بحار الأنوار
الجزء الرابع و الخمسون
تأليف
العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

4
قوَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (1)الحديدهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ (2)النازعاتأَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَ أَغْطَشَ لَيْلَها وَ أَخْرَجَ ضُحاها وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَ مَرْعاها وَ الْجِبالَ أَرْساها مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ (3)الأعلىسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (4)تفسيرهُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاًامتنان على العباد بخلق ما يتوقف عليه بقاؤهم و يتم به معاشهم و معنىلَكُمْلأجلكم و انتفاعكم في دنياكم باستعمالكم بها في مصالح أبدانكم بوسط أو غير وسط و في دينكم بالاستدلال و الاعتبار و التعرف بما يلائمها من لذات الآخرة و آلامها و هذا مما يستدل به على إباحة جميع الأشياء إلا ما أخرجه الدليل و ما يعم كل ما في الأرض لا الأرض إلا إذا أريد به جهة السفل كما يراد بالسماء جهة العلوجَمِيعاًحال عن الموصول الثانيثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ (5)أي قصد إليها بإرادته من قولهم استوى إليه
____________
(1) ق: 38.
(2) الحديد: 4.
(3) النازعات: 27- 33.
(4) الأعلى: 1- 3.
(5) قال الراغب في مفرداته: سماء كل شيء أعلاه، قال الشاعر في وصف فرس:
و أحمر كالديباج أما سماؤه* * * فريا و أمّا أرضه فمحول
و سمى المطر سماء لخروجه منها، و سمى النبات سماء إمّا لكونه من المطر الذي هو سماء و إمّا لارتفاعه عن الأرض. و السماء المقابل للأرض مؤنث و قد يذكر، و يستعمل للواحد و الجمع لقوله «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ»و قد يقال في جمعها «سماوات» قال: «خَلْقِ السَّماواتِ*؛قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ»*و قال «السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ»فذكر و قال: «إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ»و «إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ»فأنث (انتهى ملخصا).
1
كتاب السماء و العالم
بسم الله الرحمن الرحيم
و به ثقتي الحمد لله خالق الأرضين و السماوات و سامك المسموكات و داحي المدحوات و مخرج عباده إلى النور من الظلمات مزوج الآباء العلوية (1)أمهات السفليات و مثمر المواليد من أرحام الأسطقسات (2)و مظهر الأنواع المتوالدة و المتولدة من مشايم القابليات و الصلاة على أشرف الخلائق و البريات و عين أعيان المكونات (3)و أفضل نتائج الآباء و الأمهات محمد المصطفى و أهل بيته الأقدسين الذين بهم جرت جميع النعم على الكائنات و بنورهم يهتدى إلى مناهج السعادات و بذكر شفاعتهم يشفى غليل صدور أرباب الجرائم و السيئات.
أما بعد فيقول أفقر العباد إلى عفو ربه الغافر محمد بن محمد تقي المدعو بباقر رزقهما الله السعادة في اليوم الآخر و ثبت أقدامهما في المزالق و المعاثر (4)هذا هو المجلد الرابع عشر من كتاب بحار الأنوار المسمى بكتاب السماء و العالم لاشتماله على كشف الغطاء عن غوامض أسرار الآيات و الروايات المتعلقة بخلق اللوح و القلم و العرش و الكرسي و الحجب و السرادقات و السماوات و أصناف الملائكة و الكواكب و النجوم و صفاتها و أحكامها و آثارها و الأرضين و العناصر و المواليد من
____________
(1) العلويات (خ ل).
(2) الاسطقس: لغة يونانية معناها بالعربية الأصل، و في اصطلاح الفلاسفة الطبيعيين أبسط أجزاء المركب.
(3) المكنونات (خ ل).
(4) المزالق و المعاثر: المواضع التي تزل فيها الاقدام.
5
إذا قصده قصدا مستويا من غير أن يلوي على شيء و قيل استوى أي استولى و ملك قال الشاعر
قد استوى بشر على العراق* * * من غير سيف و دم مهراق.
و المراد بالسماء الأجرام العلوية أو (1)جهات العلو كما قيل.
فَسَوَّاهُنَأي عدلهن و خلقهن مصونة من العوج و الفطور و قيل هن ضمير السماء إن فسرت بالأجرام لأنها جمع أو في معنى الجمع و إلا فمبهم يفسره ما بعده كقولهم ربه رجلاسَبْعَ سَماواتٍبدل أو تفسير و السبع لا ينافي التسع التي أثبتوها أصحاب الأرصاد إذ الثامن و التاسع مسميان في لسان الشرع بالكرسي و العرش (2)وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌقيل فيه تعليل كأنه قال و لكونه عالما بتلك الأشياء كلها خلق ما خلق على هذا النمط الأكمل و الوجه الأنفع و الاستدلال بأن من كان فعله على هذا النسق العجيب و الترتيب الأنيق كان عليما و تدل الآية على حدوث السماوات بل الأرض أيضا كما سيأتي بيانه.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَأخبر بأنه تعالى حقيق بالحمد
____________
(1) أي (خ ل).
(2) غير خفى أن هذا التطبيق مبنى على الفرضية البطلميوسية في الهيئة و هي كون الافلاك الكلية تسعة و فيه جهات من الاشكال:
الأولى- أن عدد الافلاك بناء على تلك الفرضية تسعة و السماوات سبع بالنص غير القابل للتأويل، و تطبيق الثامن على الكرسيّ و العرش قول من غير دليل، بل الدليل على خلافه كما سيجيء في معنى العرش و الكرسيّ.
الثانية- أن القرآن يجعل الكواكب كلها مصابيح للسماء الدنيا (و هي السماء الأولى ظاهرا) لا مثبتا فيها و لا في غيرها من السماوات بل يصرح بأنها تسبح في الفلك، و أمّا على الفرض المذكور فمحل الثوابت هو الفلك الثامن و محل كل من السيارات التي ينحصر عددها في السبع على الفرض فلك من الافلاك المحوية و كلها مركوزة في الافلاك يستحيل عليها الانتقال و تغير الوضع إلّا بتبع الافلاك.
الثالثة- أن الفلك بمعناه المصطلح في الهيئة القديمة لا أثر منها في الخارج و قد استدلّ عليه علماء الهيئة الحديثة بدلائل متعدّدة. إلى غير ذلك.
3
يونسإِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ (1)هودوَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (2)الكهفما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (3)الأنبياءأَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ (4)الفرقانالَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً (5)التنزيلاللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ (6)فصلتقُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَ بارَكَ فِيها وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ حِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (7)
____________
(1) يونس: 3.
(2) هود: 7.
(3) الكهف: 51.
(4) الأنبياء: 30.
(5) الفرقان: 59.
(6) الم السجدة: 4.
(7) فصّلت: 9- 12.
6
و نبه على أنه المستحق له على هذه النعم الجسام حمد أو لم يحمد ليكون حجة على الذينهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَو جمع السماوات دون الأرض و هي مثلهن لأن طبقاتها مختلفة بالذات متفاوتة الآثار و الحركات و قدمها لشرفها و علو مكانهاوَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَأي أنشأهما و الفرق بين خلق و جعل الذي له مفعول واحد أن خلق فيه معنى التقدير و جعل فيه معنى التضمين و لذلك عبر عن إحداث النور و الظلمة بالجعل تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت الثنوية و جمع الظلمات لكثرة أسبابها و الأجرام الحاملة لها أو لأن المراد بالظلمة الضلال و بالنور الهدى و الهدى واحد و الضلال متعدد و تقديمها لتقدم الأعدام على الملكات.
فِي سِتَّةِ أَيَّامٍالمشهور أن المراد بالأيام هنا مقدار أيام الدنيا و
* * *
* * *
- روي عن ابن عباس أنها من أيام الآخرة كل يوم منها أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
. أقول و بمثل هذا الخبر لا يمكن صرف الآية عن ظاهرها ثم إنه سبحانه إنما خلق في هذه المدة مع أنه كان قادرا على خلقها في طرفة عين إما لعبرة من خلقها من الملائكة إذ الاعتبار في التدريج أكثر كما ورد في الخبر أو ليعلم بذلك أنها صادرة من قادر مختار عالم بالمصالح و وجوه الأحكام إذ لو حصلت من مطبوع أو موجب لحصلت في حالة واحدة أو ليعلم الناس التأني في الأمور و عدم الاستعجال فيها
- كَمَا رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ لَوْ شَاءَ أَنْ يَخْلُقَهَا فِي أَقَلَّ مِنْ لَمْحِ الْبَصَرِ لَخَلَقَ وَ لَكِنَّهُ جَعَلَ الْأَنَاءَ (1) وَ الْمُدَارَاةَ مِثَالًا لِأُمَنَائِهِ وَ إِيجَاباً لِلْحُجَّةِ عَلَى خَلْقِهِ.
. و أورد هنا إشكال و هو أن اليوم إنما يحصل بحركة الشمس و طلوعها و غروبها فما معنى اليوم هاهنا و يمكن أن يجاب بوجوه.
الأول أن مناط تمايز الأيام و تقدرها إنما هو حركة الفلك الأعلى دون السماوات السبع و المخلوق في الأيام المتمايزة إنما هو السماوات السبع و
____________
(1) الاناء: بفتح الهمزة اسم من الابناء أي الابطاء و التأخير.
2
المعادن و النباتات و الحيوانات و خواصها و حلها و حرمتها و صيدها و ذبحها و منافع الأدوية و الثمار و الحشائش و العقاقير و خواصها و فوائدها و أحوال الإنسان و النفس و الروح و تشريح الأبدان و علم الطب و أحوال البقاع و البلدان و الأصقاع و سائر ما يتعلق بتلك الأعيان و هذا مما لم يسبقني إليه أحد من علمائنا و المخالفين و أرجو بفضله سبحانه أن يكون مما تقر به أعين المؤمنين و يسخن (1)عيون المنافقين و الملحدين و أستمد المعونة في ذلك من ربي جل شأنه ثم من موالي الأكرمين وحَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ
أبواب كليات أحوال العالم و ما يتعلق بالسماويات
باب 1 حدوث العالم و بدء خلقه و كيفيته و بعض كليات الأمور (2)
الآيات البقرةهُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)الأنعامالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ (4)الأعرافإِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ (5)
____________
(1) سخنت عينه (بكسر الخاء المعجمة) يسخن (بفتحها): نقيض «قرت» و أسخن عينه و سخنها: أبكاه.
(2) الأحوال (خ ل).
(3) البقرة: 29.
(4) الأنعام: 1.
(5) الأعراف: 54.
7
الأرض و ما بينهما دون ما فوقهما و لا يلزم من ذلك الخلأ لتقدم الماء الذي خلق منه الجميع على الجميع. الثاني أن المراد بالأيام الأوقات كقوله تعالى وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ (1) الثالث أن المراد في مقدار ستة أيام و مرجع الجميع إلى واحد إذ قبل وجود الشمس لا يتصور يوم حقيقة فالمراد إما مقدار من الزمان مطلقا أو مقدار حركة الشمس هذا القدر و على التقديرين إما مبني على كون الزمان أمرا موهوما منتزعا من بقائه سبحانه أو من أول الأجسام المخلوقة كالماء أو من الأرواح المخلوقة قبل الأجسام على القول به أو من الملائكة كما هو ظاهر الخبر الآتي و إما بالقول بخلق فلك متحرك قبل ذلك بناء على القول بوجود الزمان و أنه مقدار حركة الفلك فإن التجدد و التقضي و التصرم الذي هو منشأ تحقق الزمان عندهم في الجميع متصور. (2)
____________
(1) الأنفال: 16.
(2) يقع الكلام في قوله تعالى «خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ»* تارة في معنى السماوات و ماهيتها، و اخرى في معنى الأيّام المذكورة و كيفية تصويرها حين خلق السماوات و الأرض، و ثالثة في معنى الخلق و كيفية وقوعه في برهة من الزمان.
اما السماوات فالظاهر من الآيات الكريمة و الروايات الشريفة انها اجسام لطيفة خلقت من مادة سماها القرآن «دخانا» قال تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ- إلى أن قال- فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ» لكن قد يستعمل السماء بمعنى الموجود العالى سواء كان علوه حسيا او غير حسى كما ورد في صعود الاعمال الى السماء و نزول الأرزاق منها الى غير ذلك، و لعلّ قوله تعالى «وَ فُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً» أيضا من هذا القبيل.
ثمّ الظاهر أنّه كان قبل خلق السماوات و الأرض شيء سماه القرآن «ماء» و انه مادة جميع الاجسام، قال تعالى «خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ» و يؤيد ذلك كله روايات كثيرة ستطلع عليها من قريب. و الظاهر ان أصل السماء خلق قبل الأرض لكن فتقها و تسويتها سبعا وقع بعده، قال تعالى «خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ» كما ان الظاهر ان دحو الأرض كان بعد تسوية السماوات، قال تعالى «وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها» و أيضا الظاهر ان الكواكب كلها و لا أقل من المرئية منها تحت.
8
و قال بعض الصوفية للزمان المادي زمان مجرد كالنفس للجسد و للمكان
____________
السماء الأولى، قال تعالى «وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ» و قال تعالى «إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ».
و اما الأيّام فالمتيقن انه لم يكن قبل خلق الأرض يوم بمعناه المشهور، اعنى ما يحصل من حركة الأرض الوضعية، لان هذا المعنى انما يمكن فرضه بعد وجود ارض متحركة: فالمراد بها اما ساعات مساوية لها، او مقادير اخرى من الزمان اعتبرت أياما بعناية، كما يطلق الايام على السنين و الاعوام بل على القرون و الاحقاب و هو استعمال شائع. و على أي تقدير فان قيل بوجود الزمان قبل خلق السماوات و الأرض فلا بدّ من الالتزام بوجود جسم متحرك بحركة جوهرية او عرضية قبلها- و قد مر استظهار وجود الماء عندئذ- و الا فمعنى وقوع خلق السماوات و الأرض في تلك الأزمنة مقارنته لها، و يكفى في المقارنة كونها بحركتها راسمة للزمان.
و أمّا القول بان الزمان امر موهوم منتزع من بقاء ذات البارى سبحانه فان أريد ان ذاته تعالى منشأ لانتزاعه ففيه مضافا الى انه ينافى مخلوقيته ان الزمان امر سيال متصرم و حقيقته التجدد و التغير و ما هذا شانه يستحيل انتزاعه ممّا لا سبيل للتغير إليه بوجه، و كذلك القول بانتزاعه من الملائكة أو الأرواح، الا أن يقال بكونها اجساما قابلة للحركة فتصير كسائر الاجسام في صحة انتزاع الزمان من حركتها فتأمل. و ان أريد انه امر موهوم لا اثر منه في الخارج اصلا فلا يمكن اناطة الأبحاث الحقيقية كبحث القدم و الحدوث الزمانيين و غيره من الأبحاث الهامة: مع انه بناء عليه لا يبقى فرق حقيقي بين الحوادث الماضية و الآتية! و سيأتي الكلام فيه.
و اما الكلام في وقوع الخلق مقارنا للايام الستة فالذى يظهر من الآيات الشريفة ان المراد بالخلق ليس هو الاحداث الدفعى بل المراد الايجاد التدريجى، قال تعالى «هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ»* و قال «خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ» و قال «وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَ بارَكَ فِيها وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ» و الظاهر أنّه ليس المراد بهذه الأربعة أيّاما اخرى غير اليومين الاولين، و الا لما بقى لخلق السماوات شيء من ستة أيّام، و هو تعالى يقول بعيد هنا «فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ» فخلق الأرض و اكمالها الى ان تستعد لوجود الرواسى و تهيئة الاقوات كل ذلك وقع في أربعة أيام، الا أن يقال بتداخل أيّام خلق السماوات في أيام خلق الأرض و وقوع خلق السماوات مقارنا ليومين من أيّام خلق الأرض و كيف كان فيشبه ان يكون المراد بالايام التي خلقت فيها الأرض الادوار التي مرت عليها من حين احداثها الى ان صارت على حالها هذه و استعدت لنشوء الموجود الحى فيها، فينطبق على ما ذكره علماء «الجيولوجيا» في ادوار الأرض بعض الانطباق. و أن يكون المراد باليومين اللذين خلق فيهما السماوات الدورتين اللتين مرتا عليها أعنى الدورة التي كانت مرتتقة غير متميزة، و الدورة التي فتقت و سويت سبع سماوات متميزة. و سيأتي نقلا عن تفسير القمّيّ ان المراد باربعة أيّام الفصول الأربعة لانها التي يخرج اللّه تعالى فيها اقوات الناس و البهائم و سائر الحيوانات و اللّه العالم.
9
المادي مكان مجرد و هما عارضان للمجردات و لا يمكن فهمه و خارج عن طور العقل كسائر خيالاتهم و أقوالهم.
و على أي حال هذه الآية و ما سيأتي من أشباهها تدل على حدوث السماوات و الأرض و ما بينهما لأن الحادث في اليوم الأخير مثلا مسبوق بخمسة أيام فيكون متناهي البقاء منقطع الوجود في جهة الماضي و الموجود في اليوم الأول زمان وجوده أزيد على الأخير بقدر متناه فالجميع متناهي الوجود حادث فيرد على الحكماء كون الزمان أيضا حادثا متناهيا لأنه عندهم مقدار حركة الفلك و أما ما ذكره الرازي في تفسيره (1) من أن المراد بستة أيام ستة أحوال (2) و ذلك لأن السماء و الأرض و ما بينهما ثلاثة أشياء و لكل واحد منهما ذات و صفة فنظرا (3) إلى خلقة (4) ذات السماء حالة و إلى (5) خلقة (6) صفاتها أخرى و نظرا (7) إلى خلقة (8) ذات الأرض و إلى صفاتها كذلك و نظرا (9) إلى ذوات ما بينها و إلى صفاتها أخرى (10) فهي ستة أشياء في ستة أحوال و إنما ذكر الأيام لأن الإنسان إذا رأى (11) إلى الخلق رآه فعلا و الفعل ظرفه الزمان و الأيام أشهر الأزمنة و إلا فقبل السماوات لم يكن ليل و لا نهار و هذا مثل ما يقول القائل لغيره إن يوما ولدت فيه كان يوما مباركا و قد يجوز أن يكون ولد ذلك ليلا (12) و لا يخرج عن مراده لأن المراد الزمان (13) الذي هو ظرف
____________
(1) مفاتيح الغيب، ج 6(ص)751 في تفسير سورة السجدة.
(2) في نظر الناظرين (كذا في مفاتيح الغيب).
(3) فنظر (نسخة).
(4) خلقة (خ ل).
(5) و نظرا الى خلقه (كذا في المصدر).
(6) خلقة (خ ل).
(7) فنظر (نسخة).
(8) خلقة (خ ل).
(9) فنظر (نسخة).
(10) صفاتها كذلك (فى المصدر).
(11) اذا نظر (مفاتيح الغيب).
(12) أن يكون ذلك قد ولد ليلا (المصدر).
(13) هو الزمان (المصدر).
10
ولادته فهو تكلف بعيد مستغنى عنه و ما ذكرنا أقرب إلى لفظ الآية الكريمة و أوفق بالمراد و سيأتي معاني (1) العرش و استوى (2) عليه.
وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ قال البيضاوي (3) أي قبل خلقهما لم يكن حائل بينهما لا أنه كان موضوعا على متن الماء و استدل به على إمكان الخلاء و أن الماء أول حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم و قيل كان الماء على متن الريح و الله أعلم بذلك انتهى و قال الطبرسي (4) و في هذا دلالة على أن العرش و الماء كانا موجودين قبل خلق السماوات و الأرض و كان الماء قائما بقدرة الله على غير موضع قرار بل كان الله يمسكه بكمال قدرته و في ذلك أعظم الاعتبار لأهل الإنكار و قيل المراد (5) بقوله عَرْشُهُ بناؤه يدل عليه وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ أي يبنون فالمعنى (6) و كان بناؤه على الماء فإن البناء على الماء أبدع و أعجب عن أبي مسلم انتهى.
و قال الرازي في تفسيره (7) قال كعب خلق الله تعالى ياقوتة خضراء ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ثم وضع العرش على الماء قال أبو بكر الأصم و معنى قوله وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ كقولهم السماء على الأرض و ليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملتصقا بالآخر و كيف كانت الواقعة يدل (8) على أن العرش و الماء كانا قبل السماوات و الأرض قالت المعتزلة و في الآية دلالة على وجود الملائكة قبل خلقهما لأنه لا يجوز أن
____________
(1) في نسخة: بيان العرش.
(2) و الاستواء (خ ل).
(3) أنوار التنزيل، ج 1 س هود ى 7.
(4) مجمع البيان، ج 5، سورة هود و ليس فيه لفظة الواو.
(5) ان المراد (خ ل).
(6) و المعنى (خ ل).
(7) مفاتيح الغيب ج 5(ص)57 في تفسير سورة هود.
(8) فذلك يدل (مفاتيح الغيب للرازيّ).
11
يخلق ذلك و لا أحد ينتفع بالعرش و الماء انتهى.
- و في بعض الأخبار أن المراد حمل علمه و دينه الماء.
و ربما يؤول من قال بالهيولى الماء بها.
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أي خلقهن لحكمة بالغة و هي أن يجعلها مساكن لعباده و ينعم عليهم فيها بفنون النعم و يكلفهم و يعرضهم لثواب الآخرة و لما أشبه ذلك اختبار المختبر قال لِيَبْلُوَكُمْ أي ليفعل بكم ما يفعل المبتلي لأحوالكم كيف تعملون
- وَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)لَيْسَ يَعْنِي أَكْثَرُكُمْ عَمَلًا وَ لَكِنْ أَصْوَبُكُمْ عَمَلًا وَ إِنَّمَا الْإِصَابَةُ خَشْيَةُ اللَّهِ وَ النِّيَّةُ الصَّادِقَةُ.
. ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قال الطبرسي ره (1) أي ما أحضرت إبليس و ذريته خلق السماوات و الأرض و لا خلق أنفسهم مستعينا بهم على ذلك و لا استعنت ببعضهم على خلق بعض و هذا إخبار عن كمال قدرته و استغنائه عن الأنصار و الأعوان و يدل عليه قوله وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً أي الشياطين الذين يضلون الناس أعوانا يعضدونني عليه و كثيرا ما يستعمل العضد بمعنى العون (2) و قيل المعنى أنكم اتبعتم الشياطين كما يتبع من يكون عنده علم لا ينال إلا من جهته و أنا ما أطلعتهم على خلق السماوات (3) و لا على خلق أنفسهم و لم أعطهم العلم بأنه كيف يخلق الأشياء فمن أين يتبعونهم و قيل معناه ما أحضرت مشركي العرب و هؤلاء الكفار خلق السماوات و الأرض و لا بعضهم خلق بعض بل لم يكونوا موجودين فخلقتهم فمن أين قالوا إن الملائكة بنات الله و من أين ادعوا ذلك انتهى.
و زاد الرازي وجهين آخرين (4) أحدهما أن الضمير عائد إلى الكفار
____________
(1) مجمع البيان ج 6(ص)476 في تفسير سورة الكهف ى 51.
(2) و انما وحده هنا لوفاق الفواصل (مجمع البيان).
(3) و الأرض (مجمع البيان).
(4) نقل عن مفاتيح الغيب، ج 5(ص)729 في تفسير سورة الكهف ملخصا.
12
الذين قالوا له(ص)إن لم تطرد عن مجلسك هؤلاء الفقراء فلا نؤمن بك فكأنه تعالى قال إن هؤلاء الذين أتوا بهذا الاقتراح الفاسد و التعنت الباطل ما كانوا شركائي في خلق العالم و تدبير الدنيا و الآخرة بل هم كسائر الخلق فلم أقدموا على هذا الاقتراح و نظيره إن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له لست بسلطان البلد و لا وزير الملك حتى نقبل منك هذه الاقتراحات.
و ثانيهما أن يكون المراد هؤلاء الكفار أيضا و يكون المعنى أنتم جاهلون بما جرى به القلم من أحوال السعادة و الشقاوة فكيف يمكنكم أن تحكموا لأنفسكم بالرفعة و الكمال و العلو و لغيركم بالذل و الدناءة انتهى.
- وَ رَوَى الْعَيَّاشِيُّ عَنِ الْبَاقِرِ(ع)أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ: اللَّهُمَّ أَعِزَّ (1) الْإِسْلَامَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَوْ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ بِعَيْنِهِمَا.
- وَ فِي الْكَافِي (2)، عَنِ الْجَوَادِ(ع)أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ مُتَفَرِّداً بِوَحْدَانِيَّتِهِ ثُمَّ خَلَقَ مُحَمَّداً وَ عَلِيّاً وَ فَاطِمَةَ فَمَكَثُوا أَلْفَ دَهْرٍ ثُمَّ خَلَقَ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ فَأَشْهَدَهُمْ خَلْقَهَا وَ أَجْرَى طَاعَتَهُمْ عَلَيْهَا وَ فَوَّضَ أَمْرَهَا (3) إِلَيْهِمْ الْخَبَرَ.
و هذا الخبر صريح في حدوث جميع أجزاء العالم.
أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا قال الطبرسي ره استفهام يراد به التقريع (4) و المعنى أ و لم يعلموا أن الله سبحانه (5) الذي يفعل هذه الأشياء و لا يقدر عليها غيره فهو الإله المستحق للعبادة دون غيره أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما تقديرها كانتا ذواتي رتق (6) و المعنى كانتا ملتزقتين منسدتين ففصلنا
____________
(1) أعن (خ ل).
(2) ج 1(ص)440 من الطبعة الحديثة.
(3) في المصدر: امورها.
(4) التقريع: التعنيف و العتاب الشديد.
(5) في المصدر: أنه سبحانه.
(6) في المصدر: تقديره، كانتا ذواتى رتق فجعلناهما ذواتى فتق.
13
بينهما بالهواء عن ابن عباس و غيره (1) و قيل كانت السماوات مرتتقة مطبقة ففتقناها سبع سماوات و كانت الأرض كذلك ففتقناها سبع أرضين عن مجاهد و السدي و قيل
- كانت السماء رتقا لا تمطر و الأرض رتقا لا تنبت ففتقنا السماء بالمطر و الأرض بالنبات عن عكرمة و عطية و ابن زيد و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله(ع)(2).
انتهى.
و قال الرازي الرؤية إما بمعنى الإبصار أو العلم و الأول مشكل لأن القوم ما رأوهما و لقوله تعالى ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و الثاني أيضا مشكل لأن (3) الأجسام قابلة للرتق و الفتق في أنفسها فالحكم عليها بالرتق أولا و بالفتق ثانيا لا سبيل إليه إلا السمع و المناظرة مع الكفار المنكرين للرسالة فكيف يجوز مثل هذا الاستدلال و دفع الإشكال بعد اختيار الثاني بوجوه.
أحدها أنا نثبت نبوة محمد(ص)بسائر المعجزات ثم نستدل بقوله ثم نجعلهما دليلا على حصول المصالح في العالم و انتفاء الفساد عنه و ثانيها أن نحمل الرتق و الفتق على إمكانهما و العقل يدل عليه لأن الأجسام يصح عليها الاجتماع و الافتراق فاختصاصها بالاجتماع دون الافتراق أو بالعكس يستدعي مخصصا و ثالثها أن اليهود و النصارى كانوا عالمين بذلك فإنه جاء في التوراة أن الله تعالى خلق جوهرة ثم نظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء ثم خلق السماوات و الأرض و فتق بينهما و كان بين عبدة الأوثان و بين اليهود نوع صداقة بسبب الاشتراك في عداوة محمد(ص)فاحتج الله تعالى عليهم بهذه الحجة بناء على أنهم يقبلون قول اليهود في ذلك.
ثم قال اختلف المفسرون في المراد من الرتق و الفتق على أقوال أحدها و ذكر الوجه الأول من وجوه الطبرسي ثم قال هذا القول يوجب أن خلق
____________
(1) في المصدر: عن ابن عبّاس و الضحّاك و عطاء و قتادة.
(2) مجمع البيان، ج 7(ص)45.
(3) في بعض النسخ: لان القوم ما رأوا الاجسام القابلة.
14
الأرض مقدم على خلق السماء لأنه تعالى لما فصل بينهما ترك الأرض حيث هي و أصعد الأجزاء السماوية قال كعب خلق الله السماوات و الأرضين ملتصقتين ثم خلق ريحا توسطهما ففتقتا بها ثم ذكر الثاني و الثالث و رجح الثالث بقوله تعالى وَ السَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ وَ الْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ و بقوله سبحانه وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ ثم قال و رابعها قول أبي مسلم الأصفهاني قال يجوز أن يراد بالفتق الإيجاد و الإظهار كقوله فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ فأخبر عن الإيجاد بلفظ الفتق و عن الحال قبل الإيجاد بلفظ الرتق.
أقول و تحقيقه أن العدم نفي محض فليس فيه ذوات متميزة و أعيان متباينة بل كأنه أمر واحد متصل متشابه فإذا وجدت الحقائق فعند الوجود و التكوين يتميز بعضها عن بعض فبهذا الطريق جعل الرتق مجازا عن العدم و الفتق عن الوجود. و خامسها أن الليل سابق على النهار بقوله وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فكانت السماوات و الأرض مظلمة ففتقهما الله بإظهار النهار المبصرة انتهى. (1)
و أقول سيأتي في الأخبار ما يؤيد الوجه الثالث و يومئ بعض خطب أمير المؤمنين(ع)إلى الثاني كما ستعرف
وَ رَوَى الْكُلَيْنِيُّ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِ (2)
____________
(1) مفاتيح الغيب، ج 6(ص)144 (نقل عنه ملخصا).
(2) في المصدر: «عن الحسن بن محبوب عن أبي حمزة ثابت بن دينار الثمالى، و أبو منصور عن أبي الربيع» ... و الحسن بن محبوب السراد و يقال الزراد مولى بجيلة كوفيّ ثقة جليل القدر من أصحاب الكاظم و الرضا (عليهما السلام) و روى عن ستين رجلا من أصحاب أبى عبد اللّه (عليه السلام) مات- (رحمه اللّه)- سنة (224) و كان من ابناء خمس و سبعين سنة. و أبو حمزة الثمالى ثابت بن دينار ثقة من خيار أصحابنا و معتمديهم لقى عليّ بن الحسين و ابا جعفر و أبا عبد اللّه و ابا الحسن (عليهم السلام) و روى عنهم و مات- (رحمه اللّه)- سنة (150) و كان ابن محبوب عندئذ صبيا يرضع و على هذا فروايته عنه إمّا بالوجادة أو بالواسطة.
15
قَالَ: سَأَلَ نَافِعٌ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَهْبَطَ (1) آدَمَ إِلَى الْأَرْضِ وَ كَانَتِ السَّمَاوَاتُ رَتْقاً لَا تَمْطُرُ شَيْئاً وَ كَانَتِ الْأَرْضُ رَتْقاً لَا تُنْبِتُ شَيْئاً فَلَمَّا تَابَ (2) اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى آدَمَ(ع)أَمَرَ السَّمَاءَ فَتَقَطَّرَتْ بِالْغَمَامِ ثُمَّ أَمَرَهَا فَأَرْخَتْ عزالاها (3) [عَزَالِيَهَا ثُمَّ أَمَرَ الْأَرْضَ فَأَنْبَتَتِ الْأَشْجَارَ وَ أَثْمَرَتِ الثِّمَارَ وَ تَفَهَّقَتْ بِالْأَنْهَارِ فَكَانَ ذَلِكَ رَتْقَهَا وَ هَذَا فَتْقَهَا فَقَالَ نَافِعٌ صَدَقْتَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى آخِرِ الْخَبَرِ.
و هذا يدل على الثالث.
وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ قال الطبرسي أي و أحيينا بالماء الذي ننزله من السماء كل شيء حي و قيل و خلقنا من النطفة كل مخلوق (4) و الأول أصح
وَ رَوَى الْعَيَّاشِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُلْوَانَ (5) قَالَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ طَعْمِ الْمَاءِ فَقَالَ (6) سَلْ تَفَقُّهاً وَ لَا تَسْأَلْ تَعَنُّتاً (7) طَعْمُ الْمَاءِ طَعْمُ الْحَيَاةِ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ.
و قيل معناه و جعلنا من الماء حياة كل ذي روح و نماء كل نام فيدخل فيه الحيوان و النبات و الأشجار عن أبي مسلم. (8)
أَ فَلا يُؤْمِنُونَ أي أ فلا يصدقون بالقرآن و بما يشاهدون من الدليل و البرهان الرَّحْمنُ قيل خبر للذي إن جعلته مبتدأ و لمحذوف إن جعلته صفة
____________
(1) في المصدر: لما أهبط.
(2) في المصدر: فلما أن تاب.
(3) و في نسخة «عزاليها» و العزالى بالالف الأخيرة و العزالى بالياء الخفيفة جمع «العزلاء» بفتح العين المهملة و سكون الزاى و هو مصب الماء من القربة و نحوها، و أرخت عزاليها أي أمطرت بشدة.
(4) في المصدر: كل مخلوق حى، عن أبي العالية.
(5) كذا في المصدر و في بعض النسخ «الحسن بن علوان».
(6) في المصدر: فقال له.
(7) تعنته: طلب زلته و مشقته، و تعنت عليه في السؤال: سأله على وجه التلبيس عليه.
(8) مجمع البيان، ج 7،(ص)45.
16
للحي أو بدل من المستكن في اسْتَوى و قرئ بالجر صفة للحي فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً أي فاسأل عما ذكر من الخلق و الاستواء عالما يخبرك بحقيقته و هو الله تعالى أو جبرئيل أو من وجده في الكتب المتقدمة ليصدقك فيه و قيل الضمير للرحمن و المعنى إن أنكروا إطلاقه على الله فاسأل عنه من يخبرك من أهل الكتاب ليعرفوا ما يرادفه في كتبهم و على هذا يجوز أن يكون الرحمن مبتدأ و الخبر ما بعده و السؤال كما يعدى بعن لتضمنه معنى التفتيش يعدى بالباء لتضمنه معنى الاعتناء و قيل إنه صلة خبيرا قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ قال البيضاوي أي مقدار يومين أو بنوبتين و خلق في كل نوبة ما خلق في أسرع ما يكون و لعل المراد بالأرض ما في جهة السفل من الأجرام البسيطة و من خلقها في يومين أنه خلق لها أصلا مشتركا ثم خلق لها صورا صارت لها أنواعا و كفرهم به إلحادهم في ذاته و صفاته وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً و لا يصح أن يكون له ند ذلِكَ الذي خلق الأرض في يومين رَبُّ الْعالَمِينَ خالق جميع ما وجد من الممكنات و مربيها وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ استئناف غير معطوف على خلق للفصل بما هو خارج عن الصلة مِنْ فَوْقِها مرتفعة عليها ليظهر للنظار ما فيها من وجوه الاستبصار و تكون منافعها معرضة للطلاب. (1)
أقول و قال الرازي إذ لو جعلت تحتها لأوهم ذلك أنها أساطين تمسكها فجعلها فوقها ليرى الإنسان أن الأرض و الجبال أثقال على أثقال و كلها مفتقرة إلى ممسك و حافظ و ليس ذلك إلا الله سبحانه (2).
وَ بارَكَ فِيها قال البيضاوي أي و أكثر خيرها بأن خلق فيها أنواع النبات و الحيوانات وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها أي أقوات أهلها بأن عين لكل نوع ما يصلحه و يعيش به أو أقواتا تنشأ منها بأن خص حدوث كل قوت بقطر من
____________
(1) أنوار التنزيل، ج 2،(ص)384.
(2) مفاتيح الغيب، ج 7،(ص)353. نقل عنه ملخصا.
17
أقطارها و قرئ وَ قَسَّمَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أي في تتمة أربعة أيام كقولك سرت من البصرة إلى بغداد في عشر (1) و إلى الكوفة في خمس عشرة (2) و لعله قال ذلك و لم يقل في يومين للإشعار باتصالهما لليومين (3) الأولين و التصريح على الفذلكة (4).
أقول و قد يحمل على أن المراد أربعة أوقات و هي التي يخرج الله فيها أقوات العالم من الناس و البهائم و الطير و حشرات الأرض و ما في البر و البحر من الخلق من الثمار و النبات و الشجر و ما يكون فيه معاش الحيوان كله و هي الربيع و الصيف و الخريف و الشتاء و لا يخفى بعده عن السياق.
سَواءً أي استوت سواء بمعنى استواء و الجملة صفة أيام و يدل عليه قراءة يعقوب بالجر و قيل حال من الضمير في أَقْواتَها أو في فِيها و قرئ بالرفع على هي سواء للسائلين متعلق بمحذوف تقديره هذا الحصر للسائلين عن مدة خلق الأرض و ما فيها أو بمقدر أي قدر فيها الأقوات للطالبين.
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ قصد نحوها من قولهم استوى إلى مكان كذا إذا توجه إليه توجها لا يلوي على غيره وَ هِيَ دُخانٌ قال البيضاوي أي أمر ظلماني و لعله أراد به مادتها و الأجزاء (5) المتصغرة التي ركبت منها (6) و قال الطبرسي قال ابن عباس كانت بخار الأرض و قيل معناه ثم استوى أمره إلى السماء (7) و قال الرازي و ذكر صاحب الأثر أنه كان عرش الله على الماء
____________
(1) في المصدر: فى عشرة.
(2) في المصدر: فى خمسة عشر.
(3) في المصدر: باليومين.
(4) أنوار التنزيل، ج 2،(ص)384.
(5) في المصدر: أو الاجزاء.
(6) أنوار التنزيل، ج 2،(ص)385.
(7) مجمع البيان، ج 9،(ص)6.
18
منذ (1) خلق السماوات و الأرض فأحدث الله في ذلك الماء سخونة فارتفع منه زبد و دخان (2) فبقي على وجه الماء فخلق الله تعالى فيه (3) اليبوسة و أحدث منه الأرض و أما الدخان فارتفع و علا فخلق الله منه السماوات و اعلم أن هذه القصة غير موجودة في القرآن فإن دل عليها دليل صحيح قبلت (4) و إلا فلا و هذه القصة مذكورة في أول الكتاب الذي تزعم اليهود أنه التوراة و فيه أنه تعالى خلق السماء من أجزاء مظلمة و هذا هو المعقول لأنا (5) قد دللنا في المعقولات على أن الظلمة ليست كيفية وجودية بل هي عبارة عن عدم النور (6) فالله سبحانه لما خلق الأجزاء التي لا تتجزى فقبل أن يخلق فيها كيفية الضوء كانت مظلمة عديمة النور ثم إذ ركبها (7) و جعلها سماوات و كواكب و شمسا و قمرا و أحدث صفة الضوء فيها فحينئذ صارت مستنيرة فثبت أن تلك الأجزاء حين قصد الله تعالى أن يخلق منها السماوات و الشمس و القمر كانت مظلمة فصح تسميتها بالدخان لأنه لا معنى للدخان إلا أجزاء متفرقة غير متواصلة عديمة النور (8).
فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا قال البيضاوي أي بما خلقت فيكما من التأثير و التأثر و أبرزا ما أودعتكما من الأوضاع المختلفة و الكائنات المتنوعة أو ائتيا في الوجود على أن الخلق السابق بمعنى التقدير أو الترتيب للرتبة أو الإخبار أو إتيان السماء بحدوثها و إتيان الأرض أن تصير مدحوة أو ليأت كل منكما الأخرى في حدوث ما أريد توليده منكما و يؤيده قراءة آتيا من المؤاتاة أي
____________
(1) في المصدر: قبل خلق.
(2) في المصدر: أما الزبد فبقى.
(3) في المصدر: منه اليبوسة.
(4) في المصدر: قبل.
(5) في المصدر: لانه.
(6) و الدليل مذكور في المصدر.
(7) في المصدر: لما ركبها.
(8) مفاتيح الغيب، ج 7،(ص)385.
19
ليوافق كل واحدة منكما أختها فيما أردت منكما طَوْعاً أَوْ كَرْهاً شئتما ذلك أو أبيتما أو المراد إظهار كمال قدرته و وجوب وقوع مراده لا إثبات الطوع و الكره لهما و هما مصدران وقعا موقع الحال قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ أي منقادين بالذات و الأظهر أن المراد تصوير تأثير قدرته فيهما و تأثرهما بالذات عنها و تمثيلها (1) بأمر المطاع و إجابة المطيع الطائع كقوله كُنْ فَيَكُونُ و ما قيل إنه تعالى خاطبهما و أقدرهما على الجواب إنما يتصور على الوجه الأول و الأخير و إنما قال طائِعِينَ على المعنى باعتبار كونهما مخاطبتين كقوله تعالى ساجِدِينَ و قال الطبرسي (قدّس سرّه) قال ابن عباس أتت السماء بما فيها من الشمس و القمر و النجوم و أتت الأرض بما فيها من الأنهار و الأشجار و الثمار و ليس هناك أمر بالقول حقيقة (2) و لا جواب لذلك القول بل أخبر (3) سبحانه عن اختراعه السماوات و الأرض و إنشائه لهما من غير تعذر و لا كلفة و لا مشقة بمنزلة ما يقال (4) افعل فيفعل من غير تلبث و لا توقف و لا تأن (5) فعبر عن ذلك بالأمر و الطاعة و هو كقوله إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ و إنما قال أَتَيْنا طائِعِينَ و لم يقل طائعتين لأن المعنى أتينا بمن فينا من العقلاء (6) فغلب حكم العقلاء و قيل إنه لما خوطبن خطاب من يعقل جمعن جمع من يعقل كما قال وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (7) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ قال البيضاوي أي فخلقهن خلقا إبداعيا و أتقن
____________
(1) في المصدر: و تمثيلهما.
(2) في المصدر: على الحقيقة.
(3) في المصدر: بل أخبر اللّه.
(4) في المصدر: ما يقال للمأمور.
(5) في المصدر: ليس لفظة «و لا تأن».
(6) في المصدر: عن قطرب.
(7) مجمع البيان، ج 9(ص)6.
20
أمرهن و الضمير للسماء على المعنى (1) أو مبهم و سَبْعَ سَماواتٍ حال على الأول و تمييز على الثاني فِي يَوْمَيْنِ قيل خلق السماوات يوم الخميس و الشمس و القمر و النجوم يوم الجمعة وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها شأنها و ما يتأتى منها بأن حملها عليه اختيارا أو طبعا و قيل أوحى إلى أهلها بأوامره وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ فإن الكواكب كلها ترى كأنها تتلألأ عليها وَ حِفْظاً أي و حفظناها من الآفات أو من المسترقة حفظا و قيل مفعول له على المعنى كأنه قال خصصنا السماء الدنيا بمصابيح زينة و حفظا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ البالغ في القدرة و العلم.
وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ قال الطبرسي أي تعب و نصب أكذب الله تعالى بهذا اليهود فإنهم قالوا استراح الله يوم السبت فلذلك لا نعمل فيه شيئا (2).
و قال الرازي في تفسيره قال بعض المفسرين المراد من الآية الرد على اليهود حيث قالوا بدأ الله خلق العالم يوم الأحد و فرغ منه في ستة أيام آخرها يوم الجمعة و استراح يوم السبت و استوى (3) على عرشه فقال تعالى وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ رادا (4) عليهم و الظاهر أن المراد الرد على المشرك أي ما تعبنا بالخلق الأول حتى لا نقدر على الإعادة ثانيا و أما ما قاله اليهود و نقلوه من التوراة فهو إما تحريف منهم أو لم يعلموا تأويله و ذلك لأن الأحد و الإثنين أزمنة متميزة بعضها عن بعض فلو كان خلق السماوات ابتداء يوم الأحد لكان الزمان متحققا قبل الأجسام و الزمان لا ينفك عن الأجسام فيكون قبل الأجسام (5) أجسام أخر
____________
(1) أي كانت المناسب صيغة التثنية و لما كان في كل منهما كثرة اعتبر جانب المعنى، و انما جمع على صيغة جمع العقلاء باعتبار جعلهما مخاطبتين (منه).
(2) مجمع البيان، ج 9،(ص)150.
(3) في المصدر: استلقى.
(4) في المصدر: ردا.
(5) في المصدر: قبل خلق الاجسام.
21
فيلزم القول بقدم العالم و هو مذهب الفلاسفة انتهى (1).
و أقول تعيين تلك الأيام موجودة في الأخبار المعتبرة كما ستعرف و ما توهم من لزوم قدم العالم خطأ كما عرفت سابقا أنه يمكن تصحيحه بوجوه متعددة شيء منها لا يستلزم ذلك و أما تعيين الأيام فيمكن أن تقدر الأزمنة بحيث تكون بعد خلق الشمس و حركة الأفلاك و تعيين الأيام تلك الأزمان الماضية موافقة لهذه الأيام الستة بحيث إذا كانت الشمس متحركة فيها كانت تلك الأيام بعينها فتأمل.
أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً قال البيضاوي أي أصعب خلقا أَمِ السَّماءُ ثم بين كيف خلقها و قال (2) بَناها ثم بين البناء فقال رَفَعَ سَمْكَها أي جعل مقدار ارتفاعها من الأرض أو ثخنها الذاهب في العلو رفيعا فَسَوَّاها أي فعدلها أو جعلها (3) مستوية أو فتممها بما به يتم (4) كمالها من الكواكب و التداوير و غيرها (5) من قولهم سوى فلان أمره إذا أصلحه وَ أَغْطَشَ لَيْلَها أي أظلمه منقول من غطش الليل إذا أظلم و أضاف (6) إليها لأنه يحدث بحركتها وَ أَخْرَجَ ضُحاها أي و أبرز ضوء شمسها كقوله تعالى وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها يريد النهار وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها بسطها و مهدها للسكنى أَخْرَجَ مِنْها ماءَها بتفجير العيون وَ مَرْعاها أي و رعيها و هو في الأصل لمواضع الرعي (7) و تجريد الجملة عن العاطف لأنها حال بإضمار قد أو بيان للدحو وَ الْجِبالَ أَرْساها أي أثبتها مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ تمتيعا لكم و لمواشيكم (8).
____________
(1) مفاتيح الغيب، ج 7(ص)644.
(2) في المصدر: فقال.
(3) في بعض النسخ: فجعلها.
(4) في المصدر: بما يتم به.
(5) في المصدر: و غيرهما.
(6) في المصدر: و إنّما أضاف.
(7) في المصدر: لموضع الرعى.
(8) أنوار التنزيل، ج 2:(ص)644.
22
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى أي خلق كل شيء فسوى خلقه بأن جعل له ما به يتأتى كماله و يتم معاشهوَ الَّذِي قَدَّرَ أي قدر أجناس الأشياء و أنواعها و أشخاصها و مقاديرها و صفاتها و أفعالها و آجالها فَهَدى فوجهه إلى أفعاله طبعا أو اختيارا بخلق الميول و الإلهامات و نصب الدلائل و إنزال الآيات.
تحقيق في دفع شبهة
اعلم أن بعض الملاحدة أوردوا تناقضا بين آيات سورتي البقرة و السجدة و بين آيات سورة النازعات حيث زعموا أن الأولة تدل على تقدم خلق الأرض على السماء و الأخيرة على العكس و أجيب عنه بوجوه.
أحدها أن خلق الأرض قبل السماء إلا أن دحوها متأخر عن خلق السماء و استشكل بوجهين الأول أن الأرض جسم عظيم فامتنع انفكاك خلقها عن التدحية فإذا كانت التدحية متأخرة عن خلق السماء كان خلقها لا محالة أيضا متأخرا عن خلق السماء. و الثاني أن الآية الأولى تدل على أن خلق الأرض و خلق كل ما فيها مقدم على خلق السماء و خلق الأشياء في الأرض لا يكون إلا بعد ما كانت مدحوة و أجيب عن الأول بأنا لا نسلم امتناع انفكاك خلق الأرض عن دحوها و المناقشة في إطلاق خلق الأرض على إيجادها غير مدحوة مناقشة لفظية و عن الثاني بأن قوله تعالى وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها يقتضي تقدم خلق السماء على دحو الأرض و لا يقتضي تقدم تسوية السماء على دحو الأرض فجاز أن تكون تسوية السماء متأخرة عن دحو الأرض فيكون خلق الأرض قبل السماء و خلق السماء قبل دحو الأرض و دحو الأرض قبل تسوية السماء فارتفع التنافي و يرد عليه أن الآية الثالثة تقتضي تقدم تسوية السماء على دحو الأرض و الثانية تقتضي تقدم خلق الأرض بما فيها على تسويتها سبع سماوات و خلق ما في الأرض قبل دحوها مستبعد و يمكن أن يجاب بأن المراد بالخلق في الأولى التقدير و هو شائع في العرف و اللغة أو بأن المراد بخلق ما في الأرض خلق موادها كما أن خلق
23
الأرض قبل دحوها عبارة عن مثل ذلك فتكون تسوية السماء متقدمة على دحو الأرض كما هو ظاهر الآية الثالثة أو بأن يفرق بين تسويتها المذكورة في الثالثة و بين تسويتها سبع سماوات كما في الأولى و حينئذ فتسويتها مطلقا متقدمة على دحو الأرض و تسويتها سبعا متأخرة عنه و لعل هذا أوفق في الجمع أو بأن يقال الفاء في قوله تعالى فَسَوَّاها بمعنى ثم و المشار إليه بذلك في قوله تعالى وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها هو بناء السماء و خلقها لا مجموع ما ذكر قبله أو بأن يقال كلمة ثم في الأولى للترتيب الذكري و تقديم خلق ما في الأرض في معرض الامتنان لمزيد الاختصاص فيكون خلق ما في الأرض بعد دحوها كما هو الظاهر و تسوية السماء متقدمة عليه و على دحو الأرض كما هو ظاهر الآية الثالثة لكن هذا لا يخلو من نوع (1) منافرة لظاهر الآية الثانية و قد أوردنا بعض التوجيهات لها في شرح بعض الأخبار الآتية.
و قال البيضاوي كلمة ثم في آيتي البقرة و السجدة لتفاوت (2) ما بين الخلقين و فضل خلق السماء على خلق الأرض كقوله تعالى ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا لا للتراخي في المدة (3) فإنه يخالف ظاهر قوله تعالى وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها فإنه يدل على تأخر دحو الأرض المتقدم على خلق ما فيها عن خلق السماء و تسويتها إلا أن يستأنف بدحيها مقدرا لنصب الأرض فعلا آخر دل عليه أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً مثل تعرف الأرض و تدبر أمرها بعد ذلك لكنه خلاف الظاهر (4) انتهى.
و الوجه الثاني مما قد أجيب به عن أصل الإشكال أن يقال كلمة بعد في الآية الثالثة ليست للتأخر الزماني إنما هو على جهة تعداد النعم و الإذكار
____________
(1) في بعض النسخ: عن نوع.
(2) في المصدر: لعله لتفاوت.
(3) في المصدر: فى الوقت.
(4) أنوار التنزيل ج، 1(ص)62.
24
لها كما يقول القائل أ ليس قد أعطيتك و فعلت بك كذا و كذا و بعد ذلك خلطتك و ربما يكون بعض ما تقدم في اللفظ متأخرا بحسب الزمان لأنه لم يكن الغرض الإخبار عن الأوقات و الأزمنة بل المراد ذكر النعم و التنبيه عليها و ربما اقتضت الحال إيراد الكلام على هذا الوجه.
و الثالث ما ذكره الرازي و هو أن لا يكون معنى دَحاها مجرد البسط بل يكون المراد أنه بسطها بسطا مهيأ لنبات الأقوات و هذا هو الذي بينه بقوله أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَ مَرْعاها و ذلك لأن (1) الاستعداد لا يحصل للأرض إلا بعد وجود السماء فإن الأرض كالأم و السماء كالأب و ما لم يحصلا لم يتولد أولاد المعادن و النبات و الحيوان.
و الرابع ما ذكره أيضا و هو أن يكون قوله وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ أي مع ذلك كقوله عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ أي مع ذلك و كقولك للرجل أنت كذا و كذا ثم أنت بعدها كذا لا تريد (2) الترتيب و قال تعالى فَكُّ رَقَبَةٍ إلى قوله ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا و المعنى و كان و هذا تقرير ما نقل عن ابن عباس و غيره قالوا في قوله وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها أي مع مياده دحاها (3).
أقول و هذا قريب من الثاني ثم المشهور أن خلق الأرض قبل خلق السماء و هو الأظهر و قيل بالعكس نقل الواحدي في البسيط عن مقاتل أنه قال خلق الله السماء قبل الأرض و تأويل قوله ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ ثم كان قد استوى وَ هِيَ دُخانٌ قبل أن يخلق الأرض فأضمر فيه كان كما قال تعالى قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ معناه إن يكن سرق.
و قال الرازي المختار عندي أن يقال خلق السماء مقدم على خلق الأرض
____________
(1) في المصدر: لان هذا الاستعداد.
(2) في المصدر: لا تريد به الترتيب.
(3) مفاتيح الغيب، ج 8،(ص)465 (نقل عنه ملخصا).
25
بقي أن يقال كيف تأويل هذه الآية يعني آية السجدة فنقول الخلق ليس عبارة عن التكوين و الإيجاد و الدليل عليه قوله تعالى إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فلو كان الخلق عبارة عن الإيجاد و التكوين لصار معنى الآية أوجده من تراب ثم قال له كن فيكون و هذا محال لأنه يلزم أنه تعالى قد قال لشيء وجد كن و إذا ثبت هذا فنقول قوله خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ معناه أنه قضى بحدوثها في يومين و قضاء الله بأنه سيحدث كذا في مدة كذا لا يقتضي حدوث ذلك الشيء في الحال فقضاء الله بحدوث الأرض في يومين مقدم على إحداث السماء و لا يلزم منه تقدم إحداث الأرض على إحداث السماء (1) انتهى و لا يخفى ما فيه و ستطلع على حقيقة الأمر في ضمن شرح الأخبار إن شاء الله تعالى.
الأخبار
1- نهج، نهج البلاغة قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فِي خُطْبَةٍ لَهُ الْمَعْرُوفُ (2) مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ وَ الْخَالِقُ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ الَّذِي لَمْ يَزَلْ قَائِماً دَائِماً إِذْ لَا سَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ وَ لَا حُجُبٌ ذَاتُ أَرْتَاجٍ وَ لَا لَيْلٌ دَاجٍ وَ لَا بَحْرٌ سَاجٍ وَ لَا جَبَلٌ ذُو فِجَاجٍ وَ لَا فَجٌّ ذُو اعْوِجَاجٍ وَ لَا أَرْضٌ ذَاتُ مِهَادٍ وَ لَا خَلْقٌ ذُو اعْتِمَادٍ ذَلِكَ مُبْتَدِعُ الْخَلْقِ وَ وَارِثُهُ وَ إِلَهُ الْخَلْقِ وَ رَازِقُهُ (3).
بيان: من غير روية أي تفكر لأنه يستلزم الجهل السابق و حدوث أمر فيه لم يكن و الاستكمال بعد النقص الذي لم يزل قائما أي بذاته أو بأحوال الخلق و قد مر مرارا دائما أي باقيا بذاته من غير علة ذات أبراج أي بروج أو كواكب نيرة و الحجب جمع الحجاب و المراد هنا ما سيأتي من الحجب النورانية التي تحت العرش أو السماوات عبر عنها بلفظين و الأرتاج في بعض
____________
(1) مفاتيح الغيب، ج 7،(ص)358 (نقل عنه ملخصا).
(2) في المصدر: الحمد للّه المعروف.
(3) نهج البلاغة: 158.
26
النسخ بكسر الهمزة مصدر أرتج الباب أي أغلقه و في بعضها بالفتح جمع رتج بالتحريك أو رتاج بالكسر و الأول الباب العظيم و الثاني الباب المغلق أو الذي عليه باب صغير و الداجي المظلم و الساجي الساكن و الفجاج جمع الفج بالفتح و هو الطريق الواسع بين الجبلين و المهاد بالكسر الفراش و اعتمدت على الشيء اتكأت عليه و كل حي يعتمد على رجله في المشي و على غيرها و يمكن أن يراد به القوة و التصرف و أبدعت الشيء و ابتدعته أي استخرجته و أحدثته و الابتداع الخلق على غير مثال و وراثة أي الباقي بعد فنائهم و المالك لما ملكوا ظاهرا و لا يخفى صراحته في حدوث العالم.
2- النهج، نهج البلاغة قَالَ(ع)الْأَوَّلِ قَبْلَ كُلِّ أَوَّلٍ وَ الْآخِرِ بَعْدَ كُلِّ آخِرٍ (1).
بيان: الغرض إثبات الأولية و الآخرية الحقيقيتين له سبحانه و ظاهر الأول حدوث ما سواه و استدل بالثاني على ما ذهب إليه كثير من المتكلمين من انعدام العالم بأسره قبل قيام الساعة و يمكن أن يكون الآخرية باعتبار أن كل ما عداه في التغير و التحول من حال إلى حال كما ورد في الرواية و قيل أوليته بحسب الخارج و آخريته بحسب الذهن أو الآخر في سلسلة الافتقار لاحتياج الكل إليه سبحانه (2).
____________
(1) نهج البلاغة: 194.
(2) الاولية و الآخرية و صفان اضافيان، فإذا قويس شيء إلى آخر وجد بعده وصف بالاولية، و إذا قويس إلى شيء وجد قبله وصف بالآخرية. و للتقدم و التأخر أقسام مذكورة في محلها و قد اختلف القول في تقدم الواجب على الممكنات، فقيل: إن تقدمه زمانى، و قيل: على، و قيل، سرمدى إلى غير ذلك.
لكن التقدّم الزمانى بمعناه المصطلح- و هو وقوع المتقدم مقارنا لجزء من الزمان متقدم على الجزء الذي وقع المتأخر مقارنا له- مما يستحيل في حقّ الحق سبحانه و تقدس لتعاليه عن مقارنة الزمان و مقايسته بالحدثان. على أنّه يستلزم قدم الزمان و هو كر على ما فر منه.
و أمّا تفسير التقدّم الزمانى بأن الواجب كان في زمان لم يكن شيء، و تتميمه بأن.
27
3- النهج، نهج البلاغة قَالَ(ع)الْحَمْدُ لِلَّهِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ وَ بِمُحْدَثِ خَلْقِهِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ (1).
وَ مِنْهُ (2) قَالَ(ع)الْحَمْدُ لِلَّهِ خَالِقِ الْعِبَادِ وَ سَاطِحِ الْمِهَادِ وَ مُسِيلِ الْوِهَادِ وَ مُخْصِبِ النِّجَادِ لَيْسَ لِأَوَّلِيَّتِهِ ابْتِدَاءٌ وَ لَا لِأَزَلِيَّتِهِ انْقِضَاءٌ هُوَ الْأَوَّلُ لَمْ يَزَلْ وَ الْبَاقِي بِلَا أَجَلٍ إِلَى قَوْلِهِ(ع)قَبْلَ كُلِّ غَايَةٍ وَ مُدَّةٍ وَ كُلِّ إِحْصَاءٍ وَ عِدَّةٍ إِلَى قَوْلِهِ(ع)لَمْ يَخْلُقِ الْأَشْيَاءَ مِنْ أُصُولٍ أَزَلِيَّةٍ وَ لَا مِنْ أَوَائِلَ أَبَدِيَّةٍ (3) بَلْ خَلَقَ مَا خَلَقَ فَأَقَامَ حَدَّهُ وَ صَوَّرَ مَا صَوَّرَ فَأَحْسَنَ صُورَتَهُ (4).
____________
الزمان أمر موهوم منتزع عن ذاته، مما لا يجدى شيئا و لا يسمن و لا يغنى من جوع. لان الزمان إن كان أمرا موهوما فلا يمكن تأثيره في الواقعيات و إناطة البحث الحقيقي به، غاية الامر تسميته تعالى بالقديم الزمانى تسمية ليس وراءه حقيقة و لا تجاوز حدّ الاسم و الوهم و إن كان أمرا واقعيا فلا يمكن انتزاعه من ذات البارئ سبحانه و إلّا لتطرق التغير و الحدوث إليها.
و أمّا آخرية الواجب فقيل بالآخرية الزمانية بمعنى أنّه يفنى كل شيء إلّا الواجب تعالى فيكون زمان ليس فيه غيره سبحانه و لما كان ظاهر هذا القول مخالفا لظواهر الكتاب و السنة من أبدية نشأة الآخرة و خلود أهلها فسر بفناء الموجودات قبل قيام الساعة! و لقائل أن يقول: هل يكون عند فناء جميع الموجودات زمان أولا؟ فان كان فلا يكون الواجب آخرا بالنسبة إلى نفس الزمان، و إلّا فلا يكون آخرا زمانيا، على أنّه تعالى يكون على هذا آخرا بالنسبة إلى الموجودات قبل قيام الساءة لا بعده و له توال فاسدة اخرى.
و حقّ القول أن الواجب تعالى محيط بجميع العوالم، مهيمن على كافة الموجودات، و يكون وجوده أوسع و أرفع من كل الوجودات، بل هي بأسرها ظل وجوده و شعاع نوره تبارك و تعالى و ليس لها استقلال أصلا، فليس بين الوجودات الامكانية و بين وجوده السرمدى الواجب المحيط الغير المتناهى بل فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى نسبة، فأين المتناهى من غير المتناهى؟
و ما للتراب و ربّ الارباب؟! فكلما قويس وجود إمكانى إلى وجوده المتعالى كان من بين يديه و من خلفه، و من فوقه و من تحته، و من كل جهة من جهاته، و كل شأن من شئونه محدودا محاطا بوجوده تبارك و تعالى. فاذا لوحظ الجهة السابقة على الموجودات كان سبحانه هو الأول، و إذا لوحظ الجهة اللاحقة كان هو الآخر، و إذا لوحظ ظاهرها كان هو الباطن، و إذا لوحظ باطنها كان هو الظاهر «هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» «أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ».
(1) نهج البلاغة، ج 1،(ص)274.
(2) في بعض النسخ: و في خطبة.
(3) سيأتي من المؤلّف في بيان الخطبة أن في بعض النسخ «بدية».
(4) نهج البلاغة، ج 1،(ص)300.
28
بيان: الساطح الباسط و المسيل المجرى و الوهاد جمع وهدة و هي الأرض المنخفضة و أخصب الله الأرض أي جعلها كثيرة العشب و الكلأ و النجاد بالكسر جمع نجد بالفتح و هو المرتفع من الأرض و لا لأزليته انقضاء أي في جانب الأبد أي أزليته أزلية مقرونة بالأبدية و يمكن أن يكون إشارة إلى أن الأزلية تستلزم الأبدية إذ ما ثبت قدمه امتنع عدمه أو في جانب الأزل إذا رجع الوهم إليه و لا يخفى دلالة تلك الفقرات على اختصاص الأزلية به و حدوث ما سواه إذ ذكر الصفات المشتركة بينه و بين خلقه لا يناسب مقام المدح.
ثم صرح(ع)بذلك بقوله لم يخلق الأشياء من أصول أزلية ردا على ما زعمته الحكماء من الهيولى القديمة و نحو ذلك و الأبد بالتحريك الدهر و الدائم و القديم الأزلي كما ذكره في القاموس و قيل الزمان الطويل الذي ليس بمحدود و الظاهر أنه تأكيد و تفسير للفقرة الأولى و يحتمل أن يكون المراد الأمثلة التي يخلق الله تعالى الأشياء على حذوها و في بعض النسخ بدية و البدي كرضي الأول من أوائل سابقة على إيجادها (1).
____________
(1) الازلية و القدم مترادفان، و معناهما كون الموجود بحيث لا يسبقه عدم، فان أضيف إلى العدم الذاتي سمى قدما ذاتيا، و إن اضيف إلى العدم الزمانى سمى قدما زمانيا و حيث إن الزمان مقدار الحركة، و الحركة تختص بالاجسام، فإذا لم يكن جسم لم يكن زمان، و كل شيء غير جسماني فانه خارج عن حيطة الزمان البتة، فلو وجد شيء مجرد عن المادة كان لا محالة غير محدود بالزمان.
و حيث إن الجسم لا ينفك عن الحركة- بناء على القول بالحركة الجوهرية- فكلما فرض جسم كان حادثا زمانيا.
و الواجب تعالى قديم أزليّ ذاتا بمعنى كون الوجود عين ذاته و استحالة العدم عليه بوجه و زمانا بمعنى كونه خارجا عن ظرف الزمان و منزها عن مقارنته لا بمعنى كونه مقارنا لزمان غير متناه من جهة البدء و أمّا ما سواه فعلى القول بوجود المجردات المحضة و الموجودات النورية العالية فانها أيضا غير مقيدة بالزمان لكنها لا تشارك الواجب تعالى في الازلية الذاتية.
و أمّا المادة أعنى الهيولى الأولى فليست من الموجودات المتحصلة، و تحصلها إنّما يكون بالصور، و لا شيء من الصور الجسمانية بقديم لما ذكرنا. نعم على القول بقدم الصور الفلكية كما يراه بعض الفلاسفة تكون مادتها أيضا قديمة لكنها على كل حال ليست موجودة قبل الأشياء و لا أصلا أزليا للكائنات.
29
4- شَرْحُ النَّهْجِ لِلْكَيْدُرِيِّ، وَرَدَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَرَادَ خَلْقَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ خَلَقَ جَوْهَراً أَخْضَرَ ثُمَّ ذَوَّبَهُ فَصَارَ مَاءً مُضْطَرِباً ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْهُ بُخَاراً كَالدُّخَانِ فَخَلَقَ (1) مِنْهُ السَّمَاءَ كَمَا قَالَ ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ ثُمَّ فَتَقَ تِلْكَ السَّمَاءَ فَجَعَلَهَا سَبْعاً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ زَبَداً فَخَلَقَ مِنْهُ أَرْضَ مَكَّةَ ثُمَّ بَسَطَ الْأَرْضَ كُلَّهَا مِنْ تَحْتِ الْكَعْبَةِ وَ لِذَلِكَ تُسَمَّى مَكَّةُ أُمَّ الْقُرَى لِأَنَّهَا أَصْلُ جَمِيعِ الْأَرْضِ ثُمَّ شَقَّ مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ سَبْعَ أَرَضِينَ وَ جَعَلَ بَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ وَ سَمَاءٍ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَ كَذَلِكَ بَيْنَ كُلِّ أَرْضٍ وَ أَرْضٍ وَ كَذَلِكَ بَيْنَ هَذِهِ السَّمَاءِ وَ هَذِهِ الْأَرْضِ ثُمَّ بَعَثَ مَلَكاً مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ حَتَّى نَقَلَ الْأَرْضَ عَلَى مَنْكِبِهِ وَ عُنُقِهِ وَ مَدَّ الْيَدَيْنِ فَبَلَغَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْمَشْرِقِ وَ الْأُخْرَى إِلَى الْمَغْرِبِ ثُمَّ بَعَثَ لِقَرَارِ قَدَمِ ذَلِكَ الْمَلَكِ بَقَرَةً مِنَ الْجَنَّةِ كَانَ لَهَا أَرْبَعُونَ أَلْفَ قَرْنٍ وَ أَرْبَعُونَ أَلْفَ رِجْلٍ وَ يَدٍ وَ بَعَثَ يَاقُوتاً مِنَ الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى حَتَّى يُوضَعَ بَيْنَ سَنَامِ تِلْكَ الْبَقَرَةِ وَ أُذُنِهَا فَاسْتَقَرَّ قَدَمَا ذَلِكَ الْمَلَكِ عَلَى السَّنَامِ وَ الْيَاقُوتِ وَ إِنَّ قُرُونَ تِلْكَ الْبَقَرَةِ لَمُرْتَفِعَةٌ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ إِلَى تَحْتِ الْعَرْشِ وَ إِنَّ مَنَاخِرَ أُنُوفِهَا بِإِزَاءِ الْأَرْضِ فَإِذَا تَنَفَّسَتِ الْبَقَرَةُ مَدَّ الْبَحْرُ وَ إِذَا قَبَضَتْ أَنْفَاسَهَا جَزَرَ الْبَحْرُ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ خَلَقَ لِقَرَارِ قَوَائِمِ تِلْكَ الْبَقَرَةِ صَخْرَةً وَ هِيَ الَّتِي حَكَى اللَّهُ عَنْ لُقْمَانَ فِي قَوْلِهِ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ فَيَزِيدُ مِقْدَارُ سَعَةِ تِلْكَ الصَّخْرَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ عَلَى مِقْدَارِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ وَ سَبْعِ أَرَضِينَ ثُمَّ خَلَقَ حُوتاً وَ هُوَ الَّذِي أَقْسَمَ اللَّهُ فَقَالَ ن وَ الْقَلَمِ وَ النُّونُ الْحُوتُ وَ أَمَرَ تَعَالَى بِوَضْعِ تِلْكَ الصَّخْرَةِ عَلَى ظَهْرِ ذَلِكَ الْحُوتِ وَ جَعَلَ ذَلِكَ الْحُوتَ فِي الْمَاءِ وَ أَمْسَكَ الْمَاءَ عَلَى الرِّيحِ وَ يَحْفَظُ اللَّهُ الرِّيحَ بِقُدْرَتِهِ.
5- النَّهْجُ، نهج البلاغة وَ الْإِحْتِجَاجُ، فِي خُطْبَةٍ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)الدَّالِّ عَلَى قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ وَ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ عَلَى وُجُودِهِ إِلَى قَوْلِهِ(ع)مُسْتَشْهِدٌ بِحُدُوثِ الْأَشْيَاءِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ (2).
____________
(1) في بعض النسخ: و خلق.
(2) نهج البلاغة، ج 1،(ص)350. الاحتجاج،(ص)107.
30
6- وَ فِي خُطْبَةٍ أُخْرَى مَشْهُورَةٍ لَا تَصْحَبُهُ الْأَوْقَاتُ وَ لَا تَرْفِدُهُ (1) الْأَدَوَاتُ سَبَقَ الْأَوْقَاتَ كَوْنُهُ وَ الْعَدَمَ وُجُودُهُ وَ الِابْتِدَاءَ أَزَلُهُ إِلَى قَوْلِهِ(ع)لَا يَجْرِي عَلَيْهِ السُّكُونُ وَ الْحَرَكَةُ وَ كَيْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ وَ يَعُودُ فِيهِ مَا هُوَ أَبْدَاهُ وَ يَحْدُثُ فِيهِ مَا هُوَ أَحْدَثَهُ إِذاً لَتَفَاوَتَتْ ذَاتُهُ وَ لَتَجَزَّأَ كُنْهُهُ وَ لَامْتَنَعَ مِنَ الْأَزَلِ مَعْنَاهُ إِلَى قَوْلِهِ(ع)يَقُولُ لَمَّا (2) أَرَادَ كَوْنَهُ كُنْ فَيَكُونُ لَا بِصَوْتٍ يَقْرَعُ وَ لَا نِدَاءٍ (3) يُسْمَعُ وَ إِنَّمَا كَلَامُهُ سُبْحَانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ أَنْشَأَهُ وَ مَثَّلَهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ كَائِناً وَ لَوْ كَانَ قَدِيماً لَكَانَ إِلَهاً ثَانِياً لَا يُقَالُ كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَتَجْرِيَ عَلَيْهِ الصِّفَاتُ الْمُحْدَثَاتُ وَ لَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَ بَيْنَهُ فَصْلٌ وَ لَا لَهُ عَلَيْهَا فَضْلٌ فَيَسْتَوِيَ الصَّانِعُ وَ الْمَصْنُوعُ وَ يَتَكَافَأَ الْمُبْتَدِعُ وَ الْبَدِيعُ خَلَقَ الْخَلَائِقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ خَلَا مِنْ غَيْرِهِ وَ لَمْ يَسْتَعِنْ عَلَى خَلْقِهَا بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ وَ أَنْشَأَ الْأَرْضَ فَأَمْسَكَهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ وَ أَرْسَاهَا عَلَى غَيْرِ قَرَارٍ وَ أَقَامَهَا بِغَيْرِ قَوَائِمَ وَ رَفَعَهَا بِغَيْرِ دَعَائِمَ وَ حَصَّنَهَا مِنَ الْأَوَدِ وَ الِاعْوِجَاجِ وَ مَنَعَهَا مِنَ التَّهَافُتِ وَ الِانْفِرَاجِ أَرْسَى أَوْتَادَهَا وَ ضَرَبَ أَسْدَادَهَا وَ اسْتَفَاضَ عُيُونَهَا وَ خَدَّ أَوْدِيَتَهَا فَلَمْ يَهِنْ مَا بَنَاهُ وَ لَا ضَعُفَ مَا قَوَّاهُ إِلَى قَوْلِهِ(ع)هُوَ الْمُفْنِي لَهَا بَعْدَ وُجُودِهَا حَتَّى يَصِيرَ مَوْجُودُهَا كَمَفْقُودِهَا وَ لَيْسَ فَنَاءُ الدُّنْيَا بَعْدَ ابْتِدَائِهَا بِأَعْجَبَ مِنْ إِنْشَائِهَا وَ اخْتِرَاعِهَا إِلَى قَوْلِهِ(ع)وَ إِنَّهُ (4) سُبْحَانَهُ يَعُودُ بَعْدَ فَنَاءِ الدُّنْيَا وَحْدَهُ لَا شَيْءَ مَعَهُ كَمَا كَانَ قَبْلَ ابْتِدَائِهَا كَذَلِكَ يَكُونُ بَعْدَ فَنَائِهَا بِلَا وَقْتٍ وَ لَا مَكَانٍ وَ لَا حِينٍ وَ لَا زَمَانٍ عُدِمَتْ عِنْدَ ذَلِكَ الْآجَالُ وَ الْأَوْقَاتُ وَ زَالَتِ السِّنُونَ وَ السَّاعَاتُ فَلَا شَيْءَ إِلَّا الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ الَّذِي إِلَيْهِ مَصِيرُ جَمِيعِ الْأُمُورِ بِلَا قُدْرَةٍ مِنْهَا كَانَ ابْتِدَاءُ خَلْقِهَا وَ بِغَيْرِ امْتِنَاعٍ مِنْهَا كَانَ فَنَاؤُهَا وَ لَوْ قَدَرَتْ عَلَى الِامْتِنَاعِ لَدَامَ بَقَاؤُهَا لَمْ يَتَكَاءَدْهُ صُنْعُ شَيْءٍ
____________
(1) في بعض النسخ: و لا تردفه.
(2) في المصدر: لمن أراد.
(3) في المصدر: بنداء.
(4) في المصدر: و إن اللّه.
31
مِنْهَا إِذْ صَنَعَهُ وَ لَمْ يَؤُدْهُ مِنْهَا خَلْقُ مَا بَرَأَهُ وَ خَلَقَهُ (1) وَ لَمْ يُكَوِّنْهَا لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ وَ لَا لِخَوْفٍ مِنْ زَوَالٍ وَ نُقْصَانٍ وَ لَا لِلِاسْتِعَانَةِ بِهَا عَلَى نِدٍّ مُكَاثِرٍ وَ لَا لِلِاحْتِرَازِ بِهَا مِنْ ضِدٍّ مُثَاوِرٍ وَ لَا لِلِازْدِيَادِ بِهَا فِي مُلْكِهِ وَ لَا لِمُكَاثَرَةِ شَرِيكٍ فِي شِرْكِهِ وَ لَا لِوَحْشَةٍ كَانَتْ مِنْهُ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَأْنِسَ إِلَيْهَا ثُمَّ هُوَ يُفْنِيهَا بَعْدَ تَكْوِينِهَا لَا لِسَأْمٍ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي تَصْرِيفِهَا وَ تَدْبِيرِهَا وَ لَا لِرَاحَةٍ وَاصِلَةٍ إِلَيْهِ وَ لَا لِثِقَلِ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهِ لَمْ يُمِلَّهُ طُولُ بَقَائِهَا فَيَدْعُوَهُ إِلَى سُرْعَةِ إِفْنَائِهَا لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ دَبَّرَهَا بِلُطْفِهِ وَ أَمْسَكَهَا بِأَمْرِهِ وَ أَتْقَنَهَا بِقُدْرَتِهِ ثُمَّ يُعِيدُهَا بَعْدَ الْفَنَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهَا وَ لَا اسْتِعَانَةٍ بِشَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهَا وَ لَا لِانْصِرَافٍ مِنْ حَالِ وَحْشَةٍ إِلَى حَالِ اسْتِئْنَاسٍ وَ لَا مِنْ حَالِ جَهْلٍ وَ عَمًى إِلَى عِلْمٍ (2) وَ الْتِمَاسٍ وَ لَا مِنْ فَقْرٍ وَ حَاجَةٍ إِلَى غِنًى وَ كَثْرَةٍ وَ لَا مِنْ ذُلٍّ وَ ضَعَةٍ إِلَى عِزٍّ وَ قُدْرَةٍ (3).
إيضاح الدال على قدمه بحدوث خلقه فيه و فيما بعده دلالة على أن علة الفاقة إلى المؤثر الحدوث و أنه لا يعقل التأثير في الأزلي القديم (4) و كذا
____________
(1) في المصدر: ما خلقه و برأه.
(2) في المصدر: إلى حال علم.
(3) نهج البلاغة: ج 1،(ص)354.
(4) الحدوث و القدم قد يستعملان بمعنى المسبوقية بالعدم الذاتي و مقابلها، و قد يستعملان بمعنى المسبوقية بالعدم الزمانى و مقابلها فان كان المراد بهما في كلامه (عليه السلام) المعنى الأول كان المعنى أن العالم لمكان إمكانه يدلّ على وجود الواجب. و ان كان المراد بالحدوث الحدوث الزمانى و بالقدم، القدم الذاتي كان المعنى أن الحدوث الزمانى في الزمانيات دليل على وجود الواجب، و ذلك لان الحدوث تغير و التغير يختص بالممكن و الممكن يحتاج إلى الواجب، و أيضا الحادث مسبوق بالعدم و كل ما كان كذلك أمكن عدمه فاحتاج في الوجود إلى الواجب، و إن كان المراد بهما الحدوث و القدم الزمانيين كان المعنى أن الحدوث الزمانى في الزمانيات يدلّ على كون الواجب قديما غير مقيد بالزمان و ذلك لان الحدوث نقص و محدودية و وجود الواجب تام و فوق التمام فلا يتصف به. و إن كان المراد بالحدوث، الحدوث الذاتي و بالقدم، القدم الزمانى كان المعنى أن إمكان الخلق يدلّ على قدم الواجب و عدم تقيده بالزمان لكنه في غاية البعد و على الاولين فكلامه (عليه السلام) ناظر إلى إثبات الواجب و على الآخرين.
32
قوله مستشهد بحدوث الأشياء على أزليته.
لا تصحبه الأوقات يحتمل وجهين أحدهما نفي المصاحبة على الدوام بل وجوده سابق على الأزمان كالزمانيات (1) كما قال سبق الأوقات كونه و ثانيهما نفي الزمانية عنه سبحانه مطلقا كما ذهب إليه الحكماء من أن الزمان نسبة المتغير إلى المتغير و لا يكون فيما لا تغير فيه أصلا فالمراد بسبق كونه على الأوقات عدم لحوقها له و امتناع مقارنته سبحانه لها و ربما يؤيد ذلك بقوله(ع)و كيف يجري عليه ما هو أجراه فإنه(ع)استدل على عدم جريان السكون و الحركة عليه بأنه موجدهما فلا يكونان من صفاته الكمالية لأن الفعل لا يكون كمالا للفاعل و اتصافه بهما لا على وجه الكمال يوجب التغير أو النقص و هذا جار في الزمان أيضا.
و كذا قوله و يعود فيه ما هو أبداه أي أظهره فقيل المعنى أنه سبحانه أظهر الحركة و السكون فكانا متأخرين عنه ذاتا فلو كانا من صفاته لزم أن يعود المتأخر و يصير متقدما لأن صفاته سبحانه عين ذاته فلا يجوز خلوه عنها في مرتبة الإظهار و الإيجاد و يحدث فيه ما هو أحدثه لأن الشيء لا يكون فاعلا و قابلا لشيء واحد أو لما مر من لزوم الاستكمال بغيره و النقص في ذاته.
____________
فناظر إلى إثبات قدمه و على كل حال فلا يستفاد من كلامه (عليه السلام) أن ما يحتاج إلى العلة ينحصر في الحادث الزمانى بحيث لو فرض ممكن غير حادث زمانا لم يحتج إلى الواجب فتأمل.
و أمّا تحقيق القول في أن ملاك الاحتياج إلى العلة هل هو الحدوث أو الإمكان فله محل آخر.
و أمّا النكتة في جعله (عليه السلام) «الدال» صفة له سبحانه لا لخلقه مع أن الظاهر أن الخلق يدل بحدوثه على قدم الواجب فهي أن الذي يدلّ الناس إلى الحق حقيقة هو الحق سبحانه كما في الدعاء المأثور «و أنت دللتنى عليك و دعوتنى إليك» و يدلّ على ذلك روايات كثيرة و أدعية مأثورة و وجوه عقلية يضيق المجال عن ذكرها.
(1) يعني أن الزمانيات تصحب الزمان ما دامت موجودة لكن وجود الواجب غير مقارن للزمان دائما، لانه تعالى كان موجودا و لم يكن زمان فلما خلق الزمان صار مقارنا له، و أما الحكماء فينفون مقارنته سبحانه للزمان مطلقا، لان الزمان أمر تدريجى لا يقارنه إلّا ما شأنه الحركة و التغير و هو الجسم لا غير، و دلالة كلامه (عليه السلام) على مقالتهم لا غبار عليه.
33
إذا لتفاوتت ذاته أي حصل الاختلاف و التغير في ذاته و لتجزأ كنهه أي كانت حقيقته ذات أجزاء و أبعاض لأن الحركة و السكون مستلزمان للتحيز المستلزم للجسمية أو لكان فيه ما به بالقوة و ما به بالفعل و لامتنع من الأزل معناه أي ذاته المقصودة من أسمائه الحسنى و الامتناع من الأزل للجسمية و حدوث ما لا ينفك عن الحركة و السكون لا بصوت يقرع أي يقرع الأسماع و القرع الدق و في بعض النسخ على بناء المجهول أي يحصل من قرع شيء.
و مثله أي أقامه و قيل البارئ تعالى مثل القرآن لجبرئيل(ع)بالكتابة في اللوح و يقال مثلته بين يدي أي أحضرته فلما كان الله تعالى فعل القرآن واضحا بينا كأن قد مثله للمكلفين انتهى و الظاهر أن المراد أن قوله كن فيكون ليس المراد به الكلام الحقيقي الذي له صوت بل كناية عن تعلق الإرادة و تمثيل لحصول الأشياء بمحض إرادته بلا تأخر و لا توقف على أمر.
و لو كان قديما لكان إلها ثانيا هذا صريح في أن الإمكان لا يجامع القدم و أن الإيجاد إنما يكون لما هو مسبوق بالعدم (1) فالقول بتعدد القدماء مع القول بإمكان بعضها قول بالنقيضين فتجري على المعلوم (2) و في بعض النسخ على المجهول عليه الصفات المحدثات في أكثر النسخ الصفات معرفة باللام فالمحدثات صفة له و في بعضها بدون اللام على الإضافة و هو أنسب أي لو كان محدثا لجرت عليه صفات الأجسام المحدثة فلم يكن بينه و بينها فرق.
و الفصل القطع و الحاجز بين الشيئين و المبتدع في بعض النسخ على صيغة الفاعل و في بعضها على صيغة المفعول فعلى الأول البديع بمعنى المبدع على بناء المفعول و على الثاني بمعنى المبدع على بناء الفاعل.
على غير مثال خلا أي مضى و سبق من غير اشتغال أي لم يشغله إمساكها
____________
(1) كلامه (عليه السلام) صريح في أن القدم يلازم الالوهية و لا يجامع الإمكان، لكنه ليس بصريح في أن المراد به القدم الزمانى فان كانت هناك قرينة عقلية وجب حمله على القدم الذاتي.
(2) يعني أن لفظة «تجرى» فى كلامه على صيغة المعلوم أي المبنى للفاعل.
34
عن غيره من الأمور و أرساها أي أثبتها على غير قرار أي مقر يتمكن عليه بل قامت بأمره لا على شيء بغير قوائم أي لا كدابة تقوم بقوائمها و الدعامة بالكسر عماد البيت الذي يقوم عليه و حصنه تحصينا أي جعله منيعا و الأود بالتحريك الاعوجاج و العطف للتفسير و التهافت التساقط قطعة قطعة أوتادها أي جبالها التي هي للأرض بمنزلة الأوتاد و ضرب أسدادها السد بالفتح و بالضم الجبل و الحاجز بين الشيئين و قيل بالضم ما كان مخلوقا لله تعالى و بالفتح ما كان من فعلنا و ضرب الأسداد نصبها يقال ضربت الخيمة أي نصبتها أو تعيينها كضرب الخراج و لعل المعنى خلق الجبال فيها و الأنهار التي هي كالحدود لها ليتميز بعضها عن بعض على حسب اقتضاء الحكمة الكاملة و قال الجوهري السد أيضا واحد السدود و هي السحائب السود عن أبي زيد.
و استفاض عيونها أي جعلها فائضة جارية و خد أوديتها أي شقها و منه الأخدود أي الحفرات المستطيلة في الأرض حتى يصير موجودها كمفقودها لعل المراد بالمفقود ما لم يوجد أصلا أي حتى يصير كأن لم يكن و يحتمل أن تكون الكاف زائدة و قوله(ع)كما كان قبل ابتدائها إلى آخر الكلام صريح في حدوث ما سوى الله تعالى و ظاهره نفي الزمان أيضا قبل العالم و عدم زمانيته سبحانه إلى أن يحمل على الأزمنة المعينة من الليالي و الأيام و الشهور و السنين و يدل على فناء جميع أجزاء الدنيا بعد الوجود و هذا أيضا ينافي القدم لأنهم أطبقوا على أن ما ثبت قدمه امتنع عدمه و أقاموا عليه البراهين العقلية.
لم يتكاءده في أكثر النسخ على صيغة التفاعل (1) و في بعضها على صيغة التفعل (2) و كلاهما بمعنى نفي المشقة و في بعض النسخ لم يتكاره على صيغة التفاعل من الكره يقال فعل الأمر على تكره و تكاره أي على تسخط و عدم الرضا به و الغرض أنه سبحانه لم يكن مجبورا مكرها في خلق الأشياء.
____________
(1) أي بالالف و تشديد الدال.
(2) أي بالهمزة المشددة و تخفيف الدال.
35
و آده الأمر يؤده أثقله و برأه أي خلقه و تشديد السلطان إحكام السلطنة و حفظها عن تطرق الخلل فيها و الند بالكسر المثل قالوا و لا يكون الند إلا مخالفا و المكاثرة المغالبة بالكثرة و الضد بالكسر النظير و الكفو و قيل مثل الشيء و خلافه و هو من الأضداد و الثور بالفتح الهيجان و الوثب و ثاوره أي واثبه و الشرك بالكسر الاسم من شركته كعلمت في البيع و الميراث شركه و في النسخ في شركة بالتاء موضع الضمير و الاستئناس اتخاذ الأنيس ضد الاستيحاش و السأم بالتحريك الملال و التصريف التغيير و تحويل الشيء من حال إلى حال و من وجه إلى وجه و الثقل بالكسر كما في بعض النسخ و كعنب كما في بعضها ضد الخفة و لم يمله على صيغة الإفعال أي لم يجعله سئما و في بعض النسخ و لا يمله و ذكر السرعة لأن الإفناء لا يستدعي زمانا طويلا إذا كان عن قدرة كاملة أو لأنه إذا كان عن ملالة من البقاء يكون بسرعة. و أتقنها أحكمها و الالتماس الطلب و المراد طلب علم مجهول و الضعة بالفتح كما في النسخ و بالكسر انحطاط الدرجة ضد الرفعة و الضمير في قوله(ع)يعيدها راجع إلى الدنيا كالضمائر السابقة و جوز بعض شارحي النهج عودها إلى الأمور في قوله(ع)إليه مصير جميع الأمور و على أي حال ظاهره انعدام جميع المخلوقات حتى الأرواح و الملائكة ثم عودها فيدل على جواز إعادة المعدوم و قد سبق الكلام فيه في المجلد الثالث.
7- التَّوْحِيدُ، وَ الْعُيُونُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ عَمِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي سُمَيْنَةَ (1) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ عَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ: هُوَ أَيَّنَ
____________
(1) هو محمّد بن على الصيرفى الكوفيّ ضعيف مرمى بالكذب و فساد الاعتقاد، و الظاهر اتّحاده مع محمّد بن عليّ بن إبراهيم بن موسى أبى جعفر القرشيّ و محمّد بن عليّ بن إبراهيم الكوفيّ كما يؤيده تتبع الأسانيد، و إن كان تكرار العنوان في كتب الرجال ربما يوهم التعدّد.
36
الْأَيْنَ كَانَ وَ لَا أَيْنَ وَ هُوَ كَيَّفَ الْكَيْفَ كَانَ وَ لَا كَيْفَ (1) الْخَبَرَ.
8- الْإِحْتِجَاجُ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى قَالَ: سَأَلَنِي أَبُو قُرَّةَ الْمُحَدِّثُ أَنْ أُدْخِلَهُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)فَاسْتَأْذَنْتُهُ فَأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ وَ سَأَلَهُ عَنْ مَسَائِلَ فَكَانَ فِيمَا سَأَلَهُ أَخْبِرْنِي جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ لِمُوسَى وَ سَاقَ الْكَلَامَ إِلَى أَنْ قَالَ فَمَا تَقُولُ فِي الْكُتُبِ فَقَالَ التَّوْرَاةُ وَ الْإِنْجِيلُ وَ الزَّبُورُ وَ الْفُرْقَانُ وَ كُلُّ كِتَابٍ أُنْزِلَ كَانَ كَلَامَ اللَّهِ أَنْزَلَهُ لِلْعَالَمِينَ نُوراً وَ هُدًى وَ هِيَ كُلُّهَا مُحْدَثَةٌ وَ هِيَ غَيْرُ اللَّهِ فَقَالَ أَبُو قُرَّةَ فَهَلْ يَفْنَى فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ(ع)أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَا سِوَى اللَّهِ فَانٍ وَ مَا سِوَى اللَّهِ فِعْلُ اللَّهِ وَ التَّوْرَاةُ وَ الْإِنْجِيلُ وَ الزَّبُورُ وَ الْفُرْقَانُ فِعْلُ اللَّهِ أَ لَمْ تَسْمَعِ النَّاسَ يَقُولُونَ رَبُّ الْقُرْآنِ وَ أَنَّ الْقُرْآنَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا رَبِّ هَذَا فُلَانٌ وَ هُوَ أَعْرَفُ بِهِ قَدْ أَظْمَأْتُ نَهَارَهُ وَ أَسْهَرْتُ لَيْلَهُ فَشَفِّعْنِي فِيهِ وَ كَذَلِكَ التَّوْرَاةُ وَ الْإِنْجِيلُ وَ الزَّبُورُ كُلُّهَا مُحْدَثَةٌ مَرْبُوبَةٌ أَحْدَثَهَا مَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ هُدًى لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُنَّ لَمْ يَزَلْنَ فَقَدْ أَظْهَرَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَوَّلِ قَدِيمٍ وَ لَا وَاحِدٍ وَ أَنَّ الْكَلَامَ لَمْ يَزَلْ مَعَهُ وَ لَيْسَ لَهُ بَدْءٌ وَ لَيْسَ بِإِلَهٍ (2).
بيان: و ليس له بدء أي ليس للكلام علة لأن القديم لا يكون مصنوعا و ليس بإله أي و الحال أنه ليس بإله فكيف لم يحتج إلى الصانع أو الصانع يلزم أن لا يكون إلها لوجود الشريك معه في القدم و في بعض النسخ و ليس بإله له أي يلزم أن لا يكون الله إلها للكلام لكونه معه دائما.
9- المهج، مهج الدعوات بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ وَ خَلِيلِ بْنِ سَالِمٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ(ص)هَذَا الدُّعَاءَ وَ ذَكَرَ لَهُ فَضْلًا كَثِيراً الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْحَقُّ الْمُبِينُ الْمُدَبِّرُ بِلَا وَزِيرٍ وَ لَا خَلْقٍ مِنْ عِبَادِهِ يَسْتَشِيرُ الْأَوَّلُ غَيْرُ مَصْرُوفٍ وَ الْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ الْخَلْقِ الْعَظِيمُ الرُّبُوبِيَّةُ نُورُ
____________
(1) العيون:(ص)131، ح 28: التوحيد،(ص)178، ح 3.
(2) الاحتجاج،(ص)220، احتجاج أبى الحسن الرضا (عليه السلام) ابا قرة المحدث.
37
السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ وَ فَاطِرُهُمَا وَ مُبْتَدِعُهُمَا بِغَيْرِ عَمَدٍ خَلَقَهُمَا فَاسْتَقَرَّتِ الْأَرَضُونَ بِأَوْتَادِهَا فَوْقَ الْمَاءِ ثُمَّ عَلَا رَبُّنَا فِي السَّماواتِ الْعُلى الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ ما تَحْتَ الثَّرى إِلَى قَوْلِهِ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ كُنْتَ إِذْ لَمْ تَكُنْ سَمَاءٌ مَبْنِيَّةٌ وَ لَا أَرْضٌ مَدْحِيَّةٌ وَ لَا شَمْسٌ مُضِيئَةٌ وَ لَا لَيْلٌ مُظْلِمٌ وَ لَا نَهَارٌ مُضِيءٌ وَ لَا بَحْرٌ لُجِّيٌّ وَ لَا جَبَلٌ رَاسٍ وَ لَا نَجْمٌ سَارٍ وَ لَا قَمَرٌ مُنِيرٌ وَ لَا رِيحٌ تَهُبُّ وَ لَا سَحَابٌ يَسْكُبُ وَ لَا بَرْقٌ يَلْمَعُ وَ لَا رُوحٌ تَتَنَفَّسُ وَ لَا طَائِرٌ يَطِيرُ وَ لَا نَارٌ تَتَوَقَّدُ وَ لَا مَاءٌ يَطَّرِدُ كُنْتَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَ كَوَّنْتَ كُلَّ شَيْءٍ وَ ابْتَدَعْتَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى آخِرِ الدُّعَاءِ.
10- وَ مِنْهُ، بِأَسَانِيدَ ذَكَرَهَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فِي الدُّعَاءِ الْيَمَانِيِّ الْمَعْرُوفِ وَ أَنْتَ الْجَبَّارُ الْقُدُّوسُ الَّذِي لَمْ تَزَلْ أَزَلِيّاً دَائِماً فِي الْغُيُوبِ وَحْدَكَ لَيْسَ فِيهَا غَيْرُكَ وَ لَمْ يَكُنْ لَهَا سِوَاكَ.
11- وَ مِنْهُ، فِي دُعَاءٍ عَلَّمَهُ جَبْرَئِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الْكَائِنُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَ الْمُكَوِّنُ لِكُلِّ شَيْءٍ وَ الْكَائِنُ بَعْدَ فَنَاءِ كُلِّ شَيْءٍ.
12- التَّوْحِيدُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ (1) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى (2) عَنْ سُلَيْمَانَ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ قَالَ الرِّضَا(ع)الْمَشِيَّةُ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ مُرِيداً شَائِياً فَلَيْسَ بِمُوَحِّدٍ (3).
بيان لعل الشرك باعتبار أنه إذا كانت الإرادة و المشية أزليتين فالمراد و المشيء أيضا يكونان أزليين و لا يعقل التأثير في القديم فيكون إلها ثانيا كما مر مرارا أو أنهما لما لم يكونا عين الذات فكونهما دائما معه سبحانه يوجب إلهين
____________
(1) هو محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد أبو جعفر المتوفّى سنة 343 شيخ القميين و فقيههم ثقة جليل القدر عظيم المنزلة.
(2) في المصدر: محمّد بن عيسى بن عبيد.
(3) التوحيد، باب صفات الافعال،(ص)93.
38
آخرين بتقريب ما مر (1) و يؤيد الأول
- مَا رَوَاهُ فِي التَّوْحِيدِ أَيْضاً عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قُلْتُ لَهُ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُرِيداً فَقَالَ إِنَّ الْمُرِيدَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمُرَادٍ مَعَهُ بَلْ لَمْ يَزَلْ عَالِماً قَادِراً ثُمَّ أَرَادَ
. 13- التَّوْحِيدُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: سَأَلَ الْجَاثَلِيقُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَخْبِرْنِي عَنِ الرَّبِّ أَ فِي الدُّنْيَا هُوَ أَوْ فِي الْآخِرَةِ قَالَ عَلِيٌّ(ع)لَمْ يَزَلْ رَبُّنَا قَبْلَ الدُّنْيَا (2) هُوَ مُدَبِّرُ الدُّنْيَا وَ عَالِمٌ بِالْآخِرَةِ (3).
14- وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَانَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ كَانَ لَمْ يُوجَدْ لِوَصْفِهِ كَانَ ثُمَّ قَالَ كَانَ إِذْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ وَ لَمْ يَنْطِقْ فِيهِ نَاطِقٌ فَكَانَ إِذْ لَا كَانَ (4).
15- النهج، نهج البلاغة مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ(ع)وَ كَانَ مِنِ اقْتِدَارِ جَبَرُوتِهِ وَ بَدِيعِ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ أَنْ جَعَلَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ الزَّاخِرِ الْمُتَرَاكِمِ الْمُتَقَاصِفِ يَبَساً جَامِداً ثُمَّ فَطَرَ مِنْهُ أَطْبَاقاً فَفَتَقَهَا سَبْعَ سَمَاوَاتٍ بَعْدَ ارْتِتَاقِهَا فَاسْتَمْسَكَتْ بِأَمْرِهِ وَ قَامَتْ عَلَى حَدِّهِ يَحْمِلُهَا (5) الْأَخْضَرُ الْمُثْعَنْجِرُ وَ الْقَمْقَامُ الْمُسَخَّرُ قَدْ ذَلَّ لِأَمْرِهِ وَ أَذْعَنَ لِهَيْبَتِهِ وَ وَقَفَ الْجَارِي مِنْهُ لِخَشْيَتِهِ وَ جَبَلَ جَلَامِيدَهَا وَ نُشُوزَ مُتُونِهَا وَ أَطْوَادَهَا فَأَرْسَاهَا
____________
(1) المشية و الإرادة من صفات الافعال كما نطقت به روايات كثيرة، و الصفات الفعلية ما ينتزع من نفس الافعال و لا يوصف الواجب تعالى بها من حيث ذاته مع قطع النظر عن الافعال التي تصدر عنه و لا قبل صدورها. فليست أفعالا خارجية حتّى تكون ممكنة لا استقلال لها، و لا صفات ذاتية حتّى تكون عين ذات الواجب غير زائدة عليها بل هي عناوين انتزاعية فمن قال بأزليتها و وجودها قبل تحقّق الافعال لزمه القول بكونها موجودات حقيقية خارجية، و حيث إنها لا تكون ممكنة و لا عين ذات الواجب لزم كونها واجبات مستقلة، كما تقول الأشاعرة في الصفات الذاتية فالقول بأزليتها يستلزم القول بتعدّد الاله، و ذلك قوله (عليه السلام) «فمن زعم أن اللّه لم يزل مريدا شائيا فليس بموحد».
(2) في المصدر: و لا يزال أبدا.
(3) التوحيد: باب الرحمن على العرش استوى، ص، 232.
(4) التوحيد: 28. و سيأتي الحديث مسندا تحت الرقم 19.
(5) في المصدر: و أرسى أرضا يحملها.
39
فِي مَرَاسِيهَا وَ أَلْزَمَهَا قَرَارَتَهَا (1) فَمَضَتْ رُءُوسُهَا فِي الْهَوَاءِ وَ رَسَتْ أُصُولُهَا فِي الْمَاءِ فَأَنْهَدَ جِبَالَهَا عَنْ سُهُولِهَا وَ أَسَاخَ قَوَاعِدَهَا فِي مُتُونِ أَقْطَارِهَا وَ مَوَاضِعِ أَنْصَابِهَا فَأَشْهَقَ قِلَالَهَا وَ أَطَالَ أَنْشَازَهَا وَ جَعَلَهَا لِلْأَرْضِ عِمَاداً وَ أَرَزَّهَا فِيهَا أَوْتَاداً فَسَكَنَتْ عَلَى حَرَكَتِهَا (2) مِنْ أَنْ تَمِيدَ بِأَهْلِهَا أَوْ تَسِيخَ بِحِمْلِهَا أَوْ تَزُولَ عَنْ مَوَاضِعِهَا فَسُبْحَانَ مَنْ أَمْسَكَهَا بَعْدَ مَوَجَانِ مِيَاهِهَا وَ أَجْمَدَهَا بَعْدَ رُطُوبَةِ أَكْنَافِهَا فَجَعَلَهَا لِخَلْقِهِ مِهَاداً وَ بَسَطَهَا لَهُمْ فِرَاشاً فَوْقَ بَحْرٍ لُجِّيٍّ رَاكِدٍ لَا يَجْرِي وَ قَائِمٍ لَا يَسْرِي تُكَرْكِرُهُ الرِّيَاحُ الْعَوَاصِفُ وَ تَمْخُضُهُ الْغَمَامُ الذَّوَارِفُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (3)
بيان: الاقتدار على الشيء القدرة عليه و الجبروت فعلوت من الجبر و هو القهر و البديع بمعنى المبدع بالفتح و اللطيف الدقيق و زخر البحر كمنع أي تملأ و ارتفع و المتراكم المجتمع بعضه فوق بعض و تقاصف البحر تزاحمت أمواجه و قال ابن أبي الحديد اليبس بالتحريك المكان يكون رطبا ثم يبس قال الله تعالى فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا و اليبس بالسكون اليابس خلقة يقال حطب يبس و هكذا يقول أهل اللغة و فيه كلام لأن الحطب ليس يابسا خلقة بل كان رطبا من قبل و الأصوب أن يقال لا تكون هذه اللفظة محركة إلا في المكان خاصة انتهى و الجامد ضد الذائب و المراد باليبس الجامد الأرض و الفطر بالفتح الخلق و الإنشاء و الأطباق بالفتح جمع طبق بالتحريك و هو غطاء كل شيء و الطبق أيضا من كل شيء ما ساواه و قوله(ع)ففتقها إشارة إلى قوله تعالى أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما و قد مرت الوجوه في تفسيرها و هذا مما يؤيد بعضها فتذكر و يدل على حدوث السماوات و كونها أولي (4) طبقات منفصلة في الحقيقة متصلة في الصورة
____________
(1) في المصدر: قراراتها.
(2) في بعض النسخ: عن حركتها.
(3) نهج البلاغة، ج 1،(ص)426.
(4) في بعض النسخ: أولا.
40
بعضها فوق بعض ففتقها و فرقها و باعد بعضها عن بعض فحصلت سبع سماوات متميزات بينها أفضية للملائكة.
و الاستمساك الاحتباس و الاعتصام و الغرض عدم تفرقها كان بعضها معتصم ببعض و قيامها على حده كناية عن وقوفها على ما حده لها من المكان و المقدار و الشكل و الهيئة و النهايات و الطبائع و عدم خروجها عن تلك و الضمير في حده راجع إلى الله أو إلى اليبس.
و قال الكيدري و الأخضر الماء و العرب تصفه بالخضرة و المثعنجر على صيغة اسم الفاعل كما في النسخ السائل من ماء أو دمع و بفتح الجيم وسط البحر و ليس في البحر ما يشبهه ذكره الفيروزآبادي و قال الجزري
- في حديث علي(ع)يحملها الأخضر المثعنجر.
هو أكثر موضع في البحر ماء و الميم و النون زائدتان و
- مِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَإِذَا عِلْمِي بِالْقُرْآنِ فِي عِلْمِ عَلِيٍّ كَالْقَرَارَةِ فِي الْمُثْعَنْجِرِ.
القرارة الغدير الصغير.
و القمقام بالفتح كما في النسخ و قد يضم البحر و يكون بمعنى السيد و الأمر العظيم و العدد الكثير و المسخر في بعض النسخ بالخاء المعجمة و في بعضها بالجيم في القاموس سجر النهر ملأه و تسجير الماء تفجيره و الضمير في قوله(ع)منه راجع إلى ماء البحر أو إلى اليبس الجامد فيكون الدخان الذي خلق منه السماوات مرتفعا منه و في استمسكت إلى الأطباق أو إلى ما يرجع إليه الضمير في يحملها و هو اليبس الجامد (1) و التأنيث لأن المراد به الأرض.
و أذعن له أي خضع و انقاد و الجاري منه أي السائل بالطبع فوقوفه عدم جريانه طبعا بإرادته سبحانه أو السائل منه قبل إرادته و أمره بالجمود و يحتمل
____________
(1) هذا إذا لم يكن لفظة الأرض في الكلام، و أمّا على نسخة المصدر «و أرسى أرضا يحملها» فلا شبهة في رجوع الضمير إلى الأرض.
41
أن تكون الضمائر في ذل و أذعن و وقف راجعة إلى الأخضر أو القمقام و هو أنسب بتذكير الضمير و الجريان.
و جبل كنصر و ضرب أي خلق و الجلمد بالفتح و الجلمود بالضم الحجر العظيم الصلب و النشز بالفتح المكان المرتفع و الجمع نشوز بالضم و المتن ما صلب من الأرض و ارتفع و الطود بالفتح الجبل أو العظيم منه و الضمائر راجعة إلى الأرض المعبر عنها باليبس الجامد و أرساها أي أثبتها في مراسيها أي في مواضعها المعينة بمقتضى الحكم الإلهية و القرارة موضع القرار و رست أي ثبتت و في بعض النسخ رسبت يقال رسب كنصر إذا ذهب إلى أسفل و إذا ثبت و يقال نهد ثدي الجارية كمنع و نصر أي كعب و أشرف و السهل من الأرض ضد الحزن و ساخت قوائمه في الأرض تسوخ و تسيخ أي دخلت فيها و غابت و أساخها غيبها و قواعد البيت أساسه و القطر بالضم الناحية أي غيب قواعد الجبال في متون نواحي الأرض و قيل أي في جوانب أقطارها و النصب بالفتح و يحرك العلم المنصوب و بالضم و بضمتين كل ما جعل علما و كل ما عبد من دون الله و المراد بالأنصاب الجبال و بمواضعها الأمكنة الصالحة للجبال بمقتضى الحكمة و القلال بالكسر جمع قلة بالضم و هي أعلى الجبل أو أعلى كل شيء و الشاهق المرتفع أي جعل قلالها مرتفعة و إطالة الأنشاز مؤكدة لها و العماد بالكسر الخشبة التي يقوم عليها البيت و الأبنية الرفيعة و الظاهر أن المراد بجعلها للأرض عمادا ما يستفاد من الفقرة التالية و قيل المراد جعلها مواضع رفيعة في الأرض و أرز بتقديم المهملة كنصر و ضرب و علم أي ثبت و أرز بتشديد المعجمة أي أثبت و في أكثر النسخ بالتخفيف و فتح العين و في بعضها بالتشديد قال في النهاية في
- كلام علي(ع)أرزها فيها أوتادا.
أي أثبتها إن كانت الزاي مخففة فهي من أرزت الشجرة تأرز إذا أثبت في الأرض و إن كانت مشددة فهي من أرزت الجرادة إذا أدخلت ذنبها في الأرض لتلقي فيها بيضها و رززت الشيء في الأرض رزا أثبتته فيها و حينئذ تكون الهمزة زائدة
42
انتهى و قيل و روي آرز بالمد من قولهم شجرة آرزة أي ثابتة في الأرض.
فسكنت على حركتها أي حال حركتها التي هي من شأنها لأنها محمولة على سائل متموج كما قيل أو على أثر حركتها بتموج الماء من أن تميد أي تتحرك و تضطرب أو تسيخ بحملها أي تغوص بالماء مع ما عليها قال ابن أبي الحديد لو تحركت الأرض فإما أن تتحرك على مركزها أو لا و الأول هو المراد بقوله(ع)تميد بأهلها و الثاني ينقسم إلى أن تنزل إلى تحت و هو المراد بقوله(ع)تسيخ بحملها و أن لا تنزل إلى تحت و هو المراد بقوله تزول عن مواضعها انتهى.
و يحتمل أن يراد بقوله(ع)تميد بأهلها تحركها و اضطرابها بدون الغوص في الماء كما يكون عند الزلزلة و بسوخها بحملها حركتها على وجه يغوص أهلها في الماء سواء كانت على المركز أم لا فتكون الباء للتعدية و بزوالها عن مواضعها خراب قطعاتها بالرياح و السيول أو بتفرق القطعات و انفصال بعضها عن بعض فإن الجبال كالعروق السارية فيها تضبطها عن التفرق كما سيأتي و يؤيده إيراد المواضع بلفظ الجمع.
و صيغة فعلان بالتحريك في المصدر تدل على الاضطراب و التقلب و التنقل كالميدان و النزوان و الخفقان و لعل المراد بهذا الموجان ما كان غامرا للأرض أو أكثرها و إمساكها بخلق الجبال التي تقدم في الكلام و رطوبة أكنافها أي جوانبها لميدانها قبل خلق الجبال و المهاد بالكسر الفراش و الموضع يهيأ للصبي و يوطأ و الفراش ما يبسط و اللجة بالضم معظم الماء و ركد كنصر أي ثبت و سكن و سرى عرق الشجر كرمى أي دب تحت الأرض.
و قال الجوهري الكركرة تصريف الرياح (1) السحاب إذا جمعته بعد تفرق و قال باتت تكركره الجنوب و أصله تكرره من التكرير (2) و كركرته عني
____________
(1) في الصحاح: الريح.
(2) في الصحاح: و كركرت بالدجاجة: صحت بها و كركرته عنى ....
43
أي دفعته و رددته.
و الرياح العواصف الشديدة الهبوب و مخض اللبن يمخضه مثلثة أي أخذ زبده و في النسخ الفتح و الضم و الغمام جمع غمامة و هي السحابة البيضاء أو الأعم و ذرف الدمع كضرب أي سال و ذرف عينه أي سال دمعها و ذرف العين دمعها أي أسالها و من يخشى العلماء كما قال سبحانه إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ و يحتمل أن يكون التخصيص لأجل أن عدم الخشية يوجب عدم المبالاة بالعبر و الالتفات إليها.
16- الْعِلَلُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَنِي وَ عَلِيّاً وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ(ع)قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الدُّنْيَا بِسَبْعَةِ آلَافِ عَامٍ قُلْتُ فَأَيْنَ كُنْتُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قُدَّامَ الْعَرْشِ نُسَبِّحُ اللَّهَ وَ نُحَمِّدُهُ وَ نُقَدِّسُهُ وَ نُمَجِّدُهُ قُلْتُ عَلَى أَيِّ مِثَالٍ قَالَ أَشْبَاحِ نُورٍ (1) الْخَبَرَ.
17- التَّوْحِيدُ، وَ الْعُيُونُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْكَاتِبِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْقُلْزُمِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ الْجَدِّيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَلَوِيِّ عَنِ الرِّضَا(ع)فِي خُطْبَتِهِ الطَّوِيلَةِ قَالَ أَوَّلُ عِبَادَةِ اللَّهِ مَعْرِفَتُهُ وَ أَصْلُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَوْحِيدُهُ وَ نِظَامُ تَوْحِيدِ اللَّهِ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ لِشَهَادَةِ الْعُقُولِ أَنَّ كُلَّ صِفَةٍ وَ مَوْصُوفٍ مَخْلُوقٌ وَ شَهَادَةِ كُلِّ مَخْلُوقٍ أَنَّ لَهُ خَالِقاً لَيْسَ بِصِفَةٍ وَ لَا مَوْصُوفٍ وَ شَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ وَ مَوْصُوفٍ بِالاقْتِرَانِ وَ شَهَادَةِ الِاقْتِرَانِ بِالْحَدَثِ (2) وَ شَهَادَةِ الْحَدَثِ (3) بِالامْتِنَاعِ مِنَ الْأَزَلِ الْمُمْتَنِعِ مِنَ الْحَدَثِ (4) إِلَى قَوْلِهِ سَبَقَ الْأَوْقَاتَ كَوْنُهُ وَ الْعَدَمَ وُجُودُهُ وَ الِابْتِدَاءَ أَزَلُهُ إِلَى قَوْلِهِ فَفَرَّقَ بِهَا بَيْنَ قَبْلٍ وَ بَعْدٍ لِيُعْلَمَ أَنْ لَا قَبْلَ لَهُ وَ لَا بَعْدَ إِلَى قَوْلِهِ مُخْبِرَةً بِتَوْقِيتِهَا أَنْ لَا وَقْتَ لِمُوَقِّتِهَا إِلَى قَوْلِهِ لَهُ مَعْنَى الرُّبُوبِيَّةِ إِذْ لَا مَرْبُوبَ وَ حَقِيقَةُ الْإِلَهِيَّةِ إِذْ لَا مَأْلُوهَ وَ مَعْنَى الْعَالِمِ إِذْ (5) لَا مَعْلُومَ وَ مَعْنَى الْخَالِقِ إِذْ (6)
____________
(1) علل الشرائع: ج 1،(ص)198 و سيأتي أيضا تحت الرقم (133).
(2) في العيون: الحدوث.
(3) في العيون: الحدوث.
(4) في العيون: الحدوث.
(5) في العيون: و لا معلوم.
(6) في العيون: و ليس.
44
لَا مَخْلُوقَ وَ تَأْوِيلُ السَّمْعِ وَ لَا مَسْمُوعَ لَيْسَ مُنْذُ خَلَقَ اسْتَحَقَّ مَعْنَى الْخَالِقِ (1) وَ لَا بِإِحْدَاثِهِ الْبَرَايَا اسْتَفَادَ مَعْنَى البرائية [الْبَارِئِيَّةِ كَيْفَ وَ لَا تَغِيبُهُ (2) مُذْ وَ لَا تُدْنِيهِ قَدْ وَ لَا تَحْجُبُهُ لَعَلَّ وَ لَا يُوَقِّتُهُ (3) مَتَى وَ لَا تَشْمَلُهُ حِينٌ وَ لَا تُقَارِنُهُ (4) مَعَ إِلَى قَوْلِهِ فَكُلُّ مَا فِي الْخَلْقِ لَا يُوجَدُ فِي خَالِقِهِ وَ كُلُّ مَا يُمْكِنُ فِيهِ يَمْتَنِعُ مِنْ (5) صَانِعِهِ لَا تَجْرِي عَلَيْهِ الْحَرَكَةُ وَ السُّكُونُ وَ كَيْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ أَوْ يَعُودُ إِلَيْهِ (6) مَا هُوَ ابْتَدَاهُ إِذاً لَتَفَاوَتَتْ ذَاتُهُ وَ لَتَجَزَّأَ كُنْهُهُ وَ لَامْتَنَعَ مِنَ الْأَزَلِ مَعْنَاهُ إِلَى قَوْلِهِ لَيْسَ فِي مُحَالِ الْقَوْلِ حُجَّةٌ وَ لَا فِي الْمَسْأَلَةِ عَنْهُ جَوَابٌ وَ لَا فِي مَعْنَاهُ لِلَّهِ (7) تَعْظِيمٌ وَ لَا فِي إِبَانَتِهِ عَنِ الْخَلْقِ ضَيْمٌ إِلَّا بِامْتِنَاعِ الْأَزَلِيِّ أَنْ يُثَنَّى وَ لِمَا (8) لَا بَدْءَ لَهُ أَنْ يَبْدَأَ (9) إِلَى آخِرِ الْخُطْبَةِ.
الْإِحْتِجَاجُ، مُرْسَلَةً (10) مِثْلَهُ.
مَجَالِسُ ابْنِ الشَّيْخِ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْمُفِيدِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ حَمْزَةَ الْعَلَوِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مَرْوَكِ بْنِ عُبَيْدٍ
____________
(1) قال المؤلّف- (رحمه اللّه)- في بيان هذه الفقرة (ج 4،(ص)241) ما هذا لفظه:
إذا الخالقية التي هي كماله هي القدرة على خلق كل ما علم أنّه أصلح، و نفس الخلق من آثار تلك الصفة الكمالية و لا يتوقف كماله عليه «انتهى» يعنى بذلك أن المراد بالخالقية ليس التي من الصفات الفعلية بل التي من الصفات الكمالية الذاتية و هي القدرة على الخلق لا عنوان الخالق فتبصر و قس عليه البرائية و ما ضاهاها.
(2) في العيون: و لا توقته.
(3) «: فى العيون: و لا تشمله.
(4) في العيون: و لا تقاربه.
(5) في العيون: فى صانعه.
(6) في العيون: فيه.
(7) في بعض النسخ: له.
(8) في التوحيد: و لا بدا له أن يبدو و في بعض النسخ «و ما لا بدء.» و هو الأظهر.
(9) التوحيد:(ص)15 العيون:(ص)150.
(10) الاحتجاج: باب احتجاج الرضا (عليه السلام)(ص)217.
45
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الطَّبَرِيِّ عَنِ الرِّضَا ع: مِثْلَهُ.
:- مَجَالِسُ الْمُفِيدِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ حَمْزَةَ مِثْلَهُ.
بيان قد مر شرح الخطبة في كتاب التوحيد و قد دلت على تنافي الحدوث أي المعلولية و الأزلية و تأويل الأزلية بوجوب الوجود مع بعده يجعل الكلام خاليا عن الفائدة و دلالة سائر الفقرات ظاهرة كما فصلناه سابقا و ظاهر أكثر الفقرات نفي الزمانية عنه سبحانه و كذا قوله(ع)إلا بالامتناع الأزلي أن يثنى يدل على امتناع تعدد القدماء و كذا الفقرة التالية لها.
18- التَّوْحِيدُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنِ الصَّفَّارِ وَ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وَ الْهَيْثَمِ بْنِ أَبِي مَسْرُوقٍ وَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ كُلِّهِمْ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْمِقْدَامِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ غَالِبٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فِي بَعْضِ خُطَبِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَانَ فِي أَزَلِيَّتِهِ (1) وَحْدَانِيّاً إِلَى قَوْلِهِ ابْتَدَأَ مَا ابْتَدَعَ وَ أَنْشَأَ مَا خَلَقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ كَانَ سَبَقَ لِشَيْءٍ مِمَّا خَلَقَ رَبُّنَا الْقَدِيمُ بِلُطْفِ رُبُوبِيَّتِهِ وَ بِعِلْمِ خُبْرِهِ فَتَقَ وَ بِإِحْكَامِ قُدْرَتِهِ خَلَقَ جَمِيعَ مَا خَلَقَ (2) الْخَبَرَ.
19- وَ مِنْهُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الدَّقَّاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيِّ عَنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَانَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ كَانَ لَمْ يُوجَدْ لِوَصْفِهِ كَانَ بَلْ كَانَ أَوَّلًا (3) كَائِناً لَمْ يُكَوِّنْهُ مُكَوِّنٌ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بَلْ كَوَّنَ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ كَوْنِهَا فَكَانَتْ كَمَا كَوَّنَهَا عَلِمَ مَا كَانَ وَ مَا هُوَ كَائِنٌ كَانَ إِذْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ وَ لَمْ يَنْطِقْ فِيهِ نَاطِقٌ فَكَانَ إِذْ لَا كَانَ (4).
____________
(1) في بعض النسخ: أوليته.
(2) التوحيد:(ص)20.
(3) في نسخة: أزلا.
(4) التوحيد:(ص)28. و قد مر مقطعا تحت الرقم 14.
46
20- وَ مِنْهُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ (1) بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ (2) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ الْعَمِّيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قَالَ فِي الرُّبُوبِيَّةِ الْعُظْمَى وَ الْإِلَهِيَّةِ الْكُبْرَى لَا يُكَوِّنُ الشَّيْءَ لَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا اللَّهُ وَ لَا يَنْقُلُ الشَّيْءَ مِنْ جَوْهَرِيَّتِهِ إِلَى جَوْهَرٍ آخَرَ إِلَّا اللَّهُ وَ لَا يَنْقُلُ الشَّيْءَ مِنَ الْوُجُودِ إِلَى الْعَدَمِ إِلَّا اللَّهُ (3).
21- وَ مِنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الطَّالَقَانِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَدَوِيِّ عَنِ الْهَيْثَمِ عَبْدِ اللَّهِ الرُّمَّانِيِّ عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)النَّاسَ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ وَ لَا مِنْ شَيْءٍ كَوَّنَ مَا كَانَ (4) مُسْتَشْهِدٌ بِحُدُوثِ الْأَشْيَاءِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ وَ بِفُطُورِهَا عَلَى قِدْمَتِهِ (5) الْخُطْبَةَ.
22- وَ مِنْهُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ (6) قَالَ: قُلْتُ أَ رَأَيْتَ مَا كَانَ وَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَ لَيْسَ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ فَقَالَ بَلَى قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ (7).
23- وَ مِنْهُ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ وَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ جَمِيعاً عَنْ صَفْوَانَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)هَلْ يَكُونُ الْيَوْمَ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ فِي عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ لَا بَلْ كَانَ فِي عِلْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُنْشِئَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ (8).
____________
(1) في المصدر: أحمد بن إدريس، و هو الصحيح.
(2) كذا في نسخ الكتاب و المصدر، لكن الظاهر أنّه مصحف «أحمد بن بشير» لرواية سهل بن زياد عنه.
(3) التوحيد:(ص)32.
(4) في المصدر: ما قد كان.
(5) التوحيد:(ص)33.
(6) في المصدر: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له.
(7) التوحيد: 85.
(8) التوحيد:(ص)85.
47
24- وَ مِنْهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ بَشَّارٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ (1) الْعَالِمُ بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ كَوْنِ الْأَشْيَاءِ إِلَى قَوْلِهِ فَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عِلْمُهُ سَابِقاً لِلْأَشْيَاءِ قَدِيماً قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهَا فَتَبَارَكَ رَبُّنَا وَ تَعَالَى عُلُوّاً كَبِيراً خَلَقَ الْأَشْيَاءَ وَ عِلْمُهُ بِهَا سَابِقٌ لَهَا كَمَا شَاءَ كَذَلِكَ لَمْ يَزَلْ رَبُّنَا عَلِيماً سَمِيعاً بَصِيراً (2).
25- وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ صَفْوَانَ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَ كَانَ يَعْلَمُ الْمَكَانَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْمَكَانَ أَمْ عَلِمَهُ عِنْدَ مَا خَلَقَهُ وَ بَعْدَ مَا خَلَقَهُ فَقَالَ تَعَالَى اللَّهُ بَلْ لَمْ يَزَلْ عَالِماً بِالْمَكَانِ قَبْلَ تَكْوِينِهِ كَعِلْمِهِ بِهِ بَعْدَ مَا كَوَّنَهُ وَ كَذَلِكَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ كَعِلْمِهِ بِالْمَكَانِ (3).
26- وَ مِنْهُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الدَّقَّاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبَرْمَكِيِّ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: قُلْتُ لِلرِّضَا(ع)إِنَّ قَوْماً يَقُولُونَ إِنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يَزَلْ عَالِماً بِعِلْمٍ وَ قَادِراً بِقُدْرَةٍ وَ حَيّاً بِحَيَاةٍ وَ قَدِيماً بِقِدَمٍ وَ سَمِيعاً بِسَمْعٍ وَ بَصِيراً بِبَصَرٍ فَقَالَ(ع)مَنْ قَالَ ذَلِكَ وَ دَانَ بِهِ فَقَدِ اتَّخَذَ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى وَ لَيْسَ مِنْ وَلَايَتِنَا عَلَى شَيْءٍ (4).
27- الْعُيُونُ، وَ التَّوْحِيدُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْفَقِيهِ الْقُمِّيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ النَّوْفَلِيَ (5) قَالَ: قَالَ عِمْرَانُ الصَّابِي لِلرِّضَا(ع)أَخْبِرْنِي
____________
(1) في المصدر: إن اللّه تعالى هو العالم.
(2) التوحيد: 86.
(3) التوحيد:(ص)86.
(4) التوحيد:(ص)88.
(5) هذا الاسم مشترك بين «الحسن بن محمّد بن سهل النوفليّ» الذي ضعفه النجاشيّ و بين الحسن بن محمّد بن الفضل بن يعقوب بن سعيد بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب،.
48
عَنِ الْكَائِنِ الْأَوَّلِ وَ عَمَّا خَلَقَ قَالَ(ع)سَأَلْتَ فَافْهَمْ أَمَّا الْوَاحِدُ فَلَمْ يَزَلْ وَاحِداً كَائِناً لَا شَيْءَ مَعَهُ بِلَا حُدُودٍ وَ لَا أَعْرَاضٍ وَ لَا يَزَالُ كَذَلِكَ ثُمَّ خَلَقَ خَلْقاً مُبْتَدِعاً مُخْتَلِفاً بِأَعْرَاضٍ وَ حُدُودٍ مُخْتَلِفَةٍ لَا فِي شَيْءٍ أَقَامَهُ وَ لَا فِي شَيْءٍ حَدَّهُ وَ لَا عَلَى شَيْءٍ حَذَاهُ (1) وَ مَثَّلَهُ (2) لَهُ فَجَعَلَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ الْخَلْقِ صَفْوَةً وَ غَيْرَ صَفْوَةٍ وَ اخْتِلَافاً وَ ائْتِلَافاً وَ أَلْوَاناً وَ ذَوْقاً وَ طَعْماً لَا لِحَاجَةٍ كَانَتْ مِنْهُ إِلَى ذَلِكَ وَ لَا لِفَضْلِ مَنْزِلَةٍ لَمْ يَبْلُغْهَا إِلَّا بِهِ وَ لَا رَأَى لِنَفْسِهِ فِيمَا خَلَقَ زِيَادَةً وَ لَا نَقْصاً (3) تَعْقِلُ هَذَا يَا عِمْرَانُ قَالَ نَعَمْ وَ اللَّهِ يَا سَيِّدِي قَالَ(ع)وَ اعْلَمْ يَا عِمْرَانُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ خَلَقَ مَا خَلَقَ لِحَاجَةٍ لَمْ يَخْلُقْ إِلَّا مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى حَاجَتِهِ وَ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَخْلُقَ أَضْعَافَ مَا خَلَقَ لِأَنَّ الْأَعْوَانَ كُلَّمَا كَثُرُوا كَانَ صَاحِبُهُمْ أَقْوَى وَ الْحَاجَةُ يَا عِمْرَانُ لَا تَسَعُهَا (4) لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ مِنَ الْخَلْقِ شَيْئاً إِلَّا حَدَثَتْ فِيهِ (5) حَاجَةٌ أُخْرَى وَ لِذَلِكَ أَقُولُ
____________
الثقة الجليل، و للعلامة البهبهانى كلام في تنقيح المقال (ج 1(ص)308) حاصله: أن الظاهر اتّحاد الحسن بن محمّد بن الفضل النوفليّ المذكور مع الحسين بن محمّد بن الفضل النوفليّ و أن الصحيح هو الحسن مكبرا و الشاهد عليه تصريح النجاشيّ بأن الحسن بن محمّد بن الفضل روى عن الرضا (عليه السلام) نسخة و بأن الحسين بن محمّد بن الفضل صنف مجالس الرضا (عليه السلام) مع أهل الأديان. و كذا الظاهر اتّحاد الحسن بن محمّد بن الفضل مع الحسن بن محمّد بن سهل النوفليّ و أن «سهل» مصحف «سعيد» أو اسم جده الآتي و الشاهد عليه رواية الحسن بن محمّد ابن جمهور العمى مجالس الرضا (عليه السلام) عنهما (انتهى) لكن يحتمل كون الحسين أخا الحسن لعدم تصريح النجاشيّ بكون الحسن مصنف الكتاب بل قال، روى عن الرضا (عليه السلام).
نسخة و أمّا احتمال اتّحاد الحسن بن محمّد بن الفضل مع الحسن بن محمّد بن سهل فقوى جدا و الظاهر أن الراوي عن الحسن بن محمّد النوفليّ في هذه الرواية هو الحسن بن محمّد بن جمهور العمى.
(1) في بعض النسخ: حاذاء.
(2) في التوحيد: مثله.
(3) في التوحيد: و لا نقصانا.
(4) في نسخة: لا يسعها.
(5) منه (خ ل).
49
لَمْ يَخْلُقِ الْخَلْقَ لِحَاجَةٍ وَ لَكِنْ نَقَّلَ بِالْخَلْقِ بِالْحَوَائِجِ بَعْضَهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِلَا حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَى مَنْ فَضَّلَ وَ لَا نَقِمَةٍ مِنْهُ عَلَى مَنْ أَذَلَّ فَلِهَذَا خَلَقَ (1) قَالَ عِمْرَانُ يَا سَيِّدِي أَ لَا تُخْبِرُنِي عَنْ حُدُودِ خَلْقِهِ كَيْفَ هِيَ وَ مَا مَعَانِيهَا وَ عَلَى كَمْ نَوْعٍ تَكُونُ (2) قَالَ قَدْ سَأَلْتَ فَافْهَمْ إِنَّ حُدُودَ خَلْقِهِ عَلَى سِتَّةِ أَنْوَاعٍ مَلْمُوسٍ وَ مَوْزُونٍ وَ مَنْظُورٍ إِلَيْهِ وَ مَا لَا وَزْنَ لَهُ وَ مَا لَا ذَوْقَ (3) لَهُ وَ هُوَ الرُّوحُ وَ مِنْهَا مَنْظُورٌ إِلَيْهِ وَ لَيْسَ لَهُ وَزْنٌ وَ لَا لَمْسٌ وَ لَا حِسٌّ وَ لَا لَوْنٌ (4) وَ التَّقْدِيرُ وَ الْأَعْرَاضُ وَ الصُّوَرُ وَ الطُّولُ وَ الْعَرْضُ وَ مِنْهَا الْعَمَلُ وَ الْحَرَكَاتُ الَّتِي تَصْنَعُ (5) الْأَشْيَاءَ وَ تَعْمَلُهَا وَ تُغَيِّرُهَا مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَ تَزِيدُهَا وَ تَنْقُصُهَا وَ أَمَّا الْأَعْمَالُ وَ الْحَرَكَاتُ فَإِنَّهَا تَنْطَلِقُ لِأَنَّهُ (6) لَا وَقْتَ لَهَا أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الشَّيْءِ انْطَلَقَ بِالْحَرَكَةِ وَ بَقِيَ الْأَثَرُ وَ يَجْرِي مَجْرَى الْكَلَامِ الَّذِي يَذْهَبُ وَ يَبْقَى أَثَرُهُ قَالَ لَهُ عِمْرَانُ يَا سَيِّدِي أَ لَا تُخْبِرُنِي عَنِ الْخَالِقِ إِذَا كَانَ وَاحِداً لَا شَيْءَ غَيْرُهُ وَ لَا شَيْءَ مَعَهُ أَ لَيْسَ قَدْ تَغَيَّرَ بِخَلْقِهِ الْخَلْقَ قَالَ لَهُ الرِّضَا(ع)لَمْ يَتَغَيَّرْ عَزَّ وَ جَلَّ بِخَلْقِ الْخَلْقِ وَ لَكِنَّ الْخَلْقَ يَتَغَيَّرُ بِتَغْيِيرِهِ (7) قَالَ عِمْرَانُ يَا سَيِّدِي أَ لَا تُخْبِرُنِي عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ هَلْ يُوَحَّدُ بِحَقِيقَةٍ أَوْ يُوَحَّدُ بِوَصْفٍ قَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ الْمُبْدِئَ الْوَاحِدَ الْكَائِنَ الْأَوَّلَ لَمْ يَزَلْ وَاحِداً لَا شَيْءَ مَعَهُ فَرْداً لَا ثَانِيَ مَعَهُ لَا مَعْلُوماً وَ لَا مَجْهُولًا وَ لَا مُحْكَماً وَ لَا مُتَشَابِهاً وَ لَا
____________
(1) من هنا اسقط شطر من الحديث.
(2) في المصدر: يتكون.
(3) في نسخة «لا لون له» و هو الأظهر.
(4) في التوحيد: و لا لون و لا ذوق.
(5) في نسخة: فيها الأشياء.
(6) في التوحيد: لانها.
(7) قد اسقط هنا أيضا شطر من الحديث.
50
مَذْكُوراً وَ لَا مَنْسِيّاً وَ لَا شَيْئاً يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ (1) وَ لَا مِنْ وَقْتٍ كَانَ وَ لَا إِلَى وَقْتٍ يَكُونُ وَ لَا بِشَيْءٍ قَامَ وَ لَا إِلَى شَيْءٍ يَقُومُ وَ لَا إِلَى شَيْءٍ اسْتَنَدَ وَ لَا فِي شَيْءٍ اسْتَكَنَّ وَ ذَلِكَ كُلُّهُ قَبْلَ الْخَلْقِ إِذْ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ وَ مَا أَوْقَعَتْ (2) عَلَيْهِ مِنَ الْكُلِّ فَهِيَ صِفَاتٌ مُحْدَثَةٌ وَ تَرْجَمَةٌ يَفْهَمُ بِهَا مَنْ فَهِمَ وَ اعْلَمْ أَنَّ الْإِبْدَاعَ وَ الْمَشِيَّةَ وَ الْإِرَادَةَ مَعْنَاهَا وَاحِدٌ وَ أَسْمَاؤُهَا ثَلَاثَةٌ وَ كَانَ أَوَّلُ إِبْدَاعِهِ وَ إِرَادَتِهِ وَ مَشِيَّتِهِ الْحُرُوفَ الَّتِي جَعَلَهَا أَصْلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَ دَلِيلًا عَلَى كُلِّ مُدْرَكٍ وَ فَاصِلًا لِكُلِّ مُشْكِلٍ وَ بِتِلْكَ الْحُرُوفِ تَفْرِيقُ (3) كُلِّ شَيْءٍ مِنِ اسْمِ حَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ مَفْعُولٍ أَوْ مَعْنًى أَوْ غَيْرِ مَعْنًى وَ عَلَيْهَا اجْتَمَعَتِ الْأُمُورُ كُلُّهَا وَ لَمْ يَجْعَلْ لِلْحُرُوفِ فِي إِبْدَاعِهِ لَهَا مَعْنًى أَوْ غَيْرَ مَعْنًى وَ عَلَيْهَا اجْتَمَعَتِ الْأُمُورُ كُلُّهَا وَ لَمْ يَجْعَلْ لِلْحُرُوفِ فِي إِبْدَاعِهِ لَهَا مَعْنًى غَيْرَ أَنْفُسِهَا بِتَنَاهٍ (4) وَ لَا وُجُودَ لَهَا لِأَنَّهَا مُبْدَعَةٌ بِالْإِبْدَاعِ وَ النُّورُ فِي هَذَا الْوَضْعِ (5) أَوَّلُ فِعْلِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْحُرُوفُ هِيَ الْمَفْعُولُ بِذَلِكَ الْفِعْلِ وَ هِيَ الْحُرُوفُ الَّتِي عَلَيْهَا الْكَلَامُ وَ الْعِبَارَاتُ كُلُّهَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَّمَهَا خَلْقَهُ وَ هِيَ ثَلَاثَةٌ وَ ثَلَاثُونَ حَرْفاً فَمِنْهَا ثَمَانِيَةٌ وَ عِشْرُونَ حَرْفاً تَدُلُّ عَلَى اللُّغَاتِ الْعَرَبِيَّةِ وَ مِنَ الثَّمَانِيَةِ وَ الْعِشْرِينَ اثْنَانِ وَ عِشْرُونَ حَرْفاً تَدُلُّ عَلَى اللُّغَاتِ السُّرْيَانِيَّةِ وَ الْعِبْرَانِيَّةِ وَ مِنْهَا خَمْسَةُ أَحْرُفٍ مُتَحَرِّفَةٌ فِي سَائِرِ اللُّغَاتِ مِنَ الْعَجَمِ لِأَقَالِيمِ (6) اللُّغَاتِ كُلِّهَا وَ هِيَ خَمْسَةُ أَحْرُفٍ تَحَرَّفَتْ مِنَ الثَّمَانِيَةِ وَ الْعِشْرِينَ الْحُرُوفِ مِنَ اللُّغَاتِ فَصَارَتِ الْحُرُوفُ ثَلَاثَةً وَ ثَلَاثِينَ حَرْفاً فَأَمَّا الْخَمْسَةُ الْمُخْتَلِفَةُ فَبِحُجَجٍ (7) لَا يَجُوزُ ذِكْرُهَا أَكْثَرَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ ثُمَّ جَعَلَ الْحُرُوفَ
____________
(1) في التوحيد: من الأشياء غيره.
(2) في التوحيد: و ما اوقع عليه من المثل.
(3) في نسخة: تفرق.
(4) في المصدرين: يتناهى.
(5) في بعض النسخ و كذا في التوحيد «الموضع».
(6) في العيون: و الأقاليم و اللغات.
(7) النسخ هاهنا في غاية الاختلاف و سيأتي الإشارة إليه من العلامة المؤلّف- (رحمه اللّه).
51
بَعْدَ إِحْصَائِهَا وَ إِحْكَامِ عِدَّتِهَا فِعْلًا مِنْهُ كَقَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ كُنْ فَيَكُونُ وَ كُنْ مِنْهُ صُنْعٌ وَ مَا يَكُونُ بِهِ الْمَصْنُوعُ فَالْخَلْقُ الْأَوَّلُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الْإِبْدَاعُ لَا وَزْنَ لَهُ وَ لَا حَرَكَةَ وَ لَا سَمْعَ وَ لَا لَوْنَ وَ لَا حِسَّ وَ الْخَلْقُ الثَّانِي الْحُرُوفُ لَا وَزْنَ لَهَا وَ لَا لَوْنَ وَ هِيَ مَسْمُوعَةٌ مَوْصُوفَةٌ (1) غَيْرُ مَنْظُورٍ إِلَيْهَا وَ الْخَلْقُ الثَّالِثُ مَا كَانَ مِنَ الْأَنْوَاعِ كُلِّهَا مَحْسُوساً مَلْمُوساً ذَا ذَوْقٍ مَنْظُوراً إِلَيْهِ وَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى سَابِقٌ لِلْإِبْدَاعِ لِأَنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ عَزَّ وَ جَلَّ شَيْءٌ وَ لَا كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ وَ الْإِبْدَاعُ سَابِقٌ لِلْحُرُوفِ وَ الْحُرُوفُ لَا تَدُلُّ عَلَى غَيْرِ أَنْفُسِهَا (2) قَالَ الْمَأْمُونُ وَ كَيْفَ لَا تَدُلُّ عَلَى غَيْرِ أَنْفُسِهَا (3) قَالَ الرِّضَا(ع)لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يَجْمَعُ مِنْهَا شَيْئاً لِغَيْرِ مَعْنًى أَبَداً فَإِذَا أَلَّفَ مِنْهَا أَحْرُفاً أَرْبَعَةً أَوْ خَمْسَةً أَوْ سِتَّةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ لَمْ يُؤَلِّفْهَا لِغَيْرِ (4) مَعْنًى وَ لَمْ يَكُ (5) إِلَّا لِمَعْنًى مُحْدَثٍ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْئاً قَالَ عِمْرَانُ فَكَيْفَ لَنَا مَعْرِفَةُ ذَلِكَ قَالَ الرِّضَا(ع)أَمَّا الْمَعْرِفَةُ فَوَجْهُ ذَلِكَ وَ بَيَانُهُ (6) أَنَّكَ تَذْكُرُ الْحُرُوفَ إِذَا لَمْ تُرِدْ بِهَا غَيْرَ نَفْسِهَا ذَكَرْتَهَا فَرْداً فَقُلْتَ أ ب ت ث ج ح خ حَتَّى تَأْتِيَ عَلَى آخِرِهَا فَلَمْ تَجِدْ لَهَا مَعْنًى غَيْرَ أَنْفُسِهَا فَإِذَا أَلَّفْتَهَا وَ جَمَعْتَ مِنْهَا أَحْرُفاً وَ جَعَلْتَهَا اسْماً وَ صِفَةً لِمَعْنَى مَا طَلَبْتَ وَ وَجْهِ مَا عَنَيْتَ كَانَتْ دَلِيلَةً عَلَى مَعَانِيهَا دَاعِيَةً إِلَى الْمَوْصُوفِ بِهَا أَ فَهِمْتَهُ قَالَ نَعَمْ ثُمَّ قَالَ يَا سَيِّدِي أَ لَا تُخْبِرُنِي عَنِ الْإِبْدَاعِ أَ خَلْقٌ هُوَ أَمْ غَيْرُ خَلْقٍ قَالَ الرِّضَا(ع)بَلْ خَلْقٌ سَاكِنٌ لَا يُدْرَكُ بِالسُّكُونِ وَ إِنَّمَا صَارَ خَلْقاً لِأَنَّهُ شَيْءٌ مُحْدَثٌ وَ اللَّهُ الَّذِي أَحْدَثَهُ فَصَارَ
____________
(1) في التوحيد: موضوعة.
(2) نفسها (خ ل).
(3) نفسها (خ ل).
(4) في العيون: بغير.
(5) في بعض النسخ: و لم تكن.
(6) في بعض النسخ: بابه.
52
خَلْقاً لَهُ وَ إِنَّمَا هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ خَلْقُهُ لَا ثَالِثَ بَيْنَهُمَا وَ لَا ثَالِثَ غَيْرُهُمَا فَمَا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يَعْدُ أَنْ يَكُونَ خَلْقَهُ وَ قَدْ يَكُونُ الْخَلْقُ سَاكِناً وَ مُتَحَرِّكاً وَ مُخْتَلِفاً وَ مُؤْتَلِفاً وَ مَعْلُوماً وَ مُتَشَابِهاً وَ كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ حَدٌّ فَهُوَ خَلْقُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا أَوْجَدَتْكَ الْحَوَاسُّ فَهُوَ مَعْنًى مُدْرَكٌ لِلْحَوَاسِّ وَ كُلَّ حَاسَّةٍ تَدُلُّ عَلَى مَا جَعَلَ (1) اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهَا فِي إِدْرَاكِهَا وَ الْفَهْمَ مِنَ الْقَلْبِ بِجَمِيعِ ذَلِكَ كُلِّهِ وَ اعْلَمْ أَنَّ الْوَاحِدَ الَّذِي هُوَ قَائِمٌ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ وَ لَا تَحْدِيدٍ خَلَقَ خَلْقاً مُقَدَّراً بِتَحْدِيدٍ وَ تَقْدِيرٍ وَ كَانَ الَّذِي خَلَقَ خَلْقَيْنِ اثْنَيْنِ التَّقْدِيرَ وَ الْمُقَدَّرَ وَ لَيْسَ فِي (2) وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْنٌ وَ لَا وَزْنٌ وَ لَا ذَوْقٌ فَجَعَلَ أَحَدَهُمَا يُدْرَكُ بِالْآخَرِ وَ جَعَلَهُمَا مُدْرَكَيْنِ بِنَفْسِهِمَا وَ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئاً فَرْداً قَائِماً بِنَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ لِلَّذِي أَرَادَ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى نَفْسِهِ وَ إِثْبَاتِ وُجُودِهِ فَاللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فَرْدٌ وَاحِدٌ لَا ثَانِيَ مَعَهُ يُقِيمُهُ وَ لَا يَعْضُدُهُ وَ لَا يَكُنُّهُ (3) وَ الْخَلْقُ يُمْسِكُ بَعْضُهُ بَعْضاً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ مَشِيَّتِهِ وَ إِنَّمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا الْبَابِ حَتَّى تَاهُوا وَ تَحَيَّرُوا وَ طَلَبُوا الْخَلَاصَ مِنَ الظُّلْمَةِ بِالظُّلْمَةِ فِي وَصْفِهِمُ اللَّهَ بِصِفَةِ أَنْفُسِهِمْ فَازْدَادُوا مِنَ الْحَقِّ بُعْداً وَ لَوْ وَصَفُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بِصِفَاتِهِ وَ وَصَفُوا الْمَخْلُوقِينَ بِصِفَاتِهِمْ لَقَالُوا بِالْفَهْمِ وَ الْيَقِينِ وَ لَمَا اخْتَلَفُوا فَلَمَّا طَلَبُوا مِنْ ذَلِكَ مَا تَحَيَّرُوا فِيهِ ارْتَبَكُوا وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَمَامَ الْخَبَرِ.
بيان لا في شيء أقامه (5) أي في مادة قديمة كما زعمته الفلاسفة و مثله
____________
(1) في بعض النسخ: خلق.
(2) في العيون: فى كل واحد.
(3) في التوحيد: و لا يمسكه.
(4) التوحيد:(ص)318. العيون، ج 1،(ص)169.
(5) ظاهر كلامه (عليه السلام) أن اللّه تعالى حين خلق المخلوق الأول لم يقمه في شيء أى لم يجعله في مكان و لا موضوع و لا محل، لانه لم يكن عندئذ شيء آخر حتّى يقوم فيه، و يلزم من ذلك أن لا يكون المخلوق الأول أمرا ماديا، و إلّا لاحتاج إلى مكان أو محل لا محالة. و أما حديث قدم المادة فقد مر منا أنّها ليست أمرا متحصلا حتّى يقال: هل هي قديمة أو حادثة زمانا؟ و تحصلها إنّما يكون بالصور، و الصور الجسمانية حادثة زمانا عند الكل الا الصور الفلكية، فانها على فرض وجودها غير حادثة زمانا عند بعض الفلاسفة فتدبر.
53
له أي مثل أولا ذلك الشيء للشيء الكائن ثم خلق الكائن على حذوه كما هو شأن المخلوقين و يحتمل أن يكون ضمير له راجعا إلى الصانع تعالى و الحاجة يا عمران لا يسعها أي لا يسع خلق الحاجة و لا يدفعها لأن كل من خلق لو كان على وجه الاحتجاج لكان يحتاج لحفظه و تربيته و رزقه و دفع الشرور عنه إلى أضعافه و هكذا على ستة أنواع لعل الأول ما يكون ملموسا و موزونا و منظورا إليه.
و الثاني ما لا تكون له تلك الأوصاف كالروح و إنما عبر عنه بما لا ذوق له اكتفاء ببعض صفاته و في بعض النسخ و ما لا لون له و هو الروح و هو أظهر للمقابلة. و الثالث ما يكون منظورا إليه و لا يكون ملموسا و لا محسوسا و لا موزونا و لا لون له كالهواء و السماء فالمراد بكونه منظورا إليه أنه يظهر للنظر بآثاره و قد يرى و لا لون له بالذات أو يراد به الجن و الملك و أشباههما و الظاهر أن قوله و لا لون زيد من النساخ. و الرابع التقدير و يدخل فيه الصور و الطول و العرض.
و الخامس الأعراض القارة المدركة بالحواس كاللون و الضوء و هو الذي عبر عنه بالأعراض. و السادس الأعراض غير القارة كالأعمال و الحركات التي تذهب هي و تبقى آثارها و يمكن تصوير التقسيم بوجوه أخر تركناها لمن تفكر فيه.
هل يوحد بحقيقة بالحاء المهملة المشددة أي هل يتأتى توحيده مع تعقل كنه حقيقته أو إنما (1) يوحد مع تعقله بوجه من وجوهه و صفة من صفاته و في بعض النسخ بالجيم من الوجدان أي يعرف و هو أظهر فأجاب(ع)بأنه سبحانه يعرف بالوجوه التي هي محدثة في أذهاننا و هي مغايرة لحقيقته تعالى و ما ذكره أولا لبيان أنه قديم أزلي و القديم يخالف المحدثات في الحقيقة و كل شيء غيره فهو حادث و قوله(ع)لا معلوما تفصيل و تعميم للثاني أي ليس معه غيره لا معلوم و لا مجهول و المراد بالمحكم ما يعلم حقيقته و بالمتشابه ضده و يحتمل أن يكون إشارة إلى نفي قول من قال بقدم القرآن فإن المحكم و المتشابه
____________
(1) في بعض النسخ: و إنّما.
54
يطلق (1) على آياته و لم يجعل للحروف في إبداعه لها معنى أي إنما خلق الحروف المفردة التي ليس لها موضوع غير أنفسها و لم يجعل لها وضعا و لا معنى ينتهي إليه و يوجد و يعرف بذلك الحرف و يحتمل أن يكون المراد بالمعنى الصفة أي أول ما خلقها كان غير موصوف بمعنى و صفة ينتهي إليها و يوجد لأنها كانت مبدعة بمحض الإبداع و لم يكن هناك شيء غير الإبداع و الحروف حتى يكون معنى للحروف أو صفة لها و المراد بالنور الوجود إذ به تظهر الأشياء كما تظهر الموجودات للحس بالنور و الإبداع هو الإيجاد و بالإيجاد تصير الأشياء موجودة فالإبداع هو التأثير و الحروف هي الأثر موجودة بالتأثير و بعبارة أخرى الحروف محل التأثير و عبر عنه بالمفعول و الفعل و الأثر هو الوجود.
فأما الخمسة المختلفة فبحجج كذا في أكثر النسخ أي إنما حدثت بأسباب و علل من انحراف لهجات الخلق و اختلاف منطقهم لا ينبغي ذكرها و في بعضها فبحح بالحاءين من البحة و هي الغلظة في الصوت و الأظهر أنه(ع)ذكر تلك الحروف فاشتبه على الرواة و صحفوها فالخمسة الگاف في قولهم بگو أي تكلم و الچيم المنقوطة بثلاث نقاط كما في قولهم چه ميگوئى و الژاء في قولهم ژاله و الپاء في قولهم پياده و پياله و التاء في الهندية ثم ركب الحروف و أوجد الأشياء (2) و جعلها فعلا منه كما قال إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فكن صنع و إيجاد للأشياء و ما يوجد به هو المصنوع فأول صادر عنه تعالى هو الإيجاد و هو معنى لا وزن له و لا حركة و ليس بمسموع و لا ملون و لا محسوس و الخلق الثاني يعني الحروف غير موزون و لا ملون لكنها مسموعة موصوفة و لا يمكن إبصارها و الخلق الثالث و هو ما وجد بهذه الحروف من السماوات و الأرضين و غيرهما هي محسوسة ملموسة مذوقة مبصرة فالله مقدم بوجوده
____________
(1) في بعض النسخ: يطلقان.
(2) في نسخة: بها الأشياء.
55
على الإبداع الذي هو الخلق الأول لأنه ليس شيء قبله حتى يسبقه أيضا إبداع و لا كان شيء دائما معه و الإبداع متقدم على الحروف لوجودها به و معنى كون الحروف غير دالة على معنى غير نفسها هو أن الحروف المفردة إنما وضعت للتركيب و ليس لها معنى تدل عليه إلا بعد التركيب قوله(ع)بل خلق ساكن أي نسبة و إضافة بين العلة و المعلول فكأنه ساكن فيهما أو عرض قائم بمحل لا يمكنه مفارقته و قوله لا يدركه بالسكون أي أمر إضافي اعتباري ينتزعه العقل و لا يشار إليه في الخارج و لا يدرك بالحواس و إن كان ما يتعلق به من المحسوسات و إنما قلنا إنه خلق لأن هذه النسبة و التأثير غيره تعالى و هو محدث و لا يمكن نفي الوجود عنه رأسا لأنه شيء حادث بعد أن لم يكن فله خروج عن كتم العدم و دخول في نحو من أنحاء الوجود و كل محدث معلول فلا يتوهم أنه خلق يحتاج إلى تأثير آخر و هكذا حتى يلزم التسلسل بل ليس في الحقيقة إلا الرب و مخلوقه الذي أوجده و الإيجاد معنى صار سببا لوجود المعلول بتأثيره تعالى فكل شيء خلقه الله لم يعد و لم يتجاوز أن يصدق عليه إن الله خلقه فهذا هو معنى الإبداع لا غير و هذا المعنى يقع عليه حد و كل ما يقع عليه حد فهو خلق الله أو يقال أشار بقوله و الله الذي أحدثه إلى رفع توهم أنه مع كونه موجودا حادثا لا يجوز أن يستند إليه تعالى لأنه حينئذ يجب أن يتعلق به إبداع آخر و هكذا إلى غير نهاية و استناد كل من هذه السلسلة موقوف على استناد سابقة فلا يحصل إلا بعد تحقق الأمور الغير المتناهية و هو محال فكذا الموقوف عليه فأثبت(ع)أولا استناده إليه تعالى من جهة أن الحادث بتبعية حادث آخر في مرتبته من محدث لا يتصور أن يكون مستندا إلى غيره ثم أيده ثانيا بنفي ثالث بينهما صالح لأن يستند إليه كما هو المفروض ثم أكده ثالثا بنفي ثالث صالح لذلك مطلقا بناء على أن الكلام في مطلق الإبداع و من أفراده الإبداع الأول الذي لا يتصور تقدم شيء عليه سوى الله تعالى فسائر
57
إلا محسوسا و كل محسوس يكون محدودا و المعنى أنه أراد أن يكون محدودا ليدل بكونه على هذه الحالة على إمكانه و افتقاره إلى الصانع فيكون بوجوده بنفسه دالا على الصانع لا باعتبار مدلوله و يحتمل أن يكون المراد بالتقدير أولا الإبداع أيضا و المحدث إنما يدرك و يظهر بالإبداع و في كل خلق يحدث شيئان مبدع و إبداع متعلق به لكن في تطبيق ما بعده عليه يحتاج إلى نوع عناية تظهر بالتأمل الصادق و قد سبق الخبر بتمامه مع شرحه في المجلد الرابع و إنما أوردنا هنا ما يناسب المقام.
28- الْعُيُونُ، وَ التَّوْحِيدُ، بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّوْفَلِيِ فِي خَبَرٍ طَوِيلٍ يَذْكُرُ فِيهِ مُنَاظَرَةَ الرِّضَا(ع)مَعَ سُلَيْمَانَ الْمَرْوَزِيِّ قَالَ سُلَيْمَانُ فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُرِيداً قَالَ(ع)يَا سُلَيْمَانُ فَإِرَادَتُهُ غَيْرُهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَقَدْ أَثْبَتَّ مَعَهُ شَيْئاً غَيْرَهُ لَمْ يَزَلْ قَالَ سُلَيْمَانُ مَا أَثْبَتُّ فَقَالَ(ع)هِيَ مُحْدَثَةٌ يَا سُلَيْمَانُ فَإِنَّ الشَّيْءَ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَزَلِيّاً كَانَ مُحْدَثاً وَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُحْدَثاً كَانَ أَزَلِيّاً وَ جَرَى الْمُنَاظَرَةُ إِلَى أَنْ قَالَ(ع)أَ لَا تُخْبِرُنِي عَنِ الْإِرَادَةِ فِعْلٌ هِيَ أَمْ غَيْرُ فِعْلٍ قَالَ بَلْ هِيَ فِعْلٌ قَالَ فَهِيَ مُحْدَثَةٌ لِأَنَّ الْفِعْلَ كُلَّهُ مُحْدَثٌ قَالَ لَيْسَتْ بِفِعْلٍ قَالَ فَمَعَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَزَلْ قَالَ سُلَيْمَانُ إِنَّهَا مَصْنُوعَةٌ قَالَ فَهِيَ مُحْدَثَةٌ وَ سَاقَ الْكَلَامَ إِلَى أَنْ قَالَ قَالَ سُلَيْمَانُ إِنَّمَا عَنَيْتُ أَنَّهَا فِعْلٌ مِنَ اللَّهِ لَمْ يَزَلْ قَالَ(ع)أَ لَا تَعْلَمُ أَنَّ مَا لَمْ يَزَلْ لَا يَكُونُ مَفْعُولًا وَ قَدِيماً حَدِيثاً فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَمْ يُحِرْ جَوَاباً ثُمَّ أَعَادَ الْكَلَامَ إِلَى أَنْ قَالَ(ع)إِنَّ مَا لَمْ يَزَلْ لَا يَكُونُ مَفْعُولًا قَالَ سُلَيْمَانُ لَيْسَ الْأَشْيَاءُ إِرَادَةً وَ لَمْ يُرِدْ شَيْئاً قَالَ(ع)وُسْوِسْتَ يَا سُلَيْمَانُ فَقَدْ فَعَلَ وَ خَلَقَ مَا لَمْ يُرِدْ خَلْقَهُ وَ فِعْلَهُ وَ هَذِهِ صِفَةُ مَا لَا يَدْرِي مَا فَعَلَ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ أَعَادَ الْكَلَامَ إِلَى أَنْ قَالَ(ع)فَالْإِرَادَةُ مُحْدَثَةٌ وَ إِلَّا فَمَعَهُ غَيْرُهُ (1).
الإحتجاج، مرسلا مثله (2)
____________
(1) العيون: ج 1،(ص)183. التوحيد:(ص)323.
(2) الاحتجاج:(ص)218.
58
حكم(ع)في هذا الخبر مرارا بأنه لا يكون قديم سوى الله و أنه لا يعقل التأثير بالإرادة و الاختيار في شيء لم يزل معه (1).
29- الْعُيُونُ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْهَاشِمِيِّ عَنْ فُرَاتِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْكُوفِيِ (2) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْهَمْدَانِيِّ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ صَالِحٍ الْهَرَوِيِّ عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَرْوَاحُنَا فَأَنْطَقَهَا بِتَوْحِيدِهِ وَ تَحْمِيدِهِ ثُمَّ خَلَقَ الْمَلَائِكَةَ (3) الْخَبَرَ.
30- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ (4) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ
____________
(1) يستفاد من الرواية كون الإرادة صفة حادثة فعلية لا أزلية ذاتية، كما يستفاد من أمثالها من الروايات التي وردت في باب المشية و الإرادة، و قد مر نظيرتها تحت الرقم- 12 من هذا الباب و أوضحناها بما كان يقتضيه المقام و بناء على هذا فذات البارئ من حيث هى لا تتصف بالمشية و الإرادة بل ينتزع من أفعاله عنوان المراد لها و المريد لفاعلها فتأثيره تعالى في الموجودات ليس بحدوث إرادة في ذاته فضلا عن كونها سابقة على الفعل و كون الفعل متأخرا عنها زمانا. و ان اطلقت هنالك إرادة كانت لا محالة بمعنى العلم بالاصلح و هو مقدم على كافة الافعال كتقدم ذاته سبحانه عليها و قد بينا في ما مضى أن تقدم البارئ على الممكنات ليس من قبيل تقدم الزمانيات بعضها على بعض. و أمّا استحالة قدم ما سوى اللّه فقد مر الكلام فيه و سيأتي أيضا بوجه أبسط و اللّه الهادى.
(2) في المصدر: فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفيّ. و هو من مشايخ الشيخ أبى الحسن على بن بابويه، و قد أكثر الصدوق- ره- في كتبه الرواية عنه بواسطة الحسن بن محمّد بن سعيد الهاشمى و هو يروى عن الحسن بن سعيد غالبا، و يروى عن محمّد بن أحمد بن على الهمدانيّ أيضا.
و لفرات تفسير بلسان الاخبار جلها في شأن الأئمّة الاطهار، يعد في عداد تفسيرى العيّاشيّ و على بن إبراهيم القمّيّ و ظاهر صاحب الوسائل و العلّامة المجلسيّ- ره- اعتمادهما عليه، كما أن ذلك ظاهر الصدوق و غيره.
(3) العيون: ج 1،(ص)262.
(4) في المصدر: عنه عن عبد اللّه بن سنان، و الضمير راجع إلى ابن محبوب بدليل الرواية السابقة عليها و هو الحسن بن محبوب الثقة الجليل. و أمّا على نسخ البحار، فان كان.
56
أفراده كذلك لعدم الفرق ضرورة ثم أوثقه رابعا بدفع توهم بعيد هو أن يكون مستندا إليه و لا يكون مخلوقا له بالإشارة إلى أن الاستناد و كل ما يعبر به عن هذا المعنى يرجع إلى معنى الخلق فلا يمكن أن يكون خلقه فتجاوز عن كونه مخلوقا له ثم أحكمه خامسا بدفع شبهة لزوم التسلسل بالفرق بين حقائق الموجودات و تفاوت مراتبها في المقتضيات و عدم جواز قياس بعضها على بعض في جميع الحالات ليسهل به التصديق بجواز أن يكون حكم الموجودات الرابطية مخالفا لحكم الموجودات الحقيقية فلا يلزم من ثبوت إبداع لها ثبوته للرابطية أيضا كما اشتهر أن الإرادة ليس لها إرادة أخرى فلا يلزم التسلسل و يمكن أن يحمل على الإشارة إلى دفع مثل هذا التسلسل باعتبار الفرق المذكور
- مَا رُوِيَ فِي الْكَافِي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْمَشِيَّةَ بِنَفْسِهَا ثُمَّ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِالْمَشِيَّةِ (1).
ثم أفاد(ع)سادسا ضابطة و علامة لمعرفة خلقه تعالى تتميما للمقصود و تأكيدا لصحته بأن كل ما لوجوده حد لم يكن قبله موجودا فلا بد له من أن يكون مخلوقا له تعالى لثبوت الإمكان و لزوم الاحتياج.
قوله(ع)و كان الذي خلق خلقين اثنين لعله إشارة إلى الخلق الأول و هي الحروف ففي خلقتها يخلق شيئان حرف و تحديد و تقدير قائم به و ليس شيء من الحروف و العرض القائم به ذا لون و وزن و ذوق و جعل أحدهما يدرك بالآخر أي الحروف تعرف بالحدود القائمة بها فيعرف بأنه شيء محدود و المعنى أنه لو لم يكن محدودا لم يكن مدركا بالحواس و جعل الحرف و حده كليهما مدركين بنفسهما لا بآثارهما فإن الأمور المحسوسة إنما تدرك بأنفسها لا بآثارها و لم يخلق شيئا فردا عن الحدود و التقديرات قائما بنفسه دون غيره أي من غير أن يخلق معه غيره كالحدود لأنه أراد أن يكون حروفا و أصواتا دالة على نفسه و إثبات وجوده و ما يكون دالا على المعاني هاديا للناس إلى المعرفة لا يكون
____________
(1) أصول الكافي: 1(ص)110.
59
قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَيْرَ يَوْمَ الْأَحَدِ وَ مَا كَانَ لِيَخْلُقَ الشَّرَّ قَبْلَ الْخَيْرِ وَ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ وَ الْإِثْنَيْنِ خَلَقَ الْأَرَضِينَ وَ خَلَقَ أَقْوَاتَهَا فِي يَوْمِ الثَّلَاثَاءِ وَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ وَ يَوْمِ الْخَمِيسِ وَ خَلَقَ أَقْوَاتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ (1)
الْعَيَّاشِيُّ، عَنِ ابْنِ سِنَانٍ مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّ فِيهِ وَ خَلَقَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ السَّمَاوَاتِ وَ خَلَقَ يَوْمَ الْخَمِيسِ أَقْوَاتَهَا وَ الْجُمُعَةِ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ (2) خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ فَلِذَلِكَ أَمْسَكَتِ الْيَهُودُ يَوْمَ السَّبْتِ.
بيان و ما كان ليخلق الشر قبل الخير لعل الغرض أنه سبحانه ابتدأ خلق الجميع يوم الأحد إذ خيريته تعالى تقتضي أن لا يقدم خلق الشر على خلق الخير و ابتداء خلق الخير كان يوم الأحد فلم يخلق قبله شيء أصلا ثم اعلم أن مدلول هذا الخبر ينافي ما مر من الآيات الكريمة و ظواهرها من جهتين الأولى أن ظاهر الآية أن خلق أقوات الأرض و تقديرها كان في يومين و الخبر يدل على أنه خلق أقوات الأرض في يوم و أقوات السماء في يوم و الثانية أن ظاهر الآية تقدم يومي خلق الأقوات على يومي خلق السماوات و الخبر يدل على تأخر أحد يومي خلق الأقوات عنهما و يمكن أن يجاب عن الأولى بأن المراد بخلق أقوات السماء خلق أسباب أقوات أهل الأرض الكائنة في السماء من المطر و الثلج و الألواح التي يقدر فيها الأقوات و الملائكة الموكلين بها و يؤيده أن ليس لأهل السماء قوت و طعام و شراب ففي يوم واحد قدر الأسباب الأرضية لأقوات أهل الأرض و في يوم آخر قدر الأسباب السماوية لها و في الآية نسبهما إلى الأرض لكونهما
____________
المراد بابن محبوب «الحسن بن محبوب» كما هو الظاهر فلا يروى عنه محمّد بن يحيى بلا واسطة و إن كان المراد به «محمّد بن عليّ بن محبوب الثقة» فلا يروى عن عبد اللّه بن سنان بلا واسطة و الصحيح ما في المصدر يعنى: محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن ابن محبوب إلخ.
(1) روضة الكافي:(ص)145.
(2) قول اللّه عزّ و جلّ. (نسخة).
60
لأهلها و في الخبر فصل ذلك لبيان اختلاف موضع التقديرين و عن الثانية بنحو مما ذكره البيضاوي بأن لا تكون لفظة ثم للترتيب و التراخي في المدة.
و من غرائب ما سنح لي أني لما كتبت شرح هذا الخبر اضطجعت فرأيت فيما يرى النائم إني أتفكر في هذه الآية فخطر ببالي في تلك الحالة أنه يحتمل أن يكون المراد بأربعة أيام تمامها لا تتمتها و يكون خلق السماوات أيضا من جملة تقدير أرزاق أهل الأرض فإنها من جملة الأسباب و محال بعض الأسباب كالملائكة العاملة و الألواح المنقوشة و الشمس و القمر و النجوم المؤثرة بكيفياتها كالحرارة و البرودة في الثمار و النباتات و تكون لفظة ثم في قوله تعالى ثُمَّ اسْتَوى للترتيب في الأخبار لتفصيل ذلك الإجمال بأن يومين من تلك الأربعة كانا مصروفين في خلق السماوات و الآخرين في خلق سائر الأسباب و لو لا أنه سنح لي في هذه الحال لم أجسر على إثبات هذا الاحتمال و إن لم يقصر عما ذكره المفسرون و به يندفع الإشكالان و أما رواية العياشي فالظاهر أن فيها تصحيفا و تحريفا و لا تستقيم على وجه.
31- تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَ مَعْنَى يَوْمَيْنِ أَيْ وَقْتَيْنِ ابْتِدَاءُ الْخَلْقِ وَ انْقِضَاؤُهُ وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَ بارَكَ فِيها وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها أَيْ لَا تَزُولُ وَ تَبْقَى (1) فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ يَعْنِي فِي أَرْبَعَةِ أَوْقَاتٍ وَ هِيَ الَّتِي يُخْرِجُ اللَّهُ فِيهَا أَقْوَاتَ الْعَالَمِ مِنَ النَّاسِ وَ الْبَهَائِمِ وَ الطَّيْرِ وَ حَشَرَاتِ الْأَرْضِ وَ مَا فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ مِنَ الْخَلْقِ وَ الثِّمَارِ (2) وَ النَّبَاتِ وَ الشَّجَرِ وَ مَا يَكُونُ فِيهِ مَعَايِشُ (3) الْحَيَوَانِ كُلِّهِ وَ هُوَ الرَّبِيعُ وَ الصَّيْفُ وَ الْخَرِيفُ وَ الشِّتَاءُ فَفِي الشِّتَاءِ يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيَاحَ وَ الْأَمْطَارَ وَ الْأَنْدَاءَ وَ الطُّلُولَ مِنَ السَّمَاءِ فَيُلْقِحُ الشَّجَرَ وَ يَسْقِي الْأَرْضَ وَ الشَّجَرَ وَ هُوَ وَقْتٌ بَارِدٌ ثُمَّ يَجِيءُ بَعْدَهُ الرَّبِيعُ وَ هُوَ
____________
(1) في المصدر: لا يزول و لا يفنى.
(2) في المصدر: و من الثمار.
(3) في المصدر: معاش.
61
وَقْتٌ مُعْتَدِلٌ حَارٌّ وَ بَارِدٌ فَيُخْرِجُ الشَّجَرُ ثِمَارَهُ وَ الْأَرْضُ نَبَاتَهَا فَيَكُونُ أَخْضَرَ ضَعِيفاً ثُمَّ يَجِيءُ مِنْ بَعْدِهِ وَقْتُ الصَّيْفِ وَ هُوَ حَارٌّ فَيَنْضَجُ الثِّمَارُ وَ يُصْلَبُ (1) الْحُبُوبُ الَّتِي هِيَ أَقْوَاتُ الْعِبَادِ وَ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ ثُمَّ يَجِيءُ مِنْ بَعْدِهِ وَقْتُ الْخَرِيفِ فَيُطَيِّبُهُ وَ يُبَرِّدُهُ وَ لَوْ كَانَ الْوَقْتُ كُلُّهُ شَيْئاً وَاحِداً لَمْ يَخْرُجِ النَّبَاتُ مِنَ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْوَقْتُ كُلُّهُ رَبِيعاً لَمْ تَنْضَجِ (2) الثِّمَارُ وَ لَمْ تَبْلُغِ الْحُبُوبُ وَ لَوْ كَانَ الْوَقْتُ كُلُّهُ صَيْفاً لَاحْتَرَقَ كُلُّ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَ لَمْ يَكُنْ لِلْحَيَوَانِ مَعَاشٌ وَ لَا قُوتٌ وَ لَوْ كَانَ الْوَقْتُ كُلُّهُ خَرِيفاً لَمْ يَتَقَدَّمْهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ يَتَقَوَّتُ بِهِ الْعَالَمُ فَجَعَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْأَقْوَاتَ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ الْأَوْقَاتِ فِي الشِّتَاءِ وَ الرَّبِيعِ وَ الصَّيْفِ وَ الْخَرِيفِ وَ قَامَ بِهِ الْعَالَمُ وَ اسْتَوَى وَ بَقِيَ وَ سَمَّى اللَّهُ هَذِهِ الْأَوْقَاتَ أَيَّاماً سَواءً لِلسَّائِلِينَ يَعْنِي الْمُحْتَاجِينَ لِأَنَّ كُلَّ مُحْتَاجٍ سَائِلٌ وَ فِي الْعَالَمِ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْأَلُ وَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الْحَيَوَانِ كَثِيرٌ فَهُمْ سَائِلُونَ وَ إِنْ لَمْ يَسْأَلُوا وَ قَوْلُهُ ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ أَيْ دَبَّرَ وَ خَلَقَ وَ قَدْ سُئِلَ أَبُو الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)عَمَّنْ (3) كَلَّمَ اللَّهُ لَا مِنَ الْجِنِّ وَ لَا مِنَ الْإِنْسِ فَقَالَ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ فِي قَوْلِهِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَ أَيْ خَلَقَهُنَ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ يَعْنِي فِي وَقْتَيْنِ ابْتِدَاءً وَ انْقِضَاءً وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها فَهَذَا وَحْيُ تَقْدِيرٍ وَ تَدْبِيرٍ (4).
بيان هذا التأويل للآية أقرب مما مر و لعله من بطون الآية و لا ينافي ظاهرها قوله أي لا تزول و تبقى أي المراد بالتقدير التقدير الدائمي و يحتمل أن يكون تفسير بارَكَ فِيها قوله و إن لم يسألوا أي هم سائلون بلسان افتقارهم و اضطرارهم الرب سبحانه بسمع فيضه و فضله و رحمانيته و لسان الحال أبلغ من لسان المقال.
____________
(1) في المصدر: فتنضج الثمار و تصلب.
(2) في المصدر: لما تنضج.
(3) في المصدر: عما.
(4) تفسير عليّ بن إبراهيم:(ص)590.
62
32- التَّوْحِيدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الدَّقَّاقِ عَنِ الْكُلَيْنِيِّ رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى ابْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ حِينَ كَلَّمَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَادَ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ثُمَّ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَقَالَ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ فَقَالَ إِنِّي مَا وَجَدْتُ شَيْئاً صَغِيراً وَ لَا كَبِيراً إِلَّا وَ إِذَا ضُمَّ إِلَيْهِ مِثْلُهُ صَارَ أَكْبَرَ وَ فِي ذَلِكَ زَوَالٌ وَ انْتِقَالٌ عَنِ الْحَالَةِ الْأُولَى وَ لَوْ كَانَ قَدِيماً مَا زَالَ وَ لَا حَالَ لِأَنَّ الَّذِي يَزُولُ وَ يَحُولُ يَجُوزُ أَنْ يُوجَدَ وَ يَبْطُلَ فَيَكُونُ بِوُجُودِهِ بَعْدَ عَدَمِهِ دُخُولٌ (1) فِي الْحَدَثِ (2) وَ فِي كَوْنِهِ فِي الْأَزَلِ دُخُولُهُ فِي الْقِدَمِ (3) وَ لَنْ تَجْتَمِعَ صِفَةُ الْأَزَلِ وَ الْعَدَمِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فَقَالَ عَبْدُ الْكَرِيمِ هَبْكَ عَلِمْتُ فِي جَرْيِ الْحَالَتَيْنِ وَ الزَّمَانَيْنِ مَا ذَكَرْتَ وَ اسْتَدْلَلْتَ عَلَى حُدُوثِهِا فَلَوْ بَقِيَتِ الْأَشْيَاءُ عَلَى صِغَرِهَا مِنْ أَيْنَ كَانَ لَكَ أَنْ تَسْتَدِلَّ عَلَى حَدَثِهَا (4) فَقَالَ الْعَالِمُ(ع)إِنَّمَا نَتَكَلَّمُ عَلَى هَذَا الْعَالَمِ الْمَصْنُوعِ (5) فَلَوْ رَفَعْنَاهُ وَ وَضَعْنَا عَالَماً آخَرَ كَانَ لَا شَيْءَ أَدَلُّ عَلَى الْحَدَثِ مِنْ رَفْعِنَا إِيَّاهُ وَ وَضْعِنَا غَيْرَهُ وَ لَكِنْ أُجِيبُكَ مِنْ حَيْثُ قَدَرْتَ أَنْ تُلْزِمَنَا وَ نَقُولُ إِنَّ الْأَشْيَاءَ لَوْ دَامَتْ عَلَى صِغَرِهَا لَكَانَ فِي الْوَهْمِ أَنَّهُ مَتَى مَا ضُمَّ شَيْءٌ إِلَى مِثْلِهِ كَانَ أَكْبَرَ وَ فِي جَوَازِ التَّغْيِيرِ عَلَيْهِ خُرُوجُهُ مِنَ الْقِدَمِ كَمَا أَنَّ فِي تَغْيِيرِهِ دُخُولُهُ فِي الْحَدَثِ لَيْسَ لَكَ وَرَاءَهُ شَيْءٌ يَا عَبْدَ الْكَرِيمِ فَانْقَطَعَ وَ خَزِيَ (6).
الكافي، و الإحتجاج (7) مرفوعا مثله
وَ فِي الْإِحْتِجَاجِ وَ لَنْ تَجْتَمِعَ صِفَةُ الْحُدُوثِ وَ الْقِدَمِ فِي شَيْءٍ.
بيان قد مر الخبر بطوله و شرحه في كتاب التوحيد و فيه إجمال و يحتمل أن يراد فيه بكل من الحدوث و القدم الذاتي أو الزماني فإن كان المراد الأول كان الغرض
____________
(1) دخوله (خ ل).
(2) الحدوث (خ ل).
(3) في المصدر: و في كونه في الأولى دخوله في العدم.
(4) في المصدر: على حدوثها.
(5) في المصدر: الموضوع.
(6) التوحيد:(ص)216.
(7) الكافي: ج 1،(ص)76. الاحتجاج: 183.
63
إثبات أن الأجسام ممكنة الوجود مصنوعة معلولة تحتاج إلى صانع يصنعها و يوجدها و على الثاني يكون مبنيا على ما سبق في الأخبار الكثيرة أن كل قديم لا يكون إلا واجبا بالذات و المعلول لا يكون إلا حادثا بالزمان و هو أظهر و هكذا فهمه الصدوق و أورده في باب حدوث العالم و عقبه بالدلائل المشهورة عند المتكلمين على الحدوث و قيل حاصل استدلاله(ع)إما راجع إلى دليل المتكلمين من أن عدم الانفكاك من الحوادث يستلزم الحدوث و إما إلى أنه لا يخلو إما أن يكون بعض تلك الأحوال الزائلة المتغيرة قديما أو يكون كلها حوادث و هما محالان أما الأول فلما تقرر عندهم أن ما ثبت قدمه امتنع عدمه و أما الثاني فلاستحالة التسلسل في الأمور المتعاقبة و الأول أظهر (1).
33- الْكَافِي، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْحَسَنِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ خَلَفِ بْنِ حَمَّادٍ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ مَالِكٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ أَ وَ لَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً قَالَ فَقَالَ لَا مُقَدَّراً وَ لَا مُكَوَّناً قَالَ وَ سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً قَالَ كَانَ مُقَدَّراً غَيْرَ مَذْكُورٍ (2).
____________
(1) يظهر بالتأمل في الرواية، أن الإمام (عليه السلام) يستدل بتغير العالم و أخيرا بامكان تغيره على حدوثه يعنى أنّه يمكن عدمه، و هو معنى الحدوث الذاتي و هو أول الاحتمالين المذكورين في كلام العلامة المؤلّف- (رضوان اللّه عليه)- فأمعن النظر في قوله (عليه السلام) «لان الذي يزول و يحول يجوز أن يوجد أو يبطل» و في قوله «و في جواز التغيير عليه خروجه من القدم» فان إمكان التغير لا يثبت عدمه في زمان ما حتّى يثبت الحدوث الزمانى، و إنّما يثبت إمكان عدمه ذاتا و هو الحدوث الذاتي. و لسنا نعنى بهذا أن العالم ليس بحادث زمانى، كلا! و إنّما نعنى أن المراد بهذا الكلام إثبات الصانع و حدوث ما سواه ذاتا.
و ربما يظهر من هنا أن المراد بالحدوث و القدم في سائر الروايات التي تجرى هذا المجرى الحدوث و القدم الذاتيان، و لكن حيث كان يصعب تفكيك الذاتيين من الزمانيين على افهام العامّة بل على كثير من أهل البحث و النظر جرى كلامهم عليهم الصلاة و السلام مجرى يحتمل الوجهين فتأمل جيدا.
(2) الكافي: ج 1، 147.
64
بيان يدل ظاهرا على حدوث نوع الإنسان.
34- تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، سُمِّيَتْ مَكَّةُ أُمَّ الْقُرَى لِأَنَّهَا أَوَّلُ بُقْعَةٍ خَلَقَهَا اللَّهُ مِنَ الْأَرْضِ لِقَوْلِهِ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً (1)
35- الْعِلَلُ، وَ الْعُيُونُ، سَأَلَ الشَّامِيُّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لِمَ سُمِّيَتْ مَكَّةُ أُمَّ الْقُرَى قَالَ(ع)لِأَنَّ الْأَرْضَ دُحِيَتْ مِنْ تَحْتِهَا وَ سَأَلَ عَنْ أَوَّلِ بُقْعَةٍ بُسِطَتْ مِنَ الْأَرْضِ أَيَّامَ الطُّوفَانِ فَقَالَ لَهُ مَوْضِعُ الْكَعْبَةِ وَ كَانَتْ زَبَرْجَدَةً خَضْرَاءَ (2).
بيان لعل المراد بأيام الطوفان أيام تموج الماء و اضطرابه قبل خلق الأرض.
36- إِرْشَادُ الْقُلُوبِ، سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لِمَ سُمِّيَتْ مَكَّةُ قَالَ لِأَنَّ اللَّهَ مَكَّ الْأَرْضَ مِنْ تَحْتِهَا أَيْ دَحَاهَا.
37- مَجَالِسُ الصَّدُوقِ، وَ التَّوْحِيدُ، وَ كَنْزُ الْكَرَاجُكِيِّ، وَ الْإِحْتِجَاجُ (3) بِأَسَانِيدِهِمْ فِي مُنَاظَرَةِ الصَّادِقِ(ع)لِابْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ قَالَ(ع)هَذَا بَيْتٌ اسْتَعْبَدَ اللَّهُ بِهِ خَلْقَهُ (4) إِلَى قَوْلِهِ خَلَقَهُ اللَّهُ قَبْلَ دَحْوِ الْأَرْضِ بِأَلْفَيْ عَامٍ.
38- الْعِلَلُ، وَ الْعُيُونُ، فِي عِلَلِ ابْنِ سِنَانٍ عَنِ الرِّضَا(ع)عِلَّةُ وَضْعِ الْبَيْتِ وَسَطَ الْأَرْضِ أَنَّهُ الْمَوْضِعُ الَّذِي مِنْ تَحْتِهِ دُحِيَتِ الْأَرْضُ وَ كُلُّ رِيحٍ تَهُبُّ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ الرُّكْنِ الشَّامِيِّ وَ هِيَ أَوَّلُ بُقْعَةٍ وُضِعَتْ فِي الْأَرْضِ لِأَنَّهَا الْوَسَطُ لِيَكُونَ الْفَرْضُ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ (5) فِي ذَلِكَ سَوَاءً (6).
39- الْعِلَلُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى وَ أَحْمَدَ بْنِ
____________
(1) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ:(ص)595.
(2) العيون: ج 1،(ص)241.
(3) التوحيد:(ص)180. الاحتجاج:(ص)182.
(4) في الاحتجاج: عباده.
(5) في المصدرين: لاهل الشرق و الغرب سواء.
(6) العلل: ج 2،(ص)82. العيون: ج 2،(ص)90.
65
إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَشْعَرِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍ (1) عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)إِنَّ خَلْقَ الْبَيْتِ قَبْلَ الْأَرْضِ (2) ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِ فَدَحَاهَا مِنْ تَحْتِهِ (3).
الكافي، عن محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد عن الحسن بن علي عن عدة من أصحابنا عن الثمالي مثله.
40- الْعَيَّاشِيُّ، عَنِ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّهُ وُجِدَ فِي حَجَرٍ مِنْ حَجَرَاتِ الْبَيْتِ مَكْتُوباً إِنِّي أَنَا اللَّهُ ذُو بَكَّةَ خَلَقْتُهَا يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ يَوْمَ خَلَقْتُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ حَفَفْتُهُمَا بِسَبْعَةِ أَمْلَاكٍ حَفِيفاً.
41- الْكَافِي، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وَ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَدِيدِ عَنْ مُرَازِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَا مُحَمَّدُ إِنِّي خَلَقْتُكَ وَ عَلِيّاً نُوراً يَعْنِي رُوحاً بِلَا بَدَنٍ قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَ سَمَاوَاتِي وَ أَرْضِي وَ عَرْشِي وَ بَحْرِي الْخَبَرَ (4).
42- وَ عَنْهُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمُعَلَّى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي(ع)فَأَجْرَيْتُ اخْتِلَافَ الشِّيعَةِ فَقَالَ
____________
(1) هو الحسن بن عليّ بن فضال التيملى مولى تيم اللّه بن ثعلبة، كوفيّ، روى عن الرضا (عليه السلام) و كان خصيصا به ثقة في رواياته، و كان فطحيا مشهورا بذلك حتّى حضره الموت فمات و قد قال بالحق. قال النجاشيّ (ص: 28) مات سنة 224. و يروى عنه جماعة منهم موسى بن عمر و لم يذكر في جملتهم محمّد بن أحمد بن يحيى، نعم في موضع من الاستبصار «محمّد بن أحمد بن يحيى عن موسى بن عمر عن ابن فضال» و هو الحسن بن عليّ بن فضال.
فكأن في هذا السند إرسالا. و يؤيده أن محمّد بن أحمد بن يحيى الأشعريّ راويه على و محمّد ابنى الحسن بن عليّ بن فضال، فيشبه أن يكون رواية محمّد بن أحمد الأشعريّ عن الحسن بن فضال بواسطة ابنيه او بواسطة اخرى- و اللّه اعلم-.
(2) في المصدر: قبل الخلق.
(3) العلل: ج 2،(ص)85.
(4) الكافي: ج 1،(ص)440.
66
يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ مُتَفَرِّداً بِوَحْدَانِيَّتِهِ ثُمَّ خَلَقَ مُحَمَّداً وَ عَلِيّاً وَ فَاطِمَةَ (صلوات اللّه عليهم أجمعين) فَمَكَثُوا أَلْفَ دَهْرٍ ثُمَّ خَلَقَ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ فَأَشْهَدَهُمْ خَلْقَهَا وَ أَجْرَى طَاعَتَهُمْ عَلَيْهَا (1) الْحَدِيثَ.
بيان: لم يزل متفردا بوحدانيته أي متفردا بأنه متوحد لا شيء معه أو الباء للسببية أي متفردا بسبب أنه كان واحدا من جميع الوجوه و ما كان كذلك فهو واجب بالذات فيجوز عليه القدم بخلاف غيره فإن القدم ينافي التكثر و الإمكان الذي هو لازمه فأشهدهم خلقها أي كانوا حاضرين عند خلقها عالمين بكيفيته و لذا قال تعالى في شأن إبليس و ذريته و أتباعه ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ بعد قوله أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي إشارة إلى أن المستحق للولاية و المتابعة من كان شاهدا خلق الأشياء عالما بحقائقها و كيفياتها و صفاتها و الغيوب الكامنة فيها و المستنبطة منها.
43- التَّوْحِيدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الدَّقَّاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْأَسَدِيِ (2) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبَرْمَكِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي سُمَيْنَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبَانٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الشَّامِ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فَقَالَ جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ لَمْ أَجِدْ أَحَداً يُفَسِّرُهَا لِي وَ قَدْ سَأَلْتُ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ مِنَ النَّاسِ فَقَالَ كُلُّ صِنْفٍ غَيْرَ مَا قَالَ الْآخَرُ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)وَ مَا ذَلِكَ فَقَالَ أَسْأَلُكَ مَا أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ خَلْقِهِ فَإِنَّ بَعْضَ مَنْ سَأَلْتُهُ قَالَ الْقُدْرَةُ وَ قَالَ بَعْضُهُمُ الْعِلْمُ وَ قَالَ بَعْضُهُمُ الرُّوحُ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)مَا قَالُوا شَيْئاً أُخْبِرُكَ أَنَّ اللَّهَ عَلَا ذِكْرُهُ كَانَ وَ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ عَزِيزاً وَ لَا
____________
(1) قد مر الحديث عنه مرسلا في تفسير آية «ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ ....».
(2) في المصدر: عن محمّد بن أبي عبد اللّه الكوفيّ. قال النجاشيّ (ص: 289) محمّد ابن جعفر بن محمّد بن عون الأسدى أبو الحسين الكوفيّ ساكن الرى يقال له «محمّد بن أبي عبد اللّه» كان ثقة صحيح الحديث، إلّا أنّه روى عن الضعفاء و كان يقول بالجبر و التشبيه- إلى أن قال، مات أبو الحسين محمّد بن جعفر ليلة الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى سنة 312.
67
عِزَّ لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ عِزِّهِ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ كَانَ خَالِقاً وَ لَا مَخْلُوقَ (1) فَأَوَّلُ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ خَلْقِهِ الشَّيْءُ الَّذِي جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ مِنْهُ وَ هُوَ الْمَاءُ فَقَالَ السَّائِلُ فَالشَّيْءَ خَلَقَهُ مِنْ شَيْءٍ أَوْ مِنْ لَا شَيْءَ فَقَالَ خَلَقَ الشَّيْءَ لَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ قَبْلَهُ وَ لَوْ خَلَقَ الشَّيْءَ مِنْ شَيْءٍ إِذاً لَمْ يَكُنْ لَهُ انْقِطَاعٌ أَبَداً وَ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ إِذاً وَ مَعَهُ شَيْءٌ وَ لَكِنْ كَانَ اللَّهُ وَ لَا شَيْءَ مَعَهُ فَخَلَقَ الشَّيْءَ الَّذِي جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ مِنْهُ وَ هُوَ الْمَاءُ (2).
بيان قوله فإن بعض من سألته قال القدرة لعل هذا القائل زعم أن صفاته تعالى زائدة على ذاته مخلوقة له كما ذهب إليه جماعة من العامة و سيأتي برواية الكليني القدر فلعله توهم أن تقديره تعالى جوهر أو يكون مراده بالقدرة اللوح الذي أثبت الله تعالى فيه تقديرات الأمور و كذا القول بأن أول المخلوقات العلم مبني على القول بمخلوقية الصفات و في الكافي مكانه القلم و هو موافق لبعض ما سيأتي من الأخبار و سنذكر وجه الجمع بينها و بين غيرها قوله(ع)لأنه كان قبل عزه لعل المراد أنه كان غالبا و عزيزا قبل أن يظهر عزه و غلبته على الأشياء بخلقها و لذا قال رَبِّ الْعِزَّةِ إذ فعلية العزة و ظهورها مسبب عنه و المعنى و لا عز لغيره فالمراد بالعزة في الآية عزة المخلوقات و في الكافي و لا أحد كان قبل عزه و ذلك قوله أي لم يكن أحد قبل عزه يكون عزه به و استدل عليه بقوله رَبِّ الْعِزَّةِ إذ هو يدل على أنه سبحانه سبب كل
____________
(1) قد نقلنا في ذيل الحديث 17 في معنى كونه تعالى خالقا اذ لا مخلوق من المؤلّف (رحمه اللّه) أن المراد بالخالقية قبل الخلق القدرة على خلق كل ما علم أنّه أصلح و السرّ فيه أن الصفات الفعلية خارجة عن الذات و متأخرة عنها لكن ملاكاتها موجودة فيها و متحدة بها فكذا المراد بكونه عزيزا و لا عزّ أنّه كان واجدا لما هو ملاك العزة و هو الكمالات الذاتية. و أمّا هذا المفهوم الانتزاعى فليس عين ذات البارئ و لذا استشهد (عليه السلام) بقوله تعالى «رَبِّ الْعِزَّةِ» فان المربوب و هو العز غير الرب و متأخر عنه.
(2) التوحيد:(ص)32.
68
عزة فلو كان عزه بغيره كان ذلك الغير رَبِّ الْعِزَّةِ و هذا الخبر نص صريح في الحدوث و لا يقبل التأويل بوجه.
44- الْإِحْتِجَاجُ، وَ تَفْسِيرُ الْإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيِّ، عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ: احْتَجَّ رَسُولُ اللَّهِ(ص)عَلَى الدَّهْرِيَّةِ فَقَالَ مَا الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَشْيَاءَ لَا بَدْءَ لَهَا وَ هِيَ دَائِمَةٌ لَمْ تَزَلْ وَ لَا تَزَالُ فَقَالُوا لِأَنَّا لَا نَحْكُمُ إِلَّا بِمَا شَاهَدْنَا (1) وَ لَمْ نَجِدْ لِلْأَشْيَاءِ حَدَثاً فَحَكَمْنَا بِأَنَّهَا لَمْ تَزَلْ وَ لَمْ نَجِدْ لَهَا انْقِضَاءً وَ فَنَاءً فَحَكَمْنَا بِأَنَّهَا لَا تَزَالُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَ فَوَجَدْتُمْ لَهَا قِدَماً أَمْ وَجَدْتُمْ لَهَا بَقَاءً أَبَداً (2) فَإِنْ قُلْتُمْ إِنَّكُمْ وَجَدْتُمْ ذَلِكَ أَ نَهَضْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ أَنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا عَلَى هَيْئَتِكُمْ وَ عُقُولِكُمْ بِلَا نِهَايَةٍ وَ لَا تَزَالُونَ كَذَلِكَ وَ لَئِنْ قُلْتُمْ هَذَا دَفَعْتُمُ الْعِيَانَ وَ كَذَّبَكُمُ الْعَالَمُونَ الَّذِينَ يُشَاهِدُونَكُمْ قَالُوا بَلْ لَمْ نُشَاهِدْ لَهَا قِدَماً وَ لَا بَقَاءً أَبَدَ الْآبِدِينَ (3) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَلِمَ صِرْتُمْ بِأَنْ تَحْكُمُوا بِالْبَقَاءِ وَ الْقِدَمِ (4) لِأَنَّكُمْ لَمْ تُشَاهِدُوا حُدُوثَهَا وَ انْقِضَاءَهَا أَوْلَى مِنْ تَارِكِ التَّمَيُّزِ لَهَا مِثْلُكُمْ يَحْكُمُ لَهَا بِالْحُدُوثِ وَ الِانْقِضَاءِ وَ الِانْقِطَاعِ لِأَنَّهُ لَمْ يُشَاهِدْ لَهَا قِدَماً وَ لَا بَقَاءً أَبَدَ الْأَبَدِ (5) أَ وَ لَسْتُمْ تُشَاهِدُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ وَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ فَقَالُوا نَعَمْ فَقَالَ أَ تَرَوْنَهُمَا لَمْ يَزَالا وَ لَا يَزَالانِ فَقَالُوا نَعَمْ فَقَالَ أَ فَيَجُوزُ عِنْدَكُمُ اجْتِمَاعُ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ فَقَالُوا لَا فَقَالَ(ص)فَإِذَنْ يَنْقَطِعُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ فَيَسْبِقُ أَحَدُهُمَا وَ يَكُونُ الثَّانِي جَارِياً بَعْدَهُ قَالُوا كَذَلِكَ هُوَ فَقَالَ قَدْ حَكَمْتُمْ بِحُدُوثِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ لَيْلٍ وَ نَهَارٍ وَ لَمْ تُشَاهِدُوهُمَا فَلَا تُنْكِرُوا اللَّهَ قَدْرَهُ ثُمَّ قَالَ(ص)أَ تَقُولُونَ مَا قَبْلَكُمْ مِنَ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ مُتَنَاهٍ أَمْ غَيْرُ مُتَنَاهٍ فَإِنْ قُلْتُمْ إِنَّهُ غَيْرُ مُتَنَاهٍ فَقَدْ وَصَلَ إِلَيْكُمْ آخِرٌ بِلَا نِهَايَةٍ لِأَوَّلِهِ وَ إِنْ قُلْتُمْ إِنَّهُ مُتَنَاهٍ فَقَدْ كَانَ وَ لَا شَيْءَ مِنْهُمَا قَالُوا
____________
(1) في المصدر: بما نشاهد.
(2) في المصدر: أبد الابد.
(3) في المصدر: أبد الابد.
(4) في المصدر: بالقدم و البقاء دائما.
(5) في المصدر: أبدا.
69
نَعَمْ قَالَ لَهُمْ أَ قُلْتُمْ إِنَّ الْعَالَمَ قَدِيمٌ لَيْسَ بِمُحْدَثٍ (1) وَ أَنْتُمْ عَارِفُونَ بِمَعْنَى مَا أَقْرَرْتُمْ بِهِ وَ بِمَعْنَى مَا جَحَدْتُمُوهُ قَالُوا نَعَمْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَهَذَا الَّذِي نُشَاهِدُهُ (2) مِنَ الْأَشْيَاءِ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ يَفْتَقِرُ لِأَنَّهُ لَا قِوَامَ لِلْبَعْضِ إِلَّا بِمَا يَتَّصِلُ إِلَيْهِ (3) كَمَا تَرَى (4) الْبِنَاءَ مُحْتَاجاً بَعْضُ أَجْزَائِهِ إِلَى بَعْضٍ وَ إِلَّا لَمْ يَتَّسِقْ وَ لَمْ يَسْتَحْكِمْ وَ كَذَلِكَ سَائِرُ مَا نَرَى (5) قَالَ فَإِنْ كَانَ هَذَا الْمُحْتَاجُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ لِقُوَّتِهِ وَ تَمَامِهِ هُوَ الْقَدِيمَ فَأَخْبِرُونِي أَنْ لَوْ كَانَ مُحْدَثاً كَيْفَ كَانَ يَكُونُ وَ كَيْفَ إِذاً كَانَتْ تَكُونُ صِفَتُهُ قَالَ فَبُهِتُوا وَ عَلِمُوا أَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ لِلْمُحْدَثِ صِفَةً يَصِفُونَهُ بِهَا إِلَّا وَ هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي هَذَا الَّذِي زَعَمُوا أَنَّهُ قَدِيمٌ فَوَجَمُوا وَ قَالُوا سَنَنْظُرُ فِي أَمْرِنَا (6) الْخَبَرَ.
بيان ذهبت الدهرية إلى أن العالم قديم زماني (7) و قالوا إن الأشياء دائمة الوجود لم تزل و لا تزال بل بعضهم أنكروا الحوادث اليومية أيضا و ذهبوا إلى الكمون و البروز لتصحيح قدم الحوادث اليومية و أنكروا وجود ما لم تدركه الحواس الخمس و لذا أنكروا وجود الصانع لعدم إدراك الحواس له تعالى و قالوا وجود الموجودات من الطبائع المتعاقبة لا إلى نهاية إذا تقرر هذا فاعلم أن الظاهر أن المطلوب أولا إثبات الحدوث الزماني فإن الظاهر من البدء البدء الزماني و يؤيده قوله و هي دائمة لم تزل و لا تزال.
و قوله أ فوجدتم إلى قوله أ تقولون ما قبلكم من الليل و النهار إبطال
____________
(1) في المصدر: غير محدث.
(2) في المصدر: تشاهدونه.
(3) في المصدر: به.
(4) في بعض النسخ: ترى.
(5) في بعض النسخ: «ما ترون» و في بعضها «ما يرى».
(6) الاحتجاج: 10.
(7) بل إلى أنّه قديم ذاتى.
70
إنكارهم (1) وجود ما لا تدركه الحواس و إثبات لوجود الإيمان بالغيب عند قيام البرهان و ذلك لأنهم يحكمون بالقدم و بتقدم الليل و النهار في الأزمنة الماضية و عدم اجتماعهما فيها مع أنهم لم يشاهدوا شيئا من ذلك فيلزمهم أن يعترفوا بوجود ما يغيب عن حواسهم و يحتمل أن يكون إلى قوله أ و لستم تشاهدون الليل و النهار إثباتا للحدوث الزماني جدلا بأنهم كما يحكمون بالقدم لعدم مشاهدة الحدوث يلزمهم أن يحكموا بالحدوث لأنهم لم يشاهدوا القدم و البقية لإثبات الإيمان بالغيب أو البقية لإثبات الحدوث بالدليل المشهور عند المتكلمين من عدم الانفكاك عن الحوادث أو أن الحكم بحدوث كل ليل و نهار يكفي لاحتياجها إلى الصانع و لا ينفع قدم الطبيعة و من قوله أ تقولون ما قبلكم إلى قوله(ع)أ قلتم إثبات لانقطاع الليل و النهار من جهة الماضي لاستحالة ما لا نهاية له و هو انقطاع الزمان و يلزم منه انقطاع الحركات و حدوث الأجسام و الأعراض القائمة بها و من قوله أ قلتم إثبات لإمكان العالم المستلزم لوجود الصانع تعالى شأنه.
و يحتمل أن يكون(ص)تدرج في الاحتجاج فنزلهم أولا عن مرتبة الإنكار إلى الشك ثم أخذ في الاحتجاج فمن قوله أ تقولون إلى آخر الكلام يحتمل أن يكون دليلا واحدا حاصله أنه لا يخلو من أن يكون الزمان متناهيا أو غير متناه و على الأول لا بد للأشياء لحدوثها من صانع فقوله فقد كان و لا شيء منهما أي كان الصانع قبل وجود شيء منهما ثم أبطل الثاني بأنكم إنما حكمتم بقدمها لئلا يحتاج إلى صانع و العقل يحكم بأن ما يوجب الحكم في الحادث بالحاجة إلى الصانع يحكم في القديم أيضا و يحتمل أن يكون إلى آخر الكلام دليلين و قد فصلنا الكلام فيه في المجلد الرابع فلا نعيد هنا و دلالته على الحدوث على كل الوجوه ظاهرة.
45- تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ وَ ذَلِكَ فِي مَبْدَإِ الْخَلْقِ أَنَّ الرَّبَّ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ
____________
(1) في بعض النسخ: لانكارهم.
71
الْهَوَاءَ ثُمَّ خَلَقَ الْقَلَمَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْرِيَ فَقَالَ يَا رَبِّ بِمَا أَجْرِي فَقَالَ بِمَا هُوَ كَائِنٌ ثُمَّ خَلَقَ الظُّلْمَةَ مِنَ الْهَوَاءِ وَ خَلَقَ النُّورَ مِنَ الْهَوَاءِ وَ خَلَقَ الْمَاءَ مِنَ الْهَوَاءِ وَ خَلَقَ الْعَرْشَ مِنَ الْهَوَاءِ وَ خَلَقَ الْعَقِيمَ مِنَ الْهَوَاءِ وَ هُوَ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ وَ خَلَقَ النَّارَ مِنَ الْهَوَاءِ وَ خَلَقَ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ مِنْ هَذِهِ السِّتَّةِ الَّتِي خُلِقَتْ مِنَ الْهَوَاءِ فَسَلَّطَ الْعَقِيمَ عَلَى الْمَاءِ فَضَرَبَتْهُ فَأَكْثَرَتِ الْمَوْجَ وَ الزَّبَدَ وَ جَعَلَ يَثُورُ دُخَانُهُ فِي الْهَوَاءِ فَلَمَّا بَلَغَ الْوَقْتُ الَّذِي أَرَادَ قَالَ لِلزَّبَدِ اجْمُدْ فَجَمَدَ فَقَالَ لِلْمَوْجِ اجْمُدْ فَجَمَدَ فَجَعَلَ الزَّبَدَ أَرْضاً وَ جَعَلَ الْمَوْجَ جِبِالًا رَوَاسِيَ لِلْأَرْضِ فَلَمَّا أَجْمَدَهُمَا قَالَ لِلرُّوحِ وَ الْقُدْرَةِ سَوِّيَا عَرْشِي عَلَى السَّمَاءِ فَسَوَّيَا عَرْشَهُ عَلَى السَّمَاءِ (1) وَ قَالَ لِلدُّخَانِ اجْمُدْ فَجَمَدَ ثُمَّ قَالَ لَهُ ازْفِرْ فَزَفَرَ فَنَادَاهَا وَ الْأَرْضَ جَمِيعاً ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ فَلَمَّا أَخَذَ فِي رِزْقِ خَلْقِهِ خَلَقَ السَّمَاءَ وَ جَنَّاتِهَا وَ الْمَلَائِكَةَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَ خَلَقَ الْأَرْضَ يَوْمَ الْأَحَدِ وَ خَلَقَ دَوَابَّ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ وَ هُمَا الْيَوْمَانِ اللَّذَانِ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَ خَلَقَ الشَّجَرَ وَ نَبَاتَ الْأَرْضِ وَ أَنْهَارَهَا وَ مَا فِيهَا وَ الْهَوَامَّ فِي يَوْمِ الثَّلَاثَاءِ وَ خَلَقَ الْجَانَّ وَ هُوَ أَبُو الْجِنِّ يَوْمَ السَّبْتِ وَ خَلَقَ الطَّيْرَ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ وَ خَلَقَ آدَمَ فِي سِتِّ سَاعَاتٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَفِي هَذِهِ السِّتَّةِ أَيَّامٍ (2) خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما (3)
بيان يوم السبت ليس في بعض النسخ و هو أظهر و على تقديره و إن كان خلاف المشهور يمكن أن لا يكون الجمعة محسوبا في الستة لتأخره عن خلق العالم أو لم يحسب خلق الجان من خلق العالم بأن المراد بالعالم ما يشاهد و يرى و يكون ذكر الملائكة استطرادا لشرفهم أو يكون بناء الحساب على التلفيق بأن يكون ابتداء الخلق من ظهر يوم السبت و انتهاؤه عند ظهر يوم الجمعة فيكون ستة
____________
(1) في بعض النسخ «على الماء» فى الموضعين، و هو الأظهر.
(2) في بعض النسخ: الستة الايام.
(3) تفسير عليّ بن إبراهيم:(ص)297.
72
أيام على حساب أهل النجوم و يؤيده قوله في ست ساعات و على التقادير لا يخلو عن غرابة و سيأتي بعض القول في ذلك.
46- التَّفْسِيرُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: خَرَجَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ حَاجّاً وَ مَعَهُ الْأَبْرَشُ الْكَلْبِيُّ فَلَقِيَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَالَ هِشَامٌ لِلْأَبْرَشِ تَعْرِفُ هَذَا قَالَ لَا قَالَ هَذَا الَّذِي تَزْعُمُ الشِّيعَةُ أَنَّهُ نَبِيٌّ مِنْ كَثْرَةِ عِلْمِهِ فَقَالَ الْأَبْرَشُ لَأَسْأَلَنَّهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ (1) لَا يُجِيبُنِي فِيهَا إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ وَصِيُّ نَبِيٍّ فَقَالَ هِشَامٌ لِلْأَبْرَشِ وَدِدْتُ أَنَّكَ فَعَلْتَ ذَلِكَ فَلَقِيَ الْأَبْرَشُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما فَمَا كَانَ رَتْقُهُمَا وَ مَا كَانَ (2) فَتْقُهُمَا فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَا أَبْرَشُ هُوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ وَ الْمَاءُ عَلَى الْهَوَاءِ وَ الْهَوَاءُ لَا يُحَدُّ وَ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ خَلْقٌ غَيْرُهُمَا وَ الْمَاءُ يَوْمَئِذٍ عَذْبٌ فُرَاتٌ فَلَمَّا أَرَادَ (3) أَنْ يَخْلُقَ الْأَرْضَ أَمَرَ الرِّيَاحَ فَضَرَبَتِ الْمَاءَ حَتَّى صَارَ مَوْجاً ثُمَّ أَزْبَدَ فَصَارَ زَبَداً وَاحِداً فَجَمَعَهُ فِي مَوْضِعِ الْبَيْتِ ثُمَّ جَعَلَهُ جَبَلًا مِنْ زَبَدٍ ثُمَّ دَحَى الْأَرْضَ مِنْ تَحْتِهِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً ثُمَّ مَكَثَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مَا شَاءَ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاءَ أَمَرَ الرِّيَاحَ فَضَرَبَتِ الْبُحُورَ حَتَّى أَزْبَدَتْهَا فَخَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْجِ وَ الزَّبَدِ مِنْ وَسَطِهِ دُخَانٌ سَاطِعٌ مِنْ غَيْرِ نَارٍ فَخَلَقَ مِنْهُ السَّمَاءَ فَجَعَلَ فِيهَا الْبُرُوجَ وَ النُّجُومَ وَ مَنَازِلَ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ أَجْرَاهَا فِي الْفَلَكِ وَ كَانَتِ السَّمَاءُ خَضْرَاءَ عَلَى لَوْنِ الْمَاءِ الْعَذْبِ الْأَخْضَرِ (4) وَ كَانَتِ الْأَرْضُ خَضْرَاءَ (5) عَلَى لَوْنِ الْمَاءِ
____________
(1) في المصدر: مسائل.
(2) في المصدر: «بما كان» فى الموضعين.
(3) في المصدر: أراد اللّه.
(4) في المصدر: على لون الماء الاخضر.
(5) في المصدر: غبراء على لون الماء العذب.
73
وَ كَانَتَا مَرْتُوقَتَيْنِ لَيْسَ لَهُمَا أَبْوَابٌ وَ لَمْ يَكُنْ لِلْأَرْضِ أَبْوَابٌ وَ هُوَ النَّبْتُ وَ لَمْ تُمْطِرِ (1) السَّمَاءُ عَلَيْهَا فَتُنْبِتَ فَفَتَقَ السَّمَاءَ بِالْمَطَرِ وَ فَتَقَ الْأَرْضَ بِالنَّبَاتِ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما فَقَالَ الْأَبْرَشُ وَ اللَّهِ مَا حَدَّثَنِي بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ قَطُّ أَعِدْ عَلَيَّ فَأَعَادَ عَلَيْهِ وَ كَانَ الْأَبْرَشُ مُلْحِداً فَقَالَ وَ أَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ ابْنُ نَبِيٍّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (2).
47 وَ مِنْهُ، إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ قَالَ فِي سِتَّةِ أَوْقَاتٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى (3) الْعَرْشِ (4) أَيْ عَلَا عَلَى الْعَرْشِ.
بيان تأويل الأيام بالأوقات إما لعدم خلق الليل و النهار بعد فأول اليوم بمقداره أو المراد باليوم النوبة و المرة فيكون خلق كل منها في أسرع الأزمنة و عبر عنه باليوم مجازا كما قيل.
48- الْعُيُونُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الْبَصْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَاعِظِ (5) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَامِرٍ الطَّائِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ(ع)فِي جَامِعِ الْكُوفَةِ إِذْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَقَالَ أَخْبِرْنِي عَنْ أَوَّلِ مَا خَلَقَ اللَّهُ قَالَ خَلَقَ النُّورَ قَالَ فَمِمَّ خُلِقَتِ (6) السَّمَاوَاتُ قَالَ مِنْ بُخَارِ الْمَاءِ قَالَ فَمِمَّ خُلِقَتِ الْأَرْضُ قَالَ مِنْ زَبَدِ الْمَاءِ قَالَ فَمِمَّ خُلِقَتِ الْجِبَالُ قَالَ مِنَ الْأَمْوَاجِ الْخَبَرَ (7).
____________
(1) في المصدر: لم تقطر.
(2) تفسير عليّ بن إبراهيم:(ص)427 و سيأتي في باب السحاب و المطر بعينه تحت الرقم (1).
(3) في المصدر: علا بقدرته على العرش.
(4) تفسير عليّ بن إبراهيم:(ص)219.
(5) في المصدر: محمّد بن عبد اللّه بن أحمد بن جبلة الواعظ و لم نجد ذكره في كتب الرجال و كذا محمّد بن عمرو البصرى الذي روى عنه.
(6) في بعض النسخ: خلق.
(7) العيون: ج 1(ص)240.
74
بيان يمكن أن يكون المراد بالنور نور النبي و الأئمة(ع)كما ورد في أكثر الأخبار.
49- التَّوْحِيدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الدَّقَّاقِ عَنِ الْكُلَيْنِيِّ عَنِ الْعَلَّانِ (1) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)أَنَّهُ قَالَ: اعْلَمْ عَلَّمَكَ اللَّهُ الْخَيْرَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَدِيمٌ وَ الْقِدَمُ صِفَةٌ دَلَّتِ (2) الْعَاقِلَ عَلَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ قَبْلَهُ وَ لَا شَيْءَ مَعَهُ فِي دَيْمُومَتِهِ (3) فَقَدْ بَانَ لَنَا بِإِقْرَارِ الْعَامَّةِ (4) مُعْجِزَةُ الصِّفَةِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ قَبْلَ اللَّهِ وَ لَا شَيْءَ مَعَ اللَّهِ فِي بَقَائِهِ وَ بَطَلَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَهُ أَوْ كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ وَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ فِي بَقَائِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ خَالِقاً لَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَعَهُ فَكَيْفَ يَكُونُ خَالِقاً لِمَنْ لَمْ يَزَلْ مَعَهُ وَ لَوْ كَانَ قَبْلَهُ شَيْءٌ كَانَ الْأَوَّلَ ذَلِكَ الشَّيْءُ لَا هَذَا وَ كَانَ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ خَالِقاً لِلثَّانِي (5).
الكافي، عن علي بن محمد مرسلا عن أبي الحسن الرضا(ع)مثله (6) بيان هذا الخبر صريح في الحدوث و معلل و قد مر شرحه في كتاب التوحيد.
50- التَّوْحِيدُ، وَ الْعُيُونُ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ
____________
(1) العلان:- بفتح العين المهملة و تشديد اللام، و حكى عن الشهيد الثاني تخفيفه على بن محمّد بن إبراهيم بن أبان الرازيّ الكليني و يكنى أبا الحسن ثقة عين له كتاب اخبار القائم (عجل اللّه فرجه) و كان استأذن الصاحب في الحجّ فخرج «توقف عنه في هذه السنة» فخالف فقتل بطريق مكّة.
(2) في الكافي: صفته التي دلت.
(3) في التوحيد و الكافي: ديموميته.
(4) في التوحيد و الكافي: مع معجزة الصفة.
(5) في الكافي «خالقا للاول» و في التوحيد(ص)125 «خالقا للاول الثاني».
(6) الكافي: ج 1،(ص)120.
75
عَلِيٍّ الْأَنْصَارِيِ (1) عَنْ أَبِي الصَّلْتِ الْهَرَوِيِّ قَالَ: سَأَلَ الْمَأْمُونُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرِّضَا(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ الْعَرْشَ وَ الْمَاءَ وَ الْمَلَائِكَةَ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تَسْتَدِلُّ بِأَنْفُسِهَا وَ بِالْعَرْشِ وَ الْمَاءِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ ثُمَّ جَعَلَ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ لِيُظْهِرَ بِذَلِكَ قُدْرَتَهُ لِلْمَلَائِكَةِ فَتَعْلَمَ (2) أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ثُمَّ رَفَعَ الْعَرْشَ بِقُدْرَتِهِ وَ نَقَلَهُ فَجَعَلَهُ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ ثُمَ (3) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ هُوَ مُسْتَوْلٍ عَلَى عَرْشِهِ وَ كَانَ قَادِراً عَلَى أَنْ يَخْلُقَهَا فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ وَ لَكِنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَهَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ لِيُظْهِرَ لِلْمَلَائِكَةِ مَا يَخْلُقُهُ مِنْهَا شَيْئاً بَعْدَ شَيْءٍ فَتَسْتَدِلَ (4) بِحُدُوثِ مَا يَحْدُثُ (5) عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَ لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ الْعَرْشَ لِحَاجَةٍ بِهِ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الْعَرْشِ وَ عَنْ جَمِيعِ مَا خَلَقَ لَا يُوصَفُ بِالْكَوْنِ عَلَى الْعَرْشِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ (6) تَعَالَى عَنْ صِفَةِ خَلْقِهِ عُلُوّاً كَبِيراً وَ أَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا فَإِنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ خَلْقَهُ لِيَبْلُوَهُمْ بِتَكْلِيفِ طَاعَتِهِ وَ عِبَادَتِهِ لَا عَلَى سَبِيلِ الِامْتِحَانِ وَ التَّجْرِبَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَلِيماً بِكُلِّ شَيْءٍ
____________
(1) هو أحمد بن عليّ بن مهديّ بن صدقة بن هشام بن غالب بن محمّد بن على الرقى الأنصاريّ قال الشيخ في رجاله: سمع منه التلعكبرى بمصر سنة أربعين و ثلاثمائة عن أبيه عن الرضا (عليه السلام) و له منه اجازة (انتهى) و قال في التعليقة، إن كونه شيخ الاجازة يشير إلى الوثاقة (انتهى) و روايته بواسطة أبيه عن الرضا (عليه السلام) تدلّ على إمكان روايته عن أبي الصلت بلا واسطة و ان لم يذكر في كتب الرجال في من يروى عنه.
(2) في التوحيد: فيعلمون.
(3) في التوحيد: و خلق.
(4) في التوحيد: و يستدل.
(5) في نسخة مخطوطة: ما يحدث اللّه.
(6) في التوحيد: تعالى اللّه.
76
فَقَالَ الْمَأْمُونُ فَرَّجْتَ عَنِّي يَا أَبَا الْحَسَنِ فَرَّجَ اللَّهُ عَنْكَ (1).
51- الْعِلَلُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ السَّيَّارِيِ (2) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِهْرَانَ الْكُوفِيِّ عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ اللَّيْثِيِّ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو جَعْفَرٍ(ع)يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ عَالِماً (3) خَلَقَ الْأَشْيَاءَ لَا مِنْ شَيْءٍ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ مِنْ شَيْءٍ فَقَدْ كَفَرَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي خَلَقَ مِنْهُ الْأَشْيَاءَ قَدِيماً مَعَهُ فِي أَزَلِيَّتِهِ وَ هُوِيَّتِهِ كَانَ ذَلِكَ (4) أَزَلِيّاً بَلْ خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا لَا مِنْ شَيْءٍ فَكَانَ مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَرْضاً طَيِّبَةً ثُمَّ فَجَّرَ مِنْهَا مَاءً عَذْباً زُلَالًا فَعَرَضَ عَلَيْهِ (5) وَلَايَتَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَقَبِلَهَا (6) فَأَجْرَى ذَلِكَ الْمَاءَ عَلَيْهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ حَتَّى طَبَّقَهَا وَ عَمَّهَا ثُمَّ نَضَبَ (7) ذَلِكَ الْمَاءُ عَنْهَا فَأَخَذَ مِنْ صَفْوَةِ ذَلِكَ الطِّينِ طِيناً فَجَعَلَهُ طِينَ الْأَئِمَّةِ(ع)ثُمَّ أَخَذَ ثَقَلَ ذَلِكَ الطِّينِ فَخَلَقَ مِنْهُ شِيعَتَنَا الْخَبَرَ (8).
52- الْعِلَلُ، فِي خَبَرِ ابْنِ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ أَوَّلِ يَوْمٍ خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ النَّبِيُّ(ص)يَوْمُ الْأَحَدِ قَالَ وَ لِمَ سُمِّيَ يَوْمَ الْأَحَدِ قَالَ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ مَحْدُودٌ قَالَ فَالْإِثْنَيْنِ قَالَ هُوَ الْيَوْمُ الثَّانِي مِنَ الدُّنْيَا قَالَ فَالثَّلَاثَاءَ قَالَ الثَّالِثُ مِنَ الدُّنْيَا قَالَ فَالْأَرْبِعَاءَ قَالَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ مِنَ الدُّنْيَا قَالَ فَالْخَمِيسَ قَالَ هُوَ يَوْمٌ خَامِسٌ مِنَ الدُّنْيَا وَ هُوَ يَوْمٌ أَنِيسٌ لُعِنَ فِيهِ إِبْلِيسُ وَ رُفِعَ فِيهِ إِدْرِيسُ قَالَ فَالْجُمُعَةَ
____________
(1) التوحيد:(ص)236.
(2) كذا في نسخ البحار، و في المصدر: محمّد بن أحمد، عن أحمد بن محمّد السيارى.
و هو الصحيح، لعدم ذكر «محمّد بن أحمد السيارى» فى كتب الرجال.
(3) في المصدر: عالما قديما.
(4) في المصدر: ذلك الشيء.
(5) في المصدر: عليها.
(6) في المصدر: فقبلتها.
(7) نضب عنه الماء نضوبا- بالضاد المعجمة-: انحسر و انفرج و نزح و نشف.
(8) العلل، ج 2(ص)295.
77
قَالَ هُوَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَ يَوْمُ شاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ قَالَ فَالسَّبْتَ قَالَ يَوْمٌ مَسْبُوتٌ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الْقُرْآنِ وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ فَمِنَ الْأَحَدِ إِلَى الْجُمُعَةِ سِتَّةُ أَيَّامٍ وَ السَّبْتُ مُعَطَّلٌ الْخَبَرَ (1).
بيان قال في القاموس السبت الراحة و القطع و قال في النهاية قيل سمي يوم السبت لأن الله تعالى خلق العالم في ستة أيام آخرها الجمعة و انقطع العمل فسمي يوم السابع يوم السبت.
53- الْإِحْتِجَاجُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: سَأَلَ الزِّنْدِيقُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقَالَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَ اللَّهُ الْأَشْيَاءَ قَالَ(ع)مِنْ لَا شَيْءَ قَالَ فَكَيْفَ يَجِيءُ مِنْ لَا شَيْءَ شَيْءٌ قَالَ(ع)إِنَّ الْأَشْيَاءَ لَا تَخْلُو أَنْ تَكُونَ خُلِقَتْ مِنْ شَيْءٍ أَوْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ فَإِنْ كَانَ خُلِقَتْ مِنْ شَيْءٍ كَانَ مَعَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ قَدِيمٌ وَ الْقَدِيمُ لَا يَكُونُ حَدِيثاً وَ لَا يَفْنَى وَ لَا يَتَغَيَّرُ وَ لَا يَخْلُو ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنْ أَنْ يَكُونَ جَوْهَراً وَاحِداً وَ لَوْناً وَاحِداً فَمِنْ أَيْنَ جَاءَتْ هَذِهِ الْأَلْوَانُ الْمُخْتَلِفَةُ وَ الْجَوَاهِرُ الْكَثِيرَةُ الْمَوْجُودَةُ فِي هَذَا الْعَالَمِ مِنْ ضُرُوبٍ شَتَّى وَ مِنْ أَيْنَ جَاءَ الْمَوْتُ إِنْ كَانَ الشَّيْءُ الَّذِي أُنْشِئَتْ مِنْهُ الْأَشْيَاءُ حَيّاً وَ (2) مِنْ أَيْنَ جَاءَتِ الْحَيَاةُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مَيِّتاً وَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حَيٍّ وَ مَيِّتٍ قَدِيمَيْنِ لَمْ يَزَالا لِأَنَّ الْحَيَّ لَا يَجِيءُ مِنْهُ مَيِّتٌ وَ هُوَ لَمْ يَزَلْ حَيّاً وَ لَا يَجُوزُ أَيْضاً أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ قَدِيماً لَمْ يَزَلْ بِمَا نَسَبُوا (3) مِنَ الْمَوْتِ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا قُدْرَةَ لَهُ فَلَا بَقَاءَ (4) قَالَ فَمِنْ أَيْنَ قَالُوا إِنَّ الْأَشْيَاءَ أَزَلِيَّةٌ قَالَ هَذِهِ مَقَالَةُ قَوْمٍ جَحَدُوا مُدَبِّرَ الْأَشْيَاءِ فَكَذَّبُوا الرُّسُلَ وَ مَقَالَتَهُمْ وَ الْأَنْبِيَاءَ وَ مَا أَنْبَئُوا عَنْهُ
____________
(1) العلل: ج 2، 156.
(2) في المصدر: أو.
(3) في المصدر: لما هو به من الموت.
(4) في المصدر: و لا بقاء.
78
وَ سَمَّوْا كُتُبَهُمْ أَسَاطِيرَ الْأَوَّلِينَ (1) وَ وَضَعُوا لِأَنْفُسِهِمْ دِيناً بِرَأْيِهِمْ (2) وَ اسْتِحْسَانِهِمْ إِنَّ الْأَشْيَاءَ تَدُلُّ عَلَى حُدُوثِهِا مِنْ دَوَرَانِ الْفَلَكِ بِمَا فِيهِ وَ هِيَ سَبْعَةُ أَفْلَاكٍ وَ تَحَرُّكِ الْأَرْضِ وَ مَنْ عَلَيْهَا وَ انْقِلَابِ الْأَزْمِنَةِ وَ اخْتِلَافِ الْوَقْتِ وَ الْحَوَادِثِ الَّتِي تَحْدُثُ فِي الْعَالَمِ مِنْ زِيَادَةٍ وَ نُقْصَانٍ وَ مَوْتٍ وَ بَلَاءٍ (3) وَ اضْطِرَارِ النَّفْسِ إِلَى الْقَرَارِ (4) بِأَنَّ لَهَا صَانِعاً وَ مُدَبِّراً أَ مَا تَرَى الْحُلْوَ يَصِيرُ حَامِضاً وَ الْعَذْبَ مُرّاً وَ الْجَدِيدَ بَالِياً وَ كُلٌّ إِلَى تَغَيُّرٍ وَ فَنَاءٍ وَ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ قَالَ الزِّنْدِيقُ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ وَ مَعَهُ طِينَةٌ مُؤْذِيَةٌ فَلَمْ يَسْتَطِعِ التَّفَصِّيَ مِنْهَا إِلَّا بِامْتِزَاجِهِ بِهَا وَ دُخُولِهِ فِيهَا فَمِنْ تِلْكَ الطِّينَةِ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ قَالَ(ع)سُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَعْجَزَ إِلَهاً يُوصَفُ بِالْقُدْرَةِ لَا يَسْتَطِيعُ التَّفَصِّيَ مِنَ الطِّينَةِ إِنْ كَانَتِ الطِّينَةُ حَيَّةً أَزَلِيَّةً فَكَانَا إِلَهَيْنِ قَدِيمَيْنِ فَامْتَزَجَا وَ دَبَّرَا الْعَالَمَ مِنْ أَنْفُسِهِمَا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَمِنْ أَيْنَ جَاءَ الْمَوْتُ وَ الْفَنَاءُ وَ إِنْ كَانَتِ الطِّينَةُ مَيِّتَةً فَلَا بَقَاءَ لِلْمَيِّتِ مَعَ الْأَزَلِيِّ الْقَدِيمِ وَ الْمَيِّتُ لَا يَجِيءُ (5) مِنْهُ حَيٌّ هَذِهِ مَقَالَةُ الدَّيَصَانِيَّةِ أَشَدِّ الزَّنَادِقَةِ قَوْلًا ثُمَّ قَالَ(ع)فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ لَوْ كَانَتْ قَدِيمَةً أَزَلِيَّةً لَمْ تَتَغَيَّرْ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَ إِنَّ الْأَزَلِيَّ لَا تُغَيِّرُهُ الْأَيَّامُ وَ لَا يَأْتِي عَلَيْهِ الْفَنَاءُ (6).
بيان و القديم لا يكون حديثا أي ما يكون وجوده أزليا لا يكون محدثا معلولا فيكون الواجب الوجود بذاته فلا يعتريه التغير و الفناء و قد نسب إلى بعض الحكماء أنه قال المبدع الأول هو مبدع الصور فقط دون الهيولى فإنها
____________
(1) ليس في المصدر لفظة «الاولين».
(2) في المصدر: بآرائهم.
(3) في المصدر: و بلى.
(4) في بعض النسخ «إلى الإقرار» و عليه فقوله «و اضطرار النفس» معطوف على قوله «حدوثها» أي الأشياء تدلّ على اضطرار النفس الى الإقرار بان لها صانعا.
(5) في بعض النسخ: لا يحيى.
(6) الاحتجاج: 184، 188.
79
لم تزل مع المبدع فأنكر عليه سائر الحكماء و قالوا إن الهيولى لو كانت أزلية قديمة لما قبلت الصور و لما تغيرت من حال إلى حال و لما قبلت فعل غيرها إذ الأزلي لا يتغير.
و قوله(ع)فمن أين جاءت هذه الألوان المختلفة لعله مبني على ما زعموا من أن كل حادث لا بد له من منشإ و مبدإ يشاكله و يناسبه في الذات و الصفات فألزمه(ع)بحسب معتقده أو المراد أن الاحتياج إلى المادة إن كان لعجز الصانع تعالى عن إحداث شيء لم يكن فلا بد من وجود الأشياء بصفاتها في المادة حتى يخرجها منها و هذا محال لاستلزامه كون المادة ذات حقائق متباينة و اتصافها بصفات متضادة و إن قلتم إنها مشتملة على بعضها فقد حكمتم بإحداث بعضها من غير مادة فليكن الجميع كذلك و إن قلتم إن جوهر (1) المادة يتبدل جواهر أخر و أعراضها أعراضا أخرى فقد حكمتم بفناء ما هو أزلي و هذا محال و بحدوث شيء آخر من غير شيء و هو مستلزم للمطلوب.
و أما ما ذكره(ع)في الحياة و الموت فيرجع إلى ما ذكرنا و ملخصه أنه إما أن تكون مادة الكل حية بذاتها أو ميتة بذاتها أو تكون الأشياء من أصلين أحدهما حي بذاته و الآخر ميت و هذا أيضا يحتمل وجهين أحدهما أن يكون كل شيء مأخوذا من كل من الحي و الميت و الثاني أن يكون الحي مأخوذا من الحي و الميت من الميت فأبطل(ع)الأول بأنه لو حصل الميت بذاته عن الحي بذاته يلزم زوال الحياة الأزلية من هذا الجزء من المادة و قد مر امتناعه أو تبدل الحقيقة الذي يحكم العقل ضرورة بامتناعه و لو قيل بإعدام الحي و إنشاء الميت فيلزم المفسدة الأولى مع الإقرار بالمدعى و هو حدوث الشيء لا من شيء و بهذا يبطل الثاني و كذا الثالث لأن الجزء الحي من المادة يجري فيه ما سبق إذا حصل منه ميت و أشار إليه بقوله لأن الحي لا يجيء (2) منه ميت و أشار
____________
(1) في بعض النسخ: جوهرا آخر.
(2) في بعض النسخ: لا يحيى.
80
إلى الرابع بقوله و لا يجوز أن يكون الميت قديما و به يبطل الثاني و الثالث أيضا و تقريره أن الأزلي لا بد أن يكون واجب الوجود بذاته كاملا بذاته لشهادة العقول بأن الاحتياج و النقص من شواهد الإمكان المحوج إلى المؤثر و الموجد فلا يكون الأزلي ميتا و ربما يحمل الحي في هذا الخبر على الموجود و الميت على الاعتباري المعدوم و الظاهر أن أكثر الكلام مبني على مقدمات موضوعة مسلمة عند الخصم و قد مر الخبر بتمامه و شرحه في الجملة في المجلد الرابع.
54- التَّوْحِيدُ، عَنْ أَبِيهِ وَ ابْنِ عُبْدُوسٍ عَنْ أَبِي قُتَيْبَةَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ قَالَ قَالَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ(ع)هُوَ الْأَوَّلُ الَّذِي لَا شَيْءَ قَبْلَهُ وَ الْآخِرُ الَّذِي لَا شَيْءَ بَعْدَهُ وَ هُوَ الْقَدِيمُ وَ مَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ مُحْدَثٌ تَعَالَى عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ عُلُوّاً كَبِيراً (1).
55- وَ مِنْهُ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ الْكِنْدِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَلَوِيِ (2) عَنْ عُمَارَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ (3) عَنْ صَالِحِ بْنِ سُبَيْعٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَوْسٍ (4) عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فِي خُطْبَةٍ طَوِيلَةٍ لَمْ يَخْلُقِ الْأَشْيَاءَ مِنْ أُصُولٍ أَزَلِيَّةٍ وَ لَا مِنْ أَوَائِلَ كَانَتْ قَبْلَهُ بَدِيَّةٍ (5) بَلْ خَلَقَ مَا خَلَقَ وَ أَتْقَنَ خَلْقَهُ وَ صَوَّرَ مَا صَوَّرَ فَأَحْسَنَ صُورَتَهُ الْخَبَرَ (6).
56- وَ مِنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَطَّارِ عَنِ
____________
(1) التوحيد:(ص)29.
(2) بفتح اللام نسبة إلى «بلى» كرضى قبيلة من أهل مصر كما صرّح به الشيخ في الفهرست أو من قضاعة كما قال غيره.
(3) في المصدر «عبد اللّه بن العلاء» و الظاهر أنّه الصحيح لعدم ذكر «عبيد اللّه بن العلاء» فى التراجم.
(4) في المصدر: عن أبي المعتمر مسلم بن أوس.
(5) في المصدر: أبدية.
(6) التوحيد:(ص)40.
81
الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبَانٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أُورَمَةَ (1) عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ظُهَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُوَيْنٍ (2) الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَانَ إِذْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ وَ كَوَّنَ الْأَشْيَاءَ فَكَانَتْ كَمَا كَوَّنَهَا وَ عَلِمَ مَا كَانَ وَ مَا هُوَ كَائِنٌ (3).
57- وَ مِنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ قَالَ: كَتَبَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)فِي دُعَاءٍ يَا ذَا الَّذِي كَانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ ثُمَّ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ الْخَبَرَ (4).
58- وَ مِنْهُ، عَنِ ابْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الصَّقْرِ بْنِ دُلَفَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الثَّالِثِ(ع)قَالَ: يَا ابْنَ دُلَفَ (5) إِنَّ الْجِسْمَ مُحْدَثٌ وَ اللَّهُ مُحْدِثُهُ وَ مُجَسِّمُهُ الْخَبَرَ (6).
59- وَ مِنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ عَمِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَمَّادٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي كَلَامٍ يَصِفُ فِيهِ الْبَارِئَ تَعَالَى كَذَلِكَ لَمْ يَزَلْ وَ لَا يَزَالُ أَبَدَ الْآبِدِينَ وَ كَذَلِكَ كَانَ إِذْ لَمْ تَكُنْ أَرْضٌ وَ لَا سَمَاءٌ وَ لَا لَيْلٌ وَ لَا نَهَارٌ وَ لَا شَمْسٌ وَ لَا قَمَرٌ وَ لَا نُجُومٌ وَ لَا سَحَابٌ
____________
(1) محمّد بن اورمة أبو جعفر القمّيّ له كتب مثل كتب الحسين بن سعيد، رماه القميون بالغلو و غمزوا عليه حتّى دس عليه من يفتك به فوجدوه يصلى من اول الليل إلى آخره فوقفوا عنه و حكى انه ورد توقيع من أبى الحسن الثالث إلى أهل قم في براءته ممّا قذف به. قال في الخلاصة و قد يقال «ابن أرومة» بتقديم الراء.
(2) في المصدر: عبد اللّه بن جون.
(3) التوحيد:(ص)38.
(4) التوحيد:(ص)22.
(5) كذا في نسخ البحار و المصدر، و الظاهر أنّه الصقر بن أبي دلف الكرخى من شيعة الامام الهادى (عليه السلام) بسرمنرأى، و لعلّ لفظة «أبى» سقطت من قلم النسّاخ و اللّه العالم.
(6) التوحيد:(ص)61.
82
وَ لَا مَطَرٌ وَ لَا رِيَاحٌ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَحَبَّ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقاً يُعَظِّمُونَ عَظَمَتَهُ وَ يُكَبِّرُونَ كِبْرِيَاءَهُ وَ يُجِلُّونَ جَلَالَهُ فَقَالَ كُونَا ظِلَّيْنِ فَكَانَا (1).
أقول: تمام الخبر في باب جوامع التوحيد.
60- وَ مِنْهُ، عَنْ مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ عَمِّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى كَانَ وَ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ الْخَبَرَ (2).
61- وَ مِنْهُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَانَ وَ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ وَ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ (3) عَالِماً بِمَا كَوَّنَ فَعِلْمُهُ بِهِ قَبْلَ كَوْنِهِ كَعِلْمِهِ بِهِ بَعْدَ مَا كَوَّنَهُ (4).
62- وَ مِنْهُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الدَّقَّاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْأَسَدِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيِ (5) قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي(ع)فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ أَخْبِرْنِي عَنِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَهُ أَسْمَاءٌ وَ صِفَاتٌ فِي كِتَابِهِ فَأَسْمَاؤُهُ وَ صِفَاتُهُ هِيَ هُوَ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)إِنَّ لِهَذَا الْكَلَامِ وَجْهَيْنِ إِنْ كُنْتَ تَقُولُ هِيَ هُوَ أَنَّهُ (6) ذُو عَدَدٍ وَ كَثْرَةٍ فَتَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَ إِنْ كُنْتَ تَقُولُ لَمْ تَزَلْ هَذِهِ الصِّفَاتُ وَ الْأَسْمَاءُ فَإِنَّ لَمْ تَزَلْ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ فَإِنْ قُلْتَ لَمْ تَزَلْ
____________
(1) التوحيد:(ص)80.
(2) التوحيد:(ص)89.
(3) في المصدر: كان اللّه و لا شيء غيره و لم يزل عالما.
(4) التوحيد:(ص)92.
(5) هو داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب ثقة شريف القدر عظيم المنزلة عند الأئمّة (عليهم السلام) و قد أدرك الرضا و الجواد و الهادى و العسكريّ و صاحب الامر (صلوات اللّه عليهم) و روى عن كلهم.
(6) في الكافي: أى أنه.
83
عِنْدَهُ فِي عِلْمِهِ وَ هُوَ مُسْتَحِقُّهَا فَنَعَمْ وَ إِنْ كُنْتَ تَقُولُ لَمْ تَزَلْ تَصْوِيرُهَا وَ هِجَاؤُهَا وَ تَقْطِيعُ حُرُوفِهَا فَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ شَيْءٌ غَيْرُهُ بَلْ كَانَ اللَّهُ وَ لَا خَلْقَ ثُمَّ خَلَقَهَا وَسِيلَةً بَيْنَهُ وَ بَيْنَ خَلْقِهِ يَتَضَرَّعُونَ بِهَا إِلَيْهِ وَ يَعْبُدُونَهُ وَ هِيَ ذِكْرُهُ وَ كَانَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَ لَا ذِكْرَ وَ الْمَذْكُورُ بِالذِّكْرِ هُوَ اللَّهُ الْقَدِيمُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَ الْأَسْمَاءُ وَ الصِّفَاتُ مَخْلُوقَاتٌ وَ الْمَعْنِيُّ بِهَا هُوَ اللَّهُ الْخَبَرَ (1).
الإحتجاج، عن الجعفري مثله (2)- الكافي، عن محمد بن أبي عبد الله رفعه إلى أبي هاشم الجعفري مثله (3) أقول قد مر شرحه في كتاب التوحيد و دلالته على المدعى صريحة.
63- التَّوْحِيدُ، وَ الْكَافِي، رُوِيَ أَنَّهُ سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ سَمَاءً وَ أَرْضاً فَقَالَ(ع)أَيْنَ سُؤَالٌ عَنْ مَكَانٍ وَ كَانَ اللَّهُ وَ لَا مَكَانَ (4).
64- الْإِحْتِجَاجُ، سُئِلَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ(ع)عَنِ التَّوْحِيدِ فَقِيلَ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَيْءَ مَعَهُ ثُمَّ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بَدِيعاً وَ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ أَحْسَنَ (5) الْأَسْمَاءِ أَوْ لَمْ تَزَلِ الْأَسْمَاءُ وَ الْحُرُوفُ مَعَهُ قَدِيمَةً فَكَتَبَ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ مَوْجُوداً ثُمَّ كَوَّنَ مَا أَرَادَ الْخَبَرَ (6).
65- التَّوْحِيدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الدَّقَّاقِ عَنِ الْكُلَيْنِيِّ رَفَعَهُ قَالَ: سَأَلَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقَالَ مَا الدَّلِيلُ عَلَى حُدُوثِ (7) الْأَجْسَامِ فَقَالَ إِنِّي مَا وَجَدْتُ شَيْئاً صَغِيراً وَ لَا كَبِيراً إِلَّا وَ إِذَا ضُمَّ إِلَيْهِ مِثْلُهُ صَارَ أَكْبَرَ وَ فِي ذَلِكَ
____________
(1) التوحيد:(ص)130.
(2) الاحتجاج:(ص)244.
(3) الكافي: ج 1،(ص)116.
(4) التوحيد:(ص)115، الكافي: ج 1،(ص)90.
(5) في المصدر: لنفسه الأسماء.
(6) الاحتجاج: 249.
(7) في المصدر: حدث.
84
زَوَالٌ وَ انْتِقَالٌ عَنِ الْحَالَةِ الْأُولَى وَ لَوْ كَانَ قَدِيماً مَا زَالَ وَ لَا حَالَ لِأَنَّ الَّذِي يَزُولُ وَ يَحُولُ يَجُوزُ أَنْ يُوجَدَ وَ يَبْطُلَ فَيَكُونُ بِوُجُودِهِ بَعْدَ عَدَمِهِ دُخُولٌ فِي الْحَدَثِ وَ فِي كَوْنِهِ فِي الْأُولَى دُخُولُهُ فِي الْعَدَمِ وَ لَنْ تَجْتَمِعَ صِفَةُ الْأَزَلِ وَ الْعَدَمِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ الْخَبَرَ (1).
66- وَ مِنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مَعْرُوفٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نَجْرَانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: كَتَبْتُ عَلَى يَدَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ (2) إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)جُعِلْتُ فِدَاكَ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْقُرْآنِ فَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَ قَالَ آخَرُونَ كَلَامُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ فَكَتَبَ(ع)الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ مُحْدَثٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَ غَيْرُ أَزَلِيٍّ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا شَيْءَ غَيْرَ اللَّهِ مَعْرُوفٌ وَ لَا مَجْهُولٌ وَ كَانَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا مُتَكَلِّمَ وَ لَا مُرِيدَ وَ لَا مُتَحَرِّكَ وَ لَا فَاعِلَ جَلَّ وَ عَزَّ رَبُّنَا فَجَمِيعُ هَذِهِ الصِّفَاتِ مُحْدَثَةٌ عِنْدَ حُدُوثِ الْفِعْلِ مِنْهُ عَزَّ وَ جَلَّ رَبُّنَا وَ الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فِيهِ خَبَرُ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَ خَبَرُ مَا يَكُونُ بَعْدَكُمْ أُنْزِلَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ(ص)(3).
قال الصدوق رحمه الله معنى قوله(ع)غير مخلوق غير مكذوب و لا يعني به أنه غير محدث لأنه قد قال محدث غير مخلوق و غير أزلي مع الله تعالى ذكره و إنما منعنا من إطلاق المخلوق عليه لأن المخلوق في اللغة قد يكون مكذوبا
____________
(1) التوحيد:(ص)216. و قد مر الحديث بتمامه مع شرحه تحت الرقم 32.
(2) عبد الملك بن أعين الشيباني الكوفيّ تابعي أخو زرارة بن أعين و والد ضريس مات في حياة أبي عبد اللّه (عليه السلام) و يذكر في عداد أصحاب الباقر و الصادق (عليهما السلام) كان مستقيما دعا له أبو عبد اللّه (عليه السلام) و اجتهد في الدعاء و الترحم عليه. روى الكشّيّ عن زرارة أن أبا عبد اللّه (عليه السلام) قال بعد موت عبد الملك، اللّهمّ إن أبا الضريس كنا عنده خيرتك من خلقك فصيره في ثقل محمّد صلواتك عليه و آله يوم القيامة. ثم قال (عليه السلام) سبحان اللّه! أين مثل أبى الضريس؟ لم يأت بعد!.
(3) التوحيد:(ص)159.
85
و يقال كلام مخلوق أي مكذوب قال الله تبارك و تعالى إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً أي كذبا.
أقول الظاهر أن فيه نوعا من التقية أو الاتقاء لامتناع المخالفين من إطلاق هذا اللفظ على القرآن أشد الامتناع.
67- قِصَصُ الرَّاوَنْدِيِّ، بِإِسْنَادِهِ إِلَى الصَّدُوقِ عَنْ أَبِيهِ وَ ابْنِ الْوَلِيدِ مَعاً عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ (1) عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْمِقْدَامِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ الْأَرَضِينَ خَلَقَهَا قَبْلَ السَّمَاوَاتِ.
أقول: تمامه في باب العوالم.
68 الْبَصَائِرُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ ابْنِ رِئَابٍ عَنْ سَدِيرٍ قَالَ: سَأَلَ حُمْرَانُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ ابْتَدَعَ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ كَانَ وَ ابْتَدَعَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُنَّ سَمَاوَاتٌ وَ لَا أَرَضُونَ أَ مَا تَسْمَعُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ.
العياشي، عن حمران مثله.
69- ثَوَابُ الْأَعْمَالِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْ أَبِي خَالِدٍ الصَّيْقَلِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَوَّضَ الْأَمْرَ إِلَى مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَخَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَ سَبْعَ أَرَضِينَ وَ أَشْيَاءَ فَلَمَّا رَأَى الْأَشْيَاءَ قَدِ انْقَادَتْ لَهُ قَالَ مَنْ مِثْلِي فَأَرْسَلَ اللَّهُ
____________
(1) هو الحسن بن محبوب لا «محمّد بن عليّ بن محبوب» لروايته عن عمرو بن أبي المقدام و رواية محمّد بن الحسين عنه، و محمّد بن عليّ بن محبوب لا يروى عن «عمرو» بلا واسطة، و محمّد بن الحسين رواية الحسن بن محبوب.
86
عَزَّ وَ جَلَّ نُوَيْرَةً مِنْ نَارٍ قَالَ (1) وَ مَا نُوَيْرَةٌ (2) مِنْ نَارٍ قَالَ نَارٌ بِمِثْلِ (3) أَنْمُلَةٍ قَالَ فَاسْتَقْبَلَهَا بِجَمِيعِ مَا خَلَقَ فَتَخَلَّلَتْ (4) لِذَلِكَ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَيْهِ لَمَّا أَنْ أدخله (5) [دَخَلَهُ الْعُجْبُ (6).
المحاسن، عن أبيه عن ابن سنان مثله.
70- وَ مِنْهُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى كَانَ وَ لَيْسَ شَيْءٌ غَيْرُهُ نُوراً لَا ظَلَامَ فِيهِ وَ صِدْقاً لَا كَذِبَ فِيهِ وَ عِلْماً لَا جَهْلَ فِيهِ وَ حَيَاةً لَا مَوْتَ فِيهِ وَ كَذَلِكَ (7) لَا يَزَالُ أَبَداً (8).
71- الْعَيَّاشِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: كَانَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ وَ كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَ الْمَاءُ عَلَى الْهَوَاءِ وَ الْهَوَاءُ لَا يَجْرِي وَ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ الْمَاءِ خَلْقٌ وَ الْمَاءُ يَوْمَئِذٍ عَذْبٌ فُرَاتٌ فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ الْأَرْضَ أَمَرَ الرِّيَاحَ الْأَرْبَعَ فَضَرَبْنَ الْمَاءَ حَتَّى صَارَ مَوْجاً ثُمَّ أَزْبَدَ زَبَدَةً وَاحِدَةً فَجَمَعَهُ فِي مَوْضِعِ الْبَيْتِ فَأَمَرَ اللَّهُ فَصَارَ جَبَلًا مِنْ زَبَدٍ ثُمَّ دَحَى الْأَرْضَ مِنْ تَحْتِهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ
72- وَ مِنْهُ، عَنْ عِيسَى بْنِ أَبِي حَمْزَةَ (9) قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع
____________
(1) في ثواب الأعمال، قلت.
(2) في المحاسن: و ما النويرة.
(3) في المحاسن: مثل الانملة.
(4) في المحاسن: «فتخبل» و الظاهر أنّه تصحيف.
(5) في ثواب الأعمال: فاستقبلها بجميع ما خلق حتّى وصلت إليه لما دخله العجب.
(6) ثواب الأعمال:(ص)242، المحاسن:(ص)123.
(7) في المصدر: و كذلك هو اليوم و كذلك.
(8) المحاسن:(ص)242.
(9) كذا في جميع النسخ، لكن الظاهر ان الصحيح «عيسى بن حمزة» لعدم ذكر عيسى.
87
جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الدُّنْيَا عُمُرَهَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ فَقَالَ لَيْسَ كَمَا يَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لَهَا خَمْسِينَ أَلْفَ عَامٍ فَتَرَكَهَا قَاعاً قَفْراً خَاوِيَةً عَشَرَةَ آلَافِ عَامٍ ثُمَّ بَدَا لِلَّهِ بَدَاءٌ فَخَلَقَ فِيهَا خَلْقاً لَيْسَ مِنَ الْجِنِّ وَ لَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَ لَا مِنَ الْإِنْسِ وَ قَدَّرَ لَهُمْ عَشَرَةَ آلَافِ عَامٍ فَلَمَّا قَرُبَتْ آجَالُهُمْ أَفْسَدُوا فِيهَا فَدَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ تَدْمِيراً ثُمَّ تَرَكَهَا قَاعاً قَفْراً خَاوِيَةً عَشَرَةَ آلَافِ عَامٍ ثُمَّ خَلَقَ فِيهَا الْجِنَّ وَ قَدَّرَ لَهُمْ عَشَرَةَ آلَافِ عَامٍ فِيهَا فَلَمَّا قَرُبَتْ آجَالُهُمْ أَفْسَدُوا فِيهَا وَ سَفَكُوا الدِّمَاءَ وَ هُوَ قَوْلُ الْمَلَائِكَةِ أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ كَمَا سَفَكَتْ بَنُو الْجَانِّ فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ ثُمَّ بَدَا لِلَّهِ فَخَلَقَ آدَمَ وَ قَرَّرَ (1) لَهُ عَشَرَةَ آلَافٍ وَ قَدْ مَضَى مِنْ ذَلِكَ سَبْعَةُ آلَافِ عَامٍ وَ مِائَتَانِ وَ أَنْتُمْ فِي آخِرِ الزَّمَانِ.
73- تَفْسِيرُ الْإِمَامِ، قَالَ(ع)قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمَّا خَلَقَ الْمَاءَ فَجَعَلَ عَرْشَهُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ يَعْنِي وَ كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ فَأَرْسَلَ اللَّهُ
____________
ابن أبي حمزة في التراجم، و هو عيسى بن حمزة بن حمزة المدائنى: عده الشيخ تارة من اصحاب الباقر و اخرى من أصحاب الصادق (عليهما السلام) قال النجاشيّ (ص: 226) عيسى بن حمزة المدائنى الثقفى روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و قال في تنقيح المقال (ج 2،(ص)359) ما حاصله انه امامى إلّا أن حاله مجهول لكن يمكن الوثوق بروايته لما روى في الفقيه في باب ما يأخذ الأب من مال ابنه قال: روى عن عيسى الثقفى- و كان ساحرا يأتيه الناس فيأخذ على ذلك الاجر- قال فحججت فلقيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) بمنى فقلت: جعلت فداك انا رجل و كانت بضاعتى السحر و كنت آخذ عليه الاجر و من اللّه عزّ و جلّ على بلقائك و قد تبت إلى اللّه، فهل لى في شيء منه؟ فقال: حل و لا تعقد. فان توبته تكشف عن ديانته و لا أقل من كون توبته بمنزلة المدح فيكون الرجل من الحسان.
(1) في بعض النسخ «فتبحز الماء» و في بعضها «ففجر البحر».
88
الرِّيَاحَ عَلَى الْمَاءِ فَتَفَجَّرَ الْمَاءُ مِنْ أَمْوَاجِهِ فَارْتَفَعَ عَنْهُ الدُّخَانُ وَ عَلَا فَوْقَ الزَّبَدِ فَخَلَقَ مِنْ دُخَانِهِ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ فَخَلَقَ مِنْ زَبَدِهِ الْأَرَضِينَ السَّبْعَ فَبَسَطَ الْأَرْضَ عَلَى الْمَاءِ وَ جَعَلَ الْمَاءَ عَلَى الصَّفَا وَ الصَّفَا عَلَى الْحُوتِ وَ الْحُوتَ عَلَى الثَّوْرِ وَ الثَّوْرَ عَلَى الصَّخْرَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا لُقْمَانُ لِابْنِهِ فَقَالَ يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا وَ الصَّخْرَةَ عَلَى الثَّرَى وَ لَا يَعْلَمُ مَا تَحْتَ الثَّرَى إِلَّا اللَّهُ فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ دَحَاهَا مِنْ تَحْتِ الْكَعْبَةِ ثُمَّ بَسَطَهَا عَلَى الْمَاءِ فَأَحَاطَتْ بِكُلِّ شَيْءٍ فَفَخَرَتِ الْأَرْضُ وَ قَالَتْ أَحَطْتُ بِكُلِّ شَيْءٍ فَمَنْ يَغْلِبُنِي وَ كَانَ فِي كُلِّ أُذُنٍ مِنْ آذَانِ الْحُوتِ سِلْسِلَةٌ مِنْ ذَهَبٍ مَقْرُونَةُ الطَّرَفِ بِالْعَرْشِ فَأَمَرَ اللَّهُ الْحُوتَ فَتَحَرَّكَتْ (1) فَتَكَفَّأَتِ الْأَرْضُ بِأَهْلِهَا كَمَا تَكَفَّأُ السَّفِينَةُ عَلَى مَتْنِ الْمَاءِ قَدِ اشْتَدَّتْ أَمْوَاجُهُ وَ لَمْ تَسْتَطِعِ الْأَرْضُ الِامْتِنَاعَ فَفَخَرَ الْحُوتُ وَ قَالَ غَلَبْتُ الْأَرْضَ الَّتِي أَحَاطَتْ بِكُلِّ شَيْءٍ فَمَنْ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْجِبَالَ فَأَرْسَاهَا وَ ثَقَّلَ الْأَرْضَ بِهَا فَلَمْ يَسْتَطِعِ الْحُوتُ أَنْ يَتَحَرَّكَ فَفَخَرَتِ الْجِبَالُ وَ قَالَتْ غَلَبْتُ الْحُوتَ الَّذِي غَلَبَ الْأَرْضَ فَمَنْ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْحَدِيدَ فَقُطِعَتْ بِهِ الْجِبَالُ وَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا دِفَاعٌ وَ لَا امْتِنَاعٌ فَفَخَرَ الْحَدِيدُ وَ قَالَ غَلَبْتُ الْجِبَالَ الَّتِي غَلَبَتِ الْحُوتَ فَمَنْ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ النَّارَ فَأَلَانَتِ الْحَدِيدَ وَ فَرَّقَتْ أَجْزَاءَهُ وَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْحَدِيدِ دِفَاعٌ وَ لَا امْتِنَاعٌ فَفَخَرَتِ النَّارُ وَ قَالَتْ غَلَبْتُ الْحَدِيدَ الَّذِي غَلَبَ الْجِبَالَ فَمَنْ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْمَاءَ فَأَطْفَأَ النَّارَ وَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا دِفَاعٌ وَ لَا امْتِنَاعٌ فَفَخَرَ الْمَاءُ وَ قَالَ غَلَبْتُ النَّارَ الَّتِي غَلَبَتِ الْحَدِيدَ فَمَنْ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الرِّيحَ (2) فَأَيْبَسَتِ الْمَاءَ فَفَخَرَتِ الرِّيحُ وَ قَالَتْ غَلَبْتُ الْمَاءَ الَّذِي غَلَبَ النَّارَ فَمَنْ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْإِنْسَانَ فَصَرَفَ الرِّيَاحَ (3) عَنْ مَجَارِيهَا بِالْبُنْيَانِ فَفَخَرَ الْإِنْسَانُ وَ قَالَ غَلَبْتُ الرِّيحَ الَّتِي
____________
(1) في بعض النسخ «فتحرك» و فيها اثبتت الافعال الآتية المسندة إلى ضمير الحوت مذكرة أما التذكير فظاهر و أمّا التأنيث فباعتبار أن معناه «السمكة».
(2) في النسخة «قال: غلبت فأيبست الماء» و هو حشو (ب).
(3) في بعض النسخ: الريح.
89
غَلَبَتِ الْمَاءَ فَمَنْ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَلَكَ الْمَوْتِ فَأَمَاتَ الْإِنْسَانَ فَفَخَرَ مَلَكُ الْمَوْتِ وَ قَالَ غَلَبْتُ الْإِنْسَانَ الَّذِي غَلَبَ الرِّيحَ فَمَنْ يَغْلِبُنِي فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنَا الْقَهَّارُ الْغَلَّابُ الْوَهَّابُ أَغْلِبُكَ وَ أَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ فَذَلِكَ قَوْلُهُ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ
74- الْعَيَّاشِيُّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ فَالسَّنَةُ تَنْقُصُ سِتَّةَ أَيَّامِ.
بيان لعل المعنى أن مقتضى ظاهر الحال كان تساوي الشهور و كون كلها ثلاثين يوما فأسقط الله الستة عن الشهور و جعل حركة القمر بحيث تصير السنة القمرية ثلاثمائة و أربعة و خمسين يوما و لذا تطلق السنة في عرف الشرع و عرف العرب على الثلاثمائة و الستين مع أنه لا يوافق حركة الشمس و لا حركة القمر و الله يعلم.
75- الْعَيَّاشِيُّ، عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ وَ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ خَلَقَ الْأَرْضَ قَبْلَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ لِتَدْبِيرِ الْأُمُورِ.
وَ مِنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: كَانَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ وَ الْمَاءُ عَلَى الْهَوَاءِ وَ الْهَوَاءُ لَا يَجْرِي.
76- وَ مِنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الْعِجْلِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَيَّ شَيْءٍ كَانَ مَوْضِعُ الْبَيْتِ حَيْثُ كَانَ الْمَاءُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ قَالَ كَانَتْ مَهَاةً بَيْضَاءَ يَعْنِي دُرَّةً.
77- الْمَنَاقِبُ، سَأَلَ ضِبَاعٌ (1) الْهِنْدِيُّ مَا أَصْلُ الْمَاءِ قَالَ(ع)أَصْلُ الْمَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ (2).
بيان أي خشية الله صار سببا لذوبان الدرة و صيرورتها ماء كما سيأتي.
____________
(1) كذا و في المصدر: صباح بن نصر الهندى.
(2) المناقب: ج 4،(ص)354.
90
78- تَنْبِيهُ الْخَاطِرِ، لِلْوَرَّامِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوَّلَ مَا خَلَقَ الْخَلْقَ خَلَقَ نُوراً (1) ابْتَدَعَهُ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ثُمَّ خَلَقَ مِنْهُ ظُلْمَةً وَ كَانَ قَدِيراً أَنْ يَخْلُقَ الظُّلْمَةَ لَا مِنْ شَيْءٍ كَمَا خَلَقَ النُّورَ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ثُمَّ خَلَقَ مِنَ الظُّلْمَةِ نُوراً وَ خَلَقَ مِنَ النُّورِ يَاقُوتَةً غِلَظُهَا كَغِلَظِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ وَ سَبْعِ أَرَضِينَ ثُمَّ زَجَرَ الْيَاقُوتَةَ فَمَاعَتْ لِهَيْبَتِهِ فَصَارَتْ مَاءً مُرْتَعِداً وَ لَا يَزَالُ مُرْتَعِداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ خَلَقَ عَرْشَهُ مِنْ نُورِهِ وَ جَعَلَهُ عَلَى الْمَاءِ وَ لِلْعَرْشِ عَشَرَةُ آلَافِ لِسَانٍ يُسَبِّحُ اللَّهَ كُلُّ لِسَانٍ مِنْهَا بِعَشَرَةِ آلَافِ لُغَةٍ لَيْسَ فِيهَا لُغَةٌ تُشْبِهُ الْأُخْرَى وَ كَانَ الْعَرْشُ عَلَى الْمَاءِ مِنْ دُونِ حُجُبِ (2) الضَّبَابِ (3).
79- تَفْسِيرُ الْفُرَاتِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ كَثِيرٍ مُعَنْعَناً عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)قَالَ: شَهِدْتُ أَبِي (4) عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَ عِنْدَهُ كَعْبُ الْأَحْبَارِ وَ كَانَ رَجُلًا قَدْ قَرَأَ التَّوْرَاةَ وَ كُتُبَ الْأَنْبِيَاءِ(ع)فَقَالَ لَهُ عُمَرُ يَا كَعْبُ مَنْ كَانَ أَعْلَمَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ(ع)قَالَ كَانَ أَعْلَمُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ وَ كَانَ وَصِيَّ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ بَعْدَهُ (5) وَ كَذَلِكَ كُلُّ نَبِيٍّ خَلَا مِنْ بَعْدِ (6) مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ كَانَ لَهُ وَصِيٌّ يَقُومُ فِي أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ فَمَنْ وَصِيُّ نَبِيِّنَا وَ عَالِمُنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ وَ عَلِيٌّ سَاكِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ فَقَالَ كَعْبٌ مَهْلًا (7) فَإِنَّ السُّكُوتَ عَنْ هَذَا أَفْضَلُ كَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا خَطَا (8) بِالصَّلَاحِ فَقَدَّمَهُ الْمُسْلِمُونَ لِصَلَاحِهِ وَ لَمْ يَكُنْ بِوَصِيٍّ فَإِنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ لَمَّا تُوُفِّيَ أَوْصَى إِلَى
____________
(1) في المصدر: إنّه عزّ و جلّ خلق نورا.
(2) في بعض النسخ «من دونه حجب الضباب» و في المصدر «و من دونه حجب الضباب».
(3) تنبيه الخاطر: ج 2،(ص)5- 6.
(4) في المصدر: مع أبى.
(5) في المصدر: وصى موسى من بعده.
(6) في المصدر: من قبل موسى و من بعده.
(7) في المصدر: مهلا يا عمر.
(8) في بعض النسخ «حظا» و كلاهما بمعنى.
91
يُوشَعَ بْنِ نُونٍ فَقَبِلَهُ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ أَنْكَرَتْ فَضْلَهُ طَائِفَةٌ وَ هِيَ (1) الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ كَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (2) وَ كَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ السَّالِفَةُ وَ الْأُمَمُ الْخَالِيَةُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إِلَّا وَ قَدْ كَانَ لَهُ وَصِيٌّ يَحْسُدُهُ قَوْمُهُ وَ يَدْفَعُونَ فَضْلَهُ فَقَالَ وَيْحَكَ يَا كَعْبُ فَمَنْ تَرَى وَصِيَّ نَبِيِّنَا قَالَ كَعْبٌ مَعْرُوفٌ فِي جَمِيعِ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ وَ الْكُتُبِ الْمُنْزَلَةِ مِنَ السَّمَاءِ عَلِيٌّ أَخُو النَّبِيِّ الْعَرَبِيِّ(ع)يُعِينُهُ عَلَى أَمْرِهِ وَ يُوَازِرُهُ عَلَى مَنْ نَاوَاهُ وَ لَهُ زَوْجَةٌ مُبَارَكَةٌ وَ لَهُ مِنْهَا ابْنَانِ يَقْتُلُهُمَا أُمَّتُهُ مِنْ بَعْدِهِ وَ يَحْسُدُونَ (3) وَصِيَّهُ كَمَا حَسَدَتِ الْأُمَمُ أَوْصِيَاءَ أَنْبِيَائِهَا فَيَدْفَعُونَهُ عَنْ حَقِّهِ وَ يَقْتُلُونَ مِنْ وُلْدِهِ بَعْدَهُ (4) كَحَسَدِ (5) الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَ قَالَ فَأُفْحِمَ عِنْدَهَا وَ قَالَ (6): يَا كَعْبُ لَئِنْ صَدَقْتَ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنْزَلِ قَلِيلًا فَقَدْ كَذَبْتَ كَثِيراً فَقَالَ كَعْبٌ وَ اللَّهِ مَا كَذَبْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَطُّ وَ لَكِنْ سَأَلْتَنِي عَنْ أَمْرٍ لَمْ يَكُنْ لِي بُدٌّ مِنْ تَفْسِيرِهِ وَ الْجَوَابِ فِيهِ فَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّ أَعْلَمَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)بَعْدَ نَبِيِّهَا (7) لِأَنِّي لَمْ أَسْأَلْهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا وَجَدْتُ عِنْدَهُ كلما (8) [عِلْماً تُصَدِّقُهُ بِهِ التَّوْرَاةُ وَ جَمِيعُ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ(ع)فَقَالَ لَهُ عُمَرُ اسْكُتْ يَا ابْنَ الْيَهُودِيِ (9) فَوَ اللَّهِ إِنَّكَ لَكَثِيرُ التَّخَرُّصِ (10) بِكَذِبٍ (11) فَقَالَ كَعْبٌ وَ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنِّي كَذَبْتُ فِي شَيْءٍ مِنْ
____________
(1) في بعض النسخ: فهى.
(2) الصف: 14.
(3) في بعض النسخ: و يحسد.
(4) في بعض النسخ: ولده من بعده و كذا في المصدر.
(5) في بعض النسخ: كحذو.
(6) في بعض النسخ: قال: فأفحم عمر و في المصدر: قال فأفحم عمر عندها و قال له.
(7) في بعض النسخ: نبيّنا.
(8) في المصدر: علما.
(9) في المصدر: يا ابن اليهودية.
(10) في بعض النسخ: لكثير التحرص.
(11) في المصدر: لكثير التخرص و الكذب.
92
كِتَابِ اللَّهِ مُنْذُ جَرَى لِلَّهِ عَلَيَّ الْحُكْمُ وَ لَئِنْ شِئْتَ لَأُلْقِيَنَّ عَلَيْكَ شَيْئاً مِنْ عِلْمِ التَّوْرَاةِ فَإِنْ فَهِمْتَهُ فَأَنْتَ أَعْلَمُ مِنْهُ وَ إِنْ فَهِمَ فَهُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ هَاتِ بَعْضَ هَنَاتِكَ فَقَالَ كَعْبٌ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ فَأَيْنَ كَانَتِ الْأَرْضُ وَ أَيْنَ كَانَتِ السَّمَاءُ وَ أَيْنَ كَانَ جَمِيعُ خَلْقِهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ وَ مَنْ يَعْلَمُ غَيْبَ (1) اللَّهِ مِنَّا إِلَّا مَا سَمِعَهُ رَجُلٌ مِنْ نَبِيِّنَا قَالَ وَ لَكِنْ إِخَالُ أَبَا حَسَنٍ لَوْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ لَشَرَحَهُ بِمِثْلِ مَا قَرَأْنَاهُ فِي التَّوْرَاةِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ فَدُونَكَ إِذاً اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ قَالَ فَلَمَّا دَخَلَ عَلِيٌّ(ع)عَلَى عُمَرَ وَ أَصْحَابِهِ (2) أَرَادُوا إِسْقَاطَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَقَالَ كَعْبٌ يَا أَبَا الْحَسَنِ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)نَعَمْ كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ حِينَ لَا أَرْضٌ مَدْحِيَّةٌ وَ لَا سَمَاءٌ مَبْنِيَّةٌ وَ لَا صَوْتٌ يُسْمَعُ وَ لَا عَيْنٌ تَنْبُعُ وَ لَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَ لَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَ لَا نَجْمٌ يَسْرِي وَ لَا قَمَرٌ يَجْرِي وَ لَا شَمْسٌ تُضِيءُ وَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ غَيْرُ مُسْتَوْحِشٍ إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ يُمَجِّدُ نَفْسَهُ وَ يُقَدِّسُهَا كَمَا شَاءَ أَنْ يَكُونَ كَانَ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ فَضَرَبَ بِأَمْوَاجِ الْبُحُورِ فَثَارَ مِنْهَا مِثْلُ الدُّخَانِ كَأَعْظَمِ مَا يَكُونُ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ فَبَنَى بِهَا سَمَاءً رَتْقاً ثُمَّ دَحَا (3) الْأَرْضَ مِنْ مَوْضِعِ (4) الْكَعْبَةِ وَ هِيَ وَسَطُ الْأَرْضِ فَطَبَقَتْ إِلَى الْبِحَارِ ثُمَّ فَتَقَهَا بِالْبُنْيَانِ وَ جَعَلَهَا سَبْعاً بَعْدَ إِذْ كَانَتْ وَاحِدَةً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ الَّذِي أَنْشَأَهُ مِنْ تِلْكَ الْبُحُورِ فَجَعَلَهَا سَبْعاً طِبَاقاً بِكَلِمَتِهِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا غَيْرُهُ وَ جَعَلَ فِي كُلِّ سَمَاءٍ سَاكِناً مِنَ الْمَلَائِكَةِ خَلَقَهُمْ مَعْصُومِينَ مِنْ نُورٍ مِنْ بُحُورٍ عَذْبَةٍ وَ هُوَ (5) بَحْرُ الرَّحْمَةِ وَ جَعَلَ طَعَامَهُمُ التَّسْبِيحَ وَ التَّهْلِيلَ وَ التَّقْدِيسَ فَلَمَّا قَضَى أَمْرَهُ
____________
(1) في المصدر: بغيب اللّه.
(2) في المصدر: «فلما دخل على عمر أصحابه» و الظاهر أنّه الصحيح.
(3) في المصدر: ثم انشق.
(4) في بعض النسخ: فى موضع.
(5) و هى (خ).
93
وَ خَلْقَهُ اسْتَوَى عَلَى مُلْكِهِ فَمُدِحَ كَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْمَدَ ثُمَّ قَدَّرَ مُلْكَهُ فَجَعَلَ فِي كُلِّ سَمَاءٍ شُهُباً مُعَلَّقَةً (1) كَوَاكِبَ كَتَعْلِيقِ الْقَنَادِيلِ مِنَ الْمَسَاجِدِ لَا يُحْصِيهَا (2) غَيْرُهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَ النَّجْمُ مِنْ نُجُومِ السَّمَاءِ كَأَكْبَرِ مَدِينَةٍ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ خَلَقَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ فَجَعَلَهُمَا شَمْسَيْنِ فَلَوْ تَرَكَهُمَا تَبَارَكَ وَ تَعَالَى كَمَا كَانَ ابْتَدَأَهُمَا فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ لَمْ يُعْرَفْ خِلْقَةُ اللَّيْلِ مِنَ النَّهَارِ وَ لَا عُرِفَ الشَّهْرُ وَ لَا السَّنَةُ وَ لَا عُرِفَ الشِّتَاءُ مِنَ الصَّيْفِ وَ لَا عُرِفَ الرَّبِيعُ مِنَ الْخَرِيفِ وَ لَا عَلِمَ أَصْحَابُ الدَّيْنِ مَتَى يَحُلُّ دَيْنُهُمْ وَ لَا عَلِمَ الْعَامِلُ مَتَى يَتَصَرَّفُ (3) فِي مَعِيشَتِهِ وَ مَتَى يَسْكُنُ لِرَاحَةِ بَدَنِهِ فَكَانَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لِرَأْفَتِهِ بِعِبَادِهِ نَظَرَ (4) لَهُمْ فَبَعَثَ جَبْرَئِيلَ(ع)إِلَى إِحْدَى الشَّمْسَيْنِ فَمَسَحَ بِهَا جَنَاحَهُ فَأَذْهَبَ مِنْهَا الشُّعَاعَ وَ النُّورَ وَ تَرَكَ فِيهَا الضَّوْءَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ وَ كُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا وَ جَعَلَهُمَا يَجْرِيَانِ فِي الْفَلَكِ وَ الْفَلَكُ بَحْرٌ (5) فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ مُسْتَطِيلٌ فِي السَّمَاءِ اسْتِطَالَتُهُ ثَلَاثَةُ فَرَاسِخَ يَجْرِي فِي غَمْرَةِ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى عَجَلَةٍ يَقُودُهُمَا (6) ثَلَاثُمِائَةِ مَلَكٍ بِيَدِ كُلِّ مَلَكٍ مِنْهَا عُرْوَةٌ يَجُرُّونَهَا فِي غَمْرَةِ ذَلِكَ الْبَحْرِ لَهُمْ زَجَلٌ بِالتَّهْلِيلِ وَ التَّسْبِيحِ وَ التَّقْدِيسِ لَوْ بَرَزَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مِنْ غَمْرِ ذَلِكَ الْبَحْرِ لَاحْتَرَقَ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ حَتَّى الْجِبَالُ وَ الصُّخُورُ وَ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ وَ النُّجُومَ وَ الْفَلَكَ وَ جَعَلَ الْأَرَضِينَ عَلَى ظَهْرِ حُوتٍ (7) أَثْقَلَهَا فَاضْطَرَبَتْ فَأَثْبَتَهَا بِالْجِبَالِ فَلَمَّا اسْتَكْمَلَ خَلْقَ مَا فِي السَّمَاوَاتِ
____________
(1) في بعض النسخ: معلقة الكواكب.
(2) ما لا يحصيها (خ).
(3) في المصدر: ينصرف.
(4) في المصدر: أرأف بعباده و انظر.
(5) في المخطوط: يجرى.
(6) في المصدر: يقوده.
(7) في المصدر: الحوت.
94
وَ الْأَرْضُ يَوْمَئِذٍ خَالِيَةٌ لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ فَبَعَثَ اللَّهُ جَبْرَئِيلَ(ع)فَأَخَذَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ قَبْضَةً فَعَجَنَهُ بِالْمَاءِ الْعَذْبِ وَ الْمَالِحِ (1) وَ رَكَّبَ فِيهِ الطَّبَائِعَ قَبْلَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهِ الرُّوحَ فَخَلَقَهُ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ آدَمَ لِأَنَّهُ لَمَّا عُجِنَ بِالْمَاءِ اسْتَأْدَمَ فَطَرَحَهُ فِي الْجَبْلِ كَالْجَبْلِ الْعَظِيمِ وَ كَانَ إِبْلِيسُ يَوْمَئِذٍ خَازِناً عَلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ يَدْخُلُ فِي مَنْخِرِ آدَمَ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ ثُمَّ يَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَى بَطْنِهِ فَيَقُولُ لِأَيِّ أَمْرٍ خُلِقْتَ لَئِنْ جُعِلْتَ فَوْقِي لَا أَطَعْتُكَ وَ إِنْ جُعِلْتَ أَسْفَلَ مِنِّي لَا أُعِينُكَ فَمَكَثَ فِي الْجَنَّةِ أَلْفَ سَنَةٍ مَا بَيْنَ خَلْقِهِ إِلَى أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ فَخَلَقَهُ مِنْ مَاءٍ وَ طِينٍ وَ نُورٍ وَ ظُلْمَةٍ وَ رِيحٍ وَ نُورٍ مِنْ نُورِ اللَّهِ فَأَمَّا النُّورُ فَيُورِثُهُ الْإِيمَانَ وَ أَمَّا الظُّلْمَةُ فَيُورِثُهُ الْكُفْرَ وَ الضَّلَالَةَ وَ أَمَّا الطِّينُ فَيُورِثُهُ الرِّعْدَةَ وَ الضَّعْفَ وَ الِاقْشِعْرَارَ (2) عِنْدَ إِصَابَةِ الْمَاءِ فَيُنْعَتُ (3) بِهِ عَلَى أَرْبَعِ الطَّبَائِعِ عَلَى الدَّمِ وَ الْبَلْغَمِ وَ الْمِرَارِ وَ الرِّيحِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً قَالَ فَقَالَ كَعْبٌ يَا عُمَرُ بِاللَّهِ أَ تَعْلَمُ كَعِلْمِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَا فَقَالَ كَعْبٌ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)وَصِيُّ الْأَنْبِيَاءِ وَ مُحَمَّدٌ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ(ع)وَ عَلِيٌّ خَاتَمُ الْأَوْصِيَاءِ وَ لَيْسَ عَلَى الْأَرْضِ الْيَوْمَ مَنْفُوسَةٌ إِلَّا وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَعْلَمُ مِنْهُ وَ اللَّهِ مَا ذَكَرَ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ وَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ وَ الْمَلَائِكَةِ شَيْئاً إِلَّا وَ قَدْ قَرَأْتُهُ فِي التَّوْرَاةِ كَمَا قَرَأَ قَالَ فَمَا رُئِيَ عُمَرُ غَضِبَ قَطُّ مِثْلَ غَضَبِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ (4).
بيان الخرص الكذب و القول بالظن و التخرص الافتراء بعض
____________
(1) في المصدر: و الماء المالح.
(2) في المصدر: القشعريرة-.
(3) في المصدر: فينبعث.
(4) تفسير فرات: 65.
95
هناتك أي شرورك أو كلماتك العجيبة و لكن إخال بكسر الهمزة و قد تفتح أي أظن ثم فتقها بالبنيان لعل المراد جعل الفرج بين قطعاتها فصارت كالبنيان أو جعل فيها البناء و العمارة فقسمت بالأقاليم على قول و الجبل بالفتح الساحة و كان في الخبر تصحيفات و هو مشتمل على رموز و لعلنا نتكلم في بعض أجزائه في موضع يناسبه.
80- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ سَهْلٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ دَاوُدَ الرَّقِّيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ فَقَالَ مَا يَقُولُونَ (1) قُلْتُ يَقُولُونَ إِنَّ الْعَرْشَ كَانَ عَلَى الْمَاءِ وَ الرَّبُّ فَوْقَهُ فَقَالَ كَذَبُوا مَنْ زَعَمَ هَذَا فَقَدْ صَيَّرَ اللَّهَ مَحْمُولًا وَ وَصَفَهُ بِصِفَةِ الْمَخْلُوقِ (2) وَ لَزِمَهُ أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَحْمِلُهُ أَقْوَى مِنْهُ قُلْتُ بَيِّنْ لِي جُعِلْتُ فِدَاكَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ حَمَّلَ دِينَهُ وَ عِلْمَهُ الْمَاءَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ أَرْضٌ أَوْ سَمَاءٌ أَوْ جِنٌّ أَوْ إِنْسٌ أَوْ شَمْسٌ أَوْ قَمَرٌ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ نَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ مَنْ رَبُّكُمْ فَأَوَّلُ مَنْ نَطَقَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْأَئِمَّةُ(ع)فَقَالُوا أَنْتَ رَبُّنَا فَحَمَّلَهُمُ الْعِلْمَ وَ الدِّينَ ثُمَّ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ هَؤُلَاءِ حَمَلَةُ دِينِي وَ عِلْمِي وَ أُمَنَائِي فِي خَلْقِي وَ هُمُ الْمَسْئُولُونَ ثُمَّ قَالَ لِبَنِي آدَمَ أَقِرُّوا لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَ لِهَؤُلَاءِ النَّفَرِ بِالْوَلَايَةِ وَ الطَّاعَةِ فَقَالُوا نَعَمْ رَبَّنَا أَقْرَرْنَا فَقَالَ اللَّهُ لِلْمَلَائِكَةِ اشْهَدُوا فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ شَهِدْنَا عَلَى أَنْ لَا يَقُولُوا غَداً إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ أَوْ يَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَ كُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ يَا دَاوُدُ وَلَايَتُنَا مُؤَكَّدَةٌ عَلَيْهِمْ فِي الْمِيثَاقِ (3).
التوحيد، عن علي بن أحمد الدقاق عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي عن
____________
(1) في التوحيد: فقال لي ما يقولون في ذلك.
(2) في التوحيد: المخلوقين.
(3) الكافي: ج 1، ص: 132.
96
محمد بن إسماعيل البرمكي عن جزعان (1) بن نصر الكندي عن سهل مثله بيان ظاهره أن الله سبحانه أعطى الماء حالة صار قابلا لحمل دينه و علمه و يحتمل أن يكون المعنى أنه لما كان الماء أول المخلوقات و كان الله تعالى جعله قابلا لأن يخرج منه خلقا يكونون قابلين لعلمه و دينه و كان يهيئ أسباب خروجهم منه فكأنه حمل دينه و علمه الماء و من يسلك مسلك الحكماء قد يؤول الماء بالعقل و قد يؤوله بالهيولى و نحن من ذلك بمعزل بفضله تعالى.
81- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ (2) قَالَ: جَاءَ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ(ع)رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَالَ يَا أَبَا جَعْفَرٍ جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ قَدْ أَعْيَتْ عَلَيَّ أَنْ أَجِدَ أَحَداً يُفَسِّرُهَا وَ قَدْ سَأَلْتُ عَنْهَا ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ مِنَ النَّاسِ فَقَالَ كُلُّ صِنْفٍ مِنْهُمْ شَيْئاً غَيْرَ الَّذِي قَالَ الصِّنْفُ الْآخَرُ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)مَا ذَاكَ قَالَ فَإِنِّي أَسْأَلُكَ عَنْ أَوَّلِ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ فَإِنَّ بَعْضَ مَنْ سَأَلْتُهُ قَالَ الْقَدَرُ وَ قَالَ بَعْضُهُمُ الْقَلَمُ وَ قَالَ بَعْضُهُمُ الرُّوحُ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مَا قَالُوا شَيْئاً أُخْبِرُكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى كَانَ وَ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ وَ كَانَ عَزِيزاً وَ لَا أَحَدَ كَانَ قَبْلَ عِزِّهِ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ كَانَ الْخَالِقُ قَبْلَ الْمَخْلُوقِ وَ لَوْ كَانَ أَوَّلُ مَا خَلَقَ مِنْ خَلْقِهِ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ إِذاً لَمْ يَكُنْ لَهُ انْقِطَاعٌ أَبَداً وَ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ إِذاً وَ مَعَهُ شَيْءٌ لَيْسَ هُوَ يَتَقَدَّمُهُ وَ لَكِنَّهُ كَانَ إِذْ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ وَ خَلَقَ الشَّيْءَ الَّذِي جَمِيعُ
____________
(1) في المصدر: جذعان بن أبي نصر الكندي.
(2) هو محمّد بن عطية الحناط الكوفيّ أخو الحسن و جعفر، قال النجاشيّ عند ترجمة اخيه الحسن، الحسن بن عطية الحناط كوفيّ، مولى، ثقة، و اخواه أيضا، و كلهم يروون عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و ظاهره وثاقة محمّد و جعفر أيضا. لكن في روايته عن ابى جعفر بلا واسطة اشكال، لانه روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و هو صغير كما صرّح به النجاشيّ، فكأن في السند ارسالا. و يؤيده أنّه لم يذكر روايته في سائر كتب الرجال أيضا إلّا عن الصادق (عليه السلام).
97
الْأَشْيَاءِ مِنْهُ وَ هُوَ الْمَاءُ الَّذِي خَلَقَ الْأَشْيَاءَ مِنْهُ فَجَعَلَ نَسَبَ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى الْمَاءِ وَ لَمْ يَجْعَلْ لِلْمَاءِ نَسَباً يُضَافُ إِلَيْهِ وَ خَلَقَ الرِّيحَ مِنَ الْمَاءِ ثُمَّ سَلَّطَ الرِّيحَ عَلَى الْمَاءِ فَشَقَّقَتِ الرِّيحُ مَتْنَ الْمَاءِ حَتَّى ثَارَ مِنَ الْمَاءِ زَبَدٌ عَلَى قَدْرِ مَا شَاءَ أَنْ يَثُورَ فَخَلَقَ مِنْ ذَلِكَ الزَّبَدِ أَرْضاً بَيْضَاءَ نَقِيَّةً لَيْسَ فِيهَا صَدْعٌ وَ لَا ثَقْبٌ (1) وَ لَا صُعُودٌ وَ لَا هُبُوطٌ وَ لَا شَجَرَةٌ ثُمَّ طَوَاهَا فَوَضَعَهَا فَوْقَ الْمَاءِ ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ النَّارَ مِنَ الْمَاءِ فَشَقَّقَتِ النَّارُ مَتْنَ الْمَاءِ حَتَّى ثَارَ مِنَ الْمَاءِ دُخَانٌ عَلَى قَدْرِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَثُورَ فَخَلَقَ مِنْ ذَلِكَ الدُّخَانِ سَمَاءً صَافِيَةً نَقِيَّةً لَيْسَ فِيهَا صَدْعٌ وَ لَا نَقْبٌ (2) وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَ أَغْطَشَ لَيْلَها وَ أَخْرَجَ ضُحاها قَالَ وَ لَا شَمْسٌ وَ لَا قَمَرٌ وَ لَا نُجُومٌ وَ لَا سَحَابٌ ثُمَّ طَوَاهَا فَوَضَعَهَا فَوْقَ الْأَرْضِ ثُمَّ نَسَبَ الْخَلِيقَتَيْنِ فَرَفَعَ السَّمَاءَ قَبْلَ الْأَرْضِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ ذِكْرُهُ وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها يَقُولُ بَسَطَهَا قَالَ فَقَالَ لَهُ الشَّامِيُّ يَا أَبَا جَعْفَرٍ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)فَلَعَلَّكَ تَزْعُمُ أَنَّهُمَا كَانَتَا رَتْقاً مُلْتَزِقَتَيْنِ مُلْتَصِقَتَيْنِ فَفُتِقَتْ إِحْدَاهُمَا مِنَ الْأُخْرَى فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ فَإِنَّ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ كانَتا رَتْقاً يَقُولُ كَانَتِ السَّمَاءُ رَتْقاً لَا تُنْزِلُ الْمَطَرَ وَ كَانَتِ الْأَرْضُ رَتْقاً لَا تُنْبِتُ الْحَبَّ فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى الْخَلْقَ وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ فَفَتَقَ السَّمَاءَ بِالْمَطَرِ وَ الْأَرْضَ بِنَبَاتِ الْحَبِّ فَقَالَ الشَّامِيُّ أَشْهَدُ أَنَّكَ مِنْ وُلْدِ الْأَنْبِيَاءِ وَ أَنَّ عِلْمَكَ عِلْمُهُمْ (3).
توضيح قوله(ع)و لو كان أول ما خلق أي لو كان كما تزعمه الحكماء كل حادث مسبوقا بمادة فلا يتحقق شيء يكون أول الأشياء من الحوادث فيلزم وجود قديم سوى الله تعالى و هو محال فجعل نسب كل شيء إلى الماء أي
____________
(1) نقب (خ).
(2) ثقب (خ).
(3) روضة الكافي: 94.
98
بأن خلق جميعها منه لا بقوله وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ لأنه ظاهرا مختص بذوي الحياة إلا أن يقال المراد بكل شيء هنا أيضا ذوو الحياة أو يقال انتساب ذوي الحياة إليه مستلزم لانتساب غيرهم أيضا من العناصر لأنها جزء الحيوان ثم نسب الخليقتين أي رتبهما في الوضع و جعل إحداهما فوق الأخرى أو بين نسبة خلقهما في كتابه بقوله وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها فبين أن دحو الأرض بعد رفع السماء.
82- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ رَزِينٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ وَ الْحَجَّالِ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو جَعْفَرٍ(ع)كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مَاءً وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ فَأَمَرَ اللَّهُ جَلَّ وَ عَزَّ الْمَاءَ فَاضْطَرَمَ نَاراً ثُمَّ أَمَرَ النَّارَ فَخَمَدَتْ فَارْتَفَعَ مِنْ خُمُودِهَا دُخَانٌ فَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ مِنْ ذَلِكَ الدُّخَانِ وَ خَلَقَ الْأَرْضَ مِنَ الرَّمَادِ ثُمَّ اخْتَصَمَ الْمَاءُ وَ النَّارُ وَ الرِّيحُ فَقَالَ الْمَاءُ أَنَا جُنْدُ اللَّهِ الْأَكْبَرُ وَ قَالَ الرِّيحُ أَنَا جُنْدُ اللَّهِ الْأَكْبَرُ (1) وَ قَالَتِ النَّارُ أَنَا جُنْدُ اللَّهِ الْأَكْبَرُ فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى الرِّيحِ أَنْتِ جُنْدِيَ الْأَكْبَرُ.
بيان و خلق الأرض من الرماد لعل المراد بقية الأرض التي حصلت بعد الدحو و يحتمل أيضا أن يكون الزبد المذكور في الأخبار الأخر مادة بعيدة للأرض بأن يكون الرماد تكون من الزبد و من الرماد تكونت الأرض أو يكون الرماد أحد أجزاء الأرض مزج بالزبد فجمد الزبد بذلك المزج و تصلب.
83- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْأَحْوَلِ عَنْ سَلَّامِ بْنِ الْمُسْتَنِيرِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ النَّارَ وَ خَلَقَ الطَّاعَةَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْمَعْصِيَةَ وَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ قَبْلَ الْغَضَبِ وَ خَلَقَ الْخَيْرَ قَبْلَ الشَّرِّ وَ خَلَقَ الْأَرْضَ قَبْلَ السَّمَاءِ وَ خَلَقَ الْحَيَاةَ قَبْلَ الْمَوْتِ وَ خَلَقَ الشَّمْسَ قَبْلَ الْقَمَرِ وَ خَلَقَ النُّورَ قَبْلَ (2) أَنْ يَخْلُقَ الظُّلْمَةَ (3).
____________
(1) روضة الكافي: 95 و 153.
(2) في المصدر: قبل الظلمة.
(3) روضة الكافي: 145.
99
بيان لعل المراد بخلق الطاعة تقديرها بل الظاهر في الأكثر ذلك و الخلق بمعنى التقدير شائع و المراد بخلق الشر خلق ما يترتب عليه شر ظاهرا و إن كان خيره غالبا و وجوده صلاحا.
84- الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ النَّبِيُّ(ص)مَا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ خَلْقاً إِلَّا وَ قَدْ أَمَّرَ عَلَيْهِ آخَرَ يَغْلِبُهُ فِيهِ وَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ السَّحَابَ (1) السُّفْلَى فَخَرَتْ وَ زَخَرَتْ (2) وَ قَالَتْ أَيُّ شَيْءٍ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ الْأَرْضَ فَسَطَحَهَا عَلَى ظَهْرِهَا فَذَلَّتْ ثُمَّ إِنَّ الْأَرْضَ فَخَرَتْ وَ قَالَتْ أَيُّ شَيْءٍ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ الْجِبَالَ فَأَثْبَتَهَا عَلَى ظَهْرِهَا أَوْتَاداً مِنْ أَنْ تَمِيدَ بِمَا عَلَيْهَا فَذَلَّتِ الْأَرْضُ وَ اسْتَقَرَّتْ ثُمَّ إِنَّ الْجِبَالَ فَخَرَتْ عَلَى الْأَرْضِ فَشَمَخَتْ وَ اسْتَطَالَتْ وَ قَالَتْ أَيُّ شَيْءٍ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ الْحَدِيدَ فَقَطَعَهَا فَقَرَّتِ الْجِبَالُ وَ ذَلَّتْ ثُمَّ إِنَّ الْحَدِيدَ فَخَرَ عَلَى الْجِبَالِ وَ قَالَ أَيُّ شَيْءٍ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ النَّارَ فَأَذَابَتِ الْحَدِيدَ فَذَلَّ الْحَدِيدُ ثُمَّ إِنَّ النَّارَ زَفَرَتْ وَ شَهَقَتْ وَ فَخَرَتْ وَ قَالَتْ أَيُّ شَيْءٍ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ الْمَاءَ فَأَطْفَأَهَا فَذَلَّتِ النَّارُ ثُمَّ إِنَّ الْمَاءَ فَخَرَ وَ زَخَرَ وَ قَالَ أَيُّ شَيْءٍ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ الرِّيحَ فَحَرَّكَتْ أَمْوَاجَهُ وَ أَثَارَتْ مَا فِي قَعْرِهِ وَ حَبَسَتْهُ عَنْ مَجَارِيهِ فَذَلَّ الْمَاءُ ثُمَّ إِنَّ الرِّيحَ فَخَرَتْ وَ عَصَفَتْ وَ لَوَّحَتْ (3) أَذْيَالَهَا وَ قَالَتْ أَيُّ شَيْءٍ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ الْإِنْسَانَ فَبَنَى وَ احْتَالَ وَ اتَّخَذَ مَا يَسْتَتِرُ بِهِ مِنَ الرِّيحِ وَ غَيْرِهَا فَذَلَّتِ الرِّيحُ ثُمَّ إِنَّ الْإِنْسَانَ طَغَى وَ قَالَ مَنْ أَشَدُّ مِنِّي قُوَّةً فَخَلَقَ اللَّهُ لَهُ الْمَوْتَ فَقَهَرَهُ فَذَلَّ الْإِنْسَانُ ثُمَّ إِنَّ الْمَوْتَ فَخَرَ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَا تَفْخَرْ فَإِنِّي ذَابِحُكَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ أَهْلِ النَّارِ ثُمَّ لَا أُحْيِيكَ أَبَداً فَتُرْجَى وَ تُخَافُ (4) وَ قَالَ أَيْضاً وَ الْحِلْمُ يَغْلِبُ الْغَضَبَ
____________
(1) في المصدر: البحار السفلى.
(2) في المخطوط: زحزحت.
(3) في المصدر: و أرخت أذيالها.
(4) في المصدر: أو تخاف.
100
وَ الرَّحْمَةُ تَغْلِبُ السَّخَطَ وَ الصَّدَقَةُ تَغْلِبُ الْخَطِيئَةَ ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَ مَا أَشْبَهَ هَذَا مِمَّا يَغْلِبُ غَيْرَهُ (1).
إيضاح في القاموس زخر البحر كمنع زخرا و زخورا و تزخر طما و تملأ و الوادي مد جدا و ارتفع و النبات طال و الرجل بما عنده فخر انتهى (2) و الظاهر أن هذه الجمل جرت على سبيل الاستعارة التمثيلية لبيان أن سوى الحق تعالى مقهور مغلوب عن غيره و الله سبحانه هو الغالب القاهر لجميع ما سواه و أنه سبحانه بحكمته دفع في الدنيا عادية كل شيء بشيء ليستقيم للناس التعيش فيها و الميل الحركة و الاضطراب.
و قال الجوهري الزفير اغتراق (3) النفس للشدة و الزفير أول صوت الحمار و الشهيق آخره (4) و قال الفيروزآبادي زفر النار سمع لتوقدها صوت (5) قوله(ع)إن الماء فخر لعل المراد بالماء هاهنا المياه التي استكنت في الأرض و خلقت على وجهها و لذا قيد الماء في أول الخبر بالبحار السفلى و غلبة الأرض إنما هي عليها دون المياه الظاهرة فلا ينافي تأخر خلق هذا الماء عن كثير من الأشياء تقدم خلق أصل الماء و حقيقته على غيره من سائر الأشياء.
قوله و عصفت أي اشتدت و لوحت أذيالها أي رفعتها و حركتها تبخترا و تكبرا و هذا من أحسن الاستعارات فترجى أو تخاف أي لا أحييك فتكون حياتك رجاء لأهل النار و خوفا لأهل الجنة و ذبح الموت لعل المراد به ذبح شيء يسمى بهذا الاسم ليعرف الفريقان رفع الموت عنهما عيانا إن لم نقل بتجسم الأعراض في تلك النشأة و يحتمل أن يكون هذا أيضا على الاستعارة التمثيلية.
____________
(1) روضة الكافي: 148.
(2) القاموس: ج 2، ص: 38.
(3) كذا في المصدر، و في بعض نسخ الكتاب «اغتراف» بالفاء.
(4) الصحاح: ج 2،(ص)670 و زاد: لان الزفير ادخال النفس و الشهيق إخراجه.
(5) القاموس: ج 2،(ص)39.
101
85- الْإِخْتِصَاصُ، قَالَ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَوْماً لِمُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ(ع)أَيْنَ كَانَ رَبُّكَ حَيْثُ لَا سَمَاءٌ مَبْنِيَّةٌ وَ لَا أَرْضٌ مَدْحِيَّةٌ قَالَ كَانَ نُوراً فِي نُورٍ وَ نُوراً عَلَى نُورٍ خَلَقَ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ مَاءً مُنْكَدِراً فَخَلَقَ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ ظُلْمَةً فَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى تِلْكَ الظُّلْمَةِ قَالَ إِنَّمَا سَأَلْتُكَ عَنِ الْمَكَانِ قَالَ كُلُّ مَا قُلْتُ أَيْنَ فَأَيْنَ هُوَ الْمَكَانُ قَالَ وَصَفْتَ فَأَجَدْتَ (1) إِنَّمَا سَأَلْتُكَ عَنِ الْمَكَانِ الْمَوْجُودِ الْمَعْرُوفِ قَالَ كَانَ فِي عِلْمِهِ لِعِلْمِهِ فَقَصُرَ عِلْمُ الْعُلَمَاءِ عِنْدَ عِلْمِهِ قَالَ إِنَّمَا سَأَلْتُكَ عَنِ الْمَكَانِ قَالَ يَا لُكَعُ أَ لَيْسَ قَدْ أَجَبْتُكَ أَنَّهُ كَانَ فِي عِلْمِهِ لِعِلْمِهِ فَقَصُرَ عِلْمُ الْعُلَمَاءِ عِنْدَ عِلْمِهِ.
86- سَعْدُ السُّعُودِ، لِلسَّيِّدِ بْنِ طَاوُسٍ قَالَ: وَجَدْتُ فِي صُحُفِ إِدْرِيسَ(ع)مِنْ نُسْخَةٍ عَتِيقَةٍ أَوَّلُ يَوْمٍ خَلَقَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ يَوْمُ الْأَحَدِ ثُمَّ كَانَ صَبَاحُ يَوْمِ الْإِثْنَيْنِ فَجَمَعَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ الْبِحَارَ حَوْلَ الْأَرْضِ وَ جَعَلَهَا أَرْبَعَةَ بِحَارٍ الْفُرَاتَ وَ النِّيلَ وَ سَيْحَانَ وَ جَيْحَانَ ثُمَّ كَانَ مَسَاءُ لَيْلَةِ الثَّلَاثَاءِ فَجَاءَ اللَّيْلُ بِظُلْمَتِهِ وَ وَحْشَتِهِ ثُمَّ كَانَ صَبَاحُ يَوْمِ الثَّلَاثَاءِ فَخَلَقَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ شَرَحَ ذَلِكَ وَ مَا بَعْدَهُ شَرْحاً طَوِيلًا وَ قَالَ ثُمَّ كَانَ مَسَاءُ لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ فَخَلَقَ اللَّهُ أَلْفَ أَلْفِ صِنْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مِنْهُمْ عَلَى خَلْقِ الْغَمَامِ وَ مِنْهُمْ عَلَى خَلْقِ النَّارِ مُتَفَاوِتِينَ فِي الْخَلْقِ وَ الْأَجْنَاسِ ثُمَّ كَانَ صَبَاحُ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ فَخَلَقَ اللَّهُ مِنَ الْمَاءِ أَصْنَافَ الْبَهَائِمِ وَ الطَّيْرِ وَ جَعَلَ لَهُنَّ رِزْقاً فِي الْأَرْضِ وَ خَلَقَ النَّارَ الْعِظَامَ وَ أَجْنَاسَ الْهَوَامِّ ثُمَّ كَانَ مَسَاءُ لَيْلَةِ الْخَمِيسِ فَمَيَّزَ اللَّهُ سِبَاعَ الدَّوَابِّ وَ سِبَاعَ الطَّيْرِ ثُمَّ كَانَ صَبَاحُ يَوْمِ الْخَمِيسِ فَخَلَقَ اللَّهُ ثَمَانَ جِنَانٍ وَ جَعَلَ كُلَّ بَابِ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ إِلَى بَعْضٍ ثُمَّ كَانَ مَسَاءُ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ فَخَلَقَ اللَّهُ النُّورَ الزَّهْرَاءَ وَ فَتَحَ اللَّهُ مِائَةَ بَابِ رَحْمَةٍ فِي كُلِّ بَابٍ جُزْءٌ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ وَكَّلَ بِكُلِّ بَابٍ أَلْفاً مِنْ مَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ وَ جَعَلَ رَئِيسَهُمْ كُلِّهِمْ مِيكَائِيلَ فَجَعَلَ آخِرَهَا بَاباً لِجَمِيعِ الْخَلَائِقِ يَتَرَاحَمُونَ بِهِ بَيْنَهُمْ ثُمَّ كَانَ صَبَاحُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَتَحَ اللَّهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِالْغَيْثِ وَ أَهَبَّ الرِّيَاحَ
____________
(1) فأوجدت (خ).
102
وَ أَنْشَأَ السَّحَابَ وَ أَرْسَلَ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ لِلْأَرْضِ تَأْمُرُ السَّحَابَ تُمْطِرُ عَلَى الْأَرْضِ وَ زَهَرَتِ (1) الْأَرْضُ بِنَبَاتِهَا وَ ازْدَادَتْ حُسْناً وَ بَهْجَةً وَ غَشِيَ الْمَلَائِكَةَ النُّورُ وَ سَمَّى اللَّهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِذَلِكَ يَوْمَ أَزْهَرَ وَ يَوْمَ الْمَزِيدِ وَ قَالَ اللَّهُ قَدْ جَعَلْتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَكْرَمَ الْأَيَّامِ كُلِّهَا وَ أَحَبَّهَا إِلَيَّ ثُمَّ ذَكَرَ شَرْحاً جَلِيلًا بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ إِنَّ الْأَرْضَ عَرَّفَهَا اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ أَنَّهُ يَخْلُقُ مِنْهَا خَلْقاً فَمِنْهُمْ مَنْ يُطِيعُهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَعْصِيهِ فَاقْشَعَرَّتِ الْأَرْضُ وَ اسْتَعْفَتِ اللَّهَ وَ سَأَلَتْهُ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْهَا مَنْ يَعْصِيهِ وَ يُدْخِلَهُ النَّارَ وَ إِنَّ جَبْرَئِيلَ أَتَاهَا لِيَأْخُذَ عَنْهَا طِينَةَ آدَمَ فَسَأَلَتْهُ بِعِزَّةِ اللَّهِ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئاً حَتَّى تَتَضَرَّعَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَ تَضَرَّعَتْ فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالانْصِرَافِ عَنْهَا فَأَمَرَ اللَّهُ مِيكَائِيلَ(ع)فَاقْشَعَرَّتْ وَ سَأَلَتْ وَ تَضَرَّعَتْ فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالانْصِرَافِ عَنْهَا فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِسْرَافِيلَ بِذَلِكَ فَاقْشَعَرَّتْ وَ سَأَلَتْ وَ تَضَرَّعَتْ فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالانْصِرَافِ عَنْهَا فَأَمَرَ عِزْرَائِيلَ فَاقْشَعَرَّتْ وَ سَأَلَتْ وَ تَضَرَّعَتْ فَقَالَ قَدْ أَمَرَنِي رَبِّي بِأَمْرٍ أَنَا مَاضٍ لَهُ سَرَّكِ ذَاكِ (2) أَمْ سَاءَكِ فَقَبَضَ مِنْهَا كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ ثُمَّ صَعِدَ بِهَا إِلَى مَوْقِفِهِ فَقَالَ اللَّهُ لَهُ كَمَا وُلِّيتَ قَبْضَهَا مِنَ الْأَرْضِ وَ هِيَ كَارِهَةٌ كَذَلِكَ تَلِي قَبْضَ أَرْوَاحِ كُلِّ مَنْ عَلَيْهَا وَ كُلِّ مَا قَضَيْتُ عَلَيْهِ الْمَوْتَ مِنَ الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَمَّا غَابَتْ شَمْسُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ خَلَقَ اللَّهُ النُّعَاسَ فَغَشَّاهُ دَوَابَّ الْأَرْضِ وَ جَعَلَ النَّوْمَ سُبَاتاً وَ سَمَّى اللَّيْلَةَ لِذَلِكَ لَيْلَةَ السَّبْتِ وَ قَالَ أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْتُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما وَ ما تَحْتَ الثَّرى فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَهْرِ نَيْسَانَ وَ هُوَ أَوَّلُ شَهْرٍ مِنْ شُهُورِ الدُّنْيَا وَ جَعَلْتُ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ وَ جَعَلْتُ النَّهَارَ نُشُوراً وَ مَعَاشاً وَ جَعَلْتُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَ سَكَناً ثُمَّ كَانَ صَبَاحُ يَوْمِ السَّبْتِ فَمَيَّزَ اللَّهُ لُغَاتِ الْكَلَامِ فَسَبَّحَ جَمِيعُ الْخَلَائِقِ لِعِزَّةِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ فَتَمَّ خَلْقُ اللَّهِ وَ تَمَّ أَمْرُهُ فِي اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ ثُمَّ كَانَ صَبَاحُ يَوْمِ الْأَحَدِ الثَّانِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ مِنَ الدُّنْيَا فَأَمَرَ اللَّهُ مَلَكاً فَعَجَنَ طِينَةَ آدَمَ فَخَلَطَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ ثُمَّ خَمَّرَهَا
____________
(1) في المخطوطة: تزهرت.
(2) ذلك (خ).
103
أَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ جَعَلَهَا لَازِباً (1) ثُمَّ جَعَلَهَا حَمَأً مَسْنُوناً أَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ جَعَلَهَا صَلْصَالًا كَالْفَخَّارِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ بَعْدَ عِشْرِينَ وَ مِائَةِ سَنَةٍ مُذْ خُمِّرَ طِينَةُ آدَمَ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ فَقَالُوا نَعَمْ فَقَالَ فِي الصُّحُفِ مَا هَذَا لَفْظُهُ فَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي صَوَّرَهَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ يَقُولُ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى بْنِ طَاوُسٍ فَأَسْقَطَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ بَعْضَ هَذَا الْكَلَامِ وَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ فَاعْتَقَدَ التَّجْسِيمَ فَاحْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى تَأْوِيلَاتِ الْحَدِيثِ وَ لَوْ نَقَلَهُ بِتَمَامِهِ اسْتُغْنِيَ عَنِ التَّأْوِيلِ بِتَصْدِيقٍ (2) وَ شَهِدَ الْعَقْلُ الْمُسْتَقِيمُ وَ قَالَ فِي الصُّحُفِ ثُمَّ جَعَلَهَا جَسَداً مُلْقًى عَلَى طَرِيقِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِي تَصْعَدُ فِيهِ إِلَى السَّمَاءِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ ذَكَرَ تَنَاسُلَ الْجِنِّ وَ فَسَادَهُمْ وَ هَرَبَ إِبْلِيسَ مِنْهُمْ إِلَى اللَّهِ وَ سُؤَالَهُ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ وَ إِجَابَةَ سُؤَالِهِ وَ مَا وَقَعَ مِنَ الْجِنِّ حَتَّى أَمَرَ اللَّهُ إِبْلِيسَ أَنْ يَنْزِلَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ لِطَرْدِ الْجِنِّ فَنَزَلَ وَ طَرَدَهُمْ عَنِ الْأَرْضِ الَّتِي أَفْسَدُوا فِيهَا وَ شَرَحَ كَيْفِيَّةَ خَلْقِ الرُّوحِ فِي أَعْضَاءِ آدَمَ وَ اسْتِوَائِهِ جَالِساً وَ أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدُوا لَهُ إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَلَمْ يَسْجُدْ لَهُ فَعَطَسَ آدَمُ فَقَالَ اللَّهُ يَا آدَمُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قَالَ اللَّهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ لِهَذَا خَلَقْتُكَ لِتُوَحِّدَنِي وَ تَعْبُدَنِي وَ تُحَمِّدَنِي وَ تُؤْمِنَ بِي وَ لَا تَكْفُرَ بِي وَ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئاً.
87- أَقُولُ قَدْ مَرَّ تَمَامُهُ فِي كِتَابِ النُّبُوَّةِ وَ كِتَابِ الْغَيْبَةِ وَ وَجَدْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ عَنِ الصَّادِقِ(ع)فِي كَلَامٍ لَهُ فَالْزَمْ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الصَّفَاءِ وَ النَّقَاءِ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَ حَقَائِقِ الْيَقِينِ وَ الرِّضَا وَ التَّسْلِيمِ وَ لَا تَدْخُلْ فِي اخْتِلَافِ الْخَلْقِ فَيَصْعُبَ عَلَيْكَ وَ قَدِ اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ الْمُخْتَارَةُ بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ أَنَّهُ
____________
(1) هذه الجملة أعنى «ثم جعلها لازبا» غير موجودة في النسخة المخطوطة.
(2) كذا.
104
عَدَلَ فِي حُكْمِهِ وَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ وَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ وَ لَا يُقَالُ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَتِهِ لِمَ وَ لَا كَانَ وَ لَا يَكُونُ شَيْءٌ إِلَّا بِمَشِيَّتِهِ وَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى مَا يَشَاءُ صَادِقٌ فِي وَعْدِهِ وَ وَعِيدِهِ وَ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُهُ وَ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْكَوْنِ وَ الْمَكَانِ وَ الزَّمَانِ وَ أَنَّ إِحْدَاثَهُ وَ إِفْنَاءَهُ غَيْرَهُ سَوَاءٌ مَا ازْدَادَ هُوَ بِإِحْدَاثِهِ عِلْماً وَ لَا يَنْقُصُ بِفَنَائِهِ مُلْكُهُ عَزَّ سُلْطَانُهُ وَ جَلَّ سُبْحَانَهُ فَمَنْ أَوْرَدَ عَلَيْكَ مَا يَنْقُضُ هَذَا الْأَصْلَ فَلَا تَقْبَلْهُ الْخَبَرَ.
88- الْأَخْبَارُ الْمُسَلْسَلَاتُ، لِجَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ الْقُمِّيِ (1) قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَ شَبَّكَ بِيَدِي قَالَ شَبَّكَ بِيَدِي عَتَّابُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَتَّابٍ أَبُو الْقَاسِمِ قَالَ شَبَّكَ بِيَدِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارٍ بِبَغْدَادَ وَ قَالَ لَنَا شَبَّكَ بِيَدِي مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامٍ الْعِرَاقِيُّ قَالَ شَبَّكَ بِيَدِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ شَبَّكَ بِيَدِي عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ شَبَّكَ بِيَدِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى قَالَ شَبَّكَ بِيَدِي صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ شَبَّكَ بِيَدِي أَيُّوبُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ شَبَّكَ بِيَدِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ رَافِعٍ قَالَ شَبَّكَ بِيَدِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ شَبَّكَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ السَّبْتِ وَ الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ وَ الْبَحْرَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ وَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثَّلَاثَاءِ وَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَ الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَ آدَمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
أقول: الحديث ضعيف مخالف للمشهور و سائر الأخبار فلا يعول عليه.
89- كِتَابُ زَيْدٍ النَّرْسِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِذَا أَمَاتَ اللَّهُ أَهْلَ الْأَرْضِ لَبِثَ مِثْلَ مَا كَانَ الْخَلْقُ وَ مِثْلَ مَا أَمَاتَهُمْ وَ أَضْعَافَ ذَلِكَ ثُمَ
____________
(1) هو الشيخ النبيل أبو محمّد جعفر بن أحمد بن على القمّيّ نزيل الرى، قال في روضات الجنّات: هو من قدماء المحدثين الأعيان، قريبا من عصر المفيد أو في عصره، يروى عن الصفوانى و الصدوق و له تصنيفات منها كتاب «ادب الامام و المأموم»- إلى أن قال- و كتاب مسلسلات الاخبار و قد جمع في المسلسلات ما وقع في جميع طبقات اسناده لفظة خاصّة إلى أن اتصل بالمعصوم. ثم قال: و السيّد ابن طاوس يروى عن كتبه في كتاب الاقبال و غيره و هذا ممّا يؤيد الوثوق عليها. و روى عن بعض كتبه الشهيد الثاني في شرح الإرشاد ايضا (انتهى) و اما رجال هذا السند فجلهم عامى أو مجهول.
105
أَمَاتَ أَهْلَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ لَبِثَ مِثْلَ مَا خَلَقَ الْخَلْقَ وَ مِثْلَ مَا أَمَاتَ أَهْلَ الْأَرْضِ وَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَ أَضْعَافَ ذَلِكَ ثُمَّ أَمَاتَ أَهْلَ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ لَبِثَ مِثْلَ مَا خَلَقَ الْخَلْقَ وَ مِثْلَ مَا أَمَاتَ أَهْلَ الْأَرْضِ وَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ وَ أَضْعَافَ ذَلِكَ ثُمَّ أَمَاتَ أَهْلَ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ ثُمَّ لَبِثَ مِثْلَ مَا خَلَقَ الْخَلْقَ وَ مِثْلَ مَا أَمَاتَ أَهْلَ الْأَرْضِ وَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ وَ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ وَ أَضْعَافَ ذَلِكَ ثُمَّ أَمَاتَ أَهْلَ السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ ثُمَّ لَبِثَ مِثْلَ مَا خَلَقَ الْخَلْقَ وَ مِثْلَ مَا أَمَاتَ أَهْلَ الْأَرْضِ وَ أَهْلَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ وَ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ وَ السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ وَ أَضْعَافَ ذَلِكَ ثُمَّ أَمَاتَ أَهْلَ السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ ثُمَّ لَبِثَ مِثْلَ مَا خَلَقَ الْأَرْضَ وَ مِثْلَ مَا أَمَاتَ أَهْلَ الْأَرْضِ وَ أَهْلَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَ الثَّانِيَةِ وَ الثَّالِثَةِ وَ الرَّابِعَةِ وَ الْخَامِسَةِ وَ أَضْعَافَ ذَلِكَ ثُمَّ أَمَاتَ أَهْلَ السَّمَاءِ السَّادِسَةِ ثُمَّ لَبِثَ مِثْلَ مَا خَلَقَ الْخَلْقَ وَ مِثْلَ مَا أَمَاتَ أَهْلَ الْأَرْضِ وَ أَهْلَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَ الثَّانِيَةِ وَ الثَّالِثَةِ وَ الرَّابِعَةِ وَ الْخَامِسَةِ وَ السَّادِسَةِ وَ أَضْعَافَ ذَلِكَ ثُمَّ أَمَاتَ أَهْلَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ثُمَّ لَبِثَ مِثْلَ مَا خَلَقَ الْخَلْقَ وَ مِثْلَ مَا أَمَاتَ أَهْلَ الْأَرْضِ وَ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَ أَضْعَافَ ذَلِكَ ثُمَّ أَمَاتَ مِيكَائِيلَ ثُمَّ لَبِثَ مِثْلَ مَا خَلَقَ الْخَلْقَ وَ مِثْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ وَ أَضْعَافَ ذَلِكَ كُلِّهِ ثُمَّ أَمَاتَ جَبْرَئِيلَ ثُمَّ لَبِثَ مِثْلَ مَا خَلَقَ الْخَلْقَ وَ مِثْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ وَ أَضْعَافَ ذَلِكَ كُلِّهِ ثُمَّ أَمَاتَ إِسْرَافِيلَ ثُمَّ لَبِثَ مِثْلَ مَا خَلَقَ الْخَلْقَ وَ مِثْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ وَ أَضْعَافَ ذَلِكَ كُلِّهِ ثُمَّ أَمَاتَ مَلَكَ الْمَوْتِ قَالَ ثُمَّ يَقُولُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ فَيَرُدُّ عَلَى نَفْسِهِ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ أَيْنَ الَّذِينَ ادَّعَوْا مَعِي إِلَهاً أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ وَ نَحْوَ هَذَا ثُمَّ يَلْبَثُ مِثْلَ مَا خَلَقَ الْخَلْقَ وَ مِثْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ وَ أَضْعَافَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ الْخَلْقَ أَوْ يَنْفُخُ فِي الصُّورِ قَالَ عُبَيْدُ بْنُ زُرَارَةَ فَقُلْتُ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ كَائِنٌ طَوَّلْتَ ذَلِكَ فَقَالَ أَ رَأَيْتَ مَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ أَطْوَلُ أَوْ ذَا قَالَ قُلْتُ ذَا قَالَ فَهَلْ عَلِمْتَ بِهِ قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ فَكَذَلِكَ هَذَا.
بيان الخبر صريح في الحدوث و قوله قلت ذا الظاهر أنه إشارة إلى المدة
106
قبل خلق الخلق و يدل على الزمان الموهوم (1).
90- النهج، نهج البلاغة رَوَى مَسْعَدَةُ بْنُ صَدَقَةَ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)أَنَّهُ قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ(ع)بِهَذِهِ الْخُطْبَةِ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ وَ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صِفْ لَنَا رَبَّنَا لِنَزْدَادَ لَهُ حُبّاً وَ بِهِ مَعْرِفَةً فَغَضِبَ(ع)وَ نَادَى الصَّلَاةَ جَامِعَةً فَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ حَتَّى غَصَّ الْمَسْجِدُ بِأَهْلِهِ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَ هُوَ مُغْضَبٌ مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ فَحَمِدَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ(ص)ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَفِرُهُ (2) الْمَنْعُ وَ لَا يُكْدِيهِ الْإِعْطَاءُ وَ الْجُودُ إِذْ كُلُّ مُعْطٍ مُنْتَقِصٌ سِوَاهُ وَ كُلُّ مَانِعٍ مَذْمُومٌ مَا خَلَاهُ وَ هُوَ الْمَنَّانُ بِفَوَائِدِ النِّعَمِ وَ عَوَائِدِ الْمَزِيدِ وَ الْقِسَمِ عِيَالُهُ الْخَلَائِقُ (3) ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ وَ قَدَّرَ أَقْوَاتَهُمْ وَ نَهَجَ سَبِيلَ الرَّاغِبِينَ إِلَيْهِ وَ الطَّالِبِينَ مَا لَدَيْهِ وَ لَيْسَ بِمَا سُئِلَ بِأَجْوَدَ مِنْهُ بِمَا لَمْ يُسْأَلْ الْأَوَّلُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلٌ فَيَكُونَ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَ الْآخِرُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ بَعْدٌ فَيَكُونَ شَيْءٌ بَعْدَهُ وَ الرَّادِعُ (4) أَنَاسِيَّ الْأَبْصَارِ عَنْ أَنْ تَنَالَهُ أَوْ تُدْرِكَهُ مَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ دَهْرٌ فَتَخْتَلِفَ مِنْهُ الْحَالُ وَ لَا كَانَ فِي مَكَانٍ فَيَجُوزَ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ وَ لَوْ وَهَبَ مَا تَنَفَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبَالِ وَ ضَحِكَتْ عَنْهُ أَصْدَافُ الْبِحَارِ مِنْ فِلِزِّ اللُّجَيْنِ وَ الْعِقْيَانِ وَ نُثَارَةِ الدُّرِّ وَ حَصِيدِ الْمَرْجَانِ مَا أَثَّرَ ذَلِكَ فِي جُودِهِ وَ لَا أَنْفَدَ سَعَةَ مَا عِنْدَهُ وَ لَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَخَائِرِ
____________
(1) ان كان المراد بالخلق جميع ما سوى اللّه فلا ريب أنّه لم يكن قبله شيء سوى اللّه تعالى لا زمان و لا مكان و لا أي شيء فرض حتّى يقايس به الأزمنة الطويلة في الغاية، و لا يتوهم عندئذ شيء اصلا (و اطلاق «عند» و «اذ» من ضيق العبارة) على أن مقايسة الامر الحقيقي بالموهوم غير صحيح كما لا يخفى و ان كان المراد بالخلق أهل السماوات و الأرض دون نفسها و ما وراءها فيمكن تصوير الزمان الحقيقي قبل خلق أهل السماوات و الأرض و لا يحتاج الى فرض الزمان الموهوم.
و للرواية معنى دقيق يطلب من محله.
(2) في المخطوطة: لا يعزه المنع و في المصدر: لا يفره المنع و الجمود.
(3) في المصدر: الخلق.
(4) في بعض النسخ: فالرادع.
107
الْإِنْعَامِ مَا لَا تُنْفِدُهُ مَطَالِبُ الْأَنَامِ لِأَنَّهُ الْجَوَادُ الَّذِي لَا يَغِيضُهُ سُؤَالُ السَّائِلِينَ وَ لَا يُبْخِلُهُ إِلْحَاحُ الْمُلِحِّينَ فَانْظُرْ أَيُّهَا السَّائِلُ فَمَا دَلَّكَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَأْتَمَّ بِهِ وَ اسْتَضِئْ بِنُورِ هِدَايَتِهِ وَ مَا كَلَّفَكَ الشَّيْطَانُ عِلْمَهُ مِمَّا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ عَلَيْكَ فَرْضُهُ وَ لَا فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ وَ أَئِمَّةِ الْهُدَى أَثَرُهُ فَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مُنْتَهَى حَقِّ اللَّهِ عَلَيْكَ وَ اعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اقْتِحَامِ السُّدَدِ الْمَضْرُوبَةِ دُونَ الْغُيُوبِ الْإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغَيْبِ الْمَحْجُوبِ فَمَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى اعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً وَ سَمَّى تَرْكَهُمُ التَّعَمُّقَ فِيمَا لَمْ يُكَلِّفْهُمُ الْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ رُسُوخاً فَاقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ فَلَا تُقَدِّرْ عَظَمَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِكَ فَتَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ هُوَ الْقَادِرُ الَّذِي إِذَا ارْتَمَتِ الْأَوْهَامُ لِتُدْرِكَ مُنْقَطَعَ قُدْرَتِهِ وَ حَاوَلَ الْفِكْرُ الْمُبَرَّأُ مِنْ خَطَرِ الْوَسَاوِسِ (1) أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ مِنْ عَمِيقَاتِ (2) غُيُوبِ مَلَكُوتِهِ وَ تَوَلَّهَتِ الْقُلُوبُ إِلَيْهِ لِتَجْرِيَ فِي كَيْفِيَّةِ صِفَاتِهِ وَ غَمَضَتْ مَدَاخِلُ الْعُقُولِ فِي حَيْثُ لَا تَبْلُغُهُ الصِّفَاتُ لِتَنَالَ عِلْمَ ذَاتِهِ رَدَعَهَا وَ هِيَ تَجُوبُ مَهَاوِيَ سُدَفِ الْغُيُوبِ مُتَخَلِّصَةً إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى فَرَجَعَتْ إِذْ جُبِهَتْ مُعْتَرِفَةً بِأَنَّهُ لَا يُنَالُ بِجَوْرِ الِاعْتِسَافِ كُنْهُ مَعْرِفَتِهِ وَ لَا تَخْطُرُ بِبَالِ أُولِي الرَّوِيَّاتِ خَاطِرَةٌ مِنْ تَقْدِيرِ جَلَالِ عِزَّتِه الَّذِي ابْتَدَعَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ امْتَثَلَهُ وَ لَا مِقْدَارٍ احْتَذَى عَلَيْهِ مِنْ خَالِقٍ مَعْبُودٍ كَانَ قَبْلَهُ وَ أَرَانَا مِنْ مَلَكُوتِ قُدْرَتِهِ وَ عَجَائِبِ مَا نَطَقَتْ بِهِ آثَارُ حِكْمَتِهِ وَ اعْتِرَافِ الْحَاجَةِ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى أَنْ يُقِيمَهَا بِمِسَاكِ قُوَّتِهِ (3) مَا دَلَّنَا بِاضْطِرَارِ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَى مَعْرِفَتِهِ وَ ظَهَرَتْ فِي الْبَدَائِعِ الَّتِي أَحْدَثَهَا آثَارُ صَنْعَتِهِ وَ أَعْلَامُ حِكْمَتِهِ فَصَارَ كُلُّ مَا خَلَقَ حُجَّةً لَهُ وَ دَلِيلًا عَلَيْهِ وَ إِنْ كَانَ خَلْقاً صَامِتاً فَحُجَّتُهُ بِالتَّدْبِيرِ نَاطِقَةٌ وَ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمُبْدِعِ قَائِمَةٌ فَأَشْهَدُ (4) أَنَّ مَنْ شَبَّهَكَ بِتَبَايُنِ أَعْضَاءِ خَلْقِكَ وَ تَلَاحُمِ حِقَاقِ
____________
(1) سيأتي من المؤلّف- (رحمه اللّه)- أنه روى، من خطرات الوساوس.
(2) في بعض النسخ و كذا في المصدر: فى عميقات.
(3) في المصدر: قدرته.
(4) في المصدر: و أشهد. و هكذا فيما يأتي.
108
مَفَاصِلِهِمُ الْمُحْتَجِبَةِ لِتَدْبِيرِ حِكْمَتِكَ لَمْ يَعْقِدْ غَيْبَ ضَمِيرِهِ عَلَى مَعْرِفَتِكَ وَ لَمْ يُبَاشِرْ قَلْبَهُ الْيَقِينُ بِأَنَّهُ لَا نِدَّ لَكَ وَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ تَبَرُّؤَ التَّابِعِينَ مِنَ الْمَتْبُوعِينَ إِذْ يَقُولُونَ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ كَذَبَ الْعَادِلُونَ بِكَ إِذْ شَبَّهُوكَ بِأَصْنَامِهِمْ وَ نَحَلُوكَ حِلْيَةَ الْمَخْلُوقِينَ بِأَوْهَامِهِمْ وَ جَزَّءُوكَ تَجْزِئَةَ الْمُجَسَّمَاتِ بِخَوَاطِرِهِمْ وَ قَدَّرُوكَ عَلَى الْخِلْقَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْقُوَى بِقَرَائِحِ عُقُولِهِمْ فَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ سَاوَاكَ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِكَ فَقَدْ عَدَلَ بِكَ وَ الْعَادِلُ بِكَ كَافِرٌ بِمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ مُحْكَمَاتُ آيَاتِكَ وَ نَطَقَتْ بِهِ عَنْهُ شَوَاهِدُ حُجَجِ بَيِّنَاتِكَ وَ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَمْ يَتَنَاهَ فِي الْعُقُولِ فَيَكُونَ فِي مَهَبِّ فِكْرِهَا مُكَيَّفاً وَ لَا فِي رَوِيَّاتِ خَوَاطِرِهَا مَحْدُوداً (1) مُصَرَّفاً- وَ مِنْهَا قَدَّرَ مَا خَلَقَ فَأَحْكَمَ تَقْدِيرَهُ وَ دَبَّرَهُ فَأَلْطَفَ تَدْبِيرَهُ وَ وَجَّهَهُ لِوِجْهَتِهِ فَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِهِ فَلَمْ يَقْصُرْ (2) دُونَ الِانْتِهَاءِ إِلَى غَايَتِهِ وَ لَمْ يَسْتَصْعِبْ إِذْ أُمِرَ بِالْمُضِيِّ عَلَى إِرَادَتِهِ وَ كَيْفَ وَ إِنَّمَا صَدَرَتِ الْأُمُورُ عَنْ مَشِيَّتِهِ الْمُنْشِئُ أَصْنَافَ الْأَشْيَاءِ بِلَا رَوِيَّةِ فِكْرٍ آلَ إِلَيْهَا وَ لَا قَرِيحَةِ غَرِيزَةٍ أَضْمَرَ عَلَيْهَا وَ لَا تَجْرِبَةٍ أَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ الدُّهُورِ وَ لَا شَرِيكٍ أَعَانَهُ عَلَى ابْتِدَاعِ عَجَائِبِ الْأُمُورِ فَتَمَّ خَلْقُهُ وَ أَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ وَ أَجَابَ إِلَى دَعْوَتِهِ وَ لَمْ يَعْتَرِضْ دُونَهُ رَيْثُ الْمُبْطِئِ وَ لَا أَنَاةُ الْمُتَلَكِّئِ فَأَقَامَ مِنَ الْأَشْيَاءِ أَوَدَهَا وَ نَهَجَ حُدُودَهَا (3) وَ لَاءَمَ بِقُدْرَتِهِ بَيْنَ مُتَضَادِّهَا وَ وَصَلَ أَسْبَابَ قَرَائِنِهَا وَ فَرَّقَهَا أَجْنَاساً مُخْتَلِفَاتٍ فِي الْحُدُودِ وَ الْأَقْدَارِ وَ الْغَرَائِزِ وَ الْهَيْئَاتِ بَدَايَا خَلَائِقَ أَحْكَمَ صُنْعَهَا وَ فَطَرَهَا عَلَى مَا أَرَادَ وَ ابْتَدَعَهَا- مِنْهَا فِي صِفَةِ السَّمَاءِ وَ نَظَمَ بِلَا تَعْلِيقٍ رَهَوَاتِ فُرَجِهَا وَ لَاحَمَ صُدُوعَ انْفِرَاجِهَا وَ شَجَّ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ أَزْوَاجِهَا وَ ذَلَّلَ لِلْهَابِطِينَ بِأَمْرِهِ وَ الصَّاعِدِينَ بِأَعْمَالِ خَلْقِهِ حُزُونَةَ مِعْرَاجِهَا (4) وَ نَادَاهَا بَعْدَ إِذْ هِيَ دُخَانٌ فَالْتَحَمَتْ عُرَى أَشْرَاجِهَا وَ فَتَقَ
____________
(1) في المصدر: فتكون محدودا.
(2) في المصدر و كذا في بعض النسخ: فلم يقصر.
(3) في النسخة المخطوطة: جددها.
(4) في بعض النسخ: معارجها.
109
بَعْدَ الِارْتِتَاقِ صَوَامِتَ أَبْوَابِهَا وَ أَقَامَ رَصَداً مِنَ الشُّهُبِ الثَّوَاقِبِ عَلَى نِقَابِهَا وَ أَمْسَكَهَا مِنْ أَنْ تَمُورَ فِي خَرْقِ (1) الْهَوَاءِ بَائِدَةً [رَائِدَةً] وَ أَمَرَهَا أَنْ تَقِفَ مُسْتَسْلِمَةً لِأَمْرِهِ وَ جَعَلَ شَمْسَهَا آيَةً مُبْصِرَةً لِنَهَارِهَا وَ قَمَرَهَا آيَةً مَمْحُوَّةً مِنْ لَيْلِهَا وَ أَجْرَاهُمَا (2) فِي مَنَاقِلِ مَجْرَاهُمَا وَ قَدَّرَ مَسِيرَهُمَا (3) فِي مَدَارِجِ دَرَجِهِمَا لِيُمَيِّزَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ بِهِمَا وَ لِيُعْلَمَ عَدَدُ السِّنِينَ وَ الْحِسَابُ بِمَقَادِيرِهَا ثُمَّ عَلَّقَ فِي جَوِّهَا فَلَكَهَا وَ نَاطَ بِهَا زِينَتَهَا مِنْ خَفِيَّاتِ دَرَارِيِّهَا وَ مَصَابِيحِ كَوَاكِبِهَا وَ رَمَى مُسْتَرِقِي السَّمْعِ بِثَوَاقِبِ شُهُبِهَا وَ أَجْرَاهَا عَلَى إِذْلَالِ تَسْخِيرِهَا مِنْ ثَبَاتِ ثَابِتِهَا وَ مَسِيرِ سَائِرِهَا وَ هُبُوطِهَا وَ صُعُودِهَا وَ نُحُوسِهَا وَ سُعُودِهَا- مِنْهَا فِي صِفَةِ الْمَلَائِكَةِ ع- ثُمَّ خَلَقَ سُبْحَانَهُ لِإِسْكَانِ سَمَاوَاتِهِ وَ عِمَارَةِ الصَّفِيحِ الْأَعْلَى مِنْ مَلَكُوتِهِ خَلْقاً بَدِيعاً مِنْ مَلَائِكَتِهِ مَلَأَ بِهِمْ فُرُوجَ فِجَاجِهَا وَ حَشَا بِهِمْ فُتُوقَ أَجْوَائِهَا وَ بَيْنَ فَجَوَاتِ تِلْكَ الْفُرُوجِ زَجَلُ الْمُسَبِّحِينَ مِنْهُمْ فِي حَظَائِرِ الْقُدُسِ وَ سُتُرَاتِ الْحُجُبِ وَ سُرَادِقَاتِ الْمَجْدِ وَ وَرَاءَ ذَلِكَ الرَّجِيجِ الَّذِي تَسْتَكُّ مِنْهُ الْأَسْمَاعُ سُبُحَاتُ نُورٍ تَرْدَعُ الْأَبْصَارَ عَنْ بُلُوغِهَا فَتَقِفُ خَاسِئَةً عَلَى حُدُودِهَا أَنْشَأَهُمْ عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَاتٍ وَ أَقْدَارٍ مُتَفَاوِتَاتٍ أُولِي أَجْنِحَةٍ تُسَبِّحُ جَلَالَ عِزَّتِهِ لَا يَنْتَحِلُونَ مَا ظَهَرَ فِي الْخَلْقِ مِنْ صُنْعِهِ (4) وَ لَا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ شَيْئاً مَعَهُ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ جَعَلَهُمُ فِيمَا هُنَالِكَ أَهْلَ الْأَمَانَةِ عَلَى وَحْيِهِ وَ حَمَّلَهُمْ إِلَى الْمُرْسَلِينَ وَدَائِعَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ وَ عَصَمَهُمْ مِنْ رَيْبِ الشُّبُهَاتِ فَمَا مِنْهُمْ زَائِغٌ عَنْ سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ وَ أَمَدَّهُمْ بِفَوَائِدِ الْمَعُونَةِ (5) وَ أَشْعَرَ قُلُوبَهُمْ تَوَاضُعَ إِخْبَاتِ السَّكِينَةِ وَ فَتَحَ لَهُمْ أَبْوَاباً ذُلُلًا إِلَى تَمَاجِيدِهِ وَ نَصَبَ لَهُمْ مَنَاراً وَاضِحَةً عَلَى
____________
(1) في المصدر: فى خراق.
(2) في بعض النسخ و كذا في المصدر: فأجراهما.
(3) في المصدر: سيرهما.
(4) في المصدر: صنعته.
(5) في المخطوطة: بفوائد امره.
110
أَعْلَامِ تَوْحِيدِهِ لَمْ تُثْقِلْهُمْ مُؤْصِرَاتُ الْآثَامِ وَ لَمْ تَرْتَحِلْهُمْ عُقَبُ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامِ وَ لَمْ تَرْمِ الشُّكُوكُ بِنَوَازِعِهَا عَزِيمَةَ إِيمَانِهِمْ وَ لَمْ تَعْتَرِكِ الظُّنُونُ عَلَى مَعَاقِدِ يَقِينِهِمْ وَ لَا قَدَحَتْ قَادِحَةُ الْإِحَنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَ لَا سَلَبَتْهُمُ الْحَيْرَةُ مَا لَاقَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِضَمَائِرِهِمْ وَ سَكَنَ بِعَظَمَتِهِ (1) وَ هَيْبَةِ جَلَالِهِ (2) فِي أَثْنَاءِ صُدُورِهِمْ وَ لَمْ تَطْمَعْ فِيهِمُ الْوَسَاوِسُ فَتَقْتَرِعَ بِرَيْنِهَا (3) عَلَى فِكْرِهِمْ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي خَلْقِ الْغَمَامِ الدُّلَّحِ (4) وَ فِي عِظَمِ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ وَ فِي قُتْرَةِ الظَّلَامِ الْأَيْهَمِ وَ مِنْهُمْ مَنْ قَدْ خَرَقَتْ أَقْدَامُهُمْ تُخُومَ الْأَرْضِ السُّفْلَى فَهِيَ كَرَايَاتٍ بِيضٍ قَدْ نَفَذَتْ فِي مَخَارِقِ الْهَوَاءِ وَ تَحْتَهَا رِيحٌ هَفَّافَةٌ تَحْبِسُهَا عَلَى حَيْثُ انْتَهَتْ مِنَ الْحُدُودِ الْمُتَنَاهِيَةِ قَدِ اسْتَفْرَغَتْهُمْ (5) أَشْغَالُ عِبَادَتِهِ وَ وَسَّلَتْ حَقَائِقُ الْإِيمَانِ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَعْرِفَتِهِ وَ قَطَعَهُمُ الْإِيقَانُ بِهِ إِلَى الْوَلَهِ إِلَيْهِ وَ لَمْ تُجَاوِزْ رَغَبَاتُهُمْ مَا عِنْدَهُ إِلَى مَا عِنْدَ غَيْرِهِ قَدْ ذَاقُوا حَلَاوَةَ مَعْرِفَتِهِ وَ شَرِبُوا مِنْ كَأْسِ الرَّوِيَّةِ مِنْ مَحَبَّتِهِ وَ تَمَكَّنَتْ مِنْ سُوَيْدَاءِ قُلُوبِهِمْ وَشِيجَةُ خِيفَتِهِ فَحَنَوْا بِطُولِ الطَّاعَةِ اعْتِدَالَ ظُهُورِهِمْ وَ لَمْ يُنْفِدْ طُولُ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ مَادَّةَ تَضَرُّعِهِمْ وَ لَا أَطْلَقَ عَنْهُمْ عَظِيمُ الزُّلْفَةِ رِبَقَ خُشُوعِهِمْ وَ لَمْ يَتَوَلَّهُمُ الْإِعْجَابُ فَيَسْتَكْثِرُوا مَا سَلَفَ مِنْهُمْ وَ لَا تَرَكَتْ لَهُمُ اسْتِكَانَةُ الْإِجْلَالِ نَصِيباً فِي تَعْظِيمِ حَسَنَاتِهِمْ وَ لَمْ تَجْرِ الْفَتَرَاتُ فِيهِمْ عَلَى طُولِ دُءُوبِهِمْ وَ لَمْ تَغِضْ (6) رَغَبَاتُهُمْ فَيُخَالِفُوا عَنْ رَجَاءِ رَبِّهِمْ وَ لَمْ تَجِفَّ لِطُولِ الْمُنَاجَاةِ أَسَلَاتُ أَلْسِنَتِهِمْ وَ لَا مَلَكَتْهُمُ الْأَشْغَالُ فَتَنْقَطِعَ بِهَمْسِ الْخَيْرِ (7) إِلَيْهِ أَصْوَاتُهُمْ وَ لَمْ تَخْتَلِفْ
____________
(1) في بعض النسخ: من عظمته.
(2) في بعض النسخ: و كذا في المصدر: جلالته.
(3) في بعض النسخ: بريبها.
(4) الدلح: بالحاء المهملة و زان عنق جمع «دلوح» أي كثير الماء، و يحتمل ان يكون بتشديد اللام المفتوحة كركع جمع «دالح».
(5) في المخطوطة: قد استفزعتهم.
(6) في المخطوطة: لم تفض.
(7) في بعض النسخ: بهمس الحنين.
111
فِي مَقَاوِمِ الطَّاعَةِ مَنَاكِبُهُمْ وَ لَمْ يَثْنُوا إِلَى رَاحَةِ التَّقْصِيرِ فِي أَمْرِهِ رِقَابَهُمْ وَ لَا تَعْدُوا عَلَى عَزِيمَةِ جِدِّهِمْ بَلَادَةُ الْغَفَلَاتِ وَ لَا تَنْتَضِلُ فِي هِمَمِهِمْ (1) خَدَائِعُ الشَّهَوَاتِ قَدِ اتَّخَذُوا ذَا الْعَرْشِ ذَخِيرَةً لِيَوْمِ فَاقَتِهِمْ وَ يَمَّمُوهُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْخَلْقِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ بِرَغْبَتِهِمْ لَا يَقْطَعُونَ أَمَدَ غَايَةِ عِبَادَتِهِ وَ لَا يَرْجِعُ بِهِمُ الِاسْتِهْتَارُ بِلُزُومِ طَاعَتِهِ إِلَّا إِلَى مَوَادَّ مِنْ قُلُوبِهِمْ غَيْرِ مُنْقَطِعَةٍ مِنْ رَجَائِهِ وَ مَخَافَتِهِ لَمْ تَنْقَطِعْ أَسْبَابُ الشَّفَقَةِ مِنْهُمْ فَيَنُوا فِي جِدِّهِمْ وَ لَمْ تَأْسِرْهُمُ الْأَطْمَاعُ فَيُؤْثِرُوا وَشِيكَ السَّعْيِ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ وَ لَمْ يَسْتَعْظِمُوا مَا مَضَى مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَ لَوِ اسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ لَنَسَخَ الرَّجَاءُ مِنْهُمْ شَفَقَاتِ وَجَلِهِمْ وَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي رَبِّهِمْ بِاسْتِحْوَاذِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ وَ لَمْ يُفَرِّقْهُمْ سُوءُ التَّقَاطُعِ وَ لَا تَوَلَّاهُمْ غِلُّ التَّحَاسُدِ وَ لَا شَعَّبَتْهُمْ (2) مَصَارِفُ الرِّيَبِ وَ لَا اقْتَسَمَتْهُمْ أَخْيَافُ الْهِمَمِ فَهُمْ أُسَرَاءُ إِيمَانٍ لَمْ يَفُكَّهُمْ مِنْ رِبْقَتِهِ زَيْغٌ وَ لَا عُدُولٌ وَ لَا وَنًى وَ لَا فُتُورٌ وَ لَيْسَ فِي أَطْبَاقِ السَّمَاوَاتِ مَوْضِعُ إِهَابٍ إِلَّا وَ عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ سَاعٍ حَافِدٌ يَزْدَادُونَ عَلَى طُولِ الطَّاعَةِ بِرَبِّهِمْ عِلْماً وَ تَزْدَادُ عِزَّةُ رَبِّهِمْ فِي قُلُوبِهِمْ عِظَماً- وَ مِنْهَا فِي صِفَةِ الْأَرْضِ وَ دَحْوِهَا عَلَى الْمَاءِ كَبَسَ الْأَرْضَ عَلَى مَوْرِ أَمْوَاجٍ مُسْتَفْحِلَةٍ وَ لُجَجِ بِحَارٍ زَاخِرَةٍ تَلْتَطِمُ أَوَاذِيُّ أَمْوَاجِهَا وَ تَصْطَفِقُ مُتَقَاذِفَاتُ أَثْبَاجِهَا وَ تَرْغُو زَبَداً كَالْفُحُولِ عِنْدَ هِيَاجِهَا فَخَضَعَ جِمَاحُ الْمَاءِ الْمُتَلَاطِمِ لِثِقَلِ حَمْلِهَا وَ سَكَنَ هَيْجُ ارْتِمَائِهِ إِذْ وَطِئَتْهُ بِكَلْكَلِهَا وَ ذَلَّ مُسْتَخْذِياً إِذْ تَمَعَّكَتْ عَلَيْهِ بِكَوَاهِلِهَا فَأَصْبَحَ بَعْدَ اصْطِخَابِ أَمْوَاجِهِ سَاجِياً مَقْهُوراً وَ فِي حَكَمَةِ الذُّلِّ مُنْقَاداً أَسِيراً وَ سَكَنَتِ الْأَرْضُ مَدْحُوَّةً فِي لُجَّةِ تَيَّارِهِ وَ رَدَّتْ مِنْ نَخْوَةِ بَأْوِهِ وَ اعْتِلَائِهِ وَ شُمُوخِ أَنْفِهِ وَ سُمُوِّ غُلَوَائِهِ وَ كَعَمَتْهُ عَلَى كِظَّةِ جَرْيَتِهِ فَهَمَدَ بَعْدَ نَزَقَاتِهِ (3) وَ لَبَدَ بَعْدَ زَيَفَانِ وَثَبَاتِهِ فَلَمَّا سَكَنَ هَيْجُ (4) الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ أَكْنَافِهَا وَ حَمَلَ شَوَاهِقَ الْجِبَالِ الْبُذَّخِ (5)
____________
(1) في بعض النسخ: همهم.
(2) في بعض النسخ: و لا تشعبتهم.
(3) في المخطوطة: خرقاته.
(4) في المصدر: هياج.
(5) في المصدر: الشمخ البذخ.
112
عَلَى أَكْنَافِهَا فَجَّرَ يَنَابِيعَ الْعُيُونِ مِنْ عَرَانِينِ أُنُوفِهَا وَ فَرَّقَهَا فِي سُهُوبِ بِيدِهَا وَ أَخَادِيدِهَا وَ عَدَّلَ حَرَكَاتِهَا بِالرَّاسِيَاتِ مِنْ جَلَامِيدِهَا وَ ذَوَاتِ الشَّنَاخِيبِ الشُّمِّ مِنْ صَيَاخِيدِهَا فَسَكَنَتْ مِنَ الْمَيَدَانِ بِرُسُوبِ الْجِبَالِ فِي قِطَعِ أَدِيمِهَا وَ تَغَلْغُلِهَا مُتَسَرِّبَةً فِي جَوْبَاتِ خَيَاشِيمِهَا وَ رُكُوبِهَا أَعْنَاقَ سُهُولِ الْأَرَضِينَ وَ جَرَاثِيمِهَا وَ فَسَحَ بَيْنَ الْجَوِّ وَ بَيْنَهَا وَ أَعَدَّ الْهَوَاءَ مُتَنَسَّماً لِسَاكِنِهَا (1) وَ أَخْرَجَ إِلَيْهَا أَهْلَهَا عَلَى تَمَامِ مَرَافِقِهَا ثُمَّ لَمْ يَدَعْ جُرُزَ الْأَرْضِ الَّتِي تَقْصُرُ مِيَاهُ الْعُيُونِ عَنْ رَوَابِيهَا وَ لَا تَجِدُ جَدَاوِلُ الْأَنْهَارِ ذَرِيعَةً إِلَى بُلُوغِهَا حَتَّى أَنْشَأَ لَهَا نَاشِئَةَ سَحَابٍ تُحْيِي مَوَاتَهَا وَ تَسْتَخْرِجُ نَبَاتَهَا أَلَّفَ غَمَامَهَا بَعْدَ افْتِرَاقِ لُمَعِهِ وَ تَبَايُنِ قَزَعِهِ حَتَّى إِذَا تَمَخَّضَتْ لُجَّةُ الْمُزْنِ فِيهِ وَ الْتَمَعَ بَرْقُهُ فِي كُفَفِهِ وَ لَمْ يَنَمْ وَمِيضُهُ فِي كَنَهْوَرِ رَبَابِهِ وَ مُتَرَاكِمِ سَحَابِهِ أَرْسَلَهُ سَحّاً مُتَدَارِكاً قَدْ أَسَفَّ هَيْدَبُهُ تمر به [تَمْرِيهِ الْجَنُوبُ دِرَرَ أَهَاضِيبِهِ وَ دُفَعَ شَآبِيبِهِ فَلَمَّا أَلْقَتِ السَّحَابُ بَرْكَ بِوَانَيْهَا وَ بَعَاعَ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ مِنَ العب [الْعِبْءِ الْمَحْمُولِ عَلَيْهَا أَخْرَجَ بِهِ مِنْ هوامل (2) [هَوَامِدِ الْأَرْضِ النَّبَاتَ وَ مِنْ زُعْرِ الْجِبَالِ الْأَعْشَابَ فَهِيَ تَبْهَجُ بِزِينَةِ رِيَاضِهَا وَ تَزْدَهِي بِمَا أُلْبِسَتْهُ مِنْ ربط [رَيْطِ أَزَاهِيرِهَا وَ حِلْيَةِ مَا شُمِّطَتْ (3) بِهِ مِنْ نَاضِرِ أَنْوَارِهَا وَ جَعَلَ ذَلِكَ بَلَاغاً لِلْأَنَامِ وَ رِزْقاً لِلْأَنْعَامِ وَ خَرَقَ الْفِجَاجَ فِي آفَاقِهَا وَ أَقَامَ الْمَنَارَ لِلسَّالِكِينَ عَلَى جَوَادِّ طُرُقِهَا فَلَمَّا مَهَدَ أَرْضَهُ وَ أَنْفَذَ أَمْرَهُ اخْتَارَ آدَمَ(ع)خِيَرَةً مِنْ خَلْقِهِ وَ جَعَلَهُ أَوَّلَ جِبِلَّتِهِ وَ أَسْكَنَ (4) جَنَّتَهُ وَ أَرْغَدَ فِيهَا أُكُلَهُ وَ أَوْعَزَ إِلَيْهِ فِيمَا نَهَاهُ عَنْهُ وَ أَعْلَمَهُ أَنَّ فِي الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ التَّعَرُّضَ لِمَعْصِيَتِهِ وَ الْمُخَاطَرَةَ بِمَنْزِلَتِهِ فَأَقْدَمَ عَلَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ مُوَافَاةً لِسَابِقِ عِلْمِهِ فَأَهْبَطَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِيَعْمُرَ أَرْضَهُ بِنَسْلِهِ وَ لِيُقِيمَ الْحُجَّةَ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ وَ لَمْ يُخْلِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ مِمَّا يُؤَكِّدُ عَلَيْهِمْ حُجَّةَ رُبُوبِيَّتِهِ وَ يَصِلُ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَعْرِفَتِهِ بَلْ تَعَاهَدَهُمْ بِالْحُجَجِ عَلَى أَلْسُنِ الْخِيَرَةِ
____________
(1) لساكنيها (خ).
(2) في بعض النسخ: «هوامد الأرض» و هو الأظهر.
(3) في المصدر: سمطت. و سيأتي من المؤلّف (رحمه اللّه) ذكر النسختين و بيان معناهما.
(4) في بعض النسخ: أسكنه.
113
مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَ مُتَحَمِّلِي وَدَائِعِ رِسَالاتِهِ قَرْناً فَقَرْناً حَتَّى تَمَّتْ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ(ص)حُجَّتُهُ وَ بَلَغَ الْمَقْطَعَ عُذْرُهُ وَ نُذُرُهُ وَ قَدَّرَ الْأَرْزَاقَ فَكَثَّرَهَا وَ قَلَّلَهَا وَ قَسَّمَهَا عَلَى الضِّيقِ وَ السَّعَةِ فَعَدَلَ فِيهَا لِيَبْتَلِيَ مَنْ أَرَادَ بِمَيْسُورِهَا وَ مَعْسُورِهَا وَ لِيَخْتَبِرَ بِذَلِكَ الشُّكْرَ وَ الصَّبْرَ مِنْ غَنِيِّهَا وَ فَقِيرِهَا ثُمَّ قَرَنَ بِسَعَتِهَا عَقَابِيلَ فَاقَتِهَا وَ بِسَلَامَتِهَا طَوَارِقَ آفَتِهَا وَ بِفُرَجِ أَفْرَاحِهَا غُصَصَ أَتْرَاحِهَا وَ خَلَقَ الْآجَالَ فَأَطَالَهَا وَ قَصَّرَهَا وَ قَدَّمَهَا وَ أَخَّرَهَا وَ وَصَلَ بِالْمَوْتِ أَسْبَابَهَا وَ جَعَلَهُ خَالِجاً لِأَشْطَانِهَا وَ قَاطِعاً لِمَرَائِرِ قرانها [أَقْرَانِهَا (1) عَالِمُ السِّرِّ مِنْ ضَمَائِرِ الْمُضْمِرِينَ وَ نَجْوَى الْمُتَخَافِتِينَ وَ خَوَاطِرِ رَجْمِ الظُّنُونِ وَ عُقَدِ عَزِيمَاتِ الْيَقِينِ وَ مَسَارِقِ إِيمَاضِ الْجُفُونِ وَ مَا ضَمِنَتْهُ أَكْنَافُ الْقُلُوبِ (2) وَ غَيَابَاتُ الْغُيُوبِ وَ مَا أَصْغَتْ لِاسْتِرَاقِهِ مَصَائِخُ الْأَسْمَاعِ وَ مَصَايِفُ الذَّرِّ وَ مَشَاتِي الْهَوَامِّ وَ رَجْعِ الْحَنِينِ مِنَ الْمُولَهَاتِ وَ هَمْسِ الْأَقْدَامِ وَ مُنْفَسَحِ الثَّمَرَةِ مِنْ وَلَائِجِ غُلُفِ الْأَكْمَامِ وَ مُنْقَمَعِ الْوُحُوشِ مِنْ غِيرَانِ الْجِبَالِ وَ أَوْدِيَتِهَا وَ مُخْتَبَإِ الْبَعُوضِ بَيْنَ سُوقِ الْأَشْجَارِ وَ أَلْحِيَتِهَا وَ مَغْرِزِ الْأَوْرَاقِ مِنَ الْأَفْنَانِ وَ مَحَطِّ الْأَمْشَاجِ مِنْ مَسَارِبِ الْأَصْلَابِ وَ نَاشِئَةِ الْغُيُومِ وَ مُتَلَاحِمِهَا وَ دُرُورِ قَطْرِ السَّحَابِ وَ مُتَرَاكِمِهَا وَ مَا تَسْفِي (3) الْأَعَاصِيرُ بِذُيُولِهَا وَ تَعْفُو الْأَمْطَارُ بِسُيُولِهَا وَ عَوْمِ نبات [بَنَاتِ الْأَرْضِ فِي كُثْبَانِ الرِّمَالِ وَ مُسْتَقَرِّ ذَوَاتِ الْأَجْنِحَةِ بِذُرَى شَنَاخِيبِ الْجِبَالِ وَ تَغْرِيدِ ذَوَاتِ الْمَنْطِقِ فِي دَيَاجِيرِ الْأَوْكَارِ وَ مَا أَوْعَتْهُ الْأَصْدَافُ وَ حَضَنَتْ عَلَيْهِ أَمْوَاجُ الْبِحَارِ وَ مَا غَشِيَتْهُ سُدْفَةُ لَيْلٍ أَوْ ذَرَّ عَلَيْهِ شَارِقُ نَهَارٍ وَ مَا اعْتَقَبَتْ عَلَيْهِ أَطْبَاقُ الدَّيَاجِيرِ وَ سُبُحَاتُ النُّورِ وَ أَثَرِ كُلِّ خُطْوَةٍ وَ حِسِّ كُلِّ حَرَكَةٍ وَ رَجْعِ كُلِّ كَلِمَةٍ وَ تَحْرِيكِ كُلِّ شَفَةٍ وَ مُسْتَقَرِّ كُلِّ نَسَمَةٍ وَ مِثْقَالِ كُلِّ ذَرَّةٍ وَ هَمَاهِمِ كُلِّ نَفْسٍ هَامَّةٍ وَ مَا عَلَيْهَا مِنْ ثَمَرِ شَجَرَةٍ أَوْ سَاقِطِ وَرَقَةٍ أَوْ قَرَارَةِ نُطْفَةٍ أَوْ نُقَاعَةِ دَمٍ وَ مُضْغَةٍ أَوْ نَاشِئَةِ خَلْقٍ وَ سُلَالَةٍ لَمْ تَلْحَقْهُ فِي ذَلِكَ كُلْفَةٌ وَ لَا اعْتَرَضَتْهُ فِي حِفْظِ
____________
(1) في المخطوطة و المصدر: اقرانها.
(2) في المصدر: أكنان القلوب.
(3) في بعض النسخ: تسقى.
114
مَا ابْتَدَعَ مِنْ خَلْقِهِ عَارِضَةٌ وَ لَا اعْتَوَرَتْهُ فِي تَنْفِيذِ الْأُمُورِ وَ تَدَابِيرِ الْمَخْلُوقِينَ مَلَالَةٌ وَ لَا فَتْرَةٌ بَلْ نَفَذَ فِيهِمْ عِلْمُهُ وَ أَحْصَاهُمْ عَدُّهُ وَ وَسِعَهُمْ عَدْلُهُ وَ غَمَرَهُمْ فَضْلُهُ مَعَ تَقْصِيرِهِمْ عَنْ كُنْهِ مَا هُوَ أَهْلُهُ اللَّهُمَّ أَنْتَ أَهْلُ الْوَصْفِ الْجَمِيلِ وَ التَّعَدُّدِ (1) الْكَثِيرِ إِنْ تُؤَمَّلْ فَخَيْرُ مَأْمُولٍ (2) وَ إِنْ تُرْجَ فَخَيْرُ مَرْجُوٍّ (3) اللَّهُمَّ وَ قَدْ بَسَطْتَ لِي لِسَاناً فِيمَا لَا أَمْدَحُ بِهِ غَيْرَكَ وَ لَا أُثْنِي بِهِ عَلَى أَحَدٍ سِوَاكَ وَ لَا أُوَجِّهُهُ إِلَى مَعَادِنِ الْخَيْبَةِ وَ مَوَاضِعِ الرِّيبَةِ وَ عَدَلْتَ بِلِسَانِي عَنْ مَدَائِحِ الْآدَمِيِّينَ وَ الثَّنَاءِ عَلَى الْمَرْبُوبِينَ الْمَخْلُوقِينَ اللَّهُمَّ وَ لِكُلِّ مُثْنٍ عَلَى مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ مَثُوبَةٌ مِنْ جَزَاءٍ أَوْ عَارِفَةٌ مِنْ عَطَاءٍ وَ قَدْ رَجَوْتُكَ دَلِيلًا عَلَى ذَخَائِرِ الرَّحْمَةِ وَ كُنُوزِ الْمَغْفِرَةِ اللَّهُمَّ وَ هَذَا مَقَامُ مَنْ أَفْرَدَكَ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ لَكَ وَ لَمْ يَرَ مُسْتَحِقّاً لِهَذِهِ الْمَحَامِدِ وَ الْمَمَادِحِ غَيْرَكَ وَ بِي فَاقَةٌ إِلَيْكَ لَا يَجْبُرُ مَسْكَنَتَهَا إِلَّا فَضْلُكَ وَ لَا يَنْعَشُ مِنْ خَلَّتِهَا إِلَّا مَنُّكَ وَ جُودُكَ فَهَبْ لَنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ رِضَاكَ وَ أَغْنِنَا عَنْ مَدِّ الْأَيْدِي إِلَى مَنْ سِوَاكَ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4).
التوحيد، عن علي بن أحمد الدقاق عن محمد بن جعفر الأسدي عن محمد بن إسماعيل البرمكي عن علي بن العباس عن إسماعيل بن مهران عن إسماعيل بن الحق الجهني عن فرج بن فروة عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله(ع)مثله مع اختصار و قد مر في كتاب التوحيد (5).
____________
(1) في المصدر: التعداد.
(2) في المصدر: فخير مؤمل و إن ترج فأكرم مرجو.
(3) يظهر من شرح المؤلّف- (رحمه اللّه)- لهذه الفقرة في بيانه الآتي ان هناك لفظة «اكرم» لكن النسخ خالية منها إلّا نسخة المصدر و هي هكذا «و ان ترج فاكرم مرجو» فيحتمل ان نسخة المؤلّف أيضا كانت مثله او كانت هكذا «ان تؤمل فاكرم مأمول و ان ترج فخير مرجو».
(4) نهج البلاغة: 160- 181.
(5) التوحيد: 23.
115
بيان قد مضى شرح أكثر أجزاء هذه الخطبة في كتاب التوحيد و لعل غضبه(ع)لعلمه بأن غرض السائل وصفه سبحانه بصفات الأجسام أو لأنه سأل بيان كنه حقيقته سبحانه أو وصفه بصفات أرفع و أبلغ مما نطق به الكتاب و الآثار لزعمه أنه لا يكفي في معرفته سبحانه و يؤيد كلا من الوجوه بعض الفقرات و جامعةً منصوبة على الحالية أي عليكم الصلاةُ على رفع الصلاة كما حكي أو احضروا الصلاةَ على نصبها جامعةً لكل الناس و ربما يقرأ برفعهما على الابتداء و الخبرية و هذا النداء كان شائعا في الخطوب الجليلة و إن كان أصله للصلاة.
لا يفره أي لا يكثره المنع (1) أي ترك العطاء و لا يكديه الإعطاء أي لا يجعله قليل الخير مبطئا فيه يقال كدت الأرض إذا أبطأ نباتها و أكدى
____________
(1) قوله عليه الصلاة و السلام «لا يفره المنع» أي لا يكثره ترك إلا عطاه و لا يزيد في ملكه «و لا يكديه الاعطاء» أي لا يفقره و لا ينتقص من ملكه «اذ كل معط منتقص سواه و كل مانع مذموم ما خلاه» حسن الاعطاء و الجود و قبح المنع و البخل من احكام العقل العملى، و ملاك الحكم أنّه يرى الإنسان محتاجا الى بنى نوعه مفتقرا الى التعاون و التعاضد معهم حتّى يسعد في حياته و يبلغ غاية مناه، فلكل فرد من افراد المجتمع قدم في تشكيله، و أثر في ابقائه، و حقّ على زملائه، و حقّ عليهم جميعا ان يتحفظوا على الاجتماع، و يراقبوا ثغوره، و يذبوا عن حدوده فحق على الأغنياء المثرين ان يبذلوا على الفقراء المعدمين و لا يدعوهم مفتقرين حتّى يهلكوا و يفقد المجتمع بعض اعضائه فينتقض الغرض و يخيب المسعى.
و من الواضح عدم وجود هذا الملاك في الحق سبحانه لتعاليه عن الحاجة، و ترفعه عن النقصان، و تنزهه عن الغرض الزائد على الذات، لكن حيث إن له تعالى مطلق الكمال و الجمال و له الأسماء الحسنى و الصفات العليا كان ذاته المتعالية و صفاته الجميلة الغير الزائدة عليها مقتضية لصدور الافعال الحسنة و كان كل افعاله لا محالة حسنة جميلة، لكن ليس للعقل أن يحكم عليه بوجوب فعل الخير و ترك الشر الا بمعنى ادراكه لاقتضاء ذاته سبحانه لهما، و على هذا فلو صدر عنه سبحانه منع أيضا كان حسنا لانه ليس لاحد عليه تعالى حقّ حتّى يحسن اعطاؤه و يقبح منعه و لا يسأل عما يفعل و هم يسألون. و هذا هو المراد بقول الامام الثامن (عليه السلام) «فهو الجواد ان أعطى و هو الجواد ان منع لانه ان أعطى عبدا اعطاه ما ليس له و ان منعه منعه ما ليس له».
116
فلان الأرض إذا جعلها كادية أو لا ترده كثرة العطاء عن عادته فيه من قولهم أكديت الرجل عن الشيء أي رددته عنه ذكره الجوهري و قال الكدية الأرض الصلبة و أكدى الحافر إذا بلغ الكدية فلا يمكنه أن يحفر و أكدى الرجل إذا قل خيره و انتقص يكون متعديا و لازما كنقص و هذا في النسخ على بناء المفعول و التعليل بالجملتين باللف و النشر المرتب أو المشوش لمطابقة الإعطاء و المنع في كل منهما و على التقديرين التعليل في الأولى ظاهر و الفقرة الثانية ليست في نسخ التوحيد و هو الصواب و على تقديرها ففي أصل الجملة و التعليل بها معا إشكال أما الأول فلأنه إن أريد بالمنع ما كان مستحسنا أو الأعم فكيف يصح الحكم بكونه مذموما و إن أريد به ما لم يكن مستحسنا فلا يستقيم الاستثناء.
و يمكن أن يجاب باختيار الثاني من الأول أي الأعم و يقال المراد بالمذموم من أمكن أن يلحقه الذم فيصير حاصل الكلام أن كل مانع غيره يمكن أن يلحقه الذم بخلافه سبحانه فإنه لا يحتمل أن يلحقه بالمنع ذم أو يقال المانع لا يصدق على غيره تعالى إلا إذا بخل بما افترض عليه و إذا أطلق عليه سبحانه يراد به مقابل المعطي و المراد بالعنوان المعنى الشامل لهما
وَ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا مَرَّ مَرْوِيّاً عَنِ الرِّضَا(ع)أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْجَوَادِ فَقَالَ(ع)إِنَّ لِكَلَامِكَ وَجْهَيْنِ فَإِنْ كُنْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْمَخْلُوقِ فَإِنَّ الْجَوَادَ هُوَ الَّذِي يُؤَدِّي مَا افْتَرَضَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ وَ الْبَخِيلَ هُوَ الَّذِي يَبْخَلُ بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ إِنْ أَرَدْتَ الْخَالِقَ فَهُوَ الْجَوَادُ إِنْ أَعْطَى وَ هُوَ الْجَوَادُ إِنْ مَنَعَ لِأَنَّهُ إِنْ أَعْطَى عَبْداً أَعْطَاهُ مَا لَيْسَ لَهُ وَ إِنْ مَنَعَهُ مَنَعَهُ مَا لَيْسَ لَهُ.
. و أما الثاني فيحتمل أن تكون جملة مستقلة غير داخلة تحت التعليل مسوقة لرفع توهم ينشأ من التعليل بعدم الانتقاص بالإعطاء فإن لمتوهم أن يقول إذا لم ينقص من خزائنه شيء بالإعطاء فيجب أن لا يتصف بالمنع أصلا و لو اتصف به لكان مذموما مع أن من أسمائه تعالى المانع فرد ذلك الوهم بأن منعه سبحانه
117
ليس للانتقاص بالإعطاء بل لقبح الإعطاء و عدم اقتضاء المصلحة له و مثل ذلك المنع لا يستتبع الذم و استحقاقه و لو حملت على التعليل فيمكن أن يكون من قبيل الاستدلال بعدم المعلول على عدم العلة فإن الوفور بالمنع أو إكداء الإعطاء (1) علة للبخل التابع للخوف من الفاقة و هو علة لترتب الذم من حيث إنه نقص أو لاقتضائه المنع و رد السائل و نفي الذم يدل على عدم الوفور أو الإكداء المدعى في الجملتين المتقدمتين.
المنان بفوائد النعم المن يكون بمعنى الإنعام و بمعنى تعديد النعم و الأول هنا أظهر و ربما يحمل على الثاني فإن منه سبحانه حسن و إن كان في المخلوق صفة ذم و الفائدة الزيادة تحصل للإنسان من مال أو غيره و العائد المعروف و العطف و قيل عوائد المزيد و القسم معتادهما و المزيد الزيادة و لعل المراد به ما لا يتوهم فيه استحقاق العبد و القسم جمع القسمة و هي الاسم من قسمه كضربه و قسمه بالتشديد أي جزأه و عيال الرجال بالكسر أهل بيته و من يمونهم جمع عيل و جمعه عيائل.
ضمن أرزاقهم أي كفلها و قدر أقواتهم أي جعل لكل منهم من القوت قدرا تقتضيه الحكمة و المصلحة و نهج سبيل الراغبين إليه نهجت الطريق أبنته و أوضحته و نهج السبيل لصلاح المعاد كما أن ضمان الأرزاق لصلاح المعاش و يحتمل الأعم ليس بما سئل إلخ عدم الفرق بينهما بالنظر إلى الجود لا ينافي الحث على السؤال لأنه من معدات السائل لاستحقاق الإنعام لأن نسبته سبحانه إلى الخلق على السواء و إن استحق السائل ما لا يستحقه (2) غيره بخلاف المخلوقين فإن السؤال يهيج جودهم بالطبع مع قطع النظر عن الاستعداد.
الأول الذي لم يكن له قبل فيكون شيء قبله قيل وجوده سبحانه ليس بزماني فلا يطلق عليه القبلية و البعدية كما يطلق على الزمانيات فمعناه الأول
____________
(1) أو الاكداء بالاعطاء (ظ).
(2) في بعض النسخ: ما لم يستحقه.
118
الذي لا يصدق عليه القبلية ليمكن أن يكون شيء ما قبله و الآخر الذي لا يصدق عليه البعدية الزمانية ليمكن أن يكون شيء ما بعده و قد يحمل على وجه آخر و هو أنه لم يكن سبقه عدم فيقال إنه مسبوق بشيء من الأشياء إما المؤثر فيه أو الزمان المقدم عليه و إنه ليس بذات يمكن فناؤها و عدمها فيكون بعده شيء من الأشياء إما الزمان أو غيره و يمكن أن يكون المراد بالقبل الزمان المتقدم سواء كان أمرا موجودا أو موهوما و بالشيء موجودا من الموجودات أي ليس قبله زمان حتى يتصور تقدم موجود عليه و كذا بقاء موجود بعده و الرادع أناسي الأبصار عن أن تناله أو تدركه الأناسي بالتشديد جمع إنسان و إنسان العين المثال الذي يرى في السواد و لا يجمع على أناس كما يجمع الإنسان بمعنى البشر عليه و قيل الأناسي جمع إنسان العين مشدد و الآخر يشدد و يخفف و قرئ أناسي كثيرا بالتخفيف و ردعها أي منعها كناية عن عدم إمكان إحساسها له لأنه سبحانه ليس بجسم و لا جسماني و لا في جهة و نلت الشيء أصبته و أدركته أي تبعته فلحقته و المراد بالنيل الإدراك التام و بالإدراك غيره و يحتمل العكس و أن يكون العطف لتغاير اللفظين أو يكون إشارة إلى جهتين لامتناع الرؤية فالنيل إشارة إلى استلزام كونه ذا جهة و جسمانيا و الإدراك إلى أنه يستلزم وجود كنه ذاته في الأذهان و هو ممتنع كما أشرنا إليه في كتاب التوحيد.
ما اختلف عليه دهر ظاهره نفي الزمانية عنه تعالى و يحتمل أن يراد به جريانه على خلاف مراده أحيانا و على وفق إرادته أحيانا حتى يلحقه ما يلحق الخلق من الشدة و الرخاء و النعم و البؤس و الصحة و السقم و نحو ذلك.
و لو وهب ما تنفست استعار التنفس هنا لإبراز المعادن ما يخرج منهما كما يخرج الهواء من تنفس الحيوان و ضحكت عنه أي تفتحت و انشقت حتى ظهر و يقال للطلع حين تنشق الضحك بفتح الضاد و قد مر بيان لطف تلك التشبيهات.
و الفلز بكسر الفاء و اللام و تشديد الزاي الجواهر المعدنية كالذهب و
119
الفضة و في الصحاح ما ينقيه (1) الكير مما يذاب من جواهر الأرض و اللجين مصغرا الفضة و العقيان بالكسر الذهب الخالص و نثرت الشيء كنصرت رميته متفرقا و نثارة الدر بالضم ما تناثر منه و الدر جمع درة و هي اللؤلؤة العظيمة أو مطلقا و حصد الزرع قطعه بالمنجل و الحصيد المحصود و المراد بالمرجان إما صغار اللؤلؤ و وصفه بالحصيد (2) لعله يناسب ما تذكره التجار أن الصدف كثيرا ما يغرز عرقه في أرض البحر فيحصده الغواصون و لذا قيل إنه حيوان يشبه النبات و قال بعض شارحي النهج كأن المراد المتبدد من المرجان كما يتبدد الحب المحصود و يجوز أن يعنى المحكم من قولهم شيء مستحصد أي مستحكم قال و يروى و حصباء المرجان و الحصباء الحصى و قال قوم هو البسد يعني الحجر الأحمر و أنفده أي أفناه و ذخائر الإنعام ما بقي عنده من نعمه الجسام بعد العطايا المفروضة و المطالب جمع المطلب بمعنى المصدر لا يغيضه جاء متعديا كما جاء لازما و لا يبخله أي لا يجعله بخيلا و يقال أيضا بخله تبخيلا إذا رماه بالبخل و روي على صيغة الإفعال أي لا يجده بخيلا و التعليل بقوله لأنه الجواد إما للجملة الشرطية بتواليها فالوجه في التعليل بنفي التبخيل ظاهر إذ لو أثر العطاء المفروض في جوده لبخله الإلحاح فإنه في الحقيقة منع (3) التأثير في الجود فنفيه يدل على نفيه و إما لبقاء ما لا ينفده المطالب فوجه التعليل أن العادة قد جرت بلحوق البخل لمن ينفد ما عنده بالطلب و إن أمكن عقلا عدمه بأن يسمح بكل ما عنده فنفي التبخيل يدل على نفي الإنفاد.
____________
(1) في النسخة المطبوعة بمصر «ينفيه» و ما في المتن أظهر، «و الكير» كما نقل في الصحاح عن أبي عمرو هو كير الحداد و هو زق او جلد غليظ ذو حافات و في القاموس: الفلز:
بكسر الفاء و اللام و شد الزاى و كهجف و عتل نحاس أبيض تجعل منه القدور المفرغة، أو خبث الحديد، أو الحجارة، أو جواهر الأرض كلها أو ما ينفيه الكير من كل ما يذاب منها إلخ.
(2) في بعض النسخ: بالحصد.
(3) في المخطوطة: معنى التأثير.
120
فانظر أيها السائل إلخ الايتمام الاقتداء و الأثر بالتحريك نقل الحديث و روايته و وكل الأمر إليه وكلا و وكولا سلمه و تركه و يدل على المنع من الخوض في صفاته سبحانه و من البحث عما لم يرد منها في الكتاب و السنة.
و اعلم أن الراسخين في العلم إلى آخره الراسخ في العلم الثابت فيه و اقتحم المنزل أي دخله بغتة و من غير روية و السدد جمع سدة و هي باب الدار و ضرب الباب نصبه و دون الشيء ما قرب منه قبل الوصول إليه و المتعمق في الأمر الذي يبالغ فيه و يطلب أقصى غايته و قدر الشيء مبلغه و تقديره أن تجعل له قدرا و تقيسه بشيء و المعنى لا تقس عظمة الله بمقياس عقلك و مقداره و الظاهر أن المراد بإقرار الراسخين في العلم و مدحهم ما تضمنه قوله سبحانه فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ إلى قوله وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ فإقرارهم قولهم آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا و مدح الله تعالى إياهم ذكر كلامهم المتضمن للإيمان و التسليم في مقام المدح أو تسمية ترك تعمقهم رسوخا في العلم فالعطف في قوله و سمى للتفسير أو الإشارة إلى أنهم أولو الألباب بقوله وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ و حينئذ فالمراد بالمتشابه ما يشمل كنه ذاته و صفاته سبحانه مما استأثر الله بعلمه و على هذا فمحل الوقف في الآية إِلَّا اللَّهُ كما هو المشهور بين المفسرين و القراء فتفيد اختصاص علم المتشابه (1) به سبحانه و قوله وَ الرَّاسِخُونَ مبتدأ و يَقُولُونَ خبره و هو بظاهره مناف
____________
(1) بل تفيد اختصاص العلم بتأويل القرآن به سبحانه فتأمل في قوله «وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ» و الضمير في قوله «تَأْوِيلِهِ» راجع الى «الْكِتابَ» و لا ينافى علمهم (عليهم السلام) بمتشابهات القرآن، بل لا ينافى علمهم بتأويله فان ظاهر الآية و ان كان الانحصار لكنه لا يأبى عن الاستثناء، كما ان ظاهر بعض الآيات اختصاص علم الغيب به سبحانه لكنه تعالى استثنى عنه من ارتضى من رسول في قوله «عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ» و دليل علمهم بتأويل القرآن قوله تعالى «لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» و إن أردت توضيح ما ذكر فراجع الى تفسير «الميزان» سورة آل عمران.
121
لما دلت عليه الأخبار المستفيضة من أنهم(ع)يعلمون ما تشابه من القرآن كما مر في كتاب الإمامة و على هذا فالوقف على الْعِلْمِ و إليه ذهب أيضا جماعة من المفسرين فقوله يَقُولُونَ حال من الراسخين أو استئناف موضح لحالهم و يمكن الجمع بينها بوجوه الأول أن يكون ما ذكره(ع)هنا مبنيا على ما اشتهر بين المخالفين إلزاما عليهم.
الثاني أن يكون للآية ظهر و بطن أحدها أن يكون المراد بالمتشابه مثل العلم بكنه الواجب و ما استأثر الله عز و جل بعلمه من صفاته و كنه ذاته و أمثال ذلك مما تفرد سبحانه بعلمه و إليه يشير ظاهر هذا الكلام و ثانيهما أن يراد به ما علم الراسخون في العلم تأويله و إليه أشير في سائر الأخبار فيكون القارئ مخيرا في الوقف على كل من الموضعين الثالث ما قيل إنه يمكن حمل حكاية قول الراسخين على اعترافهم و تسليمهم قبل أن يعلمهم الله تأويل ما تشابه من القرآن فكأنه سبحانه بين أنهم لما آمنوا بجملة ما أنزل من المحكمات و المتشابهات و لم يتبعوا ما تشابه منه كالذين في قلوبهم زيغ بالتعلق بالظاهر أو بتأويل باطل فآتاهم الله علم التأويل و ضمهم إلى نفسه في الاستثناء و الاستئناف في قوة رفع الاستبعاد عن مشاركتهم له تعالى في ذلك العلم و بيان أنهم إنما استحقوا إفاضة ذلك العلم باعترافهم بالجهل و قصورهم عن الإحاطة بالمتشابهات من تلقاء أنفسهم و إن علموا التأويل بتعليم إلهي
وَ قَدْ وَرَدَ عَنْهُ(ع)أَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَ بِبَعْضِ الْغُيُوبِ قَالَ لَهُ رَجُلٌ أُعْطِيتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عِلْمَ الْغَيْبِ فَقَالَ(ع)لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْبٍ وَ إِنَّمَا هُوَ تَعَلُّمٌ مِنْ ذِي عِلْمٍ.
و قد مر بعض الكلام فيه في كتاب التوحيد.
إذا ارتمت يقال ارتمى القوم إذا تراموا بالنبال و الأوهام خطرات القلب و في اصطلاح المتكلمين إحدى القوى الباطنة شبه(ع)جولان الأفكار و تعارضها بالترامي و المنقطع موضع الانقطاع و يحتمل المصدر و حاولت
122
الشيء أردته و الخطر بالتسكين مصدر خطر له خاطر أي عرض في قلبه و روي من خطرات الوساوس و الوسوسة حديث النفس و الشيطان بما لا خير فيه و لا نفع و الاسم الوسواس.
و الملكوت العز و السلطان و تولهت إليه أي اشتد عشقها و حنت إليه و الوله بالتحريك التحير و ذهاب العقل من حزن أو فرح لتجري في كيفية صفاته أي لتجد مجرى و مسلكا في ذلك و غمض الشيء بالفتح و الضم أي خفي مأخذه و الغامض من الكلام خلاف الواضح و مداخل العقول طرق الفكر و فاعل تنال ضمير العقول أي إذا دقت و غمضت طرق العقول و وصلت إلى حد لا تبلغ الصفات لدقة تلك الطرق و خفائها أو إذا دقت و انتهت العقول إلى أنها لا تعتبر مع ملاحظة الحق صفة من صفاته كما قيل طالبة بذلك أن تصل إلى علم ذاته و في بعض النسخ علم ذلك و الأول أظهر.
ردعها الردع الرد و الكف و الجملة جزاء للشرط السابق و الضمير المنصوب راجع إلى الأوهام أو غيرها مما سبق و هي تجوب أي تقطع و الواو للحال و المهاوي جمع مهواة و هي الحفرة أو ما بين الجبلين و المراد هنا المهلكة و السدف جمع سدفة و هي القطعة من الليل المظلم و يطلق على الضياء أيضا و خلصته تخليصا نحيته فتخلص فقوله متخلصة إليه أي متوجهة إليه بكليتها متنحية عن غيره و جبهه كمنعه أي ضرب جبهته فرده و الجور العدول عن الطريق و الاعتساف قطع المسافة على غير جادة معلومة و المراد بجور اعتسافها شدة جولانها في ذلك المسلك الذي لا جادة له و لا يفضي إلى المقصود و الخاطرة المنفية (1) ما يكون مطابقا للواقع.
____________
(1) التي نفيت بقوله (عليه السلام) «و لا تخطر ببال أولى الرويات خاطرة ...» و مراده- (رحمه اللّه)- أنه ربما يخطر بالبال خواطر من تقدير جلاله تبارك و تعالى لكنها ليست مطابقة للواقع فلا تخطر خاطرة مطابقة للواقع ببال أولى الرويات من تقدير الجلال و اكتناه سائر صفاته سبحانه.
123
الذي ابتدع الخلق الابتداء الإنشاء و الإحداث و مثال الشيء بالكسر صورته و صفته و مقداره و امتثله أي تبعه و لم يتجاوز عنه و احتذى عليه أي اقتدى به و قوله من خالق متعلق بمحذوف و هو صفة لمقدار أو لمثال أيضا كناشئ و المراد بنفي امتثال المثال أنه لم يمثل لنفسه مثالا قبل شروعه في خلق العالم ليخلق العالم على هيئته و بنفي احتذاء المقدار أنه لم يقتد بخالق كان قبله فالظرف صفة للمقدار فقط و يحتمل أن يكون الثاني كالتأكيد للأول فالظرف صفة للمثال و المقدار معا و يكون المراد بالأول نفي الاقتداء بالغير في التصوير و بالثاني في التقدير أو يكون المراد بالمثال ما يرتسم في الخيال من صورة المصنوع و هيئته و لم يكن على حذو فعل فاعل آخر لتنزهه عن الصور و الخواطر فالظرف صفة لمقدار و وصف الخالق بالمعبود لأنه من لوازمه أو لأنه لو كان كذلك لكان هو المعبود.
و المساك بالكسر ما يمسك به و فيه دلالة على احتياج الباقي في بقائه إلى المؤثر و قوله ما دلنا مفعول ثان لأرانا و اضطرار قيام الحجة عبارة عن إفادتها العلم القطعي بعد تحقق الشروط و ارتفاع الموانع و الظرف في قوله على معرفته متعلق بقوله دلنا و أعلام الحكمة ما يدل عليها و الضمير في قوله فحجته يحتمل عوده إلى الخلق الصامت كالضمير في دلالته أو إلى الله سبحانه فأشهد و في بعض النسخ بالواو بتباين المشبه به في الحقيقة هو الخلق و إنما أدخل الباء على التباين تنبيها على وجه الخطإ في التشبيه و التلاحم التلاصق و الحقاق بالكسر جمع حقة بالضم و هي في الأصل وعاء من خشب و حقاق المفاصل النقر التي ترتكز فيها العظام و احتجابها استتارها بالجلد و اللحم و قوله لتدبير متعلق بالمحتجبة أي المستورة للتدبير الذي اقتضته الحكمة قيل و من حكمة احتجابها أنها لو خلقت ظاهرة ليبست رباطاتها فيتعذر تصرف الحيوان و كانت معرضة للآفات أو بالتباين و التلاحم. و قال بعض شارحي النهج و من روى
124
المحتجة أراد أنها كالمستدل (1) على التدبير الحكمي من لدنه سبحانه و العقد الشد و فاعل الفعل الموصول المشبه و غيب منصوب على المفعولية و هو كل ما غاب و الضمير اسم من أضمرت في نفسي شيئا أو إضافة الغيب إلى الضمير من إضافة الصفة إلى الموصوف و المراد بغيب الضمير حقيقة عقيدته و باطنها لا ما يظهره منها لغيره أو يظهر له بحسب توهمه و في بعض النسخ لم يعتقد على صيغة المجهول و غيب بالرفع و المباشرة لمس البشرة و الفاعل اليقين و في بعض النسخ قلبه بالرفع على أنه الفاعل و اليقين بالنصب و الأول الأظهر و الند المثل و إن في الآية مخففة من المثقلة و يظهر من كلامه(ع)أن التسوية في الآية يشمل هذا التشبيه و لا يخص التسوية في استحقاق العبادة كذب العادلون بك أي المسوون بك غيرك و نحلوك أي أعطوك حلية المخلوقين أي صفاتهم و التعبير بالنحلة و الحلية لزعم هؤلاء أنها كمال له عز و جل و جزءوك أي أثبتوا لك أجزاء و خواطرهم ما يخطر ببالهم من الأوهام الفاسدة و قدروك على الخلقة أي جعلوا لك قدرا في العظمة المعنوية كقدر الخلق فأثبتوا لك صفاتهم و قرائح عقولهم ما يستنبطونه بآرائهم و القريحة في الأصل أول ما يستنبط من البئر و محكمات الآيات نصوص الكتاب و شواهد الحجج الأدلة العقلية و نطقها دلالتها القطعية أو الشواهد الهداة المبينون للحجج التي هي الأدلة و كأنه ضمن النطق معنى الكشف فعدي بعن و إضافة الحجج إلى البينات للمبالغة.
لم يتناه في العقول أي لم تقدرك العقول بالنهاية و الكنه بحيث لا تكون لك صفة وراء ما أدركته أو لم تحط بك العقول فتكون محدودا متناهيا فيها و مهب الفكر هبوبها و لعله(ع)شبه الحركات الفكرية بهبوب الرياح و الأفكار بما تجمعها و تذروها من الحشائش إشعارا بضعفها و سفالة ما يحصل منها
____________
(1) في بعض النسخ: كالمستدلة.
125
و قيل التناهي في العقل هو أن يدرك العقل الشيء مرسما في القوى الجزئية و هي مهاب الفكر التي ترتسم فيها الصور و تزول كالريح الهابة تمر بشيء و قيل مهاب الفكر جهاتها و رويات الخواطر ما يخطر بالبال بالنظر و الفكر و المحدود المحاط بالحدود و المراد بالحدود ما يلزم الإحاطة التامة أو الصفات و الكيفيات التي لا يتعداها المعلوم و المصرف القابل للتغير و الحركة أو المحكوم عليه بالتجزئة و التحليل و التركيب.
قدر ما خلق فأحكم تقديره أي جعل لكل شيء مقدارا مخصوصا بحسب الحكمة أو هيأ كل شيء لما أراد منه من الخصائص و الأفعال أو قدره للبقاء إلى أجل معلوم فأحكم أي أتقن و التدبير في الأمر النظر إلى ما تئول إليه عاقبته فألطف تدبيره أي أعمل فيه تدبيرات دقيقة لطيفة أو كانت تدبيراته مقرونة باللطف و الرفق و الرحمة على عباده و وجهه لوجهته أي جعل كلا منها مهيأة و ميسرة لما خلق له كالحبوب للأكل و الدواب للركوب و كل صنف من الإنسان لأمر من الأمور المصلحة للنظام و يحتمل أن يكون إشارة إلى أمكنتها و الأول أعم و أظهر و الوجهة بالكسر الناحية و كل أمر استقبلته و قصر السهم عن الهدف إذا لم يبلغه و قصرت عن الشيء أي عجزت عنه و استصعب الأمر علينا أي صعب و الصعب غير المنقاد و مضى الشيء مضيا و مضوا أي نفذ و لم يمتنع و صدر كعقد رجع و انصرف كرجوع الشاربة عن الماء و المسافرين عن مقصدهم و لما كانت الأمور لإمكانها محتاجة في الوجود إلى مشيته فكأنما توجهت إليها فرجعت فائزة بمقصدها و المشية الإرادة و أصلها المشيئة بالهمز.
آل إليها أي رجع و الغريزة الطبيعة (1) و قريحة الغريزة ما يستنبطه الذهن و قيل قوة الفكر للعقل أضمر عليها أي أخفاه في نفسه محتويا عليها و التجربة الاختبار مرة بعد أخرى و يقال أفدته مالا أي أعطيته
____________
(1) في بعض النسخ: الطبع.
126
و أفدت منه مالا أخذته و حكى الجوهري عن أبي زيد أفدت المال أعطيته غيري و أفدته استفدته (1) و ابتداع الخلائق إحداثها فتم خلقه يمكن أن يراد بالخلق المعنى المصدري و يكون الضمير راجعا إليه سبحانه كالضمير في طاعته و دعوته أو إلى ما خلق المذكور سابقا و على الأول يكون في أذعن و أجاب راجعين إلى الخلق على الاستخدام أو إلى ما خلق و يمكن أن يراد به المخلوق و تمام مخلوقاته بإفاضته عليها ما يليق بها و تستعد له و إذعان ما خلق لطاعته و إجابته إلى دعوته إما بمعنى استعداده لما خلق له أو تهيئه لنفوذ تقديراته و إرادته سبحانه فيه و فيه إشارة إلى قوله تعالى أَتَيْنا طائِعِينَ (2) و ربما تحمل أمثالها على ظاهره بناء على أن لكل مخلوق شعورا كما هو ظاهر قوله تعالى وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ (3) و اعترض الشيء دون الشيء أي حال بينه و بينه و دونه أي قبل الوصول إليه و الضمير في دونه أيضا راجع إليه سبحانه و يحتمل أن يكون راجعا إلى مصدر أذعن و أجاب و الريث البطوء و الأناة كفتاه الاسم من تأنى في الأمر أي تمكث و لم يعجل و تلكأ توقف و أبطأ.
فأقام من الأشياء أودها الأود بالتحريك الاعوجاج و إقامته إعداد كل شيء لما ينبغي له أو دفع المفاسد التي تقتضيها الأشياء لو خليت و طباعها و نهج أي أوضح و حد الشيء منتهاه و أصل الحد المنع و الفصل بين الشيئين و نهج الحدود قيل إيضاحه لكل شيء غايته و تيسيرها له أو المعنى جعل لكل شخص و نوع مشخصا و مميزا واضحا يمتاز به عن غيره فإن من أعاظم (4) المصالح و أعزها
____________
(1) الصحاح: ج 1(ص)518.
(2) فصّلت: 11.
(3) الإسراء: 44.
(4) في بعض النسخ «من أعظم» و هو الأظهر.
127
امتياز الأنواع و الأشخاص بعضها عن بعض أقول و يحتمل أن يكون المراد بالحدود حدود أمكنتها كمكان العناصر فإن لكل منها حدا لا تتجاوزه و لعله أنسب بما بعده.
و لاءم أي جمع بين متضاداتها كجمع العناصر المتباينة في الكيفيات و الصفات لحصول المزاج و كالألفة بين الروح و البدن.
و وصل أسباب قرائنها السبب في الأصل الحبل و يقال لكل ما يتوصل به إلى شيء و القرينة فعيلة بمعنى مفعولة و قرائن الأشياء ما اقترن منها بعضها ببعض و وصل أسبابها ملزوم لاتصالها و قال ابن ميثم القرائن النفوس المقرونة بالأبدان و اعتدال المزاج بسبب بقاء الروح أي وصل أسباب أنفسها بتعديل أمزجتها و المراد بالأجناس هنا أعم مما هو مصطلح المنطقيين و كذا المراد بالحدود غير ما هو المعروف عندهم و إن كان المقام لا يأباهما.
و الغرائز الطبائع و القوى النفسانية و البدايا جمع بداية و هي الحالة العجيبة يقال أبدأ الرجل إذا أتى بالأمر المعجب و البديئة أيضا الحالة المبتدأة المبتكرة أي عجائب مخلوقات أو مخلوقات مبتدأة بلا اقتفاء مثال و هو خبر مبتدأ محذوف أي هي بدايا و الفطر الابتداء و الاختراع و الابتداع كالتفسير له و نظم أي جمع و ألف بلا تعليق أي من غير أن يعلق بعضها ببعض بخيط أو نحوه و رهوات فرجها الرهوة المكان المرتفع و المنخفض أيضا فنظمها تسويتها
- و قال في النهاية في حديث علي (1) و نظم رهوات فرجها.
أي المواضع المنفتحة منها (2) و هو مأخوذ من قولهم رها رجليه رهوا أي فتح و فيه دلالة على أن السماء كانت ذات فرج و صدوع فنظمها سبحانه و هو مناسب لما مر من أن مادتها الدخان المرتفع من الماء إذ مثل ذلك تكون قطعا و ذات فرج
____________
(1) في المصدر: و في حديث على رضي اللّه عنه يصف السماء ...
(2) النهاية: ج 2،(ص)116.
128
و أول بعض الشارحين بتباين أجزاء المركب لو لا التركيب و التأليف أو بالفواصل التي كانت بين السماوات لو لا أن الصانع خلقها أكرا (1) متماسة و إنما اضطره إلى ذلك الاعتقاد بقواعد الفلاسفة و تقليدهم.
و ملاحمة الصدوع إلصاق الأجزاء ذوات الصدوع بعضها ببعض و إضافة الصدوع إلى الانفراج من إضافة الخاص إلى العام و وشج بالتشديد أي شبك و الضمير في بينها راجع إلى ما يرجع إليه الضمائر السابقة.
و قال ابن ميثم المراد بأزواجها نفوسها التي هي الملائكة السماوية بمعنى قرائنها و كل قرين زوج أي ربط ما بينها و بين نفوسها بقبول كل جرم سماوي لنفسها التي لا يقبلها غيره.
و أقول القول بكون السماوات حيوانات ذوات نفوس مخالف للمشهور بين أهل الإسلام بل نقل السيد المرتضى رضي الله عنه إجماع المسلمين على أن الأفلاك لا شعور لها و لا إرادة بل هي أجسام جمادية يحركها خالقها (2) و يمكن أن يراد
____________
(1) الاكر- بضم الهمزة و فتح الكاف- جمع «كرة» و هي كل جسم مستدير.
(2) البحث عن الافلاك و ماهيتها بحث هيوى اختلف فيه اقوال قدماء الهيويين من يونان و المتأخرين من علماء اروبا: و فيه فرضية مشهورة من بطلميوس و هو من أقدم فلكيى يونان و هي ان الافلاك كرات يحتوي بعضها على بعض منها كلية و منها جزئية و ان الافلاك الكلية تسعة و زعم أن لها احكاما يختص بها من بين الاجسام، منها استحالة الخرق و الالتئام، و احكام اخرى لا يسع ذكرها المقام و قد ابطلها علماء الهيئة الحديثة، و هدموا اساسها، و نقضوا حدودها، و خرقوا كليها و جزئيها و كيف كان فالبحث عن هذه المسألة شأن العالم الهيوى. لا الفقيه و الاصولى و المحدث و المنطقى، و ليس الاعتقاد بوجود هذه الافلاك او عدمها من أصول الدين او فروعه، و لا مما ورد في كتاب اللّه او سنة رسوله، اللّهمّ الا ما ذكر في القرآن الكريم و الأحاديث الشريفة من السماوات و الأرض و الكواكب و النجوم و ان كل كوكب يسبح في فلك الى غير ذلك لكن لا يجد المتتبع الخبير من كتاب اللّه آية و لا ممّا صدر عن معادن علم اللّه رواية تدلّ على اثبات الافلاك البطلميوسية و تصديق ما يستلزمه تلك الفرضية ان لم يجد ما يكذبها و يبطلها! و دعوى الإجماع من المسلمين في مثل المسألة كما ترى: و ان فرض اجماع المسلمين في زمان او في جميع الأزمنة.
129
بالأزواج الملائكة الموكلون بها أو القاطنون فيها أو المراد أشباهها من الكواكب و الأفلاك الجزئية و يمكن حمل الفقرات السابقة أيضا على هذين الوجهين الأخيرين و يمكن أن يكون المراد بأزواجها أشباهها في الجسمية و الإمكان من الأرضيات و يناسب ما جرى على الألسن من تشبيه العلويات بالآباء و السفليات بالأمهات.
و ذلل للهابطين يقال ذلل البعير أي جعله ذلولا و هو ضد الصعب الذي لا ينقاد من الذل بالكسر و هو اللين و الحزونة خلاف السهولة و المعراج السلم و المصعد و نداء السماء إشارة إلى ما مر من قوله سبحانه فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً (1) فالتحمت عرى أشراجها التحمت أي التزقت و التأمت و عرى العيبة هي الحلق التي تضم بعضها إلى بعض و تشد و تقفل و الشرج بفتحتين عرى العيبة و الجمع أشراج و قيل قد تطلق الأشراج على حروف العيبة التي تخاط و لعل هذا الالتحام كناية عن تمام خلقها و فيضان الصور السماوية عليها.
و فتق بعد الارتتاق صوامت أبوابها فتق الثوب فتقا نقضت خياطته حتى انفصل بعضه عن بعض و رتقت الفتق رتقا أي سددته فارتتق و الأبواب الصامتة و المصمتة المغلقة منها و فتق صوامت الأبواب إما كناية عن إيجاد الأبواب فيها و خرقها بعد ما كانت رتقا لا باب فيها أو فتح الأبواب المخلوقة فيها حين إيجادها و هذه الأبواب هي التي منها عروج الملائكة و هبوطها و صعود أعمال العباد و أدعيتهم
____________
على امر ليس من دينهم، و لا من واجب اعتقادهم، و لا ممّا يرتبط بافعالهم فأى دليل على حجته؟
و من أين يمكن القول بوجوب اتباعه و الاعتقاد بمعقده؟! هذا حال أصل الافلاك! فما ترى في البحث عن كونها ذوات نفوس مدركة او جمادات فاقدة للشعور و الإرادة؟ و غير خفى ان دعوى الإجماع على أحد طرفى المسألة ممنوعة، و حجيته على فرض وجوده غير مسلمة، بل لا ينبغي الشك في عدم حجيته.
(1) فصّلت: 11.
130
و أرواحهم كما قال تعالى لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ (1) و التي (2) تنزل منها الأمطار كما أشار إليه بقوله فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (3) و أقام رصدا هو بالتحريك جمع راصد كخدم و خادم أو اسم جمع كما قيل و يكون مصدرا كالرصد بالفتح و الراصد القاعد على الطريق منتظرا لغيره للاستلاب أو المنع و المرصاد الطريق و المكان يرصد فيه العدو و أرصدت له أعددت و الثواقب التي تثقب الشياطين أو الهواء أو يثقب الجو بضوئها و النقاب بالكسر جمع نقب بالفتح و هو الثقب و الخرق و المراد إقامة الشهب الثواقب لطرد الشياطين عن استراق السمع كما أشار إليه سبحانه بقوله وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (4) و لا صراحة فيه بكون ذلك المنع مقارنا لإيجاد السماء حتى ينافي ما دل على حدوثها و يحتمل تخلل الرخصة بين المنعين أيضا.
و أمسكها من أن تمور أي تموج و تضطرب و الخرق يكون بمعنى الثقب في الحائط و الشق في الثوب و غيره و هو في الأصل مصدر خرقته إذا قطعته و مزقته و يكون بمعنى القفر و الأرض الواسعة تنخرق فيها الرياح أي تهب و تشتد و الهواء يقال للجسم الذي هو أحد العناصر و يقال لكل خال هواء كما قال سبحانه وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (5) أي خالية من العقل أو الخير و المراد بالمور في خرق الهواء أما الحركة الطبيعية أو القسرية في الفواصل التي تحدث بحركتها في الجسم الذي هو أحد العناصر إذ لا دليل على انحصاره في الذي بين السماء و الأرض أو حركتها في المكان الخالي الموهوم أو الموجود طبعا أو قسرا أو حركة أجزائها فيما بين السماء
____________
(1) الأعراف: 40.
(2) في المخطوط: أو التي.
(3) القمر: 11.
(4) الجن: 9.
(5) إبراهيم: 43.
131
و الأرض و الأيد بالفتح القوة و الظرف متعلق بالإمساك و الاستسلام الانقياد و يحتمل أن يكون الأمر كناية عن تعلق الإرادة كما مر.
آية مبصرة الآية العلامة و المبصر المدرك بالبصر و فسرت المبصرة في قوله تعالى وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً بالبينة الواضحة و بالمضيئة التي يبصر بها و بالمبصرة للناس من أبصرته فبصر و بالمبصر أهله كقولهم أجبن الرجل إذا كان أهله جبناء و المحو إذهاب الأثر و طمس النور و فسر محو القمر بكونه مظلما في نفسه غير مضيء بذاته كالشمس و بنقصان نوره بالنظر (1) إلى الشمس و بنقصان (2) نوره شيئا فشيئا إلى المحاق.
وَ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ الْكَوَّاءِ سَأَلَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَنِ اللَّطْخَةِ الَّتِي فِي وَجْهِ الْقَمَرِ فَقَالَ ذَاكَ مَحْوُ آيَةِ اللَّيْلِ.
و يمكن أن يكون لها مدخل في نقصان ضوء القمر من ليلها قيل من لابتداء الغاية أو لبيان الجنس و يتعلق بممحوة أو يجعل و قيل أراد من آيات ليلها.
و المنقل في الأصل الطريق في الجبل و المدرج المسلك و درج أي مشى و الدرج بالتحريك الطريق و درجيهما في بعض النسخ على لفظ التثنية و في بعضها مفرد و مناقلهما و مدارجهما منازلهما و بروجهما و الظاهر أن التمييز و العلم غايتان لمجموع الأفعال السابقة فيكون إشارة إلى قوله تعالى وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ (3) و إلى قوله عز و جل هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ (4) و يحتمل
____________
(1) في بعض النسخ: بالنسبة.
(2) في المخطوط: بنقص.
(3) الإسراء: 12.
(4) يونس: 5.
132
أن يكون التمييز غاية للأول و العلم غاية للأخير أو الأخيرين فيكون نشرا على ترتيب اللف و ظاهر كلامه(ع)تفسير الآيتين المفردتين في الآية الأولى بالشمس و القمر لا بالليل و النهار و إن كان المراد بالآيتين أولا الليل و النهار و قيل المراد جعلناهما ذوي آيتين فتكون الشمس و القمر مقصودين بهما في الموضعين و المراد بالحساب حساب الأعمار و الآجال التي يحتاج إليه الناس في أمور دينهم و دنياهم و مقاديرهما مقادير سيرهما و تفاوت أحوالهما. ثم علق في جوها فلكها الظاهر أن كلمة ثم هنا للترتيب الذكري و لعل المعنى أنه أقر فلكها في مكانه من الجو بقدرته و لا ينافي نفي التعليق في نظم الأجزاء كما سبق و الجو الفضاء الواسع أو ما بين السماء و الأرض و الفلك بالتحريك مدار النجوم و قيل أراد بالفلك دائرة معدل النهار و قيل أراد به الجنس و هو أجسامها المستديرة التي يصدق عليها هذا الاسم و قيل الفلك هنا عبارة عن السماء الدنيا فيكون على وفق قوله سبحانه إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (1) و التوجيه مشترك و على المشهور من عدم كون جميعها في السماء الدنيا لعل الأظهر أن يراد بالفلك ما ارتكز فيه كوكب يتحرك بحركته و بالجو الفضاء الواسع الموهوم أو الموجود الذي هو مكان الفلك و وجه إضافته إليها واضح فإن الفلك من جملتها و كذا إضافة الفلك إليها و يحتمل حينئذ أن يراد بفلكها المحيط المحرك لجملتها و يمكن على طريقة الاستخدام أو بدونه أن يراد بضمير السماء الذي أحاط بجميع ما ارتكزت فيه الكواكب المدير لها فكون فلكها في جوها ظاهر أو يراد بالسماء الأفلاك الكلية و بالفلك الأفلاك الجزئية الواقعة في جوفها و في بعض النسخ علق في جوها فلكا بدون الضمير و هو يناسب كون الكواكب كلها في فلك واحد.
و ناط أي علق و الدراري جمع دري و هو المضيء و كأنه نسب إلى
____________
(1) الصافّات: 6.
133
الدر تشبيها به لصفائه و قال الفراء الكوكب الدري عند العرب هو العظيم المقدار و قيل هو أحد الكواكب السبعة السيارة و في النهاية الكواكب الخمسة السيارة و لا يخفى أن وصف الدراري بالخفيات ينافي القولين ظاهرا و استراق السمع الاستماع مختفيا بثواقب شهبها أي بشهبها الثاقبة تلميحا إلى قوله سبحانه إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (1) و قوله إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (2) و الأذلال جمع ذل بالكسر يقال أمور الله جارية أذلالها بالنصب و على أذلالها أي مجاريها و يقال دعه على أذلاله أي على حاله و ثبات الثوابت بالنسبة إلى سير السيارات و المراد بالهبوط إما مقابل الشرف كما هو مصطلح المنجمين أو التوجه إلى حضيض الحامل أو التدبير أو التوجه إلى الغروب فإنه الهبوط حسا و يقابله الصعود و النحوس ضد السعود ثم خلق الظاهر أن كلمة ثم هنا للترتيب الحقيقي و سيأتي بعض الأخبار الدالة على تقدم خلق الملائكة على السماوات و يمكن الجمع بالتخصيص هاهنا بسكان السماوات الذين لا يفارقونها و عمارة المنزل جعله آهلا ضد الخراب الذي لا أهل له و الصفيح السطح و وجه كل شيء عريض و الصفيح أيضا اسم من أسماء السماء و المراد هنا سطح كل سماء و يقابله الصفيح الأسفل و هو الأرض أو فوق السماء السابعة أو فوق الكرسي و الملكوت كرهبوت العز و السلطان و الفروج الأماكن الخالية و الفج الطريق الواسع بين الجبلين و حشوت الوسادة بالقطن جعلتها مملوة منه و الفتق الشق و الجو الفضاء الواسع و ما بين السماء و الأرض و هذا الكلام صريح في عدم تلاصق السماوات و في تجسم الملائكة و أن ما بين السماوات مملوة منهم و به تندفع شبهة لزوم الخلإ كما ستعرف و الفجوة الفرجة و الموضع المتسع بين الشيئين و زجل المسبحين صوتهم
____________
(1) الحجر: 18.
(2) الصافّات: 10.
134
الرفيع العالي و الحظيرة في الأصل الموضع الذي يحاط عليه لتأوي إليه الغنم و الإبل يقيها الحر و البرد و الريح و القدس بالضم و بضمتين الطهر اسم و مصدر و السترات بضمتين جمع سترة بالضم و هو ما يستتر به كالستارة و الحجاب ما احتجب به و السرادق الذي يمد فوق صحن البيت من الكرسف و المجد الشرف و العظمة و الرجيج الزلزلة و الاضطراب و منه رجيج البحر.
تستك منه الأسماع أي تصم و فسروا السبحات بالنور و البهاء و الجلال و العظمة و قيل سبحات الوجه محاسنه لأنك إذا رأيت الوجه الحسن قلت سبحان الله و لعل المراد بها الأنوار التي تحجب بها الأبصار و يعبر عنها بالحجب و ردعه كمنعه كفه و رده و الخاسئ من الكلاب و غيرها المبعد لا يترك أن يدنو من الناس يقال خسأت الكلب أي طردته و أبعدته و الضمير في حدودها راجع إلى السحاب و قيل أي تقف الأبصار حيث تنتهي قوتها لأن قوتها متناهية فإذا بلغت حدودها وقفت.
أولي أجنحة تسبح جلال عزته إشارة إلى قوله تعالى أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ (1) و تسبح في أكثر النسخ بالتشديد من التسبيح و هو التنزيه و التقديس من النقائص و الجلال العظمة و العزة القوة و الشدة و الغلبة و الجملة صفة لأولي أجنحة و في بعض النسخ تسبح بالتخفيف من السباحة و خلال بالخاء المعجمة المكسورة و هو وسط الشيء أو جمع خلل بالتحريك و هو الفرجة بين الشيئين و في بعضها خلال بحار عزته و لعل المراد بسباحتهم سيرهم في أطباق السماوات و فوقها أو عروجهم و نزولهم لأداء الرسالات و غيرها أو سيرهم في مراتب القرب بالعبادة و التسبيح.
لا ينتحلون انتحل الشيء و تنحله إذا ادعاه لنفسه و هو لغيره أي لا يدعون الربوبية لأنفسهم كما يدعيها البشر لهم و لأنفسهم فتكون هذه الفقرة
____________
(1) فاطر: 1.
135
لنفي ادعاء الاستبداد و الثانية لنفي ادعاء المشاركة أو الأولى لنفي ادعائهم الخالقية فيما لهم مدخل في وجوده بأمره تعالى و الثانية لنفي ذلك فيما خلقه الله سبحانه بمجرد أمره و إرادته مكرمون بالتخفيف من الإكرام و قرئ بالتشديد من التكريم و اللام في قوله بالقول عوض عن المضاف إليه أي لا يسبقون الله بقولهم بل هم تابع (1) لقوله سبحانه كما أن علمهم تابع لأمره.
جعلهم فيما هنالك لعله مخصوص ببعض الملائكة كما قال عز و جل اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا (2) و يكفي للنسبة إلى الجميع كون بعضهم كذلك و ما هنالك عبارة عن مراتب الملائكة أو الأشغال و الأمور المفوضة إليهم أو عن أربابها و أصحابها و في قوله حملهم تضمين معنى البعث أو الإرسال و نحوه و عصمهم هذا يشمل جميعهم و الريب الشك أو التهمة و الزيغ العدول عن الحق و المرضاة ضد السخط و الإمداد الإعانة و التقوية و الفائدة ما استفدته من طريفة مال أو علم أو غيرهما و المعونة مفعلة بضم العين من استعان به فأعانه و قيل الميم أصلية مأخوذة من الماعون و لعل المعنى تأييدهم بأسباب الطاعات و القربات و المعارف و الألطاف الصارفة لهم عن المعاصي.
و أشعر قلوبهم أي ألزمهم (3) مأخوذ من الشعار و هو ما يلبس تحت الدثار و قيل من الشعور بمعنى الإدراك يقال أشعره الأمر و به أي أعلمه و التواضع التخاشع و التذلل و أخبت الرجل خضع لله و خشع قلبه و السكينة الطمأنينة و الوقار و الرزانة و المهابة و الحاصل عدم انفكاكهم عن الخوف و الخشوع و الذلل بضمتين جمع ذلول ضد الصعب و مجده أثنى عليه و عظمه و الجمع للدلالة على الأنواع و فتح الأبواب كناية عن إلهامها و تسهيلها عليهم لعدم معارضة
____________
(1) كذا.
(2) الحجّ: 75.
(3) في بعض النسخ «ألزمها» و هو الأظهر.
136
شيطان أو نفس أمارة بالسوء بل خلقهم خلقة يلتذون بها كما ورد أن شرابهم التسبيح و طعامهم التقديس و المنار جمع المنارة و هي العلامة و أصله النور و لذا أنثت الواضحة و الأعلام جمع علم بالتحريك و هو الجبل الطويل أو ما يعلم به الشيء و نصب المنار لهم على الأعلام عبارة عن غاية ظهورها لعدم معارضته الشكوك و الشبهات التي تكون للبشر و لوفور الدلائل لهم لقربهم من ساحة عزه و ملكوته و مشاهدتهم ما يخفى علينا من آثار ملكه و جبروته و المؤصرات المثقلات و عدمها لعصمتهم و عدم خلق الشهوات فيهم.
و رحل البعير و ارتحله حط عليه الرحل و هو مركب للبعير
و في الحديث ارتحلني ابني الحسن.
أي جعلني كالراحلة و ركب على ظهري و الارتحال أيضا الإزعاج و الإشخاص و العقبة بالضم النوبة و الجمع عقب كغرفة و غرف و العقبة الليل و النهار لأنهما يتعاقبان قيل أي لم يؤثر فيهم ارتحال الليالي و الأيام كما يؤثر ارتحال الإنسان البعير في ظهره حملا على الوجه الأول و على الثاني فالمعنى لم يزعجهم تعاقب الليالي و الأيام و لم يوجب رحيلهم عن دارهم و الغرض تنزيههم عما يعرض للبشر من ضعف القوى أو القرب من الموت بكرور الأزمنة و النوازع في بعض النسخ بالعين المهملة من نزع في القوس إذا جذبها و مدها و نوازع الشكوك الشبهات و قيل أي شهواتها و النازعة المحركة و في بعضها بالغين المعجمة كما في النهاية من نزغ الشيطان بين القوم أي أفسد و يقال نزغه الشيطان أي وسوس إليه و العزيمة ما وكدت رأيك و عزمك عليه و المعترك موضع القتال و الاعتراك الازدحام و الظن يكون بمعنى الاعتقاد الراجح غير الجازم و بمعنى الشك و يطلق على ما يشملهما و لعل الأخير هنا أظهر و معقد الشيء موضع شده يقال عقدت الحبل و البيع و العهد و يكون مصدرا و الحاصل نفي تطرق الشبه و الشكوك إلى عقائدهم اليقينية.
137
و لا قدحت يقال قدح بالزند كمنع أي رام الإيراء (1) به و هو استخراج النار و ربما يحمل على القدح بمعنى الطعن و هو بعيد و الإحن جمع إحنة و هي الحقد و الغضب أي لا يثير الغضب و العداوات الكامنة فتنة فيما بينهم و الحيرة عدم الاهتداء إلى وجه الصواب و لاق الشيء بغيره أي لزق و منه الليقة للصوق المداد بها و الغرض نفي الحيرة عنهم في عقائدهم و يحتمل أن يكون المراد بالحيرة الوله لشدة الحب و كمال المعرفة كما سيأتي و في الصحيفة السجادية و لا يغفلون عن الوله إليك فالمعنى أن شدة ولههم لا توجب نقصا في معرفتهم و غفلة عن ملاحظة العظمة و الجلال كما في البشر و أثناء الشيء تضاعيفه و جاء في أثناء الأمر أي في خلاله جمع ثنى بالكسر.
فتقترع في بعض النسخ بالقاف من الاقتراع بمعنى ضرب القرعة و الاختبار فالغرض نفي تناوب الوساوس و تواردها عليهم و في بعضها بالفاء من فرعه أي علاه و الأول أنسب بالطمع و الرين بالنون كما في بعض النسخ الطبع و الدنس و التغطية و ران ذنبه على قلبه رينا أي غلب و في بعضها بالباء الموحدة و الفكرة إعمال النظر في الشيء منهم أي من مطلق الملائكة و الغمام و الغمائم جمع الغمامة و هي السحابة و الدلح جمع الدالح و هو الثقيل من السحاب لكثرة مائه و الدلح أن يمشي البعير بالحمل و قد أثقله و الشامخ من الجبال المرتفع العالي و القترة بالضم بيت الصائد الذي يتستر به عند تصيده من جص و نحوه و يجمع على قتر مثل غرفة و غرف و يطلق على حلقة الدرع و الكوة النافذة و الظلام ذهاب النور و الأيهم الذي لا يهتدى فيه و منه فلاة يهماء قيل هذا النوع من الملائكة خزان المطر و زواجر السحاب و لعله شامل لمشبعي (2) الثلج و البرد و الهابطين مع قطر المطر إذا نزل و إن كان السحاب مكانهم قبل النزول و الموكلون (3)
____________
(1) من «ورت النار رويا» اذا اتقدت.
(2) في المخطوطة: لمشيعى.
(3) كذا في بعض النسخ و الصحيح «الموكلين» و كذا «الساكنين».
138
بالجبال للحفظ و سائر المصالح و الساكنون في الظلمات لهداية الخلق و حفظهم أو غير ذلك.
و أقول يحتمل أن يكون المراد تشبيههم في لطافة الجسم بالسحاب و في عظم الخلقة بالجبال و في السواد بالظلمة بل هو عندي أظهر.
و تخوم الأرض بضم التاء معالمها و حدودها و هي جمع تخوم بالضم أيضا و قيل واحدها تخم بالضم و الفتح و قيل التخم حد الأرض و الجمع تخوم نحو فلس و فلوس و قال ابن الأعرابي و ابن السكيت الواحد تخوم و الجمع تخم مثل رسول و رسل و في النسخ بالضم و الراية علم الجيش و مخارق المواضع التي تمكنت فيها تلك الرايات بخرق الهواء و الريح الهفافة الطيبة الساكنة و قيل أي ليست بمضطربة فتموج تلك الرايات بل هي ساكنة تحبسها حيث انتهت.
و قد استفرغتهم أشغال عبادته أي جعلتهم فارغين عن غيرها و حقائق الإيمان العقائد اليقينية التي تحق أن تسمى إيمانا أو البراهين الموجبة له و في بعض النسخ وسلت بالسين المشددة يقال وسل إلى الله توسيلا و توسل أي عمل عملا تقرب به إليه و قطعهم الإيقان به أي صرفهم عما سوى الوله و وجههم إليه و هو في الأصل التحير من شدة الوجد أو ذهاب العقل و المراد عدم الالتفات إلى غيره سبحانه و الرغبة الإرادة و السؤال و الطلب و الحرص على الشيء و الطمع فيه و المعنى أن رغباتهم و طلباتهم مقصورة على ما عنده سبحانه من قربه و ثوابه و كرامته و لعل الضمائر في تلك الفقرات راجعة إلى مطلق الملائكة كالفقرات الآتية و الباء في قوله(ع)بالكأس إما للاستعانة أو بمعنى من و ربما يضمن في الشرب معنى الالتذاذ ليتعدى بالياء و الكأس الإناء يشرب فيه أو ما دام الشراب فيه و هي مؤنثة و الروية المروية التي تزيل العطش و سويداء القلب و سوداؤه حبته و الوشيجة في الأصل عرق الشجرة يقال وشجت
139
العروق و الأغصان أي اشتبكت و حنيت الشيء أي عطفته و أنفد الشيء أفناه و مادة التضرع ما يدعو إليه و أطلق عن الأسير إذا حل أسره و الربقة بالكسر في الأصل عروة في حبل تجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها و عدم نفاد مادة التضرع فيهم لعدم تطرق النقص إلى علمهم بعظمة الله و بحاجتهم إليه و عدم الشواغل لهم عن ذلك و عدم انتهاء مراتب العرفان و القرب الداعيين لهم إلى التضرع و العبادة و مع ذلك لا يتطرق الضعف إلى قواهم فبقدر صعودهم في مدارج الطاعة يزاد قربهم و كلما ازداد قربهم تضاعف علمهم بعظمته سبحانه كما سيأتي الإشارة إليه و يقال تولاه أي اتخذه وليا و تولى الأمر أي تقلده و عدم تولي الإعجاب كناية عن عدم الاستيلاء و الإعجاب استعظام ما يعده الإنسان فضيلة لنفسه و يقال أعجب زيد بنفسه على البناء للمفعول إذا ترفع و سر بفضائله و أعجبني حسن زيد إذا عجبت منه و استكثره عده كثيرا و ما سلف منهم طاعاتهم السالفة و الاستكانة الذل و الخضوع و استكانة الإجلال خضوعهم الناشئ عن ملاحظة جلال الله و عظمته و الفترة مرة من الفتور و هو السكون بعد حدة و اللين بعد شدة و دأب في أمره كمنع دءوبا جد و تعب و غاض الماء غيضا و مغاضا قل و نقص و المناجاة المخاطبة سرا و أسلة اللسان طرفه و مستدقه و الهمس الصوت الخفي و الجوار كغراب رفع الصوت بالدعاء و التضرع أي ليست لهم أشغال خارجة عن العبادة فتكون لأجلها أصواتهم المرتفعة خافية ساكنة و في بعض النسخ بهمس الخير و في بعضها بهمس الحنين و توجيههما لا يخلو من تكلف و مقاوم الطاعة صفوف العبادة جمع مقام و عدم اختلاف المناكب عبارة عن عدم تقدم بعضهم على بعض أو عدم انحرافهم و ثنيت الشيء ثنيا عطفته أثناه أي كفه و ثنيته أيضا صرفته إلى حاجته و راحة التقصير الراحة الحاصلة بإقلال العبادة أو تركها بعد التعب و عدا عليه أي قهره و ظلمه و التبلد ضد التجلد و التحير و بلد الرجل بلادة فهو بليد أي غير ذكي و لا فطن و انتضل القوم
140
و تناضلوا إذا رموا للسبق و الهمة ما هم به من أمر ليفعل و خدائع الشهوات وساوسها الصارفة عن العبادة و انتضالها تواردها و تتابعها و الفاقة الفقر و الحاجة و يوم فاقتهم يوم قبض أرواحهم كما يظهر من بعض الأخبار و لا يبعد أن يكون لهم نوع من الثواب على طاعتهم بازدياد القرب و إفاضة المعارف و ذكره سبحانه لهم و تعظيمه إياهم و غير ذلك فيكون إشارة إلى يوم جزائهم و يمموه أي قصدوه و الانقطاع إلى أحد صرف الوجه عن غيره و التوجه (1) إليه و الضمير في رغبتهم إما راجع إلى الملائكة كضمير فاقتهم أو إلى الخلق أو إليهما على التنازع.
و الأمد المنتهى و قد يكون بمعنى امتداد المسافة و يرجع يكون لازما و متعديا تقول رجع زيد و رجعته أنا و اهتر فلان بكذا و استهتر فهو مهتر به و مستهتر على بناء المفعول أي مولع به لا يتحدث بغيره و لا يفعل غيره و المادة الزيادة المتصلة و كل ما أعنت به قوما في حرب أو غيره فهو مادة لهم و لعل المراد هنا بها المعين و المقوي و كلمة من في قوله من قلوبهم ابتدائية أي إلى مواد ناشئة من قلوبهم غير منقطعة و في قوله من رجائه بيانية فالمراد الخوف و الرجاء الباعثان لهم على لزوم الطاعة و يحتمل أن تكون الأولى بيانية أو ابتدائية و الثانية صلة للانقطاع و الغرض إثبات دوام خوفهم و رجائهم الواجبين لعدم انفكاكهم عن الطاعة بل لزيادتها كما يشعر به لفظ المواد و السبب كل ما يتوصل به إلى غيره و الشفقة الخوف و الونى الضعف و الفتور و لم تأسرهم أي لم تجعلهم أسراء و الإيثار الاختيار و الوشيك القريب و السريع و المعنى ليسوا مأمورين في ربقة الطمع حتى يختاروا السعي القريب في تحصيل المطموع في الدنيا الفانية على اجتهادهم الطويل في تحصيل السعادة الباقية كما هو شأن البشر.
و استعظام العمل العجب المنهي عنه و نسخ الشيء إزالته و إبطاله و تغييره
____________
(1) في المخطوطة: التوجيه.
141
و المراد بالرجاء هنا ما تجاوز الحد المطلوب منه و يعبر عنه بالاغترار و شفقات الوجل تارات الخوف و مراته لم يختلفوا في ربهم أي في الإثبات و النفي أو في التعيين أو في الصفات كالتجرد و التجسم و كيفية العلم و غير ذلك و قيل أي في استحقاق كمال العبادة و يقال استحوذ عليه أي استولى و هو مما جاء على الأصل من غير إعلال و التقاطع التعادي و ترك البر و الإحسان و توليت الأمر أي قمت به و توليت فلانا اتخذته وليا أي محبا و ناصرا و الغل الحقد و الشعبة من كل شيء الطائفة منهم و شعبتهم أي فرقتهم و في بعض النسخ تشعبتهم على التفعل و الأول أظهر و الريب جمع ريبة بالكسر و هو الشك أو هو مع التهمة و مصارفها وجوهها و طرقها من الأمور الباطلة التي تنصرف إليها الأذهان عن الشبه أو وجوه انصراف الأذهان عن الحق بالشبه أو الشكوك و الشبه أنفسها و اقتسموا المال بينهم أي تقاسموه و أخياف الهمم مختلفها و أصله من الخيف بالتحريك و هو زرقة إحدى العينين و سواد الأخرى في الفرس و غيره و منه قيل لإخوة الأم أخياف لأن آباءهم شتى و الهمة بالكسر ما عزمت عليه لتفعله و قيل أول العزم و الغرض نفي الاختلاف بينهم و التعادي و التفرق بعروض الشكوك و اختلاف العزائم أو نفي الاختلاف عنهم و بيان أنهم فرقة واحدة لبراءتهم عن الريبة و اختلاف الهمم.
و الزيغ الجور و العدول عن الحق و في التفريع دلالة على أن الصفات السابقة من فروع الإيمان أو لوازمه و الطبق محركة في الأصل الشيء على مقدار الشيء مطبقا له من جميع جوانبه كالغطاء له و منه الحمى المطبقة و الجنون المطبق و السماوات أطباق لأن كل سماء طبق لما تحتها و الإهاب ككتاب الجلد و الحافد المسرع و الخفيف في العمل و يجمع على حفد بالتحريك و يطلق على الخدم لإسراعهم في الخدمة و العزة القوة و الغلبة و العظم كعنب خلاف الصغر مصدر عظم و في بعض النسخ بالضم و هو اسم من تعظم
142
أي تكبر و دحوها على الماء أي بسطها و كبس الرجل رأسه في قميصه إذا أدخله فيه و كبس البئر و النهر طمهما بالتراب و ملأهما قال بعض شارحي النهج كبس الأرض أي أدخلها الماء بقوة و اعتماد شديد و مور الأمواج أي تحركها و اضطرابها و استفحل الأمر أي تفاقم و اشتد و قيل أمواج مستفحلة أي هائجة هيجان الفحول و قيل أي صائلة و اللجة بالضم معظم الماء و منه بحر لجي و زخر البحر مد و كثر ماؤه و ارتفعت أمواجه و اللطم ضرب الخد بالكف مفتوحة و التطمت الأمواج و تلاطمت ضرب بعضها بعضا و الأذى بالمد و التشديد الموج الشديد و الجمع أواذي و الصفق الضرب يسمع له صوت و الصفق الرد و اصطفقت الأمواج أي ضرب بعضها بعضا و ردها و التقاذف الترامي بقوة و الثبج بتقديم الثاء المثلثة على الباء الموحدة و ثبج البحر بالتحريك معظمه و وسطه و قيل أصله ما بين الكاهل إلى الظهر و المراد أعالي الأمواج و الرغاء بالضم صوت الإبل و الزبد بالتحريك الذي يعلو السيل و قيل زبدا منصوب بمقدر أي ترغو قاذفة زبدا. و أقول الظاهر أن ترغو من الرغوة مثلثة و هي الزبد يعلو الشيء عند غليانه يقال رغى اللبن أي صارت له رغوة ففيه تجريد و لا ينافيه التشبيه بالفحل و الفحل الذكر من كل حيوان و أكثر ما يستعمل في الإبل و هاج الفحل ثار و اشتهى الضراب و خضع أي ذل و جماح الماء غليانه من جمح الفرس إذا غلب فارسه و لم يملكه و هيج الماء ثورانه و فورته و الارتماء الترامي و التقاذف و ارتماء الماء تلاطمه و أصل الوطء الدوس بالقدم و الكلكل الصدر و ذل أي صار ذليلا أو ذلولا ضد الصعب و في بعض النسخ كل أي عرض له الكلال من كل السيف إذا لم يقطع و المستخذي بغير همز كما في النسخ الخاضع و المنقاد و قد يهمز على الأصل و تمعكت مستعار من تمعكت الدابة أي تمرغت في التراب و الكاهل ما بين الكتفين فأصبح بعد اصطخاب أمواجه ساجيا الاصطخاب افتعال من الصخب و هو كثرة الصياح و اضطراب الأصوات و الساجي الساكن و الحكمة محركة
143
حديدة في اللجام و تكون على حنك الفرس تمنعه عن مخالفة راكبه.
ثم إنه أورد هنا (1) إشكال و هو أن كلامه(ع)يشعر بأن هيجان الماء و غليانه و موجه سكن بوضع الأرض عليه و هذا خلاف ما نشاهده و يقتضيه العقل لأن الماء الساكن إذا جعل فيه جسم ثقيل اضطرب و تموج و صعد علوا فكيف الماء المتموج يسكن بطرح الجسم الثقيل فيه.
و أجيب بأن الماء إذا كان تموجه من قبل ريح هائجة جاز أن يسكن هيجانه بجسم يحول بينه و بين تلك الريح و لذلك إذا جعلنا في الإناء ماء و روحنا بمروحة فإنه يتحرك فإن جعلنا على سطح الماء جسما يملأ حافات الإناء و روحناه بالمروحة فإن الماء لا يتحرك لأن ذلك الجسم قد حال بين الهواء المجتلب بالمروحة و بين سطح الماء فمن الجائز أن يكون الماء في الأول هائجا لأجل ريح محركة له فإذا وضعت الأرض عليه حال بين سطح الماء و بين تلك الريح و سيأتي في كلامه(ع)ذكر هذه الريح حيث قال اعتقم مهبها إلى آخر ما سيأتي و الأولى أن يقال إن غرضه(ع)ليس نفي التموج مطلقا بل نفي التموج الشديد الذي كان للماء إذ حمله سبحانه على متن الريح العاصفة و الزعزع القاصفة بقدرته الكاملة و أنشأ ريحا لمخضه مخض السقاء فكانت كرة الماء تندفق من جميع الجوانب و ترد الريح أوله على آخره و ساجيه على مائره كما سيأتي في كلامه(ع)ثم لما كبس الأرض بحيث لم يحط الماء بجميعها فلا ريب في انقطاع الهبوب و التمويج (2) من ذلك الجانب المماس للأرض من الماء و أيضا لما منعت الأرض سيلان الماء من ذلك الجانب إذ ليست الأرض كالهواء المنفتق المتحرك الذي كان ينتهي إليه ذلك الحد من الماء كان ذلك أيضا من أسباب ضعف التموج و قلة التلاطم و أيضا لما تفرقت كرة الماء في أطراف الأرض و مال الماء بطبعه إلى المواضع المنخفضة من الأرض و صار البحر الواحد المجتمع بحارا متعددة و إن اتصل بعضها ببعض و أحاطت السواحل بأطراف
____________
(1) في بعض النسخ: هاهنا.
(2) في المخطوطة «التموج» و هو الأظهر.
144
البحار بحيث منعت الهبوب إلا من جهة السطح الظاهر سكنت الفورة الشديدة بذلك التفرق و قلة التعمق و انقطاع الهبوب فكل ذلك من أسباب السكون الذي أشار إليه ع.
و أقول مما يبين ذلك أنه إذا فرضنا حوضا يكون فرسخا في فرسخ و قدرنا بناء عمارة عظيمة في وسطه فلا ريب في أنه يقل بذلك أمواجه و كلما وصل موج من جانب من الجوانب إليه يرتدع و يرجع ثم إن هذه الوجوه إنما تبدي جريا على قواعد الطبيعيين و خيالاتهم الواهية و إلا فبعد ما ذكره(ع)لا حاجة لنا إلى إبداء وجه بل يمكن أن يكون لخلق الأرض و كبسها في الماء نوع آخر من التأثير في سكونه لا تحيط به عقولنا الضعيفة.
و قال ابن ميثم مقتضى الكلام أن الله تعالى خلق الماء قبل الأرض و سكن بها مستفحل أمواجه و هذا مما شهد به البرهان العقلي فإن الماء لما كان حاويا لأكثر الأرض كان سطحه الباطن المماس لسطحه الظاهر مكانا لها و ظاهر أن للمكان تقدما طبيعيا باعتبار ما على المتمكن فيه و إن كان اللفظ يعطي تقدم خلق الماء على خلق الأرض تقدما زمانيا كما هو المقبول عند السامعين انتهى.
و لا يخفى بعد أمثال تلك التأويلات الباردة في تلك العبارات الظاهرة الدلالة على التقدم و الحدوث الزمانيين كما ستعرف إن شاء الله تعالى.
و سكنت الأرض مدحوة أي مبسوطة و لا ينافي الكروية و قيل هو من الدحو بمعنى القذف و الرمي و اللجة معظم الماء كما مر و التيار الموج و قيل أعظم الموج و لجته أعمقه و النخوة الافتخار و التعظم و الأنفة و الحمية و البأو الرفعة و التعظم و الكبر و الاعتلاء التيه و الترفع و شمخ بأنفه أي تكبر من شمخ الجبل إذا ارتفع و السمو العلو و غلواء الشباب أوله و شرته و الغرض بيان سكون الأرض في الماء المتلاطم و منعها إياه عن تموجه و هيجانه و كعمت البعير أي شددت فمه إذا هاج بالكعام ككتاب و هو شيء يجعل في فيه و الكظة بالكسر ما يعتري الممتلئ من الطعام و الجرية
145
بالكسر حالة الجريان أو مصدر و كظة الجرية ما يشاهد من الماء الكثير في جريانه من الثقل و همدت الريح سكنت و همود النار خمودها و نزق الفرس كسمع و نصر و ضرب نزقا و نزوقا نزا و وثب و النزقات دفعاته و نزق الغدير امتلأ إلى رأسه و على هذا فالهمود بمعنى الغور و الأول أظهر و الزيفان بالتحريك التبختر في المشي من زاف البعير يزيف إذا تبختر و في بعض النسخ و لبد بعد زيفان و ثباته يقال لبد بالأرض كنصر إذا لزمها و أقام و منه اللبد ككتف لمن لا يبرح منزله و لا يطلب معاشا و يروى و لبد بعد زفيان بتقديم الفاء على الياء و هو شدة هبوب الريح يقال زفت الريح السحاب إذا طردته و الزفيان بالفتح القوس السريعة الإرسال للسهم و الوثبة الطفرة و هيج الماء ثورانه و فورته و أكنافها أي جوانبها و نواحيها و شواهق الجبال عواليها و الباذخ العالي و الينبوع ما انفجر من الأرض من الماء و لعله اعتبر فيه الجريان بالفعل فيكون من إضافة الخاص إلى العام أو التكرير للمبالغة و قيل الينبوع الجدول الكثير الماء فلا يحتاج إلى تكلف و عرنين الأنف أوله تحت مجتمع الحاجبين و الظاهر أن ضمير أنوفها راجع إلى الأرض كالضمائر السابقة و اللاحقة و استعار لفظ العرنين و الأنف لأعالي رءوس الجبال و إنما خص الجبال بتفجر العيون منها لأن العيون أكثر ما يتفجر من الجبال و الأماكن المرتفعة و أثر القدرة فيها أظهر و نفعها أتم و السهب الفلاة البعيدة الأكناف و الأطراف و البيد بالكسر جمع بيداء و هي الفلاة التي يبيد سالكها أي يهلكه و الأخاديد جمع أخدود و هو الشق في الأرض و المراد بأخاديدها مجاري الأنهار و لعل تعديل الحركات بالراسيات أي الجبال الثابتات جعلها عديلا للحركات بحيث لا تغلبه أسباب الحركة فيستفاد سكونها فالباء صلة لا سببية أو المعنى سوى الحركات في الجهات أي جعل الميول متساوية بالجبال فسكنت لعدم المرجح فالباء سببية و يحتمل أن يكون المراد أنه جعلها بالجبال بحيث قد تتحرك للزلازل و قد لا تتحرك و لم يجعل الحركة
146
غالبة على السكون مع احتمال كونها دائما متحركة بحركة ضعيفة غير محسوسة و من ذهب إلى استناد الحركة السريعة إلى الأرض لا يحتاج إلى تكلف و الجلاميد جمع جلمد و جلمود أي الصخور و الشناخيب جمع شنخوب بالضم أي رءوس الجبال العالية و الشم المرتفعة العالية و الصياخيد جمع صيخود و هي الصخرة الشديدة و الميدان بالتحريك التحرك و الاضطراب و رسب في الماء كنصر و كرم رسوبا ذهب سفلا و جبل راسب أي ثابت و القطع كعنب جمع قطعة بالكسر و هي الطائفة من الشيء و يروى بسكون الطاء و هو طنفسة الرحل قيل كأنه جعل الأرض ناقة و جعل لها قطعا و جعل الجبال في ذلك القطع و الأديم الجلد المدبوغ و أديم السماء و الأرض ما ظهر منهما و رسوب الجبال في قطع أديمها دخولها في أعماقها.
و التغلغل الدخول و السرب بالتحريك بيت في الأرض لا منفذ له يقال تسرب الوحش و انسرب في جحره أي دخل و الجوبة الحفرة و الفرجة و الخيشوم أقصى الأنف و السهل من الأرض ضد الحزن و جرثومة الشيء بالضم أصله و قيل التراب المجتمع في أصول الشجر و هو أنسب و لعل المراد بجراثيمها المواضع المرتفعة منها و مفاد الكلام أن الأرض كانت متحركة مضطربة قبل خلق الجبال فسكنت بها و ظاهره أن لنفوذ الجبال في أعماق الأرض و ظهورها و ارتفاعها عن الأرض كليهما مدخلا في سكونها و قد مر بعض القول في ذلك في كتاب التوحيد و سيأتي بعضه في الأبواب الآتية إن شاء الله.
و فسح له كمنع أي وسع و لعل في الكلام تقدير مضاف أي بين منتهى الجو و بينها أو المراد بالجو منتهاه أعني السطح المقعر للسماء و المتنسم موضع التنسم و هو طلب النسيم و استنشاقه و فائدته ترويح القلب حتى لا يتأذى بغلبة الحرارة و مرافق الدار ما يستعين به أهلها و يحتاج إليه في التعيش و إخراج أهل الأرض على تمام مرافقها إيجادهم و إسكانهم فيها بعد تهيئة ما يصلحهم بمعاشهم و التزود إلى معادهم و الجرز بضمتين الأرض التي لا نبات بها و لا ماء و
147
الرابية ما ارتفع من الأرض و كذلك الربوة بالضم (1) و الجدول كجعفر النهر الصغير و الذريعة الوسيلة و ناشئة السحاب أول ما ينشأ منه أي يبتدئ ظهوره و يقال نشأت السحاب (2) إذا ارتفعت و الغمام جمع الغمامة (3) بالفتح فيهما و هي السحابة البيضاء و اللمع كصرد جمع لمعة بالضم و هي في الأصل قطعة من النبت إذا أخذت في اليبس كأنها تلمع و تضيء من بين سائر البقاع و القزع جمع قزعة بالتحريك فيهما و هي القطعة من الغيم و تباين القزع تباعدها و المخض بالفتح تحريك السقاء (4) الذي فيه اللبن ليخرج زبده و تمخضت أي تحركت و اللجة معظم الماء و المزن جمع المزنة بالضم فيهما و هي الغيم و قيل السحابة البيضاء و ضمير فيه راجع إلى المزن أي تحركت فيه اللجة المستودعة فيه و استعدت للنزول و التمع البرق و لمع أي أضاء و كففه حواشيه و جوانبه و طرف كل شيء كفة بالضم و عن الأصمعي كل ما استطال كحاشية الثوب و الرمل فهو كفة بالضم و كل ما استدار ككفة الميزان فهو كفة بالكسر و يجوز فيه الفتح و وميض البرق لمعانه و لم ينم أي لم ينقطع و لم يفتر و الكنهور كسفرجل قطع من السحاب كالجبال و قيل المتراكم منه و الرباب كسحاب الأبيض منه و قيل السحاب الذي تراه كأنه دون السحاب و قد يكون أسود و قد يكون أبيض جمع ربابة و المتراكم و المرتكم المجتمع و قيل الميم بدل من الباء كأنه ركب بعضه بعضا و السح الصب و السيلان من فوق و المتدارك من الدرك بالتحريك و هو اللحاق يقال تدارك القوم إذا لحق آخرهم أولهم و أسف الطائر إذا دنا من الأرض و هيدبه ما تهدب منه أي تدلى كما تتدلى هدب العين و مرى الناقة يمريها أي مسح ضرعها حتى در لبنها
____________
(1) بل بالتثليث.
(2) في المخطوطة: السحابة.
(3) في بعض النسخ: غمامة.
(4) السقاء بكسر السين و تخفيف القاف-: وعاء من الجلد للماء و اللبن.
148
و عدي هاهنا إلى مفعولين و روي تمرى بدون الضمير و الجنوب بالفتح الريح مهبها من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا و هي أدر للمطر و الدرر كعنب جمع درة بالكسر أي الصب و الاندفاق و قيل الدرر الدار كقوله تعالى قَيِّماً أي قائما و الهضب المطر و يجمع على أهضاب ثم على أهاضيب كقول و أقوال و أقاويل و الدفعة من المطر بالضم ما انصب مرة و الشآبيب جمع شؤبوب و هو ما ينزل من المطر دفعة بشدة و البرك الصدر و البواني قوائم الناقة و أركان البنية و قال بعض شراح النهج بوانيها بفتح النون تثنية بوان على فعال بكسر الفاء و هي عمود الخيمة و الجمع بون و من روى بوانيها أراد لواصقها من قولهم قوس بانية إذا التصقت بالوتر و الرواية الأولى أصح انتهى و في النسخ القديمة المصححة على صيغة الجمع و في النهاية فسر البواني على أركان البنية و في القاموس بقوائم الناقة و على التقادير الإضافة لأدنى ملابسة و في الكلام تشبيه السحاب بالناقة المحمول عليها و الخيمة التي جر عمودها و البعاع كسحاب ثقل السحاب من المطر و استقلت أي نهضت و ارتفعت و استقلت به حملته و رفعته و العبء الحمل و الثقل بكسر الجميع و الهوامد من الأرض التي لا نبات بها و الزعر بالتحريك قلة الشعر في الرأس يقال رجل أزعر و الأزعر الموضع القليل النبات و الجمع زعر بالضم كأحمر و حمر و المراد هاهنا القليلة (1) النبات من الجبال تشبيها بالرءوس القليلة الشعر و العشب بالضم الكلأ الرطب و بهج كمنع و فرح و سر و قال بعض الشراح من رواه بضم الهاء أراد يحسن و يملح من البهجة أي الحسن و الروضة من العشب الموضع الذي يستنقع فيه الماء و استراض الماء أي استنقع و تزدهي أي تتكبر و تفتخر افتعال من الزهو و هو الكبر و الفخر و الريط جمع ريطة بالفتح فيهما كل ملاءة ليست بلفقين أي قطعتين كلها نسج واحد و قطعة واحدة و قيل كل ثوب رقيق لين و الأزاهير جمع أزهار جمع زهرة بالفتح و هي النبات و نوره و قيل الأصفر
____________
(1) في المخطوطة: القليل.
149
منه و أصل الزهرة الحسن و البهجة و الحلية بالكسر ما يتزين به من مصوغ الذهب و الفضة و المعدنيات ما سمطت به أي أعلقت (1) على بناء المجهول من التفعيل و في بعض النسخ الصحيحة بالشين المعجمة و الشميط من النبات ما خالط سواده النور الأبيض و أصله الشمط بالتحريك و هو بياض الرأس يخالط سواده و النضارة الحسن و الطراوة و النور بالفتح الزهر أو الأبيض منه و البلاغ بالفتح ما يتبلغ به و يتوسل إلى الشيء المطلوب و الفج الطريق الواسع بين الجبلين و الفجاج جمعه و خرقها خلقها على الهيئة المخصوصة و الآفاق النواحي و المنار جمع منارة و هي العلامة و المراد هاهنا (2) ما يهتدي به السالكون من الجبال و التلال أو النجوم و الأول هنا أظهر و الجادة وسط الطريق و معظمه و مهد الشيء وسعه و بسطه و مهد الأمر سواه و أصلحه و لعل المراد هنا إتمام خلق الأرض على ما تقتضيه المصلحة في نظام أمور ساكنيها و قيل يحتمل أن يراد بتمهيد الأرض جعلها مهادا أي فراشا كما قال جل و علا أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (3) أو جعلها مهدا أي مستقرا كالمهد للصبي كما قال سبحانه الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً (4) و إنفاذ الأمر إمضاؤه و إجراؤه و الخيرة كعنبة المختار و الجبلة بكسر الجيم و الباء و تشديد اللام الخلقة و الطبيعة و قيل في قوله تعالى وَ الْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (5) أي ذوي الجبلة و يحتمل أن يكون من قبيل الخلق بمعنى المخلوق و قيل الجبلة الجماعة من الناس و المراد بأول الجبلة أول شخص من نوع الإنسان ردا على من قال بقدم الأنواع المتوالدة و أرغد الله عيشه أي
____________
(1) في بعض النسخ: علقت.
(2) في المخطوطة: هنا.
(3) النبأ: 6.
(4) طه: 53.
(5) الشعراء: 184.
150
جعله واسعا طيبا و الأكل بضمتين الرزق و الحظ قال الله تعالى وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما و أوعزت إلى فلان في فعل أو ترك أي تقدمت و المراد النهي عن الأكل من الشجرة و خاطر بنفسه و ماله أي أشفاهما على خطر و ألقاهما في مهلكة و الضمير في منزلته راجع إلى آدم و يحتمل رجوعه إليه سبحانه كضمير معصيته على الظاهر.
قوله(ع)موافاة قال ابن أبي الحديد لا يجوز أن ينتصب لأنه مفعول له ليكون عذرا و علة للفعل بل على المصدرية المحضة كأنه قال فوافى بالمعصية موافاة و طابق بها سابق العلم مطابقة فأهبطه بعد التوبة هو صريح في أن الإهباط كان بعد التوبة فما يظهر من كثير من الآيات و الأخبار من عكس ذلك لعله محمول على التوبة الكاملة أو على القبول و يقال بتأخره عن التوبة و قد تقدم تأويل تلك المعصية و أضرابها في المجلد الخامس.
مما يؤكد عليهم لعل التعبير بلفظ التأكيد لكون معرفة الرب سبحانه فطرية أو لوضوح آيات الصنع في الدلالة على الخالق جل ذكره أو للأمرين و قال في المغرب تعهد الضيعة و تعاهدها أتاها و أصلحها و حقيقته جدد العهد بها و القرن أهل كل زمان مأخوذ من الاقتران فكأنه المقدار الذي يقترن فيه أهل ذلك الزمان في أعمارهم و أحوالهم فقيل أربعون سنة و قيل ثمانون سنة و قيل مائة و قال الزجاج الذي عندي و الله أعلم أن القرن أهل كل مدة كان فيها نبي أو طبقة من أهل العلم سواء قلت السنون أو كثرت و مقطع الشيء آخره كأنه قطع من هناك و عذر الله ما بين للمكلفين من الأعذار في عقوبته لهم إن عصوه و نذره ما أنذرهم به من الحوادث و من أنذره على لسانه من الرسل كذا قيل و قيل هما مصدران بمعنى الإعذار و الإنذار و المراد ختم الرسالة بنبينا ص.
و قدر الأرزاق لما كان المتبادر من القسمة البسط على التساوي بين ما
151
أراده بذكر الكثير و القليل ثم لما كان ذلك موهما للجور دفع الوهم بذكر العدل و نبه على وجه الحكمة بذكر الابتلاء و الاختبار و روي فعدل بالتشديد و التعديل التقويم و المآل واحد و الابتلاء الامتحان و الميسور و المعسور مصدران بمعنى العسر و اليسر كالمفتون بمعنى الفتنة و يمتنع عند سيبويه مجيء المصدر على مفعول قال الميسور الزمان الذي يوسر فيه و الاختبار فيه سبحانه صورته و غنيها و فقيرها نشر على ترتيب اللف على الظاهر و الضمير فيهما إلى الأرزاق و في الإضافة توسع و يحتمل عوده إلى الأشخاص المفهوم من المقام أو إلى الدنيا أو إلى الأرض و لعل إحداهما أنسب ببعض الضمائر الآتية. و العقابيل جمع عقبول و عقبولة بالضم و هي قروح صغار تخرج بالشفة غب الحمى و بقايا المرض و في تشبيه الفاقة و هي الفقر و الحاجة و آثارها (1) بالعقابيل من اللطف ما لا يخفى لكونها مما يقبح في المنظر و تخرج في العضو الذي لا يتيسر سترها عن الناس و تشتمل على فوائد خفية و كذلك الفقر و ما يتبعه و أيضا تكون غالبا بعد التلذذ بالنعم و طوارق الآفات متجددات المصائب و ما يأتي منها بغتة من الطروق و هو الإتيان بالليل و الفرج جمع فرجة و هي التفصي من الهم و فرجة الحائط أيضا و الفرح السرور و النشاط و الغصة بالضم ما اعترض في الحلق و النزح بالتحريك الهم و الهلاك و الانقطاع أيضا و الأجل محركة مدة الشيء و غاية الوقت في الموت و حلول الدين و تعليق الإطالة و التقصير على الأول واضح و أما التقديم و التأخير فيمكن أن يكون باعتبار أن لكل مدة غاية و حينئذ يرجع التقديم إلى التقصير و الإطالة إلى التأخير و يكون العطف للتفسير تأكيدا و يحتمل أن يكون المراد بالتقديم جعل بعض الأعمار سابقا على بعض و تقديم بعض الأمم على بعض مثلا فيكون تأسيسا و يمكن أن يراد بتقديم الآجال قطع بعض الأعمار لبعض الأسباب كقطع الرحم مثلا كما ورد في الأخبار و بتأخيرها
____________
(1) في بعض النسخ: أو آثارها.
152
مدها لبعض الأسباب فيعود الضمير في قدمها و أخرها إلى الآجال بالمعنى الثاني على وجه الاستخدام أو نوع من التجوز في التعليق كما مر و السبب في الأصل الحبل يتوسل به إلى الماء و نحوه ثم توسعوا فيه و اتصال أسباب الآجال أي أسباب انقضائها أو أسباب نفسها (1) على المعنى الثاني بالموت (2) واضح و يحتمل أن تكون الأسباب عبارة عن الآجال بالمعنى الأول.
و خالجا أي جاذبا و الشطن بالتحريك الحبل و أشطان الآجال التي يجذبها الموت هي الأعمار شبهت بالأشطان لطولها و امتدادها و المرائر جمع مرير و مريرة و هي الحبال المفتولة على أكثر من طاق ذكره في النهاية و قيل الحبال الشديدة الفتل و قيل الطول الدقاق منها و الأقران جمع قرن بالتحريك و هو في الأصل حبل يجمع به البعيران و لعل المراد بمرائر أقران الآجال الأعمار التي يرجى امتدادها لقوة المزاج و البنية و نحو ذلك و كلمة من في قوله من ضمائر المضمرين بيانية و الضمائر الصور الذهنية المكنونة في المدارك و النجوى اسم يقام مقام المصدر و هو المسارة و الخواطر ما يخطر في القلب من تدبير أمر و نحو ذلك و رجم الظنون كل ما يسبق إليه الظن من غير برهان أو مسارعته و الحديث المرجم الذي لا يدرى أ حق هو أم باطل و عقدة كل شيء بالضم الموضع الذي عقد منه و أحكم و مسارق العيون النظرات الخفية كأنها تسترق النظر لإخفائها و أومضت المرأة إذا سارقت النظر و أومض البرق إذا لمع خفيفا و لم يعترض في نواحي الغيم و الجفن بالفتح غطاء العين من أعلى و أسفل و جمعه جفون و أجفن و أجفان و المقصود إحاطة علمه سبحانه بكل معلوم جزئي و كلي ردا على من قصر علمه على البعض كالكليات و الأكنان و الأكنة جمع الكن بالكسر و هو اسم لكل ما يستتر فيه الإنسان لدفع الحر و البرد من الأبنية و نحوها و ستر
____________
(1) في المخطوطة: انفسها.
(2) الجار و المجرور متعلق بقوله «اتصال».
153
كل شيء و وقاؤه كما قال تعالى وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً (1) و قال ابن أبي الحديد و يروى أكنة القلوب و هي غلفها و أغطيتها و قال الله تعالى وَ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ (2) و غيابة البئر قعره و أصغى أي استمع و أصغى إليه أي مال بسمعه نحوه و استراق السمع الاستماع في خفية و صاخ و أصاخ له أي استمع و مصائخ الأسماع خروقها التي يستمع بها و الذر صغار النمل و مصايفها المواضع التي تصيف فيها أي تقيم فيها بالصيف و مشاتي الهوام مواضع إقامتها بالشتاء و الهامة كل ذات سم يقتل و ما لا يقتل فهو السامة كالعقرب و قد يقع الهوام على ما يدب من الحيوان كالحشرات و الحنين شدة البكاء و صوت الطرب عن حزن أو فرح و رجعه ترجيعه و ترديده و قيل أصل الحنين ترجيع الناقة صوتها أثر ولدها و المولهات النوق و كل أنثى حيل بينها و بين أولادها و في بعض النسخ الموالهات و أصل الوله زوال العقل و التحير من شدة الوجد و الهمس أخفى ما يكون من صوت القدم أو كل صوت خفي و المنفسح موضع السعة و منفسح الثمرة موضع نموها في الأكمام و يروى متفسخ بالخاء المعجمة و تشديد السين و التاء مصدرا من تفسخت الثمرة إذا انقطعت و الوليجة الدخيلة و البطانة. و قال ابن أبي الحديد الولائج المواضع الساترة و الواحد (3) وليجة و هي كالكهف يستتر فيها المارة من مطر أو غيره و الغلف بضمة (4) و بضمتين جمع غلاف ككتاب و يوجد في النسخ على الوجهين و الكم بالكسر وعاء الطلع و غطاء النور و جمعه أكمام و أكمة و كمام و كلمة من على ما في الأصل بيانية أو تبعيضية و على الرواية صلة أو بيانية و المنقمع على زنة المفعول من باب الانفعال موضع
____________
(1) النحل: 81.
(2) الأنعام: 25.
(3) في المخطوطة: الواحدة.
(4) في بعض النسخ: أو ضمتين.
154
الاختفاء كما في أكثر النسخ و في بعضها من باب التفعل بمعناه و الغيران جمع غار و هو ما ينحت في الجبل شبه المغارة فإذا اتسع قيل كهف و قيل الغار الجحر يأوي إليه الوحش أو كل مطمئن في الأرض أو المنخفض من الجبل. و البعوض البق و قيل صغارها و الواحدة بهاء (1) و مختبأ البعوض موضع اختفائه و السوق جمع ساق و الألحية جمع اللحاء ككساء و هو قشر الشجر و غرزه في الأرض كضربه أدخله و ثبته و مغرز الأوراق موضع وصلها و الأفنان جمع فنن بالتحريك و هو الغصن و الحط الحدر من علو إلى سفل و الأمشاج قيل مفرد و قيل جمع مشج بالفتح أو بالتحريك أو مشيج على فعيل أي المختلط قيل في قوله تعالى مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ (2) أي أخلاط من الطبائع من الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة و قيل من الأجزاء المختلفة في الاستعداد و قيل أمشاج أي أطوار طورا نطفة و طورا علقة و هكذا و قيل أي أخلاط من ماء الرجل و ماء المرأة و سيأتي الكلام فيه و كلامه(ع)يؤيد بعض الوجوه الأولة كما لا يخفى.
و المسارب المواضع التي ينسرب فيه المني أي يسيل أو ينسرب فيها المني أي يختفي من قولهم انسرب الوحشي إذا دخل في جحره و اختفى أو مجاري المني من السرب بمعنى الطريق و المراد أوعيتها من الأصلاب أو مجاريها و تفسير المسارب بالأخلاط التي يتولد منها المني كما احتمله ابن ميثم بعيد و المراد بمحط الأمشاج مقر النطفة من الرحم أو من الأصلاب على بعض الوجوه في المسارب فتكون كلمة من تبعيضية و لعل الأول أظهر.
و الناشئة من السحاب أول ما ينشأ منه و لم يتكامل اجتماعه أو المرتفع منه و متلاحم الغيوم ما التصق منها بعضها ببعض و الدرور السيلان و القطر بالفتح
____________
(1) يعني يزاد في آخرها هاء فيقال «بعوضة».
(2) الدهر: 2.
155
المطر و الواحدة قطرة و السحائب جمع سحابة و متراكمها المجتمع المتكاثف منها و في بعض النسخ و تراكمها.
و سفت الريح التراب تسفيه أي ذرته و رمت به أو حملته و الأعاصير جمع الإعصار و هو بالكسر الريح التي تهب صاعدا من الأرض نحو السماء كالعمود و قيل التي فيها نار و قيل التي فيها العصار و هو الغبار الشديد و ذيولها أطرافها التي تجرها على الأرض و لطف الاستعارة ظاهر و عفت الريح الأثر إذا طمسته و محته و عفي الأثر إذا انمحى يتعدى و لا يتعدى و العوم السباحة و سير السفينة و الإبل و بنات الأرض بتقديم الباء على ما في أكثر النسخ الحشرات و الهوام التي تكون في الرمال و غيرها كاللحكة و العصابة و غيرهما و حركتها في الرمال لعدم استقرارها تشبه السباحة و في بعض النسخ بتقديم النون فالمراد حركة عروقها في الرمال كأرجل السابحين و أيديهم في الماء و الكثبان بالضم جمع الكثيب و هو التل من الرمل و المستقر موضع الاستقرار و يحتمل المصدر. و ذروة الشيء بالضم و الكسر أعلاه و غرد الطائر كفرح و غرد تغريدا رفع صوته و طرب به و ذوات المنطق من الطيور ما له صوت و غناء كان غيره أبكم لا يقدر على المنطق و الدياجير جمع ديجور و هو الظلام و المظلم و الإضافة على الثاني من إضافة الخاص إلى العام و الوكر بالفتح عش الطائر و ما أوعته الأصداف أي ما حفظته و جمعته من اللئالئ و الحضن بالكسر ما دون الإبط إلى الكشح أو الصدر أو العضدان و ما بينهما و حضن الصبي كنصر جعله في حضنه و ما حضنته الأمواج العنبر و المسك و غيرهما و ما غشيته أي غطته و السدفة بالضم الظلمة و ذرت الشمس أي طلعت و شرقت الشمس و أشرقت أي أضاءت و ما اعتقبت أي تعاقبت و جاءت واحدة بعد أخرى و الأطباق جمع طبق بالتحريك و هو غطاء كل شيء و تارات (1) الظلمة تستر الأشياء كالأغطية و سبحات النور مرآته و سبحات وجه
____________
(1) في بعض النسخ: دثارات.
156
الله أنواره. و قال ابن أبي الحديد ليس يعني بالسبحات هاهنا ما يعني به في قوله سبحات وجه ربنا لأنه هناك بمعنى الجلالة و هاهنا بمعنى ما يسبح عليه النور أي يجري من سبح الفرس و هو جريه و المتعاقبان النور و الظلمة أي ما تغطيه ظلمة بعد نور و نور بعد ظلمة و يحتمل أن يراد تعاقب أفراد كل منهما و أثر القدم علامته التي تبقى في الأرض و الخطوة المشية و الحس الصوت الخفي و رجع الكلمة ما ترجع به من الكلام إلى نفسك و تردده في فكرك أو جواب الكلمة أو ترديد الصوت و ترجيعه عند التلفظ بالكلمة أو إرجاع النفس للتلفظ بكلمة بعد الوقف على كلمة و الرجع يكون لازما و متعديا و النسمة محركة الإنسان أو كل دابة فيها روح و مستقر النسمة إما الصلب أو الرحم أو القبر أو مكانه في الدنيا أو في الآخرة أو الأعم و مثقال الذرة وزنها لا المثقال المعروف كما قال تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ (1) و الهمهمة الصوت الخفي أو ترديد الصوت في الحلق أو تردد الصوت في الصدر من الهم كل نفس هامة أي ذات همة تعزم على أمر و الوصف للتعميم و ما عليها أي على الأرض بقرينة المقام كقوله تعالى كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (2) و النطفة ماء الرجل و الماء الصافي قل أو كثر و يطلق على قليل ماء في دلو أو قربة و الأول أظهر في المقام و قرارتها موضعها الذي تستقر فيه و أصل القرارة المطمئن من الأرض يستقر فيه ماء المطر و جمعها القرار و نقاعة كل شيء بالضم الماء الذي ينقع فيه. و قال الشراح النقاعة نقرة يجتمع فيها الدم و المضغة بالضم القطعة من اللحم قدر ما يمضغ و ناشئة الخلق الصورة ينشئها سبحانه في البدن أو الروح التي ينفخها فيه و السلالة بالضم ما استل و استخرج من شيء و في الكلام إشارة إلى قوله سبحانه وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ إلى قوله ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (3)
____________
(1) النساء: 40.
(2) الرحمن: 26.
(3) المؤمنون: 14.
157
ثم الغرض من ذكره هذه الأشياء التنصيص على عموم علمه سبحانه مع الإشارة إلى أصناف خلقه و أنواع بريته و عجائب ربوبيته فإن الدليل على علمه بها خلقه لها و حفظه و تربيته لكل منها و إظهار بدائع الحكمة في كل صفة من أوصافها و حال من أحوالها كما قال سبحانه أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (1) لم يلحقه في ذلك المشار إليه إما العلم بالجزئيات المذكورة و إما خلق الإشارة المذكورة قبل تفصيل المعلومات أو فيها أيضا كما قلنا إن الغرض ليس محض تعلق العلق بها كلفة أي مشقة و لا اعترضته أي منعته و العارضة ما يستقبلك من شيء يمنعك عن مسيرك و لا اعتورته قيل اعتورته أحاطت به و في اللغة اعتوروا الشيء أي تداولوه و تناوبوه و في تنفيذ الأمور أي إجرائها و إمضائها و التدبير النظر في عاقبة الأمر أو الفعل عن روية و المراد هنا إمضاء الأمور على وفق المصلحة و العلم بالعواقب و الملالة السأمة و الضجر و فتر عن العمل انكسر حدته و لان بعد شدته بل نفذ فيهم علمه أي أحاط علمه بظواهرهم و بواطنهم و في بعض النسخ نفذهم على الحذف و الإيصال و العد مصدر عددته و في بعض النسخ عدده و غمرهم أي غطاهم و سترهم و شملهم فضله و كنه الشيء نهايته و حقيقته و الوصف الجميل ذكر الفضائل و التعداد بالفتح مصدر للمبالغة و التكثير و قال الكوفيون أصله التفعيل الذي يفيد المبالغة قلبت ياؤه ألفا و بالكسر شاذ و الأمل ضد اليأس و خير خبر مبتدإ محذوف و كذلك أكرم و البسط النشر و التوسيع و كلمة في إما زائدة أو للظرفية المجازية و المفعول محذوف أي بسطت لي القدرة أو الكلام فيما لا أمدح به غيرك و الغرض شكره سبحانه على فضيلة البلاغة و العلم به سبحانه و مدائحه و التوفيق على قصر المدح على الله جل شأنه و الخيبة الحرمان و المخلوقون هم معادنها لأن عطاياهم قليلة فانية مع أنهم لا يعطون غالبا و هم مواضع الريبة أي التهمة و الشك لعدم الوثوق بإعطائهم و عدم الاعتماد عليهم في رعاية مصلحة في المنع و الله سبحانه لا يمنع إلا لمصلحة
____________
(1) الملك: 14.
158
تعود إلى السائل و يدخر مع ذلك له أضعاف ما سأل في الدار الباقية.
و المثوبة الثواب و الجزاء المكافأة على الشيء و العارفة الإحسان دليلا على ذخائر الرحمة أي هاديا إلى أسبابها بالتوفيق و التأييد و ذخائر الرحمة عظائم العطايا و أصل الذخيرة المختار من كل شيء أو ما يعده الرجل ليوم حاجته و هذا مقام اسم مكان و يحتمل المصدر و المحمدة بفتح العين و كسرها مصدر حمده كسمعه و الفاقة الفقر و الجبر في الأصل إصلاح العظم المكسور و المسكنة الخضوع و الذلة و قلة المال و سوء الحال و نعشه رفعه و الخلة بالفتح الفقر و الحاجة و ضميرا مسكنتها و خلتها راجعان إلى الفاقة و في الإضافة توسع و المن العطاء و مد الأيدي كناية عن الطلب و إظهار الحاجة و القدير مبالغة في القادر.
و إنما بسطنا الكلام بعض البسط في شرح هذه الخطبة لكونها من جلائل الخطب و ذكرنا جميعها لذلك و لكون أكثرها متعلقا بمطالب هذا المجلد و تفريقها على الأبواب كان يوجب تفويت نظام البلاغة و كمالها كما فوت السيد ره كثيرا من فوائد الخطبة باختصارها و اختيارها و أما دلالتها على حدوث السماء و الأرض و الملائكة و غير ذلك فغير خفي على المتأمل فيها.
91- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَعْمَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَيُّوبَ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ (1)
____________
(1) في نسخ البحار «مسلمة بن كهيل» لكن الصحيح «سلمة بن كهيل» كما في المصدر و «كهيل» بالضم و زان «زبير» و قد اختلفوا في ان المسمى بهذا الاسم واحد أو اثنان او أكثر فاعتبره «ابن داود» ثلاثة رجال، و عده الشيخ تارة بهذا العنوان من أصحاب امير المؤمنين (عليه السلام) و اخرى من أصحاب الباقر (عليه السلام) و ثالثة من أصحاب السجّاد (عليه السلام) مضيفا إليه قوله «ابو يحيى الحضرمى الكوفيّ» و رابعة من أصحاب الصادق (عليه السلام) مضيفا اليه قوله «ابن الحصين أبو يحيى الحضرمى الكوفيّ تابعي» و عند صاحب «جامع الرواة» رجلان احدهما من خواص أمير المؤمنين (عليه السلام) و الآخر من عاصر السجّاد و الباقر و الصادق.
159
عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)خَطَبَ النَّاسَ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كَانَ حَيّاً بِلَا كَيْفٍ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَانَ إِلَى قَوْلِهِ وَ لَا قَوِيَ بَعْدَ مَا كَوَّنَ شَيْئاً وَ لَا كَانَ ضَعِيفاً قَبْلَ أَنْ يُكَوِّنَ شَيْئاً وَ لَا كَانَ مُسْتَوْحِشاً قَبْلَ أَنْ يَبْتَدِعَ شَيْئاً وَ لَا يُشْبِهُ شَيْئاً وَ لَا كَانَ خِلْواً مِنَ الْمُلْكِ قَبْلَ إِنْشَائِهِ وَ لَا يَكُونُ خِلْواً مِنْهُ بَعْدَ ذَهَابِهِ كَانَ إِلَهاً حَيّاً بِلَا حَيَاةٍ وَ مَالِكاً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ يُنْشِئُ شَيْئاً وَ مَالِكاً بَعْدَ إِنْشَائِهِ لِلْكَوْنِ (1).
و منه عن محمد بن يحيى عن أحمد بن موسى عن الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمد عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير عن أبي جعفر(ع)مثله (2)- التوحيد، عن أحمد بن محمد بن يحيى عن أبيه مثله (3) بيان و لم يكن له كان ظاهره نفي الزمان عنه تعالى و إن احتمل أن يكون كان اسما بمعنى الكون على لغة من يقلب الواو و الياء الساكنين أيضا مع انفتاح ما قبلهما ألفا ثم لا يخفى دلالة سائر الفقرات على حدوث ما سواه سبحانه قوله و لا كان خلوا من الملك قبل إنشائه الملك يكون بمعنى السلطنة و بمعنى المملكة فيحتمل أن يكون المراد عند ذكره أولا و عند إرجاع الضمير إليه ثانيا هو المعنى الأول أو في الأول الأول و في الثاني الثاني على طريقة الاستخدام و يكون الضمير راجعا إلى الله بالإضافة إلى الفاعل و لا يلائم الأخير الفقرة التالية.
92- الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
____________
(عليهم السلام) و هو من التبرية (و هم الذين قالوا بامامة أبى بكر و عمر و على و من خرج بالسيف من ولد عليّ (عليه السلام)) و استظهره أيضا في تنقيح المقال (ج 2،(ص)51) و قال: الأول من الحسان و الثاني غير موثوق به فيندرج في الضعفاء، و كيف كان فالذى في هذا السند غير صاحب عليّ (عليه السلام) بشهادة رواية «عمرو بن شمر» عنه و اللّه العالم.
(1) روضة الكافي: 31.
(2) الكافي، ج 1، 88.
(3) التوحيد: 113.
160
النُّعْمَانِ (1) أَوْ غَيْرِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ ذَكَرَ هَذِهِ الْخُطْبَةَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَهْلِ الْحَمْدِ وَ وَلِيِّهِ وَ مُنْتَهَى الْحَمْدِ وَ مَحَلِّهِ الْبَدِيءِ الْبَدِيعِ إِلَى قَوْلِهِ الَّذِي كَانَ فِي أَوَّلِيَّتِهِ مُتَقَادِماً وَ فِي دَيْمُومِيَّتِهِ مُتَسَيْطِراً خَضَعَ الْخَلَائِقُ لِوَحْدَانِيَّتِهِ وَ رُبُوبِيَّتِهِ وَ قَدِيمِ أَزَلِيَّتِهِ وَ دَانُوا لِدَوَامِ أَبَدِيَّتِهِ (2).
بيان: المتسيطر المتسلط.
93- الْكَافِي، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْمَوْصِلِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: جَاءَ حِبْرٌ مِنَ الْأَحْبَارِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَتَى كَانَ رَبُّكَ فَقَالَ لَهُ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ وَ مَتَى لَمْ يَكُنْ حَتَّى يُقَالَ مَتَى كَانَ كَانَ رَبِّي قَبْلَ الْقَبْلِ بِلَا قَبْلٍ وَ بَعْدَ الْبَعْدِ بِلَا بَعْدٍ وَ لَا غَايَةٍ وَ لَا مُنْتَهَى لِغَايَتِهِ انْقَطَعَتِ الْغَايَاتُ عِنْدَهُ فَهُوَ مُنْتَهَى كُلِّ غَايَةٍ (3).
94- وَ مِنْهُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ رَفَعَهُ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ(ع)كَانَ اللَّهُ (4) وَ لَا شَيْءَ قَالَ نَعَمْ كَانَ وَ لَا شَيْءَ قُلْتُ فَأَيْنَ كَانَ يَكُونُ قَالَ وَ كَانَ مُتَّكِئاً فَاسْتَوَى جَالِساً وَ قَالَ أَحَلْتَ يَا زُرَارَةُ وَ سَأَلْتَ عَنِ الْمَكَانِ إِذْ لَا مَكَانَ (5).
____________
(1) هو محمّد بن عليّ بن النعمان بن أبي طريفة البجليّ مولى الاحول أبو جعفر كوفيّ صيرفى (النجاشيّ: 249) يعد من أصحاب الصادق و الكاظم، ثقة جليل، يلقب بمؤمن الطاق و صاحب الطاق و يلقبه المخالفون «شيطان الطاق» كان دكانه في طاق المحامل بالكوفة. و كان له مع أبي حنيفة حكايات كثيرة منها انه قال له يوما يا أبا جعفر تقول بالرجعة؟ فقال له نعم. قال:
أقرضنى من كيسك خمسمائة دينار فإذا عدت انا و انت رددتها إليك! فقال له في الحال: اريد ضمينا يضمن لي انك تعود إنسانا، فانى اخاف ان تعود قردا فلا أتمكن من استرجاع ما اخذت منى!.
(2) روضة الكافي: 173.
(3) الكافي: ج 1،(ص)89.
(4) في المصدر: أ كان اللّه.
(5) الكافي: ج 1،(ص)90.
161
بيان: أحلت أي تكلمت بالمحال.
95- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: جِئْتُ إِلَى الرِّضَا(ع)أَسْأَلُهُ عَنِ التَّوْحِيدِ فَأَمْلَى عَلَيَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ الْأَشْيَاءِ إِنْشَاءً وَ مُبْتَدِعِهَا ابْتِدَاءً (1) بِقُدْرَتِهِ وَ حِكْمَتِهِ لَا مِنْ شَيْءٍ فَيَبْطُلَ الِاخْتِرَاعُ وَ لَا لِعِلَّةٍ فَلَا يَصِحَّ الِابْتِدَاعُ الْخَبَرَ (2).
العلل، عن محمد بن علي ماجيلويه عن محمد بن يحيى العطار عن سهل مثله (3)- التوحيد، عن محمد بن الحسن عن الصفار عن سهل مثله (4).
96- الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ صَفْوَانَ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ رَبَّنَا وَ الْعِلْمُ ذَاتُهُ وَ لَا مَعْلُومَ وَ السَّمْعُ ذَاتُهُ وَ لَا مَسْمُوعَ وَ الْبَصَرُ ذَاتُهُ وَ لَا مُبْصَرَ وَ الْقُدْرَةُ ذَاتُهُ وَ لَا مَقْدُورَ فَلَمَّا أَحْدَثَ الْأَشْيَاءَ وَقَعَ الْعِلْمُ (5) مِنْهُ عَلَى الْمَعْلُومِ وَ السَّمْعُ عَلَى الْمَسْمُوعِ وَ الْبَصَرُ عَلَى الْمُبْصَرِ وَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَقْدُورِ قَالَ قُلْتُ فَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُتَحَرِّكاً قَالَ فَقَالَ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ إِنَّ الْحَرَكَةَ صِفَةٌ مُحْدَثَةٌ بِالْفِعْلِ قَالَ قُلْتُ فَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُتَكَلِّماً قَالَ فَقَالَ إِنَّ الْكَلَامَ صِفَةٌ مُحْدَثَةٌ لَيْسَتْ بِأَزَلِيَّةٍ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا مُتَكَلِّمَ (6).
التوحيد، عن محمد بن علي ماجيلويه عن علي بن إبراهيم مثله (7).
97- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ
____________
(1) في المصدر: ابتداعا.
(2) الكافي: ج 1،(ص)105.
(3) العلل. ج 1،(ص)9.
(4) التوحيد: 57.
(5) في المصدر: و كان.
(6) الكافي: ج 1،(ص)107.
(7) التوحيد: 88.
162
هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَانَ اللَّهُ وَ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ وَ لَمْ يَزَلْ عَالِماً فَعِلْمُهُ بِهِ قَبْلَ كَوْنِهِ كَعِلْمِهِ بِهِ بَعْدَ كَوْنِهِ (1).
98- وَ مِنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ أَيُّوبَ بْنِ (2) نُوحٍ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ(ع)يَسْأَلُهُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَ كَانَ يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ أَنْ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ وَ كَوَّنَهَا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ حَتَّى خَلَقَهَا وَ أَرَادَ خَلْقَهَا وَ تَكْوِينَهَا فَعَلِمَ مَا خَلَقَ عِنْدَ مَا خَلَقَ وَ مَا (3) كَوَّنَ عِنْدَ مَا كَوَّنَ فَوَقَّعَ بِخَطِّهِ(ع)لَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَالِماً بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْأَشْيَاءَ كَعِلْمِهِ بِالْأَشْيَاءِ بَعْدَ مَا خَلَقَ الْأَشْيَاءَ (4).
التوحيد، عن أحمد بن محمد بن يحيى عن أبيه مثله (5).
99- الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى الرَّجُلِ (6)(ع)أَسْأَلُهُ أَنَّ مَوَالِيَكَ اخْتَلَفُوا فِي الْعِلْمِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَالِماً قَبْلَ فِعْلِ الْأَشْيَاءِ وَ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا نَقُولُ لَمْ يَزَلْ عَالِماً لِأَنَّ مَعْنَى يَعْلَمُ يَفْعَلُ فَإِنْ أَثْبَتْنَا الْعِلْمَ فَقَدْ أَثْبَتْنَا فِي الْأَزَلِ مَعَهُ شَيْئاً فَإِنْ رَأَيْتَ جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ أَنْ تُعَلِّمَنِي مِنْ ذَلِكَ مَا أَقِفُ عَلَيْهِ وَ لَا أَجُوزُهُ فَكَتَبَ(ع)بِخَطِّهِ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ تَعَالَى عَالِماً تَبَارَكَ وَ تَعَالَى ذِكْرُهُ (7).
بيان قد مر شرح هذا الخبر و يدل زائدا على ما سبق في الأخبار على أنه كان معلوما عند الأصحاب أنه لا يجوز أن يكون شيء مع الله في الأزل و لما توهموا
____________
(1) الكافي: ج 1،(ص)107.
(2) من أصحاب الهادى (عليه السلام) ثقة روى عنه سعد بن عبد اللّه بلا واسطة و بواسطة محمّد بن عيسى بن عبيد.
(3) في التوحيد: فعلم ما خلق و ما كون ...
(4) الكافي: ج 1،(ص)107.
(5) التوحيد: 92. و في المصدر: أحمد بن محمّد بن يحيى عن سعد بن عبد اللّه عن ايوب بن نوح. و لا بأس به، لان أحمد بن محمّد بن يحيى يروى عن سعد بلا واسطة و بواسطة أبيه.
(6) الظاهر ان المراد به الحسن بن عليّ العسكريّ (عليهما السلام).
(7) الكافي: ج 1،(ص)107.
163
أن العلم يستلزم حصول صورة نفوا العلم في الأزل لئلا يكون معه تعالى غيره قياسا على الشاهد فلم يتعرض(ع)لإبطال توهمهم و أثبت العلم القديم له تعالى و بالجملة هذه الأخبار صريحة في أن المخلوقات كلها مسبوقة بعدم يعلمها سبحانه في حال عدمها.
100- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ فُضَيْلِ سُكَّرَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ(ع)جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُعَلِّمَنِي هَلْ كَانَ اللَّهُ جَلَّ وَجْهُهُ (1) يَعْلَمُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ أَنَّهُ وَحْدَهُ فَقَدِ اخْتَلَفَ مَوَالِيكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ قَدْ كَانَ يَعْلَمُ (2) قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئاً مِنْ خَلْقِهِ وَ قَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّمَا مَعْنَى يَعْلَمُ يَفْعَلُ فَهُوَ الْيَوْمَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا غَيْرُهُ قَبْلَ فِعْلِ الْأَشْيَاءِ فَقَالُوا (3) إِنْ أَثْبَتْنَا أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَالِماً بِأَنَّهُ لَا غَيْرُهُ فَقَدْ أَثْبَتْنَا مَعَهُ غَيْرَهُ فِي أَزَلِيَّتِهِ فَإِنْ رَأَيْتَ يَا سَيِّدِي أَنْ تُعَلِّمَنِي مَا لَا أَعْدُوهُ إِلَى غَيْرِهِ فَكَتَبَ مَا زَالَ اللَّهُ عَالِماً تَبَارَكَ وَ تَعَالَى ذِكْرُهُ (4).
التوحيد، عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار عن أبيه مثله (5).
101 الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قُلْتُ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُرِيداً قَالَ إِنَّ الْمُرِيدَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمُرَادٍ مَعَهُ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَالِماً قَادِراً ثُمَّ أَرَادَ (6).
102 وَ مِنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَ مُوسَى بْنِ عَمْرٍو وَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عُثْمَانَ عَنِ ابْنِ سِنَانٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ
____________
(1) في التوحيد: جل ذكره.
(2) في التوحيد: قد كان يعلم تبارك و تعالى انه وحده.
(3) في التوحيد: و قالوا.
(4) الكافي: ج 1،(ص)108.
(5) التوحيد: 92.
(6) الكافي: ج 1،(ص)109، و قد نقل المؤلّف- (رحمه اللّه)- الرواية في ضمن بيان الحديث الرقم 12 عن التوحيد عن عاصم بن حميد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).
164
الرِّضَا(ع)هَلْ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَارِفاً بِنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ يَرَاهَا وَ يَسْمَعُهَا قَالَ مَا كَانَ (1) مُحْتَاجاً إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْأَلُهَا وَ لَا يَطْلُبُ مِنْهَا هُوَ نَفْسُهُ وَ نَفْسُهُ هُوَ قُدْرَتُهُ نَافِذَةٌ فَلَيْسَ (2) يَحْتَاجُ (3) أَنْ يُسَمِّيَ نَفْسَهُ لَكِنِ (4) اخْتَارَ لِنَفْسِهِ أَسْمَاءً لِغَيْرِهِ يَدْعُوهُ بِهَا الْخَبَرَ (5).
التوحيد، و العيون، و معاني الأخبار، عن أبيه عن أحمد بن إدريس مثله.
103 الْكَافِي، مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ جَمِيعاً رَفَعَاهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَامَ خَطِيباً فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ الصَّمَدِ الْمُتَفَرِّدِ الَّذِي لَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ وَ لَا مِنْ شَيْءٍ خَلَقَ مَا كَانَ إِلَى قَوْلِهِ وَ لَمْ يَتَكَأَّدْهُ صُنْعُ شَيْءٍ كَانَ إِنَّمَا قَالَ لِمَا شَاءَ (6) كُنْ فَكَانَ ابْتَدَعَ مَا خَلَقَ بِلَا مِثَالٍ سَبَقَ وَ لَا تَعَبٍ وَ لَا نَصَبٍ وَ كُلُّ صَانِعِ شَيْءٍ فَمِنْ شَيْءٍ صَنَعَ وَ اللَّهُ لَا مِنْ شَيْءٍ صَنَعَ مَا خَلَقَ وَ كُلُّ عَالِمٍ فَمِنْ بَعْدِ جَهْلٍ تَعَلَّمَ وَ اللَّهُ لَمْ يَجْهَلْ وَ لَمْ يَتَعَلَّمْ أَحَاطَ بِالْأَشْيَاءِ عِلْماً قَبْلَ كَوْنِهَا فَلَمْ يَزْدَدْ بِكَوْنِهَا عِلْماً عِلْمُهُ قَبْلَ أَنْ يُكَوِّنَهَا كَعِلْمِهِ بِهَا (7) بَعْدَ تَكْوِينِهَا إِلَى قَوْلِهِ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الْمُبِيدُ لِلْأَبَدِ وَ الْوَارِثُ لِلْأَمَدِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَ لَا يَزَالُ وَحْدَانِيّاً أَزَلِيّاً قَبْلَ بَدْءِ الدُّهُورِ وَ بَعْدَ صُرُوفِ (8) الْأُمُورِ الْخَبَرَ (9).
ثم قال الكليني ره هذه الخطبة من مشهورات خطبه(ع)حتى لقد ابتذلها
____________
(1) في التوحيد: ما كان اللّه.
(2) في التوحيد: و ليس.
(3) في العيون: إلى أن يسمى.
(4) كذا في التوحيد، و في الكافي و العيون و معاني الأخبار: و لكنه.
(5) الكافي: ج 1، 113، التوحيد: 129، العيون، ج 1، 129، معاني الأخبار:(ص)2.
(6) في التوحيد: لما شاء أن يكون كن ...
(7) في الكافي و التوحيد: كعلمه بعد.
(8) في التوحيد: صرف.
(9) الكافي: ج 1، 134.
165
العامة و هي كافية لمن طلب علم التوحيد إذا تدبرها و فهم ما فيها إلى أن قال أ لا ترون إلى قوله لا من شيء كان و لا من شيء خلق ما كان فنفى بقوله لا من شيء كان معنى الحدوث و كيف أوقع على ما خلقه (1) صفة الخلق و الاختراع بلا أصل و لا مثال نفيا لقول من قال إن الأشياء كلها محدثة بعضها من بعض و إبطالا لقول الثنوية الذين زعموا أنه لا يحدث شيئا إلا من أصل و لا يدبر إلا باحتذاء المثال فدفع(ع)بقوله لا من شيء خلق ما كان جميع حجج الثنوية و شبههم لأن أكثر ما تعتمد الثنوية في حدوث العالم أن يقولوا لا يخلو من أن يكون الخالق خلق الأشياء من شيء أو من لا شيء فقولهم من شيء خطأ و قولهم من لا شيء مناقضة و إحالة لأن من يوجب شيئا و لا شيء ينفيه فأخرج أمير المؤمنين(ع)هذه اللفظة على أبلغ الألفاظ و أصحها و قال(ع)لا من شيء خلق ما كان فنفى من إذ كانت توجب شيئا و نفى الشيء إذ كان كل شيء مخلوقا محدثا لا من أصل أحدثه الخالق كما قالت الثنوية إنه خلق من أصل قديم فلا يكون تدبير إلا باحتذاء مثال- التوحيد، عن علي بن أحمد الدقاق عن محمد الأسدي و أحمد بن يحيى بن زكريا القطان عن بكر بن عبد الله بن حبيب عن تميم بن بهلول عن أبيه عن أبي معاوية عن الحصين بن عبد الرحمن عن أبيه و عن أحمد بن محمد بن الصقر عن محمد بن العباس بن بسام عن سعيد بن محمد البصري عن عمرة بنت أوس (2) عن الحصين بن عبد الرحمن عن أبيه عن الصادق(ع)عن آبائه(ع)مثله (3).
104 الْكَافِي، وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَفَعَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لِذِعْلِبٍ إِنَّ رَبِّي لَطِيفُ اللَّطَافَةِ لَا يُوصَفُ بِاللُّطْفِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ لَا يُقَالُ شَيْءٌ قَبْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ لَا تَحْوِيهِ الْأَمَاكِنُ وَ لَا تَضَمَّنُهُ الْأَوْقَاتُ إِلَى قَوْلِهِ
____________
(1) في الكافي: على ما أحدثه.
(2) في المصدر: بنت أويس.
(3) التوحيد: 18.
166
سَبَقَ الْأَوْقَاتَ كَوْنُهُ وَ الْعَدَمَ وُجُودُهُ وَ الِابْتِدَاءَ أَزَلُهُ إِلَى قَوْلِهِ فَفَرَّقَ بَيْنَ قَبْلٍ وَ بَعْدٍ لِيُعْلَمَ أَنْ لَا قَبْلَ لَهُ وَ لَا بَعْدَ لَهُ وَ شَاهَدَهُ بِغَرَائِزِهَا أَنْ لَا غَرِيزَةَ لِمُغْرِزِهَا مُخْبِرَةً بِتَوْقِيتِهَا أَنْ لَا وَقْتَ لِمُوَقِّتِهَا حَجَبَ بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ لِيُعْلَمَ أَنْ لَا حِجَابَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ خَلْقِهِ كَانَ رَبّاً إِذْ لَا مَرْبُوبَ وَ إِلَهاً إِذْ لَا مَأْلُوهَ وَ عَالِماً إِذْ لَا مَعْلُومَ وَ سَمِيعاً إِذْ لَا مَسْمُوعَ (1).
بيان: ظاهر قوله(ع)ففرق بين قبل و بعد أنه سبحانه ليس بزماني أصلا و يحتمل أن يكون المعنى جعل حدوث كل شيء منوطا بوقت ليعلم أنه لا ابتداء لوجوده أو جعل الأشياء بعضها علة لبعض ليعلم أن لا علة له و هما بعيدان و الأخير أبعد و كذا قوله أن لا وقت لموقتها ظاهره نفي الزمان و إن احتمل الوجه الثاني و كذا قوله أولا لا تضمنه الأوقات يدل على ذلك و إن احتمل أن يراد به لم يكن قبله و بعده زمان فيكون قد تضمنه و قد مر الكلام في قوله سبق الأوقات كونه و دلالة سائر الفقرات على حدوث ما سواه سبحانه ظاهرة.
105 الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ شَبَابٍ الصَّيْرَفِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ قُتَيْبَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)النَّاسَ بِالْكُوفَةِ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُلْهِمِ عِبَادَهُ حَمْدَهُ وَ فَاطِرِهِمْ عَلَى مَعْرِفَةِ رُبُوبِيَّتِهِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ وَ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ عَلَى أَزَلِهِ إِلَى قَوْلِهِ وَ لَا أَمَدَ لِكَوْنِهِ وَ لَا غَايَةَ لِبَقَائِهِ (2).
106 قَالَ وَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ صَالِحِ بْنِ حَمْزَةَ عَنْ فَتْحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى أَبِي إِبْرَاهِيمَ(ع)أَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ مِنَ التَّوْحِيدِ فَكَتَبَ إِلَيَّ بِخَطِّهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُلْهِمِ عِبَادَهُ حَمْدَهُ وَ ذَكَرَ مِثْلَ مَا رَوَاهُ سَهْلٌ إِلَى قَوْلِهِ أَوَّلُ الدِّيَانَةِ مَعْرِفَتُهُ وَ كَمَالُ مَعْرِفَتِهِ تَوْحِيدُهُ وَ كَمَالُ تَوْحِيدِهِ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ بِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَيْرُ الْمَوْصُوفِ وَ شَهَادَةِ الْمَوْصُوفِ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ وَ شَهَادَتِهِمَا جَمِيعاً بِالتَّثْنِيَةِ الْمُمْتَنِعِ مِنْهُ الْأَزَلُ إِلَى قَوْلِهِ عَالِمٌ إِذْ لَا مَعْلُومَ وَ خَالِقٌ إِذْ لَا مَخْلُوقَ
____________
(1) الكافي: ج 1،(ص)138.
(2) الكافي، ج 1،(ص)139.
167
وَ رَبٌّ إِذْ لَا مَرْبُوبَ وَ كَذَلِكَ يُوصَفُ رَبُّنَا وَ فَوْقَ مَا يَصِفُهُ الْوَاصِفُونَ (1).
8- التوحيد، عن علي بن أحمد الدقاق عن محمد بن جعفر الأسدي عن محمد بن إسماعيل البرمكي عن علي بن عباس عن جعفر بن محمد الأشعري عن فتح بن يزيد الجرجاني (2) عن الرضا(ع)مثله (3).
107 الْكَافِي، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ (4) وَ غَيْرِهِ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ عَنْ رَجُلٍ سَمَّاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ لِأَنَّهُ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ مِنْ إِحْدَاثِ بَدِيعٍ لَمْ يَكُنْ إِلَى قَوْلِهِ لَيْسَتْ لَهُ فِي أَوَّلِيَّتِهِ نِهَايَةٌ وَ لَا لِآخِرِيَّتِهِ حَدٌّ وَ لَا غَايَةٌ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْهُ وَقْتٌ وَ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ زَمَانٌ إِلَى قَوْلِهِ الْأَوَّلِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَ لَا قَبْلَ لَهُ وَ الْآخِرِ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ وَ لَا بَعْدَ لَهُ إِلَى قَوْلِهِ أَتْقَنَ مَا أَرَادَ خَلْقَهُ مِنَ الْأَشْبَاحِ (5) كُلِّهَا لَا بِمِثَالٍ (6) سَبَقَ إِلَيْهِ وَ لَا لُغُوبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي خَلْقِ مَا خَلَقَ لَدَيْهِ ابْتَدَأَ مَا
____________
(1) الكافي: ج 1،(ص)140.
(2) فتح بن يزيد أبو عبد اللّه الجرجانى عده الشيخ تارة من أصحاب الهادى (عليه السلام) و اخرى ممن لم يرو عنهم (عليهم السلام) و روى الكليني- ره- عدة روايات عنه عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام) و لذلك انكر بعضهم روايته عن الهادى و نسب السهو الى قلم الشيخ- ره- لكن روى في كشف الغمّة عنه عن الهادى (عليه السلام) و قال في التعليقة يظهر من بعض الروايات غاية اخلاصه لابى الحسن و هو الهادى على ما نقله في كشف الغمّة و في موضعين من الرواية قال له «يرحمك اللّه» و في الرواية انه توهم ربوبية الأئمّة (عليهم السلام) فنهاه أبو الحسن (عليه السلام) و قال بالامامة (انتهى).
(3) التوحيد: 26.
(4) في المصدر «عن النصر» و أحمد بن النضر أبو الحسن الجعفى مولى كوفيّ ثقة، و اما النضر فالمسمى به كثير لكن لم نجد رواية البرقي عن أحدهم سوى «النضر بن سويد الصيرفى الكوفيّ الثقة» و اللّه العالم.
(5) في بعض النسخ و كذا في التوحيد: الأشياء.
(6) في التوحيد، بلا مثال.
168
أَرَادَ ابْتِدَاءَهُ وَ أَنْشَأَ مَا أَرَادَ إِنْشَاءَهُ عَلَى مَا أَرَادَ (1) مِنَ الثَّقَلَيْنِ (2) لِيَعْرِفُوا (3) بِذَلِكَ رُبُوبِيَّتَهُ الْخُطْبَةَ (4).
التوحيد، عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن خالد مثله (5).
108 تَفْسِيرُ الْفُرَاتِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ قَبِيصَةَ الْجُعْفِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الصَّادِقِ(ع)وَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ فَسَلَّمْتُ وَ جَلَسْتُ وَ قُلْتُ أَيْنَ كُنْتُمْ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ سَمَاءً مَبْنِيَّةً وَ أَرْضاً مَدْحِيَّةً أَوْ ظُلْمَةً أَوْ نُوراً (6) قَالَ يَا قَبِيصَةُ كُنَّا أَشْبَاحَ نُورٍ حَوْلَ الْعَرْشِ نُسَبِّحُ اللَّهَ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ آدَمُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَامٍ الْخَبَرَ (7).
109 كِتَابُ تَأْوِيلِ الْآيَاتِ، نُقِلَ مِنْ كِتَابِ الْمِعْرَاجِ لِلصَّدُوقِ ره بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يُخَاطِبُ عَلِيّاً(ع)يَا عَلِيُّ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى كَانَ وَ لَا شَيْءَ مَعَهُ فَخَلَقَنِي وَ خَلَقَكَ زَوْجَيْنِ (8) مِنْ نُورِ جَلَالِهِ فَكُنَّا أَمَامَ عَرْشِ رَبِّ الْعَالَمِينَ نُسَبِّحُ اللَّهَ وَ نُقَدِّسُهُ وَ نُحَمِّدُهُ وَ نُهَلِّلُهُ وَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ الْخَبَرَ.
110 كِتَابُ الْمُقْتَضَبِ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ره قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَا سَلْمَانُ خَلَقَنِيَ اللَّهُ مِنْ صَفَاءِ نُورِهِ فَدَعَانِي فَأَطَعْتُهُ فَخَلَقَ (9) مِنْ نُورِي عَلِيّاً فَدَعَاهُ فَأَطَاعَهُ فَخَلَقَ مِنْ نُورِي وَ نُورِ عَلِيٍّ فَاطِمَةَ فَدَعَاهَا فَأَطَاعَتْهُ فَخَلَقَ مِنِّي وَ مِنْ
____________
(1) في التوحيد: اراده.
(2) في الكافي: الثقلين من الجن و الانس لتعرفوا.
(3) في التوحيد: لتعرف.
(4) الكافي: ج 1،(ص)141.
(5) التوحيد: 13.
(6) في المخطوطة، و نورا.
(7) تفسير فرات الكوفيّ: 207.
(8) في بعض النسخ: روحين.
(9) في بعض النسخ «و خلق» فى المواضع الثلاثة.
169
عَلِيٍّ وَ مِنْ فَاطِمَةَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ فَدَعَاهُمَا فَأَطَاعَاهُ ثُمَّ خَلَقَ مِنْ نُورِ الْحُسَيْنِ تِسْعَةَ أَئِمَّةٍ فَدَعَاهُمْ فَأَطَاعُوهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ سَمَاءً مَبْنِيَّةً أَوْ أَرْضاً مَدْحِيَّةً أَوْ هَوَاءً أَوْ مَاءً أَوْ مَلَكاً أَوْ بَشَراً وَ كُنَّا بِعِلْمِهِ أَنْوَاراً نُسَبِّحُهُ وَ نَسْمَعُ لَهُ وَ نُطِيعُ الْخَبَرَ.
الإختصاص، بإسناده إلى سلمان مثله.
111 كِتَابُ رِيَاضِ الْجِنَانِ، لِفَضْلِ اللَّهِ الْفَارِسِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)خَلَقَنَا اللَّهُ نَحْنُ حَيْثُ لَا سَمَاءٌ مَبْنِيَّةٌ وَ لَا أَرْضٌ مَدْحِيَّةٌ وَ لَا عَرْشٌ وَ لَا جَنَّةٌ وَ لَا نَارٌ كُنَّا نُسَبِّحُهُ الْخَبَرَ.
112 وَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ قَالَ: يَا جَابِرُ كَانَ اللَّهُ وَ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ وَ لَا مَعْلُومَ وَ لَا مَجْهُولَ فَأَوَّلُ مَا ابْتَدَأَ مِنْ خَلْقٍ خَلَقَهُ أَنْ خَلَقَ مُحَمَّداً(ص)وَ خَلَقَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ مَعَهُ مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ فَأَوْقَفَنَا أَظِلَّةً خَضْرَاءَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَيْثُ لَا سَمَاءٌ وَ لَا أَرْضٌ وَ لَا مَكَانٌ وَ لَا لَيْلٌ وَ لَا نَهَارٌ وَ لَا شَمْسٌ وَ لَا قَمَرٌ يَفْصِلُ نُورُنَا مِنْ نُورِ رَبِّنَا كَشُعَاعِ الشَّمْسِ مِنَ الشَّمْسِ نُسَبِّحُ اللَّهَ وَ نُقَدِّسُهُ وَ نُحَمِّدُهُ وَ نَعْبُدُهُ حَقَّ عِبَادَتِهِ ثُمَّ بَدَا لِلَّهِ أَنْ يَخْلُقَ الْمَكَانَ فَخَلَقَهُ (1) وَ كَتَبَ عَلَى الْمَكَانِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ وَصِيُّهُ بِهِ أَيَّدْتُهُ وَ نَصَرْتُهُ ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ الْعَرْشَ فَكَتَبَ عَلَى سُرَادِقَاتِ الْعَرْشِ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ فَكَتَبَ عَلَى أَطْرَافِهَا مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ خَلَقَ الْجَنَّةَ وَ النَّارَ فَكَتَبَ عَلَيْهِمَا مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ خَلَقَ الْمَلَائِكَةَ فَأَسْكَنَهُمُ (2) السَّمَاءَ ثُمَّ خَلَقَ الْهَوَاءَ فَكَتَبَ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ خَلَقَ الْجِنَّ فَأَسْكَنَهُمُ الْهَوَاءَ ثُمَّ خَلَقَ الْأَرْضَ فَكَتَبَ عَلَى أَطْرَافِهَا مِثْلَ ذَلِكَ فَبِذَلِكَ يَا جَابِرُ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ بِغَيْرِ عَمَدٍ وَ ثَبَتَتِ الْأَرْضُ ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ الطَّوِيلَ إِلَى قَوْلِهِ فَنَحْنُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ وَ أَوَّلُ خَلْقٍ عَبَدَ اللَّهَ وَ سَبَّحَهُ وَ نَحْنُ سَبَبُ الْخَلْقِ وَ سَبَبُ تَسْبِيحِهِمْ وَ عِبَادَتِهِمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَ الْآدَمِيِّينَ تَمَامَ الْخَبَرِ.
____________
(1) يستفاد من هذه الرواية أن خلق نورهم (عليهم السلام) كان قبل خلق المكان و لو كان محتاجا إلى المكان لزم خلق المكان قبله أو معه، و الغنى عن المكان مجرد فافهم.
(2) في بعض النسخ «و أسكنهم» فى الموضعين.
170
113 وَ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْمُفَضَّلِ أَنَّهُ سَأَلَ الصَّادِقَ(ع)مَا كُنْتُمْ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ قَالَ كُنَّا أَنْوَاراً حَوْلَ الْعَرْشِ نُسَبِّحُ اللَّهَ وَ نُقَدِّسُهُ حَتَّى خَلَقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمَلَائِكَةَ الْخَبَرَ.
114 وَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَ عَلِيٌّ نُوراً بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ عَرْشَهُ بِأَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَامٍ.
115 وَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الصَّدُوقِ وَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ نُورَ مُحَمَّدٍ(ص)قَبْلَ الْمَخْلُوقَاتِ بِأَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ سَنَةٍ وَ خَلَقَ مَعَهُ اثْنَيْ عَشَرَ حِجَاباً.
116 وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ(ص)أَوَّلُ شَيْءٍ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى مَا هُوَ فَقَالَ نُورُ نَبِيِّكَ يَا جَابِرُ خَلَقَهُ اللَّهُ ثُمَّ خَلَقَ مِنْهُ كُلَّ خَيْرٍ الْخَبَرَ بِطُولِهِ.
117 وَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ نُورِي فَفَتَقَ مِنْهُ نُورَ عَلِيٍّ ثُمَّ خَلَقَ الْعَرْشَ وَ اللَّوْحَ وَ الشَّمْسَ وَ ضَوْءَ النَّهَارِ وَ نُورَ الْأَبْصَارِ وَ الْعَقْلَ وَ الْمَعْرِفَةَ الْخَبَرَ (1).
____________
(1) يجد الغائص في بحار الاخبار و الآثار روايات جمة تدلّ على اختلاف تعبيراتها على ان اللّه تبارك و تعالى خلق قبل خلق جميع الخلائق خلقا في غاية الشرافة و نهاية الكرامة هو الواسطة بينها و بين سائر الممكنات بل السبب لخلق سائر المخلوقات اذ لم يكن مكان و لا زمان و لا عرش و لا فرش، و لا سماء و لا ارض، و لا أي شىء فرض، و لازم ذلك كونه امرا مجردا عن نقائص المادة و منزها عن غواشى الطبيعة و متبرئا عن الزمان و المكان، و لذا عبر عنه غالبا بالنور، لكونه الطف و اشرف ما ندرك من الاجسام و الجسمانيات، و من المعلوم احتياج النور الحسى الى الزمان و المكان سواء كان جوهرا او عرضا: و ذلك النور ارفع منه بكثير، و له تعلق بالرسول الخاتم و آله الكرام عليهم الصلاة و السلام و إن لم نكن نحن معاشر المتوغلين في المادة و المخلدين إلى ارض الطبيعة ندرك حقيقة تعلقه بهم و اتّحاده معهم و حيث انه منزه من المادة و لوازمها من التحيز و التغير و غيرهما فلا محالة لا يمكن تقديره بزمان و لا تقييده بمكان و لا تحديده باى حدّ جسماني غير حده الماهوى الامكانى، و اما تحديد تقدم وجوده على وجود سائر.
171
118 كِتَابُ الْوَصِيَّةِ لِلْمَسْعُودِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ: خَطَبَ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي تَوَحَّدَ بِصُنْعِ الْأَشْيَاءِ وَ فَطَرَ أَجْنَاسَ الْبَرَايَا عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ وَ لَا مِثَالٍ سَبَقَهُ فِي إِنْشَائِهَا وَ لَا أَعَانَهُ مُعِينٌ عَلَى ابْتِدَائِهَا بَلِ ابْتَدَعَهَا بِلُطْفِ قُدْرَتِهِ فَامْتَثَلَتْ بِمَشِيَّتِهِ (1) خَاضِعَةً ذَلِيلَةً مُسْتَحْدِثَةً لِأَمْرِهِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ الدَّائِمِ بِغَيْرِ حَدٍّ وَ لَا أَمَدٍ وَ لَا زَوَالٍ وَ لَا نَفَادٍ وَ كَذَلِكَ لَمْ يَزَلْ وَ لَا يَزَالُ لَا تُغَيِّرُهُ الْأَزْمِنَةُ وَ لَا تُحِيطُ بِهِ الْأَمْكِنَةُ وَ لَا تَبْلُغُ صِفَاتِهِ الْأَلْسِنَةُ وَ لَا يَأْخُذُهُ نَوْمٌ وَ لَا سِنَةٌ لَمْ تَرَهُ الْعُيُونُ فَتُخْبِرَ عَنْهُ بِرُؤْيَةٍ وَ لَمْ تَهْجُمْ عَلَيْهِ الْعُقُولُ فَتَوَهَّمَ كُنْهَ صِفَتِهِ وَ لَمْ تَدْرِ كَيْفَ هُوَ إِلَّا بِمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ لَيْسَ لِقَضَائِهِ مَرَدٌّ وَ لَا لِقَوْلِهِ مُكَذِّبٌ ابْتَدَعَ الْأَشْيَاءَ بِغَيْرِ تَفَكُّرٍ وَ لَا مُعِينٍ وَ لَا ظَهِيرٍ وَ لَا وَزِيرٍ فَطَرَهَا بِقُدْرَتِهِ وَ صَيَّرَهَا إِلَى مَشِيَّتِهِ فَصَاغَ (2) أَشْبَاحَهَا وَ بَرَأَ أَرْوَاحَهَا وَ اسْتَنْبَطَ أَجْنَاسَهَا خَلْقاً مَبْرُوءاً مَذْرُوءاً فِي أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ عَلَى غَيْرِ مَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ لِيُرِيَ عِبَادَهُ آيَاتِ جَلَالِهِ وَ آلَائِهِ فَسُبْحَانَهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ تَسْلِيماً اللَّهُمَّ فَمَنْ جَهِلَ فَضْلَ مُحَمَّدٍ(ص)فَإِنِّي مُقِرٌّ بِأَنَّكَ لَا سَطَحْتَ أَرْضاً وَ لَا بَرَأْتَ خَلْقاً حَتَّى أَحْكَمْتَ خَلْقَهُ مِنْ نُورٍ سَبَقْتَ بِهِ السُّلَالَةَ وَ أَنْشَأْتَ لَهُ آدَمَ جَزْماً فأدعته [فَأَوْدَعْتَهُ مِنْهُ قَرَاراً مَكِيناً وَ مُسْتَوْدَعاً مَأْمُوناً إِلَى آخِرِ الْخُطْبَةِ الطَّوِيلَةِ.
119 الْكَافِي، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ (3) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:
____________
الممكنات بالسنين و الدهور فليس على حدّ تقدير الزمانيات بها، و لذا ترى بين التحديدات المذكورة في المقام اختلافات كثيرة لا تكاد تجد اثنين متفقين فيها، فأجل النظر في ما نقل في هذا الباب عن النبيّ و ائمة أهل البيت (عليهم السلام) سابقا و لاحقا و ما نقل في كتاب الإمامة و اللّه هو الموفق.
(1) في بعض النسخ: فى مشيته.
(2) في بعض النسخ: و صاغ.
(3) هو عمر بن محمّد بن عبد الرحمن بن أذينة- بضم الهمزة و فتح الذال المعجمة و تقديم الياء على النون- قال الكشّيّ: قال حمدويه: سمعت أشياخى منهم العبيدى و غيره ان.
172
الْمَشِيَّةُ مُحْدَثَةٌ (1).
بيان إذا كانت المشية محدثة و جميع الأشياء موجودة بالمشية فهي أولى بالحدوث.
120 الْمُتَهَجِّدُ، فِي دُعَاءِ يَوْمِ الْأَحَدِ أَنْتَ اللَّهُ الْحَيُّ الْأَوَّلُ الْكَائِنُ قَبْلَ جَمِيعِ الْأُمُورِ وَ الْمُكَوِّنُ لَهَا بِقُدْرَتِكَ وَ الْعَالِمُ بِمَصَادِرِهَا كَيْفَ تَكُونُ أَنْتَ الَّذِي سَمَوْتَ بِعَرْشِكَ فِي الْهَوَاءِ لِعُلُوِّ مَكَانِكَ وَ سَدَدْتَ الْأَبْصَارَ عَنْهُ بِتَلَأْلُؤِ نُورِكَ وَ احْتَجَبْتَ عَنْهُمْ بِعَظِيمِ مُلْكِكَ وَ تَوَحَّدْتَ فَوْقَ عَرْشِكَ بِقَهْرِكَ وَ سُلْطَانِكَ ثُمَّ دَعَوْتَ السَّمَاوَاتِ إِلَى طَاعَةِ أَمْرِكَ فَأَجَبْنَ مُذْعِنَاتٍ إِلَى دَعْوَتِكَ وَ اسْتَقَرَّتْ عَلَى غَيْرِ عَمَدٍ مِنْ خِيفَتِكَ وَ زَيَّنْتَهَا لِلنَّاظِرِينَ وَ أَسْكَنْتَهَا الْعِبَادَ الْمُسَبِّحِينَ وَ فَتَقْتَ الْأَرَضِينَ فَسَطَحْتَهَا لِمَنْ فِيهَا مِهَاداً وَ أَرْسَيْتَهَا بِالْجِبَالِ أَوْتَاداً فَرَسَخَ سَخَنُهَا فِي الثَّرَى وَ عَلَتْ ذُرَاهَا فِي الْهَوَاءِ فَاسْتَقَرَّتْ عَلَى الرَّوَاسِي الشَّامِخَاتِ وَ زَيَّنْتَهَا بِالنَّبَاتِ وَ خَفَّفْتَ عَنْهَا بِالْأَحْيَاءِ وَ الْأَمْوَاتِ إِلَى آخِرِ الدُّعَاءِ.
121 وَ فِي دُعَاءِ لَيْلَةِ الْإِثْنَيْنِ وَ عَلَوْتَ بِعَرْشِكَ عَلَى الْعَالَمِينَ وَ أَعْمَرْتَ سَمَاوَاتِكَ بِالْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَ عَلَّمْتَ تَسْبِيحَكَ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ وَ انْقَادَتْ لَكَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةُ بِأَزِمَّتِهَا (2) وَ حَفِظْتَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ بِمَقَالِيدِهِمَا وَ أَذْعَنَتْ لَكَ بِالطَّاعَةِ وَ مَنْ فَوْقِهَا وَ أَبَتْ حَمْلَ الْأَمَانَةِ مِنْ شَفَقَتِهَا وَ قَامَتْ بِكَلِمَاتِكَ فِي قَرَارِهَا وَ اسْتَقَامَ (3)
____________
ابن أذينة كوفيّ هرب من المهدى و مات باليمن و لذلك لم يرو عنه كثير، و يقال اسمه «محمّد بن عمر بن أذينة» غلب عليه اسم ابيه و هو كوفيّ مولى عبد القيس (انتهى) و عده الشيخ تارة من اصحاب الصادق و اخرى من أصحاب الكاظم (عليهما السلام) و يوجد له الرواية عنهما و لا شبهة في وثاقته و لا غمز لاحد فيه.
(1) الكافي: ج 1،(ص)110. و يعنى بكونها محدثة انها لست من الصفات الذاتية التي هى عين ذات البارئ بل من الصفات الفعلية التي تنتزع من مقام الفعل، و قد مر شطر من الكلام في المشية و الإرادة.
(2) بأزمتهما (خ).
(3) في المخطوطة: و استقر.
173
الْبَحْرَانِ مَكَانَهُمَا وَ اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَ النَّهَارُ كَمَا أَمَرْتَهُمَا وَ أَحْصَيْتَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْهُمَا عَدَداً وَ أَحَطْتَ بِهِمَا عِلْماً خَالِقَ الْخَلْقِ وَ مُصْطَفِيَهُ وَ مُهَيْمِنَهُ وَ مُنْشِئَهُ وَ بَارِئَهُ وَ ذَارِئَهُ أَنْتَ كُنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَهاً وَاحِداً وَ كَانَ عَرْشُكَ عَلَى الْمَاءِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَكُونَ أَرْضٌ وَ لَا سَمَاءٌ وَ لَا شَيْءٌ مِمَّا خَلَقْتَ فِيهِمَا (1) بِعِزَّتِكَ كُنْتَ تُدْعَى بَدِيعاً مُبْتَدِعاً كَيْنُوناً كَائِناً مُكَوِّناً كَمَا سَمَّيْتَ نَفْسَكَ ابْتَدَأْتَ الْخَلْقَ بِعَظَمَتِكَ وَ دَبَّرْتَ أُمُورَهُمْ بِعِلْمِكَ إِلَى آخِرِ الدُّعَاءِ.
122 وَ فِي دُعَاءِ لَيْلَةِ الثَّلَاثَاءِ يَجُولُ (2) حَوْلَ أَرْكَانِ عَرْشِكَ النُّورُ وَ الْوَقَارُ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ كَانَ عَرْشُكَ عَلَى الْمَاءِ وَ كُرْسِيُّكَ يَتَوَقَّدُ نُوراً وَ سُرَادِقُكَ سُرَادِقُ النُّورِ وَ الْعَظَمَةِ وَ الْإِكْلِيلُ الْمُحِيطُ بِهِ هَيْكَلُ السُّلْطَانِ وَ الْعِزَّةِ وَ الْمِدْحَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ إِلَى آخِرِ الدُّعَاءِ.
123 وَ فِي دُعَاءِ لَيْلَةِ الْخَمِيسِ خَلَقْتَ خَلْقَكَ فَكُلُّ مَشِيَّتِكَ أَتَتْكَ بِلَا لُغُوبٍ وَ كَانَ عَرْشُكَ عَلَى الْمَاءِ وَ الظُّلْمَةُ عَلَى الْهَوَاءِ وَ الْمَلَائِكَةُ يَحْمِلُونَ عَرْشَكَ عَرْشَ النُّورِ وَ الْكَرَامَةِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِكَ إِلَى قَوْلِهِ كُنْتَ قَبْلَ جَمِيعِ خَلْقِكَ.
124 الْإِقْبَالُ، فِي دُعَاءِ لَيْلَةِ إِحْدَى وَ عِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُدَبِّرُ الْأُمُورِ وَ مُصَرِّفُ الدُّهُورِ وَ خَالِقُ الْأَشْيَاءِ جَمِيعاً (3) بِحِكْمَتِهِ دَالَّةً عَلَى أَزَلِيَّتِهِ وَ قِدَمِهِ الدُّعَاءَ (4).
125 وَ فِي وَدَاعِ شَهْرِ رَمَضَانَ نَقْلًا مِنْ كُتُبِ الدَّعَوَاتِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يُدْرِكُ الْعُلَمَاءُ عِلْمَهُ إِلَى قَوْلِهِ خَلَقَ خَلْقَهُ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ وَ لَا مِثَالٍ بِلَا تَعَبٍ وَ لَا نَصَبٍ وَ لَا تَعْلِيمٍ وَ رَفَعَ السَّمَاوَاتِ الْمَوْطُودَاتِ بِلَا أَصْحَابٍ وَ لَا أَعْوَانٍ وَ بَسَطَ الْأَرْضَ عَلَى الْمَاءِ (5) بِغَيْرِ
____________
(1) في المخطوطة: فيها.
(2) في المخطوطة: يحول.
(3) في المصدر: جميعها.
(4) الإقبال: 196.
(5) في المصدر: على الهواء.
174
أَرْكَانٍ عَلِمَ بِغَيْرِ تَعْلِيمٍ وَ خَلَقَ بِلَا مِثَالٍ عِلْمُهُ بِخَلْقِهِ قَبْلَ أَنْ يُكَوِّنَهُمْ كَعِلْمِهِ بِهِمْ بَعْدَ تَكْوِينِهِ لَهُمْ إِلَى قَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَانَ إِذْ لَمْ تَكُنْ أَرْضٌ مَدْحِيَّةٌ وَ لَا سَمَاءٌ مَبْنِيَّةٌ وَ لَا جِبَالٌ مُرْسِيَةٌ وَ لَا شَمْسٌ تَجْرِي وَ لَا قَمَرٌ يَسْرِي وَ لَا لَيْلٌ يُدْجَى وَ لَا نَهَارٌ يُضْحَى إِلَى آخِرِ الدُّعَاءِ (1).
126 وَ بِإِسْنَادِهِ عَنِ التَّلَّعُكْبَرِيِّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أيامن (2) [إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي دُعَاءِ يَوْمِ عَرَفَةَ أَنْتَ الْكَائِنُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَ الْمُكَوِّنُ لِكُلِّ شَيْءٍ إِلَى قَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ حِينَ لَا شَمْسٌ تُضِيءُ وَ لَا قَمَرٌ يَسْرِي وَ لَا بَحْرٌ يَجْرِي وَ لَا رِيَاحٌ تَذْرِي وَ لَا سَمَاءٌ مَبْنِيَّةٌ وَ لَا أَرْضٌ مَدْحِيَّةٌ وَ لَا لَيْلٌ يُجَنُّ وَ لَا نَهَارٌ يُكَنُّ وَ لَا عَيْنٌ تَنْبُعُ وَ لَا صَوْتٌ يُسْمَعُ وَ لَا جَبَلٌ مُرْسَى وَ لَا سَحَابٌ مُنْشَأٌ وَ لَا إِنْسٌ مَبْرُوءٌ وَ لَا جِنٌّ مَذْرُوءٌ وَ لَا مَلَكٌ كَرِيمٌ وَ لَا شَيْطَانٌ رَجِيمٌ وَ لَا ظِلٌّ مَمْدُودٌ وَ لَا شَيْءٌ مَعْدُودٌ (3).
وَ فِي دُعَاءٍ آخَرَ لِيَوْمِ عَرَفَةَ وَ لَكَ الْحَمْدُ قَبْلَ أَنْ تَخْلُقَ شَيْئاً مِنْ خَلْقِكَ وَ عَلَى بَدْءِ مَا خَلَقْتَ إِلَى انْقِضَاءِ خَلْقِكَ (4).
128 وَ فِي دُعَاءِ الْأَضْحَى بِرِوَايَةٍ مُرْسَلَةٍ وَ أَنْتَ الْبَدِيعُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ (5).
بيان و لا نهار يكن بضم الياء و كسر الكاف أي يدعو إلى الكن لحرارة الشمس في الصحاح كننت الشيء سترته و صنته من الشمس أو بفتح الكاف أي يستر بظلمة الليل أو بفتح الياء و كسر الكاف أي يستر الناس بضوئه كأنه لباس لهم لإحاطته بهم و الكنة بالكسر البياض أيضا أو بتخفيف النون من الوكن و هو السير الشديد أو من وكن الطائر ببيضه يكنه أي حضنه و لا يخلو أكثرها من بعد.
____________
(1) الإقبال: 256.
(2) في المصدر «أياس بن سلمة الاكوع عن أبيه» و لم نجد له ذكرا في كتب التراجم.
(3) الإقبال: 271.
(4) الإقبال: 403.
(5) في المصدر: فانك بديع لم يكن قبلك شيء (433).
175
129 الْبَلَدُ الْأَمِينُ، مِنْ أَدْعِيَةِ الْأُسْبُوعِ لِلسَّجَّادِ(ع)الْحَمْدُ لِلَّهِ الْأَوَّلِ قَبْلَ الْأَشْيَاءِ وَ الْأَحْيَاءِ.
130 وَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ وَ لَا مِنْ شَيْءٍ كَوَّنَ مَا كَانَ مُسْتَشْهَداً (1) بِحُدُوثِ الْأَشْيَاءِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ وَ بِفُطُورِهَا عَلَى قِدْمَتِهِ كَفَى بِإِتْقَانِ الصُّنْعِ لَهُ آيَةً وَ بِحُدُوثِ الْفِطَرِ عَلَيْهِ قِدْمَةً.
131 وَ فِي دُعَاءِ لَيْلَةِ السَّبْتِ الْأَوَّلُ الْكَائِنُ وَ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِكَ أَوْ يُعَايَنُ شَيْءٌ مِنْ مُلْكِكَ إِلَى قَوْلِهِ خَلَقْتَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَ بِنَاءً فَسَوَّيْتَ السَّمَاءَ مَنْزِلًا رَضِيتَهُ لِجَلَالِكَ وَ وَقَارِكَ وَ عِزَّتِكَ وَ سُلْطَانِكَ ثُمَّ جَعَلْتَ فِيهَا كُرْسِيَّكَ وَ عَرْشَكَ إِلَى قَوْلِهِ وَ أَنْتَ اللَّهُ الْحَيُّ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ (2) وَ الْقَدِيمُ قَبْلَ كُلِّ قَدِيمٍ.
132 المهج، مهج الدعوات وَ الْبَلَدُ، عَنِ الْكَاظِمِ(ع)كُنْتَ إِذْ لَمْ تَكُنْ شَيْءٌ وَ كَانَ عَرْشُكَ عَلَى الْمَاءِ إِذْ لَا سَمَاءٌ مَبْنِيَّةٌ وَ لَا أَرْضٌ مَدْحِيَّةٌ وَ لَا شَمْسٌ تُضِيءُ وَ لَا قَمَرٌ يَجْرِي وَ لَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ وَ لَا نَجْمٌ يَسْرِي وَ لَا سَحَابَةٌ مُنْشَأَةٌ وَ لَا دين [دُنْيَا مَعْلُومَةٌ وَ لَا آخِرَةٌ مَفْهُومَةٌ وَ تَبْقَى وَحْدَكَ كَمَا كُنْتَ وَحْدَكَ عَلِمْتَ مَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ.
133 الْخِصَالُ، وَ مَعَانِي الْأَخْبَارِ، بِإِسْنَادِهِ الْمُتَّصِلِ إِلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنِ الصَّادِقِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ نُورَ مُحَمَّدٍ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ الْعَرْشَ وَ الْكُرْسِيَّ وَ اللَّوْحَ وَ الْقَلَمَ وَ الْجَنَّةَ وَ النَّارَ وَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ وَ نُوحاً وَ إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْمَاعِيلَ وَ إِسْحَاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ مُوسَى وَ عِيسَى وَ دَاوُدَ وَ سُلَيْمَانَ وَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْأَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفِ سَنَةٍ وَ أَرْبَعٍ وَ عِشْرِينَ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَى آخِرِ الْخَبَرِ (3).
134 الْعِلَلُ، لِلصَّدُوقِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَنِي وَ عَلِيّاً وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الدُّنْيَا بِسَبْعَةِ
____________
(1) في المخطوطة: مستشهد.
(2) في بعض النسخ «كل حى» و هو الأظهر.
(3) معاني الأخبار: 306.
176
آلَافِ عَامٍ قُلْتُ فَأَيْنَ كُنْتُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قُدَّامَ الْعَرْشِ نُسَبِّحُ اللَّهَ وَ نُحَمِّدُهُ وَ نُقَدِّسُهُ وَ نُمَجِّدُهُ قُلْتُ عَلَى أَيِّ مِثَالٍ قَالَ أَشْبَاحِ نُورٍ الْخَبَرَ (1).
135 تَفْسِيرُ فُرَاتِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ره فِي خَبَرٍ طَوِيلٍ فِي وَصْفِ الْمِعْرَاجِ سَاقَهُ إِلَى أَنْ قَالَ قُلْتُ يَا مَلَائِكَةَ رَبِّي هَلْ تَعْرِفُونَّا حَقَّ مَعْرِفَتِنَا فَقَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَ كَيْفَ لَا نَعْرِفُكُمْ وَ أَنْتُمْ أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ (2) خَلَقَكُمْ أَشْبَاحَ نُورٍ مِنْ نُورِهِ وَ جَعَلَ لَكُمْ مَقَاعِدَ فِي مَلَكُوتِ سُلْطَانِهِ وَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ السَّمَاءُ مَبْنِيَّةً وَ الْأَرْضُ مَدْحِيَّةً ثُمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ (3) فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ رَفَعَ الْعَرْشَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَاسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ وَ أَنْتُمْ أَمَامَ عَرْشِهِ تُسَبِّحُونَ وَ تُقَدِّسُونَ وَ تُكَبِّرُونَ ثُمَّ خَلَقَ الْمَلَائِكَةَ مِنْ بَدْوِ مَا أَرَادَ مِنْ أَنْوَارٍ شَتَّى الْخَبَرَ (4).
136 النهج، نهج البلاغة فَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ(ع)يَذْكُرُ فِيهِ ابْتِدَاءَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ (5) وَ الْأَرْضِ وَ خَلْقَ آدَمَ(ع)الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلُونَ وَ لَا يُحْصِي نِعَمَهُ (6) الْعَادُّونَ وَ لَا يُؤَدِّي حَقَّهُ الْمُجْتَهِدُونَ الَّذِي لَا يُدْرِكُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ وَ لَا يَنَالُهُ غَوْصُ الْفِتَنِ الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ وَ لَا نَعْتٌ مَوْجُودٌ وَ لَا وَقْتٌ مَعْدُودٌ وَ لَا أَجَلٌ مَمْدُودٌ فَطَرَ الْخَلَائِقَ بِقُدْرَتِهِ وَ نَشَرَ الرِّيَاحَ بِرَحْمَتِهِ وَ وَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَيَدَانَ أَرْضِهِ أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ وَ كَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ وَ كَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ وَ كَمَالُ تَوْحِيدِهِ الْإِخْلَاصُ لَهُ وَ كَمَالُ الْإِخْلَاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَيْرُ الْمَوْصُوفِ وَ شَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ وَ مَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ وَ مَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ وَ مَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ وَ مَنْ (7)
____________
(1) قد مر الحديث بعينه تحت الرقم (16).
(2) في المصدر: أول خلق اللّه.
(3) في المصدر: و الأرضين.
(4) تفسير فرات: 134.
(5) في المصدر: السماء.
(6) في المصدر: نعماءه.
(7) في المصدر: و من جهله فقد أشار إليه و من أشار ....
177
أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ وَ مَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ وَ مَنْ قَالَ فِيمَ فَقَدْ ضَمَّنَهُ وَ مَنْ قَالَ عَلَامَ فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ كَائِنٌ لَا عَنْ حَدَثٍ مَوْجُودٌ لَا عَنْ عَدَمٍ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ لَا بِمُقَارَنَةٍ وَ غَيْرُ كُلِ (1) شَيْءٍ لَا بِمُزَايَلَةٍ فَاعِلٌ لَا بِمَعْنَى الْحَرَكَاتِ وَ الْآلَةِ بَصِيرٌ إِذْ لَا مَنْظُورَ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ مُتَوَحِّدٌ إِذْ لَا سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بِهِ وَ لَا يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ أَنْشَأَ الْخَلْقَ إِنْشَاءً وَ ابْتَدَأَهُ ابْتِدَاءً بِلَا رَوِيَّةٍ أَجَالَهَا وَ لَا تَجْرِبَةٍ اسْتَفَادَهَا وَ لَا حَرَكَةٍ أَحْدَثَهَا وَ لَا هَمَامَةِ نَفْسٍ اضْطَرَبَ فِيهَا أَحَالَ الْأَشْيَاءَ لِأَوْقَاتِهَا وَ لَاءَمَ بَيْنَ مُخْتَلِفَاتِهَا وَ غَرَّزَ غَرَائِزَهَا وَ أَلْزَمَهَا أَشْبَاحَهَا عَالِماً بِهَا قَبْلَ ابْتِدَائِهَا وَ مُحِيطاً بِحُدُودِهَا وَ انْتِهَائِهَا عَارِفاً بِقَرَائِنِهَا وَ أَحْنَائِهَا ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ فَتْقَ الْأَجْوَاءِ وَ شَقَّ الْأَرْجَاءِ وَ سَكَائِكَ الْهَوَاءِ فَأَجْرَى (2) فِيهَا مَاءً مُتَلَاطِماً تَيَّارُهُ مُتَرَاكِماً زَخَّارُهُ حَمَلَهُ عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ الْعَاصِفَةِ وَ الزَّعْزَعِ الْقَاصِفَةِ فَأَمَرَهَا بِرَدِّهِ وَ سَلَّطَهَا عَلَى شَدِّهِ وَ قَرَنَهَا عَلَى حَدِّهِ الْهَوَاءُ مِنْ تَحْتِهَا فَتِيقٌ وَ الْمَاءُ مِنْ فَوْقِهَا دَفِيقٌ (3) ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ رِيحاً اعْتَقَمَ مَهَبَّهَا وَ أَدَامَ مُرَبَّهَا وَ أَعْصَفَ مَجْرَاهَا وَ أَبْعَدَ مَنْشَأَهَا فَأَمَرَهَا بِتَصْفِيقِ الْمَاءِ الزَّخَّارِ وَ إِثَارَةِ مَوْجِ الْبِحَارِ فَمَخَضَتْهُ مَخْضَ السِّقَاءِ وَ عَصَفَتْ بِهِ عَصْفَهَا بِالْفَضَاءِ تَرُدُّ أَوَّلَهُ عَلَى آخِرِهِ وَ سَاجِيَهُ عَلَى مَائِرِهِ حَتَّى عَبَّ عُبَابُهُ وَ رَمَى بِالزَّبَدِ رُكَامُهُ فَرَفَعَهُ فِي هَوَاءٍ مُنْفَتِقٍ وَ جَوٍّ مُنْفَهِقٍ فَسَوَّى مِنْهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ جَعَلَ سُفْلَاهُنَّ مَوْجاً مَكْفُوفاً وَ عُلْيَاهُنَّ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ سَمْكاً مَرْفُوعاً بِغَيْرِ عَمَدٍ يَدْعَمُهَا وَ لَا دِسَارٍ يَنْتَظِمُهَا ثُمَّ زَيَّنَهَا بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ وَ ضِيَاءِ الثَّوَاقِبِ فَأَجْرَى فِيهَا سِرَاجاً مُسْتَطِيراً وَ قَمَراً مُنِيراً فِي فَلَكٍ دَائِرٍ وَ سَقْفٍ سَائِرٍ وَ رَقِيمٍ مَائِرٍ ثُمَّ فَتَقَ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ الْعُلَى فَمَلَأَهُنَّ أَطْوَاراً مِنْ مَلَائِكَتِهِ مِنْهُمْ سُجُودٌ لَا يَرْكَعُونَ وَ رُكُوعٌ لَا يَنْتَصِبُونَ وَ صَافُّونَ لَا يَتَزَايَلُونَ وَ مُسَبِّحُونَ لَا يَسْأَمُونَ لَا يَغْشَاهُمْ نَوْمُ الْعُيُونِ (4) وَ لَا سَهْوُ الْعُقُولِ وَ لَا فَتْرَةُ الْأَبْدَانِ وَ لَا غَفْلَةُ النِّسْيَانِ
____________
(1) و بائن عن كل شيء (خ).
(2) في المصدر: فأجاز.
(3) كذا في المصدر و هو الصحيح ظاهرا: و في المخطوطة «رقيق» و في أخرى «دقيق».
(4) في المصدر: العين.
178
وَ مِنْهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى وَحْيِهِ وَ أَلْسِنَةٌ إِلَى رُسُلِهِ وَ مُخْتَلِفُونَ بِقَضَائِهِ وَ أَمْرِهِ وَ مِنْهُمُ الْحَفَظَةُ لِعِبَادِهِ وَ السَّدَنَةُ لِأَبْوَابِ جِنَانِهِ وَ مِنْهُمُ الثَّابِتَةُ فِي الْأَرَضِينَ السُّفْلَى أَقْدَامُهُمْ وَ الْمَارِقَةُ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْيَا أَعْنَاقُهُمْ وَ الْخَارِجَةُ مِنَ الْأَقْطَارِ أَرْكَانُهُمْ وَ الْمُنَاسِبَةُ لِقَوَائِمِ الْعَرْشِ أَكْتَافُهُمْ (1) نَاكِسَةٌ دُونَهُمْ (2) أَبْصَارُهُمْ مُتَلَفِّعُونَ تَحْتَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ مَضْرُوبَةٌ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَنْ دُونَهُمْ حُجُبُ الْعِزَّةِ وَ أَسْتَارُ الْقُدْرَةِ لَا يَتَوَهَّمُونَ رَبَّهُمْ بِالتَّصْوِيرِ وَ لَا يُجْرُونَ عَلَيْهِ صِفَاتِ الْمَصْنُوعِينَ وَ لَا يَحُدُّونَهُ بِالْأَمَاكِنِ وَ لَا يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالنَّظَائِرِ (3).
مطالب السئول، لابن طلحة مثله بأدنى تغيير قد مضى شرح أكثر فقرات هذه الخطبة في كتاب التوحيد و نشير هنا إلى بعض ما يناسب المقام المدحة بالكسر الحالة التي تكون المادح عليها في مدحه و الإضافة للاختصاص الخاص أي المدحة اللائقة بعزة جلاله و لعل المراد عجز جميع القائلين و إن اجتمعوا و الاجتهاد السعي البليغ في العبادة و ظاهر قوله و لا وقت معدود و لا أجل ممدود نفي الزمان مطلقا عنه تعالى كالمكان و يمكن حملهما على الأزمنة المعدودة المتناهية و لعل الأول للماضي و الثاني للمستقبل و الفطر الابتداء و الاختراع و أصله الشق و نشر الرياح بسطها و كل ما جاء في القرآن بلفظ الرياح فهو للرحمة و ما ورد في العذاب فهو بلفظ المفرد و لعله إشارة إلى قلة العذاب و سعة الرحمة و يمكن أن يراد بالرحمة هذا المطر كما قال سبحانه وَ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ (4) و قرئ بالباء و النون و قيل زعمت العرب أن السحاب لا تلقح إلا من رياح مختلفة فيمكن أن يكون المراد بالنشر ذلك و قال الفراء النشر من الرياح الطيبة اللينة التي تنشئ السحاب
____________
(1) في المخطوطة: اكنافهم.
(2) في بعض النسخ «دونه» و هو الظاهر.
(3) نهج البلاغة: ج 1،(ص)14- 20.
(4) الأعراف: 56.
179
و التعميم أولى لأن رياح الرحمة كثيرة منها اللواقح و مهيجة السحب الماطرة و الحابسة لها بين السماء و الأرض و العاصرة لها حتى تمطر و المجرية للجواري في البحار و غيرها و وتد الشيء بالتخفيف (1) أي جعله محكما مثبتا بالوتد و الصخور جمع الصخرة و هي الحجر العظيم الصلب و الميدان بالتحريك التحرك و الاضطراب و قد مر تحقيق ذلك و سيأتي بعضه.
و كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لعل مناسبة الإخلاص لنفي الصفات أن الإخلاص في العبادة بالنظر إلى عامة الخلق هو أن لا يقصدوا في عبادتهم غيره تعالى من المخلوقين و بالنظر إلى الخواص أن يعرفوا الله بحسب وسعهم و طاقتهم بالوحدانية ثم يعبدونه (2) فمن عبد الله وحده بزعمه و زعم أن له صفات زائدة فلم يعبد إلها واحدا بل آلهة كثيرة بل لم يعبد الله أصلا
- كَمَا مَرَّ فِي الْخَبَرِ مَنْ عَبَدَ الِاسْمَ دُونَ الْمَعْنَى فَقَدْ كَفَرَ وَ مَنْ عَبَدَ الِاسْمَ وَ الْمَعْنَى فَقَدْ أَشْرَكَ وَ مَنْ عَبَدَ الْمَعْنَى بِإِيقَاعِ الْأَسْمَاءِ عَلَيْهِ بِصِفَاتِهِ الَّتِي وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ فَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ وَ نَطَقَ بِهِ لِسَانُهُ فِي سِرِّ أَمْرِهِ وَ عَلَانِيَتِهِ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَقّاً.
. و قال ابن ميثم المراد بالمعرفة المعرفة التامة التي هي غاية العارف في مراتب السلوك و أوليتها في العقل لكونها علة غائية و بين الترتيب بأن المعرفة تزاد بالعبادة و تلقي الأوامر بالقبول فيستعد السالك أولا بسببها للتصديق بوجوده يقينا ثم لتوحيده ثم للإخلاص له ثم لنفي ما عداه عنه فيغرق في تيار بحار العظمة و كل مرتبة كمال لما قبلها إلى أن تتم المعرفة المطلوبة له بحسب ما في وسعه و بكمال المعرفة يتم الدين و ينتهي السفر إلى الله تعالى و ما ذكرنا أنسب كما لا يخفى.
كائن لا عن حدوث موجود لا عن عدم ظاهره الاختصاص به سبحانه و حدوث ما سواه و كذا قوله(ع)متوحد إذ لا سكن يستأنس به يدل على حدوث العالم و الإنشاء الخلق و الفرق بينه و بين الابتداء بأن الإنشاء كالخلق أعم
____________
(1) و التشديد.
(2) في بعض النسخ: ثم يعبدوه.
180
من الابتداء قال تعالى خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ (1) و الابتداء الخلق من غير سبق مادة و مثال و إن لم يفهم هذا الفرق من اللغة لحسن التقابل حينئذ و إن أمكن التأكيد و همامة النفس اهتمامها بالأمور و قصدها إليها و الاضطراب الحركة و الحركة في الهمامة الانتقال من رأي إلى رأي أو من قصد أمر إلى قصد أمر آخر بحصول صورة و في بعض النسخ و لا همة نفس بالكسر.
أحال الأشياء لأوقاتها في أكثر النسخ بالحاء المهملة إما من الإحالة بمعنى التحويل أي نقل كلا منها إلى وقتها فاللام بمعنى إلى و التعليل كما قيل بعيد و إما من قولهم حال في متن فرسه أي وثب فعدي بالهمزة أي أقر الأشياء في أوقاتها كمن أحال غيره على فرسه كما قيل و لا يخفى بعده و لعله بمعنى الحوالة المعروفة أظهر و في بعض النسخ الصحيحة بالجيم كأنه سبحانه حرك الأشياء و رددها في العدم حتى حضر وقتها و في الإحتجاج أجل بالجيم المشددة أي أخر و لاءم بين مختلفاتها أي جعلها ملتئمة مؤتلفة كما ألف بين العناصر المتخالفة في الطباع و بين النفوس و الأبدان و غرز غرائزها و ألزمها أسناخها الغريزة الخلق و الطبيعة و السنخ بكسر السين و سكون النون الأصل و في بعض النسخ أشباحها جمع الشبح محركة أي أشخاصها و تغريز الغرائز إيجادها أو تخصيص كل بغريزة خاصة لها (2) أو من تغريز العود في الأرض ليثمر على ما قيل و الضمير المنصوب في ألزمها راجع إلى الأشياء كالسوابق و المعنى (3) جعلها بحيث لا يفارقها أصولها أو جعل الأشخاص لازمة للكليات على النسخة الأخيرة أو راجع إلى الغرائز أي جعل كل ذي غريزة أو كل شخص بحيث لا تفارقه غريزته غالبا أو مطلقا عالما بها قبل ابتدائها العامل في عالما و ما بعدها إما ألزم أو الأفعال
____________
(1) الرحمن: 14.
(2) في بعض النسخ: بها.
(3) في بعض النسخ: فالمعنى.
181
الثلاثة الأخيرة على الترتيب أو الأربعة أو العامل في الجميع قوله أنشأ و ابتدأ بقرينة قوله قبل ابتدائها.
محيطا بحدودها و انتهائها لعل المراد بالحدود الأطراف و التشخصات (1) أو الحدود الذهنية و بالانتهاء الانتهاء اللازم للمحدود (2) أو انقطاع الوجود عارفا بقرائنها أي ما يقترن بها على وجه التركيب أو المجاورة أو العروض و أحنائها هي جمع حنو أي الجانب و أحناء الوادي معاطفه و يدل على جواز إطلاق العارف عليه سبحانه و منعه بعضهم ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء و شق الأرجاء و سكائك الهواء الفتق بالفتح الشق و الجو ما بين السماء و الأرض و قيل الفضاء الواسع و الأرجاء جمع الرجا مقصورا و هي الناحية و السكاك و السكاكة بضمهما الهواء الملاقي عنان السماء (3) و قال في النهاية السكاك و السكاكة الجو و هو ما بين السماء و الأرض
- وَ مِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ(ع)شَقَّ الْأَرْجَاءِ وَ سَكَائِكَ الْهَوَاءِ.
و سكائك جمع سكاكة كذؤابة و ذوائب و الهواء بالمد ما بين السماء و الأرض و يقال كل خال هواء و منه قوله تعالى وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (4) و كلمة ثم هنا إما للترتيب الذكري و التدرج في الكلام يكون لوجوه منها الانتقال من الإجمال إلى التفصيل و منها الاهتمام بتقديم المؤخر أو المقارن لوجه آخر و يستعمل الفاء أيضا كذلك كما مر مرارا و إما بمعنى الواو المفيدة لمطلق الجمع كما قيل في قوله تعالى ثُمَّ اهْتَدى (5) و على التقديرين لا ينافي كون الماء أول المخلوقات كما سيأتي و المراد بفتق الأجواء إيجاد الأجسام في الأمكنة الخالية بناء على وجود المكان بمعنى البعد و جواز الخلاء أو المراد
____________
(1) في بعض النسخ: أو التشخصات.
(2) في بعض النسخ: للحدود.
(3) عنان السماء- بالفتح-: ما ارتفع منها أو ما بدا للناظر.
(4) إبراهيم: 43.
(5) طه: 82.
182
بالجو البعد الموهوم أو أحد العناصر بناء على تقدم خلق الهواء كما هو الظاهر مما سنورده من تفسير علي بن إبراهيم و هذا الكلام لا تصريح فيه بالصادر الأول و سيأتي الكلام فيه إن شاء الله و قوله و شق الأرجاء كالتفسير لفتق الأجواء أو المراد بالأرجاء الأمكنة و الأفضية و بالأجواء عنصر الهواء و قوله و سكائك الهواء بالنصب كما في كثير من النسخ معطوف على فتق الأجواء أي أنشأ سبحانه سكائك الهواء و الجر كما في بعض النسخ أظهر عطفا على الأجواء أي أنشأ فتق سكائك الهواء قال ابن ميثم فإن قلت إن الأجواء و الأرجاء و سكائك الهواء أمور عدمية فكيف تصح نسبتها إلى الإنشاء عن القدرة قلت إن هذه الأشياء عبارة عن الخلاء و الأحياز و الخلاف في أن الخلاء و الحيز و المكان هل هي أمور وجودية أو عدمية مشهور فإن كانت وجودية كانت نسبتها إلى القدرة ظاهرة و يكون معنى فتقها و شقها شق العدم عنها و إن كانت عدمية كان معنى فتقها و شقها و نسبتها إلى القدرة تقديرها و جعلها أحيازا للماء و مقرا لها لأنه لما كان تميزها عن مطلق الهواء و الخلاء بإيجاد الله فيها الماء صار تعينها بسبب قدرته تعالى فتصح نسبتها إلى إنشائه فكان سبحانه شقها و فتقها بحصول الجسم فيها.
وَ رُوِيَ أَنَّ زُرَارَةَ وَ هِشَاماً اخْتَلَفَا فِي الْهَوَاءِ أَ هُوَ مَخْلُوقٌ أَمْ لَا فَرَفَعَ بَعْضُ مَوَالِي جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)إِلَيْهِ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ إِنِّي مُتَحَيِّرٌ وَ أَرَى أَصْحَابَنَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَقَالَ(ع)لَيْسَ هَذَا بِخِلَافٍ يُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ وَ الضَّلَالِ.
. و اعلم أنه(ع)إنما أعرض عن بيان ذلك لأن أولياء الله الموكلين بإيضاح سبله و تثبيت خلقه على صراطه المستقيم لا يلتفتون بالذات إلا إلى أحد أمرين أحدهما ما يؤدي إلى الهدى أداء ظاهرا واضحا و الثاني ما يصرف عن الضلال و يرد إلى سواء السبيل.
و بيان أن الهواء مخلوق أو غير مخلوق لا يفيد كثير فائدة في أمر المعاد فلا يكون الجهل به مما يضر في ذلك فكان تركه (1) و الاشتغال بما هو أهم منه أولى. (2)
____________
(1) ترك بيانه (خ).
(2) انتهى كلام ابن ميثم (رحمه اللّه).
183
فأجرى فيها ماء متلاطما تياره متراكما زخاره اللطم في الأصل الضرب على الوجه بباطن الراحة و تلاطمت الأمواج ضرب بعضها بعضا كأنه يلطمه و التيار موج البحر و لجته و تراكم الشيء اجتمع و زخر البحر مد و كثر ماؤه و ارتفعت أمواجه أي أنه سبحانه خلق الماء المتلاطم الزخار في الأمواج و خلاه و طبعه أولا فجرى في الهواء ثم أمر الريح برده و شده كما يدل عليه قوله(ع)بعد ذلك حتى تظهر قدرته.
حمله على متن الريح العاصفة و الزعزع القاصفة المتن من كل شيء ما ظهر منه و المتن من الأرض ما ارتفع منه و صلب و عصفت الريح اشتد هبوبها و الزعزعة تحريك الشيء ليقلعه و يزيله و ريح زعزع و زعازع أي يزعزع الأشياء و قصفه كضربه قصفا كسره و قصف الرعد و غيره اشتد صوته أي جعل الريح حال قصفها (1) حاملة له فكان متحركا بحركتها أو جعل الريح التي من شأنها العصف و القصف و هذه الريح غير الهواء المذكور أولا كما سيأتي
- فِي قَوْلِ الصَّادِقِ(ع)فِي جَوَابِ الزِّنْدِيقِ الرِّيحُ عَلَى الْهَوَاءِ وَ الْهَوَاءُ تُمْسِكُهُ الْقُدْرَةُ.
فيمكن أن تكون مقدمة في الخلق عليه أو متأخرة عنه أو مقارنة له و يمكن أن يكون المراد بها ما تحرك منه كما هو المشهور (2).
فأمرها برده و سلطها على شده و قرنها إلى حده أي أمر الريح أن تحفظ الماء و ترده بالمنع عن الجري الذي سبقت الإشارة إليه بقوله فأجرى فيها ماء فكان قبل الرد قد خلي و طبعه أي عن الجري الذي يقتضيه طبعه و قواها على ضبطه كالشيء المشدود و جعلها مقرونة إلى انتهائه محيطة به و لعل المراد بالأمر هنا الأمر التكويني كما في قوله كُنْ فَيَكُونُ (3) و قوله كُونُوا قِرَدَةً (4)
____________
(1) في بعض النسخ: عصفها.
(2) و حينئذ فالمراد بكونها على الهواء عروضها له.
(3) يس: 81.
(4) البقرة: 65.
184
قال الكيدري قوله فأمرها مجاز لأن الحكيم لا يأمر الجماد به الهواء من تحتها فتيق و الماء من فوقها دفيق أي الهواء الذي هو محل الريح مفتوق أي مفتوح منبسط من تحت الريح الحاملة للماء و الماء دفيق من فوقها أي مصبوب مندفق و الغرض أنه سبحانه بقدرته ضبط الماء المصبوب بالريح الحاملة له كما ضبط الريح بالهواء المنبسط و هو موضع العجب.
ثم أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبها و أدام مربها الظاهر أن هذه الريح غير ما جعلها الله محلا للماء بل هي مخلوقة من الماء كما سيأتي في الرواية و الاعتقام أن تحفر البئر فإذا قربت من الماء احتفرت بئرا صغيرا بقدر ما تجد طعم الماء فإن كان عذبا حفرت بقيتها و يكون اعتقم بمعنى صار عقيما و منه الرِّيحَ الْعَقِيمَ و في العين الاعتقام الدخول في الأمر و قال ابن ميثم تبعا للكيدري الاعتقام الشد و العقد و لم نجده في كتب اللغة و المهب مصدر بمعنى الهبوب أو اسم مكان و على الأول في الإسناد توسع و رب يأتي بمعنى جمع و زاد و لزم و أقام قيل المعنى أن الله تعالى أرسلها بمقدار مخصوص تقتضيه الحكمة و لم يرسلها مطلقا بل جعل مهبها ضيقا كما يحتفر البئر الصغير في الكبير و قيل المعنى جعلها عقيمة لا تلقح و هذا إنما يصح لو كان الاعتقام بهذا المعنى متعديا أو كان مهبها مرفوعا و في النسخ منصوب و قيل و روي أعقم فيصح و يحتمل أن يكون بمعنى شد مهبها و عقده على ما تقتضيه الحكمة و المصلحة و قيل على تقدير كون اعتقم بالتاء المراد أنه أخلى مهبها من العوائق و أنه أرسلها بحيث لا يعرف مهبها من مربها و هو كما ترى و معنى إدامة مربها جعلها ملازمة لتحريك الماء و إدامة هبوبها و في بعض النسخ مدبها بالدال أي جريها.
و أعصف مجراها أي جريانها أو أسند إلى المحل مجازا و أبعد منشأها أي أنشأها من مبدإ بعيد و لعله أدخل في شدتها و المنشأ في بعض النسخ بالهمزة على الأصل و في بعضها بالألف للازدواج فأمرها بتصفيق الماء الزخار الصفق الضرب الذي يسمع له صوت و التصفيق أيضا كذلك لكن مع شدة و إثارة
185
موج البحار أي تهييجه فمخضته مخض السقاء المخض تحريك السقاء الذي فيه اللبن ليخرج زبده عصفها بالفضاء أي عصفا شديدا لأن العصف بالفضاء يكون أشد لعدم المانع و الساجي الساكن و المائر المتحرك يقال مار الشيء مورا أي تحرك و جاء و ذهب و به فسر قوله تعالى يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً (1) و قال الضحاك أي تموج موجا و العباب بالضم معظم الماء و كثرته و ارتفاعه و عب عبابه أي ارتفع و عب النبت إذا طال و ركام الماء بالضم ما تراكم منه و اجتمع بعضه فوق بعض.
فرفعه في هواء منفتق أي رفع الله ذلك الزبد بأن جعل بعضه دخانا في هواء مفتوق مفتوح بخلق ما خلق سابقا أو برفع ذلك الدخان و في جو منفهق و الانفهاق الاتساع و الانفتاح قال ابن ميثم إن القرآن الكريم نطق بأن السماء تكونت من الدخان و كلامه(ع)ناطق بأنها تكونت من الزبد و ما ورد في الخبر أن ذلك الزبد هو الذي تكونت منه الأرض فلا بد من بيان وجه الجمع بين هذه الإشارات فنقول وجه الجمع بين كلامه(ع)و بين لفظ القرآن الكريم ما ذكره
- الباقر(ع)و هو قوله فخرج من ذلك الموج و الزبد دخان ساطع من وسطه من غير نار فخلق منه السماء.
و لا شك أن القرآن الكريم لا يريد بلفظ الدخان حقيقته لأن ذلك إنما يكون عن النار و اتفق المفسرون على أن هذا الدخان لم يكن عن نار بل عن تنفس الماء و تبخيره بسبب تموجه فهو إذا استعارة للبخار الصاعد من الماء و إذا كان كذلك فنقول إن كلامه(ع)مطابق للفظ القرآن الكريم و ذلك أن الزبد بخار يتصاعد على وجه الماء عن حرارة حركته إلا أنه ما دامت الكثافة غالبة عليه و هو باق على وجه الماء لم ينفصل فإنه يخص باسم الزبد و ما لطف و غلب عليه الأجزاء الهوائية فانفصل خص باسم البخار و إذا كان الزبد بخارا و البخار هو المراد بالدخان في القرآن الكريم كان مقصده
____________
(1) الطور: 9.
186
و مقصد القرآن واحدا فكان البخار المنفصل هو الذي تكونت عنه الأرض و هو الزبد و أما وجه المشابهة بين الدخان و البخار الذي صحت لأجله استعارة لفظه له فهو أمران أحدهما حسي و هو الصورة المشاهدة من الدخان و البخار حتى لا يكاد يفرق بينهما في الحس البصري و الثاني معنوي و هو كون البخار أجزاء مائية خالطت الهواء بسبب لطافتها عن حرارة الحركة كما أن الدخان كذلك و لكن عن حرارة النار فإن الدخان أيضا أجزاء مائية انفصلت عن جرم المحترق بسبب لطافتها عن حر النار فكان الاختلاف بينهما ليس إلا بالسبب فلذلك صح استعارة اسم أحدهما للآخر و بالله التوفيق (1).
جعل سفلاهن موجا مكفوفا و علياهن سقفا محفوظا و سمكا مرفوعا الكف المنع و السقف معروف و قال الجوهري و غيره السقف اسم للسماء و المعروف هاهنا أنسب و سمك البيت سقفه و سمك الله السماء سمكا رفعها و المسموكات السماوات أي جعل السماء السفلى موجا ممنوعا من السيلان إما بإمساكه بقدرته أو بأن خلق تحته و حوله جسما جامدا يمنعه عن الانتشار و السيلان أو بأن أجمدها بعد ما كانت سيالة و ظاهر هذا الكلام و غيره من الأخبار اختصاص الحكم بالسماء الدنيا قال الكيدري رحمه الله شبه السماء الدنيا بالموج لصفائها و ارتفاعها أو أراد أنها كانت في الأول موجا ثم عقدها و المكفوف الممنوع من السقوط و قال ابن ميثم شبهها بالموج في الارتفاع و اللون الموهوم و قيل شبهت به لارتعاد الكواكب حسا و لعل المراد بحفظ العليا إمساكها عن النقص و الهدم و السقوط و الخرق إلا بأمره سبحانه و قال أكثر الشارحين أي عن الشياطين و هو لا يناسب العليا بل السفلى و يناسب أن يكون المراد بقوله تعالى وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً (2) السماء العليا و يخطر بالبال وجه آخر و هو أن يكون المراد أنه تعالى جعل الجهة السفلى من كل من السماوات مواجة متحركة واقعا
____________
(1) انتهى كلام ابن ميثم (رحمه اللّه).
(2) الأنبياء: 32.
187
أو في النظر و الجهة العليا منها سقفا محفوظا تستقر عليه الملائكة و لا يمكن للشياطين خرقها فيكون ضمير زينها و سائر الضمائر راجعة إلى المجموع فيناسب الآية المتقدمة و هو قوله سبحانه وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (1) و قد يمر بالخاطر وجه آخر يناسب قواعد الهيئة و هو أنه(ع)شبه السماء الدنيا بالموج المكفوف لكون الحركة الخاصة للقمر أسرع من جميع الكواكب فكأنه دائما في الموج و مع ذلك لا تسقط و وصف العليا بالمحفوظية لأنه أبطأها بالحركة الخاصة فكأنها محفوظة ثابتة و على الطريقة السابقة يمكن أن يكون المراد بالسفلى من كل منها خوارج مراكزها و تداويرها و بالعليا منها ممثلاتها فالأول مواجة لسرعة حركتها و البواقي محفوظة لبطئها لكن هذان الوجهان بعيدان عن لسان الشرع و مقاصد أهله و الوجه الأول مما أبدعنا لا يخلو من قوة و لطافة.
بغير عمد يدعمها و لا دسار ينظمها العمد بالتحريك جمع كثرة لعمود البيت و كذا العمد بضمتين و جمع القلة أعمدة و قال الخليل في العين العمد بضمتين جمع عماد و الأعمدة جمع عمود من حديد أو خشب و يظهر من تذكير الفعل أنه من أسماء الجمع و الدعم بالفتح أن يميل الشيء فتدعمه بدعام كما تدعم عروش الكرم و نحوه ليصير له مساكا و الدعامة الخشبة التي يدعم بها و في أكثر النسخ على بناء المجرد مفتوحة العين و هو أظهر و في بعضها يدعمها بتشديد الدال على بناء الافتعال من الادعام بمعنى الاتكاء و الدسار بالكسر المسمار و جمعه دسر و نظم اللؤلؤ جمعه في السلك و في بعض النسخ ينتظمها و هو أيضا جاء متعديا و الضميران المنصوبان راجعان إلى السماوات أو إلى العليا أو إلى السفلى بقرينة قوله ثم زينها بزينة الكواكب حيث إن الظاهر إرجاع الضمير فيه إلى السفلى ليكون أوفق بقوله تعالى إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (2) لكنه بعيد لفظا و إرجاع الضمير إلى
____________
(1) الصافّات: 7.
(2) الصافّات: 6.
188
الجميع أظهر و تزيين البعض تزيين للجميع و هذا مما يقرب الوجه الذي ذكرنا أولا و الزينة إما مصدر أو اسم ما (1) يزان به كالليقة لما يلاق به أي يصلح به المداد قال في الكشاف قوله تعالى بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ يحتملهما فعلى الأول إما من إضافة المصدر إلى الفاعل بأن تكون الكواكب مزينة للأفلاك أو إلى المفعول بأن زين الله الكواكب و حسنها لأنها إنما زينت السماء لحسنها في أنفسها و على الثاني فأضافتها إلى الكواكب بيانية (2) و تنوين الزينة كما قرئت الآية به ليس موجودا في النسخ و زينة الكواكب للسماء إما لضوئها أو للأشكال الحاصلة منها كالثريا و الجوزاء و نحوهما أو باختلاف أوضاعها بحركتها أو لرؤية الناس إياها مضيئة في الليلة الظلماء أو للجميع و قوله تعالى بِمَصابِيحَ في موضع آخر مما يؤيد بعض الوجوه و سيأتي القول في محال الكواكب في محله.
و ضياء الثواقب المراد بها إما الكواكب فيكون كالتفسير لزينة الكواكب و الكواكب ثواقب أي مضيئة كأنها تثقب الظلمة بضوئها أو الشهب التي ترمى بها الشياطين فتثقب الهواء بحركتها و الظلمة بنورها فأجرى فيها سراجا مستطيرا و قمرا منيرا و في بعض النسخ و أجرى بالواو و المراد بالسراج الشمس كما قال تعالى سِراجاً وَ قَمَراً (3) مُنِيراً قيل لما كان الليل عبارة عن ظل الأرض و كانت الشمس سببا لزواله كان شبيها بالسراج في ارتفاع الظلمة به و المستطير المنتشر الضوء و استطار تفرق و سطح و أنار الشيء و استنار أي أضاء و قيل ما بالذات من النور ضوء و ما بالعرض نور كما قال سبحانه هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً (4) و قيل لأن النور أضعف من الضوء و الاحتمالات
____________
(1) في بعض النسخ: لما يزان.
(2) انتهى كلام الزمخشريّ.
(3) الفرقان: 61.
(4) يونس: 5.
189
في الضمائر السابقة جارية هنا و إن كان الأظهر عند الأكثر رجوعه إلى السفلى.
في فلك دائر الظرف إما بدل عن فيها فيفيد حركة السفلى أو العليا أو الجميع على تقادير إرجاع الضمير بالحركة اليومية أو الخاصة أو الأعم و إما في موضع حال عن المنصوبين فيمكن أن يكون المراد بالفلك الدائر الأفلاك الجزئية و الفلك بالتحريك كل شيء دائر و منه فلكة المغزل بالتسكين و يقال فلك ثدي المرأة تفليكا إذا استدار. و سقف سائر و رقيم مائر الرقيم في الأصل الكتاب فعيل بمعنى مفعول قال ابن الأثير منه
- حديث علي رضي الله عنه في صفة السماء سقف سائر و رقيم مائر.
يريد به وشي السماء بالنجوم و المائر المتحرك و ليس هذا بالمور الذي قال الله تعالى يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً (1) و هاتان الفقرتان أيضا تدلان على حركة السماء لكن لا تنافي حركة الكواكب بنفسها أيضا كما هو ظاهر الآية.
ثم فتق ما بين السماوات العلى فملأهن أطوارا من ملائكته الظاهر أن كلمة ثم للترتيب المعنوي فيكون فتق السماوات بعد خلق الشمس و القمر بل بعد جعلها سبعا و خلق الكواكب فيه و يحتمل أن يكون للترتيب الذكري و الظاهر أن المراد بفتقها فصل بعضها عن بعض فيؤيد بعض محتملات الآية كما أشرنا إليه سابقا و يدل على بطلان ما ذهبت الفلاسفة (2) إليه من تماس الأفلاك و عدم الفصل بينها بهواء و نحوه و الأطوار جمع طور بالفتح و هو في الأصل التارة قال الله تعالى وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (3) قيل أي طورا نطفة و طورا علقة و طورا مضغة و قيل أي حالا بعد حال و قيل أي خلقكم مختلفين في الصفات أغنياء و فقراء و زمنى (4) و أصحاء و لعل الأخير هنا أنسب و لو كانت
____________
(1) الطور: 9.
(2) يعني الفلكيين.
(3) نوح: 14.
(4) الزمنى- و زان مرضى- جمع «الزمين» و هو المبتلى بالزمانة و هي آفة تتعطل بها القوى.
190
الملائكة مخلوقة قبل السماوات كما هو ظاهر بعض الأخبار الآتية فقبل فتقها كانوا في مكان آخر يعلمه الله (1).
منهم سجود لا يركعون و ركوع لا ينتصبون و صافون لا يتزايلون و مسبحون لا يسأمون السجود و الركوع هنا جمع ساجد و راكع و فاعل الصفة يجمع على فعول إذا جاء مصدره عليه أيضا و الانتصاب القيام و الصف ترتيب الجمع على خط كالصف في الصلاة و الحرب و قال أبو عبيدة كل شيء بين السماء و الأرض لم يضم قطريه فهو صاف و منه قوله تعالى وَ الطَّيْرُ صَافَّاتٍ (2) أي نشرت أجنحتها و بالوجهين فسر قوله تعالى وَ الصَّافَّاتِ صَفًّا (3) و التزايل التباين و التفارق و السأمة الملالة و الضجر.
لا يغشاهم نوم العيون و لا سهو العقول و لا فترة الأبدان و لا غفلة النسيان غشيه كعلمه إذا جاءه أي لا يعرضهم و الفترة الانكسار و الضعف و ظاهر الكلام اختصاص الأوصاف بهذا الصنف و يمكن أن يكون التخصيص بها جميعا أو ببعضها لأمر آخر غير الاختصاص و منهم أمناء على وحيه الوحي في الأصل أن يلقي الإنسان إلى صاحبه شيئا بالاستتار و الإخفاء و يكون بمعنى الكتابة و الإشارة و الرسالة و ألسنة إلى رسله أي رسلا إليهم كما قال تعالى اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا (4) و مختلفون بقضائه أي (5) مقتضياته كما يأتون به في ليلة القدر و غيرها و أمره أي أحكامه أو الأمور المقدرة كما قال تعالى بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (6) فالأحكام داخلة في السابقتين و يمكن تخصيص الأخير بغير الوحي
____________
(1) هذا على فرض وجود مكان غير السماوات و الأرض و أمّا على فرض عدمه كما لا يبعد استظهاره من الآيات و الروايات فلا محيص عن الالتزام بتجرد الملائكة.
(2) النور: 41.
(3) الصافّات: 1.
(4) الحجّ: 75.
(5) في بعض النسخ: و مقضياته.
(6) القدر: 4.
191
أي يختلفون لتمشية قضائه و أمره (1) و تسبيب أسبابهما.
و منهم الحفظة لعباده لعل المراد غير الحافظين عليهم الذين ذكرهم الله في قوله وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ (2) بل من ذكرهم بقوله سبحانه لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ (3) و يمكن أن يكون المراد في كلامه الكاتبين للأعمال بتقدير مضاف و ربما يفهم من بعض الأخبار اتحاد الصنفين و السدنة لأبواب الجنان هم المتولون لأمور الجنان و فتح أبوابها و أغلاقها و أصل السدانة في الكعبة و بيت الأصنام.
و منهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم و في بعض النسخ في الأرض أقدامهم و هو أظهر و الجمع على الأول إما باعتبار القطعات و البقاع أو لأن كلا من الأرضين السبع موضع قدم بعضهم و الوصف على الأول بالقياس على (4) سائر الطبقات و على الثاني بالقياس إلى السماء و المارقة أي الخارجة يقال مرق السهم من الرمية إذا خرج من الجانب الآخر من السماء العليا أي السابعة أعناقهم و الخارجة من الأقطار أي من جوانب الأرض أو جوانب السماء أركانهم أي جوارحهم فهذا بيان لضخامتهم و عرضهم و المناسبة لقوائم العرش أكتافهم لعل المراد بالمناسبة القرب و الشباهة في العظم و يمكن أن يراد بها التماس فالمراد بهم حملة العرش ناكسة دونه أي دون العرش أبصارهم و الناكس المطأطئ رأسه و في إسناده إلى الأبصار دلالة على عدم التفاتهم في النكس يمينا و شمالا متلفعون تحته بأجنحتهم اللفاع ثوب يجلل به الجسد كله كساء كان أو غيره و تلفع بالثوب إذا اشتمل به و بين من دونهم أي سائر الملائكة أو البشر أو الجن أو الأعم و في بعض النسخ ناكسة و مضروبة و متلفعين بنصب الجميع.
____________
(1) في بعض النسخ: قضاء و أمر.
(2) الانفطار: 10- 11.
(3) الرعد: 11.
(4) إلى (خ).
192
لا يتوهمون ربهم بالتصوير أي بأن يثبتوا لله صورة و الغرض تقديس الملائكة عن إثباتهم لوازم الجسمية و الإمكان له سبحانه و التعريض و التوبيخ للمشبهين من البشر و النظائر جمع نظيرة و هي المثل و الشبه في الأشكال و الأخلاق و الأفعال و النظير المثل في كل شيء و في بعض النسخ بالنواظر أي بالأبصار أي لا يجوزون عليه الرؤية و في بعضها بالمواطن أي الأمكنة.
137 النهج، نهج البلاغة فِي وَصِيَّةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لِلْحَسَنِ(ع)قَالَ وَ لَكِنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ وَ (1) لَا يُضَادُّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ وَ لَا يَزُولُ أَبَداً وَ لَمْ يَزَلْ أَوَّلًا (2) قَبْلَ الْأَشْيَاءِ بِلَا أَوَّلِيَّةٍ وَ آخِراً (3) بَعْدَ الْأَشْيَاءِ بِلَا نِهَايَةٍ (4).
138
تَأْوِيلُ الْآيَاتِ الظَّاهِرَةِ، نَقْلًا مِنْ كِتَابِ الْوَاحِدَةِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَجَلِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَحَدٌ وَاحِدٌ تَفَرَّدَ فِي وَحْدَانِيَّتِهِ ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ فَصَارَتْ نُوراً ثُمَّ خَلَقَ بِذَلِكَ (5) النُّورِ مُحَمَّداً(ص)وَ خَلَقَنِي وَ ذُرِّيَّتِي ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ فَصَارَتْ رُوحاً فَأَسْكَنَهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ النُّورِ وَ أَسْكَنَهُ فِي أَبْدَانِنَا فَنَحْنُ رُوحُ اللَّهِ وَ كَلِمَاتُهُ وَ بِنَا احْتَجَبَ عَنْ خَلْقِهِ فَمَا زِلْنَا فِي ظُلَّةٍ خَضْرَاءَ حَيْثُ لَا شَمْسٌ وَ لَا قَمَرٌ وَ لَا لَيْلٌ وَ لَا نَهَارٌ وَ لَا عَيْنٌ تَطْرِفُ نَعْبُدُهُ وَ نُقَدِّسُهُ وَ نُمَجِّدُهُ وَ نُسَبِّحُهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ الْخَبَرَ.
139
مِصْبَاحُ الْأَنْوَارِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَنِي وَ خَلَقَ عَلِيّاً وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ حِينَ لَا سَمَاءٌ مَبْنِيَّةٌ وَ لَا أَرْضٌ مَدْحِيَّةٌ وَ لَا ظُلْمَةٌ وَ لَا نُورٌ وَ لَا شَمْسٌ وَ لَا قَمَرٌ وَ لَا نَارٌ فَقَالَ الْعَبَّاسُ
____________
(1) في المصدر: لا يضاده.
(2) في المصدر: أول.
(3) في المصدر: آخر.
(4) نهج البلاغة: ج 2،(ص)44.
(5) في بعض النسخ: من ذلك.
193
فَكَيْفَ كَانَ بَدْءُ خَلْقِكُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ يَا عَمِّ لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَنَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ فَخَلَقَ (1) مِنْهَا نُوراً ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أُخْرَى فَخَلَقَ مِنْهَا رُوحاً ثُمَّ خَلَطَ النُّورَ بِالرُّوحِ فَخَلَقَنِي وَ خَلَقَ عَلِيّاً وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ فَكُنَّا نُسَبِّحُهُ حِينَ لَا تَسْبِيحَ وَ نُقَدِّسُهُ حِينَ لَا تَقْدِيسَ فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُنْشِئَ خَلْقَهُ (2) فَتَقَ نُورِي فَخَلَقَ مِنْهُ الْعَرْشَ فَالْعَرْشُ مِنْ نُورِي وَ نُورِي مِنْ نُورِ اللَّهِ وَ نُورِي أَفْضَلُ مِنَ الْعَرْشِ ثُمَّ فَتَقَ نُورَ أَخِي عَلِيٍّ فَخَلَقَ مِنْهُ الْمَلَائِكَةَ فَالْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورِ عَلِيٍّ وَ نُورُ عَلِيٍّ مِنْ نُورِ اللَّهِ وَ عَلِيٌّ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ثُمَّ فَتَقَ نُورَ ابْنَتِي فَخَلَقَ مِنْهُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ فَالسَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ مِنْ نُورِ ابْنَتِي فَاطِمَةَ وَ نُورُ ابْنَتِي فَاطِمَةَ مِنْ نُورِ اللَّهِ وَ ابْنَتِي فَاطِمَةُ أَفْضَلُ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ ثُمَّ فَتَقَ نُورَ وَلَدِيَ الْحَسَنِ وَ خَلَقَ مِنْهُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ فَالشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ مِنْ نُورِ وَلَدِيَ الْحَسَنِ وَ نُورُ الْحَسَنِ مِنْ نُورِ اللَّهِ وَ الْحَسَنُ أَفْضَلُ مِنَ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ ثُمَّ فَتَقَ نُورَ وَلَدِيَ الْحُسَيْنِ فَخَلَقَ مِنْهُ الْجَنَّةَ وَ الْحُورَ الْعِينَ فَالْجَنَّةُ وَ الْحُورُ الْعِينُ مِنْ نُورِ وَلَدِيَ الْحُسَيْنِ وَ نُورُ وَلَدِيَ الْحُسَيْنِ مِنْ نُورِ اللَّهِ وَ وَلَدِيَ الْحُسَيْنُ أَفْضَلُ مِنْ نُورِ الْجَنَّةِ وَ الْحُورِ الْعِينِ الْخَبَرَ.
140
الْكَافِي، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ (3) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (4) عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَدِيدٍ عَنْ مُرَازِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَا مُحَمَّدُ إِنِّي خَلَقْتُكَ وَ عَلِيّاً نُوراً يَعْنِي رُوحاً بِلَا بَدَنٍ قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَ سَمَاوَاتِي وَ أَرْضِي وَ عَرْشِي وَ بَحْرِي فَلَمْ تَزَلْ تُهَلِّلُنِي وَ تُمَجِّدُنِي ثُمَ
____________
(1) في بعض النسخ: خلق.
(2) في المخطوطة: خلقا.
(3) في المصدر: الحسين بن عبد اللّه.
(4) في المصدر «محمّد بن عبد الرحمن» و الظاهران ما في نسخ البحار هو الصحيح و هو محمّد بن عبد اللّه بن زرارة بن أعين قال في جامع الرواة (ج 2-(ص)141) و العلامة- ره قد وثق رواية هو في طريقها (انتهى) و نقل في تنقيح المقال (ج 3-(ص)143) انه أوصى بجميع ماله الى ابى الحسن (عليه السلام) فقبضه و ترحم عليه.
194
جَمَعْتُ رُوحَيْكُمَا فَجَعَلْتُهُمَا وَاحِدَةً فَكَانَتْ تُمَجِّدُنِي وَ تُقَدِّسُنِي وَ تُهَلِّلُنِي ثُمَّ قَسَمْتُهَا ثِنْتَيْنِ وَ قَسَمْتُ الثِّنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ فَصَارَتْ أَرْبَعَةً مُحَمَّدٌ وَاحِدٌ وَ عَلِيٌّ وَاحِدٌ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ ثِنْتَانِ ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ فَاطِمَةَ مِنْ نُورٍ ابْتَدَأَهَا رُوحاً بِلَا بَدَنٍ ثُمَّ مَسَحَنَا بِيَمِينِهِ فَأَفْضَى نُورَهُ فِينَا (1).
بيان بلا بدن أي أصلا (2) أو بلا بدن عنصري بل بدن مثالي و ظاهره تجسم الروح (3) و ربما يؤول الخلق هنا بالتقدير قبل أن أخلق بحسب الزمان الموهوم و قيل بحسب الرتبة تهللني بلسان الجسد المثالي (4) أو بلسان الحال ثم جمعت روحيكما كأن المراد جعل مادة بدنهما في صلب آدم(ع)فكانت تمجدني أي بنفسها أو بتوسط الطينات المقدسات ثم قسمتها ثنتين أي في عبد المطلب إلى عبد الله و أبي طالب ثم قسم الثنتين بعد انتقالها إلى علي و فاطمة ثنتين أي في الحسنين كما تدل عليه أخبار كثيرة و قال بعض المحدثين من الأمور المعلومة أن جعل المجردين واحدا ممتنع و كذلك قسمة المجرد فينبغي حمل الروح هنا على آلة جسمانية نورانية منزهة عن الكثافة البدنية و قال بعض الأفاضل المراد بخلق الروحين بلا بدن خلقهما مجردين و بجمعهما و جعلهما واحدة جمعهما في بدن مثالي نوراني لاهوتي و بتقسيمهما تفريقهما و جعل كل واحد منهما في بدن شهودي جسماني و استحالة تعلق الروحين ببدن
____________
(1) الكافي: ج 1،(ص)440.
(2) يعني أعمّ من العنصرى و المثالى و هو الظاهر.
(3) منشأ الاستظهار خفى جدا.
(4) على فرض وجود بدن مثالى هناك و هو خلاف الظاهر كما مرّ و كأنّ المؤلّف (رحمه اللّه) رأى الملازمة بين التهليل و التمجيد و بين وجود لسان جسماني أعمّ من المثالى و العنصرى و ليس كذلك فان للروح أيضا تهليلا و تمجيدا بحسب حاله و يطلب توضيحه من محله على أن الظاهر أن تفسير النور بالروح انما هو لدفع توهم كونه من الأنوار الجسمانية فليس المراد بالروح النفس المتعلقة بالبدن بل ما يقابل الجسم مطلقا فتأمل.
195
واحد إنما هي في الأبدان الشهودية لا في الأبدان المثالية اللاهوتية انتهى (1).
و إطلاق المسح و اليمين هنا على الاستعارة إذ مريد اللطف بغيره يمسحه بيمينه أو اليمين كناية عن الرحمة كما حققنا في قولهم(ع)و الخير في يديك أنه يمكن أن يكون المعنى أن النفع و الضر الصادرين منك كليهما حكمة و مصلحة و رحمة فالنفع منسوب إلى اليمين و الضر إلى الشمال فأفضى نوره فينا أي أوصله إلينا أو وصل إلينا و قيل اتسع فينا قال في المصباح الفضاء بالمد المكان الواسع و فضا المكان فضوا من باب قعد اتسع فهو فضاء و أفضى الرجل بيده إلى الأرض مسها بباطن راحته قال ابن فارس و غيره و أفضى إلى امرأة باشرها و جامعها و أفضيت إلى الشيء وصلت إليه و السر أعلمته به انتهى و النور العلم و سائر الكمالات.
141
الْكَافِي، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمُعَلَّى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي(ع)فَأَجْرَيْتُ اخْتِلَافَ الشِّيعَةِ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ مُتَفَرِّداً بِوَحْدَانِيَّتِهِ ثُمَّ خَلَقَ مُحَمَّداً وَ عَلِيّاً وَ فَاطِمَةَ فَمَكَثُوا أَلْفَ دَهْرٍ ثُمَّ خَلَقَ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ فَأَشْهَدَهُمْ خَلْقَهَا وَ أَجْرَى طَاعَتَهُمْ عَلَيْهَا
____________
(1) و انت ترى ما في هذه الوجوه من التكلف، و الذي يظهر بالتأمل في الرواية مع ملاحظة سائر الروايات الواردة في الباب ان المراد بقوله «خلقتك و عليا نورا» انه تعالى خلقهما خلقا غير جسماني و كانا عندئذ نورا واحدا لا نورين مستقلين، فانظر الى موضع قوله «نورا» و قوله بعده «فلم تزل تهللنى ..» و لم يقل «نورين» و «فلم تزولا تهللاننى ...» و على هذا فلفظة «ثم» للترتيب الذكرى، و معنى الرواية: انى خلقتكما نورا روحانيا و جعلتكما في تلك المرتبة واحدا، و بهذا يجمع بين هذه الرواية و الروايات الواردة في ان اللّه خلق نور محمّد و خلق منه نور على فتدبر، و اما حديث الجمع و التقسيم و استحالتهما في المجردات فحمله على الاستعارة أولى من حمل الروح على الآلة الجسمانية او جمع الروحين في بدن مثالى مع أن دعوى إمكان تعلق الروحين ببدن مثالى واحد و وجود بدن مثالى هناك ممنوعتان و المقام لا يقتضى بسط الكلام.
196
وَ فَوَّضَ أُمُورَهَا إِلَيْهِمْ فَهُمْ يُحِلُّونَ مَا يَشَاءُونَ وَ يُحَرِّمُونَ مَا يَشَاءُونَ وَ لَنْ يَشَاءُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ هَذِهِ الدِّيَانَةُ الَّتِي مَنْ تَقَدَّمَهَا مَرَقَ وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا مُحِقَ وَ مَنْ لَزِمَهَا لَحِقَ خُذْهَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ (1).
142 وَ مِنْهُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَمَّادٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)كَيْفَ كُنْتُمْ حَيْثُ كُنْتُمْ فِي الْأَظِلَّةِ فَقَالَ يَا مُفَضَّلُ كُنَّا عِنْدَ رَبِّنَا لَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ غَيْرُنَا فِي ظُلَّةٍ خَضْرَاءَ نُسَبِّحُهُ وَ نُقَدِّسُهُ وَ نُهَلِّلُهُ وَ نُمَجِّدُهُ وَ لَا مِنْ (2) مَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَ لَا ذِي رُوحٍ غَيْرِنَا حَتَّى بَدَا لَهُ فِي خَلْقِ الْأَشْيَاءِ فَخَلَقَ مَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَ غَيْرِهِمْ ثُمَّ أَنْهَى عِلْمَ ذَلِكَ إِلَيْنَا (3).
بيان في الأظلة أي في عالم الأرواح أو المثال أو الذر كنا عند ربنا أي مقربين لديه سبحانه بالقرب المعنوي أو كنا في علمه (4) و ملحوظين بعنايته في ظلة خضراء الظلة بالضم ما يستظل به و شيء كالصفة يستتر به من الحر و البرد ذكره الفيروزآبادي (5) و كأن المراد ظلال العرش قبل خلق السماوات و الأرض و قيل أي في نور أخضر و المراد تعلقهم بذلك العالم لا كونهم فيه و يحتمل أن يكون كناية عن معرفة الرب سبحانه كما سيأتي في باب العرش إن شاء الله أي كانوا مغمورين في أنوار معرفته تعالى مشعوفين به إذ لم يكن موجود غيره و غيرهم حتى بدا له في خلق الأشياء أي أراد خلقه ثم أنهى أي أبلغ و أوصل علم ذلك أي حقائق تلك المخلوقات و أحكامها إلينا.
143
الْكَافِي، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الصَّغِيرِ عَنْ مُحَمَّدِ
____________
(1) الكافي: ج 1،(ص)440.
(2) في بعض النسخ و كذا في المصدر، و ما من.
(3) الكافي: ج 1،(ص)441.
(4) هذا الاحتمال في غاية السقوط.
(5) القاموس: ج 4،(ص)10.
197
بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْجَعْفَرِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ إِذْ لَا كَانَ فَخَلَقَ الْكَانَ وَ الْمَكَانَ وَ خَلَقَ نُورَ الْأَنْوَارِ الَّذِي نُوِّرَتْ مِنْهُ الْأَنْوَارُ وَ أَجْرَى فِيهِ مِنْ نُورِهِ الَّذِي نُوِّرَتْ مِنْهُ الْأَنْوَارُ وَ هُوَ النُّورُ الَّذِي خَلَقَ مِنْهُ مُحَمَّداً وَ عَلِيّاً فَلَمْ يَزَالا نُورَيْنِ أَوَّلَيْنِ إِذْ لَا شَيْءَ كَوَّنَ قَبْلَهُمَا فَلَمْ يَزَالا يَجْرِيَانِ طَاهِرَيْنِ مُطَهَّرَيْنِ فِي الْأَصْلَابِ الطَّاهِرَةِ حَتَّى افْتَرَقَا فِي أَطْهَرِ طَاهِرِينَ فِي عَبْدِ اللَّهِ وَ أَبِي طَالِبٍ (1).
بيان: إذ لا كان يعني لم يكن شيء من الممكنات و كأنه مصدر بمعنى الكائن كالقيل و القال و لعل المراد بنور الأنوار أولا نور النبي(ص)إذ هو منور أرواح الخلائق بالعلوم و الكمالات و الهدايات و المعارف بل سبب لوجود الموجودات و علة غائية لها و أجرى فيه أي في نور الأنوار من نوره الذي نورت منه الأنوار أي نور ذاته سبحانه من إفاضاته و هداياته التي نورت منها الأنوار كلها حتى نور الأنوار المذكور أولا و هو النور أي نور الأنوار المذكور أولا إذ لا شيء كون قبلهما أي قبل نورهما الذي خلقا منه أو سوى ذلك النور أولا شيء من ذوات الأرواح أطهر طاهرين أي في زمانهما.
144 الْكَافِي، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو جَعْفَرٍ(ع)يَا جَابِرُ إِنَّ اللَّهَ أَوَّلَ مَا خَلَقَ خَلَقَ مُحَمَّداً وَ عِتْرَتَهُ الْهُدَاةَ الْمُهْتَدِينَ فَكَانُوا أَشْبَاحَ نُورٍ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ قُلْتُ وَ مَا الْأَشْبَاحُ قَالَ ظِلُّ النُّورِ أَبْدَانٌ نُورَانِيَّةٌ بِلَا أَرْوَاحٍ وَ كَانَ مُؤَيَّداً بِنُورٍ وَاحِدٍ (2) وَ هِيَ رُوحُ الْقُدُسِ (3) فَبِهِ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ
____________
(1) الكافي: ج 1،(ص)441.
(2) في المصدر: بروح واحدة.
(3) الظاهران ما يضاهى هذه الرواية في التعبير بالاشباح و الاظلة ناظر الى مرتبة اخرى.
198
وَ عِتْرَتُهُ وَ لِذَلِكَ خَلَقَهُمْ حُلَمَاءَ عُلَمَاءَ بَرَرَةً أَصْفِيَاءَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ بِالصَّلَاةِ وَ الصَّوْمِ وَ السُّجُودِ وَ التَّسْبِيحِ وَ التَّهْلِيلِ وَ يُصَلُّونَ الصَّلَوَاتِ وَ يَحُجُّونَ وَ يَصُومُونَ (1).
أقول: قد مضى شرح تلك الأخبار و ما يضاهيها في المجلد السادس و السابع و التاسع و الأخبار الدالة على أن أول الموجودات أرواحهم(ع)كثيرة و يمكن الاستدلال بها على حدوث الجميع بانضمام ما سيأتي من الأخبار الدالة على أن الفاصلة بين خلق الأرواح و الأجساد بزمان متناه إذ الزائد على المتناهي بزمان متناه يكون لا محالة متناهيا.
145 وَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْبَكْرِيُ (2) أُسْتَاذُ الشَّهِيدِ الثَّانِي ره فِي كِتَابِ الْأَنْوَارِ رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ اللَّهُ وَ لَا شَيْءَ مَعَهُ فَأَوَّلُ مَا خَلَقَ نُورُ حَبِيبِهِ مُحَمَّدٍ(ص)قَبْلَ خَلْقِ الْمَاءِ وَ الْعَرْشِ وَ الْكُرْسِيِّ وَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ اللَّوْحِ وَ الْقَلَمِ وَ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ وَ الْمَلَائِكَةِ وَ آدَمَ وَ حَوَّاءَ بِأَرْبَعَةٍ وَ عِشْرِينَ وَ أَرْبَعِمِائَةِ أَلْفِ عَامٍ فَلَمَّا خَلَقَ
____________
من الوجود غير المرتبة المذكورة في سائر الروايات فانها تدلّ على ان اول ما خلق اللّه نور واحد بسيط هو نور النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و هو بعينه نور عترته و ذلك النور كان بين يدي اللّه يسبح و يهلل، و لم يفرض عندئذ شبح و ظل و بدن و عرش و زمان و مكان و لا اي شيء آخر، لكن هذه الرواية تدلّ على وجود روح القدس قبل وجودهم و تأيدهم بها فالمراد بالاولية هاهنا الاولية الاضافية دون الحقيقية و كذا ما ورد في روايات اخرى من كونهم حينئذ حول العرش او في الظلال الى غير ذلك ممّا يدلّ على وجود شيء آخر غير نورهم.
(1) الكافي: ج 1،(ص)442.
(2) هو الشيخ الجليل أحمد بن عبد اللّه بن محمّد البكرى صاحب كتاب الأنوار في مولد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و كتاب مقتل أمير المؤمنين (عليه السلام) و كتاب وفاة فاطمة الزهراء (عليها السلام) أحد مشايخ الشهيد الثاني، سمع عليه بمصر جملة من الكتب في الفقه و التفسير و بعض شرحه على المنهاج، كان كثير الأبهة و المهابة عند العوام و الدولة، و كان إذا حج يجاور سنة و يقيم بمصر سنة، و يحج و معه من الكتب عدة احمال. توفى (رحمه اللّه) سنة ثلاث و خمسين و تسعمائة بمصر، و كان يوم موته يوما عظيما لكثرة الجمع، و دفن بجانب قبر الشافعى، و بنوا عليه قبة عظيمة.
199
اللَّهُ تَعَالَى نُورَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ(ص)بَقِيَ أَلْفَ عَامٍ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَاقِفاً يُسَبِّحُهُ وَ يُحَمِّدُهُ وَ الْحَقُّ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَ يَقُولُ يَا عَبْدِي أَنْتَ الْمُرَادُ وَ الْمُرِيدُ وَ أَنْتَ خِيَرَتِي مِنْ خَلْقِي وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَوْلَاكَ مَا خَلَقْتُ الْأَفْلَاكَ مَنْ أَحَبَّكَ أَحْبَبْتُهُ وَ مَنْ أَبْغَضَكَ أَبْغَضْتُهُ فَتَلَأْلَأَ نُورُهُ وَ ارْتَفَعَ شُعَاعُهُ فَخَلَقَ اللَّهُ مِنْهُ اثْنَيْ عَشَرَ حِجَاباً أَوَّلُهَا حِجَابُ الْقُدْرَةِ ثُمَّ حِجَابُ الْعَظَمَةِ ثُمَّ حِجَابُ الْعِزَّةِ ثُمَّ حِجَابُ الْهَيْبَةِ ثُمَّ حِجَابُ الْجَبَرُوتِ ثُمَّ حِجَابُ الرَّحْمَةِ ثُمَّ حِجَابُ النُّبُوَّةِ ثُمَّ حِجَابُ الْكِبْرِيَاءِ ثُمَّ حِجَابُ الْمَنْزِلَةِ ثُمَّ حِجَابُ الرِّفْعَةِ ثُمَّ حِجَابُ السَّعَادَةِ ثُمَّ حِجَابُ الشَّفَاعَةِ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ نُورَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنْ يَدْخُلَ فِي حِجَابِ الْقُدْرَةِ فَدَخَلَ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى وَ بَقِيَ عَلَى ذَلِكَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ عَامٍ ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي حِجَابِ الْعَظَمَةِ فَدَخَلَ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ عَالِمِ السِّرِّ وَ أَخْفَى أَحَدَ عَشَرَ أَلْفَ عَامٍ ثُمَّ دَخَلَ فِي حِجَابِ الْعِزَّةِ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْمَنَّانِ عَشَرَةَ آلَافِ عَامٍ ثُمَّ دَخَلَ فِي حِجَابِ الْهَيْبَةِ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ مَنْ هُوَ غَنِيٌّ لَا يَفْتَقِرُ تِسْعَةَ آلَافِ عَامٍ ثُمَّ دَخَلَ فِي حِجَابِ الْجَبَرُوتِ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ الْكَرِيمِ الْأَكْرَمِ ثَمَانِيَةَ آلَافِ عَامٍ ثُمَّ دَخَلَ فِي حِجَابِ الرَّحْمَةِ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَبْعَةَ آلَافِ عَامٍ ثُمَّ دَخَلَ فِي حِجَابِ النُّبُوَّةِ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ سِتَّةَ آلَافِ عَامٍ ثُمَّ دَخَلَ فِي حِجَابِ الْكِبْرِيَاءِ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ الْعَظِيمِ الْأَعْظَمِ خَمْسَةَ آلَافِ عَامٍ ثُمَّ دَخَلَ فِي حِجَابِ الْمَنْزِلَةِ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ الْعَلِيمِ الْكَرِيمِ أَرْبَعَةَ آلَافِ عَامٍ ثُمَّ دَخَلَ فِي حِجَابِ الرِّفْعَةِ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ ذِي الْمُلْكِ وَ الْمَلَكُوتِ ثَلَاثَةَ آلَافِ عَامٍ ثُمَّ دَخَلَ فِي حِجَابِ السَّعَادَةِ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ مَنْ يُزِيلُ الْأَشْيَاءَ وَ لَا يَزُولُ أَلْفَيْ عَامٍ ثُمَّ دَخَلَ فِي حِجَابِ الشَّفَاعَةِ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَ بِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ أَلْفَ عَامٍ قَالَ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ مِنْ نُورِ مُحَمَّدٍ(ص)عِشْرِينَ بَحْراً مِنْ نُورٍ فِي كُلِّ بَحْرٍ عُلُومٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى
200
ثُمَّ قَالَ لِنُورِ مُحَمَّدٍ(ص)انْزِلْ فِي بَحْرِ الْعِزِّ فَنَزَلَ ثُمَّ فِي بَحْرِ الصَّبْرِ ثُمَّ فِي بَحْرِ الْخُشُوعِ ثُمَّ فِي بَحْرِ التَّوَاضُعِ ثُمَّ فِي بَحْرِ الرِّضَا ثُمَّ فِي بَحْرِ الْوَفَاءِ ثُمَّ فِي بَحْرِ الْحِلْمِ ثُمَّ فِي بَحْرِ التُّقَى ثُمَّ فِي بَحْرِ الْخَشْيَةِ ثُمَّ فِي بَحْرِ الْإِنَابَةِ ثُمَّ فِي بَحْرِ الْعَمَلِ ثُمَّ فِي بَحْرِ الْمَزِيدِ ثُمَّ فِي بَحْرِ الْهُدَى ثُمَّ فِي بَحْرِ الصِّيَانَةِ ثُمَّ فِي بَحْرِ الْحَيَاءِ حَتَّى تَقَلَّبَ فِي عِشْرِينَ بَحْراً فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ آخِرِ الْأَبْحُرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا حَبِيبِي وَ يَا سَيِّدَ رُسُلِي وَ يَا أَوَّلَ مَخْلُوقَاتِي وَ يَا آخِرَ رُسُلِي أَنْتَ الشَّفِيعُ يَوْمَ الْمَحْشَرِ فَخَرَّ النُّورُ سَاجِداً ثُمَّ قَالَ (1) فَقَطَرَتْ مِنْهُ قَطَرَاتٌ كَانَ عَدَدُهَا مِائَةَ أَلْفٍ وَ أَرْبَعَةً وَ عِشْرِينَ أَلْفَ قَطْرَةٍ فَخَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ كُلِّ قَطْرَةٍ مِنْ نُورِهِ نَبِيّاً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَلَمَّا تَكَامَلَتِ الْأَنْوَارُ صَارَتْ تَطُوفُ حَوْلَ نُورِ مُحَمَّدٍ(ص)كَمَا تَطُوفُ الْحُجَّاجُ حَوْلَ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَ هُمْ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ وَ يُحَمِّدُونَهُ وَ يَقُولُونَ سُبْحَانَ مَنْ هُوَ عَالِمٌ لَا يَجْهَلُ سُبْحَانَ مَنْ هُوَ عَلِيمٌ (2) لَا يَعْجَلُ سُبْحَانَ مَنْ هُوَ غَنِيٌّ لَا يَفْتَقِرُ فَنَادَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى تَعْرِفُونَ مَنْ أَنَا فَسَبَقَ نُورُ مُحَمَّدٍ(ص)قَبْلَ الْأَنْوَارِ وَ نَادَى أَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ رَبُّ الْأَرْبَابِ وَ مَلِكُ الْمُلُوكِ فَإِذَا بِالنِّدَاءِ مِنْ قِبَلِ الْحَقِّ أَنْتَ صَفِيِّي وَ أَنْتَ حَبِيبِي وَ أَنْتَ خَيْرُ خَلْقِي أُمَّتُكَ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ثُمَّ خَلَقَ مِنْ نُورِ مُحَمَّدٍ(ص)جَوْهَرَةً وَ قَسَمَهَا قِسْمَيْنِ فَنَظَرَ إِلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ بِعَيْنِ الْهَيْبَةِ فَصَارَ مَاءً عَذْباً وَ نَظَرَ إِلَى الْقِسْمِ الثَّانِي بِعَيْنِ الشَّفَقَةِ فَخَلَقَ مِنْهُ الْعَرْشَ فَاسْتَوَى عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ فَخَلَقَ الْكُرْسِيَّ مِنْ نُورِ الْعَرْشِ وَ خَلَقَ مِنْ نُورِ الْكُرْسِيِّ اللَّوْحَ وَ خَلَقَ مِنْ نُورِ اللَّوْحِ الْقَلَمَ وَ قَالَ لَهُ اكْتُبْ تَوْحِيدِي فَبَقِيَ الْقَلَمُ أَلْفَ عَامٍ سَكْرَانَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ اكْتُبْ قَالَ يَا رَبِّ وَ مَا أَكْتُبُ قَالَ اكْتُبْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَلَمَّا سَمِعَ الْقَلَمُ اسْمَ مُحَمَّدٍ(ص)خَرَّ سَاجِداً وَ قَالَ سُبْحَانَ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ سُبْحَانَ الْعَظِيمِ الْأَعْظَمِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ
____________
(1) في بعض النسخ: ثم قام.
(2) في المخطوطة «حليم» و هو الأظهر.
201
وَ كَتَبَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ يَا رَبِّ وَ مَنْ مُحَمَّدٌ الَّذِي قَرَنْتَ اسْمَهُ بِاسْمِكَ وَ ذِكْرَهُ بِذِكْرِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ يَا قَلَمُ فَلَوْلَاهُ مَا خَلَقْتُكَ وَ لَا خَلَقْتُ خَلْقِي إِلَّا لِأَجْلِهِ فَهُوَ بَشِيرٌ وَ نَذِيرٌ وَ سِرَاجٌ مُنِيرٌ وَ شَفِيعٌ وَ حَبِيبٌ فَعِنْدَ ذَلِكَ انْشَقَّ الْقَلَمُ مِنْ حَلَاوَةِ ذِكْرِ مُحَمَّدٍ ثُمَّ قَالَ الْقَلَمُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَ عَلَيْكَ السَّلَامُ مِنِّي وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ فَلِأَجْلِ هَذَا صَارَ السَّلَامُ سُنَّةً وَ الرَّدُّ فَرِيضَةً ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى اكْتُبْ قَضَائِي وَ قَدَرِي وَ مَا أَنَا خَالِقُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ مَلَائِكَةً يُصَلُّونَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِأُمَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ نُورِ مُحَمَّدٍ(ص)الْجَنَّةَ وَ زَيَّنَهَا بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ التَّعْظِيمِ وَ الْجَلَالَةِ وَ السَّخَاءِ وَ الْأَمَانَةِ وَ جَعَلَهَا لِأَوْلِيَائِهِ وَ أَهْلِ طَاعَتِهِ ثُمَّ نَظَرَ إِلَى بَاقِي الْجَوْهَرَةِ بِعَيْنِ الْهَيْبَةِ فَذَابَتْ فَخَلَقَ مِنْ دُخَانِهَا السَّمَاوَاتِ وَ مِنْ زَبَدِهَا الْأَرَضِينَ فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى الْأَرْضَ صَارَتْ تَمُوجُ بِأَهْلِهَا كَالسَّفِينَةِ فَخَلَقَ اللَّهُ الْجِبَالَ فَأَرْسَاهَا بِهَا ثُمَّ خَلَقَ مَلَكاً مِنْ أَعْظَمِ مَا يَكُونُ فِي الْقُوَّةِ فَدَخَلَ تَحْتَ الْأَرْضِ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ لِقَدَمَيِ الْمَلَكِ قَرَارٌ فَخَلَقَ اللَّهُ صَخْرَةً عَظِيمَةً وَ جَعَلَهَا تَحْتَ قَدَمَيِ الْمَلَكِ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ لِلصَّخْرَةِ قَرَارٌ فَخَلَقَ لَهَا ثَوْراً عَظِيماً لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ يَنْظُرُ إِلَيْهِ لِعِظَمِ خِلْقَتِهِ وَ بَرِيقِ عُيُونِهِ حَتَّى لَوْ وُضِعَتِ الْبِحَارُ كُلُّهَا فِي إِحْدَى مَنْخِرَيْهِ مَا كَانَتْ إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ مُلْقَاةٍ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ فَدَخَلَ الثَّوْرُ تَحْتَ الصَّخْرَةِ وَ حَمَلَهَا عَلَى ظَهْرِهِ وَ قُرُونِهِ وَ اسْمُ ذَلِكَ الثَّوْرِ لهوتا ثُمَّ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ الثَّوْرِ قَرَارٌ فَخَلَقَ اللَّهُ لَهُ حُوتاً عَظِيماً وَ اسْمُ ذَلِكَ الْحُوتِ بهموت فَدَخَلَ الْحُوتُ تَحْتَ قَدَمَيِ الثَّوْرِ فَاسْتَقَرَّ الثَّوْرُ عَلَى ظَهْرِ الْحُوتِ فَالْأَرْضُ كُلُّهَا عَلَى كَاهِلِ الْمَلَكِ وَ الْمَلَكُ عَلَى الصَّخْرَةِ وَ الصَّخْرَةُ عَلَى الثَّوْرِ وَ الثَّوْرُ عَلَى الْحُوتِ وَ الْحُوتُ عَلَى الْمَاءِ وَ الْمَاءُ عَلَى الْهَوَاءِ وَ الْهَوَاءُ عَلَى الظُّلْمَةِ ثُمَّ انْقَطَعَ عِلْمُ الْخَلَائِقِ عَمَّا تَحْتَ الظُّلْمَةِ ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَرْشَ مِنْ ضِيَاءَيْنِ أَحَدُهُمَا الْفَضْلُ وَ الثَّانِي الْعَدْلُ ثُمَّ أَمَرَ الضِّيَاءَيْنِ فَانْتَفَسَا بِنَفَسَيْنِ فَخَلَقَ مِنْهُمَا أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ الْعَقْلَ وَ الْحِلْمَ وَ الْعِلْمَ وَ السَّخَاءَ
202
ثُمَّ خَلَقَ مِنَ الْعَقْلِ الْخَوْفَ وَ خَلَقَ مِنَ الْعِلْمِ الرِّضَا وَ مِنَ الْحِلْمِ الْمَوَدَّةَ وَ مِنَ السَّخَاءِ الْمَحَبَّةَ ثُمَّ عَجَنَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فِي طِينَةِ مُحَمَّدٍ(ص)ثُمَّ خَلَقَ مِنْ بَعْدِهِمْ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ(ص)ثُمَّ خَلَقَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ وَ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ وَ الضِّيَاءَ وَ الظَّلَامَ وَ سَائِرَ الْمَلَائِكَةِ مِنْ نُورِ مُحَمَّدٍ(ص)فَلَمَّا تَكَامَلَتِ الْأَنْوَارُ سَكَنَ نُورُ مُحَمَّدٍ(ص)تَحْتَ الْعَرْشِ ثَلَاثَةً وَ سَبْعِينَ أَلْفَ عَامٍ ثُمَّ انْتَقَلَ نُورُهُ إِلَى الْجَنَّةِ فَبَقِيَ سَبْعِينَ أَلْفَ عَامٍ ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى فَبَقِيَ سَبْعِينَ أَلْفَ عَامٍ ثُمَّ انْتَقَلَ نُورُهُ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ثُمَّ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ ثُمَّ إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ ثُمَّ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ ثُمَّ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ ثُمَّ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَبَقِيَ نُورُهُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا إِلَى أَنْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ(ع)إِلَى آخِرِ مَا مَرَّ فِي الْمُجَلَّدِ السَّادِسِ.
146 كِتَابُ أَبِي سَعِيدٍ عَبَّادٍ الْعُصْفُرِيِ (1)، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْمِقْدَامِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ(ع)يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ مُحَمَّداً وَ عَلِيّاً وَ أَحَدَ عَشَرَ مِنْ وُلْدِهِ مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ فَأَقَامَهُمْ أَشْبَاحاً فِي ضِيَاءِ نُورِهِ يَعْبُدُونَهُ قَبْلَ خَلْقِ الْخَلْقِ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ وَ يُقَدِّسُونَهُ وَ هُمُ الْأَئِمَّةُ مِنْ وُلْدِ رَسُولِ اللَّهِ ص.
147
وَ مِنْهُ، عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ أَرْضَ كَرْبَلَاءَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ أَرْضَ الْكَعْبَةِ بِأَرْبَعَةٍ وَ عِشْرِينَ أَلْفَ عَامٍ وَ قَدَّسَهَا وَ بَارَكَ عَلَيْهَا فَمَا زَالَتْ قَبْلَ خَلْقِ اللَّهِ الْخَلْقَ مُقَدَّسَةً مُبَارَكَةً وَ لَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَجْعَلَهَا اللَّهُ
____________
(1) العصفرى نسبة إلى العصفر- و زان برثن- نبات يصبغ به، قال النجاشيّ (ص:
225): عباد أبو سعيد العصفرى كوفيّ، كان أبو عبد اللّه الحسين بن عبيد اللّه- (رحمه اللّه) يقول: سمعت أصحابنا يقولون: إن عبادا هذا هو عباد بن يعقوب (انتهى) و جزم به المحدث النوريّ- (رحمه اللّه)- في خاتمة المستدركات، و كيف كان فلم ينص عليه بمدح او قدح، نعم نقل في تنقيح المقال (ج 2،(ص)120) عن السيّد صدر الدين في تعليقه على منتهى المقال انه قال: انى نظرت في كتاب عباد هذا و هو تسعة عشر حديثا كلها نقية و أكثرها تدلّ على تشيعه و لم أر فيها شيئا ينكر.
203
أَفْضَلَ أَرْضٍ فِي الْجَنَّةِ وَ أَفْضَلَ مَنْزِلٍ وَ مَسْكَنٍ يُسْكِنُ اللَّهُ فِيهِ أَوْلِيَاءَهُ فِي الْجَنَّةِ.
و منه عن رجل عن أبي الجارود (1) عن علي بن الحسين(ع)مثله.
147
الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الْعِجْلِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَيَّ شَيْءٍ كَانَ مَوْضِعُ الْبَيْتِ حَيْثُ كَانَ الْمَاءُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ قَالَ كَانَتْ مَهَاةً بَيْضَاءَ يَعْنِي دُرَّةً (2).
بيان: قال الجوهري المهاة بالفتح البلور (3).
148
الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْعَبَّاسِ عَنْ صَالِحٍ اللَّفَائِفِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ دَحَا الْأَرْضَ مِنْ تَحْتِ الْكَعْبَةِ إِلَى مِنًى ثُمَّ دَحَاهَا مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ ثُمَّ دَحَاهَا مِنْ عَرَفَاتٍ إِلَى مِنًى فَالْأَرْضُ مِنْ عَرَفَاتٍ وَ عَرَفَاتٌ مِنْ مِنًى وَ مِنًى مِنَ الْكَعْبَةِ (4).
بيان قوله ثم دحاها من عرفات إلى منى أي دحا السطح الظاهر من الأرض من عرفات إلى منتهاها ثم ردها من تحت الأرض لحصول الكروية إلى منى و لم يذكر(ع)كيفية إتمامه لظهوره أو المعنى أنه ردها من جهة التحت إلى الجانب الآخر ثم إلى الكعبة ثم تمم أطراف الكرة من جهة الفوق إلى منى ليتم كلها و أما ما تكلف بعض أفاضل المعاصرين حيث قرأ منى أخيرا بفتح الميم بمعنى قدر أي إلى آخر ما قدره الله من منتهى الأرض فلا يخفى عليك بعده.
____________
(1) هو زياد بن المنذر الهمدانيّ الخارفى: كان من علماء الزيدية رئيس الجارودية منهم و كان اعمى: قال ابن الغضائري: حديثه في حديث أصحابنا أكثر منه في الزيدية و بالجملة فالرجل ضعيف عند الاصحاب و سماه أبو جعفر (عليه السلام) «سرحوبا» و هو اسم شيطان اعمى يسكن البحر. و أورد الكشّيّ في رجاله عدة روايات تدلّ على ذمه.
(2) فروع الكافي (الطبعة القديمة) كتاب الحجّ، الباب الثالث: ح 1،(ص)216.
(3) في المصدر (ص 2499): المهاة بالفتح أيضا البلورة.
(4) فروع الكافي:(ص)116، ب 3، ح 3.
204
150 الْكَافِي، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي زُرَارَةَ التَّمِيمِيِّ عَنْ أَبِي حَسَّانَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَخْلُقَ الْأَرْضَ أَمَرَ الرِّيَاحَ فَضَرَبْنَ وَجْهَ الْمَاءِ حَتَّى صَارَ مَوْجاً ثُمَّ أَزْبَدَ فَصَارَ زَبَداً وَاحِداً فَجَمَعَهُ فِي مَوْضِعِ الْبَيْتِ ثُمَّ جَعَلَهُ جَبَلًا مِنْ زَبَدٍ ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ مِنْ تَحْتِهِ وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً (1)
و رواه أيضا عن سيف بن عميرة عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله(ع)مثله (2).
151 الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، لِلسَّيُوطِيِّ بِأَسَانِيدَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ قَبْلَ السَّمَاءِ فَلَمَّا خَلَقَ الْأَرْضَ ثَارَ مِنْهَا دُخَانٌ فَذَلِكَ قَوْلُهُ ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ يَقُولُ خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ بَعْضُهُنَّ فَوْقَ بَعْضٍ وَ سَبْعَ أَرَضِينَ بَعْضُهُنَّ تَحْتَ بَعْضٍ (3).
152
وَ مِنْهُ، أَيْضاً بِعِدَّةِ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فِي قَوْلِهِ تَعَالَى هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ قَالَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ وَ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئاً قَبْلَ الْمَاءِ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ أَخْرَجَ مِنَ الْمَاءِ دُخَاناً فَارْتَفَعَ فَوْقَ الْمَاءِ (4) فَسَمَى عَلَيْهِ فَسَمَّاهُ سَمَاءً ثُمَّ أَيْبَسَ الْمَاءَ فَجَعَلَهُ أَرْضاً وَاحِدَةً ثُمَّ فَتَقَهَا فَجَعَلَهَا سَبْعَ أَرَضِينَ فِي يَوْمَيْنِ فِي الْأَحَدِ وَ الْإِثْنَيْنِ فَجَعَلَ (5) الْأَرْضَ عَلَى الْحُوتِ
____________
(1) آل عمران: 96.
(2) فروع الكافي (الطبعة القديمة):(ص)116، ب 3، ح 7.
(3) الدّر المنثور: ج 1،(ص)42- 43.
(4) في المصدر: فوق الماء فسماه سماء.
(5) في المصدر: فخلق الأرض.
205
وَ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ ن وَ الْقَلَمِ وَ الْحُوتَ فِي الْمَاءِ (1) عَلَى صَفَاةٍ وَ الصَّفَاةَ عَلَى (2) مَلَكٍ وَ الْمَلَكَ عَلَى صَخْرَةٍ وَ الصَّخْرَةَ عَلَى (3) الرِّيحِ وَ هِيَ الصَّخْرَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا لُقْمَانُ لَيْسَتْ فِي السَّمَاءِ وَ لَا فِي الْأَرْضِ فَتَحَرَّكَ الْحُوتُ فَاضْطَرَبَ فَتَزَلْزَلَتِ الْأَرْضُ فَأَرْسَى عَلَيْهَا الْجِبَالَ فَقَرَّتْ (4) فَذَلِكَ قَوْلُهُ وَ جَعَلَ لَها رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَ خَلَقَ الْجِبَالَ فِيهَا وَ أَقْوَاتَ أَهْلِهَا وَ شَجَرَهَا وَ مَا يَنْبَغِي لَهَا فِي يَوْمَيْنِ فِي الثَّلَاثَاءِ وَ الْأَرْبِعَاءِ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ إِلَى قَوْلِهِ وَ بارَكَ فِيها يَقُولُ أَنْبَتَ فِيهَا شَجَرَهَا وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها وَ أَهْلَهَا (5) فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ يَقُولُ مَنْ سَأَلَ فَهَكَذَا الْأَمْرُ ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَكَانَ ذَلِكَ الدُّخَانُ مِنْ تَنَفُّسِ الْمَاءِ حِينَ تَنَفَّسَ فَجَعَلَهَا سَمَاءً وَاحِدَةً ثُمَّ فَتَقَهَا فَجَعَلَهَا سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ فِي الْخَمِيسِ وَ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ جَمَعَ فِيهِ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها قَالَ خَلَقَ فِي كُلِّ سَمَاءٍ خَلْقَهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَ الْخَلْقِ الَّذِي فِيهَا مِنَ الْبِحَارِ وَ الْجِبَالِ الْبَرَدِ مَا لَا يُعْلَمُ ثُمَّ زَيَّنَ السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِالْكَوَاكِبِ فَجَعَلَهَا زِينَةً وَ حِفْظاً مِنَ الشَّيَاطِينِ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ خَلْقِ مَا أَحَبَ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ (6).
153
وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ يَعْنِي صَعِدَ أَمْرُهُ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَ يَعْنِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ قَالَ أَجْرَى النَّارَ عَلَى الْمَاءِ فَبَخَرَ الْبَحْرُ فَصَعِدَ فِي الْهَوَاءِ فَجَعَلَ السَّمَاوَاتِ مِنْهُ (7).
____________
(1) في المصدر: و الماء على ظهر صفاة.
(2) في المصدر: على ظهر ملك.
(3) في المصدر: فى الريح.
(4) في المصدر: فالجبال تفتخر على الأرض فذلك ...
(5) في المصدر: و يقول لأهلها.
(6) الدّر المنثور: ج 1،(ص)43.
(7) الدّر المنثور: ج 1،(ص)43.
206
154 وَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ الْأَشْيَاءَ إِذْ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ وَ إِذْ لَا أَرْضَ وَ لَا سَمَاءَ خَلَقَ الرِّيحَ فَسَلَّطَهَا عَلَى الْمَاءِ حَتَّى اضْطَرَبَتْ أَمْوَاجُهُ وَ أَثَارَ رُكَامُهُ فَأَخْرَجَ مِنَ الْمَاءِ دُخَاناً وَ طِيناً وَ زَبَداً فَأَمَرَ الدُّخَانَ فَعَلَا وَ سَمَا وَ نَمَا فَخَلَقَ مِنْهُ السَّمَاوَاتِ وَ خَلَقَ مِنَ الطِّينِ الْأَرَضِينَ وَ خَلَقَ مِنَ الزَّبَدِ الْجِبَالَ (1).
155
وَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أَخَذَ النَّبِيُّ(ص)بِيَدِي فَقَالَ خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ وَ خَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ وَ خَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ وَ خَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثَّلَاثَاءِ وَ خَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَ بَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَ خَلَقَ آدَمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ (2).
156
وَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: دُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ مَكَّةَ وَ كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَ هِيَ أَوَّلُ (3) مَنْ طَافَ بِهِ وَ هِيَ الْأَرْضُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (4)
157 وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَضَعَ الْبَيْتَ عَلَى الْمَاءِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الدُّنْيَا بِأَلْفَيْ عَامٍ ثُمَّ دُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِ الْبَيْتِ (5).
158
وَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ مَوْضِعَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئاً مِنَ الْأَرْضِ بِأَلْفَيْ سَنَةٍ وَ أَرْكَانُهُ فِي الْأَرْضِ السَّابِعَةِ (6).
159
وَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ (7) قَالَ: كَانَتِ الْكَعْبَةُ غُثَاءً عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ
____________
(1) الدّر المنثور: ج 1:(ص)43.
(2) الدّر المنثور: ج 1:(ص)43.
(3) في بعض النسخ و كذا في المصدر: فهى.
(4) الدّر المنثور: ج 1، 46.
(5) الدّر المنثور: ج 1،(ص)127.
(6) الدّر المنثور: ج 1،(ص)127.
(7) بالحاء المهملة. جمع «حبر» و هو عالم أهل الكتاب، كان منحرفا عن عليّ (عليه السلام) و روى ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: انه كذاب. و له مخاصمة مع أبي ذرّ في مجلس عثمان في مسألة احراز بيت المال، فقال له أبو ذر: يا ابن اليهودية تعلمنا ديننا؟!.
207
اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً وَ مِنْهَا دُحِيَتِ الْأَرْضُ.
160
وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ الْعَرْشُ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ بَعَثَ اللَّهُ رِيحاً هَفَّافَةً فَصَفَقَتِ الرِّيحُ الْمَاءَ فَأَبْرَزَتْ عَنْ خَشَفَةٍ فِي مَوْضِعِ الْبَيْتِ كَأَنَّهَا قُبَّةٌ فَدَحَا اللَّهُ الْأَرْضَ مِنْ تَحْتِهَا فَمَادَتْ ثُمَّ مَادَتْ فَأَوْتَدَهَا اللَّهُ بِالْجِبَالِ فَكَانَ أَوَّلَ جَبَلٍ وُضِعَ فِيهَا أَبُو قُبَيْسٍ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ أُمَّ الْقُرَى.
161
وَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: بَدَأَ اللَّهُ (1) بِخَلْقِ الْعَرْشِ وَ الْمَاءِ وَ الْهَوَاءِ وَ خُلِقَتِ الْأَرْضُ مِنَ الْمَاءِ وَ كَانَ بَدْءُ الْخَلْقِ يَوْمَ الْأَحَدِ وَ جَمْعُ (2) الْخَلْقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَ تَهَوَّدَتِ الْيَهُودُ يَوْمَ السَّبْتِ وَ يَوْمٌ مِنَ السِّتَّةِ أَيَّامٍ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (3)
162 وَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ بَدَأَ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا يَوْمَ الْأَحَدِ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي ثَلَاثِ سَاعَاتٍ فَخَلَقَ فِي سَاعَةٍ مِنْهَا الشُّمُوسَ كَيْ يَرْغَبَ النَّاسُ إِلَى رَبِّهِمْ فِي الدُّعَاءِ وَ الْمَسْأَلَةِ (4).
163
وَ كَتَبَ يَزِيدُ بْنُ (5) مُسْلِمٍ إِلَى جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ يَسْأَلُهُ عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ قَالَ الْعَرْشُ وَ الْمَاءُ وَ الْقَلَمُ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ (6).
164
وَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: كَانَ اللَّهُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ وَ كَتَبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ذِكْرَ كُلِّ شَيْءٍ (7) الْخَبَرَ.
165
وَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَ عَرْشُهُ (8) عَلَى الْماءِ (9)
____________
(1) في المصدر: بدء الخلق.
(2) في المصدر: و يوم الاثنين و الثلثاء و الاربعاء و الخميس و جميع الخلق في يوم الجمعة.
(3) الدّر المنثور: ج 3،(ص)91.
(4) الدّر المنثور: ج 3،(ص)91.
(5) في المصدر «يزيد بن أبي سلم» و ليس لهما ذكر في تراجم الخاصّة و العامّة.
(6) الدّر المنثور: ج 3،(ص)91.
(7) الدّر المنثور: ج 3،(ص)91.
(8) في المصدر: و كان عرشه على الماء.
(9) الدّر المنثور: ج 3،(ص)321.
208
166 وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كَانَ الْمَاءُ قَالَ عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ (1).
167
وَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئاً (2).
168
وَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ فَلَمَّا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ قَسَّمَ ذَلِكَ الْمَاءَ قِسْمَيْنِ فَجَعَلَ نِصْفاً تَحْتَ الْعَرْشِ وَ هُوَ الْبَحْرُ الْمَسْجُورُ فَلَا تَقْطُرُ مِنْهُ قَطْرَةٌ حَتَّى يُنْفَخَ فِي الصُّورِ فَيَنْزِلَ (3).
169
وَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ اللَّيْلِ كَانَ قَبْلُ أَمِ النَّهَارُ قَالَ اللَّيْلُ ثُمَّ قَرَأَ أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما فَهَلْ تَعْلَمُونَ كَانَ بَيْنَهُمَا إِلَّا ظُلْمَةٌ (4).
170
وَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)فِي قَوْلِهِ وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ قَالَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ (5).
171
وَ عَنْ وَهْبٍ قَالَ قَالَ عُزَيْرٌ رَبِّ أَمَرْتَ الْمَاءَ فَجَمَدَ فِي وَسَطِ الْهَوَاءِ فَجَعَلْتَ مِنْهُ سَبْعاً وَ سَمَّيْتَهُ السَّمَاوَاتِ ثُمَّ أَمَرْتَ الْمَاءَ يَنْفَتِقُ عَنِ التُّرَابِ وَ أَمَرْتَ التُّرَابَ أَنْ يَتَمَيَّزَ مِنَ الْمَاءِ فَكَانَ كَذَلِكَ فَسَمَّيْتَ جَمِيعَ ذَلِكَ الْأَرَضِينَ وَ جَمِيعَ الْمَاءِ الْبِحَارَ ثُمَّ خَلَقْتَ مِنَ الْمَاءِ أَعْمَى أَعْيُنٍ بَصَّرْتَهُ (6) وَ مِنْهَا أَصَمَّ آذَانٍ أَسْمَعْتَهُ وَ مِنْهَا مَيِّتَ أَنْفُسٍ أَحْيَيْتَهُ خَلَقْتَ ذَلِكَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مَا عَيْشُهُ الْمَاءُ وَ مِنْهَا مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَى الْمَاءِ خَلْقاً مُخْتَلِفاً فِي الْأَجْسَامِ وَ الْأَلْوَانِ جَنَّسْتَهُ أَجْنَاساً وَ زَوَّجْتَهُ أَزْوَاجاً وَ خَلَقْتَ أَصْنَافاً وَ أَلْهَمْتَهُ الَّذِي خَلَقْتَهُ ثُمَّ خَلَقْتَ مِنَ التُّرَابِ وَ الْمَاءِ دَوَابَّ الْأَرْضِ وَ مَاشِيَتَهَا وَ سِبَاعَهَا فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ وَ مِنْهُمُ الْعَظِيمُ وَ الصَّغِيرُ (7) ثُمَّ زَرَعْتَ فِي
____________
(1) الدّر المنثور: ج 3،(ص)322.
(2) الدّر المنثور: ج 3،(ص)322.
(3) الدّر المنثور: ج 3،(ص)322.
(4) الدّر المنثور: ج 3،(ص)322.
(5) الدّر المنثور: ج 4،(ص)317.
(6) في المخطوطة: أبصرته.
(7) في المصدر: ثم وعظته بكتابك و حكمتك ثمّ قضيت عليه الموت لا محالة ثمّ انت تعيده كما بدأته و قال عزير: اللّهمّ بكلمتك خلقت جميع خلقك فاتى على مشيئتك ثمّ زرعت في أرضك ... و سيأتي ما سقط هناك بعد أسطر.
209
أَرْضِكَ كُلَّ نَبَاتٍ فِيهَا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَ تُرَابٍ وَاحِدٍ وَ تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ فَجَاءَ عَلَى مَشِيئَتِكَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَ لَوْنُهُ وَ رِيحُهُ وَ طَعْمُهُ مِنْهُ الْحُلْوُ وَ مِنْهُ الْحَامِضُ وَ الْمُرُّ وَ الطَّيِّبُ رِيحُهُ وَ الْمُنْتِنُ وَ الْقَبِيحُ وَ الْحَسَنُ وَ قَالَ عُزَيْرٌ يَا رَبِّ إِنَّمَا نَحْنُ خَلْقُكَ وَ عَمَلُ يَدِكَ (1) خَلَقْتَ أَجْسَادَنَا فِي أَرْحَامِ أُمَّهَاتِنَا وَ صَوَّرْتَنَا كَيْفَ تَشَاءُ بِقُدْرَتِكَ جَعَلْتَ لَنَا أَرْكَاناً وَ جَعَلْتَ فِيهَا عِظَاماً وَ شَقَقْتَ (2) لَنَا أَسْمَاعاً وَ أَبْصَاراً ثُمَّ جَعَلْتَ لَهَا (3) فِي تِلْكَ الظُّلْمَةِ نُوراً وَ فِي ذَلِكَ الضِّيقِ سَعَةً وَ فِي ذَلِكَ الْغَمِّ رُوحاً ثُمَّ هَيَّأْتَ لَهَا مِنْ فَضْلِكَ رِزْقاً يُقَوِّيهِ عَلَى مَشِيئَتِكَ ثُمَّ وَعَظْتَهُ بِكِتَابِكَ وَ حِكْمَتِكَ ثُمَّ قَضَيْتَ عَلَيْهِ الْمَوْتَ لَا مَحَالَةَ ثُمَّ أَنْتَ تُعِيدُهُ كَمَا بَدَأْتَهُ قَالَ عُزَيْرٌ اللَّهُمَّ بِكَلِمَتِكَ خَلَقْتَ جَمِيعَ خَلْقِكَ فَأَتَى عَلَى مَشِيَّتِكَ لَمْ تَأَنَّ فِي ذَلِكَ مَئُونَةً وَ لَمْ تَنْصَبْ (4) فِيهِ نَصَباً كَانَ عَرْشُكَ عَلَى الْمَاءِ وَ الظُّلْمَةُ عَلَى الْهَوَاءِ وَ الْمَلَائِكَةُ يَحْمِلُونَ عَرْشَكَ وَ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِكَ وَ الْخَلْقُ مُطِيعٌ لَكَ خَاشِعٌ مِنْ خَوْفِكَ لَا يُرَى فِيهِ نُورٌ إِلَّا نُورُكَ وَ لَا يُسْمَعُ فِيهِ صَوْتٌ إِلَّا سمعك [صَوْتُكَ ثُمَّ فَتَحْتَ خِزَانَةَ النُّورِ وَ طَرِيقَ الظُّلْمَةِ فَكَانَا لَيْلًا وَ نَهَاراً يَخْتَلِفَانِ بِأَمْرِكَ (5).
172 وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْيَهُودَ أَتَتِ النَّبِيَّ(ص)فَسَأَلَتْهُ عَنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ فَقَالَ خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْأَحَدِ وَ الْإِثْنَيْنِ وَ خَلَقَ الْجِبَالَ وَ مَا فِيهِنَّ مِنْ مَنَافِعَ يَوْمَ الثَّلَاثَاءِ وَ خَلَقَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ الشَّجَرَ وَ الْمَاءَ وَ الْمَدَائِنَ وَ الْعُمْرَانَ وَ الْخَرَابَ فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ فَقَالَ تَعَالَى قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ إِلَى قَوْلِهِ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ وَ خَلَقَ يَوْمَ الْخَمِيسِ السَّمَاءَ وَ خَلَقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ النُّجُومَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ الْمَلَائِكَةَ إِلَى ثَلَاثِ سَاعَاتٍ بَقِينَ مِنْهُ
____________
(1) في المصدر: يديك.
(2) في المصدر: و فتقت.
(3) في المصدر: لنا.
(4) في المصدر: و لم تعى منه نصبا.
(5) الدّر المنثور: ج 5،(ص)6.
210
فَخَلَقَ فِي أَوَّلِ سَاعَةٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ (1) الْآجَالَ حِينَ يَمُوتُ مَنْ مَاتَ وَ فِي الثَّانِيَةِ أَلْقَى الْآفَةَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ وَ فِي الثَّالِثَةِ خَلَقَ آدَمَ وَ أَسْكَنَهُ الْجَنَّةَ وَ أَمَرَ إِبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لَهُ وَ أَخْرَجَهُ مِنْهَا فِي آخِرِ سَاعَةٍ قَالَتِ الْيَهُودُ ثُمَّ مَا ذَا يَا مُحَمَّدُ قَالَ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ قَالُوا قَدْ أَصَبْتَ لَوْ أَتْمَمْتَ قَالُوا ثُمَّ اسْتَرَاحَ فَغَضِبَ النَّبِيُّ(ص)غَضَباً شَدِيداً فَنَزَلَ وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ (2).
173
وَ عَنِ ابْنِ جَرِيحٍ فِي قَوْلِهِ وَ بارَكَ فِيها قَالَ كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِابْنِ آدَمَ فَهُوَ مُبَارَكٌ (3).
174
وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها قَالَ شَقَّ الْأَنْهَارَ وَ غَرَسَ الْأَشْجَارَ وَ وَضَعَ الْجِبَالَ وَ أَجْرَى الْبِحَارَ وَ جَعَلَ فِي هَذِهِ مَا لَيْسَ فِي هَذِهِ وَ فِي هَذِهِ مَا لَيْسَ فِي هَذِهِ (4).
175
وَ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها قَالَ قَدَّرَ فِي كُلِّ أَرْضٍ شَيْئاً لَا يَصْلُحُ فِي غَيْرِهَا (5).
176
وَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: مَعَاشَهَا (6).
177
وَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَرْزَاقَهَا (7).
178
وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ مِنْ دُخَانٍ ثُمَّ ابْتَدَأَ خَلْقَ الْأَرْضِ يَوْمَ الْأَحَدِ وَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ثُمَّ قَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي يَوْمِ الثَّلَاثَاءِ وَ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَسَمَكَهَا وَ زَيَّنَهَا بِالنُّجُومِ وَ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ أَجْرَاهُمَا فِي فَلَكِهِمَا وَ خَلَقَ فِيهَا مَا شَاءَ مِنْ
____________
(1) في المصدر: الثلاثة.
(2) ق: 38 و 39. و الخبر في الدّر المنثور: ج 5،(ص)360.
(3) الدّر المنثور: ج 5،(ص)360.
(4) الدّر المنثور: ج 5،(ص)360.
(5) الدّر المنثور: ج 5،(ص)360.
(6) الدّر المنثور: ج 5،(ص)360.
(7) الدّر المنثور: ج 5،(ص)361.
211
خَلْقِهِ وَ مَلَائِكَتِهِ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ وَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَ خَلَقَ الْجَنَّةَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَ خَلَقَ آدَمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ سَبَتَ كُلُّ شَيْءٍ يَوْمَ السَّبْتِ فَعَظَّمَتِ الْيَهُودُ يَوْمَ السَّبْتِ لِأَنَّهُ سَبَتَ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ وَ عَظَّمَتِ النَّصَارَى يَوْمَ الْأَحَدِ لِأَنَّهُ ابْتَدَأَ فِيهِ خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ وَ عَظَّمَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِأَنَّ اللَّهَ فَرَغَ فِيهِ مِنْ خَلْقِهِ وَ خَلَقَ فِي الْجَنَّةِ رَحْمَتَهُ وَ خَلَقَ فِيهِ آدَمَ وَ فِيهِ هَبَطَ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى الْأَرْضِ وَ فِيهِ قُبِلَتْ فِي الْأَرْضِ تَوْبَتُهُ وَ هُوَ أَعْظَمُهَا (1).
179
وَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ ابْتَدَأَ الْخَلْقَ وَ خَلَقَ الْأَرَضِينَ (2) يَوْمَ الْأَحَدِ وَ الْإِثْنَيْنِ وَ خَلَقَ الْأَقْوَاتَ وَ الرَّوَاسِيَ فِي يَوْمِ الثَّلَاثَاءِ وَ الْأَرْبِعَاءِ وَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ فِي الْخَمِيسِ وَ الْجُمُعَةِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ وَ خَلَقَ فِيهَا (3) آدَمَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ الَّتِي لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ (4) فِي صَلَاةٍ يَدْعُو رَبَّهُ إِلَّا اسْتَجَابَ لَهُ فَهِيَ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ (5).
180
وَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ(ص)مَا يَوْمُ الْأَحَدِ قَالَ فِيهِ خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَ كَبَسَهَا قَالُوا الْإِثْنَيْنِ قَالَ خَلَقَ فِيهِ وَ فِي الثَّلَاثَاءِ الْجِبَالَ وَ الْمَاءَ وَ كَذَا وَ كَذَا وَ مَا شَاءَ اللَّهُ قَالُوا فَيَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ قَالَ الْأَقْوَاتَ قَالُوا فَيَوْمُ الْخَمِيسِ قَالَ فِيهِ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ قَالُوا يَوْمُ الْجُمُعَةِ قَالَ خَلَقَ فِي سَاعَتَيْنِ الْمَلَائِكَةَ وَ فِي سَاعَتَيْنِ الْجَنَّةَ وَ النَّارَ وَ فِي سَاعَتَيْنِ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ الْكَوَاكِبَ وَ فِي سَاعَتَيْنِ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ قَالُوا السَّبْتُ وَ ذَكَرُوا الرَّاحَةَ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (6).
و عن ابن عباس أيضا نحوه.
____________
(1) الدّر المنثور: ج 5،(ص)361.
(2) في المصدر: الأرض.
(3) في المصدر: و خلق آدم.
(4) في المصدر: عبد يدعو ربّه.
(5) الدّر المنثور: ج 5،(ص)361.
(6) الدّر المنثور: ج 5،(ص)361.
212
181 وَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ فِي سِتَّةِ أَيَّامِ أَوَّلُهُنَّ يَوْمُ الْأَحَدِ وَ الْإِثْنَيْنِ وَ الثَّلَاثَاءِ وَ الْأَرْبِعَاءِ وَ الْخَمِيسِ وَ الْجُمُعَةِ.
182
وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَ قَالَ لِلسَّمَاءِ أَخْرِجِي شَمْسَكِ وَ قَمَرَكِ وَ نُجُومَكِ وَ لِلْأَرْضِ شَقِّقِي أَنْهَارَكِ وَ أَخْرِجِي ثِمَارَكِ فَقَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعَيْنِ (1).
183
وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تُخَالِفُ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى فَقَالَ إِنَّمَا أَتَيْتُ مِنْ قِبَلِ رَأْيِكَ اقْرَأْ قَالَ قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ حَتَّى بَلَغَ ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ قَوْلُهُ وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها قَالَ خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاءَ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ بَعْدَ مَا خَلَقَ السَّمَاءَ وَ إِنَّمَا قَوْلُهُ دَحاها بَسَطَهَا (2).
بيان في النهاية فيه (3) كانت الكعبة خشعة على الماء فدحيت منها الأرض الخشعة أكمة لاطئة بالأرض و الجمع خشع قيل هو (4) ما غلبت عليه السهولة أي ليس بحجر و لا طين و يروى خشفة بالخاء و الفاء و قال الخطابي الخشفة واحدة الخشف و هي الحجارة تنبت في الأرض نباتا (5).
184
مُرُوجُ الذَّهَبِ، لِلْمَسْعُودِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)(6) قَالَ: إِنَّ اللَّهَ حِينَ شَاءَ تَقْدِيرَ الْخَلِيقَةِ وَ ذَرْءَ الْبَرِيَّةِ وَ إِبْدَاعَ الْمُبْدَعَاتِ نَصَبَ الْخَلْقَ فِي صُوَرٍ كَالْهَبَاءِ (7) قَبْلَ دَحْوِ الْأَرْضِ وَ رَفَعَ السَّمَاءَ وَ هُوَ فِي
____________
(1) الدّر المنثور: ج 5،(ص)361.
(2) الدّر المنثور: ج 6،(ص)313.
(3) يعني في كتاب ابى عبيد الهروى.
(4) كذا في المصدر، و في بعض نسخ البحار «هى».
(5) النهاية، ج 1،(ص)295 و زاد: و تروى بالحاء المهملة و بالعين بدل الفاء.
(6) في المصدر: روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام).
(7) في بعض النسخ: الهيآت.
213
انْفِرَادِ مَلَكُوتِهِ وَ تَوَحُّدِ جَبَرُوتِهِ فَأَتَاحَ نُوراً مِنْ نُورِهِ فَلَمَعَ وَ قَبَساً (1) مِنْ ضِيَائِهِ فَسَطَعَ ثُمَّ اجْتَمَعَ النُّورُ فِي وَسَطِ تِلْكَ الصُّوَرِ الْخَفِيَّةِ فَوَافَقَ ذَلِكَ صُورَةَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ(ص)فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ أَنْتَ الْمُخْتَارُ الْمُنْتَخَبُ وَ عِنْدَكَ أَسْتَوْدِعُ نُورِي وَ كُنُوزَ هِدَايَتِي وَ مِنْ أَجْلِكَ أُسَطِّحُ الْبَطْحَاءَ وَ أَرْفَعُ السَّمَاءَ (2) وَ أَمْزِجُ الْمَاءَ وَ أَجْعَلُ الثَّوَابَ وَ الْعَذَابَ (3) وَ الْجَنَّةَ وَ النَّارَ وَ أَنْصِبُ أَهْلَ بَيْتِكَ بِالْهِدَايَةِ (4) وَ أُوتِيهِمْ مِنْ مَكْنُونِ عِلْمِي مَا لَا يَخْفَى (5) عَلَيْهِمْ دَقِيقٌ وَ لَا يَغِيبُهُمْ (6) خَفِيٌّ وَ أَجْعَلُهُمْ حُجَّةً عَلَى بَرِيَّتِي وَ الْمُنَبَّهِينَ عَلَى عِلْمِي (7) وَ وَحْدَانِيَّتِي ثُمَّ أَخَذَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الشَّهَادَةَ لِلرُّبُوبِيَّةِ وَ الْإِخْلَاصَ لِلْوَحْدَانِيَّةِ فَبَعْدَ (8) أَخْذِ مَا أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ شَاءَ بِبَصَائِرِ الْخَلْقِ انْتِخَابَ (9) مُحَمَّدٍ وَ أَرَاهُمْ أَنَّ الْهِدَايَةَ مَعَهُ وَ النُّورَ لَهُ وَ الْإِمَامَةَ فِي أَهْلِهِ (10) تَقْدِيماً لِسُنَّةِ الْعَدْلِ وَ لِيَكُونَ الْإِعْذَارُ مُتَقَدِّماً ثُمَّ أَخْفَى اللَّهُ الْخَلِيقَةَ فِي غَيْبِهِ وَ غَيَّبَهَا فِي مَكْنُونِ عِلْمِهِ ثُمَّ نَصَبَ الْعَوَالِمَ وَ بَسَطَ الزَّمَانَ وَ مَرَجَ الْمَاءَ وَ أَثَارَ الزَّبَدَ وَ أَهَاجَ الدُّخَانَ فَطَفَا عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَ سَطَحَ (11) الْأَرْضَ عَلَى ظَهْرِ الْمَاءِ ثُمَّ اسْتَجَابَهُمَا إِلَى الطَّاعَةِ فَأَذْعَنَتَا بِالاسْتِجَابَةِ ثُمَّ أَنْشَأَ الْمَلَائِكَةَ مِنْ أَنْوَارِ نُبُوَّةٍ قَدِ ابْتَدَعَهَا وَ أَنْوَارٍ اخْتَرَعَهَا وَ قَرَنَ بِتَوْحِيدِهِ نُبُوَّةَ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ(ص)فَشَهَرَتْ نُبُوَّتُهُ فِي السَّمَاءِ قَبْلَ بِعْثَتِهِ
____________
(1) في المصدر: و نزع قبسا.
(2) في المصدر: أموج الماء و أرفع السماء.
(3) في المصدر: العقاب.
(4) في المصدر: للهداية.
(5) في المصدر: ما لا يشكل.
(6) في المخطوطة: لا يعييهم.
(7) في المصدر: على قدرتى.
(8) في المصدر: فقبل اخذ ما اخذ جل شأنه.
(9) في المصدر: انتخب محمّدا و آله.
(10) في المصدر: فى آله.
(11) في المصدر: فسطح.
214
فِي الْأَرْضِ فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ أَبَانَ لَهُ فَضْلَهُ لِلْمَلَائِكَةِ وَ أَرَاهُمْ مَا خَصَّهُ بِهِ مِنْ سَابِقِ الْعِلْمِ مِنْ حَيْثُ عَرَّفَهُمُ عِنْدَ اسْتِنْبَائِهِ إِيَّاهُ أَسْمَاءَ الْأَشْيَاءِ فَجَعَلَ اللَّهُ آدَمَ مِحْرَاباً وَ كَعْبَةً وَ قِبْلَةً (1) أَسْجَدَ إِلَيْهَا الْأَنْوَارَ وَ الرُّوحَانِيِّينَ وَ الْأَبْرَارَ ثُمَّ نَبَّهَ آدَمَ عَلَى مُسْتَوْدَعِهِ وَ كَشَفَ لَهُ خَطَرَ مَا ائْتَمَنَهُ عَلَى أَنْ سَمَّاهُ (2) إِمَاماً عِنْدَ الْمَلَائِكَةِ فَكَانَ حَظُّ آدَمَ مِنَ الْخَبَرِ إِنْبَاءَهُ وَ نُطْقَهُ بِمُسْتَوْدَعِ نُورِنَا وَ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ تَعَالَى يَخْبَأُ النُّورَ تَحْتَ الزَّمَانِ إِلَى أَنْ فَصَلَ مُحَمَّداً(ص)فِي طَاهِرِ الْقَنَوَاتِ (3) فَدَعَا النَّاسَ ظَاهِراً وَ بَاطِناً وَ نَدَبَهُمْ سِرّاً وَ إِعْلَاناً وَ اسْتَدْعَى التَّنْبِيهَ عَلَى الْعَهْدِ الَّذِي قَدَّمَهُ إِلَى الذَّرِّ قَبْلَ النَّسْلِ وَ مَنْ وَافَقَهُ قَبَسَ (4) مِنْ مِصْبَاحِ النُّورِ الْمُتَقَدِّمِ اهْتَدَى إِلَى سِرِّهِ وَ اسْتَبَانَ وَاضِحَ أَمْرِهِ وَ مَنْ أَلْبَسَتْهُ الْغَفْلَةُ اسْتَحَقَّ السَّخْطَةَ لَمْ يَهْتَدِ إِلَى ذَلِكَ ثُمَّ انْتَقَلَ النُّورُ إِلَى غَرَائِزِنَا وَ لَمَعَ مَعَ أَئِمَّتِنَا (5) فَنَحْنُ أَنْوَارُ السَّمَاءِ وَ أَنْوَارُ الْأَرْضِ فِينَا النَّجَاةُ وَ مِنَّا مَكْنُونُ الْعِلْمِ وَ إِلَيْنَا مَصِيرُ الْأُمُورِ وَ بِنَا تَقْطَعُ الْحُجَجُ وَ مِنَّا خَاتَمُ (6) الْأَئِمَّةِ وَ مُنْقِذُ الْأُمَّةِ وَ غَايَةُ النُّورِ وَ مَصْدَرُ الْأُمُورِ فَنَحْنُ أَفْضَلُ الْمَخْلُوقِينَ وَ أَكْمَلُ الْمَوْجُودِينَ (7) وَ حُجَجُ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَلْتَهْنَأِ (8) النِّعْمَةَ مَنْ تَمَسَّكَ بِوَلَايَتِنَا وَ قَبَضَ عُرْوَتَنَا (9).
بيان أمزج الماء أي أخلطه بغيره فأخلق منه المركبات و يمكن أن يكون بالراء المهملة كقوله تعالى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ (10) أي حلاهما [خلاهما ببصائر الخلق أي لأن
____________
(1) في المصدر: و بابا و قبلة.
(2) في المصدر: و كشف له عن خطر ما ائتمنه عليه بعد ما سماه.
(3) في المصدر: فى ظاهر الفترات.
(4) في المصدر: فمن وافقه و اقتبس.
(5) في بعض النسخ: «من ائمتنا» و في المصدر «فى ائمتنا».
(6) و بمهدينا تقطن الحجج خاتم الأئمّة.
(7) في المصدر: اشرف الموحدين.
(8) في المصدر: فليهنأ بالنعمة.
(9) مروج الذهب، ج 1. 17 و 18.
(10) الرحمن: 19.
215
يجعلهم ذوي بصائر أو ملتبسا ببصائرهم و علمهم و القنوات جمع قناة و قال الجوهري قناة الظهر التي تنتظم الفقار (1) انتهى و الإبلاس بمعنى الحيرة أو اليأس لازم و استعمل هنا متعديا و الظاهر أن فيه تصحيفا كما في كثير من الفقرات الأخر.
185
الْكَافِي، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ الدُّنْيَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اخْتَزَلَهَا عَنْ أَيَّامِ السَّنَةِ فَالسَّنَةُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَ أَرْبَعٌ (2) وَ خَمْسُونَ يَوْماً شَعْبَانُ لَا يَتِمُّ أَبَداً وَ رَمَضَانُ لَا يَنْقُصُ وَ اللَّهِ أَبَداً وَ لَا تَكُونُ فَرِيضَةٌ نَاقِصَةً إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَ شَوَّالٌ تِسْعَةٌ وَ عِشْرُونَ يَوْماً وَ ذُو الْقَعْدَةِ ثَلَاثُونَ يَوْماً لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ واعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَ ذُو الْحِجَّةِ تِسْعَةٌ وَ عِشْرُونَ يَوْماً وَ الْمُحَرَّمُ ثَلَاثُونَ يَوْماً ثُمَّ الشُّهُورُ بَعْدَ ذَلِكَ شَهْرٌ تَامٌّ وَ شَهْرٌ نَاقِصٌ (3) الْخَبَرَ.
186
الْفَقِيهُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ (4) عَنِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ: قُلْتُ لَهُ إِنَّ النَّاسَ يَرْوُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)مَا صَامَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ تِسْعَةً وَ عِشْرِينَ يَوْماً أَكْثَرُ مِمَّا صَامَ ثَلَاثِينَ قَالَ كَذَبُوا مَا صَامَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِلَّا تَامّاً وَ لَا تَكُونُ الْفَرَائِضُ نَاقِصَةً إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّنَةَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَ سِتِّينَ يَوْماً وَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ فَحَجَزَهَا مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ وَ سِتِّينَ يَوْماً فَالسَّنَةُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَ أَرْبَعَةٌ وَ خَمْسُونَ يَوْماً وَ شَهْرُ رَمَضَانَ ثَلَاثُونَ يَوْماً لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَ الْكَامِلُ تَامٌّ وَ شَوَّالٌ تِسْعَةٌ وَ عِشْرُونَ يَوْماً وَ ذُو الْقَعْدَةِ ثَلَاثُونَ يَوْماً لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ واعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً فَالشَّهْرُ هَكَذَا ثُمَّ هَكَذَا أَيْ
____________
(1) الصحاح: 2468.
(2) في المصدر: أربعة.
(3) فروع الكافي (الطبعة القديمة): كتاب الصوم، ب 7، ح 3،(ص)184.
(4) في المصدر: فى رواية حذيفة بن محمّد بن إسماعيل بن بزيع عن محمّد بن يعقوب ابن شعيب إلخ.
216
شَهْرٌ تَامٌّ وَ شَهْرٌ نَاقِصٌ وَ شَهْرُ رَمَضَانَ لَا يَنْقُصُ أَبَداً وَ شَعْبَانُ لَا يَتِمُّ أَبَداً (1).
تبيين قال بعض المحققين في علة تخصيص الستة أيام بخلق العالم ما حاصله أن أفعاله سبحانه مبنية على الحكم و المصالح و أن حكمته اقتضت أن تكون أفعاله بالنسبة إلى مخلوقاته على قسمين قسم يصدر عنه في كل آن إرادة دفعية بدون توقفه على مادة أو مدة و قسم لا يصدر عنه إلا بعد مدة أجرى عادته بحصول استعداد مادته له في تلك المدة على سبيل التدريج و أن خلق الماء الذي جعله مادة لسائر الأجسام و الجسمانيات و ما يشبهه من القسم الأول و خلق السماوات و الأرضين و ما في حكمهما من القسم الثاني و هذا حكم أطبق عليه جميع المليين و كثير من قدماء الفلاسفة فما ذكره المفسرون من أن معنى خلق السماوات و الأرض إبداعهما لا من شيء ليس بشيء و يدل عليه خطب أمير المؤمنين(ع)و غيرها ثم إن القسم الثاني يستدعي بالنسبة إلى كل مخلوق قدرا معينا من الزمان كما يرشد إليه تتبع الأزمنة المعينة التي جرت عادته تعالى أن يخلق فيها أصناف النباتات من موادها العنصرية و أنواع الحيوانات من مواد نطفها في أرحام أمهاتها فعلى ذلك خلق السماوات و الأرض من مادتها التي هي الماء بعد خصوص القدر المذكور من الزمان إنما هو من هذا القبيل و أما خصوص الحكمة الداعية إلى إجراء عادته بخلق تلك الأمور من موادها على التدريج ثم تقدير قدر خاص و زمان محدود لكل منها فلا مطمع في معرفته فإنه من أسرار القضاء و القدر التي لا يمكن أن يحيط بها عقل البشر و لذلك كتم عنا بل عن بعض المقربين و المرسلين بل سد علينا و عليهم باب الفحص و التفتيش بالنهي الصريح الدال عليه كثير من القرآن و الخبر.
ثم إن اليوم عبارة عن زمان تمام دورة للشمس بحركتها السريعة العادية الموسومة باليومية فكيف يتصور أن يكون خلق السماوات الحاملة للشمس و غيرها من الكواكب في عدة من الزمان المذكور و هل لا يكون تكون الدائر في زمان
____________
(1) من لا يحضره الفقيه،(ص)196، ح 4.
217
دورته مستلزما للدور المستحيل بالضرورة فقد ذكر ابن العربي فيما (1) سماه بالفتوحات إن اليوم و زمان دورة للفلك الأطلس فلا يكون منوطا بالشمس و لا بالسماوات السبع إنما المنوط بها الليل و النهار و هما غير اليوم و فيه أنه اصطلاح مبني على أصول الفلسفة تأبى عنه اللغة و العرف المبني عليهما لسان الشريعة و لظهور ذلك أطبق المفسرون على تأويله إما بحمل تلك الأيام على زمان مساو لقدر زمانها و إما بحملها على أوقات أو مرات متعددة بعدتها حتى يكون معنى خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ مثلا خلقها في مرتين مرة خلق أصلها و مرة تمييز بعض أجزائها عن بعض و كذلك في السماوات و غيرها و لا يخفى أن شيئا من التأويلين و لا سيما الثاني لا يلائم تعيين خصوص يوم من أيام الأسبوع لخلق كل منها في الروايات و ذلك ظاهر جدا و أيضا يستبعد العقل جدا أن لا يمكن خلق الإنسان مثلا من نطفته عادة في أقل من ستة أشهر و يكون خلق السماوات و الأرض و ما بينهما في ستة أيام مع أن الحال كما قال تعالى لَخَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ و أيضا إخباره تعالى بخصوص قدر زمان لا بد له من نكتة أقل ما في الباب أن يكون من جهة قلته أو كثرته دخيلا في المطلوب و لا يناسب شيء منهما هاهنا إذ لو كان لأجل معرفة العباد أنه تعالى قادر على خلق مثل السماوات و الأرض في هذه المدة القليلة فمعلوم أن ذلك ليس له
____________
(1) هو أبو عبد اللّه محيى الدين محمّد بن عليّ بن محمّد الحاتمى الطائى الاندلسى المكى الشاميّ صاحب كتاب الفتوحات، برع في علم التصوف و لقى جماعة من العلماء و المتعبدين و الناس فيه على ثلاث طوائف، طائفة يعدونه من اكابر الأولياء العارفين منهم الفيروزآبادي صاحب القاموس و الشعرانى، و طائفة يكفرونه و ينسبونه إلى الالحاد منهم التفتازانى و المولى على القارئ، و طائفة يعتقدون ولايته و يحرمون النظر في كتبه منهم جلال الدين السيوطي.
و له مصنّفات كثيرة، و أعظم كتبه و آخرها تأليفا «الفتوحات المكية» توفّي سنة (638) بعد وفاة الشيخ عبد القادر بثمان و سبعين، و قبره بصالحية دمشق مزار مشهور و من اشعاره:
رأيت ولائى آل طه وسيلة* * * على رغم أهل البعد يورثني القربى
فما طلب المبعوث اجرا على الهدى* * * بتبليغه إلّا المودة في القربى
218
وقع في هذا المطلوب بعد الإخبار بأمثال أن أمره إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ و لو كان للامتنان عليهم بأن خلقه في تلك المدة المديدة كان لأجل تدبير ما يحتاجون إليه في أمور معاشهم و معادهم فظاهر أن قدر ستة أيام لا يصلح لهذا المقصود فالوجه أن يفسر اليوم هاهنا و العلم عند الله و أهله بما فسره الله تعالى تارة بقوله وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (1) و تارة بقوله فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (2) و أخرى بقوله فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (3) فإن القرآن يفسر بعضه بعضا و قد يعبر عن الأول باليوم الرباني و عن الثاني بيوم الله فعلى كل تقدير يكون ملائما لما نسب من خلق كل منها إلى يوم من الأسبوع في الروايات و يتم ما يقصر عنه عند حمله على اليوم الدنيوي من معنى الامتنان المقصود له تعالى في كثير من أمثال تلك الآيات و لعل حمله على الأول فيما نحن فيه أنسب و أقرب فتصويره على ذلك أن كل امتداد سواء كان قار الذات كالجسم أو غير قار الذات كالزمان ينبغي أن يقدر له أجزاء و لكل جزء منه أجزاء و هكذا إلى ما يحتاج التعبير عن قدر معين منها للتفهيم بدون كلفة و ذلك كتقدير الفلك بالبروج و المنازل و الدرجات و تقدير الزمان بالسنين و الشهور و الأيام و الساعات و على هذا لا بعد في أن الحكمة الإلهية كانت اقتضت أن يقدر للزمان المتقدم على زمان الدنيا بل للزمان المتأخر عن زمانها أيضا بأمثال ما قدره لزمانها من السنين إلى الساعات لكن مع رعاية نوع مناسبة لهذه الأجزاء إلى المقدر بها فكما أن المناسب لزمان الدنيا أن يكون كل يوم منه بقدر دورة للشمس يجوز أن يكون المناسب للزمان المتقدم أن يكون كل يوم منه بقدر ألف سنة من زمان الدنيا و للزمان المتأخر أن يكون مساويا لخمسين ألف سنة منه فيكون ما أخبرنا به في الآيتين الأوليين حال الزمان المتقدم و في
____________
(1) الحجّ: 47.
(2) السجدة: 5.
(3) المعارج، 4.
219
الثالثة حال الزمان المتأخر فلا بعد فيما يلوح من بعض الإشارات المأثورة من أنه تعالى كان قدر للزمان المتقدم أسابيع و سمى الأول من أيامها بالأحد و الثاني بالإثنين و هكذا إلى السبت و كذلك قدر له شهورا تامة كل منها ثلاثون يوما سمى أولها بالمحرم أو رمضان على اختلاف الروايات في أول شهور السنة و ثانيها بصفر أو شوال و هكذا إلى ذي الحجة أو شعبان و على كل تقدير كان المجموع سنة كاملة موافقة لثلاثمائة و ستين يوما ثم جعل أيام أسابيعنا و شهورنا موافقة لأيام تلك الأسابيع و الشهور في المبدإ و العدة و التسمية و قد يساعد عليه ما في سورة التوبة من قوله تعالى إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ (1) فتستقيم بذلك أمثال ما روي أنه تعالى خلق الأرض و السماء في يوم الأحد أو خلق الملائكة في يوم الجمعة فلا يتوجه إشكال وجوب تأخر أصل اليوم فضلا عن خصوص الأحد عن خلق السماوات و الأرض و لا إشكال لزوم خلق الملائكة فيما تأخر عن المتأخر عنه من السماوات و الأرض على ما مر في حديث الرضا(ع)و تستقيم به أيضا أمثال ما روي أن دحو الأرض كان في ليلة خمس و عشرين من ذي القعدة بدون استبعاد و انقباض للعقل من جهة أن تقدم امتياز تلك الشهور بعضها عن بعض و انضباطها بتلك الأسامي على دحو الأرض و ما يتبعه من خلق الإنس بل الجن أيضا خلاف العادة.
ثم إنه يلوح مما ذكره صاحب الملل و النحل بقوله قد اجتمعت اليهود على أن الله تعالى لما فرغ من خلق الأرض استوى على عرشه مستلقيا على قفاه واضعا إحدى رجليه على الأخرى فقالت فرقة منهم إن الستة الأيام هي الستة آلاف سنة ف إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ و بالسير القمري و ذلك ما مضى من لدن آدم(ع)إلى يومنا هذا و به يتم الخلق ثم إذا بلغ الخلق إلى النهاية ابتدأ الأمر و من ابتداء الأمر يكون الاستواء على العرش و الفراغ من
____________
(1) التوبة: 36.
220
الخلق و ليس ذلك أمرا كان و مضى بل هو في المستقبل إذا عددنا الأيام بالألوف انتهى إن بعضا من الكتب السماوية كالتوراة كان متضمنا للإشارة إلى أن المراد بالأيام المخلوقة فيها السماوات و الأرض هو الأيام الربانية و لكن اليهود لم يتفطنوا بكونها سابقة على زمان الدنيا و تعمدوا في تحريفها عن موضعها بتطبيقها على بعض أزمنة الدنيا تصحيحا لما سولته لهم أنفسهم من أن شريعة موسى(ع)هي أول أوامره و شروعه في التكليف حتى لا يلزمهم الإقرار بنسخ شريعة سابقة مستلزم لإمكان وقوع مثله على شريعتهم أيضا فافهم و يظهر مما ذكره محمد بن جرير الطبري في أول تاريخه أن حمل تلك الأيام على الأيام الربانية أمر مقرر بين أهل الإسلام أيضا من قديم الأيام فإذا تأملت في مدارج ما صورناه و بيناه يظهر لك أن السماوات و الأرض و ما بينهما المعبر عنها بالدنيا بمنزلة شخص مخلوق من نطفة هي الماء على طبق حصول استعداداته بالتدريج كما جرت به عادته تعالى في مدة مديدة هي على حسابنا ستة آلاف سنة قمرية موافقة لستة أيام من الأيام الربانية فبعد تمام هذه المدة التي هي بمنزلة زمان الحمل لها تولدت كاملة بطالع السرطان و الكواكب في شرفها و حينئذ أخذت الشمس و القمر في حركتهما المقدرة لهما المنوطة بهما الليل و النهار و ذلك كان في يوم الجمعة كما مر وجهه و كان أيضا سادس شهر محرم الحرام أو رمضان المبارك عند ما مضت ثلاث ساعات و اثنتا عشرة دقيقة من نهاره و لا ينافي ذلك ما
- وَرَدَ فِي حَدِيثِ الرِّضَا(ع)أَنَّهُ كَانَتِ الشَّمْسُ عِنْدَ كَيْنُونَتِهَا فِي وَسَطِ السَّمَاءِ.
ه(ع)في صدد تصوير وضع نهار أيام الدنيا حينئذ لا الأيام الربانية و ما نحن فيه مبني عليها فلا يلزم الموافقة هذا هو مبدأ عمر الدنيا و أما مبدأ خلقها من نطفتها فمقدم عليه بقدر ما عرفت من زمان حملها فكان مبدأ أول يوم الأحد من تلك الأيام غرة أحد الشهرين و لا شك بما نصب لنا من الدلالات اليقينية أن لها أمدا ممدودا و أجلا محدودا و يقرب احتمال أنه تعالى كان قدر لجملة زمانها من مبدإ خلقها إلى حلول أجلها سنة كاملة من السنين الربانية فجعل ستة أيام منها بإزاء خلقها و الباقية
221
و هي ثلاثمائة و أربعة و خمسون يوما بإزاء عمرها و إنها كما مر مساوية لثلاثمائة و أربعة و خمسين ألف سنة من السنين القمرية الدنيوية يلوح ذلك من جملة روايات و عدة إشارات من الصادقين ع.
منها
- مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فِي فَضْلِ الْجِهَادِ وَ تَوَابِعِهِ أَنَّ رِبَاطَ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ سَنَةً ثَلَاثَمِائَةٍ وَ سِتِّينَ يَوْماً كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ سَنَةٍ.
فإن الذكي يتفطن من الخصوصية المذكورة فيها لكل من السنة و اليوم بأن المراد بهما غير السنة و اليوم الدنيويين إذ لا سنة في الدنيا بهذا العدد من الأيام فإنه لا يوافق شيئا من الشمسية و القمرية المعتبرتين فيها و لا يوم من أيام الدنيا موافقا لذلك الامتداد من الزمان فيظن أن هذا التعبير كناية عن نهاية ما يتصور للرجل من العبادة و هو تمام زمان الدنيا.
و منها ما رواه الصدوق في الفقيه و الكليني في الكافي ثم أورد الروايتين فقال وجه دلالة الحديثين على ما ذكرنا أن السنة الأولى فيه و هي المختزلة عنها الأيام الستة يجب أن تحمل على السنة الربانية لأن شيئا من السنة الشمسية و القمرية الدنيويتين لم يخلق ثلاثمائة و ستين يوما كما تقرر في موضعه و لأنه لو حملت على الدنيوية فإما أن تحمل الأيام الستة أيضا على الأيام الدنيوية فغاية ما يلزم من اختزالها عنها أن تكون السنة الأولى من سني عمر الدنيا ثلاثمائة و أربعة و خمسين يوما فلا يلزم هذا النقصان في جميع السنين و إما أن تحمل على الأيام الربانية فلا يتصور الاختزال المذكور حينئذ فإن يوما من تلك الأيام كألف سنة من تلك السنين فتحقق أن المراد بتلك السنة السنة الربانية على وفق ما بينا أن المراد بالأيام الستة الأيام الربانية و أما السنة الثانية في الحديثين فيجب أن تحمل على السنة الدنيوية المستتبعة لنقصان بعض شهورها و هو ظاهر فعلى هذا ما يفهم منه من تفرع النقصان في تلك السنة و شهورها على الاختزال المذكور يدل على أنه لو لم يختزل الأيام الستة المذكورة عن رأس السنة الربانية المذكورة بل وقع خلق الدنيا في زمان خارج عن تلك السنة متصل بها لكانت أيام السنة الدنيوية
222
ثلاثمائة و ستين و كذا يدل على أن الأيام المختزلة لو كانت عشرة مثلا لكانت أيام السنة الدنيوية ثلاثمائة و خمسين و على هذا القياس فيظهر بذلك أنه مبني على أن الحكمة الإلهية اقتضت مساواة الأيام الباقية بعد الاختزال من السنة الربانية مع أيام كل سنة من السنين الدنيوية فيتفطن الذكي من لزوم تلك السماوات بين هاتين الأيامين أنهما منسوبتان إلى شيء واحد فكما أن أيام السنة الدنيوية منسوبة إلى الدنيا و محسوبة من عمرها كذلك الأيام الباقية المذكورة منسوبة إليها لأجل عمرها و يؤيده انتساب الأيام السنة المختزلة أيضا إليها لأجل خلقها فتبين من مدارج ما قررنا سر هذا الاختزال و كونه على النحو المذكور أيضا فإنه لو لم يقع أو وقع لا على النحو المذكور لكان يزيد ألف سنة من سني الدنيا على يوم من الأيام الربانية أو ينقص عنها و هو خلاف ما أخبرنا الله تعالى به من مساواتهما المبنية على حكمته و مصلحته بلا شبهة.
ثم ليعلم أن كون السنة الدنيوية القمرية ثلاثمائة و أربعة و خمسين يوما مبني على ما تعارف من إسقاط الكسر الناقص عن النصف في الحساب مساهلة فلا ينافي كونها في الحقيقة زائدة عليه بثماني ساعات مستوية و ثمان و أربعين دقيقة على ما هو المضبوط بالأرصاد فعلى ذلك تكون بقية السنة الربانية التي بإزاء عمر الدنيا أيضا زائدة بمثل تلك الساعات و الدقائق بحكم المساواة المذكورة فيلزم من هذه الجهة أن يكون أيام (1) الستة المختزلة لخلق الدنيا ناقصة عنها أيضا بالقدر المذكور لئلا يلزم زيادة مجموعهما على ثلاثمائة و ستين و قد أشرنا في تصوير زمان حمل الدنيا إلى هذه الدقيقة فتذكر.
انتهى كلامه رفع الله مقامه و لقد أحسن و أجاد و حقق و أفاد في إبداء هذا الوجه الوجيه مع تأيده بما ذكر و بغيره من الأخبار المتقدمة عن مجاهد و غيره و بما رواه الصدوق ره في الفقيه و غيره في علة الصلوات الخمس
- عَنِ النَّبِيِّ(ص)حَيْثُ قَالَ: وَ أَمَّا صَلَاةُ الْمَغْرِبِ فَهِيَ السَّاعَةُ الَّتِي تَابَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِيهَا
____________
(1) الايام (ظ).
223
عَلَى آدَمَ وَ كَانَ بَيْنَ مَا أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ وَ بَيْنَ مَا تَابَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِ ثَلَاثُمِائَةِ سَنَةٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا وَ فِي أَيَّامِ الْآخِرَةِ يَوْمٌ كَأَلْفِ سَنَةٍ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى الْعِشَاءِ.
و قد أوردت مثله بأسانيد في المجلد الخامس و بما
- رواه السيوطي في الدر المنثور عن عكرمة قال سأل رجل ابن عباس ما هؤلاء الآيات فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (1) و يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ (2) و يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَ لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (3) قال يوم القيامة حساب خمسين ألف سنة و خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ كل يوم ألف سنة و يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ و ذلك (4) مقدار السير.
.- و عن عكرمة فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قال هي الدنيا أولها إلى آخرها يوم مقداره خمسون ألف سنة.
لكن فيما زيف به بعض الوجوه الأخر نظر إذ بناء تحقيقه على تحقق الزمان الموهوم قبل خلق العالم و إن كان تقديره و قسمته بالأيام و الساعات فيمكن أن يقال بعد خلق الكواكب و حركاتها و تعيين الليالي و الأيام و الشهور و الأسابيع يمكن الرجوع القهقرى و تعيين جميع ذلك في الأزمنة الماضية تقديرا و تكلف التقدير مشترك بين الوجهين مع أن هذا الوجه أوفق بظواهر أكثر الآيات و الأخبار و أما أن الستة الأيام لا يكون مبالغة في جانب القلة إذا حملت على أيام الدنيا فليس كذلك بل في خلق السماوات و الأرض مع وفور عظمتهما و اشتمالهما على أنواع الحكم الدقيقة و المصالح الأنيقة مما يدل على غاية القدرة و العلم و الحكمة و أما أنه كان يمكن خلقهما في أقل من ذلك الزمان فبين الرضا(ع)الحكمة في ذلك فلعله سبحانه جمع بين الأمرين أي عدم الخلق دفعة و قلة الزمان رعاية للأمرين معا و سائر ما ذكره (قدّس سرّه) إما محض
____________
(1) المعارج: 4.
(2) السجدة: 5.
(3) الحجّ: 47.
(4) في المخطوطة: قال ذلك.
224
استبعاد أو مقايسة بعض المخلوقات ببعض و كلاهما مما لا وقع له في هذا المقام.
و أما الاختزال فيمكن أن يكون غرضه(ع)الإشارة إلى علة شيوع هذا الاصطلاح أي إطلاق السنة في عرف الشرع و العرف العام على ثلاثمائة و ستين مع أنها لا توافق السنة الشمسية و لا القمرية بأنها مطابقة للسنة الأولى من خلق العالم إذا حسبت من ابتداء الخلق و أما السنة القمرية فهي مبنية على حركة القمر بعد وجوده و الستة المتقدمة المصروفة في خلق العالم مختزلة منها و سيأتي لذلك مزيد تحقيق في محله إن شاء الله تعالى.
ثم اعلم أنه قد تكلم كثير من الناس من الفرق المتشتتة في قدر زمان عمر الدنيا فأكثر اليهود بل سائر أهل الكتاب مالوا إلى تقليله بأمور خطابية لا ترتضيها العقول السليمة و جمهور الهنود بالغوا في تكثيره بخيالات حسابية تتنفر عنها الطبائع المستقيمة و أما مشاهير قدماء الحكماء و جماهير عظماء الأحكاميين فقد توسطوا في ذلك و لكن تفرقوا إلى أقوال شتى و حكى أبو معشر البلخي في كتابه المسمى بسر الأسرار عن بعض أهل هند أن الدور الأصغر ثلاثمائة و ستون سنة و الأوسط ثلاثة آلاف و ستمائة سنة و الأكبر ثلاثمائة و ستون ألف سنة و لعل المراد بالدور الأكبر زمان عمر الدنيا و بالسنة السنة الشمسية فيطابق ما اعتمد عليه جمع من أعلام المنجمين من قول حكماء فارس و بابل أن سني عمر العالم ثلاثمائة و ستون ألف سنة شمسية كل سنة ثلاثمائة و خمسة و ستون يوما و خمس عشرة دقيقة و اثنتان و ثلاثون ثانية و أربع و عشرون ثالثة و مستندهم في ذلك على نقل أبو معشر من (1) أهل فارس أن الكواكب السبعة في أول خلق الدنيا كانت مجتمعة في أول الحمل و يكون اجتماعها في آخر زمان بقائها في آخر الحوت و زمان ما بينهما ثلاثمائة و ستون ألف سنة من تلك السنين و أما مستندهم في الاجتماع المذكور على نحو ما تصوروه في المقامين فغير معلوم.
ثم اعلم أن هذه الخيالات و الروايات و إن لم يكن مبتنية على أصل متين
____________
(1) عن (خ).
225
لكنها مما يرفع استبعادات الأوهام عن الأخبار الواردة في الرجعة و طول امتداداتها فإنها أيضا داخلة في زمان عمر الدنيا فإذا حسبت تلك الأزمان مع ما ورد في بعض الأخبار من أزمنة كون غير آدم و أولاده في الأرض يصير قريبا مما ذكر بعض هؤلاء الجماعة و بالجملة كل من الأمرين مما يصلح أن يصير سببا لرفع الاستبعاد عن الآخر ثم إن بعض المتصدين لحل هذا الخبر سلك مسلكا أوحش و أغرب حيث قال السنة في العرف تطلق على الشمسية التي هي عبارة عن عود الشمس بحركتها الخاصة لها إلى الوضع الذي فرض أولا كأول الحمل مثلا الذي يتساوى عند حلولها فيه زمان الليل و النهار تقريبا بعد أن كان الليل أطول في معظم المعمورة و على القمرية التي هي عبارة عن عود القمر إلى وضعه المفروض أولا مع الشمس في سمت الحركة اثنتا عشرة مرة كل مرة تسمى شهرا و قد علم بالتجربة و الرصد أن زمان الأولى يكون ثلاثمائة و خمسة و ستين يوما و كسرا من يوم و زمان الثانية ثلاثمائة و أربعة و خمسين يوما و كسرا و لو فرض فارض كون الشمس أسرع حركة بحيث تتم دورتها في ثلاثمائة و ستين بلا زيادة و نقصان و القمر بحاله يكون مقدار السنة القمرية أيضا ثلاثمائة و ستين يوما كل شهر ثلاثون يوما كما لا يخفى على المحاسب و حينئذ لم يكن اختلاف بين السنة القمرية و الشمسية لكن قد جعل الله سبحانه زمان الشمسية أكثر من ذلك بقريب من ستة أيام و زمان القمرية أنقص بنحو ذلك لمصالح تعود إلى مخلوقاته في السماوات و الأرضين ينتظم بها النظام الأكمل الذي لا يعلم كنهه إلا هو فلعل هذا هو المراد من جعل السنة ثلاثمائة و ستين و حجز الستة الأيام عنها بل لا ينقبض العقل من أن يكون المراد بخلق السماوات و الأرض في ستة أيام ذلك أعني على اختلاف نظام لحركة السماويات خصوصا النيرين اللذين قدرت بهما الشهور و الأعوام و الليالي و الأيام و غير ذلك من مصالح الأنام قدر ذلك الاختلاف ستة أيام في كل سنة فليتفكر جدا في ذلك انتهى.
226
و أورد عليه بوجوه الأول أن كون سرعة الشمس على الوجه المذكور مستلزمة لكون السنة القمرية أيضا ثلاثمائة و ستين يوما إنما يكون حقا إذا كان زيادة أيام الشمسية على ثلاثمائة و ستين موافقة لنقصان أيام القمرية عنه حقيقة و ليس كذلك فإن الأول لا يزيد على خمسة أيام و ربع يوم في شيء من الأرصاد المتداولة و الثاني يزيد على خمسة أيام و خمسة أثمان يوم بالاتفاق فأقل ما به التفاوت يزيد على تسع ساعات فالصواب أن تفرض سرعتها بقدر نصف التفاوت بين زماني السنتين حتى يتساويا و يرتفع التفاوت عما بينهما بالكلية كما هو المقصور و ما يلزم حينئذ من عدم بلوغ شيء منهما إلى السنتين حقيقة بل يكون أقل منه بنحو خمس ساعات فالأمر فيه سهل فإنه لا ينافي إطلاق الستين عليه عرفا.
الثاني أن كون السنة ثلاثمائة و ستين يوما في الحديث إخبار عن الواقع سواء حمل الخلق على معنى الإيجاد أو التقدير و على ما ذكره أمر فرضي لا وقوع له أصلا.
الثالث أن المراد بالأيام المختزلة عن أيام السنة إذا كان هذه الأيام فكيف يتصور أن يكون بعضها لأجل الأرض و بعضها لأجل السماء كما يظهر من بعض الآيات بل غاية ما يتصور أن يكون لها مدخل في النظام المقصود بالنسبة إلى الجميع.
الرابع أن هذا المعنى لهذه الأيام لا يوافق شيئا من الروايات الدالة على تعيين يوم من أيام الأسبوع لخلق كل من المخلوقات المذكورة.
187 مَجْمَعُ الْبَيَانِ، نَقْلًا مِنْ تَفْسِيرِ الْعَيَّاشِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: كُنْتُ بِخُرَاسَانَ حَيْثُ اجْتَمَعَ الرِّضَا(ع)وَ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ وَ الْمَأْمُونُ فِي الْإِيوَانِ الْحِيرِيِّ بِمَرْوَ فَوُضِعَتِ الْمَائِدَةُ فَقَالَ الرِّضَا(ع)إِنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَنِي بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ النَّهَارُ خُلِقَ قَبْلُ أَمِ اللَّيْلُ فَمَا عِنْدَكُمْ قَالَ فَأَدَارُوا الْكَلَامَ وَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ فَقَالَ الْفَضْلُ لِلرِّضَا(ع)أَخْبِرْنَا بِهَا أَصْلَحَكَ اللَّهُ قَالَ نَعَمْ مِنَ الْقُرْآنِ أَمْ مِنَ الْحِسَابِ قَالَ لَهُ الْفَضْلُ مِنْ جِهَةِ
227
الْحِسَابِ فَقَالَ قَدْ عَلِمْتَ يَا فَضْلُ أَنَّ طَالِعَ الدُّنْيَا السَّرَطَانُ وَ الْكَوَاكِبُ فِي مَوَاضِعِ شَرَفِهَا فَزُحَلُ فِي الْمِيزَانِ وَ الْمُشْتَرِي فِي السَّرَطَانِ وَ الشَّمْسُ فِي الْحَمَلِ وَ الْقَمَرُ فِي الثَّوْرِ وَ ذَلِكَ (1) يَدُلُّ عَلَى كَيْنُونَةِ الشَّمْسِ فِي الْحَمَلِ مِنَ (2) الْعَاشِرِ مِنَ الطَّالِعِ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ فَالنَّهَارُ خُلِقَ قَبْلَ اللَّيْلِ وَ أَمَّا فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ (3) أَيْ قَدْ سَبَقَهُ النَّهَارُ.
كتاب النجوم، للسيد بن طاوس بأسانيده عن محمد بن إبراهيم النعماني عن محمد بن همام عن محمد بن موسى بن عبيد عن إبراهيم بن أحمد اليقطيني عن ابن ذي العلمين مثله (4)- و بأسانيده إلى كتاب الواحدة لابن جمهور العمي بإسناده مثله اعلم أنه أورد على هذا الخبر إشكالات الأول أن الظلمة التي تحصل منها الليل عدم النور الذي يحصل منه النهار و عدم الحادث مقدم على وجوده.
و الجواب أن الظلمة ليست عدما مطلقا بل عدم ملكة إذ هي عدم النور عما من شأنه أن يكون نيرا و مثله يمكن أن يكون مقدما و مؤخرا و الحاصل هنا أن أول خلق العالم هل كان نهارا أم ليلا.
الثاني أن عند خلق الشمس لا بد أن يكون في بعض الأرض ليلا و في بعضها نهارا فلا تقدم لأحدهما على الآخر.
و الجواب أن السؤال عن معظم المعمورة هل كان الزمان فيها ليلا أم نهارا فلا ينافي وجود الليل فيما يقاطرها.
الثالث ما المراد بطالع الدنيا فإن كل نقطة من نقاط الأرض لها طالع و
____________
(1) في المصدر: فذلك.
(2) في المخطوطة: فى العاشر.
(3) يس: 40.
(4) لم نجد ترجمة رجال السند في شيء من تراجم العامّة و الخاصّة.
228
كل نقطة من نقاط منطقة البروج طالع أفق من الآفاق.
و الجواب أنه يمكن أن يكون المراد بطالع الدنيا طالع قبة الأرض أي موضع من الربع المسكون في وسط خط الإستواء يكون طوله من جانب المغرب على المشهور أو المشرق على رأي أهل الهند تسعين درجة و قد تطلق على موضع من الأرض يكون طوله نصف طول المعمورة منها أعني تسعين درجة و عرضه نصف أرض المعمورة منها أي ثلاثا و ثلاثين درجة تخمينا و من خواص القبة أنه إذا وصلت الشمس فيها إلى نصف النهار كانت طالعة على جميع بقاع الربع المسكون نهارا فظهرت النكتة في التخصيص و يمكن أن يكون الطالع هنا بالقياس إلى الكعبة لأنها وسط الأرض خلقا و شرعا و شرفا.
الرابع كون الكواكب في مواضع شرفها لا يستقيم على قواعد المنجمين و اصطلاحاتهم إذ عطارد شرفه عندهم في السنبلة و شرف الشمس في الحمل و لا يبعد عطارد عن الشمس بهذا المقدار و لقد خبط الطبري (1) و غيره في ذلك فحكموا بكون عطارد أيضا حينئذ في الدرجة الخامسة عشر من السنبلة نقلا من جماهير الحكماء.
و الجواب أنه(ع)يمكن أن يكون بنى ذلك على ما هو المقرر عنده لا ما زعمه المنجمون في شرف عطارد أو يقال إن عطارد مستثنى من ذلك و أحال ذلك على ما هو المعلوم عندهم أو يقال المراد بالكواكب الأربعة المفصلة اعتمادا على ذكرها بعده.
الخامس أن المقرر في كتب الأحكام في بحث القرانات أن السبعة كانت مجتمعة في أول الحمل و لو فرض أنهم أخطئوا في ذلك كان على الفضل و سائر الحضار المتدربين في صنعة النجوم أن يسألوا عن ذلك و يراجعوا فيه و لم ينقل منهم ذلك.
و الجواب أنهم ليسوا متفقين في ذلك كما يظهر من الطبري و غيره فلعل
____________
(1) في المخطوطة: و لقد خبط الطبريّ في تاريخه.
229
الفضل و غيره ممن حضر المجلس كان يسلك هذا المسلك و ربما يقال لعل الراوي سها أو خبط في فهم كلامه(ع)و كان ما قاله(ع)هو أن الكواكب كانت مع الشمس في شرفها و الضمير في شرفها كان للشمس لا للكواكب فاشتبه عليه و زعم أن الضمير للكواكب ففصل كما ترى.
و أقول على ما ذكرنا لا حاجة إلى تحريف الحديث و نسبة السهو إلى الراوي و ما ذكروه ليس مستندا إلى حجة و أكثر أقاويلهم في أمثال ذلك مستندة إلى أوهام فاسدة و خيالات واهية كما لا يخفى على من تتبع زبرهم.
قال أبو ريحان (1) فيما عندنا من تاريخه في سياق ذكر ذلك و بكل واحد من الأدوار تجتمع الكواكب في أول الحمل بدءا و عودا و لكنه في أوقات مختلفة فلو حكم على أن الكواكب مخلوقة في أول الحمل في ذلك الوقت أو على أن اجتماعها فيه هو أول العالم أو آخره لتعرف دعواه تلك عن البينة و إن كان داخلا في الإمكان و لكن مثل هذه القضايا لا تقبل إلا بحجة واضحة أو مخبر عن الأوائل و المبادي موثوق بقوله متقرر في النفس صحة اتصال الوحي و التأييد به فإن
____________
(1) ابو ريحان محمّد بن أحمد البيرونى الخوارزمي الحكيم، الرياضى، الطبيب، المنجم المعروف، كان فليسوفا عالما بالفلسفة اليونانية و فروعها و فلسفة الهنود، و برع في علم الرياضيات و الفلك، بل قيل انه أشهر علماء النجوم و الرياضيات من المسلمين، كان معاصرا لابن سينا و كان بينهما مراسلات و ابحاث، كان اصله من «بيرون» بلد في السند و سافر الى بلاد الهند أربعين سنة اطلع فيها على علوم الهنود و اقام مدة في «خوارزم» و كان أكثر اشتغاله في النجوم و الرياضيات و التاريخ، و خلف مؤلّفات نفيسة منها «الآثار الباقية عن القرون الخالية» فى التاريخ الفه لشمس المعالى قابوس حكى انه كان مكبا على تحصيل العلوم متفننا في التصنيف لا يكاد يفارق يده القلم و عينه النظر و قلبه الفكر، و كان مشتغلا في جميع أيّام السنة الا يوم النيروز و المهرجان. و حكى عن الشيخ صلاح الدين الصفدى انه قال: كان أبو ريحان البيرونى حسن المعاشرة، لطيف المحاضرة، خليعا في الفاظه، عفيفا في أحواله لم يأت الزمان بمثله علما و فهما.
توفّي سنة (430) تقريبا.
230
من الممكن أن تكون هذه الأجسام (1) متفرقة غير مجتمعة وقت إبداع المبدع لها و إحداثه إياها و لها هذه الحركات التي أوجب الحساب اجتماعها في نقطة واحدة في تلك المدة انتهى.
السادس أن الاستدلال بالآية لا يتم إذ يمكن أن يحمل قوله تعالى وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ على أن الليل لا يأتي قبل وقته المقرر و زمانه المقدر كما أن الشمس لا تطلع قبل أوانها و كل من الليل و النهار لا يأتي أحدهما قبل تمام الآخر كما سيأتي بيانه في تفسير الآية.
و الجواب أنه(ع)بنى الاستدلال على ما علم من مراده تعالى في الآية و كان(ع)عندهم مأمونا مصدقا في ذلك.
السابع أن ما تقدم نقلا من السيوطي عن ابن عباس ينافي ذلك حيث حكم بتقدم الليل على النهار و ما ينقل عن التوراة موافقا لذلك أيضا ينافيه.
و الجواب أن حديث ابن عباس لا يعارض به كلام الإمام(ع)المنقول من الأصول المعتبرة و كذا نقل التوراة لم يثبت و لو ثبت فأكثرها محرفة لا يعتمد عليها و ربما يجاب بأن حدوث النور إنما هو بعد الظلمة فالظلمة مقدمة على النور لكن طالع خلق الدنيا يعني طالع دحو الأرض كان هو السرطان و الشمس حينئذ في الحمل في العاشر على ما ذكره الإمام(ع)فأول الأوقات في دحو الأرض هو الظهر و لذا سميت صلاة الظهر بالصلاة الأولى كما سميت بالوسطى أيضا عند كثير من العلماء و إنما فسر طالع الدنيا بطالع دحو الأرض لأن خلق الأرض مقدم على خلق السماء لكن دحوها مؤخر جمعا بين الآيات انتهى.
و أقول يمكن حمله على ابتداء خلق الكواكب فإن حصول النهار إنما هو عنده و الحاصل أنه تم خلق أجزاء الدنيا حين كون السرطان على الأفق الشرقي بالنسبة إلى قبة الأرض فإذا رجعت على توالي البروج و عددت ستة من تحت الأرض و ثلاثة من فوقها كان العاشر و هو الحمل على سمت الرأس فإذا كانت الشمس فيه يكون
____________
(1) في المخطوطة: الاجرام.
231
بالنسبة إلى أكثر المعمورة نهارا كما عرفت فالنهار في أول الخلق بالنسبة إلى المعمورة التي هي مسكن أشرف الخلق مقدم على الليل ثم إنه يحتمل أن يكون ذكر هذه المصطلحات التي لم تجر عادتهم(ع)بذكرها و إجراء الكلام على قواعد النجوم التي نفوها و زيفوها كما ستعلم إن شاء الله إلزاما على الفضل المشهور في تلك الصناعة و إظهارا لعلمهم(ع)بجميع العلوم و الاصطلاحات و قد يقال إن تلك الكواكب لما كانت في ابتداء خلق العالم في مواضع مخصوصة مضبوطة عند أهل العلم أخذا عن الأنبياء و الحجج(ع)فبعد ما أخذ المنجمون بعض ذلك عنهم زعموا أنها لتلك الخصوصية كانت أحسن مواضع تلك الكواكب فسموها شرفا لها ثم سموا المواضع التي تقابلها هبوطا لها توهما منهم أنها عند كونها فيها هابطة من تلك المنزلة و الشرف جدا و أما ما فات منهم أخذه عن أهل العلم كموضع عطارد مثلا عينوه من عند أنفسهم بخيالات شعرية مذكورة في كتبهم.
ثم إن بعض الناس توهموا أن هذا الحديث مؤيد لكون اليوم من الزوال إلى مثله كما اعتبره المنجمون لسهولة الحساب و لا يخفى وهنه على أولي الألباب و بعد اللتيا و التي فدلالة الحديث على حدوث أكثر ما يزعمه الحكماء قديما من أجزاء العالم بين لا يحتاج إلى البيان.
188 كِتَابُ الْمُحْتَضَرِ، لِلْحَسَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ مِمَّا رَوَاهُ مِنْ كِتَابِ الْخُطَبِ لِعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ يَحْيَى الْجَلُودِيِّ قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ سَلُونِي فَإِنِّي لَا أُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ دُونَ الْعَرْشِ إِلَّا أَجَبْتُ فِيهِ لَا يَقُولُهَا بَعْدِي إِلَّا جَاهِلٌ مُدَّعٍ أَوْ كَذَّابٌ مُفْتَرٍ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ جَانِبِ (1) مَسْجِدِهِ فِي عُنُقِهِ كِتَابٌ كَأَنَّهُ مُصْحَفٌ وَ هُوَ رَجُلٌ آدَمُ ضَرْبٌ (2) طِوَالٌ جَعْدُ الشَّعْرِ كَأَنَّهُ مِنْ مُهَوِّدَةِ الْعَرَبِ فَقَالَ رَافِعاً صَوْتَهُ لِعَلِيٍّ أَيُّهَا الْمُدَّعِي مَا لَا يَعْلَمُ وَ الْمُقَلِّدُ مَا لَا يَفْهَمُ أَنَا السَّائِلُ فَأَجِبْ فَوَثَبَ بِهِ أَصْحَابُ عَلِيٍّ وَ شِيعَتُهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ فَهَمُّوا بِهِ فَنَهَرَهُمْ عَلِيٌّ(ع)فَقَالَ لَهُمْ دَعُوهُ وَ لَا تَعْجَلُوهُ فَإِنَّ الطَّيْشَ
____________
(1) في بعض النسخ: من مجلسه.
(2) الادم هو الاسمر، و الضرب- بسكون الراء- أى الخفيف الظريف.
232
لَا تَقُومُ بِهِ حُجَجُ اللَّهِ وَ لَا بِهِ تَظْهَرُ بَرَاهِينُ اللَّهِ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الرَّجُلِ وَ قَالَ لَهُ سَلْ بِكُلِّ لِسَانِكَ وَ مَا فِي جَوَانِحِكَ فَإِنِّي أُجِيبُكَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا تَعْتَلِجُ عَلَيْهِ الشُّكُوكُ وَ لَا يُهَيِّجُهُ وَسَنٌ فَقَالَ الرَّجُلُ كَمْ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَ الْمَشْرِقِ قَالَ عَلِيٌّ(ع)مَسَافَةُ الْهَوَاءِ قَالَ وَ مَا مَسَافَةُ الْهَوَاءِ قَالَ عَلِيٌّ(ع)دَوَرَانُ الْفَلَكِ قَالَ الرَّجُلُ وَ مَا قَدْرُ دَوَرَانِ الْفَلَكِ قَالَ مَسِيرَةُ يَوْمٍ لِلشَّمْسِ قَالَ الرَّجُلُ صَدَقْتَ قَالَ فَمَتَى الْقِيَامَةُ قَالَ عَلَى قَدْرِ قُصُورِ الْمَنِيَّةِ (1) وَ بُلُوغِ الْأَجَلِ قَالَ الرَّجُلُ صَدَقْتَ فَكَمْ عُمُرُ الدُّنْيَا قَالَ عَلِيٌّ يُقَالُ سَبْعَةُ آلَافٍ ثُمَّ لَا تَحْدِيدَ قَالَ الرَّجُلُ صَدَقْتَ فَأَيْنَ بَكَّةُ مِنْ مَكَّةَ قَالَ عَلِيٌّ مَكَّةُ مِنْ أَكْنَافِ الْحَرَمِ وَ بَكَّةُ مَوْضِعُ الْبَيْتِ قَالَ فَلِمَ سُمِّيَتْ مَكَّةُ مَكَّةَ قَالَ لِأَنَّ اللَّهَ مَكَّ الْأَرْضَ مِنْ تَحْتِهَا قَالَ فَلِمَ سُمِّيَتْ بَكَّةَ قَالَ لِأَنَّهَا بَكَّتْ رِقَابَ الْجَبَّارِينَ وَ عُيُونَ الْمُذْنِبِينَ قَالَ صَدَقْتَ وَ أَيْنَ كَانَ اللَّهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ عَرْشَهُ قَالَ عَلِيٌّ سُبْحَانَ مَنْ لَا تُدْرِكُ كُنْهَ صِفَتِهِ حَمَلَةُ الْعَرْشِ عَلَى قُرْبِ زُمَرَاتِهِمْ مِنْ كَرَاسِيِّ كَرَامَتِهِ وَ لَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ مِنْ أَنْوَارِ سُبُحَاتِ جَلَالِهِ وَيْحَكَ لَا يُقَالُ أَيْنَ وَ لَا ثَمَّ وَ لَا فِيمَ وَ لَا لِمَ وَ لَا أَنَّى وَ لَا حَيْثُ وَ لَا كَيْفَ قَالَ الرَّجُلُ صَدَقْتَ فَكَمْ مِقْدَارُ مَا لَبَّثَ اللَّهُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَخْلُقَ الْأَرْضَ وَ السَّمَاءَ قَالَ أَ تُحْسِنُ أَنْ تَحْسُبَ قَالَ نَعَمْ قَالَ لَعَلَّكَ لَا تُحْسِنُ قَالَ بَلَى إِنِّي لَأُحْسِنُ أَنْ أَحْسُبَ قَالَ عَلِيٌّ أَ فَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ صُبَّ خَرْدَلٌ فِي الْأَرْضِ حَتَّى سَدَّ الْهَوَاءَ وَ مَا بَيْنَ الْأَرْضِ وَ السَّمَاءِ ثُمَّ أُذِنَ لِمِثْلِكَ عَلَى ضَعْفِكَ أَنْ تَنْقُلَهُ حَبَّةً حَبَّةً مِنْ مِقْدَارِ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ ثُمَّ مُدَّ فِي عُمُرِكَ وَ أُعْطِيتَ الْقُوَّةَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تَنْقُلَهُ وَ أَحْصَيْتَهُ لَكَانَ ذَلِكَ أَيْسَرَ مِنْ إِحْصَاءِ عَدَدِ أَعْوَامِ مَا لَبِثَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَخْلُقَ الْأَرْضَ وَ السَّمَاءَ وَ إِنَّمَا وَصَفْتُ لَكَ بِبَعْضِ عُشْرِ عَشِيرِ الْعَشِيرِ مِنْ جُزْءِ مِائَةِ أَلْفِ جُزْءٍ وَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنَ الْقَلِيلِ فِي التَّحْدِيدِ قَالَ فَحَرَّكَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ وَ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ.
بيان و الضرب بسكون الراء الرجل الخفيف اللحم على مسافة
____________
(1) عند حضور المنية (خ).
233
الهواء هذه التبهيمات في الأجوبة للتنبيه على عدم تكلف ما لم يؤمر الناس بعلمه و أنه لا فائدة للإنسان في علم حقائق الموجودات و مقاديرها كما تضيع الفلاسفة فيها أعمارهم على قرب زمراتهم أي جماعاتهم.
تفهيم و تتميم نفعه عميم بعون الله الواهب الكريم.
اعلم أن المقصود الأصلي من هذا الباب أعني حدوث العالم لما كان من أعظم الأصول الإسلامية لا سيما الفرقة الناجية الإمامية و كان في قديم الزمان لا ينسب القول بالقدم إلا إلى الدهرية و الملاحدة و الفلاسفة المنكرين لجميع الأديان و لذا لم يورد الكليني ره و بعض المحدثين لذلك بابا مفردا في كتبهم بل أوردوا في باب حدوث العالم أخبار إثبات الصانع تعالى اتكالا على أن بعد الإقرار بالحق جل و علا لا مجال للقول بالقدم لاتفاق أرباب الملل عليه. (1)
____________
(1) قال الفيض (رضوان اللّه عليه) في كتاب عين اليقين (ص 407) ما هذا لفظه: حدوث العالم بمعنى افتقاره إلى الصانع و مسبوقيته بالعدم في الجملة أي الأعمّ من العدم الزمانى من ضروريات الدين و عليه اجماع المسلمين- إلى ان قال- ما يظهر من التتبع لكلمات السلف من علماء الدين ان الواجب اعتقاده انما هو افتقار العالم إلى الصانع و مسبوقيته بالعدم في الجملة خاصّة، و أن إطلاق حدوث العالم راجع إليه، و أن الغرض من اثباته الرد على الدهرية و الطبيعيين المنكرين للصانع الزاعمين لقدم العالم و وجوب وجوده خذلهم اللّه و لذلك كلما سئل العلماء عن البرهان على ذلك اخذوا يستدلون على اثبات الصانع و ليس في كلامهم عن الزمان حرف اصلا إلّا إشارات على الحدوث الزمانى بالمعنى الغامض الذي نثبته و ترميزات إليه- إلى ان قال- و لو لا مخافة التطويل لنقلنا عباراتهم حتّى يتبين صدق ما ذكرنا.
ثمّ ذكر كلام أبي عبد اللّه (عليه السلام) لابن أبي العوجاء في حدوث الاجسام و بيان الصدوق (رحمه اللّه) في ذيله فراجع و سيأتي من الشيخ المحقق أبى الفتح الكراجكيّ ان القول بثبوت زمان بين الحق تعالى و بين أفعاله مناقض للقول بالحدوث، و كذا يأتي نقل تصريح أستاده علم الهدى بأن اللّه تعالى خلق اول الحوادث من غير زمان فتأمل حقه.
234
و في قريب من عصرنا لما ولع الناس بمطالعة كتب المتفلسفين و رغبوا عن الخوض في الكتاب و السنة و أخبار أئمة الدين و صار بعد العهد عن أعصارهم(ع)سببا لهجر آثارهم و طمس أنوارهم و اختلطت الحقائق الشرعية بالمصطلحات الفلسفية صارت هذه المسألة معترك الآراء و مصطدم الأهواء فمال كثير من المتسمين بالعلم المنتحلين للدين إلى شبهات المضلين و روجوها بين المسلمين فضلوا و أضلوا و طعنوا على اتباع الشريعة حتى ملوا و قلوا. حتى أن بعض المعاصرين (1) منهم يمضغون بألسنتهم و يسودون الأوراق بأقلامهم أن ليس في الحدوث إلا خبر واحد هو كان الله و لم يكن معه شيء ثم يؤولونه بما يوافق آراءهم الفاسدة فلذا أوردت في هذا الباب أكثر الآيات و الأخبار المزيحة للشك و الارتياب و قفيتها بمقاصد أنيقة و مباحث دقيقة تأتي بنيان شبههم من قواعدها و تهزم جنود شكوكهم من مراصدها تشييدا لقواعد الدين و تجنبا من مساخط رب العالمين كما
- رُوِيَ عَنْ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ(ص)إِذَا ظَهَرَتِ الْبِدَعُ فِي أُمَّتِي فَلْيُظْهِرِ الْعَالِمُ عِلْمَهُ وَ إِلَّا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ
. المقصد الأول في بيان معاني الحدوث و القدم
المشهور أن للحدوث معنيين الذاتي و الزماني و المستفاد من كلام الشيخ أن معنى الحدوث هو المسبوقية بالعدم إما بالذات لا بالزمان و هو الحدوث الذاتي و إما بالزمان و هو الحدوث الزماني و هو المتبادر (2) من لفظ الحدوث
____________
(1) في المخطوطة: القاصرين.
(2) كأن الجملة الأخيرة أعنى قوله «و هو المتبادر ...» من كلام المؤلّف- (رحمه اللّه)- لانا لم نجدها في شيء من كلمات الشيخ في الشفاء و الاشارات و النجاة و التعليقات، على انها غير مشابهة لكلامه كما يعرفه العريف بلحن قوله. و لعله استفاد ذلك من كلامه في الشفاء حيث قال (ص، 526): «فان اطلق اسم الحدث على كل ما له ايس بعد ليس كان كل معلول.
235
إذ المتبادر منه أنه لم يكن موجودا فوجد.
و أورد عليه أن تقدم العدم على الوجود بالذات لا معنى له إذ التقدم بالذات مخصوص عندهم بالتقدم بالعلية فتقدم العدم بالعلية على الوجود يستلزم اجتماع النقيضين (1).
____________
حادثا، و ان لم يكن يطلق بل كان شرط المحدث ان يوجد زمان و وقت كان قبله فبطل بمجيئه بعده اذ يكون بعديته لا يكون مع القبلية موجودة بل يكون ممائزة في الوجود لأنّها زمانية فلا يكون كل معلول محدثا بل المعلول الذي يسبق وجوده زمان و يسبق وجوده لا محالة حركة و تغير كما علمت و نحن لا نناقش في الأسماء- إلى ان قال- فان كان وجوده بعد ليس مطلق كان صدوره عن العلة ذلك الصدور إبداعا و يكون أفضل انحاء اعطاه الوجود لان العدم يكون قد منع البتة و سلط عليه الوجود» إلى آخره.
(1) اعلم ان السبق بالذات عند المتكلّمين هو سبق اجزاء الزمان بعضها على بعض، و عند الحكماء معنى عام يطلق على السبق بالطبع و بالماهية و بالعلية، و مسبوقية الحادث الذاتي بالعدم او بالغير- على اختلاف التعريفين- ليس على شيء من هذين الاصطلاحين بل هو اصطلاح خاص في مقابل الحادث الزمانى، توضيح ذلك انهم عرفوا الحادث بالمسبوق بالعدم او بالغير و المآل واحد لان المراد بالغير أعمّ من العلة و العدم، ثمّ قسموه الى ما هو مسبوق بالعدم المجامع أي ما يكون ذاته بذاته غير واجدة للوجود فيكون في مرتبة ذاته خالية عن الوجود و سموه بالحادث الذاتي، و إلى ما هو مسبوق بالعدم المقابل اي ما يكون موجودا في زمان لم يكن موجودا قبله فيكون مسبوقا بعدمه الغير المجامع لوجوده و سموه بالحادث الزمانى، فالسبق هاهنا بحسب الخارج و هناك بحسب نفس الامر، و مرتبة نفس الامر اوسع من مرتبة نفس الماهية من حيث هي هى قال الشيخ في الهيات النجاة، و اعلم انه كما ان الشيء قد يكون محدثا بحسب الزمان كذلك قد يكون محدثا بحسب الذات فان المحدث هو الكائن بعد ما لم يكن، و البعدية كالقبلية قد تكون بالزمان و قد تكون بالذات- ثم قال- فيكون لكل معلول في ذاته اولا انه ليس، ثمّ عرض عن العلة و ثانيا انه ايس، فيكون كل معلول محدثا أي مستفيدا لوجوده من غيره بعد ما له في ذاته انه لا يكون موجودا فيكون كل معلول في ذاته محدثا، فان كان مثلا في جميع الزمان موجودا مستفيدا لذلك الوجود عن موجد فهو محدث لان وجوده من بعد لا وجوده بعدية بالذات (انتهى موضع الحاجة) فتبيّن بما ذكرنا ان منشأ هذا الاشكال هو الخلط بين الاصطلاحين و حاصل الجواب ان معنى تقدم العدم على الوجود في الحادث الذاتي كون ذاته بذاته خالية عن الوجود و هو تقدم ما بالذات على ما بالغير لا التقدّم الذاتي الذي يستعمل في تقدم العلة على المعلول و تقدم الجنس و الفصل على النوع و غيرها.
236
و قال المحقق الطوسي ره الحدوث هو المسبوقية بالغير و ذلك الغير إن كان هو العلة فهو الحدوث الذاتي و إن كان عدما فهو الحدوث الزماني.
و يرد عليه أيضا ما يرد على الأول لأن ذات المعلول يصدق عليها أنها ليست بموجودة في مرتبة ذات العلة ثم وجد المعلول بعد ذلك السلب لوجوب تقدم وجود العلة على وجود المعلول و لا يتصور في تقدم سلب وجود المعلول على وجوده إلا التقدم الذاتي المنحصر في التقدم بالعلية فيعود الإشكال و للقوم في هذا المقام اعتراضات و أجوبة لا يناسب مقصودنا من هذا الكتاب إيرادها و أكثرها مذكورة في حواشي المحقق الدواني و غيره على الشرح الجديد للتجريد و بالجملة إطلاق الحدوث عليه محض اصطلاح لهم لا يساعده لغة و لا عرف و إنما مرجعه الأحقية أو إلى ترتب وجود المعلول على وجود العلة إذ العقل يحكم بأنه وجد فوجد.
و أثبت السيد الداماد ره قسما ثالثا و هو الحدوث الدهري حيث قال إن أنحاء العدم للممكن ثلاثة الأول العدم الذي هو الليس المطلق في مرتبة الذات و هو لكل ممكن موجود حين وجوده الثاني العدم المتكمم و هو لكل حادث زماني قبل زمان وجوده الثالث العدم الصريح الدهري قبل الوجود قبلية غير متكممة و ليس شيء من العدمين الأولين هو العدم المقابل للوجود أما الأول فلأنه يجامع الوجود في الواقع و يسبقه بحسب الذات سبقا ذاتيا و أما الثاني فلأنه ممايز لزمان الوجود و من شرائط التناقض في الزمانيات وحدة الزمان فإذا إنما المقابل للوجود العدم الصريح الذي لا يتصور فيه حد و حد و لن يتميز فيه حال (1) و حال ثم حقق في ذلك تحقيقا طويلا و حاصل كلامه أن أثبت للموجودات وعاءين آخرين سوى الزمان و هو الدهر و السرمد و قال نسبة المتغير إلى المتغير ظرفها الزمان و نسبة الثابت إلى المتغير ظرفها الدهر و نسبة الثابت إلى الثابت ظرفها السرمد.
و نقل على ذلك شواهد كثيرة من الحكماء فمن ذلك قول الشيخ في التعليقات حيث قال
____________
(1) و لاجل ذاك أعنى كون الحادث الدهرى فقط مسبوقا بالعدم الصريح جعل الحدوث الدهرى احق أنواع الحدوث بهذا الاسم.
237
تعليق العقل يدرك ثلاثة أكوان أحدها الكون في الزمان و هو متى الأشياء المتغيرة التي يكون لها مبدأ و منتهى و يكون مبدؤه غير منتهاه بل يكون مقتضيا و يكون دائما في السيلان و في تقضي حال و تجدد حال الثاني كون مع الزمان و يسمى الدهر و هذا الكون محيط بالزمان و هو كون الفلك مع الزمان و الزمان في ذلك الكون لأنه ينشأ من حركة الفلك و هو نسبة الثابت إلى المتغير إلا أن الوهم لا يمكنه إدراكه لأنه رأى كل شيء في زمان و رأى كل شيء يدخله كان و يكون و الماضي و الحاضر و المستقبل و رأى لكل شيء متى إما ماضيا أو حاضرا أو مستقبلا الثالث كون الثابت مع الثابت و يسمى السرمد و هو محيط بالدهر.
تعليق الوهم يثبت لكل شيء متى و محال أن يكون للزمان نفسه متى.
تعليق ما يكون في الشيء فإنه يكون محاطا بذلك الشيء فهو يتغير بتغير ذلك الشيء فالشيء الذي يكون في الزمان يتغير بتغير الزمان و يلحقه جميع أعراض الزمان و يتغير (1) عليه أوقاته فيكون هذا الوقت الذي يكون مثلا مبدأ كونه أو مبدأ فعله غير ذلك الوقت الذي هو آخره لأن زمانه يفوت و يلحق و ما يكون مع الشيء فلا يتغير بتغيره و لا تتناوله أعراضه تعليق الدهر وعاء الزمان لأنه محيط به.
و بين في الشفاء أيضا هذا المعنى ثم قال و لا يتوهم في الدهر و لا في السرمد امتداد و إلا لكان مقدارا للحركة ثم الزمان كمعلول الدهر و الدهر كمعلول السرمد و قال أيضا في الشفاء إنه لا يكون في الزمان إلا الحركات و المتحركات أما الحركة فذلك لها من تلقاء جوهرها و أما المتحرك فمن تلقاء الحركة و أما سائر الأمور فإنها ليست في زمان و إن كانت مع الزمان فإن العالم مع الخردلة و ليست في الخردلة إلى آخر ما قال و استحسن ذلك المحقق الطوسي ره و السيد الشريف و غيرهما.
و اعلم أن ما نحن بصدد إثباته لا يتوقف على تحقيق هذه الأمور فإن الذي
____________
(1) يعتور (خ).
238
ثبت بإجماع أهل الملل و النصوص المتواترة هو أن جميع ما سوى الحق تعالى أزمنة وجوده في جانب الأزل متناهية و في (1) وجوده ابتداء و الأزلية و عدم انتهاء الوجود مخصوص بالرب سبحانه سواء كان قبل الحوادث زمان موهوم أو دهر كما ستعرف إن شاء الله تعالى.
المقصد الثاني في تحقيق الأقوال في ذلك
اعلم أنه لا خلاف بين المسلمين بل جميع أرباب الملل في أن ما سوى الرب سبحانه و صفاته الكمالية كله حادث بالمعنى الذي ذكرنا و لوجوده ابتداء بل عد من ضروريات الدين قال السيد الداماد في القبسات عليه إجماع جميع الأنبياء و الأوصياء (2).
و قال صاحب الملل و النحل في كتاب نهاية الأقدام و صححه المحقق الطوسي ره (3) مذهب أهل الحق من الملل كلها أن العالم محدث مخلوق له أول أحدثه البارئ تعالى و أبدعه بعد أن لم يكن و كان الله و لم يكن معه شيء
____________
(1) في المخطوطة «لوجوده» و هو الأظهر.
(2) ادعى السيّد (رضوان اللّه عليه) اجماع السفراء السانين الشارعين من الأنبياء و المرسلين و الأوصياء المعصومين على كون ما في عوالم الخلق و الامر و اقليمى الغيب و الشهادة حادثا بالحدوث الذاتي و الدهرى، فراجع كلامه في القبسات (ص: 19) و الإنصاف ان دعوى الإجماع على هذه الخصوصيات في غير محله، و أن الإجماع من أهل الملل انما هو على الحدوث الملازم للامكان و بعبارة اخرى الإجماع على كون العالم بأسره مخلوقا، فمن رأى الملازمة بين المخلوقية و بين الحدوث الزمانى ادعى الإجماع على الحدوث الزمانى و من رأى الملازمة بينها و بين الحدوث الذاتي فقط أو مع الحدوث الدهرى ادعى الإجماع عليه فتدبّر جيدا.
(3) أي صحح محقق الطوسيّ نقل صاحب الملل و النحل، قال في القبسات بعد نقل هذا الكلام عن الشهرستانى في «نهاية الاقدام»: و نقل (يعنى الشهرستانى) مثل ذلك في كتاب المصارعة مع الشيخ الرئيس) و استصح نقله خاتم المحققين (يعنى نصير الدين الطوسيّ) في «مصارع المصارع».
239
و وافقهم على ذلك جمع من أساطين الحكمة و قدماء الفلاسفة مثل ثاليس و انكساغورس و انكسيمايس من أهل ملطية و مثل فيثاغورس و أنباذقلس و سقراط و أفلاطون من أهل آثينية و يونان و جماعة من الشعراء و الأوائل و النساك و إنما القول بقدم العالم و أزلية الحركات بعد إثبات الصانع و القول بالعلة الأولى إنما ظهر بعد أرسطاطاليس لأنه خالف القدماء صريحا و أبدع هذه المقالة على قياسات ظنها حجة و برهانا و صرح القول فيه من كان من تلامذته مثل الإسكندر الأفروديسي و ثامسطيوس و فرفوريوس و صنف برقلس المنتسب إلى أفلاطون في هذه المسألة كتابا أورد فيه هذه الشبه (1).
و قال السيد الداماد ره من النقل الذائع الصحيح المتواتر أن أفلاطون و الستة الباقين من الأساطين و غيرهم من القدماء على حدوث عالمي الأمر و الخلق بجميع أجزائه و أرسطو و تلامذته على قدمه (2) انتهى لكن الظاهر أنه كان مذهب أفلاطون حدوث الزمانيات فقط لاشتهار القول بقدم النفوس و البعد المجرد عنه (3) و قال السيد ره في القبسات القول بقدم العالم نوع شرك و قال في
____________
(1) نقل في القبسات الكلام الأخير أعنى من قوله «و إنّما القول بقدم العالم ...» الخ عن كتاب الملل و النحل.
(2) القبسات: 17. نقله بالمعنى:.
(3) هذا يؤيد قول السيّد الداماد- ره- ان محط النزاع هو الحدوث الدهرى لا الحدوث الزمانى، قال بعد نقل قول افلاطون و ارسطو ما هذا لفظه: فلا يصحّ ان يعنى بهما القدم و الحدوث الذاتيان بتة و لا ان يتوهم ان حريم النزاع هو الحدوث الزمانى، اما يشعر أن من العالم المبحوث عن حدوثه نفس الزمان- إلى أن قال- فكيف يظن بافلاطن و سقراط و من في مرتبتهما من افاخم الفلاسفة و أئمتهم انهم ينسبون الحدوث الزمانى للعالم الأكبر و يقولون ان نفس الزمان و محله و حامل محله و الجواهر المفارقة مسبوقة الوجود بالزمان و حاصلة الذات في الزمان و ليس يتفوه بذلك من في دائرة العقلاء و المحصلين؟! و قال في رسالة «مذهب ارسطاطاليس» بعد كلام له:
و لا يزيغ عن السبيل و لا يذهب الى القول بحدوث الكل حدثا زمانيا كيانيا في زمان او آن عن عدم ممتد لا الى بداية الا فريق من المهوشين في الدورة اليونانية و جماهير المتكلفين في الملّة الإسلامية.
240
موضع آخر منه أنه إلحاد.
و قال الصدوق ره في كتاب التوحيد الدليل على أن الله عز و جل عالم قادر حي لنفسه لا بعلم و قدرة و حياة هو غيره أنه لو كان عالما بعلم لم يخل علمه من أحد أمرين إما أن يكون قديما أو حادثا فإن كان حادثا فهو جل ثناؤه قبل حدوث العلم غير عالم و هذا من صفات النقص و كل منقوص محدث بما قدمناه و إن كان قديما يجب (1) أن يكون غير الله عز و جل قديما و هذا كفر بالإجماع (2) و قال ره في سياق إبطال مذاهب الثنوية فأما ما ذهب إليه ماني و ابن ديصان من خرافاتهما في الامتزاج و دانت به المجوس من حماقاتها في أهرمن ففاسد بما به يفسد قدم الأجسام (3) و قد عقد في هذا الكتاب بابا لإثبات الحدوث و أورد فيه الدلائل المشهورة التي سنشير إلى بعضها و لم نوردها مخافة الإطناب و التكرار و قال فيما قال لأن المحدث هو ما كان بعد أن لم يكن و القديم هو الموجود لم يزل (4) و قال في آخر الكلام هذه أدلة التوحيد الموافقة للكتاب و الآثار الصحيحة عن النبي و الأئمة(ع)(5).
و قال السيد المرتضى نقلا عن شيخه المفيد رفع الله شأنهما في الرد على أبي هاشم في القول بالحال فقال في أثناء كلامه و كره أن يثبت الحال شيئا فتكون موجودة أو معدومة و متى كانت موجودة لزمه على أصله و أصولنا جميعا أنها لا تخلو من القدم أو الحدوث و ليس يمكنه الإخبار عنها بالقدم ليخرج بذلك عن التوحيد و يصير بذلك أسوأ حالا من أصحاب الصفات و ساق الكلام إلى أن قال و القول بالهيولى و قدم الطينة أعذر من هؤلاء القوم إن كان لهم عذر و لا عذر للجميع فيما
____________
(1) في المصدر: وجب.
(2) التوحيد: 156.
(3) التوحيد: 194.
(4) التوحيد: 222.
(5) التوحيد: 223.
241
ارتكبوا من الضلال لأنهم يقولون إن الهيولى هو أصل العالم و إنه لم يزل قديما و الله تعالى محدث كما يحدث الصائغ من السبيكة خاتما و الناسج من الغزل ثوبا و النجار من الشجر لوحا إلى آخر ما رد (1) عليهم.
و نقل العلامة ره في المختلف عن الشيخ المفيد كلاما يدل على أن القول بالقدم ليس من مذاهب المليين حيث قال و أما الصابئون فمنفردون بمذاهبهم ممن عددناه لأن جمهورهم توحد الصانع في الأزل و منهم من يجعل معه هيولى في القدم صنع منها العالم فكانت عندهم الأصل و يعتقدون في الفلك و ما فيه الحياة و النطق و أنه المدبر لما في هذا العالم و الدال عليه و عظموا الكواكب و عبدوها من دون الله عز و جل و سماها بعضهم ملائكة و جعلها بعضهم آلهة و بنوا لها بيوتا للعبادات و هؤلاء على طريق القياس إلى مشركي العرب و عباد الأوثان أقرب من المجوس إلى آخر ما قال مما يؤيد ما ذكرنا.
و شيخ الطائفة قدس الله لطيفه عقد في كتاب الاقتصاد فصلا في أن الله تعالى واحد لا ثاني له في القدم و أقام الدلائل على ذلك إلى أن قال فإذا ثبت ذلك بطل إثبات قديمين و إذا بطل وجود قديمين بطل قول الثنوية القائلين بالنور و الظلمة و بطل قول المجوس القائلين بالله و الشيطان و بطل قول النصارى القائلين بالتثليث على أن قول الثنوية يبطل من حيث دللنا على حدوث الأجسام (2) و أثبت حدوث
____________
(1) أورد (ظ) اقول: كون الموجودات المادية مخلوقة من المواد امر يصدقه الكتاب و السنة، و النصوص على خلق الإنسان من الطين و السماوات و الأرض من الدخان و الماء و كذا سائر الأشياء كثيرة جدا لا تكاد تخفى على من نظر في القرآن الكريم و الروايات الشريفة و الفرق بين خلق اللّه تعالى شيئا من مادة و بين تسوية النجّار بابا من الخشب و صنع الصائغ خاتما من الذهب ان اللّه تعالى يفيض الصور على المواد المستعدة و الإنسان يعد المواد لقبول الصور، مضافا إلى ان اعداده أيضا باذن اللّه تعالى و اقداره عليه. و اما الهيولى الأولى فقد مر الكلام فيها في ما مضى فراجع.
(2) كلام الشيخ (قدّس سرّه) كما ترى يؤيد كلام الفيض- (رضوان اللّه عليه)- المتقدم ذكره.
242
الأجسام بالدلائل المشهورة عند المتكلمين.
و السيد المرتضى ره في كتاب الغرر أورد دلائل على إبطال القول بالهيولى القديمة.
و قال الشيخ المحقق أبو الفتح الكراجكي (1) تلميذ السيد المرتضى قدس الله نفسهما في كتاب كنز الفوائد اعلم أيدك الله أن من الملاحدة فريقا يثبتون الحوادث و محدثها و يقولون إنه لا أول لوجودها و لا ابتداء لها و يزعمون أن الله سبحانه لم يزل يفعل و لا يزال كذلك و أن أفعاله لا أول لها و لا آخر فقد خالفونا في قولهم إن الأفعال لا أول لها إذ كنا نعتقد أن الله تعالى ابتدأها و أنه موجود قبلها و وافقونا بقولهم إنه لا آخر لها لأنهم و إن ذهبوا في ذلك إلى بقاء الدنيا على ما هي عليه و استمرار الأفعال فيها و إنه لا آخر لها فإنا نذهب في دوام الأفعال إلى وجه آخر و هو تقضي أمر الدنيا و انتقال الحكم إلى الآخرة و استمرار الأفعال فيها من نعيم أهل الجنة الذي لا ينقطع عن
____________
فى ذيل الصفحة (223) فتدبر، و قريب منه كلام الشيخ الكراجكيّ حيث نسب قدم العالم إلى الدهرية القائلين بعدم تناهى افراد الإنسان و الحيوان من جهة البدء، لكنهم غير قائلين بالصانع الحكيم و لعله- (رحمه اللّه)- ألحق بهم من يقول بقدم الطبائع الكلية و عدم تناهى افرادها في البداية و النهاية و ان قال بالصانع الحكيم أيضا، و سيأتي كلام له صريح في ان الزمان فعل من افعال اللّه و انه ليس بين الواجب تعالى و اول الافعال زمان أصلا، بل القول بثبوت زمان عندئذ يناقض القول بالحدوث. و هو يفسر قوله هاهنا «ان اللّه موجود قبل الافعال» بأن تلك القبلية ليست هي القبلية الزمانية المقتضية لوجود زمان قبل الخلق فتأمل.
(1) هو أبو الفتح محمّد بن عليّ بن عثمان الكراجكيّ شيخ فقيه جليل يعبر عنه الشهيد كثيرا ما في كتبه بالعلامة مع تعبيره عن العلّامة الحلّيّ- ره- بالفاضل. ترجمه صاحب المستدرك و ذكر مؤلّفاته و مشايخه منهم الشيخ المفيد و السيّد المرتضى و سلار بن عبد العزيز الديلميّ.
و كتابه «كنز الفوائد» من الكتب المشهورة، و قد اخذ منه جل من أتى بعده. توفى- (رحمه اللّه)- كما عن تاريخ اليافعي- سنة (449) و الكراجكيّ- بالكاف المفتوحة و الراء المهملة و الجيم المضمومة- نسبة إلى «كراجك» قرية على باب واسط.
243
أهلها و عذاب النار الذي لا ينقضي عن المخلدين فيها فأفعال الله عز و جل من هذا الوجه لا آخر لها و هؤلاء أيدك الله هم الدهرية القائلون بأن الدهر سرمدي لا أول له و لا آخر و أن كل حركة تحرك بها الفلك فقد تحرك قبلها بحركة قبلها حركة من غير نهاية و سيتحرك بعدها بحركة بعدها حركة لا إلى غاية و أنه لا يوم إلا و قد كان قبله ليلة و لا ليلة إلا و قد كان قبلها يوم و لا إنسان تكون إلا من نطفة و لا نطفة تكونت إلا من إنسان و لا طائر إلا من بيضة و لا بيضة إلا من طائر و لا شجرة إلا من حبة و لا حبة إلا من شجرة و أن هذه الحوادث لم تزل تتعاقب و لا تزال كذلك ليس للماضي منها بداية و لا للمستقبل منها نهاية و هي مع ذلك صنعة لصانع لم يتقدمها و حكمة من حكيم لم يوجد قبلها و أن الصنعة و الصانع قديمان لم يزالا تعالى الله الذي لا قديم سواه و له الحمد على ما أسداه من معرفة الحق و أولاه و أنا بعون الله أورد لك طرفا من الأدلة على بطلان ما ادعاه الملحدون و فساد ما انتحله الدهريون.
أقول ثم أورد رحمه الله أدلة شافية و أجوبة وافية و تحقيقات متينة و إلزامات رزينة سيأتي بعضها في محله و لم نوردها هنا لأنا سنذكرها بوجه أخصر ثم ذكر مناظرته مع بعض القائلين بالقدم و أنه كتب ذلك إلى الشريف المرتضى ره و ذكر الجواب الذي أورده السيد في ذلك فمن أراد الاطلاع على جميع ذلك فليرجع إلى ذلك الكتاب.
و قال السيد المرتضى ره في جواب سؤال ورد عليه في آية التطهير قال السائل و إذا كانت أشباحهم قديمة و هم في الأصل طاهرون فأي رجس أذهب عنهم فقال السيد في تضاعيف جوابه و أما القول بأن أشباحهم(ع)قديمة فهو منكر لا يطلق و القديم في الحقيقة هو الله تعالى الواحد الذي لم يزل و كل ما سواه محدث مصنوع مبتدأ له أول إلى آخر ما قال ره. ثم قال مسألة اعترض فلسفي فقال إذا قلتم إن الله وحده لا شيء كان معه فالأشياء المحدثة من أي شيء كانت فقلنا لهم مبتدعة لا من شيء فقال أحدثها معا أو في
244
زمان بعد زمان فقال فإن قلتم معا فأوجدناكم (1) أنها لم تكن معا و أنها أحدثت شيئا بعد شيء و إن قلتم أحدثها في زمان بعد زمان فقد صار له شريك.
و الجواب عن ذلك أن الله تعالى لم يزل واحدا لا شيء معه و لا ثاني له و ابتدأ ما أحدثه من غير زمان (2) و ليس يجب إذا أحدث بعد الأول حوادث أن يحدثها في زمان و لو جعل لها زمانا لما وجب بذلك قدم الزمان إذ الزمان حركات الفلك و ما يقوم مقامها مما هو مقدارها في التوقيت فمن أين يجب عند هذا الفيلسوف أن يكون الزمان قديما إذا لم يوجد الأشياء ضربة واحدة لو لا أنه لا يعقل معنى الزمان إلى آخر ما أفاد في هذا المقام.
و قال المحقق الطوسي طيب الله روحه القدوسي في التجريد و لا قديم سوى الله تعالى (3) و قال فيه وجود العالم بعد عدمه ينفي الإيجاب و قال ره
____________
(1) في بعض النسخ: أوجدناكم.
(2) هذا كما ترى تصريح من السيّد- ره- بان الصادر الأول احدث من غير زمان فهو غير مسبوق بعدم زمانى، بل يمكن حدوث حوادث بعده أيضا من غير أنّ تحدث في زمان و لا ينفك عن تجرد الجميع أو الأول خاصّة. و هذا ممّا يؤيد أن الحدوث الذي كان دائرا في السنة العلماء و وقع عليه الإجماع من أهل الملل ليس بمعنى وقوع العالم في جزء من الزمان و مسبوقيته بعدم زمانى كما يدعيه جمهور المتكلّمين بل لا يلزم منه كون جميع العالم زمانيا أيضا الا ان يراد به العالم الجسماني فتبصر و هذا المعنى هو الذي يستفاد من الروايات الشريفة لا سيما مما ورد في خلق نور النبيّ و الأئمّة (عليهم السلام) و قد مر شطر منها في هذا الكتاب فراجع، و سيأتي نقل المؤلّف- ره- كلمات ثلة من أعاظم الاصحاب في هذا المعنى و ارتضائه إيّاه فانتظر.
(3) ينبغي لتحصيل مرامه من هذا الكلام النظر في ما افاده في معنى الحدوث و القدم فاليك نص ما ذكره في التجريد، قال: و الموجودان اخذ غير مسبوق بالغير فقديم و الا فحادث، ثم قال: و القدم و الحدوث الحقيقيان لا يعتبر فيهما الزمان و الا تسلسل. و قال: الحدوث الذاتي متحقّق، ثمّ قال، و لا قديم سوى اللّه تعالى. هذا كلامه على اجماله و نقول: الحادث الزمانى كما عرفت ما يكون مسبوقا بعدم زمانى، و اثبات الحدوث بهذا المعنى للعالم مستلزم للتسلسل كما اشار إليه، إذ من جملة العالم نفس الزمان و حدوثه بهذا المعنى يحتاج الى زمان آخر و هكذا الى غير النهاية. فالتزم جمهور المتكلّمين تصحيحا لذلك و لما قالوا في القديم انه مقارن لزمان غيره متناه بان الزمان امر منتزع من ذات البارئ سبحانه. و هذا مضافا الى عدم صحته.
245
في كتاب الفصول أصل قد ثبت أن وجود الممكن من غيره فحال إيجاده لا يكون موجودا لاستحالة إيجاد الموجود فيكون معدوما فوجود الممكن مسبوق بعدمه و هذا الوجود (1) يسمى حدوثا و الموجود محدثا فكل ما سوى الواجب من الموجودات محدث و استحالة الحوادث لا إلى أول كما يقوله الفلسفي لا يحتاج إلى بيان طائل
____________
فى نفسه لا يدفع الاشكال، اما فساده في نفسه فلانهم ان أرادوا بكون الزمان منتزعا من ذات البارئ سبحانه انه موجود حقيقي ممكن و مع ذلك ينتزع من البارى تعالى فهو واضح السخافة على انه غير مسبوق بعدم زمانى، و ان أرادوا به انه امر موهوم كما صرّح به بعضهم ففيه انه يستلزم الغاء كل تقديم و تأخر زمانى من رأس، و عدم فرق بين الحوادث الماضية و الآتية و هو سفسطة ظاهرة.
و اما عدم دفعه للاشكال فلان العدم الزمانى انما يتصور في ما شأنه الوقوع في ظرف الزمان و إذا فرض نفس الزمان كذلك يجب فرض زمان آخر يقع هذا الزمان في بعض اجزاء ذلك و هكذا فيبقى محذور التسلسل بحاله سواء قلنا بان الزمان امر منتزع أو لم نقل. و لذا الغى المحقق الطوسيّ (قدّس سرّه) القدوسى اعتبار الزمان في الحدوث و القدم مستدلا باستلزامه التسلسل. فان اراد عدم اعتباره في مفهومهما لشمولهما للذاتي و الدهرى أيضا كان معناه عدم انحصارهما في الزمانى حتّى يلزم التسلسل على القول بحدوث نفس الزمان، و ان أراد عدم اعتباره في الزمانيين كان ذلك اعراضا عما التزم به المتكلمون في القديم من مقارنته للزمان الغير المتناهى و في الحادث من مسبوقيته بزمان خال عن وجوده، و كان حاصله انه يكفى في القديم الزمانى كونه خارجا عن ظرف الزمان و يجوز في الحادث الزمانى كونه غير مسبوق بزمان بشرط أن يكون زمانا أو زمانيا.
اذا عرفت هذا فاعلم انه ليس المراد بقوله «لا قديم سوى اللّه تعالى» انه تعالى مقارن لزمان غير متناه من جهة البدء و ما سواه مقارن لزمان متناه بدءا و هذا ظاهر ممّا ذكرنا فالمراد به اما انحصار القدم الذاتي بالبارئ سبحانه و هو ضرورى، او نفى القدم المرادف للسرمدية عن غيره و هو ملازم لاثبات الحدوث الدهرى لما سوى اللّه تعالى. و اما نفى القدم بمعنى الخروج عن ظرف الزمان عن غيره سبحانه و هو ملازم لاثبات الحدوث الزمانى بالمعنى الأخير للعالم، لكنه لا يتم الا مع انكار الجواهر المجردة او الحاق العالم العقلى بالصقع الربوبى كما فعله صدر المتألهين رحمة اللّه عليه.
(1) الوجه (خ).
246
بعد ثبوت إمكانها المقتضي لحدوثها (1). ثم قال مقدمة كل مؤثر إما أن يكون أثره تابعا للقدرة و الداعي أو لا يكون بل يكون مقتضى ذاته و الأول يسمى قادرا و الثاني موجبا و أثر القادر مسبوق بالعدم (2) لأن الداعي لا يدعو إلا إلى المعدوم و أثر الموجب يقارنه في الزمان إذ لو تأخر عنه لكان وجوده في زمان دون آخر فإن لم يتوقف على أمر غير ما فرض مؤثرا تاما كان ترجيحا من غير مرجح و إن توقف لم يكن المؤثر تاما و قد فرض تاما و هذا خلف ثم قال نتيجة الواجب المؤثر في الممكنات قادر إذ لو كان موجبا لكانت الممكنات قديمة (3) و اللازم باطل لما تقدم فالملزوم مثله.
و سئل السيد مهنان بن سنان العلامة الحلي ره في جملة مسائله ما يقول سيدنا في المثبتين الذين قالوا إن الجواهر و الأعراض ليست بفعل الفاعل و إن
____________
(1) الحدوث الذي يقتضيه إمكان الحوادث هو الذاتي، و قد صرّح في التجريد بجواز استناد الممكن القديم (على فرض وجوده) الى المؤثر، و لازمه عدم الملازمة بين الإمكان و الحدوث الزمانى، الا انه استشكل فيه بانه مستلزم لايجاب المؤثر، و سيأتي الكلام فيه.
(2) استحالة انفكاك المعلول من العلة قريب من البداهة و قد استدلّ به المحقق الطوسيّ نفسه في كتبه الكلامية و الحكمية غير مرة. و لا فرق فيه بين العلة الموجبة و المختارة لتساوى الملاك فيهما، و اما انفكاك الحوادث عن الحق تعالى فليس من اجل كونه تعالى مختارا أو لعدم كونه علة بل لجهة اخرى يضيق المجال عن ذكرها و سيأتي الإشارة إليها.
و اما ان الداعي لا يدعو الا الى المعدوم فبعد حمل الداعي في مورد الواجب تبارك و تعالى على الغرض الغير الزائد على الذات نقول، ان أراد بالمعدوم ما يكون بذاته غير موجود فلا يثبت به تأخر الاثر عن المؤثر المختار زمانا، و ان أراد به المعدوم في زمان فممنوع لان من الاثر ما لا يكون زمانيا و ليس من شأنه ان يقارن الزمان، و التأخر الزمانى انما يتصور في ما يقع في ظرف الزمان، فكيف يحكم مطلقا بوجوب تأخر الاثر عن المؤثر القادر زمانا؟ و اماما ذكره في التجريد من استحالة استناد الممكن القديم الى المؤثر المختار ففيه ان حقيقة الاختيار كون الفاعل بحيث ان شاء فعل و ان شاء لم يفعل و صدق الشرطية لا يتوقف على فعلية الطرفين فلقائل أن يقول: يمكن أن يكون الواجب قد شاء ان يخلق خلقا في الازل و فعل باختياره.
(3) لكن قدم الممكن لا يستلزم ايجاب المؤثر لما عرفت.
247
الجوهر جوهر في العدم كما هو جوهر في الوجود فهل يكون هذا الاعتقاد الفاسد موجبا لتكفيرهم و عدم قبول إيمانهم و أفعالهم الصالحة و قبول شهادتهم و مناكحتهم أم لا يكون موجبا لشيء من ذلك و أي شيء يكون حكمهم في الدنيا فأجاب ره بأنه لا شك في رداءة هذه المقالة و بطلان كلها لكن لا توجب تكفيرهم و لا عدم قبول إيمانهم و أفعالهم الصالحة و لا رد شهادتهم و لا تحريم مناكحتهم و حكمهم في الدنيا و الآخرة حكم المؤمنين لأن الموجب للتكفير هو اعتقاد قدم الجوهر و هم لا يقولون بذلك لأن القديم يشترط فيه الوجود و هم لا يقولون بوجوده في الأزل لكن حصلت لهم شبهة في الفرق بين الوجود و الثبوت و جعلوا الثبوت أعم من الوجود و أكثر مشايخ المتكلمين من المعتزلة و الأشاعرة مثبتون فكيف يجوز تكفيرهم.
ثم قال السيد ره ما يقول سيدنا فيمن يعتقد التوحيد و العدل و لكنه يقول بقدم العالم ما يكون حكمه في الدنيا و الآخرة فأجاب ره من اعتقد قدم العالم فهو كافر بلا خلاف لأن الفارق بين المسلم و الكافر ذلك و حكمه في الآخرة حكم باقي الكفار بالإجماع و الشيخ الجليل أبو الصلاح الحلبي صرح في تقريب المعارف بالحدوث و أقام الدلائل عليه و كذا السيد الكبير ابن زهرة (1) في كتاب غنية النزوع أورد الدلائل على ذلك و قال النوبختي ره في كتاب الياقوت الأجسام حادثة لأنها إذا اختصت بجهة فهي إما للنفس و يلزم منه عدم الانتقال أو لغيره و هو إما موجب أو مختار و المختار قولنا و الموجب يبطل ببطلان التسلسل و لأنها لا تخلو من
____________
(1) هو السيّد أبو المكارم حمزة بن عليّ بن زهرة الحسيني الاسحاقى الحلبيّ المعروف بالشريف الطاهر، هو و أبوه و جده و أخوه أبو القاسم عبد اللّه بن على صاحب «التجريد» فى الفقه و ابنه محمّد بن عبد اللّه كلهم من اكابر فقهائنا، و بيتهم بيت جليل بحلب، قال في القاموس «و بنو زهرة شيعة بحلب» له مصنّفات كثيرة في الإمامة و الفقه و النحو و غير ذلك، منها «غنية النزوع الى علمى الأصول و الفروع» و «قبس الأنوار في نصرة العترة الاطهار» توفى- (رحمه اللّه) سنة (585) في سن أربع و سبعين و قبره بحلب بسفح جبل جوشن عند مشهد السقط.
248
الأعراض الحادثة لعدمها المعلوم و القديم لا يعدم لأنه واجب الوجود إذ لو كان وجوده جائزا لكان إما بالمختار و قد فرضناه قديما أو بالموجب و يلزم منه استمرار الوجود فالمقصود أيضا حاصل.
و قال العلامة ره في شرحه هذه المسألة من أعظم المسائل في هذا العلم و مدار مسائله كلها عليها و هي المعركة العظيمة بين المسلمين و خصومهم و اعلم أن الناس اختلفوا في ذلك اختلافا عظيما و ضبط أقوالهم أن العالم إما محدث الذات و الصفات و هو قول المسلمين كافة و النصارى و اليهود و المجوس و إما أن يكون قديم الذات و الصفات و هو قول أرسطو و ثاوفرطيس و ثاميطوس و أبي نصر و أبي علي بن سينا فإنهم جعلوا السماوات قديمة بذاتها و صفاتها إلا الحركات و الأوضاع فإنها قديمة بنوعها بمعنى أن كل حادث مسبوق بمثله إلى ما لا يتناهى و إما أن يكون قديم الذات محدث الصفات و هو مذهب انكساغورس و فيثاغورس و سقراط و الثنوية و لهم اختلافات كثيرة لا تليق بهذا المختصر و إما أن يكون محدث الذات قديم الصفات و ذلك مما لم يقل به أحد لاستحالته و توقف جالينوس في الجميع.
أقول ثم ساق ره الكلام في الدلائل المذكورة في المتن و قال ره في شرح التجريد مثل ذلك و نسب القول بالحدوث إلى جميع أرباب الملل و قال ره في كتاب نهاية المرام في علم الكلام قد اتفق المسلمون كافة على نفي قديم غير الله تعالى و غير صفاته و ذهبت الإمامية إلى أن القديم هو الله تعالى لا غير و قال فيه أيضا القسمة العقلية منحصرة في أقسام أربعة.
الأول أن يكون العالم محدث الذات و الصفات و هو مذهب المسلمين و غيرهم من أرباب الملل و بعض قدماء الحكماء.
الثاني أن يكون قديم الذات و الصفات و هو قول أرسطو و جماعة من القدماء و من المتأخرين قول أبي نصر الفارابي و الرئيس قالوا السماوات قديمة بذواتها و صفاتها إلا الحركات و الأوضاع فإنها قديمة بنوعها لا بشخصها و العناصر الهيولى
249
منها قديمة بشخصها و صورها الجسمية قديمة بنوعها لا بشخصها و الصور النوعية قديمة بجنسها لا بنوعها و لا بشخصها.
الثالث أن يكون قديم الذات محدثة (1) الصفات و هو قول من تقدم أرسطو بالزمان كثاليس الملطي و انكساغورس و فيثاغورس و سقراط و جميع الثنوية كالمانوية و الديصانية و المرقوبية و الماهانية ثم هؤلاء افترقوا فرقتين فذهب بعضهم إلى أن تلك الذات القديمة كانت جسما ثم اختلف هؤلاء فزعم ثاليس أنه الماء لأنه قابل لكل الصور و زعم أنه إذا انجمد صار أرضا و إذا لطف صار هواء و من صفق الماء تكونت النار و من النار تكون الدخان و من الدخان تكونت السماء و يقال أنه أخذه من التوراة لأنه جاء في السفر الأول منه أن الله تعالى خلق جوهرا فنظر نظر الهيبة فذابت أجزاؤه فصارت ماء ثم ارتفع بخار كالدخان فخلق منه السماوات و ظهر على وجه الماء زبد فخلق منه الأرض ثم أرساها بالجبال. و أما انكسيمايس فإنه زعم أن ذلك الجسم هو الهواء و النار تكونت من لطافته و الماء و الأرض من كثافته و تكونت الأشياء عنها بالتلطيف و قال آخرون إنه البخار و تكون الهواء و النار عنه بالتلطيف و الماء و الأرض بالتكثيف و ذهب أنوفليطيس أنه النار و كونت الأشياء عنها بالتكاثف و حكي أيضا أنه زعم أن الأشياء إنما انتظمت بالبخت و جوهر البخت هو نظر عقلي ينفذ في الجوهر الكلي و أما انكساغورس فإنه قال ذلك الجسم هو الخليط الذي لا نهاية له و هو أجسام غير متناهية و فيه من كل نوع أجزاء صغيرة مثلا فيه أجزاء على طبيعة الخبز و أجزاء على طبيعة اللحم فإذا اجتمع من تلك الأجزاء شيء كثير فصار بحيث يحس و يرى ظن أنه حدث و هذا القائل بنى مذهبه على إنكار المزاج و الاستحالة و قال بالكمون و الظهور و زعم بعض هؤلاء أن ذلك الخليط كان ساكنا في الأزل ثم إن الله تعالى حركه فتكون منه هذا العالم. و ذهب ذيمقراطيس إلى أن أصل العالم أجزاء كثيرة كرية الشكل قابلة للقسمة الوهمية دون
____________
(1) المحدث (خ).
250
القسمة الانفكاكية متحركة لذاتها حركات دائمة ثم اتفق في تلك الأجزاء أن تصادمت على وجه خاص فحصل من تصادمها على ذلك الوجه هذا العالم على هذا الشكل فحدثت السماوات و العناصر ثم حدثت من الحركات السماوية امتزاجات هذه العناصر و منها هذه المركبات و نقل الشيخ في الشفاء عنه أنه قال إن هذه الأجزاء إنما تتخالف بالشكل و إن جوهرها جوهر واحد بالطبع و إنما تصدر عنها أفعال مختلفة لأجل الأشكال المختلفة و قالت الثنوية أصل العالم هو النور و الظلمة و الفرقة الثانية الذين قالوا أصل العالم ليس بجسم و هم فريقان.
الأول الجرمانية و هم الذين أثبتوا القدماء الخمسة البارئ تعالى و النفس و الهيولى و الدهر و الخلاء قالوا البارئ تعالى في غاية التمام في العلم و الحكمة لا يعرض له سهو و لا غفلة و يفيض عنه العقل كفيض النور عن القرص و هو يعلم الأشياء علما تاما و أما النفس فإنه يفيض عنه الحياة فيض النور عن القرص لكنها جاهلة لا تعلم الأشياء ما لم تمارسها و كان البارئ تعالى عالما بأن النفس تستميل إلى التعلق بالهيولى و تعشقها و تطلب اللذة الجسمية و تكره مفارقة الأجساد و تنسى نفسها و لما كان من شأن البارئ تعالى الحكمة التامة عمد إلى الهيولى بعد تعلق النفس بها فركبها ضروبا من التركيب مثل السماوات و العناصر و ركب أجسام الحيوانات على الوجه الأكمل و الذي بقي فيها من الفساد غير ممكن الزوال. ثم إن الله تعالى أفاض على النفس عقلا و إدراكا و صار ذلك سببا لتذكرها عالمها و سببا لعلمها بأنها لا تنفك عن الآلام ما دامت في العالم الهيولاني و إذا عرفت النفس هذا و عرفت أن لها في عالمها اللذات الخالية عن الألم اشتاقت إلى ذلك العالم و عرجت بعد المفارقة و بقيت هناك أبد الآباد في نهاية البهجة و السعادة قالوا و بهذا الطريق زالت الشبهات الدائرة بين الفلاسفة القائلين بالقدم و بين المتكلمين القائلين بالحدث.
الفريق الثاني أصحاب فيثاغورس و هم الذين قالوا المبادئ هي الأعداد المتولدة من الوحدات لأن قوام المركبات بالبسائط و هي أمور كل واحد منها واحد في نفسه ثم تلك الأمور إما أن تكون لها جهات وراء كونها وحدات أو لا
251
يكون فإن كان الأول كانت مركبة لأن هناك تلك الماهية مع تلك الوحدة و كلامنا ليس في المركبات بل في مبادئها و إن كان الثاني كان مجرد وحدات و هي لا بد و أن تكون مستقلة بأنفسها و إلا لكانت مفتقرة إلى الغير فيكون ذلك الغير أقدم منها و كلامنا في المبادئ المطلقة و هذا خلف فإذن الوحدات أمور قائمة بأنفسها فإن عرض الوضع للوحدة صارت نقطة و إن اجتمعت نقطتان حصل الخط فإن اجتمع خطان حصل السطح فإن اجتمع سطحان حصل الجسم فظهر أن مبدأ الأجسام الوحدات و نقل أيضا عنه أن الوحدة تنقسم إلى وحدة بالذات غير مستفادة من الغير و هو الذي لا تقابلها الكثرة و هو المبدأ الأول و إلى وحدة مستفادة من الغير و هي مبدأ الكثرة و ليست بداخلة فيها بل يقابلها الكثرة ثم يتألف منها الأعداد و هي مبادئ الموجودات و إنما اختلف (1) الموجودات في طبائعها لاختلاف الأعداد بخواصها.
الرابع أن يكون العالم قديم الصفات محدث الذات و هو محال لم يقل به أحد لقضاء الضرورة ببطلانه و أما جالينوس فإنه كان متوقفا في الكل انتهى.
و إنما أوردنا هذه المذاهب السخيفة ليعلم أن أساطين الحكماء تمسكوا بهذه الخرافات و تفوهوا بها و يتبعهم أصحابهم و يعظمونهم و إذا سمعوا من أصحاب الشريعة شيئا مما أخذوه من كتاب الله و كلام سيد المرسلين و الأئمة الراشدين(ع)ينكرون و يستهزءون قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (2).
____________
(1) في المخطوطة: اختلفت.
(2) نقل صدر المتألهين في خاتمة رسالته التي صنعها في حدوث العالم كلمات ثلة من قدماء الفلاسفة، و حملها على الرمز و الإشارة، كما هو دأبه في جميع المباحث، و مقتضى حسن ظنه بهم، لاعتقاده أنهم اخذوا الحكمة من الأنبياء و الأولياء (عليهم السلام) كإدريس و داود و سليمان و لقمان و غيرهم، و انما لم يصرحوا بالمطالب خوفا من وقوعها في أيدي الجهال، و حرصا على كتمان العلم عن غير أهله و تقية من السلاطين و الجبابرة الذين كانوا ينكرون هذه الحقائق، و اللّه اعلم بالحقائق. و قد مر حكاية صاحب الملل و النحل القول بالحدوث عن ثاليس و انكساغورس و انكسيمايس و فيثاغورس و انباذقلس و سقراط و افلاطون و تصحيح المحقق الطوسيّ- ره- لنقله.
252
و قال المحقق الدواني في أنموذجه و قد خالف في الحدوث الفلاسفة أهل الملل الثلاث فإن أهلها مجمعون على حدوثه بل لم يشذ من الحكم بحدوثه من أهل الملل مطلقا إلا بعض المجوس و أما الفلاسفة فالمشهور أنهم مجمعون على قدمه على التفصيل الآتي و نقل عن أفلاطون القول بحدوثه و قد أوله بعضهم بالحدوث الذاتي ثم قال فنقول ذهب أهل الملل الثلاث إلى أن العالم ما سوى الله تعالى و صفاته من الجواهر و الأعراض حادث أي كائن بعد أن لم يكن بعدية حقيقة لا بالذات فقط بمعنى أنها في حد ذاتها لا تستحق الوجود فوجودها متأخر عن عدمها بحسب الذات كما تقوله الفلاسفة و يسمونه الحدوث الذاتي على ما في تقرير هذا الحدوث على وجه يظهر به تأخر الوجود عن العدم من بحث دقيق أوردناه في حاشية شرح التجريد. و ذهب جمهور الفلاسفة إلى أن العقول و الأجرام الفلكية و نفوسها قديمة و مطلق حركاتها و أوضاعها و تخيلاتها أيضا قديمة فإنها لم تخل قط عن حركة و وضع و تخيل لجزئيات الحركة و بعضهم يثبتون لها بسبب استخراج الأوضاع الممكنة من القوة إلى الفعل و حدوث مناسبة لها بمبدئها الكامل من جميع الوجوه كمالات تفيض على نفوسها من المبادئ لكن محققيهم على ما ذكره أبو نصر و أبو علي في تعليقاتهما نقلا عن أرسطاطاليس ذهبوا إلى أن المطلوب لها نفس الحركة و بها يتم التشبه بمبادئها فإنها بالفعل من حيث الذات و سائر الصفات إلا ما يتعلق بالحركة من الأوضاع الجزئية فإنها لا تحتمل الثبات بالشخص فاستحفظ نوعها تتميما للتشبه بالمبادئ التي هي بالفعل من جميع الوجوه و لما كان التشبه لازما للحركة جعلها الغاية المطلوبة باعتبار اللازم
____________
نعم نقل عن ثاليس ان أصل العالم الجسماني هو الماء، و عن انكسيمايس انه الهواء، و عن ذيمقراطيس انه الاجزاء التي لا تتجزأ و هكذا، لكنها لا تنافى القول بالحدوث، كما ان ظاهر القرآن الشريف و الاخبار المتظافرة أن أصل العالم الجسماني هو الماء كما مرّ الكلام فيه في اوائل هذا الكتاب، و أمّا أن المراد بالماء هل هو هذا الجسم المركب من اكسيجين و ايدرجين أو شيء آخر شبيه به فمما لا سبيل إلى تعيينه.
253
و العنصريات بموادها و مطلق صورها الجسمية و النوعية و مطلق أعراضها قديمة عندهم لأن مذهبهم أنه بالفك تنعدم الصورة الواحدة و تحدث الاثنتان و باتصال المنفصل تنعدم الاثنتان و تحدث واحدة نعم الإشراقيون منهم على بقاء الصورة الجسمية مع طريان الانفصال و الاتصال و أما النفوس الناطقة الإنسانية فبعضهم قائل بقدمها و ربما ينقل عن أفلاطون و هذا مخالف لما ينقل عنه من حدوث العالم و المشاءون منهم و معظم من عداهم على حدوثها و قال نحوا من ذلك في كتاب شرح العقائد العضدية و قال فيه المتبادر من الحدوث الوجود بعد أن لم يكن بعدية زمانية و الحدوث الذاتي مجرد اصطلاح من الفلاسفة و قال و المخالف في هذا الحكم الفلاسفة فإن أرسطاطاليس و أتباعه ذهبوا إلى قدم العقول و النفوس الفلكية و الأجسام الفلكية بموادها و صورها الجسمية و النوعية و أشكالها و أضوائها و العنصريات بموادها و مطلق صورها الجسمية لا أشخاصها و صورها النوعية قيل بجنسها فإن صور خصوصيات أنواعها لا يجب أن تكون قديمة و الظاهر من كلامهم قدمها بأنواعها ثم قال و نقل عن جالينوس التوقف و لذلك لم يعد من الفلاسفة لتوقفه فيما هو من أصول الحكمة عندهم انتهى.
و لنكتف بما أوردنا من كلام القوم في ذلك و إيراد جميعها أو أكثرها يوجب تطويلا بلا طائل و يستنبط مما أوردنا أحد الدلائل على الحدوث فإنه ثبت بنقل المخالف و المؤالف اتفاق جميع أرباب الملل مع تباين أهوائهم و تضاد آرائهم على هذا الأمر و كلهم يدعون وصول ذلك عن صاحب الشرع إليهم و هذا مما يورث العلم العادي بكون ذلك صادرا عن صاحب الشريعة مأخوذا عنه و ليس هذا مثل سائر الإجماعات المنقولة التي لا يعلم المراد منها و تنتهي إلى واحد و تبعه الآخرون و لا يخفى الفرق بينهما على ذي مسكة من العقل و الإنصاف
254
المقصد الثالث في كيفية الاستدلال بما تقدم من النصوص
فأقول إذا أمعنت النظر فيما قدمناه و سلكت مسلك الإنصاف و نزلت عن مطية التعنت و الاعتساف حصل لك القطع من الآيات المتظافرة و الأخبار المتواترة الواردة بأساليب مختلفة و عبارات متفننة من اشتمالها على بيانات شافية و أدلة وافية بالحدوث بالمعنى الذي أسلفناه و من تتبع كلام العرب و موارد استعمالاتهم و كتب اللغة يعلم أن الإيجاد و الإحداث و الخلق و الفطر و الإبداع و الاختراع و الصنع و الإبداء لا تطلق إلا على الإيجاد بعد العدم.
قال المحقق الطوسي ره في شرح الإشارات إن أهل اللغة فسروا الفعل بإحداث شيء و قال أيضا الصنع إيجاد شيء مسبوق بالعدم و في اللغة الإبداع الإحداث و منه البدعة لمحدثات الأمور و فسروا الخلق بإبداع شيء بلا مثال سابق و قال ابن سينا في رسالة الحدود الإبداع اسم مشترك لمفهومين أحدهما تأييس شيء لا عن شيء و لا بواسطة شيء و المفهوم الثاني أن يكون للشيء وجود مطلق عن سبب بلا متوسط و له في ذاته أن يكون موجودا و قد أفقد الذي في ذاته إفقادا تاما.
و نقل في الملل و النحل عن ثاليس الملطي أنه قال الإبداع هو تأييس ما ليس بأيس فإذا كان مؤيس الأيسات فالتأييس لا من شيء متقادم انتهى.
و من تتبع الآيات و الأخبار لا يبقى له ريب في ذلك كقوله لا من شيء فيبطل الاختراع و لا لعلة فلا يصح الابتداع مع أنه قد وقع التصريح بالحدوث بالمعنى المعهود في أكثر النصوص المتقدمة بحيث لا يقبل التأويل و بانضمام الجميع بعضها مع بعض يحصل القطع بالمراد و لذا ورد أكثر المطالب الأصولية الاعتقادية كالمعاد الجسماني و إمامة أمير المؤمنين(ع)و أمثالهما في كلام صاحب الشريعة بعبارات مختلفة و أساليب شتى ليحصل الجزم بالمراد من جميعها مع أنها
255
اشتملت على أدلة مجملة من تأمل فيها يحصل له القطع بالمقصود أ لا ترى إلى قولهم(ع)في مواضع لو كان الكلام قديما لكان إلها ثانيا و قولهم و كيف يكون خالقا لمن لم يزل معه إشارة إلى أن الجعل لا يتصور للقديم لأن تأثير العلة إما إفاضة أصل الوجود و إما إفادة بقاء الوجود و استمرار الجعل الأول و الأول هي العلة الموجدة و الثاني هي المبقية و الموجود الدائمي محال أن تكون له علة موجدة كما تحكم به الفطرة السليمة سواء كان بالاختيار أو بالإيجاب لكن الأول أوضح و أظهر.
و مما ينبه عليه أن في الحوادث المشاهدة في الآن الأول تأثير العلة هو إفاضة أصل الوجود و في كل آن بعده من آنات زمان الوجود تأثير العلة هو إبقاء الوجود و استمرار الجعل الأول و لو كان ممكن دائمي الوجود فكل آن يفرض من آنات زمان وجوده الغير المتناهي في طرف الماضي فهو آن البقاء و استمرار الوجود و لا يتحقق آن إفاضة أصل الوجود فجميع زمان الوجود هو زمان البقاء و لا يتحقق آن و لا زمان للإيجاد و أصل الوجود قطعا (1).
فنقول في توجيه الملازمة في الخبر الأول لو كان الكلام الذي هو فعله تعالى قديما دائمي الوجود لزم أن لا يحتاج إلى علة أصلا أما الموجدة فلما مر و أما المبقية فلأنها فرع الموجدة فلو انتفى الأول انتفى الثاني بطريق أولى و المستغني عن العلة أصلا هو الواجب الوجود فيكون إلها ثانيا و هو خلاف المفروض أيضا لأن المفروض أنه كلام الواجب و فعله سبحانه و مثله يجري في الخبر الثاني.
-
وَ يُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ فِي الْكَافِي وَ غَيْرِهِ فِي حَدِيثِ الْفُرْجَةِ عَنِ الصَّادِقِ(ع)حَيْثُ قَالَ لِلزِّنْدِيقِ ثُمَّ يَلْزَمُكَ إِنِ ادَّعَيْتَ اثْنَيْنِ فُرْجَةٌ مَا بَيْنَهُمَا حَتَّى يَكُونَا اثْنَيْنِ فَصَارَتِ الْفُرْجَةُ ثَالِثاً بَيْنَهُمَا قَدِيماً مَعَهُمَا فَيَلْزَمُكَ ثَلَاثَةٌ الْخَبَرَ (2).
حيث حكم على الفرجة
____________
(1) من الواضح اختصاص هذا البيان بما هو واقع في ظرف الزمان دون نفسه و ما هو خارج عنه.
(2) الكافي: ج 1،(ص)81.
256
من جهة القدم بكونه إلها ثالثا واجب الوجود.
إذا تقرر هذا فاعلم أن علة الحاجة إلى المؤثر حينئذ يمكن أن تكون هي الإمكان لأن مصداق مفهوم الإمكان حينئذ منحصر في الحوادث و الفرد المفروض أنه قديم لا يصدق عليه الإمكان في نفس الأمر بل من أفراد الممتنع لاستلزامه التسلسل المستحيل مطلقا كما سيجيء و الممتنع بالذات قد يكون مركبا كالمجموع المركب من الضدين و النقيضين و يمكن أن تكون علة الحاجة إلى المؤثر هي الحدوث أو الإمكان بشرط الحدوث و قد ذهب إلى كل منها جماعة و أحد الأخيرين هو الظاهر من أكثر الأخبار كما أومأنا إليه في بعضها (1) و منها حديث الرضا(ع)في علة خلق السماوات و الأرض في ستة أيام.
و يدل عليه
- مَا رُوِيَ عَنِ الرِّضَا(ع)أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا الدَّلِيلُ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ قَالَ إِنَّكَ لَمْ تَكُنْ ثُمَّ كُنْتَ وَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّكَ لَمْ تُكَوِّنْ نَفْسَكَ وَ لَا كَوَّنَكَ مَنْ هُوَ مِثْلُكَ.
فإن الظاهر أن مراد السائل من حدوث العالم إثبات الصانع بناء على التلازم بينهما بقرينة الجواب و استدل(ع)بوجود المخاطب بعد عدمه أي حدوثه الزماني على الصانع تعالى (2).
و من الدلائل على الحدوث ما يدل على أوليته تعالى فإن الأولية
____________
(1) لم نجد في الاخبار الشريفة ما يدلّ على المدعى، و قد عرفت عدم دلالة ما تمسك به لذلك فراجع.
(2) لا شك انه (عليه السلام) استدلّ من طريق حدوث المخاطب الثابت بالوجدان على وجود الصانع، لكن من الممكن أن يكون قد استدلّ بالحدوث على الإمكان و بالإمكان على وجود الصانع، و اكتفى بذكر الحدوث لوضوح الملازمة بينه و بين الإمكان، فلا يثبت به العكس أعنى ملازمة الإمكان مع الحدوث ايضا، و على هذا فلا يستفاد منه ان ملاك الاحتياج إلى المؤثر هو الحدوث او الإمكان بشرط الحدوث كما لا يخفى على انه قد ثبت في محله بالبرهان القطعى ان الملاك مجرد الإمكان لا غير، و صرّح به المحقق الطوسيّ في التجريد، و لو فرض وجود ما ظاهره خلاف ذلك لوجب صرفه عن ظاهره.
257
مفسرة بأنه سبحانه قبل كل شيء (1).
و منها الآيات و الأخبار الدالة على فناء جميع الموجودات و قد مر بعضها هنا و بعضها في المجلد الثالث و ذلك بضم مقدمة مسلمة عند القائلين بالقدم و هي أن ما ثبت قدمه امتنع عدمه (2).
وَ قَدْ رُوِيَ فِي الْإِحْتِجَاجِ فِي حَدِيثِ الزِّنْدِيقِ الَّذِي سَأَلَ الصَّادِقَ(ع)عَنْ مَسَائِلَ أَنَّهُ قَالَ فَيَتَلَاشَى (3) الرُّوحُ بَعْدَ خُرُوجِهِ عَنْ قَالَبِهِ أَمْ هُوَ بَاقٍ قَالَ(ع)بَلْ بَاقٍ إِلَى وَقْتِ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَبْطُلُ الْأَشْيَاءُ وَ تَفْنَى فَلَا حِسٌّ يَبْقَى وَ لَا مَحْسُوسٌ ثُمَّ أُعِيدَتِ الْأَشْيَاءُ كَمَا بَدَأَهَا يُدَبِّرُهَا (4) وَ ذَلِكَ أَرْبَعُمِائَةِ سَنَةٍ يَثْبُتُ فِيهَا الْخَلْقُ وَ ذَلِكَ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ (5).
و يدل على حدوث السماوات الآيات و الأخبار الدالة على انشقاقها و انفطارها و طيها و انتشار الكواكب منها بما مر من التقريب و قد مضى جميع ذلك في المجلد الثالث.
و منها الآيات و الأخبار الدالة على خلق السماوات و الأرض في ستة أيام
____________
(1) قد عرفت معنى الاولية و الآخرية في اوائل الكتاب و استحالة كون تقدمه سبحانه على العالم زمانيا فراجع.
(2) لو ثبت باخبار الصادقين ان العالم الجسماني بجميع اجزائه و توابعه يفنى قبل قيام الساعة حتّى انه لا يبقى نفس الزمان أيضا لكان ذلك دليلا على حدوثه، لكن اثباته لا يخلو عن اشكال، و ممّا يشعر بعدمه تعيين الوقت لذلك في الروايات، فيشهد بوجود الزمان حينئذ و هو غيره تعالى بالضرورة، و ربما يجد المتتبع شواهد اخرى، منها استثناء من شاء اللّه عن حكم نفخ الصور، قال تعالى «وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ» (الزمر: 68) على ان ظاهر الآية صعق أهل السماوات و الأرض لافناء جميع الموجودات.
و البحث طويل الذيل و لا مجال للتوسع فيه، و اللبيب لا يحتاج إلى التنبيه على أن عدم دلاك هذه الأدلة غير ملازم للقول بقدم العالم، فللحدوث برهان آخر مذكور في محله.
(3) في المصدر: أ فتتلاشى.
(4) في المصدر: مدبرها.
(5) الاحتجاج: 192.
258
لأن الحادث في اليوم الأخير مسبوق بخمسة أيام فيكون منقطع الوجود في الماضي و الموجود في اليوم الأول زمان وجوده أزيد على زمان الأخير بقدر متناه فالجميع متناهي الوجود حادث فيكون الزمان الموجود الذي يثبتونه أيضا متناهيا لأنه عندهم مقدار حركة الفلك (1) و قد مر تأويل الأيام و كيفية تقديرها في تفسير الآيات.
و إذا أحطت خبرا بما نقلنا من الآيات و الأخبار المتواترة الصريحة فهل يجترئ عاقل استشم رائحة من الدين أن يعرض عن جميع ذلك و ينبذها وراء ظهره تقليدا للفلاسفة و اتكالا على شبهاتهم الكاسدة و مذاهبهم الفاسدة و ستعرف أنها أوهن من بيت العنكبوت بفضل الحي الذي لا يموت.
قال المحقق الدواني في أنموذجه بعد ما تكلم في شبهاتهم لا يذهب عليك أنه إذا ظهر الخلل في دلائل قدم العالم و ثبت بالتواتر و إخبار الأنبياء الذين هم أصول البرايا و إجماع أهل الملل على ذلك و قد نطق به الوحي الإلهي على وجه لا يقبل التأويل إلا بوجه بعيد تتنفر عنه الطبائع السليمة و الأذهان المستقيمة فلا محيص عن اتباع الأنبياء في ذلك و الأخذ بقولهم كيف و أساطين الفلاسفة ينسبون أنفسهم إليهم و ينسبون أصول مقالاتهم على ما يزعمون أنها مأخوذة منهم فإذن (2) تقليد هؤلاء الأعاظم الذين اصطفاهم الله تعالى و بعثهم لتكميل العباد و الإرشاد إلى صلاح المعاش و المعاد و قد أذعن لكلامهم الفلاسفة أولى و أحرى من تقليد الفلاسفة الذين هم معترفون برجحان الأنبياء(ع)عليهم و يتبركون بالانتساب إليهم و من العجب العجاب أن بعض المتفلسفة يتمادون في غيهم و يقولون إن كلام الأنبياء مؤول و لم يريدوا به ظاهره مع أنا نعلم أنه قد نطق القرآن المجيد في أكثر المطالب
____________
(1) هذا بناء على كون الفلك راسما للزمان، و أمّا على جواز ارتسام الزمان بحركة كل جسم فيحتاج إلى اثبات حدوث جميع الاجسام و منها الماء الذي هو مادة خلق الأرض و الدخان الذي هو مادة السماوات.
(2) في المخطوطة: فان.
259
الاعتقادية بوجه لا يقبل التأويل أصلا كما قال الإمام الرازي لا يمكن الجمع بين الإيمان بما جاء به النبي(ص)و إنكار الحشر الجسماني فإنه قد ورد من القرآن المجيد التصريح به بحيث لا يقبل التأويل أصلا.
و أقول لا يمكن الجمع بين قدم العالم و الحشر الجسماني أيضا لأن النفوس الناطقة لو كانت غير متناهية على ما هو مقتضى القول بقدم العالم (1) امتنع الحشر الجسماني عليهم لأنه لا بد في حشرهم جميعا من أبدان غير متناهية و أمكنة غير متناهية و قد ثبت أن الأبعاد متناهية ثم التأويلات التي يتمحلونها في كلام الأنبياء عسى أن يتأتى مثلها في كلام الفلاسفة بل أكثر تلك التأويلات من قبيل المكابرات للسوفسطائية فإنا نعلم قطعا أن المراد من هذه الألفاظ الواردة في الكتاب و السنة هي معانيها المتعارفة عند أهل اللسان فإنا كما لا نشك في أن من يخاطبنا بالاستفسار عن مسألة الجزء الذي لا يتجزأ لا يريد بذلك الاستفسار عن حال زيد مثلا في قيامه و قعوده كذلك لا نشك في أن المراد بقوله تعالى قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ هو هذه المعاني الظاهرة لا معنى آخر من أحوال المعاد الروحاني الذي يقول به الفلاسفة و بالجملة فنصوص الكتاب يجب الحمل على ظاهرها و التجاوز عن هذا النهج غي و ضلال و التزامه طريق أهل الكمال انتهى.
و لقد أحسن و أجاد لكن ما يظهر من كلامه من أن النصوص الواردة في الحدوث قابلة للتأويل البعيد ليس كذلك بل إن كان بعضها قابلا فالمجموع يفيد القطع بالمقصود و لعله إنما قال ذلك لعدم اطلاعه على نصوص أئمة الهدى(ع)أو لعدم اعتقاده بها كما هو ظاهر حاله و إن أشعر بالتدين بالحق في بعض المواضع.
و أما منافاة القول بالقدم مع الحشر الجسماني فإنما يتم لو ذهبوا إلى عدم تناهي
____________
(1) لا ملازمة بين القول بقدم العالم و بين القول بقدم النوع الانسانى كما لا يخفى، نعم ظاهر ما حكى عن بعض قدماء الفلاسفة قدم جميع الانواع و انكار الحشر الجسماني.
260
عدد النفوس و وجوب تعلق كل واحدة بالأبدان لا على سبيل التناسخ كما ذهب إليه أرسطو و من تأخر عنه أما لو قيل بقدمها و حدوث تعلقها بالأبدان كما ذهب إليه أفلاطون و من تبعه فإنه ذهب إلى قدم النفس وحدها و حدوث سائر العالم و تناهي الأبدان أو قيل بجواز تعلق نفس واحدة بأبدان كثيرة غير متناهية على سبيل التناسخ و أن في المعاد يرجع النفس مع بدن واحد فلا يتم أصلا.
نعم القول بقدم النفوس البشرية بالنوع و حدوثها بحدوث الأبدان على سبيل التعاقب و عدم تناهيها كما ذهب إليه المشاءون على ما نقل عنهم المتأخرون مما لا يجتمع مع التصديق بما جاء به النبي(ص)بل الأنبياء(ع)من وجوه أخر أيضا.
الأول التصديق بوجود آدم و حواء على ما نطق به القرآن و السنة المتواترة مشروحا.
الثاني أنهم ذهبوا إلى قدم هيولى العناصر بالشخص و تعاقب صور غير متناهية عليها فلا بد لهم من القول بتكون أبدان غير متناهية من حصص تلك الهيولى و تعلق صور نفوس غير متناهية بكل حصة منها و عندهم أيضا أنه لا يمكن اجتماع صورتين في حصة من تلك الهيولى دفعة فيلزمهم اجتماع نفوس غير متناهية في بدن واحد إن اعترفوا بالمعاد الجسماني إلى غير ذلك من المفاسد تركناها روما للاختصار.
المقصد الرابع في ذكر نبذ من الدلائل العقلية على هذا المقصد و إن كان خارجا عن مقصود الكتاب تشييدا لهذا المقصد من كل باب و إن أفضى إلى بعض الإطناب
و هو مشتمل على مطالب.
المطلب الأول في إبطال التسلسل مطلقا (1) و هو مفتقر إلى تمهيد مقدمات.
____________
(1) هذا البحث من الأبحاث الفلسفية، و قد استوفى بما لا مزيد عليه في الكتب الحكمية لا سيما في كتب صدر المتألهين فراجع.
261
الأولى ما ذكره السيد ره في القبسات و هو أن الحكم المستوعب الشمول لكل واحد إذا صح على جميع تقادير الوجود لكل من الآحاد (1) منفردا كان عن غيره أو ملحوظا على الاجتماع كان سحب (2) ذيله على المجموع الجملي أيضا من غير امتراء و إن اختص بكل واحد واحد بشرط الانفراد كان حكم الجملة غير حكم الآحاد (3).
فإنه إذا كان سلسلة فرد منها أبيض فالجملة أيضا أبيض و إذا كان لكل جزء مقدار فللكل أيضا كذلك إلى غير ذلك من الأمثلة المنبهة على المطلب و إذا كان فرد متناهيا لم يلزم أن يكون المجموع متناهيا و إذا كان كل جزء من الأجزاء لا يتجزأ غير منقسم لا يكون الكل غير منقسم و إذا كان كل فرد من أفراد السلسلة واجبا بالذات لا يلزم أن تكون الجملة واجبا بالذات لأن في تلك للانفراد مدخلا و تأثيرا.
الثانية ما أشار إليه المحقق الدواني و غيره و هي أن العقل قد يحكم على الإجمال حكما كليا بالبديهة أو الحدس على كل فرد و على كل جملة سواء كانت متناهية أو غير متناهية و إن كان لو لاحظ التفصيل ابتداء توقف في بعض الأفراد و الجمل كما يحكم العقل مجملا بأن كل موجد يجب أن يتقدم على الموجد من غير تفصيل بين موجد نفسه و موجد غيره ثم يثبت به أن الماهية لا يجوز أن تكون علة لوجودها و هذا جار في جميع كبريات الشكل الأول بالنسبة إلى الأصغر انتهى.
و بهذا يمكن تتميم البرهان السلمي بأن كل بعد من الأبعاد المفروضة فيه يجب أن يوجد فيما فوقه فكذا الكل الغير المتناهي.
الثالثة اعلم أن من النسب و الإضافات ما هي فرع اعتبار العقل و انتزاعه
____________
(1) في المصدر: من الآحاد مطلقا.
(2) في المصدر: ينسحب.
(3) انتهى كلام السيّد في القبسات، ص، 155.
262
حتى لو لم يعتبرها العقل لم يتحقق في نفس الأمر أصلا و ذلك إنما يكون إذا كان الموصوف أو الاتصاف و النسبة و الإضافة اعتباريا محضا يتوقف تحققه على اعتبار العقل و فرضه و منه العدد إذا كان معروضه غير موجود (1) فإن العدد عرض لا يتحقق إلا بتحقق معروضه و هو المعدود و منه وجود الوجود و لزوم اللزوم و هكذا لأن الموصوف و المنتزع عنه فيهما لا يتحقق إلا بعد الانتزاع و توجه العقل إليه قصدا و بالذات فإن الموصوف لا يتحقق إلا بهذا و منه النسب الاعتبارية المحضة و الانطباقات الحاصلة بين آحاد السلسلتين إذا كانت باعتبار هذه الوجوه كانت اعتبارية محضة تنقطع بانقطاع الاعتبار و من الاتصافات و النسب ما ليست كذلك و لا يتوقف على اعتبار و فرض بل هي متحققة في الواقع بدون فرض فارض مثل لوازم الماهية و الاتصافات الخارجية و النفس الأمرية فإنا نجزم بديهة أن العدد موصوف بالزوجية أو الفردية و السماء موصوفة بالفوقية بالنسبة إلى الأرض و الأب بالأبوة و الابن بالبنوة و إن لم يفرض العقل بل انتزاع العقل تابع لما هو متحقق في الواقع و إلا صح انتزاع كل أمر من كل شيء و المنبهات عليه كثيرة لا تخفى فظهر أن انتزاع العقل و صحة حكمه تابع و فرع للواقع و ليس لفرض العقل مدخل في صحة هذه الأمور و تحققها و هذا القدر كاف في دفع الاعتراضات الواردة على البراهين الآتية و لنشرع في إيراد البراهين على وجه الاختصار و إن كانت مذكورة في كتب القوم.
الأول برهان التطبيق (2) و هو أم البراهين و له تقريرات.
الأول لو تسلسلت أمور مترتبة إلى غير نهاية بأي وجه من وجوه الترتيب
____________
(1) يعني به مفهوم العدد، و الا فحقيقته كم منفصل موجود في الخارج مع قطع النظر عن اعتبار العقل.
(2) قال السيّد الداماد في القبسات (ص: 156): فأما السبيل التطبيقى فلا ثقة بجدواه و لا تعويل على برهانيته، بل إن فيه تدليسا مغالطيا ... الخ و حيث ان البحث خارج عن مقصد الكتاب، و انما أورد طردا للباب، فالصفح عن النقض و الإبرام أقرب إلى الصواب، و من اراد الاستيفاء فعليه بكتاب الاسفار.
263
اتفق كالترتيب الوضعي (1) و الطبعي أو بالعلية أو بالزمان و سواء كانت عددا أو زمانا أو كما قارا أو معدودا أو حركة أو حوادث متعاقبة فنفرض من حد معين منها على سبيل التصاعد مثلا سلسلة غير متناهية و من الذي من فوق الأخير أيضا سلسلة أخرى و لا شك في أنه يتحقق هناك جملتان إحداهما جزء للأخرى و لا في أن الأول من إحداهما منطبق على الأول من الأخرى و الثاني على الثاني في نفس الأمر و هكذا حتى يستغرق التطبيق كل فرد فرد بحيث لا يشذ فرد فإن كان في الواقع بإزاء كل واحد من الناقصة واحد من الزائدة لزم تساوي الكل و الجزء و هو محال أو لا يكون فقد وجد في الزائدة جزء لا يكون بإزائه من الناقصة شيء فتتناهى الناقصة أولا و يلزم تناهي الزائدة أيضا لأن زيادتها بقدر متناه هو ما بين المبدأين و قد فرضناهما غير متناهيين و هذا خلف.
و اعلم أنه لا حاجة في التطبيق إلى جذب السلسلة الناقصة أو رفع التامة و تحريكهما عن موضعهما حتى تحصل نسبة المحاذاة بين آحاد أجزاء السلسلتين و يحصل التطبيق باعتبار هذه النسبة بل النسب الكثيرة في الواقع متحققة بين كل واحد من آحاد إحدى السلسلتين مع آحاد السلسلة الأخرى بلا تعمل من العقل فإنه للأول من السلسلة التامة نسبة إلى الأول من الناقصة و هو الخامس من السلسلة الأولى بعد إسقاط أربعة من أولها و للثاني من الأولى إلى السادس من الثانية و للثالث من الأولى إلى السابع من الثانية تلك النسبة بعينها و هكذا في جميع آحاد السلسلتين على التوالي حتى يستغرق و كذا الأول من السلسلتين موصوف بالأولية و الثاني بالثانوية و الثالث بالثالثية و هكذا و باعتبار كل من تلك النسب و المعاني تنطبق السلسلتان في الواقع كل جزء على نظيره على التوالي و لما كان أول الناقصة منطبقا على أول الزائدة و تاليها على تاليها و هكذا على التوالي كل على نظيره حتى يستغرق الكل و لا يمكن فوات جزء من البين لترتب الجملتين و اتساقهما فلا بد أن يتحقق في الزائدة جزء لا يوجد في الناقصة نظيره و إلا لتساوى الجزء و الكل
____________
(1) أو (خ).
264
فيلزم انقطاع الناقصة و زيادة الزائدة بقدر متناه.
و اعترض على هذا الدليل بالنقض بمراتب العدد و كل متناه بمعنى لا يقف كأجزاء الجسم و مثل اللزوم و لزوم اللزوم و هكذا و الإمكان و نظائرهما فإن الدليل يجري فيها.
و الجواب أن غير المتناهي اللايقفي يستحيل وجود جميع أفراده بالفعل لاستحالة وجود غير المتناهي بل لأن حقيقة اللايقفية تقتضي ذلك فإنه لو خرج جميع أفرادها إلى الفعل و لو كانت غير متناهية يقف ما فرضنا أنه لا يقف و يلزم في أجزاء الجسم الجزء الذي لا يتجزأ و في المراتب العددية أن لا يتصور فوقه عدد آخر و هو خلاف البديهة بل مفهوم الجميع و مفهوم اللايقف متنافيان كما قرروه في موضعه.
إذا تقرر هذا فنقول لعله يكون وجود جميع الأفراد خارجا و ذهنا مستحيلا نعم يمكن ملاحظتها إجمالا في ضمن الوصف العنواني فلا يجري فيه البرهان و إنما يتم النقض لو ثبت أن جميع مراتب الأعداد المستحيلة الخروج إلى الفعل موجودة مفصلا مرتبا في الواقع.
و إن أورد النقض بتحققها في علمه سبحانه فالجواب أن علمه سبحانه مجهول الكيفية لا تمكن الإحاطة به و أنه مخالف بالنوع لعلومنا و إنما يتم النقض لو ثبت تحقق جميع شرائط البرهان في علمه تعالى و في المعلومات باعتبار تحققه في هذا النحو من العلم و هو ممنوع و في خبر سليمان المروزي في البداء إيماء إلى حل هذه الشبهة لمن فهمه و قد مر في المجلد الثاني و الرابع.
الثاني لو كانت الأمور الغير المتناهية ممكنة لأمكن وقوع كل واحد من إحدى السلسلتين بإزاء واحد من الأخرى على سبيل الاستغراق إلى آخر الدليل و هذا التقرير جار في غير المرتبة أيضا لكنه في المرتبة المتسقة أظهر و منع الإمكان الذاتي مكابرة و كيف يتوقف الذكي في أن القادر الذي أوجده أولا مرتبا يمكنه أن يوجده مرة أخرى مرتبا منطبقا و أن يرتب الغير المرتبة
265
و إنكاره تحكم و منعه مكابرة.
الثالث ما قرره المحقق الطوسي و هذبه الفاضل الدواني و لا يرد عليه الشيء من الإيرادات المشهورة و يكون الانطباق فيه انطباقا برهانيا لا مجال لتشكيك الوهم فيه و تقع فيه الزيادة و النقصان في الجهة التي فرض فيها عدم التناهي و هو أن يقال تلك السلسلة المرتبة علل و معلولات بلا نهاية في جانب التصاعد مثلا و ما خلا المعلول الأخير علل غير متناهية باعتبار و معلولات غير متناهية باعتبار فالمعلول الأخير مبدأ لسلسلة المعلولية و الذي فوقه مبدأ لسلسلة العلية فإذا فرضنا تطبيقهما بحيث ينطبق كل معلول على علته وجب أن تزيد سلسلة المعلولية على سلسلة العلية بواحد من جانب التصاعد ضرورة أن كل علة فرضت لها معلولية و هي بهذا الاعتبار داخلة في سلسلة المعلول و المعلول الأخير داخل في جانب المبدإ في سلسلة المعلول دون العلة فلما لم تكن تلك الزائدة بعد التطبيق من جانب المبدإ كانت في الجانب الآخر لا محالة لامتناع كونها في الوسط لاتساق النظام فيلزم الانقطاع و أن يوجد معلول بدون علة سابقة عليه تأمل فإنه دقيق و يجري هذا الدليل في غير سلسلة العلل و المعلولية من الجمل المترتبة (1) فإن كل جملة فإن آحادها موصوفة في الواقع بالسابقية و المسبوقية بأي نوع كان من السبق و بغيرها من النسب الواقعية المتضايفة البرهان الثاني برهان التضايف و تقريره لو تسلسلت العلل إلى غير نهاية لزم زيادة عدد المعلولية على عدد العلية و التالي باطل بيان الملازمة أن آحاد السلسلة ما عدا المعلول الأخير لها عليه و معلولية فيتكافى عددهما و يتساوى فيما سواه و بقيت معلولية المعلول الأخير زائدا فيزيد عدد المعلوليات الحاصلة في السلسلة على عدد العليات الواقعة فيها بواحد و هذا الدليل يجري في كل سلسلة يتحقق فيها الإضافة في كل فرد منها في الواقع لا بحسب اختراع العقل و جريانه في المقادير المتصلة مشكل فإن إثبات إضافة في كل حد من الحدود المفروضة فيها في الواقع
____________
(1) المرتبة (خ).
266
مشكل اللهم إلا أن يقال كل جزء من أجزاء المقدار المتصل متصف في الواقع لا بمجرد الفرض بصفات حقيقية يتصف باعتبارها بالتقدم و التأخر بحسب الوضع و هما متضايفان حقيقيان و يؤيد ذلك أنهم قد صرحوا بأن أجزاء الأجسام موجودة في الواقع بوجود الكل و ليست القسمة إيجاد للجزءين من كتم العدم بل تمييز و تعيين حد بين الجزءين الموجودين فيه و فيه أنه يلزم انتهاء أجزاء الجسم و يلزم الجزء الذي لا يتجزأ ثم اعلم أن هذا البرهان في التسلسل في أحد الجانبين فقط ظاهر و أما في التسلسل في الجانبين فقد يتوهم عدم جريانه فيه و دفعه أنا إذا أخذنا معلولا معينا ثم تصاعدنا أو تسافلنا يجب أن يكون المتضايفان الواقعان في تلك السلسلة متساويين و يتم الدليل ضرورة أن مضايف العلية الواقعة في تلك القطعة هو المعلولية الواقعة فيها لا ما يقع فيما تحت القطعة من الأفراد مثلا إذا كان زيد علة لعمرو و عمرو لبكر فمضايف معلولية عمرو هو علية زيد لا غير بل الاثنان منها على التوالي متضايفان تتحقق بينهما إضافة شخصية لا تتحقق في غيرهما فالمضايف للمعلول الأخير المأخوذ في تلك القطعة هي علية القرينة التي فوقها لا غير فافهم و الاعتراضات الواردة على هذا الدليل من اعتبارية المتضايفين و غيرها مدفوعة بما مهدنا من المقدمات بعد التأمل فلا نطيل الكلام بالتعرض لدفعها.
البرهان الثالث ما أبداه بعض الأزكياء من المعاصرين و سماه برهان العدد و المعدود و هو عندي متين و تقريره أنه لو تحققت أمور غير متناهية سواء كانت مجتمعة في الوجود أو لا و سواء كانت مترتبة أم لا تحقق لها عدد لأن حقيقة العدد هي مجموع الوحدات و لا ريب في تحقق الوحدات و تحقق مجموعها في السلسلة فتعرض العدد للجملة لا محالة إذ لا حقيقة للعدد إلا مبلغ تكرار الوحدات و يظهر من التأمل في المقدمات ذلك المطلوب أيضا كما لا يخفى و كل مرتبة يمكن فرضها من مراتب الأعداد على سبيل الاستغراق الشمولي فهي متناهية لأنه يمكن فرض مرتبة أخرى فوقها و إلا لزم أن تقف مراتب العدد و هو خلاف
267
البديهة بل هي محصورة بين حاصرين أحدهما الوحدة و الآخر تلك المرتبة المفروضة أخيرا فالمعدود أيضا و هو مجموع السلسلة الغير المتناهية أيضا متناهية لأنه لا يمكن أن يعرض للمجموع بحيث لا يشذ منه فرد إلا مرتبة واحدة من مراتب العدد من جهة واحدة و كل مرتبة يمكن فرضها فهي متناهية كما مر نعم لو أمكن فرض جميع المراتب اللايقفية للعدد و أمكن تصور خروج جميع المراتب اللايقفية إلى الفعل و أمكن عروض أكثر من مرتبة واحدة للعدد للجملة الواحدة من جهة واحدة أمكن عروض العدد الغير المتناهي لهذه الجملة لكنه محال لأنه لا يمكن أخذ المجموع من الأمور اللايقفية و لا يتصور خروج الجميع إلى الفعل و لو على سبيل التعاقب و إلا لزم أن يقف و هذا خلف و قد التزمه النظام في أجزاء الجسم بل نقول مفهوم اللايقفية و مفهوم المجموع متنافيان كما قرر في محله.
و هذا البرهان واضح المقدمات يجري في المجتمعة و المتعاقبة و المترتبة و غير المترتبة بلا تأمل و كذا جريان برهاني التطبيق و التضايف ظاهر بعد الرجوع في المقدمات الممهدة و النظر الجميل في التقريرات السابقة و ذهب المحقق الطوسي ره في التجريد إلى جريان التطبيق و التضايف فيها و قال في نقد المحصل بعد تزييف أدلة المتكلمين على إبطال التسلسل في المتعاقبة فهذا حاصل كلامهم في هذا الموضع و أنا أقول إن كل حادث موصوف بكونه سابقا على ما بعده و لاحقا بما قبله و الاعتباران مختلفان فإذا اعتبرنا الحوادث الماضية المبتدئة من الآن تارة من حيث كل واحد منهما سابق و تارة من حيث هو بعينه لاحق كانت السوابق و اللواحق المتباينتان بالاعتبار متطابقتين في الوجود لا نحتاج في تطابقهما إلى توهم تطبيق و مع ذلك يجب كون السوابق أكثر من اللواحق في الجانب الذي وقع النزاع فيه فإذن اللواحق متناهية في الماضي لوجوب انقطاعها قبل انقطاع السوابق و السوابق زائدة عليها بمقدار متناه فتكون متناهية أيضا انتهى.
و اعترض عليه بأن في التطبيق لا بد من وجود الآحاد على نحو التعدد و الامتياز أما في الخارج فليس و أما في الذهن فكذلك لعجز الذهن عن ذلك و
268
كذا لا يمكن للعقل تحصيل الامتياز و وجود كل واحد في الأوقات السابقة على زمان التطبيق لا يفيد لأنه يرجع إلى تطبيق المعدوم فإن الوجود ضروري عند التطبيق و أيضا لا بد في الانطباق من وجود مجموع الآحاد و ذلك المجموع لا يمكن وجودها لأن ذلك المجموع لم يكن موجودا قبل الحادث الأخير و بعده لم يبق شيء منه موجودا و القول بوجودها في مجموع الأوقات على سبيل التدريج كالحركة القطعية يدفعه أن وجود الكل في جميع الأوقات على هذا النحو يستلزم وجود الكل بدون شيء من أجزائه و فيه بحث إذ يكفي لوجود هذا الكل وجود أجزائه في أجزاء زمان الكل انتهى.
و التحقيق أن الموجود قد يوجد في ظرف الزمان و هو الدفعيات و قد يوجد في نفس الزمان و هو التدريجيات و الأمر التدريجي مجموعها موجودة في مجموع زمان وجودها على سبيل الانطباق و ليس المجموع موجودا في أبعاض الزمان و لا في آن من الآنات فإن سئل الحركة في اليوم هل هي موجودة في آن من آنات اليوم المفروض أو شيء من ساعاته فالجواب أنها ليست بموجودة أصلا بل في مجموع اليومين و قد بين ذلك بوجه شاف في مظانه و انطباق الحوادث المتعاقبة الزمانية بعضها على بعض من قبيل الثاني فالتطبيق موجود في كل زمان لا في آن فآن و الانطباق حكمه حكم المنطبقين كانطباق الحركة على الزمان و انطباق الحركة على المسافة و هذا ظاهر أ لا ترى أن الكرة المدحرجة على سطح مستو تنطبق دائرة من محيط الكرة على المسافة جزما و انطباقها لا يمكن أن يكون في آن لأنه لا يمكن التماس بين المستدير و المستوي إلا بنقطة فظهر أن انطباقهما تدريجي في كل الزمان أ و لا تعلم أن الحركة و الزمان متطابقان تدريجا في كل زمان الحركة و لو لم ينطبق الزمان على الحركة لم يكن مقدارا لها سواء كانا موجودين في الخارج أو لا (1).
____________
(1) وجه ما ذكره (رحمه اللّه) في انطباق الحركة على الزمان و كذا انطباق دائرة من الكرة المدحرجة على خطّ من السطح المستوى تدريجا أنّه ليس للحركة و الزمان أجزاء موجودة بالفعل.
269
و يمكن الجواب أيضا على القول بعدم وجود الزمانيات بأنه لا شك أن الآحاد المتعاقبة من إحدى السلسلتين منطبقة في الواقع على آحاد السلسلة الأخرى اللتين كانتا هما معا في الوجود في أزمنة وجودهما و إن لم يكونا موجودين حال حكمنا و وجودهما حال الحكم غير لازم في جريان البرهان بل وجودهما حين الانطباق و ليس من قبيل تطبيق المعدوم على المعدوم بل من قبيل الحكم بانطباق المعدوم في حال الحكم على المعدوم الموجودين معا في حال الانطباق و ذلك مثل سائر الأحكام الصادقة على الأمور الماضية.
و قيل أيضا إن التطبيق يتوقف على الترتيب و هو يتوقف على تحقق أوصاف و نسب و إضافات يسلكها في سلك الترتيب و في المتعاقبة لا يوجد ذلك فإن فيما عدا الحادث الأخير لا يوجد شيء من طرفي النسبة و في الحادث الأخير لا يوجد إلا طرف واحد فلا يتحقق النسبة أيضا ضرورة أنها فرع المنتسبين.
فإن قلت لعل الاتصاف في الذهن كما قالوا في اتصاف أجزاء الزمان بالتقدم و التأخر.
قلت لما كانت الحوادث لا نهاية لها فلا يمكن التفصيل في الأذهان و المبادئ العالية و الوجود الإجمالي غير كاف لعدم الامتياز فيه انتهى.
و الجواب أنه يجزم العقل بأن حوادث زمان الطوفان في الخارج قبل حوادث زمان البعثة و قبل الحادث اليومي بلا ريب و لا يتفرع على اعتبار العقل كيف و هم معترفون بأن الحادث المتقدم علة معدة للحادث المتأخر بالعلية و المعلولية الخارجية فإن العلة ما لم توجد في الخارج من حيث إنها علة لم يوجد المعلول في الخارج و هما متضايفان فظهر أن النسبة بالعلية و المعلولية متحققة بين المعلول و العلة المعدة و وجودها السابق و عدمها علة فتحققت النسبة بين
____________
حتى ينطبق بعضها على بعض بل للكل وجود واحد فينطبق الكل على الكل، لكن لا يمكن إسراؤه الى الحوادث المتعاقبة، لان لكل منها وجودا بالفعل منحازا عن وجود الآخر إلّا أن يفرض حادث ممتد تدريجى واحد فتأمل.
270
المعدوم و الموجود و الحق أن طرفي النسبة لا يمكن أن يكونا معدومين بالعدم المطلق و إذا تحققا نوع تحقق لم يجتمعا (1) في الوجود فإن العقل يجوز تحقق النسبة بينهما و لم ينقبض عنه (2) و من تصور حقيقة وجود الأعراض التدريجية تصور كيفية النسبة بين أجزائها المتعاقبة و قل استبعاده و أذعن بها.
ثم إن النسبة بالتقدم و التأخر بين أجزاء الزمان في الواقع من غير فرعية و لا اعتبار العقل و تصوره و اتصافها بالصفات الثبوتية و الحكم بالأحكام النفس الأمرية بل الخارجية المستلزمة لثبوت المثبت له في الواقع مما لا يشك فيه أحد و ليس من الأحكام المتفرعة على اعتبار العقل الحاصلة بعد فرضه و ليس بحاصل بالفعل إلا بعد الفرض فإنه لو كان كذلك لكان حكم العقل بأن هذا الجزء متقدم و ذاك متأخر في الخارج من الأحكام الكاذبة لأنه في الخارج ليس كذلك في الحقيقة (3) أ لا ترى أنه يصح الحكم على الدورات الغير المتناهية من الحركة و الزمان بالتقدم و التأخر و القسمة و الانتزاع الإجمالي غير كاف لاتصاف كل جزء جزء بالتقدم و التأخر و التفصيل يعجز عنه العقل عندهم فكيف تكون هذه الاتصافات بعد فرض الأجزاء كما ذهبوا إليه.
و قد ذهب بعض المحققين في جواب شك من قال لم اتصف هذا الجزء من الزمان بالتأخر و ذاك بالتقدم إلى أن هذه الاتصافات مستندة إلى هويات
____________
(1) و إن لم يجتمعا (ظ).
(2) ان أريد بكفاية تحققهما نوعا من التحقّق أنّه يكفى في الاتصاف تحققهما في الذهن دون الخارج فهو خاصّ بالاتصاف الذهني، و الكلام في الاتصاف الخارجى، و ان أريد كفاية نوع من التحقّق في الخارج فهو عين الاجتماع في الوجود، اذ لا معنى لاجتماعهما في الوجود إلا تحققهما معا في الخارج. و أمّا الإضافة المتحققة بين العلة المعدة و المعلول فهي إضافة مقولية بين هذين العنوانين لا الوجودين الخارجيين، فيكفى تصورهما في الذهن لتحققها.
(3) بناء على عدم تحقّق أجزاء الزمان في الخارج تحققا فعليا بل بالقوة القريبة من الفعل، فالحكم بتقدم بعض الاجزاء على البعض في الخارج انما هو بلحاظ قرب قوتها من الفعلية و إلّا فلا موضوع لهذه القضية الخارجية بحسب الحقيقة فتأمل.
271
الأجزاء و تشخصاتها الحاصلة لها فكما أنه لا يصح السؤال بأن زيدا لم صار زيدا و عمرا عمرا لا يصح السؤال بأنه لم صار أمس أمس و اليوم اليوم (1) و ذهبوا أيضا إلى أن اختلاف أجزاء الفلك بالقطب و المنطقة مستند إلى هوية الأجزاء ليس بفرض فارض (2) بل موجودة فيه حقيقة لكن الأجزاء و هوياتها موجودة بوجود الكل بوجود واحد و كما أن أجزاء الجسم و تشخصاتها موجودة بوجود الجسم و بوجود قار كذلك أجزاء الزمان و الحركة موجودة بوجود الكل بوجود تدريجي بلا تفاوت و المناقشة في هذه ناشئة من عدم تصور الوجود التدريجي كما ينبغي فلا ينافي اتصال الزمان و الحركة إذا كانت موجودة بوجود واحد فإن هذا النوع من الاختلاف لا يستلزم القسمة بالفعل و الانفصال بعد الاتحاد بوجود الكل.
ثم إنهم قاطبة صرحوا بأن الصفة لا يجب تحققها في ظرف الاتصاف و المحكوم به لا يجب وجوده في الحكم (3) مع أنه نسبة و ذهبوا أيضا إلى تساوي نسبة الممكن إلى طرفي الوجود و العدم و إلى صحة الاتصاف بنحو العمى من الأمور العدمية في الخارج إلى غير ذلك من النظائر (4) و لا يخفى أنه يمكن إجراء جميع
____________
(1) الاستشهاد بهذا الكلام انما هو من جهة تقرير هذا المحقق تقدم بعض اجزاء الزمان على الآخر، و إلّا فأصل الكلام أجنبى عما نحن فيه.
(2) الفارض (خ).
(3) ظرف الحكم (ظ).
(4) النسبة امر رابط بين الشيئين لا استقلال له في نفسه و لذا يستحيل تحققه مع عدم تحقّق الطرفين معا، فان كانت النسبة حاكية عن اتّحاد الطرفين في الخارج نحو اتّحاد وجب وجود الطرفين في الخارج، و إلّا كفى تحققهما في الذهن، و هذا ممّا لم يختلف فيه اثنان من الحكماء و أمّا ما نسبه اليهم من عدم وجوب تحقّق الصفة و المحكوم به في ظرف الاتصاف و الحكم فوجه الصحيح انه لا يجب في الاتصافات الذهنية وجود الصفة و المحمول في الخارج حين الحكم، و هذا لا يفيد شيئا لاثبات مرامه، و اما الحكم بتساوى نسبة الممكن إلى الوجود و العدم فهو من الاحكام النفس الامرية لا الخارجية و اما العمى فهو عدم ملكة و هو امر عدمى لا عدم، و التوضيح يقتضى مجالا أوسع.
272
ما ذكرنا في جريان هذا الدليل في المتعاقبة في جريان سائر البراهين فيها فلا نطيل الكلام بالتعرض لخصوص كل منها.
البرهان الرابع ما أورده الشيخ الكراجكي في الكنز بعد ما أورد برهان التطبيق بوجه مختصر أنيق قال دليل آخر على تناهي ما مضى و هو أنه قد مضت أيام و ليالي وقفنا اليوم عند آخرها فلا يخلو أن تكون الأيام أكثر عددا من الليالي أو الليالي من الأيام أو يكونا في العدد سواء فإن كانت الأيام أكثر من الليالي تناهى الليالي لأنها أقل منها و اقتضى ذلك تناهي الأيام أيضا لبطلان اتصالها قبل الليالي بغير ليالي بينها فوجب على هذا الوجه تناهيهما معا و إن كانت الليالي أكثر من الأيام كان الحكم فيهما نظير ما قدمنا من تناهي الأول فتتناهى الأيام لزيادة الليالي عليها و يقتضي ذلك تناهي الليالي أيضا لما مر فيلزم تناهيهما معا و إن كانت الأيام و الليالي في العدد سواء كانا بمجموعهما أكثر عددا من أحدهما بانفراده و هذا يشهد بتناهيهما إذ لو كان كل واحد منهما في نفسه غير متناه ما تصورت العقول عددا أكثر منه و قد علمنا أن الأيام مع الليالي جميعا أكثر عددا من أحدهما و هذا موضح عن تناهيهما و بهذا الدليل نعلم أيضا تناهي جميع ما مضى من الحركات و السكنات و من الاجتماعات و الافتراقات و من الطيور و البيض و الشجر و الحب و ما يجري مجرى ذلك (1) انتهى ثم اعلم أنه يمكن إبطال ما ادعوه من التسلسل في الأمور المتعاقبة بل في غير المرتبة أيضا بوجوه أخرى نذكر بعضها.
الأول أنهم قالوا بالحوادث الغير المتناهية التي كل سابق منها علة معدة للاحق على سبيل الاستغراق و أن إيجاد الواجب تعالى لكل منها مشروط بالسابق تحقيقا للإعداد و تصحيحا لارتباط الحادث بالقديم و أنه تعالى ليس بموجب تام لواحد منها إذا تقرر هذا فنقول لو تسلسلت المعدات على ما ذهبوا إليه لا إلى نهاية لزم أن يكون وجوب كل واحد منها وجوبا شرطيا بمعنى أنه يجب كل
____________
(1) يرد على هذا البرهان و البرهان السابق ما يرد على برهان التطبيق فأجد التأمل.
273
منها بشرط وجوب سابقة و لا ينتهي إلى الوجوب القطعي البت الذي يكون تعالى موجبا له لذاته بدون شرط لأنه عندهم أنه تعالى ليس بموجب تام لكل واحد من المعدات بل الحوادث مطلقا و تأثيره تعالى في كل منها موقوف على تأثيره في معد سابق عليه لا إلى نهاية فوجوب كل منها وجوب شرطي لا يجب حتى يجب سابقه و الوجوب الشرطي غير كاف لتحقق واحد منها فإنه بمنزلة قضايا شرطية غير متناهية مقدم كل لاحق تال لسابقه فإنه ما لم ينته إلى وضع مقدم لم ينتج شيئا و لو توقف تأثير الواجب في كل حادث و إيجاده إياه على إيجاد حادث آخر و لم تجب لذاتها تلك الإيجادات لكان يجوز للواجب ترك إيجاد الحوادث بالكلية و ما لم يمتنع هذا الاحتمال في نفس الأمر لم يجب واحد منها في الواقع لأن وجوب كل حادث إنما هو بشرط إيجاد حادث آخر و هكذا الكلام في ترك الإيجاد رأسا و ما لم يمتنع جميع أنحاء ارتفاعاته و عدماته في الواقع لم يجب وجوده (1).
و توهم بعضهم أنه لا يمكن ارتفاعه ارتفاع جميع الحوادث لاستلزامه ارتفاع الطبيعة القديمة المستندة بلا شرط إلى الواجب تعالى شأنه و هو مردود بأنه لا يعقل استناد
____________
(1) حاصل هذا الوجه أنّه بناء على كون كل حادث مسبوقا بمعد و كون المعد مسبوقا بآخر و هكذا الى غير النهاية يلزم عدم وجود حادث لا يتوقف على معد أصلا، فكلما فرض حادث كان مسبوقا بمعدات متسلسلة غير متناهية و يتوقف وجوب وجود هذا الحادث عليها، فاذن ليس شيء لا يتوقف على أمر سوى الواجب، فيلزم اولا كون وجوب الوجود للحوادث شرطيا و الوجوب الشرطى لا يوجب التحقّق في الخارج، و ثانيا جواز ترك الايجاد بالكلية على الواجب، لانه ليس شيء من الحوادث بنفسه مستعدا لقبول الوجود من الواجب بل بشرط وجود حادث قبله، فله ان يترك الايجاد رأسا و الجواب عن الأول انه بعد فرض وجود الشرط يصير الوجوب فعليا، و التعليق غير موجود في الخارج بل الذي هو في الخارج و يحكى عنه بالقضية الشرطية هو نحو من الارتباط الوجودى، ففي قولنا «ان كانت الشمس طالعة فالنهار موجود» لا يوجب اشتراط وجود النهار بطلوع الشمس وجوب وجود النهار، لكن مع فرض طلوع الشمس لا محيص عن وجوب وجوده و الخصم يفرض وجود الحوادث الغير المتناهية و معه يصير وجوب الحادث فعليا. و ان سئل عن حاله قبل وجود تلك المعدات اجاب بانه لا يمكن فرض حادث لا يكون قبله حوادث غير متناهية فكلما فرض حادث في زمان كانت قبله حوادث و ازمنة غير متناهية و ليست قبلها قبلية زمانية و عن الثاني بمنع الملازمة و منع بطلان التالى و هو واضح.
274
الطبيعة بلا شرط إلى الواجب جل شأنه لأن الطبيعة عندهم إذا كانت ذاتية لما تحتها فإنما هي مجعولة بجعل ما هي ذاتية له جعلا واحدا و لا يمكن تعلق جعل على حدة بالطبيعة الكلية قطعا و جعل كل فرد من أفراد الطبيعة عندهم إنما هو بشرط سبق معد نعم لو تحقق تأثير منفرد في الطبيعة وراء التأثير في الأفراد لوجب أن يكون التأثير من الواجب فيها إما ابتداء أو بواسطة قديمة و تأثير الواجب في القديم بلا واسطة و شرط أو بواسطة قديمة إنما هو منشأ استحالة انعدام القديم عندهم فظهر أن سلسلة الحوادث يجب أن تنتهي إلى حادث يجب وجوده عن الواجب بلا شرط معد فتنقطع سلسلة الحوادث به لأنه لا يجوز تقدم شرط أو معد من الحوادث عليه و كذا يمكن إجراء كثير من براهين إثبات الواجب التي لا يتوقف على إبطال الدور و التسلسل هنا بأدنى تصرف لا يخفى على الفطن اللبيب فإن تأثير الواجب تعالى عندهم في كل حادث يتوقف على معد و وجود الواجب مع عدم المعد في حكم قوة (1) فرض عدمه تعالى و العياذ بالله في عدم التأثير (2) و العلة التامة عندهم هو الواجب مع المعد و مجموع المركب من الواجب و الممكن ممكن فالعلل التامة لجميع الحوادث الغير المتناهية ممكنات فكما لا ينفع التزام التسلسل في مسألة إثبات الواجب لا ينفع التزامه هنا أيضا إذ الأدلة الدالة على إثبات الواجب بدون التمسك بإبطال التسلسل يجري هنا أيضا بأدنى تفاوت.
الثاني أن نقول على تقدير تسلسل الحوادث على سبيل التعاقب يلزم أن يتقدم على كل حادث من الحوادث على سبيل الاستغراق عدم أزلي لحادث حادث و الحادث الأول و الثاني يجتمعان في العدم إذ يوجد في الواقع مرتبة من المراتب
____________
(1) كذا، و الظاهر ان أحد اللفظين كان في بعض النسخ بدلا عن الآخر فاثبتا معا في المتن.
(2) الشرائط التي يتوقف عليها وجود المعلول منها ما هو شرط فعل الفاعل و منها ما هو شرط قبول القابل، و الذي ينافى تمامية الفاعل في الفاعلية هو القسم الأوّل و هو منفى عن الواجب تبارك و تعالى عند جميع الحكماء، و القسم الثاني راجع إلى نقص المعلول و عدم استعداده لقبول الفيض على كل تقدير. و بهذا يظهر وجه الخلل في كلامه (رحمه اللّه).
275
كانا معدومين فيها و اجتمع معهما عدم الحادث الثالث ضرورة أن عدم كل حادث أزلي و أن عدم الحادث المتأخر و إن كان أطول امتدادا من الحادث المتقدم إلا أن الكل متحقق في ظرف الزمان إذ طبيعة الزمان أزلية عندهم و الأعدام كلها أزلية فلا بد من اجتماعها قطعا في زمان ما و يجتمع مع هذه الأعدام الثلاث عدم الحادث الرابع و هكذا على ترتيب الآحاد على التوالي فإما أن يستغرق هذا الاجتماع إعدام جميع الآحاد فيكون جميع الحوادث معدوما في مرتبة ما من المراتب الواقعية فتأخر جميع الحوادث عن تلك المرتبة الواقعية و يكون الجميع معدوما في تلك المرتبة فيكون لها مبدأ و انقطاع و هو المطلوب (1) و إن لم يستغرق فينتهي إلى حادث معين لا يجتمع عدمه مع عدم ما قبله من الحوادث إما لأن هذا الحادث لا يسبقه عدمه فيكون قديما بالشخص و إما لأن الحادث الذي قبله لا يسبقه عدم أزلي فيكون ذلك قديما ضرورة أنه لو تقدمهما عدم أزلي يجب اجتماعهما مع ما تأخر عنهما فتنقطع سلسلة الحوادث على أي تقدير.
لا يقال كل جملة متناهية يجتمع في العدم و يتحقق عدم سابق على الجميع و أما جملة الحوادث الغير المتناهية فلا.
لأنا نقول قد بينا أن هذا الحكم مستغرق لجميع الآحاد على التوالي و قد مر في المقدمات الممهدة أن أمثال هذه الأحكام على كل فرد تسري إلى الجملة فلا مجال لهذا التوهم (2).
____________
(1) ان أريد باثبات العدم الازلى لكل حادث حادث عدم وجود كل واحد من الحوادث في زمان غير متناه من جهة البدء فلا يمكن فرض ذلك في الجميع، لانه ليس قبل الجميع زمان لا متناه و لا غير متناه، لان الزمان أيضا من الجميع، كيف و هو مقدار الحركة و الحركة تختص بالحوادث، و ان أريد بالعدم الازلى للكل عدمه في وعاء آخر غير الزمان فلا يثبت به الحدوث الزمانى لسلسلة الحوادث.
(2) سريان حكم الفرد إلى الجميع إنّما هو في ما إذا كان ملاك الحكم الثابت لكل فرد موجودا في الجميع بعينه، لكن حكم المسبوقية بالعدم الازلى بمعنى العدم المقارن للزمان الغير المتناهى انما يثبت لكل واحدة من الحوادث بلحاظ مسبوقيتها بحوادث غير متناهية، فإذا اعتبرنا جميع الحوادث بحيث لا يشذ منها شيء لم يمكن تصور هذا الملاك فيه، لان الجميع غير مسبوق بحوادث غير متناهية إذ لا حادث آخر وراء الجميع فافهم و اعرف به الخلل في التقريرات الآتية.
276
و لك أن تقول هاهنا سلسلتان إحداهما سلسلة وجودات الحوادث و الأخرى سلسلة عدماتها فإذا أخذنا مجموع الوجودات بحيث لا يشذ عنها فرد و كذا العدمات فلا شك أن جملة العدمات بحيث لا يشذ فرد متقدمة على جملة الوجودات لتقدم كل فرد منها على نظيره و عديله و مثل هذا الحكم يسري من الآحاد إلى الجملة و لأن جملة العدمات لما كان كل فرد منها أزليا (1) و جملة الحوادث حادثة و تقدم الأزلي على الحادث ضرورية و لا شبهة في إمكان أخذ المجموع بحيث لا يشذ فإنه ليس من قبيل الجملة اللايقفية التي لا يمكن فيها أخذ المجموع بحيث لا يشذ و قد أخذوا جملة الممكنات في دليل إثبات الواجب فيكون ممكنا فلا يكون في تلك المرتبة شيء من الحوادث و هو الانقطاع.
و لنا أيضا أن نقول يتقدم على كل حادث عدم أزلي هو عدم لهذا الحادث و ينعدم معه جميع ما بعده من الحوادث التي هو معد لها و سبق هذا العدم يستوعب جميع آحاد سلسلة الحوادث و حكم الآحاد يسري إلى الجملة فيلزم عدم مجموع الحوادث رأسا و انقطاعها أو نقول مجموع الحوادث واحد شخصي لأن كل جزء منه واحد شخصي و حادث أيضا لأن جميع أجزائه حادث فيلزم الانقطاع و نقول أيضا السلسلة المذكورة معدات عندهم و المعد يعتبر وجوده و عدمه في المعلول المتأخر و كلاهما سابق عليه فنأخذ سلسلة العدمات اللاحقة السابقة على وجود المعلولات و نقول إما أن يستغرق سبق كل فرد من العدمات لكل فرد من وجودات الحوادث النظير على النظير فيلزم تقدم جملة سلسلة العدمات إذا أخذنا بحيث لا يشذ منها شيء على سلسلة وجودات الحوادث و هو يستلزم الانقطاع و تقدم عدم اللاحق على الموجود و هذا خلف و إن لم يستغرق فينتهي إلى فرد لا يسبقه عدم المعد فتنقطع سلسلة المعدات.
و على هذه التقريرات لا يتوجه ما قيل إن الأزل ليس وقتا محدودا تجتمع فيه العدمات و غيرها بل مرجعه إلى أن قبل كل حادث حادث إلى غير نهاية
____________
(1) في بعض النسخ: فالجملة أزلية.
277
و هكذا عدم الحوادث و لا محذور فيه لأن اجتماع العدم الأزلي الغير المتناهي في الماضي في زمان مع عدم تناهي الزمان عندهم مع مثله بالغا ما بلغ سواء كانت الأعدام متناهية أم لا بديهي و لا يلزمنا تعيين زمان معين للأزل و كذا ما قيل و إن تحقق في الأزل عدم الحوادث لكنه عدم كل حادث مقرون بوجود حادث تقدم على ذلك الحادث أبدا فلا يتحقق وقت ينتهي (1) فيه جميع الموجودات و يبقى صرف العدم و هذا مع أنه مدفوع بما قررنا لو تم فهو فساد آخر نشأ من عدم تناهي الحوادث إذ جميع المفاسد التي ذكرنا إنما نشأت من الحوادث إلى غير نهاية.
و يمكن أن يقال أيضا إن الحادث اليومي مسبوق بعدم معده و بعدم معد معده و هكذا إلى غير نهاية و عدم المعد البعيد بواسطة أطول امتدادا من عدم المعد القريب و المعد البعيد بواسطتين أطول منهما و المعد الأبعد بثلاث وسائط أطول من الثلاثة و كلما تمتد سلسلة المعدات تتزايد امتداد الأعدام اللاحقة للمعدات فلو ذهبت السلسلة إلى غير نهاية لزم أن يمتد العدم اللاحق لا إلى نهاية مع أنه عدم لاحق مسبوق بوجود المعد و استحالته ظاهرة و هذا برهان لطيف قوي لا يرد عليه ما يرد على برهان السلم لأن جميع الأعدام الغير المتناهية جزء للعلة التامة للحادث اليومي مجتمعة و وجودات المعدات متحققة في الواقع متمايزة بخلاف برهان السلم لأن ازدياد الانفراج هنا على سبيل اللايقف و موقوف على فرض النقاط في الساقين.
الثالث قال بعض المحققين إن الأمور الغير المتناهية مطلقا يستلزم الأمور الغير المتناهية المترتبة و يلزم منه تناهي النفوس و حدوثها على بعض الوجوه كما سلف بيانه أن المجموع متوقف على المجموع إذا أسقط منه واحد و ذلك المجموع على مجموع أقل منه بواحد و هكذا إلى غير نهاية فيجري التطبيق و التضايف بين المجموعات الغير المتناهية إذ هي أمور موجودة مترتبة.
____________
(1) في بعض النسخ: ينتفى.
278
المقصد الخامس في دفع بعض شبه الفلاسفة الدائرة على ألسنة المنافقين و المشككين القاطعين لطريق الطالبين للحق و اليقين
و فيه مراصد.
المرصد الأول قالوا إذا لاحظنا الواجب تعالى شأنه في طرف و جميع ما عداه بحيث لا يشذ منها شيء في طرف آخر فحينئذ إما أن يكون الواجب سبحانه علة تامة لشيء ما أو لا و بعبارة أخرى جميع ما لا بد منه في وجود شيء ما سواء كان ذلك الشيء الإرادة الزائدة أو غيرها إما ذاته تعالى أو لا و على الأول يكون ذلك الشيء معه دائما في الأزل لاستحالة تخلف المعلول عن العلة التامة و على الثاني يستحيل وجود شيء ما أبدا لاستحالة التغير في ذاته تعالى و بعبارة أخرى و بوجه أبسط و هو أن يقال ذات الواجب تعالى إما أن يستجمع جميع شرائط التأثير في الأزل أو لا و على الأول يلزم قدم الأول (1) بالضرورة لامتناع التخلف عن الموجب التام و على الثاني توقف وجود الأثر و هو العالم على شرط حادث و ننقل الكلام إليه حتى يلزم التسلسل.
أما على سبيل الاجتماع و هو باطل بما مر و أيضا نقول إذا أخذنا مجموع تلك الشروط بحيث لا يشذ عنها شرط فإما أن يتوقف وجودها على شرط آخر غير ذات الواجب تعالى خارج عن مجموع الشروط فلم يكن ما فرضناه جميعا جميعا و هذا خلف أو لا يتوقف فيكون الذات وحده مستقلا بإيجاد ذلك المجموع فأما أن يكون اجتماعها في آن حدوث الأثر فيلزم إما حدوث الواجب بالذات و إما تخلف الشروط عن موجبها التام و كلاهما محالان أو يكون اجتماعها في الأزل فيلزم قدم أشخاص غير متناهية من العالم هي الشروط بل و المشروط وجوده بها أيضا و إلا لزم تخلف المشروط عن موجبه التام و هو الواجب مع جميعها إذ المفروض عدم شرط خارج عن المجموع أو على سبيل تعاقب تلك الشروط إما في الحدوث
____________
(1) الاثر (ح).
279
مع اجتماعها في البقاء فتجتمع في آن الحدوث أمور غير متناهية مترتبة موجودة و تجري فيها براهين إبطال التسلسل بالاتفاق على أنه يلزم حينئذ قدم نوع الفعل و طبيعته و هو مطلوب في الجملة و إما على سبيل تعاقبها حدوثا و بقاء بأن لا يجتمع اثنان منها في الوجود في زمان و لا في آن فتكون طبيعة العالم قديمة محفوظة بتعاقب تلك الأفراد الغير المتناهية و تلك الأمور إنما يكون تعاقبها على مادة قديمة فيلزم أيضا قدم شخص هو المادة و لكونها لا تنفك عن الصورة يكون الجسم قديما أيضا أو يقال لا يجوز وجود الشرائط على التعاقب أيضا فإن الفاعل لما توقف تأثيره في كل من الشرائط على شرط آخر فهو في حد ذاته متساوي النسبة إلى طرفي الإيجاد و تركه فيتساوى فرض وجوده بحيث لا يوجد منه شيء من تلك الشروط أصلا و فرض وجوده موجدا له فلا يترجح أحد الطرفين على الآخر إلا لأمر خارج و ننقل الكلام إليه حتى يظهر أنه يجب أن يكون بين البارئ تعالى و الحوادث توسط أمر واحد ذاتا تتكثر إضافاته و نسبه فيكون قديما بالذات و حادثا بالإضافة و هو الحركة فأوجبوا وجود حركة قديمة بل وجود جسم قديم هو المتحرك بتلك الحركة و ادعوا أنها حركة الفلك الأعظم فيكون قديما و كذا ما في جوفه لامتناع الخلاء و لأن الحركة الواحدة البسيطة كما لا تختلف ذاتها لا تختلف إعداداتها للمادة الواحدة لتشابه أجزائها في الحقيقة و أثبتوا حركات مختلفة و أفلاكا كثيرة يحصل من اجتماعها و اختلافها سرعة و بطء و جهة و أوضاع مختلفة من المقارنات و المقابلات و التربيعات و التسديسات و التثليثات و غير ذلك فتنتظم بها سلسلة الحوادث عندهم.
و هذه الشبهة بتلك التقريرات أقوى شكوكهم و للتفصي عنها طرق الطريق الأول ما هو المشهور بين المتكلمين و هو أن يقال إنهم يقولون بقدم العالم لزعمهم لزوم توسط أمر ذي جهتي استمرار و تجدد بين الحادث اليومي و القديم لئلا يلزم التخلف عن العلة التامة و نحن نقول إنه الزمان و لا يلزم القدم لكونه أمرا اعتباريا انتزاعيا و أدلة وجوده مدخولة و لا نقول بانتزاعه من
280
موجود ممكن حتى يلزم القدم أيضا بل هو منتزع من بقائه تعالى فكما أنهم يصححون ربط الحادث بالقديم بالحركة و الزمان كذلك نصححه أيضا بالزمان و كون الزمان مقدار حركة الفلك ممنوع بل نعلم بديهة أنه إذا لم يتحرك الفلك مثلا يتوهم هذا الامتداد المسمى بالزمان و القول بأنه لعله من بديهة الوهم لا يصغى إليه (1).
ثم إن الزمان و إن كان وهميا فمعلوم أنه ليس وهميا اختراعيا بل وهميا نفس أمري و مثل هذا الوهمي يصح أن يكون منشأ للأمور الموجودة في الخارج لا بأن يكون فاعلا لها بل دخيلا فيها مع أن محققي الفلاسفة وافقونا على كون الزمان الممتد المتصل أمرا انتزاعيا مرتسما في الخيال و خالفونا فيما هو منشأ لانتزاعه فقالوا بوجود أمر قديم سرمدي في الخارج لا امتداد له و لا تقدر و اعتقدوا أن له جهتي استمرار و تنقل كالحركة التوسطية و سموه بالآن السيال و زعموا أن ذلك الأمر يفعل باستمراره و سيلانه في الخيال أمرا ممتدا متصلا غير قار الأجزاء في الوجود
____________
(1) الأمور التي لها حظ من الوجود و نحو تحقّق في الخارج سواء فرض هناك مدرك أم لا هى الأمور الحقيقية كالماء و الهواء و الأرض و غيرها، و لا فرق فيها بين ما يدرك بالحواس كالمبصرات و المسموعات و ما لا يدرك كذات البارئ تبارك و تعالى، و تنقسم الى الواجب و الممكن، و الممكن الى الجوهر و الا عراض التسعة و منها الكم و هو منفصل و متصل و المتصل قار و غير قار و الكم المتصل غير القار هو الزمان. إذا عرفت هذا فاعلم ان قوله «نعلم بديهة انه إذا لم يتحرك الفلك مثلا اصلا يتوهم هذا الامتداد المسمى بالزمان.» ان أراد به انه يمكن وجود الزمان مع عدم وجود جسم أعمّ من الفلك و غيره فممنوع و دعوى البداهة كما ترى. كيف و الزمان كما عرفت عرص لا يقوم الا بجوهر، و ذات البارئ سبحانه اعلى و ارفع و اجل و امنع من ان يصير موضوعا لعرض او محلا لحال، أو يدركه عقل أو يناله و هم! و من هنا تعرف ما في القول بانتزاع الزمان من ذاته تعالى و تقدس، و ان أراد به عدم انحصار راسم الزمان في حركة الفلك الوضعية فله وجه لكنه لا يلائم الالتزام بانتزاعه من بقائه تعالى. و ان أراد انه لا يتمكن الوهم من ادراك موجود خارج عن ظرف الزمان فيتوهم امتدادا يسمى بالزمان فانا لا ننكر عجز الوهم عن ذلك، لكن التوهم غير إدراك الواقع فالوهم لا يدرك ما هو خارج عن ظرف المكان أيضا فهل يمكن القول بعدم تحقّق موجود خارج عن ظرف المكان؟!.
281
الفرضي الخارجي أو في حدوث الارتسام كالحركة بمعنى القطع و سموه بالزمان بمعنى القطع كل ذلك من غير ضرورة و لا برهان يدل على ذلك الأمر البسيط في الخارج فإن الشيخ لم يزد في الشفاء على تحرير الدعوى و إعادته بعبارات متكررة في فصول شتى و لا نقل عن السابقين عليه دليل في هذا الباب و اقتفى المقلدون أثرهم بحسن الظن بهم و ليت شعري إذا قنعوا بالتقليد فلم لم يقلدوا من قلدهم الله تقليده و تصديقه على أن العقل المستقيم ينقبض عن وجود ذلك الأمر في الخارج بل يمكن إبطاله أيضا بوجوه ليس هذا مقام إيرادها مع أنه على هذا القول يرد عليهم ما يرد علينا.
و ما قيل من أن الزمان الموهوم لا تمايز بين أجزائه و طلب الترجيح فيما بينها غير معقول مدفوع بما مر من أنه و إن لم يكن موجودا لكنه من الأمور الواقعية التي يحكم العقل عليها بتلك الأحكام حكما واقعيا مع أنه لو كان وهميا محضا لا يترتب عليه حكم لا يتحقق التخلف أيضا إذا لم يتخلل زمان بين العلة و أول المعلولات أصلا حتى يسأل عن الترجيح بين أجزائه فيلزم الترجيح بلا مرجح و الامتداد المتوهم محض اختراع الوهم حينئذ.
و حاصل الجواب حينئذ أنا نختار أنه ليس في الأزل مستجمعا لشرائط التأثير قوله توقف على شرط حادث قلنا هو تمام قطعة من الزمان يتوقف عليها وجود العالم و يرتبط به الحادث بالقديم على نحو ما التزمه الفلاسفة في الحركة إلا أن توسيط الحركة يستدعي قدم الحركة التوسطية السرمدية بل قدم المتحرك بها بل سائر الأجسام على ما عرفت و في هذا المسلك لا يلزم شيء من ذلك لأن الزمان و إن كان من الأمور المتحققة في نفس الأمر لكنه ليس من الموجودات الخارجية و لا مما ينتزع من حركة أو جسم حتى يلزم من تحققه في الأزل قدمه أو قدم منشإ انتزاعه بل إنما ينتزع من ذات الأول تعالى و ما قيل من أن حقيقة الزمان هي التقضي و الاستمرار الممتد فلو كان انتزاعيا لكان منتزعا مما يناسبه و يشابه مهيته كالحركة القطعية التي هي أمر تدريجي متصل غير قار
282
و وجود الواجب سبحانه أمر ثابت لا يتصور فيه شائبة تدريج و انقسام فأي مناسبة بينه و بين ما ينتزع منه فجوابه أن ما ادعيت من لزوم تحقق المناسبة بين كل انتزاعي و منشإ انتزاعه حكم غير بين و لا مبين و لئن سلمنا لزومه فهو لا ينحصر فيما نفهمه من الزمان من معنى التجدد و الاتصال و لعله تتحقق مناسبة ما بينهما من جهة أخرى خفية عن إدراكنا و عدم الوجدان لا يعطي العدم أ لا ترى أن أكثر الانتزاعيات كالزوجية و الفردية و الفوقية و التحتية و غيرها ينتزع من محالها و لا يحكم وجداننا بتحقق مناسبات تفصيلية بين كل منتزع و ما ينتزع منه و ذلك إما لعدم لزوم تحققها في الواقع أو لعدم اطلاعنا على تفاصيلها و أيا ما كان فليكن الأمر فيما نحن بصدده كذلك على أنه يرد مثل ذلك على الفلاسفة أيضا إذ الزمان و الحركة بمعنى القطع منتزعان عندهم من الآن السيال و الحركة التوسطية مع مباينتهما فيما ذكره المورد من الأوصاف. (1)
____________
(1) لا ريب في عدم ثبوت واسطة بين الوجود و العدم و لا احتمله أحد من الخاصّة، و هذا لعمرى من الواضحات بل البديهيات، و ان تفوه بعض متكلمى العامّة بثبوت الواسطة و قال بالاحوال و الثابتات! و كيف كان فلا يظن بالمؤلّف- (رحمه اللّه)- مخالفته لجميع الاصحاب، و موافقته للمعتزلة في هذا الباب، فمعنى ما ذكره من كون الأمور الانتزاعية غير موجودة في الخارج و لا معدومة صرفة انها عناوين ذهنية يتوسل بها إلى درك الحقائق الخارجية، فهى موجودة في الذهن معدومة في الخارج و لا تتعدى حدّ الذهن ابدا و ليست كالماهيات الحقيقية التي تتحد في الخارج مع الوجود الخارجى و في الذهن مع الوجود الذهني لكن لها منا شيء انتزاع حقيقية خارجية متناسبة معها، و لا يمكن انتزاع عنوان من شيء الا لاجل تلك المناسبة و الا لامكن انتزاع كل شيء من كل شيء، و كذا لا يمكن للعقل انتزاع عنوان من شيء لا يدرك مناسبته لذلك العنوان لان الانتزاع فعل العقل و العقل انما يفعل ما يدرك، فلا يكفى فرض مناسبة خفية عن ادراكه و هو بمكان من الوضوح، و على هذا فلو فرض كون الزمان امرا انتزاعيا فلا محيص عن الالتزام بادراك العقل مناسبته مع منشأ انتزاعه، و المعنى الذي يحكى عنه لفظة «الزمان» هو أمر تدريجى لا يكاد يوجد جزءان منه معا، فهل له مناسبة الا مع الحركة التي هي أيضا كذلك؟ و هل له مناسبة مع ذات البارئ سبحانه التي لا يتطرق إليها تغير و تدرج، و نقص و قصور، و زوال و دثور؟ سبحان اللّه عما يصفون. و سيأتي من المؤلّف- ره- الاستظهار من روايات كثيرة جدا ان اللّه تعالى غير مقارن للزمان اصلا، و ان الزمان من المقادير، و ان حدوث العالم ليس بمعنى سبق زمان عليه.
283
و كذا ما قيل من أن اتصافه تعالى بالبقاء يتوقف على تحقق زمان إذ المفهوم منه وجود أمر في آن مسبوق بوجود ذلك الأمر في آن آخر يتقدمه فلو كان الزمان منتزعا من الذات المتصفة بالبقاء لزم الدور مدفوع بأن هذه العبارة صدرت منهم مسامحة و اتكالا على وضوح الأمر بل المنشأ لانتزاع الزمان هو وجوده سبحانه الذي يمتنع عليه طريان العدم بمدخلية هذا الوصف و ظاهر أن هذا الوصف ثابت له سبحانه في ذاته من غير توقف على اعتبار بقاء أو زمان أو غير ذلك لأن هذا الوصف من لوازم الوجود الذاتي الذي هو عين ذاته أو أمر لا يحتاج ثبوته للذات إلى أمر سوى الذات و مجرد الاستلزام بين الوصف المذكور و البقاء غير كاف فيما المعترض بصدده كما لا يخفى فإن انتزاع البقاء بالمعنى المذكور عن الذات متأخر عن ثبوت هذا الوصف بل عن انتزاع الزمان أيضا.
و أورد عليه أيضا أنه لو كان منتزعا منه سبحانه لكان صفة له كما هو شأن سائر ما ينتزع منه كالعلم و الإرادة و القدرة و الخلق و غير ذلك من المعاني المصدرية و التالي باطل لأنه سبحانه لا يتصف بالزمان لا بالحمل مواطاة و هو ظاهر و لا اشتقاقا لأنه ليس بزماني كما أنه ليس بمكاني كما تشهد به العقول السليمة و النصوص الواردة عن الصادقين ع.
و أجيب عنه أولا بأنا لا نسلم أن كل ما ينتزع من شيء يجب أن يكون صفة له لأن مناط كون شيء صفة لشيء هو وجود العلاقة الناعتية بينهما و كون انتزاع شيء من شيء مطلقا مستلزما لوجود تلك العلاقة غير بين و لا مبين و من تصدى له فعليه البيان (1) و أما ثانيا فلأنا لو سلمنا ذلك نقول ما ورد من النصوص من أنه ليس بزماني و لا مكاني معناه أنه كما لا يحيط به مكان حتى يكون ظرفا له مشتملا عليه كذلك لا يحيط به زمان حتى يتقدم عليه جزء من ذلك الزمان أو يتأخر عنه جزء آخر منه فيكون وجوده مقارنا لحد خاص من الزمان مسبوقا بحد آخر منه خال عن وجوده فيكون ذلك الحد ماضيا بالنسبة إلى وجوده الحق
____________
(1) قد عرفت لزوم العلاقة بين العنوان المنتزع و منشأ الانتزاع في البيان السابق.
284
و سابقا على حد آخر كذلك حتى يكون مستقبلا بالقياس إليه (1) و أما مقارنة الحق القديم للزمان و تحققه معه في نفس الأمر من الأزل إلى الأبد فلا شك في صحته و وقوعه و يكفي في اتصافه تعالى بالزماني تحقق المعنى الثاني و ليس لمفهوم لفظ الزماني لغة و لا اصطلاحا اختصاص بما يقارنه الزمان على النحو الأول و أما اتصافه سبحانه بالمكاني فإنه إنما منع لأنه لم يتحقق المقارنة بين ذاته تعالى و بين المكان بشيء من المعنيين لا بمعنى إحاطة المكان به و لا بمعنى مقارنة وجوده لوجوده أزلا و أبدا و لا شك أن اتصافه سبحانه بالزماني بهذا المعنى مما لا ينكره العقل و لا النقل بل ما ورد في النصوص من توصيفه بالباقي و الدائم و السرمدي و الأزلي و الأبدي مما يشهد بصدقه و يؤذن بأن النصوص الدالة على نفي اتصافه بالزماني إنما المراد بها نفي إحاطة الزمان بوجوده الحق على ما هو شأنه مع المتغيرات الحادثة في حد منه دون حد أو أنه لا يتقدر وجوده سبحانه بالليل و النهار و الشهور و السنين.
الطريق الثاني بناء الجواب على عدم كونه سبحانه زمانيا كما أومأنا إليه سابقا و عليه شواهد كثيرة من الأخبار أشرنا إلى بعضها في مواضعها و قد مر كثير منها في كتاب التوحيد نحو
- مَا رَوَاهُ الصَّدُوقُ عَنِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِزَمَانٍ وَ لَا مَكَانٍ وَ لَا حَرَكَةٍ وَ لَا انْتِقَالٍ وَ لَا سُكُونٍ بَلْ هُوَ خَالِقُ الزَّمَانِ وَ الْمَكَانِ وَ الْحَرَكَةِ وَ السُّكُونِ تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوّاً كَبِيراً.
- وَ مَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ(ع)أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ بِلَا زَمَانٍ وَ لَا مَكَانٍ وَ هُوَ
____________
(1) لسائل أن يسأل: هل تجوزون أنتم هذا التأول في نفى المكانية عنه تعالى بأن يقال:
معنى كونه تعالى غير مكانى أنّه لا يقارن مكانا أوسع من ذاته فيبقى بعض أجزاء المكان خاليا فيعتبر مكان سابق على ذاته؟ و لا حقّ لذاته! و إن لم تجوزوا و لن تجوزوا فما المصحح له في نفى الزمانية عنه سبحانه و دعوى ظهور النصوص في كونه تعالى مقارنا لزمان أزليّ أبدى كدعوى ظهورها في كونه سبحانه مقارنا لمكان غير متناه من كل طرف و الحل أن معنى هذه الروايات إحاطته تعالى بكل شيء إحاطة لا يشذ عن دائرتها أي شيء، و ان بلغ من الامتداد و الوساعة الى حيث يعجز الوهم عن نيله لا مقارنته للزمان الغير المتناهى من جهة البدء و النهاية او للمكان الغير المتناهى من كل جهة.
285
الْآنَ كَمَا كَانَ الْخَبَرَ.
- وَ فِي خَبَرٍ آخَرَ عَنْهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُوصَفُ بِمَكَانٍ وَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ زَمَانٌ.
- وَ فِي الْكَافِي وَ غَيْرِهِ فِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ وَ اللَّهُ لَا يُوصَفُ بِخَلْقِهِ.
.- وَ رُوِيَ عَنْ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ(ع)فِي بَعْضِ خُطَبِهِ لَيْسَ عَنِ الدَّهْرِ قِدَمُهُ.
. إذ الظاهر أن المراد أن قدمه سبحانه ليس قدما زمانيا ينشأ من مقارنة الزمان أبدا و قد مر
- قَوْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)الَّذِي لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مَحْدُودٌ وَ لَا أَجَلٌ مَمْدُودٌ وَ لَا نَعْتٌ مَحْدُودٌ.
- وَ فِي النَّهْجِ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ حَالٌ حَالًا فَيَكُونَ أَوَّلًا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِراً وَ يَكُونَ ظَاهِراً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ بَاطِناً.
و قد مر
- قَوْلُهُ(ع)لَا تَصْحَبُهُ الْأَوْقَاتُ وَ قَوْلُهُ(ع)مَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ دَهْرٌ فَيَخْتَلِفَ مِنْهُ الْحَالُ وَ قَوْلُهُ(ع)لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ وَ لَا نَعْتٌ مَوْجُودٌ وَ لَا وَقْتٌ مَعْدُودٌ وَ لَا أَجَلٌ مَمْدُودٌ.
- وَ فِي التَّوْحِيدِ عَنِ الْكَاظِمِ(ع)أَنَّ اللَّهَ لَا يُوصَفُ بِزَمَانٍ وَ لَا مَكَانٍ.
- وَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ حُقْبُ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامِ.
- وَ عَنْهُ(ع)لَا يَزَالُ وَحْدَانِيّاً أَزَلِيّاً قَبْلَ بَدْوِ الدُّهُورِ وَ بَعْدَ صَرْفِ الْأُمُورِ.
- وَ قَدْ مَرَّ أَيْضاً قَوْلُهُ(ع)إِنَّهُ يَعُودُ بَعْدَ فَنَاءِ الدُّنْيَا وَحْدَهُ لَا شَيْءَ مَعَهُ كَمَا كَانَ قَبْلَ ابْتِدَائِهَا كَذَلِكَ يَكُونُ بَعْدَ فَنَائِهَا بِلَا وَقْتٍ وَ لَا مَكَانٍ وَ لَا حِينٍ وَ لَا زَمَانٍ.
- وَ قَدْ مَرَّ أَيْضاً فِي حَدِيثِ ذِعْلِبٍ لَا تَضْمَنُهُ الْأَوْقَاتُ إِلَى قَوْلِهِ مُخْبِرَةً بِتَوْقِيتِهَا أَنْ لَا وَقْتَ لِمُوَقِّتِهَا وَ فِي خُطْبَةٍ أُخْرَى سَبَقَ الْأَوْقَاتَ كَوْنُهُ وَ الِابْتِدَاءَ أَزَلُهُ إِلَى قَوْلِهِ كَيْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ وَ فِي خُطْبَةٍ أُخْرَى لَا يُقَالُ لَهُ مَتَى وَ لَا يُضْرَبُ لَهُ أَمَدٌ بِحَتَّى.
- وَ قَدْ مَرَّ فِي خُطْبَةِ الرِّضَا(ع)لَا تَصْحَبُهُ الْأَوْقَاتُ إِلَى قَوْلِهِ فَفَرَّقَ بِهَا بَيْنَ قَبْلٍ وَ بَعْدٍ لِيُعْلَمَ أَنْ لَا قَبْلَ لَهُ وَ لَا بَعْدَ إِلَى قَوْلِهِ مُخْبِرَةً بِتَوْقِيتِهَا أَنْ لَا وَقْتَ لِمُوَقِّتِهَا إِلَى قَوْلِهِ وَ لَا تُوَقِّتُهُ مَتَى وَ لَا تَشْمَلُهُ حِينَ وَ لَا تُقَارِنُهُ مَعَ إِلَى قَوْلِهِ فَكُلُّ مَا فِي الْخَلْقِ لَا يُوجَدُ فِي خَالِقِهِ وَ كُلُّ مَا يُمْكِنُ فِيهِ يَمْتَنِعُ مِنْ صَانِعِهِ وَ لَا تَجْرِي عَلَيْهِ الْحَرَكَةُ وَ السُّكُونُ وَ كَيْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ وَ يَعُودُ فِيهِ مَا هُوَ ابْتَدَأَهُ.
- وَ عَنِ الْبَاقِرِ(ع)لَمْ يَكُنْ لَهُ كَانَ.
و أمثال هذه كثيرة قد مر أكثرها و ظاهر الجميع بل صريح بعضها نفي كونه سبحانه زمانيا و كذا يدل
286
على ذلك ما ينفي عنه سبحانه المقادير (1) فإن الظاهر أن الزمان أيضا من المقادير و كذا ما يدل على استحالة التغير و تجدد الحال عليه تعالى فما يدل على خلاف ذلك مثل قوله تعالى كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (2) و قوله خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ (3) و أمثال ذلك مما مر بعضها فيمكن حملها على ضيق العبارة فإن أهل اللغة لا يفهمون التجرد من الزمان و وضعوا الألفاظ للمعاني المتعارفة بينهم و إما لتفهيم عامة الناس فإن تصور التجرد عن الزمان صعب يحتاج إلى لطف قريحة و إما أن يكون من قبيل قوله تعالى هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ (4) و يكون المعية مع الزمان كالمعية مع المكان بل المكانيات و إما أن يقال المنفي عنه تعالى هو الزمان بالذات و المثبت هو الزمان بالعرض كما يفهم من كلام السيد الشريف في معنى السرمد و إما أن يكون من قبيل نفي الزمان و إثبات الثمرة كما في سائر الصفات فإن الآلة منتفية و ثمرة السمع و البصر و غيرهما ثابتة و كذا مبدأ اشتقاق الرحمة و الغضب و اللطف و غيرها منتفية و ثمراتها ثابتة فالزمان منفي عنه تعالى و ثمرته ثابتة من توصيف أفعاله سبحانه بأوصاف الزمانيات من التعاقب و الترتيب و وقوعه في اليوم دون أمس إلى غير ذلك إما في الأفعال في أنفسها أو بالنسبة إلينا بلا تغير في ذاته تعالى و تجدد و تصرم بالنسبة إليه سبحانه و كون بعضها بالفعل و بعضها بالقوة له تعالى و لا استبعاد فيه فإن جميع الأمور الإلهية غريبة عجيبة لا تدركها الأبصار (5) و لا يخطر ببال أولي الرويات خاطرة من تقدير جلاله و لا يصل إليه ألباب البشر بالتفكير بل ترجع خاسئة حسيرة و نهاية علم الراسخين
____________
(1) هذا اعتراف منه- (رحمه اللّه)- بأن الزمان مقدار كما ذكرنا سابقا انه كم متصل غير قار، و كونه مقدارا يساوق كونه امرا حقيقيا، فان الأمور الحقيقية لا تنحصر في الجواهر ذات الابعاد، فانا لا نشك في وجود السواد و البياض في الخارج حقيقة و هما من الاعراض، و كونه امرا حقيقيا ينافى كونه أمرا موهوما فتأمل.
(2) الرحمن: 29.
(3) الأعراف: 54.
(4) الحديد: 4.
(5) في بعض النسخ: الافكار.
287
في العلم الاعتراف بالعجز عن إدراك حقيقتها و كيفيتها فليس لدوامه سبحانه امتداد و طول يمكن انطباقه على الزمان حقيقة كبقاء الممكنات المنطبقة على قطعة من الزمان بل الله تعالى فوق ما يصفه الواصفون و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و يؤيد بعض هذه الوجوه
- مَا رَوَاهُ الْكُلَيْنِيُّ وَ الصَّدُوقُ فِي الْكَافِي وَ الْمَجَالِسِ بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَةِ الْوَسِيلَةِ إِنْ قِيلَ كَانَ فَعَلَى تَأْوِيلِ أَزَلِيَّةِ الْوُجُودِ وَ إِنْ قِيلَ لَمْ يَزَلْ فَعَلَى تَأْوِيلِ نَفْيِ الْعَدَمِ.
- وَ فِي الْكَافِي فِي خُطْبَةٍ لَهُ(ع)أَزَلُهُ نُهْيَةٌ لِمَجَاوِلِ الْأَفْكَارِ وَ دَوَامُهُ رَدْعٌ لِطَامِحَاتِ الْعُقُولِ قَدْ حَسَرَ كُنْهُهُ نَوَافِذَ الْأَبْصَارِ وَ قَمَعَ وُجُودُهُ جَوَائِلَ الْأَوْهَامِ.
و النهية بضم النون و سكون الهاء اسم من نهاه ضد أمره و المجاول جمع مجول بفتح الميم و هو مكان الجولان أو زمانه و الجوائل جمع جائلة من الجولان.
و اعلم أن عقل العقلاء في هذه المسألة متحير فكثير من المحققين أثبتوا له سبحانه زمانا و قالوا إنه موهوم (1) انتزاعي نفس أمري ينتزع من بقائه سبحانه كما عرفت و أكثر الحكماء و المحققين ذهبوا إلى استحالة عروض الزمان و متى للواجب تعالى و للعقول المجردة في الذات و الفعل التي كمالاتها بالفعل على زعم الحكماء و قال أرسطو في أثولوجيا الشيء الزمان لا يكون إلا في الزمان الذي وافق أن يكون فيه فأما الفاعل الأول (2) فقد كان لأنه ليس هناك زمان فإن الشيء الملاقي في الزمان المستقبل قائم هناك فلا محالة أنه هناك يكون موجودا قائما كما سيكون في المستقبل (3) فالأشياء إذن عند البارئ جل ذكره كاملة تامة زمانية كانت أو غير زمانية و هي عنده دائما و كذلك كانت عنده أولا كما تكون عنده أخيرا (4) و قال الأشياء هناك دائم لا يتغير بل على حال واحد.
____________
(1) مفهوم (خ).
(2) في المصدر: و أمّا في الفاعل الأول.
(3) في المصدر: فان كان هذا هكذا فالشيء اذن الكائن في المستقبل هو هناك موجود قائم لا يحتاج في تمامه و كماله هناك الى أحد الأشياء البتة فالاشياء ...
(4) هامش القبسات: 218.
288
و قال أيضا لا ينبغي لسامع قول الفيلسوف يعني شيخه أفلاطون أن ينظر إلى لفظه فيتوهم عليه أنه قال إن البارئ خلق الخلق في زمان فإنه (1) إنما اضطر الأولون إلى ذكر زمان في بدء الخلق لأنهم أرادوا وصف كون الأشياء فاضطروا أن يدخلوا الزمان في وصفهم الكون و في وصف الخليقة التي لم تكن في زمان البتة لأن المرء إذا أراد أن يبين العلة اضطر إلى ذكر الزمان لأنه لا بد للعلة أن تكون قبل المعلول فيتوهم المتوهم أن القبلية هي الزمان و ليس ذلك كذلك (2) انتهى.
و قيل و لعله لهذا الوجه وقعت الألفاظ الموهمة للزمان في كلام الشارع.
أقول و كذلك صرح الشيخ بأنه تعالى ليس بزماني في تعليقاته و الشفاء كما مر بعض كلماته و الفارابي في الفصوص و التعليقات و شيخ الإشراق و العلامة الشيرازي و شارح التلويحات و فخر الدين الرازي و المحقق الدواني.
و قال المحقق الطوسي ره في نقد المحصل و أما البارئ تعالى و كل ما هو علة الزمان أو شرط وجوده فلا يكون في الزمان و لا معه إلا في التوهم حيث يقيسها الوهم إلى الزمانيات و العقل كما يأبى عن إطلاق التقدم المكاني كذلك يأبى عن إطلاق التقدم الزماني بل ينبغي أن يقال إن للبارئ تعالى تقدما خارجا عن القسمين و إن كان الوهم عاجزا عن فهمه و قال أيضا في جواب الأسئلة القونوية لما نفوا عنه الكون في المكان جعلوا نسبة جميع الأماكن إليه نسبة واحدة متساوية و لما نفوا عنه الكون في الزمان جعلوا نسبة جميع الأزمنة حالها و ماضيها و مستقبلها إليه نسبة واحدة متساوية.
و قال ره في شرح رسالة العلم أزليته تعالى إثبات سابقية له على غيره و نفي المسبوقية عنه و من تعرض للزمان أو الدهر أو السرمد في بيان الأزلية فقد ساوق معه غيره في الوجود انتهى و اعلم أن تسليم الحكماء لهذا الأصل بل تجويز العقل على
____________
(1) في المصدر فانه و إن توهم ذلك عليه في الفاظه و كلامه فانه انما لفظ بذلك إرادة أن يتبع عادة الاولين فانه ...
(2) هامش القبسات: 177. و كانه- (رحمه اللّه)- نقل مخلصا.
289
سبيل الاحتمال كاف لحل بعض شبهاتهم على الحدوث و قيل و مما يدل من جهة العقل على استحالة عروض الزمان له تعالى أن الزمان حقيقته تجدد شيء و تقضي شيء و تصرمه و هذا ظاهر عند العقل و مبين مشروحا في الكتب و تجدد شيء و انقضاء شيء آخر محال على الله تعالى كما يدل عليه العقل و النقل انتهى.
و إذا تمهد هذا مع ما نقلنا سالفا من تحقيق الدهر و السرمد نقول في دفع شبههم على تقدير الحدوث لا نسلم لزوم التخلف عن العلة التامة و إنما يتصور التخلف لو كانت العلة زمانية و وجدت العلة في زمان و لم يوجد المعلول معه في ذلك الزمان و هنا لعل العلة أو العلة و المعلول كليهما لم يكونا زمانيين أما العلة فقد مر و أما المعلول فالكلام في الصادر الأول و هناك لم يوجد زمان و زماني أصلا و لا شيء إلا الواحد القهار و بالجملة إذا كانت العلة و المعلول كلاهما زمانيين يجب أن يجمعهما آن أو زمان و إلا فلا و نظيره التخلف المكاني فإنه لو كانا مكانيين يتصور الاجتماع و الافتراق و المماسة و اللامماسة و أما إذا لم يكن أحدهما أو كلاهما مكانيين لم يتصور أمثال هذه الأمور و كذا إنما يتصور الترجيح بلا مرجح إذا كان تحقق زمان وقع أمر في جزء منه دون جزء و صدر المعلول من العلة مرة و لم يصدر مرة أخرى و قبل خالق العالم الزمان و الزمانيات معدومة مطلقا و نفي صرف لا يجري فيه أمثال هذه الأوهام الكاذبة المخترعة الناشئة من الألفة بالزمان و المكان و لعله يذهب بعض الأوهام إلى أن العالم لم وجد في المكان الذي فيه الآن و لم يوجد فوقه أو تحته أو غيرهما من الجهات إلى غير ذلك من الأوهام و الخيالات الواهية و الواجب جل شأنه مقدس عن أمثال هذه الأمور و لا يبلغ إلى كنه عظمته و جلاله عقل عاقل و ذهن ذاهن و لا يحوم حول كبريائه فكر مخلوق و ما قيل إنا نجزم بأن بعض الأمور مقدم على بعض و أن بعضها مع بعض و لو لم يكن الامتداد كذلك بل و لو لم يكن فلك و لا حركة و لا ليل و لا نهار فممنوع و مثل هذا ما يقال في الامتداد المكاني إنا نجزم بتقدم بعض الحدود على البعض بالتقدم و التأخر الوضعي و الرتبي و لو لم يكن جسم و متمكن و به يثبتون البعد الموهوم الغير المتناهي الذي هو الخلاء و لعل توهم هذين الامتدادين مما يحكم به الوهم
290
على الإلف و العادة و لا أصل لهما أصلا فصاحب هذا المسلك يقول بأن الزمان و الحركات و سلسلة الحوادث كلها متناهية في طرف الماضي و أن جميع الممكنات ينتهي في جهة الماضي في الخارج إلى عدم مطلق و لا شيء بحت لا امتداد فيه و لا تكمم و لا تدريج و لا قارية و لا سيلان و قبل ابتداء الموجودات لا شيء إلا الواحد القهار و قوله ينتهي الموجودات إلى عدم مطلق و كذا قوله قبل ابتداء الموجودات لا شيء محض من ضيق العبارة و لا تتصور القبلية و الانتهاء إلى العدم حقيقة و نظير تناهي الزمان و الامتداد الغير القار تناهي المكان و الأبعاد القارة فإن الأبعاد القارة و الأمكنة تنتهي إلى العدم المطلق للأبعاد و الجسمانيات و لا يتصور وراء آخر الأجسام بعد و لا فضاء لا بعد موجود و لا موهوم حتى أنه لو مد أحد يده فيه لا يتحرك يده و لا يلج فيه لا لوجود جسم لا يمكن خرقه و لا لمصادم يمنعها بل للعدم المطلق للبعد و الفضاء
- وَ قَدْ رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ عَدِّ أَجْسَامِ الْعَالَمِ وَ لَا وَرَاءَ ذَلِكَ سَعَةٌ وَ لَا ضِيقٌ وَ لَا شَيْءٌ يُتَوَهَّمُ.
فكذا الحال في انقطاع الزمان و جميع الموجودات الممكنة في جهة الماضي لا يتصور فيه امتداد أصلا لا موجود كما زعم الحكماء و لا موهوم كما توهمه المتكلمون فلا يمكن فيه حركات كما استدل به الحكماء على عدم تناهي الزمان بل لا شيء مطلق و عدم صرف و لما ألف الناس بالأبعاد القارة و جسم خلف جسم تعسر تصور عدمه على بعض المتكلمين و ذهب إلى الأبعاد الموهومة الغير المتناهية و قال بالخلاء و كذا لما شاهدوا موجودا قبل موجود و زمانا قبل زمان صعب عليهم تصور اللاشيء المحض فذهب طائفة من الحكماء إلى لا تناهي الزمان الموجود و طائفة من المتكلمين إلى لا تناهي الزمان الموهوم و لكن تصور اللازمان المطلق أصعب من تصور اللامكان و يحتاج إلى زيادة دقة و لطف قريحة.
و أقول و هذا الجواب في غاية المتانة و اختاره السيد المرتضى و الشيخ الكراجكي و غيرهما قال السيد في جواب شبهة القائل بالقدم في تضاعيف كلامه غير أن الصانع القديم يجب أن تتقدم صنعته بما إذا قدرناه أوقاتا و أزمانا كانت
291
غير متناهية و لا محصورة فدل على أنه لا يقول بقدم الزمان بل يقدره و يفرضه و قد مضى تصريحه رضي الله عنه بحدوث الزمان و أنه سبحانه ابتدأ ما أحدثه من غير زمان و أن الزمان مقدار حركة (1) الفلك في المقصد الثاني.
و قال الكراجكي اعلم أن الملحدة لما لم تجد حيلة تدفع بها وجوب تقدم الصانع على الصنعة قالت إنه متقدم عليها تقدم رتبة لا تقدم زمان فيجب أن نطالبهم بمعنى تقدم الرتبة و قد سمعنا قوما منهم يقولون إن معنى ذلك أنه الفعال فيها و المدبر لها فسألناهم هل يدافع ذلك عنها حقيقة الحدث فعادوا إلى الكلام الأول من أن كل واحد من أجزاء الصنعة محدث فأعدنا عليهم ما سلف حتى لزمهم الإقرار بحدث الكل و طالبناهم بحقيقة المحدث و القديم فلم يجدوا مهربا من القول بتقدم القديم في الوجود على المحدث التقدم المفهوم المعلوم الذي يكون أحدهما به موجودا و الآخر معدوما و لسنا نقول إن هذا التقدم موجب للزمان لأن الزمان أحد الأفعال و الله تعالى متقدم لجميع الأفعال و ليس أيضا من شرط التقدم و التأخر في الوجود أن يكون ذلك في زمان لأن الزمان نفسه قد يتقدم بعضه على بعض و لا يقال إن ذلك مقتض لزمان آخر و الكلام في هذا الموضع جليل و من فهم الحق فيه سقطت عنه شبه كثيرة.
و قال ره بعد إيراد جواب السيد عن شبهة القائل بالقدم و جميع ما تضمنه من إطلاق القول بأن بين القديم و أول المحدثات أوقاتا لا أول لها فإنما المراد به تقدير أوقات دون أن يكون القصد أوقاتا في الحقيقة لأن الأوقات أفعال و قد ثبت أن للأفعال أولا فلو قلنا إن بين القديم و أول الأفعال أوقاتا في الحقيقة لناقضناه و دخلنا في مذهب خصمنا نعوذ بالله من القول بهذا ثم قال و قال بعض أهل العلم لا ينبغي أن نقول بين القديم و بين المحدث لأن هذه اللفظة إنما تقع بين شيئين محدودين و القديم لا أول له و الواجب أن نقول إن وجود القديم لم يكن عن عدم و ساق الكلام إلى أن قال و لسنا نريد بذلك
____________
(1) حركات (خ).
292
أنه كان قبل أن فعل مدة يزيد امتدادها لأن هذا هو الحدوث و التجدد و هو معنى الزمان و الحركة فإن قال قائل إنه لا يثبت في الأوهام إلا هذا الامتداد قيل له ليس بحيث يجب إذا ثبت في الوهم أن يكون صحيحا أ ليس عندكم أنه ليس خارج العالم خلاء و ذلك غير متوهم و ساق إلى أن قال ثم يقال لهم أ رأيتم لو قال لكم قائل ليس يثبت في وهمي موجود ليس في جهة فيجب أن يكون البارئ جل و عز في جهة أ ليس يكون الجواب أن يقال إنما يثبت ذلك في الوهم متى فرضتموه جسما فأما متى فرضتموه غير جسم و لا متحيز فإنه لا يثبت ذلك في الوهم فهكذا يكون جوابنا لكم قال ثم قال هذا المتكلم فإن قالوا إذا لم تثبتوا مدة مديدة قبل الفعل فقد قلتم إن البارئ سبحانه لم يتقدم فعله قيل بل نقول إنه يتقدم على معنى أن وجوده قارن عدم فعله ثم قارن وجود فعله و قولنا ثم يترتب على عدم الفعل لا غيره.
أقول و تكلم في ذلك كثيرا إلى أن قال و هذه الطريقة التي حكيتها هي عندي قاطعة لمادة الشبهة كافية في إثبات الحجة على المدل بها و هي مطابقة لاختيار أبي القاسم البلخي لأنه لا يطلق القول بأن بين القديم و أول المحدثات مدة و يقول إنه قبلها بمعنى أنه كان موجودا ثم وجدت و هو معنى ما ذكره هذا المتكلم في قوله إن وجوده قارن عدم فعله ثم قارن وجود فعله فهو على هذا الوجه قبل أفعاله ثم قال و اعلم أيدك الله أن العبارات في هذه المواضع تضيق عن المعاني و تدعو الضرورة إلى النطق بما عهد و وجد في الشاهد و إن لم يكن المراد حقيقته في المتعارف و يجوز ذلك إذا كان مؤديا لحقيقة المعنى إلى النفس كقولنا قبل و بعد و كان و ثم فليس المعهود في الشاهد استعمال هذه الألفاظ إلا في الأوقات و المدد فإذا قلنا إن الله تعالى كان قبل خلقه ثم أوجد خلقه فليس هذا التقديم و التأخير مفيدا لأوقات و مدد و قد يتقدم الأوقات بعضها على بعض بأنفسها من غير أن يكون لها أوقات أخر و كذلك ما يطلق به اللفظ من قولنا إن وجود الله قبل
293
وجود خلقه فليس الوجود في الحقيقة معنى غير الموجود و إنما هو اتساع في القول و المعنى مفهوم معقول (1) انتهى.
و قال الشيخ المفيد ره في كتاب المقالات الوقت هو ما جعله الموقت وقتا للشيء و ليس هو بحادث مخصوص و الزمان اسم يقع على حركات الفلك فلذلك لم يكن الفعل محتاجا في وجوده إلى وقت و لا زمان و على هذا القول سائر الموحدين انتهى.
و إنما أوردت كلام هؤلاء الأجلاء لئلا يتوهم أن هذا القول مستحدث مخالف لمذهب الإمامية و لم يقل به القدماء بل الظاهر من كلام أكثر القدماء ذلك و الله يعلم حقيقة الحال.
الطريق الثالث أن إمكان وجود المعلول معتبر و هو من شرائط قبول المعلول للوجود لا من شرائط تمامية الفاعل في التأثير لكونه من متممات ذات المعلول المفتقر إلى المؤثر و يجوز أن يكون بعض أنحاء الوجود بالنسبة إلى مهية واحدة ممكنا دائما و بعض آخر ممتنعا بالذات دائما كما بين في محله و مثل هذا لا يستلزم تغييرا أصلا لا من طرف العلة و لا من طرف المعلول حتى نطلب له سببا بل أبدا هذا النحو من الوجود ممكن و ذاك ممتنع إذا تقرر هذا فنقول لعل الوجود الدائمي لا تقبله الماهية الممكنة أصلا و قد مر من الأخبار و المؤيدات العقلية ما يؤكده و سيظهر تأييد آخر من جواب النقض على دليلهم و بالجملة يجب عليهم إثبات أن الممكن يقبل الوجود الأزلي حتى يتم دليلهم و دونه خرط القتاد.
الطريق الرابع النقض بالحوادث اليومية فإنا نقول لو كان الواجب
____________
(1) كلام هذا المحقق الجليل و كذا كلام استاذه المتقدم ذكره و كذا كلام الشيخ المفيد (رحمهم اللّه) و سائر كلمات أساطين العلم و أعاظم العلماء تدلّ على أن الحدوث المجمع عليه ليس ما يدعيه جمهور المتكلّمين من كون العالم واقعا في جزء من الزمان و وجود زمان غير متناه قبل خلق العالم، بل صريح كلام الكراجكيّ أن القول بوجود زمان بين الحق تعالى و أول الافعال مناقض للقول بالحدوث، فتدبر جيدا.
294
تعالى في طرف و جميع ما عداه بحيث لا يشذ منها شيء في طرف آخر فإما أن يكون ذاته تعالى وحده علة تامة لشيء ما أو لا يكون و على الأول يلزم قدم شيء ما و على الثاني يلزم أن لا يوجد شيء أبدا ثم نأخذ الصادر الأول معه تعالى و نقول الواجب مع هذا الصادر إما أن يكونا علة تامة لشيء ما مما عداهما أو لا و يلزم قدم الصادر الثاني و هكذا في الصادر الثالث و الرابع حتى ينتهي إلى الحادث اليومي و لا ينفعهم توسط الزمان و الحركة و الاستعداد.
قال المحقق الدواني في بحث إعادة المعدوم إذا اقتضى ذات الشيء في الأزل وجوده فيما لا يزال يلزم كونه موجودا في الأزل فيما لا يزال و يلزم اجتماع أجزاء الزمان انتهى و تفصيله أنه إذا أخذنا من العلة الأولى ثم لاحظنا الأشياء على سبيل التنازل فلا بد من أن تنتهي نوبة الإيجاد إلى الزمان و الحركة لأنهما من جملة الممكنات فلا بد من أن يكونا في سلسلة المعلولات و لا شك في أن كل مرتبة منها علة تامة للاحقها و قديمة عندهم فعلة الزمان و الحركة تامة مستقلة بلا مشاركة حادث أصلا فيلزم انقطاعهما و اجتماع أجزائهما و قدم جميع الحوادث لأن العلة إذا كانت علة لجميع أجزائهما فظاهر و أما إذا لم تكن بل تكون علة لجزء ما منهما ثم يكون ذلك الجزء معدا لجزء آخر و هكذا فلأن ذلك الجزء و إن كان قصيرا جدا فهو قابل للقسمة إلى أجزاء بعضها متقدم و بعضها متأخر فيلزم اجتماع أجزاء هذا الجزء فيلزم (1) من اجتماع هذا الجزء اجتماع أجزاء الجزء الذي يليه و هكذا و أنت خبير بأن الأخذ من الحادث اليومي على سبيل التصاعد و القول بأن كل سابق معد للاحقه إلى غير نهاية تدليس محض.
و تمسك بعضهم لدفع هذا الإشكال بالحركة التوسطية و الآن السيال لأنهما ذات جهتين الاستمرار و التجدد فمن جهة الاستمرار صدرتا عن القديم و من جهة التجدد صارتا واسطتين في صدور الحادث عن القديم و فيه أنه لو تم هذا
____________
(1) و يلزم (خ).
295
لزم إمكان حدوث جميع أجزاء العالم بهذا الوجه فلا يلزم القدم الشخصي في شيء من أجزاء العالم و هو خلاف مذهبهم مع أنه لنا أن ننقل الكلام إلى جهة التجدد فإن كانت موجودة في الواقع فيعود الكلام السابق بعينه و إذا لم تكن موجودة فلا يمكن أن يصير واسطة.
و قال الغزالي ردا لجوابهم إن هذه الحركة مبدأ للحوادث إما من حيث إنها مستمرة أو من حيث إنها متجددة فإن كان من حيث إنها مستمرة فكيف صدر من مستمر متشابه الأجزاء شيء في بعض الأحوال دون بعض و إن كانت من حيث إنها متجددة فما سبب تجددها في أنفسها فتحتاج (1) إلى سبب آخر و يتسلسل و اعترض عليه بأن هذا التسلسل عندهم جائز لعدم وجوب اجتماع الآحاد هاهنا.
و قال المحقق الدواني في شرح العقائد في دفعه إن التجدد عبارة عن انقضاء شيء و حدوث شيء آخر فإذا عدم جزء من الحركة فلا بد لعدمه من علة حادثة و تلك العلة إما أمر موجود أو عدم أمر أو بعضها موجود و بعضها عدم أمر موجود و على الأول ننقل الكلام إلى علة ذلك الأمر و هكذا حتى يلزم التسلسل في الأمور الموجودة المجتمعة المترتبة و على الثاني فيكون ذلك العدم عدم جزء من أجزاء علة وجوده ضرورة أن ما لا يكون وجوده علة لوجود أمر لا يكون عدمه علة لعدمه فيلزم التسلسل في الموجودات التي هذه الأعدام أعدام لها و على الثالث لا بد أن يكون أحد القسمين من الأمور الموجودة و تلك الأعدام أو كلاهما غير متناه و على الوجهين يلزم التسلسل في الأمور الموجودة المترتبة المجتمعة و الحاصل أنه يلزم التسلسل في الأمور الموجودة المترتبة المجتمعة إما في حال وجوده السابق أو حال عدمه اللاحق لأن عدمه إن كان بسبب أمر موجود أو عدمه بسبب عدم يستلزم حدوث أمر موجود كعدم عدم المانع المستلزم لوجود المانع يلزم التسلسل في الموجودات المترتبة المجتمعة الحادثة في حال عدمه و إن كان بسبب عدم أمر موجود لا يستلزم أمرا موجودا لزم التسلسل المذكور وقت وجود ذلك
____________
(1) فنحتاج (خ).
296
الحادث و قس عليه الشق الثالث.
فإن قلت على تقدير أن يكون عدم كل جزء مستندا إلى عدم عدم المانع المستلزم لوجود المانع لا يلزم الترتيب بين تلك الموانع حتى يلزم التسلسل المستحيل بل لا يلزم اجتماع تلك الموانع في الوجود أيضا لجواز أن يكون حدوثها و لو في آن كافيا في انتفاء ما هي مانعة عنه.
قلت تلك الموانع متعاقبة في الحدوث فإن اجتمعت في الوجود لزم التسلسل المستحيل لأن آحادها مترتبة في الحدوث و بحسب الزمان و مجتمعة في الوجود فيجري فيه التطبيق و لا يقدح فيه عدم ترتبها بحسب الذات كما لا يخفى على ذي فطرة سليمة فإنا نأخذ السلسلة المبتدأة من الحادث في اليوم و نطبقها على السلسلة المبتدأة من الحادث بالأمس و نسوق البرهان و إن لم تجتمع في الوجود نقلنا الكلام إلى علة عدمها حتى يلزم التسلسل المستحيل في الموجودات الحادثة وقت عدمها أو وقت وجودها فإن علة عدم كل مانع إما عدم عدم المانع المستلزم لوجود المانع أو عدم جزء من أجزاء علته و على الأول يلزم وجود الموانع المترتبة في الحدوث الغير المتناهية و على الثاني يلزم أن يكون تحقق ذلك المانع موقوفا على أمور موجودة غير متناهية مترتبة فيلزم التسلسل المستحيل في أسباب وجوده انتهى.
و أنت خبير بأنه على سبيل المماشاة مع الحكماء و إلا فقد بيناه و بين هو نفسه أيضا ببعض الوجوه التي ذكرنا أن التسلسل مطلقا محال سواء كانت متعاقبة أو مجتمعة فظهر أن لا مخلص للحكماء إلا بالتزام أن إمكان نحو الوجود معتبر في جانب المعلول و لا يضر في تمامية العلة فلما استحال اجتماع أجزاء الحركة و الزمان لكونهما غير قارين وقع التخلف و صارا واسطتين بين العلة القديمة و المعلول الحادث و هو بعينه الجواب عن أصل الدليل و الحاصل أنهم بأي وجه يسندون الحادث إلى القديم فلنا أن نسند جميع العالم إلى الواجب تعالى بلا فرق.
و قد يقرر النقض بعبارة أخرى و هي أنه يرد على ما قرروه من كون
297
الحادث اليومي مرتبطا بالأزلي بسبب توسط أمر شخصي له جهتا استمرار و تجدد و هو الحركة التوسطية السرمدية إذ هي باعتبار استمرارها تصدر عن القديم و باعتبار تجدد ذاتها تكون سببا للحادث أنه حينئذ تكون العلة التامة لوجود الحادث أمرا تدريجيا واقعا في زمان غير متناه من جانب الأزل و يكون الحادث الذي هو معلوله موجودا في الآن الذي هو طرف لذلك الزمان و ما هذا إلا تخلفا للمعلول عن علته التامة إذ لا معنى للتخلف إلا كون ظرف وجود المعلول مغايرا لظرف وجود العلة فقد وقعوا فيما هربوا عنه من لزوم التخلف.
و أجيب عنه بأن التخلف المستحيل هو ما استلزم الترجيح بلا مرجح و ذلك إنما يتصور بأن يتخلل زمان بين وجود العلة و وجود معلوله إذ حينئذ يتوجه السؤال بأنه لم لم يوجد المعلول في جزء آخر من ذلك الزمان المتخلل و وجد في الحد الذي وجد فيه مع أن الإيجاب الحاصل من العلة متساوي النسبة إلى الزمانين و فيما نحن فيه ليس كذلك إذ لم يتخلل بين وجودي العلة و المعلول زمان بل كان وجود المعلول في آن هو طرف لزمان وجود العلة و حينئذ لم يتوجه لا بأن يقال لم لم يوجد المعلول في حد آخر غير ما وجد فيه بكون ذلك الحد بعد زمان وجود العلة لانتفاء زمان متخلل يفرض فيه حد بينهما و لا بأن يقال لم لم يوجد المعلول في آن قبل الآن الذي هو الطرف من آنات زمان وجود العلة إذ في شيء من تلك الآنات لم تخرج العلة التدريجية بتمامها من القوة إلى الفعل و وجود المعلول يتوقف على تمامها قيل و بهذا الجواب و إن اندفع المحذور المذكور فيما إذا كان المعلول آنيا و علته زمانية لكن لا تنحسم مادة الإشكال في المعلول الذي هو تدريجي بيان ذلك أن الواسطة التدريجية التي قرروها مشتملة على أجزاء تحليلية و قطعات يحكم العقل على كل منها بالكون بعد أن لم يكن فلا بد فيها من القول بكون كل سابقة من القطعات شرطا لوجود اللاحقة حتى يصح ارتباطها بالقديم و كون تلك القطعات غير موجودة على سبيل الجزئية بالفعل لا يقدح فيما قلنا كما تشهد
298
به الفطرة السليمة على أن كتب الفلاسفة مملوءة بما يصرح بذلك و لا شك أن الجواب المذكور لا ينفع بدفع التخلف هاهنا إذ يتوجه أن يقال إن القطعة السابقة إذا وجدت بتمامها في مجموع زمان و كانت تمامها علة موجبة للاحقه فلم لم توجد اللاحقة في الآن الذي هو طرف لذلك الزمان أو لم يقع في نفس الزمان الذي هو ظرف لوجود علتها حتى تكون القطعتان من الحركة التي إحداهما علة و الأخرى معلولة متطابقتين في الزمان متوافقتين في الأخذ و الترك فإنه كما أن العلة زمانية الوجود فكذلك معلولها و كما أن العلة لم تخرج من القوة إلى الفعل في شيء من الآنات المفروضة في زمان وجوده فكذلك المعلول فكما أنه إذا انقضى مجموع ذلك الزمان تم وجود العلة في مجموعها صح كون مجموعها كذلك بلا تقدم للعلة على المعلول بالزمان و إذا لم يقع المعلول كذلك بل وجد في مجموع زمان آخر يتصل بالأول لم يكن ذلك إلا تخلفا.
و الجواب بأنه لو وجدت القطعة اللاحقة على أحد الوجهين اللذين ذكرتهما لزم كون الحركة قار الذات و ماهية الحركة لا تحتمل هذا النحو من الوجود فلم يكن ما فرضته حركة حركة و بأن الاحتمال الثاني يستلزم اجتماع المثلين في محل واحد هو المتحرك و هو محال على ما بين في محله (1). مدفوع بأن ما يدفع التخلف المستحيل الذي حقيقته تحقق ظرفين في نفس الأمر يتصور وجود المعلول في كل منهما و يكون تمامية العلة و شرائطها و إيجابها متحققة فيهما بلا تفاوت و يكون مع ذلك وجود المعلول واقعا في أحدهما على سبيل الترجيح من غير مرجح هو الجواب إما بانحصار الظرف في واحد كالمعلول الآني الواقع في طرف زمان العلة أو ببيان مرجح مختص بأحد الطرفين حتى تكون العلة في أحدهما لم تتم و لم توجب بعد و تمت في الآخر و استجمعت شرائط التأثير فخص وجود المعلول بالثاني ليس إلا.
و لا شك في أن الجوابين المذكورين لا يفيدان شيئا من هاتين الإفادتين
____________
(1) في المخطوطة: فى موضعه.
299
بل ليس حاصلهما إلا أن عدم وقوع تخلف المحال لما استلزم محالا آخر هو اجتماع المثلين أو انقلاب ماهية الحركة فلا محالة وقع التخلف و أنت خبير بأن استلزام عدم التخلف للمحالين المذكورين لا يصير رافعا لوصف الاستحالة عن التخلف الممتنع في بداهة العقول و لا مجوزا لوقوعه بل حاصل هذا الكلام في الحقيقة ليس إلا مغالطة ألزمت كون الواقع ظرفا لأحد المحالات إما المحالين المذكورين أو التخلف و لا محيص عن هذا الإشكال إلا بأن يقال القطعة اللاحقة كما توقف وجودها على السابقة توقف على أمر آخر هو الأجزاء التحليلية المفروضة في نفس اللاحقة كهذا النصف و ذاك النصف منها و بذلك يظهر أنه لا يمكن وجود اللاحقة في نفس زمان السابقة لتوقف اللاحقة حينئذ على أجزاء لم يشرع بعد في الخروج من القوة إلى الفعل أصلا و فيه بعد كلام و الأصل ما قدمناه من أن عذر الاستحالة مشترك كما عرفت و هذا الوجه الأخير أيضا يمكن إجراؤه في الزمان الموهوم كما عرفت.
الطريق الخامس ما ذكره المحقق الدواني و هو اختيار أنه لم يكن جميع ما لا بد منه في وجوده متحققا في الأزل إذ من جملته تعلق الإرادة بوجوده في الأزل و لم تتعلق الإرادة بوجوده في الأزل بل بوجوده فيما لا يزال من الأوقات الآتية لحكمة و مصلحة و لا يرد أن التعلق الأزلي بوجوده إما أن يكون متمما للعلة أم لا و على الأول يلزم وجوده في الأزل لامتناع التخلف و على الثاني يحتاج المعلول إلى أمر آخر سوى هذا التعلق و هو خلاف المفروض على أنا ننقل الكلام إلى هذا الأمر لأنا نقول القدرة تؤثر على وفق الإرادة و قد تعلقت الإرادة بوجوده في وقت معين فلا يوجد إلا فيه.
فإن قيل لا بد من اختيار أحد شقي الترديد الذي أوردناه.
قلنا إن أردتم أنه متمم لعلة وجوده في الأزل فنختار أنه ليس كذلك و إن أردتم أنه متمم لعلة وجوده فيما لا يزال فنختار أنه كذلك و لا يلزم أزليته و لا احتياجه إلى أمر آخر كما أن الفاعل المختار إذا أراد إيجاد جسم ما على
300
صفة معينة كالطول مثلا أو القصر يوجد المعلول بهذه الصفة فكذا هاهنا لما تعلق إرادة الفاعل المختار بوجود الحادث لم يتصور إلا كونه حادثا و الحاصل أن المعلول إنما يوجد بإرادة الفاعل المختار على النحو الذي تعلق به إرادته سواء كان مقارنا لوجوده أو متأخرا عنه.
و قد يقال إن الأزل فوق الزمان و معنى كون الشيء أزليا أن يكون سابقا على الزمان فالواجب تعالى لما كان متعاليا عن الزمان لا يوصف بكونه في الزمان كما لا يوصف بكونه في المكان فلا شيء غيره في الأزل و إنما يوجد ما يوجد حسب ما تعلقت به الإرادة الأزلية من تخصيصها الأزلي بأوقاتها و الزمان من جملة الممكنات و قد تعلقت الإرادة الأزلية بوجوده المتناهي و ليس الله تعالى متقدما عليه بالزمان إذ الواجب تعالى ليس بزماني حتى يقال أنه متقدم على غيره بالزمان.
فإن قيل لا شبهة في أن الإرادة القديمة بذاتها ليست كافية في وجود الممكن و على فرض أن تكون كافية يلزم قدم الممكن فلا بد من تعلقها و حينئذ لا يخلو هذا التعلق من أن يكون حادثا أو قديما و على الأول يلزم التسلسل لأنا ننقل الكلام إلى سبب هذا التعلق حتى يلزم التسلسل و على الثاني قدم الممكن الذي تعلقت به الإرادة.
فقد أجيب عنه تارة بأن التعلق أمر عدمي فلا يحتاج إلى أمر يخصصه بوقت دون وقت و لئن سلم فالتسلسل في الأمور الاعتبارية و هي التعلقات غير ممتنع و أنت تعلم أن اختصاص كل صفة سواء كانت وجودية أو عدمية بوقت يحتاج إلى مخصص بالبديهة و أما التسلسل في التعلقات بأن يكون مخصص تعلق الإرادة بذلك الوقت تعلق الإرادة بتعلق الإرادة في ذلك الوقت و هكذا حتى تكون إرادة وجود الممكن في ذلك الوقت لأنه أراد إرادة وجوده في ذلك الوقت و أراد إرادة إرادة وجوده في ذلك الوقت لأنه أراد إرادة تلك الإرادة و هكذا فيتسلسل تعلقات الإرادة من جانب المبدأ و ينتهي من الجانب الآخر إلى إرادة ذلك الممكن و حينئذ تكون
301
الحال كما تقول به الفلاسفة من تعاقب الاستعدادات الغير المتناهية حتى ينتهي إلى الاستعداد القريب الذي يلي المعلول فقد قيل عليه أنه باطل مع قطع النظر عن جريان التطبيق فيه لأنه يلزم انحصار الأمور الغير المتناهية بين حاصرين و هما نفس الإرادة و تعلقها الذي يلي الممكن.
أقول و أنت تعلم أنه لا انحصار هنا بين حاصرين أصلا بل ذات الإرادة محفوظة في جميع المراتب و تتوارد عليها تعلقات مترتبة غير متناهية على نحو تعاقب الاستعدادات الغير المتناهية على المادة فليست الإرادة و لا المريد طرف السلسلة كما ليست المادة طرف السلسلة فالقول بالانحصار هنا وهم ظاهر الفساد و إن ظهر عن بعض من يعقد عليه الأنامل بالاعتقاد انتهى.
و أورد عليه إيرادات لا طائل في إيرادها و هي مع أجوبتها مذكورة في كتب القوم.
الطريق السادس ما ذكره المحقق الطوسي ره في التجريد و هو أن التخلف عن العلة التامة إنما يستحيل إذا أمكن وجود ظرفين يمكن تحقق المعلول في كل منهما و مع ذلك خص وجود المعلول بالأخير منهما من غير تفاوت في أجزاء العلة و شرائط إيجابها بالنسبة إلى الوقتين و هاهنا ليس كذلك إذ الوقت من جملة أجزاء العالم فلا وقت قبل حدوث العالم حتى يسأل عن حدود ذلك الوقت و أنه لم لم يقع المعلول في تلك الحدود و وقع فيما وقع فيه و لما كان هذا الوجه بعد التحقيق يرجع مآله إلى ما حررنا في الطريق الثاني لم نتعرض لبسط القول فيه.
المرصد الثاني دفع شبهة أخرى لهم و هي أن العالم ممكن و إمكان وجوده أزلي إذ لو كان ممتنعا في الأزل و صار ممكنا لزم الانقلاب المحال و إذا أمكن وجوده في الأزل و البارئ تعالى قادر كامل في تأثيره جواد محض لا يفيد إلا ما ينبغي لا لعوض و لا لغرض فما أوجد العالم إلا لجوده الذي هو مقتضى ذاته فوجب أن يوجد العالم أزلا
302
و الجواب أن يقال ما أردت بقولك و البارئ تعالى قادر كامل في تأثيره إن أردت أنه لا نقص في ذاته و صفاته الكمالية كقدرته و علمه و إرادته و في اقتضاء ذاته القديمة إفاضة الخير و الجود فذلك مسلم و لا يلزم منه وجوب إيجاد العالم أزلا لجواز توقف الإيجاد على شرط يقتضيه العلم بالأصلح و إن أردت به أن الفاعل في الأزل مستجمع لشرائط التأثير فهو ممنوع و السند ما مر و الحاصل أن مقتضى كونه كاملا جوادا في ذاته أن لا ينفك عن ذاته إفادة ما ينبغي و لا نسلم أن وجود العالم في الأزل كذلك إذ ما ينبغي عبارة عما هو أصلح بالنظام بحسب علمه القديم و الأصلح إنما هو وجود العالم فيما لا يزال.
و قال بعض المحققين في الجواب عن هذه الشبهة إنها مبنية على استلزام أزلية الإمكان إمكان الأزلية و هو ممنوع فإن معنى الأول استمرار إمكان الشيء و جواز وجوده و معنى الثاني جواز أن يوجد الشيء وجودا مستمرا أزلا و أبدا و ظاهر أن استلزام الأول للثاني ليس مما لا يطلب له دليل و استدل عليه بأنه إذا استمر الإمكان أزلا لم يكن في ذاته مانع من الوجود في شيء من أجزاء الأزل فعدم منعه أمر مستمر في جميع أجزاء الأزل فإذا نظر إلى ذاته جاز له الاتصاف بالوجود في كل جزء منها لا بدلا فقط بل و معا أيضا و هو إمكان اتصافه بالوجود المستمر الأزلي فأزلية الإمكان استلزمت إمكان الأزلية و فيه نظر إذ قوله و معا أيضا ممنوع بل و قوله جاز له الاتصاف بالوجود في كل جزء منها أيضا ممنوع فإن الآنيات يمتنع وجودها في الزمان و أيضا ما ذكره منقوض بالحركة التوسطية الآخذة من مبدإ معين فإنها ممكنة أزلا و لا يمكن لها الوجود أزلا لوجود مبدإ لها فرضا انتهى.
و أقول و يظهر من أجوبة سائر الشبه أجوبة أخرى لهذه الشبهة تركناها للمتأمل الفطن المرصد الثالث دفع الشبهة التي أوردها صاحب المحاكمات و هي أنه لا يجوز أن يكون فعله تعالى معدوما ثم يوجد إذ العدم الصريح لا تمييز فيه حتى
303
يكون إمساك الفاعل من إيجاده في بعض الأحوال أولى من إيجاده في بعض و حتى يكون الصدور من الفاعل في بعض الأحوال أولى من صدوره في بعض بل لو كان صدوره واجبا كان في جميع الأحوال أولا صدوره كان في جميع الأحوال فيلزم إما قدم الفعل أو عدمه بالمرة و هذا بالحقيقة رد على من قال إنما حدث في الوقت لأنه كان أصلح لوجوده أو كان ممكنا فيه و تقييد العدم بالصريح احتراز عن العدم الحادث المسبوق بالمادة انتهى كلامه.
و الجواب أنه لا شك أن جميع المعلولات قديمها و حديثها معدوم مطلق في مرتبة وجود العلة فكيف تعلق الجعل بالممكنات دون الممتنعات و كيف تعلق بالقديم و هو معدوم مطلق في هذه المرتبة و كيف تعلق الجعل بالقديم و لم يتعلق بالحوادث إلا بعد مدة غير متناهية فالحق أن التميز العلمي في علمه تعالى كاف في الجميع و إن كانت في الخارج معدومة صرفة فهو سبحانه يعلم في ذاته الجميع ممكنها و ممتنعها مطلقا أو على بعض أنحاء الوجود و يريد ما أراد منها على الوجه الذي تقتضيه الحكمة و المصلحة و تؤثر القدرة على وفق الإرادة فيوجد العالم على النظام الذي وجد بلا تغير في ذاته و صفاته الذاتية و إنما التغير و التفاوت فيما عداه بالإمكان و الامتناع و التقدم و التأخر و الصغر و الكبر إلى غير ذلك من وجوه التفاوت و لا يمكن للعقول إدراك كنه تأثيراته و إيجاداته تعالى شأنه كما يستفاد من الخطب و الأخبار المأثورة عن الأئمة الأطهار(ع)و السؤال بأنه لم لم يخلق العالم قبل هذا أو بعد ذاك أو فوق الفضاء الذي هو الآن فيه أو تحته أو يمينه أو يساره أو قدامه أو خلفه أو أصغر أو أكبر أو المواد بحيث تقبل الاستعدادات على نحو آخر فهو من هذر السؤال و قد ظهر الفرق بين أزلية الإمكان و إمكان الأزلية و أن الإمكان الذاتي من متممات ذات المعلول المحتاج و من مصححات المعلولية و مكملات الاحتياج إلى العلة على سبيل لوازم الماهية المعلولية و ذاتياتها و ليس ملحوظا في طرف العلة التامة المفتقرة إليها و قد مر ما يمكن استنباط أجوبة أخرى منه لهذه الشبهة فتفطن.
304
المرصد الرابع دفع شبهة أخرى لهم و هي أن الزمان لو كان حادثا لكان معدوما قبل وجوده قبلية انفكاكية لا يجامع بحسبها القبل البعد في الواقع و هذه القبلية معروضها بالذات أجزاء الزمان بعضها بالنسبة إلى بعض و لا يوصف بها ما عدا الزمان إلا بالعرض من جهة مقارنة الزمان فإذن يلزم وجود الزمان على تقدير عدمه و هذا خلف و يمكن بمثل هذا البيان إثبات امتناع العدم اللاحق على الزمان فثبت سرمديته.
و مما ينبه أن هذا البيان مغالطة هو أن الزمان إما أن يكون مستندا إلى الواجب بلا واسطة فيكون هو الصادر الأول و هو خلاف معتقدهم و إما أن يكون بواسطة علة ممكنة و لا شك أن هذه العلة ممكنة لذاتها و بالنسبة إلى الزمان الذي هو معلولها لأن بالمعلول لا تجب العلة و لا يصير منشأ لوجوب علته فظهر أن علة الزمان ممكنة بالذات و بالنسبة إلى الزمان أيضا و عدم الممكن بالوصف المذكور لا يلزم من فرضه محال أصلا فإذا فرضنا انعدام علة الزمان فإما أن يبقى الزمان موجودا بلا علة مبقية و هو محال لأن علة الحاجة إلى المؤثر عندهم هو إمكان المعلول وحده و إما أن ينعدم الزمان أيضا و هو محال عندهم و اقتضاه هذا الدليل فإن مذهبهم أن العدم بعد الوجود محال بالذات على الزمان و إنما الممكن بالنظر إلى الزمان هو العدم رأسا و ابتداء و أما العدم بعد الوجود فلا يجوزونه و يصرحون بامتناعه بالذات.
و الجواب عن أصل الدليل أنا لا نسلم أن العدم الصرف الذي صورناه قبل العالم يمكن أن يتصف بشيء كيف و هو نفي صرف و لا شيء محض في الواقع نعم بعد وجود العالم و تحقق الموجودات ربما يمكن سريان بعض هذه الأحكام إلى العدم و لو سلم فلا نسلم أن منشأ استحالة اجتماعه مع الوجود اللاحق هو اتصافه بالسبق بل يجوز أن يكون لأنهما متقابلان بالإيجاب و السلب و لأجل هذا التقابل لا يجتمعان و لو سلم فلا نسلم أن مثل هذا السبق لا يعرض إلا للزمان و دون إثباته خرط القتاد و غاية ما لزم من دليلهم على تقدير تسليمه أن هذا النوع
305
من السبق يعرض للزمان بالذات و أما إثبات أنه لا يعرض لغير الزمان إلا بواسطة فلا سبيل لهم إليه.
و المشهور بين المتكلمين في جواب هذا الدليل إثبات قسم آخر للسبق سموه بالسبق بالذات و هو في مقام المنع حسن و إن أريد إثباته فمشكل قال المحقق الطوسي ره في قواعد العقائد التقدم يكون بالذات كتقدم الموجد على ما يوجد أو بالطبع كتقدم الواحد على الاثنين أو بالزمان كتقدم الماضي على الحاضر أو بالشرف كتقدم العالم (1) على المتعلم أو بالوضع كتقدم الأقرب إلى مبدإ على الأبعد و المتكلمون يزيدون على ذلك التقدم بالرتبة كتقدم الأمس على اليوم.
و قال الرازي في الأربعين إنا نثبت نوعا آخر من التقدم وراء هذه الأقسام الخمسة و الدليل عليه أنا ببديهة العقل نعلم أن الأمس متقدم على اليوم و ليس تقدما بالعلية و لا بالذات و لا بالشرف و لا بالمكان و لا يمكن أن يكون تقدما بالزمان و إلا لزم أن يكون ذلك الزمان حاصلا في زمان آخر ثم الكلام في الزمان الثاني كما في الأول فيفضي إلى أن تحصل أزمنة لا نهاية لها دفعة واحدة و يكون كل منها ظرفا للآخر و ذلك محال فهو تقدم خارج عن هذه الأقسام فنقول تقدم عدم العالم على وجوده و تقدم وجود الله على وجود العالم يكون على هذا الوجه و يزول الإشكال انتهى.
و أقول لهم شبهة واهية أخرى يظهر جوابها للمتأمل فيما أوردناه و أنت بعد ما أحطت خبرا بما حققناه و تركت تقليد السادة و الكبراء و التمسك بالشكوك و الأهواء لا أظنك تستريب في قوة دلائل الحدوث و ضعف شبه القدم و لو لم تكن أقوى فلا ريب في أنها متعارضة فلو كانت متكافئة أيضا كيف تجترئ على مخالفة الكتب السماوية و الأخبار المتواترة النبوية و الآثار المتظافرة المأثورة عن الأئمة الهادية و العترة الطاهرة الذين هم معادن الحكمة و الوحي
____________
(1) المعلم (خ).
306
و الإلهام و بعثهم الله لتكميل الأنعام لشبه واهية اعترف مبدؤها بضعفها حيث قال الشيخ و أرسطو إنها مسألة جدلية الطرفين فيا إخوان الدين و خلان اليقين إن لم يغلب على قلوبكم الرين فافتحوا العين و ارفعوا العناد من البين و انظروا بأبصار مكحولة بالإنصاف مشفية من رمد التعصب و الاعتساف فتكونوا في أصول الدين من أصحاب اليقين و تدخلوا في حزب الأنبياء و الأوصياء و الصديقين و لا تعتمدوا على أصولكم و لا تتكلموا على عقولكم لا سيما في المقاصد الدينية و المطالب الإلهية فإن بديهة العقل كثيرا ما تشتبه ببديهة الوهم و المألوفات الطبيعية بالأمور اليقينية و المنطق لا يفي بتصحيح مواد الأقيسة و زن أفكارك بميزان الشرع المبين و مقياس الدين المتين و ما تحقق صدوره عن الأئمة الراسخين (صلوات اللّه عليهم أجمعين) لئلا تكون من الهالكين.
تكملة
اعلم أن العلماء اختلفوا في أول المخلوقات و اختلف الأخبار أيضا في ذلك فالحكماء يقولون أول المخلوقات العقل الأول ثم العقل الأول خلق العقل الثاني و الفلك الأول و هكذا إلى أن انتهى إلى العقل العاشر فهو خلق الفلك التاسع و هيولى العناصر و جماعة منهم يقول بأن تلك العقول وسائط لإيجاده تعالى و لا مؤثر في الوجود إلا الله و كل ذلك مخالف لما ظهر و تبين من الآيات و الأخبار و أجمع عليه المليون (1).
____________
(1) العقول العشرة فرضية فرضها المشاءون لتصحيح صدور الكثير من الواحد و هى مبتنية على وجود الافلاك التسعة و كونها ذوات نفوس مريدة و لا برهان على شيء منها، لكن لا مجال لانكار العالم العقلى في الجملة، و قد اشبع الكلام في اثباته في الكتب الحكمية لا سيما في الحكمة المتعالية، فلنشر هاهنا إلى ما يستفاد من الاخبار الشريفة فنقول:
الروايات التي وردت في تعيين اول ما خلق اللّه تعالى على صنفين: منها ما هو صريح في تعيين جسم ما كالماء مثلا، و منها ما يتشابه المراد منه في بدء الامر هل هو جسم أو غير جسم؟.
307
و أما غيرهم فقيل أولها الماء كما يدل عليه أكثر الأخبار المتقدمة و نقلنا ذلك سابقا عن ثاليس الملطي و رأيت في كتاب علل الأشياء المنسوب إلى بليناس الحكيم أنه قال إن الخالق تبارك و تعالى كان قبل الخلق و أراد أن يخلق الخلق فقال ليكن كذا و كذا فكانت هذه الكلمة علة الخلق و سائر المخلوقات معلول و كلام الله عز و جل أعلى و أعظم و أجل من أن يكون شيئا تدركه الحواس لأنه ليس بطبيعة و لا جوهر و لا حار و لا بارد و لا رطب و لا يابس ثم قال بعده إن أول ما حدث بعد كلام الله تعالى الفعل فدل بالفعل على الحركة و دل بالحركة على الحرارة ثم لما نقصت الحرارة جاء السكون عند فنائها فدل بالسكون على البرد ثم ذكر بعد ذلك أن طبائع العناصر الأربعة أنما كانت من هاتين القوتين أعني الحر و البرد قال و ذلك أن الحرارة حدث منها اللين و من البرودة اليبس فكانت أربع قوى مفردات فامتزج بعضها ببعض فحدث من امتزاجها الطبائع و كانت هذه الكيفيات قائمة
____________
مثل ما ورد في كونه نور النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) او العقل او القلم لكن فيها ما يفسر سائر الروايات و يوضحها كما ورد في ان نور النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) خلق قبل خلق المكان، و قد اسلفنا ان تنزهه عن لوازم المادة من الزمان و المكان دليل تجرده عنها، و التجرد لا ينفك عن العقل كما ثبت في محله و في الروايات إشارات الى تجرد العقل و القلم أيضا و لعلنا نوفق للتنبيه عليها ان شاء اللّه تعالى فالجمع بين ما يدلّ على كون اول ما خلق اللّه نور النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أو العقل أو القلم و بين ما يدلّ على كونه الماء مثلا بحمل الأول على اول المجردات و الثاني على اول الماديات و أمّا الجمع بين ما يدلّ على كونه نور النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و بين ما يدلّ على كونه العقل أو القلم فان قيل بوحدة الجميع او كونها مراتب حقيقة واحدة فواضح و إلّا فحمل الاولية على الاضافية دون الحقيقية.
و قد مر تصريح ثلة من أساطين العلم و الحكمة على كون خلق المحلوق الأول قبل خلق الزمان بل على جواز وجود موجودات كثيرة قبل وجود الزمان، و قد أشرنا عند ذكر كلامهم إلى ان ذلك لا ينفك عن تجرد الصادر الأول او كل ما وجد بلا زمان فتذكر.
308
بأنفسها غير مركبة فمن امتزاج الحرارة و اليبس حصلت النار و من الرطوبة و البرد حدث الماء و من الحرارة و الرطوبة حدث الهواء و من امتزاج البرد و اليبس حصلت الأرض ثم قال إن الحرارة لما حركت طبيعة الماء و الأرض تحرك الماء للطفه عن ثقل الأرض و انقلب ما أصابه من الحر فصار بخارا لطيفا هوائيا رقيقا روحانيا و هو أول دخان طلع من أسفل الماء و امتزج بالهواء فسما إلى العلو لخفته و لطافته و بلغ الغاية في صعوده على قدر قوته و نفرته من الحرارة ثم وقف فكان منه الفلك الأعلى و هو فلك زحل ثم حركت النار الماء أيضا فطلع منه دخان هو أقل لطفا مما صعد أولا و أضعف فلما صار بخارا سما إلى العلو بجوهره و لطافته و لم يبلغ فلك زحل لقلة لطافته عما قبله فكان منه الفلك الثاني و هو فلك المشتري و هكذا بين طلوع الدخان مرة مرة و تكون الأفلاك الخمسة الباقية عنه ثم قال و الأفلاك السبعة بعضها في جوف بعض و بين كل فلكين منها هواء واسع مملوء أجزاء لا تتحرك.
و نقل صاحب الملل و النحل عن فلوطرخيس أيضا من الحكماء القدماء أنه قال أصل المركبات هو الماء فإذا تخلخل صافيا وجدت النار و إذا تخلخل و فيه بعض الثقل صار هواء و إذا تكاثف تكاثفا مبسوطا بالغا صار أرضا و قد مر نقلا من التوراة أن مبدأ الخلق جوهر خلقه الله ثم نظر إليه نظر الهيبة فذابت أجزاؤه فصارت ماء إلى آخر ما مر و قريب منه ما رواه العامة عن كعب أنه قال إن الله خلق ياقوتة خضراء ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ثم وضع العرش على الماء كما قال تعالى وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ و قيل أول المخلوقات الهواء كما دل عليه ما ذكره علي بن إبراهيم في تفسيره و الظاهر أنه أخذ من خبر لكن لا تعارض به الأخبار الكثيرة المسندة و مع صحته يمكن الجمع بحمل أولية الماء على التقدم الإضافي بالنسبة إلى الأجسام المشاهدة المحسوسة التي يدركها جميع الخلق فإن الهواء ليس منها و
309
لذا أنكر وجوده جماعة.
و قيل أول المخلوقات النار كما مر و قد مر في بعض الأخبار أن أول ما خلق الله النور و في بعضها نور النبي(ص)و في بعضها نوره مع أنوار الأئمة(ع)و
- فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ الْعَامِّيَّةِ عَنِ النَّبِيِّ(ص)أَوَلُّ مَا خَلَقَ اللَّهُ رُوحِي.
فيمكن أن يكون المراد بالجميع واحدا و يكون خلق الأرواح قبل خلق الماء و سائر الأجسام و تكون أولية الماء بالنسبة إلى العناصر و الأفلاك فإن بعض الأخبار يدل على تقدم خلق الملائكة على خلق العناصر و الأفلاك كما مر و دلت الأخبار الكثيرة على تقدم خلق أرواحهم و أنوارهم(ع)على كل شيء.
-
وَ رَوَى الْكُلَيْنِيُّ وَ غَيْرُهُ بِأَسَانِيدِهِمُ الْكَثِيرَةِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَقْلَ وَ هُوَ أَوَّلُ خَلْقٍ مِنَ الرُّوحَانِيِّينَ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ مِنْ نُورِهِ الْخَبَرَ (1).
و هذا لا يدل على تقدم العقل على جميع الموجودات بل على خلق الروحانيين و يمكن أن يكون خلقها متأخرا عن خلق الماء و الهواء و أما خبر أول ما خلق الله العقل فلم أجده في طرقنا و إنما هو في طرق العامة و على تقديره يمكن أن يراد به نفس الرسول(ص)لأنه أحد إطلاقات العقل على أنه يمكن حمل العقل على التقدير في بعض تلك الأخبار كما هو أحد معانيه و كذا حديث أول ما خلق الله القلم يمكن حمله على الأولية الإضافية بالنسبة إلى جنسه من الملائكة أو بعض المخلوقات كما يدل عليه خبر عبد الرحيم القصير الآتي في بابه.
فائدة جليلة
اعلم أنه أورد إشكال في آيات سورة السجدة حيث ظاهرها كون خلق السماوات و الأرض و ما بينهما في ثمانية أيام مع أن سائر الآيات تدل على خلقها في ستة أيام و الثاني ظاهر و الأول لأنه قال سبحانه أولا خَلَقَ الْأَرْضَ
____________
(1) الكافي: ج 1،(ص)21.
310
فِي يَوْمَيْنِ و قال بعده وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَ بارَكَ فِيها وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ و قال بعد ذلك فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ (1) فيصير المجموع ثمانية و يمكن التفصي عن ذلك بوجوه.
الأول ما مر و هو المشهور بين المفسرين أن المراد بقوله أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ في تتمة أربعة أيام بأن يكون خلق الأرض في يومين منها و تقدير الأقوات فيها أو هو مع جعل الرواسي من فوقها و البركة فيها في يومين آخرين و يؤيده كثير من الأخبار المتقدمة.
الثاني ما ذكره بعض الأفاضل ممن كان في عصرنا ره في شرحه على الكافي أن أربعة أيام مخصوصة بخلق ما على الأرض أولها بخلق الرواسي و الثاني بخلق البركة و الثالث و الرابع بخلق الأقوات التي هي عبارة عن خلق الماء و المرعى المذكورين في سورة النازعات بقوله تعالى أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَ مَرْعاها (2) و أن اليومين اللذين خلق فيهما الأرض متحدان مع ما خلق فيهما السماوات إلا أن الخلق في اليوم الأول متعلق بأصل السماوات و الأرض و في اليوم الثاني بتمييز بعض أجزائهما عن بعض فيصدق أن السماوات مخلوقة في يومين و الأرض في يومين و لا تزيد أيام خلق المجموع على الستة.
الثالث ما ذكرناه في تأويل خبر الكافي بأن يكون يوما خلق السماوات داخلين في الأربعة فتذكر.
الرابع ما ذكره بعض المحققين من المعاصرين و هو أن يكون الأيام الأربعة بل اليومان الأخيران أيضا في سورة السجدة غير الأيام الستة التي في سائر السور و يؤيده تغيير الأسلوب بإيراد لفظ الخلق في سائر الآيات و لفظ الجعل و البركة و التقدير و القضاء سبعا في السجدة و يؤيده لفظ ما بَيْنَهُما في آيات سور الفرقان و التنزيل و ق فإنه سواء كان خلق الأرض و بعض ما عليها في أربعة
____________
(1) فصّلت: 12.
(2) النازعات: 31.
311
أيام و خلق السماوات في يومين أو خلق ما على الأرض فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ و خلق السماوات و الأرض في يومين كما في التأويلين السابقين لا يبقى لخلق ما بين السماوات و الأرض كالهواء و ما فيها من كائنات الجو وقت فينبغي أن يحمل على أن خلق السماوات في يومين و خلق الأرض في يومين غيرهما و خلق ما بينهما في يومين غير الأربعة فيبلغ ستة كما هو ظاهر الآيات فتتم في هذه الستة ما ذكره تعالى في سورة النازعات بقوله أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَ أَغْطَشَ لَيْلَها وَ أَخْرَجَ ضُحاها (1) فيكون كل ما ذكره فيها متصلا به بقوله وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَ مَرْعاها وَ الْجِبالَ أَرْساها (2) في يوم آخر أو أيام أخر غير الستة المذكورة و يؤيده ما روي أن دحو الأرض كان بعد خلقها بألفي سنة فعلى ذلك لا يبعد أن يكون خلق ما سوى المذكورات كتقدير الأقوات و سائر المخلوقات التي لا تعد و لا تحصى في أيام أخر كيف و ما في السماوات كالملائكة و ما في تحت الأرض كالصخرة و الديك و الحوت و غيرها المذكورات في حديث زينب العطارة غير السماوات و الأرض و ما بينهما كما يرشد إليه التسبيح المأثور المشهور سبحان الله رب السماوات السبع و رب الأرضين السبع و ما فيهن و ما بينهن و ما تحتهن فيكون خلقها في غير الستة المذكورة فلا حاجة إلى تكلف لإدخال زمان تقدير الأقوات و جعل الرواسي مثلا في زمان خلق السماوات و الأرض و ما بينهما حتى لا يزيد زمان خلق المجموع على ستة أيام و أما الروايات التي أريد بها التأويل فحملها على أن يكون المراد بها التعيين النوعي في أيام خلق كل من المذكورات فيها فلا ينافي أن يكون خلق الأشجار مثلا في أربعاء و المياه في أربعاء أخرى و كذا خلق الشمس و القمر مثلا في جمعة و كل من النجوم و الملائكة و آدم(ع)في جمعات أخر فلا يلزم الاتحاد الشخصي و لا التوالي في تلك الأيام كيف و لو لم تحمل على ذلك لما أمكن الجمع بينها و بين
____________
(1) النازعات: 29.
(2) النازعات: 32.
312
ما مر من الرضا(ع)من أن خلق العرش و الماء و الملائكة قبل خلق السماوات و الأرض و كذا بينها و بين ما لا ريب فيه لأحد من أن خلق الملائكة و الجان قبل خلق آدم(ع)بدهور طويلة. و أما المنظومة المشهورة المنسوبة إلى أمير المؤمنين(ع)من قوله
لنعم اليوم يوم السبت حقا* * * لصيد إن أردت بلا امتراء
و في الأحد البناء لأن فيه* * * تبدى الله في خلق السماء.
حيث صرح فيها بأن خلق السماء في يوم الأحد فيمكن أن يجمع بينها و بين الروايات الدالة على أن خلقها في يوم الخميس بكون أصل خلقها في أحد ذينك اليومين و تمييز بعضها عن بعض في اليوم الآخر و مما يلائم هذا الجمع وقوع السماء بلفظ المفرد في المنظومة و بلفظ الجمع في الروايات و إدراج لفظ الابتداء في المنظومة دون الروايات فيسهل بما ذكرنا طريق الجمع بين الروايات المتعارضة الظواهر في هذا الباب.
و لنختم الكلام بذكر أقوال بعض من يعول على قوله من قدماء المؤرخين ليعلم اتفاق جميع فرق المسلمين على الحدوث قال المسعودي ره و كان من علماء الإمامية في كتاب مروج الذهب اتفق أهل الملة جميعا من أهل الإسلام على أن الله خلق الأشياء على غير مثال و ابتدعها من غير أصل ثم
- رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَ غَيْرِهِ أَنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْمَاءُ فَكَانَ عَرْشُهُ عَلَيْهِ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاءَ أَخْرَجَ مِنَ الْمَاءِ دُخَاناً فَارْتَفَعَ فَوْقَ الْمَاءِ فَسُمِّيَ السَّمَاءَ ثُمَّ أَيْبَسَ الْمَاءَ فَجَعَلَهُ أَرْضاً وَاحِدَةً ثُمَّ فَتَقَهَا فَجَعَلَهَا سَبْعَ أَرَضِينَ فِي يَوْمَيْنِ فِي الْأَحَدِ وَ الْإِثْنَيْنِ وَ خَلَقَ الْأَرْضَ عَلَى حُوتٍ وَ الْحُوتُ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ وَ الْحُوتُ وَ الْمَاءُ عَلَى الصَّفَا وَ الصَّفَا عَلَى ظَهْرِ مَلَكٍ وَ الْمَلَكُ عَلَى صَخْرَةٍ وَ الصَّخْرَةُ عَلَى الرِّيحِ وَ هِيَ الصَّخْرَةُ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ فَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فَتَزَلْزَلَتِ الْأَرْضُ فَأَرْسَى اللَّهُ عَلَيْهَا الْجِبَالَ فَقَرَّتْ كَمَا قَالَ تَعَالَى أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَ خَلَقَ الْجِبَالَ فِيهَا وَ خَلَقَ أَقْوَاتَ أَهْلِهَا وَ شَجَرَهَا وَ مَا يَنْبَغِي لَهَا فِي
313
يَوْمَيْنِ فِي يَوْمِ الثَّلَاثَاءِ وَ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ إِلَى قَوْلِهِ ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَكَانَ ذَلِكَ الدُّخَانُ مِنْ نَفْسِ الْمَاءِ حِينَ تَنَفَّسَ فَجَعَلَهَا سَمَاءً وَاحِدَةً ثُمَّ فَتَقَهَا وَ جَعَلَهَا سَبْعاً فِي يَوْمَيْنِ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ وَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَ إِنَّمَا سُمِّيَ بِالْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ جُمِعَ فِيهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها أَيْ وَ جَعَلَ فِي كُلِّ سَمَاءٍ خَلْقَهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَ الْبِحَارِ (1) وَ جِبَالِ الْبَرَدِ.
ثم قال و ما ذكرنا من الأخبار عن بدء الخليقة هو ما جاءت به الشريعة و نقله الخلف عن السلف و الباقي عن الماضي عبرنا عنهم على ما نقل إلينا من ألفاظهم و وجدنا في كتبهم من شهادة الدلائل بحدوث العالم و إيضاحها بكونه و لم نعرض لوصف قول من وافق ذلك و انقاد إليه من الملل القائلين بالحدوث و لا الرد على من سواهم ممن خالف ذلك و قال بالقدم لذكرنا ذلك فيما سلف من كتبنا و تقدم من تصانيفنا انتهى (2).
و قد ذكر أبو ريحان البيروني في تاريخه مدة عمر الدنيا و ابتداء وجودها عن جماعة من المنجمين و الحكماء و قطع لها بالابتداء و استدل عليه فلا نطيل الكلام بإيرادها.
و قال ابن الأثير في الكامل
- صَحَّ فِي الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ عِبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ.
و روي نحو ذلك عن ابن عباس و قال محمد بن إسحاق أول ما خلق الله تعالى النور و الظلمة فجعل الظلمة ليلا أسود و جعل النهار نورا (3) مضيئا و الأول أصح و
- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ عَرْشُهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئاً فَكَانَ أَوَلُّ مَا خَلَقَ الْقَلَمَ فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ ثُمَّ خَلَقَ بَعْدَ الْقَلَمِ الْغَمَامَ وَ قِيلَ ثُمَّ اللَّوْحَ ثُمَّ الْغَمَامَ.
____________
(1) في المخطوطة: و البخار.
(2) مروج الذهب: ج 1(ص)15- 17.
(3) في بعض النسخ: و جعل النور نهارا.
314
ثم اختلف فيما خلق بعد الغمام
- فروى الضحاك عن ابن عباس أول ما خلق الله العرش فاستوى عليه.
و قال آخرون
- خلق الله الماء قبل العرش ثم خلق العرش فوضعه على الماء و هو قول أبي صالح عن ابن عباس و قول ابن مسعود و وهب بن منبه (1).
و قيل إن الذي خلق بعد القلم الكرسي ثم العرش ثم الهواء ثم الظلمات ثم الماء فوضع عرشه عليه و قال و قول من قال
- إن الماء خلق قبل العرش أولى بالصواب لحديث ابن أبي (2) رزين عن النبي ص.
و قد قيل
- إن الماء كان على متن الريح حين خلق العرش قاله ابن جبير عن ابن عباس.
فإن كان كذلك فقد خلقا قبل العرش و قال ضمرة إن الله خلق القلم قبل أن يخلق شيئا بألف عام و اختلفوا أيضا في اليوم الذي ابتدأ الله فيه خلق السماوات و الأرض فقال عبد الله بن سلام و كعب و الضحاك و مجاهد ابتدأ الخلق يوم الأحد و قال محمد بن إسحاق ابتدأ الخلق يوم السبت و كذلك قال أبو هريرة و اختلفوا أيضا فيما خلق في كل يوم فقال ابن سلام إن الله تعالى بدأ الخلق يوم الأحد فخلق الأرضين يوم الأحد و الإثنين و خلق الأقوات و الرواسي في الثلاثاء و الأربعاء و خلق السماوات في الخميس و الجمعة و فرغ في آخر ساعة من الجمعة فخلق
____________
(1) وهب بن منبه- بتقديم النون على الباء الموحدة و الهاء الأخيرة- ذكر في تراجم العامّة مقرونا بالثناء و التوثيق، قال الحافظ صفى الدين الخزرجي في خلاصة تذهيب الكمال (ص 359)، وهب بن منبه بن كامل الأبناوي الصنعانى أبو عبد اللّه الاخبارى عن ابن عبّاس و جابر و ابى سعيد- إلى ان قال- وثقه النسائى، قال مسلم بن خالد: لبث وهب أربعين سنة لم يرقد على فراشه، قتله يوسف بن عمر سنة عشر و مائة (انتهى) و عن مختصر الذهبي: وهب ابن منبه الصنعانى أخو همام، عن ابن عبّاس و ابن عمر، اخبارى: علامة، قاض، صدوق، صاحب كتاب، مات سنة أربعة عشر و مائة (انتهى) لكن الامر في رجال الخاصّة بالعكس، نقل عن الشيخ و النجاشيّ ان القميين استثنوه من رجال «نوادر الحكمة» و قال في تنقيح المقال (ج 3(ص)281) من راجع كتابه في قصص الأنبياء عرف أنّه كتاب لا ينطبق على أصول الشيعة و عقائدها في الأنبياء و يتبين سر استثنائه من رجال «نوادر الحكمة» (انتهى).
(2) في بعض النسخ: أبى رزين.
315
فيها آدم(ع)فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة و مثله قال ابن مسعود و ابن عباس من رواية أبي صالح عنه إلا أنهما لم يذكرا خلق آدم و لا الساعة
- و قال ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة عنه إن الله خلق الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ ثم دحا الأرض بعد ذلك فذلك قوله وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
و هذا القول عندي هو الصواب.
-
و قال ابن عباس أيضا من رواية عكرمة عنه إن الله وضع البيت على الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام ثم دحيت الأرض من تحت البيت.
و مثله قال ابن عمر.
و
- 17- رَوَاهُ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي الصَّالِحِ وَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَ أَبِي مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ وَ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئاً غَيْرَ مَا خَلَقَ قَبْلَ الْمَاءِ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ أَخْرَجَ مِنَ الْمَاءِ دُخَاناً فَارْتَفَعَ فَوْقَ الْمَاءِ فَسَمَا عَلَيْهِ فَسَمَّاهُ سَمَاءً ثُمَّ أَيْبَسَ الْمَاءَ فَجَعَلَهُ أَرْضاً وَاحِدَةً ثُمَّ فَتَقَهَا فَجَعَلَ سَبْعَ أَرَضِينَ فِي يَوْمَيْنِ يَوْمَ الْأُحُدِ وَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ فَخَلَقَ الْأَرْضَ عَلَى حُوتٍ وَ الْحُوتُ النُّونُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ ن وَ الْقَلَمِ وَ الْحُوتُ فِي الْمَاءِ وَ الْمَاءُ عَلَى ظَهْرِ صَفَاةٍ وَ الصَّفَاةُ عَلَى ظَهْرِ مَلَكٍ وَ الْمَلَكُ عَلَى صَخْرَةٍ وَ الصَّخْرَةُ فِي الرِّيحِ وَ هِيَ الصَّخْرَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا لُقْمَانُ لَيْسَتْ فِي السَّمَاءِ وَ لَا فِي الْأَرْضِ فَتَحَرَّكَ الْحُوتُ وَ اضْطَرَبَتْ وَ تَزَلْزَلَتِ الْأَرْضُ فَأَرْسَى عَلَيْهَا الْجِبَالَ فَقَرَّتْ وَ الْجِبَالُ تَفْخَرُ عَلَى الْأَرْضِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ
* * * وَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَ الضَّحَّاكُ وَ مُجَاهِدٌ وَ كَعْبٌ وَ غَيْرُهُمْ كُلُّ يَوْمٍ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيهَا السَّمَاءَ وَ الْأَرْضَ كَأَلْفِ سَنَةٍ.
انتهى.
و كلام سائر المؤرخين جار هذا المجرى و لا جدوى في إيرادها
316
باب 2 العوالم و من كان في الأرض قبل خلق آدم(ع)و من يكون فيها بعد انقضاء القيامة و أحوال جابلقا و جابرسا
الآيات الفاتحة رَبِّ الْعالَمِينَ الأعراف وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ (1) و قال تعالى وَ مِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ (2) تفسير جمع العالمين يومئ إلى تعدد العوالم كما سيأتي و إن أول بأن الجمعية باعتبار ما تحته من الأجناس المختلفة وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ قال الطبرسي ره أي جماعة يَهْدُونَ بِالْحَقِ أي يدعون إلى الحق و يرشدون إليه وَ بِهِ يَعْدِلُونَ أي و بالحق يحكمون و يعدلون في حكمهم و اختلف في هذه الأمة من هم على أقوال.
أحدها
- أنهم قوم من وراء الصين بينهم و بين الصين واد جار من الرمل لم يغيروا و لم يبدلوا عن ابن عباس و السدي و الربيع و الضحاك و عطاء و هو المروي عن أبي جعفر ع.
قالوا و ليس لأحد منهم مال دون صاحبه يمطرون بالليل و يضحون بالنهار و يزرعون لا يصل إليهم منا أحد و لا منهم إلينا و هم على الحق.
-
قال ابن جريح بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم و كفروا و كانوا اثني عشر سبطا تبرأ سبط منهم مما صنعوا و اعتذروا و سألوا الله أن يفرق بينهم و بينهم ففتح الله لهم نفقا من الأرض فساروا فيه سنة و نصف سنة حتى خرجوا من وراء الصين فهم هناك حنفاء مسلمين يستقبلون قبلتنا.
و قيل
- إن جبرئيل
____________
(1) الأعراف: 158.
(2) الأعراف: 180.
317
انطلق بالنبي ليلة المعراج إليهم فقرأ عليهم من القرآن عشر سور نزلت بمكة فآمنوا به و صدقوه و أمرهم أن يقيموا مكانهم و يتركوا السبت و أمرهم بالصلاة و الزكاة و لم يكن نزلت فريضة غيرهما ففعلوا.
قال ابن عباس و ذلك قوله وَ قُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً (1) يعني عيسى ابن مريم يخرجون معه
- و روى أصحابنا أنهم يخرجون مع قائم آل محمد ص.
- و روي أن ذا القرنين رآهم فقال لو أمرت بالمقام لسرني أن أقيم بين أظهركم.
. و ثانيها أنهم قوم من بني إسرائيل تمسكوا بالحق و بشريعة موسى(ع)في وقت ضلالة القوم و قتلهم أنبياءهم و كان ذلك قبل نسخ شريعتهم بشريعة عيسى(ع)فيكون تقدير الآية و من قوم موسى أمة كانوا يهدون بالحق عن الجبائي.
و ثالثها أنهم الذين آمنوا بالنبي(ص)مثل عبد الله بن سلام و ابن صوريا و غيرهما
- وَ فِي حَدِيثِ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ وَ الْحَكَمِ بْنِ ظَهِيرٍ أَنَّ مُوسَى لَمَّا أَخَذَ الْأَلْوَاحَ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ (2) أُمَّةً هِيَ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي قَالَ تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً هُمُ الْآخِرُونَ فِي الْخَلْقِ السَّابِقُونَ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي قَالَ تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أَنَّهُ كُتُبُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ يَقْرَءُونَهَا فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي قَالَ تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً إِذَا هَمَّ أَحَدُهُمْ بِحَسَنَةٍ ثُمَّ لَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ وَ إِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَ إِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَ لَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ وَ إِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ وَاحِدَةٌ فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي قَالَ تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَجِدُ فِي
____________
(1) الإسراء: 104.
(2) في المصدر: لاجد.
(3) هذه القطعة من المكالمة لم توجد في المصدر.
318
الْأَلْوَاحِ أُمَّةً يُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَ الْكِتَابِ الْآخِرِ وَ يُقَاتِلُونَ الْأَعْوَرَ الْكَذَّابَ فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي قَالَ تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً هُمُ الشَّافِعُونَ وَ هُمُ الْمَشْفُوعُ لَهُمْ فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي قَالَ تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ قَالَ مُوسَى(ع)رَبِّ اجْعَلْنِي مِنْ أُمَّةِ أَحْمَدَ.
قال أبو حمزة فأعطي موسى آيتين لم يعطوها يعني أمة أحمد قال الله يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَ بِكَلامِي (1) قال وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ قال فرضي موسى كل الرضا.
. وَ فِي حَدِيثِ غَيْرِ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ(ص)لَمَّا قَرَأَ وَ مِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ (2) قَالَ هَذِهِ لَكُمْ وَ قَدْ أُعْطِيَ (3) قَوْمُ مُوسَى مِثْلَهَا انْتَهَى (4).
. و أما الآية الثانية فالمشهور أنها لهذه الأمة و دلت الأخبار الكثيرة على أن المراد بهم الأئمة و شيعتهم كما مر في كتاب الإمامة
- وَ قَالَ الطَّبْرِسِيُّ ره قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ قَرَأَ النَّبِيُّ(ص)هَذِهِ الْآيَةَ فَقَالَ إِنَّ مِنْ أُمَّتِي قَوْماً عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَنْزِلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ.
- وَ رَوَى الْعَيَّاشِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ قَالَ: وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَفْتَرِقَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا فِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَ مِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو.
- وَ رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهَما قَالا نَحْنُ هُمْ انْتَهَى (5).
. و أقول
- قَالَ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ رُوِيَ أَنَّ بَنِي آدَمَ عُشْرُ الْجِنِّ وَ الْجِنُّ وَ بَنُو آدَمَ عُشْرُ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّ وَ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ عُشْرُ الطُّيُورِ وَ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ عُشْرُ
____________
(1) الأعراف: 144.
(2) الأعراف: 181.
(3) في المصدر: و قد أعطى اللّه.
(4) مجمع البيان: ج 4،(ص)489.
(5) مجمع البيان: ج 4،(ص)503.
319
حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ وَ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ عُشْرُ مَلَائِكَةِ الْأَرْضِ الْمُوَكَّلِينَ بِهَا وَ كُلُّ هَؤُلَاءِ عُشْرُ مَلَائِكَةِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَ كُلُّ هَؤُلَاءِ عُشْرُ مَلَائِكَةِ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ وَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ثُمَّ الْكُلُّ فِي مُقَابَلَةِ مَلَائِكَةِ الْكُرْسِيِّ نَزْرٌ قَلِيلٌ ثُمَّ كُلُّ هَؤُلَاءِ عُشْرُ مَلَائِكَةِ سُرَادِقِ وَاحِدٍ (1) مِنْ سُرَادِقَاتِ الْعَرْشِ الَّتِي عَدَدُهَا سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ طُولُ كُلِّ سُرَادِقٍ وَ عَرْضُهُ وَ سَمْكُهُ إِذَا قُوبِلَتْ بِهِ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرَضُونَ وَ مَا فِيهِمَا وَ مَا بَيْنَهُمَا (2) فَإِنَّهَا كُلُّهَا تَكُونُ شَيْئاً يَسِيراً وَ قَدْراً صَغِيراً وَ مَا مِنْ مِقْدَارِ مَوْضِعِ قَدَمٍ إِلَّا وَ فِيهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ قَائِمٌ لَهُمْ زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ وَ التَّقْدِيسِ ثُمَّ كُلُّ هَؤُلَاءِ فِي مُقَابَلَةِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَحُومُونَ حَوْلَ الْعَرْشِ كَالْقَطْرَةِ فِي الْبَحْرِ وَ لَا يَعْرِفُ (3) عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ مَعَ هَؤُلَاءِ مَلَائِكَةُ اللَّوْحِ الَّذِينَ هُمْ أَشْيَاعُ إِسْرَافِيلَ(ع)وَ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ هُمْ جُنُودُ جَبْرَئِيلَ(ع)وَ هُمْ كُلُّهُمْ سَامِعُونَ مُطِيعُونَ لَا يَفْتُرُونَ مُشْتَغِلُونَ بِعِبَادَتِهِ سُبْحَانَهُ رِطَابُ الْأَلْسِنَةِ بِذِكْرِهِ وَ تَعْظِيمِهِ يَتَسَابَقُونَ فِي ذَلِكَ مُنْذُ (4) خَلَقَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ لَا يَسْأَمُونَ لَا تُحْصَى أَجْنَاسُهُمْ وَ لَا مُدَّةُ أَعْمَارِهِمْ وَ لَا كَيْفِيَّةُ عِبَادَاتِهِمْ (5) وَ هَذَا تَحْقِيقُ حَقِيقَةِ مَلَكُوتِهِ جَلَّ جَلَالُهُ عَلَى مَا قَالَ وَ ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ (6)
. 1- الْخِصَالُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِلَالٍ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ لَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الْأَرْضِ مُنْذُ خَلَقَهَا سَبْعَةَ عَالَمِينَ لَيْسَ هُمْ مِنْ وُلْدِ آدَمَ خَلَقَهُمْ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ فَأَسْكَنَهُمْ فِيهَا
____________
(1) في بعض النسخ: السرادق الواحد.
(2) في المصدر: و ما فيها و ما بينها.
(3) في المصدر: و لا يعلم.
(4) في المصدر: مذ.
(5) في المصدر و لا يحصى اجناسهم و لا مدة اعمارهم و لا كيفية عبادتهم إلّا اللّه تعالى.
(6) المدّثّر: 31، مفاتيح الغيب: ج 1،(ص)378.
320
وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ مَعَ عَالَمِهِ ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ آدَمَ أَبَا الْبَشَرِ (1) وَ خَلَقَ ذُرِّيَّتَهُ مِنْهُ وَ لَا وَ اللَّهِ مَا خَلَتِ الْجَنَّةُ مِنْ أَرْوَاحِ الْمُؤْمِنِينَ مُنْذُ خَلَقَهَا وَ لَا خَلَتِ النَّارُ مِنْ أَرْوَاحِ الْكُفَّارِ وَ الْعُصَاةِ مُنْذُ خَلَقَهَا عَزَّ وَ جَلَّ لَعَلَّكُمْ تَرَوْنَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَ صَيَّرَ اللَّهُ أَبْدَانَ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَعَ أَرْوَاحِهِمْ فِي الْجَنَّةِ وَ صَيَّرَ أَبْدَانَ أَهْلِ النَّارِ مَعَ أَرْوَاحِهِمْ فِي النَّارِ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا يُعْبَدُ فِي بِلَادِهِ وَ لَا يَخْلُقُ خَلْقاً يَعْبُدُونَهُ وَ يُوَحِّدُونَهُ بَلَى وَ اللَّهِ لَيَخْلُقَنَّ اللَّهُ خَلْقاً مِنْ غَيْرِ فُحُولَةٍ وَ لَا إِنَاثٍ يَعْبُدُونَهُ وَ يُوَحِّدُونَهُ وَ يُعَظِّمُونَهُ وَ يَخْلُقُ لَهُمْ أَرْضاً تَحْمِلُهُمْ وَ سَمَاءً تُظِلُّهُمْ أَ لَيْسَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ وَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (2)
العياشي، عن محمد مثله.
2- الْخِصَالُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ (3) عَبْدِ الصَّمَدِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا الْعِبَادِيُّ بْنُ عَبْدِ الْخَالِقِ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ عَالَمٍ كُلُّ عَالَمٍ مِنْهُمْ أَكْبَرُ مِنْ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ وَ سَبْعِ أَرَضِينَ مَا يَرَى عَالَمٌ مِنْهُمْ أَنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَالَماً غَيْرَهُمْ وَ إِنِّي الْحُجَّةُ عَلَيْهِمُ (4).
____________
(1) في المصدر: أبا هذا البشر.
(2) الخصال: 11.
(3) في المصدر: «الحسن بن عليّ بن أبي عثمان» و كلاهما واحد، قال النجاشيّ (48) الحسن بن أبي عثمان الملقب «سجادة» أبو محمّد كوفيّ ضعفه أصحابنا (انتهى) و قال الكشّيّ: على السجّادة لعنة اللّه و لعنة اللاعنين و الملائكة و الناس أجمعين فلقد كان من العليانية الذين يقعون في رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ليس لهم في الإسلام نصيب (انتهى) و «سجاده» بكسر السين و سمع ضمها- كما في الاساس- بعدها جيم: مقدار ما يضع الرجل وجهه في سجوده- كما في النهاية- و لعلّ تلقيبه بها لالتزامه بها، عده الشيخ تارة من أصحاب الجواد و اخرى من أصحاب الهادى (عليهما السلام).
(4) الخصال: 172.
321
منتخب البصائر، لسعد بن عبد الله عن الحسن بن عبد الصمد إلى آخر السند- و عن محمد بن سنان عن المفضل عنه(ع)مثله.
3-
التَّوْحِيدُ، وَ الْخِصَالُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ فَقَالَ يَا جَابِرُ تَأْوِيلُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ إِذَا أَفْنَى هَذَا الْخَلْقَ وَ هَذَا الْعَالَمَ وَ سَكَنَ (1) أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَ أَهْلُ النَّارِ النَّارَ جَدَّدَ (2) اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَالَماً غَيْرَ هَذَا الْعَالَمِ وَ جَدَّدَ عَالَماً (3) مِنْ غَيْرِ فُحُولَةٍ وَ لَا إِنَاثٍ يَعْبُدُونَهُ وَ يُوَحِّدُونَهُ وَ يَخْلُقُ (4) لَهُمْ أَرْضاً غَيْرَ هَذِهِ الْأَرْضِ تَحْمِلُهُمْ وَ سَمَاءً غَيْرَ هَذِهِ السَّمَاءِ تُظِلُّهُمْ لَعَلَّكَ تَرَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ إِنَّمَا خَلَقَ هَذَا الْعَالَمَ الْوَاحِدَ أَوْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يَخْلُقْ بَشَراً غَيْرَكُمْ بَلَى وَ اللَّهِ لَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَلْفَ أَلْفِ عَالَمٍ وَ أَلْفَ أَلْفِ آدَمٍ وَ أَنْتَ (5) فِي آخِرِ تِلْكَ الْعَوَالِمِ وَ أُولَئِكَ الْآدَمِيِّينَ (6).
بيان قوله عز و جل أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ المشهور أن هذه الآية لإثبات البعث و هو المراد بالخلق الجديد قال الطبرسي ره أي أ فعجزنا حين خلقناهم أولا و لم يكونوا شيئا فكيف نعجز عن بعثهم و إعادتهم بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ أي في ضلال و شك من إعادة الخلق جديد (7).
و الصوفية حملوه على تجدد الأمثال الذي قالوا به مخالفين لسائر العقلاء و المتدينين و لعل التأويل الوارد في الخبر من بطون الآية و الجمع بينه و بين ما
____________
(1) في الخصال: و اسكن.
(2) في الخصال: أو جد اللّه.
(3) في التوحيد: خلقا.
(4) في بعض النسخ و في الخصال: و خلق.
(5) في المصدرين: انت.
(6) التوحيد: 200، الخصال: 180.
(7) مجمع البيان، ج 9،(ص)144.
322
سبق يمكن بأن يكون الأول محمولا على الأجناس و هذا على أنواع العوالم و على أي حال هذه الأخبار تدل على حدوث العالم لا على قدمه كما توهمه بعض القائلين به إذ الزمان المعدود بالكثرة لا يصير غير متناه.
4-
تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ عَبْدِ الْغَنِيِّ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ ابْنِ جَرِيجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ ثَلَاثَمِائَةِ عَالَمٍ وَ بِضْعَةَ عَشَرَ عَالَماً خَلْفَ قَافٍ وَ خَلْفَ الْبِحَارِ السَّبْعَةِ لَمْ يَعْصُوا اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ قَطُّ وَ لَمْ يَعْرِفُوا آدَمَ وَ لَا وُلْدَهُ كُلُّ عَالَمٍ مِنْهُمْ يَزِيدُ مِنْ (1) ثَلَاثِمِائَةٍ وَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ مِثْلَ آدَمَ وَ مَا وَلَدَ فَذَلِكَ (2) قَوْلُهُ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (3).
5-
قِصَصُ الرَّاوَنْدِيِّ، بِإِسْنَادِهِ إِلَى الصَّدُوقِ عَنْ أَبِيهِ وَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ مَعاً عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْمِقْدَامِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)هَلْ كَانَ فِي الْأَرْضِ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى يَعْبُدُونَ اللَّهَ قَبْلَ آدَمَ وَ ذُرِّيَّتِهِ فَقَالَ نَعَمْ قَدْ كَانَ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يُقَدِّسُونَ اللَّهَ وَ يُسَبِّحُونَهُ وَ يُعَظِّمُونَهُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهَارِ لا يَفْتُرُونَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمَّا خَلَقَ الْأَرَضِينَ خَلَقَهَا قَبْلَ السَّمَاوَاتِ ثُمَّ خَلَقَ الْمَلَائِكَةَ رُوحَانِيِّينَ لَهُمْ أَجْنِحَةٌ يَطِيرُونَ بِهَا حَيْثُ يَشَاءُ اللَّهُ فَأَسْكَنَهُمْ فِيمَا بَيْنَ أَطْبَاقِ السَّمَاوَاتِ يُقَدِّسُونَهُ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ وَ اصْطَفَى مِنْهُمْ إِسْرَافِيلَ وَ مِيكَائِيلَ وَ جَبْرَئِيلَ ثُمَّ خَلَقَ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الْأَرْضِ الْجِنَّ رُوحَانِيِّينَ لَهُمْ أَجْنِحَةٌ فَخَلَقَهُمْ دُونَ خَلْقِ الْمَلَائِكَةِ وَ حَفِظَهُمْ أَنْ يَبْلُغُوا مَبْلَغَ الْمَلَائِكَةِ فِي الطَّيَرَانِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ فَأَسْكَنَهُمْ فِيمَا بَيْنَ أَطْبَاقِ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَ فَوْقَهُنَّ يُقَدِّسُونَ اللَّهَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ثُمَّ خَلَقَ خَلْقاً دُونَهُمْ لَهُمْ أَبْدَانٌ وَ أَرْوَاحٌ بِغَيْرِ أَجْنِحَةٍ يَأْكُلُونَ وَ يَشْرَبُونَ
____________
(1) في المصدر: عن.
(2) في المصدر: و ذلك.
(3) تفسير القمّيّ: 715.
323
نَسْنَاسٌ أَشْبَاهُ خَلْقِهِمْ وَ لَيْسُوا بِإِنْسٍ وَ أَسْكَنَهُمْ أَوْسَاطَ الْأَرْضِ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مَعَ الْجِنِّ يُقَدِّسُونَ اللَّهَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ قَالَ وَ كَانَ الْجِنُّ تَطِيرُ فِي السَّمَاءِ فَتَلْقَى الْمَلَائِكَةَ فِي السَّمَاوَاتِ فَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِمْ وَ يَزُورُونَهُمْ وَ يَسْتَرِيحُونَ إِلَيْهِمْ وَ يَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمُ الْخَبَرَ ثُمَّ إِنَّ طَائِفَةً مِنَ الْجِنِّ وَ النَّسْنَاسِ الَّذِينَ خَلَقَهُمُ اللَّهُ وَ أَسْكَنَهُمْ أَوْسَاطَ الْأَرْضِ مَعَ الْجِنِّ تَمَرَّدُوا وَ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ فَمَرَحُوا وَ بَغَوْا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ عَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْعُتُوِّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى (1) حَتَّى سَفَكُوا الدِّمَاءَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَ أَظْهَرُوا الْفَسَادَ وَ جَحَدُوا رُبُوبِيَّةَ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ وَ أَقَامَتِ الطَّائِفَةُ الْمُطِيعُونَ مِنَ الْجِنِّ عَلَى رِضْوَانِ اللَّهِ وَ طَاعَتِهِ وَ بَايَنُوا الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الْجِنِّ وَ النَّسْنَاسِ الَّذِينَ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ فَحَطَّ اللَّهُ أَجْنِحَةَ الطَّائِفَةِ مِنَ الْجِنِّ الَّذِينَ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ وَ تَمَرَّدُوا فَكَانُوا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الطَّيَرَانِ إِلَى السَّمَاءِ وَ إِلَى مُلَاقَاةِ الْمَلَائِكَةِ لَمَّا ارْتَكَبُوا مِنَ الذُّنُوبِ وَ الْمَعَاصِي قَالَ وَ كَانَتِ الطَّائِفَةُ الْمُطِيعَةُ لِأَمْرِ اللَّهِ مِنَ الْجِنِّ تَطِيرُ إِلَى السَّمَاءِ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ وَ كَانَ إِبْلِيسُ وَ اسْمُهُ الْحَارِثُ يُظْهِرُ لِلْمَلَائِكَةِ أَنَّهُ مِنَ الطَّائِفَةِ الْمُطِيعَةِ ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى خَلْقاً عَلَى خِلَافِ خَلْقِ الْمَلَائِكَةِ وَ عَلَى خِلَافِ خَلْقِ الْجِنِّ وَ عَلَى خِلَافِ خَلْقِ النَّسْنَاسِ يَدِبُّونَ كَمَا يَدِبُّ الْهَوَامُّ فِي الْأَرْضِ يَأْكُلُونَ وَ يَشْرَبُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ مِنْ مَرَاعِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ ذُكْرَانٌ لَيْسَ فِيهِمْ إِنَاثٌ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِمْ شَهْوَةَ النِّسَاءِ وَ لَا حُبَّ الْأَوْلَادِ وَ لَا الْحِرْصَ وَ لَا طُولَ الْأَمَلِ وَ لَا لَذَّةَ عَيْشٍ لَا يُلْبِسُهُمُ اللَّيْلُ وَ لَا يَغْشَاهُمُ النَّهَارُ وَ لَيْسُوا بِبَهَائِمَ وَ لَا هَوَامَّ لِبَاسُهُمْ وَرَقُ الشَّجَرِ وَ شُرْبُهُمْ مِنَ الْعُيُونِ الْغِزَارِ وَ الْأَدْوِيَةِ الْكِبَارِ ثُمَّ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُفَرِّقَهُمْ فِرْقَتَيْنِ فَجَعَلَ فِرْقَةً خَلْفَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ مِنْ وَرَاءِ الْبَحْرِ فَكَوَّنَ لَهُمْ مَدِينَةً أَنْشَأَهَا تُسَمَّى جَابَرْسَا طُولُهَا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ فَرْسَخٍ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ فَرْسَخٍ وَ كَوَّنَ عَلَيْهَا سُوراً مِنْ حَدِيدٍ يَقْطَعُ الْأَرْضَ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ أَسْكَنَهُمْ فِيهَا وَ أَسْكَنَ الْفِرْقَةَ الْأُخْرَى خَلْفَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ مِنْ وَرَاءِ الْبَحْرِ وَ كَوَّنَ لَهُمْ مَدِينَةً أَنْشَأَهَا تُسَمَّى جَابَلْقَا
____________
(1) في المخطوطة: حيث.
324
طُولُهَا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ فَرْسَخٍ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ فَرْسَخٍ وَ كَوَّنَ لَهُمْ سُوراً مِنْ حَدِيدٍ يَقْطَعُ إِلَى السَّمَاءِ فَأَسْكَنَ الْفِرْقَةَ الْأُخْرَى فِيهَا لَا يَعْلَمُ أَهْلُ جَابَرْسَا بِمَوْضِعِ أَهْلِ جَابَلْقَا وَ لَا يَعْلَمُ أَهْلُ جَابَلْقَا بِمَوْضِعِ أَهْلِ جَابَرْسَا وَ لَا يَعْلَمُ بِهِمْ أَهْلُ أَوْسَاطِ الْأَرْضِ مِنَ الْجِنِّ وَ النَّسْنَاسِ فَكَانَتِ الشَّمْسُ تَطْلُعُ عَلَى أَهْلِ أَوْسَاطِ الْأَرَضِينَ مِنَ الْجِنِّ وَ النَّسْنَاسِ فَيَنْتَفِعُونَ بِحَرِّهَا وَ يَسْتَضِيئُونَ بِنُورِهَا ثُمَّ تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ فَلَا يَعْلَمُ بِهَا أَهْلُ جَابَلْقَا إِذَا غَرَبَتْ وَ لَا يَعْلَمُ بِهَا أَهْلُ جَابَرْسَا إِذَا طَلَعَتْ لِأَنَّهَا تَطْلُعُ مِنْ دُونِ جَابَرْسَا وَ تَغْرُبُ مِنْ دُونِ جَابَلْقَا فَقِيلَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ يُبْصِرُونَ وَ يَحْيَوْنَ وَ كَيْفَ يَأْكُلُونَ وَ يَشْرَبُونَ وَ لَيْسَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ إِنَّهُمْ يَسْتَضِيئُونَ بِنُورِ اللَّهِ فَهُمْ فِي أَشَدِّ ضَوْءٍ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ وَ لَا يَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ شَمْساً وَ لَا قَمَراً وَ لَا نُجُوماً وَ لَا كَوَاكِبَ وَ لَا يَعْرِفُونَ شَيْئاً غَيْرَهُ فَقِيلَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَيْنَ إِبْلِيسُ عَنْهُمْ قَالَ لَا يَعْرِفُونَ إِبْلِيسَ وَ لَا سَمِعُوا بِذِكْرِهِ لَا يَعْرِفُونَ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَمْ يَكْتَسِبْ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَطُّ خَطِيئَةً وَ لَمْ يَقْتَرِفْ إِثْماً لَا يَسْقُمُونَ وَ لَا يَهْرَمُونَ وَ لَا يَمُوتُونَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَعْبُدُونَ اللَّهَ لا يَفْتُرُونَ اللَّيْلُ وَ النَّهَارُ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ وَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ أَحَبَّ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقاً وَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا مَضَى لِلْجِنِّ وَ النَّسْنَاسِ سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ فَلَمَّا كَانَ مِنْ خَلْقِ (1) اللَّهِ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ لِلَّذِي أَرَادَ مِنَ التَّدْبِيرِ وَ التَّقْدِيرِ فِيمَا هُوَ مُكَوِّنُهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ كَشَطَ عَنْ أَطْبَاقِ السَّمَاوَاتِ ثُمَّ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ انْظُرُوا إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ خَلْقِي مِنَ الْجِنِّ وَ النَّسْنَاسِ هَلْ تَرْضَوْنَ أَعْمَالَهُمْ وَ طَاعَتَهُمْ لِي فَاطَّلَعَتْ (2) وَ رَأَوْا مَا يَعْمَلُونَ فِيهَا مِنَ الْمَعَاصِي وَ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أَعْظَمُوا ذَلِكَ وَ غَضِبُوا لِلَّهِ وَ أَسِفُوا عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَ لَمْ يَمْلِكُوا غَضَبَهُمْ وَ قَالُوا يَا رَبَّنَا أَنْتَ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْقَاهِرُ الْعَظِيمُ الشَّأْنِ وَ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ خَلْقُكَ الضَّعِيفُ الذَّلِيلُ فِي أَرْضِكَ كُلُّهُمْ يَتَقَلَّبُونَ فِي قَبْضَتِكَ وَ يَعِيشُونَ بِرِزْقِكَ وَ يَتَمَتَّعُونَ بِعَافِيَتِكَ وَ هُمْ يَعْصُونَكَ
____________
(1) شأن (خ).
(2) في المخطوطة: فلما اطلعوا.
325
بِمِثْلِ هَذِهِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ لَا تَغْضَبُ وَ لَا تَنْتَقِمُ مِنْهُمْ لِنَفْسِكَ بِمَا تَسْمَعُ مِنْهُمْ وَ تَرَى وَ قَدْ عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْنَا وَ أَكْبَرْنَاهُ فِيكَ قَالَ فَلَمَّا سَمِعَ اللَّهُ تَعَالَى مَقَالَةَ الْمَلَائِكَةِ قَالَ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فَيَكُونُ حُجَّتِي عَلَى خَلْقِي فِي أَرْضِي فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ سُبْحَانَكَ رَبَّنَا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا مَلَائِكَتِي إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ إِنِّي أَخْلُقُ خَلْقاً بِيَدِي وَ أَجْعَلُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَنْبِيَاءَ وَ مُرْسَلِينَ وَ عِبَاداً صَالِحِينَ وَ أَئِمَّةً مُهْتَدِينَ وَ أَجْعَلُهُمْ خُلَفَائِي عَلَى خَلْقِي فِي أَرْضِي يَنْهَوْنَهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِي وَ يُنْذِرُونَهُمْ مِنْ عَذَابِي وَ يَهْدُونَهُمْ إِلَى طَاعَتِي وَ يَسْلُكُونَ بِهِمْ طَرِيقَ سَبِيلِي أَجْعَلُهُمْ حُجَّةً لِي عُذْراً أَوْ نُذْراً وَ أَنْفِي الشَّيَاطِينَ مِنْ أَرْضِي وَ أُطَهِّرُهَا مِنْهُمْ فَأُسْكِنُهُمْ فِي الْهَوَاءِ وَ أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَ فِي الْفَيَافِي فَلَا يَرَاهُمْ خَلْقِي (1) وَ لَا يَرَوْنَ شَخْصَهُمْ وَ لَا يُجَالِسُونَهُمْ وَ لَا يُخَالِطُونَهُمْ وَ لَا يُؤَاكِلُونَهُمْ وَ لَا يُشَارِبُونَهُمْ وَ أُنَفِّرُ مَرَدَةَ الْجِنِّ الْعُصَاةِ مِنْ نَسْلِ بَرِيَّتِي وَ خَلْقِي وَ خِيَرَتِي فَلَا يُجَاوِرُونَ خَلْقِي وَ أَجْعَلُ بَيْنَ خَلْقِي وَ بَيْنَ الْجَانِّ حِجَاباً فَلَا يَرَى خَلْقِي (2) شَخْصَ الْجِنِّ وَ لَا يُجَالِسُونَهُمْ وَ لَا يُشَارِبُونَهُمْ وَ لَا يَتَهَجَّمُونَ تَهَجُّمَهُمْ وَ مَنْ عَصَانِي مِنْ نَسْلِ خَلْقِيَ الَّذِي عَظَّمْتُهُ وَ اصْطَفَيْتُهُ لِغَيْبِي أُسْكِنُهُمْ مَسَاكِنَ الْعُصَاةِ وَ أُورِدُهُمْ مَوْرِدَهُمْ وَ لَا أُبَالِي فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ فَقَالَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ قَالَ وَ كَانَ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَقْدِمَةً لِلْمَلَائِكَةِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُ احْتِجَاجاً مِنْهُ عَلَيْهِمْ وَ مَا كَانَ اللَّهُ لِيُغَيِّرَ مَا بِقَوْمٍ إِلَّا بَعْدَ الْحُجَّةِ عُذْراً أَوْ نُذْراً فَأَمَرَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مَلَكاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَاغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَمِينِهِ فَصَلْصَلَهَا فِي كَفِّهِ فَجَمَدَتْ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْكَ أَخْلُقُ.
إيضاح أشباه خلقهم أي بالإنس أو بعضهم ببعض أو بالإضافة أي أشباه خلق الجن فمرحوا بالحاء المهملة يقال مرح كفرح أي أشر و بطر
____________
(1) في المخطوطة: نسل خلقى.
(2) في المخطوطة: نسل خلقى.
326
و اختال و نشط تبخترا (1) أو بالجيم و المرج بالتحريك الفساد و القلق و الاختلاط و الاضطراب و الفعل كفرح أيضا لا يلبسهم الليل لعل المعنى أنهم لم يكونوا يحتاجون في الليل إلى ستر و في النهار إلى غشاء و ستر أو أنهم لما لم تطلع عليهم الشمس لا ليل عندهم و لا نهار (2) و يظهر من هذا الخبر أن جابلقا و جابرسا خارجان من هذا العالم خلق السماء الرابعة بل السابعة على المشهور و أهلهما صنف من الملائكة أو شبيه بهم و اختصر الراوندي الخبر و تمامه مر بسند آخر في المجلد الخامس.
6-
الْبَصَائِرُ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ (3) عَنْ رِجَالِهِ عَنْ أَبِي
____________
(1) في أكثر النسخ: و تبختر.
(2) بل الثاني متعين.
(3) هو محمّد بن زياد بن عيسى أبو أحمد الأزديّ من موالى المهلب بن أبي صفرة، و قيل مولى بني أميّة و الأول أصح، بغداديّ الأصل و المقام، كان أوثق الناس عند الخاصّة و العامّة و أنسكهم نسكا و أورعهم و اعبدهم، و كان من أصحاب الإجماع، جليل القدر، عظيم الشأن.
قال الفضل بن شاذان: دخلت العراق فرأيت أحدا يعاتب صاحبه و يقول له: أنت رجل عليك عيال و تحتاج ان تكسب عليهم؟ و ما آمن أن تذهب عيناك لطول سجودك، فلما أكثر عليه قال:
اكثرت على، ويحك لو ذهبت عين أحد من السجود لذهبت عين ابن أبي عمير، ما ظنك برجل يسجد سجدة الشكر بعد صلاة الفجر فما يرفع رأسه الا عند زوال الشمس! كان متمولا ربّ خمسمائة الف درهم، روى الكشّيّ انه ضرب مائة و عشرين خشبة امام هارون، و تولى ضربه السندى بن شاهك على التشيع، و حبس فأدى مائة و أحد و عشرين الف درهم حتّى خلى عنه. و أيضا اخذه المامون و حبسه، و أصابه من الجهد و الضيق امر عظيم و أخذ المأمون كل شيء كان له و ذلك بعد موت الرضا (عليه السلام) قيل انه كان في الحبس أربع سنين، و روى المفيد (ره) في الاختصاص انه حبس سبع عشر سنين، و في حال استتاره و كونه في الحبس دفنت أخته كتبه فهلكت الكتب، و قيل: تركها في غرفة فسال عليها المطر فحدث من حفظه و ممّا كان سلف له في ايدى الناس، فلهذا تسكن الاصحاب الى مراسيله، قال المحقق الداماد في الرواشح السماوية (ص: 67) مراسيل محمّد بن أبي عمير تعد في حكم المسانيد، إلى أن قال: كان يروى ما يرويه باسانيد صحيحة، فلما ذهبت كتبه ارسل رواياته التي كانت هي من المضبوط المعلوم المسند عنده بسند صحيح، فمراسيله في الحقيقة مسانيد معلومة الاتصال (انتهى) قال النجاشيّ (ص: 250) لقى أبا الحسن موسى (عليه السلام) و سمع منه أحاديث- إلى أن قال- و روى عن الرضا (عليه السلام) (انتهى) و قيل انه ادرك أبا الحسن موسى (عليه السلام) و لم يرو عنه و روى عن الرضا و الجواد (عليهما السلام) و استظهر في «جامع الرواة» انه ادرك أربعة من الأئمّة: الصادق: و الكاظم و الرضا و الجواد (عليهم السلام) و أيده بتأييدات يطول ذكرها.
327
عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ مَدِينَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا بِالْمَشْرِقِ وَ الْأُخْرَى بِالْمَغْرِبِ عَلَيْهِمَا سُورَانِ مِنْ حَدِيدٍ وَ عَلَى كُلِّ مَدِينَةٍ أَلْفُ أَلْفِ مِصْرَاعٍ مِنْ ذَهَبٍ وَ فِيهَا سَبْعِينَ (1) أَلْفَ أَلْفِ لُغَةٍ يَتَكَلَّمُ كُلٌّ لُغَةً بِخِلَافِ لُغَةِ صَاحِبِهِ وَ أَنَا أَعْرِفُ جَمِيعَ اللُّغَاتِ وَ مَا فِيهِمَا وَ مَا بَيْنَهُمَا وَ مَا عَلَيْهِمَا حُجَّةٌ غَيْرِي وَ الْحُسَيْنِ أَخِي (2).
و منه عن أحمد بن الحسين عن أبيه بهذا الإسناد مثله.
7- وَ مِنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قَالَ فَكُنْتُ مُطْرِقاً إِلَى الْأَرْضِ فَرَفَعَ يَدَهُ إِلَى فَوْقٍ ثُمَّ قَالَ لِيَ ارْفَعْ رَأْسَكَ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَنَظَرْتُ إِلَى السَّقْفِ قَدِ انْفَجَرَ حَتَّى خَلَصَ بَصَرِي إِلَى نُورٍ سَاطِعٍ حَارَ بَصَرِي دُونَهُ قَالَ ثُمَّ قَالَ لِي رَأَى إِبْرَاهِيمُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ هَكَذَا قَالَ لِي أَطْرِقْ فَأَطْرَقْتُ ثُمَّ قَالَ لِيَ ارْفَعْ رَأْسَكَ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا السَّقْفُ عَلَى حَالِهِ قَالَ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي وَ قَامَ وَ أَخْرَجَنِي مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ وَ أَدْخَلَنِي بَيْتاً آخَرَ فَخَلَعَ ثِيَابَهُ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ وَ لَبِسَ ثِيَاباً غَيْرَهَا ثُمَّ قَالَ لِي غُضَّ بَصَرَكَ فَغَضَضْتُ بَصَرِي وَ قَالَ لِي لَا تَفْتَحْ عَيْنَكَ فَلَبِثْتُ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ لِي أَ تَدْرِي أَيْنَ أَنْتَ قُلْتُ لَا جُعِلْتُ فِدَاكَ فَقَالَ لِي فِي الظُّلْمَةِ الَّتِي سَلَكَهَا ذُو الْقَرْنَيْنِ فَقُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَ تَأْذَنُ لِي أَنْ أَفْتَحَ عَيْنِي فَقَالَ لِيَ افْتَحْ فَإِنَّكَ لَا تَرَى شَيْئاً فَفَتَحْتُ عَيْنِي فَإِذَا أَنَا فِي ظُلْمَةٍ لَا أُبْصِرُ فِيهَا مَوْضِعَ قَدَمِي ثُمَّ سَارَ قَلِيلًا وَ وَقَفَ فَقَالَ لِي هَلْ تَدْرِي أَيْنَ أَنْتَ قُلْتُ لَا قَالَ أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَى عَيْنِ الْحَيَاةِ الَّتِي شَرِبَ مِنْهَا الْخَضِرُ وَ خَرَجْنَا مِنْ ذَلِكَ الْعَالَمِ إِلَى عَالَمٍ آخَرَ فَسَلَكْنَا فِيهِ فَرَأَيْنَا كَهَيْئَةِ عَالَمِنَا فِي بِنَائِهِ وَ مَسَاكِنِهِ وَ أَهْلِهِ ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى عَالَمٍ ثَالِثٍ كَهَيْئَةِ الْأَوَّلِ
____________
(1) سبعون (ط).
(2) رواه في الكافي (ج 1،(ص)462) عن أحمد بن محمّد و محمّد بن يحيى، عن محمّد الحسين، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير عن رجاله.
328
وَ الثَّانِي حَتَّى وَرَدْنَا خَمْسَةَ عَوَالِمَ قَالَ ثُمَّ قَالَ هَذِهِ مَلَكُوتُ الْأَرْضِ وَ لَمْ يَرَهَا إِبْرَاهِيمُ وَ إِنَّمَا رَأَى مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَ هِيَ اثْنَا عَشَرَ عَالَماً كُلُّ عَالَمٍ كَهَيْئَةِ مَا رَأَيْتَ كُلَّمَا مَضَى مِنَّا إِمَامٌ سَكَنَ أَحَدَ هَذِهِ الْعَوَالِمَ حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمُ الْقَائِمَ فِي عَالَمِنَا الَّذِي نَحْنُ سَاكِنُوهُ قَالَ ثُمَّ قَالَ لِي غُضَّ بَصَرَكَ فَغَضَضْتُ بَصَرِي ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَإِذَا نَحْنُ فِي الْبَيْتِ الَّذِي خَرَجْنَا مِنْهُ فَنَزَعَ تِلْكَ الثِّيَابَ وَ لَبِسَ الثِّيَابَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ وَ عُدْنَا إِلَى مَجْلِسِنَا فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ كَمْ مَضَى مِنَ النَّهَارِ قَالَ ثَلَاثُ سَاعَاتٍ.
بيان و لم يرها إبراهيم أي كلها أو في وقت الاحتجاج على قومه و رآها بعدا و كأن في قراءتهم(ع)و الأرض بالنصب.
8-
الْبَصَائِرُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ الْكُوفِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَرَكَضَ بِرِجْلِهِ الْأَرْضَ فَإِذَا بَحْرٌ فِيهِ سُفُنٌ مِنْ فِضَّةٍ فَرَكِبَ وَ رَكِبْتُ مَعَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَوْضِعٍ فِيهِ خِيَامٌ مِنْ فِضَّةٍ فَدَخَلَهَا ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ رَأَيْتَ الْخَيْمَةَ الَّتِي دَخَلْتُهَا أَوَّلًا فَقُلْتُ نَعَمْ قَالَ تِلْكَ خَيْمَةُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ الْأُخْرَى خَيْمَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ الثَّالِثَةُ خَيْمَةُ فَاطِمَةَ وَ الرَّابِعَةُ خَيْمَةُ خَدِيجَةَ (1) وَ الْخَامِسَةُ خَيْمَةُ الْحَسَنِ وَ السَّادِسَةُ خَيْمَةُ الْحُسَيْنِ وَ السَّابِعَةُ خَيْمَةُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَ الثَّامِنَةُ خَيْمَةُ أَبِي وَ التَّاسِعَةُ خَيْمَتِي وَ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَّا يَمُوتُ إِلَّا وَ لَهُ خَيْمَةٌ يَسْكُنُ فِيهَا.
9-
وَ مِنْهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَجَّالِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ اللُّؤْلُؤِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ سَدِيرٍ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)يَا أَبَا الْفَضْلِ إِنِّي لَأَعْرِفُ رَجُلًا مِنَ الْمَدِينَةِ أُخِذَ قَبْلَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ وَ قَبْلَ غُرُوبِهَا إِلَى الْفِئَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ لِمُشَاجَرَةٍ كَانَتْ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ.
10-
وَ مِنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ
____________
(1) خديجة (خ).
329
عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنَا مُنَجِّمٌ قَالَ فَأَنْتَ عَرَّافٌ قَالَ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى رَجُلٍ قَدِمَ مُذْ دَخَلْتَ عَلَيْنَا فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ عَالَماً كُلُّ عَالَمٍ أَكْبَرُ مِنَ الدُّنْيَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ يَتَحَرَّكْ مِنْ مَكَانِهِ قَالَ مَنْ هُوَ قَالَ أَنَا وَ إِنْ شِئْتَ أَنْبَأْتُكَ بِمَا أَكَلْتَ وَ ادَّخَرْتَ فِي بَيْتِكَ.
11-
وَ مِنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ بَعْضِ رِجَالِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ بَلْدَةً خَلْفَ الْمَغْرِبِ يُقَالُ لَهَا جَابَلْقَا وَ فِي جَابَلْقَا سَبْعُونَ أَلْفَ أُمَّةٍ لَيْسَ مِنْهَا أُمَّةٌ إِلَّا مِثْلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَمَا عَصَوُا اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَمَا يَعْمَلُونَ عَمَلًا وَ لَا يَقُولُونَ قَوْلًا إِلَّا الدُّعَاءَ عَلَى الْأَوَّلَيْنِ (1) وَ الْبَرَاءَةَ مِنْهُمَا وَ الْوَلَايَةَ لِأَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ص.
12-
وَ مِنْهُ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْجَرِيرِيِّ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْأَرْمَنِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجَارُودِ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ مِنْ وَرَاءِ أَرْضِكُمْ هَذِهِ أَرْضاً بَيْضَاءَ ضَوْؤُهَا مِنْهَا فِيهَا خَلْقٌ يَعْبُدُونَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئاً يَتَبَرَّءُونَ مِنْ فُلَانٍ وَ فُلَانٍ.
13-
وَ مِنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى الْخَشَّابِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ مِنْ وَرَاءِ عَيْنِ شَمْسِكُمْ هَذِهِ أَرْبَعِينَ عَيْنَ شَمْسٍ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ وَ إِنَّ مِنْ وَرَاءِ قَمَرِكُمْ أَرْبَعِينَ قَمَراً فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ لَا يَدْرُونَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ أَمْ لَمْ يَخْلُقْهُ أُلْهِمُوا إِلْهَاماً لَعْنَةَ فُلَانٍ وَ فُلَانٍ.
14-
وَ مِنْهُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمَاعَةَ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ سَمَاعَةَ يَرْفَعُهُ إِلَى الْحَسَنِ وَ أَبِي الْجَارُودِ وَ ذَكَرَاهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)إِنَّ لِلَّهِ مَدِينَةً فِي الْمَشْرِقِ وَ مَدِينَةً فِي الْمَغْرِبِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ سُورٌ مِنْ حَدِيدٍ فِي كُلِّ سُورٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مِصْرَاعٍ يَدْخُلُ
____________
(1) يعني الجبت و الطاغوت.
330
مِنْ كُلِّ مِصْرَاعٍ سَبْعُونَ أَلْفَ لُغَةِ آدَمِيٍّ لَيْسَ مِنْهَا لُغَةٌ إِلَّا مُخَالِفُ الْأُخْرَى وَ مَا مِنْهَا لُغَةٌ إِلَّا وَ قَدْ عَلِمْنَاهَا وَ مَا فِيهِمَا وَ مَا بَيْنَهُمَا ابْنُ نَبِيٍّ غَيْرِي وَ غَيْرُ أَخِي وَ أَنَا الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ.
15-
وَ مِنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الزَّيَّاتِ (1) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدِّهْقَانِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّ لِلَّهِ خَلْفَ هَذَا النِّطَاقِ زَبَرْجَدَةً خَضْرَاءَ فَمِنْ خُضْرَتِهَا اخْضَرَّتِ السَّمَاءُ قَالَ قُلْتُ وَ مَا النِّطَاقُ قَالَ الْحِجَابُ وَ لِلَّهِ وَرَاءَ ذَلِكَ سَبْعُونَ أَلْفَ عَالَمٍ أَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ وَ كُلُّهُمْ يَلْعَنُ فُلَاناً وَ فُلَاناً.
بيان لعل المراد بالنطاق الجبال المحسوسة لنا و بالزبرجدة جبل قاف أو المراد بالنطاق ذلك الجبل و الزبرجدة خلفه و يحتمل على بعد السماء قال في
- النهاية في حديث العباس يمدح النبي ص.
حتى احتوى بيتك المهيمن من. خندف علياء تحتها النطق.
النطق جمع نطاق و هي أعراض من جبال بعضها فوق بعض أي نواح و أوساط منها شبهت بالنطق التي تشد بها أوساط الناس (2) انتهى و في بعض الكتب النطاف بالفاء جمع نطفة و هي الماء الصافي أي خلف البحار فتفسيرها بالحجاب لأنها موانع من الوصول إلى ما وراءها لكنه بعيد.
أقول أوردنا أخبارا كثيرة من هذا الباب في كتاب الحجة في باب أنهم الحجة على جميع العوالم.
16-
جَامِعُ الْأَخْبَارِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ مُوسَى سَأَلَ رَبَّهُ عَزَّ وَ جَلَ
____________
(1) الظاهر أنّه مصحف «على بن الريان» كما روى في الكافي (ج 2،(ص)494) عن أحمد بن الحسين عن عليّ بن الريان عن عبيد اللّه بن عبد اللّه الدهقان، و هو عليّ بن الريان بن الصلت الأشعريّ القمّيّ الثقة، عده الشيخ- ره- من أصحاب الهادى (عليه السلام) و وكلائه، و ذكر في الفهرست ان له مع اخيه «محمد» كتابا مشتركا بينهما.
(2) النهاية، ج 4،(ص)154.
331
أَنْ يُعَرِّفَهُ بَدْءَ الدُّنْيَا مُنْذُ كَمْ خُلِقَتْ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى تَسْأَلُنِي عَنْ غَوَامِضِ عِلْمِي فَقَالَ يَا رَبِّ أُحِبُّ أَنْ أَعْلَمَ ذَلِكَ فَقَالَ يَا مُوسَى خَلَقْتُ الدُّنْيَا مُنْذُ مِائَةِ أَلْفِ أَلْفِ عَامٍ عَشْرَ مَرَّاتٍ وَ كَانَتْ خَرَاباً خَمْسِينَ أَلْفَ عَامٍ ثُمَّ بَدَأْتُ فِي عِمَارَتِهَا فَعَمَرْتُهَا خَمْسِينَ أَلْفَ عَامٍ ثُمَّ خَلَقْتُ فِيهَا خَلْقاً عَلَى مِثَالِ الْبَقَرِ يَأْكُلُونَ رِزْقِي وَ يَعْبُدُونَ غَيْرِي خَمْسِينَ أَلْفَ عَامٍ ثُمَّ أَمَتُّهُمْ كُلَّهُمْ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ خَرَّبْتُ الدُّنْيَا خَمْسِينَ أَلْفَ عَامٍ ثُمَّ بَدَأْتُ فِي عِمَارَتِهَا فَمَكَثَتْ عَامِرَةً خَمْسِينَ أَلْفَ عَامٍ ثُمَّ خَلَقْتُ فِيهَا بَحْراً فَمَكَثَ الْبَحْرُ خَمْسِينَ أَلْفَ عَامٍ لَا شَيْءٌ مَجَّاجاً مِنَ الدُّنْيَا يَشْرَبُ ثُمَّ خَلَقْتُ دَابَّةً وَ سَلَّطْتُهَا عَلَى ذَلِكَ الْبَحْرِ فَشَرِبَتْهُ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ ثُمَّ خَلَقْتُ خَلْقاً أَصْغَرَ مِنَ الزُّنْبُورِ وَ أَكْبَرَ مِنَ الْبَقِّ فَسَلَّطْتُ ذَلِكَ الْخَلْقَ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ فَلَدَغَهَا وَ قَتَلَهَا فَمَكَثَتِ الدُّنْيَا خَرَاباً خَمْسِينَ أَلْفَ عاما [عَامٍ ثُمَّ بَدَأْتُ فِي عِمَارَتِهَا فَمَكَثَتْ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ثُمَّ جَعَلْتُ الدُّنْيَا كُلَّهَا آجَامَ الْقَصَبِ وَ خَلَقْتُ السَّلَاحِفَ وَ سَلَّطْتُهَا عَلَيْهَا فَأَكَلَتْهَا حَتَّى لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ ثُمَّ أَهْلَكْتُهَا فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ فَمَكَثَتِ الدُّنْيَا خَرَاباً خَمْسِينَ أَلْفَ عَامٍ ثُمَّ بَدَأْتُ فِي عِمَارَتِهَا فَمَكَثَتْ عَامِرَةً خَمْسِينَ أَلْفَ عَامٍ ثُمَّ خَلَقْتُ ثَلَاثِينَ آدم آدَماً ثَلَاثِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِنْ آدَمٍ إِلَى آدَمٍ أَلْفُ سَنَةٍ فَأَفْنَيْتُهُمْ كُلَّهُمْ بِقَضَائِي وَ قَدَرِي ثُمَّ خَلَقْتُ فِيهَا خَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفِ مَدِينَةٍ مِنَ الْفِضَّةِ الْبَيْضَاءِ وَ خَلَقْتُ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفِ قَصْرٍ مِنَ الذَّهَبِ الْأَحْمَرِ فَمَلَأْتُ الْمُدُنَ خَرْدَلًا عِنْدَ الْهَوَاءِ يَوْمَئِذٍ أَلَذَّ مِنَ الشَّهْدِ وَ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَ أَبْيَضَ مِنَ الثَّلْجِ ثُمَّ خَلَقْتُ طَيْراً وَاحِداً أَعْمَى وَ جَعَلْتُ طَعَامَهُ فِي كُلِّ أَلْفِ سَنَةٍ حَبَّةً مِنَ الْخَرْدَلِ أَكَلَهَا حَتَّى فَنِيَتْ ثُمَّ خَرَّبْتُهَا فَمَكَثَتْ خَرَاباً خَمْسِينَ أَلْفَ عَامٍ ثُمَّ بَدَأْتُ فِي عِمَارَتِهَا فَمَكَثَتْ عَامِرَةً خَمْسِينَ أَلْفَ عَامٍ ثُمَّ خَلَقْتُ أَبَاكَ آدَمَ(ع)بِيَدِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقْتَ الظُّهْرِ وَ لَمْ أَخْلُقْ مِنَ الطِّينِ غَيْرَهُ وَ أَخْرَجْتُ مِنْ صُلْبِهِ النَّبِيَّ مُحَمَّداً (1).
بيان هذه من روايات المخالفين أوردها صاحب الجامع فأوردتها و لم أعتمد عليها.
____________
(1) هذه الرواية أشبه بالقصص التخيلية، و الاعراض عن الشرح و التوجيه لها أولى: على أنها مرسلة لا تعويل عليها.
332
17- كِتَابُ مُنْتَخَبِ الْبَصَائِرِ، وَ كِتَابُ الْمُحْتَضَرِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وَ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْيَقْطِينِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ (1) عَنْ فَضَالَةَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ بُرَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ مِيرَاثِ الْعِلْمِ مَا مَبْلَغُهُ أَ جَوَامِعُ مَا هُوَ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ أَمْ تَفْسِيرُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي نَتَكَلَّمُ فِيهَا فَقَالَ إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَدِينَتَيْنِ مَدِينَةً بِالْمَشْرِقِ وَ مَدِينَةً بِالْمَغْرِبِ فِيهِمَا قَوْمٌ لَا يَعْرِفُونَ إِبْلِيسَ وَ لَا يَعْلَمُونَ بِخَلْقِ إِبْلِيسَ نَلْقَاهُمْ فِي كُلِّ حِينٍ فَيَسْأَلُونَّا عَمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ وَ يَسْأَلُونَّا عَنِ الدُّعَاءِ فَنُعَلِّمُهُمْ وَ يَسْأَلُونَّا عَنْ قَائِمِنَا مَتَى يَظْهَرُ وَ فِيهِمْ عِبَادَةٌ وَ اجْتِهَادٌ شَدِيدٌ وَ لِمَدِينَتِهِمْ أَبْوَابٌ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعِ إِلَى الْمِصْرَاعِ مِائَةُ فَرْسَخٍ لَهُمْ تَقْدِيسٌ وَ تَمْجِيدٌ وَ دُعَاءٌ وَ اجْتِهَادٌ شَدِيدٌ لَوْ رَأَيْتُمُوهُمْ لَاحْتَقَرْتُمْ عَمَلَكُمْ يُصَلِّي الرَّجُلُ مِنْهُمْ شَهْراً لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ سَجْدَتِهِ طَعَامُهُمُ التَّسْبِيحُ وَ لِبَاسُهُمُ الْوَرَقُ وَ وُجُوهُهُمْ مُشْرِقَةٌ بِالنُّورِ إِذَا رَأَوْا مِنَّا وَاحِداً لَحَسُوهُ وَ اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ وَ أَخَذُوا مِنْ أَثَرِهِ مِنَ الْأَرْضِ يَتَبَرَّكُونَ بِهِ لَهُمْ دَوِيٌّ إِذَا صَلَّوْا كَأَشَدَّ مِنْ دَوِيِّ الرِّيحِ الْعَاصِفِ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ لَمْ يَضَعُوا السِّلَاحَ مُنْذُ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ قَائِمَنَا يَدْعُونَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يُرِيَهُمْ إِيَّاهُ وَ عُمُرُ أَحَدِهِمْ أَلْفُ سَنَةٍ إِذَا رَأَيْتَهُمْ رَأَيْتَ الْخُشُوعَ وَ الِاسْتِكَانَةَ وَ طَلَبَ مَا يُقَرِّبُهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ إِذَا احْتَبَسْنَا عَنْهُمْ ظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ سَخَطٍ يَتَعَاهَدُونَ أَوْقَاتَنَا الَّتِي نَأْتِيهِمْ
____________
(1) الحسين بن سعيد بن حماد بن مهران مولى عليّ بن الحسين (عليهما السلام)- أبو محمّد الأهوازى الثقة، روى عن الرضا و الجواد و الهادى (عليهم السلام) اصله كوفيّ و انتقل مع أخيه الحسن الى الأهواز ثمّ تحول الى قم فنزل على الحسن بن ابان و توفى بها، و عن النجاشيّ انه قال، قال لي أبو الحسن البغداديّ السورائى البزاز، قال لنا الحسين بن يزيد السورائى، كل شيء تراه «الحسين بن سعيد عن فضالة» فهو غلط، انما هو «الحسين عن اخيه الحسن عن فضالة» لان الحسين لم يلق فضالة و ان أخاه الحسن تفرد بفضالة دون الحسين- انتهى- لكن ذكر في جامع الرواة (ج 2،(ص)3) موارد كثيرة من التهذيبين و الفقيه تربو على عشرين موردا فيها رواية الحسين بن سعيد عن فضالة، ثمّ قال: و مع هذه الكثرة بعيد غاية البعد حمل روايته عن فضالة على الغلط: و قال في تنقيح المقال بعد نقل كلام الأردبيليّ: و هو كلام موجه متين، ثمّ ذكران الشيخ الطوسيّ- ره- ممن تحقّق عنده خطأ السورائى. و اللّه العالم.
333
فِيهَا لا يَسْأَمُونَ وَ لا يَفْتُرُونَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ كَمَا عَلَّمْنَاهُمْ وَ إِنَّ فِيمَا نُعَلِّمُهُمْ مَا لَوْ تُلِيَ عَلَى النَّاسِ لَكَفَرُوا بِهِ وَ لَأَنْكَرُوهُ يَسْأَلُونَّا عَنِ الشَّيْءِ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ لَا يَعْرِفُونَهُ فَإِذَا أَخْبَرْنَاهُمْ بِهِ انْشَرَحَتْ صُدُورُهُمْ لِمَا يَسْتَمِعُونَ مِنَّا وَ سَأَلُوا لَنَا طُولَ الْبَقَاءِ وَ أَنْ لَا يَفْقِدُونَا وَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْمِنَّةَ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِيمَا نُعَلِّمُهُمْ عَظِيمَةٌ وَ لَهُمْ خَرْجَةٌ مَعَ الْإِمَامِ إِذَا قَامَ يَسْبِقُونَ فِيهَا أَصْحَابَ السِّلَاحِ وَ يَدْعُونَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَجْعَلَهُمْ مِمَّنْ يَنْتَصِرُ بِهِمْ لِدِينِهِ فِيهِمْ كُهُولٌ وَ شُبَّانٌ إِذَا رَأَى شَابٌّ مِنْهُمُ الْكَهْلَ جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ جِلْسَةَ الْعَبْدِ لَا يَقُومُ حَتَّى يَأْمُرَهُ لَهُمْ طَرِيقٌ هُمْ أَعْلَمُ بِهِ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى حَيْثُ يُرِيدُ الْإِمَامُ(ع)فَإِذَا أَمَرَهُمُ الْإِمَامُ بِأَمْرٍ قَامُوا عَلَيْهِ أَبَداً حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَأْمُرُهُمْ بِغَيْرِهِ لَوْ أَنَّهُمْ وَرَدُوا عَلَى مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ مِنَ الْخَلْقِ لَأَفْنَوْهُمْ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَخْتَلُّ فِيهِمُ الْحَدِيدُ لَهُمْ سُيُوفٌ مِنْ حَدِيدٍ غَيْرِ هَذَا الْحَدِيدِ لَوْ ضَرَبَ أَحَدُهُمْ بِسَيْفِهِ جَبَلًا لَقَدَّهُ حَتَّى يَفْصِلَهُ وَ يَغْزُو بِهِمُ الْإِمَامُ(ع)الْهِنْدَ وَ الدَّيْلَمَ وَ الْكُرْدَ وَ الرُّومَ وَ بَرْبَرَ وَ فَارِسَ وَ بَيْنَ جَابَرْسَا إِلَى جَابَلْقَا وَ هُمَا مَدِينَتَانِ وَاحِدَةٌ بِالْمَشْرِقِ وَ وَاحِدَةٌ بِالْمَغْرِبِ لَا يَأْتُونَ عَلَى أَهْلِ دِينٍ إِلَّا دَعَوْهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَ الْإِقْرَارِ بِمُحَمَّدٍ(ص)وَ التَّوْحِيدِ وَ وَلَايَتِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَمَنْ أَجَابَ مِنْهُمْ وَ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ تَرَكُوهُ وَ أَمَّرُوا عَلَيْهِ أَمِيراً مِنْهُمْ وَ مَنْ لَمْ يُجِبْ وَ لَمْ يُقِرَّ بِمُحَمَّدٍ(ص)وَ لَمْ يُقِرَّ بِالْإِسْلَامِ وَ لَمْ يُسْلِمْ قَتَلُوهُ حَتَّى لَا يَبْقَى بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ مَا دُونَ الْجَبَلِ أَحَدٌ إِلَّا آمَنَ.
18- الْبَصَائِرُ، لِلصَّفَّارِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَمَّارٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ بِسْطَامَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ هِشَامٍ الْجَوَالِيقِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ مَدِينَةً خَلْفَ الْبَحْرِ سَعَتُهَا مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ يَوْماً لِلشَّمْسِ فِيهَا قَوْمٌ لَمْ يَعْصُوا اللَّهَ قَطُّ وَ لَا يَعْرِفُونَ إِبْلِيسَ إِلَى آخِرِ الْخَبَرِ.
بيان كان حديث محمد بن مسلم حديثان سقط من الراوي أو الناسخ آخر
334
الأول و أول الثاني
- وَ آخِرُ الْأَوَّلِ مَا تَقَدَّمَ بِهَذَا السَّنَدِ فِي كِتَابِ (1) الْإِمَامَةِ حَيْثُ قَالَ: مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ فِيهَا النَّاسُ مِنَ الطَّلَاقِ وَ الْفَرَائِضِ فَقَالَ إِنَّ عَلِيّاً(ع)كَتَبَ الْعِلْمَ كُلَّهُ الْقَضَاءَ وَ الْفَرَائِضَ فَلَوْ ظَهَرَ أَمْرُنَا فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ إِلَّا وَ فِيهِ سُنَّةٌ نَمْضِيهَا.
و صدر الثاني ما ذكرناه برواية الصفار.
و اللحس أخذ الشيء باللسان و لعل المراد به هنا بيان اهتمامهم في أخذ العلم كأنهم يريدون أن يأخذوا جميع علمه كما أن من يلحس القصعة يأخذ جميع ما فيه و في بعض النسخ لحبسوه أي للاستفادة قوله لا يختل فيهم الحديد أي لا ينفذ إما افتعال من قولهم اختله بالرمح أي نفذه و انتظمه و تخلله به طعنة أثر أخرى أو من الختل بمعنى الخديعة مجازا و في بعض النسخ لا يحتك من الحك أي لا يعمل فيهم شيئا قليلا و في بعضها لا يحيك بالياء من حاك السيف أي أثر و هو أظهر و المراد بالجبل هو المحيط بالدنيا.
19-
مُنْتَخَبُ الْبَصَائِرِ، عَنْ سَعْدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ خَالِدٍ الْأَرْمَنِيِّ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَدِينَةً بِالْمَشْرِقِ اسْمُهَا جَابَلْقَا لَهَا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ بَابٍ مِنْ ذَهَبٍ بَيْنَ كُلِّ بَابٍ إِلَى صَاحِبِهِ مَسِيرَةُ فَرْسَخٍ عَلَى كُلِّ بَابٍ بُرْجٌ فِيهِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ يَهْلُبُونَ الْخَيْلَ وَ يَشْحَذُونَ السُّيُوفَ وَ السِّلَاحَ يَنْتَظِرُونَ قِيَامَ قَائِمِنَا وَ إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِالْمَغْرِبِ مَدِينَةً يُقَالُ لَهَا جَابَرْسَا لَهَا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ بَابٍ مِنْ ذَهَبٍ بَيْنَ كُلِّ بَابٍ إِلَى صَاحِبِهِ مَسِيرَةُ فَرْسَخٍ عَلَى كُلِّ بَابٍ بُرْجٌ فِيهِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ يَهْلُبُونَ الْخَيْلَ وَ يَشْحَذُونَ السِّلَاحَ وَ السُّيُوفَ يَنْتَظِرُونَ قَائِمَنَا وَ أَنَا الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ.
بيان: الهلب بالضم ما غلظ من شعر أو شعر الذنب و هَلَبَهُ نتف هُلْبَهُ كَهَلَّبَهُ و يقال شحذ السكين كمنع أي أحدها كأشحذها.
20-
الْكَافِي، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمُعَلَّى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
____________
(1) في بعض النسخ: فى باب الإمامة.
335
عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْعَلَاءِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَنِ الْخَلْقِ فَقَالَ خَلَقَ اللَّهُ أَلْفاً وَ مِائَتَيْنِ فِي الْبَرِّ وَ أَلْفاً وَ مِائَتَيْنِ فِي الْبَحْرِ وَ أَجْنَاسُ بَنِي آدَمَ سَبْعُونَ جِنْساً وَ النَّاسُ وُلْدُ آدَمَ مَا خَلَا يَأْجُوجَ وَ مَأْجُوجَ (1).
21-
وَ مِنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو جَعْفَرٍ(ع)لَيْلَةً وَ أَنَا عِنْدَهُ وَ نَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ يَا أَبَا حَمْزَةَ هَذِهِ قُبَّةُ أَبِينَا آدَمَ(ع)وَ إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ سِوَاهَا تِسْعاً وَ ثَلَاثِينَ قُبَّةً فِيهَا خَلْقٌ مَا عَصَوُا اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ (2).
22-
وَ مِنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي يَحْيَى الْوَاسِطِيِّ عَنْ عَجْلَانَ بْنِ صَالِحٍ (3) قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقَالَ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ هَذِهِ قُبَّةُ آدَمَ قَالَ نَعَمْ وَ لِلَّهِ قِبَابٌ كَثِيرَةٌ أَلَا إِنَّ خَلْفَ مَغْرِبِكُمْ هَذَا تِسْعَةٌ وَ ثَلَاثُونَ مَغْرِباً أَرْضاً بَيْضَاءَ مَمْلُوَّةً خَلْقاً يَسْتَضِيئُونَ بِنُورِهِ لَمْ يَعْصُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ طَرْفَةَ عَيْنٍ مَا يَدْرُونَ خُلِقَ آدَمُ أَمْ لَمْ يُخْلَقْ يَبْرَءُونَ مِنْ فُلَانٍ وَ فُلَانٍ (4).
23-
الْخَرَائِجُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ زَكَرِيَّا الْمُؤْمِنِ عَنْ حَسَّانَ الْجَمَّالِ عَنْ أَبِي دَاوُدَ السَّبِيعِيِّ عَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ
____________
(1) روضة الكافي: 220.
(2) روضة الكافي: 231.
(3) كذا في نسخ البحار و في المصدر «عجلان أبو صالح» و ذكر الأردبيليّ- ره في جامع الرواة «عجلان بن صالح» و أشار الى روايته هذه ثمّ قال: لا يبعد كونه عجلان ابا صالح الواسطى المتقدم ذكره (انتهى) و عد الشيخ- ره- عجلان ابا صالح من أصحاب الصادق (عليه السلام) و ذكره ثلاث مرّات قائلا في الأولى «عجلان أبو صالح الخباز الواسطى مولى بنى تيم اللّه» و في الثانية «عجلان أبو صالح السكونى الأزرق الكوفيّ» و في الثالثة «عجلان أبو صالح المدائنى» لكن يحتمل قويا اتّحاد الجميع، و أمّا اختلاف النسب كالكوفيّ و المدائنى فيمكن حمله على انه كان كوفيا ثمّ انتقل إلى «مدائن» و هكذا او بالعكس، و كيف كان فالكشّيّ- ره روى عن ابن فضال ان عجلان ابا صالح ثقة و ان أبا عبد اللّه (عليه السلام) قال له: يا عجلان كأنى انظر إليك الى جنبى و الناس يعرضون على.
(4) روضة الكافي: 231.
336
ص أَنَّهُ قَالَ: يَا عَلِيُّ إِنَّ اللَّهَ أَشْهَدَكَ مَعِي سَبْعَةَ مَوَاطِنَ فَذَكَرَهَا حَتَّى الْمَوْطِنَ الثَّانِيَ فَقَالَ أَتَانِي جَبْرَئِيلُ فَأَسْرَى بِي إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ أَيْنَ أَخُوكَ فَقُلْتُ أَوْدَعْتُهُ خَلْفِي فَقَالَ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَأْتِيَكَ بِهِ فَدَعَوْتُ اللَّهَ فَإِذَا أَنْتَ مَعِي وَ كُشِطَ لِي عَنِ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ حَتَّى رَأَيْتُ سُكَّانَهَا وَ عُمَّارَهَا وَ مَوْضِعَ كُلِّ مَلَكٍ فِيهَا فَلَمْ أَرَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً إِلَّا وَ قَدْ رَأَيْتُهُ.
24-
أَقُولُ رَوَى الْبُرْسِيُّ فِي مَشَارِقِ الْأَنْوَارِ عَنِ الثُّمَالِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ مُحَمَّداً وَ عَلِيّاً وَ الطَّيِّبِينَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ وَ أَقَامَهُمْ أَشْبَاحاً قَبْلَ الْمَخْلُوقَاتِ ثُمَّ قَالَ أَ تَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقاً سِوَاكُمْ بَلَى وَ اللَّهِ لَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ أَلْفَ أَلْفِ آدَمٍ وَ أَلْفَ أَلْفِ عَالَمٍ وَ أَنْتَ وَ اللَّهِ فِي آخِرِ تِلْكَ الْعَوَالِمِ.
25-
وَ رُوِيَ مِنْ كِتَابِ الْوَاحِدَةِ عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّ لِلَّهِ مَدِينَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا بِالْمَغْرِبِ وَ الْأُخْرَى بِالْمَشْرِقِ يُقَالُ لَهُمَا جَابَلْقَا وَ جَابَرْسَا طُولُ كُلِّ مَدِينَةٍ مِنْهُمَا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ فَرْسَخٍ فِي كُلِّ فَرْسَخٍ بَابٌ يَدْخُلُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَبْعُونَ أَلْفاً وَ يَخْرُجُ مِنْهَا مِثْلُ ذَلِكَ وَ لَا يَعُودُونَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وَ لَا إِبْلِيسَ وَ لَا شَمْسَ وَ لَا قَمَرَ هُمْ وَ اللَّهِ أَطْوَعُ لَنَا مِنْكُمْ يَأْتُونَّا بِالْفَاكِهَةِ فِي غَيْرِ أَوَانِهَا مُوَكَّلَيْنِ بِلَعْنَةِ فِرْعَوْنَ وَ هَامَانَ وَ قَارُونَ.
26- وَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مِنْ وَرَاءِ قَافٍ عَالَماً لَا يَصِلُ إِلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرِي وَ أَنَا الْمُحِيطُ بِمَا وَرَاءَهُ وَ عِلْمِي بِهِ كَعِلْمِي بِدُنْيَاكُمْ هَذِهِ وَ أَنَا الْحَفِيظُ الشَّهِيدُ عَلَيْهَا وَ لَوْ أَرَدْتُ أَنْ أَجُوبُ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا وَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَ الْأَرَضِينَ فِي أَقَلَّ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ لَفَعَلْتُ لِمَا عِنْدِي مِنَ الِاسْمِ الْأَعْظَمِ وَ أَنَا الْآيَةُ الْعُظْمَى وَ الْمُعْجِزُ الْبَاهِرُ.
27-
وَ رُوِيَ أَيْضاً قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)ذَاتَ يَوْمٍ آهِ لَوْ أَجِدُ لَهُ حَمَلَةً قَالَ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فِي عُنُقِهِ كِتَابٌ فَقَالَ رَافِعاً صَوْتَهُ أَيُّهَا الْمُدَّعِي مَا لَا يَعْلَمُ وَ الْمُتَقَلِّدُ مَا لَا يَفْهَمُ إِنِّي سَائِلُكَ فَأَجِبْ قَالَ فَوَثَبَ إِلَيْهِ أَصْحَابُ عَلِيٍّ(ع)لِيَقْتُلُوهُ فَقَالَ
337
لَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)دَعُوهُ لِأَنَّ حُجَجَ اللَّهِ لَا تَقُومُ بِالطَّيْشِ وَ لَا بِالْبَاطِلِ تَظْهَرُ بَرَاهِينُ اللَّهِ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الرَّجُلِ وَ قَالَ سَلْ بِكُلِّ لِسَانِكَ فَإِنِّي مُجِيبٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَالَ كَمْ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ فَقَالَ مَسَافَةُ الْهَوَاءِ قَالَ فَكَمْ (1) مَسَافَةُ الْهَوَاءِ قَالَ دَوَرَانُ الْفَلَكِ فَقَالَ كَمْ دَوَرَانُ الْفَلَكِ قَالَ مَسِيرَةُ يَوْمٍ لِلشَّمْسِ قَالَ الرَّجُلُ صَدَقْتَ فَمَتَى الْقِيَامَةُ قَالَ عِنْدَ حُضُورِ الْمَنِيَّةِ وَ بُلُوغِ الْأَجَلِ قَالَ صَدَقْتَ فَكَمْ عُمُرُ الدُّنْيَا قَالَ يُقَالُ سَبْعَةُ آلَافٍ ثُمَّ لَا تَحْدِيدَ قَالَ صَدَقْتَ فَأَيْنَ مَكَّةُ مِنْ بَكَّةَ قَالَ مَكَّةُ أَكْنَافُ الْحَرَمِ وَ بَكَّةُ مَكَانُ الْبَيْتِ قَالَ وَ لِمَ سُمِّيَتْ مَكَّةُ مَكَّةَ قَالَ لِأَنَّ اللَّهَ مَكَّ الْأَرْضَ مِنْ تَحْتِهَا أَيْ دَحَاهَا قَالَ فَلِمَ سُمِّيَتْ بَكَّةَ قَالَ لِأَنَّهَا بَكَّتْ عُيُونَ الْجَبَّارِينَ وَ الْمُذْنِبِينَ (2) قَالَ صَدَقْتَ قَالَ وَ أَيْنَ كَانَ اللَّهُ قَبْلَ خَلْقِ عَرْشِهِ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)سُبْحَانَ مَنْ لَا يُدْرِكُ كُنْهَ صِفَتِهِ حَمَلَةُ عَرْشِهِ عَلَى قُرْبِ زُمَرَاتِهِمْ مِنْ كَرَاسِيِّ كَرَامَتِهِ وَ لَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ مِنْ أَنْوَارِ سُبُحَاتِ جَلَالِهِ وَيْحَكَ لَا يُقَالُ لِمَ وَ لَا كَيْفَ وَ لَا أَيْنَ وَ لَا مَتَى وَ لَا بِمَ وَ لَا مِمَ (3) وَ لَا حَيْثُ وَ لَا أَنَّى فَقَالَ الرَّجُلُ صَدَقْتَ فَكَمْ مِقْدَارُ مَا لَبَّثَ الْعَرْشَ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ خَلْقِ الْأَرْضِ وَ السَّمَاءِ فَقَالَ أَ تُحْسِنُ أَنْ تَحْسُبَ فَقَالَ نَعَمْ (4) فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَ فَرَأَيْتَ لَوْ صُبَّتْ فِي الْأَرْضِ خَرْدَلٌ حَتَّى سَدَّ الْهَوَاءَ وَ مَلَأَ مَا بَيْنَ الْأَرْضِ وَ السَّمَاءِ ثُمَّ أُذِنَ لَكَ عَلَى ضَعْفِكَ أَنْ تَنْقُلَهُ حَبَّةً حَبَّةً مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ ثُمَّ مُدَّ لَكَ فِي الْعُمُرِ حَتَّى نَقَلْتَهُ وَ أَحْصَيْتَهُ لَكَانَ ذَلِكَ أَيْسَرُ مِنْ إِحْصَاءِ مَا لَبَّثَ الْعَرْشَ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ خَلْقِ الْأَرْضِ وَ السَّمَاءِ وَ إِنَّمَا وَصَفْتُ لَكَ جُزْءاً مِنْ عُشْرِ عَشِيرِ مَا لَبَّثَ الْعَرْشَ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ خَلْقِ الْأَرْضِ وَ السَّمَاءِ وَ إِنَّمَا وَصَفْتُ لَكَ جُزْءاً مِنْ عُشْرِ عَشِيرٍ مِنْ جُزْءٍ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ جُزْءٍ وَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنَ التَّقْلِيلِ فِي التَّحْدِيدِ قَالَ فَحَرَّكَ الرَّجُلُ
____________
(1) و كم (خ).
(2) في المخطوطة: بكت عيون المذنبين و رقاب الجبارين.
(3) في بعض النسخ: و لا فيم و لا أنى.
(4) في المخطوطة: فقال: لعلك لا تحسن، فقال: بلى.
338
رَأْسَهُ وَ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ.
28-
الْمُحْتَضَرُ، بِإِسْنَادِهِ قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ سَلُونِي فَإِنِّي لَا أُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ دُونَ الْعَرْشِ إِلَّا أَجَبْتُ فِيهِ لَا يَقُولُهَا بَعْدِي إِلَّا جَاهِلٌ مُدَّعٍ أَوْ كَذَّابٌ مُفْتَرٍ فَقَامَ رَجُلٌ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ.
29-
وَ قَالَ الْبُرْسِيُّ رَوَى الرَّازِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِمَفَاتِيحِ الْغَيْبِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ رَأَيْتُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ مَيَادِينَ كَمَيَادِينِ أَرْضِكُمْ هَذِهِ وَ رَأَيْتُ أَفْوَاجاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَطِيرُونَ لَا يَقِفُ هَؤُلَاءِ لِهَؤُلَاءِ وَ لَا هَؤُلَاءِ لِهَؤُلَاءِ قَالَ فَقُلْتُ لِجَبْرَئِيلَ مَنْ هَؤُلَاءِ فَقَالَ لَا أَعْلَمُ فَقُلْتُ مِنْ أَيْنَ جَاءُوا فَقَالَ لَا أَعْلَمُ فَقُلْتُ وَ أَيْنَ يَمْضُونَ فَقَالَ لَا أَعْلَمُ فَقُلْتُ سَلْهُمْ فَقَالَ لَا أَقْدِرُ وَ لَكِنْ سَلْهُمْ أَنْتَ يَا حَبِيبَ اللَّهِ قَالَ فَاعْتَرَضْتُ مَلَكاً مِنْهُمْ فَقُلْتُ لَهُ مَا اسْمُكَ فَقَالَ كَيْكَائِيلُ فَقُلْتُ مِنْ أَيْنَ أَتَيْتَ فَقَالَ لَا أَعْلَمُ فَقُلْتُ وَ أَيْنَ تَمْضِي فَقَالَ لَا أَعْلَمُ فَقُلْتُ وَ كَمْ لَكَ فِي السَّيْرِ فَقَالَ لَا أَعْلَمُ غَيْرَ أَنِّي يَا حَبِيبَ اللَّهِ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَخْلُقُ فِي كُلِّ أَلْفِ سَنَةٍ كَوْكَباً وَ قَدْ رَأَيْتُ سِتَّةَ آلَافِ كَوْكَبٍ خُلِقْنَ وَ أَنَا فِي السَّيْرِ.
30-
النُّجُومُ، قَالَ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ مُؤَلِّفُ كِتَابِ الْأَنْبِيَاءِ وَ الْأَوْصِيَاءِ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ(ع)وَ عِنْدَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالَ لَهُ مِمَّنِ الرَّجُلُ قَالَ أَنَا مُنَجِّمٌ قَائِفٌ عَرَّافٌ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى رَجُلٍ قَدْ مَرَّ مُنْذُ يَوْمَ دَخَلْتَ عَلَيْنَا فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ عَالَمٍ قَالَ مَنْ هُوَ قَالَ أَمَّا الرَّجُلُ فَلَا أَذْكُرُهُ وَ لَكِنْ إِنْ شِئْتَ أَخْبَرْتُكَ بِمَا أَكَلْتَ وَ ادَّخَرْتَ فِي بَيْتِكَ قَالَ نَبِّئْنِي قَالَ أَكَلْتَ فِي هَذَا الْيَوْمِ حَيْساً فَأَمَّا فِي بَيْتِكَ فَعِشْرُونَ دِينَاراً مِنْهَا ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ وَازِنَةٌ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ أَشْهَدُ أَنَّكَ الْحُجَّةُ الْعُظْمَى وَ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَ كَلِمَةُ التَّقْوَى فَقَالَ لَهُ وَ أَنْتَ صِدِّيقٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَكَ بِالْإِيمَانِ وَ أَثْبَتَ.
بيان: أراد بالرجل نفسه(ع)و الحيس تمر ينزع نواه و يدق مع أقط و يعجنان بالسمن ثم يدلك باليد حتى يبقى كالتريد و الوازنة الكاملة الوزن أو
339
الصحيحة الوزن التي توزن بها غيرها قال في المصباح المنير وزن الشيء نفسه ثقل فهو وازن.
31- أَقُولُ وَجَدْتُ فِي كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ قُدَمَاءِ الْأَصْحَابِ فِي نَوَادِرِ الْمُعْجِزَاتِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الصَّدُوقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا عَنْ أَبِي الْمُعَافَا عَنْ وَكِيعٍ عَنْ زَاذَانَ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: كُنَّا مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ نَحْنُ نَذْكُرُ شَيْئاً مِنْ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ فَقُلْتُ لَهُ يَا سَيِّدِي أُحِبُّ أَنْ تُرِيَنِي نَاقَةَ ثَمُودَ وَ شَيْئاً مِنْ مُعْجِزَاتِكَ قَالَ أَفْعَلُ ثُمَّ وَثَبَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ وَ خَرَجَ إِلَيَّ وَ تَحْتَهُ فَرَسٌ أَدْهَمُ وَ عَلَيْهِ قَبَاءٌ أَبْيَضُ وَ قَلَنْسُوَةٌ بَيْضَاءُ وَ نَادَى يَا قَنْبَرُ أَخْرِجْ إِلَيَّ ذَلِكَ الْفَرَسَ فَأَخْرَجَ فَرَساً أَغَرَّ أَدْهَمَ فَقَالَ لِيَ ارْكَبْ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَلْمَانُ فَرَكِبْتُهُ فَإِذَا لَهُ جَنَاحَانِ مُلْتَصِقَانِ إِلَى جَنْبِهِ فَصَاحَ بِهِ الْإِمَامُ فَتَحَلَّقَ فِي الْهَوَاءِ وَ كُنْتُ أَسْمَعُ خَفِيقَ أَجْنِحَةِ الْمَلَائِكَةِ تَحْتَ الْعَرْشِ ثُمَّ خَطَرْنَا عَلَى سَاحِلِ بَحْرٍ عَجَّاجٍ مُغْطَمِطِ الْأَمْوَاجِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ شَزْراً فَسَكَنَ الْبَحْرُ فَقُلْتُ يَا سَيِّدِي سَكَنَ الْبَحْرُ مِنْ غَلَيَانِهِ مِنْ نَظَرِكَ إِلَيْهِ فَقَالَ يَا سَلْمَانُ حَسِبَنِي أَنِّي آمُرُ فِيهِ بِأَمْرٍ ثُمَّ قَبَضَ عَلَى يَدِي وَ سَارَ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ وَ الْفَرَسَانِ يَتْبَعَانِنَا لَا يَقُودُهُمَا أَحَدٌ فَوَ اللَّهِ مَا ابْتَلَّتْ أَقْدَامُنَا وَ لَا حَوَافِرُ الْخَيْلِ فَعَبَرْنَا ذَلِكَ الْبَحْرَ وَ وَقَعْنَا (1) إِلَى جَزِيرَةٍ كَثِيرَةِ الْأَشْجَارِ وَ الْأَثْمَارِ وَ الْأَطْيَارِ وَ الْأَنْهَارِ وَ إِذَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ بِلَا ثَمَرٍ بَلْ وَرْدٍ وَ زَهْرٍ فَهَزَّهَا بِقَضِيبٍ كَانَ فِي يَدِهِ فَانْشَقَّتْ وَ خَرَجَ مِنْهَا نَاقَةٌ طُولُهَا ثَمَانُونَ ذِرَاعاً وَ عَرْضُهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعاً خَلْفَهَا فَصِيلٌ فَقَالَ لِيَ ادْنُ مِنْهَا وَ اشْرَبْ مِنْ لَبَنِهَا فَدَنَوْتُ وَ شَرِبْتُ حَتَّى رَوِيتُ وَ كَانَ أَعْذَبَ مِنَ الشَّهْدِ وَ أَلْيَنَ مِنَ الزُّبْدِ وَ قَدِ اكْتَفَيْتُ قَالَ هَذَا حَسَنٌ قُلْتُ حَسَنٌ يَا سَيِّدِي قَالَ تُرِيدُ أَنْ أُرِيَكَ أَحْسَنَ مِنْهَا فَقُلْتُ نَعَمْ يَا سَيِّدِي قَالَ يَا سَلْمَانُ نَادِ اخْرُجِي يَا حَسْنَاءُ فَنَادَيْتُ فَخَرَجَتْ نَاقَةٌ طُولُهَا مِائَةٌ وَ عِشْرُونَ ذِرَاعاً وَ عَرْضُهَا سِتُّونَ ذِرَاعاً مِنَ الْيَاقُوتِ الْأَحْمَرِ وَ زِمَامُهَا مِنَ الْيَاقُوتِ الْأَصْفَرِ وَ جَنْبُهَا الْأَيْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ وَ جَنْبُهَا الْأَيْسَرُ مِنَ الْفِضَّةِ وَ ضَرْعُهَا مِنَ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ فَقَالَ يَا سَلْمَانُ
____________
(1) في المخطوطة: دفعنا.
340
اشْرَبْ مِنْ لَبَنِهَا قَالَ سَلْمَانُ فَالْتَقَمْتُ الضَّرْعَ فَإِذَا هِيَ تَحْلُبُ عَسَلًا صَافِياً مَحْضاً فَقُلْتُ يَا سَيِّدِي هَذِهِ لِمَنْ قَالَ هَذِهِ لَكَ وَ لِسَائِرِ الشِّيعَةِ مِنْ أَوْلِيَائِي ثُمَّ قَالَ لَهَا ارْجِعِي فَرَجَعَتْ مِنَ الْوَقْتِ وَ سَارَ بِي فِي تِلْكَ الْجَزِيرَةِ حَتَّى وَرَدَ بِي إِلَى شَجَرَةٍ عَظِيمَةٍ وَ فِي أَصْلِهَا مَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَيْهَا طَعَامٌ تَفُوحُ مِنْهُ رَائِحَةُ الْمِسْكِ وَ إِذَا بِطَائِرٍ فِي صُورَةِ النَّسْرِ الْعَظِيمِ قَالَ فَوَثَبَ ذَلِكَ الطَّيْرُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَ رَجَعَ إِلَى مَوْضِعِهِ فَقُلْتُ يَا سَيِّدِي مَا هَذِهِ الْمَائِدَةُ قَالَ هَذِهِ مَائِدَةٌ مَنْصُوبَةٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِلشِّيعَةِ مِنْ مَوَالِيَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَقُلْتُ مَا هَذَا الطَّائِرُ فَقَالَ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهَا فَقُلْتُ وَحْدَهُ يَا سَيِّدِي فَقَالَ يَجْتَازُ بِهِ الْخَضِرُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً ثُمَّ قَبَضَ عَلَى يَدِي فَسَارَ بِي إِلَى بَحْرٍ ثَانٍ فَعَبَرْنَا وَ إِذَا بِجَزِيرَةٍ عَظِيمَةٍ فِيهَا قَصْرٌ لَبِنَةٌ مِنَ الذَّهَبِ وَ لَبِنَةٌ مِنَ الْفِضَّةِ الْبَيْضَاءِ وَ شُرَفُهُ الْعَقِيقُ الْأَصْفَرُ وَ عَلَى كُلِّ رُكْنٍ مِنَ الْقَصْرِ سَبْعُونَ صِنْفاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَجَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى ذَلِكَ الرُّكْنِ وَ أَقْبَلَتِ الْمَلَائِكَةُ تَأْتِي وَ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْ فَرَجَعُوا إِلَى مَوَاضِعِهِمْ قَالَ سَلْمَانُ ثُمَّ دَخَلَ(ع)إِلَى الْقَصْرِ فَإِذَا فِيهِ أَشْجَارٌ وَ أَنْهَارٌ وَ أَطْيَارٌ وَ أَلْوَانُ النَّبَاتِ فَجَعَلَ الْإِمَامُ يَمْشِي فِيهِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى آخِرِهِ فَوَقَفَ عَلَى بِرْكَةٍ كَانَتْ فِي الْبُسْتَانِ ثُمَّ صَعِدَ إِلَى سَطْحِهِ فَإِذَا كَرَاسِيُّ مِنَ الذَّهَبِ الْأَحْمَرِ فَجَلَسَ عَلَيْهِ وَ أَشْرَفْنَا مِنْهُ فَإِذَا بَحْرٌ أَسْوَدُ يُغَطْمِطُ بِأَمْوَاجِهِ كَالْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ شَزْراً فَسَكَنَ مِنْ غَلَيَانِهِ حَتَّى كَانَ كَالْمَذِيبِ (1) فَقُلْتُ يَا سَيِّدِي سَكَنَ الْبَحْرُ مِنْ غَلَيَانِهِ لَمَّا نَظَرْتَ إِلَيْهِ قَالَ حَسِبَنِي أَنِّي آمُرُ فِيهِ بِأَمْرٍ أَ تَدْرِي يَا سَلْمَانُ أَيُّ بَحْرٍ هَذَا فَقُلْتُ لَا يَا سَيِّدِي فَقَالَ هَذَا الْبَحْرُ الَّذِي غَرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ وَ قَوْمُهُ إِنَّ الْمَدِينَةَ حُمِلَتْ عَلَى مَعَاقِلِ جَنَاحِ جَبْرَئِيلَ ثُمَّ رَمَى بِهَا فِي هَذَا الْبَحْرِ فَهَوِيَتْ لَا تَبْلُغُ قَرَارَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَقُلْتُ يَا سَيِّدِي هَلْ سِرْنَا فَرْسَخَيْنِ فَقَالَ يَا سَلْمَانُ لَقَدْ سِرْتَ خَمْسِينَ أَلْفَ فَرْسَخٍ وَ دُرْتَ حَوْلَ الدُّنْيَا عِشْرِينَ مَرَّةً فَقُلْتُ يَا سَيِّدِي فَكَيْفَ (2) هَذَا فَقَالَ يَا سَلْمَانُ إِذَا كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ طَافَ
____________
(1) كالمذنب (خ).
(2) و كيف (خ).
341
شَرْقَهَا وَ غَرْبَهَا وَ بَلَغَ إِلَى سَدِّ يَأْجُوجَ وَ مَأْجُوجَ فَأَنَّى يَتَعَذَّرُ عَلَيَّ وَ أَنَا أَخُو سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَ أَمِينُ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَ حُجَّتُهُ عَلَى خَلْقِهِ أَجْمَعِينَ يَا سَلْمَانُ أَ مَا قَرَأْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى حَيْثُ قَالَ (1) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ (2) فَقُلْتُ بَلَى يَا سَيِّدِي فَقَالَ يَا سَلْمَانُ أَنَا الْمُرْتَضِي مِنَ الرَّسُولِ الَّذِي أَظْهَرَهُ عَلَى غَيْبِهِ أَنَا الْعَالِمُ الرَّبَّانِيُّ أَنَا الَّذِي هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيَّ الشَّدَائِدَ وَ طَوَى لِيَ الْبَعِيدَ قَالَ سَلْمَانُ فَسَمِعْتُ صَائِحاً يَصِيحُ فِي السَّمَاءِ نَسْمَعُ الصَّوْتَ وَ لَا نَرَى الشَّخْصَ يَقُولُ صَدَقْتَ صَدَقْتَ أَنْتَ الصَّادِقُ الْمُصَدَّقُ ثُمَّ وَثَبَ فَرَكِبَ الْفَرَسَ وَ رَكِبْتُ مَعَهُ وَ صَاحَ بِهِ فَتَحَلَّقَ فِي الْهَوَاءِ ثُمَّ حَضَرْنَا بِأَرْضِ الْكُوفَةِ هَذَا وَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثُ سَاعَاتٍ فَقَالَ يَا سَلْمَانُ الْوَيْلُ ثُمَّ الْوَيْلُ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُنَا حَقَّ مَعْرِفَتِنَا وَ أَنْكَرَ وَلَايَتَنَا يَا سَلْمَانُ أَيُّمَا أَفْضَلُ مُحَمَّدٌ أَمْ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ قُلْتُ بَلْ مُحَمَّدٌ فَقَالَ يَا سَلْمَانُ فَهَذَا آصَفُ بْنُ بَرْخِيَا قَدَرَ أَنْ يَحْمِلَ عَرْشَ بِلْقِيسَ مِنَ الْيَمَنِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ وَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ وَ لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ وَ عِنْدِي عِلْمُ مِائَةِ أَلْفِ كِتَابٍ وَ أَرْبَعَةٍ وَ عِشْرِينَ أَلْفَ كِتَابٍ أَنْزَلَ مِنْهَا عَلَى شَيْثِ بْنِ آدَمَ خَمْسِينَ صَحِيفَةً وَ عَلَى إِدْرِيسَ ثَلَاثِينَ صَحِيفَةً وَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عِشْرِينَ صَحِيفَةً وَ التَّوْرَاةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ الزَّبُورَ فَقُلْتُ صَدَقْتَ يَا سَيِّدِي قَالَ الْإِمَامُ(ع)اعْلَمْ يَا سَلْمَانُ أَنَّ الشَّاكَّ فِي أُمُورِنَا وَ عُلُومِنَا كَالْمُمْتَرِي فِي مَعْرِفَتِنَا وَ حُقُوقِنَا وَ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَلَايَتَنَا فِي كِتَابِهِ وَ بَيَّنَ فِيهِ مَا أَوْجَبَ الْعَمَلَ بِهِ وَ هُوَ غَيْرُ مَكْشُوفٍ.
بيان: قال في النهاية كان يخطر في مشيته أي يتمايل و يمشي مشية المعجب (3) انتهى و الغطمطة اضطراب أمواج البحر و الشزر نظر الغضبان بمؤخر العين و أقول الخبر في غاية الغرابة و لا أعتمد عليه لعدم كونه مأخوذا من أصل معتبر و إن نسب إلى الصدوق ره.
____________
(1) يقول (خ).
(2) الجن: 26- 27.
(3) النهاية: ج 1،(ص)302.
342
32- الْبَصَائِرُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَعْدَانَ (1) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبَانٍ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)حَيْثُ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَا يَمَانِيُّ أَ فِيكُمْ عُلَمَاءُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأَيُّ شَيْءٍ يَبْلُغُ مِنْ عِلْمِ عُلَمَائِكُمْ قَالَ إِنَّهُ لَيَسِيرُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ يَزْجُرُ الطَّيْرَ وَ يَقْفُو الْآثَارَ فَقَالَ لَهُ فَعَالِمُ الْمَدِينَةِ أَعْلَمُ مِنْ عَالِمِكُمْ قَالَ فَأَيُّ شَيْءٍ يَبْلُغُ مِنْ عِلْمِ عَالِمِكُمْ بِالْمَدِينَةِ قَالَ إِنَّهُ يَسِيرُ فِي صَبَاحٍ وَاحِدٍ مَسِيرَ سَنَةٍ كَالشَّمْسِ إِذَا أُمِرَتْ إِنَّهَا الْيَوْمَ غَيْرُ مَأْمُورَةٍ وَ لَكِنْ إِذَا أُمِرَتْ تَقْطَعُ اثْنَيْ عَشَرَ شَمْساً وَ اثْنَيْ عَشَرَ قَمَراً وَ اثْنَيْ عَشَرَ مَشْرِقاً وَ اثْنَيْ عَشَرَ مَغْرِباً وَ اثْنَيْ عَشَرَ بَرّاً وَ اثْنَيْ عَشَرَ بَحْراً وَ اثْنَيْ عَشَرَ عَالَماً قَالَ فَمَا بَقِيَ فِي يَدَيِ الْيَمَانِيِّ فَمَا دَرَى مَا يَقُولُ وَ كَفَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع.
بيان لعل المراد بسير اليماني مسيرة شهرين الحكم بحسب النجوم في ليلة واحدة على قدر مسيرة شهرين من البلاد و أهلها و يؤيده أن في
- الاحتجاج هكذا إن عالمهم ليزجر الطير و يقفو الأثر في ساعة واحدة مسيرة شهر للراكب المحث.
و لعل المراد بقفو الأثر الحكم بأوضاع النجوم و حركاتها و بزجر الطير ما كان بين العرب من الاستدلال بحركات الطيور و أصواتها على الحوادث.
33-
الْبَصَائِرُ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ (2) عَنْ سَلَمَةَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ
____________
(1) كذا في نسخ البحار، و الظاهر أنّه مصحف «موسى بن سعدان» لان «على بن سعدان» كما قال الشيخ- ره- من أصحاب الصادق (عليه السلام) و لم يذكر في كتب الرجال رواية له، و عبد اللّه بن القاسم الذي روى عنه ابن سعدان هذه الرواية من أصحاب الكاظم (عليه السلام) و محمّد بن الحسين الراوي عن ابن سعدان من أصحاب الجواد و الهادى و العسكريّ (عليهم السلام) و هو يروى عن موسى بن سعدان كثيرا كما انه يروى عن عبد اللّه بن القاسم كثيرا و كيف كان فعلى ابن سعدان مجهول و موسى بن سعدان ضعيف كما قال النجاشيّ (ص 317) و قال العلامة في الخلاصة:
في مذهبه غلو.
(2) في المخطوطة: الحسن بن أحمد.
343
بَقَّاحٍ (1) عَنِ ابْنِ جَبَلَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقَالَ لِي حَوْضٌ مَا بَيْنَ بُصْرَى إِلَى صَنْعَاءَ أَ تُحِبُّ أَنْ تَرَاهُ قُلْتُ نَعَمْ جُعِلْتُ فِدَاكَ قَالَ فَأَخَذَ بِيَدِي وَ أَخْرَجَنِي إِلَى ظَهْرِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ ضَرَبَ بِرِجْلِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى نَهَرٍ يَجْرِي لَا يُدْرَكُ حَافَتَاهُ إِلَّا الْمَوْضِعُ الَّذِي أَنَا فِيهِ قَائِمٌ فَإِنَّهُ شَبِيهٌ بِالْجَزِيرَةِ فَكُنْتُ أَنَا وَ هُوَ وُقُوفاً فَنَظَرْتُ إِلَى نَهَرٍ جَانِبُهُ مَاءٌ أَبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ وَ مِنْ جَانِبِهِ هَذَا لَبَنٌ أَبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ وَ فِي وسط [وَسَطِهِ خَمْرٌ أَحْسَنُ مِنَ الْيَاقُوتِ فَمَا رَأَيْتُ شَيْئاً أَحْسَنَ مِنْ تِلْكَ الْخَمْرِ بَيْنَ اللَّبَنِ وَ الْمَاءِ فَقُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ مِنْ أَيْنَ يَخْرُجُ هَذَا وَ مَا مَجْرَاهُ فَقَالَ هَذِهِ الْعُيُونُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَنْهَارٌ فِي الْجَنَّةِ عَيْنٌ مِنْ مَاءٍ وَ عَيْنٌ مِنْ لَبَنٍ وَ عَيْنٌ مِنْ خَمْرٍ تَجْرِي فِي هَذَا النَّهَرِ وَ رَأَيْتُ حَافَتَهُ عَلَيْهِ شَجَرٌ فِيهِنَّ حُورٌ مُعَلَّقَاتٌ بِرُءُوسِهِنَّ شَعْرٌ مَا رَأَيْتُ شَيْئاً أَحْسَنَ مِنْهُنَّ وَ بِأَيْدِيهِنَّ آنِيَةٌ مَا رَأَيْتُ آنِيَةً أَحْسَنَ مِنْهَا لَيْسَتْ مِنْ آنِيَةِ الدُّنْيَا فَدَنَا مِنْ إِحْدَاهُنَّ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ لِتَسْقِيَهُ فَنَظَرْتُ إِلَيْهَا وَ قَدْ مَالَتْ لِتَغْرِفَ مِنَ النَّهَرِ فَمَالَ الشَّجَرُ مَعَهَا فَاغْتَرَفَتْ فَمَالَتِ الشَّجَرَةُ مَعَهَا ثُمَّ نَاوَلَتْهُ فَنَاوَلَنِي فَشَرِبْتُ فَمَا رَأَيْتُ شَرَاباً كَانَ أَلْيَنَ مِنْهُ وَ لَا أَلَذَّ مِنْهُ وَ كَانَتْ رَائِحَتُهُ رَائِحَةَ الْمِسْكِ فَنَظَرْتُ فِي الْكَأْسِ فَإِذَا فِيهِ ثَلَاثَةُ أَلْوَانٍ مِنَ الشَّرَابِ فَقُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ وَ لَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ الْأَمْرَ هَكَذَا فَقَالَ لِي هَذَا أَقَلُّ مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لِشِيعَتِنَا إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا تُوُفِّيَ صَارَتْ رُوحُهُ إِلَى هَذَا النَّهَرِ وَ رَعَتْ فِي رِيَاضِهِ وَ شَرِبَتْ مِنْ شَرَابِهِ وَ إِنَّ عَدُوَّنَا إِذَا تُوُفِّيَ صَارَتْ رُوحُهُ إِلَى وَادِي بَرَهُوتَ فَأُخْلِدَتْ فِي عَذَابِهِ وَ أُطْعِمَتْ مِنْ زَقُّومِهِ وَ أُسْقِيَتْ مِنْ حَمِيمِهِ فَاسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي.
34-
وَ مِنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي خَالِدٍ وَ أَبِي سَلَّامٍ عَنْ
____________
(1) الحسن بن عليّ بن بقاح- بفتح الباء الموحدة و شد القاف و الحاء المهملة الأخيرة كوفيّ ثقة مشهور صحيح الحديث روى عن أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام) له كتاب النوادر (النجاشيّ: 31) و ابن جبلة هو عبد اللّه بن جبلة- بفتح الثلاثة- بن حنان بن الحرّ الكنانيّ ابو محمّد عربى ثقة روى عن أبيه عن جده و مات سنة (219) (النجاشيّ: 160).
344
سَوْرَةَ (1) عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: أَمَا إِنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ قَدْ خُيِّرَ بَيْنَ السَّحَابَيْنِ فَاخْتَارَ الذَّلُولَ ذُخِرَ لِصَاحِبِكُمُ الصَّعْبُ قَالَ قُلْتُ وَ مَا الصَّعْبُ قَالَ مَا كَانَ مِنْ سَحَابٍ فِيهِ رَعْدٌ وَ صَاعِقَةٌ أَوْ بَرْقٌ فَصَاحِبُكُمْ يَرْكَبُهُ أَمَا إِنَّهُ سَيَرْكَبُ السَّحَابَ وَ يَرْقَى فِي الْأَسْبَابِ أَسْبَابِ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ خَمْسٌ عَوَامِرُ وَ اثْنَتَانِ خَرَابَانِ.
35-
وَ مِنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ عَلِيّاً(ع)مَلَكَ مَا فِي الْأَرْضِ وَ مَا تَحْتَهَا فَعُرِضَتْ لَهُ السَّحَابَانِ الصَّعْبُ وَ الذَّلُولُ فَاخْتَارَ الصَّعْبَ وَ كَانَ فِي الصَّعْبِ مُلْكُ مَا تَحْتَ الْأَرْضِ وَ فِي الذَّلُولِ مُلْكُ مَا فَوْقَ الْأَرْضِ وَ اخْتَارَ الصَّعْبَ عَلَى الذَّلُولَ فَدَارَتْ بِهِ سَبْعَ أَرَضِينَ فَوُجِدَ ثَلَاثٌ خَرَابٌ وَ أَرْبَعٌ عَوَامِرُ.
36-
مِنْ بَعْضِ مُؤَلَّفَاتِ الْقُدَمَاءِ مِنَ (2) الْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ الطَّبَرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يُونُسَ الْمَقْدِسِيِّ عَنِ الْمُبَارَكِ عَنْ خَالِصِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ وَهْبٍ الْجَمَّالِ عَنْ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ وَهْبٍ الرَّائِدِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنِ الشَّيْخِ الْمُعْتَمِرِ الرَّقِّيِّ رَفَعَهُ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ مِيثَمٍ التَّمَّارِ قَالَ: كُنْتُ بَيْنَ يَدَيْ مَوْلَايَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِذْ دَخَلَ غُلَامٌ وَ جَلَسَ فِي وَسْطِ الْمُسْلِمِينَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْأَحْكَامِ نَهَضَ إِلَيْهِ الْغُلَامُ وَ قَالَ يَا أَبَا تُرَابٍ أَنَا إِلَيْكَ رَسُولٌ جِئْتُكَ بِرِسَالَةٍ تُزَعْزِعُ لَهَا الْجِبَالُ مِنْ رَجُلٍ حَفِظَ كِتَابَ اللَّهِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ وَ عَلِمَ عِلْمَ الْقَضَايَا وَ الْأَحْكَامَ وَ هُوَ أَبْلَغُ مِنْكَ فِي الْكَلَامِ وَ أَحَقُّ مِنْكَ بِهَذَا الْمَقَامِ فَاسْتَعِدَّ لِلْجَوَابِ وَ لَا تُزَخْرِفِ الْمَقَالَ فَلَاحَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ قَالَ لِعَمَّارٍ ارْكَبْ جَمَلَكَ وَ طُفْ فِي قَبَائِلِ الْكُوفَةِ وَ قُلْ لَهُمْ أَجِيبُوا عَلِيّاً لِيَعْرِفُوا الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلَ
____________
(1) هو سورة (بفتح السين) بن كليب (وزان زبير) بن معاوية الأسدى الكوفيّ من اصحاب الباقر و الصادق (عليهما السلام) روى الكشّيّ (ره) رواية تدلّ على حسن حاله مضافا الى رواية «جميل بن دراج» عنه و هو من أصحاب الإجماع.
(2) في بعض النسخ: عن القاضي.
345
وَ الْحَلَالَ وَ الْحَرَامَ وَ الصِّحَّةَ وَ السُّقْمَ فَرَكِبَ عَمَّارٌ فَمَا كَانَ إِلَّا هُنَيْهَةً حَتَّى رَأَيْتُ الْعَرَبَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (1) فَضَاقَ جَامِعُ الْكُوفَةِ وَ تَكَاثَفَ النَّاسُ تَكَاثُفَ الْجَرَادِ عَلَى الزَّرْعِ الْغَضِّ فِي أَوَانِهِ وَ نَهَضَ (2) الْعَالِمُ الْأَرْوَعُ وَ الْبَطَلُ الْأَنْزَعُ وَ رَقِيَ فِي الْمِنْبَرِ وَ رَاقَى ثُمَّ تَنَحْنَحَ فَسَكَتَ جَمِيعُ مَنْ فِي الْجَامِعِ فَقَالَ رَحِمَ اللَّهُ مَنْ سَمِعَ فَوَعَى أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ اللَّهِ لَا يَكُونُ الْإِمَامُ إِمَاماً حَتَّى يُحْيِيَ الْمَوْتَى أَوْ يُنْزِلَ مِنَ السَّمَاءِ مَطَراً أَوْ يَأْتِيَ بِمَا يُشَاكِلُ ذَلِكَ مِمَّا يَعْجِزُ عَنْهُ غَيْرُهُ وَ فِيكُمْ مَنْ يَعْلَمُ أَنِّي الْآيَةُ الْبَاقِيَةُ وَ الْكَلِمَةُ التَّامَّةُ وَ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ وَ لَقَدْ أَرْسَلَ إِلَيَّ مُعَاوِيَةُ جَاهِلًا مِنْ جَاهِلِيَّةِ الْعَرَبِ عَجْرَفَ فِي مَقَالِهِ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ لَوْ شِئْتُ لَطَحَنْتُ عِظَامَهُ طَحْناً وَ نَسَفْتُ الْأَرْضَ مِنْ تَحْتِهِ نَسْفاً وَ خَسَفْتُهَا عَلَيْهِ خَسْفاً إِلَّا أَنَّ احْتِمَالَ الْجَاهِلِ صَدَقَةٌ ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ(ص)وَ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْجَوِّ فَدَمْدَمَ وَ أَقْبَلَتْ غَمَامَةٌ وَ عَلَتْ سَحَابَةٌ وَ سَمِعْنَا مِنْهَا نِدَاءً يَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ يَا سَيِّدَ الْوَصِيِّينَ وَ يَا إِمَامَ الْمُتَّقِينَ وَ يَا غِيَاثَ الْمُسْتَغِيثِينَ وَ يَا كَنْزَ الْمَسَاكِينِ وَ مَعْدِنَ الرَّاغِبِينَ وَ أَشَارَ إِلَى السَّحَابَةِ فَدَنَتْ قَالَ مِيثَمٌ فَرَأَيْتُ النَّاسَ كُلَّهُمْ قَدْ أَخَذَتْهُمُ السَّكْرَةُ فَرَفَعَ رِجْلَهُ وَ رَكِبَ السَّحَابَةَ وَ قَالَ لِعَمَّارٍ ارْكَبْ مَعِي وَ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَ مُرْساها فَرَكِبَ عَمَّارٌ وَ غَابَا عَنْ أَعْيُنِنَا فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ سَاعَةٍ أَقْبَلَتْ سَحَابَةٌ حَتَّى أَظَلَّتْ جَامِعَ الْكُوفَةِ فَالْتَفَتُّ فَإِذَا مَوْلَايَ جَالِسٌ عَلَى دَكَّةِ الْقَضَاءِ وَ عَمَّارٌ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ النَّاسُ حَافُّونَ بِهِ ثُمَّ قَامَ وَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَ أَخَذَ بِالْخُطْبَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالشِّقْشِقِيَّةِ فَلَمَّا فَرَغَ اضْطَرَبَ النَّاسُ وَ قَالُوا فِيهِ أَقَاوِيلَ مُخْتَلِفَةً فَمِنْهُمْ مَنْ زَادَهُ اللَّهُ إِيمَاناً وَ يَقِيناً وَ مِنْهُمْ مَنْ زَادَهُ كُفْراً وَ طُغْيَاناً قَالَ عَمَّارٌ قَدْ طَارَتْ بِنَا السَّحَابَةُ فِي الْجَوِّ فَمَا كَانَ هُنَيْهَةً حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى بَلَدٍ كَبِيرٍ حَوَالَيْهَا أَشْجَارٌ وَ أَنْهَارٌ فَنَزَلَتْ بِنَا السَّحَابَةُ وَ إِذَا نَحْنُ فِي مَدِينَةٍ كَبِيرَةٍ وَ
____________
(1) يس: 51.
(2) فنهض (خ).
346
النَّاسُ يَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامٍ غَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَ لَاذُوا بِهِ فَوَعَظَهُمْ وَ أَنْذَرَهُمْ بِمِثْلِ كَلَامِهِمْ ثُمَّ قَالَ يَا عَمَّارُ ارْكَبْ فَفَعَلْتُ مَا أَمَرَنِي فَأَدْرَكْنَا جَامِعَ الْكُوفَةِ ثُمَّ قَالَ لِي يَا عَمَّارُ تَعْرِفُ الْبَلْدَةَ الَّتِي كُنْتَ فِيهَا قُلْتُ اللَّهُ أَعْلَمُ وَ رَسُولُهُ وَ وَلِيُّهُ قَالَ كُنَّا فِي الْجَزِيرَةِ السَّابِعَةِ مِنَ الصِّينِ أَخْطُبُ كَمَا رَأَيْتَنِي إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَرْسَلَ رَسُولَهُ إِلَى كَافَّةِ النَّاسِ وَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْعُوَهُمْ وَ يَهْدِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَ اشْكُرْ مَا أَوْلَيْتُكَ مِنْ نِعْمَةٍ وَ اكْتُمْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ فَإِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى أَلْطَافاً خَفِيَّةً فِي خَلْقِهِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ثُمَّ قَالُوا أَعْطَاكَ اللَّهُ هَذِهِ الْقُدْرَةَ الْبَاهِرَةَ وَ أَنْتَ تَسْتَنْهِضُ النَّاسَ لِقِتَالِ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَبَّدَهُمْ بِمُجَاهَدَةِ الْكُفَّارِ وَ الْمُنَافِقِينَ وَ النَّاكِثِينَ وَ الْقَاسِطِينَ وَ الْمَارِقِينَ وَ اللَّهِ لَوْ شِئْتُ لَمَدَدْتُ يَدِي هَذِهِ الْقَصِيرَةَ فِي أَرْضِكُمْ هَذِهِ الطَّوِيلَةِ وَ ضَرَبْتُ بِهَا صَدْرَ مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ وَ أَجْذِبُ بِهَا مِنْ شَارِبِهِ أَوْ قَالَ مِنْ لِحْيَتِهِ فَمَدَّ يَدَهُ وَ رَدَّهَا وَ فِيهَا شَعَرَاتٌ كَثِيرَةٌ فَتَعَجَّبُوا مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ وَصَلَ الْخَبَرُ بَعْدَ مُدَّةٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ سَقَطَ مِنْ سَرِيرِهِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي كَانَ(ع)مَدَّ يَدَهُ وَ غُشِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ وَ افْتُقِدَ مِنْ شَارِبِهِ وَ لِحْيَتِهِ شَعَرَاتٌ.
بيان الأروع من الرجال الذي يعجبك حسنه و العجرفة الخرق و قلة المبالاة و يقال دمدم عليه أي كلمه مغضبا.
37-
كِتَابُ الْحُسَيْنِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: تَقُولُ الْجَنَّةُ يَا رَبِّ مَلَأْتَ النَّارَ كَمَا وَعَدْتَهَا فَامْلَأْنِي كَمَا وَعَدْتَنِي قَالَ فَيَخْلُقُ اللَّهُ خَلْقاً يَوْمَئِذٍ فَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)طُوبَى لَهُمْ لَمْ يَرَوْا أَهْوَالَ الدُّنْيَا وَ لَا غُمُومَهَا.
38-
الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ الْآيَةَ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا قَتَلُوا أَنْبِيَاءَهُمْ وَ كَفَرُوا وَ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطاً تَبَرَّأَ سِبْطٌ مِنْهُمْ مِمَّا صَنَعُوا وَ اعْتَذَرُوا وَ سَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَهُمْ فَفَتَحَ اللَّهُ لَهُمْ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ فَسَارُوا فِيهِ حَتَّى خَرَجُوا مِنْ وَرَاءِ الصِّينِ فَهُمْ هُنَالِكَ حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ يَسْتَقْبِلُونَ قِبْلَتَنَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَذَلِكَ قَوْلُهُ وَ قُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ
347
اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً (1) وَ وَعْدُ الْآخِرَةِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ سَارُوا فِي السَّرَبِ سَنَةً وَ نِصْفاً (2).
39-
وَ عَنْ مُقَاتِلٍ قَالَ: إِنَّ مِمَّا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّداً(ص)أَنَّهُ عَايَنَ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ قَوْمَ مُوسَى الَّذِينَ مِنْ وَرَاءِ الصِّينِ وَ ذَلِكَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ حِينَ عَمِلُوا بِالْمَعَاصِي وَ قَتَلُوا الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ دَعَوْا رَبَّهُمْ وَ هُمْ بِالْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ فَقَالُوا اللَّهُمَّ أَخْرِجْنَا مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ فَجَعَلَ سَرَباً فِي الْأَرْضِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ (3) وَ جَعَلَ مَعَهُمْ نَهَراً يَجْرِي وَ جَعَلَ لَهُمْ مِصْبَاحاً مِنْ نُورٍ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ فَسَارُوا فِيهِ سَنَةً وَ نِصْفاً وَ ذَلِكَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى مَجْلِسِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ فَأَخْرَجَهُمُ اللَّهُ إِلَى الْأَرْضِ تَجْتَمِعُ فِيهَا الْهَوَامُّ وَ الْبَهَائِمُ وَ السِّبَاعُ مُخْتَلِطِينَ بِهَا لَيْسَتْ فِيهَا ذُنُوبٌ وَ لَا مَعَاصٍ فَأَتَاهُمُ النَّبِيُّ(ص)تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَ مَعَهُ جَبْرَئِيلُ فَآمَنُوا بِهِ وَ صَدَّقُوهُ وَ عَلَّمَهُمُ الصَّلَاةَ وَ قَالُوا إِنَّ مُوسَى قَدْ بَشَّرَهُمْ بِهِ (4).
40-
وَ عَنِ السُّدِّيِ فِي قَوْلِهِ وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ قَالَ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ نَهَرٌ مِنْ سَهْلٍ يَعْنِي مِنْ رَمْلٍ يَجْرِي (5).
41-
وَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: هُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِ يَعْنِي سِبْطاً مِنْ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَوْمَ الْمَلْحَمَةِ الْعُظْمَى يَنْصُرُونَ الْإِسْلَامَ وَ أَهْلَهُ (6).
42-
وَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً مِنْ وَرَاءِ الْأَنْدُلُسِ لَا يَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ عَصَاهُ مَخْلُوقٌ رَضْرَاضُهُمُ (7) الدُّرُّ وَ الْيَاقُوتُ وَ جِبَالُهُمُ الذَّهَبُ وَ الْفِضَّةُ لَا يَزْرَعُونَ وَ لَا يَحْصُدُونَ وَ لَا يَعْمَلُونَ عَمَلًا لَهُمْ شَجَرٌ عَلَى أَبْوَابِهِمْ لَهَا أَوْرَاقٌ عِرَاضٌ هِيَ لَبُوسُهُمْ
____________
(1) الإسراء: 104.
(2) الدّر المنثور: ج 3،(ص)136.
(3) في المخطوطة «فيه» و كذا في المصدر.
(4) الدّر المنثور: ج 3،(ص)136.
(5) الدّر المنثور: ج 3،(ص)136.
(6) الدّر المنثور: ج 3،(ص)136.
(7) الرضراض: ما صغر و دق من الحصى.
348
وَ لَهُمْ شَجَرٌ عَلَى أَبْوَابِهِمْ لَهَا ثَمَرٌ فَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (1).
43-
وَ عَنْ بَعْضِ أَئِمَّةِ الْكُوفَةِ قَالَ: قَامَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَصَدَ نَحْوَهُمْ فَسَكَتُوا فَقَالَ مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ قَالُوا نَظَرْنَا إِلَى الشَّمْسِ فَتَفَكَّرْنَا فِيهَا مِنْ أَيْنَ تَجِيءُ وَ أَيْنَ تَذْهَبُ وَ تَفَكَّرْنَا فِي خَلْقِ اللَّهِ فَقَالَ كَذَلِكَ فَافْعَلُوا وَ تَفَكَّرُوا فِي خَلْقِ اللَّهِ وَ لَا تَفَكَّرُوا فِي اللَّهِ فَإِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى وَرَاءَ الْمَغْرِبِ أَرْضاً بَيْضَاءَ بَيَاضُهَا وَ نُورُهَا مَسِيرَةَ الشَّمْسِ أَرْبَعِينَ يَوْماً فِيهَا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ لَمْ يَعْصُوا اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ قِيلَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مِنْ وُلْدِ آدَمَ هُمْ قَالَ مَا يَدْرُونَ خُلِقَ آدَمُ أَمْ لَمْ يُخْلَقْ قِيلَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَأَيْنَ إِبْلِيسُ عَنْهُمْ قَالَ مَا يَدْرُونَ خُلِقَ إِبْلِيسُ أَمْ لَمْ يُخْلَقْ.
44-
وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ حَلَقٌ حَلَقٌ فَقَالَ لَنَا فِيمَ أَنْتُمْ قُلْنَا نَتَفَكَّرُ فِي الشَّمْسِ كَيْفَ طَلَعَتْ وَ كَيْفَ غَرَبَتْ قَالَ أَحْسَنْتُمْ كُونُوا هَكَذَا تَفَكَّرُوا فِي الْمَخْلُوقِ وَ لَا تَفَكَّرُوا فِي الْخَالِقِ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ مَا شَاءَ لِمَا شَاءَ وَ تَعَجَّبُونَ مِنْ ذَلِكَ إِنَّ مِنْ وَرَاءِ قَافٍ سَبْعَ بِحَارٍ كُلُّ بِحَارٍ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ وَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ سَبْعُ أَرَضِينَ يُضِيءُ نُورُهَا لِأَهْلِهَا وَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ سَبْعِينَ أَلْفَ أُمَّةٍ خُلِقُوا عَلَى أَمْثَالِ الطَّيْرِ هُوَ وَ فَرْخُهُ فِي الْهَوَاءِ لَا يَفْتُرُونَ عَنْ تَسْبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ وَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ سَبْعِينَ أَلْفَ أُمَّةٍ خُلِقُوا مِنْ رِيحٍ فَطَعَامُهُمْ رِيحٌ وَ شَرَابُهُمْ رِيحٌ وَ ثِيَابُهُمْ مِنْ رِيحٍ وَ آنِيَتُهُمْ مِنْ رِيحٍ وَ دَوَابُّهُمْ مِنْ رِيحٍ لَا تَسْتَقِرُّ حَوَافِرُ دَوَابِّهِمْ إِلَى الْأَرْضِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ أَعْيُنُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ يَنَامُ أَحَدُهُمْ نَوْمَةً وَاحِدَةً يَنْتَبِهُ وَ رِزْقُهُ عِنْدَ رَأْسِهِ وَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ ظِلُّ الْعَرْشِ وَ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ سَبْعُونَ أَلْفَ أُمَّةٍ مَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وَ لَا وُلْدَ آدَمَ وَ لَا إِبْلِيسَ وَ لَا وُلْدَ إِبْلِيسَ وَ هُوَ قَوْلُهُ وَ يَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (2).
45-
وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَ الْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ قَالَ الْأَنَامُ الْخَلْقُ وَ هُمْ أَلْفُ أُمَّةٍ سِتُّمِائَةٍ فِي الْبَحْرِ وَ أَرْبَعُمِائَةٍ فِي الْبَرِّ (3).
____________
(1) الدّر المنثور: ج 3،(ص)136.
(2) النحل: 8.
(3) الدّر المنثور: ج 6، 141.
349
أقول: أوردت أخبارا كثيرة من هذا الباب في المجلد السابع في باب أنهم الحجة على جميع العوالم و جميع المخلوقات.
46-
وَ رَوَى الْكَفْعَمِيُّ وَ الْبُرْسِيُّ فِي فَضْلِ الدُّعَاءِ الْمَعْرُوفِ بِالْجَوْشَنِ الْكَبِيرِ بِإِسْنَادَيْهِمَا عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ آبَائِهِ(ع)عَنِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّهُ قَالَ لَهُ جَبْرَئِيلُ وَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيّاً إِنَّ خَلْفَ الْمَغْرِبِ أَرْضاً بَيْضَاءَ فِيهَا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَعْبُدُونَهُ وَ لَا يَعْصُونَهُ وَ قَدْ تَمَزَّقَتْ لُحُومُهُمْ وَ وُجُوهُهُمْ مِنَ الْبُكَاءِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِمْ لِمَ تَبْكُونَ وَ لَمْ تَعْصُونِي طَرْفَةَ عَيْنٍ قَالَ نَخْشَى أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَ يُعَذِّبَنَا بِالنَّارِ قَالَ عَلِيٌّ(ع)قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ هُنَاكَ إِبْلِيسُ أَوْ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ فَقَالَ وَ الَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبِيّاً مَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وَ لَا إِبْلِيسَ وَ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ وَ مَسِيرُ الشَّمْسِ فِي بِلَادِهِمْ أَرْبَعُونَ يَوْماً لَا يَأْكُلُونَ وَ لَا يَشْرَبُونَ (1) الْخَبَرَ.
تذنيب
اعلم أن الأخبار الواردة في هذا الباب غريبة و بعضها غير معتبرة الأسانيد كروايات البرسي و جامع الأخبار و المأخوذ من الكتاب القديم و بعضها معتبرة مأخوذة من أصول القدماء و ليس ما تتضمنها بعيدا من قدرة الله تعالى (2)
____________
(1) قد حاول بعض علماء العصر تطبيق هذه الأرض على الكوكبة المكتشفة اخيرا المسماة ب «فلكان» بتقريب انها لمكان قربها من الشمس انور الكواكب و لذا وصف بانها بيضاء، و لما كانت تدور حول الشمس في عشرين يوما و كل يوم مشتمل على نهار و ليلة و كثيرا ما يطلق اليوم على النهار فقط صح أن يقال انها تدور حول الشمس أربعين يوما و انت خبير بأن الرواية تأبى عن هذه التكلفات و التعسفات كل الآباء، فان ظاهر قوله «مسير الشمس في بلادهم أربعون يوما» ان اليوم في بلادهم يساوى أربعين يوما في بلادنا لا أن السنة فيها تساوى أربعين يوما، على ان هذه الكوكبة أشد حرارتها غير قابلة لنشوء موجود حى فيها الا أن يكون المراد باهلها الملائكة بقرينة قوله «لا يأكلون و لا يشربون» فتأمل.
(2) الاخبار الموردة في هذا الباب مع قطع النظر عن ضعافها التي لا يوثق بصدورها لا تجرى جميعا مجرى واحدا في المضمون و الدلالة، و التعرض لكل واحد منها على حدة و التدقيق في ما يشتمل عليه من الدقائق و تحقيق ما تشير إليه من الحقائق يؤدى إلى تطويل ممل لكن.
350
و جابلقا و جابرسا ذكرهما اللغويون على وجه آخر قال الفيروزآبادي جابلص بفتح الباء و اللام أو سكونها بلد بالمغرب و ليس وراءه إنسي
____________
لا بأس بالاشارة الى مهام ما يستفاد منها و هي امور:
الأول: ان خلق اللّه تبارك و تعالى لا ينحصر في ابينا آدم و ذريته، فقد خلق قبله خلائق كثيرة و سيخلق بعد انقراضهم ايضا، قال (عليه السلام) «أو ترى ان اللّه عزّ و جلّ لم يخلق بشرا غيركم؟
بلى و اللّه لقد خلق اللّه تبارك و تعالى ألف ألف عالم و ألف ألف آدم» و قال (عليه السلام) «لعلكم ترون أنّه إذا كان يوم القيامة ... لا يعبد في بلاده و لا يخلق خلقا يعبدونه و يوحدونه؟ ...» إلى غير ذلك.
الثاني: ان وراء هذه المنظومة الشمسية المشتملة على شمس و ارض و كواكب و اقمار منظومات شمسية اخرى مشتملة على شموس و كواكب و اقمار كثيرة و أن لها أهلين في الجملة قال (عليه السلام) «ان وراء عين شمسكم هذه أربعين عين شمس: و ان وراء قمركم أربعين قمرا» و قال (عليه السلام) لما نظر إلى السماء «هذه قبة ابينا آدم و ان للّه عزّ و جلّ سواها تسعة و ثلاثين قمة فيها خلق ما عصوا اللّه طرفة عين» و غير خفى على اللبيب المتأمل ان اظهار هذا المعنى في عصر لم يكن يتوهم أحد ذلك و لا يقبله لو لا تسليمه لائمة الدين و أهل بيت العصمة و اليقين كاشف عن اعتماد القائلين على مبدإ علمى الهى، و اخذهم من منبع غزير ربانى، و إلّا فمن كان يجترئ على التفوه بان عير الشمس التي كان بزعم انها مركوزة في الفلك الرابع و القمر الذي كان يزعم انه مركوز في الفلك الأول تكون شموس و اقمار اخرى؟ و هذا لعمر الحق من أعظم الكرامات، و ادل الدلائل على امامة أهل البيت (عليهم السلام)، و قد كان هذا العلم مخزونا في كتب الشيعة مكنونا عند اهله حتى كشف التجارب العلمية و المكبرات العظيمة النقاب عن وجهه و الغطاء عن سره.
الثالث: أن وراء هذا العالم المادى عوالم اخرى تغيب عن حواسنا، و لا تنالها علومنا المتعارفة، و هي محيطة بهذا العالم نحو احاطة، و باطنة فيه نحو بطون، و خارجة عنه نحو خروج و قد أراها اللّه بعض اوليائه و عباده الصالحين و هو على ما يشاء قدير.
قال زين العابدين (عليه السلام) للمنجم: «هل أدلك على رجل قد مر مذ دخلت علينا في اربع عشر عالما كل عالم أكبر من الدنيا ثلاث مرّات لم يتحرك من مكانه؟!» فان المرور في تلك العوالم الكبيرة في زمن يسير في الغاية مع عدم التحرك من المكان إنّما يتصور بغير هذا البدن المادى الذي لا يمكن أن يسير إلّا بالحركة و الانتقال، و في عوالم خارجة من عالم المادة، مطلقة من قيودها و حدودها و قال الصادق (عليه السلام) في بيان حال أهل المدينتين «و طعامهم التسبيح» فان ذلك ليس من شأن الموجود المادى، و يمكن أن يكون حديث اراءة الملكوت لجابر و حديث خيام.
351
و جابلق بلد بالمشرق (1) انتهى و يقال إن فيهما أو في إحداهما أصحاب القائم(ع)و الصوفية و المتألهون من الحكماء أولوا أكثر هذه الأخبار بعالم المثال قال شارح المقاصد ذهب بعض المتألهين من الحكماء و نسب إلى القدماء أن بين عالمي المحسوس و المعقول واسطة تسمى عالم المثل ليس في تجرد المجردات و لا في مخالطة الماديات و فيه لكل موجود من المجردات و الأجسام و الأعراض و الحركات و السكنات و الأوضاع و الهيئات و الطعوم و الروائح مثال قائم بذاته معلق لا في مادة و محل يظهر للحس بمعونة مظهر كالمرآة و الخيال و الماء و الهواء و نحو ذلك و قد ينتقل من مظهر إلى مظهر و قد يبطل كما إذا فسدت المرآة و الخيال أو زالت المقابلة أو التخيل و بالجملة هو عالم عظيم الفسحة غير متناه يحذو حذو العالم الحسي في دوام حركة أفلاكه المثالية و قبول عناصره و مركباته آثار حركات أفلاكه و إشراقات العالم العقلي و هذا ما قال الأقدمون أن في الوجود عالما مقداريا غير العالم الحسي لا يتناهى عجائبه و لا تحصى مدنه و من جملة تلك المدن جابلقا و جابرسا و هما مدينتان عظيمتان لكل منهما ألف باب لا يحصى ما فيها من الخلائق و من هذا عالم يكون فيه الملائكة
____________
رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أهل بيته (عليهم السلام) و ما ضاهاهما أيضا ناظرة إلى هذه العوالم و اللّه أعلم.
و بالجملة يستفاد من هذه الروايات ان تلك العوالم اشرف و ألطف من عالم المادة و إن لم تخل عن المقادير و العوارض الجسمانية مطلقا، فتنطبق على عالم المثال، لكن لا يوجب ذلك اثبات جميع الخواص التي يأتي نقلها عن شارح المقاصد لها، فان جلها لا يخلو عن مناقشة كظهور الصور المثالية في المرآة و ادراكها عند غلبة الخوف و الأمراض، فان ما يصحّ من ذلك إنّما هو من خواص المثال الأصغر الذي هو من مراتب النفس الانسانية و الكلام في العوالم الخارجية و ما يجىء من طعن العلامة المؤلّف- (رحمه اللّه)- على هذا القول انما هو للالتزام بهذه الخصوصيات و الا فهو لا ينكر الموجود المثالى رأسا، كيف و قد اذعن بصراحة روايات كثيرة في اثباته، و به صحح كثيرا من المسائل الاعتقادية كما أشار الى بعضها في ذيل هذا الباب.
(1) القاموس: ج 2،(ص)297، و ج 3،(ص)217.
352
و الجن و الشياطين و الغيلان لكونها من قبيل المثل أو النفوس الناطقة المفارقة الظاهرة فيها و به يظهر المجردات في صور مختلفة بالحسن و القبح و اللطافة و الكثافة و غير ذلك بحسب استعداد القابل و الفاعل و عليه بنوا أمر المعاد الجسماني فإن البدن المثالي الذي يتصرف فيه النفس حكمه حكم البدن الحسي في أن له جميع الحواس الظاهرة و الباطنة فيلتذ (1) و يتألم باللذات و الآلام الجسمانية و أيضا تكون من الصور المعلقة نورانية فيها نعيم السعداء و ظلمانية فيها عذاب الأشقياء و كذا أمر المنامات و كثير من الإدراكات فإن جميع ما يرى في المنام أو التخيل في اليقظة بل نشاهد في الأمراض و عند غلبة الخوف و نحو ذلك من الصور المقدارية التي لا تحقق لها في عالم الحس كلها من عالم المثل و كذا كثير من الغرائب و خوارق العادات كما يحكى عن بعض الأولياء أنه مع إقامته ببلدته كان من حاضري المسجد الحرام أيام الحج و أنه ظهر من بعض جدران البيت أو خرج من بيت مسدود الأبواب و الكواء و أنه أحضر بعض الأشخاص و الثمار أو غير ذلك من مسافة بعيدة جدا في زمان قريبة إلى غير ذلك و القائلون بهذا العالم منهم من يدعي ثبوته بالمكاشفة و التجارب الصحيحة و منهم من يحتج بأن ما يشاهد من تلك الصور الجزئية ليست عدما صرفا و لا من عالم الماديات و هو ظاهر و لا من عالم العقل لكونها ذوات مقدار و لا مرتسمة في الأجزاء الدماغية لامتناع ارتسام الكبير في الصغير و لما كانت الدعوى عالية و الشبه واهيه كما سبق لم يلتفت إليه المحققون من الحكماء و المتكلمين انتهى.
و نقل بعضهم عن المعلم الأول في الرد على من قال إن العالم الجسماني أكثر من واحد و قد قالت متألهو الحكماء كهرمس و أنباذقلس و فيثاغورس و أفلاطون و غيرهم من الأفاضل القدماء إن في الوجود عوالم أخرى ذوات مقادير غير هذا العالم الذي نحن فيه و غير النفس و العقل و فيها العجائب و الغرائب و فيها من البلاد و العباد و الأنهار و البحار و الأشجار و الصور المليحة و القبيحة
____________
(1) فيتلذذ (خ).
353
ما لا يتناهى و يقع هذا العالم في الإقليم الثامن الذي فيه جابلقا و جابرسا و هو إقليم ذات العجائب و هي في وسط ترتيب العوالم و لهذا العالم أفقان الأول و هو ألطف من الفلك الأقصى الذي نحن فيه و هو يقع (1) من إدراك الحواس و الأفق الأعلى يلي النفس الناطقة و هو أكثف منها و الطبقات المختلفة الأنواع من اللطيفة و الكثيفة و المتلذذة و المبهجة و المولمة و المزعجة لا يتناهى بينهما و لا بد لك من المرور عليه و قد يشاهد هذا العالم بعض الكهنة و السحرة و أهل العلوم الروحانية فعليك بالإيمان بها و إياك و الإنكار.
و قال أرسطو في أثولوجيا من وراء هذا العالم سماء و أرض و بحر و حيوان و نبات و ناس سماويون و كل من في هذا العالم الجسماني و ليس هناك شيء أرضي و الروحانيون الذي هناك ملائمون للإنس الذي هناك لا ينفر بعضهم عن بعض و كل واحد لا ينفر عن صاحبه و لا يضاده بل يستريح إليه.
و قال صاحب الفتوحات في كل خلق الله تعالى عوالم يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ و خلق الله من جملة عوالمها عالما على صورنا إذا أبصرها العارف يشاهد نفسه فيها و قد أشار إلى ذلك
- عبد الله بن عباس فيما روي عنه في حديث هذه الكعبة و أنها بيت واحد من أربعة عشر بيتا و أن في كل أرض من الأرضين السبع خلقا مثلنا حتى أن فيهم ابن عباس مثلي.
و صدقت هذه الرواية عند أهل الكشف و كل منها حي ناطق و هي باقية لا تفنى و لا تتبدل و إذا دخلها العارفون إنما يدخلون بأرواحهم لا بأجسامهم فيتركون هياكلهم في هذه الأرض الدنيا و يتجردون و فيها مدائن لا تحصى و بعضها تسمى مدائن النور لا يدخلها من العارفين إلا كل مصطفى مختار و كل حديث و آية وردت عندنا مما صرفها العقل من ظاهرها وجدناها على ظاهرها في هذه الأرض و كل جسد يتشكل فيه الروحاني من ملك و جن و كل صورة يرى الإنسان فيها نفسه في النوم فمن أجساد هذه الأرض انتهى.
____________
(1) يقطع (خ).
354
و أقول ما أشبه هذه المزخرفات بالخرافات و الخيالات الواهية و الأوهام الفاسدة و لا يتوقف تصحيح شيء مما ذكروه على القول بهذا المذهب السخيف و بسط القول فيه يؤدي إلى الإطناب و أما الأجساد المثالية التي قلنا بها فليس من هذا القبيل كما عرفت تحقيقه في المجلد الثالث و أكثر أخبار هذا الباب يمكن حملها على ظواهرها إذ لم يدر أحد سوى الأنبياء و الأوصياء ما حول جميع العوالم حتى يحكم بعدمها و ما قاله الحكماء و الرياضيون في ذلك فهو على الخرص و التخمين و الله الهادي إلى الحق المبين
تنبيه
قد يستدل على ثبوت عالم المثال
- بِمَا رَوَاهُ الشَّيْخُ الْبَهَائِيُّ ره فِي كِتَابِ مِفْتَاحِ الْفَلَاحِ عِنْدَ تَأْوِيلِ مَا وَرَدَ فِي دُعَاءِ التَّعْقِيبِ يَا مَنْ أَظْهَرَ الْجَمِيلَ وَ سَتَرَ الْقَبِيحَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَ لَهُ مِثَالٌ فِي الْعَرْشِ فَإِذَا اشْتَغَلَ بِالرُّكُوعِ وَ السُّجُودِ وَ نَحْوِهِمَا فَعَلَ مِثَالُهُ مِثْلَ فِعْلِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَرَاهُ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ الْعَرْشِ وَ يُصَلُّونَ (1) وَ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ وَ إِذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَعْصِيَةٍ أَرْخَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مِثَالِهِ سِتْراً لِئَلَّا تَطَّلِعَ الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهَا فَهَذَا تَأْوِيلُ يَا مَنْ أَظْهَرَ الْجَمِيلَ وَ سَتَرَ الْقَبِيحَ.
انتهى.
و أقول و إن أمكن تأويله (2) على ما ذكروه لكن ليس فيه دلالة على الخصوصيات التي أثبتوها و لا على عمومها في كل شيء و كذا الكلام فيما ورد من كون صورة أمير المؤمنين و الحسنين(ع)و رؤية الرسول(ص)و آدم(ع)أشباح الأئمة(ع)عن يمين العرش و أمثال ذلك كثيرة و الكلام في الجميع واحد و نحن لا ننكر وجود الأجسام المثالية و تعلق الأرواح بها بعد الموت بل نثبتها لدلالة الأحاديث المعتبرة الصريحة عليها بل لا يبعد عندي وجودها قبل الموت أيضا فتتعلق
____________
(1) في المخطوطة: فيصلون.
(2) في المخطوطة: تطبيقه.
355
بها الأرواح في حال النوم و شبهه من الأحوال التي يضعف تعلقها بالأجساد الأصلية فيسير بها في عوالم الملك و الملكوت و لا أستبعد في الأرواح القوية تعلقها بالأجساد المثالية الكثيرة و تصرفها في جميعها في حالة واحدة فلا يستبعد حضورهم في آن واحد عند جمع كثير من المحتضرين و غيرهم لكن على وجه لا ينافي القواعد العقلية و القوانين الشرعية و هذا المقام لا يسع لبسط القول فيها و بعض العقول القاصرة عن درك الحقائق الخفية ربما لم يحتملها فلذا طويناها على غرها و الله الموفق لنيل غوامض الدقائق و سرها
باب 3 أنه لم سميت الدنيا دنيا و الآخرة آخرة
1- الْعِلَلُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ (1) مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ بِإِسْنَادِهِ رَفَعَهُ قَالَ: أَتَى عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ(ع)يَهُودِيٌّ فَسَأَلَهُ عَنْ مَسَائِلَ فَكَانَ فِيمَا يَسْأَلُهُ (2) لِمَ سُمِّيَتِ الدُّنْيَا دُنْيَا وَ لِمَ سُمِّيَتِ الْآخِرَةُ آخِرَةً فَقَالَ(ع)إِنَّمَا سُمِّيَتِ الدُّنْيَا دُنْيَا لِأَنَّهَا أَدْنَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَ سُمِّيَتِ الْآخِرَةُ آخِرَةً لِأَنَّ فِيهَا الْجَزَاءَ وَ الثَّوَابَ (3).
____________
(1) الظاهر أنّه عليّ بن أحمد الدقاق، و روى الصدوق- ره- في التوحيد و غيره من كتبه عنه و عن عليّ بن أحمد بن محمّد، و عن عليّ بن أحمد بن محمّد بن عمران، و في الفقيه عن عليّ بن أحمد بن موسى الدقاق، و في كمال الدين (177) عن عليّ بن أحمد بن محمّد بن موسى بن عمران و الظاهر اتّحاد الجميع، قال الوحيد- ره- الظاهر ان عليّ بن أحمد بن محمّد بن عمران من مشايخ الصدوق و هو عليّ بن أحمد بن موسى الدقاق، و قال في تنقيح المقال: لم اقف على رواية الصدوق عمن سماه (يعنى الوحيد) و اتّحاد عليّ بن أحمد بن موسى مع عليّ بن أحمد بن محمّد بن عمران بعيد جدا (انتهى) لكن روايته عن أحمد بن محمّد بن عمران كثيرة في التوحيد و سائر كتبه و ما رواه في كمال الدين يقرب ما استبعده و يؤيد ما استظهره الوحيد (رحمهما اللّه) بل ما استظهرنا من اتّحاد الجميع و اللّه العالم.
(2) في المخطوطة: فى ما سأله.
(3) علل الشرائع: ج 1،(ص)2.
356
2- وَ مِنْهُ، فِيمَا سَأَلَ يَزِيدُ بْنُ سَلَّامٍ النَّبِيَّ(ص)سَأَلَهُ عَنِ الدُّنْيَا لِمَ سُمِّيَتِ الدُّنْيَا قَالَ لِأَنَّ الدُّنْيَا دَنِيَّةٌ خُلِقَتْ مِنْ دُونِ الْآخِرَةِ وَ لَوْ خُلِقَتْ مَعَ الْآخِرَةِ لَمْ يَفْنَ أَهْلُهَا كَمَا لَا يَفْنَى أَهْلُ الْآخِرَةِ قَالَ فَأَخْبِرْنِي لِمَ سُمِّيَتِ الْآخِرَةُ آخِرَةً قَالَ لِأَنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ تَجِيءُ مِنْ بَعْدِ الدُّنْيَا لَا تُوصَفُ سِنِينُهَا وَ لَا تُحْصَى أَيَّامُهَا وَ لَا يَمُوتُ سُكَّانُهَا (1) الْخَبَرَ.
بيان قوله في الخبر الأول لأنها أدنى من كل شيء أي أقرب بحسب المكان أو بحسب الزمان أو أخس و أرذل على وفق الخبر الثاني و قوله لأن فيها الجزاء لعله بيان لملزوم العلة أي لما كان فيها الجزاء و الجزاء متأخر عن العمل فلذا جعلت بعد الدنيا و سميت بذلك قال الله عز و جل يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى (2) يعني الدنيا من الدنو بمعنى القرب و قال سبحانه وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى (3) و بالجملة الأدنى و الدنيا يصرفان على وجوه فتارة يعبر به عن الأقل فيقابل بالأكثر و الأكبر و تارة عن الأرذل و الأحقر فيقابل بالأعلى و الأفضل و تارة عن الأقرب فيقابل بالأقصى و تارة عن الأولى فيقابل بالآخرة و بجميع ذلك ورد التنزيل على بعض الوجوه و قال الجزري الدنيا اسم لهذه الحياة لبعد الآخرة عنها.
____________
(1) علل الشرائع ج 2،(ص)156.
(2) الأعراف: 169.
(3) الرعد: 21.
357
باب 4 القلم و اللوح المحفوظ و الكتاب المبين و الإمام المبين و أم الكتاب
الآيات هود وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَ مُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (1) طه قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَ لا يَنْسى (2) الحج أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (3) النمل وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (4) سبأ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ وَ لا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (5) فاطر وَ ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (6) يس وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (7) الزخرف وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (8)
____________
(1) هود: 6.
(2) طه: 52.
(3) الحجّ: 70.
(4) النمل: 75.
(5) سبأ: 3.
(6) فاطر: 11.
(7) يس: 12.
(8) الزخرف: 4.
358
ق وَ عِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (1) الطور وَ كِتابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (2) الحديد 22 ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ (3) القلم ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ (4) النبأ وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (5) البروج بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (6) تفسير قال الطبرسي ره كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ هذا إخبار منه سبحانه أن جميع ذلك مكتوب في كتاب ظاهر و هو اللوح المحفوظ و إنما أثبت ذلك مع أنه عالم لذاته لا يعزب عن علمه شيء من مخلوقاته لما فيه من اللطف للملائكة أو لمن يخبر بذلك (7).
و قال ره في قوله سبحانه عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي أي أعمالهم محفوظة عند الله يجازيهم بها و التقدير علم أعمالهم عند ربي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ و المعنى أن أعمالهم مكتوبة مثبتة عليهم و قيل المراد بالكتاب ما تكتبه الملائكة لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يذهب عليه شيء و قيل أي لا يخطئ ربي وَ لا يَنْسى من النسيان أو بمعنى الترك (8).
و قال الرازي في قوله تعالى إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ في الكتاب قولان أحدهما و هو قول أبي مسلم إن معنى الكتاب الحفظ و الضبط و الشد يقال كتبت
____________
(1) ق: 4.
(2) الطور: 2- 3.
(3) الحديد: 22.
(4) القلم: 1.
(5) النبأ: 29.
(6) البروج: 21- 22.
(7) مجمع البيان: ج 5،(ص)144.
(8) مجمع البيان: ج 7،(ص)13.
359
المزادة (1) إذا خرزتها فحفظت بذلك ما فيها و معنى الكتاب بين الناس حفظ ما يتعاملون به فالمراد من قوله إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ أنه محفوظ عنده.
و الثاني و هو قول الجمهور إن كل ما يحدثه الله في السماوات و الأرض كتبه (2) في اللوح المحفوظ و هذا أولى لأن القول الأول و إن كان صحيحا نظرا إلى الاشتقاق و لكن الواجب حمل اللفظ على المتعارف و معلوم أن الكتاب هو ما تكتب فيه الأمور فكان حمله عليه أولى فإن قيل يوهم ذلك أن علمه مستفاد من الكتاب و أيضا فأي فائدة في ذلك الكتاب فالجواب عن الأول أن كتبه تلك الأشياء في ذلك الكتاب مع كونها مطابقة للموجودات من أدل الدلائل على أنه سبحانه غني في علمه عن ذلك الكتاب و عن الثاني أن الملائكة ينظرون فيه ثم يرون الحوادث داخلة في الوجود على وفقه فصار ذلك دليلا لهم زائدا على كونه سبحانه عالما بكل المعلومات و أما قوله إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ فمعناه أن كتبه جملة الحوادث مع أنها من الغيب مما يتعذر على الخلق لكنها بحيث متى أرادها الله تعالى كانت يعبر عن ذلك بأنه يسير و إن كان هذا الوصف لا يستعمل إلا فينا من حيث تسهل و تصعب علينا الأمور و يتعالى (3) الله عن ذلك (4).
و قال الطبرسي ره في قوله سبحانه وَ ما مِنْ غائِبَةٍ أي خصلة غائبة فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ يعني جميع ما أخفاه عن خلقه و غيبه عنهم إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ أي إلا و هو مبين في اللوح المحفوظ (5).
لا يَعْزُبُ عَنْهُ أي لا يفوته إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ يعني اللوح المحفوظ (6)
____________
(1) المزادة- بفتح الميم-: ما يوضع فيه الزاد، و خرزها- بالخاء المعجمة ثمّ الراء المهملة ثمّ الزاى المعجمة-: شدها و إحكامها. و في المصدر: كتبت المزادة اكتبها.
(2) في المصدر: فقد كتبه.
(3) في المصدر: تعالى.
(4) مفاتيح الغيب، ج 6،(ص)259.
(5) مجمع البيان: ج 7،(ص)232.
(6) مجمع البيان: ج 8(ص)377.
360
و في قوله وَ ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ أي لا يمد في عمر معمر وَ لا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ أي من عمر ذلك المعمر بانقضاء الأوقات عليه و قيل معناه و لا ينقص من عمر غير ذلك المعمر و قيل هو ما يعلمه الله إن فلانا لو أطاع لبقي إلى وقت كذا و إذا عصى نقص عمره فلا يبقى إِلَّا فِي كِتابٍ أي إلا و ذلك مثبت في اللوح المحفوظ (1) و قال وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ أي أحصينا و عددنا كل شيء من الحوادث في كتاب ظاهر و هو اللوح المحفوظ و قيل أراد به صحائف الأعمال (2).
أقول و قد ورد في كثير من الأخبار أن المراد بالإمام المبين أمير المؤمنين(ع)كما مر. وَ إِنَّهُ أي القرآن فِي أُمِّ الْكِتابِ في اللوح المحفوظ فإنه أصل الكتب السماوية لَدَيْنا لَعَلِيٌ رفيع الشأن حَكِيمٌ ذو حكمة بالغة كذا قيل و في كثير من الأخبار أن الضمير راجع إلى أمير المؤمنين(ع)و المراد بأم الكتاب السورة الفاتحة فإنه(ع)مكتوب فيها في قوله تعالى اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ قالوا الصراط المستقيم هو أمير المؤمنين(ع)و معرفته و طريقته.
وَ عِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ قال الطبرسي ره أي حافظ لعدتهم و أسمائهم و هو اللوح المحفوظ و قيل أي محفوظ عن البلى و الدروس و هو كتاب الحفظة (3).
وَ كِتابٍ مَسْطُورٍ أي مكتوب فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ و هو الكتاب الذي كتبه الله لملائكته في السماء يقرءون فيه ما كان و ما يكون و قيل هو القرآن مكتوب عند الله في اللوح (4) و هو الرق المنشور و قيل هو صحائف الأعمال و قيل هو التوراة و قيل إنه القرآن يكتبه المؤمنون في رق و ينشرونه لقراءته و الرق ما يكتب فيه (5).
____________
(1) مجمع البيان: ج 8(ص)403.
(2) مجمع البيان: ج 8(ص)418.
(3) مجمع البيان: ج 9(ص)141.
(4) في المصدر: فى اللوح المحفوظ.
(5) مجمع البيان: ج 9(ص)163.
361
و في قوله تعالى ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ مثل قحط المطر و قلة النبات و نقص الثمرات وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ من الأمراض و الثكل بالأولاد إِلَّا فِي كِتابٍ أي إلا و هو مثبت (1) في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الأنفس لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ أي فعلنا ذلك لكي لا تحزنوا على ما يفوتكم من نعم الدنيا وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ أي بما أعطاكم الله منها و الذي يوجب نفي الأسى و الفرح من هذين أن الإنسان إذا علم أن ما فات منها ضمن الله تعالى العوض عليه في الآخرة فلا ينبغي أن يحزن لذلك و إذا علم أن ما ناله منها كلف الشكر عليه و الحقوق الواجبة فيه فلا ينبغي أن يفرح به و أيضا إذا علم أن شيئا منها لا يبقى فلا ينبغي أن يهتم له بل يجب أن يهتم لأمر الآخرة التي تدوم و لا تبيد (2).
و قال البيضاوي مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها أي نخلقها و الضمير للمصيبة أو للأرض أو للأنفس و قال في قوله لِكَيْلا تَأْسَوْا فإن من علم أن الكل مقدر هان عليه الأمر و فيه إشعار بأن فواتها يلحقها إذا خليت و طباعها و أما حصولها و بقاؤها فلا بد لهما من سبب يوجدها و يبقيها و المراد منه نفي الأسى المانع من التسليم لأمر الله و الفرح الموجب للبطر و الاختيال و لذلك عقبه بقوله وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (3) انتهى.
و قال الطبرسي ره اختلف في معنى نون فقيل هو اسم من أسماء السورة و قيل هو الحوت الذي عليه الأرضون عن ابن عباس و غيره و قيل هو حرف من حروف الرحمن في رواية أخرى عن ابن عباس و قيل هو الدواة عن الحسن و غيره و قيل هو لوح من نور
- وَ رُوِيَ مَرْفُوعاً إِلَى النَّبِيِّ(ص)أَنَّهُ قَالَ: هُوَ نَهَرٌ فِي الْجَنَّةِ قَالَ اللَّهُ لَهُ كُنْ مِدَاداً فَجَمَدَ وَ كَانَ أَبْيَضَ مِنَ اللَّبَنِ وَ أَحْلَى مِنَ الشَّهْدِ ثُمَّ قَالَ لِلْقَلَمِ اكْتُبْ فَكَتَبَ الْقَلَمُ مَا كَانَ وَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
____________
(1) في المصدر: يعنى إلّا و هو مثبت مذكور في اللوح المحفوظ.
(2) مجمع البيان: ج 9(ص)240.
(3) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)499.
362
عن أبي جعفر الباقر ع.
. و قيل المراد به الحوت في البحر و هو من آيات الله تعالى إذ خلقه من الماء فإذا فارق الماء مات كما أن حيوان البر إذا خالط الماء مات و القلم هو الذي يكتب به أقسم الله تعالى به لمنافع الخلق إذ هو أحد لساني الإنسان يؤدي عنه ما في جنانه و يبلغ البعيد عنه ما يبلغ القريب بلسانه و به يحفظ أحكام الدين و به تستقيم أمور العالمين و قد قيل إن البيان بيانان بيان اللسان و بيان البنان و بيان اللسان تدرسه الأعوام و بيان الأقلام باق على مر الأيام وَ ما يَسْطُرُونَ و ما تكتبه الملائكة مما يوحى إليهم و ما يكتبونه من أعمال بني آدم و قيل ما مصدرية (1) انتهى.
و قال الرازي و القلم فيه وجهان أحدهما أن المقسم به هو هذا الجنس و هو واقع على كل قلم في السماء و في الأرض كما قال وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (2) الثاني أن المقسم به هو القلم المعهود و الذي جاء في الخبر أول ما خلق الله القلم قال ابن عباس أول ما خلق الله القلم ثم قال اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة قال و هو قلم من نور طوله كما بين السماء و الأرض
- و روى مجاهد عنه قال إن أول ما خلق الله القلم فقال اكتب القدر فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة و إنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه.
قال القاضي هذا الخبر يجب حمله على المجاز لأن القلم الذي هو آلة مخصوصة في الكتابة لا يجوز أن يكون حيا عاقلا (3) فيؤمر و ينهى فإن الجمع بين كونه حيوانا مكلفا و بين كونه آلة الكتابة محال قال بل المراد أنه تعالى أجراه بكل ما يكون و هو كقوله فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (4) فإنه ليس هناك أمر
____________
(1) مجمع البيان: ج 10(ص)332.
(2) العلق: 4.
(3) بناء على كون القلم مجردا عن المادة يندفع هذا الاشكال لان التجرد لا ينفك عن العقل و الحياة فافهم.
(4) البقرة: 117.
363
و لا تكليف بل هو مجرد نفاذ القدرة في المقدور من غير منازعة و لا مدافعة و من الناس من زعم أن القلم المذكور هاهنا هو العقل و أنه شيء كالأصل لجميع المخلوقات قالوا و الدليل عليه أنه
- روي في الأخبار أنه أول ما خلق الله و في خبر آخر أن أول ما خلق الله العقل.
و في خبر آخر
- أول ما خلق الله جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فذابت.
إلى آخر ما مر قالوا فهذه الأخبار مجموعها تدل على أن العقل و القلم و تلك الجوهرة التي هي أصل المخلوقات شيء واحد و إلا لتناقض (1) انتهى.
أقول و يمكن الجمع بوجوه أخرى كما مر.
وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً قال البيضاوي كتابا مصدر لأحصيناه فإن الإحصاء و الكتبة مشاركان (2) في معنى الضبط أو لفعله المقدر أو حال بمعنى مكتوبا في اللوح أو صحف الحفظة (3).
فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ قال الرازي أي محفوظ عن أن يمسه إلا المطهرون أو عن اطلاع الخلق عليه سوى الملائكة المقربين أو عن يجري فيه تغيير و تبديل ثم قال قال بعض المتكلمين إن اللوح شيء يلوح للملائكة فيقرءونه فلما (4) كانت الأخبار و الآثار واردة بذلك وجب التصديق به (5) انتهى.
و أقول ما ورد في الكتاب و السنة من أمثال ذلك لا يجوز تأويله و التصرف فيه بمحض استبعاد الوهم بلا برهان و حجة و نص معارض يدعو إلى ذلك و ما ورد في بعض الأخبار
- أن اللوح و القلم ملكان.
لا ينافي ظاهره كما لا يخفى و يظهر من الأخبار أن لله عز و جل لوحين اللوح المحفوظ و هو لا يتغير و لوح المحو و الإثبات و فيه يكون البداء كما مر تحقيقه في بابه و يومئ إليه قوله سبحانه
____________
(1) في المصدر: و إلّا حصل التناقض. مفاتيح الغيب: ج 8،(ص)260.
(2) في المصدر: يتشاركان.
(3) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)589.
(4) في المخطوطة: و لما.
(5) مفاتيح الغيب: ج 8،(ص)528.
364
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (1) و ذكر الرازي في المحو و الإثبات وجوها إلى أن قال الثامن أنه في الأرزاق و المحن و المصائب يثبتها في الكتاب ثم يزيلها بالدعاء و الصدقة ثم قال و أما أُمِّ الْكِتابِ فالمراد أصل الكتاب و العرب تسمي كل ما يجري مجرى الأصل أما (2) و منه أم الرأس للدماغ و أم القرى لمكة فكذلك أم الكتاب هو الذي يكون أصلا لجميع الكتب و فيه قولان الأول أن أم الكتاب هو اللوح المحفوظ و جميع حوادث العالم العلوي و السفلي مثبت فيه
- عَنِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّهُ قَالَ: كَانَ اللَّهُ وَ لَا شَيْءَ (3) ثُمَّ خَلَقَ اللَّوْحَ وَ أَثْبَتَ فِيهِ جَمِيعَ أَحْوَالِ الْخَلْقِ (4) إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
و على هذا التقدير عند الله كتابان أحدهما الكتاب الذي تكتبه الملائكة على الخلق و ذلك الكتاب محل المحو و الإثبات و الكتاب الثاني اللوح المحفوظ و هو الكتاب المشتمل على تعيين نفس جميع الأحوال العلوية و السفلية و هو الباقي
- رَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي ثَلَاثِ سَاعَاتٍ بَقِينَ مِنَ اللَّيْلِ يَنْظُرُ فِي الْكِتَابِ الَّذِي لَا يَنْظُرُ فِيهِ أَحَدٌ غَيْرُهُ فَيَمْحُو مَا يَشَاءُ وَ يُثْبِتُ مَا يَشَاءُ.
. و القول الثاني أن أم الكتاب هو علم الله فإنه تعالى عالم بجميع المعلومات من الموجودات و المعدومات و المعلومات و إن تغيرت إلا أن علم الله تعالى بها باق منزه عن التغيير فالمراد بأم الكتاب هو ذاك (5) انتهى. و قال الطبرسي ره في تضاعيف الأقوال في ذلك الرابع أنه عام في كل شيء فيمحو من الرزق و يزيد فيه و من الأجل و يمحو (6) السعادة و الشقاوة و
- روى عكرمة
____________
(1) الرعد: 39.
(2) في المصدر: مجرى الأصل للشيء اما له.
(3) في المصدر: و لا شيء معه.
(4) في المصدر: أحوال جميع الخلق.
(5) مفاتيح الغيب: ج 5،(ص)309.
(6) في المصدر: فيمحو.
365
عن ابن عباس قال هما كتابان كتاب سوى أم الكتاب يمحو الله منه ما يشاء و يثبت و أم الكتاب لا يغير منه شيء و رواه عمران بن حصين عن النبي(ص)ثم قال و أم الكتاب هو اللوح المحفوظ الذي لا يغير و لا يبدل.
لأن الكتب المنزلة انتسخت منه فالمحو و الإثبات إنما يقع في الكتب المنتسخة لا في أصل الكتاب عن أكثر المفسرين و قيل سمي أم الكتاب لأنه الأصل الذي كتب فيه أولا سيكون كذا و كذا لكل ما يكون فإذا وقع كتب أنه قد كان ما قيل إنه سيكون و الوجه في ذلك ما فيه من المصلحة و الاعتبار لمن تفكر فيه من الملائكة الذين يشاهدونه إذا قابلوا ما يكون بما هو مكتوب فيه و علموا أن ما يحدث على كثرته قد أحصاه الله و علمه قبل أن يكون مع أن ذلك أهول في الصدور و أعظم في النفوس حتى كان من تصوره و تفكر فيه مشاهد له (1) انتهى.
و اعلم أن للحكماء في تلك الأبواب خرافات تنتهي إلى المحالات ثم إلى الزندقة و الخروج عن مذاهب أرباب الديانات و ردوا في لباس التأويل أكثر الآيات و الروايات و إن زعموا تطبيقها عليها بأنواع التمحلات فبعضهم يقول القلم هو العقل الأول و جميع صور الأشياء حاصلة فيه على وجه بسيط عقلي مقدس عن شائبة كثرة و تفصيل و هو صورة القضاء الإلهي و هو بهذا الاعتبار يسمى بأم الكتاب و منه ينتقش في ألواح النفوس الكلية السماوية كما ينتسخ بالقلم في اللوح صور معلومة مضبوطة منوطة بعللها و أسبابها على وجه كلي و هو قدره تعالى و من هذه النفوس الكلية ينتقش في قواها المنطبعة الخيالية نقوش جزئية متشكلة بأشكال و هيئات معينة على طبق ما يظهر في الخارج و هذا العالم هو لوح القدر كما أن عالم النفوس الكلية هو لوح القضاء و كل منهما بهذا الاعتبار كتاب مبين إلا أن الأول محفوظ من المحو و الإثبات و الثاني كتاب المحو و الإثبات و فيه يكون البداء لأن القوى المنطبعة الفلكية لم تحط بتفاصيل ما سيقع من الأمور دفعة واحدة لعدم تناهيها بل إنما ينتقش فيها الحوادث شيئا فشيئا و
____________
(1) مجمع البيان: ج 5،(ص)298.
366
جملة فجملة مع أسبابها و عللها على نهج مستمر و نظام مستقر فإن ما يحدث في عالم الكون و الفساد إنما هو من لوازم حركات الأفلاك و نتائج بركاتها فمتى يعلم أن كلما كان كذا كان كذا و مهما حصل العلم بأسباب حدوث أمر ما في هذا العالم حكمت بوقوعه فيه فينتقش فيها ذلك الحكم و ربما تأخر بعض الأسباب الموجب لوقوع الحادث على خلاف ما يوجبه بقية الأسباب لو لا ذلك السبب و لم يحصل لها العلم بذلك السبب بعد لعدم اطلاعها على سبب ذلك السبب ثم لما جاء أوانه و اطلعت عليه حكمت بخلاف الحكم الأول يمحو عنها نقش الحكم السابق و يثبت الحكم الآخر و لما كان أسباب هذا التخيل ينتهي إليه سبحانه نسب البداء إليها مع إحاطة علمه سبحانه بالكليات و الجزئيات جميعا أزلا و أبدا.
1-
تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ فَكَتَبَ مَا كَانَ وَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (1).
2-
وَ مِنْهُ، فِي قَوْلِهِ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ قَالَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ لَهُ طَرَفَانِ طَرَفٌ عَلَى يَمِينِ الْعَرْشِ وَ طَرَفٌ عَلَى جَبْهَةِ إِسْرَافِيلَ فَإِذَا تَكَلَّمَ الرَّبُّ جَلَّ ذِكْرُهُ بِالْوَحْيِ ضَرَبَ اللَّوْحُ جَبِينَ إِسْرَافِيلَ فَنَظَرَ فِي اللَّوْحِ فَيُوحِي بِمَا فِي اللَّوْحِ إِلَى جَبْرَئِيلَ (2).
3-
وَ مِنْهُ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْقَصِيرِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ ن وَ الْقَلَمِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْقَلَمَ مِنْ شَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهَا الْخُلْدُ ثُمَّ قَالَ لِنَهَرٍ فِي الْجَنَّةِ كُنْ مِدَاداً فَجَمَدَ النَّهَرُ وَ كَانَ أَشَدَّ بَيَاضاً مِنَ الثَّلْجِ وَ أَحْلَى مِنَ الشَّهْدِ ثُمَّ قَالَ لِلْقَلَمِ اكْتُبْ قَالَ يَا رَبِّ مَا أَكْتُبُ قَالَ اكْتُبْ مَا كَانَ وَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَكَتَبَ الْقَلَمُ فِي رَقٍّ أَشَدَّ بَيَاضاً مِنَ الْفِضَّةِ وَ أَصْفَى مِنَ الْيَاقُوتِ ثُمَّ طَوَاهُ فَجَعَلَهُ فِي رُكْنِ الْعَرْشِ ثُمَّ خَتَمَ عَلَى
____________
(1) تفسير القمّيّ: 536.
(2) تفسير القمّيّ: 720.
367
فَمِ الْقَلَمِ فَلَمْ يَنْطِقْ بَعْدُ وَ لَا يَنْطِقُ أَبَداً فَهُوَ الْكِتَابُ الْمَكْنُونُ الَّذِي مِنْهُ النُّسَخُ كُلُّهَا أَ وَ لَسْتُمْ عَرَباً فَكَيْفَ لَا تَعْرِفُونَ مَعْنَى الْكَلَامِ وَ أَحَدُكُمْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ انْسَخْ ذَلِكَ الْكِتَابَ أَ وَ لَيْسَ إِنَّمَا يُنْسَخُ مِنْ كِتَابٍ آخَرَ (1) مِنَ الْأَصْلِ وَ هُوَ قَوْلُهُ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (2).
بيان هذا يدل على أن أولية خلق القلم إضافية لسبق خلق الجنة عليه (3).
4-
الْعِلَلُ، قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَبَشِيِّ بْنِ قُونِيٍّ فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ عَنْ حُمَيْدِ (4) بْنِ زِيَادٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي الْعَلَاءِ الرَّازِيِ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقَالَ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ وَ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لِإِبْلِيسَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ وَ أَخْبِرْنِي عَنْ هَذَا الْبَيْتِ كَيْفَ صَارَ فَرِيضَةً عَلَى الْخَلْقِ أَنْ يَأْتُوهُ قَالَ فَالْتَفَتَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِلَيْهِ وَ قَالَ مَا سَأَلَنِي عَنْ مَسْأَلَتِكَ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَكَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمَّا قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ضَجَّتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ ذَلِكَ وَ قَالُوا يَا رَبِّ إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ جَاعِلًا فِي أَرْضِكَ خَلِيفَةً فَاجْعَلْهُ مِنَّا مَنْ يَعْمَلُ فِي خَلْقِكَ بِطَاعَتِكَ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ إِنِّي
____________
(1) في المصدر: اخذ من الأصل.
(2) تفسير القمّيّ: 960.
(3) الظاهر ممّا يأتي عن الصادق (عليه السلام) في رواية سفيان الثوري عنه أن ذكر كيفية خلق اللوح و القلم من نهر الخلد يجرى مجرى المثل، و حقيقة الامر انهما ملكان، و لا يبعد استظهار ذلك من كل ما يدلّ على كونهما ملكين. و ربما يؤيد ذلك ما يدلّ على تأخر خلق الجنة عن خلق القلم فتأمل.
(4) هكذا في نسخ البحار، و في المصدر «جميل بن زياد» و الظاهر ان نسخة البحار هو الصحيح، لكثرة رواية «حميد بن زياد» عن القاسم بن إسماعيل القرشيّ و وجود رواية «على بن حبشى» عنه، و هو حميد بن زياد بن حماد بن حماد بن زياد الدهقان أبو القاسم كوفيّ سكن «سوراء» و انتقل الى «نينوى» كان ثقة واقفا وجها فيهم، سمع الكتب و صنف كتاب الجامع في أنواع الشرائع، توفّي سنة عشر و ثلاثمائة.
368
أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ فَظَنَّتِ الْمَلَائِكَةُ أَنَّ ذَلِكَ سَخَطٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِمْ فَلَاذُوا بِالْعَرْشِ يَطُوفُونَ بِهِ فَأَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُمْ بِبَيْتٍ مِنْ مَرْمَرٍ سَقْفُهُ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ وَ أَسَاطِينُهُ الزَّبَرْجَدُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَدْخُلُونَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ قَالَ وَ يَوْمُ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ فَيَمُوتُ إِبْلِيسُ مَا بَيْنَ النَّفْخَةِ الْأُولَى وَ الثَّانِيَةِ وَ أَمَّا ن فَكَانَ نَهَراً فِي الْجَنَّةِ أَشَدَّ بَيَاضاً مِنَ الثَّلْجِ وَ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ كُنْ مِدَاداً فَكَانَ مِدَاداً ثُمَّ أَخَذَ شَجَرَةً فَغَرَسَهَا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ وَ الْيَدُ الْقُوَّةُ وَ لَيْسَ بِحَيْثُ تَذْهَبُ إِلَيْهِ الْمُشَبِّهَةُ ثُمَّ قَالَ لَهَا كُونِي قَلَماً ثُمَّ قَالَ لَهُ اكْتُبْ فَقَالَ يَا رَبِّ وَ مَا أَكْتُبُ قَالَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَفَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ خَتَمَ عَلَيْهِ وَ قَالَ لَا تَنْطِقَنَّ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (1).
5-
مَعَانِي الْأَخْبَارِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الزَّنْجَانِيِّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَسْمَاءٍ عَنْ جُوَيْرَةَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ(ع)عَنْ ن فَقَالَ هُوَ نَهَرٌ فِي الْجَنَّةِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ اجْمُدْ فَجَمَدَ فَصَارَ مِدَاداً ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ لِلْقَلَمِ اكْتُبْ فَسَطَرَ الْقَلَمُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَا كَانَ وَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَالْمِدَادُ مِدَادٌ مِنْ نُورٍ وَ الْقَلَمُ قَلَمٌ مِنْ نُورٍ وَ اللَّوْحُ لَوْحٌ مِنْ نُورٍ قَالَ سُفْيَانُ فَقُلْتُ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ بَيِّنْ لِي أَمْرَ اللَّوْحِ وَ الْقَلَمِ وَ الْمِدَادِ فَضْلَ بَيَانٍ وَ عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ فَقَالَ يَا ابْنَ سَعِيدٍ لَوْ لَا أَنَّكَ أَهْلٌ لِلْجَوَابِ مَا أَجَبْتُكَ فَنُونٌ مَلَكٌ يُؤَدِّي إِلَى الْقَلَمِ وَ هُوَ مَلَكٌ وَ الْقَلَمُ يُؤَدِّي إِلَى اللَّوْحِ وَ هُوَ مَلَكٌ وَ اللَّوْحُ يُؤَدِّي إِلَى إِسْرَافِيلَ وَ إِسْرَافِيلُ يُؤَدِّي إِلَى مِيكَائِيلَ وَ مِيكَائِيلُ يُؤَدِّي إِلَى جَبْرَئِيلَ وَ جَبْرَئِيلُ يُؤَدِّي إِلَى الْأَنْبِيَاءِ وَ الرُّسُلِ قَالَ ثُمَّ قَالَ لِي قُمْ يَا سُفْيَانُ فَلَا آمَنُ عَلَيْكَ (2).
6-
وَ مِنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْقَطَّانِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَسَنِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَرْزَمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الْمِنْقَرِيِ
____________
(1) علل الشرائع: ج 2(ص)87.
(2) معاني الأخبار: 23.
369
عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْكَرْخِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ(ع)عَنِ اللَّوْحِ وَ الْقَلَمِ فَقَالَ هُمَا مَلَكَانِ (1).
7-
الْعَيَّاشِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ عَنِ الصَّادِقِ عَنْ أَبِيهِ(ع)فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ قَالَ ن نَهَرٌ فِي الْجَنَّةِ أَشَدُّ بَيَاضاً مِنَ اللَّبَنِ قَالَ فَأَمَرَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ وَ مَا يَكُونُ فَهُوَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَوْضُوعٌ مَا شَاءَ مِنْهُ زَادَ فِيهِ وَ مَا شَاءَ نَقَصَ مِنْهُ وَ مَا شَاءَ كَانَ وَ مَا شَاءَ لَا يَكُونُ.
أقول: تمامه في باب الطواف.
8-
الْإِخْتِصَاصُ، سَأَلَ ابْنُ سَلَامٍ النَّبِيَّ(ص)عَنْ ن وَ الْقَلَمِ قَالَ النُّونُ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ وَ الْقَلَمُ نُورٌ سَاطِعٌ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مَا طُولُهُ وَ مَا عَرْضُهُ وَ مَا مِدَادُهُ وَ أَيْنَ مَجْرَاهُ قَالَ طُولُ الْقَلَمِ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وَ عَرْضُهُ مَسِيرَةَ ثَمَانِينَ سَنَةٍ لَهُ ثَمَانُونَ سِنّاً يَخْرُجُ الْمِدَادُ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ يَجْرِي فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ بِأَمْرِ اللَّهِ وَ سُلْطَانِهِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مِمَّا هُوَ قَالَ مِنْ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ أَجْوَافُهُ اللُّؤْلُؤُ بِطَانَتُهُ الرَّحْمَةُ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَأَخْبِرْنِي كَمْ لَحْظَةً لِرَبِّ الْعَالَمِينَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ قَالَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَ سِتُّونَ لَحْظَةً.
9-
الْعِلَلُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَطَّارِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبَانٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أُورَمَةَ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ الْيَعْقُوبِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُقَاتِلٍ عَمَّنْ سَمِعَ زُرَارَةَ يَقُولُ سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ بَدْءِ النَّسْلِ مِنْ آدَمَ فَقَالَ فِيمَا قَالَ لَمْ يَخْتَلِفْ فُقَهَاءُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَ لَا فُقَهَاءُ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَمَرَ الْقَلَمَ فَجَرَى عَلَى اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ وَ أَنَّ كُتُبَ اللَّهِ كُلَّهَا فِيمَا جَرَى فِيهِ الْقَلَمُ هَذِهِ الْكُتُبُ الْمَشْهُورَةُ فِي هَذَا الْعَالَمِ التَّوْرَاةُ وَ الْإِنْجِيلُ وَ الزَّبُورُ وَ الْقُرْآنُ (2) أَنْزَلَهَا اللَّهُ مِنَ (3) اللَّوْحِ
____________
(1) معاني الأخبار: 30.
(2) في المصدر: الفرقان.
(3) في المصدر: عن.
370
الْمَحْفُوظِ عَلَى رُسُلِهِ الْخَبَرَ (1).
10-
عَقَائِدُ الصَّدُوقِ، اعْتِقَادُنَا فِي اللَّوْحِ وَ الْقَلَمِ أَنَّهُمَا مَلَكَانِ.
أقول: قال الشيخ المفيد ره اللوح كتاب الله كتب فيه ما يكون إلى يوم القيامة و هو قوله تعالى وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ فاللوح هو الذكر و القلم هو الشيء الذي أحدث الله به الكتاب في اللوح و جعل اللوح أصلا لتعرف الملائكة منه ما يكون فإذا أراد الله تعالى أن يطلع الملائكة على غيب له أو يرسلهم إلى الأنبياء بذلك أمرهم بالاطلاع في اللوح فحفظوا منه ما يؤدونه إلى من أرسلوا إليه و عرفوا منه ما يعملون و لقد جاءت بذلك آثار عن النبي(ص)و عن الأئمة(ع)فأما من ذهب إلى أن اللوح و القلم ملكان فقد أبعد بذلك و نأى عن الحق إذ الملائكة لا تسمى ألواحا و لا أقلاما و لا يعرف في اللغة اسم ملك و لا بشر لوح و لا قلم.
بيان الصدوق ره تبع فيما ذكره الرواية فلا اعتراض عليه مع أنه لا تنافي بين ما ذكر المفيد و بين ذلك إذ يمكن كونهما ملكين و مع ذلك يكون أحدهما آلة النقش و الآخر منقوشا فيه و يحتمل أيضا أن يكون المراد بكونهما ملكين كون حامليهما ملكين مجازا و لعل الإيمان بمثل ذلك على الإجمال أسلم من الخطإ و الضلال.
11- الْعَقَائِدُ لِلصَّدُوقِ، اعْتِقَادُنَا فِي نُزُولِ الْوَحْيِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَنَّ بَيْنَ عَيْنَيْ إِسْرَافِيلَ لَوْحاً فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالْوَحْيِ ضَرَبَ اللَّهُ ذَلِكَ اللَّوْحَ جَبِينَ إِسْرَافِيلَ فَيَنْظُرُ فِيهِ فَيَقْرَأُ مَا فِيهِ فَيُلْقِيهِ إِلَى مِيكَائِيلَ وَ يُلْقِيهِ مِيكَائِيلُ إِلَى جَبْرَئِيلَ فَيُلْقِيهِ جَبْرَئِيلُ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ.
12-
الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)مَرْفُوعاً قَالَ: الْكُرْسِيُّ لُؤْلُؤٌ وَ الْقَلَمُ لُؤْلُؤٌ وَ طُولُ الْقَلَمِ سَبْعُمِائَةِ سَنَةٍ وَ طُولُ الْكُرْسِيِّ حَيْثُ
____________
(1) علل الشرائع: ج 1،(ص)18.
371
لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا الْعَالِمُونَ (1).
13-
وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ الْقَلَمُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَكْتُبَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ الْكِتَابُ عِنْدَهُ ثُمَّ قَرَأَ وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (2)
14 وَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا أَبَا جَعْفَرٍ مَا بَدْءُ خَلْقِ هَذَا الرُّكْنِ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ قَالَ لِبَنِي آدَمَ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى فَأَقَرُّوا وَ أَجْرَى نَهَراً أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَ أَلْيَنَ مِنَ الزُّبْدِ ثُمَّ أَمَرَ الْقَلَمَ فَاسْتَمَدَّ مِنْ ذَلِكَ النَّهَرِ فَكَتَبَ إِقْرَارَهُمْ وَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ أَلْقَمَ ذَلِكَ الْكِتَابَ هَذَا الْحَجَرَ فَهَذَا الِاسْتِلَامُ الَّذِي تَرَى إِنَّمَا هُوَ بَيْعَةٌ عَلَى إِقْرَارِهِمُ الَّذِي كَانُوا أَقَرُّوا بِهِ (3).
15-
وَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَاباً قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ هُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ الْخَلْقُ مُنْتَهُونَ إِلَى مَا فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ وَ تَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ
16- وَ عَنِ ابْنِ سَابِطٍ قَالَ: فِي أُمِّ الْكِتَابِ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ وُكِّلَ بِمَا (4) فِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَحْفَظُونَ فَوُكِّلَ جَبْرَئِيلُ بِالْوَحْيِ يَنْزِلُ بِهِ إِلَى الرُّسُلِ وَ بِالْهَلَاكِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ قَوْماً كَانَ صَاحِبَ ذَلِكَ وَ وُكِّلَ أَيْضاً بِالنَّصْرِ فِي الْحُرُوبِ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَنْصُرَ وَ وُكِّلَ مِيكَائِيلُ بِالْقَطْرِ أَنْ يَحْفَظَهُ وَ وُكِّلَ بِنَبَاتِ الْأَرْضِ أَنْ يَحْفَظَهُ وَ وُكِّلَ مَلَكُ الْمَوْتِ بِقَبْضِ الْأَنْفُسِ فَإِذَا ذَهَبَتِ الدُّنْيَا جَمَعَ بَيْنَ حِفْظِهِمْ وَ حِفْظِ أُمِّ الْكِتَابِ فَوَجَدَهُمَا (5) سَوَاءً (6).
____________
(1) الدّر المنثور: ج 1،(ص)328.
(2) الدّر المنثور: ج 6،(ص)13.
(3) الدّر المنثور: ج 3،(ص)144.
(4) في المصدر: و وكل ثلاثة.
(5) في المصدر: فوجدوه.
(6) الدّر المنثور: ج 6،(ص)13.
372
17- وَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ قَالَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ كَانَ وَ كُلُّ شَيْءٍ يَكُونُ وَ مَا نَزَلَ مِنْ كِتَابٍ فَمِنْهُ (1).
18-
وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَقَالَ إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ ثُمَّ خَلَقَ النُّونَ وَ هِيَ الدَّوَاةُ ثُمَّ خَلَقَ الْأَلْوَاحَ فَكَتَبَ الدُّنْيَا وَ مَا يَكُونُ فِيهَا حَتَّى تَفْنَى مِنْ خَلْقٍ مَخْلُوقٍ وَ عَمَلٍ مَعْمُولٍ مِنْ بِرٍّ أَوْ فُجُورٍ (2) وَ مَا كَانَ مِنْ رِزْقٍ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ وَ مَا كَانَ مِنْ رَطْبٍ وَ يَابِسٍ ثُمَّ أَلْزَمَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ شَأْنَهُ دُخُولُهُ فِي الدُّنْيَا مَتَى وَ بَقَاؤُهُ فِيهَا كَمْ وَ إِلَى كَمْ يَفْنَى ثُمَّ وَكَّلَ بِذَلِكَ الْكِتَابِ الْمَلَائِكَةَ وَ وَكَّلَ بِالْخَلْقِ مَلَائِكَةً فَتَأْتِي مَلَائِكَةُ الْخَلْقِ إِلَى مَلَائِكَةِ ذَلِكَ الْكِتَابِ فَيَنْسَخُونَ (3) مَا يَكُونُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ مَقْسُومٌ عَلَى مَا وُكِّلُوا بِهِ ثُمَّ يَأْتُونَ إِلَى النَّاسِ فَيَحْفَظُونَهُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ وَ يَسْتَبْقُونَهُمْ (4) إِلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ تِلْكَ النُّسَخِ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ مَا كُنَّا نَرَى هَذَا أَ تَكْتُبُ الْمَلَائِكَةُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَ لَسْتُمْ قَوْماً عَرَباً إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ هَلْ يُسْتَنْسَخُ الشَّيْءُ إِلَّا مِنْ كِتَابٍ (5).
19-
وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ(ص)فِي قَوْلِهِ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قَالَ هِيَ أَعْمَالُ أَهْلِ الدُّنْيَا الْحَسَنَاتُ وَ السَّيِّئَاتُ تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ كُلَّ غَدَاةٍ وَ عَشِيَّةٍ مَا يُصِيبُ الْإِنْسَانُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوِ اللَّيْلَةِ الَّذِي يُقْتَلُ وَ الَّذِي يُغْرَقُ وَ الَّذِي يَقَعُ مِنْ فَوْقِ بَيْتٍ وَ الَّذِي يَتَرَدَّى مِنْ فَوْقِ جَبَلٍ وَ الَّذِي يَقَعُ فِي بِئْرٍ وَ الَّذِي يُحْرَقُ بِالنَّارِ فَيَحْفَظُونَ عَلَيْهِ ذَلِكَ كُلَّهُ فَإِذَا كَانَ الْعَشِيُّ صَعِدُوا بِهِ إِلَى السَّمَاءِ فَيَجِدُونَهُ كَمَا فِي السَّمَاءِ مَكْتُوباً فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ (6).
وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَتَبَ فِي الذِّكْرِ عِنْدَهُ كُلَّ شَيْءٍ هُوَ كَائِنٌ ثُمَّ بَعَثَ
____________
(1) الدّر المنثور: ج 6(ص)13.
(2) في المصدر: أو فاجر.
(3) في المصدر: فيستنسخون.
(4) في المصدر: فيسوقونهم.
(5) الدّر المنثور: ج 6،(ص)36.
(6) الدّر المنثور: ج 6،(ص)37.
373
الْحَفَظَةَ عَلَى آدَمَ وَ ذُرِّيَّتِهِ فَالْحَفَظَةُ يَنْسَخُونَ مِنَ الذِّكْرِ مَا يَعْمَلُ الْعِبَادُ ثُمَّ قَرَأَ هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (1)
20- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ خَلَقَ الْعَرْشَ فَاسْتَوَى عَلَيْهِ ثُمَّ خَلَقَ الْقَلَمَ فَأَمَرَهُ لِيَجْرِيَ بِأَمْرِهِ وَ عِظَمُ الْقَلَمِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ فَقَالَ الْقَلَمُ بِمَا أَجْرِي يَا رَبِّ قَالَ بِمَا أَنَا خَالِقٌ وَ كَائِنٌ فِي خَلْقِي مِنْ قَطْرٍ أَوْ نَبَاتٍ أَوْ نَفْسٍ أَوْ أَثَرٍ يَعْنِي بِهِ الْعَمَلَ أَوْ رِزْقٍ أَوْ أَجَلٍ فَجَرَى الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَأَثْبَتَهُ اللَّهُ فِي الْكِتَابِ الْمَكْنُونِ عِنْدَهُ تَحْتَ الْعَرْشِ وَ أَمَّا قَوْلُهُ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَإِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ مَلَائِكَةً يَسْتَنْسِخُونَ مِنْ ذَلِكَ الْكِتَابِ كُلَّ عَامٍ فِي رَمَضَانَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ مِنْ حَدَثٍ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ السَّنَةِ الْمُقْبِلَةِ فَيُعَارِضُونَ بِهِ حَفَظَةَ اللَّهِ مِنَ الْعِبَادِ (2) كُلَّ عَشِيَّةِ خَمِيسٍ فَيَجِدُونَ مَا رَفَعَ الْحَفَظَةُ مُوَافِقاً لِمَا فِي كِتَابِهِمْ ذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ وَ لَا نُقْصَانٌ وَ أَمَّا قَوْلُهُ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِكُلِّ شَيْءٍ مَا يُشَاكِلُهُ مِنْ خَلْقِهِ وَ مَا يُصْلِحُهُ مِنْ رِزْقِهِ وَ خَلَقَ الْبَعِيرَ خَلْقاً لَا يَصْلُحُ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الدَّوَابِّ وَ كَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الدَّوَابِّ وَ خَلَقَ لِدَوَابِّ الْبَرِّ وَ طَيْرِهَا مِنَ الرِّزْقِ مَا يُصْلِحُهَا فِي الْبَرِّ وَ خَلَقَ لِدَوَابِّ الْبَحْرِ وَ طَيْرِهَا مِنَ الرِّزْقِ مَا يُصْلِحُهَا فِي الْبَحْرِ فَلِذَلِكَ قَوْلُهُ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (3)
21- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ فَتَصَوَّرَ قَلَماً مِنْ نُورٍ فَقِيلَ لَهُ اجْرِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ قَالَ يَا رَبِّ بِمَا ذَا قَالَ بِمَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ وَكَّلَ بِالْخَلْقِ حَفَظَةً يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فَلَمَّا قَامَتِ الْقِيَامَةُ عُرِضَتْ عَلَيْهِمْ أَعْمَالُهُمْ وَ قِيلَ هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ عُرِضَ بِالْكِتَابَيْنِ فَكَانَا سَوَاءً (4).
____________
(1) الدّر المنثور: ج 6،(ص)37.
(2) في المخطوطة: على العباد.
(3) الدّر المنثور: ج.
(4) الدّر المنثور: ج.
374
22- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ قَالَ إِنَّ مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ لَوْحاً مَحْفُوظاً مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ دَفَّتَاهُ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ قَلَمُهُ نُورٌ وَ كِتَابُهُ نُورٌ وَ عَرْضُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ يَنْظُرُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثَمِائَةٍ وَ سِتِّينَ نَظْرَةً يَخْلُقُ فِي كُلِّ نَظْرَةٍ وَ يَرْزُقُ وَ يُحْيِي وَ يُمِيتُ وَ يُعِزُّ وَ يُذِلُّ وَ يَفُكُ (1) وَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (2).
23-
وَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ قَالَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ هُوَ الْقُرْآنُ وَ الْكِتَابُ الْمَكْنُونُ هُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ قَالَ الْمَلَائِكَةُ هُمُ الْمُطَهَّرُونَ مِنَ الذُّنُوبِ (3).
24-
وَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الْأَبَدِ (4).
25-
وَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ قَالَ لَوْحٌ مِنْ نُورٍ وَ قَلَمٌ مِنْ نُورٍ يَجْرِي بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (5).
26-
وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ النُّونَ وَ هِيَ الدَّوَاةُ وَ خَلَقَ الْقَلَمَ فَقَالَ اكْتُبْ قَالَ وَ مَا أَكْتُبُ قَالَ اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (6).
وَ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)النُّونُ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ وَ الْقَلَمُ مِنْ نُورٍ سَاطِعٍ (7).
27-
وَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ ثُمَّ خَلَقَ النُّونَ وَ هِيَ الدَّوَاةُ ثُمَّ قَالَ لَهُ اكْتُبْ قَالَ وَ مَا أَكْتُبُ قَالَ مَا كَانَ وَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى
____________
(1) في المصدر: و يغل و يفك.
(2) الدّر المنثور: ج 6،(ص)143.
(3) الدّر المنثور: ج 6،(ص)162.
(4) الدّر المنثور: ج 6،(ص)250.
(5) الدّر المنثور: ج 6،(ص)250.
(6) الدّر المنثور: ج 6،(ص)250.
(7) الدّر المنثور: ج 6،(ص)250.
375
يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلٍ أَوْ أَثَرٍ أَوْ رِزْقٍ أَوْ أَجَلٍ فَكَتَبَ مَا يَكُونُ وَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ ثُمَّ خَتَمَ عَلَى فَمِ الْقَلَمِ فَلَمْ يَنْطِقْ وَ لَا يَنْطِقُ (1) إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلَ فَقَالَ وَ عِزَّتِي لَأُكَمِّلَنَّكَ فِيمَنْ أَحْبَبْتُ وَ لَأَنْقُصَنَّكَ فِيمَنْ أَبْغَضْتُ (2).
28-
وَ عَنْ قَتَادَةَ وَ الْحَسَنِ قَالَ: النُّونُ الدَّوَاةُ (3).
29-
وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْآيَةِ قَالَ خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ اجْرِ فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ خَلَقَ الْحُوتَ وَ هِيَ النُّونُ فَكَبَسَ عَلَيْهَا الْأَرْضَ ثُمَّ قَالَ ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ (4).
30-
وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ لَوْحٍ مَحْفُوظٍ قَالَ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ لَوْحٌ وَاحِدٌ فِيهِ الذِّكْرُ وَ أَنَّ ذَلِكَ اللَّوْحَ مِنْ نُورٍ وَ أَنَّهُ مَسِيرَةَ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ.
31-
وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ كَمَسِيرَةِ مِائَةِ عَامٍ فَقَالَ لِلْقَلَمِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ اكْتُبْ عِلْمِي فِي خَلْقِي فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
32-
وَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ لِلَّهِ لَوْحاً مِنْ زَبَرْجَدَةٍ خَضْرَاءَ جَعَلَهُ تَحْتَ الْعَرْشِ وَ كَتَبَ فِيهِ إِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا خَلَقْتُ بَضْعَةَ (5) عَشَرَ وَ ثَلَاثَمِائَةِ خَلْقٍ مَنْ جَاءَ مَعَ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ (6).
33-
وَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَلَوْحاً فِيهِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَ خَمْسَ عَشْرَةَ شَرِيعَةً يَقُولُ الرَّحْمَنُ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَا يَجِيئُنِي عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئاً فِيهِ وَاحِدَةٌ مِنْكُنَّ إِلَّا أَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ (7).
____________
(1) في بعض النسخ «فلا ينطق الى يوم القيامة».
(2) الدّر المنثور: ج 6،(ص)250.
(3) الدّر المنثور: ج 6،(ص)250.
(4) الدّر المنثور: ج 6،(ص)250.
(5) في المصدر: خلقت ثلاثمائة و بضعة عشر خلقا من جاء بخلق منها مع شهادة أن لا إله إلّا اللّه دخل الجنة.
(6) الدّر المنثور: ج 6(ص)335.
(7) الدّر المنثور: ج 6،(ص)335.
376
34- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)خَلَقَ اللَّهُ لَوْحاً مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ دَفَّتَاهُ مِنْ زَبَرْجَدَةٍ خَضْرَاءَ كِتَابُهُ مِنْ نُورٍ يَلْحَظُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ ثَلَاثَمِائَةٍ وَ سِتِّينَ لَحْظَةً يُحْيِي وَ يُمِيتُ وَ يَخْلُقُ وَ يَرْزُقُ وَ يُعِزُّ وَ يُذِلُّ وَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (1).
____________
(1) الدّر المنثور: ج 6،(ص)335 أقول: الروايات في كون خلق القلم قبل خلق العالم كثيرة جدا يوثق بصدور بعضها إجمالا، و قد ذكرنا مرارا ان من العالم الزمان و المكان و انه ان وجد شيء قبلهما كان غنيا عنهما، و ليس إلّا ما هو مجرد عن شوائب المادة و نقائصها و يؤيد ذلك ما ورد في كون القلم و اللوح ملكين فتفطن، و لعلّ السر في التعبير عنهما بالنور هو تنزههما عن ظلمات المادة و غواشى الطبيعة كما ذكرنا في نور النبيّ و الأئمّة عليهم الصلاة و السلام و على هذا فعلة عدم التصريح بالتجرد عن المادة و الاقتصار على الرمز و الإشارة في أمثال هذه الروايات هي الشفقة على عامة الناس لقصور فهم الاكثر عن درك حقيقته بل عن تصوره أيضا و اللّه العالم و كيف كان فالتصديق الاجمالى بما ورد عن النبيّ و عترته المعصومين عليهم الصلاة و السلام في أمثال هذه المقامات أقرب إلى السلامة و أبعد عن الخطاء و الزلة و اللّه الهادى.
377
[كلمة المحقّق]
بسم الله الرحمن الرحيم
أحمدك اللّهمّ على أن وفّقتني للغوص في بحار الأنوار، و اقتناء درر الحكم و لآلي الأخبار، و اصلّي و اسلّم على رسولك المختار، و آله المصطفين الأخيار المجتبين الأطهار، معادن العلم و ينابيع الحكمة و مصادر الآثار.
أقتصر من حمدك بالاعتراف بالعجز عن اكتناه وصفك، و إحصاء نعمك، و من شكر أوليائك أولياء النعمة بالتطأمّن تجاه مقامهم المنيع، و مكانهم الرفيع استحياء من القصور عن إيفاء حقّهم، و خجلا من التقصير في أداء شكرهم، و إجلالا لشأنهم عندك، و إكبار لقربهم منك. أنت كما أثنيت على نفسك و أولياؤك كما أثنيت عليهم، فصلّ عليهم صلاة كثيرة دائمة لا تنبغي إلّا لهم، و لا يعلم مبلغها غيرك.
و بعد من الواجب علينا بنصّ فتيا العقل، و بما تواتر عليه من النقل، شكر المنعم و إيفاء الحقّ. و لعمر الحقّ من أعظم الناس حقّا علينا معاشر المسلمين و أكبرهم إحسانا إلينا العلماء العظام و المحدّثون الكبار، حيث بذلوا جهيداهم و أفرغوا طاقتهم و مقدرتهم لحفظ سنن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و آثار الأئمّة من أهل بيته (عليهم السلام) و نشر علومهم و حكمهم و إبقائها لنا و لمن أراد اللّه أن يستخلفه من بعدهم، فجزاهم اللّه عنّا و عن كافّة أهل الإسلام خير الجزاء، و أجزل لهم الأجر و العطاء.
و من فطاحل العلماء و جهابذتهم، و فحول المحدّثين و عباقرتهم، مولانا شيخ الإسلام محمّد باقر المجلسيّ- (رضوان اللّه عليه)- و له من تلك الفضيلة حظّ وافر و عليه منّا و من قاطبة الشيعة ثناء عاطر، و شكر متواتر.
378
و قد كابد- (رحمه اللّه)- من المشقّة و التعب، و قاسى من العناء و النصب، في الجمع و التأليف، و النظم و الترصيف، ما جاز حدّ البيان، و أعجز القلم و اللسان و ليس يخفى ذلك على من تأمّل في آثاره النفيسة البهيّة، و نظر في كتبه الثمينة القيّمة، و سبر غور تآليفه الضخمة الفخمة فعلينا و على كلّ من اقتطف من ثمار آثاره، و سبح في أجواء بحاره، و ارتشف من مناهل موسوعاته إجمال الثناء عليه إعظاما لشأنه، و إكثار الدعاء له إيفاء لحقّه. قدّس اللّه سرّه، و رفع شأنه، و أعلى مقامه.
و لقد بذلنا غاية مجهودنا في تصحيح هذا الجزء من كتابه المسمّى «بحار الأنوار» متنا و سندا، و تخريجه، و التعليق عليه بما يوضح جدده، و يقيم صدده أداء لبعض حقّه، و شكرا لما أنعم المولى تعالى علينا من ولاية أوليائه، و لما يسّر لنا من الاستضاءة بأنوارهم و الاستفادة من علومهم.
و لست أنسى الثناء على من و ازرني و ساهمني في هذا المشروع من إخواني الأماجد، لا سيّما على زميلي الثقة الفاضل البارع «الشيخ عبد الكريم النيّريّ البروجرديّ» حيث عاضدني بتصحيح الأسانيد، و ترجمة بعض الرجال، و على الفاضل المتتبّع الذكيّ، «السيّد جعفر الحسني اليزديّ» و على سائر إخوانى الّذين ساعدوني في التخريج و المقابلة بالنسخ و المصادر، و أسأل اللّه الكريم أن يديم توفيقنا جميعا و يزيدنا من فضله، إنّه ذو فضل عظيم.
قم المشرفة: محمد تقى اليزدى 12/ شعبان المعظم 1379
379
(مراجع التصحيح و التخريج و التعليق)
قوبل هذا الجزء بعدّة نسخ مطبوعة و مخطوطة، منها النسخة المطبوعة بطهران سنة (1305) المعروفة بطبعة أمين الضرب، و منها النسخة المطبوعة بتبرير و منها النسخة المخطوطة النفيسة لمكتبة صاحب الفضيلة السيّد جلال الدين الأرمويّ الشهير ب «المحدّث» و اعتمدنا في التخريج و التصحيح و التعليق على كتب كثيرة نسرد بعض أساميها:
1- القرآن الكريم.
2- تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي المطبوع سنة 1311 في ايران
3- تفسير فرات الكوفيّ المطبوع سنة 1354 في النجف
4- تفسير مجمع البيان المطبوع سنة 1373 في طهران
5- تفسير أنوار التنزيل للقاضي البيضاويّ المطبوع سنة 1285 في استانبول
6- تفسير مفاتيح الغيب للفخر الرازيّ المطبوع سنة 1294 في استانبول
7- الاحتجاج للطبرسيّ المطبوع سنة 1350 في النجف
8- اصول الكافي للكليني المطبوع سنة* * * في طهران
9- الاقبال للسيّد بن طاوس المطبوع سنة 1312 في طهران
10- تنبيه الخواطر لورّام بن أبي فراس المطبوع سنة* * * في طهران
11- التوحيد للصدوق المطبوع سنة 1375 في طهران
12- ثواب الأعمال للصدوق المطبوع سنة 1375 في طهران
13- الخصال الأعمال للصدوق المطبوع سنة 1374 في طهران
14- الدرّ المنثور للسيوطيّ
15- روضة الكافي للكليني المطبوع سنة 1374 في طهران
380
16- علل الشرائع الصدوق المطبوع سنة 1378 في قم
17- عيون الأخبار للصدوق المطبوع سنة 1377 في قم
18- فروع الكافي للكلينى المطبوع سنة* * * في* * *
19- المحاسن للبرقيّ المطبوع سنة 1371 في طهران
20- معاني الاخبار للصدوق المطبوع سنة 1379 في طهران
21- مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب المطبوع سنة 1378 في قم
22- من لا يحضره الفقيه للصدوق المطبوع سنة 1376 في طهران
23- نهج البلاغة للشريف الرضي المطبوع سنة* * * في مصر
24- اسد الغاية لعزّ الدين ابن الأثير المطبوع سنة* * * في طهران
25- تنقيح المقال للشيخ عبد اللّه المامقاني المطبوع سنة 1350 في النجف
26- تهذيب الاسماء و اللغات للحافظ محيى الدين بن شرف النورى المطبوع في مصر
27- جامع الرواة للاردبيلى المطبوع سنة 1331 في طهران
28- خلاصة تذهيب الكمال للحافظ الخزرجي المطبوع سنة 132 في مصر
29- رجال النجاشى المطبوع* * * * * * في طهران
30- روضات الجنات للميرزا محمّد باقر الموسوى المطبوع سنة 1367 في طهران
31- الكنى و الألغاب للمحدّث القميالمطبوع* * * * * * في صيدا
32- لسان الميزان لابن حجر العسقلاني المطبوع* * * * * * فى حيدرآباد الدكن
33- الرواشح السماوية للسيد محمّد باقر الحسيني الشهير بالداماد المطبوع سنة 1311 في ايران
34- القبسات للسيد محمّد باقر الحسينى الشهير بالداماد المطبوع سنة 1315 في ايران
35- رسالة مذهب ارسطاطا ليس للسيد محمّد باقر الحسينى الشهير بالداماد المطبوعة بهامش القبسات
36- اثولوجيا المنسوب إلى ارسطاطا ليس المطبوعة بهامش القبسات
381
37- رسالة الحدوث لصدر المتألهين المطبوع سنة 1302 في ايران
38- الشفاء للشيخ الرئيس ابى على بن سينا المطبوع سنة 1303 في ايران
39- شرح التجريد تأليف المحقق الطوسى للعلامة الحلّيّ المطبوع سنة 1367 في قم
40- عين اليقين للمولى محسن الفيض الكاشاني المطبوع سنة 1313 في طهران
41- مروج الذهب للمسعودى المطبوع سنة 1346 في مصر
42- القاموس لمحيط للفيروزآبادى المطبوع سنة 1332 في مصر
43- الصحاح للجوهريّ المطبوع سنة 1377 في مصر
44- النهاية لمجد الدين ابن الاثير المطبوع سنة 1311 في مصر
382
كلمة المصحّح
بسمه تعالى إلى هنا تمّ الجزء الأوّل من المجلّد الرابع عشر- كتاب السماء و العالم- من بحار الأنوار و هو الجزء الرابع و الخمسون حسب تجزئتنا من هذه الطبعة البهيّة.
و قد قابلناه على النسخة الّتي صحّحها الفاضل الخبير الشيخ محمّد تقيّ اليزديّ بما فيها من التعليق و التنميق و اللّه وليّ التوفيق.
محمد الباقر البهبودى
383
فهرس ما في هذا الجزء من الأبواب
الموضوع/ الصفحه
أبواب كليّات أحوال العالم و ما يتعلق بالسماويات
1- باب حدوث العالم و بدء خلقه و كيفيته و بعض كليات الأمور 315- 2
الآيات و تفسيرها: 24
الأخبار و الخطب: 25- 216
تبيين في علة تخصيص الستة أيام بخلق العالم و معنى الأيام و السنة و الأسبوع في خلق اللّه: 216- 233
تفهيم و تتميم فيما يتعلق بهذا الباب:
المقصد الأول في بيان معاني الحدوث و القدم 234
المقصد الثاني في تحقيق الأقوال في ذلك 238
المقصد الثالث في كيفيّة الاستدلال بما تقدّم من النصوص 254
المقصد الرابع في ذكر نبذ من الدلائل العقلية على هذا المقصد 260
المقصد الخامس في دفع بعض شبه الفلاسفة
المرصد الأول 278 المرصد الثاني 301
المرصد الثالث 302 المرصد الرابع 304
تكملة في بيان أول المخلوقات 306
فائدة جليلة في رفع الاشكال عن آيات سورة السجدة 309
2- باب العوالم و من كان في الأرض قبل خلق آدم (عليه السلام) و من يكون فيها بعد انقضاء القيامة و أحوال جابلقا و جابلسا 355- 316
3- باب أنّه لم سمّيت الدنيا دنيا و الآخرة آخرة 356- 355
4- باب القلم و اللوح المحفوظ و الكتاب المبين و الإمام المبين و أمّ الكتاب 376- 357
384
(رموز الكتاب)
ب: لقرب الإسناد.
بشا: لبشارة المصطفى.
تم: لفلاح السائل.
ثو: لثواب الأعمال.
ج: للإحتجاج.
جا: لمجالس المفيد.
جش: لفهرست النجاشيّ.
جع: لجامع الأخبار.
جم: لجمال الأسبوع.
جُنة: للجُنة.
حة: لفرحة الغريّ.
ختص: لكتاب الإختصاص.
خص: لمنتخب البصائر.
د: للعَدَد.
سر: للسرائر.
سن: للمحاسن.
شا: للإرشاد.
شف: لكشف اليقين.
شي: لتفسير العياشيّ
ص: لقصص الأنبياء.
صا: للإستبصار.
صبا: لمصباح الزائر.
صح: لصحيفة الرضا (ع).
ضا: لفقه الرضا (ع).
ضوء: لضوء الشهاب.
ضه: لروضة الواعظين.
ط: للصراط المستقيم.
طا: لأمان الأخطار.
طب: لطبّ الأئمة.
ع: لعلل الشرائع.
عا: لدعائم الإسلام.
عد: للعقائد.
عدة: للعُدة.
عم: لإعلام الورى.
عين: للعيون و المحاسن.
غر: للغرر و الدرر.
غط: لغيبة الشيخ.
غو: لغوالي اللئالي.
ف: لتحف العقول.
فتح: لفتح الأبواب.
فر: لتفسير فرات بن إبراهيم.
فس: لتفسير عليّ بن إبراهيم.
فض: لكتاب الروضة.
ق: للكتاب العتيق الغرويّ
قب: لمناقب ابن شهر آشوب.
قبس: لقبس المصباح.
قضا: لقضاء الحقوق.
قل: لإقبال الأعمال.
قية: للدُروع.
ك: لإكمال الدين.
كا: للكافي.
كش: لرجال الكشيّ.
كشف: لكشف الغمّة.
كف: لمصباح الكفعميّ.
كنز: لكنز جامع الفوائد و تأويل الآيات الظاهرة معا.
ل: للخصال.
لد: للبلد الأمين.
لى: لأمالي الصدوق.
م: لتفسير الإمام العسكريّ (ع).
ما: لأمالي الطوسيّ.
محص: للتمحيص.
مد: للعُمدة.
مص: لمصباح الشريعة.
مصبا: للمصباحين.
مع: لمعاني الأخبار.
مكا: لمكارم الأخلاق.
مل: لكامل الزيارة.
منها: للمنهاج.
مهج: لمهج الدعوات.
ن: لعيون أخبار الرضا (ع).
نبه: لتنبيه الخاطر.
نجم: لكتاب النجوم.
نص: للكفاية.
نهج: لنهج البلاغة.
نى: لغيبة النعمانيّ.
هد: للهداية.
يب: للتهذيب.
يج: للخرائج.
يد: للتوحيد.
ير: لبصائر الدرجات.
يف: للطرائف.
يل: للفضائل.
ين: لكتابي الحسين بن سعيد او لكتابه و النوادر.
يه: لمن لا يحضره الفقيه.
