بحار الأنوار
الجزء الخامس و الخمسون
تأليف
العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

2
التنزيل ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ (1) المؤمن الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا (2) الحديد ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ (3) الحاقة وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (4) تفسير وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ قال الطبرسي ره اختلف فيه على أقوال أحدها
- وسع علمه السموات و الأرض عن ابن عباس و مجاهد و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله ع.
و يقال للعلماء كراسي كما يقال لهم أوتاد الأرض لأن بهم قوام الدين و الدنيا و ثانيها أن الكرسي هاهنا هو العرش عن الحسن و إنما سمي كرسيا لتركب بعضه على بعض و ثالثها أن المراد بالكرسي هاهنا الملك و السلطان و القدرة كما يقال اجعل لهذا الحائط كرسيا أي عمادا يعمد به حتى لا يقع و لا يميل فيكون معناه أحاطت قدرته بالسماوات و الأرض و ما فيهما و رابعها
- أن الكرسي سرير دون العرش و قد روي ذلك عن أبي عبد الله ع.
و قريب منه ما روي عن عطاء (5) أنه قال ما السماوات و الأرض عند الكرسي إلا كحلقة خاتم في فلاة و ما الكرسي عند العرش إلا كحلقة في الفلاة (6) و منهم من قال إن السماوات و الأرض جميعا على (7) الكرسي و الكرسي تحت العرش (8) فالعرش فوق السماوات
- وَ رَوَى الْأَصْبَغُ بْنُ نُبَاتَةَ أَنَ
____________
(1) لسجدة: 4.
(2) المؤمن: 7.
(3) الحديد: 4.
(4) الحاقّة: 17.
(5) بالمد و قد يقصر.
(6) في المصدر: فى فلاة.
(7) في بعض النسخ: فى الكرسيّ.
(8) في المصدر «تحت الأرض كالعرش فوق السماء» و الظاهر أنّه تصحيف.
1
تتمة كتاب السماء و العالم
تتمة أبواب كليات أحوال العالم و ما يتعلق بالسماويات
باب 4 العرش و الكرسي و حملتهما
الآيات البقرة وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ (1) الأعراف ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ (2) يونس ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ (3) هود وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ (4) الرعد ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ (5) طه الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (6) المؤمنون قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (7) الفرقان ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً (8) النمل رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (9)
____________
(1) البقرة: 255.
(2) الأعراف: 54.
(3) يونس: 3.
(4) هود: 7.
(5) الرعد: 2.
(6) طه: 5.
(7) المؤمنون: 86.
(8) الفرقان: 59.
(9) النمل: 26.
4
رأيته رأيت الشيء المشبه بأنه الخبير به (1).
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ قال الطبرسي ره عبادة لله و امتثالا لأمره وَ مَنْ حَوْلَهُ يعني الملائكة المطيفين بالعرش و هم الكروبيون و سادة الملائكة يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ أي ينزهون ربهم عما يصفه به هؤلاء المجادلون و قيل يسبحونه بالتسبيح المعهود و يحمدونه على إنعامه وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ أي و يصدقونه (2) و يعترفون بوحدانيته وَ يَسْتَغْفِرُونَ أي و يسألون الله المغفرة لِلَّذِينَ آمَنُوا من أهل الأرض أي صدقوا بوحدانية الله و اعترفوا بإلهيته و بما يجب الاعتراف به (3) و قال في قوله تعالى وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يعني فوق الخلائق يَوْمَئِذٍ يعني يوم القيامة ثَمانِيَةٌ من الملائكة عن ابن زيد
- وَ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّهُمُ الْيَوْمَ أَرْبَعَةٌ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَيَّدَهُمْ بِأَرْبَعَةٍ أُخْرَى (4) فَيَكُونُونَ ثَمَانِيَةً.
و قيل ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله تعالى عن ابن عباس (5).
و قال الرازي نقل عن الحسن أنه قال لا أدري أنهم ثمانية أشخاص أو ثمانية آلاف يصفون و حمله على ثمانية أشخاص أولى لما روي أنهم ثمانية أملاك أرجلهم في تخوم الأرض السابعة و العرش فوق رءوسهم و هم يطوفون يسبحون و قيل بعضهم على صورة الإنسان و بعضهم على صورة الأسد و بعضهم على صورة الثور و بعضهم على صورة النسر و روي ثمانية أملاك على صورة الأوعال ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عاما و عن شهر بن حوشب (6) أربعة منهم يقولون
____________
(1) في مجمع البيان. و المعنى أنك إذا رأيته رأيت الشيء المشبه به و المعنى فاسأله عنه فانه الخبير ج 7،(ص)176.
(2) و يصدقون به (خ).
(3) مجمع البيان: ج 8،(ص)515.
(4) في المصدر: آخرين.
(5) مجمع البيان: ج 10،(ص)346.
(6) شهر بن حوشب مولى أسماء بنت يزيد بن السكين أبو سعيد الشاميّ، يروى عن امير.
6
الأربعة و أيضا دائرة الأفق على سطح الفلك الأعلى يتربع بدائرة نصف النهار و دائرة المشرق و المغرب فيقع منها بينها أرباعها و يتعين عليها النقاط الأربع الجنوب و الشمال و المشرق و المغرب و الحكماء نزلوا الفلك منزلة إنسان مستلق على ظهره رأسه إلى الشمال و رجلاه إلى الجنوب و يمينه إلى المغرب و شماله إلى المشرق و أيضا التربيع و التسديس أول الأشكال في الدائرة على ما قد استبان في مظانه إذ التربيع يحصل بقطرين متقاطعين على قوائم و التسديس بنصف قطر فإن وتر سدس الدور يساوي نصف القطر و ربع الدور قوس تامة و ما نقصت عن الربع فمتممها إلى الربع تمامها و أيضا الفلك الأقصى له مادة و صورة و عقل هو العقل الأول و يقال له عقل الكل و نفس هي النفس الأولى و يقال لها نفس الكل فيكون مربعا و أول المربعات في نظام الوجود و هنالك وجوه أخرى يضيق ذرع المقام عن بسطها فليتعرف انتهى و لا يخفى عدم موافقتها لقوانين الشرع و مصطلحات أهله و سيأتي القول فيها و قد مر بعض ما يزيفها.
3 الْمُتَهَجِّدُ، وَ الْفَقِيهُ، وَ التَّهْذِيبُ، فِي خُطْبَةِ الِاسْتِسْقَاءِ الَّذِي جَعَلَ السَّمَاوَاتِ لِكُرْسِيِّهِ عِمَاداً وَ الْجِبَالَ (1) أَوْتَاداً وَ الْأَرْضَ لِلْعِبَادِ مِهَاداً وَ مَلَائِكَتَهُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَ حَمَلَةَ عَرْشِهِ عَلَى أَمْطَائِهَا وَ أَقَامَ بِعِزَّتِهِ أَرْكَانَ الْعَرْشِ وَ أَشْرَقَ بِضَوْئِهِ شُعَاعَ الشَّمْسِ وَ أَطْفَأَ (2) بِشُعَائِهِ ظُلْمَةَ الْغَطْشِ وَ فَجَّرَ الْأَرْضَ عُيُوناً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ النُّجُومَ بُهُوراً (3).
4- الْإِقْبَالُ، عَنِ التَّلَّعُكْبَرِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي دُعَاءِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ وَ كُلِّ مَسْأَلَةٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى اسْمِكَ الْأَعْظَمِ الْأَعْظَمِ الْأَكْبَرِ الْأَكْبَرِ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى الَّذِي اسْتَوَيْتَ بِهِ عَلَى عَرْشِكَ وَ اسْتَقْلَلْتَ بِهِ عَلَى كُرْسِيِّكَ (4).
____________
(1) في الفقيه: و الجبال للأرض.
(2) في الفقيه: و أحيى.
(3) الفقيه:(ص)139، ح 16.
(4) الإقبال: 374.
5
سبحانك اللهم و بحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك و أربعة تقول سبحانك اللهم و بحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك (1).
1- الْخِصَالُ، وَ الْمَعَانِي، وَ الْعَيَّاشِيُّ، وَ الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: يَا بَا ذَرٍّ مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ وَ فَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى تِلْكَ الْحَلْقَةِ (2).
2- الْفَقِيهُ، وَ الْعِلَلُ، وَ الْمَجَالِسُ، لِلصَّدُوقِ رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ سُئِلَ لِمَ سُمِّيَ (3) الْكَعْبَةُ كَعْبَةً قَالَ لِأَنَّهَا مُرَبَّعَةٌ فَقِيلَ لَهُ وَ لِمَ صَارَتْ مُرَبَّعَةً قَالَ لِأَنَّهَا بِحِذَاءِ بَيْتِ الْمَعْمُورِ وَ هُوَ مُرَبَّعٌ فَقِيلَ لَهُ وَ لِمَ صَارَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ مُرَبَّعاً قَالَ لِأَنَّهُ بِحِذَاءِ الْعَرْشِ وَ هُوَ مُرَبَّعٌ فَقِيلَ لَهُ وَ لِمَ صَارَ الْعَرْشُ مُرَبَّعاً قَالَ لِأَنَّ الْكَلِمَاتِ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ أَرْبَعٌ سُبْحَانَ اللَّهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اللَّهُ أَكْبَرُ (4).
بيان و تأويل عليل قال السيد الداماد ره في بعض تعليقاته على الفقيه العرش هو فلك الأفلاك و إنما حكم(ع)بكونه مربعا لأن الفلك يتعين له بالحركة المنطقة و القطبان و كل دائرة عظيمة منصفة للكرة و الفلك يتربع بمنطقة الحركة و الدائرة المارة بقطبيها و العرش و هو الفلك الأقصى و الكرسي و هو فلك الثوابت يتربعان بمعدل النهار و منطقة البروج و الدائرة المارّة بالأقطاب
____________
المؤمنين (عليه السلام) و ابن عبّاس و جابر و أمّ سلمة، و عائشة. قال الخزرجي (خلاصة تذهيب الكمال: 143) وثقه ابن معين و احمد، و قال النسائى: ليس بالقوى، و قال البخارى و جماعة، مات سنة مائة، و قيل سنة احدى عشرة (انتهى) اقول، المراد بقوله «احدى عشرة» مائة و احدى عشرة، و يؤيد القول الأخير في تاريخ وفاته ما رواه في الكافي عنه عن أبي حمزة الثمالى عن الصادق (عليه السلام) في باب قسمة الغنيمة من كتاب الجهاد و اللّه العالم.
(1) مفاتيح الغيب: ج 8،(ص)284.
(2) معاني الأخبار: 333 الدّر المنثور: ج 1،(ص)328 و سيأتي تحت الرقم 10 من هذا الباب.
(3) في العلل: لم سميت.
(4) الفقيه: ج 2(ص)201، العلل، ج 2،(ص)88.
7
6- الْعَقَائِدُ، لِلصَّدُوقِ اعْتِقَادُنَا فِي الْعَرْشِ أَنَّهُ جُمْلَةُ جَمِيعِ الْخَلْقِ وَ الْعَرْشُ فِي وَجْهٍ آخَرَ هُوَ الْعِلْمُ وَ سُئِلَ الصَّادِقُ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى فَقَالَ اسْتَوَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَقْرَبَ مِنْهُ مِنْ شَيْءٍ وَ أَمَّا الْعَرْشُ الَّذِي هُوَ جُمْلَةُ جَمِيعِ الْخَلْقِ فَحَمَلَتْهُ ثَمَانِيَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ ثَمَانِي أَعْيُنٍ كُلُّ عَيْنٍ طِبَاقُ الدُّنْيَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى صُورَةِ بَنِي آدَمَ يَسْتَرْزِقُ اللَّهَ تَعَالَى لِبَنِي آدَمَ وَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى صُورَةِ الثَّوْرِ يَسْتَرْزِقُ اللَّهَ تَعَالَى لِلْبَهَائِمِ كُلِّهَا وَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى صُورَةِ الْأَسَدِ يَسْتَرْزِقُ اللَّهَ تَعَالَى لِلسِّبَاعِ وَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى صُورَةِ الدِّيكِ يَسْتَرْزِقُ اللَّهَ تَعَالَى لِلطُّيُورِ فَهُمُ الْيَوْمَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صَارُوا ثَمَانِيَةً وَ أَمَّا الْعَرْشُ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ فَحَمَلَتْهُ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ مِنَ الْأَوَّلِينَ فَنُوحٌ وَ إِبْرَاهِيمُ وَ مُوسَى وَ عِيسَى(ع)وَ أَمَّا الْأَرْبَعَةُ مِنَ الْآخِرِينَ فَمُحَمَّدٌ وَ عَلِيٌّ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ(ع)هَكَذَا رُوِيَ بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ عَنِ الْأَئِمَّةِ(ع)فِي الْعَرْشِ وَ حَمَلَتِهِ وَ إِنَّمَا صَارَ هَؤُلَاءِ حَمَلَةَ الْعَرْشِ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ(ص)عَلَى شَرَائِعِ الْأَرْبَعِ مِنَ الْأَوَّلِينَ نُوحٍ وَ إِبْرَاهِيمَ وَ مُوسَى وَ عِيسَى(ع)وَ مِنْ قِبَلِ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ صَارَتِ الْعُلُومُ إِلَيْهِمْ وَ كَذَلِكَ صَارَ الْعِلْمُ بَعْدَ مُحَمَّدٍ(ص)وَ عَلِيٍّ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ إِلَى مَنْ بَعْدَ الْحُسَيْنِ مِنَ الْأَئِمَّةِ ع.
أقول: قال الشيخ المفيد ره العرش في اللغة هو الملك قال
إذا ما بنو مروان ثلت (1)عروشهم.* * * و أودت كما أودت إياد و حميره.
يريد إذا ما بنو مروان هلك ملكهم و بادوا.
و قال آخر.
أ ظننت عرشك لا يزول و لا يغير.
يعني أ ظننت ملكك لا يزول و لا يغير و قال الله تعالى مخبرا عن واصف ملك
____________
(1) قال الجوهريّ: «ثل اللّه عرشهم» أي هدم ملكهم، و يقال للقوم إذا ذهب عزهم، قد ثل عرشهم و قال: أودى فلان أي هلك (منه طاب ثراه).
8
ملكة سبأ وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَ لَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (1) يريد و لها ملك عظيم فعرش الله تعالى هو ملكه و استواؤه على العرش هو استيلاؤه على الملك و العرب تصف الاستيلاء بالاستواء قال
قد استوى بشر على العراق.* * * من غير سيف و دم مهراق.
يريد به قد استولى على العراق فأما العرش الذي تحمله الملائكة فهو بعض الملك و هو عرش خلقه الله تعالى في السماء السابعة و تعبد الملائكة بحمله و تعظيمه كما خلق سبحانه بيتا في الأرض و أمر البشر بقصده و زيارته و الحج إليه و تعظيمه و قد
- جاء الحديث أن الله تعالى خلق بيتا تحت العرش سماه البيت المعمور تحجه الملائكة في كل عام و خلق في السماء الرابعة بيتا سماه الضراح و تعبد الملائكة بحجه و التعظيم له و الطواف حوله و خلق البيت الحرام في الأرض فجعله تحت الضراح.
- وَ رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: لَوْ أُلْقِيَ حَجَرٌ مِنَ الْعَرْشِ لَوَقَعَ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِ الْمَعْمُورِ وَ لَوْ أُلْقِيَ مِنَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ لَسَقَطَ عَلَى ظَهْرِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَ لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ عَرْشاً لِنَفْسِهِ يَسْتَوْطِنُهُ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ لَكِنَّهُ خَلَقَ عَرْشاً أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ تَكْرِمَةً لَهُ وَ إِعْظَاماً وَ تَعَبَّدَ الْمَلَائِكَةَ بِحَمْلِهِ كَمَا خَلَقَ بَيْتاً فِي الْأَرْضِ وَ لَمْ يَخْلُقْهُ لِنَفْسِهِ وَ لَا يَسْكُنُهُ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ لَكِنَّهُ خَلَقَهُ لِخَلْقِهِ وَ أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ إِكْرَاماً لَهُ وَ إِعْظَاماً وَ تَعَبَّدَ الْخَلْقَ بِزِيَارَتِهِ وَ الْحَجِّ إِلَيْهِ.
فأما الوصف للعلم بالعرش فهو في مجاز اللغة دون حقيقتها و لا وجه لتأول قوله تعالى الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى بمعنى أنه احتوى على العلم و إنما الوجه في ذلك ما قدمناه و الأحاديث التي رويت في صفة الملائكة الحاملين للعرش أحاديث آحاد و روايات أفراد لا يجوز القطع بها و لا العمل عليها و الوجه الوقوف عندها و القطع على أن العرش في الأصل هو الملك و العرش المحمول جزء من الملك تعبد الله بحمله الملائكة على ما قدمناه.
____________
(1) النمل: 23.
9
6- الْعَقَائِدُ، اعْتِقَادُنَا فِي الْكُرْسِيِّ أَنَّهُ وِعَاءُ جَمِيعِ الْخَلْقِ مِنَ الْعَرْشِ وَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْكُرْسِيِّ وَ فِي وَجْهٍ آخَرَ الْكُرْسِيُّ هُوَ الْعِلْمُ وَ قَدْ سُئِلَ الصَّادِقُ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ قَالَ عِلْمُهُ.
7- التَّوْحِيدُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الصُّغْدِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْعَسْكَرِيِّ وَ أَخِيهِ مُعَاذٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ الْحَنْظَلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الرُّمَّانِيِ (1) عَنْ زَاذَانَ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: سَأَلَ الْجَاثَلِيقُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَخْبِرْنِي عَنْ رَبِّكَ أَ يَحْمِلُ أَوْ يُحْمَلُ فَقَالَ إِنَّ رَبَّنَا جَلَّ جَلَالُهُ يَحْمِلُ وَ لَا يُحْمَلُ قَالَ النَّصْرَانِيُّ كَيْفَ ذَلِكَ (2) وَ نَحْنُ نَجِدُ فِي الْإِنْجِيلِ وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَحْمِلُ الْعَرْشَ وَ لَيْسَ الْعَرْشُ كَمَا تَظُنُّ كَهَيْئَةِ السَّرِيرِ وَ لَكِنَّهُ شَيْءٌ مَحْدُودٌ مَخْلُوقٌ مُدَبَّرٌ وَ رَبُّكَ عَزَّ وَ جَلَّ مَالِكُهُ لَا أَنَّهُ عَلَيْهِ كَكَوْنِ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ وَ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِحَمْلِهِ فَهُمْ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ بِمَا أَقْدَرَهُمْ عَلَيْهِ قَالَ النَّصْرَانِيُّ صَدَقْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ (3).
8- الْكَافِي، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ رَفَعَهُ قَالَ: سَأَلَ الْجَاثَلِيقُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ لَهُ أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ يَحْمِلُ الْعَرْشَ أَوِ (4) الْعَرْشُ يَحْمِلُهُ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ حَامِلُ الْعَرْشِ وَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَا فِيهِمَا وَ مَا بَيْنَهُمَا وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ
____________
(1) الرمانى بضم الراء المهملة و تشديد الميم، قال في خلاصة تذهيب الكمال (ص:
398): اسمه يحيى بن دينار الواسطى، كان نزل قصر الرمان، وثقه ثقة ابن معين و النسائى و أبو زرعة، مات سنة اثنتين و عشرين و مائة.
(2) في المصدر: فكيف ذاك؟.
(3) التوحيد: 232.
(4) في المصدر: أم.
3
عَلِيّاً(ع)قَالَ: السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ وَ مَا فِيهِمَا مِنْ مَخْلُوقٍ فِي جَوْفِ الْكُرْسِيِ (1).
و ساق الحديث إلى آخره كما سيأتي في رواية علي بن إبراهيم.
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ منهم من فسر العرش هنا بمعنى الملك قال القفال العرش في كلامهم هو السرير الذي يجلس عليه الملوك ثم جعل العرش كناية عن نفس الملك يقال ثل عرشه أي انتقص ملكه و قالوا استوى على عرشه و استقر على سرير ملكه و منهم من فسر العرش بالجسم الأعظم و الاستواء بمعنى الاستيلاء كما مر قال الرازي في تفسيره اتفق المسلمون على أن فوق السماوات جسما عظيما هو العرش و اختلف في المراد بالعرش هنا فقال أبو مسلم المراد أنه لما خلق الله السماوات و الأرض سطحها و رفع سمكها فإن كل بناء يسمى عرشا و بانيه يسمى عارشا قال تعالى وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ (2) و الاستواء على العرش هو الاستعلاء عليه بالقهر و المشهور بين المفسرين أن المراد بالعرش فيها الجسم العظيم الذي في السماء و قيل المراد من العرش الملك و ملك الله تعالى عبارة عن مخلوقاته و وجود مخلوقاته إنما حصل بعد خلق السماوات و الأرض فلا جرم صح إدخال حرف ثم عليه و الحاصل أن المراد استواؤه على عالم الأجسام بالقهر و القدرة و التدبير و الحفظ يعني أن من فوق العرش إلى ما تحت الثرى في حفظه و تدبيره و في الاحتياج إليه (3).
فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً قال الطبرسي ره قيل أي فاسأل عنه خبيرا و الباء بمعنى عن و الخبير هاهنا هو الله تعالى أو محمد(ص)و قيل إن الباء على أصلها و المعنى فاسأل سؤالك (4) أيها الإنسان خبيرا يخبرك بالحق في صفته و قيل إن الباء فيه مثل الباء في قولك لقيت بفلان ليثا إذا وصفت شجاعته و المعنى إذا
____________
(1) مجمع البيان: ج 4،(ص)362.
(2) النحل: 68.
(3) مفاتيح الغيب: ج 4، 782.
(4) بسؤالك (خ).
10
بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ فَكَيْفَ ذَاكَ وَ قُلْتَ إِنَّهُ يَحْمِلُ الْعَرْشَ وَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِنَّ الْعَرْشَ خَلَقَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مِنْ أَنْوَارٍ أَرْبَعَةٍ نُورٍ أَحْمَرَ مِنْهُ احْمَرَّتِ الْحُمْرَةُ وَ نُورٍ أَخْضَرَ مِنْهُ اخْضَرَّتِ الْخُضْرَةُ وَ نُورٍ أَصْفَرَ مِنْهُ اصْفَرَّتِ الصُّفْرَةُ وَ نُورٍ أَبْيَضَ مِنْهُ ابْيَضَّ الْبَيَاضُ وَ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي حَمَّلَهُ اللَّهُ الْحَمَلَةَ وَ ذَلِكَ نُورٌ مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ فَبِعَظَمَتِهِ وَ نُورِهِ أَبْصَرَ قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ وَ بِعَظَمَتِهِ وَ نُورِهِ عَادَاهُ الْجَاهِلُونَ وَ بِعَظَمَتِهِ وَ نُورِهِ ابْتَغَى مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ مِنْ جَمِيعِ خَلَائِقِهِ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ بِالْأَعْمَالِ الْمُخْتَلِفَةِ وَ الْأَدْيَانِ الْمُشْتَبِهَةِ (1) فَكُلُّ شَيْءٍ مَحْمُولٍ يَحْمِلُهُ اللَّهُ بِنُورِهِ وَ عَظَمَتِهِ وَ قُدْرَتِهِ لَا يَسْتَطِيعُ لِنَفْسِهِ ضَرّاً وَ لَا نَفْعاً وَ لَا مَوْتاً وَ لَا حَيَاةً وَ لَا نُشُوراً فَكُلُّ شَيْءٍ مَحْمُولٌ وَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى الْمُمْسِكُ لَهُمَا أَنْ تَزُولَا وَ الْمُحِيطُ بِهِمَا مِنْ شَيْءٍ وَ هُوَ حَيَاةُ كُلِّ شَيْءٍ وَ نُورُ كُلِّ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً قَالَ لَهُ فَأَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَيْنَ هُوَ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)هُوَ هَاهُنَا وَ هَاهُنَا وَ فَوْقُ وَ تَحْتُ وَ مُحِيطٌ بِنَا وَ مَعَنَا وَ هُوَ قَوْلُهُ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا فَالْكُرْسِيُّ مُحِيطٌ بِالسَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ ما تَحْتَ الثَّرى وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ فَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ هُمُ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ حَمَّلَهُمُ اللَّهُ عِلْمَهُ وَ لَيْسَ يَخْرُجُ مِنْ (2) هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ شَيْءٌ خَلَقَ اللَّهُ فِي مَلَكُوتِهِ وَ هُوَ الْمَلَكُوتُ الَّذِي أَرَاهُ اللَّهُ أَصْفِيَاءَهُ وَ أَرَاهُ خَلِيلَهُ(ع)فَقَالَ وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ وَ كَيْفَ يَحْمِلُ حَمَلَةُ الْعَرْشِ اللَّهَ وَ بِحَيَاتِهِ حَيِيَتْ قُلُوبُهُمْ وَ بِنُورِهِ اهْتَدَوْا إِلَى مَعْرِفَتِهِ (3).
____________
(1) المتشتتة (ح).
(2) عن (خ).
(3) الكافي: ج 1،(ص)129.
11
توضيح الجاثليق بفتح الثاء رئيس للنصارى في بلاد الإسلام بمدينة السلام ذكره الفيروزآبادي أَنْ تَزُولا أي يمسكهما كراهة أن تزولا بالعدم و البطلان أو يمنعهما و يحفظهما أن تزولا فإن الإمساك متضمن للمنع و الحفظ و فيه دلالة على أن الباقي يحتاج في بقائه إلى المؤثر إِنْ أَمْسَكَهُما أي ما أمسكهما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد الله أو من بعد الزوال و من الأولى زائدة للمبالغة في الاستغراق و الثانية للابتداء فأخبرني عن قوله لعله توهم المنافاة من جهتين الأولى أن حملة العرش ثمانية و قلت هو سبحانه حامله و الثانية أن الثمانية إذا حملوا عرشه فقد حملوه أيضا لأنه على العرش و قلت إنه حامل جميع ما سواه خلقه الله من أنوار أربعة.
أقول قد تحيرت الأفهام في معنى تلك الأنوار التي هي من غوامض الأسرار فمنهم من قال هي الجواهر القدسية العقلية التي هي وسائط جوده تعالى و ألوانها كناية عن اختلاف أنواعها الذي هو سبب اختلاف الأنواع الرباعية في هذا العالم الحسي كالعناصر و الأخلاط و أجناس الحيوانات أعني الإنسان و البهائم و السباع و الطيور و مراتب الإنسان أعني الطبع و النفس الحساسة و النفس المتخيلة و العقل و أجناس المولدات كالمعدن و النبات و الحيوان و الإنسان و قيل إنه تمثيل لبيان تفاوت تلك الأنوار بحسب القرب و البعد من نور الأنوار فالنور الأبيض هو الأقرب و الأخضر هو الأبعد فكأنه ممتزج بضرب من الظلمة و الأحمر هو المتوسط بينهما ثم ما بين كل اثنين ألوان أخرى كألوان الصبح و الشفق المختلفة في الألوان لقربها و بعدها من نور الشمس و قيل المراد بها صفاته تعالى فالأخضر قدرته على إيجاد الممكنات و إفاضة الأرواح التي هي عيون الحياة و منابع الخضرة و الأحمر غضبه و قهره على الجميع بالإعدام و التعذيب و الأبيض رحمته و لطفه على عباده قال تعالى أَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ و أحسن ما سمعته في هذا المقام ما استفدته من والدي العلامة رفع الله
12
في الجنان مقامه و ملخصه أن لكل شيء شبها و مثالا في عالم الرؤيا و العوالم التي تطلع عليها الأرواح سوى عالم الحس و تظهر تلك الصور و المثل على النفوس مختلفة بحسب اختلاف مراتبها في الكمال فبعض النفوس تظهر لها صورة أقرب إلى ذي الصورة و بعضها أبعد و شأن المعبر الكامل أن ينتقل من تلك الصور إلى ما هي صور لها بحسب أحوال ذلك الشخص و لذا لا يطلع عليها كما ينبغي إلا الأنبياء و الأوصياء(ع)المطلعون على مراتب استعدادات الأشخاص و اختلافهم في النقص و الكمال فالنور الأصفر كناية عن العبادة و صورة لها كما هو المجرب في الرؤية أنه إذا رأى العارف في المنام صفرة يوفق بعده لعبادة كما هو المشاهد في وجوه المتهجدين
- و قد ورد في الخبر أنه ألبسهم الله من نوره لما خلوا به.
و النور الأبيض العلم كما جرب أن من رأى في المنام لبنا أو ماء صافيا يفاض عليه علم خالص عن الشكوك و الشبهات و النور الأحمر المحبة كما هو المشاهد في وجوه المحبين عند طغيانها و جرب أيضا في الرؤيا و النور الأخضر المعرفة و هو العلم المتعلق بذاته و صفاته سبحانه كما هو مجرب في الرؤيا
وَ يُومِئُ إِلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنِ الرِّضَا(ع)أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّا يُرْوَى أَنَّ مُحَمَّداً(ص)رَأَى رَبَّهُ فِي صُورَةِ الشَّابِّ الْمُوفِقِ فِي صُورَةِ أَبْنَاءِ ثَلَاثِينَ سَنَةً رِجْلَاهُ فِي خُضْرَةٍ فَقَالَ(ع)إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ع)حِينَ نَظَرَ إِلَى عَظَمَةِ رَبِّهِ كَانَ فِي هَيْئَةِ الشَّابِّ الْمُوفِقِ وَ سِنِّ أَبْنَاءِ ثَلَاثِينَ سَنَةً فَقَالَ الرَّاوِي جُعِلْتُ فِدَاكَ مَنْ كَانَتْ رِجْلَاهُ فِي خُضْرَةٍ قَالَ ذَاكَ مُحَمَّدٌ(ص)كَانَ إِذَا نَظَرَ إِلَى رَبِّهِ بِقَلْبِهِ جَعَلَهُ فِي نُورٍ مِثْلِ نُورِ الْحُجُبِ حَتَّى يَسْتَبِينَ لَهُ مَا فِي الْحُجُبِ إِنَّ نُورَ اللَّهِ مِنْهُ أَخْضَرُ وَ مِنْهُ أَحْمَرُ وَ مِنْهُ أَبْيَضُ وَ مِنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ.
تمام الخبر لأنه(ص)كان حينئذ في مقام كمال العرفان و خائضا في بحار معرفة الرحيم المنان و كانت رجلاه في النور الأخضر و قائما في مقام من المعرفة لا يطيقها أحد من الملائكة و البشر و إنما عبروا بهذه العبارات و الكنايات لقصور أفهامنا عن إدراك صرف الحق كما تعرض على النفوس الناقصة في المنام هذه الصور و نحن في منام طويل من الغفلة عن المعارف الربانية و الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا و الأحوط في أمثال
13
هذه الأخبار الإيمان بها مجملا و رد علمها إليهم ع.
ثم اعلم أنه على الوجه الأخير الضمير في قوله و هو العلم راجع إلى النور الأبيض و على سائر الوجوه راجع إلى العرش أي و قد يطلق العرش على العلم أيضا أو العرش المركب من الأنوار الأربعة هو العلم.
أبصر قلوب المؤمنين أي ما أبصروا و علموا.
عاداه الجاهلون لأن الجهل مساوق الظلمة التي هي ضد النور و المعاداة إنما تكون بين الضدين كذا قيل و الأظهر أن المراد به أن غاية ظهوره صارت سببا لخفائه كما قيل يا خفيا من فرط الظهور فإنه لو لم يكن للشمس غروب و أفول كان يشتبه على الناس أن ضوء النهار منها و لما كان شمس عالم الوجود في نهاية الاستواء و الكمال أبدا و فيضه جار على المواد القابلة دائما يتوهم الملحد الجاهل أنها بأنفسها موجودة غنية عن العلة أو منسوبة إلى الدهر أو الطبيعة.
ابتغى أي طلب و لعل المعنى أن نوره سبحانه لما طلع على عالم الوجود و آثاره سبحانه ظهر في كل موجود طلبه جميع الخلق لكن بعضهم أخطئوا طريق الطلب و تعيين المطلوب فصاروا حيارى فمنهم من يعبد الصنم لتوهمه أن مطلوبه هناك و منهم من يعتقد الدهر أو الطبيعة لزعمه أن أحدهما إلهه و مدبره فكل منهم يعلمون اضطرارهم إلى خالق و رازق و حافظ و مدبر و يطلبونه و يبتغون إليه الوسيلة لكنهم لضلالهم (1) و عماهم خاطئون و عن الحق معرضون و هذا المعنى الذي خطر بالبال من غوامض الأسرار و له شواهد من الأخبار و إنما أومأنا إليه على الإجمال إذ بسط المقال فيه يؤدي إلى إبداء ما تأبى عنه الأذهان السقيمة لكن تستعذبه العقول المستقيمة الممسك لهما أي للسماوات و الأرض و المحيط بالجر عطفا على ضمير لهما و من بيان له أي الممسك للشيء المحيط بهما أو متعلق بقوله أن تزولا و قوله من شيء للتعميم و يجوز رفعه بالعطف على الممسك و من بيان لضمير
____________
(1) لضلالتهم (خ).
14
بهما لقصد زيادة التعميم أو بيان لمحذوف يعني المحيط بهما مع ما حوتاه من شيء و هو حياة كل شيء أي من الحيوانات أو الحياة بمعنى الوجود و البقاء مجازا و نور كل شيء أي سبب وجوده و ظهوره فالكرسي يمكن أن يكون المراد تفسير الكرسي أيضا بالعلم و لا يؤده أي لا يثقل عليه هم العلماء إذا كان المراد بالعرش عرش العلم كان المراد بالأنوار الأربعة صنوف العلم و أنواعه و لا يخرج عن تلك الأنواع أحد و إذا كان المراد بالأنوار نور العلم و المحبة و المعرفة و العبادة كما مر فهو أيضا صحيح إذ لا يخرج شيء منها أيضا إذ ما من شيء إلا و له عبادة و محبة و معرفة و هو يسبح بحمده و قال الوالد ره الظاهر أن المراد بالأربعة العرش و الكرسي و السماوات و الأرض و يحتمل أن يكون المراد بها الأنوار الأربعة التي هي عبارة عن العرش لأنه محيط على ما هو المشهور.
9- الْكَافِي، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى قَالَ: سَأَلَنِي أَبُو قُرَّةَ الْمُحَدِّثُ أَنْ أُدْخِلَهُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)فَاسْتَأْذَنْتُهُ فَأَذِنَ لِي فَدَخَلَ فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَ فَتُقِرُّ أَنَّ اللَّهَ مَحْمُولٌ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ(ع)كُلُّ مَحْمُولٍ مَفْعُولٌ بِهِ مُضَافٌ إِلَى غَيْرِهِ مُحْتَاجٌ وَ الْمَحْمُولُ اسْمُ نَقْصٍ فِي اللَّفْظِ وَ الْحَامِلُ فَاعِلٌ وَ هُوَ فِي اللَّفْظِ مِدْحَةٌ وَ كَذَلِكَ قَوْلُ الْقَائِلِ فَوْقٌ وَ تَحْتٌ وَ أَعْلَى وَ أَسْفَلُ وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَ لَمْ يَقُلْ فِي كُتُبِهِ أَنَّهُ الْمَحْمُولُ بَلْ قَالَ إِنَّهُ الْحَامِلُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ الْمُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَ الْمَحْمُولُ مَا سِوَى اللَّهِ وَ لَمْ يُسْمَعْ أَحَدٌ آمَنَ بِاللَّهِ وَ عَظَمَتِهِ قَطُّ قَالَ فِي دُعَائِهِ يَا مَحْمُولُ قَالَ أَبُو قُرَّةَ فَإِنَّهُ قَالَ وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ وَ قَالَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ(ع)الْعَرْشُ لَيْسَ هُوَ اللَّهُ وَ الْعَرْشُ اسْمُ عِلْمٍ وَ قُدْرَةٍ وَ عَرْشٍ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ ثُمَّ أَضَافَ الْحَمْلَ إِلَى غَيْرِهِ خَلْقٍ مِنْ خَلْقِهِ لِأَنَّهُ اسْتَعْبَدَ خَلْقَهُ بِحَمْلِ عَرْشِهِ وَ هُمْ حَمَلَةُ عِلْمِهِ وَ خَلْقاً يُسَبِّحُونَ حَوْلَ عَرْشِهِ وَ هُمْ يَعْمَلُونَ (1) بِعِلْمِهِ وَ مَلَائِكَةً يَكْتُبُونَ أَعْمَالَ
____________
(1) في المصدر: يعلمون.
15
عِبَادِهِ وَ اسْتَعْبَدَ أَهْلَ الْأَرْضِ بِالطَّوَافِ حَوْلَ بَيْتِهِ وَ اللَّهُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى كَمَا قَالَ وَ الْعَرْشُ وَ مَنْ يَحْمِلُهُ وَ مَنْ حَوْلَ الْعَرْشِ وَ اللَّهُ الْحَامِلُ لَهُمُ الْحَافِظُ لَهُمُ الْمُمْسِكُ الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ وَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ وَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَ لَا يُقَالُ مَحْمُولٌ وَ لَا أَسْفَلُ قَوْلًا مُفْرَداً لَا يُوصَلُ بِشَيْءٍ فَيَفْسُدُ اللَّفْظُ وَ الْمَعْنَى قَالَ أَبُو قُرَّةَ فَتُكَذِّبُ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي جَاءَتْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا غَضِبَ إِنَّمَا يُعْرَفُ غَضَبُهُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ يَجِدُونَ ثِقْلَهُ عَلَى كَوَاهِلِهِمْ فَيَخِرُّونَ سُجَّداً فَإِذَا (1) ذَهَبَ الْغَضَبُ خَفَّ وَ رَجَعُوا إِلَى مَوَاقِفِهِمْ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ(ع)أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مُنْذُ لَعَنَ إِبْلِيسَ إِلَى يَوْمِكَ هَذَا هُوَ غَضْبَانُ عَلَيْهِ فَمَتَى رَضِيَ وَ هُوَ فِي صِفَتِكَ لَمْ يَزَلْ غَضْبَانَ عَلَيْهِ وَ عَلَى أَوْلِيَائِهِ وَ عَلَى أَتْبَاعِهِ كَيْفَ تَجْتَرِئُ أَنْ تَصِفَ رَبَّكَ بِالتَّغَيُّرِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَ أَنَّهُ (2) يَجْرِي عَلَيْهِ مَا يَجْرِي عَلَى الْمَخْلُوقِينَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى لَمْ يَزُلْ مَعَ الزَّائِلِينَ وَ لَمْ يَتَغَيَّرْ مَعَ الْمُتَغَيِّرِينَ وَ لَمْ يَتَبَدَّلْ مَعَ الْمُتَبَدِّلِينَ وَ مَنْ دُونَهُ فِي يَدِهِ وَ تَدْبِيرِهِ وَ كُلُّهُمْ إِلَيْهِ مُحْتَاجٌ وَ هُوَ غَنِيٌّ عَمَّنْ سِوَاهُ (3).
بيان و المحمول اسم نقص أي كل اسم مفعول دل على تأثر و تغير من غيره و فاقة إليه فهو اسم نقص كالمحفوظ و المربوب و المحمول و أمثالها لا كل ما هو على هذه الصيغة إذ يجوز إطلاق الموجود و المعبود و المحمود و أمثالها عليه تعالى و كذلك قول القائل فوق و تحت يعني أن مثل ذينك اللفظين في كون أحدهما اسم مدح و الآخر اسم نقص قول القائل فوق و تحت فإن فوق اسم مدح و تحت اسم نقص و كذلك أعلى اسم مدح و أسفل اسم نقص و قوله(ع)خلق بالجر بدل غيره و أشار بذلك إلى أن الحامل لما كان من خلقه فيرجع الحمل إليه تعالى و هم حملة علمه أي و قد يطلق حملة العرش على حملة العلم أيضا أو حملة العرش في القيامة هم حملة العلم في الدنيا و قوله(ع)خلقا و ملائكة معطوفان
____________
(1) و إذا (خ).
(2) و أن (خ).
(3) الكافي: ج 1،(ص)130.
16
على خلقه أي استعبد خلقا و ملائكة و الحاصل أنه تعالى لا يحتاج في حمل العرش إلى غيره بل استعبد أصناف خلقه بأنواع الطاعات و حملة العرش عبادتهم حمل العرش من غير حاجة إليهم و هم يعملون بعلمه أي بما أعطاهم من العلم و يحتمل أن يكون هذا مبنيا على كون العرش بمعنى العلم فحملة العرش الأنبياء و الأوصياء و من حول العرش الذين يأخذون العلم عنهم و يعملون بالعلم الذي حمله الحملة فهم مطيفون بهذا العرش و مقتبسون من أنواره كما قال أي استواؤه سبحانه على العرش على النحو الذي قال و أراد من الاستواء النسبة أو الاستيلاء كما مر لا كما تزعمه المشبهة و قوله و العرش و ما عطف عليه مبتدأ خبره محذوف أي محمول كلهم أو سواء في نسبتهم إليه سبحانه.
قولا مفردا لا يوصل بشيء أي لا يقرن بقرينة صارفة عن ظاهره أو ينسب إلى شيء آخر على طريقة الوصف بحال المتعلق بأن يقال عرشه محمول أو أرضه تحت كذا أو جحيمه أسفل و نحو ذلك و إلا فيفسد اللفظ لعدم الإذن الشرعي و أسماؤه توقيفية و أيضا هذا اسم نقص كما مر و المعنى لأنه يوجب نقصه و عجزه تعالى عن ذلك علوا كبيرا و هو في صفتك أي في وصفك إياه أنه لم يزل غضبانا على الشيطان و على أوليائه و الحاصل أنه لما فهم من كلامه أن الملائكة الحاملين للعرش قد يكونون قائمين و قد يكونون ساجدين بطريان الغضب و ضده و حمل الحديث على ظاهره نبه(ع)على خطائه إلزاما عليه بقدر فهمه بأنه لا يصح ما ذكرت إذ من غضبه تعالى ما علم أنه لم يزل كغضبه على إبليس فيلزم أن يكون حملة العرش منذ غضب على إبليس إلى الآن سجدا غير واقفين إلى مواقفهم فعلم أن ما ذكرته و فهمته خطاء و الحديث على تقدير صحته محمول على أن المراد بغضبه سبحانه إنزال العذاب و بوجدان الحملة ثقل العرش اطلاعهم عليه بظهور مقدماته و أسبابه و بسجودهم خضوعهم و خشوعهم له سبحانه خشية و خوفا من عذابه فإذا انتهى نزول العذاب و ظهرت مقدمات رحمته اطمأنوا و رغبوا في طلب رحمته ثم بعد إلزامه(ع)بذلك شرع في الاستدلال على تنزيهه سبحانه مما فهمه
17
فقال كيف تجترئ أن تصف ربك بالتغير من حال إلى حال و هو من صفات المخلوقات و الممكنات لم يزل بضم الزاي من زال يزول و ليس من الأفعال الناقصة و وجه الاستدلال بما ذكره(ع)قد مر مفصلا في كتاب التوحيد.
10- الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ(ص)عَنِ الْكُرْسِيِّ فَقَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَ الْأَرَضُونَ السَّبْعُ عِنْدَ الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضِ فَلَاةٍ وَ إِنَّ فَضْلَ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى تِلْكَ الْحَلْقَةِ (1).
11- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالا السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ فِي جَوْفِ الْكُرْسِيِّ وَ الْكُرْسِيُّ بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ (2).
12- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْعَرْشُ عَرْشاً لِارْتِفَاعِهِ (3).
13- وَ عَنْ وَهْبٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْعَرْشَ وَ الْكُرْسِيَّ مِنْ نُورِهِ وَ الْعَرْشُ مُلْتَصِقٌ بِالْكُرْسِيِّ وَ الْمَلَائِكَةُ فِي جَوْفِ الْكُرْسِيِّ وَ حَوْلَ الْعَرْشِ أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ نَهَرٌ مِنْ نُورٍ يَتَلَأْلَأُ وَ نَهَرٌ مِنْ نَارٍ تَتَلَظَّى وَ نَهَرٌ مِنْ ثَلْجٍ أَبْيَضَ تَلْتَمِعُ مِنْهُ الْأَبْصَارُ وَ نَهَرٌ مِنْ مَاءٍ وَ الْمَلَائِكَةُ قِيَامٌ فِي تِلْكَ الْأَنْهَارِ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ وَ لِلْعَرْشِ أَلْسِنَةٌ بِعَدَدِ أَلْسِنَةِ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ فَهُوَ يُسَبِّحُ اللَّهَ وَ يَذْكُرُهُ بِتِلْكَ الْأَلْسِنَةِ (4).
14- وَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)الْعَرْشُ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ وَ إِنَّ مَلَكاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ نَظَرَ إِلَيْهِ وَ إِلَى عَظَمَتِهِ (5) فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ فِيكَ قُوَّةَ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ لِكُلِّ مَلَكٍ سَبْعُونَ أَلْفَ أَلْفِ جَنَاحٍ فَطِرْ فَطَارَ الْمَلَكُ بِمَا فِيهِ مِنَ الْقُوَّةِ وَ الْأَجْنِحَةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَطِيرَ فَوَقَفَ فَنَظَرَ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْمِ (6).
15- وَ عَنْ حَمَّادٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْعَرْشَ مِنْ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ وَ خَلَقَ لَهُ أَرْبَعَ قَوَائِمَ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ وَ خَلَقَ لَهُ أَلْفَ لِسَانٍ وَ خَلَقَ فِي الْأَرْضِ أَلْفَ أُمَّةٍ كُلُ
____________
(1) الدّر المنثور: ج 1،(ص)328، و قد مر تحت الرقم (1) من هذا الباب.
(2) الدّر المنثور: ج 1،(ص)328.
(3) الدّر المنثور: ج 3،(ص)297.
(4) الدّر المنثور: ج 3،(ص)297.
(5) في المصدر: عظمه.
(6) الدّر المنثور: ج 3،(ص)297.
18
أُمَّةٍ تُسَبِّحُ اللَّهَ بِلِسَانٍ مِنْ أَلْسُنِ الْعَرْشِ (1).
16- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا يَقْدِرُ قَدْرَ الْعَرْشِ إِلَّا الَّذِي خَلَقَهُ وَ إِنَّ السَّمَاوَاتِ فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ (2) مِثْلُ قُبَّةٍ فِي صَحْرَاءَ (3).
17- وَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: مَا أَخَذَتِ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ مِنَ الْعَرْشِ إِلَّا كَمَا تَأْخُذُ الْحَلْقَةُ مِنْ أَرْضِ الْفَلَاةِ (4).
18- وَ عَنْ كَعْبٍ قَالَ: إِنَّ السَّمَاوَاتِ فِي الْعَرْشِ كَالْقِنْدِيلِ مُعَلَّقٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ (5).
19- وَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: مَا الْكُرْسِيُّ فِي الْعَرْشِ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ (6).
20- وَ عَنْ وَهْبٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْعَرْشَ وَ لِلْعَرْشِ سَبْعُونَ أَلْفَ سَاقٍ كُلُّ سَاقٍ كَاسْتِدَارَةِ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ (7).
21- وَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ(ص)قَالَ: أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ (8).
22- وَ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ: حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثَمَانِيَةٌ أَقْدَامُهُمْ مُثْبَتَةٌ (9) فِي الْأَرْضِ السَّابِعَةِ وَ رُءُوسُهُمْ قَدْ جَاوَزَتِ السَّمَاءَ السَّابِعَةَ وَ قُرُونُهُمْ مِثْلُ طُولِهِمْ عَلَيْهَا الْعَرْشُ (10).
23- وَ عَنْ زَاذَانَ قَالَ: حَمَلَةُ الْعَرْشِ أَرْجُلُهُمْ فِي التُّخُومِ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ
____________
(1) الدّر المنثور: ج 3،(ص)297.
(2) في المصدر: فى خلق العرش.
(3) الدّر المنثور: ج 3،(ص)297.
(4) الدّر المنثور: ج 3،(ص)297.
(5) الدّر المنثور: ج 3،(ص)297.
(6) الدّر المنثور: ج 3،(ص)298.
(7) الدّر المنثور: ج 3(ص)298.
(8) الدّر المنثور: ج 5،(ص)346. و فيه «سبعمائة سنة».
(9) في المصدر: «مثقبة» و الصواب ما في المتن.
(10) الدّر المنثور: ج 5،(ص)346.
19
يَرْفَعُوا أَبْصَارَهُمْ مِنْ شُعَاعِ النُّورِ (1).
24- وَ عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ قَالَ: حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثَمَانِيَةٌ يَتَجَاوَبُونَ بِصَوْتٍ رَخِيمٍ (2) يَقُولُ أَرْبَعَةٌ مِنْهُمْ سُبْحَانَكَ وَ بِحَمْدِكَ عَلَى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ وَ أَرْبَعَةٌ مِنْهُمْ يَقُولُونَ سُبْحَانَكَ وَ بِحَمْدِكَ عَلَى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ (3).
25- وَ عَنْ وَهْبٍ قَالَ: حَمَلَةُ الْعَرْشِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَهُ لِكُلِّ مَلَكٍ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ وُجُوهٍ وَ أَرْبَعَةُ أَجْنِحَةٍ جَنَاحَانِ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ أَنْ (4) يَنْظُرَ إِلَى الْعَرْشِ فَيَصْعَقَ وَ جَنَاحَانِ يَطِيرُ بِهِمَا أَقْدَامُهُمْ فِي الثَّرَى وَ الْعَرْشُ عَلَى أَكْتَافِهِمْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَجْهُ ثَوْرٍ وَ وَجْهُ أَسَدٍ وَ وَجْهُ إِنْسَانٍ وَ وَجْهُ نَسْرٍ وَ لَيْسَ لَهُمْ كَلَامٌ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا قُدُّوسٌ اللَّهُ الْقَوِيُّ مَلَأَتْ عَظَمَتُهُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ (5).
26- وَ عَنْ وَهْبٍ قَالَ: حَمَلَةُ الْعَرْشِ الْيَوْمَ أَرْبَعَةٌ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُيِّدُوا بِأَرْبَعَةٍ آخَرِينَ مَلَكٌ مِنْهُمْ فِي صُورَةِ إِنْسَانٍ يَشْفَعُ لِبَنِي آدَمَ فِي أَرْزَاقِهِمْ وَ مَلَكٌ (6) فِي صُورَةِ نَسْرٍ يَشْفَعُ لِلطَّيْرِ (7) فِي أَرْزَاقِهِمْ وَ مَلَكٌ (8) فِي صُورَةِ ثَوْرٍ يَشْفَعُ لِلْبَهَائِمِ فِي أَرْزَاقِهَا وَ مَلَكٌ فِي صُورَةِ أَسَدٍ يَشْفَعُ لِلسِّبَاعِ فِي أَرْزَاقِهَا فَلَمَّا حَمَلُوا الْعَرْشَ وَقَعُوا عَلَى رُكَبِهِمْ مِنْ عَظَمَةِ اللَّهِ فَلُقِّنُوا لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فَاسْتَوَوْا قِيَاماً عَلَى أَرْجُلِهِمْ (9).
27- وَ عَنْ مَيْسَرَةَ قَالَ: لَا تَسْتَطِيعُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى مَا فَوْقَهُمْ مِنْ شُعَاعِ النُّورِ (10).
____________
(1) الدّر المنثور: ج 5،(ص)346.
(2) أي رقيق لين.
(3) الدّر المنثور: ج 5،(ص)346- و قد ذكر التسبيحان في المصدر بالتقديم و التأخير.
(4) في المصدر: على وجهه ينظر.
(5) الدّر المنثور: ج 5،(ص)346.
(6) في المصدر: و ملك منهم.
(8) في المصدر: و ملك منهم.
(7) للطيور (خ).
(9) الدّر المنثور: ج 5،(ص)346.
(10) الدّر المنثور: ج 5،(ص)347.
20
28- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَمَلَةُ الْعَرْشِ مَا بَيْنَ كَعْبِ (1) أَحَدِهِمْ إِلَى أَسْفَلِ قَدَمَيْهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَ ذَكَرَ أَنَّ خُطْوَةَ مَلَكِ الْمَوْتِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ (2).
29- وَ عَنْ مَيْسَرَةَ قَالَ: حَمَلَةُ الْعَرْشِ أَرْجُلُهُمْ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى وَ رُءُوسُهُمْ قَدْ خَرَقَتِ الْعَرْشَ وَ هُمْ خُشُوعٌ لَا يَرْفَعُونَ طَرْفَهُمْ وَ هُمْ أَشَدُّ خَوْفاً مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَ أَهْلُ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ أَشَدُّ خَوْفاً مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا وَ الَّتِي تَلِيهَا أَشَدُّ خَوْفاً مِنَ الَّتِي تَلِيهَا (3).
30- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ مَا جَمَعَكُمْ فَقَالُوا اجْتَمَعْنَا نَذْكُرُ رَبَّنَا وَ نَتَفَكَّرُ فِي عَظَمَتِهِ فَقَالَ لَنْ تُدْرِكُوا التَّفَكُّرَ فِي عَظَمَتِهِ أَ لَا أُخْبِرُكُمْ بِبَعْضِ عَظَمَةِ رَبِّكُمْ قِيلَ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنَّ مَلَكاً مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ يُقَالُ لَهُ إِسْرَافِيلُ زَاوِيَةٌ مِنْ زَوَايَا الْعَرْشِ عَلَى كَاهِلِهِ قَدَمَاهُ (4) فِي الْأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى وَ رَأْسُهُ (5) فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ الْعُلْيَا فِي مِثْلِهِ مِنْ خَلِيقَةِ رَبِّكُمْ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى (6).
31- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ قَالَ يُقَالُ ثَمَانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَا يَعْلَمُ عِدَّتَهُمْ إِلَّا اللَّهُ وَ يُقَالُ ثَمَانِيَةُ أَمْلَاكٍ رُءُوسُهُمْ تَحْتَ الْعَرْشِ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَ أَقْدَامُهُمْ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى وَ لَهُمْ قُرُونٌ كَقُرُونِ الْوَعْلَةِ مَا بَيْنَ أَصْلِ قَرْنِ أَحَدِهِمْ إِلَى مُنْتَهَاهُ (7) خَمْسُمِائَةِ عَامٍ (8).
32- وَ عَنِ الرَّبِيعِ قَالَ: ثَمَانِيَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ (9).
____________
(1) في المصدر: منكب.
(2) الدّر المنثور: ج 5،(ص)347.
(3) الدّر المنثور: ج 5،(ص)347.
(4) في المصدر: «قد مرقت قدماه» و مرق أي نفذ و خرج.
(5) في المصدر: و مرق رأسه.
(6) الدّر المنثور: ج 5،(ص)347.
(7) في المصدر: مسيرة خمسمائة عام.
(8) الدّر المنثور: ج 6،(ص)261.
(9) الدّر المنثور: ج 6،(ص)261.
21
33- وَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قَالَ: لَمْ يُسَمَّ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ إِلَّا إِسْرَافِيلُ وَ مِيكَائِيلُ لَيْسَ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ (1).
34- وَ عَنْ كَعْبٍ قَالَ: لَبَنَانُ أَحَدِ الثَّمَانِيَةِ تَحْمِلُ الْعَرْشَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (2).
35- وَ عَنْ مَيْسَرَةَ قَالَ: ثَمَانِيَةٌ أَرْجُلُهُمْ فِي التُّخُومِ وَ رُءُوسُهُمْ عِنْدَ الْعَرْشِ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَرْفَعُوا أَبْصَارَهُمْ مِنْ شُعَاعِ النُّورِ (3).
36- المهج، مهج الدعوات فِي دُعَاءٍ مَرْوِيٍّ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ(ع)يَا مَنْ خَافَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورِهِ الْمُتَوَقِّدِ حَوْلَ كُرْسِيِّهِ وَ عَرْشِهِ صَافُّونَ مُسَبِّحُونَ طَائِفُونَ خَاضِعُونَ مُذْعِنُونَ الدُّعَاءَ.
37- الْإِحْتِجَاجُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: سَأَلَ الزِّنْدِيقُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنِ الْكُرْسِيِّ أَ هُوَ أَعْظَمُ (4) أَمِ الْعَرْشُ فَقَالَ(ع)كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَ (5) اللَّهُ فِي جَوْفِ الْكُرْسِيِّ خَلَا (6) عَرْشِهِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحِيطَ بِهِ الْكُرْسِيُ (7).
38- تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ الْهَيْثَمِ عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ أَنَّ عَلِيّاً(ع)سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ قَالَ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ وَ مَا فِيهِمَا مِنْ مَخْلُوقٍ فِي جَوْفِ الْكُرْسِيِّ وَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَمْلَاكٍ يَحْمِلُونَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ فَأَمَّا مَلَكٌ مِنْهُمْ فِي صُورَةِ الْآدَمِيِّينَ وَ هِيَ أَكْرَمُ الصُّوَرِ عَلَى اللَّهِ وَ هُوَ يَدْعُو اللَّهَ وَ يَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ وَ يَطْلُبُ الشَّفَاعَةَ وَ الرِّزْقَ (8) لِبَنِي آدَمَ وَ الْمَلَكُ الثَّانِي فِي صُورَةِ الثَّوْرِ وَ هُوَ سَيِّدُ الْبَهَائِمِ وَ هُوَ يَطْلُبُ إِلَى اللَّهِ وَ يَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ وَ يَطْلُبُ الشَّفَاعَةَ وَ الرِّزْقَ لِلْبَهَائِمِ (9) وَ الْمَلَكُ الثَّالِثُ فِي صُورَةِ
____________
(1) الدّر المنثور: ج 6،(ص)261.
(2) الدّر المنثور: ج 6،(ص)261.
(3) الدّر المنثور: ج 6،(ص)261.
(4) في المصدر: فالكرسيّ أكبر أم العرش؟.
(5) في المصدر: خلقه اللّه.
(6) في المصدر: ما خلا عرشه.
(7) الاحتجاج: 193.
(8) و السعة في الرزق (خ).
(9) في المخطوطة: لجميع البهائم.
22
النَّسْرِ وَ هُوَ سَيِّدُ الطَّيْرِ (1) وَ هُوَ يَطْلُبُ إِلَى اللَّهِ وَ يَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ وَ يَطْلُبُ الشَّفَاعَةَ وَ الرِّزْقَ لِجَمِيعِ الطَّيْرِ وَ الْمَلَكُ الرَّابِعُ فِي صُورَةِ الْأَسَدِ وَ هُوَ سَيِّدُ السِّبَاعِ وَ هُوَ يَرْغَبُ إِلَى اللَّهِ وَ يَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ وَ يَطْلُبُ الشَّفَاعَةَ وَ الرِّزْقَ لِجَمِيعِ السِّبَاعِ وَ لَمْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ أَحْسَنُ مِنَ الثَّوْرِ وَ لَا أَشَدُّ انْتِصَاباً مِنْهُ حَتَّى اتَّخَذَ الْمَلَأُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْعِجْلَ فَلَمَّا عَكَفُوا عَلَيْهِ وَ عَبَدُوهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ خَفَضَ الْمَلَكُ الَّذِي فِي صُورَةِ الثَّوْرِ رَأْسَهُ اسْتِحْيَاءً مِنَ اللَّهِ أَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شَيْءٌ يُشْبِهُهُ وَ تَخَوَّفَ (2) أَنْ يَنْزِلَ بِهِ الْعَذَابُ ثُمَّ قَالَ(ع)إِنَّ الشَّجَرَ لَمْ يَزَلْ حَصِيداً كُلُّهُ حَتَّى دُعِيَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ عَزَّ الرَّحْمَنُ وَ جَلَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ فَكَادَتِ (3) السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا فَعِنْدَ ذَلِكَ اقْشَعَرَّ الشَّجَرُ وَ صَارَ لَهُ شَوْكٌ حذارا حَذَراً أَنْ يَنْزِلَ بِهِ الْعَذَابُ فَمَا بَالُ قَوْمٍ غَيَّرُوا سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ عَدَلُوا عَنْ وَصِيِّهِ لَا يَخَافُونَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِمُ الْعَذَابُ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَ بِئْسَ الْقَرارُ (4) ثُمَّ قَالَ نَحْنُ وَ اللَّهِ نِعْمَةُ اللَّهِ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ بِنَا فَازَ مَنْ فَازَ (5).
بيان قد تحمل هؤلاء الحملة على أرباب الأنواع التي قال بها أفلاطون و أضرابه و ما يظهر من صاحب الشريعة لا يناسب ما ذهبوا إليه بوجه كما لا يخفى على العارف بمصطلحات الفريقين.
39- تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّضْرِ عَنْ مُوسَى بْنِ بَكْرٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِهِ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ وَسِعْنَ الْكُرْسِيَّ أَمِ الْكُرْسِيُّ وَسِعَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ قَالَ بَلِ الْكُرْسِيُ
____________
(1) في المخطوطة: سيد الطيور.
(2) في المصدر: ما يشبهه: و يخاف.
(3) في المصدر: تكاد.
(4) إبراهيم: 29.
(5) تفسير عليّ بن إبراهيم: 75.
23
وَسِعَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ الْعَرْشُ وَ كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَ اللَّهُ فِي الْكُرْسِيِ (1).
بيان لعل سؤال زرارة لاستعلام أن في قرآن أهل البيت كُرْسِيُّهُ منصوب أو مرفوع و إلا فعلى تقدير العلم بالرفع لا يحسن هذا السؤال لا سيما من مثل زرارة و يروى عن الشيخ البهائي ره أنه قال سألت عن ذلك والدي فأجاب ره بأن بناء السؤال على قراءة وسع بضم الواو و سكون السين مصدرا مضافا و على هذا يتجه السؤال و إني تصفحت كتب التجويد فما ظفرت على هذه القراءة إلا هذه الأيام رأيت كتابا في هذا العلم مكتوبا بالخط الكوفي و كانت هذه القراءة فيه و كانت النسخة بخط مصنفه و قوله و العرش لعله منصوب بالعطف على الأرض أو مرفوع بالابتدائية فالمراد بالكرسي العلم أو بالعرش فيما ورد أنه محيط بالكرسي العلم و قيل العرش معطوف على الكرسي أي و العرش أيضا وسع السماوات و الأرض فالمعنى أن الكرسي و العرش كلا منهما وسع السماوات و الأرض فالمراد بكل شيء خلق الله كل ما خلق فيهما.
40- التَّوْحِيدُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَطَّارِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَجَّالِ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ إِلَى قَوْلِهِ وَ الْعَرْشُ وَ كُلُّ شَيْءٍ فِي الْكُرْسِيِ (2).
و منه عن محمد بن الحسن بن الوليد عن الحسن (3) بن الحسن بن أبان عن
____________
(1) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ: 75.
(2) التوحيد: 239.
(3) في المصدر «الحسين بن الحسن بن ابان» و هو الصحيح، قال الشيخ- ره- في باب أصحاب العسكريّ (عليه السلام): الحسين بن الحسن بن ابان ادركه (يعنى العسكريّ (عليه السلام)) و لم أعلم أنّه روى عنه، و قال: انه روى عن «الحسين بن سعيد» كتبه كلها، و روى عنه ابن الوليد و ذكر ابن قولويه انه قرابة الصفار و سعيد بن عبد اللّه لكنه اقدم منهما لانه يروى عن الحسين بن سعيد دونهما و الظاهر أنّه من الثقات لرواية اجلة القميين كسعد بن عبد اللّه و ابن الوليد عنه، و كونه من مشايخ الاجازة، مضافا الى أن العلامة- ره- في المنتهى و المختلف و الشهيد في الذكرى وصفا حديثه بالصحة.
24
الحسين بن سعيد عن فضالة عن ابن بكير عن زرارة مثله- العياشي، عن زرارة مثله.
41- تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ الْيَمَانِيِّ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)فَقَالَ لَهُ إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقُرْآنِ فِي أَيِّ يَوْمٍ نَزَلَتْ وَ فِيمَنْ نَزَلَتْ فَقَالَ أَبِي(ع)سَلْهُ فِيمَنْ نَزَلَتْ وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَ أَضَلُّ سَبِيلًا (1) وَ فِيمَنْ نَزَلَتْ وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ (2) وَ فِيمَنْ نَزَلَتْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا (3) فَأَتَاهُ الرَّجُلُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ وَدِدْتُ أَنَّ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا وَاجَهَنِي بِهِ (4) فَأَسْأَلُهُ عَنِ الْعَرْشِ مِمَّ خَلَقَهُ اللَّهُ (5) وَ كَمْ هُوَ وَ كَيْفَ هُوَ فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ إِلَى أَبِي(ع)فَقَالَ أَبِي(ع)فَهَلْ أَجَابَكَ بِالْآيَاتِ قَالَ لَا قَالَ أَبِي لَكِنْ أُجِيبُكَ فِيهَا بِعِلْمٍ وَ نُورٍ غَيْرَ الْمُدَّعَى وَ لَا الْمُنْتَحَلِ أَمَّا قَوْلُهُ وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَ أَضَلُّ سَبِيلًا فَفِيهِ نَزَلَتْ وَ فِي أَبِيهِ وَ أَمَّا قَوْلُهُ وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ فَفِي أَبِيهِ نَزَلَتْ وَ أَمَّا الْأُخْرَى فَفِي ابْنِهِ (6) نَزَلَتْ وَ فِينَا وَ لَمْ يَكُنِ الرِّبَاطُ الَّذِي أُمِرْنَا بِهِ وَ سَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ نَسْلِنَا الْمُرَابِطُ وَ مِنْ نَسْلِهِ الْمُرَابِطُ وَ أَمَّا مَا سَأَلَ عَنْهُ مِنَ الْعَرْشِ مِمَّ خَلَقَهُ اللَّهُ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ أَرْبَاعاً لَمْ يَخْلُقْ قَبْلَهُ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ الْهَوَاءَ وَ الْقَلَمَ وَ النُّورَ ثُمَّ خَلَقَهُ مِنْ أَلْوَانِ أَنْوَارٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ نُورٍ أَخْضَرَ مِنْهُ اخْضَرَّتِ الْخُضْرَةُ
____________
(1) الإسراء: 72.
(2) هود: 34.
(3) آل عمران: 200.
(4) في بعض النسخ: واجهنى به فأسأله، و لكن سله ما العرش و متى خلق و كيف هو؟.
(5) في المصدر: و متى خلق!.
(6) في المصدر: ففى أبيه.
25
وَ نُورٍ أَصْفَرَ مِنْهُ اصْفَرَّتِ الصُّفْرَةُ وَ نُورٍ أَحْمَرَ مِنْهُ احْمَرَّتِ الْحُمْرَةُ وَ نُورٍ أَبْيَضَ وَ هُوَ نُورُ الْأَنْوَارِ وَ مِنْهُ ضَوْءُ النَّهَارِ ثُمَّ جَعَلَهُ سَبْعِينَ أَلْفَ طَبَقٍ غِلَظٍ كُلُّ طَبَقٍ كَأَوَّلِ الْعَرْشِ إِلَى أَسْفَلِ السَّافِلِينَ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ طَبَقٌ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِ رَبِّهِ وَ يُقَدِّسُهُ بِأَصْوَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَ أَلْسِنَةٍ غَيْرِ مُشْتَبِهَةٍ لَوْ أُذِنَ لِلِسَانٍ وَاحِدٍ فَأَسْمَعَ شَيْئاً مِمَّا تَحْتَهُ لَهُدِمَ الْجِبَالُ وَ الْمَدَائِنُ وَ الْحُصُونُ وَ كُشِفَ الْبِحَارُ وَ لَهَلَكَ مَا دُونَهُ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَرْكَانٍ يَحْمِلُ كُلَّ رُكْنٍ مِنْهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَا لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ يُسَبِّحُونَ بِاللَّيْلِ (1) وَ النَّهَارِ لا يَفْتُرُونَ وَ لَوْ أَحَسَّ حِسَّ شَيْءٍ مِمَّا فَوْقَهُ مَا قَامَ لِذَلِكَ طَرْفَةَ عَيْنٍ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْإِحْسَاسِ حُجُبُ الْجَبَرُوتِ وَ الْكِبْرِيَاءِ وَ الْعَظَمَةِ وَ الْقُدْسِ وَ الرَّحْمَةِ وَ الْعِلْمِ (2) وَ لَيْسَ وَرَاءَ هَذَا مَقَالٌ لَقَدْ طَمِعَ الْحَائِرُ فِي غَيْرِ مَطْمَعٍ أَمَا إِنَّ فِي صُلْبِهِ وَدِيعَةً قَدْ ذُرِئَتْ لِنَارِ جَهَنَّمَ فَيُخْرِجُونَ أَقْوَاماً مِنْ دِينِ اللَّهِ وَ سَتُصْبَغُ الْأَرْضُ بِدِمَاءِ أَفْرَاخٍ مِنْ أَفْرَاخِ آلِ مُحَمَّدٍ تَنْهَضُ تِلْكَ الْفِرَاخُ فِي غَيْرِ وَقْتٍ وَ تَطْلُبُ غَيْرَ مُدْرَكٍ وَ يُرَابِطُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَصْبِرُونَ وَ يُصَابِرُونَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (3).
42- التَّوْحِيدُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ الْيَمَانِيِّ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ (4) عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْعَرْشَ أَرْبَاعاً وَ ذَكَرَ مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ وَ لَيْسَ بَعْدَ هَذَا مَقَالٌ (5).
الكشي، عن جعفر بن معروف عن يعقوب بن يزيد عن حماد بن عيسى
____________
(1) الليل (خ).
(2) القلم (خ).
(3) تفسير عليّ بن إبراهيم: 385.
(4) هو عامر بن واثلة الكنانيّ الليثى، ذكر في خلاصة تذهيب الكمال (ص: 157) أنه ولد عام أحد، و اثبت مسلم و ابن عدى صحبته- إلى ان قال- كان من شيعة على ثمّ سكن مكّة إلى ان مات سنة مائة و قيل سنة عشر (يعنى بعد المائة) و هو آخر من مات من جميع الصحابة على الإطلاق.
(5) التوحيد: 238.
26
مثل ما رواه علي بن إبراهيم إلى آخر الخبر
- وَ قَالَ أَيْضاً حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)وَ ذَكَرَ نَحْوَهُ.
- الإختصاص، عن جعفر بن الحسين عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن علي بن إسماعيل عن حماد مثله (1) بيان غير المدعى أي بلا حقيقة و الانتحال أن يدعي شعر غيره أو قوله لنفسه و في رواية الكشي بعد ذلك أما الأولتان فنزلتا في أبيه و أما الأخيرة فنزلت في أبي و فينا و كذا في الإختصاص و فيه بعده و لم يكن الرباط الذي أمرنا به بعد و على التقادير يدل على أن العمى المذكور في الآية ليس عمى العين بل عمى القلب إذ العباس لم ينقل عماه بل عبد الله صار أعمى ففي ابنه نزلت لعل الظاهر ففي بنيه و يمكن أن يراد به الجنس أو أول من خرج منهم أي نزلت في المرابطة و الانتظار الذي أمرنا به في دولة ذريته الملعونة فقوله(ع)من نسله المرابط على التهكم أو بزعمهم فإنهم كانوا يترقبون الدولة في زمن بني أمية أو المراد المرابطة اللغوية لا المذكورة في الآية و يحتمل أن يكون المراد بالمرابط الخارج بالسيف و المرابط من الأئمة القائم(ع)و منهم أولهم أو كلهم و في القاموس ربطه شده و الرباط ما ربط به و المواظبة على الأمر و ملازمة ثغر العدو كالمرابطة و المرابطة أن يربط كل من الفريقين خيولهم في ثغره و كل معد لصاحبه فسمي المقام في الثغر رباطا و منه قوله تعالى وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا (2) انتهى و لو أحس شيء مما فوقه لعل قوله مما فوقه مفعول أحس أي شيئا مما فوقه و في الإختصاص و لو أحس شيئا مما فوقه أي حاس أو كل من الملائكة الحاملين و في بعض النسخ و لو أحس حس شيء و في بعضها و لو أحس حس شيئا و هو أظهر بينه و بين الإحساس أي بين الملك أو الحاس و بين إحساس ما فوقه
____________
(1) الاختصاص: 71- 73.
(2) آل عمران: 200.
27
حجب الجبروت و الكبرياء أي الصورية أو المعنوية و ليس وراء هذا مقال أي لا يمكن وصف ما وراء هذه الحجب لقد طمع الحائر أي ابن عباس و في بعض النسخ الخائن و في بعضها الخاسر في غير مطمع أي في أمر لا ينفع طمعه فيه و هو فوق مرتبته.
فيخرجون و في الكشي يستخرجون أقواما من دين الله أفواجا كما دخلوا فيه و المراد بالأفراخ السادات الذين خرجوا و قتلوا لأنهم خرجوا في غير وقت الخروج و عند استقرار دولة المخالفين و تطلب غير مدرك على بناء المفعول أي ما لا يمكن إدراكه و في الكشي غير ما تدرك و قد مرت الوجوه الكثيرة في تأويل الأنوار في كتاب التوحيد و في هذا الباب أيضا فلا نعيدها هاهنا.
43- التَّفْسِيرُ وَ الْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ قَالَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثَمَانِيَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ ثَمَانِيَةُ أَعْيُنٍ كُلُّ عَيْنٍ طِبَاقُ الدُّنْيَا.
وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثَمَانِيَةٌ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ مِنَ الْأَوَّلِينَ فَنُوحٌ وَ إِبْرَاهِيمُ وَ مُوسَى وَ عِيسَى(ع)وَ أَمَّا الْأَرْبَعَةُ مِنَ الْآخِرِينَ فَمُحَمَّدٌ وَ عَلِيٌّ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ وَ مَعْنَى يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ يَعْنِي الْعِلْمَ (1).
44- الْخِصَالُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَنْ حَفْصِ بْنِ (2) غِيَاثٍ قَالَ سَمِعْتُ
____________
(1) تفسير عليّ بن إبراهيم: 694.
(2) هو حفص بن غياث- بكسر المعجمة- ابن طلق بن معاوية أبو عمر النخعيّ قاضى الكوفة، عده الشيخ- ره- من أصحاب الباقر و الصادق (عليهما السلام) و ادعى في العدة اجماع الطائفة على العمل بروايته. و قال النجاشيّ (104) انه ولى القضاء ببغداد الشرقية لهارون ثمّ ولاه قضاء الكوفة و مات بها سنة أربع و تسعين و مائة (انتهى) و لتوليه القضاء من قبل هارون استظهر جماعة كونه عاميا لكنه كما ترى، و النجاشيّ لم يشر إلى عاميّة مذهبه عند التعرض لترجمته و لو كان عاميا لاشار إليه كما هو دأبه، و قال في تنقيح المقال (ج 1،(ص)355):
يدل على كونه شيعيا جملة من اخباره و رواياته ثمّ ذكر بعضها.
28
أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ إِنَّ حَمَلَةَ الْعَرْشِ ثَمَانِيَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَمَانِيَةُ أَعْيُنٍ كُلُّ عَيْنٍ طِبَاقُ الدُّنْيَا (1).
- وَ مِنْهُ عَنِ ابْنِ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ مُرْسَلًا قَالَ قَالَ الصَّادِقُ(ع)إِنَّ حَمَلَةَ الْعَرْشِ أَحَدُهُمْ عَلَى صُورَةِ ابْنِ آدَمَ يَسْتَرْزِقُ اللَّهَ لِوُلْدِ آدَمَ وَ الثَّانِي عَلَى صُورَةِ الدِّيكِ يَسْتَرْزِقُ اللَّهَ لِلطَّيْرِ وَ الثَّالِثُ عَلَى صُورَةِ الْأَسَدِ يَسْتَرْزِقُ اللَّهَ لِلسِّبَاعِ وَ الرَّابِعُ عَلَى صُورَةِ الثَّوْرِ يَسْتَرْزِقُ اللَّهَ لِلْبَهَائِمِ وَ نَكَسَ الثَّوْرُ رَأْسَهُ مُنْذُ عَبَدَ بَنُو إِسْرَائِيلَ الْعِجْلَ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صَارُوا ثَمَانِيَةً (2).
بيان يمكن أن يكون الذي يسترزق للطير شبيها بالنسر و الديك معا فلذا شبه بهما.
45- التَّوْحِيدُ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: الشَّمْسُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ الْكُرْسِيِّ وَ الْكُرْسِيُّ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ الْعَرْشِ وَ الْعَرْشُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ الْحِجَابِ وَ الْحِجَابُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ السِّتْرِ (3) الْخَبَرَ.
46- التَّوْحِيدُ، وَ الْمَعَانِي، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْمِنْقَرِيِّ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ قَالَ عِلْمُهُ (4).
47- الْمَعَانِي، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَسَنِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَرْزَمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الْمِنْقَرِيِّ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنِ الْعَرْشِ وَ الْكُرْسِيِّ مَا هُمَا
____________
(1) الخصال: 39.
(2) الخصال: 40.
(3) التوحيد: 64.
(4) التوحيد: 239، المعاني: 30.
29
فَقَالَ الْعَرْشُ فِي وَجْهٍ هُوَ جُمْلَةُ الْخَلْقِ وَ الْكُرْسِيُّ وِعَاؤُهُ وَ فِي وَجْهٍ آخَرَ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي أَطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَنْبِيَاءَهُ وَ رُسُلَهُ وَ حُجَجَهُ وَ الْكُرْسِيُّ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ أَحَداً مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَ رُسُلِهِ وَ حُجَجِهِ(ع)(1).
48- وَ مِنْهُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَنْ قَالَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ سَبْعِينَ مَرَّةً أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَ أَتُوبُ إِلَيْهِ كُتِبَ فِي الْأُفُقِ الْمُبِينِ قَالَ قُلْتُ وَ مَا الْأُفُقُ الْمُبِينُ قَالَ قَاعٌ بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ فِيهِ أَنْهَارٌ تَطَّرِدُ فِيهِ مِنَ الْقِدْحَانِ عَدَدَ النُّجُومِ (2).
49- التَّوْحِيدُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ رِبْعِيٍ (3) عَنِ الْفُضَيْلِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ قَالَ يَا فُضَيْلُ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ وَ كُلُّ شَيْءٍ فِي الْكُرْسِيِ (4).
50- وَ مِنْهُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فَقَالَ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ وَ مَا بَيْنَهُمَا فِي الْكُرْسِيِّ وَ الْعَرْشُ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ قَدْرَهُ (5).
____________
(1) المعاني: 29.
(2) المعاني: 228.
(3) بكسر الراء و سكون الباء، قال النجاشيّ: ربعى بن عبد اللّه بن الجارود بن أبي سبرة الهذلى أبو نعيم بصرى ثقة روى عن أبي عبد اللّه و ابى الحسن (عليهما السلام) و صحب الفضيل بن يسار و أكثر الاخذ عنه و كان خصيصا به- إلى أن قال- و له كتاب رواه عن عدة من أصحابنا (رحمهم اللّه) منهم حماد بن عيسى.
(4) التوحيد: 239.
(5) التوحيد: 239.
30
51- وَ مِنْهُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الدَّقَّاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْأَسَدِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبَرْمَكِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنِ الْعَرْشِ وَ الْكُرْسِيِّ فَقَالَ إِنَّ لِلْعَرْشِ صِفَاتٍ كَثِيرَةً مُخْتَلِفَةً لَهُ فِي كُلِّ سَبَبٍ وَ صُنْعٍ (1) فِي الْقُرْآنِ صِفَةٌ عَلَى حِدَةٍ فَقَوْلُهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ يَقُولُ الْمُلْكُ الْعَظِيمُ وَ قَوْلُهُ الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى يَقُولُ عَلَى الْمُلْكِ احْتَوَى وَ هَذَا مُلْكُ الْكَيْفُوفِيَّةِ فِي الْأَشْيَاءِ ثُمَّ الْعَرْشُ فِي الْوَصْلِ مُفْرَدٌ (2) مِنَ الْكُرْسِيِّ لِأَنَّهُمَا بَابَانِ مِنْ أَكْبَرِ أَبْوَابِ الْغُيُوبِ وَ هُمَا جَمِيعاً غَيْبَانِ وَ هُمَا فِي الْغَيْبِ مَقْرُونَانِ لِأَنَّ الْكُرْسِيَّ هُوَ الْبَابُ الظَّاهِرُ مِنَ الْغَيْبِ الَّذِي مِنْهُ مَطْلَعُ الْبِدَعِ وَ مِنْهَا (3) الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا وَ الْعَرْشُ هُوَ الْبَابُ الْبَاطِنُ الَّذِي يُوجَدُ فِيهِ عِلْمُ الْكَيْفِ وَ الْكَوْنِ وَ الْقَدْرِ وَ الْحَدِّ وَ الْأَيْنِ وَ الْمَشِيَّةِ وَ صِفَةِ الْإِرَادَةِ وَ عِلْمُ الْأَلْفَاظِ وَ الْحَرَكَاتِ وَ التَّرْكِ وَ عِلْمُ الْعَوْدِ وَ الْبَدَاءِ فَهُمَا فِي الْعِلْمِ بَابَانِ مَقْرُونَانِ لِأَنَّ مُلْكَ الْعَرْشِ سِوَى مُلْكِ الْكُرْسِيِّ وَ عِلْمَهُ أَغْيَبُ مِنْ عِلْمِ الْكُرْسِيِّ فَمِنْ ذَلِكَ قَالَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَيْ صِفَتُهُ أَعْظَمُ مِنْ صِفَةِ الْكُرْسِيِّ وَ هُمَا فِي ذَلِكَ مَقْرُونَانِ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَلِمَ صَارَ فِي الْفَضْلِ جَارَ الْكُرْسِيِّ قَالَ(ع)إِنَّهُ صَارَ جَارَهُ لِأَنَّ عِلْمَ الْكَيْفُوفِيَّةِ فِيهِ وَ فِيهِ الظَّاهِرُ مِنْ أَبْوَابِ الْبَدَاءِ وَ أَيْنِيَّتِهَا (4) وَ حَدِّ رَتْقِهَا وَ فَتْقِهَا فَهَذَانِ جَارَانِ أَحَدُهُمَا حَمَلَ صَاحِبَهُ فِي الظَّرْفِ وَ بِمِثْلِ صَرْفِ الْعُلَمَاءِ وَ لْيَسْتَدِلُّوا (5) عَلَى صِدْقِ دَعْوَاهُمَا لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ فَمِنِ اخْتِلَافِ صِفَاتِ الْعَرْشِ أَنَّهُ قَالَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى رَبِّ الْعَرْشِ رَبِّ الْوَحْدَانِيَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ قَوْمٌ وَصَفُوهُ بِيَدَيْنِ فَقَالُوا يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ وَ قَوْمٌ وَصَفُوهُ بِالرِّجْلَيْنِ فَقَالُوا وَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَمِنْهَا ارْتَقَى إِلَى السَّمَاءِ وَ
____________
(1) وضع (خ).
(2) في بعض النسخ و في المصدر: متفرد.
(3) في المصدر: «منه» و هو الظاهر.
(4) في بعض النسخ: ابنيتها.
(5) في المصدر: يستدلوا.
31
وَصَفُوهُ (1) بِالْأَنَامِلِ فَقَالُوا إِنَّ مُحَمَّداً(ص)قَالَ إِنِّي وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ عَلَى قَلْبِي فَلِمِثْلِ هَذِهِ الصِّفَاتِ قَالَ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ يَقُولُ رَبِّ الْمَثَلِ الْأَعْلَى عَمَّا بِهِ مَثَّلُوهُ وَ لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى الَّذِي لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ وَ لَا يُوصَفُ وَ لَا يُتَوَهَّمُ فَذَلِكَ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَ وَصَفَ الَّذِينَ لَمْ يُؤْتَوْا مِنَ اللَّهِ فَوَائِدَ الْعِلْمِ فَوَصَفُوا رَبَّهُمْ بِأَدْنَى الْأَمْثَالِ وَ شَبَّهُوهُ بِالْمُتَشَابِهِ مِنْهُمْ فِيمَا جَعَلُوا بِهِ فَلِذَلِكَ قَالَ وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا فَلَيْسَ لَهُ شِبْهٌ وَ لَا مِثْلٌ وَ لَا عَدْلٌ وَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى الَّتِي لَا يُسَمَّى بِهَا غَيْرُهُ وَ هِيَ الَّتِي وَصَفَهَا فِي الْكِتَابِ فَقَالَ فَادْعُوهُ بِها وَ ذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ جَهْلًا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَالَّذِي يُلْحِدُ فِي أَسْمَائِهِ جَهْلًا بِغَيْرِ عِلْمٍ يُشْرِكُ وَ هُوَ لَا يَعْلَمُ وَ يَكْفُرُ بِهِ وَ هُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يُحْسِنُ فَلِذَلِكَ قَالَ وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ فَهُمُ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَيَضَعُونَهَا غَيْرَ مَوَاضِعِهَا يَا حَنَانُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَمَرَ أَنْ يُتَّخَذَ قَوْمٌ أَوْلِيَاءَ فَهُمُ الَّذِينَ أَعْطَاهُمُ الْفَضْلَ وَ خَصَّهُمْ بِمَا لَمْ يَخُصَّ بِهِ غَيْرَهُمْ فَأَرْسَلَ مُحَمَّداً(ص)فَكَانَ الدَّلِيلَ عَلَى اللَّهِ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ حَتَّى مَضَى دَلِيلًا هَادِياً فَقَامَ مِنْ بَعْدِهِ وَصِيُّهُ(ع)دَلِيلًا هَادِياً عَلَى مَا كَانَ هُوَ دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ مِنْ ظَاهِرِ عِلْمِهِ ثُمَّ الْأَئِمَّةُ الرَّاشِدُونَ(ع)(2).
بيان صفات كثيرة أي معان شتى و إطلاقات مختلفة ملك الكيفوفية في الأشياء أي كيفية ارتباطه سبحانه بمخلوقاته و تدبيره لها و علمه بها و مباينته عنها و لذا وصف ذلك بالاستواء فليس بشيء أقرب من شيء و رحمته و علمه وسعا كل شيء و يحتمل أن يكون المراد تدبير صفات الأشياء و كيفياتها و أوضاعها و أحوالها و لعله أظهر ثم العرش في الوصل مفرد أي إذا عطف أحدهما على الآخر و وصل بينهما في الذكر فالعرش مفرد عن الكرسي و مباين له و في غير ذلك قد يطلقان على معنى واحد كالعلم و هما جميعا غيبان أي مغيبان عن الحواس قوله(ع)لأن الكرسي هو الباب الظاهر يظهر منه مع غاية غموضه أن المراد
____________
(1) في المصدر: و قوم و صفوه.
(2) التوحيد: 236.
32
بالكرسي و العرش هنا نوعان من علمه سبحانه فالكرسي العلم المتعلق بأعيان الموجودات و منه يطلع و يظهر جميع الموجودات بحقائقها و أعيانها و الأمور البديعة في السماوات و الأرض و ما بينهما و العرش العلم المتعلق بكيفيات الأشياء و مقاديرها و أحوالها و بدئها و عودها و يمكن أن يكون أحدهما عبارة عن كتاب المحو و الإثبات و الآخر عن اللوح المحفوظ قوله(ع)لأن علم الكيفوفية أي أنهما إنما صارا جارين مقرونين لأن أحدهما عبارة عن العلم المتعلق بالأعيان و الآخر عن العلم المتعلق بكيفيات تلك الأعيان فهما مقرونان و من تلك الجهة صح جعل كل منها ظرفا للآخر لأن الأعيان لما كانت محال للكيفيات فهي ظروفها و أوسع منها و لما كانت الكيفيات محيطة بالأعيان فكأنها ظرفها و أوسع منها و بهذا الوجه يمكن الجمع بين الأخبار و لعله أشير إلى هذا بقوله أحدهما حمل صاحبه في الظرف بالظاء المعجمة أي بحسب الظرفية و في بعض النسخ بالمهملة أي حيث ينتهي طرف أحدهما بصاحبه إذا قرئ بالتحريك و إذا قرئ بالسكون فالمراد نظر القلب و بمثل صرف العلماء أي علماء أهل البيت(ع)عبروا عن هذه الأمور بالعبارات المتصرفة المتنوعة على سبيل التمثيل و التشبيه فتارة عبروا عن العلم بالعرش و تارة بالكرسي و تارة جعلوا العرش وعاء الكرسي و تارة بالعكس و تارة أرادوا بالعرش و الكرسي الجسمين العظيمين و إنما عبروا بالتمثيل ليستدلوا على صدق دعواهما أي دعواهم لهما و ما ينسبون إليهما و يبينون من غرائبهما و أسرارهما و في أكثر النسخ و ليستدلوا فهو عطف على مقدر أي لتفهيم أصناف الخلق و ليستدلوا و لعل الأظهر دعواهم.
قوله(ع)فمن اختلاف صفات العرش أي معانيه قال في سورة الأنبياء فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ فالمراد بالعرش هنا عرش الوحدانية إذ هي أنسب بمقام التنزيه عن الشريك إذ المذكور قبل ذلك أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ و قال سبحانه في سورة الزخرف قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ
33
سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ و المناسب هنا عرش التقدس و التنزه عن الأشباه و الأمثال و الأولاد فالعرش في كل مقام يراد به معنى يعلمه الراسخون في العلم ثم إنه ظاهر الكلام يوهم أن الظرف في قوله عَمَّا يَصِفُونَ متعلق بالعرش و هو بعيد بل الظاهر تعلقه بسبحان و على ما قررنا عرفت أنه لا حاجة إلى ارتكاب ذلك و يدل الخبر على أن خطاب وَ ما أُوتِيتُمْ متوجه إلى السائلين عن الروح و أضرابهم لا إلى النبي(ص)قوله(ع)من ظاهر علمه إنما خص بالظاهر لأن باطن علمه لا يطيقه سائر الخلق سوى أوصيائه ع.
و اعلم أن هذا الخبر من المتشابهات و غوامض المخبيات و الظاهر أنه وقع من الرواة و النساخ لعدم فهمهم معناه تصحيفات و تحريفات أيضا فلذا أجملت الكلام فيه و ما ذكرته إنما هو على سبيل الاحتمال و الله يعلم و حججه حقائق كلامهم ع.
52- الْعَيَّاشِيُّ، عَنِ الْأَصْبَغِ قَالَ: سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فَقَالَ إِنَّ السَّمَاءَ (1) وَ الْأَرْضَ وَ مَا فِيهِمَا مِنْ خَلْقٍ مَخْلُوقٌ فِي جَوْفِ الْكُرْسِيِّ وَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَمْلَاكٍ يَحْمِلُونَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ.
53- تَفْسِيرُ الْعَسْكَرِيِّ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ الْعَرْشَ خَلَقَ لَهُ ثَلَاثَمِائَةٍ وَ سِتِّينَ أَلْفَ رُكْنٍ وَ خَلَقَ عِنْدَ كُلِّ رُكْنٍ ثَلَاثَمِائَةٍ وَ سِتِّينَ أَلْفَ مَلَكٍ لَوْ أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَصْغَرِهِمْ فَالْتَقَمَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَ الْأَرَضِينَ السَّبْعَ مَا كَانَ ذَلِكَ بَيْنَ لَهَوَاتِهِ إِلَّا كَالرَّمْلَةِ فِي الْمَفَازَةِ الْفَضْفَاضَةِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ يَا عِبَادِي احْتَمِلُوا عَرْشِي هَذَا فَتَعَاطَوْهُ فَلَمْ يُطِيقُوا حَمْلَهُ وَ لَا تَحْرِيكَهُ فَخَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَاحِداً فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُزَعْزِعُوهُ فَخَلَقَ اللَّهُ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشَرَةً فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُحَرِّكُوهُ فَخَلَقَ اللَّهُ بِعَدَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِثْلَ جَمَاعَتِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُحَرِّكُوهُ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِجَمِيعِهِمْ خَلُّوهُ عَلَيَّ أُمْسِكُهُ بِقُدْرَتِي فَخَلَّوْهُ فَأَمْسَكَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِقُدْرَتِهِ ثُمَّ قَالَ لِثَمَانِيَةٍ مِنْهُمُ احْمِلُوهُ أَنْتُمْ فَقَالُوا يَا رَبَّنَا
____________
(1) السماوات (خ).
34
لَمْ نُطِقْهُ نَحْنُ وَ هَذَا الْخَلْقُ الْكَثِيرُ وَ الْجَمُّ الْغَفِيرُ فَكَيْفَ نُطِيقُهُ الْآنَ دُونَهُمْ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِأَنِّي أَنَا اللَّهُ الْمُقَرِّبُ لِلْبَعِيدِ وَ الْمُذَلِّلُ لِلْعَبِيدِ وَ الْمُخَفِّفُ لِلشَّدِيدِ وَ الْمُسَهِّلُ لِلْعَسِيرِ أَفْعَلُ مَا أَشَاءُ وَ أَحْكُمُ مَا أُرِيدُ أُعَلِّمُكُمْ كَلِمَاتٍ تَقُولُونَهَا يَخِفُ (1) بِهَا عَلَيْكُمْ قَالُوا وَ مَا هِيَ قَالَ تَقُولُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطَّيِّبِينَ فَقَالُوهَا فَحَمَلُوهُ وَ خَفَّ عَلَى كَوَاهِلِهِمْ كَشَعْرَةٍ نَابِتَةٍ عَلَى كَاهِلِ رَجُلٍ جَلْدٍ قَوِيٍّ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِسَائِرِ تِلْكَ الْأَمْلَاكِ خَلُّوا عَلَى هَؤُلَاءِ الثَّمَانِيَةِ عَرْشِي لِيَحْمِلُوهُ وَ طُوفُوا أَنْتُمْ حَوْلَهُ وَ سَبِّحُونِي وَ مَجِّدُونِي وَ قَدِّسُونِي فَأَنَا اللَّهُ الْقَادِرُ الْمُطْلَقُ عَلَى مَا رَأَيْتُمْ وَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
بيان: الفضفاضة الواسعة ذكره الجوهري و قال الجلد الصلابة و الجلادة تقول منه جلد الرجل بالضم فهو جلد.
54- رَوْضَةُ الْوَاعِظِينَ، رَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: فِي الْعَرْشِ تِمْثَالُ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ (2) قَالَ وَ هَذَا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ (3) وَ إِنَّ بَيْنَ الْقَائِمَةِ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ وَ الْقَائِمَةِ الثَّانِيَةِ خَفَقَانَ الطَّيْرِ الْمُسْرِعِ مَسِيرَةَ أَلْفِ عَامٍ وَ الْعَرْشُ يُكْسَى كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ أَلْفَ لَوْنٍ مِنَ النُّورِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ وَ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا فِي الْعَرْشِ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ وَ إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَلَكاً يُقَالُ لَهُ خرقائيل لَهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ جَنَاحٍ مَا بَيْنَ الْجَنَاحِ إِلَى الْجَنَاحِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ فَخَطَر لَهُ خَاطِرٌ هَلْ فَوْقَ الْعَرْشِ شَيْءٌ فَزَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِثْلَهَا أَجْنِحَةً أُخْرَى فَكَانَ لَهُ سِتٌّ وَ ثَلَاثُونَ أَلْفَ جَنَاحٍ مَا بَيْنَ الْجَنَاحِ إِلَى الْجَنَاحِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَيُّهَا الْمَلَكُ طِرْ فَطَارَ مِقْدَارَ عِشْرِينَ أَلْفَ عَامٍ لَمْ يَنَلْ رَأْسَ (4) قَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ ثُمَّ ضَاعَفَ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَاحِ وَ الْقُوَّةِ
____________
(1) يخفف (خ).
(2) في المصدر: فى البر و البحر.
(3) الحجر: 21.
(4) راسه (خ).
35
وَ أَمَرَهُ أَنْ يَطِيرَ فَطَارَ مِقْدَارَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ عَامٍ لَمْ يَنَلْ أَيْضاً فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَيُّهَا الْمَلَكُ لَوْ طِرْتَ إِلَى نَفْخِ الصُّورِ مَعَ أَجْنِحَتِكَ وَ قُوَّتِكَ لَمْ تَبْلُغْ إِلَى سَاقِ عَرْشِي (1) فَقَالَ الْمَلَكُ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فَقَالَ النَّبِيُّ(ص)اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ.
55- وَ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الْمُخَالِفِينَ فِي قَوْلِهِ وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ قَالَ ثَمَانِيَةُ صُفُوفٍ لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ لِكُلِّ مَلَكٍ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ وُجُوهٍ لَهُمْ قُرُونٌ كَقُرُونِ الْوَعْلَةِ مِنْ أُصُولِ الْقُرُونِ إِلَى مُنْتَهَاهَا مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَ الْعَرْشُ عَلَى قُرُونِهِمْ وَ أَقْدَامُهُمْ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى وَ رُءُوسُهُمْ فِي السَّمَاءِ الْعُلْيَا وَ دُونَ الْعَرْشِ سَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ نُورٍ (2).
بيان قال الجزري الوعول تيوس الجبل واحدها وعل بكسر العين و منه الحديث في تفسير قوله تعالى وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ قيل هي ثمانية أوعال أي ملائكة على صورة الأوعال.
56- تَأْوِيلُ الْآيَاتِ الظَّاهِرَةِ، نَقْلًا مِنْ كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مَاهْيَارَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ عَنْ هَارُونَ بْنِ الْجَهْمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ قَالَ يَعْنِي مُحَمَّداً وَ عَلِيّاً وَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ وَ نُوحاً وَ إِبْرَاهِيمَ وَ مُوسَى وَ عِيسَى ع.
57- الْإِخْتِصَاصُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَأَلَ ابْنُ سَلَامٍ النَّبِيَّ(ص)فَكَانَ فِيمَا سَأَلَهُ مَا السِّتَّةَ عَشَرَ وَ مَا الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ قَالَ سِتَّةَ عَشَرَ صَفّاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ وَ أَمَّا الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ فَثَمَانِيَةَ عَشَرَ حِجَاباً مِنْ نُورٍ مُعَلَّقٍ بَيْنَ الْكُرْسِيِّ وَ الْحُجُبِ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَذَابَتْ
____________
(1) في المصدر: إلى ساق العرش.
(2) روضة الواعظين: 59.
36
صُمُّ الْجِبَالِ الشَّوَامِخِ وَ احْتَرَقَتِ الْجِنُّ وَ الْإِنْسُ مِنْ نُورِ اللَّهِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ (1).
58- فِي بَعْضِ الْكُتُبِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)أَنَّ فِي الْعَرْشِ تِمْثَالَ جَمِيعِ مَا خَلَقَ اللَّهُ.
59- الْمُتَهَجِّدُ، فِي دُعَاءِ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ اللَّهُمَّ رَبَّ النُّورِ الْعَظِيمِ وَ رَبَّ الْكُرْسِيِّ الْوَاسِعِ وَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ وَ رَبَّ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ الدُّعَاءَ.
60- وَ فِي تَعْقِيبِ صَلَاةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ عَرْشَكَ الَّذِي لَا يَعْلَمُ مَا هُوَ إِلَّا أَنْتَ إِلَى قَوْلِهِ وَ أَسْأَلُكَ يَا اللَّهُ بِاسْمِكَ الَّذِي تَضَعْضَعَ بِهِ سُكَّانُ سَمَاوَاتِكَ وَ اسْتَقَرَّ بِهِ عَرْشُكَ إِلَى قَوْلِهِ وَ أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي أَقَمْتَ بِهِ عَرْشَكَ وَ كُرْسِيَّكَ فِي الْهَوَاءِ إِلَى قَوْلِهِ وَ أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي دَعَاكَ بِهِ حَمَلَةُ عَرْشِكَ فَاسْتَقَرَّتْ أَقْدَامُهُمْ وَ حَمَّلْتَهُمْ عَرْشَكَ بِذَلِكَ الِاسْمِ يَا اللَّهُ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَ لَا حَامِلُ عَرْشِكَ وَ لَا كُرْسِيِّكَ إِلَّا مَنْ عَلَّمْتَهُ ذَلِكَ.
61- بَيَانُ التَّنْزِيلِ، لِابْنِ شَهْرَآشُوبَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّ بَيْنَ الْقَائِمَةِ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ وَ الْقَائِمَةِ الثَّانِيَةِ خَفَقَانَ الطَّيْرِ عَشَرَةَ آلَافِ عَامٍ (2).
____________
(1) الاختصاص: 27.
(2) حاصل ما يستفاد من الروايات الشريفة أن العرش مخلوق عظيم جدا يشتمل على ما دونه من الموجودات، خلق من أنوار أربعة، و يحمله أربعة من الملائكة، و له أربع قوائم و ليس اول المخلوقات بل رابعها، و هو الملكوت الذي ما راه اللّه اصفياءه، و فيه تمثال ما خلق اللّه في البر و البحر، و فيه خزائن جميع الأشياء، و هو الباب الباطن من العلم، و فيه علم الكيف و الكون و العود و البداء و قد يستعمل بمعنى الملك و القدرة بعناية، و منه قوله تعالى «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى» و لعلّ منه ايضا «وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ».
و قد تكلف بعض الحكماء لتطبيقه على الفلك التاسع من الافلاك المفروضة في الهيئة القديمة، لكنه لا يوافق ما ذكر له من الخواص في الروايات و الذي يفيده التدبر البالغ في خواصه المذكورة في الروايات الشريفة ان اشتماله على ما دونه من الموجودات ليس كاشتمال جسم مجوف على آخر، بل معناه اشتماله على صور الأشياء و حقائقها و كمالاتها، قال (عليه السلام) «فى العرش تمثال ما خلق اللّه تعالى في البر و البحر و هذا تأويل قوله وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا
37
تحقيق و توفيق اعلم أن ملوك الدنيا لما كان ظهورهم و إجراء أحكامهم على رعيتهم إنما يكون عند صعودهم على كرسي الملك و عروجهم على عرش السلطنة و منهما تظهر آثارهم و تتبين أسرارهم و الله سبحانه لتقدسه عن المكان لا يوصف بمحل و لا مقر و ليس له عرش و لا كرسي يستقر عليهما بل يطلقان على أشياء من مخلوقاته أو صفاته الكمالية على وجه المناسبة فالكرسي و العرش يطلقان على معان أحدها جسمان عظيمان خلقهما الله تعالى فوق سبع سماوات و ظاهر أكثر الأخبار أن العرش أرفع و أعظم من الكرسي و يلوح من بعضها العكس و الحكماء يزعمون أن الكرسي هو الفلك الثامن و العرش هو الفلك التاسع و ظواهر الأخبار تدل على خلاف ذلك من كونهما مربعين ذاتي قوائم و أركان و ربما يؤولان بالجهات و الحدود و الصفات التي بها استحقا التعظيم و التكريم و لا حاجة لنا إلى هذه التكلفات و إنما سميا بالاسمين لبروز أحكامه و تقديراته من عندهما و إحاطة الكروبيين و المقربين و أرواح النبيين و الأوصياء بهما و عروج من قربه من جنابه إليهما كما أن أوامر الملوك و أحكامهم و آثار سلطنتهم و عظمتهم تبدو منهما و تطيف مقربوا جنابهم و خواص ملكهم بهما و أيضا لما كانا أعظم مخلوقاته الجسمانية و فيهما من الأنوار العجيبة و الآثار الغريبة ما ليس في غيرهما من الأجسام فدلالتهما على وجوده و علمه و قدرته و حكمته سبحانه أكثر من سائر الأجسام فلذا خصا بهذين الاسمين من بينهما و حملتهما في الدنيا جماعة من الملائكة كما عرفت و في الآخرة إما الملائكة أو أولو العزم من الأنبياء مع صفوة الأوصياء(ع)كما عرفت و
____________
خَزائِنُهُ» و قال «هو الباب الباطن الذي يوجد فيه علم الكيف و الكون. و هما (يعنى العرش و الكرسيّ) غيبان و هما في العلم مقرونان» فبالنظر الى هذه الخواص لا يبعد استظهار كونه من الموجودات النورانية العالية و الجواهر المجردة العقليّة، و كونه رابعها بحسب المرتبة الوجودية، مشتملا على أربع حيثيات مختلفة يبقى اشكال و هو انه ربما يظهر من بعض الروايات كونه جسما عظيما فوق السماء السابعة فلو كان المراد غير ذلك لم لم يصرح به؟ و الجواب قوله (عليه السلام) في رواية حنان المتقدمة «بمثل صرف العلماء» و اللّه العالم.
38
يمكن أن يكون نسبة الحمل إليهم مجازا لقيام العرش بهم في القيامة و كونهم الحكام عنده و المقربين لديه.
و ثانيها العلم كما عرفت إطلاقهما في كثير من الأخبار عليه و قد مر الفرق بينهما في خبر معاني الأخبار و غيره و ذلك أيضا لأن منشأ ظهوره سبحانه على خلقه العلم و المعرفة و به يتجلى على العباد فكأنه عرشه و كرسيه سبحانه و حملتهما نبينا و أئمتنا(ع)لأنهم خزان علم الله في سمائه و أرضه لا سيما ما يتعلق بمعرفته سبحانه.
و ثالثها الملك و قد مر إطلاقهما عليه في خبر حنان و الوجه ما مر أيضا.
و رابعها الجسم المحيط و جميع ما في جوفه أو جميع خلق الله كما ذكره الصدوق ره و يستفاد من بعض الأخبار إذ ما من شيء في الأرض و لا في السماء و ما فوقها إلا و هي من آيات وجوده و علامات قدرته و آثار وجوده و فيضه و حكمته فجميع المخلوقات عرش عظمته و جلاله و بها تجلى على العارفين بصفات كماله و هذا أحد المعاني التي خطرت ببالي الفاتر في قولهم(ع)و ارتفع فوق كل منظر فتدبر.
و خامسها إطلاق العرش على كل صفة من صفاته الكمالية و الجلالية إذ كل منها مستقر لعظمته و جلاله و بها يظهر لعباده على قدر قابليتهم و معرفتهم فله عرش العلم و عرش القدرة و عرش الرحمانية و عرش الرحيمية و عرش الوحدانية و عرش التنزه كما مر في خبر حنان و غيره و قد أول الوالد ره الخبر الذي ورد في تفسير قوله تعالى الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى أن المعنى استوى من كل شيء فليس شيء أقرب إليه من شيء أن المراد بالعرش هنا عرش الرحمانية و الظرف حال أي الرب سبحانه حال كونه على عرش الرحمانية استوى من كل شيء إذ بالنظر إلى الرحيمية التي هي عبارة عن الهدايات و الرحمات الخاصة بالمؤمنين أقرب أو المراد أنه تعالى بسبب صفة الرحمانية حال كونه على عرش الملك و العظمة و الجلال استوى نسبته إلى كل شيء و حينئذ فائدة التقييد بالحال نفي
39
توهم أن هذا الاستواء مما ينقص من عظمته و جلاله شيئا.
و سادسها إطلاق العرش على قلب الأنبياء و الأوصياء(ع)و كمل المؤمنين فإن قلوبهم مستقر محبته و معرفته سبحانه
- كَمَا رُوِيَ أَنَّ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ.
-
وَ رُوِيَ أَيْضاً فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِ لَمْ يَسَعْنِي سَمَائِي وَ لَا أَرْضِي وَ وَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ.
ثم اعلم أن إطلاقهما على بعض المعاني عند التصريح به أو إقامة القرائن عليه لا ينافي وجوب الإذعان بالمعنى الأول الذي هو الظاهر من أكثر الآيات و الأخبار و الله المطلع على الأسرار.
باب 5 الحجب و الأستار و السرادقات
1- التَّوْحِيدُ، وَ الْخِصَالُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْقَطَّانِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا الْقَطَّانِ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ تَمِيمِ بْنِ بُهْلُولٍ عَنْ نَصْرِ بْنِ مُزَاحِمٍ الْمِنْقَرِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ (1) لُوطِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِي مَنْصُورٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَنِ الْحُجُبِ فَقَالَ أَوَّلُ الْحُجُبِ سَبْعَةٌ غِلَظُ كُلِّ حِجَابٍ مِنْهَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَ بَيْنَ كُلِّ حِجَابَيْنِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَ الْحِجَابُ الثَّانِي سَبْعُونَ حِجَاباً بَيْنَ كُلِّ حِجَابَيْنِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ (2)
____________
(1) وزان «منبر» و أبو مخنف هو لوط بن يحيى بن مخنف بن سليم الأزديّ شيخ أصحاب الاخبار بالكوفة- كما عن النجاشيّ- يروى عن الصادق (عليه السلام) و كان من أعاظم مؤرخى الشيعة، و مع اشتهاره بالتشيع اعتمد عليه علماء السنة كالطبري و الجزريّ و غيرهما، له كتب في التاريخ و السير منها «مقتل الحسين (عليه السلام)» الذي نقل عنه أعاظم العلماء المتقدمين توفى سنة (157) وجده «مخنف» صحابى شهد الجمل في أصحاب عليّ (عليه السلام) حاملا راية الازد فاستشهد في تلك الواقعة سنة (36).
(2) في المصدر: و طوله خمسمائة عام.
40
حَجَبَةُ كُلِّ حِجَابٍ مِنْهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ قُوَّةُ كُلِّ مَلَكٍ مِنْهُمْ قُوَّةُ الثَّقَلَيْنِ مِنْهَا ظُلْمَةٌ وَ مِنْهَا نُورٌ وَ مِنْهَا نَارٌ وَ مِنْهَا دُخَانٌ وَ مِنْهَا سَحَابٌ وَ مِنْهَا بَرْقٌ (1) وَ مِنْهَا رَعْدٌ وَ مِنْهَا ضَوْءٌ وَ مِنْهَا رَمْلٌ وَ مِنْهَا جَبَلٌ وَ مِنْهَا عَجَاجٌ وَ مِنْهَا مَاءٌ وَ مِنْهَا أَنْهَارٌ وَ هِيَ حُجُبٌ مُخْتَلِفَةٌ غِلَظُ كُلِّ حِجَابٍ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ أَلْفَ عَامٍ ثُمَّ سُرَادِقَاتُ الْجَلَالِ وَ هِيَ سِتُّونَ (2) سُرَادِقاً فِي كُلِّ سُرَادِقٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ بَيْنَ كُلِّ سُرَادِقٍ وَ سُرَادِقٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ ثُمَّ سُرَادِقُ الْعِزِّ ثُمَّ سُرَادِقُ الْكِبْرِيَاءِ ثُمَّ سُرَادِقُ الْعَظَمَةِ ثُمَّ سُرَادِقُ الْقُدُسِ ثُمَّ سُرَادِقُ الْجَبَرُوتِ ثُمَّ سُرَادِقُ الْفَخْرِ ثُمَّ سُرَادِقُ النُّورِ الْأَبْيَضِ ثُمَّ سُرَادِقُ الْوَحْدَانِيَّةِ وَ هُوَ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ أَلْفَ عَامٍ ثُمَّ الْحِجَابُ الْأَعْلَى وَ انْقَضَى كَلَامُهُ(ع)وَ سَكَتَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ لَا بَقِيتُ لِيَوْمٍ لَا أَرَاكَ فِيهِ يَا أَبَا الْحَسَنِ (3).
قال الصدوق ره ليست هذه الحجب مضروبة على الله تعالى عن ذلك لأنه لا يوصف بمكان و لكنها مضروبة على العظمة العليا من خلقه التي لا يقادر قدرها غيره تبارك و تعالى (4).
بيان قوله(ع)منها ظلمة لعل المراد من مطلق الحجب لا من الحجب المتقدمة كما يدل عليه قوله غلظ كل حجاب إلخ.
2- الْمَعَانِي، وَ الْخِصَالُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْجُرْجَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ يَحْيَى الْوَاسِطِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَدَنِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ (5) عَنِ السُّفْيَانِ الثَّوْرِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ
____________
(1) مطر (خ).
(2) في المخطوطة: سبعون.
(3) التوحيد: 201.
(4) الخصال: 36- 37.
(5) هو بو عبد الرحمن عبد اللّه بن المبارك بن واضح الحنظلى المروزى العالم الزاهد المحدث من تابعي التابعين، ذكر ترجمته مفصلا في تاريخ بغداد و الحلية و غيرهما و اثنوا عليه كثيرا، روى عنه انه قال: كتبت عن أربعة آلاف شيخ، فرويت عن ألف، و روى انه قال لابى.
41
عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ نُورَ مُحَمَّدٍ(ص)قَبْلَ أَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ الْعَرْشَ وَ الْكُرْسِيَّ وَ اللَّوْحَ وَ الْقَلَمَ وَ الْجَنَّةَ وَ النَّارَ وَ قَبْلَ أَنْ خَلَقَ آدَمَ وَ نُوحاً وَ إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْمَاعِيلَ وَ إِسْحَاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ مُوسَى وَ عِيسَى وَ دَاوُدَ وَ سُلَيْمَانَ وَ كُلَّ مَنْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي قَوْلِهِ وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ إِلَى قَوْلِهِ وَ هَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (1) وَ قَبْلَ أَنْ خَلَقَ الْأَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ وَ أَرْبَعٍ وَ عِشْرِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَ خَلَقَ عَزَّ وَ جَلَّ مَعَهُ اثْنَيْ عَشَرَ حِجَاباً حِجَابَ الْقُدْرَةِ وَ حِجَابَ الْعَظَمَةِ وَ حِجَابَ الْمِنَّةِ وَ حِجَابَ الرَّحْمَةِ وَ حِجَابَ السَّعَادَةِ وَ حِجَابَ الْكَرَامَةِ وَ حِجَابَ الْمَنْزِلَةِ وَ حِجَابَ الْهِدَايَةِ وَ حِجَابَ النُّبُوَّةِ وَ حِجَابَ الرِّفْعَةِ وَ حِجَابَ الْهَيْبَةِ وَ حِجَابَ الشَّفَاعَةِ ثُمَّ حَبَسَ نُورَ مُحَمَّدٍ(ص)فِي حِجَابِ الْقُدْرَةِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ سَنَةٍ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى وَ فِي حِجَابِ الْعَظَمَةِ أَحَدَ عَشَرَ أَلْفَ سَنَةٍ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ عَالِمِ السِّرِّ وَ أَخْفَى وَ فِي حِجَابِ الْمِنَّةِ عَشَرَةَ آلَافِ سَنَةٍ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ مَنْ هُوَ قَائِمٌ لَا يَلْهُو وَ فِي حِجَابِ الرَّحْمَةِ تِسْعَةَ آلَافِ سَنَةٍ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ الرَّفِيعِ الْأَعْلَى وَ فِي حِجَابِ السَّعَادَةِ ثَمَانِيَةَ آلَافِ سَنَةٍ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ مَنْ هُوَ دَائِمٌ لَا يَسْهُو وَ فِي حِجَابِ الْكَرَامَةِ سَبْعَةَ آلَافِ سَنَةٍ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ مَنْ هُوَ غَنِيٌّ لَا يَفْتَقِرُ وَ فِي حِجَابِ الْمَنْزِلَةِ سِتَّةَ آلَافِ سَنَةٍ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَلِيِّ الْكَرِيمِ وَ فِي حِجَابِ الْهِدَايَةِ خَمْسَةَ آلَافِ سَنَةٍ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ ذِي (2) الْعَرْشِ الْعَظِيمِ وَ فِي حِجَابِ النُّبُوَّةِ أَرْبَعَةَ آلَافِ سَنَةٍ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ فِي حِجَابِ الرِّفْعَةِ ثَلَاثَةَ آلَافِ سَنَةٍ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ ذِي الْمُلْكِ
____________
جعفر محمّد بن على الباقر (عليهما السلام)، قد اتيتك مسترقا مستعبدا، فقال: قد قبلت، و اعتقه و كتب له عهدا، حكى الدميرى انه استعار قلما من الشام فعرض له سفر فسار الى انطاكية و كان قد نسى القلم معه، فذكره هناك، فرجع من انطاكية الى الشام ماشيا حتّى ردّ القلم الى صاحبه و عاد ولد سنة (118) بمرو و توفّي سنة (181) بهيت و هى- بكسر الهاء- مدينة على الفرات فوق الانبار من اعمال العراق.
(1) الأنعام: 87.
(2) في الخصال: رب العرش.
42
وَ الْمَلَكُوتِ وَ فِي حِجَابِ الْهَيْبَةِ أَلْفَيْ سَنَةٍ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَ بِحَمْدِهِ وَ فِي حِجَابِ الشَّفَاعَةِ أَلْفَ سَنَةٍ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ وَ بِحَمْدِهِ ثُمَّ أَظْهَرَ عَزَّ وَ جَلَّ اسْمَهُ عَلَى اللَّوْحِ فَكَانَ عَلَى اللَّوْحِ مُنَوَّراً أَرْبَعَةَ آلَافِ سَنَةٍ ثُمَّ أَظْهَرَهُ عَلَى الْعَرْشِ فَكَانَ عَلَى سَاقِ الْعَرْشِ مُثْبَتاً سَبْعَةَ آلَافِ سَنَةٍ إِلَى أَنْ وَضَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي صُلْبِ آدَمَ(ع)إِلَى آخِرِ مَا مَرَّ فِي الْمُجَلَّدِ السَّادِسِ (1).
3- تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)قَالَ جَبْرَئِيلُ فِي لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ إِنَّ بَيْنَ اللَّهِ وَ بَيْنَ خَلْقِهِ تِسْعِينَ أَلْفَ حِجَابٍ وَ أَقْرَبُ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ أَنَا وَ إِسْرَافِيلُ وَ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُ أَرْبَعَةُ حُجُبٍ حِجَابٌ مِنْ نُورٍ وَ حِجَابٌ مِنْ ظُلْمَةٍ وَ حِجَابٌ مِنَ الْغَمَامِ وَ حِجَابٌ مِنْ مَاءٍ الْخَبَرَ (2).
4- الْمَجَالِسُ لِلصَّدُوقِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ خَلَفِ بْنِ حَمَّادٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْعَبْدِيِّ عَنِ الْأَعْمَشِ (3)
____________
(1) الخصال: 81- 82 المعاني: 306- 308.
(2) تفسير عليّ بن إبراهيم: 373.
(3) هو أبو محمّد سليمان بن مهران الأسدى مولاهم الكوفيّ معروف بالفضل و الثقة و الجلالة و التشيع و الاستقامة، و العامّة أيضا يثنون عليه، مطبقون على فضله و ثقته، مقرون بجلالته مع اعترافهم بتشيعه، و قرنوه بالزهرى و نقلوا منه نوادر كثيرة، و صنف «ابن طولون» كتابا في نوادره سماه «الزهر الانعش في نوادر الأعمش» و ذكر ابن خلّكان انه كان ثقة عالما فاضلا و كان أبوه من «دماوند» من رساتيق الرى، و لقى كبار التابعين، و روى عنه سفيان الثوري و شعبة بن الحجاج و حفص بن غياث و خلق كثير من اجلة العلماء و كان لطيف الخلق مزاحا. و ذكره الخطيب في تاريخ بغداد و أثنى عليه كثيرا ثمّ قال: كان محدث أهل الكوفة في زمانه، يقال انه ظهر له أربعة آلاف حديث و لم يكن له كتاب، و كان يقرأ القرآن و رأس فيه، قرأ على «يحيى بن وثاب؟ و كان فصيحا و لم يكن في زمانه من طبقته أكثر حديثا منه و كان فيه تشيع و روى عن هشيم انه قال: ما رأيت بالكوفة أحدا اقرأ لكتاب اللّه من الأعمش و لا اجود حديثا و لا افهم و لا اسرع اجابة لما يسأل عنه، توفّي سنة (148).
43
عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذِكْرِ خَبَرِ الْمِعْرَاجِ قَالَ: فَعَبَرَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْحُجُبِ وَ الْحُجُبُ خَمْسُمِائَةِ حِجَابٍ مِنَ الْحِجَابِ إِلَى الْحِجَابِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ الْخَبَرَ.
5- التَّوْحِيدُ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: الشَّمْسُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ الْكُرْسِيِّ وَ الْكُرْسِيُّ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ الْعَرْشِ وَ الْعَرْشُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ الْحِجَابِ وَ الْحِجَابُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ السِّتْرِ الْخَبَرَ (1).
6- الْمُتَهَجِّدُ، فِي تَعْقِيبِ صَلَاةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ أَسْأَلُكَ بِنُورِ اسْمِكَ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ نُورَ حِجَابِكَ النُّورِ إِلَى قَوْلِهِ(ع)وَ أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الزَّكِيِّ الطَّاهِرِ الْمَكْتُوبِ فِي كُنْهِ حُجُبِكَ الْمَخْزُونِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ عَلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَ أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمَكْتُوبِ عَلَى سُرَادِقِ السَّرَائِرِ إِلَى قَوْلِهِ بِاسْمِكَ الَّذِي كَتَبْتَهُ عَلَى حِجَابِ عَرْشِكَ وَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ.
7- الْإِقْبَالُ، فِي تَعْقِيبَاتِ نَوَافِلِ شَهْرِ رَمَضَانَ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمَكْتُوبِ فِي سُرَادِقِ الْمَجْدِ وَ أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمَكْتُوبِ فِي سُرَادِقِ الْبَهَاءِ وَ أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمَكْتُوبِ فِي سُرَادِقِ الْعَظَمَةِ وَ أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمَكْتُوبِ فِي سُرَادِقِ الْجَلَالِ وَ أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمَكْتُوبِ فِي سُرَادِقِ الْعِزَّةِ وَ أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمَكْتُوبِ فِي سُرَادِقِ السَّرَائِرِ السَّابِقِ الْفَائِقِ الْحَسَنِ النَّضِيرِ وَ رَبِّ الْمَلَائِكَةِ الثَّمَانِيَةِ وَ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (2) الدُّعَاءَ.
8- الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، لِلسَّيُوطِيِّ نَقْلًا مِنْ عِدَّةِ كُتُبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ إِلَى كُرْسِيِّهِ سَبْعَةُ آلَافِ نُورٍ (3).
____________
(1) قد مر الحديث بعينه في باب العرش و الكرسيّ تحت الرقم (45).
(2) لم يوجد هذا الدعاء في تعقيباب النوافل.
(3) لم يوجد في المصدر.
44
9- وَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: قَالَ جَبْرَئِيلُ إِنَّ بَيْنِي وَ بَيْنَ الرَّبِّ لَسَبْعِينَ حِجَاباً مِنْ نَارٍ أَوْ نُورٍ لَوْ رَأَيْتُ أَدْنَاهَا لَاحْتَرَقْتُ (1).
10- وَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ أَتَى النَّبِيَّ(ص)فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلِ احْتَجَبَ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ بِشَيْءٍ غَيْرِ السَّمَاوَاتِ قَالَ نَعَمْ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ حَوْلَ الْعَرْشِ سَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ نُورٍ وَ سَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ ظُلْمَةٍ وَ سَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ رَفَارِفِ الْإِسْتَبْرَقِ وَ سَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ رَفَارِفِ السُّنْدُسِ وَ سَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ دُرٍّ أَبْيَضَ وَ سَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ دُرٍّ أَحْمَرَ وَ سَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ دُرٍّ أَصْفَرَ وَ سَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ دُرٍّ أَخْضَرَ وَ سَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ ضِيَاءٍ وَ سَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ ثَلْجٍ وَ سَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ مَاءٍ وَ سَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ بَرْدٍ وَ سَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ عَظَمَتِهِ الَّتِي لَا تُوصَفُ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ مَلَكِ اللَّهِ الَّذِي يَلِيهِ فَقَالَ النَّبِيُّ(ص)إِنَّ الْمَلَكَ الَّذِي يَلِيهِ إِسْرَافِيلُ ثُمَّ جَبْرَئِيلُ ثُمَّ مِيكَائِيلُ ثُمَّ مَلَكُ الْمَوْتِ(ع)(2).
11- وَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ وَ بَيْنَ الْعَرْشِ سَبْعُونَ حِجَاباً حِجَاباً (3) مِنْ نُورٍ وَ حِجَاباً (4) مِنْ ظُلْمَةٍ.
12- وَ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)دُونَ اللَّهِ سَبْعُونَ أَلْفَ حِجَابٍ مِنْ نُورٍ وَ ظُلْمَةٍ لَا يَسْمَعُ (5) مِنْ نَفْسٍ [مِنْ حِسٍ] تِلْكَ الْحُجُبَ إِلَّا زَهَقَتْ نَفْسُهُ.
13- شَرْحُ النَّهْجِ، نهج البلاغة لِلْكَيْدُرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ(ص)فِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ قَالَ: فَخَرَجْتُ مِنْ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى حَتَّى وَصَلْتُ إِلَى حِجَابٍ مِنْ حُجُبِ الْعِزَّةِ ثُمَّ إِلَى حِجَابٍ آخَرَ حَتَّى قَطَعْتُ سَبْعِينَ حِجَاباً وَ أَنَا عَلَى الْبُرَاقِ وَ بَيْنَ كُلِّ حِجَابٍ وَ حِجَابٍ مَسِيرَةُ
____________
(1) الدّر المنثور: ج 1،(ص)93 و فيه: قال قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لجبرئيل:
هل ترى ربك؟ قال: ان بينى ..
(2) الدّر المنثور: ج 1،(ص)93.
(3) حجاب (خ).
(4) حجاب (خ).
(5) في المخطوطة: ما يسمع.
45
خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ إِلَى أَنْ قَالَ وَ رَأَيْتُ فِي عِلِّيِّينَ بِحَاراً وَ أَنْوَاراً وَ حُجُباً وَ غَيْرَهَا لَوْ لَا تِلْكَ لَاحْتَرَقَ كُلُّ مَا تَحْتَ الْعَرْشِ مِنْ نُورِ الْعَرْشِ قَالَ وَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ جَبْرَئِيلَ(ع)قَالَ لِلَّهِ دُونَ الْعَرْشِ سَبْعُونَ حِجَاباً لَوْ دَنَوْنَا مِنْ أَحَدِهَا لَأَحْرَقَتْنَا سُبُحَاتُ وَجْهِ رَبِّنَا.
فذلكة اعلم أنه قد تظافرت الأخبار العامية و الخاصية في وجود الحجب و السرادقات و كثرتها و في القاموس السرادق الذي يمد فوق صحن البيت و الجمع سرادقات و البيت من الكرسف و بيت مسردق أعلاه و أسفله مشدود كله (1).
و في النهاية السرادق كل ما أحاط بشيء من حائط أو مضرب أو خباء (2) انتهى و ظاهر أكثر الأخبار أنها تحت العرش و يلوح من بعضها أنها فوقه و لا تنافي بينها
- وَ رُوِيَ مِنْ طُرُقِ الْمُخَالِفِينَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى سَبْعِينَ أَلْفَ حِجَابٍ مِنْ نُورٍ وَ ظُلْمَةٍ لَوْ كُشِفَتْ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا دُونَهُ.
و قال الجزري فيه أن جبرئيل قال لله دون العرش سبعون حجابا لو دنونا من أحدها لأحرقتنا سبحات وجهه (3)
* * * وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ حِجَابُهُ النُّورُ أَوِ النَّارُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ.
سبحات الله جلاله و عظمته و هي في الأصل جمع سبحة و قيل أضواء وجهه و قيل سبحات الوجه محاسنه لأنك إذا رأيت الحسن الوجه قلت سبحان الله و قيل معناه تنزيه له أي سبحان وجهه و قيل إن سبحات وجهه كلام معترض بين الفعل و المفعول أي لو كشفها لأحرقت كل شيء بصره كما تقول لو دخل الملك البلد لقتل العياذ بالله كل من فيه و أقرب من هذا كله أن المعنى لو انكشف من أنوار الله التي تحجب العباد عنه شيء لأهلك كل من وقع عليه ذلك النور كما خَرَّ مُوسى صَعِقاً و تقطع الجبال دكا لما تجلى الله سبحانه و تعالى (4) و قال النووي في شرح صحيح مسلم سبحات
____________
(1) القاموس: ج 3،(ص)244.
(2) النهاية: ج 2،(ص)157.
(3) في المصدر: وجه ربّنا.
(4) النهاية: ج 2،(ص)141.
46
بضم السين و الباء أي نوره و أراد بالوجه الذات و بما انتهى إليه بصره جميع المخلوقات لأن بصره محيط بجميعها أي لو أزال المانع من رؤية أنواره لأحرق جلاله جميعهم.
و التحقيق أن لتلك الأخبار ظهرا و بطنا و كلاهما حق فأما ظهرها فإنه سبحانه كما خلق العرش و الكرسي مع عدم احتياجه إليهما كذلك خلق عندهما أستارا و حجبا و سرادقات و حشاها من أنواره الغريبة المخلوقة له ليظهر لمن يشاهدها من الملائكة و بعض النبيين و لمن يسمعها من غيرهم عظمة قدرته و جلال هيبته و سعة فيضه و رحمته و لعل اختلاف الأعداد باعتبار أن في بعض الإطلاقات اعتبرت الأنواع و في بعضها الأصناف و في بعضها الأشخاص أو ضم بعضها إلى بعض في بعض التعبيرات أو اكتفي بذكر بعضها في بعض الروايات و أما بطنها فلأن الحجب المانعة عن وصول الخلق إلى معرفة كنه ذاته و صفاته أمور كثيرة منها ما يرجع إلى نقص المخلوق و قواه و مداركه بسبب الإمكان و الافتقار و الاحتياج و الحدوث و ما يتبع ذلك من جهات النقص و العجز و هي الحجب الظلمانية و منها ما يرجع إلى نوريته و تجرده و تقدسه و وجوب وجوده و كماله و عظمته و جلاله و سائر ما يتبع ذلك و هي الحجب النورانية و ارتفاع تلك الحجب بنوعيه محال فلو ارتفعت لم يبق بغير ذات الحق شيء أو المراد بكشفها رفعها في الجملة بالتخلي عن الصفات الشهوانية و الأخلاق الحيوانية و التخلق بالأخلاق الربانية بكثرة العبادات و الرياضات و المجاهدات و ممارسة العلوم الحقة فترتفع الحجب بينه و بين ربه سبحانه في الجملة فيحرق ما يظهر عليهم من أنوار جلاله تعيناتهم و إراداتهم و شهواتهم فيرون بعين اليقين كماله سبحانه و نقصهم و بقاءه و فناءهم و ذلهم و غناه و افتقارهم بل يرون وجودهم المستعار في جنب وجوده الكامل عدما و قدرتهم الناقصة في جنب قدرته الكاملة عجزا بل يتخلون عن إرادتهم و علمهم و قدرتهم فيتصرف فيهم إرادته و قدرته و علمه سبحانه فلا يشاءون إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ و لا يريدون سوى ما أراد الله و يتصرفون في الأشياء بقدرة الله فيحيون الموتى و يردون الشمس و يشقون القمر
كَمَا
47
قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مَا قَلَعْتُ بَابَ خَيْبَرَ بِقُوَّةٍ جِسْمَانِيَّةٍ بَلْ بِقُوَّةٍ رَبَّانِيَّةٍ.
و المعنى الذي يمكن فهمه و لا ينافي أصول الدين من الفناء في الله و البقاء بالله هو هذا المعنى (1) و بعبارة أخرى الحجب النورانية الموانع التي للعبد عن الوصول إلى قربه و غاية ما يمكنه من معرفته سبحانه من جهة العبادات كالرئاء و العجب و السمعة و المراء و أشباهها و الظلمانية ما يحجبه من المعاصي عن الوصول إليه فإذا ارتفعت تلك الحجب تجلى الله له في قلبه و أحرق محبة ما سواه حتى نفسه عن نفسه و سيأتي تمام القول في ذلك في كتاب الإيمان و الكفر إن شاء الله تعالى و كل ذلك لا يوجب عدم وجوب الإيمان بظواهرها إلا بمعارضة نصوص صحيحة صريحة صارفة عنها و أول الإلحاد سلوك التأويل من غير دليل و الله الهادي إلى سواء السبيل.
____________
(1) الطريق الذي سلكه العلامة المؤلّف (رضوان اللّه عليه) في كلامه هذا أشبه بطرق أهل الذوق و بياناتهم فلا بأس بالاشارة الى طريق أهل البحث و النظر ليكون النفع أعم و الفائدة أتم و اللّه المستعان.
العالم المادى عالم الحركة و التكامل، و النفس أيضا لتعلقها بالبدن المادى بل اتّحادها به محكوم بهذا الحكم فهي لا تزال تسير في منازل السير و تعرج على مدارج الكمال و تقترب الى الحق المتعال حتّى تصل الى ثغور الإمكان و الوجوب فعندئذ ينتهى السير و يقف الحركة «و ان الى ربك المنتهى» و منازل السير هي المراتب المتوسطة بين المادة و بين اشرف مراتب الوجود و هي بوجه ينقسم الى مادية و غير مادية و الأولى هي المراحل التي تقطعها حتّى تصل الى حد التجرد و الثانية هي المراتب الكمالية العالية التي فوق ذلك و حيث إن نسبة كل مرتبة عالية بالنسبة إلى ما تحته نسبة العلة الى المعلول و المعنى الاسمى الى الحرفى و المستقل الى غير المستقل كانت المرتبة العالية مشتملة على كمالات المرتبة الدانية من غير عكس فكلما أخذ قوس الوجود في النزول ضعفت المراتب و كثرت الحدود العدمية، و كلما أخذ في الصعود اشتدت المراتب و قلت الحدود الى ان تصل الى وجود لا حد له أصلا و وصول النفس إلى كل مرتبة عبارة عن تعلقها بتلك المرتبة، و بعبارة اخرى بمشاهدة ارتباطها بها بحيث لا ترى لنفسها استقلا لا بالنسبة إليها، و إن شئت قلت، بفنائها عن ذاتها و خروجها عماله من الحدود بالنسبة اليها.
و بعد هذه المقدّمة نقول: الحدود اللازمة لكل مرتبة العارضة لحقيقة وجود الشيء.
48
باب 6 سدرة المنتهى و معنى عليين و سجين
الآيات النجم وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى
____________
الذي في تلك المرتبة هي التي تحجب ذلك الشيء من الوصول الى المرتبة العالية و إدراك ما لها من الكمال و العظمة فإذا خرج الشيء عن هذه الحدود و خلع تلك القيود أمكنه الترقى الى درجة ما فوقه فيرى عندئذ ذاته متعلقة به غير مستقلة عنه و يعرف ما له من البهاء و الشرف و الكمال و العظمة، فتلك الحدود هي الحاجبة عن حقيقة الوجود المطلقة عن كل قيد فالنفس الوالهة الى اللذائذ المادية هي المتوغلة في ظلمات الحدود و غواشى القيود، و هي ابعد النفوس عن الحق تعالى، فكلما انخلعت من القيود المادية و قطعت تعلقها عن زخارف هذه الدنيا الدنية اقتربت من عالم النور و السرور و البهاء و الحبور، حتى تتجرد تجردا ساميا فتشاهد نفسها جوهرا مجردا عن المادة و الصورة و عند ذلك خرجت عن الحجب الظلمانية، و هي حقيقة الذنوب و المعاصى و الأخلاق الذميمة، و رأسها حبّ الدنيا و الاخلاد الى أرض الطبيعة 7 و قد روى الفريقان عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) «حب الدنيا رأس كل خطيئة» لكنها بعد محتجبة بالحجب النورانية و هي ألطف و أرق و لذا كان تشخيصها أصعب، و معرفتها الى الدقة و الحذاقة أحوج، فرب سالك في هذه المسالك لما شاهد بعض المراتب الدانية زعم أنّه وصل إلى أقصى الكمالات و أرفع الدرجات، و صار ذلك سببا لتوقفه في تلك المرتبة و احتجابه بها، و نعم ما قيل:
رق الزجاج و رقت الخمر* * * فتشابها و تشابه الامر
فكأنها خمر و لا قدح* * * و كأنها قدح و لا خمر
فمن شمله عناية الحق و ساعده التوفيق فخصه اللّه بعبادته، و هيم قلبه لارادته، و فرغ فؤاده لمحبته، و أزال محبة الاغيار عن قلبه، و أشرق له نوره، و كشف له سبحات وجهه، و رفع عنه حجب كبريائه و سرادقات عزه و جلاله، و تجلى له في سره، ثمّ وفقه للاستقامة في أمره و التمكن في مقامه فارتفع عنه كل حجاب، و تعلق بعز قدس ربّ الارباب فقد هنأ عيشه و طاب حياته.
49
إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (1) المطففين كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَ ما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ إلى قوله تعالى كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (2) تفسير قال الطبرسي ره وَ لَقَدْ رَآهُ أي جبرئيل (3) في صورته التي خلق عليها نازلا من السماء نَزْلَةً أُخْرى و ذلك أنه رآه مرتين على صورته عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى هي شجرة عن يمين العرش فوق السماء السابعة انتهى إليها علم كل ملك عن الكلبي و مقاتل و قيل إليها ينتهي ما يعرج إلى السماء و ما يهبط من فوقها من أمر الله عن ابن مسعود و الضحاك و قيل إليها ينتهي أرواح الشهداء و قيل إليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها و إليها ينتهي ما يعرج من الأرواح فيقبض منها و المنتهى موضع الانتهاء و هذه الشجرة حيث تنتهي إليه الملائكة فأضيفت إليه و قيل هي شجرة طوبى عن مقاتل و السدرة هي شجرة النبق عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى أي جنة المقام و هي جنة الخلد و هي في السماء السابعة و قيل في السماء السادسة و قيل هي الجنة التي كان أوى إليها آدم و تصير إليها أرواح الشهداء عن الجبائي و قتادة و قيل هي التي تصير إليها أهل الجنة عن الحسن و قيل هي التي يأوي إليها جبرئيل و الملائكة عن عطاء عن ابن عباس إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى قيل يغشاها الملائكة أمثال الغربان حتى يقعن على الشجرة عن الحسن و مقاتل
- وَ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ(ص)قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى كُلِّ وَرَقَةٍ مِنْ أَوْرَاقِهَا مَلَكاً
____________
فطوبى له ثمّ طوبى له. و قد ظهر ممّا ذكرنا أن معنى ارتفاع الحجاب مشاهدة عدم استقلال النفس فلا يوجب ارتفاع الحجب كلا انعدام العالم رأسا بل إنّما يوجب معاينة ما سوى اللّه تعالى متعلقا به غير مستقل بنفسه فلا يلزم منه محال و لا ينافى شيئا من أصول الدين و اللّه الهادى و المعين.
(1) النجم: 13- 16.
(2) المطففين: 7- 21.
(3) في المصدر: أى رأى جبرئيل.
50
قَائِماً يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى.
و قيل يغشاها من النور و البهاء و الحسن و الصفاء الذي يروق الأبصار ما ليس لوصفه منتهى عن الحسن و قيل يغشاها فراش من ذهب عن ابن عباس و مجاهد و كأنها ملائكة على صورة الفراش يعبدون الله تعالى و المعنى أنه رأى جبرئيل على صورته في الحال التي يغشى فيها السدرة من أمر الله و من العجائب المنبهة على كمال قدرة الله تعالى ما يغشاها و إنما أبهم الأمر فيما يغشى لتعظيم ذلك و تفخيمه (1).
إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ يعني كتابهم الذي فيه تثبت أعمالهم من الفجور و المعاصي عن الحسن و قيل معناه أنه كتب في كتابهم أنهم يكونون في سجين و هي في الأرض السابعة السفلى
- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَ مُجَاهِدٍ وَ قَتَادَةَ وَ ضَحَّاكٍ وَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)سِجِّينٌ أَسْفَلَ سَبْعِ أَرَضِينَ.
و قال شمر بن عطية جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال أخبرني عن قول الله تعالى إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ قال إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء فتأبى السماء أن تقبلها ثم يهبط بها إلى الأرض فتأبى الأرض أن تقبلها فتدخل تحت سبع أرضين حتى ينتهي بها إلى سجين و هو موضع جند إبليس و المعنى في الآية أن كتاب عملهم يوضع هناك و قيل إن سجين جب في جهنم مفتوح و
- الفلق جب في جهنم مغطى رواه أبو هريرة عن النبي ص.
و قيل إن السجين اسم كتابهم و هو ظاهر التلاوة أي ما كتبه الله على الكفار بمعنى أوجبه عليهم من الجزاء في هذا الكتاب المسمى سجينا و يكون لفظه من السجن الذي هو الشدة عن أبي مسلم (2).
و قال لَفِي عِلِّيِّينَ أي مراتب عالية محفوفة بالجلالة و قيل في السماء السابعة و فيها أرواح المؤمنين و قيل في سدرة المنتهى التي إليها ينتهي كل شيء من أمر الله تعالى و قيل عليون الجنة عن ابن عباس و قال الفراء في ارتفاع
____________
(1) مجمع البيان: ج 9،(ص)175.
(2) مجمع البيان: ج 10،(ص)452.
51
بعد ارتفاع لا غاية له و قيل هو لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيها عن ابن عباس في رواية أخرى
- وَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ فِي عِلِّيِّينَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ تَحْتَ الْعَرْشِ.
و قال ابن عمر إن أهل عليين لينظرون إلى أهل الجنة من كذا فإذا أشرف رجل منهم أشرقت الجنة و قالوا قد اطلع رجل من أهل عليين (1).
1- الْعِلَلُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ حَبِيبٍ السِّجِسْتَانِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)إِنَّمَا سُمِّيَتْ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى لِأَنَّ أَعْمَالَ أَهْلِ الْأَرْضِ تَصْعَدُ بِهَا الْمَلَائِكَةُ الْحَفَظَةُ إِلَى مَحَلِّ السِّدْرَةِ قَالَ وَ الْحَفَظَةُ الْكِرَامُ الْبَرَرَةُ دُونَ السِّدْرَةِ يَكْتُبُونَ مَا يَرْفَعُهُ إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ فِي الْأَرْضِ فَيَنْتَهِي (2) بِهَا إِلَى مَحَلِّ السِّدْرَةِ (3).
المحاسن، عن ابن محبوب مثله (4).
2- تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ انْتَهَيْتُ إِلَى مَحَلِّ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَ إِذَا الْوَرَقَةُ مِنْهَا تَظَلُّ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ فَكُنْتُ مِنْ رَبِّي كَقَابِ (5) قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى الْخَبَرَ (6).
3- وَ مِنْهُ، قَالَ: سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَ جَنَّةُ الْمَأْوَى عِنْدَهَا (7).
4- وَ مِنْهُ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: السِّجِّينُ الْأَرْضُ
____________
(1) مجمع البيان: ج 10،(ص)455- 456.
(2) في المحاسن: و ينتهون.
(3) العلل: ج 1،(ص)263.
(4) المحاسن: 334.
(5) في المصدر: فكنت منها كما قال اللّه «قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى».
(6) تفسير عليّ بن إبراهيم: 374.
(7) المصدر(ص)652.
52
السَّابِعَةُ وَ عِلِّيُّونَ السَّمَاءُ السَّابِعَةُ (1).
بيان قال في النهاية فيه إن أهل الجنة ليتراءون أهل عليين كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء عليون اسم للسماء السابعة و قيل هو اسم لديوان الملائكة الحفظة ترفع إليه أعمال الصالحين من العباد و قيل أراد أعلى الأمكنة و أشرف المراتب و أقربها من الله تعالى في الدار الآخرة و يعرب بالحروف و الحركات كقنسرين و أشباهها على أنها جمع أو واحد (2) و قال سدرة المنتهى شجرة في أقصى الجنة إليها ينتهي علم الأولين و الآخرين و لا يتعداها (3).
5- الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سَأَلَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ عَنْ قَوْلِهِ كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ قَالَ إِنَّ رُوحَ الْفَاجِرِ يُصْعَدُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَتَأْبَى السَّمَاءُ أَنْ تَقْبَلَهَا فَيُهْبَطُ بِهَا إِلَى الْأَرْضِ فَتَأْبَى الْأَرْضُ أَنْ تَقْبَلَهَا فَيُدْخَلُ بِهَا تَحْتَ سَبْعِ أَرَضِينَ حَتَّى يَنْتَهِيَ بِهَا إِلَى سِجِّينٍ وَ هُوَ (4) مَوْضِعُ جُنْدِ (5) إِبْلِيسَ فَيَخْرُجُ لَهَا مِنْ تَحْتِ جُنْدِ (6) إِبْلِيسَ رِقٌّ لِهَلَاكِهِ لِلْحِسَابِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ وَ ما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ كِتابٌ مَرْقُومٌ وَ قَوْلُهُ كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ قَالَ إِنَّ رُوحَ الْمُؤْمِنِ إِذَا قُبِضَتْ عُرِجَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَتُفَتَّحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَ تَلَقَّاهَا الْمَلَائِكَةُ بِالْبُشْرَى حَتَّى يُنْتَهَى بِهَا إِلَى الْعَرْشِ وَ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ فَيَخْرُجُ لَهَا مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ رِقٌّ فَيُرْقَمُ وَ يُخْتَمُ وَ يُوضَعُ تَحْتَ الْعَرْشِ لِمَعْرِفَةِ النَّجَاةِ لِحِسَابِ (7) يَوْمِ الدِّينِ وَ تَشْهَدُ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ (8).
____________
(1) المصدر(ص)716.
(2) النهاية: ج 3،(ص)125.
(3) النهاية: ج 2(ص)154.
(4) و هو خد إبليس (خ).
(5) الخد: الطريق و الجماعة و الحفرة المستطيلة في الأرض كالخدة بالضم (القاموس).
(6) في المصدر: فيخرج لها من تحت خد إبليس كتابا فيختم و يوضع تحت خد إبليس لهلاكه.
(7) في المصدر: للحساب يوم القيامة.
(8) الدّر المنثور: ج 6،(ص)324.
53
6- وَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: الْتَقَى سَلْمَانُ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ إِنْ مِتَّ قَبْلِي فَالْقَنِي فَأَخْبِرْنِي مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ وَ إِنْ أَنَا مِتُّ قَبْلَكَ لَقِيتُكَ فَأَخْبَرْتُكَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ كَيْفَ هَذَا (1) أَ وَ يَكُونُ هَذَا قَالَ نَعَمْ إِنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فِي بَرْزَخٍ مِنَ الْأَرْضِ تَذْهَبُ حَيْثُ شَاءَتْ وَ نَفْسَ الْكَافِرِ فِي سِجِّينٍ (2).
7- وَ عَنْ قَتَادَةَ كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ قَالَ عِلِّيُّونَ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ عِنْدَ قَائِمَةِ الْعَرْشِ الْيُمْنَى كِتابٌ مَرْقُومٌ قَالَ رُقِمَ لَهُمْ بِخَيْرٍ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ قَالَ الْمُقَرَّبُونَ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ (3).
8- وَ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: إِذَا قُبِضَ رُوحُ (4) الْمُؤْمِنِ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَنْطَلِقُ مَعَهُ الْمُقَرَّبُونَ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ قَالَ الْأَجْلَحُ فَقُلْتُ وَ مَا الْمُقَرَّبُونَ قَالَ أَقْرَبُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ الثَّالِثَةِ ثُمَّ الرَّابِعَةِ ثُمَّ الْخَامِسَةِ ثُمَّ السَّادِسَةِ ثُمَّ السَّابِعَةِ حَتَّى يَنْتَهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى قَالَ الْأَجْلَحُ قُلْتُ لِلضَّحَّاكِ وَ لِمَ تُسَمَّى سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى قَالَ لِأَنَّهُ يَنْتَهِي إِلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ لَا يَعْدُوهَا فَيَقُولُونَ رَبِّ عَبْدُكَ فُلَانٌ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُمْ فَيَبْعَثُ إِلَيْهِمْ بِصَكٍّ مَخْتُومٍ بِأَمْنِهِ (5) مِنَ الْعَذَابِ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (6).
9- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سَأَلَ كَعْباً عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ الْآيَةَ قَالَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَحْضُرُهُ الْمَوْتُ وَ يَحْضُرُهُ رُسُلُ رَبِّهِ فَلَا هُمْ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُؤَخِّرُوهُ سَاعَةً وَ لَا يُعَجِّلُوهُ حَتَّى تَجِيءَ سَاعَتُهُ فَإِذَا جَاءَتْ سَاعَتُهُ قَبَضُوا نَفْسَهُ
____________
(1) في المصدر: كيف يكون هذا؟.
(2) الدّر المنثور: ج 6،(ص)325.
(3) الدّر المنثور: ج 6،(ص)326.
(4) في المصدر: روح العبد المؤمن.
(5) في المصدر: يأمنه.
(6) الدّر المنثور: ج 6،(ص)326.
54
فَدَفَعُوهُ إِلَى مَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ فَأَرَوْهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُرُوهُ مِنَ الْخَيْرِ ثُمَّ عَرَجُوا بِرُوحِهِ إِلَى السَّمَاءِ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرِّبُوهَا حَتَّى يَنْتَهُوا بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَيَضَعُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لَا يَنْتَظِرُونَ بِهِ صَلَاتَكُمْ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ فُلَانٌ قَبَضْنَا نَفْسَهُ فَيَدْعُونَ لَهُ بِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَ فَنَحْنُ نُحِبُّ أَنْ تُشْهِدَنَا الْيَوْمَ كِتَابَهُ فَيُنْشَرُ كِتَابُهُ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ فَيُثْبِتُونَ اسْمَهُ فِيهِ وَ هُمْ شُهُودٌ فَذَلِكَ قَوْلُهُ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ وَ سَأَلَهُ عَنْ قَوْلِهِ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ الْآيَةَ قَالَ إِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ يَحْضُرُهُ الْمَوْتُ وَ يَحْضُرُهُ رُسُلُ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَتْ سَاعَتُهُ قَبَضُوا نَفْسَهُ فَدَفَعُوهُ إِلَى مَلَائِكَةِ الْعَذَابِ فَأَرَوْهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُرُوهُ مِنَ الشَّرِّ ثُمَّ هَبَطُوا بِهِ إِلَى الْأَرْضِ السُّفْلَى وَ هِيَ سِجِّينٌ وَ هِيَ آخِرُ سُلْطَانِ إِبْلِيسَ فَأَثْبَتُوا كِتَابَهُ فِيهَا (1).
10- وَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا مِنْ حِمْيَرٍ كَانَ (2) عَلَّامَةً يَقْرَأُ الْكُتُبَ فَقُلْتُ لَهُ الْأَرْضُ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْهَا مَا مَكَانُهَا (3) قَالَ هِيَ عَلَى صَخْرَةٍ خَضْرَاءَ تِلْكَ الصَّخْرَةُ عَلَى كَفِّ مَلَكٍ ذَلِكَ الْمَلَكُ قَائِمٌ عَلَى ظَهْرِ حُوتٍ (4) قُلْتُ الْأَرْضُ الثَّانِيَةُ مَنْ سُكَّانُهَا قَالَ سَاكِنُهَا الرِّيحُ الْعَقِيمُ لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُهْلِكَ عَاداً أَوْحَى إِلَى خَزَنَتِهَا أَنِ افْتَحُوا عَلَيْهِمْ مِنْهَا بَاباً قَالُوا يَا رَبَّنَا مِثْلَ مَنْخِرِ الثَّوْرِ قَالَ إِذاً تَتَكَفَّأَ (5) الْأَرْضُ وَ مَنْ عَلَيْهَا فَضُيِّقَ ذَلِكَ حَتَّى جُعِلَ مِثْلَ حَلْقَةِ الْخَاتَمِ فَبَلَغَتْ مَا حَدَّثَ اللَّهُ قُلْتُ الْأَرْضُ الثَّالِثَةُ مَنْ سُكَّانُهَا (6) قَالَ فِيهَا حِجَارَةُ جَهَنَّمَ قُلْتُ الْأَرْضُ الرَّابِعَةُ مَنْ سُكَّانُهَا قَالَ فِيهَا كِبْرِيتُ جَهَنَّمَ قُلْتُ الْأَرْضُ الْخَامِسَةُ مَنْ
____________
(1) الدّر المنثور: ج 6،(ص)327.
(2) في المصدر: كأنّه.
(3) في المصدر: «سكانها» و الظاهر أنّه تصحيف.
(4) في المصدر: حوت منطو بالسماوات و الأرض من تحت العرش.
(5) في المصدر: تكفأ.
(6) في المصدر: «ساكنها» و كذا في المواضع الآتية.
55
سُكَّانُهَا قَالَ فِيهَا عَقَارِبُ جَهَنَّمَ قُلْتُ الْأَرْضُ السَّادِسَةُ مَنْ سُكَّانُهَا قَالَ فِيهَا حَيَّاتُ جَهَنَّمَ قُلْتُ الْأَرْضُ السَّابِعَةُ مَنْ سُكَّانُهَا قَالَ تِلْكَ سِجِّينٌ فِيهَا إِبْلِيسُ مَوْثُوقٌ (1) يَدٌ أَمَامَهُ وَ يَدٌ خَلْفَهُ وَ رِجْلٌ أَمَامَهُ وَ رِجْلٌ خَلْفَهُ كَانَ يُؤْذِي الْمَلَائِكَةَ فَاسْتَعْدَتْ عَلَيْهِ فَسُجِنَ هُنَالِكَ وَ لَهُ زَمَانٌ يُرْسَلُ فِيهِ فَإِذَا أُرْسِلَ لَمْ تَكُنْ فِتْنَةُ النَّاسِ بِأَعْيَا عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ (2).
باب 7 البيت المعمور
الآيات الطور وَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (3) تفسير قال الطبرسي البيت المعمور هو بيت في السماء الرابعة بحيال الكعبة تعمره الملائكة بما يكون منها فيه من العبادة عن ابن عباس و مجاهد
- وَ رُوِيَ أَيْضاً عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ: وَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ أَبَداً.
- وَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ نَهَرٌ يُقَالُ لَهُ الْحَيَوَانُ يَدْخُلُ فِيهِ جَبْرَئِيلُ كُلَّ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ وَ إِذَا خَرَجَ انْتَفَضَ انْتِفَاضَةً جَرَتْ مِنْهُ سَبْعُونَ أَلْفَ قَطْرَةٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ قَطْرَةٍ مَلَكاً يُؤْمَرُونَ أَنْ يَأْتُوا الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ فَيُصَلُّوا فِيهِ فَيَفْعَلُونَ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ أَبَداً.
- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)الْبَيْتُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ (4) يُقَالُ لَهُ الضُّرَاحُ وَ هُوَ بِفِنَاءِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ لَوْ سَقَطَ سَقَطَ عَلَيْهِ يَدْخُلُهُ
____________
(1) في المصدر: موثق.
(2) الدّر المنثور: ج 6،(ص)327.
(3) الطور: 4.
(4) في المصدر: فى السماء الدنيا.
56
كُلَّ يَوْمٍ أَلْفُ مَلَكٍ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ أَبَداً.
و قيل البيت المعمور هو الكعبة البيت الحرام معمور بالحج و العمرة عن الحسن و هو أول مسجد وضع للعبادة في الأرض (1).
1- مُحَاسَبَةُ النَّفْسِ، لِلسَّيِّدِ عَلِيِّ بْنِ طَاوُسٍ ره نَقْلًا مِنْ كِتَابِ خُطَبِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لِعَبْدِ الْعَزِيزِ الْجَلُودِيِّ بِإِسْنَادِهِ قَالَ: سَأَلَ ابْنُ الْكَوَّاءِ (2) أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَنِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ قَالَ(ع)وَيْلَكَ ذَلِكَ الضُّرَاحُ بَيْتٌ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ حِيَالَ الْكَعْبَةِ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِيهِ كِتَابُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَنْ يَمِينِ الْبَابِ يَكْتُبُونَ أَعْمَالَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ فِيهِ كِتَابُ أَهْلِ النَّارِ عَنْ يَسَارِ الْبَابِ يَكْتُبُونَ أَعْمَالَ أَهْلِ النَّارِ بِأَقْلَامٍ سُودٍ فَإِذَا كَانَ مِقْدَارَ الْعِشَاءِ ارْتَفَعَ الْمَلَكَانِ فَيَسْمَعُونَ مِنْهُمَا مَا عَمِلَ الرَّجُلُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (3).
بيان فيسمعون أي الملائكة الذين عن يمين الباب و يساره منهما أي من الملكين الكاتبين هذا كِتابُنا قال الطبرسي ره يعني ديوان الحفظة
____________
(1) مجمع البيان: ج 9،(ص)163.
(2) هو عبد اللّه بن الكواء كان من رءوس الخوارج و له اخبار كثيرة مع عليّ (عليه السلام) و كان يلزمه و يعييه في الأسئلة، قال ابن حجر في لسان الميزان (ج 3(ص)329): قد رجع عن مذهب الخوارج و عاود صحبة عليّ (عليه السلام) و ذكر يعقوب بن شيبة ان أهل الشام لما رفعوا المصاحف يوم صفّين و اتفقوا على التحكيم غضبت الخوارج و قالت «لا حكم إلّا للّه» قال فأخبرنى خلف بن سالم عن وهب بن جرير قال: خرجوا مع ابن الكواء و هو رجل من «بنى يشكر» فنزلوا «حروراء» فبعث إليهم ابن عبّاس و صعصعة بن صوحان فقال لهم صعصعة: انما يكون القضية من قابل فكونوا على ما أنتم حتّى تنظروا القضية كيف تكون قالوا انا نخاف ان يحدث أبو موسى شيئا يكون كفرا. قال فلا تكفروا العام مخافة عام قابل فلما قام صعصعة قال لهم ابن الكواء: أى قوم! أ لستم تعلمون أنى دعوتكم إلى هذا الامر؟ قالوا: بلى، قال:
فان هذا ناصح فاطيعوه (انتهى).
(3) الجاثية: 28.
57
يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِ أي يشهد عليكم بالحق و المعنى يبينه بيانا شافيا حتى كأنه ناطق إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي نستكتب الحفظة ما كنتم تعملون في دار الدنيا و الاستنساخ الأمر بالنسخ مثل الاستكتاب و قيل المراد بالكتاب اللوح المحفوظ يشهد بما قضى فيه من خير و شر و على هذا فيكون معنى نستنسخ أن الحفظة تستنسخ الخزنة ما هو مدون عندها من أعمال العباد و هو قول ابن عباس (1).
2- الْعِلَلُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَائِذٍ عَنْ أَبِي خَدِيجَةَ (2) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قُلْتُ لَهُ لِمَ سُمِّيَ الْبَيْتُ الْعَتِيقَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْزَلَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ لآِدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ وَ كَانَ الْبَيْتُ دُرَّةً بَيْضَاءَ فَرَفَعَهُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ وَ بَقِيَ أُسُّهُ فَهُوَ بِحِيَالِ هَذَا الْبَيْتِ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ أَبَداً فَأَمَرَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْمَاعِيلَ بِبُنْيَانِ (3) الْبَيْتِ عَلَى الْقَوَاعِدِ وَ إِنَّمَا سُمِّيَ الْبَيْتُ الْعَتِيقَ لِأَنَّهُ أُعْتِقَ مِنَ الْغَرَقِ (4).
3- تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ قَالَ هُوَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ
____________
(1) مجمع البيان: ج 9،(ص)80.
(2) هو أبو سلمة سالم بن مكرم بن عبد اللّه مولى بنى اسد كان من أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام) وثقه النجاشيّ (143) و ذكر في الخلاصة ان الشيخ وثقه في أحد قوليه و ضعفه في الآخر ثمّ قال: الوجه التوقف في ما يرويه لتعارض الأقوال فيه. و ذكر الكشّيّ انه كان اولا من أصحاب ابى الخطاب و كان في المسجد يوم بعث «عيسى بن موسى بن على»- و كان عامل المنصور على الكوفة- إلى ابى الخطاب لما بلغه أنهم قد اظهروا الاباحات و دعوا الناس إلى نبوة ابى الخطاب، و انهم يجتمعون في المسجد و لزموا الاساطين يرون الناس انهم لزموها للعبادة و بعث إليهم فقتلهم جميعا لم يفلت منهم إلّا رجل واحد فسقط بين القتلى فلما جنه الليل خرج من بينهم فتخلص و كان هو ابا خديجة. ثم ذكر انه تاب و كان ممن يروى الحديث.
(3) «فى بعض النسخ يبنيان» و كذا في المصدر.
(4) العلل: ج 2،(ص)85.
58
وَ هُوَ الضُّرَاحُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ أَبَداً (1).
4- الْعِلَلُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ حَمْدَانَ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)قَالَ: قُلْتُ لَهُ لِمَ صَارَ الطَّوَافُ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ قَالَ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فَرَدُّوا عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَ قَالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ قَالَ اللَّهُ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ وَ كَانَ لَا يَحْجُبُهُمْ عَنْ نُورِهِ فَحَجَبَهُمْ عَنْ نُورِهِ سَبْعَةَ آلَافِ عَامٍ فَلَاذُوا بِالْعَرْشِ سَبْعَةَ آلَافِ سَنَةٍ فَرَحِمَهُمْ وَ تَابَ عَلَيْهِمْ وَ جَعَلَ لَهُمُ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ فَجَعَلَهُ مَثَابَةً وَ أَمْناً وَ وَضَعَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ تَحْتَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ فَجَعَلَهُ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَ أَمْناً فَصَارَ الطَّوَافُ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ وَاجِباً عَلَى الْعِبَادِ لِكُلِّ أَلْفِ سَنَةٍ شَوْطاً وَاحِداً (2).
5- الْعِلَلُ، فِي عِلَلِ ابْنِ سِنَانٍ عَنِ الرِّضَا(ع)عِلَّةُ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ فَرَدُّوا عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى هَذَا الْجَوَابَ فَعَلِمُوا أَنَّهُمْ أَذْنَبُوا فَنَدِمُوا فَلَاذُوا بِالْعَرْشِ وَ اسْتَغْفَرُوا فَأَحَبَّ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَتَعَبَّدَ بِمِثْلِ ذَلِكَ الْعِبَادَ فَوَضَعَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ بَيْتاً بِحِذَاءِ الْعَرْشِ يُسَمَّى الضُّرَاحَ ثُمَّ وَضَعَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا بَيْتاً يُسَمَّى الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ بِحِذَاءِ الضُّرَاحِ ثُمَّ وَضَعَ الْبَيْتَ بِحِذَاءِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ(ع)فَطَافَ بِهِ فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَجَرَى ذَلِكَ فِي وُلْدِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (3).
6- الْكَفْعَمِيُّ وَ الْبُرْسِيُّ بِإِسْنَادَيْهِمَا عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ آبَائِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: قَالَ جَبْرَئِيلُ وَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيّاً
____________
(1) تفسير القمّيّ: 449.
(2) العلل: ج 2،(ص)92.
(3) علل الشرائع: ج 2،(ص)91.
59
إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَنَى فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ بَيْتاً يُقَالُ لَهُ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يَدْخُلُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ وَ يَخْرُجُونَ مِنْهُ وَ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْخَبَرَ.
7- الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، قَالَ: أَخْرَجَ الْأَزْرَقِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ مَا بَدْءُ هَذَا الطَّوَافِ بِهَذَا الْبَيْتِ لِمَ كَانَ وَ حَيْثُ كَانَ فَقَالَ أَمَّا بَدْءُ هَذَا الطَّوَافِ بِهَذَا الْبَيْتِ فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ أَيْ رَبِّ أَ خَلِيفَةً مِنْ غَيْرِنَا مِمَّنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ يَتَحَاسَدُونَ وَ يَتَبَاغَضُونَ وَ يَتَبَاغَوْنَ أَيْ رَبِّ اجْعَلْ ذَلِكَ الْخَلِيفَةَ مِنَّا فَنَحْنُ لَا نُفْسِدُ فِيهَا وَ لَا نَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَ لَا نَتَبَاغَضُ وَ لَا نَتَحَاسَدُ وَ لَا نَتَبَاغَى وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ وَ نُطِيعُكَ وَ لَا نَعْصِيكَ قالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ قَالَ فَظَنَّتِ الْمَلَائِكَةُ أَنَّ مَا قَالُوا رَدٌّ عَلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَنَّهُ قَدْ غَضِبَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْلِهِمْ فَلَاذُوا بِالْعَرْشِ (1) ثَلَاثَ سَاعَاتٍ فَنَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ فَنَزَلَتِ الرَّحْمَةُ عَلَيْهِمْ فَوَضَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ تَحْتَ الْعَرْشِ بَيْتاً عَلَى أَرْبَعِ أَسَاطِينَ مِنْ زَبَرْجَدٍ وَ غَشَّاهُنَّ بِيَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ وَ سَمَّى الْبَيْتَ الضُّرَاحَ ثُمَّ قَالَ اللَّهُ لِلْمَلَائِكَةِ طُوفُوا بِهَذَا الْبَيْتِ وَ دَعُوا الْعَرْشَ فَطَافَتِ الْمَلَائِكَةُ بِالْبَيْتِ وَ تَرَكُوا الْعَرْشَ فَصَارَ أَهْوَنَ عَلَيْهِمْ وَ هُوَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَعُودُونَ فِيهِ أَبَداً ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ مَلَائِكَتَهُ (2) فَقَالَ ابْنُوا لِي بَيْتاً فِي الْأَرْضِ بِمِثَالِهِ وَ قَدْرِهِ فَأَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَنْ فِي الْأَرْضِ مِنْ خَلْقِهِ أَنْ يَطُوفُوا بِهَذَا الْبَيْتِ كَمَا يَطُوفُ أَهْلُ السَّمَاءِ بِالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (3).
8- وَ عَنْ مُقَاتِلٍ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ(ص)أَنَّ آدَمَ قَالَ أَيْ رَبِ
____________
(1) في المصدر: فلاذوا بالعرش و رفعوا رءوسهم و أشاروا بالاصابع يتضرّعون و يبكون إشفاقا لغضبه، فطافوا بالعرش ثلاث ساعات.
(2) ملائكة (خ).
(3) الدّر المنثور: ج 1،(ص)128.
60
أَعْرِفُ شِقْوَتِي لَا أَرَى شَيْئاً مِنْ نُورِكَ نَعْبُدُ (1) فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ (2) عَلَى عَرْضِ الْبَيْتِ وَ مَوْضِعِهِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ وَ لَكِنْ طُولُهُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ وَ أَمَرَهُ أَنْ يَطُوفَ بِهِ فَأَذْهَبَ عَنْهُمُ الْهَمَّ الَّذِي كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ رَفَعَ عَلَى عَهْدِ نُوحٍ(ع)(3).
9- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَعُودُونَ (4) فِيهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ حِذَاءَ الْكَعْبَةِ الْحَرَامِ (5).
و عن أنس مثله (6).
10- وَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا بَيْتٌ يُقَالُ لَهُ الْمَعْمُورُ بِحِيَالِ الْكَعْبَةِ وَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ نَهَرٌ يُقَالُ لَهُ الْحَيَوَانُ يَدْخُلُهُ جَبْرَئِيلُ كُلَّ يَوْمٍ فَيَنْغَمِسُ انْغِمَاسَةً ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَنْتَفِضُ انْتِفَاضَةً يَجْرِي مِنْهُ سَبْعُونَ أَلْفَ قَطْرَةٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ قَطْرَةٍ مَلَكاً يُؤْمَرُونَ أَنْ يَأْتُوا الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ فَيُصَلُّونَ فَيَفْعَلُونَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ فَلَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ أَبَداً وَ يُوَلَّى عَلَيْهِمْ أَحَدُهُمْ يُؤْمَرُ أَنْ يَقِفَ بِهِمْ فِي السَّمَاءِ مَوْقِفاً يُسَبِّحُونَ اللَّهَ فِيهِ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ (7).
11- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ فِي السَّمَاءِ يُقَالُ لَهُ الضُّرَاحُ عَلَى مِثْلِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ لَوْ سَقَطَ سَقَطَ عَلَيْهِ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَمْ يَرَوْهُ (8) قَطُّ وَ إِنَّ لَهُ فِي السَّمَاءِ حُرْمَةً عَلَى قَدْرِ حُرْمَةِ مَكَّةَ (9).
____________
(1) في المصدر: بعد.
(2) في المصدر: البيت الحرام الذي على عرص البيت الذي في السماء.
(3) الدّر المنثور: ج 1،(ص)130.
(4) في المصدر: لا يعودون إليه حتّى تقوم الساعة.
(5) الدّر المنثور: ج 6،(ص)117. و ليس فيه «حذاء الكعبة الحرام».
(6) الدّر المنثور: ج 6،(ص)117.
(7) الدّر المنثور: ج 6،(ص)117.
(8) في المصدر: لم يردوه.
(9) الدّر المنثور: ج 6،(ص)117.
61
12- وَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مُرَّةَ (1) أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَلِيٍّ(ع)مَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ قَالَ بَيْتٌ فِي السَّمَاءِ يُقَالُ لَهُ الضُّرَاحُ وَ هُوَ بِحِيَالِ الْكَعْبَةِ (2) حُرْمَتُهُ فِي السَّمَاءِ كَحُرْمَةِ الْبَيْتِ فِي الْأَرْضِ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ أَبَداً (3).
وَ 13 عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ أَنَّ ابْنَ الْكَوَّاءِ سَأَلَ عَلِيّاً(ع)عَنِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ مَا هُوَ قَالَ ذَاكَ الضُّرَاحُ بَيْتٌ فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ تَحْتَ الْعَرْشِ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (4).
14- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُوَ بَيْتٌ حِذَاءَ الْعَرْشِ تَعْمُرُهُ الْمَلَائِكَةُ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ لَيْلَةٍ سَبْعُونَ أَلْفاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ (5).
15- وَ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: أُنْزِلَ مِنَ الْجَنَّةِ وَ كَانَ يُعْمَرُ بِمَكَّةَ فَلَمَّا كَانَ الْغَرَقُ رَفَعَهُ اللَّهُ فَهُوَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ (6).
بيان مقتضى الجمع بين الأخبار مع صحة جميعها القول بتحقق البيت في جميع تلك المواضع و سيأتي كثير من الأخبار المتعلقة بالباب في باب الملائكة.
باب 8 السماوات و كيفياتها و عددها و النجوم و أعدادها و صفاتها و المجرة
الآيات الأنعام وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (7)
____________
(1) في المصدر: خالد بن عرعرة.
(2) في المصدر: الكعبة من فوقها.
(3) الدّر المنثور: ج 6،(ص)117.
(4) الدّر المنثور: ج 6،(ص)117.
(5) الدّر المنثور: ج 6،(ص)117.
(6) الدّر المنثور: ج 6،(ص)117.
(7) الأنعام: 97.
62
الأعراف إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ اسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ (1) الرعد اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) الحجر وَ لَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ إلى قوله تعالى وَ لَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَ زَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ وَ حَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (3) النحل خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (4) و قال وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (5) طه تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَ السَّماواتِ الْعُلى (6) الأنبياء وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ هُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (7) و قال تعالى يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ (8) الحج وَ يُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ (9) المؤمنون وَ لَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَ ما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (10)
____________
(1) الأعراف: 40.
(2) الرعد: 2.
(3) الحجر: 14- 18.
(4) النحل: 2.
(5) النحل: 16.
(6) طه: 2.
(7) الأنبياء: 32.
(8) الأنبياء: 104.
(9) الحجّ: 64.
(10) المؤمنون: 16.
63
و قال تعالى قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ (1) الفرقان تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَ جَعَلَ فِيها سِراجاً وَ قَمَراً مُنِيراً (2) العنكبوت خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (3) الروم وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ بِأَمْرِهِ (4) لقمان خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها (5) الصافات وَ رَبُّ الْمَشارِقِ إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ إلى قوله تعالى فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (6) المؤمن اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَ السَّماءَ بِناءً (7) السجدة ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ حِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (8) ق أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَ زَيَّنَّاها وَ ما لَها مِنْ فُرُوجٍ (9) الذاريات وَ السَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (10) و قال تعالى وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ
____________
(1) المؤمنون: 86.
(2) الفرقان: 61.
(3) العنكبوت: 44.
(4) الروم: 25.
(5) لقمان: 10.
(6) الصافّات: 6- 10.
(7) المؤمن: 64.
(8) فصّلت: 11 و 12.
(9) ق: 6.
(10) الذاريات: 7.
64
ما تُوعَدُونَ (1) و قال وَ السَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَ إِنَّا لَمُوسِعُونَ (2) الطور وَ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (3) و قال تعالى يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً (4) النجم وَ النَّجْمِ إِذا هَوى (5) و قال تعالى وَ أَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (6) القمر اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ (7) الرحمن الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبانٍ وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ يَسْجُدانِ وَ السَّماءَ رَفَعَها (8) و قال فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (9) الواقعة فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (10) الملك الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (11) الحاقة وَ انْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (12) المعارج يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (13)
____________
(1) الذاريات: 22.
(2) الذاريات: 48.
(3) الطور: 5.
(4) الطور: 9.
(5) النجم: 1.
(6) النجم: 49.
(7) القمر: 1.
(8) الرحمن: 5- 7.
(9) الرحمن: 37.
(10) الواقعة: 76.
(11) الملك: 3- 5.
(12) الحاقّة: 16.
(13) المعارج: 8.
65
نوح أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَ جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (1) الجن وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَ شُهُباً وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (2) المرسلات فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ وَ إِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (3) النبأ وَ بَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً وَ جَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً (4) التكوير وَ إِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ إلى قوله تعالى فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ (5) الإنفطار إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ وَ إِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (6) الإنشقاق إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ وَ أَذِنَتْ لِرَبِّها وَ حُقَّتْ (7) البروج وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (8) الطارق وَ السَّماءِ وَ الطَّارِقِ وَ ما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ إلى قوله تعالى وَ السَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (9) الغاشية وَ إِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (10) الشمس وَ السَّماءِ وَ ما بَناها (11)
____________
(1) نوح: 15 و 16.
(2) الجن: 8 و 9.
(3) المرسلات: 8.
(4) النبأ: 12 و 13.
(5) التكوير: 11- 16.
(6) الانفطار: 1 و 2.
(7) الانشقاق: 1 و 2.
(8) البروج: 1.
(9) الطارق: 1- 11.
(10) الغاشية: 18.
(11) الشمس: 5.
66
تفسير جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ أي خلقها لمنافعكم لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ قيل أي في ظلمات الليل في البر و البحر و إضافتها إليهما للملابسة أو في مشتبهات الطرق سماها ظلمات على الاستعارة و هو إفراد لبعض منافعها بالذكر بعد أن أجملها بقوله لَكُمُ و أولت النجوم في الأخبار بالأئمة الأخيار(ع)فإنهم الهداة في ظلمات الفتن و الشبهات و لا ينافي الظاهر قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ بيناها فصلا فصلا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ فإنهم المنتفعون به.
لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ أي لأدعيتهم و أعمالهم أو لأرواحهم كما تفتح لأعمال المؤمنين و أرواحهم و يدل على أن للسماء أبوابا و ربما يحمل على المجاز بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها قال الرازي في قوله تَرَوْنَها أقوال الأول أنه كلام مستأنف و المعنى رفع السماوات بغير عمد ثم قال ترونها أي و أنتم ترونها أنها مرفوعة بلا عماد الثاني قال الحسن في الآية (1) تقديم و تأخير تقديره رفع السماوات ترونها بغير عمد الثالث أن قوله تَرَوْنَها صفة للعمد و المعنى بغير عمد مرئية أي للسماوات عمد و لكنا لا نراها قالوا و لها عمد على جبل قاف و هو جبل من زبرجد محيط بالدنيا و لكنكم لا ترونه و هذا التأويل في غاية السقوط لأنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام ليكون حجة على وجود الإله القادر و لو كان المراد ما ذكروه ما تمت (2) الحجة لأنه يقال إن السماوات لما كانت مستقرة على جبل (3) فأي دلالة تبقى فيها على وجود الإله.
و عندي فيه وجه آخر أحسن من الكل و هو أن العماد ما يعتمد عليه و قد دللنا على أن هذه الأجسام إنما بقيت واقفة في الجو العالي بقدرة الله فحينئذ يكون عمدها هو قدرة الله تعالى فصح أن يقال رفع السماوات بغير عمد ترونها أي
____________
(1) في المصدر: فى تقدير الآية.
(2) في المصدر: لما ثبتت الحجة.
(3) في المصدر: على جبل قاف.
67
لها عمد في الحقيقة إلا أن تلك العمد هي إمساك (1) الله تعالى و حفظه و تدبيره و إبقاؤه إياها في الجو العالي و أنتم لا (2) ترون ذلك التدبير و لا تعرفون كيفية ذلك الإمساك (3) انتهى.
و أقول هذا الوجه الأخير الذي يتبجح به و نسبه إلى نفسه أورده شيخنا الطبرسي ره في مجمع البيان راويا عن ابن عباس و مجاهد.
وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ فيه أنواع من الدلالة على وجود الإله الحق و حكمته و قدرته إذ أصل تلك الحركات السريعة و استمرارها و كونها على أقدار مخصوصة و كون بعضها مشرقية و بعضها مغربية و بعضها مائلة إلى الشمال و بعضها مائلة إلى الجنوب مما يدل دلالة قطعية على وجود قادر قاهر كامل في العلم و الحكمة و اللطف و الرحمة كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى قال الرازي فيه قولان الأول قال ابن عباس للشمس مائة و ثمانون منزلا كل يوم لها منزل و ذلك في (4) ستة أشهر ثم إنها تعود مرة أخرى إلى واحد واحد منها في ستة أشهر مرة أخرى و كذلك القمر له ثمانية و عشرون منزلا فالمراد بقوله كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى هذا و تحقيقه أنه تعالى قدر لكل واحد من هذه الكواكب سيرا خاصا إلى جهة خاصة بمقدار خاص من السرعة و البطء و متى كان الأمر كذلك لزم أن يكون لها بحسب كل لحظة و لمحة حال أخرى ما كانت حاصلة قبل ذلك و الثاني المراد كونهما متحركين إلى يوم القيامة و عند مجيء ذلك اليوم تنقطع هذه الحركات كقوله (5) تعالى إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ و إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ و إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ وَ جُمِعَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ (6)
____________
(1) في المصدر: قدرة اللّه تعالى.
(2) في المصدر: و انهم لا يرون ذلك التدبير و لا يعرفون.
(3) مفاتيح الغيب: ج 5،(ص)260.
(4) في المصدر: و ذلك يتم في.
(5) في المصدر: كما وصف اللّه تعالى ذلك في قوله.
(6) مفاتيح الغيب: ج 5،(ص)261.
68
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ قال البيضاوي أي أمر ملكوته من الإيجاد و الإعدام و الإحياء و الإماتة و غير ذلك يُفَصِّلُ الْآياتِ ينزلها و يبينها مفصلة أو يحدث الدلائل بواحد (1) بعد واحد لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ لكي تتفكروا فيها و تتحققوا كمال قدرته فتعلموا أن من قدر على خلق هذه الأشياء و تدبيرها قدر على الإعادة و الجزاء (2).
قوله تعالى وَ لَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ظاهره جواز الخرق على الأفلاك و إن أمكن أن يكون من قبيل التعليق على المحال وَ لَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً أكثر المفسرين حملوه على البروج الاثني عشر المعروفة و قيل هي الكواكب.
قال الطبرسي ره أي منازل للشمس و القمر
- وَ زَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ بالكواكب النيرة عن أبي عبد الله ع.
و قيل البروج النجوم عن ابن عباس و الحسن و قتادة وَ حَفِظْناها أي السماء مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ أي مرجوم مرمي بالشهاب و قيل ملعون مشئوم و حفظ السماء من الشيطان بالمنع حتى لا يدخلها و لا يبلغ إلى موضع يتمكن فيه من استراق السمع بما أعد له من الشهاب إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ المراد بالسمع المسموع و المعنى إلا من حاول أخذ مسموع من السماء في خفية فَأَتْبَعَهُ أي لحقه شِهابٌ مُبِينٌ أي شعلة نار ظاهر لأهل الأرض بين لمن رآه و نحن في رأي العين نرى كأنهم يرمون بالنجوم و الشهاب عمود من نور يضيء ضياء النار لشدة ضيائه و روي عن ابن عباس أنه قال كان في الجاهلية كهنة و مع كل واحد شيطان فكان يقعد من السماء مقاعد للسمع فيستمع من الملائكة ما هو كائن في الأرض فينزل و يخبر به الكاهن فيفشيه الكاهن إلى الناس فلما بعث الله عيسى(ع)منعوا من ثلاث سماوات و لما بعث محمدا(ص)منعوا من السماوات كلها و حرست السماء بالنجوم و الشهاب (3) من معجزات نبينا(ص)لأنه لم ير
____________
(1) في المصدر: واحدا بعد واحد.
(2) أنوار التنزيل: ج 1،(ص)614.
(3) في المصدر: فالشهاب.
69
قبل زمانه و قيل إن الشهاب يقتل الشياطين و قيل لا يقتلهم (1).
خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِ أي لأمر حق هو العبادة و المعرفة أو على مقدار و شكل و أوضاع و صفات مختلفة قدرها و خصصها بحكمته تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ منها أو مما يفتقر في وجوده أو بقائه إليها و مما لا يقدر على خلقها.
وَ عَلاماتٍ عطف على قوله رَواسِيَ في قوله وَ أَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أي ألقى في الأرض و جعل فيها معالم تستدل به السابلة من جبل و منهل و ريح و نحو ذلك وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ بالليل في البراري و البحار و المراد بالنجم الجنس و قيل الثريا و الفرقدان و بنات النعش و الجدي قيل و لعل الضمير لقريش لأنهم كانوا كثير الأسفار للتجارة مشهورين بالاهتداء في مسايرهم بالنجوم و في كثير من الروايات أن العلامات الأئمة(ع)و النجم رسول الله(ص)و ضمير هم راجع إلى العلامات باعتبار المعنى و العلى جمع العليا تأنيث الأعلى أي السماوات الرفيعة العالية وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً أي عن الوقوع بقدرته أو عن الفساد و الانحلال إلى الوقت المعلوم بمشيته أو عن استراق السمع بالشهب وَ هُمْ عَنْ آياتِها أي أحوالها الدالة على وجود الصانع و وحدته و كمال قدرته و تناهي حكمته مُعْرِضُونَ غير متفكرين.
يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ قال الطبرسي ره المراد بالطيِّ هنا هو الطيُّ المعروف فإن الله سبحانه يطوي السماء بقدرته و قيل إن طي السماء ذهابها عن الحسن كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ السجل صحيفة فيها الكتب و قيل ملك يكتب أعمال العباد و قيل اسم كاتب كان للنبي(ص)(2) انتهى.
و أقول تدل الآية على حدوث السماوات و إمكان خرقها و زوالها و تغير أحوالها ردا على الحكماء المنكرين لجميع ذلك.
____________
(1) مجمع البيان: ج 6،(ص)331.
(2) مجمع البيان: ج 7،(ص)66.
70
أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ قال البيضاوي من أن تقع أو كراهة أن تقع بأن خلقها على صورة متداعية إلى الاستمساك إِلَّا بِإِذْنِهِ أي إلا بمشيته و ذلك يوم القيامة و فيه رد لاستمساكها بذاتها فإنها مساوية لسائر الأجسام في الجسمية فتكون قابلة للميل الهابط قبول غيرها انتهى (1).
سَبْعَ طَرائِقَ قال الرازي أي سبع سماوات و إنما قيل طرائق لتطارقها بمعنى كون بعضها فوق بعض يقال طارق الرجل نعليه إذا طبق (2) نعلا على نعل و طارق بين ثوبين إذا لبس ثوبا على (3) ثوب هذا قول الخليل و الزجاج (4) و قال الزجاج هو قوله سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً و قال علي بن عيسى سميت بذلك لأنها طرائق الملائكة في العروج و الهبوط و الطيران و قال آخرون لأنها طرائق الكواكب فيها مسيرها و الوجه في إنعامه علينا بذلك أنه تعالى جعلها موضعا لأرزاقنا بإنزال الماء منها و جعلها مقرا للملائكة و أنها موضع الثواب و لأنها مكان إرسال الأنبياء و نزول الوحي و أما قوله وَ ما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ ففيه وجوه أحدها ما كنا غافلين بل كنا للخلق حافظين من أن تسقط عليهم السبع الطرائق (5) فتهلكهم و ثانيها إنما خلقناها فوقهم لتنزل عليهم الأرزاق و البركات منها و ثالثها أنا خلقنا هذه الأشياء فدل خلقنا لها على كمال قدرتنا ثم بين كمال العلم بقوله وَ ما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ يعني عن أعمالهم و أقوالهم و ضمائرهم و ذلك يفيد نهاية الزجر و رابعها و ما كنا عن خلق السماوات غافلين بل نحن لها حافظون لئلا تخرج عن التقدير الذي أردنا كونها عليه كقوله تعالى ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ (6) انتهى.
____________
(1) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)110.
(2) في المصدر: اطبق.
(3) في المصدر: فوق ثوب.
(4) و زاد في المصدر الفراء.
(5) في المصدر: الطرائق السبع.
(6) مفاتيح الغيب: ج 7،(ص)620.
71
تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً قال الرازي البروج هي القصور العالية سميت بروج الكواكب به لأنها لهذه الكواكب كالمنازل لسكانها و اشتقاق البرج من التبرج لظهوره و فيه قول آخر عن ابن عباس أن البروج هي الكواكب العظام و الأول أولى و السراج الشمس (1) انتهى بأمره.
أي بمحض إرادته وَ رَبُّ الْمَشارِقِ قيل أي مشارق الكواكب أو مشارق الشمس في السنة و هي ثلاثمائة و ستون يشرق كل يوم في واحد و بحسبها تختلف المغارب و لذلك اكتفى بذكرها مع أن الشروق أدل على القدرة و أبلغ في النعمة إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا أي القربى منكم بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ أي بزينة هي الكواكب بالإضافة البيانية أو البدلية على القراءتين وَ حِفْظاً منصوب بإضمار فعله أو العطف على زينة باعتبار المعنى كأنه قال إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ خارج من الطاعة يرمى بالشهب (2).
قَراراً أي مستقرا تستقرون عليه وَ السَّماءَ بِناءً أي و جعل السماء بناء مرتفعا فوقها و لو جعلهما رتقا لما أمكن الخلق الانتفاع بما بينهما كَيْفَ بَنَيْناها أي رفعناها بلا عمد وَ زَيَّنَّاها بالكواكب وَ ما لَها مِنْ فُرُوجٍ أي فتوق كسائر الأبنية المبنية من الأحجار و اللبنات بل خلقها ملساء متصلة أو ليس لها فروج ظاهرة مرئية فلا ينافي الأبواب الكائنة فيها و قال الكسائي معناه ليس فيها تفاوت و اختلاف قال الرازي قالت الفلاسفة الآية دالة على أن السماء لا تقبل الخرق و كذلك قالوا في قوله هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ و قوله سَبْعاً شِداداً و تعسفوا فيه لأن قوله تعالى ما لَها مِنْ فُرُوجٍ صريح في عدم ذلك و الإخبار عن عدم شيء لا يكون إخبارا عن عدم إمكانه فإن من قال ما لفلان مال لا يدل على نفي إمكانه ثم إنه تعالى بين خلاف قولهم بقوله وَ إِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ و قوله (3) إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ و قوله (4) فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ في مقابلة قوله
____________
(1) مفاتيح الغيب: ج 6،(ص)495.
(2) بالشهاب (خ).
(3) في المصدر: و قال.
(4) في المصدر: و قال.
72
سَبْعاً شِداداً (1) قال فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ إلى غير ذلك و الكل في الرد عليهم صريح و ما ذكروه في الدلالة ليس بظاهر بل و ليس له دلالة خفية أيضا و أما دليلهم المعقول فأضعف و أسخف من تمسكهم بالمنقول (2).
ذاتِ الْحُبُكِ قال البيضاوي ذات الطرائق و المراد إما الطرائق المحسوسة التي هي مسير الكواكب أو المعقولة التي يسلكها النظار و يتوصل بها إلى المعارف أو النجوم فإن لها طرائق أو أنها تزينها كما تزين الموشي طرائق الوشي جمع حبيكة كطريقة و طرق أو حباك كمثال و مثل (3) قال الطبرسي ره أي ذات الطرائق الحسنة لكنا لا نرى تلك الحبك لبعدها عنا و قيل ذات الخلق الحسن المستوي و قيل ذات الحسن و الزينة عن علي(ع)(4) انتهى.
و أقول سيأتي تأويل آخر في الرواية عن الرضا ع.
وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ أي أسباب رزقكم أو تقديره و قيل المراد بالسماء السحاب و بالرزق المطر فإنه سبب الأقوات وَ ما تُوعَدُونَ من الثواب لأن الجنة فوق السماء السابعة أو لأن الأعمال و ثوابها مكتوبة مقدرة في السماء بِأَيْدٍ أي بقوة وَ إِنَّا لَمُوسِعُونَ أي لقادرون من الوسع بمعنى الطاقة و الموسع القادر على الإنفاق أو لموسعون السماء أو ما بينها و بين الأرض أو الرزق و قيل أي قادرون على خلق ما هو أعظم منها وَ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ هو السماء عن علي(ع)يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً أي تدور دورانا و تضطرب و تموج و تتحرك وَ النَّجْمِ المراد جنس النجم أو الثريا فإنه غلب فيه و أول في بعض الأخبار بالرسول(ص)إِذا هَوى أي غرب أو انتثر يوم القيامة أو انقض
____________
(1) في المصدر: و قال.
(2) مفاتيح الغيب: ج 7،(ص)620.
(3) أنوار التنزيل: ج 2(ص)462.
(4) مجمع البيان: ج 9،(ص)153.
73
أو طلع فإنه يقال هوى هويا بالفتح إذا سقط على الأرض أو إذا نمى و ارتفع و على الأخير معراجه أو نزوله(ص)وَ أَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى إنما خص بالذكر لأن خزاعة كانت تعبدها.
وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ قال الرازي المفسرون بأسرهم على أن المراد أن القمر انشق و حصل فيه الانشقاق و دلت الأخبار الصحاح عليه و إمكانه لا يشك فيه و قد أخبر عنه الصادق فيجب اعتقاد وقوعه و حديث امتناع الخرق و الالتئام حديث اللئام و قد ثبت جواز الخرق و التخريب على السماوات (1) انتهى الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبانٍ أي يجريان بحساب معلوم مقدر في بروجهما و منازلهما و يتسق بذلك أمور الكائنات السفلية و تختلف الفصول و الأوقات و يعلم السنون و الحساب وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ المشهور أن المراد بالنجم النبات الذي ينجم أي يطلع من الأرض و لا ساق له و بالشجر الذي له ساق و قيل المراد بالنجم نجم السماء يَسْجُدانِ أي ينقادان لله فيما يريد بهما طبعا انقياد الساجد من المكلفين طوعا وَ السَّماءَ رَفَعَها خلقها مرفوعة محلا و مرتبة فإنها منشأ أقضيته و منزل أحكامه و محل ملائكته.
فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ يعني يوم القيامة فَكانَتْ وَرْدَةً أي فصارت حمراء ثم تجري كَالدِّهانِ و هو جمع الدهن عند انقضاء الأمر و قيل هي كالدهان التي تصب بعضها بألوان مختلفة و قيل الدهان الأديم الأحمر فَلا أُقْسِمُ قيل إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم أو فأقسم و لا مزيدة للتأكيد أو فلأنا أقسم فحذف المبتدأ و أشبع فتحة لام الابتداء بِمَواقِعِ النُّجُومِ أي بمساقطها و تخصيص المغارب لما في غروبها من زوال أثرها و الدلالة على وجود مؤثر لا يزول تأثيره أو بمنازلها و مجاريها و قيل النجوم نجوم القرآن و مواقعها أوقات نزولها وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ لما في المقسم به من الدلالة على عظم القدرة و كمال الحكمة و فرط الرحمة طِباقاً أي مطابقة بعضها فوق بعض مصدر طابقت
____________
(1) مفاتيح الغيب: ج 7،(ص)779.
74
النعل إذا خصفتها طبقا على طبق وصف به أو طوبقت طباقا أو ذات طباق جمع طبق كجبل و جبال و قيل أراد بالمطابقة المشابهة أي يشبه بعضها بعضا في الإحكام و الإتقان ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ أي اختلاف و تناقض من طريق الحكمة بل ترى أفعاله كلها سواء في الحكمة و إن كانت متفاوتة في الصور و الهيئة و قيل معناه ما ترى يا ابن آدم في خلق السماوات من عيب و اعوجاج بل هي مستقيمة مستوية كلها مع عظمها فَارْجِعِ الْبَصَرَ أي فرد البصر و أدرها في خلق الله و استقص في النظر مرة بعد أخرى و التقدير انظر ثم ارجع النظر في السماء و قيل أي قد نظرت إليها مرارا فانظر إليها مرة أخرى متأملا فيها لتعاين ما أخبرت به من تناسبها و استقامتها و استجماعها ما ينبغي لها هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ أي شقوق و فتوق و قيل من وهي و خلل ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ أي ثم كرر النظر مرتين لأن من نظر في الشيء كره بعد أخرى بأن له ما لم يكن بائنا و قيل المراد بالتثنية التكرير و التكثير كما في لبيك و سعديك و لذلك أجاب الأمر بقوله يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً أي بعيدا عن إصابة المطلوب كأنه طرد عنه طردا بالصغار وَ هُوَ حَسِيرٌ كليل من طول المعاودة و كثرة المراجعة وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ أي بكواكب مضيئة إضاءة السراج.
و اعلم أن هاهنا إشكالا مشهورا و هو أنه اتفق أصحاب الهيئة على أنه ليس في السماء الأولى سوى القمر و سائر السيارات كل في فلك و الثوابت كلها في الثامن و الآية الكريمة تدل على أن كلها أو أكثرها في السماء الدنيا و أجيب عنه بوجوه.
الأول أن النسبة إليها أنه لما كانت ترى منها فكانت زينة لها كما أن السراج المرئي خلف الزجاج زينة لها أو لأنه بحسب الحس لما كان يتوهم أنه فيها فكأنه زينة لها و هذا الوجه و إن كان أوفق بأصولهم إلا أنه متضمن لتكلف كثير في الآيات.
الثاني ما ذكره الرازي في تفسيره و هو أنه لا يبعد وجود كرة تحت كرة
75
القمر و تكون في البطء مساوية لكرة الثوابت و تكون الكواكب المركوزة فيما يقارن القطبين مركوزة في هذه الكرة السفلية إذ لا يبعد وجود كرتين مختلفتين بالصغر و الكبر مع كونهما متشابهتين في الحركة و على هذا التقدير لا يمتنع أن تكون هذه المصابيح مركوزة في السماء الدنيا فثبت أن مذهب الفلاسفة في هذا الباب ضعيف (1) انتهى.
و أقول جملة القول في ذلك أن الحكماء أثبتوا أفلاكا تسعة لأنهم وجدوا أولا لجميع الكواكب حركة سريعة من المشرق إلى المغرب و هي التي بها يتحقق طلوعها و غروبها و بها يتحقق الليل و النهار و هي المسماة بالحركة اليومية و بالحركة الأولى و بحركة الكل فأثبتوا لها فلكا واحدا يشتمل على الجميع (2) ثم وجدوا لكل واحد من الكواكب السبعة المعروفة بالسيارة
____________
(1) مفاتيح الغيب: ج 8،(ص)246.
(2) الهيويون الاقدمون لا سيما شيعة بطلميوس كانوا يزعمون ان العالم الجسماني كرات متداخلة مركزها الأرض التي استوعب ثلاثة ارباع سطحها الماء، و فوقها كرة الهواء، و فوقها كرة النار، ثمّ فلك القمر، ثمّ عطارد، ثمّ الزهرة، ثمّ الشمس، ثمّ المريخ، ثمّ المشترى ثمّ زحل ثمّ فلك الثوابت ثمّ فلك الافلاك و هو غير مناه قطرا فلا يمكن تحديد سطحه المحدب بحد و لا يقاس بمقياس و كانوا يعدون الشمس و القمر من السيارات و يزعمون انها منحصرة في السبعة المذكورة و ان لا حركة للثوابت سوى حركة غريبة بطيئة جدا و ان الفلك جسم كروى بسيط شفاف لا يقبل الخرق و الالتئام و التغير و الفساد و ان الكواكب اكر مركوزة في الافلاك الى غير ذلك. و قد اختلفوا في عدد الافلاك حتّى ادعى بعض المتأخرين وحدة الفلك الكلى و آخر أنهى الافلاك الجزئية الى الثمانين! و كان لارهاط من الفلاسفة الاقدمين آراء اخرى احسنها راى فيثاغورس و كان يرى ان للأرض حركتين و ان الحركة اليومية هي حركتها الوضعية كما ثبت في الهيئة الحديثة و نسب الى بعض اتباعه القول بمركزية الشمس.
ثمّ ان فلاسفة الإسلام ارتضوا الفرضية البطلميوسية و بنوا عليها و شددوا مبانيها فاصبحت نظرية مرضية بل اصلا مسلما لا يختلف فيه، ثمّ نزل جم غفير من علماء الإسلام ما ورد في لسان الشرع من لفظة «السماوات» على الافلاك السبعة «و الكرسيّ» على الثامن و «العرش» على التاسع، و منهم من قال ان السماوات فوق الافلاك، و قد تكلفوا لتطبيق الظواهر الشرعية.
76
حركة من المغرب إلى المشرق مخالفة لحركة آخر منها في السرعة و البطء فأثبتوا لكل واحدة منها فلكا ثم وجدوا لجميع الكواكب التي غير السبعة حركة واحدة غربية بطيئة جدا فأثبتوا لها فلكا على حدة فحصلت تسعة أفلاك لتسعة حركات و هي المسماة بالأفلاك الكلية و أما ترتيب السيارات فالمشهور أن القمر في الفلك الذي هو أقرب إلينا ثم عطارد ثم الزهرة ثم الشمس ثم المريخ ثم المشتري ثم زحل ثم فلك الثوابت ثم الأطلس الذي هو غير مكوكب و ما ورد في لسان الشرع بلفظ السماوات ينزلونها على أفلاك السيارات و بلفظ الكرسي على فلك البروج و هو الثامن و بلفظ العرش على التاسع و استدلوا على الترتيب المذكور بأن زحل يكسف بعض الثوابت فيكون تحتها و ينكسف بالمشتري فيكون فوقه و المشتري ينكسف بالمريخ فهو فوقه و هذه الثلاثة تسمى علوية و أما كون الشمس تحتها فلأن لها اختلاف منظر دون العلوية و أما الزهرة و عطارد فلا جزم بكونهما تحت الشمس أو فوقها إذ لا يكسفها غير القمر و لا يدرك كسفها لشيء من الكواكب لاحتراقها عند مقارنتها و لا يعرف لهما اختلاف منظر أيضا لأنهما لا يبعدان عن الشمس كثيرا و لا يصلان إلى نصف النهار و الآلة التي يعرف بها اختلاف المنظر
____________
على أصول هذه الفرضية و فروعها، كل ذلك لارتضائهم اياها و اعجابهم بها و اعتقادهم بانها أصل هيوى قويم و قاعدة فلكية مسلمة، مع انها في الأصل فرضية افترضت لحل ما اشكل من المسائل الهيوية و لذلك كلما بدت مشكلة اخذوا في اصلاحها و تتميمها فزادوا في تعداد الافلاك و نقصوا و ابرموا ما نسجوا و نقضوا، حتى آل الامر الى انكار كثرة الافلاك من جهة و انهائها الى الثمانين من اخرى! و اللبيب يأخذ عظته من عبر التاريخ و لا يتهاون بعد في تأويل حقائق الكتاب و السنة بما يعجبه من آراء العلماء و اوهام الحكماء ما لم يستندوا الى دليل قاطع و برهان ساطع.
و كيف كان فالهيئة الحديثة تنكر مركزية الأرض و وحدة القمر و انحصار السيارات في النيرين و الخمسة المتحيرة و كون الشمس من السيارات و الفلك البسيط الذي لا يقبل الحرق و الالتئام، و اكتشفت بالآلات الهيوية الحديثة كواكب و اقمارا اخرى ليس لها ذكر في الهيئة القديمة فاكتشفت من السيارات فلكان، اورانوس، نبتون و پيلوتون و عدة كواكب صغيرة بين المريخ و المشترى تناهز الف سيارة. و اكتشفت للمريخ قمران و للمشترى أحد عشر قمرا و لزحل تسعة اقمار و لاورانوس ستة اقمار الى غير ذلك. و سنشير الى بعض ما ثبت في الهيئة الجديدة في موضع انسب ان شاء اللّه تعالى.
77
إنما تنصب في سطح دائرة نصف النهار فحكموا بكونهما تحت الشمس استحسانا لتكون متوسطة بين الستة بمنزلة شمسة القلادة و أيدوا ذلك بمناسبات أخر و ذكر الشيخ و بعض من تقدمه أنه رأى الزهرة كشامة على وجه الشمس و بعضهم ادعى أنه رآها و عطارد كشامتين عليها و سميا سفليين لذلك و الزهرة منها فوق عطارد لانكسافها به و القمر تحت الكل لانكساف الكل به.
و أما خصوص عدد التسعة فجزم الأكثر بأنه لا أقل منها و المحقق الطوسي ره جوز كونها ثمانية حيث قال في التذكرة و إسناد إحدى الحركتين الأوليين إلى المجموع لا إلى فلك خاص به لم يكن ممتنعا لكنهم لم يذهبوا إلى ذلك و قال صاحب التحفة إني سمعت من الأستاذ أن جواز إسناد إحدى الأوليين إلى المجموع لا إلى فلك خاص بها معلل بجواز اتصال نفس بالثمانية و أخرى بالثامنة و تكون دوائر البروج و المنطقتان مفروضة على محدب الثامنة فقلت فعلى هذا يمكن أن تكون الأفلاك الكلية سبعة فقط بأن تفرض الثوابت مركوزة في ممثل زحل و دوائر البروج على محدبة متحركة بالحركة السريعة دون البطيئة و تتعلق نفس واحدة بمجموع السبعة و تحركه الحركة الأولى و نفس أخرى تعلقت بممثل زحل وحده و تحركه الحركة البطيئة و نفس الثانية تعلقت بخارجه و تحركه الحركة الخاصة و باقي الأفلاك الستة على حالها فاستحسنه و أثنى علي انتهى.
و قال المحقق الدواني يجوز أن تكون الأفلاك الكلية اثنين بأن تفرض الأفلاك الخارجة المراكز كلها سوى خارج القمر في ثخن ممثل واحد بحيث لا تكون السطوح التي يثبتونها بين الممثلات إلا بين ذلك الممثل و ممثل القمر فتنحصر الأفلاك الكلية فيهما انتهى هذا هو الكلام في جانب القلة و أما في جانب الكثرة فلا قطع لاحتمال أن يكون كل من الثوابت أو كل طائفة منها في فلك على حدة و أن يكون أفلاكا كثيرة غير مكوكبة هذا ما ذكروه في هذا الباب و لنرجع إلى ما يناسب الكتاب فنقول.
78
يمكن أن يكون أكثر الكواكب الثابتة و هي التي لم تكن في ممر السيارات في فلك من الأفلاك الجزئية للقمر مساوية حركته لحركة الثوابت فإنهم أثبتوا كلا من تلك الأفلاك الجزئية لدواع دعتهم إلى ذلك مع أنه تلزمهم على ذلك إشكالات لم يمكنهم حلها فلا مانع من إثبات فلك آخر لتصحيح ما في الآيات و الأخبار بحيث لا يخالف قواعدهم المبنية على الظن و التخمين و بالقيد المذكور لا مانع من جهة الانكساف أيضا.
الثالث ما خطر بالبال القاصر و هو أن يكون جميع الأفلاك الثمانية التي أثبتوها لجميع الكواكب فلكا واحدا مسمى بالسماء الدنيا و تكون غيرها ستة سماوات أخر غير مكوكبة كما أنهم يثبتون لكل من الكواكب أفلاكا كثيرة جزئية و يعدون الكل فلكا واحدا كليا فلا ينافي شيئا من أصولهم و إنما يخالف مصطلحهم و لا عبرة بمخالفة الاصطلاح و قد ذهب بعض قدماء الحكماء أيضا إلى أن الثوابت في فلك القمر قال بليناس الحكيم في كتاب علل الأشياء هي سبعة أفلاك بعضها في جوف بعض و صارت الأفلاك في كل منها كوكب غير فلك القمر فإن الكواكب تبددت فيه و تقطعت لاختلاطها بكثرة الرياح الصاعدة إليه من قرب الأرض و قال في موضع آخر و أما سماء الدنيا فإنها تبددت كواكبها من قبل حبكها و تدرجها فتقلبت الكواكب فصارت متعلقة بتلك الدرج و قال عند ذكر الملائكة سكان فلك القمر من الروحانيين كثيرة رحمتهم قليلة شرورهم متعطفين على الحيوان مصلحين للنبات دائبين في مسرة بني آدم متصلين بهم فلاتصالهم ربما ظهروا لهم و كلموهم بلا هيبة منهم بالرحمة لهم و بألفة و هم مسلطون على السماء يحرسون السماء من شيطانك و ولده أن يسترقوا السمع من الملائكة الأعلين الروحانيين المتصلين بفلك الشمس و إن الروحانيين الموكلين بالشمس إذا طلعت الشمس من مشرقها كان عندهم الأحداث التي تحدث في العالم في ذلك اليوم كله فشيطانك و ولده يسترقون ما أوحي إلى أولئك الملائكة فالملائكة الذين في فلك القمر يجملون النجوم حتى يصير نارا ثم يرجمونهم بها
79
فيهربون منها إلى آخر ما قال.
الرابع أن يكون المراد بالكواكب في الآية الكريمة الشهب المنقضة قريبا منها و لما كانت ترى حسا على سطح السماء فهي زينة لها و تؤيده تتمة الآية كما ستعرف.
الخامس أن يكون المراد بالدنيا الدنو من الناحية العليا و العرش الأعلى فالمراد بها الفلك الثامن على سياق قوله تعالى دَنا فَتَدَلَّى فإن ترتيب الأفلاك قد يبتدأ مما يلينا فيكون فلك القمر أولها و أدناها و قد يبتدأ به من الجانب الأعلى ففلك الثوابت أول الأفلاك المكوكبة و أدناها من العرش و يرد عليه أن في لسان الشرع يعبر عنه بالكرسي كما مر وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ قال البيضاوي و جعلنا لها فائدة أخرى هي رجم أعدائكم بانقضاض الشهب المسببة عنها و قيل معناها رجوما و ظنونا لشياطين الإنس و هم المنجمون فالرجوم (1) جمع رجم بالفتح و هو مصدر سمي به ما يرجم به وَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا (2) انتهى و أقول على الاحتمال الرابع لا تحتاج إلى تكلف في ذلك.
وَ انْشَقَّتِ السَّماءُ قال الرازي لنزول الملائكة فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ أي مسترخية ساقطة القوة كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ بعد ما كانت محكمة شديدة (3) كَالْمُهْلِ قيل كدردي الزيت و قيل كعكر القطران سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً قال الرازي هذا يقتضي كون بعضها مطبقا (4) على البعض و هذا يقتضي أن لا يكون هاهنا (5) فرج فالملائكة كيف يسكنون و الجواب أن الملائكة أرواح و أيضا
____________
(1) في المصدر «و الرجوم».
(2) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)533.
(3) مفاتيح الغيب: ج 8،(ص)283.
(4) في المصدر: منطبقا.
(5) في المصدر: بينها.
80
المراد من كونها طباقا كونها موازية لا أنها متماسة (1) وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً قال البيضاوي أي في السماوات و هو في السماء الدنيا و إنما نسب إليهن لما بينهن من الملابسة وَ جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً مثلها به لأنها تزيل ظلمة الليل عن وجه الأرض كما يزيلها السراج عما حوله (2) وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ أي طلبنا بلوغ السماء أو خبرها و اللمس مستعار من المس للطلب كالجس حَرَساً أي حراسا اسم جمع كالخدم شَدِيداً قويا و هم الملائكة الذين يمنعونهم عنها وَ شُهُباً جمع شهاب و هو المضيء المتولد من النار وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ أي مقاعد خالية عن الحرس و الشهب أو صالحة للرصد و الاستماع و لِلسَّمْعِ صلة لنقعد أو صفة لمقاعد شِهاباً رَصَداً أي شهابا راصدا له و لأجله يمنعه عن الاستماع بالرجم أو ذوي شهاب راصدين على أنه اسم جمع للراصد.
طُمِسَتْ أي محقت و أذهب نورها فُرِجَتْ أي شقت سَبْعاً شِداداً أي سبع سماوات أقوياء محكمات لا يؤثر فيها مرور الدهور وَ جَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً متلألئا وقادا أو بالغا في الحرارة و المراد الشمس وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ أي انقضت أو أظلمت وَ إِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ أي قلعت و أزيلت كما يكشط الإهاب عن الذبيحة فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ قال الرازي فيه قولان الأول و هو المشهور الظاهر أنها النجوم الخنس جمع خانس و الخنوس الانقباض و الاستخفاء تقول خنس بين القوم و انخنس و الكنس جمع كانس و كانسة يقال كنس إذا دخل الكناس و هو مقر الوحش يقال كنست الظباء في كناسها و تكنست المرأة إذا دخلت هودجها تشبه بالظبي إذا دخل الكناس ثم اختلفوا في خنوس النجوم و كنوسها على ثلاثة أوجه فالقول الأظهر أن ذلك إشارة إلى رجوع الكواكب الخمسة السيارة و استقامتها فرجوعها هو الخنوس و كنوسها اختفاؤها تحت ضوء الشمس و لا شك أن هذه حالة عجيبة و فيها أسرار عظيمة
____________
(1) مفاتيح الغيب: ج 8،(ص)306.
(2) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)552.
81
باهرة
- وَ الْقَوْلُ الثَّانِي مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ(ع)وَ غَيْرِهِ أَنَّهَا هِيَ جَمِيعُ الْكَوَاكِبِ.
و خنوسها عبارة عن غيبوبتها عن البصر في النهار و كنوسها عن ظهورها للبصر في الليل أي تظهر في أماكنها كالوحش في كنسها و القول الثالث أن السبعة السيارة تختلف مطالعها و مغاربها على ما قال تعالى بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَ الْمَغارِبِ و لا شك أن فيها مطلعا واحدا و مغربا واحدا هما أقرب المطالع و المغارب إلى سمت رأسنا (1) ثم إنها تأخذ في التباعد من ذلك المطلع إلى سائر المطالع طول السنة ثم ترجع إليها فخنوسها عبارة عن تباعدها عن ذلك المطلع و كنوسها عبارة عن عودها إليه فعلى القول الأول يكون القسم واقعا بالخمسة المتحيرة و على الثاني بجميع الكواكب و على الثالث بالسبعة السيارة.
و القول الثاني أنها بقر الوحش و قال ابن جبير هي الظباء و على هذا الخنس من الخنس في الأنف و هو تقعير فيه فإن البقر و الظباء أنوفها على هذه الصفة و الكنس جمع كانس و هي التي تدخل الكناس و القول هو الأول لأنه أنسب بما بعده و لأن محل قسم الله كلما كان أعظم و أعلى رتبة كان أولى (2) انتهى.
و أقول الخمسة المتحيرة هي ما خلا الشمس و القمر من السبعة السيارة و إنما سميت متحيرة لكونها في حركاتها الخاصة تارة مستقيمة ترى متحركة من المغرب إلى المشرق و تارة واقفة و تارة راجعة كالمتحير في أمره و لذا أثبتوا لها تداوير لظنهم عدم الاختلاف في حركات فلك واحد.
قوله تعالى إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ قال الرازي أي انشقت وَ إِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ إذ (3) عند انتقاض تركيب السماء لا بد من انتشار الكواكب على تخوم (4) الأرض و الفلاسفة ينكرون إمكان الخرق و الالتئام على الأفلاك و دليلنا على
____________
(1) في المصدر: رءوسنا.
(2) مفاتيح الغيب: ج 8،(ص)482.
(3) في المصدر: لان.
(4) في المصدر: على الأرض.
82
إمكان ذلك أن الأجسام متماثلة في كونها أجساما فوجب أن يصح على كل واحد منها ما يصح على الآخر و إنما قلنا إنها متماثلة لأنه يصح تقسيمها إلى السماويات و الأرضيات و مورد التقسيم مشترك بين القسمين فالعلويات و السفليات مشتركة في أنها أجسام و إنما قلنا إنه متى كان كذلك وجب أن يصح على العلويات ما يصح على السفليات لأن المتماثلات حكمها واحد فما صح (1) حكمه على كل واحد منها وجب أن يصح على الباقي (2) و قال في قوله سبحانه إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ قد مر شرحه في مواضع
- وَ عَنْ عَلِيٍّ(ع)أَنَّهَا تَنْشَقُّ مِنَ الْمَجَرَّةِ.
وَ أَذِنَتْ لِرَبِّها أي استمعت له و المعنى أنه لم يوجد في جرم السماء ما يمنع من تأثير قدرة الله في شقها و تفريق أجزائها فكانت في قبول ذلك التأثير كالعبد الطائع الذي إذا ولي (3) عليه الأمر من جهة المالك أنصت له و أذعن و لم يمتنع فكذلك قوله قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ يدل على نفوذ القدرة في الإيجاد و الإبداع من غير مانع (4) أصلا كما أن قوله هاهنا وَ أَذِنَتْ لِرَبِّها يدل على نفوذ القدرة في التفريق و الإعدام و الإفناء من غير ممانعة أصلا و أما قوله وَ حُقَّتْ فهو من قولك هو محقوق بكذا و حقيق به يعني و هي حقيقة بأن تنقاد و لا تمتنع و ذلك لأنه جسم و كل جسم ممكن لذاته و كل ممكن لذاته فإن الوجود و العدم بالنسبة إليه على السوية و كل ما كان كذلك فإن ترجيح (5) عدمه على وجوده لا بد و أن يكون بتأثير واجب الوجود و ترجيحه فيكون تأثير قدرته في إيجاده و إعدامه نافذا ساريا من غير ممانعة أصلا و أما الممكن فليس له إلا القبول و الاستعداد و مثل هذا الشيء حقيق به أن يكون قابلا للوجود تارة و للعدم أخرى من واجب الوجود (6) و قال
____________
(1) في المصدر: فمتى يصحّ.
(2) مفاتيح الغيب: ج 8،(ص)486.
(3) في المصدر: إذا ورد عليه.
(4) في المصدر: من غير ممانعة.
(5) في المصدر: ترجيح وجوده على عدمه أو عدمه على وجوده.
(6) مفاتيح الغيب: ج 7،(ص)509.
83
في قوله تعالى وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ ثلاثة أقوال أحدها أنها هي البروج الاثنا عشر و إنما حسن القسم بها لما فيها من عجيب الحكمة و ذلك لأن سير الشمس فيها و لا شك أن مصالح العالم السفلي مرتبطة بسير الشمس فدل ذلك على أن لها صانعا حكيما و ثانيها أن البروج هي منازل القمر و إنما حسن القسم بها لما في سير القمر و حركته من الآثار العجيبة و ثالثها أن البروج هي عظام الكواكب سميت بروجا لظهورها (1) انتهى.
و أقول في بعض الأخبار تأويل السماء بسيد الأنبياء(ص)و البروج بالأئمة الاثني عشر ع.
وَ السَّماءِ وَ الطَّارِقِ قال الرازي أما الطارق فهو كل ما أتاك ليلا سواء كان كوكبا أو غيره وَ ما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ قال سفيان بن عيينة كل شيء في القرآن ما أَدْراكَ فقد أخبر الرسول(ص)به و كل شيء فيه ما يُدْرِيكَ لم يخبر به كقوله وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ثم قال النَّجْمُ الثَّاقِبُ أي هو طارق رفيع الشأن (2) و هو النجم الذي يهتدى به في ظلمات البر و البحر و يوقف به على أوقات الأمطار و وصف بكونه ثاقبا لوجوه أحدها أنه يثقب الظلام بضوء ينفذ فيه و ثانيها أنه يطلع من المشرق نافذا في الهواء كالشيء الذي يثقب الشيء و ثالثها أنه الذي يرمى به الشيطان فيثقبه أي ينفذ فيه و يحرقه و رابعها قال الفراء هو النجم المرتفع على النجوم و العرب تقول للطائر إذا لحق ببطن السماء ارتفاعا قد ثقب و اختلفوا في النجم قال بعضهم أشير به إلى جماعة النجوم كما قيل إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ و قال آخرون إنه نجم بعينه قال ابن زيد إنه الثريا و قال الفراء إنه زحل لأنه يثقب بنوره سمك سبع سماوات و قال آخرون إنه الشهب التي ترجم بها الشياطين لقوله تعالى فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (3)
____________
(1) مفاتيح الغيب: ج 8،(ص)518.
(2) في المصدر: عظيم الشأن رفيع القدر.
(3) مفاتيح الغيب: ج 8،(ص)528.
84
وَ السَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ قال الطبرسي ره أي ذات المطر عن أكثر المفسرين و قيل يعني بالرجع شمسها و قمرها و نجومها تغيب ثم تطلع و قيل رجع السماء إعطاؤها الخير الذي يكون من جهتها حالا بعد حال على مرور الأزمان فترجع بالغيث و أرزاق العباد و غير ذلك (1) انتهى.
و أقول لا يبعد أن يكون إشارة إلى رجوع المتحيرة كما عرفت.
وَ إِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ أي رفعا بعيد المدى بلا إمساك و بغير عمد وَ ما بَناها أي و من بناها.
تذييل قال الرازي اعلم أن منافع النجوم كثيرة منها أنه زين الله السماء بها و منها أنه يحصل بسببها في الليل قدر من الضوء و لذلك فإنه إذا تكاثفت السحاب في الليل عظمت الظلمة و ذلك بسبب أن السحاب يحجب أنوارها و منها أنه يحصل بسببها تفاوت في أحوال الفصول الأربعة فإنها أجسام عظيمة نورانية فإذا قاربت (2) الشمس كوكبا مسخنا في الصيف صار أقوى حرا و هي مثل نار تضم إلى نار أخرى فإنه لا شك أنه يكون الأثر الحاصل من المجموع أقوى و منها أنه تعالى جعلها علامات يهتدى بها في ظلمات البر و البحر على ما قال تعالى وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ و منها أنه تعالى جعلها رجوما للشياطين الذين يخرجون الناس من نور الإيمان إلى ظلمة (3) الكفر يروى أن السبب في ذلك أن الجن كانت تسمع بخبر السماء فلما بعث محمد(ص)حرست السماء و رصدت الشياطين فمن جاء منهم مسترقا للسمع رمي بشهاب فأحرقه لئلا ينزل به إلى الأرض فيلقيه إلى الناس فيخلط على النبي أمره و يرتاب الناس بخبره و هذا هو السبب في انقضاض الشهب فهذا هو المراد من قوله تعالى وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ و من الناس من طعن في هذا من وجوه.
____________
(1) مجمع البيان: ج 10،(ص)472.
(2) في المصدر: قارنت.
(3) في المصدر: ظلمات.
85
أحدها أن انقضاض الكواكب مذكور في كتب قدماء الفلاسفة قالوا إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس فإذا بلغ النار التي دون الفلك احترق بها فتلك الشعلة هي الشهاب.
و ثانيها أن هؤلاء الجن كيف يجوز أن يشاهدوا واحدا و ألفا من جنسهم يسترقون السمع فيحترقون ثم إنه (1) مع ذلك يعودون لمثل صفتهم (2) فإن العاقل إذا رأى الهلاك في شيء مرة و مرارا امتنع أن يعود إليه من غير فائدة.
و ثالثها أنه يقال في ثخن السماء مسيرة خمسمائة عام فهؤلاء الجن إن نفذوا في جرم السماء و خرقوا اتصاله فهذا باطل لأنه تعالى نفى أن يكون فيها فطور على ما قال فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ و إن كانوا لا ينفذون في جرم السماء فكيف يمكنهم أن يسمعوا أسرار الملائكة من ذلك البعد العظيم فلم لا يسمعون كلام الملائكة حال كونهم في الأرض.
و رابعها أن الملائكة إنما اطلعوا على الأحوال المستقبلة إما لأنهم طالعوها من اللوح (3) المحفوظ أو لأنهم يتلقونها من وحي الله تعالى إليهم و على التقديرين فلم لا يمسكون عن ذكرها حتى لا يتمكن الجن من الوقوف عليها.
و خامسها أن الشياطين مخلوقون من النار و النار لا تحرق النار بل تقويها فكيف يحتمل (4) أن يقال الشيطان زجر من استراق السمع بهذه الشهب.
و سادسها أنه إن كان هذا القذف لأجل النبوة فلم دام بعد وفاة الرسول ص.
و سابعها أن هذه الرجوم إنما تحدث بالقرب من الأرض بدليل أنا نشاهد حركاتها بالغة و لو كانت قريبة من الفلك لما شاهدنا حركاتها (5) كما لم نشاهد
____________
(1) في المصدر: إنهم.
(2) في المصدر: صنيعهم.
(3) في المصدر: فى اللوح.
(4) في المصدر: فكيف يعقل أن يقال ان الشياطين زجروا عن استراق.
(5) في المصدر: حركتها بالعين.
86
حركات الكواكب و إذا ثبت أن هذه الشهب إنما تحدث بالقرب من الأرض فكيف يقال إنها تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك.
و ثامنها أن هؤلاء الشياطين لو كان يمكنهم أن ينقلوا أخبار الملائكة من المغيبات إلى الكهنة فلم لا ينقلون أسرار المؤمنين إلى الكفار حتى يتوسل الكفار بواسطة وقوفهم على أسرارهم إلى إلحاق الضرر بهم.
و تاسعها لم لم يمنعهم الله ابتداء من الصعود إلى السماء حتى لا يحتاج في دفعهم عن السماء إلى هذه الشهب.
و الجواب عن السؤال الأول أنا لا ننكر أن هذه الشهب كانت موجودة قبل مبعث النبي(ص)(1) و قد يوجد بسبب آخر و هو دفع الجن و زجرهم
* * * يُرْوَى أَنَّهُ قِيلَ لِلزُّهْرِيِّ أَ كَانَ يُرْمَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ نَعَمْ قَالَ أَ فَرَأَيْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً قَالَ غَلُظَتْ وَ شُدِّدَ أَمْرُهَا حِينَ بُعِثَ النَّبِيُّ ص.
. و الجواب عن السؤال الثاني أنه إذا جاء القدر عمي البصر فإذا قضى الله على طائفة منهم الحرق لطغيانها و ضلالها قيض لها من الدواعي المطمعة في درك المقصود ما عندها يقدم على العمل المفضي إلى الهلاك و البوار.
و الجواب عن السؤال الثالث أن البعد بين الأرض و السماء مسيرة خمسمائة عام فأما ثخن الفلك فلعله لا يكون عظيما.
و الجواب عن السؤال الرابع
مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)جَالِساً فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذْ رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ فَقَالَ مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا حَدَثَ مِثْلُ هَذَا قَالُوا كُنَّا نَقُولُ يُولَدُ عَظِيمٌ أَوْ يَمُوتُ عَظِيمٌ قَالَ النَّبِيُّ(ص)فَإِنَّهَا لَا تُرْمَى لِمَوْتِ أَحَدٍ وَ لَا لِحَيَاتِهِ وَ لَكِنَّ رَبَّنَا تَعَالَى إِذَا قَضَى الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ سَبَّحَتْ حَمَلَةُ
____________
(1) في المصدر: لأسباب أخر إلّا أن ذلك لا ينافى أنّها بعد مبعث النبيّ عليه الصلاة و السلام قد توجد.
87
الْعَرْشِ ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ وَ سَبَّحَ (1) كُلُّ سَمَاءٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ التَّسْبِيحُ إِلَى هَذِهِ السَّمَاءِ وَ يَسْتَخْبِرُ أَهْلُ السَّمَاءِ حَمَلَةَ الْعَرْشِ مَا ذَا قَالَ رَبُّكُمْ فَيُخْبِرُونَهُمْ وَ لَا يَزَالُ يَنْتَهِي ذَلِكَ الْخَبَرُ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْخَبَرُ إِلَى هَذِهِ السَّمَاءِ وَ يَتَخَطَّفُ الْجِنُّ فَيُرْمَوْنَ فَمَا جَاءُوا بِهِ فَهُوَ حَقٌّ وَ لَكِنَّهُمْ يَزِيدُونَ فِيهِ.
. و الجواب عن السؤال الخامس أن النار قد تكون أقوى من نار أخرى فالأقوى تبطل الأضعف.
و الجواب عن السؤال السادس أنه إنما دام لأنه(ص)أخبر ببطلان الكهانة فلو لم يدم هذا القذف لعادت الكهانة و ذلك يقدح في خبر الرسول(ص)عن بطلان الكهانة.
و الجواب عن السؤال السابع أن البعد على مذهبنا غير مانع من السماع فلعله تعالى أجرى عادته بأنهم إذا وقعوا (2) في تلك المواضع سمعوا كلام الملائكة (3).
و الجواب عن السؤال الثامن لعله تعالى أقدرهم على استماع الغيوب عن الملائكة و أعجزهم عن إيصال أسرار المؤمنين إلى الكافرين (4).
و الجواب عن السؤال التاسع أنه تعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ و يَحْكُمُ ما يُرِيدُ فهذا ما يتعلق بهذا الباب على سبيل الاختصار (5) انتهى.
____________
(1) في المصدر: يسبح أهل كل سماء.
(2) في المصدر: وقفوا.
(3) هذا الجواب مبنى على قول الأشاعرة بانكار العلية و المعلولية و أن الملازمة بين العلة و المعلول ليس أمرا ذاتيا و انما هو لجريان عادة اللّه تعالى على ذلك، فمن الممكن ان يكون عادته تعالى في بعض الموارد على خلافه.
(4) و الصواب أن يقال: ان كان المراد بالكفار جميعهم فالملازمة ممنوعة لان المكالمة مع الجن يتوقف على مقدمات لا تحصل لجميعهم، و ان كان المراد كهنتهم فبطلان التالى غير مسلم.
(5) مفاتيح الغيب: ج 8،(ص)246- 248.
88
و أقول الأصوب في الجواب عن الثالث أن يقال قد ظهر أن للسماء أبوابا يصعد منها الملائكة و صعد منها نبينا(ص)و عيسى و إدريس(ع)بل أجساد سائر الأنبياء و الأوصياء بعد وفاتهم على قول و قد ورد في الأخبار أن الجن كانوا يصعدون قبل عيسى(ع)إلى ما تحت العرش و بعد بعثته كانوا يصعدون إلى الرابعة و بعد بعثة النبي(ص)منعوا عن صعود السماء مطلقا بالشهب فصعودهم إما من أبوابها أو لكونهم أجساما لطيفة يمكنهم النفوذ في جرمها و لعل المراد بالفطور فيها أن ترى فيها شقوق و ثقب أو تنهدم و تنحل أجزاؤها فلا إشكال في ذلك.
1- الْعِلَلُ، وَ الْعُيُونُ، وَ الْخِصَالُ، فِي خَبَرِ الشَّامِيِّ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ سَأَلَهُ مِمَّ خُلِقَ السَّمَاوَاتُ قَالَ مِنْ بُخَارِ الْمَاءِ وَ سَأَلَهُ عَنْ سَمَاءِ الدُّنْيَا مِمَّا هِيَ قَالَ مِنْ مَوْجٍ مَكْفُوفٍ وَ سَأَلَهُ كَمْ طُولُ الْكَوَاكِبِ وَ عَرْضُهُ قَالَ اثْنَا عَشَرَ فَرْسَخاً فِي اثْنَيْ عَشَرَ فَرْسَخاً وَ سَأَلَهُ عَنْ أَلْوَانِ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَ أَسْمَائِهَا فَقَالَ لَهُ اسْمُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا رَفِيعٌ وَ هِيَ مِنْ مَاءٍ وَ دُخَانٍ وَ اسْمُ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ قَيْدُومٌ وَ هِيَ عَلَى لَوْنِ النُّحَاسِ وَ السَّمَاءُ الثَّالِثَةُ اسْمُهَا الْمَارُومُ وَ هِيَ عَلَى لَوْنِ الشَّبَهِ وَ السَّمَاءُ الرَّابِعَةُ اسْمُهَا أرفلون وَ هِيَ عَلَى لَوْنِ الْفِضَّةِ وَ السَّمَاءُ الْخَامِسَةُ اسْمُهَا هيعون (1) وَ هِيَ عَلَى لَوْنِ الذَّهَبِ وَ السَّمَاءُ السَّادِسَةُ اسْمُهَا عَرُوسٌ وَ هِيَ يَاقُوتَةٌ خَضْرَاءُ وَ السَّمَاءُ السَّابِعَةُ اسْمُهَا عَجْمَاءُ وَ هِيَ دُرَّةٌ بَيْضَاءُ (2) الْخَبَرَ.
بيان من موج مكفوف أي من جسم مواج ممنوع من السيلان بقدرته سبحانه أو بأن أجمدها بعد ما كانت سيالة و يحتمل أن يكون كناية عن كونها مخلوقة من جسم لطيف قد استقر في محله و لا ينزل و لا يسيل أو موجها كناية عن تلألؤ الكواكب فيها بناء على أنها فيها و يمكن أن يكون المقدار المذكور للكوكب لأصغر الكواكب التي في المجرة إذ المرصودة منها على المشهور أكبر من ذلك بكثير بل ما سوى القمر و السفليين أكبر من الأرض بأضعافها و
____________
(1) في المخطوطة «هيفوف» و في المصدر «هيفون».
(2) الخصال: 3، العيون: ج 1،(ص)241، العلل: ج 2،(ص)280.
89
قد أول بعض السالكين مسالك الفلاسفة اختلاف الألوان الوارد في هذا الخبر باختلاف أنواعها و طبائعها فإنهم يقولون ليس للسماوات لون كما ستعرف إن شاء الله و ذكر السيد الداماد ره لتقدير الكواكب تأويلا غريبا أوردته في مقام آخر و إن كانت أقوالهم في أمثال ذلك لم تورث إلا ظنا.
2- تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ رَأَيْتُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بِحَاراً مِنْ نُورٍ يَتَلَأْلَأُ يَكَادُ تَلَأْلُؤُهَا يَخْطَفُ بِالْأَبْصَارِ وَ فِيهَا بِحَارٌ مِنْ (1) ظُلْمَةٍ وَ بِحَارُ ثَلْجٍ تَرْعُدُ (2) الْخَبَرَ.
بيان ترعد أي يظهر منها صوت الرعد أو على بناء المجهول أي تضطرب.
3- الْعِلَلُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْكُلَيْنِيِّ عَنْ عَلَّانَ رَفَعَهُ قَالَ: سَأَلَ يَهُودِيٌّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لِمَ سُمِّيَتِ السَّمَاءُ سَمَاءً قَالَ لِأَنَّهَا وَسْمُ الْمَاءِ يَعْنِي مَعْدِنَ الْمَاءِ (3) الْخَبَرَ.
بيان فسر الوسم بالمعدن لأن معدن كل شيء علامة حصوله و لعله مبني على الاشتقاق الكبير لأن الوسم من معتل الفاء و السماء على المشهور من معتل اللام من السمو و هو الرفعة أو هو على القلب كما أن الاسم أيضا من السمو.
4- الْعِلَلُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ قَالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ(ع)عَنِ الطَّارِقِ قَالَ هُوَ أَحْسَنُ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ وَ لَيْسَ يَعْرِفُهُ النَّاسُ وَ إِنَّمَا سُمِّيَ الطَّارِقَ لِأَنَّهُ يَطْرُقُ نُورُهُ سَمَاءً سَمَاءً إِلَى سَبْعِ سَمَاوَاتٍ ثُمَّ يَطْرُقُ رَاجِعاً حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَكَانِهِ (4).
____________
(1) في المصدر: بحار مظلمة.
(2) تفسير القمّيّ: 373.
(3) علل الشرائع: ج 1،(ص)3.
(4) العلل: ج 2،(ص)264.
90
5- الْإِحْتِجَاجُ، عَنِ الْأَصْبَغِ قَالَ: سَأَلَ ابْنُ الْكَوَّاءِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَنِ الْمَجَرَّةِ الَّتِي تَكُونُ فِي السَّمَاءِ قَالَ هِيَ شَرَجُ السَّمَاءِ وَ أَمَانٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنَ الْغَرَقِ وَ مِنْهُ أَغْرَقَ اللَّهُ قَوْمَ نُوحٍ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ الْخَبَرَ (1).
بيان الشرج اسم للمجرة و لعلهم شبهوها بالعرى التي في الكيس و العيبة تشد بها أو بمجرى الماء لأنها مجراه حقيقة كما في الخبر أو لأنها شبيهة بالنهر في وسط الوادي قال الفيروزآبادي الشرج محركة العرى و منفسخ الوادي و مجرة السماء و انشقاق في القوس و الشرج الفرقة و مسيل ماء من الجرة إلى السهل و شد الخريطة (2) و قال الجوهري شرج العيبة بالتحريك عراها و قد أشرجت العيبة إذا داخلت بين أشراجها و مجرة السماء تسمى شرجا (3).
6- تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي خَبَرِ إِدْرِيسَ(ع)أَنَّهُ قَالَ مَلَكُ الْمَوْتِ غِلَظُ السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَ مِنَ السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ (4) وَ مِنَ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ إِلَى الثَّانِيَةِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَ كُلُّ سَمَاءٍ وَ مَا بَيْنَهُمَا كَذَلِكَ (5) الْخَبَرَ.
7- الْعِلَلُ، فِي خَبَرِ يَزِيدَ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ(ص)مَا بَالُ النُّجُومِ تَسْتَبِينُ صِغَاراً وَ كِبَاراً وَ مِقْدَارُ (6) النُّجُومِ كُلُّهَا سَوَاءٌ قَالَ لِأَنَّ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ سَمَاءِ الدُّنْيَا بِحَاراً يَضْرِبُ الرِّيحُ أَمْوَاجَهَا فَلِذَلِكَ تَسْتَبِينُ صِغَاراً وَ كِبَاراً وَ مِقْدَارُ النُّجُومِ كُلُّهَا سَوَاءٌ الْخَبَرَ (7).
____________
(1) الاحتجاج: 138.
(2) القاموس: ج 1،(ص)195.
(3) الصحاح: ج 1،(ص)324.
(4) في المصدر: و غلظ السماء الثالثة خمسمائة عام.
(5) تفسير القمّيّ: 412.
(6) في المصدر: «و مقدارها سواء» و هو الصحيح ظاهرا، أي حالكون مقدارها سواء.
(7) علل الشرائع: ج 2،(ص)156.
91
بيان لعل غرض السائل السؤال عن علة كون النجم الواحد يرى في بعض الأحيان أصغر و في بعضها أكبر مع أن مقداره في جميع الأحوال واحد كما أن كلا من الشمس و القمر إذا كان عند الأفق أو قريبا منه يرى أكبر منه إذا كان في قريب سمت الرأس لكثرة الأبخرة و انعطاف الأشعة البصرية عند وصولها إلى الملإ الغليظ كما بين في علم المناظر و يحتمل أن تكون البحار كناية عن الأبخرة.
8- تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ وَ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)هَذِهِ النُّجُومُ (1) الَّتِي فِي السَّمَاءِ مَدَائِنُ مِثْلُ الْمَدَائِنِ الَّتِي فِي الْأَرْضِ مَرْبُوطَةٌ كُلُّ مَدِينَةٍ إِلَى عَمُودٍ مِنْ نُورٍ طُولُ ذَلِكَ الْعَمُودِ فِي السَّمَاءِ مَسِيرَةُ مِائَتَيْنِ وَ خَمْسِينَ سَنَةً (2).
أقول: سيجيء خبر الحسين بن خالد عن الرضا(ع)في باب صفة الأرضين.
9- التَّوْحِيدُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَشْعَرِيِّ عَنِ السَّيَّارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمَّادٍ عَنْ جَمِيلٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)هَلْ فِي السَّمَاءِ بِحَارٌ قَالَ نَعَمْ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ لَبِحَاراً عُمْقُ أَحَدِهَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ (3) الْخَبَرَ.
10- مُنْتَخَبُ الْبَصَائِرِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الرَّيَّانِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدِّهْقَانِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّ لِلَّهِ خَلْفَ هَذِهِ النِّطَاقِ زَبَرْجَدَةً خَضْرَاءَ مِنْهَا اخْضَرَّتِ السَّمَاءُ قُلْتُ وَ مَا النِّطَاقُ قَالَ الْحِجَابُ وَ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَرَاءَ ذَلِكَ سَبْعُونَ أَلْفَ عَالَمٍ أَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ كُلُّهُمْ يَلْعَنُ فُلَاناً وَ فُلَاناً.
11- إِرْشَادُ الْمُفِيدِ، رَوَى أَبُو بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَنَّهُ
____________
(1) في المصدر: لهذه النجوم.
(2) تفسير القمّيّ: 554.
(3) التوحيد: 204.
92
قَالَ: إِذَا قَامَ الْقَائِمُ(ع)سَارَ إِلَى الْكُوفَةِ فَهَدَمَ بِهَا أَرْبَعَةَ مَسَاجِدَ وَ لَمْ يَبْقَ مَسْجِدٌ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ (1) لَهُ شُرَفٌ (2) إِلَّا هَدَمَهَا وَ جَعَلَهَا جَمَّاءَ (3) وَ وَسَّعَ الطَّرِيقَ الْأَعْظَمَ وَ كَسَّرَ كُلَّ جَنَاحٍ خَارِجٍ عَنِ (4) الطَّرِيقِ وَ أَبْطَلَ الْكُنُفَ وَ الْمَيَازِيبَ إِلَى الطُّرُقَاتِ وَ لَا يَتْرُكُ بِدْعَةً إِلَّا أَزَالَهَا وَ لَا سُنَّةً إِلَّا أَقَامَهَا وَ يَفْتَتِحُ قُسْطَنْطَنِيَّةَ وَ الصِّينَ وَ جِبَالَ الدَّيْلَمِ فَيَمْكُثُ عَلَى ذَلِكَ سَبْعَ سِنِينَ مِقْدَارُ كُلِّ سَنَةٍ عَشْرُ سِنِينَ مِنْ سِنِيكُمْ هَذِهِ ثُمَّ يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ قَالَ قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَكَيْفَ تَطُولُ السِّنُونَ قَالَ يَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى الْفَلَكَ بِاللُّبُوثِ وَ قِلَّةِ الْحَرَكَةِ فَتَطُولُ الْأَيَّامُ لِذَلِكَ وَ السِّنُونَ قَالَ قُلْتُ لَهُ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ الْفَلَكَ إِنْ تَغَيَّرَ فَسَدَ قَالَ ذَلِكَ قَوْلُ الزَّنَادِقَةِ فَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى ذَلِكَ وَ قَدْ شَقَّ اللَّهُ الْقَمَرَ لِنَبِيِّهِ(ص)وَ رَدَّ الشَّمْسَ مِنْ قَبْلِهِ لِيُوشَعَ بْنِ نُونٍ وَ أَخْبَرَ بِطُولِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ أَنَّهُ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5).
12- كِتَابُ النُّجُومِ، رَوَى ابْنُ جُمْهُورٍ الْعَمِّيُّ فِي كِتَابِ الْوَاحِدَةِ فِي أَوَائِلِ أَخْبَارِ مَوْلَانَا الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ فِي صِفَةِ النُّجُومِ مَا هَذَا لَفْظُهُ ثُمَّ أَجْرَى فِي السَّمَاءِ مَصَابِيحَ ضَوْؤُهَا فِي مَفْتَحِهِ وَ حَارَثَهَا بِهَا وَ جَالَ شِهَابُهَا مِنْ نُجُومِهَا الدَّرَارِيِّ الْمُضِيئَةِ الَّتِي لَوْ لَا ضَوْؤُهَا مَا أُنْفِذَتْ أَبْصَارُ الْعِبَادِ فِي ظُلَمِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ بِأَهْوَالِهِ الْمُدْلَهِمِّ بِحَنَادِسِهِ وَ جَعَلَ فِيهَا أَدِلَّةً عَلَى مِنْهَاجِ السُّبُلِ لِمَا أَحْوَجَ إِلَيْهِ الْخَلِيقَةُ مِنَ الِانْتِقَالِ وَ التَّحَوُّلِ وَ الْإِقْبَالِ وَ الْإِدْبَارِ.
13- كِتَابُ الْغَارَاتِ، لِإِبْرَاهِيمَ الثَّقَفِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْكِنْدِيِّ قَالَ: سَأَلَ ابْنُ الْكَوَّاءِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى وَ السَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ قَالَ ذَاتِ الْخَلْقِ الْحَسَنِ قَالَ فَمَا الْمَجَرَّةُ قَالَ يَا وَيْلَكَ سَلْ تَفَقُّهاً وَ لَا تَسْأَلْ
____________
(1) في المصدر: على وجه الأرض.
(2) أي ارتفاع و اشراف.
(3) أي مستوية ملساء، و لعلّ تأنيث الضمير باعتبار الأرض.
(4) في المصدر: فى الطريق.
(5) إرشاد المفيد: 344.
93
تَعَنُّتاً يَا وَيْلَكَ سَلْ عَمَّا يَعْنِيكَ قَالَ فَوَ اللَّهِ إِنَّ مَا سَأَلْتُكَ عَنْهُ لَيَعْنِينِي قَالَ إِنَّهَا شَرَجُ السَّمَاءِ وَ مِنْهَا فُتِحَتِ السَّمَاءُ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ زَمَنَ الْغَرَقِ عَلَى قَوْمِ نُوحٍ(ع)قَالَ فَكَمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ قَالَ مَدُّ الْبَصَرِ وَ دَعْوَةٌ بِذِكْرِ اللَّهِ فَيَسْمَعُ لَا نَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ.
بيان لا نقول غير ذلك أي لا نخبر الخلق بمقدار ذلك إذ لا مصلحة لهم في ذلك (1) فيدل على أن التفكر في أمثال ذلك ممنوع منه و ليس كما تزعمه الفلاسفة أنها كمال النفس و لا بد للإنسان في تحصيل السعادات الأبدية من النظر فيها.
14 الْغَارَاتُ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)كَمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ قَالَ مَدُّ الْبَصَرِ وَ دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ وَ سُئِلَ كَمْ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ قَالَ يَوْمٌ طَرَّادُ الشَّمْسِ وَ سُئِلَ عَنِ الْمَجَرَّةِ فَقَالَ أَبْوَابُ السَّمَاءِ فَتَحَهَا اللَّهُ عَلَى قَوْمِ نُوحٍ ثُمَّ أَغْلَقَهَا فَلَمْ يَفْتَحْهَا وَ سُئِلَ عَنِ الْقَوْسِ فَقَالَ أَمَانُ الْأَرْضِ كُلِّهَا مِنَ الْغَرَقِ إِذَا رَأَوْا ذَلِكَ فِي السَّمَاءِ الْخَبَرَ.
بيان: يوم طراد أي تام أو قصير أو يوم يجري فيه الشمس قال في القاموس الطريد من الأيام الطويل كالطراد و الطريدان الليل و النهار و ككتاب رمح قصير و مطاردة الأقران حمل بعضهم على بعض و هم فرسان الطراد و اطرد الأمر تبع بعضه بعضا و جرى (2) انتهى و اعلم أن الحكماء اختلفوا في المجرة فقيل احتراق حدث من الشمس في تلك الدائرة في بعض الأزمان السالفة و أورد عليه أنه مخالف لقواعدهم التي منها عدم كون الشمس موصوفة بالحرارة
____________
(1) و لعلّ عدم الاخبار لعدم استعداد الناس لفهمه في ذلك الزمان، أو لكون السائل في مقام التعنت و الاعياء، و لو كان التفكر في امثال هذه المعاني ممنوعة و العلم بها خاليا عن المصلحة لما حاموا حومها و لنهوا اصحابهم و خواصهم أن يطوفوا طورها، كيف و قد تكاثرت الروايات عنهم بأخبار السماوات و كيفياتها و ما بينها إلى غير ذلك، مضافا إلى ما في فهم هذه المعاني من درك عظمة اللّه تعالى و حكمه و سعة رحمته و معرفة صفاته و أسمائه، و سيأتي في ما ينقل عن اقوال اجلاء العلماء في النجوم القول باستحباب تعلم الهيئة لذلك.
(2) القاموس: ج 1،(ص)310.
94
و الإحراق و منها عدم كون الفلك قابلا للتأثر و قيل بخار دخاني واقع في الهواء و أورد عليه بأنه لو كان كذلك لكان يختلف في الصيف و الشتاء و قيل هي كواكب صغار متقاربة متشابكة لا تتمايز حسا بل هي لشدة تكاثفها و صغرها صارت كأنها لطخات سحابية و هذا أقرب الوجوه (1).
15- الْعِلَلُ، لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ مَعْنَى السَّمَاءِ أَنَّهَا ارْتَفَعَتْ أَيْ سَمَتْ مِنَ السُّمُوِّ وَ مَعْنَى الْأَرْضِ أَنَّهَا انْخَفَضَتْ وَ كُلُّ شَيْءٍ انْخَفَضَ فَهُوَ أَرْضٌ.
- النهج، نهج البلاغة قَالَ(ع)اللَّهُمَّ رَبَّ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ وَ الْجَوِّ الْمَكْفُوفِ الَّذِي جَعَلْتَهُ مَغِيضاً لِلَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ مَجْرًى لِلشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ مُخْتَلَفاً لِلنُّجُومِ السَّيَّارَةِ وَ جَعَلْتَ سُكَّانَهُ سِبْطاً مِنْ مَلَائِكَتِكَ لَا يَسْأَمُونَ مِنْ عِبَادَتِكَ وَ رَبَّ هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي جَعَلْتَهَا قَرَاراً لِلْأَنَامِ وَ مَدْرَجاً لِلْهَوَامِّ وَ الْأَنْعَامِ وَ مَا لَا يُحْصَى مِمَّا يُرَى وَ مِمَّا لَا يُرَى وَ رَبَّ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي الَّتِي جَعَلْتَهَا لِلْأَرْضِ أَوْتَاداً وَ لِلْخَلْقِ اعْتِمَاداً (2).
بيان السقف المرفوع السماء و الجو الهواء و ما بين السماء و الأرض و كفه أي جمعه و ضم بعضه إلى بعض و فسر بعضهم الجو المكفوف بالسماء أيضا و الظاهر أن المراد به هنا الهواء بين السماء و الأرض فإنه مكفوف بالسماء و قد ورد في الدعاء و سد الهواء بالسماء و غاض الماء يغيض غيضا نضب و قل و كون السماء مغيضا لليل و النهار و الشمس و القمر ظاهر لأنها فيها تغيب و أما الجو المكفوف فإن فسر بالسماء فظاهر أيضا و إن فسر بالهواء فلكون آثارها تظهر فيه و يرى بحسب الحس كذلك و قيل المراد به الهواء و الفضاء بين السماوات فإنه مكفوف بها و يمكن حمله على البعد الموجود أو الموهوم الذي هو مكان الفلك و كفها تحديدها و ضبطها بالسماوات و يمكن جعل الموصول صفة لمجموع السقف و الجو لاتصالهما بعدهما شيئا واحدا فإن المجموع محل لتلك الآثار و الأجرام في الجملة و مختلفا للنجوم السيارة و قال ابن ميثم المراد بالجو السماء و كونه
____________
(1) و إليه انتهى نظر المتأخرين من الفلكيين.
(2) النهج: ج 1،(ص)318 و 319.
95
مغيضا لليل و النهار لأن الفلك بحركته المستلزمة لحركة الشمس على وجه الأرض يكون سببا لغيبوبة الليل و عن وجهها لغيبوبة النهار فكان كالمغيض لهما و قيل جعلته مغيضا أي غيضة لهما و هي في الأصل الأجمة كما يجتمع فيها الماء فتسمى غيضة و ينبت فيها الشجر كأنه جعل الفلك كالغيضة و الليل و النهار كالشجر النابت فيها و قال الكيدري في شرحه المغيض الموضع الذي يغيض فيه الماء أي ينضب و يقل و جعل السماء و الفلك مغيضا لليل و النهار مجازا أي ينقص الله الليل مرة و النهار أخرى و إن زاد في الآخر و ذلك بحسب جريان الشمس و قال الجو المكفوف كأنه أراد الهواء المحدود الذي ينتهي حده إلى السماء و الجو ما بين السماء و الأرض كأنه كف أي منع من تجاوز حديه و قال أبو عمرو الجو ما اتسع من الأودية و كل مستدير فهو كفة بالكسر كأنه أراد الهواء الذي هو على هيئة المستدير لأنه داخل الفلك الكروي الشكل أو أراد بالجو الفلك العريض الواسع و بالمكفوف ما كان عليه كفة من المجرة و النيرات فيكون من كفة الثوب أو أراد بالمكفوف الفلك المحكم الخلق الشديد المتبرئ عن الخلل و الفطور من قولهم عيبة مكفوفة أي مشرجة مشدودة انتهى.
و الاختلاف التردد و حمله على اختلاف الفصول بعيد و السبط بالكسر الأمة و القبيلة لا يسأمون أي لا يملون قرارا أي محل استقرار و درج كقعد أي مشى و الهوام الحشرات و قال ابن ميثم قال بعض العلماء من أراد أن يعرف حقيقة قوله(ع)مما يرى و مما لا يرى فليوقد نارا صغيرة في فلاة في ليلة صيفية و ينظر ما يجتمع عليها من غرائب أنواع الحيوان العجيبة الخلق لم يشاهدها هو و لا غيره و أقول يحتمل أن يراد ما ليس من شأنه الرؤية لصغره أو لطافته كالملك و الجن و الاعتماد الاتكاء و الاتكال إذ الجبال مساكن لبعضهم و منها تحصل منافعهم.
17- النهج، نهج البلاغة عَنْ نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَةٍ
96
فَمِنْ شَوَاهِدِ خَلْقِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ مُوَطَّدَاتٍ بِلَا عَمَدٍ قَائِمَاتٍ بِلَا سَنَدٍ دَعَاهُنَّ فَأَجَبْنَ طَائِعَاتٍ مُذْعِنَاتٍ غَيْرَ مُتَلَكِّئَاتٍ وَ لَا مُبْطِئَاتٍ وَ لَوْ لَا إِقْرَارُهُنَّ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَ إِذْعَانُهُنَّ بِالطَّوَاعِيَةِ لَمَا جَعَلَهُنَّ مَوْضِعاً لِعَرْشِهِ وَ لَا مَسْكَناً لِمَلَائِكَتِهِ وَ لَا مَصْعَداً لِلْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ خَلْقِهِ جَعَلَ نُجُومَهَا أَعْلَاماً يَسْتَدِلُّ بِهَا الْحَيْرَانُ فِي مُخْتَلِفِ فِجَاجِ الْأَقْطَارِ لَمْ يَمْنَعْ ضَوْءَ نُورِهَا ادْلِهْمَامُ سُجُفِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ وَ لَا اسْتَطَاعَتْ جَلَابِيبُ سَوَادِ الْحَنَادِسِ أَنْ تَرُدَّ مَا شَاعَ فِي السَّمَاوَاتِ مِنْ تَلَأْلُؤِ نُورِ الْقَمَرِ (1) إِلَى آخِرِ الْخُطْبَةِ.
توضيح المراد بشواهد الخلق آيات الإبداع و علامات التدبير المحكم أو ما يشهد من الخلق بوجوده سبحانه و تدبيره و علمه أو ما حضر من خلقه أي ظهر وجوده بحيث لا يمكن لأحد إنكاره من علامات التدبير و وطدت كوعدت أطدها طدة و وطدتها توطيدا إذا أثبتها بالوطء أو غيره حتى تتصلب و توطيد السماوات إحكام خلقها و إقامتها في مقامها على وفق الحكمة و العمد بالتحريك جمع عماد بالكسر و هو ما يسند به أو جمع عمود و السند بالتحريك ما استندت إليه و اتكأت من حائط و غيره و الطائع المنقاد السلس و أذعن أي انقاد و لم يستعص و تلكأ أي توقف و اعتل و الطواعية كثمانية الطاعة و لعل المراد بالملائكة المقربون أو الأكثر لأن منهم من يسكن الهواء و الأرض و الماء و صعود الكلم الطيب و العمل الصالح صعود الكتبة بصحائف أعمال العباد إلى السماوات و فيه إشارة إلى قوله سبحانه إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ (2) و إجابتهن إشارة إلى قوله تعالى ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (3) و قد مر الكلام في تأويل الآية و قيل هنا إقرارهن بالربوبية له راجع إلى شهادة حال الممكن للحاجة إلى الرب و الانقياد لحكم
____________
(1) النهج: ج 1،(ص)339 و 340.
(2) فاطر: 10.
(3) فصّلت: 11.
97
قدرته و ظاهر أنه لو لا إمكانها و انفعالها عن قدرته و تدبيره لم يكن فيها عرش و لم يكن مسكنا للملائكة و لا مصعدا للكلم الطيب و العمل الصالح من الخلق انتهى.
و أما تخصيصه(ع)السماوات بالطاعة مع اشتراك الأرض لها في ذلك في الآية فلعله لكونها أكثر طاعة لكون مادتها أقبل أو لشرفها و العلم بالتحريك ما يهتدى به و المختلف الاختلاف أي التردد أو موضعه أو هو من المخالفة و الفج الطريق الواسع بين جبلين و القطر الجانب و الناحية فالمعنى يستدل بها الحيارى في التردد في فجاج الأقطار أو في اختلاف الفجاج الموجودة في الأقطار و ذهاب كل منها إلى جهة غير ما يذهب إليه الآخر كاختلاف القوم في الآراء و السجف بالكسر و بالفتح الستر و الجلباب بالكسر ثوب واسع تغطي به المرأة ثيابها كالملحفة و قيل هو الخمار و قيل القميص و الحندس كزبرج الشديد الظلمة و شاع الشيء يشيع أي ظهر و ذاع و فشا و تلألأ القمر و البرق أي لمع.
18- كِتَابُ الْمُثَنَّى بْنِ الْوَلِيدِ الْحَنَّاطِ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ فَقَالَ سَبْعُ سَمَاوَاتٍ لَيْسَ مِنْهَا سَمَاءٌ إِلَّا وَ فِيهَا خَلْقٌ وَ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ الْأُخْرَى خَلْقٌ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى السَّابِعَةِ قُلْتُ وَ الْأَرْضُ قَالَ سَبْعٌ مِنْهُنَّ خَمْسٌ فِيهِنَّ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ الرَّبِّ وَ اثْنَتَانِ هَوَاءٌ (1) لَيْسَ فِيهِمَا شَيْءٌ.
19- كِتَابُ زَيْدٍ النَّرْسِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِذَا نَظَرْتَ إِلَى السَّمَاءِ فَقُلْ وَ ذَكَرَ الدُّعَاءَ إِلَى قَوْلِهِ اللَّهُمَّ رَبَّ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ وَ الْبَحْرِ الْمَكْفُوفِ وَ الْفُلْكِ الْمَسْجُورِ وَ النُّجُومِ الْمُسَخَّرَاتِ وَ رَبِّ هُورِ بْنِ
____________
(1) ان كان المراد بالهواء الجسم اللطيف المعروف كان المراد بالارضين الاجسام المنخفضة بالنسبة الى السماوات سواء كانت كثيفة كالتراب او لطيفة كالهواء، و ان كان المراد به «الشيء الخالى» كما انه من معانيه و ربما يؤيده قوله بعده «ليس فيها شيء» فيمكن اخذ الأرض بمعناها المعروف.
98
إِيسِيَّةَ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ وَ عَافِنِي مِنْ كُلِّ عَقْرَبٍ وَ حَيَّةٍ إِلَى آخِرِ الدُّعَاءِ قَالَ قُلْتُ وَ مَا هُورُ بْنُ إِيسِيَّةَ قَالَ كَوْكَبَةٌ فِي السَّمَاءِ خَفِيَّةٌ تَحْتَ الْوُسْطَى مِنَ الثَّلَاثِ الْكَوَاكِبِ الَّتِي فِي بَنَاتِ نَعْشٍ الْمُتَفَرِّقَاتِ ذَلِكَ أَمَانُ مَا قُلْتُ.
20- الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، نَقْلًا مِنْ سَبْعَةٍ مِنْ كُتُبِهِمْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ مَسِيرَةُ (1) خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَ مَا بَيْنَ كُلِّ سَمَاءَيْنِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ وَ غِلَظُ كُلِّ سَمَاءٍ وَ أَرْضٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ إِلَى الْكُرْسِيِّ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَ مَا بَيْنَ الْكُرْسِيِّ وَ الْمَاءِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَ الْعَرْشُ عَلَى الْمَاءِ (2).
21- الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ صَالِحِ بْنِ السِّنْدِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ عَنْبَسَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ إِذَا أَرَادَ فَنَاءَ دَوْلَةِ قَوْمٍ أَمَرَ الْفَلَكَ فَأَسْرَعَ السَّيْرَ فَكَانَتْ عَلَى مِقْدَارِ مَا يُرِيدُ (3).
بيان أمر الفلك لعله كناية عن تسبيب أسباب زوال دولتهم على الاستعارة التمثيلية و يحتمل أن يكون لكل دولة فلك سوى الأفلاك المعروفة الحركات و قد قدر لدولتهم عدد من الدورات فإذا أراد الله إطالة مدتهم أمر بإبطائه في الحركة و إذا أراد سرعة فنائها أمر بإسراعه.
22- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي هَاشِمٍ عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ بِجَادٍ الْعَابِدِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: كُنَّا عِنْدَهُ وَ ذَكَرُوا سُلْطَانَ بَنِي أُمَيَّةَ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)لَا يَخْرُجُ عَلَى هِشَامٍ أَحَدٌ إِلَّا قَتَلَهُ قَالَ وَ ذَكَرَ مُلْكَهُ عِشْرِينَ سَنَةً قَالَ فَجَزِعْنَا فَقَالَ مَا لَكُمْ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يُهْلِكَ سُلْطَانَ قَوْمٍ أَمَرَ الْمَلَكَ فَأَسْرَعَ بِسَيْرِ الْفَلَكِ فَقَدَّرَ عَلَى مَا يُرِيدُ (4) الْخَبَرَ.
23- تَوْحِيدُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ قَالَ الصَّادِقُ(ع)فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي النُّجُومِ
____________
(1) في المصدر: بين السماء و الأرض خمسمائة عام.
(2) الدّر المنثور: ج 1،(ص)44.
(3) روضة الكافي: 163.
(4) روضة الكافي: 394.
99
وَ اخْتِلَافِ مَسِيرِهَا فَبَعْضُهَا لَا تُفَارِقُ مَرَاكِزَهَا مِنَ الْفَلَكِ وَ لَا تَسِيرُ إِلَّا مُجْتَمِعَةً وَ بَعْضُهَا مُطْلَقَةٌ تَنْتَقِلُ فِي الْبُرُوجِ وَ تَفْتَرِقُ فِي مَسِيرِهَا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَسِيرُ سَيْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ أَحَدُهُمَا عَامٌّ مَعَ الْفَلَكِ نَحْوَ الْمَغْرِبِ وَ الْآخَرُ خَاصٌّ لِنَفْسِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ كَالنَّمْلَةِ الَّتِي تَدُورُ عَلَى الرَّحَى فَالرَّحَى تَدُورُ ذَاتَ الْيَمِينِ وَ النَّمْلَةُ تَدُورُ ذَاتَ الشِّمَالِ وَ النَّمْلَةُ فِي تِلْكَ تَتَحَرَّكُ حَرْكَتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ إِحْدَاهُمَا بِنَفْسِهَا فَتَتَوَجَّهُ أَمَامَهَا وَ الْأُخْرَى مُسْتَكْرَهَةٌ مَعَ الرَّحَى تَجْذِبُهَا إِلَى خَلْفِهَا فَاسْأَلِ الزَّاعِمِينَ أَنَّ النُّجُومَ صَارَتْ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ بِالْإِهْمَالِ مِنْ غَيْرِ عَمْدٍ وَ لَا صَانِعٍ لَهَا مَا مَنَعَهَا أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا رَاتِبَةً أَوْ تَكُونَ كُلُّهَا مُتَنَقِّلَةً فَإِنَّ الْإِهْمَالَ مَعْنًى وَاحِدٌ فَكَيْفَ صَارَ يَأْتِي بِحَرَكَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ عَلَى وَزْنٍ وَ تَقْدِيرٍ فَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ مَسِيرَ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى مَا يَسِيرَانِ عَلَيْهِ بِعَهْدٍ وَ تَدْبِيرٍ وَ حِكْمَةٍ وَ تَقْدِيرٍ وَ لَيْسَ بِإِهْمَالٍ كَمَا تَزْعُمُهُ الْمُعَطَّلَةُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ وَ لِمَ صَارَ بَعْضُ النُّجُومِ رَاتِباً وَ بَعْضُهَا مُتَنَقِّلًا قُلْنَا إِنَّهَا لَوْ كَانَتْ كُلُّهَا رَاتِبَةً لَبَطَلَتِ الدَّلَالاتُ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا مِنْ تَنَقُّلِ الْمُتَنَقِّلَةِ وَ مَسِيرِهَا فِي كُلِّ بُرْجٍ مِنَ الْبُرُوجِ كَمَا قَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى أَشْيَاءَ مِمَّا يُحْدَثُ فِي الْعَالَمِ بِتَنَقُّلِ الشَّمْسِ وَ النُّجُومِ فِي مَنَازِلِهَا وَ لَوْ كَانَتْ كُلُّهَا مُتَنَقِّلَةً لَمْ يَكُنْ لِمَسِيرِهَا مَنَازِلُ تُعْرَفُ وَ لَا رَسْمٌ يُوقَفُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُوقَفُ بِمَسِيرِ الْمُتَنَقِّلَةِ مِنْهَا لِتَنَقُّلِهَا فِي الْبُرُوجِ الرَّاتِبَةِ كَمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى سَيْرِ السَّائِرِ عَلَى الْأَرْضِ بِالْمَنَازِلِ الَّتِي يَجْتَازُ عَلَيْهَا وَ لَوْ كَانَ تَنَقُّلُهَا بِحَالٍ وَاحِدَةٍ لَاخْتَلَطَ نِظَامُهَا وَ بَطَلَتِ الْمَآرِبُ فِيهَا وَ لَسَاغَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّ كَيْنُونِيَّتَها عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ تُوجِبُ عَلَيْهَا الْإِهْمَالَ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي وَصَفْنَا فَفِي اخْتِلَافِ سَيْرِهَا وَ تَصَرُّفِهَا وَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَآرِبِ وَ الْمَصْلَحَةِ أَبْيَنُ دَلِيلٍ عَلَى الْعَمْدِ وَ التَّدْبِيرِ فِيهَا فَكِّرْ فِي هَذِهِ النُّجُومِ الَّتِي تَظْهَرُ فِي بَعْضِ السَّنَةِ وَ تَحْتَجِبُ فِي بَعْضِهَا كَمِثْلِ ثُرَيَّا وَ الْجَوْزَاءِ وَ الشِّعْرَيَيْنِ وَ سُهَيْلٍ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ بِأَسْرِهَا تَظْهَرُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لَمْ تَكُنْ لِوَاحِدٍ فِيهَا (1) عَلَى حِيَالِهِ دَلَالاتٌ يَعْرِفُهَا النَّاسُ وَ يَهْتَدُونَ بِهَا لِبَعْضِ أُمُورِهِمْ كَمَعْرِفَتِهِمُ الْآنَ بِمَا يَكُونُ مِنْ طُلُوعِ الثَّوْرِ وَ الْجَوْزَاءِ إِذَا طَلَعَتْ وَ احْتِجَابِهَا إِذَا احْتَجَبَتْ
____________
(1) منها (خ).
100
فَصَارَ ظُهُورُ كُلِّ وَاحِدٍ وَ احْتِجَابُهُ فِي وَقْتٍ غَيْرِ الْوَقْتِ الْآخَرِ لِيَنْتَفِعَ النَّاسُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى حِدَتِهِ وَ كَمَا جُعِلَتِ الثُّرَيَّا وَ أَشْبَاهُهَا تَظْهَرُ حِيناً وَ تَحْجُبُ حِيناً لِضَرْبٍ مِنَ الْمَصْلَحَةِ كَذَلِكَ جُعِلَتْ بَنَاتُ النَّعْشِ ظَاهِرَةً لَا تَغِيبُ لِضَرْبٍ آخَرَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْأَعْلَامِ الَّتِي يَهْتَدِي بِهَا النَّاسُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ لِلطُّرُقِ الْمَجْهُولَةِ وَ ذَلِكَ أَنَّهَا لَا تَغِيبُ وَ لَا تَتَوَارَى فَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا مَتَى أَرَادُوا أَنْ يَهْتَدُوا بِهَا إِلَى حَيْثُ شَاءُوا وَ صَارَ الْأَمْرَانِ جَمِيعاً عَلَى اخْتِلَافِهِمَا مُوَجَّهَيْنِ نَحْوَ الْإِرْبِ وَ الْمَصْلَحَةِ وَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى عَلَامَاتٌ وَ دَلَالاتٌ عَلَى أَوْقَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْأَعْمَالِ كَالزِّرَاعَةِ وَ الْغِرَاسِ وَ السَّفَرِ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ أَشْيَاءَ مِمَّا يَحْدُثُ فِي الْأَزْمِنَةِ مِنَ الْأَمْطَارِ وَ الرِّيَاحِ وَ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ وَ بِهَا يَهْتَدِي السَّائِرُونَ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ لِقَطْعِ الْقِفَارِ الْمُوحِشَةِ وَ اللُّجَجِ الْهَائِلَةِ مَعَ مَا فِي تَرَدُّدِهَا فِي كَبِدِ السَّمَاءِ مُقْبِلَةً وَ مُدْبِرَةً وَ مُشْرِقَةً وَ مُغْرِبَةً مِنَ الْعِبَرِ فَإِنَّهَا تَسِيرُ أَسْرَعَ السَّيْرِ وَ أَحَثَّهُ أَ رَأَيْتَ لَوْ كَانَتِ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ بِالْقُرْبِ مِنَّا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَنَا سُرْعَةُ سَيْرِهَا بِكُنْهِ مَا هِيَ عَلَيْهِ أَ لَمْ تَكُنْ سَتَخْطَفُ الْأَبْصَارَ بِوَهْجِهَا وَ شُعَاعِهَا كَالَّذِي يَحْدُثُ أَحْيَاناً مِنَ الْبُرُوقِ إِذَا تَوَالَتْ وَ اضْطَرَبَتْ فِي الْجَوِّ وَ كَذَلِكَ أَيْضاً لَوْ أَنَّ أُنَاساً كَانُوا فِي قُبَّةٍ مُكَلَّلَةٍ بِمَصَابِيحَ تَدُورُ حَوْلَهُمْ دَوَرَاناً حَثِيثاً لَحَارَتْ أَبْصَارُهُمْ حَتَّى يَخِرُّوا لِوُجُوهِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ مَسِيرُهَا فِي الْبُعْدِ الْبَعِيدِ لِكَيْلَا تَضُرَّ فِي الْأَبْصَارِ وَ تُنْكَأَ فِيهَا وَ بِأَسْرَعِ السُّرْعَةِ لِكَيْلَا تَتَخَلَّفَ عَنْ مِقْدَارِ الْحَاجَةِ فِي مَسِيرِهَا وَ جُعِلَ فِيهَا جُزْءٌ يَسِيرٌ مِنَ الضَّوْءِ لِيَسُدَّ مَسَدَّ الْأَضْوَاءِ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَمَرٌ وَ يُمْكِنُ فِيهِ الْحَرَكَةُ إِذَا حَدَثَتْ ضَرُورَةٌ كَمَا قَدْ يَحْدُثُ الْحَادِثُ عَلَى الْمَرْءِ فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّجَافِي فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنَ الضَّوْءِ يَهْتَدِي بِهِ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَبْرَحَ مَكَانَهُ فَتَأَمَّلِ اللُّطْفَ وَ الْحِكْمَةَ فِي هَذَا التَّقْدِيرِ حِينَ جُعِلَ لِلظُّلْمَةِ دَوْلَةٌ وَ مُدَّةٌ لِحَاجَةٍ إِلَيْهَا وَ جُعِلَ خِلَالَهَا شَيْءٌ مِنَ الضَّوْءِ لِلْمَآرِبِ الَّتِي وَصَفْنَا فَكِّرْ فِي هَذَا الْفَلَكِ بِشَمْسِهِ وَ قَمَرِهِ وَ نُجُومِهِ وَ بُرُوجِهِ تَدُورُ عَلَى الْعَالَمِ فِي هَذَا الدَّوَرَانِ الدَّائِمِ بِهَذَا التَّقْدِيرِ وَ الْوَزْنِ لِمَا فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ هَذِهِ الْأَزْمَانِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَوَالِيَةِ عَلَى الْأَرْضِ وَ مَا عَلَيْهَا مِنْ أَصْنَافِ الْحَيَوَانِ وَ النَّبَاتِ مِنْ ضُرُوبِ الْمَصْلَحَةِ كَالَّذِي
101
بَيَّنْتُ وَ لَخَّصْتُ لَكَ آنِفاً وَ هَلْ يَخْفَى عَلَى ذِي لُبٍّ أَنَّ هَذَا تَقْدِيرٌ مُقَدَّرٌ وَ صَوَابٌ وَ حِكْمَةٌ مِنْ مُقَدِّرٍ حَكِيمٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إِنَّ هَذَا شَيْءٌ اتَّفَقَ أَنْ يَكُونَ هَكَذَا فَمَا مَنَعَهُ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ هَذَا فِي دُولَابٍ تَرَاهُ يَدُورُ وَ يَسْقِي حَدِيقَةً فِيهَا شَجَرٌ وَ نَبَاتٌ فَتَرَى كُلَّ شَيْءٍ مِنْ آلَتِهِ مُقَدَّراً بَعْضُهُ يَلْقَى بَعْضاً عَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ تِلْكَ الْحَدِيقَةِ وَ مَا فِيهَا وَ بِمَ كَانَ يُثْبِتُ هَذَا الْقَوْلَ لَوْ قَالَهُ وَ مَا تَرَى النَّاسَ كَانُوا قَائِلِينَ لَهُ لَوْ سَمِعُوهُ مِنْهُ فَيُنْكِرُ أَنْ يَقُولَ فِي دُولَابِ خَشَبٍ (1) مَصْنُوعٍ بِحِيلَةٍ قَصِيرَةٍ لِمَصْلَحَةِ قِطْعَةٍ مِنَ الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ بِلَا صَانِعٍ وَ مُقَدِّرٍ وَ يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ فِي هَذَا الدُّولَابِ الْأَعْظَمِ الْمَخْلُوقِ بِحِكْمَةٍ يَقْصُرُ عَنْهَا أَذْهَانُ الْبَشَرِ لِصَلَاحِ جَمِيعِ الْأَرْضِ وَ مَا عَلَيْهَا إِنَّهُ شَيْءٌ اتَّفَقَ أَنْ يَكُونَ بِلَا صَنْعَةٍ وَ لَا تَقْدِيرٍ لَوِ اعْتَلَّ هَذَا الْفَلَكُ كَمَا تَعْتَلُّ الْآلَاتُ الَّتِي تُتَّخَذُ لِلصِّنَاعَاتِ وَ غَيْرِهَا أَيُّ شَيْءٍ كَانَ عِنْدَ النَّاسِ مِنَ الْحِيلَةِ فِي إِصْلَاحِهِ.
بيان قوله(ع)لا تفارق مراكزها لعل المراد أنه ليس لها حركة بينة ظاهرة كما في السيارات أو لا يختلف نسب بعضها إلى بعض بالقرب و البعد بأن تكون الجملة التالية مفسرة لها و يحتمل أن يكون المراد بمراكزها البروج التي تنسب إليها على ما هو المصطلح بين العرب من اعتبار محاذاة تلك الأشكال في الانتقال إلى البروج و إن انتقلت عن مواضعها و عليه ينبغي أن يحمل قوله(ع)و بعضها مطلقة ينتقل في البروج أو على ما ذكرنا سابقا من كون انتقالها في البروج ظاهرة بينة يعرفه كل أحد و الأول أظهر كما سيظهر من كلامه ع.
قوله(ع)فإن الإهمال معنى واحد يحتمل أن يكون المراد أن الطبيعة أو الدهر اللذين يجعلونهما أصحاب الإهمال مؤثرين كل منهما أمر واحد غير ذي شعور و إرادة و لا يمكن صدور الأمرين المختلفين عن مثل ذلك كما مر أو المراد أن العقل يحكم بأن مثل هذين الأمرين المتسقين الجاريين على قانون الحكمة لا يكون إلا من حكيم راعى فيهما دقائق الحكم أو المراد أن الإهمال أي عدم الحاجة إلى العلة و ترجح الأمر الممكن من غير مرجح كما تزعمون أمر
____________
(1) خسيس (خ).
102
واحد حاصل فيهما فلم صارت إحداهما راتبة و الأخرى متنقلة و لم لم يعكس الأمر و الأول أظهر كما لا يخفى قوله(ع)لبطلت الدلالات ظاهره كون الأوضاع النجومية علامات الحوادث قوله(ع)في البروج الراتبة يدل ظاهرا على ما أشرنا إليه من أنه(ع)راعى في انتقال البروج محاذاة نفس الأشكال و إن أمكن أن يكون المراد بيان حكمة بطء الحركة ليصلح كون تلك الأشكال علامات للبروج و لو بقربها منها لكنه بعيد قوله(ع)و الشعريين قال الجوهري الشعرى الكوكب الذي يطلع بعد الجوزاء و طلوعه في شدة الحر و هما الشعريان الشعرى العبور التي في الجوزاء و الشعرى القميصاء التي في الذراع تزعم العرب أنهما أختا سهيل انتهى و القفار جمع قفر و هو الخلأ من الأرض و خطف البرق البصر ذهب به و وهج النار بالتسكين توقدها و قوله حثيثا أي مسرعا و تجافى أي لم يلزم مكانه و برح مكانه زال عنه.
24- الْمُتَهَجِّدُ، فِي تَعْقِيبِ صَلَاةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي أَجْرَيْتَ بِهِ الْفَلَكَ فَجَعَلْتَهُ مَعَالِمَ شَمْسِكَ وَ قَمَرِكَ وَ كَتَبْتَ اسْمَكَ عَلَيْهِ.
25- الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، لِلسَّيُوطِيِّ نَقْلًا مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ مِنْ كُتُبِهِمْ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ(ص)فَقَالَ هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ قُلْنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَ كُثُفُ كُلِّ سَمَاءٍ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وَ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بَحْرٌ بَيْنَ أَعْلَاهُ وَ أَسْفَلِهِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ بَيْنَ رُكَبِهِنَ (1) وَ أَظْلَافهِنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ الْعَرْشُ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَ أَعْلَاهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ (2).
26- وَ مِنْ عِدَّةِ كُتُبٍ بِأَسَانِيدِهِمْ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ره قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَ غِلَظُ كُلِّ سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَ مَا
____________
(1) في المصدر: بين وركهن.
(2) الدّر المنثور: ج 1،(ص)43.
103
بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الَّتِي تَلِيهَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ كَذَلِكَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَ الْأَرَضُونَ مِثْلُ ذَلِكَ وَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ إِلَى الْعَرْشِ مِثْلُ جَمِيعِ ذَلِكَ وَ لَوْ حَفَرْتُمْ لِصَاحِبِكُمْ ثُمَّ دَلَيْتُمُوهُ لَوَجَدْتُمُ اللَّهَ ثَمَّةَ يَعْنِي عِلْمَهُ (1).
27- وَ بِأَسَانِيدَ أُخْرَى عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: كُنَّا جُلُوساً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَمَرَّتْ سَحَابَةٌ فَقَالَ أَ تَدْرُونَ مَا هَذِهِ قَالُوا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ هَذِهِ الْغَيَابَةُ يَسُوقُهَا اللَّهُ إِلَى أَهْلِ بَلَدٍ لَا يَعْبُدُونَهُ وَ لَا يَشْكُرُونَهُ هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ قَالُوا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّ فَوْقَ ذَلِكَ موج مكفوف و سقف محفوظ [مَوْجاً مَكْفُوفاً وَ سَقْفاً مَحْفُوظاً هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ قَالُوا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّ فَوْقَ ذَلِكَ سَمَاءً أُخْرَى هَلْ تَدْرُونَ كَمْ مَا بَيْنَهُمَا قَالُوا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّ بَيْنَهُمَا مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ بَيْنَ كُلِّ سَمَاءَيْنِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ ثُمَّ قَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ قَالُوا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّ فَوْقَ ذَلِكَ الْعَرْشَ فَهَلْ تَدْرُونَ كَمْ مَا بَيْنَهُمَا قَالُوا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّ بَيْنَ ذَلِكَ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءَيْنِ ثُمَّ قَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذِهِ هَذِهِ أَرْضٌ هَلْ تَدْرُونَ مَا تَحْتَهَا قَالُوا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ أَرْضٌ أُخْرَى وَ بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ أَرَضِينَ بَيْنَ كُلِّ أَرَضِينَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ (2).
28- وَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ تَبَارَكَ اللَّهُ مَا أَشَدَّ بَيَاضَهَا وَ الثَّانِيَةُ أَشَدُّ بَيَاضاً مِنْهَا ثُمَّ كَذَلِكَ حَتَّى بَلَغَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَ خَلَقَ فَوْقَ السَّابِعَةِ الْمَاءَ وَ جَعَلَ فَوْقَ الْمَاءِ الْعَرْشَ وَ جَعَلَ فَوْقَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ وَ الرُّجُومَ (3).
29- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا السَّمَاءُ قَالَ هَذَا مَوْجٌ مَكْفُوفٌ عَنْكُمْ (4).
30- وَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: السَّمَاءُ الدُّنْيَا مَوْجٌ مَكْفُوفٌ وَ الثَّانِيَةُ مَرْمَرَةٌ
____________
(1) الدّر المنثور: ج 1(ص)44.
(2) الدّر المنثور: ج 1(ص)44.
(3) الدّر المنثور: ج 1(ص)44.
(4) الدّر المنثور: ج 1(ص)44.
104
بَيْضَاءُ وَ الثَّالِثَةُ حَدِيدٌ وَ الرَّابِعَةُ نُحَاسٌ وَ الْخَامِسَةُ فِضَّةٌ وَ السَّادِسَةُ ذَهَبٌ وَ السَّابِعَةُ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ وَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ صَحَارِي مِنْ نُورٍ وَ مَا يَعْلَمُ (1) مَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَّا اللَّهُ وَ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِالْحُجُبِ يُقَالُ لَهُ ميطاطروش (2).
31- وَ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ره قَالَ: السَّمَاءُ الدُّنْيَا مِنْ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ اسْمُهَا رفيعا وَ الثَّانِيَةُ مِنْ فِضَّةٍ بَيْضَاءَ وَ اسْمُهَا أذقلون وَ الثَّالِثَةُ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ وَ اسْمُهَا قَيْدُومٌ وَ الرَّابِعَةُ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ وَ اسْمُهَا ماعونا (3) وَ الْخَامِسَةُ مِنْ ذَهَبَةٍ حَمْرَاءَ وَ اسْمُهَا ديقا وَ السَّادِسَةُ مِنْ يَاقُوتَةٍ صَفْرَاءَ وَ اسْمُهَا دفنا وَ السَّابِعَةُ مِنْ نُورٍ وَ اسْمُهَا عربيا (4).
32- وَ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ: اسْمُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا رَفِيعٌ وَ اسْمُ السَّابِعَةِ الضُّرَاحُ (5).
33- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَيِّدُ السَّمَاوَاتِ السَّمَاءُ الَّتِي فِيهَا الْعَرْشُ وَ سَيِّدُ الْأَرَضِينَ الْأَرْضُ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا (6).
34- وَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَتَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِي الْجَحْدَرِ حِينَ سَأَلَهُ عَنِ السَّمَاءِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ هِيَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنَّ السَّمَاءَ مِنْ مَوْجٍ مَكْفُوفٍ (7).
35- وَ عَنْ حَبَّةَ الْعُرَنِيِ (8) قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيّاً(ع)ذَاتَ يَوْمِ يَحْلِفُ وَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ مِنْ دُخَانٍ وَ مَاءٍ (9).
36- وَ عَنْ كَعْبٍ قَالَ: السَّمَاءُ أَشَدُّ بَيَاضاً مِنَ اللَّبَنِ (10).
37- وَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: تَحْتَ الْأَرَضِينَ صَخْرَةٌ بَلَغَنَا أَنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ مِنْهَا خُضْرَةُ السَّمَاءِ (11).
____________
(1) في المصدر: و لا يعلم.
(2) الدّر المنثور: ج 1،(ص)44.
(3) ماحونا (خ).
(4) الدّر المنثور: ج 1،(ص)44.
(5) الدّر المنثور: ج 1،(ص)44.
(6) الدّر المنثور: ج 1،(ص)44.
(7) الدّر المنثور: ج 1،(ص)44.
(8) في المصدر: عن حبة العوفى.
(9) الدّر المنثور: ج 1،(ص)44.
(10) الدّر المنثور: ج 1،(ص)44.
(11) الدّر المنثور: ج 1،(ص)44.
105
38- وَ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ قَالَ بَعْضُهُنَّ فَوْقَ بَعْضٍ بَيْنَ كُلِّ سَمَاءَيْنِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ (1).
39- وَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: إِنَّ هِرَقْلَ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَ قَالَ إِنْ كَانَ بَقِيَ فِيهِمْ شَيْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ فَسَيُخْبِرُونِي عَمَّا أَسْأَلُهُمْ عَنْهُ قَالَ وَ كَتَبَ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ عَنِ الْمَجَرَّةِ وَ عَنِ الْقَوْسِ وَ عَنِ الْبُقْعَةِ الَّتِي لَمْ تُصِبْهَا الشَّمْسُ إِلَّا سَاعَةً وَاحِدَةً قَالَ فَلَمَّا أَتَى مُعَاوِيَةَ الْكِتَابُ وَ الرَّسُولُ قَالَ إِنَّ هَذَا شَيْءٌ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ أُسْأَلَ عَنْهُ إِلَى يَوْمِي هَذَا مَنْ لِهَذَا قَالُوا ابْنُ عَبَّاسٍ فَطَوَى مُعَاوِيَةُ كِتَابَ هِرَقْلَ وَ بَعَثَ بِهِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنَّ الْقَوْسَ أَمَانٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنَ الْغَرَقِ وَ الْمَجَرَّةَ بَابُ السَّمَاءِ الَّذِي يُشَقُّ مِنْهُ وَ أَمَّا الْبُقْعَةُ الَّتِي لَمْ تُصِبْهَا الشَّمْسُ إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَالْبَحْرُ الَّذِي أُفْرِجَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ (2).
40- وَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ فِي قَوْلِهِ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما قَالَ كَانَتِ السَّمَاءُ وَاحِدَةً فَفَتَقَ مِنْهَا سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَ كَانَتِ الْأَرْضُ وَاحِدَةً فَفَتَقَ مِنْهَا سَبْعَ أَرَضِينَ (3).
41- وَ عَنِ الْحَسَنِ وَ قَتَادَةَ قَالا كَانَتَا جَمِيعاً فَفَصَلَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا بِهَذَا الْهَوَاءِ (4).
42- وَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كَانَتِ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرَضُونَ مُلْتَزِقَتَيْنِ فَلَمَّا رَفَعَ اللَّهُ السَّمَاءَ وَ أَبْعَدَهَا (5) مِنَ الْأَرْضِ فَكَانَ فَتْقَهَا الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ (6).
43- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَ السَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ قَالَ حُسْنُهَا وَ اسْتِوَاؤُهَا (7).
44- وَ رُوِيَ عَنْهُ أَيْضاً أَنَّهُ قَالَ: ذَاتِ الْبَهَاءِ وَ الْجِمَالِ وَ إِنَّ بُنْيَانَهَا كَالْبَرَدِ الْمُسَلْسَلِ (8).
____________
(1) الدّر المنثور: ج 1،(ص)44.
(2) الدّر المنثور: ج 1،(ص)69.
(3) الدّر المنثور: ج 4،(ص)317.
(4) الدّر المنثور: ج 4،(ص)317.
(5) في المصدر: و ابتزها.
(6) الدّر المنثور: ج 4،(ص)317.
(7) الدّر المنثور: ج 4،(ص)317.
(8) الدّر المنثور: ج 4،(ص)317.
106
45- وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ ذَاتِ طَرَائِقَ وَ الْخَلْقِ الْحَسَنِ (1).
46- وَ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ: هِيَ السَّمَاءُ السَّابِعَةُ (2).
47- وَ عَنْ عِكْرِمَةَ ذَاتِ الْخَلْقِ الْحَسَنِ مُحَبَّكَةٍ بِالنُّجُومِ (3).
48- وَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ أَنَّ ابْنَ الْكَوَّاءِ سَأَلَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيّاً(ع)عَنِ الْمَجَرَّةِ فَقَالَ هِيَ شَجَرُ (4) السَّمَاءِ وَ مِنْهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ثُمَّ قَرَأَ فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (5).
49- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قَالَ مُنْتَهَى أَمْرِهِ مِنْ أَسْفَلِ الْأَرَضِينَ إِلَى مُنْتَهَى أَمْرِهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَ يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ يَعْنِي بِذَلِكَ يُنَزِّلُ (6) الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ وَ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَذَلِكَ مِقْدَارُهُ أَلْفُ سَنَةٍ لِأَنَّ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ (7).
50- وَ عَنْهُ أَيْضاً قَالَ: غِلَظُ كُلِّ أَرْضٍ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ وَ بَيْنَ كُلِّ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ وَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى السَّمَاءِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ وَ غِلَظُ كُلِّ سَمَاءٍ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ فَذَلِكَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَامٍ وَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ بَيْنَ الْعَرْشِ مَسِيرَةُ سِتَّةٍ وَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ عَامٍ فَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (8).
51- وَ عَنْ وَهْبٍ قَالَ: مِقْدَارُ مَا بَيْنَ أَسْفَلِ الْأَرْضِ إِلَى الْعَرْشِ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ (9).
52- وَ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً قَالَ بَعْضُهُنَّ فَوْقَ بَعْضٍ
____________
(1) الدّر المنثور: ج 4،(ص)317.
(2) الدّر المنثور: ج 6،(ص)112.
(3) الدّر المنثور: ج 6،(ص)112.
(4) الظاهر أنّه مصحف «شرج».
(5) الدّر المنثور: ج 6،(ص)134.
(6) في المصدر: نزول الامر.
(7) الدّر المنثور: ج 6،(ص)264.
(8) الدّر المنثور: ج 6،(ص)264.
(9) الدّر المنثور: ج 6،(ص)264.
107
كُلُّ سَمَاءٍ وَ أَرْضٍ خَلْقٌ وَ أَمْرٌ (1).
53- وَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حَتَّى خَتَمَهَا ثُمَّ قَالَ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَ أَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ أَطَّتِ السَّمَاءُ وَ حَقٌّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَ فِيهِ مَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِداً لِلَّهِ وَ اللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَ لَبَكَيْتُمْ كَثِيراً وَ مَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ وَ لَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ (2).
54- وَ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ: السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ السَّمَاءُ وَ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ بَحْرٌ فِي السَّمَاءِ تَحْتَ الْعَرْشِ (3).
بيان: قال في النهاية الوعول و الأوعال تيوس الجبل واحدها وعل بكسر العين و منه الحديث في تفسير قوله تعالى وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ قيل ثمانية أوعال أي ملائكة على صورة الأوعال (4) انتهى قوله لوجدتم الله ثمة أي نسبته سبحانه إلى العرش و تحت الثرى و جميع الأماكن متساوية من حيث عدم حصوله بذاته في شيء منها و إحاطة علمه و قدرته بجميعها و قال الطيبي فيما رووا لو دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله دليتم أي أرسلتم و على الله أي على علمه و قدرته و سلطانه و في النهاية الغيابة كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه كالسحابة و غيرها انتهى موج مكفوف قال الطيبي أي ممنوع من الاسترسال حفظها الله أن تقع على الأرض و هي معلقة بلا عمد كالموج المكفوف.
55- الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، عَنْ عَلِيٍّ(ع)فِي قَوْلِهِ فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ قَالَ هِيَ الْكَوَاكِبُ تُكْنَسُ بِاللَّيْلِ وَ تُخْنَسُ بِالنَّهَارِ فَلَا تُرَى (5).
____________
(1) الدّر المنثور: ج 6،(ص)268.
(2) الدّر المنثور: ج 6،(ص)297.
(3) الدّر المنثور: ج 6،(ص)118.
(4) النهاية: ج 4،(ص)221.
(5) الدّر المنثور: ج 6،(ص)320.
108
56- وَ عَنْ عَلِيٍّ(ع)فِي قَوْلِهِ فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ قَالَ خَمْسَةُ أَنْجُمٍ زُحَلُ وَ عُطَارِدُ وَ الْمُشْتَرِي وَ بَهْرَامُ وَ الزُّهَرَةُ لَيْسَ فِي الْكَوَاكِبِ شَيْءٌ يَقْطَعُ الْمَجَرَّةَ غَيْرُهَا (1).
57- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْخُنَّسُ نُجُومٌ تَجْرِي يَقْطَعْنَ الْمَجَرَّةَ كَمَا يَقْطَعُ الْفَرَسُ (2).
58- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ قَالَ هِيَ النُّجُومُ السَّبْعَةُ زُحَلُ وَ بَهْرَامُ وَ عُطَارِدُ وَ الْمُشْتَرِي وَ الزُّهَرَةُ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ خُنُوسُهَا رُجُوعُهَا وَ كُنُوسُهَا تَغَيُّبُهَا بِالنَّهَارِ (3).
59- وَ عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ كَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ ذَاتُ الْقُصُورِ (4).
60- وَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ فِي قَوْلِهِ ذاتِ الْبُرُوجِ قَالَ النُّجُومُ الْعِظَامُ (5).
61- وَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ(ص)سُئِلَ عَنِ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ فَقَالَ الْكَوَاكِبُ وَ سُئِلَ (6) الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً فَقَالَ الْكَوَاكِبُ قِيلَ فَبُرُوجٌ مُشَيَّدَةٌ فَقَالَ الْقُصُورُ (7).
62- وَ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ قَالَ بُرُوجُهَا نُجُومُهَا وَ الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ قَالَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَ شاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ قَالَ يَوْمَانِ عَظِيمَانِ عَظَّمَهُمَا اللَّهُ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا كُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّ الشَّاهِدَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَ أَنَّ الْمَشْهُودَ يَوْمُ عَرَفَةَ (8).
63- وَ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ قَالَ حُبِكَتْ بِالْخَلْقِ الْحَسَنِ ثُمَّ حُبِكَتْ بِالنُّجُومِ وَ الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ قَالَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (9).
____________
(1) الدّر المنثور: ج 6،(ص)320.
(2) الدّر المنثور: ج 6،(ص)320.
(3) الدّر المنثور: ج 6،(ص)320.
(4) الدّر المنثور: ج 6،(ص)331.
(5) الدّر المنثور: ج 6،(ص)331.
(6) في المصدر: و سئل عن «الذي ...
(7) الدّر المنثور: ج 6،(ص)331.
(8) الدّر المنثور: ج 6،(ص)331.
(9) الدّر المنثور: ج 6،(ص)331.
109
64- وَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ قَالَ ذَاتُ النُّجُومِ وَ شاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ قَالَ الشَّاهِدُ ابْنُ آدَمَ وَ الْمَشْهُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (1).
فائدة اعلم أن أصحاب الهيئة قالوا بعد مقعر فلك القمر عن مركز العالم أحد و أربعون ألفا و تسعمائة و ستة و ثلاثون فرسخا و بعد محدبه الذي هو مماس لمقعر فلك عطارد بزعمهم خمسة و ثمانون ألف فرسخ و سبعمائة فرسخ و ثلاث فراسخ و بعد مقعر فلك الزهرة مائتان و خمسة و سبعون ألف فرسخ و ثلاثمائة و ثمانون فرسخا و بعد مقعر فلك الشمس ألف ألف فرسخ و ثمانمائة و ثمان و أربعون ألف فرسخ و ثمانمائة و خمسة و ثمانون فرسخا و بعد مقعر فلك المريخ ألف ألف فرسخ و سبعة و عشرون ألف فرسخ و تسعمائة و أربع و ثلاثون فرسخا و بعد مقعر فلك المشتري أربعة آلاف ألف فرسخ و سبعمائة و سبعون ألف فرسخ و ستمائة و اثنان و سبعون فرسخا و بعد مقعر فلك زحل ثلاثة و عشرون ألف ألف فرسخ و تسعمائة و أحد و تسعون ألف فرسخ و مائتان و خمسة عشر فرسخا و بعد مقعر فلك الثوابت ثلاثة و ثلاثون ألف ألف فرسخ و خمسمائة ألف و تسعة آلاف فرسخ و مائة و ثمانية و ثمانون فرسخا و بعد مقعر الفلك الأعلى ثلاثة و ثلاثون ألف ألف فرسخ و خمسمائة و أربعة و عشرون ألف فرسخ و ستمائة و تسعة فراسخ و بعد محدب الفلك الأعلى لا يعلمه أحد إلا الرب تبارك و تعالى و من أوحى إليه و ذكروا أن قطر القمر سبعمائة و أحد و ثلاثون فرسخا و جرمه سدس سبع جرم الأرض و قيل جزء من تسعة و ثلاثين جزء منها و قطر العطارد مائة و تسعة فراسخ و جرمه جزء من اثني عشر ألف جزء و سبعمائة و تسعة و ستين جزء من جرم الأرض و قطر الزهرة تسعمائة فرسخ و خمسة و ستون فرسخا و جرمه ثلث تسع جرم الأرض و قيل جزء من سبعة و ثلاثين جزء من الأرض و قطر الشمس سبعة عشر ألف فرسخ و خمسمائة و ثمانية و ستون فرسخا و جرمه ثلاثمائة و ثمانية و عشرون ضعف جرم الأرض و قيل مائة و ستة و ستون ضعفا و قطر المريخ ثلاثة آلاف
____________
(1) الدّر المنثور: ج 6،(ص)331.
110
فرسخ و سبعمائة و خمسة و تسعون فرسخا و جرمه ثلاثة أضعاف جرم الأرض و قيل مثل الأرض و نصفها و قطر المشتري أربعة عشر ألف فرسخ و خمسمائة و ستة و تسعون فرسخا و جرمه مائة و ثمان و ثمانون ضعفا من الأرض و قيل اثنان و ثمانون ضعفا و ربعا منها و قطر زحل أربعة عشر ألف فرسخ و أربعمائة و خمسة و ثلاثون فرسخا و جرمه مائة و اثنان و ثمانون ضعفا من الأرض و قيل سبع و سبعون ضعفا (1) و الكواكب الغير المرصودة لا يعلم عددها إلا الله تعالى و حججه(ع)و ما رصدوا منها ألف و اثنان و عشرون كوكبا (2) فأعظمها على ما ذكره بعضهم ثمانية و تسعون ضعفا للأرض و سدسها و أصغرها عشرة أضعاف و ثلث من الأرض و على ما ذكره آخرون أعظمها مائتان و اثنان و عشرون ضعفا من الأرض و أصغرها ثلاثة و عشرون ضعفا منها و رتبوا أقدارها المختلفة في ست مراتب ينقص كل مرتبة عن صاحبتها في القطر بسدس فأولاها أعظمها و فيها خمسة عشر كوكبا و في الثانية خمسة و أربعون و في الثالثة مائتان و ثمانية و في الرابعة أربعمائة و أربعة و سبعون و في الخامسة مائتان و سبعة عشر و في السادسة تسعة و أربعون و أربعة عشر خارجة عن المراتب تسعة خفية تسمى مظلمة و خمسة سحابية كأنها قطعة غيم و قد
____________
(1) قطر القمر عند أصحاب الهيئة الجديدة خمسمائة و تسعة و سبعون فرسخا، و جرمه سبع سبع جرم الأرض، و قطر عطارد ثمانمائة و خمسة فراسخ و جرمه جزء من أربعة و عشرين جزء من جرم الأرض، و قطر الزهرة ألفان و ستة عشر فرسخا و جرمها تسعة اعشار جرم الأرض، و قطر المريخ الف و مائتا فرسخ و جرمه عشر جرم الأرض، و قطر المشترى أحد عشر الف فرسخ و خمسمائة فرسخ و جرمه أكثر من جرم الأرض بالف و ثلاثمائة ضعف جرمها و هو أكبر السيارات و قطر زحل عشرة آلاف فرسخ و جرمه أكثر من جرم الأرض بتسعمائة و خمسين ضعف جرمها، كل ذلك بالتقريب، و لاجل ما يقع من المسامحة في امثال تلك المحاسبات يحصل اختلافات كثيرة في تعيين المقادير، و لذلك ذكروا في تعيين الاقطار و الابعاد اعدادا تختلف مع ما ذكرنا بكثير.
(2) ما يمكن رؤيته بلا آلة يقرب من ستة آلاف كوكب، و يمكن رؤية ألفين منها تقريبا في ليلة واحدة، و اما ما يرى بالمكبرات العظيمة فتبلغ مئات مليون و اما ما لم ير بعد فلا يعلم عدده الا اللّه تعالى أو من علمه من لدنه.
111
يزاد ثلاثة تسمى صفيرة ثم توهموا لتعريف هذه الكواكب صورا تكون هي عليها أو فيما بينها أو بقربها و الصور ثمانية و أربعون إحدى و عشرون في الشمال و اثنتا عشرة على المنطقة و هي صور البروج المشهورة و خمس عشرة في الجنوب هذا ما ذكروه و استنبطوه من قواعدهم و الله تعالى يعلم حقائق الأمور.
و قال بعضهم يسير الفلك الأعظم بمقدار ما يقول أحد واحد ألفا و سبعمائة و اثنين و ثلاثين فرسخا من مقعره و الله تعالى يعلم ما يسير من محدبه و هو أسرع الحركات و حركته من المشرق إلى المغرب و يتم في يوم بليلته دورا بالتقريب و قطباه يسميان بقطبي العالم و منطقته تسمى بمعدل النهار و هي تقطع العالم بنصفين شمالي و جنوبي و الصغار الموازية المرتسمة من تحرك النقاط عن جنبتيها تسمى بالمدارات اليومية و سائر الحركات الخاصة للكواكب من المغرب إلى المشرق على توالي البروج و أبطؤها حركة فلك الثوابت و يوافقه جميع الممثلات و يقطع في كل خمسة و عشرين ألفا و مائتي سنة دورا و يقطع في كل سنة عشرة فراسخ و مع ذلك لا ترى حركتها في قريب من خمسين سنة بل ترى في تلك المدة كأنها ساكنة و قطباه يسميان بقطبي البروج و منطقته بمنطقة البروج و فلك البروج و هي تقطع المعدل على نقطتين تسميان بالاعتدالين الربيعي و الخريفي و أبعد أجزائها عنه بالانقلابين الصيفي و الشتوي و غاية هذين البعدين من الجانب الأقرب تسمى بالميل الكلي و هو بالرصد الجديد ثلاثة و عشرون جزء و ثلاثون دقيقة و تنقسم منطقة البروج بهذه النقاط الأربع أرباعا قطع الشمس لكل منها أحد الفصول الأربعة و لها دوائر صغار كالأولى التي تسمى بمدارات العرض و توهموا في كل ربع من تلك الأرباع نقطتين انقسم بها بثلاثة أقسام متساوية فحصلت البروج الاثنا عشر فالحمل و الثور و الجوزاء ربيعية و السرطان و الأسد و السنبلة صيفية و الميزان و العقرب و القوس خريفية و الجدي و الدلو و الحوت شتوية فتحصل بالحركة الخاصة للشمس في هذه البروج الفصول الأربعة في كل سنة و القمر يقطع تلك البروج في سبعة و عشرين يوما و ليلة و ثلث
112
تقريبا و العطارد و الزهرة يقطعانها في سنة تقريبا و المريخ يقطعها في سنة و عشرة أشهر و أحد و عشرين يوما و ليلة و اثنتين و عشرين ساعة و خمسين دقيقة و المشتري يقطعها في إحدى عشرة سنة و شهرين و ثلاثة عشر يوما و ليلة و إحدى عشرة ساعة و تسع دقائق و قال المحقق الطوسي ره في اثنتي عشرة سنة تقريبا و زحل يقطعها في ثلاثين سنة و يقال للشمس و القمر النيران و لزحل و المشتري العلويان و لعطارد و الزهرة السفليان و للمشتري و الزهرة السعدان و لزحل و المريخ النحسان.
ثم إن القدماء قالوا كل واحد من أفلاك الكواكب السبعة يشتمل على أفلاك أخر جزئية مفروزة عن كلها متحركة بحركة أخرى غير حركة الكل و ذلك لأنه يعرض لها في حركاتها السرعة و البطء و التوسط بينهما و كذا الوقوف و الرجوع و الاستقامة و قد تكون حركة بعضها متشابهة حول نقطة أي يحدث عندها في أزمنة متساوية زوايا متساوية و قسيا (1) متساوية مع أنه يقرب منها تارة و يبعد عنها أخرى إلى غير ذلك من الاختلافات فأثبتوا لفلك الشمس فلكا آخر شاملا للأرض مركزه خارج عن مركز العالم مائل إلى جانب من الفلك الكلي لها بحيث يماس محدب سطحيه السطح الأعلى من الفلك الكلي على نقطة مشتركة بينهما تسمى الأوج و مقعر سطحيه السطح الأدنى منه على نقطة مشتركة تسمى الحضيض فيحصل بسبب ذلك جسمان متدرجا الثخن إلى غاية هي ضعف ما بين المركزين أحدهما حاو للفلك الخارج المركز و الآخر محوي فيه رقة الحاوي مما يلي الأوج و غلظه مما يلي الحضيض و رقة المحوي و غلظه بالعكس يقال لكل منهما المتمم و جرم الشمس مركوز في ثخن الخارج عند منتصف ما بين قطبيه مماس لسطحيه على نقطتين و أفلاك كل من الكواكب العلوية و الزهرة
____________
(1) القسى- بكسر القاف و السين و تشديد الياء-: جمع «قوس» على فعول، فنقلت الواو إلى موضع السين و ابدلت ياء ثمّ ابدلت واو الجمع ياء و ادغمت فيها و كسرت القاف و السين لمناسبتها.
113
كذلك إلا أن لها تداوير مركوزة في خوارجها كارتكاز الشمس و هي فيها يماس سطح كل سطح تدويره على نقطة و كذلك فلك القمر إلا أن له فلكا آخر مركزه مركز العالم محيطا بالكل يسمى بالجوزهر و أما عطارد فمركز فلكه الذي في ثخنه الخارج غير مركز العالم و يسمى بالمدير و هو في ثخن فلكه الكلي الذي مركزه مركز العالم كالخارج في ثخنه على الرسم المذكور فله خارجان و أوجان و حضيضان و أربعة متممات و تسمى الأفلاك الكلية بالممثلات لمماثلتها لمنطقة البروج في المركز و الحركة و المنطقة و القطبين و تسمى الخوارج المراكز كلها سوى المدير بالحوامل و تسمى البعد الأبعد في التداوير بالذروة و الأقرب بالحضيض هذا ما ذكره القدماء في ذلك و أما المتأخرون فزادوا أفلاكا جزئية أخرى لحل بعض ما لا ينحل من مشكلات هذا الفن لم نتعرض لها و لا لذكر جهات حركات هذه الأفلاك و مقاديرها و أقطابها و دوائرها و مناطقها المذكورة في كتب القوم لأنها لا تناسب هذا الكتاب و كل ما ذكروه مبنية على أوهام و خيالات يستقيم بعض الحركات بها و تحيروا في كثير منها و لا يعلمها بحقيقتها إلا خالقها و من خصه بعلمها من الأنبياء و الأوصياء ع.
باب 9 الشمس و القمر و أحوالهما و صفاتهما و الليل و النهار و ما يتعلق بهما
الآيات البقرة يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِ (1) آل عمران تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ تُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ (2)
____________
(1) البقرة: 189.
(2) آل عمران: 27.
114
الأنعام فالِقُ الْإِصْباحِ وَ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (1) الأعراف يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ (2) يونس هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (3) و قال تعالى هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ النَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (4) الرعد وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى إلى قوله يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ (5) إبراهيم وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ (6) النحل وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (7) الإسراء وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ وَ كُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا (8)
____________
(1) الأنعام: 96.
(2) الأعراف: 54.
(3) يونس: 5 و 6.
(4) يونس: 67.
(5) الرعد: 2 و 3.
(6) إبراهيم: 33.
(7) النحل: 12.
(8) الإسراء: 12.
115
الكهف حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَ وَجَدَ عِنْدَها قَوْماً إلى قوله تعالى حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً (1) الأنبياء وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (2) الحج ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (3) المؤمنون وَ لَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (4) النور يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (5) الفرقان أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَ لَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَ النَّوْمَ سُباتاً وَ جَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً (6) و قال سبحانه تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَ جَعَلَ فِيها سِراجاً وَ قَمَراً مُنِيراً وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً (7) النمل أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ (8) و قال تعالى أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَ النَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (9)
____________
(1) الكهف: 86- 90.
(2) الأنبياء: 33.
(3) الحجّ: 61.
(4) المؤمنون: 80.
(5) النور: 44.
(6) الفرقان: 45 و 46 و 47.
(7) الفرقان: 61 و 62.
(8) النمل: 63.
(9) النمل: 86.
116
القصص قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَ فَلا تَسْمَعُونَ قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَ فَلا تُبْصِرُونَ وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (1) العنكبوت وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (2) الروم وَ مِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ (3) لقمان أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَ أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (4) فاطر يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ (5) يس وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (6) الصافات وَ رَبُّ الْمَشارِقِ (7) الزمر خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَ يُكَوِّرُ
____________
(1) القصص: 71- 73.
(2) العنكبوت: 61.
(3) الروم: 23.
(4) لقمان: 29.
(5) فاطر: 13.
(6) يس: 37.
(7) الصافّات: 5.
117
النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (1) المؤمن اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ النَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (2) السجدة وَ مِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَ النَّهارُ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَ لا لِلْقَمَرِ وَ اسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (3) الرحمن الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (4) و قال تعالى رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (5) الحديد يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ (6) المعارج فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَ الْمَغارِبِ (7) نوح وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَ جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (8) المدثر كَلَّا وَ الْقَمَرِ وَ اللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ وَ الصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (9) النبأ وَ جَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً وَ بَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً وَ جَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً (10)
____________
(1) الزمر: 5.
(2) المؤمن: 61.
(3) فصّلت: 27.
(4) الرحمن: 5.
(5) الرحمن: 17 و 18.
(6) الحديد: 6.
(7) المعارج: 40.
(8) نوح: 16.
(9) المدّثّر: 32- 35.
(10) النبأ: 9- 13.
118
التكوير إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ إلى قوله تعالى وَ اللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (1) الفجر وَ الْفَجْرِ وَ لَيالٍ عَشْرٍ وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ وَ اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (2) الشمس وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها وَ الْقَمَرِ إِذا تَلاها وَ النَّهارِ إِذا جَلَّاها وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (3) الضحى وَ الضُّحى وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى (4) الفلق قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ وَ مِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (5) تفسير يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ
- قال البيضاوي سأله معاذ بن جبل و ثعلبة بن غنم فقالا ما بال الهلال يبدو دقيقا كالخيط ثم يزيد حتى يستوي ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ فنزلت قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِ
إنهم سألوا عن الحكمة في اختلاف حال القمر و تبدل أمره فأمره الله أن يجيب بأن الحكمة الظاهرة في ذلك أن يكون معالم للناس يواقتون بها أمورهم و معالم للعبادات الموقتة يعرف بها أوقاتها و خصوصا الحج فإن الوقت مراعى فيه أداء و قضاء و المواقيت جمع ميقات من الوقت (6) و قال في قوله تعالى تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ إيلاج الليل و النهار إدخال أحدهما في الآخر بالتعقيب أو الزيادة و النقص (7).
و قال في قوله تعالى فالِقُ الْإِصْباحِ شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل أو عن بياض النهار أو شاق ظلمة الإصباح و هو الغبش الذي يليه و الإصباح في الأصل مصدر
____________
(1) التكوير: 1- 18.
(2) الفجر: 1- 4.
(3) الشمس: 1- 4.
(4) الضحى: 1.
(5) الفلق: 1- 3.
(6) أنوار التنزيل: ج 1،(ص)140.
(7) أنوار التنزيل: ج 1،(ص)200.
119
أصبح إذا دخل في الصبح (1) سمي به الصبح و قرئ بفتح الهمزة على الجمع و جاعل الليل سكنا يسكن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه من سكن إليه إذا اطمأن إليه استئناسا به أو يسكن فيه الخلق من قوله لِتَسْكُنُوا فِيهِ و نصبه بفعل دل عليه جاعل لا به فإنه في معنى الماضي و يدل عليه قراءة الكوفيين وَ جَعَلَ اللَّيْلَ حملا على معنى المعطوف عليه فإن فالق بمعنى فلق فلذلك قرئ به أو به على أن المراد منه جعل مستمر في الأزمنة المختلفة و على هذا يجوز أن يكون وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ عطفا على محل الليل و يشهد له قراءتهما بالجر و الأحسن نصبهما بجعل مقدر و قرئ بالرفع على الابتداء و الخبر محذوف أي مجعولان حُسْباناً أي على أدوار مختلفة تحسب بها الأوقات و يكونان علمي الحساب و هو مصدر حسب بالفتح كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب بالكسر و قيل جمع حساب كشهاب و شهبان ذلِكَ إشارة إلى جعلهما حسبانا أي ذلك السير بالحساب المعلوم تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الذي قهرهما و سيرهما على الوجه المخصوص الْعَلِيمِ بتدبيرهما و الأنفع من التداوير الممكنة لهما (2).
و في قوله تعالى يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يغطيه به و لم يذكر عكسه للعلم به أو لأن اللفظ يحتملهما و لذلك قرئ يغشى الليل النهار بنصب الليل و رفع النهار و قرأ حمزة و الكسائي و يعقوب و أبو بكر عن عاصم بالتشديد و في الرعد للدلالة على التكرير يَطْلُبُهُ حَثِيثاً يعقبه سريعا كالطالب له لا يفصل بينهما شيء و الحثيث فعيل من الحث و هو صفة مصدر محذوف أو حال من الفاعل بمعنى حاثا أو المفعول بمعنى محثوثا وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أي بقضائه و تصريفه و نصبها بالعطف على السماوات و نصب مسخرات على الحال و قرأ ابن عامر كلها بالرفع على الابتداء و الخبر (3) انتهى.
____________
(1) في المصدر: فى الصباح.
(2) أنوار التنزيل: ج 1،(ص)392.
(3) أنوار التنزيل: ج 1(ص)425.
120
و قال الرازي في قوله سبحانه يَطْلُبُهُ حَثِيثاً اعلم أنه سبحانه وصف هذه الحركة بالسرعة و الشدة و ذلك هو الحق لأن تعاقب الليل و النهار إنما يحصل بحركة الفلك الأعظم (1) و تلك الحركة أشد الحركات سرعة و أكملها شدة حتى أن الباحثين عن أحوال الموجودات قالوا الإنسان إذا كان في العدو الشديد الكامل فإلى أن يرفع رجله و يضعها يتحرك الفلك الأعظم ثلاثة آلاف ميل و إذا كان الأمر كذلك كانت تلك الحركة في غاية السرعة و الشدة فلهذا السبب قال تعالى يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ثم قال في هذه الآية لطائف فالأولى أن الشمس لها نوعان من الحركة أحدهما حركتها بحسب ذاتها و هي إنما تتم في سنة كاملة و بسبب هذه الحركة تحصل السنة و الثاني حركتها بسبب حركة الفلك الأعظم و هذه الحركة تتم في اليوم بليلته إذا عرفت هذا فنقول الليل و النهار لا يحصلان بسبب حركة الشمس بل بحركة السماء الأقصى التي يقال لها العرش و لهذا السبب لما ذكر العرش بقوله ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ربط به قوله يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ تنبيها على أن سبب حصول الليل و النهار هو حركة الفلك الأقصى لا حركة الشمس و القمر.
و الثانية أنه تعالى لما شرح كيفية تخليق السماوات قال فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها فدلت تلك الآية على أنه سبحانه خص كل ذلك بلطيفة نورانية ربانية من عالم الأمر ثم قال بعده أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ و هو إشارة إلى أن كل ما سوى الله إما من عالم الخلق أو من عالم الأمر أما الذي هو من عالم الخلق فالخلق عبارة عن التقدير و كل ما كان جسما أو جسمانيا كان مخصوصا بمقدار معين فكان من عالم الخلق و كل ما كان بريئا عن الحجمية و المقدار كان من عالم الأرواح و من عالم الأمر فدل على أنه سبحانه خص كل واحد من أجرام الأفلاك و الكواكب التي هي من عالم الخلق بملك
____________
(1) هذا مبنى على الفرضية البطلميوسية، و اما على رأى فيثاغورس و أصحابه و كذا على ما ثبت في الهيئة الحديثة فالليل و النهار انما يحصلان بسبب حركة الأرض الوضعية.
121
من الملائكة و هم من عالم الأمر و الأحاديث الصحيحة مطابقة لذلك و هي ما روي من (1) الأخبار أن لله ملائكة يحركون الشمس و القمر عند الطلوع و الغروب (2) و كذا القول في سائر الكواكب و أيضا قوله سبحانه وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ إشارة إلى أن الملائكة الذين يقومون بحفظ العرش ثمانية ثم إذا دققت النظر قلت (3) إن عالم الخلق في تسخير الله و عالم الأمر في تدبير الله و استيلاء الروحانيات على الجسمانيات بتقدير الله فلهذا المعنى قال أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ ثم كون الشمس و القمر و النجوم مسخرات بأمره يحتمل وجوها.
أحدها أنا قد دللنا أن الأجسام متماثلة و متى كان كذلك كان اختصاص جسم الشمس بذلك النور المخصوص و الضوء الباهر و التسخين الشديد و التدبيرات العجيبة في العالم العلوي و السفلي لا بد و أن يكون لأجل أن الفاعل الحكيم و المقدر العليم خص ذلك الجسم بهذه الصفات فجسم كل واحد من الكواكب و النيرات كالمسخر في قبول تلك القوى و الخواص عن قدرة المدبر الحكيم.
و ثانيها أن يقال إن لكل واحد من أجرام الشمس و القمر و الكواكب سيرا خاصا بطيئا من المشرق إلى المغرب و سيرا آخر سريعا بسبب حركة الفلك الأعظم فالحق سبحانه خص جرم الفلك الأعظم بقوة زائدة (4) على أجرام سائر الأفلاك باعتبارها صارت مستولية عليها قادرة على تحريكها على سبيل القهر من المشرق إلى المغرب فأجرام الأفلاك و الكواكب صارت كالمسخرة لهذا القهر و القسر (5).
____________
(1) في المصدر: فى الاخبار.
(2) في المصدر: و عند الغروب.
(3) في المصدر: علمت.
(4) في المصدر: بقوة سارية في اجرام.
(5) مفاتيح الغيب: ج 4،(ص)338.
122
أقول ثم ذكر وجوها أخرى لا طائل تحتها و فيما نقل عنه أيضا مخالفات لأصول المسلمين و مناقشات لا يخفى على المتدبرين.
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً قال البيضاوي أي ذات ضياء و هو مصدر كقيام أو جمع ضوء كسياط و سوط و الياء فيه منقلبة عن الواو و عن ابن كثير ضئاء بهمزتين في كل القرآن على القلب بتقديم اللام على العين وَ الْقَمَرَ نُوراً أي ذا نور أو سمي نورا للمبالغة و هو أعم من الضوء و قيل ما بالذات ضوء و ما بالغرض نور و قد نبه سبحانه بذلك على أنه خلق الشمس نيرة بذاتها (1) و القمر نيرا بعرض مقابلة الشمس (2) وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ الضمير لكل واحد أي قدر مسير كل واحد منهما منازل أو قدره ذا منازل أو للقمر و تخصيصه بالذكر لسرعة سيره و معاينة منازله و إناطة أحكام الشرع به و لذلك علله (3) بقوله لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ أي حساب الأوقات من الأشهر و الأيام في معاملاتكم و تصرفاتكم ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِ إلا متلبسا بالحق مراعيا فيه مقتضى الحكمة البالغة يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ فإنهم المنتفعون بالتأمل فيها (4) انتهى.
إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ أي مجيء كل منهما خلف الآخر أو اختلافهما بالزيادة و النقصان المستلزم لحصول الفصول الأربعة وَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أي من الكواكب و الملائكة و المواليد و أنواع الأرزاق و النعم لَآياتٍ أي دلالات على وجود الصانع تعالى و علمه و قدرته و حكمته و لطفه و رحمته لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ الشرك و المعاصي فإنهم المنتفعون بها هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ أي لسكونكم و راحتكم و راحة قواكم من التعب
____________
(1) في المصدر: فى ذاتها.
(2) في المصدر: مقابلة الشمس و الاكتساب منها.
(3) في المصدر: علل.
(4) أنوار التنزيل: ج 1،(ص)529.
123
و الكلال وَ النَّهارَ مُبْصِراً أي مضيئا تبصرون فيه و نسبة الإبصار إليه على المجاز لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أي الحجج سماع تدبر و تعقل وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ قال الرازي هذا الكلام اشتمل على نوعين من الدلالة الأول الاستدلال على وجود الصانع القادر بحركات هذه الأجرام و ذلك لأن الأجسام متماثلة فاختصاصها بالحركة الدائمة دون السكون لا بد له من مخصص و أيضا أن كل واحدة من تلك الحركات مختصة بكيفية معينة من البطء و السرعة فلا بد أيضا من مخصص و أيضا تقدير تلك الحركات بمقادير مخصوصة على وجه تحصل عوداتها و دوراتها متساوية بحسب المدة حالة عجيبة فلا بد فيه من مقدر و بعض تلك الحركات مشرقية و بعضها مغربية و بعضها مائلة إلى الشمال و بعضها إلى الجنوب و هذا أيضا لا يتم إلا بتدبير كامل و حكمة بالغة و النوع الثاني قوله كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى و فيه قولان الأول قال ابن عباس للشمس مائة و ثمانون منزلا كل يوم لها منزل و ذلك (1) في ستة أشهر ثم إنها تعود مرة أخرى إلى واحد واحد منها في ستة أشهر مرة (2) أخرى و كذلك القمر له ثمانية و عشرون منزلا فالمراد بقوله كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى هذا. و الثاني كونهما متحركين إلى يوم القيامة و عنده تنقطع تلك الحركات (3).
و قال في قوله تعالى دائِبَيْنِ معنى الدءوب في اللغة مرور الشيء في العمل على عادة مطردة قال المفسرون معناه يدأبان في سيرهما و إنارتهما و تأثيرهما في إزالة الظلمة و في إصلاح النبات و الحيوان فإن الشمس سلطان النهار و القمر سلطان الليل و لو لا الشمس لما حصلت الفصول الأربعة و لولاها لاختلت مصالح العالم بالكلية (4) و قال في قوله وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فيه قولان
____________
(1) في المصدر: و ذلك يتم في ستة أشهر.
(2) في المصدر: اشهر اخرى.
(3) مفاتيح الغيب: ج 5،(ص)261 ملخصا.
(4) مفاتيح الغيب: ج 5،(ص)355.
124
الأول أن يكون المراد من الآيتين نفس الليل و النهار و المعنى أنه تعالى جعلهما دليلين للخلق على مصالح الدين و الدنيا أما في الدين فلأن كل واحد منهما مضاد للآخر معاند له (1) فكونهما متعاقبين على الدوام من أقوى الدلائل على أنهما غير موجودين لذاتيهما بل لا بد لهما من فاعل يدبرهما و يقدرهما بالمقادير المخصوصة و أما في الدنيا فلأن مصالح الدنيا لا تتم إلا بالليل و النهار فلو لا الليل لما حصل السكون و الراحة و لو لا النهار لما حصل الكسب و التصرف في وجوه المعاش ثم قال تعالى فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ فعلى هذا القول تكون الإضافة للتبيين و التقدير فمحونا الآية التي هي الليل و جعلنا الآية التي هي النهار مبصرة الثاني أن يكون المراد و جعلنا نيري الليل و النهار آيتين يريد الشمس و القمر فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ و هي القمر و في تفسير محو القمر قولان الأول المراد منه ما يظهر في القمر من الزيادة و النقصان في النور فيبدو في أول الأمر في صورة الهلال ثم لا يزال يتزايد نوره حتى يصير بدرا كاملا ثم يأخذ في الانتقاص قليلا قليلا و ذلك هو المحو إلى أن يعود إلى المحاق و الثاني أن المراد من محو القمر الكلف الذي يظهر في وجهه يروى أن الشمس و القمر كانا سواء في النور و الضوء فأرسل الله جبرئيل فأمر جناحه على وجه القمر فطمس عنه الضوء و معنى المحو في اللغة إذهاب الأثر و أقول حمل المحو على الوجه الأول أولى لقوله لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ الآية لأن المحو إنما يؤثر في ابتغاء فضل الله إذا حملناه على زيادة نور القمر و نقصانه لأن بسبب حصول هذه الحالة تختلف أحوال نور القمر و أهل التجارب بينوا أن اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم و مصالحها مثل أحوال البحار في المد و الجزر و مثل أحوال البحرانات على ما يذكره الأطباء في كتبهم و أيضا بسبب زيادة نور القمر و نقصانه تحصل الشهور و بسبب معاودة الشهور تحصل السنون العربية المبتنية على رؤية الأهلة كما قال وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ و أقول أيضا لو حملنا المحو على
____________
(1) في المصدر: مغاير له مع كونهما.
125
الكلف الحاصل في وجه القمر فهو أيضا برهان قاطع على صحة قول المسلمين في المبدإ و المعاد أما دلالته على صحة قولهم في المبدإ فلأن جرم القمر جرم بسيط عند الفلاسفة فوجب أن يكون متشابه الصفات فحصول الأحوال المختلفة الحاصلة بسبب المحو يدل على أنه ليس بسبب الطبيعة بل لأجل أن الفاعل المختار خصص بعض أجزائه بالنور القوي و بعض أجزائه بالنور الضعيف و ذلك يدل على أن مدبر العالم فاعل مختار لا موجب بالذات و آخر (1) ما ذكره الفلاسفة في الاعتذار عنه أنه ارتكز في وجه القمر أجسام قليلة الضوء مثل ارتكاز الكواكب في أجرام الأفلاك فلما كانت تلك الأجرام أقل ضوءا من جرم القمر لا جرم شوهدت تلك الأجرام في وجه القمر كالكلف في وجه الإنسان و هذا لا يفيد مقصود الخصم لأن جرم القمر لما كان متشابه الأجزاء فلم ارتكزت تلك الأجرام الظلمانية في بعض أجزاء القمر دون سائر الأجزاء و بمثل هذا الطريق يتمسك في أحوال الكواكب و ذلك لأن الفلك جرم بسيط متشابه الأجزاء فلم يكن حصول جرم الكواكب في بعض جوانبه أولى من حصوله في سائر الجوانب و ذلك يدل على أن اختصاص ذلك الكوكب بذلك الموضع المعين من الفلك لأجل تخصيص الفاعل المختار الحكيم.
و أما قوله وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً ففيه وجهان الأول أن معنى كونها مبصرة أي مضيئة و ذلك لأن الإضاءة سبب لحصول الإبصار فأطلق اسم الإبصار على الإضاءة إطلاقا لاسم المسبب على السبب و الثاني قال أبو عبيدة يقال قد أبصر النهار إذا صار الناس يبصرون فيه كقوله رجل مخبث إذا كان أصحابه خبثاء و رجل مضغف إذا كان دوابه (2) ضغافا فكذا قوله وَ النَّهارَ مُبْصِراً أي أهله بصراء لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ أي لتبصروا كيف تتصرفون في أعمالكم وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ اعلم أن الحساب يبنى على أربع مراتب الساعات
____________
(1) في المصدر: و أحسن.
(2) في المصدر: إذا كان ذراريه صغافا.
126
و الأيام و الشهور و السنون فالعدد للسنين و الحساب لما دون السنين و هي الشهور و الأيام و الساعات و بعد هذه المراتب الأربعة لا يحصل إلا التكرار كما أنهم رتبوا العدد على أربع مراتب الآحاد و العشرات و المآت و الألوف و ليس بعدها إلا التكرار (1) وَ كُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا أي كل شيء بكم إليه حاجة في مصالح دينكم و دنياكم فصلنا و شرحنا و قال في قوله سبحانه وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ قرأ ابن عامر و حمزة و الكسائي و أبو بكر عن عاصم في عين حامية بالألف من غير همزة أي حارة
وَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)عَلَى جَمَلٍ فَرَأَى الشَّمْسَ حِينَ غَابَتْ فَقَالَ أَ تَدْرِي يَا أَبَا ذَرٍّ أَيْنَ تَغْرُبُ هَذِهِ قُلْتُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَامِئَةٍ.
و هي قراءة ابن مسعود و طلحة و أبو عمرو و الباقون حَمِئَةٍ و هي قراءة ابن عباس و اتفق أن ابن عباس كان عند معاوية فقرأ معاوية حامية فقال ابن عباس حَمِئَةٍ فقال معاوية لعبد الله بن عمر كيف تقرأ فقال كما يقرأ أمير المؤمنين ثم وجه إلى كعب الأحبار و سأله كيف تجد الشمس تغرب قال في ماء و طين كذلك نجده في التوراة و الحمئة ما فيه حمأة سوداء و اعلم أنه لا تنافي بين الحمئة و الحامية فجائز أن يكون الماء جامعا للوصفين (2) ثم اعلم أنه ثبت بالدليل أن الأرض كره و أن السماء محيطة بها و لا شك أن الشمس في الفلك و أيضا قال وَجَدَ عِنْدَها قَوْماً و معلوم أن جلوس القوم (3) في قرن الشمس غير موجود و أيضا فالشمس أكبر من الأرض مرات كثيرة فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض.
إذا ثبت هذا فنقول في تأويله وجوه.
الأول أن ذا القرنين لما بلغ موضعا ما في المغرب لم يبق بعده شيء من
____________
(1) مفاتيح الغيب: ج 5،(ص)555.
(2) في المصدر: البحث الثاني.
(3) في المصدر: جلوس قوم في قرب الشمس.
127
العمارات وجد الشمس كأنها تغرب في وهدة مظلمة و إن لم يكن كذلك في الحقيقة كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغرب في البحر إذا لم ير الشط و هي في الحقيقة تغيب وراء البحر ذكره الجبائي.
الثاني أن بالجانب الغربي من الأرض مساكن يحيط البحر بها فالناظر إلى الشمس يتخيل كأنها تغيب في تلك البحار و لا شك أن البحار الغربية قوية السخونة فهي حامية و هي أيضا حمئة لكثرة ما فيها من الباه و هي الحمأة السوداء فقوله تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ إشارة إلى أن الجانب الغربي من الأرض قد أحاط البحر به و هو موضع شديد السخونة. الثالث قال أهل الأخبار إن الشمس تغرب في عين حمئة كثيرة الحاء و الحمأة و هذا في غاية البعد و ذلك أنا إذا رصدنا كسوفا قمريا و رأينا أهل المغرب قالوا حصل هذا الكسوف أول الليل رأينا أهل المشرق قالوا حصل في أول النهار فعلمنا أن ما هو أول الليل عند أهل المغرب فهو أول النهار عند أهل المشرق بل ذلك الوقت الذي هو أول الليل عندنا فهو وقت العصر في بلد و وقت الظهر في بلد آخر و وقت الضحوة في بلد ثالث و وقت طلوع الشمس في بلد رابع و نصف الليل في بلد خامس و إذا كانت هذه الأحوال معلومة بعد الاستقراء و الاختبار و علمنا أن الشمس طالعة ظاهرة في كل هذه الأوقات كان الذي يقال إنها تغيب في الطين و الحمأة كلاما على خلاف اليقين و كلام الله مبرأ عن البهمة (1) فلم يبق إلا أن يضاف (2) إلى التأويل الذي ذكرنا و الضمير في قوله عِنْدَها عائد إلى الشمس لأن الإنسان لما تخيل أن الشمس تغرب هناك فكان سكان ذلك الموضع كأنهم سكنوا بالقرب من الشمس أو عائد إلى العين (3).
و قال في قوله وَجَدَها تَطْلُعُ أي وجد الشمس تطلع عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ
____________
(1) في المصدر: عن هذه التهمة.
(2) في المصدر: «الا أن يصار» و هو الظاهر.
(3) مفاتيح الغيب: ج 5،(ص)745.
128
لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً فيه قولان الأول أنه شاطئ بحر لا جبل و لا شيء يمنع من وقوع شعاع الشمس عليهم فلهذا السبب إذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب واغلة في الأرض أو غاصوا في الماء فيكون عند طلوع الشمس يتعذر عليهم التصرف في المعاش و عند غروبها يشتغلون بتحصيل مهمات المعاش و حالهم بالضد من أحوال سائر الخلق.
و القول الثاني أن معناه لا ثياب لهم و يكونون كسائر الحيوانات عراة أبدا و في كتب الهيئة أن حال أكثر الزنج كذلك و حال كل من سكن البلاد القريبة من خط الإستواء كذلك و ذكر في كتب التفسير أن بعضهم قال سافرت حتى جاوزت الصين فسألت عن هؤلاء القوم فقيل بينك و بينهم مسيرة يوم و ليلة فبلغتهم و إذا أحدهم يفرش إحدى أذنيه و يلبس الأخرى فلما قرب طلوع الشمس سمعت صوتا كهيئة الصلصلة فغشي علي ثم أفقت فلما طلعت الشمس إذا هي فوق الماء كهيئة الزيت فأدخلوا في سربالهم (1) فلما ارتفع النهار جعلوا يصطادون السمك و يطرحونه في الشمس فينضج (2). كُلٌّ فِي فَلَكٍ أي كل منهما أو مع النجوم بقرينة الجمع في فلك واحد أو كل واحد منهما أو منها في فلك على حدة يَسْبَحُونَ أي يجرون قال الرازي لا يجوز أن يقول كل في فلك يسبحون إلا و يدخل في الكلام مع الشمس و القمر النجوم ليثبت معنى الجمع و الكل (3) ثم قال الفلك في كلام العرب كل شيء دائر و جمعه أفلاك و اختلف العقلاء فيه فقال بعضهم الفلك ليس بجسم و إنما هو مدار هذه النجوم و هو قول الضحاك و قال الأكثرون بل هي أجسام تدور النجوم عليها و هذا أقرب إلى ظاهر القرآن ثم اختلفوا في كيفيته فقال بعضهم الفلك موج مكفوف تجري الشمس و القمر و النجوم فيه و قال الكلبي ماء
____________
(1) السربال: القميص او كل ما يلبس.
(2) مفاتيح الغيب: ج 5،(ص)755، نقلا بالمعنى.
(3) في المصدر: و معنى الكل.
129
مكفوف (1) أي مجموع تجري فيه الكواكب و احتج بأن السباحة لا تكون إلا في الماء قلنا لا نسلم فإنه يقال للفرس الذي يمد يديه في الجري سابح و قال جمهور الفلاسفة و أصحاب الهيئة إنها أجرام صلبة لا خفيفة و لا ثقيلة غير قابلة للخرق و الالتئام و النمو و الذبول و الحق أنه لا سبيل إلى معرفة السماوات إلا بالخبر و اختلف الناس في حركات الكواكب و الوجوه الممكنة فيها ثلاثة فإنه إما أن يكون الفلك ساكنا و الكواكب تتحرك فيه كحركة السمكة في الماء الراكد و إما أن يكون الفلك متحركا و الكواكب تتحرك فيه أيضا إما مخالفا لجهة حركته أو موافقا لجهته إما بحركة مساوية لحركة الفلك في السرعة و البطء أو مخالفة و إما أن يكون الفلك متحركا و الكواكب ساكنة أما الرأي الأول فقالت الفلاسفة إنه باطل لأنه يوجب خرق الفلك (2) و هو محال عندهم و أما الرأي الثاني فحركة الكواكب إن فرضت مخالفة لحركة الفلك فذاك أيضا يوجب الخرق و إن كانت حركتها إلى جهة حركة الفلك فإن كانت مخالفة لها في السرعة و البطء لزم الانخراق و إن استويا في الجهة و السرعة و البطء فالخرق أيضا لازم لأن الكواكب تتحرك بسبب حركته فتبقى حركته الذاتية زائدة فيلزم الخرق فلم يبق إلا القسم الثالث و هو أن يكون الكواكب مغروزا في الفلك واقفا فيه و الفلك يتحرك فيتحرك الكواكب (3) بسبب حركة الفلك و اعلم أن مدار هذا الكلام على امتناع الخرق على الأفلاك و هو باطل بل الحق أن الأقسام الثلاثة ممكنة و الله تعالى قادر على كل الممكنات و الذي يدل عليه لفظ القرآن أن تكون الأفلاك واقفة و الكواكب تكون جارية فيها كما تسبح السمكة في الماء و احتج ابن سينا على أن الكواكب أحياء ناطقة بقوله يَسْبَحُونَ فإن الجمع بالواو و النون لا يكون إلا للعقلاء و بقوله تعالى وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ
____________
(1) في المصدر: ماء مجموع تجرى ...
(2) في المصدر: الافلاك.
(3) الكوكب (خ).
130
و الجواب إنما جعل واو الضمير للعقلاء للوصف بفعلهم و هو السباحة.
فإن قلت لكل واحد من القمرين فلك على حدة فكيف قيل جميعهم يسبحون في فلك.
قلت هذا كقوله كساهم الأمير حلة و قلدهم سيفا أي كل واحد منهم (1).
وَ لَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ قال البيضاوي أي و يختص به تعاقبهما لا يقدر عليه غيره فيكون ردا لنسبته إلى الشمس حقيقة أو مجازا أو لأمره و قضائه تعاقبهما أو انتقاص أحدهما و ازدياد الآخر (2) و في قوله سبحانه يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ بالمعاقبة بينهما أو بنقص أحدهما و زيادة الآخر أو بتغيير أحوالهما بالحر و البرد و الظلمة و النور أو ما يعم (3) ذلك إِنَّ فِي ذلِكَ فيما تقدم ذكره لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ لدلالته (4) على وجود الصانع القديم و كمال قدرته و إحاطة علمه و نفاذ مشيته و تنزهه عن الحاجة و ما يفضي إليها لمن يرجع إلى بصيرة (5).
قوله تعالى أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ أقول للعلماء في تأويل هذه الآية مسالك.
الأول أ لم تنظر إلى صنع ربك كيف بسطه أو أ لم تنظر إلى الظل كيف بسطه ربك فغير النظم إشعارا بأن المعقول من هذا الكلام لوضوح برهانه و هو دلالة حدوثه و تصرفه على الوجه النافع بأسباب ممكنة على أن ذلك فعل الصانع الحكيم كالمشاهد المرئي فكيف بالمحسوس منه أو أ لم ينته علمك إلى أن ربك كيف مد الظل و هو فيما بين طلوع الفجر و الشمس و هو أطيب الأحوال فإن الظلمة الخالصة تنفر الطبع و تسد النظر و شعاع الشمس يسخن الهواء و يبهر البصر و لذلك وصف به الجنة فقال وَ ظِلٍّ مَمْدُودٍ (6) وَ لَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً أي ثابتا من السكنى أو غير
____________
(1) مفاتيح الغيب: ج 6،(ص)145- 150. نقلا بالمعنى مع التلخيص.
(2) أنوار التنزيل: ج 2(ص)126.
(3) في المصدر: بما يعم.
(4) في المصدر: لدلالة- بفتح اللام-.
(5) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)147.
(6) الواقعة: 30.
131
متقلص من السكون بأن يجعل الشمس مقيمة على وضع واحد ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا فإنه لا يظهر للحس حتى تطلع فيقع ضوؤها على بعض الأجرام إذ لا يوجد و لا يتفاوت إلا بسبب حركتها ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا أي أزلناه بإيقاع الشعاع موقعه قَبْضاً يَسِيراً أي قليلا قليلا حسب ما ترتفع الشمس لتنتظم بذلك مصالح الكون و يتحصل به ما لا يحصى من منافع الخلق و ثم في الموضعين لتفاضل الأمور أو لتفاضل مبادئ أوقات ظهورها.
الثاني أن المعنى مد الظل لما بنى السماء بلا نير و دحا الأرض تحتها و ألقت عليها ظلها و لو شاء لجعله ثابتا على تلك الحال ثم خلق الشمس عليه دليلا أي مسلطا عليهم مستتبعا إياه كما يستتبع الدليل المدلول أو دليل الطريق من يهديه يتفاوت بحركتها و يتحول بتحولها ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً شيئا فشيئا إلى أن ينتهي نقصانه أو قبضا سهلا عند قيام الساعة بقبض أسبابه من الأجرام المظلة و المظل عليها و هذان الوجهان ذكرهما البيضاوي و غيره من المفسرين الثالث أن يكون المراد بالظل الروح كما يطلق عالم الظلال على عالم الأرواح لأنها تابعة للبدن كالظل أو لكونها أجساما لطيفة أو لتجردها إن قيل به وَ لَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً بعدم تعلقها بالأجساد و المراد بالشمس شمس عالم الوجود و هو الرب تعالى لأنه دليل الممكنات إلى الوجود و سائر الكمالات و قبضه عبارة عن قبض الروح شيئا فشيئا إلى أن يموت الشخص و في قوله ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ نوع التفاوت.
الرابع أن يراد بالظل الأنبياء و الأوصياء(ع)فإنهم ظلاله سبحانه لكونهم تابعين لإرادته متخلقين بأخلاقه و كونهم ظلال رحمته على عباده وَ لَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً أي لم يبعثهم إلى الخلق ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ أي شمس الوجود عَلَيْهِ دَلِيلًا أي لهم دليلا هاديا لهم إلى كمالاتهم و قبضه جذبهم إلى عالم القدس.
الخامس أن يكون المراد بالظلال الأعيان الثابتة و الحقائق الإمكانية على مذاق الصوفية و مدها عبارة عن الفيض الأقدس بزعمهم أي جعل الماهيات
132
ماهيات و الشمس عبارة عن الفيض المقدس و هو إفاضة الوجود و القبض اليسير بزعمهم إشارة إلى تجدد الأمثال و إعدام كل شيء و إيجاده في كل آن و به أولوا قوله سبحانه بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (1) أيضا و ربما يحمل الظل على عالم المثال كما هو ذوق المتألهين من الحكماء و هذه احتمالات في هذه الآية التي هي من المتشابهات و ما يعلم تأويلها إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ و فسر علي بن إبراهيم الظل بما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس (2).
وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً قال الطبرسي ره أي غطاء ساترا للأشياء بالظلام كاللباس الذي يشتمل على لابسه فالله سبحانه ألبسنا الليل و غشانا به لنسكن فيه و نستريح عن كد الأعمال وَ النَّوْمَ سُباتاً أي راحة لأبدانكم و قطعا لأعمالكم قال الزجاج السبات أن ينقطع عن الحركة و الروح في بدنه وَ جَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً لانتشار الروح باليقظة فيه مأخوذ من نشور البعث و قيل لأن الناس ينتشرون فيه لطلب حوائجهم و معايشهم فالنشور بمعنى التفرق لابتغاء الرزق عن ابن عباس.
تَبارَكَ تفاعل من البركة معناه عظمت بركاته و كثرت عن ابن عباس و البركة الكثرة من الخير و قيل معناه تقدس و جل بما لم يزل عليه من الصفات و لا يزال كذلك فلا يشاركه فيها غيره و أصله من بروك الطير فكأنه قال ثبت و دام فيما لم يزل و لا يزال عن جماعة من المفسرين و قيل معناه قام بكل بركة و جاء بكل بركة (3) الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً يريد منازل النجوم السبعة السيارة و هي الحمل و الثور و الجوزاء و السرطان و الأسد و السنبلة و الميزان و العقرب و القوس و الجدي و الدلو و الحوت و قيل هي النجوم الكبار و سميت بروجا لظهورها وَ جَعَلَ فِيها سِراجاً أي و خلق
____________
(1) ق: 15.
(2) تفسير القمّيّ: 466.
(3) مجمع البيان: ج 7،(ص)160.
133
في السماء شمسا و من قرأ سرجا أراد الشمس و الكواكب معها وَ قَمَراً مُنِيراً أي مضيئا بالليل إذا لم تكن شمس وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ خِلْفَةً أي يخلف كل واحد منهما صاحبه فيما يحتاج أن يعمل فيه فمن فاته عمل الليل استدركه بالنهار و من فاته عمل النهار استدركه بالليل و هو قوله لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ
- رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: يُقْضَى صَلَاةُ (1) اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ.
و قيل معناه أنه جعل كل واحد منهما مخالفا لصاحبه فجعل أحدهما أسود و الآخر أبيض لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أي يتفكر و يستدل بذلك على أن لهما مدبرا و مصرفا لا يشبههما و لا يشبهانه فيوجه العبادة إليه أَوْ أَرادَ شُكُوراً أي أراد شكر نعمة ربه عليه فيهما و على القول الأول فمعناه أراد النافلة بعد أداء الفريضة (2).
أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ قال البيضاوي بالنجوم و علامات الأرض و الظلمات ظلمات الليالي و الإضافة (3) إلى البر و البحر للملابسة أو مشتبهات الطرق يقال طريقة ظلماء و عمياء للتي لا منار بها (4).
لِيَسْكُنُوا فِيهِ بالنوم و القرار وَ النَّهارَ مُبْصِراً أصله ليبصروا فيه فبولغ فيه بجعل الإبصار حالا من أحواله المجعول عليها بحيث لا ينفك عنها (5).
سَرْمَداً أي دائما من السرد و هو المتابعة و الميم مزيدة كميم دلامص إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ بإسكان الشمس تحت الأرض أو تحريكها حول (6) الأفق الغائر مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ كان حقه هل إله فذكر بمن على زعمهم أن غيره آلهة أَ فَلا تَسْمَعُونَ سماع تدبر و استبصار إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً
____________
(1) في المجمع: يقضى صلاة النهار بالليل و صلاة الليل بالنهار.
(2) مجمع البيان: ج 7،(ص)178.
(3) في المصدر: و أضافها.
(4) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)203.
(5) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)207.
(6) في المصدر: فوق الافق.
134
بإسكانها في وسط السماء أو تحريكها على مدار فوق الأفق بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ استراحة عن متاعب الأشغال و لعله لم يصف الضياء بما يقابله لأن الضوء نعمة في ذاته مقصود بنفسه و لا كذلك الليل و لأن منافع الضوء أكثر مما يقابله و لذلك قرن به أَ فَلا تَسْمَعُونَ و بالليل أَ فَلا تُبْصِرُونَ لأن استفادة العقل من السمع أكثر من استفادته من البصر لِتَسْكُنُوا فِيهِ أي في الليل وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ أي بالنهار بأنواع المكاسب وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي و لكي تعرفوا نعمة الله في ذلك فتشكروه عليها (1) وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ المسئول عنهم أهل مكة لَيَقُولُنَّ اللَّهُ لما تقرر في العقول من وجوب انتهاء الممكنات إلى واحد واجب الوجود (2).
وَ مِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ منامكم في الزمانين لاستراحة القوى النفسانية و قوة القوى الطبيعية و طلب معاشكم فيهما أو منامكم بالليل و ابتغاؤكم بالنهار فلف و ضم بين الزمانين و الفعلين بعاطفين إشعارا بأن كلا من الزمانين و إن اختص بأحدهما فهو صالح للآخر عند الحاجة و يؤيده سائر الآيات الواردة فيه (3) كُلٌّ يَجْرِي أي كل من النيرين يجري في فلكه إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي إلى منتهى معلوم الشمس إلى آخر السنة و القمر إلى آخر الشهور و قيل إلى يوم القيامة (4).
و قال في قوله لِأَجَلٍ مُسَمًّى مدة دوره أو منتهاه أو يوم القيامة (5) نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ أي نزيله و نكشفه عن مكانه مستعار من سلخ الجلد فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ أي داخلون في الظلام (6).
____________
(1) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)223.
(2) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)238.
(3) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)244.
(4) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)257.
(6) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)300.
(5) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)311.
135
- أَقُولُ وَ فِي الْكَافِي عَنِ الْبَاقِرِ(ع)يَعْنِي قُبِضَ مُحَمَّدٌ(ص)وَ ظَهَرَتِ الظُّلْمَةُ فَلَمْ يُبْصِرُوا فَضْلَ أَهْلِ بَيْتِهِ (1).
و هو من بطون الآية.
وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها أي لحد معين ينتهي إليه دورها فشبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره أو لكبد السماء فإن حركتها فيه توجد إبطاء بل ورد في الرواية أن لها هناك ركودا أو لاستقرار لها على نهج مخصوص أو لمنتهى مقدر لكل يوم من المشارق و المغارب فإن لها في دورها ثلاثمائة و ستين مشرقا و مغربا يطلع كل يوم من مطلع و يغرب في مغرب ثم لا تعود إليهما إلى العام القابل أو لمنقطع جريها عند خراب العالم
- قال الطبرسي روي عن السجاد و الباقر و الصادق(ع)و ابن عباس و ابن مسعود و عكرمة و عطاء لا مستقر لها بنصب الراء (2).
ذلِكَ الجري على هذا التقدير المتضمن للحكم التي تكل الفطن عن إحصائها تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الغالب بقدرته على كل مقدور الْعَلِيمِ المحيط علمه بكل معلوم.
وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ أي قدرنا مسيره منازل أو سيره في منازل و هي ثمانية و عشرون الشرطين (3) و البطين و الثريا و الدبران و الهقعة و
____________
(1) روضة الكافي: 380، و الجملة الأخيرة أعنى قوله «و هو مِنْ بُطُونِ الآية» من كلام المؤلّف (رحمه اللّه).
(2) مجمع البيان: ج 8،(ص)223.
(3) الشرطان: مثنى «الشرط» كوكبان على قرنى الحمل، و إلى الجانب الشمالى منها كوكب صغير، و من العرب من يعده معهما فيسميها «الاشراط»، و البطين، مصغر البطن ثلاثة كواكب صغار مكان بطن الحمل، و انما صغر لكونها أصغر ممّا يناسب شكله من البطن.
و الثريا: كواكب معروفة عند الية الحمل و قرب عنق الثور، و الدبران- بفتحتين-: خمسة كواكب تلو الثريا يقال انها سنام الثور، و الهقعة- كالوحدة-: ثلاثة كواكب نيرة فوق منكبى الجوزاء، و الهنعة أيضا كالوحدة خمسة كواكب مصطفة مكان منكب الجوزاء الايسر، و الذراع، كوكبان نيران مكان ذراع الأسد، و النثرة: كوكبان مكان أنف الأسد، و الطرف- كالفلس-:
كوكبان مكان عين الأسد، و الجبهة، أربعة كواكب مكان جبهة الأسد، و الزبرة- كالحمرة-:
كوكبان نيران مكان كاهلى الأسد، و الصرفة- كالوحدة- كوكب نير بتلقاء الزبرة، و العواء.
136
الهنعة و الذراع و النثرة و الطرف و الجبهة و الزبرة و الصرفة و العواء و السماك و الغفر و الزبانى و الإكليل و القلب و الشولة و النعائم و البلدة و سعد الذابح و سعد بلع و سعد السعود و سعد الأخبية و فرع الدلو المقدم و فرع الدلو المؤخر و الرشاء و هو بطن الحوت ينزل كل ليلة في واحدة منها فإذا كان في آخر منازله و هو الذي يكون فيه قبل الاجتماع دق و استقوس حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ أي كالشمراخ المعوج الْقَدِيمِ العتيق
- وَ عَنِ الرِّضَا(ع)أَنَّهُ يَصِيرُ كَذَلِكَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ.
و سيأتي مزيد تحقيق لذلك في باب السنين و الشهور إن شاء الله.
لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أي يصح و يتسهل لها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ في سرعة سيره فإن ذلك يخل بتكون النبات و تعيش الحيوان أو في آثاره و منافعه أو مكانه بالنزول إلى محله و سلطانه فيطمس نوره وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ بأن يسبقه فيفوته و لكن يعاقبه و قيل المراد بهما آيتاهما و هما نيران و بالسبق سبق القمر إلى سلطان الشمس فيكون عكسا للأول
- وَ قَدْ مَرَّ عَنِ الرِّضَا(ع)بِرِوَايَةِ الْعَيَّاشِيِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ النَّهَارَ خُلِقَ قَبْلَ اللَّيْلِ.
و سيأتي ما يشعر بذلك أيضا.
وَ كُلٌ أي كلهم و التنوين عوض المضاف إليه و الضمير للشموس و الأقمار
____________
بفتح العين المهملة و تشديد الواو يمد و يقصر-: خمسة كواكب يقال انها ورك الأسد و السماك- ككتاب-: كوكب نير مكان رجل الأسد و هو السماك الاعزل، و هناك كوكب آخر يسمى «السماك الرامح» ليس من منازل القمر و هو رجله الآخر، و الغفر- كالفلس-: ثلاثة كواكب صغار من الميزان، و الزبانى كحبارى-: كوكبان نيران على قرنى العقرب، و الاكليل:
أربعة كواكب مصطفة، و القلب: ثلاثة كواكب في قلب العقرب، و الشولة- بفتح الشين المعجمة كوكبان نيران متقاربان، و النعائم: ثمانية كواكب كأنّها سرير معوج أربعة صادرة و أربعة واردة، و البلدة- بفتح الموحدة-: ستة كواكب من القوس، و سعد الذابح: كوكبان نيران بينهما مقدار ذراع، و في قرب احدهما كوكب صغير كانه يذبحه فسمى «الذابح»، و سعد بلع- كصرد-: كوكبان متقاربان زعموا أنّه طلع لما قال اللّه تعالى «يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ»، و سعد السعود: كوكب منفرد نير، و سعد الاخبية: أربعة كواكب، و الفرع المقدم كوكبان، و المؤخر أربعة كواكب، و الرشاء- بكسر الراء-: بمعنى حبل الدلو كوكب على بطن الحوت.
137
فإن اختلاف الأحوال يوجب تعددا ما في الذات أو إلى الكواكب فإن ذكرهما مشعر بها و قد مر معنى السباحة وَ رَبُّ الْمَشارِقِ قال البيضاوي أي مشارق الكواكب أو مشارق الشمس في السنة و هي ثلاثمائة و ستون تشرق كل يوم في واحد و بحسبها تختلف المغارب و لذلك اكتفي بذكرها مع أن الشروق أدل على القدرة و أبلغ في النعمة و ما قيل إنها مائة و ثمانون إنما يصح لو لم تختلف أوقات الانتقال (1) يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَ يُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ أي يغشى كل واحد منهما الآخر كأنه يلف عليه لف اللباس باللابس أو يغيبه به كما يغيب الملفوف باللفافة أو يجعله كارا عليه كرورا متتابعا تتابع أكوار العمامة أَلا هُوَ الْعَزِيزُ القادر على كل ممكن الغالب على كل شيء الْغَفَّارُ حيث لم يعاجل بالعقوبة و سلب ما في هذه الصنائع من الرحمة و عموم المنفعة (2).
لِتَسْكُنُوا فِيهِ أي لتستريحوا فيه بأن خلقه باردا مظلما ليؤدي إلى ضعف المحركات و هدوء الحواس وَ النَّهارَ مُبْصِراً يبصر فيه أو به و إسناد الإبصار إليه مجاز و مبالغة و لذلك عدل به عن التعليل إلى الحال (3).
لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَ لا لِلْقَمَرِ قال الطبرسي ره و إن كان فيهما منافع كثيرة لأنهما ليسا بخالقين وَ اسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَ و تأنيث الضمير لأن غير ما يعقل يجمع على لفظ التأنيث و لأنه في معنى الآيات إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ أي إن كنتم تقصدون بعبادتكم الله كما تزعمون فاسجدوا لله دون غيره (4).
الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبانٍ أي يجريان بحساب و منازل لا يعدوانها و هما يدلان على عدد الشهور و السنين و الأوقات عن ابن عباس و غيره فأضمر يجريان و حذفه لدلالة الكلام عليه و تحقيق معناه أنهما يجريان على وتيرة واحدة و حساب بين
____________
(1) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)320.
(2) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)353.
(3) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)379.
(4) مجمع البيان: ج 9،(ص)140، نقلا بالمعنى.
138
متفق على الدوام لا يقع فيه تفاوت فالشمس تقطع بروج الفلك في ثلاثمائة و خمسة و ستين يوما و شيء و القمر في ثمانية و عشرين يوما فيجريان أبدا على هذا الوجه و إنما خصهما بالذكر لما فيهما من المنافع الكثيرة للناس من النور و الضياء و معرفة الليل و النهار و نضج الثمار إلى غير ذلك فذكرهما لبيان النعمة بهما على الخلق (1) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ أي مشرق الشتاء و الصيف و مغربيهما و قيل مشرقي الشمس و القمر و مغربيهما (2) وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً قيل فيه وجوه.
أحدها أن المعنى و جعل القمر نورا في السماوات و الأرض عن ابن عباس قال يضيء ظهره لما يليه من السماوات و يضيء وجهه لأهل الأرض و كذلك الشمس.
و ثانيها أن معنى فيهن معهن يعني و جعل القمر معهن أي مع خلق السماوات نورا لأهل الأرض و ثالثها أن معنى فيهن في حيزهن و إن كان في واحدة منها كما تقول إن في هذه الدور لبئرا و إن كانت في واحدة منها لأن ما كان في إحداهن كان فيهن و كما تقول أتيت بني تميم و إنما أتيت بعضهم.
وَ جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً أي مصباحا تضيء لأهل الأرض فهي سراج العالم كما أن المصباح سراج الإنسان (3) و قال ره في قوله تعالى كَلَّا أي حقا و قيل معناه ليس الأمر على ما يتوهمونه وَ الْقَمَرِ أقسم بالقمر لما فيه من الآيات العجيبة في طلوعه و غروبه و مسيره و زيادته و نقصانه وَ اللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ قرأ نافع و حمزة و حفص و يعقوب و خلف إِذْ بغير ألف أَدْبَرَ بالألف و الباقون إذا بالألف دبر بغير الألف فعلى الأول أقسم بالليل إذا ولى و ذهب يقال (4) دبر و أدبر عن قتادة و قيل دبر إذا جاء بعد غيره و أدبر إذا ولى مدبرا فعلى هذا يكون المعنى في إذا دبر إذا جاء الليل في أثر النهار و في إِذْ أَدْبَرَ إذا ولى الليل فجاء
____________
(1) مجمع البيان: ج 9،(ص)198.
(2) مجمع البيان: ج 9،(ص)201.
(3) مجمع البيان: ج 10،(ص)363.
(4) ليس في المصدر «يقال دبر و أدبر».
139
الصبح عقيبه و على القول الأول فيهما (1) لغتان معناهما ولى و انقضى وَ الصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ أي أضاء و أنار و قيل معناه إذا كشف الظلام و أضاء الأشخاص و قال قوم التقدير في هذه الأقسام و رب هذه الأشياء لأن اليمين لا يكون إلا بالله تعالى إِنَّها أي السقر التي هي النور لَإِحْدَى الْكُبَرِ أي لإحدى العظائم و الكبر جمع الكبرى (2).
وَ جَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً أي راحة و دعة لأجسادكم أو قطعا لأعمالكم و تصرفكم إذ ليس بموت على الحقيقة و لا مخرجا عن الحيوة و الإدراك وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً أي غطاء و سترة يستر كل شيء بظلمته و سواده وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً أي مطلب معاش و مبتغاه أو وقت معاشكم لتتصرفوا في معايشكم وَ بَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً أي سبع سماوات شِداداً محكمة أحكمنا صنعها و أوثقنا بناءها وَ جَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً يعني الشمس جعلها سبحانه سراجا للعالم وقادا متلألئا بالنور يستضيئون به قال مقاتل جعل فيه نورا و حرا و الوهج مجمع النور و الحر (3).
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ أي نهب ضوؤها و نورها فأظلمت و اضمحلت عن ابن عباس و غيره و قيل ألقيت و رمي بها و قيل جمع ضوؤها و لفت كما تلف العمامة.
وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ أي تساقطت و تناثرت يقال انكدر الطائر من الهواء إذا انقض و قيل تغيرت و الأول أولى لقوله وَ إِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ وَ اللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ أي إذا أدبر بظلامه عن علي(ع)و قيل أقبل بظلامه و قيل أظلم وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ أي إذا أسفر و أضاء و المعنى امتد ضوؤه حتى يصير نهارا (4).
وَ الْفَجْرِ أقسم سبحانه بفجر النهار و هو انفجار الصبح كل يوم و قيل
____________
(1) في المصدر: فهما.
(2) مجمع البيان: ج 10،(ص)383.
(3) مجمع البيان: ج 10،(ص)422.
(4) مجمع البيان: ج 10،(ص)444.
140
فجر ذي الحجة و قيل فجر أول المحرم و قيل فجر يوم النحر و قيل أراد بالفجر النهار وَ لَيالٍ عَشْرٍ يعني العشر من ذي الحجة و قيل العشر الآخر (1) من شهر رمضان و قيل عشر موسى للثلاثين ليلة التي أتمها الله بها وَ اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ أراد جنس الليالي أقسم بالليل إذا مضى بظلامه و قيل إنما أضاف اليسر (2) إليه لأن الليل يسير بمسير الشمس في الفلك و انتقالها من أفق إلى أفق و قيل إِذا يَسْرِ إذا جاء و أقبل إلينا و يريد كل ليلة و قيل إنها ليلة المزدلفة و فيها يسري الحاج من عرفة إليها و يغدو منها إلى منى (3) و أصل يسر يسري حذفت الياء اكتفاء بالكسرة تخفيفا و لرعاية الفواصل.
وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها أقسم سبحانه بالشمس لكثرة الانتفاع بها و بضحيها و هو امتداد ضوئها و انبساطه و قيل هو النهار كله و قيل حرها وَ الْقَمَرِ إِذا تَلاها أي تبعها فأخذ من ضوئها و سار خلفها قالوا و ذلك في النصف الأول من الشهر إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة و خلفها في النور و قيل تلاها ليلة الهلال و هي أول ليلة من الشهر و قيل في الخامس عشر و قيل في الشهر كله فهو في النصف الأول يتلوها و تكون أمامه و هو وراءها و في النصف الأخير يتلو غروبها بالطلوع وَ النَّهارِ إِذا جَلَّاها أي جلى الظلمة و كشفها أو أبرز الشمس و أظهرها وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها أي يغشى الشمس حتى تغيب فتظلم الآفاق و يلبسها سواده (4).
أقول و قد مر تأويلها في الأخبار بأن الشمس رسول الله(ص)به أوضح الله للناس دينهم و القمر أمير المؤمنين(ع)تلا رسول الله(ص)و نفثه بالعلم نفثا و الليل أئمة الجور الذين استبدوا بالأمر دون آل الرسول و جلسوا مجلسا كان آل الرسول أولى به منهم فغشوا دين الله بالظلم و الجور و النهار الإمام من ذرية فاطمة ع
____________
(1) الأواخر (خ).
(2) في المصدر: السير.
(3) مجمع البيان: ج 10،(ص)485.
(4) مجمع البيان: ج 10،(ص)498.
141
يسأل عن دين الله فيجليه لمن سأله و قد مر شرحها و بيانها.
وَ الضُّحى قال الطبرسي ره أقسم سبحانه بضوء (1) النهار كله من قولهم ضحي فلان للشمس إذا ظهر لها و يدل عليه قوله سبحانه في مقابلته وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى أي سكن و استقر ظلامه و قيل المراد بالضحى أول ساعة من النهار و قيل صدر النهار و هي الساعة التي فيها ارتفاع الشمس و اعتدال النهار في الحر و البرد و الشتاء (2) و الصيف و قيل معناه و رب الضحى و رب الليل إذا سجى و قيل إِذا سَجى إذا أغطى (3) بالظلمة كل شيء و قيل إذا أقبل ظلامه (4).
بِرَبِّ الْفَلَقِ أي برب الصبح و خالقه و مدبره و مطلعه متى شاء على ما يرى من الصلاح فيه مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ من الجن و الإنس و سائر الحيوانات و إنما سمي الصبح فلقا لانفلاق عموده بالضياء عن الظلام و قيل الفلق المواليد و جب في جهنم وَ مِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ أي و من شر الليل إذا دخل بظلامه فالمراد من شر ما يحدث في الليل من الشر و المكروه و إنما خص لأن الفساق يقدمون على الفساد بالليل و كذلك الهوام و السباع تؤذي فيه أكثر (5).
1- الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ جَمِيعاً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ أَبِي الصَّبَّاحِ الْكِنَانِيِّ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِنَّ لِلشَّمْسِ ثَلَاثَمِائَةٍ وَ سِتِّينَ بُرْجاً كُلُّ بُرْجٍ مِنْهَا مِثْلُ جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْعَرَبِ فَتَنْزِلُ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى بُرْجٍ مِنْهَا فَإِذَا غَابَتِ انْتَهَتْ إِلَى حَدِّ بُطْنَانِ الْعَرْشِ فَلَمْ تَزَلْ سَاجِدَةً إِلَى الْغَدِ ثُمَّ تُرَدُّ إِلَى مَوْضِعِ مَطْلَعِهَا وَ مَعَهَا مَلَكَانِ يَهْتِفَانِ مَعَهَا وَ إِنَّ وَجْهَهَا لِأَهْلِ السَّمَاءِ وَ قَفَاهَا لِأَهْلِ الْأَرْضِ وَ لَوْ
____________
(1) في المصدر: بنور النهار.
(2) في المصدر: فى الشتاء.
(3) في المصدر: إذا غطى.
(4) مجمع البيان: ج 10،(ص)504.
(5) مجمع البيان: ج 10،(ص)568.
142
كَانَ وَجْهُهَا لِأَهْلِ الْأَرْضِ لَأَحْرَقَتِ الْأَرْضَ (1) وَ مَنْ عَلَيْهَا مِنْ شِدَّةِ حَرِّهَا وَ مَعْنَى سُجُودِهَا مَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ (2).
توضيح ثلاثمائة و ستين برجا لعل المراد بالبرج الدرجات التي تنتقل إليها بحركاتها الخاصة أو المدارات التي تنتقل إلى واحد منها كل يوم فيكون هذا العدد مبنيا على ما هو الشائع بين الناس من تقدير السنة به و إن لم يكن مطابقا لشيء من حركتي الشمس و القمر مثل جزيرة من جزائر العرب أي نسبتها إلى الفلك نسبة جزيرة من الجزائر إلى الأرض أو الغرض التشبيه في أصل العظمة
____________
(1) لاحترقت (خ).
(2) روضة الكافي: 157. اقول: فى سند الرواية ارسال، لان ابا الصباح الكنانيّ ولد بعد وفاة الأصبغ بأكثر من ثلاثين سنة لانه على ما صرّح به ابن داود مات بعد السبعين و المائة و هو ابن نيف و سبعين سنة، و الأصبغ لم يبق إلى وقعة الطف الواقعة في سنة الستين و مع ذلك تشتمل على أمور تحتاج إلى التوجيه:
منها البروج التي تنزل الشمس فيها، و لعلّ المراد بها- على فرض الصدور- الدرجات التي ينقسم مدارها إليها، و كون كل واحدة منها بمنزلة جزيرة العرب كناية عن طولها وسعتها و لعل «جزائر العرب» من خطأ النسّاخ او الرواة، فانها ليست الا شبه جزيرة واحدة.
و منها سجود الشمس بعد غروبها عند انتهائها إلى حدّ بطنان العرش، و لعله بيان تمثيلى لكيفية انقياد الشمس لامر اللّه تعالى من عظمتها و شدة بأسها، و لعلّ تخصيص السجود بما بعد الغروب رعاية لافهام العوام حيث يصعب عليهم قبول سجودها مع ما يرون من حالها، لكن بعد غروبها و غيبوبتها عن أعينهم يسهل عليهم تجويزه. و اما «حد بطنان العرش» فالظاهر انه من تتمة التمثيل و ليس المراد به نقطة خاصّة حتّى يتكلف لتعيينها، و سيأتي من العلامة المؤلّف- ره انها في جميع الأوقات خاضعة ساجدة تحت عرش الرحمن. و منها ان وجه الشمس لاهل السماء و قفاها لاهل الأرض، و لعله كناية عن شدة حرارتها، و لا يمكن الاخذ بظاهره لمنافاته مع اخبار كثيرة مضافا إلى مخالفته مع الأصول الهيوية و سيأتي في رواية محمّد بن مسلم تحت الرقم 28 انها إذا بلغت الجو قلبت ظهر البطن فصار ما يلي الأرض إلى السماء. هذا ما خطر بالبال و اللّه أعلم بحقيقة الحال.
143
لا خصوص المقدار و المقصود بيان سرعة حركتها و إن كانت بطيئة بالنسبة إلى الحركة اليومية قال الفيروزآبادي جزيرة العرب ما أحاط به بحر الهند و بحر الشام ثم دجلة و الفرات أو ما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولا و من جدة إلى (1) ريف العراق عرضا (2) فإذا غابت أي بالحركة اليومية إلى حد بطنان العرش أي وسطه و لعل المراد وصولها إلى دائرة نصف النهار من تحت الأرض فإنها بحذاء أوساط العرش بالنسبة إلى أكثر المعمورة إذ ورد في الأخبار أن العرش محاذ للكعبة فلم تزل ساجدة أي مطيعة خاضعة منقادة جارية بأمره تعالى حتى ترد إلى مطلعها و المراد بمطلعها ما قدر أن تطلع منه في هذا اليوم أو ما طلعت فيه في السنة السابقة في مثله و قوله و معنى سجودها يحتمل أن تكون من تتمة الخبر لبيان أنه ليس المراد بالسجود ما هو المصطلح و لعل الأظهر أنه من كلام الكليني أو غيره من الرواة و سيأتي تفسير الآية في محله.
2- الْكَافِي، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وَ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ جَمِيعاً عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مِهْزَمٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَ مَعَهَا أَرْبَعَةُ أَمْلَاكٍ مَلَكٌ يُنَادِي يَا صَاحِبَ الْخَيْرِ أَتِمَّ وَ أَبْشِرْ وَ مَلَكٌ يُنَادِي يَا صَاحِبَ الشَّرِّ انْزِعْ وَ أَقْصِرْ وَ مَلَكٌ يُنَادِي أَعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً وَ آتِ مُمْسِكاً تَلَفاً وَ مَلَكٌ يَنْضِحُهَا (3) بِالْمَاءِ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ اشْتَعَلَتِ الْأَرْضُ (4).
بيان يحتمل أن يكون النضح بالماء كناية عن بث الأجزاء المائية في الهواء
____________
(1) في المصدر «اطراف ريف العراق» و الريف: ارض فيها زرع و خصب.
(2) القاموس المحيط: ج 1(ص)389.
(3) نضحه بالماء: رشه. اقول: يمكن انطباق ذلك على ما ادعاه الفلكيون من اهل العصران للشمس أمطارا غزيرة جدا تنزل عليها من السحب المحيطة بها، و ادعى أهل الارصاد انهم رأوا بالآلات الحديثة امتداد خطوط منحنية على سطح الشمس تشبه حال نزول المطر و جريان الرياح.
(4) لم يوجد في المصدر.
144
بسبب الأنهار و البحار و الآبار و غيرها فإنه لولاها لكان تأثير الحرارة في الهواء و الأرض و الأبدان و الأشجار و النباتات أكثر و أقول قال السيد الداماد في بعض زبره
- فِيمَا نَقَلَهُ رَهْطٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِمَّا اسْتَفَادَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ لِلشَّمْسِ مِائَةً وَ ثَمَانِينَ مَنْزِلًا فِي مِائَةٍ وَ ثَمَانِينَ يَوْماً ثُمَّ إِنَّهَا تَعُودُ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي أَمْثَالِ تِلْكَ الْأَيَّامِ وَ مَجْمُوعُ تِلْكَ الْأَيَّامِ سَنَةٌ.
و قال علامتهم المفسر الأعرج النيسابوري في تفسيره إن صح هذا عنه فلعله أراد تصاعدها على دائرة نصف النهار و تنازلها منها في أيام السنة أو أراد نزولها في فلكها الخارج المركز من الأوج إلى الحضيض ثم صعودها من الحضيض إلى الأوج فإن لها بحسب كل جزء من تلك الأجزاء في كل يوم من تلك الأيام تعديلا خاصا زائدا أو ناقصا و نحن نقول ذلك تجشم و تكلف بل أراد بمنازلها في أيام السنة مداراتها اليومية بحسب أجزاء مدارها الذي عليه طول السنة بحركتها الخاصة فإن ذلك المدار في سطح منطقة البروج مقاطعا لمنطقة معدل النهار على نقطتي الاعتدالين و كل جزءين من أجزائه شماليين أو جنوبيين هما متساويا البعد عن إحدى نقطتي الانقلابين و بعد أحدهما عن إحدى نقطتي الاعتدالين كبعد الآخر عن الأخرى فإنهما متحدان في المدار اليومي فالشمس بحسب كونها في أجزاء مدارها بحركتها الخاصة تعود بالحركة الشرقية في الربع الصيفي من أرباع السنة إلى مداراتها اليومية الربيعية و في الربع الشتوي إلى مداراتها اليومية الخريفية ففي النصف الشتوي و الربيعي من السنة تعود إلى مداراتها الخريفية و الصيفية و في النصف الصيفي و الخريفي إلى مداراتها الربيعية و الشتوية فاحفظ بذلك فإنه من بدائع الصنائع الإلهية.
3- التَّوْحِيدُ، وَ الْمَجَالِسُ، لِلصَّدُوقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْأَسَدِيِّ عَنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ النَّخَعِيِّ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ الْبَلْخِيِّ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى (1) عَنْ
____________
(1) بفتح الهمزة و اسكان الباء الموحدة بعدها زاى معجمة- كذا في شرح المسلم من.
145
أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ: كُنْتُ آخِذاً بِيَدِ النَّبِيِّ(ص)وَ نَحْنُ نَتَمَاشَى جَمِيعاً فَمَا زِلْنَا نَنْظُرُ إِلَى الشَّمْسِ حَتَّى غَابَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ تَغِيبُ قَالَ فِي السَّمَاءِ ثُمَّ تَرْفَعُ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ حَتَّى تَرْفَعَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ الْعُلْيَا حَتَّى تَكُونَ تَحْتَ الْعَرْشِ فَتَخِرَّ سَاجِدَةً فَتَسْجُدُ مَعَهَا الْمَلَائِكَةُ الْمُوَكَّلُونَ بِهَا ثُمَّ تَقُولُ يَا رَبِّ مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَطْلُعَ أَ مِنْ مَغْرِبِي أَمْ مِنْ مَطْلَعِي فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (1) يَعْنِي بِذَلِكَ صُنْعَ الرَّبِّ الْعَزِيزِ فِي مُلْكِهِ بِخَلْقِهِ قَالَ فَيَأْتِيهَا جَبْرَئِيلُ بِحُلَّةِ ضَوْءٍ مِنْ نُورِ الْعَرْشِ عَلَى مَقَادِيرِ سَاعَاتِ النَّهَارِ فِي طُولِهِ فِي الصَّيْفِ أَوْ قِصَرِهِ فِي الشِّتَاءِ أَوْ مَا بَيْنَ ذَلِكَ فِي الْخَرِيفِ وَ الرَّبِيعِ قَالَ فَتَلْبَسُ تِلْكَ الْحُلَّةَ كَمَا يَلْبَسُ أَحَدُكُمْ ثِيَابَهُ ثُمَّ تَنْطَلِقُ بِهَا فِي جَوِّ السَّمَاءِ حَتَّى تَطْلُعَ مِنْ مَطْلَعِهَا قَالَ النَّبِيُّ(ص)فَكَأَنِّي بِهَا قَدْ حُبِسَتْ مِقْدَارَ ثَلَاثِ لَيَالٍ ثُمَّ لَا تُكْسَى ضَوْءً وَ تُؤْمَرُ أَنْ تَطْلُعَ مِنْ مَغْرِبِهَا فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ وَ الْقَمَرُ كَذَلِكَ مِنْ مَطْلَعِهِ وَ مَجْرَاهُ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ وَ مَغْرِبِهِ وَ ارْتِفَاعِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَ يَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ وَ جَبْرَئِيلُ يَأْتِيهِ بِالْحُلَّةِ مِنْ نُورِ الْكُرْسِيِّ فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً قَالَ أَبُو ذَرٍّ ره ثُمَّ اعْتَزَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَصَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ (2).
____________
باب التيمم- هو عبد الرحمن بن أبزى الخزاعيّ مولى نافع بن عبد الحرث، قال البخارى: له صحبة، و قال ابن أبي داود: تابعي.
(1) يس: 38.
(2) التوحيد: 203. اقول: الظاهر أن مبنى البيان في هذا الخبر و امثاله- على فرض الصدور- على التمثيل و الإشارة إلى كيفية انقياد الشمس و القمر لامر اللّه تعالى، و إلى ان ضوء الشمس يفاض عليها تدريجا من مبدإ وجودى عال و مصدر ربانى شريف هو العرش و هو حلة تلبسها كما يلبس الناس ثيابهم، و فيه إشارة إلى أن سائر الكائنات أيضا تنال حظوظها الوجودية في كل آن من المبادئ العالية و هي عارية عندهم تسترد عند حينونة اجلها، و يكفى لسلبها عدم الاعطاء في الآن الثاني، كما ان الشمس و النجوم ستسلب ضوءها و لا تعطى حللها فتنكدر، قال العلامة المؤلّف (رحمه اللّه) في شرح الخبر 14 من هذا الباب فهي- يعنى الشمس-.
146
بيان قد يحمل أكثر ما ورد في الخبر على الاستعارة التمثيلية و المجاز الشائع في كلام العرب و الله يعلم حقائق الأمور.
4- تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ (1) عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ الْمُسْتَنِيرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)قَالَ: إِنَّ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي قَدَّرَهَا اللَّهُ لِلنَّاسِ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ الْبَحْرَ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ قَالَ وَ إِنَّ اللَّهَ قَدَّرَ فِيهِ مَجَارِيَ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ النُّجُومِ وَ الْكَوَاكِبِ ثُمَّ قَدَّرَ ذَلكَ كُلَّهُ عَلَى الْفَلَكِ ثُمَّ وَكَّلَ بِالْفَلَكِ مَلَكاً مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ فَهُمْ يُدِيرُونَ الْفَلَكَ فَإِذَا أَدَارُوهُ دَارَتِ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْكَوَاكِبُ مَعَهُ فَنَزَلَتْ فِي مَنَازِلِهَا
____________
فى كل آن باعتبار امكانها مسلوبة النور و الصفات و الوجود بحسب ذاتها و انما تكتسب جميع ذلك من خالقها و مدبرها فهي في جميع الأوقات و الازمان تحت عرش الرحمن و قدرته متحيرة في امرها ساجدة خاضعة لربها- إلى ان قال- و انما او مات لك إلى بعض الاسرار ليمكنك فهم غوامض الاخبار (انتهى كلامه رفع مقامه) و لعلّ السرّ في الفرق بين نور الشمس و نور القمر بكون الأول من العرش و الثاني من نور الكرسيّ ان الواسطة في القمر أكثر بواحدة من الشمس هي هى، كما أن نور الكرسيّ من نور العرش فتفطن. يبقى السؤال عن علة عدم بيان حقيقة حال الشمس و القمر في الطلوع و الغروب و غيرهما من الأحوال، و الجواب ان بيان حقيقة هذه الأمور و ايضاحها بتوقف على مقدمات علمية و شرائط ذهنية يتعذر التفهيم بدونها و من المعلوم عدم وجود تلك الشرائط في ذلك الزمان و غرض النبيّ و الأئمّة (عليهم السلام) من بيان الأمور التكوينية سوق الإنسان إلى الجانب الربوبى: و هدايته إلى معرفة اللّه تعالى و صفاته و أسمائه بمعرفة آياته الآفاقية و الانفسية و إلّا فتعليم الطبيعيات و الفلكيات ممّا هو خارج عن شأن النبيّ و اوصيائه (عليهم السلام).
(1) لم نجد في تراجم الخاصّة و العامّة من يسمى «عبد اللّه بن يسار» و كذا «الحكم ابن المستنير» و الظاهر أنهما مصحفا «عبد اللّه بن سنان» و «الحكم بن المستورد» كما في سند الكافي، ثمّ الظاهر ان الصحيح هو «الحكم بن المستور» بلا دال في آخره كما في «جامع الرواة- ج 1،(ص)267» قال: معروف بن خربوذ عنه عن عليّ بن الحسين (عليهما السلام) في حديث البحر مع الشمس في كتاب الروضة (انتهى) و على أي تقدير فلم نظفر له على مدح أو ذم في كتب الرجال.
147
الَّتِي قَدَّرَهَا اللَّهُ فِيهَا (1) لِيَوْمِهَا وَ لَيْلَتِهَا وَ إِذَا كَثُرَتْ ذُنُوبُ الْعِبَادِ وَ أَرَادَ اللَّهُ (2) أَنْ يَسْتَعْتِبَهُمْ بِآيَةٍ مِنْ آيَاتِهِ أَمَرَ الْمَلَكَ الْمُوَكَّلَ بِالْفَلَكِ أَنْ يُزِيلَ الْفَلَكَ الَّذِي عَلَيْهِ مَجَارِي الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ النُّجُومِ وَ الْكَوَاكِبِ فَيَأْمُرُ الْمَلَكُ أُولَئِكَ السَّبْعِينَ الْأَلْفَ (3) الْمَلَكِ أَنْ يُزِيلُوا الْفَلَكَ عَنْ مَجَارِيهِ قَالَ فَيُزِيلُونَهُ فَتَصِيرُ الشَّمْسُ فِي ذَلِكَ الْبَحْرِ الَّذِي يَجْرِي الْفَلَكُ فِيهِ فَيَطْمِسُ (4) ضَوْؤُهَا (5) وَ يُغَيَّرُ (6) لَوْنُهَا فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُعَظِّمَ الْآيَةَ طَمَسَتِ الشَّمْسُ فِي الْبَحْرِ عَلَى مَا يُحِبُّ اللَّهُ أَنْ يُخَوِّفَ خَلْقَهُ (7) بِالْآيَةِ فَذَلِكَ عِنْدَ شِدَّةِ انْكِسَافِ الشَّمْسِ وَ كَذَلِكَ يُفْعَلُ بِالْقَمَرِ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُخْرِجَهُمَا (8) وَ يَرُدَّهُمَا إِلَى مَجْرَاهُمَا أَمَرَ الْمَلَكَ الْمُوَكَّلَ بِالْفَلَكِ أَنْ يَرُدَّ الشَّمْسَ (9) إِلَى مَجْرَاهَا فَيَرُدُّ الْمَلَكُ (10) الْفَلَكَ إِلَى مَجْرَاهُ فَتَخْرُجُ مِنَ الْمَاءِ وَ هِيَ كَدِرَةٌ وَ الْقَمَرُ مِثْلُ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع)أَمَا إِنَّهُ لَا يَفْزَعُ لَهُمَا وَ لَا يَرْهَبُ (11) إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْ شِيعَتِنَا فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى اللَّهِ (12) وَ رَاجِعُوا قَالَ وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)الْأَرْضُ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ الْخَرَابُ مِنْهَا مَسِيرَةُ أَرْبَعِمِائَةِ عَامٍ وَ الْعُمْرَانُ مِنْهَا مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ وَ الشَّمْسُ سِتُّونَ فَرْسَخاً فِي سِتِّينَ فَرْسَخاً وَ الْقَمَرُ
____________
(1) لها (خ).
(2) في الفقيه، و أحبّ اللّه.
(3) في الكافي، السبعين الف ملك.
(4) فينطمس به (خ).
(5) حرها (خ) كذا في الكافي.
(6) يتغير (خ).
(7) في الفقيه: عباده.
(8) في الكافي و الفقيه: أن يجليها.
(9) في الكافي: ان يرد الفلك.
(10) في الكافي و الفقيه: فيرد الفلك فترجع الشمس إلى مجريها.
(11) في الكافي و الفقيه: و لا يرهب بهاتين الآيتين.
(12) في الكافي: إلى اللّه عزّ و جلّ ثمّ ارجعوا إليه.
148
أَرْبَعُونَ فَرْسَخاً فِي أَرْبَعِينَ فَرْسَخاً بُطُونُهُمَا يُضِيئَانِ لِأَهْلِ السَّمَاءِ وَ ظُهُورُهُمَا لِأَهْلِ الْأَرْضِ وَ الْكَوَاكِبُ كَأَعْظَمِ جَبَلٍ عَلَى الْأَرْضِ وَ خَلَقَ الشَّمْسَ قَبْلَ الْقَمَرِ.
وَ قَالَ سَلَّامُ بْنُ الْمُسْتَنِيرِ قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ(ع)لِمَ صَارَتِ الشَّمْسُ أَحَرَّ مِنَ الْقَمَرِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الشَّمْسَ مِنْ نُورِ النَّارِ وَ صَفْوِ الْمَاءِ طَبَقاً مِنْ هَذَا وَ طَبَقاً مِنْ هَذَا حَتَّى إِذَا صَارَتْ سَبْعَةَ أَطْبَاقٍ أَلْبَسَهَا لِبَاساً مِنْ نَارٍ فَمِنْ هُنَالِكَ (1) صَارَتْ أَحَرَّ مِنَ الْقَمَرِ قُلْتُ فَالْقَمَرُ قَالَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْقَمَرَ مِنْ ضَوْءِ نُورِ النَّارِ وَ صَفْوِ الْمَاءِ طَبَقاً مِنْ هَذَا وَ طَبَقاً مِنْ هَذَا حَتَّى إِذَا صَارَتْ سَبْعَةَ أَطْبَاقٍ أَلْبَسَهَا لِبَاساً مِنْ مَاءٍ فَمِنْ هُنَالِكَ (2) صَارَ الْقَمَرُ أَبْرَدَ مِنَ الشَّمْسِ (3).
- الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ الْمُسْتَوْرِدِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ ثُمَّ ارْجِعُوا إِلَيْهِ (4).
- الفقيه، عنه(ع)مرسلا مثله (5)
____________
(1) فمن ثمّ (خ).
(2) فمن ثمّ (خ).
(3) تفسير عليّ بن إبراهيم: 379.
(4) روضة الكافي: 83.
(5) الفقيه: 141، اقول: مما اتفق عليه أصحاب الهيئة القديمة و الجديدة ان الكسوف إنّما يكون بحيلولة القمر بين الأرض و الشمس و الخسوف بحيلولة الأرض بين القمر و الشمس و لا يختص الانكساف بهما بل يوجد في سائر الكواكب التي تدور حول الشمس أيضا، لكن كون تلك الحيلولة موجبة له لا ينفى وجود سبب آخر له أيضا، نعم يعد غيره سببا غير عادى، فلا ينقض قول الهيويين في هذا الباب بالانكسافات و الانخسافات الخارقة للعادة كما لا ينقض قول الطبيعيين في سببية النار للحرارة و الاحراق بصيرورتها بردا و سلاما على إبراهيم (عليه السلام) فان الأسباب قد تمنع من التأثير لموانع خفية و لمعارضتها مع سبب اقوى منها، و اما البحر المذكور في الرواية فلتفسيره وجوه يذكرها المؤلّف- (رحمه اللّه)- و منها ان المراد به ظل الشمس و القمر، و لعله اقرب الوجوه، و السر في عدم بيان حقيقة الحال و الاكتفاء بالبيان الاستعارى هو ان النفوس الضعيفة انما تنقطع إلى الأسباب و اعينهم لا تنفذ منها إلى مسببها و قيومها، فكلما اسندت الافعال إلى أسبابها المادية ازداد تعلقهم بها و انتقص توجههم إلى قيومها.
149
توضيح أن من الآيات كذا في الفقيه و بعض نسخ التفسير و في بعضها الأوقات و الأول أصوب و في الكافي من الأقوات أي أسبابها قدر فيه أي في البحر أي عليه و محاذيا له أو جعله بحيث يمكن أن يجري الكواكب فيه عند الحاجة و في الكتابين فيها فالمراد أيضا البحر بتأويل الآية و يمكن إرجاعه إلى الآيات أو إلى السماء و قدر ذلك أي الجريان كله على الفلك أي الفلك الأعظم أو فلك الكوكب و الأول أظهر و في الفقيه هكذا أمر الملك الموكل بالفلك أن يزيل الفلك عن مجاريه قال فيأمر الملك السبعين الألف الملك أن أزيلوا الفلك إلى قوله في ذلك البحر الذي كان فيه الفلك و فيهما فإذا أراد الله أن يجليها و يردها إلى مجراها أمر الملك الموكل بالفلك أن يرد الفلك إلى مجراه فيرد الفلك و ترجع الشمس إلى مجراها قال فتخرج و في الفقيه أما إنه لا يفزع للآيتين و لا يرهب إلا من كان من شيعتنا قوله(ع)أن يستعتبهم أي يطلب
____________
فلا بدّ للاطباء الالهيين و المربين الربانيّين لسوق أكثر الناس إلى ربهم و قطع توجههم عن اصنامهم من اسقاط الأسباب العادية، و حذف الوسائط المادية، و اسناد الافعال إلى اللّه تعالى بلا واسطة او بالوسائط الغيبية، حتى تنقطع قلوبهم إلى العالم الغيبى، و تتعلق نفوسهم بالجانب الربوبى نعم للّه تعالى عباد لا تشغلهم حجب الوسائط، و لا يغرهم سراب الأسباب، يخافون ربهم في كل شدة، و يفزعون إليه في كل بلية، يطمئنون بذكره، و ينقطعون إليه في جميع الشئون و الأحوال، و هو وليهم في الدنيا و الآخرة فإذا أحسوا بحادثة تقبل أو بلية تنزل لا يرون ملجأ إلّا اللّه و لا حول و لا قوة إلّا باللّه، و هذا هو السر في قول الإمام (عليه السلام) «اما انه لا يفزع لهما و لا يرهب إلّا من كان من شيعتنا» مع ما نرى من رهبة سائر الناس منهما فتبصر و لا يخفى أنّه ليس الكسوف و الخسوف عند المنجّمين امرين ساذجين فاقدين للاهمية رأسا، أما عند القدماء الاحكاميين فلانهم أثبتوا لها بحسب ما يدعون من التجارب تأثيرات في العالم الارضى مذكورة في زبرهم و تقاويمهم، و اما عند المتأخرين من علماء الاروبة فلما يرون لهما من الموقعية الهيوية الهامة لوقوع القمر و الأرض عند الكسوف و الخسوف في امتداد جاذبى خطير و على أن تقدير فينبغي للمؤمن المستبصر عند وقوع هذه الحادثة الجوية و سائر الآيات الخطيرة الانقطاع التام إلى ربّ السماوات و الأرض و الانابة إلى قيوم العوالم العلوية و السفلية، فهو الذي يدبر الأمور و يقدرها، و يحول الأحوال و يغيرها و هو على كل شيء قدير.
150
عتباهم و رجوعهم أو يحملهم على ما يوجب الرضا و في القاموس العتب الموجدة و الغضب و العتبى الرضا و استعتبه أعطاه العتبى كأعتبه و طلب إليه العتبى ضد (1) وَ إِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ أي إن يستقيلوا ربهم لم يقلهم أي لم يردهم إلى الدنيا قوله فيطمس ضوؤها أي بعض ضوئها قوله طمست الشمس أي كلها أو أكثرها بحسب ما يراه في تأديبهم من المصلحة قوله(ع)و هي كدرة أي بعد ما كانت كدرة أو تبقى فيها كدورة قليلة بعد الخروج أيضا في زمان قليل قوله(ع)إلا من كان من شيعتنا لأنهم يؤمنون بهذا و أما أكثر الخلق الذين يسندونهما إلى حركات الأفلاك فلا يرهبون لهما.
تفصيل كلام لرفع أوهام اعلم أن الفلاسفة ذهبوا إلى أن جرم القمر مظلم كثيف صقيل يقبل من الشمس الضوء لكثافته و ينعكس عنه لصقالته فيكون أبدا المضيء من جرمه الكري أكثر من النصف بقليل لكون جرمه أصغر من جرم الشمس و قد ثبت في الأصول أنه إذا قبل الضوء كرة صغرى من كرة أعظم منها كان المضيء من الصغرى أعظم من نصفها و تفصل بين المضيء و المظلم دائرة قريبة من العظيمة تسمى دائرة النور و تفصل بين ما يصل إليه نور البصر من جرم القمر و بين ما لا يصل دائرة تسمى دائرة الرؤية و هي أيضا قريبة من العظيمة لما ثبت في 24 من مناظر أقليدس أن ما يرى من الكرة يكون أصغر من نصفها و هاتان الدائرتان يمكن أن تتطابقا و قد تتفارقان إما متوازيتين أو متقاطعتين أو لا ذا و لا ذاك و قد تؤخذان عظيمتين إذ لا تفاوت في الحس بين كل منهما و بين العظيمة و يجعل ما يقارب التطابق تطابقا فإذا اجتمعت الشمس و القمر صار وجهه المضيء إليها و المظلم إلينا و تطابق الدائرتان و هو المحاق فإذا بعد عنها يسيرا تقاطعت الدائرتان على حواد و منفرجات فإذا بعد منها قريبا من اثنتي عشرة درجة يرى من وجهه المضيء ما وقع منه بين الدائرتين في جهة الحادتين اللتين إلى صوب الشمس و هو الهلال و لا تزال هذه القطعة تتزايد بتزايد البعد عن الشمس و الحواد تتعاظم
____________
(1) القاموس: ج 1،(ص)100.
151
و المنفرجات تتصاغر حتى يصير التقاطع بين الدائرتين على قوائم و يحصل التربيع فيرى من الوجه المضيء نصفه و لا يزال يتزايد المرئي من المضيء و يتعاظم انفراج الزاويتين الأولتين إلى وقت الاستقبال فتطابق الدائرتان مرة ثانية و يصير الوجه المضيء إلينا و إلى الشمس معا و هو البدر ثم يقع التقارب فيعود تقاطع الدائرتين على المختلفات أولا ثم على قوائم ثانيا و حصل التربيع الثاني ثم يئول الحال إلى التطابق فيعود المحاق و هكذا إلى ما شاء الله سبحانه.
و الكسوف عندهم حالة تعرض للشمس من عدم الاستنارة و الإنارة بالنسبة إلى الأبصار حين ما يكون من شأنها ذلك بسبب توسط القمر بينها و بين الأبصار و ذلك إذا وقع القمر على الخط الخارج من البصر إلى الشمس و يسمى ذلك بالاجتماع المرئي و يكون لا محالة على إحدى العقدتين الرأس أو الذنب أو بقربهما بحيث لا يكون للقمر عرض مرئي بقدر مجموع نصف قطرة و قطر الشمس فلا محالة يحول بين الشمس و بين البصر و يحجب بنصفه المظلم نورها من الناظرين بالكل و هو الكسوف الكلي أو البعض فالجزئي و لكونه حالة تعرض للشمس لا في ذاتها بل بالنسبة إلى الأبصار جاز أن يتفق الكسوف بالنسبة إلى قوم دون قوم كما إذا سترت السراج بيدك بحيث يراه القوم و أنت لا تراه و أن يكون كليا لقوم جزئيا لآخرين أو جزئيا للكل لكن على التفاوت و أما إذا كان عرض القمر المرئي بقدر نصف مجموع القطرين فيما بين جرم القمر و مخروط شعاع الشمس فلا يكون كسوف.
و أما خسوف القمر فيكون عندهم عند استقبال الشمس إذا كان على إحدى العقدتين أو بقربها بحيث يكون عرضه أقل من مجموع نصف قطرة و قطر مخروط ظل الأرض انحجبت بالأرض عن نور الشمس فيرى إن كان فوق الأرض على ظلامه الأصلي كلا أو بعضا و ذلك هو الخسوف الكلي أو الجزئي و أما إذا كان عرضه عن منطقة البروج بقدر نصف القطرين فلا ينخسف.
إذا عرفت هذا فالكلام في هذا الخبر على وجوه الأول أن يقال إن هذه مقدمات حدسية ظنية فإنه يمكن أن تكون هذه الاختلافات لجهة أخرى كما
152
قال ابن هيثم في اختلاف تشكلات القمر إنه يجوز أن يكون ذلك لأن القمر كرة مضيئة نصفها دون نصف و إنها تدور على مركز نفسها بحركة متساوية لحركة فلكها فإذا كان نصفه المضيء إلينا فبدر أو المظلم فمحاق و فيما بينهما يختلف قدر ما تراه من المضيء و أيضا يمكن أن يكون الفاعل المختار يحدث فيه نورا بحسب إرادته في بعض الأحيان و لا يحدث في بعضها فالحكم ببطلان الخبر أو تأويله غير مستقيم الثاني أنه يمكن أن يكون عند حدوث تلك الأسباب يقع المرور على البحر أيضا و يكون له أيضا مدخل في ذلك و امتناع الخرق و الالتئام على الأفلاك و عدم جواز الحركة المستقيمة فيها و امتناع اختلاف حركاتها و أمثال ذلك لم يثبتوها إلا بشبهات واهية و خرافات فاسدة لا يخفى وهنها على من تأمل بالإنصاف فيها مع أن القول بها يوجب نفي كثير من ضروريات الدين من المعراج و نزول الملائكة و عروجهم و خرق السماوات و طيها و انتشار الكواكب و انكسافها في القيامة إلى غير ذلك مما صرح به في القرآن المجيد و الأخبار المتواترة.
الثالث ما ذكره الصدوق ره في الفقيه حيث قال إن الذي يخبر به المنجمون فيتفق على ما يذكرونه ليس من هذا الكسوف في شيء و إنما يجب الفزع فيه (1) إلى المساجد و الصلاة لأنه آية تشبه آيات الساعة (2) و قال الشهيد ره في الذكرى في جملة فروع أوردها في أحكام صلاة الكسوف الرابع لو جامعت صلاة العيد بأن تجب بسبب الآيات المطلقة أو بالكسوفين نظرا إلى قدرة الله تعالى و إن لم يكن معتادا على أنه قد اشتهر أن الشمس كسفت يوم عاشوراء لما قتل الحسين(ع)كسفة بدت الكواكب فيها نصف النهار في ما رواه البيهقي و غيره و قد قدمنا أن الشمس كسفت يوم مات إبراهيم بن النبي(ص)و روى الزبير بن بكار في كتاب الأنساب أنه توفي في العاشر من شهر ربيع الأول و روى الأصحاب
____________
(1) ليس في المصدر لفظة «فيه».
(2) الفقيه: 141.
153
أن من علامات المهدي(ع)كسوف الشمس في النصف الأول من شهر رمضان إلى آخر ما قال.
و أقول رأيت في كثير من كتب الخاصة و العامة وقوع الكسوف و الخسوف في يوم عاشوراء و ليلته
وَ رَوَى الشَّيْخُ الْمُفِيدُ فِي الْإِرْشَادِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ الْأَزْدِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)آيَتَانِ تَكُونَانِ قَبْلَ الْقَائِمِ(ع)كُسُوفُ الشَّمْسِ فِي النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ وَ خُسُوفُ الْقَمَرِ فِي آخِرِهِ قَالَ قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ تَنْكَسِفُ الشَّمْسُ فِي نِصْفِ (1) الشَّهْرِ وَ الْقَمَرُ فِي آخِرِهِ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)أَنَا أَعْلَمُ بِمَا قُلْتُ إِنَّهُمَا آيَتَانِ لَمْ تَكُونَا مُنْذُ هَبَطَ آدَمُ(ع)(2).
وَ رَوَاهُ فِي الْكَافِي عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ بَدْرِ بْنِ الْخَلِيلِ الْأَزْدِيِّ قَالَ: كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فَقَالَ آيَتَانِ تَكُونَانِ قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ(ع)لَمْ تَكُونَا مُنْذُ هَبَطَ آدَمُ(ع)إِلَى الْأَرْضِ تَنْكَسِفُ الشَّمْسُ فِي النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ وَ الْقَمَرُ فِي آخِرِهِ فَقَالَ رَجُلٌ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ تَنْكَسِفُ الشَّمْسُ فِي آخِرِ الشَّهْرِ وَ الْقَمَرُ فِي النِّصْفِ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)إِنِّي أَعْلَمُ مَا تَقُولُ وَ لَكِنَّهُمَا آيَتَانِ لَمْ تَكُونَا مُنْذُ هَبَطَ آدَمُ(ع)(3).
و الأخبار في ذلك كثيرة أوردتها في سائر المجلدات لا سيما في الثالث عشر.
الرابع ما أوله بعض المتفلسفين و هو أن المراد بالبحر في الكسوف ظل القمر و في الخسوف ظل الأرض على الاستعارة و وجدت في بعض الكتب مناظرة لطيفة وقعت بين رجل من المدعين للإسلام يذكر هذا التأويل للخبر و بين رجل من براهمة الهند قال له حين سمع ذلك التأويل منه لا يخلو من أن يكون مراد
____________
(1) في المصدر «تكسف الشمس في آخر الشهر و القمر في النصف» كما في رواية الكافي فعلى نسخة المتن يكون كلام الراوي استفهاما عن تعجب، و على نسخة المصدر يكون بيانا للعادة إمّا عن تعجب او عن توهم السهو للامام (عليه السلام).
(2) إرشاد المفيد: 239.
(3) روضة الكافي: 212.
154
صاحب شريعتك ما ذكرت أم لا فإن لم يكن مراده ذلك فالويل لك حيث اجترأت على الله و عليه و حملت كلامه على ما لم يرده و افتريت عليه و إن كان مراده ذلك فله غرض في التعبير بهذه العبارة و مصلحة في عدم التصريح بالمراد لقصور أفهام عامة الخلق عن فهم الحقائق فالويل لك أيضا حيث نقضت غرضه و أبطلت مصلحته و هتكت سره (1).
و أقول هذا الكلام متين و إن كان قائله على ما نقل من الكافرين لأن عقول العباد قاصرة عن فهم الأسباب و المسببات و كيفية نزول الأنكال و العقوبات فإذا سمعوا المنجم يخبر بوقوع الكسوف أو الخسوف في الساعة الفلانية بمقتضى حركات الأفلاك لم يخافوا عند ذلك و لم يفزعوا إلى ربهم و لم يرتدعوا به عن معصيته و لم يعدوه من آثار غضب الله تعالى لأنهم لا يعلمون أنه يمكن أن يكون الصانع القديم و القادر الحكيم لما خلق العالم و قدر الحركات و سبب الأسباب و المسببات و علم بعلمه الكامل أحوالهم و أفعالهم في كل عصر و زمان و كل دهر و أوان و علم ما يستحقون من التحذير و التنذير قدر حركات الأفلاك على وجه يطابق الخسوف و الكسوف و غيرهما من الآيات بقدر ما يستحقونه بحسب أحوالهم من الإنذارات و العقوبات و هذا باب دقيق يعجز عنه أفهام أكثر الخلق و بالجملة الحديث و إن كان خبرا واحدا غير نقي السند لكن لا يحسن الجرأة على رده و ينبغي التسليم له في الجملة و إن صعب على العقل فهمه فإنه سبيل أرباب التسليم الثابتين على الصراط المستقيم.
قوله(ع)و الأرض مسيرة خمسمائة عام لعل المراد أنه إذا أراد إنسان أن يدور جميع الأرض و يطلع على جميع بقاعه الظاهرة و الغائرة لا يكون إلا في خمسمائة سنة و كذا المعمور و غير المعمور إذ لو كان المراد المسير على عظيمة محيطة بالأرض يكون ذلك في قليل من السنين إن كانت مساحتهم المذكورة في كتبهم حقة لأنهم قالوا مساحة
____________
(1) كلام الهندى لا يخلو عن مناقشة، لان قصور افهام عامة الخلق لا يوجب كتمان الحقائق حتى عن الخواص و المستعدين، نعم يوجب كتمانها عن القاصرين فقط.
155
محيط دائرة عظيمة تفرض على الأرض ثمانية آلاف فرسخ فيمكن قطعه في ثلاث سنين تقريبا و كون الشمس ستون فرسخا لعله بالفراسخ السماوية أو المراد أن نسبتها إلى فلكها كنسبة تلك الفراسخ إلى الأرض و كذا القمر أو المراد به العدد الكثير عبر هكذا تقريبا إلى فهم السائل و كذا المراد بكون الكواكب كأعظم جبل أن نسبة كل منها إلى السماء كنسبة أعظم جبل إلى الأرض كل ذلك بناء على صحة ما ذكره أصحاب الهيئة و هو غير معلوم فإنهم عولوا في ذلك على مساحات و أرصاد تصدى جماعة من الكفرة لتحقيقها و ضبطها و خلق الشمس قبل القمر يدل على حدوثهما و الله يعلم حقائق مخلوقاته و من عرفهم تلك من حججه ع.
5- الْكَافِي، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي النَّوَارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ(ع)جُعِلْتُ فِدَاكَ لِأَيِّ شَيْءٍ صَارَتِ الشَّمْسُ أَشَدَّ حَرَارَةً مِنَ الْقَمَرِ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الشَّمْسَ مِنْ نُورِ النَّارِ وَ صَفْوِ الْمَاءِ طَبَقاً مِنْ هَذَا وَ طَبَقاً مِنْ هَذَا حَتَّى إِذَا كَانَتْ سَبْعَةَ أَطْبَاقٍ (1) أَلْبَسَهَا لِبَاساً مِنْ نَارٍ فَمِنْ ثَمَّ صَارَتْ أَشَدَّ حَرَارَةً مِنَ الْقَمَرِ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ وَ الْقَمَرُ (2) قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ خَلَقَ الْقَمَرَ مِنْ ضَوْءِ نُورِ (3) النَّارِ وَ صَفْوِ الْمَاءِ طَبَقاً مِنْ هَذَا وَ طَبَقاً مِنْ هَذَا حَتَّى إِذَا كَانَتْ (4) سَبْعَةَ أَطْبَاقٍ أَلْبَسَهَا لِبَاساً مِنْ مَاءٍ فَمِنْ ثَمَّ صَارَ الْقَمَرُ أَبْرَدَ مِنَ الشَّمْسِ (5).
العلل، و الخصال، عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن يحيى العطار عن محمد بن أحمد الأشعري عن عيسى بن محمد عن علي بن مهزيار عن علي بن حسان
____________
(1) في العلل: إذا صار.
(2) في الخصال: فما القمر؟ فقال.
(3) في الخصال: من نور النار.
(4) في العلل و الخصال: حتى إذا صارت.
(5) روضة الكافي: 241.
156
عن أبي أيوب عن محمد بن مسلم مثله (1) توضيح قوله(ع)حتى إذا كانت سبعة أطباق يحتمل أن يكون المعنى أن الطبقة السابعة فيها من نار فيكون حرارتها لجهتين لكون طبقات النار أكثر بواحدة و كون الطبقة العليا من النار و يحتمل أن يكون لباس النار طبقة ثامنة فتكون الحرارة للجهة الثانية فقط و كذا في القمر يحتمل الوجهين ثم إنه يحتمل أن يكون خلقهما من النار و الماء الحقيقيين من صفوهما و ألطفهما و أن يكون المراد جوهرين لطيفين مشابهين لهما في الكيفية و لم يثبت امتناع كون العنصريات في الفلكيات ببرهان و قد دل الشرع على وقوعه في مواضع شتى.
6- الْإِحْتِجَاجُ، رَوَى الْقَاسِمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْقَمَرَ كَتَبَ عَلَيْهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ هُوَ السَّوَادُ الَّذِي تَرَوْنَهُ (2).
7- الْخِصَالُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْهِسَنْجَانِيِّ عَنْ سَعْدِ (3) بْنِ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَ رُشَيْدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ حَرِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَبَلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فِي مَرَضِهِ
____________
(1) العلل: ج 2،(ص)263، الخصال: 10.
(2) الاحتجاج: 83 أقول: لعل معنى الرواية ان نظام الكون يشهد بصحة هذه الأصول الثلاثة اما التوحيد فظاهر و اما النبوّة فلان اللّه تعالى يهدى بها النوع الانسانى إلى كماله و صلاحه، فوجود المصالح في سائر اجزاء العالم شاهد على سنة الهية في الكون هي ايصال كل نوع إلى ما فيه صلاحه، و ينحصر طريق ذلك في النوع الانسانى بارسال الأنبياء، و اما الولاية فلانها ابقاء لآثار النبوّة و اكمال للدين. و اما دلالة سواد القمر على ذلك فلانه اشبه شيء بخط تكوينى على لوح صاف نير و سيأتي من العلامة المؤلّف (رحمه اللّه) نظير هذا التوجيه في ذيل الحديث (18) من هذا الباب.
(3) كذا، و الصحيح «سعيد بن كثير بن عفير» كما عنونه ابن حجر في لسان الميزان (6: 562) و الخزرجي في الخلاصة (120) و ذكر انه كان من اعلم الناس بالأنساب و الاخبار و المناقب و المثالب و كان أديبا فصيحا مات سنة (226).
157
الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ ادْعُوا إِلَيَّ أَخِي قَالَ فَأَرْسَلُوا إِلَى عَلِيٍّ(ع)فَدَخَلَ فَوَلَّيَا وُجُوهَهُمَا إِلَى الْحَائِطِ وَ رَدَّا عَلَيْهِمَا ثَوْباً فَأَسَرَّ إِلَيْهِ وَ النَّاسُ مُحْتَوِشُونَ وَرَاءَ الْبَابِ فَخَرَجَ عَلِيٌّ(ع)فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ أَسَرَّ إِلَيْكَ نَبِيُّ اللَّهِ شَيْئاً قَالَ نَعَمْ أَسَرَّ إِلَيَّ أَلْفَ بَابٍ فِي كُلِّ بَابٍ أَلْفُ بَابٍ وَ قَالَ وَعَيْتَهُ قَالَ نَعَمْ وَ عَقَلْتُهُ فَقَالَ فَمَا السَّوَادُ الَّذِي فِي الْقَمَرِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً قَالَ لَهُ الرَّجُلُ عَقَلْتَ يَا عَلِيُ (1).
بيان فوليا أي النبي و علي(ع)و يقال احتوش القوم على فلان أي جعلوه وسطهم و يقال وعاه أي حفظه و الظاهر أن السؤال كان عن علة الكلف في القمر فأجاب(ع)بأنه إنما جعل فيه ذلك ليقل نوره و يحصل الفرق بينه و بين الشمس فيمتاز الليل من النهار كما يدل عليه خبر ابن سلام فالمحو في الآية تقليل نور القمر بإحداث الكلف فيه و اعلم أنهم اختلفوا في سبب الكلف فقيل خيال لا حقيقة له و أورد عليه بأنه يستحيل عادة توافق جميع الناس في خيال واحد لا حقيقة له و قيل هو شبح ما ينطبع فيه من السفليات من الجبال و البحار و غيرها و زيف بأنه لو كان كذلك لكان يختلف باختلاف القمر في قربه و بعده و انحرافه عما ينطبع فيه و قيل هو السواد الكائن في الوجه الآخر و أورد عليه بأنه لو كان كذلك لم ير متفرقا و قيل و هو سحق النار للقمر و أجيب بأنه غير مماس للنار لأنه مركوز في تدوير هو في ثخن حامل فبينه و بين النار بعد بعيد و لو فرض أنه في حضيض التدوير مع كونه في حضيض الحامل لم يتصور هناك مماسة إلا بنقطة واحدة و أيضا فهو غير قابل للتسخن عندهم فكيف ينسحق بها و قيل هو جزء منه لا يقبل النور كسائر أجزائه القابلة له و أورد عليه أنه مخالف لما ذهبوا إليه من بساطة الفلكيات فيبطل جميع قواعدهم المبنية على بساطتها و قيل هو وجه القمر فإنه مصور بصورة إنسان فله عينان و حاجبان و أنف و فم و أجيب بأنه
____________
(1) الخصال: 157.
158
لا فائدة في جعل هذه الأجزاء فيه و قيل هو أجسام سماوية مختلفة معه في تدويره غير قابلة للإنارة حافظة لوضعها معه دائما و هذا أقرب الوجوه عندهم و كل ذلك قول بغير علم و لا نعلم من ذلك إلا أنه سبحانه خلقه كذلك و البحث عن سببه لا طائل تحته و سنذكر وجوها أخر بعد ذلك إن شاء الله.
8-الْعُيُونُ، وَ الْعِلَلُ، فِي خَبَرِ يَزِيدَ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ(ص)مَا بَالُ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ لَا يَسْتَوِيَانِ فِي الضَّوْءِ وَ النُّورِ قَالَ لَمَّا خَلَقَهُمَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَطَاعَا وَ لَمْ يَعْصِيَا شَيْئاً فَأَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ جَبْرَئِيلَ أَنْ يَمْحُوَ ضَوْءَ الْقَمَرِ فَمَحَاهُ فَأَثَّرَ الْمَحْوُ فِي الْقَمَرِ خُطُوطاً سَوْدَاءَ وَ لَوْ أَنَّ الْقَمَرَ تُرِكَ عَلَى حَالِهِ بِمَنْزِلَةِ الشَّمْسِ لَمْ يُمْحَ لَمَا عُرِفَ اللَّيْلُ مِنَ النَّهَارِ وَ لَا النَّهَارُ مِنَ اللَّيْلِ وَ لَا عَلِمَ الصَّائِمُ كَمْ يَصُومُ وَ لَا عَرَفَ النَّاسُ عَدَدَ السِّنِينَ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي لِمَ سُمِّيَ اللَّيْلُ لَيْلًا قَالَ لِأَنَّهُ يُلَايِلُ الرِّجَالَ مِنَ النِّسَاءِ جَعَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أُلْفَةً وَ لِبَاساً وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ الْخَبَرَ (1).
بيان: يظهر من الخبر أن الليل مشتق من الملايلة و هي بمعنى المؤالفة و الموافقة و المشهور عند اللغويين عكس ذلك قال الفيروزآبادي لايلته استجرته لليلة و عامله ملايلة كمياومة (2).
9- الْعِلَلُ، وَ الْعُيُونُ، فِي خَبَرِ الشَّامِيِ أَنَّهُ سَأَلَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَنْ طُولِ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ عَرْضِهَا قَالَ تِسْعُمِائَةِ فَرْسَخٍ الْخَبَرَ (3).
____________
(1) العلل: ج 2،(ص)155 و لم يوجد في العيون و كان لفظة «العيون» فى المتن زائدة لاختصاصه باخبار الرضا (عليه السلام).
(2) القاموس: ج 4،(ص)48.
(3) هذا الخبر مذكور في نسخة امين الضرب دون سائر النسخ. العيون: ج 1،(ص)241 العلل، ج 2،(ص)280.
159
10- الْإِحْتِجَاجُ، عَنِ الْأَصْبَغِ قَالَ: سَأَلَ ابْنُ الْكَوَّاءِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَنِ الْمَحْوِ الَّذِي يَكُونُ فِي الْقَمَرِ قَالَ(ع)اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ (1) رَجُلٌ أَعْمَى يَسْأَلُ عَنْ مَسْأَلَةٍ عَمْيَاءَ أَ مَا سَمِعْتَ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً الْخَبَرَ (2).
العياشي، عن أبي الطفيل مثله بيان عن مسألة عمياء أي غامضة مشتبهة يصعب فهمها.
11- تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فِي قَوْلِهِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ يَقُولُ الشَّمْسُ سُلْطَانُ النَّهَارِ وَ الْقَمَرُ سُلْطَانُ اللَّيْلِ لَا يَنْبَغِي لِلشَّمْسِ أَنْ تَكُونَ مَعَ ضَوْءِ الْقَمَرِ بِاللَّيْلِ وَ لَا يَسْبِقُ اللَّيْلُ النَّهَارَ يَقُولُ لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ حَتَّى يُدْرِكَهُ النَّهَارُ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ يَقُولُ يَجِيءُ (3) وَرَاءَ الْفَلَكِ بِالاسْتِدَارَةِ (4).
بيان يجيء وراء الفلك لعل المعنى تابعا لسير الفلك فكأنه وراءه.
12- الْعُيُونُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَهْزِيَارَ عَنْ أَخِيهِ عَلِيٍّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُتِيَ بِالشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ فِي صُورَةِ ثَوْرَيْنِ عَقِيرَيْنِ فَيُقْذَفَانِ بِهِمَا وَ بِمَنْ يَعْبُدُهُمَا فِي النَّارِ وَ ذَلِكَ أَنَّهُمَا عُبِدَا فَرَضِيَا (5).
بيان قال في النهاية في حديث كعب إن الشمس و القمر ثوران عقيران في النار قيل لما وصفهما الله تعالى بالسباحة في قوله كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ثم أخبر أنه يجعلهما في النار يعذب بهما أهلها بحيث لا يبرحانها صارا كأنهما زمنان
____________
(1) في المصدر: اللّه أكبر ثلاث مرّات.
(2) الاحتجاج: 138.
(3) في المصدر: يجرى.
(4) تفسير القمّيّ: 550.
(5) لم نجد هذه الرواية في العيون لكنها موجودة في العلل (2: 292) و لعله من غلط النسّاخ.
160
عقيران حكى ذلك أبو موسى و هو كما تراه (1) و قال العقير المنحور (2) لأنهم كانوا إذا أرادوا نحر البعير عقروه أي قطعوا إحدى قوائمه ثم نحروه.
13- التَّفْسِيرُ، وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً قَالَ الْمَحْوُ فِي الْقَمَرِ (3).
14- الْإِحْتِجَاجُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: سَأَلَ الزِّنْدِيقُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنِ الشَّمْسِ أَيْنَ تَغِيبُ قَالَ إِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ (4) قَالُوا إِذَا انْحَدَرَتْ أَسْفَلَ الْقُبَّةِ دَارَ بِهَا الْفَلَكُ إِلَى بَطْنِ السَّمَاءِ صَاعِدَةً أَبَداً إِلَى أَنْ تَنْحَطَّ إِلَى مَوْضِعِ مَطْلَعِهَا يَعْنِي أَنَّهَا تَغِيبُ فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ ثُمَّ تَخْرِقُ الْأَرْضَ رَاجِعَةً إِلَى مَوْضِعِ مَطْلَعِهَا فَتَحَيَّرُ تَحْتَ الْعَرْشِ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهَا بِالطُّلُوعِ وَ يُسْلَبُ نُورُهَا كُلَّ يَوْمٍ وَ تَتَجَلَّلُ نُوراً آخَرَ قَالَ فَخَلَقَ النَّهَارَ قَبْلَ اللَّيْلِ قَالَ نَعَمْ خَلَقَ النَّهَارَ قَبْلَ اللَّيْلِ وَ الشَّمْسَ قَبْلَ الْقَمَرِ وَ الْأَرْضَ قَبْلَ السَّمَاءِ الْخَبَرَ (5).
بيان قوله(ع)صاعدة أشار(ع)بذلك إلى أن الشمس إذا غابت عندنا تطلع على قوم آخرين فهي عندهم صاعدة إلى أن تصل إلى قمة الرأس عندهم و هي قمة القدم عندنا ثم تنحط عندهم إلى أن تصل إلى مشرقنا و تحيرها و إذنها لعلهما كنايتان عن أنها مسخرة للرب متحركة بقدرته إذا شاء حركها و متى شاء سكنها ففي كل آن من آنات حركتها في مطلع قوم و طلوعها عليهم بإذنه و قدرته سبحانه و لو شاء لجعلها ساكنة و لما كان الباقي في البقاء محتاجا إلى المؤثر فهي في كل آن باعتبار إمكانها مسلوبة النور و الصفات و الوجود بحسب ذاتها و إنما تكتسب جميع ذلك من خالقها و مدبرها فهي في جميع الأوقات و الأزمان
____________
(1) النهاية: ج 3(ص)115.
(2) في المصدر: ... أى الجزور المنحور، يقال جمل عقير و ناقة عقير، قيل: كانوا إذا أرادوا إلخ. النهاية: ج 3،(ص)114.
(3) تفسير القمّيّ: 378.
(4) في المصدر: قال:.
(5) الاحتجاج: 192.
161
تحت عرش الرحمن و قدرته متحيرة في أمرها ساجدة خاضعة لربها تسأله بلسان إمكانها و افتقارها الإذن في طلوعها و غروبها و تكسى حلة من نوره تعالى و القائلون بتجدد الأمثال يمكنهم التمسك بأمثال هذا الخبر لكن على ما حققناه لا دلالة لها على مذهبهم و إنما أومأت لك إلى بعض الأسرار ليمكنك فهم غوامض الأخبار و قد مر تحقيق خلق النهار قبل الليل في الباب الأول.
15- التَّوْحِيدُ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: الشَّمْسُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ الْكُرْسِيِّ وَ الْكُرْسِيُّ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ الْعَرْشِ وَ الْعَرْشُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ الْحِجَابِ وَ الْحِجَابُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ السِّتْرِ (1) الْخَبَرَ.
16- قِصَصُ الرَّاوَنْدِيِّ، بِالْإِسْنَادِ إِلَى الصَّدُوقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَجَّالِ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ مُوسَى سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ زَوَالَ الشَّمْسِ فَوَكَّلَ اللَّهُ بِهَا مَلَكاً فَقَالَ يَا مُوسَى قَدْ زَالَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ مُوسَى مَتَى فَقَالَ حِينَ أَخْبَرْتُكَ وَ قَدْ سَارَتْ خَمْسَمِائَةِ عَامٍ.
17- الْعَيَّاشِيُّ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنِ الصَّادِقِ(ع)فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ قَالَ هُوَ السَّوَادُ الَّذِي فِي جَوْفِ الْقَمَرِ.
18- وَ مِنْهُ، عَنْ نَصْرِ بْنِ قَابُوسَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: السَّوَادُ الَّذِي فِي الْقَمَرِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ (2).
بيان يحتمل أن يكون المراد أن هذا السواد لما كان من أعظم أسباب نظام العالم كما مر و العلة الغائية لخلق العالم و نظامه هو(ص)فكأنه يدل عليه أو
____________
(1) التوحيد: 64. و قد مر الخبر بعينه في باب العرش و الكرسيّ تحت الرقم (45) و في باب الحجب و السرادقات تحت الرقم (5).
(2) قد مر منا بيان في ذيل الحديث (6) فراجع.
162
أنه لما دل على حكمة الصانع و عدم تفويته ما فيه صلاح الخلق و رسالته(ص)أعظم المصالح فهو يدل عليه مع أنه لا حاجة إلى هذه التكلفات و يمكن حمله على الحقيقة.
19- الْعَيَّاشِيُّ، عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)تَغْرُبُ الشَّمْسُ فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ فِي بَحْرٍ دُونَ الْمَدِينَةِ الَّتِي تَلِي الْمَغْرِبَ يَعْنِي جَابَلْقَا.
- 20 كِتَابُ النُّجُومِ، لِلسَّيِّدِ بْنِ طَاوُسٍ بِأَسَانِيدِهِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ النُّعْمَانِيِّ فِي كِتَابِ الدَّلَائِلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَمَّامٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ الْيَقْطِينِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ ذِي الْعَلَمَيْنِ (1) قَالَ: كُنْتُ وَاقِفاً بَيْنَ يَدَيْ ذِي الرِّئَاسَتَيْنِ بِخُرَاسَانَ فِي مَجْلِسِ الْمَأْمُونِ وَ قَدْ حَضَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)فَجَرَى ذِكْرُ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ أَيُّهُمَا خُلِقَ قَبْلُ فَخَاضُوا فِي ذَلِكَ وَ اخْتَلَفُوا ثُمَّ إِنَّ ذَا الرِّئَاسَتَيْنِ سَأَلَ الرِّضَا(ع)عَنْ ذَلِكَ وَ عَمَّا عِنْدَهُ فِيهِ فَقَالَ لَهُ أَ تُحِبُّ أَنْ أُعْطِيَكَ الْجَوَابَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ مِنْ حِسَابِكَ فَقَالَ أُرِيدُهُ أَوَّلًا مِنْ جِهَةِ الْحِسَابِ فَقَالَ أَ لَيْسَ تَقُولُونَ إِنَّ طَالِعَ الدُّنْيَا (2) السَّرَطَانُ وَ إِنَّ الْكَوَاكِبَ كَانَتْ فِي شَرَفِهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَزُحَلُ فِي الْمِيزَانِ وَ الْمُشْتَرِي فِي السَّرَطَانِ وَ الْمِرِّيخُ فِي الْجَدْيِ وَ الزُّهَرَةُ فِي الْحُوتِ وَ الْقَمَرُ فِي الثَّوْرِ وَ الشَّمْسُ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ فِي الْحَمَلِ وَ هَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا نَهَاراً قَالَ نَعَمْ فَمِنْ كِتَابِ اللَّهِ قَالَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ (3) أَيِ النَّهَارُ يَسْبِقُهُ.
قَالَ السَّيِّدُ وَ رُوِّينَاهُ أَيْضاً بِعِدَّةِ أَسَانِيدَ عَنِ ابْنِ جُمْهُورٍ الْعَمِّيِّ وَ كَانَ عَالِماً فَاضِلًا فِي كِتَابِ الْوَاحِدَةِ قَالَ: وَ مِنْ مَسَائِلَ ذِي الرِّئَاسَتَيْنِ لِلرِّضَا(ع)أَنَّهُمْ تَذَاكَرُوا بَيْنَ يَدَيِ الْمَأْمُونِ خَلْقَ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ فَبَعْضٌ قَالَ خَلَقَ اللَّهُ النَّهَارَ قَبْلَ اللَّيْلِ وَ بَعْضٌ قَالَ خَلَقَ اللَّيْلَ قَبْلَ النَّهَارِ فَرَجَعُوا بِالسُّؤَالِ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ(ع)فَقَالَ
____________
(1) في بعض النسخ: ابن ذى القلمين.
(2) العالم (خ).
(3) يس: 40.
163
إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ خَلَقَ النَّهَارَ قَبْلَ اللَّيْلِ وَ خَلَقَ الضِّيَاءَ قَبْلَ الظُّلْمَةِ فَإِنْ شِئْتُمْ أَوْجَدْتُكُمْ مِنَ الْقُرْآنِ وَ إِنْ شِئْتُمْ أَوْجَدْتُكُمْ مِنَ النُّجُومِ فَقَالَ ذُو الرِّئَاسَتَيْنِ أَوْجِدْنَا مِنَ الْجِهَتَيْنِ جَمِيعاً فَقَالَ أَمَّا النُّجُومُ فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ طَالِعَ الْعَالَمِ السَّرَطَانُ وَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا وَ الشَّمْسُ فِي بَيْتِ شَرَفِهَا فِي نِصْفِ النَّهَارِ وَ أَمَّا الْقُرْآنُ أَ لَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ الْآيَةَ.
21- وَ مِنْهُ، نَقْلًا مِنْ كِتَابِ ابْنِ جُمْهُورٍ أَيْضاً بِإِسْنَادِهِ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لَمَّا صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَ قَالَ سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي قَالَ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنِ السَّوَادِ الَّذِي فِي الْقَمَرِ فَقَالَ(ع)أَعْمَى سَأَلَ عَنْ عَمْيَاءَ أَ مَا سَمِعْتَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً (1) وَ السَّوَادُ الَّذِي تَرَاهُ فِي الْقَمَرِ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ مِنْ نُورِ عَرْشِهِ شَمْسَيْنِ فَأَمَرَ جَبْرَئِيلَ فَأَمَرَّ جَنَاحَهُ الَّذِي سَبَقَ مِنْ (2) عِلْمِ اللَّهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مِنِ اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ عَدَدِ السَّاعَاتِ وَ الْأَيَّامِ وَ الشُّهُورِ وَ السِّنِينَ وَ الدُّهُورِ وَ الِارْتِحَالِ وَ النُّزُولِ وَ الْإِقْبَالِ وَ الْإِدْبَارِ وَ الْحَجِّ وَ الْعُمْرَةِ وَ مَحَلِّ الدَّيْنِ وَ أَجْرِ الْأَجِيرِ وَ عَدَدِ أَيَّامِ الْحَبَلِ وَ الْمُطَلَّقَةِ وَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
بيان الذي أي على الذي سبق في علم الله أن يكون قمرا و الظاهر أنه كان هكذا على أحدهما للذي سبق.
22- الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَخِيهِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ عَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ: قُلْتُ لَهُ بَلَغَنِي أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَقْصَرُ الْأَيَّامِ قَالَ كَذَلِكَ هُوَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ كَيْفَ ذَلِكَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَجْمَعُ أَرْوَاحَ الْمُشْرِكِينَ تَحْتَ عَيْنِ الشَّمْسِ فَإِذَا رَكَدَتِ الشَّمْسُ عَذَّبَ اللَّهُ أَرْوَاحَ الْمُشْرِكِينَ بِرُكُودِ الشَّمْسِ سَاعَةً فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ لَا يَكُونُ لِلشَّمْسِ رُكُودٌ
____________
(1) الإسراء: 12.
(2) في (خ).
164
رَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ لِفَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَلَا يَكُونُ لِلشَّمْسِ رُكُودٌ (1).
23- الْإِخْتِصَاصُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَلَوِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ أَبِي الصَّبَّاحِ الْكِنَانِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُ (2) الْآيَةَ فَقَالَ إِنَّ لِلشَّمْسِ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ سَجْدَةٌ إِذَا صَارَتْ فِي طُولِ السَّمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ قُلْتُ بَلَى جُعِلْتُ فِدَاكَ قَالَ ذَاكَ الْفَجْرُ الْكَاذِبُ لِأَنَّ الشَّمْسَ تَخْرُجُ سَاجِدَةً وَ هِيَ فِي طَرَفِ الْأَرْضِ فَإِذَا ارْتَفَعَتْ مِنْ سُجُودِهَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَ أَمَّا السَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ فَإِنَّهَا إِذَا صَارَتْ فِي وَسَطِ الْقُبَّةِ وَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ رَكَدَتْ قَبْلَ الزَّوَالِ فَإِذَا صَارَتْ بِحِذَاءِ الْعَرْشِ رَكَدَتْ وَ سَجَدَتْ فَإِذَا ارْتَفَعَتْ مِنْ سُجُودِهَا زَالَتْ عَنْ وَسَطِ الْقُبَّةِ فَيَدْخُلُ وَقْتُ صَلَاةِ الزَّوَالِ وَ أَمَّا السَّجْدَةُ الثَّالِثَةُ أَنَّهَا إِذَا غَابَتْ مِنَ الْأُفُقِ خَرَّتْ سَاجِدَةً فَإِذَا ارْتَفَعَتْ مِنْ سُجُودِهَا زَالَ اللَّيْلُ كَمَا أَنَّهَا حِينَ زَالَتْ وَسَطَ السَّمَاءِ دَخَلَ وَقْتُ الزَّوَالِ زَوَالِ النَّهَارِ (3).
بيان السجود في الآية بمعنى غاية الخضوع و التذلل و الانقياد سواء كان بالإرادة و الاختيار أو بالقهر و الاضطرار فالجمادات لما لم يكن لها اختيار و إرادة فهي كاملة في الانقياد و الخضوع لما أراد الرب تعالى منها فهي على الدوام في السجود
____________
(1) فروع الكافي (طبعة دار الكتب) ج 3،(ص)416- اقول: هذه الرواية و ما يشابهها من الروايات الآتية من الاخبار المتشابهة و سيأتي من العلامة المؤلّف (رحمه اللّه) ان فيها جهات من الاشكال و يذكر أيضا ما يمكن أن يقال في دفعها، و لعلّ اقرب الوجوه في معنى ركود الشمس انها إذا بلغت إلى وسط السماء يرى سيرها بحسب ظاهر الحس بطيئا جدا حتّى كأنّها واقفة لا حركة لها و في معنى قصر يوم الجمعة انها يوم العيد و الراحة و ما يمضى من الأوقات بالراحة و السرور يعد قصيرا، مع ان ارواح الكفّار بحسب هذه الروايات لا تعذب في هذا اليوم فيكون لهم قصيرا جدا كما أن سائر الأيّام تطول عليهم في الغاية.
(2) الحجّ: 18.
(3) الاختصاص: 213.
167
أَبُو سَعِيدٍ فَأَسْأَلُكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ قَالَ سَلْ وَ لَا إِخَالُكَ تَقْبَلُ مِنِّي وَ لَسْتَ مِنْ غَنَمِي وَ لَكِنْ هَاتِهَا فَقَالَ لَهُ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ كُلُّ مَمْلُوكٍ لَهُ قَدِيمٍ فَهُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ مَا كَانَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهُوَ قَدِيمٌ وَ هُوَ حُرٌّ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (1) فَمَا كَانَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهُوَ قَدِيمٌ وَ هُوَ حُرٌّ قَالَ فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وَ افْتَقَرَ وَ ذَهَبَ بَصَرُهُ ثُمَّ مَاتَ لَعَنَهُ اللَّهُ وَ لَيْسَ عِنْدَهُ مَبِيتُ لَيْلَةٍ (2).
بيان هذا التفسير للعرجون غريب لم أره في غير هذا الكتاب و لا يناسب وصفه بالقديم أيضا و في القاموس الطلع من النخل شيء يخرج كأنه نعلان مطبقان أو ما يبدو من ثمرته في أول ظهورها (3) و أبو سعيد كان من الواقفة و كان ينكر إمامة الرضا(ع)و إطفاء النور كناية عن ذهاب العز أو ذهاب نور البصر و لعل جوابه(ع)مبني على أن الواقفة كانوا متمسكين بما
- روي عن الصادق(ع)أن القائم(ع)من ولدي.
فأجاب عن استدلالهم بأن ولد الولد أيضا ولد و لو سلم كونه مجازا فعلاقة المجاز هنا قوية للاتحاد في الكمالات و الأنوار و في القاموس خال الشيء خيلولة ظنه و تقول في مستقبله إخاله بكسر الألف و يفتح في لغية (4) قوله و لست من غنمي أي ممن يقول بإمامتي و من شيعتي و ليس عنده مبيت ليلة أي قوت ليلة.
28- الْفَقِيهُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنْ رُكُودِ الشَّمْسِ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ مَا أَصْغَرَ جُثَّتَكَ وَ أَعْضَلَ مَسْأَلَتَكَ وَ إِنَّكَ لَأَهْلٌ لِلْجَوَابِ إِنَّ الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ جَذَبَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ بَعْدَ أَنْ أَخَذَ بِكُلِّ شُعَاعٍ (5) مِنْهَا خَمْسَةُ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مِنْ بَيْنِ جَاذِبٍ وَ دَافِعٍ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْجَوَّ وَ جَازَتِ
____________
(1) يس: 39.
(2) تفسير عليّ بن إبراهيم: 551.
(3) القاموس: ج 3،(ص)59.
(4) القاموس: ج 3،(ص)372.
(5) شعبة (خ).
166
وَ أَلْهَى وَ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِالشَّمْسِ عِنْدَ طُلُوعِهَا يُنَادِي يَا ابْنَ آدَمَ لِدْ لِلْمَوْتِ وَ ابْنِ لِلْخَرَابِ وَ اجْمَعْ لِلْفَنَاءِ (1).
25- كِتَابُ الْغَارَاتِ، لِإِبْرَاهِيمَ الثَّقَفِيِّ رَفَعَهُ إِلَى أَبِي عِمْرَانَ الْكُنْدُرِيِّ قَالَ: سَأَلَ ابْنُ الْكَوَّاءِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَنِ السَّوَادِ الَّذِي فِي جَوْفِ الْقَمَرِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ (2) السَّوَادَ الَّذِي فِي جَوْفِ الْقَمَرِ قَالَ فَكَمْ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ قَالَ مَسِيرَةُ يَوْمٍ لِلشَّمْسِ تَطْلُعُ مِنْ مَطْلَعِهَا فَتَأْتِي مَغْرِبَهَا مَنْ حَدَّثَكَ غَيْرَ ذَلِكَ كَذَبَكَ.
26- الْعِلَلُ، لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ الْعَالِمُ(ع)عِلَّةُ رَدِّ الشَّمْسِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ مَا طَلَعَتْ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ كُلِّهِمْ أَنَّهُ جَلَّلَ اللَّهُ السَّمَاءَ بِالْغَمَامِ إِلَّا الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ فِيهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ أَصْحَابُهُ فَإِنَّهُ جَلَّاهُ حَتَّى طَلَعَتْ عَلَيْهِمْ قَالَ وَ الْعِلَّةُ فِي قَصْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ الْأَرْوَاحَ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ وَ الْمُشْرِكِينَ فَيُعَذِّبُهُمْ تَحْتَ عَيْنِ الشَّمْسِ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلشَّمْسِ رُكُودٌ وَ لَا يُعَذِّبُ الْكُفَّارَ لِفَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ.
27- تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ قَالَ الْعُرْجُونُ طَلْعُ النَّخْلِ وَ هُوَ مِثْلُ الْهِلَالِ فِي أَوَّلِ طُلُوعِهِ.
قَالَ وَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ دَاوُدَ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّهْدِيِ (3) قَالَ: دَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ الْمُكَارِي عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)فَقَالَ لَهُ أَ بَلَغَ مِنْ قَدْرِكَ أَنْ تَدَّعِيَ مَا ادَّعَى أَبُوكَ فَقَالَ لَهُ الرِّضَا(ع)مَا لَكَ أَطْفَأَ اللَّهُ نُورَكَ وَ أَدْخَلَ الْفَقْرَ بَيْتَكَ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى عِمْرَانَ أَنِّي وَاهِبٌ لَكَ ذَكَراً فَوَهَبَ لَهُ مَرْيَمَ وَ وَهَبَ لِمَرْيَمَ عِيسَى فَعِيسَى مِنْ مَرْيَمَ وَ مَرْيَمُ مِنْ عِيسَى وَ مَرْيَمُ وَ عِيسَى (4) وَاحِدٌ وَ أَنَا مِنْ أَبِي وَ أَبِي مِنِّي وَ أَنَا وَ أَبِي شَيْءٌ وَاحِدٌ فَقَالَ لَهُ
____________
(1) الاختصاص: 234.
(2) الإسراء: 12.
(3) في المصدر: الفهدى.
(4) في المصدر: و مريم و عيسى شيء واحد.
169
النسخة الأولى أظهر من بين جاذب و دافع على الأول يكون المعنى أن هؤلاء السبعين مرددون من بين جاذب يجذبها قدامها و دافع يدفعها من خلفها و منقسمون إليهما أو الشمس كائنة بين جاذب و دافع من تلك السبعين فالمراد بالجذب أولا ما يصير سببا للحركة أعم من أن يكون بالجذب أو الدفع أو يكون نسبة الجذب إلى الجميع على المجاز و على الثاني فالمعنى أن الشمس واقعة بين جاذب من سبعين ألف ملك و دافع من خمسة آلاف و على الوجهين يحتمل أن يكون المراد بحركة الجذب الحركة اليومية السريعة على خلاف التوالي التابعة لحركة الفلك الأطلس التي يحصل اليوم و الليل منها و بحركة الدفع حركة الفلك الرابع الذي فيه الشمس على توالي البروج و هي بطيئة تقطع بها في كل سنة دورة فالمعنى أن الشمس إذا طلعت جذبها الملائكة السبعون ألفا إلى المغرب بالحركة اليومية مع أنه أخذ بكل شعاع منها أو بمكان كل شعاع منها خمسة آلاف من الملائكة تدفعها إلى جانب المشرق بالحركة الخاصة فتسير الشمس بقدر فضل ما بين الحركتين حتى إذا بلغت الجو أي وسط السماء مجازا و في الأصل ما بين السماء و الأرض و جازت الكوة في بعض النسخ بدون التاء و في القاموس الكوة و يضم و الكو الخرق في الحائط أو التذكير للكبير و التأنيث للصغير و الجمع كوى و كوا (1) انتهى أي خرجت أشعة الشمس من الكوى المشرقية و ذلك عند قرب الزوال و ربما يؤول الكوة بدائرة نصف النهار على الاستعارة قلبها ملك النور ربما يؤول ذلك بأنه لما كانت الشمس صاعدة كان الجانب الذي منها يلي المشرق تحت الجانب الغربي منها فإذا جازت نصف النهار و انحدرت صار الأمر بالعكس و صار ما كان يلي الأرض أي الجانب الشرقي إلى السماء أي إلى جهة الفوق فلذا نسب إليه القلب و لا يخفى أنه على هذا يصير الكلام قليل الجدوى مع أن ظاهره غير ممتنع و التخوم جمع التخم و هو منتهى كل قرية و أرض و لعل المراد بفلك الجو جو الفلك أي ما بين السماء الرابعة و الخامسة
____________
(1) القاموس: ج 4،(ص)238.
168
الْكُوَّةَ قَلَبَهَا مَلَكُ النُّورِ ظَهْرَ الْبَطْنِ فَصَارَ مَا يَلِي الْأَرْضَ إِلَى السَّمَاءِ وَ بَلَغَ شُعَاعُهَا تُخُومَ الْأَرْضِ (1) فَعِنْدَ ذَلِكَ نَادَتِ الْمَلَائِكَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَ لَا وَلَداً وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَ كَبِّرْهُ تَكْبِيراً فَقُلْتُ (2) لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أُحَافِظُ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ فَقَالَ نَعَمْ حَافِظْ عَلَيْهِ كَمَا تُحَافِظُ عَلَى عَيْنِكَ (3) فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ صَارَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ وَرَائِهَا يُسَبِّحُونَ اللَّهَ فِي فَلَكِ الْجَوِّ إِلَى أَنْ تَغِيبَ (4).
29 وَ سُئِلَ الصَّادِقُ(ع)عَنِ الشَّمْسِ كَيْفَ تَرْكُدُ كُلَّ يَوْمٍ وَ لَا يَكُونُ لَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ رُكُودٌ قَالَ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَضْيَقَ الْأَيَّامِ فَقِيلَ لَهُ وَ لِمَ جَعَلَهُ أَضْيَقَ الْأَيَّامِ قَالَ لِأَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ الْمُشْرِكِينَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِحُرْمَتِهِ عِنْدَهُ (5).
بيان الركود السكون و الثبات ما أصغر جثتك تعجب من أن الإنسان مع هذا الصغر يطلب فهم معاني الأمور و دقائقها أو تأديب له بأنه لا ينبغي له أن يتكلف علم ما لم يؤمر بعلمه و قال في النهاية أصل العضل المنع و الشدة يقال أعضل بي الأمر إذا ضاقت عليك فيه الحيل و منه
- حديث عمر أعوذ بالله من كل معضلة ليس لها أبو حسن.
و روي معضلة أراد المسألة الصعبة أو الخطة الضيقة المخارج من الإعضال أو التعضيل و يريد بأبي الحسن علي بن أبي طالب(ع)(6) بعد أن أخذ ليس في بعض النسخ بعد أن و على التقديرين يحتمل أن يكون خمسة آلاف من جملة السبعين أو غيرهم و إن كان الثاني على
____________
(1) في المصدر: العرش.
(2) في المصدر «فقال له» و هو المناسب لسياق الكلام.
(3) عينيك (خ).
(4) من لا يحضره الفقيه: 60.
(5) من لا يحضره الفقيه: 60.
(6) النهاية: ج 3،(ص)104.
170
ثم إنه يرد الإشكال على هذه الأخبار من وجوه الأول أن ركود الشمس حقيقة مخالف لما يشهد به الحس من عدم التفاوت في أجزاء النهار و قطع قسي مدارات الشمس و الثاني أن الشمس في كل آن في نصف النهار لقوم فيلزم سكون الشمس دائما الثالث أن التفاوت بين يوم الجمعة و غيره أيضا مما يشهد الحس بخلافه الرابع أن حرارة الشمس ليس باعتبار جرمه حتى يقع تعذيب أرواح المشركين بتقريبهم من عين الشمس بل باعتبار انعكاس الأشعة عن الأجسام الكثيفة و لذا كلما بعد عن الأرض كان تأثير الحرارة فيه أخف.
و يمكن الجواب عن الأول و الثالث بأنه يمكن أن يكون الركود قليلا لا يظهر في الآلات التي تعرف بها الساعات و لا يمكن الحكم على التواسع و العواشر و أقل منها على اليقين و إنما مبناها على التخمين و عن الثاني بأنه يمكن أن يكون المراد نصف نهار موضع خاص كمكة أو المدينة أو قبة الأرض و أورد عليه بأنه يلزم أن يقع الركود في البلاد الآخر في الضحى أو في العصر و لا يلتزمه أحد و عن الرابع بأنه يمكن أن يكون للشمس حرارتان حرارة من جهة الجرم و أخرى من جهة الانعكاس و ما قيل من أن الفلكيات لا تقبل تلك الكيفيات لم يثبت بدليل قاطع و ربما يؤول الركود بوجهين الأول أنه عند القرب من نصف النهار يحس بحركة الشمس (1) في غاية البطء فكأنه ساكن فأطلق الركود عليه مجازا أو بأنه يعدم الظل عند الزوال في بعض البلاد فلا حركة للظل حينئذ فركود الشمس ركود ظله و ما قيل من أن المراد ركود الظل بناء على ما تقرر من أن بين كل حركتين مستقيمتين سكون فلا بد من سكون بين زيادة الظل و نقصانه فلا يخفى بعد حمل الركود على مثل ذلك جدا مع أن نسبة الحركة إلى الظل مجاز بل هو إيجاد لبعض أجزاء الظل و إعدام له و على تقدير كونه حقيقة فليست بحركة مستقيمة الثاني أنه لما كانت أيام الراحة عند الناس سريعة الانقضاء و أيام الشدة طويلة ف يوم الجمعة عند المشركين قصيرة لعدم تعذيبهم عند
____________
(1) حركة (خ).
165
و الانقياد للمعبود و التسبيح و التقديس له سبحانه بلسان الذل و الإمكان و الافتقار و كذا الحيوانات العجم و أما ذوو العقول فلما كانوا ذوي إرادة و اختيار فهم من جهة الإمكان و الافتقار و الانقياد للأمور التكوينية كالجمادات في السجود و التسبيح و من حيث الأمور الإرادية و التكليفية منقسمون بقسمين منهم الملائكة و هم جميعا معصومون ساجدون منقادون من تلك الجهة أيضا و لعل المراد بقوله مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ (1) هم و أما الناس فهم قسمان قسم مطيعون من تلك الجهة أيضا و منهم عاصون من تلك الجهة و إن كانوا مطيعين من الجهة الأخرى فلم يتأت منهم غاية ما يمكن منهم من الانقياد فلذا قسمهم سبحانه إلى قسمين فقال وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَ كَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ (2) فإذا حققت الآية هكذا لم تحتج إلى ما تكلفه المفسرون من التقديرات و التأويلات و سيأتي بعض ما ذكروه في هذا المقام و أما الخبر فلعله كان ثلاث سجدات أو سقط الرابع من النساخ و لعله بعد زوال الليل إلى وقت الطلوع أو قبل زوال الليل كما في النهار و إنما خص(ع)السجود بهذه الأوقات لأنه عند هذه الأوقات تظهر للناس انقيادها لله لأنها تتحول من حالة معروفة إلى حالة أخرى و يظهر تغير تام في أوضاعها و أيضا أنها أوقات معينة يترصدها الناس لصلواتهم و صيامهم و سائر عباداتهم و معاملاتهم و أيضا لما كان هبوطها و انحدارها و أفولها من علامات إمكانها و حدوثها كما قال الخليل(ع)لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ خص السجود بتلك الأحوال أو بما يشرف عليها و الله يعلم أسرار الآيات و الأخبار و حججه الأبرار ع.
24- الْإِخْتِصَاصُ، قَالَ الصَّادِقُ(ع)إِذَا كَانَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَكَّلَ اللَّهُ بِهَا مَلَكاً يُنَادِي أَيُّهَا النَّاسُ أَقْبِلُوا عَلَى رَبِّكُمْ فَإِنَّ مَا قَلَّ وَ كَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ
____________
(1) ظاهر الآية الشريفة سجود عامة من في السماوات و الأرض لا خصوص الملائكة فقط و على هذا فحمل السجود فيها على السجود التكوينى الذي يعم جميع الخلائق أولى.
(2) الحجّ: 18،.
171
زوال الشمس فيه و سائر الأيام طويلة عندهم لتعذيبهم عند زواله فالمراد بقول السائل في الخبر الثاني كيف تركد ما معنى ركودها فأجاب(ع)بأن المراد هذا الركود و الضيق المجازيان و ربما يحمل ضيق الجمعة و قصره على أن أعمال المؤمنين فيه كثيرة لا يسع اليوم لها فكأنه لا تركد فيه الشمس و لا يخفى بعد هذه الوجوه كلها و الأولى في أمثال ذلك عدم الخوض فيها و التسليم لها بأي معنى صدرت عنهم(ع)على تقدير صحتها فإنها من متشابهات الأخبار و معضلات الآثار و لا يعلم تأويلها إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
30- الْفَقِيهُ، بِسَنَدِهِ الصَّحِيحِ عَنْ حَرِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّ الشَّمْسَ تَنْقَضُّ ثُمَّ تَرْكُدُ سَاعَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ تَزُولَ فَقَالَ إِنَّهَا تُؤَامِرُ أَ تَزُولُ أَمْ لَا تَزُولُ (1).
بيان انقضاض الطائر هويها ليقع و هذا أسرع ما يكون من طيرانه و المراد هنا سرعة حركة الشمس عند الصعود و ركودها بطء حركتها و المؤامرة إما من الملائكة الموكلين بها أو هي استعارة تمثيلية شبهت حالة الشمس في سرعتها عند الصعود و ركودها ثم إسراعها في الهبوط بمن أتى سلطانا قاهرا ثم أمره هل يذهب إلى حاجة أخرى أم لا و الغرض هنا ليس محض الاستعارة بل بيان أن جميع المخلوقات مقهورة بقهره سبحانه مسخرة لأمره و كل ما يقع منها بتقديره و تدبيره تعالى.
31- الْفَقِيهُ، عَنِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ(ع)أَنْ أَخْرِجْ عِظَامَ يُوسُفَ(ع)مِنْ مِصْرَ وَ وَعَدَهُ طُلُوعَ الْقَمَرِ فَأَبْطَأَ طُلُوعُ الْقَمَرِ عَلَيْهِ فَسَأَلَ عَمَّنْ يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ فَقِيلَ لَهُ هَاهُنَا عَجُوزٌ تَعْلَمُ عِلْمَهُ فَبَعَثَ إِلَيْهَا فَأُتِيَ بِعَجُوزٍ مُقْعَدَةٍ عَمْيَاءَ فَقَالَ تَعْرِفِينَ (2) قَبْرَ يُوسُفَ قَالَتْ نَعَمْ قَالَ فَأَخْبِرِينِي بِمَوْضِعِهِ قَالَتْ لَا أَفْعَلُ حَتَّى تُعْطِيَنِي خِصَالًا تُطْلِقَ رِجْلَيَّ وَ تُعِيدَ
____________
(1) من لا يحضره الفقيه: 60.
(2) في المصدر: أ تعرفين.
172
إِلَيَّ بَصَرِي وَ تَرُدَّ إِلَيَّ شَبَابِي وَ تَجْعَلَنِي مَعَكَ فِي الْجَنَّةِ فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَى مُوسَى(ع)فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ إِنَّمَا تُعْطِي عَلَيَّ فَأَعْطِهَا مَا سَأَلَتْ فَفَعَلَ فَدَلَّتْهُ عَلَى قَبْرِ يُوسُفَ(ع)فَاسْتَخْرَجَهُ مِنْ شَاطِئِ النِّيلِ فِي صُنْدُوقٍ مَرْمَرٍ فَلَمَّا أَخْرَجَهُ طَلَعَ الْقَمَرُ فَحَمَلَهُ إِلَى الشَّامِ (1).
أَقُولُ قَدْ مَرَّ نَقْلًا عَنِ الْعُيُونِ عَنِ الرِّضَا(ع)أَنَّهُ قَالَ: احْتَبَسَ الْقَمَرُ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى مُوسَى(ع)أَنْ أَخْرِجْ عِظَامَ يُوسُفَ مِنْ مِصْرَ وَ وَعَدَهُ طُلُوعَ الْقَمَرِ إِذَا أَخْرَجَ عِظَامَهُ فَسَأَلَ مُوسَى(ع)عَمَّنْ يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ وَ سَاقَ الْخَبَرَ كَمَا مَرَّ.
بيان: يدل ردا على الفلاسفة على جواز الاختلاف في حركة الفلكيات و منعها عن الحركة بإذن خالق الأرضين و السماوات.
32- الْمُتَهَجِّدُ، رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ: قُلْتُ بَلَغَنِي أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَقْصَرُ الْأَيَّامِ قَالَ كَذَلِكَ هُوَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ كَيْفَ ذَاكَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ أَرْوَاحَ الْمُشْرِكِينَ تَحْتَ عَيْنِ الشَّمْسِ فَإِذَا كَدَرَتِ الشَّمْسُ عُذِّبَتْ أَرْوَاحُ الْمُشْرِكِينَ بِرُكُودِ الشَّمْسِ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ رَفَعَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ لِفَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَلَا يَكُونُ لِلشَّمْسِ رُكُودٌ (2).
33- تَوْحِيدُ الْمُفَضَّلِ، فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي مَقَادِيرِ النَّهَارِ وَ اللَّيْلِ كَيْفَ وَقَعَتْ عَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ هَذَا الْخَلْقِ فَصَارَ مُنْتَهَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا امْتَدَّ إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ سَاعَةً لَا يُجَاوِزُ ذَلِكَ (3) أَ فَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ النَّهَارُ يَكُونُ مِقْدَارُهُ مِائَةَ سَاعَةٍ أَوْ مِائَتَيْ سَاعَةٍ أَ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ بَوَارُ كُلِّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ حَيَوَانٍ وَ نَبَاتٍ أَمَّا الْحَيَوَانُ فَكَانَ لَا يَهْدَأُ وَ لَا يَقِرُّ طُولَ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَ لَا الْبَهَائِمُ كَانَتْ تُمْسِكُ عَنِ الرَّعْيِ لَوْ دَامَ لَهَا ضَوْءُ النَّهَارِ وَ لَا الْإِنْسَانُ كَانَ يَفْتُرُ عَنِ الْعَمَلِ وَ الْحَرَكَةِ وَ كَانَ ذَلِكَ سَيُهْلِكُهَا
____________
(1) من لا يحضره الفقيه: 51.
(2) قد مر الخبر مسندا عن الكافي تحت الرقم (22) من هذا الباب.
(3) يعني في معظم المعمورة، و إلّا ففى البلاد القطبية يطول النهار إلى ستة أشهر.
173
أَجْمَعَ وَ يُؤَدِّيهَا إِلَى التَّلَفِ وَ أَمَّا النَّبَاتُ فَكَانَ يَطُولُ عَلَيْهِ حَرُّ النَّهَارِ وَ وَهْجُ الشَّمْسِ حَتَّى يَجِفَّ وَ يَحْتَرِقَ وَ كَذَلِكَ اللَّيْلُ لَوِ امْتَدَّ مِقْدَارُ هَذِهِ الْمُدَّةِ كَانَ يَعُوقُ أَصْنَافَ الْحَيَوَانِ عَنِ الْحَرَكَةِ وَ التَّصَرُّفِ فِي طَلَبِ الْمَعَاشِ حَتَّى تَمُوتَ جُوعاً وَ تَخْمُدُ الْحَرَارَةُ الطَّبِيعِيَّةُ مِنَ النَّبَاتِ حَتَّى يَعْفَنَ وَ يَفْسُدَ كَالَّذِي تَرَاهُ يَحْدُثُ عَلَى النَّبَاتِ إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ اعْتَبِرْ بِهَذَا الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ كَيْفَ يَتَعَاوَرَانِ الْعَالَمَ وَ يَتَصَرَّفَانِ هَذَا التَّصَرُّفَ مِنَ الزِّيَادَةِ وَ النُّقْصَانِ وَ الِاعْتِدَالِ لِإِقَامَةِ هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ الْأَرْبَعَةِ مِنَ السَّنَةِ وَ مَا فِيهِمَا مِنَ الْمَصَالِحِ ثُمَّ هُمَا بَعْدَ دِبَاغِ الْأَبْدَانِ الَّتِي عَلَيْهَا بَقَاؤُهُا وَ فِيهَا صَلَاحُهَا فَإِنَّهُ لَوْ لَا الْحَرُّ وَ الْبَرْدُ وَ تَدَاوُلُهُمَا الْأَبْدَانَ لَفَسَدَتْ وَ أَخْوَتْ وَ انْتَكَثَتْ فَكِّرْ فِي دُخُولِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِهَذَا التَّدْرِيجِ وَ التَّرَسُّلِ فَإِنَّكَ تَرَى أَحَدَهُمَا يَنْقُصُ شَيْئاً بَعْدَ شَيْءٍ وَ الْآخَرَ يَزِيدُ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى يَنْتَهِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْتَهَاهُ فِي الزِّيَادَةِ وَ النُّقْصَانِ وَ لَوْ كَانَ دُخُولُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ مُفَاجَأَةً لَأَضَرَّ ذَلِكَ بِالْأَبْدَانِ وَ أَسْقَمَهَا كَمَا أَنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ خَرَجَ مِنْ حَمَّامٍ حَارٍّ إِلَى مَوْضِعِ الْبُرُودَةِ لَضَرَّهُ ذَلِكَ وَ أَسْقَمَ بَدَنَهُ فَلِمَ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ هَذَا الرِّسْلَ (1) فِي الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ إِلَّا لِلسَّلَامَةِ مِنْ ضَرَرِ الْمُفَاجَأَةِ وَ لِمَ جَرَى الْأَمْرُ عَلَى مَا فِيهِ السَّلَامَةُ مِنْ ضَرِّ (2) الْمُفَاجَأَةِ لَوْ لَا التَّدْبِيرُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ زَعَمَ زَاعِمٌ أَنَّ هَذَا التَّرَسُّلَ فِي دُخُولِ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ إِنَّمَا يَكُونُ لِإِبْطَاءِ مَسِيرِ الشَّمْسِ فِي الِارْتِفَاعِ وَ الِانْحِطَاطِ سُئِلَ عَنِ الْعِلَّةِ فِي إِبْطَاءِ مَسِيرِ الشَّمْسِ فِي ارْتِفَاعِهَا وَ انْحِطَاطِهَا فَإِنِ اعْتَلَّ فِي الْإِبْطَاءِ بِبُعْدِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقَيْنِ سُئِلَ عَنِ الْعِلَّةِ فِي ذَلِكَ فَلَا تَزَالُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَرْقَى مَعَهُ إِلَى حَيْثُ رَقِيَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ حَتَّى اسْتَقَرَّ عَلَى الْعَمْدِ وَ التَّدْبِيرِ لَوْ لَا الْحَرُّ لَمَا كَانَتِ الثِّمَارُ الْجَاسِيَةُ الْمُرَّةُ تَنْضَجُ فَتَلِينُ وَ تَعْذُبُ حَتَّى يُتَفَكَّهَ بِهَا رَطْبَةً وَ يَابِسَةً وَ لَوْ لَا الْبَرْدُ لَمَا كَانَ الزَّرْعُ يُفْرِخُ هَكَذَا وَ يَرِيعُ الرَّيْعَ الْكَثِيرَ الَّذِي يَتَّسِعُ لِلْقُوتِ وَ مَا يُرَدُّ فِي الْأَرْضِ لِلْبَذْرِ أَ فَلَا تَرَى مَا فِي الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ
____________
(1) التوسل (خ).
(2) ضرر (خ).
174
مِنْ عَظِيمِ الْغِنَاءِ وَ الْمَنْفَعَةِ وَ كِلَاهُمَا مَعَ غِنَائِهِ وَ الْمَنْفَعَةِ فِيهِ يُؤْلِمُ الْأَبْدَانَ وَ يَمَضُّهَا وَ فِي ذَلِكَ عِبْرَةٌ لِمَنْ فَكَّرَ وَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ مِنْ تَدْبِيرِ الْحَكِيمِ فِي مَصْلَحَةِ الْعَالَمِ وَ مَا فِيهِ.
توضيح قوله(ع)لا يجاوز ذلك أي في معظم المعمورة و في المصباح خوت الدار خلت من أهلها و خوت الإبل تخوية خمصت بطونها و قال الفيروزآبادي خوت الدار تهدمت و النجوم خيا أمحلت فلم تمطر كأخوت و خوت و قال المنتكث المهزول و قال الترسل الرفق و التؤدة انتهى قوله(ع)ببعد ما بين المشرقين أي المشرق و المغرب كناية عن عظم الدائرة التي يقطع عليها البروج أو مشرق الصيف و الشتاء و الأول أظهر قوله(ع)الجاسية أي الصلبة حتى يتفكه بها أي يتمتع بها و الريع النماء و الزيادة و قال الجوهري أمضني الجرح إمضاضا إذا أوجعك و فيه لغة أخرى مضني الجرح و لم يعرفها الأصمعي (1).
34- تَوْحِيدُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ قَالَ الصَّادِقُ(ع)فَإِنْ قَالُوا فَلِمَ يَخْتَلِفُ فِيهِ أَيْ فِي ذَاتِهِ تَعَالَى وَ صِفَاتِهِ قِيلَ لَهُمْ لِقِصَرِ الْأَفْهَامِ عَنْ مَدَى عَظَمَتِهِ وَ تَعَدِّيهَا أَقْدَارَهَا فِي طَلَبِ مَعْرِفَتِهِ وَ أَنَّهَا تَرُومُ الْإِحَاطَةَ بِهِ وَ هِيَ تَعْجِزُ عَنْ ذَلِكَ وَ مَا دُونَهُ فَمِنْ ذَلِكَ هَذِهِ الشَّمْسُ الَّتِي تَرَاهَا تَطْلُعُ عَلَى الْعَالَمِ وَ لَا يُوقَفُ عَلَى حَقِيقَةِ أَمْرِهَا وَ لِذَلِكَ كَثُرَتِ الْأَقَاوِيلُ فِيهَا وَ اخْتَلَفَتِ الْفَلَاسِفَةُ الْمَذْكُورُونَ فِي وَصْفِهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ فَلَكٌ أَجْوَفُ مَمْلُوٌّ نَاراً لَهُ فَمٌ يَجِيشُ بِهَذَا الْوَهْجِ وَ الشُّعَاعِ وَ قَالَ آخَرُونَ هُوَ سَحَابَةٌ وَ قَالَ آخَرُونَ هُوَ جِسْمٌ زُجَاجِيٌّ يُقْبِلُ نَارِيَّةً فِي الْعَالَمِ وَ يُرْسِلُ عَلَيْهِ شُعَاعَهَا وَ قَالَ آخَرُونَ هُوَ صَفْوٌ لَطِيفٌ يَنْعَقِدُ مِنْ مَاءِ بَحْرٍ وَ قَالَ آخَرُونَ هُوَ أَجْزَاءٌ كَثِيرَةٌ مُجْتَمِعَةٌ مِنَ النَّارِ وَ قَالَ آخَرُونَ هُوَ مِنْ جَوْهَرٍ خَامِسٍ سِوَى الْجَوَاهِرِ الْأَرْبَعِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي شَكْلِهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ بِمَنْزِلَةِ صَفِيحَةٍ عَرِيضَةٍ وَ قَالَ آخَرُونَ هِيَ كَالْكُرَةِ الْمُدَحْرَجَةِ وَ كَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهَا فَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا مِثْلُ الْأَرْضِ
____________
(1) الصحاح: ج 3، 1106.
175
سَوَاءً وَ قَالَ آخَرُونَ بَلْ هِيَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ وَ قَالَ آخَرُونَ بَلْ هِيَ أَعْظَمُ مِنَ الْجَزِيرَةِ الْعَظِيمَةِ وَ قَالَ أَصْحَابُ الْهَنْدَسَةِ هِيَ أَضْعَافُ الْأَرْضِ مِائَةٌ وَ سَبْعُونَ مَرَّةً فَفِي اخْتِلَافِ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ مِنْهُمْ فِي الشَّمْسِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَقِفُوا عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ أَمْرِهَا وَ إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الشَّمْسُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْهَا الْبَصَرُ وَ يُدْرِكُهَا الْحِسُّ قَدْ عَجَزَتِ الْعُقُولُ عَنِ الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَتِهَا فَكَيْفَ مَا لَطُفَ عَنِ الْحِسِّ وَ اسْتَتَرَ عَنِ الْوَهْمِ.
بيان أقول لعل ما ذكره(ع)من قول أصحاب الهندسة قول بعض قدمائهم مع أنه قريب من المشهور كما عرفت و الاختلاف بين قدمائهم و متأخريهم في أشباه ذلك كثير.
35- تَوْحِيدُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ قَالَ الصَّادِقُ(ع)فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ غُرُوبِهَا لِإِقَامَةِ دَوْلَتَيِ النَّهَارِ وَ اللَّيْلِ فَلَوْ لَا طُلُوعُهَا لَبَطَلَ أَمْرُ الْعَالَمِ كُلِّهِ فَلَمْ يَكُنِ النَّاسُ يَسْعَوْنَ فِي مَعَايِشِهِمْ وَ يَتَصَرَّفُونَ فِي أُمُورِهِمْ وَ الدُّنْيَا مُظْلِمَةٌ عَلَيْهِمْ وَ لَمْ يَكُونُوا يَتَهَنَّئُونَ بِالْعَيْشِ مَعَ فَقْدِهِمْ لَذَّةَ النُّورِ وَ رَوْحَهُ وَ الْإِرْبُ فِي طُلُوعِهَا ظَاهِرٌ مُسْتَغْنٍ بِظُهُورِهِ عَنِ الْإِطْنَابِ فِي ذِكْرِهِ وَ الزِّيَادَةِ فِي شَرْحِهِ بَلْ تَأَمَّلِ الْمَنْفَعَةَ فِي غُرُوبِهَا فَلَوْ لَا غُرُوبُهَا لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ هُدُوءٌ وَ لَا قَرَارٌ مَعَ عِظَمِ حَاجَتِهِمْ إِلَى الْهُدُوءِ وَ الرَّاحَةِ لِسُكُونِ أَبْدَانِهِمْ وَ جُمُومِ حَوَاسِّهِمْ وَ انْبِعَاثِ الْقُوَّةِ الْهَاضِمَةِ لِهَضْمِ الطَّعَامِ وَ تَنْفِيذِ الْغِذَاءِ إِلَى الْأَعْضَاءِ ثُمَّ كَانَ الْحِرْصُ سَيَحْمِلُهُمْ مِنْ مُدَاوَمَةِ الْعَمَلِ وَ مُطَاوَلَتِهِ عَلَى مَا يَعْظُمُ نِكَايَتُهُ فِي أَبْدَانِهِمْ فَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَوْ لَا جُثُومُ هَذَا اللَّيْلِ لِظُلْمَتِهِ عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ هُدُوءٌ وَ لَا قَرَارٌ حِرْصاً عَلَى الْكَسْبِ وَ الْجَمْعِ وَ الِادِّخَارِ ثُمَّ كَانَتِ الْأَرْضُ تَسْتَحْمِي (1) بِدَوَامِ الشَّمْسِ بِضِيَائِهَا (2) وَ تُحْمِي كُلَّ مَا عَلَيْهَا مِنْ حَيَوَانٍ وَ نَبَاتٍ فَقَدَّرَهَا اللَّهُ بِحِكْمَتِهِ وَ تَدْبِيرِهِ تَطْلُعُ وَقْتاً وَ تَغْرُبُ وَقْتاً بِمَنْزِلَةِ سِرَاجٍ يُرْفَعُ لِأَهْلِ الْبَيْتِ تَارَةً لِيَقْضُوا حَوَائِجَهُمْ ثُمَّ يَغِيبُ عَنْهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ لِيَهْدَءُوا وَ يَقِرُّوا فَصَارَ
____________
(1) ستحمى (خ).
(2) و ضيائها (خ).
176
النُّورُ وَ الظُّلْمَةُ مَعَ تَضَادِّهِمَا مُنْقَادَيْنِ مُتَظَاهِرَيْنِ عَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ الْعَالَمِ وَ قِوَامُهُ ثُمَّ فَكِّرْ بَعْدَ هَذَا فِي ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ وَ انْحِطَاطِهَا لِإِقَامَةِ هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ الْأَرْبَعَةِ مِنَ السَّنَةِ وَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّدْبِيرِ وَ الْمَصْلَحَةِ فَفِي الشِّتَاءِ تَعُودُ الْحَرَارَةُ فِي الشَّجَرِ وَ النَّبَاتِ فَيَتَوَلَّدُ فِيهِمَا مَوَادُّ الثِّمَارِ وَ يَسْتَكْثِفُ الْهَوَاءُ فَيَنْشَأُ مِنْهُ السَّحَابُ وَ الْمَطَرُ وَ تَشْتَدُّ أَبْدَانُ الْحَيَوَانِ وَ تَقْوَى وَ فِي الرَّبِيعِ تَتَحَرَّكُ وَ تَظْهَرُ الْمَوَادُّ الْمُتَوَلِّدَةُ فِي الشِّتَاءِ فَيَطْلُعُ النَّبَاتُ وَ تَنَوَّرُ الْأَشْجَارُ وَ يَهِيجُ الْحَيَوَانُ لِلسِّفَادِ وَ فِي الصَّيْفِ يَحْتَدِمُ الْهَوَاءُ فَتَنْضَجُ الثِّمَارُ وَ تَتَحَلَّلُ فُضُولُ الْأَبْدَانِ وَ يَجِفُّ وَجْهُ الْأَرْضِ فَتَهَيَّأُ لِلْبِنَاءِ وَ الْأَعْمَالِ وَ فِي الْخَرِيفِ يَصْفُو الْهَوَاءُ وَ يَرْتَفِعُ الْأَمْرَاضُ وَ تَصِحُّ الْأَبْدَانُ وَ يَمْتَدُّ اللَّيْلُ وَ يُمْكِنُ فِيهِ بَعْضُ الْأَعْمَالِ لِطُولِهِ وَ يَطِيبُ الْهَوَاءُ فِيهِ إِلَى مَصَالِحَ أُخْرَى لَوْ تَقَصَّيْتُ لِذِكْرِهَا لَطَالَ فِيهَا الْكَلَامُ فَكِّرِ الْآنَ فِي تَنَقُّلِ الشَّمْسِ فِي الْبُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشَرَ لِإِقَامَةِ دَوْرِ السَّنَةِ وَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّدْبِيرِ فَهُوَ الدَّوْرُ الَّذِي تَصِحُّ بِهِ الْأَزْمِنَةُ الْأَرْبَعَةُ مِنَ السَّنَةِ الشِّتَاءُ وَ الرَّبِيعُ وَ الصَّيْفُ وَ الْخَرِيفُ وَ يَسْتَوْفِيهَا عَلَى التَّمَامِ وَ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ دَوَرَانِ الشَّمْسِ تُدْرِكُ الْغَلَّاتُ وَ الثِّمَارُ وَ تَنْتَهِي إِلَى غَايَاتِهَا ثُمَّ تَعُودُ فَيَسْتَأْنِفُ النُّشُوءُ وَ النُّمُوُّ أَ لَا تَرَى أَنَّ السَّنَةَ مِقْدَارُ مَسِيرِ الشَّمْسِ مِنَ الْحَمَلِ إِلَى الْحَمَلِ فَبِالسَّنَةِ وَ أَخَوَاتِهَا يُكَالُ الزَّمَانُ مِنْ لَدُنْ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَالَمَ إِلَى كُلِّ وَقْتٍ وَ عَصْرٍ مِنْ غَابِرِ الْأَيَّامِ وَ بِهَا يَحْسُبُ النَّاسُ الْأَعْمَارَ وَ الْأَوْقَاتَ الْمُوَقَّتَةَ لِلدُّيُونِ وَ الْإِجَارَاتِ وَ الْمُعَامَلَاتِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِمْ وَ بِمَسِيرِ الشَّمْسِ تَكْمُلُ السَّنَةُ وَ يَقُومُ حِسَابُ الزَّمَانِ عَلَى الصِّحَّةِ انْظُرْ إِلَى شُرُوقِهَا عَلَى الْعَالَمِ كَيْفَ دُبِّرَ أَنْ يَكُونَ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ تَبْزُغُ فِي مَوْضِعٍ مِنَ السَّمَاءِ فَتَقِفُ لَا تَعْدُوهُ لَمَا وَصَلَ شُعَاعُهَا وَ مَنْفَعَتُهَا إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الْجِهَاتِ لِأَنَّ الْجِبَالَ وَ الْجُدْرَانَ كَانَتْ تَحْجُبُهَا عَنْهَا فَجُعِلَتْ تَطْلُعُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَتَشْرُقُ عَلَى مَا قَابَلَهَا مِنْ وَجْهِ الْمَغْرِبِ ثُمَّ لَا تَزَالُ تَدُورُ وَ تَغْشَى جِهَةً بَعْدَ جِهَةٍ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْمَغْرِبِ فَتَشْرُقَ عَلَى مَا اسْتَتَرَ عَنْهَا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فَلَا يَبْقَى مَوْضِعٌ مِنَ الْمَوَاضِعِ إِلَّا أَخَذَ بِقِسْطِهِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ مِنْهَا وَ الْإِرْبِ الَّتِي قُدِّرَتْ لَهُ وَ لَوْ تَخَلَّفَتْ
177
مِقْدَارَ عَامٍ أَوْ بَعْضَ عَامٍ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ حَالُهُمْ بَلْ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ بَقَاءٌ أَ فَلَا يَرَى النَّاسُ كَيْفَ هَذِهِ الْأُمُورُ الْجَلِيلَةُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُمْ فِيهَا حِيلَةٌ فَصَارَ تَجْرِي عَلَى مَجَارِيهَا لَا تَعْتَلُّ وَ لَا تَتَخَلَّفُ عَنْ مَوَاقِيتِهَا لِصَلَاحِ الْعَالَمِ وَ مَا فِيهِ بَقَاؤُهُ اسْتَدِلَّ بِالْقَمَرِ فَفِيهِ دَلَالَةٌ جَلِيلَةٌ (1) تَسْتَعْمِلُهَا الْعَامَّةُ فِي مَعْرِفَةِ الشُّهُورِ وَ لَا يَقُومُ عَلَيْهِ حِسَابُ السَّنَةِ لِأَنَّ دَوْرَهُ لَا يَسْتَوْفِي الْأَزْمِنَةَ الْأَرْبَعَةَ وَ نُشُوءَ الثِّمَارِ وَ تَصَرُّمَهَا وَ لِذَلِكَ صَارَتْ شُهُورُ الْقَمَرِ وَ سِنُوهُ تَتَخَلَّفُ عَنْ شُهُورِ الشَّمْسِ وَ سِنِيهَا وَ صَارَ الشَّهْرُ مِنْ شُهُورِ الْقَمَرِ يَنْتَقِلُ فَيَكُونُ مَرَّةً بِالشِّتَاءِ وَ مَرَّةً بِالصَّيْفِ فَكِّرْ فِي إِنَارَتِهِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَ الْإِرْبِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ مَعَ الْحَاجَةِ إِلَى الظُّلْمَةِ لِهَدْءِ الْحَيَوَانِ وَ بَرْدِ الْهَوَاءِ عَلَى النَّبَاتِ لَمْ يَكُنْ صَلَاحٌ فِي أَنْ يَكُونَ اللَّيْلُ ظُلْمَةً دَاجِيَةً لَا ضِيَاءَ فِيهَا فَلَا يُمْكِنُ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْعَمَلِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا احْتَاجَ النَّاسُ إِلَى الْعَمَلِ بِاللَّيْلِ لِضِيقِ الْوَقْتِ عَلَيْهِمْ فِي تَقَصِّي الْأَعْمَالِ بِالنَّهَارِ أَوْ لِشِدَّةِ الْحَرِّ وَ إِفْرَاطِهِ فَيَعْمَلُ (2) فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ أَعْمَالًا شَتَّى كَحَرْثِ الْأَرْضِ وَ ضَرْبِ اللَّبَنِ وَ قَطْعِ الْخَشَبِ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَجُعِلَ ضَوْءُ الْقَمَرِ مَعُونَةً لِلنَّاسِ عَلَى مَعَايِشِهِمْ إِذَا احْتَاجُوا إِلَى ذَلِكَ وَ أُنْساً لِلسَّائِرِينَ وَ جُعِلَ طُلُوعُهُ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ دُونَ بَعْضٍ وَ نُقِصَ مَعَ ذَلِكَ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ وَ ضِيَائِهَا لِكَيْلَا تَنْبَسِطَ النَّاسُ فِي الْعَمَلِ انْبِسَاطَهُمْ بِالنَّهَارِ وَ يَمْتَنِعُوا مِنَ الْهَدْءِ وَ الْقَرَارِ فَيُهْلِكَهُمْ ذَلِكَ وَ فِي تَصَرُّفِ الْقَمَرِ خَاصَّةً فِي مُهَلِّهِ (3) وَ مُحَاقِهِ وَ زِيَادَتِهِ وَ نُقْصَانِهِ وَ كُسُوفِهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ خَالِقِهِ الْمُصَرِّفِ لَهُ هَذَا التَّصْرِيفَ لِصَلَاحِ الْعَالَمِ مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُعْتَبِرُونَ.
بيان: الدولة بالفتح و الضم انقلاب الزمان و دالت الأيام دارت و الله يداولها بين الناس و هدأ كمنع هدءا و هدوءا سكن و يقال نكيت في العدو نكاية إذا قتلت فيهم و جرحت و جثم الإنسان و الطائر و النعام يجثم جثما
____________
(1) جلية (ظ).
(2) فيعملون (خ).
(3) في تهلله (خ).
178
و جثوما لزم مكانه لم يبرح و المراد جثومهم في الليل و التظاهر التعاون و نور الشجر أي أخرج نوره و حدم النار شدة احتراقها و التقصي بلوغ أقصى الشيء و نهايته و الغابر الباقي و الماضي و المراد هنا الثاني و بزغت الشمس بزوغا شرقت أو البزوغ ابتداء الطلوع و قال الجوهري اعتل عليه (1) و اعتله إذا اعتاقه عن أمر انتهى و ليلة داجية أي مظلمة.
36- الصَّحِيفَةُ السَّجَّادِيَّةُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَى مَنْ أَلْهَمَهَا كَانَ مِنْ دُعَائِهِ(ع)إِذَا نَظَرَ إِلَى الْهِلَالِ أَيُّهَا الْخَلْقُ الْمُطِيعُ الدَّائِبُ السَّرِيعُ الْمُتَرَدِّدُ فِي مَنَازِلِ التَّقْدِيرِ الْمُتَصَرِّفُ فِي فَلَكِ التَّدْبِيرِ آمَنْتُ بِمَنْ نَوَّرَ بِكَ الظُّلَمَ وَ أَوْضَحَ بِكَ الْبُهَمَ وَ جَعَلَكَ آيَةً مِنْ آيَاتِ مُلْكِهِ وَ عَلَامَةً مِنْ عَلَامَاتِ سُلْطَانِهِ وَ امْتَهَنَكَ بِالزِّيَادَةِ وَ النُّقْصَانِ وَ الطُّلُوعِ وَ الْأُفُولِ وَ الْإِنَارَةِ وَ الْكُسُوفِ فِي كُلِّ ذَلِكَ أَنْتَ لَهُ مُطِيعٌ وَ إِلَى إِرَادَتِهِ سَرِيعٌ سُبْحَانَهُ مَا أَعْجَبَ مَا دَبَّرَ فِي أَمْرِكَ وَ أَلْطَفَ مَا صَنَعَ فِي شَأْنِكَ جَعَلَكَ مِفْتَاحَ شَهْرٍ حَادِثٍ لِأَمْرٍ حَادِثٍ إِلَى آخِرِ الدُّعَاءِ.
تنوير اعلم أن الهلال إنما سمي هلالا لجريان عادتهم برفع الأصوات عند رؤيته من الإهلال و هو رفع الصوت و قد اضطربوا في تحديد الوقت الذي يسمى فيه بهذا الاسم فقال في الصحاح الهلال أول ليلة و الثانية و الثالثة ثم هو قمر (2) و زاد صاحب القاموس فقال الهلال غرة القمر أو لليلتين أو إلى ثلاث أو إلى سبع و لليلتين من آخر الشهر ست و عشرين و سبع و عشرين و في غير ذلك قمر (3) و قال في مجمع البيان اختلفوا في أنه إلى كم يسمى هلالا و متى يسمى قمرا فقال بعضهم يسمى هلالا لليلتين من الشهر ثم لا يسمى هلالا إلى أن يعود في الشهر الثاني و قال آخرون يسمى هلالا ثلاث ليال ثم يسمى قمرا و قال آخرون (4) يسمى هلالا حتى
____________
(1) في المصدر: اعتل عليه بعلة ... الصحاح: ج 5،(ص)1774.
(2) الصحاح: ج 5،(ص)1851.
(3) القاموس: ج 4،(ص)70.
(4) في المصدر: قال بعضهم.
179
يحجر و تحجيره أن يستدير بخط دقيق (1) و هذا قول الأصمعي و قال بعضهم يسمى هلالا حتى يبهر ضوؤه سواد الليل ثم يقال قمر و هذا يكون في الليلة السابعة (2) انتهى و قالوا إنما يسمى بعد الهلال قمرا لبياضه فإن الأقمر هو الأبيض و قيل لأنه يقمر الكواكب أي يغلبها بزيادة النور و يسمى في الليلة الرابعة عشر بدرا قال في الصحاح سمي بذلك لمبادرته الشمس في الطلوع كأنه يعجلها المغيب و يقال سمي لتمامه (3) انتهى أي تشبيها له بالبدرة الكاملة و هي عشرة آلاف درهم قال الشيخ البهائي ره يمتد وقت الدعاء بامتداد وقت التسمية هلالا و الأولى عدم تأخيره عن الأولى عملا بالمتيقن المتفق عليه لغة و عرفا فإن لم يتيسر فعن الثانية لقول أهل اللغة بالامتداد إليها فإن فاتت فعن الثالثة لقول كثير منهم بأنها آخر لياليه.
و أما ما ذكره صاحب القاموس و شيخنا أبو علي ره من إطلاق الهلال عليه إلى السابعة فهو خلاف المشهور لغة و عرفا و كأنه مجاز من قبيل إطلاقه عليه في الليلتين الأخيرتين ثم قال و لو قيل بامتداد ذلك إلى ثلاث ليال لم يكن بعيدا فلو نذر قراءة دعاء الهلال عند رؤيته و قلنا بالمجازية فيما فوق الثلاث لم تجب عليه القراءة برؤيته فيما فوقها حملا للمطلق على الحقيقة و هل تشرع الظاهر نعم إن رآه في تتمة السبع رعاية لجانب الاحتياط فأما فيما فوقها فلا لأنه تشريع و لو رآه يوم الثلاثين فلا وجوب على الظاهر لعدم تسميته حينئذ هلالا.
قوله(ع)أيها الخلق المطيع الخلق في الأصل مصدر بمعنى الإبداع و التقدير ثم استعمل بمعنى المخلوق كالرزق بمعنى المرزوق و إطاعته كناية عن تأتي كل ما أراده سبحانه فيه تشبيها بإطاعة العبد لمولاه الدائب السريع يقال دأب فلان في عمله أي جد و تعب و جاء في تفسير قوله تعالى وَ سَخَّرَ لَكُمُ
____________
(1) في المصدر: بخطة دقيقة.
(2) مجمع البيان: ج 1،(ص)283.
(3) الصحاح: ج 2،(ص)587.
180
الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دائِبَيْنِ (1) أي مستمرين في عملهما على عادة مقررة جارية قال الشيخ البهائي ره وصفه(ع)القمر بالسرعة ربما يعطي بحسب الظاهر أن يكون المراد سرعته باعتبار حركته الذاتية التي يدور بها على نفسه و تحرك جميع الكواكب بهذه الحركة مما قال به جم غفير من أساطين الحكماء و هو يقتضي كون المحو المرئي في وجه القمر شيئا غير ثابت في جرمه و إلا لتبدل وضعه كما قاله سلطان المحققين في شرح الإشارات و الأظهر أن ما وصفه به(ع)من السرعة إنما هو باعتبار حركته العرضية التي يتوسط فلكه فإن تلك الحركة على تقدير وجودها غير محسوسة و لا معروفة و الحمل على المحسوس المتعارف أولى و سرعة حركة القمر بالنسبة إلى سائر الكواكب أما الثوابت فظاهر لكون حركتها من أبطإ الحركات حتى أن القدماء لم يدركوها و أما السيارات فلأن زحل يتم الدورة في ثلاثين سنة و المشتري في اثنتي عشرة سنة و المريخ في سنة و عشرة أشهر و نصف و كلا من الشمس و الزهرة و عطارد في قريب من سنة و أما القمر فيتم الدورة في قريب من ثمانية و عشرين يوما و لا يبعد أن يكون وصفه(ع)القمر بالسرعة باعتبار حركته المحسوسة على أنها ذاتية له بناء على تجويز كون بعض حركات السيارات في أفلاكها من قبيل حركة الحيتان في الماء كما ذهب إليه جماعة و يؤيده ظاهر قوله تعالى كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (2) و دعوى امتناع الخرق و الالتئام على الأفلاك لم تقترن بالثبوت و ما لفقه الفلاسفة لإثباتها أوهن من بيت العنكبوت لابتنائه على عدم قبول الفلك بأجزائها الحركة المستقيمة و دون ثبوته خرط القتاد و التنزيل الإلهي الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ ناطق بانشقاقها و ما ثبت من معراج نبينا(ص)بجسده المقدس إلى السماء السابعة فصاعدا شاهد بانخراقها المتردد في منازل التقدير أي السائر في المنازل التي قدرها الله تعالى لها
____________
(1) إبراهيم: 33.
(2) يس: 40.
181
إشارة إلى قوله تعالى وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ (1) و هي المنازل الثمانية و العشرون التي يقطعها في كل شهر بحركته الخاصة فيرى كل ليلة نازلا بقرب واحد منها قال نصير الملة و الدين ره في التذكرة و أما منازل القمر فهي من الكواكب القريبة من منطقة البروج جعلها العرب علامات الأقسام الثمانية و العشرين التي قسمت المنطقة بها لتكون مطابقة لعدد أيام دور القمر و قال الخفري في شرحه و المراد من المنزل المسافة التي يقطعها القمر في يوم بليلته و منازل القمر عند أهل الهند سبعة و عشرون يوما بليلته و ثلث فحذفوا الثلث لكونه أقل من النصف كما هو عادة أهل التنجيم و أما عند العرب فهي ثمانية و عشرون لا لأنهم تمموا الثلث واحدا كما قال البعض بل لأنه لما كان سنوهم لكونها باعتبار الأهلة مختلفة الأوائل لوقوعها في وسط الصيف تارة و في وسط الشتاء أخرى احتاجوا إلى ضبط سنة الشمس لمعرفة فصول السنة حتى يشتغلوا في استقبال كل فصل منها بما يهمهم فيه فنظروا إلى القمر فوجدوه يعود إلى وضع له من الشمس في قريب من الثلاثين يوما و يختفي في آخر الشهر ليلتين أو أكثر أو أقل فأسقطوا يومين من الثلاثين فبقي ثمانية و عشرون و هو الزمان الواقع في الأغلب بين رؤيته بالعشيات في أول الشهر و رؤيته بالغدوات في آخره فقسموا دور الفلك عليه فكان كل منزل اثنتي عشرة درجة و إحدى و خمسين دقيقة تقريبا أي ستة أسباع درجة فنصيب كل برج منزلان و ثلث ثم وجدوا الشمس تقطع كل منزل في ثلاثة عشر يوما بالتقريب فصار المنازل في ثلاثمائة و أربعة و ستين يوما لكن عود الشمس إلى كل منزل إنما يكون في ثلاثمائة و خمسة و ستين يوما فزادوا يوما في أيام منازل غفر و قد يحتاج إلى زيادة يومين للكبيسة حتى تصير أيامه خمسة عشر و يكون انقضاء أيام السنة الشمسية مع انقضاء أيام المنازل و رجوع الأمر إلى منزل جعل مبدأ ثم إنهم جعلوا علامات المنازل من الكواكب الظاهرة القريبة من المنطقة مما يقارب ممر القمر أو يحاذيه فيرى كل ليلة نازلا بقرب أحدها
____________
(1) يس: 39.
182
فإن سترها يقال كفحه فكافحه أي واجهه فغلبه و لا يتفاءل به و إن لم يستره يقال عدل القمر و يتفاءل به و إذا أسرع القمر في سيره فقد يخلي منزلا في الوسط و إذا أبطأ فقد يبقى ليلتين في منزل أول ليلتين في أوله و آخرهما في آخره و قد يرى في بعض الليالي بين منزلين و ما يقال في المشهور إن الظاهر من المنازل في كل ليلة يكون أربعة عشر و كذا الخفي و إنه إذا طلع منزل غاب رقيبه و هو الخامس عشر من الطالع ظاهر الفساد لأنها ليست على نفس المنطقة و لا أبعاد ما بينهما (1) متساوية و لهذا قد يكون الظاهر ستة عشر أو سبعة عشر.
و يمكن أن يقال إن مرادهم من المنازل نفس المنازل لا علاماتها و حينئذ يصح الحكمان المذكوران و بمثل ما ذكر يعلم فساد ما هو المشهور أيضا من أن ستة بروج ظاهرة و ستة خفية فإنه أيضا إنما يصح بمقتضى الحساب في نفس البروج لا بحسب صورها من الثوابت لأنها لا تقسم المنطقة على سواء بحيث ينطبق أول صورة كل برج على أوله و آخرها على آخره و لعل مرادهم بذلك أن نصف البروج نفسها ظاهرة لا أن نصف صورها ظاهرة فيندفع الخلل عن هذا القول أيضا و العرب تسمي خروج المنزل من ضياء الفجر طلوعه و غروب رقيبه وقت الصبح سقوطه و تسمي المنازل التي يكون طلوعها في مواسم المطر الأنواء و رقباءها إذا طلعت في غير مواسم المطر البوارح و الأربعة الشمالية التي أولها الشرطين و آخرها السماك شامية و الباقية التي أولها الغفر و آخرها بطن الحوت يمانية انتهى.
و قال الشيخ البهائي ره الظاهر أن مراده(ع)بتردد القمر في منازل التقدير عوده إليها في الشهر اللاحق بعد قطعه إياها في السابق فتكون كلمة في بمعنى إلى و يمكن أن تبقى على معناها الأصلي بجعل المنازل ظرفا للتردد فإن حركته التي يقطع بها تلك المنازل لما كانت مركبة من شرقية و غربية جعل كأنه لتحركه فيها بالحركتين المختلفتين متردد يقدم رجل و يؤخر أخرى
____________
(1) ما بينها (خ).
183
و أما على رأي من يمنع جواز قيام الحركتين المختلفتين بالجسم و يرى أن للنملة المتحركة بخلاف حركة الرحى سكونا حال حركتها فتشبيهه بالمتردد أظهر.
المتصرف في فلك التدبير التصرف التقلب إشارة إلى أن تقلباته و تغيراته بتدبير الحكيم الخبير و الفلك مجرى الكواكب سمي به تشبيها بفلكة المغزل في الاستدارة و الدوران قال أبو ريحان إن العرب و الفرس سلكوا في تسمية السماء مسلكا واحدا فإن العرب تسمي السماء فلكا تشبيها لها بفلكة الدولاب و الفرس سموها بلغتهم آسمان تشبيها لها بالرحى فإن آس هو الرحى بلسانهم و مان دال على التشبيه انتهى.
و قال الشيخ البهائي ره المراد بفلك التدبير أقرب الأفلاك التسع إلى عالم العناصر أي الفلك الذي يتدبر بعض مصالح عالم الكون و الفساد و قد ذكر بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (1) أن المراد بها الأفلاك و هو أحد الوجوه التي أوردها الطبرسي ره و يمكن أن يكون على ضرب من المجاز كما يسمى ما يقطع به الشيء قاطعا و ربما يوجد في بعض النسخ المتصرف في فلك التدوير و هو صحيح أيضا و إن كانت النسخة الأولى أصح و المراد به رابع أفلاك القمر و هو الفلك الغير المحيط بالأرض المركوز هو فيه المتحرك أسفله على توالي البروج و أعلاه بخلافه مخالفا لسائر تداوير السيارة كل يوم ثلاث عشرة درجة و ثلاث دقائق و أربعا و خمسين ثانية و هو مركوز في ثخن ثالث أفلاكه المسمى بالحامل المباعد مركزه عن مركز العالم بعشر درج المتحرك على التوالي كل يوم أربعا و عشرين درجة و اثنتين و عشرين دقيقة و ثلاث و خمسين ثانية و هو واقع في ثخن ثاني أفلاكه المسمى بالمائل الموافق مركزه مركز العالم المماس مقعره بمحدب النار الفاضل عن الحامل الموافق له في ميل منطقته عن منطقة البروج بمتممين متدرجي الرقة إلى نقطتي الأوج و الحضيض المتحرك على خلاف التوالي كل يوم إحدى عشرة درجة و تسع دقائق و سبع
____________
(1) النازعات: 5.
184
ثوان و هو واقع في جوف أول أفلاكه المسمى بالجوزهر الموافق مركزه مركز العالم و منطقته منطقة البروج المماس محدبه مقعر ممثل عطارد المتحرك كالثاني كل يوم ثلاث دقائق و إحدى عشرة ثانية ثم قال و لا يبعد أن تكون الإضافة في فلك التدبير من قبيل إضافة الظرف إلى المظروف كقولهم مجلس الحكم و دار القضاء أي الفلك الذي هو مكان التدبير و محله نظرا إلى أن ملائكة سماء الدنيا يدبرون أمر العالم السفلي فيه أو إلى أن كلا من السيارات السبع يدبر في فلكها أمرا هي مسخرة له بأمر خالقها و مبدعها كما ذكره جماعة من المفسرين في تفسير قوله تعالى فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (1) و يمكن أن يراد بفلك التدبير مجموع الأفلاك الجزئية يتدبر بها الأحوال المنسوبة إلى القمر بأسرها و ينضبط بها الأمور المتعلقة به بأجمعها حتى تشابه حامله حول مركز العالم و محاذاة قطر تدويره نقطة سواه إلى غير ذلك و تلك الأفلاك الجزئية هي الأربعة السالفة مع ما زيد عليها لحل ذينك الإشكالين و مع ما لعله يحتاج إليه أيضا في انتظام بعض أموره و أحواله التي ربما لم يطلع عليها الراصدون في أرصادهم و إنما يطلع عليها المؤيدون بنور الإمامة و الولاية و حينئذ يراد بالتدبير التدبير الصادر عن الفلك نفسه و يكون اللام فيه للعهد الخارجي أي التدبير الكامل الذي ينتظم به جميع تلك الأمور و لا يبعد أن يراد بفلك التدبير الفلك الذي يدبره القمر نفسه نظرا إلى ما ذهب إليه طائفة من أن كل واحد من السيارات السبع مدبر لفلكه كالقلب في بدن الحيوان قال سلطان المحققين في شرح الإشارات ذهب فريق إلى أن كل كوكب منها ينزل مع أفلاكه منزلة حيوان واحد ذي نفس واحدة تتعلق بالكوكب أول تعلقها و بأفلاكه بواسطة الكوكب كما تتعلق نفس الحيوان بقلبه أولا و بأعضائه الباقية بعد ذلك فالقوة المحركة منبعثة عن الكوكب الذي هو كالقلب في أفلاكه التي هي كالجوارح و الأعضاء الباقية انتهى كلامه زيد إكرامه و يمكن أن يكون هذا هو معنى ما أثبته له(ع)من التصرف في الفلك
____________
(1) النازعات: 5.
185
و الله أعلم بمقاصد أوليائه (سلام الله عليهم أجمعين) انتهى.
و أقول يمكن أن يكون في الكلام استعارة كما يقال بيت العز و دار الشرف تشبيها للتدبير بفلك هو مدبره و هذا النوع من الكلام شائع عند العرب و العجم ثم قال ره خطابه(ع)للقمر و نداؤه له و وصفه بالطاعة و الجد و التعب و التردد في المنازل و التصرف في الفلك ربما يعطي بظاهره كونه ذا حياة و إدراك و لا استبعاد في ذلك نظرا إلى قدرة الله تعالى إلا أنه لم يثبت بدليل عقلي قاطع يشفي العليل أو نقلي ساطع لا يقبل التأويل نعم أمثال هذه الظواهر ربما تشعر به و قد يستند في ذلك بظاهر قوله تعالى كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (1) فإن الواو و النون لا يستعملان حقيقة لغير العقلاء و قد أطبق الطبيعيون على أن الأفلاك بأجمعها حية ناطقة عاشقة مطيعة لمبدعها و خالقها و أكثرهم على أن غرضها من حركاتها نيل التشبه بجنابه و التقرب إليه جل شأنه و بعضهم على أن حركاتها لورود الشوارق القدسية عليها آنا فآنا فهي من قبيل هزة الطرب و الرقص الحاصل من شدة السرور و الفرح و ذهب جم غفير منهم إلى أنه لا ميت في شيء من الكواكب أيضا حتى أثبتوا لكل واحد منها نفسا على حدة تحركه حركة مستديرة على نفسه و ابن سينا في الشفاء مال إلى هذا القول و رجحه و حكم به في النمط الخامس من الإشارات و لو قال به قائل لم يكن مجازفا و كلام ابن سينا و أمثاله و إن لم يكن حجة يركن إليها الديانيون في أمثال هذه المطالب إلا أنه يصلح للتأييد و لم يرد في الشريعة المطهرة على الصادع بها أفضل الصلوات و أكمل التسليمات ما ينافي هذا القول و لا قام دليل عقلي على بطلانه و إذا جاز أن يكون لمثل البعوضة و النملة فما دونهما حياة فأي مانع من أن يكون لتلك الأجرام الشريفة أيضا ذلك و قد ذهب جماعة إلى أن لجميع الأشياء نفوسا مجردة و نطقا و جعلوا قوله تعالى وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ (2) محمولا على ظاهره و ليس غرضنا
____________
(1) يس: 40.
(2) الإسراء: 44.
186
من هذا الكلام ترجيح القول بحياة الأفلاك بل كسر سورة استبعاد المصرين على إنكاره و رده و تسكين صولة المشنعين على من قال به أو جوزه انتهى كلامه ره و أقول هذا الترجيح الذي أبداه ره في لباس الاحتمال و التجويز مناف لسياق أكثر الآيات و الأخبار الواردة في أحوال الكواكب و الأفلاك و مسيرها و حركاتها و الإشارات التي تمسك بها ظاهر من سياقها أنها من قبيل المجازات و الاستعارات الشائعة في كلام البلغاء بل في أكثر المحاورات فإنهم يخاطبون الجمادات بخطاب العقلاء و غرضهم تفهيم غيرها كما في هذا الخطاب و خطاب شهر رمضان و وداعه و خطاب البيت و المخاطب فيها حقيقة هو الله تعالى و الغرض إظهار نعمه تعالى و شكره عليها و لم أر أحدا من المتكلمين من فرق المسلمين قال بذلك إلا بعض المتأخرين الذين يقلدون الفلاسفة في عقائدهم و يوافقون المسلمين فيما لا يضر بمقاصدهم قال السيد المرتضى ره في كتاب الغرر و الدرر قد دلت الدلالة الصحيحة الواضحة على أن الفلك و ما فيه من شمس و قمر و نجوم غير متحرك لنفسه و لا طبعه على ما يهدي به القوم و أن الله تعالى هو المحرك له و المتصرف باختياره فيه و قال ره في موضع آخر لا خلاف بين المسلمين في ارتفاع الحياة عن الفلك و ما يشتمل عليه من الكواكب فإنها مسخرة مدبرة مصرفة و ذلك معلوم من دين رسول الله(ص)ضرورة كما سيأتي في باب النجوم.
آمنت بمن نور بك الظلم و أوضح بك البهم و جعلك آية من آيات ملكه و علامة من علامات سلطانه النور و الضوء مترادفان لغة و قد تسمى تلك الكيفية إن كانت من ذات الشيء ضوءا و إن كانت مستفادة من غيره نورا و عليه جرى قوله تعالى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً (1) و الظلم جمع ظلمة و تجمع على ظلمات أيضا و هي عدم الضوء عما من شأنه أن يكون مضيئا و البهم كصرد جمع بهمة بالضم و هي ما يصعب على الحاسة إدراكه إن كان محسوسا و على الفهم إن
____________
(1) يونس: 5.
187
كان معقولا و الآية العلامة و السلطان مصدر بمعنى الغلبة و التسلط و قد يجيء بمعنى الحجة و الدليل لتسلطه على القلب و أخذه بعنانه قال البهائي ره لما افتتح(ع)الدعاء بخطاب القمر و ذكر أوصافه أراد أن يذكر جملا أخرى من أحواله ناقلا للكلام من أسلوب إلى آخر كما هو دأب البلغاء من تلوين الكلام و جعل تلك الجمل مع تضمنها لخطاب القمر و ذكر أحواله موشحة بذكر الله سبحانه و الثناء عليه جل شأنه تحاشيا عن أن يتمادى به الكلام خاليا عن ذكر المفضل المنعام (1) معبرا عن المنعم به جل شأنه بالموصول ليجعل الصلة مشعرة ببعض أحوال القمر و يعطف عليها الأحوال الأخر فتتلاءم جمل الكلام و لا يخرج عن الغرض المسوق له من بيان تلك الأوصاف و الأحوال و اللام في الظلم للاستغراق أعني العرفي منه لا الحقيقي و المراد الظلم المتعارف تنويرها بالقمر من قبيل جمع الأمير الصاغة و يمكن جعله للعهد الخارجي و الحق أن لام الاستغراق العرفي ليست شيئا وراء لام العهد الخارجي فإن المعروف بها هو حصة معينة من الجنس أيضا غايته أن التعيين فيها نشأ من العرف و التنكير في قوله آية يمكن أن يكون للنوعية كما في قوله تعالى وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ (2) و الأظهر أن يجعل للتعظيم و احتمال التحقير ضعيف كما لا يخفى ثم قال ره الباء في قوله(ع)نور بك الظلم إما للسببية أو للآلة ثم إن جعلنا الضوء عرضا قائما بالجسم كما هو مذهب أكثر الحكماء و مختار سلطان المحققين ره في التجريد فالتركيب من قبيل سودت الشيء و بيضته أي صيرته متصفا بالسواد و البياض و إن جعلناه جسما كما هو مذهب القدماء من أنه أجسام صغار شفافة تنفصل عن المضيء و تتصل بالمستضيء (3) فالتركيب من قبيل لبنته و تمرته أي صيرته ذا لبن أو تمر و هذا القول و إن كان مستبعدا بحسب الظاهر إلا أن إبطاله لا يخلو
____________
(1) المنعام: صيغة مبالغة من «أنعم» على خلاف القياس.
(2) البقرة: 7.
(3) و هو أيضا مذهب علماء الفيزيا من أهل العصر.
188
من إشكال كما أن إثباته كذلك و لعله(ع)أراد بالظلم في قوله نور بك الظلم الأهوية المظلمة لا الظلمات أنفسها فإنها لا تتصف بالنور و تجويز كونه(ع)أراد ذلك مبني على أن الهواء تتكيف بالضوء و هو مختلف فيه فالذين جعلوا اللون شرطا في التكيف بالضوء منعوا منه و يجوز أن يريد بالظلم الأجسام المظلمة سوى الهواء و هذا أحسن لاستغنائه عن تجشم الاستدلال على قبول الهواء للضوء و سلامته عن شوب الخلاف و يمكن أن يكون مراده(ع)بتنوير الظلم إعدامها بإحداث الضوء في محالها و هذا يبتني على القول بأن الظلمة كيفية وجودية كما ذهب إليه جماعة و هذا الرأي و إن كان الأكثر على بطلانه إلا أن دلائلهم على إبطاله ليست بتلك القوة فهو باق على أصل الإمكان إلا أن يذود عنه قاطع البرهان فلو جوز مجوز احتمال كونه أحد محامل كلامه(ع)لم يكن في ذلك حرج.
و امتهنك بالزيادة و النقصان و الطلوع و الأفول و الإنارة و الكسوف المهنة بفتح الميم و كسرها و إسكان الهاء الخدمة و الذل و المشقة و الماهن الخادم و امتهنه استعمله في المهنة و طلوع الكوكب ظهوره فوق الأفق أو من تحت شعاع الشمس و أفوله غروبه تحته و الكسوف زوال الضوء عن الشمس أو القمر للعارض المخصوص و قد يفسر الكسوف بحجب القمر ضوء الشمس عنا أو حجب الأرض ضوء الشمس عنه و هو تفسير للشيء بسببه و قال جماعة من أهل اللغة الأحسن أن يقال في زوال ضوء الشمس كسوف و في زوال ضوء القمر خسوف فإن صح ما قالوه فلعله(ع)أراد بالكسوف زوال الضوء المشترك بين الشمس و القمر لا المختص بالقمر و هو الخسوف ليكون خلاف الأحسن و لا يخفى أن امتهان القمر حاصل بسبب كثف الشمس أيضا فإنه هو الساتر لها و لما كان شمول الكسوف للخسوف أشهر من العكس اختاره(ع)ثم قال أراد(ع)بالزيادة و النقصان زيادة نور القمر و نقصانه بحسب ما يظهر للحس لا أن الزيادة و النقصان حاصلان له في الواقع لأن الأزيد من نصفه منير دائما كما بين في محله و أما زيادته في الاجتماع و نقصانه في الاستقبال كما هو شأن الكرة الصغيرة المستنيرة من الكبيرة
189
حالتي القرب و البعد فليس الكلام فيهما إنما الكلام في الزيادة و النقصان المسببين عن البعد و القرب المدركين بالحس و ربما يتراءى لبعض الأفهام من ظاهر قوله(ع)و امتهنك بالزيادة و النقصان أن زيادة نور القمر و نقصانه المحسوسين واقعان بحسب الحقيقة و حاصلان في نفس الأمر كما هو معتقد كثير من الناس و هذا و إن كان ممكنا نظرا إلى قدرة الله تعالى على أن يحدث في جرمه أول الشهر شيئا يسيرا من النور و يزيده على التدريج إلى أن يصير بدرا ثم يسلبه عنه شيئا فشيئا إلى المحاق إلا أن حمل كلامه(ع)على ما هو متفق عليه بين أساطين علماء الهيئة حتى عد من الحدسيات أليق و أولى و هم مع قطع النظر عما أوجب تحدسهم بذلك إنما اقتبسوا هذا العلم من أصحاب الوحي (سلام الله عليهم) كشيث(ع)المدعو على لسانهم بهرمس و قد نقل جماعة من المفسرين منهم الشيخ الطبرسي ره عند تفسير قوله تعالى وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ الآية (1) أن علم الهيئة كان معجزة له إلى آخر ما ذكره في ذلك (2) ثم قال ره لا يخفى أن حكمهم بأن نور القمر مستفاد من الشمس ليس مستندا إلى مجرد ما يشاهد من اختلاف تشكلاته النورية بقربه و بعده عن الشمس فإن هذا وحده لا يوجب ذلك الحكم قطعا بل لا بد مع ذلك من ضم أمور آخر كحصول الخسوف عند توسط الأرض بينه و بين الشمس إلى غير ذلك من الأمارات التي يوجب اجتماعها ذلك الحكم لجواز أن يكون نصفه مضيئا من ذاته و نصفه مظلما و يدور على نفسه كحركة فلكه فإذا تحرك بعد المحاق يسيرا رأيناه هلالا و يزداد فنراه بدرا ثم يميل نصفه المظلم شيئا فشيئا إلى أن يئول إلى المحاق ثم أفاد ره لعلك تقول عند ملاحظة قوله و امتهنك بالزيادة و النقصان أن حصول الامتهان للقمر بنقصان نوره ظاهر فما معنى حصول الامتهان له بزيادة النور فأقول فيه وجهان الأول أنه كان أحد وجهيه مستنيرا بالشمس دائما و كانت زيادة نوره إنما هي
____________
(1) مريم: 56.
(2) مجمع البيان: ج 6،(ص)519.
190
بحسب إحساسنا فقط و قد سخره الأمر الإلهي لأن يتحرك في النصف الأول من الشهر على نهج لا يزيد به المنير منه في كل ليلة إلا شيئا يسيرا لا يستطيع أن يتخطاه و لا يقدر على أن يتعداه أثبت(ع)له الامتهان بسبب إذلاله و تسخيره للزيادة على هذا الوجه المقرر و النهج الخاص و قد شبه بعضهم حال القمر في ظهور القدر المرئي منه شيئا فشيئا في النصف الأول من الشهر إلى أن يصير بدرا ثم استتاره شيئا فشيئا في النصف الثاني إلى أن يختفي بما إذا أمر السيد عبده بأن لا يكشف النقاب عن وجهه للناظرين إلا على التدريج شيئا فشيئا في مدة معينة و أنه متى انكشف وجهه بأجمعه فليبادر في الحال إلى ستره و إرخاء النقاب عليه شيئا فشيئا إلى أن يختفي بأجمعه عن الأبصار الوجه الثاني أن يكون مراده(ع)الامتهان بمجموع الزيادة و النقصان أعني التغير من حال إلى حال و عدم البقاء على شكل واحد و لعل هذا الوجه أقرب و هو جار فيما نسبه(ع)إليه من الطلوع و الأفول و الإنارة و الكسوف و يمكن أن يوجه امتهانه بالإنارة بوجه آخر و هو أن يراد بها إعطاؤه النور للغير كوجه الأرض مثلا لا اتصافه هو بالنور فإن الإنارة و الإضاءة كما جاءا في اللغة لازمين جاءا متعديين أيضا فحينئذ ينبغي أن يراد بالكسوف كسفه للشمس ليتم المقابلة و يصير المعنى امتهنك بأن تفيض النور على الغير تارة و تسلبه عنه أخرى و لو أريد المعنى الشامل للخسوف أو نفس الخسوف أيضا لم يكن فيه بعد و الله أعلم.
ثم قال ره لما كانت الشمس ملازمة لمنطقة البروج و كانت أعظم من الأرض كان المستنير بأشعتها أعظم من نصفها و المظلم أقل و حصل مخروط مؤلف من قطعتين يرتسم إحداهما من الخطوط الشعاعية الواصلة بين الشمس و سطح الأرض و يسمى مخروط النور و المخروط العظيم و الأخرى من ظل الأرض و تسمى مخروط الظل و المخروط الصغير و يحيط به طبقة يشوبها ضوء مع بياض يسير ثم طبقة أخرى يشوبها مع ضوء يسير حمرة و هذه الطبقات الثلاث تظهر للبصر في المشرق من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس بهذا الترتيب و بعكسه بعد غروبها في المغرب و قاعدة
191
المخروط العظيم على كرة الشمس منصفة بمنطقة البروج و سهمه في سطحها و ينتهي رأسه في أفلاك الزهرة عند كون الشمس في الأوج و فيما دونه في ما دونها و قاعدة المخروط الصغير صغيرة على وجه الأرض هي الفصل المشترك بين المنير منها و المظلم و هذان المخروطان يتحركان على سطح الأرض كأنهما جبلان شامخان يدوران حولها على التبادل أحدهما أبيض ساطع و الآخر أسود حالك عليه ملابس متلونة و يتحرك الأبيض من المشرق إلى المغرب و هو النهار لمن هو تحته و الأسود بالعكس و هو الليل لمن هو تحته فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ و إذا توهمنا سطحا كريا مركزه مركز العالم يمر بمركز القمر و بالمخروط الصغير فالدائرة الحادثة منه على جرم القمر تسمى صفحة القمر و الحادثة على سطح المخروط دائرة الظل و مركزها على منطقة البروج فإذا عرفت هذا فإذا لاقى القمر مخروط الظل في الاستقبال و وقعت صفحته كلها أو بعضها في دائرة الظل انقطعت الأشعة الشمسية عنه كلا أو بعضا و هو الخسوف الكلي أو الجزئي (1) و لكون غاية عرض القمر و هي خمسة أجزاء أعظم من مجموع نصفي قطري صفحته و دائرة الظل لم ينخسف في كل استقبال بل إذا كان عديم العرض أو كان عرضه و هو بعد مركزه عن مركز دائرة الظل أقل من نصفيهما (2) إذ لو كان
____________
(1) قال سلطان المحققين في التذكرة و شارحه الخفرى: ان كل عرض القمر أكثر من نصفى قطر صفحته و قطر دائرة الظل لم يقع للقمر خسوف، و ان كان عرض القمر مساويا لهما ماس القمر الظل و لم يقع له حينئذ أيضا خسوف، و ان كان أقل منهما و كان مساويا لنصف قطر دائرة الظل مرت دائرة الظل بمركز صفحة القمر و انخسف نصف قطره، و ان كان أكثر من نصف قطر دائرة الظل انخسف من القمر أقل من نصف قطره، و ان كان مساويا نصف قطر الظل نصف قطر صفحة القمر انخسف القمر كله و ماس سطحه دائرة الظل فلم يكن له مكث، و ان كان أكثر من ذلك الفضل انخسف من القمر أكثر من نصف قطره، و ان كان أقل من ذلك أيضا انخسف القمر كله و مكث بحسب ما يقع في الظل غاية المكث، هذا انما يكون إذا كان مركز القمر في احدى العقدتين اذ لم يكن حينئذ له عرص (منه طاب ثراه).
(2) نصفهما (خ).
192
مساويا لهما ماس القمر محيط دائرة الظل من خارج على نقطة في جهة عرضه و لم ينخسف و إن كان أكثر فبطريق أولى أما إن كان العرض أقل من النصفين انخسف أقل من نصف قطره إن كان ذلك العرض أكثر من نصف قطر دائرة الظل و نصف قطره إن كان مساويا له لمرور دائرة الظل بمركز الصفحة حينئذ و أكثر منه إن كان أقل منه و أكثر من فضل نصف قطر دائرة الظل على نصف قطر القمر و كله غير ماكث إن كان مساويا لفضل نصف قطر دائرة الظل على نصف قطر القمر لمماسة القمر محيط الظل من داخل على نقطة في جهة عرضه و ماكثا بحسب ما يقع في دائرة الظل إن كان أقل من هذا الفضل و غاية المكث إذا كان عديم العرض و أول الخسوف يشبه أثرا دخانيا ثم يزداد تراكما بازدياد توغل القمر في الظل فإن كان عرضه أقل من عشر دقائق كان لونه أسود حالكا و إلى عشرين فأسود ضاربا إلى خضرة و إلى ثلاثين فإلى حمرة و إلى أربعين فإلى صفرة و إلى خمسين فأغبر و إلى ستين فأشهب و ابتداء الانجلاء من شرقي القمر كما أن ابتداء الخسوف كذلك ثم اعلم أن الأحوال المشهورة الحاصلة للقمر كثيرة فبعضها يشاركه فيه سائر الكواكب كالإنارة و الطلوع و الأفول و نحوها و هي كثيرة و لا حاجة داعية إلى ضبطها و بعضها أمور تختص به و لا توجد في غيره من الكواكب و قد اعتنى أهل الهيئة بالبحث عنها و أشهرها ستة سرعة الحركة و اختلاف تشكلاته النورية و اكتسابه النور من الشمس و خسوفه بحيلولة الأرض بينها و حجبه لنورها بالكسف لها و تفاوت أجزاء صفحته في النور و هو المسمى بالمحو و هذه الأحوال الستة يمكن فهمها من كلامه(ع)بعضها بالتصريح و بعضها بالتلويح أما سرعة حركته و اختلاف تشكلاته فظاهر و أما كسفه الشمس و خسوفه فلما مر من حمل الكسوف في كلامه(ع)على ما يشمل الأمرين معا و أما اكتسابه النور من الشمس فلدلالة اختلاف التشكلات مع الخسوف عليه فهذه الأمور الخمسة يفهم من كلامه(ع)على هذا النهج و بقي الأمر السادس أعني تفاوت أجزائه في
193
النور فإن في إشعار كلامه(ع)به نوع خفاء و يمكن أن يومئ إليه قوله(ع)و امتهنك بالزيادة و النقصان فإن المراد زيادة النور و نقصانه و لا معنى لتفاوت أجزائه في النور إلا زيادته في بعض و نقصانه في بعض آخر كما لا يخفى فقد تضمن كلامه(ع)مجموع تلك الأحوال الستة المختصة بالقمر و قد مر الكلام في الأربعة الأول منها و بقي الكلام في الأخيرتين فنقول أما الكسوف فهو ذهاب الضوء عن جرم الشمس في الحس كلا أو بعضا لستر القمر وجهها الموجه لنا كلا أو بعضا و ذلك عند كونهما بحيث يمر خط خارج من البصر بهما إما مع اتحاد موضعيهما المرئيين أو كان البعد بينهما أقل من مجموع نصفي قطريهما فلو تساويا ماسها و لا كسف و إن زاد الأول فبالأولى فإن وقع مركزاهما على الخط المذكور كسفها كلها بلا مكث إن كان قطراهما متساويين حسا و مع مكث إن كان قطرها أصغر و بقي منها حلقة نورانية إن كان قطرها أعظم و إن لم يقعا على ذلك الخط كسف منها بعضها أبدا إلا إذا كان قطره أعظم حسا فقد يكسفها حينئذ كلا و ربما تبقى منها حلقة نورانية مختلفة الثخن أو قطعة نعلية إن كان قطره أصغر و لما كان الكسوف غير عارض للشمس لذاتها بل بالقياس إلى رؤيتها بحسب كيفية توسط القمر بينها و بين الإبصار أمكن وقوعه في بقعة دون أخرى مع كون الشمس فوق أفقهما و كونه في إحداهما كليا أو أكثر و في أخرى جزئيا أو أقل و ابتداء الكسوف من غربي الشمس كما أن ابتداء الانجلاء كذلك.
ثم قال ره و أما محو القمر و هي الظلمة المحسوسة في صفحته فأمره ملتبس و الآراء فيه متشعبة و الأقوال متخالفة و أذكر منها خمسة الأول أنها آثار وجهه المظلم تأدت إلى وجهه المضيء و أورد عليه أنه لو كان كذلك لكانت أطرافه أشد ظلمة و أوساطه أشد ضوء الثاني أنه أجرام مختلفة مركوزة مع القمر في تدويره غير قابلة للإنارة بالتساوي و هو مختار سلطان المحققين ره في التذكرة و أورد عليه أن ما يتوسط بينه و بين الشمس من تلك الأجرام و كذا بيننا و بينه في كل زمان و وضع شيء آخر لتحرك التدوير على نفسه فكيف يرى دائما على
194
نهج واحد غير مختلف و قد يعتذر له بأن التفاوت المذكور لا يحس به في صفحة القمر لصغرها و بعد المسافة الثالث أن الأشعة تنعكس إليه من البحر المحيط أو كرة البخار لصقالتهما انعكاسا بينا و لا تنعكس لذلك من سطح الربع المكشوف لخشونته فيكون المستنير من وجهه بالأشعة النافذة إليه على الاستقامة و الأشعة المنعكسة تبعا أضوأ من المستنير بالأشعة المستقيمة و المنعكسة من الربع المكشوف و هذا مختار صاحب التحفة و أورد عليه أن ثبات الانعكاس دائما على نهج واحد مع اختلاف أوضاع الأشياء المنعكس عنها من البخار و الجبال في جانبي المشرق و المغرب مستحيل و اعتذر له بما اعتذر لأستاذه ره الرابع أن سطح القمر لما كان صقيلا كالمرآة و الناظر يرى فيه صورة البحار و القدر المكشوف من الأرض و فيه عمارات و غياض و جبال و في البحار مراكب و جزائر مختلفة الأشكال و كلها تظهر للناظر أشباحها في صفحة القمر و لا يميز بينها لبعدها و لا يحس منها إلا بخيال و كما لا يرى مواضع الأشباح في المرايا مضيئة فكذلك لا ترى تلك المواضع فيه براقة أو أنه ترى صورة العمارات و الغياض و الجبال مظلمة كما هي عليه في الليل و صورة البحار مضيئة أو بالعكس فإن صورتي الأرض و الماء منطبعتان فيه كما أن الأرض لكثافتها تقبل ضوء الشمس أكثر مما يقبله الماء للطافته فكذا صورتاهما و هذا الوجه مختار الفاضل النيسابوري في شرح التذكرة و مال إليه أستاذنا المحقق البرجندي في شرح التذكرة أيضا و الإيراد و الاعتذار كما سبق الخامس أن أجراما صغيرة نيرة مركوزة في جرم الشمس أو في فلكها الخارج المركز بحيث تكون متوسطة دائما بين الشمس و القمر و هي مانعة من وقوع شعاع الشمس على مواضع المحو من القمر و إنما قلنا نيرة لأنها لو كانت مظلمة فيرى المحو على وجه الشمس و المراد أنها نيرة نورا أقل من نور بقية أجزاء الشمس و هذا الوجه للمدقق الخفري و أقول فيه نظر فإن تلك الأجرام إن كانت صغيرة جدا تلاقت الخطوط الخارجة من حولها إلى القمر بالقرب منها و لم يصل ظلها إليه و إن كان لها مقدار يعتد به بحيث يصل ظلها إلى جرم القمر فوصوله إلى
195
سطح الأرض في بعض الأوقات كوقت الاستقبال أولى فكان ينبغي أن يظهر على سطح الأرض كما يظهر ظل الغيم و نحوه و ليس فليس و الله أعلم بحقائق الأمور.
ثم قال قدس الله لطيفه ما مر من أن اكتساب النور من الشمس مختص بالقمر لا يشاركه فيه غيره من الكواكب هو المشهور و عليه الجمهور فإنهم مطبقون على أن أنوار ما عداه من الكواكب ذاتية غير مكتسبة من الشمس و استدلوا على ذلك بأنها لو استفادت النور من الشمس لظهر فيه التشكلات البدرية و الهلالية بالبعد و القرب منها كما في القمر هكذا أورده صاحب التحفة فيها و في نهاية الإدراك و أقول فيه نظر فإن القائل باستفادتها النور من الشمس ليس عليه أن يقول بأن المستضيء منها إنما هو وجهها المقابل للشمس فقط ليلزمه اختلاف تشكلاته كالقمر بل له أن يقول بنفوذ الضوء في أعماقها كالقطعة من البلور مثلا إذا وقع عليها ضوء الشمس فإن الناظر إليها من جميع الجهات يبصرها مضيئة بأجمعها فتبصر.
ثم إن صاحب التحفة أورد على الدليل المذكور أن اختلاف التشكلات إنما يلزم في السفليين لا في بقية الكواكب التي فوق الشمس لكون وجهها المقابل لنا هو المقابل للشمس بخلاف القمر فيمكن أن يستفيد النور منها و لا يظهر فيها التشكلات الهلالية بالقرب من الشمس و ما يقال من أنه يلزم انخسافها في مقابلات الشمس مدفوع بأن ظل الأرض لا يصل إلى أفلاكها ثم إنه أجاب عن هذا الإيراد بأن تلك الكواكب إذا كانت على سمت الرأس غير قابلة للشمس و لا مقارنة لها لم يكن وجهها المقابل لنا هو المقابل لها بل بعضه و يلزم اختلاف التشكلات الهلالية ثم قال فإن قيل إنما لا يرى شيء منها هلاليا لخفاء طرفيه لصغر حجم الكواكب في المنظر و هو ظهوره من البعد المتفاوت مستديرا قلنا لو كان كذلك لرئي الكوكب في قرب الشمس أصغر منه في بعدها.
هذا كلامه و أقول فيه نظر لأن للخصم أن يقول إنما يلزم ذلك لو وقعت دائرة الرؤية فيها مقاطعة لدائرة النور و لم لا يجوز أن لا يقع أبدا إلا داخلها إما موازية لها إذا كان الكوكب على سمت الرأس في مقابلة الشمس أو
196
غير موازية إما مماسة لها كما لعله يتفق في التربيع أو غير مماسة كما في غيره و لا يندفع هذا إلا إذا ثبت تقاطع الدائرتين على سطح الكوكب كما في القمر و دون ثبوته خرط القتاد و يمكن تقرير النظر بوجه آخر بأن يقال قرب الكواكب من الشمس على نحوين قرب كثير يوجب ظهور الصغر للحس و قرب قليل لا يوجب ذلك و الأول لا يكون إلا إذا كانت الشمس تحت الأفق و كان الكوكب قريبا من الأفق فلم لا يجوز أن يكون الكوكب حال القرب أصغر لكن تراكم البخار جبر ذلك الصغر فلم ير أصغر لذلك ثم إن الذي ما زال يختلج بخاطري أن القول بعدم الفرق بين القمر و سائر الكواكب في أن أنوار الجميع مستفادة من الشمس غير بعيد عن الصواب و قد ذهب إلى هذا جماعة من أساطين الحكماء و وافقهم الشيخ السهروردي حيث قال في الهياكل إن الشمس قاهر العنق رئيس السماء فاعل النهار صاحب العجائب عظيم الهيئة الذي يعطي جميع الأجرام ضوءها و لا يأخذ منها هذا كلامه و قد ذهب الشيخ العارف محيي الدين أيضا إلى هذا القول و صرح به في الفتوحات المكية و وافقه جمع من الصوفية و الله أعلم بحقائق الأشياء انتهى (1).
سبحانه ما أعجب ما دبر في أمرك و ألطف ما صنع في شأنك سبحان مصدر كغفران بمعنى التنزيه عن النقائص و لا يستعمل إلا محذوف الفعل منصوبا على المصدرية فسبحان الله معناه تنزيه الله كأنه قيل أسبحه سبحانا و أبرئه عما لا يليق بعز جلاله براءة قال الشيخ الطبرسي ره إنه صار في الشرع علما
____________
(1) القول بكون نور السيارات مكتسبا من الشمس موافق للفرضية المؤيدة في الهيئة الحديثة، و كذلك القول في سائر المنظومات الشمسية لكن القول بأن جميع الكواكب أعمّ من السيارات و الثوابت تكتسب النور من هذه الشمس فبعيد عن الصواب، و مخالف لما عليه المتأخرون من الفلكيين، بل لما يدلّ من الاخبار على وجود شموس اخرى غير شمسنا هذه، الا أن يؤول كلامهم بارادة الجنس من الشمس دون الشخص فتأمل و أمّا نور الشموس و حرارتها فمن القوّة الموجودة في ذراتها، و يحصلان بالتشعشع و انكسار الذرات و تبدل المادة قوة على اصطلاح علم الفيزيا، و على هذا يتناقص وزنها شيئا فشيئا بالتشعشع و قالوا في شمس عالمنا إنّه ينقص من وزنها في كل ثانية أربعة ملايين طن و اللّه العالم.
197
لأعلى مراتب التعظيم التي لا يستحقها إلا هو سبحانه و لذلك لا يجوز أن يستعمل في غيره تعالى و إن كان منزها عن النقائص و إلى كلامه هذا ينظر ما قاله بعض الأعلام من أن التنزيه المستفاد من سبحان الله ثلاثة أنواع تنزيه الذات عن نقص الإمكان الذي هو منبع السوء و تنزيه الصفات عن وصمة الحدوث بل عن كونها مغايرة للذات المقدسة و زائدة عليها و تنزيه الأفعال عن القبح و العبث بل عن كونها جالبة إليه تعالى نفعا أو دافعة عنه سبحانه ضرا كأفعال العباد و ما في قوله(ع)ما أعجب إما موصولة أو موصوفة أو استفهامية على الخلاف المشهور في ما التعجبية و هي مبتدأة و الماضي بعدها صلتها أو صفتها على الأولين و الخبر محذوف أي الذي أو شيء صيره عجيبا أمر عظيم أو كونها هو الخبر على الأخير و ما في ما دبر مفعول أعجب و هي كالأولى على الأولين و العائد المفعول محذوف و الأمر و الشأن مترادفان جعلك مفتاح شهر حادث لأمر حادث فصل هذه الجملة عما قبلها للاختلاف خبرا و إنشاء مع كون السابقة لا محل لها من الإعراب و الشهر مأخوذ من الشهرة يقال شهرت الشيء شهرا أي أظهرته و كشفته و شهرت السيف أخرجته من الغلاف و تشبيهه الشهر في النفس بالبيت المقفول استعارة بالكناية و إثبات المفتاح له استعارة تخييلية و لا يخفى لطافة تشبيه الهلال بالمفتاح و الجار في قوله(ع)لأمر حادث يتعلق بحادث السابق أي حدوث ذلك الشهر و تجدده لأمر حادث مجدد و يجوز تعلقه بجعل و تنكير أمر للإبهام و عدم التعين أي أمر مبهم علينا حالة كما قالوه في قوله تعالى أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ (1) إن المراد أرضا منكورة مجهولة.
و أقول يحتمل أن يكون المراد بالأمر الحادث ما نيط بالشهور من المصالح الدينية كالحج و الصوم و العدد و سائر العبادات المتعلقة بها و الدنيوية كالمعاملات و الديون و سائر الأمور المربوطة بها و قال الشيخ المتقدم ره جعله(ع)مدخول
____________
(1) يوسف: 9.
198
ما التعجبية فعلا دالا على التعجب بجوهره ينبئ عن شدة تعجبه(ع)من حال القمر و ما دبره الله سبحانه فيه و في أفلاكه بلطائف صنعه و حكمته و هكذا كل من هو أشد اطلاعا على دقائق الحكم المودعة في مصنوعات الله سبحانه فهو أشد تعجبا منها و أكثر استعظاما لها و معلوم أن ما بلغ إليه علمه(ع)من عجائب صنعه جل و علا و دقائق حكمته في خلق القمر و نضد أفلاكه و ربطه ما ربطه به من مصالح العالم السفلي و غير ذلك فوق ما بلغ إليه علم أصحاب الإرصاد و من يحذو حذوهم من الحكماء الراسخين بأضعاف مضاعفة مع أن الذي اطلع عليه هؤلاء من أحواله و كيفية أفلاكه و ما عرفوه مما يرتبط به من أمور هذا العالم أمور كثيرة يحار فيها ذو اللب السليم قائلا ربنا ما خلقت هذا باطلا و تلك الأمور ثلاثة أنواع.
الأول ما يتعلق بكيفية أفلاكه و عددها و نضدها و ما يلزمه من حركاتها من الخسوف و اختلاف التشكلات و تشابه حركة حاملة حول مركز العالم لا حول مركزه و محاذاة قطر تدويره نقطة سوى مركز العالم إلى غير ذلك مما هو مشروح في كتب الهيئة.
الثاني ما يرتبط بنوره من التغيرات في بعض الأجسام العنصرية كزيادة الرطوبات في الأبدان بزيادته و نقصانها بنقصانه و حصول البحارين للأمراض و زيادة مياه البحار و الينابيع زيادة بينة في كل يوم من النصف الأول من الشهر ثم أخذها في النقصان يوما فيوما في النصف الأخير منه و زيادة أدمغة الحيوانات و ألبانها بزيادة النور و نقصانها بنقصانه و كذلك زيادة البقول و الثمار نموا و نضجا عند زيادة نوره حتى أن المزاولين لها يسمعون صوتا من القثاء و القرع و البطيخ عند تمدده وقت زيادة النور و كإبلاء نور القمر الكتان و صبغه بعض الثمار إلى غير ذلك من الأمور التي تشهد به التجربة قالوا و إنما اختص القمر بزيادة ما نيط به من أمثال هذه الأمور بين سائر الكواكب لأنه أقرب إلى عالم العناصر منها و لأنه مع قربه أسرع حركة فيمتزج نوره بأنوار جميع الكواكب و نوره أقوى من نورها فيشاركها شركة غالب عليها فيما نيط بنورها من المصالح بإذن خالقها و مبدعها جل شأنه الثالث ما يتعلق به من السعادة و النحوسة و ما يرتبط به من الأمور التي هو
199
علامة على حصولها في هذا العالم كما ذكره الديانيون من المنجمين و وردت ببعضه الشريعة المطهرة على الصادع بها أفضل التسليمات
- كَمَا رَوَاهُ الْكُلَيْنِيُّ ره عَنِ الصَّادِقِ(ع)مَنْ سَافَرَ أَوْ تَزَوَّجَ وَ الْقَمَرُ فِي الْعَقْرَبِ لَمْ يَرَ الْحُسْنَى (1).
- وَ عَنِ الْكَاظِمِ(ع)مَنْ تَزَوَّجَ (2) فِي مُحَاقِ الشَّهْرِ فَلْيُسَلِّمْ لِسِقْطِ الْوَلَدِ (3).
وَ كَمَا رَوَاهُ الشَّيْخُ عَنِ الْبَاقِرِ(ع)أَنَّ النَّبِيَّ(ص)بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ فَانْكَسَفَ الْقَمَرُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَلَمْ يَكُنْ (4) فِيهَا شَيْءٌ فَقَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي كُلْ هَذَا الْبُغْضَ فَقَالَ لَهَا وَيْحَكِ هَذَا الْحَادِثُ فِي السَّمَاءِ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَلَذَّذَ.
و في آخر الحديث ما يدل على أن المجامع في تلك الليلة إن رزق من جماعه ولدا و قد سمع بهذا الحديث لا يرى ما يحب.
أقول تتمة الدعاء سيأتي شرحها في مقام آخر أنسب من هذا المقام إن شاء الله تعالى.
37- الصَّحِيفَةُ السَّجَّادِيَّةُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَى مَنْ أَلْهَمَهَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ بِقُوَّتِهِ وَ مَيَّزَ بَيْنَهُمَا بِقُدْرَتِهِ وَ جَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدّاً مَحْدُوداً وَ أَمَداً مَمْدُوداً يُولِجُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي صَاحِبِهِ وَ يُولِجُ صَاحِبَهُ فِيهِ بِتَقْدِيرٍ مِنْهُ لِلْعِبَادِ فِيمَا يَغْذُوهُمْ بِهِ وَ يُنْشِئُهُمْ عَلَيْهِ فَخَلَقَ لَهُمُ اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ مِنْ حَرَكَاتِ التَّعَبِ وَ نَهَضَاتِ النَّصَبِ وَ جَعَلَهُ لِبَاساً لِيَلْبَسُوا مِنْ رَاحَتِهِ وَ مَنَامِهِ فَيَكُونَ ذَلِكَ لَهُمْ جَمَاماً وَ قُوَّةً وَ لِيَنَالُوا بِهِ لَذَّةً وَ شَهْوَةً وَ خَلَقَ لَهُمُ النَّهَارَ مُبْصِراً لِيَبْتَغُوا فِيهِ مِنْ فَضْلِهِ وَ لِيَتَسَبَّبُوا إِلَى رِزْقِهِ وَ يَسْرَحُوا فِي أَرْضِهِ طَلَباً لِمَا فِيهِ نَيْلُ الْعَاجِلِ مِنْ دُنْيَاهُمْ وَ دَرَكُ الْآجِلِ فِي أُخْرَاهُمْ بِكُلِّ ذَلِكَ يُصْلِحُ شَأْنَهُمْ وَ يَبْلُو أَخْبَارَهُمْ وَ يَنْظُرُ كَيْفَ هُمْ فِي أَوْقَاتِ طَاعَتِهِ وَ مَنَازِلِ فُرُوضِهِ وَ مَوَاقِعِ أَحْكَامِهِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ
____________
(1) روضة الكافي: 275.
(2) في المصدر: من أنى أهله في محاق الشهر.
(3) فروع الكافي: 499.
(4) فلم يكن منه (ظ).
200
الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى اللَّهُمَّ فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا فَلَقْتَ لَنَا مِنَ الْإِصْبَاحِ وَ مَتَّعْتَنَا بِهِ مِنْ ضَوْءِ النَّهَارِ وَ بَصَّرْتَنَا بِهِ مِنْ مَطَالِبِ الْأَقْوَاتِ وَ وَقَيْتَنَا فِيهِ مِنْ طَوَارِقِ الْآفَاتِ إِلَى آخِرِ الدُّعَاءِ.
بيان خلق الليل و النهار بقوته الخلق يكون بمعنى الإيجاد و بمعنى التقدير و كل منهما هنا مناسب و الجمع بينهما أيضا ممكن و خلقه تعالى الليل و النهار بخلقه الشمس مضيئة غاية الإضاءة بحيث يغلب نورها نور سائر الكواكب و بخلق الهواء مظلما في نفسه قابلا للإضاءة و بخلق الأرض كثيفة قابلة للإضاءة بحيث تنعكس منها الأشعة و جعل الشمس متحركة حول الأرض فبطلوعها أو ظهور علامتها البينة يحصل النهار و بغروبها أو ذهاب حمرتها المشرقية يحصل الليل و تقديم الليل لتقدمه شرعا و عرفا كما عرفت أو لتقدم الظلمة على النور لكونها عدمية أو شبيهة بالعدم أو للتأسي بالقرآن في أكثر مواضعه و ميز بينهما بقدرته أي جعل كل واحد منهما ممتازا عن الآخر من حيث الصورة و من حيث الخواص و الآثار و قيل معناه أن الله تعالى لما قدر لكل يوم و ليلة من أيام السنة الشمسية و لياليها في كل بقعة من بقاع الأرض زمانا معينا لا يزيد و لا ينقص أبدا فلا يدخل أحدهما في الآخر بأن يدخل الليل في النهار قبل تمامه و بالعكس فيمتاز كل واحد منهما عن الآخر أي لا يختلط أحدهما بالآخر لكن يمكن استفادة هذا المعنى من الفقرة الآتية و القدرة صفة نفسانية من شأنها الإيجاد و الإحداث بها على وجه يتصور ممن قامت به الفعل بدلا عن الترك و الترك بدلا عن الفعل و القوة تطلق على القدرة و على حالة يصح أن تصدر عن صاحبها أفعال شاقة و قد تطلق على حالة تكون مصدرا لحدوث أمر أو سببا له كالقوى الناطقة و النامية و الباصرة و السامعة و أمثالها و الباء في الموضعين للاستعانة أو للملابسة و جعل لكل واحد منهما حدا محدودا و أمدا ممدودا حد الشيء منقطعه و منتهاه و الحد الحاجز بين الشيئين و المحدود المعين أو المميز عن غيره و الأمد يطلق على الغاية و على الزمان الممتد و الممدود المبسوط الممتد و في بعض النسخ موقوتا
201
و هو قريب من المحدود و الأظهر ممدودا و جعل الأمد بمعنى الامتداد ليكون تأسيسا.
يولج كل واحد منهما في صاحبه و يولج صاحبه فيه الإيلاج الإدخال و قد عرفت أن لإيلاج كل واحد منهما في الآخر معنيين أحدهما يرجع إلى مجيء الليل بعد النهار و مجيء النهار بعد الليل و ثانيهما يرجع إلى زيادة كل منهما و نقصان الآخر و يرد في خصوص هذه العبارة إشكال و هو أن الزيادة و النقص في كل منهما يستفاد من الفقرة الأولى فأي فائدة في الفقرة الثانية و أجيب عنه بوجوه الأول ما ذكره الشيخ البهائي ره حيث قال مراده التنبيه على أمر مستغرب و هو حصول الزيادة و النقصان معا في كل من الليل و النهار في وقت واحد و ذلك بحسب اختلاف البقاع كالشمالية عن خط الإستواء و الجنوبية عنه سواء كانت مسكونة أو لا فإن صيف الشمالية شتاء الجنوبية و بالعكس فزيادة النهار و نقصانه واقعان في وقت واحد لكن في بقعتين و كذا زيادة الليل و نقصانه و لو لم يصرح(ع)بقوله و يولج صاحبه فيه لم يحصل التنبيه على ذلك بل كان الظاهر من كلامه(ع)وقوع زيادة النهار في وقت و نقصانه في آخر و كذا الليل كما هو محسوس معروف بين الخاص و العام فالواو في قوله و يولج صاحبه فيه واو الحال بإضمار مبتدإ كما هو المشهور بين النحاة انتهى و أقول إنما قدر المبتدأ لأن الجملة الحالية إذا كانت مضارعا مثبتا يكون بالضمير وحده فإذا أضمر المبتدأ تصير جملة اسمية و الاسمية الحالية تكون بالواو و الضمير أو بالواو وحدها و قيل لا حاجة إلى تكلف الحالية بل مع العطف أيضا يستقيم هذا المعنى فكأنه قال كما يولج نهار النصف الأول من السنة في لياليها و ليالي النصف الثاني في نهارها يولج أيضا ليالي النصف الأول في نهارها و نهار النصف الثاني في لياليها و ذلك في الأفق المقابل لأنه يصير ثمة قوس الليل قوس النهار و بالعكس فالليل الذي يلج عندنا في النهار هو بعينه نهار ثمة يلج في الليل و هذا الاعتبار أغرب و أبعد مما اعتبر أولا و هو أن البقاع الجنوبية أمرها
202
على العكس باعتبار النصفين مطلقا من غير اعتبار كل يوم و ليل بعينه انتهى.
و أقول هذا المعنى إلى الحالية أحوج من الأول و إن كان يستقيم المعنيان بدونهما الثاني ما قيل إن الجملة الأولى تدل على أن كلا منهما مولج في صاحبه و الثانية على أن كلا منهما مولج فيه صاحبه و هذا معنى آخر غير الأول و هو و إن كان لازما للأول إلا أن التصريح بما علم ضمنا للاهتمام و المبالغة أمر شائع ذائع خصوصا فيما كان أمرا عظيما فيه قوام العالم و نظامه فإن الليل و النهار من ضروريات مصالح هذا العالم و آيتان دالتان على وحدة الله سبحانه و كمال قدرته و لهذا كرر الله هذا المعنى في كتابه العزيز بلفظ الإيلاج و غيره الثالث أن يكون التكرار للإشعار بتكرر هذا الأمر و استمراره كما يقال لهذا المعنى يفعل فلان و يفعل و يعطي و يعطي و هذا وجه وجيه الرابع ما قيل إن دلالة إيلاج كل منهما في صاحبه على إيلاج صاحبه فيه من الخارج لا من اللفظ فإنا إذا علمنا في الخارج أن ليس لليل صاحب إلا النهار و لا للنهار صاحب إلا الليل علمنا من قوله يولج كل واحد منهما في صاحبه إيلاج الصاحب أيضا فيه و أما بالنسبة إلى اللفظ فلا دلالة له أصلا فإنا إذا قلنا يولج الليل في صاحبه و يولج النهار في صاحبه و لم يعلم من الخارج أن صاحبهما ما ذا فلا يعلم إيلاج صاحبه فيه البتة و نحتاج إلى ذكره و ترك العطف للاستئناف أو الحالية المقدرة و العدول إلى المضارع للدلالة على الاستمرار التجددي.
بتقدير منه للعباد الباء للسببية أو الملابسة و الأول أظهر و التنكير للتفخيم فيما يغذوهم به الظرف متعلق بتقدير أي جعل الله الخلق و التمييز و الإيلاج لتقدير عظيم في الشيء الذي يغذوهم به كما مر أن تعاقب الليل و النهار و اختلاف الفصول مما له مدخل عظيم في حصول الأغذية للعباد و ينشئهم عليه عطف على يغذوهم أي له مدخل في نشوئهم و نموهم كما مر ذكره فخلق لهم الليل الفاء للترتيب الذكري و هو عطف المفصل على المجمل ليسكنوا فيه من حركات التعب و نهضات النصب الإضافتان من إضافة السبب إلى المسبب أي
203
من فوائد الليل أن يسكنوا أي يستقروا و يستريحوا من الحركات الواقعة في النهار لتحصيل المعاش و غيره الموجبة للتعب و النهضات بالتحريك جمع نهضة بسكون الهاء و هي المرة من نهض ينهض نهضا و نهوضا أي قام أي القيامات للأمور الشاقة و الترددات البدنية و الأشغال القلبية الواقعة في النهار التي هي سبب النصب بالتحريك أي الإعياء و العجز و يروى بهظات بالباء الموحدة و الظاء المعجمة من بهظه الأمر أو الحمل كمنع أي غلبه و ثقل عليه و لعلهما إشارتان إلى قوله تعالى وَ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً (1) و جعله لباسا ليلبسوا من راحته و منامه إشارة إلى قوله تعالى وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (2) و قد مر تفسيره و قال الزمخشري أي يستركم عن العيون إذا أردتم هربا من عدو أو بياتا له أو إخفاء ما لا تحبون الاطلاع عليه من كثير من الأمور و يفهم منه معنى آخر و هو أنه تعالى لما جعل الليل سببا لأن يلبس العباد لباس الراحة و النوم فكأنه لباس و شبه الراحة و المنام و هو مصدر ميمي بمعنى النوم باللباس من حيث إن كل واحد منهما يغشاهم و يشتمل عليهم كاللباس كما قال تعالى فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ (3) و إضافة الراحة و المنام إلى ضمير الليل للاختصاص بمعنى اللام أي الراحة و المنام المختصين بالليل و يظهر من كلام ابن الحاجب أنه بمعنى في و أنكره أكثر المحققين و الظاهر أن من في قوله من راحته للتبعيض لبيان أنه لم يخلق الليل ليصرفوا جميعه في الاستراحة و المنام بل ليستريحوا في بعضه و يعبدوه في بعضه و قيل من للابتداء لأن اللبس يبتدأ من جهة الراحة كما قال تعالى يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ (4) بأن يكون من راحته صفة لموصوف محذوف يدل عليه يلبسوا أي ليلبسوا ثوبا من راحته
____________
(1) الأنعام: 96.
(2) النبأ: 10.
(3) النحل: 112.
(4) الكهف: 31.
204
أي الثوب الذي هو راحته و لا يخفى أن ما ذكرنا أظهر فيكون عطف على يلبسوا و التفريع بالفاء لبيان أن لبس الراحة و المنام سبب للجمام و القوة و الجمام بالفتح الراحة بعد التعب يقال جم الفرس جماما أي ذهب إعياؤه. و لينالوا به أي يصيبوا بلبس لباس الراحة لذة و هي إدراك الملائم من حيث إنه ملائم و شهوة و هي مصدر شهيه كرضي أي أحبه و رغب فيه كاشتهاه و تشهاه و الحاصل ليصيبوا بسبب ذلك ما يلتذون به و يشتهونه أو المراد بهما الحاصل بالمصدر و لا يبعد أن يكون المراد لذة النوم و شهوة الجماع و يحتمل التعميم فيهما و خلق لهم النهار عطف على خلق لهم الليل مبصرا إسناد للفعل إلى الظرف ليبتغوا أي ليطلبوا فيه شيئا من فضل الله و المراد به نعم الله مطلقا لا الرزق فقط و إن فسر به قوله تعالى وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ (1) لأن طلب الرزق مذكور بعد ذلك في قوله(ع)و ليتسببوا إلى رزقه فذكره بعده من باب ذكر الخاص بعد العام للاهتمام بشأنه أي ليتوصلوا و يطلبوا سببا من الأسباب المعهودة المشروعة إلى تحصيل رزقه أو ليصيروا سببا و واسطة في تحصيله كما قال في مقام آخر تسببت بلطفك الأسباب. و يسرحوا في أرضه يقال سرحت الدابة كمنع سروحا سامت و سرحتها سرحا أسمتها و رعيتها يتعدى و لا يتعدى و المراد هنا الأول. شبه(ع)سيرهم في الأرض سفرا و حضرا بلا عائق كيف شاءوا آكلين ما اشتهوا و شاربين ما شاءوا بسير الدابة في الأرض و سومها طلبا مفعول له لقوله يسرحوا و ما قبله من الفعلين و ما قيل من أنه متعلق بخلق الليل و خلق النهار أي طلب الله تعالى من خلقهما فوائد لعباده فلا يخفى بعده لما فيه نيل العاجل أي وصولهم إلى النفع العاجل أي الحاضر من دنياهم بيان للعاجل و في بعض النسخ في دنياهم فهو متعلق بالنيل و الدرك اللحوق و الوصول و الآجل خلاف العاجل في أخراهم متعلق بالدرك أو صفة للآجل أي النفع الآجل الكائن في أخراهم و
____________
(1) الجمعة: 10.
205
الأخرى تأنيث الآخر أي الدار الأخرى غير الدنيا أو الأخيرة بكل ذلك متعلق بيصلح و هو حال أي يصلح الله بكل من الليل و النهار و سائر الأمور المذكورة شأنهم هو بالهمز و قد يخفف الأمر و الحال أي أمورهم بحسب العاجل و الآجل و يبلو أخبارهم قال الزمخشري في قوله تعالى وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ الصَّابِرِينَ وَ نَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (1) أي ما يحكى عنكم و ما يخبر به من أعمالكم لنعلم حسنها من قبيحها لأن الخبر على حسب المخبر عنه إن حسنا فحسن و إن قبيحا فقبيح انتهى و معنى يبلو يختبر أي يعاملهم معاملة المختبر. و ينظر كيف هم في أوقات طاعته أي كيف يصنعون في الأوقات التي وقتها لطاعتهم هل يطيعون أو يعصون و منازل فروضه أي أوقات فروض الله تعالى التي فرضها على العباد فالمراد المنازل التي ينزل فيها الفروض أو منازل المكلف و هي منسوبة إلى الفروض لحصول الفرض عندها أو هو من إضافة المشبه به إلى المشبه كلجين الماء تشبيها للفروض بالمنازل التي ينزلها المسافر حيث إن المسافر في سفره ينتظر المنزل قبل وصوله إليه و يتشوق له و إذا وصل إليه يفرح به و يفعل فيه ما ينبغي أن يفعل و يأنس به فينبغي للمكلف أن يكون بالنسبة إلى ما فرض الله عليه كذلك و على التقادير من قبيل ذكر الخاص بعد العام للاهتمام إذ الطاعة أعم من الفرض بمعانيه و يحتمل أن يراد بأوقات الطاعة العبادات الموقتة و بمنازل الفروض غير الموقتة أو بالعكس و الأحكام أعم منهما لشمولها للخمسة و إن كان شمولها للمباح لا يخلو من تكلف بأن يقال ينظر كيف هم فيه هل يعتقدونه مباحا أم يبتدعون تحريمه أو غير ذلك مع أنه يمكن جعل المباحات طاعات بالنيات كما سيأتي بيانه في محله و المراد بمواقع الأحكام الأمور التي تتعلق بها و هي أفعال المكلفين أو الأزمنة و الأحوال التي تعرض فيها ليجزي الذين أساءوا متعلق بما قبله من الأفعال الثلاثة أي إنما فعل تلك الأمور لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا أي عملوا السيئة بِما عَمِلُوا أي بعقاب ما عملوا أو بمثل ما عملوا أو بسببه وَ يَجْزِيَ
____________
(1) محمّد: 31.
206
الَّذِينَ أَحْسَنُوا أي فعلوا الأعمال الحسنة بِالْحُسْنَى أي بالمثوبة الحسنى أو بأحسن من أعمالهم و جزائها أو بسبب الفعلة الحسنى فالباء في الموضعين إما للصلة أو للسببية فالظرفان متعلقان بالجزاء و تعلقهما بأساءوا و أحسنوا كما توهم بعيد و أوسط التقادير الثلاثة المتقدمة أظهر لدلالته على جزاء السيئة بالمثل و الحسنة بأضعافها. اللهم أصله يا الله حذف حرف النداء و عوض عنه الميم المشددة فلك الحمد لما حمده سبحانه على خلق مطلق الليل و النهار حمده تعالى على خصوص اليوم الذي هو فيه و النعم التي اشتمل عليها و تقديم الظرف للحصر على ما فلقت أي شققت لنا أي لانتفاعنا من الإصباح و هو في الأصل مصدر أصبح أي دخل في الصباح سمي به الصبح و متعتنا به أي على ما صيرتنا ذوي تمتع و انتفاع بسببه من ضوء النهار الإضافة بتقدير اللام أو بيانية و بصرتنا أي على ما جعلتنا مبصرين له و بصراء به بسبب النهار من مطالب الأقوات بالإضافة البيانية أو اللامية أي المواضع التي يطلب منها القوت و الأعمال التي هي مظنة حصوله و القوت ما يقوم به بدن الإنسان من الطعام و وقيتنا أي و على ما وقيتنا و حفظتنا منه في ذلك الصبح من طوارق الآفات بالإضافة البيانية أو إضافة الصفة إلى الموصوف و الطارق في الأصل من يأتي بالليل لاحتياجه إلى طرق الباب غالبا و يستعمل غالبا في الشرور الواقعة بالليل و قد يعم بما يشمل ما يقع بالنهار أيضا فالمراد هنا آفات البارحة أو مطلقا ثم اعلم أن لفظة ما الظاهرة في الفقرة الأولى و المقدرة فيما بعدها من الجمل الثلاث موصولة و ضمير به المذكور في الجملتين و المقدر في غيرهما عائد إليها و من في المواضع الأربعة لبيان الموصول و يمكن أن تكون ما مصدرية في الجميع أو في سوى الأولى و الضمائر راجعة إلى الإصباح أو فلقة فيكون من في قوله من مطالب بمعنى الباء كما في قوله تعالى يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍ (1) ثم الحمد في الفقرة الثانية يشمل العميان أيضا فإنهم
____________
(1) الشورى: 45.
207
يتمتعون بضوء النهار لاشتغال البصراء بالمهمات و الحوائج و من جملتها حوائج الأضراء و أما الثالثة فإن كان التبصير فيها من إبصار العين فهو لغيرهم و إن كان من البصيرة فيشملهم و هذا يؤيد حمله على الأخير و أما شرح تتمة الدعاء فموضعه الفرائد الطريفة.
38- الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ (1) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ(ع)قَالَ يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ الصَّلَاةَ جَامِعَةً فَخَرَجَ الْحَوَارِيُّونَ فِي هَيْئَةِ الْعِبَادَةِ قَدْ تَضَمَّرَتِ الْبُطُونُ وَ غَارَتِ الْعُيُونُ وَ اصْفَرَّتِ الْأَلْوَانُ فَسَارَ بِهِمْ عِيسَى(ع)إِلَى فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ فَقَامَ عَلَى رَأْسِ جُرْثُومَةٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ أَنْشَأَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنْ (2) آيَاتِ اللَّهِ وَ حِكْمَتِهِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي لَأَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنْزَلِ الَّذِي أَنْزَلَهُ (3) اللَّهُ فِي الْإِنْجِيلِ أَشْيَاءَ مَعْلُومَةً فَاعْمَلُوا بِهَا قَالُوا يَا رُوحَ اللَّهِ وَ مَا هِيَ قَالَ خَلَقَ اللَّيْلَ لِثَلَاثِ خِصَالٍ وَ خَلَقَ النَّهَارَ لِسَبْعِ خِصَالٍ فَمَنْ مَضَى عَلَيْهِ اللَّيْلُ وَ النَّهَارُ وَ هُوَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْخِصَالِ خَاصَمَهُ اللَّيْلُ وَ النَّهَارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَخَصَمَاهُ خَلَقَ اللَّيْلَ لِتَسْكُنَ فِيهِ الْعُرُوقُ الْفَاتِرَةُ الَّتِي أَتْعَبْتَهَا فِي نَهَارِكَ وَ تَسْتَغْفِرَ لِذَنْبِكَ الَّذِي كَسَبْتَهُ بِالنَّهَارِ (4) ثُمَّ لَا تَعُودُ فِيهِ وَ تَقْنُتَ فِيهِ قُنُوتَ الصَّابِرِينَ فَثُلُثٌ تَنَامُ وَ ثُلُثٌ تَقُومُ وَ ثُلُثٌ تَضَرَّعُ (5) إِلَى رَبِّكَ فَهَذَا
____________
(1) عبد اللّه بن مغفل- بمعجمة وفاء كمعظم- هو عبد اللّه بن مغفل بن عبد غنم- و قيل عبد فهم- بن عفيف ابن اسحم المزنى قال في أسد الغابة (3: 264) كان من أصحاب الشجرة يكنى أبا سعيد، و قيل أبو عبد الرحمن، و قيل أبو زياد، سكن المدينة ثمّ تحول الى البصرة و ابتنى بها دارا قرب الجامع، و كان من البكائين الذين أنزل اللّه عزّ و جلّ فيهم «وَ لا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَ أَعْيُنُهُمْ. تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ- الآية-» و كان أحد العشرة الذين بعثهم عمر الى البصرة يفقهون الناس (انتهى) توفى بالبصرة سنة (59) و قيل سنة (60) ايام أمارة ابن زياد بالبصرة، و صلى عليه أبو برزة الاسلمى بوصية منه بذلك.
(2) في المصدر: آيات اللّه.
(3) في المصدر: أنزل اللّه.
(4) في المصدر: فى النهار.
(5) في المصدر: تتضرع.
208
مَا خَلَقَ لَهُ اللَّيْلَ وَ خَلَقَ النَّهَارَ لِتُؤَدِّيَ فِيهِ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ الَّتِي عَنْهَا تُسْأَلُ وَ بِهَا تُخَاطَبُ (1) وَ تَبِرَّ وَالِدَيْكَ وَ أَنْ تَضْرِبَ فِي الْأَرْضِ تَبْتَغِي الْمَعِيشَةَ مَعِيشَةَ يَوْمِكَ وَ أَنْ تَعُودُوا فِيهِ وَلِيّاً لِلَّهِ كَيْمَا يَتَغَمَّدَكُمُ اللَّهِ بِرَحْمَتِهِ وَ أَنْ تُشَيِّعُوا فِيهِ جَنَازَةً كَيْمَا تَنْقَلِبُوا مَغْفُوراً لَكُمْ وَ أَنْ تَأْمُرُوا بِمَعْرُوفٍ وَ أَنْ تَنْهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ فَهُوَ ذِرْوَةُ الْإِيمَانِ وَ قِوَامُ الدِّينِ وَ أَنْ تُجَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تُزَاحِمُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ فِي قُبَّتِهِ وَ مَنْ مَضَى عَلَيْهِ اللَّيْلُ وَ النَّهَارُ وَ هُوَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْخِصَالِ خَاصَمَهُ اللَّيْلُ وَ النَّهَارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَخَصَمَاهُ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (2).
بيان: قال في النهاية فيه كانت في المسجد جراثيم أي كان فيها أماكن مرتفعة عن الأرض مجتمعة من تراب أو طين (3).
39- الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ (4) قَالَ طُلُوعُ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ مِنْ مَغْرِبِهِمَا مُقْتَرِنَيْنِ كَالْبَعِيرَيْنِ الْقَرِينَيْنِ ثُمَّ قَرَأَ وَ جُمِعَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ (5).
40- وَ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا آيَةُ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا فَقَالَ تَطُولُ تِلْكَ اللَّيْلَةُ حَتَّى تَكُونَ قَدْرَ لَيْلَتَيْنِ فَيَقُومُ الَّذِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ فِيهَا فَيَعْمَلُونَ كَمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَ النُّجُومُ مَكَانَهَا لَا تَسْرِي ثُمَّ يَأْتُونَ فُرُشَهُمْ فَيَرْقُدُونَ حَتَّى تَكِلَّ جُنُوبُهُمْ ثُمَّ يَقُومُونَ فَيُصَلُّونَ حَتَّى يَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ اللَّيْلُ فَيَفْزَعُ النَّاسُ فَبَيْنَمَا هُمْ يَنْتَظِرُونَ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَشْرِقِهَا إِذَا هِيَ طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنُوا وَ لَا يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ.
و روي مثله عن قتادة (6).
____________
(1) في المصدر: تحاسب.
(2) الدّر المنثور: ج 5،(ص)356.
(3) النهاية: ج 1،(ص)153.
(4) الأنعام: 158.
(5) القيامة: 9- الدّر المنثور: ج 3،(ص)57.
(6) الدّر المنثور: ج 5،(ص)57. و عبارة المصدر مضطربة و الظاهر ان عبارة المتزمتين.
209
41- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَ فِي رِوَايَتِهِ آيَةُ تِلْكُمُ اللَّيْلَةِ أَنْ تَطُولَ كَقَدْرِ ثَلَاثِ لَيَالٍ (1).
42- وَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ره قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ بَرْذَعَةٌ (2) أَوْ قَطِيفَةٌ وَ ذَاكَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقَالَ يَا بَا ذَرٍّ أَ تَدْرِي أَيْنَ تَغِيبُ هَذِهِ قُلْتُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَامِئَةٍ (3) تَنْطَلِقُ حَتَّى تَخِرَّ لِرَبِّهَا سَاجِدَةً تَحْتَ الْعَرْشِ فَإِذَا حَانَ خُرُوجُهَا أَذِنَ لَهَا فَتَخْرُجُ فَتَطْلُعُ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُطْلِعَهَا مِنْ حَيْثُ تَغْرُبُ حَبَسَهَا فَتَقُولُ يَا رَبِّ إِنَّ مَسِيرِي بَعِيدٌ فَيَقُولُ لَهَا اطْلُعِي مِنْ حَيْثُ غَرَبْتِ فَذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ (4).
وَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْفَى (5) قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ لَيْلَةٌ بِقَدْرِ ثَلَاثِ لَيَالٍ مِنْ لَيَالِيكُمْ هَذِهِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ يَعْرِفُهَا الْمُصَلُّونَ يَقُومُ أَحَدُكُمْ (6) فَيَقْرَأُ حِزْبَهُ ثُمَّ يَنَامُ ثُمَّ يَقُومُ فَيَقْرَأُ حِزْبَهُ ثُمَّ يَنَامُ ثُمَّ يَقُومُ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ فَقَالُوا مَا هَذَا فَيَفْزَعُونَ إِلَى الْمَسَاجِدِ فَإِذَا هُمْ بِالشَّمْسِ قَدْ طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا فَضَجَّ النَّاسُ ضَجَّةً وَاحِدَةً حَتَّى إِذَا صَارَتْ
____________
(1) الدّر المنثور: ج 5،(ص)58.
(2) البرذعة: بفتح الموحدة و سكون الراء المهملة و فتح الذال المعجمة و العين المهملة قال في الصحاح (3- 1184) هو الحلس الذي يلقى تحت الرحل، و قال في المنجد: البردعة- بالدال المهملة- و البرذعة- بالمعجمة- كساء يلقى على ظهر الدابّة.
(3) في المصدر: حمئة.
(4) الدّر المنثور: ج 5،(ص)57- 58.
(5) كذا، و الصحيح «عبد اللّه بن أبي أوفى» ابو إبراهيم صحابى و ابن صحابى، و اسم ابيه علقمة بن خالد بن الحارث بن اسيد الاسلمى، قال في تهذيب الأسماء: شهد بيعة الرضوان و خيبر و ما بعدهما من المشاهد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و لم يزل بالمدينة حتّى توفى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ثمّ تحول الى الكوفة و هو آخر من بقى من الصحابة بالكوفة (انتهى) مات سنة (86) و قيل (87).
(6) في المصدر «أحدهم» و هو الصحيح.
210
فِي وَسَطِ السَّمَاءِ رَجَعَتْ وَ طَلَعَتْ مِنْ مَطْلَعِهَا وَ حِينَئِذٍ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها (1).
44- وَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ خُلِقْنَ مِنْ نُورِ الْعَرْشِ (2).
45- وَ عَنِ السُّدِّيِ (3) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً (4) قَالَ لَمْ يَجْعَلِ الشَّمْسَ كَهَيْئَةِ الْقَمَرِ لِكَيْ (5) يُعْرَفَ اللَّيْلُ مِنَ النَّهَارِ وَ هُوَ قَوْلُهُ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ (6) الْآيَةَ (7).
46- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وُجُوهُهُمَا إِلَى السَّمَاوَاتِ وَ أَقْفِيَتُهُمَا إِلَى الْأَرْضِ (8).
47- وَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ره قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ(ص)فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقَالَ يَا بَا ذَرٍّ (9) أَ تَدْرِي أَيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ قُلْتُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ فَقَالَ إِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ فَتَسْتَأْذِنُ فِي الرُّجُوعِ فَيُؤْذَنُ لَهَا فَذَلِكَ قَوْلُهُ وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها (10).
48- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ لَا مُسْتَقَرَّ لَهَا (11).
49- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (12) قَالَ لِلشَّمْسِ مَطْلِعٌ فِي الشِّتَاءِ وَ مَغْرِبٌ فِي الشِّتَاءِ وَ مَطْلِعٌ فِي الصَّيْفِ وَ مَغْرِبٌ فِي الصَّيْفِ غَيْرُ مَطْلِعِهَا
____________
(1) الدّر المنثور: ج 5،(ص)58.
(2) الدّر المنثور: ج 3،(ص)92.
(3) بضم السين و تشديد الدال المهملتين، منسوب الى سدة مسجد الكوفة.
(4) يونس: 5.
(5) في المصدر: كى.
(6) الإسراء: 12.
(7) الدّر المنثور: ج 3،(ص)300.
(8) الدّر المنثور: ج 3،(ص)300.
(9) في المصدر: يا أبا ذر.
(10) يس: 38.
(11) الدّر المنثور: ج 5،(ص)263.
(12) الرحمن: 17.
211
فِي الشِّتَاءِ وَ غَيْرُ مَغْرِبِهَا فِي الشِّتَاءِ (1).
50- وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ قَالَ: مَشْرِقُ الْفَجْرِ (2) وَ مَشْرِقُ الشَّمْسِ وَ مَغْرِبُ الشَّمْسِ وَ مَغْرِبُ الشَّفَقِ (3).
51- وَ عَنْهُ أَيْضاً فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَ الْمَغارِبِ قَالَ لِلشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ مَطْلِعٌ تَطْلُعُ فِيهِ (4) وَ مَغْرِبٌ تَغْرُبُ فِيهِ غَيْرُ مَطْلِعِهَا بِالْأَمْسِ وَ غَيْرُ مَغْرِبِهَا بِالْأَمْسِ (5).
52- وَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: هِيَ الْمَنَازِلُ الَّتِي تَجْرِي فِيهَا الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ (6).
53- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً (7) قَالَ وَجْهُهُ يُضِيءُ السَّمَاوَاتِ وَ ظَهْرُهُ يُضِيءُ الْأَرْضَ (8).
54- وَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: اجْتَمَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ وَ قَدْ كَانَ بَيْنَهُمَا بَعْضُ الْعَتْبِ فَتَعَاتَبَا فَذَهَبَ ذَلِكَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو لِلْكَعْبِ سَلْنِي عَمَّا شِئْتَ فَلَا تَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُكَ بِتَصْدِيقِ قَوْلِي مِنَ الْقُرْآنِ فَقَالَ لَهُ أَ رَأَيْتَ ضَوْءَ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ أَ هُوَ فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ كَمَا هُوَ فِي الْأَرْضِ قَالَ نَعَمْ أَ لَمْ تَرَوْا إِلَى قَوْلِ اللَّهِ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً (9).
55- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَجْهُهُ فِي السَّمَاءِ إِلَى الْعَرْشِ وَ قَفَاهُ إِلَى الْأَرْضِ (10).
56- وَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: إِنَّهُ يُضِيءُ نُورُ الْقَمَرِ فِيهِنَّ كُلِّهِنَّ كَمَا لَوْ كَانَ سَبْعُ
____________
(1) الدّر المنثور: ج 6،(ص)142.
(2) في المصدر: مشرق النجم و مشرق الشفق «و ربّ المغربين» قال مغرب ...
(3) الدّر المنثور: ج 6،(ص)142.
(4) منه (خ).
(5) الدّر المنثور: ج 6،(ص)267.
(6) الدّر المنثور: ج 6،(ص)267.
(7) نوح: 16.
(8) الدّر المنثور: ج 6،(ص)268.
(9) الدّر المنثور: ج 6،(ص)269.
(10) الدّر المنثور: ج 6،(ص)269.
212
زُجَاجَاتٍ أَسْفَلُ مِنْهُنَّ شِهَابٌ أَضَاءَ كُلَّهُنَّ فَكَذَلِكَ نُورُ الْقَمَرِ فِي السَّمَاوَاتِ كُلِّهِنَّ لِصَفَائِهِنَ (1).
57- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً قَالَ خَلَقَ فِيهِنَّ حِينَ خَلَقَهُنَّ ضِيَاءً لِأَهْلِ الْأَرْضِ وَ لَيْسَ فِي السَّمَاءِ مِنْ ضَوْئِهِ شَيْءٌ (2).
58- وَ عَنْ عَطَاءٍ فِي قَوْلِهِ وَ جُمِعَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ قَالَ يُجْمَعَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يُقْذَفَانِ (3) فَيَكُونُ نَارُ اللَّهِ الْكُبْرَى (4).
59- وَ عَنِ ابْنِ جَرِيحٍ قَالَ: كُوِّرَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ (5).
60- الْعِلَلُ، وَ الْعُيُونُ، فِي خَبَرِ الشَّامِيِّ عَنِ الرِّضَا(ع)أَنَّهُ سَأَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَنْ مَسَائِلَ فَكَانَ فِيمَا سَأَلَهُ أَنْ سَأَلَهُ عَنْ أَوَّلِ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ خَلَقَ النُّورَ وَ سَأَلَهُ عَنْ طُولِ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ عَرْضِهِمَا قَالَ تِسْعُمِائَةِ فَرْسَخٍ فِي تِسْعِمِائَةِ فَرْسَخٍ (6).
بيان: أقول تمامه في كتاب الإحتجاج و قال السيد الداماد ره بعد إيراد الخبر بتمامه إنما هذه السؤالات عن أشياء وجدها السائلون من أهل الكتاب في الكتب السماوية المنزلة على أنبيائهم فامتحنوا بها أمير المؤمنين(ع)و اختبروا بها علمه بالكتب الإلهية و الصحف السماوية و قوله(ع)أول ما خلق الله النور المعني به الجوهر المفارق الذي هو أول الأنوار العقلية
- كَمَا قَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلُ.
و أما قوله(ع)تسعمائة فرسخ في تسعمائة فرسخ قال المعني به مكعب تسعمائة فرسخ أي سبعمائة ألف ألف فرسخ و تسعة و عشرون ألف ألف فرسخ المجتمع من ضرب تسعمائة فرسخ في تسعمائة فرسخ ثم ضرب تسعمائة فرسخ في مربعها الحاصل من ضربها في نفسها أي في ثمانمائة ألف فرسخ و عشرة
____________
(1) الدّر المنثور: ج 6،(ص)269.
(2) الدّر المنثور: ج 6،(ص)269.
(3) في المصدر: فيقذفان في البحر.
(4) الدّر المنثور: ج 6،(ص)288.
(5) الدّر المنثور: ج 6،(ص)288.
(6) العلل: ج 2،(ص)280، العيون: ج 1،(ص)240.
213
آلاف فرسخ و الذي رامه بطول الشمس و عرضها المتساويين هو مساحة جميع سطحها المستدير المحيط بجرمها و كذلك ما يرام بطول القمر و عرضه و ليعلم أن ما نالته الحكماء التعليميون ببراهينهم و أرصادهم و حصلته العلماء الرياضيون بحسبهم و حسباناتهم في مقادير الأبعاد و الأجرام قد اختلف مذاهبهم فيه اختلافا كثيرا و ذلك إما لاختلالات في الآلات الرصدية أو لخلل و زلل في نصبها في مناصبها اللائقة و إما لمسامحات قل ما تخلو عنها حسابات الحاسبين و مساهلات قل ما تعرو عنها أرصاد الراصدين فلذلك كله ما قد اختلف أحكام الأرصاد و عز ما يتفق رصدان متفقان و بالجملة فإذ قد أقرت الجماهير أن بحث الأوائل أوفى فاعلمن أن بطلميوس و من في طبقته من الأوائل وجدوا بأرصادهم حصة درجة واحدة من الدائرة العظمى تقع على سطح الأرض اثنين و عشرين فرسخا و تسع فرسخ فحكموا أن ثلاثمائة و ستين درجة و هي محيط الدائرة العظمى الأرضية ثمانية آلاف فرسخ و قد بين أرشميدس في مقالته في مساحة الدائرة أن محيط كل دائرة كمجموع ثلاثة أمثال قطرها و سبع قطرها على التقريب فيكون مقدار قطر الأرض ألفين و خمسمائة فرسخ و خمسة و أربعين فرسخا و نصف فرسخ تقريبا و قد بين فيها أيضا أن مسطح نصف القطر في نصف المحيط مساو لتكسير الدائرة فتستبين بقوة الخامس و العشرين من أولي كتاب الكرة و الأسطوانة لأرشميدس أن السطح الذي يحيط به قطر الكرة في المحيط أعظم دائرة تقع فيها مساو للسطح المحيط بالكرة فإذا ضربت القطر في محيط الدائرة العظمى حصل تكسير سطح الأرض و هو عشرون ألف ألف فرسخ و ثلاثمائة و ثلاثة و ستون ألف فرسخ و ستمائة و ستة و ثلاثون فرسخا و أربعة أجزاء من أحد عشر جزءا من فرسخ و وجدوا قطر الأرض مثل قطر جرم القمر ثلاث مرات و خمسي مرة فيكون مقدار جرم قطر القمر سبعمائة فرسخ و سبعة و أربعين فرسخا بالتقريب فمحيط دائرة عظمى قمرية ألفان و ثلاثمائة فرسخ و أحد و أربعون فرسخا و نصف فرسخ على التقريب فمساحة جميع سطح القمر ألف ألف فرسخ و سبعمائة ألف فرسخ و ثلاثة و أربعون ألف فرسخ و ثمانمائة فرسخ و خمسة و أربعون فرسخا و وجدوا قطر
214
جرم الشمس خمسة أمثال و نصف مثل لقطر الأرض إذا كانوا وجدوا قطر الشمس بنسبته إلى قطر الأرض كمجموع ثمانية عشر جزءا و أربعة أخماس جزء بالنسبة إلى مجموع ثلاثة أجزاء و خمسي جزء و خرج لهم من بعد القسمة خمسة و نصف فمقدار قطر الشمس أربعة عشر ألف فرسخ إلا فرسخين و نصف فرسخ فمحيط دائرة عظمى على جرم الشمس أربعة و أربعون ألف فرسخ تقريبا قريبا من التحقيق على ذلك التقدير فمساحة سطح جرم الشمس بناء على ذلك ستمائة ألف ألف فرسخ و ستة عشر ألف ألف فرسخ و مجموع مساحة سطح الشمس و القمر جميعا ستمائة ألف ألف فرسخ و سبعة عشر ألف ألف فرسخ و سبعمائة ألف فرسخ و ثلاثة و أربعون ألف فرسخ و ثمانمائة فرسخ و خمسة و أربعون فرسخا و استخرجوا بحسبهم على ما قد استحصلته أرصادهم أن من الأرض إلى بعد الشمس الأوسط ألف ألف فرسخ و سبعة و ثلاثين ألف فرسخ و ثلاثمائة فرسخ و أحدا و ثمانين فرسخا بالتقريب و أن الشمس مائة و ستة و ستون مثلا و ربع و ثمن مثل للأرض و ستة آلاف و ستمائة و أربعة و أربعون مثلا للقمر و أن الأرض تسعة و ثلاثون مثلا و ربع مثل للقمر و قال قطب فلك التحصيل و التحقيق من العلماء المشهورية الجمهورية في طبيعيات كتاب درة التاج أن الحكيم الفاضل مؤيد الدين العرضي حقق الأمر تحقيقا لم يسبقه إليه أحد و لم يلحقه أحد و فيما نقل عنه أن جرم الشمس مائة و سبعة و ستون مثلا لجرم الأرض و جرم الأرض أربعون مثلا لجرم القمر ثم إن هؤلاء الراصدين الحاسبين جعلوا البعد الأبعد لكل كوكب البعد الأقرب للكوكب الذي فوقه و كان من الواجب أن يجعل بعد محدب كل فلك بعد مقعر الفلك الذي فوقه لكنهم لم يعتبروا أنصاف أقطار الكواكب و ثخن جوزهر القمر و ما يبقى من متمم عطارد بين أقرب أبعاده و مقعر فلكه إذ لم يكن غرضهم الأصلي إلا الاطلاع على عظم هذه الأجرام الشريفة على الإجمال ليعلم أن قدرة مبدعها جلت عظمته على أقصى غايات الكمال لا استثبات معرفتها للذهن البشري على طباق ما في العين فإن عقول الحكماء و أفهام العقلاء لا تصادف و لا تلقى إلا راجعة عن ذلك بخفي حنين
215
فلذلك تراهم يتساهلون كثيرا في الحساب مع أن إهمال ثانية واحدة يفضي إلى التبعيد بمراحل عن الصواب و لقد أورد عليهم أن المسافة على ما في المجسطي و ما في مرتبته بين محدب الفلك المائل للقمر و مقعر فلك الشمس ليست تسع ثخني فلك الزهرة و عطارد فضلا من أن يسعهما ما بين محدب جوزهر القمر و مقعر فلك الشمس و الحق أن ذلك إنما نشأ من المساهلة في الحساب بإهمال الكسور و ما يسير مسيره و يجري مجراه فالراصد الفاضل الحاسب المهندس الكاشاني قد تشمر محل الإشكال في رسالة سلم السماء باستئناف الحساب على سبيل الاستقصاء من غير إهمال الثواني بل الثوالث و أورد قطر جرم القمر على أنه سبعمائة و أحد و ثلاثون فرسخا و الصواب فيه ما أثبتناه و قطر الشمس سبعة عشر ألف و خمسمائة و ثمانية و ثلاثين فرسخا على أنه سبعة أمثال قطر الأرض إلا عشر مثل تقريبا و الذي يوجبه الاستقصاء أنه مثل قطر الأرض ست مرات و خمسة أسداس مرة و نصف عشر مرة و جرم القمر على أنه كجزء من اثنين و أربعين جزءا و سدس جزء من الأرض و الأحق فيه استبدال خمس مكان سدس و جرم الشمس على أنها ثلاثمائة و ستة و عشرون مثلا للأرض و الأحق في ذلك و خمس مثل أيضا تقريبا و إذا علم ذلك فليعلم أن ما قاله أمير المؤمنين(ع)في جواب سؤال الشامي إنما هو على مطابقة الشائع المعتبر الذي اعتبرته الأوائل من الحكماء اليونانيين ثم استمر شيوعا و استقر اعتبارا في العصور و الدهور إلى هذه السنين الأخيرة لكنه لم يتساهل في الحساب و لم يهمل اعتبار الكسور فلعله(ع)اعتبر قطر الأرض أكثر مما هو المشهور بشيء يسير أو أنه(ع)اعتبر قطر الشمس ستة أمثال قطر الأرض كثمانية عشر بالنسبة إلى خمسة و هم قد اعتبروه بالنسبة إليه كثمانية عشر جزءا و أربعة أخماس جزء بالنسبة إلى ثلاثة أجزاء و خمسين جزءا و بالجملة على ما قاله(ع)يجب أن يؤخذ قطر الشمس على أنه خمسة عشر ألفا و مائتا فرسخ تقريبا و محيط دائرة عظمى شمسية على أنه سبعة و أربعون ألفا و سبعمائة فرسخ و أحد و سبعون فرسخا و نصف
216
فرسخ تقريبا ليس هو على البعد من التحقيق فإذن يكون مجموع مضروب قطرها في محيط عظماها و هو مساحة جميع سطحها ما آتيناك في مساحة جميع سطح القمر مساويا لمكعب تسعمائة فرسخ على التقريب القريب من التحقيق جدا و الله سبحانه أعلم بأسرار كلام عبده و وليه و أخي رسوله و وصيه و باب علمه و عيبة حكمته و لو رام رائم أن يتعرف سبيل الجواب على الاستقصاء الذي تولاه الراصد الحاسب الكاشي على سبيل التقريب قيل له ألف في تسعمائة ثم في حاصل الضرب.
و أقول ذهب بخفي حنين مثل سائر في خيبة الإنسان عما يرجوه و قال الجوهري قال ابن السكيت عن أبي اليقظان كان حنين رجلا شديدا ادعى على أسد بن هاشم بن عبد مناف فأتى عبد المطلب و عليه خفان أحمران فقال يا عم أنا ابن أسد بن هاشم فقال عبد المطلب لا و ثياب هاشم ما أعرف شمائل هاشم فيك فارجع فقالوا ذهب حنين بخفيه فصار مثلا و قال غيره هو اسم إسكاف من أهل الحيرة ساومه أعرابي بخفين فلم يشتره فغاظه ذلك و علق أحد الخفين في طريقه فتقدم فطرح الآخر و كمن له و جاء الأعرابي فرأى أحد الخفين فقال ما أشبه هذا بخف حنين لو كان معه آخر لاشتريته فتقدم فرأى الخف الثاني مطروحا في الطريق فنزل و عقل بعيره و رجع إلى الأول فذهب الإسكاف براحلته و جاء إلى الحي بخفي حنين.
217
باب 10 علم النجوم و العمل به و حال المنجمين
الآيات الصافات فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (1) تفسير استشكل السيد المرتضى ره في كتاب تنزيه الأنبياء في هذه الآية بوجهين أحدهما أنه حكي عن نبيه النظر في النجوم و عندكم أن الذي يفعله المنجمون في ذلك ضلال و الآخر قوله إِنِّي سَقِيمٌ و ذلك كذب ثم أجاب بوجوه.
الأول أن إبراهيم(ع)كانت به علة تأتيه في أوقات مخصوصة فلما دعوه إلى الخروج معهم نظر إلى النجوم ليعرف منها قرب نوبة علته فقال إِنِّي سَقِيمٌ و أراد أنه حضر وقت العلة و زمان نوبتها و شارفت الدخول فيها و قد تسمي العرب المشارف للشيء باسم الداخل فيه كما قال تعالى إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (2) فإن قيل لو أراد ما ذكرتموه لقال فنظر إلى النجوم لأن لفظة في لا تستعمل إلا فيمن ينظر كما ينظر المنجم.
قلنا حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض قال سبحانه وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ (3) و إنما أراد على جذوعها.
الثاني أنه يجوز أن يكون الله أعلمه بالوحي أنه سيمتحنه بالمرض في وقت مستقبل و إن لم يكن قد جرت بذلك المرض عادته و جعل تعالى العلامة على ذلك
____________
(1) الصافّات: 88.
(2) الزمر: 30.
(3) الأعراف: 124-.
218
ظاهرا له من قبل النجوم إما لطلوع نجم على وجه مخصوص أو اقترانه بآخر فلما نظر إبراهيم(ع)في الأمارة التي نصبت له من النجوم قال إني سقيم تصديقا لما أخبره الله تعالى.
الثالث ما قاله قوم في ذلك إن من كان آخر أمره الموت فهو سقيم و هذا لأن تشبيه الحياة المفضية إلى الموت بالسقم من أحسن التشبيه.
الرابع أن يكون قوله إِنِّي سَقِيمٌ معناه أني سقيم القلب أو الرأي خوفا من إصرار قومه على عبادة الأصنام و هي لا تسمع و لا تبصر و يكون قوله فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ على هذا معناه أنه نظر و فكر في أنها محدثة مدبرة مصرفة و عجب كيف يذهب على العقلاء ذلك من حالها حين يعبدونها و يجوز أيضا أن يكون قوله فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ معناه أنه شخص ببصره إلى السماء كما يفعل المفكر المتأمل فإنه ربما أطرق إلى الأرض و ربما نظر إلى السماء استعانة على فكره و قد قيل إن النجوم هاهنا نجوم النبت لأنه يقال لكل ما خرج من الأرض و غيرها و طلع أنه ناجم و نجم و يقال للجميع نجوم و يقولون نجم قرن الظبي و نجم ثدي المرأة و على هذا الوجه يكون إنما نظر في حال الفكر و الإطراق إلى الأرض فرأى ما نجم منها و قيل أيضا إنه أراد بالنجوم ما نجم له من رأيه و ظهر له بعد أن لم يكن ظاهرا و هذا و إن كان يحتمله الكلام فالظاهر بخلافه لأن الإطلاق في قول القائل نجوم لا يفهم من ظاهره إلا نجوم السماء دون نجوم الأرض و نجوم الرأي و قال أبو مسلم الأصفهاني إن معنى قوله فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ أراد في القمر و الشمس لما ظن أنهما آلهة في حال مهلة النظر على ما قصه الله تعالى من قصته في سورة الأنعام و لما استدل بأفولها و غروبها على أنها محدثة غير قديمة و لا آلهة و أراد بقوله إِنِّي سَقِيمٌ أني لست على يقين من الأمر و لا شفاء من العلم و قد يسمى الشك بأنه سقم كما يسمى العلم بأنه شفاء ثم اعترض عليه بأنه مخالف لسياق الآيات انتهى ملخص كلامه.
و أقول يمكن أن يقال إن حرمة النظر في النجوم على الأنبياء و الأئمة
219
العالمين بها حق العلم غير مسلم و إنما يحرم على غيرهم لعدم إحاطتهم بذلك و نقص علمهم كما ستعرف عند شرح الأخبار.
1- الْإِحْتِجَاجُ، عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فَقَالَ لَهُ مَرْحَباً يَا سَعْدُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ بِهَذَا الِاسْمِ سَمَّتْنِي أُمِّي وَ مَا أَقَلَّ مَنْ يَعْرِفُنِي بِهِ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)صَدَقْتَ يَا سَعْدُ الْمَوْلَى فَقَالَ الرَّجُلُ جُعِلْتُ فِدَاكَ بِهَذَا (1) كُنْتُ أُلَقَّبُ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)لَا خَيْرَ فِي اللَّقَبِ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ وَ لا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ (2) مَا صِنَاعَتُكَ يَا سَعْدُ فَقَالَ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّا مِنْ (3) أَهْلِ بَيْتٍ نَنْظُرُ فِي النُّجُومِ لَا يُقَالُ إِنَّ بِالْيَمَنِ أَحَداً أَعْلَمَ بِالنُّجُومِ مِنَّا فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَكَمْ ضَوْءُ الْمُشْتَرِي (4) عَلَى ضَوْءِ الْقَمَرِ دَرَجَةً فَقَالَ الْيَمَانِيُّ لَا أَدْرِي فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)صَدَقْتَ فَكَمْ ضَوْءُ الْمُشْتَرِي عَلَى ضَوْءِ عُطَارِدٍ دَرَجَةً فَقَالَ الْيَمَانِيُّ لَا أَدْرِي فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)صَدَقْتَ (5) فَمَا اسْمُ النَّجْمِ الَّذِي إِذَا طَلَعَ هَاجَتِ الْإِبِلُ فَقَالَ الْيَمَانِيُّ لَا أَدْرِي فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)صَدَقْتَ فَمَا اسْمُ النَّجْمِ الَّذِي إِذَا طَلَعَ هَاجَتِ الْبَقَرُ فَقَالَ الْيَمَانِيُّ لَا أَدْرِي فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)صَدَقْتَ فَمَا اسْمُ النَّجْمِ الَّذِي إِذَا طَلَعَ هَاجَتِ الْكِلَابُ فَقَالَ الْيَمَانِيُّ لَا أَدْرِي فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)صَدَقْتَ فِي قَوْلِكَ لَا أَدْرِي فَمَا زُحَلُ عِنْدَكُمْ فِي النُّجُومِ فَقَالَ الْيَمَانِيُّ نَجْمٌ نَحْسٌ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)لَا تَقُلْ هَذَا فَإِنَّهُ نَجْمُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ هُوَ نَجْمُ الْأَوْصِيَاءِ(ع)وَ هُوَ النَّجْمُ الثَّاقِبُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ الْيَمَانِيُّ فَمَا مَعْنَى الثَّاقِبِ فَقَالَ إِنَّ مَطْلِعَهُ فِي
____________
(1) في المصدر: بهذا اللقب.
(2) الحجرات: 11.
(3) في المصدر: إنا أهل بيت.
(4) في المصدر: فكم ضوء القمر يزيد على ضوء المشترى درجة؟.
(5) في المصدر: فكم ضوء عطارد يزيد درجة على ضوء الزهرة؟ قال اليمانيّ: لا أدرى قال أبو عبد اللّه صدقت.
220
السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَإِنَّهُ ثَقَبَ بِضَوْئِهِ حَتَّى أَضَاءَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَمِنْ ثَمَّ سَمَّاهُ اللَّهُ النَّجْمَ الثَّاقِبَ ثُمَّ قَالَ يَا أَخَا الْعَرَبِ عِنْدَكُمْ عَالِمٌ قَالَ الْيَمَانِيُّ نَعَمْ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّ بِالْيَمَنِ قَوْماً لَيْسُوا كَأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ فِي عِلْمِهِمْ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَ مَا يَبْلُغُ مِنْ عِلْمِ عَالِمِهِمْ قَالَ (1) الْيَمَانِيُّ إِنَّ عَالِمَهُمْ لَيَزْجُرُ الطَّيْرَ وَ يَقْفُو الْأَثَرَ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ مَسِيرَةَ شَهْرٍ لِلرَّاكِبِ الْمُحِثِّ الْمُجِدِّ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَإِنَّ عَالِمَ الْمَدِينَةِ أَعْلَمُ مِنْ عَالِمِ الْيَمَنِ قَالَ الْيَمَانِيُّ وَ مَا يَبْلُغُ مِنْ عِلْمِ عَالِمِ الْمَدِينَةِ قَالَ(ع)إِنَّ عِلْمَ عَالِمِ الْمَدِينَةِ يَنْتَهِي إِلَى أَنْ لَا يَقْفُوَ الْأَثَرَ وَ لَا يَزْجُرَ الطَّيْرَ وَ يَعْلَمَ مَا فِي اللَّحْظَةِ الْوَاحِدَةِ مَسِيرَةَ الشَّمْسِ تَقْطَعُ اثْنَيْ عَشَرَ بُرْجاً وَ اثْنَيْ عَشَرَ بَرّاً وَ اثْنَيْ عَشَرَ بَحْراً وَ اثْنَيْ عَشَرَ عَالِماً فَقَالَ لَهُ الْيَمَانِيُّ مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَداً يَعْلَمُ هَذَا وَ مَا يَدْرِي مَا كُنْهُهُ قَالَ ثُمَّ قَامَ الْيَمَانِيُ (2).
إيضاح لا خير في اللقب أي في الألقاب الردية و ذكره(ع)كان لبيان الإعجاز أو المنهي عنه التنابز بها أولا فأما بعد الاشتهار فلا بأس للتعريف و غيره هاجت الإبل أي للسفاد قال الجوهري الهائج الفحل الذي يشتهي الضراب (3) انتهى و زجر الطير الحكم بصياحها و طيرانها على الحوادث تفؤلا و تشؤما قال الجزري الزجر للطير هو التيمن و التشؤم بها و التفؤل بطيرانها كالسانح و البارح و هو نوع من الكهانة و العيافة (4) انتهى و المراد بقفو الأثر إما ما كان شائعا عند العرب من الاستدلال برؤية أثر القدم على تعيين الذاهب و أنه إلى أين ذهب كما فعلوا ليلة الغار أو الاستدلال بالعلامات و الآثار و الأوضاع الفلكية على الحوادث و قوله في ساعة واحدة مسيرة شهر أي يحكم في ساعة واحدة بتلك الأمور على حدوث الحوادث في مسافة و ناحية تكون مسيرة
____________
(1) في المصدر: فقال.
(2) الاحتجاج: 193.
(3) الصحاح: ج 1،(ص)352.
(4) النهاية: ج 2،(ص)122.
221
شهر قوله(ع)إلى أن لا يقفو الأثر أي لا يحتاج في علمه بالحوادث إلى تلك الأمور بل يعلم في لحظة واحدة بما أعطاه الله من العلم ما يقع فيما تطلع عليه الشمس و تقطعه و هي مقدار اثني عشر برجا في السماء في يوم أو أصل البروج في سنة و اثني عشر نوعا من أنواع البراري و بحرا من أنواع البحور و اثني عشر عالما من أصناف الخلق كما مر و منها جابلقا و جابرسا فلفظة ما زائدة و يحتمل أن يكون المراد يعلم ما يحدث في اللحظة الواحدة في جميع تلك العوالم و يحتمل أن يكون يقطع بالياء أي يقطع العالم تلك العوالم بعلمه أو بطي الأرض كما سيأتي.
2- الْإِحْتِجَاجُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: اسْتَقْبَلَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)دِهْقَانٌ مِنْ دَهَاقِينِ الْفُرْسِ فَقَالَ لَهُ بَعْدَ التَّهْنِئَةِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَنَاحَسَتِ النُّجُومُ الطَّالِعَاتُ وَ تَنَاحَسَتِ السُّعُودُ بِالنُّحُوسِ وَ إِذَا كَانَ مِثْلُ هَذَا الْيَوْمِ وَجَبَ عَلَى الْحَكِيمِ الِاخْتِفَاءُ وَ يَوْمُكَ هَذَا يَوْمٌ صَعْبٌ قَدِ انْقَلَبَ فِيهِ كَوْكَبَانِ وَ انْقَدَحَ مِنْ بُرْجِكَ النِّيرَانُ وَ لَيْسَ الْحَرْبُ لَكَ بِمَكَانٍ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَيْحَكَ يَا دِهْقَانُ الْمُنْبِئُ بِالْآثَارِ الْمُحَذِّرُ مِنَ الْأَقْدَارِ مَا قِصَّةُ صَاحِبِ الْمِيزَانِ وَ قِصَّةُ صَاحِبِ السَّرَطَانِ وَ كَمِ الْمَطَالِعُ مِنَ الْأَسَدِ وَ السَّاعَاتِ مِنَ (1) الْمُحَرَّكَاتِ وَ كَمْ بَيْنَ السَّرَارِيِّ وَ الدَّرَارِيِّ قَالَ سَأَنْظُرُ وَ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى كُمِّهِ وَ أَخْرَجَ مِنْهُ أُسْطُرْلَاباً يَنْظُرُ فِيهِ فَتَبَسَّمَ(ع)فَقَالَ أَ تَدْرِي مَا حَدَثَ الْبَارِحَةَ وَقَعَ بَيْتٌ بِالصِّينِ وَ انْفَرَجَ بُرْجُ مَاجِينَ وَ سَقَطَ سُورُ سَرَانْدِيبَ وَ انْهَزَمَ بِطْرِيقُ الرُّومِ بِأَرْمَنِيَّةَ وَ فَقَدَ دَيَّانُ الْيَهُودِ بِأَيْلَةَ وَ هَاجَ النَّمْلُ بِوَادِي النَّمْلِ وَ هَلَكَ مَلِكُ إِفْرِيقِيَةَ أَ كُنْتَ عَالِماً بِهَذَا قَالَ لَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ الْبَارِحَةَ سَعِدَ سَبْعُونَ أَلْفَ عَالَمٍ وَ وُلِدَ فِي كُلِّ عَالَمٍ سَبْعُونَ أَلْفاً وَ اللَّيْلَةَ يَمُوتُ مِثْلُهُمْ وَ هَذَا مِنْهُمْ وَ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى سَعْدِ بْنِ مَسْعَدَةَ الْحَارِثِيِّ وَ كَانَ جَاسُوساً لِلْخَوَارِجِ فِي عَسْكَرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَظَنَّ الْمَلْعُونُ أَنَّهُ يَقُولُ خُذُوهُ فَأَخَذَ بِنَفْسِهِ فَمَاتَ فَخَرَّ الدِّهْقَانُ سَاجِداً فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَ لَمْ أَرْوِكَ مِنْ عَيْنِ التَّوْفِيقِ قَالَ بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ
____________
(1) في المصدر: فى المحركات.
222
فَقَالَ (1) أَنَا وَ صَاحِبِي لَا شَرْقِيٌ (2) وَ لَا غَرْبِيٌّ نَحْنُ نَاشِئَةُ الْقُطْبِ وَ أَعْلَامُ الْفَلَكِ أَمَّا قَوْلُكَ انْقَدَحَ مِنْ بُرْجِكَ النِّيرَانُ فَكَانَ الْوَاجِبُ (3) أَنْ تَحْكُمَ بِهِ لِي لَا عَلَيَّ أَمَّا نُورُهُ وَ ضِيَاؤُهُ فَعِنْدِي وَ أَمَّا حَرِيقُهُ وَ لَهَبُهُ فَذَهَبَ (4) عَنِّي فَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ عَمِيقَةٌ احْسُبْهَا إِنْ كُنْتَ حَاسِباً (5).
بيان ما قصة صاحب الميزان أي الكواكب التي الآن في برج الميزان أو الكواكب المتعلقة بتلك البرج المناسبة لها و كذا صاحب السرطان و كم المطالع من الأسد أي كم طلع من ذلك البرج الآن و الساعات أي كم مضى من الساعات من طلوع سائر المتحركات و لعل المراد بالسراري الكواكب الخفية تشبيها لها بالسرية و الدراري الكواكب الكبيرة المضيئة أو اصطلاحان في الكواكب لا يعرفهما المنجمون و الغرض أنه لو كان هذا العلم حقا فإنما يمكن الحكم به بعد الإحاطة بجميع أوضاع الكواكب و أحوالها و خواصها في كل آن و زمان و المنجمون لم يرصدوا من الكواكب إلا أقلها و مناط أحكامهم أوضاع السيارات فقط مع عدم إحاطتهم بأحوال تلك أيضا ثم نبهه(ع)على عدم إحاطته بذلك العلم أو عدم كفايته للعلم بالحوادث بجهله بكثير من الأمور الحادثة و في القاموس البطريق ككبريت القائد من قواد الروم تحت يده عشرة آلاف رجل (6) انتهى و ديان اليهود عالمهم و في بعض النسخ بالنون جمع دن و هو الحب العظيم و صاحبي أي النبي(ص)لا شرقي و لا غربي إيماء إلى قوله سبحانه لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ (7) و الغرض لسنا كسائر الناس
____________
(1) في المصدر: فقال أمير المؤمنين (عليه السلام).
(2) في المصدر: لا شرقيون و لا غربيون.
(3) في المصدر: فكان الواجب عليك.
(4) في المصدر: فذاهب.
(5) الاحتجاج: 125.
(6) القاموس: ج 3،(ص)214.
(7) النور: 35.
223
حتى تحكم علينا بأحكامهم كالنجوم المنسوبة إلى العرب أو إلى الملوك أو إلى العلماء و الأشراف فإنا فوق ذلك كله نحن ناشئة القطب أي الفرقة الناشئة المنسوبة إلى القطب أي حقيقة لثباتهم و استقرارهم في درجات العز و الكمال أو كناية عن أنهم(ع)غير منسوبين إلى الفلك و الكواكب بل هي منسوبة إليهم و سعادتها بسببهم و أنهم قطب الفلك إذ الفلك يدور ببركتهم و هم أعلام الفلك بهم يتزين و يتبرك و يسعد ثم ألزم(ع)عليه في قوله انقدح من برجك النيران بأن للنار جهتين جهة نور و جهة إحراق فنورها لنا و إحراقها على عدونا و يحتمل أن يكون المراد به أن الله يدفع ضررها عنا بتوسلنا به تعالى و توكلنا عليه فهذه مسألة عميقة أي كوننا ممتازين عن سائر الخلق في الأحكام أو كون النيران خيرا لنا و شرا لعدونا أو أن التوسل و الدعاء يدفع النحوس و البلاء مسألة عميقة خارجة عن قانون نجومك و حسابك و يبطل جميع ما تظن من ذلك.
3- الْإِحْتِجَاجُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: سَأَلَ الزِّنْدِيقُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقَالَ مَا تَقُولُ فِيمَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذَا التَّدْبِيرَ الَّذِي يَظْهَرُ فِي هَذَا (1) الْعَالَمِ تَدْبِيرُ النُّجُومِ السَّبْعَةِ قَالَ(ع)يَحْتَاجُونَ إِلَى دَلِيلِ أَنَّ هَذَا الْعَالَمَ الْأَكْبَرَ وَ الْعَالَمَ الْأَصْغَرَ مِنْ تَدْبِيرِ النُّجُومِ الَّتِي تَسْبَحُ فِي الْفَلَكِ وَ تَدُورُ حَيْثُ دَارَتْ مُتْعِبَةً لَا تَفْتُرُ وَ سَائِرَةً لَا تَقِفُ ثُمَّ قَالَ وَ إِنَّ كُلَّ نَجْمٍ مِنْهَا مُوَكَّلٌ مُدَبَّرٌ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْعَبِيدِ الْمَأْمُورِينَ الْمَنْهِيِّينَ فَلَوْ كَانَتْ قَدِيمَةً أَزَلِيَّةً لَمْ تَتَغَيَّرْ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ قَالَ فَمَا تَقُولُ فِي عِلْمِ النُّجُومِ قَالَ هُوَ عِلْمٌ قَلَّتْ مَنَافِعُهُ وَ كَثُرَتْ مَضَرَّاتُهُ لِأَنَّهُ لَا يُدْفَعُ بِهِ الْمَقْدُورُ وَ لَا يُتَّقَى بِهِ الْمَحْذُورُ إِنْ أَخْبَرَ الْمُنَجِّمُ بِالْبَلَاءِ لَمْ يُنْجِهِ التَّحَرُّزُ مِنَ الْقَضَاءِ وَ إِنْ أَخْبَرَ هُوَ بِخَيْرٍ لَمْ يَسْتَطِعْ تَعْجِيلَهُ وَ إِنْ حَدَثَ بِهِ سُوءٌ لَمْ يُمْكِنْهُ صَرْفُهُ وَ الْمُنَجِّمُ يُضَادُّ اللَّهَ فِي عِلْمِهِ بِزَعْمِهِ أَنَّهُ يَرُدُّ قَضَاءَ اللَّهِ عَنْ خَلْقِهِ الْخَبَرَ (2).
4- مَجَالِسُ الصَّدُوقِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ
____________
(1) في المصدر: فى العالم.
(2) الاحتجاج: 191.
224
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْقُرَشِيِّ عَنْ نَصْرِ بْنِ مُزَاحِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفِ بْنِ الْأَحْمَرِ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)الْمَسِيرَ إِلَى النَّهْرَوَانِ أَتَاهُ مُنَجِّمٌ فَقَالَ لَهُ يَا 1 أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَسِرْ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ وَ سِرْ فِي ثَلَاثِ سَاعَاتٍ يَمْضِينَ مِنَ النَّهَارِ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ لِمَ ذَاكَ قَالَ لِأَنَّكَ إِنْ سِرْتَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ أَصَابَكَ وَ أَصَابَ أَصْحَابَكَ أَذًى وَ ضُرٌّ شَدِيدٌ وَ إِنْ سِرْتَ فِي السَّاعَةِ الَّتِي أَمَرْتُكَ ظَفِرْتَ وَ ظَهَرْتَ وَ أَصَبْتَ كُلَّ مَا طَلَبْتَ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)تَدْرِي مَا فِي بَطْنِ هَذِهِ الدَّابَّةِ أَ ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى قَالَ إِنْ حَسَبْتُ عَلِمْتُ قَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مَنْ صَدَّقَكَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَقَدْ كَذَّبَ بِالْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (1) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ(ص)يَدَّعِي مَا ادَّعَيْتَ أَ تَزْعُمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ وَ السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا حَاقَ بِهِ الضُّرُّ مَنْ صَدَّقَكَ بِهَذَا اسْتَغْنَى بِقَوْلِكَ عَنِ الِاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ وَ أَحْوَجَ إِلَى الرَّغْبَةِ إِلَيْكَ فِي دَفْعِ الْمَكْرُوهِ عَنْهُ وَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُولِيَكَ الْحَمْدَ دُونَ رَبِّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَمَنْ آمَنَ لَكَ بِهَذَا فَقَدِ اتَّخَذَكَ مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدّاً وَ ضِدّاً ثُمَّ قَالَ(ع)اللَّهُمَّ لَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ وَ لَا ضَيْرَ إِلَّا ضَيْرُكَ وَ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ وَ لَا إِلَهَ غَيْرُكَ بَلْ نُكَذِّبُكَ وَ نُخَالُفَك وَ نَسِيرُ فِي السَّاعَةِ الَّتِي نَهَيْتَ عَنْهَا.
بيان فقال له روي أن هذا القائل كان عفيف بن قيس أخا الأشعث و كان يتعاطى علم النجوم و يقال ظفر بمطلوبه كفرح أي فاز أ تزعم أي تقول و أكثر ما يستعمل في الباطل و الحديث الذي لا مستند له و حاق به الأمر أي لزمه و نزل به و الضر بالضم سوء الحال من صدقك على هذا القول فقد كذب بالقرآن لادعائه العلم الذي أخبر الله سبحانه أنه مختص به إذ ظاهر قوله تعالى عِنْدَهُ الاختصاص فإن قيل فقد أخبر النبي(ص)و الأئمة(ع)بالخمسة المذكورة في الآية في مواطن كثيرة فكيف ذلك قلنا المراد أنه لا يعلمها أحد بغير
____________
(1) لقمان: 34.
225
تعليمه سبحانه و ما أخبروه من ذلك فإنما كان بالوحي و الإلهام أو التعلم من النبي(ص)الذي علمه بالوحي لا يقال علم النجوم أيضا من هذا القبيل لما سيأتي من الأخبار الدالة على أن له أصلا و أنه مما علمه الله أنبياءه فكيف يكون تصديق المنجم تكذيبا للقرآن لأنا نقول الذي سيظهر من الأخبار أن نوعا من هذا العلم حق يعلمه الأنبياء و الأوصياء(ع)و أما أن ما في أيدي الناس من ذلك فلا كما سنبينه.
أن يوليك الحمد على بناء الإفعال أو التفعيل أي يقربك من الحمد من الولي بمعنى القرب أو من قولهم ولاه الأمير عمل كذا أي قلده إياه أي يجعلك وليا للحمد و أهلا له أو من قولهم أوليته معروفا أي أنعمت عليه لا طير إلا طيرك الطير من الطيرة و هي التشؤم بالشيء أي لا تأثير للطيرة إلا طيرك أي قضاؤك و قدرك على المشاكلة و يدل على أن ضرر النجوم من جهة الطيرة و الضير الضرر.
5- الْخِصَالُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مَعْرُوفٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ ظَرِيفِ (1) بْنِ نَاصِحٍ عَنْ أَبِي الْحُصَيْنِ (2) قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)عَنِ السَّاعَةِ فَقَالَ عِنْدَ إِيمَانٍ بِالنُّجُومِ وَ تَكْذِيبٍ بِالْقَدَرِ (3).
بيان يومئ إلى أن الإيمان بالنجوم متضمن للتكذيب بالقدر.
6- الْخِصَالُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ الْفَارِسِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ جَعْفَرٍ الْبَصْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ
____________
(1) ظريف- بالظاء المعجمة وزان شريف- ابن ناصح بياع الاكفان، عده الشيخ من أصحاب الباقر (عليه السلام) و يوجد له الرواية عن الصادق (عليهما السلام) أيضا، قال النجاشيّ (156) اصله كوفيّ نشأ ببغداد و كان ثقة في حديثه صدوقا، له كتب عنه ابنه الحسن.
(2) في المصدر: عن أبي الحسين.
(3) الخصال: 30.
226
زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَرْبَعَةٌ لَا تَزَالُ فِي أُمَّتِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْفَخْرُ بِالْأَحْسَابِ وَ الطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ وَ الِاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ وَ النِّيَاحَةُ وَ إِنَّ النَّائِحَةَ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تَقُومُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ عَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَ دِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ (1).
بيان الاستسقاء بالنجوم اعتقاد أن للنجوم تأثيرا في نزول المطر.
7- الْخِصَالُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ سَالِمٍ وَ أَبِي عَرُوبَةَ مَعاً عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ عَنْ هَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ(ص)عَنْ خِصَالٍ إِلَى أَنْ قَالَ وَ عَنِ النَّظَرِ فِي النُّجُومِ (2).
وَ مِنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْكُوفِيِّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ نَصْرِ (3) بْنِ قَابُوسَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ الْمُنَجِّمُ مَلْعُونٌ وَ الْكَاهِنُ مَلْعُونٌ وَ السَّاحِرُ مَلْعُونٌ وَ الْمُغَنِّيَةُ مَلْعُونَةٌ وَ مَنْ آوَاهَا وَ أَكَلَ كَسْبَهَا مَلْعُونٌ وَ قَالَ(ع)الْمُنَجِّمُ كَالْكَاهِنِ وَ الْكَاهِنُ كَالسَّاحِرِ وَ السَّاحِرُ كَالْكَافِرِ وَ الْكَافِرُ فِي النَّارِ.
قال الصدوق ره المنجم الملعون هو الذي يقول بقدم الفلك و لا يقول بمفلكه و خالقه عز و جل (4).
8- الْبَصَائِرُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الرَّازِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُوسَى
____________
(1) الخصال: 105.
(2) الخصال: 45.
(3) هو نصر بن قابوس اللخمى- بفتح اللام- القابوسى الكوفيّ، عده الشيخ من أصحاب الصادق و الكاظم (عليهما السلام)، و قال النجاشيّ (333): روى عن أبي عبد اللّه و ابى إبراهيم و ابى الحسن الرضا (عليهم السلام) و كان ذا منزلة عندهم، و قال الشيخ في كتاب الغيبة: و كان وكيلا لابى عبد اللّه (عليه السلام) عشرين سنة و لم يعلم انه وكيل و كان خيرا فاضلا، و قال المفيد في الإرشاد، انه من خاصّة الكاظم (عليه السلام) و من ثقاته و من أهل الورع و العلم و الفقه من شيعته.
(4) الخصال: 140.
227
عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنَا مُنَجِّمٌ قَالَ فَأَنْتَ عَرَّافٌ قَالَ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى رَجُلٍ قَدْ مَرَّ مُذْ دَخَلْتَ عَلَيْنَا فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ عَالَماً كُلُّ عَالَمٍ أَكْبَرُ مِنَ الدُّنْيَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ يَتَحَرَّكْ مِنْ مَكَانِهِ قَالَ مَنْ هُوَ قَالَ أَنَا وَ إِنْ شِئْتَ أَنْبَأْتُكَ بِمَا أَكَلْتَ وَ مَا ادَّخَرْتَ فِي بَيْتِكَ.
بيان قال في النهاية فيه من أتى عرافا أو كاهنا أراد بالعراف المنجم أو الحازي (1) الذي يدعي علم الغيب و قد استأثر الله به (2) انتهى و قال الطيبي في شرح المشكاة هو قسم من الكهان يستدل على معرفة المسروق و الضالة بكلام أو فعل أو حالة.
9- الْبَصَائِرُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَعْدَانَ (3) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ (4) أَبَانٍ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)حَيْثُ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَا يَمَانِيُّ أَ فِيكُمْ عُلَمَاءُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأَيُّ شَيْءٍ يَبْلُغُ مِنْ عِلْمِ عُلَمَائِكُمْ قَالَ إِنَّهُ لَيَسِيرُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ يَزْجُرُ الطَّيْرَ وَ يَقْفُو الْآثَارَ فَقَالَ لَهُ فَعَالِمُ الْمَدِينَةِ أَعْلَمُ مِنْ عَالِمِكُمْ قَالَ فَأَيُّ شَيْءٍ يَبْلُغُ مِنْ عِلْمِ عَالِمِكُمْ بِالْمَدِينَةِ قَالَ إِنَّهُ يَسِيرُ فِي صَبَاحٍ وَاحِدٍ مَسِيرَةَ سَنَةٍ كَالشَّمْسِ (5) إِذَا أُمِرَتْ إِنَّهَا الْيَوْمَ غَيْرُ مَأْمُورَةٍ وَ لَكِنْ إِذَا أُمِرَتْ تَقْطَعُ اثْنَيْ عَشَرَ شَمْساً وَ اثْنَيْ عَشَرَ قَمَراً وَ اثْنَيْ عَشَرَ مَشْرِقاً وَ اثْنَيْ
____________
(1) الحازى: بالزاى وزان القاضي هو الذي يخمن الأشياء و يقدرها بظنه من خارص و منجم و كاهن، و قال في الصحاح (2312) الحازى الذي ينظر في الأعضاء و في خيلان الوجه يتكهن.
(2) النهاية: ج 3،(ص)86.
(3) كذا، و الظاهر أنّه مصحف «موسى بن سعدان» الحناط الكوفيّ و اللّه اعلم.
(4) كذا، و الصحيح «عمر بن أبان» قال النجاشيّ (219) عمر بن ابان الكلبى ابو حفص مولى كوفيّ ثقة روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و قال في ترجمة ابنه إسماعيل: روى ابوه «عمر» عن أبي عبد اللّه و ابى الحسن (عليهما السلام).
(5) للشمس (خ).
228
عَشَرَ مَغْرِباً وَ اثْنَيْ عَشَرَ بَرّاً وَ اثْنَيْ عَشَرَ بَحْراً وَ اثْنَيْ عَشَرَ عَالَماً قَالَ فَمَا بَقِيَ فِي يَدَيِ الْيَمَانِيِّ فَمَا دَرَى مَا يَقُولُ وَ كَفَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع.
10- وَ مِنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ (1) عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ لَهُ يَا أَخَا أَهْلِ الْيَمَنِ عِنْدَكُمْ عُلَمَاءُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَمَا بَلَغَ مِنْ عِلْمِ عَالِمِكُمْ قَالَ يَسِيرُ فِي لَيْلَةٍ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ يَزْجُرُ الطَّيْرَ وَ يَقْفُو الْأَثَرَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَالِمُ الْمَدِينَةِ أَعْلَمُ مِنْ عَالِمِكُمْ قَالَ فَمَا بَلَغَ مِنْ عِلْمِ عَالِمِ الْمَدِينَةِ قَالَ يَسِيرُ فِي سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ مَسِيرَةَ الشَّمْسِ سَنَةً حَتَّى يَقْطَعَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ عَالَمٍ مِثْلِ عَالَمِكُمْ هَذَا مَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وَ لَا إِبْلِيسَ قَالَ فَيَعْرِفُونَكُمْ قَالَ نَعَمْ مَا افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ إِلَّا وَلَايَتَنَا وَ الْبَرَاءَةَ مِنْ عَدُوِّنَا.
11- الْمَحَاسِنُ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ أَنْظُرُ فِي النُّجُومِ فَأَعْرِفُهَا وَ أَعْرِفُ الطَّالِعَ فَيَدْخُلُنِي مِنْ ذَلِكَ فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقَالَ إِذَا وَقَعَ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ فَتَصَدَّقْ عَلَى أَوَّلِ مِسْكِينٍ ثُمَّ امْضِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَدْفَعُ (2) عَنْكَ (3).
بيان فيدخلني من ذلك أي هم أو حالة تمنعني عن التوجه إلى عمل لما أظن من نحوسة الساعة و يدل على أن أثر نحس الكواكب و الأوضاع أو تأثير التطير بها يزول بالصدقة.
12- رِسَالَةُ الِاسْتِخَارَاتِ، لِلسَّيِّدِ بْنِ طَاوُسٍ قَالَ: ذَكَرَ الشَّيْخُ الْفَاضِلُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ فِي كِتَابٍ لَهُ فِي الْعَمَلِ مَا هَذَا لَفْظُهُ دُعَاءُ الِاسْتِخَارَةِ عَنِ الصَّادِقِ(ع)تَقُولُهُ
____________
(1) الظاهر أنّه منصور بن حازم البجليّ، و قال النجاشيّ (323) منصور بن حازم ابو ايوب البجليّ كوفيّ ثقة عين صدوق من جملة أصحابنا و فقهائهم، روى عن أبي عبد اللّه و ابى الحسن موسى (عليهما السلام): له كتب منها «أصول الشرائع» لطيف (انتهى).
(2) يرفع (خ).
(3) المحاسن: 349.
229
بَعْدَ فَرَاغِكَ مِنْ صَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ تَقُولُ اللَّهُمَّ إِنَّكَ خَلَقْتَ أَقْوَاماً يَلْجَئُونَ إِلَى مَطَالِعِ النُّجُومِ لِأَوْقَاتِ حَرَكَاتِهِمْ وَ سُكُونِهِمْ وَ تَصَرُّفِهِمْ وَ عَقْدِهِمْ وَ خَلَقْتَنِي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنَ اللَّجَإِ إِلَيْهَا وَ مِنْ طَلَبِ الِاخْتِيَارَاتِ بِهَا وَ أَتَيَقَّنُ أَنَّكَ لَمْ تُطْلِعْ أَحَداً عَلَى غَيْبِكَ فِي مَوَاقِعِهَا وَ لَمْ تُسَهِّلْ لَهُ السَّبِيلَ إِلَى تَحْصِيلِ أَفَاعِيلِهَا وَ إِنَّكَ قَادِرٌ عَلَى نَقْلِهَا فِي مَدَارَاتِهَا فِي مَسِيرِهَا عَلَى السُّعُودِ الْعَامَّةِ وَ الْخَاصَّةِ إِلَى النُّحُوسِ وَ مِنَ النُّحُوسِ الشَّامِلَةِ وَ الْمُفْرَدَةِ إِلَى السُّعُودِ لِأَنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَ تُثْبِتُ وَ عِنْدَكَ أُمُّ الْكِتَابِ وَ لِأَنَّهَا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ وَ صَنْعَةٌ مِنْ صَنِيعِكَ وَ مَا أَسْعَدْتَ مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ وَ اسْتَمَدَّ الِاخْتِيَارَ لِنَفْسِهِ وَ هُمْ أُولَئِكَ وَ لَا أَشْقَيْتَ مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى الْخَالِقِ الَّذِي أَنْتَ هُوَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ وَ أَسْأَلُكَ بِمَا تَمْلِكُهُ وَ تَقْدِرُ عَلَيْهِ وَ أَنْتَ بِهِ مَلِيءٌ وَ عَنْهُ غَنِيٌّ وَ إِلَيْهِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ وَ بِهِ غَيْرُ مُكْتَرِثٍ مِنَ الْخِيَرَةِ الْجَامِعَةِ لِلسَّلَامَةِ وَ الْعَافِيَةِ وَ الْغَنِيمَةِ لِعَبْدِكَ إِلَى آخِرِ الدُّعَاءِ وَ قَدْ أَوْرَدْنَاهُ فِي أَبْوَابِ الِاسْتِخَارَاتِ.
بيان: و عقدهم أي عزمهم أو إيقاعهم العقود و في النهاية المليء بالهمز الثقة الغني و قد أولع الناس بترك الهمز و تشديد الياء (1) و قال ما أكترث به أي ما أبالي.
13- النُّجُومُ، رُوِّينَا بِإِسْنَادِنَا إِلَى الشَّيْخِ السَّعِيدِ مُحَمَّدِ بْنِ رُسْتُمَ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ الْإِمَامِيِ (2) عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجَرْمِيِّ وَ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ التَّلَّعُكْبَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَحْرُومٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ الْكُوفِيِّ عَنْ زِيَادِ بْنِ الْمُنْذِرِ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كُنْتُ كَثِيراً أُسَايِرُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِذَا سَارَ إِلَى وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ فَلَمَّا قَصَدَ أَهْلَ النَّهْرَوَانِ
____________
(1) النهاية: ج 4،(ص)105.
(2) كذا، و الصحيح «محمّد بن جرير بن رستم» و هو ابن جرير الطبريّ الشيعى منسوب الى «طبرستان» و هي المعروفة الآن بمازندران، من أعاظم علمائنا الإماميّة في المائة الرابعة، صاحب كتاب «دلائل الإمامة» و «الإيضاح» و «المسترشد» قال النجاشيّ (291):
محمّد بن جرير بن رستم الطبريّ الآملي أبو جعفر جليل من أصحابنا كثير العلم، حسن الكلام ثقة في الحديث.
230
وَ صِرْنَا بِالْمَدَائِنِ وَ كُنْتُ يَوْمَئِذٍ مُسَايِراً لَهُ إِذْ خَرَجَ إِلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدَائِنِ مِنْ دَهَاقِينِهِمْ مَعَهُمْ بَرَاذِينُ (1) قَدْ جَاءُوا بِهَا هَدِيَّةً (2) إِلَيْهِ فَقَبِلَهَا وَ كَانَ فِيمَنْ تَلَقَّاهُ دِهْقَانٌ مِنْ دَهَاقِينِ الْمَدَائِنِ يُدْعَى سرسفيلَ وَ كَانَتِ الْفُرْسُ تَحْكُمُ بِرَأْيِهِ فِيمَا مَضَى وَ تَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ فِيمَا سَلَفَ فَلَمَّا بَصُرَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِتَرْجِعْ عَمَّا قَصَدْتَ قَالَ وَ لِمَ ذَاكَ يَا دِهْقَانُ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَنَاحَسَتِ النُّجُومُ الطَّوَالِعُ فَنَحُسَ أَصْحَابُ السُّعُودِ وَ سَعَدَ أَصْحَابُ النُّحُوسِ وَ لَزِمَ الْحَكِيمُ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ الِاسْتِخْفَاءَ وَ الْجُلُوسَ وَ إِنَّ يَوْمَكَ هَذَا يَوْمٌ مُمِيتٌ قَدِ اقْتَرَنَ فِيهِ كَوْكَبَانِ قَتَّالانِ وَ شَرُفَ فِيهِ بَهْرَامُ فِي بُرْجِ الْمِيزَانِ وَ اتَّقَدَتْ مِنْ بُرْجِكَ النِّيرَانُ وَ لَيْسَ الْحَرْبُ لَكَ بِمَكَانٍ فَتَبَسَّمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا الدِّهْقَانُ الْمُنْبِئُ بِالْأَخْبَارِ وَ الْمُحَذِّرُ مِنَ الْأَقْدَارِ مَا نَزَلَ الْبَارِحَةَ فِي آخِرِ الْمِيزَانِ وَ أَيُّ نَجْمٍ حَلَّ فِي السَّرَطَانِ قَالَ سَأَنْظُرُ ذَلِكَ وَ اسْتَخْرَجَ مِنْ كُمِّهِ أُسْطُرْلَاباً وَ تَقْوِيماً قَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنْتَ مُسَيِّرُ الْجَارِيَاتِ قَالَ لَا قَالَ فَأَنْتَ تَقْضِي عَلَى الثَّابِتَاتِ قَالَ لَا قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ طُولِ الْأَسَدِ وَ تَبَاعُدِهِ مِنَ الْمَطَالِعِ وَ الْمَرَاجِعِ وَ مَا الزُّهَرَةُ مِنَ التَّوَابِعِ وَ الْجَوَامِعِ قَالَ لَا عِلْمَ لِي بِذَلِكَ قَالَ فَمَا بَيْنَ السَّرَارِيِ (3) إِلَى الدَّرَارِيِّ وَ مَا بَيْنَ السَّاعَاتِ إِلَى المعجرات [الْفَجَرَاتِ وَ كَمْ قَدْرُ شُعَاعِ المبدرات [الْمَدَارَاتِ وَ كَمْ تَحْصُلُ الْفَجْرُ فِي الْغَدَوَاتِ قَالَ لَا عِلْمَ لِي بِذَلِكَ قَالَ فَهَلْ عَلِمْتَ يَا دِهْقَانُ أَنَّ الْمَلِكَ الْيَوْمَ انْتَقَلَ مِنْ بَيْتٍ إِلَى بَيْتٍ بِالصِّينِ وَ انْقَلَبَ بُرْجُ مَاجِينَ وَ احْتَرَقَ دُورٌ بِالزَّنْجِ وَ طَفَحَ جُبُّ سَرَانْدِيبَ وَ تَهْدِمُ حِصْنُ الْأَنْدُلُسِ وَ هَاجَ نَمْلُ الشِّيحِ وَ انْهَزَمَ مَرَّاقُ الْهِنْدِيِّ وَ فَقَدَ دَيَّانُ الْيَهُودِ بِأَيْلَةَ وَ هَدَمَ بِطْرِيقُ الرُّومِ بِرُومِيَّةَ وَ عَمِيَ رَاعِبُ عَمُّورِيَّةَ وَ سَقَطَتْ شُرُفَاتُ الْقُسْطَنْطَنِيَّةِ أَ فَعَالِمٌ أَنْتَ بِهَذِهِ الْحَوَادِثِ وَ مَا الَّذِي أَحْدَثَهَا شَرْقِيُّهَا أَوْ غَرْبِيُّهَا مِنَ الْفَلَكِ قَالَ لَا عِلْمَ لِي بِذَلِكَ
____________
(1) براذين: جمع «برذون» بكسر الباء الموحدة و فتح الذال المعجمة دابة الحمل الثقيلة.
(2) الهدية كالعطية.
(3) السوارى (خ).
231
قَالَ وَ بِأَيِّ الْكَوَاكِبِ تَقْضِي فِي أَعْلَى الْقُطْبِ وَ بِأَيِّهَا تَنَحَّسَ مَنْ تَنَحَّسَ قَالَ لَا عِلْمَ لِي بِذَلِكَ قَالَ فَهَلْ عَلِمْتَ أَنَّهُ سَعَدَ الْيَوْمَ اثْنَانِ وَ سَبْعُونَ عَالَماً فِي كُلِّ عَالَمٍ سَبْعُونَ عَالَماً مِنْهُمْ فِي الْبَرِّ وَ مِنْهُمْ فِي الْبَحْرِ وَ بَعْضٌ فِي الْجِبَالِ وَ بَعْضٌ فِي الْغِيَاضِ وَ بَعْضٌ فِي الْعُمْرَانِ وَ مَا الَّذِي أَسْعَدَهُمْ قَالَ لَا عِلْمَ لِي بِذَلِكَ قَالَ يَا دِهْقَانُ أَظُنُّكَ حَكَمْتَ عَلَى اقْتِرَانِ الْمُشْتَرِي وَ زُحَلَ لَمَّا اسْتَنَارَا لَكَ فِي الْغَسَقِ وَ ظَهَرَ تَلَأْلُؤُ شُعَاعِ الْمِرِّيخِ وَ تَشْرِيقُهُ فِي السَّحَرِ وَ قَدْ سَارَ فَاتَّصَلَ جِرْمُهُ بِجِرْمِ تَرْبِيعِ الْقَمَرِ (1) وَ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْقَاقِ أَلْفِ أَلْفٍ مِنَ الْبَشَرِ كُلِّهِمْ يُولَدُونَ الْيَوْمَ وَ اللَّيْلَةَ وَ يَمُوتُ مِثْلُهُمْ وَ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى جَاسُوسٍ فِي عَسْكَرِهِ لِمُعَاوِيَةَ فَقَالَ وَ يَمُوتُ هَذَا فَإِنَّهُ مِنْهُمْ فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ ظَنَّ الرَّجُلُ أَنَّهُ قَالَ خُذُوهُ فَأَخَذَهُ شَيْءٌ بِقَلْبِهِ وَ تَكَسَّرَتْ نَفْسُهُ فِي صَدْرِهِ فَمَاتَ لِوَقْتِهِ فَقَالَ(ع)يَا دِهْقَانُ أَ لَمْ أُرِكَ غِيَرَ التَّقْدِيرِ فِي غَايَةِ التَّصْوِيرِ قَالَ بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ يَا دِهْقَانُ أَنَا مُخْبِرُكَ أَنِّي وَ صَحْبِي هَؤُلَاءِ لَا شَرْقِيُّونَ وَ لَا غَرْبِيُّونَ إِنَّمَا نَحْنُ نَاشِئَةُ الْقُطْبِ وَ مَا زَعَمْتَ أَنَّ الْبَارِحَةَ انْقَدَحَ مِنْ بُرْجِيَ النِّيرَانُ فَقَدْ كَانَ يَجِبُ أَنْ تَحْكُمَ مَعَهُ لِي لِأَنَّ نُورَهُ وَ ضِيَاءَهُ عِنْدِي فَلَهْبُهُ ذَاهِبٌ عَنِّي يَا دِهْقَانُ هَذِهِ قَضِيَّةُ عِيصٍ (2) فَاحْسُبْهَا وَ وَلِّدْهَا إِنْ كُنْتَ عَالِماً بِالْأَكْوَارِ وَ الْأَدْوَارِ
____________
(1) قال بعض علماء العصر ما حاصله ان هذا الكلام يدلّ على بطلان الفرضية البطلميوسية حيث إن الظاهر منه إمكان اقتراب الكواكب بعضها من بعض و اتصال جرم المريخ بتربيع القمر و هو مستحيل على تلك الفرضية، لان كل واحد من الكواكب بناء عليها مركوز في ثخن فلك من الافلاك لا يتحرك من مكانه و لا يتغير وضعه الا بتبع فلكه، و الافلاك كرات متداخلة كطبقات البصل لا يتغير شيء منها عن مكانه، و فلك القمر هو الفلك الأول و فلك المريخ هو الفلك الخامس و بينهما ثلاثة افلاك فيستحيل اقتراب احدهما من الآخر و اما على مبانى الهيئة الجديدة فالارض احد السيارات، و اقرب الكواكب منها هو المريخ، و القمر يدور حول الأرض، و مدار الجميع على الشكل البيضى المستطيل، و مدار الأرض في داخل مدار المريخ، و على هذا يمكن للمريخ ان يقترب من القمر في بعض الاوضاع بحيث يتوهم اتصالهما من شدة قربهما و عند ذلك يكون المريخ في غاية التلالؤ، لكونه في اقرب نقطة من الأرض و من الشمس أيضا، و من هنا يظهر سر جملة اخرى من كلامه (عليه السلام) و هي هذه «و ظهر تلالؤ شعاع المريخ و تشريقه في السحر».
(2) عويص (خ).
232
قَالَ لَوْ عَلِمْتَ ذَلِكَ لَعَلِمْتُ أَنَّكَ تُحْصِي عُقُودَ الْقَصَبِ فِي هَذِهِ الْأَجَمَةِ وَ مَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَهَزَمَ أَهْلَ النَّهْرَوَانِ وَ قَتَلَهُمْ وَ عَادَ بِالْغَنِيمَةِ وَ الظَّفَرِ فَقَالَ الدِّهْقَانُ لَيْسَ هَذَا الْعِلْمُ بِمَا فِي أَيْدِي أَهْلِ زَمَانِنَا هَذَا عِلْمٌ مَادَّتُهُ مِنَ السَّمَاءِ.
14- أَقُولُ وَ رَوَى السَّيِّدُ الْخَبَرَ أَيْضاً عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: لَمَّا رَحَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مِنْ نَهْرِ بِينٍ (1) أَتَيْنَا النَّهْرَوَانَ وَ قَدْ قُطِعَ جِسْرُهَا وَ سُمِّرَتْ سُفُنُهَا فَنَزَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ عَلَيْهِ وَ قَدْ سَرَّحَ الْجَيْشَ إِلَى جِسْرِ بورَانَ وَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَ قَدْ شَكَّ فِي قِتَالِ الْخَوَارِجِ فَإِذَا بِرَجُلٍ يَرْكُضُ فَلَمَّا رَأَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ الْبُشْرَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ لَهُ وَ مَا بُشْرَاكَ قَالَ لَمَّا بَلَغَ الْخَوَارِجَ نُزُولُكَ الْبَارِحَةَ نَهْرَ بِينٍ وَلَّوْا هَارِبِينَ قَالَ عَلِيٌّ(ع)أَنْتَ رَأَيْتَهُمْ حِينَ وَلَّوْا قَالَ نَعَمْ قَالَ عَلِيٌّ(ع)كَلَّا وَ اللَّهِ لَا عَبَرُوا النَّهْرَوَانَ وَ لَا تُجَاوِزُوا الأنثلات [الْأُثَيْلَاتِ وَ لَا النُّخَيْلَاتِ حَتَّى يَقْتُلَهُمُ اللَّهُ عَلَى يَدِي عَهْدٌ مَعْهُودٌ وَ قَدَرٌ مَقْدُورٌ وَ لَا يَقْتُلُونَ مِنَّا عَشَرَةً وَ لَا يَنْجُو مِنْهُمْ عَشَرَةٌ إِذْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْفُرْسِ يُقْتَدَى بِرَأْيِهِ فِي حِسَابِ النُّجُومِ لِمَعْرِفَتِهِ بِالطَّوَالِعِ وَ الْمَرَاجِعِ وَ تَقْوِيمِ الْقُطْبِ فِي الْفَلَكِ وَ مَعْرِفَتِهِ بِالْحِسَابِ وَ الضَّرْبِ وَ الْجَبْرِ وَ الْمُقَابَلَةِ وَ تَارِيخِ السِّنْدَآبَادِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ وَ هُوَ الدِّهْقَانُ فَلَمَّا بَصُرَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ وَ سَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَيُّهَا الْأَمِيرُ لِتَرْجِعَنَّ عَمَّا قَصَدْتَ إِلَيْهِ وَ كَانَ اسْمُ الدِّهْقَانِ سرسفيلسوار وَ كَانَ دِهْقَاناً مِنْ دَهَاقِينِ الْمَدَائِنِ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ لِمَ يَا سرسفيلسوار قَالَ تَنَاحَسَتِ النُّجُومُ الطَّالِعَاتُ وَ تَبَاعَدَتِ النُّجُومُ النَّاحِسَاتُ وَ لَزِمَ الْحَكِيمُ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ الِاخْتِفَاءَ وَ الْقُعُودَ وَ يَوْمُكَ هَذَا مُمِيتٌ يقلب [تُغُلِّبَ فِيهِ رجمان [بُرْجَانُ وَ انكشفت [انْكَسَفَ فِيهِ الْمِيزَانُ وَ اقْتَدَحَ مِنْ بُرْجِكَ النِّيرَانُ وَ لَيْسَ الْحَرْبُ لَكَ بِمَكَانٍ قَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَخْبِرْنِي يَا دِهْقَانُ عَنْ قِصَّةِ الْمِيزَانِ وَ فِي أَيِّ مَجْرًى كَانَ بُرْجُ السَّرَطَانِ قَالَ سَأَنْظُرُ لَكَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ إِلَى كُمِّهِ فَأَخْرَجَ مِنْهَا زِيجاً وَ أُصْطُرْلَاباً فَتَبَسَّمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ
____________
(1) نهر بين- بفتح النون و كسر الباء-: طسوج من سواد بغداد، و هو الآن قرية بظاهرها (من مراصد الاطلاع).
233
ع ثُمَّ قَالَ لَهُ يَا دِهْقَانُ أَنْتَ مُسَيِّرُ الثَّابِتَاتِ قَالَ لَا قَالَ فَأَنْتَ تَقْضِي عَلَى الْحَادِثَاتِ قَالَ لَا قَالَ لَهُ يَا دِهْقَانُ فَمَا سَاعَةُ الْأَسَدِ مِنَ الْفَلَكِ وَ مَا لَهُ مِنْ الْمَطَالِعِ وَ الْمَرَاجِعِ وَ مَا الزُّهَرَةُ مِنَ التَّوَابِعِ وَ الْجَوَامِعِ قَالَ لَا عِلْمَ لِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ قَالَ فَعَلَى أَيِّ الْكَوَاكِبِ تَقْضِي عَلَى الْقُطْبِ وَ مَا هِيَ السَّاعَاتُ الْمُتَحَرِّكَاتُ وَ كَمْ قَدْرُ السَّاعَاتِ الْمُدَبَّرَاتِ وَ كَمْ تَحْصُلُ الْمُقَدَّرَاتُ قَالَ لَا عِلْمَ لِي بِذَلِكَ قَالَ لَهُ يَا دِهْقَانُ إِنْ صَحَّ لَكَ عِلْمُكَ عَلِمْتَ أَنَّ الْبَارِحَةَ انْقَلَبَ بَيْتٌ فِي الصِّينِ وَ انْقَلَبَ بيتانسينُ (1) وَ احْتَرَقَتْ دُورُ الزِّنْجِ وَ انْحَطَمَ مَنَارُ الْهِنْدِ وَ طفع [طَفَحَ جُبُّ سَرَانْدِيبَ وَ هَلَكَ مَلِكُ إِفْرِيقِيَةَ وَ انْقَضَّ حِصْنُ أَنْدُلُسَ وَ هَاجَ نَمْلُ الشِّيحِ وَ فَقَدَ دَيَّانُ الْيَهُودِ وَ جُذِمَ شِطْرَنْجُ الرُّومِيُّ بِأَرْمَنِيَّةَ وَ عَتَا عَبُّ عَمُّورِيَّةَ (2) وَ سَقَطَتْ شُرَافَاتُ الْقُسْطَنْطَنِيَّةِ وَ هَاجَتْ سِبَاعُ الْبَحْرِ وَاثِبَةً عَلَى أَهْلِهَا وَ رَجَعَتْ رِجَالُ النُّوبَةِ الْمَرَاجِيحُ وَ الْتَقَتِ الزُّرَّقُ مَعَ الْفِيَلَةِ وَ طَارَ الْوَحْشُ إِلَى العلقين وَ هَاجَتِ الْحِيتَانُ فِي الأخضرين وَ اضْطَرَبَتِ الْوُحُوشُ بالأنقلين أَ فَأَنْتَ عَلِيمٌ بِهَذِهِ الْحَوَادِثِ وَ مَا أَحْدَثَهَا مِنَ الْفَلَكِ شَرْقِيَّةً أَوْ غَرْبِيَّةً وَ مِنْ أَيِّ بُرْجٍ سَعَدَ صَاحِبُ النَّحْسِ وَ أَيِّ بُرْجٍ انْتَحَسَ صَاحِبُ السَّعْدِ قَالَ الدِّهْقَانُ لَا عِلْمَ لِي بِذَلِكَ قَالَ فَهَلْ دَلَّكَ عِلْمُكَ أَنَّ الْيَوْمَ فِيهِ سَعَدَ سَبْعُونَ عَالَماً فِي كُلِّ عَالَمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ عَالَمٍ مِنْهُمْ فِي الْبَحْرِ وَ مِنْهُمْ فِي الْبَرِّ وَ مِنْهُمْ فِي الْجِبَالِ وَ مِنْهُمْ فِي السَّهْلِ وَ الغِيَاضِ وَ الْخَرَابِ وَ الْعُمْرَانِ فَأَبِنْ لَنَا مَا الَّذِي مِنَ الْفَلَكِ أَسْعَدَهُمْ قَالَ الدِّهْقَانُ لَا عِلْمَ لِي بِذَلِكَ قَالَ لَهُ يَا دِهْقَانُ أَظُنُّكَ حَكَمْتَ عَلَى اقْتِرَانِ الْمُشْتَرِي بِزُحَلَ حِينَ لَاحَا لَكَ فِي الْغَسَقِ قَدْ شَارَفَهَا وَ اتَّصَلَ جِرْمُهُ بِجِرْمِ الْقَمَرِ وَ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْقَاقِ أَلْفِ أَلْفٍ مِنَ الْبَشَرِ كُلُّهُمْ مُولَدُونَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَ مِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الْبَشَرِ كُلُّهُمْ يَمُوتُونَ اللَّيْلَةَ وَ غَداً وَ هَذَا مِنْهُمْ وَ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى سَعْدِ
____________
(1) انسين (خ).
(2) العمورية- بفتح العين و تشديد الميم-: بلدة من بلاد الروم، غزاه المعتصم ففتحه و كان من أعظم فتوح الإسلام، و العمورية أيضا بليدة على شاطئ العاصى فيها آبار خراب و لها دخل وافر (مراصد الاطلاع).
234
بْنِ مَسْعُودٍ الْحَارِثِيِّ وَ كَانَ فِي عَسْكَرِهِ جَاسُوساً لِلْخَوَارِجِ فَظَنَّ أَنَّ عَلِيّاً(ع)يَقُولُ خُذُوا هَذَا فَقَبَضَ عَلَى فُؤَادِهِ فَمَاتَ فِي وَقْتِهِ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)لَمْ أُرِكَ عَيْنَ التَّوْفِيقِ أَنَا وَ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ لَا شَرْقِيُّونَ وَ لَا غَرْبِيُّونَ إِنَّمَا نَحْنُ نَاشِئَةُ الْقُطْبِ وَ أَعْلَامُ الْفَلَكِ وَ أَمَّا مَا زَعَمْتَ أَنَّ الْبَارِحَةَ اقْتَدَحَ مِنْ بُرْجِيَ النِّيرَانُ فَقَدْ يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَحْكُمَ بِهِ لِي لِأَنَّ ضِيَاءَهُ وَ نُورَهُ عِنْدِي وَ لَهَبَهُ وَ حَرِيقَهُ ذَاهِبٌ عَنِّي فَهَذِهِ قَضِيَّةٌ عَمِيقَةٌ فَاحْسُبْهَا إِنْ كُنْتَ حَاسِباً وَ اعْرِفْهَا إِنْ كُنْتَ عَارِفاً بِالْأَكْوَارِ وَ الْأَدْوَارِ وَ لَوْ عَلِمْتَ ذَلِكَ لَعَلِمْتَ عَدَدَ كُلِّ قَصَبَةٍ فِي هَذِهِ الْأَجَمَةِ وَ كَانَتْ عَنْ يَمِينِهِ أَجَمَةُ قَصَبٍ فَتَشَهَّدَ الدِّهْقَانُ وَ قَالَ يَا مَوْلَايَ الَّذِي فَهَّمَ إِبْرَاهِيمَ وَ مُوسَى وَ عِيسَى وَ مُحَمَّداً(ع)مُفَهِّمُهُمْ (1) مُفَهِّمُكَهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ وَ اللَّهِ (2) الْمُشَارُ إِلَيْهِ وَ لَا أَثَرَ بَعْدَ عَيْنٍ مُدَّ يَدَكَ فَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ وَ أَنَّكَ الْإِمَامُ وَ الْوَصِيُّ الْمُفْتَرَضُ الطَّاعَةِ.
بيان أكثر السؤالات المذكورة في الرواية على تقدير صحتها و ضبطها مبنية على اصطلاحات معرفتها مختصة بهم(ع)أوردها(ع)لبيان عجزه و جهله و عدم إحاطة علمه بما لا بد منه في هذا العلم و كم تحصل الفجر في الغدوات يحتمل أن يكون المراد به زمان ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فإن ذلك يختلف في الفصول و طفح جب سرنديب أي امتلأ و ارتفع و منه سكران طافح و الشيح نبت معروف و يحتمل أن يكون المراد هنا الوادي الذي هو منبته و العمورية ماء للنصارى يغمسون فيه أولادهم (3) و ما الذي أحدثها أي بزعمك شرقيها أي الكواكب لم أرك غير التقدير بكسر الغين و فتح الياء أي التغيرات الناشئة من تقديرات الله تعالى و في بعض النسخ عين التقدير أي أصله
____________
(1) ما فهمهم (ظ).
(2) كذا، لكن يظهر من البيان الآتي أن الصحيح «فهو اللّه» بلا واو.
(3) الماء الذي ذكره- (رحمه اللّه)- هو المعمودية، و الظاهر ان «العمورية» فى الرواية بالراء دون الدال و هي بلدة بالروم.
235
هذه قضية عيص بالإضافة أي أصل في القاموس العيص بالكسر الأصل (1) و في بعض النسخ عويصة أي صعبة شديدة و ولدها بصيغة الأمر و تشديد اللام أي استنتج منها و العمورية مشددة الميم بلد بالروم و لعل المراد بالعب الماء العظيم و بعتوه طغيانه و كثرته و المراجيح الحلماء (2) و الزرق كسكر طائر صياد ذكره الفيروزآبادي (3) و في حياة الحيوان طائر يصاد به بين الباز و الباشق و قيل هو الباز الأبيض انتهى و الفيلة بكسر الفاء و فتح الياء جمع الفيل فهو الله أي مفهمك الله المشار إليه بالدلائل و الآيات و لا أثر بعد عين أي لا أطلب الآثار و الدلائل و الأخبار على حقيتك بعد ما عاينت.
أقول و كان في الخبرين فيما عندنا من النسخ تصحيفات كثيرة تركناها كما وجدنا.
15- النُّجُومُ، رُوِّيتُ بِعِدَّةِ طُرُقٍ إِلَى يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي جَامِعِهِ الصَّغِيرِ بِإِسْنَادِهِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)جُعِلْتُ فِدَاكَ أَخْبِرْنِي عَنْ عِلْمِ النُّجُومِ مَا هُوَ فَقَالَ هُوَ عِلْمٌ مِنْ عِلْمِ الْأَنْبِيَاءِ قَالَ فَقُلْتُ كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)يَعْلَمُهُ فَقَالَ كَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ بِهِ.
16- وَ مِنْهُ، نَقْلًا مِنْ أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ أَصْحَابِنَا اسْمُهُ كِتَابُ التَّجَمُّلِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَمِيلٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)عَمَّنْ ذَكَرَهُ قَالَ: كَانَ قَدْ عَلِمَ نُبُوَّةَ نُوحٍ(ع)بِالنُّجُومِ.
بيان: لعل من ذكره من باب الإرسال من أحد الرواة و ضمير قال للإمام(ع)و علم بصيغة المعلوم و المعنى أنه(ع)أخبر بأن فلانا قد علم نبوة نوح بالنجوم و يحتمل أن يكون الإرسال من الإمام و ضمير قال عائدا إلى من ذكره و علم على بناء المجهول و على الثاني ليس الإخبار من كلامه
____________
(1) القاموس: ج 2،(ص)310.
(2) كذا، و قال الجوهريّ (الصحاح: ج 1،(ص)364) راجحته فرجحته، أي كنت ارزن منه، و قوم مراجيح في الحلم (انتهى) فليتأمل في ما ذكر في المتن من التفسير.
(3) القاموس: ج 3،(ص)240.
236
ع و الظاهر أنه من تصحيف النساخ و قوله عمن ذكره كان مقدما على قوله عن أبي جعفر(ع)و علم على بناء المجهول.
17- النُّجُومُ، وَجَدْتُ فِي كِتَابٍ عَتِيقٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: قِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)هَلْ كَانَ لِلنُّجُومِ أَصْلٌ قَالَ نَعَمْ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ إِنَّا لَا نُؤْمِنُ بِكَ حَتَّى تُعَلِّمَنَا بَدْءَ الْخَلْقِ وَ آجَالَهُ فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى غَمَامَةٍ فَأَمْطَرَتْهُمْ وَ اسْتَنْقَعَ (1) حَوْلَ الْجَبَلِ مَاءٌ صَافٍ ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ النُّجُومِ أَنْ تَجْرِيَ فِي ذَلِكَ الْمَاءِ ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى ذَلِكَ النَّبِيِّ أَنْ يَرْتَقِيَ هُوَ وَ قَوْمُهُ عَلَى الْجَبَلِ فَارْتَقَوُا الْجَبَلَ فَقَامُوا عَلَى الْمَاءِ حَتَّى عَرَفُوا بَدْءَ الْخَلْقِ وَ آجَالَهُ بِمَجَارِي الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ النُّجُومِ وَ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ كَانَ أَحَدُهُمْ يَعْلَمُ مَتَى (2) يَمُوتُ وَ مَتَى يَمْرَضُ وَ مَنْ ذَا الَّذِي يُولَدُ لَهُ وَ مَنْ ذَا الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ فَبَقُوا كَذَلِكَ بُرْهَةً مِنْ دَهْرِهِمْ ثُمَّ إِنَّ دَاوُدَ(ع)قَاتَلَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ فَأَخْرَجُوا إِلَى دَاوُدَ فِي الْقِتَالِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْهُ أَجَلُهُ وَ مَنْ حَضَرَ أَجَلُهُ خَلَّفُوهُ فِي بُيُوتِهِمْ فَكَانَ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ دَاوُدَ(ع)وَ لَا يُقْتَلُ مِنْ هَؤُلَاءِ أَحَدٌ فَقَالَ دَاوُدُ(ع)رَبِّ أُقَاتِلُ عَلَى طَاعَتِكَ وَ يُقَاتِلُ هَؤُلَاءِ عَلَى مَعْصِيَتِكَ يُقْتَلُ أَصْحَابِي وَ لَا يُقْتَلُ مِنْ هَؤُلَاءِ أَحَدٌ فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِنِّي كُنْتُ عَلَّمْتُهُمْ بَدْءَ الْخَلْقِ وَ آجَالَهُ وَ إِنَّمَا أَخْرَجُوا إِلَيْكَ مَنْ لَمْ يَحْضُرْهُ أَجَلُهُ وَ مَنْ حَضَرَ أَجَلُهُ خَلَّفُوهُ فِي بُيُوتِهِمْ فَمِنْ ثَمَّ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِكَ وَ لَا يُقْتَلُ مِنْهُمْ أَحَدٌ قَالَ دَاوُدُ(ع)يَا رَبِّ عَلَى مَا ذَا عَلَّمْتَهُمْ قَالَ عَلَى مَجَارِي الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ النُّجُومِ وَ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ قَالَ فَدَعَا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَحَبَسَ الشَّمْسَ عَلَيْهِمْ فَزَادَ النَّهَارُ وَ اخْتَلَطَتِ الزِّيَادَةُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهَارِ فَلَمْ يَعْرِفُوا قَدْرَ الزِّيَادَةِ فَاخْتَلَطَ حِسَابُهُمْ وَ قَالَ عَلِيٌّ(ع)فَمِنْ ثَمَّ كُرِهَ النَّظَرُ فِي عِلْمِ النُّجُومِ.
18- الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، قَالَ: قِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)هَلْ كَانَ لِلنُّجُومِ أَصْلٌ قَالَ نَعَمْ كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يُقَالُ لَهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ
____________
(1) استنقع الماء: اجتمع.
(2) من يموت (خ).
237
وَ سَاقَ إِلَى قَوْلِهِ ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ أَنْ يَرْتَقِيَ إِلَى آخِرِ الْخَبَرِ (1).
بيان أن تجري في ذلك الماء يمكن أن يكون المراد جريان عكس الكواكب فيها فيكون الماء كالزيج لهم لاستعلام مقدار الحركات أو خلق الله للكواكب أمثالا فأجراها في الماء على قدر حركة أصلها في السماء أو صغرها و أنزلها و أجراها فيه و في القاموس البرهة و يضم الزمان الطويل أو أعم (2) انتهى فمن ثم كره أي من أجل أن الحساب اختلط فلا يمكنهم الحكم الواقعي على الكواكب و حركاتها فيكذبون أو من جهة أنه يصير سببا لترك الأمور الضرورية بسبب علمهم بما يترتب عليه و الخبر ضعيف عامي و فيه إشكال آخر و هو أنهم لو كانوا بحسب تقدير الله تعالى و أحكام النجوم من الخارجين فلم لم يخرجوا و لو لم يكونوا فلم يكن ترك خروجهم بسبب ذلك (3) و هذا من المسائل الغامضة من فروع مسألة القضاء و القدر و العقل قاصر عن فهمها.
19- النُّجُومُ، وَ أَمَّا دَلَالَةُ النُّجُومِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ(ع)فَقَدْ رَوَى صَاحِبُ كِتَابِ التَّجَمُّلِ أَنَّ آزَرَ أَبَا إِبْرَاهِيمَ كَانَ مُنَجِّماً لِنُمْرُودَ وَ لَمْ يَكُنْ يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ أَمْرِهِ فَنَظَرَ لَيْلَةً فِي النُّجُومِ فَأَصْبَحَ وَ هُوَ يَقُولُ لِنُمْرُودَ لَقَدْ رَأَيْتُ فِي النُّجُومِ عَجَباً قَالَ وَ مَا هُوَ قَالَ رَأَيْتُ مَوْلُوداً يُولَدُ فِي زَمَانِنَا يَكُونُ هَلَاكُنَا عَلَى يَدَيْهِ وَ لَا يَلْبَثُ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى يُحْمَلَ بِهِ قَالَ فَتَعَجَّبَ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ هَلْ حَمَلَتْ بِهِ النِّسَاءُ بَعْدُ قَالَ لَا فَحَجَبَ الرِّجَالَ عَنِ النِّسَاءِ وَ لَمْ يَدَعِ امْرَأَةً إِلَّا جَعَلَهَا فِي الْمَدِينَةِ وَ لَا يَخْلُصُ إِلَيْهَا بَعْلُهَا قَالَ فَوَقَعَ آزَرُ عَلَى أَهْلِهِ فَحَمَلَتْ بِإِبْرَاهِيمَ فَظَنَّ أَنَّهُ صَاحِبُهُ فَأَرْسَلَ إِلَى قَوَابِلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَ كُنَّ أَعْلَمَ النَّاسِ بِالْجَنِينِ وَ لَا يَكُونُ فِي الرَّحِمِ شَيْءٌ إِلَّا عَرَفْنَهُ وَ عَلِمْنَ بِهِ فَنَظَرْنَ فَأَلْزَمَ مَا فِي الرَّحِمِ الظَّهْرَ فَقُلْنَ مَا نَرَى فِي
____________
(1) الدّر المنثور: ج 3،(ص)35.
(2) القاموس: ج 4،(ص)280.
(3) لا منافاة بين كونهم بحسب القضاء المحتوم من غير الخارجين و كون ترك الخروج مسببا عن علمهم بالنجوم، فان القضاء ليس في عرض سائر الأسباب.
238
بَطْنِهَا شَيْئاً قَالَ وَ كَانَ مِمَّا أُوتِيَ مِنَ الْعِلْمِ أَنَّ الْمَوْلُودَ سَيُحْرَقُ بِالنَّارِ وَ لَمْ يُؤْتَ عِلْماً أَنَّ اللَّهَ سَيُنْجِيهِ مِنْهَا.
أقول: (1) و رويت هذا الحديث عن إبراهيم الخزاز عن أبي بصير عن أبي عبد الله(ع)من أصل قرئ على هارون بن موسى التلعكبري ره و قد روى هذا الحديث علي بن إبراهيم في كتاب تفسير القرآن بأبسط من هذه الرواية (2) و رواه أيضا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في الجزء الأول من تاريخه و رواه أيضا سعيد بن هبة الله الراوندي في كتاب قصص الأنبياء و رواه الثعلبي في تفسيره و غيره من العلماء و ممن أخبر المنجمون عن نبوته و رسالته موسى بن عمران(ع)و قد تضمنت كتب التواريخ و غيرها من المصنفات ما يغني عن ذكر جميع الروايات فمن ذلك
- ما رواه الثعلبي في كتاب العرائس في المجالس فقال إن فرعون رأى في منامه أن نارا قد أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقتها و أحرقت القبط و تركت بني إسرائيل فدعا فرعون السحرة و الكهنة و المعبرين و المنجمين و سألهم عن رؤياه فقالوا له إنه يولد في بني إسرائيل غلام يسلبك ملكك و يغلبك على سلطانك و يخرجك و قومك من أرضك و يذل دينك و قد أظلك زمانه الذي يولد فيه.
ثم ذكروا ولادة موسى(ع)و ما صنع فرعون في قتل ذكور الأولاد و ليس في ذكر ذلك هاهنا ما يليق بالمراد و ذكر حكم المنجمين بولادة موسى(ع)و نبوته الزمخشري في كتاب الكشاف و روى حديث دلالة النجوم على ولادة موسى(ع)وهب بن منبه في الجزء الأول من كتاب المبتدإ بأبسط من رواية الثعلبي و ذكر
- أبو جعفر بن بابويه في كتاب النبوة في باب سياقه حديث عيسى ابن مريم(ع)فقال ما هذا لفظه و قدم عليها وفد من عظماء علماء المجوس زائرين معظمين لأمر ابنها و قالوا إنا قوم ننظر في النجوم فلما ولد
____________
(1) من كلام السيّد بن طاوس (رحمه اللّه).
(2) تفسير القمّيّ: 194.
239
ابنك طلع بمولده نجم من نجوم الملك فنظرنا فيه فإذا ملكه ملك نبوة لا يزول عنه و لا يفارقه حتى يرفعه إلى السماء فيجاور ربه عز و جل ما كانت الدنيا مكانها ثم يصير إلى ملك هو أطول و أبقى مما كان فيه فخرجنا من قبل المشرق حتى رفعنا إلى هذا المكان فوجدنا النجم متطلعا عليه من فوقه فبذلك عرفنا موضعه و قد أهدينا له هدية جعلناها له قربانا لم يقرب مثله لأحد قط و ذلك أنا وجدنا هذا القربان يشبه أمره و هو الذهب و المر و اللبان لأن الذهب سيد المتاع كله و كذلك ابنك هو سيد الناس ما كان حيا و لأن المر جبار الجراحات و الجنون و العاهات كلها و لأن اللبان يبلغ دخانه السماء و لن يبلغها دخان شيء غيره و كذلك ابنك يرفعه الله عز و جل إلى السماء و ليس يرفع من أهل زمانه غيره
. 20- وَ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، جَمْعِ أَبِي الْقَاسِمِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّكُونِيِّ رَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَانِمٍ عَنْ هَنَّادٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَسْعَدَ عَنِ ابْنِ مُسَيَّبٍ (1) عَنْ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: إِنِّي وَ اللَّهِ لَغُلَامٌ يَفْعَاءُ ابْنُ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانِ سِنِينَ أَعْقِلُ كُلَّ مَا سَمِعْتُ إِذْ سَمِعْتُ يَهُودِيّاً وَ هُوَ عَلَى أَكَمَةِ يَثْرِبَ يَصْرُخُ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا قَالُوا وَيْلَكَ مَا لَكَ قَالَ طَلَعَ نَجْمُ أَحْمَدَ الَّذِي يُبْعَثُ بِهِ اللَّيْلَةَ وَ وَجَدْتُ كِتَاباً عِنْدَنَا الْآنَ اسْمُهُ كِتَابُ الْيَدِ الصِّينِيِّ عَمِلَهُ كشينا مَلِكُ الْهِنْدِ يَذْكُرُ فِيهِ تَفْصِيلَ دَلَالَةِ النُّجُومِ عَلَى نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ(ص)(2).
____________
(1) هو أبو محمّد سعيد بن المسيب بن حزن المخزومى، قال النووى في تهذيب الأسماء (1: 219) و ابوه المسيب وجده حزن صحابيان اسلما يوم فتح مكّة (انتهى) ذكر في تراجم العامّة مقرونا بالثناء و المدح، لكن الخاصّة اختلفوا فيه، فروى الكشّيّ عن الكاظم (عليه السلام) انه من حوارى السجّاد، و روى الكليني (الكافي: ج 1،(ص)472) عن إسحاق بن جرير قال قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): كان سعيد بن المسيب و القاسم بن محمّد بن أبي بكر و أبو خالد الكابلى من ثقات عليّ بن الحسين (عليه السلام) لكن اشتهر عنه انه رغب عن الصلاة على جنازة على ابن الحسين (عليه السلام) و أن له فتاوى مخالفة لمذهب أهل البيت، لكن من الممكن ان ذلك منه كان للتقية و اللّه العالم.
(2) انتهى كلام السيّد (رحمه اللّه).
240
أقول: قد أوردنا ما ذكره السيد من أمر هرقل و كسرى و اطلاعهما من جهة النجوم على نبوة نبينا(ص)في باب البشائر به و باب مولده.
ثم قال و أما دلالة النجوم على ظهور المسلمين على ملوك الفرس فالأخبار يمكن أن يكون بها كثيرة في التواريخ الكبيرة فمن ذلك ما ذكره
- الطبري في تاريخه فقال و لما أمر يزدجرد رستم بالخروج من ساباط بعث إلى أخيه بنحو من الكتاب الأول زاد فيه فإن السمكة قد كدرت الماء و إن النعائم قد حبست و حسنت الزهرة فاعتدل الميزان و ذهب بهرام و لا أرى هؤلاء القوم إلا سيظهرون علينا و سيولون على ما يلينا و إن أشد ما رأيت أن الملك قال لتسيرن إليهم أو لأسيرن إليهم أنا بنفسي و أنا سائر إليهم قال و كان الذي جرأ يزدجرد على إرسال رستم غلام جابان منجم كسرى و كان من أهل فرات بادقلي فأرسل إليه فقال ما ترى في مسير رستم و حرب العرب فخافه على الصدق فكذبه و كان رستم يعلم نحوا من علم ذلك المنجم فثقل عليه مسيره و خف على الملك لما غره به و قال إني أحب أن تخبرني بشيء أراه أطمئن له إلى قولك فقال الغلام لدربا الهندي سلني مسألة فقال أيها الملك يقبل طائر فيقع على إيوانك فيقع منه شيء في فيه هاهنا و خط دائرة فقال العبد صدق و الطائر غراب و الذي في فيه درهم و بلغ جابان أن الملك طلبه فأقبل حتى دخل عليه فسأله عما قال غلامه فحسبه فقال صدق و لم يصب هو عقعق و الذي في فيه درهم فيقع منه على هذا المكان و كذب دربا ينزو الدرهم فيستقر هاهنا و دور دائرة أخرى فما قاموا حتى وقع على الشرافات عقعق فسقط منه درهم في الخط الأول فنزا فاستقر في الخط الآخر و نافر الهندي جابان حيث خطاه فأتي ببقرة نتوج فقال الهندي سخلتها غراء سوداء فقال جابان كذبت بل سوداء سفعاء فنحرت البقرة و استخرجت سخلتها فإذا ذنبها أبيض فقال جابان من هاهنا أتى دربا و شجعاه على إخراج رستم فأمضاه.
ثم قال الطبري ما معناه أن جابان كتب إلى من يشفق عليه من العسكر يأمره بالدخول مع العرب فيما يريدون و أخبره أن
241
ملك الفرس ذهب فقبل منه و كان الأمر كما اقتضاه دلالة النجوم من ظهور العرب على الفرس.
أقول ثم ذكر دلالة النجوم على إمامة القائم(ع)و ولادته على ما أوردناه في باب ولادته ع.
بيان قال في القاموس العقعق طائر أبلق بسواد و بياض صوته (1) العين و القاف (2) و قال أنتجت الفرس حان نتاجها فهي نتوج لا منتج (3) و قال سفع الشيء أعلمه و وصمه و السفع بالضم السواد تضرب إلى الحمرة (4) و في النهاية السفعة نوع من السواد مع لون آخر (5).
21- الْكَافِي، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَيَابَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ إِنَّ النُّجُومَ لَا يَحِلُّ النَّظَرُ فِيهَا وَ هُوَ (6) يُعْجِبُنِي فَإِنْ كَانَتْ تُضِرُّ بِدِينِي فَلَا حَاجَةَ لِي فِي شَيْءٍ يُضِرُّ بِدِينِي وَ إِنْ كَانَتْ لَا تُضِرُّ بِدِينِي فَوَ اللَّهِ إِنِّي لَأَشْتَهِيهَا وَ أَشْتَهِي النَّظَرَ فِيهَا فَقَالَ لَيْسَ كَمَا يَقُولُونَ لَا تُضِرُّ بِدِينِكَ ثُمَّ قَالَ إِنَّكُمْ تَنْظُرُونَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا كَثِيرُهُ لَا يُدْرَكُ وَ قَلِيلُهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ تَحْسُبُونَ عَلَى طَالِعِ الْقَمَرِ ثُمَّ قَالَ أَ تَدْرِي كَمْ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَ الزُّهَرَةِ مِنْ دَقِيقَةٍ قُلْتُ لَا وَ اللَّهِ قَالَ أَ فَتَدْرِي كَمْ بَيْنَ الزُّهَرَةِ وَ بَيْنَ الْقَمَرِ مِنْ دَقِيقَةٍ قُلْتُ لَا وَ اللَّهِ قَالَ أَ فَتَدْرِي كَمْ بَيْنَ الشَّمْسِ وَ بَيْنَ السُّكَيْنَةِ (7) مِنْ دَقِيقَةٍ قُلْتُ
____________
(1) في المصدر: يشبه صوته.
(2) القاموس: ج 3،(ص)266.
(3) القاموس: ج 1،(ص)209.
(4) القاموس: ج 3،(ص)38.
(5) في المصدر: السفعة نوع من السواد ليس بالكثير، و قيل هو سواد مع لون آخر النهاية: ج 2،(ص)166.
(6) في المصدر: و هي تعجبنى.
(7) السنبلة (خ).
242
لَا وَ اللَّهِ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُنَجِّمِينَ قَطُّ قَالَ أَ فَتَدْرِي كَمْ بَيْنَ السُّكَيْنَةِ (1) وَ بَيْنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مِنْ دَقِيقَةٍ قُلْتُ لَا (2) مَا سَمِعْتُهُ مِنْ مُنَجِّمٍ قَطُّ قَالَ مَا بَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ سِتِّينَ (3) أَوْ تِسْعِينَ دَقِيقَةً شَكَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ثُمَّ قَالَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ هَذَا حِسَابٌ إِذَا حَسَبَهُ الرَّجُلُ وَ وَقَعَ عَلَيْهِ عَرَفَ الْقَصَبَةَ الَّتِي فِي وَسَطِ الْأَجَمَةِ وَ عَدَدَ مَا عَنْ يَمِينِهَا وَ عَدَدَ مَا عَنْ يَسَارِهَا وَ عَدَدَ مَا خَلْفَهَا وَ عَدَدَ مَا أَمَامَهَا حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ قَصَبِ الْأَجَمَةِ وَاحِدَةٌ (4).
النجوم، بإسناده عن الكليني مثله- ثم قال السيد و روى هذا الحديث أصحابنا في المصنفات و الأصول- و رواه محمد بن أبي عبد الله في أماليه- و رواه محمد بن يحيى (5) أخو مقلس عن حماد بن عثمان بيان تحسبون على طالع القمر يظهر منه أنه كان مدار أحكام هؤلاء على حركات القمر و أوضاعه و كانوا لا يلتفتون إلى أوضاع سائر الكواكب كم بين المشتري و الزهرة أي بحسب الدرجات و الأوضاع الحاصلة من الحركات أو بعد فلك أحدهما عن الآخر و الأول أظهر و بين السكينة هو اسم كوكب غير معروف عند المنجمين له مدخل في الأحكام و في بعض النسخ السنبلة و الأول أنسب بقوله ما سمعته من منجم.
22- النُّجُومُ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْكُلَيْنِيِّ فِي كِتَابِ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سام [بَسَّامٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَوْمٌ يَقُولُونَ النُّجُومُ أَصَحُّ مِنَ الرُّؤْيَا وَ
____________
(1) السنبلة (خ).
(2) في المصدر: لا و اللّه.
(3) في المصدر: ستون أو سبعون.
(4) روضة الكافي: 195.
(5) في بعض النسخ «محمّد بن عيسى» و الظاهر أنّه تصحيف، لعدم ذكر «محمّد بن عيسى أخو مقلس» فى الرجال، قال النجاشيّ: محمّد بن يحيى الخثعميّ كوفيّ ثقة روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و قال الشيخ في الاستبصار (ج 2،(ص)305 من طبعة النجف الأخيرة): هو عامى.
243
ذَلِكَ كَانَتْ صَحِيحَةً حِينَ لَمْ يُرَدَّ الشَّمْسُ عَلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ وَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الشَّمْسَ عَلَيْهِمَا ضَلَّ فِيهَا عُلُومُ عُلَمَاءِ النُّجُومِ.
23- الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ صَالِحٍ عَمَّنْ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سُئِلَ عَنِ النُّجُومِ فَقَالَ مَا يَعْلَمُهَا إِلَّا أَهْلُ بَيْتٍ مِنَ الْعَرَبِ وَ أَهْلُ بَيْتٍ مِنَ الْهِنْدِ (1).
- النُّجُومُ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْكُلَيْنِيِ مِثْلَهُ وَ زَادَ فِي آخِرِهِ أَوْلَادُ وَصِيِّ إِدْرِيسَ ع: ثُمَّ قَالَ وَ رَوَيْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ مِنْ أَصْلِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع.
بيان أهل بيت من العرب أهل بيت النبي(ص)و لا يدل على جواز النظر فيه و العمل به بل على خلافهما أدل لأن علم أكثر الخلق به ناقص فيكون حكمهم به قولا بغير علم.
24- الْكَافِي، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ جَمِيعاً عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْمِيثَمِيِ (2) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَطَّابٍ الْوَاسِطِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْحَلَبِيِّ عَنْ حَمَّادٍ الْأَزْدِيِّ عَنْ هِشَامٍ الْخَفَّافِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)كَيْفَ بَصَرُكَ بِالنُّجُومِ قَالَ قُلْتُ مَا خَلَّفْتُ بِالْعِرَاقِ أَبْصَرَ بِالنُّجُومِ مِنِّي فَقَالَ كَيْفَ دَوَرَانُ الْفَلَكِ عِنْدَكُمْ قَالَ فَأَخَذْتُ قَلَنْسُوَتِي مِنْ رَأْسِي فَأَدَرْتُهَا قَالَ فَقَالَ لِي إِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا تَقُولُ فَمَا بَالُ بَنَاتِ نَعْشٍ وَ الْجَدْيِ وَ الْفَرْقَدَيْنِ لَا يُرَوْنَ يَدُورُونَ يَوْماً مِنَ الدَّهْرِ فِي الْقِبْلَةِ قَالَ قُلْتُ هَذَا وَ اللَّهِ شَيْءٌ لَا أَعْرِفُهُ وَ لَا سَمِعْتُ أَحَداً مِنْ أَهْلِ الْحِسَابِ يَذْكُرُهُ فَقَالَ لِي كَمِ السُّكَيْنَةُ مِنَ الزُّهَرَةِ جُزْءاً فِي ضَوْئِهَا قَالَ قُلْتُ هَذَا وَ اللَّهِ نَجْمٌ مَا سَمِعْتُ بِهِ وَ لَا سَمِعْتُ أَحَداً مِنَ النَّاسِ يَذْكُرُهُ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ فَأَسْقَطْتُمْ نَجْماً بِأَسْرِهِ (3) فَعَلَى مَا تَحْسُبُونَ ثُمَّ قَالَ فَكَمِ الزُّهَرَةُ
____________
(1) روضة الكافي: 330.
(2) في المصدر: التيمى.
(3) هذا تصريح بعدم انحصار السيارات في ما كان مشهورا عند قدماء الهيويين.
244
مِنَ الْقَمَرِ جُزْءاً فِي ضَوْئِهِ قَالَ فَقُلْتُ هَذَا شَيْءٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ فَكَمِ الْقَمَرُ جُزْءاً مِنَ الشَّمْسِ فِي ضَوْئِهَا قَالَ قُلْتُ مَا أَعْرِفُ هَذَا قَالَ صَدَقْتَ ثُمَّ قَالَ فَمَا بَالُ الْعَسْكَرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فِي هَذَا حَاسِبٌ وَ فِي هَذَا حَاسِبٌ فَيَحْسُبُ هَذَا لِصَاحِبِهِ بِالظَّفَرِ (1) ثُمَّ يَلْتَقِيَانِ فَيَهْزِمُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَأَيْنَ كَانَتِ النُّجُومُ قَالَ فَقُلْتُ لَا وَ اللَّهِ مَا أَعْلَمُ ذَلِكَ قَالَ فَقَالَ صَدَقْتَ إِنَّ أَصْلَ الْحِسَابِ حَقٌّ وَ لَكِنْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ عَلِمَ مَوَالِيدَ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ (2).
بيان فأدرتها لعله زعم أن حركة الفلك في جميع المواضع رحوية ما بال العسكرين هذا دليل تام على خطاء المنجمين فإن ملكين إذا تقابلا و كان لكل منهما منجم فإنهما يختاران لهما ساعة واحدة و يحكم كل منهما لصاحبه بالظفر مع أنه يظفر أحدهما و ينهزم الآخر و ذلك لعدم إحاطتهم بارتباط النجوم بالأشخاص فإنه يمكن أن يكون لكل نجم مناسبة لشخص من الأشخاص يكون سعادته أو علوه علامة لغلبته أو يقال كما أن لتأثير الفواعل مدخلا في حدوث الحوادث فكذا لاستعداد القوابل مدخل فيه و هم على تقدير إحاطة علمهم بالأول لم يحط علمهم بالثاني كما قاله ابن سينا و سيأتي تفصيله في قصة هاروت و ماروت فقوله(ع)لا يعلم ذلك إلا من علم مواليد الخلق يمكن أن يكون إشارة إلى الأول كما أن المنجمين يعتبرون طالع المولود في الأحكام أو إلى الثاني بأن يكون المراد بمواليدهم خصوصيات موادهم و استعداداتهم و قابلياتهم و أسباب ولادتهم و هذا علم لا يمكن الإحاطة به إلا بالوحي أو الإلهام من الخالق الحكيم و يمكن أن يكون المراد به أن من أحاط بذلك العلم يعلم به جميع مواليد الخلق و لما لم يعلم المنجمون جميع ذلك ظهر أنهم لا يحيطون به علما و على التقادير ظاهره حقية هذا العلم و عدم جواز النظر فيه لسائر الخلق لعدم إحاطتهم به و تضمنه القول بما لا يعلم و الله يعلم.
____________
(1) في المصدر: بالظفر، و يحسب هذا لصاحبه بالظفر.
(2) روضة الكافي: 351.
245
25- النُّجُومُ، وَجَدْتُ فِي كِتَابِ نَوَادِرِ الْحِكْمَةِ تَأْلِيفِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى بْنِ عِمْرَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقُمِّيِّ رَوَاهُ عَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ: قَالَ أَبُو الْحَسَنِ(ع)لِلْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ كَيْفَ حِسَابُكَ لِلنُّجُومِ فَقَالَ مَا بَقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا وَ قَدْ تَعَلَّمْتُهُ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ(ع)كَمْ لِنُورِ الشَّمْسِ عَلَى نُورِ الْقَمَرِ فَضْلُ دَرَجَةٍ وَ كَمْ لِنُورِ الْقَمَرِ عَلَى نُورِ الْمُشْتَرِي فَضْلُ دَرَجَةٍ وَ كَمْ لِنُورِ الْمُشْتَرِي عَلَى نُورِ الزُّهَرَةِ فَضْلُ دَرَجَةٍ فَقَالَ لَا أَدْرِي فَقَالَ لَيْسَ فِي يَدِكَ شَيْءٌ هَذَا أَيْسَرُ.
بيان: أي هذا أيسر شيء من هذا العلم.
26- النُّجُومُ، وَجَدْتُ فِي كِتَابِ مَسَائِلِ الصَّبَّاحِ بْنِ نَصْرٍ الْهِنْدِيِّ لِمَوْلَانَا عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا(ع)رِوَايَةَ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ نُوحٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الصَّفْوَانِيِّ مِنْ أَصْلِ كِتَابٍ عَتِيقٍ لَنَا الْآنَ رُبَّمَا كَانَ قَدْ كُتِبَ فِي حَيَاتِهِمَا بِالْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ فِيهِ عَنِ الرَّيَّانِ بْنِ الصَّلْتِ وَ ذَكَرَ اجْتِمَاعَ الْعُلَمَاءِ بِحَضْرَةِ الْمَأْمُونِ وَ ظُهُورَ حُجَّتِهِ(ع)عَلَى جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ وَ حُضُورَ الصَّبَّاحِ بْنِ نَصْرٍ الْهِنْدِيِّ عِنْدَ مَوْلَانَا الرِّضَا(ع)وَ سُؤَالَهُ عَنْ مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا سُؤَالُهُ عَنْ عِلْمِ النُّجُومِ فَقَالَ(ع)مَا هَذَا لَفْظُهُ هُوَ عِلْمٌ فِي أَصْلٍ صَحِيحٍ ذَكَرُوا أَنَّ أَوَّلَّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي النُّجُومِ إِدْرِيسُ(ع)وَ كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ بِهَا مَاهِراً وَ أَصْلُ هَذَا الْعِلْمِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ يُقَالُ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ النَّجْمَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمُشْتَرِي إِلَى الْأَرْضِ فِي صُورَةِ رَجُلٍ فَأَتَى بَلَدَ الْعَجَمِ فَعَلَّمَهُمْ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ فَلَمْ يَسْتَكْمِلُوا ذَلِكَ فَأَتَى بَلَدَ الْهِنْدِ فَعَلَّمَ رَجُلًا مِنْهُمْ فَمِنْ هُنَاكَ صَارَ عِلْمُ النُّجُومِ بِهَا (1) وَ قَدْ قَالَ قَوْمٌ هُوَ عِلْمٌ مِنْ عِلْمِ الْأَنْبِيَاءِ خُصُّوا بِهِ لِأَسْبَابٍ شَتَّى فَلَمْ يَسْتَدْرِكِ الْمُنَجِّمُونَ الدَّقِيقَ (2) مِنْهَا فَشَابُوا الْحَقَّ بِالْكَذِبِ.
هذا آخر لفظ مولانا علي بن موسى الرضا(ع)في هذه الرواية الجليلة الإسناد و قوله(ع)حجة على العباد و قوله(ع)ذكروا و يقال فإن عادته(ع)عند التقية من المخالفين و العامة
____________
(1) الظاهر أنّه (عليه السلام) نقل هذا الكلام لمصلحة في نقله لا للتصديق بصحته.
(2) الدقيقة فيها (خ).
246
يقول نحو هذا الكلام و تارة يقول كان أبي يقول و تارة روي (1) عن رسول الله(ص)بيان أقول يحتمل أن يكون تصحيحه(ع)و إثباته لعلم النجوم تقية لولوع المأمون بهذا العلم و رغبته إليه فلذا عبر(ع)بهذه العبارات و في أكثر الأعصار المنجمون مقربون عند السلاطين و الناس يتقون منهم مع أنه غير صريح في جواز التعليم و التعلم و العمل به.
27- الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنِ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ مِمَّنْ (2) يَكُونَانِ فَقَالَ لِي يَا أَبَا أَيُّوبَ إِنَّ الْمِرِّيخَ كَوْكَبٌ حَارٌّ وَ زُحَلَ كَوْكَبٌ بَارِدٌ فَإِذَا بَدَأَ الْمِرِّيخُ فِي الِارْتِفَاعِ انْحَطَّ زُحَلُ وَ ذَلِكَ فِي الرَّبِيعِ فَلَا يَزَالانِ كَذَلِكَ كُلَّمَا ارْتَفَعَ الْمِرِّيخُ دَرَجَةً انْحَطَّ زُحَلُ دَرَجَةً ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ الْمِرِّيخُ فِي الِارْتِفَاعِ وَ يَنْتَهِيَ زُحَلُ فِي الْهُبُوطِ فَيَجْلُوَ الْمِرِّيخُ فَلِذَلِكَ يَشْتَدُّ الْحَرُّ فَإِذَا كَانَ فِي آخِرِ الصَّيْفِ وَ أَوَانِ (3) الْخَرِيفِ بَدَأَ زُحَلُ فِي الِارْتِفَاعِ وَ بَدَأَ الْمِرِّيخُ فِي الْهُبُوطِ فَلَا يَزَالانِ كَذَلِكَ كُلَّمَا ارْتَفَعَ زُحَلُ دَرَجَةً انْحَطَّ الْمِرِّيخُ دَرَجَةً حَتَّى يَنْتَهِيَ الْمِرِّيخُ فِي الْهُبُوطِ وَ يَنْتَهِيَ زُحَلُ فِي الِارْتِفَاعِ فَيَجْلُوَ زُحَلُ وَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ (4) الشِّتَاءِ وَ آخِرِ الصَّيْفِ (5) فَلِذَلِكَ يَشْتَدُّ الْبَرْدُ وَ كُلَّمَا ارْتَفَعَ هَذَا هَبَطَ هَذَا وَ كُلَّمَا هَبَطَ هَذَا ارْتَفَعَ هَذَا فَإِذَا كَانَ فِي الصَّيْفِ يَوْمٌ بَارِدٌ فَالْفِعْلُ فِي ذَلِكَ لِلْقَمَرِ وَ إِذَا كَانَ فِي الشِّتَاءِ يَوْمٌ حَارٌّ فَالْفِعْلُ فِي ذَلِكَ لِلشَّمْسِ هَذَا تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَ أَنَا عَبْدُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (6).
____________
(1) يروى (خ).
(2) في المصدر: مما يكونان.
(3) في المصدر: و اول الخريف.
(4) اوان (خ).
(5) في المصدر: الخريف.
(6) روضة الكافي: 306.
247
بيان أشكل على الناظرين في هذا الخبر حله من جهة أن حركتي زحل و المريخ الخاصتين غير متوافقتين و لا مطابقتين لحركة الشمس و الفصول الحاصلة منها بوجه و يخطر بالبال حل يمكن حمل الخبر عليه ليندفع الإشكال و هو أن يكون حرارة أحد الكوكبين و برودة الآخر بالخاصية لا بالكيفية من قبيل التأثيرات الناقصة التي تنسب إلى أوضاع الكواكب و يكون لكل منهما تدوير و يكون ارتفاع المريخ في تدويره إما مؤثرا ناقصا أو علامة لزيادة الحرارة و يكون ارتفاعه عند انحطاط زحل بحركة تدويره و انحطاطه مؤثرا ناقصا أو علامة لضعف البرودة فلذا يصير الهواء في الصيف حارا و في الشتاء بعكس ذلك و لم يدل دليل على امتناعه كما أنهم يقولون في القمر إن قوته و ارتفاعه مؤثر و علامة لزيادة البرد و الرطوبات و قد أثبتوا أفلاكا كثيرة جزئية لكل من السيارات لضبط الحركات و مع ذلك يرد عليهم ما لا يمكنهم حله فلا ضير في أن نثبت فلكا آخر لتصحيح الخبر المنسوب إلى الإمام ع.
قوله فيجلو المريخ كذا في أكثر نسخ الكافي و هو إما من الجلاء بمعنى الخروج و المفارقة عن المكان أي يأخذ في الارتفاع أو من الجلاء بمعنى الوضوح و الانكشاف و في بعض نسخه فيعلو في الموضعين و في كتاب النجوم فيلحق فيهما و لهما وجه قريب و لعل قوله(ع)و أنا عبد رب العالمين لحضور بعض الغلاة في ذلك المجلس قال ذلك ردا عليهم و قيل أول الكلام مبني على زعم المنجمين من تأثير الكواكب و رد ذلك آخرا بقوله(ع)هذا تقدير العزيز العليم و حاصله أن المنجمين يعدون الشمس و المريخ حارين يابسين و زحل باردا يابسا و القمر باردا رطبا و غرضهم أن تأثيرها في السفليات كذلك و تخصيص المريخ و زحل بالذكر لكونهما من العلوية و هي أشرف عندهم و المراد بارتفاع مريخ و انحطاط زحل حسن حال الأول و سوء حال الثاني بزعمهم إذ الشمس من أول الحمل كلما ازداد ارتفاعا في الآفاق المائلة الشمالية اشتد حرارة الهواء فارتفع مانع تأثير المريخ و قوي تأثيره و ضعف تأثير زحل و كذا العكس.
248
28- الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ (1) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ آزَرَ أَبَا إِبْرَاهِيمَ كَانَ مُنَجِّماً لِنُمْرُودَ وَ لَمْ يَكُنْ يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ أَمْرِهِ فَنَظَرَ لَيْلَةً فِي النُّجُومِ فَأَصْبَحَ وَ هُوَ يَقُولُ لِنُمْرُودَ لَقَدْ رَأَيْتُ عَجَباً قَالَ وَ مَا هُوَ قَالَ رَأَيْتُ مَوْلُوداً يُولَدُ فِي أَرْضِنَا يَكُونُ هَلَاكُنَا عَلَى يَدَيْهِ وَ لَا يَلْبَثُ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى يُحْمَلَ بِهِ قَالَ فَتَعَجَّبَ مِنْ ذَلِكَ وَ قَالَ هَلْ حَمَلَتْ بِهِ النِّسَاءُ قَالَ لَا قَالَ فَحَجَبَ النِّسَاءَ عَنِ الرِّجَالِ فَلَمْ يَدَعُوا امْرَأَةً إِلَّا جَعَلَهَا فِي الْمَدِينَةِ لَا يخلطن [لَا يَخْلُصُ إِلَيْهَا (2) بَعْلُهَا وَ وَقَعَ آزَرُ عَلَى أَهْلِهِ (3) وَ عَلِقَتْ بِإِبْرَاهِيمَ(ع)فَظَنَّ أَنَّهُ صَاحِبُهُ فَأَرْسَلُوا (4) إِلَى نِسَاءٍ مِنَ الْقَوَابِلِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَا يَكُونُ فِي الرَّحِمِ شَيْءٌ إِلَّا عَلِمْنَ بِهِ فَنَظَرْنَ فَأَلْزَمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَا فِي الرَّحِمِ (5) الظَّهْرَ فَقُلْنَ مَا نَرَى فِي بَطْنِهَا شَيْئاً وَ كَانَ فِيمَا أُوتِيَ مِنَ الْعِلْمِ أَنَّهُ سَيُحْرَقُ فِي (6) النَّارِ وَ لَمْ يُؤْتَ عِلْمَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى سَيُنْجِيهِ مِنْهَا الْخَبَرَ (7).
29- الْكَافِي، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَائِنِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ نَجْماً فِي الْفَلَكِ السَّابِعِ فَخَلَقَهُ مِنْ مَاءٍ بَارِدٍ وَ سَائِرَ النُّجُومِ السِّتَّةِ الْجَارِيَاتِ مِنْ مَاءٍ حَارٍّ وَ هُوَ نَجْمُ الْأَنْبِيَاءِ وَ الْأَوْصِيَاءِ وَ هُوَ نَجْمُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَأْمُرُ بِالْخُرُوجِ مِنَ الدُّنْيَا وَ الزُّهْدِ فِيهَا وَ يَأْمُرُ بِافْتِرَاشِ التُّرَابِ (8) وَ تَوَسُّدِ اللَّبِنِ
____________
(1) كذا في نسخ البحار، و في المصدر «هشام بن سالم عن أبي أيّوب الخزار عن ابى بصير» و على التقديرين لا ارسال في السند لان طبقة هشام و ابى أيّوب و ابى بصير واحدة فيمكن رواية هشام عن ابى بصير بلا واسطة و بواسطة ابى أيّوب.
(2) في المصدر: لا يخلص إليها بعلها.
(3) في المصدر: بأهله.
(4) في المصدر: فأرسل.
(5) في المصدر: إلى الظهر.
(6) في المصدر: و بعض النسخ: بالنار.
(7) روضة الكافي: 366.
(8) الثرى (خ).
249
وَ لِبَاسِ الْخَشِنِ وَ أَكْلِ الْجَشِبِ وَ مَا خَلَقَ اللَّهُ نَجْماً أَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ مِنْهُ (1).
بيان يدل الخبر على أن المنجمين قد أخطئوا في طبائع الكواكب و من ينسبونه إليها و في سعدها و نحسها يأمر بالخروج من الدنيا لعل المراد أن من ينسب إليه هكذا حاله أو من كان هذا الكوكب طالع ولادته يكون كذلك أو أن المنسوبين إلى هذا الكوكب يأمرون بذلك.
أقول فعلى الأول يمكن أن يقال لا تنافي بين ما ذكره المنجمون و بين ما ورد في الخبر لأن نحوسته بالنظر إلى أغراض أهل الدنيا و ما يطلبون من عز الدنيا و فخرها و زخرفها و سعادته بالنظر إلى أغراض أهل الآخرة و ما يطلبون من ترك الدنيا و لذاتها و شهواتها فتدبر.
30- النُّجُومُ، رَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ حُكَيْمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْخَثْعَمِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنِ النُّجُومِ حَقٌّ هِيَ قَالَ لِي نَعَمْ فَقُلْتُ لَهُ وَ فِي الْأَرْضِ مَنْ يَعْلَمُهَا قَالَ نَعَمْ وَ فِي الْأَرْضِ مَنْ يَعْلَمُهَا.
قال السيد و رويناه بإسنادنا إلى محمد بن يحيى الخثعمي من غير كتاب معاوية بن حكيم.
31- وَ رَوَيْنَا بِإِسْنَادِنَا عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُكَيْمٍ فِي كِتَابِ أَصْلِهِ حَدِيثاً آخَرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: فِي السَّمَاءِ أَرْبَعَةُ نُجُومٍ مَا يَعْلَمُهَا إِلَّا أَهْلُ بَيْتٍ مِنَ الْعَرَبِ وَ أَهْلُ بَيْتٍ مِنَ الْهِنْدِ يَعْرِفُونَ مِنْهَا نَجْماً وَاحِداً فَبِذَلِكَ قَامَ حِسَابُهُمْ.
32- الْمَنَاقِبُ، لِابْنِ شَهْرَآشُوبَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا يَسْأَلُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنِ النُّجُومِ فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ قُلْتُ لَهُ هَذَا عِلْمٌ لَهُ أَصْلٌ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ حَدِّثْنِي عَنْهُ قَالَ أُحَدِّثُكَ عَنْهُ بِالسَّعْدِ وَ لَا أُحَدِّثُكَ بِالنَّحْسِ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ اسْمُهُ فَرَضَ صَلَاةَ الْفَجْرِ لِأَوَّلِ سَاعَةٍ فَهُوَ فَرْضٌ وَ هِيَ سَعْدٌ وَ فَرَضَ الظُّهْرَ لِسَبْعِ سَاعَاتٍ وَ هُوَ فَرْضٌ وَ هِيَ سَعْدٌ وَ جَعَلَ الْعَصْرَ لِتِسْعِ سَاعَاتٍ وَ هُوَ فَرْضٌ وَ هِيَ سَعْدٌ وَ جَعَلَ الْمَغْرِبَ لِأَوَّلِ سَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ وَ هُوَ فَرْضٌ وَ هِيَ سَعْدٌ وَ الْعَتَمَةَ لِثَلَاثِ سَاعَاتٍ وَ هُوَ فَرْضٌ وَ هِيَ سَعْدٌ.
____________
(1) روضة الكافي: 257.
250
بيان لعل غرضه(ع)أن ذلك العلم له أصل لكن لا ينبغي لك أن تطلب منه إلا قدر ما تعلم به أوقات الفرائض أو المعنى أن أوقات الفرائض لها سعادة لوقوع عبادة الله فيها.
33- النُّجُومُ، رَوَيْنَا بِأَسَانِيدَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْغَضَائِرِيِّ وَ نَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّهِ مِنَ الْجُزْءِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِ الدَّلَائِلِ تَأْلِيفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ بَيَّاعِ السَّابِرِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ لِي فِي النَّظْرَةِ فِي النُّجُومِ لَذَّةً وَ هِيَ مَعِيبَةٌ عِنْدَ النَّاسِ فَإِنْ كَانَ فِيهَا إِثْمٌ تَرَكْتُ ذَلِكَ وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِثْمٌ فَإِنَّ لِي فِيهَا لَذَّةً قَالَ فَقَالَ تَعُدُّ الطَّوَالِعَ قُلْتُ نَعَمْ فَعَدَدْتُهَا لَهُ فَقَالَ كَمْ تَسْقِي الشَّمْسُ الْقَمَرَ مِنْ نُورِهَا قُلْتُ هَذَا شَيْءٌ لَمْ أَسْمَعْهُ قَطُّ وَ قَالَ وَ كَمْ تَسْقِي الزُّهَرَةَ الشَّمْسُ مِنْ نُورِهَا قُلْتُ وَ لَا هَذَا قَالَ فَكَمْ تُسْقَى الشَّمْسُ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مِنْ نُورِهِ قُلْتُ وَ هَذَا شَيْءٌ مَا أَسْمَعُهُ قَطُّ قَالَ فَقَالَ هَذَا شَيْءٌ إِذَا عَلِمَهُ الرَّجُلُ عَرَفَ أَوْسَطَ قَصَبَةٍ فِي الْأَجَمَةِ ثُمَّ قَالَ لَيْسَ يَعْلَمُ النُّجُومَ إِلَّا أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَ أَهْلُ بَيْتٍ مِنَ الْهِنْدِ.
34- وَ مِنْهُ، وَجَدْتُ فِي كِتَابٍ عَتِيقٍ اسْمُهُ كِتَابُ التَّجَمُّلِ قَالَ أَبُو أَحْمَدَ عَنْ حَفْصِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: ذَكَرْتُ النُّجُومَ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقَالَ مَا يَعْلَمُهَا إِلَّا أَهْلُ بَيْتٍ بِالْهِنْدِ وَ أَهْلُ بَيْتٍ مِنَ الْعَرَبِ.
35- وَ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ، أَيْضاً عَنْ مُحَمَّدٍ وَ هَارُونَ ابْنَيْ أَبِي سَهْلٍ وَ كَتَبَا إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّ أَبَانَا وَ جَدَّنَا كَانَا يَنْظُرَانِ فِي النُّجُومِ فَهَلْ يَحِلُّ النَّظَرُ فِيهَا قَالَ نَعَمْ.
36- وَ فِيهِ، أَيْضاً أَنَّهُمَا كَتَبَا إِلَيْهِ نَحْنُ وُلْدُ بَنِي نَوْبَخْتَ الْمُنَجِّمِ وَ قَدْ كُنَّا كَتَبْنَا إِلَيْكَ هَلْ يَحِلُّ النَّظَرُ فِيهَا فَكَتَبْتَ نَعَمْ وَ الْمُنَجِّمُونَ يَخْتَلِفُون فِي صِفَةِ الْفَلَكِ فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ إِنَّ الْفَلَكَ فِيهِ النُّجُومُ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ مُعَلَّقٌ بِالسَّمَاءِ وَ هُوَ دُونَ السَّمَاءِ وَ هُوَ الَّذِي يَدُورُ بِالنُّجُومِ وَ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ السَّمَاءِ فَإِنَّهَا لَا تَتَحَرَّكُ وَ لَا تَدُورُ وَ يَقُولُونَ دَوَرَانُ الْفَلَكِ تَحْتَ الْأَرْضِ وَ إِنَّ الشَّمْسَ تَدُورُ مَعَ الْفَلَكِ
251
تَحْتَ الْأَرْضِ وَ تَغِيبُ فِي الْمَغْرِبِ تَحْتَ الْأَرْضِ وَ تَطْلُعُ بِالْغَدَاةِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَكَتَبَ نَعَمْ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنَ التَّوْحِيدِ.
37- وَ مِنَ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ، أَبُو مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ (1) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ قَالَ كَانَ الْقَمَرُ مَنْحُوساً بِزُحَلَ.
بيان معلق بالسماء أي الفلك معلق بالسماء و لعل مرادهم بالسماء الفلك التاسع و بعدم حركتها أنها لا تتحرك بالحركات الخاصة للكواكب و قولهم دوران الفلك تحت الأرض يحتمل الخاصة و اليومية و الأعم و غرضهم أن الكواكب كما تتحرك تبعا للأفلاك فوق الأرض فكذا تتحرك تحتها و قولهم و إن الشمس تدور مع الفلك أي بالحركة اليومية هذا ما خطر بالبال في تأويله و ظاهره أن الأفلاك غير السماوات و لعله كان ذلك مذهبا لجماعة كما ذهب إليه الكراجكي حيث قال في كنز الفوائد اعلم أن الأرض على هيئة الكرة و الهواء يحيط بها من كل جهة و الأفلاك تحيط بالجميع إحاطة استدارة و هي طبقات بعضها يحيط ببعض فمنها سبعة تختص بالنيرين و الكواكب الخمسة التي تسمى المتحيرة فالنيران هما الشمس و القمر و الخمسة هي زحل و المشتري و المريخ و الزهرة و عطارد فلكل واحد منها فلك يختص به من هذه السبعة ففلك زحل أعلاها و فلك القمر أقربها من الأرض و فلك الشمس في وسطها و
____________
(1) هو عمر بن يزيد بياع السابرى، قال النجاشيّ (217) عمر بن محمّد بن يزيد ابو الأسود بياع السابرى مولى ثقيف كوفيّ ثقة جليل أحد من كان يفد في كل سنة، روى عن أبي عبد اللّه و أبى الحسن (عليهما السلام) و روى الكشّيّ عن محمّد بن عذافر عنه قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا ابن يزيد، انت و اللّه منا أهل البيت. قلت له: جعلت فداك، من آل محمّد؟ قال: اي و اللّه من انفسهم! قلت: من انفسهم؟ قال: اي و اللّه من انفسهم يا عمر! أ ما تقرأ كتاب اللّه عزّ و جلّ إن أولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه و هذا النبيّ و الذين آمنوا و اللّه ولى المؤمنين»؟.
252
تحت فلك زحل فلك المشتري ثم المريخ و فوق القمر فلك عطارد ثم فلك الزهرة و يحيط بهذه الأفلاك السبعة فلك الكواكب الثابتة و هي جميع ما يرى في السماء غير ما ذكرنا ثم الفلك المحيط الأعظم المحرك جميع هذه الأفلاك ثم السماوات السبع تحيط بالأفلاك و هي مساكن الأملاك و من رفعه الله تعالى إلى سمائه من أنبيائه و حججه(ع)انتهى و هذا قول غريب لم أر به قائلا غيره و مخالفته لظاهر الآية أكثر من القول المشهور.
فكتب نعم أي يحل النظر فيها ما لم يخرج من التوحيد أي ما لم ينته إلى القول بتأثير الكواكب و أنها شريكة في الخلق و التدبير للرب سبحانه و الظاهر أن المراد بالنظر في النجوم هنا علم الهيئة و التفكر في كيفية دوران الكواكب و الأفلاك و قدر حركاتها و أشباه ذلك لا استخراج الأحكام و الإخبار عن الحوادث.
38- النُّجُومُ، مِنْ كِتَابِ نُزْهَةِ الْكِرَامِ وَ بُسْتَانِ الْعَوَامِّ تَأْلِيفِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ السَّرَاوِيِّ وَ هَذَا الْكِتَابُ خَطُّهُ بِالْعَجَمِيَّةِ تَكَلَّفْنَا مِنْ نَقْلِهِ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ فَذَكَرَ فِي أَوَاخِرِ الْمُجَلَّدِ الثَّانِي مِنْهُ مَا هَذَا لَفْظُ مَنْ أَعْرَبَهُ وَ رُوِيَ أَنَّ هَارُونَ الرَّشِيدَ بَعَثَ إِلَى مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ(ع)فَأَحْضَرَهُ فَلَمَّا حَضَرَ عِنْدَهُ قَالَ إِنَّ النَّاسَ يَنْسُبُونَكُمْ يَا بَنِي فَاطِمَةَ إِلَى عِلْمِ النُّجُومِ وَ أَنَّ مَعْرِفَتَكُمْ بِهَا مَعْرِفَةٌ جَيِّدَةٌ وَ فُقَهَاءُ الْعَامَّةِ يَقُولُونَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ إِذَا ذَكَرُوا فِي أَصْحَابِي فَاسْكُتُوا وَ إِذَا ذَكَرُوا الْقَدَرَ فَاسْكُتُوا وَ إِذَا ذَكَرُوا النُّجُومَ فَاسْكُتُوا وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)كَانَ أَعْلَمَ الْخَلَائِقِ بِعِلْمِ النُّجُومِ وَ أَوْلَادُهُ وَ ذُرِّيَّتُهُ الَّذِينَ تَقُولُ الشِّيعَةُ بِإِمَامَتِهِمْ كَانُوا عَارِفِينَ بِهَا فَقَالَ لَهُ الْكَاظِمُ(ع)هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَ إِسْنَادُهُ مَطْعُونٌ فِيهِ وَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَدْ مَدَحَ النُّجُومَ وَ لَوْ لَا أَنَّ النُّجُومَ صَحِيحَةٌ مَا مَدَحَهَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ الْأَنْبِيَاءُ(ع)كَانُوا عَالِمِينَ بِهَا وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ(ع)وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (1)
____________
(1) الأنعام: 75.
253
وَ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (1) فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَالِماً بِعِلْمِ النُّجُومِ مَا نَظَرَ فِيهَا وَ مَا قَالَ إِنِّي سَقِيمٌ وَ إِدْرِيسُ(ع)كَانَ أَعْلَمَ أَهْلِ زَمَانِهِ بِالنُّجُومِ وَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَقْسَمَ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ وَ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَ النَّازِعاتِ غَرْقاً إِلَى قَوْلِهِ فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً وَ يَعْنِي بِذَلِكَ اثْنَيْ عَشَرَ بُرْجاً وَ سَبْعَةَ سَيَّارَاتٍ وَ الَّذِي يَظْهَرُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهَارِ بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ بَعْدَ عِلْمِ الْقُرْآنِ مَا يَكُونُ أَشْرَفَ مِنْ عِلْمِ النُّجُومِ وَ هُوَ عِلْمُ الْأَنْبِيَاءِ وَ الْأَوْصِيَاءِ وَ وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (2) وَ نَحْنُ نَعْرِفُ هَذَا الْعِلْمَ وَ مَا نَذْكُرُهُ فَقَالَ لَهُ هَارُونُ بِاللَّهِ عَلَيْكَ يَا مُوسَى هَذَا الْعِلْمُ لَا تُظْهِرُوهُ عِنْدَ الْجُهَّالِ وَ عَوَامِّ النَّاسِ حَتَّى لَا يُشَنِّعُوا عَلَيْكَ وَ نَفِّسِ الْعَوَامَّ بِهِ وَ غَطِّ هَذَا الْعِلْمَ وَ ارْجِعْ إِلَى حَرَمِ جَدِّكَ ثُمَّ قَالَ لَهُ هَارُونُ وَ قَدْ بَقِيَ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى بِاللَّهِ عَلَيْكَ أَخْبِرْنِي بِهَا فَقَالَ لَهُ سَلْ فَقَالَ لَهُ بِحَقِّ الْقَبْرِ وَ الْمِنْبَرِ وَ بِحَقِّ قَرَابَتِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَخْبِرْنِي أَنْتَ تَمُوتُ قَبْلِي أَوْ أَنَا أَمُوتُ قَبْلَكَ لِأَنَّكَ تَعْرِفُ هَذَا مِنْ عِلْمِ النُّجُومِ فَقَالَ لَهُ مُوسَى(ع)آمِنِّي حَتَّى أُخْبِرَكَ فَقَالَ لَكَ الْأَمَانُ فَقَالَ أَنَا أَمُوتُ قَبْلَكَ وَ مَا كَذَبْتُ وَ لَا أَكْذِبُ وَ وَفَاتِي قَرِيبٌ.
أقول: تمامه في أبواب تاريخ موسى ع.
39- وَ مِنْهُ، قَالَ وَجَدْتُ فِي كِتَابٍ عَتِيقٍ بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عِكْرِمَةُ عَنْ حِسَابِ النُّجُومِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَتَحَرَّجُ أَنْ يُخْبِرَهُ قَالَ عِكْرِمَةُ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ عِلْمٌ عَجَزَ النَّاسُ عَنْهُ وَدِدْتُ أَنِّي عَلِمْتُهُ.
38- وَ مِنْهُ، نَقْلًا مِنْ كِتَابِ رَبِيعِ الْأَبْرَارِ لِلزَّمَخْشَرِيِّ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ قَالَ: رَأَيْتُ عِكْرِمَةَ سَأَلَ رَجُلًا عَنْ عِلْمِ النُّجُومِ وَ الرَّجُلُ يَتَحَرَّجُ أَنْ يُخْبِرَهُ فَقَالَ لَهُ عِكْرَمَةُ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ عِلْمٌ عَجَزَ النَّاسُ عَنْهُ وَ لَوَدِدْتُ أَنِّي عَلِمْتُهُ.
____________
(1) الصافّات: 89.
(2) النحل: 16.
254
39- وَ أَيْضاً فِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِلْمٌ مِنْ عِلْمِ النُّبُوَّةِ وَ لَيْتَنِي كُنْتُ أُحْسِنُهُ.
40- وَ مِنْهُ، قَالَ رَوَيْتُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النَّجَّارِ فِي الْمُجَلَّدِ الْحَادِي وَ الْعِشْرِينَ مِنْ تَذْيِيلِهِ عَلَى تَارِيخِ الْخَطِيبِ فِي تَرْجَمَةِ عَلِيِّ بْنِ طِرَادٍ بِإِسْنَادِهِ إِلَى (1) عِكْرِمَةَ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّ هَاهُنَا رَجُلًا يَهُودِيّاً يَتَكَهَّنُ قَالَ فَبَعَثَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ فَجَاءَ فَقَالَ يَا يَهُودِيُّ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُخْبِرُ بِالْغَيْبِ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ أَمَّا الْغَيْبُ فَلَا يَعْلَمُ إِلَّا اللَّهُ وَ لَكِنْ إِنْ شِئْتَ أَخْبَرْتُكَ قَالَ هَاتِ قَالَ أَ لَكَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ يَخْتَلِفُ إِلَى الْكُتَّابِ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَإِنَّهُ يَأْتِي غَداً مَحْمُوماً مِنَ الْكُتَّابِ وَ يَمُوتُ يَوْمَ عَاشِرِهِ وَ أَمَّا أَنْتَ فَلَا تَخْرُجُ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يَذْهَبَ بَصَرُكَ قَالَ هَذَا أَخْبَرْتَنِي عَنِ ابْنِي وَ عَنْ نَفْسِي فَأَخْبِرْنِي عَنْ نَفْسِكَ قَالَ أَمُوتُ رَأْسَ السَّنَةِ قَالَ عِكْرِمَةُ فَجَاءَ ابْنُ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنَ الْكُتَّابِ مَحْمُوماً وَ مَاتَ يَوْمَ عَاشِرِهِ فَلَمَّا كَانَ رَأْسُ السَّنَةِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَا عِكْرِمَةُ انْظُرْ مَا فَعَلَ الْيَهُودِيُّ فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ فَقَالُوا مَاتَ أَمْسِ فَمَا خَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهُ.
بيان: الكتاب بضم الكاف و تشديد التاء الكتبة و يطلق على المكتب تسمية للمحل باسم الحال.
41- النُّجُومُ، نَقْلًا مِنْ كِتَابِ رَبِيعِ الْأَبْرَارِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)مَنِ اقْتَبَسَ عِلْماً مِنْ عِلْمِ النُّجُومِ مِنْ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ ازْدَادَ بِهِ إِيمَاناً وَ يَقِيناً ثُمَّ تَلَا إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ (2)
42- وَ قَالَ فِيهِ أَيْضاً، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ إِيَّاكُمْ وَ التَّكْذِيبَ بِالنُّجُومِ فَإِنَّهُ عِلْمٌ مِنْ عُلُومِ النُّبُوَّةِ.
وَ فِيهِ أَيْضاً عَنْ عَلِيٍّ(ع)يُكْرَهُ أَنْ يُسَافِرَ الرَّجُلُ أَوْ يَتَزَوَّجَ فِي مُحَاقِ الشَّهْرِ وَ إِذَا كَانَ الْقَمَرُ فِي الْعَقْرَبِ.
43- وَ ذَكَرَ الْخَطِيبُ فِي تَارِيخِ بَغْدَادَ، حَدِيثاً أَسْنَدَهُ إِلَى تَمِيمِ بْنِ الْحَارِثِ
____________
(1) عن (خ).
(2) يونس: 6.
255
عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ أَوْ يُسَافِرَ إِذَا كَانَ الْقَمَرُ فِي مُحَاقِ الشَّهْرِ أَوِ الْعَقْرَبِ.
44- وَ فِي كِتَابِ رَبِيعِ الْأَبْرَارِ، فِيمَا رَوَاهُ عَنْ مَوْلَانَا عَلِيٍّ(ع)وَ يُرْوَى أَنَّ رَجُلًا قَالَ إِنِّي أُرِيدُ الْخُرُوجَ فِي تِجَارَةٍ لِي وَ ذَلِكَ فِي مُحَاقِ الشَّهْرِ فَقَالَ أَ تُرِيدُ أَنْ يَمْحَقَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ تَسْتَقْبِلُ هِلَالَ الشَّهْرِ بِالْخُرُوجِ.
45- وَ فِيهِ أَيْضاً، كَانَ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَسْتُرُونَ مِنَ الْعُلُومِ عِلْمَيْنِ عِلْمَ النُّجُومِ وَ عِلْمَ الطِّبِّ فَلَا يُعَلِّمُونَهُمَا أَوْلَادَهُمْ لِحَاجَةِ الْمُلُوكِ إِلَيْهِمَا لِئَلَّا يَكُونَ سَبَباً فِي صُحْبَةِ الْمُلُوكِ وَ الدُّنُوِّ مِنْهُمْ فَيَضْمَحِلَّ دِينُهُمْ.
46- وَ مِنْهُ، رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّلْتِ فِي كِتَابِ التَّوَاقِيعِ مِنْ أُصُولِ الْأَخْبَارِ قَالَ: حَمَلْتُ الْكِتَابَ وَ هُوَ الَّذِي نَقَلْتُهُ مِنَ الْعِرَاقِ قَالَ كَتَبَ معقلة [مَصْقَلَةُ بْنُ إِسْحَاقَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ رُقْعَةً يُعْلِمُهُ فِيهَا أَنَّ الْمُنَجِّمَ كَتَبَ مِيلَادَهُ وَ وَقَّتَ عُمُرَهُ وَقْتاً وَ قَدْ قَارَبَ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ فَأَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَهُ أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى عَمَلٍ يَعْمَلُهُ يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَأَوْصَلَ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ رُقْعَةً (1) بِعَيْنِهَا كَتَبَهَا فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مَتَّعَنِيَ اللَّهُ بِكَ قَرَأْتُ رُقْعَةَ فُلَانٍ فَأَصَابَنِي وَ اللَّهِ مَا أَخْرَجَنِي إِلَى بَعْضِ لَائِمَتِكَ سُبْحَانَ اللَّهِ أَنْتَ تَعْلَمُ حَالَهُ مِنَّا حَقّاً وَ مِنْ طَاعَتِنَا وَ أُمُورِنَا فَمَا مَنَعَكَ مِنْ نَقْلِ الْخَبَرِ إِلَيْنَا لِنَسْتَقْبِلَ الْأَمْرَ بِبَعْضِ السُّهُولَةِ أَوْ جَعَلْتَهُ (2) أَنَّهُ رَأَى رُؤْيَا فِي مَنَامِهِ أَوَ بَلَغَ سِنٌّ إِلَيْهِ أَوْ أَنْكَرَ شَيْئاً مِنْ نَفْسِهِ كَانَ يُدْرِكُ بِهَا حَاجَتَهُ وَ كَانَ الْأَمْرُ يَخِفُّ وُقُوعُهُ وَ يَسْهُلُ خَطْبُهُ وَ يَحْتَسِبُ هَذِهِ الْأُمُورَ عِنْدَ اللَّهِ بِالْأَمْسِ نَذْكُرُهُ فِي اللَّفْظَةِ (3) بِأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَصْلُحُ لَهَا غَيْرُهُ وَ اعْتِمَادُنَا عَلَيْهِ عَلَى مَا تَعْلَمُ نَحْمَدُ اللَّهَ كَثِيراً وَ نَسْأَلُهُ الِاسْتِمْتَاعَ بِنِعْمَتِهِ وَ بِأَصْلَحِ الْمَوَالِي وَ أَحْسَنِ الْأَعْوَانِ عَوْناً وَ بِرَحْمَتِهِ وَ مَغْفِرَتِهِ مُرْ فُلَاناً لَا فَجَعَنَا اللَّهُ بِهِ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّيَامِ عَلَى
____________
(1) رقعته (خ).
(2) أو أدخلته (خ).
(3) في العظة فانه (خ).
256
مَا أَصِفُ إِمَّا كُلَّ يَوْمٍ أَوْ يَوْماً وَ يَوْماً لَا أَوْ ثَلَاثَةً فِي الشَّهْرِ وَ لَا يَخْلُو كُلَّ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ مِنْ صَدَقَةٍ عَلَى سِتِّينَ مِسْكِيناً أَوْ مَا يُحَرِّكُهُ عَلَيْهِ النِّيَّةُ (1) وَ مَا جَرَى وَ تَمَّ وَ يَسْتَعْمِلُ نَفْسَهُ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ اسْتِعْمَالًا شَدِيداً وَ كَذَلِكَ فِي الِاسْتِغْفَارِ وَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَ الِاعْتِرَافِ فِي الْقُنُوتِ بِذُنُوبِهِ وَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْهَا وَ يَجْعَلُ أَبْوَاباً فِي الصَّدَقَةِ وَ الْعِتْقِ عَنْ أَشْيَاءَ يَسِمُهَا (2) مِنْ ذُنُوبِهِ وَ يُخْلِصُ نِيَّتَهُ فِي اعْتِقَادِ الْحَقِّ وَ يَصِلُ رَحِمَهُ وَ يَنْشُرُ الْخَيْرَ فِيهَا وَ نَرْجُو أَنْ يَنْفَعَهُ مَكَانُهُ مِنَّا وَ مَا وَهَبَ اللَّهُ مِنْ رِضَانَا عَنْهُ وَ حَمْدِنَا إِيَّاهُ فَلَقَدْ وَ اللَّهِ سَاءَنِي أَمْرُهُ فَوْقَ مَا أَصِفُ عَلَى أَنَّهُ أَرْجُو أَنْ يَزِيدَ اللَّهُ فِي عُمُرِهِ وَ يُبْطِلَ قَوْلَ الْمُنَجِّمِ فَمَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى الْغَيْبِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ.
و قد رأيت هذا الحديث في كتاب التوقيعات لعبد الله بن جعفر الحميري ره قد رواه عن أحمد بن محمد بن عيسى بإسناده إلى الكاظم ع. بيان النسخة كانت في هذه الرواية سقيمة جدا و لم نجدها في مكان آخر نصلحها به فتركناها كما كانت.
47- النُّجُومُ، رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الْبَرْقِيُّ فِي قِصَصِ الْأَنْبِيَاءِ فَقَالَ مَا هَذَا لَفْظُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سِنَانٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي مُعَاوِيَةَ قَالَ: وَ فُتِحَتْ مَدَائِنُ الشَّامِ عَلَى يَدِ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْبَلْقَاءِ فَلَقُوا بِهَا رَجُلًا يُقَالُ لَهُ بَالِقٌ بِهِ سُمِّيَتِ الْبَلْقَاءُ فَجَعَلُوا يَخْرُجُونَ يُقَاتِلُونَهُ لَا يُقْتَلُ مِنْهُمْ رَجُلٌ فَسَأَلَ ذَلِكَ فَقِيلَ إِنَّ فِي مَدِينَتِهِ امْرَأَةً مُنَجِّمَةً تَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ بِفَرْجِهَا ثُمَّ تَحْسُبُ ثُمَّ يُعْرَضُ عَلَيْهَا الْخَيْلُ فَلَا يَخْرُجُ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ حَضَرَ أَجَلُهُ فَصَلَّى يُوشَعُ بْنُ نُونٍ رَكْعَتَيْنِ وَ دَعَا رَبَّهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الشَّمْسَ فَاضْطَرَبَ عَلَيْهَا الْحِسَابُ فَقَالَتْ لِبَالِقٍ انْظُرْ مَا يَعْرِضُونَ عَلَيْكَ فَأَعْطِهِمْ فَإِنَّ حِسَابِي قَدِ اخْتَلَطَ عَلَيَّ قَالَ فَتَصَفَّحِي الْخَيْلَ فَأَخْرِجِي فَإِنَّهُ
____________
(1) النسبة (خ).
(2) يعلمها (خ).
257
لَا يَكُونُ إِلَّا بِقِتَالٍ قَالَ فَتَصَفَّحَتْ (1) وَ أَخْرَجَتْ فَقَتَلُوا قَتْلًا لَمْ يَقْتُلْهُ قَوْمٌ فَسَأَلُوا يُوشَعَ الصُّلْحَ فَأَبَى حَتَّى يَدْفَعَ إِلَيْهِ الْمَرْأَةَ فَأَبَى بَالِقٌ أَنْ يَدْفَعَهَا فَقَالَتْ ادْفَعْنِي إِلَيْهِ فَصَالَحَهَا وَ دَفَعَهَا إِلَيْهِ فَقَالَتْ هَلْ تَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَى صَاحِبِكَ قَتْلَ النِّسَاءِ قَالَ لَا قَالَتْ أَ لَيْسَ إِنَّمَا تَدْعُونِي إِلَى دِينِكَ قَالَ بَلَى قَالَتْ فَإِنِّي قَدْ دَخَلْتُ فِي دِينِكَ هَذَا آخِرُ لَفْظِهِ فِي حَدِيثِهِ.
بيان تستقبل الشمس بفرجها أي تواجهها لتعلم مقدار حركتها و هذه العبارة شائعة وقعت في مواضع منها ما ورد فيما يتشأم به المسافر و المرأة الشمطاء تلقى فرجها أي تواجهها.
48- نَوَادِرُ الرَّاوَنْدِيِّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ(ع)قَالَ: كَانَتْ أَرْضٌ بَيْنِي وَ بَيْنَ رَجُلٍ فَأَرَادَ قِسْمَتَهَا وَ كَانَ الرَّجُلُ صَاحِبَ نُجُومٍ فَنَظَرَ إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي فِيهَا السُّعُودُ فَخَرَجَ فِيهَا وَ نَظَرَ إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي فِيهَا النُّحُوسُ فَبَعَثَ إِلَى أَبِي فَلَمَّا اقْتَسَمَا الْأَرْضَ خَرَجَ خَيْرُ السَّهْمَيْنِ لِأَبِي فَجَعَلَ صَاحِبُ النُّجُومِ يَتَعَجَّبُ فَقَالَ لَهُ أَبِي مَا لَكَ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَقَالَ لَهُ أَبِي فَهَلَّا أَدُلُّكَ عَلَى خَيْرٍ مِمَّا صَنَعْتَ إِذَا أَصْبَحْتَ فَتَصَدَّقْ بِصَدَقَةٍ تُذْهِبْ عَنْكَ نَحْسَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَ إِذَا أَمْسَيْتَ فَتَصَدَّقْ بِصَدَقَةٍ تُذْهِبْ عَنْكَ نَحْسَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ.
49- دَعَوَاتُ الرَّاوَنْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: كَانَتْ أَرْضٌ بَيْنَ أَبِي وَ بَيْنَ رَجُلٍ فَأَرَادَ قِسْمَتَهَا وَ ذَكَرَ نَحْوَهُ وَ قَالَ(ع)فِي عِلْمِ النُّجُومِ عِنْدَنَا مَعْرِفَةُ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْكَافِرِ.
بيان لعله(ع)قال ذلك عند ذكر علم النجوم لبيان إحاطة علمه بما يدعيه المنجمون و بغيره لا أنه(ع)كان يعرف ذلك من النجوم مع أنه يحمل ذلك أيضا لبيان قصور علمهم و عدم إحاطتهم به فإنهم لا يدعون علم أمثال ذلك من جهة النجوم.
50- الْإِحْتِجَاجُ، وَ النَّهْجُ، نهج البلاغة مِنْ كَلَامٍ لَهُ قَالَهُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ لَمَّا عَزَمَ عَلَى
____________
(1) فتسلحت (خ).
258
الْمَسِيرِ إِلَى الْخَوَارِجِ فَقَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ سِرْتَ فِي هَذَا الْوَقْتِ خَشِيتُ أَنْ لَا تَظْفَرَ بِمُرَادِكَ مِنْ طَرِيقِ عِلْمِ النُّجُومِ فَقَالَ(ع)أَ تَزْعُمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ وَ تُخَوِّفُ (1) [مِنَ السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا حَاقَ بِهِ الضُّرُّ فَمَنْ صَدَّقَكَ (2) بِهَذَا فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ وَ اسْتَغْنَى عَنِ الِاسْتِعَانَةِ (3) بِاللَّهِ تَعَالَى فِي نَيْلِ الْمَحْبُوبِ وَ دَفْعِ الْمَكْرُوهِ وَ تَبْتَغِي فِي قَوْلِكَ لِلْعَامِلِ بِأَمْرِكَ أَنْ يُولِيَكَ الْحَمْدَ دُونَ رَبِّهِ لِأَنَّكَ بِزَعْمِكَ أَنْتَ هَدَيْتَهُ إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي نَالَ فِيهَا النَّفْعَ وَ أَمِنَ فِيهَا الضُّرَّ ثُمَّ أَقْبَلَ(ع)عَلَى النَّاسِ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَ تَعَلُّمَ النُّجُومِ إِلَّا مَا يُهْتَدَى بِهِ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى الْكِهَانَةِ الْمُنَجِّمُ كَالْكَاهِنِ وَ الْكَاهِنُ كَالسَّاحِرِ وَ السَّاحِرُ كَالْكَافِرِ وَ الْكَافِرُ فِي النَّارِ سِيرُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ وَ عَوْنِهِ (4).
بيان فمن صدقك بهذا كأنه أسقط السيد من الرواية شيئا كما هو دأبه و قد مر تمامه و على ما تقدم هذا إشارة إلى علم ما في بطن الدابة و إن لم يكن سقط هنا شيء فيحتمل أن يكون إشارة إلى دعواه علم الساعتين المنافي لقوله عز و جل وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً (5) و لقوله سبحانه قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ (6) و قوله جل و علا وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ (7) و ما أفاد مثل هذا المعنى و يمكن حمل الكلام على وجه آخر و هو أن قول المنجم بأن صرف السوء و نزول الضر تابع للساعة سواء قال بأن الأوضاع العلوية مؤثرة تامة في السفليات و لا يجوز تخلف الآثار عنها أو قال
____________
(1) في النهج: من الساعة.
(2) في النهج: صدق.
(3) في النهج: الاعانة:.
(4) الاحتجاج: 125، النهج: ج 1(ص)128.
(5) لقمان: 34.
(6) النمل: 65.
(7) الأنعام: 59.
259
بأنها مؤثرات ناقصة و لكن باقي المؤثرات أمور لا يتطرق إليها التغير أو قال بأنها علامات تدل على وقوع الحوادث حتما فهو مخالف لما ثبت من الدين من أنه سبحانه يمحو ما يشاء و يثبت و أنه يقبض و يبسط و يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد و لم يفرغ من الأمر و هو تعالى كل يوم في شأن و الظاهر من أحوال المنجمين السابقين و كلماتهم جلهم بل كلهم أنهم لا يقولون بالتخلف وقوعا أو إمكانا فيكون تصديقهم مخالفا لتصديق القرآن و ما علم من الدين و الإيمان من هذا الوجه و لو كان منهم من يقول بجواز التخلف و وقوعه بقدرة الله و اختياره و أنه تزول نحوسة الساعات بالتوكل و الدعاء و التوسل و التصدق و ينقلب السعد نحسا و النحس سعدا و بأن الحوادث لا يعلم وقوعها إلا إذا علم أن الله سبحانه لم تتعلق حكمته بتبديل أحكامها كان كلامه(ع)مخصوصا بمن لم يكن كذلك فالمراد بقوله صرف عنه السوء و حاق به الضر أي حتما قوله(ع)في قولك أي على قولك أو بسبب قولك أو هي للظرفية المجازية إلا ما يهتدى به إشارة إلى قوله سبحانه وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ (1) و الكهانة بالفتح مصدر قولك كهن بالضم أي صار كاهنا و يقال كهن يكهن كهانة مثل كتب يكتب كتابة إذا تكهن و الحرفة الكهانة بالكسر و هي عمل يوجب طاعة بعض الجان له بحيث يأتيه بالأخبار الغائبة و هو قريب من السحر قيل قد كان في العرب كهنة كشق و سطيح و غيرهما فمنهم من يزعم أن له تابعا من الجن و رئيا يلقي إليه الأخبار و منهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات و أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله و هذا يخصونه باسم العراف كالذي يدعي معرفة الشيء المسروق و مكان الضالة و نحوهما و دعوة علم النجوم إلى الكهانة إما لأنه ينجر أمر المنجم إلى الرغبة في تعلم الكهانة و التكسب به أو ادعاء ما يدعيه الكاهن و السحر قيل
____________
(1) الأنعام: 97.
260
هو كلام أو كتابة أو رقية أو أقسام و عزائم و نحوها يحدث بسببها ضرر على الغير و منه عقد الرجل عن زوجته و إلقاء البغضاء بين الناس و منه استخدام الملائكة و الجن و استنزال الشياطين في كشف الغائبات و علاج المصاب و استحضارهم و تلبسهم ببدن صبي أو امرأة و كشف الغائب على لسانه انتهى و الظاهر أنه لا يختص بالضرر و سيأتي بعض تحقيقه في باب هاروت و ماروت و تمام تحقيقه في باب الكبائر و وجه الشبه في تشبيه المنجم بالكاهن إما الاشتراك في الإخبار عن الغائبات أو في الكذب و الإخبار بالظن و التخمين و الاستناد إلى الأمارات الضعيفة و المناسبات السخيفة أو في العدول و الانحراف عن سبيل الحق و التمسك في نيل المطالب و درك المآرب بأسباب خارجة عن حدود الشريعة و صدهم عن التوسل إلى الله تعالى بالدعاء و الصدقة و سائر أصناف الطاعة أو في البعد عن المغفرة و الرحمة و يجري بعض هذه الوجوه في التشبيهين الأخيرين و المشبه به في التشبيهات أقوى و نتيجة الجميع دخول النار و يمكن أن يكون قوله و الكافر في النار إشارة إلى وجه الشبه و إن كان بعيدا و المراد إما الخلود أو الدخول و الأخير أظهر و إن كان تحققه في الكافر في ضمن الخلود.
و قال ابن ميثم ره في شرح هذا الكلام منه(ع)اعلم أن الذي يلوح من سر نهي الحكمة النبوية عن تعلم (1) النجوم أمران أحدهما اشتغال متعلميها (2) بها و اعتماد كثير من الخلق السامعين لأحكامها فيما يرجون و يخافون عليه فيما يسنده إلى الكواكب و الأوقات و الاشتغال بالفزع إليه و إلى ملاحظة الكواكب عن الفزع إلى الله تعالى و الغفلة عن الرجوع إليه فيما يهم من الأحوال و قد علمت أن ذلك يضاد مطلوب الشارع إذ كان غرضه ليس إلا دوام التفات الخلق إلى الله و تذكرهم لمعبودهم بدوام حاجتهم إليه الثاني أن الأحكام النجومية إخبارات عن أمور و هي تشبه الاطلاع على الأمور الغيبية و أكثر الخلق من
____________
(1) تعليم (خ).
(2) متعلمها (خ).
261
العوام أو النساء و الصبيان لا يميزون بينها و بين علم الغيب و الإخبار به فكان تعلم تلك الأحكام و الحكم بها سببا لضلال كثير من الخلق و موهنا لاعتقاداتهم في المعجزات إذ الإخبار عن الكائنات منها و كذا في عظمة بارئهم و يشككهم في عموم صدق قوله تعالى قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ (1) وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ (2) و قوله إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ (3) الآية فالمنجم إذا حكم لنفسه بأنه يصيب كذا فقد ادعى أن نفسه تعلم ما تكسب غدا و بأي أرض تموت و ذلك عين التكذيب للقرآن و كان هذين الوجهين هما المقتضيان لتحريم الكهانة و السحر و العزائم و نحوها و أما مطابقة لسان الشريعة للعقل في تكذيب هذه الأحكام فبيانها أن أهل النظر إما متكلمون فإما معتزلة أو أشعرية أما المعتزلة فاعتمادهم في تكذيب المنجم على أحد الأمرين أحدهما أن الشريعة كذبته و عندهم أن كل حكم شرعي فيشتمل على وجه عقلي و إن لم يعلم عين ذلك الوجه و الثاني مناقشة في ضبطه لأسباب ما أخبر عنه من كون أو فساد و أما الأشعرية فهم و إن قالوا لا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى و زعم بعضهم أنهم خلصوا بذلك من إسناد التأثيرات إلى الكواكب إلا أنه لا مانع على مذهبهم أن يجعل الله تعالى اتصال نجم بنجم أو حركته علامة على كون كائن أو فساده و ذلك مما لا يبطل على المنجم قاعدة فيرجعون أيضا إلى بيان عدم إحاطته بأسباب كون ما أخبر عنه و مناقشته في ذلك و أما الحكماء فاعلم أنه قد ثبت في أصولهم أن كل كائن فاسد في هذا العالم فلا بد له من أسباب أربعة فاعلي و مادي و صوري و غائي أما السبب الفاعلي القريب فالحركات السماوية و الذي هو أسبق منها فالمحرك لها إلى أن ينتهي إلى الجود الإلهي المعطي لكل قابل ما يستحقه و أما سببه المادي فهو القابل لصورته و تنتهي القوابل إلى
____________
(1) النمل: 65.
(2) الأنعام: 59.
(3) لقمان: 34.
262
القابل الأول و هو مادة العناصر المشتركة بينها و أما الصوري فصورته التي تقبلها مادته و أما الغائي فهي التي لأجلها وجد أما الحركات السماوية فإن من الكائنات ما يحتاج في كونه إلى دورة واحدة للفلك و منها ما يحتاج إلى بعض دورة و منها ما يحتاج إلى جملة من أدواره و اتصالاته و أما القوابل للكائنات فقد تقرر عندهم أيضا أن قبولها لكل كائن معين مشروط باستعداد معين له و ذلك الاستعداد يكون بحصول صورة سابقة عليه و هكذا قبل كل صورة صورة معدة لحصول الصورة بعدها و كل صورة منها أيضا يستند إلى الاتصالات و الحركات الفلكية و لكل استعداد معين زمان معين و حركة معينة و اتصال معين يخصه لا يفي بدركها القوة البشرية إذا عرفت ذلك فنقول الأحكام النجومية إما أن تكون جزئية أو كلية أما الجزئية فأن يحكم مثلا بأن هذا الإنسان يكون من حاله كذا و كذا و ظاهر أن مثل هذا الحكم لا سبيل له إلى معرفته إذ العلم به إنما هو من جهة أسبابه أما الفاعلية فأن يعلم أن الدورة المعينة أو الاتصال المعين سبب لملك هذا الرجل البلد المعين مثلا و أنه لا سبب فاعلي لذلك إلا هو و الأول باطل لجواز أن يكون السبب غير ذلك الاتصال أو هو مع غيره أقصى ما في الباب أن يقال إنما كانت هذه الدورة و هذا الاتصال سببا لهذا الكائن لأنها كانت سببا لمثله في الوقت الفلاني لكن هذا أيضا باطل لأن كونها سببا للكائن السابق لا يجب أن يكون لكونها مطلقا دورة و اتصالا بل لعله أن يكون لخصوصية كونها تلك المعينة التي لا تعود بعينها فيما بعد و حينئذ لا يمكن الاستدلال بحصولها على كون حادث لأن المؤثرات المختلفة لا يجب تشابه آثارها و الثاني أيضا باطل لأن العقل يجزم بأنه لا اطلاع له على أنه لا مقتضى لذلك الكائن من الأسباب الفاعلة إلا الاتصال المعين و كيف و قد ثبت أن من الكائنات ما يفتقر إلى أكثر من اتصال واحد و دورة واحدة أو أقل و أما القابلية فأن يعلم أن المادة قد استعدت لقبول مثل هذا الكائن و استجمعت جميع شرائط قبوله الزمانية و المكانية و السماوية و الأرضية و ظاهر أن الإحاطة بذلك غير ممكنة للإنسان.
263
و أما أحكامهم الكلية فكان كما يقال كلما حصلت الدورة الفلانية كان كذا فالمنجم إنما يحكم بذلك الحكم عن جزئيات من الدورات تشابهت آثارها فظنها متكررة و لذلك يعدلون إذا حقق القول عليهم إلى دعوى التجربة و قد علمت أن التجربة تعود إلى تكرر مشاهدات يضبطها الحس و العقل يحصل منها حكما كليا كحكمه بأن كل نار محرقة فإنه لما أمكن للعقل استثبات الإحراق بواسطة الحس أمكنه الجزم الكلي بذلك فأما التشكلات الفلكية و الاتصالات الكوكبية المقتضية لكون ما يكون فليس شيء منها يعود بعينه كما علمت و إن جاز أن يكون تشكلات و عودات متقاربة الأحوال و متشابهة إلا أنه لا يمكن للإنسان ضبطها و لا الاطلاع على مقدار ما بينها من المشابهة و التفاوت و ذلك أن حساب المنجم مبني على قسمة الزمان بالشهور و الأيام و الساعات و الدرج و الدقائق و أجزائها و تقسيم الحركة بإزائها و رفع بينهما نسبة عددية و كل هذه أمور غير حقيقية و إنما تؤخذ على سبيل التقريب أقصى ما في الباب أن التفاوت فيها لا يظهر في المدد المتقاربة لكنه يشبه أن يظهر في المدد المتباعدة و مع ظهور التفاوت في الأسباب كيف يمكن دعوى التجربة و حصول العلم الكلي الثابت الذي لا يتغير باستمرار أثرها على وتيرة واحدة ثم لو سلمنا أنه لا يظهر تفاوت أصلا إلا أن العلم بعود تلك الدورة لا يقتضي بمجرده العلم بعود الأثر السابق لتوقف العلم بذلك على عود أمثال الأسباب الباقية للأثر السابق من الاستعداد و سائر أسبابه العلوية و السفلية و على ضبطها فإن العلم التجربي إنما يحصل بعد حصرها ليعلم عودها و تكررها و كل ذلك مما لا سبيل للقوة البشرية إلى ضبطه فكيف يمكن دعوى التجربة.
ثم قال و اعلم أن الذي ذكرناه ليس إلا بيان أن الأصول التي يبني عليها الأحكاميون أحكامهم و ما يخبرون به في المستقبل أصول غير موثوق بها فلا يجوز الاعتماد عليها في تلك الأحكام و الجزم بها و هذا لا ينافي كون تلك القواعد ممهدة بالتقريب كقسمة الزمان و حركة الفلك و السنة و الشهر و اليوم مأخوذا عنها
264
حساب يبنى عليه مصالح إما دينية كمعرفة أوقات العبادات كالصوم و الحج و نحوهما أو دنيوية كآجال المدائنات و سائر المعاملات و كمعرفة الفصول الأربعة ليعمل في كل منها ما يليق به من الحراثة و السفر و أسباب المعاش و كذلك معرفة قوانين تقريبية من أوضاع الكواكب و حركاتها يهتدي بقصدها و على سمتها المسافرون في بر أو بحر فإن ذلك القدر منها غير محرم بل لعله من الأمور المستحبة لخلو المصالح المذكورة فيه عن وجوه المفاسد التي تشتمل عليها الأحكام كما سبق و لذلك امتن الله تعالى على عباده بخلق الكواكب في قوله هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ (1) و قوله لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ (2) أقول
وَ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِوَجْهٍ آخَرَ أَبْسَطَ مِمَّا أَوْرَدَهُ السَّيِّدُ ره نَقْلًا مِنْ كِتَابِ صِفِّينَ لِابْنِ دَيْزِيلَ مُرْسَلًا قَالَ: عَزَمَ عَلِيٌّ(ع)عَلَى الْخُرُوجِ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الْحَرُورِيَّةِ وَ كَانَ فِي أَصْحَابِهِ مُنَجِّمٌ فَقَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَسِرْ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ وَ سِرْ عَلَى ثَلَاثِ سَاعَاتٍ مَضَيْنَ مِنَ النَّهَارِ فَإِنَّكَ إِنْ سِرْتَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ أَصَابَكَ وَ أَصْحَابَكَ أَذًى وَ ضُرٌّ شَدِيدٌ وَ إِنْ سِرْتَ فِي السَّاعَةِ الَّتِي أَمَرْتُكَ بِهَا ظَفِرْتَ وَ ظَهَرْتَ وَ أَصَبْتَ مَا طَلَبْتَ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ(ع)أَ تَدْرِي مَا فِي بَطْنِ فَرَسِي هَذَا أَ ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى قَالَ إِنْ حَسِبْتُ عَلِمْتُ فَقَالَ(ع)فَمَنْ صَدَّقَكَ بِهَذَا فَقَدْ كَذَّبَ بِالْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ (3) الْآيَةَ ثُمَّ قَالَ(ع)إِنَّ مُحَمَّداً(ص)مَا كَانَ يَدَّعِي عِلْمَ مَا ادَّعَيْتَ عِلْمَهُ أَ تَزْعُمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي يُصِيبُ النَّفْعَ مَنْ سَارَ فِيهَا وَ تَصْرِفُ عَنِ السَّاعَةِ الَّتِي يَحِيقُ السُّوءُ بِمَنْ سَارَ فِيهَا فَمَنْ صَدَّقَكَ بِهَذَا فَقَدِ اسْتَغْنَى عَنِ الِاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ فِي صَرْفِ الْمَكْرُوهِ عَنْهُ وَ يَنْبَغِي لِلْمُوقِنِ بِأَمْرِكَ أَنْ يُولِيَكَ الْحَمْدَ دُونَ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ لِأَنَّكَ
____________
(1) الأنعام: 97.
(2) يونس: 5.
(3) لقمان: 34.
265
بِزَعْمِكَ هَدَيْتَهُ إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي يُصِيبُ النَّفْعَ مَنْ سَارَ فِيهَا وَ صَرَفْتَهُ عَنِ السَّاعَةِ الَّتِي يَحِيقُ السُّوءُ بِمَنْ سَارَ فِيهَا فَمَنْ آمَنَ بِكَ فِي هَذَا لَمْ آمَنْ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ كَمَنِ اتَّخَذَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ضِدّاً وَ نِدّاً اللَّهُمَّ لَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ وَ لَا ضَيْرَ إِلَّا ضَيْرُكَ وَ لَا إِلَهَ غَيْرُكَ ثُمَّ قَالَ بَلْ نُخَالِفُ وَ نَسِيرُ فِي السَّاعَةِ الَّتِي نَهَيْتَنَا ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَ التَّعَلُّمَ لِلنُّجُومِ إِلَّا مَا يُهْتَدَى بِهِ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ إِنَّمَا الْمُنَجِّمُ كَالْكَاهِنِ وَ الْكَاهِنُ كَالْكَافِرِ وَ الْكَافِرُ فِي النَّارِ أَمَا وَ اللَّهِ إِنْ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَعْمَلُ بِالنُّجُومِ لَأُخَلِّدَنَّكَ السِّجْنَ أَبَداً مَا بَقِيتُ وَ لَأُحَرِّمَنَّكَ الْعَطَاءَ مَا كَانَ لِي سُلْطَانٌ ثُمَّ سَارَ فِي السَّاعَةِ الَّتِي نَهَاهُ عَنْهُ الْمُنَجِّمُ فَظَفِرَ بِأَهْلِ النَّهْرِ وَ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ لَوْ سِرْنَا فِي السَّاعَةِ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا الْمُنَجِّمُ لَقَالَ النَّاسُ سَارَ فِي السَّاعَةِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا الْمُنَجِّمُ وَ ظَفِرَ وَ ظَهَرَ أَمَا إِنَّهُ مَا كَانَ لِمُحَمَّدٍ(ص)مُنَجِّمٌ وَ لَا لَنَا مِنْ بَعْدِهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا بِلَادَ كِسْرَى وَ قَيْصَرَ أَيُّهَا النَّاسُ تَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ وَ ثِقُوا بِهِ فَإِنَّهُ يَكْفِي مِمَّنْ سِوَاهُ.
. و أقول
- قال السيد الجليل علي بن طاوس ره في كتاب النجوم بعد ما أورد هذه الرواية نقلا من النهج إنني رأيت فيما وقفت عليه في كتاب عيون الجواهر تأليف أبي جعفر محمد بن بابويه ره حديث المنجم الذي عرض لمولانا علي(ع)عند مسيره إلى النهروان مسندا عن محمد بن علي ماجيلويه عن عمه محمد بن أبي القاسم عن محمد بن علي القرشي عن نصر بن مزاحم المقري عن عمر بن سعد عن يوسف بن يزيد عن عبد الله بن عوف بن الأحمر قال لما أراد أمير المؤمنين(ع)المسير إلى النهروان أتاه منجم.
ثم ذكر حديثه فأقول إن في هذا الحديث عدة رجال لا يعمل علماء أهل البيت(ع)على روايتهم و يمنع من يجوز العمل بأخبار الآحاد من العمل بأخبارهم و شهادتهم و فيهم عمر بن سعد بن أبي وقاص مقاتل الحسين(ع)فإن أخباره و رواياته مهجورة و لا يلتفت عارف بحاله إلى ما يرويه أو يسند إليه ثم طعن في الرواية بأنها لو كانت صحيحة لكان(ع)قد حكم في هذا على صاحبه الذي قد شهد مصنف نهج البلاغة أنه من
266
أصحابه أيضا بأحكام الكفار إما بكونه مرتدا عن الفطرة فيقتله في الحال أو برده عن غير الفطرة فيتوبه أو يمتنع من التوبة فيقتل لأن الرواية قد تضمنت أن المنجم كالكافر أو كان يجري عليه أحكام الكهنة أو السحرة لأن الرواية تضمنت أنه كالكاهن و الساحر و ما عرفنا إلى وقتنا هذا أنه حكم على هذا المنجم أحكام الكفار و لا السحرة و لا الكهنة و لا أبعده و لا عزره بل قال سيروا على اسم الله و المنجم من جملتهم لأنه صاحبه و هذا يدلك على تباعد الرواية من صحة النقل أو يكون لها تأويل غير ظاهرها موافق للعقل.
ثم قال و مما نذكره من التنبيه على بطلان ظاهر الرواية بتحريم علم النجوم قول الراوي فيها إن من صدقك فقد كذب القرآن و استغنى عن الاستعانة بالله و نعلم أن الطلائع للحروب يدلون على السلامة من هجوم الجيوش و كثير من النحوس و يبشرون بالسلامة و ما ألزم من ذلك أن يوليهم الحمد دون ربهم.
ثم إننا وجدنا في الدعوات الكثيرة التعوذ من أهل الكهانة و السحرة فلو كان المنجم مثلهم كان قد تضمن بعض الأدعية التعوذ منه و ما عرفنا في الأدعية التعوذ من النجوم و المنجم إلى وقتنا هذا و من التنبيه على بطلان ظاهر هذه الرواية أن الدعوات تضمن كثير منها و غيرها من صفات النبي(ص)أنه لم يكن كاهنا و لا ساحرا و ما وجدنا إلى الآن و لا كان عالما بالنجوم فلو كان المنجم كالكاهن و الساحر ما كان يبعد أن يتضمنه بعض الروايات و الدعوات في ذكر الصفات انتهى.
و أقول أما قدحه في سند الرواية فهي من المشهورات بين الخاصة و العامة و لذا أورده السيد في النهج إذ دأبه فيه أن يروي ما كان مقبول الطرفين و ضعف سند الرواية التي أورده الصدوق ره لا يدل على ضعف سائر الأسانيد و عمر بن سعد الذي يروي عنه نصر بن مزاحم ليس الملعون الذي كان محارب الحسين(ع)كما يظهر من كتابه كتاب الصفين الذي عندنا فإن أكثر ما رواه فيه رواه عن هذا الرجل و في كثير من المواضع عمرو مكان عمر و لم يكن الملعون من جملة
267
رواة الحديث و حملة الأخبار حتى يروي عنه هذه الأخبار الكثيرة و أيضا رواية نصر عنه بعيد جدا فإن نصرا كان من أصحاب الباقر(ع)و الملعون لم يبق بعد شهادة الحسين(ع)إلا قليلا و الشواهد على كونه غيره كثيرة لا تخفى على المتدرب في الأخبار العارف بأحوال الرجال و هذا من السيد ره غريب و أما قوله إنه(ع)لم يحكم بكفر المنجم فيرد عليه أن الظاهر من التشبيه بالكافر أنه ليس بكافر و إنما يدل على اشتراكه معه في بعض الصفات لا في جميع الأحكام حتى يقتله في الحال أو بعد امتناعه من التوبة على أنه(ع)لم يشبهه بالكافر بل بالمشبه بالكافر و أما قوله و لا أبعده و لا عزره ففيه أنه قد ظهر مما رواه ابن أبي الحديد الإيعاد بالحبس المؤبد و التحريم من العطاء و لم يعلم أنه أصر المنجم على العمل بالنجوم بعد ذلك حتى يستحق تعزيرا أو نكالا و عدم اشتمال رواية السيد على هذه الزيادة لا يدل على عدمها فإن عادة السيد الاقتصار على ما اختاره من كلامه(ع)بزعمه لا استيفاء النقل و الرواية مع أن عدم النقل في مثل هذا لا يدل على العدم و كونه من أصحابه و بينهم لا يدل على كونه مرضيا فإن جيشه(ع)كان مشتملا على كثير من الخوارج و المنافقين كالأشعث أخي هذا المنجم على ما ذكره السيد و غيره أنه كان عفيف بن قيس أخا الأشعث رأس المنافقين و مثير أكثر الفتن و أما قياسه على طلائع الحروب فالفرق بين الأمرين بين فإن ما يهدي إليه الطلائع و نحوهم ليست أمورا يترتب عليها صرف السوء و نيل المحبوب حتما بل يتوقف على اجتماع أمور كوجود الشرائط و ارتفاع الموانع و كل ذلك لا يتيسر الظفر بها إلا بفضل مسبب الأسباب بخلاف ما ادعاه المنجم من أن الظفر يترتب حتما على الخروج في الساعة التي اختاره و أما عدم التعوذ من النجوم و المنجم فلأن المنجم إنما يعود ضرره إلى نفسه بخلاف الساحر و الكاهن فإنه يترتب منهما ضرر كثير على الناس مع أن الدعاء الذي رواه السيد في كتاب الاستخارات و أوردناه في هذا الباب يتضمن البراءة إلى الله من اللجإ إلى العمل بالنجوم و طلب الاختيارات منها و أما عدم وصف النبي(ص)بأنه لم يكن منجما لأن الكفار إنما كانوا يصفونه
268
ص بالسحر و الكهانة و الشعر فورد براءته عنها ردا عليهم و لم يكونوا يصفونه بالنجوم مع أنه كان عالما بالحق من علم النجوم و كان من فضائله.
51- الْمَكَارِمُ، فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْحِجَامَةِ فِي الْأَرْبِعَاءِ إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ فِي الْعَقْرَبِ (1).
52- الذَّهَبِيَّةُ، عَنِ الرِّضَا(ع)اعْلَمْ أَنَّ جِمَاعَهُنَّ وَ الْقَمَرُ فِي بُرْجِ الْحَمَلِ أَوِ الدَّلْوِ مِنَ الْبُرُوجِ أَفْضَلُ وَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِي بُرْجِ الثَّوْرِ لِكَوْنِهِ شَرَفَ الْقَمَرِ.
بيان لعله قال ذلك موافقا لرأي المأمون و لما اشتهر في ذلك الزمان كما أشعر(ع)به في تلك الرسالة.
53- المهج، مهج الدعوات فِي حِرْزِ الْجَوَادِ(ع)وَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ طُلُوعُ الْقَمَرِ فِي بُرْجِ الْعَقْرَبِ.
54- التَّهْذِيبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَعْقُوبَ الْهَاشِمِيِّ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: كُسُوفُ الشَّمْسِ أَشَدُّ عَلَى النَّاسِ وَ الْبَهَائِمِ.
بيان هذا مما يوهم أن لأحوالها و أوضاعها تأثيرا في بعض الأشياء و يمكن أن يكون المعنى أنه علامة غضب الله عليهم أو أنهم يفزعون لذلك لحدوث الظلمة في غير وقتها.
55- نَوَادِرُ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حُمْرَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَنْ سَافَرَ أَوْ تَزَوَّجَ وَ الْقَمَرُ فِي الْعَقْرَبِ لَمْ يَرَ الْحُسْنَى.
الكافي، عن عدة من أصحابه عن أحمد بن محمد عن علي بن أسباط عن إبراهيم بن حمران عن أبيه مثله (2) بيان الظاهر أن المراد بكون القمر في العقرب هنا كونه محاذيا لكواكبه كما هو دأب العرب في البوادي و غيرها إذ لم يكن عندهم ضوابط البروج و الانتقالات
____________
(1) مكارم الأخلاق: ج 1،(ص)83.
(2) روضة الكافي: 275.
269
إليها و الاستخراجات الشائعة في تلك الأزمان و لم يكن دأبهم(ع)إحالة الناس في الأحكام التي تحتاج إليها عامة الخلق على ما لا يعرفه إلا الآحاد من العلماء لا سيما إذا لم يكن شائعا في تلك الأزمنة عند العلماء أيضا و الكواكب الثابتة و الأشكال التي سميت البروج بها قد انتقلت في زماننا عن البروج التي عينوها بمقدار برج تقريبا فالعقرب في مكان القوس فظهر أن ما وقع في الشريعة أيضا لا يوافق قواعدهم المقررة عندهم.
56- الْخِصَالُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ السَّعْدَآبَادِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ وَ غَيْرِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الصَّنْعَانِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ (عليه السلام) فَقَالَ (1) لَهُ مَرْحَباً بِكَ يَا سَعْدُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ بِهَذَا الِاسْمِ سَمَّتْنِي أُمِّي وَ مَا أَقَلَّ مَنْ يَعْرِفُنِي بِهِ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)صَدَقْتَ يَا سَعْدُ الْمَوْلَى فَقَالَ الرَّجُلُ جُعِلْتُ فِدَاكَ بِهَذَا كُنْتُ أُلَقَّبُ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)لَا خَيْرَ فِي اللَّقَبِ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ وَ لا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ (2) مَا صَنْعَتُكَ (3) يَا سَعْدُ فَقَالَ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَنَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ نَنْظُرُ فِي النُّجُومِ لَا نَقُولُ إِنَّ بِالْيَمَنِ أَحَداً أَعْلَمُ بِالنُّجُومِ مِنَّا فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَأَسْأَلُكَ فَقَالَ الْيَمَانِيُّ سَلْ عَمَّا أَحْبَبْتَ مِنَ النُّجُومِ فَإِنِّي أُجِيبُكَ عَنْ ذَلِكَ بِعِلْمٍ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)كَمْ ضَوْءُ الشَّمْسِ عَلَى ضَوْءِ الْقَمَرِ دَرَجَةً فَقَالَ الْيَمَانِيُّ لَا أَدْرِي فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)صَدَقْتَ فَكَمْ ضَوْءُ الْقَمَرِ عَلَى ضَوْءِ الزُّهَرَةِ دَرَجَةً فَقَالَ الْيَمَانِيُّ لَا أَدْرِي فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)صَدَقْتَ فَكَمْ ضَوْءُ الْمُشْتَرِي عَلَى ضَوْءِ عُطَارِدٍ دَرَجَةً فَقَالَ الْيَمَانِيُّ لَا أَدْرِي فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)صَدَقْتَ فَمَا اسْمُ النَّجْمِ الَّذِي
____________
(1) في المصدر: و قال له.
(2) الحجرات: 11.
(3) في المصدر: ما صناعتك؟.
270
إِذَا طَلَعَ هَاجَتِ الْبَقَرُ فَقَالَ الْيَمَانِيُ لَا أَدْرِي فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)صَدَقْتَ فِي قَوْلِكَ لَا أَدْرِي فَمَا زُحَلُ عِنْدَكُمْ فِي النُّجُومِ فَقَالَ الْيَمَانِيُّ نَجْمٌ نَحْسٌ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)مَهْ لَا تَقُولَنَّ هَذَا فَإِنَّهُ نَجْمُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ هُوَ نَجْمُ الْأَوْصِيَاءِ وَ هُوَ النَّجْمُ الثَّاقِبُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي كِتَابِهِ قَالَ الْيَمَانِيُّ فَمَا يَعْنِي بِالثَّاقِبِ قَالَ إِنَّ مَطْلِعَهُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَ إِنَّهُ ثَقَبَ بِضَوْئِهِ حَتَّى أَضَاءَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَمِنْ ثَمَّ سَمَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ النَّجْمَ الثَّاقِبَ يَا أَخَا أَهْلِ الْيَمَنِ عِنْدَكُمْ عُلَمَاءُ فَقَالَ الْيَمَانِيُّ نَعَمْ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّ بِالْيَمَنِ قَوْماً لَيْسُوا كَأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ فِي عِلْمِهِمْ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَ مَا يَبْلُغُ مِنْ عِلْمِ عَالِمِهِمْ فَقَالَ لَهُ الْيَمَانِيُّ إِنَّ عَالِمَهُمْ لَيَزْجُرُ الطَّيْرَ وَ يَقْفُو الْأَثَرَ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ لِلرَّاكِبِ الْمُجِدِّ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ عِلْمَ عَالِمِ الْمَدِينَةِ (1) يَنْتَهِي إِلَى حَيْثُ لَا يَقْفُو الْأَثَرَ وَ يَزْجُرُ الطَّيْرَ وَ يَعْلَمُ مَا فِي اللَّحْظَةِ الْوَاحِدَةِ مَسِيرَةَ الشَّمْسِ تَقْطَعُ اثْنَيْ عَشَرَ بُرْجاً وَ اثْنَيْ عَشَرَ بَرّاً وَ اثْنَيْ عَشَرَ بَحْراً وَ اثْنَيْ عَشَرَ عَالِماً قَالَ فَقَالَ لَهُ الْيَمَانِيُّ جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَداً يَعْلَمُ هَذَا أَوْ يَدْرِي مَا كُنْهُهُ ثُمَّ قَامَ الْيَمَانِيُّ فَخَرَجَ (2).
- النُّجُومُ، قَالَ السَّيِّدُ ره وَجَدْتُ فِي كِتَابٍ عَتِيقٍ تَأْلِيفِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ النَّيْسَابُورِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ وَ ذَكَرَ نَحْوَهُ إِلَّا أَنَّ فِيهِ سَعِيدُ مَكَانَ سَعْدُ فِي الْمَوَاضِعِ وَ الْمُزَنِيُّ مَكَانَ الْمَوْلَى وَ فِيهِ فَمَا اسْمُ النُّجُومِ الَّتِي إِذَا طَلَعَتْ هَاجَتِ الْإِبِلُ قَالَ لَا أَدْرِي قَالَ فَمَا اسْمُ النَّجْمِ الَّذِي إِذَا طَلَعَ هَاجَتِ الْكِلَابُ قَالَ لَا أَدْرِي قَالَ فَمَا اسْمُ النَّجْمِ الَّذِي إِذَا طَلَعَ هَاجَتِ الْبَقَرُ إِلَى آخِرِ الْخَبَرِ.
- ثم قال السيد ره و رويت هذا الحديث بأسانيد إلى أبان من كتاب عبد الله بن القاسم الحضرمي.
57- الْكَافِي، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عُثْمَانَ
____________
(1) في المصدر: فان عالم المدينة أعلم من عالم اليمن، فقال اليمانيّ: و ما بلغ من علم عالم المدينة؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام).
(2) الخصال: 86.
271
بْنِ عِيسَى عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْجُرْجَانِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَ لِمَنْ جَعَلَ لَهُ سُلْطَاناً أَجَلًا وَ مُدَّةً مِنْ لَيَالٍ وَ أَيَّامٍ وَ سِنِينَ وَ شُهُورٍ فَإِنْ عَدَلُوا فِي النَّاسِ أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ صَاحِبَ الْفَلَكِ أَنْ يُبْطِئَ بِإِدَارَتِهِ فَطَالَتْ أَيَّامُهُمْ وَ لَيَالِيهِمْ وَ سِنِينُهُمْ (1) وَ شُهُورُهُمْ وَ إِنْ جَارُوا فِي النَّاسِ وَ لَمْ يَعْدِلُوا أَمَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى صَاحِبَ الْفَلَكِ فَأَسْرَعَ بِإِدَارَتِهِ فَقَصُرَتْ لَيَالِيهِمْ وَ أَيَّامُهُمْ وَ سِنِينُهُمْ وَ شُهُورُهُمْ وَ قَدْ وَفَى لَهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِعَدَدِ اللَّيَالِي وَ الشُّهُورِ (2).
بيان قد مر الكلام في مثله.
58- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْخَطَّابِ وَ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ جَمِيعاً عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَطِيَّةَ الزَّيَّاتِ عَنْ مُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنِ النُّجُومِ أَ حَقٌّ هِيَ فَقَالَ نَعَمْ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بَعَثَ الْمُشْتَرِيَ إِلَى الْأَرْضِ فِي صُورَةِ رَجُلٍ فَأَخَذَ رَجُلًا مِنَ الْعَجَمِ فَعَلَّمَهُ النُّجُومَ حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ ثُمَّ قَالَ لَهُ انْظُرْ أَيْنَ الْمُشْتَرِي فَقَالَ مَا أَرَاهُ فِي الْفَلَكِ وَ مَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ قَالَ فَنَحَّاهُ وَ أَخَذَ بِيَدِ رَجُلٍ مِنَ الْهِنْدِ فَعَلَّمَهُ حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ وَ قَالَ انْظُرْ إِلَى الْمُشْتَرِي أَيْنَ هُوَ فَقَالَ إِنَّ حِسَابِي لَيَدُلُّ عَلَى أَنَّكَ أَنْتَ الْمُشْتَرِي وَ قَالَ (3) فَشَهَقَ شَهْقَةً فَمَاتَ وَ وَرِثَ عِلْمَهُ أَهْلُهُ فَالْعِلْمُ هُنَاكَ (4).
بيان في صورة رجل لعل المراد على تقدير صحة الخبر أن الله تعالى
____________
(1) و سنوهم (خ).
(2) روضة الكافي: 271.
(3) في المصدر: قال و شهق.
(4) روضة الكافي: 330. اقول: على فرض صدور الرواية يحتمل أن يكون الامام (عليه السلام) حكى هذه الاحدوثة عن قول غير لمصلحة، فزعم بغض الرواة انها حكاية عن الواقع فرواها عنه. و يؤيده ما مر في الحديث (26) من هذا الباب عن الرضا (عليه السلام) انه قال للصباح بن نصر الهندى: اصل هذا العلم من عند اللّه عزّ و جلّ، و يقال: ان اللّه بعث النجم الذي يقال له المشترى .. الخ.
272
جعله في هذا الوقت ذا روح و حياة و علم و بعثه إلى الأرض لئلا ينافي ما سيأتي من إجماع المسلمين على عدم حياة الأجسام الفلكية و شعورها و أما أنه كيف صار صغيرا بحيث وسعه الأرض و حضر عند الرجل فيمكن أن يكون على التكاثف أو على إعدام بعض الأجزاء سوى الأجزاء الأصلية التي بها تشخص الكوكب ثم إيجاد تلك الأجزاء و إعادتها كما أن الشخص تتبدل أجزاؤه من أول العمر إلى آخره و تشخصه محفوظ بالأجزاء الأصلية و ورث علمه أهله أي كتبه و ما علمهم قبل موته و الخبر يدل على أن لهذا العلم أصلا و لا يدل على جواز النظر فيه و تعليمه و تعلمه و استخراج الأحكام منه لسائر الخلق و لعله يكون فتنة كقصة هاروت و ماروت.
59- الْفَقِيهُ، بِسَنَدِهِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنِّي قَدِ ابْتُلِيتُ بِهَذَا الْعِلْمِ فَأُرِيدُ الْحَاجَةَ فَإِذَا نَظَرْتُ إِلَى الطَّالِعِ وَ رَأَيْتُ الطَّالِعَ الشَّرَّ جَلَسْتُ وَ لَمْ أَذْهَبْ فِيهَا وَ إِذَا رَأَيْتُ الطَّالِعَ الْخَيْرَ ذَهَبْتُ فِي الْحَاجَةِ فَقَالَ لِي تَقْضِي قُلْتُ نَعَمْ قَالَ أَحْرِقْ كُتُبَكَ (1).
دعوات الراوندي، عن عبد الملك مثله بيان قوله تقضي على بناء المعلوم أي تحكم بالحوادث و تخبر بالأمور الآتية أو الغائبة أو تحكم بأن للنجوم تأثيرا أو أن لذلك الطالع أثرا أو على بناء المجهول أي إذا ذهبت في الطالع الخير تقضى حاجتك و تعتقد ذلك و الأول عندي أظهر و هذا خبر معتبر يدل على أظهر الوجوه على أن الإخبار بأحكام النجوم و الاعتناء بسعادة النجوم و الطوالع محرم يجب الاحتراز عنه.
60- الْفَقِيهُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَنْظُرُ فِي النُّجُومِ وَ أَعْرِفُهَا وَ أَعْرِفُ الطَّالِعَ فَيَدْخُلُنِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ(ع)فَقَالَ إِذَا وَقَعَ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ فَتَصَدَّقْ عَلَى أَوَّلِ مِسْكِينٍ ثُمَّ امْضِ فَإِنَ
____________
(1) لم يوجد في المصدر.
273
اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَدْفَعُ عَنْكَ (1).
النجوم، نقلا من الفقيه عن ابن أبي عمير مثله- ثم قال السيد ره و روينا هذا الحديث أيضا من كتاب التجمل عن محمد بن أذينة عن ابن أبي عمير و ذكر نحوه ثم قال لو لم يكن في الشيعة عارف بالنجوم إلا محمد بن أبي عمير لكان حجة في صحتها و إباحتها لأنه من خواص الأئمة و الحجج في مذاهبها و روايتها (2) بيان أقول روى هذا الخبر البرقي في المحاسن عن ابن أبي عمير عن ابن أذينة عن سفيان بن عمر كما مر فظهر أن العارف بالنجوم لم يكن ابن أبي عمير بل رجلا مجهول الحال و وقع سقط من نسخ الفقيه و لو سلم فجوابه(ع)يدل على أنه لما كان ابتلي بهذا العلم و كان في نفسه من ذلك شيء علمه(ع)ما يدفع ذلك من الصدقة كما يدفع به الطيرة التي لا أصل لها و لم يكن ابن أبي عمير رحمه الله معصوما حتى يكون فعله حجة.
61- دَلَائِلُ الْإِمَامَةِ، لِلطَّبَرِيِّ وَ كِتَابُ النُّجُومِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَلَوِيِّ عَنْ عَمَّارِ بْنِ زَيْدٍ الْمَدَنِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ وَ مُحَمَّدِ بْنِ مِسْعَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ صَاحِبِ الْمَغَازِي عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّتْ بِالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)بَقَرَةٌ فَقَالَ هَذِهِ حُبْلَى بِعِجْلَةٍ أُنْثَى لَهَا غُرَّةٌ فِي جَبْهَتِهَا وَ رَأْسُ ذَنَبِهَا أَبْيَضُ فَانْطَلَقْنَا مَعَ الْقَصَّابِ حَتَّى ذَبَحَهَا فَوَجَدْنَا الْعِجْلَةَ كَمَا وَصَفَ عَلَى صُورَتِهَا فَقُلْنَا لَهُ أَ وَ لَيْسَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ فَكَيْفَ عَلِمْتَ قَالَ إِنَّا نَعْلَمُ الْمَخْزُونَ الْمَكْتُومَ الَّذِي لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَ لَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ غَيْرَ مُحَمَّدٍ وَ ذُرِّيَّتِهِ ع.
بيان يدل على أنه ليس للمنجمين و أمثالهم علم بأمثال ذلك.
62- الْكَافِي، بِسَنَدٍ فِيهِ إِرْسَالٌ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: كَانَ بَيْنِي وَ بَيْنَ رَجُلٍ قِسْمَةُ أَرْضٍ وَ كَانَ الرَّجُلُ صَاحِبَ نُجُومٍ وَ كَانَ يَتَوَخَّى سَاعَةَ السُّعُودِ فَيَخْرُجُ
____________
(1) الفقيه: 222.
(2) رواياتها (خ).
274
فِيهَا وَ أَخْرُجُ أَنَا فِي سَاعَةِ النُّحُوسِ فَاقْتَسَمْنَا فَخَرَجَ لِي خَيْرُ الْقِسْمَيْنِ فَضَرَبَ الرَّجُلُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى ثُمَّ قَالَ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ قُلْتُ وَيْلَ الْآخَرِ مَا ذَاكَ قَالَ إِنِّي صَاحِبُ النُّجُومِ (1) أَخْرَجْتُكَ فِي سَاعَةِ النُّحُوسِ وَ خَرَجْتُ أَنَا فِي سَاعَةِ السُّعُودِ ثُمَّ قَسَمْنَا فَخَرَجَ لَكَ خَيْرُ الْقِسْمَيْنِ فَقُلْتُ أَ لَا أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ حَدَّثَنِي بِهِ أَبِي(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَدْفَعَ اللَّهُ عَنْهُ نَحْسَ يَوْمِهِ فَلْيَفْتَتِحْ يَوْمَهُ بِصَدَقَةٍ يُذْهِبُ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ نَحْسَ يَوْمِهِ وَ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُذْهِبَ اللَّهُ عَنْهُ نَحْسَ لَيْلَتِهِ فَلْيَفْتَتِحْ لَيْلَتَهُ بِصَدَقَةٍ يَدْفَعُ اللَّهُ عَنْهُ نَحْسَ لَيْلَتِهِ وَ إِنِّي افْتَتَحْتُ خُرُوجِي بِصَدَقَةٍ فَهَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنَ النُّجُومِ (2).
بيان يدل على أنه لو كانت لها نحوسة فهي تندفع بالصدقة و أنه لا ينبغي مراعاتها بل ينبغي التوسل في دفع أمثال ذلك بما ورد عن المعصومين(ع)من الدعاء و التصدق و التوكل و أمثاله.
63- مَعَانِي الْأَخْبَارِ، عَنِ الْقَطَّانِ عَنِ ابْنِ زَكَرِيَّا عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ بُهْلُولٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْكَابُلِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)قَالَ: الذُّنُوبُ الَّتِي تُظْلِمُ الْهَوَاءَ السِّحْرُ وَ الْكِهَانَةُ وَ الْإِيمَانُ بِالنُّجُومِ وَ التَّكْذِيبُ بِالْقَدَرِ الْخَبَرَ (3).
بيان ظلمة الهواء كناية عن التحير في الأمور أو شدة البلية و ظهور آثار غضب الله في الجو.
64- النُّجُومُ، رَوَى الشَّيْخُ الْفَاضِلُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ فِي كِتَابِ الْعَرَائِسِ إِنَّمَا سُمِّيَ إِدْرِيسَ لِكَثْرَةِ دَرْسِهِ لِلْكُتُبِ وَ صُحُفِ آدَمَ وَ شَيْثَ وَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَمِ وَ أَوَّلَ مَنْ خَاطَ الثِّيَابَ وَ لَبِسَ الْمَخِيطَ وَ أَوَّلَ مَنْ نَظَرَ فِي عِلْمِ النُّجُومِ وَ الْحِسَابِ.
____________
(1) في المصدر: نجوم.
(2) فروع الكافي: ج 4،(ص)6.
(3) معاني الأخبار: 271.
275
قال السيد ره و ذكر علي بن المرتضى في كتاب ديوان النسب فيما حكاه عن التوراة أن إدريس(ع)أول من خط بالقلم و أول من حسب حساب النجوم قال و رأيت في رسالة أبي إسحاق الطرسوسي إلى عبد الله بن مالك في باب معرفة أصل العلم ما هذا لفظه أن الله تبارك و تعالى أهبط آدم من الجنة و عرفه علم كل شيء فكان مما عرفه النجوم و الطب قال و وجدت في كتاب المنتخب من طريق أصحابنا في دعاء كل يوم من رجب و معلم إدريس عدد النجوم و الحساب و السنين و الشهور و الأزمان و ذكر عبد الله بن محمد بن طاهر في كتاب لطائف المعارف أول من أظهر علم النجوم و دل على تركيب و قدر مسير الكواكب و كشف عن وجوه تأثيرها هرمس.
65- الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا جَعَلَ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثِ خِصَالٍ جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ وَ جَعَلَهَا يُهْتَدَى بِهَا وَ جَعَلَهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ فَمَنْ تَعَاطَى فِيهَا غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ فَالَ رَأْيُهُ وَ أَخْطَأَ حَظُّهُ وَ أَضَاعَ نَصِيبَهُ وَ تَكَلَّمَ (1) مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ وَ إِنَّ نَاساً جَهَلَةً بِأَمْرِ اللَّهِ قَدْ أَحْدَثُوا فِي هَذِهِ النُّجُومِ كِهَانَةً مَنْ أَعْرَسَ بِنَجْمِ كَذَا وَ كَذَا كَانَ كَذَا وَ كَذَا وَ مَنْ سَافَرَ بِنَجْمِ كَذَا وَ كَذَا كَانَ كَذَا وَ كَذَا وَ لَعَمْرِي مَا مِنْ نَجْمٍ إِلَّا يُولَدُ بِهِ الْأَحْمَرُ وَ الْأَسْوَدُ وَ الطَّوِيلُ وَ الْقَصِيرُ وَ الْحَسَنُ وَ الدَّمِيمُ وَ لَوْ أَنَّ أَحَداً عَلِمَ الْغَيْبَ لَعَلِمَهُ آدَمُ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ وَ أَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ وَ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ (2).
66- وَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)تَعَلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ مَا تَهْتَدُونَ بِهِ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ ثُمَّ انْتَهُوا (3).
67- وَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَعَلَّمَ الرَّجُلُ مِنَ النُّجُومِ مَا يَهْتَدِي بِهِ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ يَتَعَلَّمَ مَنَازِلَ الْقَمَرِ (4).
68- وَ عَنْ حُمَيْدٍ الشَّامِيِّ قَالَ: النُّجُومُ هِيَ عِلْمُ آدَمَ(ع)(5).
____________
(1) في المصدر «تكلف» و هو الصواب.
(2) الدّر المنثور: ج 3،(ص)34.
(3) الدّر المنثور: ج 3،(ص)34.
(4) الدّر المنثور: ج 3،(ص)34.
(5) الدّر المنثور: ج 3،(ص)34.
276
69- وَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ قَالَ سَمِعْتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: ذَلِكَ عِلْمٌ ضَيَّعَهُ النَّاسُ النُّجُومَ (1).
70- وَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ سَأَلَ رَجُلًا عَنْ حِسَابِ النُّجُومِ وَ جَعَلَ الرَّجُلُ يَتَحَرَّجُ أَنْ يُخْبِرَهُ فَقَالَ عِكْرِمَةُ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ عِلْمٌ عَجَزَ النَّاسُ عَنْهُ وَدِدْتُ أَنِّي عَلِمْتُهُ (2) قَالَ الْخَطِيبُ مُرَادُهُ الضَّرْبُ الْمُبَاحُ الَّذِي كَانَتِ الْعَرَبُ تَخْتَصُّ بِهِ.
71- وَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَفْصٍ قَالَ: خُصَّتِ الْعَرَبُ بِخِصَالٍ بِالْكِهَانَةِ وَ الْقِيَافَةِ وَ الْعِيَافَةِ وَ النُّجُومِ وَ الْحِسَابِ فَهَدَمَ الْإِسْلَامُ الْكِهَانَةَ وَ ثَبَتَ الْبَاقِي بَعْدَ ذَلِكَ (3).
72- وَ عَنِ الْقُرْطِيِّ قَالَ: وَ اللَّهِ مَا لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي السَّمَاءِ مِنْ نَجْمٍ وَ لَكِنْ يَتَّبِعُونَ الْكَهَنَةَ وَ يَتَّخِذُونَ النُّجُومَ عِلَّةً (4).
73- وَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ أَنَّهُ خَطَبَ فَذَكَرَ حَدِيثاً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنَّهُ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ نَاساً يَزْعُمُونَ أَنَّ كُسُوفَ الشَّمْسِ وَ كُسُوفَ هَذَا الْقَمَرِ وَ زَوَالَ هَذِهِ النُّجُومِ عَنْ مَوَاضِعِهَا لِمَوْتِ رِجَالٍ عُظَمَاءَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ وَ إِنَّهُمْ قَدْ كَذَبُوا وَ لَكِنَّهَا آيَاتٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يَعْتَبِرُ بِهَا عِبَادَهُ لِيَنْظُرَ مَا يَحْدُثُ لَهُ مِنْهُمْ تَوْبَةٌ (5).
74- وَ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ(ص)عَنِ النَّظَرِ فِي النُّجُومِ وَ أَمَرَنِي بِإِسْبَاغِ الطَّهُورِ (6).
75- وَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ(ص)عَنِ النَّظَرِ فِي النُّجُومِ.
76- وَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا
____________
(1) الدّر المنثور: ج 3،(ص)34.
(2) الدّر المنثور: ج 3،(ص)35.
(3) الدّر المنثور: ج 3،(ص)35.
(4) الدّر المنثور: ج 3،(ص)35.
(5) الدّر المنثور: ج 3،(ص)35.
(6) الدّر المنثور: ج 3،(ص)35.
277
وَ إِذَا ذُكِرَ الْقَدَرُ فَأَمْسِكُوا وَ إِذَا ذُكِرَتِ النُّجُومُ فَأَمْسِكُوا (1).
77- وَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي خَصْلَتَيْنِ تَكْذِيباً بِالْقَدَرِ وَ تَصْدِيقاً بِالنُّجُومِ وَ فِي لَفْظٍ وَ حَذْقاً بِالنُّجُومِ (2).
78- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ(ص)مَنِ اقْتَبَسَ عِلْماً مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَ (3).
79- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ قَوْماً يَنْظُرُونَ فِي النُّجُومِ وَ يَحْسُبُونَ أَبَا جَادٍ وَ مَا أَرَى لِلَّذِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مِنْ خَلَاقٍ (4).
80- وَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ أَوْصِنِي قَالَ أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ إِيَّاكَ وَ عِلْمَ النُّجُومِ فَإِنَّهُ يَدْعُو إِلَى الْكِهَانَةِ (5).
81- وَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ(ص)خَيْبَرَ دَعَا بِقَوْسِهِ فَاتَّكَأَ عَلَى سِيَتِهَا وَ حَمِدَ اللَّهَ وَ ذَكَرَ مَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ نَصَرَهُ وَ نَهَى عَنْ خِصَالٍ عَنْ مَهْرِ الْبَغِيِّ وَ عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ وَ عَنِ الْمَيَاثِرِ الْحُمْرِ وَ عَنْ لُبْسِ الثِّيَابِ الْقَسِّيِّ وَ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَ عَنِ (6) الصَّرْفِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ وَ بَيْنَهُمَا فَضْلٌ وَ عَنِ النَّظَرِ فِي النُّجُومِ (7).
82- وَ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا تَعَلَّمِ النُّجُومَ فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى الْكِهَانَةِ (8).
83- وَ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَقَدْ طَهَّرَ اللَّهُ هَذِهِ الْجَزِيرَةَ مِنَ الشِّرْكِ مَا لَمْ تُضِلَّهُمُ النُّجُومُ (9).
84- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ مُتَعَلِّمَ حُرُوفِ أَبِي جَادٍ لَيَرَى فِي النُّجُومِ لَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَلَاقٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (10).
____________
(1) الدّر المنثور: ج 3،(ص)35.
(2) الدّر المنثور: ج 3،(ص)35.
(3) الدّر المنثور: ج 3،(ص)35.
(4) الدّر المنثور: ج 3،(ص)35.
(5) الدّر المنثور: ج 3،(ص)35.
(6) كذا في نسخ البحار و المصدر.
(7) الدّر المنثور: ج 3،(ص)35 و 36.
(8) الدّر المنثور: ج 3،(ص)35 و 36.
(9) الدّر المنثور: ج 3،(ص)36.
(10) الدّر المنثور: ج 3،(ص)36.
278
بيان قال الفيروزآبادي فال رأيه أخطأ و ضعف و قال عفت الطير أعيفها عيافة زجرتها و هو أن يعتبر بأسمائها و مساقطها و أنوائها فيتسعد أو يتشأم و العائف المتكهن بالطير أو غيرها (1) و في النهاية الميثرة من مراكب العجم تعمل من حرير أو ديباج و تتخذ كالفراش الصغير و تحشى بقطن أو صوف يجعلها الراكب تحته على الرحال فوق الجمال و يدخل فيه مياثر السروج (2) و قال فيه أنه نهي عن لبس القسي هي ثياب من كتان مخلوط بحرير يؤتى بها من مصر نسبت إلى قرية على ساحل (3) البحر قريبا من تنيس يقال لها القس بفتح القاف و بعض أهل الحديث يكسرها و قيل أصل القسي القزي بالزاي منسوب إلى القز و هو ضرب من الإبريسم فأبدل من الزاي سينا و قيل منسوب إلى القس و هو الصقيع لبياضه (4) و الصقيع الساقط من السماء بالليل كأنه ثلج.
تذييل جليل و تفصيل جميل نذكر فيه أقوال بعض أجلاء أصحابنا رضوان الله عليهم في حكم النظر في علم النجوم و الاعتقاد به و الإخبار عن الحوادث بسببه و رعاية الساعات المسعودة و المنحوسة بزعمهم و القول بتأثيرها ثم نذكر ما ظهر لنا من الأخبار السابقة في جميع ذلك.
قال الشيخ السعيد المفيد ره في كتاب المقالات على ما نقل عنه السيد بن طاوس ره في كتاب فرج المهموم بمعرفة علم النجوم و إن لم نجد فيما عندنا من نسخه حيث قال أقول إن الشمس و القمر و سائر النجوم أجسام نارية لا حياة لها و لا موت و لا تميز خلقها الله تعالى لينتفع بها عباده و جعلها زينة لسماواته و آيات من آياته كما قال سبحانه هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ
____________
(1) القاموس: ج 3،(ص)179.
(2) النهاية: ج 4،(ص)193.
(3) في المصدر: شاطئ البحر.
(4) النهاية: ج 3،(ص)252.
279
الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (1) و قال تعالى وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (2) و قال تعالى وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (3) و قال تعالى وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ (4) فأما الأحكام على الكائنات بدلائلها أو الكلام على مدلول حركاتها فإن العقل لا يمنع منه و لسنا ندفع أن يكون الله تعالى أعلمه بعض أنبيائه و جعله علما له على صدقه غير أنا لا نقطع عليه و لا نعتقد استمراره في الناس إلى هذه الغاية و أما ما نجده من أحكام المنجمين في هذا الوقت و إصابة بعضهم فيه فإنه لا ينكر أن يكون ذلك بضرب من التجربة و بدليل عادة و قد تختلف أحيانا و يخطئ المعتمد عليه كثيرا و لا يصح إصابته فيه أبدا لأنه ليس بجار مجرى دلائل العقول و لا براهين الكتاب و أخبار الرسول(ص)و هذا مذهب جمهور متكلمي أهل العدل و إليه ذهب بنو نوبخت (5) من الإمامية و أبو القاسم و أبو علي من المعتزلة انتهى.
و قال الشيخ محمد بن الحسين الكيدري في شرح نهج البلاغة في تهجين أحكام النجوم كيف يمكن أن يكون الإنسان يعرف الحوادث و أسبابها في الحال حتى
____________
(1) يونس: 5.
(2) الأنعام: 97.
(3) النحل: 16.
(4) فصّلت: 12.
(5) آل نوبخت طائفة كبيرة خرج منه جماعات كثيرة من العلماء و الأدباء و المنجّمين و الفلاسفة و المتكلّمين و الكتاب و الحكماء و الامراء، و كانت لهم مكانة و تقدم في دولة بنى العباس، و اصلهم من الفرس و أول من اسلم منهم جدهم «نوبخت» و هو من عشيرة «گيو بن گودرز» و كان منجما لابى جعفر المنصور خصيصا به، فلما ضعف عن صحبة المنصور اقام مقامه ابنه «أبا سهل» و هو الذي ينتهى إليه سلسلة هذه الطائفة، و له عشرة أولاد كان لاثنين منهم ذرّية كثيرة مشهورة و هما. إسحاق و إسماعيل و ممن ينسب إلى هذه الطائفة الشيخ الأجل ابو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختى أحد السفراء الأربعة في الغيبة الصغرى. و آل نوبخت معروفون بولاية على و ولده (عليهم السلام).
280
يعرف المسببات في المستقبل كما في الجزر و المد و من ادعى أنه يعرف أسباب الكائنات فمقدماته ليست برهانية و إنما هي تجربية أو شعرية أو خطابية مؤلفة من المشهورات في الظاهر أو المقبولات و المظنونات و مع ذلك فلا يمكنه أن يتعرض إلا لجنس من أجناس الأسباب و هو تعرض بعض الأسباب العلوية و لا يمكنه أن يتعرض لجميع الأسباب السماوية و القوابل و إذا تغيرت القوابل عن أحوالها تغير أثر الفاعل فيها فإن النار في الحطب اليابس مؤثرة تأثيرا لا تؤثر في الرماد و كذا معرفة بقائها على استعداد القبول شرط و يمكن أن يكون للقوابل عوائق فلا يعلم تلك الأسباب و المسببات إلا الله تعالى و أيضا فإن المنجم يحكم على مفردات الكواكب و لا يحكم على جميعها ممتزجة و كما أن أحكام مفردات الترياق و سائر المعاجين غير أحكام المركب الذي حصلت له صورة نوعية كذلك حكم الكواكب المركوزة في الأفلاك غير حكم أفرادها و إذا لم يمكن للمنجم الحكم إلا على المفردات كان الحكم ناقصا غير موثوق به ثم إنه ربما يحصل التوأمان في غشاء فيكشف عنهما فإذا فيه صبيان حيان و على قوانين الأحكاميين يجب أن يكونا مثلين في الصورة و العمر و الحركات حتى لا يجوز أن يختلفا في شيء من الأشياء و لا يجوز أن يسكت أحدهما في وقت كلام الآخر و لا يقوم في وقت قعود الآخر و لا ينام في وقت لا ينام فيه الآخر و إذا دخلا بيتا فيه باب ضيق فلا يمكنهما الدخول فإنه لا بد هاهنا من التقدم و التأخر و لا يجوز أن يمس إنسان أحدهما دون الآخر و لا يجوز أن يكون في التزويج امرأة أحدهما غير امرأة الآخر و لا أن يكون مكان أحدهما غير مكان الآخر في الأرض و هذا مما لا يخفى فساده و أيضا فإن الحكم الكلي عند أكثرهم يغلب الجزئي أ لا ترى أن طالع ناحية أو بلد إذا كان فاسدا فإنه لا يفيد عطية الكدخدا لإنسان فكيف يعتمد على الطوالع و الاختيارات مع نفي العلم بالكليات و من شنيع قولهم أنهم يقولون إذا ولد للملك في حال ولد لسوقي ولد فإن الكواكب تدل لابن الملك بخلاف ما تدل لابن السوقي مع اتفاقهما في كمية العمر لأن هيلاجهما و كدخداهما
281
لا يختلفان فإذا جاز أن تكون دلالة النجوم مختلفة في سعادة هذين الولدين فما أنكروا أن يكون مقادير أعمارهما أيضا مختلفة و اختلفوا في تقويم الكواكب باختلاف الزيجات و لا برهان على فساد بعضها و صواب بعضها فربما يوجد في تقويم الشمس من التفاوت خمس درج و تختلف درج الطوالع و بروج التحاويل بسبب ذلك فتفسد الأحكام.
ثم أورد عليهم كثيرا من الاختلافات و التناقضات لا نطيل الكلام بإيرادها.
و قال الشيخ إبراهيم بن نوبخت في كتاب الياقوت قول المنجمين يبطله قدم الصانع و اشتراط اختياره و يلزم عليهم أن لا يستقر الفعل على حال من الأحوال و قول أهل الطبائع يبطل بمثل ذلك.
و قال العلامة ره في شرحه اختلف قول المنجمين على قسمين أحدهما قول من قال إن الكواكب السبعة حية مختارة و الثاني قول من قال إنها موجبة و القولان باطلان أما الأول فلأنها أجسام محدثة فلا تكون آلهة و لأنها محتاجة إلى محدث غير جسم فلا بد من القول بالصانع و أما الثاني فلأن الكوكب المعين كالمريخ مثلا إذا كان مقتضيا للحرب لزم دوام وقوع الهرج و المرج في العالم و أن لا يستقر أفعالهم على حال من الأحوال و لما كان ذلك باطلا كان ما ذكروه باطلا (1) و أما القائلون بالطبائع الذين يسندون الأفعال إلى مجرد الطبيعة فيبطل قولهم بمثل ذلك أيضا فإن الطبيعة قوة جسمانية و كل جسم محدث فكل قوة حالة فهي محدثة تفتقر إلى محدث غير طبيعته و إلا لزم التسلسل فلا بد من القول بالصانع سبحانه و تعالى و قال السيد الشريف المرتضى ره في كتاب الغرر و الدرر في أجوبة
____________
(1) يمكن المناقشة في هذا الكلام بان المنجم لا يقول بكون المريخ بذاته يقتضى وقوع الحرب في الأرض دائما بل عند تحقّق وضع خاصّ له و حصول شرائط معينة في الأرض مضافا إلى ان اقتضاءه لذلك لا يوجب وقوعه دائما، لان المقتضى انما يؤثر إذا لم يمنع عن تأثيره مانع.
282
المسائل السلارية حين سئل ره ما القول فيما يخبر به المنجمون من وقوع حوادث و يضيفون ذلك إلى تأثيرات النجوم و ما المانع من أن تؤثر الكواكب على حد تأثير الشمس الأدمة فينا و إن كان تأثير الكواكب مستحيلا فما المانع من أن تكون التأثيرات من فعل الله تعالى بمجرى العادة عند طلوع هذه الكواكب أو انتقالها فلينعم ببيان ذلك فإن الأنفس إليه متشوقة و كيف تقول إن المنجمون حادسون مع أنه لا يفسد من أقوالهم إلا القليل حتى أنهم يخبرون بالكسوف و وقته و مقداره فلا تكون إلا على ما أخبروا به فأي فرق بين إخبارهم بحصول هذا التأثير في هذا الجسم و بين حصول تأثيرها في أجسامنا.
الجواب اعلم أن المنجمين يذهبون إلى أن الكواكب تفعل في الأرض و من عليها أفعالا يسندونها إلى طباعها و ما فيهم من أحد يذهب إلى أن الله تعالى أجرى العادة بأن يفعل عند قرب بعضها من بعض أو بعده أفعالا من غير أن يكون للكواكب أنفسها تأثير في ذلك و من ادعى هذا المذهب الآن منهم فهو قائل بخلاف ما ذهبت القدماء في ذلك و متجمل بهذا المذهب عند أهل الإسلام و متقرب إليهم بإظهاره و ليس هذا بقول لأحد ممن تقدم و كان الذي كان يجوز أن يكون صحيحا و إن دل الدليل على فساده لا يذهبون إليه و إنما يذهبون إلى المحال الذي لا يمكن صحته و قد فرغ المتكلمون من الكلام في أن الكواكب لا يجوز أن تكون فينا فاعلة و تكلمنا نحن أيضا في مواضع على ذلك و بينا بطلان الطبائع الذين يهذون بذكرها و إضافة الأفعال إليها و بينا أن الفاعل لا بد أن يكون حيا قادرا و قد علمنا أن الكواكب ليست بهذه الصفة و كيف تفعل و ما يصحح الأفعال مفقود فيها و قد سطر المتكلمون طرقا كثيرة في أنها ليست بحية و لا قادرة أكثرها معترض و أشف ما قيل في ذلك أن الحياة معلوم أن الحرارة الشديدة كحرارة النار تنفيها و لا تثبت معها و معلوم أن حرارة الشمس أشد و أقوى من حرارة النار بكثير لأن الذي يصل إلينا على بعد المسافة من حرارة الشمس بشعاعها يماثل أو يزيد على حرارة النار و ما كان بهذه الصفة من الحرارة
283
يستحيل كونه حيا و أقوى من ذلك كله في نفي كون الفلك و ما فيه من شمس و قمر و كوكب أحياء السمع و الإجماع و أنه لا خلاف بين المسلمين في ارتفاع الحياة عن الفلك و ما يشتمل عليه من الكواكب و أنها مسخرة مدبرة مصرفة و ذلك معلوم من دين رسول الله(ص)ضرورة و إذا قطعنا على نفي الحياة و القدرة عن الكواكب فكيف تكون فاعلة و على أننا قد سلمنا لهم استظهارا في الحجة أنها قادرة قلنا إن الجسم و إن كان قادرا فإنه لا يجوز أن يفعل في غيره إلا على سبيل التوليد و لا بد من وصلة بين الفاعل و المفعول فيه و الكواكب غير مماسة لنا و لا وصلة بينها و بيننا فكيف تكون فاعلة فينا فإن ادعى أن الوصلة بيننا هي الهواء فالهواء أولا لا يجوز أن يكون آلة في الحركات الشديدة و حمل الأثقال ثم لو كان الهواء آلة تحركنا بها الكواكب لوجب أن نحس بذلك و نعلم أن الهواء يحركنا و يصرفنا كما نعلم في غيرنا من الأجسام إذا حركناه بآلة على أن في الحوادث الحادثة فينا ما لا يجوز أن يفعل بآلة و لا يتولد عن سبب كالإرادات و الاعتقادات و أشياء كثيرة فكيف فعلت الكواكب ذلك فينا و هي لا تصح أن يكون مخترعة للأفعال لأن الجسم لا يجوز أن يكون قادرا إلا بقدرة و القدرة لا يجوز لأمر يرجع إلى نوعها أن تخترع بها الأفعال فأما الأدمة فليس تؤثرها الشمس على الحقيقة في وجوهنا و أبداننا و إنما الله تعالى هو المؤثر لها و فاعلها بتوسط حرارة الشمس كما أنه تعالى هو المحرق على الحقيقة بحرارة النار و الهاشم لما يهشمه الحجر بثقله و حرارة الشمس مسودة للأجساد من جهة معقولة مفهومة كما أن النار تحرق الأجسام على وجه معقول فأي تأثير للكواكب فينا يجري هذا المجرى في تمييزه و العلم بصحته فليشر إليه فإن ذلك مما لا قدرة عليه (1).
____________
(1) إن كان المراد أن كل تأثير في الإنسان من كل مؤثر يجب أن يكون على وجه يعقله فعلى المدعى اثبات هذه الكلية، و هي غير بينة و لا مبينة. و ان كان المراد الإنكار على من يدعى تأثير الكواكب على هذا الوجه فله وجه، لكنه لا يدفع امكانه.
284
و مما يمكن أن يعتمد في إبطال أن تكون الكواكب فاعلة فينا و مصرفة لنا أن ذلك يقتضي سقوط الأمر و النهي و الذم عنا و نكون معذورين في كل إساءة تقع منا و نجنيها بأيدينا و غير مشكورين على شيء من الإحسان و الإفضال و كل شيء نفسد به قول المجبرة فهو مفسد لهذا المذهب و أما الوجه الآخر و هو أن يكون الله تعالى أجرى العادة بأن يفعل أفعالا مخصوصة عند طلوع الكوكب أو غروبه و اتصاله أو مفارقته و قد بينا أن ذلك ليس بمذهب المنجمين البتة و إنما يتجملون الآن بالتظاهر به و أنه قد كان جائزا أن يجري الله تعالى العادة بذلك لكن لا طريق إلى العلم بأن ذلك قد وقع و ثبت و من أين لنا بأن الله تعالى قد أجرى العادة بأن يكون زحل أو المريخ إذا كان في درجة الطالع كان نحسا و أن المشتري إذا كان كذلك كان سعدا و أي سمع مقطوع به جاء بذلك و أي نبي خبر به و استفيد من جهته فإن عولوا في ذلك على التجربة بأنا جربنا ذلك و من كان قبلنا فوجدناه على هذه الصفة و إذا لم يكن موجبا وجب أن يكون معتادا قلنا و من سلم لكم صحة هذه التجربة و انتظامها و اطرادها و قد رأينا خطاءكم أكثر من صوابكم فيها و صدقكم أقل من كذبكم فألا نسبتم الصحة إذا اتفقت منكم إلى الاتفاق الذي يقع من المخمن و المرجم فقد رأينا من يصيب من هؤلاء أكثر ممن يخطئ و هو على غير أصل معتمد و لا قاعدة صحيحة فإذا قلتم سبب خطاء المنجم زلل دخل عليه في أخذ الطالع أو تسير الكواكب قلنا و لم لا كانت إصابته سببها التخمين و إنما كان يصح لكم هذا التأويل و التخريج لو كان على صحة أحكام النجوم دليل قاطع هو غير إصابة المنجم فأما إذا كان دليل صحة الأحكام الإصابة فألا كان دليل فسادها الخطاء فما أحدهما في المقابلة إلا كصاحبه.
و مما أفحم (1) به القائلون بصحة الأحكام و لم يتحصل منهم عنه جواب أن قيل لهم في شيء بعينه خذوا الطالع و احكموا هل يؤخذ أو يترك فإن حكموا
____________
(1) أفحمه: أسكته بالحجة في خصومة و غيرها.
285
إما بالأخذ أو الترك خولفوا و فعل خلاف ما خبروا به و قد أعضلتهم هذه المسألة و اعتذروا عنها بأعذار ملفقة لا يخفى على عاقل سمعها بعدها من الصواب فقالوا في هذه المسألة يجب أن يكتب هذا المبتلى بها ما يريد أن يفعل أو يخبر به غيره فإنا نخرج ما قد عزم عليه من أحد الأمرين و هذا التعليل منهم باطل لأنه إذا كان النظر في النجوم يدل على جميع الكائنات التي من جملتها ما يختاره أحدنا من أخذ هذا الشيء أو تركه فأي فرق بين أن يطوي ذلك فلا يخبر به و لا يكتبه حتى يقول المنجم ما عنده و بين أن يخبره به و يكتبه قبل ذلك و إنما فزعوا إلى الكتابة و ما يجري مجراها حتى لا يخالف المنجم فيما يذكره و يحكم به من أخذ أو ترك و لو كانت الأحكام صحيحة و فيها دلالة على الكائنات لوجب أن يعرف المنجم ما اختاره من أحد الأمرين على كل حال و لو نزلنا تحت حكمهم و كتبنا ما نريد أن نفعله لما وجدنا إصابتهم في ذلك إلا أقل من خطائهم و لم يزيدوا فيه على ما يفعله المخمن المرجم من غير نظر في طالع و لا غارب و لا رجوع إلى أصل و إلا فالبلوى بيننا و بينهم.
و كان بعض الرؤساء بل الوزراء ممن كان فاضلا في الأدب و الكتابة و مشغوفا بالنجوم عاملا عليها قال لي يوما و قد جرى حديث يتعلق بأحكام النجوم و رأى من مخائلي التعجب ممن يتشاغل بذلك و يفني زمانه به أريد أن أسألك عن شيء في نفسي فقلت سل عما بدا لك قال أريد أن تعرفني هل بلغ بك التكذيب بأحكام النجوم إلى أن لا تختار يوما لسفر و لبس ثوب جديد و توجه في حاجة فقلت قد بلغت إلى ذلك و الحمد لله و زيادة عليه و ما في داري تقويم و لا أنظر فيه و ما رأيت مع ذلك إلا خيرا ثم أقبلت عليه فقلت ندع ما يدل على بطلان أحكام النجوم مما يحتاج إلى ظن دقيق و روية طويلة و هاهنا شيء قريب لا يخفى على أحد ممن علت طبقته في الفهم أو انخفضت خبرني لو فرضنا جادة مسلوكة و طريقا يمشي فيه الناس ليلا و نهارا و في محجته آبار متقاربة و بين بعضها و بعض طريق يحتاج سالكه إلى تأمل و توقف حتى يتخلص من السقوط في بعض
286
تلك الآبار هل يجوز أن تكون سلامة من يمشي في هذا الطريق من العميان كسلامة من يمشي فيه من البصراء و قد فرضنا أنه لا يخلو طرفة عين من المشاة فيه بصراء و عميان و هل يجوز أن يكون عطب البصراء يقارب عطب العميان أو سلامة العميان مقاربة لسلامة البصراء فقال هذا مما لا يجوز بل الواجب أن تكون سلامة البصراء أكثر من سلامة العميان و لا يجوز في مثل هذا التقارب فقلت إذا كان هذا محالا فأحيلوا نظيره و ما لا فرق بينه و بينه و أنتم تجيزون شبيه ما ذكرنا و عديله لأن البصراء هم الذين يعرفون أحكام النجوم و يميزون سعدها و نحسها و يتوقون بهذه المعرفة مضار الزمان و يتخطونها و يعتمدون منافعه و يقصدونها و مثال العميان كل من لا يحسن تعلم النجوم و لا يلتفت إليه من الفهماء و الفقهاء و أهل الديانات و العبادات ثم سائر العوام و الأعراب و الأكراد و هم أضعاف أضعاف من يراعي عدد النجوم و مثال الطريق الذي فيه الآبار الزمان الذي يمضي عليه الخلق أجمعون و مثال آباره مصائبه و نوائبه و محنه و قد كان يجب لو صح العلم بالنجوم و أحكامها أن تكون سلامة المنجمين أكثر و مصائبهم أقل لأنهم يتوقون المحن لعلمهم بها قبل كونها و تكون محن كل من ذكرناه من الطبقات الكثيرة أوفر و أظهر حتى تكون السلامة هي الطريفة الغريبة و قد علمنا خلاف ذلك و أن السلامة أو المحن في الجميع متقاربة غير متفاوتة فقال ربما اتفق مثل ذلك فقلت له فيجب أن نصدق من خبرنا في ذلك الطريق المسلوك الذي فرضناه بأن سلامة العميان كسلامة البصراء و نقول لعل ذلك اتفق و بعد فإن الاتفاق لا يستمر بل ينقطع و هذا الذي ذكرناه مستمر غير منقطع فلم يكن عنده عذر صحيح و مما يفسد مذهب المنجمين و يدل على أن ما لعله يتفق لهم من الإصابة على غير أصل أنا قد شاهدنا جماعة من الزراقين الذين لا يعرفون شيئا من علم النجوم و لا نظروا قط في شيء منه يصيبون فيما يحكمون به إصابات مستطرفة و قد كان المعروف بالشعراني الذي شاهدناه و هو لا يحسن أن يأخذ الأسطرلاب للطالع و لا
287
نظر قط في زيج و لا تقويم غير أنه زكي حاضر الجواب فطن بالزرق معروف به كثير الإصابة و بلوغ الغاية فيما يخرجه من الأسرار و لقد اجتمع يوما بين يدي جماعة كانوا عندي و كنا قد اعتزمنا جهة نقصدها لبعض الأغراض فسأله أحدنا عما نحن بصدده فابتدأه من غير أخذ طالع و لا نظر في تقويم فأخبرنا بالجهة التي أردنا قصدها ثم عدل إلى كل واحد من الجماعة فأخبره عن كثير من تفصيل أمره و أغراضه حتى قال لأحدهم و أنت من بين الجماعة قد وعدك واعد بشيء يوصله إليك و قلبك به متعلق و في كمك شيء مما يدل على هذا و قد انقضت حاجتك و انتجزت و جذب يده إلى كمه فاستخرج ما فيه فاستحيا ذلك الرجل و وجم و منع من الوقوف على ما في كمه بجهده فلم ينفعه ذلك و أعان الحاضرون على إخراج ما في كمه لما أحسوا بالإصابة من الزرق فأخرج من كمه رقاع كثيرة في جملتها صك على دار الضرب بصلة من خليفة الوزارة في ذلك الوقت فعجبنا مما اتفق من إصابته مع بعده من صناعة النجوم و كان لنا صديق يقول أبدا من أدل دليل على بطلان أحكام النجوم إصابة الشعراني (1).
و جرى يوما مع من يتعاطى علم النجوم هذا الحديث فقال عند المنجمين أن السبب في إصابة من لا يعلم شيئا من علم النجوم أن مولده و ما يتولاه و يقتضيه كواكبه اقتضى له ذلك فقلت له لعل بطلميوس و كل عالم من عامة المنجمين
____________
(1) غاية ما يثبت بهذا و نظائره ان طريق الكشف عما يقع في الأرض من الحوادث لا ينحصر في علم النجوم، فليس للمنجم إذا وقع ما اخبر بوقوعه ان يحتج علينا بذلك، فمن الممكن أن يكون ذلك مستندا إلى حدسه أو إلى شيء آخر غير النجوم لكن لا يثبت بذلك بطلان قول المنجّمين بان اوضاع الكواكب تدلّ على وقوع الكائنات الارضية فان القول بدلالتها عليها لا يستلزم القول بعدم وجود دليل و كاشف غيرها يدلّ على ذلك، حتى يبطل بأمثال هذه الوقائع، و إلّا فلينقض بما اخبر به الأنبياء و الأولياء (عليهم السلام) من المغيبات، بل بما يخبر به الكهنة و أصحاب تسخير الأرواح و الجن و امثالهم. مضافا إلى ان السيّد- ره- يدعى ان جميع المنجّمين يقولون بتأثير الكواكب استقلالا، و من البديهى ان الكاشف غير المؤثر، و ان دلالة غيرها على وقوع شيء من الحوادث و حصول العلم به من غير جهتها لا تنافى كونها مؤثرة.
288
و مصيب في أحكامه عليها إنما سبب إصابته مولده و ما يقتضيه كواكبه من غير علم و لا فهم فلا يجب أن يستدل بالإصابة على العلم إذ كانت تقع من جاهل و يكون سببها المولد و إذا كانت الإصابة بالمواليد فالنظر في علم النجوم عبث و لعب لا يحتاج إليه لأن المولد إن اقتضى الإصابة أو الخطاء فالتعلم لا ينفع و تركه لا يضر و هذه علة تسري إلى كل صنعة حتى يلزم أن يكون كل شاعر مفلق و صانع حاذق و ناسج للديباج مونق لا علم له بتلك الصناعة و إنما اتفقت الصنعة بغير علم لما تقتضيه كواكب مولده و ما يلزم على هذا من الجهالات لا يحصى.
و اعلم أن التعب بعلم مراكز الكواكب و أبعادها و أشكالها و تسيراتها متى لم يكن ثمرته العلم بالأحكام و الاطلاع على الحوادث قبل كونها لا معنى له و لا غرض فيه لأنه لا فائدة في أن يعلم ذلك كله و يختص نفس العلم به و ما يجري الاطلاع على ذلك إذا لم تتعد المعرفة إلى العلم بالأحكام إلا مجرى العلم بعدد الحصى و كيل النوى و معرفة أطوال الجبال و أوزانها و كما أن العناء في تعرف ذلك عبث و سفه لا يجدي نفعا فكذلك العلم بشكل الفلك و تسيرات كواكبها و أبعادها و المعرفة بزمان قطع كل كوكب للفلك و تفاصيلها فيه و ما شقي القوم بهذا الشأن و أفنوا أعمارهم إلا لتقديرهم أنه يفضي إلى معرفة الأحكام فلا تغتر بقول من يقول منهم إننا ننظر في ذلك لشرف نفوسنا بعلم الهيئة و لطيف ما فيها من الأعاجيب فإن ذلك تجمل منهم و تقرب إلى أهل الإسلام و لو لا أن غرضهم معرفة الأحكام لما تعنوا بشيء من ذلك كله و لا كانت فيه فائدة و لا منه عائدة و من أدل الدليل على بطلان أحكام النجوم أنا قد علمنا أن من جملة معجزات الأنبياء(ع)الإخبار عن الغيوب و عد ذلك خارقا للعادات كإحياء الميت و إبراء الأكمه و الأبرص و لو كان العلم بما يحدث طريقا نجوميا لم يكن ما ذكرناه معجزا و لا خارقا للعادات (1) فكيف يشتبه على مسلم بطلان أحكام النجوم و قد أجمع المسلمون قديما
____________
(1) الفرق بين ما يخبر به النبيّ اعجازا و بين ما يخبر به الكاهن او المنجم او من يجرى مجراهما ان اخبار النبيّ ليس بسبب عادى يمكن تعاطيه لغيره، بل بسبب غيبى و وحى الهى، و اما اخبار الكهنة و امثالهم فانما هو عن طريق عادى يمكن سلوكه لغيرهم أيضا.
289
و حديثا على تكذيب المنجمين و الشهادة بفساد مذاهبهم و بطلان أحكامهم و معلوم من دين الرسول(ص)ضرورة التكذيب بما يدعيه المنجمون و الإزراء عليهم و التعجيز لهم و في الروايات عنه(ص)من ذلك ما لا يحصى كثرة و كذا عن علماء أهل بيته(ع)و خيار أصحابه فما زالوا يبرءون من مذاهب المنجمين و يعدونها ضلالا و محالا و ما اشتهر هذه الشهرة في دين الإسلام كيف يغتر (1) بخلافه منتسب إلى الملة و مصل إلى القبلة فأما إصابتهم في الإخبار عن الكسوفات و ما مضى في أثناء المسألة من طلب الفرق بين ذلك و بين سائر ما يخبرون به من تأثيرات الكواكب في أجسامنا فالفرق بين الأمرين أن الكسوفات و اقترانات الكواكب و انفصالها طريقة الحساب و تسير الكواكب و له أصول صحيحة و قواعد سديدة و ليس كذلك ما يدعونه من تأثيرات الكواكب في الخير و الشر و النفع و الضر و لو لم يكن في الفرق بين الأمرين إلا الإصابة الدائمة المتصلة في الكسوفات و ما يجري مجراها فلا يكاد يبين فيها خطاء البتة و إن الخطاء المعهود الدائم إنما هو في الأحكام الباقية حتى أن الصواب هو العزيز فيها و ما يتفق لعله فيها من الإصابة قد يتفق من المخمن أكثر منه فحمل أحد الأمرين على الآخر بهت و قلة دين انتهى كلامه ضاعف الله إنعامه.
و نقل عنه السيد ابن طاووس ره أنه كتب في أجوبة بعض ما سئل عنه قلنا إن الذي جاء بعلم النجوم من الأنبياء هو إدريس(ع)و إنما علم من جهته على الحد الذي ذكرناه و نعلم أنه لا يجوز كونها دلالة إلا على هذا الوجه فقط لأن الشيء إنما يدل على هذا الحد أو على الوجه الذي يدل الدليل العقلي عليه و قد بينا تعذر ذلك في النجوم فلم يبق إلا ما ذكرناه و القطع على أن كيفية دلالتها معلوم الآن غير ممكن لأن شريعة إدريس(ع)و ما علم من قبله كالمندرس فلا نعلم الحال فيه فإن كان بعض تلك العلوم قد بقي محفوظا عند قوم
____________
(1) يفتى (خ).
290
تناقلوه و تداولوه لم نمنع أن يكون معلوما لهم إذا اتصل التواتر و إن لم يكن كذلك لم نمنع أن يكون العلم به و إن بطل و زال أن يكون أمارة يقتضي غالب الظن عند كثير منهم و هذا هو الأقرب فيما يتمسك به أهل النجوم لأنهم إذا تدبرت أحوالهم وجدتهم غير واثقين بما يحكمون و إنما يتقدم أحدهم في ذلك العلم كتقدم الطبيب في الطب فكما أن علوم الطب مبنية على الأمارات التي تقتضيها التجارب و غالب الظن فكذلك القول في علم النجوم إلا في أمور مخصوصة يمكن أن يعلم بضروب من الأخبار انتهى.
و قال العلامة ره في كتاب منتهى المطلب التنجيم حرام و كذا تعلم النجوم مع اعتقاد أنها مؤثرة أو أن لها مدخلا في التأثير بالنفع و الضرر و بالجملة كل من يعتقد ربط الحركات النفسانية و الطبيعية بالحركات الفلكية و الاتصالات الكوكبية كافر و أخذ الأجرة على ذلك حرام و أما من يتعلم النجوم فيعرف قدر سير الكواكب و بعده و أحواله من التربيع و الكسف و غيرهما فإنه لا بأس به و نحوه قال في التحرير و القواعد.
و قال الشيخ الشهيد ره في قواعده كل من اعتقد في الكواكب أنها مدبرة لهذا العالم و موجدة ما فيه فلا ريب أنه كافر و إن اعتقد أنها تفعل الآثار المنسوبة إليها و الله سبحانه هو المؤثر الأعظم كما يقوله أهل العدل فهو مخطئ إذ لا حياة لهذه الكواكب ثابتة بدليل عقلي و لا نقلي و بعض الأشعرية يكفرون هذا كما يكفرون الأول و أوردوا على أنفسهم عدم تكفير المعتزلة و كل من قال بفعل العبد و فرقوا بأن الإنسان و غيره من الحيوان يوجد فعله من أن التذلل ظاهر عليه فلا يحصل منه اهتضام لجانب الربوبية بخلاف الكواكب فإنها غائبة عنه فربما أدى ذلك إلى اعتقاد استقلالها و فتح باب الكفر و أما ما يقال من أن استناد الأفعال إليها كاستناد الإحراق إلى النار و غيرها من العاديات بمعنى أن الله تعالى أجرى عادته أنها إذا كانت على شكل مخصوص أو وضع مخصوص يفعل ما ينسب إليها و يكون ربط المسببات بها كربط مسببات الأدوية و الأغذية بها
291
مجازا باعتبار الربط العادي لا الفعل (1) الحقيقي فهذا لا يكفر معتقده و لكنه مخطئ أيضا و إن كان أقل خطاء من الأول لأن وقوع هذه الآثار عندها ليس بدائم و لا أكثري.
و قال ره في الدروس و يحرم اعتقاد تأثير النجوم مستقلة أو بالشركة و الإخبار عن الكائنات بسببها أما لو أخبر بجريان العادة أن الله تعالى يفعل كذا عند كذا لم يحرم و إن كره على أن العادة فيها لا تطرد إلا فيما قل و أما علم النجوم فقد حرمه بعض الأصحاب و لعله لما فيه من التعرض للمحظور من اعتقاد التأثير أو لأن أحكامه تخمينية و أما علم هيئة الأفلاك فليس حراما بل ربما كان مستحبا لما فيه من الاطلاع على حكم الله و عظم قدرته.
و قال المحقق الشيخ علي أجزل الله تشريفه التنجيم الإخبار عن أحكام النجوم باعتبار الحركات الفلكية و الاتصالات الكوكبية التي مرجعها إلى القياس و التخمين إلى أن قال و قد ورد عن صاحب الشرع النهي عن تعلم النجوم بأبلغ وجوهه إذا تقرر ذلك فاعلم أن التنجيم مع اعتقاد أن للنجوم تأثيرا في الموجودات السفلية و لو على جهة المدخلية حرام و كذا تعلم النجوم على هذا الوجه بل هذا الاعتقاد كفر في نفسه نعوذ بالله أما التنجيم لا على هذا الوجه مع التحرز عن الكذب فإنه جائز فقد ثبت كراهية التزويج و سفر الحج في العقرب و ذلك من هذا القبيل نعم هو مكروه و لا ينجر إلى الاعتقاد الفاسد و قد ورد النهي عنه مطلقا حسما للمادة.
و قال الشيخ البهائي ره ما يدعيه المنجمون من ارتباط بعض الحوادث السفلية بالأجرام العلوية إن زعموا أن تلك الأجرام هي العلة المؤثرة في تلك الحوادث بالاستقلال أو أنها شريكة في التأثير فهذا لا يحل للمسلم اعتقاده و علم النجوم المبتني على هذا كفر و العياذ بالله و على هذا حمل ما ورد في الحديث من التحذير عن علم النجوم و النهي عن اعتقاد صحته و إن قالوا إن اتصالات تلك
____________
(1) الفعلى (خ).
292
الأجرام و ما يعرض لها من الأوضاع علامات على بعض حوادث هذا العالم مما يوجده الله سبحانه بقدرته و إرادته كما أن حركات النبض و اختلافات أوضاعه علامات يستدل بها الطبيب على ما يعرض للبدن من قرب الصحة أو اشتداد المرض و نحو ذلك و كما يستدل باختلاج بعض الأعضاء على بعض الأحوال المستقبلة فهذا لا مانع منه و لا حرج في اعتقاده و ما روي من صحة علم النجوم و جواز نقله محمول على هذا المعنى ثم قال ره الأمور التي يحكم بها المنجمون من الحوادث الاستقبالية أصول بعضها مأخوذة من أصحاب الوحي (سلام الله عليهم) و بعض الأصول يدعون فيها التجربة و بعضها مبتن على أمور متشعبة لا تفي القوة البشرية في الأغلب بضبطها و الإحاطة بها
- كَمَا يُومِئُ إِلَيْهِ قَوْلُ الصَّادِقِ(ع)كَثِيرُهُ لَا يُدْرَكُ وَ قَلِيلُهُ لَا يُنْتِجُ.
فلذلك وجد الاختلاف في كلامهم و تطرق الخطاء إلى بعض أحكامهم و من اتفق له الجري على الأصول الصحيحة صح كلامه و صدقت أحكامه لا محالة كما نطق به كلام الصادق(ع)في الرواية المذكورة قبيل هذا الفصل يعني رواية ابن سيابة و لكن هذا أمر عزيز المنال لا يظفر به إلا القليل و الله الهادي إلى سواء السبيل.
و لابن سينا كلام في هذا الباب قال في فصل المبدإ و المعاد من إلهيات الشفاء لو أمكن إنسانا من الناس أن يعرف الحوادث التي في الأرض و السماء جميعا و طبائعها لفهم كيفية ما يحدث في المستقبل و هذا المنجم القائل بالأحكام مع أن أوضاعه الأولى و مقدماته ليست مستندة إلى برهان بل عسى أن يدعي فيها التجربة أو الوحي و ربما حاول قياسات شعرية أو خطابية في إثباتها فإنه إنما يعول على دلائل جنس واحد من أسباب الكائنات و هي التي في السماء على أنه لا يضمن الإحاطة بجميع الأحوال التي في السماء و لو ضمن لنا في ذلك و وفى به لم يمكنه أن يجعلنا بحيث نقف على وجود جميعها في كل وقت و إن كان جميعها من حيث فعله و طبعه معلوما عنده ثم قال في آخر كلامه فليس لنا إذن اعتماد على أقوالهم و إن سلمنا
293
متبرعين أن جميع ما يعطونا من مقدماتهم الحكمية صادقة انتهى.
و قال الشيخ أبو الفتح محمد بن علي الكراجكي ره في كتاب كنز الفوائد في الرد على من قال إن الشمس و القمر و النجوم علل موجبات كلاما طويل الذيل يرجع حاصله إلى أن هذه الكواكب و الأوضاع إن كانت عللا للحوادث فما الحاجة إلى الاطلاع على الأحكام و أخذ الطوالع عند المواليد و عمل الزوائج و تحاويل السنين مع أن الإنسان لا يقدر على أن يزيد فيه في سعده و لا أن ينقص به من نحسه و ما أوجبه مولده فهو كائن لا مغير له مع أنه إذا علم حصول سعادة قبل وقوعها يكون قلق النفس منقسم الخاطر يستبعد قرب الساعات و يستطيل قصر الأوقات تشوقا إلى ما يرد و تطلعا إلى ما وعد و في ذلك ما يقطعه عن منافعه و يقصر به عن حركاته في مصالحه اتكالا على ما يأتيه و ربما أخلف الوعد و تأخر السعد فليس جميع أحكامكم تصيب و لا الغلط منكم بعجيب فتصير المنفعة مضرة و أما متوقع المنحسة فلا شك أنه قد تعجل الشدة رهبة من قدومها و عظم هلعه بهجومها و إن قلتم إن الإنسان يمكنه أن يحترز من المنحسة فيدفعها أو ينقص منها فقد أبطلتم دعواكم أنها مدبرة.
ثم قال و أنا أخبرك بعد هذا بطرق من بطلان أفعالهم و نكت من فساد استدلالهم اعلم أن تسمية البروج الاثني عشر بالحمل و الثور و الجوزاء و غيرها لا أصل لها و لا حقيقة و إنما وضعها الراصدون لهم فحصل متعارفا بينهم و كذلك جميع الصور التي عن جنبي منطقة البروج و الجميع ثمان و أربعون صورة عندهم مشهورة و علماؤهم معترفون بأن ترتيب هذه الصور و تشبيهها و قسمة الكواكب عليها و تسميتها صنعها حذاقهم الراصدون لها و قد ذكر هذا أبو الحسين عبد الرحمن بن عمر الصوفي و هو من جملتهم و له مصنفات لم يعمل مثلها في عملهم و بينه في الجزء الأول من كتابه الذي عمله في الصور و قد ذكر رصد الأوائل منهم الكواكب و أنهم رتبوها في المقادير و العظم ست مراتب و بين أنهم الفاعلون لذلك و قال إنهم وجدوا من هذه الكواكب تسعمائة و سبعة عشر كوكبا ينتظم منها ثمانية
294
و أربعون صورة كل صورة منها تشتمل على كواكبها و هي الصور التي أثبتها بطلميوس في المجسطي بعضها في النصف الشمالي من الكرة و بعضها على منطقة البروج التي هي طريقة الشمس و القمر و الكواكب السريعة السير و بعضها في النصف الجنوبي منها فسموا كل صورة منها باسم الشيء المشبه بها فبعضها على صورة الإنسان مثل كوكبة الجوزاء و كوكبة الجاثي على ركبتيه و كوكبة العواء (1) و بعضها على صورة الحيوانات البرية و البحرية مثل الحمل و الثور و السرطان و الأسد و العقرب و الحوت و الدب الأكبر و الدب الأصغر و بعضها خارج عن شبه الإنسان و سائر الحيوانات مثل الإكليل و الميزان و إنما فعلوا ذلك ليكون لكل كوكب اسم يعرف به متى أشاروا إليه لمعرفة أوقات الليل و الطالع في كل وقت و أشياء عظيمة المنفعة انتهى.
ثم قال الكراجكي و هو دليل واضح على أن الصور و الأشكال و الأسماء و الألقاب ليست على سبيل الواجب و الاستحقاق و إنما هي اصطلاح و اختيار و لو غيرت عن ذلك إلى تشبيه آخر لأمكن و جاز ثم إنهم بعد هذه الحال جعلوا كثيرا من الأحكام مستخرجا من هذه الصور و الأشكال و منتسبا إلى الأسماء الموضوعة و الألقاب حتى كأنها على ما ذكروه بنحو واجب و دليل عقل ثبت فقالوا إن الحكم على الكسوف على ما حكاه ابن هنبثي عن بطلميوس أنه إذا كان البرج الذي يقع فيه الكسوف من ذوات الأجنحة مثل العذراء و الرامي و الدجاجة و النسر و ما أشبهها كان الحادث في الطير الذي يأكله الناس و إن كان في صورة الحيوان مثل السرطان و الدلفين كان الحادث في الحيوانات البحرية أو النهرية و في هذه فضيحة عظيمة أ ما يعلم هؤلاء القوم أنهم الذين جعلوا ذوات الأجنحة بأجنحة و الصور البحرية بحرية و أنه لو لا ما فعلوه لم يكن شيء مما ذكروه فكيف صارت أفعالهم التي ابتدعوها و تشبيهاتهم التي وضعوها موجبة لأن يكون حكم
____________
(1) الحواء (خ).
295
الكسوف مستخرجا منها و صادرا عنها و هذا يؤدي إلى أنهم المدبرون للعالم إذ كانت أفعالهم سببا لما توجبه الكوكب.
ثم أورد ره كثيرا من هذه الإلزامات المسكتة عليهم ثم قال و الصور عندهم لا تثبت في مواضعها و لا تستقر على أقسامها و صورة الحمل التي يقولون إنها أول البروج قد سفل إلى مكان البرج الثاني و الحمل في الحوت إذ الثوابت متحركة عندهم بحركة بطيئة خفية و لخفاء حركتها سموها الثابتة و إن وجدوها في الأرصاد مختلفة و قال الصوفي في كتاب الصور إن مواضع هذه الصور التي على منطقة فلك البروج كانت منذ ثلاثة آلاف سنة في غير هذه الأقسام و إن صورة الحمل كانت في القسم الأول و كان يسمى الأول من البروج الثور و الثاني الجوزاء و الثالث السرطان و لما جددوا الأرصاد في أيام طيموخارس وجدوا صورة الحمل قد انتقلت إلى القسم الأول من الأقسام الاثني عشر الذي هو بعد نقطة التقاطع غيروا أساميها فسموا القسم الأول الحمل و الثاني الثور و الثالث الجوزاء قال و لا يخالفنا أحد في أن هذه الصور تنتقل حركاتها على مر الدهور على أماكنها حتى تصير صورة الحمل في القسم التاسع الذي للميزان و صورة الميزان في القسم الأول الذي للحمل فيسمى أول البروج الميزان و الثاني العقرب ثم مر في كلامه موضحا عما ذكرناه من تنقلها الموجب لتغير أسماء بروجها و هم مجمعون على أن الكوكبين المتقاربين المعروفين بالشرطين على قرني الحمل و هما أول منازل القمر فيجب أن يكونا أول البروج الاثني عشر و من امتحنهما في وقتنا هذا و هو من سنة ثمان و عشرين و أربعمائة للهجرة الموافقة لسنة ألف و ثلاثمائة و ثمان و أربعين لذي القرنين وجد أحدهما في عشرين درجة من الحمل و الأخرى في إحدى و عشرين منه أعني من البرج الأول فأي برج من البروج الاثني عشر يبقى على صورة واحدة و كيف يثبت الحكم لأول البروج بأنه دال على الوحوش و على كل ذي ظلف و قد انتقلت إليه أكثر صورة الحوت و كذلك حال جميع البروج.
296
ثم ذكر ره كثيرا من أغلاطهم و اشتباهاتهم إلى أن قال و أنا أذكر لك بعد هذا مقالتنا في النجوم و ما نعتقده فيها لتعرف الطريقة في ذلك فتعتمد عليها اعلم أيدك الله أن الشمس و القمر و النجوم أجسام محدثة من جنس أجسام العالم مؤتلفة من أجزاء تحلها الأعراض و ليست بفاعلة في الحقيقة و لا ناطقة و لا حية قادرة و قد قال شيخنا المفيد ره إنها أجسام نارية فأما حركتها فهي فعل الله تعالى فيها و هو المحرك لها و هي من آياته الباهرة في خلقه و زينة لسمائه و فيها منافع لعباده لا تحصى و بها يهتدي السائرون برا و بحرا قال الله تعالى وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (1) و فيها للخلق مصالح لا يعلمها إلا الله فأما التأثير المنسوب إليها فإنا لا ندفع كون الشمس و القمر مؤثرين في العالم و نحن نعلم أن الأجسام و إن كان لا يؤثر أحدها في الآخر إلا مع مماسة بينهما بأنفسهما أو بواسطة فإن للشمس و القمر شعاعا متصلا بالأرض و ما عليها يقوم مقام المماسة و تصح به التأثيرات الحادثة و من ذا الذي ينكر تأثير الشمس و القمر و هو موجود مشاهد و إن كان تأثير الشمس أظهر للحس و أبين من تأثير القمر في الأزمان و البلدان و النبات و الحيوان فأما غيرهما من الكواكب فلسنا نجد لها تأثيرا نحس و لا نقطع على وجوبه بالعقل و لا هو أيضا من الممتنع المستحيل بل من الجائز في العقول لأن لها شعاعا متصلا بالأرض و إن كان دون شعاع الشمس و القمر فغير منكر أن يكون لها تأثير يخفى عن الحس خارج عن أفعال الخلق فإن كان لها تأثير كما يقال كان تأثيرها مع تأثير الشمس و القمر في الحقيقة من أفعال الله عز و جل و ليس يصح إضافته إليها إلا على وجه التوسع و التجوز كما تقول أحرقت النار و برد الثلج و قطع السيف و شج الحجر و في الحقيقة أن النار أحرق بها و الثلج برد بها و قطع أيضا بالسيف و شج بالحجر و كذلك قولنا أحمت الشمس الأرض و نفعت الزرع و في الحقيقة أن الله تعالى أحمى بها و نفع و مما يدل على أن الله تعالى يستعمل شيئا بشيء قوله عز و جل أَ لَمْ تَرَ
____________
(1) النحل: 16.
297
أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا (1) و قوله تعالى وَ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (2) و ليس فيما ذكرناه رجوع إلى قول أصحاب الأحكام و الإقرار بما أنكرناه عليهم في متقدم الكلام لأنا أنكرنا عليهم إضافتهم تأثيرات الشمس و القمر إليهما من دون الله سبحانه و قطعهم على ما جوزناه من تأثيرات الكواكب بغير حجة عقلية و لا سمعية و إضافتهم إلى جميع الأفعال في الحقيقة مع دعواهم لها بالحياة و القدرة فأنكرنا عليهم أن يكون الشمس و القمر أو شيء من الكواكب فاعلا لأفعالنا أو تكون حركته شيئا موجبا لوقوع الأفعال عنا لشهادة العقل الصحيح بأن أفعالنا لو كانت مخترعة فينا أو كائنة عن سبب أوجبها من غيرنا لم تقع بحسب قصودنا و إراداتنا و كانت لا فرق بينها و بين جميع ما يفعل فينا من صحتنا و سقمنا و تأليف أجسامنا و في حصول الفرق دلالة على اختصاصها بنا و برهان واضح على أنها حدثت عن قدرتنا و أنه لا سبب لها غير اختيارنا و أنكرنا عليهم قولهم إن الله لا يفعل في العالم فعلا إلا و الكواكب دالة عليه فإن كل شيء تدل عليه فلا بد من كونه و هذا باطل لأنه لو ثبت لها تأثير أو دلالة فإن الله تعالى أجرى بذلك العادة و ليس بمستحيل منه تغيير تلك العادة لما يراه من المصلحة و قد يصرف الله تعالى السوء عن عبده بدعوة و يزيد في أجله بصلة رحم أو صدقة هذا الذي ثبتت لنا عليه الأدلة و هو الموافق للشريعة و ليس هو بملائم لما يدعيه المنجمون و الحمد لله و أنكرنا عليهم اعتمادهم في الأحكام على أصول متناقضة و مقدمات مفتعلة و دعاو مظنونة و ليس لهم على شيء منها بينة فإن كان لهذا العلم أصل صحيح على وجه يسوغ في العقل و يجوز فليس هو مما في أيديهم و لا من جملة دعاويهم و قد قال شيخنا المفيد
____________
(1) الزمر: 21.
(2) الأعراف: 56.
298
رحمه الله إن الاستدلال بحركات النجوم على كثير مما سيكون لا يمنع العقل منه و لسنا نمنع أن يكون الله جل اسمه أعلمه بعض أنبيائه و جعله علما على صدقه انتهى كلام الكراجكي ره و قال شيخ المتكلمين محمود بن علي الحمصي ره في ذكر علم النجوم إنا لا نرد عليهم فيما يتعلق بالحساب في تسيير النجوم و اتصالاتها التي يذكرونها فإن ذلك مما لا يهمنا و لا هو مما يقابل بإنكار و رد ثم قال ره في إنكار كون النجوم عللا موجبة يبطل ذلك بكل ما يبطل به دعوة المجبرة بأننا غير مختارين.
ثم قال فإن قيل كيف تنكرون الأحكام و قد علمنا أنهم يحكمون بالكسوف و الخسوف و رؤية الأهلة و يكون الأمر على ما يحكمون في ذلك و كذلك يخبرون عن أمور مستقبلة تجري على الإنسان و تجري تلك الأمور على ما أخبروا عنها فمع وضوح الأمر فيما ذكرناه كيف تدفع الأحكام.
قلنا إن أخبارهم عن الكسوف و الخسوف و رؤية الأهلة فليس من الأحكام و إنما هو من باب الحساب إنما الحكم أن يقولوا إذا كان كسوف أو خسوف كان من الحوادث كذا و كذا.
ثم قال فأما الأمور المستقبلة التي يخبرون عنها فأكثرها لا تقع على ما يخبرون عنه و إنما يقع قليل منه بالاتفاق و مثل ذلك يتفق لأصحاب الفال و الزجر الذين لا يعرفون النجوم بل للعواجز اللواتي يتفألن بالأحجار و الذي قد يخبر المصروع و كثير من ناقصي العقول عن أشياء فيتفق وقوع ما يخبرون عنه انتهى.
و السيد الجليل النبيل علي بن طاووس ره لأنس قليل له بهذا العلم عمل في ذلك رسالة و بالغ في الإنكار على من اعتقد أن النجوم ذوات إرادة أو فاعلة أو مؤثرة و استدل على ذلك بدلائل كثيرة و أيده بكلام جم غفير من الأفاضل إلا أنه أنكر على السيد الأجل المرتضى ره في تحريمه و ذهب إلى أنه من العلوم المباحات و أن النجوم علامات و دلالات على الحادثات لكن يجوز للقادر
299
الحكيم أن يغيرها بالبر و الصدقة و الدعاء و غير ذلك من الأسباب و الدواعي على وفق إرادته و حكمته و جوز تعليم علم النجوم و تعلمه و النظر فيه و العمل به إذا لم يعتقد أنها مؤثرة و حمل أخبار النهي و الذم على ما إذا اعتقدت ذلك ثم ذكر ره تأييدا لصحة هذا العلم أسماء جماعة من الشيعة كانوا عارفين به فقال إن جماعة من بني نوبخت كانوا علماء بالنجوم و قدوة في هذا الباب و وقفت على عدة مصنفات لهم في النجوم و أنها دلالات على الحادثات منهم الحسن بن موسى النوبختي و من علماء المنجمين من الشيعة أحمد بن محمد بن خالد البرقي و ذكر النجاشي في كتبه كتاب النجوم و منهم أحمد بن محمد بن أحمد بن طلحة فقد عد الشيخ و النجاشي من كتبه كتاب النجوم و الشيخ النجاشي كان له تصنيف في النجوم و من المذكورين بعلم النجوم الجلودي البصري و منهم علي بن محمد بن العدوي الشمشاطي فإنه ذكر النجاشي أن له رسالة في إبطال أحكام النجوم و منهم علي بن محمد بن العباس فإن النجاشي ذكر في كتبه كتاب الرد على المنجمين و كتاب الرد على الفلاسفة و منهم محمد بن أبي عمير و استند إلى الخبر السابق و قد عرفت ما فيه قال و منهم محمد بن مسعود العياشي فإنه ذكر في تصانيفه كتاب النجوم و منهم موسى بن الحسن بن عباس بن إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت قال النجاشي كان حسن المعرفة بالنجوم و له مصنفات فيه و كان مع ذلك حسن العبادة و الدين و منهم الفضل بن أبي سهل بن نوبخت وصل إلينا من تصانيفه ما يدل على قوة معرفته بالنجوم
وَ ذَكَرَ عَنِ الْعُيُونِ مَا أَوْرَدْتُهُ فِي أَبْوَابِ تَارِيخِ الرِّضَا(ع)مِنْ أَنَّهُ أَخْبَرَ الْمَأْمُونَ بِخَطَاءِ الْمُنَجِّمِينَ فِي السَّاعَةِ الَّتِي اخْتَارُوهَا لِوِلَايَةِ الْعَهْدِ فَزَجَرَهُ الْمَأْمُونُ وَ نَهَاهُ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ أَحَداً فَعَلِمَ أَنَّهُ تَعَمَّدَ ذَلِكَ.
و منهم السيد الفاضل علي بن أبي الحسن العلوي المعروف بابن الأعلم و كان صاحب الزيج و منهم أبو الحسن النقيب الملقب أبا قيراط و منهم الشيخ الفاضل الشيعي علي بن الحسين بن علي المسعودي مصنف كتاب مروج الذهب و منهم أبو القاسم بن نافع من أصحابنا الشيعة و منهم إبراهيم الفزاري صاحب القصيدة في النجوم و كان منجما للمنصور
300
و منهم الشيخ الفاضل أحمد بن يوسف بن إبراهيم المصري كاتب آل طولون و منهم الشيخ الفاضل محمد بن عبد الله بن عمر البازيار القمي تلميذ أبي معشر و منهم الشيخ الفاضل أبو الحسين بن أبي الخضيب القمي و منهم أبو جعفر السقاء المنجم ذكره الشيخ في الرجال و منهم محمد بن أحمد بن سليم الجعفي مصنف كتاب الفاخر و منهم محمود بن الحسين بن السندي بن شاهك المعروف بكشاجم ذكر ابن شهرآشوب أنه كان شاعرا منجما متكلما و منهم العفيف بن قيس أخو الأشعث ذكره المبرد و قد مر أنه قيل هو الذي أشار إلى أمير المؤمنين(ع)بترك قتال الخوارج في الساعة التي أراد.
ثم قال ره و ممن أدركته من علماء الشيعة العارفين بالنجوم و عرفت بعض إصاباته الفقيه العالم الزاهد الملقب خطير الدين محمود بن محمد و ممن رأيته الشيخ الفاضل أبو نصر الحسن بن علي القمي ثم عد ره من اشتهر بعلم النجوم و قيل إنه من الشيعة فقال منهم أحمد بن محمد السجزي و الشيخ الفاضل علي بن أحمد العمراني و الفاضل إسحاق بن يعقوب الكندي قال و ممن اشتهر بالنجوم من بني العباس محمد بن عبد العزيز الهاشمي و علي بن القاسم القصري و قال رحمه الله وجدت فيما وقفت عليه أن علي بن الحسين بن بابويه القمي كان ممن أخذ طالعه في النجوم و أن ميلاده بالسنبلة ثم قال السيد ره روى الشيخ في اختيار الكشي في بيان حال أبي خالد السجستاني حمدويه و إبراهيم عن محمد بن عثمان قال حدثنا أبو خالد السجستاني أنه لما مضى أبو الحسن(ع)وقف عليه ثم نظر في نجومه فزعم أنه قد مات فقطع على موته و خالف أصحابه.
ثم قال ره ففي هذه عدة فوائد منها أن هذا أبو خالد كان واقفيا يعتقد أن أبا الحسن موسى(ع)ما مات فدله الله تعالى بعلم النجوم على موته و قد كان هذا العلم سبب هدايته و منها أنه كان من أصحاب الكاظم(ع)و لم يبلغنا أنه أنكر عليه علم النجوم و منها أنه لو علم أبو خالد أن علم النجوم منكر عند إمامه لما اعتمد عليه في عقيدته و منها اختيار جدي الطوسي لهذا الحديث و تصحيحه
301
و قد تقدم ثناؤه ره على جماعة من العلماء بالنجوم ثم قال و ممن اشتهر بعلمه من بني نوبخت عبد الله بن أبي سهل و من العلماء بالنجوم محمد بن إسحاق النديم كان منجما للعلوي المصري و من المذكورين بالتصنيف في علم النجوم حسن بن أحمد بن محمد بن عاصم المعروف بالعاصمي المحدث الكوفي ثقة سكن بغداد فمن كتبه الكتب النجومية ذكر ذلك ابن شهرآشوب في كتاب معالم العلماء و ممن اشتهر بعلم النجوم من المنسوبين إلى مذهب الإمامية الفضل بن سهل وزير المأمون فروى محمد بن عبدوس الجمشاري و غيره ما معناه أنه لما وقع بين الأمين و المأمون ما وقع و اضطربت خراسان و طلب جند المأمون أرزاقهم و توجه علي بن عيسى بن ماهان من العراق لحرب المأمون و صعد المأمون إلى منظره للخوف على نفسه من جنده و معه الفضل و قد ضاق عليه مجال التدبير و عزم على مفارقة ما هو فيه أخذ الفضل طالعه و رفع أصطرلابا و قال ما تنزل من هذه المنزلة إلا خليفة غالبا لأخيك الأمين فلا تعجل و ما زال يسكنه و يثبته حتى ورد عليهم في تلك الساعة رأس علي بن عيسى و قد قتله طاهر و ثبت ملكه و زال ما كان يخافه و ظفر بالأمان و روي خبر آخر أيضا مثل ذلك.
ثم قال و ممن كان عالما بالنجوم من المنسوبين إلى الشيعة الحسن بن سهل ثم ذكر ما أخرجنا من العيون في أبواب تاريخ الرضا(ع)من حديث الحمام و قتل الفضل فيه ثم قال رأيت في كتاب الوزراء جمع عبد الرحمن بن المبارك أنه ذكر محمد بن سعيد أنه وجد على كتاب من كتب ذي الرئاستين بخطه هذه السنة الفلانية التي تكون فيها النكبة و إلى الله نرغب في دفعها و إن صح من حساب الفلك شيء فالأمر واقع فيها لا محالة و نسأل الله تعالى أن يختم لنا بخير بمنه و كان يعمل لذي الرئاستين تقويم في كل سنة فيوقع عليه هذا يوم يصلح لكذا و يجنب في هذا اليوم كذا فلما كان في السنة التي قتل فيها عرض عليه اليوم فجعل يوقع فيه ما يصلح حتى انتهى إلى اليوم الذي قتل فيه فقال أف لهذا اليوم ما أشره علي و رمى بالتقويم و روي عن أخت الفضل قالت دخل الفضل
302
إلى أمه في الليلة التي قتل في صبيحتها فقعد إلى جانبها و أقبل يعظها و يعزيها عن نفسه و يذكرها حوادث الدهر و تقضي أمور العباد ثم قبل صدرها و ثديها و ودعها وداع المفارق ثم قام فخرج و هو قلق منزعج لما دله عليه الحساب فجعل ينتقل من موضع إلى موضع و من مجلس إلى مجلس و امتنع عليه النوم فلما كان في السحر قام إلى الحمام و قدر أن يجعل غمه و حرارته و كربه هو الذي دلت عليه النجوم و قدمت له بغلة فركبها و كان الحمام في آخر البستان فكبت به البغلة فسره ذلك و قدر أنها هي النكبة التي كان يتخوفها ثم مشى إلى الحمام و لم يزل حتى دخل الحمام فاغتسل فيه فقتل.
قال و من المذكورين بعلم النجوم بوران بنت الحسن بن سهل وجدت في مجموع عتيق أن بوران كانت في المنزلة العليا بأصناف العلم لا سيما في النجوم فإنها برعت فيه و بلغت أقصى نهايته و كانت ترفع الأصطرلاب كل وقت و تنظر إلى مولد المعتصم فعثرت يوما يقطع عليه سببه خشب فقالت لوالدها الحسن انصرف إلى أمير المؤمنين و عرفه أن الجارية فلانة قد نظرت إلى المولد و رفعت الأصطرلاب فدل الحساب و الله أعلم أن قطعا يلحق أمير المؤمنين من خشب في الساعة الفلانية من يوم بعينه قال الحسن يا قرة العين يا سيدة الحرائر إن أمير المؤمنين قد تغير علينا و ربما أصغى إلى شيخك بخلاف ما يقتضيه وجه المشورة و النصيحة قالت يا أبت و ما عليك من نصيحة إمامك لأنه خطر بروح لا عوض منها فإن قبلها و إلا كنت قد أديت المفروض عليك قال فانصرف الحسن إلى المعتصم و عرفه ما قالت بوران قال المعتصم أيها الحسن أحسن الله جزاءها و جزاءك انصرف إليها و خصها عني بالسلام و اسألها ثانيا و احضر عندي اليوم الذي عينت عليه و لازمني حتى ينصرم اليوم و يذهب فلست أشاركك في هذه المشورة و التدبير أحدا من البشر قال فلما كان صباح ذلك اليوم دخل عليه الحسن فأمر المعتصم حتى خرج كل من في المجلس و خلا إليه و أشار عليه أن ينتقل عن المجلس السقفي إلى مجلس ابن أرخى لا يوجد فيه وزن درهم واحد من الخشب
303
و ما زال الحسن يحدثه و المعتصم يمازحه و ينشطه حتى أظهر النهار و ضربت نوبة الصلاة فقام المعتصم ليتوضأ فقال الحسن لا تخرج أمير المؤمنين عن هذا المجلس و يكون الوضوء و الصلاة و كل ما تريده فيه حتى ينصرم اليوم فجاء خادم و معه المشط و السواك فقال الحسن للخادم امتشط بالمشط و استك بالسواك فامتنع و قال كيف أتناول آلة أمير المؤمنين قال المعتصم ويلك امتثل قول الحسن و لا تخالف ففعل فسقطت ثناياه و انتفخ دماغه و خر مغشيا عليه و رفع ميتا و قام الحسن ليخرج فاستدعاه المعتصم و احتضنه و لم يفارقه حتى قبل عينيه و رد على بوران أملاكا و ضياعا و كان ابن الزيات حلها عنها و ذكر مثله برواية أخرى و روي من كتاب الوزراء لمحمد بن عبدوس عن إسماعيل بن صبيح قال كنت أكتب يوما بين يدي يحيى بن خالد البرمكي فدخل عليه جعفر بن يحيى فلما رآه صاح و أعرض بوجهه عنه و قطب و كره رؤيته فلما انصرف قلت له أطال الله بقاءك تفعل هذا بابنك و حاله عند أمير المؤمنين حالة لا يقدم عليه ولدا و لا وليا فقال إليك عني أيها الرجل فو الله لا يكون هلاك أهل هذا البيت إلا بسببه فلما كان بعد مدة من ذلك دخل عليه أيضا جعفر و أنا بحضرته ففعل مثل ما فعل الأول و أكدت عليه القول فقال أدن مني الدواة فأدنيتها و كتب كلمات يسيرة في رقعة و ختمها و دفعها إلي و قال بلى ليكن عندك فإذا دخلت سنة سبع و ثمانين و مائة و مضى فانظر فيها فلما كان في صفر أوقع الرشيد بهم فنظرت في الرقعة فكان الوقت الذي ذكره قال إسماعيل و كان يحيى أعلم الناس بالنجوم و روي أيضا عن محمد بن عبدوس من كتاب الوزراء عن موسى بن نصر الوصيف عن أبيه قال غدوت إلى يحيى بن خالد في آخر أمرهم أريد عيادته من علة كان يجدها فوجدت في دهليزه بغلا مسرجا فدخلت إليه فكان يأنس بي و يفضي إلي بسره فوجدته مفكرا مهموما و رأيته مستخليا مشتغلا بحساب النجوم و هو ينظر فيه فقلت له إني لما رأيت بغلا مسرجا سرني لأني قدرت انصراف العلة و إن عزمك الركوب ثم قد غمني ما أراه من همك قال فقال لي إن
304
لهذا البغل قصة إني رأيت البارحة في النوم كأني راكبه حتى وافيت رأس الجسر من الجانب الأيسر فوقفت فإذا صائح يصيح من الجانب الآخر شعر.
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا* * * . أنيس و لم يسمر بمكة سامر.
قال فضربت يدي على قربوس السرج و قلت شعر.
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا.* * * صروف الليالي و الجدود العواثر.
ثم انتبهت فلجأت إلى أخذ الطالع فأخذته و ضربت الأمر ظهر البطن فوقفت على أنه لا بد من انقضاء مدتنا و زوال أمرنا قال فما كان يكاد يفرغ من كلامه حتى دخل عليه مسرور الخادم بخوان مغطاة و فيها رأس جعفر بن يحيى و قال له يقول لك أمير المؤمنين كيف رأيت نقمة الله في الفاجر فقال له يحيى قل له يا أمير المؤمنين أرى أنك أفسدت عليه دنياه و أفسد عليك آخرتك.
ثم قال و ممن رأيت ذكره في علماء النجوم و إن لم أعلم مذهبه إبراهيم بن السندي بن شاهك و كان منجما طبيبا متكلما و من العلماء بالنجوم عضد الدولة ابن بويه و كان منسوبا إلى التشيع و لعله كان يرى مذهب الزيدية و منهم الشيخ المعظم محمود بن علي الحمصي ره كما حكينا عنه و منهم جابر بن حيان صاحب الصادق(ع)و ذكره ابن النديم في رجال الشيعة و ممن ذكر بعلم النجوم من الوزراء أبو أيوب سليمان بن مخلد المورياني و ممن ظهر منه العمل على النجوم البرامكة ذكر عبد الرحمن بن المبارك أن جعفرا لما عزم على الانتقال إلى قصره الذي بناه و جمع المنجمين لاختيار وقت ينتقل فيه فاختاروا له وقتا من الليل فلما حضر الوقت خرج على حمار من الموضع الذي ينزله إلى قصره و الطرق خالية و الناس ساكنون فلما وصل إلى سوق يحيى رأى رجلا يقول شعر.
يدبر بالنجوم و ليس يدري.* * * و رب النجم يفعل ما يريد.
فاستوحش و وقف و دعا بالرجل فقال له أعد علي ما قلت فأعاده فقال ما أردت بهذا قال و الله ما أردت به معنى من المعاني لكنه عرض لي و جاء على لساني فأمر له بدنانير.
305
ثم ذكر ره إصابات كثيرة من المنجمين نقلا من كتبهم و نقل من كتاب ربيع الأبرار أن رجلا أدخل إصبعيه في حلقتي مقراض و قال للمنجم أيش ترى في يدي فقال خاتمي حديد و قال فقدت في دار بعض الرؤساء مشربة فضة فوجه إلى ابن ماهان يسأله فقال المشربة سرقت نفسها فضحكت منه و اغتاظ و قال هل في الدار جارية اسمها فضة أخذت الفضة فكان كما قال و قال سعي بمنجم فأمر بصلبه فقيل له هل رأيت هذا في نجومك فقال رأيت ارتفاعا و لكن لم أعلم أنه فوق خشبة. و قال و من الملوك المشهورين بعلم النجوم و تقريب أهله المأمون و ذكر محمد بن إسحاق أنه كان سبب نقل كتب النجوم و أمثالها من بلاد الروم و نشرها بين المسلمين و ذكر المسعودي في حديث وفاة المأمون قال فأمرنا بإحضار جماعة من أهل الموضع فسألهم ما تفسير النديون فقالوا تفسيره مد رجليك فلما سمع المأمون بذلك اضطرب و تطير بهذا الاسم و قال سلوهم ما اسم هذا الموضع بالعربية قالوا اسمه بالعربية الرقة و كان فيما عمل من مولد المأمون أنه يموت بالرقة فلما سمع اسم الرقة عرف أنه الموضع الذي ذكر في مولده و أنه لا يموت إلا بالرقة فمات به كما اقتضت دلالة النجوم في طالعه.
و ذكر محمد بن بابويه في دلائل النبوة أن بختنصر لما رأى رؤياه أحضر من جملة العلماء أصحاب النجوم و ذكر التنوخي في كتابه قال حدثني الصوفي المنجم قال و كان أبو الحسين حاضرا و عضد الدولة يحدثني قال اعتللت علة صعبة أيس مني فيها الطبيب و أيست من نفسي و كان تحويل سنتي تلك في النجوم رديا جدا نحسا موحشا ثم زادت العلة علي فأمرت أن يحجب الناس كلهم لا يدخل إلي أحد بوجه و لا سبب إلا حاجب البويه في أوقات حتى منعت الطبيب عن الوصول ضجرا بهم بل بنفسي و يأسا من العافية فأقمت كذلك أياما ثلاثة و أربعة و أنا أبكي في خلوتي على نفسي إذ جاءني حاجب البويه فقال في الدار أبو الحسين الصوفي من الغداة يطلب الوصول و قد اجتهدنا به في الانصراف بكل رفق و جميل
306
فما فعل و قال لا بد من أن أصل و لم أحب أن أحدثه في الانصراف على أي وجه كان إلا بأمرك و قد عرفته بأنه قد رسم لي أن لا يصل إليه أحد من خلق الله أجمعين فقال الذي حضرت له بشارة و لا يجوز أن يتأخر وقوفه عليها فعرفه هذا عني و استأذنه لي في الوصول إليه فقلت له بضعيف صوت و كلام خفيف يريد أن يقول لي قد بلغ الكوكب الفلاني الموضع الفلاني و يهدي إلي من هذا الجنس ما يضيق به صدري و يزيد به همي و ما أقدر على سماع كلامك فانصرف فخرج الحاجب و رجع إلي مستعجلا و قال إما أن يكون أبو الحسين الصوفي قد جن أو معه أمر عظيم فإني قد عرفته بما قال مولانا فقال ارجع إليه و قل له و الله لو أمرت بضرب عنقي ما انصرفت أو أصل إليك و و الله ما أكلمك في معنى النجوم بكلمة واحدة فعجبت من ذلك عجبا شديدا مع علمي بعقل أبي الحسين و أنه مما لا يخرق معي في شيء و تطلعت نفسي إلى ما يقوله فقلت أدخله فلما دخل إلي قبل الأرض و بكى و قال أنت و الله في عافية لا بأس عليك و اليوم تبرأ و معي معجزة في ذلك فقلت له ما هي فقال رأيت البارحة في منامي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)و الناس يهرعون إليه يسألونه حوائجهم و كان قد تقدمت إليه و قلت يا أمير المؤمنين أنا رجل غريب في هذا البلد تركت نعمتي بالري و تجارتي و تعلقت بحب هذا الأمير الذي أنا معه و قد بلغ إلى حد الإياس من العلة و قد أشفقت أن أهلك بهلاكه فادع الله تعالى بالعافية له فقال تعني فناخسرو بن الحسن بن بويه قلت نعم يا أمير المؤمنين فقال امض إليه غدا و قل له أ نسيت ما أخبرتك به أمك عني في المنام الذي رأته و هي حامل بك أ ليس قد أخبرتك (1) بمدة عمرك و أنك ستعتل إذا بلغت كذا و كذا سنة علة ييأس منها أطباؤك و أهلك ثم تبرأ منها و أنت تصلح من هذه العلة غدا و تبرأ و أرى صلاحك أن تركب و تعاود عاداتك كلها في كذا و كذا يوما و لا قطع عليك قبل الأجل الذي خبرتك به أمك عني قال لي عضد الدولة و قد
____________
(1) أخبرتها (خ).
307
كنت أنسيت أن أمي قالت لي في المنام إذا بلغت هذه السنة اعتللت العلة التي قد ذكرتها حتى قال لي أبو الحسين الصوفي فحين سمعت الكلام حدثت لي في نفسي في الحال قوة لم يكن من قبل فقلت أقعدوني فجاء الغلمان فأمسكوني حتى جلست على الفراش و قلت لأبي الحسين اجلس و أعد الحديث فقد قويت نفسي فأعاده فتولدت لي شهوة الطعام فاستدعيت الأطباء فأشاروا بتناول غذاء وصفوه عمل في الحال و أكلته و لم تنقض الحال في اليوم حتى بان لي في الصلاح أمر عظيم و أقبلت العافية فركبت و عاودت عاداتي في اليوم الذي قال أبو الحسين في المنام أن أركب فيه و كان عضد الدولة يحدثني و أبو الحسين يقول كذا و الله كان و كذا قلت لمولانا و أعيد بالله ما أحسن حفظه و ذكر ما جرى حرفا بحرف ثم قال ما فاتني في نفسي من هذا المنام شيء كنت أشتهي الأشياء كنت أشتهي أن يكون فيه مثبتا و شيئا كنت أشتهي أن لا يكون فيه فقلت يبلغ الله مولانا آماله و يحدث له كل ما يسر به و يصرف عنه كل ما لا يؤثر كونه و لم أزد على الدعاء فعلم غرضي و قال أما الذي كنت أشتهي أن لا يكون فيه فهو أنه وقف على أني أملك حلبا و لو كان عنده أني أملك شيئا مما تجاوز حلبا لقاله و كأني أخاف أن يكون هذا غاية حدي من تلك الناحية حتى أنه جاءني الخبر بأن سيف الدولة أظهر الدعوة لي بحلب و أعماله و دخل تحت طاعتي فذكرت المنام فتنغص علي لأجل هذا الاعتقاد و أما الذي كنت أشتهي أن يكون فيه فهو أني أعلم من هذا الذي يملك من ولدي و يستقل (1) الملك على يديه فدعوت له و قطعت الحديث بعدها بنحو سنتين و ما تجاوزت دعوته أعمال حلب بوجه و لا سبب.
قال
- وَ رَوَى الْحَاكِمُ النَّيْسَابُورِيُّ فِي تَارِيخِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: بَعَثَ تُبَّعٌ إِلَى مَكَّةَ لِنَقْلِ الْبَيْتِ إِلَيْهِ قَالَ فَابْتُلِيَ بِجَسَدِهِ فَقَالَ لِمُنَجِّمِيهِ انْظُرُوا فَنَظَرُوا فَقَالُوا لَعَلَّكَ أَرَدْتَ بَيْتَ اللَّهِ بِشَيْءٍ قَالَ نَعَمْ أَرَدْتُ أَنْ يُنْقَلَ إِلَيَّ قَالُوا إِذاً لَا يَكُونُ وَ لَكِنِ اكْسُهُ وَ رُدَّهُمْ مِنْ ذَلِكَ فَرَدَّهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَ كَسَاهُ فَبَرَأَ.
انتهى
____________
(1) يستقر (ظ).
308
ما أردت إيراده من كلام السيد ره.
و سأل السيد مهنان بن سنان العلامة ره ما يقول سيدنا فيما يقال إن كسوف الشمس بسبب حيلولة جرم القمر بينه و بين الشمس و إن سبب خسوف القمر حيلولة الأرض و يدل على ذلك ما يخبر به أهل التقويم فيطابق أخبارهم و إذا كان الأمر على هذه الصورة فلم أمرنا بالخوف عند ذلك و الفزع إلى الدعاء و الصلاة في المساجد فأجاب ره استناد الكسوف و الخسوف إلى ما ذكره أدام الله أيامه مستند إلى الرصد و هو أمر ظني غير يقيني و لو سلم لم يضر في التكليف بالصلاة و سؤال الله في رد النور (1) و يجوز أن يكون هذا الحادث سببا لتجدد حادث في الأرض من خير أو شر فجاز أن يكون العبادة رافعة لما نيط بذلك الحادث من الشر و الخوف بسبب ذلك ثم سأل عن إخبار المنجمين و أصحاب الرمل بالأشياء المغيبة فأجاب بأن هذا كله تخمين لا حقيقة له و ما يوافق قولهم من الحوادث فإنه يقع على سبيل الاتفاق و علم الرمل ينسب إلى إدريس(ع)و ليس بمحقق و لكنه جرى لنا وقائع غريبة عجيبة و امتحانات طابقت حكمه لكن لا يثمر ذلك علما محققا انتهى.
و أقول إذا أحطت خبرا بما تلونا عليك من الأخبار و الأقوال لا يخفى عليك أن القول باستقلال النجوم في تأثيرها بل القول بكونها علة فاعلية بالإرادة و الاختيار و إن توقف تأثيرها على شرائط كفر و مخالفة لضرورة الدين (2) و القول بالتأثير الناقص يحتمل وجهين الأول تأثيرها بالكيفية كحرارة الشمس و إضاءتها و سائر الكواكب و تبريد القمر فلا سبيل إلى إنكار ذلك لكن الكلام في أنها
____________
(1) لم يضر بالاخبار بحسن الصلاة و الدعاء في ردّ النور (خ).
(2) القول بكون الكواكب حية مريدة مختارة مؤثرة في العالم الارضى خطاء لكنه لا يوجب الكفر، إلّا أن يعتقد أنّها واجبة الوجود و ليس فوقها مؤثر، أو أن اللّه لا يقدر على منعها من التأثير، قال الشهيد في القواعد على ما حكى عنه المؤلّف: و ان اعتقد انها- يعنى الكواكب- تفعل الآثار المنسوبة إليها و اللّه سبحانه هو المؤثر الأعظم كما يقوله أهل العدل فهو مخطئ، اذ لا حياة لهذه الكواكب ثابتة بدليل عقلي و لا نقلى و بعض الاشعرية يكفرون هذا (الخ) و على هذا فدعوى كون هذا القول مخالفا لضرورة الدين كما ترى.
309
مؤثرات أو معدات لتأثير الرب سبحانه أو أنه تعالى أجرى العادة بخلق الحرارة أو الضوء عقيب محاذاة الشمس مثلا و الأكثر على الأخير و الثاني كون حركاتها و أوضاعها و مقارناتها و اتصالاتها مؤثرة ناقصة في خلق الحوادث على أحد الوجوه الثلاثة المتقدمة فلا ريب أن القول به فسق و قول بما لا يعلم و لا دليل يدل عليه من عقل و لا نقل بل ظواهر الآيات و الأخبار خلافه و القول به جرأة على الله.
و أما أنه ينتهي إلى حد الكفر فيشكل الحكم به و إن لم يكن مستبعدا و الكراجكي ره لم يفرق فيما مر بين هذا الوجه و الوجه الأول و إنما النزاع في الثاني دون الأول و أما كونها أمارات و علامات جعلها الله دلالة على حدوث الحوادث في عالم الكون و الفساد فغير بعيد عن السداد و قد عرفت أن كثيرا من الأخبار تدل على ذلك و هي إما مفيدة للعلم العادي لكنه مخصوص ببعض الأنبياء و الأئمة(ع)و من أخذها منهم لأن الطريق إلى العلم بعدم ما يرفع دلالتها من وحي أو إلهام و الإحاطة بجميع الشرائط و الموانع و القوابل مختصة بهم أو مفيدة للظن و وقوع مدلولاتها مشروط بتحقق شروط و رفع موانع و ما في أيدي الناس ليس ذلك العلم أصلا أو بعضه منه لكنه غير معلوم بخصوصه و لا يفيد العلم قطعا و إفادته نوعا من الظن مشكوك فيه.
و أما تعليمه و تعلمه و العمل به فأقسام منها استخراج التقاويم و الإخبار بالأمور الخفية أو المستقبلة و أخذ الطوالع و الحكم بها على الأعمار و الأحوال و الظاهر حرمة ذلك لشمول النهي له و ما ورد أنها دلالات و علامات لا يدل على التجويز لغير من أحاط علمه بجميع ذلك من المعصومين(ع)و ما دل على الجواز فأخبار أكثرها ضعيفة و يمكن حمل بعضها على التقية بشيوع العمل بها في زمن خلفاء الجور و السلاطين في أكثر الأعصار و تقرب المنجمين عندهم و ربما يومئ بعض الأخبار إليه و يمكن حمل أخبار النهي على الكراهة الشديدة و الجواز على الإباحة أو حمل أخبار النهي على ما إذا اعتقد التأثير و الجواز على عدمه كما فعله السيد ابن طاووس ره و غيره لكن الأول أظهر و أحوط.
310
و منها الاعتناء بالساعات المسعودة و المنحوسة و اختيار الأولة لارتكاب الأعمال و الشروع فيها و الاحتراز عن الثانية و هذا أيضا يحتمل الكراهة و الحرمة و ما ورد من رعاية العقرب و المحاق في التزويج و السفر فلا دلالة فيه على العموم مع أنك قد عرفت أن اصطلاح البروج في الأخبار الظاهر أنه غير اصطلاح المنجمين و أما سعادة الكواكب و البروج و نحوستها فتحتمل الأخبار الواردة فيها أمرين أحدهما أن يكون لها سعادة و نحوسة واقعية لكن ترتفع النحوسة بالتوكل و الدعاء و الصدقة و التوسل بالله تعالى و نحن إنما أمرنا بتلك الأمور لا برعاية الساعات و ثانيهما أن يكون تأثيرها من جهة الطيرة لما اشتهر بين الناس من نحوسة تلك الساعات و إنما يتأثر بها من يتأثر من الطيرة ممن ضعف توكلهم و اعتمادهم على ربهم و لهم عقول ضعيفة و نفوس دنية يتأثرون بأدنى شيء و يومئ إليه
- قَوْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عِنْدَ خَبَرِ الْمُنَجِّمِ اللَّهُمَّ لَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ.
فعلى الوجهين الأولى لمن قويت نفسه و صدق في توكله على ربه أن لا يلتفت إلى أمثال ذلك و يتوسل بجنابه تعالى في جميع أموره و يطلب منه الخيرة
- وَ قَدْ رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّ الطِّيَرَةَ عَلَى مَا تَجْعَلُهَا إِنْ هَوَّنْتَهَا تَهَوَّنَتْ وَ إِنْ شَدَّدْتَهَا تَشَدَّدَتْ وَ إِنْ لَمْ تَجْعَلْهَا شَيْئاً لَمْ تَكُنْ شَيْئاً.
- وَ عَنْهُ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ النَّبِيُّ(ص)أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى دَاوُدَ(ع)كَمَا لَا تَضِيقُ الشَّمْسُ عَلَى مَنْ جَلَسَ فِيهَا كَذَلِكَ لَا تَضِيقُ رَحْمَتِي عَلَى مَنْ دَخَلَ فِيهَا وَ كَمَا لَا تَضُرُّ الطِّيَرَةُ مَنْ لَا يَتَطَيَّرُ مِنْهَا كَذَلِكَ لَا يَنْجُو مِنَ الْفِتْنَةِ الْمُتَطَيِّرُونَ.
و سيأتي القول فيها في الباب الآتي.
و منها تعليم هذا العلم بوجهيه المتقدمين و تعلمه و النظر و التفكر فيه و هو أيضا يحتمل الحرمة و الكراهة و احتمال الكراهة هنا أقوى مما سبق.
و منها علم الهيئة و النظر في هيئات الأفلاك و حركاتها و جوازه لا يخلو من قوة إذا لم يعتقد فيه ما يخالف الآيات و الأخبار كتطابق الأفلاك و لم يجزم بما لا برهان عليه و إنما قال به على سبيل الاحتمال و أما ما ذكره الشهيد ره من استحباب النظر في علم الهيئة فإنما هو إذا ثبتت مطابقة قواعده لما هي عليها في
311
نفس الأمر و عدم اشتماله على قاعدة مخالفة لما ظهر من الشريعة و إلا فيكون بعضها داخلا في القول بغير علم أو فيما حرم اتباعه لمخالفة الشريعة و أما الآيات الدالة على التفكر في خلق السماوات و الأرض فالظاهر أن المراد بها التفكر فيها من جهة دلالتها على وجود الصانع و علمه و قدرته و حكمته لا من جهة نضدها و ترتيبها و كيفيات حركاتها و إن احتمل شمولها لها أيضا.
و منها الحكم بالكسوف و الخسوف و أوائل الأهلة و المحاق و أشباه ذلك فالظاهر جوازه و إن كان الأحوط اجتناب ذلك أيضا فإن الأحكام الشرعية فيها مبتنية على الرؤية لا على أحكام المنجمين بذلك و بالجملة ينبغي للمتدين المتبع لأهل بيت العصمة(ع)المدعي لكونه شيعة لهم مقتديا لآثارهم أن لا يتعرض لشيء من ذلك إلا في قليل منه يتعلق بمعرفة أوقات الصلوات و سائر العبادات و تعيين جهة القبلة و أشباه ذلك و لو كانت هذه العلوم و الأعمال مما له مدخلية في صلاح الدين لأمر أئمتنا(ع)شيعتهم بذلك و رغبوهم فيها و حثوهم عليها و علموهم قواعدها و لم ينقل من عادة أهل البيت(ع)و سيرتهم الرجوع إلى الساعات و استعلامها أو بيانها لشيعتهم و احترازهم عن ساعة بسبب أنها نحس بحسب النجوم بل كانوا يأمرونهم بالصدقة و الدعاء و التضرع و التوسل إلى الله سبحانه في الاحتراز عن البلايا و الآفات و المنحوسة من الساعات و في هذه الأزمان تركوا جميع ذلك و اكتفوا بالرجوع إلى التقاويم و أصحاب النجوم و اتكلوا عليها و أيضا لعلمهم بإخبار المنجمين بأوقات الكسوفات و الخسوفات لا يحصل لهم في وقوعها فزع و لا يتضرعون إلى الله في رفعها و دفع شرها مع أنه يصير في أكثر الناس سببا للقول بتأثير النجوم و حياتها و تدبيرها في العالم أعاذنا الله و سائر المؤمنين من ذلك و إنما أطنبنا الكلام قليلا في هذا المقام لكثرة ولوع الناس بهذا العلم و العمل به و تقربهم إلى الملوك بذلك فيوقعون الناس به في المهالك و الله العاصم من فتن المبتدعين و الهادي إلى الحق و اليقين.
312
باب 11 آخر في النهي عن الاستمطار بالأنواء و الطيرة و العدوى
الآيات النمل قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (1) يس قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَ لَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (2) الواقعة وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (3) تفسير قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ أي تشأمنا بكم إذ تتابعت علينا الشدائد من القحط و غيره و وقع بيننا الافتراق بما اخترعتم من دينكم قالَ طائِرُكُمْ أي سببكم الذي جاء منه شركم عِنْدَ اللَّهِ و هو قضاؤه و قدره أو أعمالكم السيئة المكتوبة عنده بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ أي تختبرون بتعاقب السراء و الضراء و فيه دلالة على أنه لا أصل للطيرة و أن ما يقع من الخير و الشر بقدر الله مترتبا على الأعمال الحسنة و السيئة كما قال وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ (4) قال صاحب الكشاف كان الرجل يخرج مسافرا فيمر بطير فيزجره و إن مر سانحا تيمن و إن مر بارحا تشأم فلما نسبوا الخير و الشر إلى الطائر استعير لما كان سببا للخير و الشر و هو قدر الله و قسمته.
إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ قال البيضاوي تشأمنا بكم و ذلك لاستغرابهم ما ادعوه
____________
(1) النمل: 47.
(2) يس: 18 و 19.
(3) الواقعة: 82.
(4) الشورى: 30.
313
و استقباحهم له و تنفرهم عنه لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا عن مقالتكم هذه طائِرُكُمْ مَعَكُمْ سبب شومكم معكم و هو سوء عقيدتكم و أعمالكم أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ وعظتم به و جواب الشرط محذوف مثل تطيرتم أو توعدتم بالرجم و التعذيب بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ قوم عادتكم الإسراف في العصيان فمن ثم جاءكم الشوم أو في الضلال و لذلك توعدتم و تشأمتم بمن يجب أن يكرم و يتبرك به (1).
وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ قال الطبرسي ره أي و تجعلون حظكم من الخير الذي هو كالرزق لكم أنكم تكذبون به و قيل و تجعلون شكر رزقكم التكذيب عن ابن عباس قال أصاب الناس عطش في بعض أسفاره فدعا(ص)فسقوا فسمع رجلا يقول مطرنا بنوء كذا فنزلت الآية و قيل معناه و تجعلون حظكم من القرآن الذي رزقكم الله التكذيب به عن الحسن (2) و قرأه علي(ع)و ابن عباس و رويت عن النبي(ص)و تجعلون شكركم (3) فالمعنى تجعلون مكان الشكر الذي يجب عليكم التكذيب و قد يكون المعنى و تجعلون شكر رزقكم التكذيب (4) قال ابن جني هو على و تجعلون بدل شكركم (5).
- 1، 14 تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ ثَابِتٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَمَاعَةَ وَ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْقَزَّازِ جَمِيعاً عَنْ صَالِحِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ ثَابِتِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى الثَّعْلَبِيِّ وَ لَا أَرَانِي إِلَّا وَ قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِ أَنَّ عَلِيّاً(ع)قَرَأَ بِهِمُ الْوَاقِعَةَ وَ تَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ إِنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَقُولُ قَائِلٌ لِمَ قَرَأَ هَكَذَا قِرَاءَتَهَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ وَ كَانُوا إِذَا مُطِرُوا قَالُوا مُطِرْنَا
____________
(1) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)309.
(2) مجمع البيان: ج 9،(ص)226.
(3) مجمع البيان: ج 9،(ص)224.
(4) في المصدر: فهو حذف المضاف و قال.
(5) مجمع البيان: ج 9(ص)225.
314
بِنَوْءِ كَذَا وَ كَذَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَ تَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (1).
2- وَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِهِ وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ قَالَ بَلْ هِيَ وَ تَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (2).
توضيح قوله و لا أراني كلام ثابت أي أظن أني سمعت الحديث من عبد الأعلى بغير توسط أبان و قال الجزري في النهاية فيه ثلاث من أمر الجاهلية الطعن في الأنساب و النياحة و الأنواء و قد تكرر ذكر النوء و الأنواء في الحديث و منه الحديث مطرنا بنوء كذا و الأنواء هي ثمان و عشرون منزلة ينزل القمر في كل ليلة في منزلة منها و منه قوله تعالى وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ يسقط في المغرب كل ثلاث عشرة ليلة منزلة مع طلوع الفجر و تطلع أخرى مقابلتها (3) ذلك الوقت في المشرق فتنقضي جميعها مع انقضاء السنة و كانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة و طلوع رقيبها يكون مطر و ينسبونه إليها فيقولون مطرنا بنوء كذا و إنما سمي نوءا لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق يقال ناء ينوء نوءا أي نهض و طلع و قيل أراد بالنواء الغروب و هو من الأضداد قال أبو عبيد لم نسمع في النوء أنه السقوط إلا في هذا الموضع و إنما غلظ النبي(ص)في أمر الأنواء لأن العرب كانت تنسب المطر إليها فأما من جعل المطر من فعل الله تعالى و أراد بقوله مطرنا بنوء كذا أي في وقت كذا و هو هذا النواء الفلاني فإن ذلك جائز أي إن الله قد أجرى العادة أن يأتي المطر في هذه الأوقات (4) انتهى.
و قال ابن العربي من انتظر المطر منها على أنها فاعلة من دون الله أو يجعل الله شريكا فيها فهو كافر و من انتظره منها على إجراء العادة فلا شيء عليه و قال النووي لكنه يكره لأنه شعار الكفر و موهم له.
____________
(1) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ: 663.
(2) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ: 663.
(3) في المصدر: مقابلها- بالنصب على الظرفية-.
(4) النهاية: ج 4،(ص)178.
315
3- مَعَانِي الْأَخْبَارِ، عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ (1) عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمْرَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ(ع)قَالَ: ثَلَاثَةٌ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ الْفَخْرُ بِالْأَنْسَابِ وَ الطَّعْنُ فِي الْأَحْسَابِ وَ الِاسْتِسْقَاءُ بِالْأَنْوَاءِ.
- قال الصدوق ره أخبرني محمد بن هارون الزنجاني عن علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد أنه قال سمعت عدة من أهل العلم يقولون إن الأنواء ثمانية و عشرون نجما معروفة المطالع في أزمنة السنة كلها من الصيف و الشتاء و الربيع و الخريف يسقط منها في كل ثلاث عشرة ليلة نجم في المغرب مع طلوع الفجر و يطلع آخر يقابله في المشرق من ساعته و كلاهما معلوم مسمى و انقضاء هذه الثمانية و العشرين كلها مع انقضاء السنة ثم يرجع الأمر إلى النجم الأول مع استئناف السنة المقبلة و كانت العرب في الجاهلية إذا سقط منها نجم و طلع آخر قالوا لا بد أن يكون عند ذلك رياح و مطر فينسبون كل غيث يكون عند ذلك إلى ذلك النجم الذي يسقط حينئذ فيقولون مطرنا بنوء الثريا و الدبران و السماك و ما كان من هذه النجوم فعلى هذا فهذه هي الأنواء واحدها نوء و إنما سمي نوءا لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق بالطلوع و هو ينوء نوءا و ذلك النهوض هو النوء فسمي النجم به و كذلك كل ناهض ينتقل بإبطاء فإنه ينوء عند نهوضه قال الله تبارك و تعالى لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ (2)
. 4- وَ مِنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الزَّنْجَانِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ
____________
(1) في المصدر: أحمد بن زياد بن جعفر الهمدانيّ عن عليّ بن إبراهيم. و ابن عقدة هو أحمد بن محمّد بن سعيد الهمدانيّ الكوفيّ الثقة المتوفّى سنة (333) و يمكن رواية الصدوق- ره- عنه لانه تولد سنة (305) و كان عند وفاة «ابن عقدة» ابن ثمانية و عشرين، و إن لم يذكر في مشايخه، و اللّه العالم.
(2) القصص: 76. معاني الأخبار: 326.
316
أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ بِأَسَانِيدَ مُتَّصِلَةٍ إِلَى النَّبِيِّ(ص)قَالَ: نَهَى(ص)عَنْ ذَبَائِحِ الْجِنِّ وَ ذَبَائِحُ الْجِنِّ أَنْ يَشْتَرِيَ الدَّارَ أَوْ يَسْتَخْرِجَ الْعَيْنَ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَيَذْبَحَ لَهُ ذَبِيحَةً لِلطِّيَرَةِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَطَيَّرُونَ إِلَى هَذَا الْفِعْلِ مَخَافَةَ إِنْ لَمْ يَذْبَحُوا أَوْ يُطْعِمُوا أَنْ يُصِيبَهُمْ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْجِنِّ فَأَبْطَلَ النَّبِيُّ(ص)هَذَا وَ نَهَى عَنْهُ (1).
5- وَ قَالَ(ص)لَا توردن يُورِدَنَ (2) ذُو عَاهَةٍ عَلَى مُصِحٍّ يَعْنِي الرَّجُلَ يُصِيبُ إِبِلَهُ الْجَرَبُ أَوِ الدَّاءُ فَقَالَ لَا تُورِدَنَّهَا (3) عَلَى مُصِحٍّ وَ هُوَ الَّذِي إِبِلُهُ وَ مَاشِيَتُهُ صِحَاحٌ بَرِيئَةٌ مِنَ الْعَاهَةِ.
قال أبو عبيد وجهه عندي و الله أعلم أنه خاف أن ينزل بهذه الصحاح من الله عز و جل ما نزل بتلك فيظن المصح أن تلك أعدتها فيأثم في ذلك
6- الْخِصَالُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ الْفَارِسِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ جَعْفَرٍ الْبَصْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَرْبَعَةٌ لَا تَزَالُ فِي أُمَّتِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْفَخْرُ بِالْأَحْسَابِ وَ الطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ وَ الِاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ وَ النِّيَاحَةُ الْخَبَرَ (4).
7- الْخَرَائِجُ، رُوِيَ أَنَّهُ فِي وَقْعَةِ تَبُوكَ أَصَابَ النَّاسَ عَطَشٌ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ لَسَقَانَا فَقَالَ(ص)لَوْ دَعَوْتُ اللَّهَ لَسُقِيتُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ لَنَا لِيَسْقِيَنَا فَدَعَا فَسَالَتِ الْأَوْدِيَةُ فَإِذَا قَوْمٌ عَلَى شَفِيرِ الْوَادِي يَقُولُونَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ الذِّرَاعِ وَ بِنَوْءِ كَذَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَ لَا تَرَوْنَ فَقَالَ خَالِدٌ أَ لَا أَضْرِبُ أَعْنَاقَهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَقُولُونَ هَكَذَا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهُ.
____________
(1) معاني الأخبار: 282.
(2) في المصدر: لا يوردن.
(3) في المصدر: لا يوردنها.
(4) الخصال: 105.
317
بيان يدل على حرمة هذا القول أو الكراهة الشديدة و أنه لا يصير سببا للكفر مع عدم الاعتقاد بكونها مؤثرة و أن هذا الاعتقاد كفر يوجب الارتداد و استحقاق القتل.
8- الْعَيَّاشِيُّ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ (1) قَالَ كَانُوا يَقُولُونَ نُمْطَرُ بِنَوْءِ كَذَا وَ بِنَوْءِ كَذَا وَ مِنْهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ فَيُصَدِّقُونَهُمْ بِمَا يَقُولُونَ.
بيان قال الطبرسي ره في قوله تعالى وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ اختلف في معناه على أقوال أحدها أنهم مشركو قريش كانوا يقرون بالله خالقا و محييا و مميتا و يعبدون الأصنام و يدعونها آلهة عن ابن عباس و ثانيها أنها نزلت في مشركي العرب إذا سئلوا من خلق السماوات و الأرض و ينزل القطر قالوا الله ثم هم يشركون كانوا يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه و ما ملك و ثالثها أنهم أهل الكتاب آمنوا بالله و اليوم الآخر و التوراة و الإنجيل ثم أشركوا بإنكار القرآن و إنكار نبوة نبينا(ص)و هذا القول مع ما تقدم رواه دارم بن قبيصة عن الرضا عن جده أبي عبد الله(ع)و رابعها أنهم المنافقون يظهرون الإيمان و يشركون في السر و خامسها أنهم المشبهة آمنوا في الجملة و أشركوا (2) بالتفصيل عن ابن عباس أيضا و سادسها أن المراد بالإشراك شرك الطاعة لا شرك العبادة أطاعوا الشيطان في المعاصي التي يرتكبونها مما أوجب الله عليها النار فأشركوا بالله في طاعته و لم يشركوا في (3) عبادته فيعبدون معه غيره عن أبي جعفر ع
وَ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: قَوْلُ الرَّجُلِ لَوْ لَا فُلَانٌ لَهَلَكْتُ وَ لَوْ لَا فُلَانٌ لَضَاعَ عِيَالِي جَعْلٌ لِلَّهِ شَرِيكاً فِي مُلْكِهِ يَرْزُقُهُ وَ يَدْفَعُ عَنْهُ فَقِيلَ لَهُ لَوْ قَالَ لَوْ لَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيَّ بِفُلَانٍ
____________
(1) يوسف: 106.
(2) في المصدر: فى التفصيل، و روى ذلك عن ابن عبّاس أيضا.
(3) في المصدر: و لم يشركوا باللّه شرك عبادة.
318
لَهَلَكْتُ قَالَ لَا بَأْسَ بِهَذَا.
- وَ فِي رِوَايَةِ زُرَارَةَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ وَ حُمْرَانَ عَنْهُمَا(ع)أَنَّهُ شِرْكُ النِّعَمِ.
- وَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ: إِنَّهُ شِرْكٌ لَا يَبْلُغُ بِهِ الْكُفْرَ (1).
انتهى و أقول ما ورد في الخبر قريب من الوجه الأخير و يدل على حرمة الاعتقاد بالنجوم و الكهانة.
9- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ النَّضْرِ بْنِ قِرْوَاشٍ الْجَمَّالِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنِ الْجِمَالِ يَكُونُ بِهَا الْجَرَبُ أَعْزِلُهَا مِنْ إِبِلِي مَخَافَةَ أَنْ يُعْدِيَهَا جَرَبُهَا وَ الدَّابَّةُ رُبَّمَا صَفَرْتُ لَهَا حَتَّى تَشْرَبَ الْمَاءَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ أَعْرَابِيّاً أَتَى رَسُولَ اللَّهِ(ص)فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُصِيبُ الشَّاةَ وَ الْبَقَرَةَ وَ النَّاقَةَ بِالثَّمَنِ الْيَسِيرِ وَ بِهَا جَرَبٌ فَأَكْرَهُ شِرَاءَهَا مَخَافَةَ أَنْ يُعْدِيَ ذَلِكَ الْجَرَبُ إِبِلِي وَ غَنَمِي فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَا أَعْرَابِيُّ فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لَا عَدْوَى وَ لَا طِيَرَةَ وَ لَا هَامَةَ وَ لَا شُؤْمَ وَ لَا صَفَرَ وَ لَا رَضَاعَ بَعْدَ فِصَالٍ وَ لَا تَعَرُّبَ بَعْدَ هِجْرَةٍ وَ لَا صَمْتَ يَوْماً إِلَى اللَّيْلِ وَ لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ وَ لَا عِتْقَ قَبْلَ مِلْكٍ وَ لَا يُتْمَ بَعْدَ إِدْرَاكٍ (2).
إيضاح قوله(ص)لا عدوى قال في النهاية فيه لا عدوى و لا صفر العدوى اسم من الإعداء كالدعوى و التقوى من الادعاء و الاتقاء يقال أعداه
____________
(1) مجمع البيان: ج 5،(ص)267.
(2) روضة الكافي: 196. أقول: المراد بنفى العدوى ان مخالطة المرضى ليست علة تامة مستقلة في سراية الأمراض، و ان كانت مؤثرة كان تأثيرها ناقصا و منوطا باذن اللّه و مشيته.
و بعبارة اخرى الغرض من هذا البيان انه لا ينبغي للموحدان يسند الفعل إلى غير اللّه تعالى، لا أنه ليس لغيره أي تأثير حتّى مع تسبيبه تعالى و جعله إيّاه مؤثرا و مثل ذلك الشفاء، فان اللّه سبحانه هو الذي يبرئ و يشفى، و لا يستلزم ذلك عدم تأثير الدواء، لانه تعالى هو الذي جعل الدواء مؤثرا، فالفعل بحسب الحقيقة مستند إليه، و على، هذا فلا منافاة بين هذا الحديث و بين ما ثبت في الطبّ و الحديث من سراية بعض الأمراض بواسطة المخالطة. مضافا إلى ان سببية ذلك انما هو على سبيل الاقتضاء أو الاعداد فربما يمنع عن تأثيره مانع ظاهرى كبعض الأدوية أو غير ظاهرى كالدعاء و التوسل و نحوهما و اللّه عزّ و جلّ هو مسبب الأسباب و هو على كل شيء قدير.
319
الداء يعديه إعداء و هو أن يصيبه مثل ما بصاحب الداء و ذلك أن يكون ببعير جرب مثلا فتتقى مخالطته بإبل أخرى حذرا أن يتعدى إليها ما به من الجرب فيصيبها ما أصابه و قد أبطله الإسلام لأنهم كانوا يظنون أن المرض بنفسه يتعدى فأعلمهم النبي(ص)أنه ليس الأمر كذلك و إنما الله تعالى هو الذي يمرض و ينزل الداء و لهذا قال في بعض الأحاديث فمن أعدى البعير الأول أي من أين صار فيه الجرب (1) انتهى.
و أقول يمكن أن يكون المراد نفي استقلال العدوى بدون مدخلية مشيته تعالى بل مع الاستعاذة بالله يصرفه عنه فلا ينافي الأمر بالفرار من المجذوم و أمثاله لعامة الناس الذين لضعف يقينهم لا يستعيذون به تعالى و تتأثر نفوسهم بأمثاله.
و
- قَدْ رُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ(ع)أَكَلَ مَعَ الْمَجْذُومِينَ وَ دَعَاهُمْ إِلَى طَعَامِهِ وَ شَارَكَهُمْ فِي الْأَكْلِ.
مع أنه يمكن أن يكون من خصائصهم(ع)لأن الله يعصمهم عن الأمراض المشينة التي توجب نفرة الناس عنهم و قيل الجذام مستثنى من هذه الكلية أي عدم العدوى و قال الطيبي في شرح المشكاة العدوى مجاوزة العلة أو الخلق إلى الغير و هو بزعم الطب في سبع الجذام و الجرب و الجدري و الحصبة و البخر و الرمد و الأمراض الوبائية فأبطله الشرع أي لا تسري علته إلى شخص و قيل بل نفى استقلال تأثيره بل هو متعلق بمشية الله تعالى و لذا منع من مقاربته كمقاربة الجدار المائل و السفينة المعيبة و أجاب الأولون بأن النهي عنها للشفقة خشية أن يعتقد حقيته إن اتفق إصابة عاهته و أرى هذا القول أولى لما فيه من التوفيق بين الأحاديث و الأصول الطبية التي ورد الشرع باعتبارها على وجه لا يناقض أصول التوحيد انتهى.
و لا طيرة هذه أيضا مثل السابقة و المراد به النهي عن التطير و التشؤم بالأمور التي يحترز منها العوام أو لا تأثير للطيرة مطلقا أو على وجه الاستقلال بل مع قوة النفس و عدم التأثر بها و التوكل على الله تعالى يرتفع تأثيرها و يؤيد
____________
(1) النهاية: ج 3،(ص)73.
320
الأخير ما سيأتي و ما ورد في بعض الأخبار الدالة على تأثيرها في الجملة و ما ورد في بعض الأدعية من الاستعاذة منها قال الجزري في النهاية الطيرة بكسر الطاء و فتح الياء و قد تسكن هي التشؤم بالشيء و هو مصدر تطير يقال تطير طيرة كتخير خيرة و لم يجئ من المصادر هكذا غيرهما و أصله فيما يقال التطير بالسوانح و البوارح من الطير و الظباء و غيرهما فكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم فنفاه الشرع و أبطله و نهى عنه و أخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع و دفع ضر
و منه الحديث ثَلَاثٌ لَا يَسْلَمُ (1) مِنْهَا أَحَدٌ الطِّيَرَةُ وَ الْحَسَدُ وَ الظَّنُّ قِيلَ فَمَا نَصْنَعُ قَالَ إِذَا تَطَيَّرْتَ فَامْضِ وَ إِذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ وَ إِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تُحَقِّقْ. (2).
و قال في قوله و لا هامة الهامة الرأس و اسم طائر و هو المراد في الحديث و ذلك أنهم كانوا يتشاءمون بها و هي من طير الليل و قيل هي البومة و قيل إن العرب كانت تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرك بثأره تصير هامة فتقول اسقوني اسقوني فإذا أدرك بثأره طارت و قيل كانوا يزعمون أن عظام الميت و قيل روحه تصير هامة و يسمونه الصدى فنفاه الإسلام و نهاهم عنه (3) انتهى و قيل هي البومة إذا سقطت على دار أحدهم رآها ناعية له أو لبعض أهله و هو بتخفيف الميم على المشهور و قيل بتشديدها.
و قوله و لا شؤم هو كالتأكيد لما سبق قال الجزري فيه أيضا قال إن كان الشؤم في شيء ففي ثلاث المرأة و الدار و الفرس أي إن كان ما يكره و يخاف عاقبته ففي هذه الثلاث و تخصيصه لها لأنه لما أبطل مذهب العرب في التطير بالسوانح و البوارح من الطير و الظباء و نحوهما قال فإن كانت لأحدكم دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو فرس يكره ارتباطها فليفارقها بأن ينتقل عن الدار و يطلق المرأة و يبيع الفرس و قيل إن شوم الدار ضيقها و سوء جارها و شوم
____________
(1) في المصدر: لا يسلم منهن أحد.
(2) النهاية: ج 3،(ص)51.
(3) النهاية: ج 4،(ص)258.
321
المرأة أن لا تلد و شوم الفرس أن لا يغزى عليها و الواو في الشؤم همزة و لكنها خففت فصارت واوا و غلب عليها التخفيف حتى لم ينطق بها مهموزة و الشوم ضد اليمن يقال تشأمت بالشيء و تيمنت به (1) انتهى و قيل شوم المرأة غلاء مهرها و سوء خلقها و قال الخطابي من العامة هو مستثنى من الطيرة أي هي منهية إلا في الثلاثة فليفارقها و قال الطيبي ليس هو من باب التطير بل إرشاد بأن من يكره واحدا من الثلاثة يفارقها و لذا جعل منه فرضا يقول إن يكن الطيرة انتهى.
و أقول هذا الأخير أظهر و ورد الخبر في أخبارنا أيضا كما سيأتي في كتاب النكاح إن شاء الله.
و لا صفر قال في النهاية كانت العرب تزعم أن في البطن حية يقال له الصفر تصيب الإنسان إذا جاع و تؤذيه و أنها تعدي فأبطل الإسلام ذلك و قيل أراد به النسيء الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية و هو تأخير المحرم إلى صفر و يجعلون صفر هو الشهر الحرام فأبطله (2) انتهى و قيل هو الشهر المعروف زعموا أنه تكثر فيه الدواهي و الفتن فنفاه الشارع و يحتمل أن يكون المراد هنا النهي عن الصفير بقرينة أنه(ع)لم يذكر الجواب عنه و هو بعيد و الظاهر أن الراوي ترك جواب الصفير و يظهر من بعض الأخبار كراهته.
و لا رضاع بعد فصال و في سائر الروايات بعد فطام أي لا حكم للرضاع بعد الزمان الذي يجب فيه قطع اللبن عن الولد أي بعد الحولين فلا ينشر الحرمة و لا تعرب بعد هجرة أي لا يجوز اللحوق بالأعراب و ترك الهجرة بعدها و عد في كثير من الأخبار من الكبائر و لا صمت يوما إلى الليل أي لا يجوز التعبد بصوم الصمت الذي كان في الأمم السابقة فإنه منسوخ في هذا
____________
(1) النهاية: ج 2،(ص)241.
(2) النهاية: ج 2،(ص)266.
322
الشرع بدعة و لا طلاق قبل نكاح كأن يقول إذا تزوجت فلانة فهي طالق فلا يتحقق هذا الطلاق و كذا قوله لا عتق قبل ملك.
و لا يتم بعد إدراك أي ترتفع أحكام اليتم من حجره و ولاية الولي عليه و حرمة أكل ماله بغير إذن وليه و غيرها بعد بلوغه و ستأتي تفاصيل تلك الأحكام في محالها إن شاء الله تعالى.
10- الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)كَفَّارَةُ الطِّيَرِ التَّوَكُّلُ (1).
بيان أي التوكل على الله يرفع ذنب ما خطر بالبال من التشؤم بالأشياء التي نهي عن التشؤم بها أو أنه يرفع تأثير ذلك كما ترفع الكفارة تأثير الذنب قال الجزري و منه الحديث الطيرة شرك و ما منا إلا و لكن الله يذهبه بالتوكل هكذا جاء الحديث (2) مقطوعا و لم يذكر المستثنى أي إلا و قد يعتريه التطير و تسبق إلى قلبه الكراهة (3) فحذف اختصارا و اعتمادا على فهم السامع و إنما جعل الطيرة من الشرك لأنهم كانوا يعتقدون أن التطير يجلب لهم نفعا أو يدفع عنهم ضرا إذا عملوا بموجبه فكأنهم أشركوه مع الله تعالى في ذلك و قوله و لكن الله يذهبه بالتوكل معناه أنه إذا خطر له عارض التطير فتوكل على الله تعالى و سلم إليه و لم يعمل بذلك الخاطر غفره الله تعالى له و لم يؤاخذه به (4).
11- الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)الطِّيَرَةُ عَلَى مَا تَجْعَلُهَا إِنْ هَوَّنْتَهَا تَهَوَّنَتْ وَ إِنْ شَدَّدْتَهَا تَشَدَّدَتْ وَ إِنْ لَمْ تَجْعَلْهَا شَيْئاً لَمْ تَكُنْ شَيْئاً (5).
____________
(1) روضة الكافي: 198.
(2) في المصدر: جاء في الحديث.
(3) الكراهية (خ).
(4) النهاية: ج 3،(ص)52.
(5) روضة الكافي: 197.
323
12- وَ مِنْهُ، عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ حُمْرَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: ثَلَاثَةٌ لَمْ يَنْجُ مِنْهَا نَبِيٌّ فَمَنْ دُونَهُ التَّفَكُّرُ فِي الْوَسْوَسَةِ فِي الْخَلْقِ وَ الطِّيَرَةُ وَ الْحَسَدُ إِلَّا أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَسْتَعْمِلُ حَسَدَهُ (1).
13- الْخِصَالُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَطَّارِ جَمِيعاً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى الْأَشْعَرِيِّ بِإِسْنَادِهِ يَرْفَعُهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: ثَلَاثٌ لَمْ يَعْرَ مِنْهَا نَبِيٌّ فَمَنْ دُونَهُ الطِّيَرَةُ وَ الْحَسَدُ وَ التَّفَكُّرُ فِي الْوَسْوَسَةِ فِي الْخَلْقِ.
قال الصدوق ره معنى الطيرة في هذا الموضع هو أن يتطير منهم قومهم فأما هم(ع)فلا يتطيرون و ذلك كما قال الله عز و جل عن قوم صالح قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ (2) و كما قال آخرون لأنبيائهم إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ الآية (3) و أما الحسد في هذا الموضع هو أن يحسدوا لا أنهم يحسدون غيرهم و ذلك كما قال الله عز و جل أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (4) و أما التفكر في الوسوسة في الخلق فهو بلواهم(ع)بأهل الوسوسة لا غير ذلك و ذلك كما حكى الله عن وليد بن المغيرة المخزومي إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (5) يعني قال للقرآن إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (6) بيان ما ذكره الصدوق ره وجه متين في الخبر الذي رواه في الخصال و أما سائر الأخبار المروية من طرق الخاصة و العامة المشتملة على التتمات فهذا
____________
(1) روضة الكافي: 108.
(2) النمل: 47.
(3) يس: 18.
(4) النساء: 53.
(5) المدّثّر: 18 و 19.
(6) الخصال: 42.
324
الوجه لا يجري فيها إلا بتكلف كثير و الظاهر أن المراد بالطيرة فيها انفعال النفس عما يتشأم به أو تأثيرها واقعا و حصول مقتضاها و الأول في المعصومين(ع)أظهر بأن يخطر ببالهم الشريفة ثم يدفعوا أثرها بالتوكل و هذا لا ينافي العصمة و أما الحسد فظاهرها أن الحسد المركوز في الخاطر إذا لم يظهره الإنسان لم يكن معصية و لا استبعاد فيه فإنه في أكثر الخلق ليس باختيار و يمكن أن يراد به ما يعم الغبطة و يكون هذه هي الحاصلة فيهم و أما التفكر في الوسوسة في الخلق فيحتمل وجهين الأول أن يراد به التفكر فيما يحصل في نفس الإنسان في خالق الأشياء و كيفية خلقها و منها ربط الحادث بالقديم و خلق أعمال العباد و مسألة القضاء و القدر و التفكر في الحكمة في خلق بعض الشرور في العالم كل ذلك من غير استقرار في النفس و حصول شك بسببها
كَمَا رَوَى الْكُلَيْنِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمْرَانَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنِ الْوَسْوَسَةِ (1) فَقَالَ لَا شَيْءَ فِيهَا تَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (2).
وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قُلْتُ لَهُ إِنَّهُ يَقَعُ فِي قَلْبِي أَمْرٌ عَظِيمٌ فَقَالَ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالَ جَمِيلٌ فَكُلَّمَا وَقَعَ فِي قَلْبِي شَيْءٌ قُلْتُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَذَهَبَ عَنِّي (3).
وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ(ص)فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ فَقَالَ لَهُ أَتَاكَ الْخَبِيثُ فَقَالَ لَكَ مَنْ خَلَقَكَ فَقُلْتَ اللَّهُ فَقَالَ لَكَ اللَّهُ مَنْ خَلَقَهُ فَقَالَ إِي وَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَكَانَ كَذَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)ذَاكَ وَ اللَّهِ مَحْضُ الْإِيمَانِ.
- قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَيْرٍ فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَجَّاجِ فَقَالَ حَدَّثَنِي (4) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)إِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ هَذَا وَ اللَّهِ مَحْضُ الْإِيمَانِ خَوْفَهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ هَلَكَ حَيْثُ عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ (5).
وَ قَدْ رَوَتِ الْعَامَّةُ
____________
(1) في المصدر: و ان كثرت.
(2) الكافي: ج 2،(ص)424.
(3) الكافي: ج 2،(ص)424.
(4) في المصدر: حدّثني أبى عن أبي عبد اللّه.
(5) الكافي: ج 2،(ص)425.
325
فِي صِحَاحِهِمْ أَنَّهُ سُئِلَ النَّبِيُّ(ص)عَنِ الْوَسْوَسَةِ فَقَالَ تِلْكَ مَحْضُ الْإِيمَانِ.
وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ كَذَا وَ كَذَا حَتَّى يَقُولَ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَ لْيَنْتَهِ.
الثاني أن المراد بالخلق المخلوقات و بالتفكر فيهم بالوسوسة التفكر و حديث النفس بعيوبهم و تفتيش أحوالهم و يؤيد هذا الوجه ما رواه الجزري في النهاية و نقلناه آنفا.
14- الْخِصَالُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَطَّارِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَرِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعَةٌ الْخَطَاءُ وَ النِّسْيَانُ وَ مَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَ مَا لَا يَعْلَمُونَ وَ مَا لَا يُطِيقُونَ وَ مَا اضْطُرُّوا إِلَيْهِ وَ الْحَسَدُ وَ الطِّيَرَةُ وَ التَّفَكُّرُ فِي الْوَسْوَسَةِ فِي الْخَلْقِ مَا لَمْ يَنْطِقْ بِشَفَةٍ (1).
الفقيه، عن النبي(ص)مرسلا مثله (2) بيان لعل قوله(ص)ما لم ينطق بشفة قيد للثلاثة الأخيرة و قد مر شرح الخبر بتمامه في كتاب العدل.
15- الْكَافِي، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ سُلَيْمَانَ الْجَعْفَرِيِّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى(ع)قَالَ: الشُّؤْمُ لِلْمُسَافِرِ (3) فِي طَرِيقِهِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ الْغُرَابُ النائق [النَّاعِقُ عَنْ يَمِينِهِ وَ النَّاشِرُ لِذَنَبِهِ وَ الذِّئْبُ الْعَاوِي الَّذِي يَعْوِي فِي وَجْهِ الرَّجُلِ وَ هُوَ مُقْعٍ عَلَى ذَنَبِهِ (4) ثُمَ (5) يَرْتَفِعُ ثُمَّ يَنْخَفِضُ ثَلَاثاً وَ الظَّبْيُ السَّانِحُ عَنْ يَمِينٍ إِلَى شِمَالٍ وَ الْبُومَةُ الصَّارِخَةُ وَ الْمَرْأَةُ الشَّمْطَاءُ تُلْقَى
____________
(1) الخصال: 45.
(2) الفقيه: 14.
(3) في الخصال: الشوم في خمسة للمسافر.
(4) في المصدر: على ذنبه يعوى.
(5) في الخصال: حتى يرتفع.
326
فَرْجُهَا وَ الْأَتَانُ الْعَضْبَاءُ يَعْنِي الْجَدْعَاءَ فَمَنْ أَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ مِنْهُنَ (1) شَيْئاً فَلْيَقُلْ اعْتَصَمْتُ بِكَ يَا رَبِّ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ فِي نَفْسِي (2) فَيُعْصَمُ مِنْ ذَلِكَ (3).
- الْخِصَالُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ فِي نَفْسِي فَاعْصِمْنِي مِنْ ذَلِكَ.
بيان الشؤم للمسافر أي ما يتشأم به الناس و ربما تؤثر بتأثر النفس بها و يدفع ضررها بالتوكل و الدعاء المذكور في الخبر و غيره كما مر في الطيرة قوله(ع)خمسة كذا في الخصال و المحاسن و أكثر نسخ الفقيه و في بعضها سبعة و في بعضها ستة و في الفقيه و الكلب الناشر و في الخصال كالكافي و الناشر فيكون نوعا آخر لشؤم الغراب و في المحاسن بدون الواو أيضا فيكون صفة أخرى للغراب فقد ظهر أن الظاهر على بعض النسخ ستة و على بعضها سبعة فالخمسة إما من تصحيف النساخ أو مبني على عد الثلاثة المصوتة واحدة أو عد الكلب و الذئب واحدا لأنهما من السباع و الغراب و البوم واحدا لأنهما من الطير و يمكن عطف المرأة على بعض النسخ و الأتان على بعضها على الخمسة فيكون إفراد الخمسة لشهرتها بينهم أو لزيادة شؤمها.
قوله(ع)و هو مقع يقال أقعى الكلب إذا جلس على استه مفترشا رجليه و ناصبا يديه و الظاهر رجوع ضميري يرتفع و ينخفض إلى الذئب و يقال إن هذا دأبه غالبا إذا لقي إنسانا يفعل ذلك لإثارة الغبار في وجهه و قيل هما يرجعان إلى صوته أو إلى ذنبه و لا يخفى بعدهما قوله(ع)و الظبي السانح قال في النهاية البارح ضد السانح فالسانح ما مر من الطير و الوحش بين يديك من جهة يسارك إلى يمينك و العرب تتيمن بذلك لأنه أمكن للرمي و الصيد و البارح ما مر من يمينك إلى يسارك و العرب تتطير به لأنه لا يمكنك أن
____________
(1) في الخصال: من ذلك.
(2) في الكافي: قال: فيعصم من ذلك.
(3) روضة الكافي: 314.
327
ترميه حتى تنحرف (1) و نحوه قال الجوهري و غيره فالمراد بالسانح هنا المعنى اللغوي من قولهم سنح له أي عرض له و ظهر و قال الكفعمي ره منهم من يتيمن بالبارح و يتشأم بالسانح كأهل الحجاز و أما النجديون فهم على العكس من ذلك.
و المرأة الشمطاء قال الجوهري الشمط بياض شعر الرأس يخالط سواده و الرجل أشمط و المرأة شمطاء و قوله تلقى فرجها الظاهر عندي أنه كناية عن استقبالها إياك و مجيئها من قبل وجهك فإن فرجها من قدامها و قال الفاضل أمين الدين الأسترآبادي ره الظاهر أن المراد من قوله تلقاء فرجها أن تستقبلك بفرج خمارها فتعرف أنها شمطاء و قال غيره ممن لقيته يحتمل أن يكون المراد افتراشها على الأرض من الإلقاء أو كناية عن كونها زانية و يحتمل أن يكون تتلقى فحذفت إحدى التاءين فالمراد مواجهتها لفرجها بأن تكون جالسة بحيث يواجه الشخص فرجها و لا يخفى بعد تلك الوجوه و ركاكتها و الأتان العضباء المقطوعة الأذن و لذا فسرها بالجدعاء لئلا يتوهم أن المراد المشقوقة الأذن قال الجوهري ناقة عضباء أي مشقوقة الأذن (2) و قال الفيروزآبادي العضباء الناقة المشقوقة الأذن و من آذان الخيل الذي جاوز القطع ربعها (3) و قال الجدع كالمنع قطع الأنف أو الأذن أو اليد أو الشفة (4).
16- الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَالَ النَّبِيُّ(ص)أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ وَ مِنْهُمْ كَافِرٌ قَالُوا هَذِهِ رَحْمَةٌ وَضَعَهَا اللَّهُ وَ قَالَ بَعْضُهُمْ لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَلا
____________
(1) النهاية: ج 1،(ص)71.
(2) الصحاح: ج 1،(ص)184.
(3) القاموس: ج 1،(ص)105.
(4) القاموس: ج 2،(ص)11.
328
أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ حَتَّى يَبْلُغَ (1) وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (2)
17- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ وَ تَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ قَالَ يَعْنِي الْأَنْوَاءَ وَ مَا مُطِرَ قَوْمٌ إِلَّا أَصْبَحَ بَعْضُهُمْ كَافِراً وَ كَانُوا يَقُولُونَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَ كَذَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (3)
18- وَ عَنْ أَبِي خُدْرَةَ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَ نَزَلُوا (4) الْحِجْرَ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَنْ لَا يَحْمِلُوا مِنْ مَائِهَا شَيْئاً ثُمَّ ارْتَحَلَ ثُمَّ نَزَلَ مَنْزِلًا آخَرَ وَ لَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ(ص)فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ دَعَا فَأَرْسَلَ اللَّهُ سَحَابَةً فَأَمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ حَتَّى اسْتَقَوْا مِنْهَا فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لِآخَرَ مِنْ قَوْمِهِ يُتَّهَمُ بِالنِّفَاقِ وَيْحَكَ قَدْ تَرَى مَا دَعَا النَّبِيُّ(ص)فَأَمْطَرَ اللَّهُ عَلَيْنَا السَّمَاءَ فَقَالَ إِنَّمَا مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَ كَذَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (5).
19- وَ عَنْ عَلِيٍّ(ع)عَنِ النَّبِيِّ(ص)فِي قَوْلِهِ وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ قَالَ شُكْرَكُمْ تَقُولُونَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَ كَذَا وَ بِنَجْمِ كَذَا وَ كَذَا (6).
20- وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: قَرَأَ عَلِيٌّ الْوَاقِعَةَ فِي الْفَجْرِ فَقَالَ وَ تَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ إِنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَقُولُ قَائِلٌ لِمَ قَرَأَهَا هَكَذَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ كَانُوا إِذَا أُمْطِرُوا (7) قَالُوا مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَ كَذَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَ تَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مُطِرْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (8).
____________
(1) في المصدر: حتى بلغ.
(2) الدّر المنثور: ج 6،(ص)162.
(3) الدّر المنثور: ج 6،(ص)162.
(4) في المصدر: بالحجر.
(5) الدّر المنثور: ج 6،(ص)163.
(6) الدّر المنثور: ج 6،(ص)163.
(8) الدّر المنثور: ج 6،(ص)163.
(7) في المصدر: إذا مطروا.
329
21- وَ عَنْ قَتَادَةَ وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ قَالَ (1) أَمَّا الْحَسَنُ فَقَالَ بِئْسَ مَا أَخَذَ الْقَوْمُ لِأَنْفُسِهِمْ لَمْ يُرْزَقُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا التَّكْذِيبَ قَالَ وَ ذَكَرَ لَنَا أَنَّ النَّاسَ أُمْحِلُوا عَلَى عَهْدِ نَبِيِّ اللَّهِ(ص)فَقَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَوِ اسْتَقَيْتَ لَنَا فَقَالَ عَسَى قَوْمٌ إِنْ سُقُوا أَنْ يَقُولُوا سُقِينَا بِنَوْءِ كَذَا وَ كَذَا فَاسْتَسْقَى(2) نَبِيُّ اللَّهِ(ص)لَهُمْ فَمُطِرُوا فَقَالَ رَجُلٌ إِنَّهُ قَدْ كَانَ بَقِيَ مِنَ الْأَنْوَاءِ كَذَا وَ كَذَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (3).
22- وَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ(ص)لَوْ أَمْسَكَ اللَّهُ الْمَطَرَ عَنِ النَّاسِ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ أَرْسَلَهُ لَأَصْبَحَتْ طَائِفَةٌ كَافِرِينَ قَالُوا هَذِهِ بِنَوْءِ الدَّبَرَانِ (4).
23- وَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)صَلَاةَ الصُّبْحِ مِنَ (5) الْحُدَيْبِيَةِ فِي أَثَرِ سَمَاءٍ (6) فَلَمَّا سَلَّمَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ أَ لَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ رَبُّكُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي نِعْمَةً إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ فَأَمَّا مَنْ آمَنَ بِي وَ حَمِدَنِي عَلَى سُقْيَايَ فَذَلِكَ الَّذِي آمَنَ بِي وَ كَفَرَ بِالْكَوْكَبِ وَ مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَ كَذَا فَذَلِكَ الَّذِي آمَنَ بِالْكَوْكَبِ وَ كَفَرَ بِي (7).
24- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ(ص)قَالَ يَوْماً لِأَصْحَابِهِ هَلْ تَدْرُونَ مَا ذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ نُسْتَقَى (8) بِنَجْمِ كَذَا وَ كَذَا فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَ آمَنَ بِذَلِكَ النَّجْمِ وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ سَقَانَا اللَّهُ فَقَدْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ كَفَرَ بِذَلِكَ النَّجْمِ (9).
____________
(1) فقال (خ).
(2) فاستقى (خ).
(3) الدّر المنثور: ج 3،(ص)163.
(4) الدّر المنثور: ج 3،(ص)163.
(5) في المصدر: زمن الحديبية.
(6) أي عقيب مطر.
(7) الدّر المنثور: ج 6،(ص)164.
(8) في المصدر «نسقى» و في بعض نسخ البحار «نستسقى».
(9) الدّر المنثور: ج 6،(ص)163.
330
25- وَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سخير أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ دَعَاهُ فَقَالَ: لَوْ تَعَلَّمْتَ عِلْمَ النُّجُومِ فَازْدَدْتَ إِلَى عِلْمِكَ فَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي التَّصْدِيقُ بِالنُّجُومِ وَ التَّكْذِيبُ بِالْقَدَرِ وَ ظُلْمُ الْأُمَّةِ (1).
26- وَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي ثَلَاثاً اسْتِسْقَاءً بِالْأَنْوَاءِ وَ حَيْفَ السُّلْطَانِ وَ تَكْذِيباً بِالْقَدَرِ (2).
27- وَ عَنْ مُعَاوِيَةَ اللَّيْثِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَكُونُ النَّاسُ مُجْدِبِينَ فَيُنْزِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِزْقاً مِنْ رِزْقِهِ فَيُصْبِحُونَ مُشْرِكِينَ قِيلَ لَهُ كَيْفَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ يَقُولُونَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَ كَذَا (3).
28- وَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيُصَبِّحُ الْقَوْمَ بِالنِّعْمَةِ أَوْ يُمَسِّيهِمْ بِهَا فَيُصْبِحُ بِهَا قَوْمٌ كَافِرِينَ يَقُولُونَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَ كَذَا (4).
29- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا مُطِرَ قَوْمٌ إِلَّا أَصْبَحَ بَعْضُهُمْ كَافِراً يَقُولُونَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَ كَذَا وَ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَ تَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (5).
باب 12 ما يتعلق بالنجوم و يناسب أحكامها من كتاب دانيال(ع)و غيره
قِصَصُ الرَّاوَنْدِيِّ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ الصَّدُوقِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الصُّوفِيِّ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ الْقَاسِمِ الْعَبَّاسِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ الْفَزَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدٍ الزَّيَّاتِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ الْخَزَّازِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْفَضْلِ الْهَاشِمِيِّ عَنِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ: كَانَ فِي كِتَابِ دَانِيَالَ(ع)أَنَّهُ إِذَا كَانَ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنَ الْمُحَرَّمِ يَوْمَ السَّبْتِ فَإِنَّهُ يَكُونُ الشِّتَاءُ شَدِيدَ الْبَرْدِ كَثِيرَ الرِّيحِ يَكْثُرُ فِيهِ الْجَلِيدُ وَ تَغْلُو
____________
(1) الدّر المنثور: ج 6،(ص)164.
(2) الدّر المنثور: ج 6،(ص)164.
(3) الدّر المنثور: ج 6،(ص)164.
(4) الدّر المنثور: ج 6،(ص)164.
(5) الدّر المنثور: ج 6،(ص)164.
331
فِيهِ الْحِنْطَةُ وَ تقع [يَقَعُ فِيهِ الْوَبَاءُ وَ مَوْتُ الصِّبْيَانِ وَ يكثر [تَكْثُرُ الْحُمَّى فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَ يَقِلُّ الْعَسَلُ وَ تكسر [تَكْثُرُ الْكَمْأَةُ وَ يَسْلَمُ الزَّرْعُ مِنَ الْآفَاتِ وَ يُصِيبُ بَعْضَ الْأَشْجَارِ آفَةٌ وَ بَعْضَ الْكُرُومِ وَ تُخْصِبُ السَّنَةُ وَ يَقَعُ بِالرُّومِ الْمَوَتَانُ وَ يَغْزُوهُمُ الْعَرَبُ وَ يَكْثُرُ فِيهِمُ السَّبْيُ وَ الْغَنَائِمُ فِي أَيْدِي الْعَرَبِ وَ يَكُونُ الْغَلَبَةُ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ لِلسُّلْطَانِ بِمَشِيَّةِ اللَّهِ وَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ أَوَّلَ الْمُحَرَّمِ فَإِنَّهُ يَكُونُ الشِّتَاءُ صَالِحاً وَ يَكْثُرُ الْمَطَرُ وَ يُصِيبُ بَعْضَ الْأَشْجَارِ وَ الزَّرْعِ آفَةٌ وَ يَكُونُ أَوْجَاعٌ مُخْتَلِفَةٌ وَ مَوْتٌ شَدِيدٌ وَ يَقِلُّ الْعَسَلُ وَ يَكْثُرُ فِي الْهَوَاءِ الْوَبَاءُ وَ الْمَوَتَانُ وَ يَكُونُ فِي آخِرِ السَّنَةِ بَعْضُ الْغَلَاءِ فِي الطَّعَامِ وَ يَكُونُ الْغَلَبَةُ لِلسُّلْطَانِ فِي آخِرِهِ وَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْإِثْنَيْنِ أَوَّلَ الْمُحَرَّمِ فَإِنَّهُ يَكُونُ الشِّتَاءُ صَالِحاً وَ يَكُونُ فِي الصَّيْفِ حَرٌّ شَدِيدٌ وَ يَكْثُرُ الْمَطَرُ فِي أَيَّامِهِ وَ يَكْثُرُ الْبَقَرُ وَ الْغَنَمُ وَ يَكْثُرُ الْعَسَلُ وَ يَرْخُصُ الطَّعَامُ وَ الْأَسْعَارُ فِي بُلْدَانِ الْجِبَالِ وَ يَكْثُرُ الْفَوَاكِهُ فِيهَا وَ يَكُونُ مَوْتُ النِّسَاءِ وَ فِي آخِرِ السَّنَةِ يَخْرُجُ خَارِجِيٌّ عَلَى السُّلْطَانِ بِنَوَاحِي الْمَشْرِقِ وَ يُصِيبُ بَعْضَ فَارِسَ غَمٌّ وَ يَكْثُرُ الزُّكَامُ فِي أَرْضِ الْجَبَلِ وَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الثَّلَاثَاءِ أَوَّلَ الْمُحَرَّمِ فَإِنَّهُ يَكُونُ الشِّتَاءُ شَدِيدَ الْبَرْدِ وَ يَكْثُرُ الثَّلْجُ وَ الْجَمَدُ بِأَرْضِ الْجَبَلِ وَ نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ وَ يَكْثُرُ الْغَنَمُ وَ الْعَسَلُ وَ يُصِيبُ بَعْضَ الْأَشْجَارِ وَ الْكُرُومِ آفَةٌ وَ يَكُونُ بِنَاحِيَةِ الْمَغْرِبِ وَ الشَّامِ آفَةٌ مِنْ حَدَثٍ يَحْدُثُ فِي السَّمَاءِ يَمُوتُ فِيهِ خَلْقٌ وَ يَخْرُجُ عَلَى السُّلْطَانِ خَارِجِيٌّ قَوِيٌّ وَ تَكُونُ الْغَلَبَةُ لِلسُّلْطَانِ وَ يَكُونُ فِي أَرْضِ فَارِسَ فِي بَعْضِ الْغَلَّاتِ آفَةٌ وَ تَغْلُو الْأَسْعَارُ بِهَا فِي آخِرِ السَّنَةِ وَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ أَوَّلَ الْمُحَرَّمِ فَإِنَّ الشِّتَاءَ يَكُونُ وَسَطاً وَ يَكُونُ الْمَطَرُ فِي الْقَيْظِ صَالِحاً نَافِعاً مُبَارَكاً وَ تَكْثُرُ الثِّمَارُ وَ الْغَلَّاتُ بِالْجِبَالِ كُلِّهَا وَ نَاحِيَةِ جَمِيعِ الْمَشْرِقِ إِلَّا أَنَّهُ يَقَعُ الْمَوْتُ فِي الرِّجَالِ فِي آخِرِ السَّنَةِ وَ يُصِيبُ النَّاسَ بِأَرْضِ بَابِلَ وَ بِالْجَبَلِ آفَةٌ وَ يَرْخُصُ الْأَسْعَارُ وَ تَسْكُنُ مَمْلَكَةُ الْعَرَبِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَ يَكُونُ الْغَلَبَةُ لِلسُّلْطَانِ وَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْخَمِيسِ أَوَّلَ الْمُحَرَّمِ فَإِنَّهُ يَكُونُ الشِّتَاءُ لَيِّناً وَ يَكْثُرُ الْقَمْحُ وَ الْفَوَاكِهُ وَ الْعَسَلُ بِجَمِيعِ نَوَاحِي الْمَشْرِقِ وَ تَكْثُرُ الْحُمَّى فِي أَوَّلِ السَّنَةِ وَ فِي آخِرِهِ وَ بِجَمِيعِ أَرْضِ بَابِلَ فِي آخِرِ السَّنَةِ وَ يَكُونُ لِلرُّومِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ غَلَبَةٌ ثُمَّ تَظْهَرُ
332
الْعَرَبُ عَلَيْهِمْ بِنَاحِيَةِ الْمَغْرِبِ وَ يَقَعُ بِأَرْضِ السِّنْدِ حُرُوبٌ وَ الظَّفَرُ لِمُلُوكِ الْعَرَبِ وَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَوَّلَ الْمُحَرَّمِ فَإِنَّهُ يَكُونُ الشِّتَاءُ بِلَا بَرْدٍ وَ يَقِلُّ الْمَطَرُ وَ الْأَوْدِيَةُ وَ الْمِيَاهُ وَ تَقِلُّ الْغَلَّاتُ بِنَاحِيَةِ الْجِبَالِ مِائَةَ فَرْسَخٍ فِي مِائَةِ فَرْسَخٍ وَ يَكْثُرُ الْمَوْتُ فِي جَمِيعِ النَّاسِ وَ يَغْلُو الْأَسْعَارُ بِنَاحِيَةِ الْمَغْرِبِ وَ يُصِيبُ بَعْضَ الْأَشْجَارِ آفَةٌ وَ يَكُونُ لِلرُّومِ عَلَى الْفُرْسِ كَرَّةٌ شَدِيدَةٌ.
في علامات كسوف الشمس في الاثني عشر شهرا
إِذَا انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي الْمُحَرَّمِ فَإِنَّ السَّنَةَ تَكُونُ خَصِيبَةً إِلَّا أَنَّهُ يُصِيبُ النَّاسَ أَوْجَاعٌ فِي آخِرِهَا وَ أَمْرَاضٌ وَ يَكُونُ مِنَ السُّلْطَانِ ظَفَرٌ وَ يَكُونُ زَلْزَلَةٌ بَعْدَهَا سَلَامَةٌ وَ إِذَا انْكَسَفَتْ فِي صَفَرٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ فَزَعٌ وَ جُوعٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَغْرِبِ وَ يَكُونُ قِتَالٌ فِي الْمَغْرِبِ كَثِيرٌ ثُمَّ يَقَعُ الصُّلْحُ فِي الرَّبِيعِ وَ الظَّفَرُ لِلسُّلْطَانِ وَ إِذَا انْكَسَفَتْ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ صُلْحٌ وَ يَقِلُّ الِاخْتِلَافُ وَ الظَّفَرُ لِلسُّلْطَانِ بِالْمَغْرِبِ وَ يَعِزُّ الْبَقَرُ وَ الْغَنَمُ وَ يَتَّسِعُ فِي آخِرِ السَّنَةِ وَ يَقَعُ الْوَبَاءُ فِي الْإِبِلِ بِالْبَدْوِ وَ إِذَا انْكَسَفَتْ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ فَإِنَّهُ يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ وَ يُقْتَلُ مِنْهُمْ خَلْقٌ عَظِيمٌ وَ يَخْرُجُ خَارِجِيٌّ عَلَى الْمَلِكِ وَ يَكُونُ فَزَعٌ وَ قِتَالٌ وَ يَكْثُرُ الْمَوْتُ فِي النَّاسِ وَ إِذَا انْكَسَفَتْ فِي جُمَادَى الْأُولَى فَإِنَّهُ تَكُونُ السَّعَةُ فِي جَمِيعِ النَّاسِ بِنَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ يَكُونُ لِلسُّلْطَانِ إِلَى الرَّعِيَّةِ نَظَرٌ وَ يُحْسِنُ السُّلْطَانُ إِلَى أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ وَ يُرَاعِي جَانِبَهُمْ وَ إِذَا انْكَسَفَتْ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ فَإِنَّهُ يَمُوتُ رَجُلٌ عَظِيمٌ بِالْمَغْرِبِ وَ يَقَعُ بِبِلَادِ مِصْرَ قِتَالٌ وَ حُرُوبٌ شَدِيدَةٌ وَ يَكُونُ بِبِلَادِ الْمَغْرِبِ غَلَاءٌ فِي آخِرِ السَّنَةِ وَ إِذَا انْكَسَفَتْ فِي رَجَبٍ فَإِنَّهُ تُعْمَرُ الْأَرْضُ وَ يَكُونُ أَمْطَارٌ كَثِيرَةٌ بِالْجِبَالِ وَ بِنَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ وَ يَكُونُ جَرَادٌ بِنَاحِيَةِ فَارِسَ وَ لَا يَضُرُّهُمْ ذَلِكَ وَ إِذَا انْكَسَفَتْ فِي شَعْبَانَ يَكُونُ سَلَامَةٌ فِي جَمِيعِ النَّاسِ مِنَ السُّلْطَانِ وَ يَكُونُ لِلسُّلْطَانِ ظَفَرٌ عَلَى أَعْدَائِهِ بِالْمَغْرِبِ وَ يَقَعُ وَبَاءٌ فِي الْجِبَالِ فِي آخِرِ السَّنَةِ وَ يَكُونُ عَاقِبَتُهُ إِلَى سَلَامَةٍ وَ إِذَا انْكَسَفَتْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ كَانَ جُمْلَةُ النَّاسِ يُطِيعُونَ
333
عَظِيمَ فَارِسَ وَ يَكُونُ لِلرُّومِ عَلَى الْعَرَبِ كَرَّةٌ شَدِيدَةٌ ثُمَّ يَكُونُ عَلَى الرُّومِ وَ يُسْبَى مِنْهُمْ وَ يُغْنَمُ وَ إِذَا انْكَسَفَتْ فِي الشَّوَّالِ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي أَرْضِ الْهِنْدِ وَ الزِّنْجِ قِتَالٌ شَدِيدٌ وَ يَكْثُرُ نَبَاتُ الْأَرْضِ بِالْمَشْرِقِ وَ إِذَا انْكَسَفَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَطَرٌ كَثِيرٌ مُتَوَاتِرٌ وَ يَقَعُ خَرَابٌ بِنَاحِيَةِ فَارِسَ وَ إِذَا انْكَسَفَتْ فِي ذِي الْحِجَّةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِيهِ رِيَاحٌ كَثِيرَةٌ وَ يَنْقُصُ الْأَشْجَارُ وَ يَقَعُ بِالْأَرْضِ مِنَ الْمَغْرِبِ سَبُعٌ وَ خَرَابٌ فِي كُلِّ أَرْضٍ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَغْرِبِ وَ يَنْقُصُ الطَّعَامُ وَ يَغْلُو عَلَيْهِمْ وَ يَخْرُجُ خَارِجِيٌّ عَلَى الْمَلِكِ وَ يُصِيبُهُ مِنْهُ شِدَّةٌ وَ يَقِلُّ طَعَامُ أَهْلِ فَارِسَ ثُمَّ يَرْخُصُ فِي الْعَامِ الثَّانِي.
في علامات خسوف القمر طول السنة
إِذَا انْكَسَفَ الْقَمَرُ فِي الْمُحَرَّمِ فَإِنَّهُ يَمُوتُ فِي الْمَغْرِبِ رَجُلٌ عَظِيمٌ وَ يَنْتَقِصُ الْفَاكِهَةُ بِالْجِبَالِ وَ يَقَعُ فِي النَّاسِ حَكَّةٌ وَ يَكْثُرُ الرَّمَدُ بِأَرْضِ بَابِلَ وَ يَقَعُ الْمَوْتُ وَ يَغْلُو أَسْعَارُهَا وَ يَخْرُجُ خَارِجِيٌّ عَلَى السُّلْطَانِ وَ الظَّفَرُ لِلسُّلْطَانِ وَ يَقْتُلُهُمْ وَ إِذَا انْكَسَفَ فِي صَفَرٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ جُوعٌ وَ مَرَضٌ بِبَابِلَ وَ بِلَادِهَا حَتَّى يُتَخَوَّفَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ تَكُونُ أَمْطَارٌ كَثِيرَةٌ فَيَحْسُنُ نَبَاتُ الْأَرْضِ وَ حَالُ النَّاسِ وَ يَكُونُ بِالْجِبَالِ فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ وَ إِذَا انْكَسَفَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يَقَعُ بِالْمَغْرِبِ قِتَالٌ وَ يُصِيبُ النَّاسَ يَرَقَانٌ وَ يَكْثُرُ فَاكِهَةُ الْبِلَادِ بِنَاحِيَةِ مَاهَ وَ يَقَعُ الدُّودُ فِي الْبُقُولِ بِالْجِبَالِ وَ يَقَعُ خَرَابٌ كَثِيرَةٌ بِمَاهَ وَ إِذَا انْكَسَفَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ فَإِنَّهُ يَكْثُرُ الْأَنْدَاءُ بِالْجِبَالِ وَ يَكْثُرُ الْخَصْبُ وَ الْمِيَاهُ وَ تَكُونُ السَّنَةُ مُبَارَكَةً وَ يَكُونُ لِلسُّلْطَانِ الظَّفَرُ بِالْمَغْرِبِ وَ إِذَا انْكَسَفَ فِي جُمَادَى الْأُولَى فَإِنَّهُ تُهَرَاقُ دِمَاءٌ كَثِيرَةٌ بِالْبَدْوِ وَ يُصِيبُ عَظِيمَ الشَّامِ بَلِيَّةٌ شَدِيدَةٌ وَ يَخْرُجُ خَارِجِيٌّ عَلَى السُّلْطَانِ وَ الظَّفَرُ لِلسُّلْطَانِ وَ إِذَا انْكَسَفَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ فَإِنَّهُ تَقِلُّ الْأَمْطَارُ وَ الْمِيَاهُ بِنَيْنَوَى وَ يَقَعُ فِيهَا جَزَعٌ شَدِيدٌ وَ غَلَاءٌ وَ يُصِيبُ مَلِكَ بَابِلَ إِلَى الْمَغْرِبِ بَلَاءٌ عَظِيمٌ وَ إِذَا انْكَسَفَ فِي رَجَبٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِالْمَغْرِبِ مَوْتٌ وَ جُوعٌ وَ يَكُونُ بِأَرْضِ بَابِلَ أَمْطَارٌ وَ يَكْثُرُ وَجَعُ الْأَنْفِ وَ الْعَيْنِ فِي الْأَمْصَارِ وَ إِذَا انْكَسَفَ فِي شَعْبَانَ فَإِنَّ الْمَلِكَ يُقْتَلُ أَوْ يَمُوتُ وَ يَمْلِكُ ابْنُهُ وَ
334
يَغْلُو الْأَسْعَارُ وَ يَكْثُرُ جُوعُ النَّاسِ وَ إِذَا انْكَسَفَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ يَكُونُ بِالْجَبَلِ بَرْدٌ شَدِيدٌ وَ ثَلْجٌ وَ مَطَرٌ وَ كَثُرَتِ الْمِيَاهُ وَ يَقَعُ بِأَرْضِ فَارِسَ سِبَاعٌ كَثِيرَةٌ وَ يَقَعُ بِأَرْضِ مَاهَ مَوْتٌ كَثِيرٌ بِالصِّبْيَانِ وَ النِّسَاءِ وَ إِذَا انْكَسَفَ فِي شَوَّالٍ فَإِنَّ الْمَلِكَ يَغْلِبُ عَلَى أَعْدَائِهِ وَ يَكُونُ فِي النَّاسِ شَرٌّ وَ بَلِيَّةٌ وَ إِذَا انْكَسَفَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ فَإِنَّهُ تُفْتَحُ الْمَدَائِنُ الشِّدَادُ وَ تَظْهَرُ الْكُنُوزُ فِي بَعْضِ الْأَرَضِينَ وَ الْجِبَالِ وَ إِذَا انْكَسَفَ فِي ذِي الْحِجَّةِ فَإِنَّهُ يَمُوتُ رَجُلٌ عَظِيمٌ بِالْمَغْرِبِ وَ يَدَّعِي فَاجِرٌ الْمُلْكَ.
قال الراوندي ره و جميع ذلك إن صحت الروايات عن دانيال النبي(ع)يجري مجرى الملاحم و الحوادث في الدنيا و علاماتها
- وَ قَدْ قَالَ النَّبِيُّ(ص)إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ خَيْراً أَمْطَرَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ شَمَّسَهُمْ بِالنَّهَارِ وَ قَالَ(ص)إِذَا غَضِبَ اللَّهُ عَلَى أُمَّةٍ وَ لَمْ يُنْزِلْ بِهَا الْعَذَابَ غَلَتْ أَسْعَارُهَا وَ قَصُرَتْ أَعْمَارُهَا وَ لَمْ تَرْبَحْ تِجَارَتُهَا وَ لَمْ تَزْكُ ثِمَارُهَا وَ لَمْ تَغْزُرْ أَنْهَارُهَا وَ حُبِسَ عَنْهَا أَمْطَارُهَا وَ سُلِّطَ عَلَيْهَا أَشْرَارُهَا وَ قَالَ(ص)إِذَا مُنِعَتِ الزَّكَاةُ هَلَكَتِ الْمَاشِيَةُ وَ إِذَا جَارَ الْحُكَّامُ أُمْسِكَ الْقَطْرُ مِنَ السَّمَاءِ وَ إِذَا خُفِرَتِ الذِّمَّةُ نُصِرَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
و أمثلة ذلك كثيرة و الله أعلم بحقيقة ذلك.
بيان قال في القاموس الجليد ما يسقط على الأرض من الندى فيجمد (1) و قال الكمء نبات معروف و الجمع أكمؤ و كمأة أو هي اسم للجمع أو هي للواحد و الكمء للجمع أو هي تكون واحدة و جمعا (2) و قال بلاد الجبل مدن بين آذربيجان و عراق العرب و خوزستان و فارس (3) و قال الماه قصبة البلد و الماهان الدينور و نهاوند أحدهما (4) ماهة الكوفة و الآخر ماهة البصرة (5).
____________
(1) القاموس: ج 1،(ص)284.
(2) القاموس: ج 1،(ص)26.
(3) القاموس: ج 3،(ص)344.
(4) في المصدر: أحدهما ماه الكوفة و الآخر ماه البصرة.
(5) القاموس: ج 4،(ص)293.
335
أقول وجدت في بعض الكتب القديمة أخبارا طويلة في الملاحم و الأحكام تركتها لعدم الاعتماد على أسانيدها و إن كان مرويا بعضها عن الصادق(ع)و بعضها عن دانيال ع.
2 الْإِخْتِصَاصُ، اعْلَمْ إِذَا قُرِنَتِ الزُّهَرَةُ مَعَ الْمِرِّيخِ فِي بُرْجٍ وَاحِدٍ هَلَكَ مَلِكُ الرُّومِ أَوْ يَكُونُ بِالرُّومِ مُصِيبَاتٌ عَظِيمَةٌ أَوْ بَلَايَا وَ إِذَا قُرِنَتْ مَعَ زُحَلَ كَانَ فِي الْعَامَّةِ شِدَّةٌ وَ ضِيقٌ وَ إِذَا قُرِنَتِ الزُّهَرَةُ (1) [مَعَ الْمُشْتَرِي أَصَابَ النَّاسَ رَخَاءٌ مِنَ الْعَيْشِ وَ إِذَا قُرِنَتِ الزُّهَرَةُ [مَعَ عُطَارِدٍ يَكُونُ إِهْرَاقُ الدِّمَاءِ وَ فَتْحٌ عَظِيمٌ وَ إِذَا قُرِنَ بَهْرَامُ [مَعَ زُحَلَ (2) فِي بُرْجٍ وَاحِدٍ مَلَكَ مَلِكٌ (3) حَدِيثٌ فِي أَرْضِ ذَلِكَ الْبُرْجِ وَ إِذَا اجْتَمَعَ بَهْرَامُ وَ الْمُشْتَرِي مَاتَ مَلِكٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ وَ إِذَا اجْتَمَعَ زُحَلُ وَ عُطَارِدٌ وَقَعَ فِي التُّجَّارِ الْخَوْفُ وَ الْحُزْنُ وَ كَذَلِكَ فِي أَهْلِ الْأَدَبِ وَ إِذَا اجْتَمَعَ زُحَلُ وَ الْمُشْتَرِي فِي بُرْجٍ وَاحِدٍ تَغَيَّرَتِ الدُّنْيَا فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ وَ يَتَغَيَّرُ أُمُورُ النَّاسِ وَ تَخْرُجُ الْخَوَارِجُ مِنَ النَّوَاحِي كُلِّهَا وَ خَاصَّةً مِنَ الْجِيلَانِ وَ الدَّيْلَمِ وَ الْأَكْرَادِ وَ يَقْتُلُونَ النَّاسَ قِتَالًا شَدِيداً وَ يَشْتَدُّ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْحُزْنِ وَ تَرْتَفِعُ السَّفِلَةُ شَأْنُهُمْ وَ تَغَيَّرُ طَبَائِعُ النَّاسِ كُلِّهِمْ وَ يَذْهَبُ عَنْهُمُ الْحَيَاءُ وَ الْإِنْسَانِيَّةُ (4) وَ يَزِيدُ فِيهِمْ كَثْرَةُ الْفَسَادِ خَاصَّةً فِي النِّسَاءِ وَ إِسْقَاطُ الْوَالِدَاتِ أَوْلَادَ الْحَرَامِ وَ إِهْرَاقُ الدِّمَاءِ وَ الْقَتْلُ وَ الْجُوعُ وَ إِذَا اجْتَمَعَ الْمُشْتَرِي وَ الْعُطَارِدُ (5) أَصَابَ الْأَرْضَ طَاعُونٌ وَ يَقَعُ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ الْعَدَاوَةُ وَ الْبُغْضُ وَ إِذَا رَكِبَ الْقَمَرُ فَوْقَ زُحَلَ ذَهَبَ مُلْكُ مَلِكٍ وَ إِذَا اجْتَمَعَ بَهْرَامُ وَ عُطَارِدٌ فِي الْعَقْرَبِ فَذَلِكَ آيَةُ قَتْلِ مَلِكِ بَابِلَ وَ إِذَا اجْتَمَعَ الْمُشْتَرِي وَ الزُّهَرَةُ فِي الْعَقْرَبِ فَذَلِكَ آيَةُ فَزَعٍ وَ مَرَضٍ بِأَرْضِ بَابِلَ وَ إِذَا اجْتَمَعَ الشَّمْسُ وَ
____________
(1) في المصدر: مع المشترى.
(2) في المصدر: مع زحل.
(3) بفتح اللام في الأول و كسرها في الثاني، و في المصدر «هلك ملك» و الصواب ما في المتن.
(4) في المصدر: و يطمع كل واحد في آخر.
(5) كذا، و في المصدر: و عطارد.
336
زُحَلُ فِي الْعَقْرَبِ فِي شَوْلَةِ الْعَقْرَبِ فَذَلِكَ آيَةُ اخْتِلَافِ الرُّومِ وَ قَتْلِ مَلِكِهِمْ وَ إِذَا اجْتَمَعَ الْمِرِّيخُ وَ عُطَارِدٌ فِي شَوْلَةِ الْعَقْرَبِ فَذَلِكَ خَرَابُ بَيْتِ مَلِكِ بَابِلَ وَ إِذَا اجْتَمَعَتِ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ فِي شَوْلَةِ الْعَقْرَبِ وَ بَهْرَامُ فِي سَرَطَانَ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَتَّخِذَ سَرَباً لِتَدْخُلَ فِيهِ فَافْعَلْ وَ إِذَا اجْتَمَعَتِ الزُّهَرَةُ وَ الْمُشْتَرِي فَإِنَّ النِّسَاءَ يَخْشَيْنَ أَزْوَاجَهُنَّ عَدَاوَةً وَ إِذَا نَزَلَ كِيوَانُ الطَّرْفَةَ أَوِ الدَّبَرَانَ وَقَعَ الطَّاعُونُ بِالْعِرَاقِ وَ مَاتَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَ إِذَا نَزَلَ الطَّرْفَةَ عَلَى آخِرِهِ يَكُونُ فِي أَرْضِ الْعِرَاقِ قِتَالٌ وَ فِتْنَةٌ وَ إِذَا نَزَلَ النَّثْرَةَ بُدِّلَتْ أَعْمَالُ الْعِرَاقِ وَ لَقُوا بَلَاءً وَ شِدَّةً وَ إِذَا نَزَلَ كِيوَانُ الْغَفْرَ يَكُونُ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ قِتَالٌ وَ فِتْنَةٌ وَ إِذَا نَزَلَ كِيوَانُ جَبْهَةَ وَقَعَ الْمَوْتُ فِي الْبَقَرِ وَ السِّبَاعِ وَ الْوَحْشِ وَ إِذَا نَزَلَ كِيوَانُ وَ الْمُشْتَرِي الْإِكْلِيلَ وَ الْقَلْبَ وَ الشَّوْلَةَ يَقَعُ فِي الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ طَاعُونٌ شَدِيدٌ وَ يَمُوتُ مِنَ النَّاسِ أُنَاسٌ كَثِيرٌ وَ يَقَعُ الْفَسَادُ وَ الْبَلَايَا فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا وَ يَكُونُ بَلَايَا عَلَيْهِمْ كُلُّهَا فِي النَّاسِ وَ يُقْتَلُ الْمُلُوكُ وَ الْعُلَمَاءُ وَ تَرْتَفِعُ سَفِلَةٌ مِنَ النَّاسِ وَ اعْلَمْ أَنَّ مَعَ الشَّمْسِ كَوَاكِبَ لَهَا أَذْنَابٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ نَفَرٌ فَإِذَا بَدَا كَوْكَبٌ مِنْهَا فِي بُرْجٍ مِنَ الْبُرُوجِ وَقَعَ فِي أَرْضِ ذَلِكَ الْبُرْجِ شَرٌّ وَ بَلَاءٌ وَ فِتْنَةٌ وَ خَلْعُ الْمُلُوكِ وَ إِذَا رَأَيْتَ كَوْكَباً أَحْمَرَ لَا تَعْرِفُهُ وَ لَيْسَ عَلَى مَجَارِي النُّجُومِ يَنْتَقِلُ فِي السَّمَاءِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ يُشْبِهُ الْعَمُودَ وَ لَيْسَ بِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ آيَةُ الْحَرْبِ وَ الْبَلَايَا وَ قَتْلِ الْعُظَمَاءِ وَ كَثْرَةِ الشُّرُورِ وَ الْهُمُومِ وَ الْآشُوبِ فِي النَّاسِ (1).
أقول: و كان في أصل الكتاب هكذا قوبل و نسخ من خط ابن الحسن بن شادان رحمه الله.
بيان لما ذكر الشيخ المفيد ره هذه الأحكام في الإختصاص أوردته و لم يستنده إلى رواية و أخذه من كتب أصحاب علم النجوم بعيد.
____________
(1) الاختصاص: 160- 162.
337
أبواب الأزمنة و أنواعها و سعادتها و نحوستها و سائر أحوالها
باب 13 السنين و الشهور و أنواعهما و الفصول و أحوالها
الآيات التوبة إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ إلى قوله تعالى إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَ يُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (1) تفسير إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ قال الرازي اعلم أن السنة عند العرب عبارة عن اثني عشر شهرا من الشهور القمرية و الدليل عليه هذه الآية و أيضا قوله هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ (2) فجعل تقدير القمر بالمنازل علة للسنين و ذلك إنما يصح إذا كانت السنة معلقة بسير القمر و أيضا قال تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِ (3) و عند سائر الطوائف عن (4) المدة التي تدور الشمس فيها دورة تامة و السنة القمرية أقل من الشمسية بمقدار معلوم و بسبب ذلك النقصان تنتقل
____________
(1) التوبة: 36- 37.
(2) يونس: 5.
(3) البقرة: 189.
(4) في المصدر: عبارة عن المدة.
338
الشهور القمرية من فصل إلى فصل فيكون الحج واقعا في الشتاء مرة و في الصيف أخرى و كان يشق عليهم الأمر بهذا السبب و أيضا إذا حضروا الحج حضروا للتجارة و ربما كان ذلك الوقت غير موافق لحضور التجار من الأطراف و كان يخل بأسباب تجاراتهم بهذا السبب فلهذا السبب أقدموا على عمل الكبيسة على ما هو معلوم في علم الزيجات و اعتبروا السنة الشمسية و عند ذلك بقي زمان الحج مختصا بوقت معين فهو (1) أخف لمصلحتهم و انتفعوا بتجاراتهم و مصالحهم فهذا النسيء و إن صار سببا لحصول المصالح الدنيوية إلا أنه لزم منه تغير حكم الله تعالى لأنه لما خص الحج بأشهر معلومة على التعيين و كان بسبب النسيء يقع في سائر الشهور فتغير حكم الله (2) لتكليفه و الحاصل أنهم لرعاية مصالحهم في الدنيا سعوا في تغيير أحكام الله و إبطال تكليفه فلهذا استوجبوا الذم العظيم في هذه الآية (3) قال النيسابوري قال المفسرون إنهم كانوا أصحاب حروب و غارات و كان يشق عليهم مكث ثلاثة أشهر متوالية من غير قتل و غارة فإذا اتفق لهم في شهر منها أو في المحرم حرب أو غارة أخروا تحريم ذلك الشهر إلى شهر آخر قال الواحدي و أكثر العلماء على أن هذا التأخير كان من المحرم إلى صفر و يروى أنه حدث ذلك في كنانة لأنهم كانوا فقراء محاويج إلى الغارة و كان جنادة بن عوف الكناني مطاعا في قومه و كان يقوم على جمل في الموسم فيقول بأعلى صوته إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه ثم يقوم في القابل فيقول إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه و الأكثرون على أنهم كانوا يحرمون من جملة شهور العام أربعة أشهر و ذلك قوله لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ أي ليوافقوا العدة التي هي الأربعة و لا يخالفوا و لم يعلموا أنهم خالفوا ترك القتال و وجوب التخصيص و ذلك قوله تعالى فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ أي من القتال و ترك الاختصاص
____________
(1) في المصدر: بوقت واحد معين موافق لمصلحتهم.
(2) في المصدر: تغير حكم اللّه و تكليفه.
(3) مفاتيح الغيب: ج 4،(ص)633.
339
قال ابن عباس إنهم ما أحلوا شهرا من الأشهر الحرم إلا حرموا مكانه شهرا آخر من الحلال و لم يحرموا شهرا من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرا آخر من الحرام لأجل أن تكون عدة الحرام أربعة مطابقة لما ذكره الله تعالى و للآية تفسير آخر و هو أن يكون المراد بالنسيء كبس بعض السنين القمرية بشهر حتى يلتحق بالسنة الشمسية و ذلك أن السنة القمرية أعني اثني عشر شهرا قمريا هي ثلاثمائة و أربعة و خمسون يوما و خمس و سدس يوم على ما عرف من علم النجوم و عمل الزيجات و السنة الشمسية و هي عبارة عن عود الشمس من أية نقطة تفرض من الفلك إليها بحركتها الخاصة ثلاثمائة و خمسة و ستون يوما و ربع يوم إلا كسرا قليلا فالسنة القمرية أقل من السنة الشمسية بعشرة أيام و إحدى و عشرين ساعة و خمس ساعة تقريبا و بسبب هذا النقصان تنتقل الشهور القمرية من فصل إلى فصل فيكون الحج واقعا في الشتاء مرة و في الصيف أخرى و كذا في الربيع و الخريف و كان يشق الأمر عليهم إذ ربما كان وقت الحج غير موافق لحضور التجار من الأطراف فكان تختل أسباب تجاراتهم و معايشهم فلهذا السبب أقدموا على عمل الكبيسة بحيث يقع الحج دائما عند اعتدال الهواء و إدراك الثمرات و الغلات و ذلك بقرب حلول الشمس نقطة الاعتدال الخريفي فكبسوا تسع عشرة سنة قمرية بسبعة أشهر قمرية حتى صارت تسع عشرة سنة شمسية فزادوا في السنة الثانية شهرا ثم في الخامسة ثم في السابعة ثم في العاشرة ثم في الثالثة عشر ثم في السادسة عشر ثم في الثامنة عشر و قد تعلموا هذه الصنعة من اليهود و النصارى فإنهم يفعلون هكذا لأجل أعيادهم فالشهر الزائد هو الكبيس و سمي بالنسيء لأنه المؤخر و الزائد مؤخر عن مكانه و هذا التفسير يطابق
ما روي أنه(ص)خطب في حجة الوداع و كان في جملة ما خطب به إلا أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات و الأرض السنة اثني عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم و رجب مضر (1) بين جمادى و شعبان.
و المعنى رجعت الأشهر إلى ما
____________
(1) مضر- كصرد- قبيلة معروفة، و لعلّ إضافة رجب إليها لاجل أنهم كانوا يعظمونه دون غيرهم كما قيل.
340
كانت عليه و عاد الحج في ذي الحجة و بطل النسيء الذي كان في الجاهلية و قد وافقت حجة الوداع ذا الحجة في نفس الأمر و كانت حجة أبي بكر قبلها في ذي القعدة التي سموها ذا الحجة و إنما لزم العتب عليهم في هذا التفسير لأنهم إذا حكموا على بعض السنين بأنها ثلاثة عشر شهرا كان مخالفا لحكم الله بأن عدة الشهور اثنا عشر شهرا أي لا أزيد و لا أنقص و إليه الإشارة بقوله ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ على هذا التفسير و يلزمهم أيضا ما لزمهم في التفسير الأول من تغيير أشهر الحرم عن أماكنها فتكون الإشارة إلى المجموع انتهى و قال الطبرسي ره إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ أي عدد شهور السنة في حكم الله و تقديره اثْنا عَشَرَ شَهْراً و إنما تعبد الله المسلمين أن يجعلوا سنتهم على اثني عشر شهرا ليوافق ذلك عدد الأهلة و منازل القمر دون ما دان به أهل الكتاب و الشهر مأخوذ (1) من شهرة الأمر لحاجة الناس إليه في معاملاتهم و محل ديونهم و حجهم و صومهم و غير ذلك من مصالحهم المتعلقة بالشهور و قوله فِي كِتابِ اللَّهِ معناه ما كتب الله في اللوح المحفوظ و في الكتب المنزلة على أنبيائه و قيل في القرآن و قيل في حكمه و قضائه عن أبي مسلم و قوله يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ متصل بقوله عِنْدَ اللَّهِ و العامل فيها الاستقرار و إنما قال ذلك لأنه يوم خلق السماوات و الأرض أجرى فيها الشمس و القمر و بمسيرهما تكون الشهور و الأيام و بهما تعرف الشهور مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثلاثة منها سرد ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم و واحد فرد و هو رجب و معنى حرم أنه يحرم (2) انتهاك المحارم فيها أكثر مما يحرم (3) في غيرها و كانت العرب تعظمها حتى لو أن رجلا لقي قاتل أبيه فيها لم يهجه لحرمتها و إنما جعل الله بعض هذه الشهور أعظم حرمة من بعض لما علم من المصلحة في الكف عن الظلم فيها لعظم منزلتها و لأنه ربما
____________
(1) مأخوذ (خ).
(2) في المصدر: يعظم.
(3) في المصدر: يعظم.
341
أدى ذلك إلى ترك الظلم أصلا لانطفاء النائرة و انكسار الحمية في تلك المدة فإن الأشياء تجر إلى أشكالها.
و شهور السنة المحرم سمي بذلك لتحريم القتال فيه و صفر سمي بذلك لأن مكة تصفر من الناس فيه أي تخلو و قيل لأنه وقع وباء فيه فاصفرت وجوههم و قال أبو عبيد سمي بذلك لأنه صفرت فيه أوطابهم (1) عن اللبن و شهرا ربيع سميا بذلك لإنبات الأرض و إمراعها (2) فيهما و قيل لارتباع القوم أي إقامتهم و الجماديان سميتا بذلك لجمود الماء فيهما و رجب سمي بذلك لأنهم كانوا يرجبونه و يعظمونه يقال رجبته و رجبته بالتخفيف و التشديد و قيل سمي بذلك لترك القتال فيه من قولهم رجل أرجب إذا كان أقطع لا يمكنه العمل
- وَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ نَهَراً يُقَالُ لَهُ رَجَبٌ مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضاً مِنَ الثَّلْجِ وَ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ مَنْ صَامَ يَوْماً مِنْ رَجَبٍ شَرِبَ مِنْهُ.
و شعبان سمي بذلك لتشعب القبائل فيه
* * * عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَ رَوَى زِيَادُ بْنُ مَيْمُونٍ أَنَّ النَّبِيَّ(ص)قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ شَعْبَانَ لِأَنَّهُ يَشَّعَّبُ فِيهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ لِرَمَضَانَ.
و شهر رمضان سمي بذلك لأنه يرمض الذنوب و قيل سمي بذلك لشدة الحر و قيل إن رمضان من أسماء الله تعالى و شوال سمي بذلك لأن القبائل كانت تشول فيه أي تبرح عن أمكنتها و قيل لشولان الناقة (3) أذنابها فيه و ذو القعدة سمي بذلك لقعودهم فيه عن القتال و ذو الحجة لقضاء الحج فيه.
ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ أي ذلك الحساب المستقيم الصحيح لا ما كانت العرب تفعله من النسيء و قيل معناه ذلك الحساب (4) المستقيم الحق و قيل معناه
____________
(1) الاوطاب: جمع «الوطب» و هو سقاء اللبن.
(2) أمرع المكان: أخصب.
(3) في المصدر: النوق.
(4) في المصدر: القضاء.
342
ذلك الدين تعبد به فهو اللازم فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَ أي في هذه الأشهر (1) كلها عن ابن عباس و قيل في هذه الأشهر الحرم أَنْفُسَكُمْ بترك أوامر الله و ارتكاب نواهيه و إذا عاد الضمير إلى جميع الشهور فإنه يكون نهيا عن الظلم في جميع العمر و إذا عاد إلى الأشهر الحرم ففائدة التخصيص أن الطاعة فيها أعظم ثوابا و المعصية أعظم عقابا و ذلك حكم الله في جميع الأوقات الشريفة و البقاع المقدسة (2) انتهى.
أقول و يحتمل أن يكون المراد فلا تظلموا أنفسكم في أمرهن بهتك حرمتهن و قال الطبرسي ره قال مجاهد كان المشركون يحجون في كل شهر عامين فحجوا في ذي الحجة عامين ثم حجوا في المحرم عامين ثم حجوا في صفر عامين و كذلك في الشهور حتى وافقت الحجة التي قبل حجة الوداع في ذي القعدة ثم حج النبي(ص)في العام القابل حجة الوداع فوافقت ذا الحجة فلذلك (3)
- قَالَ النَّبِيُّ(ص)فِي خُطْبَتِهِ أَلَا إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ الْخَبَرَ.
أراد(ص)بذلك أن الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها و عاد الحج إلى ذي الحجة و بطل النسيء (4).
يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا قال البيضاوي أي ضلالا زائدا و قرأ حمزة و الكسائي و حفص يضل على البناء للمفعول يُحِلُّونَهُ عاماً أي يحلون النسيء من الأشهر الحرم سنة و يحرمون مكانه شهرا آخر وَ يُحَرِّمُونَهُ عاماً فيتركونه على حرمته لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ أي ليوافقوا عدة الأربعة المحرمة و اللام متعلقة بيحرمونه أو بما دل عليه مجموع الفعلين فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ بمواطاة العدة وحدها من غير مراعاة الوقت (5) انتهى.
____________
(1) في المصدر: الشهور.
(2) مجمع البيان: ج 5،(ص)27- 28.
(3) في المصدر: فوافقت في ذى الحجة فذلك حين.
(4) مجمع البيان: ج 5،(ص)29.
(5) أنوار التنزيل: ج 1،(ص)500.
343
و أقول لما كانت معرفة الأخبار المذكورة في هذا الباب و غيره متوقفة على معرفة الشهور و السنين و مصطلحاتهما قدمنا شيئا من ذلك فنقول لما احتاجوا في تقدير الحوادث إلى تركيب الأيام و كان أشهر الأجرام السماوية الشمس ثم القمر و كان دورة كل منهما إنما تحصل في أيام متعددة كانا متعينين بالطبع لاعتبار التركيب فصار القمر أصلا في الشهر و الشمس أصلا في السنة ثم إن الظاهر من حال القمر ليس دوره في نفسه بل باعتبار تشكلاته النورية فلذلك كان الشهر مأخوذا منها و هي إنما تكون بحسب أوضاعه مع الشمس و يتم دوره إذا صار فضل حركة القمر على حركة الشمس الحقيقيين دورا و العلم به متعذر لأنهما إذا اجتمعا مثلا بمقوميهما و عاد القمر بمقومه إلى موضع الاجتماع فقد سارت الشمس قوسا فإذا قطع القمر تلك القوس فقد سارت قوسا أخرى و مع تعذره مختلف لاختلاف حركتيهما بمقوميهما فلا يكون ذلك الفضل أمرا منضبطا فمستعملو الشهر القمري من أهل الظاهر منهم من يأخذونه من يوم الاجتماع إلى يومه و هم اليهود و الترك و منهم من ليلة رؤية الهلال إلى ليلتها و هم المسلمون أو من تشكل آخر إلى مثله بحسب ما يصطلحون عليه و اعتبار الاستهلال أولى لأنه أبين أوضاعه من الشمس و أقربها إلى الإدراك مع أن القمر في هذا الموضع كالموجود بعد العدم و المولود الخارج من الظلم لكن لما لم يكن لرؤية الأهلة حد لا يتعداه لاختلافها باختلاف المساكن و حدة الأبصار إلى غير ذلك لم يلتفت إليها إلا في الأحكام الشرعية المبتنية على الأمور الظاهرة و مستعملوه من أهل الحساب يأخذون الدور من الفضل بين الحركتين الوسطيتين فيجدونه في تسعة و عشرين يوما و نصف يوم و دقيقة واحدة و خمسين ثانية إذا جزئ يوما (1) بليلته بستين دقيقة و كل دقيقة بستين ثانية و هذا هو الشهر القمري الاصطلاحي المبني على اعتبار سير الوسط في السيرين و إذا ضرب عدد أيامه في اثني عشر عدد أشهر السنة خرج
____________
(1) كذا في جميع النسخ التي بأيدينا.
344
أيام السنة القمرية الاصطلاحية و هو ثلاثمائة و أربع و خمسون يوما و خمس و سدس يوم و هي ناقصة عن أيام السنة الشمسية بعشرة أيام و عشرين ساعة و نصف ساعة مستوية بالتقريب فيأخذون لشهر ثلاثين يوما و لشهر آخر تسعة و عشرين يوما و ذلك لأنهم اصطلحوا على أخذ الكسر الزائد على النصف صحيحا فأخذوا المحرم الذي هو أول شهور السنة القمرية ثلاثين يوما لكون الكسر أزيد من النصف فصار صفر تسعة و عشرين لذهاب النصف عنه بما احتسب في المحرم فلم يبق إلا ضعف فضل الكسر الزائد على النصف أعني ثلاث دقائق و أربعين ثانية و هو غير ملتفت إليه لقصوره عن النصف و صار أول الربيعين ثلاثين يوما و ثانيهما تسعة و عشرين و على هذا الترتيب إلى آخر السنة فصار ذو الحجة تسعة و عشرين يوما و خمس و سدس يوم و هما اثنتان و عشرون دقيقة لأنها الحاصلة من ضرب ما زاد في الكسر على النصف و هو دقيقة واحدة و خمسون ثانية في اثني عشر عدد الشهور و إذا فعل بشهور السنة الثانية مثل ما فعل بشهور الأولى اجتمع لذي الحجة في الثانية مثل ما مر فيصير الجميع أربعا و أربعين دقيقة و هو زائد على النصف فيؤخذ ذو الحجة في السنة الثانية ثلاثين يوما و يذهب في السنة الثالثة من الكسر اللازم بعد كل سنة ست عشرة دقيقة بما اعتبر في السنة السابقة (1) و تبقى ست دقائق فتنضم إلى الكسر اللازم من السنة الرابعة فيصير المجموع ثماني و عشرين دقيقة و هو أقل من النصف فإذا انضم إلى كسر السنة الخامسة صار مجموعهما خمسين دقيقة و هو أكثر من النصف فيجعل ذو الحجة في هذه السنة ثلاثين يوما و يذهب من الكسر اللازم في السنة السادسة عشر دقائق و تبقى اثنتا عشرة دقيقة فينضم إلى كسر السنة السابعة و يصير المجموع أربعا و ثلاثين دقيقة فيؤخذ ذو الحجة فيها ثلاثين يوما و على هذا القياس يؤخذ ذو الحجة ثلاثين يوما في السنة العاشرة و الثالثة عشرة و السادسة
____________
(1) لان ذا الحجة اخذ في السنة الثانية ثلاثين يوما و هو ناقص عنه بست عشرة دقيقة لانه كان زائدا على التسعة و العشرين يوما بأربع و أربعين دقيقة، و الاربع و الأربعون دقيقة تنقص عن الستين دقيقة بست عشرة دقيقة.
345
عشرة و الثامنة عشرة و الحادية و العشرين و الرابعة و العشرين و السادسة و العشرين و التاسعة و العشرين و من لم يعتبر في اعتبار الكسر مجاوزة النصف بل يكتفي بالوصول إليه يجعل ذا الحجة في السنة الخامسة عشرة ثلاثين يوما بدل السادسة عشرة و على التقديرين إذا أخذ ذو الحجة في السنة التاسع و العشرين ثلاثين يوما بقي عليهم لتمام يوم اثنتان و عشرون دقيقة فينجبر بالكسر اللازم في السنة الثلاثين و يتم عدد أيام الشهور بلا كسر في كل ثلاثين سنة ثم يستأنف و السبب في ذلك أن الكسر اللازم في سنة واحدة اثنتان و عشرون دقيقة كما مر و نسبته إلى ستين بالخمس و السدس و هما إنما يصحان من ثلاثين فثلاثون خمس يوم ستة أيام و ثلاثون سدس يوم خمسة أيام و المجموع أحد عشر يوما و تسمى هذه الأيام كبائس فسنوا الكبس على ترتيب بهزيجهح كادوط (1) أو بهزيجوح كادوط على القولين المتقدمين هذا هو المشهور في الكبس و ذكر شراح التذكرة نوعين آخرين من الكبس الأول ما يفعله اليهود و الترك فإنهم كانوا يردون السنين القمرية إلى السنين الشمسية بكبس القمرية في كل سنة أو ثلاث بشهر و الثاني ما تفعله العرب في الجاهلية من النسيء و هو أنهم كانوا يستعملون شهور الأهلة و كانوا حجهم الواقع في عاشر ذي الحجة كما رسمه إبراهيم(ع)دائرا في الفصول كما في زماننا هذا فأرادوا وقوعه دائما في زمان إدراك الغلات و الفواكه و اعتدال الهواء أعني أوائل الخريف ليسهل عليهم السفر و قضاء المناسك فكان يقوم في الموسم عند اجتماع العرب خطيب يحمد الله و يثني عليه و يقول إني أزيد لكم في هذه السنة شهرا و هكذا أفعل في كل ثلاث سنين
____________
(1) الباء للسنة الثانية، و الهاء للخامسة، و الزاى للسابعة، و الياء للعاشرة، و الجيم للثالثة عشر، و الهاء للخامسة عشر، و الحاء للتاسعة عشر، و «كا» للحادية و العشرين و هكذا و الاختلاف بين الكلمتين في الهاء الثانية، فعلى القول بكون الكبيسة هي الخامسة عشر يكون الرمز هاء، و على القول بكونها السادسة عشر يكون واوا كما مرّ آنفا.
346
حتى يأتي حجكم في وقت يسهل فيه مسافرتكم فيوافقونه على ذلك فكان يجعل المحرم كبسا و يؤخر اسمه إلى صفر و اسم صفر إلى ربيع الأول و هكذا إلى آخر السنة فكان يقع الحج في السنة القابلة في عاشر محرم و هو ذو الحجة عندهم لأنهم لما سموا صفر بالمحرم و جعلوه أول السنة صار المحرم الآتي ذا الحجة و آخر السنة و يقع في السنة محرمان أحدهما رأس السنة و الآخر النسيء و يصير شهورها ثلاثة عشر و على هذا يبقى الحج في المحرم ثلاث سنين متوالية ثم ينتقل إلى صفر و يبقى فيه كذلك إلى آخر الأشهر ففي كل ست و ثلاثين سنة قمرية تكون كبيستهم اثنا عشر شهرا قمريا و قيل كانوا يكبسون أربعا و عشرين سنة باثني عشر شهرا و هذا هو الكبس المشهور في الجاهلية و إن كان الأول أقرب إلى مرادهم و بالجملة إذا انقضى سنتان أو ثلاث و انتهت النوبة إلى الكبيس قام فيهم خطيب و قال إنما جعلنا اسم الشهر الفلاني من السنة الداخلة للذي بعده و حيث كانوا يزيدون النسيء على جميع الشهور بالنوبة حتى يكون لهم في سنة محرمان و في أخرى صفران فإذا اتفق أن يتكرر في السنة شهر من الأربعة الحرم نبأهم الخطيب (1) بتكريره و حرم عليهم واحدا منهما بحسب ما تقتضيه مصلحتهم و لما انتهى النوبة في أيام النبي(ص)إلى ذي الحجة و تم دور النسيء على الشهور كلها حج في السنة العاشرة من الهجرة بوقوع الحج فيها في عاشر ذي الحجة و قال ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات و الأرض يعني به رجوع الحج و أسماء الشهور إلى الوضع الأول ثم تلا قوله تعالى إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً إلى آخر الآية انتهى و أما السنة الشمسية فمأخوذة من عود الشمس إلى موضعها من فلك البروج المقتضي لعود حال السنة بحسب الفصول و يحصل ذلك في ثلاث مائة و خمسة و ستين يوما و ربع يوم إلا كسرا كما ذكره في التذكرة و الكسر عند بطلميوس جزء واحد من ثلاث مائة جزء من يوم و يتم في أيام السنة المذكورة من الشهور القمرية
____________
(1) خطيبهم (خ).
347
الوسطية اثني عشر شهرا و أحد عشر يوما إلا سبع دقائق و اثنتي عشرة ثانية و هذه المدة أعني اثني عشر شهرا قمريا وسطيا تسمى سنة قمرية اصطلاحية و مستعملو السنة الشمسية لهم طرق الأولى طريقة قدماء المنجمين فإنهم يأخذون السنة من يوم تحل الشمس فيه نقطة بعينها كالاعتدال الربيعي إلى مثل ذلك اليوم و يأخذون شهورها من الأيام التي تحل فيها أمثال تلك النقطة من البروج فإن كانت النقطة التي هي مبدأ السنة الموافق لمبدإ الشهر الأول أول برج كأول الحمل كانت أمثالها أوائل البروج الباقية و إن كانت عاشرة برج مثلا كانت أمثالها عواشر البروج الثانية الفرس (1) القديم و ليس فيها كسور و كبائس و سنتهم ثلاثمائة و خمسة و ستون يوما و شهورهم ثلاثون ثلاثون و يزيدون الخمسة في آخرها و يسمونها الخمسة المسترقة و هذه أسماء شهورهم فروردين ماه أرديبهشت ماه خرداد ماه تير ماه مرداد ماه شهريور ماه مهر ماه آبان ماه آذر ماه دي ماه بهمن ماه إسفندارمذ ماه و كان في العهد القديم لهذا التاريخ كبيسة و أنهم كانوا يجمعون الأرباع الزائدة و يؤخرونها إلى عشرين و مائة سنة و كانوا يزيدون لذلك شهرا في سنة الإحدى و العشرين و المائة فتصير هذه السنة ثلاثة عشر شهرا و لهم في ذلك تفصيل من دور الكبس و غير ذلك أعرضنا عن ذكرها و كان مبدأ هذا التاريخ من زمان جمشيد أو كيومرث و استمر إلى زمان يزدجرد فلما انتهى ملكهم تركوا الكبس و كان بعض المنجمين يزيدون الخمسة المسترقة بعد آبان ماه و بعضهم بعد إسفندارمذ ماه ففي كل أربع سنين أو خمس سنين تتقدم هذه السنة على السنة الشمسية بيوم الثالثة التاريخ الملكي و هو منسوب إلى السلطان جلال الدين ملك شاه و السبب في وضعه أنه اجتمع في حضرته ثمانية من الحكماء منهم الخيام فوضعوا تاريخا مبدؤه نزول الشمس أول الحمل و أول السنة يوم تكون الشمس في نصف نهاره في الحمل سموه بالنيروز السلطاني فسنوه شمسية حقيقية و كذا شهوره إذا اعتبرت بحلول الشمس في أوائل البروج كما فعله بعض
____________
(1) كذا في جميع النسخ و الظاهر أن الصواب «طريقة الفرس».
348
المنجمين و إذا أخذت ثلاثين ثلاثين و ألحقت الكسر بآخر السنة و كبس الكسر في كل أربع سنين أو خمس بيوم ليوافق أول السنة دائما نزول الشمس الحمل كما فعله أكثر المنجمين كانت اصطلاحية و أسماء شهورها أسماء شهور الفرس القديم المتقدم و عليه بناء التقاويم الآن الرابعة التاريخ الرومي مبدؤه بعد اثنتي عشرة سنة شمسية من وفاة الإسكندر بن فيلقوس الرومي و سنوه شمسية اصطلاحية هي ثلاثمائة و خمسة و ستون يوما و ربع تام و كذا شهورهم اصطلاحية شمسية و أسماء شهورهم و عددها هكذا تشرين الأول لا تشرين الآخر ل كانون الأول لا كانون الآخر لا شباط كح آذار لا نيسان ل أيار لا حزيران ل تموز لا آب لا أيلول ل و مستعملو هذا التاريخ يعدون أربعة منها ثلاثين و هي تشرين الآخر و نيسان و حزيران و أيلول و السبعة البقية غير شباط أحدا و ثلاثين و شباط في ثلاث سنين متوالية ثمانية و عشرين و في الرابعة و هي سنة الكبيسة تسعة و عشرين فالسنة عندهم ثلاثمائة و خمسة و ستون و ربع كامل مع أن السنة الشمسية أقل من ذلك عندهم لكسر في الربع كما عرفت و وجدوا الكسر مختلفا في أرصادهم ففي رصد التباني ثلاث عشرة دقيقة و ثلاثة أخماس دقيقة و في رصد المغربي اثنتا عشرة دقيقة و على رصد مراغة إحدى عشرة دقيقة و على رصد بعض المتأخرين تسع دقائق و ثلاثة أخماس دقيقة و على رصد بطلميوس أربع دقائق و أربعة أخماس دقيقة و الفرس من زمان جمشيد أو قبله و الروم من عهد إسكندر أو بعده كانوا يعتبرون الكسر ربعا تاما موافقا لرصد أبرخس فالشهور الرومية مبنية على هذا الاعتبار و هذا الرصد و على ما وجده سائر أصحاب الأرصاد فلا يوافق هذه السنة الشمسية و بمرور الأزمان تدور شهورها في الفصول و قال بعضهم في كل ثلاثين سنة تقريبا تتأخر سنتهم عن مبدإ السنة الشمسية بيوم و أول سنتهم و هو تشرين الأول في هذه الأزمان يوافق تاسع عشر الميزان و أول نيسان في الدرجة الثالثة و العشرين من الحمل
349
و اعلم أن كثيرا من الأمور الشرعية منوطة بهذه الشهور من الأحوال و الأعمال و الآداب كالمطر في نيسان و آدابه و لا يعلم أن الشارع بناه على الفصول أو على الشهور و لعل الأول أظهر فيشكل اعتبار الشهور في تلك الأزمان إذ لعلهم أرادوا تعيين أوقات الفصول فعينوها بهذه الشهور لموافقتها لتلك الأوقات في تلك الأزمان لكن في بعض الأعمال التي في وقتها اتساع يمكن رعاية الاحتياط بحسب التفاوت بين الزمانين و إيقاعها في الوقت المشترك و ما لم يكن فيه اتساع بعلمها في اليومين معا.
ثم إن انقسام السنة الشمسية عند الروم إلى هذه الشهور الاثني عشر التي بعضها ثمانية و عشرون و بعضها ثلاثون و بعضها أحد و ثلاثون إنما هو محض اصطلاح منهم لم يذكر أحد من المحصلين له وجها أو نكتة و ما توهم بعض المشاهير من أنه مبني على اختلاف مدة قطع الشمس كلا من البروج الاثني عشر ظاهر البطلان فإن الحمل و الثور عندهم أحد و ثلاثون و الجوزاء اثنان و ثلاثون و السرطان و الأسد و السنبلة أحد و ثلاثون و الميزان و العقرب ثلاثون و القوس و الجدي تسعة و عشرون و الدلو و الحوت ثلاثون و ظاهر أن الأمر في الشهور الرومية ليس على طبقها كيف و كانون الأول الذي اعتبروه أحدا و ثلاثين هو بين القوس و الجدي و كل منهما تسعة و عشرون.
ثم اعلم أن التاريخ تعيين يوم ظهر فيه أمر شائع كملة أو دولة أو حدث فيه أمر هائل كطوفان أو زلزلة أو حرب عظيم لمعرفة ما بينه و بين أوقات الحوادث و لضبط ما يجب تعيين وقته في مستقبل الزمان و قد مرت الإشارة إلى تاريخ الروم و الفرس و الشائع المستعمل في زماننا تاريخ الهجرة و سبب وضعه على ما نقل أنه دفع إلى عمر صك محله شعبان فقال أي شعبان هو هذا الذي نحن فيه أو الذي يأتينا أو أن أبا موسى كتب إليه أنه يأتينا من قبلك كتب لا نعرف كيف نعمل فيها قد قرأنا صكا محله شعبان فما ندري أي الشعبانين هو الماضي أو الآتي فجمع الصحابة و استشارهم فيما يضبط به الأوقات فقال له الهرمزان ملك الأهواز
350
و قد أسلم على يديه حين أسر و حمل إليه إن للعجم حسابا يسمونه ماهروز و أسنده إلى من غلب عليهم من الأكاسرة و بين كيفية استعماله فعربوا ماهروز بمورخ و جعلوا مصدره التاريخ فقال ابن الخطاب ضعوا للناس تاريخا نضبط به أوقاتهم فقال بعض الحاضرين من مسلمي اليهود لنا حساب مثله نسنده إلى إسكندر فما ارتضاه الصحابة و اتفقوا على أن يجعل مبدؤه هجرة النبي(ص)إذ بها ظهرت دولة الإسلام و كانت الهجرة يوم الثلاثاء لثمان خلون من شهر ربيع الأول و أول هذه السنة أعني المحرم كان يوم الخميس بحسب الأمر الأوسط و على قول أهل الحديث و يوم الجمعة بحسب الرؤية و حساب الاجتماعات فعمل عليه في أكثر الأزياج إلا زيج المعتبر فإنه عمل على يوم الخميس و كان اتفاقهم على ذلك في سنة سبع عشرة من الهجرة و مبادئ شهور تلك السنة على الرؤية و قد تكون تامة و أكثر المتوالية منها أربعة و قد تكون ناقصة و أكثر المتوالية منها ثلاثة.
و اعلم أن القوم تمسكوا في اختيار واقعة الهجرة بمبدإ التواريخ الإسلامية على سائر الوقائع المعروفة كالمبعث و المولد بوجوه ضعيفة كقولهم إن المبعث غير معلوم و المولد مختلف فيه و لا يخفى وهنه فإنه لو أريد بذلك عدم اتفاقهم في شيء منهما على يوم معين من شهر معين فظاهر أن أمر الهجرة أيضا كذلك كما بيناه في محله مع أن العلم باليوم و الشهر لا مدخل له في المطلوب و هو ظاهر و إن أريد به اختلافهم في خصوص سنتيهما فكلا فإنه لا خلاف فيه في زماننا فضلا عن أوائل الإسلام و كذا الوجوه الأخرى التي ذكروها في هذا الباب و لقد عثرت على خبر يصلح مرجحا و مخصصا لذلك قل من تفطن به
وَ هُوَ مَا وَرَدَ فِي خَبَرِ الصَّحِيفَةِ الشَّرِيفَةِ السَّجَّادِيَّةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَى مَنْ أُلْهِمَهَا حَيْثُ قَالَ الصَّادِقُ(ع)إِنَّ أَبِي حَدَّثَنِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ- عَنْ عَلِيٍّ(ع)أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)أَخَذَتْهُ نَعْسَةٌ وَ هُوَ عَلَى مِنْبَرِهِ فَرَأَى فِي مَنَامِهِ رِجَالًا يَنْزُونَ عَلَى مِنْبَرِهِ نَزْوَ الْقِرَدَةِ يَرُدُّونَ النَّاسَ عَلَى أَعْقَابِهِمُ الْقَهْقَرَى فَاسْتَوَى رَسُولُ اللَّهِ(ص)جَالِساً وَ الْحُزْنُ يُعْرَفُ فِي
351
وَجْهِهِ فَأَتَاهُ جَبْرَئِيلُ(ع)بِهَذِهِ الْآيَةِ وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ (1) الْآيَةَ يَعْنِي بَنِي أُمَيَّةَ قَالَ يَا جَبْرَئِيلُ أَ عَلَى عَهْدِي يَكُونُونَ وَ فِي زَمَنِي قَالَ لَا وَ لَكِنْ تَدُورُ رَحَى الْإِسْلَامِ مِنْ مُهَاجَرِكَ فَتَلْبَثُ بِذَلِكَ عَشْراً ثُمَّ تَدُورُ رَحَى الْإِسْلامِ عَلَى رَأْسِ خَمْسٍ وَ ثَلَاثِينَ مِنْ مُهَاجَرِكَ فَتَلْبَثُ بِذَلِكَ خَمْساً.
إلى آخر الخبر فيدل على أن جعل مبدإ التاريخ من الهجرة مأخوذ من جبرئيل(ع)و مستند إلى الوحي السماوي و منسوب إلى الخبر النبوي و هذا يؤيد ما روي أن أمير المؤمنين(ع)أشار عليهم بذلك في زمن عمر عند تحيرهم و العلة الواقعية في ذلك يمكن أن تكون ما ذكر من أنها مبدأ ظهور غلبة الإسلام و المسلمين و مفتتح ظهور شرائع الدين و تخلص المؤمنين من أسر المشركين و سائر ما جرى بعد الهجرة من تأسيس قواعد الدين المبين.
و لنشر هاهنا إلى فوائد.
الفائدة الأولى أنه قد وردت أخبار كثيرة تدل على أن عدد أيام السنة ثلاثمائة و ستون كالأخبار الواردة في عدد الطواف المستحبة و كخبر الاختزال و غيرها و هي لا توافق شيئا من المصطلحات المتقدمة و لا السنين الشمسية و لا القمرية و يمكن توجيهه بوجوه الأول أن يكون المراد بها السنة الإلهية كما مرت الإشارة إليه في الباب الأول الثاني أن يكون المراد به السنة الأولى من خلق الدنيا بضم الستة المصروفة في خلق الدنيا إلى السنة القمرية الثالث أن يكون مبنيا على بعض مصطلحات القدماء قال أبو ريحان البيروني في تاريخه سمعت أن الملوك البيشدادية من الفرس و هم الذين ملكوا الدنيا بحذافيرها كانوا يعملون السنة ثلاثمائة و ستين يوما كل شهر منها ثلاثون يوما بلا زيادة و نقصان و أنهم كانوا يكبسون في كل ست سنين بشهر و يسمونها كبيسة و في كل مائة و عشرين سنة شهرين أحدهما بسبب الخمسة أيام و الثاني بسبب ربع اليوم و أنهم كانوا يعظمون تلك السنة و يسمونها المباركة و يشتغلون فيها بالعبادات و
____________
(1) الإسراء: 60.
352
المصالح ثم قال بعد ذكر نسيء العرب و كبس أهل الكتاب و غيرهم و قد حكى أبو محمد التائب الآملي في كتاب الغرة عن يعقوب بن طارق أن الهند تستعمل أربعة أنواع من المدد أحدها من عودة الشمس من نقطة من فلك البروج إليها بعينها و هي سنة الشمس و الثانية طلوعها ثلاثمائة و ستين مرة و تسمى السنة الوسطى لأنها أكثر من سنة القمر و أقل من سنة الشمس و الثالثة عودة القمر من الشرطين و هما رأس الحمل إليهما اثنتي عشرة مرة و هي سنة القمر المستعملة.
الفائدة الثانية قال الرازي في قوله تعالى وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَ ازْدَادُوا تِسْعاً فإن قالوا لم لم يقل ثلاثمائة و تسع سنين و ما الفائدة في قوله وَ ازْدَادُوا تِسْعاً قلنا قال بعضهم كانت المدة ثلاثمائة سنة من السنين الشمسية و ثلاثمائة و تسع سنين من القمرية و هذا مشكل لأنه لا يصح بالحساب هذا القول (1)
وَ رَوَى الطَّبْرِسِيُّ ره وَ غَيْرُهُ أَنَّ يَهُودِيّاً سَأَلَ عَلِيّاً(ع)عَنْ مُدَّةِ لَبْثِهِمْ فَأَخْبَرَ(ع)بِمَا فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ إِنَّا نَجِدُ فِي كِتَابِنَا ثَلَاثَمِائَةٍ فَقَالَ(ع)ذَلِكَ بِسِنِي الشَّمْسِ وَ هَذَا بِسِنِي الْقَمَرِ (2).
و تفصيل القول في ذلك أنه يمكن تقرير الإشكال الوارد على هذا التفسير الذي أومأ إليه الرازي بوجهين أحدهما أن أيام السنة القمرية في مدة ثلاثمائة و تسع سنين إذا قسمت على ثلاثمائة تخرج حصة كل سنة شمسية ثلاثمائة و أربعة و ستين يوما و ثلثا و عشرين ساعة مستوية و ستا و خمسين دقيقة و ثماني و ثلاثين ثانية و أربع و عشرين ثالثة و لا يوافق ذلك شيئا من الأرصاد المتداولة بل ناقص عن الجميع و ثانيهما أن التفاوت المضبوط بين السنتين في مدة ثلاثمائة سنة يزيد على تسع سنين على جميع الأرصاد فإنه على رصد التباني مع أن مقتضاه أقل من سائر الأرصاد يبلغ إلى عشرة أيام و عشرين ساعة و ست و أربعين دقيقة و
____________
(1) مفاتيح الغيب: ج 5،(ص)706.
(2) مجمع البيان: ج 6،(ص)463.
353
أربع و عشرين ثانية و إذا ضرب هذا المقدار من الزمان في ثلاثمائة و قسم الحاصل على مقدار السنة القمرية يزيد الخارج على تسع سنين قمرية بأربعة و سبعين يوما و أربع ساعات و ثمان و أربعين دقيقة فكيف على سائر الأرصاد حتى أنه على رصد أبرخس المبني عليه حساب الروم و الفرس من قديم الأيام بل المعروف بين جميع الطوائف في صدر الإسلام يزيد على تسع سنين بسبعة و سبعين يوما و ثماني و أربعين دقيقة فلا تستقيم الموافقة المستفادة من التفسير المذكور و الرواية المنقولة و قد يجاب بأن عدم الاعتناء بالكسور القليلة في جنب آحاد الصحاح تارة بإسقاطها سيما إذا لم تبلغ النصف و تارة بإكمالها أي عدها تامة سيما إذا جاوزت النصف و كذا بالآحاد القليلة في جنب العشرات و العشرات القليلة في جنب المآت و هكذا أمر شائع و عرف عام في المحاورات الحسابية يبتنى عليه كثير من القرآن و الحديث كما سنشير إليه في حديث الصباح بن سيابة فلا بأس أن يخبر تعالى بأن مدة لبث أصحاب الكهف ثلاثمائة سنة بالشمسية أو ثلاثمائة و تسع سنين بالقمرية و كانت ناقصة عن الأولى حقيقة بمثل تلك الأيام القلائل أو كانت مطابقة لها و كانت زائدة على الثانية حقيقة بمثلها أو كان في الأول نقصان و في الثانية زيادة يصير المجموع مساويا لمثل تلك الأيام فإن في رعاية مطابقة العرف في تلك المحاورات لمندوحة عن كذبها حتى أنه يمكن أن يقيد عرفا أمثال ذلك بأنه كذلك بلا زيادة و لا نقصان اعتمادا على أن تحقق الزيادة و النقصان في عرف الحسابيين إنما هو بالصحاح أو ما في حكمها دون أمثال تلك الكسور.
و أقول قد مر في المجلد التاسع في باب علم أمير المؤمنين(ع)بعض القول في ذلك.
الفائدة الثالثة قد ورد في الأخبار بناء كثير من الأمور الشرعية من الصوم و غيره على عد شهر من الشهور القمرية تاما و شهرا ناقصا كعد الخمسة من شهر آخر مثله أو الستة في سنة الكبيسة و سيأتي بيانها و بسط القول فيها في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى و عليه يبنى ما روي أن يوم الأضحى يوم الصوم و يوم
354
عاشوراء يوم الفطر لكنه إنما يستقيم في سنة الكبيسة فإنه إذا كان أول شهر رمضان يوم السبت مثلا كان أول شوال يوم الإثنين لأنه من الشهور التامة و أول ذي القعدة يوم الثلاثاء و أول ذي الحجة يوم الخميس فالأضحى يوم السبت موافقا ليوم الصوم و ذو الحجة لما كان من الشهور الناقصة في غير سنة الكبيسة فالجمعة أول المحرم فعاشوراء يوم الأحد و هو لا يوافق يوم الفطر و في الكبيسة يوافقه لإتمام ذي الحجة فيها و يمكن أن يكون مبنيا على الغالب أو على ما إذا غمت الأهلة كما عمل بها جماعة من الأصحاب على هذا الوجه أو على استحباب صوم يوم الشك فإن هذا الحساب متقدم على الرؤية غالبا و ما قيل في الخبر الأخير من أن المعنى أن العارفين يوم صومهم يوم عيدهم و يوم فطرهم يوم تعزيتهم فهو مما تضحك منه الثكلى و سيأتي مزيد تحقيقه في محله الأنسب و قال أبو ريحان في تاريخه يبتدءون بالشهر من عند رؤية الهلال و كذلك شرع في الإسلام كما قال الله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِ (1) ثم نبتت نابتة و نجمت ناجمة و نبغت فرقة جاهلية فنظروا إلى أخذهم بالتأويل و ميلهم إلى اليهود و النصارى فإن لهم جداول و حسابات يستخرجون بها شهورهم و يعرفون منها صيامهم و المسلمون مضطرون إلى رؤية الهلال و وحدوهم شاكين فيه مختلفين مقلدين بعضهم بعضا بعد استفراغهم أقصى الوسع في تأمل مواضعه و تفحص مواقعه ثم رجعوا إلى أصحاب الهيئة فألفوا زيجاتهم و كتبهم مفتتحة بمعرفة أوائل ما يراد من شهور العرب بصنوف الحسابات و أنواع الجداول فظنوا أنها معمولة لرؤية الأهلة و أخذوا بعضها و نسبوه إلى جعفر الصادق(ع)و أنه سر من أسرار النبوة و تلك الحسابات مبنية على حركات النيرين الوسطى دون المعدلة و معمولة على عد سنة القمر ثلاثمائة و أربعة و خمسين يوما و خمس و سدس و أن ستة أشهر من السنة تامة و ستة ناقصة و أن كل ناقص منها فهو تال لتام على ما عمل عليه في الزيجات فلما قصدوا استخراج أول الصوم و أول الفطر بها خرجت
____________
(1) البقرة: 189.
355
قبل الواجب بيوم في أغلب الأحوال فأولوا قول النبي(ص)صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته بأن معناه صوموا الذي يرى الهلال في عشيته كما يقال تهيئوا لاستقباله فيقدم التهيؤ على الاستقبال قالوا و إن شهر رمضان لا ينقص من ثلاثين فأما أصحاب الهيئة و من تأمل الحال بعناية شديدة فإنهم يعلمون أن رؤية الهلال غير مطرد على سنن واحد لاختلاف حركة القمر المرئية بطيئة و سريعة و قربه من الأرض و بعده و صعوده في الشمال و الجنوب و هبوطه فيهما و حدوث كل واحد من هذه الأحوال له في كل نقطة من فلك البروج ثم بعد ذلك لما يعرض من سرعة غروب بعض القطع من فلك البروج و بطء بعض و تغير ذلك على اختلاف عروض البلدان و اختلاف الأهوية إما بالإضافة إلى البلاد الصافية الهواء بالطبع و الكدرة المختلطة بالبخارات دائما و المغبرة في الأغلب و إما بالإضافة إلى الأزمنة إذا غلظ في بعضها و رق في بعض و تفاوت قوى بصر الناظرين إليه في الحدة و الكلال و إن ذلك كله على اختلاف بصنوف الاقترانات كائنة في كل أول شهرين رمضان و شوال على أشكال غير معدودة و أحوال غير محدودة فيكون لذلك رمضان ناقصا مرة و تاما أخرى و إن ذلك كله يفتن بتزايد عروض البلدان و تناقصها فيكون الشهر تاما في البلدان الشمالية مثلا و ناقصا هو بعينه في الجنوبية منها و بالعكس ثم لا يجري ذلك فيها على نظم واحد بل لا يتفق فيها أيضا حالة واحدة بعينها لشهر واحد مرارا متوالية و غير متوالية فلو صح عملهم مثلا بتلك الجداول و اتفق مع رؤية الهلال أو تقدمه يوما واحدا كما أصلوا لاحتاجوا إلى إفرادها لكل عرض على أن اختلاف الرؤية ليس متولدا من جهة العرض فقط بل لاختلاف أطوال البلدان فيها أوفر نصيب فإذن لا يمكن ما ذكروه من تمام شهر رمضان أبدا و وقوع أوله و آخره في جميع المعمورة من الأرض متفقا كما يخرجه الجدول الذي يستعملونه فأما قولهم إن مقتضى الخبر المأثور تقديم الصوم و الفطر على الرؤية فباطل و ذلك أن حرف اللام يقع على المستأنف كما ذكروه و يقع على الماضي كما يقال كتب لكذا مضى من الشهر
356
أي من عند مضي كذا فلا تتقدم الكتبة الماضي من الشهر و هذا هو مقتضى الخبر دون الأول
أَ لَا تَرَى إِلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ(ص)أَنَّهُ قَالَ: نَحْنُ قَوْمٌ أُمِّيُّونَ لَا نَكْتُبُ وَ لَا نَحْسُبُ الشَّهْرَ هَكَذَا وَ هَكَذَا وَ هَكَذَا وَ كَانَ يُشِيرُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا بِأَصَابِعِهِ الْعَشْرِ يَعْنِي تَامّاً ثَلَاثِينَ يَوْماً ثُمَّ أَعَادَ فَقَالَ هَكَذَا وَ هَكَذَا وَ هَكَذَا وَ خَنَسَ إِبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ يَعْنِي نَاقِصَةً تِسْعَةً وَ عِشْرِينَ يَوْماً.
فنص(ص)نصا لا يخفى على أحد أن الشهر يكون تاما مرة و يكون ناقصا أخرى و أن الحكم جار عليه بالرؤية عليه دون الحساب بقوله لا نكتب و لا نحسب فإن قالوا عنى أن كل شهر تام فإن تاليه ناقص كما يحسبه مستخرجو التواريخ كذبهم العيان إن لم ينكروه و عرف تمويههم الصغير و الكبير فيما ارتكبوه على أن تتمة الخبر الأول يفصح باستحالة ما ادعوه
- وَ هُوَ قَوْلُهُ(ص)صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَ أَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْماً.
- وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ رُؤْيَتِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَامٌ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ.
و ذلك أنه إذا عرف أن الهلال يرى إما بجدولهم و حسابهم أو بما يستخرجه أصحاب الزيجات و قدم الصوم أو الفطر على رؤيته لم يحتج إلى إتمام شعبان ثلاثين أو إكمال شهر رمضان ثلاثين إذا انطبقت الآفاق بسحاب أو غبار و لو كان أيضا شهر رمضان تاما أبدا ثم عرف أوله لاستغني به عن الرؤية لشوال مع ما روي في كتب الشيعة الزيدية أن الناس صاموا شهر رمضان على عهد أمير المؤمنين(ع)ثمانية و عشرين يوما فأمرهم بقضاء يوم واحد فقضوه و إنما اتفق ذلك لتوالي شهر شعبان و شهر رمضان عليهم ناقصين معا و كان حال بينهم و بين الرؤية لرأس شهر رمضان حائل فأكملوا العدة و تبين الأمر في آخره
- وَ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: يُصِيبُ شَهْرَ رَمَضَانَ مَا يُصِيبُ سَائِرَ الشُّهُورِ مِنَ الزِّيَادَةِ وَ النُّقْصَانِ.
- وَ رُوِيَ عَنْهُ أَيْضاً أَنَّهُ قَالَ:إِذَا حَفِظْتُمْ شَعْبَانَ وَ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ وَ صُومُوا.
- وَ رُوِيَ عَنْهُ(ع)أَيْضاً أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْأَهِلَّةِ فَقَالَ هِيَ الشُّهُورُ فَإِذَا رَأَيْتَ الْهِلَالَ فَصُمْ وَ إِذَا رَأَيْتَهُ فَأَفْطِرْ.
- فَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: إِذَا رَأَيْتَ هِلَالَ رَجَبٍ فَعُدَّ تِسْعَةً وَ خَمْسِينَ يَوْماً ثُمَّ صُمْ.
357
- وَ مَا رَوَوْا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا رَأَيْتَ هِلَالَ شَهْرِ رَمَضَانَ لِرُؤْيَتِهِ فَعُدَّ ثَلَاثَمِائَةٍ وَ أَرْبَعَةً وَ خَمْسِينَ يَوْماً ثُمَّ صُمْ فِي الْقَابِلِ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّنَةَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَ سِتِّينَ يَوْماً فَاسْتَثْنَى مِنْهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ فِيهَا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ فَلَيْسَتْ فِي الْعَدَدِ.
فلو صحت الرواية عنه لكان إخباره عن ذلك على أنه أكثري الوجود في بقعة واحدة لا أنه مطرد في جميع البقاع كما ذكرنا و أما تعليل الأيام الستة بهذه العلة فتعليل ركيك يكذب الرواية و تبطل له صحتها و قد قرأت فيما قرأت من الأخبار أن أبا جعفر محمد بن سليمان عامل الكوفة من جهة المنصور حبس عبد الكريم بن أبي العوجاء و هو خال معن بن زائدة و كان من المانوية فكثر شفعاؤه بمدينة السلام و ألحوا على المنصور حتى كتب إلى محمد بالكف عنه و كان عبد الكريم يتوقع ورود الكتاب في معناه فقال لأبي الجبار و كان منقطعا إليه إن أخرني الأمير ثلاثة أيام فله مائة ألف درهم فأعلم أبو الجبار محمدا فقال ذكرتنيه و كنت نسيته فإذا انصرفت من الجمعة فاذكرنيه فلما انصرف ذكره إياه فدعا به فأمر بضرب عنقه فلما أيقن أنه مقتول قال أما و الله لئن قتلتموني لقد وضعت أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال و أحل به الحرام و لقد فطرتكم في يوم صومكم و صومتكم في يوم فطركم ثم ضربت عنقه و ورد الكتاب في معناه بعدة و ما أحق هذا الرجل الملحد بأن يكون متولي هذا التأويل الذي ذهبوا إليه و أصله انتهى و تمام القول فيه في كتاب الصوم الفائدة الرابعة اعلم أن ما ذكروه من أن مدة الشهر القمري تسعة و عشرون يوما و اثنتا عشرة ساعة و أربع و أربعون دقيقة إنما هو باعتبار وضع القمر بالنسبة إلى الشمس إلى حصول مثل ذلك الوضع له فكان قدر مسير الشمس في هذا الزمان منضما إلى قدر دورته من نقطة معينة إليها و أما باعتباره في نفسه فإنه يتم دوره في مدة سبعة و عشرين يوما و ثلث يوم فالتفاوت بين الاعتبارين بيومين و أربع ساعات و أربع و أربعين دقيقة فلمداره بالاعتبار الأخير حدود ينزل في كل ليلة في أحدها إلى أن يرجع إلى الأول منها فهي حقيقة اثنان و ثمانون منزلا
358
في ثلاث دورات له لمكان الكسر المذكور و لكن الناس تسامحوا فيه و اصطلحوا على تقسيم كل دورة له إما إلى سبعة و عشرين منزلا كما اصطلح عليه أهل الهند إسقاطا للكسر و إما إلى ثمانية و عشرين كما اصطلح عليه العرب إتماما له و علموها بالكواكب القريبة منها و قد مر ذكرها و نظموها بالفارسية على الترتيب هكذا.
اسما منازل قمر نزد عرب* * * شرطين و بطين است و ثريا دبران
هقعه هنعه ذراع و نثره پس طرف* * * جبهه زبره صرفه و عوا پس از آن
پس سماك وغفر و زبانا اكليل* * * قلب و شوله نعائم و بلده بدان
سعد ذابح سعد بلع سعد سعود* * * باشد پس سعد اخبيه چارمشان
از فرع مقدم به مؤخر چه رسيد* * * آنگه برشاء شد كه باشد پايان (1).
فلأجل التفاوت المذكور بين الاعتبارين إذا فرضنا القمر بدرا في منزل معين في شهر معين فبعد إتمام دورة منه إليه يكون فيه بعينه في الشهر التالي ناقصا عن البدرية بحسب ذلك التفاوت و هكذا يزيد النقصان المذكور بعد كل دورة حتى يبلغ بعد ست دورات في المنزل المذكور بعد تمام الشهر السادس إلى مرتبة الهلالية و قس عليه عكسه فيبلغ بعد إتمام ست دورات أخر فيه إلى البدرية فعلى أي حالة يرى في منزل معين يرى فيه بعد ست دورات على الحالة المقابلة لها و بعد اثنتي عشرة دورة على الحالة الموافقة لها و هكذا دائما.
فإذا تمهد هذا فنقول قد عرفت ما ذكره بعض المفسرين في قوله تعالى وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (2) و يرجع حاصله إلى أن القمر من أول ظهوره بالعشيات مستهلا إلى آخر رؤيته بالغدوات مستنيرا يسير جميع المنازل و في آخرها يشبه بالعرجون القديم فيما يعرضه بسبب مرور الزمان
____________
(1) قد مر منا ضبط الأسماء و وجوه تسمية المنازل بها في هذا الجزء (ص: 135 و 136) فراجع،.
(2) يس: 39.
359
كالدقة و الانحناء قال الطبرسي ره في جامع الجوامع و المعنى قدرنا مسيره منازل و هي ثمانية و عشرون منزلا ينزل كل ليلة في واحد منها لا يتخطاه و لا يتقاصر منها (1) على تقدير مستو حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ و هو عود العذق الذي تقادم عهده حتى يبس و تقوس و قيل إنه يصير كذلك في ستة أشهر قال الزجاج هو فعلون من الانعراج و هو الانعطاف و القديم يدق و ينحني و يصغر فشبه القمر به من ثلاثة أوجه انتهى و قال الزمخشري بعد تفسير الآية بنحو مما مر و قيل أقل مدة الموصوف بالقدم الحول فلو أن رجلا قال كل مملوك لي قديم فهو حر أو كتب ذلك في وصيته عتق له من مضى له حول أو أكثر انتهى
وَ رَوَى عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَ الطَّبْرِسِيُّ (رحمهما اللّه) وَ غَيْرُهُمَا أَنَّهُ دَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ (2) الْمُكَارِي عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)فَقَالَ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي قَدِيمٍ فَهُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ(ع)مَا مَلَكَهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهُوَ قَدِيمٌ وَ هُوَ حُرٌّ قَالَ وَ كَيْفَ صَارَ ذَلِكَ قَالَ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ سَمَّاهُ اللَّهِ قَدِيماً وَ يَعُودُ كَذَلِكَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ (3).
الخبر و في الكافي هكذا قال نعم إن الله يقول في كتابه حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ فما كان من مماليكه أتى له ستة أشهر فهو حر (4).
فظهر من سياق ما نقلناه من التفسير و الحديث أن بين العامة و الخاصة في المسألة المذكورة من العتق موضع وفاق هو أن حكمها مستنبط من الآية المذكورة و موضع خلاف هو أن العامة لم يجاوز نظرهم عما فيها من توصيف العرجون بالقديم فظنوا بمحض زعمهم أن ثبوت هذا الوصف له بعد أن يحول الحول فحكموا في المسألة على طبقه و أن الخاصة عرفوا بتفريع إمامهم الحكم فيها بستة أشهر على
____________
(1) عنها (خ).
(2) في الكافي: ابن أبي سعيد.
(3) تفسير القمّيّ: 551، مجمع البيان، ج 8،(ص)424 و 425.
(4) الكافي (طبعة دار الكتب) ج 6،(ص)195 و فيه فهو قديم و هو حر.
360
الآية أنه الحق الموافق لما تضمنه الكتاب فاكتفوا به لعدم احتياجهم معه إلى تعرف وجه استنباطه منها إذ لهم(ع)طرق في استخراج الأحكام و الوقائع من الكلام المجيد لا سبيل لنا إلى معرفتها لكن ذكر بعض المحققين هنا وجها دقيقا نورده هاهنا و هو أن عبارة حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ المذكورة من الآية في الحديث للاحتجاج عليه مشتملة على عدة ألفاظ فابتداؤها المتكفل للدلالة على اعتبار انتهاء لما صوره تعالى فيها من سير القمر بالمطابقة متضمن للدلالة على اعتبار ابتداء له أيضا بالالتزام و ذكر العود يدل على اتحادهما بمعنى أن ما اعتبره من منازله في هذا السير للابتداء اعتبر هو بعينه للانتهاء و تقييده في ضمن التشبيه بكونه هلالا في خصوص حال العود يدل على اعتبار كونه بدرا مقابلا لها في حال البدء المقابل له كما يتبادر من لفظ القمر أيضا سيما مع مقابلة الشمس من الطرفين و النكتة حينئذ في اعتبار هذا الترتيب في البدء و العود دون العكس أظهر من الشمس ثم توصيف المشبه به بالقدم يدل على اعتبار هذا الوصف أيضا في جملة وجوه الشبه بل هو أحق بالاعتبار لاختصاصه بالذكر و كونه مناطا لسائر الوجوه كقولهم فلان كالبدر المنير أو كالأسد الغضبان فمجمل ما أوجز في تلك الكلمات التامات إنما يرى من حال سير القمر في منازله المقدرة له من أنه في أي منزل كان بدرا فيه في وقت يصير فيه بعينه هلالا شبيها بالعرجون القديم بعد دورات معدودة في أزمنة محدودة على تدريج خاص و نظام معين لا يتغير و لا يتبدل و لا يزيد و لا ينقص و هكذا حاله في جميع الأزمان من عجائب الآيات و غرائب التدبيرات فبذلك التصوير و التشبيه مع ما عرفت مما مهدناه من أن صيرورته هلالا في منزل كان فيه بدرا يتم بتمام الشهر السادس و حينئذ بتعرضه للصفات المعتبرة في المشبه به و من جملتها القدم تعرف أن الشيء إذا أتى له ستة أشهر صار موصوفا بالقدم و هذا هو المطلوب.
فإن قيل مدة ستة دورات ناقصة عن ستة أشهر كما عرفت.
قلنا قد مر أنه شاع في عرف أهل الحساب عد ما زاد على النصف من الكسور
361
كاملا و النقصان هنا أقل من نصف شهر كما لا يخفى.
و ربما يؤيد هذا الوجه بأن الخبر على ما رواه علي بن إبراهيم ظاهره وصف القمر بالقديم إذ الظاهر رجوع الضمير في سماه إلى القمر بقرينة قوله و يعود كذلك.
و أقول هذا وجه لطيف مشتمل على دقائق جليلة لكنه في غاية البعد و التكلف و الله يعلم حقائق كلامه و من خصه بمزيد الفضل من إنعامه.
الفائدة الخامسة اعلم أن أصحابنا اتفقوا على أن ولادة نبينا(ص)كانت في شهر ربيع الأول إما في السابع عشر منه كما هو المشهور أو في الثاني عشر كما اختاره الكليني ره و هو المشهور بين المخالفين و ذكر الكليني و غيره أن الحمل به(ص)كان في أيام التشريق فيلزم أن يكون مدة حمله(ص)إما ثلاثة أشهر أو سنة و ثلاثة أشهر مع أن الأصحاب اتفقوا على أنه لا يكون الحمل أقل من ستة أشهر و لا أكثر من سنة و لم يذكر أحد من العلماء أن ذلك من خصائصه(ص)و الجواب أن ذلك مبني على النسيء الذي حققناه في صدر الباب و ذكروا للنسيء ثلاثة معان أومأنا إلى بعضها الأول أنهم كبسوا تسع عشرة سنة تامة قمرية حتى صارت تسع عشرة سنة تامة شمسية على ترتيب بهزيجوح فدور النسيء على هذا الوجه تسع عشرة سنة تامة قمرية مكبوسة بسبعة أشهر تامة قمرية لأن تسعة عشر منه و سبعة أشهر تامتين قمريتين تسع عشرة سنة تامة شمسية و الشهر الزائد و هو الكبس يسمى النسيء لأنه المؤخر عن مكانه لأن المحرم لو سمي بذي الحجة صار صفر محرما فتأخر المحرم إلى مكان صفر و السنة التي يزيدون الشهر فيها هي السنة الكبيسة أي المدخولة المزيدة فيها من الكبس بمعنى الطم الثاني أنهم كانوا يكبسون في كل ثلاث سنين شهرا فدور النسيء ست و ثلاثون سنة تامة قمرية مكبوسة باثني عشر شهرا قمريا كذلك الثالث أنهم كانوا يكبسون في كل سنتين شهرا فدور النسيء على هذا الوجه أربع و عشرون سنة تامة قمرية مكبوسة باثني عشر شهرا تاما قمريا و هذا الوجه أشهر
362
موافقا لما ذكره الطبرسي و غيره و بالجملة أنهم كانوا يزيدون في بعض السنين شهرا و يتركون بعضها بحاله فبعض سنيهم اثنا عشر شهرا و بعضها ثلاثة عشر شهرا و الزيادة دائما تكون في آخر السنة التي ينتقل الحج بعدها من شهر إلى آخر لأن من شهر إلى مثله اثني عشر شهرا و منه إلى ما يليه ثلاثة عشر شهرا و النسيء المشهور مبني على الأخير و ربما يبنى على الأول و الثاني أيضا فنقول على الوجه الثالث المشهور لما تبين أن الولادة في الربيع الأول إما في السابع عشر أو في الثاني عشر و الوفاة إما في الثاني عشر منه كما اختاره الكليني ره وفقا للمشهور بين العامة أو في الثامن و العشرين من الشهر قبله أعني صفر كما هو المشهور عند الإمامية و المشهور أن مدة حياته الشريفة(ص)ثلاث و ستون سنة تامة قمرية تحقيقا على الأول و تقريبا على الثاني فمن جمادى الأخرى المؤخر عن ولادته(ص)بثلاثة أشهر إلى ذي الحجة من حجة الوداع المقدم على وفاته(ص)بمثله اثنتان و ستون سنة تامة قمرية و ستة أشهر و هو ستون سنة تامة نسيئية لأن ستين سنة نسيئية زائدة على ستين سنة تامة قمرية بثلاثين شهرا لأن كل سنتين تامتين نسيئتين زائدة على سنتين تامتين قمريتين بشهر باعتبار انتقال الحج من شهر إلى آخر كما عرفت و ثلاثون شهرا سنتان و ستة أشهر فظهر أن من جمادى الثانية التي في خلال عام مولده إلى حجة الوداع ستون سنة تامة نسيئية و ظهر أن الحج وقع في خلال عام مولده في جمادى الثانية إذ المفروض أن مبدأ كل سنة من السنين التامة النسيئية الحج الواقع في شهر و منتهاها الحج الآخر الواقع في هذا الشهر أو في الشهر الآخر بعده فمبدأ الستين السنة النسيئية جمادى الثانية و منتهاه ذو الحجة حجة الوداع فالستون السنة محصورة بين حجتين إحداهما المبدأ و الأخرى المنتهى فالحجج الواقعة في هذه المدة إحدى و ستون حجة لأن كل سنة تامة نسيئية محصورة بين حجتين و كل حجة بداية سنة تامة نسيئية و نهاية سنة أخرى إلا حجة الوداع لأن النسيء انقطع عنده فهي نهاية سنة ستين النسيئية فقط و الحجة الواقعة في خلال عام مولده هي الحجة الأولى الواقعة فيها لأن حجة الوداع كانت أولي حجة وقعت
363
في ذي الحجة كما مر و الواقعة قبلها في الشهر السابقة كانت في ذي القعدة فالشهر الزائد في آخر سنة الستين و المزيد فيها شهر سنة الستين لا التي قبلها و كذا كل شفع من السنين النسيئية هي التي زيد في آخرها شهر و قد مر أن الزيادة تكون باعتبار انتقال الحج من شهر إلى آخر فلو كانت الحجة الواقعة في جمادى الثانية في خلال عام مولده(ص)هي الحجة الثانية لزم أن تكون الحجة الواقعة بعدها التي هي مبدأ السنة الثانية من السنين النسيئية و منتهى السنة الأولى قد وقعت في رجب لأن المفروض عدم وقوع أزيد من حجتين في شهر و أن تكون الزيادة في السنة الأولى لا في الثانية و في الوتر من السنين التامة النسيئية لا في الشفع و أن تكون حجة الوداع الحجة الثانية الواقعة في ذي الحجة لا الأولى و هو خلاف المنقول و المروي فظهر أن الحجة الواقعة في جمادى الثانية في خلال عام مولده(ص)كانت الحجة الأولى فالحمل به(ص)في أيام التشريق في السنة السابقة في جمادى الأولى فمدة الحمل عشرة أشهر بلا زيادة و لا نقصان أو بزيادة يوم أو بنقصانه على ما ذهب إليه الكليني و بزيادة أيام على المشهور من أن يوم الولادة السابع عشر و قد مر بعض القول منا في ذلك في المجلد السادس في باب ولادته(ص)و قد ذكرنا هنا جملة من القول في الاختلاف الواقع في يوم مولده(ص)و لنذكر هنا أيضا بعض القول فيه لما انتهى الكلام إليه فإن الحديث ذو شجون فاعلم أنه لا خلاف في أن يوم الولادة الشريفة من أيام ربيع الأول في عام الفيل قبل الهجرة بثلاث و خمسين سنة و إنما الخلاف في أنه أي يوم من الشهر المذكور و لكن علماء الإمامية رضوان الله عليهم متفقون على كونه غير خارج من الثاني عشر و السابع عشر فالمشهور السابع عشر قال الشيخ المفيد ره في المقنعة ولد(ص)بمكة يوم الجمعة السابع عشر من شهر ربيع الأول في عام الفيل و صدع بالرسالة في يوم السابع و العشرين من رجب و له يومئذ أربعون سنة انتهى.
و نحو ذلك قال شيخ الطائفة و غيرهما من العلماء و المحدثين إلا ثقة الإسلام في
364
الكافي حيث قال ولد النبي(ص)لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول في عام الفيل يوم الجمعة مع الزوال و روي أيضا عند طلوع الفجر قبل أن يبعث بأربعين سنة (1) و هو موافق لما هو المشهور بين العامة في الحرمين زاد الله في شرفهما و غيرهما من بلاد المخالفين و هذا القول مع ندرته بيننا قد أيد بوجوه.
الأول أن وفاته(ص)كانت في يوم الإثنين بالاتفاق و كانت إما لليلتين بقيتا من شهر صفر كما هو المشهور بين الشيعة أو في الثاني عشر من ربيع الأول كما في الكافي و هو أيضا مشهور بين المخالفين و على كل تقدير يكون لا محالة غرة ربيع الأول في السنة الحادية عشر من هجرته الموافقة لوفاته(ص)مطابقة ليوم الخميس و يلزم منه بالبرهان الحسابي أن يكون غرة ربيع الأول في سنة المولد يوم الإثنين أو يوم الثلاثاء إذ بين غرتي هذين الربيعين ثلاث و ستون سنة قمرية بلا زيادة و لا نقصان لعدم الخلاف في مدة عمره(ص)ثلاث و عشرون أو أربع و عشرون منها ذات كبيسة و الباقية خالية عنها و الترديد باعتبار عدم العلم بمبدإ الكبائس و بعد طرح الأسبوعات التامة من كل سنة يبقى من ذوات الكبائس خمسة أيام و من غيرها أربعة أيام و هذا ظاهر فيجتمع من بقايا أسبوعات تلك السنين مائتان و خمسة و سبعون أو ستة و سبعون يوما و الباقي منها بعد طرح سبعة سبعة اثنان أو ثلاثة فيلزم من ذلك أن تكون غرة ربيع المولد يوما من الأسبوع مقدما على يوم غرة ربيع الوفاة باثنين أو ثلاثة و كان هذا يوم الخميس فكان ذلك يوم الإثنين أو الثلاثاء كما ذكرنا و كونه يوم الثلاثاء ساقط بالاتفاق لعدم إمكان مطابقة الثاني عشر و لا السابع عشر على تقديره ل يوم الجمعة فتعين يوم الإثنين فيصادفه الثاني عشر دون السابع عشر و هو المطلوب.
و الثاني أن وفاة العسكري و انتقال الأمر إلى صاحب الزمان(ع)باتفاق الكليني و المفيد رضي الله عنهما في الكافي و الإرشاد كان في يوم الجمعة ثامن شهر ربيع الأول سنة ستين و مائتين من الهجرة (2) فكانت غرة الشهر المذكور أيضا
____________
(1) الكافي: ج 1،(ص)439.
(2) الكافي: ج 1،(ص)503،الإرشاد: 325.
365
و ما بين غرة هذا الربيع و ربيع المولد ثلاثمائة و اثنتا عشرة سنة كاملة فيظهر بالحساب المتقدم أن بقايا أسبوعات أيام تلك السنين أربعة أو خمسة أيام فتكون غرة ربيع المولد مقدما على الجمعة بمثلها فيكون يوم الإثنين أو يوم الأحد و الثاني ساقط بالاتفاق و الأول مستلزم للمطلوب.
و الثالث أن غرة محرم الحرام لسنة الهجرة مضبوطة عند أهل الهيئة و الحساب بأنها كانت يوم الخميس بحسب الحساب و يوم الجمعة باعتبار رؤية الهلال كما هو مذكور في التحفة و الزيج الجديد و كذا غرة رجب المرجب سنة المبعث مضبوط بأنها كانت يوم الإثنين كما يظهر مما رواه الشيخ في المصباح من أن المبعث كان في يوم السبت و لم أطلع على خلاف فيه فيستفاد من هذين الضبطين أيضا دليلان آخران على هذا المطلوب.
و الرابع ذكر بعض الأفاضل ره أن غرة ربيع الأول فيما نحن فيه من الزمان سنة ثمان و ثمانين و ألف من الهجرة كانت يوم الثلاثاء بلا اشتباه و قد مضى حينئذ من غرة ربيع المولد ألف و مائة و أربعون سنة و من المقررات الحسابية المعلومة لأهل الخبرة أن في كل مائتين و عشر سنين يعود وضع أيام الأسابيع مع أيام الشهور العربية إلى ما كان ففي ألف و خمسين سنة يتم العود المذكور خمس مرات فيكفي لنا النظر في تتمتها و هي تسعون سنة ثلاث و ثلاثون منها ذات كبيسة و سبع و خمسون بلا كبيسة و قد عرفت أن الباقي من الأسبوعات كل من الأولى خمسة و من الثانية أربعة فمجموع البقايا ثلاثمائة و ثلاث و تسعون يوما و إذا طرحناه سبعة سبعة يبقى واحد فظهر أن غرة ربيع المولد مقدم على غرة ربيعنا بيوم و هذا كان يوم الثلاثاء فذلك كان يوم الإثنين و هو يستلزم المطلوب كما مر.
ثم قال ره فإن قيل ذكر الشيخ في المصباح و غيره رواية مشتملة على تفسير المولد بالسابع عشر قلنا لكونها منافية لمقتضى هذه الدلائل الحسابية الغير المشكوك فيها بل معارضة لما رواه أيضا في المصباح من موافقة المبعث يوم
366
السبت لعدم إمكان اجتماعهما على ما مر ينبغي حملها على أن لا يكون التفسير المذكور من كلام الإمام بل من كلام بعض الرواة لإزالة الإبهام عنها على حسب اعتقاده و مثل ذلك ليس بعزيز في الروايات.
ثم إذا أتقنت هذا المسلك يتبين لك الحق بمعونته في كثير مما وقع الخلاف فيه فمن ذلك أن الأمة بعد اتفاقهم على وقوع هجرة نبينا(ص)من مكة إلى المدينة في السنة الرابعة عشر من المبعث اختلفوا في شهرها و يومها بالنسبة إلى الشهر و بالنسبة إلى الأسبوع فقيل يوم الإثنين السادس و العشرون من صفر و قيل ليلة الإثنين السابع و العشرون منه و قيل يوم الخميس أول ربيع الأول و قيل يوم الثلاثاء ثامنه و قيل يوم الإثنين بدون ذكر شهرها و قيل أول ربيع الأول بدون ذكر يومه و قيل الرابع منه و قيل العاشر منه كذلك فهذه أقوال ثمانية و لما عرفنا ما مر من مطابقة غرة المحرم سنة الهجرة ليوم الخميس أو الجمعة و اطلعنا على سائر التواريخ المعلومة و من جملتها أن غرة ربيع المولد يوم الإثنين و أن بينها و بين غرة ربيع الهجرة ثلاثا و خمسين سنة و وجدناها مشتملة على أسابيع تامة بلا كسر و مستلزمة لموافقة غرتيهما يوما حصل لنا بتلك المعارف العلم بتهافت القولين الأولين لعدم موافقة السادس و العشرين و لا السابع و العشرين من صفر ليوم الإثنين و كذا بتهافت القول الثالث و الرابع لعدم مطابقة أول ربيع الأول للخميس و لا الثامن منه للثلاثاء ثم نعلم بارتفاع احتمال الثلاثاء و الخميس من البين تعين يوم الإثنين موافقا لليوم الخامس المروي عن ابن عباس بل عن رسول الله(ص)ثم بتعينه بطلان القولين الأخيرين لتنافيهما ثم ببطلانهما تعين أول ربيع الأول موافقا للقول السادس المنقول عن الشيخ المفيد ره فتبين لنا أن هجرته(ص)كانت في يوم الإثنين أول ربيع الأول و الحمد لله.
ثم بعد هذا التحقيق إذا نظرنا في تاريخ وصوله(ص)إلى المدينة و اختلاف القوم فيه فقيل لهلال ربيع الأول و قيل لليلتين خلتا منه و قيل لاثنتا عشرة مضت منه عرفنا بطلان القولين الأولين من طريق العادة فتعين القول الأخير
367
الذي ذهب إليه المفيد ره في حدائق الرياض و قد نقل ابن الجوزي في تلقيحه عن ابن سعد أنه هو المجمع عليه ثم بتعينه عرفنا أن ما نقله ابن الجوزي عن ابن عباس و غيره و ادعى صاحب روضة الصفا اتفاق أئمة الأخبار عليه من مصادفة يوم وصوله(ص)إلى المدينة ليوم الإثنين لا عبرة به لعدم إمكان اتفاق الأول و الثاني عشر من شهر في يوم فيكون وصوله(ص)يوم الجمعة فظهر أيضا فساد ما نقله عن عروة أنه مكث بقبا ثلاث ليال ثم ركب يوم الجمعة فالمعتمد هو ما نقله عن الزهري أنه(ص)نزل في بيت عمرو بن عوف بقبا فأقام به بضعة عشرة ليلة فإنه موافق
لِمَا رَوَاهُ الْكُلَيْنِيُّ فِي الرَّوْضَةِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)فِي ذِكْرِ إِسْلَامِ عَلِيٍّ(ع)وَ مَوْضِعُ الْحَاجَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ(ع)حَتَّى هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِلَى الْمَدِينَةِ وَ خَلَّفَ عَلِيّاً(ع)فِي أُمُورٍ لَمْ يَكُنْ يَقُومُ بِهَا أَحَدٌ غَيْرُهُ وَ كَانَ خُرُوجُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)مِنْ مَكَّةَ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَ ذَلِكَ يَوْمُ الْخَمِيسِ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مِنَ الْمَبْعَثِ وَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مَعَ زَوَالِ الشَّمْسِ فَنَزَلَ بِقُبَا فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَ الْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ لَمْ يَزَلْ مُقِيماً يَنْتَظِرُ عَلِيّاً(ع)يُصَلِّي الْخَمْسَ صَلَوَاتٍ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ وَ كَانَ نَازِلًا عَلَى عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَأَقَامَ عِنْدَهُمْ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْماً يَقُولُونَ لَهُ أَ تُقِيمُ عِنْدَنَا فَنَتَّخِذَ لَكَ مَنْزِلًا وَ مَسْجِداً فَيَقُولُ لَا إِنِّي أَنْتَظِرُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَ قَدْ أَمَرْتُهُ أَنْ يَلْحَقَنِي وَ لَسْتُ مُسْتَوْطِناً مَنْزِلًا حَتَّى يَقْدَمَ عَلِيٌّ وَ مَا أَسْرَعَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَقَدِمَ عَلِيٌّ(ع)وَ النَّبِيُّ(ص)فِي بَيْتِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَنَزَلَ مَعَهُ ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)لَمَّا قَدِمَ عَلِيٌّ(ع)تَحَوَّلَ مِنْ قُبَا إِلَى بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ وَ عَلِيٌّ(ع)مَعَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَخَطَّ لَهُمْ مَسْجِداً وَ نَصَبَ قِبْلَتَهُ فَصَلَّى بِهِمْ فِيهِ الْجُمُعَةَ رَكْعَتَيْنِ وَ خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ ثُمَّ رَاحَ مِنْ يَوْمِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى نَاقَتِهِ الَّتِي كَانَ قَدِمَ عَلَيْهَا وَ عَلِيٌّ مَعَهُ لَا يُفَارِقُهُ يَمْشِي بِمَشْيِهِ (1).
الحديث.
و لا يخفى أن فيه إشكالين أحدهما في قوله و ذلك يوم الخميس لما عرفت
____________
(1) روضة الكافي: 339.
368
أن أول ربيع الأول في سنة الهجرة يوم الإثنين و الآخر في قوله من سنة ثلاث عشرة من المبعث لما عرفت أيضا من الاتفاق على كونه في السنة الرابعة عشر منه و يمكن توجيه الأول بأن ذلك ليس إشارة إلى أول يوم و لا إلى خروج رسول الله(ص)كما يتبادر إلى الأذهان بل إلى التخليف المذكور قبلهما و لعل هذا أقرب إلى ذلك لفظا لكونه أبعد و معنى لما نقل أنه(ص)توقف بعد خروجه من مكة في الغار المشهور ثلاثة أيام و كان علي(ع)يصل إليه فيه سرا فالظاهر أن تخليفه فيما أوصى إليه من أموره كان عند ارتحاله عنه فتدبر و توجيه الثاني بأن الاتفاق على كونها في الرابعة عشر مبني على أن المبعث كان في رجب و مبدأ السنة عند العرب هو المحرم فما بعد المحرم إلى رجب من جملة السنة الثالثة عشر من المبعث و إن كان معدودا عندهم من الرابعة عشر باعتبار مبدإ السنة فهما متوافقان معنى و المخالفة إنما هي في اللفظ فقط و من ذلك اختلاف القوم بعد اتفاقهم على وقوع نص غدير خم في ثامن عشر ذي الحجة من السنة العاشرة الهجرية في خصوص يوم (1) الأسبوعي فنقل عن ابن مردويه و عن أخطب خوارزم مرويا عن أبي سعيد الخدري أنه كان يوم الخميس و قال بعض الشيعة إنه كان يوم الجمعة و ما نقل في حبيب السير من اتفاق المورخين على أن يوم عرفة في حجة الوداع كان مطابقا ل يوم الجمعة مقتض للقول منهم بكونه يوم الأحد
- وَ كَذَا مَا يُتَوَهَّمُ مِمَّا فِي كِتَابِ الْحُجَّةِ مِنَ الْكَافِي فِي أَثْنَاءِ رِوَايَةِ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)حَيْثُ قَالَ: بَعْدَ بَيَانِ نُزُولِ الصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ وَ الصَّوْمِ وَ الْحَجِّ ثُمَّ نَزَلَتِ الْوَلَايَةُ وَ إِنَّمَا أَتَاهُ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِعَرَفَةَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (2) الْحَدِيثَ.
و كونه توهما لأنه لا يصح أن يكون المراد بلفظ عرفة هاهنا يوم عرفة لمكان الباء و لا الموقف لا لأن اسمه عرفات و إطلاق عرفة عليه شبيه بمولد كما في الصحاح و القاموس فإنها مستعملة فيه في كثير من روايات
____________
(1) كذا، و الصواب «اليوم الاسبوعى».
(2) الكافي: ج 1،(ص)290.
369
كتاب الحج من الكافي و الفقيه بل لظاهر الروايات عن أهل البيت(ع)بأن نزولها ما بين مكة و المدينة بعد الانصراف من حجة الوداع موافقا لما نقل في مجمع البيان عن الربيع بن أنس إما قبل وصوله إلى غدير خم كما روي في تفسير علي بن إبراهيم عن أبي جعفر(ع)و إما بعده كما روي في مجمع البيان و غيره عن أبي جعفر و أبي عبد الله(ع)موافقا لما رواه المخالفون عن أبي سعيد الخدري و وجه الجمع حمل النزول في الأول على تمهيد ما ينزل أو في الثاني على إقامة ما نزل بالتبليغ فلو كان هذا اللفظ هاهنا من كلام الإمام(ع)لاحتمل أن يكون عرفة بالضم إذ هي كما في القاموس اسم لثلاثة عشر موضعا فلا يبعد أن يكون أحدها قريبا من غدير خم هذا و لكن التحقيق أن ليس شيء من هذه الأيام الثلاثة موافقا للتواريخ المضبوطة المعلومة مع اختلافها بالنسبة إليه قربا و بعدا فإن أقربها منه غرة صفر في السنة الحادية عشرة من الهجرة سنة وفاة النبي(ص)و هي كما ظهر مما مر كانت مطابقة للثلاثاء فكانت غرة المحرم فيها موافقة للأحد أو الإثنين فكانت غرة ذي الحجة من السنة السابقة العاشرة من الهجرة غير خارجة عن الجمعة و السبت و الأحد فكانت الثامن عشر منه لا يخلو من الإثنين و الثلاثاء و الأربعاء و إن أبعدها عنه غرة ذي الحجة من سنة سبع و ثمانين و ألف قبيل ما نحن فيه من الزمان و هي كانت يوم الخميس بحسب الحساب و الرؤية جميعا بلا اشتباه و غرة ذي الحجة من السنة العاشرة مقدمة عليها بألف و سبع و سبعين سنة تامة فبطريق الحساب الذي مر بيانه يكون الباقي منها بعد طرح أسبوعاتها ستة فتكون مطابقة للجمعة فكان ثامن عشرة مصادفا ليوم الإثنين فيدل كل من هذين التاريخين المعلومين على خلاف كل من الأقوال الثلاثة و يدل على تعين رابع هو يوم الإثنين و يطابقه أيضا ما ضبط ابن الجوزي في التلقيح من أن قتل عثمان كان في يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس و ثلاثين فإن ما بينهما خمس و عشرون سنة كاملة و الباقي بعد طرح أسبوعاتها أربعة فإذا كان هذا يوم الجمعة فكان ذلك مقدما عليه بأربعة أيام فكان يوم الإثنين و يوافقه أيضا
370
ما ذكره الطبري في تاريخه من أن أول جمعة صلى علي(ع)بالناس و خطب بهم بعد قتل عثمان كان مطابقا للخامس و العشرين من ذي الحجة كما لا يخفى.
فإن قلت الصدوق ره
قَالَ فِي الْفَقِيهِ وَ رُوِيَ أَنَّهُ مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فِي يَوْمٍ أَفْضَلَ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَ كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي نَصَبَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)بِغَدِيرِ خُمٍّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ (1).
الحديث قلنا أولا أن دأبه ره في هذا الكتاب أن يذكر ما لم يعتمد عليه من الروايات بهذا السياق.
و ثانيا أن قوله و كان اليوم الذي إلى آخره يجوز أن يكون من عبارة الراوي أو من عبارته على طبق طريقته في هذا الكتاب من إدراج كلامه كثيرا بين الأحاديث بدون علامة فاصلة بينهما و يؤيدهما أن مثل صدر هذا الحديث مروي في التهذيب و الكافي عن أبي بصير عن أبي عبد الله(ع)بدون هذه التتمة (2) و في الكافي أيضا عن إبراهيم بن أبي البلاد عن بعض أصحابه عن أبي جعفر أو أبي عبد الله(ع)مع تتمة أخرى (3). و ثالثا أنه يمكن أن يوجه فيحمل اليوم الذي نصب فيه علي على اليوم الذي نزل فيه الأمر بالنصب المذكور أو على اليوم المقدر فيه ذلك و هو يوم الميثاق أو يقال أفاد(ع)أحد هذين المعنيين بلفظ آخر فنقله بعض الرواة بهذا اللفظ على طبق وهمه فيطابق على الأول ما مر من رواية أبي الجارود و على الثاني ما روي في الباب المذكور من الكافي و التهذيب
عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: قَالَ لَهُ رَجُلٌ كَيْفَ سُمِّيَتِ الْجُمُعَةُ قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَمَعَ فِيهَا خَلْقَهُ لِوَلَايَةِ مُحَمَّدٍ(ص)وَ وَصِيِّهِ فِي الْمِيثَاقِ فَسَمَّاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِجَمْعِهِ فِيهِ خَلْقَهُ (4).
الحديث فتأمل.
____________
(1) الفقيه: 113.
(2) الكافي: ج 3،(ص)413.
(3) الكافي: ج 3،(ص)415.
(4) الكافي: ج 3،(ص)415.
371
و من ذلك أنهم بعد اتفاقهم على وقوع الواقعة العظمى بكربلاء في العاشر من المحرم سنة إحدى و ستين من الهجرة اختلفوا في يومه الأسبوعي فقيل كان يوم الجمعة و قيل يوم السبت و قيل يوم الإثنين و التواريخ المعلومة المضبوطة لا توافق شيئا منها فإن أقربها إلى يوم الغدير في السنة العاشرة و كونها مطابقة للإثنين على ما مر مستلزم لعدم خروج غرة المحرم في الحادية عشر عن السبت و الأحد و ما بين المحرمين خمسون سنة تامة و الباقي من أسبوعاتها واحد و يحتمل اثنين أيضا من جهة زيادة الكبائس لو فرضنا مثلا مبدأ الخمسين المذكور مطابقا لخامس الثلاثين المعتبر فيها الكبائس لإحدى عشرة كما لا يخفى على أهل الخبرة فيلزم أن يكون غرة المحرم في سنة إحدى و ستين مؤخرة عن السبت أو الأحد بواحد أو اثنين فيكون موافقا للأحد أو الإثنين أو الثلاثاء فعاشره لا يخرج عن الثلاثاء و الأربعاء و الخميس و أبعد التواريخ المذكورة عنها غرة المحرم فيما نحن فيه من السنة الثامنة و الثمانين بعد الألف و هي كما ثبت بالحساب و الرؤية جميعا بلا اشتباه كانت يوم الجمعة و ما بين ذينك المحرمين ألف و سبع و عشرون سنة فإذا أسقطنا عنها ثمانمائة و أربعين أربع دورات تامة كل منها مائتان و عشر سنين على ما مر وجهه يبقى مائة و سبع و ثمانون سنة و الباقي من أسبوعاتها خمسة مع احتمال أربعة أيضا من جهة نقصان الكبائس لو فرضنا مثلا مبدأ المدة المذكورة مطابقا لثالث الثلاثين المذكور فيلزم أن يكون غرة ذلك المحرم مقدمة على غرة محرم سنتنا بخمسة أو أربعة فكانت يوم الأحد أو الإثنين فعاشره لا يخرج عن الثلاثاء و الأربعاء و سائر التواريخ المعلومة أيضا دالة على مثل ما دل عليه هذان التاريخان من حال الأقوال المذكورة بالنسبة إلى القواعد الحسابية.
فإن قلت القول الأخير مضبوط في الكافي و الثاني في إرشاد المفيد على التعيين و الثلاثة في مقنعته على الترديد و بالجملة القدر المشترك بينها هو مما اتفق عليه الشيخان الجليلان.
قلنا اتفاقهما بل نقل كل منهما مقبول ما لم يظهر في خلافه ما لا يعتريه الشك
372
و الشبهة و أما مع ذلك فالعذر واضح و باب التأويل مفتوح و الله أعلم بحقائق الأمور.
و من ذلك أن ابن إدريس ره في سرائره بعد ذكر فضيلة أيام ذي الحجة و ما وقع فيها قال و في اليوم السادس و العشرين منه سنة ثلاث و عشرين من الهجرة طعن عمر بن الخطاب فينبغي للإنسان أن يصوم هذه الأيام فإن فيها فضلا كثيرا و ثوابا جزيلا و قد تلبس على بعض أصحابنا يوم قبض عمر بن الخطاب فيظن أنه اليوم التاسع من ربيع الأول و هذا خطأ من قائله بإجماع أهل التواريخ و السير و قد حقق ذلك شيخنا المفيد في كتاب التواريخ و ذهب إلى ما نقلناه انتهى.
ثم إن صاحب كتاب أنيس العابدين على طبق الكفعمي في ذكر أعمال أيام ربيع الأول قال و تاسعه روى فيه صاحب مسار الشيعة أن من أنفق شيئا غفر له و يستحب فيه إطعام الإخوان و تطييبهم و التوسعة في النفقة و لبس الجديد و الشكر و العبادة و هو يوم نفي الهموم و روي أنه ليس فيه صوم و جمهور الشيعة يزعمون أن فيه قتل عمر بن الخطاب و ليس بصحيح ثم ذكر مضمون السرائر و كتاب التواريخ ثم قال و إنما قتل عمر يوم الإثنين لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث و عشرين من الهجرة نص على ذلك صاحب الغرة و صاحب المعجم و صاحب الطبقات و صاحب كتاب مسار الشيعة و ابن طاوس بل الإجماع حاصل من الشيعة و السنة على ذلك انتهى.
و فيه أن اليوم المذكور من ذي الحجة من السنة المذكورة لا يمكن كونه موافقا ليوم الإثنين بل الضوابط الحسابية على نحو ما مر تدل على أنه غير خارج عن الثلاثاء و الأربعاء فالقول بهما مشتمل على التهافت.
أقول أكثر ذلك ذكره بعض أفاضل المدققين ممن كان في عصرنا ره و لقد دقق و أفاد و أحسن و أجاد لكن بعض المقدمات المذكورة مبتنية على أقوال بعض العلماء تبع فيها بعضهم بعضا أخذا من بعض المورخين فعدها من الإجماعيات و ليس من الإجماع في شيء فلا يمكن القدح بها في الأخبار المعتبرة
373
و بعضها متفرعة على ما ظهر لهم من الأرصاد المختلفة في الكسور و الكبائس مع أن حسابهم مبني على الأمر الأوسط في القمر و قد تتقدم الرؤية عليه بيومين و تتأخر بيومين لما مر أنه قد تتوالى أربعة من الشهور تامة و قد تتوالى ثلاثة من الشهور ناقصة مع أنه قد يمكن تأخر أول الشهور و تأخره بأكثر من ذلك لمانع غيم أو غيره فيمكن أن يكون ما ورد في الأخبار مبنيا على حكم ظاهر الشرع لا على قوانين الهيئة و مع ذلك كله يصلح أن يكون مرجحا لبعض الأقوال و الأخبار المختلفة و لذا أطلنا الكلام بذكرها و سنعيد القول في كل منها في بابه إن شاء الله تعالى و قد مر الكلام في بعضها و الله الموفق للحق و الصواب.
1- مُهَجُ الدَّعَوَاتِ، رَوَيْنَا مِنْ كِتَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمَّادٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَ ذُكِرَ عِنْدَهُ حَزِيرَانُ فَقَالَ هُوَ الشَّهْرُ الَّذِي دَعَا فِيهِ مُوسَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَمَاتَ فِي يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفٍ مِنَ النَّاسِ.
2- وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ مِنَ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ عَنْهُ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الشُّهُورَ وَ خَلَقَ حَزِيرَانَ وَ جَعَلَ الْآجَالَ فِيهِ مُتَقَارِبَةً.
بيان تقارب الآجال كناية عن كثرة الموت إما لأن أجل بعضهم يقرب من بعض أو لأن أجل كل منهم يقرب من ابتدائه و في القاموس إذا تقارب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب المراد آخر الزمان و اقتراب الساعة لأن الشيء إذا قل تقاصرت أطرافه (1).
3- الْخِصَالُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ سَيَابَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الشُّهُورَ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْراً وَ هِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَ سِتُّونَ يَوْماً فَحَجَرَ مِنْهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ خَلَقَ فِيهَا السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ فَمِنْ ثَمَّ تَقَاصَرَتِ الشُّهُورُ (2).
____________
(1) القاموس: ج 1،(ص)115.
(2) الخصال: 84.
374
العلل، عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن يعقوب بن يزيد عن حماد مثله (1)- العياشي، عن الصباح مثله.
4- الْفَقِيهُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قُلْتُ لَهُ إِنَّ النَّاسَ يَرْوُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)مَا صَامَ (2) مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ تِسْعَةً وَ عِشْرِينَ يَوْماً أَكْثَرَ مِمَّا صَامَ ثَلَاثِينَ قَالَ كَذَبُوا مَا صَامَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِلَّا تَامّاً وَ لَا تَكُونُ الْفَرَائِضُ نَاقِصَةً إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ السَّنَةَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَ سِتِّينَ يَوْماً وَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ فَحَجَرَهَا (3) مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ وَ سِتِّينَ يَوْماً فَالسَّنَةُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَ أَرْبَعَةٌ وَ خَمْسُونَ يَوْماً وَ شَهْرُ رَمَضَانَ ثَلَاثُونَ يَوْماً لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَ الْكَامِلُ تَامٌّ وَ شَوَّالٌ تِسْعَةٌ وَ عِشْرُونَ يَوْماً وَ ذُو الْقَعْدَةِ ثَلَاثُونَ يَوْماً لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَ واعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً فَالشَّهْرُ هَكَذَا ثُمَّ هَكَذَا أَيْ شَهْرٌ تَامٌّ وَ شَهْرٌ نَاقِصٌ وَ شَهْرُ رَمَضَانَ لَا يَنْقُصُ أَبَداً وَ شَعْبَانُ لَا يَتِمُّ أَبَداً (4).
توضيح قد عرفت سابقا أن السنة القمرية تزيد على ثلاثمائة و أربعة و خمسين يوما بثمان ساعات و ثمان و أربعين دقيقة على ما هو المضبوط بالأرصاد فما في الخبر مبني على ما تعارف من إسقاط الكسر الناقص عن النصف في الحساب مساهلة فإن كان ثلاث مائة و ستون بلا كسر فالستة المختزلة ناقصة منها أيضا بالقدر المذكور و إلا فيحتمل تمامها.
5- التَّهْذِيبُ، فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْأَهِلَّةِ فَقَالَ هِيَ أَهِلَّةُ الشُّهُورِ فَإِذَا رَأَيْتَ الْهِلَالَ فَصُمْ وَ إِذَا رَأَيْتَهُ فَأَفْطِرْ.
و منه بإسناده عن عبد الله بن سنان عنه(ع)مثله
____________
(1) علل الشرائع: ج 2،(ص)244.
(2) في المصدر: صام.
(3) في المصدر «حجزها» بالزاى المعجمة.
(4) الفقيه: 196.
375
- المقنعة، عن ابن مسكان عن أبي بصير عن الصادق(ع)مثله بيان عن الأهلة أي المذكورة في قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ فاستدل(ع)بالآية على أن المدار في الأحكام الشرعية على الرؤية كما قال الشيخ ره في التهذيب المعتبر في تعرف أوائل الشهور بالأهلة دون العدد على ما يذهب إليه قوم من شذاذ المسلمين و الذي يدل على ذلك قول الله عز و جل يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِ (1) فبين الله تعالى أنه جعل هذه الأهلة معتبرة في تعرف هذه الأوقات و لو كان الأمر على ما يذهب إليه أصحاب العدد لما كانت الأهلة مراعاة في تعرف هذه الأوقات إذ كانوا يرجعون إلى العدد دون غيره و هذا خلاف التنزيل و الهلال إنما سمي هلالا لارتفاع الأصوات عند مشاهدتها بالذكر لها و الإشارة إليها بالتكبير أيضا و التهليل عند رؤيتها و منه قيل استهل الصبي إذا ظهر صوته بالصياح عند الولادة و سمي الشهر شهرا لاشتهاره بالهلال فمن زعم أن العدد للأيام و الحساب للشهور و السنين يغني في علامات الشهور عن الأهلة أبطل معنى سمات الأهلة و الشهور الموضوعة في لسان العرب على ما ذكرناه انتهى.
و أقول يمكن المناقشة في بعض ما ذكره ره و سنذكرها في محلها إن شاء الله.
6- التَّهْذِيبُ، فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى قَالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو عُمَرَ أَخْبِرْنِي يَا مَوْلَايَ أَنَّهُ رُبَّمَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا هِلَالُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَلَا نَرَاهُ وَ نَرَى السَّمَاءَ لَيْسَتْ [فِيهَا عِلَّةٌ فَيُفْطِرُ النَّاسُ وَ نُفْطِرُ مَعَهُمْ وَ يَقُولُ قَوْمٌ مِنَ الْحُسَّابِ قِبَلَنَا إِنَّهُ يُرَى تِلْكَ اللَّيْلَةُ بِعَيْنِهَا بِ مِصْرَ وَ إِفْرِيقِيَةَ وَ الْأُنْدُلُسِ فَهَلْ يَجُوزُ يَا مَوْلَايَ مَا قَالَ الْحُسَّابُ فِي هَذَا الْبَابِ حَتَّى يَخْتَلِفَ الْفَرْضُ عَلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ فَيَكُونَ صَوْمُهُمْ خِلَافَ صَوْمِنَا وَ فِطْرُهُمْ خِلَافَ فِطْرِنَا فَوَقَّعَ(ع)لَا تَصُومَنَّ الشَّكَّ أَفْطِرْ لِرُؤْيَتِهِ وَ صُمْ لِرُؤْيَتِهِ.
بيان يظهر من كلامه(ع)أن المدار على الرؤية و اختلاف الفرض إن
____________
(1) البقرة: 189.
376
وقع الاختلاف في الرؤية غير ضائر.
7- الْإِقْبَالُ، رَوَيْنَا بِإِسْنَادِنَا إِلَى عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: شَهْرُ رَمَضَانَ رَأْسُ السَّنَةِ (1).
8- الْفَقِيهُ، عَنِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ(ع)قَالَ: ادْعُ بِهَذَا الدُّعَاءِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مُسْتَقْبِلَ دُخُولِ السَّنَةِ وَ ذَكَرَ أَنَّ مَنْ دَعَا بِهِ مُحْتَسِباً مُخْلِصاً لَمْ تُصِبْهُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ فِتْنَةٌ وَ لَا آفَةٌ وَ ذَكَرَ الدُّعَاءَ (2).
9- الْكَافِي، وَ التَّهْذِيبُ، بِسَنَدٍ فِيهِ جَهَالَةٌ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فَغُرَّةُ الشُّهُورِ شَهْرُ اللَّهِ (3) شَهْرُ رَمَضَانَ وَ قَلْبُ شَهْرِ رَمَضَانَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَ نَزَلَ الْقُرْآنُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَاسْتَقْبِلِ الشَّهْرَ بِالْقُرْآنِ (4).
تبيين فغرة الشهور أي أولها قال في النهاية غرة كل شيء أوله.
قد ورد في الأخبار أن أول السنة شهر رمضان أو المراد بها أفضلها و أكملها كما قال في النهاية كل شيء ترفع قيمته فهو غرة و الغرة أيضا البياض فيحتمل ذلك أيضا أي منور بالأنوار المعنوية و الأول أظهر و المشهور بين العرب أن أول سنتهم المحرم و هذه الأمور تختلف باختلاف الاعتبارات فيمكن أن يكون أول السنة الشرعية شهر رمضان و لهذا ابتدأ الشيخ به في المصباحين و أول السنة العرفية المحرم و أول سنة التقديرات ليلة القدر و أول سنة جواز الأكل و الشرب شهر شوال كما روى الصدوق في العلل بإسناده إلى الفضل بن شاذان في علة صلاة العيد لأنه أول يوم من السنة يحل فيه الأكل و الشرب لأن
____________
(1) الإقبال: 4.
(2) الفقيه: 175.
(3) في المصدر: شهر اللّه عزّ ذكره و هو شهر رمضان.
(4) فروع الكافي: ج 2،(ص)65.
377
أول شهور السنة عند أهل الحق شهر رمضان (1) و قال في علة اختصاص شهر رمضان بالصوم و فيه ليلة القدر التي هي خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ و فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ و هو رأس السنة و يقدر فيها ما يكون في السنة من خير أو شر أو مضرة أو منفعة أو رزق أو أجل و لذلك سميت ليلة القدر (2).
و قال السيد ابن طاوس ره في كتاب الإقبال و اعلم أني وجدت الروايات مختلفات في أنه هل أول السنة المحرم أو شهر رمضان لكنني رأيت من عمل من أدركته من علماء أصحابنا المعتبرين و كثيرا من تصانيف علمائهم الماضين أن أول السنة شهر رمضان على التعيين (3) و لعل شهر الصيام أول العام في عبادات الإسلام و المحرم أول السنة في غير ذلك من التواريخ و مهام الأنام لأن الله جل جلاله عظم شهر رمضان فقال جل جلاله شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَ الْفُرْقانِ (4) فلسان حال هذا التعظيم كالشاهد لشهر رمضان بالتقديم و لأنه لم يجر لشهر من شهور السنة ذكر باسمه في القرآن و تعظيم أمره إلا لهذا الشهر شهر الصيام و هذا الاختصاص بذكره كأنه ينبه و الله أعلم على تقديم أمره و لأنه إذا كان أول السنة شهر الصيام و فيه ما قد اختص به من العبادات التي ليست في غيره من الشهور و الأيام فكأن الإنسان قد استقبل أول السنة بذلك الاستعداد و الاجتهاد فيرجى أن يكون باقي السنة جاريا على السداد و المراد و ظاهر دلائل المعقول و كثير من المنقول أن ابتداءات الدخول في الأعمال هي أوقات التأهب و الاستظهار لأوساطها و أواخرها على كل حال و لأن فيه ليلة القدر التي يكتب فيها مقدار الآجال و إطلاق الآمال و ذلك منبه على أن شهر الصيام هو أول السنة فكأنه فتح للعباد في أول دخولها
____________
(1) العلل، ج 1،(ص)256.
(2) العلل: ج 1،(ص)257.
(3) على اليقين (خ).
(4) البقرة، 185.
378
أن يطلبوا أطول (1) آجالهم و بلوغ آمالهم ليدركوا آخرها و يحمدوا مواردها و مصادرها
- وَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ وَ ابْنُ بَابَوَيْهِ فِي كِتَابَيْهِمَا وَ اللَّفْظُ لِابْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ هِيَ أَوَّلُ السَّنَةِ وَ هِيَ آخِرُهَا (2).
و لأن الإخبار بأن شهر رمضان أول السنة أبعد من التقية و أقرب إلى مراد العترة النبوية و حسبك شاهدا و تنبيها و آكدا ما تضمنه الأدعية المنقولة في أول شهر رمضان بأنه أول السنة على التعيين و البيان (3).
10- الْخِصَالُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ رَفَعَهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ قَالَ الْمُحَرَّمُ وَ صَفَرٌ وَ رَبِيعٌ الْأَوَّلُ وَ رَبِيعٌ الْآخِرُ وَ جُمَادَى الْأُولَى وَ جُمَادَى الْآخِرَةُ وَ رَجَبٌ وَ شَعْبَانُ وَ شَهْرُ رَمَضَانَ وَ شَوَّالٌ وَ ذُو الْقَعْدَةِ وَ ذُو الْحِجَّةِ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ عِشْرُونَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَ الْمُحَرَّمُ وَ صَفَرٌ وَ شَهْرُ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَ عَشْرٌ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ (4).
بيان الشهور المذكورة في هذا الخبر هي أشهر السياحة التي قال الله عز و جل فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ و المشهور أن ابتداءها يوم النحر إلى العاشر من ربيع الآخر و قيل من أول الشوال إلى آخر المحرم لأن الآية نزلت في شوال و قيل لعشر من ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الشهر و على التقادير هي غير الأشهر الحرم و كانت مختصة بتلك السنة فهذا إما اصطلاح آخر للأشهر الحرم غير المشهور أو سقط من الخبر شيء و لعله أظهر.
____________
(1) في المصدر: طول.
(2) فروع الكافي: ج 1،(ص)160.
(3) الإقبال: 4.
(4) الخصال: 85.
379
11- الْخِصَالُ، فِي خُطْبَةِ النَّبِيِّ(ص)فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ فَهُوَ الْيَوْمَ كَهَيْئَةِ يَوْمِ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ وَ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ رَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَ شَعْبَانَ وَ ذُو الْقَعْدَةِ وَ ذُو الْحِجَّةِ وَ الْمُحَرَّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ فَإِنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَ يُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَكَانُوا يُحَرِّمُونَ الْمُحَرَّمَ عَاماً وَ يَسْتَحِلُّونَ صَفَرَ وَ يُحَرِّمُونَ صَفَرَ عَاماً وَ يَسْتَحِلُّونَ الْمُحَرَّمَ (1).
بيان قال في النهاية يقال رجب فلان مولاه أي عظمه و منه سمي شهر رجب لأنه كان يعظم و منه الحديث رجب مضر الذي بين جمادى و شعبان أضاف رجب إلى مضر لأنهم كانوا يعظمونه خلاف غيرهم و كأنهم اختصوا به و قوله بين جمادى و شعبان تأكيد للبيان و إيضاح لأنهم كانوا ينسئونه و يؤخرونه من شهر إلى شهر فيتحول عن موضعه المختص به فبين لهم أنه الشهر الذي بين جمادى و شعبان لا ما كانوا يسمونه على حساب النسيء.
12- الْخِصَالُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَقْطِينٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنِ السَّنَةِ كَمْ يَوْماً هِيَ قَالَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَ سِتُّونَ يَوْماً مِنْهَا سِتَّةُ أَيَّامٍ خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِيهَا الدُّنْيَا فَطُرِحَتْ مِنْ أَصْلِ السَّنَةِ فَصَارَتِ السَّنَةُ ثَلَاثَمِائَةٍ وَ أَرْبَعَةً وَ خمسون [خَمْسِينَ يَوْماً يُسْتَحَبُّ أَنْ يَطُوفَ الرَّجُلُ فِي مُقَامِهِ بِمَكَّةَ عَدَدَ أَيَّامِ السَّنَةِ ثَلَاثَمِائَةٍ وَ سِتِّينَ أُسْبُوعاً فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ طَافَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَ سِتِّينَ شَوْطاً (2).
13- وَ مِنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبَانٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ فَضَالَةَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: يُسْتَحَبُّ أَنْ تَطُوفَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَ سِتِّينَ أُسْبُوعاً عَدَدَ أَيَّامِ السَّنَةِ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنَ الطَّوَافِ (3).
____________
(1) الخصال: 85.
(2) الخصال: 151.
(3) الخصال: 151.
380
14- الْعِلَلُ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّائِغِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ سُفْيَانَ (1) عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ الْحَرَّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ وَ اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَأَذِنَ لَهَا فِي نَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَ نَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَشِدَّةُ مَا يَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِهَا وَ مَا يَجِدُونَ مِنَ الْبَرْدِ مِنْ زَمْهَرِيرِهَا (2).
بيان الخبر عامي ضعيف و قال في النهاية فيه شدة الحر من فيح جهنم الفيح سطوع الحر و فورانه و يقال بالواو و فاحت القدر تفوح و تفيح إذا غلت و قد أخرجه مخرج التشبيه و التمثيل أي كأنه نار جهنم في حرها انتهى و قال الطيبي فأذن لها في نفسين يبين أن المراد به الحقيقة لا المجاز و قال الكرماني في شرح البخاري هو علة لشرعية الإبراد فإن شدته يسلب الخشوع أو لأنه وقت غضب الله لا ينجع فيه الطلب بالمناجاة إلا من أذن له انتهى و أقول سيأتي تمام القول فيه في كتاب الصلاة إن شاء الله.
الْعَيَّاشِيُّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ فَالسَّنَةُ تَنْقُصُ سِتَّةَ أَيَّامٍ.
أقول: و سيأتي فضائل الشهور و خواصها في الأبواب المناسبة لها في عرض الكتاب إن شاء الله تعالى.
فائدة قال أبو ريحان فأما العرب فإن شهورهم اثنا عشر أولها المحرم و قد قيل في علل أسامي هذه الشهور أقاويل منها أنه قيل في تسمية المحرم أنه
____________
(1) هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران الهلالى ذكره الشيخ في أصحاب الصادق: و قال العلامة: سفيان بن عيينة ليس من أصحابنا و لا من عدادنا. و قال الخزرجي في خلاصة تذهيب الكمال (ص: 123) سفيان بن عيينة بن أبي عمران الهلالى مولاهم أبو محمّد الأعور الكوفيّ احد ائمة الإسلام- إلى ان قال- مات سنة (198).
(2) العلل: ج 1،(ص)235.
381
لكونه من جملة الحرم و صفر لامتيازهم من فرقة تسمى صفرية و شهري ربيع للزهر و الأنوار و تواتر الأندية و الأمطار و هو نسبة إلى طبع الفصل الذي نسميه نحن الخريف و كانوا يسمونه ربيعا و شهري جمادى لجمود الماء و رجب لاعتمادهم الحركة فيه لا من جهة القتال و الرجبة العماد و منه قيل عذق مرجب و شعبان لتشعب القبائل فيه و شهر رمضان للحجارة ترمض فيه من شدة الحر و شوال لارتفاع الحر و إدباره و ذو القعدة للزومهم منازلهم و ذو الحجة لحجهم فيه و توجد للشهور العربية أسامي أخر قد كان أوائلهم يدعونها بها و هي هذه المؤتمر ناجر خوان صوان حنتم زباء الأصم عادل نافق واغل هواع برك و قد توجد هذه الأسماء مخالفة لما أوردناه و مختلفة الترتيب كما نظمها أحد الشعراء.
بمؤتمر و ناجرة بدأنا* * * و بالخوان يتبعه الصوان
و بالزباء بايدة تليه* * * يعود أصم صم به الشنآن
و واغلة و ناتلة جميعا* * * و عادلة فهم غرر حسان
و رنة بعدها برك فتمت* * * شهور الحول يعقدها البنان.
و معاني هذه الأسماء على ما ذكر في كتب اللغة أما المؤتمر فمعناه أن يأتمر بكل شيء مما تأتي به السنة من أقضيتها و أما ناجر فهو من النجر و هو شدة الحر و أما خوان فهو على مثال فعال من الخيانة و كذلك صوان على مثال فعال من الصيانة و هذه المعاني كانت اتفقت لهم عند أول التسمية و أما الزباء فهي الداهية العظيمة المتكاثفة سمي لكثرة القتال فيه و تكاثفه و أما البائد فهو أيضا من القتال إذ كان يبيد فيه كثير من الناس و جرى المثل بذلك العجب كل العجب بين جمادى و رجب و كانوا يستعجلون فيه و يتوخون بلوغ ما كان لهم من الثأر و الغارات قبل دخول رجب و هو شهر حرام و أما الأصم فلأنهم كانوا يكفون عن القتال فلا يسمع فيه صوت سلاح و أما الواغل فهو الداخل على شراب و لم يدعوه و ذلك لهجومه على شهر رمضان و كان يكثر في شهر رمضان شربهم للخمر لأن ما يتلوه
382
هي شهور الحج و أما ناتل فهو مكيال للخمر سمي به لإفراطهم في الشرب و كثرة استعمالهم لذلك المكيال و أما العادل فهو من العدل لأنه من أشهر الحج و كانوا يشتغلون فيه عن الباطل و أما الرنة فلأن الأنعام كانت ترن فيه لقرب النحر و أما برك فهو لبروك الإبل إذا أحضرت المنحر و أحسن من النظم الذي ذكرنا نظم الصاحب إسماعيل بن عباد لها و هي هذه شعر.
أردت شهور العرب في جاهلية* * * فخذها على سرد المحرم تشترك
فمؤتمر يأتي و من بعد ناجر* * * و خوان مع صوان يجمع في شرك
حنين و زبا و الأصم و عادل* * * و نافق مع وغل و رنة مع برك
انتهى.
و أقول في القاموس ناجر رجب أو صفر و كل شهر من شهور الصيف و قال الخوان كشداد و يضم شهر ربيع الأول و قال زبا كربى بلا لام جمادى الآخرة و قال حنين كأمير و سكيت و باللام فيهما اسمان لجمادى الأولى و الآخرة.
ثم قال أبو ريحان ذكر محمد بن دريد في كتاب الوشاح أن ثمود كانوا يسمون الشهور بأسماء أخر و هي هذه موجب و هو المحرم ثم موجر ثم مولد ثم ملزم ثم مصدر ثم هوبر ثم هوبل ثم موها ثم ديمر ثم دابر ثم حيفل ثم مسبل قال و إنهم كانوا يبتدءون من ديمر و هو شهر رمضان و لم تكن العرب تسمي أيامهم بأسامي مفردة كما سمتها الفرس غير أنهم أفردوا لكل ثلاث ليال من كل شهر من شهورهم أسماء على حدة مستخرجا من حال القمر و ضوئه فيها فإذا ابتدءوا من أول الشهر فثلاث غرر جمع غرة و غرة كل شيء أوله و قيل لأن الهلال فيها يرى كالغرة ثم ثلاث نفل من قولهم تنفل إذا ابتدأ بالعطية من غير وجوب و بعضهم سمى هذه الثلاث الثانية شهب ثم ثلاث تسع لأن آخر ليلة منها هي التاسعة و سمى بعضهم هذه الثلاث الثالثة البهر لأنه تبهر ظلمة الليل فيها ثم ثلاث عشر لأن أولها العاشرة ثم ثلاث بيض لأنها تبيض بطلوع القمر من أولها إلى آخرها ثم ثلاث درع
383
لاسوداد أوائلها تشبيها بالشاة الدرعاء و الأصل هو التشبيه بالدرع الملبوس لأن لون رأس لابسه يخالف لون سائر بدنه ثم ثلاث ظلم لإظلامها في أكثر أوقاتها ثم ثلاث حنادس و قيل لها أيضا دهم لسوادها ثم ثلاث آدئ لأنها بقايا و قيل إن ذلك من سير الإبل و هو يقدم إحدى يديه ثم يتبعها الأخرى عجلا ثم ثلاث محاق لانمحاق القمر و الشهر و خصوا من الشهر ليالي بأسماء مفردة كآخر ليلة منه فإنها تسمى السرار لاستسرار القمر و تسمى الفحمة أيضا لعدم الضوء فيها و يقال لها البراء لتبرؤ الشمس فيها.
و كآخر الشهر فإنهم يسمونه النحيرة لأنه ينحر فيه أي يكون في نحره و كالليلة الثالثة عشر فإنها تسمى السواء و الرابعة عشر ليلة البدر لامتلاء القمر فيها و تمام ضوئه و كل شيء قد تم فقد بدر كما قيل للعشرة آلاف درهم بدرة لأنها تمام العدد و منتهاه بالوضع لا بالطبع.
[كلمة المصحّح]
بسمه تعالى إلى هنا تمّ الجزء الثاني من المجلّد الرابع عشر- كتاب السماء و العالم- من بحار الأنوار و هو الجزء الخامس و الخمسون حسب تجزئتنا من هذه الطبعة البهيّة.
و قد قابلناه على النسخة الّتي صحّحها الفاضل الخبير الشيخ محمّد تقيّ اليزديّ بما فيها من التعليق و التنميق و اللّه وليّ التوفيق.
محمد الباقر البهبودى
384
[كلمة المحقّق]
بسم الله الرحمن الرحيم
أحمدك اللّهمّ على أن وفّقتني للغوص في بحار الأنوار، و اقتناء درر الحكم و لآلي الأخبار، و اصلّي و اسلّم على رسولك المختار، و آله المصطفين الأخيار المجتبين الأطهار، معادن العلم و ينابيع الحكمة و مصادر الآثار.
أقتصر من حمدك بالاعتراف بالعجز عن اكتناهوصفك، و إحصاء نعمك، و من شكر أوليائك أولياء النعمة بالتطأمّن تجاه مقامهم المنيع، و مكانهم الرفيع استحياء من القصور عن إيفاء حقّهم، و خجلا من التقصير في أداء شكرهم، و إجلالا لشأنهم عندك، و إكبارا لقربهم منك. أنت كما أثنيت على نفسك و أولياؤك كما أثنيت عليهم، فصلّ عليهم صلاة كثيرة دائمة لا تنبغي إلّا لهم، و لا يعلم مبلغها غيرك.
و بعد من الواجب علينا بنصّ فتيا العقل، و بما تواتر عليه من النقل، شكر المنعم و إيفاء الحقّ. و لعمر الحقّ من أعظم الناس حقّا علينا معاشر المسلمين و أكبرهم إحسانا إلينا العلماء العظام و المحدّثون الكبار، حيث بذلوا جهيداهم و أفرغوا طاقتهم و مقدرتهم لحفظ سنن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و آثار الأئمّة من أهل بيته (عليهم السلام) و نشر علومهم و حكمهم و إبقائها لنا و لمن أراد اللّه أن يستخلفه من بعدهم، فجزاهم اللّه عنّا و عن كافّة أهل الإسلام خير الجزاء، و أجزل لهم الأجر و العطاء.
و من فطاحل العلماء و جهابذتهم، و فحول المحدّثين و عباقرتهم، مولانا شيخ الإسلام محمّد باقر المجلسيّ- (رضوان اللّه عليه)- و له من تلك الفضيلة حظّ وافر و عليه منّا و من قاطبة الشيعة ثناء عاطر، و شكر متواتر.
385
و قد كابد- (رحمه اللّه)- من المشقّة و التعب، و قاسى من العناء و النصب، في الجمع و التأليف، و النظم و الترصيف، ما جاز حدّ البيان، و أعجز القلم و اللسان و ليس يخفى ذلك على من تأمّل في آثاره النفيسة البهيّة، و نظر في كتبه الثمينة القيّمة، و سبر غور تآليفه الضخمة الفخمة فعلينا و على كلّ من اقتطف من ثمار آثاره، و سبح في أجواء بحاره، و ارتشف من مناهل موسوعاته إجمال الثناء عليه إعظاما لشأنه، و إكثار الدعاء له إيفاء لحقّه. قدّس اللّه سرّه، و رفع شأنه، و أعلى مقامه.
و لقد بذلنا غاية مجهودنا في تصحيح هذا الجزء من كتابه المسمّى «بحار الأنوار» متنا و سندا، و تخريجه، و التعليق عليه بما يوضح جدده، و يقيم صدده أداء لبعض حقّه، و شكرا لما أنعم المولى تعالى علينا من ولاية أوليائه، و لما يسّر لنا من الاستضاءة بأنوارهم و الاستفادة من علومهم.
و لست أنسى الثناء على من وازرني و ساهمني في هذا المشروع من إخواني الأماجد، لا سيّما على زميلي الثقة الفاضل البارع «الشيخ عبد الكريم النيّريّ البروجرديّ» حيث عاضدني بتصحيح الأسانيد، و ترجمة بعض الرجال، و على الفاضل المتتبّع الذكيّ، «السيّد جعفر الحسني اليزديّ» و على سائر إخوانى الّذين ساعدوني في التخريج و المقابلة بالنسخ و المصادر، و أسأل اللّه الكريم أن يديم توفيقنا جميعا و يزيدنا من فضله، إنّه ذو فضل عظيم.
قم المشرفة: محمد تقى اليزدى 12/ شعبان المعظم 1379
386
(مراجع التصحيح و التخريج و التعليق)
قوبل هذا الجزء بعدّة نسخ مطبوعة و مخطوطة، منها النسخة المطبوعة بطهران سنة (1305) المعروفة بطبعة أمين الضرب، و منها النسخة المطبوعة بتبرير و منها النسخة المخطوطة النفيسة لمكتبة صاحب الفضيلة السيّد جلال الدين الأرمويّ الشهير ب «المحدّث» و اعتمدنا في التخريج و التصحيح و التعليق على كتب كثيرة نسرد بعض أساميها:
1- القرآن الكريم.
2- تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي المطبوع سنة 1311 في ايران
3- تفسير فرات الكوفيّ المطبوع سنة 1354 في النجف
4- تفسير مجمع البيان المطبوع سنة 1373 في طهران
5- تفسير أنوار التنزيل للقاضي البيضاويّ المطبوع سنة 1285 في استانبول
6- تفسير مفاتيح الغيب للفخر الرازيّ المطبوع سنة 1294 في استانبول
7- الاحتجاج للطبرسيّ المطبوع سنة 1350 في النجف
8- اصول الكافي للكليني المطبوع سنة* * * في طهران
9- الاقبال للسيّد بن طاوس المطبوع سنة 1312 في طهران
10- تنبيه الخواطر لورّام بن أبي فراس المطبوع سنة* * * في طهران
11- التوحيد للصدوق المطبوع سنة 1375 في طهران
12- ثواب الأعمال للصدوق المطبوع سنة 1375 في طهران
13- الخصال الأعمال للصدوق المطبوع سنة 1374 في طهران
14- الدرّ المنثور للسيوطيّ
15- روضة الكافي للكليني المطبوع سنة 1374 في طهران
387
16- علل الشرائع الصدوق المطبوع سنة 1378 في قم
17- عيون الأخبار للصدوق المطبوع سنة 1377 في قم
18- فروع الكافي للكلينى المطبوع سنة* * * في* * *
19- المحاسن للبرقيّ المطبوع سنة 1371 في طهران
20- معاني الاخبار للصدوق المطبوع سنة 1379 في طهران
21- مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب المطبوع سنة 1378 في قم
22- من لا يحضره الفقيه للصدوق المطبوع سنة 1376 في طهران
23- نهج البلاغة للشريف الرضي المطبوع سنة* * * في مصر
24- اسد الغاية لعزّ الدين ابن الأثير المطبوع سنة* * * في طهران
25- تنقيح المقال للشيخ عبد اللّه المامقاني المطبوع سنة 1350 في النجف
26- تهذيب الاسماء و اللغات للحافظ محيى الدين بن شرف النورى المطبوع في مصر
27- جامع الرواة للاردبيلى المطبوع سنة 1331 في طهران
28- خلاصة تذهيب الكمال للحافظ الخزرجي المطبوع سنة 132 في مصر
29- رجال النجاشى المطبوع* * * * * * في طهران
30- روضات الجنات للميرزا محمّد باقر الموسوى المطبوع سنة 1367 في طهران
31- الكنى و الألغاب للمحدّث القميالمطبوع* * * * * * في صيدا
32- لسان الميزان لابن حجر العسقلاني المطبوع* * * * * * فى حيدرآباد الدكن
33- الرواشح السماوية للسيد محمّد باقر الحسيني الشهير بالداماد المطبوع سنة 1311 في ايران
34- القبسات للسيد محمّد باقر الحسينى الشهير بالداماد المطبوع سنة 1315 في ايران
35- رسالة مذهب ارسطاطا ليس للسيد محمّد باقر الحسينى الشهير بالداماد المطبوعة بهامش القبسات
36- اثولوجيا المنسوب إلى ارسطاطا ليس المطبوعة بهامش القبسات
388
37- رسالة الحدوث لصدر المتألهين المطبوع سنة 1302 في ايران
38- الشفاء للشيخ الرئيس ابى على بن سينا المطبوع سنة 1303 في ايران
39- شرح التجريد تأليف المحقق الطوسى للعلامة الحلّيّ المطبوع سنة 1367 في قم
40- عين اليقين للمولى محسن الفيض الكاشاني المطبوع سنة 1313 في طهران
41- مروج الذهب للمسعودى المطبوع سنة 1346 في مصر
42- القاموس لمحيط للفيروزآبادى المطبوع سنة 1332 في مصر
43- الصحاح للجوهريّ المطبوع سنة 1377 في مصر
44- النهاية لمجد الدين ابن الاثير المطبوع سنة 1311 في مصر
389
فهرس ما في هذا الجزء من الأبواب
الموضوع/ الصفحه
4- باب العرش و الكرسي و حملتهما 39- 1
5- باب الحجب و الأستار و السرادقات 47- 39
6- باب سدرة المنتهى و معنى علّيّين و سجّين 55- 48
7- باب البيت المعمور 61- 55
8- باب السماوات و كيفياتها و عددها و النجوم و أعدادها و صفاتها و المجرة 113- 61
9- باب الشمس و القمر و أحوالهما و صفاتهما و الليل و النهار و ما يتعلّق بهما 216- 113
10- باب علم النجوم و العمل به و حال المنجّمين 311- 217
11- باب آخر في النهي عن الاستمطار بالأنواء و الطيرة و العدوى 330- 312
12- باب ما يتعلق بالنجوم و يناسب أحكامها من كتاب دانيال (عليه السلام) و غيره 336- 330
أبواب الأزمنة و أنواعها و سعادتها و نحوستها و سائر أحوالها
13- باب السنين و الشهور و أنواعهما و الفصول و أحوالها 383- 337
391
(رموز الكتاب)
ب: لقرب الإسناد.
بشا: لبشارة المصطفى.
تم: لفلاح السائل.
ثو: لثواب الأعمال.
ج: للإحتجاج.
جا: لمجالس المفيد.
جش: لفهرست النجاشيّ.
جع: لجامع الأخبار.
جم: لجمال الأسبوع.
جُنة: للجُنة.
حة: لفرحة الغريّ.
ختص: لكتاب الإختصاص.
خص: لمنتخب البصائر.
د: للعَدَد.
سر: للسرائر.
سن: للمحاسن.
شا: للإرشاد.
شف: لكشف اليقين.
شي: لتفسير العياشيّ
ص: لقصص الأنبياء.
صا: للإستبصار.
صبا: لمصباح الزائر.
صح: لصحيفة الرضا (ع).
ضا: لفقه الرضا (ع).
ضوء: لضوء الشهاب.
ضه: لروضة الواعظين.
ط: للصراط المستقيم.
طا: لأمان الأخطار.
طب: لطبّ الأئمة.
ع: لعلل الشرائع.
عا: لدعائم الإسلام.
عد: للعقائد.
عدة: للعُدة.
عم: لإعلام الورى.
عين: للعيون و المحاسن.
غر: للغرر و الدرر.
غط: لغيبة الشيخ.
غو: لغوالي اللئالي.
ف: لتحف العقول.
فتح: لفتح الأبواب.
فر: لتفسير فرات بن إبراهيم.
فس: لتفسير عليّ بن إبراهيم.
فض: لكتاب الروضة.
ق: للكتاب العتيق الغرويّ
قب: لمناقب ابن شهر آشوب.
قبس: لقبس المصباح.
قضا: لقضاء الحقوق.
قل: لإقبال الأعمال.
قية: للدُروع.
ك: لإكمال الدين.
كا: للكافي.
كش: لرجال الكشيّ.
كشف: لكشف الغمّة.
كف: لمصباح الكفعميّ.
كنز: لكنز جامع الفوائد و تأويل الآيات الظاهرة معا.
ل: للخصال.
لد: للبلد الأمين.
لى: لأمالي الصدوق.
م: لتفسير الإمام العسكريّ (ع).
ما: لأمالي الطوسيّ.
محص: للتمحيص.
مد: للعُمدة.
مص: لمصباح الشريعة.
مصبا: للمصباحين.
مع: لمعاني الأخبار.
مكا: لمكارم الأخلاق.
مل: لكامل الزيارة.
منها: للمنهاج.
مهج: لمهج الدعوات.
ن: لعيون أخبار الرضا (ع).
نبه: لتنبيه الخاطر.
نجم: لكتاب النجوم.
نص: للكفاية.
نهج: لنهج البلاغة.
نى: لغيبة النعمانيّ.
هد: للهداية.
يب: للتهذيب.
يج: للخرائج.
يد: للتوحيد.
ير: لبصائر الدرجات.
يف: للطرائف.
يل: للفضائل.
ين: لكتابي الحسين بن سعيد او لكتابه و النوادر.
يه: لمن لا يحضره الفقيه.
