرِ تَلْتَمِسُهَا إِذَا خَرَجَتْ فَتَتَقَوَّتُ بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ وُجِّهَ الرِّزْقُ لِهَذِهِ الطُّيُورِ الَّتِي لَا تَخْرُجُ إِلَّا بِاللَّيْلِ مِنْ هَذِهِ الضُّرُوبِ الْمُنْتَشِرَةِ فِي الْجَوِّ وَ اعْرِفْ مَعَ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي خَلْقِ هَذِهِ الضُّرُوبِ الْمُنْتَشِرَةِ الَّتِي عَسَى أَنْ يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّهَا فَضْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ خُلِقَ الْخُفَّاشُ خِلْقَةً عَجِيبَةً بَيْنَ خِلْقَةِ الطَّيْرِ وَ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ [بَلْ هُوَ إِلَى ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ أَقْرَبُ وَ ذَلِكَ أَنَّهُ ذُو أُذُنَيْنِ نَاشِزَتَيْنِ وَ أَسْنَانٍ وَ وَبَرٍ (3) وَ هُوَ يَلِدُ وِلَاداً وَ يَرْضِعُ وَ يَبُولُ وَ يَمْشِي إِذَا مَشَى عَلَى أَرْبَعٍ وَ كُلُّ هَذَا خِلَافُ صِفَةِ الطَّيْرِ ثُمَّ هُوَ أَيْضاً مِمَّا يَخْرُجُ بِاللَّيْلِ وَ يَتَقَوَّتُ مِمَّا يَسْرِي فِي الْجَوِّ مِنَ الْفَرَاشِ وَ مَا أَشْبَهَهُ وَ قَدْ قَالَ قَائِلُونَ إِنَّهُ لَا طُعْمَ لِلْخُفَّاشِ وَ إِنَّ غِذَاءَهُ مِنَ النَّسِيمِ وَحْدَهُ وَ ذَلِكَ يَفْسُدُ وَ يَبْطُلُ مِنْ جِهَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا خُرُوجُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ مِنَ الثُّفْلِ وَ الْبَوْلِ فَإِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ مِنْ غَيْرِ طُعْمٍ وَ الْأُخْرَى أَنَّهُ ذُو أَسْنَانٍ وَ لَوْ كَانَ لَا يَطْعَمُ شَيْئاً لَمْ يَكُنْ لِلْأَسْنَانِ فِيهِ مَعْنًى وَ لَيْسَ فِي الْخِلْقَةِ شَيْ‏ءٌ لَا مَعْنَى لَهُ وَ أَمَّا الْمَآرِبُ فِيهِ فَمَعْرُوفَةٌ

____________



(1) جمع الهامة: نوع من البوم الصغير، تألف القبور و الاماكن الخربة، و تنظر من كل مكان أينما درت أدارت رأسها. و تسمى أيضا الصدى.

(2) أي تساقط عليه و تتابع.

(3) أضاف الدميرى له خصيصتين، و قال: يحيض و يطهر، و يضحك كما يضحك الإنسان.

108

حَتَّى إِنَّ زِبْلَهُ يَدْخُلُ فِي بَعْضِ الْأَعْمَالِ‏ (1) وَ مِنْ أَعْظَمِ الْإِرْبِ فِيهِ خِلْقَتُهُ الْعَجِيبَةُ الدَّالَّةُ عَلَى قُدْرَةِ الْخَالِقِ جَلَّ شَأْنُهُ وَ تَصَرُّفِهَا فِيمَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ لِضَرْبٍ مِنَ الْمَصْلَحَةِ فَأَمَّا الطَّائِرُ الصَّغِيرُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ ابْنُ تُمَّرَةَ فَقَدْ عَشَّشَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فِي بَعْضِ الشَّجَرِ فَنَظَرَ إِلَى حَيَّةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ أَقْبَلَتْ نَحْوَ عُشِّهِ فَاغِرَةً فَاهَا لِتَبْلَعَهُ فَبَيْنَمَا هُوَ يَتَقَلَّبُ وَ يَضْطَرِبُ فِي طَلَبِ حِيلَةٍ مِنْهَا إِذَا وَجَدَ حَسَكَةً فَحَمَلَهَا فَأَلْقَاهَا فِي فَمِ الْحَيَّةِ فَلَمْ تَزَلِ الْحَيَّةُ تَلْتَوِي وَ تَتَقَلَّبُ حَتَّى مَاتَتْ أَ فَرَأَيْتَ لَوْ لَمْ أُخْبِرْكَ بِذَلِكَ كَانَ يَخْطُرُ بِبَالِكَ أَوْ بِبَالِ غَيْرِكَ أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ حَسَكَةٍ مِثْلُ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ الْعَظِيمَةِ أَوْ يَكُونُ مِنْ طَائِرٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ مِثْلُ هَذِهِ الْحِيلَةِ اعْتَبِرْ بِهَذَا وَ كَثِيرٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ تَكُونُ فِيهَا مَنَافِعُ لَا تُعْرَفُ إِلَّا بِحَادِثٍ يُحْدَثُ بِهِ أَوْ خَبَرٍ يُسْمَعُ بِهِ انْظُرْ إِلَى النَّحْلِ وَ احْتِشَادِهِ فِي صَنْعَةِ الْعَسَلِ وَ تَهْيِئَةِ الْبُيُوتِ الْمُسَدَّسَةِ وَ مَا تَرَى فِي ذَلِكَ اجْتِمَاعَهُ مِنْ دَقَائِقِ الْفِطْنَةِ (2) فَإِنَّكَ إِذَا تَأَمَّلْتَ الْعَمَلَ رَأَيْتَهُ عَجِيباً لَطِيفاً وَ إِذَا رَأَيْتَ الْمَعْمُولَ وَجَدْتَهُ عَظِيماً شَرِيفاً مَوْقِعُهُ مِنَ النَّاسِ وَ إِذَا رَجَعْتَ إِلَى الْفَاعِلِ أَلْفَيْتَهُ غَبِيّاً جَاهِلًا بِنَفْسِهِ فَضْلًا عَمَّا سِوَى ذَلِكَ فَفِي هَذَا أَوْضَحُ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ وَ الْحِكْمَةَ فِي هَذِهِ الصَّنْعَةِ لَيْسَ لِلنَّحْلِ بَلْ هِيَ لِلَّذِي طَبَعَهُ عَلَيْهَا وَ سَخَّرَهُ فِيهَا لِمَصْلَحَةِ النَّاسِ انْظُرْ إِلَى هَذَا الْجَرَادِ مَا أَضْعَفَهُ وَ أَقْوَاهُ فَإِنَّكَ إِذَا تَأَمَّلْتَ خَلْقَهُ رَأَيْتَهُ كَأَضْعَفِ الْأَشْيَاءِ وَ إِنْ دَلَفَتْ عَسَاكِرُهُ نَحْوَ بَلَدٍ مِنَ الْبُلْدَانِ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَحْمِيَهُ مِنْهُ أَ لَا تَرَى أَنَّ مَلِكاً مِنْ مُلُوكِ الْأَرْضِ لَوْ جَمَعَ خَيْلَهُ وَ رَجِلَهُ لِيَحْمِيَ بِلَادَهُ مِنَ الْجَرَادِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ أَ فَلَيْسَ مِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى قُدْرَةِ الْخَالِقِ أَنْ يَبْعَثَ أَضْعَفَ خَلْقِهِ إِلَى أَقْوَى خَلْقِهِ فَلَا يَسْتَطِيعُ دَفْعَهُ انْظُرْ إِلَيْهِ كَيْفَ يَنْسَابُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِثْلَ السَّيْلِ فَيُغْشِي السَّهْلَ وَ الْجَبَلَ وَ الْبَدْوَ وَ الْحَضَرَ حَتَّى يَسْتُرَ نُورَ الشَّمْسِ بِكَثْرَتِهِ فَلَوْ كَانَ هَذَا مِمَّا يُصْنَعُ بِالْأَيْدِي‏

____________



(1) قد ذكر الدميرى لاجزائه خواصا كثيرة: منها ان طبخ رأسه في إناء نحاس أو حديد بدهن زنبق و يغمر فيه مرارا حتّى يتهرّى و يصفى ذلك الدهن عنه، و يدهن به صاحب النقرس و الفالج القديم و الارتعاش، و التورّم في الجسد فانه ينفعه ذلك و يبرئه، و منها ان زبله إذا طلى به على القوابى قلعها. و غير ذلك من الفوائد.

(2) و في نسخة: و ما ترى في اجتماعه من دقائق الفطنة.

109

مَتَى كَانَ يَجْتَمِعُ مِنْهُ هَذِهِ الْكَثْرَةُ وَ فِي كَمْ مِنْ سَنَةٍ كَانَ يَرْتَفِعُ فَاسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى الْقُدْرَةِ الَّتِي لَا يَئُودُهَا شَيْ‏ءٌ وَ يُكْثِرُ عَلَيْهَا تَأَمَّلْ خَلْقَ السَّمَكِ وَ مُشَاكَلَتَهُ لِلْأَمْرِ الَّذِي قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ خُلِقَ غَيْرَ ذِي قَوَائِمَ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْمَشْيِ إِذَا كَانَ مَسْكَنُهُ الْمَاءَ وَ خُلِقَ غَيْرَ ذِي رِيَةٍ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَنَفَّسَ وَ هُوَ مُنْغَمِسٌ فِي اللُّجَّةِ وَ جُعِلَتْ لَهُ مَكَانَ الْقَوَائِمَ أَجْنِحَةٌ شِدَادٌ يَضْرِبُ بِهَا فِي جَانِبَيْهِ كَمَا يَضْرِبُ الْمَلَّاحُ بِالْمَجَاذِيفِ مِنْ جَانِبَيِ السَّفِينَةِ وَ كُسِيَ جِسْمُهُ قُشُوراً مِتَاناً مُتَدَاخِلَةً كَتَدَاخُلِ الدُّرُوعِ وَ الْجَوَاشِنِ لِتَقِيَهُ مِنَ الْآفَاتِ فَأُعِينَ بِفَضْلِ حِسٍّ فِي الشَّمِّ لِأَنَّ بَصَرَهُ ضَعِيفٌ وَ الْمَاءُ يَحْجُبُهُ فَصَارَ يَشَمُّ الطُّعْمَ مِنَ الْبُعْدِ الْبَعِيدِ فَيَنْتَجِعُهُ وَ إِلَّا فَكَيْفَ يَعْلَمُ بِهِ وَ بِمَوْضِعِهِ وَ اعْلَمْ أَنَّ مِنْ فِيهِ إِلَى صِمَاخَيْهِ مَنَافِذَ فَهُوَ يَعُبُّ الْمَاءَ بِفِيهِ‏ (1) وَ يُرْسِلُهُ مِنْ صِمَاخَيْهِ‏ (2) فَتَرَوَّحَ إِلَى ذَلِكَ كَمَا يَتَرَوَّحُ غَيْرُهُ مِنَ الْحَيَوَانِ إِلَى تَنَسُّمِ هَذَا النَّسِيمِ فَكِّرِ الْآنَ فِي كَثْرَةِ نَسْلِهِ وَ مَا خُصَّ بِهِ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّكَ تَرَى فِي جَوْفِ السَّمَكَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ الْبَيْضِ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً وَ الْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَتَّسِعَ لِمَا يَغْتَذِي بِهِ مِنْ أَصْنَافِ الْحَيَوَانِ فَإِنَّ أَكْثَرَهَا يَأْكُلُ السَّمَكَ حَتَّى إِنَّ السِّبَاعَ أَيْضاً فِي حَافَاتِ الْآجَامِ عَاكِفَةٌ عَلَى الْمَاءِ أَيْضاً كَيْ تُرْصِدَ السَّمَكَ فَإِذَا مَرَّ بِهَا خَطِفَتْهُ فَلَمَّا كَانَتِ السِّبَاعُ تَأْكُلُ السَّمَكَ وَ الطَّيْرُ يَأْكُلُ السَّمَكَ وَ النَّاسُ يَأْكُلُونَ السَّمَكَ وَ السَّمَكُ يَأْكُلُ السَّمَكَ كَانَ مِنَ التَّدْبِيرِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْكَثْرَةِ فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ سَعَةَ حِكْمَةِ الْخَالِقِ وَ قِصَرَ عِلْمِ الْمَخْلُوقِينَ فَانْظُرْ إِلَى مَا فِي الْبِحَارِ مِنْ ضُرُوبِ السَّمَكِ وَ دَوَابِّ الْمَاءِ وَ الْأَصْدَافِ وَ الْأَصْنَافِ الَّتِي لَا تُحْصَى وَ لَا تُعْرَفُ مَنَافِعُهَا إِلَّا الشَّيْ‏ءُ بَعْدَ الشَّيْ‏ءِ يُدْرِكُهُ النَّاسُ بِأَسْبَابٍ تُحْدَثُ مِثْلُ الْقِرْمِزِ فَإِنَّهُ إِنَّمَا عَرَفَ النَّاسُ صِبْغَهُ بِأَنَّ كَلْبَةً تَجُولُ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ فَوَجَدَتْ شَيْئاً مِنَ الصِّنْفِ الَّذِي يُسَمَّى الْحَلَزُونَ فَأَكَلَتْهُ فَاخْتَضَبَ خَطْمُهَا بِدَمِهِ فَنَظَرَ النَّاسُ إِلَى حُسْنِهِ فَاتَّخَذُوهُ صِبْغاً وَ أَشْبَاهُ هَذَا مِمَّا يَقِفُ النَّاسُ عَلَيْهِ حَالًا بَعْدَ حَالٍ وَ زَمَاناً بَعْدَ زَمَانٍ‏

____________



(1) أي شربه أو كرعه بلا تنفس.

(2) الصمخ: خرق الاذن الباطن الماضى إلى الرأس.

110

قَالَ الْمُفَضَّلُ حَانَ وَقْتُ الزَّوَالِ فَقَامَ مَوْلَايَ(ع)إِلَى الصَّلَاةِ وَ قَالَ بَكِّرْ إِلَيَّ غَداً إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَانْصَرَفْتُ وَ قَدْ تُضَاعَفُ سُرُورِي بِمَا عَرَّفَنِيهِ مُبْتَهِجاً بِمَا مَنَحَنِيهِ حَامِداً لِلَّهِ عَلَى مَا آتَانِيهِ فَبِتُّ لَيْلَتِي مَسْرُوراً مُبْتَهِجاً.

بيان البشم محركة التخمة و السأمة بشم كفرح و أبشمه الطعام و الفراش هي التي تقع في السراج و اليعسوب أمير النحل و طائر أصغر من الجرادة أو أعظم و قوله(ع)ناشزتين بالمعجمة أي مرتفعين و في بعض النسخ بالمهملة أي مبسوطتين و السري السير بالليل و قال الفيروزآبادي و التمرة كقبرة و ابن تمرة طائر أصغر من العصفور انتهى‏ (1) و فغر فاه أي فتحه و الحسك محركة نبات تعلق ثمرته بصوف الغنم قوله(ع)غبيا جاهلا أي ليس له عقل يتصرف في سائر الأشياء على نحو تصرفه في ذلك الأمر المخصوص فظهر أن خصوص هذا الأمر إلهام من مدبر حكيم أو خلقة و طبيعة جبله عليها ليصدر عنه خصوص هذا الأمر لما فيه من المصلحة مع كونه غافلا عن المصلحة أيضا و لعل هذا يؤيد ما يقال إن الحيوانات العجم غير مدركة للكليات‏ (2) و يقال دلفت الكتيبة في الحرب أي تقدمت و يقال دلفناهم فالعساكر تحتمل الرفع و النصب و الرجل بالفتح جمع راجل خلاف الفارس و انساب جرى و مشى مسرعا و لا يئودها أي لا يثقلها و لجة الماء معظمه و المجذاف ما تجري به السفينة و انتجع طلب الكلاء في موضعه و حافات الآجام جوانبها و عكف على الشي‏ء أقبل عليه مواظبا و قال الفيروزآبادي القرمز صبغ أرمني يكون من عصارة دود في آجامهم و قال الحلزون محركة دابة تكون في الرمث أي بعض مراعي الإبل و يظهر من كلامه(ع)اتحادهما و يحتمل أن يكون المراد أن من صبغ الحلزون تفطنوا بإعمال القرمز للصبغ لتشابههما تم المجلس الثاني.

____________

(1) قال الدميرى: التمّر: طائر نحو الاوزّ في منقاره طول، و عنقه أطول من عنق الاوزّ. و في المنجد: التم: طائر مائى شبيه بالاوزّ أطول منه عنقا. أقول: الظاهر أنّه غلط و صحيحه كما في القاموس و غيره: التمّر بالراء.

(2) فيه ما لا يخفى فان إدراك الكليات غير الفكر الذي بمعنى الانتقال من النتيجة إلى المقدمات و منها إلى النتيجة، و كذا هو غير قوة الفكر؛ و الذي يلوح منه نفى قوة الفكر كالانسان و أمّا أصل الفكر و ادراك الكليات فلا. ط.

111

6 الْمَجْلِسُ الثَّالِثُ قَالَ الْمُفَضَّلُ فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ بَكَّرْتُ إِلَى مَوْلَايَ فَاسْتُوذِنَ لِي فَدَخَلْتُ فَأَذِنَ لِي بِالْجُلُوسِ فَجَلَسْتُ فَقَالَ(ع)الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اصْطَفَانَا وَ لَمْ يَصْطَفِ عَلَيْنَا اصْطَفَانَا بِعِلْمِهِ وَ أَيَّدَنَا بِحِلْمِهِ مَنْ شَذَّ عَنَّا (1) فَالنَّارُ مَأْوَاهُ وَ مَنْ تَفَيَّأَ بِظِلِّ دَوْحَتِنَا فَالْجَنَّةُ مَثْوَاهُ قَدْ شَرَحْتُ لَكَ يَا مُفَضَّلُ خَلْقَ الْإِنْسَانِ وَ مَا دُبِّرَ بِهِ وَ تَنَقُّلَهُ فِي أَحْوَالِهِ وَ مَا فِيهِ مِنَ الِاعْتِبَارِ وَ شَرَحْتُ لَكَ أَمْرَ الْحَيَوَانِ وَ أَنَا أَبْتَدِئُ الْآنَ بِذِكْرِ السَّمَاءِ وَ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ النُّجُومِ وَ الْفَلَكِ وَ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ وَ الرِّيَاحِ وَ الْجَوَاهِرِ الْأَرْبَعَةِ الْأَرْضِ وَ الْمَاءِ وَ الْهَوَاءِ وَ النَّارِ وَ الْمَطَرِ وَ الصَّخْرِ وَ الْجِبَالِ وَ الطِّينِ وَ الْحِجَارَةِ وَ الْمَعَادِنِ وَ النَّبَاتِ وَ النَّخْلِ وَ الشَّجَرِ وَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَ الْعِبَرِ فَكِّرْ فِي لَوْنِ السَّمَاءِ وَ مَا فِيهِ مِنْ صَوَابِ التَّدْبِيرِ فَإِنَّ هَذَا اللَّوْنَ أَشَدُّ الْأَلْوَانِ مُوَافَقَةً لِلْبَصَرِ وَ تَقْوِيَةً حَتَّى إِنَّ مِنْ صِفَاتِ الْأَطِبَّاءِ لِمَنْ أَصَابَهُ شَيْ‏ءٌ أَضَرَّ بِبَصَرِهِ إِدْمَانَ النَّظَرِ إِلَى الْخُضْرَةِ وَ مَا قَرُبَ مِنْهَا إِلَى السَّوَادِ (2) وَ قَدْ وَصَفَ الْحُذَّاقُ مِنْهُمْ لِمَنْ كَلَّ بَصَرُهُ الْإِطْلَاعَ فِي إِجَّانَةٍ (3) خَضْرَاءَ مَمْلُوَّةٍ مَاءً فَانْظُرْ كَيْفَ جَعَلَ اللَّهُ جَلَّ وَ تَعَالَى أَدِيمَ السَّمَاءِ بِهَذَا اللَّوْنِ الْأَخْضَرِ إِلَى السَّوَادِ لِيُمْسِكَ الْأَبْصَارَ الْمُنْقَلِبَةَ عَلَيْهِ فَلَا يَنْكِيَ فِيهَا بِطُولِ مُبَاشَرَتِهَا لَهُ فَصَارَ هَذَا الَّذِي أَدْرَكَهُ النَّاسُ بِالْفِكْرِ وَ الرَّوِيَّةِ وَ التَّجَارِبِ يُوجَدُ مَفْرُوغاً مِنْهُ فِي الْخِلْقَةِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ لِيَعْتَبِرَ بِهَا الْمُعْتَبِرُونَ وَ يُفَكِّرَ فِيهَا الْمُلْحِدُونَ‏ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ‏.

بيان اصطفانا بعلمه أي اختارنا و فضلنا على الخلق بأن أعطانا من علمه ما لم يعط أحدا و أيدنا بحلمه أي قوانا على تبليغ الرسالة بما حلانا به من حلمه لنصبر على ما يلقانا من أذى الناس و تكذيبهم و الدوحة الشجرة العظيمة و الصخر الحجر العظام و أديم السماء وجهها كما يطلق أديم الأرض على وجهها و يمكن أن يكون(ع)شبهها بالأديم و قوله ع‏ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ بالرفع خبر مبتدإ محذوف أو بالنصب بالحالية أو بكونه مفعولا لأجله.

____________

(1) أي تحزّب و انفرد عنا.

(2) إدمان النظر: إدامته.

(3) الاجانة: إناء تغسل فيه الثياب.

112

فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ غُرُوبِهَا لِإِقَامَةِ دَوْلَتَيِ النَّهَارِ وَ اللَّيْلِ فَلَوْ لَا طُلُوعُهَا لَبَطَلَ أَمْرُ الْعَالَمِ كُلِّهِ فَلَمْ يَكُنِ النَّاسُ يَسْعَوْنَ فِي مَعَايِشِهِمْ وَ يَتَصَرَّفُونَ فِي أُمُورِهِمْ وَ الدُّنْيَا مُظْلِمَةٌ عَلَيْهِمْ وَ لَمْ يَكُونُوا يَتَهَنَّئُونَ بِالْعَيْشِ مَعَ فَقْدِهِمْ لَذَّةَ النُّورِ وَ رَوْحَهُ وَ الْإِرْبُ فِي طُلُوعِهَا ظَاهِرٌ مُسْتَغْنٍ بِظُهُورِهِ عَنِ الْإِطْنَابِ فِي ذِكْرِهِ وَ الزِّيَادَةِ فِي شَرْحِهِ بَلْ تَأَمَّلِ الْمَنْفَعَةَ فِي غُرُوبِهَا فَلَوْ لَا غَرْبُهَا لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ هَدْءٌ وَ لَا قَرَارٌ مَعَ عِظَمِ حَاجَتِهِمْ إِلَى الْهَدْءِ وَ الرَّاحَةِ لِسُكُونِ أَبْدَانِهِمْ وَ جُمُومِ حَوَاسِّهِمْ وَ انْبِعَاثِ الْقُوَّةِ الْهَاضِمَةِ لِهَضْمِ الطَّعَامِ وَ تَنْفِيذِ الْغِذَاءِ إِلَى الْأَعْضَاءِ ثُمَّ كَانَ الْحِرْصُ يَسْتَحْمِلُهُمْ مِنْ مُدَاوَمَةِ الْعَمَلِ وَ مُطَاوَلَتِهِ عَلَى مَا يَعْظُمُ نِكَايَتُهُ فِي أَبْدَانِهِمْ فَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَوْ لَا جُثُومُ هَذَا اللَّيْلِ لِظُلْمَتِهِ عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ هَدْءٌ وَ لَا قَرَارٌ حِرْصاً عَلَى الْكَسْبِ وَ الْجَمْعِ وَ الِادِّخَارِ ثُمَّ كَانَتِ الْأَرْضُ تَسْتَحْمِي بِدَوَامِ الشَّمْسِ بِضِيَائِهَا وَ تُحْمِي كُلَّ مَا عَلَيْهَا مِنْ حَيَوَانٍ وَ نَبَاتٍ فَقَدَّرَهَا اللَّهُ بِحِكْمَتِهِ وَ تَدْبِيرِهِ تَطْلُعُ وَقْتاً وَ تَغْرُبُ وَقْتاً بِمَنْزِلَةِ سِرَاجٍ يُرْفَعُ لِأَهْلِ الْبَيْتِ تَارَةً لِيَقْضُوا حَوَائِجَهُمْ ثُمَّ يَغِيبُ عَنْهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ لِيَهْدَءُوا وَ يَقِرُّوا فَصَارَ النُّورُ وَ الظُّلْمَةُ مَعَ تَضَادِّهِمَا مُنْقَادَيْنِ مُتَظَاهِرَيْنِ عَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ الْعَالَمِ وَ قِوَامُهُ ثُمَّ فَكِّرْ بَعْدَ هَذَا فِي ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ وَ انْحِطَاطِهَا لِإِقَامَةِ هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ الْأَرْبَعَةِ مِنَ السَّنَةِ وَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّدْبِيرِ وَ الْمَصْلَحَةِ فَفِي الشِّتَاءِ تَعُودُ الْحَرَارَةُ فِي الشَّجَرِ وَ النَّبَاتِ فَيَتَوَلَّدُ فِيهِمَا مَوَادُّ الثِّمَارِ وَ يَسْتَكْثِفُ الْهَوَاءُ فَيَنْشَأُ مِنْهُ السَّحَابُ وَ الْمَطَرُ وَ تَشُدُّ أَبْدَانُ الْحَيَوَانِ وَ تَقْوَى وَ فِي الرَّبِيعِ تَتَحَرَّكُ وَ تَظْهَرُ الْمَوَادُّ الْمُتَوَلِّدَةُ فِي الشِّتَاءِ فَيَطْلُعُ النَّبَاتُ وَ تَنَوَّرُ الْأَشْجَارُ وَ يَهِيجُ الْحَيَوَانُ لِلسِّفَادِ وَ فِي الصَّيْفِ يَحْتَدِمُ الْهَوَاءُ فَتَنْضَجُ الثِّمَارُ وَ تَتَحَلَّلُ فُضُولُ الْأَبْدَانِ وَ يَجِفُّ وَجْهُ الْأَرْضِ فَتَهَيَّأُ لِلْبِنَاءِ وَ الْأَعْمَالِ وَ فِي الْخَرِيفِ يَصْفُو الْهَوَاءُ وَ يَرْتَفِعُ الْأَمْرَاضُ وَ يَصِحُّ الْأَبْدَانُ وَ يَمْتَدُّ اللَّيْلُ فَيُمْكِنُ فِيهِ بَعْضُ الْأَعْمَالِ لِطُولِهِ وَ يَطِيبُ الْهَوَاءُ فِيهِ إِلَى مَصَالِحَ أُخْرَى لَوْ تَقَصَّيْتُ لِذِكْرِهَا لَطَالَ فِيهَا الْكَلَامُ فَكِّرِ الْآنَ فِي تَنَقُّلِ الشَّمْسِ فِي الْبُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشَرَ لِإِقَامَةِ دَوْرِ السَّنَةِ وَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّدْبِيرِ فَهُوَ الدَّوْرُ الَّذِي تَصِحُّ بِهِ الْأَزْمِنَةُ الْأَرْبَعَةُ مِنَ السَّنَةِ الشِّتَاءُ وَ الرَّبِيعُ وَ الصَّيْفُ وَ الْخَرِيفُ وَ يَسْتَوْفِيهَا عَلَى التَّمَامِ وَ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ دَوَرَانِ الشَّمْسِ تُدْرِكُ‏

113

الْغَلَّاتُ وَ الثِّمَارُ وَ تَنْتَهِي إِلَى غَايَاتِهَا ثُمَّ تَعُودُ فَيَسْتَأْنِفُ النُّشُوءُ وَ النُّمُوُّ أَ لَا تَرَى أَنَّ السَّنَةَ مِقْدَارُ مَسِيرِ الشَّمْسِ مِنَ الْحَمَلِ إِلَى الْحَمَلِ فَبِالسَّنَةِ وَ أَخَوَاتِهَا يُكَالُ الزَّمَانُ مِنْ لَدُنْ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَالَمَ إِلَى كُلِّ وَقْتٍ وَ عَصْرٍ مِنْ غَابِرِ الْأَيَّامِ وَ بِهَا يَحْسُبُ النَّاسُ الْأَعْمَالَ‏ (1) وَ الْأَوْقَاتَ الْمُوَقَّتَةَ لِلدُّيُونِ وَ الْإِجَارَاتِ وَ الْمُعَامَلَاتِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِمْ وَ بِمَسِيرِ الشَّمْسِ يَكْمُلُ السَّنَةُ وَ يَقُومُ حِسَابُ الزَّمَانِ عَلَى الصِّحَّةِ انْظُرْ إِلَى شُرُوقِهَا عَلَى الْعَالَمِ كَيْفَ دُبِّرَ أَنْ يَكُونَ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ تَبْزُغُ فِي مَوْضِعٍ مِنَ السَّمَاءِ فَتَقِفُ لَا تَعْدُوهُ لَمَا وَصَلَ شُعَاعُهَا وَ مَنْفَعَتُهَا إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الْجِهَاتِ لِأَنَّ الْجِبَالَ وَ الْجُدْرَانَ كَانَتْ تَحْجُبُهَا عَنْهَا فَجُعِلَتْ تَطْلُعُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَتَشْرُقُ عَلَى مَا قَابَلَهَا مِنْ وَجْهِ الْمَغْرِبِ ثُمَّ لَا تَزَالُ تَدُورُ وَ تَمْشِي جِهَةً بَعْدَ جِهَةٍ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْمَغْرِبِ فَتَشْرُقَ عَلَى مَا اسْتَتَرَ عَنْهَا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فَلَا يَبْقَى مَوْضِعٌ مِنَ الْمَوَاضِعِ إِلَّا أَخَذَ بِقِسْطِهِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ (2) مِنْهَا وَ الْإِرْبِ الَّتِي قُدِّرَتْ لَهُ وَ لَوْ تَخَلَّفَتْ مِقْدَارَ عَامٍ أَوْ بَعْضَ عَامٍ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ حَالُهُمْ بَلْ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ بَقَاءٌ أَ فَلَا يَرَى النَّاسُ كَيْفَ هَذِهِ الْأُمُورُ الْجَلِيلَةُ (3) الَّتِي لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُمْ فِيهَا حِيلَةٌ فَصَارَ تَجْرِي عَلَى مَجَارِيهَا لَا تَعْتَلُّ وَ لَا تَتَخَلَّفُ عَنْ مَوَاقِيتِهَا لِصَلَاحِ الْعَالَمِ وَ مَا فِيهِ بَقَاؤُهُ اسْتَدِلَّ بِالْقَمَرِ فَفِيهِ دَلَالَةٌ جَلِيلَةٌ تَسْتَعْمِلُهَا الْعَامَّةُ فِي مَعْرِفَةِ الشُّهُورِ وَ لَا يَقُومُ عَلَيْهِ حِسَابُ السَّنَةِ لِأَنَّ دَوْرَهُ لَا يَسْتَوْفِي الْأَزْمِنَةَ الْأَرْبَعَةَ وَ نُشُوءَ الثِّمَارِ وَ تَصَرُّمَهَا وَ لِذَلِكَ صَارَتْ شُهُورُ الْقَمَرِ وَ سِنُوهُ تَتَخَلَّفُ عَنْ شُهُورِ الشَّمْسِ وَ سِنِيهَا وَ صَارَ الشَّهْرُ مِنْ شُهُورِ الْقَمَرِ يَنْتَقِلُ فَيَكُونُ مَرَّةً بِالشِّتَاءِ وَ مَرَّةً بِالصَّيْفِ فَكِّرْ فِي إِنَارَتِهِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَ الْإِرْبِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ مَعَ الْحَاجَةِ إِلَى الظُّلْمَةِ لِهَدْءِ الْحَيَوَانِ وَ بَرْدِ الْهَوَاءِ عَلَى النَّبَاتِ لَمْ يَكُنْ صَلَاحٌ فِي أَنْ يَكُونَ اللَّيْلُ ظُلْمَةً دَاجِيَةً لَا ضِيَاءَ فِيهَا فَلَا يُمْكِنُ فِيهِ شَيْ‏ءٌ مِنَ الْعَمَلِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا احْتَاجَ النَّاسُ إِلَى الْعَمَلِ بِاللَّيْلِ لِضِيقِ الْوَقْتِ عَلَيْهِمْ فِي تَقَصِّي الْأَعْمَالِ بِالنَّهَارِ (4) أَوْ لِشِدَّةِ الْحَرِّ وَ إِفْرَاطِهِ فَيَعْمَلُ فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ أَعْمَالًا

____________



(1) و في نسخة: و بها يحسب الناس الاعمار.

(2) أي بحصته و نصيبه من المنفعة.

(3) و في نسخة: كيف كان يكون للناس هذه الأمور الجليلة.

(4) و في نسخة: فى تقضى بعض الاعمال بالنهار.

114

شَتَّى كَحَرْثِ الْأَرْضِ وَ ضَرْبِ اللَّبَنِ وَ قَطْعِ الْخَشَبِ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَجُعِلَ ضَوْءُ الْقَمَرِ مَعُونَةً لِلنَّاسِ عَلَى مَعَايِشِهِمْ إِذَا احْتَاجُوا إِلَى ذَلِكَ وَ أُنْساً لِلسَّائِرِينَ وَ جُعِلَ طُلُوعُهُ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ دُونَ بَعْضٍ وَ نُقِصَ مَعَ ذَلِكَ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ وَ ضِيَائِهَا لِكَيْلَا تَنْبَسِطَ النَّاسُ فِي الْعَمَلِ انْبِسَاطَهُمْ بِالنَّهَارِ وَ يَمْتَنِعُوا مِنَ الْهَدْءِ وَ الْقَرَارِ فَيُهْلِكَهُمْ ذَلِكَ وَ فِي تَصَرُّفِ الْقَمَرِ خَاصَّةً فِي مُهَلِّهِ‏ (1) وَ مُحَاقِهِ وَ زِيَادَتِهِ وَ نُقْصَانِهِ وَ كُسُوفِهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ خَالِقِهِ الْمُصَرِّفِ لَهُ هَذَا التَّصْرِيفَ لِصَلَاحِ الْعَالَمِ مَا يَعْتَبِرُ بِهِ الْمُعْتَبِرُونَ.

إيضاح الدولة بالفتح و الضم انقلاب الزمان و دالت الأيام دارت و الله يداولها بين الناس و هدأ كمنع هدءا و هدوءا سكن و يقال نكيت في العدو نكاية إذا قتلت فيهم و جرحت و جثم الإنسان و الطائر و النعام يجثم جثما و جثوما لزم مكانه لم يبرح و المراد جثومهم في الليل و التظاهر التعاون و نور الشجر أي أخرج نوره و حدم النار شدة احتراقها و التقصي بلوغ أقصى الشي‏ء و نهايته و الغابر الباقي و الماضي و المراد هنا الثاني و بزغت الشمس بزوغا شرقت أو البزوغ ابتداء الطلوع و قال الجوهري اعتل عليه و اعتله إذا اعتاقه عن أمر انتهى و ليلة داجية أي مظلمة.

فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي النُّجُومِ وَ اخْتِلَافِ مَسِيرِهَا فَبَعْضُهَا لَا تُفَارِقُ مَرَاكِزَهَا مِنَ الْفَلَكِ وَ لَا تَسِيرُ إِلَّا مُجْتَمِعَةً وَ بَعْضُهَا مُطْلَقَةٌ تَنْتَقِلُ فِي الْبُرُوجِ وَ تَفْتَرِقُ فِي مَسِيرِهَا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَسِيرُ سَيْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ أَحَدُهُمَا عَامٌّ مَعَ الْفَلَكِ نَحْوَ الْمَغْرِبِ وَ الْآخَرُ خَاصٌّ لِنَفْسِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ كَالنَّمْلَةِ الَّتِي تَدُورُ عَلَى الرَّحَى فَالرَّحَى تَدُورُ ذَاتَ الْيَمِينِ وَ النَّمْلَةُ تَدُورُ ذَاتَ الشِّمَالِ وَ النَّمْلَةُ فِي تِلْكَ تَتَحَرَّكُ حَرَكَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا بِنَفْسِهَا فَتَتَوَجَّهُ أَمَامَهَا وَ الْأُخْرَى مُسْتَكْرَهَةٌ مَعَ الرَّحَى تَجْذِبُهَا إِلَى خَلْفِهَا فَاسْأَلِ الزَّاعِمِينَ أَنَّ النُّجُومَ صَارَتْ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ بِالْإِهْمَالِ مِنْ غَيْرِ عَمْدٍ وَ لَا صَانِعٍ لَهَا مَا مَنَعَهَا أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا رَاتِبَةً أَوْ تَكُونَ كُلُّهَا مُنْتَقِلَةً فَإِنَّ الْإِهْمَالَ مَعْنًى وَاحِدٌ فَكَيْفَ صَارَ يَأْتِي بِحَرَكَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ عَلَى وَزْنٍ وَ تَقْدِيرٍ فَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ مَسِيرَ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى مَا يَسِيرَانِ عَلَيْهِ بِعَمْدٍ وَ تَدْبِيرٍ وَ حِكْمَةٍ وَ تَقْدِيرٍ وَ لَيْسَ بِإِهْمَالٍ كَمَا تَزْعُمُ الْمُعَطِّلَةُ

____________



(1) و في نسخة: خاصّة في تهلله.

115

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ وَ لِمَ صَارَ بَعْضُ النُّجُومِ رَاتِباً وَ بَعْضُهَا مُنْتَقِلًا قُلْنَا إِنَّهَا لَوْ كَانَتْ كُلُّهَا رَاتِبَةً لَبَطَلَتِ الدَّلَالاتُ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا مِنْ تَنَقُّلِ الْمُنْتَقِلَةِ وَ مَسِيرِهَا فِي كُلِّ بُرْجٍ مِنَ الْبُرُوجِ كَمَا قَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى أَشْيَاءَ مِمَّا يُحْدَثُ فِي الْعَالَمِ بِتَنَقُّلِ الشَّمْسِ وَ النُّجُومِ فِي مَنَازِلِهَا وَ لَوْ كَانَتْ كُلُّهَا مُنْتَقِلَةً لَمْ يَكُنْ لِمَسِيرِهَا مَنَازِلُ تُعْرَفُ وَ لَا رَسْمٌ يُوقَفُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُوقَفُ بِمَسِيرِ الْمُنْتَقِلَةِ مِنْهَا بِتَنَقُّلِهَا فِي الْبُرُوجِ الرَّاتِبَةِ كَمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى سَيْرِ السَّائِرِ عَلَى الْأَرْضِ بِالْمَنَازِلِ الَّتِي يَجْتَازُ عَلَيْهَا وَ لَوْ كَانَ تَنَقُّلُهَا بِحَالٍ وَاحِدَةٍ لَاخْتَلَطَ نِظَامُهَا وَ بَطَلَتِ الْمَآرِبُ فِيهَا وَ لَسَاغَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّ كَيْنُونَتَهَا (1) عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ تُوجِبُ عَلَيْهَا الْإِهْمَالَ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي وَصَفْنَا فَفِي اخْتِلَافِ سَيْرِهَا وَ تَصَرُّفِهَا وَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَآرِبِ وَ الْمَصْلَحَةِ أَبْيَنُ دَلِيلٍ عَلَى الْعَمْدِ وَ التَّدْبِيرِ فِيهَا فَكِّرْ فِي هَذِهِ النُّجُومِ الَّتِي تَظْهَرُ فِي بَعْضِ السَّنَةِ وَ تَحْتَجِبُ فِي بَعْضِهَا كَمِثْلِ الثُّرَيَّا وَ الْجَوْزَاءِ وَ الشِّعْرَيَيْنِ وَ سُهَيْلٍ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ بِأَسْرِهَا تَظْهَرُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لَمْ تَكُنْ لِوَاحِدٍ فِيهَا عَلَى حِيَالِهِ دَلَالاتٌ يَعْرِفُهَا النَّاسُ وَ يَهْتَدُونَ بِهَا لِبَعْضِ أُمُورِهِمْ كَمَعْرِفَتِهِمُ الْآنَ بِمَا يَكُونُ مِنْ طُلُوعِ الثَّوْرِ وَ الْجَوْزَاءِ إِذَا طَلَعَتْ وَ احْتِجَابِهَا إِذَا احْتَجَبَتْ فَصَارَ ظُهُورُ كُلِّ وَاحِدٍ وَ احْتِجَابُهُ فِي وَقْتٍ غَيْرِ وَقْتِ الْآخَرِ لِيَنْتَفِعَ النَّاسُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى حِدَتِهِ وَ كَمَا جُعِلَتِ الثُّرَيَّا وَ أَشْبَاهُهَا تَظْهَرُ حِيناً وَ تَحْجُبُ حِيناً لِضَرْبٍ مِنَ الْمَصْلَحَةِ كَذَلِكَ جُعِلَتْ بَنَاتُ النَّعْشِ ظَاهِرَةً لَا تَغِيبُ لِضَرْبٍ آخَرَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْأَعْلَامِ الَّتِي يَهْتَدِي بِهَا النَّاسُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ لِلطُّرُقِ الْمَجْهُولَةِ وَ ذَلِكَ أَنَّهَا لَا تَغِيبُ وَ لَا تَتَوَارَى فَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا مَتَى أَرَادُوا أَنْ يَهْتَدُوا بِهَا إِلَى حَيْثُ شَاءُوا وَ صَارَ الْأَمْرَانِ جَمِيعاً عَلَى اخْتِلَافِهِمَا مُوَجَّهَيْنِ نَحْوَ الْإِرْبِ وَ الْمَصْلَحَةِ وَ فِيهِمَا مَآرِبُ أُخْرَى عَلَامَاتٌ وَ دَلَالاتٌ عَلَى أَوْقَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْأَعْمَالِ كَالزِّرَاعَةِ وَ الْغِرَاسِ وَ السَّفَرِ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ أَشْيَاءَ مِمَّا يَحْدُثُ فِي الْأَزْمِنَةِ مِنَ الْأَمْطَارِ وَ الرِّيَاحِ وَ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ وَ بِهَا يَهْتَدِي السَّائِرُونَ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ لِقَطْعِ الْقِفَارِ (2)

____________



(1) في نسخة: ان كينونيتها.

(2) جمع القفر: الخلاء من الأرض، لا ماء فيه و لا ناس و لا كلاء.

116

الْمُوحِشَةِ وَ اللُّجَجِ الْهَائِلَةِ مَعَ مَا فِي تَرَدُّدِهَا فِي كَبِدِ السَّمَاءِ (1) مُقْبِلَةً وَ مُدْبِرَةً وَ مُشْرِقَةً وَ مُغْرِبَةً مِنَ الْعِبَرِ فَإِنَّهَا تَسِيرُ أَسْرَعَ السَّيْرِ وَ أَحَثَّهُ أَ رَأَيْتَ لَوْ كَانَتِ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ بِالْقُرْبِ مِنَّا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَنَا سُرْعَةُ سَيْرِهَا بِكُنْهِ مَا هِيَ عَلَيْهِ أَ لَمْ تَكُنْ سَتَخْطَفُ الْأَبْصَارَ بِوَهْجِهَا وَ شُعَاعِهَا (2) كَالَّذِي يَحْدُثُ أَحْيَاناً مِنَ الْبُرُوقِ إِذَا تَوَالَتْ وَ اضْطَرَمَتْ فِي الْجَوِّ وَ كَذَلِكَ أَيْضاً لَوْ أَنَّ أُنَاساً كَانُوا فِي قُبَّةٍ مُكَلَّلَةٍ بِمَصَابِيحَ تَدُورُ حَوْلَهُمْ دَوَرَاناً حَثِيثاً لَحَارَتْ أَبْصَارُهُمْ‏ (3) حَتَّى يَخِرُّوا لِوُجُوهِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ مَسِيرُهَا فِي الْبُعْدِ الْبَعِيدِ لِكَيْلَا تَضُرَّ فِي الْأَبْصَارِ وَ تُنْكَأَ فِيهَا وَ بِأَسْرَعِ السُّرْعَةِ لِكَيْلَا تَتَخَلَّفَ عَنْ مِقْدَارِ الْحَاجَةِ فِي مَسِيرِهَا وَ جُعِلَ فِيهَا جُزْءٌ يَسِيرٌ مِنَ الضَّوْءِ لِيَسُدَّ مَسَدَّ الْأَضْوَاءِ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَمَرٌ وَ يُمْكِنُ فِيهِ الْحَرَكَةُ إِذَا حَدَثَتْ ضَرُورَةٌ كَمَا قَدْ يَحْدُثُ الْحَادِثُ عَلَى الْمَرْءِ فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّجَافِي فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْ‏ءٌ مِنَ الضَّوْءِ يَهْتَدِي بِهِ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَبْرَحَ مَكَانَهُ فَتَأَمَّلْ اللُّطْفَ وَ الْحِكْمَةَ فِي هَذَا التَّقْدِيرِ حِينَ جُعِلَ لِلظُّلْمَةِ دَوْلَةٌ وَ مُدَّةٌ لِحَاجَةٍ إِلَيْهَا وَ جُعِلَ خِلَالَهَا شَيْ‏ءٌ مِنَ الضَّوْءِ لِلْمَآرِبِ الَّتِي وَصَفْنَا فَكِّرْ فِي هَذَا الْفَلَكِ بِشَمْسِهِ وَ قَمَرِهِ وَ نُجُومِهِ وَ بُرُوجِهِ تَدُورُ عَلَى الْعَالَمِ فِي هَذَا الدَّوَرَانِ الدَّائِمِ بِهَذَا التَّقْدِيرِ وَ الْوَزْنِ لِمَا فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ هَذِهِ الْأَزْمَانِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَوَالِيَةِ عَلَى الْأَرْضِ وَ مَا عَلَيْهَا مِنْ أَصْنَافِ الْحَيَوَانِ وَ النَّبَاتِ مِنْ ضُرُوبِ الْمَصْلَحَةِ كَالَّذِي بَيَّنْتُ وَ شَخَّصْتُ‏ (4) لَكَ آنِفاً وَ هَلْ يَخْفَى عَلَى ذِي لُبٍّ أَنَّ هَذَا تَقْدِيرٌ مُقَدَّرٌ وَ صَوَابٌ وَ حِكْمَةٌ مِنْ مُقَدِّرٍ حَكِيمٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إِنَّ هَذَا شَيْ‏ءٌ اتَّفَقَ أَنْ يَكُونَ هَكَذَا فَمَا مَنَعَهُ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ هَذَا فِي دُولَابٍ تَرَاهُ يَدُورُ وَ يَسْقِي حَدِيقَةً فِيهَا شَجَرٌ وَ نَبَاتٌ فَتَرَى كُلَّ شَيْ‏ءٍ مِنْ آلَتِهِ مُقَدَّراً بَعْضُهُ يَلْقَى بَعْضاً عَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ تِلْكَ الْحَدِيقَةِ وَ مَا فِيهَا وَ بِمَ كَانَ يُثْبِتُ هَذَا الْقَوْلَ لَوْ قَالَهُ وَ مَا تَرَى النَّاسَ كَانُوا قَائِلِينَ لَهُ لَوْ سَمِعُوهُ مِنْهُ أَ فَيُنْكِرُ أَنْ يَقُولَ فِي دُولَابِ خَشَبٍ‏ (5)

____________



(1) أي وسط السماء.

(2) أي ستذهب بها بتوقدها.

(3) حارت العين: اشتد بياض بياضها و سواد سوادها.

(4) و في نسخة: كالذى بينت و لخصت لك آنفا.

(5) و في نسخة: فى دولاب خسيس.

117

مَصْنُوعٍ بِحِيلَةٍ قَصِيرَةٍ لِمَصْلَحَةِ قِطْعَةٍ مِنَ الْأَرْضِ أَنَّهُ كَانَ بِلَا صَانِعٍ وَ مُقَدِّرٍ وَ يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ فِي هَذَا الدُّولَابِ الْأَعْظَمِ الْمَخْلُوقِ بِحِكْمَةٍ يَقْصُرُ عَنْهَا أَذْهَانُ الْبَشَرِ لِصَلَاحِ جَمِيعِ الْأَرْضِ وَ مَا عَلَيْهَا أَنَّهُ شَيْ‏ءٌ اتَّفَقَ أَنْ يَكُونَ بِلَا صَنْعَةٍ وَ لَا تَدْبِيرٍ لَوِ اعْتَلَّ هَذَا الْفَلَكُ كَمَا تَعْتَلُّ الْآلَاتُ الَّتِي تُتَّخَذُ لِلصِّنَاعَاتِ وَ غَيْرِهَا أَيُّ شَيْ‏ءٍ كَانَ عِنْدَ النَّاسِ مِنَ الْحِيلَةِ فِي إِصْلَاحِهِ.

بيان قوله(ع)لا تفارق مراكزها لعل المراد أنه ليس لها حركة بيّنة ظاهرة كما في السيارات أو لا تختلف نسب بعضها إلى بعض بالقرب و البعد بأن تكون الجملة التالية مفسّرة لها و يحتمل أن يكون المراد بمراكزها البروج التي تنسب إليها على ما هو المصطلح بين العرب من اعتبار محاذاة تلك الأشكال في الانتقال إلى البروج و إن انتقلت عن مواضعها و عليه ينبغي أن يحمل قوله(ع)و بعضها مطلقة تنتقل في البروج أو على ما ذكرنا سابقا من كون انتقالها في البروج ظاهرة بينة يعرفه كل أحد و الأول أظهر كما سيظهر من كلامه(ع)قوله فإن الإهمال معنى واحد يحتمل أن يكون المراد أن الطبيعة أو الدهر اللذين يجعلونهما أصحاب الإهمال مؤثّرين كل منهما أمر واحد غير ذي شعور و إرادة و لا يمكن صدور الأمرين المختلفين عن مثل ذلك كما مرّ أو المراد أن العقل يحكم بأن هذين الأمرين المتّسقين الجاريين على قانون الحكمة لا يكون إلا من حكيم راعى فيهما دقائق الحكم أو المراد أن الإهمال أي عدم الحاجة إلى العلة و ترجيح الأمر الممكن من غير مرجح كما تزعمون أمر واحد حاصل فيهما فلم صارت إحداهما راتبة و الأخرى منتقلة و لم لم يعكس الأمر و الأول أظهر (1) كما لا يخفى قوله(ع)لبطلت الدلالات ظاهره كون الأوضاع النجومية علامات للحوادث قوله(ع)في البروج الراتبة يدل ظاهرا على ما أشرنا إليه من أنه(ع)راعى في انتقال البروج محاذاة نفس الأشكال و إن أمكن أن يكون المراد بيان حكمة بطء الحركة ليصلح كون تلك الأشكال علامات للبروج و لو بقربها منها لكنه بعيد قوله(ع)و الشعريين قال الجوهري الشعرى الكوكب الذي يطلع‏

____________

(1) و ظاهر الخبر المعنى الأخير.

118

بعد الجوزاء و طلوعه في شدة الحر و هما الشعريان و الشعرى العبور التي في الجوزاء و الشعرى القميصاء التي في الذراع تزعم العرب أنهما أختا سهيل انتهى و القفار جمع قفر و هو الخلأ من الأرض و خطف البرق البصر ذهب به و وهج النار بالتسكين توقدها و قوله حثيثا أي مسرعا و تجافى أي لم يلزم مكانه و برح مكانه زال عنه.

فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي مَقَادِيرِ النَّهَارِ وَ اللَّيْلِ كَيْفَ وَقَعَتْ عَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ هَذَا الْخَلْقِ فَصَارَ مُنْتَهَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا امْتَدَّ إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ سَاعَةً لَا يُجَاوِزُ ذَلِكَ أَ فَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ النَّهَارُ يَكُونُ مِقْدَارُهُ مِائَةَ سَاعَةٍ أَوْ مِائَتَيْ سَاعَةٍ أَ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ بَوَارُ (1) كُلِّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ حَيَوَانٍ وَ نَبَاتٍ أَمَّا الْحَيَوَانُ فَكَانَ لَا يَهْدَأُ وَ لَا يَقِرُّ طُولَ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَ لَا الْبَهَائِمُ كَانَتْ تُمْسِكُ عَنِ الرَّعْيِ لَوْ دَامَ لَهَا ضَوْءُ النَّهَارِ وَ لَا الْإِنْسَانُ كَانَ يَفْتُرُ عَنِ الْعَمَلِ وَ الْحَرَكَةِ وَ كَانَ ذَلِكَ سَيُهْلِكُهَا أَجْمَعَ وَ يُؤَدِّيهَا إِلَى التَّلَفِ وَ أَمَّا النَّبَاتُ فَكَانَ يَطُولُ عَلَيْهِ حَرُّ النَّهَارِ وَ وَهْجُ الشَّمْسِ حَتَّى يَجِفَّ وَ يَحْتَرِقَ وَ كَذَلِكَ اللَّيْلُ لَوِ امْتَدَّ مِقْدَارُ هَذِهِ الْمُدَّةِ كَانَ يَعُوقُ أَصْنَافَ الْحَيَوَانِ عَنِ الْحَرَكَةِ وَ التَّصَرُّفِ فِي طَلَبِ الْمَعَاشِ حَتَّى تَمُوتَ جُوعاً وَ تَخْمُدُ الْحَرَارَةُ الطَّبِيعِيَّةُ مِنَ النَّبَاتِ حَتَّى يَعْفَنَ وَ يَفْسُدَ كَالَّذِي تَرَاهُ يَحْدُثُ عَلَى النَّبَاتِ إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ اعْتَبِرْ بِهَذِهِ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ كَيْفَ يَتَعَاوَرَانِ الْعَالَمَ وَ يَتَصَرَّفَانِ هَذَا التَّصَرُّفَ مِنَ الزِّيَادَةِ وَ النُّقْصَانِ وَ الِاعْتِدَالِ لِإِقَامَةِ هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ الْأَرْبَعَةِ مِنَ السَّنَةِ وَ مَا فِيهِمَا مِنَ الْمَصَالِحِ ثُمَّ هُمَا بَعْدَ دِبَاغِ الْأَبْدَانِ الَّتِي عَلَيْهَا بَقَاؤُهُا وَ فِيهَا صَلَاحُهَا فَإِنَّهُ لَوْ لَا الْحَرُّ وَ الْبَرْدُ وَ تَدَاوُلُهُمَا الْأَبْدَانَ لَفَسَدَتْ وَ أَخْوَتْ وَ انْتَكَثَتْ فَكِّرْ فِي دُخُولِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِهَذَا التَّدْرِيجِ وَ التَّرَسُّلِ فَإِنَّكَ تَرَى أَحَدَهُمَا يَنْقُصُ شَيْئاً بَعْدَ شَيْ‏ءٍ وَ الْآخَرَ يَزِيدُ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى يَنْتَهِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْتَهَاهُ فِي الزِّيَادَةِ وَ النُّقْصَانِ وَ لَوْ كَانَ دُخُولُ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى مُفَاجَأَةً لَأَضَرَّ ذَلِكَ بِالْأَبْدَانِ وَ أَسْقَمَهَا كَمَا أَنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ خَرَجَ مِنْ حَمَّامٍ حَارٍّ إِلَى مَوْضِعِ الْبُرُودَةِ لَضَرَّهُ ذَلِكَ وَ أَسْقَمَ‏

____________



(1) البوار: الهلاك و الكساد.

119

بَدَنَهُ فَلِمَ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ هَذَا التَّرَسُّلَ فِي الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ إِلَّا لِلسَّلَامَةِ مِنْ ضَرَرِ الْمُفَاجَأَةِ وَ لِمَ جَرَى الْأَمْرُ عَلَى مَا فِيهِ السَّلَامَةُ مِنْ ضَرِّ الْمُفَاجَأَةِ لَوْ لَا التَّدْبِيرُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ زَعَمَ زَاعِمٌ أَنَّ هَذَا التَّرَسُّلَ فِي دُخُولِ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ إِنَّمَا يَكُونُ لِإِبْطَاءِ مَسِيرِ الشَّمْسِ فِي الِارْتِفَاعِ وَ الِانْحِطَاطِ سُئِلَ عَنِ الْعِلَّةِ فِي إِبْطَاءِ مَسِيرِ الشَّمْسِ فِي ارْتِفَاعِهَا وَ انْحِطَاطِهَا فَإِنِ اعْتَلَّ فِي الْإِبْطَاءِ بِبُعْدِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقَيْنِ سُئِلَ عَنِ الْعِلَّةِ فِي ذَلِكَ فَلَا تَزَالُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَرْقَى مَعَهُ إِلَى حَيْثُ رَقِيَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ حَتَّى اسْتَقَرَّ عَلَى الْعَمْدِ وَ التَّدْبِيرِ لَوْ لَا الْحَرُّ لَمَا كَانَتِ الثِّمَارُ الْجَاسِيَةُ الْمُرَّةُ تَنْضَجُ فَتَلِينُ وَ تَعْذُبُ حَتَّى يُتَفَكَّهَ بِهَا رَطْبَةً وَ يَابِسَةً وَ لَوْ لَا الْبَرْدُ لَمَا كَانَ الزَّرْعُ يُفْرِخُ هَكَذَا وَ يَرِيعُ الرَّيْعَ الْكَثِيرَ الَّذِي يَتَّسِعُ لِلْقُوتِ وَ مَا يُرَدُّ فِي الْأَرْضِ لِلْبَذْرِ أَ فَلَا تَرَى مَا فِي الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ مِنْ عَظِيمِ الْغِنَاءِ وَ الْمَنْفَعَةِ وَ كِلَاهُمَا مَعَ غِنَائِهِ وَ الْمَنْفَعَةِ فِيهِ يُؤْلِمُ الْأَبْدَانَ وَ يَمَضُّهَا وَ فِي ذَلِكَ عِبْرَةٌ لِمَنْ فَكَّرَ وَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ مِنْ تَدْبِيرِ الْحَكِيمِ فِي مَصْلَحَةِ الْعَالَمِ وَ مَا فِيهِ.

بيان قوله(ع)لا يجاوز ذلك أي في معظم المعمورة و قال الفيروزآبادي خوت الدار تهدمت و النجوم خيّا أمحلت فلم تمطر كأخوت و قال المنتكث المهزول و قال الترسل الرفق و التؤدة انتهى قوله(ع)ببعد ما بين المشرقين أي المشرق و المغرب كناية عن عظم الدائرة التي يقطع عليها البروج أو مشرق الصيف و الشتاء و الأول أظهر قوله(ع)الجاسية أي الصلبة و يتفكه بها أي يتمتع بها و الريع النماء و الزيادة و قال الجوهري أمضني الجرح إمضاضا إذا أوجعك و فيه لغة أخرى مضني الجرح و لم يعرفها الأصمعي.

وَ أُنَبِّهُكَ يَا مُفَضَّلُ عَلَى الرِّيحِ وَ مَا فِيهَا أَ لَسْتَ تَرَى رُكُودَهَا إِذَا رَكَدَتْ كَيْفَ يُحْدِثُ الْكَرْبَ الَّذِي يَكَادُ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى النُّفُوسِ وَ يُحْرِضُ الْأَصِحَّاءَ وَ يَنْهَكُ الْمَرْضَى وَ يُفْسِدُ الثِّمَارَ وَ يُعَفِّنُ الْبُقُولَ وَ يُعْقِبُ الْوَبَاءَ فِي الْأَبْدَانِ وَ الْآفَةَ فِي الْغَلَّاتِ فَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ هُبُوبَ الرِّيحِ مِنْ تَدْبِيرِ الْحَكِيمِ فِي صَلَاحِ الْخَلْقِ وَ أُنَبِّئُكَ عَنِ الْهَوَاءِ بِخَلَّةٍ أُخْرَى فَإِنَّ الصَّوْتَ أَثَرٌ يُؤَثِّرُهُ اصْطِكَاكُ الْأَجْسَامِ فِي الْهَوَاءِ وَ الْهَوَاءُ يُؤَدِّيهِ إِلَى الْمَسَامِعِ وَ النَّاسُ يَتَكَلَّمُونَ فِي حَوَائِجِهِمْ وَ مُعَامَلَاتِهِمْ طُولَ‏

120

نَهَارِهِمْ وَ بَعْضَ لَيْلِهِمْ فَلَوْ كَانَ أَثَرُ هَذَا الْكَلَامِ يَبْقَى فِي الْهَوَاءِ كَمَا يَبْقَى الْكِتَابُ فِي الْقِرْطَاسِ لَامْتَلَأَ الْعَالَمُ مِنْهُ فَكَانَ يَكْرُبُهُمْ وَ يَفْدَحُهُمْ وَ كَانُوا يَحْتَاجُونَ فِي تَجْدِيدِهِ وَ الِاسْتِبْدَالِ بِهِ إِلَى أَكْثَرَ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي تَجْدِيدِ الْقَرَاطِيسِ لِأَنَّ مَا يُلْقَى مِنَ الْكَلَامِ أَكْثَرُ مِمَّا يُكْتَبُ فَجَعَلَ الْخَلَّاقُ الْحَكِيمُ جَلَّ قُدْسُهُ هَذَا الْهَوَاءَ قِرْطَاساً خَفِيّاً يَحْمِلُ الْكَلَامَ رَيْثَمَا يَبْلُغُ الْعَالَمُ حَاجَتَهُمْ ثُمَّ يُمْحَى فَيَعُودُ جَدِيداً نَقِيّاً وَ يَحْمِلُ مَا حَمَلَ أَبَداً بِلَا انْقِطَاعٍ وَ حَسْبُكَ بِهَذَا النَّسِيمِ الْمُسَمَّى هَوَاءً عِبْرَةً وَ مَا فِيهِ مِنَ الْمَصَالِحِ فَإِنَّهُ حَيَاةُ هَذِهِ الْأَبْدَانِ وَ الْمُمْسِكُ لَهَا مِنْ دَاخِلٍ بِمَا تَسْتَنْشِقُ مِنْهُ وَ مِنْ خَارِجٍ بِمَا تُبَاشِرُ مِنْ رَوْحِهِ وَ فِيهِ تَطَّرِدُ هَذِهِ الْأَصْوَاتُ فَيُؤَدِّي بِهَا مِنَ الْبُعْدِ الْبَعِيدِ وَ هُوَ الْحَامِلُ لِهَذِهِ الأَرَايِيحِ يَنْقُلُهَا مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ أَ لَا تَرَى كَيْفَ تَأْتِيكَ الرَّائِحَةُ مِنْ حَيْثُ تَهُبُّ الرِّيحُ فَكَذَلِكَ الصَّوْتُ وَ هُوَ الْقَابِلُ لِهَذَا الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ اللَّذَيْنِ يَتَعَاقَبَانِ عَلَى الْعَالَمِ لِصَلَاحِهِ‏ (1) وَ مِنْهُ هَذِهِ الرِّيحُ الْهَابَّةُ فَالرِّيحُ تَرُوحُ عَنِ الْأَجْسَامِ وَ تُزْجِي السَّحَابَ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ لِيَعُمَّ نَفْعُهُ حَتَّى يَسْتَكْثِفَ فَيَمْطُرَ وَ تَفُضُّهُ حَتَّى يَسْتَخِفَّ فَيَتَفَشَّى وَ تُلْقِحُ الشَّجَرَ وَ تُسِيرُ السُّفُنَ وَ تُرْخِي الْأَطْعِمَةَ (2) وَ تُبَرِّدُ الْمَاءَ وَ تَشُبُّ النَّارَ وَ تُجَفِّفُ الْأَشْيَاءَ النَّدِيَّةَ وَ بِالْجُمْلَةِ أَنَّهَا تُحْيِي كُلَّمَا فِي الْأَرْضِ فَلَوْ لَا الرِّيحُ لَذَوَى النَّبَاتُ‏ (3) وَ مَاتَ الْحَيَوَانُ وَ حُمَّتِ الْأَشْيَاءُ وَ فَسَدَتْ.

توضيح ركود الريح سكونها و الحرض فساد البدن و يقال نهكته الحمّى أي أضنّته و هزلته و قوله(ع)و الهواء يؤدّيه يدل على ما هو المنصور من تكيّف الهواء بكيفية الصوت على ما فصّل في محله و يقال كربه الأمر أي شقّ عليه و فدحه الدين أي أثقله و ريثما فعل كذا أي قدر ما فعله و يبلغ إما على بناء المجرد فالعالم فاعله أو على التفعيل فالهواء فاعله و الروح بالفتح الراحة و نسيم الريح و اطرد الشي‏ء تبع بعضه بعضا و جرى و الأراييح جمع للريح و تزجي السحاب على بناء الإفعال‏

____________

(1) و في نسخة اللذين: يعقبان على العالم لصلاحه.

(2) أي صيرها رخوا أي متسعا.

(3) ذوى النبات: ذبل و نشف ماؤه.

121

أي تسوقه و تفضّه أي تفرّقه و التفشّي الانتشار و ترخي الأطعمة على التفعيل أو الإفعال أي تصيرها رخوة لطيفة و تشبّ النار أي توقدها.

فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِيمَا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِ هَذِهِ الْجَوَاهِرَ الْأَرْبَعَةَ لِيَتَّسِعَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْهَا فَمِنْ ذَلِكَ سَعَةُ هَذِهِ الْأَرْضِ وَ امْتِدَادُهَا فَلَوْ لَا ذَلِكَ كَيْفَ كَانَتْ تَتَّسِعُ لِمَسَاكِنِ النَّاسِ وَ مَزَارِعِهِمْ وَ مَرَاعِيهِمْ وَ مَنَابِتِ أَخْشَابِهِمْ وَ أَحْطَابِهِمْ وَ الْعَقَاقِيرِ الْعَظِيمَةِ وَ الْمَعَادِنِ الْجَسِيمَةِ غَنَاؤُهَا وَ لَعَلَّ مَنْ يُنْكِرُ هَذِهِ الْفَلَوَاتِ الْخَاوِيَةَ وَ الْقِفَارَ الْمُوحِشَةَ فَيَقُولُ مَا الْمَنْفَعَةُ فِيهَا فَهِيَ مَأْوَى هَذِهِ الْوُحُوشِ وَ مَحَالُّهَا وَ مَرْعَاهَا ثُمَّ فِيهَا بَعْدُ مُتَنَفَّسٌ وَ مُضْطَرَبٌ لِلنَّاسِ إِذَا احْتَاجُوا إِلَى الِاسْتِبْدَالِ بِأَوْطَانِهِمْ فَكَمْ بَيْدَاءَ وَ كَمْ فَدْفَدٍ حَالَتْ قُصُوراً وَ جِنَاناً بِانْتِقَالِ النَّاسِ إِلَيْهَا وَ حُلُولِهِمْ فِيهَا وَ لَوْ لَا سَعَةُ الْأَرْضِ وَ فُسْحَتُهَا لَكَانَ النَّاسُ كَمَنْ هُوَ فِي حِصَارٍ ضَيِّقٍ لَا يَجِدُ مَنْدُوحَةً عَنْ وَطَنِهِ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ يَضْطَرُّهُ إِلَى الِانْتِقَالِ عَنْهُ ثُمَّ فَكِّرْ فِي خَلْقِ هَذِهِ الْأَرْضِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ حِينَ خُلِقَتْ رَاتِبَةً رَاكِنَةً فَتَكُونُ مَوْطِناً مُسْتَقَرّاً لِلْأَشْيَاءِ فَيَتَمَكَّنُ النَّاسُ مِنَ السَّعْيِ عَلَيْهَا فِي مَآرِبِهِمْ وَ الْجُلُوسِ عَلَيْهَا لِرَاحَتِهِمْ وَ النَّوْمِ لِهَدْئِهِمْ وَ الْإِتْقَانِ لِأَعْمَالِهِمْ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ رَجْرَاجَةً مُتَكَفِّئَةً لَمْ يَكُونُوا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُتْقِنُوا الْبِنَاءَ وَ التِّجَارَةَ وَ الصِّنَاعَةَ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ بَلْ كَانُوا لَا يَتَهَنَّئُونَ بِالْعَيْشِ وَ الْأَرْضُ تَرْتَجُّ مِنْ تَحْتِهِمْ وَ اعْتَبِرْ ذَلِكَ بِمَا يُصِيبُ النَّاسَ حِينَ الزَّلَازِلِ عَلَى قِلَّةِ مَكْثِهَا حَتَّى يَصِيرُوا إِلَى تَرْكِ مَنَازِلِهِمْ وَ الْهَرَبِ عَنْهَا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَلِمَ صَارَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ تُزَلْزَلُ قِيلَ لَهُ إِنَّ الزَّلْزَلَةَ وَ مَا أَشْبَهَهَا مَوْعِظَةٌ وَ تَرْهِيبٌ يُرَهَّبُ بِهَا النَّاسُ لِيَرْعَوُوا وَ يَنْزِعُوا عَنِ الْمَعَاصِي وَ كَذَلِكَ مَا يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ الْبَلَاءِ فِي أَبْدَانِهِمْ وَ أَمْوَالِهِمْ يَجْرِي فِي التَّدْبِيرِ عَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ وَ اسْتِقَامَتُهُمْ وَ يُدَّخَرُ لَهُمْ إِنْ صَلَحُوا مِنَ الثَّوَابِ وَ الْعِوَضِ فِي الْآخِرَةِ مَا لَا يَعْدِلُهُ شَيْ‏ءٌ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَ رُبَّمَا عُجِّلَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا صَلَاحاً لِلْخَاصَّةِ وَ الْعَامَّةِ ثُمَّ إِنَّ الْأَرْضَ فِي طِبَاعِهَا الَّذِي طَبَعَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ وَ كَذَلِكَ الْحِجَارَةُ وَ إِنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ الْحِجَارَةِ فَضْلُ يُبْسٍ فِي الْحِجَارَةِ أَ فَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ الْيُبْسَ أَفْرَطَ عَلَى الْأَرْضِ قَلِيلًا حَتَّى تَكُونَ حَجَراً صَلْداً أَ كَانَتْ تُنْبِتُ هَذَا النَّبَاتَ الَّذِي بِهِ حَيَاةُ الْحَيَوَانِ‏

122

وَ كَانَ يُمْكِنُ بِهَا حَرْثٌ أَوْ بِنَاءٌ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ تُنْصَبُ‏ (1) مِنْ يُبْسِ الْحِجَارَةِ وَ جُعِلَتْ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ اللِّينِ وَ الرَّخَاوَةِ وَ لِتَهَيَّأَ لِلِاعْتِمَادِ وَ مِنْ تَدْبِيرِ الْحَكِيمِ جَلَّ وَ عَلَا فِي خِلْقَةِ الْأَرْضِ أَنَّ مَهَبَّ الشَّمَالِ أَرْفَعُ مِنْ مَهَبِّ الْجَنُوبِ فَلِمَ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ كَذَلِكَ إِلَّا لِيَنْحَدِرَ الْمِيَاهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَتَسْقِيَهَا وَ تَرْوِيَهَا ثُمَّ تُفِيضَ آخِرَ ذَلِكَ إِلَى الْبَحْرِ فَكَأَنَّمَا يَرْفَعُ أَحَدُ جَانِبَيِ السَّطْحِ‏ (2) وَ يَخْفِضُ الْآخَرُ لِيَنْحَدِرَ الْمَاءُ عَنْهُ وَ لَا يَقُومَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ جُعِلَ مَهَبُّ الشَّمَالِ أَرْفَعَ مِنْ مَهَبِّ الْجَنُوبِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ بِعَيْنِهَا وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَبَقِيَ الْمَاءُ مُتَحَيِّراً عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَكَانَ يَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ أَعْمَالِهَا (3) وَ يَقْطَعُ الطُّرُقَ وَ الْمَسَالِكَ ثُمَّ الْمَاءُ لَوْ لَا كَثْرَتُهُ وَ تَدَفُّقُهُ فِي الْعُيُونِ وَ الْأَدْوِيَةِ وَ الْأَنْهَارِ لَضَاقَ عَمَّا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ لِشُرْبِهِمْ وَ شُرْبِ أَنْعَامِهِمْ وَ مَوَاشِيهِمْ وَ سَقْيِ زُرُوعِهِمْ وَ أَشْجَارِهِمْ وَ أَصْنَافِ غَلَّاتِهِمْ وَ شُرْبِ مَا يَرِدُهُ مِنَ الْوُحُوشِ وَ الطَّيْرِ وَ السِّبَاعِ وَ تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْحِيتَانُ وَ دَوَابُّ الْمَاءِ وَ فِيهِ مَنَافِعُ أُخَرُ أَنْتَ بِهَا عَارِفٌ وَ عَنْ عِظَمِ مَوْقِعِهَا غَافِلٌ فَإِنَّهُ سِوَى الْأَمْرِ الْجَلِيلِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَنَائِهِ فِي إِحْيَاءِ جَمِيعِ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَ النَّبَاتِ يَمْزُجُ بِالْأَشْرِبَةِ فَتَلِينُ وَ تَطَيَّبُ لِشَارِبِهَا وَ بِهِ تُنَظَّفُ الْأَبْدَانُ وَ الْأَمْتِعَةُ مِنَ الدَّرَنِ الَّذِي يَغْشَاهَا وَ بِهِ يُبَلُّ التُّرَابُ فَيَصْلُحُ لِلِاعْتِمَالِ‏ (4) وَ بِهِ يُكَفُّ عَادِيَةُ النَّارِ إِذَا اضْطَرَمَتْ وَ أَشْرَفَ النَّاسُ عَلَى الْمَكْرُوهِ وَ بِهِ يُسِيغُ الْغَصَّانُ مَا غَصَّ بِهِ وَ بِهِ يَسْتَحِمُّ الْمُتْعِبُ الْكَالُّ فَيَجِدُ الرَّاحَةَ مِنْ أَوْصَابِهِ إِلَى أَشْبَاهِ هَذَا مِنَ الْمَآرِبِ الَّتِي تَعْرِفُ عِظَمَ مَوْقِعِهَا فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا فَإِنْ شَكَكْتَ فِي مَنْفَعَةِ هَذَا الْمَاءِ الْكَثِيرِ الْمُتَرَاكِمِ فِي الْبِحَارِ وَ قُلْتَ مَا الْإِرْبُ فِيهِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ مُكْتَنَفٌ وَ مُضْطَرَبٌ مَا لَا يُحْصَى مِنْ أَصْنَافِ السَّمَكِ وَ دَوَابِّ الْبَحْرِ وَ مَعْدِنِ اللُّؤْلُؤِ وَ الْيَاقُوتِ وَ الْعَنْبَرِ وَ أَصْنَافٍ شَتَّى تُسْتَخْرَجُ مِنَ الْبَحْرِ وَ فِي سَوَاحِلِهِ مَنَابِتُ الْعُودِ وَ الْيَلَنْجُوجِ وَ ضُرُوبٍ مِنَ الطِّيبِ وَ الْعَقَاقِيرِ ثُمَّ هُوَ بَعْدُ مَرْكَبُ النَّاسِ وَ مَحْمِلٌ لِهَذِهِ التِّجَارَاتِ الَّتِي تُجْلَبُ مِنَ الْبُلْدَانِ الْبَعِيدَةِ كَمَثَلِ مَا يُجْلَبُ مِنَ الصِّينِ إِلَى الْعِرَاقِ وَ مِنَ الْعِرَاقِ‏

____________



(1) و في نسخة: نقصت.

(2) كذا في النسخ و الظاهر: فكما يرفع أحد جانبى السطح.

(3) و في نسخة: فكان يمنع الناس من اعتمالها.

(4) و في نسخة: فيصلح للاعمال.

123

إِلَى الْعِرَاقِ‏ (1) فَإِنَّ هَذِهِ التِّجَارَاتِ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَحْمِلٌ إِلَّا عَلَى الظَّهْرِ لَبَارَتْ‏ (2) وَ بَقِيَتْ فِي بُلْدَانِهَا وَ أَيْدِي أَهْلِهَا لِأَنَّ أَجْرَ حَمْلِهَا كَانَ يُجَاوِزُ أَثْمَانَهَا فَلَا يَتَعَرَّضُ أَحَدٌ لِحَمْلِهَا وَ كَانَ يَجْتَمِعُ فِي ذَلِكَ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا فَقْدُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ تَعْظُمُ الْحَاجَةُ إِلَيْهَا وَ الْآخَرُ انْقِطَاعُ مَعَاشِ مَنْ يَحْمِلُهَا وَ يَتَعَيَّشُ بِفَضْلِهَا وَ هَكَذَا الْهَوَاءُ لَوْ لَا كَثْرَتُهُ وَ سَعَتُهُ لَاخْتَنَقَ‏ (3) هَذَا الْأَنَامُ مِنَ الدُّخَانِ وَ الْبُخَارِ الَّتِي يَتَحَيَّرُ فِيهِ وَ يَعْجِزُ عَمَّا يُحَوَّلُ إِلَى السَّحَابِ وَ الضَّبَابِ أَوَّلًا أَوَّلًا وَ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ صِفَتِهِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَ النَّارُ أَيْضاً كَذَلِكَ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَبْثُوثَةً كَالنَّسِيمِ وَ الْمَاءِ كَانَتْ تُحْرِقُ الْعَالَمَ وَ مَا فِيهِ وَ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ظُهُورِهَا فِي الْأَحَايِينِ لِغَنَائِهَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَصَالِحِ فَجُعِلَتْ كَالْمَخْزُونَةِ فِي الْأَخْشَابِ‏ (4) تُلْتَمَسُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا وَ تُمْسَكُ بِالْمَادَّةِ وَ الْحَطَبِ مَا احْتِيجَ إِلَى بَقَائِهَا لِئَلَّا تَخْبُوَ (5) فَلَا هِيَ تُمْسَكُ بِالْمَادَّةِ وَ الْحَطَبِ فَتَعْظُمَ الْمَئُونَةُ فِي ذَلِكَ وَ لَا هِيَ تَظْهَرُ مَبْثُوثَةً فَتُحْرِقَ كُلَّ مَا هِيَ فِيهِ بَلْ هِيَ عَلَى تَهْيِئَةٍ وَ تَقْدِيرٍ اجْتَمَعَ فِيهَا الِاسْتِمْتَاعُ بِمَنَافِعِهَا وَ السَّلَامَةُ مِنْ ضَرَرِهَا ثُمَّ فِيهِ خَلَّةٌ أُخْرَى وَ هِيَ أَنَّهَا مِمَّا خُصَّ بِهِ الْإِنْسَانُ دُونَ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ لِمَا لَهُ فِيهَا مِنَ الْمَصْلَحَةِ فَإِنَّهُ لَوْ فَقَدَ النَّارَ لَعَظُمَ مَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنَ الضَّرَرِ فِي مَعَاشِهِ فَأَمَّا الْبَهَائِمُ فَلَا تَسْتَعْمِلُ النَّارَ وَ لَا تَسْتَمْتِعُ بِهَا وَ لَمَّا قَدَّرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَكُونَ هَذَا هَكَذَا خَلَقَ لِلْإِنْسَانِ كَفّاً وَ أَصَابِعَ مُهَيَّأَةً لِقَدْحِ النَّارِ وَ اسْتِعْمَالِهَا وَ لَمْ يُعْطِ الْبَهَائِمَ مِثْلَ ذَلِكَ لَكِنَّهَا أُعِينَتْ بِالصَّبْرِ عَلَى الْجَفَاءِ وَ الْخَلَلِ فِي الْمَعَاشِ لِكَيْلَا يَنَالَهَا فِي فَقْدِ النَّارِ مَا يَنَالُ الْإِنْسَانَ وَ أُنَبِّئُكَ مِنْ مَنَافِعِ النَّارِ عَلَى خِلْقَةٍ صَغِيرَةٍ عَظِيمَ مَوْقِعِهَا وَ هِيَ هَذَا الْمِصْبَاحُ الَّذِي يَتَّخِذُهُ النَّاسُ فَيَقْضُونَ بِهِ حَوَائِجَهُمْ مَا شَاءُوا مِنْ لَيْلِهِمْ وَ لَوْ لَا هَذِهِ الْخَلَّةُ لَكَانَ النَّاسُ تُصْرَفُ أَعْمَارُهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ فِي الْقُبُورِ فَمَنْ كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَكْتُبَ أَوْ يَحْفَظَ أَوْ يَنْسِجَ‏

____________



(1) و في نسخة: الى الصين.

(2) بارت أي كسدت.

(3) خنق: شدّ على حلقه حتّى يموت. و اختنق مطاوع خنق.

(4) و في نسخة: فى الاجسام.

(5) أي لئلا تخمد و تطفا.

124

فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَ كَيْفَ كَانَتْ حَالُ مَنْ عَرَضَ لَهُ وَجَعٌ فِي وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ فَاحْتَاجَ أَنْ يُعَالِجَ ضِمَاداً أَوْ سَفُوفاً أَوْ شَيْئاً يَسْتَشْفِي بِهِ‏ (1) فَأَمَّا مَنَافِعُهَا فِي نَضْجِ الْأَطْعِمَةِ وَ دَفَاءِ الْأَبْدَانِ وَ تَجْفِيفِ أَشْيَاءَ وَ تَحْلِيلِ أَشْيَاءَ وَ أَشْبَاهِ ذَلِكَ فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى وَ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ تَخْفَى.

تبيان العقاقير أصول الأدوية و الغناء بالفتح المنفعة و الخاوية الخالية و الفدفد الفلاة و المكان الصلب الغليظ و المرتفع و الأرض المستوية و الفسحة بالضم السعة و يقال لي عن هذا الأمر مندوحة و منتدح أي سعة و حزبه أمر أي أصابه و الراتبة الثابتة و الراكنة الساكنة و هدأ هدءا و هدوءا سكن و قوله(ع)رجراجة أي متزلزلة متحرّكة و التكفّئ الانقلاب و التمايل و التحرك و الارتجاج الاضطراب و الارعواء الرجوع عن الجهل و الكف عن القبيح و الصلد و يكسر الصلب الأملس قوله(ع)كيف تنصب كذا في أكثر النسخ و النصب يكون بمعنى الرفع و الوضع و لعل المراد هنا الثاني و الظاهر أنه تصحيف نقصت أو نحوه قوله(ع)إن مهبّ الشمال أرفع أي بعد ما خرجت الأرض من الكروية الحقيقية صار ما يلي الشمال منها في أكثر المعمورة أرفع مما يلي الجنوب و لذا ترى أكثر الأنهار كدجلة و الفرات و غيرهما تجري من الشمال إلى الجنوب و لما كان الماء الساكن في جوف الأرض تابعا للأرض في ارتفاعه و انخفاضه فلذا صارت العيون المتفجرة تجري هكذا من الشمال إلى الجنوب حتى تجري على وجه الأرض و لذا حكموا بفوقيّة الشمال على الجنوب في حكم اجتماع البئر و البالوعة و إذا تأملت فيما ذكرنا يظهر لك ما بينه(ع)من الحكم في ذلك و أنه لا ينافي كرويّة الأرض و التدفّق التصبّب قوله(ع)فإنه سوى الأمر الجليل الضمير راجع إلى الماء و هو اسم إن و يمزج خبره أي للماء سوى النفع الجليل المعروف و هو كونه سببا لحياة كل شي‏ء منافع أخرى منها أنه يمزج مع الأشربة و قال الجوهري الحميم الماء الحار و قد استحممت إذا اغتسلت به ثم صار كل اغتسال‏

____________

(1) الضماد بالكسر أن يخلط الأدوية بمائع و يلين و يوضع على العضو، و أصل الضمد الشد من باب ضرب، يقال: ضمد رأسه و جرحه: إذا شده بالضماد، و هي خرقة يشد بها العضو المئوف ثمّ قيل لوضع الدواء على الجرح و غيره و ان لم يشد. و السفوف بفتح السين: الأدوية المسحوقة اليابسة التي تطرح في الضماد.

125

استحماما بأي ماء كان انتهى و الوصب محركة المرض و المكتنف بفتح النون من الكنف بمعنى الحفظ و الإحاطة و اكتنفه أي أحاط به و يظهر منه أن نوعا من الياقوت يتكون في البحر و قيل أطلق على المرجان مجازا و يحتمل أن يكون المراد ما يستخرج منه بالغوص و إن لم يتكون فيه و اليلنجوج عود البخور و من العراق أي البصرة و إلى العراق أي الكوفة أو بالعكس قوله(ع)و يعجز أي لو لا كثرة الهواء لعجز الهواء عما يستحيل الهواء إليه من السحاب و الضباب التي تتكون من الهواء أولا أولا أي تدريجا أي كان الهواء لا يفي بذلك أو لا يتسع لذلك الضباب بالفتح ندى كالغيم أو سحاب رقيق كالدخان و الأحايين جمع أحيان و هو جمع حين بمعنى الدهر و الزمان قوله(ع)فلا هي تمسك بالمادة و الحطب أي دائما بحيث إذا انطفأت لم يمكن إعادتها و المادة الزيادة المتصلة و المراد هنا الدهن و مثله و دفاء الأبدان بالكسر دفع البرد عنها.

فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي الصَّحْوِ (1) وَ الْمَطَرِ كَيْفَ يَعْتَقِبَانِ عَلَى هَذَا الْعَالَمِ لِمَا فِيهِ صَلَاحُهُ وَ لَوْ دَامَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَيْهِ كَانَ فِي ذَلِكَ فَسَادُهُ أَ لَا تَرَى أَنَّ الْأَمْطَارَ إِذَا تَوَالَتْ عَفِنَتِ الْبُقُولُ وَ الْخُضَرُ وَ اسْتَرْخَتْ أَبْدَانُ الْحَيَوَانِ وَ خَصِرَ الْهَوَاءُ فَأَحْدَثَ ضُرُوباً مِنَ الْأَمْرَاضِ وَ فَسَدَتِ الطُّرُقُ وَ الْمَسَالِكُ وَ أَنَّ الصَّحْوَ إِذَا دَامَ جَفَّتِ الْأَرْضُ وَ احْتَرَقَ النَّبَاتُ وَ غِيضَ مَاءُ الْعُيُونِ وَ الْأَوْدِيَةِ فَأَضَرَّ ذَلِكَ بِالنَّاسِ وَ غَلَبَ الْيُبْسُ عَلَى الْهَوَاءِ فَأَحْدَثَ ضُرُوباً أُخْرَى مِنَ الْأَمْرَاضِ فَإِذَا تَعَاقَبَا عَلَى الْعَالَمِ هَذَا التَّعَاقُبَ اعْتَدَلَ الْهَوَاءُ وَ دَفَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَادِيَةَ الْآخَرِ (2) فَصَلَحَتِ الْأَشْيَاءُ وَ اسْتَقَامَتْ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ وَ لِمَ لَا يَكُونُ فِي شَيْ‏ءٍ مِنْ ذَلِكَ مَضَرَّةٌ الْبَتَّةَ قِيلَ لَهُ لِيَمُضَّ ذَلِكَ الْإِنْسَانَ‏ (3) وَ يُؤْلِمَهُ بَعْضَ الْأَلَمِ فَيَرْعَوِيَ عَنِ الْمَعَاصِي فَكَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا سَقُمَ بَدَنُهُ احْتَاجَ إِلَى الْأَدْوِيَةِ الْمُرَّةِ الْبَشِعَةِ لِيَقُومَ طِبَاعُهُ وَ يَصْلُحَ مَا فَسَدَ مِنْهُ كَذَلِكَ إِذَا طَغَى وَ أَشِرَ

____________



(1) صحا يصحو صحوا و صحى يصحى صحا اليوم: صفا و لم يكن فيه غيم.

(2) أي ضرر الآخر.

(3) و في نسخة: يمضّ ذلك الإنسان.

126

احْتَاجَ إِلَى مَا يَعَضُّهُ وَ يُؤْلِمُهُ لِيَرْعَوِيَ وَ يَقْصُرَ عَنْ مَسَاوِيهِ وَ يُثْبِتَهُ عَلَى مَا فِيهِ حَظُّهُ وَ رُشْدُهُ وَ لَوْ أَنَّ مَلِكاً مِنَ الْمُلُوكِ قَسَمَ فِي أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ قَنَاطِيرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ فِضَّةٍ أَ لَمْ يَكُنْ سَيَعْظُمُ عِنْدَهُمْ وَ يَذْهَبُ لَهُ بِهِ الصَّوْتُ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ مَطْرَةٍ رَوَاءٍ (1) إِذْ يُعْمَرُ بِهِ الْبِلَادُ وَ يَزِيدُ فِي الْغَلَّاتِ أَكْثَرَ مِنْ قَنَاطِيرِ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ فِي أَقَالِيمِ الْأَرْضِ كُلِّهَا أَ فَلَا تَرَى الْمَطْرَةَ الْوَاحِدَةَ مَا أَكْبَرَ قَدْرَهَا وَ أَعْظَمَ النِّعْمَةَ عَلَى النَّاسِ فِيهَا وَ هُمْ عَنْهَا سَاهُونَ وَ رُبَّمَا عَاقَتْ عَنْ أَحَدِهِمْ حَاجَةٌ لَا قَدْرَ لَهَا فَيَذْمُرُ (2) وَ يَسْخَطُ إِيثَاراً لِلْخَسِيسِ قَدْرُهُ عَلَى الْعَظِيمِ نَفْعُهُ جَهْلًا بِمَحْمُودِ الْعَاقِبَةِ وَ قِلَّةَ مَعْرِفَةٍ لِعَظِيمِ الْغَنَاءِ وَ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا تَأَمَّلْ نُزُولَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَ التَّدْبِيرَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ جُعِلَ يَنْحَدِرُ عَلَيْهَا مِنْ عُلْوٍ لِيَتَفَشَّى مَا غَلُظَ وَ ارْتَفَعَ مِنْهَا فَيُرْوِيَهُ وَ لَوْ كَانَ إِنَّمَا يَأْتِيهَا مِنْ بَعْضِ نَوَاحِيهَا لَمَا عَلَا عَلَى الْمَوَاضِعِ الْمُشْرِفَةِ مِنْهَا وَ يَقِلُّ مَا يُزْرَعُ فِي الْأَرْضِ أَ لَا تَرَى أَنَّ الَّذِي يُزْرَعُ سَيْحاً (3) أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ فَالْأَمْطَارُ هِيَ الَّتِي تُطْبِقُ الْأَرْضَ وَ رُبَّمَا تَزْرَعُ هَذِهِ الْبَرَارِيَ الْوَاسِعَةَ وَ سُفُوحَ الْجِبَالِ وَ ذُرَاهَا (4) فَتُغِلُّ الْغَلَّةَ الْكَثِيرَةَ (5) وَ بِهَا يَسْقُطُ عَنِ النَّاسِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْبُلْدَانِ مَئُونَةُ سِيَاقِ الْمَاءِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ وَ مَا يَجْرِي فِي ذَلِكَ بَيْنَهُمْ مِنَ التَّشَاجُرِ وَ التَّظَالُمِ حَتَّى يَسْتَأْثِرَ بِالْمَاءِ ذَوُو الْعِزَّةِ وَ الْقُوَّةِ وَ يُحْرَمَهُ الضُّعَفَاءُ ثُمَّ إِنَّهُ حِينَ قُدِّرَ أَنْ يَنْحَدِرَ عَلَى الْأَرْضِ انْحِدَاراً جُعِلَ ذَلِكَ قَطْراً شَبِيهاً بِالرَّشِّ لِيَغُورَ فِي قُطْرِ الْأَرْضِ فَيُرْوِيَهَا وَ لَوْ كَانَ يَسْكُبُهُ انْسِكَاباً كَانَ يَنْزِلُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَلَا يَغُورُ فِيهَا ثُمَّ كَانَ يَحْطِمُ الزَّرْعَ الْقَائِمَةَ إِذَا انْدَفَقَ عَلَيْهَا فَصَارَ يَنْزِلُ نُزُولًا رَقِيقاً (6) فَيُنْبِتُ الْحَبَّ الْمَزْرُوعَ وَ يُحْيِي الْأَرْضَ وَ الزَّرْعَ الْقَائِمَ وَ فِي نُزُولِهِ أَيْضاً مَصَالِحُ أُخْرَى فَإِنَّهُ يُلَيِّنُ الْأَبْدَانَ وَ يَجْلُو كَدَرَ الْهَوَاءِ فَيَرْتَفِعُ الْوَبَاءُ الْحَادِثُ مِنْ ذَلِكَ وَ يَغْسِلُ مَا يَسْقُطُ عَلَى‏

____________



(1) على زنة «حياء»: الماء الكثير المشبع.

(2) في بعض النسخ «يتذمر و يسخط إيثارا للخسيس قدره على العظيم نفعه جميلا محمود العاقبة و قلة معرفته لعظيم الغناء و المنفعة فيها.».

(3) السيح: الماء الجاري على وجه الأرض.

(4) سفح الجبل: أصله و أسفله. عرضه و مضطجعه الذي ينصب الماء. و ذرو الجبل: أعلاه.

(5) و في نسخة: فتقل الغلة الكثيرة.

(6) و في نسخة: فصار ينزل نزولا رفيقا.

127

الشَّجَرِ وَ الزَّرْعِ مِنَ الدَّاءِ الْمُسَمَّى بِالْيَرَقَانِ‏ (1) إِلَى أَشْبَاهِ هَذَا مِنَ الْمَنَافِعِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ أَ وَ لَيْسَ قَدْ يَكُونُ مِنْهُ فِي بَعْضِ السِّنِينَ الضَّرَرُ الْعَظِيمُ الْكَثِيرُ لِشِدَّةِ مَا يَقَعُ مِنْهُ أَوْ بَرَدٍ يَكُونُ فِيهِ تَحَطُّمُ الْغَلَّاتِ وَ بَخُورَةٍ يُحْدِثُهَا فِي الْهَوَاءِ فَيُوَلِّدُ كَثِيراً مِنَ الْأَمْرَاضِ فِي الْأَبْدَانِ وَ الْآفَاتِ فِي الْغَلَّاتِ قِيلَ بَلَى قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الْفَرْطُ لِمَا فِيهِ مِنْ صَلَاحِ الْإِنْسَانِ وَ كَفِّهِ عَنْ رُكُوبِ الْمَعَاصِي وَ التَّمَادِي فِيهَا فَيَكُونُ الْمَنْفَعَةُ فِيمَا يَصْلُحُ لَهُ مِنْ دِينِهِ أَرْجَحَ مِمَّا عَسَى أَنْ يُرْزَأَ فِي مَالِهِ.

بيان يعتقبان أي يأتي كل منهما عقيب صاحبه و خصر الهواء بكسر الصاد المهملة يقال خصر يومنا أي اشتد برده و ماء خاصر بارد و في أكثر النسخ بالحاء المهملة و السين من حسر أي كل و هو لا يستقيم إلا بتكلف و تجوز و في بعضها بالخاء المعجمة و الثاء المثلثة من قولهم خثر اللبن خثرا إذا غلظ و البشع الكريه الطعم الذي يأخذ بالحلق و القنطار معيار و يروى أنه ألف و مائتا أوقية و يقال هو مائة و عشرون رطلا و يقال هو مل‏ء مسك الثور ذهبا قوله(ع)و يذهب له به الصوت أي يملأ صيت كرمه و جوده الآفاق و الذمر الملامة و التهدد قوله ليتفشى التفشي الاتساع و الأظهر ليغشى بالغين المعجمة كما في بعض النسخ و الحطم الكسر و الاندفاق الانصباب و اليرقان آفة للزرع و قوله مما عسى أن يرزأ من الرزء المصيبة.

انْظُرْ يَا مُفَضَّلُ إِلَى هَذِهِ الْجِبَالِ الْمَرْكُومَةِ (2) مِنَ الطِّينِ وَ الْحِجَارَةِ الَّتِي يَحْسَبُهَا الْغَافِلُونَ فَضْلًا لَا حَاجَةَ إِلَيْهَا وَ الْمَنَافِعُ فِيهَا كَثِيرَةٌ فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَسْقُطَ عَلَيْهَا الثُّلُوجُ فَيَبْقَى فِي قِلَالِهَا لِمَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَ يَذُوبَ مَا ذَابَ مِنْهُ فَتَجْرِيَ مِنْهُ الْعُيُونُ الْغَزِيرَةُ الَّتِي تَجْتَمِعُ مِنْهَا الْأَنْهَارُ الْعِظَامُ وَ يَنْبُتَ فِيهَا ضُرُوبٌ مِنَ النَّبَاتِ وَ الْعَقَاقِيرِ الَّتِي لَا يَنْبُتُ مِثْلُهَا فِي السَّهْلِ وَ يَكُونَ فِيهَا كُهُوفٌ وَ مَقَايِلُ لِلْوُحُوشِ مِنَ السِّبَاعِ الْعَادِيَةِ وَ يُتَّخَذَ مِنْهَا الْحُصُونُ‏

____________



(1) اليرقان: آفة للزرع أو دود يسطو على الزرع.

(2) المركومة: المجتمعة من الطين و الحجارة بعضها فوق بعض.

128

وَ الْقِلَاعُ الْمَنِيعَةُ لِلتَّحَرُّزِ مِنَ الْأَعْدَاءِ وَ يُنْحَتَ مِنْهَا الْحِجَارَةُ لِلْبِنَاءِ وَ الْأَرْحَاءِ (1) وَ يُوجَدَ فِيهَا مَعَادِنُ لِضُرُوبٍ مِنَ الْجَوَاهِرِ وَ فِيهَا خِلَالٌ أُخْرَى لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا الْمُقَدِّرُ لَهَا فِي سَابِقِ عِلْمِهِ.

تفسير المقايل في بعض النسخ بالقاف و كأنه من القيلولة و في بعضها بالغين و لعله من الغيل الشجر الملتف و في بعض كتب اللغة المغالة العش و في بعض النسخ معاقل جمع المعقل و هو الملجأ.

فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي هَذِهِ الْمَعَادِنِ وَ مَا يُخْرَجُ مِنْهَا مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُخْتَلِفَةِ مِثْلِ الْجِصِّ وَ الْكِلْسِ وَ الْجِبْسِ‏ (2) وَ الزَّرَانِيخِ وَ الْمَرْتَكِ وَ القونيا (3) [التُّوتِيَاءِ وَ الزِّئْبَقِ وَ النُّحَاسِ وَ الرَّصَاصِ وَ الْفِضَّةِ وَ الذَّهَبِ وَ الزَّبَرْجَدِ وَ الْيَاقُوتِ وَ الزُّمُرُّدِ وَ ضُرُوبِ الْحِجَارَةِ وَ كَذَلِكَ مَا يُخْرَجُ مِنْهَا مِنَ الْقَارِ وَ الْمُومِيَا وَ الْكِبْرِيتِ وَ النِّفْطِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَسْتَعْمِلُهُ النَّاسُ فِي مَآرِبِهِمْ فَهَلْ يَخْفَى عَلَى ذِي عَقْلٍ أَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا ذَخَائِرُ ذُخِرَتْ لِلْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ لِيَسْتَخْرِجَهَا فَيَسْتَعْمِلَهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا ثُمَّ قَصُرَتْ حِيلَةُ النَّاسِ عَمَّا حَاوَلُوا مِنْ صَنْعَتِهَا عَلَى حِرْصِهِمْ وَ اجْتِهَادِهِمْ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ لَوْ ظَفِرُوا بِمَا حَاوَلُوا مِنْ هَذَا الْعِلْمِ كَانَ لَا مَحَالَةَ سَيَظْهَرُ وَ يَسْتَفِيضُ فِي الْعَالَمِ حَتَّى تَكْثُرَ الذَّهَبُ وَ الْفِضَّةُ وَ يَسْقُطَا عِنْدَ النَّاسِ فَلَا يَكُونَ لَهُمَا قِيمَةٌ وَ يَبْطُلَ الِانْتِفَاعُ بِهِمَا فِي الشِّرَاءِ وَ الْبَيْعِ وَ الْمُعَامَلَاتِ وَ لَا كَانَ يَجْبِي السُّلْطَانُ الْأَمْوَالَ وَ لَا يَدَّخِرُهُمَا أَحَدٌ لِلْأَعْقَابِ وَ قَدْ أُعْطِيَ النَّاسُ مَعَ هَذَا صَنْعَةَ الشَّبَهِ مِنَ النُّحَاسِ وَ الزُّجَاجِ مِنَ الرَّمْلِ وَ الْفِضَّةِ مِنَ الرَّصَاصِ وَ الذَّهَبِ مِنَ الْفِضَّةِ وَ أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ فَانْظُرْ كَيْفَ أُعْطُوا إِرَادَتَهُمْ فِيمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ وَ مُنِعُوا ذَلِكَ فِيمَا كَانَ ضَارّاً لَهُمْ لَوْ نَالُوهُ وَ مَنْ أَوْغَلَ فِي الْمَعَادِنِ انْتَهَى إِلَى وَادٍ عَظِيمٍ يَجْرِي مُنْصَلِتاً بِمَاءٍ غَزِيرٍ لَا يُدْرَكُ غَوْرُهُ وَ لَا حِيلَةَ فِي عُبُورِهِ وَ مِنْ وَرَائِهِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ مِنَ الْفِضَّةِ تَفَكَّرِ الْآنَ فِي هَذَا مِنْ تَدْبِيرِ الْخَالِقِ الْحَكِيمِ فَإِنَّهُ أَرَادَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يُرِيَ الْعِبَادَ

____________



(1) أي الطواحين.

(2) أي حجر الجصّ.

(3) في نسخة: القونبا. و في أخرى: التوتيا.

129

قُدْرَتَهُ وَ سَعَةَ خَزَائِنِهِ لِيَعْلَمُوا أَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَنْ يَمْنَحَهُمْ كَالْجِبَالِ مِنَ الْفِضَّةِ لَفَعَلَ لَكِنْ لَا صَلَاحَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَيَكُونُ فِيهَا كَمَا ذَكَرْنَا سُقُوطُ هَذَا الْجَوْهَرِ عِنْدَ النَّاسِ وَ قِلَّةُ انْتِفَاعِهِمْ بِهِ وَ اعْتَبِرْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ قَدْ يَظْهَرُ الشَّيْ‏ءُ الطَّرِيفُ مِمَّا يُحْدِثُهُ النَّاسُ مِنَ الْأَوَانِي وَ الْأَمْتِعَةِ فَمَا دَامَ عَزِيزاً قَلِيلًا فَهُوَ نَفِيسٌ جَلِيلٌ آخِذُ الثَّمَنِ فَإِذَا فَشَا وَ كَثُرَ فِي أَيْدِي النَّاسِ سَقَطَ عِنْدَهُمْ وَ خَسَتْ قِيمَتُهُ وَ نَفَاسَةُ الْأَشْيَاءِ مِنْ عِزَّتِهَا.

بيان الكلس بالكسر الصاروج و الجبس بالكسر الجص و في أكثر النسخ الجبسين و لم أجده فيما عندنا من كتب اللغة لكن في كتب الطب كما في أكثر النسخ و المرتك كمقعد المرداسنج و القونيا بالباء الموحدة أو الياء المثناة من تحت و لم أجدهما في كتب اللغة لكن في القاموس القونة القطعة من الحديد أو الصفر يرفع بها الإناء و في بعض النسخ و التوتياء و في كتب اللغة أنه حجر يكتحل به‏ (1) و القار القير و جبى الخراج جباية جمعه و الإيغال المبالغة في الدخول و الذهاب و انصلت مضى و سبق.

فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي هَذَا النَّبَاتِ وَ مَا فِيهِ مِنْ ضُرُوبِ الْمَآرِبِ فَالثِّمَارُ لِلْغِذَاءِ وَ الْأَتْبَانُ لِلْعَلَفِ وَ الْحَطَبُ لِلْوُقُودِ وَ الْخَشَبُ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مِنْ أَنْوَاعِ النِّجَارَةِ وَ غَيْرِهَا وَ اللِّحَاءُ وَ الْوَرَقُ وَ الْأُصُولُ وَ الْعُرُوقُ وَ الصُّمُوغُ لِضُرُوبٍ مِنَ الْمَنَافِعِ أَ رَأَيْتَ لَوْ كُنَّا نَجِدُ الثِّمَارَ الَّتِي نَغْتَذِي بِهَا مَجْمُوعَةً عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَ لَمْ تَكُنْ تَنْبُتُ عَلَى هَذِهِ الْأَغْصَانِ الْحَامِلَةِ لَهَا كَمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْنَا مِنَ الْخَلَلِ فِي مَعَاشِنَا وَ إِنْ كَانَ الْغِذَاءُ مَوْجُوداً فَإِنَّ الْمَنَافِعَ بِالْخَشَبِ وَ الْحَطَبِ وَ الْأَتْبَانِ وَ سَائِرِ مَا عَدَدْنَاهُ كَثِيرَةٌ عَظِيمٌ قَدْرُهَا جَلِيلٌ مَوْقِعُهَا هَذَا مَعَ مَا فِي النَّبَاتِ مِنَ التَّلَذُّذِ بِحُسْنِ مَنْظَرِهِ وَ نَضَارَتِهِ الَّتِي لَا يَعْدِلُهَا شَيْ‏ءٌ مِنْ مَنَاظِرِ الْعَالَمِ وَ مَلَاهِيهِ.

بيان لحاء الشجرة بالكسر قشرها.

فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي هَذَا الرَّيْعِ الَّذِي جُعِلَ فِي الزَّرْعِ فَصَارَتِ الْحَبَّةُ الْوَاحِدَةُ تُخَلِّفُ‏

____________



(1) نقل في كتب الطبّ عن الشيخ أنّه قال: أصل التوتيا دخان يرتفع حيث يخلص النحاس من الحجارة التي تخالطه و الآنك الذي يخالطه، و ربما صعد الاقليميا فكان مصعده توتيا جيدا و رسوبه قليميا.

130

مِائَةَ حَبَّةٍ وَ أَكْثَرَ وَ أَقَلَّ وَ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَبَّةُ تَأْتِي بِمِثْلِهَا فَلِمَ صَارَتْ تَرِيعُ هَذَا الرَّيْعَ إِلَّا لِيَكُونَ فِي الْغَلَّةِ مُتَّسَعٌ لِمَا يُرَدُّ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْبَذْرِ وَ مَا يَتَقَوَّتُ الزُّرَّاعُ إِلَى إِدْرَاكِ زَرْعِهَا الْمُسْتَقْبَلِ أَ لَا تَرَى أَنَّ الْمَلِكَ لَوْ أَرَادَ عِمَارَةَ بَلَدٍ مِنَ الْبُلْدَانِ كَانَ السَّبِيلُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُعْطِيَ أَهْلَهُ مَا يَبْذُرُونَهُ فِي أَرْضِهِمْ وَ مَا يَقُوتُهُمْ إِلَى إِدْرَاكِ زَرْعِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ تَجِدُ هَذَا الْمِثَالَ قَدْ تَقَدَّمَ فِي تَدْبِيرِ الْحَكِيمِ فَصَارَ الزَّرْعُ يَرِيعُ هَذَا الرَّيْعَ لِيَفِيَ بِمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْقُوتِ وَ الزِّرَاعَةِ وَ كَذَلِكَ الشَّجَرُ وَ النَّبْتُ وَ النَّخْلُ يَرِيعُ الرَّيْعَ الْكَثِيرَ فَإِنَّكَ تَرَى الْأَصْلَ الْوَاحِدَ حَوْلَهُ مِنْ فِرَاخِهِ أَمْراً عَظِيماً فَلِمَ كَانَ كَذَلِكَ إِلَّا لِيَكُونَ فِيهِ مَا يَقْطَعُهُ النَّاسُ وَ يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي مَآرِبِهِمْ وَ مَا يُرَدُّ فَيُغْرَسُ فِي الْأَرْضِ وَ لَوْ كَانَ الْأَصْلُ مِنْهُ يَبْقَى مُنْفَرِداً لَا يُفْرِخُ وَ لَا يَرِيعُ لَمَا أَمْكَنَ أَنْ يُقْطَعَ مِنْهُ شَيْ‏ءٌ لِعَمَلٍ وَ لَا لِغَرْسٍ ثُمَّ كَانَ إِنْ أَصَابَتْهُ آفَةٌ انْقَطَعَ أَصْلُهُ فَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ خَلَفٌ تَأَمَّلْ نَبَاتَ هَذِهِ الْحُبُوبِ مِنَ الْعَدَسِ وَ الْمَاشِ وَ الْبَاقِلَاءِ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنَّهَا تَخْرُجُ فِي أَوْعِيَةٍ مِثْلِ الْخَرَائِطِ لِتَصُونَهَا وَ تَحْجُبَهَا مِنَ الْآفَاتِ إِلَى أَنْ تَشُدَّ وَ تَسْتَحْكِمَ كَمَا قَدْ تَكُونُ الْمَشِيمَةُ عَلَى الْجَنِينِ لِهَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ فَأَمَّا الْبُرُّ وَ مَا أَشْبَهَهُ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مَدْرَجاً فِي قُشُورٍ صِلَابٍ عَلَى رُءُوسِهَا مِثَالُ الْأَسِنَّةِ مِنَ السُّنْبُلِ لِيَمْنَعَ الطَّيْرَ مِنْهُ لِيَتَوَفَّرَ عَلَى الزُّرَّاعِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ أَ وَ لَيْسَ قَدْ يَنَالُ الطَّيْرُ مِنَ الْبُرِّ وَ الْحُبُوبِ قِيلَ لَهُ بَلَى عَلَى هَذَا قُدِّرَ الْأَمْرُ فِيهَا لِأَنَّ الطَّيْرَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ وَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَهُ فِيمَا تُخْرِجُ الْأَرْضُ حَظّاً وَ لَكِنْ حُضِنَتِ الْحُبُوبُ بِهَذِهِ الْحُجُبِ لِئَلَّا يَتَمَكَّنَ الطَّيْرُ مِنْهَا كُلَّ التَّمَكُّنِ فَيَعْبَثَ فِيهَا وَ يُفْسِدَ الْفَسَادَ الْفَاحِشَ فَإِنَّ الطَّيْرَ لَوْ صَادَفَ الْحَبَّ بَارِزاً لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ يَحُولُ دُونَهُ لَأَكَبَّ عَلَيْهِ حَتَّى يَنْسِفَهُ أَصْلًا فَكَانَ يَعْرِضُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَبْشَمَ الطَّيْرُ فَيَمُوتَ وَ يَخْرُجَ الزَّرَّاعُ مِنْ زَرْعِهِ صِفْراً فَجُعِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْوَقَايَاتُ لِتَصُونَهُ فَيَنَالَ الطَّائِرُ مِنْهُ شَيْئاً يَسِيراً يَتَقَوَّتُ بِهِ وَ يَبْقَى أَكْثَرُهُ لِلْإِنْسَانِ فَإِنَّهُ أَوْلَى بِهِ إِذْ كَانَ هُوَ الَّذِي كَدَحَ فِيهِ وَ شَقِيَ بِهِ وَ كَانَ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الطَّيْرُ تَأَمَّلِ الْحِكْمَةَ فِي خَلْقِ الشَّجَرِ وَ أَصْنَافِ النَّبَاتِ فَإِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ تَحْتَاجُ إِلَى الْغِذَاءِ

131

الدَّائِمِ كَحَاجَةِ الْحَيَوَانِ وَ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَفْوَاهٌ كَأَفْوَاهِ الْحَيَوَانِ وَ لَا حَرَكَةٌ تَنْبَعِثُ بِهَا لِتَنَاوُلِ الْغِذَاءِ جُعِلَتْ أُصُولُهَا مَرْكُوزَةً فِي الْأَرْضِ لِتَنْزِعَ مِنْهَا الْغِذَاءَ فَتُؤَدِّيَهُ إِلَى الْأَغْصَانِ وَ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْوَرَقِ وَ الثَّمَرِ فَصَارَتِ الْأَرْضُ كَالْأُمِّ الْمُرَبِّيَةِ لَهَا وَ صَارَتْ أُصُولُهَا الَّتِي هِيَ كَالْأَفْوَاهِ مُلْتَقِمَةً لِلْأَرْضِ‏ (1) لِتَنْزِعَ مِنْهَا الْغِذَاءَ كَمَا يُرْضِعُ أَصْنَافَ الْحَيَوَانِ أُمَّهَاتُهَا أَ لَا تَرَى إِلَى عَمَدِ الْفَسَاطِيطِ وَ الْخِيَمِ كَيْفَ تَمُدُّ بِالْأَطْنَابِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ لِتَثْبُتَ مُنْتَصِبَةً فَلَا تَسْقُطَ وَ لَا تَمِيلَ فَهَكَذَا تَجِدُ النَّبَاتَ كُلَّهُ لَهُ عُرُوقٌ مُنْتَشِرَةٌ فِي الْأَرْضِ مُمْتَدَّةٌ إِلَى كُلِّ جَانِبٍ لِتُمْسِكَهُ وَ تُقِيمَهُ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ كَيْفَ كَانَ يَثْبُتُ هَذَا النَّخْلُ الطِّوَالُ وَ الدَّوْحُ الْعِظَامُ فِي الرِّيحِ الْعَاصِفِ فَانْظُرْ إِلَى حِكْمَةِ الْخِلْقَةِ كَيْفَ سَبَقَتْ حِكْمَةَ الصِّنَاعَةِ فَصَارَتِ الْحِيلَةُ الَّتِي تَسْتَعْمِلُهَا الصُّنَّاعُ فِي ثَبَاتِ الْفَسَاطِيطِ وَ الْخِيَمِ مُتَقَدِّمَةً فِي خَلْقِ الشَّجَرِ لِأَنَّ خَلْقَ الشَّجَرِ قَبْلَ صَنْعَةِ الْفَسَاطِيطِ وَ الْخِيَمِ أَ لَا تَرَى عَمَدَهَا وَ عِيدَانَهَا مِنَ الشَّجَرِ فَالصِّنَاعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْخِلْقَةِ.

بيان ينسفه بالكسر أي يقلعه و بشم الحيوان بشما من باب تعب اتخم من كثرة الأكل و الكدح العمل و السعي و الشقا الشدة و العسر شقي كرضي و الدوح بفتح الدال و سكون الواو جمع الدوحة و هي الشجرة العظيمة.

تَأَمَّلْ يَا مُفَضَّلُ خَلْقَ الْوَرَقِ فَإِنَّكَ تَرَى فِي الْوَرَقَةِ شِبْهَ الْعُرُوقِ مَبْثُوثَةً فِيهَا أَجْمَعَ فَمِنْهَا غِلَاظٌ مُمْتَدَّةٌ فِي طُولِهَا وَ عَرْضِهَا وَ مِنْهَا دِقَاقٌ تَتَخَلَّلُ الْغِلَاظَ مَنْسُوجَةٌ نَسْجاً دَقِيقاً مُعْجَماً لَوْ كَانَ مِمَّا يُصْنَعُ بِالْأَيْدِي كَصَنْعَةِ الْبَشَرِ لَمَا فُرِغَ مِنْ وَرَقِ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ فِي عَامٍ كَامِلٍ وَ لَاحتِيجَ إِلَى آلَاتٍ وَ حَرَكَةٍ وَ عِلَاجٍ وَ كَلَامٍ فَصَارَ يَأْتِي مِنْهُ فِي أَيَّامٍ قَلَائِلَ مِنَ الرَّبِيعِ مَا يَمْلَأُ الْجِبَالَ وَ السَّهْلَ وَ بِقَاعَ الْأَرْضِ كُلَّهَا بِلَا حَرَكَةٍ وَ لَا كَلَامٍ إِلَّا بِالْإِرَادَةِ النَّافِذَةِ فِي كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ الْأَمْرِ الْمُطَاعِ وَ اعْرِفْ مَعَ ذَلِكَ الْعِلَّةَ فِي تِلْكَ الْعُرُوقِ الدِّقَاقِ فَإِنَّهَا جُعِلَتْ تَتَخَلَّلُ الْوَرَقَةَ بِأَسْرِهَا لِتَسْقِيَهَا وَ تُوصِلَ الْمَاءَ إِلَيْهَا بِمَنْزِلَةِ الْعُرُوقِ الْمَبْثُوثَةِ فِي الْبَدَنِ لِتُوصِلَ الْغِذَاءَ إِلَى كُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا وَ فِي الْغِلَاظِ مِنْهَا مَعْنًى آخَرُ فَإِنَّهَا تُمْسِكُ الْوَرَقَةَ بِصَلَابَتِهَا وَ مِتَانَتِهَا لِئَلَّا

____________



(1) التقم الطعام: ابتلعه أو في مهلة.

132

تَنْهَتِكَ وَ تَتَمَزَّقَ فَتَرَى الْوَرَقَةَ شَبِيهَةً بِوَرَقَةٍ مَعْمُولَةٍ بِالصَّنْعَةِ مِنْ خِرَقٍ قَدْ جُعِلَتْ فِيهَا عِيدَانٌ مَمْدُودَةٌ فِي طُولِهَا وَ عَرْضِهَا لِتَتَمَاسَكَ فَلَا تَضْطَرِبَ فَالصِّنَاعَةُ تَحْكِي الْخِلْقَةَ وَ إِنْ كَانَتْ لَا تُدْرِكُهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ فَكِّرْ فِي هَذَا الْعَجَمِ وَ النَّوَى وَ الْعِلَّةِ فِيهِ فَإِنَّهُ جُعِلَ فِي جَوْفِ الثَّمَرَةِ لِيَقُومَ مَقَامَ الْغَرْسِ إِنْ عَاقَ دُونَ الْغَرْسِ عَائِقٌ كَمَا يُحْرَزُ الشَّيْ‏ءُ النَّفِيسُ الَّذِي تَعْظُمُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ فَإِنْ حَدَثَ عَلَى الَّذِي فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مِنْهُ حَادِثٌ وُجِدَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ثُمَّ بَعْدُ يُمْسِكُ بِصَلَابَتِهِ رَخَاوَةَ الثِّمَارِ وَ رِقَّتَهَا وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَتَشَدَّخَتْ وَ تَفَسَّخَتْ وَ أَسْرَعَ إِلَيْهِ الْفَسَادُ وَ بَعْضُهُ يُؤْكَلُ وَ يُسْتَخْرَجُ دُهْنُهُ فَيُسْتَعْمَلُ مِنْهُ ضُرُوبٌ مِنَ الْمَصَالِحِ وَ قَدْ تَبَيَّنَ لَكَ مَوْضِعُ الْإِرْبِ فِي الْعَجَمِ وَ النَّوَى فَكِّرِ الْآنَ فِي هَذَا الَّذِي تَجِدُهُ فَوْقَ النَّوَاةِ مِنَ الرَّطْبَةِ وَ فَوْقَ الْعَجَمِ مِنَ الْعِنَبَةِ فَمَا الْعِلَّةُ فِيهِ وَ لِمَا ذَا يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْهَيْئَةِ وَ قَدْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَكَانَ ذَلِكَ مَا لَيْسَ فِيهِ مَأْكَلٌ كَمِثْلِ مَا يَكُونُ فِي السَّرْوِ وَ الدُّلْبِ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلِمَ صَارَ يَخْرُجُ فَوْقَهُ هَذِهِ الْمَطَاعِمُ اللَّذِيذَةُ إِلَّا لِيَسْتَمْتِعَ بِهَا الْإِنْسَانُ فَكِّرْ فِي ضُرُوبٍ مِنَ التَّدْبِيرِ فِي الشَّجَرِ فَإِنَّكَ تَرَاهُ يَمُوتُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَوْتَةً فَيَحْتَبِسُ الْحَرَارَةَ الْغَرِيزِيَّةَ فِي عُودِهِ وَ يَتَوَلَّدُ فِيهِ مَوَادُّ الثِّمَارِ ثُمَّ تَحْيَا وَ تَنْتَشِرُ فَتَأْتِيكَ بِهَذِهِ الْفَوَاكِهِ نَوْعاً بَعْدَ نَوْعٍ كَمَا تَقَدَّمَ إِلَيْكَ أَنْوَاعُ الْأَطْبِخَةِ (1) الَّتِي تُعَالَجُ بِالْأَيْدِي وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ فَتَرَى الْأَغْصَانَ فِي الشَّجَرِ تَتَلَقَّاكَ بِثِمَارِهَا حَتَّى كَأَنَّهَا تُنَاوِلُكَهَا عَنْ يَدٍ وَ تَرَى الرَّيَاحِينَ تَلَقَّاكَ فِي أَفْنَانِهَا كَأَنَّهَا تَجِيئُكَ بِأَنْفُسِهَا فَلِمَنْ هَذَا التَّقْدِيرُ إِلَّا لِمُقَدِّرٍ حَكِيمٍ وَ مَا الْعِلَّةُ فِيهِ إِلَّا تَفْكِيهُ الْإِنْسَانِ بِهَذِهِ الثِّمَارِ وَ الْأَنْوَارِ (2) وَ الْعَجَبُ مِنْ أُنَاسٍ جَعَلُوا مَكَانَ الشُّكْرِ عَلَى النِّعْمَةِ جُحُودَ الْمُنْعِمِ بِهَا اعْتَبِرْ بِخَلْقِ الرُّمَّانَةِ وَ مَا تَرَى فِيهَا مِنْ أَثَرِ الْعَمْدِ وَ التَّدْبِيرِ فَإِنَّكَ تَرَى فِيهَا كَأَمْثَالِ التِّلَالِ مِنْ شَحْمٍ مَرْكُومٍ فِي نَوَاحِيهَا وَ حَبّاً مَرْصُوفاً رَصْفاً كَنَحْوِ مَا يُنْضَدُ بِالْأَيْدِي‏ (3)

____________



(1) و في نسخة: كما تقدم إليك أنواع الاخبصة.

(2) و في نسخة: تفكه الإنسان بهذه الثمار و الأنوار.

(3) أي كنحو ما يضم بعضه إلى بعض متسقا بالايدى.

133

وَ تَرَى الْحَبَّ مَقْسُوماً أَقْسَاماً وَ كُلَّ قِسْمٍ مِنْهَا مَلْفُوفاً بِلَفَائِفَ مِنْ حُجُبٍ مَنْسُوجَةٍ أَعْجَبَ النَّسْجِ وَ أَلْطَفَهُ وَ قِشْرَهُ يَضُمُّ ذَلِكَ كُلَّهُ فَمِنَ التَّدْبِيرِ فِي هَذِهِ الصَّنْعَةِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَشْوُ الرُّمَّانَةِ مِنَ الْحَبِّ وَحْدَهُ وَ ذَلِكَ أَنَّ الْحَبَّ لَا يَمُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً فَجُعِلَ ذَلِكَ الشَّحْمُ خِلَالَ الْحَبِّ لِيَمُدَّهُ بِالْغِذَاءِ أَ لَا تَرَى أَنَّ أُصُولَ الْحَبِّ مَرْكُوزَةٌ فِي ذَلِكَ الشَّحْمِ ثُمَّ لُفَّ بِتِلْكَ اللَّفَائِفِ لِتَضُمَّهُ وَ تُمْسِكَهُ فَلَا يَضْطَرِبَ وَ غُشِيَ فَوْقَ ذَلِكَ بِالْقِشْرَةِ الْمُسْتَحْصِنَةِ لِيَصُونَهُ وَ يُحْصِنَهُ مِنَ الْآفَاتِ فَهَذَا قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ وَ هِيَ وَصْفُ الرُّمَّانِ وَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا لِمَنْ أَرَادَ الْإِطْنَابَ وَ التَّذَرُّعَ فِي الْكَلَامِ وَ لَكِنْ فِيمَا ذَكَرْتُ لَكَ كِفَايَةٌ فِي الدَّلَالَةِ وَ الِاعْتِبَارِ.

بيان قوله(ع)معجما لعل المراد شدّة ارتباطها قال الفيروزآبادي باب معجم كمكرم مقفل انتهى و يحتمل أن يكون كناية عن خفائها كقوله(ص)صلاة النهار عجماء و قوله(ع)إن عاق دون الغرس أي غرس الأغصان عائق تغرس النوى بدلها و الشدخ الكسر و الغمز و المشدخ هو بسر يغمز و ييبس للشتاء و الدلب بالضم الصنار (1) قوله(ع)فيحتبس الحرارة الغريزية يدل على أن الحرارة الغريزية لا يختصّ بالحيوان بل يوجد في النبات أيضا كما صرح به جماعة من المحققين و يقال رصفت الحجارة في البناء رصفا أي ضممت بعضها إلى بعض و استحصف استحكم و التذرّع كثرة الكلام و الإفراط فيه.

فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي حَمْلِ الْيَقْطِينِ الضَّعِيفِ مِثْلَ هَذِهِ الثِّمَارِ الثَّقِيلَةِ مِنَ الدُّبَّاءِ وَ الْقِثَّاءِ وَ الْبِطِّيخِ وَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّدْبِيرِ وَ الْحِكْمَةِ فَإِنَّهُ حِينَ قُدِّرَ أَنْ يَحْتَمِلَ مِثْلَ هَذِهِ الثِّمَارَ جُعِلَ نَبَاتُهُ مُنْبَسِطاً عَلَى الْأَرْضِ وَ لَوْ كَانَ يَنْتَصِبُ قَائِماً كَمَا يَنْتَصِبُ الزَّرْعُ وَ الشَّجَرُ لَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَحْمِلَ مِثْلَ هَذِهِ الثِّمَارِ الثَّقِيلَةِ وَ لَيَنْقَصِفُ قَبْلَ إِدْرَاكِهَا وَ انْتِهَائِهَا إِلَى غَايَتِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ صَارَ يَمْتَدُّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لِيُلْقِيَ عَلَيْهَا ثِمَارَهَا فَتَحْمِلَهَا عَنْهُ فَتَرَى الْأَصْلَ مِنَ الْقَرْعِ وَ الْبِطِّيخِ مُفْتَرِشاً لِلْأَرْضِ ثِمَارَهُ مَبْثُوثَةً عَلَيْهَا وَ حَوَالَيْهِ كَأَنَّهُ هِرَّةٌ مُمْتَدَّةٌ وَ قَدِ اكْتَنَفَتْهَا أَجْرَاؤُهَا لِتَرْضِعَ مِنْهَا

____________



(1) الصنار معرّب چنار.

134

وَ انْظُرْ كَيْفَ صَارَتِ الْأَصْنَافُ تُوَافِي فِي وَقْتِ الْمُشَاكِلِ لَهَا مِنْ حَمَارَّةِ الصَّيْفِ وَ وَقْدَةِ الْحَرِّ فَتَلَقَّاهَا النُّفُوسُ بِانْشِرَاحٍ وَ تَشَوُّقٍ إِلَيْهَا وَ لَوْ كَانَتْ تُوَافِي فِي الشِّتَاءِ لَوَافَقَتْ مِنَ النَّاسِ كَرَاهَةً لَهَا وَ اقْشِعْرَاراً مِنْهَا مَعَ مَا يَكُونُ فِيهَا مِنَ الْمَضَرَّةِ لِلْأَبْدَانِ أَ لَا تَرَى أَنَّهُ رُبَّمَا أَدْرَكَ شَيْ‏ءٌ مِنَ الْخِيَارِ فِي الشِّتَاءِ فَيَمْتَنِعُ النَّاسُ مِنْ أَكْلِهِ إِلَّا الشَّرِهَ الَّذِي لَا يَمْتَنِعُ مِنْ أَكْلِ مَا يَضُرُّهُ وَ لْيَسْتَوْخِمْ مَغَبَّتَهُ.

توضيح قال الفيروزآبادي اليقطين ما لا ساق له من النبات و نحوه و القصف الكسر و قال الجوهري الجِرو و الجُرو و الجَرو ولد الكلب و السباع و الجمع أجرٍ و أصله أجرو على أفعل و جراء و جمع الجراء أجرية و الجرو و الجروة الصغير من القثاء انتهى و الحمارّة بتخفيف الميم و تشديد الراء و قد يخفّف في الشعر شدّة الحرّ و في الأساس ما لي أراك تشرح إلى كلّ رتبة و هو إظهار الرغبة إليها و فيه هو شره العين يطمع في كل ما يراه يرمي نفسه عليه و يتمنّاه انتهى و استوخمه لم يجده مريئا موافقا و المغبّة العاقبة.

فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي النَّخْلِ فَإِنَّهُ لَمَّا صَارَ فِيهِ إِنَاثٌ يَحْتَاجُ إِلَى التَّلْقِيحِ‏ (1) جُعِلَتْ فِيهِ ذُكُورَةٌ لِلِّقَاحِ مِنْ غَيْرِ غِرَاسٍ فَصَارَ الذَّكَرُ مِنَ النَّخْلِ بِمَنْزِلَةِ الذَّكَرِ مِنَ الْحَيَوَانِ الَّذِي يُلْقِحُ الْإِنَاثَ لِتَحْمِلَ وَ هُوَ لَا يَحْمِلُ تَأَمَّلْ خِلْقَةَ الْجِذْعِ‏ (2) كَيْفَ هُوَ فَإِنَّكَ تَرَاهُ كَالْمَنْسُوجِ نَسْجاً مِنْ غَيْرِ خُيُوطٍ مَمْدُودَةٍ كَالسَّدَى وَ أُخْرَى مَعَهُ مُعْتَرِضَةٌ كَاللُّحْمَةِ (3) كَنَحْوِ مَا يُنْسَجُ بِالْأَيْدِي وَ ذَلِكَ لِيَشْتَدَّ وَ يَصْلُبَ وَ لَا يَنْقَصِفَ مِنْ حَمْلِ الْقِنْوَانِ‏ (4) الثَّقِيلَةِ وَ هَزِّ الرِّيَاحِ الْعَوَاصِبِ إِذَا صَارَ نَخْلَةً وَ لِيَتَهَيَّأَ لِلسُّقُوفِ وَ الْجُسُورِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُتَّخَذُ مِنْهُ إِذَا صَارَ جِذْعاً وَ كَذَلِكَ تَرَى الْخَشَبَ مِثْلَ النَّسْجِ فَإِنَّكَ تَرَى بَعْضَهُ مُدَاخِلًا بَعْضاً طُولًا وَ عَرْضاً كَتَدَاخُلِ أَجْزَاءِ اللُّحَمِ وَ فِيهِ‏

____________



(1) التلقيح في النخل: وضع طلع الذكور في الاناث.

(2) الجذع: ساق النخلة.

(3) السدى من الثوب: ما مد من خيوطه و هو خلاف اللحمة. و اللحمة ما نسج عرضا و هو خلاف سداه.

(4) القنوان جمع القنا و القنى و القنو- بكسر القاف و ضمها-: العذق و هو من النخل كالعنقود من العنب.

135

مَعَ ذَلِكَ مَتَانَةٌ لِيَصْلُحَ لِمَا يُتَّخَذُ مِنْهُ مِنَ الْآلَاتِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْتَحْصَفاً (1) كَالْحِجَارَةِ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي السُّقُوفِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ الْخَشَبَةُ كَالْأَبْوَابِ وَ الْأَسِرَّةِ وَ التَّوَابِيتِ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَ مِنْ جَسِيمِ الْمَصَالِحِ فِي الْخَشَبِ أَنَّهُ يَطْفُو عَلَى الْمَاءِ فَكُلُّ النَّاسِ يَعْرِفُ هَذَا مِنْهُ وَ لَيْسَ كُلُّهُمْ يَعْرِفُ جَلَالَةَ الْأَمْرِ فِيهِ فَلَوْ لَا هَذِهِ الْخَلَّةُ كَيْفَ كَانَتْ هَذِهِ السُّفُنُ وَ الْأَظْرَافُ تَحْمِلُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ مِنَ الْحَمُولَةِ وَ أَنَّى كَانَ يَنَالُ النَّاسُ هَذَا الْوَفْقَ‏ (2) وَ خِفَّةَ الْمَئُونَةِ فِي حَمْلِ التِّجَارَاتِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وَ كَانَتْ تَعْظُمُ الْمَئُونَةُ عَلَيْهِمْ فِي حَمْلِهَا حَتَّى يُلْقَى كَثِيرٌ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ مَفْقُوداً أَصْلًا أَوْ عُسْراً وُجُودُهُ فَكِّرْ فِي هَذِهِ الْعَقَاقِيرِ وَ مَا خُصَّ بِهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مِنَ الْعَمَلِ فِي بَعْضِ الْأَدْوَاءِ فَهَذَا يَغُورُ فِي الْمَفَاصِلِ فَيَسْتَخْرِجُ الْفُضُولَ الْغَلِيظَةَ مِثْلَ الشَّيْطَرَجِ‏ (3) وَ هَذَا يَنْزِفُ الْمِرَّةَ السَّوْدَاءَ مِثْلَ الْأَفْتِيمُونِ‏ (4) وَ هَذَا يَنْفِي الرِّيَاحَ مِثْلَ السَّكْبِينَجِ وَ هَذَا يُحَلِّلُ الْأَوْرَامَ وَ أَشْبَاهِ هَذَا مِنْ أَفْعَالِهَا فَمَنْ جَعَلَ هَذِهِ الْقُوَى فِيهَا إِلَّا مَنْ خَلَقَهَا لِلْمَنْفَعَةِ وَ مَنْ فَطَّنَ النَّاسَ بِهَا إِلَّا مَنْ جَعَلَ هَذَا فِيهَا وَ مَتَى كَانَ يُوقَفُ عَلَى هَذَا مِنْهَا بِالْعَرَضِ وَ الِاتِّفَاقِ كَمَا قَالَ قَائِلُونَ وَ هَبِ الْإِنْسَانُ فَطَنَ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِذِهْنِهِ وَ لَطِيفِ رَوِيَّتِهِ وَ تَجَارِبِهِ فَالْبَهَائِمُ كَيْفَ فَطَنَتْ لَهَا حَتَّى صَارَ بَعْضُ السِّبَاعِ يَتَدَاوَى مِنْ جِرَاحَةٍ إِنْ أَصَابَتْهُ بِبَعْضِ الْعَقَاقِيرِ فَيَبْرَأُ وَ بَعْضُ الطَّيْرِ يَحْتَقِنُ مِنَ الْحُصْرِ يُصِيبُهُ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَيَسْلَمُ وَ أَشْبَاهُ هَذَا كَثِيرٌ وَ لَعَلَّكَ تُشَكِّكُ فِي هَذَا النَّبَاتِ النَّابِتِ فِي الصَّحَارِي وَ الْبَرَارِي حَيْثُ لَا أُنْسَ وَ لَا أَنِيسَ فَتَظُنُّ أَنَّهُ فَضْلٌ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ وَ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ طُعْمٌ لِهَذِهِ الْوُحُوشِ وَ حَبُّهُ عَلَفٌ لِلطَّيْرِ وَ عُودُهُ وَ أَفْنَانُهُ حَطَبٌ فَيَسْتَعْمِلُهُ النَّاسُ وَ فِيهِ بَعْدُ أَشْيَاءُ تُعَالَجُ بِهِ الْأَبْدَانُ وَ أُخْرَى تُدْبَغُ بِهِ الْجُلُودُ وَ أُخْرَى تُصْبَغُ بِهِ الْأَمْتِعَةُ وَ أَشْبَاهُ هَذَا مِنَ الْمَصَالِحِ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ أَخَسَّ النَّبَاتِ وَ أَحْقَرَهُ‏

____________



(1) أي مستحكما، و الحصيف: كل محكم لا خلل فيه.

(2) في نسخة: هذا الرفق.

(3) و في كتب الطبّ أنّه يزيل الطحال أكلا و ضمادا أيضا، و تعليقه على الاذن الوجعة يسكن وجعها.

(4) و له منافع اخرى معدودة في كتب الطبّ كإسهاله البلغم و الصفراء، و نفعه من الصرع و التشنج الامتلائى، و النفخ و أصحاب السرطان و الجرب و غير ذلك، كما أن للسكبينج منافع اخرى مبينة في محله.

136

هَذَا الْبَرْدِيُ‏ (1) وَ مَا أَشْبَهَهَا فَفِيهَا مَعَ هَذَا مِنْ ضُرُوبِ الْمَنَافِعِ فَقَدْ يُتَّخَذُ مِنَ الْبَرْدِيِّ الْقَرَاطِيسُ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا الْمُلُوكُ وَ السُّوقَةُ وَ الْحُصُرُ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا كُلُّ صِنْفٍ مِنَ النَّاسِ وَ لَيُعْمَلُ مِنْهُ الْغُلُفُ الَّتِي يُوقَى بِهَا الْأَوَانِي وَ يُجْعَلُ حَشْواً بَيْنَ الظُّرُوفِ فِي الْأَسْفَاطِ (2) لِكَيْلَا تَعِيبَ وَ تَنْكَسِرَ وَ أَشْبَاهُ هَذَا مِنَ الْمَنَافِعِ فَاعْتَبِرْ بِمَا تَرَى مِنْ ضُرُوبِ الْمَآرِبِ فِي صَغِيرِ الْخَلْقِ وَ كَبِيرِهِ وَ بِمَا لَهُ قِيمَةٌ وَ مَا لَا قِيمَةَ لَهُ وَ أَخَسُّ مِنْ هَذَا وَ أَحْقَرُهُ الزِّبْلُ وَ الْعَذِرَةُ الَّتِي اجْتَمَعَتْ فِيهَا الخَسَاسَةُ وَ النَّجَاسَةُ مَعاً وَ مَوْقِعُهَا مِنَ الزُّرُوعِ وَ الْبُقُولِ وَ الْخُضَرِ أَجْمَعَ الْمَوْقِعُ الَّذِي لَا يَعْدِلُهُ شَيْ‏ءٌ حَتَّى إِنَّ كُلَّ شَيْ‏ءٍ مِنَ الْخُضَرِ لَا يَصْلُحُ وَ لَا يَزْكُو إِلَّا بِالزِّبْلِ وَ السَّمَادِ الَّذِي يَسْتَقْذِرُهُ النَّاسُ وَ يَكْرَهُونَ الدُّنُوَّ مِنْهُ وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ مَنْزِلَةُ الشَّيْ‏ءِ عَلَى حَسَبِ قِيمَتِهِ بَلْ هُمَا قِيمَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ بِسُوقَيْنِ وَ رُبَّمَا كَانَ الْخَسِيسُ فِي سُوقِ الْمُكْتَسَبِ نَفِيساً فِي سُوقِ الْعِلْمِ فَلَا تَسْتَصْغِرِ الْعِبْرَةَ فِي الشَّيْ‏ءِ لِصِغَرِ قِيمَتِهِ فَلَوْ فَطَنُوا طَالِبُوا الْكِيمِيَاءِ لِمَا فِي الْعَذِرَةِ لَاشْتَرَوْهَا بِأَنْفَسِ الْأَثْمَانِ وَ غَالَوْا بِهَا قَالَ الْمُفَضَّلُ وَ حَانَ وَقْتُ الزَّوَالِ فَقَامَ مَوْلَايَ إِلَى الصَّلَاةِ وَ قَالَ بَكِّرْ إِلَيَّ غَداً إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَانْصَرَفْتُ وَ قَدْ تَضَاعَفَ سُرُورِي بِمَا عَرَّفَنِيهِ مُبْتَهِجاً بِمَا آتَانِيهِ حَامِداً لِلَّهِ عَلَى مَا مَنَحَنِيهِ فَبِتُّ لَيْلَتِي مَسْرُوراً.

بيان قوله(ع)ليصلح بيان لما يتحصل مما مر لا للمتانة فقط و النزف النزح قوله(ع)هب الإنسان أي سلمنا أنه كذلك و الحصر بالضم اعتقال البطن و السوقة بالضم الرعية للواحد و الجمع و المذكر و المؤنث و الغلف بضمة و بضمتين و كركع جمع غلاف و الزبل بالكسر السرقين و قال الفيروزآبادي السماد السرقين برماد و قال الجزري هو ما يطرح في أصول الزرع و الخضر من العذرة و الزبل ليجود نباته أقول يدل ظاهرا على جواز استعمال العذرات النجسة في ذلك و ربما يستدل به على تطهير الاستحالة.

____________

(1) البردى: نبت رخو ينبت في ديار المصر كثيرا، يمضغ أصله كقصب السكر و يتخذ منه القرطاس و قيل: له ورق كخوص النخل، فارسيه نوخ.

(2) جمع السفط: وعاء كالقفة أو الجوالق.

137

6 الْمَجْلِسُ الرَّابِعُ قَالَ الْمُفَضَّلُ فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ بَكَّرْتُ إِلَى مَوْلَايَ فَاسْتُوذِنَ لِي فَأَمَرَنِي بِالْجُلُوسِ فَجَلَسْتُ فَقَالَ(ع)مِنَّا التَّحْمِيدُ وَ التَّسْبِيحُ وَ التَّعْظِيمُ وَ التَّقْدِيسُ لِلِاسْمِ الْأَقْدَمِ وَ النُّورِ الْأَعْظَمِ الْعَلِيِّ الْعَلَّامِ ذِي الْجَلَالِ وَ الْإِكْرَامِ وَ مُنْشِئِ الْأَنَامِ وَ مُفْتِي الْعَوَالِمِ وَ الدُّهُورِ وَ صَاحِبِ السِّرِّ الْمَسْتُورِ وَ الْغَيْبِ الْمَحْظُورِ وَ الِاسْمِ الْمَخْزُونِ وَ الْعِلْمِ الْمَكْنُونِ وَ صَلَوَاتُهُ وَ بَرَكَاتُهُ عَلَى مُبَلِّغِ وَحْيِهِ وَ مُؤَدِّي رِسَالَتِهِ الَّذِي ابْتَعَثَهُ‏ بَشِيراً وَ نَذِيراً وَ داعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِيراً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ فَعَلَيْهِ وَ عَلَى آلِهِ مِنْ بَارِئِهِ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ وَ التَّحِيَّاتُ الزَّاكِيَاتُ النَّامِيَاتُ وَ عَلَيْهِ وَ (عليهم السلام) وَ الرَّحْمَةُ وَ الْبَرَكَاتُ فِي الْمَاضِينَ وَ الْغَابِرِينَ أَبَدَ الْآبِدِينَ وَ دَهْرَ الدَّاهِرِينَ وَ هُمْ أَهْلُهُ وَ مُسْتَحِقُّهُ قَدْ شَرَحْتُ لَكَ يَا مُفَضَّلُ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْخَلْقِ وَ الشَّوَاهِدِ عَلَى صَوَابِ التَّدْبِيرِ وَ الْعَمْدِ فِي الْإِنْسَانِ وَ الْحَيَوَانِ وَ النَّبَاتِ وَ الشَّجَرِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ عِبْرَةٌ لِمَنِ اعْتَبَرَ وَ أَنَا أَشْرَحُ لَكَ الْآنَ الْآفَاتِ الْحَادِثَةَ فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ الَّتِي اتَّخَذَهَا أُنَاسٌ مِنَ الْجُهَّالِ ذَرِيعَةً إِلَى جُحُودِ الْخَالِقِ وَ الْخَلْقِ وَ الْعَمْدِ وَ التَّدْبِيرِ وَ مَا أَنْكَرَتِ الْمُعَطِّلَةُ وَ الْمَنَانِيَّةُ (1) مِنَ الْمَكَارِهِ وَ الْمَصَائِبِ وَ مَا أَنْكَرُوهُ مِنَ الْمَوْتِ وَ الْفَنَاءِ وَ مَا قَالَهُ أَصْحَابُ الطَّبَائِعِ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ كَوْنَ الْأَشْيَاءِ بِالْعَرَضِ وَ الِاتِّفَاقِ لَيَتَّسِعُ ذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ‏ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ‏ اتَّخَذَ أُنَاسٌ مِنَ الْجُهَّالِ هَذِهِ الْآفَاتِ الْحَادِثَةَ فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ كَمِثْلِ الْوَبَاءِ وَ الْيَرَقَانِ‏ (2) وَ الْبَرْدِ وَ الْجَرَادِ ذَرِيعَةً إِلَى جُحُودِ الْخَلْقِ وَ التَّدْبِيرِ وَ الْخَالِقِ فَيُقَالُ فِي جَوَابِ ذَلِكَ إِنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ خَالِقٌ وَ مُدَبِّرٌ فَلِمَ لَا يَكُونُ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا وَ أَفْظَعُ فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَسْقُطَ السَّمَاءُ عَلَى الْأَرْضِ وَ تَهْوِيَ الْأَرْضُ فَتَذْهَبَ سُفْلًا وَ تَتَخَلَّفَ الشَّمْسُ عَنِ الطُّلُوعِ أَصْلًا وَ تَجِفَّ الْأَنْهَارُ وَ الْعُيُونُ حَتَّى لَا يُوجَدَ مَاءٌ لِلشَّفَةِ وَ تَرْكُدَ الرِّيحُ حَتَّى‏

____________



(1) الظاهر: المانوية.

(2) اليرقان: مرض معروف يصيب الناس و يسبب اصفرار الجلد، و آفة للزرع، أو دود يسطو على الزرع. و لعلّ المراد المعنى الثاني لذكره قبل ذلك.

138

تُحَمَّ الْأَشْيَاءُ وَ تَفْسُدَ وَ يَفِيضَ مَاءُ الْبَحْرِ عَلَى الْأَرْضِ فَيَغْرِقَهَا ثُمَّ هَذِهِ الْآفَاتُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِنَ الْوَبَاءِ وَ الْجَرَادِ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مَا بَالُهَا لَا تَدُومُ وَ تَمْتَدُّ حَتَّى تَجْتَاحَ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ بَلْ تَحْدُثُ فِي الْأَحَايِينِ ثُمَّ لَا تَلْبَثُ أَنْ تُرْفَعَ أَ فَلَا تَرَى أَنَّ الْعَالَمَ يُصَانُ وَ يُحْفَظُ مِنْ تِلْكَ الْأَحْدَاثِ الْجَلِيلَةِ الَّتِي لَوْ حَدَثَ عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ مِنْهَا كَانَ فِيهِ بَوَارُهُ وَ يُلْذَعُ‏ (1) أَحْيَاناً بِهَذِهِ الْآفَاتِ الْيَسِيرَةِ لِتَأْدِيبِ النَّاسِ وَ تَقْوِيمِهِمْ ثُمَّ لَا تَدُومُ هَذِهِ الْآفَاتُ بَلْ تَكْشِفُ عَنْهُمْ عِنْدَ الْقُنُوطِ مِنْهُمْ فَتَكُونُ وُقُوعُهَا بِهِمْ مَوْعِظَةً وَ كَشْفُهَا عَنْهُمْ رَحْمَةً وَ قَدْ أَنْكَرَتِ الْمُعَطِّلَةُ مَا أَنْكَرَتِ الْمَنَانِيَّةُ (2) مِنَ الْمَكَارِهِ وَ الْمَصَائِبِ الَّتِي تُصِيبُ النَّاسَ فَكِلَاهُمَا يَقُولُ إِنْ كَانَ لِلْعَالَمِ خَالِقٌ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فَلِمَ يُحْدِثُ فِيهِ هَذِهِ الْأُمُورَ الْمَكْرُوهَةَ وَ الْقَائِلُ بِهَذَا الْقَوْلِ يَذْهَبُ بِهِ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَيْشُ الْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا صَافِياً مِنْ كُلِّ كَدَرٍ وَ لَوْ كَانَ هَكَذَا كَانَ الْإِنْسَانُ سَيَخْرُجُ مِنَ الْأَشَرِ وَ الْعُتُوِّ إِلَى مَا لَا يَصْلُحُ فِي دِينٍ وَ دُنْيَا كَالَّذِي تَرَى كَثِيراً مِنَ الْمُتْرَفِينَ وَ مَنْ نَشَأَ فِي الْجِدَةِ وَ الْأَمْنِ يَخْرُجُونَ إِلَيْهِ حَتَّى أَنَّ أَحَدَهُمْ يَنْسَى أَنَّهُ بَشَرٌ أَوْ أَنَّهُ مَرْبُوبٌ أَوْ أَنَّ ضَرَراً يَمَسُّهُ أَوْ أَنَّ مَكْرُوهاً يَنْزِلُ بِهِ أَوْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْحَمَ ضَعِيفاً أَوْ يُوَاسِيَ فَقِيراً أَوْ يَرْثِيَ لِمُبْتَلًى‏ (3) أَوْ يَتَحَنَّنَ عَلَى ضَعِيفٍ أَوْ يَتَعَطَّفَ عَلَى مَكْرُوبٍ فَإِذَا عَضَّتْهُ الْمَكَارِهُ وَ وَجَدَ مَضَضَهَا اتَّعَظَ وَ أَبْصَرَ كَثِيراً مِمَّا كَانَ جَهِلَهُ وَ غَفَلَ عَنْهُ وَ رَجَعَ إِلَى كَثِيرٍ مِمَّا كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ وَ الْمُنْكِرُونَ لِهَذِهِ الْأُمُورِ الْمُوذِيَةِ بِمَنْزِلَةِ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ يَذُمُّونَ الْأَدْوِيَةَ الْمُرَّةَ الْبَشِعَةَ وَ يَتَسَخَّطُونَ مِنَ الْمَنْعِ مِنَ الْأَطْعِمَةِ الضَّارَّةِ وَ يَتَكَرَّهُونَ الْأَدَبَ وَ الْعَمَلَ وَ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَفَرَّغُوا لِلَّهْوِ وَ الْبِطَالَةِ وَ يَنَالُوا كُلَّ مَطْعَمٍ وَ مَشْرَبٍ وَ لَا يَعْرِفُونَ مَا تُؤَدِّيهِمْ إِلَيْهِ الْبِطَالَةُ مِنْ سُوءِ النُّشُوءِ وَ الْعَادَةِ وَ مَا تُعْقِبُهُمُ الْأَطْعِمَةُ اللَّذِيذَةُ الضَّارَّةُ مِنَ الْأَدْوَاءِ وَ الْأَسْقَامِ وَ مَا لَهُمْ فِي الْأَدَبِ مِنَ الصَّلَاحِ وَ فِي الْأَدْوِيَةِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ وَ إِنْ شَابَ ذَلِكَ بَعْضُ الْكَرَاهَةِ فَإِنْ قَالُوا وَ لِمَ لَمْ يَكُنِ الْإِنْسَانُ مَعْصُوماً مِنَ الْمَسَاوِي حَتَّى لَا يَحْتَاجَ إِلَى أَنْ‏

____________



(1) يلذع بالذال المعجمة و العين المهملة: يوجع و يولم. و في بعض النسخ يلدغ بالدال المهملة و الغين المعجمة أي يلسع.

(2) كذا في النسخ و الظاهر: المانوية.

(3) أي يرق و يرحم له.

139

يَلْذَعَهُ بِهَذِهِ الْمَكَارِهِ قِيلَ إِذًا كَانَ يَكُونُ غَيْرَ مَحْمُودٍ عَلَى حَسَنَةٍ يَأْتِيهَا وَ لَا مُسْتَحِقٍّ لِلثَّوَابِ عَلَيْهَا فَإِنْ قَالُوا وَ مَا كَانَ يَضُرُّهُ أَنْ لَا يَكُونَ مَحْمُوداً عَلَى الْحَسَنَاتِ مُسْتَحِقّاً لِلثَّوَابِ بَعْدَ أَنْ يَصِيرَ إِلَى غَايَةِ النَّعِيمِ وَ اللَّذَّةِ قِيلَ لَهُمُ اعْرِضُوا عَلَى امْرِئٍ صَحِيحِ الْجِسْمِ وَ الْعَقْلِ أَنْ يَجْلِسَ مُنْعَماً وَ يُكْفَى كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ بِلَا سَعْيٍ وَ لَا اسْتِحْقَاقٍ فَانْظُرُوا هَلْ تَقْبَلُ نَفْسُهُ ذَلِكَ بَلْ سَتَجِدُونَهُ بِالْقَلِيلِ مِمَّا يَنَالُهُ بِالسَّعْيِ وَ الْحَرَكَةِ أَشَدَّ اغْتِبَاطاً وَ سُرُوراً مِنْهُ بِالْكَثِيرِ مِمَّا يَنَالُهُ بِغَيْرِ الِاسْتِحْقَاقِ وَ كَذَلِكَ نَعِيمُ الْآخِرَةِ أَيْضاً يَكْمُلُ لِأَهْلِهِ بِأَنْ يَنَالُوهُ بِالسَّعْيِ فِيهِ وَ الِاسْتِحْقَاقِ لَهُ فَالنِّعْمَةُ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي هَذَا الْبَابِ مُضَاعَفَةٌ بِأَنْ أُعِدَّ لَهُ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ عَلَى سَعْيِهِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَ جُعِلَ لَهُ السَّبِيلُ إِلَى أَنْ يَنَالَ بِسَعْيٍ وَ اسْتِحْقَاقٍ فَيَكْمُلَ لَهُ السُّرُورُ وَ الِاغْتِبَاطُ بِمَا يَنَالُهُ مِنْهُ فَإِنْ قَالُوا أَ وَ لَيْسَ قَدْ يَكُونُ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَرْكَنُ إِلَى مَا نَالَ مِنْ خَيْرٍ وَ إِنْ كَانَ لَا يَسْتَحِقُّهُ فَمَا الْحُجَّةُ فِي مَنْعِ مَنْ رَضِيَ أَنْ يَنَالَ نَعِيمَ الْآخِرَةِ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ (1) قِيلَ لَهُمْ إِنَّ هَذَا بَابٌ لَوْ صَحَّ لِلنَّاسِ لَخَرَجُوا إِلَى غَايَةِ الْكَلْبِ وَ الضَّرَاوَةِ عَلَى الْفَوَاحِشِ وَ انْتِهَاكِ الْمَحَارِمِ فَمَنْ كَانَ يَكُفُّ نَفْسَهُ عَنْ فَاحِشَةٍ أَوْ يَتَحَمَّلُ الْمَشَقَّةَ فِي بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْبِرِّ لَوْ وَثِقَ بِأَنَّهُ صَائِرٌ إِلَى النَّعِيمِ لَا مَحَالَةَ أَوْ مَنْ كَانَ يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ وَ أَهْلِهِ وَ مَالِهِ مِنَ النَّاسِ لَوْ لَمْ يَخَافُوا الْحِسَابَ وَ الْعِقَابَ فَكَانَ ضَرَرُ هَذَا الْبَابِ سَيَنَالُ النَّاسَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ تَعْطِيلُ الْعَدْلِ وَ الْحِكْمَةِ مَعاً وَ مَوْضِعٌ لِلطَّعْنِ عَلَى التَّدْبِيرِ بِخِلَافِ الصَّوَابِ وَ وَضْعُ الْأُمُورِ غَيْرَ مَوَاضِعِهَا وَ قَدْ يَتَعَلَّقُ هَؤُلَاءِ بِالْآفَاتِ الَّتِي تُصِيبُ النَّاسَ فَتَعُمُّ الْبَرَّ وَ الْفَاجِرَ أَوْ يُبْتَلَى بِهَا الْبَرُّ وَ يَسْلَمُ الْفَاجِرُ مِنْهَا فَقَالُوا كَيْفَ يَجُوزُ هَذَا فِي تَدْبِيرِ الْحَكِيمِ وَ مَا الْحُجَّةُ فِيهِ فَيُقَالُ لَهُمْ إِنَّ هَذِهِ الْآفَاتِ وَ إِنْ كَانَتْ تَنَالُ الصَّالِحَ وَ الطَّالِحَ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ ذَلِكَ صَلَاحاً لِلصِّنْفَيْنِ كِلَيْهِمَا أَمَّا الصَّالِحُونَ فَإِنَّ الَّذِي يُصِيبُهُمْ مِنْ هَذَا يَرُدُّهُمْ‏ (2) نِعَمَ رَبِّهِمْ عِنْدَهُمْ فِي سَالِفِ‏

____________



(1) و في نسخة: على هذه الخلة.

(2) كذا في النسخ و الظاهر: يذكرهم.

140

أَيَّامِهِمْ فَيَحْدُوهُمْ ذَلِكَ عَلَى الشُّكْرِ وَ الصَّبْرِ وَ أَمَّا الطَّالِحُونَ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا إِذَا نَالَهُمْ كَسَرَ شِرَّتَهُمْ وَ رَدَعَهُمْ عَنِ الْمَعَاصِي وَ الْفَوَاحِشِ وَ كَذَلِكَ يَجْعَلُ لِمَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ مِنَ الصِّنْفَيْنِ صَلَاحاً فِي ذَلِكَ أَمَّا الْأَبْرَارُ فَإِنَّهُمْ يَغْتَبِطُونَ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْبِرِّ وَ الصَّلَاحِ وَ يَزْدَادُونَ فِيهِ رَغْبَةً وَ بَصِيرَةً وَ أَمَّا الْفُجَّارُ فَإِنَّهُمْ يَعْرِفُونَ رَأْفَةَ رَبِّهِمْ‏ (1) وَ تَطَوُّلَهُ عَلَيْهِمْ بِالسَّلَامَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ‏ (2) فَيَحُضُّهُمْ ذَلِكَ عَلَى الرَّأْفَةِ بِالنَّاسِ وَ الصَّفْحِ عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ إِنَّ هَذِهِ الْآفَاتِ الَّتِي تُصِيبُ النَّاسَ فِي أَمْوَالِهِمْ فَمَا قَوْلُكَ فِيمَا يُبْتَلَوْنَ بِهِ فِي أَبْدَانِهِمْ فَيَكُونُ فِيهِ تَلَفُهُمْ كَمِثْلِ الْحَرَقِ وَ الْغَرَقِ وَ السَّيْلِ وَ الْخَسْفِ فَيُقَالُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ فِي هَذَا أَيْضاً صَلَاحاً لِلصِّنْفَيْنِ جَمِيعاً أَمَّا الْأَبْرَارُ فَلِمَا لَهُمْ فِي مُفَارَقَةِ هَذِهِ الدُّنْيَا مِنَ الرَّاحَةِ مِنْ تَكَالِيفِهَا وَ النَّجَاةِ مِنْ مَكَارِهِهَا وَ أَمَّا الْفُجَّارُ فَلِمَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ تَمْحِيصِ أَوْزَارِهِمْ وَ حَبْسِهِمْ عَنِ الِازْدِيَادِ مِنْهَا وَ جُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ الْخَالِقَ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِحِكْمَتِهِ وَ قُدْرَتِهِ قَدْ يَصْرِفُ هَذِهِ الْأُمُورَ كُلَّهَا إِلَى الْخِيَرَةِ وَ الْمَنْفَعَةِ فَكَمَا أَنَّهُ إِذَا قَطَعَتِ الرِّيحُ شَجَرَةً أَوْ قَطَعَتْ نَخْلَةً أَخَذَهَا الصَّانِعُ الرَّفِيقُ وَ اسْتَعْمَلَهَا فِي ضُرُوبٍ مِنَ الْمَنَافِعِ فَكَذَلِكَ يَفْعَلُ الْمُدَبِّرُ الْحَكِيمُ فِي الْآفَاتِ الَّتِي تَنْزِلُ بِالنَّاسِ فِي أَبْدَانِهِمْ وَ أَمْوَالِهِمْ فَيُصَيِّرُهَا جَمِيعاً إِلَى الْخِيَرَةِ وَ الْمَنْفَعَةِ فَإِنْ قَالَ وَ لِمَ يَحْدُثُ عَلَى النَّاسِ قِيلَ لَهُ لِكَيْلَا يَرْكَنُوا إِلَى الْمَعَاصِي مِنْ طُولِ السَّلَامَةِ فَيُبَالِغَ الْفَاجِرُ فِي رُكُوبِ الْمَعَاصِي وَ يَفْتُرَ الصَّالِحُ عَنِ الِاجْتِهَادِ فِي الْبِرِّ فَإِنَّ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعاً يَغْلِبَانِ عَلَى النَّاسِ فِي حَالِ الْخَفْضِ‏ (3) وَ الدَّعَةِ (4) وَ هَذِهِ الْحَوَادِثُ الَّتِي تَحْدُثُ عَلَيْهِمْ تَرْدَعُهُمْ‏ (5) وَ تُنَبِّهُهُمْ عَلَى مَا فِيهِ رُشْدُهُمْ فَلَوْ أُخْلُوا مِنْهُمَا لَغَلَوْا فِي الطُّغْيَانِ وَ الْمَعْصِيَةِ كَمَا عَلَى النَّاسِ فِي أَوَّلِ الزَّمَانِ حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِمُ الْبَوَارُ بِالطُّوفَانِ وَ تَطْهِيرِ الْأَرْضِ مِنْهُمْ‏

____________



(1) و في نسخة: فانهم يعرفون رحمة ربهم.

(2) و في نسخة: من غير استحقاق.

(3) خفض العيش: سهل و كان هنيئا.

(4) الراحة و خفض العيش.

(5) و في نسخة: و هذه الحوادث التي تحدث عليهم تروعهم.

141

وَ مِمَّا يَنْتَقِدُهُ الْجَاحِدُونَ لِلْعَمْدِ وَ التَّقْدِيرِ الْمَوْتُ وَ الْفَنَاءُ فَإِنَّهُمْ يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النَّاسُ مُخَلَّدِينَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مُبَرَّءِينَ مِنَ الْآفَاتِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُسَاقَ هَذَا الْأَمْرُ إِلَى غَايَتِهِ فَيُنْظَرَ مَا مَحْصُولُهُ أَ فَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ كُلُّ مَنْ دَخَلَ الْعَالَمَ وَ يَدْخُلُهُ يَبْقَوْنَ وَ لَا يَمُوتُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَ لَمْ تَكُنِ الْأَرْضُ تَضِيقُ بِهِمْ حَتَّى تُعْوِزَهُمُ الْمَسَاكِنُ وَ الْمَزَارِعُ وَ الْمَعَاشُ فَإِنَّهُمْ وَ الْمَوْتُ يَفْنِيهِمْ أَوَّلًا أَوَّلًا يَتَنَافَسُونَ فِي الْمَسَاكِنِ وَ الْمَزَارِعِ حَتَّى يَنْشَبَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ الْحُرُوبُ وَ يُسْفَكَ فِيهِمُ الدِّمَاءُ فَكَيْفَ كَانَتْ تَكُونُ حَالُهُمْ لَوْ كَانُوا يُولَدُونَ وَ لَا يَمُوتُونَ وَ كَانَ يَغْلِبُ عَلَيْهِمُ الْحِرْصُ وَ الشَّرَهُ وَ قَسَاوَةُ الْقُلُوبِ فَلَوْ وَثِقُوا بِأَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ لَمَا قَنِعَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ بِشَيْ‏ءٍ يَنَالُ وَ لَا أَفْرَجَ لِأَحَدٍ عَنْ شَيْ‏ءٍ يَسْأَلُهُ وَ لَا سَلَا عَنْ شَيْ‏ءٍ مِمَّا يَحْدُثُ عَلَيْهِ ثُمَّ كَانُوا يَمَلُّونَ الْحَيَاةَ وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا كَمَا قَدْ يَمَلُّ الْحَيَاةَ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ حَتَّى يَتَمَنَّى الْمَوْتَ وَ الرَّاحَةَ مِنَ الدُّنْيَا فَإِنْ قَالُوا إِنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ عَنْهُمُ الْمَكَارِهُ وَ الْأَوْصَابُ حَتَّى لَا يَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ وَ لَا يَشْتَاقُوا إِلَيْهِ فَقَدْ وَصَفْنَا مَا كَانَ يُخْرِجُهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْعُتُوِّ وَ الْأَشَرِ الْحَامِلِ لَهُمْ عَلَى مَا فِيهِ فَسَادُ الدِّينِ وَ الدُّنْيَا وَ إِنْ قَالُوا إِنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَوَالَدُوا كَيْلَا تَضِيقَ عَنْهُمُ الْمَسَاكِنُ وَ الْمَعَاشُ قِيلَ لَهُمْ إِذاً كَانَ يَحْرُمُ أَكْثَرُ هَذَا الْخَلْقِ دُخُولَ الْعَالَمِ وَ الِاسْتِمْتَاعَ بِنِعَمِ اللَّهِ وَ مَوَاهِبِهِ فِي الدَّارَيْنِ جَمِيعاً إِذَا لَمْ يَدْخُلِ الْعَالَمَ إِلَّا قَرْنٌ وَاحِدٌ لَا يَتَوَالَدُونَ وَ لَا يَتَنَاسَلُونَ فَإِنْ قَالُوا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَخْلُقَ فِي ذَلِكَ الْقَرْنِ الْوَاحِدِ مِنَ النَّاسِ مِثْلَ مَا خَلَقَ وَ يَخْلُقُ إِلَى انْقِضَاءِ الْعَالَمِ يُقَالُ لَهُمْ رَجَعَ الْأَمْرُ إِلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ ضِيقِ الْمَسَاكِنِ وَ الْمَعَاشِ عَنْهُمْ ثُمَّ لَوْ كَانُوا لَا يَتَوَالَدُونَ وَ لَا يَتَنَاسَلُونَ لَذَهَبَ مَوْضِعُ الْأُنْسِ بِالْقَرَابَاتِ وَ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَ الِانْتِصَارِ بِهِمْ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَ مَوْضِعُ تَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ وَ السُّرُورِ بِهِمْ فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا تَذْهَبُ إِلَيْهِ الْأَوْهَامُ سِوَى مَا جَرَى بِهِ التَّدْبِيرُ خَطَأٌ وَ سَفَاهٌ مِنَ الرَّأْيِ وَ الْقَوْلِ وَ لَعَلَّ طَاعِناً يَطْعُنُ عَلَى التَّدْبِيرِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَيَقُولُ كَيْفَ يَكُونُ هَاهُنَا تَدْبِيرٌ وَ نَحْنُ نَرَى النَّاسَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مَنْ عَزَّ بَزَّ فَالْقَوِيُّ يَظْلِمُ وَ يَغْصِبُ وَ الضَّعِيفُ يُظْلَمُ وَ يَسْأَمُ الْخَسْفَ وَ الصَّالِحُ فَقِيرٌ مُبْتَلًى وَ الْفَاسِقُ مُعَافًى مُوَسَّعٌ عَلَيْهِ وَ مَنْ رَكِبَ فَاحِشَةً أَوِ انْتَهَكَ مُحَرَّماً لَمْ يُعَاجَلْ بِالْعُقُوبَةِ فَلَوْ كَانَ فِي الْعَالَمِ تَدْبِيرٌ لَجَرَتِ الْأُمُورُ عَلَى‏

142

الْقِيَاسِ الْقَائِمِ فَكَانَ الصَّالِحُ هُوَ الْمَرْزُوقَ وَ الطَّالِحُ هُوَ الْمَحْرُومَ وَ كَانَ الْقَوِيُّ يُمْنَعُ مِنْ ظُلْمِ الضَّعِيفِ وَ الْمُتَهَتِّكُ لِلْمَحَارِمِ يُعَاجَلُ بِالْعُقُوبَةِ فَيُقَالُ فِي جَوَابِ ذَلِكَ إِنَّ هَذَا لَوْ كَانَ هَكَذَا لَذَهَبَ مَوْضِعُ الْإِحْسَانِ الَّذِي فُضِّلَ بِهِ الْإِنْسَانُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْخَلْقِ وَ حَمْلِ النَّفْسِ عَلَى الْبِرِّ وَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ احْتِسَاباً لِلثَّوَابِ وَ ثِقَةً بِمَا وَعَدَ اللَّهُ مِنْهُ وَ لَصَارَ النَّاسُ بِمَنْزِلَةِ الدَّوَابِّ الَّتِي تُسَاسُ‏ (1) بِالْعَصَا وَ الْعَلَفِ وَ يُلْمَعُ لَهَا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَاعَةً فَسَاعَةً فَتَسْتَقِيمُ عَلَى ذَلِكَ وَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَعْمَلُ عَلَى يَقِينٍ بِثَوَابٍ أَوْ عِقَابٍ حَتَّى كَانَ هَذَا يُخْرِجُهُمْ عَنْ حَدِّ الْإِنْسِيَّةِ إِلَى حَدِّ الْبَهَائِمِ ثُمَّ لَا يَعْرِفُ مَا غَابَ وَ لَا يَعْمَلُ إِلَّا عَلَى الْحَاضِرِ وَ كَانَ يَحْدُثُ مِنْ هَذَا أَيْضاً أَنْ يَكُونَ الصَّالِحُ إِنَّمَا يَعْمَلُ الصَّالِحَاتِ لِلرِّزْقِ وَ السَّعَةِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَ يَكُونَ الْمُمْتَنِعُ مِنَ الظُّلْمِ وَ الْفَوَاحِشِ إِنَّمَا يَعِفُّ عَنْ ذَلِكَ لِتَرَقُّبِ عُقُوبَةٍ تَنْزِلُ بِهِ مِنْ سَاعَتِهِ حَتَّى يَكُونَ أَفْعَالُ النَّاسِ كُلُّهَا تَجْرِي عَلَى الْحَاضِرِ لَا يَشُوبُهَا شَيْ‏ءٌ مِنَ الْيَقِينِ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ وَ لَا يَسْتَحِقُّونَ ثَوَابَ الْآخِرَةِ وَ النَّعِيمَ الدَّائِمَ فِيهَا مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ الَّتِي ذَكَرَهَا الطَّاعِنُ مِنَ الْغِنَى وَ الْفَقْرِ وَ الْعَافِيَةِ وَ الْبَلَاءِ لَيْسَتْ بِجَارِيَةٍ عَلَى خِلَافِ قِيَاسِهِ بَلْ قَدْ تَجْرِي عَلَى ذَلِكَ أَحْيَاناً وَ الْأَمْرُ الْمَفْهُومُ فَقَدْ تَرَى كَثِيراً مِنَ الصَّالِحِينَ يُرْزَقُونَ الْمَالَ لِضُرُوبٍ مِنَ التَّدْبِيرِ وَ كَيْلَا يَسْبِقَ إِلَى قُلُوبِ النَّاسِ أَنَّ الْكُفَّارَ هُمُ الْمَرْزُوقُونَ وَ الْأَبْرَارَ هُمُ الْمَحْرُومُونَ فيؤثرون [فَيُؤْثِرُوا الْفِسْقَ عَلَى الصَّلَاحِ وَ تَرَى كَثِيراً مِنَ الْفُسَّاقِ يُعَاجَلُونَ بِالْعُقُوبَةِ إِذَا تَفَاقَمَ طُغْيَانُهُمْ وَ عَظُمَ ضَرَرُهُمْ عَلَى النَّاسِ وَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ كَمَا عُوجِلَ فِرْعَوْنُ بِالْغَرَقِ وَ بُخْتَنَصَّرُ بِالتِّيهِ وَ بُلْبَيْسُ بِالْقَتْلِ وَ إِنْ أُمْهِلَ بَعْضُ الْأَشْرَارِ بِالْعُقُوبَةِ وَ أُخِّرَ بَعْضُ الْأَخْيَارِ بِالثَّوَابِ إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ لِأَسْبَابٍ تَخْفَى عَلَى الْعِبَادِ لَمْ يَكُنْ هَذَا مِمَّا يُبْطِلُ التَّدْبِيرَ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا قَدْ يَكُونُ مِنْ مُلُوكِ الْأَرْضِ وَ لَا يُبْطِلُ تَدْبِيرَهُمْ بَلْ يَكُونُ تَأْخِيرُهُمْ مَا أَخَّرُوهُ أَوْ تَعْجِيلُهُمْ مَا عَجَّلُوهُ دَاخِلًا فِي صَوَابِ الرَّأْيِ وَ التَّدْبِيرِ وَ إِذَا كَانَتِ الشَّوَاهِدُ تَشْهَدُ وَ قِيَاسُهُمْ يُوجِبُ أَنَّ لِلْأَشْيَاءِ خَالِقاً حَكِيماً قَادِراً فَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يُدَبِّرَ خَلْقَهُ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي قِيَاسِهِمْ أَنْ يَكُونَ الصَّانِعُ يُهْمِلُ صَنَعْتَهُ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثِ خِلَالٍ إِمَّا عَجْزٍ وَ إِمَّا جَهْلٍ وَ إِمَّا شَرَارَةٍ وَ كُلُّ هَذِهِ مُحَالٌ فِي صَنَعْتِهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

____________



(1) ساس الدواب أي قام عليها و راضها.

143

وَ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَ ذَلِكَ أَنَّ الْعَاجِزَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَذِهِ الْخَلَائِقِ الْجَلِيلَةِ الْعَجِيبَةِ وَ الْجَاهِلَ لَا يَهْتَدِي لِمَا فِيهَا مِنَ الصَّوَابِ وَ الْحِكْمَةِ وَ الشَّرِيرَ لَا يَتَطَاوَلُ لِخَلْقِهَا وَ إِنْشَائِهَا وَ إِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْخَالِقُ لِهَذِهِ الْخَلَائِقِ يُدَبِّرُهَا لَا مَحَالَةَ وَ إِنْ كَانَ لَا تُدْرَكُ كُنْهُ ذَلِكَ التَّدْبِيرِ وَ مَخَارِجُهُ فَإِنَّ كَثِيراً مِنْ تَدْبِيرِ الْمُلُوكِ لَا تَفْهَمُهُ الْعَامَّةُ وَ لَا تَعْرِفُ أَسْبَابَهُ لِأَنَّهَا لَا تَعْرِفُ دَخْلَةَ أَمْرِ الْمُلُوكِ وَ أَسْرَارَهُمْ فَإِذَا عُرِفَ سَبَبَهُ وُجِدَ قَائِماً عَلَى الصَّوَابِ وَ الشَّاهِدُ الْمِحْنَةُ وَ لَوْ شَكَكْتَ فِي بَعْضِ الْأَدْوِيَةِ وَ الْأَطْعِمَةِ فَيَتَبَيَّنُ لَكَ مِنْ جِهَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَنَّهُ حَارٌّ أَوْ بَارِدٌ أَ لَمْ تَكُنْ سَتَقْضِي عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَ تَنْفِي الشَّكَّ فِيهِ عَنْ نَفْسِكَ فَمَا بَالُ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةِ لَا يَقْضُونَ عَلَى الْعَالَمِ بِالْخَالِقِ وَ التَّدْبِيرِ مَعَ هَذِهِ الشَّوَاهِدِ الْكَثِيرَةِ وَ أَكْثَرُ مِنْهَا مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً لَوْ كَانَ نِصْفُ الْعَالَمِ وَ مَا فِيهِ مُشْكِلًا صَوَابُهُ لَمَا كَانَ مِنْ حَزْمِ الرَّأْيِ وَ سَمْتِ الْأَدَبِ أَنْ يُقْضَى عَلَى الْعَالَمِ بِالْإِهْمَالِ لِأَنَّهُ كَانَ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ وَ مَا يَظْهَرُ فِيهِ مِنَ الصَّوَابِ وَ الْإِتْقَانِ مَا يَرْدَعُ الْوَهْمَ عَنِ التَّسَرُّعِ إِلَى هَذِهِ الْقَضِيَّةِ فَكَيْفَ وَ كُلُّ مَا كَانَ فِيهِ إِذَا فُتِّشَ وُجِدَ عَلَى غَايَةِ الصَّوَابِ حَتَّى لَا يَخْطُرُ بِالْبَالِ شَيْ‏ءٌ إِلَّا وُجِدَ مَا عَلَيْهِ الْخِلْقَةُ أَصَحَّ وَ أَصْوَبَ مِنْهُ.

بيان قوله(ع)للاسم الأقدم لعل المراد بالاسم المسمّى‏ (1) أو المراد الاسم الذي أظهره و أثبته في اللوح قبل سائر الأسماء أو المراد الاسم الذي يخص الذات فهو أسبق الأسماء في الاعتبار و أشرفها كما يظهر من الآثار قوله و الغيب المحظور أي الممنوع عن غيره تعالى إلا من ارتضاه لذلك قوله بالعرض قال الفيروزآبادي عرض الشي‏ء ظهر و العرض أن يموت الإنسان من غير علة و الاجتياح الاستيصال قوله(ع)و يلذع يقال لذعته النار أي أحرقته و لذعه بلسانه أي أوجعه بكلام‏

____________

(1) المراد بالاسم هو المسمى لكن لا كما ذكره (رحمه الله ) و أراد بالمسمى الذات بل كما تدلّ عليه الاخبار الآتية في أبواب الأسماء الحسنى تحكى عن المصداق المناسب لها و نفس المصداق اسم للذات عزت أسماؤه و أن الأسماء الملفوظة في الحقيقة أسماء الأسماء، لكنه (رحمه الله ) عد هذه الأخبار من المتشابهات و لذلك تكلف في أمثال هذه الموارد بما تكلف؛ و أمّا المعنيان الآخران فواضح الفساد كيف و الامام (عليه السلام) يوصف هذا الاسم بقوله: ذى الجلال و الإكرام ... بعد عطف قوله: و النور الأعظم عليه؛ فتأمل فيه. ط.

144

و في بعض النسخ بإهمال الأول و إعجام الثاني من لدغ العقرب و يقال رثيت لفلان أي رققت له و المضض محركة وجع المصيبة قوله(ع)إذا كان يكون غير محمود يمكن أن يقرأ إذا بالتنوين و بدونها و على الثاني يكون خبر كان محذوفا أي إذا كان الإنسان كذلك.

ثم اعلم أنه ينبغي أن تحمل العصمة المأخوذة في السؤال على غير المعنى المشهور الذي سيأتي تحقيقه في باب عصمة الأئمة(ع)بل المراد العصمة بمعنى الإلجاء الذي لم يبق معه اختيار و لذا فرع(ع)عليه عدم استحقاق الثواب و إلا فالعصمة التي اتصفت بها الأنبياء و الأئمة(ع)لا ينافي ذلك كما سنحققه في مقامه إن شاء الله تعالى و يمكن أن يقال على تقدير أن يكون المراد هذا المعنى أيضا بأنه إذا صار هذا عاما في جميع البشر لا يتأتى في بعض المواد التي لا تستحق ذلك من نفوس الأشرار و الفجار إلا بالإلجاء الرافع للاستحقاق قوله(ع)إلى غاية الكلب و الضراوة قال الجوهري دفعت عنك كلب فلان أي شره و أذاه و الكلب أيضا شبيه بالجنون و قال ضري الكلب بالصيد ضراوة أي تعود أقول لما كان السؤال مبنيا على فرض العصمة ظاهرا فتصحيح هذا الجواب في غاية الإشكال و خطر بالبال وجوه الأول أن لا يكون السؤال مبنيا على فرض العصمة بل يكون المراد أنه لما ذكرت أن العصمة تنافي الاستحقاق فنقول لم لم يبذل لهم الثواب على أي حال بأن يكلفهم العمل ليستحقوا الثواب إن أرادوا استحقاقه و إلا أعطاهم من غير استحقاق إذ كثير من الناس يطلبون النعيم بغير استحقاق فلا يكون عليهم في الدنيا و الآخرة سخط على المخالفة و على هذا الجواب ظاهر الانطباق على السؤال كما لا يخفى.

الثاني أن يكون السؤال مبنيا على فرض العصمة في بعضهم و هم الذين يطلبون الثواب و لا يريدون استحقاقه كما هو ظاهر السياق و يكون حاصل الجواب أنه لو كان المجبور على الخيرات مثابا فمقتضى العدل أن يكون غير المجبور الطالب للخير و الاستحقاق غير معاقب على حال و إلا لكان له الحجة على ربه بأنك لم تعصمني كما عصمت غيري و منعت عني اللطف بالبلايا و الصوارف عن المعاصي في الدنيا ثم تعذبني على المعاصي‏

145

فعلى هذا فلو علم غير المعصومين ذلك لدعتهم الدواعي النفسانية إلى غاية الفساد و هذا وجه وجيه لكن يحتاج إلى طي بعض المقدمات.

الثالث أن يكون السؤال مبنيا على ذلك الفرض أيضا لكن يكون الجواب مبنيا على أنه قد يستلزم المحال نقيضه إذ الكلام في هذا النوع من الخلق المسمى بالإنسان الذي اقتضت الحكمة أن يكون قد ركبت فيه أنواع الشهوات و الدواعي فلو فرضته على غير تلك الحالة لكان من قبيل فرض الشي‏ء إنسانا و ملكا و هما لا يجتمعان فعلى هذا يلزمه أيضا لفرض كونه إنسانا أن يدعوه عدم خوف العقاب و الفراغ إلى الأشر و البطر و أنواع المعاصي و حاصله يرجع إلى تغيير الجواب الأول إلى جواب آخر لا يرد عليه السؤال على غاية اللطف و الدقة.

و الردع الكف و المنع و قوله يغتبطون على البناء للفاعل من الاغتباط و هو حسن الحال بحيث يتمنى غيره حاله و الحض الحث و التحريص و تمحيص الأوزار تنقيصها أو إزالتها قوله(ع)فإن قال و لم يحدث على الناس أقول لما كان آخر الكلام موهما لأن هذه الأمور بعد حدوثها يصيرها الله تعالى إلى الحكمة و الصلاح سأل ثانيا ما السبب في أصل الحدوث حتى يحتاج إلى أن يجعله الله صلاحا و يحتمل أن يكون مراده أنا علمنا أن في وجودها صلاحا فهل في عدمها فساد و الجواب على التقديرين ظاهر و قال الفيروزآبادي عوز الشي‏ء كفرح لم يوجد و أعوزه الشي‏ء احتاج إليه و الدهر أحوجه و قال تناشبوا تضاموا و تعلق بعضهم ببعض و نشبه الأمر كلزم زنة و معنى و قال أفرجوا عن الطريق و القتيل انكشفوا و عن المكان تركوه انتهى و المراد هنا عدم التخلية بين أحد و بين ما يريده قوله(ع)و لا سلا عن شي‏ء أي لا ينسى و يتسلى عن شي‏ء من المصائب إذ بتذكر الموت تزول شدة المحن من قولهم سلا عن الشي‏ء أي نسيه و قال الجوهري بزه يبزه بزا سلبه و في المثل من عز بز أي من غلب أخذ السلب و قال سامه خسفا و خسفا بالضم أي أولاه ذلا و قال الفيروزآبادي لمع بيده أشار و قال تفاقم الأمر عظم قوله(ع)و بخت‏نصر بالتيه أقول لعله إشارة إلى ما ذكره جماعة من المؤرخين أن ملكا من الملائكة لطم بخت‏نصر لطمة

146

و مسخه و صار في الوحش في صورة أسد و هو مع ذلك يعقل ما يفعله الإنسان ثم رده الله تعالى إلى صورة الإنس و أعاد إليه ملكه فلما عاد إلى ملكه أراد قتل دانيال فقتله الله على يد واحد من غلمانه‏ (1) و قيل في سبب قتله أن الله أرسل عليه بعوضة فدخلت في منخره و صعدت إلى رأسه فكان لا يقر و لا يسكن حتى يدق رأسه فمات من ذلك و بلبيس غير معروف عند المؤرخين و التطاول هنا مبالغة في الطول بمعنى الفضل و الإحسان و دخلة الرجل مثلثة نيته و مذهبه و جمع أمره و بطانته قوله(ع)و الشاهد المحنة أي بالشاهد يمكن امتحان الغائب.

وَ اعْلَمْ يَا مُفَضَّلُ أَنَّ اسْمَ هَذَا الْعَالَمِ بِلِسَانِ الْيُونَانِيَّةِ الْجَارِي الْمَعْرُوفِ عِنْدَهُمْ قوسموس‏ (2) وَ تَفْسِيرُهُ الزِّينَةُ وَ كَذَلِكَ سَمَّتْهُ الْفَلَاسِفَةُ وَ مَنِ ادَّعَى الْحِكْمَةَ أَ فَكَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَذَا الِاسْمِ إِلَّا لِمَا رَأَوْا فِيهِ مِنَ التَّقْدِيرِ وَ النِّظَامِ فَلَمْ يَرْضَوْا أَنْ يُسَمُّوهُ تَقْدِيراً وَ نِظَاماً حَتَّى سَمَّوْهُ زِينَةً لِيُخْبِرُوا أَنَّهُ مَعَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّوَابِ وَ الْإِتْقَانِ عَلَى غَايَةِ الْحُسْنِ وَ الْبَهَاءِ أَعْجَبُ يَا مُفَضَّلُ مِنْ قَوْمٍ لَا يَقْضُونَ صِنَاعَةَ الطِّبِّ بِالْخَطَإِ وَ هُمْ يَرَوْنَ الطَّبِيبَ يُخْطِئُ وَ يَقْضُونَ عَلَى الْعَالَمِ بِالْإِهْمَالِ وَ لَا يَرَوْنَ شَيْئاً مِنْهُ مُهْمَلًا بَلْ أَعْجَبُ مِنْ أَخْلَاقِ مَنِ ادَّعَى الْحِكْمَةَ حَتَّى جَهِلُوا مَوَاضِعَهَا فِي الْخَلْقِ فَأَرْسَلُوا أَلْسِنَتَهُمْ بِالذَّمِّ لِلْخَالِقِ جَلَّ وَ عَلَا بَلِ الْعَجَبُ مِنَ الْمَخْذُولِ مَانِي حِينَ ادَّعَى عِلْمَ الْأَسْرَارِ وَ عَمِيَ عَنْ دَلَائِلِ الْحِكْمَةِ فِي الْخَلْقِ حَتَّى نَسَبَهُ إِلَى الْخَطَإِ وَ نَسَبَ خَالِقَهُ إِلَى الْجَهْلِ تَبَارَكَ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ وَ أَعْجَبُ مِنْهُمْ جَمِيعاً الْمُعَطِّلَةُ الَّذِينَ رَامُوا أَنْ يُدْرَكَ بِالْحِسِّ مَا لَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ فَلَمَّا أَعْوَزَهُمْ‏ (3) ذَلِكَ خَرَجُوا إِلَى الْجُحُودِ وَ التَّكْذِيبِ فَقَالُوا وَ لِمَ لَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ قِيلَ لِأَنَّهُ فَوْقَ مَرْتَبَةِ الْعَقْلِ كَمَا لَا يُدْرِكُ الْبَصَرُ مَا هُوَ فَوْقَ مَرْتَبَتِهِ فَإِنَّكَ لَوْ رَأَيْتَ حَجَراً يَرْتَفِعُ فِي الْهَوَاءِ عَلِمْتَ أَنَّ رَامِياً رَمَى بِهِ فَلَيْسَ هَذَا الْعِلْمُ مِنْ قِبَلِ الْبَصَرِ بَلْ مِنْ قِبَلِ الْعَقْلِ لِأَنَّ الْعَقْلَ هُوَ الَّذِي يُمَيِّزُهُ فَيَعْلَمُ أَنَّ الْحَجَرَ لَا يَذْهَبُ عُلُوّاً مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ وَقَفَ الْبَصَرُ

____________



(1) سنشير ان شاء اللّه إلى ما في هذا النقل من الاختلاط و الوهن.

(2) و في نسخة: فرسموس.

(3) أعوزه أي أعجزه و صعب عليه نيله.

147

عَلَى حَدِّهِ فَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ فَكَذَلِكَ يَقِفُ الْعَقْلُ عَلَى حَدِّهِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْخَالِقِ فَلَا يَعْدُوهُ وَ لَكِنْ يَعْقِلُهُ بِعَقْلٍ أَقَرَّ أَنَّ فِيهِ نَفْساً وَ لَمْ يُعَايِنْهَا وَ لَمْ يُدْرِكْهَا بِحَاسَّةٍ مِنَ الْحَوَاسِّ وَ عَلَى حَسَبِ هَذَا أَيْضاً نَقُولُ إِنَّ الْعَقْلَ يَعْرِفُ الْخَالِقَ مِنْ جِهَةٍ تُوجِبُ عَلَيْهِ الْإِقْرَارَ وَ لَا يَعْرِفُهُ بِمَا يُوجِبُ لَهُ الْإِحَاطَةَ بِصِفَتِهِ فَإِنْ قَالُوا فَكَيْفَ يُكَلَّفُ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ مَعْرِفَتَهُ بِالْعَقْلِ اللَّطِيفِ وَ لَا يُحِيطُ بِهِ قِيلَ لَهُمْ إِنَّمَا كُلِّفَ الْعِبَادُ مِنْ ذَلِكَ مَا فِي طَاقَتِهِمْ أَنْ يَبْلُغُوهُ وَ هُوَ أَنْ يُوقِنُوا بِهِ وَ يَقِفُوا عِنْدَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ وَ لَمْ يُكَلَّفُوا الْإِحَاطَةَ بِصِفَتِهِ كَمَا أَنَّ الْمَلِكَ لَا يُكَلِّفُ رَعِيَّتَهُ أَنْ يَعْلَمُوا أَ طَوِيلٌ هُوَ أَمْ قَصِيرٌ أَبْيَضُ هُوَ أَمْ أَسْمَرُ (1) وَ إِنَّمَا يُكَلِّفُهُمُ الْإِذْعَانَ بِسُلْطَانِهِ وَ الِانْتِهَاءَ إِلَى أَمْرِهِ أَ لَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَتَى بَابَ الْمَلِكِ فَقَالَ اعْرِضْ عَلَيَّ نَفْسَكَ حَتَّى أَتَقَصَّى مَعْرِفَتَكَ‏ (2) وَ إِلَّا لَمْ أَسْمَعْ لَكَ كَانَ قَدْ أَحَلَّ نَفْسَهُ الْعُقُوبَةَ فَكَذَا الْقَائِلُ إِنَّهُ لَا يُقِرُّ بِالْخَالِقِ سُبْحَانَهُ حَتَّى يُحِيطَ بِكُنْهِهِ مُتَعَرِّضٌ لِسَخَطِهِ فَإِنْ قَالُوا أَ وَ لَيْسَ قَدْ نَصِفُهُ فَنَقُولُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ قِيلَ لَهُمْ كُلُّ هَذِهِ صِفَاتُ إِقْرَارٍ وَ لَيْسَتْ صِفَاتِ إِحَاطَةٍ فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ حَكِيمٌ وَ لَا نَعْلَمُ بِكُنْهِ ذَلِكَ مِنْهُ‏ (3) وَ كَذَلِكَ قَدِيرٌ وَ جَوَادٌ وَ سَائِرُ صِفَاتِهِ كَمَا قَدْ نَرَى السَّمَاءَ وَ لَا نَدْرِي مَا جَوْهَرُهَا وَ نَرَى الْبَحْرَ وَ لَا نَدْرِي أَيْنَ مُنْتَهَاهُ بَلْ فَوْقَ هَذَا الْمِثَالِ بِمَا لَا نِهَايَةَ لَهُ لِأَنَّ الْأَمْثَالَ كُلَّهَا تَقْصُرُ عَنْهُ وَ لَكِنَّهَا تَقُودُ الْعَقْلَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ فَإِنْ قَالُوا وَ لِمَ يُخْتَلَفُ فِيهِ قِيلَ لَهُمْ لِقِصَرِ الْأَوْهَامِ عَنْ مَدَى عَظَمَتِهِ‏ (4) وَ تَعَدِّيهَا أَقْدَارَهَا فِي طَلَبِ مَعْرِفَتِهِ وَ أَنَّهَا تَرُومُ الْإِحَاطَةَ بِهِ وَ هِيَ تَعْجِزُ عَنْ ذَلِكَ وَ مَا دُونَهُ فَمِنْ ذَلِكَ هَذِهِ الشَّمْسُ الَّتِي تَرَاهَا تَطْلُعُ عَلَى الْعَالَمِ وَ لَا يُوقَفُ عَلَى حَقِيقَةِ أَمْرِهَا وَ لِذَلِكَ كَثُرَتِ الْأَقَاوِيلُ فِيهَا وَ اخْتَلَفَتِ الْفَلَاسِفَةُ الْمَذْكُورُونَ فِي وَصْفِهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ فَلَكٌ أَجْوَفُ مَمْلُوٌّ نَاراً لَهُ فَمٌ يَجِيشُ بِهَذَا الْوَهَجِ وَ الشُّعَاعِ وَ قَالَ آخَرُونَ هُوَ سَحَابَةٌ وَ قَالَ آخَرُونَ هُوَ جِسْمٌ زُجَاجِيٌّ يُقْبِلُ نَارِيَّةً فِي الْعَالَمِ وَ يُرْسِلُ عَلَيْهِ شُعَاعَهَا وَ قَالَ آخَرُونَ هُوَ صَفْوٌ

____________



(1) السمرة: لون بين السواد و البياض.

(2) تقصى و استقصى المسألة: بلغ النهاية في البحث عنها.

(3) و في نسخة: و لا نحيط بكنه ذلك منه.

(4) المدى: الغاية و المنتهى.

148

لَطِيفٌ يَنْعَقِدُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ وَ قَالَ آخَرُونَ هُوَ أَجْزَاءٌ كَثِيرَةٌ مُجْتَمِعَةٌ مِنَ النَّارِ وَ قَالَ آخَرُونَ هُوَ مِنْ جَوْهَرٍ خَامِسٍ سِوَى الْجَوَاهِرِ الْأَرْبَعِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي شَكْلِهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ بِمَنْزِلَةِ صَفِيحَةٍ عَرِيضَةٍ وَ قَالَ آخَرُونَ هِيَ كَالْكُرَةِ الْمُدَحْرَجَةِ وَ كَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهَا فَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا مِثْلُ الْأَرْضِ سَوَاءً وَ قَالَ آخَرُونَ بَلْ هِيَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ وَ قَالَ آخَرُونَ هِيَ أَعْظَمُ مِنَ الْجَزِيرَةِ الْعَظِيمَةِ وَ قَالَ أَصْحَابُ الْهَنْدَسَةِ هِيَ أَضْعَافُ الْأَرْضِ مِائَةٌ وَ سَبْعُونَ مَرَّةً فَفِي اخْتِلَافِ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ مِنْهُمْ فِي الشَّمْسِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَقِفُوا عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ أَمْرِهَا وَ إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الشَّمْسُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْهَا الْبَصَرُ وَ يُدْرِكُهَا الْحِسُّ قَدْ عَجَزَتِ الْعُقُولُ عَنِ الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَتِهَا فَكَيْفَ مَا لَطُفَ عَنِ الْحِسِّ وَ اسْتَتَرَ عَنِ الْوَهْمِ فَإِنْ قَالُوا وَ لِمَ اسْتَتَرَ قِيلَ لَهُمْ لَمْ يَسْتَتِرْ بِحِيلَةٍ يَخْلُصُ إِلَيْهَا كَمَنْ يَحْتَجِبُ عَنِ النَّاسِ بِالْأَبْوَابِ وَ السُّتُورِ وَ إِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِنَا اسْتَتَرَ أَنَّهُ لَطُفَ عَنْ مَدَى مَا تَبْلُغُهُ الْأَوْهَامُ كَمَا لَطُفَتِ النَّفْسُ وَ هِيَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِهِ وَ ارْتَفَعَتْ عَنْ إِدْرَاكِهَا بِالنَّظَرِ فَإِنْ قَالُوا وَ لِمَ لَطُفَ وَ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً كَانَ ذَلِكَ خَطَأً مِنَ الْقَوْلِ لِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِالَّذِي هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُبَايِناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُتَعَالِياً عَنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى فَإِنْ قَالُوا كَيْفَ يُعْقَلُ أَنْ يَكُونَ مُبَايِناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُتَعَالِياً قِيلَ لَهُمُ الْحَقُّ الَّذِي تُطْلَبُ مَعْرِفَتُهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ هُوَ الْأَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ فَأَوَّلُهَا أَنْ يُنْظَرَ أَ مَوْجُودٌ هُوَ أَمْ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ وَ الثَّانِي أَنْ يُعْرَفَ مَا هُوَ فِي ذَاتِهِ وَ جَوْهَرِهِ وَ الثَّالِثُ أَنْ يُعْرَفَ كَيْفَ هُوَ وَ مَا صِفَتُهُ وَ الرَّابِعُ أَنْ يُعْلَمَ لِمَا ذَا هُوَ وَ لِأَيَّةِ عِلَّةٍ فَلَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ شَيْ‏ءٌ يُمْكِنُ الْمَخْلُوقَ أَنْ يَعْرِفَهُ مِنَ الْخَالِقِ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ غَيْرُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فَقَطْ فَإِذَا قُلْنَا كَيْفَ وَ مَا هُوَ فَمُمْتَنِعٌ عِلْمُ كُنْهِهِ وَ كَمَالُ الْمَعْرِفَةِ بِهِ وَ أَمَّا لِمَا ذَا هُوَ فَسَاقِطٌ فِي صِفَةِ الْخَالِقِ لِأَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِلَّةُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ بِعِلَّةٍ لَهُ ثُمَّ لَيْسَ عِلْمُ الْإِنْسَانِ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ يُوجِبُ لَهُ أَنْ يَعْلَمَ مَا هُوَ كَمَا أَنَّ عِلْمَهُ بِوُجُودِ النَّفْسِ لَا يُوجِبُ أَنْ يَعْلَمَ مَا هِيَ وَ كَيْفَ هِيَ وَ كَذَلِكَ الْأُمُورُ الرُّوحَانِيَّةُ اللَّطِيفَةُ

149

فَإِنْ قَالُوا فَأَنْتُمُ الْآنَ تَصِفُونَ مِنْ قُصُورِ الْعِلْمِ عَنْهُ وَصْفاً حَتَّى كَأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ قِيلَ لَهُمْ هُوَ كَذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ إِذَا رَامَ الْعَقْلُ مَعْرِفَةَ كُنْهِهِ وَ الْإِحَاطَةَ بِهِ وَ هُوَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَقْرَبُ مِنْ كُلِّ قَرِيبٍ إِذَا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِالدَّلَائِلِ الشَّافِيَةِ فَهُوَ مِنْ جِهَةٍ كَالْوَاضِحِ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ وَ هُوَ مِنْ جِهَةٍ كَالْغَامِضِ لَا يُدْرِكُهُ أَحَدٌ وَ كَذَلِكَ الْعَقْلُ أَيْضاً ظَاهِرٌ بِشَوَاهِدَ وَ مَسْتُورٌ بِذَاتِهِ فَأَمَّا أَصْحَابُ الطَّبَائِعِ فَقَالُوا إِنَّ الطَّبِيعَةَ لَا تَفْعَلُ شَيْئاً لِغَيْرِ مَعْنًى وَ لَا تَتَجَاوَزُ عَمَّا فِيهِ تَمَامُ الشَّيْ‏ءِ فِي طَبِيعَتِهِ وَ زَعَمُوا أَنَّ الْحِكْمَةَ تَشْهَدُ بِذَلِكَ‏ (1) فَقِيلَ لَهُمْ فَمَنْ أَعْطَى الطَّبِيعَةَ هَذِهِ الْحِكْمَةَ وَ الْوُقُوفَ عَلَى حُدُودِ الْأَشْيَاءِ بِلَا مُجَاوَزَةٍ لَهَا وَ هَذَا قَدْ تَعْجِزُ عَنْهُ الْعُقُولُ بَعْدَ طُولِ التَّجَارِبِ فَإِنْ أَوْجَبُوا لِلطَّبِيعَةِ الْحِكْمَةَ وَ الْقُدْرَةَ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ فَقَدْ أَقَرُّوا بِمَا أَنْكَرُوا لِأَنَّ هَذِهِ هِيَ صِفَاتُ الْخَالِقِ وَ إِنْ أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ هَذَا لِلطَّبِيعَةِ فَهَذَا وَجْهُ الْخَلْقِ يَهْتِفُ بِأَنَّ الْفِعْلَ لخالق [لِلْخَالِقِ الْحَكِيمِ وَ قَدْ كَانَ مِنَ الْقُدَمَاءِ طَائِفَةٌ أَنْكَرُوا الْعَمْدَ وَ التَّدْبِيرَ فِي الْأَشْيَاءِ وَ زَعَمُوا أَنَّ كَوْنَهَا بِالْعَرَضِ وَ الِاتِّفَاقِ وَ كَانَ مِمَّا احْتَجُّوا بِهِ هَذِهِ الْآفَاتُ الَّتِي تلد [تَكُونُ عَلَى غَيْرِ مَجْرَى الْعُرْفِ وَ الْعَادَةِ كَالْإِنْسَانِ يُولَدُ نَاقِصاً أَوْ زَائِداً إِصْبَعاً أَوْ يَكُونُ الْمَوْلُودُ مُشَوَّهاً (2) مُبَدَّلَ الْخَلْقِ فَجَعَلُوا هَذَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ كَوْنَ الْأَشْيَاءِ لَيْسَ بِعَمْدٍ وَ تَقْدِيرٍ بَلْ بِالْعَرَضِ كَيْفَ مَا اتَّفَقَ أَنْ يَكُونَ وَ قَدْ كَانَ أَرَسْطَاطَالِيسُ رَدَّ عَلَيْهِمْ فَقَالَ إِنَّ الَّذِي يَكُونُ بِالْعَرَضِ وَ الِاتِّفَاقِ إِنَّمَا هُوَ شَيْ‏ءٌ يَأْتِي فِي الْفَرْطِ مَرَّةً لِأَعْرَاضٍ تَعْرِضُ لِلطَّبِيعَةِ فَتُزِيلُهَا عَنْ سَبِيلِهَا وَ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الْأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ الْجَارِيَةِ عَلَى شَكْلٍ وَاحِدٍ جَرْياً دَائِماً مُتَتَابِعاً وَ أَنْتَ يَا مُفَضَّلُ تَرَى أَصْنَافَ الْحَيَوَانِ أَنْ يَجْرِيَ أَكْثَرَ ذَلِكَ عَلَى مِثَالٍ وَ مِنْهَاجٍ وَاحِدٍ كَالْإِنْسَانِ يُولَدُ وَ لَهُ يَدَانِ وَ رِجْلَانِ وَ خَمْسُ أَصَابِعَ كَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنَ النَّاسِ فَأَمَّا مَا يُولَدُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لِعِلَّةٍ تَكُونُ فِي الرَّحِمِ أَوْ فِي الْمَادَّةِ الَّتِي يَنْشَأُ مِنْهَا الْجَنِينُ كَمَا يَعْرِضُ فِي الصِّنَاعَاتِ حِينَ يَتَعَمَّدُ الصَّانِعُ الصَّوَابَ فِي صَنْعَتِهِ فَيَعُوقُ دُونَ ذَلِكَ‏ (3)

____________



(1) و في نسخة: و زعموا أن المحنة تشهد بذلك.

(2) أي مقبحا.

(3) عاقه يعوقه عن كذا: صرفه و ثبطه و أخره عنه. و العائق: كل ما عاقك و شغلك.

150

عَائِقٌ فِي الْأَدَاةِ أَوْ فِي الْآلَةِ الَّتِي يَعْمَلُ فِيهَا الشَّيْ‏ءَ فَقَدْ يَحْدُثُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي أَوْلَادِ الْحَيَوَانِ لِلْأَسْبَابِ الَّتِي وَصَفْنَا فَيَأْتِي الْوَلَدُ زَائِداً أَوْ نَاقِصاً أَوْ مُشَوَّهاً وَ يَسْلَمُ أَكْثَرُهَا فَيَأْتِي سَوِيّاً لَا عِلَّةَ فِيهِ فَكَمَا أَنَّ الَّذِي يُحْدِثُ فِي بَعْضِ الْأَعْمَالِ الْأَعْرَاضَ‏ (1) لِعِلَّةٍ فِيهِ لَا تُوجِبُ عَلَيْهَا جَمِيعاً الْإِهْمَالَ وَ عَدَمَ الصَّانِعِ كَذَلِكَ مَا يَحْدُثُ عَلَى بَعْضِ الْأَفْعَالِ الطَّبِيعِيَّةِ لِعَائِقٍ يَدْخُلُ عَلَيْهَا لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهَا بِالْعَرَضِ وَ الِاتِّفَاقِ فَقَوْلُ مَنْ قَالَ فِي الْأَشْيَاءِ إِنَّ كَوْنَهَا بِالْعَرَضِ وَ الِاتِّفَاقِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ شَيْئاً مِنْهَا يَأْتِي عَلَى خِلَافِ الطَّبِيعَةِ [بِعَرَضٍ يَعْرِضُ لَهُ خَطَأٌ وَ خَطَلٌ فَإِنْ قَالُوا وَ لِمَ صَارَ مِثْلُ هَذَا يَحْدُثُ فِي الْأَشْيَاءِ قِيلَ لَهُمْ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ كَوْنُ الْأَشْيَاءِ بِاضْطِرَارٍ مِنَ الطَّبِيعَةِ وَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سِوَاهُ كَمَا قَالَ قائلون [الْقَائِلُونَ بَلْ هُوَ تَقْدِيرٌ وَ عَمْدٌ مِنْ خَالِقٍ حَكِيمٍ إِذْ جَعَلَ الطَّبِيعَةَ تَجْرِي أَكْثَرَ ذَلِكَ عَلَى مَجْرًى وَ مِنْهَاجٍ مَعْرُوفٍ وَ يَزُولُ أَحْيَاناً عَنْ ذَلِكَ لِأَعْرَاضٍ تَعْرِضُ لَهَا فَيُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا مُصَرَّفَةٌ مُدَبَّرَةٌ فَقِيرَةٌ إِلَى إِبْدَاءِ الْخَالِقِ وَ قُدْرَتِهِ فِي بُلُوغِ غَايَتِهَا وَ إِتْمَامِ عَمَلِهَا فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‏ يَا مُفَضَّلُ خُذْ مَا آتَيْتُكَ وَ احْفَظْ مَا مَنَحْتُكَ وَ كُنْ لِرَبِّكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ وَ لِآلَائِهِ مِنَ الْحَامِدِينَ وَ لِأَوْلِيَائِهِ مِنَ الْمُطِيعِينَ فَقَدْ شَرَحْتُ لَكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْخَلْقِ وَ الشَّوَاهِدِ عَلَى صَوَابِ التَّدْبِيرِ وَ الْعَمْدِ قَلِيلًا مِنْ كَثِيرٍ وَ جُزْءاً مِنْ كُلٍّ فَتَدَبَّرْهُ وَ فَكِّرْ فِيهِ وَ اعْتَبِرْ بِهِ فَقُلْتُ بِمَعُونَتِكَ يَا مَوْلَايَ أَقْوَى عَلَى ذَلِكَ وَ أُبَلِّغُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي فَقَالَ احْفَظْ بِمَشِيَّةِ اللَّهِ وَ لَا تَنْسَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَخَرَرْتُ مَغْشِيّاً عَلَيَّ فَلَمَّا أَفَقْتُ قَالَ كَيْفَ تَرَى نَفْسَكَ يَا مُفَضَّلُ فَقُلْتُ قَدْ اسْتَغْنَيْتُ بِمَعُونَةِ مَوْلَايَ وَ تَأْيِيدِهِ عَنِ الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبْتُهُ وَ صَارَ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيَّ كَأَنَّمَا أَقْرَؤُهُ مِنْ كَفِّي وَ لِمَوْلَايَ الْحَمْدُ وَ الشُّكْرُ كَمَا هُوَ أَهْلُهُ وَ مُسْتَحِقُّهُ فَقَالَ يَا مُفَضَّلُ فَرِّغْ قَلْبَكَ وَ اجْمَعْ إِلَيْكَ ذِهْنَكَ وَ عَقْلَكَ وَ طُمَأْنِينَتَكَ فَسَأُلْقِي إِلَيْكَ مِنْ عِلْمِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَا خَلَقَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا وَ فِيهِمَا مِنْ عَجَائِبِ خَلْقِهِ وَ أَصْنَافِ الْمَلَائِكَةِ وَ صُفُوفِهِمْ وَ مَقَامَاتِهِمْ وَ مَرَاتِبِهِمْ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَ سَائِرِ الْخَلْقِ مِنَ‏

____________



(1) و في نسخة: فكما ان الذي يحدث في بعض الاعمال للاعراض.

151

الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ إِلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى وَ مَا تَحْتَ الثَّرَى حَتَّى يَكُونَ مَا وَعَيْتَهُ جُزْءاً مِنْ أَجْزَاءٍ انْصَرِفْ إِذَا شِئْتُ مُصَاحَباً مَكْلُوءاً (1) فَأَنْتَ مِنَّا بِالْمَكَانِ الرَّفِيعِ وَ مَوْضِعُكَ مِنْ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ مَوْضِعُ الْمَاءِ مِنَ الصَّدَى وَ لَا تَسْأَلَنَّ عَمَّا وَعَدْتُكَ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً قَالَ الْمُفَضَّلُ فَانْصَرَفْتُ مِنْ عِنْدِ مَوْلَايَ بِمَا لَمْ يَنْصَرِفْ أَحَدٌ بِمِثْلِهِ.

بيان جاش البحر و القدر و غيرهما يجيش جيشا غلا قوله(ع)قال أصحاب الهندسة أقول المشهور بين متأخّريهم أن جرم الشمس مائة و ستة و ستون مثلا و ربع و ثمن لجرم الأرض و ما ذكره(ع)لعله كان مذهب قدمائهم مع أنه قريب من المشهور و الاختلاف بين قدمائهم و متأخّريهم في أمثال ذلك كثير قوله(ع)الحقّ الذي أي الأمور الحقّة الثابتة التي تطلب معرفتها من بين الأشياء و في بعض النسخ لحقّ أي ما يحقّ و ينبغي أن تطلب معرفته من أحوال الأشياء هو أربعة أوجه و قال الجوهري قولهم لقيته في الفرط بعد الفرط إي الحين بعد الحين و الصدى بالفتح العطش.

ثم اعلم أن بعض تلك الفقرات تومئ إلى تجرّد النفس و الله يعلم و حججه (صلوات الله عليهم أجمعين)(2).

____________

(1) أي محفوظا.

(2) بل الى وجود أمور اخرى غير النفس مجردة كما يشعر به قوله: و كذلك الأمور الروحانية اللطيفة و منه يظهر أن وصف شي‏ء بأنّه روحانى أو لطيف في الاخبار يشعر بتجرده. ط.

152

باب 5 الخبر المروي عن المفضل بن عمر في التوحيد المشتهر بالإهليلجة

1- حَدَّثَنِي مُحْرِزُ بْنُ سَعِيدٍ النَّحْوِيُّ بِدِمَشْقَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُسْهِرٍ (1) بِالرَّمْلَةِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَتَبَ الْمُفَضَّلُ بْنُ عُمَرَ الْجُعْفِيُّ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ(ع)يُعْلِمُهُ أَنَّ أَقْوَاماً ظَهَرُوا مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْمِلَّةِ يَجْحَدُونَ الرُّبُوبِيَّةَ وَ يُجَادِلُونَ عَلَى ذَلِكَ وَ يَسْأَلُهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ وَ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ فِيمَا ادَّعَوْا بِحَسَبِ مَا احْتَجَّ بِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ فَكَتَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ أَمَّا بَعْدُ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكَ لِطَاعَتِهِ وَ أَوْجَبَ لَنَا بِذَلِكَ رِضْوَانَهُ بِرَحْمَتِهِ وَصَلَ كِتَابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ مَا ظَهَرَ فِي مِلَّتِنَا وَ ذَلِكَ مِنْ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْإِلْحَادِ بِالرُّبُوبِيَّةِ قَدْ كَثُرَتْ عِدَّتُهُمْ وَ اشْتَدَّتْ خُصُومَتُهُمْ وَ تَسْأَلُ أَنْ أَصْنَعَ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ وَ النَّقْضِ لِمَا فِي أَيْدِيهِمْ كِتَاباً عَلَى نَحْوِ مَا رَدَدْتُ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَ الِاخْتِلَافِ وَ نَحْنُ نَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى النِّعَمِ السَّابِغَةِ وَ الْحُجَجِ الْبَالِغَةِ وَ الْبَلَاءِ الْمَحْمُودِ عِنْدَ الْخَاصَّةِ وَ الْعَامَّةِ فَكَانَ مِنْ نِعَمِهِ الْعِظَامِ وَ آلَائِهِ الْجِسَامِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا تَقْرِيرُهُ قُلُوبَهُمْ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَ أَخْذُهُ مِيثَاقَهُمْ بِمَعْرِفَتِهِ وَ إِنْزَالُهُ عَلَيْهِمْ كِتَاباً فِيهِ شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ مِنْ أَمْرَاضِ الْخَوَاطِرِ وَ مُشْتَبِهَاتِ الْأُمُورِ وَ لَمْ يَدَعْ لَهُمْ وَ لَا لِشَيْ‏ءٍ مِنْ خَلْقِهِ حَاجَةً إِلَى مَنْ سِوَاهُ وَ اسْتَغْنَى عَنْهُمْ‏ وَ كانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً وَ لَعَمْرِي مَا أُتِيَ الْجُهَّالُ مِنْ قِبَلِ رَبِّهِمْ وَ إِنَّهُمْ لَيَرَوْنَ الدَّلَالاتِ الْوَاضِحَاتِ وَ الْعَلَامَاتِ الْبَيِّنَاتِ فِي خَلْقِهِمْ وَ مَا يُعَايِنُونَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ الصُّنْعَ الْعَجِيبَ الْمُتْقَنَ الدَّالَّ عَلَى الصَّانِعِ وَ لَكِنَّهُمْ قَوْمٌ فَتَحُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَبْوَابَ الْمَعَاصِي وَ سَهَّلُوا لَهَا سَبِيلَ الشَّهَوَاتِ فَغَلَبَتِ الْأَهْوَاءُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَ اسْتَحْوَذَ الشَّيْطَانُ بِظُلْمِهِمْ عَلَيْهِمْ وَ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ‏ عَلى‏ قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ‏ وَ الْعَجَبُ مِنْ مَخْلُوقٍ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ يَخْفَى عَلَى عِبَادِهِ وَ هُوَ يَرَى أَثَرَ الصُّنْعِ فِي نَفْسِهِ بِتَرْكِيبٍ يَبْهَرُ عَقْلَهُ وَ تَأْلِيفٍ يُبْطِلُ حُجَّتَهُ‏ (2)

____________



(1) و في نسخة: محمّد بن أبي مشتهر.

(2) و في نسخة: و تاليف يبطل جحوده.

153

وَ لَعَمْرِي لَوْ تَفَكَّرُوا فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الْعِظَامِ لَعَايَنُوا مِنْ أَمْرِ التَّرْكِيبِ الْبَيِّنِ وَ لُطْفِ التَّدْبِيرِ الظَّاهِرِ وَ وُجُودِ الْأَشْيَاءِ مَخْلُوقَةً بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ ثُمَّ تَحَوُّلِهَا مِنْ طَبِيعَةٍ إِلَى طَبِيعَةٍ وَ صَنِيعَةٍ بَعْدَ صَنِيعَةٍ مَا يَدُلُّهُمْ ذَلِكَ عَلَى الصَّانِعِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو شَيْ‏ءٌ مِنْهَا مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ أَثَرُ تَدْبِيرٍ وَ تَرْكِيبٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ خَالِقاً مُدَبِّراً وَ تَأْلِيفٌ بِتَدْبِيرٍ يَهْدِي إِلَى وَاحِدٍ حَكِيمٍ وَ قَدْ وَافَانِي كِتَابُكَ وَ رَسَمْتُ لَكَ كِتَاباً كُنْتُ نَازَعْتُ فِيهِ بَعْضَ أَهْلِ الْأَدْيَانِ مِنْ أَهْلِ الْإِنْكَارِ وَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَحْضُرُنِي طَبِيبٌ مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ وَ كَانَ لَا يَزَالُ يُنَازِعُنِي فِي رَأْيِهِ وَ يُجَادِلُنِي عَلَى ضَلَالَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ يَوْماً يَدُقُّ إِهْلِيلَجَةً لِيَخْلِطَهَا دَوَاءً احْتَجْتُ‏ (1) إِلَيْهِ مِنْ أَدْوِيَتِهِ إِذْ عَرَضَ لَهُ شَيْ‏ءٌ مِنْ كَلَامِهِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُنَازِعُنِي فِيهِ مِنِ ادِّعَائِهِ أَنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَزَلْ وَ لَا تَزَالُ شَجَرَةٌ تَنْبُتُ وَ أُخْرَى تَسْقُطُ نَفْسٌ تُولَدُ وَ أُخْرَى تَتْلَفُ وَ زَعَمَ أَنَّ انْتِحَالِي الْمَعْرِفَةَ لِلَّهِ تَعَالَى دَعْوَى لَا بَيِّنَةَ لِي عَلَيْهَا وَ لَا حُجَّةَ لِي فِيهَا وَ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ أَخَذَهُ الْآخِرُ عَنِ الْأَوَّلِ وَ الْأَصْغَرُ عَنِ الْأَكْبَرِ وَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ وَ الْمُؤْتَلِفَةَ وَ الْبَاطِنَةَ وَ الظَّاهِرَةَ إِنَّمَا تُعْرَفُ بِالْحَوَاسِّ الْخَمْسِ نَظَرِ الْعَيْنِ وَ سَمْعِ الْأُذُنِ وَ شَمِّ الْأَنْفِ وَ ذَوْقِ الْفَمِ وَ لَمْسِ الْجَوَارِحِ ثُمَّ قَادَ (2) مَنْطِقُهُ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي وَضَعَهُ فَقَالَ لَمْ يَقَعْ شَيْ‏ءٌ مِنْ حَوَاسِّي عَلَى خَالِقٍ يُؤَدِّي إِلَى قَلْبِي إِنْكَاراً لِلَّهِ تَعَالَى ثُمَّ قَالَ أَخْبِرْنِي بِمَ تَحْتَجُّ فِي مَعْرِفَةِ رَبِّكَ الَّذِي تَصِفُ قُدْرَتَهُ وَ رُبُوبِيَّتَهُ وَ إِنَّمَا يَعْرِفُ الْقَلْبُ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا بِالدَّلَالاتِ الْخَمْسِ الَّتِي وَصَفْتُ لَكَ قُلْتُ بِالْعَقْلِ الَّذِي فِي قَلْبِي وَ الدَّلِيلِ الَّذِي أَحْتَجُّ بِهِ فِي مَعْرِفَتِهِ قَالَ فَأَنَّى يَكُونُ مَا تَقُولُ وَ أَنْتَ تَعْرِفُ أَنَّ الْقَلْبَ لَا يَعْرِفُ شَيْئاً بِغَيْرِ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ فَهَلْ عَايَنْتَ رَبَّكَ بِبَصَرٍ أَوْ سَمِعْتَ صَوْتَهُ بِأُذُنٍ أَوْ شَمِمْتَهُ بِنَسِيمٍ أَوْ ذُقْتَهُ بِفَمٍ أَوْ مَسِسْتَهُ بِيَدٍ فَأَدَّى ذَلِكَ الْمَعْرِفَةَ إِلَى قَلْبِكَ قُلْتُ أَ رَأَيْتَ إِذْ أَنْكَرْتَ اللَّهَ وَ جَحَدْتَهُ‏ (3)

____________



(1) و في نسخة: احتاج.

(2) قاد الدابّة: مشى أمامها آخذا بقيادها.

(3) و في نسخة: إذا أنكرت اللّه و جحدته.

154

لِأَنَّكَ زَعَمْتَ أَنَّكَ لَا تُحِسُّهُ بِحَوَاسِّكَ الَّتِي تَعْرِفُ بِهَا الْأَشْيَاءَ وَ أَقْرَرْتُ أَنَا بِهِ هَلْ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَحَدُنَا صَادِقاً وَ الْآخَرُ كَاذِباً قَالَ لَا قُلْتُ أَ رَأَيْتَ إِنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَكَ فَهَلْ يُخَافُ عَلَيَّ شَيْ‏ءٌ مِمَّا أُخَوِّفُكَ بِهِ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ قَالَ لَا قُلْتُ أَ فَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ كَمَا أَقُولُ وَ الْحَقُّ فِي يَدِي أَ لَسْتُ قَدْ أَخَذْتُ فِيمَا كُنْتُ أُحَاذِرُ مِنْ عِقَابِ الْخَالِقِ بِالثِّقَةِ وَ أَنَّكَ قَدْ وَقَعْتَ بِجُحُودِكَ وَ إِنْكَارِكَ فِي الْهَلَكَةِ قَالَ بَلَى قُلْتُ فَأَيُّنَا أَوْلَى بِالْحَزْمِ وَ أَقْرَبُ مِنَ النَّجَاةِ قَالَ أَنْتَ إِلَّا أَنَّكَ مِنْ أَمْرِكَ عَلَى ادِّعَاءٍ وَ شُبْهَةٍ وَ أَنَا عَلَى يَقِينٍ وَ ثِقَةٍ لِأَنِّي لَا أَرَى حَوَاسِّيَ الْخَمْسَ أَدْرَكَتْهُ وَ مَا لَمْ تُدْرِكْهُ حَوَاسِّي فَلَيْسَ عِنْدِي بِمَوْجُودٍ قُلْتُ إِنَّهُ لَمَّا عَجَزَتْ حَوَاسُّكَ عَنْ إِدْرَاكِ اللَّهِ أَنْكَرْتَهُ وَ أَنَا لَمَّا عَجَزَتْ حَوَاسِّي عَنْ إِدْرَاكِ اللَّهِ تَعَالَى صَدَّقْتُ بِهِ قَالَ وَ كَيْفَ ذَلِكَ قُلْتُ لِأَنَّ كُلَّ شَيْ‏ءٍ جَرَى فِيهِ أَثَرُ تَرْكِيبٍ لَجِسْمٌ أَوْ وَقَعَ عَلَيْهِ بَصَرٌ لَلَوْنٌ فَمَا أَدْرَكَتْهُ الْأَبْصَارُ وَ نَالَتْهُ الْحَوَاسُّ فَهُوَ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لِأَنَّهُ لَا يُشْبِهُ الْخَلْقَ وَ أَنَّ هَذَا الْخَلْقَ يَنْتَقِلُ بِتَغْيِيرٍ وَ زَوَالٍ وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ أَشْبَهَ التَّغْيِيرَ وَ الزَّوَالَ فَهُوَ مِثْلُهُ وَ لَيْسَ الْمَخْلُوقُ كَالْخَالِقِ وَ لَا الْمُحْدَثُ كَالْمُحْدِثِ.

شرح قوله(ع)و البلاء المحمود عند الخاصّة و العامّة أي النعمة التي يحمدها و يقر بها الخاصّ و العامّ لنا و هو العلم أو النعم التي شملت الخاصّ و العامّ كما سيفصّله(ع)بعد ذلك قوله(ع)ما أُتِيَ الجهّال أي ما أتاهم الضرر و الهلاك إلا من قبلهم قال الفيروزآبادي أُتِيَ كعني أشرف عليه العدو و قال الجزري في حديث أبي هريرة في العَدْوَى أنّى قلت أُتِيتَ أي دهيت و تغير عليك حسك فتوهمت ما ليس بصحيح صحيحا قوله(ع)استحوذ الشيطان أي غلب و استولى قوله(ع)و صنيعة أي إحسان و يحتمل أن يراد بها هنا الخلقة المصنوعة قوله(ع)لجسم بفتح اللام أي البتة هو جسم و كذا قوله للون و يدل على أن التركيب الخارجي إنما يكون في الجسم و أن المبصر بالذات هو اللون قوله(ع)أشبه التغيير أي المتغير أو ذا التغيير بتقدير مضاف.

155

6 متن قَالَ إِنَّ هَذَا لَقَوْلٌ وَ لَكِنِّي لَمُنْكِرٌ مَا لَمْ تُدْرِكْهُ حَوَاسِّي فَتُؤَدِّيَهُ إِلَى قَلْبِي فَلَمَّا اعْتَصَمَ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ وَ لَزِمَ هَذِهِ الْحُجَّةَ قُلْتُ أَمَّا إِذَا أَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَعْتَصِمَ بِالْجَهَالَةِ وَ تَجْعَلَ الْمُحَاجَزَةَ حُجَّةً فَقَدْ دَخَلْتَ فِي مِثْلِ مَا عِبْتَ وَ امْتَثَلْتَ مَا كَرِهْتَ حَيْثُ قُلْتَ إِنِّي اخْتَرْتُ الدَّعْوَى لِنَفْسِي لِأَنَّ كُلَّ شَيْ‏ءٍ لَمْ تُدْرِكْهُ حَوَاسِّي عِنْدِي بِلَا شَيْ‏ءٍ قَالَ وَ كَيْفَ ذَلِكَ قُلْتُ لِأَنَّكَ نَقَمْتَ عَلَيَّ الِادِّعَاءَ وَ دَخَلْتَ فِيهِ فَادَّعَيْتَ أَمْراً لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً وَ لَمْ تَقُلْهُ عِلْماً فَكَيْفَ اسْتَجَزْتَ لِنَفْسِكَ الدَّعْوَى فِي إِنْكَارِكَ اللَّهَ وَ دَفْعِكَ أَعْلَامَ النُّبُوَّةِ وَ الْحُجَّةَ الْوَاضِحَةَ وَ عِبْتَهَا عَلَيَّ أَخْبِرْنِي هَلْ أَحَطْتَ بِالْجِهَاتِ كُلِّهَا وَ بَلَغْتَ مُنْتَهَاهَا قَالَ لَا قُلْتُ فَهَلْ رَقِيتَ إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَرَى أَوِ انْحَدَرْتَ إِلَى الْأَرْضِ السُّفْلَى فَجُلْتَ فِي أَقْطَارِهَا (1) أَوْ هَلْ خُضْتَ فِي غَمَرَاتِ الْبُحُورِ (2) وَ اخْتَرَقْتَ نَوَاحِيَ الْهَوَاءِ فِيمَا فَوْقَ السَّمَاءِ وَ تَحْتَهَا إِلَى الْأَرْضِ وَ مَا أَسْفَلَ مِنْهَا فَوَجَدْتَ ذَلِكَ خَلَاءً مِنْ مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ عَالِمٍ بَصِيرٍ قَالَ لَا قُلْتُ فَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الَّذِي أَنْكَرَهُ قَلْبُكَ هُوَ فِي بَعْضِ مَا لَمْ تُدْرِكْهُ حَوَاسُّكَ وَ لَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمُكَ قَالَ لَا أَدْرِي لَعَلَّ فِي بَعْضِ مَا ذَكَرْتَ مُدَبِّراً وَ مَا أَدْرِي لَعَلَّهُ لَيْسَ فِي شَيْ‏ءٍ مِنْ ذَلِكَ شَيْ‏ءٌ قُلْتُ أَمَّا إِذْ خَرَجْتَ مِنْ حَدِّ الْإِنْكَارِ إِلَى مَنْزِلَةِ الشَّكِّ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَخْرُجَ إِلَى الْمَعْرِفَةِ قَالَ فَإِنَّمَا دَخَلَ عَلَيَّ الشَّكُّ لِسُؤَالِكَ إِيَّايَ عَمَّا لَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمِي وَ لَكِنْ مِنْ أَيْنَ يَدْخُلُ عَلَيَّ الْيَقِينُ بِمَا لَمْ تُدْرِكْهُ حَوَاسِّي قُلْتُ مِنْ قِبَلِ إِهْلِيلَجَتِكَ هَذِهِ قَالَ ذَاكَ إِذاً أَثْبَتُ لِلْحُجَّةِ لِأَنَّهَا مِنْ آدَابِ الطِّبِّ الَّذِي أُذْعِنُ بِمَعْرِفَتِهِ‏ (3) قُلْتُ إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ آتِيَكَ بِهِ مِنْ قِبَلِهَا لِأَنَّهَا أَقْرَبُ الْأَشْيَاءِ إِلَيْكَ وَ لَوْ كَانَ شَيْ‏ءٌ أَقْرَبَ إِلَيْكَ مِنْهَا لَأَتَيْتُكَ مِنْ قِبَلِهِ‏ (4) لِأَنَّ فِي كُلِّ شَيْ‏ءٍ أَثَرَ تَرْكِيبٍ وَ حِكْمَةٍ وَ شَاهِداً يَدُلُّ عَلَى‏

____________



(1) و في نسخة: فدرت في أقطارها.

(2) و في نسخة: هل غصت في غمرات البحور.

(3) و في نسخة: لانها من أداة الطبّ الذي أدعى معرفته.

(4) و في نسخة: لا نبأتك من قبله.

156

الصَّنْعَةِ الدَّالَّةِ عَلَى مَنْ صَنَعَهَا وَ لَمْ تَكُنْ شَيْئاً وَ يُهْلِكُهُا حَتَّى لَا تَكُونَ شَيْئاً قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي هَلْ تَرَى هَذِهِ إِهْلِيلَجَةً قَالَ نَعَمْ قُلْتُ أَ فَتَرَى غَيْبَ مَا فِي جَوْفِهَا قَالَ لَا قُلْتُ أَ فَتَشْهَدُ أَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى نَوَاةٍ وَ لَا تَرَاهَا قَالَ مَا يُدْرِينِي لَعَلَّ لَيْسَ فِيهَا شَيْ‏ءٌ قُلْتُ أَ فَتَرَى أَنَّ خَلْفَ هَذَا الْقِشْرِ مِنْ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةِ غَائِبٌ لَمْ تَرَهُ مِنْ لَحْمٍ أَوْ ذِي لَوْنٍ قَالَ مَا أَدْرِي لَعَلَّ مَا ثَمَّ غَيْرُ ذِي لَوْنٍ وَ لَا لَحْمٍ قُلْتُ أَ فَتُقِرُّ أَنَّ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةَ الَّتِي تُسَمِّيهَا النَّاسُ بِالْهِنْدِ مَوْجُودَةٌ لِاجْتِمَاعِ أَهْلِ الِاخْتِلَافِ مِنَ الْأُمَمِ عَلَى ذِكْرِهَا قَالَ مَا أَدْرِي لَعَلَّ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ بَاطِلٌ قُلْتُ أَ فَتُقِرُّ أَنَّ الْإِهْلِيلَجَةَ فِي أَرْضٍ تَنْبُتُ قَالَ تِلْكَ الْأَرْضُ وَ هَذِهِ وَاحِدَةٌ وَ قَدْ رَأَيْتُهَا قُلْتُ أَ فَمَا تَشْهَدُ بِحُضُورِ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةِ عَلَى وُجُودِ مَا غَابَ مِنْ أَشْبَاهِهَا قَالَ مَا أَدْرِي لَعَلَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا إِهْلِيلَجَةٌ غَيْرُهَا فَلَمَّا اعْتَصَمَ بِالْجَهَالَةِ قُلْتُ أَخْبِرْنِي عَنْ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةِ أَ تُقِرُّ أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ شَجَرَةٍ أَوْ تَقُولُ إِنَّهَا هَكَذَا وُجِدَتْ قَالَ لَا بَلْ مِنْ شَجَرَةٍ خَرَجَتْ قُلْتُ فَهَلْ أَدْرَكَتْ حَوَاسُّكَ الْخَمْسُ مَا غَابَ عَنْكَ مِنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ قَالَ لَا قُلْتُ فَمَا أَرَاكَ إِلَّا قَدْ أَقْرَرْتَ بِوُجُودِ شَجَرَةٍ لَمْ تُدْرِكْهَا حَوَاسُّكَ قَالَ أَجَلْ وَ لَكِنِّي أَقُولُ إِنَّ الْإِهْلِيلَجَةَ وَ الْأَشْيَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ (1) شَيْ‏ءٌ لَمْ تَزَلْ تُدْرَكُ فَهَلْ عِنْدَكَ فِي هَذَا شَيْ‏ءٌ تَرُدُّ بِهِ قَوْلِي قُلْتُ نَعَمْ أَخْبِرْنِي عَنْ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةِ هَلْ كُنْتَ عَايَنْتَ شَجَرَتَهَا وَ عَرَفْتَهَا قَبْلَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةُ فِيهَا قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَهَلْ كُنْتَ تُعَايِنُ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةَ قَالَ لَا قُلْتُ أَ فَمَا تَعْلَمُ أَنَّكَ كُنْتَ عَايَنْتَ الشَّجَرَةَ وَ لَيْسَ فِيهَا الْإِهْلِيلَجَةُ ثُمَّ عُدْتَ إِلَيْهَا فَوَجَدْتَ فِيهَا الْإِهْلِيلَجَةَ أَ فَمَا تَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ فِيهَا مَا لَمْ تَكُنْ قَالَ مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُنْكِرَ ذَلِكَ وَ لَكِنِّي أَقُولُ إِنَّهَا كَانَتْ فِيهَا مُتَفَرِّقَةً قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي هَلْ رَأَيْتَ تِلْكَ الْإِهْلِيلَجَةَ الَّتِي تَنْبُتُ مِنْهَا شَجَرَةُ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةِ قَبْلَ أَنْ تُغْرَسَ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَهَلْ يَحْتَمِلُ عَقْلُكَ أَنَّ الشَّجَرَةَ الَّتِي تَبْلُغُ أَصْلُهَا وَ عُرُوقُهَا وَ فُرُوعُهَا وَ لِحَاؤُهَا وَ كُلُّ ثَمَرَةٍ جُنِيَتْ‏ (2) وَ وَرَقَةٍ سَقَطَتْ أَلْفَ أَلْفِ رِطْلٍ كَانَتْ كَامِنَةً فِي هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةِ قَالَ مَا

____________



(1) و في نسخة: و الأشياء المؤتلفة.

(2) جنى الثمر: تناوله من شجرته.

157

يَحْتَمِلُ هَذَا الْعَقْلُ وَ لَا يَقْبَلُهُ الْقَلْبُ قُلْتُ أَقْرَرْتَ أَنَّهَا حَدَثَتْ فِي الشَّجَرَةِ قَالَ نَعَمْ وَ لَكِنِّي لَا أَعْرِفُ أَنَّهَا مَصْنُوعَةٌ فَهَلْ تَقْدِرُ أَنْ تُقَرِّرَنِي بِذَلِكَ قُلْتُ نَعَمْ أَ رَأَيْتَ أَنِّي إِنْ أَرَيْتُكَ تَدْبِيراً أَ تُقِرُّ أَنَّ لَهُ مُدَبِّراً وَ تَصْوِيراً أَنَّ لَهُ مُصَوِّراً قَالَ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ قُلْتُ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةَ لَحْمٌ رَكِبَ عَلَى عَظْمٍ فَوُضِعَ فِي جَوْفٍ مُتَّصِلٍ‏ (1) بِغُصْنٍ مُرَكَّبٍ عَلَى سَاقٍ يَقُومُ عَلَى أَصْلٍ فَيَقْوَى بِعُرُوقٍ مِنْ تَحْتِهَا عَلَى جِرْمٍ مُتَّصِلٍ بَعْضٌ بِبَعْضٍ قَالَ بَلَى قُلْتُ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةَ مُصَوَّرَةٌ بِتَقْدِيرٍ وَ تَخْطِيطٍ وَ تَأْلِيفٍ وَ تَرْكِيبٍ وَ تَفْصِيلٍ مُتَدَاخِلٍ بِتَأْلِيفِ شَيْ‏ءٍ فِي بَعْضِ شَيْ‏ءٍ بِهِ طَبَقٌ بَعْدَ طَبَقٍ وَ جِسْمٌ عَلَى جِسْمٍ وَ لَوْنٌ مَعَ لَوْنٍ أَبْيَضُ فِي صُفْرَةٍ وَ لَيِّنٌ عَلَى شَدِيدٍ (2) فِي طَبَائِعَ مُتَفَرِّقَةٍ وَ طَرَائِقَ مُخْتَلِفَةٍ وَ أَجْزَاءٍ مُؤْتَلِفَةٍ مَعَ لِحَاءٍ تَسْقِيهَا وَ عُرُوقٍ يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ وَ وَرَقٍ يَسْتُرُهَا وَ تَقِيهَا مِنَ الشَّمْسِ أَنْ تُحْرِقَهَا وَ مِنَ الْبَرْدِ أَنْ يُهْلِكَهُا وَ الرِّيحِ أَنْ تَذْبِلَهَا (3) قَالَ أَ فَلَيْسَ لَوْ كَانَ الْوَرَقُ مُطَبِّقاً عَلَيْهَا كَانَ خَيْراً لَهَا قُلْتُ اللَّهُ أَحْسَنُ تَقْدِيراً لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا رِيحٌ يَرُوحُهَا وَ لَا بَرْدٌ يُشَدِّدُهَا وَ لَعَفِنَتْ عِنْدَ ذَلِكَ وَ لَوْ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا حَرُّ الشَّمْسِ لَمَا نَضِجَتْ وَ لَكِنْ شَمْسٌ مَرَّةً وَ رِيحٌ مَرَّةً وَ بَرْدٌ مَرَّةً قَدَّرَ اللَّهُ ذَلِكَ بِقُوَّةٍ لَطِيفَةٍ وَ دَبَّرَهُ بِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ قَالَ حَسْبِي مِنَ التَّصْوِيرِ فَسِّرْ لِيَ التَّدْبِيرَ الَّذِي زَعَمْتَ أَنَّكَ تَرَيَنَّهُ قُلْتُ أَ رَأَيْتَ الْإِهْلِيلَجَةَ قَبْلَ أَنْ تَعْقِدَ إِذْ هِيَ فِي قِمَعِهَا مَاءً بِغَيْرِ نَوَاةٍ وَ لَا لَحْمٍ وَ لَا قِشْرٍ وَ لَا لَوْنٍ وَ لَا طَعْمٍ وَ لَا شِدَّةٍ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ أَ رَأَيْتَ لَوْ لَمْ يَرْفُقِ الْخَالِقُ ذَلِكَ الْمَاءَ الضَّعِيفَ الَّذِي هُوَ مِثْلُ الْخَرْدَلَةِ فِي الْقِلَّةِ وَ الذِّلَّةِ وَ لَمْ يُقَوِّهِ بِقُوَّتِهِ وَ يُصَوِّرْهُ بِحِكْمَتِهِ وَ يُقَدِّرْهُ بِقُدْرَتِهِ هَلْ كَانَ ذَلِكَ الْمَاءُ يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَكُونَ فِي قِمَعِهِ غَيْرَ مَجْمُوعٍ بِجِسْمٍ وَ قِمَعٍ وَ تَفْصِيلٍ فَإِنْ زَادَ زَادَ مَاءً مُتَرَاكِباً غَيْرَ مُصَوَّرٍ وَ لَا مُخَطَّطٍ وَ لَا مُدَبَّرٍ بِزِيَادَةِ أَجْزَاءٍ وَ لَا تَأْلِيفِ أَطْبَاقٍ قَالَ قَدْ أَرَيْتَنِي مِنْ تَصْوِيرِ شَجَرَتِهَا وَ تَأْلِيفِ خِلْقَتِهَا وَ حَمْلِ ثَمَرَتِهَا وَ زِيَادَةِ أَجْزَائِهَا وَ تَفْصِيلِ تَرْكِيبِهَا أَوْضَحَ‏

____________



(1) و في نسخة: موضوع على جرم متصل.

(2) في نسخة: و لين مع لين و لين على شدة.

(3) ذيل النبات. قل ماؤه و ذهبت نضارته.

158

الدَّلَالاتِ وَ أَظْهَرَ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَعْرِفَةِ الصَّانِعِ وَ لَقَدْ صَدَقْتَ بِأَنَّ الْأَشْيَاءَ مَصْنُوعَةٌ وَ لَكِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلَّ الْإِهْلِيلَجَةَ وَ الْأَشْيَاءَ صَنَعَتْ أَنْفُسَهَا قُلْتُ أَ وَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ خَالِقَ الْأَشْيَاءِ وَ الْإِهْلِيلَجَةِ حَكِيمٌ عَالِمٌ بِمَا عَايَنْتَ مِنْ قُوَّةِ تَدْبِيرِهِ قَالَ بَلَى قُلْتُ فَهَلْ يَنْبَغِي لِلَّذِي هُوَ كَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ حَدَثاً قَالَ لَا قُلْتُ أَ فَلَسْتَ قَدْ رَأَيْتَ الْإِهْلِيلَجَةَ حِينَ حَدَثَتْ وَ عَايَنْتَهَا بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ شَيْئاً ثُمَّ هَلَكَ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ شَيْئاً قَالَ بَلَى وَ إِنَّمَا أَعْطَيْتُكَ أَنَّ الْإِهْلِيلَجَةَ حَدَثَتْ وَ لَمْ أُعْطِكَ أَنَّ الصَّانِعَ لَا يَكُونُ حَادِثاً لَا يَخْلُقُ نَفْسَهُ قُلْتُ أَ لَمْ تُعْطِنِي أَنَّ الْحَكِيمَ الْخَالِقَ لَا يَكُونُ حَدَثاً وَ زَعَمْتَ أَنَّ الْإِهْلِيلَجَةَ حَدَثَتْ فَقَدْ أَعْطَيْتَنِي أَنَّ الْإِهْلِيلَجَةَ مَصْنُوعَةٌ فَهُوَ عَزَّ وَ جَلَّ صَانِعُ الْإِهْلِيلَجَةِ وَ إِنْ رَجَعْتَ إِلَى أَنْ تَقُولَ إِنَّ الْإِهْلِيلَجَةَ صَنَعَتْ نَفْسَهَا وَ دَبَّرَتْ خَلْقَهَا فَمَا زِدْتَ أَنْ أَقْرَرْتَ بِمَا أَنْكَرْتَ وَ وَصَفْتَ صَانِعاً مُدَبِّراً أَصَبْتَ صِفَتَهُ وَ لَكِنَّكَ لَمْ تَعْرِفْهُ فَسَمَّيْتَهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ كَيْفَ ذَلِكَ قُلْتُ لِأَنَّكَ أَقْرَرْتَ بِوُجُودِ حَكِيمٍ لَطِيفٍ مُدَبِّرٍ فَلَمَّا سَأَلْتُكَ مَنْ هُوَ قُلْتَ الْإِهْلِيلَجَةُ قَدْ أَقْرَرْتَ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ لَكِنَّكَ سَمَّيْتَهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ وَ لَوْ عَقَلْتَ وَ فَكَّرْتَ لَعَلِمْتَ أَنَّ الْإِهْلِيلَجَةَ أَنْقَصُ قُوَّةً مِنْ أَنْ تَخْلُقَ نَفْسَهَا وَ أَضْعَفُ حِيلَةً مِنْ أَنْ تُدَبِّرَ خَلْقَهَا قَالَ هَلْ عِنْدَكَ غَيْرُ هَذَا قُلْتُ نَعَمْ أَخْبِرْنِي عَنْ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةِ الَّتِي زَعَمْتَ أَنَّهَا صَنَعَتْ نَفْسَهَا وَ دَبَّرَتْ أَمْرَهَا كَيْفَ صَنَعَتْ نَفْسَهَا صَغِيرَةَ الْخِلْقَةِ صَغِيرَةَ الْقُدْرَةِ نَاقِصَةَ الْقُوَّةِ لَا تَمْتَنِعُ أَنْ تُكْسَرَ وَ تُعْصَرَ وَ تُؤْكَلَ وَ كَيْفَ صَنَعَتْ نَفْسَهَا مَفْضُولَةً مَأْكُولَةً مُرَّةً قَبِيحَةَ الْمَنْظَرِ لَا بَهَاءَ لَهَا وَ لَا مَاءَ قَالَ لِأَنَّهَا لَمْ تَقْوَ إِلَّا عَلَى مَا صَنَعَتْ نَفْسَهَا أَوْ لَمْ تَصْنَعْ إِلَّا مَا هَوِيَتْ قُلْتُ أَمَّا إِذْ أَبَيْتَ إِلَّا التَّمَادِيَ فِي الْبَاطِلِ فَأَعْلِمْنِي مَتَى خَلَقَتْ نَفْسَهَا وَ دَبَّرَتْ خَلْقَهَا قَبْلَ أَنْ تَكُونَ أَوْ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ فَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّ الْإِهْلِيلَجَةَ خَلَقَتْ نَفْسَهَا بَعْدَ مَا كَانَتْ فَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَبْيَنِ الْمُحَالِ كَيْفَ تَكُونُ مَوْجُودَةً مَصْنُوعَةً ثُمَّ تَصْنَعُ نَفْسَهَا مَرَّةً أُخْرَى فَيَصِيرُ كَلَامُكَ إِلَى أَنَّهَا مَصْنُوعَةٌ مَرَّتَيْنِ وَ لَئِنْ قُلْتَ إِنَّهَا خَلَقَتْ نَفْسَهَا وَ دَبَّرَتْ خَلْقَهَا قَبْلَ أَنْ تَكُونَ إِنَّ هَذَا مِنْ أَوْضَحِ الْبَاطِلِ وَ أَبْيَنِ الْكَذِبِ لِأَنَّهَا قَبْلَ أَنْ تَكُونَ لَيْسَ بِشَيْ‏ءٍ فَكَيْفَ يَخْلُقُ لَا شَيْ‏ءَ شَيْئاً وَ كَيْفَ تَعِيبُ قَوْلِي إِنَّ شَيْئاً يَصْنَعُ لَا شَيْئاً وَ لَا تَعِيبُ قَوْلَكَ إِنَّ لَا شَيْ‏ءَ يَصْنَعُ لَا شَيْئاً فَانْظُرْ أَيُّ الْقَوْلَيْنِ أَوْلَى بِالْحَقِّ قَالَ‏

159

قَوْلُكَ قُلْتُ فَمَا يَمْنَعُكَ مِنْهُ قَالَ قَدْ قَبِلْتُهُ وَ اسْتَبَانَ لِي حَقُّهُ وَ صِدْقُهُ بِأَنَّ الْأَشْيَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ وَ الْإِهْلِيلَجَةَ لَمْ يَصْنَعْنَ أَنْفُسَهُنَّ وَ لَمْ يُدَبِّرْنَ خَلْقَهُنَّ وَ لَكِنَّهُ تَعْرِضُ لِي أَنَّ الشَّجَرَةَ هِيَ الَّتِي صَنَعَتِ الْإِهْلِيلَجَةَ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْهَا قُلْتُ فَمَنْ صَنَعَ الشَّجَرَةَ قَالَ الْإِهْلِيلَجَةُ الْأُخْرَى قُلْتُ اجْعَلْ لِكَلَامِكَ غَايَةً أَنْتَهِي إِلَيْهَا فَإِمَّا أَنْ تَقُولَ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فَيُقْبَلُ مِنْكَ وَ إِمَّا أَنْ تَقُولَ الْإِهْلِيلَجَةُ فَنَسْأَلُكَ قَالَ سَلْ قُلْتُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِهْلِيلَجَةِ هَلْ تَنْبُتُ مِنْهَا الشَّجَرَةُ إِلَّا بَعْدَ مَا مَاتَتْ وَ بَلِيَتْ وَ بَادَتْ قَالَ لَا قُلْتُ إِنَّ الشَّجَرَةَ بَقِيَتْ بَعْدَ هَلَاكِ الْإِهْلِيلَجَةِ مِائَةَ سَنَةٍ فَمَنْ كَانَ يَحْمِيهَا وَ يَزِيدُ فِيهَا وَ يُدَبِّرُ خَلْقَهَا وَ يُرَبِّيهَا وَ يُنْبِتُ وَرَقَهَا مَا لَكَ بُدٌّ مِنْ أَنْ تَقُولَ هُوَ الَّذِي خَلَقَهَا وَ لَئِنْ قُلْتَ الْإِهْلِيلَجَةُ وَ هِيَ حَيَّةٌ قَبْلَ أَنْ تَهْلِكَ وَ تُبْلَى وَ تَصِيرَ تُرَاباً وَ قَدْ رَبَّتِ الشَّجَرَةَ وَ هِيَ مَيْتَةٌ إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ مُخْتَلِفٌ قَالَ لَا أَقُولُ ذَلِكَ قُلْتُ أَ فَتُقِرُّ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ أَمْ قَدْ بَقِيَ فِي نَفْسِكَ شَيْ‏ءٌ مِنْ ذَلِكَ قَالَ إِنِّي مِنْ ذَلِكَ عَلَى حَدِّ وُقُوفٍ مَا أَتَخَلَّصُ إِلَى أَمْرٍ يَنْفُذُ لِي فِيهِ الْأَمْرُ قُلْتُ أَمَّا إِذْ أَبَيْتَ إِلَّا الْجَهَالَةَ وَ زَعَمْتَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالْحَوَاسِّ فَإِنِّي أُخْبِرُكَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْحَوَاسِّ دَلَالَةٌ عَلَى الْأَشْيَاءِ وَ لَا فِيهَا مَعْرِفَةٌ إِلَّا بِالْقَلْبِ فَإِنَّهُ دَلِيلُهَا وَ مُعَرِّفُهَا الْأَشْيَاءَ الَّتِي تَدَّعِي أَنَّ الْقَلْبَ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا بِهَا.

شرح قوله(ع)و امتثلت قال الفيروزآبادي امتثل طريقته تبعها فلم يعدها قوله نقمت علي أي عبت و كرهت قوله من لحم قال الفيروزآبادي لحم كل شي‏ء لبّه قوله تلك الأرض أي أشار إلى الأرض و قال أقرّ بوجود هذه الأرض التي أرى و الإهليلجة الواحدة التي في يدي قوله كانت فيها متفرّقة لعله اختار مذهب أنكساغورس و من تبعه من الدهرية القائلين بالكمون و البروز و أن كل شي‏ء كامن و يومئ إليه جوابه قوله(ع)في قمعها قال الفيروزآبادي القمع محركة بثرة تخرج في أصول الأشفار و قال القمع بالفتح و الكسر و كعنب ما التزق بأسفل التمرة و البسرة و نحوهما انتهى و على التقديرين استعير لما يبدو من الإهليلجة ابتداء في شجرها من القشرة الرقيقة الصغيرة التي فيها ماء و الأول أبلغ قوله(ع)غير مجموع بجسم أي هل كان يزيد بغير أن يضم إليه جسم آخر من خارج أو قمع آخر مثله أو بغير قمعه‏

160

أي قلعه و تفصيله أي تفريقه ليدخل فيه شي‏ء أو يضم إلى شي‏ء قوله(ع)فإن زاد أي فإن سلم أنه كان يمكن أن يزيد بطبيعته بغير ما ذكر كانت زيادته ماء متراكبا بعضه فوق بعض فقط كما كان أولا لا بتخطيط و تصوير و تدبير و تأليف إذ يحكم العقل بديهة أن مثل تلك الأفاعيل المختلفة المنطبقة على قانون الحكمة لا تصدر عن طبيعة عادمة للشعور و الإرادة قوله(ع)فهل ينبغي إشارة إلى ما يحكم به الوجدان من أن من كان على هذا المبلغ من العلم و الحكمة و التدبير لا يكون ممكنا محدثا محتاجا في العلم و سائر الأمور إلى غيره إلا أن يفيض عليه من العالم بالذات و هو إقرار بالصانع قوله و لم أعطك غفل الهندي عما كان يلزم من اعترافيه قوله(ع)و إن رجعت أي إن قلت إن الصانع القديم الحكيم هو طبيعة الإهليلجة صنعت هذا الشخص منها فقد أقررت بالصانع و سميته الطبيعة إذ هي غير حكيم و لا ذات إرادة فقد أقررت بالصانع و أخطأت في التسمية أو المراد أنك بعد الاعتراف بالخالق الحكيم القديم لو قلت إنه هذه الإهليلجة فقد أقررت بما أنكرت أي نقضت قولك الأول و قلت بالنقيضين و لا محمل لتصحيحه إلا أن تقول سميت ما أقررت به بهذا الاسم و هذا لا يضرنا بعد ما تيسر لنا من إقرارك و يحتمل أن يكون هذا كلاما على سبيل الاستظهار في المجادلة أي إن تنزلنا عما أقررت به من قدم الحكيم و حدوث الإهليلجة يكفينا إقرارك بكون الخالق حكيما إذ معلوم أنها ليست كذلك فقد سميت الصانع الحكيم بهذا الاسم قوله(ع)مفضولة إذ ظاهر أن كثيرا من المخلوقات أفضل و أشرف منها قوله(ع)هو الذي خلقها أي لا بد أن يكون مربيها هو خالقها فإن قلت إن الخالق و المربي واحد و هي الإهليلجة خلقت عند كونها حية و ربت بعد موتها فالقول مختلف إذ خلقها تدريجي و عند خلق أي مقدار من الشجرة لا بد من انقلاب بعضها شجرة فلم تكن الإهليلجة باقية بعد تمام خلق ذلك المقدار و الخلق و التربية ممزوجان لا يصلح القول بكونها حية عند أحدهما ميتة عند الآخر و يحتمل أن يكون المراد أن القول بأن الخالق و المربي واحد و القول بأن الإهليلجة بعد موتها ربت متنافيان لأن موتها عبارة عن استحالتها بشي‏ء آخر فالمربي شي‏ء آخر سوى الإهليلجة و في بعض النسخ و قد رأيت الشجرة قوله‏

161

ما أتخلص أي ما أصل إلى أمر يجري فيه أمري أي حكمي و يمكنني أن أحكم بصحته ثم لما علم(ع)أن سبب توقفه اقتصاره على حكم الحواس بين(ع)أن الحواس داخلة تحت حكم العقل و لا بد من الرجوع إلى العقل في معرفة الأشياء.

6 متن فَقَالَ أَمَّا إِذْ نَطَقْتَ بِهَذَا فَمَا أَقْبَلُ مِنْكَ إِلَّا بِالتَّخْلِيصِ وَ التَّفَحُّصِ مِنْهُ بِإِيضَاحٍ وَ بَيَانٍ وَ حُجَّةٍ وَ بُرْهَانٍ قُلْتُ فَأَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ أَنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ رُبَّمَا ذَهَبَ الْحَوَاسُّ أَوْ بَعْضُهَا وَ دَبَّرَ الْقَلْبُ الْأَشْيَاءَ الَّتِي فِيهَا الْمَضَرَّةُ وَ الْمَنْفَعَةُ مِنَ الْأُمُورِ الْعَلَانِيَةِ وَ الْخَفِيَّةِ فَأَمَرَ بِهَا وَ نَهَى فَنَفَذَ فِيهَا أَمْرُهُ وَ صَحَّ فِيهَا قَضَاؤُهُ قَالَ إِنَّكَ تَقُولُ فِي هَذَا قَوْلًا يُشْبِهُ الْحُجَّةَ وَ لَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُوضِحَهُ لِي غَيْرَ هَذَا الْإِيضَاحِ قُلْتُ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْقَلْبَ يَبْقَى بَعْدَ ذَهَابِ الْحَوَاسِّ قَالَ نَعَمْ وَ لَكِنْ يَبْقَى بِغَيْرِ دَلِيلٍ عَلَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهَا الْحَوَاسُّ قُلْتُ أَ فَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الطِّفْلَ تَضَعُهُ أُمُّهُ مُضْغَةً لَيْسَ تَدُلُّهُ الْحَوَاسُّ عَلَى شَيْ‏ءٍ يُسْمَعُ وَ لَا يُبْصَرُ وَ لَا يُذَاقُ وَ لَا يُلْمَسُ وَ لَا يُشَمُّ قَالَ بَلَى قُلْتُ فَأَيَّةُ الْحَوَاسِّ دَلَّتْهُ عَلَى طَلَبِ اللَّبَنِ إِذَا جَاعَ وَ الضَّحِكِ بَعْدَ الْبُكَاءِ إِذَا رَوِيَ مِنَ اللَّبَنِ وَ أَيُّ حَوَاسِّ سِبَاعِ الطَّيْرِ وَ لَاقِطِ الْحَبِّ مِنْهَا دَلَّهَا عَلَى أَنْ تُلْقِيَ بَيْنَ أَفْرَاخِهَا اللَّحْمَ وَ الْحَبَّ فَتَهْوَى سِبَاعُهَا إِلَى اللَّحْمِ وَ الْآخَرُونَ إِلَى الْحَبِّ وَ أَخْبِرْنِي عَنْ فِرَاخِ طَيْرِ الْمَاءِ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ فِرَاخَ طَيْرِ الْمَاءِ إِذَا طُرِحَتْ فِيهِ سَبَحَتْ وَ إِذَا طُرِحَتْ فِيهِ فِرَاخُ طَيْرِ الْبَرِّ غَرِقَتْ وَ الْحَوَاسُّ وَاحِدَةٌ فَكَيْفَ انْتَفَعَ بِالْحَوَاسِّ طَيْرُ الْمَاءِ وَ أَعَانَتْهُ عَلَى السِّبَاحَةِ وَ لَمْ تَنْتَفِعْ طَيْرُ الْبَرِّ فِي الْمَاءِ بِحَوَاسِّهَا وَ مَا بَالُ طَيْرِ الْبَرِّ إِذَا غَمَسْتَهَا فِي الْمَاءِ سَاعَةً مَاتَتْ وَ إِذَا أَمْسَكْتَ طَيْرَ الْمَاءِ عَنِ الْمَاءِ سَاعَةً مَاتَتْ فَلَا أَرَى الْحَوَاسَّ فِي هَذَا إِلَّا مُنْكَسِراً عَلَيْكَ وَ لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ إِلَّا مِنْ مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ جَعَلَ لِلْمَاءِ خَلْقاً وَ لِلْبَرِّ خَلْقاً أَمْ أَخْبِرْنِي مَا بَالُ الذَّرَّةِ الَّتِي لَا تُعَايِنُ الْمَاءَ قَطُّ تُطْرَحُ فِي الْمَاءِ فَتَسْبَحُ وَ تَلْقَى الْإِنْسَانَ ابْنَ خَمْسِينَ سَنَةً مِنْ أَقْوَى الرِّجَالِ وَ أَعْقَلِهِمْ لَمْ يَتَعَلَّمِ السِّبَاحَةَ فَيَغْرَقُ كَيْفَ لَمْ يَدُلَّهُ عَقْلُهُ وَ لُبُّهُ وَ تَجَارِبُهُ وَ بَصَرُهُ بِالْأَشْيَاءِ مَعَ اجْتِمَاعِ حَوَاسِّهِ وَ صِحَّتِهَا أَنْ يُدْرِكَ ذَلِكَ بِحَوَاسِّهِ كَمَا أَدْرَكَتْهُ الذَّرَّةُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ إِنَّمَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ أَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الْقَلْبَ الَّذِي هُوَ مَعْدِنُ الْعَقْلِ فِي الصَّبِيِّ الَّذِي وَصَفْتُ وَ غَيْرِهِ مِمَّا سَمِعْتَ مِنَ الْحَيَوَانِ‏

162

هُوَ الَّذِي يُهَيِّجُ الصَّبِيَّ إِلَى طَلَبِ الرَّضَاعِ وَ الطَّيْرَ اللَّاقِطَ عَلَى لَقْطِ الْحَبِّ وَ السِّبَاعَ عَلَى ابْتِلَاعِ اللَّحْمِ قَالَ لَسْتُ أَجِدُ الْقَلْبَ يَعْلَمُ شَيْئاً إِلَّا بِالْحَوَاسِّ قُلْتُ أَمَّا إِذْ أَبَيْتَ إِلَّا النُّزُوعَ إِلَى الْحَوَاسِّ فَإِنَّا لَنَقْبَلُ نُزُوعَكَ إِلَيْهَا بَعْدَ رَفْضِكَ لَهَا وَ نُجِيبُكَ فِي الْحَوَاسِّ حَتَّى يَتَقَرَّرَ عِنْدَكَ أَنَّهَا لَا تَعْرِفُ مِنْ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ إِلَّا الظَّاهِرَ مِمَّا هُوَ دُونَ الرَّبِّ الْأَعْلَى سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى فَأَمَّا مَا يَخْفَى وَ لَا يَظْهَرُ فَلَيْسَتْ تَعْرِفُهُ وَ ذَلِكَ أَنَّ خَالِقَ الْحَوَاسِّ جَعَلَ لَهَا قَلْباً احْتَجَّ بِهِ عَلَى الْعِبَادِ وَ جَعَلَ لِلْحَوَاسِّ الدَّلَالاتِ عَلَى الظَّاهِرِ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ فَنَظَرَتِ الْعَيْنُ إِلَى خَلْقٍ مُتَّصِلٍ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فَدَلَّتِ الْقَلْبَ عَلَى مَا عَايَنَتْ وَ تَفَكَّرَ الْقَلْبُ حِينَ دَلَّتْهُ الْعَيْنُ عَلَى مَا عَايَنَتْ مِنْ مَلَكُوتِ السَّمَاءِ وَ ارْتِفَاعِهَا فِي الْهَوَاءِ بِغَيْرِ عَمَدٍ يُرَى وَ لَا دَعَائِمَ تُمْسِكُهَا لَا تُؤَخَّرُ مَرَّةً فَتَنْكَشِطَ وَ لَا تُقَدَّمُ أُخْرَى فَتَزُولَ وَ لَا تَهْبِطُ مَرَّةً فَتَدْنُوَ وَ لَا تَرْتَفِعُ أُخْرَى فَتَنْأَى‏ (1) لَا تَتَغَيَّرُ لِطُولِ الْأَمَدِ وَ لَا تَخْلُقُ‏ (2) لِاخْتِلَافِ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامِ وَ لَا تَتَدَاعَى مِنْهَا نَاحِيَةٌ وَ لَا يَنْهَارُ مِنْهَا طَرَفٌ مَعَ مَا عَايَنَتْ مِنَ النُّجُومِ الْجَارِيَةِ السَّبْعَةِ الْمُخْتَلِفَةِ بِمَسِيرِهَا لِدَوَرَانِ الْفَلَكِ وَ تَنَقُّلِهَا فِي الْبُرُوجِ يَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ وَ شَهْراً بَعْدَ شَهْرٍ وَ سَنَةً بَعْدَ سَنَةٍ مِنْهَا السَّرِيعُ وَ مِنْهَا الْبَطِي‏ءُ وَ مِنْهَا الْمُعْتَدِلُ السَّيْرِ ثُمَّ رُجُوعُهَا وَ اسْتِقَامَتُهَا وَ أَخْذُهَا عَرْضاً وَ طُولًا وَ خُنُوسُهَا عِنْدَ الشَّمْسِ وَ هِيَ مُشْرِقَةٌ وَ ظُهُورُهَا إِذَا غَرَبَتْ وَ جَرَى الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ فِي الْبُرُوجِ دَائِبَيْنِ لَا يَتَغَيَّرَانِ فِي أَزْمِنَتِهِمَا وَ أَوْقَاتِهِمَا يَعْرِفُ ذَلِكَ مَنْ يَعْرِفُ بِحِسَابٍ مَوْضُوعٍ وَ أَمْرٍ مَعْلُومٍ بِحِكْمَةٍ يَعْرِفُ ذَوُو الْأَلْبَابِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ حِكْمَةِ الْإِنْسِ وَ لَا تَفْتِيشِ الْأَوْهَامِ وَ لَا تَقْلِيبِ التَّفَكُّرِ فَعَرَفَ الْقَلْبُ حِينَ دَلَّتْهُ الْعَيْنُ عَلَى مَا عَايَنَتْ أَنَّ لِذَلِكَ الْخَلْقِ وَ التَّدْبِيرِ وَ الْأَمْرِ الْعَجِيبِ صَانِعاً يُمْسِكُ السَّمَاءَ الْمُنْطَبِقَةَ أَنْ تَهْوِيَ إِلَى الْأَرْضِ وَ أَنَّ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ وَ النُّجُومَ فِيهَا خَالِقُ السَّمَاءِ ثُمَّ نَظَرَتِ الْعَيْنُ إِلَى مَا اسْتَقَلَّهَا مِنَ الْأَرْضِ فَدَلَّتِ الْقَلْبَ عَلَى مَا عَايَنَتْ فَعَرَفَ الْقَلْبُ بِعَقْلِهِ أَنَّ مُمْسِكَ الْأَرْضِ الْمُمْتَدَّةِ (3) أَنْ تَزُولَ أَوْ تَهْوِيَ فِي الْهَوَاءِ وَ هُوَ يَرَى الرِّيشَةَ يُرْمَى بِهَا فَتَسْقُطُ مَكَانَهَا وَ هِيَ فِي الْخِفَّةِ عَلَى‏

____________



(1) أي فتبعد. و في نسخة: فتنأى فلا ترى.

(2) أي لا تبلى و لا ترث.

(3) و في نسخة: أن ممسك الأرض الممهدة.

163

مَا هِيَ عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي يُمْسِكُ السَّمَاءَ الَّتِي فَوْقَهَا وَ أَنَّهُ لَوْ لَا ذَلِكَ لَخَسَفَتْ بِمَا عَلَيْهَا مِنْ ثِقْلِهَا وَ ثِقْلِ الْجِبَالِ وَ الْأَنَامِ وَ الْأَشْجَارِ وَ الْبُحُورِ وَ الرِّمَالِ فَعَرَفَ الْقَلْبُ بِدَلَالَةِ الْعَيْنِ أَنَّ مُدَبِّرَ الْأَرْضِ هُوَ مُدَبِّرُ السَّمَاءِ ثُمَّ سَمِعَتِ الْأُذُنُ صَوْتَ الرِّيَاحِ الشَّدِيدَةِ الْعَاصِفَةِ وَ اللَّيِّنَةِ الطَّيِّبَةِ وَ عَايَنَتِ الْعَيْنُ مَا يُقْلَعُ مِنْ عِظَامِ الشَّجَرِ وَ يُهْدَمُ مِنْ وَثِيقِ الْبُنْيَانِ وَ تُسْفِي‏ (1) مِنْ ثِقَالِ الرِّمَالِ تُخَلِّي مِنْهَا نَاحِيَةً وَ تَصُبُّهَا فِي أُخْرَى بِلَا سَائِقٍ تُبْصِرُهُ الْعَيْنُ وَ لَا تَسْمَعُهُ الْأُذُنُ وَ لَا يُدْرَكُ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْحَوَاسِّ وَ لَيْسَتْ مُجَسَّدَةً تُلْمَسُ وَ لَا مَحْدُودَةً تُعَايَنُ فَلَمْ تَزِدِ الْعَيْنُ وَ الْأُذُنُ وَ سَائِرُ الْحَوَاسِّ عَلَى أَنْ دَلَّتِ الْقَلْبَ أَنَّ لَهَا صَانِعاً وَ ذَلِكَ أَنَّ الْقَلْبَ يُفَكِّرُ بِالْعَقْلِ الَّذِي فِيهِ فَيَعْرِفُ أَنَّ الرِّيحَ لَمْ تَتَحَرَّكْ مِنْ تِلْقَائِهَا وَ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمُتَحَرِّكَةَ لَمْ تَكْفُفْ عَنِ التَّحَرُّكِ وَ لَمْ تَهْدِمْ طَائِفَةً وَ تُعْفِي أُخْرَى‏ (2) وَ لَمْ تَقْلَعْ شَجَرَةً وَ تَدَعُ أُخْرَى إِلَى جَنْبِهَا وَ لَمْ تَصُبَّ أَرْضاً وَ تَنْصَرِفُ عَنْ أُخْرَى فَلَمَّا تَفَكَّرَ الْقَلْبُ فِي أَمْرِ الرِّيحِ عَلِمَ أَنَّ لَهَا مُحَرِّكاً هُوَ الَّذِي يَسُوقُهَا حَيْثُ يَشَاءُ وَ يُسَكِّنُهَا إِذَا شَاءَ وَ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَ يَصْرِفُهَا عَمَّنْ يَشَاءُ فَلَمَّا نَظَرَ الْقَلْبُ إِلَى ذَلِكَ وَجَدَهَا مُتَّصِلَةً بِالسَّمَاءِ وَ مَا فِيهَا مِنَ الْآيَاتِ فَعَرَفَ أَنَّ الْمُدَبِّرَ الْقَادِرَ عَلَى أَنْ يُمْسِكَ الْأَرْضَ وَ السَّمَاءَ هُوَ خَالِقُ الرِّيحِ وَ مُحَرِّكُهَا إِذَا شَاءَ وَ مُمْسِكُهَا كَيْفَ شَاءَ وَ مُسَلِّطُهَا عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَ كَذَلِكَ دَلَّتِ الْعَيْنُ وَ الْأُذُنُ الْقَلْبَ عَلَى هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ وَ عَرَفَ ذَلِكَ بِغَيْرِهِمَا مِنْ حَوَاسِّهِ حِينَ حَرَّكَتْهُ فَلَمَّا دَلَّ الْحَوَاسُّ عَلَى تَحْرِيكِ هَذَا الْخَلْقِ الْعَظِيمِ مِنَ الْأَرْضِ فِي غِلَظِهَا وَ ثِقْلِهَا وَ طُولِهَا وَ عَرْضِهَا وَ مَا عَلَيْهَا مِنْ ثِقْلِ الْجِبَالِ وَ الْمِيَاهِ وَ الْأَنَامِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ وَ إِنَّمَا تَتَحَرَّكُ فِي نَاحِيَةٍ وَ لَمْ تَتَحَرَّكْ فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى‏ (3) وَ هِيَ مُلْتَحِمَةٌ جَسَداً وَاحِداً وَ خَلْقاً مُتَّصِلًا بِلَا فَصْلٍ وَ لَا وَصْلٍ تَهْدِمُ نَاحِيَةً وَ تَخْسِفُ بِهَا وَ تُسَلِّمُ أُخْرَى فَعِنْدَهَا عَرَفَ الْقَلْبُ أَنَّ مُحَرِّكَ مَا حُرِّكَ مِنْهَا هُوَ مُمْسِكُ مَا أُمْسِكَ مِنْهَا وَ هُوَ مُحَرِّكُ الرِّيحِ وَ مُمْسِكُهَا وَ هُوَ مُدَبِّرُ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا وَ أَنَّ الْأَرْضَ لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمُزَلْزِلَةَ لِنَفْسِهَا لَمَا تَزَلْزَلَتْ وَ لَمَا تَحَرَّكَتْ وَ لَكِنَّهُ الَّذِي دَبَّرَهَا وَ خَلَقَهَا حَرَّكَ مِنْهَا مَا شَاءَ ثُمَّ نَظَرَتِ الْعَيْنُ إِلَى الْعَظِيمِ مِنَ الْآيَاتِ مِنَ السَّحَابِ‏

____________



(1) سفت و أسفت الريح التراب: ذرته أو حملته.

(2) عفت الريح المنزل: درسته و محته. و يمكن أن يكون من أعفى إعفاء أي تركه.

(3) و في نسخة: و إنها تحرك ناحية و تمسك عن اخرى.

164

الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ بِمَنْزِلَةِ الدُّخَانِ لَا جَسَدَ لَهُ يُلْمَسُ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْأَرْضِ وَ الْجِبَالِ يَتَخَلَّلُ الشَّجَرَةَ فَلَا يُحَرِّكُ مِنْهَا شَيْئاً وَ لَا يَهْصِرُ مِنْهَا غُصْناً وَ لَا يَعْلَقُ مِنْهَا بِشَيْ‏ءٍ يَعْتَرِضُ الرُّكْبَانُ فَيَحُولُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ مِنْ ظُلْمَتِهِ وَ كَثَافَتِهِ وَ يَحْتَمِلُ مِنْ ثِقْلِ الْمَاءِ وَ كَثْرَتِهِ مَا لَا يُقْدَرُ عَلَى صِفَتِهِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الصَّوَاعِقِ الصَّادِعَةِ وَ الْبُرُوقِ اللَّامِعَةِ وَ الرَّعْدِ وَ الثَّلْجِ وَ الْبَرَدِ وَ الْجَلِيدِ مَا لَا تَبْلُغُ الْأَوْهَامُ صِفَتَهُ وَ لَا تَهْتَدِي الْقُلُوبُ إِلَى كُنْهِ عَجَائِبِهِ فَيَخْرُجُ مُسْتَقِلًّا فِي الْهَوَاءِ يَجْتَمِعُ بَعْدَ تَفَرُّقِهِ‏ (1) وَ يَلْتَحِمُ بَعْدَ تَزَايُلِهِ تُفَرِّقُهُ الرِّيَاحُ‏ (2) مِنَ الْجِهَاتِ كُلِّهَا إِلَى حَيْثُ تَسُوقُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ رَبِّهَا يَسْفُلُ مَرَّةً وَ يَعْلُو أُخْرَى مُتَمَسِّكٌ بِمَا فِيهِ مِنَ الْمَاءِ الْكَثِيرِ الَّذِي إِذَا أَزْجَاهُ‏ (3) صَارَتْ مِنْهُ الْبُحُورُ يَمُرُّ عَلَى الْأَرَاضِي الْكَثِيرَةِ وَ الْبُلْدَانِ الْمُتَنَائِيَةِ لَا تَنْقُصُ مِنْهُ نُقْطَةٌ (4) حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى مَا لَا يُحْصَى مِنَ الْفَرَاسِخِ فَيُرْسِلَ مَا فِيهِ قَطْرَةً بَعْدَ قَطْرَةٍ وَ سَيْلًا بَعْدَ سَيْلٍ مُتَتَابِعٌ عَلَى رِسْلِهِ حَتَّى يَنْقَعَ الْبِرَكُ‏ (5) وَ تَمْتَلِئَ الْفِجَاجُ وَ تَعْتَلِيَ الْأَوْدِيَةُ بِالسُّيُولِ كَأَمْثَالِ الْجِبَالِ غَاصَّةً بِسُيُولِهَا مُصَمَّخَةَ الْآذَانِ لِدَوِيِّهَا وَ هَدِيرِهَا (6) فَتُحْيَا بِهَا الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ فَتُصْبِحُ مُخْضَرَّةً بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُغْبَرَّةً وَ مُعْشِبَةً بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُجْدِبَةً قَدْ كُسِيَتْ أَلْوَاناً مِنْ نَبَاتٍ عُشْبٍ نَاضِرَةٍ زَاهِرَةٍ مُزَيَّنَةٍ مَعَاشاً لِلنَّاسِ وَ الْأَنْعَامِ فَإِذَا أَفْرَغَ الْغَمَامُ مَاءَهُ أَقْلَعَ وَ تَفَرَّقَ وَ ذَهَبَ حَيْثُ لَا يُعَايَنُ وَ لَا يُدْرَى أَيْنَ تَوَارَى فَأَدَّتِ الْعَيْنُ ذَلِكَ إِلَى الْقَلْبِ فَعَرَفَ الْقَلْبُ أَنَّ ذَلِكَ السَّحَابَ لَوْ كَانَ بِغَيْرِ مُدَبِّرٍ وَ كَانَ مَا وَصَفْتُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ مَا احْتَمَلَ نِصْفَ ذَلِكَ مِنَ الثِّقْلِ مِنَ الْمَاءِ وَ إِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُهُ لِمَا احْتَمَلَهُ أَلْفَيْ فَرْسَخٍ أَوْ أَكْثَرَ وَ لَأَرْسَلَهُ فِيمَا هُوَ أَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ وَ لَمَا أَرْسَلَهُ قَطْرَةً بَعْدَ قَطْرَةٍ بَلْ كَانَ يُرْسِلُهُ إِرْسَالًا فَكَانَ يَهْدِمُ الْبُنْيَانَ وَ يُفْسِدُ النَّبَاتَ وَ لَمَا جَازَ إِلَى بَلَدٍ وَ

____________



(1) و في نسخة: ينفجر بعد تمسكه.

(2) و في نسخة: تصفقه الرياح.

(3) ازجاه أي دفعه برفق.

(4) و في نسخة: لا تقطر منه قطرة.

(5) بكسر الباء و فتح الراء جمع بركة: مستنقع الماء، الحوض.

(6) و في نسخة: و مصممة الاذان لدويها و هديرها.

165

تَرَكَ آخَرَ دُونَهُ فَعَرَفَ الْقَلْبُ بِأَعْلَامِ الْمُنِيرَةِ الْوَاضِحَةِ أَنَّ مُدَبِّرَ الْأُمُورِ وَاحِدٌ وَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً لَكَانَ فِي طُولِ هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ وَ الْأَبَدِ وَ الدَّهْرِ اخْتِلَافٌ فِي التَّدْبِيرِ وَ تَنَاقُضٌ فِي الْأُمُورِ وَ لَتَأَخَّرَ بَعْضٌ وَ تَقَدَّمَ بَعْضٌ وَ لَكَانَ تَسَفَّلَ بَعْضُ مَا قَدْ عَلَا وَ لَعَلَا بَعْضُ مَا قَدْ سَفَلَ وَ لَطَلَعَ شَيْ‏ءٌ وَ غَابَ فَتَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِهِ أَوْ تَقَدَّمَ مَا قَبْلَهُ فَعَرَفَ الْقَلْبُ بِذَلِكَ أَنَّ مُدَبِّرَ الْأَشْيَاءِ مَا غَابَ مِنْهَا وَ مَا ظَهَرَ هُوَ اللَّهُ الْأَوَّلُ خَالِقُ السَّمَاءِ وَ مُمْسِكُهَا وَ فَارِشُ الْأَرْضِ وَ دَاحِيهَا وَ صَانِعُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ مِمَّا عَدَدْنَا وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُحْصَ وَ كَذَلِكَ عَايَنَتِ الْعَيْنُ اخْتِلَافَ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ دَائِبَيْنِ جَدِيدَيْنِ لَا يَبْلَيَانِ فِي طُولِ كَرِّهِمَا وَ لَا يَتَغَيَّرَانِ لِكَثْرَةِ اخْتِلَافِهِمَا وَ لَا يَنْقُصَانِ عَنْ حَالِهِمَا النَّهَارُ فِي نُورِهِ وَ ضِيَائِهِ وَ اللَّيْلُ فِي سَوَادِهِ وَ ظُلْمَتِهِ يَلِجُ أَحَدُهَمَا فِي الْآخَرِ حَتَّى يَنْتَهِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى غَايَةٍ مَحْدُودَةٍ مَعْرُوفَةٍ فِي الطُّولِ وَ الْقِصَرِ عَلَى مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ وَ مَجْرًى وَاحِدٍ مَعَ سُكُونِ مَنْ يَسْكُنُ فِي اللَّيْلِ وَ انْتِشَارِ مَنْ يَنْتَشِرُ فِي اللَّيْلِ وَ انْتِشَارِ مَنْ يَنْتَشِرُ فِي النَّهَارِ وَ سُكُونِ مَنْ يَسْكُنُ فِي النَّهَارِ ثُمَّ الْحَرُّ وَ الْبَرْدُ وَ حُلُولُ أَحَدِهِمَا بِعَقِبِ الْآخَرِ حَتَّى يَكُونَ الْحَرُّ بَرْداً وَ الْبَرُّ حَرّاً فِي وَقْتِهِ وَ إِبَّانِهِ فَكُلُّ هَذَا مِمَّا يَسْتَدِلُّ بِهِ الْقَلْبُ عَلَى الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى فَعَرَفَ الْقَلْبُ بِعَقْلِهِ أَنَّ مُدَبِّرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ هُوَ الْوَاحِدُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَ لَا يَزَالُ وَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ آلِهَةٌ مَعَهُ سُبْحَانَهُ‏ لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ‏ وَ لَفَسَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى صَاحِبِهِ وَ كَذَلِكَ سَمِعَتِ الْأُذُنُ مَا أَنْزَلَ الْمُدَبِّرُ مِنَ الْكُتُبِ تَصْدِيقاً لِمَا أَدْرَكَتْهُ الْقُلُوبُ بِعُقُولِهَا وَ تَوْفِيقِ اللَّهِ إِيَّاهَا وَ مَا قَالَهُ مَنْ عَرَفَهُ كُنْهَ مَعْرِفَتِهِ بِلَا وَلَدٍ وَ لَا صَاحِبَةٍ وَ لَا شَرِيكٍ فَأَدَّتِ الْأُذُنُ مَا سَمِعَتْ مِنَ اللِّسَانِ بِمَقَالَةِ الْأَنْبِيَاءِ إِلَى الْقَلْبِ.

شرح قوله(ع)ربما ذهب الحواسّ إما بالنوم كما سيأتي أو بآفة فإن العقل لا محالة يدلّه على أن يشير إلى بعض ما يصلحه و يطلب ما يقيمه بأي وجه كان على أن ذهاب الحواسّ الخمس لا ينافي بقاء النطق قوله(ع)إلا النزوع إلى الحواسّ أي الاشتياق إليها و الحاصل أنا نوافقك و نستدلّ لك بما تدلّ عليه الحواسّ و إن كنت رفضتها و تركتها و سلمت فيما مضى كونها معزولة عن بعض الأشياء فنقول إن حكم‏

166

العقل بوجود الصانع إنما هو من جهة ما دلته الحواس عليه مما نشاهده من آثار صنعه تعالى قوله(ع)فتنكشط الانكشاط الانكشاف و قوله تعالى‏ وَ إِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ‏ (1) أي قلعت كما يقلع السقف و لعل المراد بالتأخر تأخر ما يحاذي رءوسنا بحيث يرى ما وراءه و بالتقدم أن يتحرك جميعها حركة أينية حتى يخرج من بينها و يحتمل أن يكون المراد فيهما معا أما الأول أو الثاني و يكون التعبير عن أحدهما بالانكشاط و عن الآخر بالزوال لمحض تفنن العبارة و على التقادير المراد بالزوال الزوال عنا و عن محاذاتنا قوله(ع)و لا يتداعى قال الجوهري تداعت الحيطان للخراب أي تهادمت و قال انهار أي انهدم قوله(ع)ثم رجوعها إشارة إلى ما يعرض للمتحيرة من الرجعة و الاستقامة و الإقامة و قوله(ع)و أخذها عرضا و طولا إشارة إلى كونها تارة عن جنوب المعدل و تارة عن شمالها و كون بعضها تارة عن جنوب منطقة البروج و تارة عن شمالها و إلى حركة المائل في السفليين و عرض الوراب و الانحراف و الاستواء فيهما (2) و إلى ميل الذروة و الحضيض في المتحيرة و خنوسها غيبتها و استتارها تحت شعاع الشمس قوله(ع)المنطبقة أي المحيطة بجميع الخلق و في بعض النسخ المظلة و استقلها أي حملها و رفعها قوله(ع)متصلة بالسماء أي داخلة في ذلك النظام شبيهة بها فيه قوله(ع)يلمس بشي‏ء لعل المراد الاصطكاك الذي يحصل منه صوت و في بعض النسخ كشي‏ء و يحتمل أن يكون تصحيف يشبه بشي‏ء و قال الفيروزآبادي الهصر الجذب و الإمالة و الكسر و الدفع و الإدناء و عطف شي‏ء رطب كغصن و نحوه و كسره من غير بينونة و قال الجليد ما يسقط على الأرض من الندى فيجمد انتهى و قوله(ع)أزجاه أي دفعه و الرسل بالكسر التأني و الرفق و ينقع بالياء على المعلوم أو بالتاء على المجهول و البرك كعنب جمع بركة و هي معروفة و الفجاج بالضم الطريق الواسع بين جبلين و بالكسر جمع الفج بمعناه و الاعتلاء الارتفاع و قوله(ع)غاصة أي ممتلئة و المصمخة لعلها مشتقة من الصماخ أي‏

____________

(1) التكوير: 11.

(2) في نسخة: و عرض الوراب و الانحراف و الالتواء فيهما.

167

تؤدي الصماخ و الأظهر مصممة قوله(ع)من نبات بالإضافة على أن يكون مصدرا أو بالتنوين ليكون عشب بدل بعض له و الإقلاع عن الأمر الكف عنه و الكر الرجوع قوله(ع)مع سكون من يسكن في الليل أي جعل في معظم المعمورة طول كل منهما و قصره على حد محدود لا يتجاوزه لئلا تفوت مصلحة كل منهما من السكون في الليل و الانتشار في النهار و يحتمل أن يكون إشارة إلى أصل الحكمة في حصول الليل و النهار قوله(ع)و انتشار من ينتشر في الليل كالخفاش و البعوضة و سائر ما ينتشر في الليل من الهوام و كالخائف و المسافر الذي تصلحه حركة الليل قوله‏ إِذاً لَذَهَبَ‏أي لو كان معه آلهة كما يقولون لذهب كل إله منهم بما خلقه و استبد به و امتاز ملكه عن ملك الآخرين و وقع بينهم التجاذب و التغالب كما هو حال ملوك الدنيا إذ يستحيل كونهما واجبين كاملين و هذا شأن الناقص و يحتمل أن يكون الغرض نفي الآلهة الناقصة الممكنة التي جعلوها شريكا للواجب تعالى شأنه و سيأتي الكلام فيه في باب التوحيد و في بعض النسخ هكذا و لعلا بعضهم على بعض و لأفسد كل واحد منهم على صاحبه و كذلك سمعت الأذن ما أنزل الله من كتبه على ألسن أنبيائه تصديقا لما أدركته العقول بتوفيق الله إياها و عونه لها إذا أرادت ما عنده أنه الأول لا شبيه له و لا مثل له و لا ضد له و لا تحيط به العيون و لا تدركه الأوهام كيف هو لأنه لا كيف له و إنما الكيف للمكيف المخلوق المحدود المحدث غير أنا نوقن أنه معروف بخلقه موجود بصنعه فتبارك الله و تعالى اسمه لا شريك له فعرف القلب بعقله أنه لو كان معه شريك كان ضعيفا ناقصا و لو كان ناقصا ما خلق الإنسان و لاختلفت التدابير و انتقضت الأمور مع النقص الذي يوصف به الأرباب المتفردون و الشركاء المتعانتون قال قد أتيتني.

6 متن فَقَالَ قَدْ أَتَيْتَنِي مِنْ أَبْوَابٍ لَطِيفَةٍ بِمَا لَمْ يَأْتِنِي بِهِ أَحَدٌ غَيْرُكَ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَمْنَعُنِي مِنْ تَرْكِ مَا فِي يَدِي إِلَّا الْإِيضَاحُ وَ الْحُجَّةُ الْقَوِيَّةُ بِمَا وَصَفْتَ لِي وَ فَسَّرْتَ قُلْتُ أَمَّا إِذَا حَجَبْتَ عَنِ الْجَوَابِ‏ (1) وَ اخْتَلَفَ مِنْكَ الْمَقَالُ فَسَيَأْتِيكَ مِنَ الدَّلَالَةِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِكَ خَاصَّةً مَا يَسْتَبِينُ لَكَ أَنَّ الْحَوَاسَّ لَا تَعْرِفُ شَيْئاً إِلَّا بِالْقَلْبِ فَهَلْ رَأَيْتَ فِي الْمَنَامِ أَنَّكَ تَأْكُلُ‏

____________



(1) في نسخة: أما إذ حجبت عن الجواب.

168

وَ تَشْرَبُ حَتَّى وَصَلَتْ لَذَّةُ ذَلِكَ إِلَى قَلْبِكَ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَهَلْ رَأَيْتَ أَنَّكَ تَضْحَكُ وَ تَبْكِي وَ تَجُولُ فِي الْبُلْدَانِ الَّتِي لَمْ تَرَهَا وَ الَّتِي قَدْ رَأَيْتَهَا حَتَّى تَعْلَمَ مَعَالِمَ مَا رَأَيْتَ مِنْهَا قَالَ نَعَمْ مَا لَا أُحْصِي قُلْتُ هَلْ رَأَيْتَ أَحَداً مِنْ أَقَارِبِكَ مِنْ أَخٍ أَوْ أَبٍ أَوْ ذِي رَحِمٍ قَدْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ حَتَّى تَعْلَمَهُ وَ تَعْرِفَهُ كَمَعْرِفَتِكَ إِيَّاهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ قَالَ أَكْثَرَ مِنَ الْكَثِيرِ قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي أَيُّ حَوَاسِّكَ أَدْرَكَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فِي مَنَامِكَ حَتَّى دَلَّتْ قَلْبَكَ عَلَى مُعَايَنَةِ الْمَوْتَى وَ كَلَامِهِمْ وَ أَكْلِ طَعَامِهِمْ وَ الْجَوَلَانِ فِي الْبُلْدَانِ وَ الضَّحِكِ وَ الْبُكَاءِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ قَالَ مَا أَقْدِرُ أَنْ أَقُولَ لَكَ أَيُّ حَوَاسِّي أَدْرَكَ ذَلِكَ أَوْ شَيْئاً مِنْهُ وَ كَيْفَ تُدْرِكُ وَ هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ لَا تَسْمَعُ وَ لَا تُبْصِرُ قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي حَيْثُ اسْتَيْقَظْتَ أَ لَسْتَ قَدْ ذَكَرْتَ الَّذِي رَأَيْتَ فِي مَنَامِكَ تَحْفَظُهُ وَ تَقُصُّهُ بَعْدَ يَقَظَتِكَ عَلَى إِخْوَانِكَ لَا تَنْسَى مِنْهُ حَرْفاً قَالَ إِنَّهُ كَمَا تَقُولُ وَ رُبَّمَا رَأَيْتُ الشَّيْ‏ءَ فِي مَنَامِي ثُمَّ لَا أُمْسِي حَتَّى أَرَاهُ فِي يَقَظَتِي كَمَا رَأَيْتُهُ فِي مَنَامِي قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي أَيُّ حَوَاسِّكَ قَرَّرَتْ عِلْمَ ذَلِكَ فِي قَلْبِكَ حَتَّى ذَكَرْتَهُ بَعْدَ مَا اسْتَيْقَظْتَ قَالَ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ مَا دَخَلَتْ فِيهِ الْحَوَاسُّ قُلْتُ أَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَعْلَمَ حَيْثُ بَطَلَتِ الْحَوَاسُّ فِي هَذَا أَنَّ الَّذِي عَايَنَ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ وَ حَفِظَهَا فِي مَنَامِكَ قَلْبُكَ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ الْعَقْلَ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ عَلَى الْعِبَادِ قَالَ إِنَّ الَّذِي رَأَيْتُ فِي مَنَامِي لَيْسَ بِشَيْ‏ءٍ إِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ السَّرَابِ الَّذِي يُعَايِنُهُ صَاحِبُهُ وَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ لَا يَشُكُّ فِيهِ أَنَّهُ مَاءٌ فَإِذَا انْتَهَى إِلَى مَكَانِهِ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً فَمَا رَأَيْتُ فِي مَنَامِي فَبِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ قُلْتُ كَيْفَ شَبَّهْتَ السَّرَابَ بِمَا رَأَيْتَ فِي مَنَامِكَ مِنْ أَكْلِكَ الطَّعَامَ الْحُلْوَ وَ الْحَامِضَ وَ مَا رَأَيْتَ مِنَ الْفَرَحِ وَ الْحَزَنِ قَالَ لِأَنَّ السَّرَابَ حَيْثُ انْتَهَيْتُ إِلَى مَوْضِعِهِ صَارَ لَا شَيْ‏ءَ وَ كَذَلِكَ صَارَ مَا رَأَيْتُ فِي مَنَامِي حِينَ انْتَبَهْتُ قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي إِنْ أَتَيْتُكَ بِأَمْرٍ وَجَدْتَ لَذَّتَهُ فِي مَنَامِكَ وَ خَفَقَ لِذَلِكَ قَلْبُكَ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ قَالَ بَلَى قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي هَلْ احْتَلَمْتَ قَطُّ حَتَّى قَضَيْتَ فِي امْرَأَةٍ نَهْمَتَكَ‏ (1) عَرَفْتَهَا أَمْ لَمْ تَعْرِفْهَا قَالَ بَلَى مَا لَا أُحْصِيهِ قُلْتُ أَ لَسْتَ وَجَدْتَ لِذَلِكَ لَذَّةً عَلَى قَدْرِ لَذَّتِكَ فِي يَقَظَتِكَ فَتَنْتَبِهَ وَ قَدْ أَنْزَلْتَ الشَّهْوَةَ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْكَ بِقَدْرِ مَا تَخْرُجُ مِنْكَ فِي الْيَقَظَةِ هَذَا كَسْرٌ لِحُجَّتِكَ فِي السَّرَابِ قَالَ مَا يَرَى الْمُحْتَلِمُ فِي مَنَامِهِ شَيْئاً إِلَّا مَا كَانَتْ‏

____________



(1) قضى منه نهمته أي شهوته.

169

حَوَاسُّهُ دَلَّتْ عَلَيْهِ فِي الْيَقَظَةِ قُلْتُ مَا زِدْتَ عَلَى أَنْ قَوَّيْتَ مَقَالَتِي وَ زَعَمْتَ أَنَّ الْقَلْبَ يَعْقِلُ الْأَشْيَاءَ وَ يَعْرِفُهَا بَعْدَ ذَهَابِ الْحَوَاسِّ وَ مَوْتِهَا فَكَيْفَ أَنْكَرْتَ أَنَّ الْقَلْبَ يَعْرِفُ الْأَشْيَاءَ وَ هُوَ يَقْظَانُ مُجْتَمِعَةً لَهُ حَوَاسُّهُ وَ مَا الَّذِي عَرَّفَهُ إِيَّاهَا بَعْدَ مَوْتِ الْحَوَاسِّ وَ هُوَ لَا يَسْمَعُ وَ لَا يُبْصِرُ وَ لَكُنْتَ حَقِيقاً أَنْ لَا تُنْكِرَ لَهُ الْمَعْرِفَةَ وَ حَوَاسُّهُ حَيَّةٌ مُجْتَمِعَةٌ إِذَا أَقْرَرْتَ أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى الِامْرَأَةِ بَعْدَ ذَهَابِ حَوَاسِّهِ حَتَّى نَكَحَهَا وَ أَصَابَ لَذَّتَهُ مِنْهَا فَيَنْبَغِي لِمَنْ يَعْقِلُ حَيْثُ وَصَفَ الْقَلْبَ بِمَا وَصَفَهُ بِهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِالْأَشْيَاءِ وَ الْحَوَاسُّ ذَاهِبَةٌ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ الْقَلْبَ مُدَبِّرُ الْحَوَاسِّ وَ مَالِكُهَا وَ رَائِسُهَا (1) وَ الْقَاضِي عَلَيْهَا فَإِنَّهُ مَا جَهِلَ الْإِنْسَانُ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَمَا يَجْهَلُ أَنَّ الْيَدَ لَا تَقْدِرُ عَلَى الْعَيْنِ أَنْ تَقْلَعَهَا وَ لَا عَلَى اللِّسَانِ أَنْ تَقْطَعَهُ وَ أَنَّهُ لَيْسَ يَقْدِرُ شَيْ‏ءٌ مِنَ الْحَوَاسِّ أَنْ يَفْعَلَ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْجَسَدِ شَيْئاً بِغَيْرِ إِذْنِ الْقَلْبِ وَ دَلَالَتِهِ وَ تَدْبِيرِهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى جَعَلَ الْقَلْبَ مُدَبِّراً لِلْجَسَدِ بِهِ يَسْمَعُ وَ بِهِ يُبْصِرُ وَ هُوَ الْقَاضِي وَ الْأَمِيرُ عَلَيْهِ وَ لَا يَتَقَدَّمُ الْجَسَدُ إِنْ هُوَ تَأَخَّرَ وَ لَا يَتَأَخَّرُ إِنْ هُوَ تَقَدَّمَ وَ بِهِ سَمِعَتِ الْحَوَاسُّ وَ أَبْصَرَتْ إِنْ أَمَرَهَا ائْتَمَرَتْ وَ إِنْ نَهَاهَا انْتَهَتْ وَ بِهِ يَنْزِلُ الْفَرَحُ وَ الْحَزَنُ وَ بِهِ يَنْزِلُ الْأَلَمُ إِنْ فَسَدَ شَيْ‏ءٌ مِنَ الْحَوَاسِّ بَقِيَ عَلَى حَالِهِ وَ إِنْ فَسَدَ الْقَلْبُ ذَهَبَ جَمِيعاً حَتَّى لَا يَسْمَعُ وَ لَا يُبْصِرُ قَالَ لَقَدْ كُنْتُ أَظُنُّكَ لَا تَتَخَلَّصُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَ قَدْ جِئْتَ بِشَيْ‏ءٍ لَا أَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ قُلْتُ وَ أَنَا أُعْطِيكَ تَصَادِيقَ مَا أَنْبَأْتُكَ بِهِ وَ مَا رَأَيْتَ فِي مَنَامِكَ فِي مَجْلِسِكَ السَّاعَةَ قَالَ افْعَلْ فَإِنِّي قَدْ تَحَيَّرْتُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قُلْتُ أَخْبِرْنِي هَلْ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ مِنْ تِجَارَةٍ أَوْ صِنَاعَةٍ أَوْ بِنَاءٍ أَوْ تَقْدِيرِ شَيْ‏ءٍ وَ تَأْمُرُ بِهِ إِذَا أَحْكَمْتَ تَقْدِيرَهُ فِي ظَنِّكَ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَهَلْ أَشْرَكْتَ قَلْبَكَ فِي ذَلِكَ الْفِكْرِ شَيْئاً مِنْ حَوَاسِّكَ قَالَ لَا قُلْتُ أَ فَلَا تَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي أَخْبَرَكَ بِهِ قَلْبُكَ حَقٌّ قَالَ الْيَقِينُ هُوَ فَزِدْنِي مَا يُذْهِبُ الشَّكَّ عَنِّي وَ يُزِيلُ الشُّبَهَ مِنْ قَلْبِي.

شرح خفق القلب اضطرابه و النهمة بلوغ الهمّة في الشي‏ء و النهم بالتحريك إفراط الشهوة في الطعام أقول قد عرفت أن القلب يطلق في مصطلح الأخبار على النفس الناطقة و لما كان السائل منكرا لإدراك ما سوى الحواسّ الظاهرة نبّهه(ع)على خطائه بمدركات الحواسّ الباطنة التي هي آلات النفس.

____________

(1) الرائس: الوالى، في مقابلة المرءوس للمستولى عليه.

170

- أَقُولُ ذَكَرَ السَّيِّدُ ابْنُ طَاوُسٍ (قدس الله روحه) فِي كِتَابِ النُّجُومِ مِنْ هَذِهِ الرِّسَالَةِ جُمْلَةً لَيْسَتْ فِيمَا عِنْدَنَا مِنَ النُّسَخِ فَلْنَذْكُرْهَا قُلْتُ أَخْبِرْنِي هَلْ يَعْرِفُ أَهْلُ بِلَادِكَ عِلْمَ النُّجُومِ قَالَ إِنَّكَ لَغَافِلٌ عَنْ عِلْمِ أَهْلِ بِلَادِي بِالنُّجُومِ قُلْتُ وَ مَا بَلَغَ مِنْ عِلْمِهِمْ بِهَا فَقَالَ إِنَّا نُخْبِرُكَ عَنْ عِلْمِهِمْ بِخَصْلَتَيْنِ تَكْتَفِي بِهِمَا عَمَّا سِوَاهُمَا قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي وَ لَا تُخْبِرْنِي إِلَّا بِحَقٍّ قَالَ بِدِينِي لَا أُخْبِرُكَ إِلَّا بِحَقٍّ وَ بِمَا عَايَنْتُ قُلْتُ هَاتِ قَالَ أَمَّا إِحْدَى الْخَصْلَتَيْنِ فَإِنَّ مُلُوكَ الْهِنْدِ لَا يَتَّخِذُونَ إِلَّا الْخِصْيَانَ قُلْتُ وَ لِمَ ذَاكَ قَالَ لِأَنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مُنَجِّماً حَاسِباً فَإِذَا أَصْبَحَ أَتَى بَابَ الْمَلِكِ فَقَاسَ الشَّمْسَ وَ حَسَبَ فَأَخْبَرَهُ بِمَا يَحْدُثُ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ وَ مَا حَدَثَ فِي لَيْلَتِهِ الَّتِي كَانَ فِيهَا فَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ قَارَفَتْ شَيْئاً يَكْرَهُهُ أَخْبَرَهُ فَقَالَ فُلَانٌ قَارَفَ كَذَا وَ كَذَا مَعَ فُلَانَةَ وَ يَحْدُثُ فِي هَذَا الْيَوْمِ كَذَا وَ كَذَا قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْخَصْلَةِ الْأُخْرَى قَالَ قَوْمٌ بِالْهِنْدِ بِمَنْزِلَةِ الْخَنَّاقِينَ عِنْدَكُمْ يَقْتُلُونَ النَّاسَ بِلَا سِلَاحٍ وَ لَا خَنْقٍ وَ يَأْخُذُونَ أَمْوَالَهُمْ قُلْتُ وَ كَيْفَ يَكُونُ هَذَا قَالَ يَخْرُجُونَ مَعَ الرِّفْقَةِ وَ التُّجَّارِ بِقَدْرِ مَا فِيهَا مِنَ الرَّجَّالَةِ فَيَمْشُونَ مَعَهُمْ أَيَّاماً لَيْسَ مَعَهُمْ سِلَاحٌ وَ يُحَدِّثُونَ الرِّجَالَ وَ يَحْسُبُونَ حِسَابَ كُلِّ رَجُلٍ مِنَ التُّجَّارِ فَإِذَا عَرَفَ أَجْمَعُهُمْ مَوْضِعَ النَّفْسِ مِنْ صَاحِبِهِ وَكَزَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَاحِبَهُ الَّذِي حَسَبَ بِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَيَقَعُ جَمِيعُ التُّجَّارِ مَوْتَى قُلْتُ إِنَّ هَذَا أَرْفَعُ مِنَ الْبَابِ الْأَوَّلِ إِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقّاً قَالَ أَحْلِفُ لَكَ بِدِينِي أَنَّهُ حَقٌّ وَ لَرُبَّمَا رَأَيْتُ بِبِلَادِ الْهِنْدِ قَدْ أُخِذَ بَعْضُهُمْ وَ أُمِرَ بِقَتْلِهِ قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي كَيْفَ كَانَ هَذَا حَتَّى اطَّلَعُوا عَلَيْهِ قَالَ بِحِسَابِ النُّجُومِ قُلْتُ فَمَا سَمِعْتُ كَهَذَا عِلْماً قَطُّ وَ مَا أَشُكُّ أَنَّ وَاضِعَهُ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ فَأَخْبِرْنِي مَنْ وَضَعَ هَذَا الْعِلْمَ الدَّقِيقَ الَّذِي لَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ وَ لَا بِالْعُقُولِ وَ لَا بِالْفِكْرِ قَالَ حِسَابُ النُّجُومِ وَضَعَتْهُ الْحُكَمَاءُ وَ تَوَارَثَهُ النَّاسُ‏ (1).

____________

(1) إلى هنا انتهى ما يختص به كتاب النجوم، و يشترك سائر النسخ من قوله: فاذا سألت الرجل منهم ...

171

6 متن قُلْتُ أَخْبِرْنِي هَلْ يَعْلَمُ أَهْلُ بِلَادِكَ عِلْمَ النُّجُومِ قَالَ إِنَّكَ لَغَافِلٌ عَنْ عِلْمِ أَهْلِ بِلَادِي بِالنُّجُومِ فَلَيْسَ أَحَدٌ أَعْلَمَ بِذَلِكَ مِنْهُمْ قُلْتُ أَخْبِرْنِي كَيْفَ وَقَعَ عِلْمُهُمْ بِالنُّجُومِ وَ هِيَ مِمَّا لَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ وَ لَا بِالْفِكْرِ قَالَ حِسَابٌ وَضَعَتْهُ الْحُكَمَاءُ وَ تَوَارَثَتْهُ النَّاسُ فَإِذَا سَأَلْتَ الرَّجُلَ مِنْهُمْ عَنْ شَيْ‏ءٍ قَاسَ الشَّمْسَ وَ نَظَرَ فِي مَنَازِلِ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ مَا لِلطَّالِعِ مِنَ النُّحُوسِ وَ مَا لِلْبَاطِنِ مِنَ السُّعُودِ ثُمَّ يَحْسُبُ وَ لَا يُخْطِئُ وَ يُحْمَلُ إِلَيْهِ الْمَوْلُودُ فَيَحْسُبُ لَهُ وَ يُخْبِرُ بِكُلِّ عَلَامَةٍ فِيهِ بِغَيْرِ مُعَايَنَةٍ وَ مَا هُوَ مُصِيبُهُ إِلَى يَوْمِ يَمُوتُ قُلْتُ كَيْفَ دَخَلَ الْحِسَابُ فِي مَوَالِيدِ النَّاسِ قَالَ لِأَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ إِنَّمَا يُولَدُونَ بِهَذِهِ النُّجُومِ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَمْ يَسْتَقِمْ هَذَا الْحِسَابُ فَمِنْ ثَمَّ لَا يُخْطِئُ إِذَا عَلِمَ السَّاعَةَ وَ الْيَوْمَ وَ الشَّهْرَ وَ السَّنَةَ الَّتِي يُولَدُ فِيهَا الْمَوْلُودُ قُلْتُ لَقَدْ تَوَصَّفْتَ عِلْماً عَجِيباً (1) لَيْسَ فِي عِلْمِ الدُّنْيَا أَدَقُّ مِنْهُ وَ لَا أَعْظَمُ إِنْ كَانَ حَقّاً كَمَا ذَكَرْتَ يُعْرَفُ بِهِ الْمَوْلُودُ الصَّبِيُّ وَ مَا فِيهِ مِنَ الْعَلَامَاتِ وَ مُنْتَهَى أَجَلِهِ وَ مَا يُصِيبُهُ فِي حَيَاتِهِ أَ وَ لَيْسَ هَذَا حِسَاباً تُولَدُ بِهِ جَمِيعُ أَهْلِ الدُّنْيَا مَنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ قَالَ لَا أَشُكُّ فِيهِ قُلْتُ فَتَعَالَ نَنْظُرْ بِعُقُولِنَا كَيْفَ عَلِمَ النَّاسُ هَذَا الْعِلْمَ وَ هَلْ يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ لِبَعْضِ النَّاسِ إِذَا كَانَ جَمِيعُ النَّاسِ يُولَدُونَ بِهَذِهِ النُّجُومِ وَ كَيْفَ عَرَفَهَا بِسُعُودِهَا وَ نُحُوسِهَا وَ سَاعَاتِهَا وَ أَوْقَاتِهَا وَ دَقَائِقِهَا وَ دَرَجَاتِهَا وَ بَطِيئِهَا وَ سَرِيعِهَا وَ مَوَاضِعِهَا مِنَ السَّمَاءِ وَ مَوَاضِعِهَا تَحْتَ الْأَرْضِ وَ دَلَالَتِهَا عَلَى غَامِضِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي وَصَفْتَ فِي السَّمَاءِ وَ مَا تَحْتَ الْأَرْضِ فَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْبُرُوجِ فِي السَّمَاءِ وَ بَعْضَهَا تَحْتَ الْأَرْضِ وَ كَذَلِكَ النُّجُومُ السَّبْعَةُ مِنْهَا تَحْتَ الْأَرْضِ وَ مِنْهَا فِي السَّمَاءِ فَمَا يَقْبَلُ عَقْلِي أَنَّ مَخْلُوقاً مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ قَدَرَ عَلَى هَذَا قَالَ وَ مَا أَنْكَرْتَ مِنْ هَذَا قُلْتُ إِنَّكَ زَعَمْتَ أَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ إِنَّمَا يَتَوَالَدُونَ بِهَذِهِ النُّجُومِ فَأَرَى الْحَكِيمَ الَّذِي وَضَعَ هَذَا الْحِسَابَ بِزَعْمِكَ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَ لَا شَكَّ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً أَنَّهُ وُلِدَ بِبَعْضِ هَذِهِ النُّجُومِ وَ السَّاعَاتِ وَ الْحِسَابِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ إِلَّا أَنْ تَزْعُمَ أَنَّ ذَلِكَ الْحَكِيمَ لَمْ يُولَدْ بِهَذِهِ النُّجُومِ كَمَا وُلِدَ سَائِرُ النَّاسِ قَالَ وَ هَلْ هَذَا الْحَكِيمُ إِلَّا كَسَائِرِ النَّاسِ قُلْتُ أَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يَدُلَّكَ عَقْلُكَ عَلَى أَنَّهَا قَدْ خُلِقْتَ قَبْلَ هَذَا الْحَكِيمِ الَّذِي زَعَمْتَ أَنَّهُ وَضَعَ هَذَا الْحِسَابَ وَ قَدْ زَعَمْتَ أَنَّهُ وُلِدَ بِبَعْضِ هَذِهِ النُّجُومِ قَالَ بَلَى‏

____________



(1) و في نسخة: لقد وصفت علما عجيبا.

172

قُلْتُ فَكَيْفَ اهْتَدَى لِوَضْعِ هَذِهِ النُّجُومِ وَ هَلْ هَذَا الْعِلْمُ إِلَّا مِنْ مُعَلِّمٍ كَانَ قَبْلَهُمَا وَ هُوَ الَّذِي أَسَّسَ هَذَا الْحِسَابَ الَّذِي زَعَمْتَ أَنَّهُ أَسَاسُ الْمَوْلُودِ وَ الْأَسَاسُ أَقْدَمُ مِنَ الْمَوْلُودِ وَ الْحَكِيمُ الَّذِي زَعَمْتَ أَنَّهُ وَضَعَ هَذَا إِنَّمَا يَتْبَعُ أَمْرَ مُعَلِّمٍ هُوَ أَقْدَمُ مِنْهُ وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَهُ مَوْلُوداً بِبَعْضِ هَذَا النُّجُومِ وَ هُوَ الَّذِي أَسَّسَ هَذِهِ الْبُرُوجَ الَّتِي وُلِدَ بِهَا غَيْرُهُ مِنَ النَّاسِ فَوَاضِعُ الْأَسَاسِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَقْدَمَ مِنْهَا هَبْ أَنَّ هَذَا الْحَكِيمَ عُمِّرَ مُذْ كَانَتِ الدُّنْيَا عَشَرَةَ أَضْعَافٍ هَلْ كَانَ نَظَرُهُ فِي هَذِهِ النُّجُومِ إِلَّا كَنَظَرِكَ إِلَيْهَا مُعَلَّقَةً فِي السَّمَاءِ أَ وَ تَرَاهُ كَانَ قَادِراً عَلَى الدُّنُوِّ مِنْهَا وَ هِيَ فِي السَّمَاءِ حَتَّى يَعْرِفَ مَنَازِلَهَا وَ مَجَارِيَهَا نُحُوسَهَا وَ سُعُودَهَا وَ دَقَائِقَهَا وَ بِأَيَّتِهَا تَكْسِفُ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ بِأَيَّتِهَا يُولَدُ كُلُّ مَوْلُودٍ وَ أَيُّهَا السَّعْدُ وَ أَيُّهَا النَّحْسُ وَ أَيُّهَا الْبَطِي‏ءُ وَ أَيُّهَا السَّرِيعُ ثُمَّ يَعْرِفَ بَعْدَ ذَلِكَ سُعُودَ سَاعَاتِ النَّهَارِ وَ نُحُوسَهَا وَ أَيُّهَا السَّعْدُ وَ أَيُّهَا النَّحْسُ وَ كَمْ سَاعَةٍ يَمْكُثُ كُلُّ نَجْمٍ مِنْهَا تَحْتَ الْأَرْضِ وَ فِي أَيِّ سَاعَةٍ تَغِيبُ وَ أَيِّ سَاعَةٍ تَطْلُعُ وَ كَمْ سَاعَةً يَمْكُثُ طَالِعاً وَ فِي أَيِّ سَاعَةٍ تَغِيبُ وَ كَمِ اسْتَقَامَ لِرَجُلٍ حَكِيمٍ كَمَا زَعَمْتَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا أَنْ يَعْلَمَ عِلْمَ السَّمَاءِ مِمَّا لَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ وَ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْفِكْرُ وَ لَا يَخْطُرُ عَلَى الْأَوْهَامِ وَ كَيْفَ اهْتَدَى أَنْ يَقِيسَ الشَّمْسَ حَتَّى يَعْرِفَ فِي أَيِّ بُرْجٍ وَ فِي أَيِّ بُرْجٍ الْقَمَرُ وَ فِي أَيِّ بُرْجٍ مِنَ السَّمَاءِ هَذِهِ السَّبْعَةُ السُّعُودُ وَ النُّحُوسُ وَ مَا الطَّالِعُ مِنْهَا وَ مَا الْبَاطِنُ وَ هِيَ مُعَلَّقَةٌ فِي السَّمَاءِ وَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ لَا يَرَاهَا إِذَا تَوَارَتْ بِضَوْءِ الشَّمْسِ إِلَّا أَنْ تَزْعُمَ أَنَّ هَذَا الْحَكِيمَ الَّذِي وَضَعَ هَذَا الْعِلْمَ قَدْ رَقِيَ إِلَى السَّمَاءِ وَ أَنَا أَشْهَدُ أَنَّ هَذَا الْعَالِمَ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى هَذَا الْعِلْمِ إِلَّا بِمَنْ فِي السَّمَاءِ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ عِلْمِ أَهْلِ الْأَرْضِ قَالَ مَا بَلَغَنِي أَنَّ أَحَداً مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ رَقِيَ إِلَى السَّمَاءِ قُلْتُ فَلَعَلَّ هَذَا الْحَكِيمَ فَعَلَ ذَلِكَ وَ لَمْ يَبْلُغْكَ قَالَ وَ لَوْ بَلَغَنِي مَا كُنْتُ مُصَدِّقاً قُلْتُ فَأَنَا أَقُولُ قَوْلَكَ هَبْهُ رَقِيَ إِلَى السَّمَاءِ هَلْ كَانَ لَهُ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَجْرِيَ مَعَ كُلِّ بُرْجٍ مِنْ هَذِهِ الْبُرُوجِ وَ نَجْمٍ مِنْ هَذِهِ النُّجُومِ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ إِلَى حَيْثُ يَغِيبُ ثُمَّ يَعُودَ إِلَى الْآخَرِ حَتَّى يَفْعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى آخِرِهَا فَإِنَّ مِنْهَا مَا يَقْطَعُ السَّمَاءَ فِي ثَلَاثِينَ سَنَةً وَ مِنْهَا مَا يَقْطَعُ دُونَ ذَلِكَ وَ هَلْ كَانَ لَهُ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَجُولَ فِي أَقْطَارِ السَّمَاءِ حَتَّى يَعْرِفَ مَطَالِعَ السُّعُودِ مِنْهَا وَ النُّحُوسِ‏

173

وَ الْبَطِي‏ءَ وَ السَّرِيعَ حَتَّى يُحْصِيَ ذَلِكَ أَوْ هَبْهُ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى فَرَغَ مِمَّا فِي السَّمَاءِ هَلْ كَانَ يَسْتَقِيمُ لَهُ حِسَابُ مَا فِي السَّمَاءِ حَتَّى يُحْكِمَ حِسَابَ مَا فِي الْأَرْضِ وَ مَا تَحْتَهَا وَ أَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ مِثْلَ مَا قَدْ عَايَنَ فِي السَّمَاءِ لِأَنَّ مَجَارِيَهَا تَحْتَ الْأَرْضِ عَلَى غَيْرِ مَجَارِيهَا فِي السَّمَاءِ فَلَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ عَلَى إِحْكَامِ حِسَابِهَا وَ دَقَائِقِهَا وَ سَاعَاتِهَا إِلَّا بِمَعْرِفَةِ مَا غَابَ عَنْهُ تَحْتَ الْأَرْضِ مِنْهَا لِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَ أَيَّ سَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ يَطْلُعُ طَالِعُهَا وَ كَمْ يَمْكُثُ تَحْتَ الْأَرْضِ وَ أَيَّةَ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ يَغِيبُ غَائِبُهَا لِأَنَّهُ لَا يُعَايِنُهَا وَ لَا مَا طَلَعَ مِنْهَا وَ لَا مَا غَابَ وَ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْعَالِمُ بِهَا وَاحِداً وَ إِلَّا لَمْ يَنْتَفِعْ بِالْحِسَابِ أَ لَا تَزْعُمُ أَنَّ ذَلِكَ الْحَكِيمَ قَدْ دَخَلَ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرَضِينَ وَ الْبِحَارِ فَسَارَ مَعَ النُّجُومِ وَ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ فِي مَجَارِيهَا عَلَى قَدْرِ مَا سَارَ فِي السَّمَاءِ حَتَّى عَلِمَ الْغَيْبَ مِنْهَا وَ عَلِمَ مَا تَحْتَ الْأَرْضِ عَلَى قَدْرِ مَا عَايَنَ مِنْهَا فِي السَّمَاءِ قَالَ وَ هَلْ أَرَيْتَنِي أَجَبْتُكَ إِلَى أَنَّ أَحَداً مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ رَقِيَ إِلَى السَّمَاءِ وَ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَقُولَ إِنَّهُ دَخَلَ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرَضِينَ وَ الْبُحُورِ قُلْتُ فَكَيْفَ وَقَعَ هَذَا الْعِلْمُ الَّذِي زَعَمْتَ أَنَّ الْحُكَمَاءَ مِنَ النَّاسِ وَضَعُوهُ وَ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ مَوْلُودُونَ بِهِ وَ كَيْفَ عَرَفُوا ذَلِكَ الْحِسَابَ وَ هُوَ أَقْدَمُ مِنْهُمْ.

أقول في نسخة السيد ابن طاوس هاهنا زيادة.

6 قَالَ أَ رَأَيْتَ إِنْ قُلْتُ لَكَ إِنَّ الْبُرُوجَ لَمْ تَزَلْ وَ هِيَ الَّتِي خَلَقَتْ أَنْفُسَهَا عَلَى هَذَا الْحِسَابِ مَا الَّذِي تَرُدُّ عَلَيَ‏ (1) قُلْتُ أَسْأَلُكَ كَيْفَ يَكُونُ بَعْضُهَا سَعْداً وَ بَعْضُهَا نَحْساً وَ بَعْضُهَا مُضِيئاً وَ بَعْضُهَا مُظْلِماً وَ بَعْضُهَا صَغِيراً وَ بَعْضُهَا كَبِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَرَادَتْ أَنْ تَكُونَ بِمَنْزِلَةِ النَّاسِ فَإِنَّ بَعْضَهُمْ جَمِيلٌ وَ بَعْضَهُمْ قَبِيحٌ وَ بَعْضَهُمْ قَصِيرٌ وَ بَعْضَهُمْ طَوِيلٌ وَ بَعْضَهُمْ أَبْيَضُ وَ بَعْضَهُمْ أَسْوَدُ وَ بَعْضَهُمْ صَالِحٌ وَ بَعْضَهُمْ طَالِحٌ قُلْتُ فَالْعَجَبُ مِنْكَ إِنِّي أُرَاوِدُكَ مُنْذُ الْيَوْمِ عَلَى أَنْ تُقِرَّ بِصَانِعٍ فَلَمْ تُجِبْنِي إِلَى ذَلِكَ حَتَّى كَانَ الْآنَ أَقْرَرْتَ بِأَنَّ الْقِرَدَةَ وَ الْخَنَازِيرَ خَلَقْنَ أَنْفُسَهُنَّ قَالَ لَقَدْ بَهَتَّنِي بِمَا لَمْ يَسْمَعِ النَّاسُ مِنِّي قُلْتُ أَ فَمُنْكِرٌ أَنْتَ لِذَلِكَ قَالَ‏

____________



(1) في نسخة: ما الذي يرد على.

174

أَشَدَّ إِنْكَارٍ قُلْتُ فَمَنْ خَلَقَ الْقِرَدَةَ وَ الْخَنَازِيرَ إِنْ كَانَ النَّاسُ وَ النُّجُومُ خَلَقْنَ أَنْفُسَهُنَّ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَقُولَ إِنَّهُنَّ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ أَوْ خَلَقْنَ أَنْفُسَهُنَّ أَ فَتَقُولُ إِنَّهَا مِنْ خَلْقِ النَّاسِ قَالَ لَا قُلْتُ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهَا خَالِقٌ أَوْ هِيَ خَلَقَتْ أَنْفُسَهَا فَإِنْ قُلْتَ إِنَّهَا مِنْ خَلْقِ النَّاسِ أَقْرَرْتَ أَنَّ لَهَا خَالِقاً فَإِنْ قُلْتَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهَا خَالِقٌ فَقَدْ صَدَقْتَ وَ مَا أَعْرَفَنَا بِهِ وَ لَئِنْ قُلْتَ إِنَّهُنَّ خَلَقْنَ أَنْفُسَهُنَّ فَقَدْ أَعْطَيْتَنِي فَوْقَ مَا طَلَبْتُ مِنْكَ مِنَ الْإِقْرَارِ بِصَانِعٍ ثُمَّ قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي بَعْضُهُنَّ قَبْلَ بَعْضٍ خَلَقْنَ أَنْفُسَهُنَّ أَمْ كَانَ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَإِنْ قُلْتَ بَعْضُهُنَّ قَبْلَ بَعْضٍ فَأَخْبِرْنِي السَّمَاوَاتُ وَ مَا فِيهِنَّ وَ النُّجُومُ قَبْلَ الْأَرْضِ وَ الْإِنْسِ وَ الذَّرِّ خُلِقْنَ أَمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ قُلْتَ إِنَّ الْأَرْضَ قَبْلُ أَ فَلَا تَرَى قَوْلَكَ إِنَّ الْأَشْيَاءَ لَمْ تَزَلْ قَدْ بَطَلَ حَيْثُ كَانَتِ السَّمَاءُ بَعْدَ الْأَرْضِ قَالَ بَلَى وَ لَكِنْ أَقُولُ مَعاً جَمِيعاً خُلِقْنَ قُلْتُ أَ فَلَا تَرَى أَنَّكَ قَدْ أَقْرَرْتَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ شَيْئاً قَبْلَ أَنْ خُلِقْنَ وَ قَدْ أَذْهَبْتَ حُجَّتَكَ فِي الْأَزَلِيَّةِ قَالَ إِنِّي لَعَلَى حَدِّ وُقُوفٍ مَا أَدْرِي مَا أُجِيبُكَ فِيهِ لِأَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ الصَّانِعَ إِنَّمَا سُمِّيَ صَانِعاً لِصِنَاعَتِهِ وَ الصِّنَاعَةُ غَيْرُ الصَّانِعِ وَ الصَّانِعُ غَيْرُ الصِّنَاعَةِ لِأَنَّهُ يُقَالُ لِلرَّجُلِ الْبَانِي لِصِنَاعَتِهِ الْبَنَّاءُ وَ الْبِنَاءُ غَيْرُ الْبَانِي وَ الْبَانِي غَيْرُ الْبِنَاءِ وَ كَذَلِكَ الْحَارِثُ غَيْرُ الْحَرْثِ وَ الْحَرْثُ غَيْرُ الْحَارِثِ قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِكَ إِنَّ النَّاسَ خَلَقُوا أَنْفُسَهُمْ فَبِكَمَالِهِمْ خَلَقُوهَا أَرْوَاحَهُمْ وَ أَجْسَادَهُمْ وَ صُوَرَهُمْ وَ أَنْفَاسَهُمْ أَمْ خَلَقَ بَعْضَ ذَلِكَ غَيْرُهُمْ قَالَ بِكَمَالِهِمْ لَمْ يَخْلُقْ ذَلِكَ وَ لَا شَيْئاً مِنْهُمْ غَيْرُهُمْ قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي الْحَيَاةُ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ أَمِ الْمَوْتُ قَالَ أَ وَ تَشُكُّ أَنَّهُ لَا شَيْ‏ءَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنَ الْحَيَاةِ وَ لَا أَبْغَضُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمَوْتِ قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي مَنْ خَلَقَ الْمَوْتَ الَّذِي يُخْرِجُ أَنْفُسَهُمُ الَّتِي زَعَمْتَ أَنَّهُمْ خَلَقُوهَا فَإِنَّكَ لَا تُنْكِرُ أَنَّ الْمَوْتَ غَيْرُ الْحَيَاةِ وَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَذْهَبُ بِالْحَيَاةِ فَإِنْ قُلْتَ إِنَّ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ غَيْرُهُمْ فَإِنَّ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ الْحَيَاةَ وَ لَئِنْ قُلْتَ هُمُ الَّذِينَ خَلَقُوا الْمَوْتَ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّ هَذَا لَمُحَالٌ مِنَ الْقَوْلِ وَ كَيْفَ خَلَقُوا لِأَنْفُسِهِمْ مَا يَكْرَهُونَ إِنْ كَانُوا كَمَا زَعَمْتَ خَلَقُوا أَنْفُسَهُمْ هَذَا مَا يُسْتَنْكَرُ مِنْ ضَلَالِكَ إِنْ تَزْعُمْ أَنَّ النَّاسَ قَدَرُوا عَلَى خَلْقِ أَنْفُسِهِمْ بِكَمَالِهِمْ وَ أَنَّ الْحَيَاةَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمَوْتِ وَ خَلَقُوا مَا يَكْرَهُونَ لِأَنْفُسِهِمْ‏

175

قَالَ مَا أَجِدُ وَاحِداً مِنَ الْقَوْلَيْنِ يَنْقَادُ لِي وَ لَقَدْ قَطَعْتَهُ عَلَيَّ قَبْلَ الْغَايَةِ الَّتِي كُنْتُ أُرِيدُهَا قُلْتُ دَعْنِي فَإِنَّ مِنَ الدُّخُولِ فِي أَبْوَابِ الْجَهَالاتِ مَا لَا يَنْقَادُ مِنَ الْكَلَامِ وَ إِنَّمَا أَسْأَلُكَ عَنْ مُعَلِّمِ هَذَا الْحِسَابِ الَّذِي عَلَّمَ أَهْلَ الْأَرْضِ عِلْمَ هَذِهِ النُّجُومِ الْمُعَلَّقَةِ فِي السَّمَاءِ.

أقول رجعنا إلى ما في النسخ المشهورة.

6 قَالَ مَا أَجِدُ يَسْتَقِيمُ أَنْ أَقُولَ إِنَّ أَحَداً مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ وَضَعَ عِلْمَ هَذِهِ النُّجُومِ الْمُعَلَّقَةِ فِي السَّمَاءِ قُلْتُ فَلَا بُدَّ لَكَ أَنْ تَقُولَ إِنَّمَا عَلَّمَهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ بِأَمْرِ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ وَ مُدَبِّرُهُمَا قَالَ إِنْ قُلْتُ هَذَا فَقَدْ أَقْرَرْتُ لَكَ بِإِلَهِكَ الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ قُلْتُ أَمَّا أَنَّكَ فَقَدْ أَعْطَيْتَنِي أَنَّ حِسَابَ هَذِهِ النُّجُومِ حَقٌّ وَ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ وُلِدُوا بِهَا قَالَ الشَّكُّ فِي غَيْرِ هَذَا قُلْتُ وَ كَذَلِكَ أَعْطَيْتَنِي أَنَّ أَحَداً مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَنْ يَغِيبَ مَعَ هَذِهِ النُّجُومِ وَ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ فِي الْمَغْرِبِ حَتَّى يَعْرِفَ مَجَارِيَهَا وَ يَطْلُعَ مَعَهَا إِلَى الْمَشْرِقِ قَالَ الطُّلُوعُ إِلَى السَّمَاءِ دُونَ هَذَا قُلْتُ فَلَا أَرَاكَ تَجِدُ بُدّاً مِنْ أَنْ تَزْعُمَ أَنَّ الْمُعَلِّمَ لِهَذَا مِنَ السَّمَاءِ قَالَ لَئِنْ قُلْتُ أَنْ لَيْسَ لِهَذَا الْحِسَابِ مُعَلِّمٌ لَقَدْ قُلْتُ إِذاً غَيْرَ الْحَقِّ وَ لَئِنْ زَعَمْتُ أَنَّ أَحَداً مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ عَلَّمَ مَا فِي السَّمَاءِ وَ مَا تَحْتَ الْأَرْضِ لَقَدْ أَبْطَلْتُ لِأَنَّ أَهْلَ الْأَرْضِ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى عِلْمِ مَا وَصَفْتُ لَكَ مِنْ حَالِ هَذِهِ النُّجُومِ وَ الْبُرُوجِ بِالْمُعَايَنَةِ وَ الدُّنُوِّ مِنْهَا (1) فَلَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ لِأَنَّ عِلْمَ أَهْلِ الدُّنْيَا لَا يَكُونُ عِنْدَنَا إِلَّا بِالْحَوَاسِّ وَ مَا يُدْرَكُ عِلْمُ هَذِهِ النُّجُومِ الَّتِي وَصَفْتُ بِالْحَوَاسِّ لِأَنَّهَا مُعَلَّقَةٌ فِي السَّمَاءِ وَ مَا زَادَتِ الْحَوَاسُّ عَلَى النَّظَرِ إِلَيْهَا حَيْثُ تَطْلُعُ وَ حَيْثُ تَغِيبُ فَأَمَّا حِسَابُهَا وَ دَقَائِقُهَا وَ نُحُوسُهَا وَ سُعُودُهَا وَ بَطِيئُهَا وَ سَرِيعُهَا وَ خُنُوسُهَا وَ رُجُوعُهَا فَأَنَّى تُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ أَوْ يُهْتَدَى إِلَيْهَا بِالْقِيَاسِ قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي لَوْ كُنْتَ مُتَعَلِّماً مُسْتَوْصِفاً لِهَذَا الْحِسَابِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ تَسْتَوْصِفَهُ وَ تَتَعَلَّمَهُ أَمْ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ قَالَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ إِذْ كَانَتِ النُّجُومُ مُعَلَّقَةً فِيهَا حَيْثُ لَا يَعْلَمُهَا أَهْلُ الْأَرْضِ‏

____________



(1) و في نسخة: فاما الدنو.

176

قُلْتُ فَافْهَمْ وَ أَدِقَّ النَّظَرَ وَ نَاصِحْ نَفْسَكَ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ جَمِيعُ أَهْلِ الدُّنْيَا إِنَّمَا يُولَدُونَ بِهَذِهِ النُّجُومِ عَلَى مَا وَصَفْتَ فِي النُّحُوسِ وَ السُّعُودِ أَنَّهُنَّ كُنَّ قَبْلَ النَّاسِ قَالَ مَا أَمْتَنِعُ أَنْ أَقُولَ هَذَا قُلْتُ أَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ قَوْلَكَ إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَزَالُوا وَ لَا يَزَالُونَ قَدِ انْكَسَرَ عَلَيْكَ‏ (1) حَيْثُ كَانَتِ النُّجُومُ قَبْلَ النَّاسِ فَالنَّاسُ حَدَثٌ بَعْدَهَا وَ لَئِنْ كَانَتِ النُّجُومُ خُلِقَتْ قَبْلَ النَّاسِ مَا تَجِدُ بُدّاً مِنْ أَنْ تَزْعُمَ أَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَهُمْ قَالَ وَ لِمَ تَزْعُمُ أَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَهُمْ قُلْتُ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنِ الْأَرْضُ جَعَلَ اللَّهُ لِخَلْقِهِ فِرَاشاً وَ مِهَاداً مَا اسْتَقَامَ النَّاسُ وَ لَا غَيْرُهُمْ مِنَ الْأَنَامِ وَ لَا قَدَرُوا أَنْ يَكُونُوا فِي الْهَوَاءِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ أَجْنِحَةٌ قَالَ وَ مَا ذَا يُغْنِي عَنْهُمُ الْأَجْنِحَةُ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُمْ مَعِيشَةٌ قُلْتُ فَفِي شَكٍّ أَنْتَ مِنْ أَنَّ النَّاسَ حَدَثٌ بَعْدَ الْأَرْضِ وَ الْبُرُوجِ قَالَ لَا وَ لَكِنْ عَلَى الْيَقِينِ مِنْ ذَلِكَ قُلْتُ آتِيكَ أَيْضاً بِمَا تُبْصِرُهُ قَالَ ذَلِكَ أَنْفَى‏ (2) لِلشَّكِّ عَنِّي قُلْتُ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ هَذِهِ النُّجُومُ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ هَذَا الْفَلَكُ قَالَ بَلَى قُلْتُ أَ فَلَيْسَ قَدْ كَانَ أَسَاساً لِهَذِهِ النُّجُومِ قَالَ بَلَى قُلْتُ فَمَا أَرَى هَذِهِ النُّجُومَ الَّتِي زَعَمْتَ أَنَّهَا مَوَالِيدُ النَّاسِ إِلَّا وَ قَدْ وُضِعَتْ بَعْدَ هَذَا الْفَلَكِ لِأَنَّهُ بِهِ تَدُورُ الْبُرُوجُ وَ تَسْفُلُ مَرَّةً وَ تَصْعَدُ أُخْرَى قَالَ قَدْ جِئْتَ بِأَمْرٍ وَاضِحٍ لَا يُشْكِلُ عَلَى ذِي عَقْلٍ أَنَّ الْفَلَكَ الَّذِي تَدُورُ بِهِ النُّجُومُ هُوَ أَسَاسُهَا الَّذِي وُضِعَ لَهَا لِأَنَّهَا إِنَّمَا جَرَتْ بِهِ قُلْتُ أَقْرَرْتَ أَنَّ خَالِقَ النُّجُومِ الَّتِي يُولَدُ بِهَا النَّاسُ سُعُودُهُمْ وَ نُحُوسُهُمْ هُوَ خَالِقُ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ خَلَقَهَا لَمْ يَكُنْ ذَرْءٌ قَالَ مَا أَجِدُ بُدّاً مِنْ إِجَابَتِكَ إِلَى ذَلِكَ قُلْتُ أَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ يَدُلَّكَ عَقْلُكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ السَّمَاءِ إِلَّا الَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ وَ الذَّرْءَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ وَ أَنَّهُ لَوْ لَا السَّمَاءُ وَ مَا فِيهَا لَهَلَكَ ذَرْءُ الْأَرْضِ.

شرح أن يكون لبعض الناس أي هذا العلم اعلم أن كلامه و احتجاجه ع‏

____________

(1) و في نسخة: قد أنكر عليك.

(2) و في نسخة: قال: ذلك أنقى للشك عنى.

177

مبنيّ على أحد أمرين الأول ما يحكم به الوجدان من أن العلم بدقائق حركات هذه الكواكب و خواص آثارها و المناسبة بينها و بين ما هي علامة لحدوثها لا يتأتّى إلا لخالقها الذي جعلها كذلك أو من ينتهي علمه إليه و معلوم أن ما هو الحق من هذه العلوم إنما وصل إلى الخلق من الأنبياء كما اعترفوا به و لما لم يحيطوا بجميع ذلك و ضاع عنهم بعض ما استفادوا من الأنبياء(ع)أيضا فلذا ترى الرياضيين يتحيرون في بعض الحركات التي لا تستقيم على أصولهم و يسمونها ما لا ينحل و ترى المنجمين يخطئون في كثير من أحكامهم لذلك ثم ذكر(ع)على سبيل التنزل أنه لو سلمنا أنه يمكن أن يتيسر ذلك لمخلوق من البشر فلا يتأتّى ذلك إلا لمن كان معها في حركاتها و يعاشرها مدة طويلة ليعلم كيفية حركاتها و جرب بكثرة المعاشرة خواصها و آثارها.

و الثاني أن يكون المراد أنك إذا اعترفت أن كل الخلق يولدون بهذه النجوم فلا يكون أحد منهم علة لها و لآثارها لتقدمها عليهم و لا شك في أنه لا بد من حكيم عالم بجميع الأمور قادر عليها أسّس ذلك الأساس و بنى عليها تلك الآثار و الأحكام التي أمكن للخلق بها استعلام ما لم يأت من الأمور فقد أقررت بالصانع فهو أول عالم بهذا العلم لا الحكيم الذي تزعم أنه يولد بتلك النجوم‏ (1) و يحتمل أن يكون المقصود من الكلام الإشارة إلى كلا الدليلين كما لا يخفى بعد التأمّل قوله(ع)مواضعها من السماء أي عند كونها فوق الأرض و مواضعها تحت الأرض أي بعد غروبها و استتارها عنا بالأرض قوله(ع)إلا بمن في السماء أي بمن أحاط علمه و قدرته و حكمه بالسماء و ما فيها قوله(ع)فأنا أقول قولك أي أنا أعتقد ما قلت من أن الحكماء الذين تزعمهم عالمين به لم يرقوا إلى السماء أو أعتقد أنه لا يمكنهم أن يرقوا إلى السماء بأنفسهم بدون تعلق إرادة الرب تعالى به و مع ذلك فإن سلمناه فلا يكفي محض الصعود للإحاطة بذلك قوله(ع)مع كل برج أي فيه أو بالحركة السريعة قوله(ع)في ثلاثين سنة و هو زحل و هو أبطأ السيارات و إنما لم يتعرض(ع)للثوابت مع‏

____________

(1) و بعبارة اخرى إنك بعد ما اعترفت بأن جميع الناس يولدون بهذه النجوم و لم يمكن أن يولد أحد من أهل الأرض الا بهذه النجوم لأنّها علته، فقد اعترفت بأن واضع هذه النجوم غير أهل الدنيا لانهم معلولون لها، و هذا تسليم و اذعان منك بالصانع تعالى.

178

كونها أبطأ لأن مبنى أحكامهم على السيارات قوله(ع)لأن مجاريها تحت الأرض لما ذكر(ع)سابقا سيره مع الكواكب من الطلوع إلى الغروب أشار(ع)هاهنا إلى أنه لا يكفي ذلك للعلم بجميع الحركات حتى يسير معها بعد الغروب فيحاذي ما تحت الأرض من البحار و المواضع المظلمة بالبخارات أو يسير مع سائر الكواكب عند كون الشمس فوق الأرض حتى يحاذي ما تحتها الظلمة ثم بين(ع)الحاجة إلى ذلك بأنه لا تكفي الإحاطة ببعض مسيرها للعلم بحركاتها لأن حركاتها الخاصة عندهم مختلفة بالنسبة إلى مركز العالم بسبب التداوير و الأفلاك الخارجة المراكز و غيرها فتارة تسرع و تارة تبطئ فلا تتأتى مقايسة بعض حركاتها ببعض.

قوله(ع)كيف يكون بعضها سعدا أي يرجع قولك إلى أنها مع صفاتها وجدت من غير صانع فكيف صار بعضها هكذا و بعضها هكذا فترجح هذه الأحوال الممكنة و حصولها من غير علة مما يحكم العقل باستحالته أو المراد أنها لو كانت خالقة لأنفسها لكان كل منها يختار لنفسه أفضل الأحوال و أشرفها فكان جميعها على حالة واحدة هي أفضل الأحوال و هذا أظهر ثم لما لم يفهم السائل ذلك غير الكلام و صرفه إلى ما هو أوضح و قوله(ع)قد أقررت أنها لم تكن شيئا إما مبني على أن الصنع و الخلق لا يتعلقان إلا بالحادث أو على ما كان ظاهر كلام السائل أن لوجودها مبدأ ثم إن السائل لما تفطن بفساد كون الشي‏ء صانعا لنفسه رجع و أقر بأن العقل يحكم بديهة بأن المصنوع غير الصانع و الباني غير البناء و ما ذكره(ع)من أن خالق الحياة و الموت لا بد أن يكون واحدا مما يحكم به الوجدان مع أن الظاهر من خالق الحياة من يكون مستقلا فيه و الموت ليس إلا رفع الحياة فلو كان مستندا إلى غيره لم يكن خالق الحياة مستقلا فيه.

قوله(ع)دون هذا أي أنا أنكر الصعود إلى السماء الذي هو أسهل مما ذكرت فكيف أقر به أو المراد أن الصعود إلى السماء أسهل علي من الإقرار بما ذكرت قوله(ع)إنهن كن قبل الناس أي بالعلية و السببية كما ظن السائل أو بالزمان أي تقدمها على كل شخص أو على الجميع بناء على لزوم التقدم على كل‏

179

من الأشخاص التقدم على الجميع كما قيل أو على أنه(ع)كان يعلم أن السائل كان قائلا بذلك فذكره(ع)إلزاما عليه كما اعترف به و على الأول يكون المراد بقوله لم يزالوا و لا يزالون عدم استنادهم إلى علة و على الثاني فالمراد إما قدم مادتهم أو صورهم أيضا بناء على القول بالكمون و على الثالث فالمراد قدم نوعهم قوله(ع)بعد هذا الفلك أي هي محتاجة إلى الفلك و الفلك متقدمة عليها بالعلية فلا يصح كون النجوم علة لها للزوم الدور قوله(ع)لم يكن ذرء أي مذروء و مخلوق من الإنس.

ثم اعلم أن حاصل استدلاله على ما ظهر لهذا القاصر هو أنه(ع)لما قرر السائل سالفا على أن النجوم ليست خالقة لأنفسها و آنفا على أنها ليست مخلوقة للناس و غيرها مما يحدث بزعمه بتأثيرها لتأخرها عنها و على أن الأرض أيضا متقدمة على ما عليها من الخلق فلا تكون مخلوقة لما عليها و على أن الفلك لتقدمه على النجوم المتقدمة على الناس لا يجوز كونه مخلوقا لشي‏ء منها استدل(ع)هاهنا على أنه لا بد أن يكون خالق السماء و الأرض و ما في السماء من الشمس و القمر و النجوم و ما على الأرض من الخلق واحدا.

أما اتحاد خالق الأرض و النجوم فيمكن تقريره بوجهين الأول أن الناس محتاجون إلى الأرض كما عرفت و ظاهر أنها من أعظم مصالحهم فالوجدان الصحيح يحكم بأن من خلق شيئا يعد له ما يصلحه و يهيئ له ما سيحتاج إليه فظهر أنه لا بد أن يكون خالق الناس و خالق الأرض واحدا و الناس بزعمك مخلوقون للنجوم و لزمك القول بوجود خالق للنجوم فلا بد من القول بكون الأرض منسوبة إلى خالق النجوم إما بلا واسطة أو بواسطة النجوم أو غيرها فثبت المطلوب.

الثاني أنا نرى التلازم بين الناس و الأرض لحكم العقل بأن كلا منهما يرتفع عند ارتفاع الآخر إذ الظاهر أن غاية خلق الأرض هو الإنسان و نحوه و هم محتاجون في أمورهم إليها و قد تقرر أن المتلازمين إما أن يكون أحدهما علة للآخر أو كل منهما معلول علة ثالثة و لا يجوز أن يكون الناس عللا للأرض لما عرفت و لا معلولة

180

لها لانتسابها عندك إلى النجوم فلا بد من أن يكونا معلولي علة واحدة و بأحد هذين التقريرين يثبت اتحاد خالق السماء و خالق هذه الأمور السابقة لاحتياج ما على الأرض من الخلق إلى السماء و ما فيها من النجوم و إليه أشار(ع)بقوله و إنه لو لا السماء و ما فيها لهلك ذرء الأرض هذا ما أحاط به نظري العاثر و سيأتي في تضاعيف كلامه(ع)توضيح ما قلناه و التصريح ببعض ما قررناه و الله يعلم و حججه(ع)حقائق كلامهم و دقائق مرامهم ثم لا يتوهم متوهم من كلامه(ع)أن للنجوم تأثيرا فإنه ظاهر أنه(ع)إنما ذكرها إلزاما عليه و مماشاة معه لإتمام الحجة عليه‏ (1) بل لا يمكن الاستدلال على سعودها و نحوسها و كونها علامات للكائنات أيضا بهذا الوجه لكن ظاهره أن لها سعادة و نحوسة و أنها علامات و سيأتي القول في ذلك مفصلا في كتاب السماء و العالم.

6 متن قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ الْخَالِقَ وَاحِدٌ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ لِأَنَّكَ قَدْ أَتَيْتَنِي بِحُجَّةٍ ظَهَرَتْ لِعَقْلِي وَ انْقَطَعَتْ بِهَا حُجَّتِي وَ مَا أَرَى يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ وَاضِعُ هَذَا الْحِسَابِ وَ مُعَلِّمُ هَذِهِ النُّجُومِ وَاحِداً مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ لِأَنَّهَا فِي السَّمَاءِ وَ لَا مَعَ ذَلِكَ يَعْرِفُ مَا تَحْتَ الْأَرْضِ مِنْهَا إِلَّا مُعَلِّمُ مَا فِي السَّمَاءِ مِنْهَا وَ لَكِنْ لَسْتُ أَدْرِي كَيْفَ سَقَطَ أَهْلُ الْأَرْضِ عَلَى هَذَا الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ حَتَّى اتَّفَقَ حِسَابُهُمْ عَلَى مَا رَأَيْتَ مِنَ الدِّقَّةِ وَ الصَّوَابِ فَإِنِّي لَوْ لَمْ أَعْرِفْ مِنْ هَذَا الْحِسَابِ مَا أَعْرِفُهُ لَأَنْكَرْتُهُ وَ لَأَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ بَاطِلٌ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ فَكَانَ أَهْوَنَ عَلَيَّ قُلْتُ فَأَعْطِنِي مَوْثِقاً إِنْ أَنَا أَعْطَيْتُكَ مِنْ قِبَلِ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةِ الَّتِي فِي يَدِكَ وَ مَا تَدَّعِي مِنَ الطِّبِّ الَّذِي هُوَ صِنَاعَتُكَ وَ صِنَاعَةُ آبَائِكَ حَتَّى يَتَّصِلَ الْإِهْلِيلَجَةُ وَ مَا يُشْبِهُهَا مِنَ الْأَدْوِيَةِ بِالسَّمَاءِ لَتُذْعِنَنَّ بِالْحَقِّ وَ لَتُنْصِفَنَّ مِنْ نَفْسِكَ قَالَ ذَلِكَ لَكَ قُلْتُ هَلْ كَانَ النَّاسُ عَلَى حَالٍ وَ هُمْ لَا يَعْرِفُونَ الطِّبَّ وَ مَنَافِعَهُ مِنْ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةِ وَ أَشْبَاهِهَا قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَمِنْ أَيْنَ اهْتَدَوْا لَهُ قَالَ بِالتَّجْرِبَةِ وَ طُولِ الْمُقَايَسَةِ قُلْتُ فَكَيْفَ خَطَرَ

____________



(1) ما ذكره (رحمه الله ) بمعنى التأثير بنحو الاستقلال حق، و أمّا أصل التأثير بمعنى وجود رابطة السببية و المسببية بين هذه الأشياء فهو ممّا بنى عليه كلامه (عليه السلام) من أوله إلى آخره كما هو ظاهر. ط.

181

عَلَى أَوْهَامِهِمْ حَتَّى هَمُّوا بِتَجْرِبَتِهِ وَ كَيْفَ ظَنُّوا أَنَّهُ مَصْلَحَةٌ لِلْأَجْسَادِ وَ هُمْ لَا يَرَوْنَ فِيهِ إِلَّا الْمَضَرَّةَ أَوْ كَيْفَ عَزَمُوا عَلَى طَلَبِ مَا لَا يَعْرِفُونَ مِمَّا لَا تَدُلُّهُمْ عَلَيْهِ الْحَوَاسُّ قَالَ بِالتَّجَارِبِ قُلْتُ أَخْبِرْنِي عَنْ وَاضِعِ هَذَا الطِّبِّ وَ وَاصِفِ هَذِهِ الْعَقَاقِيرِ الْمُتَفَرِّقَةِ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ هَلْ كَانَ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الَّذِي وَضَعَ ذَلِكَ وَ دَلَّ عَلَى هَذِهِ الْعَقَاقِيرِ رجل حكيم [رَجُلًا حَكِيماً مِنْ بَعْضِ أَهْلِ هَذِهِ الْبُلْدَانِ قَالَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ وَ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا حَكِيماً وَضَعَ ذَلِكَ وَ جَمَعَ عَلَيْهِ الْحُكَمَاءُ فَنَظَرُوا فِي ذَلِكَ وَ فَكَّرُوا فِيهِ بِعُقُولِهِمْ قُلْتُ كَأَنَّكَ تُرِيدُ الْإِنْصَافَ مِنْ نَفْسِكَ وَ الْوَفَاءَ بِمَا أُعْطِيتَ مِنْ مِيثَاقِكَ فَأَعْلِمْنِي كَيْفَ عَرَفَ الْحَكِيمُ ذَلِكَ وَ هَبْهُ قَدْ عَرَفَ بِمَا فِي بِلَادِهِ مِنَ الدَّوَاءِ وَ الزَّعْفَرَانِ الَّذِي بِأَرْضِ فَارِسَ أَ تَرَاهُ اتَّبَعَ جَمِيعَ نَبَاتِ الْأَرْضِ فَذَاقَهُ شَجَرَةً شَجَرَةً حَتَّى ظَهَرَ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ وَ هَلْ يَدُلُّكَ عَقْلُكَ عَلَى أَنَّ رِجَالًا حُكَمَاءَ قَدَرُوا عَلَى أَنْ يَتَّبِعُوا جَمِيعَ بِلَادِ فَارِسَ وَ نَبَاتِهَا شَجَرَةً شَجَرَةً حَتَّى عَرَفُوا ذَلِكَ بِحَوَاسِّهِمْ وَ ظَهَرُوا عَلَى تِلْكَ الشَّجَرَةِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا خِلْطُ بَعْضِ هَذِهِ الْأَدْوِيَةِ الَّتِي لَمْ تُدْرِكْ حَوَاسُّهُمْ شَيْئاً مِنْهَا وَ هَبْهُ أَصَابَ تِلْكَ الشَّجَرَةَ بَعْدَ بَحْثِهِ عَنْهَا وَ تَتَبُّعِهِ جَمِيعَ شَجَرِ فَارِسَ وَ نَبَاتِهَا كَيْفَ عَرَفَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ دَوَاءٌ حَتَّى يَضُمَّ إِلَيْهِ الْإِهْلِيلَجَ مِنَ الْهِنْدِ وَ الْمَصْطَكَى مِنَ الرُّومِ وَ الْمِسْكَ مِنَ التُّبَّتِ وَ الدَّارْصِينِيَّ مِنَ الصِّينِ وَ خُصَى بِيدَسْتَرَ مِنَ التُّرْكِ وَ الْأَفْيُونَ مِنْ مِصْرَ وَ الصَّبِرَ مِنَ الْيَمَنِ‏ (1) وَ الْبُورَقَ مِنْ إرمنية (2) [إِرْمِينِيَّةَ وَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَخْلَاطِ الْأَدْوِيَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ وَ كَيْفَ عَرَفَ أَنَّ بَعْضَ تِلْكَ الْأَدْوِيَةِ وَ هِيَ عَقَاقِيرُ مُخْتَلِفَةٌ يَكُونُ الْمَنْفَعَةُ بِاجْتِمَاعِهَا وَ لَا يَكُونُ مَنْفَعَتُهَا فِي الْحَالاتِ بِغَيْرِ اجْتِمَاعٍ أَمْ كَيْفَ اهْتَدَى لِمَنَابِتِ هَذِهِ الْأَدْوِيَةِ وَ هِيَ أَلْوَانٌ مُخْتَلِفَةٌ وَ عَقَاقِيرُ مُتَبَايِنَةٌ فِي بُلْدَانٍ مُتَفَرِّقَةٍ فَمِنْهَا عُرُوقٌ وَ مِنْهَا لِحَاءٌ (3) وَ مِنْهَا وَرَقٌ وَ مِنْهَا ثَمَرٌ وَ مِنْهَا عَصِيرٌ وَ مِنْهَا مَائِعٌ وَ مِنْهَا صَمْغٌ وَ مِنْهَا دُهْنٌ وَ مِنْهَا

____________



(1) الصبر وزان كتف: عصارة شجر مر.

(2) البورق بالفتح معرب بوره: شي‏ء يتكون مثل الملح في شطوط الأنهار و المياه.

(3) اللحاء: قشر العود أو الشجر.

182

مَا يُعْصَرُ وَ يُطْبَخُ وَ مِنْهَا مَا يُعْصَرُ وَ لَا يُطْبَخُ مِمَّا سُمِّيَ بِلُغَاتٍ شَتَّى لَا يُصْلَحُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ وَ لَا يَصِيرُ دَوَاءً إِلَّا بِاجْتِمَاعِهَا وَ مِنْهَا مَرَائِرُ السِّبَاعِ وَ الدَّوَابِّ الْبَرِّيَّةِ وَ الْبَحْرِيَّةِ وَ أَهْلُ هَذِهِ الْبُلْدَانِ مَعَ ذَلِكَ مُتَعَادُونَ مُخْتَلِفُونَ مُتَفَرِّقُونَ بِاللُّغَاتِ مُتَغَالِبُونَ بِالْمُنَاصَبَةِ (1) وَ مُتَحَارِبُونَ بِالْقَتْلِ وَ السَّبْيِ أَ فَتَرَى ذَلِكَ الْحَكِيمَ تَتَبَّعَ هَذِهِ الْبُلْدَانَ حَتَّى عَرَفَ كُلَّ لُغَةٍ وَ طَافَ كُلَّ وَجْهٍ وَ تَتَبَّعَ هَذِهِ الْعَقَاقِيرَ مَشْرِقاً وَ مَغْرِباً آمِناً صَحِيحاً لَا يَخَافُ وَ لَا يَمْرَضُ سَلِيماً لَا يَعْطَبُ حَيّاً لَا يَمُوتُ هَادِياً لَا يَضِلُّ قَاصِداً لَا يَجُورُ (2) حَافِظاً لَا يَنْسَى نَشِيطاً لَا يَمَلُّ حَتَّى عَرَفَ وَقْتَ أَزْمِنَتِهَا وَ مَوَاضِعَ مَنَابِتِهَا مَعَ اخْتِلَاطِهَا وَ اخْتِلَافِ صِفَاتِهَا وَ تَبَايُنِ أَلْوَانِهَا وَ تَفَرُّقِ أَسْمَائِهَا ثُمَّ وَضَعَ مِثَالَهَا عَلَى شِبْهِهَا وَ صِفَتِهَا ثُمَّ وَصَفَ كُلَّ شَجَرَةٍ بِنَبَاتِهَا وَ وَرَقِهَا وَ ثَمَرِهَا وَ رِيحِهَا وَ طَعْمِهَا أَمْ هَلْ كَانَ لِهَذَا الْحَكِيمِ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَتَّبِعَ جَمِيعَ أَشْجَارِ الدُّنْيَا وَ بُقُولِهَا وَ عُرُوقِهَا شَجَرَةً شَجَرَةً وَ وَرَقَةً وَرَقَةً شَيْئاً شَيْئاً فَهَبْهُ وَقَعَ عَلَى الشَّجَرَةِ الَّتِي أَرَادَ فَكَيْفَ دَلَّتْهُ حَوَاسُّهُ عَلَى أَنَّهَا تُصْلِحُ لِدَوَاءٍ وَ الشَّجَرُ مُخْتَلِفٌ مِنْهُ الْحُلْوُ وَ الْحَامِضُ وَ الْمُرُّ وَ الْمَالِحُ وَ إِنْ قُلْتَ يَسْتَوْصِفُ فِي هَذِهِ الْبُلْدَانِ وَ يَعْمَلُ بِالسُّؤَالِ فَأَنَّى يَسْأَلُ عَمَّا لَمْ يُعَايِنْ وَ لَمْ يُدْرِكْهُ بِحَوَاسِّهِ أَمْ كَيْفَ يَهْتَدِي إِلَى مَنْ يَسْأَلُهُ عَنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ وَ هُوَ يُكَلِّمُهُ بِغَيْرِ لِسَانِهِ وَ بِغَيْرِ لُغَتِهِ وَ الْأَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ فَهَبْهُ فَعَلَ كَيْفَ عَرَفَ مَنَافِعَهَا وَ مَضَارَّهَا وَ تَسْكِينَهَا وَ تَهْيِيجَهَا وَ بَارِدَهَا وَ حَارَّهَا وَ حُلْوَهَا وَ مَرَارَتَهَا وَ حَرَافَتَهَا (3) وَ لَيِّنَهَا وَ شَدِيدَهَا (4) فَلَئِنْ قُلْتَ بِالظَّنِّ إِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُدْرَكُ وَ لَا يُعْرَفُ بِالطَّبَائِعِ وَ الْحَوَاسِّ وَ لَئِنْ قُلْتَ بِالتَّجْرِبَةِ وَ الشُّرْبِ لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمُوتَ فِي أَوَّلِ مَا شَرِبَ وَ جَرَّبَ تِلْكَ الْأَدْوِيَةَ بِجَهَالَتِهِ بِهَا وَ قِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِمَنَافِعِهَا وَ مَضَارِّهَا وَ أَكْثَرُهَا السَّمُّ الْقَاتِلُ وَ لَئِنْ قُلْتَ بَلْ طَافَ فِي كُلِّ بَلَدٍ وَ أَقَامَ فِي كُلِّ أُمَّةٍ يَتَعَلَّمُ لُغَاتِهِمْ وَ يُجَرِّبُ بِهِمْ أَدْوِيَتَهُمْ تُقْتَلُ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ مِنْهُمْ مَا كَانَ لِتَبْلُغَ مَعْرِفَتُهُ الدَّوَاءَ الْوَاحِدَ إِلَّا بَعْدَ قَتْلِ قَوْمٍ كَثِيرٍ فَمَا كَانَ أَهْلُ تِلْكَ الْبُلْدَانِ‏

____________



(1) في نسخة: متقلبون بالمناصبة.

(2) في نسخة: قاصدا لا يجوز.

(3) الحرافة: طعم يلذع اللسان بحرارته.

(4) في نسخة: و لينها و يابسها.

183

الَّذِينَ قُتِلَ مِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ بِتَجْرِبَتِهِ بِالَّذِينَ يَنْقَادُونَهُ بِالْقَتْلِ وَ لَا يَدْعُونَهُ أَنْ يُجَاوِرَهُمْ وَ هَبْهُ تَرَكُوهُ وَ سَلَّمُوا لِأَمْرِهِ وَ لَمْ يَنْهَوْهُ كَيْفَ قَوِيَ عَلَى خَلْطِهَا وَ عَرَفَ قَدْرَهَا وَ وَزْنَهَا وَ أَخَذَ مَثَاقِيلَهَا وَ قَرَطَ قَرَارِيطَهَا وَ هَبْهُ تَتَبَّعَ هَذَا كُلَّهُ وَ أَكْثَرُهُ سَمٌّ قَاتِلٌ إِنْ زِيدَ عَلَى قَدْرِهَا قَتَلَ وَ إِنْ نَقَصَ عَنْ قَدْرِهَا بَطَلَ وَ هَبْهُ تَتَبَّعَ هَذَا كُلَّهُ وَ جَالَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغَارِبَهَا وَ طَالَ عُمُرُهُ فِيهَا تَتَّبَعَهُ شَجَرَةً شَجَرَةً وَ بُقْعَةً بُقْعَةً كَيْفَ كَانَ لَهُ تَتَبُّعُ مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ مِنْ مَرَارَةِ الطَّيْرِ وَ السِّبَاعِ وَ دَوَابِّ الْبَحْرِ هَلْ كَانَ بُدٌّ حَيْثُ زَعَمْتَ أَنَّ ذَلِكَ الْحَكِيمَ تَتَبَّعَ عَقَاقِيرَ الدُّنْيَا شَجَرَةً شَجَرَةً وَ ثَمَرَةً ثَمَرَةً حَتَّى جَمَعَهَا كُلَّهَا فَمِنْهَا مَا لَا يُصْلَحُ وَ لَا يَكُونُ دَوَاءً إِلَّا بِالْمَرَارِ هَلْ كَانَ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَتَّبِعَ جَمِيعَ طَيْرِ الدُّنْيَا وَ سِبَاعِهَا وَ دَوَابِّهَا دَابَّةً دَابَّةً وَ طَائِراً طَائِراً يَقْتُلُهَا وَ يُجَرِّبُ مَرَارَتَهَا كَمَا بَحَثَ عَنْ تِلْكَ الْعَقَاقِيرِ عَلَى مَا زَعَمْتَ بِالتَّجَارِبِ وَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ فَكَيْفَ بَقِيَتِ الدَّوَابُّ وَ تَنَاسَلَتْ وَ لَيْسَتْ بِمَنْزِلَةِ الشَّجَرَةِ إِذَا قُطِعَتْ شَجَرَةٌ نَبَتَتْ أُخْرَى وَ هَبْهُ أَتَى عَلَى طَيْرِ الدُّنْيَا كَيْفَ يَصْنَعُ بِمَا فِي الْبَحْرِ مِنَ الدَّوَابِّ الَّتِي كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَّبِعَهَا بَحْراً بَحْراً وَ دَابَّةً دَابَّةً حَتَّى أَحَاطَ بِهِ كَمَا أَحَاطَ بِجَمِيعِ عَقَاقِيرِ الدُّنْيَا الَّتِي بَحَثَ عَنْهَا حَتَّى عَرَفَهَا وَ طَلَبَ ذَلِكَ فِي غَمَرَاتِ الْمَاءِ فَإِنَّكَ مَهْمَا جَهِلْتَ شَيْئاً مِنْ هَذَا فَإِنَّكَ لَا تَجْهَلُ أَنَّ دَوَابَّ الْبَحْرِ كُلَّهَا تَحْتَ الْمَاءِ فَهَلْ يَدُلُّ الْعَقْلُ وَ الْحَوَاسُّ عَلَى أَنَّ هَذَا يُدْرَكُ بِالْبَحْثِ وَ التَّجَارِبِ قَالَ لَقَدْ ضَيَّقْتَ عَلَيَّ الْمَذَاهِبَ فَمَا أَدْرِي مَا أُجِيبُكَ بِهِ قُلْتُ فَإِنِّي آتِيكَ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ أَوْضَحُ وَ أَبْيَنُ مِمَّا اقْتَصَصْتُ عَلَيْكَ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْعَقَاقِيرَ الَّتِي مِنْهَا الْأَدْوِيَةُ وَ الْمَرَارَ مِنَ الطَّيْرِ وَ السِّبَاعِ لَا يَكُونُ دَوَاءً إِلَّا بَعْدَ الِاجْتِمَاعِ قَالَ هُوَ كَذَلِكَ قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي كَيْفَ حَوَاسُّ هَذَا الْحَكِيمِ وَضَعَتْ هَذِهِ الْأَدْوِيَةَ مَثَاقِيلَهَا وَ قَرَارِيطَهَا فَإِنَّكَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِذَلِكَ لِأَنَّ صِنَاعَتَكَ الطِّبُّ وَ أَنْتَ تُدْخِلُ فِي الدَّوَاءِ الْوَاحِدِ مِنَ اللَّوْنِ الْوَاحِدِ زِنَةَ أَرْبَعِمِائَةِ مِثْقَالٍ وَ مِنَ الْآخَرِ مَثَاقِيلَ وَ قَرَارِيطَ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ وَ دُونَهُ حَتَّى يَجِي‏ءَ بِقَدْرِ وَاحِدٍ مَعْلُومٍ إِذَا سَقَيْتَ مِنْهُ صَاحِبَ الْبِطْنَةِ بِمِقْدَارٍ عَقَدَ بَطْنَهُ وَ إِنْ سَقَيْتَ صَاحِبَ الْقُولَنْجِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ وَ أَلَانَ‏ (1) فَكَيْفَ أَدْرَكَتْ حَوَاسُّهُ عَلَى هَذَا

____________



(1) استطلق البطن: مشى. و ألان اي جعله لينا.

184

أَمْ كَيْفَ عَرَفَتْ حَوَاسُّهُ أَنَّ الَّذِي يُسْقَى لِوَجَعِ الرَّأْسِ لَا يَنْحَدِرُ إِلَى الرِّجْلَيْنِ وَ الِانْحِدَارُ أَهْوَنُ عَلَيْهِ مِنَ الصُّعُودِ وَ الَّذِي يُسْقَى لِوَجَعِ الْقَدَمَيْنِ لَا يَصْعَدُ إِلَى الرَّأْسِ وَ هُوَ إِلَى الرَّأْسِ عِنْدَ السُّلُوكِ أَقْرَبُ مِنْهُ وَ كَذَلِكَ كُلُّ دَوَاءٍ يُسْقَى صَاحِبَهُ لِكُلِّ عُضْوٍ لَا يَأْخُذُ إِلَّا طَرِيقَهُ فِي الْعُرُوقِ الَّتِي تُسْقَى لَهُ وَ كُلُّ ذَلِكَ يَصِيرُ إِلَى الْمَعِدَةِ وَ مِنْهَا يَتَفَرَّقُ أَمْ كَيْفَ لَا يَسْفُلُ مِنْهُ مَا صَعِدَ وَ لَا يَصْعَدُ مِنْهُ مَا انْحَدَرَ أَمْ كَيْفَ عَرَفَتِ الْحَوَاسُّ هَذَا حَتَّى عَلِمَ أَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي لِلْأُذُنِ لَا يَنْفَعُ الْعَيْنَ وَ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْعَيْنُ لَا يُغْنِي مِنْ وَجَعِ الْأُذُنِ وَ كَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَعْضَاءِ يَصِيرُ كُلُّ دَاءٍ مِنْهَا إِلَى ذَلِكَ الدَّوَاءِ (1) الَّذِي يَنْبَغِي لَهُ بِعَيْنِهِ فَكَيْفَ أَدْرَكَتِ الْعُقُولُ وَ الْحِكْمَةُ وَ الْحَوَاسُّ هَذَا وَ هُوَ غَائِبٌ فِي الْجَوْفِ وَ الْعُرُوقُ فِي اللَّحْمِ وَ فَوْقَهُ الْجِلْدُ لَا يُدْرَكُ بِسَمْعٍ وَ لَا بِبَصَرٍ وَ لَا بِشَمٍّ وَ لَا بِلَمْسٍ وَ لَا بِذَوْقٍ قَالَ لَقَدْ جِئْتَ بِمَا أَعْرِفُهُ‏ (2) إِلَّا أَنَّنَا نَقُولُ إِنَّ الْحَكِيمَ الَّذِي وَضَعَ هَذِهِ الْأَدْوِيَةَ وَ أَخْلَاطَهَا كَانَ إِذَا سَقَى أَحَداً شَيْئاً مِنْ هَذِهِ الْأَدْوِيَةِ فَمَاتَ شَقَّ بَطْنَهُ وَ تَتَبَّعَ عُرُوقَهُ وَ نَظَرَ مَجَارِيَ تِلْكَ الْأَدْوِيَةِ وَ أَتَى الْمَوَاضِعَ الَّتِي تِلْكَ الْأَدْوِيَةُ فِيهَا قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الدَّوَاءَ كُلَّهُ إِذَا وَقَعَ فِي الْعُرُوقِ اخْتَلَطَ بِالدَّمِ فَصَارَ شَيْئاً وَاحِداً قَالَ بَلَى قُلْتُ أَ مَا تَعْلَمُ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا خَرَجَتْ نَفْسُهُ بَرَدَ دَمُهُ وَ جَمَدَ قَالَ بَلَى قُلْتُ فَكَيْفَ عَرَفَ ذَلِكَ الْحَكِيمُ دَوَاءَهُ الَّذِي سَقَاهُ لِلْمَرِيضِ بَعْدَ مَا صَارَ غَلِيظاً عَبِيطاً لَيْسَ بِأَمْشَاجٍ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِلَوْنٍ فِيهِ غَيْرِ لَوْنِ الدَّمِ قَالَ لَقَدْ حَمَلْتَنِي عَلَى مَطِيَّةٍ صَعْبَةٍ مَا حُمِلْتُ عَلَى مِثْلِهَا قَطُّ وَ لَقَدْ جِئْتَ بِأَشْيَاءَ لَا أَقْدِرُ عَلَى رَدِّهَا.

شرح قوله(ع)خلط بعض هذه الأدوية الخلط بالكسر ما يخلط بالشي‏ء أي ما يدخل في بعض هذه الأدوية المركّبة قوله(ع)ثم وضع مثالها على شبهها أي ضمّ كلما وجد من كل نوع إلى مثله لأنه يشبهه و يوافقه في الصفة أو ترك الأشياء التي تشبه ما يريده و إن كانت موافقة له في الصفات فإن كثيرا من العقاقير تشتبه بغيرها لاتفاقهما في كثير من الصفات قوله(ع)فكيف بقيت لعل المفروض أن ذلك كان‏

____________

(1) في نسخة: يصير كل دواء منها إلى ذلك الداء.

(2) في نسخة: لقد جئت بما أعرف.

185

في مبادي خلق العالم لقدم ذلك العلم فيلزم من التجارب الكثيرة فناء الحيوانات لقلّتها في تلك الأزمنة قوله(ع)ليس بأمشاج أي أشياء مختلطة متمايزة.

أقول كلامه(ع)يدلّ على أن خواصّ الأدوية و أجناسها و منافعها و مناسبتها للأمراض إنما وصل إلى الخلق بإخبار الرسل عليهم الصلاة و السلام و لم يصل الخلق إليها بعقولهم و تجاربهم.

متن قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي مِنْ أَيْنَ عَلِمَ الْعِبَادُ مَا وَصَفْتَ مِنْ هَذِهِ الْأَدْوِيَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَنَافِعُ لَهُمْ حَتَّى خَلَطُوهَا وَ تَتَبَّعُوا عَقَاقِيرَهَا فِي هَذِهِ الْبُلْدَانِ الْمُتَفَرِّقَةِ وَ عَرَفُوا مَوَاضِعَهَا وَ مَعَادِنَهَا فِي الْأَمَاكِنِ الْمُتَبَايِنَةِ وَ مَا يَصْلُحُ مِنْ عُرُوقِهَا وَ زِنَتَهَا مِنْ مَثَاقِيلِهَا وَ قَرَارِيطِهَا وَ مَا يَدْخُلُهَا مِنَ الْحِجَارَةِ وَ مِرَارِ السِّبَاعِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ قَالَ قَدْ أَعْيَيْتُ عَنْ إِجَابَتِكَ‏ (1) لِغُمُوضِ مَسَائِلِكَ وَ إِلْجَائِكَ إِيَّايَ إِلَى أَمْرٍ لَا يُدْرَكُ عِلْمُهُ بِالْحَوَاسِّ وَ لَا بِالتَّشْبِيهِ وَ الْقِيَاسِ وَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ وَضَعَ هَذِهِ الْأَدْوِيَةَ وَاضِعٌ لِأَنَّهَا لَمْ تَضَعْ هِيَ أَنْفُسَهَا وَ لَا اجْتَمَعَتْ حَتَّى جَمَعَهَا غَيْرُهَا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ إِيَّاهَا فَأَخْبِرْنِي كَيْفَ عَلِمَ الْعِبَادُ هَذِهِ الْأَدْوِيَةَ الَّتِي فِيهَا الْمَنَافِعُ حَتَّى خَلَطُوهَا وَ طَلَبُوا عَقَاقِيرَهَا فِي هَذِهِ الْبُلْدَانِ الْمُتَفَرِّقَةِ قُلْتُ إِنِّي ضَارِبٌ لَكَ مَثَلًا وَ نَاصِبٌ لَكَ دَلِيلًا تَعْرِفُ بِهِ وَاضِعَ هَذِهِ الْأَدْوِيَةِ وَ الدَّالَّ عَلَى هَذِهِ الْعَقَاقِيرِ الْمُخْتَلِفَةِ وَ بَانِيَ الْجَسَدِ وَ وَاضِعَ الْعُرُوقِ الَّتِي يَأْخُذُ فِيهَا الدَّوَاءُ إِلَى الدَّاءِ قَالَ فَإِنْ قُلْتَ ذَلِكَ لَمْ أَجِدْ بُدّاً مِنَ الِانْقِيَادِ إِلَى ذَلِكَ قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ رَجُلٍ أَنْشَأَ حَدِيقَةً عَظِيمَةً وَ بَنَى عَلَيْهَا حَائِطاً وَثِيقاً ثُمَّ غَرَسَ فِيهَا الْأَشْجَارَ وَ الْأَثْمَارَ وَ الرَّيَاحِينَ وَ الْبُقُولَ وَ تَعَاهَدَ سَقْيَهَا وَ تَرْبِيَتَهَا وَ وَقَاهَا مَا يَضُرُّهَا حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَوْضِعُ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا فَإِذَا أَدْرَكَتْ أَشْجَارُهَا وَ أَيْنَعَتْ أَثْمَارُهَا (2) وَ اهْتَزَّتْ بُقُولُهَا دَفَعْتَ إِلَيْهِ‏ (3) فَسَأَلْتَهُ أَنْ يُطْعِمَكَ لَوْناً مِنَ الثِّمَارِ وَ الْبُقُولِ سَمَّيْتَهُ لَهُ أَ تَرَاهُ كَانَ قَادِراً عَلَى‏

____________



(1) أي قد اعجزت عن إجابتك.

(2) اينع الثمر: أدرك و طاب و حان قطافه. و في بعض النسخ: ايفع أثمارها. فهو من أيفع الغلام: ترعرع و ناهز البلوغ.

(3) في نسخة: ذهبت إليه.

186

أَنْ يَنْطَلِقَ قَاصِداً مُسْتَمِرّاً لَا يَرْجِعُ وَ لَا يَهْوِي إِلَى شَيْ‏ءٍ يَمُرُّ بِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ وَ الْبُقُولِ حَتَّى يَأْتِيَ الشَّجَرَةَ الَّتِي سَأَلْتَهُ أَنْ يَأْتِيَكَ بِثَمَرِهَا وَ الْبَقْلَةَ الَّتِي طَلَبْتَهَا حَيْثُ كَانَتْ مِنْ أَدْنَى الْحَدِيقَةِ أَوْ أَقْصَاهَا فَيَأْتِيَكَ بِهَا قَالَ نَعَمْ قُلْتُ أَ فَرَأَيْتَ لَوْ قَالَ لَكَ صَاحِبُ الْحَدِيقَةِ حَيْثُ سَأَلْتَهُ الثَّمَرَةَ ادْخُلِ الْحَدِيقَةَ فَخُذْ حَاجَتَكَ فَإِنِّي لَا أَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ هَلْ كُنْتَ تَقْدِرُ أَنْ تَنْطَلِقَ قَاصِداً لَا تَأْخُذُ يَمِيناً وَ لَا شِمَالًا حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الشَّجَرَةِ فَتَجْتَنِيَ مِنْهَا قَالَ وَ كَيْفَ أَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ وَ لَا عِلْمَ لِي فِي أَيِّ مَوَاضِعِ الْحَدِيقَةِ هِيَ قُلْتُ أَ فَلَيْسَ تَعْلَمُ أَنَّكَ لَمْ تَكُنْ لِتُصِيبَهَا دُونَ أَنْ تَهْجُمَ عَلَيْهَا بِتَعَسُّفٍ وَ جَوَلَانٍ فِي جَمِيعِ الْحَدِيقَةِ حَتَّى تَسْتَدِلَّ عَلَيْهَا بِبَعْضِ حَوَاسِّكَ بَعْدَ مَا تَتَصَفَّحُ فِيهَا مِنَ الشَّجَرَةِ شَجَرَةً شَجَرَةً وَ ثَمَرَةً ثَمَرَةً حَتَّى تَسْقُطَ عَلَى الشَّجَرَةِ الَّتِي تَطْلُبُ بِبَعْضِ حَوَاسِّكَ أَنْ تَأْتِيَهَا وَ إِنْ لَمْ تَرَهَا انْصَرَفْتَ قَالَ وَ كَيْفَ أَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ وَ لَمْ أُعَايِنْ مَغْرِسَهَا حَيْثُ غُرِسَتْ وَ لَا مَنْبِتَهَا حَيْثُ نَبَتَتْ وَ لَا ثَمَرَتَهَا حَيْثُ طَلَعَتْ قُلْتُ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ يَدُلَّكَ عَقْلُكَ حَيْثُ عَجَزَتْ حَوَاسُّكَ عَنْ إِدْرَاكِ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي غَرَسَ هَذَا الْبُسْتَانَ الْعَظِيمَ فِيمَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ غَرَسَ فِيهِ هَذِهِ الْأَشْجَارَ وَ الْبُقُولَ هُوَ الَّذِي دَلَّ الْحَكِيمَ الَّذِي زَعَمْتَ أَنَّهُ وَضَعَ الطِّبَّ عَلَى تِلْكَ الْعَقَاقِيرِ وَ مَوَاضِعِهَا فِي الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ كَذَلِكَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَسْتَدِلَّ بِعَقْلِكَ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَمَّاهَا وَ سَمَّى بَلْدَتَهَا وَ عَرَفَ مَوَاضِعَهَا كَمَعْرِفَةِ صَاحِبِ الْحَدِيقَةِ الَّذِي سَأَلْتَهُ الثَّمَرَةَ وَ كَذَلِكَ لَا يَسْتَقِيمُ وَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْغَارِسُ وَ الدَّالُّ عَلَيْهَا إِلَّا الدَّالَّ عَلَى مَنَافِعِهَا وَ مَضَارِّهَا وَ قَرَارِيطِهَا وَ مَثَاقِيلِهَا قَالَ إِنَّ هَذَا لَكَمَا تَقُولُ قُلْتُ أَ فَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ خَالِقُ الْجَسَدِ وَ مَا فِيهِ مِنَ الْعَصَبِ وَ اللَّحْمِ وَ الْأَمْعَاءِ وَ الْعُرُوقِ الَّتِي يَأْخُذُ فِيهَا الْأَدْوِيَةُ إِلَى الرَّأْسِ وَ إِلَى الْقَدَمَيْنِ وَ إِلَى مَا سِوَى ذَلِكَ غَيْرَ خَالِقِ الْحَدِيقَةِ وَ غَارِسِ الْعَقَاقِيرِ هَلْ كَانَ يَعْرِفُ زِنَتَهَا وَ مَثَاقِيلَهَا وَ قَرَارِيطَهَا وَ مَا يَصْلُحُ لِكُلِّ دَاءٍ مِنْهَا وَ مَا كَانَ يَأْخُذُ فِي كُلِّ عِرْقٍ قَالَ وَ كَيْفَ يَعْرِفُ ذَلِكَ أَوْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَ هَذَا لَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَ هَذَا إِلَّا الَّذِي غَرَسَ الْحَدِيقَةَ وَ عَرَفَ كُلَّ شَجَرَةٍ وَ بَقْلَةٍ وَ مَا فِيهَا مِنَ الْمَنَافِعِ وَ الْمَضَارِّ قُلْتُ أَ فَلَيْسَ كَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْخَالِقُ وَاحِداً لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ اثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا خَالِقُ‏

187

الدَّوَاءِ وَ الْآخَرُ خَالِقُ الْجَسَدِ وَ الدَّاءِ لَمْ يَهْتَدِ غَارِسُ الْعَقَاقِيرِ لِإِيصَالِ دَوَائِهِ إِلَى الدَّاءِ الَّذِي بِالْجَسَدِ مِمَّا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ وَ لَا اهْتَدَى خَالِقُ الْجَسَدِ إِلَى عِلْمِ مَا يُصْلِحُ ذَلِكَ الدَّاءَ مِنْ تِلْكَ الْعَقَاقِيرِ فَلَمَّا كَانَ خَالِقُ الدَّاءِ وَ الدَّوَاءِ وَاحِداً أَمْضَى الدَّوَاءَ فِي الْعُرُوقِ الَّتِي بَرَأَ وَ صَوَّرَ إِلَى الدَّاءِ الَّذِي عَرَفَ وَ وَضَعَ فَعَلِمَ مِزَاجَهَا مِنْ حَرِّهَا وَ بَرْدِهَا وَ لَيِّنِهَا وَ شَدِيدِهَا وَ مَا يَدْخُلُ فِي كُلِّ دَوَاءٍ مِنْهُ مِنَ الْقَرَارِيطِ وَ الْمَثَاقِيلِ وَ مَا يَصْعَدُ إِلَى الرَّأْسِ مِنْهَا وَ مَا يَهْبِطُ إِلَى الْقَدَمَيْنِ مِنْهَا وَ مَا يَتَفَرَّقُ مِنْهُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ قَالَ لَا أَشُكُّ فِي هَذَا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ خَالِقُ الْجَسَدِ غَيْرَ خَالِقِ الْعَقَاقِيرِ لَمْ يَهْتَدِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِلَى مَا وَصَفْتَ قُلْتُ فَإِنَّ الَّذِي دَلَّ الْحَكِيمَ الَّذِي وَصَفْتَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ خَلَطَ هَذِهِ الْأَدْوِيَةَ وَ دَلَّ عَلَى عَقَاقِيرِهَا الْمُتَفَرِّقَةِ فِيمَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ وَضَعَ هَذَا الطِّبَّ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ هُوَ صَاحِبُ الْحَدِيقَةِ فِيمَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ هُوَ بَانِي الْجَسَدِ وَ هُوَ دَلَّ الْحَكِيمَ بِوَحْيٍ مِنْهُ عَلَى صِفَةِ كُلِّ شَجَرَةٍ وَ بَلَدِهَا وَ مَا يَصْلُحُ مِنْهَا مِنَ الْعُرُوقِ وَ الثِّمَارِ وَ الدُّهْنِ وَ الْوَرَقِ وَ الْخَشَبِ وَ اللِّحَاءِ وَ كَذَلِكَ دَلَّهُ عَلَى أَوْزَانِهَا مِنْ مَثَاقِيلِهَا وَ قَرَارِيطِهَا وَ مَا يَصْلُحُ لِكُلِّ دَاءٍ مِنْهَا وَ كَذَلِكَ هُوَ خَالِقُ السِّبَاعِ وَ الطَّيْرِ وَ الدَّوَابِّ الَّتِي فِي مِرَارِهَا الْمَنَافِعُ مِمَّا يَدْخُلُ فِي تِلْكَ الْأَدْوِيَةِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ غَيْرَ خَالِقِهَا لَمْ يَدْرِ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ مِرَارِهَا وَ مَا يَضُرُّ وَ مَا يَدْخُلُ مِنْهَا فِي الْعَقَاقِيرِ فَلَمَّا كَانَ الْخَالِقُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى وَاحِداً دَلَّ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْمَنَافِعِ مِنْهَا فَسَمَّاهُ بِاسْمِهِ حَتَّى عُرِفَ وَ تُرِكَ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ مِنْهَا فَمِنْ ثَمَّ عَلِمَ الْحَكِيمُ أَيُّ السِّبَاعِ وَ الدَّوَابِّ وَ الطَّيْرِ فِيهِ الْمَنَافِعُ وَ أَيُّهَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ وَ لَوْ لَا أَنَّ خَالِقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ دَلَّهُ عَلَيْهَا مَا اهْتَدَى بِهَا قَالَ إِنَّ هَذَا لَكَمَا تَقُولُ وَ قَدْ بَطَلَتِ الْحَوَاسُّ وَ التَّجَارِبُ عِنْدَ هَذِهِ الصِّفَاتِ قُلْتُ أَمَّا إِذَا صَحَّتْ نَفْسُكَ فَتَعَالَ نَنْظُرْ بِعُقُولِنَا وَ نَسْتَدِلَّ بِحَوَاسِّنَا هَلْ كَانَ يَسْتَقِيمُ لِخَالِقِ هَذِهِ الْحَدِيقَةِ وَ غَارِسِ هَذِهِ الْأَشْجَارِ وَ خَالِقِ هَذِهِ الدَّوَابِّ وَ الطَّيْرِ وَ النَّاسِ الَّذِي خَلَقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لِمَنَافِعِهِمْ أَنْ يَخْلُقَ هَذَا الْخَلْقَ وَ يَغْرِسَ هَذَا الْغَرْسَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ مِمَّا إِذَا شَاءَ مَنَعَهُ ذَلِكَ قَالَ مَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ الَّتِي خُلِقَتْ فِيهَا الْحَدِيقَةُ الْعَظِيمَةُ وَ غُرِسَتْ فِيهِ‏

188

الْأَشْجَارُ إِلَّا لِخَالِقِ هَذَا الْخَلْقِ وَ مِلْكَ يَدِهِ قُلْتُ فَقَدْ أَرَى الْأَرْضَ أَيْضاً لِصَاحِبِ الْحَدِيقَةِ لِاتِّصَالِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ قَالَ مَا فِي هَذَا شَكٌّ قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي وَ نَاصِحْ نَفْسَكَ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْحَدِيقَةَ وَ مَا فِيهَا مِنَ الْخِلْقَةِ الْعَظِيمَةِ مِنَ الْإِنْسِ وَ الدَّوَابِّ وَ الطَّيْرِ وَ الشَّجَرِ وَ الْعَقَاقِيرِ وَ الثِّمَارِ وَ غَيْرِهَا لَا يُصْلِحُهَا إِلَّا شُرْبُهَا وَ رَيُّهَا مِنَ الْمَاءِ الَّذِي لَا حَيَاةَ لِشَيْ‏ءٍ إِلَّا بِهِ قَالَ بَلَى قُلْتُ أَ فَتَرَى الْحَدِيقَةَ وَ مَا فِيهَا مِنَ الذَّرْءِ خَالِقُهَا وَاحِدٌ وَ خَالِقَ الْمَاءِ غَيْرَهُ يَحْبِسُهُ عَنْ هَذِهِ الْحَدِيقَةِ إِذَا شَاءَ وَ يُرْسِلُهُ إِذَا شَاءَ فَيُفْسِدُ عَلَى خَالِقِ الْحَدِيقَةِ قَالَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خَالِقُ هَذِهِ الْحَدِيقَةِ وَ ذَارِئُ هَذَا الذَّرْءِ الْكَثِيرِ وَ غَارِسُ هَذِهِ الْأَشْجَارِ إِلَّا الْمُدَبِّرَ الْأَوَّلَ وَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَاءُ لِغَيْرِهِ وَ إِنَّ الْيَقِينَ عِنْدِي لَهُوَ إِنَّ الَّذِي يُجْرِي هَذِهِ الْمِيَاهَ مِنْ أَرْضِهِ وَ جِبَالِهِ لَغَارِسُ هَذِهِ الْحَدِيقَةِ وَ مَا فِيهَا مِنَ الْخَلِيقَةِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَاءُ لِغَيْرِ صَاحِبِ الْحَدِيقَةِ لَهَلَكَ الْحَدِيقَةُ وَ مَا فِيهَا وَ لَكِنَّهُ خَالِقُ الْمَاءِ قَبْلَ الْغَرْسِ وَ الذَّرْءِ وَ بِهِ اسْتَقَامَتِ الْأَشْيَاءُ وَ صَلَحَتْ قُلْتُ أَ فَرَأَيْتَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ الْمِيَاهِ الْمُنْفَجِرَةِ فِي الْحَدِيقَةِ مَغِيضٌ‏ (1) لِمَا يَفْضُلُ مِنْ شُرْبِهَا يَحْبِسُهُ عَنِ الْحَدِيقَةِ أَنْ يَفِيضَ عَلَيْهَا أَ لَيْسَ كَانَ يَهْلِكُ مَا فِيهَا مِنَ الْخَلْقِ عَلَى حَسَبِ مَا كَانُوا يَهْلِكُونَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَاءٌ قَالَ بَلَى وَ لَكِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلَّ هَذَا الْبَحْرَ لَيْسَ لَهُ حَابِسٌ وَ أَنَّهُ شَيْ‏ءٌ لَمْ يَزَلْ قُلْتُ أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ أَعْطَيْتَنِي أَنَّهُ لَوْ لَا الْبَحْرُ وَ مَغِيضُ الْمِيَاهِ إِلَيْهِ لَهَلَكَتِ الْحَدِيقَةُ قَالَ أَجَلْ قُلْتُ فَإِنِّي أُخْبِرُكَ عَنْ ذَلِكَ بِمَا تَسْتَيْقِنُ بِأَنَّ خَالِقَ الْبَحْرِ هُوَ خَالِقُ الْحَدِيقَةِ وَ مَا فِيهَا مِنَ الْخَلِيقَةِ وَ أَنَّهُ جَعَلَهُ مَغِيضاً لِمِيَاهِ الْحَدِيقَةِ مَعَ مَا جَعَلَ فِيهِ مِنَ الْمَنَافِعِ لِلنَّاسِ قَالَ فَاجْعَلْنِي مِنْ ذَلِكَ عَلَى يَقِينٍ كَمَا جَعَلْتَنِي مِنْ غَيْرِهِ قُلْتُ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ فُضُولَ مَاءِ الدُّنْيَا يَصِيرُ فِي الْبَحْرِ قَالَ بَلَى قُلْتُ فَهَلْ رَأَيْتَهُ زَائِداً قَطُّ فِي كَثْرَةِ الْمَاءِ وَ تَتَابُعِ الْأَمْطَارِ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَوْ هَلْ رَأَيْتَهُ نَاقِصاً فِي قِلَّةِ الْمِيَاهِ وَ شِدَّةِ الْحَرِّ وَ شِدَّةِ الْقَحْطِ قَالَ لَا قُلْتُ أَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يَدُلَّكَ عَقْلُكَ عَلَى أَنَّ خَالِقَهُ وَ خَالِقَ الْحَدِيقَةِ وَ مَا فِيهَا مِنَ الْخَلِيقَةِ وَاحِدٌ وَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَضَعَ لَهُ حَدّاً لَا يُجَاوِزُهُ لِكَثْرَةِ الْمَاءِ وَ لَا لِقِلَّتِهِ وَ أَنَّ مِمَّا يُسْتَدَلُّ عَلَى مَا أَقُولُ أَنَّهُ يَقْبَلُ بِالْأَمْوَاجِ أَمْثَالَ الْجِبَالِ يُشْرِفُ عَلَى‏

____________



(1) المغيض: مجتمع الماء و مدخله في الأرض و في نسخة: المفيض بالفاء و كذا فيما يأتي بعده.

189

السَّهْلِ وَ الْجَبَلِ فَلَوْ لَمْ تُقْبَضْ أَمْوَاجُهُ وَ لَمْ تُحْبَسْ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي أُمِرَتْ بِالاحْتِبَاسِ فِيهَا لَأَطْبَقَتْ عَلَى الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ عَلَى تِلْكَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَنْتَهِي إِلَيْهَا ذَلَّتْ أَمْوَاجُهُ وَ خَضَعَ إِشْرَافُهُ قَالَ إِنَّ ذَلِكَ لَكَمَا وَصَفْتَ وَ لَقَدْ عَايَنْتُ مِنْهُ كُلَّ الَّذِي ذَكَرْتَ وَ لَقَدْ أَتَيْتَنِي بِبُرْهَانٍ وَ دَلَالاتٍ وَ مَا أَقْدِرُ عَلَى إِنْكَارِهَا وَ لَا جُحُودِهَا لِبَيَانِهَا قُلْتُ وَ غَيْرَ ذَلِكَ سَآتِيكَ بِهِ مِمَّا تَعْرِفُ اتِّصَالَ الْخَلْقِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ عَالِمٍ قَدِيرٍ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ عَامَّةَ الْحَدِيقَةِ لَيْسَ شُرْبُهَا مِنَ الْأَنْهَارِ وَ الْعُيُونِ وَ أَنَّ أَعْظَمَ مَا يَنْبُتُ فِيهَا مِنَ الْعَقَاقِيرِ وَ الْبُقُولِ الَّتِي فِي الْحَدِيقَةِ وَ مَعَاشِ مَا فِيهَا مِنَ الدَّوَابِّ وَ الْوَحْشِ وَ الطَّيْرِ مِنَ الْبَرَارِي الَّتِي لَا عُيُونَ لَهَا وَ لَا أَنْهَارَ إِنَّمَا يَسْقِيهِ السَّحَابُ قَالَ بَلَى قُلْتُ أَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يَدُلَّكَ عَقْلُكَ وَ مَا أَدْرَكْتَ بِالْحَوَاسِّ الَّتِي زَعَمْتَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ لَا تُعْرَفُ إِلَّا بِهَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ السَّحَابُ الَّذِي يَحْتَمِلُ مِنَ الْمِيَاهِ إِلَى الْبُلْدَانِ وَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا تَنَالُهَا مَاءُ الْعُيُونِ وَ الْأَنْهَارِ وَ فِيهَا الْعَقَاقِيرُ وَ الْبُقُولُ وَ الشَّجَرُ وَ الْأَنْعَامُ لِغَيْرِ صَاحِبِ الْحَدِيقَةِ لَأَمْسَكَهُ عَنِ الْحَدِيقَةِ إِذَا شَاءَ وَ لَكَانَ خَالِقُ الْحَدِيقَةِ مِنْ بَقَاءِ خَلِيقَتِهِ الَّتِي ذَرَأَ وَ بَرَأَ عَلَى غَرُورٍ وَ وَجَلٍ خَائِفاً عَلَى خَلِيقَتِهِ أَنْ يَحْبِسَ صَاحِبُ الْمَطَرِ الْمَاءَ الَّذِي لَا حَيَاةَ لِلْخَلِيقَةِ إِلَّا بِهِ قَالَ إِنَّ الَّذِي جِئْتَ بِهِ لَوَاضِحٌ مُتَّصِلٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الَّذِي خَلَقَ هَذِهِ الْحَدِيقَةَ وَ هَذِهِ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ فِيهَا الْخَلِيقَةَ وَ خَلَقَ لَهَا هَذَا الْمَغِيضَ وَ أَنْبَتَ فِيهَا هَذِهِ الثِّمَارَ الْمُخْتَلِفَةَ إِلَّا خَالِقَ السَّمَاءِ وَ السَّحَابِ يُرْسِلُ مِنْهَا مَا شَاءَ مِنَ الْمَاءِ إِذَا شَاءَ أَنْ يَسْقِيَ الْحَدِيقَةَ وَ يُحْيِيَ مَا فِي الْحَدِيقَةِ مِنَ الْخَلِيقَةِ وَ الْأَشْجَارِ وَ الدَّوَابِّ وَ الْبُقُولِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَنِي بِحُجَّةٍ أَزْدَادُ بِهَا يَقِيناً وَ أَخْرُجُ بِهَا مِنَ الشَّكِّ قُلْتُ فَإِنِّي آتِيكَ بِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ قِبَلِ إِهْلِيلَجَتِكَ وَ اتِّصَالِهَا بِالْحَدِيقَةِ وَ مَا فِيهَا مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُتَّصِلَةِ بِأَسْبَابِ السَّمَاءِ لِتَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ بِتَدْبِيرِ عَلِيمٍ حَكِيمٍ قَالَ وَ كَيْفَ تَأْتِينِي بِمَا يُذْهِبُ عَنِّي الشَّكَّ مِنْ قِبَلِ الْإِهْلِيلَجَةِ قُلْتُ فِيمَا أُرِيكَ فِيهَا مِنْ إِتْقَانِ الصُّنْعِ وَ أَثَرِ التَّرْكِيبِ الْمُؤَلَّفِ وَ اتِّصَالِ مَا بَيْنَ عُرُوقِهَا إِلَى فُرُوعِهَا وَ احْتِيَاجِ بَعْضِ ذَلِكَ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى يَتَّصِلَ بِالسَّمَاءِ قَالَ إِنْ أَرَيْتَنِي ذَلِكَ لَمْ أَشُكَّ قُلْتُ أَ لَسْتَ‏

190

تَعْلَمُ أَنَّ الْإِهْلِيلَجَةَ نَابِتَةٌ فِي الْأَرْضِ وَ أَنَّ عُرُوقَهَا مُؤَلَّفَةٌ إِلَى أَصْلٍ وَ أَنَّ الْأَصْلَ مُتَعَلِّقٌ بِسَاقٍ مُتَّصِلٍ بِالْغُصُونِ وَ الْغُصُونُ مُتَّصِلَةٌ بِالْفُرُوعِ وَ الْفُرُوعُ مَنْظُومَةٌ بِالْأَكْمَامِ وَ الْوَرَقِ وَ مَلْبَسُ ذَلِكَ كُلِّهِ الْوَرَقُ وَ يَتَّصِلُ جَمِيعُهُ بِظِلٍّ يَقِيهِ حَرَّ الزَّمَانِ وَ بَرْدَهُ قَالَ أَمَّا الْإِهْلِيلَجَةُ فَقَدْ تَبَيَّنَ لِيَ اتِّصَالُ لِحَائِهَا وَ مَا بَيْنَ عُرُوقِهَا وَ بَيْنَ وَرَقِهَا وَ مَنْبِتِهَا مِنَ الْأَرْضِ فَأَشْهَدُ أَنَّ خَالِقَهَا وَاحِدٌ لَا يَشْرَكُهُ فِي خَلْقِهَا غَيْرُهُ لِإِتْقَانِ الصُّنْعِ وَ اتِّصَالِ الْخَلْقِ وَ ائْتِلَافِ التَّدْبِيرِ وَ إِحْكَامِ التَّقْدِيرِ قُلْتُ إِنْ أَرَيْتُكَ التَّدْبِيرَ مُؤْتَلِفاً بِالْحِكْمَةِ وَ الْإِتْقَانَ مُعْتَدِلًا بِالصَّنْعَةِ مُحْتَاجاً بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ مُتَّصِلًا بِالْأَرْضِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْهُ الْإِهْلِيلَجَةُ فِي الْحَالاتِ كُلِّهَا أَ تُقِرُّ بِخَالِقِ ذَلِكَ قَالَ إِذَنْ لَا أَشُكَّ فِي الْوَحْدَانِيَّةِ قُلْتُ فَافْهَمْ وَ افْقَهْ مَا أَصِفُ لَكَ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْأَرْضَ مُتَّصِلَةٌ بِإِهْلِيلَجَتِكَ وَ إِهْلِيلَجَتَكَ مُتَّصِلَةٌ بِالتُّرَابِ وَ التُّرَابَ مُتَّصِلٌ بِالْحَرِّ وَ الْبَرْدِ وَ الْحَرَّ وَ الْبَرْدَ مُتَّصِلَانِ بِالْهَوَاءِ وَ الْهَوَاءَ مُتَّصِلٌ بِالرِّيحِ وَ الرِّيحَ مُتَّصِلَةٌ بِالسَّحَابِ وَ السَّحَابَ مُتَّصِلٌ بِالْمَطَرِ وَ الْمَطَرَ مُتَّصِلٌ بِالْأَزْمِنَةِ وَ الْأَزْمِنَةَ مُتَّصِلَةٌ بِالشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ مُتَّصِلَتَانِ بِدَوَرَانِ الْفَلَكِ وَ الْفَلَكَ مُتَّصِلٌ بِمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ صَنْعَةً ظَاهِرَةً وَ حِكْمَةً بَالِغَةً وَ تَأْلِيفَ مُتْقِنٍ وَ تَدْبِيرَ مُحْكِمٍ مُتَّصِلٌ كُلُّ هَذَا مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ لَا يَقُومُ بَعْضُهُ إِلَّا بِبَعْضٍ وَ لَا يَتَأَخَّرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَنْ وَقْتِهِ وَ لَوْ تَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِهِ لَهَلَكَ جَمِيعُ مَنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْأَنَامِ وَ النَّبَاتَاتِ قَالَ إِنَّ هَذِهِ لَهِيَ الْعَلَامَاتُ الْبَيِّنَاتُ وَ الدَّلَالاتُ الْوَاضِحَاتُ الَّتِي يَجْرِي مَعَهَا أَثَرُ التَّدْبِيرِ بِإِتْقَانِ الْخَلْقِ وَ التَّأْلِيفِ مَعَ إِتْقَانِ الصُّنْعِ لَكِنِّي لَسْتُ أَدْرِي لَعَلَّ مَا تَرَكْتَ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِمَا ذَكَرْتَ قُلْتُ وَ مَا تَرَكْتُ قَالَ النَّاسَ قُلْتُ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ مُتَّصِلٌ بِالنَّاسِ سَخَّرَهُ لَهَا الْمُدَبِّرُ الَّذِي أَعْلَمْتُكَ أَنَّهُ إِنْ تَأَخَّرَ شَيْ‏ءٌ مِمَّا عَدَّدْتُ عَلَيْكَ هَلَكَتِ الْخَلِيقَةُ وَ بَادَ جَمِيعُ مَا فِي الْحَدِيقَةِ وَ ذَهَبَتِ الْإِهْلِيلَجَةُ الَّتِي تَزْعُمُ أَنَّ فِيهَا مَنَافِعَ النَّاسِ قَالَ فَهَلْ تَقْدِرُ أَنْ تُفَسِّرَ لِي هَذَا الْبَابَ عَلَى مَا لَخَّصْتَ لِي غَيْرَهُ قُلْتُ نَعَمْ أُبَيِّنُ لَكَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ إِهْلِيلَجَتِكَ حَتَّى تَشْهَدَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مُسَخَّرٌ لِبَنِي آدَمَ قَالَ وَ كَيْفَ ذَلِكَ قُلْتُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاءَ سَقْفاً مَرْفُوعاً وَ لَوْ لَا ذَلِكَ اغْتَمَّ خَلْقُهُ لِقُرْبِهَا وَ أَحْرَقَتْهُمُ‏

191

الشَّمْسُ لِدُنُوِّهَا وَ خَلَقَ لَهُمْ شُهُباً وَ نُجُوماً يُهْتَدَى بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ لِمَنَافِعِ النَّاسِ وَ نُجُوماً يُعْرَفُ بِهَا أَصْلُ الْحِسَابِ فِيهَا الدَّلَالاتُ عَلَى إِبْطَالِ الْحَوَاسِّ وَ وُجُودِ مُعَلِّمِهَا الَّذِي عَلَّمَهَا عِبَادَهُ مِمَّا لَا يُدْرَكُ عِلْمُهَا بِالْعُقُولِ فَضْلًا عَنِ الْحَوَاسِّ وَ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا الْأَوْهَامُ وَ لَا يَبْلُغُهَا الْعُقُولُ إِلَّا بِهِ لِأَنَّهُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الَّذِي دَبَّرَهَا وَ جَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَ قَمَراً مُنِيراً يَسْبَحَانِ‏ (1) فِي فَلَكٍ يَدُورُ بِهِمَا دَائِبَيْنِ‏ (2) يُطْلِعُهُمَا تَارَةً وَ يُؤْفِلُهُمَا أُخْرَى فَبَنَى عَلَيْهِ الْأَيَّامَ وَ الشُّهُورَ وَ السِّنِينَ الَّتِي هِيَ مِنْ سَبَبِ الشِّتَاءِ وَ الصَّيْفِ وَ الرَّبِيعِ وَ الْخَرِيفِ أَزْمِنَةً مُخْتَلِفَةَ الْأَعْمَالِ أَصْلُهَا اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ اللَّذَيْنِ لَوْ كَانَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا سَرْمَداً عَلَى الْعِبَادِ لَمَا قَامَتْ لَهُمْ مَعَايِشُ أَبَداً فَجَعَلَ مُدَبِّرُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَ خَالِقُهَا النَّهَارَ مُبْصِراً وَ اللَّيْلَ سَكَناً وَ أَهْبَطَ فِيهِمَا الْحَرَّ وَ الْبَرْدَ مُتَبَايِنَيْنِ لَوْ دَامَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِغَيْرِ صَاحِبِهِ مَا نَبَتَتْ شَجَرَةٌ وَ لَا طَلَعَتْ ثَمَرَةٌ وَ لَهَلَكَتِ الْخَلِيقَةُ لِأَنَّ ذَلِكَ مُتَّصِلٌ بِالرِّيحِ الْمُصَرَّفَةِ فِي الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ بَارِدَةً تُبَرِّدُ أَنْفَاسَهُمْ وَ حَارَّةً تَلْقَحُ أَجْسَادَهُمْ وَ تَدْفَعُ الْأَذَى عَنْ أَبْدَانِهِمْ وَ مَعَايِشِهِمْ وَ رُطُوبَةً تُرَطِّبُ طَبَائِعَهُمْ وَ يُبُوسَةً تُنَشِّفُ رُطُوبَاتِهِمْ وَ بِهَا يَأْتَلِفُ الْمُفْتَرِقُ وَ بِهَا يَتَفَرَّقُ الْغَمَامُ الْمُطَبِّقُ حَتَّى يَنْبَسِطَ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ مُدَبِّرُهُ فَ يَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ‏ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ لِمَعَاشٍ مَفْهُومٍ وَ أَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ وَ آجَالٍ مَكْتُوبَةٍ وَ لَوِ احْتُبِسَ عَنْ أَزْمِنَتِهِ وَ وَقْتِهِ هَلَكَتِ الْخَلِيقَةُ وَ يَبِسَتِ الْحَدِيقَةُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْمَطَرَ فِي أَيَّامِهِ وَ وَقْتِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي خَلَقَهَا لِبَنِي آدَمَ وَ جَعَلَهَا فَرْشاً وَ مِهَاداً وَ حَبَسَهَا أَنْ تَزُولَ بِهِمْ وَ جَعَلَ الْجِبَالَ لَهَا أَوْتَاداً وَ جَعَلَ فِيهَا يَنَابِيعَ تَجْرِي فِي الْأَرْضِ بِمَا تَنْبُتُ فِيهَا لَا تَقُومُ الْحَدِيقَةُ وَ الْخَلِيقَةُ إِلَّا بِهَا وَ لَا يُصْلِحُونَ إِلَّا عَلَيْهَا مَعَ الْبِحَارِ الَّتِي يَرْكَبُونَهَا وَ يَسْتَخْرِجُونَ مِنْهَا حِلْيَةً يَلْبَسُونَهَا وَ لَحْماً طَرِيّاً وَ غَيْرَهُ يَأْكُلُونَهُ فَعُلِمَ أَنَّ إِلَهَ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا وَاحِدٌ حَيٌّ قَيُّومٌ مُدَبِّرٌ حَكِيمٌ وَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ غَيْرَهُ لَاخْتَلَفَتِ الْأَشْيَاءُ وَ كَذَلِكَ السَّمَاءُ نَظِيرُ الْأَرْضِ الَّتِي أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْهَا حَبًّا وَ عِنَباً وَ قَضْباً وَ زَيْتُوناً

____________



(1) سبح في الماء و بالماء: عام و انبسط فيه. و يستعار لمر النجوم و جرى الفرس و ما شاكل.

(2) أي مستمرين.

192

وَ نَخْلًا وَ حَدائِقَ غُلْباً وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا بِتَدْبِيرٍ مُؤَلَّفٍ مُبَيَّنٍ بِتَصْوِيرِ الزَّهْرَةِ وَ الثَّمَرَةِ حَيَاةً لِبَنِي آدَمَ وَ مَعَاشاً يَقُومُ بِهِ أَجْسَادُهُمْ وَ تَعِيشُ بِهَا أَنْعَامُهُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ فِي‏ أَصْوافِها وَ أَوْبارِها وَ أَشْعارِها أَثاثاً وَ مَتاعاً إِلى‏ حِينٍ‏ وَ الِانْتِفَاعِ بِهَا وَ الْبَلَاغِ عَلَى ظُهُورِهَا مَعَاشاً لَهُمْ لَا يَحْيَوْنَ إِلَّا بِهِ وَ صَلَاحاً لَا يَقُومُونَ إِلَّا عَلَيْهِ وَ كَذَلِكَ مَا جَهِلْتَ مِنَ الْأَشْيَاءِ فَلَا تَجْهَلْ أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي الْأَرْضِ شَيْئَانِ شَيْ‏ءٌ يُولَدُ وَ شَيْ‏ءٌ يَنْبُتُ أَحَدُهُمَا آكِلٌ وَ الْآخَرُ مَأْكُولٌ وَ مِمَّا يَدُلُّكَ عَقْلُكَ أَنَّهُ خَالِقُهُمْ مَا تَرَى مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ وَ تَهْيِئَةِ جَسَدِهِ لِشَهْوَةِ الطَّعَامِ وَ الْمَعِدَةِ لِتَطْحَنَ الْمَأْكُولَ وَ مَجَارِي الْعُرُوقِ لِصَفْوَةِ الطَّعَامِ وَ هَيَّأَ لَهَا الْأَمْعَاءَ وَ لَوْ كَانَ خَالِقُ الْمَأْكُولِ غَيْرَهُ لَمَا خَلَقَ الْأَجْسَادَ مُشْتَهِيَةً لِلْمَأْكُولِ وَ لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَيْهِ قَالَ لَقَدْ وَصَفْتَ صِفَةً أَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ لَطِيفٍ قَدِيرٍ عَلِيمٍ قَدْ آمَنْتُ وَ صَدَّقْتُ أَنَّ الْخَالِقَ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ وَ بِحَمْدِهِ غَيْرَ أَنِّي أَشُكُّ فِي هَذِهِ السَّمَائِمِ الْقَاتِلَةِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي خَلَقَهَا لِأَنَّهَا ضَارَّةٌ غَيْرُ نَافِعَةٍ قُلْتُ أَ لَيْسَ قَدْ صَارَ عِنْدَكَ أَنَّهَا مِنْ غَيْرِ خَلْقِ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ لِأَنَّ الْخَلْقَ عَبِيدُهُ وَ لَمْ يَكُنْ لِيَخْلُقَ مَا يَضُرُّهُمْ قُلْتُ سَأُبَصِّرُكَ مِنْ هَذَا شَيْئاً تَعْرِفُهُ وَ لَا أُنَبِّئُكَ إِلَّا مِنْ قِبَلِ إِهْلِيلَجَتِكَ هَذِهِ وَ عِلْمِكَ بِالطِّبِّ قَالَ هَاتِ قُلْتُ هَلْ تَعْرِفُ شَيْئاً مِنَ النَّبْتِ لَيْسَ فِيهِ مَضَرَّةٌ لِلْخَلْقِ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ مَا هُوَ قَالَ هَذِهِ الْأَطْعِمَةُ قُلْتُ أَ لَيْسَ هَذَا الطَّعَامُ الَّذِي وَصَفْتَ يُغَيِّرُ أَلْوَانَهُمْ وَ يُهَيِّجُ أَوْجَاعَهُمْ حَتَّى يَكُونَ مِنْهَا الْجُذَامُ وَ الْبَرَصُ وَ السِّلَالُ‏ (1) وَ الْمَاءُ الْأَصْفَرُ وَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَوْجَاعِ قَالَ هُوَ كَذَلِكَ قُلْتُ أَمَّا هَذَا الْبَابُ فَقَدِ انْكَسَرَ عَلَيْكَ قَالَ أَجَلْ قُلْتُ هَلْ تَعْرِفُ شَيْئاً مِنَ النَّبْتِ لَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ أَ لَيْسَ يُدْخَلُ فِي الْأَدْوِيَةِ الَّتِي يُدْفَعُ بِهَا الْأَوْجَاعُ مِنَ الْجُذَامِ وَ الْبَرَصِ وَ السِّلَالِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ وَ يَدْفَعُ الدَّاءَ وَ يُذْهِبُ السُّقْمَ مِمَّا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ لِطُولِ مُعَالَجَتِكَ قَالَ إِنَّهُ كَذَلِكَ قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي أَيُّ الْأَدْوِيَةِ عِنْدَكُمْ أَعْظَمُ فِي السَّمَائِمِ الْقَاتِلَةِ أَ لَيْسَ التِّرْيَاقُ‏

____________



(1) السل بالكسر في اللغة الهزال، و في الطبّ القديم قرحة في الرية، و انما سمى المرض به لان من لوازمه هزال البدن، و لان الحمى الدقية لازمة لهذه القرحة.

193

قَالَ نَعَمْ هُوَ رَأْسُهَا وَ أَوَّلُ مَا يُفْرَغُ إِلَيْهِ عِنْدَ نَهْشِ الْحَيَّاتِ‏ (1) وَ لَسْعِ الْهَوَامِّ وَ شُرْبِ السَّمَائِمِ قُلْتُ أَ لَيْسَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْأَدْوِيَةِ الْمُرْتَفِعَةِ وَ الْأَدْوِيَةِ الْمُحْرِقَةِ فِي أَخْلَاطِ التِّرْيَاقِ إِلَّا أَنْ تُطْبَخَ بِالْأَفَاعِي الْقَاتِلَةِ قَالَ نَعَمْ هُوَ كَذَلِكَ وَ لَا يَكُونُ التِّرْيَاقُ الْمُنْتَفَعَ بِهِ الدَّافِعَ لِلسَّمَائِمِ الْقَاتِلَةِ إِلَّا بِذَلِكَ وَ لَقَدِ انْكَسَرَ عَلَيَّ هَذَا الْبَابُ فَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَنَّهُ خَالِقُ السَّمَائِمِ الْقَاتِلَةِ وَ الْهَوَامِّ الْعَادِيَةِ وَ جَمِيعِ النَّبْتِ وَ الْأَشْجَارِ وَ غَارِسُهَا وَ مُنْبِتُهَا وَ بَارِئُ الْأَجْسَادِ وَ سَائِقُ الرِّيَاحِ وَ مُسَخِّرُ السَّحَابِ وَ أَنَّهُ خَالِقُ الْأَدْوَاءِ الَّتِي تُهَيِّجُ بِالْإِنْسَانِ كَالسَّمَائِمِ الْقَاتِلَةِ الَّتِي تَجْرِي فِي أَعْضَائِهِ وَ عِظَامِهِ وَ مُسْتَقَرِّ الْأَدْوَاءِ وَ مَا يُصْلِحُهَا مِنَ الدَّوَاءِ الْعَارِفُ بِالرُّوحِ وَ مَجْرَى الدَّمِ وَ أَقْسَامِهِ فِي الْعُرُوقِ وَ اتِّصَالِهِ بِالْعَصَبِ وَ الْأَعْضَاءِ وَ الْعَصَبِ وَ الْجَسَدِ وَ أَنَّهُ عَارِفٌ بِمَا يُصْلِحُهُ مِنَ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ عَالِمٌ بِكُلِّ عُضْوٍ بِمَا فِيهِ وَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَضَعَ هَذِهِ النُّجُومَ وَ حِسَابَهَا وَ الْعَالِمُ بِهَا وَ الدَّالُّ عَلَى نُحُوسِهَا وَ سُعُودِهَا وَ مَا يَكُونُ مِنَ الْمَوَالِيدِ وَ أَنَّ التَّدْبِيرَ وَاحِدٌ لَمْ يَخْتَلِفْ مُتَّصِلٌ فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ وَ مَا فِيهَا فَبَيِّنْ لِي كَيْفَ قُلْتَ‏ هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ وَ أَشْبَاهَ ذَلِكَ قُلْتُ هُوَ الْأَوَّلُ بِلَا كَيْفٍ وَ هُوَ الْآخِرُ بِلَا نِهَايَةٍ لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ خَلَقَ الْخَلْقَ وَ الْأَشْيَاءَ لَا مِنْ شَيْ‏ءٍ وَ لَا كَيْفٍ بِلَا عِلَاجٍ وَ لَا مُعَانَاةٍ وَ لَا فِكْرٍ وَ لَا كَيْفٍ كَمَا أَنَّهُ لَا كَيْفَ لَهُ وَ إِنَّمَا الْكَيْفُ بِكَيْفِيَّةِ الْمَخْلُوقِ لِأَنَّهُ الْأَوَّلُ لَا بَدْءَ لَهُ وَ لَا شِبْهَ وَ لَا مِثْلَ وَ لَا ضِدَّ وَ لَا نِدَّ لَا يُدْرَكُ بِبَصَرٍ وَ لَا يُحَسُّ بِلَمْسٍ وَ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِخَلْقِهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَالَ فَصِفْ لِي قُوَّتَهُ قُلْتُ إِنَّمَا سُمِّيَ رَبُّنَا جَلَّ جَلَالُهُ قَوِيّاً لِلْخَلْقِ الْعَظِيمِ الْقَوِيِّ الَّذِي خَلَقَ مِثْلَ الْأَرْضِ وَ مَا عَلَيْهَا مِنْ جِبَالِهَا وَ بِحَارِهَا وَ رِمَالِهَا وَ أَشْجَارِهَا وَ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْخَلْقِ الْمُتَحَرِّكِ مِنَ الْإِنْسِ وَ مِنَ الْحَيَوَانِ وَ تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَ السَّحَابِ الْمُسَخَّرِ الْمُثَقَّلِ بِالْمَاءِ الْكَثِيرِ وَ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ عِظَمِهِمَا وَ عِظَمِ نُورِهِمَا الَّذِي لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ بُلُوغاً وَ لَا مُنْتَهًى وَ النُّجُومِ الْجَارِيَةِ وَ دَوَرَانِ الْفَلَكِ وَ غِلَظِ السَّمَاءِ وَ عِظَمِ الْخَلْقِ الْعَظِيمِ‏

____________



(1) نهش الحية: تناوله بفمه ليعضّه فيؤثر فيه و لا يجرحه.

194

وَ السَّمَاءِ الْمُسَقَّفَةِ فَوْقَنَا رَاكِدَةً فِي الْهَوَاءِ وَ مَا دُونَهَا مِنَ الْأَرْضِ الْمَبْسُوطَةِ وَ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْخَلْقِ الثَّقِيلِ وَ هِيَ رَاكِدَةٌ لَا تَتَحَرَّكُ غَيْرَ أَنَّهُ رُبَّمَا حُرِّكَ فِيهَا نَاحِيَةٌ وَ النَّاحِيَةُ الْأُخْرَى ثَابِتَةٌ وَ رُبَّمَا خَسَفَ مِنْهَا نَاحِيَةٌ وَ النَّاحِيَةُ الْأُخْرَى قَائِمَةٌ يُرِينَا قُدْرَتَهُ وَ يَدُلُّنَا بِفِعْلِهِ عَلَى مَعْرِفَتِهِ فَلِهَذَا سُمِّيَ قَوِيّاً لَا لِقُوَّةِ الْبَطْشِ الْمَعْرُوفَةِ مِنَ الْخَلْقِ وَ لَوْ كَانَتْ قُوَّتُهُ تُشْبِهُ قُوَّةَ الْخَلْقِ لَوَقَعَ عَلَيْهِ التَّشْبِيهُ وَ كَانَ مُحْتَمِلًا لِلزِّيَادَةِ وَ مَا احْتَمَلَ الزِّيَادَةَ كَانَ نَاقِصاً وَ مَا كَانَ نَاقِصاً لَمْ يَكُنْ تَامّاً وَ مَا لَمْ يَكُنْ تَامّاً كَانَ عَاجِزاً ضَعِيفاً وَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يُشَبَّهُ بِشَيْ‏ءٍ وَ إِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُ قَوِيٌّ لِلْخَلْقِ الْقَوِيِّ وَ كَذَلِكَ قَوْلُنَا الْعَظِيمُ وَ الْكَبِيرُ وَ لَا يُشَبَّهُ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَالَ أَ فَرَأَيْتَ قَوْلَهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ عَالِمٌ قُلْتُ إِنَّمَا يُسَمَّى تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ مِمَّا لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ مِنْ شَخْصٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ أَوْ دَقِيقٍ أَوْ جَلِيلٍ وَ لَا نَصِفُهُ بَصِيراً بِلَحْظِ عَيْنٍ كَالْمَخْلُوقِ وَ إِنَّمَا سُمِّيَ سَمِيعاً لِأَنَّهُ‏ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى‏ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا يَسْمَعُ النَّجْوَى وَ دَبِيبَ النَّمْلِ عَلَى الصَّفَا (1) وَ خَفَقَانَ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ (2) لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ وَ لَا شَيْ‏ءٌ مِمَّا أَدْرَكَتْهُ الْأَسْمَاعُ وَ الْأَبْصَارُ وَ مَا لَا تُدْرِكُهُ الْأَسْمَاعُ وَ الْأَبْصَارُ مَا جَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَ مَا دَقَّ وَ مَا صَغُرَ وَ مَا كَبُرَ وَ لَمْ نَقُلْ سَمِيعاً بَصِيراً كَالسَّمْعِ الْمَعْقُولِ مِنَ الْخَلْقِ وَ كَذَلِكَ إِنَّمَا سُمِّيَ عَلِيماً لِأَنَّهُ لَا يَجْهَلُ شَيْئاً مِنَ الْأَشْيَاءِ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فِي الْأَرْضِ وَ لَا فِي السَّمَاءِ عَلِمَ مَا يَكُونُ وَ مَا لَا يَكُونُ وَ مَا لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ وَ لَمْ نَصِفْ عَلِيماً بِمَعْنَى غَرِيزَةٍ يَعْلَمُ بِهَا كَمَا أَنَّ لِلْخَلْقِ غَرِيزَةً يَعْلَمُونَ بِهَا فَهَذَا مَا أَرَادَ مِنْ قَوْلِهِ عَلِيمٌ فَعَزَّ مَنْ جَلَّ عَنِ الصِّفَاتِ وَ مَنْ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ أَفْعَالِ خَلْقِهِ فَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى وَ لَوْ لَا ذَلِكَ مَا فَصَّلَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ خَلْقِهِ فَسُبْحَانَهُ وَ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ قَالَ إِنَّ هَذَا لَكَمَا تَقُولُ وَ لَقَدْ عَلِمْتُ إِنَّمَا غَرَضِي أَنْ أَسْأَلَ عَنْ رَدِّ الْجَوَابِ فِيهِ عِنْدَ مُصَرِّفٍ يَسْنَحُ عَنِّي فَأَخْبِرْنِي لَعَلِّي أُحْكِمُهُ فَيَكُونَ الْحُجَّةُ قَدِ انْشَرَحَتْ لِلْمُتَعَنِّتِ الْمُخَالِفِ أَوِ السَّائِلِ الْمُرْتَابِ أَوِ الطَّالِبِ الْمُرْتَادِ مَعَ مَا فِيهِ لِأَهْلِ الْمُوَافَقَةِ مِنَ الِازْدِيَادِ فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ لَطِيفٌ وَ قَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ لِلْفِعْلِ وَ لَكِنْ قَدْ رَجَوْتُ أَنْ تَشْرَحَ لِي ذَلِكَ بِوَصْفِكَ قُلْتُ إِنَّمَا

____________



(1) الصفا: الحجر الصلد الضخم.

(2) خفق الطير: ضرب بجناحيه.

195

سَمَّيْنَاهُ لَطِيفاً لِلْخَلْقِ اللَّطِيفِ وَ لِعِلْمِهِ بِالشَّيْ‏ءِ اللَّطِيفِ مِمَّا خَلَقَ مِنَ الْبَعُوضِ وَ الذَّرَّةِ (1) وَ مِمَّا هُوَ أَصْغَرُ مِنْهُمَا لَا يَكَادُ تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَ الْعُقُولُ لِصِغَرِ خَلْقِهِ مِنْ عَيْنِهِ وَ سَمْعِهِ وَ صُورَتِهِ لَا يُعْرَفُ مِنْ ذَلِكَ لِصِغَرِهِ الذَّكَرُ مِنَ الْأُنْثَى وَ لَا الْحَدِيثُ الْمَوْلُودُ مِنَ الْقَدِيمِ الْوَالِدِ (2) فَلَمَّا رَأَيْنَا لُطْفَ ذَلِكَ فِي صِغَرِهِ وَ مَوْضِعَ الْعَقْلِ فِيهِ وَ الشَّهْوَةَ لِلسِّفَادِ (3) وَ الْهَرَبَ مِنَ الْمَوْتِ وَ الْحَدَبَ عَلَى نَسْلِهِ مِنْ وُلْدِهِ وَ مَعْرِفَةَ بَعْضِهَا بَعْضاً وَ مَا كَانَ مِنْهَا فِي لُجَجِ الْبِحَارِ وَ أَعْنَانِ السَّمَاءِ وَ الْمَفَاوِزِ وَ الْقِفَارِ وَ مَا هُوَ مَعَنَا فِي مَنْزِلِنَا وَ يَفْهَمُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً مِنْ مَنْطِقِهِمْ وَ مَا يَفْهَمُ مِنْ أَوْلَادِهَا وَ نَقْلَهَا الطَّعَامَ إِلَيْهَا وَ الْمَاءَ عَلِمْنَا أَنَّ خَالِقَهَا لَطِيفٌ وَ أَنَّهُ لَطِيفٌ بِخَلْقِ اللَّطِيفِ‏ (4) كَمَا سَمَّيْنَاهُ قَوِيّاً بِخَلْقِ الْقَوِيِّ قَالَ إِنَّ الَّذِي جِئْتَ بِهِ لَوَاضِحٌ فَكَيْفَ جَازَ لِلْخَلْقِ أَنْ يَتَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى قُلْتُ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ أَبَاحَ لِلنَّاسِ الْأَسْمَاءَ وَ وَهَبَهَا لَهُمْ وَ قَدْ قَالَ الْقَائِلُ مِنَ النَّاسِ لِلْوَاحِدِ وَاحِدٌ وَ يَقُولُ لِلَّهِ وَاحِدٌ وَ يَقُولُ قَوِيٌّ وَ اللَّهُ تَعَالَى قَوِيٌّ وَ يَقُولُ صَانِعٌ وَ اللَّهُ صَانِعٌ وَ يَقُولُ رَازِقٌ وَ اللَّهُ رَازِقٌ وَ يَقُولُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَمَنْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ وَاحِدٌ فَهَذَا لَهُ اسْمٌ وَ لَهُ شَبِيهٌ وَ اللَّهُ وَاحِدٌ وَ هُوَ لَهُ اسْمٌ وَ لَا شَيْ‏ءَ لَهُ شَبِيهٌ وَ لَيْسَ الْمَعْنَى وَاحِداً وَ أَمَّا الْأَسْمَاءُ فَهِيَ دَلَالَتُنَا عَلَى الْمُسَمَّى لِأَنَّا قَدْ نَرَى الْإِنْسَانَ وَاحِداً وَ إِنَّمَا نُخْبِرُ وَاحِداً إِذَا كَانَ مُفْرَداً فَعُلِمَ أَنَّ الْإِنْسَانَ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ بِوَاحِدٍ فِي الْمَعْنَى لِأَنَّ أَعْضَاءَهُ مُخْتَلِفَةٌ وَ أَجْزَاءَهُ لَيْسَتْ سَوَاءً وَ لَحْمَهُ غَيْرُ دَمِهِ وَ عَظْمَهُ غَيْرُ عَصَبِهِ وَ شَعْرَهُ غَيْرُ ظُفُرِهِ وَ سَوَادَهُ غَيْرُ بَيَاضِهِ وَ كَذَلِكَ سَائِرُ الْخَلْقِ وَ الْإِنْسَانُ وَاحِدٌ فِي‏

____________



(1) الذر: صغار النمل.

(2) هذا تنبيه منه (عليه السلام) على وجود الحيوانات الحية و الميكروبات المخفية عن الانظار و العقول، قبل وجود المكبّرات و اختراع الميكروسكوب و المنظار بقرون، و غير خفى أن العلم بذلك في أحد عشر قرنا قبل زماننا لم يك يحصل إلّا لذوى النفوس الكاملة و الانظار الثاقبة، الذين خصهم اللّه من بريته بفضله، و أيدهم بحكمته، و انتجبهم لولايته من بين خلقه، و علمهم ما لا يعلم غيرهم من عبيده.

(3) و في نسخة: و الشهوة للبقاء.

(4) و في نسخة: لطيف يخلق اللطيف.

196

الِاسْمِ وَ لَيْسَ بِوَاحِدٍ فِي الِاسْمِ وَ الْمَعْنَى وَ الْخَلْقِ فَإِذَا قِيلَ لِلَّهِ فَهُوَ الْوَاحِدُ الَّذِي لَا وَاحِدَ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَ هُوَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى سَمِيعٌ وَ بَصِيرٌ وَ قَوِيٌّ وَ عَزِيزٌ وَ حَكِيمٌ وَ عَلِيمٌ فَتَعَالَى اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ رَءُوفٌ رَحِيمٌ وَ عَنْ رِضَاهُ وَ مَحَبَّتِهِ وَ غَضَبِهِ وَ سَخَطِهِ قُلْتُ إِنَّ الرَّحْمَةَ وَ مَا يَحْدُثُ لَنَا مِنْهَا شَفَقَةٌ وَ مِنْهَا جُودٌ وَ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ ثَوَابُهُ لِخَلْقِهِ وَ الرَّحْمَةَ مِنَ الْعِبَادِ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا يَحْدُثُ فِي الْقَلْبِ الرَّأْفَةُ وَ الرِّقَّةُ لِمَا يُرَى بِالْمَرْحُومِ مِنَ الضُّرِّ وَ الْحَاجَةِ وَ ضُرُوبِ الْبَلَاءِ وَ الْآخَرُ مَا يَحْدُثُ مِنَّا مِنْ بَعْدِ الرَّأْفَةِ وَ اللُّطْفِ عَلَى الْمَرْحُومِ وَ الرَّحْمَةُ مِنَّا مَا نَزَلَ بِهِ وَ قَدْ يَقُولُ الْقَائِلُ انْظُرْ إِلَى رَحْمَةِ فُلَانٍ وَ إِنَّمَا يُرِيدُ الْفِعْلَ الَّذِي حَدَثَ عَنِ الرِّقَّةِ الَّتِي فِي قَلْبِ فُلَانٍ وَ إِنَّمَا يُضَافُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ فَعْلِ مَا حَدَثَ عَنَّا مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَ أَمَّا الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ فِي الْقَلْبِ فَهُوَ مَنْفِيٌّ عَنِ اللَّهِ كَمَا وَصَفَ عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ رَحِيمٌ لَا رَحْمَةَ رِقَّةٍ وَ أَمَّا الْغَضَبُ فَهُوَ مِنَّا إِذَا غَضِبْنَا تَغَيَّرَتْ طَبَائِعُنَا وَ تَرْتَعِدُ أَحْيَاناً مَفَاصِلُنَا وَ حَالَتْ أَلْوَانُنَا ثُمَّ نَجِي‏ءُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ بِالْعُقُوبَاتِ فَسُمِّيَ غَضَباً فَهَذَا كَلَامُ النَّاسِ الْمَعْرُوفُ وَ الْغَضَبُ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا فِي الْقَلْبِ وَ أَمَّا الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ فِي الْقَلْبِ فَهُوَ مَنْفِيٌّ عَنِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَ كَذَلِكَ رِضَاهُ وَ سَخَطُهُ وَ رَحْمَتُهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ جَلَّ وَ عَزَّ لَا شَبِيهَ لَهُ وَ لَا مِثْلَ فِي شَيْ‏ءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ إِرَادَتِهِ قُلْتُ إِنَّ الْإِرَادَةَ مِنَ الْعِبَادِ الضَّمِيرُ وَ مَا يَبْدُو بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْفِعْلِ وَ أَمَّا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَالْإِرَادَةُ لِلْفِعْلِ إِحْدَاثُهُ إِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏ بِلَا تَعَبٍ وَ لَا كَيْفٍ قَالَ قَدْ بَلَّغْتَ حَسْبُكَ فَهَذِهِ كَافِيَةٌ لِمَنْ عَقَلَ‏ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ الَّذِي هَدَانَا مِنَ الضَّلَالِ وَ عَصَمَنَا مِنْ أَنْ نُشَبِّهَهُ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ خَلْقِهِ وَ أَنْ نَشُكَّ فِي عَظَمَتِهِ وَ قُدْرَتِهِ وَ لَطِيفِ صُنْعِهِ وَ جَبَرُوتِهِ جَلَّ عَنِ الْأَشْبَاهِ وَ الْأَضْدَادِ وَ تَكَبَّرَ عَنِ الشُّرَكَاءِ وَ الْأَنْدَادِ.

شرح قوله(ع)دفعت إليه على بناء المجهول أي دفعتك الحاجة و الضرورة إليه و في الأساس دفع فلان إلى فلان انتهى إليه قوله(ع)مغيض هو بفتح الميم و كسر الغين المعجمة موضع يجري إليه الماء و يغيب أو يجتمع فيه و في الثاني مصدر ميمي‏

197

قوله(ع)في الجهات الأربع أي الشمال و الجنوب و الصبا و الدبور و يحتمل أن يكون المراد المتغيرة بسبب الصفات الأربعة التي فسرها(ع)قوله(ع)تلقح أجسادهم أي تنميها مستعارا من لقاح الشجر كما قال تعالى‏ وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ‏ و في أكثر النسخ بالفاء و هو بمعنى الإحراق فيكون كناية عن نضجها و الودق المطر قوله‏ وَ قَضْباً يعني الرطبة سميت بمصدر قضبه إذا قطعه لأنها تقضب مرة بعد أخرى‏ وَ حَدائِقَ غُلْباً أي عظاما وصفت به الحدائق لتكاثفها و كثرة أشجارها أو لأنها ذات أشجار غلاظ مستعار من وصف الرقاب‏ وَ أَبًّا مرعى من أب إذا أم لأنه يؤم و ينتجع أو من أب لكذا إذا تهيأ له لأنه متهيأ للرعي و فاكهة يابسة تؤب للشتاء و قال الجوهري الأثاث متاع البيت قال الفراء لا واحد له و قال أبو زيد الأثاث المال أجمع الإبل و الغنم و العبيد و المتاع الواحدة أثاثة انتهى‏ وَ مَتاعاً أي شيئا ينتفع به‏ إِلى‏ حِينٍ‏ إلى أن تقضوا منه أوطاركم أو إلى أن يبلى و يفنى أو إلى أن تموتوا قوله(ع)و الانتفاع عطف على أصوافها أو في أصوافها قوله(ع)و مستقر اسم مكان معطوف على الأدواء قوله(ع)هو الأول بلا كيف أي كان أزليا من غير اتصاف بكيفية أو من غير أن تعرف كيفية أوليته بمقارنة زمان قديم بل بلا زمان قوله(ع)لا من شي‏ء و لا كيف أي لا من مادة و لا من شبه و مثال و تصور و خيال تمثل فيه كيفية الخلق ثم خلق على مثال ذلك كما في المخلوقين قوله(ع)ثانيا و لا كيف أي ليس لخلقه و إيجاده كيفية كما في المخلوقين من حركة و مزاولة عمل فكما أنه لا كيف لذاته لا كيف لإيجاده و إذا وصف خلقه و إيجاده بالكيف فهو يرجع إلى كيفية مخلوقه فإذا قيل كيف خلق الأشياء فالمعنى الصحيح له كيف مخلوقاته لا أنه كيف كان فعله و إيجاده و إليه أشار(ع)بقوله و إنما الكيف بكيفية المخلوق ثم علل ذلك بأن هذه صفات المحدثين و هو الأول لا بدء له و لا شبه فكيف يتصف بها قوله(ع)الذي خلق خبر مبتدإ محذوف أي هو الذي و قوله(ع)و تصريف الرياح عطف على الخلق العظيم و يحتمل العطف على قوله مثل الأرض قوله(ع)بلوغا و لا منتهى لعل المراد أنه لا يبلغ الأبصار إليهما و لا إلى منتهى نورهما أو منتهى جسمهما

198

قوله(ع)و عظم الخلق العظيم أي السماء أو ما عليها من الملائكة قوله و لا يشبه بهذه الأسماء على بناء المجهول من باب التفعيل أي لا يصير إطلاق هذه الأسماء عليه سببا لأن يظن أنه شبيه بخلقه قوله إنما غرضي أي غرضي من السؤال أن تجيب عما يعرض لي من إشكال يصرّفني عن الحق يسنح و يظهر عني و في بعض النسخ عن رد الجواب فيه عند متعرف غبي أي إني قد آمنت و أيقنت و إنما المقصود من السؤال أن أقدر على أن أجيب عن سؤال متعرف غبي جاهل أحمق لأهديه إلى الحق و هو أظهر و الحدب العطف و الشفقة و لعل المراد بما في أعنان السماء ما يطير في الهواء و قد مر تفسير بعض الفقرات و سيأتي تفسير بعضها.

باب 6 التوحيد و نفي الشريك و معنى الواحد و الأحد و الصمد و تفسير سورة التوحيد

الآيات البقرة وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ‏ و قال تعالى‏ وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً (1) يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ‏ و قال سبحانه‏ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ‏ و قال تعالى‏ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ‏ آل عمران‏ وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ‏ و قال تعالى‏ قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى‏ كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ‏ (2) أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَ لا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏ (3)

____________

(1) أي من الأصنام أو الرؤساء أو الأعمّ. يحبونهم أو يعظمونهم و يصفونهم كتعظيمه تعالى و الميل إلى طاعته. قوله: أشدّ حبا للّه أي لا تنقطع محبتهم للّه، بخلاف محبة الانداد فانها لاغراض فاسدة تزول بأدنى سبب. منه (رحمه الله ).

(2) أي لا يختلف فيها الرسل و الكتب. منه (رحمه الله ).

(3) أي الزمتكم الحجة فاعترفوا بأنا مسلمون دونكم، و اعترفوا بأنكم كافرون بما نطقت به الكتب و تطابقت عليه الرسل. منه (رحمه الله ).

199

النساء إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى‏ إِثْماً عَظِيماً و قال تعالى‏ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً وَ إِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً و قال‏ وَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ وَكِيلًا أنعام‏ قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَ تَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ‏ و قال تعالى‏ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏ الأعراف‏ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ‏ في مواضع يونس‏ وَ ما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ‏ و قال تعالى‏ قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ أَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَ لا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ لا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَ لا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ‏ هود أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَ بَشِيرٌ يوسف‏ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ و قال‏ يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏ و قال‏ وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ‏ الرعد لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْ‏ءٍ إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَ ما هُوَ بِبالِغِهِ وَ ما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ ظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَ لا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى‏ وَ الْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَ النُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ

200

و قال‏ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ مَتابِ‏ و قال‏ أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى‏ كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَ صُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ‏ و قال‏ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَ لا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَ إِلَيْهِ مَآبِ‏ إبراهيم‏ وَ لِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ النحل‏ يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏ و قال تعالى‏ وَ قالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ وَ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لَهُ الدِّينُ واصِباً أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ وَ يَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ وَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَ لَهُمْ ما يَشْتَهُونَ‏ الإسراء لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ‏ و قال تعالى‏ وَ لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى‏ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً و قال تعالى‏ قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى‏ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا سُبْحانَهُ وَ تَعالى‏ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً و قال تعالى‏ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَ لا تَحْوِيلًا أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى‏ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَ يَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً الكهف‏ فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً و قال الله تعالى 38 لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَ لا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً

201

و قال تعالى‏ وَ يَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً و قال تعالى‏ أَ فَحَسِبَ‏ (1) الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ و قال تعالى‏ قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى‏ إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ‏ (2) فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً مريم‏ وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَ يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا الأنبياء وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ‏ (3) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَ ذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ‏ و قال تعالى‏ وَ إِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَ هُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ‏ و قال تعالى‏ قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَ لا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ‏ (4) و قال تعالى‏ إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَ كُلٌّ فِيها خالِدُونَ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَ هُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى‏ أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ‏ و قال تعالى‏ قُلْ إِنَّما يُوحى‏ إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ‏

____________

(1) مفعول الثاني «لحسب» مقدر أي نافعهم أو لا اعذبهم، أو سد «أن يتخذوا» مسد المفعولين.

منه (رحمه الله ).

(2) أي يأمل حسن لقائه يخاف سوء لقائه. منه (رحمه الله ).

(3) قوله: هم ينشرون أي الموتى، و هم و إن لم يقروا بذلك لكن يلزم ذلك من ادعائهم كونها آلهة. منه (رحمه الله ).

(4) أي من عذابه، و قوله: لا يستطيعون استينافى لابطال ما اعتقدوه. و لا هم منا يصحبون أي لا يجارون من عذابنا و لا يصحبهم منا نصر. منه (رحمه الله ).

202

الحج‏ حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ‏ و قال‏ وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَ ما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ المؤمنون‏ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ فَتَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏ و قال عز و جل‏ فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ وَ مَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ‏ الفرقان‏ وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ وَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَ لا نَفْعاً وَ لا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَ لا حَياةً وَ لا نُشُوراً الشعراء فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ‏ النمل‏ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ‏ و قال تعالى‏ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ سَلامٌ عَلى‏ عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى‏ آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ‏ (1) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَ جَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَ جَعَلَ لَها رَواسِيَ‏ (2) وَ جَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ وَ يَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ‏ (3) فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ مَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏

____________

(1) أي يعدلون عن الحق. منه (رحمه الله ).

(2) أي جبالا ثابتة. و البحران: العذب و المالح و بحرا فارس و الروم. منه (رحمه الله ).

(3) أي بالنجوم و علامات الأرض. بين يدي رحمته أي المطر من السماء و الأرض أي باسبابها.

منه (رحمه الله ).

203

القصص‏ وَ يَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ‏ (1) رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ‏ (2) وَ قِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَ رَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ‏ و قال تعالى‏ وَ لا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ لا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏ العنكبوت‏ وَ إِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏ و قال عز و جل‏ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَ إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ‏ الروم‏ وَ لا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ‏ (3) وَ كانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ وَ إِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ‏ و قال تعالى‏اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ سُبْحانَهُ وَ تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏ لقمان‏ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‏ و قال‏ وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى‏ أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما سبأ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَ لا

____________

(1) أي حقّ عليهم الوعيد بالعذاب من الجن و الشياطين و الذين أغووا الخلق من الانس.

ربنا هؤلاء الذين أغوينا يعنون اتباعهم. ما كانوا إيانا يعبدون أي لم يكونوا يعبدوننا، بل كانوا يعبدون الشياطين الذين زيفوا عبادتنا، أو لم يعبدونا باستحقاق. منه (رحمه الله ).

(2) أي بحيلة لدفع العذاب أو إلى الحق، و قيل: «لو» للتمنى أي تمنوا أنهم كانوا مهتدين.

منه (رحمه الله ).

(3) أي الشياطين حيث أطاعوهم، و قيل: كانوا يتمثلون و يتخيلون أنهم الملائكة فيعبدونهم.

منه (رحمه الله ).

204

فِي الْأَرْضِ وَ ما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَ ما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ و قال تعالى‏ قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏ و قال سبحانه‏ وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ‏ فاطر يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ‏ و قال سبحانه‏ وَ ما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ‏ (1) سائِغٌ شَرابُهُ وَ هذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَ مِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَ تَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى‏ (2) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَ لَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ‏ (3) وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَ لا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ و قال تعالى‏ قُلْ أَ رَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً يس‏ وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَ هُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ‏ و الصافات‏ وَ الصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِراتِ زَجْراً فَالتَّالِياتِ ذِكْراً (4)

____________

(1) قيل: الفرات هو الذي ينكسر به العطش، و السائغ: الذي يسهل انحداره، و الاجاج:

الذي يحرق بملوحته. و المراد بالحلية اللئالى. مواخر أي تشق الماء بجريها. منه (رحمه الله ).

(2) الأجل المسمى مدة دوره أي منتهاه، أو يوم القيامة. القطمير لفافة النواة. منه (رحمه الله ).

(3) أي على فرض المحال ما استجابوا لكم لعدم قدرتهم على الانفاع، أو لتبريهم منكم مما تدعون لهم. منه (رحمه الله ).

(4) اقسم بالملائكة الصافين في مقام العبودية، الزاجرين لاجرام العلوية و السفلية بالتدبير المأمور فيها، أو الناس عن المعاصى و الشياطين عن التعرض لهم، التالين آيات اللّه تعالى و أسراره على أنبيائه و أصفيائه. أو بطوائف العلماء الصافين في العبادات، الزاجرين عن الكفر و المعاصى، التالين آيات اللّه و شرائعه. او بنفوس الغزاة الصافين في الجهاد، الزاجرين الخيل او العدو، و التالين ذكر اللّه لا يشغلهم عنه مجاهدة الاعداء. منه (قدس سره).

205

إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ رَبُّ الْمَشارِقِ‏ ص‏ وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ الزمر ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ‏ و قال تعالى‏ وَ إِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَ جَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ و قال تعالى‏ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ‏ و قال سبحانه‏ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَ رَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏ و قال تعالى‏ قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ‏ المؤمن‏ ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَ إِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا و قال‏ وَ اللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْ‏ءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ و قال تعالى‏ وَ يا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَ تَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَ أُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَ أَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ و قال تعالى‏ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ‏ إلى قوله تعالى‏ هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ‏ إلى قوله تعالى‏ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ‏ فصلت‏ قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى‏ إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَ اسْتَغْفِرُوهُ وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ‏ إلى قوله تعالى‏ قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ‏ و قال تعالى‏ إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ‏ و قال تعالى‏ وَ يَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَ ظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ‏ و قال تعالى‏

206

وَ مِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَ النَّهارُ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَ لا لِلْقَمَرِ وَ اسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ هُمْ لا يَسْأَمُونَ‏ حمعسق‏ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَ هُوَ يُحْيِ الْمَوْتى‏ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ و قال تعالى‏ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ‏ الزخرف‏ وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ‏ و قال تعالى‏ وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ‏ و قال تعالى‏ وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وَ قالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ‏ الجاثية وَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَ لا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ‏ محمد فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ‏ ق‏ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ الذاريات‏ وَ لا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ‏ الطور أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏ الممتحنة قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَ الَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَ مِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏ الجن‏ قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَ لا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً المزمل‏ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا التوحيد قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ

1- يد، التوحيد ل، الخصال الطَّالَقَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْهَيْثَمِ الْبَلَدِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحِ بْنِ هَانِي عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إِنَّ أَعْرَابِيّاً قَامَ يَوْمَ الْجَمَلِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَ تَقُولُ إِنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ قَالَ فَحَمَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَ قَالُوا يَا أَعْرَابِيُّ أَ مَا تَرَى مَا فِيهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ‏

207

مِنْ تَقَسُّمِ الْقَلْبِ‏ (1) فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)دَعُوهُ فَإِنَّ الَّذِي يُرِيدُهُ الْأَعْرَابِيُّ هُوَ الَّذِي نُرِيدُهُ مِنَ الْقَوْمِ ثُمَّ قَالَ يَا أَعْرَابِيُّ إِنَّ الْقَوْلَ فِي أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ فَوَجْهَانِ مِنْهَا لَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ وَجْهَانِ يَثْبُتَانِ فِيهِ فَأَمَّا اللَّذَانِ لَا يَجُوزَانِ عَلَيْهِ فَقَوْلُ الْقَائِلِ وَاحِدٌ يَقْصِدُ بِهِ بَابَ الْأَعْدَادِ فَهَذَا مَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّ مَا لَا ثَانِيَ لَهُ لَا يَدْخُلُ فِي بَابِ الْأَعْدَادِ أَ مَا تَرَى أَنَّهُ كَفَرَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَ قَوْلُ الْقَائِلِ هُوَ وَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ يُرِيدُ بِهِ النَّوْعَ مِنَ الْجِنْسِ فَهَذَا مَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ وَ جَلَّ رَبُّنَا وَ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ وَ أَمَّا الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ يَثْبُتَانِ فِيهِ فَقَوْلُ الْقَائِلِ هُوَ وَاحِدٌ لَيْسَ لَهُ فِي الْأَشْيَاءِ شِبْهٌ كَذَلِكَ رَبُّنَا وَ قَوْلُ الْقَائِلِ إِنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَحَدِيُّ الْمَعْنَى يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ لَا يَنْقَسِمُ فِي وُجُودٍ وَ لَا عَقْلٍ وَ لَا وَهْمٍ كَذَلِكَ رَبُّنَا عَزَّ وَ جَلَّ.

مع معاني الأخبار عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب بن نصر بن عبد الوهاب بن عطاء بن واصل السنجري عن أبي الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن حمزة الشعراني العماري من ولد عمار بن ياسر عن أبي محمد عبيد الله بن يحيى بن عبد الباقي الآذني عن أبي المقدام بن شريح بن هاني عن أبيه‏ مثله.

بيان: التقسم التفرق و المعنى الأول المنفي هو الوحدة العددية بمعنى أن يكون له ثان من نوعه و الثاني أن يكون المراد به صنفا من نوع فإن النوع يطلق في اللغة على الصنف و كذا الجنس على النوع فإذا قيل لرومي مثلا هذا واحد من الناس بهذا المعنى يكون المعنى أن صنف هذا صنف من أصناف الناس أو هذا من صنف من أصنافهم و يحتمل أن يكون المراد بالأول الذي له ثان في الإلهية و بالثاني الواحد من نوع داخل تحت جنس فالمراد أنه يريد به أي بالناس أنه نوع لهذا الشخص و يكون ذكر الجنس لبيان أن النوع يستلزم الجنس غالبا فيلزم التركيب من الأجزاء العقلية و المعنيان المثبتان الأول منهما إشارة إلى نفي الشريك و الثاني منهما إلى نفي التركيب و قوله في وجود أي في الخارج.

____________

(1) تقسم الشي‏ء: فرقه. تقسمته الهموم أي وزعت خواطره.

208

2- يد، التوحيد مع، معاني الأخبار أَبِي عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيِ‏ (1) قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الثَّانِيَ(ع)مَا مَعْنَى الْوَاحِدِ قَالَ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ الْأَلْسُنِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ.

سن، المحاسن أبي عن داود بن القاسم‏ مثله.

- 3- ج، الإحتجاج عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي ع‏ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ مَا مَعْنَى الْأَحَدِ قَالَ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ أَ مَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ‏ وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏ بَعْدَ ذَلِكَ لَهُ شَرِيكٌ وَ صَاحِبَةٌ.

بيان قوله(ع)بعد ذلك استفهام على الإنكار أي كيف يكون له شريك و صاحبة بعد إجماع القول على خلافه.

4- يد، التوحيد ابْنُ عِصَامٍ وَ الدَّقَّاقُ عَنِ الْكُلَيْنِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ جَمِيعاً عَنْ سَهْلٍ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الثَّانِيَ(ع)مَا مَعْنَى الْوَاحِدِ قَالَ الَّذِي اجْتِمَاعُ الْأَلْسُنِ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ كَمَا قَالَ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏ (2).

____________

(1) هو داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب (رحمه الله )، كان جليل القدر عظيم المنزلة عند الأئمّة (عليهم السلام)، وثقه النجاشيّ، و قد شاهد جماعة من الأئمّة، منهم الرضا، و الجواد، و الهادى و العسكريّ، و صاحب الامر (عليهم السلام)، و روى عنهم، و له أخبار و مسائل، و له شعر جيد فيهم، و كان مقدما عند السلطان، و له كتاب روى عنه أحمد بن أبي عبد اللّه. و عده ابن طاوس «على ما حكى» فى ربيع الشيعة من سفراء الصاحب (عليه السلام) و الأبواب المعروفين الذين لا تختلف الاثنا عشرية فيهم.

(2) الظاهر من مضامين الأحاديث الثلاثة أنّها متحدة، و أن أبا هاشم الجعفرى سئل مرة واحدة عن موضوع واحد، و الاختلاف الذي يتراءى فيها جاء من قبل الرواة بعد النقل بالمعنى و نقلها بالتفصيل و الاجمال. كما أن الظاهر من الحديث الثاني الذي نقل فيها ألفاظ السائل بتمامها أن المسئول عنه هو معنى الاحد الواقع في سورة الإخلاص- بل هو صريح في ذلك- لا المعنى الواحد كما في الحديث الأول و الثالث المنقولين بالمعنى؟ و حاصل السؤال استفهام معنى الاحد، و كانه أراد فهم الفرق بينه و بين معنى الواحد، فأجابه (عليه السلام) بأن الاحد هو الذي لا يرى ذوى الألسن و العقول له شريك في وحدته، و اجتمعوا باتصافه بالوحدانية دون غيره، ثمّ استشهد (عليه السلام) لكونه تعالى كذلك بالآية و أن طوائف الناس بأجمعها مذعنة باتصافه بأنّه خالق السماوات و الأرض و أنّه إلههما دون غيره. و الحاصل كل ما يراه الناس بطوائفه و أصنافه أنّه واحد في ذاته أو في صفاته و لم يروا في ذلك له شبيه و نظير فهو المسمى بالاحد، بخلاف الواحد فانه يحتمله و غيره و الأول يسمى بالفارسية «يكتا» و الثاني «يك» و الأول لا يقع في مراتب الاعداد بخلاف الثاني.

209

بيان يحتمل تلك الأخبار وجوها الأول أن يكون(ع)أحال معنى الواحد على ما هو المعروف بين الناس و أعرض عنه و استدل عليه بما جبل عليه جميع العقول من الإذعان بتوحيده.

الثاني أن يكون المراد به أن معنى الواحد هو الذي أقر به كل ذي عقل إذا صرف عنه الأغراض النفسانية.

الثالث أن يكون هذا اللفظ بحسب الشرع موضوعا لهذا المعنى مأخوذا فيه إجماع الألسن. (1)

ثم الظاهر أن يكون الآية احتجاجا على مشركي قريش حيث كانوا يقرون بأن الخالق لجميع المخلوقات هو الله تعالى و مع ذلك كانوا يعبدون الأصنام‏ وَ يَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ‏ و يحتمل أن يكون المراد أن غرائز الخلق كلها مجبولة على الإذعان بتوحيده فإذا رجعوا إلى أنفسهم و تركوا العصبية و العناد يرون أنفسهم مذعنة بذلك و ينبه على ذلك أنهم عند اضطرارهم في المهالك و المخاوف لا يلجئون إلا إليه كما نبه تعالى عليه في مواضع من القرآن المجيد و الأول أظهر فإن للتوحيد ثلاثة معان الأول توحيد واجب الوجود و الثاني توحيد صانع العالم و مدبر النظام و الثالث توحيد الإله و هو المستحق للعبادة و كان مشركو القريش مخالفين في المعنى الثالث.

5- ج، الإحتجاج عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ‏ أَنَّهُ سَأَلَ الزِّنْدِيقُ الصَّادِقَ(ع)عَنْ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ مَعَهُ طِينَةٌ مُوذِيَةٌ فَلَمْ يَسْتَطِعِ التَّفَصِّيَ‏ (2) مِنْهَا إِلَّا بِامْتِزَاجِهِ بِهَا وَ دُخُولِهِ فِيهَا فَمِنْ تِلْكَ الطِّينَةِ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَ تَعَالَى مَا أَعْجَزَ إِلَهاً يُوصَفُ بِالْقُدْرَةِ لَا يَسْتَطِيعُ التَّفَصِّيَ مِنَ الطِّينَةِ إِنْ كَانَتِ الطِّينَةُ حَيَّةً أَزَلِيَّةً فَكَانَا إِلَهَيْنِ قَدِيمَيْنِ فَامْتَزَجَا

____________



(1) اما المعنيان الاولان فهما بحسب الدقة واحد و هو الذي جبل عليه العقول و لا تأثير للشهرة العرفية في هذه المعاني؛ و اما الثالث فاحتمال فاسد من اصله لا يحمل عليه الاخبار اذ لا معنى لدعوة القرآن الى الحقيقة الشرعية من غير بيان و لا إشارة إلغازا و تعمية. ط.

(2) التفصى: التخلص.

210

وَ دَبَّرَا الْعَالَمَ مِنْ أَنْفُسِهِمَا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَمِنْ أَيْنَ جَاءَ الْمَوْتُ وَ الْفَنَاءُ وَ إِنْ كَانَتِ الطِّينَةُ مَيِّتَةً فَلَا بَقَاءَ لِلْمَيِّتِ مَعَ الْأَزَلِيِّ الْقَدِيمِ وَ الْمَيِّتُ لَا يَجِي‏ءُ مِنْهُ حَيٌ‏ (1) هَذِهِ مَقَالَةُ الدَّيَصَانِيَّةِ أَشَدِّ الزَّنَادِقَةِ قَوْلًا وَ أَهْمَلِهِمْ مَثَلًا نَظَرُوا فِي كُتُبٍ قَدْ صَنَّفَتْهَا أَوَائِلُهُمْ وَ حَبَّرُوهَا (2) لَهُمْ بِأَلْفَاظٍ مُزَخْرَفَةٍ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ ثَابِتٍ وَ لَا حُجَّةٍ تُوجِبُ إِثْبَاتَ مَا ادَّعَوْا كُلُّ ذَلِكَ خِلَافاً عَلَى اللَّهِ وَ عَلَى رُسُلِهِ وَ تَكْذِيباً بِمَا جَاءُوا بِهِ عَنِ اللَّهِ فَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْأَبْدَانَ ظُلْمَةٌ وَ الْأَرْوَاحَ نُورٌ وَ أَنَّ النُّورَ لَا يَعْمَلُ الشَّرَّ وَ الظُّلْمَةَ لَا تَعْمَلُ الْخَيْرَ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَلُومُوا أَحَداً عَلَى مَعْصِيَةٍ وَ لَا رُكُوبِ حُرْمَةٍ وَ لَا إِتْيَانِ فَاحِشَةٍ وَ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الظُّلْمَةِ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ لِأَنَّ ذَلِكَ فِعْلُهَا وَ لَا لَهُ أَنْ يَدْعُوَ رَبّاً وَ لَا يَتَضَرَّعَ إِلَيْهِ لِأَنَّ النُّورَ رَبٌّ وَ الرَّبُّ لَا يَتَضَرَّعُ إِلَى نَفْسِهِ وَ لَا يَسْتَعِيذُ بِغَيْرِهِ وَ لَا لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ أَنْ يَقُولَ أَحْسَنْتُ وَ أَسَأْتُ لِأَنَّ الْإِسَاءَةَ مِنْ فِعْلِ الظُّلْمَةِ وَ ذَلِكَ فِعْلُهَا وَ الْإِحْسَانُ مِنَ النُّورِ وَ لَا يَقُولُ النُّورُ لِنَفْسِهِ أَحْسَنْتَ يَا مُحْسِنُ وَ لَيْسَ هُنَاكَ ثَالِثٌ فَكَانَتِ الظُّلْمَةُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمْ أَحْكَمَ فِعْلًا وَ أَتْقَنَ تَدْبِيراً وَ أَعَزَّ أَرْكَاناً مِنَ النُّورِ لِأَنَّ الْأَبْدَانَ مُحْكَمَةٌ فَمَنْ صَوَّرَ هَذَا الْخَلْقَ صُورَةً وَاحِدَةً عَلَى نُعُوتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ يُرَى ظَاهِراً مِنَ الظَّهْرِ وَ الْأَشْجَارِ وَ الثِّمَارِ وَ الطَّيْرِ وَ الدَّوَابِّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ إِلَهاً ثُمَّ حَبَسَتِ النُّورَ فِي حَبْسِهَا وَ الدَّوْلَةُ لَهَا وَ مَا ادَّعَوْا بِأَنَّ الْعَاقِبَةَ سَوْفَ تَكُونُ لِلنُّورِ فَدَعْوَى وَ يَنْبَغِي عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمْ أَنْ لَا يَكُونَ لِلنُّورِ فِعْلٌ لِأَنَّهُ أَسِيرٌ وَ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ فَلَا فِعْلَ لَهُ وَ لَا تَدْبِيرَ وَ إِنْ كَانَ لَهُ مَعَ الظُّلْمَةِ تَدْبِيرٌ فَمَا هُوَ بِأَسِيرٍ بَلْ هُوَ مُطْلَقٌ عَزِيزٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَ كَانَ أَسِيرَ الظُّلْمَةِ فَإِنَّهُ يَظْهَرُ فِي هَذَا الْعَالَمِ إِحْسَانٌ وَ خَيْرٌ مَعَ فَسَادٍ وَ شَرٍّ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الظُّلْمَةَ تُحْسِنُ الْخَيْرَ وَ تَفْعَلُهُ كَمَا تُحْسِنُ الشَّرَّ وَ تَفْعَلُهُ فَإِنْ قَالُوا مُحَالٌ ذَلِكَ فَلَا نُورَ يُثْبَتُ وَ لَا ظُلْمَةَ وَ بَطَلَتْ دَعْوَاهُمْ وَ يَرْجِعُ الْأَمْرُ إِلَى أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ وَ مَا سِوَاهُ بَاطِلٌ فَهَذِهِ مَقَالَةُ مَانِي الزِّنْدِيقِ وَ أَصْحَابِهِ وَ أَمَّا مَنْ قَالَ النُّورُ وَ الظُّلْمَةُ بَيْنَهُمَا حَكَمٌ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَكْبَرَ الثَّلَاثَةِ

____________



(1) و في نسخة: و الميت لا يحيى منه حى.

(2) أي زينوها و حسنوها بألفاظ أباطيل مموهة.

211

الْحَكَمُ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْحَاكِمِ إِلَّا مَغْلُوبٌ أَوْ جَاهِلٌ أَوْ مَظْلُومٌ وَ هَذِهِ مَقَالَةُ الْمَدْقُونِيَّةِ (1) وَ الْحِكَايَةُ عَنْهُمْ تَطُولُ قَالَ فَمَا قِصَّةُ مَانِي قَالَ مُتَفَحِّصٌ أَخَذَ بَعْضَ الْمَجُوسِيَّةِ فَشَابَهَا بِبَعْضِ النَّصْرَانِيَّةِ (2) فَأَخْطَأَ الْمِلَّتَيْنِ وَ لَمْ يُصِبْ مَذْهَباً وَاحِداً مِنْهُمَا وَ زَعَمَ أَنَّ الْعَالَمَ دُبِّرَ مِنْ إِلَهَيْنِ نُورٍ وَ ظُلْمَةٍ وَ أَنَّ النُّورَ فِي حِصَارٍ مِنَ الظُّلْمَةِ عَلَى مَا حَكَيْنَا مِنْهُ فَكَذَّبَتْهُ النَّصَارَى وَ قَبِلَتْهُ الْمَجُوسُ الْخَبَرَ (3).

توضيح و تحقيق اعلم أنه(ع)أشار في هذا الخبر إلى إبطال مذاهب ثلاث فرق من الثنوية و لنحقق أصل مذاهبهم ليتضح ما أفاده(ع)في الرد عليهم.

الأول مذهب الديصانية و هم أصحاب ديصان و هم أثبتوا أصلين نورا و ظلاما فالنور يفعل الخير قصدا و اختيارا و الظلام يفعل الشر طبعا و اضطرارا فما كان من خير و نفع و طيب و حسن فمن النور و ما كان من شر و ضر و نتن و قبح فمن الظلام و زعموا أن النور حي عالم قادر حساس دراك و منه تكون الحركة و الحياة و الظلام ميت جاهل عاجز جماد موات لا فعل لها و لا تمييز و زعموا أن الشر يقع منه طباعا و زعموا أن النور جنس واحد و كذلك الظلام جنس واحد و أن إدراك النور إدراك متفق و أن سمعه و بصره هو حواسه و إنما قيل سميع بصير لاختلاف التركيب لا لأنهما في نفسهما شيئان مختلفان.

و زعموا أن اللون هو الطعم و هو الرائحة و هو المجسّة (4) و إنما وجده لونا لأن الظلمة خالطته ضربا من المخالطة و وجده طعما لأنها خالطته بخلاف ذلك الضرب و كذلك يقول في لون الظلمة و طعمها و رائحتها و مجستها و زعموا أن النور بياض كله و أن الظلمة سواد كلها و زعموا أن النور لم يزل يلقى الظلمة بأسفل صفيحة منه و أن الظلمة لم تزل تلقاه بأعلى صفيحة منها.

____________

(1) و في نسخة: و هذه مقالة المرقوبية.

(2) أي زادها ببعض النصرانية.

(3) قال الفيروزآبادي: مجوس كصبور رجل صغير الأذنين وضع دينا و دعا إليه؛ معرب «ميج‏كوش».

(4) المجس و المجسة: موضع اللمس.

212

و اختلفوا في المزاج و الخلاص فزعم بعضهم أن النور دخل الظلمة و الظلمة تلقاه بخشونة و غلظ فتأذى بها و أحب أن يرققها و يلينها ثم يتخلص منها و ليس ذلك لاختلاف جسمها و لكن كما أن المنشار جنسه حديد و صفيحته لينة و أسنانه خشنة فاللين في النور و الخشونة في الظلمة و هما جنس واحد فيلطف النور بلينه حتى يدخل فيما بين تلك الفرج فما أمكنه إلا بتلك الخشونة فلا يتصور الوصول إلى كمال و وجود إلا بلين و خشونة.

و قال بعضهم بل الظلام لما احتال حتى تشبث بالنور من أسفل صفيحته و درجه فاجتهد النور حتى يتخلص منه و يدفعها عن نفسه اعتمد عليه فلجج فيه و ذلك بمنزلة الإنسان الذي يريد الخروج من وحل وقع فيه فيعتمد على رجله ليخرج فيزداد لجوجا فيه فاحتاج النور إلى زمان ليعالج التخلص منه و التفرد بعالمه.

و قال بعضهم إن النور إنما دخل الظلام اختيارا ليصلحها و يستخرج منه أجزاء صالحة لعالمه فلما دخل تشبث به زمانا فصار يفعل الجور و القبيح اضطرارا لا اختيارا و لو انفرد في عالمه ما كان يحصل منه إلا الخير المحض و الحسن البحت‏ (1) و فرق بين الفعل الضروري و بين الفعل الاختياري.

الثاني مذهب المانوية أصحاب ماني الحكيم الذي ظهر في زمان سابور بن أردشير و ذلك بعد عيسى(ع)أخذ دينا بين المجوسية و النصرانية و كان يقول بنبوة المسيح(ع)و لا يقول بنبوة موسى(ع)حكى محمد بن هارون المعروف بأبي عيسى الوراق أن الحكيم ماني زعم أن العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين أحدهما نور و الآخر ظلمة و أنهما أزليان لم يزالا و لن يزالا و أنكر وجود شي‏ء لا من الأصل قديما و زعم أنهما لم يزالا قويين حساسين سميعين بصيرين و هما مع ذلك في النفس و الصورة و الفعل و التدبير متضادان و الخير و الشر متحاذيان تحاذي الشخص و الظل و النور جوهره حسن فاضل كريم صاف نقي طيب الريح حسن المنظر و نفسه خيرة كريمة حليمة نافعة عالمة و فعله الخير و الصلاح و النفع و السرور و الترتيب‏

____________

(1) البحت: الصرف الخالص.

213

و النظام و الاتفاق و جهته فوق و أكثرهم على أنه مرتفع من ناحية الشمال.

و زعم بعضهم أنه بجنب الظلمة و أجناسه خمسة أربعة منها أبدان و الخامسة روحها فالأبدان النار و الريح و النور و الماء و روحها النسيم و هي تتحرك في هذه الأبدان و صفاته حسنة خيرة طاهرة زكية.

و قال بعضهم كون النور لم يزل على مثال هذا العالم له أرض و جو و أرض النور لم تزل لطيفة على غير صورة هذه الأرض بل على صورة جرم الشمس و شعاعها كشعاع الشمس و رائحتها طيبة أطيب رائحة و ألوانها ألوان قوس قزح.

و قال بعضهم و لا شي‏ء إلا الجسم و الأجسام على ثلاثة أنواع أرض النور و هي خمسة و هناك جسم آخر ألطف منه و هو الجو و هو نفس النور و جسم آخر ألطف منه و هو النسيم و هو روح النور قال و لم يزل يولد ملائكة و آلهة أولياء ليس على سبيل المناكحة بل كما يتولد الحكمة من الحكيم و النطق الطيب من الناطق و ملك ذلك العالم هو روحه و يجمع عالمه الخير و الحمد و النور.

و أما الظلمة فجوهرها قبيح ناقص لئيم كدر خبيث منتن الريح قبيح المنظر و نفسها شريرة لئيمة سفيهة ضارة جاهلة و فعلها الشر و الفساد و الضرر و الغم و التشويش و الاختلاف و جهتها تحت و أكثرهم على أنها منحطة من جانب الجنوب.

و زعم بعضهم أنها بجنب النور و أجناسها خمسة أربعة منها أبدان و الخامسة روحها فالأبدان هي الحريق و الظلمة و السموم و الضباب و روحها الدخان و هو يتحرك في هذه الأبدان و أما صفاتها فهي خبيثة شريرة نجسة دنسة.

و قال بعضهم كون الظلمة لم يزل على مثال هذا العالم له أرض و جو فأرض الظلمة لم تزل كثيفة على غير صورة هذه الأرض بل هي أكثف و أصلب و رائحتها كريهة أنتن الروائح و ألوانها السواد.

و قال بعضهم و لا شي‏ء إلا الجسم و الأجسام على ثلاثة أنواع أرض الظلمة و جسم آخر أظلم منه و هو الدخان و جسم آخر أظلم منه و هو السموم و قال و لم يزل تولد الظلمة شياطين و عفاريت لا على سبيل المناكحة بل كما يتولد الحشرات من‏

214

العفونات القذرة قال و ملك ذلك العالم هو روحه و يجمع عالمه الشر و الذميمة و الظلمة.

ثم اختلفت المانوية في المزاج و سببه و الخلاص و سببه قال بعضهم إن النور و الظلام امتزجا بالخبط و الاتفاق لا بالقصد و الاختيار و قال أكثرهم إن سبب الامتزاج أن أبدان الظلمة تشاغلت عن روحها بعض التشاغل فنظرت الروح فرأت الأبدان على ممازجة النور فأجابتها لإسراعها إلى الشر فلما رأى ذلك ملك النور وجه إليها ملكا من ملائكته في خمسة أجزاء من أجناسها الخمسة فاختلطت الخمسة النورية بالخمس الظلامية فخالط الدخان النسيم و إنما الحياة و الروح في هذا العالم من النسيم و الهلاك و الآفات من الدخان و خالط الحريق النار و النور الظلمة و السموم الريح و الضباب الماء فما في العالم من منفعة و خير و بركة فمن أجناس النور و ما فيه من مضرة و شر و فساد فمن أجناس الظلمة فلما رأى ملك النور هذه الامتزاج أمر ملكا من ملائكته فخلق هذا العالم على هذه الهيئة ليخلص أجناس النور من أجناس الظلمة و إنما سارت الشمس و النجوم و القمر لاستصفاء أجزاء النور من أجزاء الظلمة هذا ما ذكر الشهرستاني من تحقيق مذهبهم مع خرافات آخر نقلها عنهم.

و قال ابن أبي الحديد قالت المانوية إن النور لا نهاية له من جهة فوق و أما من جهة تحت فله نهاية و الظلمة لا نهاية لها من جهة أسفل و أما من جهة فوق فلها نهاية و كان النور و الظلمة هكذا قبل خلق العالم و بينهما فرجة و إن بعض أجزاء النور اقتحم تلك الفرجة لينظر إلى الظلمة فأشرقت الظلمة فأقبل عالم كثير من النور فجاءت الظلمة ليستخلص المأمورين [المأسورين من تلك الأجزاء (1) و طالت الحرب و اختلط كثير من أجزاء النور بكثير من أجزاء الظلمة فاقتضى حكمة نور الأنوار و هو البارئ سبحانه عندهم أن عمل الأرض من لحوم القتلى و الجبال من عظامهم و البحار من صديدهم‏ (2) و دمائهم و السماء من جلودهم و خلق الشمس و القمر و سيرهما لاستصفاء ما في العالم‏

____________

(1) و في نسخة: ليتخلص المأمورين من تلك الاجزاء.

(2) الصديد: القيح المختلط بالدم.

215

من أجزاء النور المختلطة بأجزاء الظلمة و جعل حول العالم خندقا خارج الفلك الأعلى يطرح فيه الظلام المستصفى فهو لا يزال يزيد و يتضاعف و يكثر في ذلك الخندق و هو ظلام صرف قد استصفي نوره.

و أما النور المستخلص فيلحق بعد الاستصفاء بعالم الأنوار فلا تزال الأفلاك متحركة و العالم مستمرا إلى أن يتم استصفاء النور الممتزج و حينئذ يبقى من النور الممتزج شي‏ء منعقد باطل لا تقدر النيران على استصفائه فعند ذلك تسقط الأجسام العالية و هي الأفلاك على الأجسام السافلة و هي الأرضون و تفور نار تضطرم في تلك الأسافل و هي المسماة بجهنم و يكون الاضطرام مقدار ألف و أربعمائة سنة فتحلل بتلك النار تلك الأجزاء المنعقدة من النور الممتزجة بأجزاء الظلمة التي عجز الشمس و القمر عن استصفائها فيرتفع إلى عالم الأنوار و يبطل حينئذ و يعود النور كله إلى حالة الأولى قبل الامتزاج و كذلك الظلمة الثالث المرقوبيّة أثبتوا أصلين متضادين أحدهما النور و الثاني الظلمة و أثبتوا أصلا ثالثا هو المعدل الجامع و هو سبب المزاج فإن المتنافرين المتضادين لا يمتزجان إلا بجامع و قالوا الجامع دون النور في الرتبة و فوق الظلمة و حصل من الاجتماع و الامتزاج هذا العالم.

و منهم من يقول الامتزاج إنما يحصل بين الظلمة و المعدل إذ هو قريب منها فامتزج به ليتطيب به و يلتذ ملاذه فبعث النور إلى العالم الممتزج روحا مسيحية و هو روح الله و ابنه تحننا على المعدل السليم الواقع في شبكة الظلام الرجيم حتى يخلصه من حبائل الشياطين فمن اتبعه فلم يلامس النساء و لم يقرب الزهومات أفلت و نجا و من خالفه خسر و هلك قالوا و إنما أثبتنا المعدل لأن النور الذي هو الله تعالى لا تجوز عليه مخالطة الشيطان فإن الضدين يتنافران طبعا و يتمانعان ذاتا و نفسا فكيف يجوز اجتماعهما و امتزاجهما فلا بد من معدل تكون منزلته دون النور و فوق الظلام فيقع المزاج معه كذا ذكره الشهرستاني.

و قال ابن أبي الحديد قول المجوس هو أن الغرض من خلق العالم أن يتحصن‏

216

الخالق جل اسمه من العدو (1) و أن يجعل العالم شبكة له ليوقع العدو فيه و يجعله في ربط و وثاق و العدو عندهم هو الشيطان و بعضهم يعتقد قدمه و بعضهم حدوثه.

قال قوم منهم إن البارئ عز و جل استوحش ففكر فكرة ردية فتولد منها الشيطان و قال آخرون بل شك شكا رديا فتولد الشيطان من شكه و قال آخرون بل تولد من عفونة ردية قديمة.

و زعموا أن الشيطان حارب البارئ سبحانه و كان في الظلمة لم يزل بعيدا عن سلطان البارئ سبحانه فلم يزل يزحف حتى رأى النور فوثب وثبة عظيمة فصار في سلطان الله تعالى في النور و أدخل معه البلايا و الشرور فبنى الله سبحانه هذه الأفلاك و الأرض و العناصر شبكة له و هو فيها محبوس لا يمكنه الرجوع إلى سلطانه الأول و الظلمة فهو أبدا يضطرب و يرمي الآفات على خلق الله سبحانه فمن أحياه الله رماه الشيطان بالموت و من أصحه رماه الشيطان بالسقم و من سره رماه الشيطان بالحزن و الكأبة فلا يزال كذلك و كل يوم ينتقص سلطانه و قوته لأن الله تعالى يحتال له كل يوم و يضعفه إلى أن تذهب قوته كلها و يخمد و يصير جمادا جامدا هوائيا و يجمع الله تعالى أهل الأديان فيعذبهم بقدر ما يطهرهم و يصفيهم من طاعة الشيطان و يغسلهم من الأدناس ثم يدخلهم الجنة و هي لا أكل فيها و لا شرب و لا تمتع و لكنها موضع لذة و سرور.

أقول لما عرفت هذه المذاهب السخيفة المزخرفة التي يغني تقريرها عن التعرض لإبطالها و تزييفها فلنرجع إلى توضيح الخبر.

فنقول يظهر من كلامه(ع)أن الديصانية قالوا بقدم الطينة أي الظلمة و بحدوث الامتزاج و يحتمل أن يكون إشارة إلى ما نسبه الشهرستاني إلى الزروانية حيث قال زعم بعضهم أنه كان لم يزل مع الله شي‏ء ردي إما فكرة ردية و إما عفونة ردية و ذلك هو مصدر الشيطان و زعموا أن الدنيا كانت سليمة من الشرور و الآفات و كان أهلها في خير محض و نعيم خالص فلما حدث أهرمن حدثت الشرور و الآفات و الفتن‏ (2) و كان بمعزل من السماء فاحتال حتى خرق السماء و صعد.

____________

(1) و في نسخة: أن ينحصر الخالق جل اسمه من العدو.

(2) و في نسخة: و الآفات و المحن.

217

ثم إنه استدل(ع)على إبطال مذهبهم بوجهين الأول أن قولكم إنه تعالى كان لم يزل متأذيا من تلك الطينة و لم يستطع التفصي منها يستلزم عجزه تعالى و العجز نقص يحكم العقل ببراءة صانع مثل هذا النظام عنه و أيضا يوجب الاحتياج إلى من يرفع و يدفع ذلك عنه و هو ينافي وجوب الوجود الذي قام البرهان على اتصاف الصانع تعالى به.

و الثاني أنه لا يخلو إما أن تكون تلك الطينة الأزلية حية عالمة قادرة فيكون كل منهما إلها واجبا بالذات لما قد ثبت بالعقل و النقل أن الممكن لا يكون قديما فإذا حصل العالم من امتزاجها فلا يجوز على شي‏ء من أجزاء العالم الموت و الفناء إذ انتفاء المركب إنما يكون بانتفاء أحد أجزائه و الجزءان هنا قديمان و يحتمل أن يكون هذا إلزاما عليهم حيث أثبتوا الظلمة و جعلوها ميتة جاهلة عاجزة جمادا لينسبوا إليها الموت و الفناء زعما منهم أن مثل هذه الأمور لا يصدر عن النور الحي العالم القادر و إما أن تكون ميتة أي عادمة للقدرة و العلم و الإرادة و هذا محال إذ القدم يستلزم وجوب الوجود و هو يستلزم الاتصاف بالعلم و القدرة و سائر الكمالات و إليه أشار(ع)بقوله فلا بقاء للميت مع الأزلي القديم ثم أبطل(ع)ذلك بوجه آخر و هو أنهم ينسبون خلق الموذيات كالحيات و العقارب و السباع إلى الظلمة و لو كانت ميتة لا يجوز نسبة خلقها إليها إذ العقل يحكم بديهة أنه يجب أن يكون الصانع أشرف من المصنوع من جميع الجهات و كيف يفيض الحياة و العلم و القدرة ممن لم يكن له حظ منها.

و أما المانوية فيظهر من كلامه(ع)في تقرير مذهبهم غير ما مر من نقل الناقلين لمذهبهم و لا عبرة بنقلهم فإنهم كثيرا ما ينسبون أشياء إلى جماعة من الشيعة و غيرهم مما قد نعلم خلافها مع أنه يحتمل أن يكون كلامهم مرموزا و علم(ع)أن مرادهم بالنور الروح و بالظلمة الجسد و النور هو الرب تعالى و يؤيده أنه كان الملعون نصرانيا و مذهب النصارى في المسيح(ع)قريب من ذلك و يحتمل أن يكون ما ذكره(ع)مذهبا لجماعة من قدمائهم ثم غيروه إلى ما نقل عنهم و كون النور أسيرا

218

للظلمة يحتمل أن يكون كناية عن عدم استقلاله في التدبير و معارضة أهرمن له في كثير مما يريده و قد استدل(ع)على بطلان مذهبهم بوجوه الأول أن لا يكون الناس قادرين على ترك الشرور و المساوي و المعاصي لأنها من فعل الجسد الذي هو الظلمة و لا يتأتى منه الخير و لا يستحق أحد الملامة على الشر لكونه مجبورا عليه و قد نراهم يلومون الناس على الشرور و المساوي فهذا دليل على بطلان مذهبهم.

الثاني أنهم يستحسنون التضرع إلى الرب تعالى و عبادته و الاستعانة به و أمثال تلك الأعمال فعل الروح الذي هو الرب بزعمهم فيكف يعبد نفسه و يستعين بنفسه و يتضرع إليها و إن قالوا إنه يتضرع إلى الظلمة فكيف يليق بالرب أن يستعيذ بغيره.

الثالث أنه يلزم أن لا يجوز أن يقول أحد لأحد أحسنت و لا أسأت و هذا باطل اتفاقا و بديهة و أما بيان الملازمة فلأن الحاكم بذلك إما النور أو الظلمة إذ المفروض أنه لا شي‏ء غيرهما و كلاهما باطلان أما الأول فلأن الظاهر من هذا الكلام المغايرة بين المادح و الممدوح و المفروض اتحادهما و يحتمل أن يكون هذا منبها على ما يحكم به العقل بديهة من المغايرة بين الأشخاص مع أنهم يقولون بأن أرواح جميع الخلق شخص واحد هو النور و هو الرب تعالى و هذا قريب من الوحدة التي قالت به الصوفية و أما الثاني فلأن الظلمة فعلها الإساءة و تعدها حسنة فكيف تحكم بقبحها.

و يمكن تقرير الملازمة بوجه آخر بأن يقال ظاهر أن التحسين و التشنيع من فعل النور و لا يتصور منه شي‏ء منهما لأن المخاطب في أسأت هو الظلمة و هو مجبور على فعل القبيح بزعمهم فلا يستحق اللوم و هو المراد بقوله و ذلك فعلها و المخاطب في أحسنت هو النور لأن الحسن فعله فيتحد المادح و الممدوح.

الرابع أنهم يحكمون بأن النور هو الرب تعالى و يجب على هذا أن يكون أقوى و أحكم و أتقن من الظلمة التي هي مخلوقة و يلزمهم بمقتضى أقوالهم الفاسدة

219

عكس ذلك لأن الأبدان عندهم من فعل الظلمة و لا نحكم بقدرة الرب و علمه و حكمته إلا بما نشاهد من تلك الأبدان المختلفة و الأشجار و الثمار و الطيور و الدواب و لا نشاهد مما يقولون من الأرواح شيئا فيلزمهم على قياس ذلك أن تكون الظلمة إلها قادرا حكيما عليما فقوله(ع)من صور مبتدأ و قوله يجب أن يكون إلها خبره و قوله كل شي‏ء معطوف على قوله هذا الخلق.

الخامس قولهم بأن النور في حبس الظلمة ينافي القول بربوبيته لأن كونه محبوسا يستلزم عجزه و نقصه و كل منهما ينافي الربوبية كما مر و ما ادعوا من أنه في القيامة يغلب النور عليها فمع أنه لا ينفع في دفع الفساد فهو دعوى من غير حجة و أيضا يلزمهم أن لا يكون للنور فعل لأنه أسير و إن قالوا بأن له أيضا فعلا من الخلق و التدبير فليس بأسير لأن العقل يحكم بأن الخالق المدبر لا بد من أن يكون عزيزا منيعا قادرا قاهرا على كل من سواه فلما ثبت على قياس قولهم إنه أسير فيلزمهم بما قررنا أن يكون ما في العالم من الإحسان و الخير أيضا من فعل الظلمة فإن حكموا باستحالة ذلك أي كون الخير من الظلمة فقد بطل أصل كلامهم و هو الحكم بتوزيع الخلق و ثبت ما قلناه من أن الرب تعالى واحد لا يشاركه و لا يضاده في ملكه أحد.

و أما مذهب المرقوبية فقد بين(ع)بطلانه بأن القول بالحكم ينافي القول بربوبية النور لأن الحكم يكون قاهرا و النور مقهورا و بديهة العقل حاكمة ببطلان كون الرب مقهورا و أيضا يلزم أن يكون الحكم أعلم بالحكمة من النور الذي حكمتم أنه رب و الضرورة قاضية بأن الرب الخالق لمثل هذا الخلق المدبر لهذا النظام لا يكون جاهلا هذا جملة القول في هذا الخبر على ما ناله فهمي القاصر و بسط القول فيه يحتاج إلى كتاب مفرد معمول لذلك و الله الموفق لكل خير.

6- فس، تفسير القمي‏ ثُمَّ رَدَّ عَلَى الثَّنَوِيَّةِ الَّذِينَ قَالُوا بِإِلَهَيْنِ فَقَالَ تَعَالَى‏ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ‏ قَالَ لَوْ كَانَ إِلَهَيْنِ كَمَا زَعَمْتُمْ لَكَانَا يَخْلُقَانِ فَيَخْلُقُ هَذَا وَ لَا يَخْلُقُ هَذَا وَ يُرِيدُ هَذَا وَ لَا يُرِيدُ هَذَا وَ لَطَلَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْغَلَبَةَ وَ إِذَا أَرَادَ أَحَدُهُمَا خَلْقَ إِنْسَانٍ وَ أَرَادَ الْآخَرُ

220

خَلْقَ بَهِيمَةٍ فَيَكُونُ إِنْسَاناً وَ بَهِيمَةً فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَ هَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فَلَمَّا بَطَلَ هَذَا ثَبَتَ التَّدْبِيرُ وَ الصُّنْعُ لِوَاحِدٍ وَ دَلَّ أَيْضاً التَّدْبِيرُ وَ ثَبَاتُهُ وَ قِوَامُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ عَلَى أَنَّ الصَّانِعَ وَاحِدٌ جَلَّ جَلَالُهُ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ‏ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ الْآيَةَ ثُمَّ قَالَ أَنَفاً سُبْحانَ اللَّهِ‏ عَمَّا يَصِفُونَ.

بيان أنفا بالتحريك أي استنكافا و تنزها.

7- يد، التوحيد مع، معاني الأخبار أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ(ع)وَ سُئِلَ عَنِ الصَّمَدِ فَقَالَ‏ الصَّمَدُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ.

8- يد، التوحيد مع، معاني الأخبار الدَّقَّاقُ عَنِ الْكُلَيْنِيِّ عَنْ عَلَّانٍ عَنْ سَهْلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَلِيدٍ وَ لَقَبُهُ شَبَابٌ الصَّيْرَفِيُّ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْقَاسِمِ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ(ع)جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا الصَّمَدُ قَالَ السَّيِّدُ الْمَصْمُودُ إِلَيْهِ‏ (1) فِي الْقَلِيلِ وَ الْكَثِيرِ.

9- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنِ الْمِيثَمِيِّ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ(ص)فَقَالُوا انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ فَلَبِثَ ثَلَاثاً لَا يُجِيبُهُمْ ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ إِلَى آخِرِهَا فَقُلْتُ مَا الصَّمَدُ فَقَالَ الَّذِي لَيْسَ بِمُجَوَّفٍ.

10- يد، التوحيد أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي السَّرِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنْ شَيْ‏ءٍ مِنَ التَّوْحِيدِ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَتْ أَسْمَاؤُهُ الَّتِي يُدْعَى بِهَا وَ تَعَالَى فِي عُلُوِّ كُنْهِهِ وَاحِدٌ تَوَحَّدَ بِالتَّوْحِيدِ فِي عُلُوِّ تَوْحِيدِهِ‏ (2) ثُمَّ أَجْرَاهُ عَلَى خَلْقِهِ فَهُوَ وَاحِدٌ صَمَدٌ قُدُّوسٌ يَعْبُدُهُ كُلُّ شَيْ‏ءٍ وَ يَصْمِدُ إِلَيْهِ كُلُّ شَيْ‏ءٍ وَ وَسِعَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً.

إيضاح واحد خبر إن و الجملتان معترضتان أي تطهرت أسماؤه عن النقائص أو كثرت صفات جلاله و عظمته أو ثبت و لا يعتريها التغير و كلمة في في قوله في علو كنهه تعليلية و قوله(ع)توحد بالتوحيد أي لم يكن في الأزل أحد يوحده‏

____________

(1) صمد إليه: قصده.

(2) و في نسخة: فى علو توحده.

221

فهو كان يوحد نفسه فكان متفردا بالوجود متوحدا بتوحيد نفسه ثم بعد الخلق عرفهم نفسه و أمرهم أن يوحدوه أو المراد أن توحده لا يشبه توحد غيره فهو متفرد بالتوحيد (1) أو كان قبل الخلق كذلك و أجرى سائر أنواع التوحيد على خلقه إذ الوحدة تساوق الوجود أو تستلزمه لكن وحداتهم مشوبة بأنواع الكثرة.

11- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الرِّضَا(ع)فَقَالَ لِي قُلْ لِلْعَبَّاسِ‏ (2) يَكُفُّ عَنِ الْكَلَامِ فِي التَّوْحِيدِ وَ غَيْرِهِ وَ يُكَلِّمُ النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ وَ يَكُفُّ عَمَّا يُنْكِرُونَ وَ إِذَا سَأَلُوكَ عَنِ التَّوْحِيدِ فَقُلْ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ وَ إِذَا سَأَلُوكَ عَنِ الْكَيْفِيَّةِ فَقُلْ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَ إِذَا سَأَلُوكَ عَنِ السَّمْعِ فَقُلْ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏ كَلِّمِ النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ.

12- يد، التوحيد حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ جَعْفَرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ الْقُمِّيُّ ثُمَّ الْإِيلَاقِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدَانُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِمَدِينَةِ خُجَنْدَةَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شُجَاعٍ الْفَرْغَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ الْقَبْرِيُّ بِمِصْرَ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْجَلِيلِ الْبَرْقِيُّ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ وَهْبِ بْنِ وَهْبٍ الْقُرَشِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ قَالَ‏ قُلْ‏ أَيْ أَظْهِرْ مَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَ نَبَّأْنَاكَ بِهِ بِتَأْلِيفِ الْحُرُوفِ الَّتِي قَرَأْنَاهَا لَكَ لِيَهْتَدِيَ بِهَا مَنْ‏ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ وَ هُوَ اسْمٌ مُشَارٌ وَ مَكْنِيٌّ إِلَى غَائِبٍ فَالْهَاءُ تَنْبِيهٌ عَنْ مَعْنًى ثَابِتٍ وَ الْوَاوُ إِشَارَةٌ إِلَى الْغَائِبِ عَنِ الْحَوَاسِّ كَمَا أَنَّ قَوْلَكَ هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الشَّاهِدِ عِنْدَ الْحَوَاسِّ وَ ذَلِكَ أَنَ‏

____________



(1) و في نسخة: فهو متفرد بالتوحيد.

(2) العباسيّ لقب جمع كثير مشترك بين الثقة و الضعيف منهم إبراهيم بن هاشم، و هشام بن إبراهيم الراشدى الهمدانيّ، و هشام بن إبراهيم البغداديّ المشرقى و غيرهم، و الظاهر من الوحيد البهبهانى أن الواقع في الحديث هو المشرقى، و أنّه ثقة.

222

الْكُفَّارَ نَبَّهُوا عَنْ آلِهَتِهِمْ بِحَرْفِ إِشَارَةِ الشَّاهِدِ الْمُدْرَكِ فَقَالُوا هَذِهِ آلِهَتُنَا الْمَحْسُوسَةُ الْمُدْرَكَةُ بِالْأَبْصَارِ فَأَشِرْ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ حَتَّى نَرَاهُ وَ نُدْرِكَهُ وَ لَا نَأْلَهَ فِيهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى‏ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَالْهَاءُ تَثْبِيتٌ لِلثَّابِتِ وَ الْوَاوُ إِشَارَةٌ إِلَى الْغَائِبِ عَنْ دَرْكِ الْأَبْصَارِ وَ لَمْسِ الْحَوَاسِّ وَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ‏ (1) بَلْ هُوَ مُدْرِكُ الْأَبْصَارِ وَ مُبْدِعُ الْحَوَاسِّ.

حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ: رَأَيْتُ الْخَضِرَ(ع)فِي الْمَنَامِ قَبْلَ بَدْرٍ بِلَيْلَةٍ فَقُلْتُ لَهُ عَلِّمْنِي شَيْئاً أُنْصَرْ بِهِ عَلَى الْأَعْدَاءِ فَقَالَ قُلْ يَا هُوَ يَا مَنْ لَا هُوَ إِلَّا هُوَ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ قَصَصْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَالَ لِي يَا عَلِيُّ عُلِّمْتَ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ وَ كَانَ عَلَى لِسَانِي يَوْمَ بَدْرٍ وَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (2) فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ يَا هُوَ يَا مَنْ لَا هُوَ إِلَّا هُوَ اغْفِرْ لِي وَ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ وَ كَانَ عَلِيٌّ(ع)يَقُولُ ذَلِكَ يَوْمَ صِفِّينَ وَ هُوَ يُطَارِدُ (3) فَقَالَ لَهُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا هَذِهِ الْكِنَايَاتُ قَالَ اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ وَ عِمَادُ التَّوْحِيدِ لِلَّهِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ثُمَّ قَرَأَ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ أَوَاخِرَ الْحَشْرِ ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الزَّوَالِ قَالَ وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)اللَّهُ مَعْنَاهُ الْمَعْبُودُ الَّذِي يَأْلَهُ فِيهِ الْخَلْقُ‏ (4) وَ يُؤْلَهُ إِلَيْهِ وَ اللَّهُ هُوَ الْمَسْتُورُ عَنْ دَرْكِ الْأَبْصَارِ الْمَحْجُوبُ عَنِ الْأَوْهَامِ وَ الْخَطَرَاتِ.

قَالَ الْبَاقِرُ(ع)اللَّهُ مَعْنَاهُ الْمَعْبُودُ الَّذِي أَلِهَ الْخَلْقُ عَنْ دَرْكِ مَائِيَّتِهِ وَ الْإِحَاطَةِ بِكَيْفِيَّتِهِ وَ يَقُولُ الْعَرَبُ أَلِهَ الرَّجُلُ إِذَا تَحَيَّرَ فِي الشَّيْ‏ءِ فَلَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْماً وَ وَلِهَ إِذَا فَزِعَ إِلَى شَيْ‏ءٍ مِمَّا يَحْذَرُهُ وَ يَخَافُهُ فَالْإِلَهُ هُوَ الْمَسْتُورُ عَنْ حَوَاسِّ الْخَلْقِ.

قَالَ الْبَاقِرُ(ع)الْأَحَدُ الْفَرْدُ الْمُتَفَرِّدُ وَ الْأَحَدُ وَ الْوَاحِدُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ (5) وَ هُوَ

____________



(1) و في نسخة: و أنّه تعالى عن ذلك.

(2) و في نسخة: قرأ يوم بدر قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ

(3) طارد الاقران: حمل بعضهم على بعض.

(4) و في نسخة: تأله فيه الخلق.

(5) لعل المراد أن الاحد و الواحد اللذان يتصف بهما اللّه تعالى معناهما واحد، لا مطلقهما حيث يستعمل. أو أن الواحد الذي يستعمل في غير باب الاعداد و الاجناس مترادف مع الواحد في المعنى. كما تقدم تفصيل ذلك في الحديث الأول فتامل.

223

الْمُتَفَرِّدُ الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ وَ التَّوْحِيدُ الْإِقْرَارُ بِالْوَحْدَةِ وَ هُوَ الِانْفِرَادُ وَ الْوَاحِدُ الْمُتَبَايِنُ الَّذِي لَا يَنْبَعِثُ مِنْ شَيْ‏ءٍ وَ لَا يَتَّحِدُ بِشَيْ‏ءٍ وَ مِنْ ثَمَّ قَالُوا إِنِّ بِنَاءَ الْعَدَدِ مِنَ الْوَاحِدِ وَ لَيْسَ الْوَاحِدُ مِنَ الْعَدَدِ لِأَنَّ الْعَدَدَ لَا يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ بَلْ يَقَعُ عَلَى الِاثْنَيْنِ فَمَعْنَى قَوْلِهِ‏ اللَّهُ أَحَدٌ أَيِ الْمَعْبُودُ الَّذِي يَأْلَهُ الْخَلْقُ عَنْ إِدْرَاكِهِ وَ الْإِحَاطَةِ بِكَيْفِيَّتِهِ فَرْدٌ بِإِلَهِيَّتِهِ مُتَعَالٍ عَنْ صِفَاتِ خَلْقِهِ.

قَالَ الْبَاقِرُ(ع)وَ حَدَّثَنِي أَبِي زَيْنُ الْعَابِدِينَ عَنْ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)أَنَّهُ قَالَ: الصَّمَدُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ وَ الصَّمَدُ الَّذِي قَدِ انْتَهَى سُؤْدُدُهُ وَ الصَّمَدُ الَّذِي لَا يَأْكُلُ وَ لَا يَشْرَبُ وَ الصَّمَدُ الَّذِي لَا يَنَامُ وَ الصَّمَدُ الدَّائِمُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَ لَا يَزَالُ.

5- قَالَ الْبَاقِرُ(ع)كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ‏ الصَّمَدُ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ الْغَنِيُّ عَنْ غَيْرِهِ وَ قَالَ غَيْرُهُ‏ الصَّمَدُ الْمُتَعَالِي عَنِ الْكَوْنِ وَ الْفَسَادِ وَ الصَّمَدُ الَّذِي لَا يُوصَفُ بِالتَّغَايُرِ.

قَالَ الْبَاقِرُ ع‏ الصَّمَدُ السَّيِّدُ الْمُطَاعُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ آمِرٌ وَ نَاهٍ.

قَالَ: وَ سُئِلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ(ع)عَنِ الصَّمَدِ فَقَالَ‏ الصَّمَدُ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ وَ لَا يَئُودُهُ حِفْظُ شَيْ‏ءٍ (1) وَ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْ‏ءٌ (2).

13- قَالَ وَهْبُ بْنُ وَهْبٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ع‏ الصَّمَدُ الَّذِي إِذَا أَرَادَ شَيْئاً قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَ الصَّمَدُ الَّذِي أَبْدَعَ الْأَشْيَاءَ فَخَلَقَهَا أَضْدَاداً وَ أَشْكَالًا وَ أَزْوَاجاً وَ تَفَرَّدَ بِالْوَحْدَةِ بِلَا ضِدٍّ وَ لَا شَكْلٍ وَ لَا مِثْلٍ وَ لَا نِدٍّ.

14- قَالَ وَهْبُ بْنُ وَهْبٍ الْقُرَشِيُّ وَ حَدَّثَنِي الصَّادِقُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ الْبَاقِرِ عَنْ أَبِيهِ(ع)أَنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ كَتَبُوا إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)يَسْأَلُونَهُ عَنِ الصَّمَدِ فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ أَمَّا بَعْدُ فَلَا تَخُوضُوا فِي الْقُرْآنِ وَ لَا تُجَادِلُوا فِيهِ وَ لَا تَتَكَلَّمُوا فِيهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَقَدْ سَمِعْتُ جَدِّي رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ وَ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ فَسَّرَ الصَّمَدَ (3) فَقَالَ‏ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ

____________



(1) أي لا يضنكه و لا يثقل عليه حفظ شي‏ء.

(2) أي لا يغيب و لا يخفى عنه شي‏ء.

(3) و في نسخة: و أن اللّه سبحانه قد فسر الصمد.

224

ثُمَّ فَسَّرَهُ فَقَالَ‏ لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ لَمْ يَلِدْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْ‏ءٌ كَثِيفٌ كَالْوَلَدِ وَ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ الْكَثِيفَةِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ وَ لَا شَيْ‏ءٌ لَطِيفٌ كَالنَّفْسِ وَ لَا يَتَشَعَّبُ مِنْهُ الْبَدَاوَاتُ‏ (1) كَالسِّنَةِ وَ النَّوْمِ وَ الْخَطْرَةِ وَ الْهَمِّ وَ الْحَزَنِ وَ الْبَهْجَةِ وَ الضَّحِكِ وَ الْبُكَاءِ وَ الْخَوْفِ وَ الرَّجَاءِ وَ الرَّغْبَةِ وَ السَّأْمَةِ وَ الْجُوعِ وَ الشِّبَعِ تَعَالَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْ‏ءٌ وَ أَنْ يَتَوَلَّدَ مِنْهُ شَيْ‏ءٌ كَثِيفٌ أَوْ لَطِيفٌ‏ وَ لَمْ يُولَدْ لَمْ يَتَوَلَّدْ مِنْ شَيْ‏ءٍ وَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ شَيْ‏ءٍ كَمَا تَخْرُجُ الْأَشْيَاءُ الْكَثِيفَةُ مِنْ عَنَاصِرِهَا كَالشَّيْ‏ءِ مِنَ الشَّيْ‏ءِ وَ الدَّابَّةِ مِنَ الدَّابَّةِ وَ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ وَ الْمَاءِ مِنَ الْيَنَابِيعِ وَ الثِّمَارِ مِنَ الْأَشْجَارِ وَ لَا كَمَا تَخْرُجُ الْأَشْيَاءُ اللَّطِيفَةُ مِنْ مَرَاكِزِهَا كَالْبَصَرِ مِنَ الْعَيْنِ وَ السَّمْعِ مِنَ الْأُذُنِ وَ الشَّمِّ مِنَ الْأَنْفِ وَ الذَّوْقِ مِنَ الْفَمِ وَ الْكَلَامِ مِنَ اللِّسَانِ وَ الْمَعْرِفَةِ وَ التَّمْيِيزِ مِنَ الْقَلْبِ وَ كَالنَّارِ مِنَ الْحَجَرِ لَا بَلْ هُوَ اللَّهُ الصَّمَدُ الَّذِي لَا مِنْ شَيْ‏ءٍ وَ لَا فِي شَيْ‏ءٍ وَ لَا عَلَى شَيْ‏ءٍ مُبْدِعُ الْأَشْيَاءِ وَ خَالِقُهَا وَ مُنْشِئُ الْأَشْيَاءِ بِقُدْرَتِهِ يَتَلَاشَى مَا خَلَقَ لِلْفَنَاءِ بِمَشِيئَتِهِ وَ يَبْقَى مَا خَلَقَ لِلْبَقَاءِ بِعِلْمِهِ فَذَلِكُمُ‏ اللَّهُ الصَّمَدُ الَّذِي‏ لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ‏ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ

15- قَالَ وَهْبُ بْنُ وَهْبٍ الْقُرَشِيُّ سَمِعْتُ الصَّادِقَ(ع)يَقُولُ‏ قَدِمَ وَفْدٌ مِنْ فِلَسْطِينَ‏ (2) عَلَى الْبَاقِرِ(ع)فَسَأَلُوهُ عَنْ مَسَائِلَ فَأَجَابَهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنِ الصَّمَدِ فَقَالَ تَفْسِيرُهُ فِيهِ‏ الصَّمَدُ خَمْسَةُ أَحْرُفٍ فَالْأَلِفُ دَلِيلٌ عَلَى إِنِّيَّتِهِ وَ هُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ وَ إِشَارَةٌ إِلَى الْغَائِبِ عَنْ دَرْكِ الْحَوَاسِّ وَ اللَّامُ دَلِيلٌ عَلَى إِلَهِيَّتِهِ بِأَنَّهُ هُوَ اللَّهُ وَ الْأَلِفُ وَ اللَّامُ مُدْغَمَانِ لَا يَظْهَرَانِ عَلَى اللِّسَانِ وَ لَا يَقَعَانِ فِي السَّمْعِ وَ يَظْهَرَانِ فِي الْكِتَابَةِ دَلِيلَانِ عَلَى أَنَّ إِلَهِيَّتَهُ لَطِيفَةٌ خَافِيَةٌ لَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ وَ لَا يَقَعُ فِي لِسَانِ وَاصِفٍ وَ لَا أُذُنِ سَامِعٍ لِأَنَّ تَفْسِيرَ الْإِلَهِ هُوَ الَّذِي أَلِهَ الْخَلْقُ عَنْ دَرْكِ مَائِيَّتِهِ وَ كَيْفِيَّتِهِ بِحِسٍّ أَوْ بِوَهْمٍ لَا بَلْ هُوَ مُبْدِعُ الْأَوْهَامِ وَ خَالِقُ الْحَوَاسِّ وَ إِنَّمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ عِنْدَ الْكِتَابَةِ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَظْهَرَ رُبُوبِيَّتَهُ فِي إِبْدَاعِ الْخَلْقِ وَ تَرْكِيبِ أَرْوَاحِهِمُ اللَّطِيفَةِ

____________



(1) البداوات: الآراء المختلفة. و لعله أراد به الحالات المختلفة؛ و في بعض النسخ: البدوات.

(2) الوفد بفتح الواو و سكون الفاء: قوم يجتمعون فيردون البلاد.

225

فِي أَجْسَادِهِمُ الْكَثِيفَةِ فَإِذَا نَظَرَ عَبْدٌ إِلَى نَفْسِهِ لَمْ يَرَ رُوحَهُ كَمَا أَنَّ لَامَ الصَّمَدِ لَا تَتَبَيَّنُ وَ لَا تَدْخُلُ فِي حَاسَّةٍ مِنْ حَوَاسِّهِ الْخَمْسِ فَإِذَا نَظَرَ إِلَى الْكِتَابَةِ ظَهَرَ لَهُ مَا خَفِيَ وَ لَطُفَ فَمَتَى تَفَكَّرَ الْعَبْدُ فِي مائية [مَاهِيَّةِ الْبَارِئِ وَ كَيْفِيَّتِهِ أَلِهَ فِيهِ وَ تَحَيَّرَ وَ لَمْ تُحِطْ فِكْرَتُهُ بِشَيْ‏ءٍ يَتَصَوَّرُ لَهُ لِأَنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ خَالِقُ الصُّوَرِ فَإِذَا نَظَرَ إِلَى خَلْقِهِ ثَبَتَ لَهُ أَنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ خَالِقُهُمْ وَ مُرَكِّبُ أَرْوَاحِهِمْ فِي أَجْسَادِهِمْ وَ أَمَّا الصَّادُ فَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ صَادِقٌ وَ قَوْلُهُ صِدْقٌ وَ كَلَامُهُ صِدْقٌ وَ دَعَا عِبَادَهُ إِلَى اتِّبَاعِ الصِّدْقِ بِالصِّدْقِ وَ وَعَدَ بِالصِّدْقِ دَارَ الصِّدْقِ وَ أَمَّا الْمِيمُ فَدَلِيلٌ عَلَى مُلْكِهِ وَ أَنَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَمْ يَزَلْ وَ لَا يَزَالُ وَ لَا يَزُولُ مُلْكُهُ وَ أَمَّا الدَّالُ فَدَلِيلٌ عَلَى دَوَامِ مُلْكِهِ وَ أَنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ دَائِمٌ تَعَالَى عَنِ الْكَوْنِ وَ الزَّوَالِ بَلْ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مُكَوِّنُ الْكَائِنَاتِ الَّذِي كَانَ بِتَكْوِينِهِ كُلُّ كَائِنٍ ثُمَّ قَالَ(ع)لَوْ وَجَدْتُ لِعِلْمِيَ الَّذِي آتَانِيَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ حَمَلَةً لَنَشَرْتُ التَّوْحِيدَ وَ الْإِسْلَامَ وَ الْإِيمَانَ وَ الدِّينَ وَ الشَّرَائِعَ مِنَ الصَّمَدِ وَ كَيْفَ لِي بِذَلِكَ وَ لَمْ يَجِدْ جَدِّي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)حَمَلَةً لِعِلْمِهِ حَتَّى كَانَ يَتَنَفَّسُ الصُّعَدَاءَ (1) وَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي فَإِنَّ بَيْنَ الْجَوَانِحِ مِنِّي عِلْماً جَمّاً هَاهْ هَاهْ أَلَا لَا أَجِدُ مَنْ يَحْمِلُهُ أَلَا وَ إِنِّي عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَ لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ ثُمَّ قَالَ الْبَاقِرُ(ع)الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا وَ وَفَّقَنَا لِعِبَادَتِهِ الْأَحَدِ الصَّمَدِ الَّذِي‏ لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ وَ جَنَّبَنَا عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ حَمْداً سَرْمَداً وَ شُكْراً وَاصِباً وَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ لَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ لَهُ وَلَدٌ يَرِثُهُ مُلْكَهُ وَ لَمْ يُولَدْ فَيَكُونَ لَهُ وَالِدٌ يَشْرَكُهُ فِي رُبُوبِيَّتِهِ وَ مُلْكِهِ‏ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ فَيَعَازَّهُ فِي سُلْطَانِهِ‏ (2).

بيان روي في معاني الأخبار ما يتعلق بتأويل الصمد من هذا الخبر بهذا الإسناد ثم اعلم أن تحقيق معنى هو بهذا الوجه غير معروف و لا يبعد أن يكون في أصل الوضع‏

____________

(1) الصعداء: التنفس الطويل من هم أو تعب.

(2) و في نسخة: فيعاونه في سلطانه.

226

كذلك و قوله و لا نأله صيغة المتكلم من أله بمعنى تحير و اختلف في لفظ الجلالة فالمشهور أنه عربي مشتق إما من أله بمعنى عبد أو من أله إذا تحير إذ العقول تتحير في معرفته أو من ألهت إلى فلان أي سكنت إليه لأن القلوب تطمئن بذكره و الأرواح تسكن إلى معرفته أو من أله إذا فزع من أمر نزل عليه و ألهه غيره أجاره إذ العابد يفزع إليه و هو يجيره أو من أله الفصيل إذا ولع بأمه إذ العباد يولعون بالتضرع إليه في الشدائد أو من وله إذا تحير و تخبط عقله و كان أصله ولاه فقلبت الواو همزة لاستثقال الكسرة عليها أو من لاه مصدر لاه يليه ليها و لاها إذا احتجب و ارتفع لأنه تعالى محجوب عن إدراك الأبصار و مرتفع على كل شي‏ء و عما لا يليق به و قيل إنه غير مشتق و هو علم للذات المخصوصة وضع لها ابتداء و قيل أصله لاها بالسريانية فعرب بحذف الألف الأخيرة و إدخال اللام عليه.

و قال الرازي ذكروا في الفرق بين الواحد و الأحد وجوها أحدها أن الواحد يدخل في العدد و الأحد لا يدخل فيه و ثانيها أنك إذا قلت فلان لا يقاومه واحد جاز أن يقال لكنه يقاومه اثنان بخلاف الأحد و ثالثها أن الواحد يستعمل في الإثبات و الأحد في النفي انتهى.

و قوله(ع)و من ثم لبيان أن الواحد الحقيقي هو الذي لا يكون فيه شي‏ء من أنحاء التعدد لأن الوحدة تقابل العدد.

ثم اعلم أنهم اختلفوا في معنى الصمد فقيل إنه فعل بمعنى المفعول من صمد إليه إذا قصده و هو السيد المقصود إليه في الحوائج‏

- وَ رَوَتِ الْعَامَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ‏ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالُوا مَا الصَّمَدُ قَالَ(ص)هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ.

و قيل إن الصمد هو الذي لا جوف له و قال ابن قتيبة الدال فيه مبدلة من التاء و هو الصمت‏ (1) و قال بعض اللغويين‏ الصَّمَدُ هو الأملس من الحجر لا يقبل الغبار و لا يدخله و لا يخرج منه شي‏ء.

____________

(1) قال الشيخ (قدس سره) في كتابه التبيان: و من قال: الصمد بمعنى المصمت فقد جهل اللّه، لان المصمت هو المتضاغط الاجزاء، و هذا تشبيه و كفر باللّه تعالى.

227

فعلى الأول عبارة عن وجوب الوجود و الاستغناء المطلق و احتياج كل شي‏ء في جميع أموره إليه أي الذي يكون عنده ما يحتاج إليه كل شي‏ء و يكون رفع حاجة الكل إليه و لم يفقد في ذاته شيئا مما يحتاج إليه الكل و إليه يتوجه كل شي‏ء بالعبادة و الخضوع و هو المستحق لذلك و إليه يومئ خبر الجعفري.

و أما على الثاني فهو مجاز عن أنه تعالى أحدي الذات أحدي المعنى ليست له أجزاء ليكون بين الأجزاء جوف و لا صفات زائدة فيكون بينها و بين الذات جوف أو عن أنه الكامل بالذات ليس فيه جهة استعداد و إمكان و لا خلو له عما يليق به فلا يكون له جوف يصلح أن يدخله ما ليس له في ذاته فيستكمل به فالجوف كناية عن الخلو عما لا يصح اتصافه به.

و أما على الثالث فيكون كناية عن عدم الانفعال و التأثر عن الغير و كونه محلا للحوادث كما سيأتي في جواب من‏

- سَأَلَ الصَّادِقَ(ع)عَنْ رِضَا اللَّهِ وَ سَخَطِهِ فَقَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى مَا يُوجَدُ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ وَ ذَلِكَ أَنَّ الرِّضَا دِخَالٌ يَدْخُلُ عَلَيْهِ فَيَنْقُلُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَ أَجْوَفُ مُعْتَمِلٌ مُرَكَّبٌ لِلْأَشْيَاءِ فِيهِ مَدْخَلٌ وَ خَالِقُنَا لَا مَدْخَلَ لِلْأَشْيَاءِ فِيهِ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ وَ أَحَدِيُّ الذَّاتِ وَ أَحَدِيُّ الْمَعْنَى.

و هذا الخبر يؤيد بعض المعاني السابقة أيضا.

و قد نقل بعض المفسرين عن الصحابة و التابعين و الأئمة و اللغويين قريبا من عشرين معنى‏ (1) و يمكن إدخال جميعها فيما ذكرنا من المعنى الأول لأنه لاشتماله على‏

____________

(1) تقدمت جملة من المعاني المروية عن الأئمّة (عليهم السلام) في الخبر 13 و 14. و أمّا ما نقل من المعنى عن غيرهم فقد نقل عن سعيد بن جبير أن المعنى: هو الكامل في جميع صفاته و أفعاله. و عن قتادة: هو الباقي بعد فناء خلقه. و عن ربيع: هو الذي لا يعتريه الآفات. و عن مقاتل بن حيان: هو الذي لا عيب فيه. و عن الأصمّ: هو الخالق للأشياء. و عن السدى: هو المقصود في الرغائب، المستغاث به عند المصائب. و عن الحسين بن الفضل البجليّ: هو الذي يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد، لا معقب لحكمه و لا راد لقضائه. و عن أبي بن كعب: هو الذي لا يموت و لا يورث و له ميراث السماوات و الأرض و عن يمان و أبى مالك: هو الذي لا ينام و لا يسهو. و عن ابن كيسان: هو الذي لا يوصف بصفة أحد. و عن أبى بكر الوراق: انه الذي آيس الخلائق من الاطلاع على كيفيته. و عن غيرهم: انه السيّد المعظم، و انه العالم بجميع المعلومات، و انه الحليم، و انه الفرد الماجد لا يقضى في امر دونه، و انه الذي لا تدركه الابصار، و انه المنزه عن قبول النقصانات و الزيادات، و عن أن يكون موردا للتغيرات و التبدلات، و عن احاطة الأزمنة و الامكنة و الآنات و الجهات. و سيأتى في الحديث 20 و 21 معنى آخر.

228

الوجوب الذاتي يدل على جميع السلوب و لدلالته على كونه مبدأ للكل يدل على اتصافه بجميع الصفات الكمالية و بهذا الوجه يمكن الجمع بين الأخبار المختلفة الواردة في هذا المعنى.

و قوله(ع)لا يوصف بالتغاير أي بالصفات الموجودة المغايرة للذات و يحتمل على بعد أن يكون مأخوذا من الغيرة كناية عن أنه ليس له ضد و لا ند و فيما رواه الطبرسي (رحمه الله ) لا يوصف بالنظائر و البدوات بالفتحات ما يبدو و يسنح و يظهر من الحوادث و الحالات المتغيرة و الآراء المتبدلة يقال بدا أي ظهر و بدا له في الأمر نشأ له فيه رأي و هو ذو بدوات و الإنية التحقق و الوجود و الصعداء بضم الصاد و فتح العين تنفس طويل و الجوانح الضلوع تحت الترائب مما يلي الصدر و الواصب الدائم و الثابت و المعازة المغالبة.

16- يد، التوحيد ابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ هَاشِمٍ عَنِ ابْنِ بَزِيعٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ السَّرِيِّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ تَبَارَكَتْ أَسْمَاؤُهُ وَ تَعَالَى فِي عُلُوِّ كُنْهِهِ أَحَدٌ تَوَحَّدَ بِالتَّوْحِيدِ فِي تَوَحُّدِهِ ثُمَّ أَجْرَاهُ عَلَى خَلْقِهِ فَهُوَ أَحَدٌ صَمَدٌ مَلِكٌ قُدُّوسٌ يَعْبُدُهُ كُلُّ شَيْ‏ءٍ وَ يَصْمِدُ إِلَيْهِ وَ فَوْقَ الَّذِي عَسَيْنَا أَنْ نَبْلُغَ رَبَّنَا وَسِعَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً

سن، المحاسن اليقطيني عن يونس عن الحسن بن السري‏ مثله.

17- يد، التوحيد أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنِ الْحَلَبِيِّ وَ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَحَدٌ صَمَدٌ لَيْسَ لَهُ جَوْفٌ وَ إِنَّمَا الرُّوحُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِهِ نَصْرٌ وَ تَأْيِيدٌ وَ قُوَّةٌ يَجْعَلُهُ اللَّهُ فِي قُلُوبِ الرُّسُلِ وَ الْمُؤْمِنِينَ.

18- يد، التوحيد ابْنُ عُبْدُوسٍ عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ مِنَ الثَّنَوِيَّةِ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرِّضَا(ع)وَ أَنَا حَاضِرٌ فَقَالَ لَهُ إِنِّي أَقُولُ إِنَّ صَانِعَ الْعَالَمِ اثْنَانِ فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ فَقَالَ قَوْلُكَ إِنَّهُ اثْنَانِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ لِأَنَّكَ لَمْ تَدَّعِ الثَّانِيَ إِلَّا بَعْدَ إِثْبَاتِكَ الْوَاحِدَ فَالْوَاحِدُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.

229

قال الصدوق (رحمه الله ) الدليل على أن الصانع واحد لا أكثر من ذلك أنهما لو كانا اثنين لم يخل الأمر فيهما من أن يكون كل واحد منهما قادرا على منع صاحبه مما يريد أو غير قادر فإن كانا كذلك فقد جاز عليهما المنع و من جاز عليه ذلك فمحدث كما أن المصنوع محدث و إن لم يكونا قادرين لزمهما العجز و النقص و هما من دلالات الحدث فصح أن القديم واحد.

و دليل آخر و هو أن كل واحد منهما لا يخلو من أن يكون قادرا على أن يكتم الآخر شيئا فإن كان كذلك فالذي جاز الكتمان عليه حادث و إن لم يكن قادرا فهو عاجز و العاجز حادث بما بيناه‏ (1) و هذا الكلام يحتج به في إبطال قديمين صفة كل واحد منهما صفة القديم الذي أثبتناه فأما ما ذهب إليه ماني و ابن ديصان من خرافاتهما في الامتزاج و دانت به المجوس من حماقاتها في أهرمن ففاسد بما به يفسد قدم الأجسام و لدخولهما في تلك الجملة اقتصرت على الكلام فيهما و لم أفرد كلا منهما بما يسأل عنه منه.

19- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ قَالَ اتِّصَالُ التَّدْبِيرِ وَ تَمَامُ الصُّنْعِ كَمَا قَالَ عَزَّ وَ جَلَ‏ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا.

بيان إما إشارة إلى برهان التمانع أو إلى التلازم و سيأتي بعض تقريراتهما.

20- ف، تحف العقول عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنِ الصَّمَدِ فَقَالَ الَّذِي لَا سُرَّةَ لَهُ قُلْتُ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّهُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ فَقَالَ كُلُّ ذِي جَوْفٍ لَهُ سُرَّةٌ.

بيان الغرض أنه ليس فيه تعالى صفات البشر و سائر الحيوانات و هو أحد أجزاء معنى الصمد كما عرفت و هو لا يستلزم كونه تعالى جسما مصمتا.

____________

(1) الحجتان مدخولتان لان عموم القدرة في الواجب لا يستلزم تعلقها بكل امر؛ فمن الجائز أن يكون المنع المفروض و الكتمان المفروض محالين لا تتعلق بهما القدرة؛ فلا يلزمه نقص الواجب و حدوثه. ط.

230

21- جع، جامع الأخبار سُئِلَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ عَنِ الصَّمَدِ فَقَالَ قَالَ عَلِيٌّ(ع)تَأْوِيلُ الصَّمَدِ لَا اسْمٌ وَ لَا جِسْمٌ وَ لَا مِثْلٌ وَ لَا شِبْهٌ وَ لَا صُورَةٌ وَ لَا تِمْثَالٌ وَ لَا حَدٌّ وَ لَا حُدُودٌ وَ لَا مَوْضِعٌ وَ لَا مَكَانٌ وَ لَا كَيْفٌ وَ لَا أَيْنٌ وَ لَا هُنَا وَ لَا ثَمَّةَ وَ لَا مَلَأٌ وَ لَا خَلَأٌ وَ لَا قِيَامٌ وَ لَا قُعُودٌ وَ لَا سُكُونٌ وَ لَا حَرَكَةٌ وَ لَا ظُلْمَانِيٌّ وَ لَا نُورَانِيٌّ وَ لَا رُوحَانِيٌّ وَ لَا نَفْسَانِيٌّ وَ لَا يَخْلُو مِنْهُ مَوْضِعٌ وَ لَا يَسَعُهُ مَوْضِعٌ وَ لَا عَلَى لَوْنٍ وَ لَا عَلَى خَطَرِ قَلْبٍ وَ لَا عَلَى شَمِّ رَائِحَةٍ مَنْفِيٌّ عَنْهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ.

22- ج، الإحتجاج عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّهُ قَالَ: مِنْ سُؤَالِ الزِّنْدِيقِ عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنْ قَالَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَانِعُ الْعَالَمِ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)لَا يَخْلُو قَوْلُكَ إِنَّهُمَا اثْنَانِ مِنْ أَنْ يَكُونَا قَدِيمَيْنِ قَوِيَّيْنِ أَوْ يَكُونَا ضَعِيفَيْنِ أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَوِيّاً وَ الْآخَرُ ضَعِيفاً فَإِنْ كَانَا قَوِيَّيْنِ فَلِمَ لَا يَدْفَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ وَ يَتَفَرَّدُ بِالرُّبُوبِيَّةِ (1) وَ إِنْ زَعَمْتَ أَنَّ أَحَدَهُمَا قَوِيٌّ وَ الْآخَرَ ضَعِيفٌ ثَبَتَ أَنَّهُ وَاحِدٌ كَمَا نَقُولُ لِلْعَجْزِ الظَّاهِرِ فِي الثَّانِي وَ إِنْ قُلْتَ إِنَّهُمَا اثْنَانِ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَا مُتَّفِقَيْنِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ أَوْ مُفْتَرِقَيْنِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ فَلَمَّا رَأَيْنَا الْخَلْقَ مُنْتَظِماً وَ الْفَلَكَ جَارِياً (2) وَ اخْتِلَافَ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ دَلَّ صِحَّةُ الْأَمْرِ وَ التَّدْبِيرِ وَ ائْتِلَافُ الْأَمْرِ عَلَى أَنَّ الْمُدَبِّرَ وَاحِدٌ.

يد، التوحيد الدَّقَّاقُ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْعَلَوِيِّ عَنِ الْبَرْمَكِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ الْقُمِّيِّ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيِّ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ‏ مِثْلَهُ وَ زَادَ فِيهِ ثُمَّ يَلْزَمُكَ إِنِ ادَّعَيْتَ اثْنَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ فُرْجَةٍ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَكُونَا اثْنَيْنِ فَصَارَتِ الْفُرْجَةُ ثَالِثاً بَيْنَهُمَا قَدِيماً مَعَهُمَا فَيَلْزَمُكَ ثَلَاثَةٌ وَ إِنِ ادَّعَيْتَ ثَلَاثَةً لَزِمَكَ مَا قُلْنَا فِي الِاثْنَيْنِ حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُمْ فُرْجَتَانِ فَيَكُونُوا خَمْسَةً ثُمَّ يَتَنَاهَى فِي الْعَدَدِ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ فِي الْكَثْرَةِ.

- كا، الكافي علي عن أبيه‏ مثله بيان و لنشر هاهنا إلى بعض براهين التوحيد على وجه الاختصار ثم لنذكر ما يمكن أن يقال في حل هذا الخبر الذي هو من غوامض الأخبار.

____________

(1) و في نسخة: و يتفرد بالتدبير.

(2) و في نسخة بعد قوله: و الفلك جاريا: و التدبير واحدا.

231

فأما البراهين‏

فالأول‏

أنه لما ثبت كون الوجود عين حقيقة الواجب فلو تعدد لكان امتياز كل منهما عن الآخر بأمر خارج عن الذات فيكونان محتاجين في تشخصهما إلى أمر خارج و كل محتاج ممكن.

و الثاني‏

أنه لو تعدد الواجب لذاته فإما أن يكون امتياز كل منهما عن الآخر بذاته فيكون مفهوم واجب الوجود محمولا عليهما بالحمل العرضي و العارض معلول للمعروض فيرجع إلى كون كل منهما علة لوجوب وجوده و قد ثبت بطلانه و إما أن يكون ذلك الامتياز بالأمر الزائد على ذاتهما و هو أفحش فإنه إما أن يكون معلولا لماهيتهما أو لغيرهما و على الأول إن اتحد ماهيتهما كان التعين مشتركا و هذا خلف و إن تعددت الماهية كان كل منهما شيئا عرض له وجوب الوجود أعني الوجود المتأكد للواجب و قد تبين بدلائل عينية الوجود بطلانه و على الثاني يلزم الاحتياج إلى الغير و الإمكان و بالجملة لو كان الواجب متعددا لكان نسبة الوجوب إليهما نسبة العوارض فكان ممكنا لا واجبا.

الثالث‏

أنه لو كان لله سبحانه شريك لكان لمجموع الواجبين وجود غير وجود الآحاد سواء كان ذلك الوجود عين مجموع الوجودين أو أمرا زائدا عليه و لكان هذا الوجود محتاجا إلى وجود الأجزاء و المحتاج إلى الغير ممكن محتاج إلى مؤثر و المؤثر في الشي‏ء يجب أن يكون مؤثرا في واحد من أجزائه و إلا لم يكن مؤثرا في ذلك الشي‏ء و قد ادعوا الضرورة فيه و لا يمكن التأثير فيما نحن فيه في شي‏ء من الأجزاء لكون كل من الجزءين واجبا فالشريك يستلزم التأثير فيما لا يمكن التأثير فيه أو إمكان ما فرض وجوبه إلى غير ذلك من المفاسد.

الرابع برهان التمانع‏

و أظهر تقريراته أن وجوب الوجود يستلزم القدرة و القوة على جميع الممكنات قوة كاملة بحيث يقدر على إيجاده و دفع ما يضاده مطلقا و عدم القدرة على هذا الوجه نقص و النقص عليه تعالى محال ضرورة بدليل إجماع العقلاء عليه و من المحال عادة إجماعهم على نظري و لئن لم يكن ضروريا فنظري ظاهر متسق الطريق واضح الدليل و استحالة إجماعهم على نظري لا يكون كذلك أظهر فنقول‏

232

حينئذ لو كان في الوجود واجبان لكانا قويين و قوتهما يستلزم عدم قوتهما لأن قوة كل منهما على هذا الوجه يستلزم قوته على دفع الآخر عن إرادة ضد ما يريده نفسه من الممكنات و المدفوع غير قوي بهذا المعنى الذي زعمنا أنه لازم لسلب النقص.

فإن قلت هذا إنما يتم لو كان إرادة كل منهما للممكن بشرط إرادة الآخر لضده ممكنا و بالعكس و ليس كذلك بل إرادة كل منهما له بشرط إرادة الآخر لضده ممتنع و نظير ذلك أن إرادة الواجب للممكن بشرط وجود ضده محال و لا يلزم منه نقص قلت امتناع الإرادة بشرط إرادة الآخر هو الامتناع بالغير و امتناعه بالغير تحقق النقص و العجز تعالى عن ذلك و أما امتناع إرادة الشي‏ء بشرط وجود ضده فمن باب امتناع إرادة المحال الذاتي و إن كان امتناع الإرادة امتناعا بالغير و مثله غير ملزوم للنقص بخلاف ما نحن فيه فإن المراد ممتنع بالغير.

فإن قلت وجود الشي‏ء كما يمتنع بشرط ضده و نقيضه كذلك يمتنع بشرط ملزوم ضده و نقيضه و الأول امتناع بالذات و الثاني امتناع بالغير و كما أن إرادة الأول منه تعالى محال و لا نقص فيه كذلك إرادة الثاني و ظاهر أن إرادة إيجاد الممكن بشرط إرادة الآخر له من قبل الثاني فينبغي أن لا يكون فيه نقص قلت فرق بين الأمرين فإن وجود الممكن إذا قيد و اشترط بملزوم نقيضه كان ممتنعا و لو بالغير و لم يتعلق به إرادة ضرورة و أما إذا لم يقيد الوجود به بل أطلق فغير ممتنع فيمكن تعلق الإرادة به و لو في زمان وجود ملزوم النقيض بأن يدفع الملزوم و إن لم يندفع هو من قبل نفسه أو من دافع آخر بخلاف إرادة الآخر له فإنه لو لم يندفع من قبل نفسه و لم يدفعه دافع آخر لم يتعلق به الإرادة ضرورة فهو مدفوع و إلا فالآخر مدفوع فصار حاصل الفرق حينئذ أن الصانع تعالى قادر على إيجاد أحد الضدين في زمان الضد الآخر بدون حاجة إلى واسطة غير مستندة إليه تعالى و هو أي الحاجة إلى الواسطة المستندة إلى الفاعل لا ينافي الاستقلال و القدرة كما لا ينافي الاحتياج إلى الواسطة المستندة إلى الذات الوجوب الذاتي بخلاف ما نحن فيه فإنه احتياج إلى واسطة غير مستندة إلى الذات.

233

لا يقال لعل انتفاء إرادة الآخر واجب بنفسه و لا نسلم منافاة توسط الواجب بالذات بين الفاعل و فعله لاستقلاله و استلزامه النقص لأنا نقول الأول بين البطلان فإن تحقق إرادة الآخر و انتفاعها ممكن في نفسه لكنه ينتفي فيما نحن فيه من قبل ذي الإرادة لو انتفى فيكون واسطة ممكنة غير صادرة عن الفاعل و لا مستندة إليه و أما الثاني فربما تدعى البداهة في استلزامه النقص و هو غير بعيد و بهذا التقرير يندفع كثير من الشكوك و الشبه.

الخامس تقرير آخر لبرهان التمانع ذكره المحقق الدواني‏

و هو أنه لا يخلو أن يكون قدرة كل واحد منهما و إرادته كافية في وجود العالم أو لا شي‏ء منهما كاف أو أحدهما كاف فقط و على الأول يلزم اجتماع المؤثرين التامين على معلول واحد و على الثاني يلزم عجزهما لأنهما لا يمكن لهما التأثير إلا باشتراك الآخر و على الثالث لا يكون الآخر خالقا فلا يكون إلها أ فمن يخلق كمن لا يخلق.

لا يقال إنما يلزم العجز إذا انتفت القدرة على الإيجاد بالاستقلال أما إذا كان كل منهما قادرا على الإيجاد بالاستقلال و لكن اتفقا على الإيجاد باشتراك فلا يلزم العجز كما أن القادرين على حمل خشبة بالانفراد قد يشتركان في حملها و ذلك لا يستلزم عجزهما لأن إرادتهما تعلقت بالاشتراك و إنما يلزم العجز لو أرادا الاستقلال و لم يحصل لأنا نقول تعلق إرادة كل منهما إن كان كافيا لزم المحذور الأول و إن لم يكن كافيا لزم المحذور الثاني و الملازمتان بينتان لا تقبلان المنع و ما أوردتم من المثال في سند المنع لا يصلح للسندية إذ في هذه الصورة ينقص ميل كل واحد منهما من الميل الذي يستقل في الحمل قدر ما يتم الميل الصادر من الآخر حتى تنقل الخشبة بمجموع الميلين و ليس كل واحد منهما بهذا القدر من الميل فاعلا مستقلا و في مبحثنا هذا ليس المؤثر إلا تعلق القدرة و الإرادة و لا يتصور الزيادة و النقصان في شي‏ء منهما.

السادس‏

أن كل من جاء من الأنبياء و أصحاب الكتب المنزلة إنما ادعى الاستناد إلى واحد أسند إليه الآخر و لو كان في الوجود واجبان لكان يخبر مخبر من قبله بوجوده و حكمه و احتمال أن يكون في الوجود واجب لا يرسل إلى هذا العالم أو لا يؤثر و لا

234

يدبر أيضا فيه مع تدبيره و وجود خبره في عالم آخر أو عدمه مما لا يذهب إليه وهم واهم فإن الوجوب يقتضي العلم و القدرة و غيرهما من الصفات و مع هذه الصفات الكمالية يمتنع عدم الإعلام و نشر الآثار بحيث يبلغ إلينا وجوده و أما ما زعمت الثنوية من الإله الثاني فليس بهذه المثابة و مما يرسل و يحكم فيهم و إن قالوا بوجود الواجب الآخر فقد نفوا لازمه فهو باطل بحكم العقل.

و قد أثبتنا في كتاب الروضة فيما أوصى به أمير المؤمنين ابنه الحسن (صلوات الله عليهما) ما يومئ إلى هذا الدليل حيث‏

- قَالَ(ع)وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكٌ لَأَتَتْكَ رُسُلُهُ وَ لَرَأَيْتَ آثَارَ مُلْكِهِ وَ سُلْطَانِهِ وَ لَعَرَفْتَ صِفَتَهُ وَ فِعَالَهُ وَ لَكِنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ لَا يُضَادُّهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ وَ لَا يُحَاجُّهُ وَ أَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ

. السابع الأدلة السمعية

من الكتاب و السنة و هي أكثر من أن تحصى و قد مر بعضها و لا محذور في التمسك بالأدلة السمعية في باب التوحيد و هذه هي المعتمد عليها عندي و بسط الكلام في تلك الأدلة و ما سواها مما لم نشر إليها موكول إلى مظانها.

و لنرجع إلى حل الخبر و شرحه و قد قيل فيه وجوه‏

الأول‏

أن المراد بالقوي القوي على فعل الكل بالإرادة مع إرادة استبداده به و المراد بالضعيف الذي لا يقوى على فعل الكل و لا يستبد به و لا يقاوم القوي فإن كانا قويين فلم لا يدفع كل منهما صاحبه و يتفرد به أي يلزم من قوتهما انفراد كل بالتدبير و يلزم منه عدم وقوع الفعل و إن زعمت أن أحدهما قوي و الآخر ضعيف ثبت أنه واحد أي المبدأ للعالم واحد لعجز الضعيف عن المقاومة و التأثير و ثبت احتياج الضعيف إلى العلة الموجدة لأن القوي أقوى وجودا من الضعيف و ضعف الوجود لا يتصور إلا بجواز خلو الماهية عن الوجود و يلزم منه الاحتياج إلى المبدإ المباين الموجد له.

و إن قلت إنهما اثنان أي المبدأ اثنان و هذا هو الشق الثاني أي كونهما ضعيفين بأن يقدر و يقوى كل منهما على بعض أو يفعل بعضا دون بعض بالإرادة و إن كان يقدر على الكل و في هذا الشق لا يخلو من أن يكونا متفقين أي في الحقيقة من كل جهة و يلزم من هذا عدم الامتياز بالتعين للزوم المغايرة بين الحقيقة و التعينين المختلفين و استحالة

235

استنادهما إلى الحقيقة و استحالة استنادهما إلى الغير فيكون لهما مبدأ أو مختلفين مفترقين من كل جهة و ذلك معلوم الانتفاء فإنا لما رأينا الخلق منتظما و الفلك جاريا و التدبير واحدا و الليل و النهار و الشمس و القمر دل صحة الأمر و التدبير و ائتلاف الأمر على أن المدبر واحد لا اثنان مختلفان من كل جهة ثم ذلك المدبر الواحد لا يجوز أن يكون واحدا بجهة من حيث الحقيقة مختلفا بجهة أخرى فيكون المدبر اثنين و يلزمك إن ادعيت اثنين فرجة ما بينهما لأن لهما وحدة فلا يتمايزان إلا بمميز فاصل بينهما حتى يكونا اثنين لامتناع الاثنينية بلا مميز بينهما و عبر عن الفاصل المميز بالفرجة حيث إن الفاصل بين الأجسام يعبر عنه بالفرجة و أولئك الزنادقة لم يكونوا يدركون غير المحسوسات تنبيها على أنكم لا تستحقون أن تخاطبوا إلا بما يليق استعماله في المحسوسات و ذلك المميز لا بد أن يكون وجوديا داخلا في حقيقة أحدهما إذ لا يجوز التعدد مع الاتفاق في تمام الحقيقة كما ذكرنا و لا يجوز أن يكون ذلك المميز ذا حقيقة يصح انفكاكها عن الوجود و خلوها عنه و لو عقلا و إلا لكان معلولا محتاجا إلى المبدإ فلا يكون مبدأ و لا داخلا فيه فيكون المميز الفاصل بينهما قديما موجودا بذاته كالمتفق فيه فيكون الواحد المشتمل على المميز الوجودي اثنين لا واحدا و يكون الاثنان اللذان ادعيتهما ثلاثة فإن قلت به و ادعيت ثلاثة لزمك ما قلت في الاثنين من تحقق المميز بين الثلاثة و لا بد من مميزين وجوديين حتى تكون بين الثلاثة فرجتان و لا بد من كونهما قديمين كما مر فيكونوا خمسة و هكذا ثم يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية له في الكثرة أي يتناهى الكلام في التعدد إلى القول بما لا نهاية له في الكثرة أو يبلغ عدده إلى كثرة غير متناهية أو المراد أنه يلزمك أن يتناهى المعدود المنتهي ضرورة بمعروض ما ينتهي إليه العدد أي الواحد إلى كثير لا نهاية له في الكثرة فيكون عددا بلا واحد و كثرة بلا وحدة و على هذا يكون الكلام برهانيا لا يحتاج إلى ضميمة و على الأولين يصير بضم ما ذكرناه من ثالث الاحتمالات برهانيا.

الثاني‏

أن يكون إشارة إلى ثلاثة براهين و تقرير الأول بعد ما تقرر أن ما لا يكون قويا على إيجاد أي ممكن كان لا يكون واجبا بالذات أن يقال لا يصح أن يكون الواجب بالذات اثنين و إلا كان كل منهما قويا على إيجاد أي ممكن كان‏

236

و كل ممكن بحيث يكون استناده إلى أي منهما كافيا في تصحح خروجه من القوة إلى الفعل و حينئذ لم يكن محيص إما من لزوم استناد كل معلول شخصي إلى علتين مستبدتين بالإفاضة و ذلك محال أو من لزوم الترجح بلا مرجح و هو فطري الاستحالة أو من كون أحدهما غير واجب بالذات و هو خلاف المفروض و هذا البرهان يتم عند قوله(ع)للعجز الظاهر في الثاني.

و قوله(ع)و إن قلت إلى قوله على أن المدبر واحد إشارة إلى برهان ثان و هو أحد الوجوه البرهانية في قوله تعالى‏ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا و تلخيص تقريره أن التلازم بين أجزاء النظام الجملي المنتظم المتسق كما بين السماء و الأرض مثلا على ما قد أحقته القوانين الحكمية لا يستتب إلا بالاستناد إلى فاعل واحد يصنع الجميع بحكمته و قدرته إذ التلازم بين شيئين لا يتصحح إلا بعلية أحدهما للآخر أو بمعلوليتهما لعلة واحدة موجبة فلو تعدد اختل الأمر و فسد النظام.

و تقرير الثالث هو أنك لو ادعيت اثنين كان لا محالة بينهما انفصال في الوجود و افتراق في الهوية و يكون هناك موجود ثالث هو المركب من مجموع الاثنين و هو المراد بالفرجة لأنه منفصل الذات و الهوية و هذا المركب لتركبه عن الواجبات بالذات المستغنيات عن الجاعل موجود لا من تلقاء الصانع إذ افتقار المركب إلى الجاعل بحسب افتقار أجزائه فإذا لم تفتقر أجزاؤه لم يفتقر هو بالضرورة فإذن قد لزمك أن يكون هذا الموجود الثالث أيضا قديما فيلزمك ثلاثة و قد ادعيت اثنين و هكذا و يرد عليه مع بعد إطلاق الفرجة بهذا المعنى أنه يلزم في الفرض الثاني سبعة لا خمسة.

الثالث‏

أن يكون إشارة إلى حجتين إحداهما عامية مشهورية و الأخرى خاصية برهانية أما الأولى فقوله لا يخلو قولك إلى قوله في الثاني و معناه أنه لو فرض قديمان فلا يخلو أن يكون كلاهما قويين أو كلاهما ضعيفين أو أحدهما قويا و الآخر ضعيفا و الثلاثة بأسرها باطلة أما الأول فلأنه إذا كانا قويين و كل منهما في غاية القوة من غير ضعف و عجز كما هو المفروض و القوة يقتضي الغلبة و القهر على كل شي‏ء سواه فما السبب المانع لأن يدفع كل واحد منهما صاحبه حتى يتفرد بالتدبير و القهر على‏

237

غيره إذ اقتضاء الغلبة و الاستعلاء مركوزة في كل ذي قوة على قدر قوته و المفروض أن كلا منهما في غاية القوة و أما فساد الشق الثاني فهو ظاهر عند جمهور الناس لما حكموا بالفطرة من أن الضعف ينافي الإلهية و لظهوره لم يذكره(ع)و أيضا يعلم فساده بفساد الشق الثالث و هو قوله و إن زعمت أن أحدهما قوي و الآخر ضعيف ثبت أنه أي الإله واحد كما نحن نقول للعجز الظاهر في المفروض ثانيا لأن الضعف منشأ العجز و العاجز لا يكون إلها بل مخلوقا محتاجا لأنه محتاج إلى من يعطيه القوة و الكمال و الخيرية و أما الحجة البرهانية فأشار إليها بقوله و إن قلت إنهما اثنان و بيانه أنه لو فرض موجودان قديمان فإما أن يتفقا من كل جهة أو يختلفا من كل جهة أو يتفقا بجهة و يختلفا بأخرى و الكل محال أما بطلان الأول فلأن الاثنينية لا تتحقق إلا بامتياز أحد الاثنين عن صاحبه و لو بوجه من الوجوه و أما بطلان الثاني فلما نبه عليه بقوله فلما رأينا الخلق منتظما و تقريره أن العالم كله كشخص واحد كثير الأجزاء و الأعضاء مثل الإنسان فإنا نجد أجزاء العالم مع اختلاف طبائعها الخاصة و تباين صفاتها و أفعالها المخصوصة يرتبط بعضها ببعض و يفتقر بعضها إلى بعض و كل منها يعين بطبعه صاحبه و هكذا نشاهد الأجرام العالية و ما ارتكز فيها من الكواكب النيرة في حركاتها الدورية و أضوائها الواقعة منها نافعة للسفليات محصلة لأمزجة المركبات التي يتوقف عليها صور الأنواع و نفوسها و حياة الكائنات و نشوء الحيوان و النبات فإذا تحقق ما ذكرنا من وحدة العالم لوحدة النظام و اتصال التدبير دل على أن إلهه واحد و إليه أشار بقوله دل صحة الأمر و التدبير و ائتلاف الأمر على أن المدبر واحد.

و أما بطلان الشق الثالث و هو أنهما متفقان من وجه و مختلفان من وجه آخر فبأن يقال كما أشار إليه(ع)بقوله ثم يلزمك أنه لا بد فيهما من شي‏ء يمتاز به أحدهما عن صاحبه و صاحبه عنه و ذلك الشي‏ء يجب أن يكون أمرا وجوديا يوجد في أحدهما و لم يوجد في الآخر أو أمران وجوديان يختص كل منهما بواحد فقط و أما كون الفارق المميز لكل منهما عن صاحبه أمرا عدميا فهو ممتنع بالضرورة إذ الأعدام‏

238

بما هي أعدام لا تمايز بينها و لا تمييز بها فإذا فرض قديمان فلا أقل من وجود أمر ثالث يوجد لأحدهما و يسلب عن الآخر و هو المراد بالفرجة إذ به يحصل الانفراج أي الافتراق بينهما لوجوده في أحدهما و عدمه في الآخر و هو أيضا لا محالة قديم موجود معهما و إلا لم يكونا اثنين قديمين فيلزم أن يكون القدماء ثلاثة و قد فرض اثنان و هذا خلف ثم يلزم من فرض كونهم ثلاثة أن يكونوا خمسة و هكذا إلى أن يبلغ عددهم إلى ما لا نهاية له و هو محال.

أقول الأظهر على هذا التقرير أن تحمل الوحدة في قوله(ع)على أن المدبر واحد على الأعم من الوحدة النوعية و الشخصية و لو حملت على الشخصية يمكن أن يستخرج منه ثلاث حجج بهذا التقرير و لا يخفى توجيهها.

الرابع‏

أن يكون إشارة إلى ثلاث حجج لكن على وجه آخر و تقرير الأول أنه لو كان اثنين فإما أن يكونا قويين أي مستقلين بالقدرة على كل ممكن في نفسه سواء كان موافقا للمصلحة أو مخالفا و هو إنما يتصور بكونهما قديمين و إما أن يكونا ضعيفين أي غير مستقلين بالقدرة على ممكن ما في نفسه و إما أن يكون أحدهما قويا و الآخر ضعيفا و الأول محال لاشتماله على التناقض لأن كون كل منهما قويا بهذا المعنى يستلزم أن يكون قويا على دفع الآخر عن أن يصدر عنه مراد الأول بعينه أو مثله أو ضده في محله لأن عدم المنافي شرط في صدور كل ممكن و عدم القوة على الشرط ينافي القوة على المشروط و لا شك أن المدفوع كذلك ضعيف مسخر فقوة كل منهما في فعل صدر عنه يستلزم دفعه الآخر فيه و ضعف ذلك الآخر و في فعل تركه حتى فعل الآخر ضده يستلزم تمكينه الآخر في فعله و هذا تفرد بالتدبير فالاستفهام في لم لا يدفع إنكاري أي معلوم ضرورة أنه يدفع كل منهما الآخر و يتفرد بالتدبير و بطلان الشق الثالث لكونه مستلزما لعجز أحدهما أي ضعفه و عدم كونه ممن ينتهي إليه شي‏ء من تدبير العالم يستلزم بطلان الشق الثاني بطريق أولى و تقرير الثاني هو أنه لو كان المدبر اثنين فنسبة معلول معلول إليهما إما متساوية من جميع الوجوه بأن لا يكون في واحد منهما و لا في كل منهما ما يختص به و يرجح صدوره عنه على صدوره عن الآخر من الداعي و المصلحة

239

و نحوهما و إما غير متساوية من جميع الوجوه و كلاهما باطل.

أما الأول فلأنه إما أن يكون ترك كل منهما لذلك المعلول مستلزما لفعل الآخر إياه لحكمة كل منهما أم لا فعلى الأول إحداث أحدهما ذلك المعلول يستلزم الترجيح بلا مرجح لأن إحداث كل منهما ذلك المعلول ليس أولى بوجه من تركه إياه و إحداث الآخر إياه و على الثاني إما أن يكون ترك التارك له مع تجويزه الترك على الآخر قبيحا و خلاف الحكمة أم لا و الأول يستلزم النقص و الثاني يستلزم عدم إمكان رعاية المصالح التي لا تحصى في خلق العالم لأنه اتفاقي حينئذ و معلوم بديهة أن الاتفاقي لا يكون منتظما في أمر سهل كصدور مثل قصيدة من قصائد البلغاء المشهورين عمن لم يمارس البلاغة و إن كان يمكن أن يصدر عنه اتفاقا مصراع بليغ أو مصراعان فضلا عما نحن فيه.

و أما بطلان الثاني فلأنه يستلزم أن يكون مختلفة من جميع الوجوه بأن لا يكون أحدهما قادرا عليه أصلا لأن اختلاف نسبة قادرين إلى معلول واحد شخصي إنما يتصور فيما يمكن أن يكون صدوره عن أحدهما أصلح و أنفع من صدوره عن الآخر و هذا إنما يتصور فيما كان نفع فعله راجعا إليه كالعباد و أما إذا كان القادران بريئين من الانتفاع كما فيما نحن فيه فلا يتصور ذلك فيه بديهة و ينبه عليه أن الغني المطلق إنما يفعل ما هو الخير في نفسه من غير أن يكون له فيه نفع سواء كان لغيره فيه نفع كما في ثواب المطيع أو لم يكن و مثاله عقاب الكافر إن لم يكن للمطيعين فيه نفع.

و تقرير الثالث أنه إن كان المدبر اثنين فنسبة معلول معلول إليهما إما متساوية من جميع الوجوه أو لا و كلاهما باطل أما الأول فلان صدور بعض المعلولات عن أحدهما و بعض آخر منها عن الآخر منهما حينئذ يحتاج إلى ثالث هو الفرجة بينهما أي ما يميز و يعين كل معلول معلول لواحد معين منهما حتى يكون المدبران اثنين لامتناع الترجيح من جهة الفاعلين بلا مرجح أي بلا داع أصلا كما هو المفروض فيلزم خلاف الفرض و هو أن يكون المدبر ثلاثة ثم ننقل الكلام إلى الثلاثة و هكذا إلى ما لا نهاية له في الكثرة و يلزم التسلسل و إنما لم يكتف(ع)بعد نقل الكلام إلى الثلاثة بالاحتياج إلى فرجة

240

واحدة للتميزين حتى يكون المجموع أربعة لا خمسة و إن كان المطلوب و هو لزوم التسلسل حاصلا به أيضا لأن هناك ثلاثة تمييزات و تخصيص واحد منهما بمميز كما هو المفروض و اشتراك اثنين منهما بواحد مع اتحاد النسبة تحكم و أما بطلان الثاني فلما مر في بيان بطلان الشق الثاني من الدليل الثاني.

أقول لا يخفى بعد هذا التقرير عن الأفهام و احتياجه إلى تقدير كثير من المقدمات في الكلام.

الخامس‏

أن يكون الأول إشارة إلى برهان التمانع بأحد تقريراته المشهورة و الثاني إلى التلازم كما مر و الثالث يكون إلزاما على المجسمة المشركة القائلين بإلهين مجسمين متباعدين في المكان كما هو الظاهر من كلام المجوس لعنهم الله و يكون الفرجة محمولة على معناها المتبادر من جسم يملأ البعد بينهما لبطلان الخلإ أو سطح فاصل بينهما لتحقق الاثنينية هذا ما قيل أو يمكن أن يقال في حل هذا الخبر الذي تحيرت فيه الأفهام و الفكر و لم نتعرض لبسط الكلام في كل وجه و لا لإيراد ما يرد على كل منها من الإشكالات و الاعتراضات احترازا عن الإسهاب و الإطناب و الله الموفق للصواب.

23- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنْ عَبَّادِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)عَنِ التَّوْحِيدِ فَقَالَ هُوَ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ.

24- يد، التوحيد أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ وَ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سَمِعْتُهُ وَ هُوَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً قَالَ هُوَ تَوْحِيدُهُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ.

25- يد، التوحيد الْأُشْنَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَهْرَوَيْهِ عَنِ الْفَرَّاءِ عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)التَّوْحِيدُ نِصْفُ الدِّينِ وَ اسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بِالصَّدَقَةِ.

قال الصدوق في كتاب التوحيد بعد نقل خبر أعرابي سمعت من أثق بدينه و معرفته باللغة و الكلام يقول إن قول القائل واحد و اثنان و ثلاثة إلى آخره إنما وضع في أصل اللغة للإبانة عن كمية ما يقال عليه لا لأن له مسمّى يتسمّى به بعينه أو لأن‏

241

له معنى سوى ما يتعلّمه الإنسان لمعرفة الحساب و يدور عليه عقد الأصابع عند ضبط الآحاد و العشرات و المئات و الألوف و لذلك متى أراد مريد أن يخبر غيره عن كمية شي‏ء بعينه سمّاه باسمه الأخصّ ثم قرن لفظة الواحد به و علّقه عليه يدلّ به على كمية لا على ما عدا ذلك من أوصافه و من أجله يقول القائل درهم واحد و إنما يعني به أنه درهم فقط و قد يكون الدرهم درهما بالوزن و درهما بالضرب فإذا أراد المخبر أن يخبر عن وزنه قال درهم واحد بالوزن و إذا أراد أن يخبر عن عدده أو ضربه قال درهم واحد بالعدد و درهم واحد بالضرب و على هذا الأصل يقول القائل هو رجل واحد و قد يكون الرجل واحدا بمعنى أنه إنسان و ليس بإنسانين و رجل ليس برجلين و شخص ليس بشخصين و يكون واحدا في الفضل واحدا في العلم واحدا في السخاء واحدا في الشجاعة فإذا أراد القائل أن يخبر عن كميته قال هو رجل واحد فدل ذلك من قوله على أنه رجل و ليس هو برجلين و إذا أراد أن يخبر عن فضله قال هذا واحد عصره فدلّ ذلك على أنه لا ثاني له في الفضل و إذا أراد أن يدل على علمه قال إنه واحد في علمه فلو دلّ قوله واحد بمجرده على الفضل و العلم كما دل بمجرده على الكمية لكان كل من أطلق عليه لفظة واحد أراد فاضلا لا ثاني له في فضله و عالما لا ثاني له في علمه و جوادا لا ثاني له في جوده فلما لم يكن كذلك صح‏ (1) أنه بمجرده لا يدل إلا على كمية الشي‏ء دون غيره و إلا لم يكن لما أضيف إليه من قول القائل واحد عصره و دهره فائدة و لا كان لتقييده بالعلم و الشجاعة معنى لأنه كان يدل بغير تلك الزيادة و بغير ذلك التقييد على غاية الفضل و غاية العلم و الشجاعة فلما احتيج معه إلى زيادة لفظ و احتيج إلى التقييد بشي‏ء صح ما قلناه فقد تقرر أن لفظة القائل واحد إذا قيل على الشي‏ء دل بمجرده على كمية في اسمه الأخص و يدل بما يقترن به على فضل المقول عليه و على كماله و على توحده بفضله و علمه و جوده و تبين أن الدرهم الواحد قد يكون درهما واحدا بالوزن و درهما واحدا بالعدد و درهما واحدا بالضرب و قد يكون بالوزن درهمين و بالضرب درهما واحدا و يكون بالدوانيق ستة دوانيق و بالفلوس‏

____________

(1) في نسخة: فلما لم يكن كذلك وضح.

242

ستين فلسا و يكون بالأجزاء كثيرا و كذلك يكون العبد عبدا واحدا و لا يكون عبدين بوجه و يكون شخصا واحدا و لا يكون شخصين بوجه و يكون أجزاء كثيرة و أبعاضا كثيرة و كل بعض من أبعاضه يكون جواهر كثيرة متحدة اتحد بعضها ببعض و تركب بعضها مع بعض و لا يكون العبد واحدا و إن كان كل واحد منه في نفسه إنما هو عبد واحد و إنما لم يكن العبد واحدا لأنه ما من عبد إلا و له مثل في الوجود أو في المقدور و إنما صح أن يكون للعبد مثل لأنه لم يتوحد بأوصافه التي من أجلها صار عبدا مملوكا و وجب لذلك أن يكون الله عز و جل متوحدا بأوصافه العلى و أسمائه الحسنى ليكون إلها واحدا فلا يكون له مثل و يكون واحدا لا شريك له و لا إله غيره فالله تبارك و تعالى إله واحد لا إله إلا هو و قديم واحد لا قديم إلا هو و موجود واحد ليس بحال و لا محل و لا موجود كذلك إلا هو و شي‏ء واحد لا يجانسه و لا يشاكله شي‏ء و لا يشبهه شي‏ء و لا شي‏ء كذلك إلا هو فهو كذلك موجود غير منقسم في الوجود و لا في الوهم و شي‏ء لا يشبهه شي‏ء بوجه و إله لا إله غيره بوجه و صار قولنا يا واحد يا أحد في الشريعة اسما خاصا له دون غيره لا يسمى به إلا هو عز و جل كما أن قولنا الله اسم لا يسمى به غيره.

و فصل آخر في ذلك و هو أن الشي‏ء قد يعد مع ما جانسه و شاكله و ماثله يقال هذا رجل و هذان رجلان و ثلاثة رجال و هذا عبد و هذا سواد و هذان عبدان و هذان سوادان و لا يجوز على هذا الأصل أن يقال هذان إلهان إذ لا إله إلا إله واحد فالله لا يعد على هذا الوجه و لا يدخل في العدد من هذا الوجه بوجه و قد يعد الشي‏ء مع ما لا يجانسه و لا يشاكله يقال هذا بياض و هذان بياض و سواد و هذا محدث و هذان محدثان و هذان ليسا بمحدثين و لا بمخلوقين بل أحدهما قديم و الآخر محدث و أحدهما رب و الآخر مربوب فعلى هذا الوجه يصح دخوله في العدد و على هذا النحو قال الله تبارك و تعالى‏ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى‏ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا الآية (1) و كما أن قولنا فلان إنما هو رجل واحد لا يدل على فضله بمجرده كذلك قولنا فلان ثاني فلان لا يدل بمجرده إلا على كونه و إنما يدل على فضله متى قيل إنه ثانية في الفضل أو في الكمال أو العلم.

____________

(1) المجادلة: 7.

243

فأما توحيد الله تعالى ذكره فهو توحيده بصفاته العلى‏ (1) و أسمائه الحسنى و لذلك كان إلها واحدا لا شريك له و لا شبيه و الموحد هو من أقر به على ما هو عليه عز و جل من أوصافه العلى و أسمائه الحسنى على بصيرة منه و معرفة و إيقان و إخلاص و إذا كان ذلك كذلك فمن لم يعرف الله عز و جل متوحدا بأوصافه العلى و أسمائه الحسنى و لم يقر بتوحيده بأوصافه العلى فهو غير موحد و ربما قال جاهل من الناس إن من وحد الله و أقر أنه واحد فهو موحد و إن لم يصفه بصفاته التي توحد بها لأن من وحد الشي‏ء فهو موحد في أصل اللغة فيقال له أنكرنا ذلك لأن من زعم أن ربه إله واحد و شي‏ء واحد ثم أثبت معه موصوفا آخر بصفاته التي توحد بها فهو عند جميع الأمة و سائر أهل الملل ثنوي غير موحد و مشرك مشبه غير مسلم و إن زعم أن ربه إله واحد و شي‏ء واحد و موجود واحد و إذا كان كذلك وجب أن يكون الله تبارك و تعالى متوحدا بصفاته التي تفرد بالإلهية من أجلها و توحد بالوحدانية لتوحده بها ليستحيل أن يكون إله آخر و يكون الله واحدا و الإله واحدا لا شريك له و لا شبيه لأنه إن لم يتوحد بها كان له شريك و شبيه كما أن العبد لما لم يتوحد بأوصافه التي من أجلها كان عبدا كان له شبيه و لم يكن العبد واحدا و إن كان كل واحد منا عبدا واحدا و إذا كان كذلك فمن عرفه متوحدا بصفاته و أقر بما عرفه و اعتقد ذلك كان موحدا و بتوحيد ربه عارفا و الأوصاف التي توحد الله تعالى بها و توحد بربوبيته لتفرده بها في الأوصاف التي يقتضي كل واحد منها أن لا يكون الموصوف بها إلا واحدا لا يشاركه فيه غيره و لا يوصف به إلا هو و تلك الأوصاف هي كوصفنا له بأنه موجود واحد لا يصح أن يكون حالا في شي‏ء و لا يجوز أن يحله شي‏ء و لا يجوز عليه العدم و الفناء و الزوال مستحق للوصف بذلك بأنه أول الأولين و آخر الآخرين قادر يفعل ما يشاء لا يجوز عليه ضعف و لا عجز مستحق للوصف بذلك لأنه أقدر القادرين و أقهر القاهرين عالم لا يخفى عليه شي‏ء و لا يعزب عنه شي‏ء لا يجوز عليه جهل و لا سهو و لا شك و لا نسيان مستحق للوصف بذلك بأنه أعلم العالمين حي لا يجوز عليه موت و لا نوم‏

____________

(1) في نسخة: فهو توحده بصفاته العلى.

244

و لا ترجع إليه منفعة و لا تناله مضرة مستحق للوصف بذلك بأنه أبقى الباقين و أكمل الكاملين فاعل لا يشغله شي‏ء عن شي‏ء و لا يعجزه شي‏ء و لا يفوته شي‏ء مستحق للوصف بذلك بأنه إله الأولين و الآخرين و أحسن الخالقين و أسرع الحاسبين غني لا يكون له قلة مستغن لا يكون له حاجة عدل لا تلحقه مذمة و لا ترجع إليه منقصة حكيم لا يقع منه سفاهة رحيم لا يكون له رقة و يكون في رحمته سعة حليم لا يلحقه موجدة (1) و لا يقع منه عجلة مستحق للوصف بذلك بأنه أعدل العادلين و أحكم الحاكمين و أسرع الحاسبين و ذلك لأن أول الأولين لا يكون إلا واحدا و كذلك أقدر القادرين و أعلم العالمين و أحكم الحاكمين و أحسن الخالقين و كل ما جاء على هذا الوزن فصح بذلك ما قلناه و بالله التوفيق و منه العصمة و التسديد.

باب 7 عبادة الأصنام و الكواكب و الأشجار و النيرين و علة حدوثها و عقاب من عبدها أو قرب إليها قربانا

الآيات الأنعام‏ قُلْ أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَ لا يَضُرُّنا الأعراف‏ أَ يُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ وَ لا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَ لا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ وَ إِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى‏ لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ وَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَ لا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ وَ إِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى‏ لا يَسْمَعُوا وَ تَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَ هُمْ لا يُبْصِرُونَ‏ يونس‏ وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَ تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏

____________

(1) الموجدة بفتح الميم و سكون الواو: الغضب.

245

و قال تعالى‏ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى‏ فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏ هود فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ‏ النحل‏ أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ‏ و قال تعالى‏ وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَ ما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ‏ و قال تعالى‏ وَ اللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى‏ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى‏ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ‏ و قال تعالى‏ وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ شَيْئاً وَ لا يَسْتَطِيعُونَ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ وَ مَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَ جَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ وَ هُوَ كَلٌّ عَلى‏ مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَ مَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ هُوَ عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ مريم‏ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَ لا يُبْصِرُ وَ لا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً الحج‏ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَ ما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى‏ وَ لَبِئْسَ الْعَشِيرُ و قال‏ يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الفرقان‏ وَ إِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَ سَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا

246

و قال الله تعالى‏ وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَ لا يَضُرُّهُمْ وَ كانَ الْكافِرُ عَلى‏ رَبِّهِ ظَهِيراً الشعراء وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ‏ إلى قوله تعالى‏ وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ وَ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ وَ جُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ قالُوا وَ هُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ وَ ما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ النمل‏ وَجَدْتُها وَ قَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْ‏ءَ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَ ما تُعْلِنُونَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ‏ العنكبوت‏ إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَ اعْبُدُوهُ وَ اشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏ إلى قوله تعالى‏ وَ قالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَ يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَ مَأْواكُمُ النَّارُ وَ ما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ‏ الروم‏ وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَ كانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ‏ إلى قوله تعالى‏ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏ يس‏ أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَ لا يُنْقِذُونِ إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏

247

الصافات‏ إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَ يَقُولُونَ أَ إِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ‏ و قال تعالى‏ أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ‏ إلى قوله‏ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ‏ و قال تعالى‏ أَ تَدْعُونَ بَعْلًا وَ تَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ اللَّهَ رَبَّكُمْ وَ رَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ‏ ص‏ أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْ‏ءٌ عُجابٌ وَ انْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَ اصْبِرُوا عَلى‏ آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْ‏ءٌ يُرادُ ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ‏ الزمر فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى‏ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏ و قال عز و جل 38 وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ‏ و قال تعالى‏ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَ وَ لَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَ لا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَ إِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ‏ المؤمن‏ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَ أُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ‏ إلى قوله تعالى‏ إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَ السَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ‏ السجدة لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَ لا لِلْقَمَرِ وَ اسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ‏ حمعسق‏ وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ‏

248

الزخرف‏ وَ لا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ‏ الجاثية أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ‏ الأحقاف‏ قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ وَ هُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ وَ إِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَ كانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ‏ و قال تعالى‏ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ‏ إلى قوله تعالى‏ فَلَوْ لا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَ ذلِكَ إِفْكُهُمْ وَ ما كانُوا يَفْتَرُونَ‏ النجم‏ أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى‏ أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَ لَهُ الْأُنْثى‏ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى‏ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ‏ الجحد قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ‏ إلى آخر السورة أقول سيأتي الآيات الكثيرة في ذلك في كتاب النبوة و كتاب الاحتجاج و كتاب المعاد.

1- فس، تفسير القمي‏ قَوْلُهُ‏ وَ قالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَ لا تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لا سُواعاً وَ لا يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَ نَسْراً قَالَ كَانَ قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ قَبْلَ نُوحٍ(ع)فَمَاتُوا فَحَزِنَ عَلَيْهِمُ النَّاسُ فَجَاءَ إِبْلِيسُ فَاتَّخَذَ لَهُمْ صُوَرَهُمْ لِيَأْنَسُوا بِهَا فَأَنِسُوا بِهَا فَلَمَّا جَاءَهُمُ الشِّتَاءُ أَدْخَلُوهُمُ الْبُيُوتَ فَمَضَى ذَلِكَ الْقَرْنُ وَ جَاءَ الْقَرْنُ الْآخَرُ فَجَاءَهُمْ إِبْلِيسُ فَقَالَ لَهُمْ إِنَّ هَؤُلَاءِ آلِهَةٌ كَانُوا آبَاؤُكُمْ يَعْبُدُونَهَا فَعَبَدُوهُمْ وَ ضَلَّ مِنْهُمْ بَشَرٌ كَثِيرٌ فَدَعَا عَلَيْهِمْ نُوحٌ فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ.

2 فس، تفسير القمي‏ وَ لا تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لا سُواعاً وَ لا يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَ نَسْراً قَالَ كَانَتْ وَدٌّ صَنَماً لِكَلْبٍ‏ (1) وَ كَانَتْ سُوَاعٌ لِهُذَيْلٍ‏ (2) وَ يَغُوثُ لِمُرَادٍ (3) وَ كَانَتْ يَعُوقُ لِهَمْدَانَ وَ كَانَتْ‏

____________



(1) بدومة الجندل.

(2) كانت لهم برهاط من أرض ينبع- و ينبع عرض من أعراض المدينة- و كان سدنتها بنو لحيان.

(3) ثم لبنى غطيف بالجرف عند سبا.

249

نَسْرٌ لِحُصَيْنٍ‏ (1).

3- ب، قرب الإسناد هَارُونُ عَنِ ابْنِ صَدَقَةَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ‏ أَنَّ عَلِيّاً (صلوات الله عليه) سُئِلَ عَنْ أَسَافٍ وَ نَائِلَةَ وَ عِبَادَةِ قُرَيْشٍ لَهُمَا فَقَالَ نَعَمْ كَانَا شَابَّيْنِ صَبِيحَيْنِ وَ كَانَ بِأَحَدِهِمَا تَأْنِيثٌ وَ كَانَا يَطُوفَانِ بِالْبَيْتِ فَصَادَفَا مِنَ الْبَيْتِ خَلْوَةً فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَفَعَلَ فَمَسَخَهُمَا اللَّهُ حَجَرَيْنِ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ لَوْ لَا أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى رَضِيَ أَنْ يُعْبَدَا مَعَهُ مَا حَوَّلَهُمَا عَنْ حَالِهِمَا (2).

4- ع، علل الشرائع فِي أَسْئِلَةِ الشَّامِيِّ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَوَّلِ مَنْ كَفَرَ وَ أَنْشَأَ الْكُفْرَ فَقَالَ(ع)إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ.

5- ع، علل الشرائع أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي الْخَطَّابِ وَ ابْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَابِرٍ وَ كَرَّامِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ أَبِي الدَّيْلَمِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ قَابِيلَ لَمَّا رَأَى النَّارَ قَدْ قَبِلَتْ قُرْبَانَ هَابِيلَ قَالَ لَهُ إِبْلِيسُ إِنَّ هَابِيلَ كَانَ يَعْبُدُ تِلْكَ النَّارَ فَقَالَ قَابِيلُ لَا أَعْبُدُ النَّارَ الَّتِي عَبَدَهَا هَابِيلُ وَ لَكِنْ أَعْبُدُ نَاراً أُخْرَى وَ أُقَرِّبُ قُرْبَاناً لَهَا فَتَقَبَّلُ قُرْبَانِي فَبَنَى بُيُوتَ النَّارِ فَقَرَّبَ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِرَبِّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَمْ يَرِثْ مِنْهُ وُلْدُهُ إِلَّا عِبَادَةَ النِّيرَانِ.

ص، قصص الأنبياء (عليهم السلام) بالإسناد إلى الصدوق عن ابن الوليد عن الصفار عن ابن أبي الخطاب عن ابن سنان‏ مثله.

6- ع، علل الشرائع أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ ابْنِ النُّعْمَانِ عَنْ بُرَيْدٍ الْعِجْلِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)إِنَّمَا سُمِّيَ الْعُوْدُ خِلَافاً لِأَنَّ إِبْلِيسَ عَمِلَ صُورَةَ سُوَاعٍ عَلَى خِلَافِ صُورَةِ وَدٍّ فَسُمِّيَ الْعُودُ خِلَافاً.

و هذا في حديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة بيان إنما سمي العود أي الشجرة المعهودة خلافا لأن إبليس عمل سواعا منها على خلاف ود فلذلك سميت بها.

____________

(1) كذا في النسخ و لكن الصحيح «لحمير» عبدوه بأرض يقال لها: بلخع، و كان لحمير أيضا بيت بصنعاء يقال له: رئام، يعظمونه و يتقربون عنده بالذبائح. و في القاموس النسر: صنم كان لذى الكلاع بأرض حمير.

(2) الحديث موضوع و هو قصة تاريخية خرافية ط.

250

7- ع، علل الشرائع أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَرِيزٍ (1) عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ قالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَ لا تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لا سُواعاً وَ لا يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَ نَسْراً قَالَ كَانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَمَاتُوا فَضَجَّ قَوْمُهُمْ وَ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَجَاءَهُمْ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ فَقَالَ لَهُمْ أَتَّخِذُ لَكُمْ أَصْنَاماً عَلَى صُوَرِهِمْ فَتَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ وَ تَأْنِسُونَ بِهِمْ وَ تَعْبُدُونَ اللَّهَ فَأَعَدَّ لَهُمْ أَصْنَاماً عَلَى مِثَالِهِمْ فَكَانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ يَنْظُرُونَ إِلَى تِلْكَ الْأَصْنَامِ فَلَمَّا جَاءَهُمُ الشِّتَاءُ وَ الْأَمْطَارُ أَدْخَلُوا الْأَصْنَامَ الْبُيُوتَ فَلَمْ يَزَالُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ حَتَّى هَلَكَ ذَلِكَ الْقَرْنُ وَ نَشَأَ أَوْلَادُهُمْ فَقَالُوا إِنَّ آبَاءَنَا كَانُوا يَعْبُدُونَ هَؤُلَاءِ فَعَبَدُوهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى‏ وَ لا تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لا سُواعاً الْآيَةَ.

8- ص، قصص الأنبياء (عليهم السلام) بِالْإِسْنَادِ عَنِ الصَّدُوقِ (رحمه الله ) عَنِ ابْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ الْأَحْوَلِ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ(ص)إِنَّ إِبْلِيسَ اللَّعِينَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ صَوَّرَ صُورَةً عَلَى مِثَالِ آدَمَ(ع)لِيَفْتِنَ بِهِ النَّاسَ وَ يُضِلَّهُمْ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَ كَانَ وَدٌّ فِي وُلْدِ قَابِيلَ وَ كَانَ خَلِيفَةَ قَابِيلَ عَلَى وُلْدِهِ وَ عَلَى مَنْ بِحَضْرَتِهِمْ فِي سَفْحِ الْجَبَلِ يُعَظِّمُونَهُ وَ يُسَوِّدُونَهُ فَلَمَّا أَنْ مَاتَ وَدٌّ جَزِعَ عَلَيْهِ إِخْوَتُهُ وَ خَلَّفَ عَلَيْهِمْ ابْناً يُقَالُ لَهُ سُوَاعٌ فَلَمْ يُغْنِ غَنَاءَ أَبِيهِ مِنْهُمْ فَأَتَاهُمْ إِبْلِيسُ فِي صُورَةِ شَيْخٍ فَقَالَ قَدْ بَلَغَنِي مَا أُصِبْتُمْ بِهِ مِنْ مَوْتِ وَدٍّ عَظِيمِكُمْ فَهَلْ لَكُمْ فِي أَنْ أُصَوِّرَ لَكُمْ عَلَى مِثَالِ وَدٍّ صُورَةً تَسْتَرِيحُونَ إِلَيْهَا وَ تَأْنِسُونَ بِهَا قَالُوا افْعَلْ فَعَمَدَ الْخَبِيثُ إِلَى الْآنُكِ‏ (2) فَأَذَابَهُ حَتَّى صَارَ مِثْلَ الْمَاءِ ثُمَّ صَوَّرَ لَهُمْ صُورَةً مِثَالَ وَدٍّ فِي بَيْتِهِ فَتَدَافَعُوا عَلَى الصُّورَةِ يَلْثِمُونَهَا وَ يَضَعُونَ خُدُودَهُمْ عَلَيْهَا وَ يَسْجُدُونَ لَهَا وَ أَحَبَّ سُوَاعٌ أَنْ يَكُونَ التَّعْظِيمُ وَ السُّجُودُ لَهُ فَوَثَبَ عَلَى صُورَةِ وَدٍّ فَحَكَّهَا حَتَّى لَمْ يَدَعْ مِنْهَا

____________



(1) لا يخلو الحديث عن احتمال ارسال، لان الكشّيّ روى عن ابن مسعود، عن محمّد ابن نصير، عن محمّد بن قيس، عن يونس قال: لم يسمع حريز بن عبد اللّه من أبي عبد اللّه (عليه السلام) إلّا حديثا أو حديثين. انتهى. مع أنا نرى عنه أحاديث كثيرة.

(2) الآنك بالمد و ضم النون: الاسرب أو أبيضه أو أسوده أو خالصه.

251

شَيْئاً وَ هَمُّوا بِقَتْلِ سُوَاعٍ فَوَعَظَهُمْ وَ قَالَ أَنَا أَقُومُ لَكُمْ بِمَا كَانَ يَقُومُ بِهِ وَدٌّ وَ أَنَا ابْنُهُ فَإِنْ قَتَلْتُمُونِي لَمْ يَكُنْ لَكُمْ رَئِيسٌ فَمَالُوا إِلَى السُّوَاعِ بِالطَّاعَةِ وَ التَّعْظِيمِ فَلَمْ يَلْبَثْ سُوَاعٌ أَنْ مَاتَ وَ خَلَّفَ ابْناً يُقَالُ لَهُ يَغُوثُ فَجَزِعُوا عَلَى سُوَاعٍ فَأَتَاهُمْ إِبْلِيسُ وَ قَالَ أَنَا الَّذِي صَوَّرْتُ لَكُمْ صُورَةَ وَدٍّ فَهَلْ لَكُمْ أَنْ أَجْعَلَ لَكُمْ مِثَالَ سُوَاعٍ عَلَى وَجْهٍ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُغَيِّرَهُ قَالُوا فَافْعَلْ فَعَمَدَ إِلَى عُودٍ فَنَجَرَهُ وَ نَصَبَهُ لَهُمْ فِي مَنْزِلِ سُوَاعٍ وَ إِنَّمَا سُمِّيَ ذَلِكَ الْعُوْدُ خِلَافاً لِأَنَّ إِبْلِيسَ عَمِلَ صُورَةَ سُوَاعٍ عَلَى خِلَافِ صُورَةِ وَدٍّ قَالَ فَسَجَدُوا لَهُ وَ عَظَّمُوهُ وَ قَالُوا لِيَغُوثَ مَا نَأْمَنُكَ عَلَى هَذَا الصَّنَمِ أَنْ تَكِيدَهُ كَمَا كَادَ أَبُوكَ مِثَالَ وَدٍّ فَوَضَعُوا عَلَى الْبَيْتِ حُرَّاساً وَ حُجَّاباً ثُمَّ كَانُوا يَأْتُونَ الصَّنَمَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَ يُعَظِّمُونَهُ أَشَدَّ مَا كَانُوا يُعَظِّمُونَ سُوَاعاً فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ يَغُوثُ قَتَلَ الْحَرَسَةَ وَ الْحُجَّابَ لَيْلًا وَ جَعَلَ الصَّنَمَ رَمِيماً فَلَمَّا بَلَغَهُمْ ذَلِكَ أَقْبَلُوا لِيَقْتُلُوهُ فَتَوَارَى مِنْهُمْ إِلَى أَنْ طَلَبُوهُ وَ رَأَّسُوهُ وَ عَظَّمُوهُ ثُمَّ مَاتَ وَ خَلَّفَ ابْناً يُقَالُ لَهُ يَعُوقُ فَأَتَاهُمْ إِبْلِيسُ فَقَالَ قَدْ بَلَغَنِي مَوْتُ يَغُوثُ وَ أَنَا جَاعِلٌ لَكُمْ مِثَالَهُ فِي شَيْ‏ءٍ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُغَيِّرَهُ قَالُوا فَافْعَلْ فَعَمَدَ الْخَبِيثُ إِلَى حَجَرٍ أَبْيَضَ فَنَقَرَهُ بِالْحَدِيدِ حَتَّى صَوَّرَ لَهُمْ مِثَالَ يَغُوثَ فَعَظَّمُوهُ أَشَدَّ مِمَّا مَضَى وَ بَنَوْا عَلَيْهِ بَيْتاً مِنْ حَجَرٍ وَ تَبَايَعُوا أَنْ لَا يَفْتَحُوا بَابَ ذَلِكَ الْبَيْتِ إِلَّا فِي رَأْسِ كُلِّ سَنَةٍ وَ سُمِّيَتِ الْبَيْعَةَ يَوْمَئِذٍ لِأَنَّهُمْ تَبَايَعُوا وَ تَعَاقَدُوا عَلَيْهِ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى يَعُوقَ فَعَمَدَ إِلَى رَيْطَةٍ وَ خَلَقٍ فَأَلْقَاهَا فِي الْحَائِرِ ثُمَّ رَمَاهَا بِالنَّارِ لَيْلًا فَأَصْبَحَ الْقَوْمُ وَ قَدِ احْتَرَقَ الْبَيْتُ وَ الصَّنَمُ وَ الْحَرَسُ وَ ارْفَضَّ الصَّنَمُ مُلْقًى فَجَزِعُوا وَ هَمُّوا بِقَتْلِ يَعُوقَ فَقَالَ لَهُمْ إِنْ قَتَلْتُمْ رَئِيسَكُمْ فَسَدَتْ أُمُورُكُمْ فَكَفُّوا فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ يَعُوقُ وَ خَلَّفَ ابْناً يُقَالُ لَهُ نَسْرٌ فَأَتَاهُمْ إِبْلِيسُ فَقَالَ بَلَغَنِي مَوْتُ عَظِيمِكُمْ فَأَنَا جَاعِلٌ لَكُمْ مِثَالَ يَعُوقَ فِي شَيْ‏ءٍ لَا يَبْلَى فَقَالُوا افْعَلْ فَعَمَدَ إِلَى الذَّهَبِ وَ أَوْقَدَ عَلَيْهِ النَّارَ حَتَّى صَارَ كَالْمَاءِ وَ عَمِلَ مِثَالًا مِنَ الطِّينِ عَلَى صُورَةِ يَعُوقَ ثُمَّ أَفْرَغَ الذَّهَبَ فِيهِ ثُمَّ نَصَبَهُ لَهُمْ فِي دَيْرِهِمْ وَ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى نَسْرٍ وَ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى دُخُولِ تِلْكَ الدَّيْرِ فَانْحَازَ عَنْهُمْ فِي فِرْقَةٍ قَلِيلَةٍ مِنْ إِخْوَتِهِ يَعْبُدُونَ نَسْراً وَ الْآخَرُونَ يَعْبُدُونَ الصَّنَمَ حَتَّى مَاتَ نَسْرٌ وَ ظَهَرَتْ نُبُوَّةُ إِدْرِيسَ فَبَلَغَهُ حَالُ الْقَوْمِ وَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ جِسْماً عَلَى مِثَالِ يَعُوقَ وَ أَنَّ نَسْراً كَانَ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَسَارَ إِلَيْهِمْ بِمَنْ مَعَهُ حَتَّى نَزَلَ مَدِينَةَ

252

نَسْرٍ وَ هُمْ فِيهَا فَهَزَمَهُمْ‏ (1) وَ قُتِلَ مَنْ قُتِلَ وَ هَرَبَ مَنْ هَرَبَ فَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ وَ أَمَرَ بِالصَّنَمِ فَحُمِلَ وَ أُلْقِيَ فِي الْبَحْرِ فَاتَّخَذَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ صَنَماً وَ سَمَّوْهَا بِأَسْمَائِهَا فَلَمْ يَزَالُوا بَعْدَ ذَلِكَ قَرْناً بَعْدَ قَرْنٍ لَا يَعْرِفُونَ إِلَّا تِلْكَ الْأَسْمَاءَ ثُمَّ ظَهَرَتْ نُبُوَّةُ نُوحٍ(ع)(2) فَدَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَ تَرْكِ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنَ الْأَصْنَامِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ‏ لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَ لا تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لا سُواعاً وَ لا يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَ نَسْراً

بيان ارفضاض الشي‏ء تفرّقه و ترفّض تكسّر و انحاز عنه عدل.

9- ثو، ثواب الأعمال أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُلْوَانَ عَنْ مُنْذِرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: ذَكَرَ أَنَّ سَلْمَانَ قَالَ إِنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْجَنَّةَ فِي ذُبَابٍ وَ آخَرَ دَخَلَ النَّارَ فِي ذُبَابٍ فَقِيلَ لَهُ وَ كَيْفَ ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ مَرَّا عَلَى قَوْمٍ فِي عِيدٍ لَهُمْ وَ قَدْ وَضَعُوا أَصْنَاماً لَهُمْ لَا يَجُوزُ بِهِمْ أَحَدٌ حَتَّى يُقَرِّبَ إِلَى أَصْنَامِهِمْ قُرْبَاناً قَلَّ أَمْ كَثُرَ فَقَالُوا لَهُمَا لَا تَجُوزَا حَتَّى تُقَرِّبَا كَمَا يُقَرِّبُ كُلُّ مَنْ مَرَّ فَقَالَ أَحَدُهُمَا مَا مَعِي شَيْ‏ءٌ أُقَرِّبُهُ وَ أَخَذَ أَحَدُهُمَا ذُبَاباً فَقَرَّبَهُ وَ لَمْ يُقَرِّبِ الْآخَرُ فَقَالَ لَا أُقَرِّبُ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ شَيْئاً فَقَتَلُوهُ فَدَخَلَ الْجَنَّةَ وَ دَخَلَ الْآخَرُ النَّارَ.

10- شي، تفسير العياشي عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْ‏ءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ فَإِنْ كُنْتَ ابْنَ أَبِيكَ فَإِنَّكَ مِنْ أَبْنَاءِ عَبَدَةِ الْأَصْنَامِ فَقَالَ لَهُ كَذَبْتَ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يُنْزِلَ إِسْمَاعِيلَ بِمَكَّةَ فَفَعَلَ فَ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ‏ فَلَمْ يَعْبُدْ أَحَدٌ مِنْ وُلْدِ إِسْمَاعِيلَ صَنَماً قَطُّ وَ لَكِنَّ الْعَرَبَ عَبَدَةُ الْأَصْنَامِ وَ قَالَتْ بَنُو إِسْمَاعِيلَ‏ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ‏ فَكَفَرَتْ وَ لَمْ تَعْبُدِ الْأَصْنَامَ.

بيان لعل المراد أنهم أقرّوا بوحدانيّة الصانع و إن أشركوا من جهة العبادة و السجود لها فنفى(ع)عنهم أعظم أنواع الشرك و هو الشرك في الربوبيّة و قد مرّت الإشارة إلى الفرق بينهما في الباب السابق‏ (3).

____________

(1) و في نسخة: فهزموهم.

(2) و في نسخة: فظهرت نبوة نوح (عليه السلام).

(3) و الرواية مع ذلك لا تخلو عن شي‏ء؛ فان توحيد الصانع بهذا المعنى أساس الثنوية؛ و اتخاذ الأصنام آلهة و عبادتها ليس الا القول بكونهم شفعاء. ط.

253

11- كا، الكافي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ الْغُمْشَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَشَلِّ بَيَّاعِ الْأَنْمَاطِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: كَانَتْ قُرَيْشٌ تُلَطِّخُ الْأَصْنَامَ الَّتِي كَانَتْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ بِالْمِسْكِ وَ الْعَنْبَرِ وَ كَانَ يَغُوثُ قُبَالَةَ الْبَابِ وَ كَانَ يَعُوقُ عَنْ يَمِينِ الْكَعْبَةِ وَ كَانَ نَسْرٌ عَنْ يَسَارِهَا وَ كَانُوا إِذَا دَخَلُوا خَرُّوا سُجَّداً لِيَغُوثَ وَ لَا يَنْحَنُونَ‏ (1) ثُمَّ يَسْتَدِيرُونَ بِحِيَالِهِمْ إِلَى يَعُوقَ ثُمَّ يَسْتَدِيرُونَ بِحِيَالِهِمْ إِلَى نَسْرٍ ثُمَّ يُلَبُّونَ فَيَقُولُونَ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكٌ هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَ مَا مَلَكَ قَالَ فَبَعَثَ اللَّهُ ذُبَاباً أَخْضَرَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَجْنِحَةٍ فَلَمْ يَبْقَ مِنْ ذَلِكَ الْمِسْكِ وَ الْعَنْبَرِ شَيْئاً إِلَّا أَكَلَهُ وَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ‏

12- فس، تفسير القمي قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ‏ فِي قَوْلِهِ‏ أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ قَالَ نَزَلَتْ فِي قُرَيْشٍ وَ ذَلِكَ أَنَّهُ ضَاقَ عَلَيْهِمُ الْمَعَاشُ فَخَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ وَ تَفَرَّقُوا وَ كَانَ الرَّجُلُ إِذَا رَأَى شَجَرَةً حَسَنَةً أَوْ حَجَراً حَسَناً هَوَاهُ فَعَبَدَهُ وَ كَانُوا يَنْحَرُونَ لَهَا النَّعَمَ وَ يُلَطِّخُونَهَا بِالدَّمِ وَ يُسَمُّونَهَا سَعْدَ صَخْرَةٍ وَ كَانَ إِذَا أَصَابَهُمْ دَاءٌ فِي إِبِلِهِمْ وَ أَغْنَامِهِمْ جَاءُوا إِلَى الصَّخْرَةِ فَيَتَمَسَّحُونَ بِهَا الْغَنَمَ وَ الْإِبِلَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ بِإِبِلٍ لَهُ يُرِيدُ أَنْ يَتَمَسَّحَ بِالصَّخْرَةِ إِبِلَهُ وَ يُبَارِكَ عَلَيْهَا فَنَفَرَتْ إِبِلُهُ وَ تَفَرَّقَتْ فَقَالَ الرَّجُلُ شِعْراً

أَتَيْتُ إِلَى سَعْدٍ لِيَجْمَعَ شَمْلَنَا* * * -فَشَتَّتَنَا سَعْدٌ فَمَا نَحْنُ مِنْ سَعْدٍ

وَ مَا سَعْدٌ إِلَّا صَخْرَةٌ مُسَوَدَّةٌ* * * مِنَ الْأَرْضِ لَا تَهْدِي لِغَيٍّ وَ لَا رُشْدٍ

وَ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ وَ الثَّعْلَبُ يَبُولُ عَلَيْهِ فَقَالَ شِعْراً

أَ رَبٌّ يَبُولُ الثُّعْلُبَانُ بِرَأْسِهِ* * * -لَقَدْ ذَلَّ مَنْ بَالَتْ عَلَيْهِ الثَّعَالِبُ‏

.

____________

(1) و في نسخة: و لا يحبّون.

254

باب 8 نفي الولد و الصاحبة

الآيات النساء يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَ لا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى‏ مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ لا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ وَكِيلًا لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَ لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ‏ المائدة لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ وَ قالَتِ الْيَهُودُ وَ النَّصارى‏ نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَ أَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ أقول سيأتي كثير من الآيات المتعلقة بعيسى(ع)في كتاب النبوة و كثير منها في أبواب الاحتجاجات التوبة وَ قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَ قالَتِ النَّصارى‏ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏ يونس‏ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏ الإسراء أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَ اتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً الكهف‏ وَ يُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَ لا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً

255

مريم‏ ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى‏ أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏ و قال تعالى 88 وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً وَ ما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَ عَدَّهُمْ عَدًّا الأنبياء وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى‏ وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ‏ الصافات‏ فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ وَ لَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَ هُمْ شاهِدُونَ أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَ جَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَ لَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَإِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وَ إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَ إِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ‏ الزمر لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى‏ مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ الزخرف‏ وَ جَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَ أَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ وَ إِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَ هُوَ كَظِيمٌ أَ وَ مَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَ هُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَ يُسْئَلُونَ وَ قالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى‏ أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى‏ آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ‏

256

و قال تعالى‏ قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ‏ الطور أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَ لَكُمُ الْبَنُونَ‏ النجم‏ أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَ لَهُ الْأُنْثى‏ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى‏ و قال تعالى‏ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى‏ وَ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً الجن‏ وَ أَنَّهُ تَعالى‏ جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَ لا وَلَداً

1- فس، تفسير القمي جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قُلْتُ قَوْلُهُ تَعَالَى‏ وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً قَالَ هَذَا حَيْثُ قَالَتْ قُرَيْشٌ إِنَّ لِلَّهِ وَلَداً وَ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ إِنَاثٌ فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى رَدّاً عَلَيْهِمْ‏ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا أَيْ عَظِيماً تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ‏ مِمَّا قَالُواأَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى‏ وَ ما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَ عَدَّهُمْ عَدًّا وَ كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً وَاحِداً وَاحِداً.

2- يد، التوحيد مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ عَمِّهِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنِ الْيَقْطِينِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ رُشَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْمُفَضَّلِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ‏ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي‏ لَمْ يَلِدْ فَيُورَثَ‏ وَ لَمْ يُولَدْ فَيُشَارَكَ.

3- فس، تفسير القمي‏ قَوْلُهُ‏ قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ‏ يَعْنِي أَوَّلَ الْآنِفِينَ لَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ (1).

بيان هذا أحد الوجوه في تأويل هذه الآية قال الجوهري قال أبو زيد العبد بالتحريك الغضب و الأنف و الاسم العبدة مثل الأنفة و قد عبد أي أنف و قال أبو عمرو قوله تعالى‏ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ‏ من الأنف و الغضب انتهى و ثانيها أن يكون من قبيل‏

____________

(1) أنف من العار: ترفع و تنزّه عنه. كرهه. و في الاحتجاج عن أمير المؤمنين (عليه السلام): أنا أول العابدين أي الجاحدين.

257

تعليق المحال بالمحال أي ليس له ولد إذ لو كان له ولد لكنت أول العابدين له فإن النبي يكون أعلم بالله و بما يصح له و ما لا يصح و أولى بتعظيم ما يجب تعظيمه و من حق تعظيم الوالد تعظيم ولده و ثالثها أن المعنى إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول العابدين لله الموحدين له المنكرين لقولكم و رابعها أن إن بمعنى ما للنفي و المعنى ما كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين لله المقرين بذلك.

أقول سيأتي ما يتضمن نفي الصاحبة و الولد في باب جوامع التوحيد و سنذكر احتجاج النبي(ص)على القائلين بالولد في المجلد الرابع.

باب 9 النهي عن التفكر في ذات الله تعالى و الخوض في مسائل التوحيد و إطلاق القول بأنه شي‏ء

الآيات الزمر وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ‏

1- شي، تفسير العياشي عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ‏ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)هَلْ تَصِفُ رَبَّنَا نَزْدَادُ لَهُ حُبّاً وَ بِهِ مَعْرِفَةً فَغَضِبَ وَ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ فِيمَا قَالَ عَلَيْكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بِمَا دَلَّكَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ مِنْ صِفَتِهِ وَ تَقَدَّسَكَ فِيهِ الرَّسُولُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ فَائْتَمَّ بِهِ وَ اسْتَضِئْ بِنُورِ هِدَايَتِهِ فَإِنَّمَا هِيَ نِعْمَةٌ وَ حِكْمَةٌ أُوتِيتَهَا فَخُذْ مَا أُوتِيتَ‏ وَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ‏ وَ مَا كَلَّفَكَ الشَّيْطَانُ عِلْمَهُ مِمَّا لَيْسَ عَلَيْكَ فِي الْكِتَابِ فَرْضُهُ وَ لَا فِي سُنَّةِ الرَّسُولِ وَ أَئِمَّةِ الْهُدَاةِ أَثَرُهُ فَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ وَ لَا تُقَدِّرْ عَلَيْهِ عَظَمَةَ اللَّهِ‏ (1) وَ اعْلَمْ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ عَنِ الِاقْتِحَامِ عَلَى السُّدَدِ الْمَضْرُوبَةِ دُونَ الْغُيُوبِ إِقْرَاراً بِجَهْلِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغَيْبِ الْمَحْجُوبِ فَقَالُوا آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَ قَدْ مَدَحَ اللَّهُ اعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً وَ سَمَّى تَرْكَهُمُ التَّعَمُّقَ فِيمَا لَمْ يُكَلِّفْهُمُ الْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ رُسُوخاً.

____________

(1) و في نسخة: و لا تقدر عظمة اللّه على قدر عقلك فتكون من الهالكين.

258

بيان الاقتحام الهجوم و الدخول مغالبة و السدد جمع السدة و هي الباب المغلق و فيه إشكال لدلالته على أن الراسخين في العلم في الآية غير معطوف على المستثنى كما دلت عليه الأخبار الكثيرة و سيأتي القول فيه في كتاب الإمامة (1) إلا أن يقال إن هذا إلزام على من يفسر الآية كذلك أو يقال بالجمع بين التفسيرين على وجهين مختلفين و سيأتي تمام القول في ذلك في محله إن شاء الله تعالى.

2- ج، الإحتجاج رُوِيَ عَنْ هِشَامٍ‏ أَنَّهُ سَأَلَ الزِّنْدِيقُ عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا هُوَ فَقَالَ(ع)هُوَ شَيْ‏ءٌ بِخِلَافِ الْأَشْيَاءِ (2) أَرْجِعُ بِقَوْلِي شَيْ‏ءٌ إِلَى شَيْ‏ءٍ بِحَقِيقَةِ الشَّيْئِيَّةِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا جِسْمٌ وَ لَا صُورَةٌ وَ لَا يُحَسُّ وَ لَا يُجَسُ‏ (3) وَ لَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ الْخَمْسِ لَا تُدْرِكُهُ الْأَوْهَامُ وَ لَا تَنْقُصُهُ الدُّهُورُ وَ لَا تُغَيِّرُهُ الْأَزْمَانُ الْخَبَرَ.

بيان اعلم أن الشي‏ء مساو للموجود إذا أخذ الوجود أعم من الذهني و الخارجي و المخلوط بالوجود من حيث الخلط شي‏ء و شيئيته كونه ماهية قابلة له و قيل إن الوجود عين الشيئية فإذا عرفت هذا فالمراد بقوله بحقيقة الشيئية أي بالشيئية الحقة الثابتة له في حد ذاته لأنه تعالى هو الذي يحقّ أن يقال له شي‏ء أو موجود لكون وجوده بذاته ممتنع الانفكاك عنه و غيره تعالى في معرض العدم و الفناء و ليس وجودهم إلا من غيرهم أو المراد أنه يجب معرفته بمحض أنه شي‏ء لا أن يثبت له حقيقة معلومة مفهومة يتصدى لمعرفتها فإنه يمتنع معرفة كنه ذاته و صفاته و قيل إنه إشارة إلى أن الوجود عين ذاته تعالى.

____________

(1) قد بينا في تفسير «الميزان» انه هو المتيقن في الآية، و تكلمنا في الاخبار الكثيرة التي يشير إليها. ط.

(2) أي هو موجود يخالف سائر الموجودات، فان سائر الموجودات لها وجود و ماهية زائدة على وجودها، و لكن اللّه تعالى حقيقته صرف الوجود، و عين الوجود، و له حقيقة الشيئية و هي الوجود. ثم بين (عليه السلام) وجه اختلافه تعالى مع سائر الأشياء بقوله: غير أنّه لا جسم إلخ. و لعله (عليه السلام) أشار بقوله:

هو شي‏ء بخلاف الأشياء إلى أنّه لا يعرف أحد حقيقة ذاته و صفاته، و إنّما يعرف بمفهوم سلبى و هو أنه موجود مغاير لخلقه في الذات و الصفات، مثل الإمكان و الحدوث و الجسمية و غيرها.

(3) بالجيم إمّا من جسه بيده أي مسه بيده ليتعرفه، أو بعينه أي أحد النظر إليه ليتبينه، و إمّا من جس الاخبار و الأمور أي بحث و تفحص عنها.

259

3- لي، الأمالي للصدوق أَبِي عَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمْرَانَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)يَا زِيَادُ إِيَّاكَ وَ الْخُصُومَاتِ فَإِنَّهَا تُورِثُ الشَّكَّ وَ تُحْبِطُ الْعَمَلَ وَ تُرْدِي صَاحِبَهَا وَ عَسَى أَنْ يَتَكَلَّمَ الرَّجُلُ بِالشَّيْ‏ءِ لَا يُغْفَرُ لَهُ يَا زِيَادُ إِنَّهُ كَانَ فِيمَا مَضَى قَوْمٌ تَرَكُوا عِلْمَ مَا وُكِّلُوا بِهِ‏ (1) وَ طَلَبُوا عِلْمَ مَا كُفُّوهُ‏ (2) حَتَّى انْتَهَى بِهِمُ الْكَلَامُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَتَحَيَّرُوا فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُدْعَى مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فَيُجِيبُ مِنْ خَلْفِهِ أَوْ يُدْعَى مِنْ خَلْفِهِ فَيُجِيبُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ.

سن، المحاسن أبي عن ابن أبي عمير مثله.

4- لي، الأمالي للصدوق ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِي الْيَسَعِ‏ (3) عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِيَّاكُمْ وَ التَّفَكُّرَ فِي اللَّهِ فَإِنَّ التَّفَكُّرَ فِي اللَّهِ لَا يَزِيدُ إِلَّا تَيْهاً (4) إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَ‏ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ لَا يُوصَفُ بِمِقْدَارٍ.

5- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ بُنْدَارَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْكُوفِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ خَادِمِ الرِّضَا(ع)قَالَ: قَالَ بَعْضُ الزَّنَادِقَةِ لِأَبِي الْحَسَنِ(ع)هَلْ يُقَالُ لِلَّهِ إِنَّهُ شَيْ‏ءٌ فَقَالَ نَعَمْ وَ قَدْ سَمَّى نَفْسَهُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ‏ قُلْ أَيُّ شَيْ‏ءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ‏ فَهُوَ شَيْ‏ءٌ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ.

6- فس، تفسير القمي‏ قَوْلُهُ‏ وَ أَنَّ إِلى‏ رَبِّكَ الْمُنْتَهى‏ حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ جَمِيلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ إِذَا انْتَهَى الْكَلَامُ إِلَى اللَّهِ فَأَمْسِكُوا وَ تَكَلَّمُوا فِيمَا دُونَ الْعَرْشِ وَ لَا تَكَلَّمُوا فِيمَا فَوْقَ الْعَرْشِ فَإِنَّ قَوْماً تَكَلَّمُوا فِيمَا فَوْقَ الْعَرْشِ فَتَاهَتْ عُقُولُهُمْ حَتَّى‏

____________



(1) أي علم ما كلفوا به، و هو العلم بما أمر اللّه به و نهاه عنه، و العلم بمحبوباته و مبغوضاته.

(2) أي علم ما كفاهم اللّه مئونته- ان كان من الكفاية- أو علم ما صرفه اللّه عنهم- ان كان من الكف و المراد التفحص عما كانت أفهام البشر عن دركه قاصرة، كالكلام في العرش و ما فوقه، و الكلام في كنه الذات و الصفات.

(3) الظاهر هو عيسى بن السرى أبو اليسع الكرخى البغداديّ، وثقه ثقة النجاشيّ و غيره، روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، له كتاب.

(4) أي تحيرا و ضلالا.

260

كَانَ الرَّجُلُ يُنَادَى مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فَيُجِيبُ مِنْ خَلْفِهِ وَ يُنَادَى مِنْ خَلْفِهِ فَيُجِيبُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ.

بيان التكلم فيما فوق العرش كناية عن التفكر في كنه ذاته و صفاته تعالى فالمراد إما الفوقية المعنوية أو بناء على زعمهم حيث قالوا بالجسم و الصورة و يحتمل على بعد أن يكون المراد التفكر في الخلإ البحت بعد انتهاء الأبعاد.

7- شي، تفسير العياشي عَنْ رِبْعِيٍّ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ‏ وَ إِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا قَالَ الْكَلَامُ فِي اللَّهِ وَ الْجِدَالُ فِي الْقُرْآنِ‏ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ‏ قَالَ مِنْهُمُ الْقُصَّاصُ.

بيان القصاص علماء المخالفين فإنهم كرواة القصص و الأكاذيب فيما يبنون عليه علومهم و هم يخوضون في تفاسير الآيات و تحقيق صفات الذات بالظنون و الأوهام لانحرافهم عن أهل البيت ع.

8- يد، التوحيد مع، معاني الأخبار أَبِي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيِ‏ (1) عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ قَالَ لِلزِّنْدِيقِ حِينَ سَأَلَهُ عَنِ اللَّهِ مَا هُوَ قَالَ هُوَ شَيْ‏ءٌ بِخِلَافِ الْأَشْيَاءِ أَرْجِعُ بِقَوْلِي شَيْ‏ءٌ إِلَى إِثْبَاتِ مَعْنًى وَ أَنَّهُ شَيْ‏ءٌ بِحَقِيقَةِ الشَّيْئِيَّةِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا جِسْمٌ وَ لَا صُورَةٌ.

9- يد، التوحيد مع، معاني الأخبار أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَمَّنْ ذَكَرَهُ رَفَعَهُ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ(ع)أَنَّهُ سُئِلَ أَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ شَيْ‏ءٌ قَالَ نَعَمْ تُخْرِجُهُ مِنَ الْحَدَّيْنِ حَدِّ التَّعْطِيلِ وَ حَدِّ التَّشْبِيهِ.

ج، الإحتجاج مرسلا مثله بيان حد التعطيل هو عدم إثبات الوجود و الصفات الكمالية و الفعلية و الإضافية له تعالى و حد التشبيه الحكم بالاشتراك مع الممكنات في حقيقة الصفات و عوارض الممكنات.

10- يد، التوحيد الْعَطَّارُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ(ع)سَنَةَ خَمْسٍ‏

____________



(1) نسبة إلى فقيم- وزان هذيل- بطن من دارم و هم بنو فقيم بن جرير بن دارم، و أمّا النسبة إلى فقيم كنانة «فقمى» كعربي، نص على ذلك في القاموس و غيره.

261

وَ خَمْسِينَ وَ مِائَتَيْنِ قَدِ اخْتَلَفَ يَا سَيِّدِي أَصْحَابُنَا فِي التَّوْحِيدِ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هُوَ جِسْمٌ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هُوَ صُورَةٌ فَإِنْ رَأَيْتَ يَا سَيِّدِي أَنْ تُعَلِّمَنِي مِنْ ذَلِكَ مَا أَقِفُ عَلَيْهِ وَ لَا أَجُوزُهُ فَعَلْتَ مُتَطَوِّلًا عَلَى عَبْدِكَ فَوَقَّعَ بِخَطِّهِ(ع)سَأَلْتَ عَنِ التَّوْحِيدِ وَ هَذَا عَنْكُمْ مَعْزُولٌ اللَّهُ تَعَالَى وَاحِدٌ أَحَدٌ صَمَدٌ لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ خَالِقٌ وَ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ يَخْلُقُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مَا يَشَاءُ مِنَ الْأَجْسَامِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ وَ يُصَوِّرُ مَا يَشَاءُ وَ لَيْسَ بِمُصَوَّرٍ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ وَ تَعَالَى عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ شِبْهٌ هُوَ لَا غَيْرُهُ‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.

بيان و هذا عنكم معزول أي لا يجب عليكم التفكر في الذات و الصفات بل عليكم التصديق بما وصف تعالى به نفسه.

11- سر، السرائر السَّيَّارِيُ‏ (1) قَالَ سَمِعْتُ الرِّضَا(ع)يَقُولُ‏ لَيْسَ الْعِبَادَةُ كَثْرَةَ الصَّوْمِ وَ الصَّلَاةِ إِنَّمَا الْعِبَادَةُ فِي التَّفَكُّرِ فِي اللَّهِ.

بيان أي التفكر في قدرته و عظمته بالتفكر في عظمة خلقه كما فسر به في الأخبار الأخر أو بالتفكر فيما جاء عن الله و حججه(ع)في ذلك.

12- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ مَعْرُوفٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْقَصِيرِ قَالَ: كَتَبْتُ عَلَى يَدَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)بِمَسَائِلَ فِيهَا أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ هَلْ يُوصَفُ بِالصُّورَةِ وَ بِالتَّخْطِيطِ فَإِنْ رَأَيْتَ جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ أَنْ تَكْتُبَ إِلَيَّ بِالْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ مِنَ التَّوْحِيدِ فَكَتَبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَلَى يَدَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ سَأَلْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ عَنِ التَّوْحِيدِ وَ مَا ذَهَبَ فِيهِ مَنْ قِبَلَكَ فَتَعَالَى اللَّهُ الَّذِي‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَصِفُهُ الْوَاصِفُونَ الْمُشَبِّهُونَ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بِخَلْقِهِ الْمُفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ وَ اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ فِي التَّوْحِيدِ مَا نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَانْفِ‏

____________



(1) هو أحمد بن محمّد بن سيار أبو عبد اللّه الكاتب، بصرى، كان من كتاب آل طاهر في زمن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، ضعيف الحديث، فاسد المذهب، نص على ذلك النجاشيّ.

262

عَنِ اللَّهِ الْبُطْلَانَ وَ التَّشْبِيهَ فَلَا نَفْيَ وَ لَا تَشْبِيهَ هُوَ اللَّهُ الثَّابِتُ الْمَوْجُودُ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَصِفُهُ الْوَاصِفُونَ وَ لَا تَعْدُ الْقُرْآنَ فَتَضِلَّ بَعْدَ الْبَيَانِ.

بيان على يدي عبد الملك أي كان هو الرسول و الحامل للكتاب و الجواب.

13- ضا، فقه الرضا (عليه السلام)إِيَّاكَ وَ الْخُصُومَةَ فَإِنَّهَا تُورِثُ الشَّكَّ وَ تُحْبِطُ الْعَمَلَ وَ تُرْدِي صَاحِبَهَا (1) وَ عَسَى أَنْ يَتَكَلَّمَ بِشَيْ‏ءٍ لَا يُغْفَرُ لَهُ‏ (2).

14- وَ نَرْوِي‏ أَنَّهُ كَانَ فِيمَا مَضَى قَوْمٌ انْتَهَى بِهِمُ الْكَلَامُ إِلَى اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ فَتَحَيَّرُوا فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُدْعَى مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فَيُجِيبُ مِنْ خَلْفِهِ‏ (3).

15- وَ أَرْوِي‏ تَكَلَّمُوا فِيمَا دُونَ الْعَرْشِ فَإِنَّ قَوْماً تَكَلَّمُوا فِي اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ فَتَاهُوا.

16- وَ أَرْوِي عَنِ الْعَالِمِ(ع)وَ سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْ‏ءٍ مِنَ الصِّفَاتِ فَقَالَ لَا تَتَجَاوَزْ مِمَّا فِي الْقُرْآنِ.

17- وَ أَرْوِي‏ أَنَّهُ قُرِئَ بَيْنَ يَدَيِ الْعَالِمِ(ع)قَوْلُهُ‏ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ فَقَالَ إِنَّمَا عَنَى أَبْصَارَ الْقُلُوبِ وَ هِيَ الْأَوْهَامُ فَقَالَ لَا تُدْرِكُ الْأَوْهَامُ كَيْفِيَّتَهُ وَ هُوَ يُدْرِكُ كُلَّ وَهْمٍ وَ أَمَّا عُيُونُ الْبَشَرِ فَلَا تَلْحَقُهُ لِأَنَّهُ لَا يُحَدُّ فَلَا يُوصَفُ هَذَا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ كُلُّنَا.

18- يد، التوحيد الدَّقَّاقُ عَنِ الْأَسَدِيِّ عَنِ الْبَرْمَكِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سُئِلَ أَبُو جَعْفَرٍ الثَّانِي(ع)يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلَّهِ إِنَّهُ شَيْ‏ءٌ فَقَالَ نَعَمْ تُخْرِجُهُ مِنَ الْحَدَّيْنِ حَدِّ التَّعْطِيلِ وَ حَدِّ التَّشْبِيهِ‏ (4).

19- يد، التوحيد ابْنُ مَسْرُورٍ عَنِ ابْنِ بُطَّةَ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنِ الْيَقْطِينِيِّ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو الْحَسَنِ(ع)مَا تَقُولُ إِذَا قِيلَ لَكَ أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَ شَيْ‏ءٌ هُوَ أَمْ لَا شَيْ‏ءٌ هُوَ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ قَدْ أَثْبَتَ عَزَّ وَ جَلَّ نَفْسَهُ شَيْئاً حَيْثُ يَقُولُ‏ قُلْ أَيُّ شَيْ‏ءٍ أَكْبَرُ

____________



(1) أي تهلك صاحبها و تضلها.

(2) تقدم الحديث مسندا تحت رقم 3.

(3) الظاهر أنّه قطعة من الحديث السادس.

(4) الظاهر اتّحاده مع ما تقدم تحت رقم 9.

263

شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ‏ فَأَقُولُ إِنَّهُ شَيْ‏ءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ إِذْ فِي نَفْيِ الشَّيْئِيَّةِ عَنْهُ إِبْطَالُهُ وَ نَفْيُهُ قَالَ لِي صَدَقْتَ وَ أَصَبْتَ ثُمَّ قَالَ الرِّضَا(ع)لِلنَّاسِ فِي التَّوْحِيدِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ نَفْيٌ وَ تَشْبِيهٌ وَ إِثْبَاتٌ بِغَيْرِ تَشْبِيهٍ فَمَذْهَبُ النَّفْيِ لَا يَجُوزُ وَ مَذْهَبُ التَّشْبِيهِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا يُشْبِهُهُ شَيْ‏ءٌ وَ السَّبِيلُ فِي الطَّرِيقَةِ الثَّالِثَةِ إِثْبَاتٌ بِلَا تَشْبِيهٍ.

شي، تفسير العياشي عَنْ هِشَامٍ الْمَشْرِقِيِّ عَنْهُ(ع)مِثْلَهُ وَ زَادَ فِي آخِرِهِ وَ هُوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ أَحَدٌ صَمَدٌ نُورٌ

. 20- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّضْرِ عَنْ يَحْيَى الْحَلَبِيِّ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ‏ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خِلْوٌ مِنْ خَلْقِهِ وَ خَلْقَهُ خِلْوٌ مِنْهُ وَ كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْ‏ءٍ مَا خَلَا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَهُوَ مَخْلُوقٌ وَ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ تَبَارَكَ الَّذِي‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ

- يد، التوحيد حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَلَوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ‏ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ

- يد، التوحيد مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ أَبِي الْمِعْزَى رَفَعَهُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ مَا خَلَا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ.

إيضاح الخلو بكسر الخاء و سكون اللام الخالي و قوله(ع)خلو من خلقه أي من صفات خلقه أو من مخلوقاته فيدل على نفي الصفات الموجودة الزائدة لأنها لا بد أن تكون مخلوقة لله تعالى بانضمام المقدمتين الأخيرتين المبنيتين على التوحيد و اتصافه بمخلوقه مستحيل لما تقرر من أن الشي‏ء لا يكون فاعلا و قابلا لشي‏ء واحد و يدل أيضا على بطلان ما ذهب إليه جماعة من كونه تعالى معروضا لماهيات الممكنات و قوله(ع)و خلقه خلو منه أي من صفاته أو المراد أنه لا يحل في شي‏ء بوجه من الوجوه فينفي كونه عارضا لشي‏ء أو حالا فيه أو متمكنا فيه إذ ما من شي‏ء إلا و هو مخلوق له بحكم المقدمتين الأخيرتين.

21- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ‏

264

النَّضْرِ عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ رَفَعَهُ قَالَ: سُئِلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع)عَنِ التَّوْحِيدِ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِمَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَقْوَامٌ مُتَعَمِّقُونَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى‏ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ وَ الْآيَاتِ مِنْ سُورَةِ الْحَدِيدِ إِلَى قَوْلِهِ‏ وَ هُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ فَمَنْ رَامَ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ.

بيان ظاهره المنع عن التفكّر و الخوض في مسائل التوحيد و الوقوف مع النصوص و قيل المراد أنه تعالى بين لهم صفاته ليتفكروا فيها و لا يخفى بعده.

22- سن، المحاسن أَبِي عَنْ صَفْوَانَ وَ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ مَعاً عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَا سُلَيْمَانُ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ‏ وَ أَنَّ إِلى‏ رَبِّكَ الْمُنْتَهى‏ فَإِذَا انْتَهَى الْكَلَامُ إِلَى اللَّهِ فَأَمْسِكُوا.

23- سن، المحاسن أَبِي عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْقَصِيرِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ شَيْ‏ءٍ مِنَ الصِّفَةِ فَقَالَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى اللَّهُ الْجَبَّارُ إِنَّهُ مَنْ تَعَاطَى مَا ثَمَّ هَلَكَ يَقُولُهَا مَرَّتَيْنِ.

بيان تعالى الله الجبار أي عن أن يكون له جسم أو صورة أو يوصف بصفة زائدة على ذاته و أن يكون لصفاته الحقيقية بيان حقيقي من تعاطى أي تناول بيان ما ثم من صفاته الحقيقية هلك و ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً

24- سن، المحاسن بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مَيَّاحٍ‏ (1) عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ‏ مَنْ نَظَرَ فِي اللَّهِ كَيْفَ هُوَ هَلَكَ.

25- سن، المحاسن أَبِي عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْخَزَّازِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)يَا مُحَمَّدُ إِنَّ النَّاسَ لَا يَزَالُ لَهُمُ الْمَنْطِقُ حَتَّى يَتَكَلَّمُوا فِي اللَّهِ فَإِذَا سَمِعْتُمْ ذَلِكَ فَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الَّذِي‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ

____________

(1) قال العلامة في القسم الثاني من الخلاصة: الحسين بن مياح- بالياء المنقطة تحتها نقطتين المشددة بعد الميم، و الحاء غير المعجمة بعد الالف- المدائنى، روى عن أبيه، قال ابن الغضائري:

إنّه ضعيف غال. انتهى. و قال النجاشيّ في ترجمة أبيه: مياح المدائنى ضعيف جدا له كتاب يعرف برسالة مياح، و طريقها أضعف منها و هو محمّد بن سنان.

265

بيان أي إذا سمعتم الكلام في الله فاقتصروا على التوحيد و نفي الشريك منبها على أنه لا يجوز الكلام فيه و تبيين معرفته إلا بسلب التشابه و التشارك بينه و بين غيره أو إذا أجروا الكلام في الجسم و الصورة فقولوا ذلك تنزيها له عما يقولون.

26- سن، المحاسن ابْنُ فَضَّالٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ عَنِ الْحَسَنِ الصَّيْقَلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: تَكَلَّمُوا فِيمَا دُونَ الْعَرْشِ وَ لَا تَكَلَّمُوا فِيمَا فَوْقَ الْعَرْشِ فَإِنَّ قَوْماً تَكَلَّمُوا فِي اللَّهِ فَتَاهُوا حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ يُنَادَى مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فَيُجِيبُ مِنْ خَلْفِهِ.

27- سن، المحاسن أَبِي عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَفْصٍ أَخِي مُرَازِمٍ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى قَالَ: سَأَلَ أَبِي أَبَا الْحَسَنِ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ(ع)عَنْ شَيْ‏ءٍ مِنَ الصِّفَةِ فَقَالَ لَا تَجَاوَزْ عَمَّا فِي الْقُرْآنِ.

28- سن، المحاسن أَبُو أَيُّوبَ الْمَدَنِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ مَلِكاً كَانَ فِي مَجْلِسِهِ فَتَنَاوَلَ الرَّبَّ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فَفُقِدَ فَمَا يُدْرَى أَيْنَ هُوَ.

بيان أي فُقِدَ من مكانه سخطاً من الله عليه أو تحيّر و سار في الأرض فلم يعرف له خبر و قيل هو على المعلوم أي ففقد ما كان يعرف و كان لا يدري في أي مكان هو من الحيرة و لا يخفى ما فيه.

29- سن، المحاسن مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى عَمَّنْ ذَكَرَهُ رَفَعَهُ قَالَ: سُئِلَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)أَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلَّهِ إِنَّهُ مَوْجُودٌ قَالَ نَعَمْ تُخْرِجُهُ مِنَ الْحَدَّيْنِ حَدِّ الْإِبْطَالِ وَ حَدِّ التَّشْبِيهِ.

30- م، تفسير الإمام (عليه السلام)لَقَدْ مَرَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَخْلَاطِ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ فِيهِمْ مُهَاجِرِيٌّ وَ لَا أَنْصَارِيٌّ وَ هُمْ قُعُودٌ فِي بَعْضِ الْمَسَاجِدِ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ وَ إِذَا هُمْ يَخُوضُونَ فِي أَمْرِ الْقَدَرِ وَ غَيْرِهِ مِمَّا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ قَدِ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ وَ اشْتَدَّ فِيهِ جِدَالُهُمْ فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ وَ سَلَّمَ فَرَدُّوا عَلَيْهِ وَ وَسَّعُوا لَهُ وَ قَامُوا إِلَيْهِ يَسْأَلُونَهُ الْقُعُودَ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَحْفِلْ بِهِمْ‏ (1) ثُمَّ قَالَ لَهُمْ وَ نَادَاهُمْ يَا مَعَاشِرَ الْمُتَكَلِّمِينَ أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ لِلَّهِ عِبَاداً قَدْ أَسْكَتَتْهُمْ خَشْيَتُهُ مِنْ غَيْرِ عِيٍّ وَ لَا بَكَمٍ وَ أَنَّهُمْ هُمُ الْفُصَحَاءُ الْبُلَغَاءُ الْأَلِبَّاءُ (2) الْعَالِمُونَ بِاللَّهِ وَ أَيَّامِهِ‏

____________



(1) أي فلم يبال بهم و لم يهتم لهم.

(2) الالباء جمع اللبيب: العاقل.

266

وَ لَكِنَّهُمْ إِذَا ذَكَرُوا عَظَمَةَ اللَّهِ انْكَسَرَتْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ انْقَطَعَتْ أَفْئِدَتُهُمْ وَ طَاشَتْ عُقُولُهُمْ وَ تَاهَتْ حُلُومُهُمْ إِعْزَازاً لِلَّهِ وَ إِعْظَاماً وَ إِجْلَالًا فَإِذَا أَفَاقُوا مِنْ ذَلِكَ اسْتَبَقُوا إِلَى اللَّهِ بِالْأَعْمَالِ الزَّاكِيَةِ يَعُدُّونَ أَنْفُسَهُمْ مَعَ الظَّالِمِينَ وَ الْخَاطِئِينَ وَ أَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنَ الْمُقَصِّرِينَ وَ الْمُفَرِّطِينَ أَلَا إِنَّهُمْ لَا يَرْضَوْنَ اللَّهَ بِالْقَلِيلِ وَ لَا يَسْتَكْثِرُونَ لِلَّهِ الْكَثِيرَ وَ لَا يُدِلُّونَ عَلَيْهِ بِالْأَعْمَالِ فَهُمْ إِذَا رَأَيْتَهُمْ مُهَيَّمُونَ مُرَوَّعُونَ خَائِفُونَ مُشْفِقُونَ وَجِلُونَ فَأَيْنَ أَنْتُمْ مِنْهُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُبْتَدِعِينَ أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَعْلَمَ النَّاسِ بِالضَّرَرِ أَسْكَتُهُمْ عَنْهُ وَ أَنَّ أَجْهَلَ النَّاسِ بِالضَّرَرِ أَنْطَقُهُمْ فِيهِ.

بيان لا يدلون من قولهم أدلّ عليه أي أوثق بمحبته فأفرط عليه و الهيام الجنون من العشق.

- 31- كش، رجال الكشي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْهَمْدَانِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْخَشَّابِ عَنْ غَيْرِهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ الْخَثْعَمِيِّ قَالَ: اجْتَمَعَ ابْنُ سَالِمٍ وَ هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ وَ جَمِيلُ بْنُ دَرَّاجٍ وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَجَّاجِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمْرَانَ وَ سَعِيدُ بْنُ غَزْوَانَ وَ نَحْوٌ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِنَا فَسَأَلُوا هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ أَنْ يُنَاظِرَ هِشَامَ بْنَ سَالِمٍ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَ صِفَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ لِيَنْظُرُوا أَيُّهُمْ أَقْوَى حُجَّةً فَرَضِيَ هِشَامُ بْنُ سَالِمٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ وَ رَضِيَ هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ أَنْ يَتَكَلَّمَ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ هِشَامٍ فَتَكَالَمَا وَ سَاقَا مَا جَرَى بَيْنَهُمَا وَ قَالَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَجَّاجٍ لِهِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ كَفَرْتَ وَ اللَّهِ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَ أَلْحَدْتَ فِيهِ وَيْحَكَ مَا قَدَرْتَ أَنْ تُشَبِّهَ بِكَلَامِ رَبِّكَ إِلَّا الْعُودَ يُضْرَبُ بِهِ قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ فَكَتَبَ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى(ع)يَحْكِي لَهُ مُخَاطَبَتَهُمْ وَ كَلَامَهُمْ وَ يَسْأَلُهُ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ مَا الْقَوْلُ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَدِينَ اللَّهَ بِهِ مِنْ صِفَةِ الْجَبَّارِ فَأَجَابَهُ فِي عَرْضِ كِتَابِهِ فَهِمْتُ رَحِمَكَ اللَّهُ وَ اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ اللَّهَ أَجَلُّ وَ أَعْلَى وَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُبْلَغَ كُنْهُ صِفَتِهِ فَصِفُوهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَ كُفُّوا عَمَّا سِوَى ذَلِكَ.

32- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ الْيَقْطِينِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الثَّانِيَ(ع)عَنِ التَّوْحِيدِ فَقُلْتُ أَتَوَهَّمُ شَيْئاً فَقَالَ نَعَمْ غَيْرَ مَعْقُولٍ وَ لَا مَحْدُودٍ فَمَا وَقَعَ وَهْمُكَ عَلَيْهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَهُوَ خِلَافُهُ لَا يُشْبِهُهُ شَيْ‏ءٌ وَ لَا تُدْرِكُهُ الْأَوْهَامُ كَيْفَ تُدْرِكُهُ الْأَوْهَامُ وَ هُوَ خِلَافُ مَا يُعْقَلُ وَ خِلَافُ مَا يُتَصَوَّرُ فِي الْأَوْهَامِ إِنَّمَا يُتَوَهَّمُ شَيْ‏ءٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَ لَا مَحْدُودٍ.

267

بيان اعلم أن من المفهومات مفهومات عامة شاملة لا يخرج منها شي‏ء من الأشياء لا ذهنا و لا عينا كمفهوم الشي‏ء و الموجود و المخبر عنه و هذه معان اعتبارية يعتبرها العقل لكل شي‏ء إذا تقرر هذا فاعلم أن جماعة من المتكلمين ذهبوا إلى مجرد التعطيل و منعوا من إطلاق الشي‏ء و الموجود و أشباههما عليه محتجين بأنه لو كان شيئا شارك الأشياء في مفهوم الشيئية و كذا الموجود و غيره و ذهب إلى مثل هذا بعض معاصرينا فحكم بعدم اشتراك مفهوم من المفهومات بين الواجب و الممكن و بأنه لا يمكن تعقل ذاته و صفاته تعالى بوجه من الوجوه و بكذب جميع الأحكام الإيجابية عليه تعالى و يرد قولهم الأخبار السالفة و بناء غلطهم على عدم الفرق بين مفهوم الأمر و ما صدق عليه و بين الحمل الذاتي و الحمل العرضي و بين المفهومات الاعتبارية و الحقائق الموجودة.

فأجاب(ع)بأن ذاته تعالى و إن لم يكن معقولا لغيره و لا محدودا بحد إلا أنه مما يصدق عليه مفهوم شي‏ء لكن كل ما يتصور من الأشياء فهو بخلافه لأن كل ما يقع في الأوهام و العقول فصورها الإدراكية كيفيات نفسانية و أعراض قائمة بالذهن و معانيها مهيات كلية قابلة للاشتراك و الانقسام فهو بخلاف الأشياء (1).

باب 10 أدنى ما يجزي من المعرفة في التوحيد و أنه لا يعرف الله إلا به‏

1- يد، التوحيد ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُخْتَارِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُخْتَارٍ الْهَمْدَانِيِّ عَنِ الْفَتْحِ بْنِ يَزِيدَ الْجُرْجَانِيِّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ(ع)قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ أَدْنَى الْمَعْرِفَةِ فَقَالَ الْإِقْرَارُ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ وَ لَا شِبْهَ لَهُ وَ لَا نَظِيرَ لَهُ وَ أَنَّهُ قَدِيمٌ مُثْبَتٌ مَوْجُودٌ غَيْرُ فَقِيدٍ وَ أَنَّهُ‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ.

____________

(1) اعلم أن هذا الخبر و ما يساوقه في البيان من اخبار التوحيد من غرر الاخبار الواردة عن معادن العلم و الحكمة- (عليهم السلام)- و ما ذكره المصنّف في هذا البيان و ما يشابهه من البيانات متألفة من مقدمات كلامية أو فلسفية عاميّة غير وافية لإيضاح تمام المراد منها و إن لم تكن أجنبية عنها بالكلية، و لبيان لب المراد منها مقام آخر. ط.

268

بيان قوله(ع)موجود إما من الوجود أو من الوجدان أي معلوم و كذا قوله غير فقيد أي غير مفقود زائل الوجود أو لا يفقده الطالب و قيل أي غير مطلوب عند الغيبة حيث لا غيبة له.

2- يد، التوحيد ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) الدَّقَّاقُ عَنْ مُحَمَّدٍ الْأَسَدِيِّ عَنِ الْبَرْمَكِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ بَكْرِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُهْتَدِي قَالَ: سَأَلْتُ الرِّضَا(ع)عَنِ التَّوْحِيدِ فَقَالَ كُلُّ مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَ آمَنَ بِهَا فَقَدْ عَرَفَ التَّوْحِيدَ قُلْتُ كَيْفَ يَقْرَؤُهَا قَالَ كَمَا يَقْرَؤُهَا النَّاسُ وَ زَادَ فِيهِ كَذَلِكَ اللَّهُ رَبِّي كَذَلِكَ اللَّهُ رَبِّي كَذَلِكَ اللَّهُ رَبِّي.

3- يد، التوحيد الدَّقَّاقُ وَ الْوَرَّاقُ مَعاً عَنِ الصُّوفِيِّ عَنِ الرُّويَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْحَسَنِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى سَيِّدِي عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَلَمَّا بَصُرَ بِي قَالَ لِي مَرْحَباً بِكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ أَنْتَ وَلِيُّنَا حَقّاً قَالَ فَقُلْتُ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكَ دِينِي فَإِنْ كَانَ مَرْضِيّاً ثبتت [ثَبَتُّ عَلَيْهِ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَالَ هَاتِهَا أَبَا الْقَاسِمِ فَقُلْتُ إِنِّي أَقُولُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَاحِدٌ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ خَارِجٌ مِنَ الْحَدَّيْنِ حَدِّ الْإِبْطَالِ وَ حَدِّ التَّشْبِيهِ وَ إِنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَ لَا صُورَةٍ وَ لَا عَرَضٍ وَ لَا جَوْهَرٍ بَلْ هُوَ مُجَسِّمُ الْأَجْسَامِ وَ مُصَوِّرُ الصُّوَرِ وَ خَالِقُ الْأَعْرَاضِ وَ الْجَوَاهِرِ وَ رَبُّ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ مَالِكُهُ وَ جَاعِلُهُ وَ مُحْدِثُهُ وَ إِنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ فَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ أَقُولُ إِنَّ الْإِمَامَ وَ الْخَلِيفَةَ وَ وَلِيَّ الْأَمْرِ بَعْدَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ثُمَّ الْحَسَنُ ثُمَّ الْحُسَيْنُ ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ثُمَّ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ثُمَّ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثُمَّ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى ثُمَّ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ثُمَّ أَنْتَ يَا مَوْلَايَ فَقَالَ(ع)وَ مِنْ بَعْدِي الْحَسَنُ ابْنِي فَكَيْفَ لِلنَّاسِ بِالْخَلَفِ مِنْ بَعْدِهِ قَالَ فَقُلْتُ وَ كَيْفَ ذَلِكَ يَا مَوْلَايَ قَالَ لِأَنَّهُ لَا يُرَى شَخْصُهُ وَ لَا يَحِلُّ ذِكْرُهُ بِاسْمِهِ حَتَّى يَخْرُجَ فَيَمْلَأَ الْأَرْضَ قِسْطاً وَ عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَ جَوْراً قَالَ فَقُلْتُ أَقْرَرْتُ وَ أَقُولُ إِنَّ وَلِيَّهُمْ وَلِيُّ اللَّهِ وَ عَدُوَّهُمْ عَدُوُّ اللَّهِ وَ طَاعَتَهُمْ طَاعَةُ اللَّهِ وَ مَعْصِيَتَهُمْ مَعْصِيَةُ اللَّهِ وَ أَقُولُ إِنَّ الْمِعْرَاجَ حَقٌّ وَ الْمُسَاءَلَةَ فِي الْقَبْرِ حَقٌّ وَ إِنَ‏

269

الْجَنَّةَ حَقٌّ وَ النَّارَ حَقٌّ وَ الصِّرَاطَ حَقٌّ وَ الْمِيزَانَ حَقٌ‏ وَ أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ وَ أَقُولُ إِنَّ الْفَرَائِضَ الْوَاجِبَةَ بَعْدَ الْوَلَايَةِ الصَّلَاةُ وَ الزَّكَاةُ وَ الصَّوْمُ وَ الْحَجُّ وَ الْجِهَادُ وَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ(ع)يَا أَبَا الْقَاسِمِ هَذَا وَ اللَّهِ دِينُ اللَّهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ فَاثْبُتْ عَلَيْهِ ثَبَّتَكَ اللَّهُ‏ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ.

4- يد، التوحيد مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ عَمِّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْقُرَشِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْلَى الْكُوفِيِّ عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ(ص)فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي مِنْ غَرَائِبِ الْعِلْمِ قَالَ مَا صَنَعْتَ فِي رَأْسِ الْعِلْمِ حَتَّى تَسْأَلَ عَنْ غَرَائِبِهِ قَالَ الرَّجُلُ مَا رَأْسُ الْعِلْمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ وَ مَا مَعْرِفَةُ اللَّهِ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ قَالَ تَعْرِفُهُ بِلَا مِثْلٍ وَ لَا شِبْهٍ وَ لَا نِدٍّ وَ أَنَّهُ وَاحِدٌ أَحَدٌ ظَاهِرٌ بَاطِنٌ أَوَّلٌ آخِرٌ لَا كُفْوَ لَهُ وَ لَا نَظِيرَ فَذَلِكَ حَقُّ مَعْرِفَتِهِ.

بيان الندّ بالكسر المثل.

5- يد، التوحيد أَبِي وَ ابْنُ الْوَلِيدِ مَعاً عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ وَ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ مَعاً عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الطاحن [الطَّاحِيِّ عَنْ طَاهِرِ بْنِ حَاتِمِ بْنِ مَاهَوَيْهِ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى الطَّيِّبِ يَعْنِي أَبَا الْحَسَنِ(ع)مَا الَّذِي لَا يُجْتَزَأُ فِي مَعْرِفَةِ الْخَالِقِ جَلَّ جَلَالُهُ بِدُونِهِ فَكَتَبَ ع‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ لَمْ يَزَلْ سَمِيعاً وَ عَلِيماً وَ بَصِيراً وَ هُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ (1).

____________

(1) رواه الكليني في الكافي في باب أدنى المعرفة عن عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن طاهر بن حاتم في حال استقامته. اقول: قوله: فى حال استقامته إشارة إلى تغير حاله، لانه كان مستقيما ثمّ تغير و أظهر القول بالغلو، نص على ذلك الشيخ في الفهرست حيث قال: طاهر بن حاتم بن ماهويه كان مستقيما ثمّ تغير و أظهر القول بالغلو، و له روايات، أخبرنا برواياته حال استقامته جماعة عن محمّد بن على بن الحسين، عن أبيه، و محمّد بن الحسن، عن عبد اللّه بن جعفر الحميري، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن طاهر بن حاتم في حال استقامته. انتهى. و قال النجاشيّ: طاهر بن حاتم بن ماهويه القزوينى أخو فارس بن حاتم كان صحيحا ثمّ خلط عليه إلخ.

270

بيان المشهور أن الكاف زائدة و قيل أي ليس مثل مثله شي‏ء فيدل على نفي مثله بالكناية التي هي أبلغ لأنه مع وجود المثل يكون هو مثل مثله أو المعنى أنه ليس ما يشبه أن يكون مثلا له فكيف مثله حقيقة.

6- يد، التوحيد الدَّقَّاقُ عَنِ الْكُلَيْنِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنِّي نَاظَرْتُ قَوْماً فَقُلْتُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ أَكْرَمُ وَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُعْرَفَ بِخَلْقِهِ بَلِ الْعِبَادُ يُعْرَفُونَ بِاللَّهِ‏ (1) فَقَالَ رَحِمَكَ اللَّهُ.

7- يد، التوحيد أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمْرَانَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ السَّكَنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)اعْرِفُوا اللَّهَ بِاللَّهِ وَ الرَّسُولَ بِالرِّسَالَةِ وَ أُولِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَ الْعَدْلِ وَ الْإِحْسَانِ‏ (2).

8- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُقْبَةَ رَفَعَهُ قَالَ: سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ فَقَالَ بِمَا عَرَّفَنِي نَفْسَهُ قِيلَ‏

____________



(1) على صيغة المعلوم أي العباد يعرفون اللّه باللّه، أي يعرفون اللّه بتوفيقه و هدايته، أو بما وصف نفسه و عرفهم من الصفات اللائقة بجماله و جلاله، أو يكون الإشارة إلى البرهان المسمى ببرهان الصديقين الذي هو أشرف البراهين و أسدها، و هو الاستدلال به تعالى عليه، و الاستشهاد بذاته تعالى على صفاته، و بصفاته على أفعاله‏ «أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ». و لعله إليه أشار الامام زين العابدين (عليه السلام) بقوله: بك عرفتك و أنت دللتنى عليك، و دعوتنى إليك، و لو لا أنت لم أدر ما أنت. و بقوله: يا غفار بنورك اهتدينا. و تأتي هذه الاحتمالات في قوله: اعرفوا اللّه باللّه.

أو على صيغة المجهول و يكون المراد- على ما قيل- أنه تعالى لا يعرف حقّ المعرفة إلى خلقه و الاستدلال بهم عليه، بل الخلق يعرفون بنور ربهم، كما تعرف الذرات بنور الشمس دون العكس، و ليس نور اللّه في آفاق النفوس بأقل من نور الشمس في آفاق السماء، قال عزّ من قائل: «وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها» فضوؤه قاطع لرين أرباب الضمائر، و نوره ساطع في أبصار أصحاب البصائر.

(2) رواه الكليني في الكافي- في باب أنّه لا يعرف إلّا به- عن عليّ بن محمّد، عمن ذكره، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن حمران، عن الفضل بن السكن، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

و قال في ذيله: يعنى ان اللّه خلق الاشخاص و الأنوار و الجواهر و الأعيان. إلى آخر ما يأتي ذيل الخبر الآتي من الصدوق، و ظاهره أن المعنى من الكليني لا من الإمام (عليه السلام).

271

وَ كَيْفَ عَرَّفَكَ نَفْسَهُ فَقَالَ لَا تُشْبِهُهُ صُورَةٌ (1) وَ لَا يُحَسُّ بِالْحَوَاسِّ وَ لَا يُقَاسُ بِالنَّاسِ قَرِيبٌ فِي بُعْدِهِ بَعِيدٌ فِي قُرْبِهِ فَوْقَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ لَا يُقَالُ شَيْ‏ءٌ فَوْقَهُ أَمَامَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ لَا يُقَالُ لَهُ أَمَامٌ دَاخِلٌ فِي الْأَشْيَاءِ لَا كَشَيْ‏ءٍ فِي شَيْ‏ءٍ دَاخِلٍ وَ خَارِجٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ لَا كَشَيْ‏ءٍ مِنْ شَيْ‏ءٍ خَارِجٍ سُبْحَانَ مَنْ هُوَ هَكَذَا وَ لَا هَكَذَا غَيْرُهُ وَ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مَبْدَأٌ (2).

- سن، المحاسن بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ صَالِحِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سِمْعَانَ عَنْ أَبِي رُبَيْحَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)(3) رَفَعَهُ قَالَ: سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ ذَكَرَ مِثْلَهُ.

بيان قريب من حيث إحاطة علمه و قدرته بالكل في بعده أي مع بعده عن الكل من حيث المباينة في الذات و الصفات فظهر أن قربه ليس بالمكان بعيد عن إحاطة العقول و الأوهام و الأفهام به مع قربه حفظا و تربية و لطفا و رحمة و قد مرّ أنه يحتمل أن يكون إشارة إلى أن جهة قربه أي بالعلية و احتياج الكل إليه هي جهة بعده عن مشابهة مخلوقاته إذ الخالق لا يشابه المخلوق و كذا العكس فوق كل شي‏ء أي بالقدرة و القهر و الغلبة و بالكمال و الاتصاف بالصفات الحسنة و لا يقال شي‏ء فوقه في الأمرين و فيه إشعار بأنه ليس المراد به الفوقية بحسب المكان و إلا لأمكن أن يكون شي‏ء فوقه أمام كل شي‏ء أي علة كل شي‏ء و مقدم عليها و يحتاج إليه كل موجود و يتضرع إليه و يعبده كل مكلف أو كل شي‏ء متوجه نحوه في الاستكمال و التشبه به في صفاته الكمالية و

____________

(1) و في نسخة: لا يشبه صورة.

(2) و في نسخة: و لكل شي‏ء مبتدأ.

(3) هكذا في البحار و المحاسن المطبوعين. و الصحيح- كما في الكافي-: على بن عقبة بن قيس بن سمعان بن أبي ربيحة مولى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فالسند مصحف بتبديل «ابن» «بعن» في موضعين و تبديل «على» «بصالح». و ضبط عقبة بضم العين المهملة، و سكون القاف، و فتح الباء ثمّ الهاء. و اختلف في ضبط ربيحة. قال الفاضل المامقاني في رجاله: ربيحة بالراء المهملة المضمومة، و الباء الموحدة المفتوحة، و المثناة الساكنة، و الحاء المهملة المفتوحة، و الهاء. و في بعض النسخ: زنحة بالزاى و النون و الحاء المهملة، و عن بعض كتب الرجال: بريحة بالباء الموحدة ثمّ الراء المهملة، و قيل: إن نسخ الكافي في كتاب التوحيد: أبو بريحة بالباء الموحدة المضمومة، و الراء المفتوحة و الياء المثناة من تحت بعدها حاء مهملة، و كذا ضبطه في الإيضاح و قال: كذا وجدناها معربة في كتاب البرقي. انتهى.

272

الكلام في قوله و لا يقال له أمام كما مر داخل في الأشياء أي لا يخلو شي‏ء من الأشياء و لا جزء من الأجزاء عن تصرفه و حضوره العلمي و إفاضة فيضه و جوده عليه لا كدخول الجزء في الكل و لا كدخول العارض في المعروض و لا كدخول المتمكن في المكان خارج من الأشياء بتعالي ذاته عن ملابستها و مقارنتها و الاتصاف بصفتها و الايتلاف منها لا كخروج شي‏ء من شي‏ء بالبعد المكاني أو المحلي و قوله و لكل شي‏ء مبدأ أي علة في ذواتها و صفاتها كالتعليل لما سبق.

9- يد، التوحيد مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ الْفَارِسِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ النَّسَوِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الصُّغْدِيِّ بِمَرْوَ (1) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْحَكَمِ الْعَسْكَرِيِّ وَ أَخِيهِ مُعَاذِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ الْحَنْظَلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَيْسٍ عَنِ ابْنِ هَاشِمٍ الرُّمَّانِيِّ عَنْ زَاذَانَ‏ (2) عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ‏ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ يَذْكُرُ فِيهِ قُدُومَ الْجَاثَلِيقِ الْمَدِينَةَ مَعَ مِائَةٍ مِنَ النَّصَارَى وَ مَا سَأَلَ عَنْهُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يُجِبْهُ ثُمَّ أُرْشِدَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَسَأَلَهُ عَنْ مَسَائِلَ فَأَجَابَهُ عَنْهَا وَ كَانَ فِيمَا سَأَلَهُ أَنْ قَالَ لَهُ أَخْبِرْنِي عَرَفْتَ اللَّهَ بِمُحَمَّدٍ أَمْ عَرَفْتَ مُحَمَّداً بِاللَّهِ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)مَا عَرَفْتُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِمُحَمَّدٍ(ص)وَ لَكِنْ عَرَفْتُ مُحَمَّداً بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ حِينَ خَلَقَهُ وَ أَحْدَثَ فِيهِ الْحُدُودَ مِنْ طُولٍ وَ عَرْضٍ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ مُدَبَّرٌ مَصْنُوعٌ بِاسْتِدلَالٍ وَ إِلْهَامٍ مِنْهُ وَ إِرَادَةٍ كَمَا أَلْهَمَ الْمَلَائِكَةَ طَاعَتَهُ وَ عَرَّفَهُمْ نَفْسَهُ بِلَا شِبْهٍ وَ لَا كَيْفٍ.

و الحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة و حدثنا علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق (رحمه الله ) قال سمعت محمد بن يعقوب يقول معنى قوله اعرفوا الله بالله يعني أن الله عز و جل خلق الأشخاص و الألوان و الجواهر و الأعيان فالأعيان الأبدان و الجواهر الأرواح و هو جل و عز لا يشبه‏

____________

(1) قال الفيروزآبادي: صغد بالضم: موضع بسمرقند، و موضع ببخارا.

(2) بالزاى المعجمة و الالف و الذال المعجمة و الالف و النون، عده الشيخ من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) و قال: يكنى أبا عمرة الفارسيّ. و عدّه العلامة في خاتمة القسم الأوّل من الخلاصة من خواص أمير المؤمنين (عليه السلام) من مضر، و لكن كناه بأبي عمرو الفارسيّ.

273

جسما و لا روحا و ليس لأحد في خلق الروح الحساس الدراك أثر و لا سبب هو المتفرّد بخلق الأرواح و الأجسام فمن نفى عنه الشبهين شبه الأبدان و شبه الأرواح فقد عرف الله بالله و من شبهه بالروح أو البدن أو النور فلم يعرف الله بالله.

أقول قال الصدوق (رحمه الله ) في كتاب التوحيد القول الصواب في هذا الباب هو أن يقال عرفنا الله بالله‏ (1) لأنا إن عرفناه بعقولنا فهو عز و جل واهبها و إن عرفناه عز و جل بأنبيائه و رسله و حججه(ع)فهو عز و جل باعثهم و مرسلهم و متخذهم حججا و إن عرفناه بأنفسنا فهو عز و جل محدثنا فبه عرفناه‏

- وَ قَدْ قَالَ الصَّادِقُ(ع)لَوْ لَا اللَّهُ مَا عَرَفْنَاهُ وَ لَوْ لَا نَحْنُ مَا عُرِفَ اللَّهُ.

و معناه لو لا الحجج ما عرف الله حق معرفته و لو لا الله ما عرف الحجج و قد سمعت بعض أهل الكلام يقول لو أن رجلا ولد في فلاة من الأرض و لم ير أحدا يهديه و يرشده حتى كبر و عقل و نظر إلى السماء و الأرض لدله ذلك على أن لهما صانعا و محدثا فقلت إن هذا شي‏ء لم يكن و هو إخبار بما لم يكن أن لو كان كيف كان يكون و لو كان ذلك لكان لا يكون ذلك الرجل إلا حجة الله تعالى ذكره على نفسه كما في الأنبياء(ع)منهم من بعث إلى نفسه و منهم من بعث إلى أهله و ولده و منهم من بعث إلى أهل محلته و منهم من بعث إلى أهل بلده و منهم من بعث إلى الناس كافة.

و أما استدلال إبراهيم الخليل(ع)بنظره إلى الزهرة ثم إلى القمر ثم إلى الشمس و قوله‏ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ‏ فإنه(ع)كان نبيا ملهما مبعوثا مرسلا و كان جميع قوله إلى آخره بإلهام الله عز و جل إياه و ذلك قوله عز و جل‏ وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى‏ قَوْمِهِ‏ و ليس كل أحد كإبراهيم(ع)و لو استغنى في معرفة التوحيد بالنظر عن تعليم الله عز و جل و تعريفه لما أنزل الله عز و جل ما أنزل من قوله‏ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ‏ و من قوله‏ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إلى آخره و من قوله‏ بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ إلى قوله‏ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ و آخر الحشر و غيرها من آيات التوحيد.

____________

(1) سيجي‏ء حقّ معنى معرفة اللّه باللّه في رواية عبد الأعلى على نحو الإشارة، و أمّا ما ذكره (رحمه الله ) زعما منه أن المعرفة مستندة إلى اللّه و ليست بمكتسبة فبمعزل عن مراد الرواية. ط.

274

تبيين و تحقيق‏

اعلم أن هذه الأخبار لا سيما خبر ابن السكن تحتمل وجوها.

الأول‏

أن يكون المراد بالمعرّف به ما يعرف الشي‏ء به بأنه هو هو فمعنى اعرفوا الله بالله اعرفوه بأنه هو الله مسلوبا عنه جميع ما يعرف به الخلق من الجواهر و الأعراض و مشابهته شي‏ء منها و هذا هو الذي ذكره الكليني (رحمه الله ) و على هذا فمعنى قوله و الرسول بالرسالة معرفة الرسول بأنه أرسل بهذه الشريعة و هذه الأحكام و هذا الدين و هذا الكتاب و معرفة كل من أولي الأمر بأنه الآمر بالمعروف و العالم العامل به و بالعدل أي لزوم الطريقة الوسطى في كل شي‏ء و الإحسان أي الشفقة على خلق الله و التفضل عليهم و دفع الظلم عنهم أو المعنى اعرفوا الله بالله أي بما يناسب ألوهيته من التنزيه و التقديس و الرسول بما يناسب رسالته من العصمة و الفضل و الكمال و أولي الأمر بما يناسب درجتهم العالية التي هي الرئاسة العامة للدنيا و الدين و بما يحكم العقل به من اتصاف صاحب تلك الدرجة القصوى به من العلم و العصمة و الفضل و المزية على من سواه و يحتمل أن يكون الغرض عدم الخوض في معرفته تعالى و رسوله و حججه بالعقول الناقصة فينتهي إلى نسبة ما لا يليق به تعالى إليه و إلى الغلو في أمر الرسول و الأئمة (صلوات الله عليهم).

و على هذا يحتمل وجهين الأول أن يكون المراد اعرفوا الله بعقولكم بمحض أنه خالق إله و الرسول بأنه رسول أرسله الله إلى الخلق و أولي الأمر بأنه المحتاج إليه لإقامة المعروف و العدل و الإحسان ثم عولوا في صفاته تعالى و صفات حججه(ع)على ما بينوا و وصفوا لكم من ذلك و لا تخوضوا فيها بعقولكم و الثاني أن يكون المعنى اعرفوا الله بما وصف لكم في كتابه و على لسان نبيه و الرسول بما أوضح لكم من وصفه في رسالته إليكم و الإمام بما بين لكم من المعروف و العدل و الإحسان كيف اتصف بتلك الأوصاف و الأخلاق الحسنة و يحتمل الأخيرين [الأخيران وجها ثالثا و هو أن يكون المراد لا تعرفوا الرسول بما يخرج به عن الرسالة إلى درجة الألوهية و كذا الإمام.

الثاني‏

أن يكون المراد بما يعرف به ما يعرف باستعانته من قوى النفس العاقلة و المدركة و ما يكون بمنزلتها و يقوم مقامها فمعنى اعرفوا الله بالله اعرفوه بنور الله المشرق‏

275

على القلوب بالتوسل إليه و التقرب به فإن العقول لا تهتدي إليه إلا بأنوار فيضه تعالى و اعرفوا الرسول بتكميله إياكم برسالته و بمتابعته فيما يؤدي إليكم من طاعة ربكم فإنها توجب الروابط المعنوية بينكم و بينه و على قدر ذلك يتيسر لكم من معرفته و كذا معرفة أولي الأمر إنما تحصل بمتابعتهم في المعروف و العدل و الإحسان و باستكمال العقل بها.

الثالث‏

أن يكون المراد ما يعرف بها من الأدلة و الحجج فمعنى اعرفوا الله بالله أنه إنما تتأتى معرفته لكم بالتفكر فيما أظهر لكم من آثار صنعه و قدرته و حكمته بتوفيقه و هدايته لا بما أرسل به الرسول من الآيات و المعجزات فإن معرفتها إنما تحصل بعد معرفته تعالى و اعرفوا الرسول بالرسالة أي بما أرسل به من المعجزات و الدلائل أو بالشريعة المستقيمة التي بعث بها فإنها لانطباقها على قانون العدل و الحكمة يحكم العقل بحقية من أرسل بها و اعرفوا أولي الأمر بعلمهم بالمعروف و إقامة العدل و الإحسان و إتيانهم بها على وجهها و هذا أقرب الوجوه و يؤيده خبر سلمان و كذا خبر ابن حازم إذ الظاهر أن المراد به أن وجوده تعالى أظهر الأشياء و به ظهر كل شي‏ء و قد أظهر الآيات للخلق على وجوده و علمه و قدرته و أظهر المعجزات حتى علم بذلك حقية حججه(ع)فالعباد معروفون به و لا يحتاج في معرفة وجوده إلى بيان أحد من خلقه و يمكن أن يقرأ يعرفون على بناء المعلوم أيضا.

و أما ما ذكره الصدوق (رحمه الله ) فيرجع إلى أن المعنى أن جميع ما يعرف الله به ينتهي إليه سبحانه و يرد عليه أنه على هذا تكون معرفة الرسول و أولي الأمر أيضا بالله فما الفرق بينهما و بين معرفة الله في ذلك و أيضا لا يلائمه قوله اعرفوا الله بالله إلا أن يقال الفرق باعتبار أصناف المعرفة فالمعرفة بالرسالة صنف من المعرفة بالله و المعرفة بالمعروف صنف آخر منها و معرفة الله فيها أصناف لا اختصاص لها بصنف و المراد باعرفوا الله بالله حصلوا معرفة الله التي تحصل بالله هكذا حققه بعض الأفاضل ثم إن في كلامه تشويشا و تناقضا و لعل مراده أخيرا نفي معرفة صفاته الكمالية حق معرفتها بدون إرسال الرسل و نصب الحجج إلا أن التصديق بوجوده تعالى يتوقف على ذلك و إن كان بعض كلماته يدل عليه.

276

باب 11 الدين الحنيف و الفطرة و صبغة الله و التعريف في الميثاق‏

الآيات البقرة صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَ نَحْنُ لَهُ عابِدُونَ‏ الروم‏ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏

1- مع، معاني الأخبار أَبِي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ‏ فَقُلْتُ مَا الْحَنِيفِيَّةُ قَالَ هِيَ الْفِطْرَةُ (1).

بيان أي الملّة الحنيفية هي التوحيد الذي فطر الله الخلق عليه و يومئ إليه قوله تعالى‏ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ‏ و اختلف في معنى ذلك الفطرة فقيل المعنى أنه خلقهم على نوع من الجبلة و الطبع المتهيأ لقبول الدين فلو ترك عليها لاستمرّ على لزومها و لم يفارقها إلى غيرها و إنما يعدل عنه من يعدل لآفة من الآفات و تقليد الآباء و الأمهات و قيل كلهم مفطورون على معرفة الله و الإقرار به فلا تجد أحدا إلا و هو يقرّ بأن الله تعالى صانع له و إن سماه بغير اسمه أو عبد معه غيره و قيل المعنى أنه خلقهم لها لأنه خلق كل الخلق لأن يوحدوه و يعبدوه قال الجزري فيه خلقت عبادي حنفاء أي طاهري الأعضاء من المعاصي لا أنه خلقهم كلهم مسلمين لقوله تعالى‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ‏ و قيل أراد خلقهم حنفاء مؤمنين لما أخذ عليهم الميثاق‏ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ فلا يوجد أحد إلا و هو مقرّ بأن له ربّا و إن أشرك به و الحنفاء جمع‏

____________

(1) الظاهر أنّه متحد مع الحديث الآتي تحت الرقم 11 و 12.

277

حنيف و هو المائل إلى الإسلام الثابت عليه و الحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم و أصل الحنف الميل انتهى.

أقول الذي يظهر من الأخبار هو أن الله تعالى قرر عقول الخلق على التوحيد و الإقرار بالصانع في بدء الخلق عند الميثاق فقلوب جميع الخلق مذعنة بذلك و إن جحدوه معاندة و سيأتي تمام الكلام في ذلك في كتاب العدل إن شاء الله تعالى.

2 فس، تفسير القمي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فِي قَوْلِهِ‏ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً قَالَ الْوَلَايَةُ.

3 فس، تفسير القمي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَكَرِيَّا عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرُّمَّانِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا (صلوات الله عليه) عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)فِي قَوْلِهِ‏ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها قَالَ هُوَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ(ص)عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِلَى هَاهُنَا التَّوْحِيدُ.

4- يد، التوحيد أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ عَلَاءِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها قَالَ التَّوْحِيدُ.

- 5- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ هَاشِمٍ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قُلْتُ‏ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها قَالَ التَّوْحِيدُ.

6- يد، التوحيد بِالْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ هَاشِمٍ وَ ابْنِ يَزِيدَ مَعاً عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ (1) عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها قَالَ فَطَرَهُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ (2).

يد، التوحيد أبي عن علي عن أبيه عن ابن فضال عن أبي جميلة عن محمد الحلبي عن أبي عبد الله(ع)مثله‏

____________

(1) في التوحيد المطبوع: بكير عن زرارة، و الظاهر أنّه غير صحيح.

(2) الظاهر اتّحاده مع ما يأتي تحت رقم 8 و 10 و 13.

278

- سن، المحاسن ابن فضال عن ابن بكير عن زرارة مثله.

- 7- يد، التوحيد ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْيَقْطِينِيِّ عَنْ يُونُسَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها مَا تِلْكَ الْفِطْرَةُ قَالَ هِيَ الْإِسْلَامُ فَطَرَهُمُ اللَّهُ حِينَ أَخَذَ مِيثَاقَهُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ فَقَالَ‏ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ‏ وَ فِيهِمُ الْمُؤْمِنُ وَ الْكَافِرُ.

8- يد، التوحيد أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَحْمَدَ وَ عَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ ابْنِ رِئَابٍ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها قَالَ فَطَرَهُمْ جَمِيعاً عَلَى التَّوْحِيدِ.

9- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حصان [حَسَّانَ‏ (1) عَنِ الْحَسَنِ بْنِ يُونُسَ‏ (2) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ (3) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها قَالَ التَّوْحِيدُ وَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ.

ير، بصائر الدرجات أحمد بن موسى عن الخشاب عن علي بن حسان عن عبد الرحمن بن كثير مثله.

10- يد، التوحيد أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ(ع)أَصْلَحَكَ اللَّهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي كِتَابِهِ‏ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها قَالَ فَطَرَهُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ عِنْدَ الْمِيثَاقِ عَلَى مَعْرِفَتِهِ أَنَّهُ رَبُّهُمْ قُلْتُ وَ خَاطَبُوهُ قَالَ فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَمْ يَعْلَمُوا مَنْ رَبُّهُمْ وَ لَا مَنْ رَازِقُهُمْ.

____________

(1) هو عليّ بن حسان الواسطى كما في التوحيد المطبوع، و سيأتي الحديث عنه عن عبد الرحمن بن كثير تحت رقم 19. و ستأتى ترجمته هاهنا.

(2) عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (عليه السلام) و ظاهره كونه إماميا.

(3) مولى عبّاس بن محمّد بن عليّ بن عبد اللّه بن العباس، كان ضعيفا، غمز أصحابنا عليه، و قالوا: كان يضع الحديث، له كتاب فضائل سورة إنا أنزلناه، و كتاب صلح الحسن (عليه السلام). و كتاب فدك، و كتاب الاظلة كتاب فاسد مختلط. قاله النجاشيّ. و استظهر الوحيد البهبهانى وثاقته من رواية الثقاة كتبه و ايراد المشايخ رواياته في كتب الاخبار و اعتناؤهم بها فتأمل.

279

11- يد، التوحيد أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ هَاشِمٍ وَ ابْنِ أَبِي الْخَطَّابِ وَ ابْنِ يَزِيدَ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ‏ وَ عَنِ الْحَنِيفِيَّةِ فَقَالَ هِيَ الْفِطْرَةُ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ‏ قَالَ فَطَرَهُمُ اللَّهُ عَلَى الْمَعْرِفَةِ قَالَ زُرَارَةُ وَ سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ‏ وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ‏ الْآيَةَ قَالَ أَخْرَجَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ ذُرِّيَّتَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَخَرَجُوا كَالذَّرِّ فَعَرَّفَهُمْ وَ أَرَاهُمْ صُنْعَهُ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ رَبَّهُ وَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ يَعْنِي عَلَى الْمَعْرِفَةِ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَالِقُهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ‏ وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏.

- 12- سن، المحاسن أَبِي عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)مِنْ قَوْلِ اللَّهِ‏ حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ‏ مَا الْحَنِيفِيَّةُ قَالَ هِيَ الْفِطْرَةُ الَّتِي‏ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها فَطَرَ اللَّهُ الْخَلْقَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ‏ (1).

13- سن، المحاسن أَبِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ نُعْمَانَ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها قَالَ فَطَرَهُمْ عَلَى مَعْرِفَتِهِ أَنَّهُ رَبُّهُمْ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَمْ يَعْلَمُوا إِذَا سُئِلُوا مَنْ رَبُّهُمْ وَ لَا مَنْ رَازِقُهُمْ‏ (2).

14- سن، المحاسن الْمُحَسِّنُ بْنُ أَحْمَدَ (3) عَنْ أَبَانٍ الْأَحْمَرِ (4) عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْأَحْوَلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: عُرْوَةُ اللَّهِ الْوُثْقَى التَّوْحِيدُ وَ الصِّبْغَةُ الْإِسْلَامُ.

____________

(1) الظاهر اتّحاده مع صدر الحديث المتقدم.

(2) الظاهر اتّحاد ذلك مع ما تقدم تحت رقم 6 و 8 و 10.

(3) محسن بفتح السين المشددة كما في المحكى من الإيضاح، و بكسرها كما في المحكى عن تاج العروس هو محسن بن أحمد البجليّ يكنى أبا محمد؛ أورده الشيخ في رجاله في أصحاب الرضا (عليه السلام)، و قال النجاشيّ: محسن بن أحمد القيسى من موالى قيس عيلان، روى عن الرضا (عليه السلام)، أخبرنا محمّد بن محمّد قال: حدّثنا أحمد بن محمّد الزرارى، عن عليّ بن الحسن السعدآبادي، عن أحمد بن محمّد ابن خالد، عن محسن بن أحمد بكتابه. انتهى. و ظاهرهما كون الرجل إماميا.

(4) هو أبان بن عثمان الأحمر البجليّ أبو عبد اللّه، عده الكشّيّ من الذين اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم.

280

بيان قال البيضاوي في قوله تعالى‏ صِبْغَةَ اللَّهِ‏ أي صبغنا الله صبغته و هي فطرة الله التي فطر الناس عليها فإنها حلية الإنسان كما أن الصبغة حلية المصبوغ أو هدانا هدايته و أرشدنا حجته أو طهر قلوبنا بالإيمان تطهيره و سماه صبغة لأنه ظهر أثره عليهم ظهور الصبغ على المصبوغ و تداخل قلوبهم تداخل الصبغ الثوب أو للمشاكلة فإن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه العمودية و يقولون هو تطهير لهم و به تحقق نصرانيتهم‏ (1).

15- مع، معاني الأخبار أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ فَضَالَةَ عَنْ أَبَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً قَالَ هِيَ الْإِسْلَامِ.

16- سن، المحاسن ابْنُ فَضَّالٍ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ‏ وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ قَالَ ثَبَتَتِ الْمَعْرِفَةُ فِي قُلُوبِهِمْ وَ نَسَوُا الْمَوْقِفَ وَ سَيَذْكُرُونَهُ يَوْماً وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَمْ يَدْرِ أَحَدٌ مَنْ خَالِقُهُ وَ لَا مَنْ رَازِقُهُ.

17- سن، المحاسن الْبَزَنْطِيُّ عَنْ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ‏ وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ قَالَ نَعَمْ لِلَّهِ الْحُجَّةُ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ أَخَذَهُمْ يَوْمَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ هَكَذَا وَ قَبَضَ يَدَهُ.

18- شف، كشف اليقين مِنْ كِتَابِ الْقَاضِي الْقَزْوِينِيِّ عَنْ هَارُونَ بْنِ مُوسَى التَّلَّعُكْبَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ عَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنِ ابْنِ يَزِيدَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ‏ (2) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ‏

____________

(1) قال الشيخ الطوسيّ في كتابه التبيان- بعد ذكر ذلك المعنى من الفراء-: و قال قتادة: اليهود تصبغ أبناءها يهودا، و النصارى تصبغ أبناءها نصارى. فهذا غير المعنى الأول، و انما معناه أنهم يلقنون أولادهم اليهودية و النصرانية فيصبغونهم بذلك لما يشربون قلوبهم منه، فقيل: صبغة اللّه التي أمر بها و رضيها يعنى الشريعة لا صبغتكم. و قال الجبّائيّ: سمى الدين صبغة لانه هيئة تظهر بالمشاهدة من أثر الطهارة و الصلاة و غير ذلك من الآثار الجميلة التي هي كالصبغة.

(2) هو عليّ بن حسان بن كثير الهاشمى مولى عبّاس بن محمّد بن عليّ بن عبد اللّه بن العباس ابن أخى عبد الرحمن بن كثير، قال النجاشيّ: ضعيف جدا، ذكره بعض أصحابنا في الغلاة، فاسد الاعتقاد له كتاب تفسير الباطن تخليط كله. انتهى. و حكى عن ابن الغضائري أنّه لا يروى إلّا عن عمه. أقول:

الظاهر اتّحاد الحديث مع ما تقدم في الباب تحت الرقم 10 و تقدم ترجمة عبد الرحمن هاهنا.

281

كَثِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها قَالَ هِيَ التَّوْحِيدُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ أَنَّ عَلِيّاً أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع.

19- شي، تفسير العياشي عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ حُمْرَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: الصِّبْغَةُ الْإِسْلَامُ.

20- شي، تفسير العياشي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ‏ صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً قَالَ الصِّبْغَةُ مَعْرِفَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)بِالْوَلَايَةِ فِي الْمِيثَاقِ.

21- شي، تفسير العياشي عَنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ الْحَنِيفِيَّةَ هِيَ الْإِسْلَامُ.

22- غو، غوالي اللئالي قَالَ النَّبِيُّ(ص)كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَّى يَكُونَ أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَ يُنَصِّرَانِهِ‏ (1).

بيان قال السيد المرتضى (رحمه الله ) في كتاب الغرر و الدرر بعد نقل بعض التأويلات عن المخالفين في هذا الخبر و الصحيح في تأويله أن قوله يولد على الفطرة يحتمل أمرين أحدهما أن تكون الفطرة هاهنا الدين و يكون على بمعنى اللام فكأنه قال كل مولود يولد للدين و من أجل الدين لأن الله تعالى لم يخلق من يبلغه مبلغ المكلفين إلا ليعبده فينتفع بعبادته يشهد بذلك قوله تعالى‏ وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏ و الدليل على أن على يقوم مقام اللام ما حكاه يعقوب بن السكيت عن أبي يزيد عن العرب أنهم يقولون صف علي كذا و كذا حتى أعرفه بمعنى صف لي و يقولون ما أغبطك علي يريدون ما أغبطك لي و العرب تقيم بعض الصفات مقام بعض و إنما ساغ أن يريد بالفطرة التي هي الخلقة في اللغة الدين من حيث كان هو المقصود بها و قد يجري على الشي‏ء اسم ما له به هذا الضرب من التعلق و الاختصاص و على هذا يتأول قوله تعالى‏ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها أراد دين الله‏

____________

(1) رواه السيّد المرتضى في أول الجزء الرابع من أماليه مرسلا عن أبي هريرة عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله). و رواه أبو يعلى في مسنده و الطبراني في الكبير و البيهقيّ في السنن عن الأسود بن سريع و اللفظ هكذا: كل مولود يولد على الفطرة حتّى يعرب عنه لسانه فأبواه يهودانه إلخ قاله السيوطي في ج 2(ص)94 من الجامع الصغير.

282

الذي خلق الخلق له و قوله تعالى‏ لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ‏ أراد به أن ما خلق الله العباد له من العبادة و الطاعة ليس مما يتغير و يختلف حتى يخلق قوما للطاعة و آخرين للمعصية و يجوز أن يريد بذلك الأمر و إن كان ظاهره ظاهر الخبر فكأنه قال لا تبدلوا ما خلقكم الله له من الدين و الطاعة بأن تعصوا و تخالفوا.

و الوجه الآخر في تأويل قوله(ع)الفطرة أن يكون المراد به الخلقة و تكون لفظة على على ظاهرها لم يرد بها غيره و يكون المعنى كل مولود يولد على الخلقة الدالة على وحدانية الله تعالى و عبادته و الإيمان به لأنه جل و عز قد صور الخلق و خلقهم على وجه يقتضي النظر فيه معرفته و الإيمان به و إن لم ينظروا و يعرفوا فكأنه(ع)قال كل مخلوق و مولود فهو يدل بخلقته و صورته على عبادة الله تعالى و إن عدل بعضهم فصار يهوديا أو نصرانيا و هذا الوجه أيضا يحتمله قوله تعالى‏ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها و إذا ثبت ما ذكرناه في معنى الفطرة فقوله عليه الصلاة و السلام حتى يكون أبواه يهودانه و ينصرانه يحتمل وجهين أحدهما أن من كان يهوديا أو نصرانيا ممن خلقته لعبادتي و ديني فإنما جعله أبواه كذلك أو من جرى مجراهما ممن أوقع له الشبهة و قلده الضلال عن الدين و إنما خص الأبوين لأن الأولاد في الأكثر ينشئون على مذاهب آبائهم و يألفون أديانهم و نحلهم و يكون الغرض بالكلام تنزيه الله تعالى عن ضلال العباد و كفرهم و أنه إنما خلقهم للإيمان فصدهم عنه آباؤهم أو من جرى مجراهم و الوجه الآخر أن يكون معنى يهودانه و ينصرانه أي يلحقانه بأحكامهما لأن أطفال أهل الذمة قد ألحق الشرع أحكامهم بأحكامهم فكأنه(ع)قال لا تتوهموا من حيث لحقت أحكام اليهود و النصارى أطفالهم أنهم خلقوا لدينهم بل لم يخلقوا إلا للإيمان و الدين الصحيح لكن آباؤهم هم الذين أدخلوهم في أحكامهم و عبر عن إدخالهم في أحكامهم بقوله يهودانه و ينصرانه.

283

باب 12 إثبات قدمه تعالى و امتناع الزوال عليه‏

1- لي، الأمالي للصدوق ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ السَّعْدَآبَادِيِّ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنِ الْبَزَنْطِيِ‏ (1) عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْمَوْصِلِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ: جَاءَ حِبْرٌ مِنَ الْأَحْبَارِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَتَى كَانَ رَبُّكَ فَقَالَ لَهُ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ وَ مَتَى لَمْ يَكُنْ حَتَّى يُقَالَ مَتَى كَانَ كَانَ رَبِّي قَبْلَ الْقَبْلِ بِلَا قَبْلٍ وَ يَكُونُ بَعْدَ الْبَعْدِ بِلَا بَعْدٍ وَ لَا غَايَةَ وَ لَا مُنْتَهَى لِغَايَتِهِ انْقَطَعَتِ الْغَايَاتُ عَنْهُ فَهُوَ مُنْتَهَى كُلِّ غَايَةٍ.

- ج، الإحتجاج مُرْسَلًا بِزِيَادَةِ قَوْلِهِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَ فَنَبِيٌّ أَنْتَ فَقَالَ وَيْلَكَ إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِ مُحَمَّدٍ ص.

- يد، التوحيد بالإسناد المتقدم‏ مع تلك الزيادة و قال الصدوق بعده يعني بذلك عبد طاعة لا غير ذلك.

بيان لما كان متى كان سؤالا عن الزمان المخصوص من بين الأزمنة لوجوده و لا يصح فيما لا اختصاص لزمان به أجابه(ع)بقوله متى لم يكن حتى يقال متى كان و نبه على بطلان الاختصاص الذي أخذ في السؤال ثم بين(ع)سرمديته فقال كان ربي قبل القبل أي هو قبل كل ما هو قبل شي‏ء و لا قبل بالنسبة إليه و بعد كل ما هو بعد شي‏ء و لا شي‏ء بعده أو هو قبل الموصوف بالقبلية و البعدية لذاته أي الزمان و بعده بلا زمان إذ هو مبدأ كل شي‏ء و غاية له و الغاية نهاية الامتداد و قد يطلق على نفس الامتداد و المعنى أنه لا غاية لوجوده و سائر كمالاته أزلا و أبدا و لعل المراد بها ثانيا نفس الامتداد أي ليس لما يتوهم له من الامتداد نهاية.

____________

(1) في بعض نسخ الكافي: عن أبي إبراهيم، عن أبي الحسن الموصلى. و لعله كان بدلا عن أبي الحسن، لان المكرر في أسناد الكافي رواية البزنطى عن أبي الحسن الموصلى بدون واسطة، و لم نعرف لابى الحسن هذا اسما، و احتمال كونه كنية لعبد العزيز بن عبد اللّه بن يونس الموصلى لا يلائم رواية التلعكبرى عنه، و سماعه منه في سنة ست و عشرين و ثلاثمائة، مع كون الرجل راويا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

284

و يحتمل أن يكون المراد بها أولا أيضا الامتداد فيكون مجرورا أي بلا امتداد زماني و يحتمل أن يكون المراد بها ثانيا أيضا النهاية أي كل ما توهمت أنه غاية له فهو موجود بعده و لا ينتهي إليه وجوده فكل غاية أي امتداد أو نهاية ينقطع عنه لوجوده تعالى قبله و بعده فهو منتهى كل غاية أي بعدها أو هو علة لها و إليه ينتهي وجودها فكيف تكون غاية له و يحتمل أن يكون المراد بالغايات نهايات أفكار العارفين فإنها منقطعة عنه لا تصل إليه و بكونه منتهى كل غاية أنه منتهى رغبات الخلائق و حاجاتهم و يمكن أن يحمل الغاية في الأخيرتين على العلة الغائية أيضا و الله يعلم.

2- مع، معاني الأخبار ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ مَيْمُونٍ الْبَانِ‏ (1) قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ جَلَّ وَ عَزَّ هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ فَقَالَ الْأَوَّلُ لَا عَنْ أَوَّلٍ قَبْلَهُ وَ لَا عَنْ بَدْءٍ سَبَقَهُ وَ آخِرٌ لَا عَنْ نِهَايَةٍ كَمَا يُعْقَلُ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَ لَكِنْ قَدِيمٌ أَوَّلٌ آخِرٌ لَمْ يَزَلْ وَ لَا يَزَالُ بِلَا بَدْءٍ وَ لَا نِهَايَةٍ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْحُدُوثُ وَ لَا يُحَوَّلُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ خَالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ.

بيان لا عن أول قبله أي لا مبتدأ عن أول يكون قبله زمانا و لا عن بدء على وزن فعل أو بدي‏ء على وزن فعيل أي مبتدإ سبقه رتبة بالعلية و قوله لا عن نهاية أي لا معها مجازا و يحتمل أن تكون عن تعليلية أي ليست آخريته بسبب أن له نهاية بعد نهاية غيره و قوله لا يقع عليه الحدوث ناظر إلى الأول و قوله(ع)و لا يحول من حال إلى حال ناظر إلى الآخر أي آخريته بأنه أبدي بجميع صفاته لا يعتريه تغير في شي‏ء من ذلك و سيأتي تحقيقه في باب الأسماء.

3- ج، الإحتجاج‏ سَأَلَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)قَالَ أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَتَى كَانَ فَقَالَ لَهُ وَيْلَكَ أَخْبِرْنِي أَنْتَ مَتَى لَمْ يَكُنْ حَتَّى أُخْبِرَكَ مَتَى كَانَ‏ (2) سُبْحَانَ مَنْ‏

____________



(1) بالباء الموحدة و الالف و النون المخففة، عده الشيخ في رجاله من أصحاب السجّاد و الصادقين (عليهم السلام)، و ظاهره كونه اماميا الا أنّه مجهول.

(2) لان ما يصحّ أن يسأل عن وجوده «بمتى» يصح أن يسأل عن عدمه أيضا بذلك، فما لا يصحّ أن يسأل عن عدمه بمتى، لا يصحّ أن يسأل عن وجوده أيضا بذلك. و اللّه تبارك و تعالى حيث لم يكن زمانيا- بل يكون وجوده أزليا غير مسبوق بالعدم و أبديا غير ملحوق به- فلا يصحّ أن يسأل عن وجوده أو عدمه بمتى.

285

لَمْ يَزَلْ وَ لَا يَزَالُ فَرْداً صَمَداً لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَ لَا وَلَداً.

يد، التوحيد أبي عن سعد عن ابن عيسى عن ابن محبوب عن الثمالي‏ مثله- فس، تفسير القمي أبي عن ابن محبوب عن الثمالي عن أبي الربيع‏ مثله.

4- يد، التوحيد أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ حَارِثٍ‏ (1) عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: أَخْرَجَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)حُقّاً (2) فَأَخْرَجَ مِنْهُ وَرَقَةً فَإِذَا فِيهَا سُبْحَانَ الْوَاحِدِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ‏ (3) الْقَدِيمُ الْمُبْدِئُ الَّذِي لَا بَدْءَ لَهُ الدَّائِمُ الَّذِي لَا نَفَادَ لَهُ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ الْخَالِقُ مَا يُرَى وَ مَا لَا يُرَى الْعَالِمُ كُلَّ شَيْ‏ءٍ بِغَيْرِ تَعْلِيمٍ ذَلِكَ اللَّهُ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ.

- 5- يد، التوحيد ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ قَالَ: كَتَبَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)إِلَى رَجُلٍ بِخَطِّهِ وَ قَرَأْتُهُ فِي دُعَاءٍ كَتَبَ بِهِ أَنْ يَقُولَ يَا ذَا الَّذِي كَانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ ثُمَّ خَلَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ ثُمَّ يَبْقَى وَ يَفْنَى كُلُّ شَيْ‏ءٍ وَ يَا ذَا الَّذِي لَيْسَ فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَى وَ لَا فِي الْأَرَضِينَ السُّفْلَى وَ لَا فَوْقَهُنَّ وَ لَا بَيْنَهُنَّ وَ لَا تَحْتَهُنَّ إِلَهٌ يُعْبَدُ غَيْرُهُ.

6- يد، التوحيد مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْمُذَكِّرُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَلَمَةَ اللبقي‏ (4) [اللِّيفِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ‏ (5) عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ قَالَ: جَاءَ يَهُودِيٌّ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَتَى كَانَ رَبُّنَا قَالَ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ(ع)إِنَّمَا يُقَالُ مَتَى كَانَ لِشَيْ‏ءٍ لَمْ يَكُنْ فَكَانَ وَ رَبُّنَا هُوَ كَائِنٌ بِلَا كَيْنُونَةِ كَائِنٍ كَانَ بِلَا كَيْفٍ يَكُونُ كَانَ لَمْ‏

____________



(1) لم نجد له ذكرا في كتب التراجم.

(2) في القاموس الحقه- بالضم-: وعاء من خشب.

(3) و في نسخة: فاذا فيها سبحان اللّه الواحد الذي لا إله غيره.

(4) في التوحيد المطبوع: على بن سلمة الليفى.

(5) الاسناد في التوحيد المطبوع هكذا: إسماعيل بن يحيى بن عبد اللّه، عن عبد اللّه بن طلحة بن هجيم قال: حدّثنا ابن (أبو) سنان (أبو سفيان) الشيباني سعيد بن سنان إلخ أقول: رجال الحديث كلها من العامّة.

286

يَزَلْ بِلَا لَمْ يَزَلْ وَ بِلَا كَيْفٍ يَكُونُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَيْسَ لَهُ قَبْلٌ هُوَ قَبْلَ الْقَبْلِ بِلَا قَبْلٍ وَ بِلَا غَايَةٍ وَ لَا مُنْتَهَى غَايَةٍ وَ لَا غَايَةٍ إِلَيْهَا غَايَةٌ انْقَطَعَتِ الْغَايَاتُ عَنْهُ فَهُوَ غَايَةُ كُلِّ غَايَةٍ.

بيان بلا كينونة كائن أي كان و لم يحدث حادث بعد أو لا على نحو حدوث الحوادث قال الفيروزآبادي الكون الحدث كالكينونة قوله بلا كيف يكون أي صفة موجودة زائدة و لعل الوصف بقوله يكون للإشعار بأنه إذا كان له كيف يكون حادثا لا محالة قوله(ع)بلا لم يزل أي بلا زمان قديم موجود يسمى بلم يزل ليكون معه قديما ثانيا و قوله(ع)ثانيا بلا كيف يكون تأكيد لما سبق و يحتمل أن يكون الأول لنفي الكيفيات الجسمانية أو الحادثة و الثاني لنفي الصفات الحقيقية الزائدة أو القديمة و يحتمل أن يكون المراد بالأخير أنه ليس لوجوده في الأزل و اتصافه بها كيف فيكون إشارة إلى نفي معلولية الوجود أو زيادته و في الكافي بسند آخر كيف يكون له قبل و هو أظهر كما سيأتي أيضا قوله(ع)بلا غاية أي امتداد و زمان موجود و لا منتهى غاية أي في الأزل و لا غاية أي منتهى ينتهي إليها غاية أي امتداد في لا يزال.

7- يد، التوحيد ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنْ سَهْلٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْخَزَّازِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قَالَ رَأْسُ الْجَالُوتِ لِلْيَهُودِ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ عَلِيّاً مِنْ أَجْدَلِ النَّاسِ وَ أَعْلَمِهِمْ اذْهَبُوا بِنَا إِلَيْهِ لَعَلِّي أَسْأَلُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ أُخَطِّئْهُ فِيهَا فَأَتَاهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ قَالَ سَلْ عَمَّا شِئْتَ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَتَى كَانَ رَبُّنَا قَالَ يَا يَهُودِيُّ إِنَّمَا يُقَالُ مَتَى كَانَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ فَكَانَ هُوَ كَائِنٌ بِلَا كَيْنُونَةِ كَائِنٍ كَانَ بِلَا كَيْفٍ‏ (1) يَا يَهُودِيُّ كَيْفَ يَكُونُ لَهُ قَبْلٌ وَ هُوَ قَبْلَ الْقَبْلِ بِلَا غَايَةٍ وَ لَا مُنْتَهَى غَايَةٍ وَ لَا غَايَةٍ إِلَيْهَا غَايَةٌ انْقَطَعَتِ الْغَايَاتُ عَنْهُ فَهُوَ غَايَةُ كُلِّ غَايَةٍ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّ دِينَكَ الْحَقُّ وَ أَنَّ مَا خَالَفَهُ بَاطِلٌ.

أقول قد أثبتنا خبر محمد بن عبد الله الخراساني في باب إثبات الصانع و سيأتي كثير من الأخبار في باب نفي الزمان و المكان و سائر الأبواب مشحونة بما يناسب الباب من الأخبار.

____________

(1) في الكافي: بلى يا يهودى ثمّ بلى يا يهودى كيف يكون إلخ.

287

باب 13 نفي الجسم و الصورة و التشبيه و الحلول و الاتحاد و أنه لا يدرك بالحواس و الأوهام و العقول و الأفهام‏

الآيات الأنعام و الحج 74 و الزمر 67 ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ‏ حمعسق‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ

1- ما، الأمالي للشيخ الطوسي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ الْقُمِّيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ بِلَالٍ‏ (1) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشِيرٍ الدَّهَّانِ‏ (2) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَمَاعَةَ قَالَ: سَأَلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الصَّادِقَ(ع)فَقَالَ لَهُ أَخْبِرْنِي أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ قَالَ تَوْحِيدُكَ لِرَبِّكَ قَالَ فَمَا أَعْظَمُ الذُّنُوبِ قَالَ تَشْبِيهُكَ لِخَالِقِكَ.

2- نص، كفاية الأثر عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ هَارُونَ بْنِ مُوسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَمَّامٍ عَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الْعَبْدِيِّ عَنْ دَاوُدَ بْنِ كَثِيرٍ الرَّقِّيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ ظَبْيَانَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)فَقُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنِّي دَخَلْتُ عَلَى مَالِكٍ‏ (3) وَ أَصْحَابِهِ فَسَمِعْتُ بَعْضَهُمْ يَقُولُ إِنَّ لِلَّهِ وَجْهاً كَالْوُجُوهِ وَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ لَهُ يَدَانِ وَ احْتَجُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى‏ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ‏ وَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ هُوَ كَالشَّابِّ مِنْ أَبْنَاءِ ثَلَاثِينَ سَنَةً فَمَا عِنْدَكَ فِي هَذَا يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ وَ كَانَ مُتَّكِئاً فَاسْتَوَى جَالِساً وَ قَالَ اللَّهُمَّ عَفْوَكَ عَفْوَكَ ثُمَّ قَالَ يَا يُونُسُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لِلَّهِ وَجْهاً كَالْوُجُوهِ فَقَدْ أَشْرَكَ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لِلَّهِ جَوَارِحَ كَجَوَارِحِ الْمَخْلُوقِينَ فَهُوَ كَافِرٌ بِاللَّهِ فَلَا تَقْبَلُوا شَهَادَتَهُ وَ لَا تَأْكُلُوا

____________



(1) البغداديّ الثقة، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الجواد و الهادى و العسكريّ (عليهم السلام).

(2) لم نجده في التراجم بهذا العنوان.

(3) أحد الأئمّة الأربعة للعامة، حكى عن ابن النديم في فهرسه أنّه قال: مالك بن أنس بن أبى عامر من حمير، و عداده في بنى تميم بن مرة من قريش، و حمل به ثلاثين سنين! و كان شديد البياض إلى الشفرة، طويلا عظيم الهامّة أصلع الرأس، يلبس الثياب العدنيّة الجياد و يكثر حلق شاربه و لا يغير شيبه، و كان يأتي المسجد و يشهد الصلوات و يعود المرضى و يقضى الحقوق، ثمّ ترك الجلوس في المسجد و كان يصلّي في منزله و ترك اتباع الجنائز فكان يعاتب على ذلك، و كان يقول:

ليس يقدر كل أحد يقول عذره، و كان فقيه الحجاز و سيدها في وقته، توفّي سنة تسع و سبعين و مائة، و هو ابن خمس و ثمانين و دفن بالبقيع.

288

ذَبِيحَتَهُ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَصِفُهُ الْمُشَبِّهُونَ بِصِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ فَوَجْهُ اللَّهِ أَنْبِيَاؤُهُ وَ أَوْلِيَاؤُهُ‏ (1) وَ قَوْلُهُ‏ خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ‏ الْيَدُ الْقُدْرَةُ كَقَوْلِهِ وَ أَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ فِي شَيْ‏ءٍ أَوْ عَلَى شَيْ‏ءٍ أَوْ يَحُولُ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَى شَيْ‏ءٍ أَوْ يَخْلُو مِنْهُ شَيْ‏ءٌ أَوْ يَشْتَغِلُ بِهِ شَيْ‏ءٌ فَقَدْ وَصَفَهُ بِصِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ وَ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ لَا يُقَاسُ بِالْقِيَاسِ وَ لَا يُشَبَّهُ بِالنَّاسِ لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ وَ لَا يَشْتَغِلُ بِهِ مَكَانٌ قَرِيبٌ فِي بُعْدِهِ بَعِيدٌ فِي قُرْبِهِ ذَلِكَ اللَّهُ رَبُّنَا لَا إِلَهَ غَيْرُهُ فَمَنْ أَرَادَ اللَّهَ وَ أَحَبَّهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهُوَ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ وَ مَنْ أَحَبَّهُ بِغَيْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ فَاللَّهُ مِنْهُ بَرِي‏ءٌ وَ نَحْنُ مِنْهُ بُرَءَاءُ.

3- لي، الأمالي للصدوق مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَاصِمٍ عَنِ الْكُلَيْنِيِّ عَنْ عَلَّانٍ‏ (2) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَرَجِ الرُّخَّجِيِ‏ (3) قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)أَسْأَلُهُ عَمَّا قَالَ هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ فِي الْجِسْمِ وَ هِشَامُ بْنُ سَالِمٍ فِي الصُّورَةِ فَكَتَبَ(ع)دَعْ عَنْكَ حَيْرَةَ الْحَيْرَانِ وَ اسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ لَيْسَ الْقَوْلُ مَا قَالَ الْهِشَامَانِ.

يد، التوحيد الدقاق عن الكليني عن علي بن محمد رفعه عن الرخجي‏ مثله بيان لا ريب في جلالة قدر الهشامين و براءتهما عن هذين القولين و قد بالغ السيد المرتضى (قدس الله روحه) في براءة ساحتهما عما نسب إليهما في كتاب الشافي مستدلا عليها بدلائل شافية و لعل المخالفين نسبوا إليهما هذين القولين معاندة كما نسبوا المذاهب الشنيعة إلى زرارة و غيره من أكابر المحدثين أو لعدم فهم كلامهما فقد قيل إنهما قالا بجسم لا كالأجسام و بصورة لا كالصور فلعل مرادهما بالجسم الحقيقة القائمة بالذات و بالصورة الماهية و إن أخطئا في إطلاق هذين اللفظين عليه تعالى.

____________

(1) لان العباد يتوجهون بهم إلى اللّه تعالى و اللّه تعالى يخاطب العباد و يواجههم بهم (عليهم السلام).

(2) الظاهر أنّه هو عليّ بن محمّد بن إبراهيم بن أبان الرازيّ الكليني، أستاد محمّد بن يعقوب الكليني و خاله. قال النجاشيّ: يكنى أبا الحسن ثقة، عين. أقول: علان بالعين المهملة المفتوحة ثمّ اللام المشددة و حكى عن الشهيد الثاني (رحمه الله ) في تعليقته على الخلاصة أن علان مخفف اللام.

(3) بالراء المهملة المضمومة و الخاء المعجمة المفتوحة و الجيم و الياء نسبة إمّا إلى «رخج» كورة و مدينة من نواحي كابل، و قد يشدد الخاء، أو إلى الرخجة أو الرخجية بتشديد الخاء فيهما، قرية على نحو فراسخ من بكلواذى.

289

قال المحقق الدواني المشبهة منهم من قال إنه جسم حقيقة ثم افترقوا فقال بعضهم إنه مركب من لحم و دم و قال بعضهم هو نور متلألئ كالسبيكة البيضاء طوله سبعة أشبار بشبر نفسه و منهم من قال إنه على صورة إنسان فمنهم من يقول إنه شاب أمرد جعد قطط (1) و منهم من قال إنه شيخ أشمط الرأس و اللحية (2) و منهم من قال هو في جهة الفوق مماس للصفحة العليا من العرش و يجوز عليه الحركة و الانتقال و تبدل الجهات و تئط العرش تحته أطيط الرحل الجديد تحت الراكب الثقيل و هو يفضل عن العرش بقدر أربع أصابع و منهم من قال هو محاذ للعرش غير مماس له و بعده عنه بمسافة متناهية و قيل بمسافة غير متناهية و لم يستنكف هذا القائل عن جعل غير المتناهي محصورا بين حاصرين و منهم من تستر بالكفة (3) فقال هو جسم لا كالأجسام و له حيز لا كالأحياز و نسبته إلى حيزه ليس كنسبة الأجسام إلى أحيازها و هكذا ينفي جميع خواص الجسم عنه حتى لا يبقى إلا اسم الجسم و هؤلاء لا يكفرون بخلاف المصرحين بالجسمية انتهى.

و قال الشهرستاني حكى الكعبي عن هشام بن الحكم أنه قال هو جسم ذو أبعاض له قدر من الأقدار و لكن لا يشبه شيئا من المخلوقات و لا تشبهه و نقل عنه أنه قال هو سبعة أشبار بشبر نفسه و أنه في مكان مخصوص و جهة مخصوصة و أنه يتحرك و حركته فعله و ليست من مكان إلى مكان و قال هو متناه بالذات غير متناه بالقدر.

و حكى عنه أبو عيسى الوراق أنه قال إن الله تعالى مماس لعرشه لا يفضل منه شي‏ء من العرش و لا يفضل عنه شي‏ء.

و قال هشام بن سالم إنه تعالى على صورة إنسان أعلاه مجوف و أسفله مصمت و هو نور ساطع يتلألأ و له حواس خمس و يد و رجل و أنف و أذن و عين و فم و له وفرة سوداء (4) و هو نور أسود لكنه ليس بلحم و لا دم.

____________

(1) الجعد من الشعر: خلاف الاسترسال. و قط الشعر: كان قصيرا جعدا فهو قطط.

(2) شمط شمطا: خالط بياض رأسه سواد فهو [أشمط].

(3) الكفّة- بضم الكاف- حاشية الشي‏ء، و كفّة القميص ما استدار حول الذيل. و في نسخة:

«البلفكة» و لم نجد له معنى.

(4) الوفرة: ما سال من الشعر على الأذنين.

290

ثم قال و غلا هشام بن الحكم في حق علي(ع)حتى قال إنه إله واجب الطاعة و هذا هشام بن الحكم صاحب غور في الأصول لا يجوز أن يغفل عن إلزاماته على المعتزلة فإن الرجل وراء ما يلزمه على الخصم و دون ما يظهره من التشبيه و ذلك أنه ألزم العلاف فقال إنك تقول إن البارئ تعالى عالم بعلم و علمه ذاته فيشارك المحدثات في أنه عالم بعلم و يباينها في أن علمه ذاته فيكون عالما لا كالعالمين فلم لا تقول هو جسم لا كالأجسام و صورة لا كالصور و له قدر لا كالأقدار إلى غير ذلك انتهى.

أقول فظهر أن نسبة هذين القولين إليهما إما لتخطئة رواة الشيعة و علمائهم لبيان سفاهة آرائهم أو أنهم لما ألزموهم في الاحتجاج أشياء إسكاتا لهم نسبوها إليهم و الأئمة(ع)لم ينفوها عنهم إما للتبري عنهم إبقاء عليهم أو لمصالح أخر و يمكن أن يحمل هذا الخبر على أن المراد ليس هذا القول الذي تقول ما قال الهشامان بل قولهما مباين لذلك و يحتمل أن يكون هذان مذهبهما قبل الرجوع إلى الأئمة(ع)و الأخذ بقولهم فقد قيل إن هشام بن الحكم كان قبل أن يلقى الصادق(ع)على رأي جهم بن صفوان فلما تبعه(ع)تاب و رجع إلى الحق و يؤيده ما ذكره الكراجكي في كنز الفوائد في الرد على القائلين بالجسم بمعنييه حيث قال و أما موالاتنا هشاما (رحمه الله ) فهي لما شاع عنه و استفاض من تركه للقول بالجسم الذي كان ينصره و رجوعه عنه و إقراره بخطائه فيه و توبته منه و ذلك حين قصد الإمام جعفر بن محمد(ع)إلى المدينة فحجبه و قيل له إنه أمرنا أن لا نوصلك إليه ما دمت قائلا بالجسم فقال و الله ما قلت به إلا لأني ظننت أنه وفاق لقول إمامي فأما إذا أنكره علي فإنني تائب إلى الله منه فأوصله الإمام(ع)إليه و دعا له بخير و حفظ.

4- عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ قَالَ لِهِشَامٍ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُشْبِهُ شَيْئاً وَ لَا يُشْبِهُهُ شَيْ‏ءٌ وَ كُلُّ مَا وَقَعَ فِي الْوَهْمِ فَهُوَ بِخِلَافِهِ.

5- وَ رُوِيَ عَنْهُ أَيْضاً أَنَّهُ قَالَ: سُبْحَانَ مَنْ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ كَيْفَ هُوَ إِلَّا هُوَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ لَا يُحَدُّ وَ لَا يُحَسُّ وَ لَا يُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَ لَا يُحِيطُ بِهِ شَيْ‏ءٌ وَ لَا هُوَ جِسْمٌ وَ لَا صُورَةٌ وَ لَا بِذِي تَخْطِيطٍ وَ لَا تَحْدِيدٍ.

291

6- شي، تفسير العياشي عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ قَالَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)يَا جَابِرُ مَا أَعْظَمَ فِرْيَةَ أَهْلِ الشَّامِ عَلَى اللَّهِ يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى حَيْثُ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ وَضَعَ قَدَمَهُ عَلَى صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَ لَقَدْ وَضَعَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ قَدَمَهُ عَلَى حَجَرٍ فَأَمَرَنَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَنْ نَتَّخِذَهَا مُصَلًّى يَا جَابِرُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا نَظِيرَ لَهُ وَ لَا شَبِيهَ تَعَالَى عَنْ صِفَةِ الْوَاصِفِينَ وَ جَلَّ عَنْ أَوْهَامِ الْمُتَوَهِّمِينَ وَ احْتَجَبَ عَنْ عَيْنِ النَّاظِرِينَ وَ لَا يَزُولُ مَعَ الزَّائِلِينَ وَ لَا يَأْفِلُ مَعَ الْآفِلِينَ‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏

7- شي، تفسير العياشي عَنْ هِشَامٍ الْمَشْرِقِيِ‏ (1) عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ أَحَدٌ صَمَدٌ نُورٌ ثُمَّ قَالَ‏ بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ‏ فَقُلْتُ لَهُ أَ فَلَهُ يَدَانِ هَكَذَا وَ أَشَرْتُ بِيَدِي إِلَى يَدِهِ فَقَالَ لَوْ كَانَ هَكَذَا كَانَ مَخْلُوقاً.

8- ج، الإحتجاج‏ فِي سُؤَالِ الزِّنْدِيقِ بِرِوَايَةِ هِشَامٍ عَنِ الصَّادِقِ(ع)لَا جِسْمٌ وَ لَا صُورَةٌ وَ لَا يُحَسُّ وَ لَا يُجَسُّ وَ لَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ الْخَمْسِ لَا تُدْرِكُهُ الْأَوْهَامُ وَ لَا تَنْقُصُهُ الدُّهُورُ وَ لَا تُغَيِّرُهُ الْأَزْمَانُ الْخَبَرَ.

9- ج، الإحتجاج قَالَ الرِّضَا(ع)إِنَّ النَّبِيَّ(ص)قَالَ: قَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ مَا آمَنَ بِي مَنْ فَسَّرَ بِرَأْيِهِ كَلَامِي وَ مَا عَرَفَنِي مَنْ شَبَّهَنِي بِخَلْقِي وَ لَا عَلَى دِينِي مَنِ اسْتَعْمَلَ الْقِيَاسَ فِي دِينِي.

يد، التوحيد ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) لي، الأمالي للصدوق ابن المتوكل عن علي عن أبيه عن الريان بن الصلت عن علي بن موسى الرضا(ع)عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين(ع)قال قال رسول الله(ص)قال الله جل جلاله مثله.

10- يد، التوحيد لي، الأمالي للصدوق ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الصَّقْرِ بْنِ دُلَفَ‏ (2) قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ(ع)عَنِ التَّوْحِيدِ وَ قُلْتُ لَهُ إِنِّي أَقُولُ بِقَوْلِ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ فَغَضِبَ(ع)ثُمَّ قَالَ مَا لَكُمْ وَ لِقَوْلِ هِشَامٍ إِنَّهُ لَيْسَ مِنَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ‏

____________



(1) ضبطه الاكثر بالقاف و جزم المحقق الداماد أنّه بالفاء.

(2) الموجود في التوحيد المطبوع و البحار: الصقر بن دلف؛ و الموجود في التراجم: الصقر ابن أبي دلف. و ضبط الصقر بالصاد المهملة المفتوحة و القاف الساكنة، و دلف بالدال المهملة و اللام المفتوحتين و الفاء.

292

جِسْمٌ وَ نَحْنُ مِنْهُ بُرَءَاءُ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ يَا ابْنَ دُلَفَ إِنَّ الْجِسْمَ مُحْدَثٌ وَ اللَّهُ مُحْدِثُهُ وَ مُجَسِّمُهُ.

11- كش، رجال الكشي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنِ ابْنِ يَزِيدَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ بَشَّارٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ بَهْمَنَ‏ (1) قَالَ: قَالَ لِي يُونُسُ اكْتُبْ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ(ع)فَاسْأَلْهُ عَنْ آدَمَ هَلْ فِيهِ مِنْ جَوْهَرِيَّةِ اللَّهِ شَيْ‏ءٌ قَالَ فَكَتَبْتُ إِلَيْهِ فَأَجَابَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَسْأَلَةُ رَجُلٍ عَلَى غَيْرِ السُّنَّةِ فَقُلْتُ لِيُونُسَ فَقَالَ لَا يَسْمَعُ ذَا أَصْحَابُنَا فَيَبْرَءُونَ مِنْكَ قَالَ قُلْتُ لِيُونُسَ يَتَبَرَّءُونَ مِنِّي أَوْ مِنْكَ.

- 12- كش، رجال الكشي طَاهِرُ بْنُ عِيسَى‏ (2) عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ عَنِ الشُّجَاعِيِ‏ (3) عَنِ ابْنِ يَزِيدَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ بَشَّارٍ عَنِ الْوَشَّاءِ عَنْ يُونُسَ بْنِ بَهْمَنَ قَالَ قَالَ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ‏ كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)سَأَلْتُهُ عَنْ آدَمَ هَلْ كَانَ فِيهِ مِنْ جَوْهَرِيَّةِ الرَّبِّ شَيْ‏ءٌ فَكَتَبَ إِلَيَّ جَوَابَ كِتَابِي لَيْسَ صَاحِبُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى شَيْ‏ءٍ مِنَ السُّنَّةِ زِنْدِيقٌ.

بيان الكلام في يونس و ما نسب إليه أيضا كما مر في الهشامين و قال الشهرستاني إنه زعم أن الملائكة تحمل العرش و العرش يحمل الرب و هو من مشبهة الشيعة انتهى.

13- لي، الأمالي للصدوق ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ مَعْرُوفٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي(ع)جُعِلْتُ فِدَاكَ أُصَلِّي خَلْفَ مَنْ يَقُولُ بِالْجِسْمِ وَ مَنْ يَقُولُ بِقَوْلِ يُونُسَ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَكَتَبَ(ع)لَا تُصَلُّوا خَلْفَهُمْ وَ لَا تُعْطُوهُمْ مِنَ الزَّكَاةِ وَ ابْرَءُوا مِنْهُمْ بَرِئَ اللَّهُ مِنْهُمْ.

____________

(1) بفتح الباء الموحدة و سكون الهاء و فتح الميم بعدها نون. حكى عن الغضائري أنّه قال:

يونس بن بهمن غال خطابى كوفيّ يضع الحديث روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

(2) أورده الشيخ في رجاله في باب من لم يرو عنهم (عليهم السلام) قال: طاهر بن عيسى الوراق يكنى أبا محمّد من أهل كش، صاحب كتب، روى عنه الكشّيّ، و روى هو عن جعفر بن أحمد الخزاعيّ، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب. انتهى. أقول: ليس في كتب التراجم ما يلحق الرجل و راويه جعفر بن أحمد الخزاعيّ بالموثقين.

(3) قال التفرشى في نقد الرجال: اسمه عليّ بن الشجاع كما يظهر من الكشّيّ، و يحتمل أن يطلق على الحسن بن الطيب أيضا، و يظهر من النجاشيّ- عند ترجمة محمّد بن إبراهيم بن جعفر- أنه يطلق على محمّد بن على أيضا. انتهى.

293

14- لي، الأمالي للصدوق ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرِّضَا(ع)يَقُولُ‏ إِلَهِي بَدَتْ قُدْرَتُكَ وَ لَمْ تَبْدُ هَيْئَتُهُ فَجَهِلُوكَ وَ بِهِ قَدَّرُوكَ وَ التَّقْدِيرُ عَلَى غَيْرِ مَا بِهِ وَصَفُوكَ وَ إِنِّي بَرِي‏ءٌ يَا إِلَهِي مِنَ الَّذِينَ بِالتَّشْبِيهِ طَلَبُوكَ لَيْسَ كَمِثْلِكَ شَيْ‏ءٌ إِلَهِي وَ لَنْ يُدْرِكُوكَ وَ ظَاهِرُ مَا بِهِمْ مِنْ نِعَمِكَ دَلِيلُهُمْ عَلَيْكَ لَوْ عَرَفُوكَ وَ فِي خَلْقِكَ يَا إِلَهِي مَنْدُوحَةٌ أَنْ يَتَنَاوَلُوكَ بَلْ سَوَّوْكَ بِخَلْقِكَ فَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَعْرِفُوكَ وَ اتَّخَذُوا بَعْضَ آيَاتِكَ رَبّاً فَبِذَلِكَ وَصَفُوكَ تَعَالَيْتَ رَبِّي عَمَّا بِهِ الْمُشَبِّهُونَ نَعَتُوكَ.

بيان و به أي و بالجهل قوله و التقدير على غير ما به وصفوك أي التقدير بما قدروا به من المقادير الجسمانية ينافي ما وصفوك به من الربوبية و يحتمل أن يكون المراد بالتقدير مطلق التوصيف أي ينبغي و يجب توصيفك على غير ما وصفوك به من الجسم و الصورة و المندوحة السعة أي في التفكر في خلقك و الاستدلال به على عظمتك و تقدسك عن صفات المخلوقين مندوحة عن أن يتفكروا في ذاتك فينسبوا إليك ما لا يليق بجنابك أو المعنى أن التفكر في الخلق يكفي في أن لا ينسبوا إليك هذه الأشياء.

- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا (1) قَالَ: مَرَّ أَبُو الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)بِقَبْرٍ مِنْ قُبُورِ أَهْلِ بَيْتِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِلَهِي بَدَتْ قُدْرَتُكَ.

و ذكر نحوه.

15- شا، الإرشاد جَاءَتِ الرِّوَايَةُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ(ع)كَانَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ سَمِعَ قَوْماً يُشَبِّهُونَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ فَفَزِعَ لِذَلِكَ وَ ارْتَاعَ لَهُ وَ نَهَضَ حَتَّى أَتَى قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَوَقَفَ عِنْدَهُ وَ دفع [رَفَعَ صَوْتَهُ يُنَاجِي رَبَّهُ فَقَالَ فِي مُنَاجَاتِهِ لَهُ إِلَهِي بَدَتْ قُدْرَتُكَ وَ لَمْ تَبْدُ هَيْئَتُهُ فَجَهِلُوكَ وَ قَدَّرُوكَ بِالتَّقْدِيرِ عَلَى غَيْرِ مَا بِهِ أَنْتَ شَبَّهُوكَ إِلَى آخِرِ مَا مَرَّ.

16- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الصَّقْرِ بْنِ دُلَفَ‏ (2) عَنْ يَاسِرٍ

____________

(1) لعله هو أبو هاشم الجعفرى، و الظاهر اتّحاد الخبر مع ما تقدم.

(2) قد مر ذيل الخبر العاشر أن الموجود في التراجم الصقر بن أبي دلف.

294

الْخَادِمِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرِّضَا(ع)يَقُولُ‏ مَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ وَ مَنْ نَسَبَ إِلَيْهِ مَا نَهَى عَنْهُ فَهُوَ كَافِرٌ.

17- يد، التوحيد الدَّقَّاقُ عَنِ الْكُلَيْنِيِّ عَنْ عَلَّانٍ عَنْ سَهْلٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَمَدَانِيِّ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى الرَّجُلِ يَعْنِي أَبَا الْحَسَنِ(ع)أَنَّ مَنْ قِبَلَنَا مِنْ مَوَالِيكَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي التَّوْحِيدِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ جِسْمٌ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ صُورَةٌ فَكَتَبَ(ع)بِخَطِّهِ سُبْحَانَ مَنْ لَا يُحَدُّ وَ لَا يُوصَفُ‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏ أَوْ قَالَ‏ الْبَصِيرُ.

18- يد، التوحيد ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) الْفَامِيُّ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ (1) عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا(ع)قَالَ: قُلْتُ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنَّ النَّاسَ يَنْسُبُونَّا إِلَى الْقَوْلِ بِالتَّشْبِيهِ وَ الْجَبْرِ لِمَا رُوِيَ مِنَ الْأَخْبَارِ فِي ذَلِكَ عَنْ آبَائِكَ الْأَئِمَّةِ(ع)فَقَالَ يَا ابْنَ خَالِدٍ أَخْبِرْنِي عَنِ الْأَخْبَارِ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ آبَائِيَ الْأَئِمَّةِ(ع)فِي التَّشْبِيهِ وَ الْجَبْرِ أَكْثَرُ أَمِ الْأَخْبَارُ الَّتِي رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ(ص)فِي ذَلِكَ فَقُلْتُ بَلْ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ قَالَ فَلْيَقُولُوا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)كَانَ يَقُولُ فِي التَّشْبِيهِ وَ الْجَبْرِ إِذاً فَقُلْتُ لَهُ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)لَمْ يَقُلْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً وَ إِنَّمَا رُوِيَ عَلَيْهِ قَالَ فَلْيَقُولُوا فِي آبَائِيَ الْأَئِمَّةِ(ع)إِنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً وَ إِنَّمَا رُوِيَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ(ع)مَنْ قَالَ بِالتَّشْبِيهِ وَ الْجَبْرِ فَهُوَ كَافِرٌ مُشْرِكٌ وَ نَحْنُ مِنْهُ بُرَءَاءُ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ يَا ابْنَ خَالِدٍ إِنَّمَا وَضَعَ الْأَخْبَارَ عَنَّا فِي التَّشْبِيهِ وَ الْجَبْرِ الْغُلَاةُ الَّذِينَ صَغَّرُوا عَظَمَةَ اللَّهِ تَعَالَى فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَقَدْ أَبْغَضَنَا وَ مَنْ أَبْغَضَهُمْ فَقَدْ أَحَبَّنَا وَ مَنْ وَالاهُمْ فَقَدْ عَادَانَا وَ مَنْ عَادَاهُمْ فَقَدْ وَالانَا وَ مَنْ وَصَلَهُمْ فَقَدْ قَطَعَنَا وَ مَنْ قَطَعَهُمْ فَقَدْ وَصَلَنَا وَ مَنْ جَفَاهُمْ فَقَدْ بَرَّنَا وَ مَنْ بَرَّهُمْ فَقَدْ جَفَانَا وَ مَنْ أَكْرَمَهُمْ فَقَدْ أَهَانَنَا وَ مَنْ أَهَانَهُمْ فَقَدْ أَكْرَمَنَا وَ مَنْ قَبِلَهُمْ فَقَدْ رَدَّنَا وَ مَنْ رَدَّهُمْ فَقَدْ قَبِلَنَا وَ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ فَقَدْ أَسَاءَ إِلَيْنَا وَ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ فَقَدْ أَحْسَنَ إِلَيْنَا وَ مَنْ صَدَّقَهُمْ فَقَدْ كَذَّبَنَا وَ مَنْ كَذَّبَهُمْ فَقَدْ صَدَّقَنَا وَ مَنْ أَعْطَاهُمْ فَقَدْ حَرَمَنَا وَ مَنْ حَرَمَهُمْ فَقَدْ أَعْطَانَا يَا ابْنَ خَالِدٍ مَنْ كَانَ مِنْ شِيعَتِنَا فَلَا يَتَّخِذَنَّ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَ لَا نَصِيراً.

____________

(1) وزان مسكن أو منبر.

295

ج، الإحتجاج عن الحسين بن خالد عنه(ع)مثله.

19- ج، الإحتجاج الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمَّانِيُّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي إِبْرَاهِيمَ(ع)إِنَّ هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جِسْمٌ‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ عَالِمٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ قَادِرٌ مُتَكَلِّمٌ نَاطِقٌ وَ الْكَلَامُ وَ الْقُدْرَةُ وَ الْعِلْمُ يَجْرِي مَجْرَى وَاحِدٍ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ مِنْهَا مَخْلُوقاً فَقَالَ قَاتَلَهُ اللَّهُ أَ مَا عَلِمَ أَنَّ الْجِسْمَ مَحْدُودٌ وَ الْكَلَامَ غَيْرُ الْمُتَكَلِّمِ مَعَاذَ اللَّهِ وَ أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ لَا جِسْمٌ وَ لَا صُورَةٌ وَ لَا تَحْدِيدٌ وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ سِوَاهُ مَخْلُوقٌ وَ إِنَّمَا تَكُونُ الْأَشْيَاءُ بِإِرَادَتِهِ وَ مَشِيئَتِهِ مِنْ غَيْرِ كَلَامٍ وَ لَا تَرَدُّدٍ فِي نَفَسٍ وَ لَا نُطْقٍ بِلِسَانٍ.

يد، التوحيد الدقاق عن محمد الأسدي عن البرمكي عن علي بن العباس عن الحسين بن عبد الرحمن الحماني‏ مثله‏ (1) بيان قوله ليس كمثله شي‏ء يومئ إلى أنه لم يقل بالجسمية الحقيقية بل أطلق عليه لفظ الجسم و نفى عنه صفات الأجسام و يحتمل أن يكون مراده أنه لا يشبهه شي‏ء من الأجسام بل هو نوع مباين لسائر أنواع الأجسام فعلى الأول نفى(ع)إطلاق هذا اللفظ عليه تعالى بأن الجسم إنما يطلق على الحقيقة التي يلزمها التقدير و التحديد فكيف يطلق عليه تعالى.

و قوله يجري مجرى واحد إشارة إلى عينية الصفات و كون الذات قائمة مقامها فنفى(ع)كون الكلام كذلك ثم نبه على بطلان ما يوهم كلامه من كون الكلام من أسباب وجود الأشياء فلفظة كُنْ* في الآية الكريمة كناية عن تسخيره للأشياء و انقيادها له من غير توقف على التكلم بها ثم نفى(ع)كون الإرادة على نحو إرادة المخلوقين من خطور بال أو تردد في نفس و يحتمل أن يكون المقصود بما نسب إلى هشام كون الصفات كلها مع زيادتها مشتركة في عدم الحدوث و المخلوقية فنفاه(ع)بإثبات المغايرة أولا ثم بيان أن كل شي‏ء سواه مخلوق و الأول أظهر و لفظة تكون يمكن أن تقرأ على المعلوم و على المجهول من باب التفعيل.

20- ج، الإحتجاج عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ(ع)أَنَّهُ قَالَ: لَا أَقُولُ إِنَّهُ قَائِمٌ فَأُزِيلَهُ عَنْ مَكَانٍ وَ لَا أَحُدُّهُ بِمَكَانٍ يَكُونُ فِيهِ وَ لَا أَحُدُّهُ أَنْ يَتَحَرَّكَ فِي شَيْ‏ءٍ مِنَ‏

____________



(1) الموجود في التوحيد المطبوع: الحسن بن الحسين بن عبد اللّه.

296

الْأَرْكَانِ وَ الْجَوَارِحِ وَ لَا أَحُدُّهُ بِلَفْظِ شَقِّ فَمٍ وَ لَكِنْ كَمَا قَالَ عَزَّ وَ جَلَ‏ إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏ بِمَشِيئَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ فِي نَفَسٍ صَمَداً فَرْداً لَمْ يَحْتَجْ إِلَى شَرِيكٍ يُدَبِّرُ لَهُ مُلْكَهُ وَ لَا يَفْتَحُ لَهُ أَبْوَابَ عِلْمِهِ.

بيان فأزيله عن مكانه أي فأقول إنه يجوز أن يزول و يتحرك من مكان إلى آخر فيلزم مع كونه تعالى جسما محتاجا تبدل الأحوال عليه أو المعنى أن القيام نسبة إلى المكان يخلو بعض المكان عن بعض القائم عنه و شغل بعضه ببعضه مع أن نسبته تعالى إلى جميع الأمكنة على السواء و لا يشتغل به مكان و قوله في شي‏ء من الأركان أي بشي‏ء من الأعضاء و الجوارح و يحتمل أن يكون في بمعناه و يكون المراد بها الحركة الكمية و قوله(ع)بلفظ شقّ فم أي بكلمة تخرج من فلقة الفم عند تكلّمه بها.

21- فس، تفسير القمي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْعَبَّاسِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أُسَيْدٍ (1) عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ (صلوات الله عليه) يَقُولُ‏ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ(ص)أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَ يُسَمَّى بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْعَزِيزِ الْجَبَّارِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فَتَاهَتْ هُنَالِكَ عُقُولُهُمْ وَ اسْتَخَفَّتْ حُلُومُهُمْ فَضَرَبُوا لَهُ الْأَمْثَالَ وَ جَعَلُوا لَهُ أَنْدَاداً وَ شَبَّهُوهُ بِالْأَمْثَالِ وَ مَثَّلُوهُ أَشْبَاهاً وَ جَعَلُوهُ يَزُولُ وَ يَحُولُ فَتَاهُوا فِي بَحْرٍ عَمِيقٍ لَا يَدْرُونَ مَا غَوْرُهُ وَ لَا يُدْرِكُونَ كَمِّيَّةَ بُعْدِهِ‏ (3).

22- ب، قرب الإسناد ابْنُ عِيسَى عَنِ الْبَزَنْطِي قَالَ: قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ هُمْ يَقُولُونَ فِي الصِّفَةِ فَقَالَ لِي هُوَ ابْتِدَاءً إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)لَمَّا أُسْرِيَ بِهِ أَوْقَفَهُ جَبْرَئِيلُ(ع)مَوْقِفاً لَمْ يَطَأْهُ أَحَدٌ قَطُّ فَمَضَى النَّبِيُّ(ص)فَأَرَاهُ اللَّهُ مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ مَا أَحَبَّ فَوَقَّفْتُهُ عَلَى‏

____________



(1) أقول: الصحيح كما في نسخة من «فس» الحسن بن أسد، و في نسخة اخرى منه الحسين بن اسيد، و لعلّ كلمة «اسيد» تصحيف لاسد، أورد الشيخ في رجاله الحسن بن اسد البصرى في أصحاب الرضا (عليه السلام)، و الحسين بن أسد في أصحاب الجواد و الهادى (عليهما السلام)، و حكى عن ابن الغضائري تضعيف الحسن، و احتمل الميرزا و غيره اتّحادهما.

(2) و في نسخة: و سمى بهذه الأسماء.

(3) و في نسخة: و لا يدركون كنه بعده.

297

التَّشْبِيهِ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ دَعْ ذَا لَا يَنْفَتِحُ عَلَيْكَ مِنْهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ.

بيان فقال لي هو ابتداء أي من غير أن أذكر ما وصفوه من التشبيه فوقّفته على التشبيه أي فذكرت له ما يقولون في التشبيه فأجابه(ع)بتنزيهه تعالى عن ذلك و نهاه عن القول بذلك و التفكر فيه لئلا ينفتح عليه من ذلك أمر عظيم هو الكفر و الخروج عن الدين.

23- يد، التوحيد الْمُفَسِّرُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ(ع)قَالَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى الرِّضَا(ع)قَالَ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ صِفْ لَنَا رَبَّكَ فَإِنَّ مَنْ قِبَلَنَا قَدِ اخْتَلَفُوا عَلَيْنَا فَقَالَ الرِّضَا(ع)إِنَّهُ مَنْ يَصِفُ رَبَّهُ بِالْقِيَاسِ لَا يَزَالُ الدَّهْرَ فِي الِالْتِبَاسِ مَائِلًا عَنِ الْمِنْهَاجِ ظَاعِناً فِي الِاعْوِجَاجِ ضَالًّا عَنِ السَّبِيلِ قَائِلًا غَيْرَ الْجَمِيلِ أُعَرِّفُهُ بِمَا عَرَّفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ وَ أَصِفُهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ صُورَةٍ لَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ وَ لَا يُقَاسُ بِالنَّاسِ مَعْرُوفٌ بِغَيْرِ تَشْبِيهٍ‏ (1) وَ مُتَدَانٍ فِي بُعْدِهِ لَا بِنَظِيرٍ لَا يُمَثَّلُ بِخَلِيقَتِهِ وَ لَا يَجُوزُ فِي قَضِيَّتِهِ الْخَلْقُ إِلَى مَا عَلِمَ مُنْقَادُونَ وَ عَلَى مَا سَطَرَ فِي الْمَكْنُونِ مِنْ كِتَابِهِ مَاضُونَ لَا يَعْمَلُونَ خِلَافَ مَا عَلِمَ مِنْهُمْ وَ لَا غَيْرَهُ يُرِيدُونَ فَهُوَ قَرِيبٌ غَيْرُ مُلْتَزِقٍ وَ بَعِيدٌ غَيْرُ مُتَقَصٍّ يُحَقَّقُ وَ لَا يُمَثَّلُ وَ يُوَحَّدُ وَ لَا يُبَعَّضُ يُعْرَفُ بِالْآيَاتِ وَ يُثْبَتُ بِالْعَلَامَاتِ فَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ‏ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ‏ ثُمَّ قَالَ(ع)بَعْدَ كَلَامٍ آخَرَ تَكَلَّمَ بِهِ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِيهِ(ع)عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَالَ مَا عَرَفَ اللَّهَ مَنْ شَبَّهَهُ بِخَلْقِهِ وَ لَا وَصَفَهُ بِالْعَدْلِ مَنْ نَسَبَ إِلَيْهِ ذُنُوبَ عِبَادِهِ.

بيان الظعن السير و التقصّي البعد و بلوغ الغاية يحقق على المجهول أي يثبت وجوده و لا يمثل أي لا يوجد كنهه في الذهن.

24- ضه، روضة الواعظين رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ أَيْنَ الْمَعْبُودُ فَقَالَ(ع)لَا يُقَالُ لَهُ أَيْنَ لِأَنَّهُ أَيَّنَ الْأَيْنِيَّةَ وَ لَا يُقَالُ لَهُ كَيْفَ لِأَنَّهُ كَيَّفَ الْكَيْفِيَّةَ وَ لَا يُقَالُ لَهُ مَا هُوَ لِأَنَّهُ خَلَقَ الْمَاهِيَّةَ سُبْحَانَهُ مِنْ عَظِيمٍ تَاهَتِ الْفِطَنُ فِي تَيَّارِ أَمْوَاجِ عَظَمَتِهِ‏ (2)

____________



(1) في نسخة: معروف بغير شبيه، و في أخرى: معروف بغير تنبيه.

(2) التيار: موج البحر الهائج.

298

وَ حَصِرَتِ الْأَلْبَابُ عِنْدَ ذِكْرِ أَزَلِيَّتِهِ وَ تَحَيَّرَتِ الْعُقُولُ فِي أَفْلَاكِ مَلَكُوتِهِ.

25- وَ رُوِيَ عَنْهُ أَيْضاً(ع)أَنَّهُ قَالَ: اتَّقُوا أَنْ تُمَثِّلُوا بِالرَّبِّ الَّذِي لَا مِثْلَ لَهُ أَوْ تُشَبِّهُوهُ مِنْ خَلْقِهِ أَوْ تُلْقُوا عَلَيْهِ الْأَوْهَامَ أَوْ تُعْمِلُوا فِيهِ الْفِكَرَ وَ تَضْرِبُوا لَهُ الْأَمْثَالَ أَوْ تَنْعَتُوهُ بِنُعُوتِ الْمَخْلُوقِينَ فَإِنَّ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ نَاراً.

26- يد، التوحيد الدَّقَّاقُ عَنِ الْأَسَدِيِّ عَنِ النَّخَعِيِّ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ظُهَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَرِيرٍ الْعَبْدِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ‏ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يُحَسُّ وَ لَا يُجَسُّ وَ لَا يُمَسُّ وَ لَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ الْخَمْسِ وَ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْوَهْمُ وَ لَا تَصِفُهُ الْأَلْسُنُ فَكُلُّ شَيْ‏ءٍ حَسَّتْهُ الْحَوَاسُّ أَوْ جَسَّتْهُ الْجَوَاسُ‏ (1) أَوْ لَمَسَتْهُ الْأَيْدِي فَهُوَ مَخْلُوقٌ وَ اللَّهُ هُوَ الْعَلِيُّ حَيْثُ مَا يُبْتَغَى يُوجَدُ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَانَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ كَانَ لَمْ يُوجَدْ لِوَصْفِهِ كَانَ‏ (2) بَلْ كَانَ أَزَلًا كَانَ كَائِناً (3) لَمْ يُكَوِّنْهُ مُكَوِّنٌ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بَلْ كَوَّنَ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ كَوْنِهَا فَكَانَتْ كَمَا كَوَّنَهَا عَلِمَ مَا كَانَ وَ مَا هُوَ كَائِنٌ كَانَ إِذْ لَمْ يَكُنْ شَيْ‏ءٌ وَ لَمْ يَنْطِقْ فِيهِ نَاطِقٌ فَكَانَ إِذْ لَا كَانَ.

بيان نفي كان إما لإشعاره بالحدوث كما مر أو لعدم كونه زمانيا بناء على أن الزمان يخص المتغيرات و يدل الخبر على حدوث العالم.

27- يد، التوحيد الدَّقَّاقُ عَنِ الْأَسَدِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيِّ عَنْ سَهْلٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)أَنَّهُ قَالَ: إِلَهِي تَاهَتْ أَوْهَامُ الْمُتَوَهِّمِينَ وَ قَصُرَ طُرَفُ الطَّارِفِينَ وَ تَلَاشَتْ أَوْصَافُ الْوَاصِفِينَ وَ اضْمَحَلَّتْ أَقَاوِيلُ الْمُبْطِلِينَ عَنِ الدَّرْكِ لِعَجِيبِ شَأْنِكَ أَوِ الْوُقُوعِ بِالْبُلُوغِ إِلَى عُلُوِّكَ فَأَنْتَ الَّذِي لَا تَتَنَاهَى وَ لَمْ يَقَعْ عَلَيْكَ عُيُونٌ بِإِشَارَةٍ وَ لَا عِبَارَةٍ هَيْهَاتَ ثُمَّ هَيْهَاتَ يَا أَوَّلِيُّ يَا وَحْدَانِيُّ يَا فَرْدَانِيُّ شَمَخْتَ فِي الْعُلُوِّ بِعِزِّ الْكِبْرِ وَ ارْتَفَعْتَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ غَوْرَةٍ وَ نِهَايَةٍ بِجَبَرُوتِ الْفَخْرِ.

بيان أو الوقوع أي عليك و يحتمل تعلق قوله بالبلوغ بالوقوع بأن تكون‏

____________

(1) جس الاخبار و الأمور: بحث عنها. الجواس: هى الحواس الخمس.

(2) و في نسخة: كان لا يوجد لوصفه كان.

(3) و في نسخة: بل كان اولا كان كائنا.

299

الباء ظرفية و يحتمل أيضا تنازع الوقوع و البلوغ في قوله إلى علوك فأنت الذي لا تتناهى أي ليس لمعرفتك و معرفة صفاتك حدود تنتهي إليها أو لعلمك و قدرتك و رحمتك و غيرها نهاية تقف عندها و المراد بالعيون الجواسيس أو بالفتح بمعنى حديد البصر إن ساعده الاستعمال و إذا حمل على العيون جمع العين بمعنى الباصرة فإسناد العبارة إليها مجازي و يحتمل أن تكون العبارة متعلقة بقوله لا تتناهى على اللف و النشر غير المرتب و شمخ علا و طال و الغور القعر من كل شي‏ء أي ارتفعت عن أن يدرك كنه ذاتك و صفاتك بالوصول إلى غور الأفكار و نهايتها بسبب جبروت و عظمة ذاتية توجب الفخر.

28- يد، التوحيد ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ السَّعْدَآبَادِيِّ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْقَاسِمِ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرِّضَا(ع)يَقُولُ‏ مَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ وَ مَنْ وَصَفَهُ بِالْمَكَانِ فَهُوَ كَافِرٌ وَ مَنْ نَسَبَ إِلَيْهِ مَا نَهَى عَنْهُ فَهُوَ كَاذِبٌ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ‏

29- يد، التوحيد الْفَامِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ وَ مَنْ أَنْكَرَ قُدْرَتَهُ فَهُوَ كَافِرٌ.

30- يد، التوحيد الْفَامِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا يُشْبِهُ شَيْئاً وَ لَا يُشْبِهُهُ شَيْ‏ءٌ وَ كُلُّ مَا وَقَعَ فِي الْوَهْمِ فَهُوَ بِخِلَافِهِ.

قال الصدوق (رحمه الله ) الدليل على أن الله سبحانه لا يشبه شيئا من خلقه من جهة من الجهات أنه لا جهة لشي‏ء من أفعاله إلا محدثة و لا جهة محدثة إلا و هي تدلّ على حدوث من هي له فلو كان الله جل ثناؤه يشبه شيئا منها لدلت على حدوثه من حيث دلت على حدوث من هي له إذ المتماثلان في العقول يقتضيان حكما واحدا من حيث تماثلا منها و قد قام الدليل على أن الله عز و جل قديم و محال أن يكون قديما من جهة حادثا من أخرى و من الدليل على أن الله تبارك و تعالى قديم أنه لو كان حادثا لوجب‏

300

أن يكون له محدث لأن الفعل لا يكون إلا بفاعل و لكان القول في محدثه كالقول فيه و في هذا وجود حادث قبل حادث لا إلى أول و هو محال فيصح أنه لا بد من صانع قديم و إذا كان ذلك كذلك فالذي يوجب قدم ذلك الصانع و يدل عليه يوجب قدم صانعنا و يدل عليه.

31- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنِ ابْنِ أَبَانٍ عَنِ ابْنِ أُورَمَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ظُهَيْرٍ (1) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُوَيْنٍ الْعَبْدِيِ‏ (2) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يُحَسُّ وَ لَا يُجَسُّ وَ لَا يُمَسُّ وَ لَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ الْخَمْسِ وَ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْوَهْمُ وَ لَا تَصِفُهُ الْأَلْسُنُ وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ حَسَّتْهُ الْحَوَاسُّ أَوْ لَمَسَتْهُ الْأَيْدِي فَهُوَ مَخْلُوقٌ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَانَ إِذْ لَمْ يَكُنْ شَيْ‏ءٌ غَيْرُهُ وَ كَوَّنَ الْأَشْيَاءَ فَكَانَتْ كَمَا كَوَّنَهَا وَ عَلِمَ مَا كَانَ وَ مَا هُوَ كَائِنٌ.

32- يد، التوحيد الْهَمَذَانِيُّ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْقَاسِمِ‏ (3) عَنْ جَدِّهِ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِبْرَاهِيمَ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ(ع)وَ هُوَ يُكَلِّمُ رَاهِباً مِنَ النَّصَارَى فَقَالَ لَهُ فِي بَعْضِ مَا نَاظَرَهُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَجَلُّ وَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحَدَّ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ حَرَكَةٍ أَوْ سُكُونٍ أَوْ يُوصَفَ بِطُولٍ أَوْ قِصَرٍ أَوْ تَبْلُغَهُ الْأَوْهَامُ أَوْ تُحِيطَ بِصِفَتِهِ الْعُقُولُ أَنْزَلَ مَوَاعِظَهُ وَ وَعْدَهُ وَ وَعِيدَهُ أَمَرَ بِلَا شَفَةٍ وَ لَا لِسَانٍ وَ لَكِنْ كَمَا شَاءَ أَنْ يَقُولَ كُنْ فَكَانَ خَيْراً كَمَا أَرَادَ فِي اللَّوْحِ.

33- يد، التوحيد حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَلَوِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ: وَصَفْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ(ع)قَوْلَ هِشَامٍ الْجَوَالِيقِيِّ وَ مَا يَقُولُ فِي الشَّابِّ الْمُوفِقِ وَ وَصَفْتُ لَهُ قَوْلَ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يُشْبِهُهُ شَيْ‏ءٌ (4).

____________

(1) ظهير وزان زبير، أورد النجاشيّ ترجمته في(ص)11 من رجاله، قال: إبراهيم بن الحكم ابن ظهير الفزارى، أبو إسحاق صاحب التفسير عن السدى، له كتب منها كتاب الملاحم و كتاب الخطب الخ. أقول: ظاهره كون الرجل اماميا.

(2) في نسخة من التوحيد «جون» بدلا عن «جوين». و تقدم الحديث بإسناد آخر تحت رقم 26، و فيه: عبد اللّه بن جرير العبدى. و الرجل ليس مذكورا في كتب رجالنا.

(3) هو قاسم بن يحيى و جده الحسن بن راشد.

(4) يأتي الحديث بإسناد آخر مفصلا تحت رقم 37.

301

بيان المُوفِقُ هو الذي أعضاؤه موافقة لحسن الخلقة أو المستوي من قولهم أوفقت الإبل إذا اصطفت و استوت و قيل إنه تصحيف الريق أي ذا البهجة و البهاء و قيل هو تصحيف الموقّف بتقديم القاف بمعنى المزيّن فإن الوقف سوار من عاج و وقّفت يديها بالحناء نقّطتها و يحتمل أن يكون تصحيف المُونِق‏ (1).

34- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنْ سَهْلٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ(ع)أَسْأَلُهُ عَنِ الْجِسْمِ وَ الصُّورَةِ فَكَتَبَ(ع)سُبْحَانَ مَنْ‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ لَا جِسْمٌ وَ لَا صُورَةٌ.

يد، التوحيد العطار عن أبيه عن سهل عن بعض أصحابه‏ مثله- يد، التوحيد العطار عن أبيه عن سهل عن حمزة بن محمد إلى قوله‏ شي‏ء- أقول رواه الكراجكي عن الحسين بن عبيد الله الواسطي عن التلعكبري عن الكليني عن محمد بن الحسن عن سهل‏.

35- يد، التوحيد أَبِي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ (2) قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ يَرْوِي عَنْكُمْ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَ عَزَّ جِسْمٌ صَمَدِيٌّ نُورِيٌّ مَعْرِفَتُهُ ضَرُورَةٌ يَمُنُّ بِهَا عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ فَقَالَ(ع)سُبْحَانَ مَنْ لَا يَعْلَمُ كَيْفَ هُوَ إِلَّا هُوَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(3) لَا يُحَدُّ وَ لَا يُحَسُّ وَ لَا يُجَسُّ وَ لَا يُمَسُّ وَ لَا يُدْرِكُهُ الْحَوَاسُّ وَ لَا يُحِيطُ بِهِ شَيْ‏ءٌ لَا جِسْمٌ وَ لَا صُورَةٌ وَ لَا تَخْطِيطٌ وَ لَا تَحْدِيدٌ.

بيان معرفته ضرورة أي تقذف في القلب من غير اكتساب أو تحصل بالروية تعالى الله عن ذلك و قد يؤول كلامه بأن مراده بالجسم الحقيقة العينية القائمة بذاتها لا بغيرها و بالصمدي ما لا يكون خاليا في ذاته عن شي‏ء فيستعد أن يدخل هو فيه أو مشتملا على شي‏ء يصح عليه خروجه عنه و بالنوري ما يكون صافيا عن ظلم المواد و قابلياتها بل عن الماهية المغايرة للوجود و قابلياتها له.

____________

(1) المونق: الحسن المعجب.

(2) هو البطائنى الواقفى الضعيف، و قد ورد أحاديث كثير في ذمه.

(3) و في نسخة: و هو السميع العليم.

302

36- يد، التوحيد الدَّقَّاقُ عَنْ مُحَمَّدٍ الْأَسَدِيِّ عَنِ الْبَرْمَكِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي حَمَّادٍ (1) عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ‏ (2) عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ ظَبْيَانَ‏ (3) يَقُولُ‏ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقُلْتُ لَهُ إِنَّ هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ يَقُولُ قَوْلًا عَظِيماً إِلَّا أَنِّي أَخْتَصِرُ لَكَ مِنْهُ أَحْرُفاً يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ شَيْئَانِ جِسْمٌ وَ فِعْلُ الْجِسْمِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الصَّانِعُ بِمَعْنَى الْفِعْلِ وَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَيْلَهُ أَ مَا عَلِمَ أَنَّ الْجِسْمَ مَحْدُودٌ مُتَنَاهٍ وَ الصُّورَةَ مَحْدُودَةٌ مُتَنَاهِيَةٌ فَإِذَا احْتَمَلَ الْحَدَّ احْتَمَلَ الزِّيَادَةَ وَ النُّقْصَانَ وَ إِذَا احْتَمَلَ الزِّيَادَةَ وَ النُّقْصَانَ كَانَ مَخْلُوقاً قَالَ قُلْتُ فَمَا أَقُولُ قَالَ(ع)لَا جِسْمٌ وَ لَا صُورَةٌ وَ هُوَ مُجَسِّمُ الْأَجْسَامِ وَ مُصَوِّرُ الصُّوَرِ لَمْ يَتَجَزَّأْ وَ لَمْ يَتَنَاهَ وَ لَمْ يَتَزَايَدْ وَ لَمْ يَتَنَاقَصْ لَوْ كَانَ كَمَا يَقُولُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْخَالِقِ وَ الْمَخْلُوقِ فَرْقٌ وَ لَا بَيْنَ الْمُنْشِئِ وَ الْمُنْشَإِ لَكِنْ هُوَ الْمُنْشِئُ فَرْقٌ بَيْنَ مَنْ جَسَّمَهُ وَ صَوَّرَهُ وَ أَنْشَأَهُ إِذْ كَانَ لَا يُشْبِهُهُ شَيْ‏ءٌ وَ لَا يُشْبِهُ هُوَ شَيْئاً.

إيضاح استدل(ع)على نفي جسميته تعالى بأنه لو كان جسما لكان محدودا بحدود متناهيا إليها لاستحالة لا تناهي الأبعاد و كل محتمل للحد قابل للانقسام بأجزاء متشاركة في الاسم و الحد فله حقيقة كلية غير متشخصة بذاتها و لا موجودة بذاتها

____________

(1) قال النجاشيّ في(ص)140 من رجاله: صالح بن أبي حمّاد أبو الخير الرازيّ، و اسم أبى الخير زاذويه، لقى أبا الحسن العسكريّ (عليه السلام) و كان أمره ملبسا، يعرف و ينكر إلخ أقول: و حكى عن ابن الغضائري تضعيفه.

(2) ضعفه النجاشيّ و ابن الغضائري و العلامة و غيرهم.

(3) قال العلامة في القسم الثاني من الخلاصة: يونس ظبيان- بالظاء المعجمة المفتوحة، و الباء المنقطة تحتها نقطة، قبل الياء و النون أخيرا- قال أبو عمرو الكشّيّ: قال الفضل بن شاذان في بعض كتبه: الكذابون المشهورون: أبو الخطاب، و يونس بن ظبيان، و يزيد الصائغ، و محمّد بن سنان، و أبو سمينة أشهرهم؛ و قال النجاشيّ: انه مولى، ضعيف جدا، لا يلتفت إلى ما رواه، كل كتبه تخليط؛ قال ابن الغضائري: يونس بن ظبيان كوفيّ غال كذاب وضاع للحديث، روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فانا لا أعتمد على روايته لقول هؤلاء المشايخ العظماء فيه.

303

أو هو مركب من أجزاء حال كل واحد منها ما ذكر فيكون مخلوقا أو بأن كل قابل للحد و النهاية قابل للزيادة و النقصان لا يتأبى عنهما في حد ذاته و إن استقر على حد معين فإنما استقر عليه من جهة جاعل ثم استدل(ع)بوجه آخر و هو ما يحكم به الوجدان من كون الموجد أعلى شأنا و أرفع قدرا من الموجد و عدم المشابهة و المشاركة بينهما و إلا فكيف يحتاج أحدهما إلى العلة دون الآخر و كيف صار هذا موجدا لهذا بدون العكس و يحتمل أن يكون المراد عدم المشاركة و المشابهة فيما يوجب الاحتياج إلى العلة فيحتاج إلى علة أخرى قوله فرق بصيغة المصدر أي الفرق حاصل بينه و بين من صوره و يمكن أن يقرأ على الماضي المعلوم.

37- يد، التوحيد عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَحْمَدَ عَنِ الْبَزَنْطِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ: وَصَفْتُ لِأَبِي إِبْرَاهِيمَ(ع)قَوْلَ هِشَامٍ الْجَوَالِيقِيِّ وَ حَكَيْتُ لَهُ قَوْلَ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ إِنَّهُ جِسْمٌ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُشْبِهُهُ شَيْ‏ءٌ أَيُّ فُحْشٍ أَوْ خَنًا أَعْظَمُ مِنْ قَوْلِ مَنْ يَصِفُ خَالِقَ الْأَشْيَاءِ بِجِسْمٍ أَوْ صُورَةٍ أَوْ بِخِلْقَةٍ أَوْ بِتَحْدِيدٍ وَ أَعْضَاءٍ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً.

بيان الخنا الفحش في القول و يحتمل أن يكون الترديد من الراوي.

38- يد، التوحيد ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنْ سَهْلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْقَاسَانِيِّ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَيْهِ(ع)أَنَّ مَنْ قِبَلَنَا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي التَّوْحِيدِ قَالَ فَكَتَبَ(ع)سُبْحَانَ مَنْ لَا يُحَدُّ وَ لَا يُوصَفُ وَ لَا يُشْبِهُهُ شَيْ‏ءٌ وَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.

39- يد، التوحيد مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ جَرِيشٍ الرَّازِيِّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنِ الطَّيِّبِ يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ وَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)أَنَّهُمَا قَالا مَنْ قَالَ بِالْجِسْمِ فَلَا تُعْطُوهُ مِنَ الزَّكَاةِ وَ لَا تُصَلُّوا وَرَاءَهُ.

40- نص، كفاية الأثر أَبُو الْمُفَضَّلِ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُطَوَّقِ بْنِ سَوَّارٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُهَلَّبِ عَنْ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ يَهُودِيٌّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)يُقَالُ لَهُ نَعْثَلٌ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ أَشْيَاءَ تَلَجْلَجُ فِي صَدْرِي مُنْذُ حِينٍ فَإِنْ أَنْتَ أَجَبْتَنِي عَنْهَا أَسْلَمْتُ عَلَى يَدِكَ‏

304

قَالَ سَلْ يَا أَبَا عُمَارَةَ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ صِفْ لِي رَبَّكَ فَقَالَ(ع)إِنَّ الْخَالِقَ لَا يُوصَفُ إِلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَ كَيْفَ يُوصَفُ الْخَالِقُ الَّذِي يَعْجِزُ الْحَوَاسُّ أَنْ تُدْرِكَهُ وَ الْأَوْهَامُ أَنْ تَنَالَهُ وَ الْخَطَرَاتُ أَنْ تَحُدَّهُ وَ الْأَبْصَارُ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِهِ جَلَّ عَمَّا يَصِفُهُ الْوَاصِفُونَ نَأَى فِي قُرْبِهِ وَ قَرُبَ فِي نَأْيِهِ كَيَّفَ الْكَيْفِيَّةَ فَلَا يُقَالُ لَهُ كَيْفَ وَ أَيَّنَ الْأَيْنَ فَلَا يُقَالُ لَهُ أَيْنَ هُوَ مُنْقَطِعُ الْكَيْفُوفِيَّةِ وَ الْأَيْنُونِيَّةِ فَهُوَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ وَ الْوَاصِفُونَ لَا يَبْلُغُونَ نَعْتَهُ‏ لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِكَ إِنَّهُ وَاحِدٌ لَا شَبِيهَ لَهُ أَ لَيْسَ اللَّهُ وَاحِدٌ وَ الْإِنْسَانُ وَاحِدٌ فَوَحْدَانِيَّتُهُ أَشْبَهَتْ وَحْدَانِيَّةَ الْإِنْسَانِ فَقَالَ(ع)اللَّهُ وَاحِدٌ وَ أَحَدِيُّ الْمَعْنَى وَ الْإِنْسَانُ وَاحِدٌ ثَنَوِيُّ الْمَعْنَى جِسْمٌ وَ عَرَضٌ وَ بَدَنٌ وَ رُوحٌ فَإِنَّمَا التَّشْبِيهُ فِي الْمَعَانِي لَا غَيْرُ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ.

41- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ هِشَامِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْعَبَّاسِيِّ قَالَ: قُلْتُ لَهُ يَعْنِي أَبَا الْحَسَنِ(ع)جُعِلْتُ فِدَاكَ أَمَرَنِي بَعْضُ مَوَالِيكَ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ قَالَ وَ مَنْ هُوَ قُلْتُ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ وَ فِي أَيِّ شَيْ‏ءٍ الْمَسْأَلَةُ قُلْتُ فِي التَّوْحِيدِ قَالَ وَ أَيُّ شَيْ‏ءٍ مِنَ التَّوْحِيدِ قَالَ يَسْأَلُكَ عَنْ اللَّهِ جِسْمٌ أَوْ لَا جِسْمٌ فَقَالَ لِي إِنَّ لِلنَّاسِ فِي التَّوْحِيدِ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ إِثْبَاتٌ بِتَشْبِيهٍ وَ مَذْهَبُ النَّفْيِ وَ مَذْهَبُ إِثْبَاتٍ بِلَا تَشْبِيهٍ فَمَذْهَبُ الْإِثْبَاتِ بِتَشْبِيهٍ لَا يَجُوزُ وَ مَذْهَبُ النَّفْيِ لَا يَجُوزُ وَ الطَّرِيقُ فِي الْمَذْهَبِ الثَّالِثِ إِثْبَاتٌ بِلَا تَشْبِيهٍ.

42- يد، التوحيد ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ يَعْقُوبَ السَّرَّاجِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع- إِنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا يَزْعُمُ أَنَّ لِلَّهِ صُورَةً مِثْلَ الْإِنْسَانِ وَ قَالَ آخَرُ إِنَّهُ فِي صُورَةِ أَمْرَدَ جَعْدٍ قَطَطٍ فَخَرَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)سَاجِداً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ الَّذِي‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ لَا يُحِيطُ بِهِ عِلْمٌ‏ لَمْ يَلِدْ لِأَنَّ الْوَلَدَ يُشْبِهُ أَبَاهُ‏ وَ لَمْ يُولَدْ فَيُشْبِهَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ‏ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ‏ مِنْ خَلْقِهِ‏ كُفُواً أَحَدٌ تَعَالَى عَنْ صِفَةِ مَنْ سِوَاهُ عُلُوّاً كَبِيراً.

بيان الجعد ضد السبط قال الجزري في صفة شعره(ع)ليس بالسبط

305

و لا الجعد القطط السبط من الشعر المنبسط المسترسل و القطط الشديدة الجعودة.

- 43- كش، رجال الكشي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقُمِّيِّ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ عِيسَى‏ (1) عَنْ إِسْكِيبِ بْنِ أَحْمَدَ الْكَيْسَانِيِ‏ (2) عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هِشَامٍ الْخَيَّاطِ (3) قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)أَسْأَلُكَ جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ قَالَ سَلْ يَا جَبَلِيُّ عَمَّا ذَا تَسْأَلُنِي فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ زَعَمَ هِشَامُ بْنُ سَالِمٍ أَنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ صُورَةً وَ أَنَّ آدَمَ خُلِقَ عَلَى مِثَالِ الرَّبِّ فَيَصِفُ هَذَا وَ يَصِفُ هَذَا وَ أَوْمَأْتُ إِلَى جَانِبِي وَ شَعْرِ رَأْسِي وَ زَعَمَ يُونُسُ مَوْلَى آلِ يَقْطِينٍ وَ هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ أَنَّ اللَّهَ شَيْ‏ءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ وَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ بَائِنَةٌ مِنْهُ وَ أَنَّهُ بَائِنٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ وَ زَعَمَا أَنَّ إِثْبَاتَ الشَّيْ‏ءِ أَنْ يُقَالَ جِسْمٌ فَهُوَ جِسْمٌ لَا كَالْأَجْسَامِ شَيْ‏ءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ ثَابِتٌ مَوْجُودٌ غَيْرُ مَفْقُودٍ وَ لَا مَعْدُومٍ خَارِجٌ عَنِ الْحَدَّيْنِ حَدِّ الْإِبْطَالِ وَ حَدِّ التَّشْبِيهِ فَبِأَيِّ الْقَوْلَيْنِ أَقُولُ قَالَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَرَادَ هَذَا الْإِثْبَاتَ وَ هَذَا شَبَّهَ رَبَّهُ تَعَالَى بِمَخْلُوقٍ تَعَالَى اللَّهُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ شِبْهٌ وَ لَا مِثْلٌ وَ لَا عِدْلٌ وَ لَا نَظِيرٌ وَ لَا هُوَ بِصِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ لَا تَقُلْ بِمِثْلِ مَا قَالَ هِشَامُ بْنُ سَالِمٍ وَ قُلْ بِمَا قَالَ مَوْلَى آلِ يَقْطِينٍ وَ صَاحِبْهُ قَالَ فَقُلْتُ يُعْطَى الزَّكَاةَ مَنْ خَالَفَ هِشَاماً فِي التَّوْحِيدِ فَقَالَ بِرَأْسِهِ لَا.

بيان أراد هذا الإثبات أي يونس و هشام بن الحكم و لعله(ع)إنما صوب قولهما في المعنى لا في إطلاق لفظ الجسم عليه تعالى و يظهر مما زعما من أن إثبات الشي‏ء أن يقال جسم أن مرادهم بالجسم أعم من المعنى المصطلح كما مر.

____________

(1) الظاهر هو أبو جعفر السمان الهمدانيّ الذي قال النجاشيّ في حقه: ضعفه القميون بالغلو و كان ابن الوليد يقول: إنّه كان يضع الحديث و اللّه أعلم. أقول: حكى عن ابن الغضائري أيضا.

تضعيفه و أنّه يروى عن الضعفاء، و يجوز أن يخرج شاهدا، تكلم القميون فيه بالردّ. و استثنوا من نوادر الحكمة ما رواه.

(2) لم نجد له ذكرا في التراجم، و الموجود في الكشّيّ: اسكيب بن عبدك الكيسانى.

(3) لم نجد له ذكرا في التراجم، نعم قال صاحب تنقيح المقال: عبد الملك بن هشام الحناط الجبلى روى عنه الكشّيّ مسندا عنه عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) رواية تأتي في هشام بن سالم يظهر منها كونه من الشيعة المتدينين، بل يستشم من مجموع الرواية كونه مورد لطف الرضا (عليه السلام) فلاحظ و تدبر. انتهى. أقول: و أنت ترى أن الرواية خالية عما ذكره (رحمه الله ).

306

44- يد، التوحيد مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ عَمِّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَمَّادٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا يُقْدَرُ قُدْرَتُهُ وَ لَا يَقْدِرُ الْعِبَادُ عَلَى صِفَتِهِ وَ لَا يَبْلُغُونَ كُنْهَ عِلْمِهِ وَ لَا مَبْلَغَ عَظَمَتِهِ وَ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ غَيْرَهُ وَ هُوَ نُورٌ لَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ وَ صِدْقٌ لَيْسَ فِيهِ كَذِبٌ وَ عَدْلٌ لَيْسَ فِيهِ جَوْرٌ وَ حَقٌّ لَيْسَ فِيهِ بَاطِلٌ كَذَلِكَ لَمْ يَزَلْ وَ لَا يَزَالُ أَبَدَ الْآبِدِينَ وَ كَذَلِكَ كَانَ إِذْ لَمْ تَكُنْ أَرْضٌ وَ لَا سَمَاءٌ وَ لَا لَيْلٌ وَ لَا نَهَارٌ وَ لَا شَمْسٌ وَ لَا قَمَرٌ وَ لَا نُجُومٌ وَ لَا سَحَابٌ وَ لَا مَطَرٌ وَ لَا رِيَاحٌ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَحَبَّ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقاً يُعَظِّمُونَ عَظَمَتَهُ وَ يُكَبِّرُونَ كِبْرِيَاءَهُ وَ يُجِلُّونَ جَلَالَهُ فَقَالَ كُونَا ظِلَّيْنِ فَكَانَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى.

قال الصدوق (رحمه الله ) معنى قوله هو نور أي هو منير و هاد و معنى قوله كونا ظلين الروح المقدس و الملك المقرب و المراد به أن الله كان و لا شي‏ء معه فأراد أن يخلق أنبياءه و حججه و شهداءه فخلق قبلهم الروح المقدس و هو الذي يؤيد الله عز و جل به أنبياءه و شهداءه و حججه (صلوات الله عليهم) و هو الذي يحرسهم به من كيد الشيطان و وسواسه و يسددهم و يوفقهم و يمدهم بالخواطر الصادقة ثم خلق الروح الأمين الذي نزل على أنبيائه بالوحي منه عز و جل و قال لهما كونا ظلين ظليلين لأنبيائي و رسلي و حججي و شهدائي فكانا كما قال الله عز و جل ظلين ظليلين لأنبيائه و رسله و حججه و شهدائه يعينهم بهما و ينصرهم على أيديهما و يحرسهم بهما و على هذا المعنى قيل للسلطان العادل إنه ظل الله في أرضه لعباده يأوي إليه المظلوم و يأمن به الخائف الوجل و يأمن به السبل و ينتصر به الضعيف من القوي‏ (1) و هذا هو سلطان الله و حجته التي لا تخلو الأرض منه إلى أن تقوم الساعة. (2)

____________

(1) و في نسخة: و ينتصف به الضعيف من القوى.

(2) ما ذكره الصدوق (رحمه الله ) و ما أورده المصنّف في البيان لا ينطبق شي‏ء منهما على فقرات الرواية، و الذي يظهر من الروايات الواردة في هذا اللسان أن المراد بقوله: ليس شي‏ء غيره: انّه الشي‏ء بحقيقة الشيئية و الوجود كما يؤيده الفقرات التاليات. و المراد بالظلين: العالمين العلوى و السفلى و هو المعنى المناسب لقوله: ليس شي‏ء غيره. ط.

307

بيان قوله(ع)و ليس شي‏ء غيره أي كذلك أو كان كذلك حين لا شي‏ء غيره و يحتمل اتصاله بما بعده أي هو متصف بتلك الأوصاف المذكورة بعد ذلك لا شي‏ء غيره و قوله(ع)كونا ظلين يحتمل أن يكون إشارة إلى خلق أرواح الثقلين فإن الظلال تطلق على عالم الأرواح في الأخبار كما سيأتي أو إلى الملائكة و أرواح البشر أو إلى نور محمد و علي (صلوات الله عليهما) أو نور محمد و نور أهل بيته ع‏

- وَ يُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي فِي بَابِ بَدْءِ خَلْقِ أَرْوَاحِ الْأَئِمَّةِ(ع)عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: كَانَ اللَّهُ وَ لَا شَيْ‏ءَ غَيْرُهُ فَأَوَّلُ مَا ابْتَدَأَ مِنْ خَلْقٍ خَلَقَهُ أَنْ خَلَقَ مُحَمَّداً وَ خَلَقَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ مَعَهُ مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ فَأَوْقَفَنَا أَظِلَّةً خَضْرَاءَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَيْثُ لَا سَمَاءَ وَ لَا أَرْضَ وَ لَا مَكَانَ وَ لَا لَيْلَ وَ لَا نَهَارَ وَ لَا شَمْسَ وَ لَا قَمَرَ الْخَبَرَ.

- وَ عَنْ صَفْوَانَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ فَأَمَرَ نُورَيْنِ مِنْ نُورِهِ فَطَافَا حَوْلَ الْعَرْشِ سَبْعِينَ مَرَّةً فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَّ هَذَانِ نُورَانِ لِي مُطِيعَانِ فَخَلَقَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ مُحَمَّداً وَ عَلِيّاً وَ الْأَصْفِيَاءَ مِنْ وُلْدِهِ ع.

- وَ عَنِ الثُّمَالِيِّ قَالَ: دَخَلَتْ حَبَابَةُ الْوَالِبِيَّةُ (1) عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فَقَالَتْ أَخْبِرْنِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَيَّ شَيْ‏ءٍ كُنْتُمْ فِي الْأَظِلَّةِ فَقَالَ(ع)كُنَّا نُوراً بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ قَبْلَ خَلْقِ خَلْقِهِ الْخَبَرَ.

. و يحتمل أن يكون المراد بهما مادتي السماء و الأرض.

45- فس، تفسير القمي أَبِي عَنِ الْبَزَنْطِيِّ عَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ: قَالَ لِي يَا أَحْمَدُ مَا الْخِلَافُ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ أَصْحَابِ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ فِي التَّوْحِيدِ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ قُلْنَا نَحْنُ بِالصُّورَةِ لِلْحَدِيثِ الَّذِي رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)رَأَى رَبَّهُ فِي صُورَةِ شَابٍّ فَقَالَ هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ بِالنَّفْيِ بِالْجِسْمِ فَقَالَ يَا أَحْمَدُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)لَمَّا أُسْرِيَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ وَ بَلَغَ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى خُرِقَ لَهُ فِي الْحُجُبِ مِثْلُ سَمِّ الْإِبْرَةِ فَرَأَى مِنْ نُورِ الْعَظَمَةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرَى وَ أَرَدْتُمْ أَنْتُمُ التَّشْبِيهَ دَعْ هَذَا يَا أَحْمَدُ لَا يَنْفَتِحُ عَلَيْكَ مِنْهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ.

بيان بالنفي أي نفي الصورة مع القول بالجسم و المراد بالحجب إما الحجب المعنوية و بالرؤية الرؤية القلبية أو الحجب الصورية فالمراد بنور العظمة آثار عظمته برؤية عجائب خلقه.

____________

(1) الحبابة بفتح الحاء و تخفيف الباء.

308

46- سن، المحاسن مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي الْأَشْعَثُ بْنُ حَاتِمٍ‏ أَنَّهُ سَأَلَ الرِّضَا(ع)عَنْ شَيْ‏ءٍ مِنَ التَّوْحِيدِ فَقَالَ أَ لَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ اقْرَأْ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ فَقَرَأْتُ فَقَالَ وَ مَا الْأَبْصَارُ قُلْتُ أَبْصَارُ الْعَيْنِ قَالَ لَا إِنَّمَا عَنَى الْأَوْهَامَ لَا تُدْرِكُ الْأَوْهَامُ كَيْفِيَّتَهُ وَ هُوَ يُدْرِكُ كُلَّ فَهْمٍ.

- سن، المحاسن مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى عَنْ أَبِي هَاشِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)نَحْوَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ الْأَبْصَارُ هَاهُنَا أَوْهَامُ الْعِبَادِ وَ الْأَوْهَامُ أَكْثَرُ مِنَ الْأَبْصَارِ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَوْهَامَ وَ لَا تُدْرِكُهُ الْأَوْهَامُ.

بيان كون الأوهام أكثر لأن البصر في الشخص متحد و له واهمة و متفكرة و متخيلة و عاقلة و كثيرا ما يسلب عن الشخص البصر و تكون له تلك القوى و يحتمل أن يكون المراد بها أكثرية مدركاتها فإنها تدرك ما لا يدركه البصر أيضا.

47- شي، تفسير العياشي عَنِ الثُّمَالِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ‏ لَا يُوصَفُ اللَّهُ بِمُحْكَمِ وَحْيِهِ عَظُمَ رَبُّنَا عَنِ الصِّفَةِ وَ كَيْفَ يُوصَفُ مَنْ لَا يُحَدُّ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ

بيان أي دل محكم الآيات على أنه لا يوصف كقوله تعالى‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ و قوله‏ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ أقول قد مرّ كثير من الأخبار المناسبة لهذا الباب في باب إثبات الصانع و باب النهي عن التفكر و سيأتي بعضها في باب جوامع التوحيد و باب احتجاج أمير المؤمنين(ع)على النصارى و باب الرؤية.

309

باب 14 نفي الزمان و المكان و الحركة و الانتقال عنه تعالى و تأويل الآيات و الأخبار في ذلك‏

1- لي، الأمالي للصدوق السِّنَانِيُّ عَنِ الْأَسَدِيِّ عَنِ النَّخَعِيِّ عَنْ عَمِّهِ النَّوْفَلِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِزَمَانٍ وَ لَا مَكَانٍ وَ لَا حَرَكَةٍ وَ لَا انْتِقَالٍ وَ لَا سُكُونٍ بَلْ هُوَ خَالِقُ الزَّمَانِ وَ الْمَكَانِ وَ الْحَرَكَةِ وَ السُّكُونِ وَ الِانْتِقَالِ تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوّاً كَبِيراً.

2- شا، الإرشاد ج، الإحتجاج رُوِيَ‏ أَنَّ بَعْضَ أَحْبَارِ الْيَهُودِ جَاءَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ أَنْتَ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى الْأُمَّةِ (1) فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ إِنَّا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ خُلَفَاءَ الْأَنْبِيَاءِ أَعْلَمُ أُمَمِهِمْ فَخَبِّرْنِي عَنِ اللَّهِ أَيْنَ هُوَ فِي السَّمَاءِ هُوَ أَمْ فِي الْأَرْضِ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي السَّمَاءِ عَلَى الْعَرْشِ قَالَ الْيَهُودِيُّ فَأَرَى الْأَرْضَ خَالِيَةً مِنْهُ فَأَرَاهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ هَذَا كَلَامُ الزَّنَادِقَةِ اعْزُبْ عَنِّي وَ إِلَّا قَتَلْتُكَ فَوَلَّى الرَّجُلُ مُتَعَجِّباً يَسْتَهْزِئُ بِالْإِسْلَامِ فَاسْتَقْبَلَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ لَهُ يَا يَهُودِيُّ قَدْ عَرَفْتُ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ وَ مَا أُجِبْتَ بِهِ وَ إِنَّا نَقُولُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَيَّنَ الْأَيْنَ فَلَا أَيْنَ لَهُ وَ جَلَّ مِنْ أَنْ يَحْوِيَهُ مَكَانٌ وَ هُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِغَيْرِ مُمَاسَّةٍ وَ لَا مُجَاوَرَةٍ يُحِيطُ عِلْماً بِمَا فِيهَا وَ لَا يَخْلُو شَيْ‏ءٌ مِنْ تَدْبِيرِهِ تَعَالَى وَ إِنِّي مُخْبِرُكَ بِمَا جَاءَ فِي كِتَابٍ مِنْ كُتُبِكُمْ يُصَدِّقُ بِمَا ذَكَرْتُهُ لَكَ فَإِنْ عَرَفْتَهُ أَ تُؤْمِنُ بِهِ قَالَ الْيَهُودِيُّ نَعَمْ قَالَ أَ لَسْتُمْ تَجِدُونَ فِي بَعْضِ كُتُبِكُمْ أَنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِساً إِذْ جَاءَهُ مَلَكٌ مِنَ الْمَشْرِقِ فَقَالَ لَهُ مِنْ أَيْنَ جِئْتَ قَالَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ ثُمَّ جَاءَهُ مَلَكٌ مِنَ الْمَغْرِبِ فَقَالَ لَهُ مِنْ أَيْنَ جِئْتَ قَالَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ ثُمَّ جَاءَهُ مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ لَهُ مِنْ أَيْنَ جِئْتَ قَالَ قَدْ جِئْتُكَ مِنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ جَاءَهُ مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ مِنْ أَيْنَ جِئْتَ قَالَ قَدْ جِئْتُكَ مِنَ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَالَ مُوسَى(ع)سُبْحَانَ‏

____________



(1) في نسخة: أنت خليفة رسول هذه الأمة.

310

مَنْ لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ وَ لَا يَكُونُ إِلَى مَكَانٍ أَقْرَبَ مِنْ مَكَانٍ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ أَشْهَدُ أَنَّ هَذَا هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ وَ أَنَّكَ أَحَقُّ بِمَقَامِ نَبِيِّكَ مِمَّنِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ.

بيان عَزَبَ عنه يعزُبُ و يعزِبُ أي بعد و غاب و فسّر(ع)قوله و هو في كل مكان بما ذكره بعده ليظهر أن المراد به الإحاطة بالعلم و التدبير.

3- شا، الإرشاد ج، الإحتجاج رَوَى الشَّعْبِيُ‏ أَنَّهُ سَمِعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)رَجُلًا يَقُولُ وَ الَّذِي احْتَجَبَ بِسَبْعِ طِبَاقٍ فَعَلَاهُ بِالدِّرَّةِ (1) ثُمَّ قَالَ لَهُ يَا وَيْلَكَ إِنَّ اللَّهَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَحْتَجِبَ عَنْ شَيْ‏ءٍ أَوْ يَحْتَجِبَ عَنْهُ شَيْ‏ءٌ سُبْحَانَ الَّذِي لَا يَحْوِيهِ مَكَانٌ وَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ فِي الْأَرْضِ وَ لَا فِي السَّمَاءِ فَقَالَ الرَّجُلُ أَ فَأُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ لَا لَمْ تَحْلِفْ بِاللَّهِ فَيَلْزَمَكَ الْكَفَّارَةُ (2) وَ إِنَّمَا حَلَفْتَ بِغَيْرِهِ.

4- ج، الإحتجاج‏ فِي جَوَابِ أَسْئِلَةِ الزِّنْدِيقِ الْمُنْكِرِ لِلْقُرْآنِ- عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ قَالَ مَعْنَى قَوْلِهِ‏ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ‏ فَإِنَّمَا خَاطَبَ نَبِيَّنَا(ص)هَلْ يَنْتَظِرُ الْمُنَافِقُونَ وَ الْمُشْرِكُونَ‏ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ فَيُعَايِنُوهُمْ‏ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ‏ يَعْنِي بِذَلِكَ أَمْرَ رَبِّكَ وَ الْآيَةُ هِيَ الْعَذَابُ فِي دَارِ الدُّنْيَا كَمَا عَذَّبَ الْأُمَمَ السَّالِفَةَ وَ الْقُرُونَ الْخَالِيَةَ وَ قَالَ‏ أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها يَعْنِي بِذَلِكَ مَا يَهْلِكُ مِنَ الْقُرُونَ فَسَمَّاهُ إِتْيَاناً وَ قَوْلُهُ‏ الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏ يَعْنِي اسْتَوَى تَدْبِيرُهُ وَ عَلَا أَمْرُهُ وَ قَوْلُهُ‏ وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ‏ وَ قَوْلُهُ‏ وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ‏ وَ قَوْلُهُ‏ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ‏ فَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ اسْتِيلَاءَ أُمَنَائِهِ بِالْقُدْرَةِ الَّتِي رَكَّبَهَا فِيهِمْ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ وَ أَنَّ فِعْلَهُمْ فِعْلُهُ الْخَبَرَ.

يد، التوحيد فِي هَذَا الْخَبَرِ وَ قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى‏ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا يَعْنِي أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ عَذَاباً وَ كَذَلِكَ إِتْيَانُهُ بُنْيَانَهُمْ وَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَإِتْيَانُهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ إِرْسَالُ الْعَذَابِ.

____________

(1) الدرة بكسر الدال و تشديد الراء: السوط.

(2) في شا: فيلزمك الكفّارة كفّارة الحنث.

311

تبيان قال البيضاوي‏ هَلْ يَنْظُرُونَ‏ أي ما ينتظرون يعني أهل مكة و هم ما كانوا منتظرين لذلك و لكن لما كان يلحقهم لحوق المنتظر شبهوا بالمنتظرين‏ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ ملائكة الموت أو العذاب‏ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ‏ أي أمره بالعذاب أو كل آية يعني آيات القيامة و الهلاك الكلي لقوله‏ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ‏ يعني أشراط الساعة. (1)

أقول لعله(ع)فسّر إتيان الرب بالقيامة و إتيان أمره تعالى بقيامها و إتيان بعض الآيات بنزول العذاب في الدنيا و إتيان الملائكة بظهورهم عند الموت أو الأعم منه و من غيره.

و قال الطبرسي (رحمه الله )أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ‏ أي نقصِدها نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها اختلف في معناه على أقوال أحدها أ و لم ير هؤلاء الكفار أنا ننقص أطراف الأرض بإماتة أهلها و ثانيها ننقصها بذهاب علمائها و فقهائها و خيار أهلها و ثالثها أن المراد نقصِد الأرض ننقصها من أطرافها بالفتوح على المسلمين منها فننقص من أهل الكفر و نزيد في المسلمين يعني ما دخل في الإسلام من بلاد الشرك و رابعها أن معناه أ و لم يروا ما يحدث في الدنيا من الخراب بعد العمارة و الموت بعد الحياة و النقصان بعد الزيادة انتهى.

و أما ما ذكره(ع)أخيرا في الخبر الأول فالظاهر تعلقه بالثلاثة الأخيرة فالمراد بالأولى نفوذ أمره تعالى في السماء و الأرض و خلقه الملائكة و الحجج فيهما و إنفاذهم أمره تعالى فيهما و بالثانية كون الملائكة و الحجج معهم شاهدين عليهم و كذا الثالثة.

5- ج، الإحتجاج عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ جَعْفَرٍ الْجَعْفَرِيِّ عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ مُوسَى(ع)قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَهُ قَوْمٌ زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْزِلُ وَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَنْزِلَ إِنَّمَا مَنْظَرُهُ فِي الْقُرْبِ وَ الْبُعْدِ سَوَاءٌ لَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ قَرِيبٌ وَ لَمْ يَقْرُبْ مِنْهُ بَعِيدٌ وَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى شَيْ‏ءٍ بَلْ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ وَ هُوَ ذُو الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أَمَّا قَوْلُ الْوَاصِفِينَ إِنَّهُ يَنْزِلُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَنْسُبُهُ إِلَى نَقْصٍ أَوْ زِيَادَةٍ وَ كُلُّ مُتَحَرِّكٍ مُحْتَاجٌ إِلَى مَنْ يُحَرِّكُهُ أَوْ يَتَحَرَّكُ بِهِ فَمَنْ ظَنَّ بِاللَّهِ الظُّنُونَ‏

____________



(1) أشراط الساعة: علائمها.

312

فَقَدْ هَلَكَ وَ أَهْلَكَ فَاحْذَرُوا فِي صِفَاتِهِ مِنْ أَنْ تَقِفُوا لَهُ عَلَى حَدٍّ مِنْ نَقْصٍ أَوْ زِيَادَةٍ أَوْ تَحْرِيكٍ أَوْ تَحَرُّكٍ أَوْ زَوَالٍ أَوِ اسْتِنْزَالٍ أَوْ نُهُوضٍ أَوْ قُعُودٍ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ عَنْ صِفَةِ الْوَاصِفِينَ وَ نَعْتِ النَّاعِتِينَ وَ تَوَهُّمِ الْمُتَوَهِّمِينَ.

يد، التوحيد الدَّقَّاقُ عَنِ الْأَسَدِيِّ عَنِ الْبَرْمَكِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَيَّاشٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ جَعْفَرٍ الْجَعْفَرِيِ‏ مِثْلَهُ وَ زَادَ فِي آخِرِهِ‏ وَ تَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ‏

بيان إنما منظره أي نظره و علمه و إحاطته بأن يكون مصدرا ميميا أو ما ينظر إليه في القرب و البعد منه سواء أي لا يختلف اطلاعه على الأشياء بالقرب و البعد لأن القرب و البعد إنما يجريان في المكاني بالنسبة إلى المكان و هو سبحانه متعال عن المكان و الطول الفضل و الإنعام.

قوله فإنما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص أي النزول المكاني إنما يتصور في المتحيز و كل متحيز موصوف بالتقدر و كل متقدر متصف بالنقص عما هو أزيد منه و بالزيادة على ما هو أنقص منه أو يكون في نفسه قابلا للزيادة و النقصان و الوجوب الذاتي ينافي ذلك لاستلزامه التجزؤ و الانقسام المستلزمين للإمكان و أيضا كل متحرك محتاج إلى من يحركه أو يتحرك به لأن المتحرك إما جسم أو متعلق بالجسم و الجسم المتحرك لا بد له من محرك لأنه ليس يتحرك بجسميته و المتعلق بالجسم لا بد له في تحركه من جسم يتحرك به و هو سبحانه منزه عن الاحتياج إلى المتحرك و عن التغير بمغير و عن التعلق بجسم يتحرك به و يحتمل أن يكون المراد بالأول الحركة القسرية و بالثاني ما يشمل الإرادية و الطبيعية بأن يكون المراد بقوله من يتحرك به ما يتحرك به من طبيعة أو نفس.

و قوله من أن تقفوا من وقف يقف أي أن تقوموا في الوصف له و توصيفه على حد فتحدونه بنقص أو زيادة و يحتمل أن يكون من قفا يقفو أي أن تتبعوا له في البحث عن صفاته تتبعا على حد تحدونه بنقص أو زيادة و قوله حين تقوم أي إلى التهجد أو إلى الخيرات أو إلى الأمور كلها و تقلبك في الساجدين أي ترددك و حركاتك فيما بين المصلين بالقيام و القعود و الركوع و السجود.

313

6- ج، الإحتجاج عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ جَعْفَرٍ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الْغَفَّارِ السُّلَمِيُّ أَبَا إِبْرَاهِيمَ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏ ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏ فَقَالَ أَرَى هَاهُنَا خُرُوجاً مِنْ حُجُبٍ وَ تَدَلِّياً إِلَى الْأَرْضِ وَ أَرَى مُحَمَّداً(ص)رَأَى رَبَّهُ بِقَلْبِهِ وَ نُسِبَ إِلَى بَصَرِهِ وَ كَيْفَ هَذَا فَقَالَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ ع‏ دَنا فَتَدَلَّى‏ فَإِنَّهُ لَمْ يدل [يَتَدَلَّ عَنْ مَوْضِعٍ وَ لَمْ يَتَدَلَّ بِبَدَنٍ فَقَالَ عَبْدُ الْغَفَّارِ أَصِفُهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ حَيْثُ قَالَ‏ دَنا فَتَدَلَّى‏ فَلَمْ يَتَدَلَّ عَنْ مَجْلِسِهِ إِلَّا قَدْ زَالَ عَنْهُ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَمْ يَصِفْ بِذَلِكَ نَفْسَهُ فَقَالَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ(ع)إِنَّ هَذِهِ لُغَةٌ فِي قُرَيْشٍ إِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ أَنْ يَقُولَ قَدْ سَمِعْتُ يَقُولُ قَدْ تَدَلَّيْتُ وَ إِنَّمَا التَّدَلِّي الْفَهْمُ.

بيان التدلي القرب و النزول من علو و الامتداد إلى جهة السفل و يكون من التدلل بمعنى الغنج و ما ذكره(ع)أن المراد به الفهم فهو على المجاز لأن من يريد فهم شي‏ء يتدلى إلى القائل ليسمعه و يفهمه ثم اعلم أنه قد اختلف في تفسير هذه الآية على وجوه.

الأول أن تكون الضمائر راجعة إلى جبرئيل(ع)فالمعنى‏ وَ هُوَ أي جبرئيل‏ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى‏ أفق السماء ثُمَّ دَنا من النبي ص‏ فَتَدَلَّى‏ أي تعلق به و هو تمثيل لعروجه بالرسول(ص)أو تدلى من الأفق الأعلى فدنا من الرسول فيكون إشعارا بأنه عرج به غير منفصل عن محله و تقريرا لشدة قوته و قيل المعنى قرب فاشتد قربه‏ فَكانَ‏ البعد بينهما قابَ قَوْسَيْنِ‏ أي قدرهما أَوْ أَدْنى‏ و المقصود تمثيل ملكة الاتصال و تحقيق استماعه لما أوحي إليه بنفي البعد الملبس.

الثاني أن تكون الضمائر راجعة إلى محمد(ص)أي‏ ثُمَّ دَنا محمد من الخلق و الأمة و صار كواحد منهم‏ فَتَدَلَّى‏ إليهم بالقول اللين و الدعاء الرفيق فالحاصل أنه(ص)استوى و كمل فدنا من الخلق بعد علوه و تدلى إليهم و بلغ الرسالة.

الثالث أن تكون الضمائر راجعة إلى الله تعالى فيكون دنوه كناية عن رفع مكانته و تدليه عن جذبه بشراشره إلى جناب القدس و الحاصل أنه مؤول بالدنو المعنوي و التقرب و المعرفة و اللطف على ما يؤول حديث من تقرب إلي شبرا تقربت‏

314

إليه ذراعا و قيل الدنو منه(ص)و هو كناية عن عظم قدره حيث انتهى إلى حيث لم ينته إليه أحد و التدلي منه تعالى كناية عن غاية لطفه و رحمته.

7- لي، الأمالي للصدوق يد، التوحيد ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) الدَّقَّاقُ عَنِ الصُّوفِيِّ عَنِ الرُّويَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْحَسَنِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مَحْمُودٍ قَالَ: قُلْتُ لِلرِّضَا(ع)يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَرْوِيهِ النَّاسُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنَّهُ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَقَالَ(ع)لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَرِّفِينَ لِلْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَ اللَّهِ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)كَذَلِكَ إِنَّمَا قَالَ(ص)إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يُنْزِلُ مَلَكاً إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ وَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ فَيَأْمُرُهُ فَيُنَادِي هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ يَا طَالِبَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ يَا طَالِبَ الشَّرِّ أَقْصِرْ فَلَا يَزَالُ يُنَادِي بِهَذَا إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ عَادَ إِلَى مَحَلِّهِ مِنْ مَلَكُوتِ السَّمَاءِ (1) حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ آبَائِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص.

ج، الإحتجاج مرسلا مثله بيان الظاهر أن مراده(ع)تحريفهم لفظ الخبر و يحتمل أن يكون المراد تحريفهم معناه بأن يكون المراد بنزوله تعالى إنزال ملائكته مجازا- ع، علل الشرائع السناني و الدقاق و المكتب و الوراق عن الأسدي‏ مثله.

8- لي، الأمالي للصدوق السِّنَانِيُّ عَنِ الْأَسَدِيِّ عَنِ النَّخَعِيِّ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ثَابِتِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَأَلْتُ زَيْنَ الْعَابِدِينَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)عَنِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ هَلْ يُوصَفُ بِمَكَانٍ فَقَالَ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ قُلْتُ فَلِمَ أُسْرِيَ نَبِيُّهُ مُحَمَّدٌ(ص)إِلَى السَّمَاءِ قَالَ لِيُرِيَهُ مَلَكُوتَ السَّمَاءِ وَ مَا فِيهَا مِنْ عَجَائِبِ صُنْعِهِ وَ بَدَائِعِ خَلْقِهِ قُلْتُ فَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏ قَالَ ذَاكَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)دَنَا مِنْ حُجُبِ النُّورِ فَرَأَى مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ ثُمَّ تَدَلَّى(ص)فَنَظَرَ مِنْ تَحْتِهِ إِلَى مَلَكُوتِ الْأَرْضِ حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُ فِي الْقُرْبِ مِنَ الْأَرْضِ كَقَابِ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى.

____________

(1) الملكوت: الملك العظيم، العز و السلطان. و الملكوت السماوى: هو محل القديسين في السماء.

315

9- فس، تفسير القمي أَبِي عَنْ حَمَّادٍ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ الرَّبَّ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ وَ أَمَامَهُ مَلَكٌ يُنَادِي هَلْ مِنْ تَائِبٍ يُتَابُ عَلَيْهِ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَيُغْفَرَ لَهُ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَيُعْطَى سُؤْلَهُ اللَّهُمَّ أَعْطِ كُلَّ مُنْفِقٍ خَلَفاً (1) وَ كُلَّ مُمْسِكٍ تَلَفاً فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ عَادَ الرَّبُّ إِلَى عَرْشِهِ فَيُقَسِّمُ الْأَرْزَاقَ بَيْنَ الْعِبَادِ ثُمَّ قَالَ لِلْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ يَا فُضَيْلُ نَصِيبَكَ مِنْ ذَلِكَ وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ‏ وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ‏ إِلَى قَوْلِهِ‏ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ‏

بيان نزوله تعالى كناية عن تنزله عن عرش العظمة و الجلال و أنه مع غنائه عنهم من جميع الوجوه يخاطبهم بما يخاطب به من يحتاج إلى غيره تلطفا و تكرما و عوده إلى عرشه عن توجهه تعالى إلى شئون أخر يفعله الملوك إذا تمكنوا على عرشهم قوله(ع)نصيبك أي خذ نصيبك من هذا الخير و لا تغفل عنه.

10- ع، علل الشرائع الْمُكَتِّبُ وَ الْوَرَّاقُ وَ الْهَمَذَانِيُّ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عِمْرَانَ وَ صَالِحِ بْنِ السِّنْدِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ(ع)لِأَيِّ عِلَّةٍ عَرَجَ اللَّهُ بِنَبِيِّهِ(ص)إِلَى السَّمَاءِ وَ مِنْهَا إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَ مِنْهَا إِلَى حُجُبِ النُّورِ وَ خَاطَبَهُ وَ نَاجَاهُ هُنَاكَ وَ اللَّهُ لَا يُوصَفُ بِمَكَانٍ فَقَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ لَا يُوصَفُ بِمَكَانٍ وَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ زَمَانٌ وَ لَكِنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَرَادَ أَنْ يُشَرِّفَ بِهِ مَلَائِكَتَهُ وَ سُكَّانَ سَمَاوَاتِهِ وَ يُكْرِمَهُمْ بِمُشَاهَدَتِهِ وَ يُرِيَهُ مِنْ عَجَائِبِ عَظَمَتِهِ مَا يُخْبِرُ بِهِ بَعْدَ هُبُوطِهِ وَ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى مَا يَقُولُهُ الْمُشَبِّهُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَ تَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ.

يد، التوحيد علي بن الحسين بن الصلت عن محمد بن أحمد بن علي بن الصلت عن عمه عبد الله بن الصلت عن يونس‏ مثله.

11- ع، علل الشرائع أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ عُيَيْنَةَ (2) عَنْ حَبِيبٍ السِّجِسْتَانِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏ فَأَوْحى‏ إِلى‏ عَبْدِهِ ما أَوْحى‏ فَقَالَ لِي يَا حَبِيبُ لَا تَقْرَأْ هَكَذَا

____________



(1) الخلف: البدل و العوض.

(2) لم نجد له ذكرا في التراجم.

316

اقْرَأْ ثُمَّ دَنَا فَتَدَانَى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى عَبْدِهِ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ص‏ ما أَوْحى‏ يَا حَبِيبُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ أَتْعَبَ نَفْسَهُ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ الشُّكْرِ لِنِعَمِهِ فِي الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَ كَانَ عَلِيٌّ(ع)مَعَهُ فَلَمَّا غَشِيَهُمُ اللَّيْلُ انْطَلَقَا إِلَى الصَّفَا وَ الْمَرْوَةِ يُرِيدَانِ السَّعْيَ قَالَ فَلَمَّا هَبَطَا مِنَ الصَّفَا إِلَى الْمَرْوَةِ وَ صَارَا فِي الْوَادِي دُونَ الْعَلَمِ الَّذِي رَأَيْتَ غَشِيَهُمَا مِنَ السَّمَاءِ نُورٌ فَأَضَاءَتْ لَهُمَا جِبَالُ مَكَّةَ وَ خَسَأَتْ أَبْصَارُهُمَا (1) قَالَ فَفَزِعَا لِذَلِكَ فَزَعاً شَدِيداً قَالَ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ(ص)حَتَّى ارْتَفَعَ مِنَ الْوَادِي وَ تَبِعَهُ عَلِيٌّ(ع)فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا هُوَ بِرُمَّانَتَيْنِ عَلَى رَأْسِهِ قَالَ فَتَنَاوَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى مُحَمَّدٍ يَا مُحَمَّدُ إِنَّهَا مِنْ قِطْفِ الْجَنَّةِ فَلَا يَأْكُلْ مِنْهَا إِلَّا أَنْتَ وَ وَصِيُّكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)قَالَ فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِحْدَاهُمَا وَ أَكَلَ عَلِيٌّ(ع)الْأُخْرَى ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى مُحَمَّدٍ(ص)مَا أَوْحَى قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)يَا حَبِيبُ‏ وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى‏ عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى‏ يَعْنِي عِنْدَهَا وَافَى بِهِ جَبْرَئِيلُ حِينَ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ قَالَ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى مَحَلِّ السِّدْرَةِ وَقَفَ جَبْرَئِيلُ دُونَهَا وَ قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ هَذَا مَوْقِفِيَ الَّذِي وَضَعَنِيَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِيهِ وَ لَنْ أَقْدِرَ عَلَى أَنْ أَتَقَدَّمَهُ وَ لَكِنِ امْضِ أَنْتَ أَمَامَكَ إِلَى السِّدْرَةِ فَوَقَفَ عِنْدَهَا قَالَ فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِلَى السِّدْرَةِ وَ تَخَلَّفَ جَبْرَئِيلُ(ع)قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)إِنَّمَا سُمِّيَتْ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى لِأَنَّ أَعْمَالَ أَهْلِ الْأَرْضِ تَصْعَدُ بِهَا الْمَلَائِكَةُ الْحَفَظَةُ إِلَى مَحَلِّ السِّدْرَةِ وَ الْحَفَظَةُ الْكِرَامُ الْبَرَرَةُ دُونَ السِّدْرَةِ يَكْتُبُونَ مَا تَرْفَعُ إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ فِي الْأَرْضِ قَالَ فَيَنْتَهُونَ بِهَا إِلَى مَحَلِّ السِّدْرَةِ قَالَ فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَرَأَى أَغْصَانَهَا تَحْتَ الْعَرْشِ وَ حَوْلَهُ قَالَ فَتَجَلَّى لِمُحَمَّدٍ(ص)نُورُ الْجَبَّارِ عَزَّ وَ جَلَّ فَلَمَّا غَشِيَ مُحَمَّداً(ص)النُّورُ شَخَصَ بِبَصَرِهِ وَ ارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ قَالَ فَشَدَّ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِمُحَمَّدٍ قَلْبَهُ وَ قَوَّى لَهُ بَصَرَهُ حَتَّى رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ مَا رَأَى وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى‏ عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى‏ قَالَ يَعْنِي الْمُوَافَاةَ قَالَ فَرَأَى مُحَمَّدٌ(ص)مَا رَأَى بِبَصَرِهِ‏ مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى‏ يَعْنِي أَكْبَرَ الْآيَاتِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)وَ إِنَّ غِلَظَ السِّدْرَةِ بِمَسِيرَةِ مِائَةِ عَامٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا وَ إِنَ‏

____________



(1) خسأ البصر: كل و أعيا.

317

الْوَرَقَةَ مِنْهَا تُغَطِّي أَهْلَ الدُّنْيَا وَ إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَلَائِكَةً وَكَّلَهُمْ بِنَبَاتِ الْأَرْضِ مِنَ الشَّجَرِ وَ النَّخْلِ فَلَيْسَ مِنْ شَجَرَةٍ وَ لَا نَخْلَةٍ إِلَّا وَ مَعَهَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَلَكٌ يَحْفَظُهَا وَ مَا كَانَ فِيهَا وَ لَوْ لَا أَنَّ مَعَهَا مَنْ يَمْنَعُهَا لَأَكَلَهَا السِّبَاعُ وَ هَوَامُّ الْأَرْضِ إِذَا كَانَ فِيهَا ثَمَرُهَا قَالَ وَ إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَنْ يَضْرِبَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَلَاهُ تَحْتَ شَجَرَةٍ أَوْ نَخْلَةٍ قَدْ أَثْمَرَتْ لِمَكَانِ الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِهَا قَالَ وَ لِذَلِكَ يَكُونُ الشَّجَرُ وَ النَّخْلُ أُنْساً إِذَا كَانَ فِيهِ حَمْلُهُ‏ (1) لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَحْضُرُهُ.

إيضاح القطف بالكسر اسم للثمار المقطوعة من أصولها و شخوص البصر فتحه بحيث لا يطرف و الفريصة ودج العنق و اللحمة بين الجنب و الكتف لا تزال ترعد.

12- فس، تفسير القمي‏ قَوْلُهُ‏ وَ هُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى‏ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ص‏ ثُمَّ دَنا يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ(ص)مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ فَتَدَلَّى‏ قَالَ إِنَّمَا أُنْزِلَتْ ثُمَّ دَنَا فَتَدَانَى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ قَالَ كَانَ مِنَ اللَّهِ كَمَا بَيْنَ مَقْبِضِ الْقَوْسِ إِلَى رَأْسِ السِّيَةِ أَوْ أَدْنى‏ (2) قَالَ بَلْ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ‏ فَأَوْحى‏ إِلى‏ عَبْدِهِ ما أَوْحى‏ قَالَ وَحْيَ الْمُشَافَهَةِ.

تبيين قال الجوهري تقول بينهما قاب قوس و قيب قوس و قاد قوس و قيد قوس أي قدر قوس و القاب ما بين المقبض و السية و لكل قوس قابان و قال بعضهم في قوله تعالى‏ فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ‏ أراد قابي قوس فغلبه.

13- ل، الخصال‏ فِي مَسَائِلِ الْيَهُودِيِّ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ لَهُ فَرَبُّكَ يَحْمِلُ أَوْ يُحْمَلُ قَالَ إِنَّ رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ يَحْمِلُ كُلَّ شَيْ‏ءٍ بِقُدْرَتِهِ وَ لَا يَحْمِلُهُ شَيْ‏ءٌ قَالَ فَكَيْفَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ قَالَ يَا يَهُودِيُّ أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ لِلَّهِ‏ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ ما تَحْتَ الثَّرى‏ فَكُلُّ شَيْ‏ءٍ عَلَى الثَّرَى وَ الثَّرَى عَلَى الْقُدْرَةِ وَ الْقُدْرَةُ تَحْمِلُ كُلَّ شَيْ‏ءٍ الْخَبَرَ.

14- يد، التوحيد ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) تَمِيمٌ الْقُرَشِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ الْهَرَوِيِّ قَالَ: سَأَلَ الْمَأْمُونُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرِّضَا(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا

____________



(1) و في نسخة: و لذلك يكون للشجر و النخل انسا إذا كان فيه حمله.

(2) سية القوس بكسر السين: ما عطف من طرفيها.

318

فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ الْعَرْشَ وَ الْمَاءَ وَ الْمَلَائِكَةَ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تَسْتَدِلُّ بِأَنْفُسِهَا وَ بِالْعَرْشِ وَ الْمَاءِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ ثُمَّ جَعَلَ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ لِيُظْهِرَ بِذَلِكَ قُدْرَتَهُ لِلْمَلَائِكَةِ فَتَعْلَمَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ ثُمَّ رَفَعَ الْعَرْشَ بِقُدْرَتِهِ وَ نَقَلَهُ وَ جَعَلَهُ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ هُوَ مُسْتَوْلٍ عَلَى عَرْشِهِ وَ كَانَ قَادِراً عَلَى أَنْ يَخْلُقَهَا فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ وَ لَكِنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَهَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ لِيَظْهَرَ لِلْمَلَائِكَةِ مَا يَخْلُقُهُ مِنْهَا شَيْئاً بَعْدَ شَيْ‏ءٍ فَيُسْتَدَلَّ بِحُدُوثِ مَا يَحْدُثُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَ لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ الْعَرْشَ لِحَاجَةٍ بِهِ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الْعَرْشِ وَ عَنْ جَمِيعِ مَا خَلَقَ لَا يُوصَفُ بِالْكَوْنِ عَلَى الْعَرْشِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ تَعَالَى عَنْ صِفَةِ خَلْقِهِ عُلُوّاً كَبِيراً.

15- يد، التوحيد مع، معاني الأخبار ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) الْمُعَاذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ الْهَمْدَانِيِ‏ (1) عَنْ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ‏ (2) عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ الرِّضَا(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ‏ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِمَكَانٍ يَحُلُّ فِيهِ فَيُحْجَبَ عَنْهُ فِيهِ عِبَادُهُ وَ لَكِنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُمْ عَنْ ثَوَابِ رَبِّهِمْ مَحْجُوبُونَ قَالَ وَ سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يُوصَفُ بِالْمَجِي‏ءِ وَ الذَّهَابِ تَعَالَى عَنِ الِانْتِقَالِ إِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ وَ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَ الْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً

____________



(1) هو أحمد بن محمّد بن سعيد السبيعى الهمدانيّ الحافظ، المكنى بأبي العباس، المعروف بابن عقدة، كان كوفيا زيديا جاروديا ثقة، تقدم ترجمته مفصلا.

(2) هو عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضال بن عمر بن أيمن مولى عكرمة بن ربعى الفياض أبو الحسن كان فقيه أصحابنا بالكوفة، و وجههم و ثقتهم و عارفهم بالحديث و المسموع قوله فيه، سمع منه شيئا كثيرا و لم يعثر له على زلة فيه و لا ما يشينه، و قل ما روى عن ضعيف، و كان فطحيا، و لم يرو عن أبيه شيئا، و قال: كنت اقابله- و سنى ثمان عشرة سنة- بكتبه، و لا أفهم إذ ذاك الروايات، و لا أستحل أن أرويها عنه، و روى عن أخويه عن أبيهما، و ذكر أحمد بن الحسين (رحمه الله ) أنّه رأى نسخة أخرجها أبو جعفر بن بابويه، و قال: حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقانى، قال: حدّثنا أحمد بن سعيد، قال: حدّثنا عليّ بن الحسن بن فضال، عن أبيه، عن الرضا (عليه السلام)، و لا يعرف الكوفيون هذه النسخة، و لا رويت من غير هذا الطريق. قاله النجاشيّ و عدّ له كتبا كثيرة.

319

قَالَ وَ سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَ الْمَلائِكَةُ قَالَ يَقُولُ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِالْمَلَائِكَةِ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَ هَكَذَا نَزَلَتْ قَالَ وَ سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ‏ وَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ‏ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ‏ وَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى‏ وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّهُ‏ وَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ هُوَ خادِعُهُمْ‏ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يَسْخَرُ وَ لَا يَسْتَهْزِئُ وَ لَا يَمْكُرُ وَ لَا يُخَادِعُ وَ لَكِنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يُجَازِيهِمْ جَزَاءَ السُّخْرِيَّةِ وَ جَزَاءَ الِاسْتِهْزَاءِ وَ جَزَاءَ الْمَكْرِ وَ الْخَدِيعَةِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوّاً كَبِيراً.

ج، الإحتجاج‏ مرسلا عنه(ع)بيان قال الزمخشري في الآية الأولى كونهم محجوبين عنه تمثيل للاستخفاف بهم و إهانتهم لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للمكرمين لديهم و لا يحجب عنهم إلا المهانون عندهم و قال الرازي في الآية الثانية اعلم أنه ثبت بالدليل العقلي أن الحركة على الله محال لأن كل ما كان كذلك كان جسما و الجسم مستحيل أن يكون أزليا فلا بد فيه من التأويل و هو أن هذا من باب حذف المضاف و إقامة المضاف إليه مقامه ثم ذلك المضاف ما هو فيه وجوه.

أحدها و جاء أمر ربك للمحاسبة و المجازات و ثانيها و جاء قهر ربك كما يقال جاءتنا بنو أمية أي قهرهم و ثالثها و جاء جلائل آيات ربك لأن هذا يكون يوم القيامة و في ذلك اليوم تظهر العظام و جلائل الآيات فجعل مجيئها مجيئا له تفخيما لشأن تلك الآيات و رابعها و جاء ظهوره و ذلك لأن معرفة الله تصير ذلك اليوم ضرورية فصار ذلك كظهوره و تجليه للخلق فقال و جاء ربك أي زالت الشبه و ارتفعت الشكوك و خامسها أن هذا تمثيل لظهور آيات الله و تبيين آثار قهره و سلطانه مثلت حاله في ذلك بحال الملك إذا ظهر بنفسه فإنه يظهر بمجرد حضوره من آثار الهيبة و السياسة ما لا يظهر بحضور عساكره كلها و سادسها أن الرب المربي فلعل ملكا هو أعظم الملائكة هو مرب للنبي(ص)جدا فكان هو المراد من قوله‏ وَ جاءَ رَبُّكَ‏ و قال الطبرسي (رحمه الله ) في الآية الثالثة أي هل ينتظر هؤلاء المكذبون بآيات الله‏

320

إلا أن يأتيهم أمر الله أي عذاب الله و ما توعدهم به على معصيته في ستر من السحاب و قيل قطع من السحاب و هذا كما يقال قتل الأمير فلانا و ضربه و أعطاه و إن لم يتول شيئا من ذلك بنفسه بل فعل بأمره فأسند إليه لأمره به و قيل معناه ما ينتظرون إلا أن تأتيهم جلائل آيات الله غير أنه ذكر نفسه تفخيما للآيات كما يقال دخل الأمير البلد و يراد بذلك جنده و إنما ذكر الغمام ليكون أهول فإن الأهوال تشبه بظلل الغمام كما قال سبحانه‏ وَ إِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ‏ و قال الزجاج معناه يأتيهم الله بما وعدهم من العذاب و الحساب كما قال‏ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا أي أتاهم بخذلانه إياهم و الأقوال متقاربة و قد يقال أتى و جاء فيما لا يجوز عليه المجي‏ء و الذهاب يقال أتاني وعيد فلان و جاءني كلام فلان و أتاني حديثه و لا يراد به الإتيان الحقيقي ثم قال و قرأ أبو جعفر الملائكة بالجر قال و قيل معنى الآية إلا أن يأتيهم الله بظلل من الغمام أي بجلائل آياته و بالملائكة انتهى أقول على قراءته(ع)لا يحتاج إلى شي‏ء من هذه التأويلات.

16- ج، الإحتجاج عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ آبَائِهِ(ع)أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ فِي جَوَابِ الْيَهُودِيِّ الَّذِي سَأَلَ عَنْ مُعْجِزَاتِ الرَّسُولِ(ص)إِنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَ عُرِجَ بِهِ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ مَسِيرَةَ خَمْسِينَ أَلْفَ عَامٍ فِي أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ لَيْلَةٍ حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَاقِ الْعَرْشِ فَدَنَا بِالْعِلْمِ فَتَدَلَّى فَدُلِّيَ لَهُ مِنَ الْجَنَّةِ رَفْرَفٌ أَخْضَرُ وَ غَشِيَ النُّورُ بَصَرَهُ فَرَأَى عَظَمَةَ رَبِّهِ بِفُؤَادِهِ وَ لَمْ يَرَهَا بِعَيْنِهِ فَكَانَ كَقَابِ قَوْسَيْنِ بَيْنَهَا وَ بَيْنَهُ أَوْ أَدْنَى الْخَبَرَ.

بيان الضمير في قوله بينها راجع إلى الجنة و رجوعه إلى العظمة بعيد.

17- يد، التوحيد ع، علل الشرائع ابْنُ عِصَامٍ عَنِ الْكُلَيْنِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُلْوَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبِي سَيِّدَ الْعَابِدِينَ(ع)فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَتِ أَخْبِرْنِي عَنْ جَدِّنَا رَسُولِ اللَّهِ(ص)لَمَّا عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ وَ أَمَرَهُ رَبُّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِخَمْسِينَ صَلَاةً كَيْفَ لَمْ يَسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ عَنْ أُمَّتِهِ حَتَّى قَالَ لَهُ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ(ع)ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ‏

321

فَاسْأَلِ التَّخْفِيفَ‏ (1) فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ فَقَالَ يَا بُنَيَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)كَانَ لَا يَقْتَرِحُ‏ (2) عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا يُرَاجِعُهُ فِي شَيْ‏ءٍ يَأْمُرُهُ بِهِ فَلَمَّا سَأَلَهُ مُوسَى(ع)ذَلِكَ فَكَانَ شَفِيعاً لِأُمَّتِهِ إِلَيْهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ رَدُّ شَفَاعَةِ أَخِيهِ مُوسَى فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَسَأَلَهُ التَّخْفِيفَ إِلَى أَنْ رَدَّهَا إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ قَالَ قُلْتُ لَهُ يَا أَبَتِ فَلِمَ لَا يَرْجِعُ إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ (3) وَ يَسْأَلُهُ التَّخْفِيفَ عَنْ خَمْسِ صَلَوَاتٍ وَ قَدْ سَأَلَهُ مُوسَى(ع)أَنْ يَرْجِعَ إِلَى رَبِّهِ وَ يَسْأَلَهُ التَّخْفِيفَ فَقَالَ يَا بُنَيَّ أَرَادَ(ص)أَنْ يُحَصِّلَ لِأُمَّتِهِ التَّخْفِيفَ مَعَ أَجْرِ خَمْسِينَ صَلَاةً يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها أَ لَا تَرَى أَنَّهُ(ص)لَمَّا هَبَطَ إِلَى الْأَرْضِ نَزَلَ عَلَيْهِ جَبْرَئِيلُ(ع)فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَ يَقُولُ إِنَّهَا خَمْسٌ بِخَمْسِينَ‏ ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَتِ أَ لَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَا يُوصَفُ بِمَكَانٍ قَالَ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً قُلْتُ فَمَا مَعْنَى قَوْلِ مُوسَى(ع)لِرَسُولِ اللَّهِ(ص)ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَقَالَ مَعْنَاهُ مَعْنَى قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ ع‏ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى‏ رَبِّي سَيَهْدِينِ‏ وَ مَعْنَى قَوْلِ مُوسَى ع‏ وَ عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى‏ وَ مَعْنَى قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ‏ يَعْنِي حُجُّوا إِلَى بَيْتِ اللَّهِ يَا بُنَيَّ إِنَّ الْكَعْبَةَ بَيْتُ اللَّهِ تَعَالَى فَمَنْ حَجَّ بَيْتَ اللَّهِ فَقَدْ قَصَدَ إِلَى اللَّهِ وَ الْمَسَاجِدُ بُيُوتُ اللَّهِ فَمَنْ سَعَى إِلَيْهَا فَقَدْ سَعَى إِلَى اللَّهِ وَ قَصَدَ إِلَيْهِ وَ الْمُصَلِّي مَا دَامَ فِي صَلَاتِهِ فَهُوَ وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَ أَهْلُ مَوْقِفِ عَرَفَاتٍ هُمْ وُقُوفٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بِقَاعاً فِي سَمَاوَاتِهِ فَمَنْ عُرِجَ بِهِ إِلَى بُقْعَةٍ مِنْهَا فَقَدْ عُرِجَ بِهِ إِلَيْهِ أَ لَا تَسْمَعُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ‏ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَيْهِ‏ وَ يَقُولُ فِي قِصَّةِ عِيسَى ع‏ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ‏ وَ يَقُولُ عَزَّ وَ جَلَ‏ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ‏.

بيان الغرض من ذكر هذه الاستشهادات بيان شيوع تلك الاستعمالات و التجوزات في لسان أهل الشرع و العرف.

____________

(1) و في نسخة: فاسأله التخفيف.

(2) اقترح عليه كذا أو بكذا: تحكم و سأله إيّاه بالعنف و من غير روية.

(3) و في نسخة: فلم لم يرجع إلى ربّه عزّ و جلّ.

322

18- يد، التوحيد مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ رَفَعَهُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خِلْوٌ مِنْ خَلْقِهِ وَ خَلْقَهُ خِلْوٌ مِنْهُ وَ كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْ‏ءٍ فَهُوَ مَخْلُوقٌ مَا خَلَا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ.

يد، التوحيد حمزة العلوي عن علي عن أبيه عن علي بن عطية عن خثيمة عن أبي جعفر(ع)و ابن الوليد عن الصفار عن البرقي عن أبيه عن النضر عن يحيى الحلبي عن ابن مسكان عن زرارة عن أبي عبد الله(ع)مثله بزيادة.

19- يد، التوحيد حَمْزَةُ الْعَلَوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى‏ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا فَقَالَ هُوَ وَاحِدٌ أَحَدِيُّ الذَّاتِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ وَ بِذَلِكَ وَصَفَ نَفْسَهُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحِيطٌ بِالْإِشْرَافِ وَ الْإِحَاطَةِ وَ الْقُدْرَةِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ وَ لا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرُ بِالْإِحَاطَةِ وَ الْعِلْمِ لَا بِالذَّاتِ لِأَنَّ الْأَمَاكِنَ مَحْدُودَةٌ تَحْوِيهَا حُدُودٌ أَرْبَعَةٌ فَإِذَا كَانَ بِالذَّاتِ لَزِمَهُ الْحَوَايَةُ.

بيان‏ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ أي ما يقع من تناجي ثلاثة و يجوز أن يقدر مضاف أو يؤول نجوى بمتناجين و يجعل ثلاثة صفة لها إِلَّا و هُوَ رابِعُهُمْ‏ أي إلا الله يجعلهم أربعة من حيث إنه يشاركهم في الاطلاع عليها وَ لا خَمْسَةٍ أي و لا نجوى خمسة و تخصيص العددين إما لخصوص الواقعة أو لأن الله وتر يحب الوتر و الثلاثة أول الأوتار أو لأن التشاور لا بد له من اثنين يكونان كالمتنازعين و ثالث يتوسط بينهم.

ثم اعلم أنه لما كان القدام و الخلف و اليمين و الشمال غير متميزة إلا بالاعتبار عد الجميع حدين و الفوق و التحت حدين فصارت أربعة و المعنى أنه ليست إحاطته سبحانه بالذات لأن الأماكن محدودة فإذا كانت إحاطته بالذات بأن كانت بالدخول في الأمكنة لزم كونه محاطا بالمكان كالمتمكن و إن كانت بالانطباق على المكان لزم كونه محيطا بالمتمكن كالمكان.

323

20- يد، التوحيد الْعَطَّارُ عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ يَزِيدَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْخَزَّازِ عَنْ مُثَنًّى الْحَنَّاطِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَظُنُّهُ مُحَمَّدَ بْنَ النُّعْمَانِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ هُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَ فِي الْأَرْضِ‏ قَالَ كَذَلِكَ هُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ قُلْتُ بِذَاتِهِ قَالَ وَيْحَكَ إِنَّ الْأَمَاكِنَ أَقْدَارٌ فَإِذَا قُلْتَ فِي مَكَانٍ بِذَاتِهِ لَزِمَكَ أَنْ تَقُولَ فِي أَقْدَارٍ وَ غَيْرِ ذَلِكَ وَ لَكِنْ هُوَ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ مُحِيطٌ بِمَا خَلَقَ عِلْماً وَ قُدْرَةً وَ إِحَاطَةً وَ سُلْطَاناً وَ لَيْسَ عِلْمُهُ بِمَا فِي الْأَرْضِ بِأَقَلَّ مِمَّا فِي السَّمَاءِ لَا يَبْعُدُ مِنْهُ شَيْ‏ءٌ وَ الْأَشْيَاءُ لَهُ سَوَاءٌ عِلْماً وَ قُدْرَةً وَ سُلْطَاناً وَ مُلْكاً وَ إِحَاطَةً.

تفسير قال البيضاوي‏ وَ هُوَ اللَّهُ‏ الضمير لله و الله خبره‏ فِي السَّماواتِ وَ فِي الْأَرْضِ‏ متعلق باسم الله و المعنى هو المستحق للعبادة فيهما لا غير كقوله‏ هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ‏ أو بقوله‏ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ‏ و الجملة خبر ثان أو هي الخبر و الله بدل و يكفي لصحة الظرفية كون المعلوم فيهما كقولك رميت الصيد في الحرم إذا كنت خارجه و الصيد فيه أو ظرف مستقر وقع خبرا بمعنى أنه تعالى لكمال علمه بما فيهما كأنه فيهما و يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ‏ بيان و تقرير له.

21- يد، التوحيد أَبِي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: قَالَ أَبُو شَاكِرٍ الدَّيَصَانِيُّ إِنَّ فِي الْقُرْآنِ آيَةً هِيَ قُوَّةٌ لَنَا قُلْتُ وَ مَا هِيَ فَقَالَ‏ وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ‏ فَلَمْ أَدْرِ بِمَا أُجِيبُهُ فَحَجَجْتُ فَخَبَّرْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقَالَ هَذَا كَلَامُ زِنْدِيقٍ خَبِيثٍ إِذَا رَجَعْتَ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ مَا اسْمُكَ بِالْكُوفَةِ فَإِنَّهُ يَقُولُ فُلَانٌ فَقُلْ مَا اسْمُكَ بِالْبَصْرَةِ فَإِنَّهُ يَقُولُ فُلَانٌ فَقُلْ كَذَلِكَ اللَّهُ رَبُّنَا فِي السَّماءِ إِلهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ‏ وَ فِي الْبِحَارِ إِلَهٌ وَ فِي كُلِّ مَكَانٍ إِلَهٌ قَالَ فَقَدِمْتُ فَأَتَيْتُ أَبَا شَاكِرٍ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ هَذِهِ نُقِلَتْ مِنَ الْحِجَازِ.

بيان لعل هذا الديصاني لما كان قائلا بإلهين نور ملكه السماء و ظلمة ملكها الأرض أول الآية بما يوافق مذهبه بأن جعل قوله‏ وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ‏ جملة تامة معطوفة على مجموع الجملة السابقة أي و في الأرض إله آخر و يظهر من بعض الأخبار أنه كان‏

324

من الدهريين فيمكن أن يكون استدلاله بما يوهم ظاهر الآية (1) من كونه بنفسه حاصلا في السماء و الأرض فيوافق ما ذهبوا إليه من كون المبدإ الطبيعة فإنها حاصلة في الأجرام السماوية و الأجسام الأرضية معا فأجاب(ع)بأن المراد أنه تعالى مسمى بهذا الاسم في السماء و في الأرض و الأكثرون على أن الظرف متعلق بالإله لأنه بمعنى المعبود أو مضمن معناه كقولك هو حاتم في البلد.

22- يد، التوحيد الْقَطَّانُ وَ الدَّقَّاقُ مَعاً عَنِ ابْنِ زَكَرِيَّا الْقَطَّانِ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَسْوَدَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ(ص)صَدِيقَانِ يَهُودِيَّانِ قَدْ آمَنَا بِمُوسَى رَسُولِ اللَّهِ وَ أَتَيَا مُحَمَّداً(ص)وَ سَمِعَا مِنْهُ وَ قَدْ كَانَا قَرَءَا التَّوْرَاةَ وَ صُحُفَ إِبْرَاهِيمَ(ع)وَ عَلِمَا عِلْمَ الْكُتُبِ الْأُولَى فَلَمَّا قَبَضَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى رَسُولَهُ(ص)أَقْبَلَا يَسْأَلَانِ عَنْ صَاحِبِ الْأَمْرِ بَعْدَهُ وَ قَالا إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا وَ لَهُ خَلِيفَةٌ يَقُومُ بِالْأَمْرِ فِي أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ قَرِيبُ الْقَرَابَةِ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ عَظِيمُ الْقَدْرِ (2) جَلِيلُ الشَّأْنِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ هَلْ تَعْرِفُ صَاحِبَ الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِ هَذَا النَّبِيِّ قَالَ الْآخَرُ لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا بِالصِّفَةِ الَّتِي أَجِدُهَا فِي التَّوْرَاةِ هُوَ الْأَصْلَعُ‏ (3) الْمُصَفَّرُ فَإِنَّهُ كَانَ أَقْرَبَ الْقَوْمِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَلَمَّا دَخَلَا الْمَدِينَةَ وَ سَأَلَا عَنِ الْخَلِيفَةِ أُرْشِدَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَلَمَّا نَظَرَا إِلَيْهِ قَالا لَيْسَ هَذَا صَاحِبَنَا ثُمَّ قَالا لَهُ مَا قَرَابَتُكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَالَ إِنِّي رَجُلٌ مِنْ عَشِيرَتِهِ وَ هُوَ زَوْجُ ابْنَتِي عَائِشَةَ قَالا هَلْ غَيْرُ هَذَا قَالَ لَا قَالا لَيْسَتْ هَذِهِ بِقَرَابَةٍ فَأَخْبِرْنَا أَيْنَ رَبُّكَ قَالَ فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ قَالا هَلْ غَيْرُ هَذَا قَالَ لَا قَالا دُلَّنَا عَلَى مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ فَإِنَّكَ أَنْتَ لَسْتَ بِالرَّجُلِ الَّذِي نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّهُ وَصِيُّ هَذَا النَّبِيِّ وَ خَلِيفَتُهُ قَالَ فَتَغَيَّظَ مِنْ قَوْلِهِمَا وَ هَمَّ بِهِمَا (4) ثُمَّ أَرْشَدَهُمَا إِلَى عُمَرَ وَ ذَلِكَ أَنَّهُ عَرَفَ مِنْ عُمَرَ أَنَّهُمَا إِنِ‏

____________



(1) أو يكون استدلاله بظاهرها على وقوع التناقض في القرآن فيكون صادرا من غير حكيم فيكون فيها قوة له من إنكاره الصانع و بطلان الشرائع.

(2) و في نسخة: عظيم الخطر.

(3) الاصلع: من سقط شعر مقدم رأسه.

(4) أي عزم على قتلهما.

325

اسْتَقْبَلَاهُ بِشَيْ‏ءٍ بَطَشَ بِهِمَا (1) فَلَمَّا أَتَيَاهُ قَالا مَا قَرَابَتُكَ مِنْ هَذَا النَّبِيِّ قَالَ أَنَا مِنْ عَشِيرَتِهِ وَ هُوَ زَوْجُ ابْنَتِي حَفْصَةَ قَالا هَلْ غَيْرُ هَذَا قَالَ لَا قَالا لَيْسَتْ هَذِهِ بِقَرَابَةٍ وَ لَيْسَتْ هَذِهِ الصِّفَةَ الَّتِي نَجِدُهَا فِي التَّوْرَاةِ ثُمَّ قَالا لَهُ فَأَيْنَ رَبُّكَ قَالَ فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ قَالا هَلْ غَيْرُ هَذَا قَالَ لَا قَالَ دُلَّنَا عَلَى مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ فَأَرْشَدَهُمَا إِلَى عَلِيٍّ(ع)فَلَمَّا جَاءَاهُ فَنَظَرَا إِلَيْهِ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ إِنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي صِفَتُهُ فِي التَّوْرَاةِ إِنَّهُ وَصِيُّ هَذَا النَّبِيِّ وَ خَلِيفَتُهُ وَ زَوْجُ ابْنَتِهِ وَ أَبُو السِّبْطَيْنِ وَ الْقَائِمُ بِالْحَقِّ مِنْ بَعْدِهِ ثُمَّ قَالا لِعَلِيٍّ(ع)أَيُّهَا الرَّجُلُ مَا قَرَابَتُكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَالَ هُوَ أَخِي وَ أَنَا وَارِثُهُ وَ وَصِيُّهُ وَ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ أَنَا زَوْجُ ابْنَتِهِ قَالا هَذِهِ الْقَرَابَةُ الْفَاخِرَةُ وَ الْمَنْزِلَةُ الْقَرِيبَةُ وَ هَذِهِ الصِّفَةُ الَّتِي نَجِدُهَا فِي التَّوْرَاةِ فَأَيْنَ رَبُّكَ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ لَهُمَا عَلِيٌّ(ع)إِنْ شِئْتُمَا أَنْبَأْتُكُمَا بِالَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ نَبِيِّكُمَا مُوسَى(ع)وَ إِنْ شِئْتُمَا أَنْبَأْتُكُمَا بِالَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ(ص)قَالا أَنْبِئْنَا بِالَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ نَبِيِّنَا مُوسَى(ع)قَالَ عَلِيٌّ(ع)أَقْبَلَ أَرْبَعَةُ أَمْلَاكٍ مَلَكٌ مِنَ الْمَشْرِقِ وَ مَلَكٌ مِنَ الْمَغْرِبِ وَ مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ وَ مَلَكٌ مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ صَاحِبُ الْمَشْرِقِ لِصَاحِبِ الْمَغْرِبِ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ قَالَ أَقْبَلْتُ مِنْ عِنْدِ رَبِّي وَ قَالَ صَاحِبُ الْمَغْرِبِ لِصَاحِبِ الْمَشْرِقِ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ قَالَ أَقْبَلْتُ مِنْ عِنْدِ رَبِّي وَ قَالَ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ لِلْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ قَالَ أَقْبَلْتُ مِنْ عِنْدِ رَبِّي وَ قَالَ الْخَارِجُ مِنَ الْأَرْضِ لِلنَّازِلِ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ قَالَ أَقْبَلْتُ مِنْ عِنْدِ رَبِّي فَهَذَا مَا كَانَ عَلَى عَهْدِ نَبِيِّكُمَا مُوسَى(ع)وَ أَمَّا مَا كَانَ عَلَى عَهْدِ نَبِيِّنَا فَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ‏ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى‏ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا الْآيَةَ

____________



(1) أي فتك بهما و أخذهما بصولة و شدة.

326

قَالَ الْيَهُودِيَّانِ فَمَا مَنَعَ صَاحِبَيْكَ أَنْ يَكُونَا جَعَلَاكَ فِي مَوْضِعِكَ الَّذِي أَنْتَ أَهْلُهُ فَوَ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى إِنَّكَ لَأَنْتَ الْخَلِيفَةُ حَقّاً نَجِدُ صِفَتَكَ فِي كُتُبِنَا وَ نَقْرَؤُهُ فِي كَنَائِسِنَا وَ إِنَّكَ لَأَنْتَ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ وَ أَوْلَى بِهِ مِمَّنْ قَدْ غَلَبَكَ عَلَيْهِ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)قَدَّمَا وَ أَخَّرَا وَ حِسَابُهُمَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ يُوقَفَانِ وَ يُسْأَلَانِ.

23- يد، التوحيد الْعَطَّارُ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا جَعْفَرٍ أَخْبِرْنِي عَنْ رَبِّكَ مَتَى كَانَ فَقَالَ وَيْلَكَ إِنَّمَا يُقَالُ لِشَيْ‏ءٍ لَمْ يَكُنْ فَكَانَ مَتَى كَانَ إِنَّ رَبِّي تَبَارَكَ وَ تَعَالَى كَانَ لَمْ يَزَلْ حَيّاً بِلَا كَيْفٍ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَانَ وَ لَا كَانَ لِكَوْنِهِ كَيْفٌ وَ لَا كَانَ لَهُ أَيْنٌ وَ لَا كَانَ فِي شَيْ‏ءٍ وَ لَا كَانَ عَلَى شَيْ‏ءٍ وَ لَا ابْتَدَعَ لِكَانَهُ مَكَاناً (1) الْخَبَرَ.

24- يد، التوحيد وَ رُوِيَ‏ أَنَّهُ سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ سَمَاءً وَ أَرْضاً فَقَالَ(ع)أَيْنَ سُؤَالٌ عَنْ مَكَانٍ وَ كَانَ اللَّهُ وَ لَا مَكَانَ.

25- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنِ ابْنِ أَبَانٍ عَنِ ابْنِ أُورَمَةَ (2) عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ حَمْزَةَ عَنْ أَبَانٍ عَنْ أَسَدٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ فِي شَيْ‏ءٍ أَوْ مِنْ شَيْ‏ءٍ أَوْ عَلَى شَيْ‏ءٍ فَقَدْ أَشْرَكَ لَوْ كَانَ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى شَيْ‏ءٍ لَكَانَ مَحْمُولًا (3) وَ لَوْ كَانَ فِي شَيْ‏ءٍ لَكَانَ مَحْصُوراً وَ لَوْ كَانَ مِنْ شَيْ‏ءٍ لَكَانَ مُحْدَثاً (4).

____________

(1) كذا فيما عندنا من النسخ، و في التوحيد المطبوع: و لا ابتدع لكونه مكانا. و في نسخة اخرى منه: و لا ابتدع لمكانه مكانا.

(2) بضم الهمزة و إسكان الواو و فتح الراء المهملة، كذا في الخلاصة. و أورد النجاشيّ و غيره ترجمته في كتبهم، قال النجاشيّ في(ص)231 من رجاله: محمّد بن اورمة أبو جعفر القمّيّ ذكره القميون و غمزوا عليه و رموه بالغلو، حتى دس عليه من يفتك به فوجدوه يصلى من أول الليل إلى آخره فتوقفوا عنه، و حكى جماعة من شيوخ القميين، عن ابن الوليد أنّه قال: محمّد بن اورمة طعن عليه بالغلو، فكل ما كان في كتبه ممّا وجد في كتاب الحسين بن سعيد و غيره فقل به، و ما تفرد به فلا تعتمده، و قال بعض أصحابنا: إنّه رأى توقيعات أبى الحسن الثالث (عليه السلام) إلى أهل قم في معنى محمّد بن اورمة و براءته ممّا قذف به، و كتبه صحاح إلّا كتابا ينسب إليه ترجمته تفسير الباطن فانه مختلط.

(3) و لازمه جسميته، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.

(4) يأتي الحديث بطريق آخر عن المفضل تحت الرقم 39.

327

بيان لكان محمولا أي محتاجا إلى ما يحمله قوله(ع)محصورا أي عاجزا ممنوعا عن الخروج عن المكان أو محصورا بذلك الشي‏ء و محويا به فيكون له انقطاع و انتهاء فيكون ذا حدود و أجزاء.

26- يد، التوحيد أَبِي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَذَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِي شَيْ‏ءٍ أَوْ مِنْ شَيْ‏ءٍ أَوْ عَلَى شَيْ‏ءٍ.

قال الصدوق (رحمه الله ) الدليل على أن الله عز و جل لا في مكان أن الأماكن كلها حادثة و قد قام الدليل على أن الله عز و جل قديم سابق للأماكن و ليس يجوز أن يحتاج الغني القديم إلى ما كان غنيا عنه و لا أن يتغير عما لم يزل موجودا عليه فصح اليوم أنه لا في مكان كما أنه لم يزل كذلك و تصديق ذلك‏

- مَا حَدَّثَنَا بِهِ الْقَطَّانُ عَنِ ابْنِ زَكَرِيَّا الْقَطَّانِ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ بُهْلُولٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سُلَيْمَانَ الْمَرْوَزِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: قُلْتُ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)هَلْ يَجُوزُ أَنْ نَقُولَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِي مَكَانٍ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ إِنَّهُ لَوْ كَانَ فِي مَكَانٍ لَكَانَ مُحْدَثاً لِأَنَّ الْكَائِنَ فِي مَكَانٍ مُحْتَاجٌ إِلَى الْمَكَانِ وَ الِاحْتِيَاجُ مِنْ صِفَاتِ الْحَدَثِ لَا مِنْ صِفَاتِ الْقَدِيمِ‏

. 27- يد، التوحيد الدَّقَّاقُ عَنِ الْأَسَدِيِّ عَنِ الْبَرْمَكِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ جَعْفَرٍ الْجَعْفَرِيِّ عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ(ع)أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى كَانَ لَمْ يَزَلْ بِلَا زَمَانٍ وَ لَا مَكَانٍ وَ هُوَ الْآنَ كَمَا كَانَ لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ وَ لَا يَشْتَغِلُ بِهِ مَكَانٌ وَ لَا يَحِلُّ فِي مَكَانٍ‏ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى‏ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا لَيْسَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ خَلْقِهِ حِجَابٌ غَيْرُ خَلْقِهِ احْتَجَبَ بِغَيْرِ حِجَابٍ مَحْجُوبٍ وَ اسْتَتَرَ بِغَيْرِ سِتْرٍ مَسْتُورٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ‏ (1)

____________

(1) من غرر الأحاديث؛ و كون الخلق حجابا بأنفسهم نظير قول الرضا (عليه السلام) في خطبته الآتية تحت رقم 3 من باب جوامع التوحيد: «حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه و بينها غيرها» الخطبة. معناه استحالة المعاينة بالإحاطة اذ لا يمكن ذلك إلّا بارتفاع الحجاب و مع ارتفاع الحجاب الذي هو نفس الخلق لا يبقى موضوع الخلق هذا. و هذا الكلام إذا انضم إلى قول أمير المؤمنين.

328

بيان قوله غير خلقه أي ليس الحجاب بينه و بين خلقه إلا عجز المخلوق عن الإحاطة به و قوله محجوب إما نعت لحجاب أو خبر مبتدإ محذوف فعلى الأول فهو إما بمعنى حاجب إذ كثيرا ما يجي‏ء صيغة المفعول بمعنى الفاعل كما قيل في قوله تعالى‏ حِجاباً مَسْتُوراً أو بمعناه و يكون المراد أنه ليس له تعالى حجاب مستور بل حجابه ظاهر و هو تجرده و تقدسه و علوه عن أن يصل إليه عقل أو وهم و يحتمل على هذا أن يكون المراد بالحجاب الحجة الذي أقامه بينه و بين خلقه فهو ظاهر غير مخفي و يحتمل أيضا أن يكون المراد به أنه لم يحتجب بحجاب مخفي فكيف الظاهر و أما على الثاني فالظرف متعلق بقوله محجوب أي هو محجوب بغير حجاب و هاهنا احتمال ثالث و هو أن يكون محجوب مضاف إليه بتقدير اللام و إجراء الاحتمالات في الفقرة الثانية ظاهر و هي إما تأكيد للأولى أو الأولى إشارة إلى الاحتجاب عن الحواس و الثانية إلى الاستتار عن العقول و الأفهام.

28- يد، التوحيد مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ الْفَارِسِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّشَوِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّفَدِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْعَسْكَرِيِّ وَ أَخِيهِ مُعَاذٍ مَعاً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ الْحَنْظَلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الرُّمَّانِيِّ عَنْ زَاذَانَ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِ‏ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ يَذْكُرُ فِيهِ قُدُومَ الْجَاثَلِيقِ الْمَدِينَةَ مَعَ مِائَةٍ مِنَ النَّصَارَى بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ(ص)وَ سُؤَالَهُ أَبَا بَكْرٍ عَنْ مَسَائِلَ لَمْ يُجِبْهُ عَنْهَا ثُمَّ أُرْشِدَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَسَأَلَهُ عَنْهَا فَأَجَابَهُ فَكَانَ فِيمَا سَأَلَهُ أَنْ قَالَ لَهُ أَخْبِرْنِي عَنْ وَجْهِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فَدَعَا عَلِيٌّ(ع)بِنَارٍ وَ حَطَبٍ فَأَضْرَمَهُ فَلَمَّا اشْتَعَلَتْ قَالَ عَلِيٌّ(ع)أَيْنَ وَجْهُ هَذِهِ النَّارِ قَالَ النَّصْرَانِيُّ هِيَ وَجْهٌ مِنْ جَمِيعِ حُدُودِهَا قَالَ عَلِيٌّ(ع)هَذِهِ النَّارُ مُدَبَّرَةٌ مَصْنُوعَةٌ لَا تَعْرِفُ وَجْهَهَا وَ خَالِقُهَا لَا يُشْبِهُهَا وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ‏

____________



(عليه السلام) في خطبته الآتية تحت رقم 34 من باب جوامع التوحيد: «حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه و بين خلقه غير خلقه» الخطبة أفاد أن العباد لو انصرفوا عن الاشتغال بأنفسهم و اتباع هواهم و توجهوا إلى ربهم لاشرقت عليهم أنوار العظمة الإلهية، و هذا هو الذي يعبر عنه برؤية القلب كما مر في عدة من الاخبار في باب نفى الرؤية. ط.

329

فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ‏ لَا يَخْفَى عَلَى رَبِّنَا خَافِيَةٌ وَ الْحَدِيثُ طَوِيلٌ أَخَذْنَا مِنْهُ مَوْضِعَ الْحَاجَةِ.

29- يد، التوحيد الْأُشْنَانِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْرَوَيْهِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنِ الرِّضَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ لَمَّا نَاجَى رَبَّهُ قَالَ يَا رَبِّ أَ بَعِيدٌ أَنْتَ مِنِّي فَأُنَادِيَكَ أَمْ قَرِيبٌ فَأُنَاجِيَكَ فَأَوْحَى اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ إِلَيْهِ أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي فَقَالَ مُوسَى يَا رَبِّ إِنِّي أَكُونُ فِي حَالٍ أُجِلُّكَ أَنْ أَذْكُرَكَ فِيهَا فَقَالَ يَا مُوسَى اذْكُرْنِي عَلَى كُلِّ حَالٍ.

30- يد، التوحيد مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الرُّمْحِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْوَاسِطِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا الْمَكِّيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي مُنِيفٌ مَوْلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي سَيِّدِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ(ع)قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)(1) يُصَلِّي فَمَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ رَجُلٌ فَنَهَاهُ بَعْضُ جُلَسَائِهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ لَهُ لِمَ نَهَيْتَ الرَّجُلَ قَالَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ حَظَرَ فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ الْمِحْرَابِ فَقَالَ وَيْحَكَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَقْرَبُ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَحْظُرَ فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَهُ أَحَدٌ.

31- يد، التوحيد الْمُظَفَّرُ الْعَلَوِيُّ عَنِ ابْنِ الْعَيَّاشِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ إِشْكِيبَ‏ (2) عَنْ هَارُونَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَسَدِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ الْبَاقِرُ(ع)يَا جَابِرُ مَا أَعْظَمَ فِرْيَةَ أَهْلِ الشَّامِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى حَيْثُ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ وَضَعَ قَدَمَهُ عَلَى صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَ لَقَدْ وَضَعَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ قَدَمَهُ عَلَى حَجَرٍ (3) فَأَمَرَنَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَنْ نَتَّخِذَهُ مُصَلًّى يَا جَابِرُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا نَظِيرَ لَهُ وَ لَا شَبِيهَ تَعَالَى عَنْ صِفَةِ الْوَاصِفِينَ وَ جَلَّ عَنْ أَوْهَامِ الْمُتَوَهِّمِينَ وَ احْتَجَبَ عَنْ أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ لَا يَزُولُ مَعَ الزَّائِلِينَ وَ لَا يَأْفِلُ مَعَ الْآفِلِينَ‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏

____________

(1) و في نسخة: كان الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام).

(2) بكسر الهمزة و سكون الشين المعجمة أو السين المهملة، و الكاف و الياء المثناة من تحت و الباء الموحدة.

(3) و في نسخة: على صخرة.

330

32- يد، التوحيد الدَّقَّاقُ عَنِ الْأَسَدِيِّ عَنِ الْبَرْمَكِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَيَّاشٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ(ع)أَنَّهُ قَالَ: لَا أَقُولُ إِنَّهُ قَائِمٌ فَأُزِيلَهُ عَنْ مَكَانِهِ وَ لَا أَحُدُّهُ بِمَكَانٍ يَكُونُ فِيهِ وَ لَا أَحُدُّهُ أَنْ يَتَحَرَّكَ فِي شَيْ‏ءٍ مِنَ الْأَرْكَانِ وَ الْجَوَارِحِ وَ لَا أَحُدُّهُ بِلَفْظِ شَقِّ فَمٍ وَ لَكِنْ كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى‏ كُنْ فَيَكُونُ‏ بِمَشِيئَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ فِي نَفَسٍ فَرْدٌ صَمَدٌ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى شَرِيكٍ يَكُونُ لَهُ فِي مُلْكِهِ وَ لَا يَفْتَحُ لَهُ أَبْوَابَ عِلْمِهِ.

ج، الإحتجاج عن يعقوب‏ مثله.

33- يد، التوحيد السِّنَانِيُّ عَنِ الْأَسَدِيِّ عَنِ النَّخَعِيِّ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِزَمَانٍ وَ لَا مَكَانٍ وَ لَا حَرَكَةٍ وَ لَا انْتِقَالٍ وَ لَا سُكُونٍ بَلْ هُوَ خَالِقُ الزَّمَانِ وَ الْمَكَانِ وَ الْحَرَكَةِ وَ السُّكُونِ تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوّاً كَبِيراً.

34- يد، التوحيد مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ الْعَزَائِمِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ رُمَيْحٍ‏ (1) عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَسَنِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ عَنْ بِشْرِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الْقُدُّوسِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)أَنَّهُ دَخَلَ السُّوقَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُوَلِّيهِ ظَهْرَهُ يَقُولُ لَا وَ الَّذِي احْتَجَبَ بِالسَّبْعِ فَضَرَبَ عَلِيٌّ(ع)ظَهْرَهُ ثُمَّ قَالَ مَنِ الَّذِي احْتَجَبَ بِالسَّبْعِ قَالَ اللَّهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ أَخْطَأْتَ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَيْسَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ خَلْقِهِ حِجَابٌ لِأَنَّهُ‏ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا قَالَ مَا كَفَّارَةُ مَا قُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُ كُنْتَ قَالَ أُطْعِمُ الْمَسَاكِينَ قَالَ لَا إِنَّمَا حَلَفْتَ بِغَيْرِ رَبِّكَ.

35- يد، التوحيد الدَّقَّاقُ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْعَلَوِيِّ عَنِ الْبَرْمَكِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ الْقُمِّيِّ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيِّ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ‏ فِي حَدِيثِ الزِّنْدِيقِ الَّذِي أَتَى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ سَأَلَهُ عَنْ قَوْلِهِ‏ الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏

____________



(1) في نسخة من التوحيد: عن أحمد بن محمّد بن وضيح.

331

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)بِذَلِكَ وَصَفَ نَفْسَهُ وَ كَذَلِكَ هُوَ مُسْتَوْلٍ عَلَى الْعَرْشِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ الْعَرْشُ حَامِلًا لَهُ وَ لَا أَنْ يَكُونَ الْعَرْشُ حَاوِياً لَهُ وَ لَا أَنَّ الْعَرْشَ مُحْتَازٌ لَهُ وَ لَكِنَّا نَقُولُ هُوَ حَامِلُ الْعَرْشِ وَ مُمْسِكُ الْعَرْشِ وَ نَقُولُ مِنْ ذَلِكَ مَا قَالَ‏ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ‏ فَثَبَّتْنَا مِنَ الْعَرْشِ وَ الْكُرْسِيِّ مَا ثَبَّتَهُ وَ نَفَيْنَا أَنْ يَكُونَ الْعَرْشُ أَوِ الْكُرْسِيُّ حَاوِياً لَهُ وَ أَنْ يَكُونَ عَزَّ وَ جَلَّ مُحْتَاجاً إِلَى مَكَانٍ أَوْ إِلَى شَيْ‏ءٍ مِمَّا خَلَقَ بَلْ خَلْقُهُ مُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ قَالَ السَّائِلُ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ تَرْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ إِلَى السَّمَاءِ وَ بَيْنَ أَنْ تَخْفِضُوهَا نَحْوَ الْأَرْضِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)ذَلِكَ فِي عِلْمِهِ وَ إِحَاطَتِهِ وَ قُدْرَتِهِ سَوَاءٌ وَ لَكِنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَمَرَ أَوْلِيَاءَهُ وَ عِبَادَهُ بِرَفْعِ أَيْدِيهِمْ إِلَى السَّمَاءِ نَحْوَ الْعَرْشِ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ مَعْدِنَ الرِّزْقِ فَثَبَّتْنَا مَا ثَبَّتَهُ الْقُرْآنُ وَ الْأَخْبَارُ عَنِ الرَّسُولِ(ص)حِينَ قَالَ ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ هَذَا يُجْمِعُ عَلَيْهِ فِرَقُ الْأُمَّةِ كُلُّهَا قَالَ السَّائِلُ فَتَقُولُ إِنَّهُ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)نَقُولُ ذَلِكَ لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ قَدْ صَحَّتْ بِهِ وَ الْأَخْبَارَ قَالَ السَّائِلُ وَ إِذَا نَزَلَ أَ لَيْسَ قَدْ حَالَ عَنِ الْعَرْشِ وَ حَوْلُهُ عَنِ الْعَرْشِ انْتِقَالٌ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى مَا يُوجَدُ مِنَ الْمَخْلُوقِ الَّذِي يَنْتَقِلُ بِاخْتِلَافِ الْحَالِ عَلَيْهِ وَ الْمَلَالَةِ وَ السَّأْمَةِ وَ نَاقِلٍ يَنْقُلُهُ وَ يُحَوِّلُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ بَلْ هُوَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا يَحْدُثُ عَلَيْهِ الْحَالُ وَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ الْحُدُوثُ فَلَا يَكُونُ نُزُولُهُ كَنُزُولِ الْمَخْلُوقِ الَّذِي مَتَى تَنَحَّى عَنْ مَكَانٍ خَلَا مِنْهُ الْمَكَانُ الْأَوَّلُ وَ لَكِنَّهُ يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا بِغَيْرِ مُعَانَاةٍ وَ لَا حَرَكَةٍ فَيَكُونُ هُوَ كَمَا فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ عَلَى الْعَرْشِ كَذَلِكَ هُوَ فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا إِنَّمَا يَكْشِفُ عَنْ عَظَمَتِهِ وَ يُرِي أَوْلِيَاءَهُ نَفْسَهُ حَيْثُ شَاءَ وَ يَكْشِفُ مَا شَاءَ مِنْ قُدْرَتِهِ وَ مَنْظَرُهُ فِي الْقُرْبِ وَ الْبُعْدِ سَوَاءٌ.

ثم قال قال مصنف هذا الكتاب قوله(ع)إنه على العرش إنه ليس بمعنى التمكن فيه و لكنه بمعنى التعالي عليه بالقدرة يقال فلان على خير و استعانه على عمل كذا و كذا ليس بمعنى التمكن فيه و الاستقرار عليه و لكن ذلك بمعنى التمكن منه و القدرة عليه و قوله في النزول ليس بمعنى الانتقال و قطع المسافة و لكنه على معنى‏

332

إنزال الأمر منه إلى سماء الدنيا لأن العرش هو المكان الذي ينتهى إليه بأعمال العباد من السدرة المنتهى إليه و قد يجعل الله عز و جل السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل و في ليالي الجمعة مسافة الأعمال في ارتفاعها أقرب منها في سائر الأوقات إلى العرش و قوله يري أولياءه نفسه فإنه يعني بإظهار بدائع فطرته فقد جرت العادة بأن يقال للسلطان إذا أظهر قوة و قدرة و خيلا و رجلا قد أظهر نفسه و على ذلك دل الكلام و مجاز اللفظ.

أقول من قوله قال السائل إلى آخر كلامه لم يكن في أكثر النسخ و ليس في الإحتجاج أيضا.

36- يد، التوحيد أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى وَ ابْنِ هَاشِمٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ الْيَعْقُوبِيِ‏ (1) عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى مَوْلَى آلِ سَامٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَهُودِيٌّ يُقَالُ لَهُ سبحت‏ (2) [سُبَّخْتُ فَقَالَ لَهُ يَا مُحَمَّدُ جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ رَبِّكَ فَإِنْ أَجَبْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ وَ إِلَّا رَجَعْتُ فَقَالَ لَهُ سَلْ عَمَّا شِئْتَ فَقَالَ أَيْنَ رَبُّكَ فَقَالَ هُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ‏ (3) وَ لَيْسَ هُوَ فِي شَيْ‏ءٍ مِنَ الْمَكَانِ بِمَحْدُودٍ قَالَ فَكَيْفَ هُوَ فَقَالَ وَ كَيْفَ أَصِفُ رَبِّي بِالْكَيْفِ وَ الْكَيْفُ مَخْلُوقٌ وَ اللَّهُ لَا يُوصَفُ بِخَلْقِهِ قَالَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّكَ نَبِيٌّ قَالَ فَمَا بَقِيَ حَوْلَهُ حَجَرٌ وَ لَا مَدَرٌ وَ لَا غَيْرُ ذَلِكَ إِلَّا تَكَلَّمَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ يَا شَيْخُ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ‏ (4)

____________



(1) بالياء المثناة كما هو المحكى عن الإيضاح أو بالباء الموحدة نسبة إلى بعقوبا قرية من قرى البغداد على ما حكى عن الشهيد الثاني (رحمه الله )، و هو داود بن على الهاشمى المترجم في(ص)115 من رجال النجاشيّ بقوله: داود بن على اليعقوبي الهاشمى أبو عليّ بن داود، روى عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)، و قيل: روى عن الرضا (عليه السلام)، له كتاب يرويه جماعة، منهم عيسى بن عبد اللّه العمرى.

(2) اختلفت النسخ في ضبطه ففى بعضها «سبحت» بالباء الموحدة ثمّ الحاء المهملة، و في بعض آخر بالباء و الخاء المعجمة، و في البحار المطبوع شجت «شبخت خ ل» و ضبط بضم السين و الباء و سكون الحاء المهملة، و بضم السين و سكون الباء و فتح الحاء، و بضم السين و سكون الباء و ضم الخاء المعجمة، و على أي حال كان رجلا من ملوك فارس، و كان ذربا، كما يأتي في حديث آخر.

(3) في حديث آخر له: فقال: هو في كل مكان موجود بآياته.

(4) و في نسخة: يا سبحت إنّه رسول اللّه.

333

فَقَالَ سبحت [سُبَّخْتُ بِاللَّهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ أَبْيَنَ ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ص.

37- ص، قصص الأنبياء (عليهم السلام) الصَّدُوقُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ رُمَيْحٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْخُزَاعِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الصَّادِقِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليهم)مِثْلَهُ- ير، بصائر الدرجات إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَاشِمٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍ‏ مِثْلَهُ.

38- يد، التوحيد ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: كَذَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ شَيْ‏ءٍ أَوْ فِي شَيْ‏ءٍ أَوْ عَلَى شَيْ‏ءٍ.

39- يد، التوحيد مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ عَمِّهِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ شَيْ‏ءٍ أَوْ فِي شَيْ‏ءٍ فَقَدْ أَشْرَكَ ثُمَّ قَالَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَقَدْ جَعَلَهُ مُحْدَثاً وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ فِي شَيْ‏ءٍ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ مَحْصُورٌ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عَلَى شَيْ‏ءٍ فَقَدْ جَعَلَهُ مَحْمُولًا (1).

40- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ ابْنِ أَبَانٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ النَّضْرِ عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ شَيْ‏ءٍ أَوْ فِي شَيْ‏ءٍ أَوْ عَلَى شَيْ‏ءٍ فَقَدْ كَفَرَ قُلْتُ فَسِّرْ لِي قَالَ أَعْنِي بِالْحَوَايَةِ مِنَ الشَّيْ‏ءِ لَهُ أَوْ بِإِمْسَاكٍ لَهُ أَوْ مِنْ شَيْ‏ءٍ سَبَقَهُ.

41- وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَقَدْ جَعَلَهُ مُحْدَثاً وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ فِي شَيْ‏ءٍ فَقَدْ جَعَلَهُ مَحْصُوراً وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عَلَى شَيْ‏ءٍ فَقَدْ جَعَلَهُ مَحْمُولًا.

بيان قوله بالحواية من الشي‏ء له تفسير لقوله في شي‏ء و قوله أو بإمساك له تفسير لقوله على شي‏ء و قوله أو من شي‏ء سبقه تفسير لقوله من شي‏ء.

42- يد، التوحيد الطَّالَقَانِيُّ عَنْ أَحْمَدَ الْهَمْدَانِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الصُّغْدِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْعَسْكَرِيِّ وَ أَخِيهِ مُعَاذٍ مَعاً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ الْحَنْظَلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ‏

____________

(1) تقدم الحديث عن المفضل بطريق آخر تحت الرقم 25.

334

عَاصِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الرُّمَّانِيِّ عَنْ زَاذَانَ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِ‏ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ يَذْكُرُ فِيهِ قُدُومَ الْجَاثَلِيقِ الْمَدِينَةَ مَعَ مِائَةٍ مِنَ النَّصَارَى بَعْدَ قَبْضِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ سُؤَالَهُ أَبَا بَكْرٍ عَنْ مَسَائِلَ لَمْ يُجِبْهُ عَنْهَا ثُمَّ أُرْشِدَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَسَأَلَهُ فَأَجَابَهُ فَكَانَ فِيمَا سَأَلَهُ أَنْ قَالَ لَهُ أَخْبِرْنِي عَنِ الرَّبِّ أَيْنَ هُوَ وَ أَيْنَ كَانَ قَالَ عَلِيٌّ(ع)لَا يُوصَفُ الرَّبُّ جَلَّ جَلَالُهُ بِمَكَانٍ هُوَ كَمَا كَانَ وَ كَانَ كَمَا هُوَ لَمْ يَكُنْ فِي مَكَانٍ وَ لَمْ يَزُلْ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ وَ لَا أَحَاطَ بِهِ مَكَانٌ بَلْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بِلَا حَدٍّ وَ لَا كَيْفٍ قَالَ صَدَقْتَ فَأَخْبِرْنِي عَنِ الرَّبِّ أَ فِي الدُّنْيَا هُوَ أَوْ فِي الْآخِرَةِ قَالَ عَلِيٌّ(ع)لَمْ يَزَلْ رَبُّنَا قَبْلَ الدُّنْيَا هُوَ مُدَبِّرُ الدُّنْيَا وَ عَالِمٌ بِالْآخِرَةِ فَأَمَّا أَنْ يُحِيطَ بِهِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةُ فَلَا وَ لَكِنْ يَعْلَمُ مَا فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ قَالَ صَدَقْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ أَخْبِرْنِي عَنْ رَبِّكَ أَ يَحْمِلُ أَوْ يُحْمَلُ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)إِنَّ رَبَّنَا جَلَّ جَلَالُهُ يَحْمِلُ وَ لَا يُحْمَلُ قَالَ النَّصْرَانِيُّ وَ كَيْفَ ذَلِكَ وَ نَحْنُ نَجِدُ فِي الْإِنْجِيلِ وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَحْمِلُ الْعَرْشَ وَ لَيْسَ الْعَرْشُ كَمَا تَظُنُّ كَهَيْئَةِ السَّرِيرِ وَ لَكِنَّهُ شَيْ‏ءٌ مَحْدُودٌ مَخْلُوقٌ مُدَبَّرٌ وَ رَبُّكَ عَزَّ وَ جَلَّ مَالِكُهُ لَا أَنَّهُ عَلَيْهِ كَكَوْنِ الشَّيْ‏ءِ عَلَى الشَّيْ‏ءِ وَ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِحَمْلِهِ فَهُمْ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ بِمَا أَقْدَرَهُمْ عَلَيْهِ قَالَ النَّصْرَانِيُّ صَدَقْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ وَ الْحَدِيثُ طَوِيلٌ أَخَذْنَا مِنْهُ مَوْضِعَ الْحَاجَةِ.

43- يد، التوحيد الدَّقَّاقُ عَنِ الْأَسَدِيِّ عَنِ الْبَرْمَكِيِّ عَنْ جُذْعَانَ بْنِ نَصْرٍ عَنْ سَهْلٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ دَاوُدَ الرَّقِّيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ فَقَالَ لِي مَا يَقُولُونَ قُلْتُ يَقُولُونَ إِنَّ الْعَرْشَ كَانَ عَلَى الْمَاءِ وَ الرَّبُّ فَوْقَهُ فَقَالَ فَقَدْ كَذَبُوا مَنْ زَعَمَ هَذَا فَقَدْ صَيَّرَ اللَّهَ مَحْمُولًا وَ وَصَفَهُ بِصِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ وَ أَلْزَمَهُ أَنَّ الشَّيْ‏ءَ الَّذِي يَحْمِلُهُ أَقْوَى مِنْهُ قُلْتُ بَيِّنْ لِي جُعِلْتُ فِدَاكَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ حَمَّلَ دِينَهُ وَ عِلْمَهُ الْمَاءَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ أَرْضٌ أَوْ سَمَاءٌ أَوْ جِنٌّ أَوْ إِنْسٌ أَوْ شَمْسٌ أَوْ قَمَرٌ فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ نَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ مَنْ رَبُّكُمْ فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ نَطَقَ رَسُولَ اللَّهِ وَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْأَئِمَّةَ(ع)فَقَالُوا أَنْتَ رَبُّنَا فَحَمَّلَهُمُ الْعِلْمَ وَ الدِّينَ ثُمَّ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ هَؤُلَاءِ حَمَلَةُ عِلْمِي وَ دِينِي وَ أُمَنَائِي فِي خَلْقِي وَ

335

هُمُ الْمَسْئُولُونَ ثُمَّ قِيلَ لِبَنِي آدَمَ أَقِرُّوا لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَ لِهَؤُلَاءِ النَّفَرِ بِالطَّاعَةِ فَقَالُوا رَبَّنَا أَقْرَرْنَا فَقَالَ لِلْمَلَائِكَةِ اشْهَدُوا فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ شَهِدْنَا عَلَى أَنْ لَا يَقُولُوا إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ‏ أَوْ يَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَ كُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ‏ يَا دَاوُدُ وَلَايَتُنَا مُؤَكَّدَةٌ عَلَيْهِمْ فِي الْمِيثَاقِ.

قال الصدوق (رحمه الله ) في التوحيد إن المشبهة تتعلق بقوله عز و جل‏ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ و لا حجة لها في ذلك لأنه عز و جل عنى بقوله‏ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ‏ أي ثم نقل العرش إلى فوق السماوات و هو مستول عليه و مالك له فقوله عز و جل‏ ثُمَ‏ إنما هو لدفع العرش إلى مكانه الذي هو فيه و نقله للاستواء و لا يجوز أن يكون معنى قوله استوى استولى لأن الاستيلاء لله تعالى‏ (1) على الملك و على الأشياء ليس هو بأمر حادث بل كان لم يزل مالكا لكل شي‏ء و مستوليا على كل شي‏ء و إنما ذكر عز و جل الاستواء بعد قوله ثم و هو يعني الرفع مجازا و هو كقوله‏ وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ الصَّابِرِينَ‏ فذكر نعلم مع قوله حتى و هو عز و جل يعني حتى يجاهد المجاهدون و نحن نعلم ذلك لأن حتى لا يقع إلا على فعل حادث و علم الله عز و جل بالأشياء لا يكون حادثا و كذلك ذكر قوله عز و جل‏ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ‏ بعد قوله‏ ثُمَ‏ و هو يعني بذلك ثم رفع العرش لاستيلائه عليه و لم يعن بذلك الجلوس و اعتدال البدن لأن الله لا يجوز أن يكون جسما و لا ذا بدن تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا (2).

____________

(1) في نسخة: لان استيلاء اللّه تعالى.

(2) قال السيّد الرضيّ (قدس الله روحه) في كتابه تلخيص البيان بعد قوله تعالى: «ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ»*: و هذه استعارة، لان حقيقة الاستواء إنّما توصف بها الاجسام التي تعلو و تهبط و تميل و تعتدل و المراد بالاستواء هاهنا الاستيلاء بالقدرة و السلطان، لا بحلول القرار و المكان، كما يقال: استوى فلان الملك على سرير ملكه بمعنى استولى على تدبير الملك، و ملك معقد الامر و النهى، و يحسن صفته بذلك و إن لم يكن له في الحقيقة سرير يقعد عليه، و لا مكان عال يشار إليه، و إنّما المراد نفاذ أمره في مملكته، و استيلاء سلطانه على رعيته.

فان قيل: فاللّه سبحانه مستول على كل شي‏ء بقهره و غلبته و نفاذ أمره و قدرته، فما معنى اختصاص العرش بالذكر هاهنا؟ قيل: كما ثبت أنّه تعالى ربّ لكل شي‏ء، و قد قال في صفة نفسه: «رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ»* و قال: «رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ» فان قيل: فما معنى قولنا: عرش اللّه إن لم يرد بذلك كونه عليه؟ قيل: كما يقال: بيت اللّه و ان لم يرد كونه فيه، و العرش تطوف به الملائكة تعبدا، كما أن البيت في الأرض تطوف به الخلائق تعبدا.

336

44- سن، المحاسن أَبِي عَمَّنْ ذَكَرَهُ قَالَ: اجْتَمَعَتِ الْيَهُودُ إِلَى رَأْسِ الْجَالُوتِ فَقَالُوا إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ عَالِمٌ يَعْنُونَ بِهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَانْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ لِنَسْأَلَهُ فَأَتَوْهُ فَقِيلَ لَهُ هُوَ فِي الْقَصْرِ فَانْتَظَرُوهُ حَتَّى خَرَجَ فَقَالَ لَهُ رَأْسُ الْجَالُوتِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ جِئْنَا نَسْأَلُكَ قَالَ سَلْ يَا يَهُودِيُّ عَمَّا بَدَا لَكَ قَالَ أَسْأَلُكَ عَنْ رَبِّنَا مَتَى كَانَ فَقَالَ كَانَ بِلَا كَيْنُونَةٍ كَانَ بِلَا كَيْفٍ كَانَ لَمْ يَزَلْ بِلَا كَمٍّ وَ بِلَا كَيْفٍ كَانَ لَيْسَ لَهُ قَبْلٌ هُوَ قَبْلَ الْقَبْلِ بِلَا قَبْلٍ وَ لَا غَايَةٍ وَ لَا مُنْتَهَى غَايَةٍ وَ لَا غَايَةَ إِلَيْهَا انْقَطَعَتْ عَنْهُ الْغَايَاتُ فَهُوَ غَايَةُ كُلِّ غَايَةٍ قَالَ فَقَالَ رَأْسُ الْجَالُوتِ لِلْيَهُودِ امْضُوا بِنَا (1) فَهَذَا أَعْلَمُ مِمَّا يُقَالُ فِيهِ‏ (2).

بيان و لا غاية إليها أي ينتهي إليها.

45- سن، المحاسن الْقَاسِمُ بْنُ يَحْيَى عَنْ جَدِّهِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى(ع)وَ سُئِلَ عَنْ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ‏ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏ فَقَالَ اسْتَوْلَى عَلَى مَا دَقَّ وَ جَلَّ.

ج، الإحتجاج عن الحسن‏ مثله.

46- يد، التوحيد مع، معاني الأخبار ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَأَلْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏ قَالَ اسْتَوَى مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ فَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ.

- 47- فس، تفسير القمي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سَهْلٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَارِدٍ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)سُئِلَ عَنْ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏ فَقَالَ اسْتَوَى مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ فَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ.

يد، التوحيد ماجيلويه عن محمد العطار عن سهل‏ مثله‏

____________

(1) و في نسخة: مروا بنا.

(2) و في الرواية دلالة على كونه تعالى هو المطلوب المطلق لكل شي‏ء.

337

- يد، التوحيد ابن الوليد عن محمد العطار عن سهل عن الخشاب رفعه عن أبي عبد الله(ع)مثله.

48- يد، التوحيد أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏ فَقَالَ اسْتَوَى مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ فَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ لَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ بَعِيدٌ وَ لَمْ يَقْرُبْ مِنْهُ قَرِيبٌ اسْتَوَى مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ.

بيان اعلم أن الاستواء يطلق على معان الأول الاستقرار و التمكن على الشي‏ء الثاني قصد الشي‏ء و الإقبال إليه الثالث الاستيلاء على الشي‏ء قال الشاعر.

قد استوى بشر على العراق.* * * من غير سيف و دم مهراق.

الرابع الاعتدال يقال سويت الشي‏ء فاستوى الخامس المساواة في النسبة.

فأما المعنى الأول فيستحيل على الله تعالى لما ثبت بالبراهين العقلية و النقلية من استحالة كونه تعالى مكانيا فمن المفسرين من حمل الاستواء في هذه الآية على الثاني أي أقبل على خلقه و قصد إلى ذلك و قد رووا أنه سئل أبو العباس أحمد بن يحيى عن هذه الآية فقال الاستواء الإقبال على الشي‏ء و نحو هذا قال الفراء و الزجاج في قوله عز و جل‏ ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ و الأكثرون منهم حملوها على الثالث أي استولى عليه و ملكه و دبره قال الزمخشري لما كان الاستواء على العرش و هو سرير الملك لا يحصل إلا مع الملك جعلوه كناية عن الملك فقالوا استوى فلان على السرير يريدون ملكه و إن لم يقعد على السرير البتة و إنما عبروا عن حصول الملك بذلك لأنه أصرح و أقوى في الدلالة من أن يقال فلان ملك و نحوه قولك يد فلان مبسوطة و يد فلان مغلولة بمعنى أنه جواد أو بخيل لا فرق بين العبارتين إلا فيما قلت حتى أن من لم يبسط يده قط بالنوال أو لم يكن له يد رأسا و هو جواد قيل فيه يده مبسوطة لأنه لا فرق عندهم بينه و بين قولهم جواد انتهى و يحتمل أن يكون المراد المعنى الرابع بأن يكون كناية عن نفي النقص عنه تعالى من جميع الوجوه فيكون قوله تعالى‏ عَلَى الْعَرْشِ‏

338

حالية و سيأتي توجيهه و لكنه بعيد و أما المعنى الخامس فهو الظاهر مما مر من الأخبار.

فاعلم أن العرش قد يطلق على الجسم العظيم الذي أحاط بسائر الجسمانيات و قد يطلق على جميع المخلوقات و قد يطلق على العلم أيضا كما وردت به الأخبار الكثيرة (1) و سيأتي تحقيقه في كتاب السماء و العالم.

فإذا عرفت هذا فإما أن يكون(ع)فسر العرش بمجموع الأشياء و ضمن الاستواء ما يتعدى بعلى كالاستيلاء و الاستعلاء و الإشراف فالمعنى استوت نسبته إلى كل شي‏ء حال كونه مستوليا عليها أو فسره بالعلم و يكون متعلق الاستواء مقدرا أي تساوت نسبته من كل شي‏ء حال كونه متمكنا على عرش العلم فيكون إشارة إلى بيان نسبته تعالى و أنها بالعلم و الإحاطة أو المراد بالعرش عرش العظمة و الجلال و القدرة كما فسر بها أيضا في بعض الأخبار أي استوى من كل شي‏ء مع كونه في غاية العظمة و متمكنا على عرش التقدس و الجلالة و الحاصل أن علو قدره ليس مانعا من دونه بالحفظ و التربية و الإحاطة و كذا العكس و على التقادير فقوله‏ اسْتَوى‏ خبر و قوله‏ عَلَى الْعَرْشِ‏ حال و يحتمل أن يكونا خبرين على بعض التقادير و لا يبعد على الاحتمال الأول جعل قوله‏ عَلَى الْعَرْشِ‏ متعلقا بالاستواء بأن تكون كلمة على بمعنى إلى و يحتمل على تقدير حمل العرش على العلم أن يكون قوله‏ عَلَى الْعَرْشِ‏ خبرا و قوله‏ اسْتَوى‏ حالا عن العرش لكنه بعيد و على التقادير يمكن أن يقال إن النكتة في إيراد الرحمن بيان أن رحمانيته توجب استواء نسبته إيجادا و حفظا و تربية و علما إلى الجميع بخلاف الرحيمية فإنها تقتضي إفاضة الهدايات الخاصة على المؤمنين فقط و كذا كثير من أسمائه الحسنى تخص جماعة كما سيأتي تحقيقها و يؤيد بعض الوجوه التي ذكرنا ما ذكره الصدوق (رحمه الله ) في كتاب العقائد حيث قال اعتقادنا في العرش أنه جملة جميع الخلق و العرش‏

____________

(1) قال الشيخ الطوسيّ (قدس سره) في كتابه التبيان ذيل قوله تعالى: «ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ»* في سورة يونس: قيل: إن العرش المذكور هاهنا هو السماوات و الأرض، لانهن من بنائه، و العرش:

البناء، و منه قوله: «يَعْرِشُونَ»* أى يبنون، و أمّا العرش المعظم الذي تعبد اللّه الملائكة بالحفوف به و الاعظام له و عناه بقوله: «الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ» فهو غير هذا.

339

في وجه آخر هو العلم و

- سُئِلَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏ فَقَالَ اسْتَوَى مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ فَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ.

انتهى و إنما بسطنا الكلام في هذا المقام لصعوبة فهم تلك الأخبار على أكثر الأفهام.

أقول قد مرت الأخبار المناسبة لهذا الباب في باب إثبات الصانع و باب نفي الجسم و الصورة و سيأتي في باب احتجاج أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) على النصارى و باب العرش و الكرسي و باب جوامع التوحيد.

إلى هنا تمّ الجزء الثالث من بحار الأنوار من هذه الطبعة المزدانة بتعاليق نفيسة قيّمة و فوائد جمّة ثمينة؛ و يساوي هذا الجلد مع 104 صفحة من ثاني أجزاء الطبع الكمپانى و يحوي 276 حديثاً و 14 باباً و اللّه الموفّق للخير و الرشاد جمادي الثانية 1376 ه‏

340

فهرست ما في هذا الجزء

الموضوع/ الصفحه‏

باب 1 ثواب الموحّدين و العارفين، و بيان وجوب المعرفة و علّته، و بيان ما هو حقّ معرفته تعالى؛ و فيه 39 حديثاً. 1

باب 2 علّة احتجاب اللّه عزّ و جلّ عن خلقه؛ و فيه حديثان. 15

باب 3 إثبات الصانع و الاستدلال بعجائب صنعه على و جوده و علمه و قدرته و سائر صفاته؛ و فيه 29 حديثاً. 16

باب 4 توحيد المفضّل. 57

باب 5؛ حديث الإهليجيّة. 152

باب 6 التوحيد و نفى الشريك، و معنى الواحد و الأحد و الصمد، و تفسير سورة التوحيد؛ و فيه 25 حديثاً. 198

باب 7 عبادة الأصنام و الكواكب و الأشجار و النيّرين و علّة حدوثها و عقاب من عبدها أو قرّب إليها قرباناً؛ و فيه 12 حديثاً. 244

باب 8 نفى الولد و الصاحبة؛ و فيه 3 أحاديث. 254

باب 9 النهي عن التفكّر في ذات اللّه تعالى، و الخوض في مسائل التوحيد، وإطلاق القول بأنّه شى‏ء؛ و فيه 32 حديثاً. 257

باب 10 أدنى ما يجزي من المعرفة في التوحيد، و أنّه لا يعرف اللّه إلا به؛ و فيه 9 أحاديث. 267

باب 11 الدين الحنيف و الفطرة و صبغة اللّه و التعريف في الميثاق؛ و فيه 42 حديثاً. 276

باب 12 إثبات قدمه تعالى و امتناع الزوال عليه؛ و فيه 7 أحاديث. 283

باب 13 نفى الجسم و الصورة و التشبيه و الحلول و الإتّحاد، و أنه لا يدرك بالحواسّ و الأوهام و العقول و الأفهام؛ و فيه 47 حديثاً. 287

باب 14 نفي الزمان و المكان و الحركة و الانتقال عنه تعالى، و تأويل الآيات و الأخبار في ذلك؛ و فيه 47 حديثاً. 309

341

(رموز الكتاب)

ب: لقرب الإسناد.

بشا: لبشارة المصطفى.

تم: لفلاح السائل.

ثو: لثواب الأعمال.

ج: للإحتجاج.

جا: لمجالس المفيد.

جش: لفهرست النجاشيّ.

جع: لجامع الأخبار.

جم: لجمال الأسبوع.

جُنة: للجُنة.

حة: لفرحة الغريّ.

ختص: لكتاب الإختصاص.

خص: لمنتخب البصائر.

د: للعَدَد.

سر: للسرائر.

سن: للمحاسن.

شا: للإرشاد.

شف: لكشف اليقين.

شي: لتفسير العياشيّ‏

ص: لقصص الأنبياء.

صا: للإستبصار.

صبا: لمصباح الزائر.

صح: لصحيفة الرضا (ع).

ضا: لفقه الرضا (ع).

ضوء: لضوء الشهاب.

ضه: لروضة الواعظين.

ط: للصراط المستقيم.

طا: لأمان الأخطار.

طب: لطبّ الأئمة.

ع: لعلل الشرائع.

عا: لدعائم الإسلام.

عد: للعقائد.

عدة: للعُدة.

عم: لإعلام الورى.

عين: للعيون و المحاسن.

غر: للغرر و الدرر.

غط: لغيبة الشيخ.

غو: لغوالي اللئالي.

ف: لتحف العقول.

فتح: لفتح الأبواب.

فر: لتفسير فرات بن إبراهيم.

فس: لتفسير عليّ بن إبراهيم.

فض: لكتاب الروضة.

ق: للكتاب العتيق الغرويّ‏

قب: لمناقب ابن شهر آشوب.

قبس: لقبس المصباح.

قضا: لقضاء الحقوق.

قل: لإقبال الأعمال.

قية: للدُروع.

ك: لإكمال الدين.

كا: للكافي.

كش: لرجال الكشيّ.

كشف: لكشف الغمّة.

كف: لمصباح الكفعميّ.

كنز: لكنز جامع الفوائد و تأويل الآيات الظاهرة معا.

ل: للخصال.

لد: للبلد الأمين.

لى: لأمالي الصدوق.

م: لتفسير الإمام العسكريّ (ع).

ما: لأمالي الطوسيّ.

محص: للتمحيص.

مد: للعُمدة.

مص: لمصباح الشريعة.

مصبا: للمصباحين.

مع: لمعاني الأخبار.

مكا: لمكارم الأخلاق.

مل: لكامل الزيارة.

منها: للمنهاج.

مهج: لمهج الدعوات.

ن: لعيون أخبار الرضا (ع).

نبه: لتنبيه الخاطر.

نجم: لكتاب النجوم.

نص: للكفاية.

نهج: لنهج البلاغة.

نى: لغيبة النعمانيّ.

هد: للهداية.

يب: للتهذيب.

يج: للخرائج.

يد: للتوحيد.

ير: لبصائر الدرجات.

يف: للطرائف.

يل: للفضائل.

ين: لكتابي الحسين بن سعيد او لكتابه و النوادر.

يه: لمن لا يحضره الفقيه.