بحار الأنوار


الجزء السابع و الخمسون


تأليف

العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي


جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

http://www.masaha.org


http://www.masaha.org

2

الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ (1) و قال تعالى‏ وَ لَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ‏ (2) الذاريات‏ وَ الذَّارِياتِ ذَرْواً (3) و قال سبحانه‏ وَ فِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ‏ (4) القمر إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (5) المرسلات‏ وَ الْمُرْسَلاتِ عُرْفاً فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً وَ النَّاشِراتِ نَشْراً (6) تفسير وَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً قال الرازي حدّ الريح أنه هواء متحرّك فنقول كون هذا الهواء متحركا ليس لذاته و لا للوازم ذاته و إلا لدامت الحركة بدوام ذاته فلا بد و أن يكون بتحريك الفاعل المختار و هو الله جل جلاله قالت الفلاسفة هاهنا سبب آخر و هو أنه يرتفع من الأرض أجزاء أرضية لطيفة مسخنة (7) تسخينا قويا شديدا فبسبب تلك السخونة الشديدة ترتفع و تتصاعد فإذا وصلت إلى القرب من الفلك كان الهواء الملتصق بمقعّر (8) الفلك متحركا على استدارة الفلك بالحركة المستديرة التي حصلت لتلك الطبقة من الهواء فهي تمنع هذه الأدخنة من الصعود بل تردّها عن سمت حركتها فحينئذ ترجع تلك الأدخنة و تتفرق في الجوانب و بسبب ذلك التفرق تحصل الرياح ثم كلما كانت تلك الأدخنة أكثر و كان صعودها أقوى كان رجوعها أيضا أشد حركة فكانت الرياح أشد و أقوى هذا حاصل ما ذكروه و هو باطل و يدل على بطلانه وجوه‏

____________

(1) الروم: 44.

(2) الروم: 51.

(3) الذاريات: 1.

(4) الذاريات: 41.

(5) القمر: 19.

(6) المرسلات: 1- 3.

(7) في المصدر: تسخنه.

(8) بقعر (خ).

1

تتمة كتاب السماء و العالم‏

تتمة أبواب العناصر كائنات الجو البحر و المعادن و الجبال و الأنهار و البلدان و الأقاليم‏

باب 29 الرياح و أسبابها و أنواعها

الآيات البقرة وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ‏ (1) الأعراف‏ وَ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ‏ (2) الحجر وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ‏ (3) الإسراء فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ‏ (4) الأنبياء وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى‏ الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها (5) الفرقان‏ وَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ‏ (6) النمل‏ وَ مَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ‏ (7) الروم‏ وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَ لِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ لِتَجْرِيَ‏

____________

(1) البقرة: 164.

(2) الأعراف: 57.

(3) الحجر: 22.

(4) الإسراء: 69.

(5) الأنبياء: 81.

(6) الفرقان: 48.

(7) النمل: 63.

3

الأول أن صعود الأجزاء الأرضية إنما يكون لشدة تسخّنها و لا شكّ أن ذلك التسخّن عرضيّ لأن الأرض باردة يابسة بالطبع فإذا كانت تلك الأجزاء الأرضية متصغرة جدا كانت سريعة الانفعال فإذا تصاعدت و وصلت إلى الطبقة الباردة من الهواء امتنع بقاء الحرارة فيها بل تبرّده جدا و إذا بردت امتنع بلوغها في الصعود إلى الطبقة الهوائية المتحرّكة بحركة الفلك فبطل ما ذكروه.

الثاني هب أن تلك الأجزاء الدخانية صعدت إلى الطبقة الهوائية المتحركة بحركة الفلك لكنها لما رجعت وجب أن تنزل على الاستقامة لأن الأرض جسم ثقيل و الثقيل إنما يتحرك بالاستقامة و الرياح ليست كذلك فإنها تتحرك يمنة و يسرة.

الثالث أن حركة تلك الأجزاء الأرضية النازلة لا تكون حركة قاهرة فإن الرياح إذا أحضرت الغبار الكثير ثم عاد ذلك الغبار و نزل على السطوح لم يحس أحد بنزولها و ترى هذه الرياح تقلع الأشجار و تهدم الجبال و تموّج البحار.

الرابع أنه لو كان الأمر على ما قالوه لكانت الرياح كلما كانت أشد وجب أن يكون حصول الأجزاء الغبارية الأرضية أكثر لكنه ليس الأمر كذلك لأن الرياح قد يعظم عصوفها و هبوبها في وجه البحر مع أن الحس يشهد بأنه ليس في ذلك الهواء المتحرك العاصف شي‏ء من الغبار و الكدرة فبطل ما قالوه.

و قال المنجّمون إن قوى الكواكب هي التي تحرك هذه الرياح و توجب هبوبها و ذلك أيضا بعيد لأن الموجب لهبوب الرياح إن كان طبيعة الكواكب وجب دوام الرياح بدوام تلك الطبيعة و إن كان الموجب هو طبيعة الكواكب بشرط حصوله في البرج المعين و الدرجة المعينة وجب أن يتحرك هواء كل العالم و ليس كذلك و أيضا قد بينا أن الأجسام متماثلة فاختصاص الكوكب المعين و البرج المعين و الطبيعة التي لأجلها اقتضت ذلك الأثر الخاص لا بد و أن يكون بتخصيص الفاعل المختار فثبت أن محرّك الرياح هو الله سبحانه و ثبت بالدليل العقلي أيضا صحة قوله‏ وَ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ‏

4

قوله نشرا أي منتشرة متفرقة فجزء من أجزاء الريح يذهب يمنة و جزء آخر يذهب يسرة و كذا القول في سائر الأجزاء فإن كل واحد منها يذهب إلى جانب آخر فنقول لا شك أن طبيعة الهواء طبيعة واحدة و نسبة الأفلاك و الأنجم و الطبائع إلى كل واحد من الأجزاء من ذلك الريح نسبة واحدة فاختصاص بعض أجزاء الريح بالذهاب يمنة و الجزء الآخر بالذهاب يسرة وجب أن لا يكون ذلك إلا بتخصيص الفاعل المختار. (1)

بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ‏ أي بين يدي المطر الذي هو رحمته فإن قيل فقد نجد المطر و لا تتقدمه الرياح قلنا ليس في الآية أن هذا التقدم حاصل في كل الأحوال فلم يتوجه السؤال و أيضا فيجوز أن تتقدمه هذه الرياح و إن كنا لا نشعر بها و- عن ابن عمر الرياح ثمان أربع منها عذاب و هو القاصف و العاصف و الصرصر و العقيم و أربع منها رحمة الناشرات و المبشرات و المرسلات و الذاريات‏

- وَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَ أُهْلِكَ عَادٌ بِالدَّبُورِ وَ الْجَنُوبُ مِنْ رِيحِ الْجَنَّةِ.

و عن كعب لو حبس الله الريح عن عباده ثلاثة أيام لأنتن أكثر الأرض‏ (2).

فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ‏ قال الطبرسي ره أي فإذا ركبتم البحر أرسل عليكم ريحا شديدة كاسرة للسفينة و قيل الحاصب الريح المهلكة في البر و القاصف المهلكة في البحر فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ‏ من نعم الله‏ (3).

أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ‏ قال البيضاوي أي الشمال و الصبا و الجنوب فإنها رياح الرحمة و أما الدبور فريح العذاب و منه‏

- قوله(ص)اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحاً وَ لَا تَجْعَلْهَا رِيحاً.

و قرأ ابن كثير و الحمزة و الكسائي الريح على إرادة الجنس‏ مُبَشِّراتٍ‏ بالمطر وَ لِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ‏ يعني المنافع التابعة لها و قيل الخصب التابع لنزول المطر المسبّب عنها أو الروح الذي هو مع هبوبها و العطف على علة

____________

(1) مفاتيح الغيب: ج 14،(ص)140 (من المطبوع بمصر).

(2) مفاتيح الغيب: ج 14،(ص)141.

(3) مجمع البيان: ج 6،(ص)428.

5

محذوفة دل عليها مُبَشِّراتٍ‏ أو عليها باعتبار المعنى أو على‏ يُرْسِلَ‏ بإضمار فعل معلّل دل عليه‏ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ‏ يعني تجارة البحر (1).

فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا أي فرأوا الأثر و الزرع فإنه مدلول عليه بما تقدم و قيل السحاب لأنه إذا كان مصفرا لم يمطر و اللام موطّئة للقسم دخلت على حرف الشرط و قوله‏ لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ‏ جواب سدّ مسدّ الجزاء و لذلك فسر بالاستقبال و هذه الآية (2) ناعية على الكفار بقلّة تثبّتهم و عدم تدبّرهم و سرعة تزلزلهم لعدم تفكرهم و سوء رأيهم فإن النظر السوي يقتضي أن يتوكلوا على الله و يلجئوا (3) إليه بالاستغفار إذا احتبس القطر عنهم و لم ييأسوا من رحمته و أن يبادروا إلى الشكر و الاستدامة بالطاعة إذا أصابهم برحمته و لم يفرطوا في الاستبشار و أن يصبروا على بلائه إذا ضرب زروعهم بالاصفرار و لم يكفروا نعمه‏ (4).

أقول و قد مرّ تفسير الذاريات بالرياح التي تذرو التراب و هشيم النبت و قال الطبرسي ره‏ الرِّيحَ الْعَقِيمَ‏ هي التي عقمت عن أن تأتي بخير و من تنشئة سحاب أو تلقيح شجر أو تذرية طعام أو نفع حيوان فهي كالمرأة الممنوعة عن الولادة إذ هي ريح الإهلاك‏ (5) و قال في قوله تعالى‏ رِيحاً صَرْصَراً أي شديدة الهبوب و قيل باردة من الصرّ و هو البرد فِي يَوْمِ نَحْسٍ‏ (6) مُسْتَمِرٍّ أي دائم الشؤم استمر عليهم بنحوسته‏ سَبْعَ لَيالٍ وَ ثَمانِيَةَ أَيَّامٍ‏ حتى أتت عليهم و قيل‏

- إنه كان يوم الأربعاء آخر الشهر لا يدور رواه العياشي بالإسناد عن أبي جعفر (عليه السلام) (7).

.

____________

(1) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)248.

(2) في المصدر: الآيات.

(3) في المصدر: يلتجئوا.

(4) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)249.

(5) مجمع البيان: ج 9،(ص)159.

(6) في المصدر: أى في يوم شوم.

(7) مجمع البيان: ج 9،(ص)190.

6

أقول و قد مرّ أيضا تفسير الْمُرْسَلاتِ عُرْفاً بالرياح أرسلت متتابعة كعرف الفرس و فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً بالرياح الشديدات الهبوب و النَّاشِراتِ نَشْراً بالرياح التي تأتي بالمطر تنشر السحاب نشرا للغيث.

1- الْفَقِيهُ، قَالَ عَلِيٌّ(ع)لِلرِّيحِ رَأْسٌ وَ جَنَاحَانِ‏ (1).

بيان لعل الكلام مبنيّ على الاستعارة أي يشبه الطائر في أنها تطير إلى كل جانب و في أنها في بدء حدوثها قليلة ثم تنتشر كالطائر الذي بسط جناحه و الله يعلم.

2- الْفَقِيهُ، عَنْ كَامِلٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)بِالْعُرَيْضِ فَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَجَعَلَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)يُكَبِّرُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ التَّكْبِيرَ يَرُدُّ الرِّيحَ وَ قَالَ(ع)مَا بَعَثَ اللَّهُ رِيحاً إِلَّا رَحْمَةً أَوْ عَذَاباً فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَقُولُوا اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَ خَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ لَهُ وَ نَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَ شَرِّ مَا أُرْسِلَتْ لَهُ وَ كَبِّرُوا وَ ارْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالتَّكْبِيرِ فَإِنَّهُ يَكْسِرُهَا (2).

3- وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَا خَرَجَتْ رِيحٌ قَطُّ إِلَّا بِمِكْيَالٍ إِلَّا زَمَنَ عَادٍ فَإِنَّهَا عَتَتْ عَلَى خُزَّانِهَا فَخَرَجَتْ فِي مِثْلِ خَرْقِ الْإِبْرَةِ فَأَهْلَكَتْ قَوْمَ عَادٍ (3).

4- وَ قَالَ الصَّادِقُ(ع)نِعْمَ الرِّيحُ الْجَنُوبُ تَكْسِرُ الْبَرْدَ عَنِ الْمَسَاكِينِ وَ تُلْقِحُ الشَّجَرَ وَ تُسِيلُ الْأَوْدِيَةَ (4).

5- وَ قَالَ عَلِيٌّ(ع)الرِّيَاحُ خَمْسَةٌ مِنْهَا الْعَقِيمُ فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَ كَانَ النَّبِيُّ(ص)إِذَا هَبَّتْ رِيحٌ صَفْرَاءُ أَوْ حَمْرَاءُ أَوْ سَوْدَاءُ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَ اصْفَرَّ وَ كَانَ كَالْخَائِفِ الْوَجِلِ حَتَّى يَنْزِلَ مِنَ السَّمَاءِ قَطْرَةٌ مِنْ مَطَرٍ فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ لَوْنُهُ وَ يَقُولُ جَاءَتْكُمْ بِالرَّحْمَةِ (5).

6- تَوْحِيدُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ قَالَ الصَّادِقُ(ع)أُنَبِّهُكَ يَا مُفَضَّلُ عَلَى الرِّيحِ وَ مَا فِيهَا أَ لَسْتَ تَرَى رُكُودَهَا إِذَا رَكَدَتْ كَيْفَ يُحْدِثُ الْكَرْبَ الَّذِي يَكَادُ يَأْتِي عَلَى‏

____________

(1) الفقيه: 142.

(2) الفقيه: 142.

(3) الفقيه: 143.

(4) الفقيه: 143.

(5) الفقيه: 143.

7

النُّفُوسِ وَ يُحْرِضُ الْأَصِحَّاءَ وَ يَنْهَكُ الْمَرْضَى وَ يُفْسِدُ الثِّمَارَ وَ يُعَفِّنُ الْبُقُولَ وَ يُعْقِبُ الْوَبَاءَ فِي الْأَبْدَانِ وَ الْآفَةَ فِي الْغَلَّاتِ فَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ هُبُوبَ الرِّيحِ مِنْ تَدْبِيرِ الْحَكِيمِ فِي صَلَاحِ الْخَلْقِ وَ أُنَبِّئُكَ عَنِ الْهَوَاءِ بِخَلَّةٍ أُخْرَى فَإِنَّ الصَّوْتَ أَثَرٌ يُؤَثِّرُهُ اصْطِكَاكُ الْأَجْسَامِ فِي الْهَوَاءِ وَ الْهَوَاءُ يُؤَدِّيهِ إِلَى الْمَسَامِعِ وَ النَّاسُ يَتَكَلَّمُونَ فِي حَوَائِجِهِمْ وَ مُعَامَلَاتِهِمْ طُولَ نَهَارِهِمْ وَ بَعْضَ لَيْلِهِمْ فَلَوْ كَانَ أَثَرُ هَذَا الْكَلَامِ يَبْقَى فِي الْهَوَاءِ كَمَا يَبْقَى الْكِتَابُ فِي الْقِرْطَاسِ لَامْتَلَأَ الْعَالَمُ مِنْهُ فَكَانَ يَكْرُبُهُمْ وَ يَفْدَحُهُمْ وَ كَانُوا يَحْتَاجُونَ فِي تَجْدِيدِهِ وَ الِاسْتِبْدَالِ بِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي تَجْدِيدِ الْقَرَاطِيسِ لِأَنَّ مَا يُلْقَى مِنَ الْكَلَامِ أَكْثَرُ مِمَّا يُكْتَبُ فَجَعَلَ الْخَلَّاقُ الْحَكِيمُ جَلَّ قُدْسُهُ هَذَا الْهَوَاءَ قِرْطَاساً خَفِيفاً يَحْمِلُ الْكَلَامَ رَيْثَمَا يَبْلُغُ الْعَالَمُ‏ (1) حَاجَتَهُمْ ثُمَّ يُمْحَى فَيَعُودُ جَدِيداً نَقِيّاً وَ يَحْمِلُ مَا حَمَلَ أَبَداً بِلَا انْقِطَاعٍ وَ حَسْبُكَ بِهَذَا النَّسِيمِ الْمُسَمَّى هَوَاءً عِبْرَةً وَ مَا فِيهِ مِنَ الْمَصَالِحِ فَإِنَّهُ حَيَاةُ هَذِهِ الْأَبْدَانِ وَ الْمُمْسِكُ لَهَا مِنْ دَاخِلٍ بِمَا يَسْتَنْشِقُ مِنْهُ وَ مِنْ خَارِجٍ بِمَا تُبَاشِرُ مِنْ رَوْحِهِ وَ فِيهِ تَطَّرِدُ هَذِهِ الْأَصْوَاتُ فَيُؤَدِّي بِهَا مِنَ الْبَعِيدِ وَ هُوَ الْحَامِلُ لِهَذِهِ الأَرَايِيحِ يَنْقُلُهَا مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ أَ لَا تَرَى كَيْفَ تَأْتِيكَ الرَّائِحَةُ مِنْ حَيْثُ تَهُبُّ الرِّيحُ فَكَذَلِكَ الصَّوْتُ وَ هُوَ الْقَابِلُ لِهَذَا الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ اللَّذَيْنِ يَعْتَقِبَانِ عَلَى الْعَالَمِ لِصَلَاحِهِ وَ مِنْهُ هَذِهِ الرِّيحُ الْهَابَّةُ فَالرِّيحُ تَرُوحُ عَنِ الْأَجْسَامِ وَ تُزْجِي السَّحَابَ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ لِيَعُمَّ نَفْعُهُ حَتَّى يَسْتَكْثِفَ فَيَمْطُرَ وَ تَفُضُّهُ حَتَّى يَسْتَخِفَّ فَيَتَفَشَّى وَ تُلْقِحُ الشَّجَرَ وَ تُسِيرُ السُّفُنَ وَ تُرْخِي الْأَطْعِمَةَ وَ تُبَرِّدُ الْمَاءَ وَ تَشُبُّ النَّارَ وَ تُجَفِّفُ الْأَشْيَاءَ النَّدِيَّةَ وَ بِالْجُمْلَةِ إِنَّهَا تُحْيِي كُلَّ مَا فِي الْأَرْضِ فَلَوْ لَا الرِّيحُ لَذَوَى النَّبَاتُ وَ مَاتَ الْحَيَوَانُ وَ حُمَّتِ الْأَشْيَاءُ وَ فَسَدَتْ.

بيان: ركود الريح سكونها و التحريض إفساد البدن و نهكته الحمّى أي أضنته و هزلته و قوله و الهواء يؤدّيه يدل على ما هو المذهب المنصور من تكيّف الهواء بكيفية الصوت كما فصّل في محله و يقال كربه الأمر أي شقّ عليه و فدحه‏

____________

(1) العام (خ).

8

الدين أي أثقله و ريث ما فعل كذا أي قدر ما فعله و يبلغ إما على بناء المجرد فالعالم فاعله أو على التفعيل فالهواء فاعله و الروح بالفتح الراحة و نسيم الريح و اطّرد الشي‏ء تبع بعضه بعضا و جرى و الأراييح جمع جمع للريح و تزجي السحاب على بناء الإفعال أي تسوقه و تفضّه أي تفرّقه و التفشّي الانتشار و ترخي الأطعمة على بناء التفعيل أو الإفعال أي تصيّرها رخوة لطيفة و تشبّ النار أي توقدها.

7- الْعِلَلُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْحَاقَ التَّاجِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عَنِ الْعَرْزَمِيِّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)جَالِساً فِي الْحِجْرِ تَحْتَ الْمِيزَابِ وَ رَجُلٌ يُخَاصِمُ رَجُلًا وَ أَحَدُهُمَا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ وَ اللَّهِ مَا تَدْرِي مِنْ أَيْنَ تَهُبُّ الرِّيحُ فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) هَلْ تَدْرِي أَنْتَ مِنْ أَيْنَ تَهُبُّ الرِّيحُ‏ (1) فَقَالَ لَا وَ لَكِنِّي أَسْمَعُ النَّاسَ يَقُولُونَ فَقُلْتُ أَنَا لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)مِنْ أَيْنَ تَهُبُّ الرِّيحُ‏ (2) فَقَالَ إِنَّ الرِّيحَ مَسْجُونَةٌ تَحْتَ الرُّكْنِ‏ (3) الشَّامِيِّ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يُرْسِلَ‏ (4) مِنْهَا شَيْئاً أَخْرَجَهُ إِمَّا جُنُوباً فَجَنُوبٌ وَ إِمَّا شِمَالًا فَشَمَالٌ وَ إِمَّا صَبَاءً فَصَبَاءٌ وَ إِمَّا دَبُوراً فَدَبُورٌ ثُمَّ قَالَ آيَةُ ذَلِكَ إِنَّكَ تَرَى‏ (5) هَذَا الرُّكْنَ مُتَحَرِّكاً أَبَداً فِي الصَّيْفِ وَ الشِّتَاءِ (6) وَ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ (7).

معاني الأخبار، عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى عن‏

____________

(1) في الكافي: هل تدرى انت فقال لا.

(2) في معاني الأخبار: من اين تهب الريح جعلت فداك.

(3) في الكافي و المعاني: تحت هذا الركن.

(4) في الكافي: يخرج.

(5) في المصادر: لا تزال ترى.

(6) لفظه «الشتاء» فى المصادر مقدّمة على «الصيف».

(7) علل الشرائع: ج 2،(ص)133.

9

العباس بن معروف عن علي بن مهزيار عن محمد بن الحسين‏ (1) عن محمد بن الفضيل عن العرزمي‏ مثله‏ (2)- الكافي، عن أبي علي الأشعري عن بعض أصحابه عن محمد بن الفضيل‏ مثله‏ (3) بيان قوله مسجونة يحتمل أن يكون كناية عن قيام الملائكة الذين بهم تهبّ تلك الرياح فوقه عند إرادة ذلك كما سيأتي و لعل المراد بحركة الركن حركة الثوب المعلّق عليه‏ (4).

8 الْعِلَلُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لَا تَسُبُّوا الرِّيَاحَ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ وَ لَا تَسُبُّوا الْجِبَالَ وَ لَا السَّاعَاتِ وَ لَا الْأَيَّامَ وَ لَا اللَّيَالِيَ فَتَأْثَمُوا وَ تَرْجِعَ عَلَيْكُمْ.

بيان: الغرض النهي عن سبّ الرياح و البقاع و الجبال و الأيام و الساعات فإنها مقهورة تحت قدرة الله سبحانه مسخّرة له تعالى لا يملكون تأخّرا عما قدّمهم إليه و لا تقدّما إلى ما أخّرهم عنه فسبّهم سبّ لمن‏ (5) لا يستحقّه و لعن من لا يستحقّ اللعن يوجب رجوع اللعنة على اللاعن بل هو مظنّة الكفر و الشرك لو لا غفلتهم عما يئول إليه كما ورد في الخبر لا تسبّوا الدهر فإنه هو الله أي فاعل الأفعال التي تنسبونها إلى الدهر و تسبّونه بسببها هو الله تعالى.

9 تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَ فِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ‏ الَّتِي لَا تُلْقِحُ الشَّجَرَ وَ لَا تُنْبِتُ النَّبَاتَ وَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فِي قَوْلِهِ‏ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً وَ الصَّرْصَرُ الْبَارِدَةُ فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ‏ أَيَّامٍ مَيَاشِيمَ‏ (6).

____________

(1) في المعاني: محمّد بن الحصين.

(2) معاني الأخبار: 385.

(3) الكافي: ج 8،(ص)271.

(4) علل الشرائع: ج 2،(ص)264.

(5) من (خ).

(6) تفسير القمّيّ: 448.

10

10- وَ مِنْهُ، وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ‏ قَالَ الَّتِي تُلْقِحُ الْأَشْجَارَ (1).

11- الْعِلَلُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَطَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنِ السَّيَّارِيِّ رَفَعَهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قُلْتُ لَهُ لِمَ سُمِّيَتْ رِيحَ الشَّمَالِ قَالَ لِأَنَّهَا تَأْتِي مِنْ شِمَالِ الْعَرْشِ‏ (2).

بيان كون ريح الشمال من شمال العرش لأنها تهبّ من قبل الركن الشامي و هو في يسار الكعبة إذا فرضت رجلا مواجها إلينا و الحجر الأسود عن يمين الكعبة و قد ورد في الخبر أن العرش محاذ للكعبة فيمينه يمينها و يساره يسارها و يوضح ذلك‏

مَا رَوَاهُ الصَّدُوقُ أَيْضاً فِي الْعِلَلِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ بُرَيْدٍ الْعِجْلِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) كَيْفَ صَارَ النَّاسُ يَسْتَلِمُونَ الْحَجَرَ وَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَ لَا يَسْتَلِمُونَ الرُّكْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ قَالَ إِنَّ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ وَ إِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَنْ يُسْتَلَمَ مَا عَنْ يَمِينِ عَرْشِهِ قُلْتُ فَكَيْفَ صَارَ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ يَسَارِهِ قَالَ لِأَنَّ لِإِبْرَاهِيمَ مَقَاماً فِي الْقِيَامَةِ وَ لِمُحَمَّدٍ(ص)مَقَاماً فَمَقَامُ مُحَمَّدٍ(ص)عَنْ يَمِينِ عَرْشِ رَبِّنَا عَزَّ وَ جَلَّ وَ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ(ع)عَنْ شِمَالِ عَرْشِهِ فَمَقَامُ إِبْرَاهِيمَ فِي مَقَامِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ عَرْشُ رَبِّنَا مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ.

. و حاصله أنه ينبغي أن يتصور أن البيت بإزاء العرش و حذائه في الدنيا و الآخرة و البيت بمنزلة رجل وجهه إلى الناس و وجهه الطرف الذي فيه الباب فإذا توجه إنسان إلى البيت من جهة الباب كان المقام و الركن الشامي عن يمينه و الحجر الأسود و الركن اليماني عن يساره فإذا فرض البيت إنسانا مواجها تنعكس النسبة فيمينه يحاذي يسارنا و بالعكس و عرش ربنا مقبل أي بمنزلة رجل مقبل و يمكن أن يكون تسمية الجانب الذي يلي الشامي شمالا في خبر السياري لأنه أضعف جانبي الكعبة كما أن الشمال أضعف جانبي الإنسان لأن أشرف‏

____________

(1) المصدر: 350.

(2) علل الشرائع: ج 2،(ص)264.

11

أجزاء الكعبة و هي الحجر و الركن اليماني واقعة على الجانب المقابل فهو بمنزلة اليمين.

12- الْعِلَلُ، بِالْإِسْنَادِ إِلَى وَهْبٍ قَالَ: إِنَ‏ الرِّيحَ الْعَقِيمَ‏ تَحْتَ هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْهَا قَدْ زُمَّتْ بِسَبْعِينَ أَلْفَ زِمَامٍ مِنْ حَدِيدٍ قَدْ وُكِّلَ بِكُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ فَلَمَّا سَلَّطَهَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى عَادٍ اسْتَأْذَنَتْ خَزَنَةُ الرِّيحِ رَبَّهَا عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا فِي مِثْلِ مَنْخِرِ الثَّوْرِ وَ لَوْ أَذِنَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهَا مَا تَرَكَتْ شَيْئاً عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ إِلَّا أَحْرَقَتْهُ فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى خَزَنَةِ الرِّيحِ أَنْ أَخْرِجُوا مِنْهَا فِي مِثْلِ ثَقْبِ الْخَاتَمِ فَأُهْلِكُوا بِهَا وَ بِهَا يَنْسِفُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْجِبَالَ نَسْفاً وَ التِّلَالَ وَ الْآكَامَ وَ الْمَدَائِنَ وَ الْقُصُورَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى‏ فِيها عِوَجاً وَ لا أَمْتاً (1) وَ الْقَاعُ الَّذِي لَا نَبَاتَ فِيهِ وَ الصَّفْصَفُ الَّذِي لَا عِوَجَ فِيهِ وَ الْأَمْتُ الْمُرْتَفِعُ وَ إِنَّمَا سُمِّيَتِ الْعَقِيمَ لِأَنَّهَا تَلَقَّحَتْ بِالْعَذَابِ وَ تَعَقَّمَتْ عَنِ الرَّحْمَةِ كَتَعَقُّمِ الرَّجُلِ‏ (2) إِذَا كَانَ عَقِيماً لَا يُولَدَ لَهُ الْخَبَرَ (3).

بيان: قال الجوهري نسفت البناء نسفا قلعته و قال القاع المستوي من الأرض و كذا الصفصف و قال الأمت المكان المرتفع و قوله تعالى‏ لا تَرى‏ فِيها عِوَجاً وَ لا أَمْتاً أي لا انخفاض فيها و لا ارتفاع.

13- قِصَصُ الرَّاوَنْدِيِّ، بِإِسْنَادِهِ إِلَى الصَّدُوقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ زُرْعَةَ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِذَا هَاجَتِ الرِّيَاحُ فَجَاءَتْ بِالسَّافِي الْأَبْيَضِ وَ الْأَسْوَدِ وَ الْأَصْفَرِ فَإِنَّهُ رَمِيمُ قَوْمِ عَادٍ.

بيان في القاموس سفت الريح التراب تسفيه ذرته أو حملته كأسفته فهو ساف و سفى انتهى أقول يمكن تخصيصه ببعض البلاد القريبة من بلادهم كمدينة ضاعف الله شرفها و لا بعد في التعميم أيضا.

____________

(1) طه: 105- 107.

(2) الرحم (خ).

(3) علل الشرائع: ج 1(ص)31. و الخبر موقوف لا اعتداد به.

12

14- الْعَيَّاشِيُّ، عَنِ ابْنِ وَكِيعٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ‏ لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ فَإِنَّهَا بُشْرٌ وَ إِنَّهَا نُذُرٌ وَ إِنَّهَا لَوَاقِحُ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ خَيْرِهَا وَ تَعَوَّذُوا بِهِ مِنْ شَرِّهَا.

بيان أي إنها مأمورة مبعوثة بأمر الله إما للبشارة بالمطر و غيره أو للإنذار أو لإلقاح الأشجار أو لسوق السحب إلى الأقطار كما مر فسبها باطل لا ينفعكم بل يضركم فاسألوا الله الذي بعثها ليجعلها نافعة لكم و يصرف شرها عنكم.

15- الْعَيَّاشِيُّ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: لِلَّهِ رِيَاحُ رَحْمَةٍ لَوَاقِحُ يَنْشُرُهَا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ‏

16- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رِئَابٍ‏ (1) وَ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنِ الرِّيَاحِ الْأَرْبَعِ الشَّمَالِ وَ الْجَنُوبِ وَ الصَّبَا وَ الدَّبُورِ وَ قُلْتُ لَهُ إِنَّ النَّاسَ يَذْكُرُونَ أَنَّ الشَّمَالَ مِنَ الْجَنَّةِ وَ الْجَنُوبَ مِنَ النَّارِ فَقَالَ إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ جُنُوداً مِنْ رِيَاحٍ يُعَذِّبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِمَّنْ عَصَاهُ فَلِكُلِّ رِيحٍ مِنْهَا مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهَا فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ أَنْ يُعَذِّبَ قَوْماً بِنَوْعٍ مِنَ الْعَذَابِ أَوْحَى إِلَى الْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ الرِّيحِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا قَالَ فَيَأْمُرُهَا الْمَلِكُ فَتَهِيجُ كَمَا يَهِيجُ الْأَسَدُ الْمُغْضَبُ وَ قَالَ وَ لِكُلِّ رِيحٍ مِنْهُنَّ اسْمٌ أَ مَا تَسْمَعُ قَوْلَهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَ نُذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (2) وَ قَالَ‏ الرِّيحَ الْعَقِيمَ‏ (3) وَ قَالَ‏ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ‏ (4) وَ قَالَ‏ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ‏ (5) وَ مَا ذَكَرَ مِنَ الرِّيَاحِ الَّتِي يُعَذِّبُ اللَّهُ بِهَا مَنْ عَصَاهُ وَ قَالَ وَ لِلَّهِ عَزَّ

____________

(1) في المصدر «على بن رئاب» و الظاهر أنّه الصحيح لعدم ذكر من «محمّد بن رئاب» في كتب الرجال.

(2) القمر: 19.

(3) الذاريات: 41.

(4) الأحقاف: 24.

(5) البقرة: 266.

13

ذِكْرُهُ رِيَاحُ رَحْمَةٍ لَوَاقِحُ وَ غَيْرُ ذَلِكَ يَنْشُرُهَا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ‏ مِنْهَا مَا يُهَيِّجُ السَّحَابَ لِلْمَطَرِ وَ مِنْهَا رِيَاحٌ تَحْبِسُ السَّحَابَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ وَ رِيَاحٌ تَعْصِرُ السَّحَابَ فَتَمْطُرُ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ مِنْهَا رِيَاحٌ تُفَرِّقُ السَّحَابَ وَ مِنْهَا رِيَاحٌ مِمَّا عَدَّدَ (1) اللَّهُ فِي الْكِتَابِ فَأَمَّا الرِّيَاحُ الْأَرْبَعُ الشَّمَالُ وَ الْجَنُوبُ وَ الصَّبَا وَ الدَّبُورُ فَإِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِهَا فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُهِبَّ شَمَالًا أَمَرَ الْمَلَكَ الَّذِي اسْمُهُ الشَّمَالُ فَيَهْبِطُ عَلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ فَقَامَ عَلَى الرُّكْنِ الشَّامِيِّ فَضَرَبَ بِجَنَاحِهِ‏ (2) فَتَفَرَّقَتْ رِيحُ الشَّمَالِ حَيْثُ يُرِيدُ اللَّهُ مِنَ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ (3) فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ جَنُوباً أَمَرَ الْمَلَكَ الَّذِي اسْمُهُ الْجَنُوبُ فَهَبَطَ عَلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ فَقَامَ عَلَى الرُّكْنِ الشَّامِيِّ فَضَرَبَ بِجَنَاحِهِ‏ (4) فَتَفَرَّقَتْ‏ (5) رِيحُ الْجَنُوبِ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ حَيْثُ يُرِيدُ اللَّهُ وَ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ‏ (6) الصَّبَا أَمَرَ الْمَلَكَ الَّذِي اسْمُهُ الصَّبَا فَهَبَطَ عَلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ فَقَامَ عَلَى الرُّكْنِ الشَّامِيِّ فَضَرَبَ بِجَنَاحِهِ‏ (7) فَتَفَرَّقَتْ رِيحُ الصَّبَا حَيْثُ يُرِيدُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ دَبُوراً أَمَرَ الْمَلَكَ الَّذِي اسْمُهُ الدَّبُورُ فَهَبَطَ عَلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ فَقَامَ عَلَى الرُّكْنِ الشَّامِيِّ فَضَرَبَ بِجَنَاحِهِ‏ (8) فَتَفَرَّقَتْ رِيحُ الدَّبُورِ حَيْثُ يُرِيدُ اللَّهُ مِنَ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ ثُمَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) أَ مَا تَسْمَعُ لِقَوْلِهِ رِيحُ الشَّمَالِ وَ رِيحُ الْجَنُوبِ وَ رِيحُ الصَّبَا وَ رِيحُ الدَّبُورِ إِنَّمَا تُضَافُ إِلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِهَا (9).

- الْخِصَالُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مَعْرُوفٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ‏ مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ‏ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَ نُذُرِ وَ ذَكَرَ رِيَاحاً فِي الْعَذَابِ ثُمَّ قَالَ فَرِيحُ الشَّمَالِ وَ رِيحُ الصَّبَا وَ رِيحُ الْجَنُوبِ وَ رِيحُ الدَّبُورِ أَيْضاً

____________

(1) عد اللّه (خ).

(2) بجناحيه (خ).

(4) بجناحيه (خ).

(7) بجناحيه (خ).

(8) بجناحيه (خ).

(3) في المصدر: و إذا.

(5) فتفرق (خ).

(6) في المصدر: ريح الصبا.

(9) الكافي: ج،(ص)92.

14

تُضَافُ إِلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِهَا (1).

بيان قال الفيروزآبادي الشمال بالفتح و يكسر الريح التي تهبّ من قبل الحجر أو ما استقبلك عن يمينك و أنت مستقبل القبلة و الصحيح أنه ما مهبّه بين مطلع الشمس و بنات النعش أو من مطلع النعش إلى مسقط النسر الطائر و يكون اسما و صفة و لا تكاد تهب ليلا و قال الجنوب ريح تخالف الشمال مهبّه‏ (2) من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا و قال الصبا ريح مهبّها من مطلع الثريا إلى بنات نعش و قال الدبور ريح تقابل الصبا و قال الشهيد (قدّس سرّه) في الذكرى الجنوب محلها ما بين مطلع سهيل إلى مطلع الشمس في الاعتدالين و الصبا محلها ما بين الشمس إلى الجدي و الشمال محلها من الجدي إلى مغرب الشمس في الاعتدال و الدبور محلها من مغرب الشمس إلى مطلع سهيل قوله تعالى‏ وَ نُذُرِ أي إنذار لهم بالعذاب قبل نزولها أو لمن بعدهم في تعذيبهم و الريح العقيم قيل هي الدبور و قيل هي الجنوب و قيل النكباء و قال الجوهري الإعصار ريح تثير الغبار إلى السماء كأنه عمود و قيل هي ريح تثير سحابا ذات رعد و برق قوله(ع)فتفرقت ريح الشمال لا يتوهم أنه يلزم من ذلك أن يكون مهب جميع الرياح جهة القبلة و ذلك لأنه لعظمة الملك و جناحه يمكن أن يتحرك رأس جناحه بأي موضع أراد و يرسلها إلى أي جهة أمر بالإرسال إليها و إنما أمر بالقيام على الكعبة لشرافتها و كونها في محل رحماته تعالى و مصدرها و قيل ضرب الجناح علامة أمر الملك الريح للهبوب قوله(ع)أ ما تسمع لقوله أي لقول القائل و كأنه(ع)استدل بهذه العبارات الشائعة على ما ذكره من أنها أسماء الملائكة إذ الظاهر من الإضافة كونها لامية و البيانية نادرة و إن كان القائلون لم يعرفوا هذا المعنى لأنهم سمعوا ممن تقدمهم و هكذا إلى أن ينتهي إلى من أطلق ذلك على وجه المعرفة.

____________

(1) الخصال: 123.

(2) في القاموس: مهبها.

15

17- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ أَبِي يَحْيَى الْوَاسِطِيِّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى رِيحاً يُقَالُ لَهَا الْأَزْيَبُ لَوْ أَرْسَلَ مِنْهَا مِقْدَارَ مَنْخِرِ الثَّوْرِ لَأَثَارَتْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ وَ هِيَ الْجَنُوبُ‏ (1).

بيان قوله و هي الجنوب من كلام بعض الرواة أو من كلامه(ع)و على التقديرين لعل المراد به أنها نوع منها أو قريب منها قال في القاموس الأزيب كالأحمر الجنوب‏ (2) و النكباء تجري بينها و بين الصبا و قال النكباء ريح انحرفت و وقعت بين ريحين أو بين الصبا و الشمال أو نكب الرياح الأربع الأزيب نكباء الصبا و الجنوب و الصابية و تسمى النكيباء أيضا نكباء الصبا و الشمال و الجربياء نكباء الشمال و الدبور و هي نيّحة الأزيب و الهيف نكباء الجنوب و الدبور و هي نيّحة النكيباء و نحوه قال الجوهري و قال كل ريح استطالت أثرا فهبّت عليه ريحا طولا فهي نيّحة فإن اعترضته فهي نسيجته.

18- نَوَادِرُ الرَّاوَنْدِيِّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَ أُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ وَ مَا هَاجَتِ الْجَنُوبُ إِلَّا سَقَى اللَّهُ بِهَا غَيْثاً وَ أَسَالَ بِهَا وَادِياً.

19- الِاحْتِجَاجُ، قَالَ الصَّادِقُ(ع)لِلزِّنْدِيقِ الَّذِي سَأَلَهُ مَسَائِلَ الرِّيحُ لَوْ حُبِسَتْ أَيَّاماً لَفَسَدَتِ الْأَشْيَاءُ جَمِيعاً وَ تَغَيَّرَتْ‏ (3) وَ سَأَلَهُ عَنْ جَوْهَرِ الرِّيحِ فَقَالَ الرِّيحُ هَوَاءٌ إِذَا تَحَرَّكَ سُمِّيَ رِيحاً فَإِذَا سَكَنَ سُمِّيَ هَوَاءً وَ بِهِ قِوَامُ الدُّنْيَا وَ لَوْ كُفَّتِ‏(4) الرِّيحُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَفَسَدَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَ نَتُنَ وَ ذَلِكَ أَنَّ الرِّيحَ بِمَنْزِلَةِ الْمِرْوَحَةِ تَذُبُّ وَ تَدْفَعُ الْفَسَادَ عَنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ تُطَيِّبُهُ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الرُّوحِ إِذَا

____________

(1) الكافي: ج 8،(ص)217.

(2) في المصدر، أو.

(3) الاحتجاج: 7، 1.

(4) في المخطوطة: كثفت.

16

خَرَجَ عَنِ الْبَدَنِ نَتُنَ الْبَدَنُ وَ تَغَيَّرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‏ (1).

20- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ رِيَاحَ رحمته [رَحْمَةٍ وَ رِيَاحَ عَذَابٍ فَإِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ الرِّيَاحَ مِنَ‏ (2) الْعَذَابِ رَحْمَةً فَعَلَ قَالَ وَ لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِنَ الرِّيحِ عَذَاباً قَالَ وَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَرْحَمْ قَوْماً قَطُّ أَطَاعُوهُ وَ كَانَتْ طَاعَتُهُمْ إِيَّاهُ وَبَالًا عَلَيْهِمْ إِلَّا مِنْ بَعْدِ تَحَوُّلِهِمْ عَنْ طَاعَتِهِ قَالَ وَ كَذَلِكَ فَعَلَ بِقَوْمِ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا رَحِمَهُمُ اللَّهُ بَعْدَ مَا كَانَ قَدَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابَ وَ قَضَاهُ ثُمَّ تَدَارَكَهُمْ بِرَحْمَتِهِ فَجَعَلَ الْعَذَابَ الْمُقَدَّرَ عَلَيْهِمْ رَحْمَةً فَصَرَفَهُ عَنْهُمْ وَ قَدْ أَنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ وَ غَشِيَهُمْ وَ ذَلِكَ لَمَّا آمَنُوا بِهِ وَ تَضَرَّعُوا إِلَيْهِ قَالَ وَ أَمَّا الرِّيحُ الْعَقِيمُ فَإِنَّهَا رِيحُ عَذَابٍ لَا تُلْقِحُ شَيْئاً مِنَ الْأَرْحَامِ وَ لَا شَيْئاً مِنَ النَّبَاتِ وَ هِيَ رِيحٌ تَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَ مَا خَرَجَتْ مِنْهَا رِيحٌ قَطُّ إِلَّا عَلَى قَوْمِ عَادٍ حِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأَمَرَ الْخُزَّانَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنْهَا عَلَى مِقْدَارِ سَعَةِ الْخَاتَمِ قَالَ فَعَتَتْ عَلَى الْخُزَّانِ فَخَرَجَ مِنْهَا عَلَى مِقْدَارِ مَنْخِرِ الثَّوْرِ تَغَيُّضاً مِنْهَا عَلَى قَوْمِ عَادٍ قَالَ فَضَجَّ الْخُزَّانُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّهَا قَدْ عَتَتْ عَنْ أَمْرِنَا إِنَّا نَخَافُ أَنْ تُهْلِكَ مَنْ لَمْ يَعْصِكَ مِنْ خَلْقِكَ وَ عُمَّارِ بِلَادِكَ قَالَ فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا جَبْرَئِيلَ فَاسْتَقْبَلَهَا بِجَنَاحِهِ فَرَدَّهَا إِلَى مَوْضِعِهَا وَ قَالَ لَهَا اخْرُجِي عَلَى مَا أُمِرْتِ بِهِ قَالَ فَخَرَجَتْ عَلَى مَا أُمِرَتْ بِهِ وَ أَهْلَكَتْ قَوْمَ عَادٍ وَ مَنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِمْ‏ (3).

21- الشِّهَابُ، عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَ أُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ.

الضوء الصبا هي الريح التي تضرب قفا المصلي و بإزائها الدبور و الشمال التي تضرب يمين المصلي و بإزائها الجنوب و قالوا مهبّ الصبا المستوي أن تهبّ من مطلع الشمس إذا استوى الليل و النهار و زعموا أن الدبور تزعج السحاب و تشخصه في الهواء ثم تسوقه فإذا علا كشفت عنه و استقبلته الصبا فوضعته بعضه على بعض حتى تصير

____________

(1) الاحتجاج: 192.

(2) في المصدر: ان يجعل العذاب من الرياح.

(3) الكافي: ج 8،(ص)92.

17

كسفا واحدا و الجنوب تحلق روادفه به و تمدّه من المدد و الشمال تمزق السحاب و النكباء هي التي بين الصبا و الشمال و الذي في الحديث إشارة إلى نصرة الله تعالى رسوله بالصبا لما أرسلها على الأحزاب.

22- وَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ الرِّيَاحُ ثَمَانِيَةٌ أَرْبَعٌ مِنْهَا رَحْمَةٌ وَ أَرْبَعٌ عَذَابٌ فَأَمَّا الرَّحْمَةُ فَالنَّاشِرَاتُ وَ الْمُبَشِّرَاتُ وَ الْمُرْسَلَاتُ وَ الذَّارِيَاتُ وَ أَمَّا الْعَذَابُ فَالْعَقِيمُ وَ الصَّرْصَرُ وَ هُمَا فِي الْبَرِّ وَ الْعَاصِفُ وَ الْقَاصِفُ فِي الْبَحْرِ.

23- وَ رُوِيَ‏ أَنَّهُ فُتِحَ عَلَى عَادٍ مِنَ الرِّيحِ الَّتِي أَهْلَكَتْهُمْ مِثْلَ حَلْقَةِ الْخَاتَمِ.

24- وَ عَنْ مُجَاهِدٍ مَا بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ رِيحاً إِلَّا بِمِكْيَالٍ إِلَّا يَوْمَ عَادٍ فَإِنَّهَا عَتَتْ عَلَى الْخَزَنَةِ فَلَمْ يَدْرِ مَا مِقْدَارُهَا.

25- وَ فِي الْحَدِيثِ‏ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ فِي الْجَنَّةِ رِيحاً وَ أَنَّ مِنْ دُونِهَا بَاباً مُغْلَقاً وَ لَوْ فُتِحَ ذَلِكَ الْبَابُ لَأَذَرَّتْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ وَ هِيَ الْأَزْيَبُ وَ هِيَ عِنْدَكُمُ الْجَنُوبُ.

26- وَ عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ أَنَّهُ قَالَ: تَخْرُجُ الْجَنُوبُ مِنَ الْجَنَّةِ فَتَمُرُّ عَلَى جَهَنَّمَ فَغَمُّهَا مِنْهُ وَ بَرَكَتُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَ تَخْرُجُ الشَّمَالُ مِنْ جَهَنَّمَ فَتَمُرُّ عَلَى الْجَنَّةِ فَرَوْحُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَ شَرُّهَا مِنَ النَّارِ قُلْتُ وَ قَدْ سَمِعْتُ أَنَّ السَّمُومَ لَا تَكُونُ إِلَّا الشَّمَالَ تَهُبُّ عَلَى الرِّمَالِ الْمُضْطَرَمَةِ وَ الْأَرَضِينَ الْمُتَوَجِّهَةِ فَتَكْتَسِي لِلِطَافَتِهَا وَ رِقَّتِهَا مِنْهَا زِيَادَةَ الْحَرَارَةِ فَتَهُبُّ نَاراً مُلْتَهِبَةً فَتَقْتُلُ وَ تُسَوِّدُ الْجُلُودَ.

27- وَ قَالَ كَعْبٌ‏ لَوْ حَبَسَ اللَّهُ الرِّيحَ مِنَ الْأَرْضِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَأَنْتَنَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ.

28- وَ كَانَ النَّبِيُّ(ص)إِذَا رَأَى الرِّيحَ قَدْ هَاجَتْ يَقُولُ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحاً وَ لَا تَجْعَلْهَا رِيحاً.

و أكثر ما في القرآن من الرياح للخير و الريح بالعكس من ذلك و قيل الريح الهواء المتحرك و فائدة الحديث الإنباء بأن الله تعالى خلق نصره في الأحزاب بريح الصبا تكبهم على وجوههم و تثير السافياء في أعينهم فيعجزون عن مقاومة أصحاب‏

18

النبي(ص)و راوي الحديث سعيد بن جبير عن ابن عباس.

29- الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الرِّيَاحِ فَهِيَ رَحْمَةٌ وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الرِّيحِ فَهُوَ عَذَابٌ‏ (1).

30- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمَاءُ وَ الرِّيحُ جُنْدَانِ مِنْ جُنُودِ اللَّهِ وَ الرِّيحُ جُنْدُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ‏ (2).

31- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالا الرِّيحُ ثَمَانٌ أَرْبَعٌ مِنْهَا رَحْمَةٌ وَ أَرْبَعٌ مِنْهَا عَذَابٌ فَأَمَّا الرَّحْمَةُ فَالنَّاشِرَاتُ وَ الْمُبَشِّرَاتُ وَ الْمُرْسَلَاتُ وَ الذَّارِيَاتُ وَ أَمَّا الْعَذَابُ فَالْعَقِيمُ وَ الصَّرْصَرُ وَ هُمَا فِي الْبَرِّ وَ الْعَاصِفُ وَ الْقَاصِفُ وَ هُمَا فِي الْبَحْرِ وَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَكَانَ الذَّارِيَاتِ الرَّخَاءُ (3).

32- وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى‏ الرِّيَاحُ سَبْعٌ الصَّبَا وَ الدَّبُورُ وَ الْجَنُوبُ وَ الشَّمَالُ وَ الْحَزُوقُ وَ النَّكْبَاءُ وَ رِيحُ الْقَائِمِ فَأَمَّا الصَّبَا فَتَجِي‏ءُ مِنَ الْمَشْرِقِ وَ أَمَّا الدَّبُورُ فَتَجِي‏ءُ مِنَ الْمَغْرِبِ وَ أَمَّا الْجَنُوبُ فَتَجِي‏ءُ عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ وَ الشَّمَالُ‏ (4) عَنْ يَمِينِ الْقِبْلَةِ وَ أَمَّا النَّكْبَاءُ فَبَيْنَ الصَّبَا وَ الْجَنُوبِ وَ أَمَّا الْحَزُوقُ فَبَيْنَ الشَّمَالِ وَ الدَّبُورِ وَ أَمَّا رِيَاحُ الْقَائِمِ فَأَنْفَاسُ الْخَلْقِ‏ (5).

33- وَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: جُعِلَتِ الرِّيَاحُ عَلَى الْكَعْبَةِ فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ ذَلِكَ فَأَسْنِدْ ظَهْرَكَ إِلَى بَابِ الْكَعْبَةِ فَإِنَّ الشَّمَالَ عَنْ شِمَالِكَ وَ هِيَ مِمَّا يَلِي الْحِجْرَ وَ الْجَنُوبَ عَنْ يَمِينِكَ وَ هِيَ مِمَّا يَلِي الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَ الصَّبَا عَنْ مُقَابِلِكَ وَ هِيَ مُسْتَقْبِلَ بَابِ الْكَعْبَةِ وَ الدَّبُورَ مِنْ دَبْرِ الْكَعْبَةِ (6).

34- وَ عَنْ حَسَنِ‏ (7) بْنِ عَلِيٍّ الْجُعْفِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ إِسْرَائِيلَ بْنَ يُونُسَ عَلَى‏

____________

(1) الدّر المنثور: ج 1،(ص)164.

(2) الدّر المنثور: ج 1،(ص)164.

(3) الدّر المنثور: ج 1،(ص)164.

(4) في المصدر: فيجى‏ء عن.

(5) الدّر المنثور: ج 1،(ص)164.

(6) الدّر المنثور: ج 1(ص)164.

(7) في المصدر: حسين.

19

أَيِّ شَيْ‏ءٍ سُمِّيَتِ الرِّيحَ قَالَ عَلَى الْقِبْلَةِ شِمَالُهُ الشَّمَالُ وَ جُنُوبُهُ الْجَنُوبُ وَ الصَّبَا مَا جَاءَ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهَا وَ الدَّبُورُ مَا جَاءَ مِنْ خَلْفِهَا (1).

35- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الشَّمَالُ مَا بَيْنَ الْجَدْيِ وَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ وَ الْجَنُوبُ مَا بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ وَ سُهَيْلٍ وَ الصَّبَا مَا بَيْنَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ إِلَى الْجَدْيِ وَ الدَّبُورُ مَا بَيْنَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ إِلَى سُهَيْلٍ.

36- وَ عَنْ كَعْبٍ‏ لَوِ احْتُبِسَتِ الرِّيحُ عَنِ النَّاسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَأَنْتَنَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ‏ (2).

37- وَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ وَ عَوِّذُوا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا (3).

38- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ‏ أَنَّ رَجُلًا لَعَنَ الرِّيحَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ(ص)لَا تَلْعَنِ الرِّيحَ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ فَإِنَّهُ مَنْ لَعَنَ شَيْئاً لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ‏ (4).

39- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا هَبَّتْ رِيحٌ قَطُّ إِلَّا جَثَا النَّبِيُّ(ص)عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَ قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً وَ لَا تَجْعَلْهَا عَذَاباً اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحاً وَ لَا تَجْعَلْهَا رِيحاً قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ تَفْسِيرُ (5) ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ‏ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ‏ وَ قَالَ‏ وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ‏ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ‏ (6).

40- وَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: هَاجَتْ رِيحٌ فَسَبُّوهَا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا تَسُبُّوهَا فَإِنَّهَا تَجِي‏ءُ بِالرَّحْمَةِ وَ تَجِي‏ءُ بِالْعَذَابِ وَ لَكِنْ قُولُوا اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً وَ لَا تَجْعَلْهَا عَذَاباً (7).

41- وَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لَا تَسُبُّوا اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ وَ لَا الشَّمْسَ وَ لَا الْقَمَرَ وَ لَا الرِّيحَ فَإِنَّهَا تَبْعَثُ عَذَاباً عَلَى قَوْمٍ وَ رَحْمَةً عَلَى آخَرِينَ‏ (8).

____________

(1) الدّر المنثور: ج 1،(ص)164.

(2) الدّر المنثور: ج 1،(ص)164.

(3) الدّر المنثور: ج 1،(ص)164.

(4) الدّر المنثور: ج 1،(ص)164.

(5) في المصدر: و اللّه ان تفسير ...

(6) الدّر المنثور: ج 1،(ص)165.

(7) الدّر المنثور: ج 1،(ص)165.

(8) الدّر المنثور: ج 1،(ص)165.

20

42- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الرِّيحَ الْعَقِيمَ‏ الشَّدِيدُ الَّتِي لَا تُلْقِحُ الشَّجَرَ وَ لَا تُثِيرُ السَّحَابَ وَ لَا بَرَكَةَ فِيهَا وَ لَا مَنْفَعَةَ وَ لَا يَنْزِلُ مِنْهَا غَيْثٌ وَ لَا يُلْقَحُ بِهَا شَجَرٌ (1).

43- وَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)الرِّيحُ مُسْجَنَةٌ فِي الْأَرْضِ الثَّانِيَةِ فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُهْلِكَ عَاداً أَمَرَ خَازِنَ الرِّيحِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْهِمْ رِيحاً تُهْلِكُ عَاداً قَالَ أَيْ رَبِّ أَرْسِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّيحِ قَدْرَ مَنْخِرِ الثَّوْرِ قَالَ لَهُ الْجِبَالُ لَا إِذًا تَكَفَّأَ الْأَرْضُ وَ مَنْ عَلَيْهَا وَ لَكِنْ أَرْسِلْ عَلَيْهِمْ بِقَدْرِ خَاتَمٍ فَهِيَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ‏ ما تَذَرُ مِنْ شَيْ‏ءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ‏ (2).

44- وَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: هِيَ الْجَنُوبُ.

45- وَ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ: لَمْ تَنْزِلْ قَطْرَةٌ مِنْ مَاءٍ إِلَّا بِمِكْيَالٍ عَلَى يَدِ (3) مَلَكٍ إِلَّا يَوْمَ الطُّوفَانِ‏ (4) فَإِنَّهُ أُذِنَ لَهَا دُونَ الْخُزَّانِ فَخَرَجَتْ وَ ذَلِكَ‏ (5) قَوْلُهُ‏ إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ وَ لَمْ يَنْزِلْ شَيْ‏ءٌ مِنَ الرِّيحِ إِلَّا بِمِكْيَالٍ‏ (6) عَلَى يَدِ (7) مَلَكٍ إِلَّا يَوْمَ عَادٍ فَإِنَّهُ أُذِنَ لَهَا دُونَ الْخُزَّانِ فَخَرَجَتْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ‏ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ عَتَتْ عَلَى الْخُزَّانِ‏ (8).

46- وَ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَ أُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ وَ قَالَ مَا أُمِرَ الْخُزَّانُ أَنْ يُرْسِلُوا عَلَى عَادٍ إِلَّا مِثْلَ مَوْضِعِ الْخَاتَمِ مِنَ الرِّيحِ فَعَتَتْ عَلَى الْخُزَّانِ فَخَرَجَتْ مِنْ نَوَاحِي الْأَبْوَابِ فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ‏ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ قَالَ عُتُوُّهَا عَتَتْ عَلَى الْخُزَّانِ فَبَدَأَتْ بِأَهْلِ الْبَادِيَةِ مِنْهُمْ فَحَمَلَتْهُمْ بِمَوَاشِيهِمْ وَ بُيُوتِهِمْ فَأَقْبَلَتْ بِهِمْ إِلَى‏

____________

(1) الدّر المنثور: ج 6،(ص)115. و الأولى منهما ثلاث روايات عن ابن عبّاس جمعها المؤلّف- ره- في رواية واحدة.

(2) الدّر المنثور: ج 6،(ص)115. و الأولى منهما ثلاث روايات عن ابن عبّاس جمعها المؤلّف- ره- في رواية واحدة.

(3) في المصدر: يدى ملك.

(4) في المصدر: نوح.

(5) في المصدر: ... دون الخزان، فطغا الماء على الخزان فخرج، فذلك.

(6) في المصدر: الا بكيل.

(7) في المصدر: يدى ملك.

(8) الدّر المنثور: ج 6،(ص)259.

21

الْحَاضِرَةِ فَلَمَّا رَأَوْهَا قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا فَلَمَّا دَنَتِ الرِّيحُ أَظِلَّتَهُمْ اسْتَبَقُوا (1) النَّاسُ وَ الْمَوَاشِي فِيهَا فَأَلْقَتِ الْبَادِيَةَ عَلَى أَهْلِ الْحَاضِرَةِ فَقَصَفَتْهُمْ‏ (2) فَهَلَكُوا جَمِيعاً (3).

47- وَ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ: مَا يَخْرُجُ مِنَ الرِّيحِ شَيْ‏ءٌ إِلَّا عَلَيْهَا خُزَّانٌ يَعْلَمُونَ قَدْرَهَا وَ عَدَدَهَا وَ وَزْنَهَا وَ كَيْلَهَا حَتَّى كَانَتِ الرِّيحُ الَّتِي أُرْسِلَتْ إِلَى عَادٍ فَانْدَفَقَ مِنْهَا شَيْ‏ءٌ لَا يَعْلَمُونَ قَدْرَهُ وَ لَا وَزْنَهُ وَ لَا كَيْلَهُ غَضَباً لِلَّهِ وَ لِذَلِكَ سُمِّيَتْ عَاتِيَةً وَ الْمَاءُ كَذَلِكَ حَتَّى‏ (4) كَانَ أَمْرُ نُوحٍ(ع)وَ لِذَلِكَ سُمِّيَ طَاغِيَةً (5).

48- وَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)الرِّيَاحُ ثَمَانٌ أَرْبَعٌ مِنْهَا عَذَابٌ وَ أَرْبَعٌ مِنْهَا رَحْمَةٌ فَالْعَذَابُ مِنْهَا الْعَاصِفُ وَ الصَّرْصَرُ وَ الْعَقِيمُ وَ الْقَاصِفُ وَ الرَّحْمَةُ مِنْهَا النَّاشِرَاتُ وَ الْمُبَشِّرَاتُ وَ الْمُرْسَلَاتُ وَ الذَّارِيَاتُ فَيُرْسِلُ اللَّهُ الْمُرْسَلَاتِ فَتُثِيرُ السَّحَابَ ثُمَّ يُرْسِلُ الْمُبَشِّرَاتِ فَتُلْقِحُ السَّحَابَ ثُمَّ يُرْسِلُ الذَّارِيَاتِ فَتَحْمِلُ السَّحَابَ فَتَدِرُّ كَمَا تَدِرُّ اللَّقْحَةُ ثُمَّ تَمْطُرُ وَ هُنَّ اللَّوَاقِحُ ثُمَّ يُرْسِلُ النَّاشِرَاتِ فَتَنْشُرُ مَا أَرَادَ (6).

49- وَ عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالَ مَا الْعَاصِفَاتُ عَصْفاً قَالَ الرِّيَاحُ‏ (7).

بيان في القاموس الحزيق الريح الباردة الشديدة الهبّابة كالحزوق و اللينة السهلة ضدّ و الراجعة المستمرّة السير أو الطويلة الهبوب و اللقحة بالفتح و الكسر الناقة الحلوب‏

ذنابة

ذكر الفلاسفة في سبب حدوث الرياح على أصولهم أن البخار إذا ثقل بواسطة

____________

(1) في المصدر: استبق.

(2) في المصدر: تقصفهم.

(3) الدّر المنثور: ج 6،(ص)259.

(4) في المصدر: حين كان.

(5) المصدر: ج 6،(ص)259.

(6) الدّر المنثور: ج 6،(ص)303.

(7) الدّر المنثور: ج 6،(ص)303.

22

البرودة المكتسبة من الطبقة الزمهريريّة و اندفع إلى أسفل فصار لتسخّنه بالحركة الموجبة لتلطيفه هواء متحركا و هو الريح و قد يكون الاندفاع يعرض بسبب تراكم السحب الموجبة لحركة ما يليها من الهواء لامتناع الخلأ فيصير السحاب من جانب إلى جهة أخرى و قد يكون لانبساط الهواء بالتخلخل في جهة و اندفاعه من جهة أخرى و قد يكون بسبب برد الدخان المتصاعد بعد وصوله إلى الطبقة الزمهريريّة و نزوله.

قالوا و من الرياح ما يكون سموما محرقا لاحتراقه في نفسه بالأشعة السماوية أو لحدوثه من بقية مادة الشهب أو لمروره بالأرض الحارة جدا لأجل غلبة نارية عليها و قد يقع تقاوم في ما بين ريحين متقابلتين قويتين تلتقيان فتستديران أو في ما بين رياح مختلفة الجهة حادثة فتدافع تلك الرياح الأجزاء الأرضية المشتملة عليها فتضغط تلك الأجزاء بينها مرتفعة كأنها تلتوي على نفسها فيحصل الدوران المسمى بالزوبعة و الإعصار و ربما اشتملت الزوابع العظام على قطعة من السحاب بل على بخار مرتفع‏ (1) فترى نارا تدور و مهابّ الرياح اثنا عشر و هي حدود الأفق الحاصلة من تقاطعه مع كل من دائرة نصف النهار و الموازيتين لها المماستين للدائمة الظهور و الخفاء و دائرة المشرق و المغرب الاعتداليين و الموازيتين لها المساويتين‏ (2) برأس السرطان و الجدي و لكل ريح منها اسم و المشهورات عند العرب أربعة ريح الشمال و ريح الجنوب و ريح الصبا و هي الشرقية ريح الدبور و هي الغربية و البواقي تسمّى نكباء

____________

(1) مشتعل (خ).

(2) في المخطوطة: المارتين.

23

باب 30 الماء و أنواعه و البحار و غرائبها و ما ينعقد فيها و علة المدّ و الجزر و الممدوح من الأنهار و المذموم منها

الآيات إبراهيم‏ وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (1) النحل‏ وَ هُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَ تَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَ أَلْقى‏ فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَ أَنْهاراً (2) الفرقان‏ وَ هُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَ هذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَ جَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَ حِجْراً مَحْجُوراً (3) النمل‏ وَ جَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَ جَعَلَ لَها رَواسِيَ وَ جَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً (4) فاطر وَ ما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَ هذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَ مِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَ تَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ (5) حمعسق‏ وَ مِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى‏ ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَ يَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ

____________

(1) إبراهيم: 32.

(2) النحل: 14- 15.

(3) الفرقان: 53.

(4) النمل: 61.

(5) فاطر: 12.

24

وَ يَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ‏ (1) الجاثية اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ (2) الطور وَ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (3) الرحمن‏ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ وَ لَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ‏ (4) الملك‏ قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ‏ (5) المرسلات‏ وَ أَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (6) تفسير وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ‏ إنما نسب إليه سبحانه مع أنه من أعمال العباد لأنه لو لا أنه تعالى خلق الأشجار الصلبة التي منها يمكن تركيب السفن و لو لا خلقة الحديد و سائر الآلات و لو لا تعريفه العباد كيف يتخذونها و لو لا أنه تعالى خلق الماء على صفة السلاسة التي باعتبارها يصح جري السفينة فيه و لو لا خلقه تعالى الرياح و خلق الحركات القوية فيها و لو لا أنه وسع الأنهار و جعل لها من العمق ما يجوز جري السفن فيها لما وقع الانتفاع بالسفن فصار لأجل أنه تعالى هو الخالق لهذه الأحوال و هو المدبّر لهذه الأمور و المسخر لها حسنت إضافته إليه و قيل لما كان يجري على وجه الماء كما يشتهيه الملاح صار كأنه حيوان مسخر له‏ بِأَمْرِهِ‏ أي بقدرته و إرادته.

____________

(1) الشورى: 32- 35.

(2) الجاثية: 12.

(3) الطور: 6.

(4) الرحمن: 19- 24.

(5) الملك: 30.

(6) المرسلات: 27.

25

سَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ لما كان ماء البحر قلما ينتفع به في الزراعات لا جرم ذكر تعالى إنعامه على الخلق بتفجير الأنهار و العيون حتى ينبعث الماء منها إلى مواضع الزروع و النبات و أيضا ماء البحر لا يصلح للشرب و الصالح لهذا مياه الأنهار.

وَ هُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ أي جعلها بحيث يتمكّنون من الانتفاع به بالركوب و الاصطياد و الغوص‏ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا هو السمك و وصفه بالطراوة لأنه أرطب اللحوم فيسرع إليه الفساد فيسارع إلى أكله و لإظهار قدرته في خلقه عذبا طريا في ماء زعاق‏ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها كاللؤلؤ و المرجان‏ وَ تَرَى الْفُلْكَ‏ أي السفن‏ مَواخِرَ فِيهِ‏ أي جواري فيه يشقه بخرومها من المخر و هو شقّ الماء و قيل صوت جري الفلك‏ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ‏ أي من سعة رزقه بركوبها للتجارة وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ أي تعرفون نعم الله فتقومون بحقها.

وَ هُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ‏ قال البيضاوي خلاهما متجاورين متلاصقين بحيث لا يتمازجان من مرج دابّته إذا خلاها هذا عَذْبٌ فُراتٌ‏ قامع للعطش من فرط عذوبته‏ وَ هذا مِلْحٌ أُجاجٌ‏ بليغ الملاحة (1) وَ جَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً حاجزا من قدرته‏ وَ حِجْراً مَحْجُوراً و تنافرا بليغا كأن كلًّا منهما يقول للآخر ما يقوله المتعوّذ عليه و قيل حدّا محدودا و ذلك كدجلة يدخل البحر فيشقّه فيجري في خلاله فراسخ لا يتغيّر طعمهما (2) و قيل المراد بالبحر العذب النهر العظيم مثل النيل و بالبحر الملح البحر الكبير و بالبرزخ ما يحول بينهما من الأرض فتكون القدرة في الفصل و اختلاف الصفة مع أن مقتضى طبيعة أجزاء كل عنصر أن تضامّت و تلاصقت و تشابهت في الكيفية (3) انتهى و يقال إن نهر آمل تدخل بحر الخزر و يبقى على عذوبته و لا يختلط بالمالح و يأخذون منه الماء العذب في وسط البحر فيمكن على تقدير صحته أن يكون داخلا تحت الآية أيضا.

____________

(1) في المصدر: الملوحة.

(2) طعمها (خ).

(3) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)167.

26

وَ ما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ‏ ضرب مثل للمؤمن و الكافر و الفرات الذي يكسر العطش و السائغ الذي يسهل انحداره و الأجاج الذي يحرق بملوحته‏ وَ مِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ‏ استطراد في صفة البحرين و ما فيهما أو تمام التمثيل و المعنى كما أنهما و إن اشتركا في بعض الفوائد لا يتساويان من حيث إنهما لا يتساويان في ما هو المقصود بالذات من الماء فإنه خالط أحدهما ما أفسده و غيره عن كمال فطرته لا يساوي المؤمن و الكافر و إن اتفق اشتراكهما في بعض الصفات كالشجاعة و السخاوة لاختلافهما في ما هو الخاصية العظمى و بقاء أحدهما على الفطرة الأصلية دون الآخر أو تفضيل للأجاج على الكافر بما يشارك العذب من المنافع و المراد بالحلية اللآلي و اليواقيت.

مِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ قرأ نافع و أبو عمرو الجواري بياء في الوصل و الوقف و الباقون بحذفها على التخفيف‏ كَالْأَعْلامِ‏ أي كالجبال فهذه السفن العظيمة التي تكون كأنها الجبال تجري على وجه الماء عند هبوب الرياح على أسرع الوجوه و عند سكونها تقف ففيه دلالة على وجود الصانع المسبب لتلك الأسباب و قدرته الكاملة و حكمته التامة لأنه تعالى خص كل جانب من جوانب الأرض بنوع من الأمتعة و إذا نقل متاع هذا الجانب إلى ذلك الجانب في السفن و بالعكس حصلت المنافع العظيمة في التجارة فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ أي فيبقين ثوابت‏ عَلى‏ ظَهْرِهِ‏ أي ظهر البحر لِكُلِّ صَبَّارٍ أي لكل من وكل همته و حبس نفسه على النظر في آيات الله و التفكر في آلائه أو لكل مؤمن كامل فإنه‏

- روي أن الإيمان نصفان نصف صبر و نصف شكر.

أَوْ يُوبِقْهُنَ‏ أي يهلكهن بإرسال الريح العاصفة المغرفة و المراد إهلاك أهلها لقوله‏ بِما كَسَبُوا و أصله أو يرسلها فيوبقهن لأنه قسيم‏ يُسْكِنِ الرِّيحَ‏ فاقتصر فيه على المقصود كما في قوله‏ وَ يَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ إذ المعنى أو يرسلها عاصفة فيوبق ناسا بذنوبهم و ينجي ناسا على العفو منهم و قرئ يعفوا على الاستئناف.

وَ يَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا عطف على علة مقدرة مثل لينتقم منهم و يعلم أو على الجزاء و نصب نصب الواقع جوابا للأشياء الستة لأنه أيضا غير واجب و قرأ نافع و ابن عامر بالرفع على الاستئناف و قرئ بالجزم عطفا على‏ يَعْفُ‏ فيكون‏

27

المعنى أو يجمع بين إهلاك و إنجاء قوم و تحذير آخرين‏ ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ‏ من محيد من العذاب.

اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ بأن جعله أملس السطح يطفو عليه ما يتخلخل كالأخشاب و لا يمنع الغوص فيه‏ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ‏ أي بتسخيره و أنتم راكبوها وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ‏ بالتجارة و الغوص و الصيد و غيرها وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ هذه النعم.

وَ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ أي المملو و هو المحيط أو الموقد من قوله‏ وَ إِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ‏ كما

- روي أن الله تعالى يجعل يوم القيامة البحار نارا يسجر بها جهنم.

أو المختلط من السجير و هو الخليط و قيل هو بحر معروف في السماء يسمى بحر الحيوان.

مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ‏ أي أرسلهما و المعنى أرسل البحر الملح و البحر العذب‏ يَلْتَقِيانِ‏ أي يتجاوران و تتماس سطوحهما أو بحري فارس و الروم يلتقيان في المحيط لأنهما خليجان يتشعبان منه‏ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ‏ أي حاجز من قدرة الله تعالى أو من الأرض‏ لا يَبْغِيانِ‏ أي لا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة و إبطال الخاصية أو لا يتجاوزان حديهما أو بإغراق ما بينهما و قال الطبرسي ره قيل المراد بالبحرين بحر السماء و بحر الأرض فإن في السماء بحرا يمسكه الله بقدرته ينزل منه المطر فيلتقيان في كل سنة و بينهما حاجز يمنع بحر السماء من النزول و بحر الأرض من الصعود عن ابن عباس و غيره و قيل إنهما بحر فارس و بحر الروم فإن آخر طرف هذا يتصل بآخر طرف ذلك و البرزخ بينهما الجزائر و قيل‏ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ‏ خلط طرفيهما عند التقائهما من غير أن يختلط جملتهما لا يَبْغِيانِ‏ أي لا يطلبان أن يختلطا (1).

يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ‏ أي كبار الدرّ و صغاره و قيل المرجان الخرر

____________

(1) مجمع البيان: ج 9،(ص)201.

28

الأحمر و إن صح أن الدرّ يخرج من المالح‏ (1) فعلى الأول إنما قال منهما لأنه يخرج من مجتمع المالح‏ (2) و العذب أو لأنهما لما اجتمعا صارا كالشي‏ء الواحد و كان المخرج من أحدهما كالمخرج منها ذكره البيضاوي‏ (3) و قال الرازي اللؤلؤ لا يخرج إلا من المالح فكيف قال منهما نقول الجواب عنه من وجوه‏ (4) الأول ظاهر كلام الله أولى بالاعتبار من كلام بعض الناس الذي لا يوثق بقوله و من علم أن اللؤلؤ لا يخرج من الماء العذب غاية علمكم‏ (5) أن الغواصين ما أخرجوه إلا من المالح و لكن لم قلتم‏ (6) إن الصدف لا يخرج اللؤلؤ بأمر الله من الماء العذب إلى الماء المالح و كيف يمكن الجزم به و الأمور الأرضية الظاهرة خفيت عن التجار الذين قطعوا المفاوز و داروا البلاد فكيف لا يخفى عليهم ما في قعور البحور الثاني أن نقول إن صح قولهم إنه لا يخرج إلا من الماء المالح فنقول فيه وجوه أحدها أن الصدف لا يتولد فيه اللؤلؤ إلا من ماء المطر و هو بحر السماء ثانيها أنه يتولد في ملتقاهما ثم يدخل الصدف في البحر المالح عند انعقاد الدر فيه لحال الملوحة كالمتوخمة التي تشتهي في أوائل الحمل فتثقل هناك فلا يمكنه الدخول في العذب‏ (7) ثم ذكر بعض الوجوه المتقدمة.

و قال الطبرسي ره قيل يخرج منهما أي من ماء السماء و ماء البحر فإن القطر إذا جاء من السماء تفتّحت الأصداف فكان من ذلك القطر اللؤلؤ عن ابن عباس و لذلك حمل البحرين على بحر السماء و بحر الأرض و قيل إن العذب و الملح يلتقيان فيكون العذب كاللقاح للملح و لا يخرج اللؤلؤ إلا من الموضع الذي يلتقي‏

____________

(1) في أنوار التنزيل: الملح.

(2) في أنوار التنزيل: الملح.

(3) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)485.

(4) في المصدر: من وجهين.

(5) في المصدر: وهب ان ...

(6) عبارة المصدر هكذا «لكن لا يلزم من هذا أن لا يوجد في الغير. سلمنا لم قلتم ان الصدف يخرج بامر اللّه من الماء العذب الى الماء المالح» و كأنّ فيه تصحيفا.

(7) مفاتيح الغيب: ج 29،(ص)101.

29

فيه العذب و الملح و ذلك معروف عند الملاحين‏ (1) انتهى.

أقول‏ وَ لَهُ الْجَوارِ أي السفن جمع جارية الْمُنْشَآتُ‏ أي المرفوعات الشرّع أو المصنوعات و قرأ حمزة و أبو بكر بكسر الشين أي الرافعات الشرّع أو اللاتي ينشئن الأمواج أو السير كَالْأَعْلامِ‏ جمع علم و هو الجبل الطويل‏ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ‏ من خلق مواد السفن و الإرشاد إلى أخذها و كيفية تركيبها و إجرائها في البحر بأسباب لا يقدر على خلقها و جمعها غيره تعالى.

إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً أي غائرا في الأرض بحيث لا تناله الدلاء مصدر وصف به‏ بِماءٍ مَعِينٍ‏ أي جار أو ظاهر سهل المأخذ وَ أَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً بخلق الأنهار و المنافع فيها.

1- الْعِلَلُ، وَ الْعُيُونُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الْبَصْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْوَاعِظِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَامِرٍ الطَّائِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَنِ الْمَدِّ وَ الْجَزْرِ مَا هُمَا فَقَالَ مَلَكٌ‏ (2) مُوَكَّلٌ بِالْبِحَارِ يُقَالُ لَهُ رُومَانُ فَإِذَا وَضَعَ قَدَمَيْهِ فِي الْبَحْرِ فَاضَ وَ إِذَا أَخْرَجَهُمَا غَاضَ‏ (3).

2- الْعِلَلُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ عَمِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ خَلَفِ بْنِ حَمَّادٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْعَبْدِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ‏ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمَدِّ وَ الْجَزْرِ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَكَّلَ مَلَكاً بِقَامُوسِ الْبَحْرِ فَإِذَا وضح [وَضَعَ رِجْلَيْهِ‏ (4) فِيهِ فَاضَ وَ إِذَا أَخْرَجَهُمَا (5) غَاضَ‏ (6).

____________

(1) في المصدر «الغواصين» مجمع البيان: ج 9،(ص)201.

(2) في العيون: ملك من ملائكة اللّه عزّ و جلّ.

(3) العلل: ج 2،(ص)240 و العيون: ج 1،(ص)242.

(4) في المصدر: رجله.

(5) في المصدر: اخرجها.

(6) العلل: ج 2،(ص)240.

30

بيان قال الجزري قاموس البحر وسطه و معظمه‏

و منه حديث ابن عباس و سئل عن المد و الجزر و ذكر الخبر.

ثم قال أي زاد و نقص و هو فاعول من القمس انتهى و أقول اختلف الحكماء في سبب المدّ و الجزر على أقوال شتى و ليس شي‏ء منها مما يسمن أو يغني من جوع أو يروي من عطش و ما ذكر في الخبر أظهرها و أصحها عقلا أيضا و قد سمعت من بعض الثقات أنه قال إني رأيت شيئا عظيما يمتد من الجو إلى البحر فيمتد ماؤه ثم إذا ذهب ذلك شرع في الجزر (1) و أما ما ذكره الحكماء في ذلك ففي رسائل إخوان الصفا أما علة هيجان البحار و ارتفاع مياهها و مدودها على سواحلها و شدة تلاطم أمواجها و هبوب الرياح في وقت هيجانها إلى الجهات في أوقات مختلفة من الشتاء و الصيف و الربيع و الخريف و أوائل الشهور و أواخرها و ساعات الليل و النهار فهي من أجل أن مياهها إذا حميت من قرارها و سكنت و لطفت و تخلخلت و طلبت مكانا أوسع مما كان فيه فتدافعت بعض أجزائها بعضا إلى الجهات الخمس فوقا و شرقا و غربا و جنوبا و شمالا للاتساع فيكون في الوقت الواحد على سواحلها أمواج مختلفة في جهات مختلفة و أما علة هيجانها في وقت دون وقت فهو بحسب تشكل الفلك و الكواكب و مطارح شعاعاتها على سطوح تلك البحار في الآفاق و الأوتاد الأربعة و اتصالات القمر بها عند حلوله في منازله الثمانية و العشرين كما هو المذكور في كتب أحكام النجوم و أما علة مدود بعض البحار في وقت طلوعات القمر و مغيبه دون غيرها من البحار فهو من أجل أن تلك البحار

____________

(1) لو كان ما ادعى رؤيته ممّا يرى بالحس لرآه كل من يسكن السواحل و لتواتر نقله فافهم، و يمكن أنّه كان قد رأى شيئا من الابخرة المتصاعدة من بعيد مقارنا للمد فتوهم انه هو الذي يوجب المد و الأسباب المادية لحصول الجزر و المد و سائر ما يحدث في الأرض و البحار و الجو صارت اليوم ببركة العلوم التجربية من الواضحات بل تكاد تكون بديهية و لا ينافى ذلك ما ذكر في الروايات من استنادها إلى إرادة اللّه تعالى أو أفعال الملائكة، فانها علل طولية تنتهى بالأخرة إلى من إليه المنتهى، و لا يخفى ان كثيرا من الروايات الواردة في امثال هذه المعاني لم تسلم عن الدس و الوضع مضافا الى المناقشة في شمول ادلة حجية الخبر الواحد لغير ما يتضمن بيان الاحكام الفرعية.

31

في قرارها صخور صلبة و أحجار صلدة فإذا أشرق القمر على سطح ذلك البحر وصلت مطارح شعاعاته إلى تلك الصخور و الأحجار التي في قرارها ثم انعكست من هناك راجعة فسخنت تلك المياه و حمت و لطفت و طلبت مكانا أوسع و ارتفع إلى فوق و دفع بعضها بعضا إلى فوق و تموجت إلى سواحلها و فاضت على سطوحها و رجعت مياه تلك الأنهار التي كانت تنصب إليها إلى خلف راجعة فلا يزال ذلك دأبها ما دام القمر مرتفعا إلى وتد سمائه فإذا انتهى إلى هناك و أخذ ينحط سكن عند ذلك غليان تلك المياه و بردت و انضمت تلك الأجزاء و غلظت فرجعت إلى قرارها و جرت الأنهار على عادتها فلا يزال ذلك دأبها إلى أن يبلغ القمر إلى الأفق الغربي من تلك البحار ثم يبتدئ المد على عادته و هو في الأفق الشرقي فلا يزال ذلك دأبه حتى يبلغ القمر إلى وتد الأرض فينتهي المد من الرأس ثم إذا زال القمر من وتد الأرض أخذ المد راجعا إلى أن يبلغ القمر إلى أفقه الشرقي من الرأس فإن قيل لم لا يكون المد و الجزر عند طلوعات الشمس و إشرافاتها على سطح هذه البحار فقد بينا علل ذلك في رسالة العلل و المعلولات انتهى.

و قال المسعودي في مروج الذهب المدّ هو مضي الماء بسجيته و سنن جريه و الجزر هو رجوع الماء على ضد سنن مضيه و انعكاس ما يمضي عليه في نهجه و هما يكونان في البحر الحبشي‏ (1) الذي هو الصيني و الهندي و بحر البصرة و فارس و ذلك أن البحار على ثلاثة أصناف منها ما يأتي فيه الجزر و المد و يظهر ظهورا بينا و منها ما لا يتبين فيه الجزر و المد و يكون خفيا مستترا و منها ما لا يجزر و لا يمد و قد تنازع الناس في علتهما فمنهم من ذهب إلى أن علة ذلك القمر لأنه مجانس للماء و هو يسخنه فيبسط و شبهوا ذلك بالنار إذا سخنت ما في القدر و أغلته و إن الماء يكون فيها على قدر النصف أو الثلثين فإذا غلى الماء انبسط في القدر و ارتفع و تدافع حتى يفور فتتضاعف كميته في الحس لأن من شرط الحرارة أن تبسط الأجسام و من شرط

____________

(1) في المصدر: و انكشاف ما مضى عليه في هيجه و ذلك كبحر الحبش ...

32

البرودة أن تضغطها (1) و ذلك أن قعور البحار تحمى فتتولد في أرضها (2) عذوبة و تستحيل و تحمى كما يعرض ذلك في البلاليع و الآبار فإذا حمى ذلك الماء انبسط و إذا انبسط زاد و إذا زاد دفع‏ (3) كل جزء منه صاحبه فطفر عن سطحه‏ (4) و بان عن قعره و احتاج إلى أكثر من وهدته و إن القمر إذا امتلأ أحمى الجو حميا شديدا فظهر زيادة الماء فسمي ذلك المد الشهري و قالت طائفة أخرى لو كان الجزر و المد بمنزلة النار إذا أسخنت الماء الذي في القدر و بسطته فيطلب أوسع منه فيفيض حتى إذا خلا قعره من الماء طلب الماء بعد خروجه منه عمق الأرض بطبعه فيرجع اضطرارا بمنزلة رجوع ما يغلي من الماء في المرجل و القمقم إذا فاض لكان بالشمس أشد سخونة و لو كانت الشمس علة مده لكان بدؤه مع بدء طلوع الشمس و الجزر عند غيبوبتها و زعم هؤلاء أن علة المد و الجزر الأبخرة التي تتولد في بطن الأرض فإنها لا تزال تتولد و تكثف و تكثر فتدفع حينئذ ماء هذا البحر لكثافتها فلا تزال على ذلك حتى تنقص موادها من أسفل فإذا انقطعت موادها من أسفل تراجع الماء حينئذ إلى قعور البحر و كان الجزر من أجل ذلك و المد ليلا و نهارا و شتاء و صيفا و في غيبوبة القمر و طلوعه و في غيبوبة الشمس و طلوعها قالوا و هذا يدرك بحس البصر (5) لأنه ليس يستكمل الجزر آخره حتى يبدو أول المد و لا يفنى‏ (6) آخر المد حتى يبدو أول الجزر لأنه لا يفتر تولد تلك البخارات حتى إذا خرجت تولد مكانها غيرها و ذلك أن البحر إذا غارت مياهه و رجعت إلى قعره تولدت تلك الأبخرة لمكان ما يتصل منها من الأرض بمائه فكلما عاد تولدت و كلما فاض تنفست‏ (7)

____________

(1) في المصدر تضمها.

(2) الأرض (خ).

(3) في المصدر: و إذا زاد ارتفع فدفع.

(4) في المصدر: فطفا على سطحه.

(5) في المصدر: بالحس.

(6) في المصدر: لا ينقضى.

(7) تنقصت (خ).

33

و ذهب آخرون من أهل الديانات أن كل ما لا يعلم له في الطبيعة مجرى و لا يوجد له فيها قياس فله فعل إلهي يدل على توحيد الله عز و جل و حكمته و ليس للمدّ و الجزر علة في الطبيعة البتة و لا قياس و قال آخرون ما هيجان ماء البحر إلا كهيجان بعض الطبائع فإنك ترى صاحب الصفراء و صاحب الدم و غيرهما تهتاج طبيعته و تسكن و لذلك موادّ تمدّها حالا بعد حال فإذا قويت هاجت ثم تسكن قليلا قليلا حتى تعود و ذهب طائفة إلى إبطال سائر ما وصفنا من القول و زعموا أن الهواء المطل على البحر يستحيل دائما فإذا استحال عظم ماء البحر و فار (1) عند ذلك فإذا فار فاض و إذا فاض فهو المد فعند ذلك يستحيل ماؤه و يتفشّى و استحال هواء فعاد (2) إلى ما كان عليه و هو الجزر و هو دائم لا يفتر متصل مترادف متعاقب لأن الماء يستحيل هواء و الهواء يستحيل ماء و قد يجوز أن يكون ذلك عند امتلاء القمر أكثر لأن القمر إذا امتلأ استحال ماء أكثر مما كان يستحيل قبل ذلك و إنما القمر علة لكثرة المد لا للمد نفسه لأنه قد يكون و القمر في محاقه و المد و الجزر في بحر فارس يكون على مطالع الفجر في أغلب الأوقات و قد ذهب أكثر من أرباب السفن ممن يقطع هذا البحر و يختلف إلى جزائره أن المد و الجزر لا يكون في معظم هذا البحر إلا مرتين في السنة مرة يمد في شهور الصيف شرقا بالشمال ستة أشهر فإذا كان ذلك طما الماء في مشارق البحر و الصين و ما والى ذلك الصقع و مرة يمد في شهور الشتاء غربا بالجنوب ستة أشهر و إذا كان ذلك طما الماء في مغارب البحر و الجزر بالصين و قد يتحرك البحر بتحريك الرياح فإن الشمس إذا كانت في الجهة الشمالية تحرك الهواء إلى الجهة الجنوبية فلذلك تكون البحار في جهة الجنوب في الصيف لهبوب الشمال طامية عالية و تقل المياه في جهة (3) البحور الشمالية و كذلك إذا كانت الشمس في الجنوب و سار (4) الهواء من الجنوب إلى جهة الشمال فسأل‏ (5) معه ماء البحر من الجهة الجنوبية إلى الجهة الشمالية

____________

(1) في المصدر: و فاض عند ذلك، و إذا فاض البحر فهو المد.

(2) في المصدر: يتنفس فيستحيل هواء فيعود ...

(3) في المصدر: البحار.

(4) في المصدر: سال.

(5) في المصدر: سال.

34

قلت المياه في الجهة الجنوبية و تنقل‏ (1) ماء البحر في هذين الميلين أعني في جهة (2) الشمال و الجنوب يسمى جزرا و مدا (3) و ذلك أن مد الجنوب جزر الشمال و مد الشمال جزر الجنوب فإن وافق القمر بعض الكواكب السيارة في أحد الميلين تزايد الفعلان و قوي الحر و اشتد لذلك‏ (4) انقلاب ماء البحر إلى الجهة المخالفة للجهة التي فيها الشمس و هذا رأي الكندي و أحمد بن الخصيب السرخسي في ما حكي عنهما (5) أن البحر يتحرك بتحرك الرياح‏ (6) انتهى.

و جملة القول فيه أن نهر البصرة و الأنهار المقاربة له يمد في كل يوم و ليلة مرتين و يدور ذلك في اليوم و الليلة و لا يخص وقتا كطلوع الشمس و غروبها و ارتفاعها و انخفاضها و يسمى ذلك بالمد اليومي و يكون المد عند زيادة نور القمر أشد و يسمى ذلك بالمد الشهري و هذا المد يمكن استناده إلى القمر لكونه تابعا له في الغالب بمعنى أنه يحصل في أيام زيادة نور القمر لكن الظاهر أنه لو كانت العلة زيادة نوره لكان هذا المد مقارنا لها أو بعدها بزمان يتم فيه فعل القمر و تأثيره في البحر و الظاهر أنه ليس تابعا له بهذا المعنى و على تقدير صحة استناده إليه فلا ريب في بطلان ما جعله القائل الأول مناطا له من سخونة البحر بنور القمر لأنه مجانس للماء و كذا سخونة الجو به بل ربما يدعى أن نور القمر يبرد الجو و الأجسام كما هو المجرب نعم ربما يجوز العقل تأثير القمر في المد لنوع من المناسبة و الارتباط بين نوره و بين الماء و إن لم نعلمها بخصوصها لكن يقدح فيه ما ذكرناه من عدم انضباط المقارنة (7) و التأخر على الوجه المذكور و أما المد اليومي فبطلان استناده إلى القمر واضح و استناده‏

____________

(1) في المصدر: ينتقل.

(2) في المصدر: جهتى.

(3) في المصدر: و مدا شتويا.

(4) في المصدر: و اشتد لذلك سيلان الهواء فاشتد لذلك انقلاب ...

(5) في المصدر: فى ما حكاه عنه.

(6) مروج الذهب: ج 1،(ص)68- 70.

(7) أو (خ).

35

إلى الكواكب على انفرادها أو بمشاركة القمر بعيد غاية البعد و كون الكواكب عللا له من حيث الحرارة ظاهر الفساد و ما ذكره الطائفة الثانية من أنه للأبخرة الحادثة في باطن الأرض فيرد عليه أن الأبخرة الكثيرة الكثيفة التي تفور البحر مع عظمته لخروجها لو اجتمعت و احتبست في باطن الأرض ثم خرجت دفعة كما هو الظاهر من كلامه لزم انشقاق الأرض منها انشقاقا فاحشا ثم التئامها في كل يوم و ليلة لعله مما لا يرتاب أحد في أنه خلاف الواقع و لا يظهر للعقل سبب لالتئام الأرض بعد الانشقاق و كون كل التئام مستندا إلى انشقاق حادث في موضع آخر من الأرض قريب من موضع الأول في غاية البعد و لو خرجت تدريجا لاستلزمت غليانا و فورانا في البحر دائما لا هذا النوع من الحركة و الامتلاء و هو واضح و ما ذكره الطائفة الثالثة من أنه كهيجان الطبائع فيرد عليه أنه لو كان المراد أنه و الطبائع تهيج بلا سبب فباطل و لو قيل بأن ذلك مقتضى الطبيعة فذلك مما لم يقل به أحد و لو أريد أنه بسبب و لو لم يكن معلوما لنا فذلك مما لا ثمرة له إذ الكلام في خصوص السبب و ما ذكره الطائفة الرابعة من أنه للانقلاب فلا يظهر له وجه و لا ينطبق على تلك الخصوصيات فالأوجه أن يقال إنها بقدرة الله و تدبيره و حكمته إما بتوسط الملك إن صح الخبر أو بما رأى المصلحة فيه من العلل و الأسباب فإنه تعالى المسبب لها و المقدر لأوقاتها و لم نكلف بالخوض في عللها و إن أمكنت مدخلية بعض تلك الوجوه التي تقدم ذكرها و العالم بها هو المدبر لها و يكفينا ما ظهر لنا من منافعها و فوائدها.

3- الْخِصَالُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ هِلَالٍ‏ (1) عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ‏ (2) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ مِنَ الْجَنَّةِ الْفُرَاتُ وَ النِّيلُ وَ سَيْحَانُ وَ جَيْحَانُ فَالْفُرَاتُ الْمَاءُ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ

____________

(1) أحمد بن هلال أبو جعفر العبرتائى ضعيف جدا، قال الشيخ في التهذيب: ان أحمد بن هلال مشهور باللعنة و الغلوّ و روى الكشّيّ عن ابى الحسن العسكريّ (عليه السلام) رواية تشتمل على لعنه و التبرى منه كقوله (عليه السلام) «و نحن نبرأ إلى اللّه من ابن هلال لا (رحمه اللّه) و من لا يبرأ منه».

(2) في الخصال: عن عليّ (عليه السلام).

36

وَ النِّيلُ الْعَسَلُ وَ سَيْحَانُ الْخَمْرُ وَ جَيْحَانُ اللَّبَنُ‏ (1).

بيان الفرات أفضل الأنهار بحسب الأخبار و قد أوردتها في كتاب المزار و النيل بمصر معروف و سيحان و جيحان قال في النهاية هما نهران بالعواصم عند المصيصة و الطرسوس و في القاموس سيحان نهر بالشام و آخر بالبصرة و سيحون نهر بما وراء النهر و نهر بالهند و قال جيحون نهر خوارزم و جيحان نهر بالشام و الروم معرب جهان انتهى و ذكر المولى عبد العلي البرجندي في بعض رسائله أن نهر الفرات يخرج من جبال أرزن الروم‏ (2) ثم يسيل نحو المشرق إلى ملطية ثم إلى سميساط حتى ينتهي إلى الكوفة ثم تمر حتى ينصب في البطائح و قال النيل أفضل الأنهار لبعد منبعه و مروره على الأحجار و الحصيات و ليس فيه وحل و لا يخضر الحجر فيه كغيره و يمر من الجنوب إلى الشمال و هو سريع الجري و زيادته في أيام نقص سائر المياه و منبعه مواضع غير معمورة في جنوب خط الإستواء و لذا لم يعلم منبعه على التحقيق و نقل عن بعض حكماء اليونان أن ماءه يجتمع من عشرة أنهار بين كل نهرين منها اثنان و عشرون فرسخا فتنصب تلك الأنهار في بحيرة ثم منها يخرج نهر مصر متوجها إلى الشمال حتى ينتهي إلى مصر فإذا جازها و بلغ شنطوف انقسم قسمين ينصبان في البحر و قال سيحان منبعه من موضع طوله ثمان و خمسون درجة و عرضه أربع و أربعون درجة و يمر في بلاد الروم من الشمال إلى الجنوب إلى بلاد أرمن ثم إلى قرب مصيصة ثم يجتمع مع جيحان و ينصبان في بحر الروم فيما بين أياس و طرسوس و نهر جيحان منبعه من موضع طوله ثمان و خمسون درجة و عرضه ست و أربعون درجة و هو قريب من نهر الفرات في العظمة و يمر من الشمال إلى الجنوب بين جبال في حدود الروم إلى أن يمر إلى شمال مصيصة و ينصب في البحر انتهى.

ثم اعلم أن هذه الرواية مروية في طرق المخالفين أيضا إلا أنه ليس فيها

____________

(1) الخصال: 117.

(2) أرزن روم (خ).

37

فالفرات إلى آخر الخبر و اختلفوا في تأويله قال الطيبي في شرح المشكاة في شرح هذا الخبر سيحان و جيحان غير سيحون و جيحون و هما نهران عظيمان جدا و خص الأربعة لعذوبة مائها و كثرة منافعها كأنها من أنهار الجنة أو يراد أنها أربعة أنهار هي أصول أنهار الجنة سماها بأسامي الأنهار العظام من أعذب أنهار الدنيا و أفيدها على التشبيه فإن ما في الدنيا من المنافع فنموذات لما في الآخرة و كذا مضارها و قال القاضي معنى كونها من أنهار الجنة أن الإيمان يعم بلادها و أن شاربيها صائرة إليها و الأصح أنه على ظاهرها و أن لها مادة من الجنة و في معالم التنزيل أنزلها الله تعالى من الجنة و استودعها الجبال لقوله تعالى‏ فَأَسْكَنَّاهُ‏ أقول المشبه في الوجه الأول أنهار الدنيا و وجه الشبه العذوبة و الهضم و البركة و في الثاني أنهار الجنة و وجهه الشهرة و الفائدة و العذوبة و في الثالث وجهه المجاورة و الانتفاع انتهى و أقول ظاهر الخبر مع التتمة التي في الخصال اشتراك الاسم و إنما سميت بأسماء أنهار الجنة لفضلها و بركتها و كثرة الانتفاع بها و يحتمل أن يكون المعنى أن أصل هذه الأنهار و مادتها من الجنة فلما صارت في الدنيا انقلبت ماء و لا ينافي ذلك معلومية منابعها إذ يمكن أن يكون أول حدوثها بسبب ماء الجنة أو يصب فيها بحيث لا نعلم أو يكون المراد بالجنة جنة الدنيا كما مر في كتاب المعاد و تجري من تحت الأرض إلى تلك المنابع ثم يظهر منها و يؤيد تلك الوجوه في الجملة

- مَا رَوَاهُ الْكُلَيْنِيُّ بِسَنَدٍ كَالْمُوَثَّقِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: يُدْفَقُ فِي الْفُرَاتِ فِي كُلِّ يَوْمٍ دُفُقَاتٌ مِنَ الْجَنَّةِ (1).

- وَ بِسَنَدٍ آخَرَ رَفَعَهُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه) قَالَ: نَهَرُكُمْ هَذَا يَعْنِي مَاءَ الْفُرَاتِ يُصَبُّ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنْ مَيَازِيبِ الْجَنَّةِ (2).

- وَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (صلوات الله عليهما) قَالَ: إِنَّ مَلَكاً يَهْبِطُ مِنَ السَّمَاءِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مَعَهُ ثَلَاثَةُ مَثَاقِيلِ مِسْكٍ‏ (3) مِنْ مِسْكِ الْجَنَّةِ فَيَطْرَحُهَا فِي الْفُرَاتِ وَ مَا مِنْ نَهَرٍ فِي شَرْقِ الْأَرْضِ وَ لَا غَرْبِهَا أَعْظَمَ بَرَكَةً

____________

(1) الكافي: 6،(ص)388.

(2) الكافي: 6،(ص)388.

(3) في المصدر: مسكا.

38

مِنْهُ‏ (1).

و أما التأويل بكون أهلها و شاربيها صائرين إلى الجنة فهو في خصوص الفرات ظاهر إذ أكثر القرى و البلاد الواقعة عليه و بقربه من الإمامية و المحبين لأهل البيت(ع)كما تشهد به التجربة

- وَ قَدْ رَوَى الْكُلَيْنِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَا إِخَالُ أَحَداً يُحَنَّكُ بِمَاءِ الْفُرَاتِ إِلَّا أَحَبَّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ.

- وَ قَالَ(ع)مَا سُقِيَ أَهْلُ الْكُوفَةِ مَاءَ الْفُرَاتِ إِلَّا لِأَمْرٍ مَا وَ قَالَ يُصَبُّ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنَ الْجَنَّةِ (2).

أقول قوله(ع)لأمر ما أي لرسوخ ولاية أهل البيت(ع)في قلوب أهلها

- وَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه) قَالَ: أَمَا إِنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ لَوْ حَنَّكُوا أَوْلَادَهُمْ بِمَاءِ الْفُرَاتِ لَكَانُوا لَنَا شِيعَةً (3).

و أما الأنهار الثلاثة الأخرى فلم أر لها في غير هذا الخبر فضلا بل‏

- رَوَى الْكُلَيْنِيُّ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ قَالَ: مَاءُ نِيلِ مِصْرَ يُمِيتُ الْقَلْبَ‏ (4)

. 4- الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى الْأَرْضِ خَمْسَةَ أَنْهَارٍ سَيْحُونَ وَ هُوَ نَهَرُ الْهِنْدِ وَ جَيْحُونَ وَ هُوَ نَهَرُ بَلْخَ وَ دِجْلَةَ وَ الْفُرَاتَ وَ هُمَا نَهْرَا الْعِرَاقِ وَ النِّيلَ وَ هُوَ نَهَرُ مِصْرَ أَنْزَلَهَا اللَّهُ مِنْ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ مِنْ عُيُونِ الْجَنَّةِ مِنْ أَسْفَلِ دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجَاتِهَا عَلَى جَنَاحَيْ جَبْرَائِيلَ فَاسْتَوْدَعَهَا الْجِبَالَ وَ أَجْرَاهَا فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلَهَا مَنَافِعَ لِلنَّاسِ فِي أَصْنَافِ مَعَايِشِهِمْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ‏ وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ‏ (5) فَإِذَا كَانَ عِنْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَ مَأْجُوجَ أَرْسَلَ اللَّهُ جَبْرَئِيلَ فَرُفِعَ مِنَ الْأَرْضِ الْقُرْآنُ وَ الْعِلْمُ كُلُّهُ وَ الْحَجَرُ مِنْ رُكْنِ الْبَيْتِ وَ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَ تَابُوتُ مُوسَى بِمَا فِيهِ وَ هَذِهِ الْأَنْهَارُ الْخَمْسَةُ فَيُرْفَعُ كُلُّ ذَلِكَ إِلَى السَّمَاءِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى‏ وَ إِنَّا عَلى‏ ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ‏ فَإِذَا رُفِعَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنَ الْأَرْضِ فَقَدَ أَهْلُهَا خَيْرَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ (6).

____________

(1) الكافي: ج 6،(ص)389.

(2) الكافي: ج 6،(ص)388.

(3) الكافي: ج 6،(ص)389.

(4) الكافي: ج 6،(ص)391.

(5) المؤمنون: 19.

(6) الدّر المنثور: ج 5،(ص)8.

39

5- شَرْحُ النَّهْجِ، نهج البلاغة لِابْنِ مِيثَمٍ‏ قَالَ لَمَّا فَرَغَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مِنْ حَرْبِ الْجَمَلِ خَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ(ص)وَ اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ وَ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِمَاتِ ثُمَّ قَالَ يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ يَا أَهْلَ الْمُؤْتَفِكَةِ ائْتَفَكَتْ بِأَهْلِهَا ثَلَاثاً وَ عَلَى اللَّهِ تَمَامُ الرَّابِعَةِ وَ سَاقَ الْخُطْبَةَ كَمَا مَرَّ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ وَ سَيَأْتِي إِلَى قَوْلِهِ (عليه السلام) سَخَّرَ لَكُمُ الْمَاءَ يَغْدُو عَلَيْكُمْ وَ يَرُوحُ صَلَاحاً لِمَعَاشِكُمْ وَ الْبَحْرَ سَبَباً لِكَثْرَةِ أَمْوَالِكُمْ.

بيان قوله(ع)الماء يغدو عليكم و يروح إشارة إلى المدّ و الجزر و قوله صلاحا لمعاشكم إلى فائدتهما إذ لو كان الماء دائما على حد النقصان و لم يصل إلى حد المد لما سقي زروعهم و نخيلهم و لو كان دائما على حد الزيادة لغرقت أراضيهم بأنهارهم و في نقص الأنهار بعد زيادتها فائدة أخرى هي غسل الأقذار و إزالة الخبائث عن شطوطها و ربما كان فيهما فوائد أخرى كتأثيرهما في حركة السفن و نحو ذلك.

6- إِعْلَامُ الْوَرَى، بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْكُلَيْنِيِّ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ حَيَّانَ السَّرَّاجِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْكِسَائِيِ‏ (1) عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: سَأَلَ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ عُمَرَ يَهُودِيٌّ مِنْ أَوْلَادِ هَارُونَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَنْ أَوَّلِ قَطْرَةٍ قَطَرَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ‏ (2) وَ أَوَّلِ عَيْنٍ فَاضَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ‏ (3) وَ أَوَّلِ شَجَرٍ اهْتَزَّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ‏ (4) فَقَالَ(ع)يَا هَارُونِيُّ أَمَّا أَنْتُمْ فَتَقُولُونَ أَوَّلُ قَطْرَةٍ قَطَرَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ حَيْثُ قَتَلَ أَحَدُ ابْنَيْ آدَمَ صَاحِبَهُ وَ لَيْسَ كَذَلِكَ وَ لَكِنَّهُ حَيْثُ طَمِثَتْ حَوَّاءُ وَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَلِدَ ابْنَيْهَا وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتَقُولُونَ أَوَّلُ عَيْنٍ فَاضَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ الْعَيْنُ الَّتِي بِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَ لَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ وَ لَكِنَّهَا

____________

(1) في المصدر: الكنانيّ.

(2) في المصدر: أى قطرة هى؟.

(3) في المصدر: أى عين هى؟.

(4) في المصدر: اي شجرة هى؟.

40

عَيْنُ الْحَيَاةِ الَّتِي وَقَفَ عَلَيْهَا مُوسَى وَ فَتَاهُ وَ مَعَهُمَا النُّونُ الْمَالِحُ فَسَقَطَ فِيهَا فَحَيِيَ وَ هَذَا الْمَاءُ لَا يُصِيبُ مَيِّتاً إِلَّا حَيِيَ وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتَقُولُونَ أَوَّلُ شَجَرٍ اهْتَزَّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ الشَّجَرَةُ الَّتِي كَانَتْ مِنْهَا سَفِينَةُ نُوحٍ وَ لَيْسَ كَذَلِكَ وَ لَكِنَّهَا النَّخْلَةُ الَّتِي هَبَطَتْ‏ (1) مِنَ الْجَنَّةِ وَ هِيَ الْعَجْوَةُ وَ مِنْهَا تَفَرَّعَ كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَنْوَاعِ النَّخْلِ فَقَالَ صَدَقْتَ وَ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنِّي لَأَجِدُ هَذَا فِي كُتُبِ أَبِي هَارُونَ(ع)كِتَابَةَ (2) يَدِهِ وَ إِمْلَاءَ عَمِّي مُوسَى(ع)(3).

7- إِكْمَالُ الدِّينِ، عَنْ أَبِيهِ وَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَطَّارِ وَ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ جَمِيعاً عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيِّ وَ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ وَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ جَمِيعاً عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ أَيْمَنَ بْنِ مُحْرِزٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَمَاعَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى الْمَدَنِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ قَالَ الْيَهُودِيُّ أَخْبِرْنِي عَنْ أَوَّلِ شَجَرَةٍ نَبَتَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَ عَنْ أَوَّلِ عَيْنٍ نَبَعَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَ عَنْ أَوَّلِ حَجَرٍ وُضِعَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَمَّا أَوَّلُ شَجَرَةٍ نَبَتَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَإِنَّ الْيَهُودَ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا الزَّيْتُونَةُ وَ كَذَبُوا وَ إِنَّمَا هِيَ النَّخْلَةُ مِنَ الْعَجْوَةِ هَبَطَ بِهَا آدَمُ(ع)مَعَهُ مِنَ الْجَنَّةِ فَغَرَسَهَا وَ أَصْلُ النَّخْلَةِ كُلِّهِ مِنْهَا وَ أَمَّا أَوَّلُ عَيْنٍ نَبَعَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَإِنَّ الْيَهُودَ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا الْعَيْنُ الَّتِي بِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَ تَحْتَ الْحَجَرِ وَ كَذَبُوا هِيَ عَيْنُ الْحَيَاةِ الَّتِي مَا انْتَهَى إِلَيْهَا أَحَدٌ إِلَّا حَيِيَ وَ كَانَ الْخَضِرُ عَلَى مُقَدِّمَةِ ذِي الْقَرْنَيْنِ فَطَلَبَ عَيْنَ الْحَيَاةِ فَوَجَدَهَا الْخَضِرُ(ع)وَ شَرِبَ مِنْهَا وَ لَمْ يَجِدْهَا ذُو الْقَرْنَيْنِ وَ أَمَّا أَوَّلُ حَجَرٍ وُضِعَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَإِنَّ الْيَهُودَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ الْجَحَرُ الَّذِي بِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَ كَذَبُوا إِنَّمَا هُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ هَبَطَ بِهِ آدَمُ(ع)مَعَهُ مِنَ الْجَنَّةِ فَوَضَعَهُ فِي الرُّكْنِ وَ النَّاسُ يَسْتَلِمُونَهُ وَ كَانَ أَشَدَّ بَيَاضاً مِنَ الثَّلْجِ فَاسْوَدَّ مِنْ خَطَايَا بَنِي آدَمَ.

____________

(1) في المصدر: اهبطت.

(2) كتابته بيده (خ).

(3) إعلام الورى: 368.

41

أقول: الخبران طويلان أوردتهما بأسانيدهما في باب نص أمير المؤمنين(ع)على الاثني عشر(ع)في المجلد التاسع.

كتاب الأقاليم و البلدان و الأنهار للفرات فضائل كثيرة.

8- رُوِيَ‏ أَنَّ أَرْبَعَةً مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ سَيْحُونُ وَ جَيْحُونُ وَ النِّيلُ وَ الْفُرَاتُ.

9- وَ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ نَهَرُكُمْ هَذَا يَنْصَبُّ إِلَيْهِ مِيزَابَانِ مِنَ الْجَنَّةِ.

10- وَ رُوِيَ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ شَرِبَ مِنْ مَاءِ الْفُرَاتِ ثُمَّ اسْتَزَادَ وَ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ مَا أَعْظَمَ بَرَكَتَهُ لَوْ عَلِمَ النَّاسُ مَا فِيهِ مِنَ الْبَرَكَةِ لَضَرَبُوا عَلَى حَافَتَيْهِ الْقِبَابَ مَا انْغَمَسَ فِيهِ ذُو عَاهَةٍ إِلَّا بَرِئَ.

وَ عَنِ السُّدِّيِ‏ أَنَّ الْفُرَاتَ مَدَّ فِي زَمَنِ عُمَرَ فَأَلْقَى رُمَّانَةً عَظِيمَةً مِنْهَا كَرُمَّانِ الْحَبِّ فَأَمَرَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْسِمُوهَا بَيْنَهُمْ فَكَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهَا مِنَ الْجَنَّةِ.

11- وَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)النِّيلُ يَخْرُجُ مِنَ الْجَنَّةِ وَ لَوِ الْتَمَسْتُمْ فِيهِ حِينَ يَخْرُجُ لَوَجَدْتُمْ مِنْ وَرَقِهَا.

وَ قَالَ فِي وَصْفِ بَعْضِ الْبِحَارِ نَقْلًا عَنْ صَاحِبِ كِتَابِ عَجَائِبِ الْأَخْبَارِ هَذَا الْبَحْرُ فِيهِ طَائِرٌ مُكْرَمٌ لِأَبَوَيْهِ فَإِنَّهُمَا إِذَا كَبِرَا وَ عَجَزَا عَنِ الْقِيَامِ بِأَمْرِ أَنْفُسِهِمَا يَجْتَمِعُ عَلَيْهِمَا فَرْخَانِ مِنْ فِرَاخِهِمَا فَيَحْمِلَانِهِمَا عَلَى ظُهُورِهِمَا إِلَى مَكَانٍ حَصِينٍ وَ يَبْنِيَانِ لَهُمَا عُشّاً وَ يَتَعَاهَدَانِهِمَا الزَّادُ وَ الْمَاءُ إِلَى أَنْ يَمُوتَا فَإِنْ مَاتَ الْفَرْخَانِ قَبْلَهُمَا يَأْتِي إِلَيْهِمَا فَرْخَانِ آخَرَانِ مِنْ فِرَاخِهِمَا وَ يَفْعَلَانِ بِهِمَا كَمَا فَعَلَ الْفَرْخَانِ الْأَوَّلَانِ وَ هَلُمَّ جَرّاً وَ هَذَا دَأْبُهُمَا.

12- قُرْبُ الْإِسْنَادِ، عَنِ السِّنْدِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ‏ (1)(ع)قَالَ: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ‏ قَالَ مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ وَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ فَإِذَا أُمْطِرَتْ فَفَتَحَتِ‏ (2) الْأَصْدَافُ أَفْوَاهَهَا فِي الْبَحْرِ فَيَقَعُ فِيهَا مِنْ مَاءِ الْمَطَرِ

____________

(1) في المصدر: عن عليّ (عليه السلام).

(2) في المصدر: فتحت.

42

فَتُخْلَقُ اللُّؤْلُؤَةُ الصَّغِيرَةُ مِنَ الْقَطْرَةِ الصَّغِيرَةِ وَ اللُّؤْلُؤَةُ الْكَبِيرَةُ مِنَ الْقَطْرَةِ الْكَبِيرَةِ (1).

13- كَامِلُ الزِّيَارَةِ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَتِّيلٍ‏ (2) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى عَنِ الْجَامُورَانِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: نَهْرَانِ مُؤْمِنَانِ وَ نَهْرَانِ كَافِرَانِ نَهْرَانِ كَافِرَانِ نَهَرُ بَلْخَ وَ دِجْلَةَ وَ الْمُؤْمِنَانِ نِيلُ مِصْرَ وَ الْفُرَاتُ فَحَنِّكُوا أَوْلَادَكُمْ بِمَاءِ الْفُرَاتِ.

بيان قال الجزري في النهاية فيه نهران مؤمنان و نهران كافران أما المؤمنان فالنيل و الفرات و أما الكافران فدجلة و نهر بلخ جعلهما مؤمنين على التشبيه لأنهما يفيضان على الأرض فيسقيان الحرث بلا مئونة و جعل الآخرين كافرين لأنهما لا يسقيان و لا ينتفع بهما إلا بمئونة و كلفة فهذان في الخير و النفع كالمؤمنين و هذان في قلة النفع كالكافرين انتهى و أقول ربما يومئ التفريع بقوله فحنكوا إلى أن المراد أن للأولين مدخلا في الإيمان و للآخرين‏ (3) في الكفر و هو في الفرات ظاهر كما عرفت و أما في النيل فلعل شقاوة أهله لسوء تربة مصر كما ورد في الأخبار فلو جرى في غيره لم يكن كذلك و نهر بلخ هو نهر جيحون و قال البرجندي و يخرج عموده من حدود بدخشان من موضع طوله أربع و تسعون درجة و عرضه سبع و ثلاثون درجة ثم يجتمع معه أنهار كثيرة و يذهب إلى جهة المغرب و الشمال إلى حدود بلخ ثم يجاوزه إلى ترمد ثم يذهب إلى المغرب و الجنوب إلى ولاية زم‏ (4) و طوله تسع و ثمانون درجة و عرضه سبع و ثلاثون ثم يمر إلى المغرب و الشمال إلى موضع‏

____________

(1) قرب الإسناد: 85.

(2) بفتح الميم و تشديد التاء المثناة من فوق و سكون الياء المثناة من تحت على ما ضبطه العلامة في الخلاصة و الإيضاح، و حكى عن ابن داود ضم الميم و فتح التاء المشددة. قال النجاشيّ الحسن بن متيل وجه من وجوه أصحابنا كثير الحديث، و صحح العلامة حديثه، و تصحيح حديثه لا يقصر عن توثيقه.

(3) الأخيرين (خ).

(4) بفتح الزاى و تشديد الميم، بليدة على طريق جيحون بين ترمذ و آمل (مراصد الاطلاع).

43

طوله ثمان و ثمانون درجة و عرضه تسع و ثلاثون ثم يمر إلى أن ينصب‏ (1) في بحيرة خوارزم و نهر دجلة مشهور و يخرج من بلاد الروم من شمال ميارقين‏ (2) من تحت حصار ذي القرنين و يذهب من جهة الشمال و المغرب إلى جهة الجنوب و المشرق و يمر بمدينة آمد و الموصل و سرمن‏رأى و بغداد ثم إلى واسط ثم ينصب في بحر فارس.

14- الْعَيَّاشِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ أَحَدِهِمَا(ع)قَالَ: لَمَّا قَالَ اللَّهُ‏ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي‏ قَالَتِ الْأَرْضُ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَبْلَعَ مَائِي أَنَا فَقَطْ وَ لَمْ أُومَرْ أَنْ أَبْلَعَ مَاءَ السَّمَاءِ قَالَ فَبَلَعَتِ الْأَرْضُ مَاءَهَا وَ بَقِيَ مَاءُ السَّمَاءِ فَصُيِّرَ بَحْراً حَوْلَ الدُّنْيَا (3).

15- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ وَ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَفْصِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ جَبْرَئِيلَ(ع)كَرَى بِرِجْلِهِ خَمْسَةَ أَنْهَارٍ وَ لِسَانُ الْمَاءِ يَتْبَعُهُ الْفُرَاتَ وَ دِجْلَةَ وَ نِيلَ مِصْرَ وَ مِهْرَانَ وَ نَهْرَ بَلْخَ فَمَا سَقَتْ أَوْ سُقِيَ مِنْهَا فَلِلْإِمَامِ وَ الْبَحْرُ الْمُطِيفُ بِالدُّنْيَا.

بيان قال البرجندي نهر مهران هو نهر السند يمر أولا في ناحية ملتان ثم يميل إلى الجنوب و يمر بالمنصورة ثم يمر حتى ينصب في بحر ديبل من جانب المشرق و هو نهر عظيم و ماؤه في غاية العذوبة و شبيه بنيل مصر و يكون فيه التمساح كالنيل و قيل إذا وصل إلى موضع طوله مائة و سبع درجات و عرضه ثلاث و عشرون درجة ينقسم إلى شعبتين ينصب إحداهما في بحر الهند و الأخرى تمر و تنصب فيه بعد مسافة أيضا فما سقت أي بأنفسها أو سقي منها أي سقي الناس منها و هذا الخبر رواه في الفقيه بسند صحيح عن أبي البختري‏ (4) و زاد في آخره‏

____________

(1) في أكثر النسخ: يصب.

(2) كذا، و الظاهر أنّه مصحف «ميافارقين» اسم مدينة ببلاد الروم.

(3) الكافي: ج 1،(ص)409.

(4) الفقيه: 159.

44

و هو أفسبكون و لعله من الصدوق فصار سببا للإشكال لأن أفسبكون معرب آبسكون و هو بحر الخزر و يقال له بحر جرجان و بحر طبرستان و بحر مازندران و طوله ثمانمائة ميل و عرضه ستمائة ميل و ينصب فيه أنهار كثيرة منها نهر آتل‏ (1) و هذا البحر غير محيط بالدنيا بل محاط بالأرض من جميع الجوانب و لا يتصل بالمحيط و لعله إنما تكلف ذلك لأنه لا يحصل من المحيط شي‏ء و هو غير مسلم و قرأ بعض الأفاضل المطيف بضم الميم و سكون الطاء و فتح الياء اسم مفعول أو اسم المكان من الطواف و لا يخفى ضعفه فإن اسم المفعول منه مطاف بالضم أو مطوف و اسم المكان كالأول أو مطاف بالفتح و ربما يقرأ مطيف بتشديد الياء المفتوحة و هو أيضا غير مستقيم لأنه بالمعنى المشهور واوي فالمفعول من باب التفعيل مطوّف و أيضا كان ينبغي أن يقال المطيف به الدنيا نعم قال في القاموس طيّف تطييفا و طوف أكثر الطواف انتهى لكن حمله على هذا أيضا يحتاج إلى تكلف شديد و ما في الكافي أظهر و أصوب و المعنى أن البحر المحيط بالدنيا أيضا للإمام ع.

16- نَوَادِرُ الرَّاوَنْدِيِّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)شَرُّ الْيَهُودِ يَهُودُ بَيْسَانَ وَ شَرُّ النَّصَارَى نَصَارَى نَجْرَانَ وَ خَيْرُ مَاءٍ نَبَعَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَاءُ زَمْزَمَ وَ شَرُّ مَاءٍ نَبَعَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَاءُ بَرَهُوتَ وَادٍ بِحَضْرَمَوْتَ يَرِدُ عَلَيْهِ هَامُ الْكُفَّارِ وَ صَدَاهُمْ.

بيان في القاموس بيسان قرية بالشام و قرية بمرو و موضع باليمامة و لعل الأول هنا أظهر و نجران موضع باليمن و في النهاية فيه لا عدوى و لا هامة الهامة الرأس و اسم طائر و هو المراد في الحديث و ذلك أنهم كانوا يتشاءمون بها و هي من طير الليل و قيل هي البومة و قيل إن العرب كانت تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرك بثأره تصير هامة فتقول اسقوني اسقوني فإذا أدرك بثأره طارت و قيل كانوا يزعمون أن عظام الميت و قيل روحه تصير هامة فتطير و يسمونه الصدى فنفاه الإسلام و نهاهم عنه و في القاموس الصدى الجسد من الآدمي بعد موته و

____________

(1) آمل (خ).

45

طائر يخرج من رأس المقتول إذا بلي بزعم الجاهلية.

17- كِتَابُ الْغَارَاتِ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيِّ رَفَعَهُ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَنْ أَوَّلِ شَيْ‏ءٍ ضَجَّ عَلَى الْأَرْضِ قَالَ وَادٍ بِالْيَمَنِ هُوَ أَوَّلُ وَادٍ فَارَ مِنْهُ الْمَاءُ.

18- كِتَابُ النَّوَادِرِ، لِعَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ(ع)لَوْ عُدِلَ فِي الْفُرَاتِ لَسَقَى‏ (1) مَا عَلَى الْأَرْضِ كُلَّهُ.

بيان يحتمل أن يكون المراد بها الأراضي التي على شطه و بالقرب منه.

19- الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ‏ مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ مِنْ شَرْبَةٍ لِمَرَضٍ شَفَاهُ اللَّهُ أَوْ لِجُوعٍ أَشْبَعَهُ اللَّهُ أَوْ لِحَاجَةٍ قَضَاهَا اللَّهُ.

قال الحكيم الترمذي و حدّثني أبي قال دخلت الطواف في ليلة ظلماء فأخذني من البول ما شغلني فجعلت أعتصر حتى آذاني و خفت إن خرجت من المسجد أن أطأ بعض تلك الأقذار و ذلك أيام الحاج فذكرت هذا الحديث فدخلت زمزم فتبلّعت منه فذهب عني إلى الصباح‏ (2).

20- وَ مِنْهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ‏ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ‏ قَالَ أَرْسَلَ الْبَحْرَيْنِ‏ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ‏ قَالَ حَاجِزٌ لا يَبْغِيانِ‏ قَالَ لَا يَخْتَلِطَانِ.

وَ رُوِيَ أَيْضاً عَنْهُ قَالَ: بَحْرُ السَّمَاءِ وَ بَحْرُ الْأَرْضِ يَلْتَقِيَانِ كُلَّ عَامٍ‏ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ‏ قَالَ إِذَا مَطَرَتِ السَّمَاءُ فَتَحَتِ الْأَصْدَافُ فِي الْبَحْرِ أَفْوَاهَهَا فَمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ قَطْرِ السَّمَاءِ فَهُوَ اللُّؤْلُؤُ (3).

21- وَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: إِذَا نَزَلَ الْقَطْرُ مِنَ السَّمَاءِ تَفَتَّحَتْ لَهُ الْأَصْدَافُ فَكَانَ لُؤْلُؤاً (4).

22- وَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: الْمَرْجَانُ عِظَامُ اللُّؤْلُؤِ.

و عن ابن عباس‏ مثله‏ (5).

____________

(1) لاسقى (خ).

(2) الدّر المنثور: ج 3،(ص)221.

(3) الدّر المنثور: ج 6،(ص)142.

(4) الدّر المنثور: ج 6،(ص)142.

(5) الدّر المنثور: ج 6،(ص)142.

46

23- وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ‏ الْمَرْجَانُ اللُّؤْلُؤُ الصِّغَارُ (1).

24- وَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَرْجَانُ الْخَرَزُ الْأَحْمَرُ (2).

25- وَ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ عَلِيٍّ عَلَى شَطِّ الْفُرَاتِ فَمَرَّتْ سَفِينَةٌ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ وَ لَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ‏ (3).

26- مَجْمَعُ الْبَيَانِ، رَوَى مُقَاتِلٌ عَنْ عِكْرِمَةَ وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ مِنَ الْجَنَّةِ خَمْسَةَ أَنْهَارٍ سَيْحُونَ وَ هُوَ نَهَرُ الْهِنْدِ وَ جَيْحُونَ وَ هُوَ نَهَرُ بَلْخَ وَ دِجْلَةَ وَ الْفُرَاتَ وَ هُمَا نَهْرَا الْعِرَاقِ وَ النِّيلَ وَ هُوَ نَهَرُ مِصْرَ أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ وَ أَجْرَاهَا فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلَ فِيهَا مَنَافِعَ لِلنَّاسِ فِي أَصْنَافِ مَعَايِشِهِمْ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ‏ وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَ إِنَّا عَلى‏ ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ‏ (4).

27- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ صَالِحِ بْنِ حَمْزَةَ عَنْ أَبَانِ بْنِ مُصْعَبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ ظَبْيَانَ أَوِ الْمُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)مَا لَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَنْهَارِ (5) فَتَبَسَّمَ وَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ جَبْرَئِيلَ وَ أَمَرَهُ أَنْ يَخْرِقَ بِإِبْهَامِهِ ثَمَانِيَةَ أَنْهَارٍ فِي الْأَرْضِ مِنْهَا سَيْحَانُ وَ جَيْحَانُ وَ هُوَ نَهَرُ بَلْخَ وَ الْخشوعُ وَ هُوَ نَهَرُ الشَّاشِ وَ مِهْرَانُ وَ هُوَ نَهَرُ الْهِنْدِ وَ نِيلُ مِصْرَ وَ دِجْلَةُ وَ الْفُرَاتُ فَمَا سَقَتْ أَوِ اسْتَقَتْ فَهُوَ لَنَا وَ مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِشِيعَتِنَا وَ لَيْسَ لِعَدُوِّنَا مِنْهُ شَيْ‏ءٌ إِلَّا مَا غَصَبَ عَلَيْهِ وَ إِنَّ وَلِيَّنَا لَفِي أَوْسَعَ مِمَّا بَيْنَ ذِهْ إِلَى ذِهْ يَعْنِي بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا الْمَغْصُوبِينَ عَلَيْهَا خالِصَةً لَهُمْ‏ يَوْمَ الْقِيامَةِ بِلَا غَصْبٍ.

توضيح لعل التبسّم لأجل من التبعيضية يخرق كينصر و يضرب أي‏

____________

(1) الدّر المنثور: ج 6(ص)142.

(2) الدّر المنثور: ج 6(ص)142.

(3) الدّر المنثور: ج 6،(ص)143.

(4) مجمع البيان: ج 7،(ص)102.

(5) في المصدر: الأرض.

47

يشقّ و يحفر و منهم من حمل الكلام على الاستعارة التمثيلية لبيان أن حدوث الأنهار و نحوها مستندة إلى قدرة الله تعالى ردا على الفلاسفة الذين يسندونها إلى الطبائع و في أكثر النسخ هنا جيحان بالألف و في بعضها بالواو و هو أصوب لما عرفت أن نهر بلخ بالواو و على الأول إن كان التفسير من بعض الرواة فيمكن أن يكون اشتباها منه و لو كان من الإمام(ع)و صح الضبط كان الاشتباه من اللغويين و الشاش بلد بما وراء النهر كما في القاموس و نهره على ما ذكره البرجندي بقدر ثلثي الجيحون و منبعه من بلاد الترك من موضع عرضه اثنتان و أربعون درجة و طوله إحدى و سبعون درجة و يمر إلى المغرب مائلا إلى الجنوب إلى خجند ثم إلى فاراب ثم ينصب في بحيرة خوارزم و تسميته بالخشوع غير مذكور فيما رأينا من كتب اللغة و غيرها فما سقت أي سقته من الأشجار و الأراضي و الزروع أو استقت أي منه أي أخذت الأنهار منه و هو بحر المطيف بالدنيا أو بحر السماء فالمقصود أن أصلها و فرعها لنا أو ضمير استقت راجع إلى ما باعتبار تأنيث معناه و التقدير استقت منها و ضمير منها المقدر للأنهار فالمراد بما سقت ما جرت عليها من غير عمل و بما استقت ما شرب منها بعمل كالدولاب و شبهه و نسبة الاستسقاء (1) إليها على المجاز كذا خطر بالبال و هو أظهر و قيل ضمير استقت راجع إلى الأنهار على الإسناد المجازي لأن الاستقاء فعل لمن يخرج الماء منها بالحفر و الدولاب يقال استقيت من البئر أي أخرجت الماء منها و بالجملة يعتبر في الاستقاء ما لا يعتبر في السقي من الكسب و المبالغة في الاعتمال إلا ما غصب عليه على بناء المعلوم و الضمير للعدو أي غصبنا عليه أو على بناء المجهول أي إلا شي‏ء صار مغصوبا عليه يقال غصبه على الشي‏ء أي قهره و الاستثناء منقطع إن كان اللام للاستحقاق و إن كان للانتفاع فالاستثناء متصل و ذه إشارة إلى المؤنث أصلها ذي قلبت الياء هاء المغصوبين عليها الحاصل أن خالصة حال مقدرة من قبيل قولهم جاءني زيد صائدا صقره غدا قال في مجمع البيان قال ابن عباس يعني أن المؤمنين يشاركون المشركين في الطيبات في الدنيا ثم يخلص الله‏

____________

(1) الاستقاء (ظ).

48

الطيبات في الآخرة للذين آمنوا و ليس للمشركين فيها شي‏ء (1) انتهى.

ثم اعلم أنه(ع)ذكر في الأول ثمانية و إنما ذكر في التفصيل سبعة فيحتمل أن يكون ترك واحدا منها لأنه لم يكن في مقام تفصيل الجميع بل قال منها سيحان الخبر و قيل لما كان سيحان اسما لنهرين نهر بالشام و نهر بالبصرة أراد هنا كليهما من قبيل استعمال المشترك في معنييه و هو بعيد و لعله سقط واحد منها من الرواة و كأنه كان جيحان و جيحون فظن بعض النساخ و الرواة زيادة أحدهما فأسقطه و حينئذ يستقيم التفسير أيضا.

فائدة قال النيسابوري في تفسير قوله تعالى‏ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ‏ قد سلف أن الماء المحيط (2) بأكثر جوانب القدر المعمور من الأرض فذلك هو البحر المحيط و قد دخل في ذلك الماء من جانب الجنوب متصلا بالمحيط الشرقي و منقطعا عن الغربي إلى وسط العمارة أربعة خليجات الأول إذا ابتدأ من المغرب الخليج البربري لكونه في حدود بربر من أرض الحبشة طوله من الجنوب إلى الشمال مائة و ستون فرسخا و عرضه خمسة و ثلاثون فرسخا و على ضلعه الغربي بلاد كفار الحبشة و بعض الزنج و على الشرقي بلاد مسلمي الحبشة و الثاني الخليج الأحمر طوله من الجنوب إلى الشمال أربعمائة و ستون فرسخا و عرضه بقرب منتهاه ستون فرسخا و بين طرفه و فسطاط مصر الذي على شرق النيل مسيرة ثلاثة أيام على البر و على ضلعه الغربي بعض بلاد البربر و بعض بلاد الحبشة و على ضلعه الشرقي سواحل عليها فرضه مدينة الرسول(ص)لقوافل مصر و الحبشة إلى الحجاز ثم سواحل اليمن ثم عدن على الذؤابة الشرقية منه الثالث خليج فارس طوله من الجنوب إلى الشمال أربعمائة و ستون فرسخا و عرضه قريب من مائة و ثمانين فرسخا و على سواحل ضلعه الغربي بلاد عمان و لهذا ينسب البحر هناك إليها و جملة ولاية الغرب و إحيائهم من الحجاز و اليمن و الطائف و غيرها و بواديهم بين الضلع الغربي من هذا

____________

(1) مجمع البيان: ج 4،(ص)413.

(2) محيط (ظ).

51

باب 31 الأرض و كيفيتها و ما أعدّ الله للناس فيها و جوامع أحوال العناصر و ما تحت الأرضين‏

الآيات البقرة يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَ السَّماءَ بِناءً وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏ (1) الرعد وَ هُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَ أَنْهاراً وَ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَ جَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ صِنْوانٌ وَ غَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى‏ بِماءٍ واحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى‏ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏ (2) إبراهيم‏ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (3) الحجر وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها وَ أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْزُونٍ وَ جَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ‏ (4) النحل‏ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَ مِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ‏

____________

(1) البقرة: 21- 22.

(2) الرعد: 3- 4.

(3) إبراهيم: 32- 34.

(4) الحجر: 19- 20.

49

البحر و الشرقي من الخليج الأحمر فلهذا سميت العمارة الواقعة بينهما جزيرة العرب و فيها مكة زادها الله شرفا و على سواحل ضلعه الشرقي بلاد فارس ثم هرموز ثم مكران ثم سواحل السند الرابع الخليج الأخضر مثلث الشكل آخذ من الجنوب إلى الشمال ضلعه الشرقي بلاد فارس ثم هرموز ثم مكران متصل بالمحيط الشرقي و ضلعه الغربي خمسمائة فرسخ تقريبا و على سواحل هذا الضلع ولايات الصين و لهذا يسمى بحر الصين و من زاويته الغربية إلى زاوية من بحر فارس يسمى بحر الهند لكون بعض ولايتهم على سواحله و أيضا فقد دخل إلى العمارة من جانب الغرب خليج عظيم يمر من جانب الجنوب على كثير من بلاد المغرب و يحاذي أرض السودان و ينتهي إلى بلاد مصر و الشام و من جانب الشمال على بلاد الروس و الجلالقة و الصقالبة إلى بلاد الروم و الشام و يتشعب منه شعبة من شمال أرض الصقالبة إلى أرض مسلمي بلغار يسمى بحر ورنك طوله المعلوم مائة فرسخ و عرضه ثلاث و ثلاثون و إذا جاوز تلك النواحي امتد نحو المشرق عما وراء جبال غير مسلوكة و أرض غير مسكونة و تتشعب‏ (1) منه أيضا شعبة يسمى بحر طرابزون فهذه هي البحار المتصلة بالمحيط و أما غير المتصلة فأعظمها بحر طبرستان و جيلان و باب الأبواب و الخزر و أبسيكون‏ (2) لكون هذه الولايات على سواحله مستطيل الشكل آخذ من المشرق إلى المغرب بأكثر من مائتين و خمسين فرسخا و من الجنوب إلى الشمال بقرب من مائتين و من عجائب البحار الحيوانات المختلفة الأعظام و الأنواع و الأصناف و منها الجزائر الواقعة فيها فقد يقال في بحر الهند من الجزائر العامرة ألف و ثلاثمائة و سبعون منها جزيرة عظيمة في أقصى البحر مقابل أرض الهند في ناحية المشرق و عند بلاد الصين تسمى جزيرة سرانديب‏ (3) دورها ثلاثة آلاف ميل فيها جبال عظيمة و أنهار كثيرة و منها يخرج الياقوت الأحمر و حول هذه الجزيرة تسع عشرة جزيرة عامرة فيها مدائن‏

____________

(1) تنشعب (خ)،.

(2) آبسكون (خ).

(3) سرنديب (خ).

50

و قرى كثيرة و من جزائر هذا البحر جزيرة كله التي يجلب منها الرصاص القلعي و جزيرة سريرة التي يجلب منها الكافور و غرائب البحر كثيرة و لهذا قيل حدث عن البحر و لا حرج و سئل بعض العقلاء ما رأيت من عجائب البحر قال سلامتي منه.

تتمة قالت الحكماء في سبب انفجار العيون من الأرض أن البخار إذا احتبس في داخل من الأرض لما فيها من ثقب و فرج يميل إلى جهة فيبرد بها فينقلب مياها مختلطة بأجزاء بخارية فإذا كثر لوصول مدد متدافع إليه بحيث لا تسعه الأرض أوجب انشقاق الأرض و انفجرت منها العيون أما الجارية على الولاء فهي إما لدفع تاليها سابقها أو لانجذابه إليه لضرورة عدم الخلاء بأن يكون البخار الذي انقلب ماء و فاض إلى وجه الأرض ينجذب إلى مكانه ما يقوم مقامه لئلا يكون خلاء فينقلب هو أيضا ماء و يفيض و هكذا استتبع كل جزء منه جزء آخر و أما العيون الراكدة فهي حادثة من أبخرة لم تبلغ من كثرة موادها و قوتها أن يحصل منها معاونة شديدة أو يدفع اللاحق السابق و أما مياه القنى‏ (1) و الآبار فهي متولدة من أبخرة ناقصة القوة عن أن يشق الأرض فإذا أزيل ثقل الأرض عن وجهها صادفت منفذا تندفع إليه بأدنى حركة فإن لم يجعل هناك مسيل فهو البئر و إن جعل فهو القناة و نسبة القنى إلى الآبار كنسبة العيون السيالة إلى الراكدة و يمكن أن تكون هذه المياه متولدة كما قاله أبو البركات البغدادي من أجزاء مائية متولدة من أجزاء متفرقة في ثقب أعماق الأرض و منافذها إذا اجتمعت بل هذا أولى لكون مياه العيون و الآبار و القنوات تزيد بزيادة الثلوج و الأمطار قال الشيخ في النجاة و هذه الأبخرة إذا انبعثت عيونا أمدت البحار بصب الأنهار إليها ثم ارتفع من البحار و البطائح و الأنهار و بطون الجبال خاصة أبخرة أخرى ثم قطرت ثانيا إليها فقامت بدل ما يتحلل منها على الدور دائما.

____________

(1) القنى و القناء- بكسر القاف فيهما-: جمع القناة، و هي ما يحفر من الأرض ليجرى فيها الماء.

52

يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَ الزَّيْتُونَ وَ النَّخِيلَ وَ الْأَعْنابَ وَ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَ ما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ وَ هُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَ تَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَ أَلْقى‏ فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَ أَنْهاراً وَ سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ‏ إلى قوله تعالى‏ وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ‏ (1) الكهف‏ إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (2) طه‏ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ ما تَحْتَ الثَّرى‏ (3) و قال تعالى‏ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَ سَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى كُلُوا وَ ارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى‏ مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى‏ (4) الأنبياء وَ جَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَ جَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ‏ (5) الشعراء أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ‏ (6) و قال تعالى‏ أَ تُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ نَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ وَ تَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ‏ (7)

____________

(1) النحل: 10- 18.

(2) الكهف: 7.

(3) طه: 6.

(4) طه: 53- 55.

(5) الأنبياء: 31.

(6) الشعراء: 7- 8.

(7) الشعراء: 146- 149.

53

النمل‏ أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَ جَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَ جَعَلَ لَها رَواسِيَ وَ جَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏ (1) لقمان‏ خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَ أَلْقى‏ فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ (2) فاطر أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَ مِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَ حُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَ غَرابِيبُ سُودٌ وَ مِنَ النَّاسِ وَ الدَّوَابِّ وَ الْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (3) يس‏ وَ آيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَ أَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَ جَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنابٍ وَ فَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَ ما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَ فَلا يَشْكُرُونَ سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ مِمَّا لا يَعْلَمُونَ‏ (4) المؤمن‏ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَ السَّماءَ بِناءً (5) السجدة وَ مِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى‏ إِنَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (6) حمعسق‏ وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَ هُوَ عَلى‏

____________

(1) النمل: 60- 61.

(2) لقمان: 10- 11.

(3) فاطر: 27- 28.

(4) يس: 33- 36.

(5) المؤمن: 64.

(6) فصّلت: 39.

54

جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ (1) الزخرف‏ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَ جَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ‏ (2) الجاثية وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏ (3) ق‏ وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها وَ أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَ ذِكْرى‏ لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ‏ (4) الذاريات‏ وَ الْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ وَ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏ (5) الرحمن‏ وَ الْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ فِيها فاكِهَةٌ وَ النَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ وَ الْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَ الرَّيْحانُ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ‏ (6) الحديد اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏ (7) الطلاق‏ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ وَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً (8) الملك‏ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَ كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَ إِلَيْهِ النُّشُورُ (9)

____________

(1) الشورى: 29.

(2) الزخرف: 10.

(3) الجاثية: 13.

(4) ق: 7- 8.

(5) الذاريات: 48- 49.

(6) الرحمن: 10- 13.

(7) الحديد: 17.

(8) الطلاق: 12.

(9) الملك: 15.

55

نوح‏ وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً (1) المرسلات‏ أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَ أَمْواتاً وَ جَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَ أَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏ (2) النبأ أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَ الْجِبالَ أَوْتاداً وَ خَلَقْناكُمْ أَزْواجاً وَ جَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً وَ بَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً وَ جَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً وَ أَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَ نَباتاً وَ جَنَّاتٍ أَلْفافاً (3) الطارق‏ وَ الْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ‏ (4) الغاشية أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَ إِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَ إِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ‏ (5) الشمس 6 وَ الْأَرْضِ وَ ما طَحاها (6) تفسير الَّذِي خَلَقَكُمْ‏ قيل إنه تعالى عدّد في هذا المقام عليهم خمسة دلائل اثنين من الأنفس و هما خلقهم و خلق أصولهم و ثلاثة من الآفاق بجعل الأرض فراشا و السماء بناء و الأمور الحاصلة من مجموعهما و هي إنزال الماء من السماء و إخراج الثمرات بسببه و سبب هذا الترتيب ظاهر لأن أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه ثم مأمنه و منشؤه و أصله ثم الأرض التي هي مكانه و مستقرّه يقعدون عليها و ينامون و يتقلّبون كما يتقلّب أحدهم على فراشه ثم السماء التي كالقبّة المضروبة و الخيمة المبنية على هذا القرار ثم ما يحصل من شبه الازدواج بين المقلّة و المظلّة من إنزال الماء عليها و الإخراج به من بطنها أشباه النسل من الحيوان ألوان الغذاء

____________

(1) نوح: 19- 20.

(2) المرسلات: 25- 28.

(3) النبأ: 6- 16.

(4) الطارق: 12.

(5) الغاشية: 17- 20.

(6) الشمس: 6.

56

و أنواع الثمار رزقا لبني آدم و أيضا خلق المكلفين أحياء قادرين أصل لجميع النعم و أما خلق الأرض و السماء فذلك إنما ينتفع به بشرط حصول الخلق و الحياة و القدرة و الشهوة و ذكر الأصول مقدّم على ذكر الفروع و أيضا كل ما كان في السماء و الأرض من الدلائل على وجود الصانع فهو حاصل في الإنسان بزيادة الحياة و القدرة و الشهوة و العقل و لما كانت وجوه الدلالة فيه أتم كان تقديمه في الذكر أهم.

و الفراش اسم لما يفرش كالبساط لما يبسط و ليس من ضرورات الافتراش أن يكون سطحا مستويا كالفراش على ما ظنّ فسواء كانت كذلك و على شكل الكرة فالافتراش غير مستنكر و لا مدفوع لعظم جرمها و تباعد أطرافها و لكنه لا يتم الافتراش عليها ما لم تكن ساكنة في حيزها الطبيعي و هو وسط الأفلاك لأن الأثقال بالطبع تميل إلى تحت كما أن الخفاف بالطبع تميل إلى فوق و الفوق من جميع الجوانب ما يلي السماء و التحت ما يلي المركز فكما أنه يستبعد حركة الأرض في ما يلينا إلى جهة السماء فكذلك يستبعد هبوطها في مقابلة ذلك لأن ذلك الهبوط صعود أيضا إلى السماء فإذن لا حاجة في سكون الأرض و قرارها في حيزها إلى علاقة من فوقها و لا إلى دعامة من تحتها بل يكفي في ذلك ما أعطاها خالقها و ركز فيها من الميل الطبيعي إلى الوسط الحقيقي بقدرته و اختياره‏ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ‏ و مما من الله على عباده في خلق الأرض أن لم تجعل في غاية الصلابة كالحجر و لا في غاية اللين و الانغمار كالماء ليسهل النوم و المشي عليها و أمكنت الزراعة و اتخاذ الأبنية منها و يتأتى حفر الآبار و إجراء الأنهار و منها أن لم تخلق في نهاية اللطافة و الشفيف لتستقر الأنوار عليها و تتسخن منها فيمكن جوازها (1).

و منها أن جعلت بارزة بعضها من الماء مع أن طبعها الغوص فيها لتصلح لتعيش الحيوانات البرية عليها و سبب انكشاف ما برز منها و هو قريب من ربعها إن لم تخلق صحيحة الاستدارة بل خلقت هي و الماء بمنزلة كرة واحدة يدل على ذلك في ما بين الخافقين‏

____________

(1) جوارها (خ).

57

تقدم طلوع الكواكب و غروبها للمشرقيين على طلوعها و غروبها للمغربيين و في ما بين الشمال و الجنوب ازدياد ارتفاع القطب الظاهر و انحطاط الخفي للواغلين في الشمال و بالعكس للواغلين في الجنوب و تركب الاختلافين لمن يسير على سمت بين السمتين إلى غير ذلك من الأعراض الخاصة بالاستدارة يستوي في ذلك راكب البر و راكب البحر و هذه الجبال و إن شمخت لا تخرجها عن أصل الاستدارة لأنها بمنزلة الخشونة القادحة في ملاسة الكرة لا في استدارتها.

و منها الأشياء المتولدة فيها من المعادن و النبات و الحيوان و الآثار العلوية و السفلية و لا يعلم تفاصيلها إلا موجدها و منها اختلاف بقاعها في الرخاوة و الصلابة و الدماثة و الوعورة بحسب اختلاف الحاجات و الأغراض‏ وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ‏ و منها اختلاف ألوانها وَ مِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَ حُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَ غَرابِيبُ سُودٌ و منها انصداعها بالنبات‏ وَ الْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ‏ و منها جذبها للماء المنزل من السماء وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ‏ و منها العيون و الأنهار العظام التي فيها وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها و منها أن لها طبع الكرم و السماحة تأخذ واحدة و ترد سبعمائة كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ و منها حياتها و موتها وَ آيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها و منها الدواب المختلفة وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ و منها النباتات المتنوعة وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ‏ فاختلاف ألوانها دلالة و اختلاف طعومها دلالة و اختلاف روائحها دلالة فمنها قوت البشر و منها قوت البهائم‏ كُلُوا وَ ارْعَوْا أَنْعامَكُمْ‏ و منها الطعام و منها الإدام و منها الدواء و منها الفواكه و منها كسوة البشر نباتية كالقطن و الكتان و حيوانية كالشعر و الصوف و الإبريسم و الجلود و منها الأحجار المختلفة بعضها للزينة و بعضها للأبنية فانظر إلى الحجر الذي تستخرج منه النار مع كثرته و انظر إلى الياقوت الأحمر مع عزته و انظر إلى كثرة النفع بذلك الحقير و قلة النفع بهذا الخطير و منها ما أودع الله تعالى فيها من المعادن الشريفة كالذهب و الفضة.

ثم تأمل أن البشر استنبطوا الحرف الدقيقة و الصنائع الجليلة و استخرجوا

58

السمك من قعر البحر و استنزلوا الطير من أوج الهواء و عجزوا عن اتخاذ الذهب و الفضة و السبب فيه أن معظم فائدتهما ترجع إلى الثمنية و هذه الفائدة لا تحصل إلا عند العزة و القدرة على اتخاذهما تبطل هذه الحكمة فلذلك ضرب الله دونهما بابا مسدودا و من هاهنا اشتهر في الألسنة من طلب المال بالكيمياء أفلس.

و منها ما يوجد على الجبال و الأراضي من الأشجار الصالحة للبناء و السقف و الحطب و ما اشتد إليه الحاجة في الخبز و الطبخ و لعل ما تركناه من الفوائد أكثر مما عددناه فإذا تأمل العاقل في هذه الغرائب و العجائب اعترف بمدبر حكيم و مقدر عليم إن كان ممن يسمع و يبصر و يعتبر.

و أما منافع السماء فإن الله تعالى زينها بمصابيح‏ وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ‏ و بالقمر وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً و بالشمس‏ وَ جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً و بالعرش‏ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ‏ و بالكرسي‏ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ‏ و باللوح‏ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ و بالقلم‏ ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ‏ و سماها سقفا محفوظا و سبعا طباقا و سبعا شدادا و ذكر أن خلقها مشتمل على حكم بليغة و غايات صحيحة رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا و جعلها مصعد الأعمال و مهبط الأنوار و قبلة الدعاء و محل الضياء و الصفاء و جعل لونها أنقع الألوان و هو المستنير و شكلها أفضل الأشكال و هو المستدير و نجومها رجوما للشياطين و علامات يهتدى بها في ظلمات البر و البحر و قيض للشمس طلوعا و سهل معه التقلب لقضاء الأوطار في الأطراف و غروبا يصلح معه الهدء و القرار في الأكناف لتحصيل الراحة و انبعاث القوة الهاضمة و تنفيذ الغذاء إلى الأعضاء و أيضا لو لا الطلوع لانجمدت المياه و غلبت البرودة و الكثافة و أفضت إلى جمود الحرارة الغريزية و انكسار سورتها و لو لا الغروب لحميت الأرض حتى يحترق كل من عليها من حيوان و نبات فهي بمنزلة السراج يوضع لأهل بيت بمقدار حاجتهم ثم يرفع عنهم ليستقروا و يستريحوا فصار النور و الظلمة مع تضادهما متظاهرين على ما فيه صلاح قطان الأرض.

59

و أما ارتفاع الشمس و انحطاطها فقد جعله الله تعالى سببا لإقامة الفصول الأربعة ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر و النبات فيتولد منه مواد الثمار و يستكثف الهواء فيكثر السحاب و المطر و تقوى أبدان الحيوانات بسبب احتقان الحرارة الغريزية في البواطن و في الربيع تتحرك الطبائع و تظهر المواد المتولدة في الشتاء و ينور الشجر و يهيج الحيوان للسفاد و في الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمار و تتحلل فضول الأبدان و يجف وجه الأرض و يتهيأ للعمارة و الزراعة و في الخريف يظهر البرد و اليبس فتدرك الثمار و تستعد الأبدان قليلا قليلا للشتاء.

و أما القمر فهو تلو الشمس و خليفتها و به يعلم عدد السنين و الحساب و تضبط المواقيت الشرعية و منه يحصل النماء و الرواء و قد جعل الله في طلوعه مصلحة و في غيبته مصلحة يحكى أن أعرابيا نام عن جمله ليلا ففقده فلما طلع القمر وجده فنظر إلى القمر و قال إن الله صورك و نورك و على البروج دورك فإذا شاء نورك و إذا شاء كورك فلا أعلم مزيدا أسأله لك فإن أهديت إلي سرورا فقد أهدى الله إليك نورا ثم أنشأ في ذلك أبياتا.

و قال الجاحظ إذا تأملت في هذا العالم وجدته كالبيت المعد فيه كل ما يحتاج إليه فالسماء مرفوعة كالسقف و الأرض ممدودة كالبساط و النجوم منضودة كالمصابيح و الإنسان كما لك البيت المتصرف فيه و ضروب النبات مهيأة لمنافعه و صنوف الحيوان متصرفة في مصالحه فهذه جملة واضحة دالة على أن العالم مخلوق بتدبير كامل و تقدير شامل و حكمة بالغة و قدرة غير متناهية.

ثم إنهم اختلفوا في أن السماء أفضل أم الأرض قال بعضهم السماء أفضل لأنها معبد الملائكة و ما فيها بقعة عصي الله فيها و لما أتى آدم بالمعصية أهبط من الجنة و قال الله لا يسكن في جواري من عصاني و قال تعالى‏ وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً و قال‏ تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً و ورد في الأكثر ذكر السماء مقدما على ذكر الأرض و السماوات مؤثرة و الأرضيات متأثرة و المؤثر أشرف من المتأثر.

60

و قال آخرون بل الأرض أفضل لأنه تعالى وصف بقاعا من الأرض بالبركة إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً و فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ‏ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها يعني أرض الشام و وصف جملة الأرض بالبركة وَ بارَكَ فِيها وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ‏ فإن قيل أي بركة في المفاوز المهلكة قلت إنها مساكن الوحوش و مراعيها و مساكن الناس إذا احتاجوا إليها و مساكن خلق لا يعلمهم إلا الله تعالى فلهذه البركات قال‏ فِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ‏ تشريفا لهم لأنهم هم المنتفعون بها كما قال‏ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ‏ و خلق الأنبياء منها مِنْها خَلَقْناكُمْ‏ و أودعهم فيها وَ فِيها نُعِيدُكُمْ‏ و أكرم نبيه المصطفى فجعل الأرض كلها له مسجدا و طهورا.

و معنى إخراج الثمرات بالماء و إنما خرجت بقدرته و مشيته أنه جعل الماء سببا في خروجها و مادة لها كالنطفة في خلق الولد و هو قادر على إنشاء الأشياء بلا أسباب و مواد كما أنشأ نفوس الأسباب و المواد و لكن له في هذا التدريج و التسبيب حكما يتبصر بها من يستبصر و يتفطن لها من يعتبر و من في‏ مِنَ الثَّمَراتِ‏ للتبعيض كما أنه قصد بتنكير السَّماءَ و رِزْقاً معنى البعضية فكأنه قيل و أنزلنا من السماء بعض الماء فأخرجنا به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم و يجوز أن يكون للبيان كقولك أنفقت من الدراهم ألفا و الند المثل المناوي‏ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏ حال من ضمير فَلا تَجْعَلُوا و مفعول‏ تَعْلَمُونَ‏ مطروح أي حالكم أنكم من أهل العلم و النظر و أصابه الرأي فلو تأملتم أدنى تأمل اضطر عقلكم إلى إثبات موجد للممكنات منفرد بوجود الذات متعال عن مشابهة المخلوقات أو منوي و هو أنها لا تماثله و لا تقدر على مثل ما يفعله.

وَ هُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ‏ قال الرازي أي جعل الأرض‏ (1) بذلك المقدار المعين الحاصل لا أزيد و لا أنقص و الدليل عليه هو أن كون الأرض أزيد مقدارا مما هو الآن أو أنقص منه أمر جائز فاختصاصه بذلك المقدار المعين لا بد و أن يكون‏

____________

(1) في المصدر: مختصة بذلك ...

61

بتخصيص مخصص و بتقدير مقدر و قال أبو بكر الأصم المد البسط إلى ما يدرك منتهاه أي جعل حجمها عظيما و إلا لما كمل الانتفاع بها و قال قوم كانت الأرض مدورة فمدها و دحاها من مكة من تحت البيت فذهبت كذا و كذا و هذا إنما يتم إذا كانت الأرض مسطحة لا كرة و هو خلاف ما ثبت بالدليل و مد الأرض لا ينافي كونها كرة و لأن الكرة إذا كانت في غاية الكبر كان كل قطعة منها تشاهد كالسطح‏ (1).

وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ‏ أي جبالا ثابتة باقية في أحيازها غير منتقلة عن أمكنتها و الاستدلال بها على وجود الصانع القادر الحكيم من وجوه الأول أن طبيعة الأرض طبيعة واحدة فحصول الجبل في بعض جوانبها دون البعض لا بد و أن يكون بتخليق القادر الحكيم قال‏ (2) الفلاسفة هذه الجبال إنما تولدت لأن البحار كانت في هذا الجانب من العالم فكان يتولد من البحر طين لزج ثم يقوى تأثير الشمس فيها فينقلب حجرا كما نشاهد في كوز الفقاع ثم إن الماء كان يغور و يقل فيتحجر البقية فلهذا السبب تولدت هذه الجبال قالوا و إنما كانت البحار حاصلة في هذا الجانب من العالم لأن أوج الشمس و حضيضها متحركان ففي الدهر الأقدم كان حضيض الشمس في جانب الشمال و الشمس متى كانت في حضيضها كانت أقرب إلى الأرض فكان التسخين أقوى و شدة السخونة توجب انجذاب الرطوبات فحين كان الحضيض في جانب الشمال كانت البحار في جانب الشمال و الآن لما انتقل الأوج إلى جانب الشمال و الحضيض إلى جانب الجنوب انتقلت البحار إلى جانب الجنوب فبقيت هذه الجبال في الشمال هذا حاصل كلام القوم في هذا الباب و هو ضعيف من وجوه الأول أن حصول الطين في البحر أمر عام فلم حصل الجبل في بعض الجوانب دون بعض‏ (3).

الثاني هو أنا نشاهد في بعض الجبال كأن تلك الأحجار موضوعة سافا (4)

____________

(1) مفاتيح الغيب: ج 19،(ص)2 (ملخصا).

(2) في المصدر: قالت.

(3) في المصدر: البعض.

(4) الساف و السافة- بالفاء: الصف من الطين و اللبن.

62

فسافا كان البناء بناه من لبنات كثيرة موضوع بعضها على بعض و يبعد حصول مثل هذا التركيب من السبب الذي ذكروه.

الثالث أن أوج الشمس الآن قريب من أول السرطان فعلى هذا من الوقت الذي انتقل أوج الشمس إلى الجانب الشمالي مضى قريبا من تسعة آلاف سنة و بهذا التقدير إن الجبال كانت في هذه المدة الطويلة في التفتت فوجب أن لا يبقى من الأحجار شي‏ء لكن ليس الأمر كذلك فعلمنا أن السبب الذي ذكروه ضعيف.

و الوجه الثاني من الاستدلال بأحوال الجبال على وجود الصانع ذي الجلال ما يحصل فيها من معادن الفلزات السبعة و مواضع الجواهر النفيسة و قد يحصل منها معادن الزاجات و الأملاح و قد تحصل معادن النفط و القير و الكبريت فكون الأرض واحدة في الطبيعة و كون الجبل واحدا في الطبيعة (1) و كون تأثير الشمس واحدا في الكل يدل دلالة ظاهرة على أن الكل بتقدير قادر قاهر متعال عن مشابهة الممكنات و المحدثات.

و الوجه الثالث أن بسببها تتولد الأنهار على وجه الأرض و ذلك لأن الحجر جسم صلب فإذا تصاعدت الأبخرة من قعر الأرض و وصلت إلى الجبل احتبست هناك و لا يزال يتكامل الأمر (2) فيحصل تحت الجبال مياه كثيرة ثم إنها لكثرتها و قوتها تنقب‏ (3) و تخرج و تسيل على وجه الأرض فمنفعة الجبال في تولد الأنهار هو من هذا الوجه و لهذا السبب في أكثر الأمر أينما ذكر الله تعالى الجبال قرن بها ذكر الأنهار مثل هذه الآية و مثل قوله‏ وَ جَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَ أَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً ثم استدل سبحانه بعجائب خلقة النبات بقوله‏ وَ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ‏ إلخ فإن الحبة إذا وقعت‏ (4) في أرض و أثرت فيها نداوة الأرض ربت و كبرت و بسبب‏

____________

(1) في المصدر: الطبع.

(2) في المصدر: فلا تزال تتكامل فيحصل ...

(3) فيه: تثقب.

(4) فيه: وضعت.

63

ذلك ينشق أعلاها و أسفلها فيخرج من الشق الأعلى الشجرة الصاعدة و من الشق الأسفل العروق الغائصة في أسفل الأرض و هذا من العجائب‏ (1) أن طبيعة تلك الحبة واحدة و تأثير الطبائع و الأفلاك و الكواكب فيها واحد ثم إنه خرج من الجانب الأعلى من تلك الحبة جرم صاعد إلى الهواء و من الجانب الأسفل منه جرم غائص في الأرض و من المحال أن يتولد من الطبيعة الواحدة طبيعتان متضادتان فعلمنا أن ذلك كان بسبب تدبير المدبر الحكيم و المقدر القديم لا بسبب الطبع و الخاصية. ثم إن الشجرة النابتة في تلك الحبة بعضها يكون خشبة و بعضها نورا و بعضها ثمرة ثم إن تلك الثمرة أيضا تحصل فيها أجسام مختلفة الطبائع فالجوز له أربعة أنواع من القشور القشر الأعلى و تحته القشرة الخشبية و تحته القشرة المحيطة باللب و تحت تلك القشرة قشرة أخرى في غاية الرقة تمتاز عما فوقها حال كون الجوز و اللوز رطبا و أيضا فقد تحصل في الثمرة الواحدة الطبائع المختلفة فالأترج قشره حار يابس و لحمه حار رطب و حماضه بارد يابس و بذره حار يابس و كذلك العنب قشره و عجمه باردان يابسان و لحمه و ماؤه حار رطب‏ (2) فتولد هذه الطبائع المختلفة من الحبة الواحدة مع تساوي تأثيرات الطبائع و تأثيرات الأنجم و الأفلاك لا بد و أن يكون لأجل الحكيم القديم‏ (3).

و المراد بزوجين اثنين صنفين اثنين و الاختلاف إما من حيث الطعم كالحلو و الحامض أو الطبيعة كالحار و البارد أو اللون كالأبيض و الأسود و فائدة قوله اثنين بيان أن كل نوع حصل من فردين كالإنسان من آدم و حواء و هكذا. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏ إنما قال ذلك لأن الفلاسفة يسندون الحوادث إلى اختلاف الأشكال الكوكبية فما لم تقم الدلالة على دفع هذا السؤال لا يتم المقصود و دفعه بوجهين الأول أنه إن سلمنا جواز ذلك فلا بد من استناد

____________

(1) فيه: لان.

(2) في المصدر: حاران رطبان.

(3) فيه: لاجل تدبير الحكيم القادر القديم.

64

الأفلاك و أوضاعها إلى واجب الوجود بالذات القادر الحكيم و الثاني ما يذكر في الآيات الآتية حيث قال‏ وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ‏ الآية و تقريره من وجهين الأول أنه حصل في الأرض قطع مختلفة بالطبيعة و هي مع ذلك متجاورة فبعضها تكون سبخة و بعضها حرة و بعضها صلبة و بعضها حجرية أو رملية و بعضها طينا لزجا ثم إنها متجاورة و تأثير الشمس و سائر الكواكب في تلك القطع على السوية و دل هذا على اختلافها في صفاتها بتقدير المقدر العليم.

و الثاني أن القطعة الواحدة من الأرض تسقى بماء واحد يكون تأثير الشمس فيها متشابها (1) ثم إن تلك الثمار تجي‏ء مختلفة في الطعم و اللون و الطبيعة و الخاصية حتى إنك قد تأخذ عنقودا من العنب و تكون جميع حباته حلوة نضيجة إلا الحبة الواحدة فإنها بقيت حامضة يابسة و نحن نعلم بالضرورة أن نسبة الطبائع و الأفلاك إلى الكل على السوية بل نقول هاهنا ما يعد أعجب منه و هو أنه يوجد في بعض أنواع الورد ما يكون أحد وجهيه في غاية الحمرة و الوجه الثاني في غاية السواد مع أن ذلك الورد في غاية الرقة و النعومة فيستحيل أن يقال وصل تأثير الشمس إلى أحد طرفيه دون الثاني و هذا يدل دلالة قطعية على أن الكل بتقدير الفاعل المختار لا بسبب الاتصالات الفلكية و هو المراد من قوله تعالى‏ يُسْقى‏ بِماءٍ واحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى‏ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ‏ فبهذا تمت الحجة فإن هذه الحوادث السفلية لا بد لها من مؤثر و بينا أن ذلك المؤثر ليس هو الكواكب و الأفلاك و الطبائع فعند هذا يجب القطع بأنه لا بد من فاعل مختار آخر سوى هذه الأشياء فعند هذا يتم الدليل و لا يبقى بعده للتفكر مقام فلهذا قال هاهنا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏ لأنه لا دافع لهذه الحجة إلا أن يقال إنها حدثت لا لمؤثر و لا يقوله عاقل و الجنة البستان الذي يحصل فيه النخل و الكرم و الزرع و الصنوان جمع صنو مثل قنوان و قنو و الصنو أن يكون الأصل واحدا و تنبت منه النخلتان و الثلاثة و أكثر فكل واحد صنو و عن ابن الأعرابي الصنو المثل أي متشابهة و غير متشابهة و عن الزجاج الأكل الثمر الذي‏

____________

(1) في المصدر: متساويا.

65

يؤكل و عن غيره الأكل المهيأ للأكل‏ (1). و اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ‏ مبتدأ و خبر وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ‏ امتن على عباده بتسخير الفلك لأن انتفاع العباد يتوقف‏ (2) عليها لأنه تعالى خص كل طرف من أطراف الأرض بنوع آخر من النعمة حتى أن نعمة هذا الطرف إذا نقلت إلى الجانب الآخر من الأرض أو بالعكس كثر الربح في التجارات و لا يمكن هذا إلا بسفن البر و هي الجمال أو بسفن البحر و هي الفلك و نسبة التسخير إلى نفسه لأنه سبحانه خلق الأشجار الصلبة التي منها يمكن تركيب السفن و لو لا خلقه الحديد و سائر الآلات و لو لا تعريفه العباد كيف يتخذونه و لو لا أنه تعالى خلق الماء على صفة السلاسة (3) التي باعتبارها يصح جري السفينة و لو لا خلقه تعالى الرياح و خلق الحركات القوية فيها و لو لا أنه وسع الأنهار و جعل لها من العمق ما يجوز جري السفن فيها لما وقع الانتفاع بالسفن فصار لأجل أنه تعالى هو الخالق لهذه الأحوال و هو المدبر لهذه الأمور و المسخر لها حسنت إضافته إليه و أضاف التسخير إلى أمره لأن الملك العظيم قل ما يوصف أنه فعل و إنما يقال فيه إنه أمر بكذا تعظيما لشأنه.

وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ لما كان ماء البحر قل ما ينتفع في الزراعات لعمقه و ملوحته ذكر تعالى إنعامه على الخلق بتفجير الأنهار و العيون حتى ينبعث الماء منها إلى مواضع الزروع و النباتات و أيضا ماء البحر لا يصلح للشرب‏ وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ‏ قيل أي بلسان حالكم بحسب استعداداتكم و قابلياتكم‏ وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها قال الرازي اعلم أن الإنسان إذا أراد أن يعرف أن الوقوف على أقسام نعم الله ممتنع فعليه أن يتأمل في شي‏ء واحد ليعرف عجز نفسه و نحن نذكر منه مثالين المثال الأول أن الأطباء ذكروا أن الأعصاب قسمان منها دماغية و منها

____________

(1) مفاتيح الغيب: ج 19،(ص)3- 8 (ملخصا و نقلا بالمعنى).

(2) في المصدر: انما يكمل بوجود الفلك ...

(3) في المصدر السيلان.

66

نخاعية أما الدماغية فإنها سبعة ثم أتعبوا أنفسهم في معرفة الحكم الناشئة من كل واحد من تلك الأرواح السبعة ثم مما لا شك فيه أن كل واحد من تلك الأرواح السبعة تنقسم إلى شعب كثيرة و كل واحد من تلك الشعب أيضا إلى شعب دقيقة أدق من الشعر و لكل واحد منها ممر إلى الأعضاء و لو أن شعبة واحدة اختلت إما بسبب الكمية و الكيفية أو بسبب الوضع لاختلت مصالح البنية ثم إن تلك الشعب الدقيقة تكون كثيرة العدد جدّا و لكل واحد منها حكمة مخصوصة فإذا نظر الإنسان في هذا المعنى عرف أن لله بحسب كل شظية من تلك الشظايا العصبية على العبد نعمة عظيمة لو فاتت لعظم الضرر عليه و عرف قطعا أنه لا سبيل له إلى الوقوف عليها و الاطلاع على أحوالها و عند هذا يقطع بصحة قوله تعالى‏ وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها و كما اعتبرت هذا في الشظايا العصبية فاعتبر مثله في الشرايين و الأوردة في كل واحد من الأعضاء البسيطة و المركبة بحسب الكمية و الكيفية و الوضع و الفعل و الانفعال و أقسام هذا الباب بحر لا يساحل و إذا اعتبرت هذا في بدن الإنسان الواحد فاعرف أقسام نعم الله تعالى في نفسه و في روحه فإن عجائب عالم الأرواح أكثر من عجائب عالم الأجساد ثم لما اعتبرت حال الحيوان الواحد فعند ذلك اعتبر أحوال عالم الأفلاك و الكواكب و طبقات العناصر و عجائب البر و البحر و النبات و الحيوان و عند هذا تعرف أن عقول جميع الخلائق لو ركبت و جعلت عقلا واحدا ثم بذلك العقل يتأمل الإنسان في عجائب حكمة الله تعالى في أقل الأشياء لما أدرك منها إلا القليل فسبحانه و تقدس عن أوهام المتوهمين.

المثال الثاني أنه إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ما قبلها و ما بعدها أما الأمور التي قبلها إن‏ (1) تلك اللقمة من الخبز لا تتم و لا تكمل إلا إذا كان هذا العالم بكليته قائما على الوجه الأصوب لأن الحنطة لا بد منها و إنها لا تنبت إلا بمعونة الفصول الأربعة و تركيب الطبائع و ظهور الأرياح و الأمطار و لا يحصل شي‏ء منها إلا بعد دوران الأفلاك و اتصال بعض الكواكب ببعض على وجوه مخصوصة

____________

(1) في المصدر: فاعرف أن ...

67

في الحركات و في كيفيتها في الجهة و في السرعة و البطء ثم بعد تكون الحنطة لا بد من آلات الطحن و الخبز و هي لا تحصل إلا عند تولد الحديد في أرحام الجبال ثم إن الآلات الحديدية لا يمكن إصلاحها إلا بآلات أخرى حديدية سابقة عليها و لا بد من انتهائها إلى آلة حديدية هي أول هذه الآلات فتأمل أنها كيف تكونت على الأشكال المخصوصة ثم إذا حصلت تلك الآلات فانظر أنه لا بد من اجتماع العناصر الأربعة و هي الأرض و الماء و الهواء و النار حتى يمكن طبخ الخبز من ذلك الدقيق فهذا هو النظر في ما تقدم على هذه اللقمة.

أما النظر في ما بعد حدوثها فتأمل في تركيب بدن الحيوان و هو أنه تعالى كيف خلق هذه الأبدان حتى يمكنها الانتفاع بتلك اللقمة و أنه كيف يتضرر الحيوان في الأكل‏ (1) و في أي الأعضاء تحدث تلك المضار و لا يمكنك أن تعرف القليل من هذه الأشياء إلا بمعرفة علم التشريح و علم الطب بالكلية فظهر بما ذكرنا أن الانتفاع باللقمة الواحدة لا يمكن معرفته إلا بمعرفة جملة هذه الأمور و العقول قاصرة عن إدراك ذرة من هذه المباحث فظهر بالبراهين‏ (2) الباهرة صحة قوله تعالى‏ وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها (3) انتهى كلامه.

و أقول يمكن سلوك طريق آخر في ذلك أدق و أوسع مما ذكره بأن يقال بعد أن عرفت النعم التي على إنسان واحد كزيد مثلا من السماوات و الكواكب و العرش و الكرسي و جميع الأرضيات فإن لها جميعا مدخلا في وجوده و بقائه و نموه فنقول جميع هذه النعم متعلقة بعمرو أيضا لمدخليتها في وجوده و بقائه أيضا و كل هذه أيضا نعمة لزيد لتوقف وجود زيد و بقائه على وجود عمرو لكون الإنسان مدنيا بالنوع و كذا بالنسبة إلى بكر و خالد و كذا كل نعمة لله على كل حيوان من الحيوانات التي لها مدخل في نظام أحوال الإنسان فهي نعمة على زيد مرة

____________

(1) فيه: بالاكل.

(2) في المصدر: بهذا البرهان القاهر.

(3) مفاتيح الغيب: ج 19،(ص)129- 130.

68

بذاته و مرة باعتبار كونها نعمة على كل واحد واحد من أفراد البشر لمدخلية وجودهم في وجوده و نظام أحواله فيضرب عدد تلك النعم في عدد الأشخاص و الحيوانات مرات لا تتناهى.

ثم لما كان وجود زيد موقوفا على وجود أبويه فكل نعمة على كل من أبويه و على كل من كان في عصر أبويه نعمة عليه و كذا كل نعمة على والدي بكر و خالد نعمة عليه لتوقف وجوده و بقائه و نظام أحواله على وجود بكر و وجوده متوقف على وجود والديه و وجودهما و بقاؤهما و سائر أمورهما متوقفة على جميع النعم على أهل عصرهما فمن هذه الجهة أيضا جميعها نعمة عليه فيضرب جميع هذه الأعداد الغير المتناهية في جميع تلك الأعداد الغير المتناهية مرات غير متناهية ثم ننقل الكلام في كل عصر من الأعصار و آباء كل منهم إلى أن ينتهي إلى آدم و حواء(ع)و يضرب كل من تلك المراتب في ما حصل من المراتب السابقة و هذا حساب لا يحيط به علم البشر و لو اجتمع جميع المحاسبين من الثقلين و أرادوا استيفاء حساب مرتبة من هذه المراتب لا يقدرون عليه مع أن كل قطرة من قطرات البحار و كل ذرة من ذرات الجو و الأرض نعمة على كل شخص من الأشخاص فسبحان من لا يقدر على إحصاء شعبة واحدة من شعب نعمه الغير المتناهية إلا هو و له الحمد بعدد كل نعمة له علينا و على كل خلق من مخلوقاته.

إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ‏ يظلم النعمة بإغفال شكرها أو يظلم نفسه بأن يعرضها للحرمان‏ كَفَّارٌ شديد الكفران و قيل ظلوم في الشدة يشكو و يجزع كفار في النعمة يجمع و يمنع.

مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْزُونٍ‏ قيل أي بميزان الحكمة و مقدر بقدر الحاجة و ذلك أن الوزن سبب معرفة المقدار فأطلق اسم السبب على المسبب و قيل أي له وزن و قدر في أبواب النعمة و المنفعة و قيل أراد أن مقاديرها من العناصر معلومة و كذا مقدار تأثير الشمس و الكواكب فيها و قيل أي متناسب محكوم عليه عند العقول السليمة بالحسن و اللطافة يقال كلام موزون أي متناسب و فلان موزون الحركات و قيل أراد ما يوزن من نحو الذهب و الفضة و النحاس و غيرها من الموزونات كأكثر الفواكه و النبات.

69

وَ جَعَلْنا لَكُمْ فِيها أي في الأرض أو في الجبال أو في تلك الموزونات‏ مَعايِشَ‏ ما يتوصل به إلى المعيشة وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ‏ عطف على محل لكم أو على معايش أي و جعلنا لكم من لستم له برازقين و أراد بهم العيال و المماليك و الخدم الذين رازقهم في الحقيقة هو الله وحده لا الآباء و السادات و المخاديم و يدخل فيه بحكم التغليب غير ذوي العقول من الأنعام و الدواب و الوحوش و الطير كقوله‏ وَ ما مِنْ دَابَّةٍ ... إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ‏ الذي هو الغذاء الأصلي‏ وَ الزَّيْتُونَ‏ الذي هو فاكهة من وجه و غذاء من وجه لكثرة ما فيه من الدهن‏ وَ النَّخِيلَ وَ الْأَعْنابَ‏ اللتين هما أشرف الفواكه ثم أشار إلى سائر الثمرات بقوله‏ وَ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ‏ قال الزمخشري إنما لم يقل و كل الثمرات لأن كلها لا تكون إلا في الجنة و قيل قدم الغذاء الحيواني في قوله سبحانه‏ وَ الْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْ‏ءٌ وَ مَنافِعُ وَ مِنْها تَأْكُلُونَ‏ على الغذاء النباتي لأن النعمة فيه أعظم لأنه أسرع تشبها ببدن الإنسان و في ذكر الغذاء النباتي قدم غذاء الحيوان و هو الشجر على غذاء الإنسان و هو الزرع و غيره بناء على مكارم الأخلاق و هو أن يكون اهتمام الإنسان بحال من تحت يده أكمل من اهتمامه بحال نفسه.

وَ ما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ‏ أي خلق فيها من حيوان و شجر و ثمر و غير ذلك‏ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ‏ فإن ذرء هذه الأشياء على حاله اختلاف الألوان و الأشكال مع تساوي الكل في الطبيعة الجسمية و في تأثير الفلكيات فيها آية على وجود الصانع تعالى شأنه.

رَواسِيَ‏ أي جبالا ثوابت‏ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ‏ أي كراهة أن تميد بكم و تضطرب‏ وَ أَنْهاراً أي و جعل فيها أنهارا لأن ألقى فيه معناه‏ وَ سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ‏ لمقاصدكم أو إلى معرفة الله‏ وَ عَلاماتٍ‏ أي معالم تستدل بها السابلة من جبل و منهل و ريح و نحو ذلك‏ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ‏ بالليل في البراري و البحار إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ حيث يتجاوز عن تقصيركم في أداء شكرها رَحِيمٌ‏ لا يقطعها لتفريطكم فيه و لا يعاجلكم‏

70

بالعقوبة على كفرانها.

إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها قيل ما على الأرض المواليد الثلاثة المعادن و النباتات و الحيوانات و أشرفها الإنسان و قيل لا يدخل المكلف فيه لأن ما على الأرض ليس زينة لها على الحقيقة و إنما هو لأهلها لغرض الابتلاء فالذي له الزينة يكون خارجا عن الزينة لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا في تعاطيه و هو من زهد فيه و لم يغتر به و قنع منه بالكفاف.

لَهُ ما فِي السَّماواتِ‏ قال الرازي مالك لما في السماوات من ملك و نجم و غيرهما و مالك لما في الأرض من المعادن و الفلزات و مالك لما بينهما من الهواء و مالك لما تحت الثرى فإن قيل الثرى هو السطح الأخير من العالم فلا يكون تحته شي‏ء فكيف يكون الله تعالى مالكا له قلنا الثرى في اللغة هو التراب الندي فيحتمل أن تكون تحته شي‏ء فهو إما الثور أو الحوت أو الصخرة أو البحر أو الهواء على اختلاف الروايات‏ (1) انتهى.

و قال الطبرسي ره الثرى التراب الندي يعني و ما وارى الثرى من كل شي‏ء و قيل يعني ما في ضمن الأرض من الكنوز و الأموات‏ (2).

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً أي كالمهد تتمهدونها وَ سَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا أي و حصل لكم فيها سبلا بين الجبال و الأودية و البراري تسلكونها من أرض إلى أرض لتبلغوا منافعها وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً أي مطرا فَأَخْرَجْنا بِهِ‏ قيل عدل من لفظ الغيبة إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تعالى تنبيها على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة و الحكمة و إيذانا بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة بمشيّته‏ أَزْواجاً أي أصنافا مِنْ نَباتٍ‏ بيان و صفة لأزواجا و كذلك‏ شَتَّى‏ و يحتمل أن يكون صفة للنبات فإنه من حيث إنه مصدر في الأصل يستوي فيه الواحد و الجمع و هو جمع شتيت كمريض و مرضى أي متفرقات في الصور و الأعراض و المنافع‏

____________

(1) مفاتيح الغيب: ج 22،(ص)8.

(2) مجمع البيان: ج 7،(ص)2.

71

يصلح بعضها للناس و بعضها للبهائم فلذلك قال‏ كُلُوا وَ ارْعَوْا أَنْعامَكُمْ‏ و هو حال من ضمير فَأَخْرَجْنا على إرادة القول أي أخرجنا أصناف النبات قائلين‏ كُلُوا وَ ارْعَوْا أَنْعامَكُمْ‏ و المعنى معدّيها لانتفاعكم بالأكل و العلف آذنين فيه‏ لِأُولِي النُّهى‏ أي لذوي العقول الناهية عن اتباع الباطل و ارتكاب القبائح جمع نهية

- وَ عَنِ الصَّادِقِ (عليه السلام)نَحْنُ أُولُو النُّهَى.

وَ عَنِ الْبَاقِرِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)خِيَارُكُمْ أُولُو النُّهَى قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَنْ أُولُو النُّهَى قَالَ هُمْ أُولُو الْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ وَ الْأَحْلَامِ الرَّزِينَةِ وَ صِلَةِ الْأَرْحَامِ وَ الْبَرَرَةُ بِالْأُمَّهَاتِ وَ الْآبَاءِ وَ الْمُتَعَاهِدُونَ لِلْفُقَرَاءِ وَ الْجِيرَانِ وَ الْيَتَامَى وَ يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ وَ يُفْشُونَ السَّلَامَ فِي الْعَالَمِ وَ يُصَلُّونَ وَ النَّاسُ نِيَامٌ غَافِلُونَ.

. مِنْها خَلَقْناكُمْ‏ فإن التراب أصل خلقه أول آبائكم و أول مواد أبدانكم و سيأتي وجه آخر في الخبر إن شاء الله‏ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ‏ بالموت و تفكيك الأجزاء وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى‏ بتأليف أجزائكم المتفتتة المختلطة بالتراب على الصور السابقة و رد الأرواح فيها.

وَ جَعَلْنا فِيها أي في الأرض أو في الرواسي‏ فِجاجاً سُبُلًا مسالك واسعة و إنما قدم‏ فِجاجاً و هو وصف له ليصير حالا يدل على أنه حين خلقها كذلك أو ليبدل منها سُبُلًا فيدل ضمنا على أنه خلقها و وسعها للسابلة مع ما يكون فيه من التأكيد لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ‏ إلى مصالحهم.

أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ‏ أي أ و لم ينظروا في عجائبها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ‏ أي محمود كثير المنفعة و هو صفة لكل ما يحمد و يرضى قيل و هاهنا يحتمل أن تكون مقيدة لما يتضمن الدلالة على القدرة و أن تكون مبينة منبهة على أنه ما من نبت إلا و له فائدة إما وحده أو مع غيره و كل لإحاطة الأزواج و كم لكثرتها إِنَّ فِي ذلِكَ‏ أي في إثبات‏ (1) تلك الأصناف أو في كل واحد لَآيَةً على أن منبتها تام القدرة و الحكمة سابغ النعمة و الرحمة.

____________

(1) انبات (ظ).

72

أَ تُتْرَكُونَ‏ إنكار لأن يتركوا كذلك أو تذكير بالنعمة في تخلية الله إياهم و أسباب تنعمهم آمنين ثم فسر بقوله‏ فِي جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ نَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ‏ أي لطيف لين للطف التمر أو لأن النخل أنثى و طلع إناث النخل ألطف و هو يطلع منها كنصل السيف في جوفه شماريخ القنو أو متدل منكسر من كثرة الحمل‏ فارِهِينَ‏ أي حاذقين أو بطرين‏ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ أي ذات منظر حسن يبتهج به من رآه و لم يقل ذوات بهجة لأنه أراد تأنيث الجماعة و لو أراد تأنيث الأعيان لقال ذوات‏ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ‏ أي يشركون بالله غيره‏ قَراراً أي مستقرا لا تميل و لا تميد بأهلها وَ جَعَلَ خِلالَها أي في وسط الأرض و في مسالكها و نواحيها أَنْهاراً جارية ينبت بها الزرع و يحيي به الخلق‏ وَ جَعَلَ لَها رَواسِيَ‏ أي ثوابت أثبتت بها الأرض‏ وَ جَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أي مانعا من قدرته بين العذب و المالح فلا يختلط أحدهما بالآخر مُخْتَلِفاً أَلْوانُها قيل أي أجناسها أو أوصافها على أن كلا منها لها أصناف مختلفة أو هيأتها من الصفرة و الخضرة و نحوهما وَ مِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ أي ذو جدد و خطوط و طرائق يقال جدة الحمار للخطة السوداء على ظهره‏ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها بالشدة و الضعف‏ وَ غَرابِيبُ سُودٌ عطف على بيض أو على جدد كأنه قيل و من الجبال ذو جدد مختلف اللون و منها غرابيب متحدة اللون و هو تأكيد مضمر يفسره فإن الغربيب تأكيد للأسود و حق التأكيد أن يتبع المؤكد مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ‏ أي كاختلاف الثمار و الجبال‏ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إذ شرط الخشية معرفة المخشي و العلم بصفاته و أفعاله فمن كان أعلم به كان أخشى منه‏ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ تعليل لوجوب الخشية لدلالته على أنه معاقب للمصر على طغيانه غفور للتائب عن عصيانه.

وَ أَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا المراد جنس الحب‏ فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ‏ قيل قدم الصلة للدلالة على أن الحب معظم ما يؤكل و يعاش به‏ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنابٍ‏ أي من أنواع النخل و العنب‏ مِنَ الْعُيُونِ‏ أي شيئا من العيون و من مزيدة عند الأخفش‏ مِنْ ثَمَرِهِ‏ أي من ثمر ما ذكر و هو الجنات و قيل الضمير لله على طريقة الالتفات و

73

الإضافة إليه لأن الثمر مخلوقة وَ ما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ‏ عطف على الثمر و المراد ما يتخذ منه العصير و الدبس و نحوهما و قيل ما نافية و المراد أن الثمر بخلق الله لا بفعلهم‏ أَ فَلا يَشْكُرُونَ‏ أمر بالشكر من حيث إنه إنكار لتركه‏ خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها أي الأنواع و الأصناف‏ مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ‏ من النبات و الشجر وَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ‏ الذكر و الأنثى‏ وَ مِمَّا لا يَعْلَمُونَ‏ أي و أزواجا مما لم يطلعهم الله عليه و لم يجعل لهم طريقا إلى معرفته.

تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً أي يابسة متطأمنة مستعار من الخشوع بمعنى التذلل‏ اهْتَزَّتْ‏ أي تحركت بالنبات‏ وَ رَبَتْ‏ أي انتفخت و ارتفعت قبل أن تنبت و قيل اهتزت بالنبات و ربت بكثرة ريعها وَ ما بَثَ‏ عطف على السماوات أو الخلق‏ مِنْ دابَّةٍ قيل أي من حي على إطلاق اسم السبب على المسبب أو مما يدب على الأرض و ما يكون في أحد الشيئين يصدق أنه فيهما في الجملة إِذا يَشاءُ أي في أي وقت يشاء قَدِيرٌ متمكن منه.

وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً بأن خلقها نافعة لكم‏ مِنْهُ‏ حال من ما أي سخر هذه الأشياء كائنة منه أو خبر لمحذوف أي هي جميعا منه أو لما في السماوات و سَخَّرَ لَكُمْ‏ تكرير للتأكيد أو لما في الأرض‏ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ‏ أي من كل صنف حسن‏ لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ‏ أي راجع إلى ربه متفكر في بدائع صنعه.

وَ الْأَرْضَ فَرَشْناها أي مهدناها ليستقروا عليها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ‏ أي نحن‏ وَ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ‏ أي نوعين‏ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏ فتعلموا أن التعدد من خواص الممكنات و أن الواجب بالذات لا يقبل الانقسام و التعدد

- وَ رُوِيَ عَنِ الرِّضَا (عليه السلام) فِي خُطْبَةٍ طَوِيلَةٍ قَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ مَشْرُوحاً وَ بِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لَا ضِدَّ لَهُ وَ بِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لَا قَرِينَ لَهُ ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ وَ الْيُبْسَ بِالْبَلَلِ وَ الْخَشِنَ بِاللَّيِّنِ وَ الصَّرْدَ بِالْحَرُورِ مُؤَلِّفاً بَيْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا مُفَرِّقاً بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا دَالَّةً بِتَفْرِيقِهَا عَلَى مُفَرِّقِهَا وَ بِتَأْلِيفِهَا عَلَى مُؤَلِّفِهَا وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ‏ وَ مِنْ كُلِ‏

74

شَيْ‏ءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏

وَ الْأَرْضَ وَضَعَها أي حفظها مدحوّة لِلْأَنامِ‏ للخلق و قيل الأنام كل ذي روح‏ فِيها فاكِهَةٌ أي ضروب مما يتفكّه به‏ وَ النَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ‏ هي أوعية التمر جمع كمّ أو كل ما يكمّ أي يغطّى من ليف و سعف و كفرّى‏ (1) فإنه ينتفع به كالمكموم و كالجذع‏ وَ الْحَبُ‏ كالحنطة و الشعير سائر ما يتغذّى به‏ ذُو الْعَصْفِ‏ هو ورق النبات اليابس كالتين‏ وَ الرَّيْحانُ‏ يعني المشموم أو الرزق من قولهم خرجت أطلب ريحان الله‏

- وَ عَنِ الرِّضَا(ع)وَ الْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ‏ قَالَ لِلنَّاسِ‏ فِيها فاكِهَةٌ وَ النَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ‏ قَالَ يَكْبُرُ ثَمَرُ النَّخْلِ فِي الْقَمْعِ ثُمَّ يَطْلُعُ مِنْهُ قَوْلُهُ‏ وَ الْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَ الرَّيْحانُ‏ قَالَ الْحَبُّ الْحِنْطَةُ وَ الشَّعِيرُ وَ الْحُبُوبُ وَ الْعَصْفُ التِّينُ وَ الرَّيْحَانُ مَا يُؤْكَلُ مِنْهُ.

فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ‏ المخاطبة للثقلين‏

- وَ فِي الْحَدِيثِ‏ أَنَّهُ فِي الْبَاطِنِ مُخَاطَبَةٌ لِلْأَوَّلِينَ وَ الْمَعْنَى فَبِأَيِّ النِّعْمَتَيْنِ تَكْفُرَانِ بِمُحَمَّدٍ أَمْ بِعَلِيٍّ وَ فِي خَبَرٍ آخَرَ بِالنَّبِيِّ أَمْ بِالْوَصِيِّ.

. وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ‏ قال الطبرسي ره و في‏ (2) الأرض خلق مثلهن في العدد لا في الكيفية لأن كيفية السماء مخالفة لكيفية الأرض و ليس في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع مثل السماوات إلا هذه الآية و لا خلاف في السماوات أنها سماء فوق سماء و أما الأرضون فقال قوم إنها سبع أرضين طباقا بعضها فوق بعض كالسماوات لأنها لو كانت مصمتة لكانت أرضا واحدة و في كل أرض خلق خلقهم الله تعالى كيف شاء

- و روى أبو صالح عن ابن عباس أنها سبع أرضين ليس بعضها فوق بعض تفرق بينهن البحار و تظل جميعهن السماء و الله سبحانه أعلم بصحة ما استأثر بعلمه و اشتبه على خلقه.

وَ قَدْ رَوَى الْعَيَّاشِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ(ع)قَالَ: بَسَطَ كَفَّيْهِ ثُمَّ وَضَعَ الْيُمْنَى عَلَيْهَا فَقَالَ هَذِهِ الْأَرْضُ الدُّنْيَا وَ السَّمَاءُ

____________

(1) كفرى- بضم الاولين و فتحهما و كسرهما و تشديد الراء المفتوحة-، وعاء طلع النخل.

(2) كذا في نسخ الكتاب، و في المجمع، و خلق من الأرض مثلهن ...

75

الدُّنْيَا عَلَيْهَا قُبَّةٌ وَ الْأَرْضُ الثَّانِيَةُ فَوْقَ سَمَاءِ (1) الدُّنْيَا السَّمَاءُ الثَّانِيَةُ فَوْقَهَا قُبَّةٌ وَ الْأَرْضُ الثَّالِثَةُ فَوْقَ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ وَ السَّمَاءُ الثَّالِثَةُ فَوْقَهَا قُبَّةٌ حَتَّى ذَكَرَ الرَّابِعَةَ وَ الْخَامِسَةَ وَ السَّادِسَةَ فَقَالَ وَ الْأَرْضُ السَّابِعَةُ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّادِسَةِ وَ السَّمَاءُ السَّابِعَةُ فَوْقَهَا قُبَّةٌ وَ عَرْشُ الرَّحْمَنِ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَ هُوَ قَوْلُهُ‏ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَ‏ وَ إِنَّمَا صَاحِبُ الْأَمْرِ النَّبِيُّ(ص)وَ هُوَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَ إِنَّمَا يَنْزِلُ‏ (2) الْأَمْرُ مِنْ فَوْقُ مِنْ بَيْنِ السَّمَوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ.

فعلى هذا يكون المعنى تتنزّل الملائكة بأوامره إلى الأنبياء و قيل معناه ينزل‏ (3) الأمر بين السماوات و الأرضين من الله سبحانه بحياة بعض و موت بعض و سلامة حي و هلاك آخر و غنى إنسان و فقر آخر و تصريف الأمور على الحكمة (4) انتهى.

و قال الرازي قال الكلبي خلق سبع سماوات بعضها فوق بعض مثل القبة وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ‏ في كونها طبقات‏ (5) متلاصقة كما هو المشهور أن الأرض ثلاث طبقات طبقة أرضية محضة و طبقة طينية و هي غير محضة و طبقة منكشفة بعضها في البر و بعضها في البحر و هي المعمورة و لا يبعد من قوله‏ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ‏ كونها سبعة أقاليم على‏ (6) سبع سماوات و سبعة كواكب فيها و هي السيارة فإن لكل واحد من هذه الكواكب خواص تظهر آثار تلك الخواص في كل أقاليم الأرض فتصير سبعة بهذا الاعتبار فهذه هي الوجوه التي لا يأباها العقل و ما عداها من الوجوه المنقولة من أهل التفسير فمما يأباه العقل مثل ما يقال السماوات السبع أولها موج مكفوف و ثانيها سخر و ثالثها حديد و رابعها نحاس و خامسها فضة و سادسها ذهب و سابعها ياقوت و قول من قال بين كل واحدة منها و بين الأخرى مائة (7) عام و غلظ

____________

(1) في بعض النسخ و في المصدر: السماء.

(2) في المصدر: يتنزل.

(3) في المصدر: يتنزل.

(4) مجمع البيان: ج 10،(ص)310.

(5) في المصدر: طباقا.

(6) فيه: على حسب ...

(7) فيه: خمسمائة سنة.

76

كل واحد منها كذلك فذلك غير معتبر عند أهل التحقيق و يمكن أن يكون أكثر من ذلك و الله أعلم بأنه ما هو و كيف هو (1) انتهى.

و أقول و قد مر بعض الوجوه في الأرضين السبع في باب الهواء.

لِتَعْلَمُوا علة الخلق أو يتنزل‏ (2) أو يعمها فإن كلا منهما يدل على كمال قدرته و علمه.

ذَلُولًا قيل أي لينة فسهل‏ (3) لكم السلوك فيها فَامْشُوا فِي مَناكِبِها أي في جوانبها و جبالها و هو مثل لفرط التذليل فإن منكب البعير ينبو عن أن يطأه الراكب و لا يتذلل له فإذا جعل الأرض في الذل بحيث يمشي في مناكبها لم يبق شي‏ء لم يتذلل‏ وَ كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ‏ أي و التمسوا من نعم الله‏ وَ إِلَيْهِ النُّشُورُ أي المرجع فيسألكم عن شكر ما أنعم عليكم‏ بِساطاً أي مبسوطة ليمكنكم المشي عليها و الاستقرار فيها سُبُلًا فِجاجاً أي طرقا واسعة و قيل طرقا مختلفة عن ابن عباس و قيل سبلا في الصحاري و فجاجا في الجبال.

كِفاتاً قال الطبرسي ره كفت الشي‏ء يكفته كفتا و كفاتا إذا ضمه و منه الحديث اكفتوا صبيانك أي ضموهم إلى أنفسكم و يقال للوعاء كفت و كفيت قال أبو عبيد كفاتا أي أوعية و المعنى جعلنا الأرض كفاتا للعباد تكفتهم أحياء على ظهرها في دورهم و منازلهم و تكفتهم أمواتا في بطنها أي تحوزهم و تضمهم‏

وَ رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى الْجَبَّانَةِ (4) فَقَالَ هَذِهِ كِفَاتُ الْأَمْوَاتِ ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْبُيُوتِ فَقَالَ هَذِهِ كِفَاتُ الْأَحْيَاءِ.

و قوله‏ أَحْياءً وَ أَمْواتاً أي منها ما ينبت و منها ما لا ينبت فعلى هذا يكون أحياء و أمواتا نصبا على الحال و على القول الأول على المفعول به‏ رَواسِيَ شامِخاتٍ‏ أي جبالا ثابتة عالية وَ أَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً أي‏

____________

(1) مفاتيح الغيب: ج 30،(ص)40.

(2) التنزل (ظ).

(3) كذا، و الأظهر «يسهل».

(4) الجبانة- بتشديد الباء الموحدة من تحت-: المقبرة.

77

و جعلنا لكم سقيا من الماء العذب عن ابن عباس‏ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏ بهذه النعم و أنها من جهة الله‏ (1).

مِهاداً أي وطاء و قرارا و مهيأ للتصرف فيه من غير أذية و المصدر بمعنى المفعول أو الحمل على المبالغة أو المعنى ذات مهاد وَ خَلَقْناكُمْ أَزْواجاً أي أشكالا كل واحد شكل للآخر أو ذكرانا و إناثا حتى يصح منكم التناسل و يتمتع بعضكم ببعض أو أصنافا أبيض و أسود و صغيرا و كبيرا إلى غير ذلك‏ وَ جَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً أي راحة و دعة لأجسادكم أو قطعا لأعمالكم و تصرفكم أي سباتا ليس بموت على الحقيقة و لا مخرج عن الحياة و الإدراك‏ وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً أي غطاء و سترة يستر كل شي‏ء بظلمته و سواده‏ وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً أي مطلب معاش أو وقت معاشكم‏ وَ بَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً أي سبع سماوات محكمة أحكمنا صنعها و أوثقنا بناءها وَ جَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً يعني الشمس جعلها سبحانه سراجا للعالم وقادا متلألئا بالنور يستضيئون بها و قيل الوهج مجمع‏ (2) النور و الحر وَ أَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ‏ أي من الرياح ذات الأعاصير و ذلك أن الريح يستدر المطر و قيل المعصرات السحائب إذا أعصرت أي شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر كقولهم أحصد الزرع أي حان له أن يحصد ماءً ثَجَّاجاً أي منصبا بكثرة لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَ نَباتاً فالحب كل ما تضمنه كمام الزرع الذي يحصد و النبات الكلأ من الحشيش و الزروع و نحوها قيل حبا يأكله الناس و نباتا تنبته الأرض مما تأكله الأنعام‏ وَ جَنَّاتٍ أَلْفافاً أي بساتين ملتفة بالشجر أو بعضها ببعض و إنما سميت جنة لأن الشجر تجنها أي تسترها.

ذاتِ الصَّدْعِ‏ أي ما يتصدع عنه الأرض من النبات أو الشق بالنبات و العيون.

أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ‏ خلقا دالا على كمال قدرته و حسن‏

____________

(1) مجمع البيان: ج 10،(ص)417 (ملخصا).

(2) يجمع (خ).

78

تدبيره حيث خلقها لجرّ الثقال إلى البلاد النائية فجعلها عظيمة باركة للحمل ناهضة به منقادة لمن اقتادها طوال الأعنان لتنوء بالأوقار ترعى كل نابت و تحمل العطش إلى عشر فصاعدا ليتأتى لها قطع البراري و المفاوز مع ما لها من منافع أخر فلذا خصت بالذكر و لأنها أعجب ما عند العرب من هذا النوع و قيل المراد بها السحاب على الاستعارة وَ إِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ‏ بلا عمد وَ إِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ‏ فهي راسخة لا تميل‏ وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ‏ أي بسطت حتى صارت مهادا وَ ما طَحاها أي و من طحيها أو مصدرية و طحوها تسطيحها و بسطها.

1- الْإِحْتِجَاجُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: سَأَلَ الزِّنْدِيقُ فِي مَا سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فَقَالَ النَّهَارُ قَبْلَ اللَّيْلِ فَقَالَ نَعَمْ خَلَقَ النَّهَارَ قَبْلَ اللَّيْلِ وَ الشَّمْسَ قَبْلَ الْقَمَرِ وَ الْأَرْضَ قَبْلَ السَّمَاءِ وَ وُضِعَ الْأَرْضُ عَلَى الْحُوتِ وَ الْحُوتُ فِي الْمَاءِ وَ الْمَاءُ فِي صَخْرَةٍ مُجَوَّفَةٍ وَ الصَّخْرَةُ عَلَى عَاتِقِ مَلَكٍ وَ الْمَلَكُ عَلَى الثَّرَى وَ الثَّرَى عَلَى الرِّيحِ‏ (1) وَ الرِّيحُ عَلَى الْهَوَاءِ وَ الْهَوَاءُ تُمْسِكُهُ الْقُدْرَةُ وَ لَيْسَ تَحْتَ الرِّيحِ الْعَقِيمِ إِلَّا الْهَوَاءُ وَ الظُّلُمَاتُ وَ لَا وَرَاءَ ذَلِكَ سَعَةٌ وَ لَا ضِيقٌ وَ لَا شَيْ‏ءٌ يُتَوَهَّمُ ثُمَّ خَلَقَ الْكُرْسِيَّ فَحَشَاهُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ الْكُرْسِيُّ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَ‏ (2) ثُمَّ خَلَقَ الْعَرْشَ فَجَعَلَهُ أَكْبَرَ مِنَ الْكُرْسِيِ‏ (3).

2- تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ عَنْ عَلَاءٍ الْمَكْفُوفِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سُئِلَ عَنِ الْأَرْضِ عَلَى أَيِّ شَيْ‏ءٍ هِيَ قَالَ [عَلَى الْحُوتِ فَقِيلَ لَهُ فَالْحُوتُ عَلَى أَيِّ شَيْ‏ءٍ هُوَ قَالَ عَلَى الْمَاءِ فَقِيلَ لَهُ فَالْمَاءُ عَلَى أَيِّ شَيْ‏ءٍ هُوَ قَالَ عَلَى الثَّرَى قِيلَ لَهُ فَالثَّرَى عَلَى أَيِّ شَيْ‏ءٍ هُوَ قَالَ عِنْدَ ذَلِكَ انْقَضَى عِلْمُ الْعُلَمَاءِ (4).

____________

(1) في المصدر: الريح العقيم.

(2) في المصدر: خلقه اللّه.

(3) الاحتجاج: 193.

(4) تفسير القمّيّ: 418.

79

3- وَ مِنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنِ الْأَرْضِ عَلَى أَيِّ شَيْ‏ءٍ هِيَ قَالَ عَلَى الْحُوتِ قُلْتُ فَالْحُوتُ عَلَى أَيِّ شَيْ‏ءٍ هُوَ قَالَ عَلَى الْمَاءِ قُلْتُ فَالْمَاءُ عَلَى أَيِّ شَيْ‏ءٍ هُوَ قَالَ عَلَى الصَّخْرَةِ قُلْتُ فَالصَّخْرَةُ عَلَى أَيِّ شَيْ‏ءٍ هِيَ قَالَ عَلَى قَرْنِ ثَوْرٍ أَمْلَسَ قُلْتُ فَعَلَى أَيِّ شَيْ‏ءٍ الثَّوْرُ قَالَ عَلَى الثَّرَى قُلْتُ فَعَلَى أَيِّ شَيْ‏ءٍ الثَّرَى فَقَالَ هَيْهَاتَ عِنْدَ ذَلِكَ ضَلَّ عِلْمُ الْعُلَمَاءِ (1).

الكافي، عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب‏ مثله‏ (2) بيان الأملس الصحيح الظهر و لعل المراد هنا أنه لم يلحقه من هذا الحمل دبر و جراحة في ظهره و في القاموس الثرى الندى و التراب الندي أو الذي إذا بلّ لم يصر طينا و الخير انتهى ضلّ علم العلماء أي غير المعصومين أو المراد بالعلماء هم و المعنى أنهم أمروا بكتمانه عن سائر الخلق فكأنه ضل علمهم عن الخلق و قد يقال المراد بالثرى هنا الخير الكامل يعني القدرة فإن استقرار جميع الأشياء على قدرة الله تعالى و قيل المراد بالثرى هنا ما هو منتهى الموجودات و لما كان تعقل النفي الصرف صعبا على الأفهام قال عند ذلك ضل علم العلماء لإلف الناس بالأبعاد القارّة و جسم خلف جسم و لذا ذهب بعض المتكلمين إلى أبعاد موهومة غير متناهية و قالوا بالخلإ.

4- التَّفْسِيرُ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ: قُلْتُ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ‏ وَ السَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ‏ فَقَالَ هِيَ مَحْبُوكَةٌ إِلَى الْأَرْضِ وَ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَقُلْتُ كَيْفَ تَكُونُ مَحْبُوكَةً إِلَى الْأَرْضِ وَ اللَّهُ يَقُولُ‏ رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ أَ لَيْسَ يَقُولُ‏ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها قُلْتُ بَلَى فَقَالَ فَثَمَّ عَمَدٌ وَ لَكِنْ لَا تَرَوْنَهَا قُلْتُ كَيْفَ ذَلِكَ جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ قَالَ فَبَسَطَ

____________

(1) تفسير القمّيّ: 418.

(2) الكافي: ج 8،(ص)89.

80

كَفَّهُ الْيُسْرَى ثُمَّ وَضَعَ الْيُمْنَى عَلَيْهَا فَقَالَ هَذِهِ أَرْضُ الدُّنْيَا وَ السَّمَاءُ الدُّنْيَا عَلَيْهَا (1) فَوْقَهَا قُبَّةٌ وَ الْأَرْضُ الثَّانِيَةُ فَوْقَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَ السَّمَاءُ الثَّانِيَةُ فَوْقَهَا قُبَّةٌ وَ الْأَرْضُ الثَّالِثَةُ فَوْقَ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ وَ السَّمَاءُ الثَّالِثَةُ فَوْقَهَا قُبَّةٌ وَ الْأَرْضُ الرَّابِعَةُ فَوْقَ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ وَ السَّمَاءُ الرَّابِعَةُ فَوْقَهَا قُبَّةٌ وَ الْأَرْضُ الْخَامِسَةُ فَوْقَ السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ وَ السَّمَاءُ الْخَامِسَةُ فَوْقَهَا قُبَّةٌ وَ الْأَرْضُ السَّادِسَةُ فَوْقَ السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ وَ السَّمَاءُ السَّادِسَةُ فَوْقَهَا قُبَّةٌ وَ الْأَرْضُ السَّابِعَةُ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّادِسَةِ وَ السَّمَاءُ السَّابِعَةُ فَوْقَهَا قُبَّةٌ وَ عَرْشُ الرَّحْمَنِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ‏ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَ‏ فَأَمَّا صَاحِبُ الْأَمْرِ (2) فَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ الْوَصِيُّ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَائِمٌ هُوَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَإِنَّمَا يَنْزِلُ الْأَمْرُ إِلَيْهِ مِنْ فَوْقِ السَّمَاءِ مِنْ بَيْنِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ قُلْتُ فَمَا تَحْتَنَا إِلَّا أَرْضٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ مَا تَحْتَنَا إِلَّا أَرْضٌ وَاحِدَةٌ وَ إِنَّ السِّتَّ لَهُنَ‏ (3) فَوْقَنَا (4).

العياشي، عن الحسين بن خالد مثله بيان قال الفيروزآبادي‏ الْحُبُكِ‏ الشدّ و الإحكام و تحسين أثر الصنعة في الثوب يحبكه و يحبكه فهو حبيك و محبوك و الحبك من السماء طرائق النجوم و التحبيك التوثيق و التخطيط انتهى فالمراد بكونها محبوكة أنها متصلة بالأرض معتمدة عليها و أن كل سماء على كل أرض كالقبة الموضوعة عليها و لما كان هذا ظاهرا مخالفا للحس و العيان فيمكن تأويله بوجهين أولهما و هو أقربهما و أوفقهما للشواهد العقلية أن يكون المراد بالأرض ما سوى السماء من العناصر و يكون المراد نفي توهم أن بين السماء و الأرض خلا بل هو مملو من سائر العناصر و المراد بالأرضين السبع هذه الأرض و ستة من السماوات التي فوقنا فإن الأرض ما يستقر عليه‏

____________

(1) كذا.

(2) الأرض (خ).

(3) في المصدر: لهى.

(4) تفسير القمّيّ: 646.

81

الحيوانات و سائر الأشياء و السماء ما يظلهم و يكون فوقهم فسطح هذه الأرض أرض لنا و السماء الأولى سماء لنا تظلنا و السطح المحدب للسماء الأولى أرض للملائكة المستقرين عليها و السماء الثانية سماء لهم و هكذا محدب كل سماء أرض لما فوقها و مقعر السماء الذي فوقها سماء بالنسبة إليها إلى السماء السابعة فإنها سماء و ليست بأرض و الأرض التي نحن عليها أرض و ليست بسماء و السماوات الستة الباقية كل منها سماء من جهة و أرض من جهة و ثانيهما أن يكون المعنى أن السماوات سبع كرات في جوف كل سماء أرض و ليست السماوات بعضها في جوف بعض كما هو المشهور بل بعضها فوق بعض معتمدا بعضها على بعض فالمراد بقوله إلى الأرض أي مع الأرض أو إلى أن ينتهي إلى هذه الأرض التي نحن عليها قوله(ع)فأما صاحب الأمر أي الذي ينزل هذا الأمر إليه.

5- الْعُيُونُ، وَ الْعِلَلُ، فِي خَبَرِ الشَّامِيِ‏ أَنَّهُ سَأَلَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَنِ الْأَرْضِ مِمَّ خُلِقَ قَالَ مِنْ زَبَدِ الْمَاءِ (1).

6- الْعَيَّاشِيُّ، عَنِ الْخَطَّابِ الْأَعْوَرِ رَفَعَهُ إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ وَ الْفِقْهِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (عليهم السلام) قَالَ: وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ‏ يَعْنِي هَذِهِ الْأَرْضُ الطَّيِّبَةُ يُجَاوِرُهَا هَذِهِ الْمَالِحَةُ وَ لَيْسَتْ مِنْهَا كَمَا يُجَاوِرُ الْقَوْمُ الْقَوْمَ وَ لَيْسُوا مِنْهُمْ.

7- الْإِخْتِصَاصُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ‏ سَأَلَ ابْنُ سَلَّامٍ النَّبِيَّ(ص)مَا السِّتُّونَ قَالَ الْأَرْضُ لَهَا سِتُّونَ عِرْقاً وَ النَّاسُ خُلِقُوا عَلَى سِتِّينَ لَوْناً (2).

- 8- مَعَانِي الْأَخْبَارِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْمِنْقَرِيِّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى الْمَقَابِرِ فَقَالَ يَا حَمَّادُ هَذِهِ كِفَاتُ الْأَمْوَاتِ وَ نَظَرَ إِلَى الْبُيُوتِ فَقَالَ هَذِهِ كِفَاتُ الْأَحْيَاءِ ثُمَّ تَلَا أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَ أَمْواتاً (3) وَ رُوِيَ أَنَّهُ دَفَنَ الشَّعْرَ وَ الظُّفُرَ (4).

____________

(1) العيون: ج 1،(ص)241، علل الشرائع: ج 2،(ص)280.

(2) الاختصاص: 4.

(3) المرسلات: 25- 26.

(4) معاني الأخبار: 342.

82

بيان لعل المعنى أن دفن الشعر و الظفر في الأرض لما كان مستحبا فهذا أيضا داخل في كفات الأحياء أو في كفات الأموات لعدم حلول الحياة فيهما و الأول أظهر.

9- الْعُيُونُ، عَنِ الْمُفَسِّرِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيِّ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَ السَّماءَ بِناءً (1) قَالَ جَعَلَهَا مُلَائِمَةً لِطَبَائِعِكُمْ مُوَافِقَةً لِأَجْسَادِكُمْ وَ لَمْ يَجْعَلْهَا شَدِيدَةَ الْحَمْيِ وَ الْحَرَارَةِ فَتُحْرِقَكُمْ وَ لَا شَدِيدَةَ الْبُرُودَةِ فَتُجْمِدَكُمْ وَ لَا شَدِيدَةَ طِيبِ الرِّيحِ فَتُصَدَّعَ هَامَاتُكُمْ وَ لَا شَدِيدَةَ النَّتْنِ فَتُعْطِبَكُمْ وَ لَا شَدِيدَةَ اللِّينِ كَالْمَاءِ فَتُغْرِقَكُمْ وَ لَا شَدِيدَةَ الصَّلَابَةِ فَتَمْتَنِعَ عَلَيْكُمْ فِي دُورِكُمْ‏ (2) وَ أَبْنِيَتِكُمْ وَ قُبُورِ (3) مَوْتَاكُمْ وَ لَكِنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَ فِيهَا مِنَ الْمَتَانَةِ مَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ وَ تَتَمَاسَكُ عَلَيْهَا أَبْدَانُكُمْ وَ بُنْيَانُكُمْ وَ جَعَلَ فِيهَا (4) مَا تَنْقَادُ بِهِ لِدُورِكُمْ وَ قُبُورِكُمْ وَ كَثِيرٍ مِنْ مَنَافِعِكُمْ فَذَلِكَ‏ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً ثُمَّ قَالَ‏ وَ السَّماءَ بِناءً سَقْفاً (5) مَحْفُوظاً مِنْ فَوْقِكُمْ يُدِيرُ فِيهَا شَمْسَهَا وَ قَمَرَهَا وَ نُجُومَهَا لِمَنَافِعِكُمْ ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً يَعْنِي الْمَطَرَ يُنْزِلُهُ مِنْ عَلًى‏ (6) لِيَبْلُغَ قُلَلَ جِبَالِكُمْ وَ تِلَالَكُمْ وَ هِضَابَكُمْ وَ أَوْهَادَكُمْ ثُمَّ فَرَّقَهُ رَذَاذاً وَ وَابِلًا وَ هَطْلًا وَ طَلًّا لِتَنْشَفَهُ أَرَضُوكُمْ وَ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ الْمَطَرَ نَازِلًا عَلَيْكُمْ قِطْعَةً وَاحِدَةً فَيُفْسِدَ أَرَضِيكُمْ وَ أَشْجَارَكُمْ وَ زُرُوعَكُمْ وَ ثِمَارَكُمْ ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَ جَلَ‏ فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ‏ يَعْنِي مِمَّا يُخْرِجُهُ مِنَ الْأَرْضِ رِزْقاً لَكُمْ‏ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً أَيْ أَشْبَاهاً وَ أَمْثَالًا مِنَ الْأَصْنَامِ الَّتِي لَا تَعْقِلُ وَ لَا تَسْمَعُ وَ لَا تُبْصِرُ وَ لَا تَقْدِرُ عَلَى شَيْ‏ءٍ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏ أَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى شَيْ‏ءٍ مِنْ هَذِهِ النِّعَمِ الْجَلِيلَةِ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْكُمْ رَبُّكُمْ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى‏ (7).

الاحتجاج، بالإسناد إلى أبي محمد(ع)مثله‏ (8)

____________

(1) البقرة: 22.

(2) في الاحتجاج: حرثكم.

(3) فيه: دفن موتاكم.

(4) فيه: من اللين ما تنقاد به لحرثكم.

(5) فيه: يعنى سقفا ...

(6) فيه: علو.

(7) العيون: ج 1،(ص)137.

(8) الاحتجاج: 253.

83

- تفسير الإمام،(ع)مثله بيان فتصدع على بناء التفعيل من الصداع و أعطبه أهلكه و الرذاذ كسحاب المطر الضعيف أو الساكن الدائم الصغار القطر كالغبار و الوابل المطر الشديد الضخم و الهطل المطر الضعيف الدائم و الطل المطر الضعيف أو أخف المطر و أضعفه و الندى أو فوقه و دون المطر كل ذلك ذكره الفيروزآبادي.

10- التَّوْحِيدُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ وَ غَيْرِهِ عَنْ خَلَفِ بْنِ حَمَّادٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ الْهَاشِمِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: جَاءَتْ زَيْنَبُ الْعَطَّارَةُ الْحَوْلَاءُ إِلَى نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ بَنَاتِهِ وَ كَانَتْ تَبِيعُ مِنْهُنَّ الْعِطْرَ فَدَخَلَ‏ (1) رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ هِيَ عِنْدَهُنَّ فَقَالَ إِذَا أَتَيْتِنَا طَابَتْ بُيُوتُنَا فَقَالَتْ بُيُوتُكَ بِرِيحِكَ أَطْيَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ إِذَا بِعْتِ فَاحْشِي‏ (2) وَ لَا تَغُشِّي فَإِنَّهُ أَتْقَى وَ أَبْقَى لِلْمَالِ فَقَالَتْ مَا جِئْتُ‏ (3) لِشَيْ‏ءٍ مِنْ بَيْعِي وَ إِنَّمَا جِئْتُكَ أَسْأَلُكَ عَنْ عَظَمَةِ اللَّهِ قَالَ جَلَّ جَلَالُهُ سَأُحَدِّثُكِ عَنْ بَعْضِ ذَلِكِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ بِمَنْ فِيهَا (4) وَ مَنْ عَلَيْهَا عِنْدَ الَّتِي تَحْتَهَا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ (5) فِي فَلَاةٍ قِيٍّ وَ هَاتَانِ وَ مَنْ فِيهِمَا وَ مَنْ عَلَيْهِمَا عِنْدَ الَّتِي تَحْتَهُمَا كَحَلْقَةٍ (6) فِي فَلَاةٍ قِيٍّ وَ الثَّالِثَةُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى السَّابِعَةِ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ‏ وَ السَّبْعُ‏ (7) وَ مَنْ فِيهِنَّ وَ مَنْ عَلَيْهِنَّ عَلَى ظَهْرِ الدِّيكِ كَحَلْقَةٍ (8) فِي فَلَاةٍ قِيٍّ وَ الدِّيكُ لَهُ جَنَاحٌ بِالْمَشْرِقِ وَ جَنَاحٌ بِالْمَغْرِبِ وَ رِجْلَاهُ فِي التُّخُومِ وَ السَّبْعُ وَ الدِّيكُ بِمَنْ فِيهِ وَ مَنْ عَلَيْهِ عَلَى الصَّخْرَةِ كَحَلْقَةٍ (9) فِي فَلَاةٍ قِيٍّ وَ السَّبْعُ وَ الدِّيكُ وَ الصَّخْرَةُ بِمَنْ فِيهَا وَ مَنْ عَلَيْهَا عَلَى ظَهْرِ الْحُوتِ كَحَلْقَةٍ (10) فِي فَلَاةٍ قِيٍّ وَ السَّبْعُ وَ الدِّيكُ وَ الصَّخْرَةُ وَ الْحُوتُ عِنْدَ الْبَحْرِ الْمُظْلِمِ كَحَلْقَةٍ (11) فِي فَلَاةٍ

____________

(1) في الكافي: فجاء.

(2) في التوحيد و الكافي: فأحسنى.

(3) في الكافي: فقالت: يا رسول اللّه ما أتيت بشي‏ء من بيعى و إنّما أتيت ...

(4) فيه: بمن عليها.

(5) في التوحيد: كحلقة في فلاة ...

(6) في الكافي: كحلقة ملفاة ...

(7) في الكافي: و السبع الأرضين بمن ...

(8) فيه: كحلقة ملقاة.

(9) فيه: كحلقة ملقاة.

(10) فيه: كحلقة ملقاة.

(11) فيه: كحلقة ملقاة.

84

قِيٍّ وَ السَّبْعُ وَ الدِّيكُ وَ الصَّخْرَةُ وَ الْحُوتُ وَ الْبَحْرُ الْمُظْلِمُ عِنْدَ الْهَوَاءِ كَحَلْقَةٍ (1) فِي فَلَاةٍ قِيٍّ وَ السَّبْعُ وَ الدِّيكُ وَ الصَّخْرَةُ وَ الْحُوتُ وَ الْبَحْرُ الْمُظْلِمُ وَ الْهَوَاءُ عِنْدَ الثَّرَى كَحَلْقَةٍ (2) فِي فَلَاةٍ قِيٍّ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ ما تَحْتَ الثَّرى‏ (3) ثُمَّ انْقَطَعَ الْخَبَرُ (4) وَ السَّبْعُ وَ الدِّيكُ وَ الصَّخْرَةُ وَ الْحُوتُ وَ الْبَحْرُ الْمُظْلِمُ وَ الْهَوَاءُ وَ الثَّرَى بِمَنْ فِيهِ وَ مَنْ عَلَيْهِ عِنْدَ السَّمَاءِ الْأُولَى كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍّ وَ هَذَا وَ السَّمَاءُ (5) الدُّنْيَا وَ مَنْ فِيهَا وَ مَنْ عَلَيْهَا عِنْدَ الَّتِي فَوْقَهَا كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍّ وَ هَذَا وَ هَاتَانِ السَّمَاوَانِ عِنْدَ الثَّالِثَةِ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍّ وَ هَذَا وَ هَذِهِ الثَّلَاثُ عِنْدَ الرَّابِعَةِ بِمَنْ فِيهِنَّ وَ مَنْ عَلَيْهِنَّ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍّ حَتَّى انْتَهَى إِلَى السَّابِعَةِ وَ هَذِهِ السَّبْعُ‏ (6) وَ مَنْ فِيهِنَّ وَ مَنْ عَلَيْهِنَّ عِنْدَ الْبَحْرِ الْمَكْفُوفِ عَنْ أَهْلِ الْأَرْضِ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍّ وَ السَّبْعُ وَ الْبَحْرُ الْمَكْفُوفُ عِنْدَ جِبَالِ الْبَرَدِ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍّ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ (7) وَ هَذِهِ السَّبْعُ وَ الْبَحْرُ الْمَكْفُوفُ وَ جِبَالُ الْبَرَدِ (8) عِنْدَ حُجُبِ النُّورِ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍّ وَ هُوَ سَبْعُونَ أَلْفَ حِجَابٍ يَذْهَبُ نُورُهَا بِالْأَبْصَارِ وَ هَذَا وَ السَّبْعُ وَ الْبَحْرُ الْمَكْفُوفُ وَ جِبَالُ الْبَرَدِ وَ الْهَوَاءُ وَ الْحُجُبُ عِنْدَ الْهَوَاءِ الَّذِي تَحَارُ فِيهِ الْقُلُوبُ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍّ وَ السَّبْعُ وَ الْبَحْرُ الْمَكْفُوفُ وَ جِبَالُ الْبَرَدِ وَ الْهَوَاءُ (9) وَ الْحُجُبُ فِي الْكُرْسِيِّ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍّ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ‏ (10) وَ هَذِهِ السَّبْعُ وَ الْبَحْرُ الْمَكْفُوفُ وَ جِبَالُ الْبَرَدِ وَ الْهَوَاءُ وَ الْحُجُبُ وَ الْكُرْسِيُّ عِنْدَ الْعَرْشِ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍ‏

____________

(1) و فيه: كحلقة ملقاة.

(2) و فيه: كحلقة ملقاة.

(3) طه: 6.

(4) في الكافي: عند الثرى.

(5) في التوحيد و الكافي: سماء.

(6) في الكافي: و هن.

(7) النور: 43.

(8) في الكافي: و جبال البرد عند الهواء.

(9) في الكافي: .. و الهواء عند حجب النور كحلقة في فلاة قى، و هذه السبع و البحر المكفوف و جبال البرد و الهواء و حجب النور عند الكرسيّ.

(10) البقرة: 255.

85

ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏ (1) مَا تَحْمِلُهُ الْأَمْلَاكُ إِلَّا بِقَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ‏ (2).

الكافي، عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن عبد الرحمن بن أبي نجران عن صفوان عن خلف بن حماد مثله بيان فإنه أتقى أي أقرب إلى التقوى و أنسب بها أو احفظ لصاحبه عن مفاسد الدنيا و الآخرة و قال الجوهري الفلاة المفازة و قال القيّ بالكسر و التشديد فعل من القواء و هي الأرض القفر الخالية و قال التخم منتهى كلّ قرية أو أرض يقال فلان على تخم من الأرض و الجمع تخوم قوله(ع)ثم انقطع الخبر و في الكافي عند الثرى و المعنى أنا لم نخبر به أو لم نؤمر بالإخبار به قوله المكفوف عن أهل الأرض أي ممنوع عنهم لا ينزل منه ماء إليهم و في الكافي بعد قوله‏ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ هكذا و هذه السبع و البحر المكفوف و جبال البرد عند الهواء الذي تحار فيه القلوب كحلقة في فلاة قي و هذه السبع و البحر المكفوف و جبال البرد و الهواء عند حجب النور كحلقة في فلاة قي و هذه السبع و البحر المكفوف و جبال البرد و الهواء عند حجب النور كحلقة في فلاة قي و هذه السبع و البحر المكفوف و جبال البرد و الهواء و حجب النور عند الكرسي إلى قوله و تلا هذه الآية الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏ ثم قال و في رواية الحسن الحجب قبل الهواء الذي تحار فيه القلوب أي كانت الرواية في كتاب الحسن بن محبوب هكذا موافقا لما نقله الصدوق.

ثم اعلم أن الخبر يدل على أن الأرضين طبقات بعضها فوق بعض و قد يستشكل فيما اشتمل عليه هذا الخبر من أن الأرضين السبع و الديك و الصخرة و الحوت و البحر المظلم و الهواء و الثرى عند السماء الأولى كحلقة في فلاة قي فيدل على أن جميع ذلك ليس لها قدر محسوس عند فلك القمر مع أن الأرض وحدها لها قدر محسوس‏

____________

(1) الكافي: ج 8،(ص)153، و الآية في سورة طه: 5.

(2) التوحيد: 199.

86

عنده بدلالة الخسوف و اختلاف المنظر و غير ذلك مما علم في الأبعاد و الأجرام و قد يجاب عن ذلك بأنه لما لم يمكن أن تحمل النسب التي ذكرت بين هذه الموجودات في هذا الحديث على النسب المقدارية التي اعتبر مثلها بين الحلقة و الفلاة اللتين هما المشبه بهما في جميع المراتب فإنه خلاف ما دل عليه العقول الصحيحة السليمة بعد التأمل في البراهين الهندسية و الحسابية التي لا يحوم حولها الشك أصلا و لا تعتريها الشبهة قطعا فيمكن أن يأول و يحمل على أن المعنى أن نسبة الحكم و المصالح المرعية في خلق كل من تلك المراتب إلى ما روعي فيما ذكر بعده كنسبة مقدار الحلقة إلى الفلاة ليدل على أن ما يمكننا أن نشاهد أو ندرك من آثار صنعه و عجائب حكمته في الشواهد ليس له نسبة محسوسة إلى أدنى ما هو محجوب عنا فكيف إلى ما فوقه و أجاب آخرون بأن المعنى ارتفاع ثقل كل من تلك الموجودات عما اتصل به فالطبقة الأولى من الأرض رفع الله ثقلها عن الطبقة الثانية فليس ثقلها عليها إلا كثقل حلقة على فلاة سواء كانت أكبر منها حجما أو أصغر و أقول على ما احتملنا سابقا من كون جميع الأفلاك أجزاء من السماء الدنيا داخلة فيها كما هو ظاهر الآية الكريمة يمكن حمل هذا التشبيه على ظاهره من غير تأويل و الله يعلم حقائق الموجودات.

11- تَوْحِيدُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ قَالَ الصَّادِقُ(ع)فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِيمَا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِ هَذِهِ الْجَوَاهِرَ الْأَرْبَعَةَ لِيَتَّسِعَ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْهَا فَمِنْ ذَلِكَ سَعَةُ هَذِهِ الْأَرْضِ وَ امْتِدَادُهَا فَلَوْ لَا ذَلِكَ كَيْفَ كَانَتْ تَتَّسِعُ لِمَسَاكِنِ النَّاسِ وَ مَزَارِعِهِمْ وَ مَرَاعِيهِمْ وَ مَنَابِتِ أَخْشَابِهِمْ وَ أَحْطَابِهِمْ وَ الْعَقَاقِيرِ الْعَظِيمَةِ وَ الْمَعَادِنِ الْجَسِيمَةِ غَنَاؤُهَا وَ لَعَلَّ مَنْ يُنْكِرُ هَذِهِ الْفَلَوَاتِ الْخَالِيَةَ (1) وَ الْقِفَارَ الْمُوحِشَةَ يَقُولُ مَا الْمَنْفَعَةُ فِيهَا فَهِيَ مَأْوَى هَذِهِ الْوُحُوشِ وَ مَحَالُّهَا وَ مَرْعَاهَا ثُمَّ فِيهَا بَعْدُ مُتَنَفَّسٌ وَ مُضْطَرَبٌ لِلنَّاسِ إِذَا احْتَاجُوا إِلَى الِاسْتِبْدَالِ بِأَوْطَانِهِمْ وَ كَمْ بَيْدَاءَ وَ كَمْ فَدْفَدٍ حَالَتْ قُصُوراً وَ جِنَاناً بِانْتِقَالِ النَّاسِ إِلَيْهَا وَ حُلُولِهِمْ فِيهَا وَ لَوْ لَا سَعَةُ الْأَرْضِ وَ فُسْحَتُهَا لَكَانَ النَّاسُ كَمَنْ هُوَ فِي حِصَارٍ ضَيِّقٍ لَا يَجِدُ

____________

(1) في بعض النسخ «الخاوية» و الظاهر من بيان المؤلّف انه كان كذلك في نسخته.

87

مَنْدُوحَةً عَنْ وَطَنِهِ إِذَا أَحْزَنَهُ‏ (1) أَمْرٌ يَضْطَرُّهُ إِلَى الِانْتِقَالِ عَنْهُ ثُمَّ فَكِّرْ فِي خَلْقِ هَذِهِ الْأَرْضِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ حِينَ خُلِقَتْ رَاتِبَةً رَاكِنَةً فَيَكُونُ مُوَطَّناً مُسْتَقَرّاً لِلْأَشْيَاءِ فَيَتَمَكَّنُ النَّاسُ مِنَ السَّعْيِ عَلَيْهَا فِي مَآرِبِهِمْ وَ الْجُلُوسِ عَلَيْهَا لِرَاحَتِهِمْ وَ النَّوْمِ لِهُدُوئِهِمْ وَ الْإِتْقَانِ لِأَعْمَالِهِمْ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ رَجْرَاجَةً مُتَكَفِّئَةً لَمْ يَكُونُوا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُتْقِنُوا الْبِنَاءَ وَ التِّجَارَةَ وَ الصِّنَاعَةَ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ بَلْ كَانُوا لَا يَتَهَنَّئُونَ بِالْعَيْشِ وَ الْأَرْضُ تَرْتَجُّ مِنْ تَحْتِهِمْ وَ اعْتَبِرْ ذَلِكَ بِمَا يُصِيبُ النَّاسَ حِينَ الزَّلَازِلِ عَلَى قِلَّةِ مَكْثِهَا حَتَّى يَصِيرُوا إِلَى تَرْكِ مَنَازِلِهِمْ وَ الْهَرَبِ عَنْهَا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَلِمَ صَارَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ تُزَلْزَلُ قِيلَ لَهُ إِنَّ الزَّلْزَلَةَ وَ مَا أَشْبَهَهَا مَوْعِظَةٌ وَ تَرْهِيبٌ يُرَهَّبُ بِهَا النَّاسُ لِيَرْعُوا عَنِ الْمَعَاصِي وَ كَذَلِكَ مَا يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ الْبَلَاءِ فِي أَبْدَانِهِمْ وَ أَمْوَالِهِمْ يَجْرِي فِي التَّدْبِيرِ عَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ وَ اسْتِقَامَتُهُمْ وَ يُدَّخَرُ لَهُمْ إِنْ صَلَحُوا مِنَ الثَّوَابِ وَ الْعِوَضِ فِي الْآخِرَةِ مَا لَا يَعْدِلُهُ شَيْ‏ءٌ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَ رُبَّمَا عُجِّلَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا صَلَاحاً لِلْعَامَّةِ وَ الْخَاصَّةِ ثُمَّ إِنَّ الْأَرْضَ فِي طِبَاعِهَا الَّذِي طَبَعَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ وَ كَذَلِكَ الْحِجَارَةُ وَ إِنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ الْحِجَارَةِ فَضْلُ يُبْسٍ فِي الْحِجَارَةِ أَ فَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ الْيُبْسَ أَفْرَطَ عَلَى الْأَرْضِ قَلِيلًا حَتَّى تَكُونَ حَجَراً صَلْداً أَ كَانَتْ تُنْبِتُ هَذَا النَّبَاتَ الَّذِي بِهِ حَيَاةُ الْحَيَوَانِ وَ كَانَ يُمْكِنُ بِهَا حَرْثٌ أَوْ بِنَاءٌ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ نَقَصَتْ عَنْ‏ (2) يُبْسِ الْحِجَارَةِ وَ جُعِلَتْ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ اللِّينِ وَ الرَّخَاوَةِ وَ لِيَتَهَيَّأَ لِلِاعْتِمَادِ وَ مِنْ تَدْبِيرِ الْحَكِيمِ جَلَّ وَ عَلَا فِي خَلْقِهِ الْأَرْضَ أَنَّ مَهَبَّ الشَّمَالِ أَرْفَعُ مِنْ مَهَبِّ الْجَنُوبِ فَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ كَذَلِكَ إِلَّا لِتَنْحَدِرَ الْمِيَاهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَتَسْقِيَهَا وَ تَرْوِيَهَا ثُمَّ يُفِيضَ آخِرَ ذَلِكَ إِلَى الْبَحْرِ فَكَمَا يُرْفَعُ أَحَدُ جَانِبَيِ السَّطْحِ وَ يُخْفَضُ‏ (3) الْآخَرُ لِيَنْحَدِرَ الْمَاءُ عَنْهُ وَ لَا تَقُومَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ جُعِلَ مَهَبُّ الشَّمَالِ أَرْفَعَ مِنْ مَهَبِّ الْجَنُوبِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ بِعَيْنِهَا وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَبَقِيَ الْمَاءُ مُتَحَيِّراً عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَكَانَ يَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ أَعْمَالِهَا وَ يَقْطَعُ الطُّرُقَ وَ الْمَسَالِكَ ثُمَّ الْمَاءُ لَوْ لَا كَثْرَتُهُ وَ تَدَفُّقُهُ فِي الْعُيُونِ وَ الْأَوْدِيَةِ وَ الْأَنْهَارِ لَضَاقَ عَمَّا يَحْتَاجُ النَّاسُ‏

____________

(1) في بعض النسخ «حزبه» و الظاهر من بيان المؤلّف انه موافق لنسخته.

(2) من (خ).

(3) ينخفض (خ).

88

إِلَيْهِ لِشُرْبِهِمْ وَ شُرْبِ أَنْعَامِهِمْ وَ مَوَاشِيهِمْ وَ سَقْيِ زُرُوعِهِمْ وَ أَشْجَارِهِمْ وَ أَصْنَافِ غَلَّاتِهِمْ وَ شُرْبِ مَا يَرِدُهُ مِنَ الْوُحُوشِ وَ الطَّيْرِ وَ السِّبَاعِ وَ تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْحِيتَانُ وَ دَوَابُّ الْمَاءِ وَ فِيهِ مَنَافِعُ أُخَرُ أَنْتَ بِهَا عَارِفٌ وَ عَنْ عِظَمِ مَوْقِعِهَا غَافِلٌ فَإِنَّهُ سِوَى الْأَمْرِ الْجَلِيلِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَنَائِهِ فِي إِحْيَاءِ جَمِيعِ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَ النَّبَاتِ يُمْزَجُ بِالْأَشْرِبَةِ فَتَلِينُ وَ تَطِيبُ لِشَارِبِهَا وَ بِهِ تُنَظَّفُ الْأَبْدَانُ وَ الْأَمْتِعَةُ مِنَ الدَّرَنِ الَّذِي يَغْشَاهَا وَ بِهِ يُبَلُّ التُّرَابُ فَيَصْلُحُ لِلِاعْتِمَالِ وَ بِهِ نَكُفُّ عَادِيَةَ النَّارِ إِذَا اضْطَرَمَتْ وَ أَشْرَفَ النَّاسُ عَلَى الْمَكْرُوهِ وَ بِهِ يَسْتَحِمُّ الْمُتْعِبُ الْكَالُّ فَيَجِدُ الرَّاحَةَ مِنْ أَوْصَابِهِ إِلَى أَشْبَاهِ هَذَا مِنَ الْمَآرِبِ الَّتِي تَعْرِفُ عِظَمَ مَوْقِعِهَا فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا فَإِنْ شَكَكْتَ فِي مَنْفَعَةِ هَذَا الْمَاءِ الْكَثِيرِ الْمُتَرَاكِمِ فِي الْبِحَارِ وَ قُلْتَ مَا الْإِرْبُ فِيهِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ مُكْتَنَفٌ وَ مُضْطَرَبٌ مَا لَا يُحْصَى مِنْ أَصْنَافِ السَّمَكِ وَ دَوَابِّ الْبَحْرِ وَ مَعْدِنِ اللُّؤْلُؤِ وَ الْيَاقُوتِ وَ الْعَنْبَرِ وَ أَصْنَافٍ شَتَّى تُسْتَخْرَجُ مِنَ الْبَحْرِ وَ فِي سَوَاحِلِهِ مَنَابِتُ الْعُودِ الْيَلَنْجُوجِ وَ ضُرُوبٌ مِنَ الطِّيبِ وَ الْعَقَاقِيرِ ثُمَّ هُوَ بَعْدُ مَرْكَبُ النَّاسِ وَ مَحْمِلٌ لِهَذِهِ التِّجَارَاتِ الَّتِي تُجْلَبُ مِنَ الْبُلْدَانِ الْبَعِيدَةِ كَمِثْلِ مَا يُجْلَبُ مِنَ الصِّينِ إِلَى الْعِرَاقِ وَ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى الْعِرَاقِ فَإِنَّ هَذِهِ التِّجَارَاتِ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَحْمِلٌ إِلَّا عَلَى الظَّهْرِ لَبَارَتْ‏ (1) وَ بَقِيَتْ فِي بُلْدَانِهَا وَ أَيْدِي أَهْلِهَا لِأَنَّ أَجْرَ حَمْلِهَا كَانَ يُجَاوِزُ أَثْمَانَهَا فَلَا يَتَعَرَّضُ أَحَدٌ لِحَمْلِهَا وَ كَانَ يَجْتَمِعُ فِي ذَلِكَ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا فَقْدُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ تَعْظُمُ الْحَاجَةُ إِلَيْهَا وَ الْآخَرُ انْقِطَاعُ مَعَاشِ مَنْ يَحْمِلُهَا وَ يَتَعَيَّشُ بِفَضْلِهَا وَ هَكَذَا الْهَوَاءُ لَوْ لَا كَثْرَتُهُ وَ سَعَتُهُ لَاخْتَنَقَ هَذَا الْأَنَامُ مِنَ الدُّخَانِ وَ الْبُخَارِ الَّتِي يَتَحَيَّرُ فِيهِ وَ يَعْجِزُ عَمَّا يُحَوَّلُ إِلَى السَّحَابِ وَ الضَّبَابِ أَوَّلًا أَوَّلًا وَ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ صِفَتِهِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَ النَّارُ أَيْضاً كَذَلِكَ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَبْثُوثَةً كَالنَّسِيمِ وَ الْمَاءِ كَانَتْ تُحْرِقُ الْعَالَمَ وَ مَا فِيهِ وَ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ظُهُورِهَا فِي الْأَحَايِينِ لِغَنَائِهَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَصَالِحِ فَجُعِلَتْ كَالْمَخْزُونَةِ فِي الْأَخْشَابِ تُلْتَمَسُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا وَ تُمْسَكُ بِالْمَادَّةِ وَ الْحَطَبِ مَا احْتِيجَ إِلَى بَقَائِهَا لِئَلَّا تَخْبُوَ فَلَا هِيَ تُمْسَكُ بِالْمَادَّةِ وَ الْحَطَبِ فَتَعْظُمُ الْمَئُونَةُ فِي ذَلِكَ وَ لَا هِيَ تَظْهَرُ مَبْثُوثَةً فَتُحْرِقُ كُلَّمَا هِيَ فِيهِ بَلْ هِيَ عَلَى تَهْيِئَةٍ وَ تَقْدِيرٍ اجْتَمَعَ فِيهَا الِاسْتِمْتَاعُ بِمَنَافِعِهَا

____________

(1) بار السوق أو السلعة: كسدت.

89

وَ السَّلَامَةُ مِنْ ضَرَرِهَا ثُمَّ فِيهَا خَلَّةٌ أُخْرَى وَ هِيَ أَنَّهَا مِمَّا خُصَّ بِهِ الْإِنْسَانُ دُونَ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ لِمَا لَهُ فِيهَا مِنَ الْمَصْلَحَةِ فَإِنَّهُ لَوْ فَقَدَ النَّارَ لَعَظُمَ مَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنَ الضَّرَرِ فِي مَعَاشِهِ فَأَمَّا الْبَهَائِمُ فَلَا تَسْتَعْمِلُ النَّارَ وَ لَا تَسْتَمْتِعُ بِهَا وَ لَمَّا قَدَّرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَكُونَ هَذَا هَكَذَا خَلَقَ لِلْإِنْسَانِ كَفّاً وَ أَصَابِعَ مُهَيَّأَةً لِقَدْحِ النَّارِ وَ اسْتِعْمَالِهَا وَ لَمْ يُعْطِ الْبَهَائِمَ مِثْلَ ذَلِكَ لَكِنَّهَا أُغْنِيَتْ بِالصَّبْرِ عَلَى الْجَفَاءِ وَ الْخَلَلِ فِي الْمَعَاشِ لِكَيْلَا يَنَالَهَا فِي فَقْدِ النَّارِ مَا يَنَالُ الْإِنْسَانَ وَ أُنَبِّئُكَ مِنْ مَنَافِعِ النَّارِ عَلَى خَلَّةٍ صَغِيرَةٍ عَظِيمٍ مَوْقِعُهَا وَ هِيَ هَذَا الْمِصْبَاحُ الَّذِي يَتَّخِذُهُ النَّاسُ فَيَقْضُونَ بِهِ حَوَائِجَهُمْ مَا شَاءُوا مِنْ لَيْلِهِمْ وَ لَوْ لَا هَذِهِ الْخَلَّةُ لَكَانَ النَّاسُ تُصْرَفُ أَعْمَارُهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ فِي الْقُبُورِ فَمَنْ كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَكْتُبَ أَوْ يَحْفَظَ أَوْ يَنْسِجَ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَ كَيْفَ كَانَتْ حَالُ مَنْ عُرِضَ لَهُ وَجَعٌ فِي وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ فَاحْتَاجَ إِلَى أَنْ يُعَالِجَ ضِمَاداً أَوْ سَفُوفاً أَوْ شَيْئاً يَسْتَشْفِي بِهِ فَأَمَّا مَنَافِعُهَا فِي نَضْجِ الْأَطْعِمَةِ وَ دف‏ء [دَفَاءِ الْأَبْدَانِ وَ تَجْفِيفِ أَشْيَاءَ وَ تَحْلِيلِ أَشْيَاءَ وَ أَشْبَاهِ ذَلِكَ فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى وَ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ تُخْفَى.

تبيان‏ (1) العقاقير أصول الأدوية و الغناء بالفتح المنفعة و الخاوية الخالية و الفدفد الفلاة و المكان الصلب الغليظ و المرتفع و الأرض المستوية و الفسحة بالضم السعة و يقال لي عن هذا الأمر مندوحة و منتدح أي سعة و حزبه أمر أي أصابه و الراتبة الثابتة و الراكنة الساكنة و هدأ هدءا و هدوءا سكن و قوله(ع)رجراجة أي متزلزلة متحركة و التكفي الانقلاب و التمايل و التحريك و الارتجاج الاضطراب و الارعواء الرجوع عن الجهل و الكف عن القبيح و الصلد و يكسر الصلب الأملس قوله(ع)إن مهب الشمال أرفع أي بعد ما خرجت الأرض من الكروية الحقيقية صار ما يلي الشمال منها في أكثر المعمورة أرفع مما يلي الجنوب و لذا ترى أكثر الأنهار كدجلة و الفرات و غيرهما تجري من الشمال إلى الجنوب و لما كان الماء الساكن في جوف الأرض تابعا للأرض في ارتفاعه و انخفاضه فلذا صارت العيون المنفجرة تجري هكذا من الشمال إلى الجنوب حتى‏

____________

(1) تبيين (خ).

90

تجري على وجه الأرض و لذا حكموا بفوقية الشمال على الجنوب في حكم اجتماع البئر و البالوعة و إذا تأملت فيما ذكرنا يظهر لك ما بينه(ع)من الحكم في ذلك و أنه لا ينافي كروية الأرض و التدفق التصبب قوله(ع)فإنه سوى الأمر الجليل الضمير راجع إلى الماء و هو اسم إن و يمزج خبره أي للماء سوى النفع الجليل المعروف و هو كونه سببا لحياة كل شي‏ء منافع أخرى منها أنه يمزج مع الأشربة و قال الجوهري الحميم الماء الحار و قد استحممت إذا اغتسلت به ثم صار كل اغتسال استحماما بأي ماء كان انتهى و الوصب محركة المرض و المكتنف بفتح النون من الكنف بمعنى الحفظ و الإحاطة و اكتنفه أي أحاط به و يظهر منه أن نوعا من الياقوت يتكون في البحر و قيل أطلق على المرجان مجازا و يحتمل أن يكون المراد ما يستخرج منه بالغوص و إن لم يتكون فيه و اليلنجوج عود البخور و من العراق أي البصرة إلى العراق أي الكوفة أو بالعكس قوله(ع)و يعجز أي لو لا كثرة الهواء لعجز الهواء عما يستحيل الهواء إليه من السحاب و الضباب التي تتكون من الهواء أولا أولا أي تدريجا أي كان الهواء لا يفي بذلك أو لا يتسع لذلك و الضباب بالفتح ندى كالغيم أو سحاب رقيق كالدخان و الأحايين جمع أحيان و هو جمع حين بمعنى الدهر و الزمان قوله(ع)فلا هي تمسك بالمادة و الحطب أي دائما بحيث إذا انطفت لم يمكن إعادتها و المادة الزيادة المتصلة و المراد هنا الدهر و مثله و دفاء الأبدان‏ (1) بالكسر دفع البرد عنها.

12- الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، سُئِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَلْ تَحْتَ الْأَرْضِ خَلْقٌ قَالَ نَعَمْ أَ لَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى‏ خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَ‏ (2).

____________

(1) الدفاء- بالكسر-: ما يستدمأ به (لا الاستدفاء دفع البرد) و لم نجد في كتب اللغة شاهدا على ما ذكره، و الظاهر أنّه هنا «الدفأ» كالظمأ بمعنى التسخن.

(2) الدّر المنثور: ج 6،(ص)238.

91

13- وَ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ‏ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ‏ قَالَ فِي كُلِّ سَمَاءٍ وَ كُلِّ أَرْضٍ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِهِ وَ أَمْرٌ مِنْ أَمْرِهِ وَ قَضَاءٌ مِنْ قَضَائِهِ‏ (1).

14- وَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ‏ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَ‏ قَالَ مِنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ إِلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ مَلْفُوفَةً (2).

15- وَ عَنِ الْحَسَنِ‏ فِي الْآيَةِ قَالَ بَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ وَ أَرْضٍ خَلْقٌ وَ أَمْرٌ (3).

16- وَ عَنِ ابْنِ جَرِيحٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عَرْضَ كُلِّ سَمَاءٍ (4) مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ وَ أَنَّ بَيْنَ كُلِّ أَرْضَيْنِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ وَ أُخْبِرْتُ أَنَّ الرِّيحَ بَيْنَ الْأَرْضِ الثَّانِيَةِ وَ الثَّالِثَةِ وَ الْأَرْضُ السَّابِعَةُ فَوْقَ الثَّرَى وَ اسْمُهَا تُخُومٌ وَ أَنَّ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ فِيهَا فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَلْقَتْهُمْ إِلَى بَرَهُوتَ وَ الثَّرَى فَوْقَ الصَّخْرَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِي صَخْرَةٍ وَ الصَّخْرَةُ عَلَى الثَّوْرِ لَهُ قَرْنَانِ وَ لَهُ ثَلَاثُ قَوَائِمَ يَبْتَلِعُ مَاءَ الْأَرْضِ كُلَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ الثَّوْرُ عَلَى الْحُوتِ وَ ذَنَبُ الْحُوتِ عِنْدَ رَأْسِهِ مُسْتَدِيرٌ تَحْتَ الْأَرْضِ السُّفْلَى وَ طَرَفَاهُ مُنْعَقِدَانِ تَحْتَ الْعَرْشِ وَ يُقَالُ الْأَرْضُ السُّفْلَى عُمُدٌ (5) بَيْنَ قَرْنَيِ الثَّوْرِ وَ يُقَالُ بَلْ عَلَى ظَهْرِهِ وَ اسْمُهَا يهموت‏ (6) وَ أُخْبِرْتُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ سَأَلَ النَّبِيَّ(ص)عَلَى مَا الْحُوتُ قَالَ عَلَى مَاءٍ أَسْوَدَ وَ مَا أُخِذَ مِنْهُ الْحُوتُ إِلَّا كَمَا أُخِذَ حُوتٌ مِنْ حِيتَانِكُمْ مِنْ بَحْرٍ مِنْ هَذِهِ الْبِحَارِ وَ حُدِّثْتُ أَنَّ إِبْلِيسَ يُغَلْغِلُ إِلَى الْحُوتِ فَيُعْظِمُ‏ (7) لَهُ نَفْسَهُ وَ قَالَ لَيْسَ خَلْقٌ بِأَعْظَمَ مِنْكَ عِزّاً (8) وَ لَا أَقْوَى مِنْكَ فَوَجَدَ الْحُوتُ فِي نَفْسِهِ فَتَحَرَّكَ‏

____________

(1) الدّر المنثور: ج 6،(ص)238، و ليس في الثاني لفظة «ملفوفة».

(2) الدّر المنثور: ج 6،(ص)238، و ليس في الثاني لفظة «ملفوفة».

(3) كذا في المصدر و أكثر نسخ الكتاب، و في طبعة امين الضرب صحح الرواية على مثل رواية قتادة، و الظاهر أنّه سهو من المصحح.

(4) في المصدر: أرض.

(5) في المصدر: على عمد من قرنى الثور.

(6) في المصدر: و بعض نسخ الكتاب: بهموت.

(7) كذا في جميع نسخ الكتاب، و في المصدر «تغلغل الى الحوت فعظم له نفسه» و هو الصواب.

(8) في المصدر: غنى.

92

فَمِنْهُ تَكُونُ الزَّلْزَلَةُ إِذَا تَحَرَّكَ فَبَعَثَ اللَّهُ حُوتاً صَغِيراً فَأَسْكَنَهُ فِي أُذُنِهِ فَإِذَا ذَهَبَ يَتَحَرَّكُ تَحَرَّكَ الَّذِي فِي أُذُنِهِ فَيَسْكُنُ‏ (1).

17- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ‏ فِي قَوْلِهِ‏ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ‏ قَالَ سَبْعُ أَرَضِينَ فِي كُلِّ أَرْضٍ نَبِيٌّ كَنَبِيِّكُمْ وَ آدَمُ كَآدَمَ وَ نُوحٌ كَنُوحٍ وَ إِبْرَاهِيمُ كَإِبْرَاهِيمَ وَ عِيسَى كَعِيسَى‏ (2).

18- وَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ الْأَرَضِينَ بَيْنَ كُلِّ أَرْضٍ وَ الَّتِي تَلِيهَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَ الْعُلْيَا مِنْهَا عَلَى ظَهْرِ حُوتٍ قَدِ الْتَقَى طَرَفَاهُ فِي السَّمَاءِ وَ الْحُوتُ عَلَى صَخْرَةٍ وَ الصَّخْرَةُ بِيَدِ مَلَكٍ وَ الثَّانِيَةُ مَسْجَنُ الرِّيحِ فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُهْلِكَ عَاداً أَمَرَ خَازِنَ الرِّيحِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْهِمْ رِيحاً يَهْلِكُ عَاداً فَقَالَ يَا رَبِّ أُرْسِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّيحِ قَدْرَ مَنْخِرِ الثَّوْرِ فَقَالَ لَهُ الْجَبَّارُ إِذَنْ تُكْفَأَ الْأَرْضُ وَ مَنْ عَلَيْهَا وَ لَكِنْ أَرْسِلْ عَلَيْهِمْ بِقَدْرِ خَاتَمٍ فَهِيَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ‏ ما تَذَرُ مِنْ شَيْ‏ءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ‏ وَ الثَّالِثَةُ فِيهَا حِجَارَةُ جَهَنَّمَ وَ الرَّابِعَةُ فِيهَا كِبْرِيتُ جَهَنَّمَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَ لِلنَّارِ كِبْرِيتٌ قَالَ نَعَمْ وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ فِيهَا لَأَوْدِيَةٌ مِنْ كِبْرِيتٍ لَوْ أَرْسَلَ فِيهَا الْجِبَالَ الرَّوَاسِيَ لَمَاعَتْ وَ الْخَامِسَةُ فِيهَا حَيَّاتُ جَهَنَّمَ إِنَّ أَفْوَاهَهَا كَالْأَوْدِيَةِ تَلْسَعُ الْكَافِرَ اللَّسْعَةَ فَلَا يَبْقَى مِنْهُ لَحْمٌ عَلَى وَضَمٍ وَ السَّادِسَةُ فِيهَا عَقَارِبُ جَهَنَّمَ إِنَّ أَدْنَى عَقْرَبَةٍ مِنْهَا كَالْبِغَالِ الْمُؤْكَفَةِ تَضْرِبُ الْكَافِرَ ضَرْبَةً يُنْسِيهِ ضَرْبُهَا حَرَّ جَهَنَّمَ وَ السَّابِعَةُ فِيهَا سَقَرٌ وَ فِيهَا إِبْلِيسُ مُصَفَّدٌ بِالْحَدِيدِ يَدٌ أَمَامَهُ وَ يَدٌ خَلْفَهُ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُطْلِقَهُ لِمَا يَشَاءُ أَطْلَقَهُ‏ (3).

19- وَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)كَنَفُ الْأَرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَ الثَّانِيَةُ مِثْلُ ذَلِكَ وَ مَا بَيْنَ كُلِّ أَرْضٍ أَرْضَيْنِ مِثْلَ ذَلِكَ‏ (4).

20- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَيِّدُ السَّمَاوَاتِ السَّمَاءُ الَّتِي فِيهَا الْعَرْشُ وَ سَيِّدُ

____________

(1) الدّر المنثور: ج 6،(ص)238.

(2) الدّر المنثور: ج 6،(ص)238.

(3) الدّر المنثور: ج 6،(ص)238.

(4) الدّر المنثور: ج 6،(ص)239.

93

الْأَرَضِينَ الْأَرْضُ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا (1).

21- وَ عَنْ كَعْبٍ قَالَ: الْأَرَضُونَ السَّبْعُ عَلَى صَخْرَةٍ وَ الصَّخْرَةُ فِي كَفِّ مَلَكٍ وَ الْمَلَكُ عَلَى جَنَاحِ الْحُوتِ وَ الْحُوتُ فِي الْمَاءِ (2) عَلَى الرِّيحِ وَ الرِّيحُ عَلَى الْهَوَاءِ رِيحٌ عَقِيمٌ لَا تُلْقِحُ وَ إِنَّ قُرُونَهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ‏ (3).

22- وَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ قَالَ: الصَّخْرَةُ الَّتِي تَحْتَ الْأَرْضِ مُنْتَهَى الْخَلْقِ عَلَى أَرْجَائِهَا أَرْبَعَةُ أَمْلَاكٍ رُءُوسُهُمْ تَحْتَ الْعَرْشِ‏ (4).

23- وَ عَنْهُ قَالَ: الصَّخْرَةُ تَحْتَ الْأَرَضِينَ عَلَى حُوتٍ وَ السِّلْسِلَةُ فِي أُذُنِ الْحُوتِ‏ (5).

24- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ الْقَلَمُ فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ قَالَ يَا رَبِّ وَ مَا أَكْتُبُ قَالَ اكْتُبِ الْقَدَرَ يَجْرِي‏ (6) مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ ثُمَّ طَوَى الْكِتَابَ وَ رَفَعَ الْقَلَمَ وَ كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ فَارْتَفَعَ بُخَارُ الْمَاءِ فَفُتِقَتْ مِنْهُ السَّمَاوَاتُ ثُمَّ خُلِقَ النُّونُ فَبُسِطَتْ عَلَيْهِ الْأَرْضُ وَ الْأَرْضُ عَلَى ظَهْرِ النُّونِ فَاضْطَرَبَ النُّونُ فَمَادَّتِ الْأَرْضُ فَأَثْبَتَتْ بِالْجِبَالِ فَإِنَّ الْجِبَالَ لَتَفْخَرُ عَلَى الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ‏ ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ‏

25- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ وَ الْحُوتُ وَ قَالَ مَا أَكْتُبُ قَالَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ كَائِنٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ قَرَأَ ن وَ الْقَلَمِ‏ فَالنُّونُ الْحُوتُ.

26- وَ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)النُّونُ السَّمَكَةُ الَّتِي عَلَيْهَا قَرَارُ الْأَرَضِينَ وَ الْقَلَمُ الَّذِي خَطَّ بِهِ رَبُّنَا عَزَّ وَ جَلَّ الْقَدَرَ خَيْرَهُ وَ شَرَّهُ وَ نَفْعَهُ وَ ضَرَرَهُ‏ وَ ما يَسْطُرُونَ‏ قَالَ الْكِرَامُ الْكَاتِبُونَ‏ (7).

بيان: في القاموس ماع الشي‏ء يميع جرى على وجه الأرض منبسطا في هينة

____________

(1) الدّر المنثور: ج 6(ص)238.

(2) في المصدر: و الماء على الريح.

(3) الدّر المنثور: ج 6،(ص)239.

(4) الدّر المنثور: ج 6،(ص)239.

(5) الدّر المنثور: ج 6،(ص)239.

(6) في المصدر: فجرى من ذلك اليوم ما ....

(7) الدّر المنثور: ج 6،(ص)250.

94

و السمن ذاب و قال الوضم محركة ما وقيت به اللحم عن الأرض من خشب و حصير و قال إكاف الحمار ككتاب و غراب و وكافه برذعته و آكف الحمار إيكافا و أكفه تأكيفا شده عليه.

27- نَوَادِرُ الرَّاوَنْدِيُّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اجْلِسْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَ الْبَرَكَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)اجْلِسْ عَلَى اسْتِكَ فَأَقْبَلَ يَضْرِبُ الْأَرْضَ بِعَصًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لَا تَضْرِبْهَا فَإِنَّهَا أُمُّكُمْ وَ هِيَ بِكُمْ بَرَّةٌ.

28- وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)تَمَسَّحُوا بِالْأَرْضِ فَإِنَّهَا أُمُّكُمْ وَ هِيَ بِكُمْ بَرَّةٌ.

بيان قال في النهاية في الحديث تمسحوا بالأرض فإنها بكم برة أي مشفقة عليكم كالوالدة البرة بأولادها يعني أن منها خلقكم و فيها معاشكم و إليها بعد الموت معادكم و التمسح أراد به التيمم و قيل أراد مباشرة ترابها بالجباه في السجود من غير حائل انتهى.

و أقول يحتمل أن يراد به ما يشمل الجلوس على الأرض بغير حائل و الأكل على الأرض من غير مائدة بقرينة الخبر الأول.

29- الْعِلَلُ، لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: الْعِلَّةُ فِي أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَقْبَلُ الدَّمَ أَنَّهُ لَمَّا قَتَلَ قَابِيلُ أَخَاهُ هَابِيلَ غَضِبَ آدَمُ عَلَى الْأَرْضِ فَلَا تَقْبَلُ الدَّمَ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ.

30- الْعِلَلُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الدَّقَّاقِ عَنِ الْكُلَيْنِيِّ عَنْ عَلَّانٍ بِإِسْنَادِهِ رَفَعَهُ قَالَ: أَتَى عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَهُودِيٌّ فَسَأَلَهُ عَنْ مَسَائِلَ فَكَانَ فِيمَا سَأَلَهُ أَخْبِرْنِي عَنْ قَرَارِ هَذِهِ الْأَرْضِ عَلَى مَا هُوَ فَقَالَ(ع)قَرَارُ هَذِهِ الْأَرْضِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى عَاتِقِ مَلَكٍ وَ قَدَمَا ذَلِكَ الْمَلَكِ عَلَى صَخْرَةٍ وَ الصَّخْرَةُ عَلَى قَرْنِ ثَوْرٍ وَ الثَّوْرُ قَوَائِمُهُ عَلَى ظَهْرِ الْحُوتِ فِي الْيَمِّ الْأَسْفَلِ وَ الْيَمُّ عَلَى الظُّلْمَةِ وَ الظُّلْمَةُ عَلَى الْعَقِيمِ وَ الْعَقِيمُ عَلَى الثَّرَى وَ مَا يَعْلَمُ تَحْتَ الثَّرَى إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْخَبَرَ (1).

____________

(1) علل الشرائع: ج 1،(ص)1- 2 (مع تقطيع).

95

31- النهج، نهج البلاغة قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فِي خُطْبَةِ التَّوْحِيدِ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ السُّكُونُ وَ الْحَرَكَةُ وَ كَيْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ وَ يَعُودُ فِيهِ مَا هُوَ أَبْدَاهُ وَ يَحْدُثُ فِيهِ مَا هُوَ أَحْدَثَهُ إِذاً لَتَفَاوَتَتْ ذَاتُهُ وَ لَتَجَزَّأَ كُنْهُهُ وَ لَامْتَنَعَ مِنَ الْأَزَلِ مَعْنَاهُ وَ لَكَانَ لَهُ وَرَاءٌ إِذْ وُجِدَ لَهُ أَمَامٌ وَ لَالْتَمَسَ التَّمَامَ إِذْ لَزِمَهُ النُّقْصَانُ‏ (1).

بيان قال بعض شراح النهج في قوله(ع)و لتجزأ كنهه إشارة إلى نفي الجوهر الفرد و قال قوله(ع)و لكان له وراء إذ كان له أمام يؤكد ذلك لأن من أثبته يقول يصح أن تحله الحركة و لا يكون أحد وجهيه غير الآخر.

فائدة

اعلم أن الطبيعيين و الرياضيين اتفقوا على أن الأرض كروية بحسب الحس و كذا الماء المحيط بها و صارا بمنزلة كرة واحدة فالماء ليس بتام الاستدارة بل هو على هيئة كرة مجوفة قطع بعض منها و ملئت الأرض على وجه صارت الأرض مع الماء بمنزلة كرة واحدة و مع ذلك ليس شي‏ء من سطحيه صحيح الاستدارة أما المحدب فلما فيه من الأمواج و أما المقعر فللتضاريس فيه من الأرض و قد أخرج الله تعالى قريبا من الربع من الأرض من الماء بمحض عنايته الكاملة أو لبعض الأسباب المتقدمة لتكون مسكنا للحيوانات المتنفسة و غيرها من المركبات المحوجة إلى غلبة العنصر اليابس الصلب لحفظ الصور و الأشكال و ربط الأعضاء و الأوصال و مما يدل على كروية الأرض ما أومأنا إليه سابقا من طلوع الكواكب و غروبها في البقاع الشرقية قبل طلوعها و غروبها في الغربية بقدر ما تقتضيه أبعاد تلك البقاع في الجهتين على ما علم من إرصاد كسوفات بعينها لا سيما القمرية في بقاع مختلفة فإن ذلك ليس في ساعات متساوية البعد من نصف النهار على الوجه المذكور و كون الاختلاف متقدرا بقدر الأبعاد دليل على الاستدارة المتشابهة السائرة بحدبتها المواضع التي يتلو بعضها بعضا على قياس واحد بين الخافقين و ازدياد ارتفاع القطب و الكواكب الشمالية و انحطاط الجنوبية للسائرين‏

____________

(1) نهج البلاغة: ج 1،(ص)356.

96

إلى الشمال و بالعكس للسائرين إلى الجنوب بحسب سيرهما دليل على استدارتها بين الجنوب و الشمال و تركب الاختلافين يعطي الاستدارة في جميع الامتدادات و يؤيده مشاهدة استدارة أطراف المنكسف من القمر الدالة على أن الفصل المشترك بين المستضي‏ء من الأرض و ما ينبعث منه الظل دائرة و كذلك اختلاف ساعات النهر (1) الطوال و القصار في مساكن متفقه الطول إلى غير ذلك و لو كانت أسطوانية قاعدتاها نحو القطبين لم يكن لساكني الاستدارة كوكب أبدى الظهور بل إما الجميع طالعة غاربة أو كانت كواكب يكون من كل واحد من القطبين على بعد تستره القاعدتان أبدية الخفاء و الباقية طالعة غاربة و ليس كذلك و أيضا فالسائر إلى الشمال قد يغيب عنه دائما كواكب كانت تظهر له و تظهر له كواكب كانت تغيب عنه بقدر إمعانه في السير و ذلك يدل على استدارتها في هاتين الجهتين أيضا و مما يدل على استدارة سطح الماء الواقف طلوع رءوس الجبال الشامخة على السائرين في البحر أولا ثم ما يلي رءوسها شيئا بعد شي‏ء في جميع الجهات و قالوا التضاريس التي على وجه الأرض من جهة الجبال و الأغوار لا تقدح في كرويتها الحسية إذ ارتفاع أعظم الجبال و أرفعها على ما وجدوه فرسخان و ثلث فرسخ و نسبتها إلى جرم الأرض كنسبة جرم سبع عرض شعيرة إلى كرة قطرها ذراع بل أقل من ذلك و يظهر من كلام أكثر المتأخرين أن عدم قدح تلك الأمور في كرويتها الحسية معناه أنها لا تخل بشكل جملتها كالبيضة ألزقت بها حبات شعير لم يقدح ذلك في شكل جملتها و اعترض عليه بأن كون الأرض أو البيضة حينئذ على الشكل الكروي أو البيضي عند الحس ممنوع و كيف يمكن دعوى ذلك مع ما يرى على كل منهما ما يخرج به الشكل مما اعتبروا فيه و عرفوه به و ربما يوجه بوجه آخر و هو أن الجبال و الوهاد الواقعة على سطح الأرض غير محسوسة عادة عند الإحساس بجملة كرة الأرض على ما هي عليه في الواقع بيانه أن رؤية الأشياء تختلف بالقرب و البعد فيرى القريب أعظم مما هو الواقع و البعيد أصغر منه و هو ظاهر و قد أطبق القائلون بالانطباع و بخروج الشعاع كلهم على أن هذا الاختلاف‏

____________

(1) النهر- بضمتين-: جمع النهار.

97

في رؤية المرئي بسبب القرب و البعد إنما هو تابع لاختلاف الزاوية الحاصلة عند مركز الجليدية في رأس المخروط الشعاعي بحسب التوهم أو بحسب الواقع عند انطباق قاعدته على سطح المرئي فكلما قرب المرئي عظمت تلك الزاوية و كلما بعد صغرت و قد تقرر أيضا بين محققيهم أن رؤية الشي‏ء على ما هو عليه إنما هو (1) في حالة يكون البعد بين الرائي و المرئي على قدر يقتضي أن تكون الزاوية المذكورة قائمة فبناء على ذلك إذا فرضت الزاوية المذكورة بالنسبة إلى مرئي قائمة يجب أن يكون البعد بين رأس المخروط و قاعدته المحيطة بالمرئي بقدر نصف قطر قاعدته على ما تقرر في الأصول فلما كان قطر الأرض أزيد من ألفي فرسخ بلا شبهة لا تكون مرئية على ما هي عليه من دون ألف فرسخ و معلوم أن الجبال و الوهاد المذكورة غير محسوسة عادة عند هذا البعد من المسافة فلا يكون لها قدر محسوس عند الأرض بالمعنى الذي مهدنا.

ثم إنهم استعلموا بزعمهم مساحة الأرض و أجزاءها و دوائرها في زمان المأمون و قبله فوجدوا مقدار محيط الدائرة العظمى من الأرض ثمانية آلاف فرسخ و قصرها ألفين و خمسمائة و خمسة و أربعين فرسخا و نصف فرسخ تقريبا و مضروب القطر في المحيط مساحة سطح الأرض و هي عشرون ألف ألف و ثلاثمائة و ستون ألف فرسخ و ربع ذلك مساحة الربع المسكون من الأرض و أما القدر المعمور من الربع المسكون و هو ما بين خط الاستواء و الموضع الذي عرضه بقدر تمام الميل الكلي فمساحته ثلاثة آلاف ألف و سبعمائة و خمسة و ستين ألفا و أربعمائة و عشرين فرسخا و هو قريب من سدس سطح جميع الأرض و سدس عشره و الفرسخ ثلاثة أميال بالاتفاق و كل ميل أربعة آلاف ذراع عند المحدثين و ثلاثة آلاف عند القدماء و كل ذراع أربع و عشرون إصبعا عند المحدثين و اثنان و ثلاثون عند القدماء و كل إصبع بالاتفاق مقدار ست شعيرات مضمومة بطون بعضها إلى ظهور بعض من الشعيرات المعتدلة.

و ذكروا أن للأرض ثلاث طبقات الأولى الأرض الصرفة المحيط بالمركز

____________

(1) هى (خ).

98

الثانية الطبقة الطينية و هي المجاورة للماء الثالثة الطبقة المنكشفة من الماء و هي التي تحتبس فيها الأبخرة و الأدخنة و تتولد منها المعادن و النباتات و الحيوانات و زعموا أن البسائط كلها شفافة لا تحجب عن أبصار ما وراءها ما عدا الكواكب و أن الأرض الصرفة المتجاورة (1) للمركز أيضا شفافة و الطبقتان الأخريان ليستا بسيطتين فهما كثيفتان فالأرض جعل الله الطبقة الظاهرة منها ملونة كثيفة غبراء لتقبل الضياء و خلق ما فوقها من العناصر مشفة لطيفة بالطباع لينفذ فيها و يصل إلى غيرها ساطع الشعاع فإن الكواكب و سيما الشمس و القمر أكثر تأثيراتها في العوالم السفلى بوسيلة أشعتها المستقيمة و المنعطفة و المنعكسة بإذن الله تعالى و قالوا الأرض في وسط السماء كالمركز في الكرة فينطبق مركز حجمها على مركز العالم و ذلك لتساوي ارتفاع الكواكب و انحطاطها مدة ظهورها و ظهور النصف من الفلك دائما و تطابق أظلال الشمس في وقتي طلوعها و غروبها عند كونها على المدار الذي يتساوى فيه زمان ظهورها و خفائها على خط مستقيم أو عند كونها في جزءين متقابلين من الدائرة التي يقطعها بسيرها الخاص بها و انخساف القمر في مقاطراته‏ (2) الحقيقية للشمس فإن الأول يمنع ميلها إلى أحد الخافقين و الثاني إلى أحد السمتين الرأس و القدم و الثالث إلى أحد القطبين و الرابع إلى شي‏ء منها أو من غيرها من الجهات كما لا يخفى و كما أن مركز حجمها منطبق على مركز العالم فكذا مركز ثقلها و ذلك لأن الثقال تميل بطبعها إلى الوسط كما دلت عليه التجربة فهي إذن لا تتحرك عن الوسط بل هي ساكنة فيه متدافعة بأجزائها من جميع الجوانب إلى المركز تدافعا متساويا فلا محالة ينطبق مركز ثقلها الحقيقي المتحد بمركز حجمها التقريبي على مركز العالم و مستقرها عند وسط العالم لتكافؤ القوى بلا تزلزل و اضطراب يحدث فيها لثباتها بالسبب المذكور و لكون الأثقال المنتقلة من جانب منها إلى الآخر في غاية الصغر بالقياس إليها لا يوجب انتقال مركز ثقلها من نقطة إلى أخرى بحركة شي‏ء منها و كذا الأجزاء

____________

(1) المجاورة (خ).

(2) المقاطرة: مقابلة القطرين.

99

المباينة لها تهوي إليها و هي تقبلها من جميع نواحيها من دون اضطراب هذا ما ذكروه في هذا المقام و لا نعرف من ذلك إلا كون الجميع بقدرة القادر العليم و إرادة المدبر الحكيم كما ستعرف ذلك إن شاء الله تعالى و قال الشيخ المفيد (قدّس سرّه) في كتاب المقالات أقول إن العالم هو السماء و الأرض و ما بينهما و فيهما من الجواهر و الأعراض و لست أعرف بين أهل التوحيد خلافا في ذلك أقول لعل مراده (قدّس سرّه) بالسماوات ما يشمل العرش و الكرسي و الحجب و غرضه نفي الجواهر المجردة التي تقول بها الحكماء ثم قال رحمه الله و أقول إن الفلك هو المحيط بالأرض الدائر عليها و فيه الشمس و القمر و سائر النجوم و الأرض في وسطه بمنزلة النقطة في وسط الدائرة و هذا مذهب أبي القاسم البلخي و جماعة كثيرة من أهل التوحيد و مذهب أكثر القدماء و المنجمين و قد خالف فيه جماعة من بصرية المعتزلة و غيرهم من أهل النحل و أقول إن المتحرك من الفلك إنما يتحرك حركة دورية كما يتحرك الدائر على الكرة و إلى هذا ذهب البلخي و جماعة من أهل التوحيد و الأرض على هيئة الكرة في وسط الفلك و هي ساكنة لا تتحرك و علة سكونها أنها في المركز و هو مذهب أبي القاسم و أكثر القدماء و المنجمين و قد خالف فيه الجبائي و ابنه و جماعة غيرهما من أهل الآراء و المذاهب من المقلدة و المتكلمين ثم قال و أقول إن العالم مملوءة من الجواهر و إنه لا خلا فيه و لو كان فيه خلا لما صح فرق بين المجتمع و المتفرق من الجواهر و الأجسام و هو مذهب أبي القاسم خاصة من البغداديين و مذهب أكثر القدماء من المتكلمين و خالف فيه الجبائي و ابنه و جماعة متكلمي أهل الحشو و الجبر و التشبيه ثم قال و أقول إن المكان هو ما أحاط بالشي‏ء من جميع جهاته و لا يصح تحرك الجواهر إلا في الأماكن و الوقت هو ما جعله الموقت وقتا للشي‏ء و ليس بحادث مخصوص و الزمان اسم يقع على حركات الفلك فلذلك لم يكن الفعل محتاجا في وجوده إلى وقت و لا زمان و على هذا القول سائر الموحدين.

و سئل السيد المرتضى رحمه الله الفراغ له نهاية و القديم تعالى يعلم‏

100

منتهى نهايته و هذا الفراغ أي شي‏ء هو و كذلك الطبقة الثامنة من الأرض و الثامنة من السماء نقطع أن هناك فراغا أم لا فإن قلت لا طالبتك بما وراء الملإ القديم تعالى يعلم أن هناك نهاية فإن قلت نعم طالبتك أي شي‏ء وراء النهاية.

فأجاب رحمه الله أن الفراغ لا يوصف بأنه منته و لا أنه غير منته على وجه الحقيقة و إنما يوصف بذلك مجازا و اتساعا و أما قوله و هذا الفراغ أي شي‏ء هو فقد علمنا (1) أنه لا جوهر و لا عرض و لا قديم و لا محدث و لا هو ذات و لا هو معلوم كالمعلومات و أما الطبقة الثامنة من الأرض فما نعرفها و الذي نطق به القرآن‏ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ‏ فأما غير ذلك فلا سبيل للقطع به من عقل و لا شرع انتهى.

و أقول بسط الكلام في هذه الأمور خروج عن مقصود الكتاب و محله علم الكلام.

باب 32 في قسمة الأرض إلى الأقاليم و ذكر جبل قاف و سائر الجبال و كيفية خلقها و سبب الزلزلة و علتها

الآيات النحل‏ وَ أَلْقى‏ فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ‏ (2) الكهف‏ حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً إلى قوله‏ وَ كانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (3) الأنبياء وَ جَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَ جَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ‏

____________

(1) قلنا (خ).

(2) النحل: 15.

(3) الكهف: 93- 98.

101

يَهْتَدُونَ‏ (1) و قال تعالى‏ حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَ مَأْجُوجُ وَ هُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ‏ (2) لقمان‏ وَ أَلْقى‏ فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ‏ (3) فاطر وَ مِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَ حُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَ غَرابِيبُ سُودٌ (4)(ص)إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِشْراقِ‏ (5) ق 7 وَ أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ‏ (6) الطور وَ الطُّورِ (7) و قال تعالى‏ وَ تَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً (8) المرسلات‏ وَ جَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ‏ (9) النبأ أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَ الْجِبالَ أَوْتاداً (10) الغاشية وَ إِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ‏ (11) التين‏ وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ وَ طُورِ سِينِينَ‏ (12) تفسير أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ‏ قال المبرد أي منع الأرض أن تميد و قيل لئلا تميد و قيل أي كراهة أن تميد و قال بعض المفسرين الميد الاضطراب في الجهات الثلاث و قيل إن الأرض كانت تميد و ترجف رجوف السقف بالوطء فثقلها الله بالجبال الرواسي ليمنع من رجوفها و رووا عن ابن عباس أنه قال إن الأرض بسطت على الماء فكانت تكفأ بأهلها كما تكفأ السفينة فأرساها الله تعالى بالجبال ثم إنهم‏

____________

(1) الأنبياء: 31.

(2) الأنبياء: 95.

(3) لقمان: 10.

(4) فاطر: 27.

(5) ص: 18.

(6) ق: 7.

(7) الطور: 1.

(8) الطور: 10.

(9) المرسلات: 27.

(10) النبأ: 6.

(11) الغاشية: 19.

(12) التين: 1- 2.

102

اختلفوا في أنه لما صارت الجبال سببا لسكون الأرض على أقوال و ذكروا لذلك وجوها و لنذكر بعضها.

الأول ما ذكره الفخر الرازي في تفسيره أن السفينة إذا ألقيت على وجه الماء فإنها تميل‏ (1) من جانب إلى جانب و تضطرب فإذا وقعت الأجرام الثقيلة فيها استقرت على وجه الماء فكذلك لما خلق الله تعالى الأرض على وجه الماء اضطربت و مادت فخلق الله تعالى عليها هذه الجبال و وتدها بها فاستقرت على وجه الماء بسبب ثقل الجبال ثم قال لقائل أن يقول هذا يشكل من وجوه الأول أن هذا المعلل إما أن يقول بأن حركات الأجسام بطباعها أو يقول ليست بطباعها بل هي واقعة بإيجاد الفاعل المختار إياها فعلى التقدير الأول نقول لا شك أن الأرض أثقل من الماء و الأثقل يغوص في الماء و لا يبقى طافيا عليه فامتنع أن يقال إنها كانت تميد و تضطرب بخلاف السفينة فإنها متخذة من الخشب و في داخل الخشب تجويفات غير مملوءة (2) فلذلك تميد و تضطرب على وجه الماء فإذا أرسيت بالأجسام الثقيلة استقرت و سكنت فظهر الفرق و أما على التقدير الثاني و هو أن يقال ليس للأرض و الماء طبائع توجب الثقل و الرسوب و الأرض إنما تنزل لأن الله تعالى أجرى عادته بجعلها كذلك و إنما صار الماء محيطا بالأرض لمجرد إجراء العادة ليس هاهنا طبيعة للأرض و لا للماء توجب حالة مخصوصة فنقول على هذا التقدير علة سكون الأرض هي أن الله تعالى يخلق فيها السكون و علة كونها مائدة مضطربة هو أن الله تعالى يخلق فيها الحركة فيفسد القول بأن الله تعالى خلق الجبال لتبقى الأرض ساكنة فثبت أن التعليل مشكل على كلا التقديرين.

الإشكال الثاني أن إرساء الأرض بالجبال إنما يعقل لأجل أن تبقى الأرض على وجه الماء من غير أن تميد و تميل من جانب إلى جانب و هذا إنما يعقل إذا كان الذي استقرت الأرض على وجهه واقفا فنقول فما المقتضي لسكونه في ذلك الحيز

____________

(1) في المصدر: تميد.

(2) في المصدر: مملوة من الهواء.

103

المخصوص فإن قلت إن طبيعته توجب وقوفه في ذلك الحيز المعين فحينئذ يفسد القول بأن الأرض إنما وقفت بسبب أن الله تعالى أرساها بالجبال و إن قلت إن المقتضي لسكون الماء في حيزه المعين هو أن الله تعالى أسكن الماء بقدرته في ذلك الحيز المخصوص فنقول فلم لا تقول مثله في سكون الأرض و حينئذ يفسد هذا التعليل أيضا.

الإشكال الثالث أن مجموع الأرض جسم واحد فبتقدير أن يميل بكليته و يضطرب على وجه البحر المحيط لم تظهر تلك الحالة للناس فإن قيل أ ليس أن الأرض تحركها البخارات المحتقنة في داخلها عند الزلازل و تظهر تلك الحركات للناس قلنا البخارات احتقنت في داخل قطعة صغيرة من الأرض فلما حصلت الحركة في تلك القطعة ظهرت تلك الحركة فإن ظهور الحركة في تلك القطعة المعينة يجري مجرى اختلاج عضو من بدن الإنسان أما لو تحركت كلية الأرض لم تظهر أ لا ترى أن الساكن في سفينة لا يحس بحركة كلية السفينة و إن كانت على أسرع الوجوه و أقواها (1) انتهى كلامه.

و يمكن أن يجاب عنها أما عن الإشكال الأول فبأن يختار أنها طالبة بطبعها للمركز لكن إذا كانت خفيفة كان الماء يحركها بأمواجه حركة قسرية و يزيلها عن مكانها الطبيعي بسهولة فكانت تميد و تضطرب بأهلها و تغوص قطعة منها و تخرج قطعة منها و لما أرساها الله تعالى بالجبال و أثقلها قاومت الماء و أمواجه بثقلها فكانت كالأوتاد مثبتة لها و منه يظهر الجواب عن الإشكال الثاني على أن توقف إرساء الأرض بالجبال على سكون الماء في حيز معين ممنوع و أما عن الإشكال الثالث فبأن يقال ليس الامتنان بمجرد عدم ظهور حركة الأرض حتى يقال أنه على تقدير حركتها بكليتها لا يظهر للناس بل بخروج البقاع من الماء و عدم غرقها بحركة الأرض و ميدانها بأهلها على أن الظاهر أن الحركة التي لا تحس إنما هي إذا كانت في جهة مخصوصة و على وضع واحد كحركة وضعية مستمرة أو حركة أينية على جهة

____________

(1) مفاتيح الغيب: ج 20،(ص)8.

104

واحدة كحركة السفينة إذا كانت سائرة من غير اضطراب و أما إذا تحركت في جهات مختلفة و اضطربت فيحس بها كحركة السفينة عند تلاطم البحر و اضطرابه و هذا هو الفرق بين حالة الزلزلة و بين حركة الأرض في الظهور و عدمه فإنا لو فرضنا قطعة منها سائرة غير مضطربة في سيرها لما أحس بها كما لا يحس بحركة كلها بل باضطراب الحركة و كونها في جهات مختلفة تحس الحركة سواء كان محلها كل الأرض أو بعضها الوجه الثاني ما ذكره الفاضل المقدم ذكره أيضا في تفسيره و اختاره حيث قال و الذي عندي في هذا الموضع المشكل أن يقال أنه ثبت بالدلائل اليقينية أن الأرض كره و أن هذه الجبال على سطح هذه الكرة جارية مجرى خشونات و تضريسات تحصل على وجه هذه الكرة إذا ثبت هذا فنقول إذا فرضنا أن هذه الخشونات ما كانت حاصلة بل كانت الأرض كرة حقيقية خالية عن هذه الخشونات و التضريسات لصارت بحيث تتحرك بالاستدارة بأدنى سبب لأن الجرم البسيط المستدير و إن لم يجب كونه متحركا بالاستدارة عقلا إلا أنه بأدنى سبب تتحرك على هذا الوجه أما إذا حصل على سطح كرة الأرض هذه الجبال و كانت كالخشونات الواقعة على وجه الكرة فكل واحد من هذه الجبال إنما يتوجه بطبعه إلى مركز العالم و توجه ذلك الجبل نحو مركز العالم بثقله العظيم و قوته الشديدة يكون جاريا مجرى الوتد الذي يمنع كرة الأرض من الاستدارة فكان تخليق هذه الجبال على الأرض كالأوتاد المغروزة في الكرة المانعة لها عن الحركة المستديرة و كانت مانعة للأرض عن الميد و الميل و الاضطراب بمعنى أنها منعت الأرض عن الحركة المستديرة فهذا ما وصل إليه خاطري‏ (1) في هذا الباب و الله أعلم‏ (2) انتهى.

و اعترض عليه بأن كلامه لا يخلو عن تشويش و اضطراب و الذي يظهر من أوائل كلامه هو أنه جعل المناط في استقرار الأرض الخشونات و التضريسات من حيث إنها خشونات و تضريسات و ذلك إما لممانعة الأجزاء المائية الملاصقة لتلك التضريسات‏

____________

(1) في المصدر: بحثى.

(2) مفاتيح الغيب: ج 20،(ص)9.

105

لاستلزام حركة الأرض زوالها عن مواضعها و حينئذ يكون علة السكون هي الجبال الموجودة في الماء لا ما خلقت في الربع المكشوف من الأرض و لعله خلاف الظاهر في معرض الامتنان بخلق الجبال و هو خلاف الظاهر من قوله تعالى‏ وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها و القول بأن ما في الماء أيضا فوقها فلعل المراد تلك الجبال لا يخلو عن بعد مع أنها ربما كانت معاونة لحركة الأرض كما إذا تحركت كرة الماء بتموجها بأجمعها أو تموج أبعاضها المقاربة لتلك الخشونات و إنما يمانعها عن الحركة أحيانا عند حركة أبعاضها و إما لممانعة الأجزاء الهوائية المقارنة للجبال الكائنة على الربع الظاهر فكانت الأوتاد مثبتة لها في الهواء مانعة عن تحريك الماء بتموجه إياها كما يمانع الجبال المخلوقة في الماء عن تحريك الرياح إياها و حينئذ يكون وجود الجبال في كل منهما معاونا لحركة الأرض في بعض الصور معاوقا عنها في بعضها و لا مدخل حينئذ لثقل الجبال و تركبها في سكون الأرض و استقرارها و الذي يظهر من قوله لأن الجرم البسيط إلخ أن البساطة توجب حركة الأرض إما بانفرادها أو بمشاركة عدم الخشونة و لعله استند في ذلك إلى أن البسيط تتساوى نسبة أجزائه إلى أجزاء المكان و إنما الطبيعة تقتضي انطباق مركز الثقل من الأرض على مركز العالم على أي وضع كان و الماء لا يقوى على إخراج الكرة عن مكانها نعم يحركها بالحركة المستديرة بخلاف المركب فإنه ربما كان بعض أجزائه مقتضيا لوضع خاص كمحاذاة أحد القطبين مثلا حتى تكون الفائدة تحصل بتركب بعض أجزاء الأرض و إن لم يكن هناك جبل و ارتفاع فلا يكون الامتنان بخلق الجبل من حيث إنه جبل بل من حيث إنه مركب إلا على تقدير كون المراد أن المقتضي للسكون هو الحالة المركبة من التركب و التضريس و الظاهر من وصف الجبال بالشامخات في الآية مدخلية ارتفاعها في هذا المعنى إلا أن يكون الوصف لترتب فوائد أخر عليها و حينئذ لا مدخل لثقل الجبال في سكون الأرض كما يظهر من قوله أخيرا فكل واحد من هذه الجبال إنما يتوجه بطبعه إلى مركز العالم و توجه ذلك الجبل نحو مركز العالم بثقله العظيم و قوته الشديدة يكون جاريا مجرى الوتد الذي يمنع كرة الأرض من الاستدارة و مع ذلك لا ينفع في نفي‏

106

الحركة المشرقية و المغربية بل يؤيدها و يمكن أن يكون مراده أن العلة هي المجموع من الأمور الثلاثة و لعله جعل الطبيعية الأرضية كافية في استقرارها في مكانها و إنما احتاج إلى المانع عن حركتها بالاستدارة حركة وضعية و لذا قال أخيرا و كانت مانعة للأرض عن الميد و الاضطراب بمعنى أنها منعت الأرض عن الحركة المستديرة.

الوجه الثالث ما يخطر بالبال و هو أن يكون مدخلية الجبال لعدم اضطراب الأرض بسبب اشتباكها و اتصال بعضها ببعض في أعماق الأرض بحيث تمنعها عن تفتت أجزائها و تفرقها فهي بمنزلة الأوتاد المغروزة المثبتة في الأبواب المركبة من قطع الخشب الكثيرة بحيث تصير سببا لالتصاق بعضها ببعض و عدم تفرقها و هذا معلوم ظاهر لمن حفر الآبار في الأرض فإنها تنتهي عند المبالغة في حفرها إلى الأحجار الصلبة و أنت ترى أكثر قطع الأرض واقعة بين جبال محيطة بها فكأنها مع ما يتصل بها من القطعة الحجرية المتصلة بها من تحت تلك القطعات كالظرف لها تمنعها عن التفتت و التفرق و الاضطراب عند عروض الأسباب الداعية إلى ذلك.

الوجه الرابع ما ذكره بعض المتعسفين من أنه لما كانت فائدة الوتد أن يحفظ الموتود في بعض المواضع عن الحركة و الاضطراب حتى يكون قارا ساكنا و كان من لوازم ذلك السكون في بعض الأشياء صحة الاستقرار على ذلك و التصرف عليه و كان من فائدة وجود الجبال و التضريسات الموجودة في وجه الأرض أن لا تكون مغمورة بالماء ليحصل للحيوان الاستقرار و التصرف عليها لا جرم كان بين الأوتاد و الجبال الخارجة من الماء في الأرض اشتراك في كونهما مستلزمين لصحة استقراره مانعين من عدمه لا جرم حسنت نسبة الإيتاد إلى الصخور و الجبال و أما إشعاره بالميدان فلأن الحيوان كما يكون صادقا عليه أنه غير مستقر على الأرض بسبب انغمارها في الماء لو لم يوجد الجبال كذلك يصدق على الأرض أنه غير مستقرة تحته و مضطربة بالنسبة إليه فثبت حينئذ أنه لو لا وجود الجبال في سطح الأرض لكانت مضطربة و مائدة بالنسبة إلى الحيوان لعدم تمكنه من الاستقرار عليها

107

الوجه الخامس أن يكون المراد بالجبال الرواسي الأنبياء و الأولياء و العلماء و بالأرض الدنيا أما وجه التجوز بالجبال عن الأنبياء و العلماء فلأن الجبال لما كانت على غاية من الثبات و الاستقرار مانعة لما يكون تحتها من الحركة و الاضطراب عاصمة لما يلتجئ إليها من الحيوان عما يوجب له الهرب فيسكن بذلك اضطرابه و قلقلته أشبهت الأوتاد من بعض هذه الجهات ثم لما كانت الأنبياء و العلماء هم السبب في انتظام أمور الدنيا و عدم اضطراب أحوال أهلها كانوا كالأوتاد للأرض فلا جرم صحت استعارة لفظ الجبال لهم و لذلك صح في العرف أن يقال فلان جبل منيع يأوي إليه كل ملهوف إذا كان يرجع إليه في المهمات و الحوائج و العلماء أوتاد الله في الأرض.

الوجه السادس أن يكون المقصود من جعل الجبال كالأوتاد في الأرض أن يهتدى بها إلى طرقها و المقاصد فيها فلا تميد جهاتها المشتبهة بأهلها و لا تميل بهم فيتيهون فيها عن طرقهم و مقاصدهم و هذه الوجوه الثلاثة ذكرها بعض المتعسفين و هذا دأبه في أكثر الآيات و الأخبار حيث يئولها بلا ضرورة داعية و علة مانعة عن القول بظاهرها و هل هذا إلا اجتراء على مالك يوم الدين و افتراء على حجج رب العالمين.

الوجه السابع أن يقال المراد بالأرض قطعاتها و بقاعها لا مجموع كرة الأرض و بكون الجبال أوتادا لها أنها حافظة لها عن الميدان و الاضطراب بالزلزلة و نحوها إما لحركة البخارات المحتقنة في داخلها بإذن الله تعالى أو لغير ذلك من الأسباب التي يعلمها مبدعها و منشئها و هذا وجه قريب و يؤيده ما سيأتي في باب الزلزلة من حديث ذي القرنين.

أقول و أما حديث ذي القرنين و السد و غيره من أحواله فقد مضى في المجلد الخامس في باب أحواله و لنذكر هنا بعض ما مضى‏

- برواية أخرى قال الثعلبي في العرائس روى وهب بن منبه و غيره من أهل الكتب قالوا

108

كان ذو القرنين رجلا من الروم ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره و كان اسمه إسكندروس و يقال كان اسمه عياش و كان عبدا صالحا فلما استحكم ملكه و استجمع أمره أوحى الله إليه يا ذا القرنين إني بعثتك إلى جميع الخلق ما بين الخافقين و جعلتك حجتي عليهم و هذا تأويل رؤياك و إني باعثك إلى أمم الأرض كلهم و هم سبع أمم مختلفة ألسنتهم منهم أمتان بينهما عرض الأرض و أمتان بينهما طول الأرض و ثلاث أمم في وسط الأرض و هم الجن و الإنس و يأجوج و مأجوج فأما الأمتان اللتان بينهما طول الأرض فأمة عند المغرب يقال لها ناسك و أمة أخرى بحيالها عند مطلع الشمس يقال لها منسك و أما اللتان بينهما عرض الأرض فأمة في قطر الأرض الأيمن يقال لها هاويل و أمة في قطرة الأرض الأيسر يقال لها قاويل فلما قال الله سبحانه ذلك قال ذو القرنين إلهي إنك قد ندبتني إلى أمر عظيم لا يقدر قدره إلا أنت فأخبرني عن الأمم التي بعثتني إليها بأي قوة أكاثرهم أو بأي جمع و حيلة أكابرهم و بأي صبر أقاسيهم و بأي لسان أناطقهم و كيف لي بأن أفهم لغاتهم و بأي سمع أسمع أقوالهم و بأي بصر أنفذهم و بأي حجة أخاصمهم و بأي عقل أعقل عنهم و بأي قلب و حكمة أدبر أمورهم و بأي قسط أعدل بينهم و بأي حلم أصابرهم و بأي معرفة أفصل بينهم و بأي علم أتقن أمورهم و بأي يد أستطيل عليهم و بأي رجل أطأهم و بأي طاقة أحصيهم و بأي جند أقاتلهم و بأي رفق أتألفهم و ليس عندي يا إلهي شي‏ء مما ذكرت يقوم لهم و يقوى عليهم و أنت الرءوف الرحيم الذي لا تكلف نفسا إلا وسعها و لا تكلفها إلا طاقتها فقال الله عز و جل إني سأطوقك ما حملتك أشرح لك سمعك فتسمع كل شي‏ء و تعي كل شي‏ء و أشرح لك فهمك فتفقه كل شي‏ء و أبسط لك لسانك فتنطق بكل شي‏ء و أفتح لك بصرك فتنفذ كل شي‏ء و أحصي لك فلا يفوتك شي‏ء و أشد لك عضدك فلا يهولك شي‏ء و أشد لك ركنك فلا يغلبك شي‏ء و أشد لك قلبك فلا يفزعك شي‏ء و أشد لك يدك فتسطو فوق كل شي‏ء و أشد لك وطأتك فتهد على كل شي‏ء و ألبسك الهيبة فلا يروعك شي‏ء و أسخر الظلمة من ورائك فلما قيل له ذلك حدث نفسه بالمسير و ألح‏

109

عليه قومه بالمقام فلم يفعل و قال لا بد من طاعة الله تعالى.

ثم أمرهم أن يبنوا له مسجدا و أن يجعلوا طول المسجد أربعمائة ذراع و أمرهم أن لا ينصبوا فيه السواري قالوا كيف نصنع قال إذا فرغتم من بنيان الحائط فاكبسوها بالتراب حتى يستوي الكبس مع حيطان المسجد فإذا فرغتم فرضتم من الذهب على الموسر قدره و على المقتر قدره ثم قطعتموه مثل قلامة الظفر ثم خلطتموه بذلك الكبس و جعلتم خشبا من نحاس و وتدا من نحاس و صفائح من نحاس تذيبون ذلك و أنتم تمكنون من العمل كيف شئتم على أرض مستوية و جعلتم طول كل خشبة مائتي ذراع و أربعة و عشرين ذراعا مائتا ذراع في ما بين الحائطين لكل حائط اثنا عشر ذراعا ثم تدعون المساكين لنقل التراب فيتسارعون إليه لأجل ما فيه من الذهب و الفضة فمن حمل شيئا فهو له ففعلوا ذلك فأخرج المساكين التراب و استقر السقف بما عليه و استغنى المساكين فجندهم أربعين ألفا و جعلهم أربعة أجناد في كل جند عشرة آلاف ثم عرضهم فوجدهم في ما قيل ألف ألف و أربعمائة ألف رجل منهم من جنده ثمانمائة ألف و من جند دارا (1) ستمائة ألف و من المساكين أربعين ألفا ثم انطلق يؤمّ الأمة التي عند مغرب الشمس فذلك قوله تعالى‏ حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ أي ذات حمأة و من قرأ حَامِيَةٍ بالألف من غير همز فمعناه حارة فلما بلغ مغرب الشمس وجد جمعا و عددا لا يحصيهم إلا الله تعالى و قوة و بأسا لا يطيقه إلا الله عز و جل و رأى ألسنة مختلفة و أهواء متشتتة و ذلك قول الله تعالى‏ وَ وَجَدَ عِنْدَها قَوْماً يعني ناسا كثيرة يقال لها ناسك فلما رأى ذلك كاثرهم بالظلمة فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها فأحاط بهم من كل مكان حتى جمعهم في مكان واحد ثم أخذ عليهم بالنور فدعاهم إلى الله عز و جل و عبادته فمنهم من آمن به و منهم من صد عنه فعمد إلى الذين تولوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أفواههم و أنوفهم و آذانهم و أحداقهم و أجوافهم و دخلت في بيوتهم و دورهم و غشيهم من فوقهم و من كل جانب منهم فهاجوا فيه و تحيروا فلما أشفقوا أن يهلكوا فيها عجوا إليه بصوت واحد

____________

(1) كذا في جميع النسخ.

110

فكشفها عنهم و أخذهم عنوة فدخلوا في دعوته فجند من أهل المغرب أمما عظيمة فجعلهم جندا واحدا ثم انطلق بهم يقودهم و الظلمة تسوقهم من خلفهم و تحرسهم من خلفهم و النور أمامهم يقوده و يدله و هو يسير في ناحية الأرض اليمنى و هو يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يقال لها هاويل و سخر الله له قلبه و يده و رأيه و عقله و نظره فلا يخطئ إذا عمل عملا فانطلق يقود تلك الأمم و هي تتبعه فإذا هي أتت إلى بحر أو مخاضة بنى سفناً من ألواح صغار أمثال البغال فنظمها في ساعة ثم حمل فيها جميع من معه من تلك الأمم و تلك الجنود فإذا هي قطع الأنهار و البحار فتقها ثم دفع إلى كل رجل منهم لوحا فلم يكرثه حمله فلم يزل ذلك دأبه حتى انتهى إلى هاويل فعمل فيها كفعله في ناسك فلما فرغ منها مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى حتى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها و جند جنودا كفعله في الأمتين قبلهما ثم كر مقبلا حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى و هو يريد قاويل و هي الأمة التي بحيال هاويل و هما متقابلتان بينهما عرض الأرض كله فلما بلغها عمل فيها و جند فيها كفعله في ما قبلها فذلك قوله تعالى‏ حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى‏ قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً يعني مسكنا.

قال قتادة لم يكن بينهم و بين الشمس ستر و ذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليه بناء و كانوا يكونون في أسراب لهم حتى إذا زالت الشمس عنهم خرجوا إلى معايشهم و حروثهم و قال الحسن كانت أرضهم أرضا لا تحتمل البناء فكانوا إذا طلعت عليهم الشمس هووا في الماء فإذا ارتفعت عنهم خرجوا فتراعوا كما تتراعى البهائم و قال ابن جريح و جاءهم جيش مرة و قال لهم أهلها لا يطلع عليكم الشمس و أنتم بها فقالوا ما نبرح حتى تطلع الشمس فنراها فماتوا و قيل فذهبوا بها هاربين في الأرض و قال الكلبي هم أمة يقال لها منسك حفاة عماة عن الحق قال و حدثنا عمرو بن مالك بن أمية قال وجدت رجلا بسمرقند يحدث الناس و هم يجتمعون حوله فسألت بعض من سمع فأخبرني أنه حدثهم عن القوم الذين تطلع عليهم الشمس‏

111

قال قال خرجت حتى إذا جاوزت الصين ثم سألت عنهم فقيل إن بينك و بينهم مسيرة يوم و ليلة فاستأجرت رجلا فسرت بقية عشيتي و ليلتي حتى صبحتهم فإذا أحدهم يفرش أذنه و يلبس الأخرى و كان صاحبي يحسن لسانهم فسألهم و قال جئنا ننظر كيف تطلع الشمس فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشي علي فأفقت و هم يمسحونني بالدهن فلما طلعت الشمس على الماء فإذا هو يغلي كهيئة الزيت و إذا طرف السماء كهيئة الفسطاط فلما ارتفعت أدخلوني في سرب لهم أنا و صاحبي فلما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السمك و يطرحونه بالشمس فينضج.

ثم قال‏

- الثعلبي قالت العلماء بأخبار القدماء لما فرغ ذو القرنين من أمر الأمم الذين هم بأطراف الأرض و طاف الشرق و الغرب عطف فيها إلى الأمم التي في وسط الأرض من الجن و الإنس و يأجوج و مأجوج فلما كان في بعض الطريق مما يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أمة صالحة من الإنس يا ذا القرنين إن بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله تعالى ليس فيهم مشابه الإنس و هم مشابه البهائم يأكلون العشب و يفترسون الدواب و الوحش كما تفترسها السباع و يأكلون حشرات الأرض كلها من الحيات و العقارب و كل ذي روح مما خلق الله تعالى في الأرض و ليست‏ (1) لله تعالى خلق ينمو نماءهم و لا يزداد كزيادتهم فإن أتت مدة على ما يرى من نمائهم و زيادتهم فلا شك أنهم سيملئون الأرض و يجلون أهلها منها و يظهرون عليها و يفسدون فيها و ليست تمر بنا سنة مذ جاوزناهم إلا و نحن نتوقعهم أن يطلع علينا أولهم من بين هذين الجبلين‏ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً أي جعلا و أجرا عَلى‏ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَ بَيْنَهُمْ سَدًّا حاجزا فلا يصلون إلينا فقال لهم ذو القرنين‏ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ أي ما قواني عليه خير من خرجكم و لكن‏ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ رَدْماً أي حاجزا كالحائط قالوا و ما تلك القوة قال فعله و صناع يحسنون البناء و العمل و آلة (2) قالوا و ما تلك الآلة قال‏ آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ يعني قطعا واحدتها

____________

(1) ليس (ظ).

(2) الآلة (خ).

112

زبرة و آتوني بالنحاس فقالوا و من أين لنا الحديد و النحاس ما يسع هذا العمل قال سأريكم‏ (1) على معادن الحديد و النحاس فضرب لهم في جبلين حتى فلقهما ثم استخرج منهما معدنين من الحديد و النحاس قالوا بأي قوة نقطع الحديد و النحاس فاستخرج لهم معدنا آخر من تحت الأرض يقال له السامور و هو أشد ما خلق الله تعالى بياضا و هو الذي قطع به سليمان أساطين بيت المقدس و صخوره و جواهره ثم قاس ما بين الجبلين ثم أوقد على جمع‏ (2) من الحديد و النحاس النار فصنع منه زبرا أمثال الصخور العظام ثم أذاب النحاس فجعله كالطين و الملاط لتلك الصخور من الحديد ثم بنى و كيفية بنائه على ما ذكر أهل السير هو أنه لما قاس ما بين الجبلين وجد ما بينهما مائة فرسخ فلما أنشأ في عمله حفر له الأساس حتى بلغ الماء ثم جعل عرضه خمسين فرسخا ثم وضع الحطب بين الجبلين ثم نسج عليه الحديد ثم نسج الحطب على الحديد فلم يزل يجعل الحديد على الحطب و الحطب على الحديد حَتَّى إِذا ساوى‏ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ‏ و هما الجبلان ثم أمر بالنار فأرسلت فيه ثم‏ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً ثم جعل يفرغ القطر عليه و هو النحاس المذاب فجعلت النار تأكل الحطب فيصير النحاس مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس فصار كأنه برد حبرة من صفرة النحاس و حمرته و سواد الحديد و غبرته فصار سدا طويلا عظيما حصينا كما قال تعالى‏ فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَ مَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً

و قال قتادة ذكر لنا أن رجلا قال يا نبي الله قد رأيت سد يأجوج و مأجوج قال انعته لي قال كالبرد الحبر طريقة سوداء و طريقة حمراء قال قد رأيته و يقال إن موضع السد وراء ملاذجرد بقرب مشرق الصيف‏ (3) بينه و بين الخزرة مسيرة اثنين و سبعين يوما.

وَ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)أَنَّهُ قَالَ: كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ قَدْ مَلَكَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ كَانَ لَهُ خَلِيلٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ اسْمُهُ رَفَائِيلُ يَأْتِيهِ وَ يَزُورُهُ فَبَيْنَمَا هُمَا ذَاتَ يَوْمٍ يَتَحَدَّثَانِ إِذْ قَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ يَا رَفَائِيلُ حَدِّثْنِي عَنْ عِبَادَتِكُمْ فِي السَّمَاءِ

____________

(1) لفظة «على» زائدة ظاهرا.

(2) ما جمع (ظ).

(3) كذا.

113

فَبَكَى وَ قَالَ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ وَ مَا عِبَادَتُكُمْ عِنْدَ عِبَادَتِنَا إِنَّ فِي السَّمَاءِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَنْ هُوَ قَائِمٌ أَبَداً لَا يَجْلِسُ وَ مِنْهُمُ السَّاجِدُ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ أَبَداً وَ مِنْهُمُ الرَّاكِعُ لَا يَسْتَوِي قَائِماً أَبَداً يَقُولُ سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ رَبِّ الْمَلَائِكَةِ وَ الرُّوحِ رَبَّنَا مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ فَبَكَى ذُو الْقَرْنَيْنِ بُكَاءً شَدِيداً ثُمَّ قَالَ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَعِيشَ فَأَبْلُغَ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّي حَقَّ طَاعَتِهِ فَقَالَ رَفَائِيلُ أَ وَ تُحِبُّ ذَلِكَ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ رَفَائِيلُ فَإِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى عَيْناً فِي الْأَرْضِ تُسَمَّى عَيْنَ الْحَيَاةِ فِيهَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَزِيمَةٌ أَنَّهُ مَنْ شَرِبَ مِنْهَا لَمْ يَمُتْ أَبَداً حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَسْأَلُ رَبَّهُ الْمَوْتَ فَقَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنْتُمْ مَوْضِعَ تِلْكَ الْعَيْنِ فَقَالَ لَا غَيْرَ أَنَّا نَتَحَدَّثُ فِي السَّمَاءِ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ ظُلْمَةً لَا يَطَؤُهَا إِنْسٌ وَ لَا جَانٌّ فَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ تِلْكَ الْعَيْنِ فِي تِلْكَ الظُّلْمَةِ فَجَمَعَ ذُو الْقَرْنَيْنِ عُلَمَاءَ أَهْلِ الْأَرْضِ وَ أَهْلَ دِرَاسَةِ الْكُتُبِ وَ آثَارِ النُّبُوَّةِ فَقَالَ لَهُمْ أَخْبِرُونِي هَلْ وَجَدْتُمْ فِي مَا قَرَأْتُمْ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى وَ مَا جَاءَكُمُ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ فِي الْأَرْضِ عَيْناً سَمَّاهَا عَيْنَ الْحَيَاةِ فَقَالَتِ الْعُلَمَاءُ لَا فَقَالَ عَالِمٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَ اسْمُهُ فتحيز (1) إِنِّي قَرَأْتُ وَصِيَّةَ آدَمَ فَوَجَدْتُ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ فِي الْأَرْضِ ظُلْمَةً لَمْ يَطَأْهَا إِنْسٌ وَ لَا جَانٌّ وَ وَضَعَ فِيهَا عَيْنَ الْخُلْدِ فَقَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ صَدَقْتَ ثُمَّ حَشَدَ إِلَيْهِ الْفُقَهَاءَ وَ الْأَشْرَافَ وَ الْمُلُوكَ وَ سَارَ يَطْلُبُ مَطْلَعَ الشَّمْسِ فَسَارَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً إِلَى أَنْ بَلَغَ طَرَفَ الظٌّلْمَةِ فَإِذَا ظُلْمَةٌ تَفُورُ مِثْلَ الدُّخَانِ لَيْسَتْ بِظُلْمَةِ لَيْلٍ فَعَسْكَرَ هُنَاكَ ثُمَّ جَمَعَ عُلَمَاءَ عَسْكَرِهِ فَقَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْلُكَ هَذِهِ الظُّلْمَةَ فَقَالَ الْعُلَمَاءُ أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّهُ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَ الْمُلُوكِ لَمْ يَطْلُبُوا هَذِهِ الظُّلْمَةَ فَلَا تَطْلُبْهَا فَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَنْفَتِقَ عَلَيْكَ أَمْرٌ تَكْرَهُهُ وَ يَكُونَ فِيهِ فَسَادُ أَهْلِ الْأَرْضِ فَقَالَ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ أَسْلُكَهَا فَقَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ كُفَّ عَنْ هَذِهِ الظُّلْمَةِ وَ لَا تَطْلُبْهَا فَإِنَّا لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ إِنْ طَلَبْتَهَا ظَفِرْتَ بِمَا تُرِيدُ وَ لَمْ يَسْخَطِ اللَّهُ عَلَيْنَا لَاتَّبَعْنَاكَ وَ لَكِنَّا نَخَافُ الْعَنَتَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَ فَسَاداً فِي الْأَرْضِ وَ مَنْ عَلَيْهَا فَقَالَ‏

____________

(1) خضر (ظ).

114

ذُو الْقَرْنَيْنِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ أَسْلُكَهَا فَقَالَتِ الْعُلَمَاءُ شَأْنَكَ بِهَا فَقَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ أَيُّ الدَّوَابِّ أَبْصَرُ قَالُوا الْخَيْلُ قَالَ فَأَيُّ الْخَيْلِ أَبْصَرُ قَالُوا الْإِنَاثُ قَالَ فَأَيُّ الْإِنَاثِ أَبْصَرُ قَالُوا الْبِكَارَةُ فَأَرْسَلَ ذُو الْقَرْنَيْنِ فَجُمِعَ لَهُ سِتَّةُ آلَافِ فَرَسٍ أُنْثَى بِكَارَةٌ ثُمَّ انْتَخَبَ مِنْ عَسْكَرِهِ أَهْلَ الْجَلْدِ وَ الْعَقْلِ سِتَّةَ آلَافِ رَجُلٍ فَدَفَعَ إِلَيْهِمْ كُلَّ رَجُلٍ فَرَساً وَ عَقَدَ لِلْخَضِرِ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ عَلَى أَلْفَيْنِ وَ بَقِيَ ذُو الْقَرْنَيْنِ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ وَ قَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ لِلنَّاسِ لَا تَبْرَحُوا مِنْ مُعَسْكَرِكُمْ هَذَا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً فَإِنْ نَحْنُ رَجَعْنَا إِلَيْكُمْ وَ إِلَّا فَارْجِعُوا إِلَى‏ (1) بِلَادِكُمْ فَقَالَ الْخَضِرُ أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّا نَسْلُكُ ظُلْمَةً هُوَ لَا نَدْرِي كَمِ السَّيْرُ (2) فِيهَا وَ لَا يُبْصِرُ بَعْضُنَا بَعْضاً فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِالضَّلَالِ إِذَا أَصَابَنَا فَدَفَعَ ذُو الْقَرْنَيْنِ إِلَى الْخَضِرِ خَرَزَةً حَمْرَاءَ فَقَالَ حَيْثُ يُصِيبُكُمُ الضَّلَالُ فَاطْرَحْ هَذِهِ فِي الْأَرْضِ فَإِذَا صَاحَتْ فَلْيَرْجِعْ أَهْلُ الضَّلَالِ إِلَيْهَا أَيْنَ صَاحَتْ فَصَارَ الْخَضِرُ بَيْنَ يَدَيْ ذِي الْقَرْنَيْنِ يَرْتَحِلُ الْخَضِرُ وَ يَنْزِلُ ذُو الْقَرْنَيْنِ فَبَيْنَمَا الْخَضِرُ يَسِيرُ إِذْ عَرَضَ لَهُ وَادٍ فَظَنَّ أَنَّ الْعَيْنَ فِي الْوَادِي وَ أُلْقِيَ فِي قَلْبِهِ ذَلِكَ فَقَامَ عَلَى شَفِيرِ الْوَادِي وَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ قِفُوا وَ لَا يَبْرَحَنَّ رَجُلٌ مِنْ مَوْقِفِهِ فَرَمَى بِالْخَرَزَةِ فَمَكَثَ طَوِيلًا ثُمَّ أَجَابَتْهُ الْخَرَزَةُ فَطَلَبَ صَوْتَهَا فَانْتَهَى إِلَيْهَا فَإِذَا هِيَ عَلَى جَانِبِ الْعَيْنِ فَنَزَعَ الْخَضِرُ ثِيَابَهُ ثُمَّ دَخَلَ الْعَيْنَ فَإِذَا مَاءٌ أَشَدُّ بَيَاضاً مِنَ اللَّبَنِ وَ أَحْلَى مِنَ الشَّهْدِ فَشَرِبَ وَ اغْتَسَلَ وَ تَوَضَّأَ وَ لَبِسَ ثِيَابَهُ ثُمَّ رَمَى بِالْخَرَزَةِ نَحْوَ أَصْحَابِهِ فَوَقَفَتِ الْخَرَزَةُ فَصَاحَتْ فَرَجَعَ الْخَضِرُ إِلَى صَوْتِهَا وَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَرَكِبَ وَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ سِيرُوا بِاسْمِ اللَّهِ وَ مَرَّ ذُو الْقَرْنَيْنِ فَأَخْطَأَ الْوَادِيَ فَسَلَكُوا تِلْكَ الظُّلْمَةَ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَ لَيْلَةً ثُمَّ خَرَجُوا إِلَى ضَوْءٍ لَيْسَ بِضَوْءِ شَمْسٍ وَ لَا قَمَرٍ وَ لَا أَرْضٍ حَمْرَاءَ وَ رَمْلَةٍ خَشْخَاشَةٍ أَيْ مُصَوِّتَةٍ فَإِذَا هُوَ بِقَصْرٍ مَبْنِيٍّ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ طُولُهُ فَرْسَخٌ فِي فَرْسَخٍ عَلَيْهِ بَابٌ فَنَزَلَ ذُو الْقَرْنَيْنِ بِعَسْكَرِهِ ثُمَّ خَرَجَ وَحْدَهُ حَتَّى دَخَلَ الْقَصْرَ فَإِذَا حَدِيدَةٌ قَدْ وُضِعَتْ طَرَفَاهَا عَلَى جَانِبِ الْقَصْرِ مِنْ هَاهُنَا وَ هَاهُنَا وَ إِذَا بِطَائِرٍ (3) أَسْوَدَ شَبِيهٍ بِالْخُطَّافِ مَزْمُومٍ بِأَنْفِهِ إِلَى الْحَدِيدَةِ مُعَلَّقٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ‏

____________

(1) في أكثر النسخ: على.

(2) نسير (خ).

(3) طائر (خ):.

115

فَلَمَّا سَمِعَ الطَّائِرُ خَشْخَشَةَ ذِي الْقَرْنَيْنِ قَالَ مَنْ هَذَا قَالَ أَنَا ذُو الْقَرْنَيْنِ فَقَالَ الطَّائِرُ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ أَ مَا كَفَاكَ مَا وَرَاكَ حَتَّى وَصَلْتَ إِلَيَّ ثُمَّ قَالَ الطَّائِرُ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ حَدِّثْنِي فَقَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ سَلْ فَقَالَ هَلْ كَثُرَ بِنَاءُ الْآجُرِّ وَ الْجِصِّ فِي الْأَرْضِ قَالَ نَعَمْ فَانْتَفَضَ الطَّائِرُ انْتِفَاضَةً ثُمَّ انْتَفَخَ فَبَلَغَ ثُلُثَ الْحَدِيدَةِ ثُمَّ قَالَ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ هَلْ كَثُرَتِ الْمَعَازِفُ قَالَ نَعَمْ فَانْتَفَضَ الطَّيْرُ وَ امْتَلَأَ حَتَّى مَلَأَ مِنَ الْحَدِيدَةِ ثُلُثَيْهَا ثُمَّ قَالَ هَلْ كَثُرَتْ شَهَادَاتُ الزُّورِ فِي الْأَرْضِ قَالَ نَعَمْ فَانْتَفَضَ الطَّائِرُ انْتِفَاضَةً فَمَلَأَ الْحَدِيدَةَ وَ سَدَّ مَا بَيْنَ جِدَارَيِ الْقَصْرِ فَخَشِيَ‏ (1) وَ خَافَ ذُو الْقَرْنَيْنِ وَ فَرِقَ فَرَقاً شَدِيداً فَقَالَ الطَّائِرُ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ لَا تَخَفْ حَدِّثْنِي قَالَ سَلْ قَالَ هَلْ يَتْرُكُ‏ (2) النَّاسُ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ لَا قَالَ فَانْضَمَّ الطَّائِرُ ثُلُثاً ثُمَّ قَالَ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ هَلْ تَرَكَ النَّاسُ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ بَعْدُ قَالَ لَا قَالَ فَانْضَمَّ الطَّائِرُ ثُلُثاً ثُمَّ قَالَ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ هَلْ تَرَكَ النَّاسُ غُسْلَ الْجَنَابَةِ بَعْدُ قَالَ لَا قَالَ فَصَارَ الطَّائِرُ كَمَا كَانَ ثُمَّ قَالَ اسْلُكْ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ هَذِهِ الدَّرَجَةَ دَرَجَةً إِلَى أَعْلَى الْقَصْرِ فَسَلَكَهَا ذُو الْقَرْنَيْنِ وَ هُوَ خَائِفٌ وَجِلٌ لَا يَدْرِي عَلَى مَنْ يَهْجُمُ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى صَدْرِ الدَّرَجِ فَإِذَا سَطْحٌ مَمْدُودٌ عَلَيْهِ صُورَةُ رَجُلٍ شَابٍّ قَائِمٍ عَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ رَافِعاً وَجْهَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَاضِعاً يَدَيْهِ عَلَى فِيهِ فَلَمَّا سَمِعَ خَشْخَشَةَ ذِي الْقَرْنَيْنِ قَالَ مَا هَذَا قَالَ أَنَا ذُو الْقَرْنَيْنِ قَالَ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ السَّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ وَ أَنَا أَنْتَظِرُ أَمْرَ رَبِّي يَأْمُرُنِي أَنْ أَنْفُخَ فَأَنْفُخُ ثُمَّ أَخَذَ صَاحِبُ الصُّورِ شَيْئاً مِنَ بَيْنِ يَدَيْهِ كَأَنَّهُ حَجَرٌ فَقَالَ خُذْهَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ فَإِنْ شَبِعَ هَذَا شَبِعْتَ وَ إِنْ جَاعَ هَذَا جُعْتَ فَأَخَذَ ذُو الْقَرْنَيْنِ الْحَجَرَ وَ نَزَلَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَحَدَّثَهُمْ بِأَمْرِ الطَّائِرِ وَ مَا قَالَ لَهُ وَ مَا رَدَّ عَلَيْهِ وَ مَا قَالَ صَاحِبُ الصُّورِ ثُمَّ جَمَعَ عُلَمَاءَ عَسْكَرِهِ فَقَالَ أَخْبِرُونِي عَنْ هَذَا الْحَجَرِ مَا أَمْرُهُ فَقَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ أَخْبِرْنَا بِمَا قَالَ لَكَ فِيهِ صَاحِبُ الصُّورِ فَقَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ إِنَّهُ قَالَ لِي إِنْ شَبِعَ هَذَا شَبِعْتَ وَ إِنْ جَاعَ جُعْتَ فَوَضَعَتِ الْعُلَمَاءُ ذَلِكَ الْحَجَرَ فِي إِحْدَى كَفَّتَيِ الْمِيزَانِ وَ أَخَذُوا حَجَراً مِثْلَهُ فَوَضَعُوهُ فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى ثُمَ‏

____________

(1) فجثى (خ).

(2) ترك (ظ).

116

رَفَعُوا الْمِيزَانَ فَإِذَا الَّذِي جَاءَ بِهِ ذُو الْقَرْنَيْنِ يَمِيلُ فَوَضَعُوا مَعَهُ آخَرَ وَ رَفَعُوا الْمِيزَانَ فَإِذَا هُوَ يَمِيلُ بِهِنَّ فَلَمْ يَزَالُوا يَضَعُونَ حَتَّى وَضَعُوا أَلْفَ حَجَرٍ فَرَفَعُوا الْمِيزَانَ فَمَالَ بِالْأَلْفِ جَمِيعاً فَقَالَتِ الْعُلَمَاءُ انْقَطَعَ عِلْمُنَا دُونَ هَذَا لَا نَدْرِي أَ سِحْرٌ هَذَا أَمْ عِلْمُ مَا لَا نَعْلَمُهُ فَقَالَ الْخَضِرُ وَ كَانَ قَدْ وَافَاهُ نَعَمْ أَنَا أَعْلَمُهُ فَأَخَذَ الْخَضِرُ الْمِيزَانَ بِيَدِهِ ثُمَّ أَخَذَ الْحَجَرَ الَّذِي جَاءَ بِهِ ذُو الْقَرْنَيْنِ فَوَضَعَهُ فِي إِحْدَى الْكِفَّتَيْنِ فَأَخَذَ حَجَراً مِنْ تِلْكَ الْحِجَارَةِ فَوَضَعَهُ فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى ثُمَّ أَخَذَ كَفّاً مِنْ تُرَابٍ فَوَضَعَهُ عَلَى الْحَجَرِ الَّذِي جَاءَ بِهِ ذُو الْقَرْنَيْنِ ثُمَّ رَفَعَ الْمِيزَانَ فَاسْتَوَى فَخَرَّتِ الْعُلَمَاءُ سُجَّداً لِلَّهِ تَعَالَى وَ قَالُوا سُبْحَانَ اللَّهِ هَذَا عِلْمٌ لَا يَبْلُغُهُ عِلْمُنَا وَ اللَّهِ لَقَدْ وَضَعْنَا أَلْفاً فَمَا اسْتَقَلَّ بِهِ فَقَالَ الْخَضِرُ أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّ سُلْطَانَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَاهِرٌ لِخَلْقِهِ وَ أَمْرَهُ نَافِذٌ فِيهِمْ وَ حُكْمَهُ جَارٍ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ابْتَلَى خَلْقَهُ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ فَابْتَلَى الْعَالِمَ بِالْعَالِمِ وَ الْجَاهِلَ بِالْجَاهِلِ وَ الْعَالِمَ بِالْجَاهِلِ وَ الْجَاهِلَ بِالْعَالِمِ وَ إِنَّهُ ابْتَلَاكَ بِي وَ ابْتَلَانِي بِكَ فَقَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ صَدَقْتَ فَأَخْبِرْنَا عَنْ هَذَا الْمَثَلِ فَقَالَ الْخَضِرُ هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ لَكَ صَاحِبُ الصُّورِ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ مَكَّنَ لَكَ فِي الْبِلَادِ وَ أَعْطَاكَ مِنْهَا مَا لَمْ يُعْطِ أَحَداً وَ أَوْطَأَكَ مِنْهَا مَا لَمْ يُوطِئْ أَحَداً فَلَمْ تَشْبَعْ فَأَبَتْ نَفْسُكَ شَرَهاً حَتَّى بَلَغْتَ مِنْ سُلْطَانِ اللَّهِ مَا لَمْ يَطَأْهُ إِنْسٌ وَ لَا جَانٌّ فَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ لَكَ صَاحِبُ الصُّورِ إِنَّ ابْنَ آدَمَ لَا يَشْبَعُ أَبَداً دُونَ أَنْ يُحْثَى عَلَيْهِ التُّرَابُ وَ لَا مَلَأَ جَوْفَهُ إِلَّا التُّرَابُ فَبَكَى ذُو الْقَرْنَيْنِ ثُمَّ قَالَ صَدَقْتَ يَا خَضِرُ فِي ضَرْبِ هَذَا الْمَثَلِ لَا جَرَمَ لَا أَطْلُبُ أَثَراً فِي الْبِلَادِ بَعْدَ مَسِيرِي هَذَا حَتَّى أَمُوتَ ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعاً حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَسَطِ الظُّلْمَةِ وَطَأَ الْوَادِيَ الَّذِي فِيهِ الزَّبَرْجَدُ فَقَالَ مَنْ مَعَهُ لَمَّا سَمِعُوا خَشْخَشَةً تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ وَ أَقْدَامِ دَوَابِّهِمْ مَا هَذَا تَحْتَنَا يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ فَقَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ خُذُوا مِنْهُ فَإِنَّهُ مَنْ أَخَذَ نَدِمَ وَ مَنْ تَرَكَ نَدِمَ فَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَ الشَّيْ‏ءَ وَ مِنْهُمْ مَنْ تَرَكَهُ فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الظُّلْمَةِ إِذَا هُوَ الزَّبَرْجَدُ فَنَدِمَ الْآخِذُ وَ التَّارِكُ قَالَ وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَقُولُ رَحِمَ اللَّهُ أَخِي ذَا الْقَرْنَيْنِ لَوْ ظَفِرَ بِوَادِي الزَّبَرْجَدِ فِي مُبْتَدَاهُ مَا تَرَكَ مِنْهَا شَيْئاً حَتَّى يُخْرِجَهُ إِلَى النَّاسِ لِأَنَّهُ كَانَ رَاغِباً فِي الدُّنْيَا وَ لَكِنَّهُ ظَفِرَ بِهِ وَ هُوَ زَاهِدٌ فِي الدُّنْيَا لَا حَاجَةَ لَهُ فِيهَا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْعِرَاقِ وَ مَلِكَ مُلُوكَ الطَّوَائِفِ‏

117

وَ مَاتَ فِي طَرِيقِهِ بِشَهْرَرُوزَ (1) وَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (صلوات الله عليه) ثُمَّ إِنَّهُ رَجَعَ إِلَى دُومَةِ الْجَنْدَلِ وَ كَانَ مَنْزِلَهُ فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى مَاتَ.

انتهى و قال الطبرسي ره في قوله تعالى‏ إِنَّ يَأْجُوجَ وَ مَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ‏ فسادهم أنهم كانوا يخرجون فيقتلونهم و يأكلون لحومهم و دوابهم و قيل كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يدعون شيئا أخضر إلا أكلوه و لا يابس إلا احتملوه عن الكلبي و قيل أراد أنهم سيفسدون في المستقبل عند خروجهم و

وَرَدَ فِي الْخَبَرِ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)عَنْ يَأْجُوجَ وَ مَأْجُوجَ فَقَالَ يَأْجُوجُ أُمَّةٌ وَ مَأْجُوجُ أُمَّةٌ كُلُّ أُمَّةٍ أَرْبَعُمِائَةِ أُمَّةٍ لَا يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى أَلْفِ ذَكَرٍ مِنْ صُلْبِهِ كُلٌّ قَدْ حَمَلَ السِّلَاحَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا قَالَ هُمْ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ صِنْفٌ مِنْهُمْ أَمْثَالُ الْأَرَزِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَا الْأَرَزُ قَالَ شَجَرٌ بِالشَّامِ طَوِيلٌ وَ مِنْهُمْ طُولُهُ وَ عَرْضُهُ‏ (2) سَوَاءٌ وَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يَقُومُ لَهُمْ جَبَلٌ وَ لَا حَدِيدٌ وَ صِنْفٌ مِنْهُمْ يَفْتَرِشُ أَحَدُهُمْ إِحْدَى أُذُنَيْهِ وَ يَلْتَحِفُ بِالْأُخْرَى وَ لَا يَمُرُّونَ بِفِيلٍ وَ لَا وَحْشٍ وَ لَا جَمَلٍ وَ لَا خِنْزِيرٍ إِلَّا أَكَلُوهُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ أَكَلُوهُ مُقَدِّمَتُهُمْ بِالشَّامِ وَ سَاقَتُهُمْ بِخُرَاسَانَ يَشْرَبُونَ أَنْهَارَ الْمَشْرِقِ وَ بُحَيْرَةَ طَبَرِيَّةَ.

قال وهب و مقاتل إنهم من ولد يافث بن نوح أبي الترك و قال السدي الترك سرية من يأجوج و مأجوج خرجت تغير فجاء ذو القرنين فضرب السد فبقيت خارجته و قال قتادة إن ذا القرنين بنى السد على إحدى و عشرين قبيلة و بقيت منهم قبيلة دون السد فهم الترك و قال كعب هم نادرة من ولد آدم و ذلك أن آدم احتلم ذات يوم و امتزجت نطفته بالتراب فخلق الله من ذلك الماء و التراب يأجوج و مأجوج فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم و هذا بعيد (3).

وَ هُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ‏ قال ره أي من كل نشز من الأرض يسرعون يعني أنهم متفرقون في الأرض فلا ترى أكمة إلا و قوم منهم يهبطون منها

____________

(1) بشهرزور (خ).

(2) في المصدر: ... طول، و صنف منهم طولهم و عرضهم سواء.

(3) مجمع البيان: ج 6،(ص)494.

118

مسرعين‏ (1) و قال رحمه الله في ق قيل هو اسم الجبل المحيط بالأرض من زمردة خضراء خضرة السماء منها عن الضحاك و عكرمة (2) و قال رحمه الله في و الطور أقسم سبحانه بالجبل الذي كلم عليه موسى بالأرض المقدسة و قيل هو الجبل أقسم به لما أودع فيه من أنواع نعمه‏ (3) و في قوله تعالى‏ وَ إِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ‏ أي أ فلا يتفكرون في خلق الله سبحانه الجبال أوتادا للأرض و مسكنة لها و إنه لولاها لمادت الأرض بأهلها (4).

1- الْخِصَالُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ أَبِي يَحْيَى الْوَاسِطِيِّ بِإِسْنَادِهِ رَفَعَهُ إِلَى الصَّادِقِ(ع)قَالَ: الدُّنْيَا سَبْعَةُ أَقَالِيمَ يَأْجُوجُ وَ مَأْجُوجُ وَ الرُّومُ وَ الصِّينُ وَ الزَّنْجُ وَ قَوْمُ مُوسَى وَ أَقَالِيمُ بَابِلَ‏ (5).

بيان لعل المراد هنا بيان أقاليم الدنيا باعتبار أصناف الناس و اختلاف صورهم و ألوانهم و طبائعهم و الغرض إما حصرهم فيها فأقاليم بابل المراد بها ما يشمل أشباههم من العرب و العجم و الصين يشمل جميع الترك و الزنج يشمل الهنود أو بيان غرائب الأصناف من الخلق و هو أظهر و المراد بقوم موسى أهل جابلقا و جابرسا كما مر.

2- الْخِصَالُ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَوَيْهِ السَّرَّاجِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ‏ (6) سَعِيدٍ الْبَزَّازِ عَنْ حُمَيْدِ (7) بْنِ زَنْجَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ صَبِيحٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو الْحَضْرَمِيِّ عَنْ عَطَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: مِنَ الْجِبَالِ الَّتِي تَطَايَرَتْ يَوْمَ مُوسَى(ع)سَبْعَةُ أَجْبُلٍ فَلَحِقَتْ بِالْحِجَازِ وَ الْيَمَنِ مِنْهَا بِالْمَدِينَةِ أُحُدٌ وَ وَرِقَانُ وَ بِ مَكَّةَ ثَوْرٌ وَ ثَبِيرٌ وَ حَرَى وَ

____________

(1) مجمع البيان: ج 7،(ص)64.

(2) المصدر: ج 9،(ص)141.

(3) المصدر: ج 9،(ص)163.

(4) المصدر: ج 10:(ص)480.

(5) الخصال: ج 2(ص)10 (أبواب السبعة).

(6) في المصدر: أبو الحسن عليّ بن سعيد البزاز.

(7) في المصدر و بعض نسخ الكتاب: سعيد بن زنجويه.

119

بِالْيَمَنِ صَبِرٌ وَ حَضُورُ (1).

توضيح قال الفيروزآبادي ورقان بكسر الراء جبل أسود بين العرج و الرويثة بيمين المصعد من المدينة إلى مكة حرسهما الله تعالى و قال ثور جبل بمكة و قال ثبير و الأثبرة و ثبير الخضراء و النصع و الزنج و الأعرج و الأحدب و غنياء جبال بظاهر مكة و قال حراء ككتاب و كعلى عن عياض يؤنث و يمنع جبل بمكة فيه غار تحنث فيه النبي(ص)أي تعبد و اعتزل و قال الصبر ككتف و لا يسكن إلا في ضرورة شعر جبل مطل على تعز و قال تعز كتقل قاعدة اليمن و قال حضور كصبور جبل و بلد باليمن.

3- الْخِصَالُ، عَنْ أَبِيهِ وَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَطَّارِ مَعاً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ زَيْدِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْجَبَلَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ مِنَ الْبَحْرِ الْأَعْظَمِ الْمُحْدِقِ بِالدُّنْيَا وَ مِنَ النَّارِ وَ مِنْ دُمُوعِ مَلَكٍ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ وَ مِنْ بِئْرِ طَيْبَةَ (2) وَ الْحَدِيثُ طَوِيلٌ أَخَذْنَا مِنْهُ مَوْضِعَ الْحَاجَةِ.

بيان خلق الجبل كذا في بعض النسخ بالجيم و الباء الموحدة و في أكثر النسخ بالخاء المعجمة و الياء المثناة التحتانية و على التقديرين لعل فيه تجوزا و استعارة مع أن الخبر موقوف لم يسند إلى إمام و كان في البئر أيضا تحريفا.

4- تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، ق وَ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ قَالَ ق جَبَلٌ مُحِيطٌ بِالدُّنْيَا وَرَاءَ يَأْجُوجَ وَ مَأْجُوجَ وَ هُوَ قَسَمٌ‏ (3).

5- وَ مِنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ وَ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ مَعاً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَلَوِيِّ عَنِ الْعَمْرَكِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْجُمْهُورِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمَاعَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ‏

____________

(1) الخصال: ج 2(ص)3 (أبواب السبعة).

(2) الخصال: 123.

(3) تفسير القمّيّ: 643.

120

عَنْ يَحْيَى بْنِ مَيْسَرَةَ الْخَثْعَمِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ‏ عسق‏ عِدَادُ سِنِي الْقَائِمِ‏ (1) وَ ق‏ جَبَلٌ مُحِيطٌ بِالدُّنْيَا مِنْ زُمُرُّدٍ أَخْضَرَ فَخُضْرَةُ السَّمَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْجَبَلِ وَ عِلْمُ عَلِيٍّ كُلُّهُ فِي‏ عسق‏ (2).

6- الْعُيُونُ، وَ الْعِلَلُ، فِي خَبَرِ الشَّامِيِ‏ سَأَلَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مِمَّا خُلِقَتِ الْجِبَالُ قَالَ مِنَ الْأَمْوَاجِ‏ (3).

7- الْبَصَائِرُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ عَلِيّاً(ع)مَلَكَ مَا فِي الْأَرْضِ وَ مَا تَحْتَهَا فَعَرَضَتْ لَهُ السَّحَابَانِ الصَّعْبُ وَ الذَّلُولُ فَاخْتَارَ الصَّعْبَ فَكَانَ فِي الصَّعْبِ مُلْكُ مَا تَحْتَ الْأَرْضِ وَ فِي الذَّلُولِ مُلْكُ مَا فَوْقَ الْأَرْضِ وَ اخْتَارَ الصَّعْبَ عَلَى الذَّلُولِ فَدَارَتْ بِهِ سَبْعَ أَرَضِينَ فَوَجَدَ ثَلَاثَ خَرَابٍ وَ أَرْبَعَ عَوَامِرَ.

8- وَ مِنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي خَالِدٍ وَ أَبِي سَلَّامٍ عَنْ سَوْرَةَ (4) عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: أَمَا إِنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ قَدْ خُيِّرَ بَيْنَ السَّحَابَيْنِ فَاخْتَارَ الذَّلُولَ وَ ذَخَرَ لِصَاحِبِكُمُ الصَّعْبَ قَالَ قُلْتُ وَ مَا الصَّعْبُ قَالَ مَا كَانَ مِنْ سَحَابٍ فِيهِ رَعْدٌ وَ صَاعِقَةٌ أَوْ بَرْقٌ فَصَاحِبُكُمْ يَرْكَبُهُ أَمَا إِنَّهُ سَيَرْكَبُ السَّحَابَ وَ يَرْقَى فِي الْأَسْبَابِ أَسْبَابِ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ خَمْسٌ عَوَامِرُ وَ اثْنَتَانِ خَرَابَان.

بيان لعل الخامسة عمارتها قليلة فعدت في الخبر السابق من الخراب لذلك.

9- الْبَصَائِرُ لِلصَّفَّارِ، وَ مُنْتَخَبُ الْبَصَائِرِ لِسَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سَلَمَةَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ يَقْطِينٍ الْجَوَالِيقِيِّ عَنْ قَلْقَلَةَ (5) عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ

____________

(1) القسم (خ).

(2) تفسير القمّيّ: 595 و فيه: و علم كل شي‏ء في عسق.

(3) العيون: ج 1،(ص)241، العلل: ج 2،(ص)280.

(4) الظاهر أنّه سورة بن كليب بن معاوية الأسدى لتصريحه في جامع الرواة برواية أبى سلام عنه ذكره العلامة في القسم الأوّل من الخلاصة، و روى الكشّيّ حديثا يستشهد به لصحة عقيدته لكنه لا يصير دليلا على قبول قوله. قال الشهيد الثاني في التعليقة «لا يخفى ان الخبر لا يدلّ على قبول روايته لو سلم سنده فكيف مع ضعفه».

(5) لم نجد له ذكرا في كتب الرجال.

121

(عليه السلام) قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ جَبَلًا مُحِيطاً بِالدُّنْيَا مِنْ زَبَرْجَدٍ أَخْضَرَ وَ إِنَّمَا خُضْرَةُ السَّمَاءِ مِنْ خُضْرَةِ ذَلِكَ الْجَبَلِ وَ خَلَقَ خَلْقاً لَمْ يَفْتَرِضْ عَلَيْهِمْ شَيْئاً مِمَّا افْتَرَضَ عَلَى خَلْقِهِ مِنْ صَلَاةٍ وَ زَكَاةٍ وَ كُلُّهُمْ يَلْعَنُ رَجُلَيْنِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ سَمَّاهُمَا.

10- جَامِعُ الْأَخْبَارِ، سُئِلَ النَّبِيُّ(ص)عَنِ الْقَافِ وَ مَا خَلْفَهُ قَالَ خَلْفَهُ سَبْعُونَ أَرْضاً مِنْ ذَهَبٍ وَ سَبْعُونَ أَرْضاً مِنْ فِضَّةٍ وَ سَبْعُونَ أَرْضاً مِنْ مِسْكٍ خَلْفَهُ سَبْعُونَ أَرْضاً سُكَّانُهَا الْمَلَائِكَةُ لَا يَكُونُ فِيهَا حَرٌّ وَ لَا بَرْدٌ وَ طُولُ كُلِّ أَرْضٍ مَسِيرَةُ عَشَرَةِ ألف [آلَافِ سَنَةٍ قِيلَ وَ مَا خَلْفَ الْمَلَائِكَةِ قَالَ حِجَابٌ مِنْ ظُلْمَةٍ قِيلَ وَ مَا خَلْفَهُ قَالَ حِجَابٌ مِنْ رِيحٍ قِيلَ وَ مَا خَلْفَهُ قَالَ حِجَابٌ مِنْ نَارٍ قِيلَ وَ مَا خَلْفَهُ قَالَ حَيَّةٌ مُحِيطَةٌ بِالدُّنْيَا كُلِّهَا تُسَبِّحُ اللَّهَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ هِيَ مَلِكُ الْحَيَّاتِ كُلِّهَا قِيلَ وَ مَا خَلْفَهُ قَالَ حِجَابٌ مِنْ نُورٍ قِيلَ وَ مَا خَلْفَهُ قَالَ عِلْمُ اللَّهِ وَ قَضَاؤُهُ وَ سُئِلَ(ص)عَنْ عَرْضِ قَافٍ وَ طَوْلِهِ وَ اسْتِدَارَتِهِ فَقَالَ عَرْضُهُ مَسِيرَةُ أَلْفِ سَنَةٍ مِنْ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ قَضِيبُهُ مِنْ فِضَّةٍ بَيْضَاءَ وَ زُجُّهُ‏ (1) مِنْ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ لَهُ ثَلَاثُ ذَوَائِبَ مِنْ نُورٍ ذُؤَابَةٌ بِالْمَشْرِقِ وَ ذُؤَابَةٌ بِالْمَغْرِبِ وَ الْأُخْرَى فِي وَسَطِ السَّمَاءِ عَلَيْهَا مَكْتُوبٌ ثَلَاثَةُ أَسْطُرٍ الْأَوَّلُ‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ الثَّانِي‏ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ الثَّالِثُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.

11- الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، عَنْ كَعْبٍ‏ فِي قَوْلِهِ‏ حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ‏ قَالَ حِجَابٌ مِنْ يَاقُوتٍ أَخْضَرَ مُحِيطٌ بِالْخَلَائِقِ فَمِنْهُ اخْضَرَّتِ السَّمَاءُ الَّتِي يُقَالُ لَهَا السَّمَاءُ الْخَضْرَاءُ وَ اخْضَرَّ الْبَحْرُ مِنَ السَّمَاءِ فَمِنْ ثَمَّ يُقَالُ الْبَحْرُ الْأَخْضَرُ (2).

و عن ابن مسعود أيضا مثله بيان الأخبار المنقولة من الكتابين ضعيفة عامية و قد مر أشباهها و بعض القول فيها في باب العوالم.

____________

(1) الزج- بضم الزاى و تشديد الجيم-، الحديدة التي في أسفل الرمح و يقابله السنان.

(2) الدّر المنثور: ج 5،(ص)309. و ليس رواية ابن مسعود مثلها بل هي هكذا: قال:

تورات بالحجاب من وراء قرية خضرة السماء منها.

122

12- كِتَابُ الْأَقَالِيمِ وَ الْبُلْدَانِ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَنْ قَرَأَ فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ‏ إِلَى‏ وَ كَذلِكَ تُخْرَجُونَ‏ كُتِبَ لَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ بِعَدَدِ كُلِّ وَرَقَةِ ثَلْجٍ‏ (1) عَلَى جَبَلِ سَيَلَانَ قِيلَ وَ مَا السَّيَلَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ جَبَلٌ بِأَرْمَنِيَّةَ وَ آذَرْبِيجَانَ عَلَيْهِ عَيْنٌ مِنْ عُيُونِ الْجَنَّةِ وَ فِيهِ قَبْرٌ مِنْ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ.

قال أبو حامد الأندلسي على رأس هذا الجبل عين عظيمة مع غاية ارتفاعه ماؤه أبرد من ماء الثلج كأنما يشبه بالعسل لشدة عذوبته و بجوف هذا الجبل ماء يخرج من عين يصلق البيض لحرارته يقصدها الناس لمصالحهم و بحضيض هذا الجبل شجر كثير و مراع و شي‏ء من حشيش لا يتناوله إنسان و لا حيوان إلا مات لساعته.

قال القزويني و لقد رأيت الخيل و الدواب ترعى في هذا الجبل فإذا قربت من ذلك الحشيش نفرت و ولت منهزمة كالمطرودة و قال قال القزويني في قرية من قرى قزوين جبل حدثني من صعده أن عليه صورة كل حيوان من الحيوان على اختلاف أجناسها و صور الآدميين على أنواع أشكالها عدد لا تحصى و قد مسخوا حجارة و فيه الراعي متكئا على عصاه و الماشية حوله كلها حجارة و امرأة تحلب بقرة و قد تحجر و الرجل يجامع امرأته و قد تحجر و امرأة ترضع ولدها و هلم جرا هكذا.

13- وَ قَالَ: حُكِيَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى جَعْفَرٍ الصَّادِقِ(ع)رَجُلٌ مِنْ همدان [هَمَذَانَ فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ(ع)مِنْ أَيْنَ أَنْتَ قَالَ مِنْ همدان [هَمَذَانَ فَقَالَ لَهُ أَ تَعْرِفُ جَبَلَهَا رَاوَنْدَ قَالَ لَهُ الرَّجُلُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّهُ أَرْوَنْدُ قَالَ نَعَمْ إِنَّ فِيهِ عَيْناً مِنْ عُيُونِ الْجَنَّةِ.

بيان كان الجبل مسمى بكلا الاسمين و الصحيح من اسمه راوند و إنما صدّقه لأنه هكذا أعرف عندهم.

و قال جبل قاف محيط بالأرض كإحاطة بياض العين بسوادها و ما وراء جبل قاف فهو من حكم الآخرة لا من حكم الدنيا و قال بعض المفسرين إن لله سبحانه و تعالى من وراء جبل قاف أرضا بيضاء كالفضة المجلوة طولها مسيرة أربعين يوما للشمس و بها ملائكة شاخصون إلى العرش لا يعرف الملك منهم من إلى جانبه من هيبة الله تعالى‏

____________

(1) .. ثلج تقع على ... (خ).

123

و لا يعرفون ما آدم و ما إبليس هكذا إلى يوم القيامة و قيل إن يوم القيامة تبدل أرضنا هذه بتلك الأرض و الله أعلم.

و قال السرنديب هو جبل بأعلى الصين في بحر الهند و هو الجبل الذي أهبط عليه آدم(ع)و عليه أثر قدمه غائص في الصخرة طوله سبعون شبرا و على هذا الجبل ضوء كالبرق و لا يتمكن أحد أن ينظر إليه و لا بد لكل يوم فيه من المطر فيغسل قدم آدم(ع)و حوله من أنواع اليواقيت و الأحجار النفيسة و أصناف العطر و الأدوية ما لا يوصف فإن آدم خطا من هذا الجبل إلى ساحل البحر خطوة واحدة و هو مسيرة يومين.

و قال حكي عن عبادة بن الصامت قال أرسلني أبو بكر إلى ملك الروم رسولا لأدعوه إلى الإسلام فسرت حتى دخلت بلاد الروم فلاح لنا جبل يعرف بأهل الكهف فوصلنا إلى دير فيه و سألنا أهل الدير عنهم فأوقفونا على سرب في الجبل فوهبنا لهم شيئا و قلنا نريد أن ننظر إليهم فدخلوا و دخلنا معهم و كان عليهم باب من حديد ففتحوه لنا فانتهينا إلى بيت عظيم محفور في الجبل فيه ثلاثة عشر رجلا مضطجعين على ظهورهم كأنهم رقود و على كل واحد منهم جبة غبراء و كساء أغبر قد غطوا بها من رءوسهم إلى أقدامهم فلم ندر ما ثيابهم من صوف أو وبر إلا أنها كانت أصلب من الديباج فلمسناها فإذا هي تتقعقع من الصفاقة و على أرجلهم الخفاف إلى أنصاف سوقهم مستنعلين بنعال مخصوفة (1) و خفافهم و نعالهم في جودة الخز و لين لجلود ما لم ير مثله قال فكشفنا عن وجوههم رجلا رجلا فإذا هم في وضاءة الوجوه و صفاء الألوان و حسن التخطيط و هم كالأحياء بعضهم في نضارة الشباب و بعضهم قد خطه الشيب و بعضهم شعورهم مظفورة و بعضهم شعورهم مضمومة و على زي المسلمين فانتهينا إلى آخرهم فإذا فيهم مضروب على وجهه بسيف كأنما ضرب في يومه فسألنا عن حالهم و ما يعلمون من أمورهم فذكروا أنهم يدخلون عليهم في كل عام يوما و يجتمع أهل تلك الناحية على الباب فيدخل عليهم من ينفض التراب عن وجوههم و أكسيتهم و يقلم أظفارهم‏

____________

(1) محفوفة (خ).

124

و يقص شواربهم و يتركهم على هيئتهم هذه قلنا لهم هل تعرفون من هم و كم مدة هم هاهنا فذكروا أنهم يجدون في كتبهم أنهم كانوا أنبياء بعثوا إلى هذه البلاد في زمان واحد قبل المسيح بأربعمائة سنة و عن ابن عباس أن أصحاب الكهف سبعة.

14- نَوَادِرُ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْمَحْمُودِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)ذَاتَ يَوْمٍ وَ نَحْنُ فِي مَسْجِدِهِ فَقَالَ مَنْ هَاهُنَا قُلْتُ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ فَقَالَ يَا سَلْمَانُ ادْعُ لِي مَوْلَاكَ عَلِيّاً فَقَدْ جَاءَتْنِي فِيهِ عَزِيمَةٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ جَابِرٌ فَذَهَبَ سَلْمَانُ فَاسْتَخْرَجَ عَلِيّاً مِنْ مَنْزِلِهِ فَلَمَّا دَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)خَلَا بِهِ فَأَطَالَ مُنَاجَاتَهُ كُلَّ ذَلِكَ يُسِرُّ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ(ص)سِرّاً خَفِيّاً عَنَّا وَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)يَقْطُرُ عَرَقاً كَنَظْمِ الدُّرِّ يَتَهَلَّلُ حُسْناً ثُمَّ قَالَ لَهُ لَمَّا انْصَرَفَ مِنْ مُنَاجَاتِهِ قَدْ سَمِعْتَ وَ وَعَيْتَ فَاحْفَظْ يَا عَلِيُّ ثُمَّ قَالَ يَا جَابِرُ ادْعُ عُمَرَ وَ أَبَا بَكْرٍ قَالَ جَابِرٌ فَذَهَبْتُ إِلَيْهِمَا فَدَعَوْتُهُمَا فَلَمَّا حَضَرَاهُ قَالَ يَا جَابِرُ ادْعُ لِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ قَالَ جَابِرٌ فَدَعَوْتُهُ فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ يَا سَلْمَانُ اذْهَبْ إِلَى بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ فَأْتِنِي بِالْبِسَاطِ الْخَيْبَرِيِّ قَالَ جَابِرٌ فَمَا لَبِثْنَا أَنْ جَاءَنَا سَلْمَانُ بِالْبِسَاطِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَبْسُطَ ثُمَّ أَمَرَ الْقَوْمَ فَجَلَسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهِ وَ كَانُوا ثَلَاثَةً ثُمَّ خَلَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَأَطَالَ مُنَاجَاتَهُ وَ أَسَرَّ إِلَيْهِ سِرّاً خَفِيّاً ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى الرُّكْنِ الرَّابِعِ مِنَ الْبِسَاطِ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ(ص)يَا عَلِيُّ اجْلِسْ مُتَوَسِّطاً وَ قُلْ مَا أَمَرْتُكَ بِهِ فَإِنَّكَ لَوْ قُلْتَهُ عَلَى الْجِبَالِ لَسَارَتْ أَوْ قُلْتَهُ عَلَى الْأَرْضِ لَتَقَطَّعَتْ مِنْ وَرَائِكَ وَ لَطَوَيْتَ كُلَّ مَنْ بَيْنَ يَدَيْكَ وَ لَوْ كَلَّمْتَ بِهِ الْمَوْتَى لَأَجَابُوكَ بِإِذْنِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لِعَلِيٍّ خَاصَّةً قَالَ نَعَمْ فَاعْرِفُوا ذَلِكَ لَهُ قَالَ جَابِرٌ فَلَمَّا أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مَجْلِسَهُ اخْتَلَجَ الْبِسَاطُ فَلَمْ أَرَهُ إِلَّا مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ فَلَمَّا رَجَعَ سَلْمَانُ خَبَّرَنِي أَنَّهُمْ سَارُوا مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ لَا يَدْرُونَ أَ شَرْقاً أَمْ غَرْباً حَتَّى انْقَضَّ بِهِمُ الْبِسَاطُ عَلَى كَهْفٍ عَظِيمٍ عَلَيْهِ بَابٌ مِنْ حَجَرٍ وَاحِدٍ قَالَ سَلْمَانُ فَقُمْتُ بِالَّذِي أَمَرَنِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ(ص)قَالَ جَابِرٌ فَقُلْتُ لِسَلْمَانَ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)قَالَ‏

125

أَمَرَنِي إِذَا اسْتَقَرَّ الْبِسَاطُ مَكَانَهُ مِنَ الْأَرْضِ وَ صِرْنَا عِنْدَ الْكَهْفِ أَنْ آمُرَ أَبَا بَكْرٍ بِالسَّلَامِ عَلَى أَهْلِ ذَلِكَ الْكَهْفِ وَ عَلَى الْجَمِيعِ فَأَمَرْتُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ بِأَعْلَى صَوْتِهِ فَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ شَيْئاً ثُمَّ سَلَّمَ أُخْرَى فَلَمْ يُجَبْ فَشَهِدَ أَصْحَابُهُ عَلَى ذَلِكَ وَ شَهِدْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ أَمَرْتُ عُمَرَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ بِأَعْلَى صَوْتِهِ فَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ شَيْئاً ثُمَّ سَلَّمَ أُخْرَى فَلَمْ يُجَبْ فَشَهِدَ أَصْحَابُهُ عَلَى ذَلِكَ وَ شَهِدْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ أَمَرْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُجَبْ فَشَهِدُوا أَصْحَابُهُ عَلَى ذَلِكَ وَ شَهِدْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ قُمْتُ أَنَا فَأَسْمَعْتُ الْحِجَارَةَ وَ الْأَوْدِيَةَ صَوْتِي فَلَمْ أُجَبْ فَقُلْتُ لِعَلِيٍّ فِدَاكَ أَبِي وَ أُمِّي أَنْتَ بِمَنْزِلَةِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)حَتَّى نَرْجِعَ لَكَ وَ لَكَ السَّمْعُ وَ الطَّاعَةُ وَ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ آمُرَكَ بِالسَّلَامِ عَلَى أَهْلِ هَذَا الْكَهْفِ آخِرَ الْقَوْمِ وَ ذَلِكَ لِمَا يُرِيدُ اللَّهُ لَكَ وَ بِكَ الشَّرَفَ مِنْ شَرَفِ الدَّرَجَاتِ فَقَامَ عَلِيٌّ فَسَلَّمَ بِصَوْتٍ خَفِيٍّ فَانْفَتَحَ الْبَابُ فَسَمِعْنَا لَهُ صَرِيراً شَدِيداً وَ نَظَرْنَا إِلَى دَاخِلِ الْغَارِ يَتَوَقَّدُ نَاراً فَمُلِئْنَا رُعْباً وَ وَلَّى الْقَوْمُ فِرَاراً فَقُلْتُ لَهُمْ مَكَانَكُمُ حَتَّى نَسْمَعَ مَا يُقَالُ وَ إِنَّهُ لَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ فَرَجَعُوا فَأَعَادَ عَلِيٌّ(ع)فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْفِتْيَةُ الَّذِينَ‏ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ‏ فَقَالُوا وَ عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا عَلِيُّ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ وَ عَلَى مَنْ أَرْسَلَكَ بِآبَائِنَا وَ أُمَّهَاتِنَا أَنْتَ يَا وَصِيَّ مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَ قَائِدِ الْمُرْسَلِينَ وَ نَذِيرِ الْعَالَمِينَ وَ بَشِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَقْرِئْهُ مِنَّا السَّلَامَ وَ رَحْمَةَ اللَّهِ يَا إِمَامَ الْمُتَّقِينَ قَدْ شَهِدْنَا لِابْنِ عَمِّكَ بِالنُّبُوَّةِ وَ لَكَ بِالْوَلَايَةِ وَ الْإِمَامَةِ وَ السَّلَامُ عَلَى مُحَمَّدٍ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً قَالَ ثُمَّ أَعَادَ عَلِيٌّ(ع)فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْفِتْيَةُ الَّذِينَ‏ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْناهُمْ هُدىً‏ فَقَالُوا عَلَيْكَ السَّلَامُ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ يَا مَوْلَانَا وَ إِمَامَنَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرَانَا وَلَايَتَكَ وَ أَخَذَ مِيثَاقَنَا بِذَلِكَ وَ زَادَنَا إِيمَاناً وَ تَثْبِيتاً عَلَى التَّقْوَى قَدْ سَمِعَ مَنْ بِحَضْرَتِكَ أَنَّ الْوَلَايَةَ لَكَ دُونَهُمْ‏ وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏ قَالَ سَلْمَانُ فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ أَقْبَلُوا عَلَى عَلِيٍّ(ع)وَ قَالُوا شَهِدْنَا وَ سَمِعْنَا فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى نَبِيِّنَا لِيَرْضَى عَنَّا بِرِضَاكَ ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلِيٌّ(ع)بِمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَا دَرَيْنَا أَ شَرْقاً أَمْ غَرْباً حَتَّى نَزَلْنَا كَالطَّيْرِ الَّذِي يَهْوِي مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ وَ إِذَا نَحْنُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَقَالَ كَيْفَ رَأَيْتُمْ فَقَالَ الْقَوْمُ نَشْهَدُ كَمَا شَهِدَ أَهْلُ الْكَهْفِ وَ نُؤْمِنُ كَمَا آمَنُوا فَقَالَ‏

126

إِنِ تَفْعَلُوا تَهْتَدُوا وَ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ‏ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا تَخْتَلِفُوا فَمَنْ وَافَى وَافَى اللَّهُ‏ (1) لَهُ وَ مَنْ نَكَصَ فَعَلَى عَقِبَيْهِ يَنْقَلِبُ أَ فَبَعْدَ الْمَعْرِفَةِ وَ الْحُجَّةِ وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ أُمِرْتُ أَنْ آمُرَكُمْ بِبَيْعَتِهِ وَ طَاعَتِهِ فَبَايِعُوهُ وَ أَطِيعُوهُ فَقَدْ نَزَلَ الْوَحْيُ بِذَلِكَ‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ (2) قَالَ جَابِرٌ فَبَايَعْنَاهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنِ اسْتَقَمْتُمْ عَلَى الطَّرِيقَةِ لِعَلِيٍّ فِي وَلَايَتِهِ أُسْقِيتُمْ مَاءً غَدَقاً وَ أَكَلْتُمْ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِكُمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ وَ إِنْ لَمْ تَسْتَقِيمُوا اخْتَلَفَتْ كَلِمَتُكُمْ وَ شَمِتَ بِكُمْ عَدُوُّكُمْ وَ لَتَتَّبِعُنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ شَيْئاً شَيْئاً لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَتَبِعْتُمُوهُمْ فِيهِ وَ طُوبَى لِمَنْ تَمَسَّكَ بِوَلَايَةِ عَلِيٍّ مِنْ بَعْدِي حَتَّى يَمُوتَ وَ بَلَغَنِي وَ أَنَا عَنْهُ رَاضٍ قَالَ جَابِرٌ وَ كَانَ ذَهَابُهُمْ وَ مَجِيئُهُمْ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ.

15- الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ وَرَاءِ هَذِهِ الْأَرْضِ بَحْراً مُحِيطاً بِهَا ثُمَّ خَلَقَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ جَبَلًا يُقَالُ لَهُ ق السَّمَاءُ الدُّنْيَا مُتَرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ ثُمَّ خَلَقَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ الْجَبَلِ أَيْضاً (3) مِثْلَ تِلْكَ الْأَرْضِ سَبْعَ مَرَّاتٍ ثُمَّ خَلَقَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ بَحْراً مُحِيطاً بِهَا ثُمَّ خَلَقَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ جَبَلًا يُقَالُ لَهُ ق السَّمَاءُ الثَّانِيَةُ مُتَرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ أَرَضِينَ وَ سَبْعَةَ أَبْحُرٍ وَ سَبْعَةَ أَجْبُلٍ‏ (4) قَالَ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ‏ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ (5).

16- وَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: ق جَبَلٌ مِنْ زُمُرُّدٍ مُحِيطٌ بِالدُّنْيَا عَلَيْهِ كَنَفَا السَّمَاءِ (6).

17- وَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: ق جَبَلٌ مُحِيطٌ بِالْأَرْضِ‏ (7).

____________

(1) فمن وفى اللّه له (خ).

(2) النساء: 58.

(3) في المصدر «أرضا» و هو الصواب.

(4) في المصدر: و سبع سماوات.

(5) الدّر المنثور: ج 6،(ص)101، و الآية في سورة لقمان: 27.

(6) الدّر المنثور: ج 6،(ص)101.

(7) الدّر المنثور: ج 6،(ص)102.

127

18- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ جَبَلًا يُقَالُ لَهُ ق مُحِيطٌ بِالْعَالَمِ وَ عُرُوقُهُ إِلَى الصَّخْرَةِ الَّتِي عَلَيْهَا الْأَرْضُ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُزَلْزِلَ قَرْيَةً أَمَرَ ذَلِكَ الْجَبَلَ فَحَرَّكَ الْعِرْقَ الَّذِي يَلِي تِلْكَ الْقَرْيَةَ فَيُزَلْزِلُهَا وَ يُحَرِّكُهَا فَمِنْ ثَمَّ تَحَرَّكُ الْقَرْيَةُ دُونَ الْقَرْيَةِ (1).

19- الْعِلَلُ، وَ الْمَجَالِسُ، لِلصَّدُوقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَطَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمَّادٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)قَالَ: إِنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ لَمَّا انْتَهَى إِلَى السَّدِّ جَاوَزَهُ فَدَخَلَ فِي الظُّلُمَاتِ فَإِذَا هُوَ بِمَلَكٍ قَائِمٍ عَلَى جَبَلٍ طُولُهُ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ أَ مَا كَانَ خَلْفَكَ مَسْلَكٌ فَقَالَ لَهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنَا مَلَكٌ مِنْ مَلَائِكَةِ الرَّحْمَنِ مُوَكَّلٌ بِهَذَا الْجَبَلِ فَلَيْسَ مِنْ جَبَلٍ خَلَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَّا وَ لَهُ عِرْقٌ إِلَى هَذَا الْجَبَلِ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يُزَلْزِلَ مَدِينَةً أَوْحَى إِلَيَّ فَزَلْزَلْتُهَا (2).

14، 6- العياشي، عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله(ع)قال‏ سألته عن الزلزلة فقال أخبرني أبي عن آبائه قال قال رسول الله(ص)إن ذا القرنين لما انتهى إلى السد إلى آخر الخبر- الفقيه، مرسلا مثله‏ (3) بيان أ ما كان خلفك مسلك أي لأي شي‏ء جئت هاهنا مع سعة الأرض خلفك.

20- الْعِلَلُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْأَرْضَ فَأَمَرَ الْحُوتَ فَحَمَلَتْهَا فَقَالَتْ حَمَلْتُهَا بِقُوَّتِي فَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ حُوتاً قَدْرَ شِبْرٍ فَدَخَلَتْ فِي مَنْخِرِهَا فَاضْطَرَبَتْ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً فَإِذَا أَرَادَ

____________

(1) الدّر المنثور: ج 6،(ص)102.

(2) العلل: ج 2،(ص)241 مرسلا.

(3) من لا يحضره الفقيه: 142، و فيه: و قد تكون الزلزلة من غير ذلك.

128

اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يُزَلْزِلَ أَرْضاً تَرَاءَتْ لَهَا تِلْكَ الْحُوتَةُ الصَّغِيرَةُ فَزُلْزِلَتِ الْأَرْضُ فَرَقاً (1).

الْفَقِيهُ، مُرْسَلًا مِثْلَهُ وَ فِيهِ قَدْرَ فِتْرٍ (2).

بيان الفتر بالكسر ما بين السبابة و الإبهام إذا فرقتهما و تأنيث فحملتها و قالت بتأويل الحوتة أو السمكة و الفرق بالتحريك الخوف.

21- الْعِلَلُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ بِإِسْنَادٍ لَهُ رَفَعَهُ إِلَى أَحَدِهِمْ(ع)أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَمَرَ الْحُوتَ بِحَمْلِ الْأَرْضِ وَ كُلِّ بَلْدَةٍ مِنَ الْبُلْدَانِ عَلَى فَلْسٍ مِنْ فُلُوسِهِ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يُزَلْزِلَ أَرْضاً أَمَرَ الْحُوتَ أَنْ يُحَرِّكَ ذَلِكَ الْفَلْسَ فَيُحَرِّكُهُ وَ لَوْ رُفِعَ الْفَلْسُ لَانْقَلَبَتِ الْأَرْضُ بِإِذْنِ اللَّهِ‏ (3).

الفقيه، مرسلا عن الصادق(ع)مثله‏ (4) بيان قال الصدوق (قدّس سرّه) بعد إيراد تلك الأخبار الثلاثة في الفقيه و الزلزلة تكون من هذه الوجوه الثلاثة و ليست هذه الأخبار بمختلفة انتهى و الظاهر أن مراده أن الزلزلة قد تكون بالعلة الأولى و قد تكون بالعلة الثانية و قد تكون بالعلة الثالثة و يحتمل اجتماع تلك العلل في كل زلزلة و يمكن أن تكون الثانية في الزلزلة العامة لجميع الأرض كزلزلة القيامة و الثالثة في ما إذا حصل بسببها خسف و انقلاب و تغير عظيم في الأرض و بالجملة الزلزلة العظيمة و الأولى في الزلازل الجزئية اليسيرة و يؤيد الخبر الأول أن أكثر الزلازل تبتدئ من الجبال و كل أرض تكون أقرب من الجبل فهي فيها أشد.

22- الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي حَمَّادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ تَمِيمِ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَاضْطَرَبَتِ الْأَرْضُ فَوَجَأَهَا (5) ثُمَّ قَالَ لَهَا اسْكُنِي مَا لَكِ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا فَقَالَ أَمَا إِنَّهَا لَوْ كَانَتِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ لَأَجَابَتْنِي وَ لَكِنَّهَا (6) لَيْسَتْ بِتِلْكَ‏ (7).

____________

(1) العلل: ج 2،(ص)241.

(2) الفقيه: 142.

(3) العلل: ج 2،(ص)241.

(4) الفقيه: 141.

(5) في المصدر: فوحاها.

(6) في المصدر: و لكن.

(7) روضة الكافي: 256.

129

23- الْعِلَلُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ عَنِ ابْنِ سِنَانٍ عَنْ يَحْيَى الْحَلَبِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبَانٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ حَدَّثَنِي تَمِيمُ بْنُ حِذْيَمٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ عَلِيٍّ(ع)حَيْثُ تَوَجَّهْنَا إِلَى الْبَصْرَةِ قَالَ فَبَيْنَمَا نَحْنُ نُزُولٌ إِذَا اضْطَرَبَتِ الْأَرْضُ فَضَرَبَهَا عَلِيٌّ(ع)بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لَهَا مَا لَكِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ لَنَا أَمَا إِنَّهَا لَوْ كَانَتِ الزَّلْزَلَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي كِتَابِهِ لَأَجَابَتْنِي وَ لَكِنَّهَا لَيْسَتْ بِتِلْكَ‏ (1).

بيان هذا إشارة إلى ما ورد في الأخبار أن الإنسان في سورة الزلزال هو أمير المؤمنين(ع)يقول للأرض ما لك فتحدثه الأرض أخبارها كما

رُوِيَ فِي الْعِلَلِ، عَنْ فَاطِمَةَ(ع)قَالَتْ‏ أَصَابَ النَّاسَ زَلْزَلَةٌ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَ سَاقَتِ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهَا فَقَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ(ع)كَأَنَّكُمْ قَدْ هَالَكُمْ مَا تَرَوْنَ قَالُوا وَ كَيْفَ لَا يَهُولُنَا وَ لَمْ نَرَ مِثْلَهَا قَطُّ قَالَتْ فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ ثُمَّ ضَرَبَ الْأَرْضَ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ مَا لَكِ اسْكُنِي فَسَكَنَتْ فَقَالَ أَنَا الرَّجُلُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ‏ إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها وَ أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها وَ قالَ الْإِنْسانُ ما لَها فَأَنَا الْإِنْسَانُ الَّذِي يَقُولُ لَهَا مَا لَكِ‏ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها إِيَّايَ تُحَدِّثُ.

فهذا معنى قوله(ع)إنها لو كانت الزلزلة التي ذكرها الله في كتابه أي في سورة الزلزال و هي زلزلة القيامة لأجابتني أي لحدثت و تكلمت معي و لكنها ليست بتلك أي زلزلة القيامة (2).

24- الْعِلَلُ، بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنِ الزَّلْزَلَةِ مَا هِيَ قَالَ آيَةٌ قُلْتُ وَ مَا سَبَبُهَا قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَكَّلَ بِعُرُوقِ الْأَرْضِ مَلَكاً فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُزَلْزِلَ أَرْضاً أَوْحَى إِلَى ذَلِكَ الْمَلَكِ أَنْ حَرِّكْ عُرُوقَ كَذَا وَ كَذَا قَالَ فَيُحَرِّكُ ذَلِكَ الْمَلَكُ عُرُوقَ تِلْكَ الْأَرْضِ الَّتِي أَمَرَهُ اللَّهُ فَتَتَحَرَّكُ بِأَهْلِهَا قَالَ قُلْتُ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَمَا أَصْنَعُ قَالَ صَلِّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ فَإِذَا فَرَغْتَ خَرَرْتَ سَاجِداً وَ تَقُولُ فِي سُجُودِكَ‏

____________

(1) العلل: ج 2،(ص)242.

(2) المصدر: ج 2،(ص)243.

130

يَا مَنْ‏ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً أَمْسِكْ عَنَّا السُّوءَ إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (1).

الفقيه، بإسناده عن سليمان الديلمي‏ مثله‏ (2) بيان آية أي علامة من علامات غضبه أو قدرته‏ أَنْ تَزُولا أي كراهة أن تزولا أو لتضمن الإمساك معنى الحفظ أو المنع عدي به‏ إِنْ أَمْسَكَهُما أي ما أمسكهما و في الفقيه بعد قوله‏ غَفُوراً يا من‏ يُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ‏ أمسك.

25- الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي حَمَّادٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ الْحُوتَ الَّذِي يَحْمِلُ الْأَرْضَ أَسَرَّ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَحْمِلُ الْأَرْضَ بِقُوَّتِهِ فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ حُوتاً أَصْغَرَ مِنْ شِبْرٍ وَ أَكْبَرَ مِنْ فِتْرٍ فَدَخَلَ فِي خَيَاشِيمِهِ فَصَعِقَ فَمَكَثَ بِذَلِكَ أَرْبَعِينَ يَوْماً ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ رَأَفَ بِهِ وَ رَحِمَهُ وَ خَرَجَ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِأَرْضٍ زَلْزَلَةً بَعَثَ ذَلِكَ الْحُوتَ إِلَى ذَلِكَ الْحُوتِ فَإِذَا رَآهُ اضْطَرَبَ فَتَزَلْزَلَتِ الْأَرْضُ‏ (3).

26- الْعِلَلُ، لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ‏ الْعِلَّةُ فِي زَلْزَلَةِ الْأَرْضِ أَنَّ الْحُوتَ الَّذِي يَحْمِلُ الْأَرْضَ لَهُ فُلُوسٌ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ زَلْزَلَةَ أَرْضٍ أَوْ مَكَانٍ رَفَعَ الْحُوتُ الْفَلْسَ الَّذِي فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَ حَرَّكَهُ فَتُزَلْزَلُ الْأَرْضُ.

27- تَوْحِيدُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ الصَّادِقُ(ع)فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَلِمَ صَارَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ تُزَلْزَلُ قِيلَ لَهُ إِنَّ الزَّلْزَلَةَ وَ مَا أَشْبَهَهَا مَوْعِظَةٌ وَ تَرْهِيبٌ يُرَهَّبُ بِهَا النَّاسُ لِيَرْعُوا وَ يُنْزَعُوا عَنِ الْمَعَاصِي.

فوائد

الأولى قسمة المعمور من الأرض بالأقاليم السبعة قالوا الدائرة العظيمة

____________

(1) علل الشرائع: ج 2،(ص)242.

(2) من لا يحضره الفقيه: 142.

(3) روضة الكافي: 255.

131

التي تحدث على سطح الأرض إذا فرض معدل النهار قاطعا للعالم الجسماني تسمى خط الاستواء و إذا فرضت عظيمة أخرى على وجه الأرض تمر بقطبيها انقسمت الأرض بهما أرباعا أحد القسمين الشماليين هو الربع المسكون و الباقية إما غامرة في البحار غير مسكونة و إما عامرة غير معلومة الأحوال و طول كل ربع بقدر نصف الدائرة العظيمة و عرضه بقدر ربعها و هذا الربع المسكون أيضا ليس كله معمورا إذ بعضه في جانب الشمال لفرط البرد لا يمكن لحيوان التعيش فيه و هي المواضع التي يكون عرضها أزيد من تمام الميل الكلي و في القدر المعمور أيضا بحار كثيرة بعضها متصل بالمحيط و بعضها غير متصل كما عرفت و جبال و آكام و آجام و بطائح و مغايض و براري لا تقبل العمارة و وجدوا في جنوب خط الاستواء قليلا من العمارة من الزنج و السودان لكن لقلتها لم يعدوها من المعمورة و مبدأ العمارة عند المنجمين من جانب الغرب و كانت هناك جزائر تسمى الجزائر الخالدات و هي الآن مغمورة في الماء فجعلها بعضهم مبدأ الطول و آخرون جعلوا ساحل البحر الغربي مبدأ و بينهما عشر درجات و نهاية العمارة من الجانب الشرقي عندهم كنك‏ذر و هو مستقر الشياطين بزعمهم و سموا ما بين النهايتين على خط الاستواء قبة الأرض ثم قسموا المعمور من هذا الربع في جانب العرض بسبعة أقاليم بدوائر موازية لخط الاستواء طول كل إقليم ما بين الخافقين و عرضه بقدر تفاضل نصف ساعة في النهار الأطول لأن أحوال كل إقليم متشابهة متناسبة بحسب الحر و البرد و المزاج و الألوان و الأخلاق فمبدأ الإقليم الأول في العرض عند الأكثر مواضع يكون عرضها اثنتا (1) عشرة درجة و ثلثا درجة و نهارهم الأطول اثنتا عشرة ساعة و نصف و ربع و لم يعدوا من خط الاستواء إلى هذه المواضع من المعمورة لقلة العمارة فيها و بعضهم يجعل مبدأ الإقليم خط الاستواء لكن على التقديرين لا خلاف في أن مبدأ الإقليم الثاني حيث عرضه عشرون درجة و نصف و نهاره الأطول ثلاث عشرة ساعة و ربع و مساحة سطح الإقليم الأول على الأول كما ذكره البرجندي ستمائة ألف و اثنان و ستون ألف فرسخ و أربعة و أربعون فرسخا و نصف‏

____________

(1) كذا في جميع النسخ.

132

فرسخ و البلاد المشهورة الواقعة فيه نجران و جند و صنعاء و صعدة و صحار و سندان و كولم و علاقي و قال بعضهم و هذا الإقليم يبتدئ في الطول من المشرق و أراضي الصين و تمر هناك على أنهار عظيمة ثم تمر على سواحل البحر الجنوبي و بعض أرض الصين و بعض البلاد الجنوبية من الهند و السند ثم على جزيرة كرك التي والاها من قبل ملك اليمن ثم يمر على خليج فارس و جزيرة العرب و على أكثر بلاد اليمن كمعلى و حضرموت و صنعاء و زبيد و عدن و شهر و قلهات و ظفار و سبأ و مدينة الطيب و صحار قصبة (1) عمان ثم على الخليج الأحمر و دار ملك الحبشة و بلاد النوبة و على غاية معدن الذهب من بلاد السودان‏ (2) المغرب ثم على بلاد بربر إلى المحيط المغربي و عدد البلاد المشهورة الواقعة في هذا الإقليم خمسون و فيه من الجبال و الأنهار العظيمة عشرون جبلا و ثلاثون نهرا و لون أكثر أهله السواد و يزعمون أن هذا الإقليم منسوب إلى زحل و مساحة سطح ما بين خط الاستواء و الإقليم الأول ألف ألف فرسخ و مائة و ستة عشر ألف فرسخ و سبعمائة و خمسة و ثلاثون فرسخا و سدس فرسخ و البلاد المشهورة الواقعة فيها عدن و شوام و حضرموت و مرباط و سقوطرة و جزيرة سرنديب و جزيرة لامري و جزيرة كله و غانة و كوكو و سقالة و بربرا و زغاوة من بلاد الزنج و هدية و زيلع كلاهما من بلاد الحبشة.

و مساحة الإقليم الثاني خمسمائة ألف فرسخ و اثنان و سبعون ألف فرسخ و ستة و ستون فرسخا و ثلث فرسخ و البلاد المشهورة فيه مكة و المدينة ضاعف الله شرفهما و تيماء من بلاد الشام و ينبع و جدة و خيبر و بطن مر و الطائف و الفيد و الفرع و يمامة و الأحساء و قطيف و البحرين و القفط و صعيد

____________

(1) في مراصد الاطلاع: صحار بالضم و آخره راء: هضبة عمان ممّا يلي الجبل، و قوام قصبتها ممّا يلي الساحل مدينة طيبة كثيرة الخيرات مبنية بالاجر و الساج- انتهى- و الهضبة:

الجبل المنبسط على وجه الأرض.

(2) سودان (خ).

133

و أسيوط و أسوان و إسنا و عيذاب و لمطة من أقصى المغرب و سوس أقصى و سجلماسة و ديبل من بلاد السند و مكران و بيرون و المنصورة و صنم صومنات من بلاد الهند و كنبايت و ماهورة و قِنَّوْج و قال بعضهم هذا الإقليم يأخذ في الطول من بلاد الصين و يمر بمعظم بلاد الهند و منها دهلي ثم بشمال جبال معروفة في ديارهم و يمر بمعظم ديار السند منها منصورة و يصل إلى عمان و يقطع جزيرة العرب من أرض نجد و تهامة و يمر بالطائف و مكة شرفها الله تعالى و مدينة الرسول(ص)و يثرب و هجر و قطيف و البحرين و هرمز من كرمان و يقطع القلزم و يصل إلى صعيد مصر و يقطع النيل و يأخذ في أرض المغرب و يمر بأواسط بلاد إفريقية ثم ببلاد البربر و يصل إلى المحيط و البلاد المشهورة الواقعة في هذا الإقليم أيضا خمسون و فيه من الجبال عشرون و من الأنهار مثلها و لون عامة أهله بين السواد و السمرة و يزعمون أنه منسوب إلى الشمس.

و مبدأ الإقليم الثالث عرضه سبع و عشرون درجة و نصف و نهاية طول الأيام ثلاث عشرة ساعة و ثلاث أرباع ساعة و مساحة سطحه أربعمائة و ستون ألف فرسخ و أحد و تسعون فرسخا و خمسا فرسخ و البلاد المشهورة فيه الإسكندرية و منفلوط من بلاد سعيد و أكثر بلادها الواقعة على النيل و رشيد و دمياط من بلاد مصر و قلزم على ساحل بحر اليمن و فسطاط من بلاد مصر و عين الشمس منها و أسفي‏ (1) من أقصى المغرب و سلا و فاس و مراكش‏ (2) و درعة و ميلة و تاهرت و قسطينة (3)

____________

(1) بفتحتين و كسر الفاء: بلدة على شاطئ البحر المحيط بأقصى المغرب (مراصد الاطلاع).

(2) بالفتح ثمّ التشديد و ضم الكاف و شين معجمة: أعظم مدينة بالمغرب و أجلها و بها سرير ملوكه في وسط بلاد البربر و بينه و بين البحر عشرة أيام. و معنى مراكش بالبربرية «أسرع المشى» لانها كانت موضع مخافة.

(3) كذا في نسختين مخطوطتين، و في بعضها «قسطنطنية» و هي غلط لأنّها من بلاد الروم و هي التي تسمى اليوم «استانبول» من بلاد تركيا، و الظاهر ان الصواب «قسطنطينية» بضم القاف و فتح السين و سكون النون الأولى و فتح الياء المخففة الثانية و هي في افريقية مما يلى المغرب كما في مراصد الاطلاع.

134

و سطيف كلها من بلاد المغرب و تينزرت و تونس و قابس و قيروان و مهدية و صفاقس و أطرابلس و قصر أحمد كلها من بلاد إفريقية و غزة و عسقلان و قيسارية و رملة و بيت المقدس كلها من بلاد فلسطين و نابلس و عكا و بيسان و صور و عمان و كرك و بيروت و صيدا و أذرعات و بصرى و دمشق و صرخد كلها من بلاد الشام و هيت و القادسية و حيرة و الكوفة و الأنبار و بغداد و صرصر و المدائن و بابل و نعمانية و نهروان و قصر ابن هبيرة و نهر الملك كلها من بلاد العراق و نواحيها و بصرة و أبله و عبادان و طيب و سوس و قرقوب و تستر و حبى و عسكر مكرم و الأهواز و دورق و أرجان كلها ما عدا الثلاثة الأول من بلاد خوزستان و سيف البحر و جور و أبرقوه و كازرون و نوبندجان و فيروزآباد و شيراز و البيضاء و إصطخر و بسا (1) و دارابجرد كلها من بلاد فارس و نواحيها و يزد و بافد و بردسير و جيرفت و سيرجان و زرند و بم و هرمز كلها من بلاد كرمان و زرنج‏ (2) و شروان‏ (3) و بست كلها من بلاد سيستان و ملتان من بلاد السند و تعبر من بلاد الهند و زيتون من بلاد الصين و أصبهان و أردستان و طبس و بيروزكوه و ميمند و غزنة و كابل و قال بعضهم هذا الإقليم يبتدئ من شرقي أرض الصين و دار ملكهم و تمر بوسط مملكة الهند و قندهار و كشمير و يمر بمولتان من أرض السند و بزابل و بست و سيستان و كيج و يزده‏سير مدينة كرمان و خبيص و يزد و فارس و أصفهان و الأهواز و عسكر و كوفة و بصرة و واسط و بغداد و المدائن و إذا جاوز هذه البلاد يمر بديار ربيعة و مضر و دمشق و حمص و بيت المقدس و الصورية و الطبرية و القيسارية و عسقلان و المدين و يأخذ طرفا من الأرض مصر فيه دمياط و فسطاط

____________

(1) هى التي تسمى اليوم «فسا».

(2) في طبعة امين الضرب «زرنه».

(3) في بعض النسخ «سروان» و في المراصد «شرواد».

135

و الإسكندرية ثم يمر ببلاد الإفريقية (1) و بلد قيروان و السوس و طرابلس المغرب ثم بقبائل السرير في أرض المغرب و بلاد طنجة و ينتهي إلى المحيط و عدد البلاد المشهورة الواقعة فيه مائة و ثمانية و عشرون و فيه من الجبال ثلاثة و ثلاثون و من الأنهار اثنان و عشرون و لون أكثر أهله السمرة و يزعمون أنه منسوب إلى عطارد.

و أما الإقليم الرابع فعرض أوله ثلاث و ثلاثون درجة و أربعون دقيقة و أطول نهاره أربع عشرة ساعة و ربع و مساحة سطحه ثلاثمائة ألف ثمانية و سبعون ألفا و ثمانية و ثلاثون فرسخا و ربع و البلاد المشهورة فيه قصر عبد الكريم و طنجة و سبسته‏ (2) و تلمسان و بجاية من بلاد المغرب و بوند و قصر أحمد من بلاد إفريقية و إشبيلة (3) و قرطبة و مالقة و غرناطة و بلنسية كلها من بلاد الشام‏ (4) و توابعها و جزيرة يابسة و جزيرة مايرقه‏ (5) فيها بحيرة محيطها تسعة أميال و جزيرة سردانية و جزيرة صقلية و جزيرة وسامس‏ (6) و جزيرة رودس و جزيرة قبرس كل هذه الجزائر في بحر الروم و طرسوس و أياس و أرطة (7) و مصيصة و برس‏برت و تل حمدون كلها من بلاد أرمن و أطرابلس و بلنباس و بعلبكّ و عرقة و جبلة من بلاد الشام و سبس و صهيون و بغراس و حارم و حصن الأكراد و الحمص و حماة و شيزر و مرعش و حصن منصور و مَنْبِجْ و معرة (8) و قنّسرين و سميساط بعضها من‏

____________

(1) افريقية (خ).

(2) كذا و في المراصد «سبتة».

(3) كذا، و في المراصد «اشبيلية».

(4) بل من بلاد الاندلس (اسبانيا).

(5) ميورقة جزيرة في شرقيّ الاندلس (مراصد الاطلاع).

(6) وساس (خ).

(7) في بعض النسخ «ارته» و في بعضها «أرنه».

(8) في بعض النسخ «مغرة» و هي أيضا موضع بالشام.

136

أعمال حلب و بعضها من أعمال الشام و حلب و حران و رقة كلاهما من ديار مضر و ماردين من ديار ربيعة و ميافارقين من بلاد الجزيرة و قرقيسياء و جيران و نصيبين و جزيرة ابن عمر و سنجار من ديار ربيعة و تل أعفر و موصل و الحديثة و دقوقاء و آمد و عانة و سعرت و تكريت و سامراء و دسكرة و جلولاء و خانقين و حلوان بعضها من العراق و بعضها من الجزائر و دهلي من بلاد الهند و أنطاليا من بلاد الروم و أرزن و بدليس و أرجليس‏ (1) كلها من أرمنية و سلماس و خوي و مراغة و أوجان و أردبيل و ميانج و مرند و تبريز كلها من بلاد آذربيجان و موقان‏ (2) و إربل و شهرزور و قصرشيرين و صيمرة و دينور و سيروان و ماسبذان و سهرورد و زنجان و نهاوند و همدان و بروجرد و أبهر و ساوه و قزوين و آبة و جرباذقان و قم و طالقان و قاشان و الري و كرج أكثرها من بلاد الجبل و لاهجان و روذبار و سالوس و ناتل و أرجان و آمل و سارية كلها من بلاد طبرستان و سمنان و دامغان و بسطام و أسترآباد و آبسكون و جرجان و دهستان و خسروجرد و قصبة سبزوار و أسفراين و نيسابور و نسا و طوس و نوقان و أبيورد و قوهستان و قاين و زوزن و جزجرد و بوزجان و سرخس و فوشنج و هراة و بادغيس و مالين و شيورغان‏ (3) و أسفزار و مروروذ و مرو و شاه‏جهان و فارياب و شهرستان و سمنجان كلها من خراسان و أعمالها و بدخشان و ترمد (4) و ختلان و وخش و صغانيان و شومان و آثينية كلها من بلاد المغرب و يقال أنه بلد حكماء يونان. و قال بعض الأفاضل هذا الإقليم وسط الأقاليم و وسط معظم عمارة العالم و يبتدئ من شمال بلاد الصين و يمر ببلاد التبت الداخل و جرجير و خطا و ختن و بجبال‏

____________

(1) كذا في جميع النسخ، و في المراصد «ارجيش» بالشين المعجمة.

(2) الظاهر أنّها هي التي تسمى اليوم «دشت مغان».

(3) كذا، و الظاهر أنّه «شبرقان».

(4) قال في المراصد الناس يختلفون في هذا الاسم و المعروف انه بكسر التاء و الميم و أهل تلك المدينة متداول على لسانهم بفتح التاء و كسر الميم، و بعضهم يقول بضمها- الخ-.

137

كشمير و بدخشان و صغانيان و كابل و يمر بطخارستان و غور و بلخ و ترمد و هرات و مرو و شاهجهان و مرورود و سرخس و جوزجان و فارياب و غرجستان‏ (1) و باورد (2) و نسا و سبزوار و طوس و نيشابور و أسفراين و قهستان و قومس و جرجان و طبرستان و آمد (3) و قم و آمل و كاشان و همدان و أبهر و قزوين و الديلم و ساوه و ألموت و كرج و كيلان و مازندران و ساري و سمنان و دامغان و أسترآباد و بسطام و نهاوند و دينور و حلوان و شهرزور و زنجان و سلطانية و أردبيل و الموصل و سامرة و أرمنية (4) و مراغة و تبريز و سنجار و نصيبين و سمياط و ملطيَّة و أرزنجان و رأس العين و قاليقلا و سميساط و حلب و أنطاكية و قنسرين و طرابلس الشام و حمص و طرسوس و جزيرة قبرس و رودس و يمر بأرض المغرب على بلاد أفرنجة و طنجة و ينتهي إلى المحيط على الرقاق من الأندلس و بلاد المغرب و عدد البلاد المشهورة الواقعة فيه مائتان و اثنا عشر و فيه من الجبال خمسة و عشرون و من الأنهار اثنان و عشرون و لون عامة أهله بين السمرة و البياض و هو منسوب إلى المشتري على الأصح بزعمهم.

و أما الإقليم الخامس فمبدؤه حيث عرضه تسع و ثلاثون درجة و غاية طول نهارهم أربع عشرة ساعة و ثلاثة أرباع ساعة و مساحة سطحه مائتا ألف و تسع و تسعون ألف فرسخ و أربعمائة و ثلاثة و تسعون فرسخا و ثلاثة أعشار فرسخ و من البلاد الواقعة فيها أشبونة و شنترين و بطليوس و ماردة و طليطلة و مرسية و دانية و مدينة

____________

(1) في المراصد: غرشستان.

(2) فيه: و هي أبيورد.

(3) كذا، و لعله مصحف «آمو» فان «آمد» بلد قديم تحيط دجلة بأكثره، و من البعيد ذكره بين طبرستان و قم مع ما يشاهد من رعاية الترتيب- إلى حدّ ما- في ذكر أسماء البلاد.

(4) ارمية (ظ).

138

سالم و سرقسطة و طرطوشة و لاردة و هيكل الزهرة و أربونة و أنقورية (1) و عمورية و آق‏شهر و قونية و قيسارية و أقسرا (2) و ملطية و سيواس و توقات و أرزن و أرزنجان و موش و ملازجرد و أخلاط (3) و شروان و نشوى و بردعة و شمكور و تفليس و بيلقان و باب الأبواب و كنجة و سلطانية و فراوة و كركنج و كات و زمخشر و هزارأسب و درغان و طواويس و بيكند و كرمنية (4) و نخشب و كشّ و أربنجن و إشتيخن و سمرقند و كشانية و شاش و بنكث و إيلاقي‏ (5) و أسروشة (6) و ساباط و خجند و شاوكث و تنكت و إمسيكث و كاسان و فرغانة و قباء و ختن و خيوه و رومية الكبرى و ماقذونية من أعمال قسطنطنية.

و قال بعض الأفاضل يبتدئ هذا الإقليم من أقصى بلاد الترك و- يمر على مواضع الأتراك المشهورة إلى حد كاشغر و ختن و بيت المقدس و فرغانة و طراز و خجند و يمر بشروان و خوارزم و بخارا و شاش و نسف و سمرقند و كش و ببحر خزر و ديار أرمنية و بعض بلاد الروم كعمورية و قونية و أقسراي و قيصرية و سيواس و أرزن الروم و يمر بساحل بحر الشام و بلاد أندلس إلى أن ينتهي إلى المحيط و- عدد البلاد المشهورة الواقعة فيه مائتان و فيه من الجبال ثلاثون و من الأنهار خمسة عشر و لون عامة أهله البياض و هو منسوب إلى الزهرة بزعمهم.

و أما الإقليم السادس فمبدؤه حيث عرضه ثلاث و أربعون درجة و نصف و غاية طول نهاره خمس عشرة ساعة و ربع و مساحة سطحه مائتا ألف و خمسة و ثلاثون ألف‏

____________

(1) الظاهر أنّه «آنقرة» التي هي عاصمة تركيا اليوم.

(2) و يقال: أقصرى، و أقصر اي.

(3) كذا و المضبوط «خلاط».

(4) في المراصد: كرمينية.

(5) كذا و المضبوط «ايلاق».

(6) كذا و المضبوط «اسروشنه» بزيادة نون بعد الشين المعجمة.

139

فرسخ و أربعة و ثلاثون فرسخا و ثلثا فرسخ و فيه من البلاد المشهورة تطيلة و تبلوته و بردال و لمريا و جزيرة نقربيت و أماسية و قسطمونية و سنوب و جند و فاراب و إسفيجاب و طراز و شلج و خان‏بالق و كاشغر و سمورة و لنبردية و بيذة و بندقية و برشان و قسطنطنية و بلنجر و قال بعض المحققين من بلاده معظم الروم و الخزر و التركستان فيبتدئ من المشرق و يمر بمساكن أتراك الشرق و يقطع وسط بحر طبرستان و يمر على خزر و موقان و سقسين‏ (1) و على الصقالبة و بلاد آس و أران و باب الأبواب و الروس ثم بمعظم بلاد الروم مثل قسطنطنية و بشمال أندلس و ينتهي إلى المحيط و عدد البلاد المشهورة الواقعة فيه تسعون و فيه من الجبال أحد عشر و من الأنهار أربعون و لون غالب أهله الشقرة و هو عندهم منسوب إلى القمر.

و أما الإقليم السابع فمبدؤه حيث العرض سبع و أربعون درجة و ربع و غاية طول نهاره خمس عشرة ساعة و ثلاثة أرباع ساعة و مساحة سطحه مائة ألف و سبعة و ثمانون ألف فرسخ و سبعمائة و واحد و عشرون فرسخا و ثلثا فرسخ و في هذا الإقليم العمارة قليلة و البلاد المشهورة فيه كرش و أزرق و صراي و هو مستقر سلطان تتر (2) و أكل و يلار (3) و يقال له بلغار و أفجاكرمان و صاري‏كرمان و قرقر و صلغات و كفا (4) و صقجى‏ (5) و شنتياقر (6) و هرقلة و قال بعضهم هذا الإقليم يأخذ في طوله من المشرق و يمر بنهايات الأتراك الشرقية و بشمال بلاد يأجوج و مأجوج ثم على غياض و جبال يأوي إليها أتراك كالوحوش ثم على بلغار الروس و الصقالبة و يقطع بحر الشام و ينتهي إلى المحيط و عدد بلاد هذا الإقليم اثنان و عشرون و فيه من الجبال أحد عشر و من الأنهار أربعون و لون أهله بين الشقرة و البياض و هو

____________

(1) سفسين (خ).

(2) التتر (خ).

(3) بلار (خ).

(4) كفى (خ).

(5) عبقحى (خ).

(6) في المراصد: شنت‏ياقب.

140

منسوب عندهم إلى المريخ و أهل بعض بلاده يسكنون مدة ستة أشهر في الحمامات لشدة البرد و آخر الأقاليم حيث عرضه خمسون درجة و نصف و غاية طول نهاره ست عشرة ساعة و ربع ثم إلى عرض التسعين لا يعدونه من الأقاليم.

و اعلم أن خط الاستواء يبتدئ من شرقي أرض الصين و يمر على جزيرة چمكوت ثم ببلاد الصين مما يلي الجنوب و على كنك‏ذر الذي من أراضي الصين ثم على جزائر زأرة التي تسمى أرض الذهب و على جنوب جزيرة سرنديب بين جزيرتي كله و سريره و على وسط جزائر ديويره‏ (1) ثم على شمال جزائر الزنج و معظم بلادهم ثم على شمال جبال القمر و جنوب سودان المغرب إلى المحيط و أما طول النهار لسائر البقاع سوى الأقاليم السبعة فالنهار الأطول يبلغ سبع عشرة ساعة حيث العرض أربع و خمسون درجة و كسر و يبلغ ثماني عشرة ساعة حيث العرض ثمان و خمسون درجة و يبلغ تسع عشرة ساعة حيث العرض إحدى و ستون درجة و يبلغ عشرين ساعة حيث العرض ثلاث و ستون و هناك جزيرة تسمى تولي يقال إن أهلها يسكنون الحمامات مدة كون الشمس بعيدة عن سمت رءوسهم و المشهور أنها منتهى العمارة في العرض و يبلغ إحدى و عشرين ساعة حيث العرض أربع و ستون درجة و نصف قال بطلميوس إن سكان هذا الموضع قوم من الصقالبة لا يعرفون و على هذا يكون هو منتهى العمارة في العرض و يبلغ اثنتين و عشرين ساعة حيث العرض خمس و ستون درجة و كسر و يبلغ ثلاثا و عشرين ساعة حيث العرض ست و ستون درجة و يبلغ أربعا و عشرين ساعة حيث العرض مثل تمام الميل الكلي و يبلغ شهرا حيث العرض سبع و ستون درجة و ربع و شهرين حيث العرض سبعون درجة إلا ربعا و ثلاثة أشهر حيث العرض ثلاث و سبعون درجة و نصف و أربعة أشهر حيث العرض ثمان و سبعون درجة و نصف و خمسة أشهر حيث العرض أربع و ثمانون درجة و نصف السنة تقريبا حيث العرض ربع الدور و منهم من قسم ما سوى الأقاليم من الربع قسمين قسما لم يدخل في الأقاليم و يدخل في المعمورة و قسما لم يدخل فيهما فالأول مبدؤه حيث عرضه خمسون درجة و ثلث و غاية

____________

(1) ديوه (خ).

141

طول نهاره ست عشرة ساعة و ربع و مساحة سطحه سبعمائة ألف و خمسون ألف فرسخ و مائة و اثنان و ثلاثون فرسخا و ربع فرسخ و فيه جزيرة برطانية و جزيرة صوداق و جزيرة تولى و مدينة يأجوج و مأجوج قالوا عرض تلك المدينة ثلاث و ستون درجة و طولها مائة و اثنتان و سبعون درجة و نصف و القسم الثاني مبدؤه حيث عرضه ست و ستون درجة و نصف و غاية طول نهاره سبع و أربعون ساعة و مساحة سطحه أربعمائة ألف و اثنان و عشرون ألف فرسخ و أربعمائة و سبعة فراسخ و خمس فرسخ و قيل في عرض خمس و سبعين درجة موضع أهله يسكنون في الشتاء في الحمامات و لا يفهم كلامهم.

الفائدة الثانية في ذكر بعض خواص خط الاستواء و الآفاق المائلة فأما خط الاستواء فدوائر آفاق البقاع التي تكون عليه تنصف جميع المدارات اليومية فلذلك يكون النهار و الليل في جميع السنة متساويين و أيضا يكون زمان ظهور كل نقطة على الفلك مساويا لزمان خفائه فإن كان تفاوت كان بسبب اختلاف السير سرعة و بطئا بالحركة الغربية في النصفين و ذلك لا يكون محسوسا و تمر الشمس في السنة الواحدة مرتين بسمت رءوسهم و ذلك عند كونها في نقطتي الاعتدالين و لا تبعد الشمس عن سمت رءوسهم إلا بقدر غاية ميل فلك البروج عن معدل النهار و تكون الشمس نصف السنة تقريبا في جهة من جهتي الشمال و الجنوب و يكون ظل نصف النهار إلى خلاف تلك الجهة و لكون مبدإ الصيف الوقت الذي يكون فيه الشمس إلى سمت الرأس أقرب و مبدأ الشتاء الوقت الذي يكون الشمس منه أبعد يكون وقت كونها في نقطتي الاعتدال مبدأ صيفهم و وقت كونها في نقطتي الانقلاب مبدأ شتائهم و يكون مبادئ الفصلين الأخيرين أوساط الأرباع و يلزم على ذلك أن يكون لهم في كل سنة ثمانية فصول و يكون دور الفلك هناك دولابيا لأن سطوح جميع المدارات يقطع سطح الأفق على قوائم و يسمى لذلك آفاقها آفاق الفلك المستقيم و الشيخ ابن سينا حكم بأنها أعدل البقاع لأن الشمس لا تمكث على سمت الرأس كثيرا بل إنما يمر به وقتي اجتيازها عن إحدى الجهتين إلى الأخرى و يكون هناك حركتها في الميل و البعد عن سمت رأسهم أسرع ما يكون فلا تكون لذلك حرارة صيفهم شديدة و أيضا لتساوي‏

142

زماني نهارهم و ليلهم دائما تنكسر سورتا كل واحدة من الكيفيتين الحادثتين منهما بالأخرى فيعتدل الزمان و حكم أيضا بأن أحر البقاع صيفا التي تكون عروضها مساوية للميل الكلي فإن الشمس تسامتها و تلبث في قرب مسامتتها قريبا من شهرين و نهارها حينئذ يطول و ليلها يقصر و رد الفخر الرازي عليه الحكم الأول بأن قال لبث الشمس في خط الاستواء و إن كان قليلا لكنها لا تبعد كثيرا عن المسامتة فهي طول السنة في حكم المسامتة و نحن نرى بقاعا أكثر ارتفاعات الشمس فيها لا يزيد على أقل ارتفاعاتها بخط الاستواء و حرارة صيفها في غاية الشدة فيعلم من ذلك أن حرارة شتاء خط الاستواء تكون أضعاف حرارة صيف تلك البقاع و حكم بأن أعدل البقاع هو الإقليم الرابع و قال المحقق الطوسي ره الحق في ذلك أنه إن عنى بالاعتدال تشابه الأحوال فلا شك أنه في خط الاستواء أبلغ كما ذكره الشيخ و إن عنى به تكافؤ الكيفيتين فلا شك أن خط الاستواء ليس كذلك يدل عليه شدة سواد لون سكانه من أهل الزنج و الحبشة و شدة جعود شعورهم و غير ذلك مما تقتضيه حرارة الهواء و أضداد ذلك في الإقليم الرابع تدل على كون هوائه أعدل بل السبب الكلي في توفر العمارات و كثرة التوالد و التناسل في الأقاليم السبعة دون سائر المواضع المنكشفة من الأرض يدل على كونها أعدل من غيرها و ما يقرب من وسطها لا محالة يكون أقرب إلى الاعتدال مما يكون على أطرافها فإن الاحتراق و الفجاجة اللازمين من الكيفيتين ظاهران في الطرفين انتهى.

فعلى ما ذكره (قدّس سرّه) سكان الإقليم الرابع أعدل الناس خلقا و خلقا و أجودهم فطانة و ذكاء و من ثمة كان معدن الحكماء و العلماء و بعدهم سكان الإقليمين الثالث و الخامس و أما سائر الأقاليم فأكثرها ناقصون في الجبلة عما هو أفضل يدل عليه سماجة صورهم و سوء أخلاقهم و شدة احتراقهم من الحر أو فجاجتهم من البرد كالحبشة و الزنج في الأول و الثاني و كيأجوج و مأجوج و بعض الصقالبة في السادس و السابع و أما الآفاق التي لها عرض أقل من الربع فهي على خمسة أقسام الأول أن يكون عرضه أقل من الميل الكلي الثاني أن يكون عرضه مساويا للميل الكلي‏

143

الثالث‏ (1) أن يكون عرضه مساويا لتمام الميل الكلي الرابع أن يكون عرضه أكثر من الميل و أقل من تمامه الخامس أن يكون عرضه أكثر من تمام الميل ففي جميع تلك الآفاق يكون أحد قطبي المعدل فوق الأرض مرتفعا عن الأفق بقدر عرض البلد و الآخر منحطا عن الأفق بهذا المقدار و جميع تلك الآفاق ينصف معدل النهار على زوايا قوائم فيكون دور الفلك هناك حمائليا و تقطع المدارات التي تقطعها بقطعتين مختلفتين و القسي‏ (2) الظاهرة للمدارات الشمالية أعظم من التي تحت الأرض و للجنوبية بالخلاف من ذلك و لا يستوي الليل و النهار فيها إلا عند بلوغ الشمس نقطتي الاعتدال و ذلك في يوم النيروز و المهرجان و المساواة في بعض الأوقات تحقيقي و في بعضها تقريبي و يكون النهار أطول من الليل عند كون الشمس في البروج الشمالية و عند كونها في البروج الجنوبية الأمر بعكس ذلك و كلما كان عرض البلد أكثر كان مقدار التفاوت بين الليل و النهار أكثر و كل مدار بعده عن القطب الشمالي مثل ارتفاع القطب عن الأفق فهو بجميع ما فيه و بجميع ما تحويه دائرته إلى القطب الشمالي من الكواكب و المدارات أبدي الظهور و نظيره من ناحية الجنوب بجميع ما فيه و ما تحويه دائرته إلى القطب الجنوبي أبدي الخفاء و هذه هي الأحوال المشتركة.

و أما ما يختص بالقسم الأول من الأقسام الخمسة المتقدمة و هو ما يكون العرض أقل من الميل الكلي فالمدار الذي يكون بعده عن المعدل من جهة القطب الظاهر بقدر عرض البلد يقطع منطقة البروج على نقطتين متساويتي البعد من المنقلب فإذا وصلت الشمس إلى إحدى هاتين النقطتين لا يكون في نصف نهار هذا اليوم لشي‏ء ظل و ما دامت الشمس في القوس الذي بين تينك النقطتين في جهة القطب الظاهر يقع‏

____________

(1) في أكثر النسخ هكذا: الثالث أن يكون عرضه أكثر من الميل و أقل من تمامه الرابع أن يكون عرضه مساويا لتمام الميل الكلى.

(2) جمع قوس، و أصله قووس- على ما ذكره الصرفيون- فانقلب اللام مكان العين ثمّ قلبت الواوان ياءين و ادغمت الأولى في الثانية و كسرت القاف و السين فصار «قسيا».

144

الظل في أنصاف النهار إلى جهة القطب الخفي و ما دامت الشمس في القوس الآخر يقع الظل في أنصاف النهار إلى جهة القطب الظاهر و لارتفاع الشمس في النقصان غايتان إحداهما من جهة القطب الظاهر و هو أكثر و الأخرى من جهة القطب الخفي و هو أقل و لا تكون فصول السنة في تلك الآفاق متساوية بل إذا كانت النقطتان المذكورتان متقاربتين كان صيفهم أطول من غيره لأن الشمس تسامت رءوسهم مرتين و ليس بعدها على قدر يكون في وسطه فتور للسخونة و إن زادت على الأربعة كما إذا كانت النقطتان متباعدتين لم تكن متشابهة لاختلاف غايتي بعد الشمس عن سمت الرأس في الجهتين بخلاف خط الاستواء لتساويهما.

و أما القسم الثاني فمدار المنقلب الذي في جهة القطب الظاهر يمر بسمت الرأس و مدار المنقلب الآخر بسمت الرجل و لا يكون لارتفاع الشمس إلا غاية واحدة في جانب النقصان و في جانب الزيادة يكون تسعين درجة و يكون الظل أبدا عند الزوال في جهة القطب الظاهر إلا في يوم واحد حين كونها في المنقلب الظاهر فإنه لا يكون في هذا اليوم عند الزوال لشي‏ء ظل و يكون أحد قطبي فلك البروج أبدي الظهور و الآخر أبدي الخفاء و ارتفاعات الشمس تتزايد من أحد الانقلابين إلى الآخر ثم ترجع و تتناقص إلى أن تعود إليه و تصير فصول السنة أربعة لا غير و تكون متساوية المقادير.

و أما القسم الثالث فلا تنتهي الشمس إلى سمت الرأس و يكون لها ارتفاعان أعلى و هو ما يكون بقدر مجموع الميل الكلي و تمام عرض البلد و أسفل و هو يكون بقدر فضل تمام عرض البلد على الميل الكلي و سائر الأحوال كما مر.

و أما القسم الرابع فيصير مدار المنقلب الذي في جهة القطب الظاهر أبدي الظهور و مدار المنقلب الآخر أبدي الخفاء و يمر مدار قطب فلك البروج الظاهر بسمت الرأس و مدار القطب الآخر بمقابله و في كل دورة تنطبق منطقة البروج مرة على الأفق ثم يرتفع النصف الشرقي من المنطقة دفعة عن الأفق و ينحط نصفها الآخر عنه كذلك ثم يطلع النصف الخفي جزء بعد جزء في جميع أجزاء نصف الأفق الشرقي‏

145

و يغيب النصف الظاهر جزء بعد جزء كذلك في جميع نصف الأفق الغربي في مدة اليوم بليلته إلى أن يعود وضع الفلك إلى حالة الأولى و يزيد النهار في تلك الآفاق إلى أن يصير مقدار يوم بليلته نهارا كلها و ذلك عند وصول الشمس إلى المنقلب الظاهر و هذا إذا اعتبر ابتداء النهار من وصول مركز الشمس إلى الأفق و إن اعتبر ابتداء النهار من ظهور الضوء و اختفاء الثوابت كان نهارهم عند الوصول المذكور شهرا على ما بينه ساوذوسيوس في الرسالة التي بين فيها حال المساكن ثم يحدث ليل في غاية القصر بحيث يتداخل الشفق و الفجر و يزيد شيئا فشيئا إلى أن يصير مقدار يوم بليلته ليلة كله و بعد ذلك يحدث نهار قصير و هكذا و في هذا القسم نهاية العمارة في جانب الشمال و لا تمكن العمارة بعده لشدة البرد.

و أما القسم الخامس فيكون فيه أعظم المدارات الأبدية الظهور قاطعا لمنطقة البروج على نقطتين يساوي ميلهما في جهة القطب الظاهر و أعظم المدارات الأبدية الخفاء قاطعا لها على نقطتين متقابلتين لهما فتنقسم منطقة البروج لا محالة إلى أربع قسي يتوسطها الاعتدالان و الانقلابان إحداهما أبدي الظهور و هي التي يتوسطها المنقلب الذي في جهة القطب الظاهر و مدة كون الشمس فيها نهارهم الأطول و الثانية أبدي الخفاء و هي التي يتوسطها المنقلب الآخر و مدة كون الشمس فيها ليلهم الأطول و أما القوسان الباقيتان فالتي يتوسطها أول الحمل تطلع معكوسة أي يطلع آخرها قبل أولها و تغرب مستوية أي يغرب أولها قبل آخرها إن كان القطب الظاهر شماليا و تطلع مستوية و تغرب معكوسة إن كان القطب الظاهر جنوبيا و التي يتوسطها أول الميزان يكون بالضد من ذلك و مثلوا لتصوير الطلوع و الغروب المعكوسين مثالا لسهولة تصورهما تركناه مع سائر أحكام هذا القسم لقلة الجدوى.

و أما الموضع الذي عرضه ربع الدور و هو تسعون درجة فأوضاعه غريبة جدا و ذلك لا يكون على الأرض إلا عند موضعين يكون أحد قطبي المعدل على سمت الرأس و الآخر على سمت القدم فتصير لا محالة دائرة معدل النهار منطبقة على الأفق و يدور الفلك بالحركة الأولى التابعة للفلك الأعظم رحوية و لا يبقى في الأفق مشرق‏

146

و لا مغرب باعتبار هذه الحركة أصلا و لا باعتبار غيرها بحيث يتميز أحدهما عن الآخر في الجهة و لا يتعين أيضا نصف النهار بل في جميع الجهات يمكن أن تبلغ الشمس و سائر الكواكب غاية ارتفاعها كما يمكن أن تطلع و تغرب فيها فيكون النصف من الفلك الذي يكون من معدل النهار في جهة القطب الظاهر أبدي الظهور و النصف الآخر أبدي الخفاء و الشمس ما دامت في النصف الظاهر من فلك البروج يكون نهارا و ما دامت في النصف الخفي منه يكون ليلا فيكون سنة كلها يوما بليلة و يفضل أحدهما على الآخر من جهة بطء حركتها و سرعتها و هو تقريبا سبعة أيام بلياليها من أيامنا ففي هذه الأزمنة يزيد نهاره عن ليله بمثل هذه المدة و هذا إذا اعتبر النهار من طلوع الشمس إلى غروبها و أما إذا كان النهار من ظهور ضوئها و اختفاء الثوابت إلى ضدهما فيكون نهارهم أكثر من سبعة أشهر بسبعة أيام و ليلهم قريبا من خمسة أشهر إذ من ظهور ضوء الشمس إلى طلوعها خمسة عشر يوما و كذا من غروبها إلى اختفاء الضوء على ما حققه ساوذوسيوس و أما إذا كان النهار من طلوع الصبح إلى غروب الشفق فكان نهارهم سبعة أشهر و سبعة عشر يوما من أيامنا تقريبا.

و قال المحقق الطوسي (قدّس سرّه) و يكون مدة غروب الشفق أو طلوع الصبح في خمسين يوما من أيامنا و يكون غاية ارتفاع الشمس و غاية انحطاطه بقدر غاية الميل و أظلال المقاييس تفعل دوائر متوازية بالتقريب على مركز أصل المقياس أصغرها إذا كانت الشمس في المنقلب الظاهر و أعظمها إذا كانت عند الأفق بقرب الاعتدالين و لا يكون لشي‏ء من الكواكب طلوع و لا غروب بالحركة الأولى بل يكون طلوعها و غروبها بالحركة الثانية المختصة بكل منها لا في موضع بعينه من الأفق و يكون للكواكب التي يكون عرضها من منطقة البروج ينقص من الميل الكلي طلوع و غروب بالحركة الخاصة و تختلف مدة (1) الظهور و الخفاء بحسب بعد مدارها عن منطقة البروج و قربها إليه فما كان مداره أبعد عنها في جهة القطب الظاهر كان زمان ظهوره أكثر من زمان ظهور ما مداره أقرب منها في هذه الجهة و ينعكس الحكم في‏

____________

(1) مدتا (خ).

147

الجهة الأخرى و الكواكب التي عرضها مساو للميل كله تماس الأفق في دور واحد من الحركة الثانية مرة واحدة إما من فوق و إما من تحت و لا يكون لها و لا للتي يزيد عرضها في أحد جانبي فلك البروج على الميل الكلي طلوع و لا غروب بل تكون إما ظاهرة أبدا و إما خفية أبدا. الفائدة الثالثة قالوا السبب الأكثري في تولد الأحجار و الجبال عمل الحرارة في الطين اللزج بحيث يستحكم انعقاد رطبه بيابسه بإذن الله تعالى و قد ينعقد الماء السيال حجرا إما لقوة معدنية محجرة أو لأرضية غالبة على ذلك الماء فإذا صادف الحر العظيم طينا كثير الرخا إما دفعة و إما على مرور الأيام تكون الحجر العظيم فإذا ارتفع بأن يجعل الزلزلة العظيمة طائفة من الأرض تلا من التلال أو يحصل من تراكم عمارات تخربت ثم تحجرت أو يكون الطين المتحجر مختلف الأجزاء في الصلابة و الرخاوة فتنحفر أجزاؤه الرخوة بالمياه و الرياح و تغور تلك الحفر بالتدريج غورا شديدا و تبقى الصلبة مرتفعة أو بغير ذلك من الأسباب فهو الجبل و قد يرى بعض الجبال منضودة ساقا فساقا كأنها سافات الجدار فيشبه أن يكون حدوث مادة الفوقاني بعد تحجر التحتاني و قد سأل على كل ساف من خلاف جوهره ما صار حائلا بينه و بين الآخر و قد يوجد في كثير من الأحجار عند كسرها أجزاء الحيوانات المائية فيشبه أن تكون هذه المعمورة قد كانت في سالف الدهر مغمورة في البحر فحصل الطين اللزج الكثير و تحجر بعد الانكشاف و لذلك كثر الجبال و يكون انحفار ما بينها بأسباب تقتضيه كالسيول و الرياح كذا قيل و قد مر بعض الكلام فيه سابقا و الحق أن الله تعالى خلقها بفضله و قدرته إما بغير أسباب ظاهرة أو بأسباب لا نعلمها و هذه الأسباب المذكورة ناقصة و لو كانت هذه أسبابها فلم لا يحدث من الأزمنة التي أحصى الحكماء تلك الجبال إلى تلك الأزمان جبل آخر إلا أن يقال لما كان في بدء خلق الأرض زلزلة و رجفة و اضطراب عظيم في الأرض صارت أسبابا لحدوث تلك الجبال فلما حدثت استقرت الأرض و سكنت فلهذا لا يحدث بعدها مثلها كما دلت عليه الآيات و الأخبار.

148

ثم اعلم أن منافع الجبال كثيرة منها كونها أوتادا للأرض كما مر و منها أن انبعاث العيون و السحب المستلزمة للخيرات الكثيرة منها أكثر من غيرها بل لا تنفجر العيون إلا من أرض صلبة أو من جوار أرض صلبة كما قال في الشفاء إذا تتبعت الأودية المعروفة في العالم وجدتها كلها منبعثة من عيون جبلية و منها تكون الجواهر المعدنية منها و منها إنباتها النباتات الكثيرة و الأشجار العظيمة و منها المغارات الحادثة فيها فإنها مأوى الحيوانات بل بعض الناس و منها كونها أسبابا لاهتداء الخلق في طرقهم و سبلهم و منها اتخاذ الأحجار منها للأرحية و الأبنية و غيرها إلى غير ذلك من المنافع الكثيرة التي تصل عقول الخلق إلى بعضها و تعجز عن أكثرها

- قَالَ الصَّادِقُ(ع)فِي خَبَرِ التَّوْحِيدِ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ الْمُفَضَّلُ بْنُ عُمَرَ انْظُرْ يَا مُفَضَّلُ إِلَى هَذِهِ الْجِبَالِ الْمَرْكُومَةِ مِنَ الطِّينِ وَ الْحِجَارَةِ الَّتِي يَحْسَبُهَا الْغَافِلُونَ فَضْلًا لَا حَاجَةَ إِلَيْهَا وَ الْمَنَافِعُ فِيهَا كَثِيرَةٌ فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَسْقُطَ عَلَيْهَا الثُّلُوجُ فَتَبْقَى فِي قِلَالِهَا لِمَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَ يَذُوبُ مَا ذَابَ مِنْهُ فَتَجْرِي مِنْهُ الْعُيُونُ الْغَزِيرَةُ الَّتِي تَجْتَمِعُ مِنْهَا الْأَنْهَارُ الْعِظَامُ وَ تَنْبُتُ فِيهَا ضُرُوبٌ مِنَ النَّبَاتِ وَ الْعَقَاقِيرِ الَّتِي لَا يَنْبُتُ مِنْهَا فِي السَّهْلِ وَ تَكُونُ فِيهَا كُهُوفٌ وَ مَقَائِلُ لِلْوُحُوشِ مِنَ السِّبَاعِ الْعَادِيَةِ وَ يُتَّخَذُ مِنْهَا الْحُصُونُ وَ الْقِلَاعُ الْمَنِيعَةُ لِلتَّحَرُّزِ مِنَ الْأَعْدَاءِ وَ يُنْحَتُ مِنْهَا الْحِجَارَةُ لِلْبِنَاءِ وَ الْأَرْحَاءِ وَ تُوجَدُ فِيهَا مَعَادِنُ لِضُرُوبٍ مِنَ الْجَوَاهِرِ وَ فِيهَا خِلَالٌ أُخْرَى لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا الْمُقَدِّرُ لَهَا فِي سَابِقِ عِلْمِهِ.

. بيان المقايل كأنه من القيلولة و في بعض النسخ بالغين المعجمة من الغيل و هو الشجر الملتف و في بعضها معاقل جمع معقل و هو الشجر الملتف‏ (1).

الفائدة الرابعة قالوا في علة حدوث الزلزلة و الرجفة إذا غلظ البخار و بعض الأدخنة و الرياح في الأرض بحيث لا ينفذ في مجاريها لشدة استحصافها (2) و تكاثفها اجتمع طالبا للخروج و لم يمكنه النفوذ فزلزلت الأرض و ربما اشتدت الزلزلة

____________

(1) كذا في جميع النسخ، و الظاهر أنّه سهو القلم، فان المعقل بمعنى الملجأ و مكان عقل الإبل و الجبل المرتفع، و المناسب للعبارة هو «معاقل» بمعنى الملاجئ.

(2) أي استحكامها.

149

فخسفت الأرض فتخرج منه نار لشدة الحركة الموجبة لاشتعال البخار و الدخان لا سيما إذا امتزجا امتزاجا مقربا إلى الدهنية و ربما قويت المادة على شق الأرض فتحدث أصوات هائلة و ربما حدثت الزلزلة من تساقط عوالي و هدأت في باطن الأرض فيتموج بها الهواء المحتقن فيتزلزل بها الأرض و قليلا ما تتزلزل بسقوط قلل الجبال عليها لبعض الأسباب و قد يوجد في بعض نواحي الأرض قوة كبريتية ينبعث منها دخان و في الهواء رطوبة بخارية فيحصل من اختلاط دخان الكبريت بالأجزاء الرطبة الهوائية مزاج دهني و ربما اشتعل بأشعة الكواكب و غيرها فيرى بالليل شعل مضيئة.

و قال شارح المقاصد قد يعرض لجزء من الأرض حركة بسبب ما يتحرك تحتها فيحرك ما فوقه و يسمى الزلزلة و ذلك إذا تولد تحت الأرض بخار أو دخان أو ريح أو ما يناسب ذلك و كان وجه الأرض متكاثفا عديم المسام أو ضيقها جدا و حاول ذلك الخروج و لم يتمكن لكثافة الأرض تحرك في ذاته و حرك الأرض و ربما شقتها لقوته و قد ينفصل منه نار محرقة و أصوات هائلة لشدة المحاكة و المصاكة و قد يسمع منها دوي لشدة الريح و لا يوجد الزلزلة في الأراضي الرخوة لسهولة خروج الأبخرة و قلما تكون في الصيف لقلة تكاثف وجه الأرض و البلاد التي تكثر فيها الزلزلة إذا حفرت فيها آبار كثيرة حتى كثرت مخالص الأبخرة قلت الزلزلة و قد يصير الكسوف سببا للزلزلة لفقد الحرارة الكائنة عن الشعاع دفعة و حصول البرد الحاقن للرياح في تجاويف الأرض بالتحصيف‏ (1) بغتة و لا شك أن البرد الذي يعرض بغتة يفعل ما لا يفعل العارض بالتدريج قال ذلك و أمثاله نقلا عن الحكماء ثم قال و لعمري إن النصوص الواردة في استناد هذه الآثار إلى القادر المختار قاطعة و طرق الهدى إلى ذلك واضحة لكن‏ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ انتهى.

و قال بعض من يدعي اقتفاء آثار الأئمة الأبرار و عدم الخروج عن مدلول الآيات و الأخبار و لما كانت الأبخرة و الأدخنة المحتقنة في تجاويف الأرض بمنزلة عروقها و إنما تتحرك بقوى روحانية ورد في الحديث أن الله سبحانه إذا أراد أن‏

____________

(1) بالتخسيف (خ).

150

يزلزل الأرض أمر الملك أن يحرك عروقها فيتحرك بأهلها و ما أشبه ذلك من العبارات على اختلافها و العلم عند الله انتهى.

و أقول قد عرفت مرارا أن تأويل النصوص و الآثار و الآيات و الأخبار بلا ضرورة عقلية أو معارضات نقلية جرأة على العزيز الجبار و لا نقول في جميع ذلك إلا ما ورد عنهم (صلوات الله عليهم) و ما لم تصل إليه عقولنا نرد علم ذلك إليهم.

باب 33 تحريم أكل الطين و ما يحل أكله منه‏

1- مَجَالِسُ الصَّدُوقِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْمِنْقَرِيِّ عَنْ جَدِّهِ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ(ع)قَالَ: مَنْ أَكَلَ الطِّينَ فَإِنَّهُ تَقَعُ الْحِكَّةُ فِي جَسَدِهِ وَ يُورِثُهُ الْبَوَاسِيرَ وَ يُهَيِّجُ عَلَيْهِ دَاءَ السُّوءِ وَ يَذْهَبُ بِالْقُوَّةِ مِنْ سَاقَيْهِ وَ قَدَمَيْهِ وَ مَا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ فِي مَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ صِحَّتِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَهُ حُوسِبَ عَلَيْهِ وَ عُذِّبَ بِهِ.

مجالس الشيخ، عن أبيه عن الحسين بن عبيد الله الغضائري عن الصدوق إلى آخر السند مثله- ثواب الأعمال، عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى‏ (1) مثله- المحاسن، عن علي بن الحكم‏ مثله‏ (2).

2- الْخِصَالُ، بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ آبَائِهِ(ع)فِي وَصَايَا النَّبِيِّ ص‏

____________

(1) ثواب الأعمال: 237.

(2) المحاسن: 565.

151

إِلَى عَلِيٍّ(ع)يَا عَلِيُّ ثَلَاثٌ‏ (1) مِنَ الْوَسْوَاسِ أَكْلُ الطِّينِ وَ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ بِالْأَسْنَانِ وَ أَكْلُ اللِّحْيَةِ (2).

3- وَ مِنْهُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْيَقْطِينِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ الدِّهْقَانِ عَنْ دُرُسْتَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ (عليه السلام) قَالَ: أَرْبَعَةٌ مِنَ الْوَسْوَاسِ أَكْلُ الطِّينِ وَ فَتُّ الطِّينِ وَ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ بِالْأَسْنَانِ وَ أَكْلُ اللِّحْيَةِ (3).

بيان من الوسواس أي من وسوسة الشيطان أو من الشيطان المسمى بالوسواس كما قال تعالى‏ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ‏ قال الجوهري الوسوسة حديث النفس يقال وسوست إليه نفسه وسوسة و وسواسا بكسر الواو و الوسواس بالفتح الاسم و الوسواس اسم الشيطان انتهى و الحاصل أنها من الأعمال الشيطانية التي يولع بها الإنسان و يعسر عليها تركها.

4- الْعُيُونُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ زِيَادٍ الْهَمَدَانِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ يَاسِرٍ قَالَ: سَأَلَ بَعْضُ الْقُوَّادِ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)عَنْ أَكْلِ الطِّينِ وَ قَالَ إِنَّ بَعْضَ جَوَارِيهِ يَأْكُلْنَ الطِّينَ فَغَضِبَ ثُمَّ قَالَ أَكْلُ الطِّينِ حَرَامٌ مِثْلُ الْمَيْتَةِ وَ الدَّمِ وَ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ فَانْهَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ‏ (4).

5- مَجَالِسُ ابْنِ الشَّيْخِ، عَنْ وَالِدِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَشِيشٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَاجِيَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعْدٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ:سَأَلْتُهُ عَنِ الطِّينِ الَّذِي يَأْكُلُهُ النَّاسُ فَقَالَ كُلُّ طِينٍ حَرَامٌ كَالْمَيْتَةِ وَ الدَّمِ وَ مَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ مَا خَلَا طِينَ قَبْرِ الْحُسَيْنِ(ع)فَإِنَّهُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ.

الخرائج، عن ذي الفقار بن معبد الحسني عن الشيخ أبي جعفر الطوسي عن ابن حشيش‏ مثله.

____________

(1) في المصدر: ثلاثة.

(2) الخصال: 60.

(3) الخصال: 103.

(4) العيون: ج 2،(ص)15.

152

6- الْعِلَلُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ آدَمَ مِنْ طِينٍ فَحَرَّمَ أَكْلَ الطِّينِ عَلَى ذُرِّيَّتِهِ‏ (1).

المحاسن، عن الحسن بن علي‏ مثله‏ (2).

7- الْعِلَلُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ أَبِي يَحْيَى الْوَاسِطِيِّ عَنْ رَجُلٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)الطِّينُ حَرَامٌ أَكْلُهُ‏ (3) كَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَ مَنْ أَكَلَهُ ثُمَّ مَاتَ فِيهِ لَمْ أُصَلِّ عَلَيْهِ إِلَّا طِينَ الْقَبْرِ فَمَنْ أَكَلَهُ شَهْوَةً لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِفَاءٌ (4).

- بَيَانٌ رَوَاهُ الْكُلَيْنِيُّ فِي الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ ابْنِ قُولَوَيْهِ فِي كَامِلِ الزِّيَارَةِ، عَنِ الْكُلَيْنِيِّ وَ جَمَاعَةٍ مِنْ مَشَايِخِهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَ فِيهِمَا حَرَامٌ كُلُّهُ إِلَى قَوْلِهِ إِلَّا طِينَ الْقَبْرِ فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَ مَنْ أَكَلَهُ بِشَهْوَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ شِفَاءٌ (5).

و عدم صلاته(ع)عليه لا ينافي وجوب الصلاة عليه و أمره غيره بالصلاة عليه و هذا من التأديبات الشرعية لانزجار الناس عن مثلها فإن ذلك من أبلغ التعذيرات‏ (6).

8- الْعِلَلُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مِهْزَمٍ عَنْ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَنِ انْهَمَكَ فِي أَكْلِ الطِّينِ فَقَدْ شَرِكَ فِي دَمِ نَفْسِهِ‏ (7).

المحاسن، عن ابن محبوب‏ مثله‏ (8) بيان قال الجوهري انهمك الرجل في الأمر أي جد و لج.

____________

(1) العلل: ج 2،(ص)219.

(2) المحاسن: 565.

(3) كله (خ).

(4) العلل: ج 2،(ص)219.

(5) الكافي: ج 6،(ص)265.

(6) في بعض النسخ «التقديرات» و الظاهر «التحذيرات».

(7) العلل: ج 2،(ص)219.

(8) المحاسن: 565.

153

9- الْعِلَلُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَنْ أَكَلَ طِينَ الْكُوفَةِ فَقَدْ أَكَلَ لُحُومَ النَّاسِ لِأَنَّ الْكُوفَةَ كَانَتْ أَجَمَةً ثُمَّ كَانَتْ مَقْبَرَةً مَا حَوْلَهَا وَ قَدْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَنْ أَكَلَ الطِّينَ فَهُوَ مَلْعُونٌ‏ (1).

بيان يدل على عدم جواز أكل طين قبر أمير المؤمنين(ع)و كان هذا التعليل لشدة حرمة خصوص طين الكوفة و حواليها و يدل على أن طين قبر الحسين(ع)أيضا إذا كان من المواضع التي يظن خلط لحوم الناس و عظامهم به لا يجوز أكله و أكثر المواضع القريبة سوى ما اتصل بالضريح المقدس في تلك الأزمنة كذلك.

10- الْعِلَلُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ السَّعْدَآبَادِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ جَدِّهِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)إِنَّ مِنْ عَمَلِ الْوَسْوَسَةِ وَ أَكْثَرِ (2) مَصَائِدِ الشَّيْطَانِ أَكْلَ‏ (3) الطِّينِ إِنَّ أَكْلَ الطِّينِ يُورِثُ السُّقْمَ فِي الْجَسَدِ وَ يُهَيِّجُ الدَّاءَ وَ مَنْ أَكَلَ الطِّينَ فَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَهُ وَ ضَعُفَ عَنْ عَمَلِهِ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَهُ حُوسِبَ عَلَى مَا بَيْنَ ضَعْفِهِ وَ قُوَّتِهِ وَ عُذِّبَ عَلَيْهِ‏ (4).

ثواب الأعمال، عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم‏ مثله‏ (5)- المحاسن، عن علي بن الحكم‏ مثله‏ (6) بيان في الكافي و غيره عن إسماعيل بن محمد عن جده زياد بن أبي زياد و في‏

____________

(1) العلل: ج 2،(ص)220.

(2) في المحاسن: أكبر.

(3) في ثواب الأعمال: ان عمل الوسوسة و أكثر مصائد الشيطان من أكل الطين.

(4) العلل: ج 2،(ص)220.

(5) ثواب الأعمال: 237.

(6) المحاسن: 565.

154

الكافي أن التمني عمل الوسوسة و أكثر مكايد الشيطان‏ (1) و كان ما في سائر النسخ أظهر و في المحاسن أكبر بالباء الموحدة.

11- كَامِلُ الزِّيَارَةِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ(ع)عَنِ الطِّينِ قَالَ فَقَالَ أَكْلُ الطِّينِ حَرَامٌ مِثْلُ الْمَيْتَةِ وَ الدَّمِ وَ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ إِلَّا طِينَ قَبْرِ الْحُسَيْنِ(ع)فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَ أَمْناً مِنْ كُلِّ خَوْفٍ‏ (2).

12- وَ مِنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ أَحَدِهِمَا(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنَ الطِّينِ فَحَرَّمَ الطِّينَ عَلَى وُلْدِهِ قَالَ فَقُلْتُ مَا تَقُولُ فِي طِينِ قَبْرِ الْحُسَيْنِ(ع)فَقَالَ يَحْرُمُ عَلَى النَّاسِ أَكْلُ لُحُومِهِمْ وَ يَحِلُّ لَهُمْ أَكْلُ لُحُومِنَا وَ لَكِنَّ الشَّيْ‏ءَ (3) مِنْهُ مِثْلُ الْحِمَّصَةِ (4).

13- وَ مِنْهُ، رُوِيَ عَنْ سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: كُلُّ طِينٍ مُحَرَّمٌ عَلَى ابْنِ آدَمَ مَا خَلَا طِينَ قَبْرِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)مَنْ أَكَلَهُ مِنْ وَجَعٍ شَفَاهُ اللَّهُ‏ (5).

14- الْمَحَاسِنُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: أَكْلُ الطِّينِ يُورِثُ النِّفَاقَ‏ (6).

15- وَ مِنْهُ، عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَنْ أَكَلَ الطِّينَ فَمَاتَ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى نَفْسِهِ‏ (7).

16- وَ مِنْهُ، عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنِ ابْنِ الْقَدَّاحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ: قِيلَ لِعَلِيٍّ(ع)فِي رَجُلٍ يَأْكُلُ الطِّينَ فَنَهَاهُ وَ قَالَ لَا تَأْكُلْهُ فَإِنَّكَ إِنْ أَكَلْتَهُ وَ مِتَّ فَقَدْ أَعَنْتَ عَلَى نَفْسِكَ‏ (8).

____________

(1) الكافي: ج 6،(ص)266 و فيه «مصائد الشيطان».

(2) كامل الزيارة: 285.

(3) في المصدر: الشي‏ء اليسير منه.

(4) كامل الزيارة: 286.

(5) كامل الزيارة: 286.

(6) المحاسن: 565.

(7) المحاسن: 565.

(8) المحاسن: 565.

155

17- وَ مِنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ كُلْثُمَ بِنْتِ مُسْلِمٍ قَالَتْ‏ ذُكِرَ الطِّينُ عِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ(ع)فَقَالَ أَ تَرَيْنَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَصَائِدِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ مِنْ مَصَائِدِهِ الْكِبَارِ وَ أَبْوَابِهِ الْعِظَامِ‏ (1).

18- الْمَكَارِمُ، سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ طِينِ الْأَرْمَنِيِّ أَ يُؤْخَذُ لِلْكَسِيرِ وَ الْمَبْطُونِ أَ يَحِلُّ أَخْذُهُ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ أَمَا إِنَّهُ مِنْ طِينِ قَبْرِ ذِي الْقَرْنَيْنِ وَ طِينُ قَبْرِ الْحُسَيْنِ(ع)خَيْرٌ مِنْهُ‏ (2).

المتهجد، عن محمد بن جمهور العمي عن بعض أصحابه عنه(ع)مثله- دعوات الراوندي، عنه(ع)مثله.

19- وَ رَوَى سَدِيرٌ عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَكَلَ طِينَ قَبْرِ الْحُسَيْنِ(ع)غَيْرَ مُسْتَشْفٍ بِهِ فَكَأَنَّمَا أَكَلَ مِنْ لُحُومِنَا.

20- طِبُّ الْأَئِمَّةِ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَيْهِ الزَّحِيرَ فَقَالَ لَهُ خُذْ مِنَ الطِّينِ الْأَرْمَنِيِّ وَ اقْلِهِ بِنَارٍ لَيِّنَةٍ وَ اسْتَشْفِ‏ (3) مِنْهُ فَإِنَّهُ يَسْكُنُ عَنْكَ.

21- وَ عَنْهُ(ع)أَنَّهُ قَالَ فِي الزَّحِيرِ تَأْخُذُ جُزْءاً مِنْ خَرْبَقٍ أَبْيَضَ وَ جُزْءاً مِنْ بِزْرِ الْقَطُونَا وَ جُزْءاً مِنْ صَمْغٍ عَرَبِيٍّ وَ جُزْءاً مِنَ الطِّينِ الْأَرْمَنِيِّ يُقْلَى بِنَارٍ لَيِّنَةٍ يُسْتَشْفَ‏ (4) مِنْهُ.

22- كَامِلُ الزِّيَارَةِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصَمِّ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي حَدِيثِهِ‏ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ طِينِ الْحَائِرِ هَلْ فِيهِ‏

____________

(1) المحاسن: 565.

(2) مكارم الأخلاق: 190.

(3) استفاف الدواء أخذه غير ملتوت، و في بعض النسخ «و استشف منه».

(4) في بعض النسخ «تستشف منه».

156

شَيْ‏ءٌ مِنَ الشِّفَاءِ فَقَالَ يُسْتَشْفَى مَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْقَبْرِ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ وَ كَذَلِكَ قَبْرُ جَدِّي رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ كَذَلِكَ طِينُ قَبْرِ الْحَسَنِ وَ عَلِيٍّ وَ مُحَمَّدٍ فَخُذْ مِنْهَا فَإِنَّهَا شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَ سُقْمٍ وَ جُنَّةٌ مِمَّا تَخَافُ وَ لَا يَعْدِلُهَا شَيْ‏ءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّذِي يُسْتَشْفَى بِهَا إِلَّا الدُّعَاءُ وَ إِنَّمَا يُفْسِدُهَا مَا يُخَالِطُهَا مِنْ أَوْعِيَتِهَا وَ قِلَّةُ الْيَقِينِ لِمَنْ يُعَالِجُ بِهَا وَ ذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ وَ لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ مَنْ يَأْخُذُ مِنَ التُّرْبَةِ شَيْئاً يَسْتَخِفُّ بِهَا حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ يَضَعُهَا (1) فِي مِخْلَاةِ الْبَغْلِ وَ الْحِمَارِ وَ فِي وِعَاءِ الطَّعَامِ وَ الْخُرْجِ فَكَيْفَ يَسْتَشْفِي بِهِ مَنْ هَذَا حَالُهُ عِنْدَهُ‏ (2).

بيان أقول‏

قَالَ الشَّيْخُ الْبَهَائِيُّ (قدس الله روحه) فِي الْكَشْكُولِ مِمَّا نَقَلَهُ جَدِّي مِنْ خَطِّ السَّيِّدِ الْجَلِيلِ الطَّاهِرِ ذِي الْمَنَاقِبِ وَ الْمَفَاخِرِ السَّيِّدِ رَضِيِّ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ طَاوُسٍ (قدّس سرّه) مِنَ الْجُزْءِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِ الزِّيَارَاتِ لِمُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ دَاوُدَ الْقُمِّيِ‏ أَنَّ أَبَا حَمْزَةَ الثُّمَالِيَّ قَالَ لِلصَّادِقِ(ع)إِنِّي رَأَيْتُ أَصْحَابَنَا يَأْخُذُونَ مِنْ طِينِ قَبْرِ الْحُسَيْنِ(ع)يَسْتَشْفُونَ فَهَلْ فِي ذَلِكَ شَيْ‏ءٌ مِمَّا يَقُولُونَ مِنَ الشِّفَاءِ فَقَالَ يُسْتَشْفَى مَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْقَبْرِ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ وَ كَذَلِكَ قَبْرُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ كَذَلِكَ قَبْرُ الْحَسَنِ وَ عَلِيٍّ وَ مُحَمَّدٍ فَخُذْ مِنْهَا فَإِنَّهَا شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ سُقْمٍ وَ جُنَّةٌ مِمَّا يُخَافُ ثُمَّ أَمَرَ بِتَعْظِيمِهَا وَ أَخْذِهَا بِالْيَقِينِ بِالْبُرْءِ وَ تَخَتُّمِهَا إِذَا أُخِذَتْ.

انتهى.

و أقول هذا الخبر بهذين السندين يدل على جواز الاستشفاء بطين قبر الرسول(ص)و سائر الأئمة(ع)و لم يقل به أحد من الأصحاب و مخالف لسائر الأخبار عموما و خصوصا و يمكن حمله على الاستشفاء بغير الأكل كحملها و التمسح بها و أمثال ذلك و المراد بعلي إما أمير المؤمنين أو السجاد و بمحمد الباقر(ع)و يحتمل الرسول(ص)تأكيدا و إن كان بعيدا.

23- الْمُتَهَجِّدُ، عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَكَلَ طِينَ قَبْرِ الْحُسَيْنِ(ع)غَيْرَ مُسْتَشْفٍ بِهِ فَكَأَنَّمَا أَكَلَ مِنْ لُحُومِنَا الْحَدِيثَ.

____________

(1) في المصدر: ليطرحها.

(2) كامل الزيارة: 280.

157

24- قَالَ وَ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ الصَّادِقَ(ع)فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُكَ تَقُولُ إِنَّ تُرْبَةَ الْحُسَيْنِ(ع)مِنَ الْأَدْوِيَةِ الْمُفْرَدَةِ وَ إِنَّهَا لَا تَمُرُّ بِدَاءٍ إِلَّا هَضَمَتْهُ فَقَالَ قَدْ قُلْتُ ذَلِكَ فَمَا بَالُكَ قُلْتُ إِنِّي تَنَاوَلْتُهَا فَمَا انْتَفَعْتُ بِهَا قَالَ أَمَا إِنَّ لَهَا دُعَاءً فَمَنْ تَنَاوَلَهَا وَ لَمْ يَدْعُ بِهِ وَ اسْتَعْمَلَهَا لَمْ يَكَدْ يَنْتَفِعُ بِهَا قَالَ فَقَالَ لَهُ مَا يَقُولُ إِذَا تَنَاوَلَهَا قَالَ تُقَبِّلُهَا قَبْلَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ تَضَعُهَا عَلَى عَيْنَيْكَ وَ لَا تَنَاوَلُ أَكْثَرَ مِنْ حِمَّصَةٍ فَإِنَّ مَنْ تَنَاوَلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَكَأَنَّمَا أَكَلَ مِنْ لُحُومِنَا وَ دِمَائِنَا فَإِذَا تَنَاوَلْتَ فَقُلْ وَ ذَكَرَ الدُّعَاءَ.

25- الْعُيُونُ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ جَعْفَرٍ الْبَصْرِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ وَاقِدٍ عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ زُهَيْرٍ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ(ع)أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِمَوْتِهِ وَ دَفْنِهِ وَ قَالَ لَا تَرْفَعُوا قَبْرِي فَوْقَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ مُفَرَّجَاتٍ وَ لَا تَأْخُذُوا مِنْ تُرْبَتِي شَيْئاً لِتَبَرَّكُوا بِهِ فَإِنَّ كُلَّ تُرْبَةٍ لَنَا مُحَرَّمَةٌ إِلَّا تُرْبَةَ جَدِّيَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَهَا شِفَاءً لِشِيعَتِنَا وَ أَوْلِيَائِنَا الْخَبَرَ (1).

26- كَامِلُ الزِّيَارَةِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ محَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمَّادٍ عَنِ الْأَصَمِّ عَنْ مُدْلِجٍ‏ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثٍ أَنَّهُ كَانَ مَرِيضاً فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ فَكَأَنَّمَا نَشِطَ منْ عِقَالٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ كَيْفَ وَجَدْتَ الشَّرَابَ فَقَالَ لَقَدْ كُنْتُ آيِساً مِنْ نَفْسِي شَرِبْتُهُ فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ فَكَأَنَّمَا نَشِطْتُ مِنْ عِقَالٍ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الشَّرَابَ الَّذِي شَرِبْتَهُ كَانَ فِيهِ مِنْ طِينِ قُبُورِ (2) آبَائِي وَ هُوَ أَفْضَلُ مَا تَسْتَشْفِي بِهِ فَلَا تَعْدِلْ بِهِ فَإِنَّا نَسْقِيهِ صِبْيَانَنَا وَ نِسَاءَنَا فَنَرَى مِنْهُ كُلَّ الْخَيْرِ (3).

بيان يدل الخبر على جواز إدخال التربة في الأدوية التي يستشفى بها و

____________

(1) العيون: ج 1،(ص)104.

(2) في المصدر: قبر الحسين (عليه السلام).

(3) كامل الزيارة: 276.

158

الأحوط أن لا يكون الداخل فيما يشربه أكثر من الحمصة و إنما قلنا الأحوط في ذلك لأن في دخول التراب و الطين في المأكولات مع استهلاكها فيها يشكل الحكم بالحرمة كما سنشير إليه.

27- مَعَانِي الْأَخْبَارِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيِّ عَنِ الْمُعَاذِيِّ عَنْ مُعَمَّرٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ(ع)قَالَ: قُلْتُ لَهُ مَا يَرْوِي النَّاسُ فِي الطِّينِ وَ كَرَاهَتِهِ قَالَ إِنَّمَا ذَلِكَ الْمَبْلُولُ وَ ذَلِكَ الْمَدَرُ (1).

28- وَ رُوِيَ‏ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)نَهَى عَنْ أَكْلِ الْمَدَرِ.

حدثني بذلك محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي‏ (2) بيان ظاهر الخبر الأول أن حرمة الطين مخصوصة بالطين المبلول دون المدر اليابس كما فهمه الصدوق ظاهرا و هذا مما لم يقل به صريحا أحد و يمكن أن يحمل على أن المعنى أن المحرم إنما هو المبلول و المدر لا غيرهما مما يستهلك في الدبس و يقع على الثمار و سائر المطعومات و على هذا فالحصر إما إضافي بالنسبة إلى ما ذكرنا أو المراد بالمدر ما يشمل التراب أيضا و يحتمل أن يكون إلزاما على المخالفين النافين للاستشفاء بتربة الحسين(ع)بأن ما استدللتم من الأخبار على تحريم الطين ظاهرها المبلول و إطلاقه على غيره مجاز فلا يمكنكم الاستدلال بها على تحريم التراب و المدر و على التقادير الكراهة محمولة على الحرمة و قال المحدث الأسترآبادي إنما المكروه ذاك الطين المتعارف بين الناس مبلوله و يابسه لا طين الحسين(ع)انتهى.

و أقول مع قطع النظر عن الشهرة بين الأصحاب بل إجماعهم على تعميم التحريم لم يبعد القول بتخصيصه بالمبلول إذ الظاهر أن الطين في اللغة حقيقة في المبلول و أكثر الأخبار إنما ورد بلفظ الطين و هذا الخبر ظاهره الاختصاص و قال الراغب في المفردات الطين التراب و الماء المختلط به و قد يسمى بذلك و إن زال عنه قوة الماء انتهى لكن استثناء طين الحسين(ع)منه مما يؤيد التعميم فإنه معلوم‏

____________

(1) معاني الأخبار: 263.

(2) معاني الأخبار: 263.

159

أنه ليس الاستشفاء بخصوص المبلول بل الغالب عدمه و على أي حال لا محيص عن العمل بما هو المشهور في ذلك.

قال المحقق الأردبيلي (قدّس سرّه) الظاهر أنه لا خلاف في تحريم الطين و ظاهر اللفظ عرفا و لغة أنه تراب مخلوط بالماء و يؤيده صحيحة معمر بن خلاد و ذكر الخبر ثم قال و هذه تدل على أنه بعد اليبوسة أيضا حرام و لا يشترط بقاء الرطوبة و لكن لا بد أن يكون ممتزجا فلا يحرم غير ذلك للأصل و العمومات و حصر المحرمات و المشهور بين المتفقهة أنه يحرم التراب و الأرض كلها حتى الرمل و الأحجار قال في المسالك المراد به ما يشمل التراب و المدر لما فيه من الإضرار بالبدن و الضرر مطلقا غير واضح و لعل وجه المشهور أنه إذا كان الطين حراما و ليس فيه إلا الماء و التراب و معلوم عدم تحريم الماء و لا معنى لتحريم شي‏ء بسبب انضمام محلل فلو لم يكن التراب محرما لم يكن الطين كذلك و إنما التراب جزء الأرض فيكون كلها حراما و فيه تأمل واضح فتأمل و لا تترك الاحتياط انتهى.

و أقول الوجه الذي حمل الخبر عليه غير ما ذكرنا و مع احتمال تلك الوجوه بل أظهرية بعضها يشكل الاستدلال بهذا الوجه ثم الحكم بتحريم ما سوى الطين و التراب من أجزاء الأرض كالحجارة و الياقوت و الزبرجد و أنواع المعادن مما لا وجه له و الآيات و الأخبار دالة على أن الأصل في الأشياء الحل و لم يرد خبر بتحريم هذه الأشياء و قياسها على التراب باطل و أما المستثنى منه و هو حل طين قبر الحسين(ع)فالظاهر أنه لا خلاف في حله في الجملة و إنما الكلام في شرائطه و خصوصياته و لنشر إليها و إلى بعض الأحكام المستفادة من الأخبار الأول المكان الذي يؤخذ منه التربة ففي بعض الأخبار طين القبر و هي تدل ظاهرا على أنها التربة المأخوذة من المواضع القريبة مما جاور القبر و في بعضها طين حائر الحسين(ع)فيدل على جواز أخذه من جميع الحائر و عدم دخول ما خرج منه و في بعضها عشرون ذراعا مكسرة و هو أضيق و في بعضها خمسة و عشرون ذراعا من كل جانب من جوانب القبر و في بعضها تؤخذ طين قبر الحسين(ع)من‏

160

عند القبر على سبعين ذراعا و في بعضها فيه شفاء و إن أخذ على رأس ميل و في بعضها البركة من قبره(ع)على عشرة أميال و في بعضها حرم الحسين(ع)فرسخ في فرسخ من أربع جوانب القبر و في بعضها حرمه(ع)خمس فراسخ في‏ (1) أربع جوانبه و جمع الشيخ ره و من تأخر عنه بينها بالحمل على اختلاف مراتب الفضل و تجويز الجميع و هو حسن و الأحوط في الأكل أن لا يجاوز الميل بل السبعين و كلما كان أقرب كان أحوط و أفضل قال المحقق الأردبيلي طيب الله تربته و أما المستثنى فالمشهور أنه تربة الحسين(ع)فكل ما يصدق عليه التربة يكون مباحا و مستثنى و في بعض الروايات طين قبر الحسين(ع)فالظاهر أن الذي يؤخذ من القبر الشريف حلال و لما كان الظاهر عدم إمكان ذلك دائما فيمكن دخول ما قرب منه و حواليه فيه أيضا و يؤيده ما ورد في بعض الأخبار طين الحائر و في بعض على سبعين ذراعا و في بعض على عشرة أميال انتهى.

الثاني شرائط الآخذ فقد ورد في بعض الأخبار شرائط كثيرة من الغسل و الصلاة و الدعاء و لوزن المخصوص كما سيأتي في كتاب المزار إن شاء الله تعالى و لما كان أكثر الأخبار الواردة في ذلك خالية عن ذكر هذه الشروط و الآداب فالظاهر أنها من مكملات فضلها و تأثيرها و لا يشترط الحل بها كما هو المشهور بين الأصحاب قال المحقق الأردبيلي ره الأخبار في جواز أكلها للاستشفاء كثيرة و الأصحاب مطبقون عليه و هل يشترط أخذه بالدعاء و قراءة إِنَّا أَنْزَلْناهُ‏ ظاهر بعض الروايات في كتب المزار ذلك بل مع شرائط أخرى حتى ورد أنه قال شخص إني أكلت و ما شفيت فقال(ع)له افعل كذا و كذا و ورد أيضا أن له غسلا و صلاة خاصة و الأخذ على وجه خاص و ربطه و ختمه بخاتم يكون نقشه كذا و يكون أخذه مقدارا خاصا و يحتمل أن يكون ذلك لزيادة الشفاء و سرعته و تبقيته لا مطلقا فيكون مطلقا جائزا كما هو المشهور و في كتب الفقه مسطور.

الثالث ما يؤكل له و لا ريب في أنه يجوز للاستشفاء من مرض حاصل و إن‏

____________

(1) من (خ).

161

ظن إمكان المعالجة بغيره من الأدوية و الظاهر الأمراض الجسمانية أي مرض كان و ربما يوسع بحيث يشمل الأمراض الروحانية و فيه إشكال و أما الأكل بمحض التبرك فالظاهر عدم الجواز للتصريح به في بعض الأخبار و عموم بعضها لكن ورد في بعض الأخبار جواز إفطار العيد به و إفطار يوم عاشوراء أيضا به و جوزه فيهما بعض الأصحاب و لا يخلو من قوة و الاحتياط في الترك إلا أن يكون له مرض يقصد الاستشفاء به أيضا قال المحقق الأردبيلي ره و لا بد أن يكون بقصد الاستشفاء و إلا فيحرم و لم يحصل له الشفاء كما في رواية أبي يحيى و يدل عليه غيرها أيضا و قد نقل أكله يوم عاشوراء بعد العصر و كذا الإفطار بها يوم العيد و لم تثبت صحته فلا يؤكل إلا للشفاء انتهى و قال ابن فهد (قدّس سرّه) ذهب ابن إدريس إلى تحريم التناول إلا عند الحاجة و أجاز الشيخ في المصباح الإفطار عليه في عيد الفطر و جنح العلامة إلى قول ابن إدريس لعموم النهي عن أكل الطين مطلقا و كذا المحقق في النافع ثم قال يحرم التناول إلا عند الحاجة عند ابن إدريس و يجوز على قصد الاستشفاء و التبرك و إن لم يكن هناك ضرورة عند الشيخ.

الرابع المقدار المجوز للأكل و الظاهر أنه لا يجوز التجاوز في كل مرة عن قدر الحمصة و إن جاز التكرار إذا لم يحصل الشفاء بالأول و قد مر التصريح بهذا المقدار في الأخبار و كان الأحوط عدم التجاوز عن مقدار عدسة

لِمَا رَوَاهُ الْكُلَيْنِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ النَّاسَ يَرْوُونَ أَنَّ النَّبِيَّ(ص)قَالَ إِنَّ الْعَدَسَ بَارَكَ عَلَيْهِ سَبْعُونَ نَبِيّاً فَقَالَ هُوَ الَّذِي تُسَمُّونَهُ عِنْدَكُمُ الْحِمَّصَ وَ نَحْنُ نُسَمِّيهِ الْعَدَسَ‏ (1).

- وَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رِفَاعَةَ عَنْهُ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمَّا عَافَى أَيُّوبَ(ع)نَظَرَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدِ ازْدَرَعَتْ فَرَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ إِلَهِي وَ سَيِّدِي عَبْدُكَ أَيُّوبُ الْمُبْتَلَى عَافَيْتَهُ وَ لَمْ يَزْدَرِعْ شَيْئاً وَ هَذَا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ زَرْعٌ فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ يَا أَيُّوبُ خُذْ مِنْ سُبْحَتِكَ كَفّاً فَابْذُرْهُ وَ كَانَتْ سُبْحَتُهُ فِيهَا مِلْحٌ فَأَخَذَ أَيُّوبُ كَفّاً

____________

(1) الكافي: ج 6،(ص)343.

162

مِنْهَا فَبَذَرَهُ فَخَرَجَ هَذَا الْعَدَسُ وَ أَنْتُمْ تُسَمُّونَهُ الْحِمَّصَ وَ نَحْنُ نُسَمِّيهِ الْعَدَسَ‏ (1).

لأنهما يدلان على أنه يطلق الحمص على العدس أيضا فيمكن أن يكون المراد بالحمصة في تلك الأخبار العدسة لكن العدول عن الحقيقة لمحض إطلاقه في بعض الأخبار على غيره غير موجه مع أن ظاهر الخبرين أنهم(ع)كانوا يسمون الحمصة عدسة لا العكس فتأمل و كذا فهمهما الكليني حيث أوردهما في باب الحمص لا العدس.

الخامس الطين الأرمني هل يجوز الاستشفاء به و استعماله في الأدوية فقيل نعم لأنه ورد في الأخبار المؤيدة بعمومات دلائل حل المحرمات عند الاضطرار و قيل لا لعدم صلاحية تلك الأخبار لتخصيص أخبار التحريم و قد ورد المنع عن التداوي بالحرام و الأكثر لم يعتنوا بهذه الأخبار و جعلوا الخلاف فيه فرعا للخلاف في جواز التداوي بالحرام و عدمه و لذا ألحقوا به الطين المختوم و إن لم يرد فيه خبر قال المحقق روح الله روحه في الشرائع و في الأرمني رواية بالجواز حسنة لما فيه من المنفعة المضطر إليها و قال الشهيد الثاني نور الله ضريحه موضع التحريم في تناول الطين ما إذا لم يدع إليه حاجة فإن في بعض الطين خواص و منافع لا تحصل في غيره فإذا اضطر إليه لتلك المنفعة بإخبار طبيب عارف يحصل الظن بصدقه جاز تناول ما تدعو إليه الحاجة لعموم قوله تعالى‏ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ‏ و قد وردت الرواية بجواز تناول الأرمني و هو طين مخصوص يجلب من أرمنية تترتب عليه منافع خصوصا في زمن الوباء و للإسهال و غيره مما هو مذكور في كتب الطب و مثله الطين المختوم و ربما قيل بالمنع لعموم ما دل على تحريم الطين و قوله(ص)ما جعل شفاؤكم في ما حرم عليكم و قوله(ص)لا شفاء في محرم و جوابه أن الأمر عام مخصوص بما ذكر و قوله(ص)لا ضرر و لا إضرار و الخبران نقول بموجبهما لأنا نمنع من تحريمه حال الضرورة و المراد ما دام محرما و موضع الخلاف ما إذا لم يخف الهلاك و إلا جاز بغير إشكال انتهى و سيأتي تمام الكلام في التداوي بالحرام في بابه إن شاء الله تعالى و قال ابن فهد ره الطين الأرمني‏

____________

(1) الكافي: ج 6،(ص)343.

163

إذا دعت الضرورة إليه عينا جاز تناوله خاصة دون غيره و قيل إنه من طين قبر إسكندر و الفرق بينه و بين التربة من وجوه الأول أن التربة يجوز تناولها لطلب الاستشفاء من الأمراض و إن لم يصفها الطبيب بل و إن حذر منها و الأرمني لا يجوز تناوله إلا أن يكون موصوفا الثاني أن التربة لا يتجاوز منها قدر الحمصة و في الأرمني يباح القدر الذي تدعو إليه الحاجة و إن زاد عن ذلك الثالث أن التربة محترمة لا يجوز تقريبها من النجاسة و ليس كذلك الأرمني.

المتهجد، يستحب صوم هذا العشر فإذا كان يوم العاشر أمسك عن الطعام و الشراب إلى بعد العصر ثم يتناول شيئا يسيرا من التربة.

29- الْإِقْبَالُ، رَوَيْنَا بِإِسْنَادِنَا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيِّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ النَّوْفَلِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ(ع)إِنِّي أَفْطَرْتُ يَوْمَ الْفِطْرِ عَلَى طِينٍ وَ تَمْرٍ قَالَ لِي جَمَعْتَ بَرَكَةً وَ سُنَّةً.

قال السيد رضي الله عنه يعني بذلك التربة المقدسة على صاحبها السلام‏ (1).

30- دَعَائِمُ الْإِسْلَامِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَكْلِ الطِّينِ وَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ آدَمَ مِنْ طِينٍ فَحَرَّمَ أَكْلَ الطِّينِ عَلَى ذُرِّيَّتِهِ وَ مَنْ أَكَلَ الطِّينَ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى نَفْسِهِ وَ مَنْ أَكَلَهُ فَمَاتَ لَمْ أُصَلِّ عَلَيْهِ.

31- وَ قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ(ع)أَكْلُ الطِّينِ يُورِثُ النِّفَاقَ‏ (2).

____________

(1) الإقبال: 281.

(2) قد مر مرسلا عن المحاسن تحت الرقم (14).

164

باب 34 المعادن و أحوال الجمادات و الطبائع و تأثيراتها و انقلابات الجواهر و بعض النوادر

الآيات الحجر وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْزُونٍ‏ (1) النحل‏ أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلى‏ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَ الشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَ هُمْ داخِرُونَ وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَ الْمَلائِكَةُ وَ هُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ‏ (2) أسرى‏ تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (3) الأنبياء قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى‏ إِبْراهِيمَ‏ (4) و قال تعالى‏ وَ سَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَ الطَّيْرَ وَ كُنَّا فاعِلِينَ وَ عَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى‏ الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها (5) الحج‏ أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَ كَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ‏ (6) سبأ وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَ الطَّيْرَ وَ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ إلى قوله تعالى‏ وَ أَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ (7)

____________

(1) الحجر: 19.

(2) النحل: 48- 49.

(3) الإسراء: 44.

(4) الأنبياء: 69.

(5) الأنبياء: 79- 81.

(6) الحجّ: 18.

(7) سبأ: 10- 12.

165

فاطر إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (1)(ص)إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِشْراقِ‏ (2) و قال سبحانه‏ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ‏ (3) الحديد وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَ رُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (4) تفسير أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلى‏ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ قيل استفهام إنكار أي قد رأوا أمثال هذه الصنائع فما بالهم لم يتفكروا ليظهر لهم كمال قدرته و قهره فيخافوا منه و ما موصولة مبهمة بيانها يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ‏ أي أ و لم ينظروا إلى المخلوقات التي لها ظلال متفيئة عَنِ الْيَمِينِ وَ الشَّمائِلِ‏ أي عن أيمانها و شمائلها أي جانبي كل واحد منها استعارة عن يمين الإنسان و شماله و لعل توحيد اليمين و جمع الشمائل لاعتبار اللفظ و المعنى كتوحيد الضمير في‏ ظِلالُهُ‏ و جمعه في قوله‏ سُجَّداً لِلَّهِ وَ هُمْ داخِرُونَ‏ و هما حالان عن الضمير في‏ ظِلالُهُ‏ و المراد من السجود الانقياد و الاستسلام سواء كان بالطبع أو بالاختيار يقال سجدت النخلة إذا مالت لكثرة الحمل و سجد البعير إذا طأطأ رأسه ليركب و قال الشاعر

ترى الأكم فيها سجدا للحوافر

و سُجَّداً حال من الظلال‏ وَ هُمْ داخِرُونَ‏ من الضمير و المعنى يرجع الظلال بارتفاع الشمس و انحدارها أو باختلاف مشارقها و مغاربها بتقدير الله تعالى من جانب إلى جانب منقادة لما قدر لها من التفيؤ أو واقعة على الأرض ملتصقة بها كهيئة الساجد و الأجرام في أنفسها أيضا داخرة أي صاغرة منقادة لأفعال الله فيها و جمع‏ داخِرُونَ‏ لأن من جملتها من يعقل أو لأن الدخور من أوصاف العقلاء و قيل المراد باليمين و الشمائل عن يمين الفلك و هو جانبه الشرقي لأن الكوكب يظهر منه أخذه في‏

____________

(1) فاطر: 41.

(2) ص: 18.

(3) ص: 36.

(4) الحديد: 25.

166

الارتفاع و السطوع و شماله هو الجانب الغربي المقابل له فإن الأظلال في أول النهار تبتدئ من المشرق واقعة على الربع الغربي من الأرض و عند الزوال يبتدئ من المغرب واقعة على الربع الشرقي من الأرض كما ذكره البيضاوي و غيره و قال بعضهم كان الحسن يقول أما ظلك فيسجد لربك و أما أنت فلا تسجد لربك بئس ما صنعت و عن مجاهد ظل الكافر يصلي و هو لا يصلي و قيل ظل كل شي‏ء يسجد لله و سواء كان ذلك ساجدا لله أم لا و قال الطبرسي ره و قيل إن المراد بالظل هو الشخص بعينه قال الشاعر كان في أظلالهن الشمس أي في أشخاصهن فعلى هذا يكون تأويل الظلال في الآية تأويل الأجسام التي عنها الظلال‏ وَ هُمْ داخِرُونَ‏ أي أذلة صاغرون قد نبه الله سبحانه بهذا على أن جميع الأشياء تخضع له بما فيها من الدلالة على الحاجة إلى واضعها و مدبرها بما لولاه لبطلت و لم يكن لها قوام طرفة عين فهي في ذلك كالساجد من العباد بفعله الخاضع بذله انتهى و قال النيسابوري في تأويلها بعد تفسيرها بما مر إِلى‏ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ هو عالم الأجسام فإن عالم الأرواح خلق من لا شي‏ء يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ‏ فإن الأجسام ظلال الأرواح فتارة تميل بعمل أهل السعادة إلى أصحاب اليمين و أخرى تميل بعمل أهل الشقاء إلى أصحاب الشمال سجدا لله منقادين لأمره مسخرين لما خلقوا لأجله و إنما وحد اليمين و جمع الشمائل لكثرة أصحاب الشمال و سجود كل موجود يناسب حالة كما أن تسبيح كل منهم يلائم لسانه انتهى.

و أقول و يحتمل أن يكون المراد بظلالة مثاله على القول بعالم المثال كما مر تحقيقه أو روحه كما عبر في الأخبار الكثيرة عن عالم الأرواح بالظلال فالمراد بالتفيؤ عن اليمين ميلهم إلى السعادة و التشبه بأصحاب اليمين و بالشمائل خلافه و هذا كلام على سبيل الاحتمال في مقابلة ما ذكروه من ذلك و الله يعلم تفسير كلامه و حججه الكرام(ع)وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ قال الرازي قد ذكرنا أن السجود على نوعين سجود هو عبادة كسجود المسلمين لله تعالى و سجود هو عبارة عن الانقياد و الخضوع و يرجع حاصل‏

167

هذا السجود إلى أنها في أنفسها ممكنة الوجود و العدم قابلة لهما لأنه لا يرجح أحد الطرفين على الآخر إلا لمرجح إذا عرفت هذا فنقول من الناس من قال المراد بالسجود المذكور في هذه الآية السجود بالمعنى الثاني و هو التواضع و الانقياد و الدليل عليه أن اللائق بالدابّة ليس إلا هذا السجود و منهم من قال المراد بالسجود هاهنا هو المعنى الأول لأن اللائق بالملائكة هو السجود بهذا المعنى لأن السجود بالمعنى الثاني حاصل في كل الحيوانات و النباتات و الجمادات و منهم من قال السجود لفظ مشترك بين المعنيين و حمل اللفظ المشترك لإفادة مجموع معنييه جائز فحمل لفظ السجود في هذه الآية على الأمرين معا أما في حق الدابة فبمعنى التواضع و أما في حق الملائكة فبمعنى سجود المسلمين لله تعالى و هذا القول ضعيف لأنه ثبت أن استعمال اللفظ المشترك لإفادة جميع مفهوماته معا غير جائز قوله‏ مِنْ دابَّةٍ قال الأخفش يريد من الدوابّ و قال ابن عباس يريد كل ما دب على الأرض فإن قيل ما الوجه في تخصيص الدواب و الملائكة بالذكر قلنا فيه وجوه الأول أنه تعالى بين في آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة لله تعالى لأن أخسها الدواب و أشرفها الملائكة فلما بين في أخسها و أشرفها كونها منقادة لله تعالى و بين بهذه الآية أن الحيوانات بأسرها منقادة لله تعالى كان ذلك دليلا على أنها بأسرها منقادة خاضعة لله تعالى.

و الوجه الثاني قال حكماء الإسلام الدابة اشتقاقها من الدبيب و الدبيب عبارة عن الحركة الجسمانية فالدابة اسم لكل حيوان جسماني يتحرك و يدب فلما ميز الله الملائكة من الدابة علمنا أنها ليست مما يدب بل هي أرواح محضة مجردة و يمكن الجواب عنه بأن الطير بالجناح مغاير للدبيب‏ (1) بدليل قوله تعالى‏ وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ‏ (2) انتهى‏ (3).

____________

(1) في المصدر: بان الجناح للطيران مغاير للدبيب.

(2) الأنعام: 31.

(3) مفاتيح الغيب: ج 20،(ص)43.

168

و أقول التخصيص بعد التعميم أيضا شائع كعطف جبرئيل على الملائكة كما ذكره البيضاوي و ما ذكره من عدم جواز استعمال المشترك في معنييه على تقدير تسليمه لا حاجة في التعميم على حمله على ذلك بل يمكن حمله على معنى الانقياد و التواضع و هو يشمل الانقياد لإرادته و تأثيره طبعا و الانقياد لتكليفه و أمره طوعا كما حمل عليه البيضاوي و قال بعضهم هذه الآية تدل على أن العالم كله في مقام الشهود و العبادة إلا كل مخلوق له قوة التفكر و ليس إلا النفوس الناطقة الإنسانية و الحيوانية خاصة من حيث أعيان أنفسهم لا من حيث هياكلهم فإن هياكلهم كسائر العالم في التسبيح له و السجود فأعضاء البدن كلها مسبحة ناطقة أ لا تراها تشهد على النفوس المسخرة لها يوم القيامة من الجلود و الأيدي و الأرجل و الألسنة و السمع و البصر و جميع القوى‏ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ انتهى.

و أقول و الأرواح و النفوس أيضا لها جهتان فمن جهة مسخرة منقادة لربها في جميع ما أراد منها و من جهة أخرى عاصية مخالفة لربها بل من هذه الجهة أيضا مسخرة ساجدة خاضعة لإرادة ربها حيث أقدرها على ما أرادت و دالة على وجود صانعها الذي جعلها مختارة مريدة قادرة على الإتيان بما أرادت فهي من هذه الجهة أيضا مسبحة لربها ذاكرة لها دالة عليها منادية بلسان حالها من جهة إمكانها و حدوثها و افتقارها بأن لي ربا جعلني مريدا مختارا لحكمته و كماله و عنايته الأزلية كما قال بعض العارفين بالفارسية عين إنكار منكر إقرار است و الكلام في هذا المقام دقيق لا يمكن إجراء أكثر من ذلك منه على الأقلام و يصعب دركها على الأفهام و قد أومأت إلى شي‏ء منه في شرح كتاب توحيد الكافي في توضيح أخبار إرادة الله تعالى و بيان معانيها.

قوله سبحانه‏ تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ‏ قال النيسابوري قالت العقلاء تسبيح الحي المكلف يكون تارة باللسان بأن يقول سبحان الله و أخرى بدلالة أحواله على وجود الصانع الحكيم و تسبيح غيره لا يكون إلا من القبيل الثاني و قد تقرر في الأصول أن اللفظ المشترك لا يحمل على معنييه معا في حالة واحدة فتعين التسبيح‏

169

هاهنا على المعنى الثاني ليشمل الكل هذا ما عليه المحققون و أورد عليه أنه لو كان المراد بالتسبيح ما ذكرتم لم يقل‏ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ‏ لأن التسبيح بهذا الوجه مفقوه معلوم و أجيب بأن دلالة كل شي‏ء على وجود الصانع معلومة على الإجمال دون التفصيل فإنك إذا أخذت تفاحة واحدة فلا شك أنها مركبة من أجزاء لا تتجزأ و لكن عدد تلك الأجزاء و صفة كل منها من الطبع و الطعم و اللون و الحيز و الجهة و غيرها لا يعلمها إلا الله و أيضا الخطاب للمشركين و إنهم و إن كانوا مقرين بالخالق إلا أنهم أثبتوا شريكا و أنكروا قدرته على البعث و الإعادة و لم ينظروا في المعجزات الدالة على نبوة محمد(ص)فكأنهم لم يفقهوا التسبيح إذ لم يتوسلوا به إلى نتيجة النظر الصحيح و لهذا ختم الآية بقوله‏ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً حين لم يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم و سوء نظركم و زعم بعض الظاهريين أن ما سوى الحي المكلف يسبح لله تعالى باللسان أيضا كل بلغته و لسانه الذي لا نعرف نحن و لا نفقه و زعم أيضا أن الحيوان إذا ذبح لا يسبح و كذا غصن الشجرة إذا كسر فأورد عليه أن كونه جمادا لا يمنع من كونه مسبحا فكيف صار ذبح الحيوان مانعا عن التسبيح و كذا كسر الغصن و يمكن أن يجاب بأن تسبيح كل شي‏ء لعله يختص بتركيبه الذي خلق عليه فإذا بطل ذلك التركيب و فكك ذلك النظم لم يبق مسبحا مطلقا أو لا على ذلك النحو.

و قال في تأويلها لكل ذرة من ذرات الموجودات ملكوت لقوله‏ فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ (1) و الملكوت باطن الكون و هو الآخرة و الآخرة حيوان لا جماد لقوله‏ وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ‏ (2) فلكل ذرة لسان ملكوتي ناطق بالتسبيح و الحمد تنزيها لصاحبه و حمدا له على ما أولاه من نعمه و بهذا اللسان نطق الحصا في كف النبي(ص)و به تنطق الأرض يوم القيامة يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (3) و به تنطق الجوارح‏ أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ (4) و به نطقت‏

____________

(1) يس: 83.

(2) العنكبوت: 64.

(3) الزلزال: 4.

(4) فصّلت: 21.

171

بذلك انتفى تأثيرها كما أن الله تعالى أقدر العباد على أفعالهم لكن بشرط عدم تعلق إرادته القاهرة بخلافه و لذا ورد في الأخبار أنه لا يحدث شي‏ء في السماء و الأرض إلا بإذنه سبحانه قوله تعالى‏ وَ سَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَ الطَّيْرَ قال الطبرسي ره قيل معناه سيرنا الجبال مع داود حيث سار فعبر عن ذلك بالتسبيح لما فيه من الآية العظيمة التي تدعو إلى تسبيح الله و تعظيمه و تنزيهه عن كل ما لا يليق به و كذلك تسخير الطير له تسبيح يدل على أن مسخرها قادر لا يجوز عليه ما يجوز على العباد و قيل إن الجبال كانت تجاوبه بالتسبيح و كذلك الطير يسبح بالغداة و العشي معجزة له انتهى‏ (1).

و قال الرازي قال أصحاب المعاني يحتمل أن يكون تسبيح الجبال و الطير بمثابة قوله‏ وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ‏ و تخصيص داود(ع)بذلك إنما كان‏

____________

جميع الآيات و المعجزات خرق للنظام المتعارف الذي نتعاهده معاشر الناس في حياتنا و نعرف فيه أسبابا و شرائط وجودية و عدمية و معدات لكن ليس خرقا للنظام العلى و المعلولى رأسا، فجعل النار بردا مثلا ليس إبطالا للنظام السببى و المسببى الحاكم على العالم بحذافيره، بل إعمال لأسباب و شرائط لا نتعاهدها و يكفى له إيجاد مانع من تأثير النار في جسمه (عليه السلام) أو حول بدنه أو تسخير النار لايجاد البرودة كما تسخر قوة الكهرباء اليوم له، كل ذلك لا من طريق متعارف عند الناس بل بسبب إلهى و طريق غيبى و مجرى نفسى غير مشهود للعامة، و اللّه على كل شي‏ء قدير.

فان قيل: مرجع الأخير إلى أن اللّه تعالى أراد أن تتبرد النار فبردت، و هذه إبطال لسببية النار للاحراق- لعدم إمكان سببية شي‏ء واحد لضدين و متقابلين- أو التزام بحصول معلول مادى من غير حصول علته المسانخة له قلنا: الاحتراق عبارة عن تبدل الصورة تبدلا خاصا و النار معدة له لا مفيضة للصورة الحادثة، و لا يمتنع تأثيرها في ضده كما يشاهد في الكهرباء أضف الى ذلك حديث تعدّد الجهات. و أمّا استناد الحوادث إلى إرادة اللّه تعالى من غير واسطة فمخالف للسنة الإلهيّة التي لن تجد لها تبديلا و لن تجد لها تحويلا، و مستلزم للطفرة و اختلال نظام العلل و المعاليل. و الحاصل أن إرادة اللّه تعالى فوق العلل المادية و في طولها لا في رتبتها و هو القاهر فوق عباده.

(1) مجمع البيان: ج 7،(ص)58.

170

السماوات و الأرض‏ قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ‏ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً في الأزل إذ أخرج من العدم من يكفر به و يجحده‏ غَفُوراً لمن تاب عن كفره.

قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً قال الطبرسي هذا مثل فإن النار جماد لا يصح خطابه و المراد أنا جعلنا النار بردا عليه و سلامة لا يصيبه من أذاها شي‏ء كما قال سبحانه‏ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ‏ (1) و المعنى أنه صيرهم كذلك لا أنه خاطبهم و أمرهم بذلك و قيل يجوز أن يتكلم الله سبحانه بذلك و يكون ذلك صلاحا للملائكة و لطفا لهم و ذكر في كون النار بردا و سلاما على إبراهيم وجوها أحدها أن الله سبحانه أحدث فيها بردا بدلا من شدة الحرارة فيها فلم تؤذه و ثانيها أنه سبحانه حال بينها و بين إبراهيم فلم تصل إليه و ثالثها أن الإحراق يحصل بالاعتمادات التي في النار صعدا فيجوز أن يذهب سبحانه تلك الاعتمادات و على الجملة فعلمنا أن الله سبحانه منع النار من إحراقه و هو أعلم بتفاصيله‏ (2) انتهى.

و قال البيضاوي انقلاب النار هواء طيبة ليس ببدع غير أنه هكذا على خلاف المعتاد فهو إذن من معجزاته و قيل كانت النار بحالها لكنه تعالى دفع عنه أذاها كما في السمندر و يشعر به قوله‏ عَلى‏ إِبْراهِيمَ‏ (3) انتهى.

و أقول على مذهب الأشاعرة لا إشكال في ذلك لأنهم يقولون لا مؤثر في الوجود إلا الله و إنما أجرى عادته بالإحراق عند قرب شي‏ء من النار فإذا أراد غير ذلك لا يخلق الإحراق و أما عند غيرهم من القائلين بتأثير الطبائع و لزوم الصفات لها فيشكل ذلك عندهم و الأولى أن يقال إحراق النار و تبريد الثلج و قتل السموم و غير ذلك من التأثيرات لما كانت مشروطة بشروط كقابلية المادة و غيرها فلم لا يجوز أن تكون مشروطة بعدم تعلق إرادة القادر المختار بخلافه‏ (4) فإذا تعلقت‏

____________

(1) البقرة: 65، و الأعراف: 165.

(2) مجمع البيان: ج 7،(ص)54.

(3) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)86.

(4) هذا تنزيل لمقام إرادته القاهرة التي بها تسببت الأسباب و انسجم نظام الكون و يستلزم جعلها في عداد الشرائط المادية، و يترتب عليه لوازم نغمض عن ذكرها. و الحق أن.

172

بسبب أنه كان يعرف ذلك ضرورة فيزداد يقينا و تعظيما و أما المعتزلة فقالوا لو حصل الكلام في الجبل لحصل إما بفعله أو بفعل الله تعالى فيه و الأول محال لأن بنية الجبل لا تحتمل الحياة و العلم و القدرة و ما لا يكون حيا عالما قادرا يستحيل منه الفعل و الثاني أيضا محال لأن المتكلم عندهم من كان فاعلا للكلام لا من كان محلا له فلو كان فاعل ذلك الكلام هو الله تعالى لكان المتكلم هو الله لا الجبل فجعلوا التسبيح من السباحة و بناء التفعيل للتكثير مثل قوله‏ يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ‏ و الحاصل سيري معه.

و اعلم أن مدار هذا القول على أن بنية الجبل لا تقبل الحياة و هذا ممنوع و على أن التكلم من فعل الله و هو أيضا ممنوع و أما الطير فلا امتناع في أن يصدر عنها الكلام و لكن اجتمعت الأمة على أن المكلفين إما الجن‏ (1) و الإنس أو الملائكة فيمتنع فيها أن تبلغ في العقل إلى درجة التكليف بل يكون حاله كحال الطفل في أن يؤمر و ينهى و إن لم يكن مكلفا فصار ذلك معجزة من حيث جعلها في الفهم بمنزلة المراهق و أيضا دلالته على قدرة الله و على تنزيهه مما لا يجوز فيكون القول فيه كالقول في الجبال انتهى‏ (2).

وَ عَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ‏ أي علمناه كيف يصنع الدروع قال قتادة أول من صنع الدروع داود و إنما كانت صفائح جعل الله سبحانه الحديد في يده كالعجين فهو أول من سردها و حلقها فجمعت الخفة و التحصين‏ وَ لِسُلَيْمانَ‏ أي سخرنا له‏ الرِّيحَ عاصِفَةً أي شديدة الهبوب‏ أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ‏ لعل المراد بالسجود غاية الخضوع و الانقياد الممكن من الشي‏ء ففي الجمادات و العجم من الحيوانات يحصل منهم غاية الانقياد الذي يتأتى منهم و كذا الملائكة و صالحو المؤمنين و أما الكفار و الفجار فلما لم يتأت منهم غاية الانقياد أخرجهم و قال‏ وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ‏ لأنهم و إن كانوا في الأوامر التكوينيّة منقادين فليسوا في الأوامر التكليفيّة كذلك‏

____________

(1) في المصدر: أو.

(2) مفاتيح الغيب: ج 22،(ص)200.

173

فالسجود محمول على معنى واحد و ليس من استعمال المشترك في معنييه كما عرفت سابقا و قال الرازي الرؤية هنا بمعنى العلم و في السجود وجوه أحدها قال الزجاج أجود الوجوه في سجود هذه الأمور أنها تسجد مطيعة لله تعالى و هو كقوله‏ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً الآية أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏ وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ‏ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ‏ وَ سَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ‏ و المعنى أن هذه الأجسام لما كانت قابلة لجميع الأعراض التي يحدثها الله تعالى فيها من غير امتناع البتة أشبهت الطاعة و الانقياد و هو السجود و أما قوله‏ وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ‏ ففيه وجوه أحدها أن السجود بالمعنى الذي ذكرناه و إن كان عاما في حق الكل إلا أن بعضهم تمرد و تكبر و ترك السجود في الظاهر فهذا الشخص و إن كان ساجدا بذاته لكنه متمرد بظاهره أما المؤمن فإنه ساجد بذاته و بظاهره فلأجل هذا الفرق حصل التخصيص بالذكر و ثانيها أن نقطع قوله‏ وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ‏ عما قبله ثم فيه ثلاثة أوجه الأول أن نقول تقدير الآية و لله يسجد من في السماوات و الأرض و يسجد له كثير من الناس فيكون السجود الأول بمعنى الانقياد و الثاني بمعنى الطاعة و العبادة لئلا يلزم استعمال المشترك في معنييه جميعا الثاني أن يكون قوله‏ وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ‏ مبتدأ خبره محذوف و هو مثاب لأن خبر مقابله يدل عليه و هو قوله‏ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ‏ و الثالث أن يبالغ في تكثير المحقوقين بالعذاب فيعطف كثير على كثير ثم يخبر عنهم‏ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ‏ و ثالثها من يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه جميعا يقول إن المراد بالسجود في حق الأحياء العقلاء السجود و في حق الجمادات الانقياد فإن قيل قوله‏ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ‏ لفظ العموم فيدخل فيه الناس فلم قال مرة أخرى‏ وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ‏ قلنا لو اقتصر على ما تقدم لأوهم أن كل الناس يسجدون فبين أن كثيرا منهم يسجدون طوعا دون كثير منهم فإنه يمتنع عن ذلك.

القول الثاني في تفسير السجود أن كل ما سوى الله تعالى فهو ممكن لذاته و الممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه إلا عند الانتهاء إلى الواجب لذاته كما قال‏

174

وَ أَنَّ إِلى‏ رَبِّكَ الْمُنْتَهى‏ (1) و كما أن الإمكان لازم للممكن حال حدوثه و بقائه فافتقاره إلى الواجب حاصل حال حدوثه و حال بقائه و هذا الافتقار الذاتي اللازم للماهية أدل على الخضوع و التواضع من وضع الجبهة على الأرض فإن ذلك علامة وضعية للافتقار و قد يتطرق إليه الصدق و الكذب أما نفس الافتقار الذاتي فإنه ممتنع التغير و التبدل فجميع الممكنات ساجدة بهذا المعنى لله أي خاضعة متذللة معترفة بالفاقة إليه و الحاجة إلى تخليقه و تكوينه و على هذا تأولوا قوله‏ وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ‏ و هذا قول القفال القول الثالث أن سجود هذه الأشياء سجود ظلها كقوله تعالى‏ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ‏ الآية و هذا قول مجاهد (2) انتهى.

قوله تعالى‏ أَوِّبِي مَعَهُ‏ قال البيضاوي أي ارجعي معه التسبيح على الذنب أو النوحة و ذلك إما بخلق صوت مثل صوته فيها أو بحملها إياه على التسبيح إذا تأمل فيها (3) أو سيري معه حيث سار و الطَّيْرَ عطف على محل الجبال‏ وَ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ جعلناه في يده كالشمع يصرفه كيف يشاء من غير أحماء و طرق بآلاته أو بقوة عَيْنَ الْقِطْرِ أي النحاس المذاب أسال‏ (4) له من معدنه فنبع منه نبوع الماء من الينبوع و لذلك سماه عينا و كان ذلك باليمن‏ (5) إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا أي كراهة أن تزولا فإن الممكن حال بقائه لا بد له من حافظ أو يمنعهما أن تزولا لأن الإمساك منع‏ وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما أي ما أمسكهما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ‏ أي من بعد الله أو من بعد الزوال و الجملة سادة مسد الجوابين و من الأولى مزيدة و الثانية للابتداء إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً حيث أمسكهما و كانتا جديرتين أن تهدا هدا لأعمال العباد.

قوله تعالى‏ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ فإن آلات الحرب متخذة عنه‏ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ‏ إذ ما من صنعة إلا و الحديد آلتها وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَ رُسُلَهُ‏ باستعمال الأسلحة

____________

(1) النجم: 42.

(2) مفاتيح الغيب: ج 23،(ص)20.

(3) في المصدر: تأملها.

(4) فيه: أساله.

(5) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)285.

175

و مجاهدة الكفار و العطف على محذوف دل عليه ما قبله فإنه حال يتضمن تعليلا أو اللام صلة لمحذوف أي أنزله ليعلم الله‏ بِالْغَيْبِ‏ حال من المستكن في‏ يَنْصُرُهُ‏ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌ‏ على إهلاك من أراد إهلاكه‏ عَزِيزٌ لا يفتقر إلى نصره و إنما أمرهم بالجهاد لينتفعوا به و يستوجبوا ثواب الامتثال فيه.

و قال الرازي و أما حديد ففيه البأس الشديد فإن آلات الحرب متخذة منه و فيه أيضا منافع كثيرة منها قوله تعالى‏ وَ عَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ‏ و منها أن مصالح العالم إما أصول و إما فروع أما الأصول فأربعة الزراعة و الحياكة و بناء البيوت و السلطنة و ذلك لأن الإنسان يضطر إلى طعام يأكله و ثوب يلبسه و بناء يسكن فيه و الإنسان مدني بالطبع فلا تتم مصلحته إلا عند اجتماع جمع من أبناء جنسه ليشتغل كل واحد منهم بمهم خاص فحينئذ ينتظم من الكل مصالح الكل و ذلك الانتظام لا بد و أن يفضي إلى المزاحمة و لا بد من شخص يدفع ضرر البعض عن البعض و ذلك هو السلطان فثبت أنه لا تنتظم مصلحة العالم إلا بهذه الأصول الأربعة أما الزراعة فمحتاجة إلى الحديد و ذلك من كرب الأرض و حفرها ثم عند تكون هذه الحبوب و تولدها لا بد من جزها و تنقيتها و ذلك لا يتم إلا بالحديد (1) ثم لا بد من خبزها و لا يتم إلا بالنار و لا بد فيها من المقدحة الحديدية و أما الفواكه فلا بد من تنظيفها من قشورها و قطعها على الوجوه الموافقة للأكل و لا يتم ذلك إلا بالحديد ثم يحتاج في آلات الحياكة إلى الحديد ثم نفزع‏ (2) في قطع الثياب و خياطتها إلى الحديد و الذهب لا يقوم مقام الحديد في شي‏ء من هذه المصالح فلو لم يوجد الذهب في الدنيا ما كان يختل شي‏ء من مصالح الدنيا و لو لم يوجد الحديد لاختل جميع مصالح الدنيا ثم إن الحديد لما كانت الحاجة إليه شديدة جعله سهل الوجدان كثير الوجود و الذهب لما قلت الحاجة إليه جعله عزيز الوجود و عند هذا يظهر أثر جود الله و رحمته على عبيده فإن كل ما كانت حاجاتهم إليه أكثر جعل وجدانه أسهل و لهذا قال بعض‏

____________

(1) في المصدر: ثم الحبوب لا بد من طحنها و ذلك لا يتم الا بالحديد.

(2) في المصدر: يحتاج.

176

الحكماء إن أعظم الأمور حاجة إليه هو الهواء فإنه لو انقطع وصوله إلى القلب لحظة مات الإنسان في الحال فلا جرم جعله الله أسهل الأشياء وجدانا و هيأ أسباب التنفس و آلاته حتى أن الإنسان يتنفس دائما بمقتضى طبعه من غير حاجة فيه إلى تكلف عمل و بعد الهواء الماء إلا أنه لما كانت الحاجة إلى الماء أقل من الحاجة إلى الهواء جعل تحصيل الماء أشق قليلا من تحصيل الهواء و بعد الماء الطعام و لما كانت الحاجة إلى الطعام أقل من الحاجة إلى الماء جعل تحصيل الطعام أشق من تحصيل الماء ثم تتفاوت الأطعمة في درجات الحاجة و العزة فكل ما كانت الحاجة إليه أكثر كان وجدانه أسهل و كل ما كان وجدانه أعسر كانت الحاجة إليه أقل و الجواهر لما كانت الحاجة إليها قليلة جدا لا جرم كانت عزيزة جدا فعلمنا أن كل شي‏ء كانت الحاجة إليه أكثر كان وجدانه أسهل و لما كانت الحاجة إلى رحمة الله أشد من الحاجة إلى كل شي‏ء فنرجو من رحمة الله أن يجعلها أسهل الأشياء وجدانا (1)

1- الْعِلَلُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ عَمِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقَاسَانِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُعَلَّى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ الْفَرَّاءِ رَفَعَهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: شَكَتْ أَسَافِلُ الْحِيطَانِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ ثِقْلِ أَعَالِيهَا فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهَا يَحْمِلُ بَعْضُكَ بَعْضاً (2).

الكافي، عن العدة عن البرقي عن إبراهيم الثقفي‏ مثله‏ (3)- المحاسن، عن القاساني‏ مثله إلا أن فيه يحمل بعضها بعضا (4) بيان لعل الشكاية بلسان الافتقار و الاضطرار و الوحي بالخطاب التكويني كما قيل في قوله تعالى‏ وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ‏ أي بلسان استعداداتكم و قابلياتكم‏

____________

(1) مفاتيح الغيب: ج 29،(ص)242.

(2) العلل: ج 2،(ص)150.

(3) الكافي: ج 6،(ص)532.

(4) المحاسن: 623.

177

أو يكون استعارة تمثيلية لبيان أن الله تعالى خلق الأجزاء الأرضية و الترابية بحيث يلتصق بعضها ببعض و لا يكون ثقل الجميع على الأسافل فتنهدم سريعا.

2- الْمَحَاسِنُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ دَاوُدَ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى‏ وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ‏ قَالَ نَقْضُ الْجُدُرِ تَسْبِيحُهَا (1).

الكافي، عن العدة عن سهل بن زياد عن ابن أسباط مثله إلا أن فيه تنقض الجدر (2).

3- الْمَحَاسِنُ، عَنِ ابْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ‏ قَالَ نَقْضُ الْجُدُرِ تَسْبِيحُهَا قُلْتُ نَقْضُ الْجُدُرِ تَسْبِيحُهَا قَالَ نَعَمْ‏ (3).

4- الْعَيَّاشِيُّ، عَنْ أَبِي الصَّلَاحِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ‏ وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ‏ قَالَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ إِنَّا لَنَرَى أَنَّ تَنَقُّضَ الْجِدَارِ هُوَ تَسْبِيحُهَا.

و منه في رواية الحسين بن سعيد عنه(ع)مثله.

5- وَ مِنْهُ، عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ‏ وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ‏ قَالَ إِنَّا نَرَى أَنَّ تَنَقُّضَ الْحِيطَانِ تَسْبِيحُهَا.

6- وَ مِنْهُ، عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ فِدَاكَ أَبِي وَ أُمِّي إِنِّي أَجِدُ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ‏ وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ‏ فَقَالَ هُوَ كَمَا قَالَ فَقَالَ لَهُ أَ تُسَبِّحُ الشَّجَرَةُ الْيَابِسَةُ فَقَالَ نَعَمْ أَ مَا سَمِعْتَ خَشَبَ الْبَيْتِ تَنَقَّضَ وَ ذَلِكَ تَسْبِيحُهُ فَسُبْحَانَ اللَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.

____________

(1) المحاسن: 623.

(2) الكافي: ج 6،(ص)531.

(3) المحاسن: 623.

178

7- الْعِلَلُ، لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: بُكَاءُ السَّمَاءِ احْمِرَارُهَا مِنْ غَيْرِ غَيْمٍ وَ بُكَاءُ الْأَرْضِ زَلَازِلُهَا (1) وَ تَسْبِيحُ الشَّجَرِ حَرَكَتُهَا مِنْ غَيْرِ رِيحٍ وَ تَسْبِيحُ الْبِحَارِ زِيَادَتُهَا وَ نُقْصَانُهَا وَ تَسْبِيحُ الشَّجَرِ نُمُوُّهُ وَ نُشُوؤُهُ وَ قَالَ أَيْضاً ظِلُّهُ يُسَبِّحُ اللَّهَ.

بيان قد مضى من البيان في تفسير الآيات ما يمكن به فهم هذه الأخبار و الحاصل أن تنقض الجدار لدلالتها على حدوث التغير فيها و فنائها نداء منها بلسان حالها على افتقارها إلى من يوجدها و يبقيها منزها عن صفاتها المحوجة إلى ذلك و أيضا نقصانات الخلائق دلائل على كمالات الخالق و كثراتها و اختلافاتها و مضاداتها شواهد وحدانيته و انتفاء الشريك عنه و الند و الضد له‏

- كَمَا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه)بِتَشْعِيرِهِ الْمَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لَا مَشْعَرَ لَهُ وَ بِتَجْهِيرِهِ الْجَوَاهِرَ عُرِفَ أَنْ لَا جَوْهَرَ لَهُ‏ (2) وَ بِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ (3) عُرِفَ أَنْ لَا ضِدَّ لَهُ وَ بِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لَا قَرِينَ لَهُ‏ (4).

و الحاصل أن جميع المصنوعات و الممكنات بصفاتها و لوازمها و آثارها دالة على صانعها و بارئها و مصورها و علمه و حكمته شاهدة بتنزهه عن صفاتها المستلزمة للعجز و النقصان مطيعة لربها في ما خلقها له و أمرها به من مصالح عالم الكون موجه إلى ما خلقت له فسكون الأرض خدمتها و تسبيحها و صرير الماء و جريه تسبيحه و طاعته و قيام الأشجار و النباتات و نموها و جري الريح و أصواتها و هذه الأبنية و سقوطها و تحريق النار و لهبها و أصوات الصواعق و إضاءة البروق و جلاجل الرعود و جري الطيور في الجو و نغماتها كلها طاعة لخالقها و سجدة و تسبيح و تنزيه له سبحانه.

قال بعض العارفين خلق الله الخلق ليوحدوه فأنطقهم بالتسبيح و الثناء عليه و السجود فقال‏ أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ‏ (5) و قال أيضا أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي‏

____________

(1) زلزالها (خ).

(2) ليس هذه الجملة في النهج.

(3) في النهج: الأمور.

(4) النهج: ج 1،(ص)355.

(5) النور: 41.

179

الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ الآية (1) و خاطب بهاتين الآيتين نبيه الذي أشهده ذلك و رآه فقال‏ أَ لَمْ تَرَ و لم يقل أ لم تروا فإنا ما رأيناه فهو لنا إيمان و لمحمد(ص)عيان فأشهده سجود كل شي‏ء و تواضعه لله و كل من أشهده الله ذلك و رآه دخل تحت هذا الخطاب و هذا تسبيح فطري و سجود ذاتي عن تجل تجلى لهم فأحبوه فانبعثوا إلى الثناء عليه من غير تكليف بل اقتضاء ذاتي و هذه هي العبادة الذاتية التي أقامهم الله فيها بحكم الاستحقاق الذي يستحقه.

و في القاموس تنقض البيت تشقق فسمع له صوت و قوله بكاء السماء احمرارها أي خارجا عن العادة فإنه من علامات غضبه تعالى فكأنه يبكي على من استحق الغضب أو على من يستحق العباد له الغضب كما وقع بعد شهادة الحسين(ع)و قوله حركتها من غير ريح أي عند الزلزلة أو بالنمو فيكون ما بعده تأكيدا له.

8- تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فِي قَوْلِهِ‏ وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْزُونٍ‏ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَنْبَتَ فِي الْجِبَالِ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ الْجَوْهَرَ وَ الصُّفْرَ وَ النُّحَاسَ وَ الْحَدِيدَ وَ الرَّصَاصَ وَ الْكُحْلَ وَ الزَّرْنِيخَ وَ أَشْبَاهُ هَذِهِ لَا تُبَاعُ إِلَّا وَزْناً (2).

بيان لعل المراد بالجوهر الأحجار كالياقوت و العقيق و الفيروزج و أشباهها.

9- تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلى‏ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَ الشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَ هُمْ داخِرُونَ‏ قَالَ تَحْوِيلُ كُلِّ ظِلٍّ خَلَقَهُ اللَّهُ هُوَ سُجُودُهُ لِلَّهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ إِلَّا لَهُ ظِلٌّ يَتَحَرَّكُ بِتَحْرِيكِهِ وَ تَحْوِيلُهُ سُجُودُهُ‏ (3).

10- وَ مِنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى‏ وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ‏ فَحَرَكَةُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ تَسْبِيحٌ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ (4).

11- وَ مِنْهُ، فِي قَوْلِهِ‏ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُ‏ لَفْظُ الشَّجَرِ وَاحِدٌ وَ مَعْنَاهُ جَمْعٌ‏ (5)

____________

(1) الحجّ: 18.

(2) تفسير القمّيّ: 350.

(3) التفسير: 361.

(4) تفسير القمّيّ: 382.

(5) التفسير: 437.

180

وَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى‏ وَ أَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ قَالَ الصُّفْرُ (1).

12- الْمَنَاقِبُ لِابْنِ شَهْرَآشُوبَ، قَالَ: قَالَ ضِبَاعُ بْنُ نَصْرٍ الْهِنْدِيُّ لِلرِّضَا(ع)مَا أَصْلُ الْمَاءِ قَالَ أَصْلُ الْمَاءِ خَشْيَةُ اللَّهِ بَعْضُهُ مِنَ السَّمَاءِ وَ يَسْلُكُهُ فِي الْأَرْضِ يَنَابِيعَ وَ بَعْضُهُ مَاءٌ عَلَيْهِ الْأَرَضُونَ وَ أَصْلُهُ وَاحِدٌ عَذْبٌ فُرَاتٌ قَالَ فَكَيْفَ مِنْهَا عُيُونُ نِفْطٍ وَ كِبْرِيتٍ وَ قَارٍ (2) وَ مِلْحٍ وَ أَشْبَاهِ ذَلِكَ قَالَ غَيَّرَهُ الْجَوْهَرُ وَ انْقَلَبَتْ كَانْقِلَابِ الْعَصِيرِ خَمْراً وَ كَمَا انْقَلَبَتِ الْخَمْرُ فَصَارَتْ خَلًّا وَ كَمَا يَخْرُجُ‏ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَ دَمٍ لَبَناً خالِصاً قَالَ فَمِنْ أَيْنَ أُخْرِجَتْ أَنْوَاعُ الْجَوَاهِرِ قَالَ انْقَلَبَتْ مِنْهَا كَانْقِلَابِ النُّطْفَةِ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ خَلَقَهُ مُجْتَمِعَةً مَبْنِيَّةً عَلَى الْمُتَضَادَّاتِ الْأَرْبَعِ قَالَ‏ (3) إِذَا كَانَتِ الْأَرْضُ خُلِقَتْ مِنَ الْمَاءِ وَ الْمَاءُ بَارِدٌ رَطْبٌ فَكَيْفَ صَارَتِ الْأَرْضُ بَارِدَةً يَابِسَةً قَالَ سُلِبَتِ النَّدَاوَةُ فَصَارَتْ يَابِسَةً قَالَ الْحَرُّ أَنْفَعُ أَمِ الْبَرْدُ قَالَ بَلِ الْحَرُّ أَنْفَعُ مِنَ الْبَرْدِ لِأَنَّ الْحَرَّ مِنْ حَرِّ الْحَيَاةِ وَ الْبَرْدَ مِنْ بَرْدِ (4) الْمَوْتِ وَ كَذَلِكَ السُّمُومُ الْقَاتِلَةُ الْحَارَّةُ مِنْهَا أَسْلَمُ وَ أَقَلُّ ضَرَراً مِنَ السُّمُومِ الْبَارِدَةِ (5).

توضيح قوله خشية الله إشارة إلى ما ورد في بعض الكتب السماوية أن الله تعالى خلق أولا درة بيضاء فنظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء ماء عليه الأرضون أي البحر الأعظم غيره الجوهر أي جوهر الأرض التي نبع منها من حر الحياة أي من جنسه لأن الروح الحيواني و الحرارة الغريزية سببان للحياة و زوالهما سبب للموت و فيه إشارة إلى ما ذكره الحكماء في تولد المعادن فلنذكر ما ذكروه في ذلك.

قالوا المركبات التي لها مزاج ثلاثة أنواع تسمى بالمواليد و هي المعادن و النباتات و الحيوانات و وجه الحصر أنه إن تحقق فيه مبدأ التغذية فأما مع تحقق مبدإ الحس و الحركة الإرادية فهو الحيوان أو بدونه و هو النبات و إن لم تحقق‏

____________

(1) التفسير: 537.

(2) في المصدر: و منها قار ...

(3) في المصدر: قال عمران.

(4) بعد (خ).

(5) المناقب: ج 4،(ص)354.

181

ذلك فيه فالمعادن و قال بعضهم و إنما قلنا مع تحقق الحس و الحركة لأنه لا قطع بعدمهما في النبات و المعدن بل ربما يدعي حصول الشعور و الإرادة للنبات لأمارات تدل على ذلك مثل ما يشاهد في ميل النخلة الأنثى إلى الذكر و تعشقها به بحيث لو لم تلقح منه لم تثمر و ميل عروق الأشجار إلى جهة الماء و ميل أغصانها في الصعود من جانب الموانع إلى الفضاء ثم ليس هذا ببعيد عن القواعد الفلسفية فإن تباعد الأمزجة عن الاعتدال الحقيقي إنما هو على غاية من التدريج فانتقاض استحقاق الصور الحيوانية و خواصها لا بد أن يبلغ قبل الانتفاء إلى حد الضعف و الخفاء و كذا النباتيّة و لهذا اتفقوا على أن من المعدنيات ما وصل إلى أفق النباتية و من النباتات ما وصل إلى أفق الحيوانية كالنخلة و إليه الإشارة بقوله(ص)أكرموا عمتكم النخلة و قال بعضهم أخرى طبقات المعادن متصلة بأولى طبقات النباتات كما أن المرجان التي هي من المعادن ينمو في قعر البحر و هو قريب من النباتات التي تنبت في فصل الربيع و تذبل و تفنى سريعا و أخرى طبقات النبات تتصل بأولى طبقة الحيوانات كالنخل فإنها شبيهة بالحيوان في أنها إذا غرقت في الماء أو تقطع رأسها تموت و لا تثمر كثيرا بدون اللقاح و رائحة طلعها شبيهة برائحة المني و تعشق بعضها بعضا بحيث لا تحمل إلا إذا صب فيها من طلعه و يميل بعضها إلى بعض و هي قريبة من الحيوانات المتولدة في الأراضي الندية كالخراطين و أشباهها و أخرى طبقة الحيوانات تتصل بأفق الإنسان كالفيل و القردة فإنهما تتعلمان بأدنى تعليم و في كثير من الصفات شبيهة بالإنسان و هي قريبة من بعض أفراد الإنسان كالسودان و الأتراك الذين ليس فيهم من الإنسانية إلا الأكل و الشرب و النوم و السفاد.

ثم إنهم قالوا إن الأبخرة و الأدخنة المحتبسة في باطن الأرض إذا كثرت يتولد منها ما مر من الرجفة و الزلزلة و انفجار العيون و إذا لم تكن كثيرة اختلطت على ضروب من الاختلاطات المختلفة في الكم و الكيف و المزج بحسب الأمكنة و الأزمنة و الإعدادات فتكون منها الأجسام المعدنية بإذن الله تعالى و هي أول ما يحدث من المركبات العنصرية التامة المزاجية ثم إذا غلب البخار على الدخان‏

182

تتولد مثل اليشم و البلور و الزئبق و غيرها من الجواهر المشفة و إن غلب الدخان يتولد الملح و الزاج و الكبريت و النوشادر ثم من اختلاط بعض هذه مع بعض يتولد غيرها من المعادن و أصنافها خمسة لأنها إما ذائبة أو غير ذائبة و الذائبة إما منطرقة أو غير منطرقة و الغير المنطرقة إما مشتعلة أو غير مشتعلة و غير الذائبة أما عدم ذؤبانه لفرط الرطوبة أو لفرط اليبوسة فأقسامها ذائب منطرق و ذائب مشتمل و ذائب غير منطرق و لا مشتعل و غير ذائب لفرط الرطوبة و غير ذائب لفرط اليبوسة.

فالذائب المنطرق هو الجسم الذي انجمد فيه الرطب و اليابس بحيث لا يقدر النار على تفريقهما مع بقاء دهنية قوية بسببها يقبل ذلك الجسم الانطراق و هو الاندفاع في السحق بانبساط يعرض للجسم في الطول و العرض قليلا دون انفصال شي‏ء و الذوبان سيلان الجسم بسبب تلازم رطبه و يابسه و المشهور من أنواع الذائب المنطرق سبعة الذهب و الفضة و الرصاص و الأسرب و الحديد و النحاس و الخارصيني و قيل الخارصيني هو جوهر شبيه بالنحاس يتخذ منها مرايا لها خواص و ذكر بعضهم أنه لا يوجد في عهدنا (1) و الذي يتخذ منه المرايا و يسمى بالحديد الصيني و الهفتجوش فجوهر مركب من بعض الفلزات و ليس بالخارصيني و الذوبان في غير الحديد ظاهر و أما في الحديد فيكون بالحيلة كما يعرفه أرباب الصنعة و شهدت الأمارات بأن مادة الأجساد السبعة الزئبق و الكبريت و اختلاف الأنواع و الأصناف عائد إلى اختلاف صفاتهما و اختلاطهما و تأثر أحدهما عن الآخر أما الأمارات فهي أنها سيما الرصاص يذوب إلى مثل الزئبق و الزئبق ينعقد برائحة الكبريت إلى مثل الرصاص و الزئبق يتعلق بهذه الأجساد و أما كيفية تكون تلك الأجساد منهما فهي أنه إذا كان الزئبق و الكبريت صافيين و كان انطباخ أحدهما بالآخر تاما فإن كان الكبريت مع بقائه أبيض غير محترق تكونت الفضة و إن كان أحمر و فيه قوة صباغة لطيفة غير

____________

(1) عصرنا (خ).

183

محترقة تكون الذهب و إن كانا نقيين و في الكبريت قوة صباغة لكن وصل إليه قبل كمال النضج برد مجمد عاقد تكون الخارصيني و إن كان الزئبق نقيا و الكبريت رديا فإن كان مع الرداءة فيه قوة إحراقية تكون النحاس و إن كان غير شديد المخالطة بالزئبق بل متداخلا إياه سافا فسافا تولد الرصاص و إن كان الزئبق و الكبريت رديين فإن قوي التركيب و في الزئبق تخلخل أرضي و في الكبريت إحراق تكون الحديد و إن ضعف التركيب تكون الأسرب و يسمى الرصاص الأسود قال صاحب المواقف بعد إيراد مثل هذا التقسيم و أنت خبير بأن القسمة غير حاصرة و أن التكون على هذا الوجه لا سبيل فيه إلى اليقين و لا يرجى له إلا الحدس و التخمين و إن سلم فتكونها على غير هذا الوجه مما لم يقم على امتناعه دليل كيف و المهوسون بالكيمياء لهم في الأجساد السبعة و الأرواح التي تفيد الصورة الذهبية و الفضية تفنن و الكل عندنا للفاعل المختار من غير إحالة على شي‏ء مما ذكروه انتهى.

و الثاني أي الذائب المشتعل هو الجسم الذي فيه رطوبة دهنية مع يبوسة غير مستحكم المزاج و لذلك يقوى النار على تفريق رطبه عن يابسه و هو الاشتعال و ذلك كالكبريت المتولد من مائية تخمرت بالأرضية و الهوائية تخمرا شديدا بالحرارة حتى صارت تلك المائية دهنية و انعقدت بالبرد و قيل دخانية تخمر بها بخارية تخمرا شديدا بالحر حتى حصل فيها دهنية ثم انعقدت بالبرد و كالزرنيخ و هو كذلك إلا أن الدهنية فيه أقل.

و الثالث أي الذائب الذي لا ينطرق و لا يشتمل ما ضعف امتزاج رطبه و يابسه و كثرت رطبته المنعقدة بالحر و اليبس كالزاجات و تولدها من ملحية و كبريتية و حجارة و فيها قوة بعض الأجساد الذائبة و كالأملاح و تولدها من ماء خالطه دخان حار لطيف كثير النارية و انعقد باليبس مع غلبة الأرضية الدخانية و لهذا يتخذ الملح من الرماد المحترق بالطبخ و التصفية.

و الرابع أي الذي لا يذوب و لا ينطرق لرطوبته ما استحكم الامتزاج بين أجزائه الرطبة الغالبة و الأجزاء اليابسة بحيث لا يقول النار على تفريقهما كالزئبق و هو مركب‏

184

من مائية صافية جدا خالطتها دخانية كبريتية لطيفة مخالطة شديدة بحيث لا ينفصل منه سطح إلا و يغشاه من تلك اليبوسة شي‏ء فلذلك لا يعلق باليد و لا ينحصر انحصارا شديدا بشكل ما يحويه و مثاله قطارات الماء الواقعة على تراب في غاية اللطافة فإنه يحيط بالقطرة سطح ترابي حاصر للماء كالغلاف له بحيث تبقى القطرة على شكلها في وجه التراب و إذا تلاقت قطرتان منهما فربما ينخرق الغلافان و يصير الماءان في غلاف واحد و بياض الزئبق لصفاء المائية و بياض الأرضية و ممازجة الهوائية.

و الخامس أي الذي لا يذوب و لا ينطرق ليبوسة ما اشتد الامتزاج بين أجزائه الرطبة و الأجزاء اليابسة المستولية بحيث لا يقدر النار على تفريقهما مع إحالة البرد للمائية إلى الأرضية بحيث لا تبقى رطوبة حسية دهنية و لذا لا ينطرق و لما كان تعقده باليبس لا يذوب إلا بالحيلة بحيث لا يبقى ذلك الجوهر بخلاف الحديد المذاب و ذلك كالياقوت و اللعل و الزبرجد و نحو ذلك من الأحجار.

ثم إن من المعادن ما يتولد بالصنعة بتهيئة المواد و تكميل الاستعداد كالنوشادر و الملح و إن منها ما يعمل له شبيه يعسر التميز في بادئ النظر كالذهب و الفضة و اللعل و كثير من الأحجار المعدنية و هل يمكن أن يعمل حقيقة هذه الجواهر بالصنعة من غير جهة الإعجاز فذهب كثير من العقلاء إلى أن تكون الذهب و الفضة بالصنعة واقع ذهب ابن سينا إلى أنه لم يظهر له إمكان فضلا عن الوقوع لأن الفصول الذاتية التي بها تصير هذه الأجساد أنواعا أمور مجهولة و المجهول لا يمكن إيجاده نعم يمكن أن يعمل النحاس بصبغ الفضة و الفضة بصبغ الذهب و أن يزال عن الرصاص أكثر ما فيه من النقص لكن هذه الأمور المحسوسة يجوز أن لا تكون هي الفصول بل عوارض و لوازم و أجيب بأنا لا نسلم اختلاف الأجسام بالفصول و الصور النوعية بل هي متماثلة لا تختلف إلا بالعوارض التي يمكن زوالها بالتدبير و لو سلم فإن أريد بمجهولية الصور النوعية و الفصول الذاتية أنها مجهولة من كل وجه فممنوع كيف و قد علم أنها مباد لهذه الخواص و الأعراض و إن أريد أنها مجهولة بحقائقها و تفاصيلها فلا نسلم أن الإيجاد موقوف على العلم بذلك و أنه لا يكفي العلم بجميع‏

185

المواد على وجه حصل الظن بفيضان الصور عنده لأسباب لا تعلم على التفصيل كالحية من الشعر و العقرب من البادروج و نحو ذلك و كفى بصنعة الترياق و ما فيه من الخواص و الآثار شاهدا على إمكان ذلك نعم الكلام في الوقوع و في العلم بجميع المواد و تحصيل الاستعداد و لهذا جعل الكيمياء في اسم بلا مسمى.

أقول و يظهر من بعض الأخبار تحققه لكن علم غير المعصوم به غير معلوم و من رأينا و سمعنا ممن يدعي علم ذلك منهم أصحاب خديعة و تدليس و مكر و تلبيس و لا يتبعهم إلا مخدوع و صرف العمر فيه‏ لا يُسْمِنُ وَ لا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ‏

13- تَوْحِيدُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ قَالَ الصَّادِقُ(ع)لَوْ فَطَنُوا طَالِبُوا الْكِيمِيَاءِ لِمَا فِي الْعَذِرَةِ لَاشْتَرَوْهَا بِأَنْفَسِ الْأَثْمَانِ وَ غَالَبُوا بِهَا.

14- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ يَحْيَى الْحَلَبِيِّ عَنِ الثُّمَالِيِّ قَالَ: مَرَرْتُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي سُوقِ النُّحَاسِ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ هَذَا النُّحَاسُ أَيْشٍ‏ (1) أَصْلُهُ فَقَالَ فِضَّةٌ إِلَّا أَنَّ الْأَرْضَ أَفْسَدَتْهَا فَمَنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يُخْرِجَ الْفَسَادَ مِنْهَا انْتَفَعَ بِهَا (2).

15- الْمُجَازَاتُ النَّبَوِيَّةِ لِلرَّضِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فِي الْجَبَلِ ظُهُورُهَا حِرْزٌ وَ بُطُونُهَا كَنْزٌ.

قال السيد ره هذا القول خارج عن طريق المجاز لأن بطون الجبل على الحقيقة كنز و إنما أراد أن أصحابها يستخرجون منها من الأفلاذ ما تنمي به أموالهم و تحسن معه أحوالهم و ظهورها حرز أراد أنها منجاة من المعاطب و ملجأة عند المهارب.

16- الْخَرَائِجُ، رَوَى أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْحَلَّالُ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الثَّانِي(ع)جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ مِنْ هَذَا صَاحِبِ الرَّقَّةِ قَالَ لَيْسَ عَلَيَّ مِنْهُ بَأْسٌ إِنَّ لِلَّهِ بِلَاداً تُنْبِتُ الذَّهَبَ قَدْ حَمَاهَا بِأَضْعَفِ خَلْقِهِ بِالذَّرِّ فَلَوْ أَرَادَتْهَا الْفِيَلَةُ مَا وَصَلَتْ إِلَيْهَا

____________

(1) في المصدر: أى شي‏ء.

(2) الكافي: ج 5،(ص)307.

186

قَالَ الْوَشَّاءُ إِنِّي سَأَلْتُ عَنْ هَذِهِ الْبِلَادِ وَ قَدْ سَمِعْتُ الْحَدِيثَ قَبْلَ مَسْأَلَتِي فَأُخْبِرْتُ أَنَّهُ بَيْنَ الْبَلْخِ وَ التُّبَّتِ وَ أَنَّهَا تُنْبِتُ الذَّهَبَ وَ فِيهَا نَمْلٌ كِبَارٌ أَشْبَاهُ الْكِلَابِ عَلَى حلقها قلس لا [خَلْقِهَا فَلَيْسَ يَمُرُّ بِهَا الطَّيْرُ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ تَكْمُنُ بِاللَّيْلِ فِي جُحْرِهَا وَ تَظْهَرُ بِالنَّهَارِ فَرُبَّمَا غَزَوُا الْمَوْضِعَ عَلَى الدَّوَابِّ الَّتِي تَقْطَعُ ثَلَاثِينَ فَرْسَخاً فِي لَيْلَةٍ لَا يُعْرَفُ شَيْ‏ءٌ مِنَ الدَّوَابِّ يَصْبِرُ صَبْرَهَا فَيُوقِرُونَ أَحْمَالَهُمْ وَ يَخْرُجُونَ فَإِذَا النَّمْلُ خَرَجَتْ فِي الطَّلَبِ فَلَا تَلْحَقُ شَيْئاً إِلَّا قَطَعَتْهُ فَتَشْبَهُ بِالرِّيحِ مِنْ سُرْعَتِهَا وَ رُبَّمَا شَغَلُوهُمْ‏ (1) بِاللَّحْمِ يَتَّخِذُ لَهَا إِذَا لَحِقَتْهُمْ يَطْرَحُ لَهَا فِي الطَّرِيقِ إِنْ لَحِقَتْهُمْ قَطَعَتْهُمْ وَ دَوَابَّهُمْ.

بيان الرقة بلد على الفرات و المراد بصاحبها هارون لأنه كان في تلك الأيام فيها و القلس حبل ضخم من ليف أو خوص أو غيرهما و كأنه وصف المشبه به أي الكلاب المعلمة.

17- الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَمَّنْ ذَكَرَهُ قَالَ: قِيلَ لِلرِّضَا(ع)إِنَّكَ تَتَكَلَّمُ بِهَذَا الْكَلَامِ وَ السَّيْفُ يَقْطُرُ دَماً فَقَالَ إِنَّ لِلَّهِ وَادِياً مِنْ ذَهَبٍ حَمَاهُ بِأَضْعَفِ خَلْقِهِ النَّمْلِ فَلَوْ رَامَتْهُ الْبَخَاتِيُّ لَمْ تَصِلْ إِلَيْهِ.

18- تَوْحِيدُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ قَالَ الصَّادِقُ(ع)فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي هَذِهِ الْمَعَادِنِ وَ مَا يُخْرَجُ مِنْهَا مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُخْتَلِفَةِ مِثْلِ الْجِصِّ وَ الْكِلْسِ وَ الْجِبْسِينِ وَ الزَّرَانِيخِ وَ الْمَرْتَكِ وَ القوينا (2) وَ الزِّئْبَقِ وَ النُّحَاسِ وَ الرَّصَاصِ وَ الْفِضَّةِ وَ الذَّهَبِ وَ الزَّبَرْجَدِ وَ الْيَاقُوتِ وَ الزُّمُرُّدِ وَ ضُرُوبِ الْحِجَارَةِ وَ كَذَلِكَ مَا يُخْرَجُ مِنْهَا مِنَ الْقَارِ وَ الْمُومِيَا وَ الْكِبْرِيتِ وَ النِّفْطِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَسْتَعْمِلُهُ النَّاسُ فِي مَآرِبِهِمْ فَهَلْ يَخْفَى عَلَى ذِي عَقْلٍ أَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا ذَخَائِرُ ذُخِرَتْ لِلْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ لِيَسْتَخْرِجَهَا فَيَسْتَعْمِلَهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا ثُمَّ قَصُرَتْ حِيلَةُ النَّاسِ عَمَّا حَاوَلُوا مِنْ صَنْعَتِهَا عَلَى حِرْصِهِمْ وَ اجْتِهَادِهِمْ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ لَوْ ظَفِرُوا بِمَا حَاوَلُوا مِنْ هَذَا الْعِلْمِ كَانَ لَا مَحَالَةَ سَيَظْهَرُ وَ يَسْتَفِيضُ فِي الْعَالَمِ حَتَّى تَكْثُرَ الْفِضَّةُ وَ الذَّهَبُ وَ يَسْقُطَا عِنْدَ النَّاسِ فَلَا يَكُونَ لَهُمَا

____________

(1) شغلوها (ظ).

(2) القوبنا (خ).

187

قِيمَةٌ وَ يَبْطُلَ الِانْتِفَاعُ بِهِمَا فِي الشِّرَى وَ الْبَيْعِ وَ الْمُعَامَلَاتِ وَ لَا كَانَ يَجْبِي السُّلْطَانُ الْأَمْوَالَ وَ لَا يَدَّخِرَهُمَا أَحَدٌ لِلْأَعْقَابِ وَ قَدْ أُعْطِيَ النَّاسُ مَعَ هَذَا صَنْعَةَ الشَّبَهِ مِنَ النُّحَاسِ وَ الزُّجَاجِ مِنَ الرَّمْلِ وَ الْفِضَّةِ مِنَ الرَّصَاصِ وَ الذَّهَبِ مِنَ الْفِضَّةِ وَ أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ فَانْظُرْ كَيْفَ أُعْطُوا إِرَادَتَهُمْ فِي مَا لَا ضَرَرَ فِيهِ وَ مُنِعُوا ذَلِكَ فِي مَا كَانَ ضَارّاً لَهُمْ لَوْ نَاوَلُوهُ وَ مَنْ أَوْغَلَ فِي الْمَعَادِنِ انْتَهَى إِلَى وَادٍ عَظِيمٍ يَجْرِي مُنْصَلِتاً بِمَاءٍ غَزِيرٍ لَا يُدْرَكُ غَوْرُهُ وَ لَا حِيلَةَ فِي عُبُورِهِ وَ مِنْ وَرَائِهِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ مِنَ الْفِضَّةِ تَفَكَّرِ الْآنَ فِي هَذَا مِنْ تَدْبِيرِ الْخَالِقِ الْحَكِيمِ فَإِنَّهُ أَرَادَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يُرِي الْعِبَادَ مَقْدُرَتَهُ‏ (1) وَ سَعَةَ خَزَائِنِهِ لِيَعْلَمُوا أَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَنْ يَمْنَحَهُمْ كَالْجِبَالِ مِنَ الْفِضَّةِ لَفَعَلَ لَكِنْ لَا صَلَاحَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَيَكُونُ فِيهَا كَمَا ذَكَرْنَا سُقُوطُ هَذَا الْجَوْهَرِ عِنْدَ النَّاسِ وَ قِلَّةُ انْتِفَاعِهِمْ بِهِ وَ اعْتَبِرْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ قَدْ يَظْهَرُ الشَّيْ‏ءُ الطَّرِيفُ مِمَّا يُحْدِثُهُ النَّاسُ مِنَ الْأَوَانِي وَ الْأَمْتِعَةِ فَمَا دَامَ عَزِيزاً قَلِيلًا فَهُوَ نَفِيسٌ جَلِيلٌ آخِذُ الثَّمَنِ فَإِذَا فَشَا وَ كَثُرَ فِي أَيْدِي النَّاسِ سَقَطَ عِنْدَهُمْ وَ خَسَّتْ قِيمَتُهُ وَ نَفَاسَةُ الْأَشْيَاءِ مِنْ عِزَّتِهَا.

بيان: الكلس بالكسر الصاروج و الجبس بالكسر الجص و في أكثر النسخ الجبسين و لم أجده في ما عندنا من كتب اللغة لكن في لغة الطب كما في أكثر النسخ و المرتك كمقعد المرداسنج و القوبنا بالباء الموحدة أو الياء المثناة من تحت و لم أجدهما في كتب اللغة لكن في القاموس القونة القطعة من الحديد أو الصفر يرقع بها الإناء و في بعض النسخ و التوتياء و في كتب اللغة أنه حجر يكتحل به و القار القير و جبى الخراج جباية جمعه و الإيغال المبالغة في الدخول و الذهاب و انصلت مضى و سبق.

تتميم نفعه عميم‏

اعلم أن الذي يستفاد من الآيات المتظافرة و الأخبار المتواترة هو أن تأثيره سبحانه في الممكنات لا يتوقف على المواد و الاستعدادات و إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً

____________

(1) قدرته (ظ).

188

أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏ (1) و هو سبحانه جعل للأشياء منافع و تأثيرات و خواص أودعها فيها و تأثيراتها مشروطة بإذن الله تعالى و عدم تعلق إرادته القاهرة بخلافها كما أنه أجرى عادته بخلق الإنسان من اجتماع الذكر و الأنثى و تولد النطفة منهما و قرارها في رحم الأنثى و تدرجها علقة و مضغة و هكذا فإذا أراد غير ذلك فهو قادر على أن يخلق من غير أب كعيسى و من غير أم أيضا كآدم و حواء و كخفاش عيسى و طير إبراهيم و غير ذلك من المعجزات المتواترة عن الأنبياء في إحياء الموتى و جعل الإحراق في النار فلما أراد غير ذلك قال للنار كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى‏ إِبْراهِيمَ‏ و جعل الثقيل يرسب في الماء و ينحدر من الهواء فأظهر قدرته بمشي كثير على الماء و رفعهم إلى السماء و جعل في طبع الماء الانحدار فأجرى حكمه عليه بأن تقف أمثال الجبال منه في الهواء حتى تعبر بنو إسرائيل من البحر و مع عدم القول بذلك لا يمكن تصديق شي‏ء من‏

____________

(1) لا بأس بتذييل لهذا التتميم يجعل نفعه أعم و فائدته أتم، فنقول:

هناك أمور لا مجال للارتياب فيها لمن له قدم في العلوم الإلهيّة:

(الأول) كل ما سوى اللّه تعالى مخلوق له محتاج إليه في جميع شئونه الوجودية، سواء في ذلك الشئون العلمية و الارادية و غيرها.

(الثاني) ان اللّه تعالى غنى عن جميع ما سواه و لا يحتاج إلى غيره في شي‏ء أصلا، و ليس لقدرته تعالى حدّ و نهاية، فهو القادر على كل أمر ممكن في ذاته و ليس لقدرته على شي‏ء من الأشياء شرط و لا مانع، سُبْحانَهُ وَ تَعالى‏ عَمَّا يَصِفُونَ‏.

(الثالث) كل ممكن في ذاته يستوى نسبته إلى الوجود و العدم، و لا بدّ في ترجح أحدهما من مرجح و هذا حكم ضرورى لا يكاد يشك فيه عاقل فضلا عن الإنكار اللّهمّ الا من لم يتصور طرفى القضية أو عرض له شبهة لم يستطع دفعها أو مكابر ينكر باللسان ما يعترف به قلبا. و هذا أساس جل براهين التوحيد بل المعارف الحقة.

(الرابع) طريق معرفة العلل و المرجحات- سوى ما يعرفه الإنسان وجدانا و بالضرورة اختبار ارتباط وجود شي‏ء بشي‏ء و كشف حدود ذاك الارتباط، و هذا من معرفة صنع اللّه تعالى و كشف مجارى مشيئته في خلقه، لا من باب كشف شرائط قدرته تعالى على الأشياء فتفطن. و من الواضح ان معرفة سبب ما لشي‏ء لا تنفى سببية شي‏ء آخر له و قد ثبت في محله ان هذا ليس.

189

المعجزات اليقينية المتواترة عن الأنبياء و الأوصياء(ع)و كذا جرى عادته على انعقاد الجواهر في المعادن بأسباب من المؤثرات الأرضية و السماوية لبعض المصالح فإذا أراد إظهار كمال قدرته و رفع شأن وليه يجعل الحصا في كفه دفعة جوهرا ثمينا و الحديد في يد نبيه عجينا و يخرج الأجساد البالية دفعة من التراب في يوم الحساب فهذه كلها و أمثالها لا تستقيم مع الإذعان بقواعدهم الفاسدة و آرائهم الكاسدة.

و قال بعضهم حذرا من التشهير و التفكير إعادة النفس إلى بدن مثل بدنها الذي كان لها في الدنيا مخلوق من سنخ هذا البدن بعد مفارقتها عنه في القيامة كما نطقت‏

____________

من صدور الواحد من الكثير لمكان تعدّد الحيثيات و لا اظن أن يرتاب أحد في سببية الأسباب و العلل لمسبباتها و معلولاتها و ارتباط الثانية بالاولى ارتباطا ذاتيا وجوديا إلّا ان تعرض شبهة لمن لا يستطيع على حلها كالاشاعرة حيث قالوا بان عادة اللّه جرت على ايجاد شي‏ء عقيب شي‏ء آخر دون ان يرتبط به ارتباطا وجوديا، و التزموا بذلك زعما منهم ان القول بالعلية و ارتباط المعلول بالعلة ينافى التوحيد، و جهلا بأن هذا منهم هدم لاساس التوحيد و إنكار لسنة اللّه تعالى في خلقه.

(الخامس) كل علة غير الواجب تعالى ليس مستقلا في التأثير كما أنّه ليس مستقلا في الوجود، فكما انها تحتاج في ذاتها إلى علة اخرى حتّى تنتهى إلى الواجب تبارك و تعالى فكذا في أفعالها و جميع شئونها فما من اثر وجودى في شي‏ء من الأشياء من حيث هو اثر وجودى إلّا و هو مستند إلى اللّه تعالى قبل استناده إلى سائر علله و يشهد لهذا المعنى آيات كثيرة جدا نسب فيها أفعال العباد و المخلوقات إلى اللّه تعالى أو انيط فيها تأثير الأشياء باذن اللّه تعالى و مشيئته، لكن استناد الافعال و الآثار إلى اللّه سبحانه لا يوجب صلب انتسابها إلى عللها المتوسطة و تأثير العلل باذن ربها، فاستناد خلق الإنسان إلى اللّه تعالى لا ينافى توسط ملائكة و تأثير اسباب و معدات بل يستلزمها، لا لانه سبحانه يحتاج إليها و قدرته على الخلق يتوقف عليها بل لان مرتبة الفعل هي التي تقتضى ذلك، فكل معلول له مرتبة تخصه و حدود يتشخص بها بحيث لو تبدل بعضها إلى بعض لانقلب إلى شي‏ء آخر، كما ان كل عدد له مرتبة خاصّة لا يتقدم عليها و لا يتأخر عنها و إلّا لانقلب إلى عدد آخر، و فيض الوجود مطلق لا يقيد من ناحية ذات المفيض تعالى بشي‏ء بل مجارى الفيض هي التي تحدده حتّى تتقدر باقدار خاصّة تسعها ظروف المعاليل المتأخرة «وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ» فتقدره انما هو عند نزوله و اما عنده تعالى فالخزائن التي لا تتناهى و قد جرت سنته تعالى باجراء الأمور من أسبابها فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا.

190

به الشريعة ممكن غير مستحيل و لا استبعاد أيضا فيها و لا يلزم أن يكون حدوث لياقته و استعداده لتعلقها مما يحصل له شيئا فشيئا ككونه أولا نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم طفلا إلى تمام الخلقة حسب ما يقتضيه التوالد و التناسل فإن ذلك نحو خاص من الحدوث و الحدوث لا ينحصر للإنسان في هذا النحو لجواز أن يتكون دفعة تاما كاملا لأجل خصوصية بعض الأزمنة و الأوقات و الأوضاع الفلكية ترجح إرادة الله‏

____________

وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا. نعم، من الأسباب ما يكون واضحا و كيفية تأثيره و شرائطه معروفة و منها ما يكون خفيا لا يطلع عليها إلّا الخواص بعد جهد بالغ و تجارب كثيرة، و منها ما يكون غير عادى لا يستطاع الحصول عليه إلّا لمن شاء اللّه تعالى فربما يدعى من لا يعرف هذين النوعين من الأسباب انحصار سبب شي‏ء في ما هو الواضح المتعارف، كما كان الناس يزعمون استحالة كثير من الأمور التي حصلت اليوم ببركة العلم الحديث، و كما كان كثير من الاقوام يزعمون استحالة حدوث بعض الآيات قبل مشاهدتها و يسندونها إلى سحر الاعين بعد رؤيتها. لكن العقل السليم لا يأبى وجود أسباب خفية على الناس و غير طائعة لهم كما لا ينكر تأثير نفوس قدسية بأمر اللّه تعالى و لا يعد المعجزات و خوارق العادات تجويزا للمحال و لا ناقضا لقانون العلية، لكن يأبى استناد الحوادث أياما كانت بلا واسطة إلى اللّه تعالى لاستلزام ذلك اختلال سلسلة العلل و المعاليل و تقدر الفيض من غير مقدر و الترجح بلا مرجح و أمّا مرجحية إرادة اللّه تعالى و مقدريتها للفيض فالارادة ان فرضت حادثة في ذاته سبحانه استلزمت صيرورة الذّات محلا للحوادث و معرضا للكيفيات- جل و تعالى عن ذلك علوا كبيرا- و ان فرضت حادثة في خارج ذاته كانت مخلوقه له محتاجة إلى إرادة اخرى متسلسلة و تغيير العبارة و التعبير بالمشيئة لا يحل المشكلة و ان فرضت قديمة لزم انفكاك المعلول عن العلة و أمّا الإرادة المنتزعة عن مقام الفعل فمنشأ انتزاعها نفس الفعل فلا تكون مرجحة له و هذا ليس بمعنى اشتراط قدرته تعالى على الفعل بحصول الأسباب و اجتماع الشرائط و استعداد المواد، فان قدرته تعالى ليست محدودة بشي‏ء و لا متوقفة على شي‏ء، بل بمعنى نقص المقدور و محدوديته ذاتا و تأخره عن علله رتبة و ارتباطه بها ثبوتا، و بعبارة اخرى المعلول الخاص هو الذي يكون محدودا بحدود و قيود خاصّة و إلا لم يكن ذاك المعلول لا أن اللّه تعالى لا يكون قادرا على ايجاد هذا المعلول إلّا بهذه الخصوصيات كما انه لا ينافى تكون الأشياء بنفس امر اللّه تعالى، فان أمره يوجب وجودها في ظروفها و.

191

تعالى‏ (1) في إيجاد الناس و تكوين أجسادهم دفعة واحدة و نفخ أرواحهم في أجسادهم المتكونة نفخة واحدة بتوسط بعض ملائكته فرد الله تعالى بواسطة واهب الصور تلك الصور إلى موادها لحصول المزاج الخاص مرة أخرى كما تتكون ألوف كثيرة من أصناف الحيوانات كالذباب و غيرها في الصيف من العفونات تكونا دفعيا و لا يلزم أن يكون نحو التعلق واحدا في المبدإ و الإعادة بل يجوز أن يكون التعلق الأخرى إلى البدن على وجه لا يكون مانعا من حصول الأفعال الغريبة و الآثار العجيبة و مشاهدة أمور غيبية لم يكن من شأن النفس مشاهدتها إياها في النشأة الدنيوية و كذا اقتدارها على إيجاد صور عجيبة غريبة حسنة أو قبيحة مناسبة لأوصافها و أخلاقها انتهى و أنت تعلم إذا تأملت في مجاري كلامه أنه مع إعمال التقية فيه لوح إلى مرامه و نقل بعض قدماء الأطباء عن جالينوس في بيان تشريح الأعضاء و فوائدها أنه قال و شعر الحاجبين أيضا مما لم يقصر فيه و لم يتوان عنه و هو و الأشفار دون سائر الشعر جعل له مقدار يقف عنده فلا يطول أكثر منه و أما شعر الرأس و اللحية فإنه يطول كثيرا و السبب في ذلك أن شعر الرأس و اللحية له منفعتان إحداهما تغطية ما تحته من الأعضاء و سترها و الأخرى إفناء الفضول الغليظة و منفعته من جهة التغطية و الستر تختلف على وجوه شتى و ذلك لأن حاجتنا إلى التغطية و الستر تختلف بقدر اختلاف‏

____________

على حدودها، و تعين الحدود و القيود من شئون الموجود بأمر اللّه تعالى لا من قيود أمره و ايجاده فافهم.

إذا عرفت هذه الأمور علمت ان قواعد الفلسفة لا تنفى خوارق العادات و تكون الأشياء من غير طريق أسبابها المتعارفة، كما لا توجب محدودية قدرته تعالى و توقفها على حصول استعدادات للمواد، و ان انكر ذلك منكر فلا يعاب به على القواعد العقليّة كما لا يعاب بغلط المحاسب على قواعد الحساب، فنفس القواعد امر و اجراؤها في مواردها امر آخر. و اللّه يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم.

(1) لا يخفى ما في هذه العبارة، فارادة اللّه تعالى قاهرة للأشياء لا مقهورة لها و مترجحة بها، إلّا أن يكون مراده ما أشرنا إليه سابقا.

192

الأسنان و أزمان السنة و البلدان و إخراج البدن لأن حاجة الرجل التام إلى طول الشعر ليست كحاجة الصبي الصغير إلى ذلك و لا كحاجة الشيخ الفاني و لا كحاجة المرأة و كذلك أيضا ليست الحاجة إلى طول الشعر في الصيف و الشتاء سواء و لا في البلاد الحارة و الباردة و لا حاجة من كانت عينه معتلة من الرمد أو كان رأسه يصدع إلى ذلك كحاجة من هو صحيح البدن لا علة به فاحتيج لذلك أن نكون نحن نجعل طول الشعر في الأوقات المختلفة بأقدار مختلفة بحسب ما يوافق كل وقت منها و أما الحاجبان و الأشفار فإنه إن زيد فيه أو نقص منه فسدت منفعته و ذاك أن الأشفار تحوط العين بمنزلة الجدار ليحجب عنها و يمنع من أن يسقط فيها شي‏ء من الأجرام الصغار إذا كانت مفتوحة و شعر الحاجبين جعل يلقي ما ينحدر من الرأس قبل وصوله إلى العين بمنزلة الصور المانع فمتى قصرت من طوله أو قللت من عدده أكثر مما ينبغي كان ما يدخل على منفعته من الفساد بحسب ما ينقص من المقدار الذي يحتاج إليه و ذاك أن الأشفار حينئذ تطلق ما قد كانت تمنعه قبل النقصان من الوصول إلى العين و شعر الحاجبين يرسل ما قد كان يحبسه و يمنعه من الوصول إلى العين من الأشياء التي تسيل من الرأس فإن أنت طولت هذا الشعر و كثرته فوق المقدار الذي ينبغي لم يقم حينئذ للعين مقام الحاجب و لا مقام السور المانع لكنه يغطي العين و يعلو عليها حتى يصير منه في مثل حبس ضيق و ذاك أنه يستر الحدقة و يحجبها حتى تظلم و الحدقة أحوج الحواس كلها إلى أن لا تحجب و لا يحال بينها و بين ما يدركه البصر و إذا كان الأمر على ما وصفت فما الذي ينبغي أن نقول فيه أ نقول إن الخالق أمر هذا الشعر أن يبقى على مقدار واحد و لا يطول أكثر منه و إن الشعر قبل ذلك الأمر فأطاع فيبقى لا يخالف ما أمر به إما للفزع و الخوف من المخالفة لأمر الله و إما للمجاملة و الاستحياء من الله الذي أمره بهذا الأمر و إما لأن الشعر نفسه يعلم أن هذا أولى به و أحمد من فعله أما موسى فهذا رأيه في الأشياء الطبيعية و هذا الرأي عندي أحمد و أولى أن يتمسك به من رأى أفيقورس إلا أن الأجود الإضراب عنهما جميعا و الاحتفاظ بأن الله هو مبدئ خلق‏

193

كل شي‏ء كما قال موسى و زيادة المبدإ الذي من المادة فإن خالقنا إنما جعل الأشفار و شعر الحاجبين يحتاج أن يبقى على مقدار واحد من الطول لأن هكذا كان أوفق و أصلح فلما علم أن هذا الشعر كان ينبغي أن يجعل على هذا جعل تحت الأشفار جرما صلبا يشبه الغضروف يمتد في طول الجفن و فرش تحت الحاجبين جلدة صلبة ملزقة بغضروف الحاجبين و ذلك‏ (1) أنه لم يكن يكتفي في بقاء الشعر على مقدار واحد من الطول بأن يشاء الخالق أن يكون هكذا كما أنه لو شاء أن يجعل الحجر دفعه إنسانا لم يكن ذلك بممكن و الفرق في ما بين إيمان موسى و إيماننا و أفلاطون و سائر اليونانيين هو هذا موسى يزعم أنه يكتفي بأن يشاء الله أن يزين المادة و يهيئها لا غير فيتزين و يتهيأ على المكان و ذاك أنه يظن أن الأشياء كلها ممكنة عند الله فإنه لو شاء الله أن يخلق من الرماد فرسا أو ثورا دفعة لفعل و أما نحن فلا نعرف هذا و لكنا نقول إن من الأشياء أشياء في أنفسها غير ممكنة و هذه الأشياء لا يشاء الله أصلا أن تكون و إنما يشاء أن تكون الأشياء الممكنة و أيضا لا يختار إلا أجودها و أوفقها و أفضلها و لذا لما كان الأصلح و الأوفق للأشفار و شعر الحاجبين أن يبقى على مقداره من الطول على عدده الذي هو عليه دائما أبدا لسنا نقول في هذا الشعر إن الله إنما شاء أن يكون على ما هو عليه فصار من ساعته على ما شاء الله و ذاك أنه لو شاء ألف ألف مرة أن يكون هذا الشعر على هذا لم يكن ذلك أبدا بعد أن يجعل منشؤه من جلدة رخوة إلا أنه لو لم يغرس أصول الشعر في جرم صلب لكان مع ما يتغير كثير مما هو عليه لا يبقى أيضا قائما منتصبا و إذا كان هذا هكذا فإنا نقول إن الله سبب لأمرين أحدهما اختيار أجود الحالات و أصلحها و أوفقها لما يفعل و الثاني اختيار المادة الموافقة و من ذلك أنه لما كان الأصلح و الأجود أن يكون شعر الأشفار قائما منتصبا و أن يدوم بقاؤه على حالة واحدة في مقدار طوله و في عدده جعل مغرس الشجر و مركزه في جرم صلب و لو أنه غرسه في جرم رخو لكان أجهل من موسى و أجهل من قائد جيش سخيف يضع أساس سور مدينة أو حصنه‏

____________

(1) ذاك (خ).

194

على أرض رخوة غارقة بالماء و كذلك بقاء شعر الحاجبين و دوامه على حالة واحدة إنما جاء من قبل اختياره للمادة و كما أن العشب و سائر النبات ما كان منه ينبت في أرض رطبة سمينة خصبة فإنه يطول و ينشأ نشوءا حسنا و ما كان منه في أرض صخرية جافة فإنه لا ينمو و لا يطول كذلك أحد الأمرين انتهى كلامه ضاعف الله عذابه و انتقامه.

و أقول قد لاح من الكلام الردي‏ء المشتمل على الكفر الجلي أمور الأول ما أسلفنا من أن الأنبياء المخبرين عن وحي السماء لم يقولوا بتوقف تأثير الصانع تعالى شأنه على استعداد المواد و لا استحالة تعلق إرادته بإيجاد شي‏ء من شي‏ء بدون مرور زمان أو إعداد و له أن يخلق كل شي‏ء كان من أي شي‏ء أراد.

الثاني أن الحكماء لم يكونوا يعتقدون نبوة الأنبياء و لم يؤمنوا بهم و إنهم يزعمون أنهم أصحاب نظر و أصحاب آراء مثلهم يخطئون و يصيبون و لم يكن علومهم مقتبسة من مشكاة أنوارهم كما زعمه أتباعهم.

الثالث أنهم كانوا منكرين لأكثر معجزات الأنبياء(ع)فإن أكثرها مما عدوها من المستحيلات الرابع أنهم كانوا في جميع الأعصار معارضين لأرباب الشرائع و الديانات كما هم في تلك الأزمنة كذلك‏ (1).

____________

(1) من الناس من يفرط في حسن الظنّ بفلاسفة اليونان لا سيما الاقدمين منهم، و يظن أن علومهم مأخوذة من الأنبياء- (عليهم السلام)- بل يظن أن فيهم من كان نبيا، ثمّ يتعب نفسه في تفسير الكلمات المنقولة عنهم و المترجمة من كتبهم و تأويلها بما يوافق الحق في زعمه و منهم من يفرط في حقهم بل في حقّ من سمى فيلسوفا من علماء الإسلام، و يتهم فلاسفة الإسلام أيضا بأنهم أدخلوا انفسهم في المسلمين ليضيعوا عليهم دينهم و يفسدوا عليهم عقائدهم! و ربما يقع التصارع بين الطرفين فيتمسك كل منهما لاثبات مدعاه بما لا يليق التمسك به للمحققين.

و لعمرى كلاهما خارجان عن طور العدل و الحكم بالقسط، و الذي نرى لزوم التنبيه عليه امور، 1- ان وقوع الاختلاف الكثير بين الفلاسفة منذ العهد الاقدم دليل على أن كل رأى.

195

قال الشيخ المفيد (قدّس سرّه) في كتاب المقالات أقول إن الطباع معان تحل الجسم يتهيأ بها للانفعال كالبصر و ما فيه من الطبيعة التي بها يتهيأ لحلول الحس فيه و الإدراك ثم قال و إن ما يتولد بالطبع فإنما هو لمسببه بالفعل في المطبوع و إنه لا فعل على الحقيقة لشي‏ء من الطباع و هذا مذهب أبي القاسم الكعبي و هو خلاف مذهب المعتزلة في الطباع و خلاف الفلاسفة الملحدين أيضا في ما ذهبوا إليه من أفعال الطباع ثم قال قد ذهب كثير من الموحدين إلى أن الأجسام كلها مركبة من الطبائع الأربع و هي الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة و احتجوا في ذلك بانحلال كل جسم إليها و بما يشاهدونه من استحالتها كاستحالة الماء بخارا و البخار ماء و الموات حيوانا و الحيوان مواتا و وجود النارية و المائية و الهوائية و الترابية في كل جسم و إنه لا ينفك جسم من الأجسام من ذلك و لا يعقل على خلافه و لا ينحل إلا إليه و هذا ظاهر مكشوف لست أجد لدفعه حجة أعتمد عليها و لا أراه مفسدا لشي‏ء من التوحيد أو العدل أو الوعيد أو النبوات أو الشرائع فاطرحه لذلك بل‏

____________

من كل فيلسوف ليس بحيث يعد وحيا منزلا و نصا محكما يستحق بذل الجهود في تفسيره و تأويله و التوفيق بينه و بين آراء سائر الحكماء و تطبيقه على المعارف الدينية الحقيقية.

2- ان كثيرا من مدارك التأييد و الطعن ينتهى إلى ما ترجم عن كتب لا يعرف مؤلّفها و مصنفها، و لا يوثق بناقلها و مترجمها، مثل ما ينسبه طبيب إلى جالينوس، أو شكاك إلى سقراط! فربما ينسب كتاب إلى فيلسوف و يترجم بما انه حاك عن آراء مكتب خاصّ من المكاتب الفلسفية ثمّ بعد حين يشكك في النسبة و في الترجمة و ينسب إلى فيلسوف آخر من مكتب مخالف للمكتب الأول، و يلتمس له شواهد و قرائن ربما لا تترجح على شواهد النسبة الأولى. و ما ندرى لعله لعبت بكثير من هذه التراجم أيدي خائنة، أو حرفتها أقلام قاصرة أو مقصرة، أضف إلى ذلك عويصة الاصطلاحات العلمية و نقلها إلى لسان آخر. فكيف نعتمد على مثلها في تعظيم رجال أو تحطيمهم؟ لا سيما إذا انجر الامر إلى تقديسهم و الحكم بلزوم اتباعهم و الاقتداء بهم بما أنهم أئمة المعرفة و أصحاب الكشف و اليقين، او الى تكفيرهم و الحكم عليهم بالخلود في النار و مضاعفة العذاب! 3- انه لو سلم إلحاد متفلسف و انكاره للشرائع و النبوات فليس ذلك بحيث يسرى إلحاده إلى كل من سمى فيلسوفا حتّى و ان كان مصرحا بتصديق الأنبياء ثمّ يجب علينا ان لا نقصر في.

196

هو مؤيد للدين مؤكد لأدلة الله تعالى على ربوبيته و حكمته و توحيده و ممن دان به من رؤساء المتكلمين النظام و ذهب إليه البلخي و من اتبعه في المقال.

و قال الشيخ الرضي أمين الدين الطبرسي نور الله مرقده في مجمع البيان في تفسير سورة الفيل بعد إيراد القصة المشهورة و فيه حجة لائحة قاصمة لظهور الفلاسفة و الملحدين و المنكرين للآيات الخارقة للعادات فإنه لا يمكن نسبة شي‏ء مما ذكره الله من أمر أصحاب الفيل إلى طبع و غيره كما نسبوا الصيحة و الريح العقيم و الخسف و غيرها مما أهلك الله تعالى به الأمم الخالية إلى ذلك إذ لا يمكنهم أن يروا في أسرار الطبيعة إرسال جماعات من الطير معها أحجار معدة مهيأة لهلاك أقوام معينين قاصدات إياهم دون من سواهم فترميهم بها حتى تهلكهم و تدمر عليهم لا يتعدى ذلك إلى غيرهم و لا يشك من له مسكة من عقل و لب أن هذا لا يكون إلا من فعل الله‏

____________

قدحه و الطعن عليه دون أن نحمل كلامه على التقية من المسلمين و الخوف من التكفير و التشهير و الحاصل أن الحكم ليس دائرا مدار الاسم، فليس طعن فقيه على الفلاسفة الملحدين دليلا على بطلان رأى كل فيلسوف في كل عصر و في كل مسألة، كما ان تجليل حكيم للفلاسفة الالهيين لا يصير دليلا على حقية جميع آراء الفلاسفة في جميع الأزمنة و الامكنة! و الحق أحق أن يتبع أينما وجد.

4- ان الذي ثبت من مدح الفلاسفة الالهيين أنهم رفعوا لواء التوحيد في عهد و في أرض كان يسيطر فكرة الشرك و الوثنية على القلوب، و وجهوا أنظار الجمهور إلى ما وراء الطبيعة بينما كان ائمة الكفر يدعون الناس إلى الطبيعة و الدهر، و قادوا بالهمم إلى العالم الأبدي و حياة الآخرة حينما كانت تقصر على العالم المادى و تخلد إلى الأرض و الحياة الدنيا. و إذا كانت علوم الطب و الهندسة و امثالها ترتضع من ثدى النبوّة فلا غروان تكون منشأ تلك المعارف العالية تعاليم رجال الوحى و ان وقع فيها بعد حين تحريف او سوء تعبير و تفسير. و أمّا أنهم هل كانوا يدينون دين الحق، أو كانوا يرفضون دعوة الأنبياء و يجحدون الحق بعد ما تمت عليهم الحجة و قامت عليهم البينة، أو كانوا مختلفين في ذلك، فذلك ممّا لم يتحقّق لنا بعد و لعلّ من يصر على أنهم ملحدون جاحدون للحق و يدعو عليهم بمضاعفة العذاب له حجة على مدعاه، و اللّه عليم بذات الصدور. نستعيذ باللّه تعالى من لحن القول و لهو الحديث و نسأله التوفيق لملازمة الحق و سواء الطريق.

197

تعالى مسبب الأسباب و مذلل الصعاب و ليس لأحد أن ينكر هذا لأن نبينا(ص)لما قرأ هذه السورة على أهل مكة لم ينكروا ذلك بل أقروا به و صدقوه مع شدة حرصهم على تكذيبه و اعتنائهم بالرد عليه و كانوا قريبي العهد بأصحاب الفيل فلو لم يكن لذلك عندهم حقيقة و أصل لأنكروه و جحدوه و كيف و أنهم قد أرخوا بذلك كما أرخوا ببناء الكعبة و موت قصي بن كعب و غير ذلك و قد أكثر الشعراء ذكر الفيل و نظموه و نقلته الرواة عنهم.

و أقول هذه الجناية على الدين و تشهير كتب الفلاسفة بين المسلمين من بدع خلفاء الجور المعاندين لأئمة الدين ليصرفوا الناس عنهم و عن الشرع المبين و يدل على ذلك ما ذكره الصفدي في شرح لامية العجم أن المأمون لما هادن بعض ملوك النصارى أظنه صاحب جزيرة قبرس طلب منهم خزانة كتب اليونان و كانت عندهم مجموعة في بيت لا يظهر عليه أحد فجمع الملك خواصه من ذوي الرأي و استشارهم في ذلك فكلهم أشار بعدم تجهيزها إليه إلا مطران واحد فإنه قال جهزها إليهم ما دخلت هذه العلوم على دولة شرعية إلا أفسدتها و أوقعت الاختلاف بين علمائها و قال في موضع آخر أن المأمون لم يبتكر النقل و التعريب أي لكتب الفلاسفة بل نقل قبله كثير فإن يحيى بن خالد بن برمك عرب من كتب الفرس كثيرا مثل كليلة و دمنة و عرب لأجله كتاب المجسطي من كتب اليونان و المشهور أن أول من عرب كتب اليونان خالد بن يزيد بن معاوية لما أولع بكتب الكيمياء و يدل على أن الخلفاء و أتباعهم كانوا مائلين إلى الفلسفة و أن يحيى البرمكي كان محبا لهم ناصرا لمذهبهم ما رواه الكشي بإسناده عن يونس بن عبد الرحمن قال كان يحيى بن خالد البرمكي قد وجد على هشام شيئا من طعنه على الفلاسفة فأحب أن يغري به هارون و يضربه على القتل ثم ذكر قصة طويلة في ذلك أوردناها في باب أحوال أصحاب الكاظم(ع)و فيها أنه أخفى هارون في بيته و دعا هشاما ليناظر العلماء و جروا الكلام إلى الإمامة و أظهر الحق فيها و أراد هارون قتله فهرب و مات من ذلك الخوف رحمه الله و عد أصحاب الرجال من كتبه كتاب الرد على أصحاب الطبائع و كتاب‏

198

الرد على أرسطاطاليس في التوحيد و عد الشيخ منتجب الدين في فهرسه من كتب قطب الدين الراوندي كتاب تهافت الفلاسفة و عد النجاشي من كتب الفضل بن شاذان كتاب رد على الفلاسفة و هو من أجلة الأصحاب و طعن عليهم الصدوق ره في مفتتح كتاب إكمال الدين و قال الرازي عند تفسير قوله تعالى‏ فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ‏ فيه وجوه ثم ذكر من جملة الوجوه أن يريد علم الفلاسفة و الدهريين من بني يونان و كانوا إذا سمعوا بوحي الله صغروا علم الأنبياء إلى علمهم و عن سقراط أنه سمع بموسى(ع)و قيل له أ و هاجرت إليه فقال نحن قوم مهذبون فلا حاجة إلى من يهذبنا و قال الرازي في المطالب العالية أظن أن قول إبراهيم لأبيه‏ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَ لا يُبْصِرُ وَ لا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً إنما كان لأجل أن أباه كان على دين الفلاسفة و كان ينكر كونه تعالى قادرا و ينكر كونه تعالى عالما بالجزئيات فلا جرم خاطبه بذلك الخطاب.

باب 35 نادر

1- الْخِصَالُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَطَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ هَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)أَنَّ النَّبِيَّ(ص)قَالَ: مَا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ خَلْقاً إِلَّا وَ قَدْ أَمَّرَ عَلَيْهِ آخَرَ يَغْلِبُهُ بِهِ وَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ السَّحَابَ‏ (1) فَخَرَتْ وَ زَخَرَتْ وَ قَالَتْ أَيُّ شَيْ‏ءٍ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْفُلْكَ فَأَدَارَهَا بِهَا وَ ذَلَّلَهَا ثُمَّ إِنَّ الْأَرْضَ فَخَرَتْ وَ قَالَتْ أَيُّ شَيْ‏ءٍ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ الْجِبَالَ فَأَثْبَتَهَا فِي ظَهْرِهَا أَوْتَاداً مَنَعَهَا مِنْ أَنْ تَمِيدَ بِمَا عَلَيْهَا فَذَلَّتْ وَ اسْتَقَرَّتْ ثُمَّ إِنَّ الْجِبَالَ فَخَرَتْ عَلَى الْأَرْضِ فَشَمَخَتْ وَ اسْتَطَالَتْ وَ قَالَتْ أَيُّ شَيْ‏ءٍ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ اللَّهُ الْحَدِيدَ فَقَطَعَهَا فَقَرَّتِ الْجِبَالُ وَ ذَلَّتْ ثُمَّ إِنَّ الْحَدِيدَ فَخَرَ عَلَى الْجِبَالِ وَ قَالَ‏

____________

(1) في المصدر «البحار» و هو الصواب ظاهرا.

199

أَيُّ شَيْ‏ءٍ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ اللَّهُ النَّارَ فَأَذَابَتِ الْحَدِيدَ فَذَلَّ الْحَدِيدُ ثُمَّ إِنَّ النَّارَ زَفَرَتْ وَ شَهَقَتْ وَ فَخَرَتْ وَ قَالَتْ أَيُّ شَيْ‏ءٍ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ الْمَاءَ فَأَطْفَأَهَا فَذَلَّتْ ثُمَّ إِنَّ الْمَاءَ فَخَرَ وَ زَخَرَ وَ قَالَ أَيُّ شَيْ‏ءٍ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ الرِّيحَ فَحَرَّكَتْ أَمْوَاجَهُ وَ أَثَارَتْ مَا فِي قَعْرِهِ وَ حَبَسَتْهُ عَنْ مَجَارِيهِ فَذَلَّ الْمَاءُ ثُمَّ إِنَّ الرِّيحَ فَخَرَتْ وَ عَصَفَتْ وَ أَرْخَتْ أَذْيَالَهَا وَ قَالَتْ أَيُّ شَيْ‏ءٍ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ الْإِنْسَانَ فَاحْتَالَ وَ اتَّخَذَ مَا يَسْتَتِرُ بِهِ مِنَ الرِّيحِ وَ غَيْرِهَا فَذَلَّتِ الرِّيحُ ثُمَّ إِنَّ الْإِنْسَانَ طَغَى وَ قَالَ مَنْ أَشَدُّ مِنِّي قُوَّةً فَخَلَقَ الْمَوْتَ فَقَهَرَهُ فَذَلَّ الْإِنْسَانُ ثُمَّ إِنَّ الْمَوْتَ فَخَرَ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ لَا تَفْخَرْ فَإِنِّي أَذْبَحُكَ‏ (1) بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ ثُمَّ لَا أُحْيِيكَ أَبَداً فَذَلَّ وَ خَافَ‏ (2).

بيان فخلق الله الفلك فأدارها بها لعل المعنى أن الأفلاك بأجرامها النيرة مسلطة على السحاب تبعثها و تثيرها و تدنيها (3) و تفرقها و قد مر برواية الكليني هكذا و ذلك أن الله تبارك و تعالى لما خلق البحار السفلى فخرت و زخرت و قالت أي شي‏ء يغلبني فخلق الأرض فسطحها على ظهرها فذلت ثم إن الأرض فخرت إلى آخر الخبر و هو الظاهر بل لا يستقيم ما في الخصال كما لا يخفى و قد سبق شرح الخبر في الباب الأول.

2- الْخِصَالُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فِي مَا سَأَلَ رَسُولُ مُعَاوِيَةَ لِأَسْئِلَةِ مَلِكِ الرُّومِ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ(ع)قَالَ وَ أَمَّا عَشَرَةُ أَشْيَاءَ بَعْضُهَا أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ فَأَشَدُّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْحَجَرُ وَ أَشَدُّ مِنَ الْحَجَرِ الْحَدِيدُ يُقْطَعُ بِهِ الْحَجَرُ وَ أَشَدُّ مِنَ الْحَدِيدِ النَّارُ تُذِيبُ الْحَدِيدَ وَ أَشَدُّ مِنَ النَّارِ الْمَاءُ يُطْفِئُ النَّارَ وَ أَشَدُّ مِنَ الْمَاءِ السَّحَابُ يَحْمِلُ الْمَاءَ وَ أَشَدُّ مِنَ السَّحَابِ الرِّيحُ يَحْمِلُ السَّحَابَ وَ أَشَدُّ مِنَ الرِّيحِ الْمَلَكُ الَّذِي يُرْسِلُهَا وَ أَشَدُّ مِنَ الْمَلَكِ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي يُمِيتُ الْمَلَكَ وَ أَشَدُّ مِنْ مَلَكِ الْمَوْتِ الْمَوْتُ الَّذِي يُمِيتُ مَلَكَ الْمَوْتِ وَ أَشَدُّ مِنَ الْمَوْتِ أَمْرُ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏

____________

(1) في المصدر: ذابحك.

(2) الخصال: 58.

(3) تذيبها (خ).

200

الَّذِي يُمِيتُ الْمَوْتَ‏ (1).

3- كِتَابُ الْغَارَاتِ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ ابْنُ الْكَوَّاءِ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَيُّ [شَيْ‏ءِ] خَلْقِ اللَّهِ أَشَدُّ قَالَ إِنَّ أَشَدَّ خَلْقِ اللَّهِ عَشَرَةٌ الْجِبَالُ الرَّوَاسِي وَ الْحَدِيدُ تُنْحَتُ بِهِ الْجِبَالُ وَ النَّارُ تَأْكُلُ الْحَدِيدَ وَ الْمَاءُ يُطْفِئُ النَّارَ وَ السَّحَابُ الْمُسَخَّرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ تَحْمِلُ الْمَاءَ وَ الرِّيحُ تَقِلُّ السَّحَابَ وَ الْإِنْسَانُ يَغْلِبُ الرِّيحَ يَتَّقِيهَا بِيَدَيْهِ وَ يَذْهَبُ لِحَاجَتِهِ وَ السُّكْرُ يَغْلِبُ الْإِنْسَانَ وَ النَّوْمُ يَغْلِبُ السُّكْرَ وَ الْهَمُّ يَغْلِبُ النَّوْمَ فَأَشَدُّ خَلْقِ رَبِّكَ الْهَمُّ.

4- الْعِلَلُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَلَوِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عِيسَى بْنِ جَعْفَرٍ الْعَلَوِيِّ الْعُمَرِيِّ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)أَنَّهُ سُئِلَ مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الذَّرَّ الَّذِي يَدْخُلُ فِي كُوَّةِ الْبَيْتِ فَقَالَ إِنَّ مُوسَى(ع)لَمَّا قَالَ‏ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ‏ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِنِ اسْتَقَرَّ الْجَبَلُ لِنُورِي فَإِنَّكَ سَتَقْوَى عَلَى أَنْ تَنْظُرَ إِلَيَّ وَ إِنْ لَمْ يَسْتَقِرَّ فَلَا تُطِيقُ إِبْصَارِي لِضَعْفِكَ فَلَمَّا تَجَلَّى اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لِلْجَبَلِ تَقَطَّعَ ثَلَاثَ قِطَعٍ فَقِطْعَةٌ ارْتَفَعَتْ فِي السَّمَاءِ وَ قِطْعَةٌ غَاضَتْ تَحْتَ الْأَرْضِ وَ قِطْعَةٌ تَفَتَّتْ فَهَذَا الذَّرُّ مِنْ ذَلِكَ الْغُبَارِ غُبَارِ الْجَبَلِ‏ (2).

بيان هذا الخبر على تقدير صحته و صدوره عن الإمام لعل المعنى أن له أيضا مدخلية في تلك الذرات في بعض البلاد أو كلها بأن تكون تفرقت بقدرة الله تعالى في جميع البلاد.

____________

(1) الخصال: 58.

(2) علل الشرائع: ج 2،(ص)183.

201

باب 36 الممدوح من البلدان و المذموم منها و غرائبها

الآيات يونس‏ وَ لَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ‏ (1) الأنبياء وَ نَجَّيْناهُ وَ لُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ‏ (2) و قال تعالى‏ وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى‏ الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها (3) المؤمنون‏ وَ آوَيْناهُما إِلى‏ رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَ مَعِينٍ‏ (4) القصص‏ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً إلى قوله تعالى‏ فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى‏ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ‏ (5) سبأ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ إلى قوله تعالى‏ وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً (6) النازعات‏ إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً‏ (7) البلد لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ وَ أَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (8) التين‏ وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ وَ طُورِ سِينِينَ وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ‏ (9) تفسير مُبَوَّأَ صِدْقٍ‏ أي مكانا محمودا حسنا و هو بيت المقدس و الشام و

____________

(1) يونس: 93.

(2) الأنبياء: 71.

(3) الأنبياء: 81.

(4) المؤمنون: 50.

(5) القصص: 29- 30.

(6) سبأ: 15- 18.

(7) النازعات: 16.

(8) البلد: 1- 2.

(9) التين 1- 3.

202

قيل يريد به مصر و قال علي بن إبراهيم ردهم إلى مصر و غرق فرعون‏ (1) وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ‏ أي النعم اللذيذة إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ‏ قيل هي أرض الشام أي نجينا إبراهيم و لوطا من كوثا إلى الشام و إنما قال‏ بارَكْنا فِيها لأنها بلاد خصب و قيل إلى أرض بيت المقدس لأن بها مقام الأنبياء و الحاصل أن أكثر أنبياء بني إسرائيل بعثوا في الشام و بيت المقدس فانتشرت في العالمين شرائعهم التي هي مبادئ الخيرات الدينية و الدنيوية و قيل نجاهما إلى مكة كما قال‏ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ‏ (2) روي ذلك عن ابن عباس‏ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها و هي أرض الشام لأنها كانت مأواه كما ذكره المفسرون‏ وَ آوَيْناهُما أي عيسى و أمه‏ إِلى‏ رَبْوَةٍ قال الطبرسي ره أي جعلنا مأواهما مكانا مرتفعا مستويا واسعا و الربوة هي الرملة من فلسطين عن أبي هريرة و قيل دمشق عن سعيد بن المسيب و قيل مصر عن ابن زيد و قيل بيت المقدس عن قتادة و كعب قال كعب و هي أقرب الأرض إلى السماء و قيل هي حيرة الكوفة و سوادها و القرار مسجد الكوفة و المعين الفرات عن أبي جعفر و أبي عبد الله(ع)و قيل‏ ذاتِ قَرارٍ أي ذات موضع قرار أي هي أرض مستوية يستقر عليها ساكنوها و قيل ذات ثمار لأنه لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها وَ مَعِينٍ‏ ماء جار و ظاهر للعيون‏ (3).

فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ قال الطبرسي ره هي البقعة التي قال فيها لموسى‏ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً‏ و إنما كانت مباركة لأنها معدن الوحي و الرسالة و كلام الله تعالى و قيل مباركة كثيرة (4) الثمار و الأشجار و الخير و النعم بها و الأول أصح‏ (5) انتهى و أقول‏

- رُوِيَ فِي التَّهْذِيبِ عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ قَالَ:

____________

(1) تفسير القمّيّ: 292.

(2) آل عمران: 96.

(3) مجمع البيان: ج 7،(ص)108.

(4) في المجع: لكثرة الاشجار و الاثمار.

(5) مجمع البيان: ج 7،(ص)251.

203

شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ‏ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ هُوَ الْفُرَاتُ وَ الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ هِيَ كَرْبَلَاءُ.

بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ قيل أي هذه بلدة نزهة أرضها عذبة تخرج النبات و ليست بسبخة و ليس فيها شي‏ء من الهوام المؤذية و قيل أراد به صحة هوائها و عذوبة مائها و سلامة تربتها و أنه ليس فيها حر يؤذي في القيظ و برد يؤذي في الشتاء وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها أي بالتوسعة على أهلها أو بما مر و هي قرى الشام و في تفسير علي بن إبراهيم هي مكة (1) قُرىً ظاهِرَةً أي متواصلة يظهر بعضها لبعض و قد مر تأويل‏ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها بالأئمة(ع)و القرى الظاهرة برواة أخبارهم و فقهاء شيعتهم و السير بالعلم‏ آمِنِينَ‏ من الشك و الضلال‏ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ‏ أي المطهر طُوىً‏ اسم الوادي الذي كلم الله فيه موسى ع.

لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ قال الطبرسي ره أجمع المفسرون على أن هذا قسم بالبلد الحرام‏ وَ أَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ و أنت يا محمد مقيم به و هو محلك و هذا تنبيه على أن شرف البلد بشرف من حل فيه من الرسول الداعي إلى توحيده و إخلاص عبادته و بيان أن تعظيمه له و قسمه به لأجله(ص)و لكونه حالا فيه كما سميت المدينة طيبة لأنها طابت به حيا و ميتا و قيل معناه‏ لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ و أنت حل فيه منتهك الحرمة فلم يبق للبلد حرمة حيث هتك حرمتك عن أبي مسلم‏

- وَ هُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: كَانَتْ قُرَيْشٌ تُعَظِّمُ الْبَلَدَ وَ تَسْتَحِلُّ مُحَمَّداً فِيهِ فَقَالَ‏ لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ وَ أَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ يُرِيدُ أَنَّهُمُ اسْتَحَلُّوكَ فِيهِ فَكَذَّبُوكَ وَ شَتَمُوكَ وَ كَانُوا لَا يَأْخُذُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ فِيهِ قَاتِلَ أَبِيهِ وَ يَتَقَلَّدُونَ لِحَاءَ شَجَرِ الْحَرَمِ فَيَأْمَنُونَ بِتَقْلِيدِهِمْ إِيَّاه فَاسْتَحَلُّوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)مَا لَمْ يَسْتَحِلُّوا مِنْ غَيْرِهِ فَعَابَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ‏ (2).

و قال (قدّس سرّه) في قوله سبحانه‏ وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ‏ أقسم الله سبحانه بالتين الذي يؤكل و الزيتون الذي يعصر منه الزيت عن ابن عباس و غيره و قيل التين الجبل‏

____________

(1) تفسير القمّيّ: 538.

(2) مجمع البيان: ج 10،(ص)492.

204

الذي عليه دمشق و الزيتون الجبل الذي عليه بيت المقدس عن قتادة و قال عكرمة هما جبلان و إنما سميا بهما لأنهما نبتا (1) بهما و قيل التين مسجد دمشق و الزيتون بيت المقدس عن كعب الأحبار و غيره و قيل التين مسجد نوح(ع)الذي بنى على الجودي و الزيتون بيت المقدس عن ابن عباس و قيل التين مسجد الحرام و الزيتون المسجد الأقصى عن الضحاك‏ وَ طُورِ سِينِينَ‏ يعني الجبل الذي كلم الله عليه موسى(ع)عن الحسن و سينين و سيناء واحد و قيل إن سينين معناه المبارك الحسن كأنه قيل جبل الخير الكثير لأنه إضافة تعريف عن مجاهد و قتادة و قيل معناه كثير النبات و الشجر عن عكرمة و قيل إن كل جبل فيه شجر مثمر (2) فهو سينين و سيناء بلغة النبط عن مقاتل‏

- و روي عن موسى بن جعفر(ع)وَ طُورِ سِينَاءَ.

وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ‏ يعني مكة البلد الحرام يأمن فيه الخائف في الجاهلية و الإسلام فالأمين بمعنى المؤمن مؤمن‏ (3) من يدخله و قيل هو بمعنى الآمن و يؤيده قوله‏ أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً (4).

1- الْكَشِّيُّ، قَالَ وَجَدْتُ بِخَطِّ جَبْرَئِيلَ بْنِ أَحْمَدَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ عَلِيّاً(ع)لَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنَ الْبَصْرَةِ قَامَ عَلَى أَطْرَافِهَا ثُمَّ قَالَ لَعَنَكِ اللَّهُ يَا أَنْتَنَ الْأَرْضِ تُرَاباً وَ أَسْرَعَهَا خَرَاباً وَ أَشَدَّهَا عَذَاباً فِيكَ الدَّاءُ الدَّوِيُّ قِيلَ مَا هُوَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ كَلَامُ الْقَدَرِ الَّذِي فِيهِ الْفِرْيَةُ عَلَى اللَّهِ وَ بُغْضُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ وَ فِيهِ سَخَطُ اللَّهِ وَ سَخَطُ نَبِيِّهِ وَ كِذْبُهُمْ عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ وَ اسْتِحْلَالُهُمُ الْكَذِبَ عَلَيْنَا.

2- مَعَانِي الْأَخْبَارِ، وَ الْخِصَالُ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ‏ (5) إِدْرِيسَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ‏

____________

(1) في المصدر: ينبتان.

(2) فيه: و ثمر.

(3) في المصدر: يؤمن.

(4) مجمع البيان: ج 10،(ص)510.

(5) كذا في الخصال، و رواها في المعاني عن أبيه عن محمّد بن يحيى العطار، عن محمّد بن أحمد بن خالد عن أبي عبد اللّه الرازيّ- الخ-.

205

مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ مُوسَى بْنِ بَكْرٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ مِنَ الْبُلْدَانِ أَرْبَعَةً فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ وَ طُورِ سِينِينَ وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ‏ فَالتِّينُ الْمَدِينَةُ وَ الزَّيْتُونُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ وَ طُورُ سِينِينَ الْكُوفَةُ وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ‏ مَكَّةُ الْخَبَرَ (1).

بيان لعله إنما كنى عن المدينة بالتين لوفوره و جودته فيها أو لكونها من أشارف البلاد كما أن التين من أفاضل الثمار كما سيأتي و كنى عن الكوفة بطور سينين لأن ظهرها و هو النجف كان محل مناجاة سيد الأوصياء كما أن الطور كان محل مناجاة الكليم أو لأن الجبل الذي سأل عليه موسى الرؤية فتقطع وقع جزء منه هناك كما ورد في بعض الأخبار أو أنه لما أراد ابن نوح أن يعتصم بهذا الجبل تقطع فصار بعضها في طور سيناء أو أنه هو طور سيناء حقيقة و غلط فيه المفسرون و اللغويون‏

- كَمَا رَوَى الشَّيْخُ فِي التَّهْذِيبِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: كَانَ فِي وَصِيَّةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنْ أَخْرِجُونِي إِلَى الظَّهْرِ فَإِذَا تَصَوَّبَتْ أَقْدَامُكُمْ وَ اسْتَقْبَلَتْكُمْ رِيحٌ فَادْفِنُونِي وَ هُوَ أَوَّلُ طُورِ سَيْنَاءَ فَفَعَلُوا ذَلِكَ‏

. 3- الْمَجَالِسُ، لِابْنِ الشَّيْخِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْمُفِيدِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ(ع)بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَ الْأَرَضُونَ السَّبْعُ وَ مَا فِيهِنَّ وَ مَا بَيْنَهُنَّ وَ مَنْ يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ وَ النَّارِ وَ مَا يُرَى وَ مَا لَا يُرَى إِلَّا ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ الْبَصْرَةَ وَ دِمَشْقَ وَ آلَ الْحَكَمِ بْنِ الْعَاصِ الْخَبَرَ.

بيان بكاء البلاد و البقاع بكاء أهلها و ظهور آثار الحزن فيهم.

4- الْعِلَلُ، فِي خَبَرِ الشَّامِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ع- عَنْ أَكْرَمِ وَادٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَقَالَ لَهُ وَادٍ يُقَالُ لَهُ سَرَانْدِيبُ‏ (2) سَقَطَ فِيهِ آدَمُ مِنَ السَّمَاءِ وَ

____________

(1) معاني الأخبار: 365، الخصال: 105.

(2) سرنديب (خ).

206

سَأَلَهُ عَنْ شَرِّ وَادٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَقَالَ وَادٍ بِالْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ بَرَهُوتُ وَ هُوَ مِنْ أَوْدِيَةِ جَهَنَّمَ‏ (1).

بيان قال في النهاية في حديث علي شر بئر في الأرض برهوت هي بفتح الباء و الراء بئر عميقة بحضرموت لا يستطاع النزول إلى قعرها و قيل برهوت بضم الباء و سكون الراء فتكون تاؤها على الأول زائدة و على الثاني أصلية أخرجه الهروي عن علي و أخرجه الطبراني في المعجم عن ابن عباس عن النبي(ص)و قال الفيروزآبادي برهوت واد و بئر بحضرموت انتهى و كونه من أودية جهنم لشباهته بها و لتعذيب أرواح الكفار فيه كما ورد في الأخبار و يحتمل أن يكون لجهنم طريق إليه.

5- الْخِصَالُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْقَطَّانِ وَ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا الْقَطَّانِ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ تَمِيمِ بْنِ بُهْلُولٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرِ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)قَالَ: سِتَّةَ عَشَرَ صِنْفاً مِنْ أُمَّةِ جَدِّي لَا يُحِبُّونَّا وَ لَا يُحَبِّبُونَّا إِلَى النَّاسِ إِلَى أَنْ قَالَ وَ أَهْلُ مَدِينَةٍ تُدْعَى سِجِسْتَانَ هُمْ لَنَا أَهْلُ عَدَاوَةٍ وَ نَصْبٍ وَ هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَ الْخَلِيقَةِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَذَابِ مَا عَلَى فِرْعَوْنَ وَ هَامَانَ وَ قَارُونَ وَ أَهْلُ مَدِينَةٍ تُدْعَى الرَّيَّ هُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ وَ أَعْدَاءُ رَسُولِهِ وَ أَعْدَاءُ أَهْلِ بَيْتِهِ يَرَوْنَ حَرْبَ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)جِهَاداً وَ مَا لَهُمْ مَغْنَماً وَ لَهُمْ عَذَابُ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ‏ وَ أَهْلُ مَدِينَةٍ تُدْعَى الْمَوْصِلَ هُمْ شَرُّ مَنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَ أَهْلُ مَدِينَةٍ تُسَمَّى الزَّوْرَاءَ تُبْنَى فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَسْتَشْفُونَ بِدِمَائِنَا وَ يَتَقَرَّبُونَ بِبُغْضِنَا يُوَالُونَ فِي عَدَاوَتِنَا وَ يَرَوْنَ حَرْبَنَا فَرْضاً وَ قِتَالَنَا حَتْماً يَا بُنَيَّ فَاحْذَرْ هَؤُلَاءِ ثُمَّ احْذَرْهُمْ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو اثْنَانِ مِنْهُمْ بِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِكَ إِلَّا هَمُّوا بِقَتْلِهِ الْخَبَرَ (2).

بيان الموصل بفتح الميم و سكون الواو معروف و الزوراء يطلق على دجلة

____________

(1) العلل: ج 2،(ص)282.

(2) الخصال: 96.

207

بغداد و على بغداد لأن أبوابها الداخلة جعلت مزورة عن الخارجة و يمكن أن تتبدل أحوال أهل هذه البلاد باختلاف الأزمنة و يكون ما ذكر في الخبر حالهم في ذلك الزمان.

6- الْعِلَلُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْوَرَّاقِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وَ الْفَضْلِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُقْبِلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْأَزْدِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَشْعَرِيِّ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ حَمَلَنِي جَبْرَئِيلُ عَلَى كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ فَنَظَرْتُ إِلَى بُقْعَةٍ بِأَرْضِ الْجَبَلِ حَمْرَاءَ أَحْسَنَ لَوْناً مِنَ الزَّعْفَرَانِ وَ أَطْيَبَ رِيحاً مِنَ الْمِسْكِ فَإِذَا فِيهَا شَيْخٌ عَلَى رَأْسِهِ بُرْنُسٌ فَقُلْتُ لِجَبْرَئِيلَ مَا هَذِهِ الْبُقْعَةُ الْحَمْرَاءُ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ لَوْناً مِنَ الزَّعْفَرَانِ وَ أَطْيَبُ رِيحاً مِنَ الْمِسْكِ قَالَ بُقْعَةُ شِيعَتِكَ وَ شِيعَةِ وَصِيِّكَ عَلِيٍّ فَقُلْتُ مَنِ الشَّيْخُ صَاحِبُ الْبُرْنُسِ قَالَ إِبْلِيسُ قُلْتُ فَمَا يُرِيدُ مِنْهُمْ قَالَ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّهُمْ عَنْ وَلَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ يَدْعُوَهُمْ إِلَى الْفِسْقِ وَ الْفُجُورِ فَقُلْتُ يَا جَبْرَئِيلُ أَهْوِ بِنَا إِلَيْهِمْ فَأَهْوَى بِنَا إِلَيْهِمْ أَسْرَعَ مِنَ الْبَرْقِ الْخَاطِفِ وَ الْبَصَرِ اللَّامِحِ فَقُلْتُ قُمْ يَا مَلْعُونُ فَشَارِكْ أَعْدَاءَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَ أَوْلَادِهِمْ وَ نِسَائِهِمْ فَإِنَّ شِيعَتِي وَ شِيعَةَ عَلِيٍّ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ فَسُمِّيَتْ قُمَ‏ (1).

بيان: البرنس قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام ذكره الجوهري.

7- الْإِخْتِصَاصُ، رَوَى عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ نَظَرْتُ إِلَى قُبَّةٍ مِنْ لُؤْلُؤٍ لَهَا أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ وَ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ كَأَنَّهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ أَخْضَرَ قُلْتُ يَا جَبْرَئِيلُ مَا هَذِهِ الْقُبَّةُ الَّتِي لَمْ أَرَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ أَحْسَنَ مِنْهَا فَقَالَ حَبِيبِي مُحَمَّدٌ هَذِهِ صُورَةُ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا قُمُّ يَجْتَمِعُ فِيهَا عِبَادُ اللَّهِ الْمُؤْمِنُونَ يَنْتَظِرُونَ مُحَمَّداً وَ شَفَاعَتَهُ لِلْقِيَامَةِ وَ الْحِسَابِ يَجْرِي عَلَيْهِمُ الْغَمُّ وَ الْهَمُّ وَ الْأَحْزَانُ وَ الْمَكَارِهُ قَالَ فَسَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيَّ(ع)مَتَى يَنْتَظِرُونَ الْفَرَجَ قَالَ إِذَا ظَهَرَ الْمَاءُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ‏ (2).

____________

(1) العلل: ج 2،(ص)259.

(2) الاختصاص: 101.

208

تاريخ قم، عن أبي مقاتل الديلمي عنه(ع)مثله بيان المراد به إما ظهور الماء في أصل البلد أو لم يكن في هذا الزمان فيه ماء جار أصلا كما ذكر في تاريخ قم مبدأ حدوث الوادي بقم و إنه كانت فيه قنوات و لم يكن فيه نهر جار.

8- تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّكَيْنِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْبَجَلِيِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هَارُونَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ آبَائِهِ (صلوات الله عليهم) قَالَ: لَمَّا بَلَغَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَمْرُ مُعَاوِيَةَ وَ أَنَّهُ فِي مِائَةِ أَلْفٍ قَالَ مِنْ أَيِّ الْقَوْمِ قَالُوا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ قَالَ لَا تَقُولُوا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَ لَكِنْ قُولُوا مِنْ أَهْلِ الشُّومِ هُمْ أَبْنَاءُ مِصْرَ لُعِنُوا عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ(ع)فَجَعَلَ اللَّهُ‏ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَ الْخَنازِيرَ الْخَبَرَ (1).

بيان يمكن الجمع بين الآيات و الأخبار الواردة في مدح الشام و مصر و ذمه بما أومأنا إليه سابقا من اختلاف أحوال أهله في الأزمان فإنه كان في أول الزمان محل الأنبياء و الصلحاء فكان من البلاد المباركة الشريفة فلما صار أهله من أشقى الناس و أكفرهم صار من شر البلاد كما أن يوم عاشوراء كان من الأيام المتبركة كما يظهر من بعض الأخبار فلما قتل فيه الحسين(ع)صار من أنحس الأيام.

9- قُرْبُ الْإِسْنَادِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْبَزَنْطِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِلرِّضَا (عليه السلام) إِنَّ أَهْلَ مِصْرَ يَزْعُمُونَ أَنَّ بِلَادَهُمْ مُقَدَّسَةٌ قَالَ وَ كَيْفَ ذَلِكَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يُحْشَرُ مِنْ جِيلِهِمْ سَبْعُونَ أَلْفاً يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ... بِغَيْرِ حِسابٍ‏ قَالَ لَا لَعَمْرِي مَا ذَاكَ كَذَلِكَ وَ مَا غَضِبَ اللَّهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا أَدْخَلَهُمْ مِصْرَ وَ لَا رَضِيَ عَنْهُمْ إِلَّا أَخْرَجَهُمْ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا وَ لَقَدْ أَوْحَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى إِلَى مُوسَى(ع)أَنْ يُخْرِجَ عِظَامَ يُوسُفَ مِنْهَا فَاسْتَدَلَّ مُوسَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُ الْقَبْرَ فَدُلَّ عَلَى امْرَأَةٍ عَمْيَاءَ زَمِنَةٍ فَسَأَلَهَا مُوسَى أَنْ تَدُلَّهُ عَلَيْهِ فَأَبَتْ إِلَّا عَلَى خَصْلَتَيْنِ فَيَدْعُو اللَّهَ فَيُذْهِبَ زَمَانَتَهَا وَ يُصَيِّرَهَا مَعَهُ فِي الْجَنَّةِ فِي الدَّرَجَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا فَأَعْظَمَ ذَلِكَ مُوسَى فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ‏

____________

(1) تفسير القمّيّ: 596.

209

وَ مَا يَعْظُمُ عَلَيْكَ مِنْ هَذَا أَعْطِهَا مَا سَأَلَتْ فَفَعَلَ فَتَوَعَّدَتْهُ‏ (1) طُلُوعَ الْقَمَرِ فَحَبَسَ اللَّهُ الْقَمَرَ حَتَّى جَاءَ مُوسَى لِمَوْعِدِهِ فَأَخْرَجَهُ مِنَ النِّيلِ فِي سَفَطِ مَرْمَرٍ فَحَمَلَهُ مُوسَى(ع)وَ لَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لَا تَغْسِلُوا رُءُوسَكُمْ بِطِينِهَا وَ لَا تَأْكُلُوا فِي فَخَّارِهَا فَإِنَّهُ يُورِثُ الذِّلَّةَ وَ يُذْهِبُ الْغَيْرَةَ قُلْنَا لَهُ قَدْ قَالَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَقَالَ نَعَمْ‏ (2).

العياشي، عن علي بن أسباط عن الرضا(ع)مثله.

10- الْبَصَائِرُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَرَضَ وَلَايَتَنَا عَلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ فَلَمْ يَقْبَلْهَا إِلَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ.

بيان أي قبولا كاملا كما في الخبر الآتي.

11- الْبَصَائِرُ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ سِنَانٍ عَنْ عُتَيْبَةَ بَيَّاعِ الْقَصَبِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ‏ إِنَّ وَلَايَتَنَا عُرِضَتْ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبَالِ وَ الْأَمْصَارِ مَا قَبِلَهَا قَبُولَ أَهْلِ الْكُوفَةِ.

12- النهج، نهج البلاغة مِنْ كَلَامٍ لَهُ(ع)فِي ذِكْرِ الْكُوفَةِ كَأَنِّي بِكِ يَا كُوفَةُ تُمَدِّينَ مَدَّ الْأَدِيمِ الْعُكَاظِيِّ تُعْرَكِينَ بِالنَّوَازِلِ وَ تُرْكَبِينَ بِالزَّلَازِلِ وَ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِكِ جَبَّارٌ سُوءًا إِلَّا ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِشَاغِلٍ وَ رَمَاهُ بِقَاتِلٍ.

بيان الأديم الجلد أو مدبوغة و عكاظ بالضم موضع بناحية مكة كانت العرب تجتمع في كل سنة و يقيمون به سوقا مدة شهر و يتعاكظون أي يتفاخرون و يتناشدون و ينسب إليه الأديم لكثرة البيع فيه و الأديم العكاظي مستحكم الدباغ شديد المد و ذلك وجه الشبه و العرك الدلك و الحك و عركه أي حمل عليه الشر و عركت القوم في الحرب إذا مارستهم حتى أتعبتهم‏ (3) و النوازل المصائب و الشدائد و الزلازل البلايا و تركبين على بناء المجهول كالفعلين السابقين‏

____________

(1) في المصدر و بعض نسخ الكتاب: فوعدته.

(2) قرب الإسناد: 220.

(3) اتبعتهم (خ).

210

أي تجعلين مركوبة لها أو بها على أن تكون الباء للسببية كالسابقة و الشدائد التي أصابت الكوفة و أهلها معروفة مذكورة في السير

- وَ رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ قَالَ: هَذِهِ مَدِينَتُنَا وَ مَحَلُّنَا وَ مَقَرُّ شِيعَتِنَا.

- وَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: تُرْبَةٌ تُحِبُّنَا وَ نُحِبُّهَا.

- وَ عَنْهُ(ع)اللَّهُمَّ ارْمِ مَنْ رَمَاهَا وَ عَادِ مَنْ عَادَاهَا.

و قال محمد الحسين الكيدري في شرح النهج فمن الجبابرة الذين ابتلاهم الله بشاغل فيها زياد و قد جمع الناس في المسجد ليلعن عليا (صلوات الله عليه) فخرج الحاجب و قال انصرفوا فإن الأمير مشغول و قد أصابه الفالج في هذه الساعة و ابنه عبيد الله بن زياد و قد أصابه الجذام و الحجاج بن يوسف و قد تولدت الحيات في بطنه حتى هلك و عمر بن هبيرة و ابنه يوسف و قد أصابهما البرص و خالد القسري و قد حبس فطولب حتى مات جوعا و أما الذين رماهم الله بقاتل فعبد الله بن زياد و مصعب بن الزبير و أبو السرايا و غيرهم قتلوا جميعا و يزيد بن المهلب قتل على أسوإ حال.

13- الْقَصَصُ، بِالْإِسْنَادِ إِلَى الصَّدُوقِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ دَاوُدَ الرَّقِّيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ (صلوات الله عليهما) يَقُولُ‏ نِعْمَ الْأَرْضُ الشَّامُ وَ بِئْسَ الْقَوْمُ أَهْلُهَا الْيَوْمَ وَ بِئْسَ الْبِلَادُ مِصْرُ أَمَا إِنَّهَا سِجْنُ مَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِصْرَ إِلَّا مِنْ سَخْطَةٍ وَ مَعْصِيَةٍ مِنْهُمْ لِلَّهِ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ‏ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ‏ (1) يَعْنِي الشَّامَ فَأَبَوْا أَنْ يَدْخُلُوهَا وَ عَصَوْا فَتَاهُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ وَ مَا كَانَ خُرُوجُهُمْ مِنْ مِصْرَ وَ دُخُولُهُمُ الشَّامَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ تَوْبَتِهِمْ وَ رِضَا اللَّهِ عَنْهُمْ ثُمَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (صلوات الله عليه) إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ آكُلَ شَيْئاً طُبِخَ فِي فَخَّارِ مِصْرَ وَ مَا أُحِبُّ أَنْ أَغْسِلَ رَأْسِي مِنْ طِينِهَا مَخَافَةَ أَنْ تُورِثَنِي تُرْبَتُهَا الذُّلَّ وَ تَذْهَبَ بِغَيْرَتِي.

العياشي، عن داود مثله.

14- الْقَصَصُ، بِالْإِسْنَادِ إِلَى الصَّدُوقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنِ ابْنِ أَسْبَاطٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ الْمَوْصِلِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي‏

____________

(1) المائدة: 23.

211

عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ بَنِيَ‏ (1) يُنَازِعُنِي مِصْرَ فَقَالَ مَا لَكَ وَ مِصْرَ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّهَا مِصْرُ الْحُتُوفِ وَ لَا أَحْسَبُهُ إِلَّا قَالَ يُسَاقُ إِلَيْهَا أَقْصَرُ النَّاسِ أَعْمَاراً.

15- وَ مِنْهُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُضَيْرِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)انْتَحُوا مِصْرَ وَ لَا تَطْلُبُوا الْمَكْثَ فِيهَا وَ لَا أَحْسَبُهُ إِلَّا قَالَ وَ هُوَ يُورِثُ الدِّيَاثَةَ.

بيان: قال في القاموس نحاه قصده كانتحاه.

16- الْقَصَصُ، بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ عَنِ ابْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ(ع)قَالَ: لَا تَأْكُلُوا فِي فَخَّارِهَا وَ لَا تَغْسِلُوا رُءُوسَكُمْ بِطِينِهَا فَإِنَّهَا تُورِثُ الذِّلَّةَ وَ تَذْهَبُ بِالْغَيْرَةِ.

17- كَامِلُ الزِّيَارَةِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ ثُوَيْرٍ وَ يُونُسَ وَ أَبِي سَلَمَةَ السَّرَّاجِ وَ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالُوا سَمِعْنَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ‏ لَمَّا مَضَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (صلوات الله عليهما) بَكَى عَلَيْهِ جَمِيعُ مَا خَلَقَ اللَّهُ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ الْبَصْرَةَ وَ دِمَشْقَ وَ آلَ عُثْمَانَ‏ (2).

18- الْكَشِّيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ وَ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ مَعاً عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَمْزَةَ عَنْ عِمْرَانَ الْقُمِّيِّ عَنْ حَمَّادٍ النَّابِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَ نَحْنُ جَمَاعَةٌ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ عِمْرَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقُمِّيُّ فَسَأَلَهُ وَ بَرَّهُ وَ بَشَّهُ فَلَمَّا أَنْ قَامَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)مَنْ هَذَا الَّذِي بَرَرْتَ بِهِ هَذَا الْبِرَّ فَقَالَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ النُّجَبَاءِ يَعْنِي أَهْلَ قُمَّ مَا أَرَادَهُمْ جَبَّارٌ مِنَ الْجَبَابِرَةِ إِلَّا قَصَمَهُ اللَّهُ.

19- وَ مِنْهُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَمْزَةَ عَنِ الْمَرْزُبَانِ بْنِ عِمْرَانَ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: دَخَلَ عِمْرَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقَالَ لَهُ كَيْفَ أَنْتَ وَ كَيْفَ وُلْدُكَ وَ كَيْفَ أَهْلُكَ وَ كَيْفَ بَنُو عَمِّكَ وَ كَيْفَ أَهْلُ بَيْتِكَ ثُمَّ حَدَّثَهُ مَلِيّاً فَلَمَّا خَرَجَ قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)مَنْ هَذَا قَالَ هَذَا نَجِيبُ قَوْمِ النُّجَبَاءِ مَا

____________

(1) ابنى (خ).

(2) كامل الزيارة: 80.

212

نَصَبَ لَهُمْ جَبَّارٌ إِلَّا قَصَمَهُ اللَّهُ.

قال حسين عرضت هذين الحديثين على أحمد بن حمزة فقال أعرفهما و لا أحفظ من رواهما لي.

20- كِتَابُ تَارِيخِ قُمَّ تَأْلِيفِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْقُمِّيِّ، قَالَ رَوَى سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي خَلَفٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْخُزَاعِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ‏ سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَيْنَ بِلَادُ الْجَبَلِ فَإِنَّا قَدْ رُوِّينَا أَنَّهُ إِذَا رُدَّ إِلَيْكُمُ الْأَمْرُ يُخْسَفُ بِبَعْضِهَا فَقَالَ إِنَّ فِيهَا مَوْضِعاً يُقَالُ لَهُ بَحْرٌ وَ يُسَمَّى بِقُمَّ وَ هُوَ مَعْدِنُ شِيعَتِنَا فَأَمَّا الرَّيُّ فَوَيْلٌ لَهُ مِنْ جَنَاحَيْهِ وَ إِنَّ الْأَمْنَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ قُمَّ وَ أَهْلِهِ قِيلَ وَ مَا جَنَاحَاهُ قَالَ(ع)أَحَدُهُمَا بَغْدَادُ وَ الْآخَرُ خُرَاسَانُ فَإِنَّهُ تَلْتَقِي فِيهِ سُيُوفُ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَ سُيُوفُ الْبَغْدَادِيِّينَ فَيُعَجِّلُ اللَّهُ عُقُوبَتَهُمْ وَ يُهْلِكُهُمْ فَيَأْوِي أَهْلُ الرَّيِّ إِلَى قُمَّ فَيُؤْوِيهِمْ أَهْلُهُ ثُمَّ يَنْتَقِلُونَ مِنْهُ إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ أَرْدِسْتَانُ.

21- وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْبَصْرِيِّ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيِّ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِ‏ (1) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِساً عِنْدَ النَّبِيِّ(ص)إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَقَالَ(ص)إِلَيَّ يَا أَبَا الْحَسَنِ ثُمَّ اعْتَنَقَهُ وَ قَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَ قَالَ يَا عَلِيُّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ اسْمُهُ عَرَضَ وَلَايَتَكَ عَلَى السَّمَاوَاتِ فَسَبَقَتْ إِلَيْهَا السَّمَاءُ السَّابِعَةُ فَزَيَّنَهَا بِالْعَرْشِ ثُمَّ سَبَقَتْ إِلَيْهَا السَّمَاءُ الرَّابِعَةُ فَزَيَّنَهَا بِالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ثُمَّ سَبَقَتْ إِلَيْهَا السَّمَاءُ الدُّنْيَا فَزَيَّنَهَا بِالْكَوَاكِبِ ثُمَّ عَرَضَهَا عَلَى الْأَرَضِينَ فَسَبَقَتْ إِلَيْهَا مَكَّةُ فَزَيَّنَهَا بِالْكَعْبَةِ ثُمَّ سَبَقَتْ إِلَيْهَا الْمَدِينَةُ فَزَيَّنَهَا بِي ثُمَّ سَبَقَتْ إِلَيْهَا الْكُوفَةُ فَزَيَّنَهَا بِكَ ثُمَّ سَبَقَ إِلَيْهَا قُمُّ فَزَيَّنَهَا بِالْعَرَبِ وَ فَتَحَ إِلَيْهِ بَاباً مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ.

22- وَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ الْهَمْدَانِيِّ وَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الكشمارجاني [الْكَمْشَارِجَانِيِ‏ (2) عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ أَبِي الْأَكْرَادِ عَلِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ الصَّائِغِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:

____________

(1) في أكثر النسخ «ثابتة الشبانى» و في بعضها «ثابت النباتى» و الظاهر ان الصواب ما أثبتناه في المتن و هو ثابت بن أسلم البنانى- بضم الموحدة منسوب الى بنانه و هم بنو سعد بن لوى- و هو الذي يروى عن أنس بن مالك و غيره.

(2) الكمشارجانى (خ).

213

إِنَّ اللَّهَ احْتَجَّ بِالْكُوفَةِ عَلَى سَائِرِ الْبِلَادِ وَ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِهَا عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبِلَادِ وَ احْتَجَّ بِبَلْدَةِ قُمَّ عَلَى سَائِرِ الْبِلَادِ وَ بِأَهْلِهَا عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ لَمْ يَدَعِ اللَّهُ قُمَّ وَ أَهْلَهُ مُسْتَضْعَفاً بَلْ وَفَّقَهُمْ وَ أَيَّدَهُمْ ثُمَّ قَالَ إِنَّ الدِّينَ وَ أَهْلَهُ بِقُمَّ ذَلِيلٌ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَأَسْرَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَخَرِبَ قُمُّ وَ بَطَلَ أَهْلُهُ فَلَمْ يَكُنْ حُجَّةً عَلَى سَائِرِ الْبِلَادِ وَ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ تَسْتَقِرَّ السَّمَاءُ وَ الْأَرْضُ وَ لَمْ يُنْظَرُوا طَرْفَةَ عَيْنٍ وَ إِنَّ الْبَلَايَا مَدْفُوعَةٌ عَنْ قُمَّ وَ أَهْلِهِ وَ سَيَأْتِي زَمَانٌ تَكُونُ بَلْدَةُ قُمَّ وَ أَهْلُهَا حُجَّةً عَلَى الْخَلَائِقِ وَ ذَلِكَ فِي زَمَانِ غَيْبَةِ قَائِمِنَا(ع)إِلَى ظُهُورِهِ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَسَاخَتِ الْأَرْضُ بِأَهْلِهَا وَ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَدْفَعُ الْبَلَايَا عَنْ قُمَّ وَ أَهْلِهِ وَ مَا قَصَدَهُ جَبَّارٌ بِسُوءٍ إِلَّا قَصَمَهُ قَاصِمُ الْجَبَّارِينَ وَ شَغَلَهُ عَنْهُمْ بِدَاهِيَةٍ أَوْ مُصِيبَةٍ أَوْ عَدُوٍّ وَ يُنْسِي اللَّهُ الْجَبَّارِينَ فِي دَوْلَتِهِمْ ذِكْرَ قُمَّ وَ أَهْلِهِ كَمَا نَسُوا ذِكْرَ اللَّهِ.

23- ثُمَّ قَالَ وَ رُوِيَ بِأَسَانِيدَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ ذُكِرَ كُوفَةُ وَ قَالَ سَتَخْلُو كُوفَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ يأزر [يَأْرِزُ عَنْهَا الْعِلْمُ كَمَا تأزر [تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا ثُمَّ يَظْهَرُ الْعِلْمُ بِبَلْدَةٍ يُقَالُ لَهَا قُمُّ وَ تَصِيرُ مَعْدِناً لِلْعِلْمِ وَ الْفَضْلِ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مُسْتَضْعَفٌ فِي الدِّينِ حَتَّى الْمُخَدَّرَاتُ فِي الْحِجَالِ وَ ذَلِكَ عِنْدَ قُرْبِ ظُهُورِ قَائِمِنَا فَيَجْعَلُ اللَّهُ قُمَّ وَ أَهْلَهُ قَائِمِينَ مَقَامَ الْحُجَّةِ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَسَاخَتِ الْأَرْضُ بِأَهْلِهَا وَ لَمْ يَبْقَ فِي الْأَرْضِ حُجَّةٌ فَيُفِيضُ الْعِلْمُ مِنْهُ إِلَى سَائِرِ الْبِلَادِ فِي الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ فَيَتِمُّ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى الْخَلْقِ حَتَّى لَا يَبْقَى أَحَدٌ عَلَى الْأَرْضِ لَمْ يَبْلُغْ إِلَيْهِ الدِّينُ وَ الْعِلْمُ ثُمَّ يَظْهَرُ الْقَائِمُ(ع)وَ يَسِيرُ سَبَباً لِنَقِمَةِ اللَّهِ وَ سَخَطِهِ عَلَى الْعِبَادِ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَنْتَقِمُ مِنَ الْعِبَادِ إِلَّا بَعْدَ إِنْكَارِهِمْ حُجَّةً.

24- وَ عَنْ أَبِي مُقَاتِلٍ الدَّيْلَمِيِّ نَقِيبِ الرَّيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ(ع)يَقُولُ‏ إِنَّمَا سُمِّيَ قُمَّ بِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا وَصَلَتِ السَّفِينَةُ إِلَيْهِ فِي طُوفَانِ نُوحٍ(ع)قَامَتْ وَ هُوَ قِطْعَةٌ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.

25- وَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ (1) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:

____________

(1) في أكثر النسخ «خالد بن أبي يزيد» و الظاهر أنّه أبو يزيد خالد بن يزيد العكلى الثقة، فاشتبه على بعض النسّاخ كنيته بكنية أبيه.

214

إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ مِنْ جَمِيعِ الْبِلَادِ كُوفَةَ وَ قُمَّ وَ تَفْلِيسَ.

26- وَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ الْمُفَضَّلِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِذَا عَمَّتِ الْبُلْدَانَ الْفِتَنُ فَعَلَيْكُمْ بِقُمَّ وَ حَوَالَيْهَا وَ نَوَاحِيهَا فَإِنَّ الْبَلَاءَ مَدْفُوعٌ عَنْهَا.

27- وَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ خَزْرَجِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَخِيهِ مُوسَى بْنِ خَزْرَجٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)أَ تَعْرِفُ مَوْضِعاً يُقَالُ لَهُ وراردهار قُلْتُ نَعَمْ وَ لِي فِيهِ ضَيْعَتَانِ فَقَالَ الْزَمْهُ وَ تَمَسَّكْ بِهِ ثُمَّ قَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ نِعْمَ الْمَوْضِعُ وراردهار.

28- وَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعْدٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ جَمَاعَةٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِذَا عَمَّتِ الْبَلَايَا فَالْأَمْنُ فِي كُوفَةَ وَ نَوَاحِيهَا مِنَ السَّوَادِ وَ قُمَّ مِنَ الْجَبَلِ وَ نِعْمَ الْمَوْضِعُ، قُمُّ لِلْخَائِفِ الطَّائِفِ.

29- وَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ الْيَسَعِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِذَا فُقِدَ الْأَمْنُ مِنَ الْعِبَادِ وَ رَكِبَ النَّاسُ عَلَى الْخُيُولِ وَ اعْتَزَلُوا النِّسَاءَ وَ الطِّيبَ فَالْهَرَبَ الْهَرَبَ عَنْ جِوَارِهِمْ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِلَى أَيْنَ قَالَ إِلَى الْكُوفَةِ وَ نَوَاحِيهَا أَوْ إِلَى قُمَّ وَ حَوَالَيْهَا فَإِنَّ الْبَلَاءَ مَدْفُوعٌ عَنْهُمَا.

30- وَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ: أَهْلُ خُرَاسَانَ أَعْلَامُنَا وَ أَهْلُ قُمَّ أَنْصَارُنَا وَ أَهْلُ كُوفَةَ أَوْتَادُنَا وَ أَهْلُ هَذَا السَّوَادِ مِنَّا وَ نَحْنُ مِنْهُمْ.

31- وَ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْحَسَنِيِّ عَنْ إِسْحَاقَ النَّاصِحِ مَوْلَى جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ(ع)قَالَ: قُمُّ عُشُّ آلِ مُحَمَّدٍ وَ مَأْوَى شِيعَتِهِمْ وَ لَكِنْ سَيَهْلِكُ جَمَاعَةٌ مِنْ شَبَابِهِمْ بِمَعْصِيَةِ (1) آبَائِهِمْ وَ الِاسْتِخْفَافِ وَ السُّخْرِيَّةِ بِكُبَرَائِهِمْ وَ مَشَايِخِهِمْ وَ مَعَ ذَلِكَ يَدْفَعُ اللَّهُ عَنْهُمْ شَرَّ الْأَعَادِي وَ كُلَّ سُوءٍ.

32- وَ عَنْ سَهْلٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكُوفِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ الْقَاسِمِ الْعَلَوِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْهَاشِمِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ الصَّادِقِ ع‏

____________

(1) بعقوبة (خ).

215

قَالَ: إِذَا أَصَابَتْكُمْ بَلِيَّةٌ وَ عَنَاءٌ فَعَلَيْكُمْ بِقُمَّ فَإِنَّهُ مَأْوَى الْفَاطِمِيِّينَ وَ مُسْتَرَاحُ الْمُؤْمِنِينَ وَ سَيَأْتِي زَمَانٌ يُنَفَّرُ أَوْلِيَاؤُنَا وَ مُحِبُّونَا عَنَّا وَ يُبَعَّدُونَ مِنَّا وَ ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لَهُمْ لِكَيْلَا يُعْرَفُوا بِوَلَايَتِنَا وَ يُحْقَنُوا بِذَلِكَ دِمَاؤُهُمْ وَ أَمْوَالُهُمْ وَ مَا أَرَادَ أَحَدٌ بِقُمَّ وَ أَهْلِهِ سُوءاً إِلَّا أَذَلَّهُ اللَّهُ وَ أَبْعَدَهُ مِنْ رَحْمَتِهِ.

33- وَ عَنْ سَهْلٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى الْبَزَّازِ الْقُمِّيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْعَلَّافِ النَّيْشَابُورِيِّ عَنْ وَاسِطِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ: إِنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ وَ لِأَهْلِ قُمَّ وَاحِدٌ مِنْهَا فَطُوبَى لَهُمْ ثُمَّ طُوبَى لَهُمْ ثُمَّ طُوبَى لَهُمْ.

34- وَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: كُنَّا عِنْدَهُ جَالِسِينَ إِذْ قَالَ مُبْتَدِئاً خُرَاسَانُ خُرَاسَانُ سِجِسْتَانُ سِجِسْتَانُ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِهِمَا رَاكِبِينَ عَلَى الْجِمَالِ مُسْرِعِينَ إِلَى، قُمَّ.

35- وَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صَالِحٍ قَالَ: كُنَّا ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَذَكَرَ فِتَنَ بَنِي عَبَّاسٍ وَ مَا يُصِيبُ النَّاسَ مِنْهُمْ فَقُلْنَا جُعِلْنَا فِدَاكَ فَأَيْنَ الْمَفْزَعُ وَ الْمَفَرُّ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فَقَالَ إِلَى الْكُوفَةِ وَ حَوَالَيْهَا وَ إِلَى قُمَّ وَ نَوَاحِيهَا ثُمَّ قَالَ فِي قُمَّ شِيعَتُنَا وَ مَوَالِينَا وَ تَكْثُرُ فِيهَا الْعِمَارَةُ وَ يَقْصِدُهُ النَّاسُ وَ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ حَتَّى يَكُونَ الْجَمْرُ بَيْنَ بَلْدَتِهِمْ.

و في بعض روايات الشيعة أن قم يبلغ من العمارة إلى أن يشترى موضع فرس بألف درهم.

36- وَ فِي خُطْبَةِ الْمَلَاحِمِ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)الَّتِي خَطَبَ بِهَا بَعْدَ وَقْعَةِ الْجَمَلِ بِالْبَصْرَةِ قَالَ: يَخْرُجُ الْحَسَنِيُّ صَاحِبُ طَبَرِسْتَانَ مَعَ جَمٍّ كَثِيرٍ مِنْ خَيْلِهِ وَ رَجِلِهِ حَتَّى يَأْتِيَ نَيْسَابُورَ فَيَفْتَحُهَا وَ يَقْسِمُ أَبْوَابَهَا ثُمَّ يَأْتِي أَصْبَهَانَ ثُمَّ إِلَى قُمَّ فَيَقَعُ بَيْنَهُ وَ بَيْنِ أَهْلِ قُمَّ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ يُقْتَلُ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ فَيَنْهَزِمُ أَهْلُ قُمَّ فَيَنْهَبُ الْحَسَنِيُّ أَمْوَالَهُمْ وَ يَسْبِي ذَرَارِيَّهُمْ وَ نِسَاءَهُمْ وَ يُخَرِّبُ دُورَهُمْ فَيَفْزَعُ أَهْلُ قُمَّ إِلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهَا وراردهار فَيُقِيمُ الْحَسَنِيُّ بِبَلَدِهِمْ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَ يَقْتُلُ مِنْهُمْ عِشْرِينَ رَجُلًا وَ يَصْلِبُ مِنْهُمْ رَجُلَيْنِ ثُمَّ يَرْحَلُ عَنْهُمْ.

216

37- وَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى عَنْ أَيُّوبَ بْنِ يَحْيَى الْجَنْدَلِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ(ع)قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ قُمَّ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْحَقِّ يَجْتَمِعُ مَعَهُ قَوْمٌ كَزُبَرِ الْحَدِيدِ لَا تُزِلُّهُمُ الرِّيَاحُ الْعَوَاصِفُ وَ لَا يَمَلُّونَ مِنَ الْحَرَبِ وَ لَا يَجْبُنُونَ وَ عَلَى اللَّهِ يَتَوَكَّلُونَ‏ وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏

38- وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَفَّانَ الْبَصْرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قَالَ لِي أَ تَدْرِي لِمَ سُمِّيَ قُمَّ قُلْتُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ أَنْتَ أَعْلَمُ قَالَ إِنَّمَا سُمِّيَ قُمَّ لِأَنَّ أَهْلَهُ يَجْتَمِعُونَ مَعَ قَائِمِ آلِ مُحَمَّدٍ (صلوات الله عليه) وَ يَقُومُونَ مَعَهُ وَ يَسْتَقِيمُونَ عَلَيْهِ وَ يَنْصُرُونَهُ.

39- وَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الرَّبِيعِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى بَيَّاعِ السَّابِرِيِّ قَالَ: كُنْتُ يَوْماً عِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ(ع)فَجَرَى ذِكْرُ قُمَّ وَ أَهْلِهِ وَ مَيْلِهِمْ إِلَى الْمَهْدِيِّ(ع)فَتَرَحَّمَ عَلَيْهِمْ وَ قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ثُمَّ قَالَ إِنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ وَ وَاحِدٌ مِنْهَا لِأَهْلِ قُمَّ وَ هُمْ خِيَارُ شِيعَتِنَا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْبِلَادِ خَمَّرَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَايَتَنَا فِي طِينَتِهِمْ.

40- وَ رَوَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)جَالِساً إِذْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَ كانَ وَعْداً مَفْعُولًا فَقُلْنَا جُعِلْنَا فِدَاكَ مَنْ هَؤُلَاءِ فَقَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ هُمْ وَ اللَّهِ أَهْلُ قُمَّ.

41- وَ رُوِيَ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَهْلِ الرَّيِ‏ أَنَّهُمْ دَخَلُوا عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَ قَالُوا نَحْنُ مِنْ أَهْلِ الرَّيِّ فَقَالَ مَرْحَباً بِإِخْوَانِنَا مِنْ أَهْلِ قُمَّ فَقَالُوا نَحْنُ مِنْ أَهْلِ الرَّيِّ فَأَعَادَ الْكَلَامَ قَالُوا ذَلِكَ مِرَاراً وَ أَجَابَهُمْ بِمِثْلِ مَا أَجَابَ بِهِ أَوَّلًا فَقَالَ إِنَّ لِلَّهِ حَرَماً وَ هُوَ مَكَّةُ وَ إِنَّ لِلرَّسُولِ‏ (1) حَرَماً وَ هُوَ الْمَدِينَةُ وَ إِنَّ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَرَماً وَ هُوَ الْكُوفَةُ وَ إِنَّ لَنَا حَرَماً وَ هُوَ بَلْدَةُ قُمَّ وَ سَتُدْفَنُ فِيهَا امْرَأَةٌ مِنْ أَوْلَادِي تُسَمَّى فَاطِمَةَ

____________

(1) لرسوله (خ).

217

فَمَنْ زَارَهَا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ قَالَ الرَّاوِي وَ كَانَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ الْكَاظِمُ (عليه السلام).

42- وَ فِي رِوَايَاتِ الشِّيعَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)لَمَّا أُسْرِيَ بِهِ رَأَى إِبْلِيسَ بَارِكاً بِهَذِهِ الْبُقْعَةِ فَقَالَ لَهُ قُمْ يَا مَلْعُونُ فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ.

43- وَ رُوِيَ عَنِ الْأَئِمَّةِ(ع)لَوْ لَا الْقُمِّيُّونَ لَضَاعَ الدِّينُ.

44- وَ رُوِيَ مَرْفُوعاً إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيِّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا(ع)قَالَ: إِذَا عَمَّتِ الْبُلْدَانَ الْفِتَنُ فَعَلَيْكُمْ بِقُمَّ وَ حَوَالَيْهَا وَ نَوَاحِيهَا فَإِنَّ الْبَلَاءَ مَرْفُوعٌ عَنْهَا.

45- وَ قَالَ(ع)لِزَكَرِيَّا بْنِ آدَمَ الْقُمِّيِّ حِينَ قَالَ الشَّيْخُ عِنْدَهُ يَا سَيِّدِي إِنِّي أُرِيدُ الْخُرُوجَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِي فَقَدْ كَثُرَتِ السُّفَهَاءُ فَقَالَ لَا تَفْعَلْ فَإِنَّ الْبَلَاءَ يُدْفَعُ بِكَ عَنْ أَهْلِ قُمَّ كَمَا يُدْفَعُ الْبَلَاءُ عَنْ أَهْلِ بَغْدَادَ بِأَبِي الْحَسَنِ الْكَاظِمِ ع.

46- وَ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْجَعْفَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)قَالَ: إِنَّ لَعَلَى قُمَّ مَلَكاً رَفْرَفَ عَلَيْهَا بِجَنَاحَيْهِ لَا يُرِيدُهَا جَبَّارٌ بِسُوءٍ إِلَّا أَذَابَهُ اللَّهُ كَذَوْبِ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ ثُمَّ أَشَارَ إِلَى عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ سَلَامُ اللَّهِ عَلَى أَهْلِ قُمَّ يَسْقِي‏ (1) اللَّهُ بِلَادَهُمُ الْغَيْثَ وَ يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْبَرَكَاتِ وَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ‏ هُمْ أَهْلُ رُكُوعٍ وَ سُجُودٍ وَ قِيَامٍ وَ قُعُودٍ هُمُ الْفُقَهَاءُ الْعُلَمَاءُ الْفُهَمَاءُ هُمْ أَهْلُ الدِّرَايَةِ وَ الرِّوَايَةِ وَ حُسْنِ الْعِبَادَةِ.

47- وَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْفَقِيهُ الْهَمْدَانِيُّ فِي كِتَابِ الْبُلْدَانِ إِنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ رَوَى‏ أَنَّهُ سَأَلَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ(ع)عَنْ أَسْلَمِ الْمُدُنِ وَ خَيْرِ الْمَوَاضِعِ عِنْدَ نُزُولِ الْفِتَنِ وَ ظُهُورِ السَّيْفِ فَقَالَ أَسْلَمُ الْمَوَاضِعِ يَوْمَئِذٍ أَرْضُ الْجَبَلِ فَإِذَا اضْطَرَبَتْ خُرَاسَانُ وَ وَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ أَهْلِ جُرْجَانَ وَ طَبَرِسْتَانَ وَ خَرِبَتْ سِجِسْتَانُ فَأَسْلَمُ الْمَوَاضِعِ يَوْمَئِذٍ قَصَبَةُ قُمَّ تِلْكَ الْبَلْدَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا أَنْصَارُ خَيْرِ النَّاسِ أَباً وَ أُمّاً وَ جَدّاً وَ جَدَّةً وَ عَمّاً وَ عَمَّةً تِلْكَ الَّتِي تُسَمَّى الزَّهْرَاءَ بِهَا مَوْضِعُ قَدَمِ جَبْرَئِيلَ وَ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي نَبَعَ مِنْهُ الْمَاءُ

____________

(1) سقى (خ).

218

الَّذِي مَنْ شَرِبَ مِنْهُ أَمِنَ مِنَ الدَّاءِ وَ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ عُجِنَ الطِّينُ الَّذِي عَمِلَ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ وَ مِنْهُ يَغْتَسِلُ الرِّضَا(ع)وَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ يَخْرُجُ كَبْشُ إِبْرَاهِيمَ وَ عَصَا مُوسَى وَ خَاتَمُ سُلَيْمَانَ.

48- وَ مِنْ رِوَايَاتِ الشِّيعَةِ فِي فَضْلِ قُمَّ وَ أَهْلِهَا مَا رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى بْنِ بَابَوَيْهِ بِأَسَانِيدَ ذَكَرَهَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ لَمْ يَسْأَلْكَ أَحَدٌ قَبْلِي وَ لَا يَسْأَلُكَ أَحَدٌ بَعْدِي فَقَالَ عَسَاكَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْحَشْرِ وَ النَّشْرِ (1) فَقَالَ الرَّجُلُ إِي وَ الَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً مَا أَسْأَلُكَ إِلَّا عَنْهُ فَقَالَ مَحْشَرُ النَّاسِ كُلُّهُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَّا بُقْعَةٌ بِأَرْضِ الْجَبَلِ يُقَالُ لَهَا قُمُّ فَإِنَّهُمْ يُحَاسَبُونَ فِي حُفَرِهِمْ وَ يُحْشَرُونَ مِنْ حُفَرِهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ ثُمَّ قَالَ أَهْلُ قُمَّ مَغْفُورٌ لَهُمْ قَالَ فَوَثَبَ الرَّجُلُ عَلَى رِجْلَيْهِ وَ قَالَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ هَذَا خَاصَّةً لِأَهْلِ قُمَّ قَالَ نَعَمْ وَ مَنْ يَقُولُ بِمَقَالَتِهِمْ ثُمَّ قَالَ أَزِيدُكَ قَالَ نَعَمْ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)نَظَرْتُ إِلَى بُقْعَةٍ بِأَرْضِ الْجَبَلِ خَضْرَاءَ أَحْسَنَ لَوْناً مِنَ الزَّعْفَرَانِ وَ أَطْيَبَ رَائِحَةً مِنَ الْمِسْكِ وَ إِذَا فِيهَا شَيْخٌ بَارِكٌ عَلَى رَأْسِهِ بُرْنُسٌ فَقُلْتُ حَبِيبِي جَبْرَئِيلُ مَا هَذِهِ الْبُقْعَةُ قَالَ فِيهَا شِيعَةُ وَصِيِّكَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قُلْتُ فَمَنِ الشَّيْخُ الْبَارِكُ فِيهَا قَالَ ذَلِكَ إِبْلِيسُ اللَّعِينُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ قُلْتُ فَمَا يُرِيدُ مِنْهُمْ قَالَ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّهُمْ عَنْ وَلَايَةِ وَصِيِّكَ عَلِيٍّ وَ يَدْعُوَهُمْ إِلَى الْفِسْقِ وَ الْفُجُورِ فَقُلْتُ يَا جَبْرَئِيلُ اهْوِ بِنَا إِلَيْهِ فَأَهْوَى بِنَا إِلَيْهِ فِي أَسْرَعَ مِنْ بَرْقٍ خَاطِفٍ فَقُلْتُ لَهُ قُمْ يَا مَلْعُونُ فَشَارِكِ الْمُرْجِئَةَ فِي نِسَائِهِمْ وَ أَمْوَالِهِمْ لِأَنَّ أَهْلَ قُمَّ شِيعَتِي وَ شِيعَةُ وَصِيِّي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.

49- وَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بُهْلُولٍ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ: تُرْبَةُ قُمَّ مُقَدَّسَةٌ وَ أَهْلُهَا مِنَّا وَ نَحْنُ مِنْهُمْ لَا يُرِيدُهُمْ جَبَّارٌ بِسُوءٍ إِلَّا عُجِّلَتْ عُقُوبَتُهُ مَا لَمْ يَخُونُوا

____________

(1) المحشر و المنشر (خ).

219

إِخْوَانَهُمْ‏ (1) فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ جَبَابِرَةَ سَوْءٍ أَمَا إِنَّهُمْ أَنْصَارُ قَائِمِنَا وَ دُعَاةُ (2) حَقِّنَا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَ قَالَ اللَّهُمَّ اعْصِمْهُمْ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ وَ نَجِّهِمْ مِنْ كُلِّ هَلَكَةٍ.

ثم ذكر صاحب التاريخ المشاهد و القبور الواقعة في بلدة قم فقال منها قبر فاطمة بنت موسى بن جعفر(ع)و روي أن زيارتها تعادل الجنة.

- و روى مشايخ قم أنه لما أخرج المأمون علي بن موسى الرضا(ع)من المدينة إلى المرو في سنة مائتين خرجت فاطمة أخته في سنة إحدى و مائتين تطلبه فلما وصلت إلى ساوه مرضت فسألت كم بيني و بين قم قالوا عشرة فراسخ فأمرت خادمها فذهب بها إلى قم و أنزلها في بيت موسى بن خزرج بن سعد.

و الأصح‏

- أنه لما وصل الخبر إلى آل سعد اتفقوا و خرجوا إليها أن يطلبوا منها النزول في بلدة قم فخرج من بينهم موسى بن خزرج فلما وصل إليها أخذ بزمام ناقتها و جرها إلى قم و أنزلها في داره فكانت فيها ستة (3) عشر يوما ثم مضت إلى رحمة الله و رضوانه فدفنها موسى بعد التغسيل و التكفين في أرض له و هي التي الآن مدفنها و بنى على قبرها سقفا من البواري إلى أن بنت زينب بنت الجواد(ع)عليها قبة.

و حدثني الحسين بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه عن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد أنه لما توفيت فاطمة رضي الله عنها و غسلوها و كفنوها ذهبوا بها إلى بابلان و وضعوها على سرداب حفروه لها فاختلف آل سعد بينهم في من يدخل السرداب و يدفنها فيه فاتفقوا على خادم لهم شيخ كبير صالح يقال له قادر فلما بعثوا إليها رأوا راكبين سريعين متلثمين يأتيان من جانب الرملة فلما قربا من الجنازة نزلا و صليا عليها و دخلا السرداب و أخذا الجنازة فدفناها ثم خرجا و ركبا و ذهبا و لم يعلم أحد من هما.

و المحراب الذي كانت فاطمة(ع)تصلي إليها موجود إلى الآن في دار موسى بن الخزرج ثم ماتت أم محمد بنت موسى بن محمد بن علي الرضا(ع)فدفنوها في جنب فاطمة رضي الله عنها

____________

(1) ما لم يحولوا أحوالهم (خ).

(2) رعاة (خ).

(3) في بعض النسخ «سبعة عشر».

220

ثم توفيت ميمونة أختها فدفنوها هناك أيضا و بنوا عليهما أيضا قبة و دفن فيها أم إسحاق جارية محمد و أم حبيب جارية محمد بن أحمد الرضا و أخت محمد بن موسى ثم قال و منها قبر أبي جعفر موسى بن محمد بن علي الرضا(ع)قال و هو أول من دخل من السادات الرضوية قم و كان مبرقعا دائما فأخرجه العرب من قم ثم اعتذروا منه و أدخلوه و أكرموه و اشتروا من أموالهم له دارا و مزارع و حسن حاله و اشترى من ماله أيضا قرى و مزارع فجاءت إليه أخواته زينب و أم محمد و ميمونة بنات الجواد (عليه السلام) ثم بريهية بنت موسى فدفن كلهن عند فاطمة رضي الله عنها و توفي موسى ليلة الأربعاء ثامن شهر ربيع الآخر من سنة ست و تسعين و مائتين و دفن في الموضع المعروف أنه مدفنه و منها قبر أبي علي محمد بن أحمد بن موسى بن محمد بن علي الرضا (عليه السلام) توفي في سنة خمس عشرة و ثلاثمائة و دفن في مقبرة محمد بن موسى ثم ذكر مقابر كثير من السادات الرضوية و كثير من أولاد محمد بن جعفر الصادق(ع)و كثير من أحفاد علي بن جعفر و قبور كثير من السادات الحسنية و كان أكثر أهل قم من الأشعريين‏

- وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَشْعَرِيِّينَ صَغِيرِهِمْ وَ كَبِيرِهِمْ.

- وَ قَالَ: الْأَشْعَرِيُّونَ مِنِّي وَ أَنَا مِنْهُمْ.

- وَ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)الْأَزْدُ وَ الْأَشْعَرِيُّونَ وَ كِنْدَةُ مِنِّي لَا يَعْدِلُونَ وَ لَا يَجْبُنُونَ.

- وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لِلْأَشْعَرِيِّينَ لَمَّا قَدِمُوا أَنْتُمُ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ مِنْ وُلْدِ إِسْمَاعِيلَ.

ثم ذكر أخبارا كثيرة في فضائلهم ثم قال من مفاخرهم إن أول من أظهر التشيع بقم موسى بن عبد الله بن سعد الأشعري.

و منها

- أَنَّهُ‏ قَالَ الرِّضَا(ع)لِزَكَرِيَّا بْنِ آدَمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ الْأَشْعَرِيِّ إِنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ الْبَلَاءَ بِكَ عَنْ أَهْلِ قُمَّ كَمَا يَدْفَعُ الْبَلَاءَ عَنْ أَهْلِ بَغْدَادَ بِقَبْرِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ ع.

و منها أنهم وقفوا المزارع و العقارات الكثيرة على الأئمة(ع)و منها أنهم أول من بعث الخمس إليهم و منها أنهم(ع)أكرموا جماعة كثيرة منهم بالهدايا و التحف و الأكفان كأبي جرير زكريا بن إدريس و زكريا بن آدم و عيسى بن عبد الله بن‏

221

سعد و غيرهم ممن يطول بذكرهم الكلام و شرفوا بعضهم بالخواتيم و الخلع و أنهم اشتروا من دعبل الخزاعي ثوب الرضا(ع)بألف دينار من الذهب و منها

- أن الصادق (عليه السلام) قال لعمران بن عبد الله أظلك الله يوم لا ظل إلا ظله.

انتهى ما أخرجته من تاريخ قم و مؤلفه من علماء الإمامية.

بيان يظهر من هذا التاريخ أن وراردهار اسم بعض رساتيق قم و توابعه و قال فيه سبع عشرة قرية و كان من رساتيق أصبهان فألحق بقم و الجمر اسم نهر من الأنهار التي كانت قبل بناء بلدة قم كما يلوح من التاريخ‏

وَ رَوَى الْكَشِّيُّ خَبَرَ زَكَرِيَّا بْنِ آدَمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قُولَوَيْهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ آدَمَ قَالَ: قُلْتُ لِلرِّضَا(ع)إِنِّي أُرِيدُ الْخُرُوجَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِي فَقَدْ كَثُرَ السُّفَهَاءُ فِيهِمْ فَقَالَ لَا تَفْعَلْ فَإِنَّ أَهْلَ بَيْتِكَ يُدْفَعُ عَنْهُمْ بِكَ كَمَا يُدْفَعُ عَنْ أَهْلِ بَغْدَادَ بِأَبِي الْحَسَنِ الْكَاظِمِ (عليه السلام)

. 50- الْمَجَازَاتُ النَّبَوِيَّةُ، قَالَ النَّبِيُّ(ص)أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى تَنْفِي الْخَبَثَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ.

يريد(ع)الهجرة إلى المدينة قال السيد ره فقوله أمرت بقرية تأكل القرى مجاز و المراد أن أهلها يقهرون أهل القرى فيملكون بلادهم و أموالهم فكأنهم بهذه الأحوال يأكلونهم و خرج هذا القول على طريقة للعرب معروفة لأنهم يقولون أكل فلان جاره إذا عدا عليه فانتهك حرمته و اصطفى حريبته و على ذلك قول علقة بن عقيل بن علقة لأبيه في أبيات‏

أكلت بيتك أكل الضب حتى‏* * * وجدت مدارة الكل‏ (1)الوبيل.

و من ذلك قوله(ع)في غزوة الحديبية ويح قريش أكلهم‏ (2) الحرب يريد أنها قد أفنت رجالهم و انتهكت أموالهم فكانت من هذا الوجه كأنها آكلة لهم قال ذلك في حديث طويل و المراد بقوله تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد إن أهلها يتمحضون [يتمحصون فينتفي عنها الأشرار و يبقى فيها الأخيار و يفارقها الأخلاط

____________

(1) الكلا (خ).

(2) اكلتهم (خ).

222

و الأقشاب و لا يصبر عليها إلا الصميم و اللباب فيكون بمنزلة الكير الذي ينفي الأخباث و الأدران و يخلص الرصاص و هذا أيضا مجاز و قد ورد هذا الخبر بلفظ آخر

- ذَكَرَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ سَمِعْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنَّهُ قَالَ: الْمَدِينَةُ تَنْفِي خَبَثَ الرِّجَالِ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ.

و المعنى في اللفظين واحد.

51- كِتَابُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنِ الْمُعَلَّى الطَّحَّانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مَيْمُونٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ أُنَاسٌ مِنَ الْيَمَنِ قَالَ مَرْحَباً بِرَهْطِ شُعَيْبٍ وَ أَحْبَارِ مُوسَى.

52- وَ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ الرَّبِيعِ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ(ص)قَالَ: حَضْرَمَوْتُ خَيْرٌ مِنَ الْحَارِثِيِّينَ.

53- مَجَالِسُ الشَّيْخِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُبْدُونٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ وَ جَلَسْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَسَأَلَنَا مَنْ أَنْتُمْ قُلْنَا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَقَالَ أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ مِنَ الْبُلْدَانِ أَكْثَرَ مُحِبّاً لَنَا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ ثُمَّ هَذِهِ الْعِصَابَةُ خَاصَّةً إِنَّ اللَّهَ هَدَاكُمْ لِأَمْرٍ جَهِلَهُ النَّاسُ أَحْبَبْتُمُونَا وَ أَبْغَضَنَا النَّاسُ وَ صَدَّقْتُمُونَا وَ كَذَّبَنَا النَّاسُ وَ اتَّبَعْتُمُونَا وَ خَالَفَنَا النَّاسُ فَجَعَلَ اللَّهُ مَحْيَاكُمْ مَحْيَانَا وَ مَمَاتَكُمْ مَمَاتَنَا الْخَبَرَ.

بيان: ثم هذه العصابة أي هم فيها أكثر من غيرها من البلدان و المراد عصابة الشيعة فإن المحب أعم منها و العصابة بالكسر الجماعة من الناس.

54- مَجَالِسُ الشَّيْخِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْغَضَائِرِيِّ عَنِ التَّلَّعُكْبَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَمَّامٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْحِمْيَرِيِّ عَنِ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ زُرَيْقٍ الْخُلْقَانِيِّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَوْماً إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِنْ أَصْحَابِنَا فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) أَ تَعْرِفُهُمَا قُلْتُ نَعَمْ هُمَا مِنْ مَوَالِيكَ فَقَالَ نَعَمْ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ أَجِلَّةَ مَوَالِيَّ بِالْعِرَاقِ الْخَبَرَ.

55- أَقُولُ وَجَدْتُ بِخَطِّ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْجُبَاعِيِّ (رحمه اللّه) قَالَ‏

223

الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ (قدس الله روحه) وَجَدَ بِخَطِّ جَمَالِ الدِّينِ ابْنِ الْمُطَهَّرِ وَجَدْتُ بِخَطِّ وَالِدِي ره قَالَ وَجَدْتُ رُقْعَةً عَلَيْهَا مَكْتُوبٌ بِخَطٍّ عَتِيقٍ مَا صُورَتُهُ‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ هَذَا مَا أَخْبَرَنَا بِهِ الشَّيْخُ الْأَجَلُّ الْعَالِمُ عِزُّ الدِّينِ أَبُو الْمَكَارِمِ حَمْزَةُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زُهْرَةَ الْحُسَيْنِيُّ الْحَلَبِيُّ إِمْلَاءً مِنْ لَفْظِهِ عِنْدَ نُزُولِهِ بِالْحِلَّةِ السَّيْفِيَّةِ وَ قَدْ وَرَدَهَا حَاجّاً سَنَةَ أَرْبَعٍ وَ سَبْعِينَ وَ خَمْسِمِائَةٍ وَ رَأَيْتُهُ يَلْتَفِتُ يَمْنَةً وَ يَسْرَةً فَسَأَلْتُهُ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ قَالَ إِنَّنِي لَأَعْلَمُ أَنَّ لِمَدِينَتِكُمْ هَذِهِ فَضْلًا جَزِيلًا قُلْتُ وَ مَا هُوَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُولَوَيْهِ عَنِ الْكُلَيْنِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: صَحِبْتُ مَوْلَايَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عِنْدَ وُرُودِهِ إِلَى صِفِّينَ وَ قَدْ وَقَفَ عَلَى تَلٍّ عَرِيرٍ (1) ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَى أَجَمَةٍ مَا بَيْنَ بَابِلَ وَ التَّلِّ وَ قَالَ مَدِينَةٌ وَ أَيُّ مَدِينَةٍ فَقُلْتُ لَهُ يَا مَوْلَايَ أَرَاكَ تَذْكُرُ مَدِينَةً أَ كَانَ هَاهُنَا مَدِينَةٌ وَ انْمَحَتْ آثَارُهَا فَقَالَ لَا وَ لَكِنْ سَتَكُونُ مَدِينَةٌ يُقَالُ لَهَا الْحِلَّةُ السَّيْفِيَّةُ يَمْدُنُهَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ يَظْهَرُ بِهَا قَوْمٌ أَخْيَارٌ لَوْ أَقْسَمَ أَحَدُهُمْ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّ قَسَمَهُ.

بيان: عرير بالمهملتين أي مفرد و في القاموس العرير الغريب في القول أو بالمعجمتين أي منيع رفيع و الحلة بالكسر بلدة معروفة و وصفها بالسيفية لأنها بناها سيف الدولة.

56- وَ وَجَدْتُ أَيْضاً بِخَطِّ الشَّيْخِ الْمُتَقَدِّمِ نَقْلًا مِنْ خَطِّ الشَّهِيدِ (قدّس سرّه) قَالَ الرَّاوَنْدِيُّ قَالَ الْبَاقِرُ(ع)إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ تَحْتَ الْعَرْشِ أَرْبَعَةَ أَسَاطِينَ وَ سَمَّاهُ الضُّرَاحَ ثُمَّ بَعَثَ مَلَائِكَةً فَأَمَرَهُمْ بِبِنَاءِ بَيْتٍ فِي الْأَرْضِ بِمِثَالِهِ وَ قَدْرِهِ فَلَمَّا كَانَ الطُّوفَانُ رُفِعَ فَكَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ يَحُجُّونَهُ وَ لَا يَعْلَمُونَ مَكَانَهُ حَتَّى بَوَّأَهُ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ فَأَعْلَمَهُ مَكَانَهُ فَبَنَاهُ مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ مِنْ حِرَاءَ وَ ثَبِيرٍ وَ لُبْنَانٍ وَ جَبَلِ الطُّورِ وَ جَبَلِ الْخَمَرِ.

قال الطبري و هو جبل بدمشق.

بيان قال الفيروزآبادي الخمر بالتحريك جبل بالقدس و قال لبنان‏

____________

(1) عزيز (خ).

224

بالضم جبل بالشام.

57- كَنْزُ الْكَرَاجُكِيِّ، قَالَ رَوَى الشَّرِيفُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُثْمَانَ الْأَشَجِّ الْمَعْرُوفِ بِأَبِي الدُّنْيَا (1) قَالَ حَدَّثَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَنْ أَحَبَّ أَهْلَ الْيَمَنِ فَقَدْ أَحَبَّنِي وَ مَنْ أَبْغَضَهُمْ فَقَدْ أَبْغَضَنِي.

58- شَرْحُ النَّهْجِ لِابْنِ مِيثَمٍ، قَالَ: لَمَّا فَرَغَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مِنْ حَرْبِ الْجَمَلِ خَطَبَ النَّاسَ بِالْبَصْرَةِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ(ص)ثُمَّ قَالَ يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ يَا أَهْلَ الْمُؤْتَفِكَةِ ائْتَفَكَتْ بِأَهْلِهَا ثَلَاثاً وَ عَلَى اللَّهِ تَمَامُ الرَّابِعَةِ يَا جُنْدَ الْمَرْأَةِ وَ أَعْوَانَ الْبَهِيمَةِ رَغَا (2) فَأَجَبْتُمْ وَ عَقَرَ فَانْهَزَمْتُمْ‏ (3) أَخْلَاقُكُمْ دِقَاقٌ وَ دِينُكُمْ نِفَاقٌ وَ مَاؤُكُمْ زُعَاقٌ‏ (4)بِلَادُكُمْ أَنْتَنُ بِلَادِ اللَّهِ تُرْبَةً وَ أَبْعَدُهَا مِنَ السَّمَاءِ بِهَا تِسْعَةُ أَعْشَارِ الشَّرِّ الْمُحْتَبَسُ فِيهَا بِذَنْبِهِ وَ الْخَارِجُ مِنْهَا بِعَفْوِ اللَّهِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قَرْيَتِكُمْ هَذِهِ وَ قَدْ طَبَّقَهَا الْمَاءُ حَتَّى مَا يُرَى مِنْهَا إِلَّا شُرَفُ الْمَسْجِدِ كَأَنَّهُ جُؤْجُؤُ طَيْرٍ فِي لُجَّةِ بَحْرٍ وَ سَاقَ إِلَى قَوْلِهِ إِذَا هُمْ رَأَوُا الْبَصْرَةَ قَدْ تَحَوَّلَتْ أَخْصَاصُهَا دُوراً وَ آجَامُهَا قُصُوراً فَالْهَرَبَ الْهَرَبَ فَإِنَّهُ لَا بَصْرَةَ لَكُمْ يَوْمَئِذٍ

____________

(1) حكى السيّد نعمة اللّه الجزائريّ عن السيّد هاشم بن الحسين الاحسائى عن أستاده الشيخ محمّد الحرفوشى قال: لما كنت بالشام عمدت يوما إلى مسجد مشهور بعيد من العمران فرأيت شيخا أزهر الوجه عليه ثياب بيض و هيئة جميلة ... ثم تحققت منه الاسم و النسبة ثمّ بعد جهد طويل قال: أنا معمر أبو الدنيا المغربى صاحب أمير المؤمنين (عليه السلام) و حضرت معه صفين و هذه الشجّة في وجهي من رمحة فرسه- (سلام اللّه عليه)- ثم ذكر لي من الصفات و العلامات ما تحققت معه صدقه في كل ما قال ثمّ استجزته كتب الاخبار فاجازنى عن أمير المؤمنين و عن جميع ائمتنا حتّى انتهى في الاجازة إلى صاحب الدار- (عجل اللّه فرجه)- و له قصص عجيبة منها ما رواها عنه أبو محمّد العلوى حدثه بها في دار عمه طاهر بن يحيى، و كيف كان فحديثه يعد حسنا إن لم يكن صحيحا.

(2) أي صوت و ضج.

(3) فهربتم (خ).

(4) أي مر لا يطاق شربه.

225

ثُمَّ الْتَفَتَ عَنْ يَمِينِهِ فَقَالَ كَمْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ الْأُبُلَّةِ فَقَالَ لَهُ الْمُنْذِرُ بْنُ الْجَارُودِ فِدَاكَ أَبِي وَ أُمِّي أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ قَالَ لَهُ صَدَقْتَ فَوَ الَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً(ص)وَ أَكْرَمَهُ بِالنُّبُوَّةِ وَ خَصَّهُ بِالرِّسَالَةِ وَ عَجَّلَ بِرُوحِهِ إِلَى الْجَنَّةِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِنْهُ كَمَا تَسْمَعُونَ مِنِّي أَنْ قَالَ يَا عَلِيُّ هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ بَيْنَ الَّتِي تُسَمَّى الْبَصْرَةُ وَ الَّتِي تُسَمَّى الْأُبُلَّةُ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ وَ سَيَكُونُ فِي الَّتِي تُسَمَّى الْأُبُلَّةُ مَوْضِعُ أَصْحَابِ الْعُشُورِ يُقْتَلُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفَ شَهِيدٍ هُمْ يَوْمَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ شُهَدَاءِ بَدْرٍ فَقَالَ لَهُ الْمُنْذِرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَقْتُلُهُمْ فِدَاكَ أَبِي وَ أُمِّي قَالَ يَقْتُلُهُمْ إِخْوَانٌ وَ هُمْ جِيلٌ كَأَنَّهُمُ الشَّيَاطِينُ سُودٌ أَلْوَانُهُمْ مُنْتِنَةٌ أَرْوَاحُهُمْ شَدِيدٌ كَلَبُهُمْ قَلِيلٌ سَلَبُهُمْ طُوبَى لِمَنْ قَتَلُوهُ يَنْفِرُ لِجِهَادِهِمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ قَوْمٌ هُمْ أَذِلَّةٌ عِنْدَ الْمُتَكَبِّرِينَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ مَجْهُولُونَ فِي الْأَرْضِ مَعْرُوفُونَ فِي السَّمَاءِ تَبْكِي السَّمَاءُ عَلَيْهِمْ وَ سُكَّانُهَا وَ الْأَرْضُ وَ سُكَّانُهَا ثُمَّ هَمَلَتْ عَيْنَاهُ بِالْبُكَاءِ ثُمَّ قَالَ وَيْحَكَ يَا بَصْرَةُ مِنْ جَيْشٍ لَا رَهَجَ لَهُ وَ لَا حِسَّ فَقَالَ لَهُ الْمُنْذِرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَا الَّذِي يُصِيبُهُمْ مِنْ قَبْلِ الْغَرَقِ مِمَّا ذَكَرْتَ وَ مَا الْوَيْحُ فَقَالَ هُمَا بَابَانِ فَالْوَيْحُ بَابُ رَحْمَةٍ وَ الْوَيْلُ بَابُ عَذَابٍ يَا ابْنَ الْجَارُودِ نَعَمْ تَارَاتٌ عَظِيمَةٌ مِنْهَا عُصْبَةٌ يَقْتُلُ بَعْضُهَا بَعْضاً وَ مِنْهَا فِتْنَةٌ يَكُونُ بِهَا إِخْرَابُ مَنَازِلَ وَ خَرَابُ دِيَارٍ وَ انْتِهَاكُ أَمْوَالٍ وَ سِبَاءُ نِسَاءٍ يُذْبَحْنَ ذَبْحاً يَا وَيْلُ أَمْرُهُنَّ حَدِيثٌ عَجِيبٌ وَ مِنْهَا أَنْ يَسْتَحِلَّ بِهَا الدَّجَّالُ الْأَكْبَرُ الْأَعْوَرُ الْمَمْسُوحُ الْعَيْنُ الْيُمْنَى وَ الْأُخْرَى كَأَنَّهَا مَمْزُوجَةٌ بِالدَّمِ لَكَأَنَّهَا فِي الْحُمْرَةِ عَلَقَةٌ نَاتِئُ الْحَدَقَةِ كَهَيْئَةِ حَبَّةِ الْعِنَبِ الطَّافِيَةِ عَلَى الْمَاءِ فَيَتَّبِعُهُ مِنْ أَهْلِهَا عِدَّةُ مَنْ قُتِلَ بِالْأُبُلَّةِ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنَاجِيلُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ يُقْتَلُ مَنْ يُقْتَلُ وَ يَهْرُبُ مَنْ يَهْرُبُ ثُمَّ رَجْفٌ ثُمَّ قَذْفٌ ثُمَّ خَسْفٌ ثُمَّ مَسْخٌ ثُمَّ الْجُوعُ الْأَغْبَرُ ثُمَّ الْمَوْتُ الْأَحْمَرُ وَ هُوَ الْغَرَقُ يَا مُنْذِرُ إِنَّ لِلْبَصْرَةِ ثَلَاثَةَ أَسْمَاءٍ سِوَى الْبَصْرَةِ فِي الزُّبُرِ الْأَوَّلِ‏ (1) لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا الْعُلَمَاءُ مِنْهَا الْخَرِيبَةُ وَ مِنْهَا تَدْمُرُ وَ مِنْهَا الْمُؤْتَفِكَةُ وَ سَاقَ إِلَى أَنْ قَالَ يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِأَحَدٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ خُطَّةَ شَرَفٍ وَ لَا كَرَمٍ إِلَّا وَ قَدْ جَعَلَ‏

____________

(1) في بعض النسخ المخطوطة «زبر الأول» و هو الصواب ظاهرا.

226

فِيكُمْ أَفْضَلَ ذَلِكَ وَ زَادَكُمْ مِنْ فَضْلِهِ بِمَنِّهِ مَا لَيْسَ لَهُمْ أَنْتُمْ أَقُومُ النَّاسِ قِبْلَةً قِبْلَتُكُمْ عَلَى الْمَقَامِ حَيْثُ يَقُومُ الْإِمَامُ بِ مَكَّةَ وَ قَارِئُكُمْ أَقْرَأُ النَّاسِ وَ زَاهِدُكُمْ أَزْهَدُ النَّاسِ وَ عَابِدُكُمْ أَعْبَدُ النَّاسِ وَ تَاجِرُكُمْ أَتْجَرُ النَّاسِ وَ أَصْدَقُهُمْ فِي تِجَارَتِهِ وَ مُتَصَدِّقُكُمْ أَكْرَمُ النَّاسِ صَدَقَةً وَ غَنِيُّكُمْ أَشَدُّ النَّاسِ بَذْلًا وَ تَوَاضُعاً وَ شَرِيفُكُمْ أَحْسَنُ النَّاسِ خُلُقاً وَ أَنْتُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ جِوَاراً وَ أَقَلُّهُمْ تَكَلُّفاً لِمَا لَا يَعْنِيهِ وَ أَحْرَصُهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ ثَمَرَتُكُمْ أَكْثَرُ الثِّمَارِ وَ أَمْوَالُكُمْ أَكْثَرُ الْأَمْوَالِ وَ صِغَارُكُمْ أَكْيَسُ الْأَوْلَادِ وَ نِسَاؤُكُمْ أَمْنَعُ النِّسَاءِ وَ أَحْسَنُهُنَّ تَبَعُّلًا سَخَّرَ لَكُمُ الْمَاءَ يَغْدُو عَلَيْكُمْ وَ يَرُوحُ صَلَاحاً لِمَعَاشِكُمْ وَ الْبَحْرَ سَبَباً لِكَثْرَةِ أَمْوَالِكُمْ فَلَوْ صَبَرْتُمْ وَ اسْتَقَمْتُمْ لَكَانَتْ شَجَرَةُ طُوبَى لَكُمْ مَقِيلًا وَ ظِلًّا ظَلِيلًا غَيْرَ أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ مَاضٍ وَ قَضَاءَهُ نَافِذٌ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَ هُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ‏ يَقُولُ اللَّهُ‏ وَ إِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (1) ثُمَّ سَاقَ الْخُطْبَةَ إِلَى قَوْلِهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ لِي يَوْماً وَ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرِي إِنَّ جَبْرَئِيلَ الرُّوحَ الْأَمِينَ حَمَلَنِي عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى أَرَانِيَ الْأَرْضَ وَ مَنْ عَلَيْهَا وَ أَعْطَانِي أَقَالِيدَهَا وَ عَلَّمَنِي مَا فِيهَا وَ مَا قَدْ كَانَ عَلَى ظَهْرِهَا وَ مَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ لَمْ يَكْبُرْ ذَلِكَ عَلَيَّ كَمَا لَمْ يَكْبُرْ عَلَى أَبِي آدَمَ عَلَّمَهُ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا وَ لَمْ تَعْلَمْهَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَ إِنِّي رَأَيْتُ بُقْعَةً عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ تُسَمَّى الْبَصْرَةَ فَإِذَا هِيَ أَبْعَدُ الْأَرْضِ مِنَ السَّمَاءِ وَ أَقْرَبُهَا مِنَ الْمَاءِ وَ إِنَّهَا لَأَسْرَعُ الْأَرْضِ خَرَاباً وَ أَخْشَنُهَا تُرَاباً وَ أَشَدُّهَا عَذَاباً وَ لَقَدْ خُسِفَ بِهَا فِي الْقُرُونِ الْخَالِيَةِ مِرَاراً وَ لَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهَا زَمَانٌ وَ إِنَّ لَكُمْ يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ وَ مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى مِنَ الْمَاءِ لَيَوْماً عَظِيماً بَلَاؤُهُ وَ إِنِّي لَأَعْلَمُ مَوْضِعَ مُنْفَجَرِهِ مِنْ قَرْيَتِكُمْ هَذِهِ ثُمَّ أُمُورٌ قَبْلَ ذَلِكَ تَدْهَمُكُمْ عَظِيمَةٌ أُخْفِيَتْ عَنْكُمْ وَ عَلِمْنَاهَا فَمَنْ خَرَجَ عَنْهَا عِنْدَ دُنُوِّ غَرْقِهَا فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ سَبَقَتْ لَهُ وَ مَنْ بَقِيَ فِيهَا غَيْرَ مُرَابِطٍ بِهَا فَبِذَنْبِهِ وَ مَا اللَّهُ‏ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.

توضيح المؤتفكة المنقلبة و الانقلاب هنا إما حقيقة كقرى قوم لوط أو لأنها غرقت كأنها انقلبت طبقها الماء بالتشديد أي غطاها و عمها و

____________

(1) الإسراء: 58.

227

الأخصاص جمع خص بالضم بيت يعمل من الخشب و القصب و الآجام جمع أجمة بالتحريك و هي منبت القصب و قيل هي الشجر الكثير الملتف و الأبلة بضم الهمزة و الباء و تشديد اللام الموضع الذي به مدينة البصرة اليوم و كان من قرى البصرة و بساتينها يومئذ و كانوا يعدونه إحدى الجنات الأربع و في الأبلة اليوم موضع العشارين حسب ما أخبر به و الجيل بالكسر الصنف من الناس و قيل كل قوم يختصون بلغة فهم جيل و الأرواح جمع الريح بمعنى الرائحة و الكلب بالتحريك الشر و الأذى و شبه جنون يعرض لمن عضه الكلب الكلب و السلب بالتحريك ما يأخذه أحد القرنين في الحرب من قرنه مما يكون عليه و معه من سلاح و ثياب و دابة و غيرها ينفر لجهادهم أي يخرج لقتالهم و يقال هملت عينه أي فاضت بالدمع و الرهج بالتحريك الغبار و الحس بالكسر صوت المشي و الصوت الخفي و هو إشارة إلى صاحب الزنج كما مر و التارات جمر التارة بمعنى المرة أي فتن عظيمة مرة بعد أخرى و العصبة بالضم الجماعة أو بالتحريك بمعنى الأقرباء و انتهاك الأموال أخذها بما لا يحل و سباء النساء بالكسر و المد أسرهن و يستحل بها الدجال أي يتخذها منزلا و يسكنها و الدجال من الدجل و هو الخلط و التلبيس و الكذب و وصفه بالأكبر يدل على تعدد من يدعي الأباطيل و الأعور من ذهب إحدى عينيه و الممسوح صفة مخصصة للأعور و الناتئ المرتفع و طفا على الماء علا و لم يرسب و الرجفة الزلزلة و الاضطراب و القذف الرمي بالحجارة و نحوها و الخسف الذهاب في الأرض و خسف المكان أن يغيب في الأرض و المسخ تحويل صورة إلى ما هو أقبح منها و وصف الجوع بالأغبر إما لأن الجوع يكون في السنين المجدبة و سنوا الجدب تسمى غبرا لاغبرار آفاقها من قلة الأمطار و أرضيها من عدم النبات أو لأن وجه الجائع يشبه الوجه المغبر و الموت الأحمر يعبر به في الأكثر عن القتل و فسر هنا بالغرق و الخريبة بضم الخاء المعجمة و فتح الراء المهملة و الباء الموحدة علم محلة من محال البصرة كانوا يسمونها البصرة الصغرى و تدمر كتنصر من الدمار بمعنى الهلاك و في اللغة أنها بلد بالشام‏

228

و الخطة بالضم الأمر و القصة و الأقاليد جمع إقليد بالكسر و هو المفتاح و لم يكبر ذلك علي أي قويت عليه و قدرت أو لم أستعظمها من فضل ربي و التنوين في زمان لتفخيم أي زمان شديد فظيع و المرابطة الإرصاد لحفظ الثغر.

59 أَقُولُ وَ رَوَى الْقَاضِي نُورُ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ (قدس الله روحه) فِي كِتَابِ مَجَالِسِ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ حَرَماً وَ هُوَ مَكَّةُ أَلَا إِنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ حَرَماً وَ هُوَ الْمَدِينَةُ أَلَا وَ إِنَّ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَرَماً وَ هُوَ الْكُوفَةُ أَلَا وَ إِنَّ قُمَّ الْكُوفَةُ الصَّغِيرَةُ أَلَا إِنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ ثَلَاثَةٌ مِنْهَا إِلَى قُمَّ تُقْبَضُ فِيهَا امْرَأَةٌ مِنْ وُلْدِي اسْمُهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ مُوسَى وَ تُدْخَلُ بِشَفَاعَتِهَا شِيعَتِي الْجَنَّةَ بِأَجْمَعِهِمْ.

60- وَ عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ: يَا سَعْدُ مَنْ زَارَهَا فَلَهُ الْجَنَّةُ.

61- وَ عَنْهُ(ع)قَالَ: إِذَا عَمَّتِ الْبُلْدَانَ الْفِتَنَ وَ الْبَلَايَا فَعَلَيْكُمْ بِ قُمَّ وَ حَوَالَيْهَا وَ نَوَاحِيهَا فَإِنَّ الْبَلَايَا مَدْفُوعٌ‏ (1) عَنْهَا.

62- وَ عَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ: لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ فَثَلَاثَةٌ مِنْهَا لِأَهْلِ قُمَّ فَطُوبَى لَهُمْ ثُمَّ طُوبَى لَهُمْ.

63- وَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ قَالَ: صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَى أَهْلِ قُمَّ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى أَهْلِ قُمَّ سَقَى اللَّهُ بِلَادَهُمُ الْغَيْثَ إِلَى آخِرِ مَا مَرَّ عَنِ الصَّادِقِ ع.

64- وَ أَقُولُ رَوَى الشَّيْخُ الْأَجَلُّ عَبْدُ الْجَلِيلِ الرَّازِيُّ فِي كِتَابِ الْقَصَصِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: لَمَّا عُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ مَرَرْتُ بِأَرْضٍ بَيْضَاءَ كَافُورِيَّةٍ شَمِمْتُ بِهَا رَائِحَةً طَيِّبَةً فَقُلْتُ يَا جَبْرَئِيلُ مَا هَذِهِ الْبُقْعَةُ قَالَ يُقَالُ لَهَا آبَةُ عُرِضَتْ عَلَيْهَا رِسَالَتُكَ وَ وَلَايَةُ ذُرِّيَّتِكَ فَقَبِلَتْ وَ إِنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ مِنْهَا رِجَالًا يَتَوَلَّوْنَكَ وَ يَتَوَلَّوْنَ ذُرِّيَّتَكَ فَبَارَكَ اللَّهُ عَلَيْهَا وَ عَلَى أَهْلِهَا.

65- مُعْجَمُ الْبُلْدَانِ، قَالَ رُوِيَ أَنَّهُ فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبٌ‏ الرَّيُّ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْأَرْضِ وَ إِلَيْهَا مَتْجَرُ الْخَلْقِ.

وَ قَالَ الْأَصْمَعِيُ‏ الرَّيُّ عَرُوسُ الدُّنْيَا وَ إِلَيْهَا مَتْجَرُ

____________

(1) كذا في جميع النسخ التي بأيدينا، و الظاهر «مدفوعة».

229

النَّاسِ.

قَالَ وَ رُوِيَ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ(ع)أَنَّ الرَّيَّ وَ قَزْوِينَ وَ سَاوَةَ مَلْعُونَاتٌ مَشْئُومَاتٌ.

66- كَشْفُ الْغُمَّةِ، عَنِ ابْنِ أَعْثَمَ الْكُوفِيِّ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ قَالَ: وَيْحاً لِلطَّالَقَانِ فَإِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى بِهَا كُنُوزاً لَيْسَتْ مِنْ ذَهَبٍ وَ لَا فِضَّةٍ وَ لَكِنْ بِهَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ عَرَفُوا اللَّهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وَ هُمْ أَنْصَارُ الْمَهْدِيِّ فِي آخِرِ الزَّمَانِ.

67- وَ أَقُولُ وَجَدْتُ فِي أَصْلٍ عَتِيقٍ مِنْ أُصُولِ أَصْحَابِنَا أَظُنُّ أَنَّهُ لِوَالِدِ الصَّدُوقِ أَوْ مِمَّنْ عَاصَرَهُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ يُونُسَ الْمَوْصِلِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ عَنْ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْكَاظِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)قَزْوِينُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ.

68- الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، مِنْ عِدَّةِ كُتُبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لِمَكَّةَ مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلْدَةٍ وَ أَحَبَّكِ إِلَيَّ لَوْ لَا أَنَّ قَوْمَكِ أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا خَرَجْتُ.

وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى‏ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ‏ (1).

69- وَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَنْ يَنْطَلِقَ إِلَى الْمَدِينَةِ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ وَ قَامَ وَسَطَ الْمَسْجِدِ وَ الْتَفَتَ إِلَى الْبَيْتِ فَقَالَ إِنِّي لَأَعْلَمُ مَا وَضَعَ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ بَيْتاً أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْكَ وَ مَا فِي الْأَرْضِ بَلَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْكَ وَ مَا خَرَجْتُ عَنْكَ رَغْبَةً وَ لَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا هُمْ أَخْرَجُونِي‏ (2).

70- كِتَابُ قِسْمَةِ أَقَالِيمِ الْأَرْضِ وَ بُلْدَانِهَا تَأْلِيفُ بَعْضِ الْمُخَالِفِينَ قَالَ: بَلَدُ الْمَهْدِيِّ مَدِينَةٌ حَسَنَةٌ حَصِينَةٌ بَنَاهَا الْمَهْدِيُّ الْفَاطِمِيُّ وَ حَصَّنَهَا وَ جَعَلَ لَهَا أَبْوَاباً مِنْ حَدِيدٍ فِي كُلِّ بَابٍ مَا يَزِيدُ عَلَى الْمِائَةِ قِنْطَارٍ وَ لَمَّا بَنَاهَا وَ أَحْكَمَهَا قَالَ الْآنَ أَمِنْتُ عَلَى الْفَاطِمِيِّينَ.

بيان أقول لهذه المدينة قصة طويلة غريبة أوردتها في كتاب الغيبة.

71- وَ مِنْ كِتَابِ الْمَذْكُورِ، قَالَ: دَخَلَ ذُو الْقَرْنَيْنِ جَزِيرَةً عَظِيمَةً فَوَجَدَ بِهَا قَوْماً قَدْ أَنْحَلَتْهُمُ الْعِبَادَةُ حَتَّى صَارُوا كَالْحُمَمِ السُّودِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَرَدُّوا (عليه السلام) فَسَأَلَهُمْ مَا عَيْشُكُمْ يَا قَوْمِ فِي هَذَا الْمَكَانِ قَالُوا مَا رَزَقَنَا اللَّهُ مِنَ الْأَسْمَاكِ وَ أَنْوَاعِ النَّبَاتِ وَ نَشْرَبُ مِنْ هَذِهِ‏

____________

(1) الدّر المنثور: ج 1،(ص)123.

(2) الدّر المنثور: ج 1،(ص)123.

230

الْمِيَاهِ الْعَذْبَةِ قَالَ لَهُمْ أَ لَا أَنْقُلُكُمْ إِلَى عِيشَةٍ أَطْيَبَ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ وَ أَخْصَبَ فَقَالُوا لَهُ وَ مَا نَصْنَعُ بِهِ إِنَّ عِنْدَنَا فِي جَزِيرَتِنَا هَذِهِ مَا يُغْنِي جَمِيعَ الْعَالَمِ وَ يَكْفِيهِمْ لَوْ صَارُوا إِلَيْهِ وَ أَقْبَلُوا عَلَيْهِ قَالَ وَ مَا هُوَ فَانْطَلَقُوا إِلَى وَادٍ لَا نِهَايَةَ لِطُولِهِ وَ عَرْضِهِ وَ هُوَ مُنَضَّدٌ مِنْ أَلْوَانِ الدُّرِّ وَ الْيَاقُوتِ وَ الزَّبَرْجَدِ وَ الْبَلَخْشِ وَ الْأَحْجَارِ الَّتِي لَمْ تُرَ فِي الدُّنْيَا وَ الْجَوَاهِرِ الَّتِي لَا تُقَوَّمُ وَ رَأَى شَيْئاً لَا يَحْتَمِلُهُ الْعُقُولُ وَ لَا يُوصَفُ وَ لَوِ اجْتَمَعَ الْعَالَمُ عَلَى نَقْلِهِ أَوْ بَعْضِهِ لَعَجَزُوا فَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ سُبْحَانَ مَنْ لَهُ الْمُلْكُ الْعَظِيمُ وَ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا لَا يَعْلَمُهُ الْخَلَائِقُ ثُمَّ انْطَلَقُوا بِهِ مِنْ شَفِيرِ ذَلِكَ الْوَادِي حَتَّى أَتَوْا بِهِ إِلَى مُسْتَوٍ وَاسِعٍ مِنَ الْأَرْضِ بِهِ أَصْنَافُ الْأَشْجَارِ وَ أَنْوَاعُ الثِّمَارِ وَ أَلْوَانُ الْأَزْهَارِ وَ أَجْنَاسُ الْأَطْيَارِ وَ خَرِيرُ الْأَنْهَارِ وَ أَفْيَاءٌ وَ ظِلَالٌ وَ نَسِيمٌ ذُو اعْتِدَالٍ وَ نُزَهٌ وَ رِيَاضٌ وَ جَنَّاتٌ وَ غِيَاضٌ فَلَمَّا رَأَى ذُو الْقَرْنَيْنِ ذَلِكَ سَبَّحَ اللَّهَ الْعَظِيمَ وَ اسْتَصْغَرَ أَمْرَ الْوَادِي وَ مَا بِهِ مِنَ الْجَوَاهِرِ عِنْدَ ذَلِكَ الْمَنْظَرِ الْبَهِيجِ الزَّاهِرِ فَلَمَّا تَعَجَّبَ قَالُوا لَهُ فِي مُلْكِ مَلِكٍ فِي الدُّنْيَا بَعْضُ مَا تَرَى قَالَ لَا وَ حَقِّ عَالِمِ السِّرِّ وَ النَّجْوَى فَقَالُوا كُلُّ هَذَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَ لَا تَمِيلُ أَنْفُسُنَا إِلَى شَيْ‏ءٍ مِنْ ذَلِكَ وَ اقْتَنَعْنَا بِمَا نَقْوَى بِهِ عَلَى عِبَادَةِ الرَّبِّ الْخَالِقِ وَ مَنْ تَرَكَ لِلَّهِ شَيْئاً عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْراً مِنْهُ فَسِرْ عَنَّا وَ دَعْنَا بِحَالِنَا أَرْشَدَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكَ ثُمَّ وَدَّعُوهُ وَ فَارَقُوهُ وَ قَالُوا لَهُ دُونَكَ وَ الْوَادِيَ فَاحْمِلْ مِنْهُ مَا تُرِيدُ فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً قَالَ ثُمَّ أَتَى ذُو الْقَرْنَيْنِ جَزِيرَةً عَظِيمَةً فَرَأَى بِهَا قَوْماً لِبَاسُهُمْ وَرَقُ الشَّجَرِ وَ بُيُوتُهُمْ كُهُوفٌ فِي الصَّخْرِ وَ الْحَجَرِ فَسَأَلَهُمْ عَنْ مَسَائِلَ فِي الْحِكْمَةِ فَأَجَابُوهُ بِأَحْسَنِ جَوَابٍ وَ أَلْطَفِ خِطَابٍ فَقَالَ لَهُمْ سَلُوا حَوَائِجَكُمْ لِتُقْضَى فَقَالُوا لَهُ نَسْأَلُكَ الْخُلْدَ فِي الدُّنْيَا فَقَالَ وَ أَنَّى بِهِ لِنَفْسِي وَ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى زِيَادَةِ نَفَسٍ مِنْ أَنْفَاسِهِ كَيْفَ يُبْلِغُكُمُ الْخُلْدَ فَقَالَ كَبِيرُهُمْ نَسْأَلُكَ صِحَّةً فِي أَبْدَانِنَا مَا بَقِينَا فَقَالَ وَ هَذَا أَيْضاً لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ فَقَالُوا فَعَرِّفْنَا بَقِيَّةَ أَعْمَارِنَا فَقَالَ لَا أَعْرِفُ ذَلِكَ لِرُوحِي فَكَيْفَ بِكُمْ فَقَالُوا لَهُ فَرِّغْنَا نَطْلُبْ ذَلِكَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ وَ أَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ وَ جَعَلَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَى كَثْرَةِ جُنُودِهِ وَ عَظَمَةِ مَوْكِبِهِ وَ بَيْنَهُمْ شَيْخٌ صُعْلُوكٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَقَالَ لَهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ مَا لَكَ لَا تَنْظُرُ إِلَى مَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ النَّاسُ قَالَ الشَّيْخُ مَا أَعْجَبَنِي الْمُلْكُ الَّذِي رَأَيْتُهُ قَبْلَكَ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْكَ وَ إِلَى مُلْكِكَ فَقَالَ‏

231

وَ مَا ذَاكَ قَالَ الشَّيْخُ كَانَ عِنْدَنَا مَلِكٌ وَ آخَرُ صُعْلُوكٌ‏ (1) فَمَاتَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ثُمَّ جِئْتُ إِلَيْهِمَا وَ اجْتَهَدْتُ أَنْ أَعْرِفَ الْمَلِكَ مِنَ الصُّعْلُوكِ‏ (2) فَلَمْ أَعْرِفْهُ قَالَ فَتَرَكَهُمْ ذُو الْقَرْنَيْنِ وَ انْصَرَفَ عَنْهُمْ.

72- الْعُيُونُ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي الصَّلْتِ الْهَرَوِيِّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ الرِّضَا(ع)فَدَخَلَ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ قُمَّ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ وَ قَرَّبَهُمْ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ مَرْحَباً بِكُمْ وَ أَهْلًا فَأَنْتُمْ شِيعَتُنَا حَقّاً فَسَيَأْتِي عَلَيْكُمْ يَوْمٌ تَزُورُونَ فِيهِ تُرْبَتِي بِطُوسَ أَلَا فَمَنْ زَارَنِي وَ هُوَ عَلَى غُسْلٍ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ‏ (3).

73- وَ مِنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ السِّنَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْأَسَدِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيَّ(ع)يَقُولُ‏ أَهْلُ قُمَّ وَ أَهْلُ آبَةَ مَغْفُورٌ لَهُمْ لِزِيَارَتِهِمْ لِجَدِّي عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا(ع)بِطُوسَ أَلَا وَ مَنْ زَارَهُ فَأَصَابَهُ فِي طَرِيقِهِ قَطْرَةٌ مِنَ السَّمَاءِ حَرَّمَ اللَّهُ جَسَدَهُ عَلَى النَّارِ (4).

74- الْكَافِي، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ وَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ جَمِيعاً عَنْ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ جَمِيعاً عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ:خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لِعَرْضِ الْخَيْلِ وَ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ فَمَرَّ بِفَرَسٍ‏ (5) فَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ حُصَيْنٍ إِنَّ مِنْ أَمْرِ هَذَا الْفَرَسِ كَيْتَ وَ كَيْتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)ذَرْنَا فَأَنَا أَعْلَمُ بِالْخَيْلِ مِنْكَ فَقَالَ وَ أَنَا أَعْلَمُ بِالرِّجَالِ مِنْكَ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)حَتَّى ظَهَرَ الدَّمُ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ لَهُ فَأَيُّ الرَّجُلِ أَفْضَلُ فَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ حُصَيْنٍ رِجَالٌ يَكُونُونَ بِنَجْدٍ يَضَعُونَ سُيُوفَهُمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ وَ رِمَاحَهُمْ عَلَى كَوَاثِبِ خَيْلِهِمْ ثُمَّ يَضْرِبُونَ بِهَا قُدُماً

____________

(1) صلعوك (خ).

(2) الصلعوك (خ).

(3) العيون: ج 2،(ص)260.

(4) العيون: ج 2،(ص)260.

(5) في بعض النسخ «فمر به فرس».

232

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)كَذَبْتَ بَلْ رِجَالُ أَهْلِ الْيَمَنِ أَفْضَلُ الْإِيمَانُ يَمَانِيٌ‏ (1) وَ الْحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ وَ لَوْ لَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ الْجَفَاءُ وَ الْقَسْوَةُ فِي الْفَدَّادِينَ أَصْحَابِ الْوَبَرِ رَبِيعَةَ وَ مُضَرَ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّمْسِ وَ مَذْحِجٌ أَكْثَرُ قَبِيلٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَ حَضْرَمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَ رَوَى بَعْضُهُمْ خَيْرٌ مِنَ الْحَارِثِ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَ بَجِيلَةُ خَيْرٌ مِنْ رِعْلٍ وَ ذَكْوَانَ وَ إِنْ يَهْلِكْ لِحْيَانُ فَلَا أُبَالِي ثُمَّ قَالَ لَعَنَ اللَّهُ الْمُلُوكَ الْأَرْبَعَةَ جَمَداً وَ مِخْوَساً وَ مِشْرَحاً وَ أَبْضَعَةَ وَ أُخْتَهُمُ الْعَمَرَّدَةَ وَ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ لَعَنَ اللَّهُ رِعْلًا وَ ذَكْوَانَ وَ عَضَلًا وَ لِحْيَانَ وَ الْمُجْذِمِينَ مِنْ أَسَدٍ وَ غَطَفَانَ وَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَ شَهْبَلًا ذَا الْأَسْنَانِ وَ ابْنَيْ مَلِيكَةَ (2) بْنِ جَزِيمٍ وَ مَرْوَانَ وَ هَوْذَةَ وَ هَوْنَةَ (3).

75- كِتَابُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ مُعَلًّى الطَّحَّانِ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ‏ (4) يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: عَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَوْماً خَيْلًا وَ عِنْدَهُ أَبِي عُيَيْنَةَ بْنِ حُصَيْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَنَا أَبْصَرُ بِالْخَيْلِ مِنْكَ فَقَالَ عُيَيْنَةُ وَ أَنَا أَبْصَرُ بِالرِّجَالِ مِنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ النَّبِيُّ(ص)كَيْفَ قَالَ فَقَالَ إِنَّ خَيْرَ الرِّجَالِ الَّذِينَ يَضَعُونَ أَسْيَافَهُمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ وَ يَعْرِضُونَ رِمَاحَهُمْ عَلَى مَنَاكِبِ خُيُولِهِمْ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ فَقَالَ النَّبِيُّ(ص)كَذَبْتَ إِنَّ خَيْرَ الرِّجَالِ أَهْلُ الْيَمَنِ وَ الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَ أَنَا يَمَانِيٌّ وَ أَكْثَرُ قَبَائِلِ دُخُولِ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَذْحِجٌ وَ حَضْرَمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ مُعَاوِيَةَ حَيٍّ مِنْ كِنْدَةَ إِنْ يَهْلِكْ لِحْيَانُ فَلَا أُبَالِي فَلَعَنَ اللَّهُ الْمُلُوكَ الْأَرْبَعَةَ جَمَداً وَ مِخْوَساً وَ مِشْرَحاً وَ أَبْضَعَةَ وَ أُخْتَهُمُ الْعَمَرَّدَةَ.

بيان قال الجوهري قال أبو عبيدة يقال كان من الأمر كيت و كيت بالفتح‏

____________

(1) يمان (خ).

(2) ملكة (خ).

(3) الكافي: ج 8،(ص)70- 72.

(4) و في بعض النسخ «يزيد بن جابر» و في بعضها «يزيد بن جابر» و أيا ما كان فلم نجد له ذكرا في كتب الرجال.

233

و كيت و كيت بالكسر و التاء فيهما هاء في الأصل فصارت تاء و في النهاية الكواثب جمع كاثبة و هي من الفرس مجتمع كتفيه قدام السرج و قال رجل قدم بضمتين أي شجاع و مضى قدما أي لم يعرج و لم ينثن و قال فيه الإيمان يمان و الحكمة يمانية إنما قال ذلك لأن الإيمان بدا من مكة و هي من تهامة و تهامة من أرض اليمن و لهذا يقال الكعبة اليمانية و قيل إنه قال هذا القول للأنصار لأنهم يمانون و هم نصروا الإيمان و المؤمنين و آووهم فنسب الإيمان إليهم و قال الجوهري اليمن بلاد للعرب و النسبة إليهم يمني و يمان مخففة و الألف عوض من ياء النسب فلا يجتمعان قال سيبويه و بعضهم يقول يماني بالتشديد انتهى و قال في شرح السنة هذا ثناء على أهل اليمن لإسراعهم إلى الإيمان و حسن قبولهم إياه.

قوله(ص)لو لا الهجرة لعل المعنى لو لا أني هجرت عن مكة لكنت اليوم من أهل اليمن إذ مكة منها أو المراد أنه لو لا أن المدينة كانت أولا دار هجرتي و اخترتها بأمر الله لاتخذت اليمن وطنا أو الغرض أنه لو لا أن الهجرة أشرف لعددت نفسي من الأنصار و في النهاية فيه إن الجفاء و القسوة في الفدادين الفدادون بالتشديد هم الذين تعلو أصواتهم في حروثهم و مواشيهم واحدهم فداد يقال فد الرجل يفد فديدا إذا اشتد صوته و قيل هم المكثرون من الإبل و قيل هم الجمالون و البقارون و الحمارون و الرعيان و قيل إنما هو الفدادين مخففا واحدها فدان مشددا و هي البقر التي يحرث بها و أهلها أهل جفاء و قسوة (1) انتهى.

قوله أصحاب الوبر أي أهل البوادي فإن بيوتهم يتخذونها منه قوله من حيث يطلع قرن الشمس قال الجوهري قرن الشمس أعلاها و أول ما يبدو منها في الطلوع انتهى و لعل المراد أهل البوادي من هاتين القبيلتين الكائنتين في مطلع الشمس أي في شرقي المدينة

و روي في شرح السنة بإسناده عن عقبة بن عمرو قال أشار رسول الله(ص)بيده نحو اليمن فقال الإيمان يمان هاهنا إلا أن القسوة و غلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة و مضر.

____________

(1) في النهاية: اهل جفاء و غلظة. ج 3،(ص)187.

234

و بإسناده عن ابن عمر أنه قال رأيت رسول الله(ص)يشير إلى المشرق و يقول إن الفتنة هاهنا إن الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان.

و قال النووي قرنا الشيطان قبل المشرق أي جمعاه المغويان أو شيعتاه من الكفار يريد مزيد تسلطه في المشرق و كان ذلك في عهده(ص)و يكون حين يخرج الدجال من المشرق و هو في ما بين ذلك منشأ الفتن العظيمة و مثار الترك العاتية انتهى و لا يبعد أن يكون في هذا الخبر أيضا قرن الشيطان فصحف و قال الجوهري مذحج كمسجد أبو قبيلة من اليمن و قال حضرموت اسم بلد و قبيلة أيضا و هما اسمان جعلا واحدا إن شئت بنيت الاسم الأول على الفتح و أعربت الثاني بإعراب ما لا ينصرف قلت هذا حضرموت و إن شئت أضفت الأول إلى الثاني قلت هذا حضرموت أعربت حضرا و خفضت موتا و كذلك القول في سام أبرص و رام هرمز و قال عامر بن صعصعة أبو قبيلة هو عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن و في القاموس بجيلة كسفينة حي باليمن من معد و رعل و ذكوان قبيلتان من بني سليم و قال لحيان أبو قبيلة و قال مخوس كمنبر و مشرح و جمد و أبضعة بنو معديكرب الملوك الأربعة الذين لعنهم رسول الله(ص)و لعن أختهم العمردة وفدوا مع الأشعث فأسلموا ثم ارتدوا فقتلوا يوم النجير فقالت نائحتهم يا عين بكى للملوك الأربعة و قال العمرد كعملس الطويل من كل شي‏ء إلى أن قال و بهاء أخت الذين لعنهم النبي(ص)انتهى و المجذمين لعل المراد بهم المنسوبون إلى الجذيمة و لعل أسدا و غطفان كلتيهما منسوبتان إليها قال الجوهري جذيمة قبيلة من عبد القيس ينسب إليهم جذمي بالتحريك و كذلك إلى جذيمة بني أسد و قال الفيروزآبادي غطفان محركة حي من قيس و لعل شهبلا بالشين المعجمة و الباء الموحدة و في بعض النسخ بالسين المهملة و الياء المثناة اسم و كذا ما بعده إلى آخر الخبر أسماء رجال و أقول قد مضت الأخبار الكثيرة في ذم البصرة في كتب الفتن و سيأتي أخبار مدح الكوفة و الغري و كربلاء و طوس و مكة و المدينة في كتاب المزار و كتاب الحج لم نوردها هاهنا حذرا من التكرار.

235

76- إِكْمَالُ الدِّينِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الشَّعْرَانِيِّ مِنْ وُلْدِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ‏ حَكَى أَبُو الْقَاسِمِ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْبَصْرِيُّ أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ حَمَادَوَيْهِ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ كَانَ قَدْ فُتِحَ عَلَيْهِ مِنْ كُنُوزِ مِصْرَ مَا لَمْ يُرْزَقْ أَحَدٌ قَبْلَهُ فَأُغْرِيَ بِالْهَرَمَيْنِ فَأَشَارَ عَلَيْهِ ثِقَاتُهُ وَ حَاشِيَتُهُ وَ بِطَانَتُهُ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِهَدْمِ الْأَهْرَامِ فَإِنَّهُ مَا تَعَرَّضَ أَحَدٌ لَهَا فَطَالَ عُمُرُهُ فَلَجَّ فِي ذَلِكَ وَ أَمَرَ أَلْفاً مِنَ الْفَعَلَةِ أَنْ يَطْلُبُوا الْبَابَ وَ كَانُوا يَعْمَلُونَ سَنَةً حَوَالَيْهِ حَتَّى ضَجِرُوا وَ كَلُّوا فَلَمَّا هَمُّوا بِالانْصِرَافِ بَعْدَ الْإِيَاسِ مِنْهُ وَ تَرْكِ الْعَمَلِ وَجَدُوا سَرَباً فَقَدَّرُوا أَنَّهُ الْبَابُ الَّذِي يَطْلُبُونَهُ فَلَمَّا بَلَغُوا آخِرَهُ وَجَدُوا بَلَاطَةً قَائِمَةً مِنْ مَرْمَرٍ فَقَدَّرُوا أَنَّهَا الْبَابُ فَاحْتَالُوا فِيهَا إِلَى أَنْ قَلَعُوهَا وَ أَخْرَجُوهَا فَإِذَا عَلَيْهَا كِتَابَةٌ يُونَانِيَّةٌ فَجَمَعُوا حُكَمَاءَ مِصْرَ وَ عُلَمَاءَهَا فَلَمْ يَهْتَدُوا لَهَا وَ كَانَ فِي الْقَوْمِ رَجُلٌ يُعْرَفُ بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَائِنِيِّ أَحَدُ حُفَّاظِ الدُّنْيَا وَ عُلَمَائِهَا فَقَالَ لِأَبِي الْحَسَنِ‏ (1) حَمَادَوَيْهِ بْنِ أَحْمَدَ أَعْرِفُ فِي بَلَدِ الْحَبَشَةِ أُسْقُفّاً قَدْ عُمِّرَ وَ أَتَى عَلَيْهِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَ سِتُّونَ سَنَةً يَعْرِفُ هَذَا الْخَطَّ وَ قَدْ كَانَ عَزَمَ عَلَى أَنْ يُعَلِّمَنِيهِ فَلِحِرْصِي عَلَى عِلْمِ الْعَرَبِ لَمْ أُقِمْ عَلَيْهِ وَ هُوَ بَاقٍ فَكَتَبَ أَبُو الْحَسَنِ إِلَى مَلِكِ الْحَبَشَةِ يَسْأَلُهُ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا الْأُسْقُفُّ إِلَيْهِ فَأَجَابَهُ أَنَّ هَذَا قَدْ طَعَنَ فِي السِّنِّ وَ حَطَمَهُ الزَّمَانُ وَ إِنَّمَا يَحْفَظُهُ هَذَا الْهَوَاءُ وَ يُخَافُ عَلَيْهِ إِنْ نُقِلَ إِلَى هَوَاءٍ آخَرَ وَ إِقْلِيمٍ آخَرَ وَ لَحِقَتْهُ حَرَكَةٌ وَ تَعَبٌ وَ مَشَقَّةُ السَّفَرِ أَنْ يَتْلَفَ وَ فِي بَقَائِهِ لَنَا شَرَفٌ وَ فَرَجٌ وَ سَكِينَةٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ شَيْ‏ءٌ يَقْرَؤُهُ أَوْ يُفَسِّرُهُ أَوْ (2) مَسْأَلَةٌ تَسْأَلُونَهُ فالكتب [فَاكْتُبْ بِذَلِكَ فَحُمِلَتِ الْبَلَاطَةُ فِي قَارِبٍ إِلَى بَلَدِ أُسْوَانَ مِنَ الصَّعِيدِ الْأَعْلَى وَ حُمِلَتْ مِنْ أُسْوَانَ عَلَى الْعَجَلَةِ إِلَى بِلَادِ الْحَبَشَةِ وَ هِيَ قَرِيبَةٌ مِنْ أُسْوَانَ فَلَمَّا وَصَلَتْ قَرَأَهَا الْأُسْقُفُ وَ فَسَّرَ مَا فِيهَا بِالْحَبَشِيَّةِ ثُمَّ نُقِلَتْ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ فَإِذَا فِيهَا مَكْتُوبٌ أَنَا الرَّيَّانُ بْنُ دَوْمَغٍ فَسُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّيَّانِ مَنْ هُوَ قَالَ هُوَ وَالِدُ الْعَزِيزِ مَلِكِ يُوسُفَ(ع)وَ اسْمُهُ الرَّيَّانُ بْنُ دَوْمَغٍ وَ قَدْ كَانَ‏

____________

(1) الجيش (خ).

(2) و (خ).

236

عُمُرُ الْعَزِيزِ سَبْعَمِائَةِ سَنَةٍ وَ عُمُرُ الرَّيَّانِ وَالِدُهُ أَلْفٌ وَ سَبْعُمِائَةِ سَنَةٍ وَ عُمُرُ دَوْمَغٍ ثَلَاثَةُ آلَافِ سَنَةٍ فَإِذَا فِيهَا أَنَا الرَّيَّانُ بْنُ دَوْمَغٍ خَرَجْتُ فِي طَلَبِ عِلْمِ النِّيلِ لِأَعْلَمَ فَيْضَهُ وَ مَنْبَعَهُ إِذْ كُنْتُ أَرَى مَغِيضَهُ‏ (1) فَخَرَجْتُ وَ مَعِي مِمَّنْ صَحِبْتُ أَرْبَعَةُ آلَافِ أَلْفِ رَجُلٍ فَسِرْتُ ثَمَانِينَ سَنَةً إِلَى أَنِ انْتَهَيْتُ إِلَى الظُّلُمَاتِ وَ الْبَحْرِ الْمُحِيطِ بِالدُّنْيَا فَرَأَيْتُ النِّيلَ يَقْطَعُ الْبَحْرَ الْمُحِيطَ وَ يَعْبُرُ فِيهِ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْفَذٌ وَ تَمَاوَتَ أَصْحَابِي وَ بَقِيتُ‏ (2) فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ رَجُلٍ فَخَشِيتُ عَلَى مُلْكِي فَرَجَعْتُ إِلَى مِصْرَ وَ بَنَيْتُ الْأَهْرَامَ وَ الْبَرَابِيَّ وَ بَنَيْتُ الْهَرَمَيْنِ وَ أَوْدَعْتُهُمَا كُنُوزِي وَ ذَخَائِرِي وَ قُلْتُ فِي ذَلِكَ شِعْراً

وَ أَدْرَكَ عِلْمِي بَعْضَ مَا هُوَ كَائِنٌ‏* * * وَ لَا عِلْمَ لِي بِالْغَيْبِ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ‏

وَ أَتْقَنْتُ مَا حَاوَلْتُ إِتْقَانَ صُنْعِهِ‏* * * وَ أَحْكَمْتُهُ وَ اللَّهُ أَقْوَى وَ أَحْكَمُ‏

وَ حَاوَلْتُ عِلْمَ النِّيلِ مِنْ بَدْءِ (3)فَيْضِهِ‏* * * فَأَعْجَزَنِي وَ الْمَرْءُ بِالْعَجْزِ مُلْجَمٌ‏

ثَمَانِينَ شَاهُوراً قَطَعْتُ مَسَايِحاً* * * وَ حَوْلِي بَنُو حُجْرٍ وَ جَيْشُ عَرَمْرَمٍ‏

إِلَى أَنْ قَطَعْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ كُلَّهُمْ‏* * * وَ عَارَضَنِي لُجٌّ مِنَ الْبَحْرِ مُظْلِمٌ‏

فَأَيْقَنْتُ أَنْ لَا مَنْفَذاً بَعْدَ مَنْزِلِي‏* * * لِذِي هَيْئَةٍ بَعْدِي وَ لَا مُتَقَدِّمٍ‏

فَأُبْتُ إِلَى مُلْكِي وَ أَرْسَيْتُ نَادِياً* * * بِمِصْرَ وَ لا الأيام [لِلْأَيَّامِ بُؤْسٌ وَ أَنْعُمٌ‏

أَنَا صَاحِبُ الْأَهْرَامِ فِي مِصْرَ كُلِّهَا* * * وَ بَانِي بَرَابِيهَا بِهَا وَ الْمُقَدَّمُ‏

تَرَكْتُ بِهَا آثَارَ كَفِّي وَ حِكْمَتِي‏* * * عَلَى الدَّهْرِ لَا تُبْلَى وَ لَا تَتَهَدَّمُ‏

وَ فِيهَا كُنُوزٌ جَمَّةٌ وَ عَجَائِبُ‏* * * وَ لِلدَّهْرِ أَمْرٌ مَرَّةً وَ تَهَجُّمٌ‏

سَيَفْتَحُ أَقْفَالِي وَ يُبْدِي عَجَائِبِي‏* * * وَلِيٌّ لِرَبِّي آخِرَ الدَّهْرِ يَسْجُمُ‏

بِأَكْنَافِ بَيْتِ اللَّهِ تَبْدُو أُمُورُهُ‏* * * وَ لَا بُدَّ أَنْ يَعْلُوَ وَ يَسْمُوَ بِهِ السَّمُ‏

ثَمَانٍ وَ تِسْعٌ وَ اثْنَتَانِ وَ أَرْبَعٌ‏* * * وَ تِسْعُونَ أُخْرَى مِنْ قَتِيلٍ وَ مُلْجَمٌ‏

____________

(1) مفيضه (خ). (2) فبقيت (خ). (3) بعد (خ)

237

وَ مِنْ بَعْدِ هَذَا كَرَّ تِسْعُونَ تِسْعَةٌ* * * وَ تِلْكَ الْبَرَابِي تَسْتَخِرُّ وَ تُهْدَمُ‏

وَ تُبْدِي كُنُوزِي كُلَّهَا غَيْرَ أَنَّنِي‏* * * أَرَى كُلَّ هَذَا أَنْ يُفَرِّقَهُ الدَّمُ‏

رَمَزْتُ مَقَالِي فِي صُخُورٍ قَطَعْتُهَا* * * سَتَفْنَى وَ أَفْنَى بَعْدَهَا ثُمَّ أَعْدَمُ‏ (1)

فَحِينَئِذٍ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ حَمَادَوَيْهِ بْنُ أَحْمَدَ هَذَا شَيْ‏ءٌ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا حِيلَةٌ إِلَّا الْقَائِمَ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ(ع)وَ رُدَّتِ الْبَلَاطَةُ مَكَانَهَا كَمَا كَانَتْ ثُمَّ إِنَّ أَبَا الْحَسَنِ‏ (2) بَعْدَ ذَلِكَ بِسَنَةٍ قَتَلَهُ طَاهِرٌ الْخَادِمُ عَلَى فِرَاشِهِ وَ هُوَ سَكْرَانُ وَ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ عُرِفَ خَبَرُ الْهَرَمَيْنِ وَ مَنْ بَنَاهُمَا فَهَذَا أَصَحُّ مَا يُقَالُ فِي خَبَرِ النِّيلِ وَ الْهَرَمَيْنِ.

بيان السرب بالتحريك الحفير تحت الأرض و البلاطة بالفتح الحجارة التي تفرش في الدار و القارب السفينة الصغيرة و الأسوان بالضم و يفتح بلد بالصعيد بمصر كل ذلك ذكره الفيروزآبادي و قال الهرمان بالتحريك بناءان أوليان بناهما إدريس(ع)لحفظ العلوم فيهما عن الطوفان أو بناء سنان بن المشلشل أو بناء الأوائل لما علموا بالطوفان من جهة النجوم و فيهما كل طب و طلسم و هنالك إهرام صغار كثيرة انتهى و قال أبو ريحان في كتاب الآثار الباقية إن الفرس و عامة المجوس أنكروا الطوفان بكليته و زعموا أن الملك متصل فيه من لدن كيومرث گل شاه الذي هو الإنسان الأول عندهم و وافقهم على إنكارهم إياه الهند و الصين و أصناف الأمم المشرقية و أقر به بعض الفرس و وصفوه بغير الصفة الموصف بها في كتب الأنبياء و قالوا كان من ذلك شي‏ء بالشام و المغرب في زمان طهمورث لم يعم العمران كلها و لم يغرق فيه إلا أمم قليلة و إنه لم يجاوز عقبة حلوان و لم يبلغ ممالك المشرق و قالوا إن أهل المغرب لما أنذر به حكماؤهم بنوا أبنية كالهرمين المبنيتين في أرض مصر و قالوا إذا كانت الآفة من السماء دخلناها و إذا كانت من الأرض صعدناها فزعموا أن آثار ماء الطوفان و تأثيرات الأمواج بينة على أنصاف هذين الهرمين لم يجاوزهما و قيل إن يوسف(ع)بناهما و جعل فيهما الطعام و

____________

(1) عدم (خ).

(2) ابا الجيش (خ).

238

الميرة سني القحط و قالوا إن طهمورث لما اتصل به الإنذار و ذلك قبل كونه بمائتين و إحدى و ثلاثين سنة أمر باختيار موضع في مملكته صحيح الهواء و التربة فلم يجدوا أحق بهذه الصفة من أصبهان فأمر بتجليد العلوم و دفنها في أسلم المواضع منه و قد يشهد لذلك ما وجد في زماننا يجي‏ء (1) من مدينة أصبهان من التلال التي انشقت عن بيوت مملوءة أعدالا كثيرة من لحاء الشجرة التي يلتبس بها القسي و الترسة و يسمى التوز مكتوبة بكتابة لم يدر ما هي و ما فيها انتهى.

77- الْمَنَاقِبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَيْضِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الدَّوَانِيقِيُ‏ (2) لِلصَّادِقِ(ع)تَدْرِي مَا هَذَا قَالَ وَ مَا هُوَ قَالَ جَبَلٌ هُنَاكَ يَقْطُرُ مِنْهُ فِي السَّنَةِ قَطَرَاتٌ فَيَجْمُدُ (3) فَهُوَ جَيِّدٌ لِلْبَيَاضِ يَكُونُ فِي الْعَيْنِ يُكْحَلُ بِهِ فَيَذْهَبُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ نَعَمْ أَعْرِفُهُ وَ إِنْ شِئْتَ أَخْبَرْتُكَ بِاسْمِهِ وَ حَالِهِ هَذَا جَبَلٌ كَانَ عَلَيْهِ نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ هَارِباً مِنْ قَوْمِهِ فَعَبَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ فَعَلِمَ قَوْمُهُ فَقَتَلُوهُ وَ هُوَ يَبْكِي عَلَى ذَلِكَ النَّبِيِّ وَ هَذِهِ الْقَطَرَاتُ مِنْ بُكَائِهِ لَهُ وَ مِنَ الْجَانِبِ‏ (4) الْآخَرِ عَيْنٌ تَنْبُعُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ بِاللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ لَا يُوصَلُ إِلَى تِلْكَ الْعَيْنِ‏ (5).

78- الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، قَالَ أَخْرَجَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي الْمُوَفَّقِيَّاتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: عَجَائِبُ الدُّنْيَا أَرْبَعَةٌ مِرْآةٌ كَانَتْ مُعَلَّقَةً بِمَنَارَةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَكَانَ يَجْلِسُ الْجَالِسُ تَحْتَهَا فَيُبْصِرُ مَنْ بِالْقُسْطَنْطَنِيَّةِ وَ بَيْنَهُمَا عَرْضُ الْبَحْرِ وَ فَرَسٌ كَانَ مِنْ نُحَاسٍ بِأَرْضِ أَنْدُلُسَ‏ (6) قَائِلًا بِكَفِّهِ كَذَا بَاسِطٌ يَدَهُ أَيْ لَيْسَ خَلْفِي مَسْلَكٌ فَلَا يَطَأُ تِلْكَ الْبِلَادَ أَحَدٌ إِلَّا أَكَلَتْهُ النَّمْلُ وَ مَنَارَةٌ مِنْ نُحَاسٍ عَلَيْهَا رَاكِبٌ مِنْ نُحَاسٍ بِأَرْضِ‏

____________

(1) يجى‏ء (خ).

(2) الدوانيق (خ).

(3) كذا في جميع النسخ، و الظاهر «فتجمد».

(4) في أكثر النسخ «و من جانب الآخر» و الصواب ما في المتن موافقا لنسخة مخطوطة.

(5) المناقب: ج 4،(ص)236.

(6) الاندلس (خ).

239

عَادَ فَإِذَا كَانَتِ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ [أكرم‏] هَطَلَ مِنْهُ الْمَاءُ وَ سَقُوا (1) وَ صَبُّوا فِي الْحِيَاضِ فَإِذَا انْقَضَتِ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ انْقَطَعَ ذَلِكَ الْمَاءُ وَ شَجَرَةٌ مِنْ نُحَاسٍ عَلَيْهَا سُودَانِيَّةٌ (2) مِنْ نُحَاسٍ بِأَرْضِ رُومِيَّةَ فَإِذَا كَانَ أَوَانُ الزَّيْتُونِ صَفَرَتِ السُّودَانِيَّةُ الَّتِي مِنْ نُحَاسٍ فَتَجِي‏ءُ كُلُّ سُودَانِيَّةٍ مِنَ الطَّيَّارَاتِ بِثَلَاثِ زَيْتُونَاتٍ زَيْتُونَتَيْنِ بِرِجْلَيْهَا وَ زَيْتُونَةٍ بِمِنْقَارِهَا حَتَّى تُلْقِيَهُ عَلَى تِلْكَ السُّودَانِيَّةِ الَّتِي هِيَ مِنْ نُحَاسٍ فَيَعْصِرُ أَهْلُ رُومِيَّةَ مَا يَكْفِيهِمْ لِإِدَامِهِمْ وَ سُرُجِهِمْ سَنَتَهُمْ إِلَى قَابِلٍ‏ (3).

79- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي يَحْيَى الْوَاسِطِيِّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ مِنْ وَرَاءِ الْيَمَنِ وَادِياً يُقَالُ لَهُ وَادِي بَرَهُوتَ وَ لَا يُجَاوِزُ ذَلِكَ الْوَادِيَ إِلَّا الْحَيَّاتُ السُّودُ وَ الْبُومُ مِنَ الطَّيْرِ (4) فِي ذَلِكَ الْوَادِي بِئْرٌ يُقَالُ لَهَا بَلَمُوتُ‏ (5) يُغْدَى وَ يُرَاحُ إِلَيْهَا بِأَرْوَاحِ الْمُشْرِكِينَ يُسْقَوْنَ مِنْ مَاءِ الصَّدِيدِ خَلْفَ ذَلِكَ الْوَادِي قَوْمٌ يُقَالُ لَهُمُ الذَّرِيحُ لَمَّا أَنْ بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مُحَمَّداً(ص)صَاحَ عِجْلٌ لَهُمْ فِيهِمْ وَ ضَرَبَ بِذَنَبِهِ وَ نَادَى فِيهِمْ يَا آلَ الذَّرِيحِ بِصَوْتٍ فَصِيحٍ أَتَى رَجُلٌ بِتِهَامَةَ يَدْعُو إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالُوا لِأَمْرٍ مَا أَنْطَقَ اللَّهُ هَذَا الْعِجْلَ قَالَ فَنَادَى فِيهِمْ ثَانِيَةً فَعَزَمُوا عَلَى أَنْ يَبْنُوا سَفِينَةً فَبَنَوْهَا وَ نَزَلَ فِيهَا سَبْعَةٌ مِنْهُمْ وَ حَمَلُوا مِنَ الزَّادِ مَا قَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ ثُمَّ رَفَعُوا شِرَاعاً(6) وَ سَيَّبُوهَا فِي الْبَحْرِ فَمَا زَالَتْ تَسِيرُ بِهِمْ حَتَّى رَمَتْ بِهِمْ بِجُدَّةَ فَأَتَوُا النَّبِيَّ(ص)فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ(ص)أَنْتُمْ أَهْلُ الذَّرِيحِ نَادَى فِيكُمُ الْعِجْلُ قَالُوا نَعَمْ قَالُوا اعْرِضْ عَلَيْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الدِّينَ وَ الْكِتَابَ فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ الدِّينَ وَ الْكِتَابَ وَ السُّنَنَ‏

____________

(1) في المصدر: فاذا كانت الأشهر الحرم هطل منه الماء فشرب الناس و سقوا.

(2) في مخطوطة «سودائية» و كذا في ما يأتي.

(3) الدّر المنثور: ج 3،(ص)97.

(4) في المصدر: الطيور.

(5) في بعض النسخ و كذا في المصدر: بلهوت.

(6) في بعض النسخ و كذا في المصدر: شراعها.

240

وَ الْفَرَائِضَ وَ الشَّرَائِعَ كَمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَ وَلَّى عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ سَيَّرَهُ مَعَهُمْ فَمَا بَيْنَهُمُ اخْتِلَافٌ حَتَّى السَّاعَةَ (1).

80- حَيَاةُ الْحَيَوَانِ، الْأَهْرَامُ مِنْ عَجَائِبِ أَبْنِيَةِ الدُّنْيَا وَ هِيَ قُبُورُ الْمُلُوكِ أَرَادُوا أَنْ يَتَمَيَّزُوا عَلَى سَائِرِ الْمُلُوكِ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ كَمَا تَمَيَّزُوا عَلَيْهِمْ فِي حَيَاتِهِمْ قِيلَ إِنَّ الْمَأْمُونَ لَمَّا وَصَلَ إِلَى مِصْرَ أَمَرَ بِنَقْبِ أَحَدِ الْهَرَمَيْنِ فَنَقَبَ بَعْدَ جُهْدٍ جَهِيدٍ وَ غَرَامَةِ نَفَقَةٍ عَظِيمَةٍ فَوَجَدَ دَاخِلَهُ مَرَاقٍ و قَهَاوٍ يَعْسِرُ سُلُوكُهَا وَ وُضِعَ فِي أَعْلَاهَا بَيْتٌ مُكَعَّبٌ طُولُ كُلِّ ضِلْعٍ مِنْ أَضْلَاعِهِ ثَمَانِيَةُ أَذْرُعٍ وَ فِي وَسَطِهِ حَوْضٌ فِيهِ مِائَةُ رُمَّةٍ بَالِيَةٍ قَدْ أَتَتْ عَلَيْهَا الْعُصُورُ فَكَفَّ عَنْ نَقْبِ مَا سِوَاهُ وَ نُقِلَ أَنَّ هِرْمِسَ الْأَوَّلَ أَخْنُوخُ وَ هُوَ إِدْرِيسُ(ع)اسْتَدَلَّ مِنْ أَحْوَالِ الْكَوَاكِبِ عَلَى كَوْنِ الطُّوفَانِ فَأَمَرَ بِبُنْيَانِ الْأَهْرَامِ وَ يُقَالُ إِنَّهُ ابْتَنَاهَا فِي مُدَّةِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَ كَتَبَ فِيهَا قُلْ لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَنَا يَهْدِمُهَا فِي سِتِّمِائَةِ عَامٍ وَ الْهَدْمُ أَيْسَرُ مِنَ الْبُنْيَانِ وَ كَسَوْنَاهَا الدِّيبَاجَ فَلْيَكْسُهَا الْحُصُرَ وَ الْحُصُرُ أَيْسَرُ مِنَ الدِّيبَاجِ وَ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ سَلْوَةِ الْأَحْزَانِ وَ مِنْ عَجَائِبِ الْهَرَمَيْنِ أَنَّ سَمْكَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَرْبَعُمِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ رُخَامٍ وَ زُمُرُّدٍ وَ فِيهَا مَكْتُوبٌ أَنَا بَنَيْتُهَا (2) بِمُلْكِي فَمَنِ ادَّعَى قُوَّةً فَلْيَهْدِمْهَا (3) فَإِنَّ الْهَدْمَ أَيْسَرُ مِنَ الْبِنَاءِ قَالَ ابْنُ الْمُنَادِي بَلَغَنَا أَنَّهُمْ قَدَّرُوا خَرَاجَ الدُّنْيَا مِرَاراً فَإِذَا هُوَ لَا يَقُومُ بِهَدْمِهَا وَ اللَّهُ أَعْلَمُ.

____________

(1) روضة الكافي: 261.

(2) بنيتهما (خ).

(3) فليهمدهما (خ).

241

باب 37 نادر

أقول وجدت في بعض الكتب القديمة هذه الرواية فأوردتها بلفظها و وجدتها أيضا في كتاب ذكر الأقاليم و البلدان و الجبال و الأنهار و الأشجار مع اختلاف يسير في المضمون و تباين كثير في الألفاظ أشرت إلى بعضها في سياق الرواية و هي هذه.

مَسَائِلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَ كَانَ اسْمُهُ إِسْمَاوِيلَ فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ(ص)عَبْدَ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ(ص)أَمَرَ عَلِيّاً أَنْ يَكْتُبَ كِتَاباً إِلَى الْكُفَّارِ وَ إِلَى النَّصَارَى وَ إِلَى الْيَهُودِ فَكَتَبَ كِتَاباً أَمْلَاهُ جَبْرَئِيلُ عَلَى النَّبِيِّ(ص)فَكَتَبَ‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ أَمَّا بَعْدُ فَ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ‏ ... وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏ وَ السَّلامُ عَلى‏ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى‏ وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ ثُمَّ خَتَمَ الْكِتَابَ وَ أَرْسَلَهُ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ إِلَيْهِمْ أَتَوْا إِلَى شَيْخِهِمْ ابْنِ سَلَامٍ فَقَالُوا يَا ابْنَ سَلَامٍ هَذَا كِتَابُ مُحَمَّدٍ إِلَيْكَ فَاقْرَأْهُ عَلَيْنَا فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ لَهُمْ مَا تُرِيدُونَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ وَ قَدْ أَرَى فِيهِ عَلَامَاتٍ وَجَدْنَا فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ هَذَا الَّذِي بَشَّرَنَا بِهِ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ فَقَالُوا يَنْسَخُ كِتَابَنَا وَ يُحَرِّمُ عَلَيْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا مِنْ قَبْلُ فَقَالَ لَهُمْ ابْنُ سَلَامٍ يَا قَوْمِ اخْتَرْتُمُ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَ الْعَذَابَ عَلَى الْمَغْفِرَةِ فَقَالُوا يَا ابْنَ سَلَامٍ لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ عَلَى دِينِنِا لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ غَيْرِهِ فَقَالَ أَنَا أَرُوحُ إِلَيْهِ وَ أَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ مِنَ التَّوْرَاةِ فَإِنْ أَجَابَنِي عَنْهَا دَخَلْتُ فِي دِينِهِ وَ خَلَّيْتُ دِيْنَ الْيَهُودِيَّةِ وَ قَامَ وَ أَخَذَ التَّوْرَاةَ وَ اسْتَخْرَجَ مِنْهَا أَلْفَ مَسْأَلَةٍ وَ أَرْبَعَمِائَةِ مَسْأَلَةٍ وَ أَرْبَعَ مَسَائِلَ مِنْ غَامِضِ الْمَسَائِلِ فَأَخَذَهَا وَ أَتَى بِهَا إِلَى مُحَمَّدٍ وَ هُوَ فِي مَسْجِدِهِ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ وَ عَلَى أَصْحَابِكَ فَقَالُوا وَ عَلى‏ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى‏ السَّلَامُ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ مَنْ أَنْتَ يَا هَذَا الرَّجُلُ قَالَ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَ

242

أَنَا مِنْ رُسُلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ مِمَّنْ قَرَأَ التَّوْرَاةَ وَ أَنَا رَسُولُ الْيَهُودِ إِلَيْكَ مَعَ شَيْ‏ءٍ لِتُبَيِّنَهُ لَنَا مَا هُوَ وَ أَنْتَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ فَقَالَ النَّبِيُّ(ص)اجْلِسْ يَا ابْنَ سَلَامٍ وَ سَلْ عَمَّا شِئْتَ وَ إِنْ شِئْتَ أَخْبَرْتُكَ عَمَّا تَسْأَلُنِي عَنْهُ فَقَالَ أَخْبِرْنِي يَا مُحَمَّدُ فَإِنَّنِي أَزْدَادُ فِيكَ يَقِيناً فَقَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ أَلْفِ مَسْأَلَةٍ وَ أَرْبَعِمِائَةِ مَسْأَلَةٍ وَ أَرْبَعِ مَسَائِلَ نَسَخْتَهَا مِنَ التَّوْرَاةِ فَنَكَسَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ رَأْسَهُ وَ بَكَى وَ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ أَ نَبِيٌّ أَنْتَ أَمْ رَسُولٌ فَقَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي نَبِيّاً وَ رَسُولًا وَ أَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ أَ فَمَا قَرَأْتَ فِي التَّوْرَاةِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً (1) الْآيَةَ وَ أُنْزِلَ عَلَيَ‏ ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَ لكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ‏ (2) قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي أَ كَلِيمٌ أَنْتَ أَمْ وَحِيٌّ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ بَلْ وَحِيٌّ يَأْتِينِي بِهِ جَبْرَائِيلُ عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي كَمْ خَلَقَ اللَّهُ نَبِيّاً مِنْ بَنِي آدَمَ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ خَلَقَ اللَّهُ مِائَةَ أَلْفِ نَبِيٍّ وَ أَرْبَعَةً وَ عِشْرِينَ أَلْفَ نَبِيٍّ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي كَمِ الْمُرْسَلُونَ مِنْهُمْ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ كَانَ الْمُرْسَلُونَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مَنْ كَانَ أَوَّلَ الْأَنْبِيَاءِ قَالَ آدَمُ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي آدَمُ كَانَ نَبِيّاً مُرْسَلًا قَالَ نَعَمْ أَ فَمَا قَرَأْتَ فِي التَّوْرَاةِ قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ‏ (3) الْآيَةَ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ رُسُلِ الْعَرَبِ كَمْ كَانُوا قَالَ سِتَّةٌ (4) أَوَّلُهُمْ إِبْرَاهِيمُ وَ إِسْمَاعِيلُ وَ لُوطٌ وَ صَالِحٌ وَ شُعَيْبٌ وَ مُحَمَّدٌ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي كَمْ كَانَ بَيْنَ مُوسَى وَ عِيسَى مِنْ نَبِيٍّ قَالَ أَلْفٌ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَعَلَى أَيِّ دِيْنٍ كَانُوا قَالَ عَلَى دِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَ دِينِ مَلَائِكَتِهِ وَ دِيْنِ الْإِسْلَامِ قَالَ وَ مَا الْإِسْلَامُ وَ مَا الْإِيمَانُ قَالَ أَمَّا الْإِسْلَامُ فَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ الْإِقْرَارُ بِأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ وَ إِقَامُ الصَّلَاةِ وَ إِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ وَ الْحَجُّ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ أَمَّا الْإِيمَانُ فَتُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ مَلَائِكَتِهِ وَ الْكِتَابِ وَ النَّبِيِّينَ وَ الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَ الْقَدْرِ

____________

(1) الفتح: 29.

(2) الأحزاب: 40.

(3) البقرة: 33.

(4) سبعة (خ).

243

خَيْرِهِ وَ شَرِّهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي كَمْ مِنْ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ دِينٌ وَاحِدٌ وَ هُوَ الْإِسْلَامُ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَبِمَ كَانَتِ الشَّرَائِعُ قَالَ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَهْلُ الْجَنَّةِ يَدْخُلُونَ بِالْإِسْلَامِ أَمْ بِالْإِيمَانِ أَمْ بِأَعْمَالِهِمْ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ اسْتَوْجَبُوا الْجَنَّةَ بِالْإِيمَانِ وَ يَدْخُلُونَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَ يَقْسِمُونَهَا (1) بِأَعْمَالِهِمْ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي كَمْ أَنْزَلَ اللَّهُ كِتَاباً قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ أَنْزَلَ اللَّهُ مِائَةَ كِتَابٍ وَ أَرْبَعَةَ كُتُبٍ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَلَى مَنْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْكُتُبُ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى آدَمَ أَرْبَعَ‏ (2) عَشْرَةَ صَحِيفَةً وَ أَنْزَلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عِشْرِينَ صَحِيفَةً وَ فِي قَوْلٍ أَرْبَعَ‏ (3) عَشْرَةَ صَحِيفَةً وَ عَلَى شَيْثِ بْنِ آدَمَ خَمْسِينَ صَحِيفَةً وَ أَنْزَلَ عَلَى إِدْرِيسَ ثَلَاثِينَ‏ (4) صَحِيفَةً وَ أَنْزَلَ الزَّبُورَ عَلَى دَاوُدَ وَ أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى وَ أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى وَ أَنْزَلَ عَلَيَّ الْفُرْقَانَ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَهَلْ أَنْزَلَ عَلَيْكَ كِتَاباً قَالَ نَعَمْ قَالَ وَ أَيُّ كِتَابٍ هُوَ قَالَ الْفُرْقَانُ قَالَ يَا مُحَمَّدُ لِمَ سَمَّاهُ الرَّبُّ فُرْقَاناً قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ لِأَنَّهُ يَفْرُقُ الْآيَاتِ وَ السُّوَرَ وَ أُنْزِلَ بِغَيْرِ الْأَلْوَاحِ وَ غَيْرِ الصُّحُفِ وَ التَّوْرَاةُ وَ الْإِنْجِيلُ وَ الزَّبُورُ كُلُّهَا جُمْلَةً فِي الْأَلْوَاحِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَهَلْ فِي كِتَابِكَ شَيْ‏ءٌ مِنْ هَذِهِ الصُّحُفِ قَالَ نَعَمْ يَا ابْنَ سَلَامٍ قَالَ مَا هُوَ يَا مُحَمَّدُ فَقَرَأَ النَّبِيُّ(ص)قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى‏ إِلَى قَوْلِهِ‏ صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏ (5) قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مَا ابْتِدَاءُ الْقُرْآنِ وَ مَا خَتْمُهُ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ ابْتِدَاؤُهُ‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ وَ خَتْمُهُ صَدَقَ اللَّهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ خَلَقَهَا اللَّهُ بِيَدِهِ مَا هِيَ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ وَ غَرَسَ شَجَرَةَ طُوبَى بِيَدِهِ وَ صَوَّرَ آدَمَ بِيَدِهِ وَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ وَ بَنَى السَّمَاوَاتِ بِيَدِهِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ‏ قَالَ صَدَقْتَ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ أَ مَا سَمِعْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى‏ وَ السَّماءَ

____________

(1) يقتسمونها (خ).

(2) كذا.

(3) كذا.

(4) عشرين (خ).

(5) الأعلى: 19.

244

بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَ إِنَّا لَمُوسِعُونَ‏ (1) قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي مَنْ أَخْبَرَكَ بِهَذَا قَالَ أَخْبَرَنِي جَبْرَائِيلُ قَالَ عَنْ مَنْ قَالَ عَنْ مِيكَائِيلَ قَالَ عَنْ مَنْ قَالَ عَنْ إِسْرَافِيلَ قَالَ عَنْ مَنْ قَالَ عَنِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ قَالَ عَنْ مَنْ قَالَ عَنِ الْقَلَمِ قَالَ عَنْ مَنْ قَالَ عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ وَ كَيْفَ ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ النَّبِيُّ(ص)يَأْمُرُ اللَّهُ الْقَلَمَ يَكْتُبُ فِي اللَّوْحِ وَ يُنْزَلُ فِي اللَّوْحِ عَلَى إِسْرَافِيلَ وَ يُبَلِّغُ إِسْرَافِيلُ مِيكَائِيلَ وَ يُبَلِّغُ مِيكَائِيلُ جَبْرَائِيلَ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ جَبْرَائِيلَ فِي زِيِّ الذُّكْرَانِ أَمْ فِي زِيِّ الْإِنَاثِ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ بَلْ هُوَ فِي زِيِّ الذُّكْرَانِ قَالَ فَأَخْبِرْنِي مَا طَعَامُهُ وَ مَا شَرَابُهُ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ طَعَامُهُ التَّسْبِيحُ وَ شَرَابُهُ التَّهْلِيلُ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مَا طُولُهُ وَ مَا عَرْضُهُ وَ مَا صِفَتُهُ وَ مَا لِبَاسُهُ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ عَلَى قَدْرِ الْمَلَائِكَةِ لَا بِالطَّوِيلِ الْأَعْلَى وَ لَا بِالْقَصِيرِ الْأَدْنَى أَغَرُّ مَكْحُولٌ ضَوْؤُهُ كَضَوْءِ النَّهَارِ عِنْدَ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ لَهُ أَرْبَعَةٌ وَ عِشْرُونَ جَنَاحاً خَضْرَاءَ (2) مُكَلَّلَةً بِالدُّرِّ وَ الْيَاقُوتِ مَخْتُومَةً بِاللُّؤْلُؤِ عَلَيْهِ وِشَاحٌ بِطَانَتُهُ مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَ ظِهَارَتُهُ الْوَقَارُ وَ الْكَرَامَةُ وَجْهُهُ كَالزَّعْفَرَانِ أَقْنَى الْأَنْفِ مُدَوَّرُ الْحَدَقِ‏ (3) لَا يَأْكُلُ وَ لَا يَشْرَبُ وَ لَا يَمَلُّ وَ لَا يَسْهُو وَ هُوَ قَائِمٌ بِوَحْيِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ بَدْءِ خَلْقِ الدُّنْيَا وَ أَخْبِرْنِي عَنْ بَدْءِ خَلْقِ آدَمَ كَيْفَ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ نَعَمْ يَا ابْنَ سَلَامٍ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ وَ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ خَلَقَهُ مِنْ طِينٍ بِيَدِهِ وَ خَلَقَ الطِّينَ مِنَ الزَّبَدِ وَ خَلَقَ الزَّبَدَ مِنَ الْمَوْجِ وَ خَلَقَ الْمَوْجَ مِنَ الْمَاءِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ آدَمَ لِمَ سُمِّيَ آدَمَ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ طِينِ الْأَرْضِ وَ أَدِيمِهَا قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَآدَمُ خُلِقَ مِنَ الطِّينِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ أَوْ مِنْ طِينٍ وَاحِدٍ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ بَلْ خَلَقَهُ اللَّهُ مِنَ الطِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ أَنَّ آدَمَ خُلِقَ مِنْ طِينٍ وَاحِدٍ لَمَا عَرَفَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَ كَانُوا عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ هَلْ لَهُمْ مَثَلٌ بِذَلِكَ‏ (4) فِي الدُّنْيَا قَالَ نَعَمْ يَا ابْنَ سَلَامٍ‏

____________

(1) الزمر: 67.

(2) خضرا (خ).

(3) الحدقة (خ).

(4) في مخطوطة: هل هم كذلك في الدنيا.

245

أَ فَمَا تَنْظُرُ إِلَى التُّرَابِ مِنْهُ أَبْيَضُ وَ مِنْهُ أَسْوَدُ وَ مِنْهُ أَحْمَرُ وَ مِنْهُ أَصْفَرُ وَ مِنْهُ أَشْقَرُ وَ مِنْهُ أَغْبَرُ وَ مِنْهُ أَزْرَقُ وَ فِيهِ عَذْبٌ وَ خَشِنٌ وَ فِيهِ لَيِّنٌ وَ كَذَلِكَ بَنُو آدَمَ فِيهِمْ خَشِنٌ وَ فِيهِمْ لَيِّنٌ وَ فِيهِمْ عَذْبٌ كَذَلِكَ التُّرَابُ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مَنْ آدَمُ لَمَّا خَلَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ أَيْنَ دَخَلَتِ الرُّوحُ فِيهِ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ دَخَلَتْ مِنْ فِيهِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ أَ دَخَلَتْ فِيهِ عَلَى رِضًا أَمْ عَلَى كُرْهٍ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ أَدْخَلَهُ‏ (1) اللَّهُ كُرْهاً وَ يُخْرِجُهَا كُرْهاً قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ مَا قَالَ اللَّهُ لِآدَمَ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ قَالَ اللَّهُ لِآدَمَ‏ يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ‏ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَكَمْ أَكَلَ مِنْهَا حَبَّةً قَالَ حَبَّتَيْنِ قَالَ وَ كَمْ أَكَلَتْ حَوَّاءُ قَالَ حَبَّتَيْنِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مَا صِفَةُ الشَّجَرَةِ وَ كَمْ لَهَا غُصْنٌ‏ (2) وَ كَمْ كَانَ طُولُ السُّنْبُلَةِ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ كَانَ لَهَا ثَلَاثَةُ أَغْصَانٍ وَ كَانَ طُولُ كُلِّ سُنْبُلَةٍ ثَلَاثَةَ أَشْبَارٍ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَكَمْ سُنْبُلَةً فَرَّكَ مِنْهَا آدَمُ قَالَ سُنْبُلَةً وَاحِدَةً قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَكَمْ كَانَ فِي السُّنْبُلَةِ مِنْ حَبَّةٍ قَالَ كَانَ فِيهَا خَمْسُ حَبَّاتٍ قَالَ فَأَخْبِرْنِي مَا صِفَةُ الْحَبَّةِ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْضِ الْكِبَارِ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْحَبَّةِ الَّتِي بَقِيَتْ مَعَ آدَمَ مَا صَنَعَ بِهَا قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ أُنْزِلَتْ مَعَ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ فَزَرَعَ آدَمُ تِلْكَ الْحَبَّةَ فَتَنَاسَلَ مِنْ تِلْكَ الْحَبَّةِ الْبَرَكَةُ (3) قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ آدَمَ أَيْنَ أُهْبِطَ مِنَ الْأَرْضِ قَالَ أُهْبِطَ بِالْهِنْدِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَيْنَ أُهْبِطَتْ حَوَّاءُ قَالَ بِجُدَّةَ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَيْنَ أُهْبِطَتِ الْحَبَّةُ (4) قَالَ بِأَصْبَهَانَ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَيْنَ أُهْبِطَ إِبْلِيسُ قَالَ بِبَيْسَانَ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ مَا أَغْزَرَ عِلْمَكَ وَ مَا أَصْدَقَ لِسَانَكَ فَأَخْبِرْنِي مَا كَانَ لِبَاسُ آدَمَ لَمَّا أُهْبِطَ مِنَ الْجَنَّةِ قَالَ ثَلَاثَ أَوْرَاقٍ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ مُتَوَشِّحاً بِالْوَاحِدَةِ مُتَّزِراً بِالْأُخْرَى مُتَعَمِّماً بِالثَّالِثَةِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي فِي أَيِّ مَكَانٍ اجْتَمَعَا قَالَ بِعَرَفَاتٍ‏

____________

(1) كذا.

(2) كذا.

(3) فتناسل منها الحب في الأرض فبورك فيها.

(4) في بعض النسخ «الحية».

246

قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي خُلِقَتْ حَوَّاءُ مِنْ آدَمَ أَمْ آدَمُ مِنْ حَوَّاءَ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ خُلِقَتْ حَوَّاءُ مِنْ آدَمَ وَ لَوْ أَنَّ خُلِقَ مِنْ حَوَّاءَ لَكَانَ الطَّلَاقُ بِيَدِ النِّسَاءِ وَ لَمْ يَكُنْ بِيَدِ الرِّجَالِ قَالَ فَأَخْبِرْنِي خُلِقَتْ مِنْ كُلِّهِ أَوْ مِنْ بَعْضِهِ قَالَ خُلِقَتْ مِنْ بَعْضِهِ وَ لَوْ خُلِقَتْ مِنْ كُلِّهِ لَكَانَ الْقَضَاءُ فِي النِّسَاءِ وَ لَمْ يَكُنْ فِي الرِّجَالِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ بَاطِنِهِ خُلِقَتْ أَمْ مِنْ ظَاهِرِهِ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ بَلْ خُلِقَتْ مِنْ بَاطِنِهِ وَ لَوْ خُلِقَتْ مِنْ ظَاهِرِهِ لَكَشَفَتِ النِّسَاءُ مِنْ أَبْدَانِهِنَّ كَمَا تَكْشِفُ الرِّجَالُ قَالَ فَمِنْ يَمِينِهِ خُلِقَتْ أَمْ مِنْ شِمَالِهِ قَالَ بَلْ خُلِقَتْ مِنْ شِمَالِهِ وَ لَوْ خُلِقَتْ مِنْ يَمِينِهِ لَكَانَ حَظُّ الْأُنْثَى مِثْلَ حَظِّ الذَّكَرِ وَ شَهَادَتُهَا كَشَهَادَتِهِ وَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ قَالَ فَأَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ خُلِقَتْ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعِهِ الْأَقْصَرِ (1) قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مَنْ كَانَ يَسْكُنُ الْأَرْضَ قَبْلَ آدَمَ قَالَ الْجِنُّ قَالَ فَبَعْدَ الْجِنِّ قَالَ الْمَلَائِكَةُ قَالَ فَبَعْدَ الْمَلَائِكَةِ قَالَ آدَمُ وَ ذُرِّيَّتُهُ قَالَ وَ كَمْ كَانَ بَيْنَ الْجِنِّ وَ بَيْنَ آدَمَ قَالَ سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ آدَمَ فَهَلْ حَجَّ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَمَنْ حَلَقَ رَأْسَ آدَمَ قَالَ جَبْرَئِيلُ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي هَلِ اخْتَتَنَ آدَمُ أَمْ لَا قَالَ نَعَمْ يَا ابْنَ سَلَامٍ خَتَنَ نَفْسَهُ بِيَدِهِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنِ الدُّنْيَا لِمَ سُمِّيَتْ دُنْيَا قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ لِأَنَّ الدُّنْيَا خُلِقَتْ مِنْ دُونِ الْآخِرَةِ وَ لَوْ خُلِقَتْ مَعَ الْآخِرَةِ لَمْ تَفْنَ كَمَا لَمْ تَفْنَ‏ (2) الْآخِرَةُ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْقِيَامَةِ لِمَ سُمِّيَتْ قِيَامَةً قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ لِأَنَّ مُقَامَ الْخَلَائِقِ فِيهَا لِلْحِسَابِ قَالَ فَأَخْبِرْنِي لِمَ سُمِّيَتِ الْآخِرَةُ آخِرَةً قَالَ لِأَنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهَا بَعْدَ الدُّنْيَا لَا يُوصَفُ سِنْوُهَا وَ لَا تُحْصَى أَيَّامُهَا وَ لَا يَمُوتُ سَاكِنُهَا قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَوَّلِ يَوْمٍ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الدُّنْيَا فِيهِ قَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ قَالَ وَ لِمَ سَمَّاهُ أَحَداً قَالَ لِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ أَحَدٌ فَرْدٌ صَمَدٌ لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَ لَا وَلَداً قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَالْإِثْنَيْنِ لِمَ‏

____________

(1) الايسر (خ).

(2) كذا و الظاهر «لا تفنى».

247

سُمِّيَ إِثْنَيْنِ قَالَ لِأَنَّهُ ثَانِي يَوْمِ الدُّنْيَا قَالَ فَالثَّلَاثَاءُ لِمَ سُمِّيَ ثَلَاثَاءَ قَالَ لِأَنَّهُ ثَالِثُ يَوْمِ الدُّنْيَا قَالَ فَالْأَرْبِعَاءُ لِمَ سُمِّيَ أَرْبِعَاءَ قَالَ لِأَنَّهُ رَابِعُ يَوْمِ الدُّنْيَا قَالَ فَالْخَمِيسُ لِمَ سُمِّيَ خَمِيساً قَالَ لِأَنَّهُ خَامِسُ يَوْمِ الدُّنْيَا قَالَ فَالْجُمُعَةُ لِمَ سُمِّيَ جُمُعَةً قَالَ لِأَنَّهُ‏ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَ هُوَ سَادِسُ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا قَالَ فَالسَّبْتُ لِمَ سُمِّيَ سَبْتاً قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ لِأَنَّهُ يَوْمٌ يُوَكَّلُ فِيهِ مَلَكٌ لِأَنَّهُ مَعَ كُلِّ عَبْدٍ مَلَكَانِ مَلَكٌ عَنْ يَمِينِهِ وَ مَلَكٌ عَنْ شِمَالِهِ فَالَّذِي عَنْ يَمِينِهِ يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ وَ الَّذِي عَنْ شِمَالِهِ يَكْتُبُ السَّيِّئَاتِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ مَقْعَدِ الْمَلَكَيْنِ مِنَ الْعَبْدِ وَ مَا قَلَمُهُمَا وَ مَا دَوَاتُهُمَا وَ مَا لَوْحُهُمَا وَ مَا مِدَادُهُمَا قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ مَقْعَدُهُمَا عَلَى كَتِفَيْهِ وَ قَلَمُهُمَا لِسَانُهُ وَ دَوَاتُهُمَا فُوهُ وَ مِدَادُهُمَا رِيقُهُ وَ لَوْحُهُمَا فُؤَادُهُ يَكْتُبَانِ أَعْمَالَهُ إِلَى مَمَاتِهِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ قَالَ‏ ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ‏ قَالَ فَأَخْبِرْنِي كَمْ طُولُ الْقَلَمِ وَ كَمْ عَرْضُهُ وَ كَمْ أَسْنَانُهُ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ طُولُ الْقَلَمِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ وَ لَهُ ثَلَاثُونَ سِنّاً يَخْرُجُ الْمِدَادُ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ وَ يَجْرِي فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَا يَكُونُ وَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ كَمْ لَحْظَةً لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ ثَلَاثُمِائَةٍ وَ سِتُّونَ لَحْظَةً يَمْضِي وَ يَقْضِي وَ يَرْفَعُ وَ يَضَعُ وَ يُسْعِدُ وَ يُشْقِي وَ يُعِزُّ وَ يُذِلُّ وَ يُعْلِي وَ يَقْهَرُ وَ يُغْنِي وَ يُفْقِرُ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ السَّمَاءَ السَّابِعَةَ مِمَّا يَلِي الْعَرْشَ وَ أَمَرَهَا أَنْ تَرْتَفِعَ إِلَى مَكَانِهَا فَارْتَفَعَتْ ثُمَّ خَلَقَ السِّتَّةَ الْبَاقِيَةَ وَ أَمَرَ كُلَّ سَمَاءٍ أَنْ تَسْتَقِرَّ مَكَانَهَا فَاسْتَقَرَّتْ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَلِمَ سَمَّاهَا سَمَاءً قَالَ لِارْتِفَاعِهَا قَالَ فَأَخْبِرْنِي مَا بَالُ سَمَاءِ الدُّنْيَا خَضْرَاءُ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ اخْضَرَّتْ مِنْ جَبَلِ قَافٍ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مِمَّ خُلِقَتْ قَالَ خُلِقَتْ مِنْ مَوْجٍ مَكْفُوفٍ قَالَ وَ مَا الْمَوْجُ الْمَكْفُوفُ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ مَاءٌ قَائِمٌ لَا اضْطِرَابَ لَهُ وَ كَانَتِ‏ (1) الْأَصْلُ دُخَاناً قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّمَاوَاتِ أَ لَهَا أَبْوَابٌ قَالَ نَعَمْ لَهَا أَبْوَابٌ‏

____________

(1) كذا و الظاهر «و كان في الأصل».

248

وَ هِيَ مُغْلَقَةٌ وَ لَهَا مَفَاتِيحُ وَ هِيَ مَخْزُونَةٌ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ مَا هِيَ قَالَ ذَهَبٌ قَالَ فَمَا أَقْفَالُهَا قَالَ مِنْ نُورٍ قَالَ فَمَفَاتِيحُهَا قَالَ بِسْمِ اللَّهِ الْعَظِيمِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ طُولِ كُلِّ سَمَاءٍ وَ عَرْضِهَا وَ كَمْ ارْتِفَاعُهَا وَ مَا سُكَّانُهَا قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ طُولُ كُلِّ سَمَاءٍ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ وَ عَرْضُهَا كَذَلِكَ وَ بَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ وَ سُكَّانُ كُلِّ سَمَاءٍ جُنْدٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ مِمَّا خُلِقَتْ قَالَ مِنَ الْغَمَامِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ مِمَّ خُلِقَتْ قَالَ مِنْ زَبَرْجَدَةٍ خَضْرَاءَ قَالَ فَالرَّابِعَةُ قَالَ مِنْ ذَهَبٍ أَحْمَرَ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَالْخَامِسَةُ قَالَ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ قَالَ فَالسَّادِسَةُ قَالَ مِنْ فِضَّةٍ بَيْضَاءَ قَالَ فَالسَّابِعَةُ قَالَ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مَا فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ قَالَ بَحْرُ الْحَيَوَانِ قَالَ فَمَا فَوْقَهُ قَالَ بَحْرُ الظُّلْمَةِ قَالَ فَمَا فَوْقَهُ قَالَ بَحْرُ النُّورِ قَالَ فَمَا فَوْقَهُ قَالَ الْحُجُبُ قَالَ فَمَا فَوْقَهُ قَالَ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى قَالَ فَمَا فَوْقَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى قَالَ جَنَّةُ الْمَأْوَى قَالَ فَمَا فَوْقَ جَنَّةِ الْمَأْوَى قَالَ حِجَابُ الْمَجْدِ قَالَ فَمَا فَوْقَ حِجَابِ الْمَجْدِ قَالَ حِجَابُ الْحَمْدِ قَالَ فَمَا فَوْقَ حِجَابِ الْحَمْدِ قَالَ حِجَابُ الْجَبَرُوتِ قَالَ فَمَا فَوْقَ حِجَابِ الْجَبَرُوتِ قَالَ حِجَابُ الْعِزِّ قَالَ فَمَا فَوْقَ حِجَابِ الْعِزِّ قَالَ حِجَابُ الْعَظَمَةِ قَالَ فَمَا فَوْقَ حِجَابِ الْعَظَمَةِ قَالَ حِجَابُ الْكِبْرِيَاءِ قَالَ فَمَا فَوْقَ حِجَابِ الْكِبْرِيَاءِ قَالَ الْكُرْسِيُّ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ قَدْ أُوتِيتَ عُلُومَ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ وَ إِنَّكَ لَتَنْطِقُ بِالْحَقِّ الْيَقِينِ قَالَ فَمَا فَوْقَ الْكُرْسِيِّ قَالَ الْعَرْشُ قَالَ فَمَا فَوْقَ الْعَرْشِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَ هُوَ فَوْقَ الْفَوْقِ وَ عِلْمُهُ تَحْتَ التَّحْتِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَأَخْبِرْنِي هَلْ يَسْتَوِي مَخْلُوقٌ عَلَى عَرْشِهِ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ يَا ابْنَ سَلَامٍ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنِ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ أَ هُمَا مُؤْمِنَانِ أَمْ كَافِرَانِ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ بَلْ هُمَا مُؤْمِنَانِ طَائِعَانِ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مُسَخَّرَانِ تَحْتَ قَهْرِ الْمَشِيَّةِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَأَخْبِرْنِي مَا بَالُ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ لَا يَسْتَوِيَانِ فِي الضَّوْءِ وَ النُّورِ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ إِنَّ اللَّهَ مَحَا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلَ آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ وَ فَضْلًا وَ لَوْ لَا ذَلِكَ مَا عُرِفَ اللَّيْلُ مِنَ النَّهَارِ وَ لَا النَّهَارُ مِنَ اللَّيْلِ‏

249

قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنِ اللَّيْلِ لِمَ سُمِّيَ لَيْلًا قَالَ لِأَنَّهُ يُلَايِلُ الرِّجَالَ مِنَ النِّسَاءِ جَعَلَهُ اللَّهُ إِلْفاً وَ لِبَاساً قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي لِمَ سُمِّيَ النَّهَارُ نَهَاراً قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ لِأَنَّ فِيهِ كُلٌّ مِنَ الْخَلْقِ يَطْلُبُ مَعَاشَهُ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنِ النُّجُومِ كَمْ جُزْءاً هِيَ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ ثَلَاثَةُ أَجْزَاءٍ جُزْءٌ مِنْهَا بِأَرْكَانِ الْعَرْشِ يَصِلُ ضَوْؤُهَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَ الْجُزْءُ الثَّانِي بِسَمَاءِ الدُّنْيَا كَأَمْثَالِ الْقَنَادِيلِ الْمُعَلَّقَةِ وَ هِيَ تُضِي‏ءُ لِسُكَّانِهَا وَ تَرْمِي الشَّيَاطِينَ بِشَرَرِهَا إِذَا اسْتَرَقُّوا السَّمْعَ وَ الْجُزْءُ الثَّالِثُ مُعَلَّقَةٌ فِي الْهَوَاءِ وَ هِيَ ضَوْءُ الْبِحَارِ وَ مَا فِيهَا وَ مَا عَلَيْهَا قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مَا بَالُ النُّجُومِ تُبَانُ صِغَاراً وَ كِبَاراً قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ لِأَنَّ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ سَمَاءِ الدُّنْيَا بِحَاراً تَضْرِبُ الرِّيَاحُ أَمْوَاجَهَا فَتُبَانُ مِنْ تَحْتِهَا صِغَاراً أَوْ كِبَاراً وَ مِقْدَارُ النُّجُومِ كُلِّهَا مِقْدَارٌ وَاحِدٌ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي كَمْ رِيحاً بَيْنَنَا وَ بَيْنَ سَمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ ثَلَاثَةُ أَرْيَاحٍ الرِّيحُ الْعَقِيمُ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلَى قَوْمِ عَادٍ حَمَلَتِ الْأَشْجَارَ وَ الثِّمَارَ وَ الرِّيحُ الَّتِي هِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ يُعَذَّبُ بِهَا أَهْلُ النَّارِ وَ رِيحٌ تَحْمِلُ الْبِحَارَ وَ رِيحٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ بِهَا حَمَلَتِ الْأَشْجَارُ وَ الثِّمَارُ تَغْدُو فِي جَوَانِبِهَا وَ لَوْ لَا تِلْكَ الرِّيحُ لَاحْتَرَقَتِ الْأَرْضُ وَ الْجِبَالُ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ كَمْ هُمْ صِنْفاً قَالَ ثَمَانُونَ صِنْفاً طُولُ كُلِّ صِنْفٍ أَلْفُ أَلْفِ فَرْسَخٍ وَ عَرْضُهُ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ وَ رُءُوسُهُمْ تَحْتَ الْعَرْشِ وَ أَقْدَامُهُمْ تَحْتَ سَبْعِ أَرَضِينَ وَ لَوْ أَنَّ طَائِراً يَطِيرُ مِنْ أُذُنِ أَحَدِهِمُ الْيُمْنَى إِلَى الْيُسْرَى أَلْفَ سَنَةٍ مِنْ سِنِينَ‏ (1) الدُّنْيَا لَمْ يَبْلُغْ إِلَى الْأُذُنِ الْآخَرِ حَتَّى يَمُوتَ هَرَماً أَيْ شَيْخاً لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ دُرٍّ وَ يَاقُوتٍ شَعْرُهُمْ كَالزَّعْفَرَانِ طَعَامُهُمُ التَّسْبِيحُ وَ شَرَابُهُمُ التَّهْلِيلُ وَ الصِّنْفُ الْأَوَّلُ نِصْفُهُ ثَلْجٌ وَ نِصْفُهُ نَارٌ لَا يُذِيبُ النَّارُ الثَّلْجَ وَ لَا الثَّلْجُ يُطْفِئُ النَّارَ وَ الصِّنْفُ الثَّانِي نِصْفُهُ رَعْدٌ وَ نِصْفُهُ بَرْقٌ وَ الصِّنْفُ الثَّالِثُ نِصْفُهُ مَاءٌ وَ نِصْفُهُ مَدَرٌ لَا الْمَاءُ يُذِيبُ الْمَدَرَ وَ لَا الْمَدَرُ يُذِيبُ الْمَاءَ وَ الصِّنْفُ الرَّابِعُ نِصْفُهُ رِيحٌ وَ نِصْفُهُ مَاءٌ لَا الرِّيحُ يُهَيِّجُ الْمَاءَ وَ لَا الْمَاءُ يَسْبِقُ الرِّيحَ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ طَائِرٍ يَطِيرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ لَيْسَ لَهُ فِي السَّمَاءِ مَكَانٌ وَ لَا فِي الْأَرْضِ مَسْكَنٌ مَا هُمْ يَا مُحَمَّدُ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ تِلْكَ حَيَّاتٌ‏

____________

(1) سنى (خ).

250

أَعْرَافُهَا كَأَعْرَافِ الْخَيْلِ تَبِيضُ فِي الْجَوِّ عَلَى أَذْنَابِهَا وَ تُفْرِخُ عَلَى مَنَاكِبِهَا فِي الْهَوَاءِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ مَوْلُودٍ أَشَدَّ مِنْ أَبِيهِ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ ذَلِكَ الْحَدِيدُ يُولَدُ مِنَ الْحَجَرِ وَ هُوَ أَشَدُّ مِنَ الْحَجَرِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ بُقْعَةٍ أَصَابَتْهَا الشَّمْسُ مَرَّةً وَاحِدَةً فَلَا تَعُودُ إِلَيْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ ذَلِكَ مَوْضِعٌ أَغْرَقَ اللَّهُ فِيهِ فِرْعَوْنَ حِينَ انْفَلَقَ الْبَحْرُ وَ انْطَبَقَ عَلَيْهِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ بَيْتٍ لَهُ اثْنَا عَشَرَ بَاباً أُخْرِجَ مِنْهُ اثْنَا عَشَرَ عَيْناً لِاثْنَيْ عَشَرَ سِبْطاً قَالَ النَّبِيُّ(ص)لَمَّا جَاوَزَ مُوسَى بَنِي‏ (1) إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ وَ دَخَلَ بِهِمْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ فَشَكَوْا إِلَى مُوسَى الْعَطَشَ فَمَرَّ بِحَجَرٍ مُرَبَّعٍ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ‏ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَضَرَبَ بِهِ مُوسَى فَانْفَجَرَ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً لِاثْنَيْ‏ (2) عَشَرَ سِبْطاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ نَبِيٍّ لَا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ لَا مِنَ الطَّيْرِ وَ لَا مِنَ الْوَحْشِ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ ذَلِكَ النَّمْلَةُ الَّتِي أَنْذَرَتْ قَوْمَهَا حِينَ قَالَتْ‏ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ‏ (3) قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ مَنْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ لَا مِنَ الْجِنِّ وَ لَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَ لَا مِنَ الْإِنْسِ وَ لَا مِنَ الْوَحْشِ مَا هُوَ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ النَّحْلُ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهَا أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ‏ (4) قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَأَخْبِرْنِي مَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَرْضِ مَا هُوَ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى جَبَلِ طُورِ سَيْنَاءَ أَنِ ارْفَعْ مُوسَى إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى يَتَنَاوَلَ الْأَلْوَاحَ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ مَخْلُوقٍ أَوَّلُهُ عُودٌ وَ آخِرُهُ رُوحٌ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ تِلْكَ عَصَا مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُلْقِيَهَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ‏ فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى‏ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ ثَلَاثٍ‏ (5) ذُكُورٍ لَمْ يُولَدُوا عَنْ فَحْلٍ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَ آدَمُ وَ كَبْشُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي‏

____________

(1) كذا و الظاهر «ببني إسرائيل».

(2) في أكثر النسخ «لاثنتى عشرة».

(3) النمل: 18.

(4) النحل: 68.

(5) كذا في جميع النسخ.

251

عَنْ وَسَطِ الدُّنْيَا فِي أَيِّ مَوْضِعٍ هُوَ قَالَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ قَالَ وَ كَيْفَ ذَلِكَ قَالَ لِأَنَّ فِيهِ الْمَحْشَرَ وَ الْمَنْشَرَ وَ الصِّرَاطَ وَ الْمِيزَانَ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنِ‏ الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ‏ مَا هُوَ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ السُّفُنُ الْمَبْنِيَّةُ فِي الْبَحْرِ أَ مَا قَرَأْتَ فِي التَّوْرَاةِ وَ حَمَلْناهُ عَلى‏ ذاتِ أَلْواحٍ وَ دُسُرٍ (1) قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ مَا الْأَلْوَاحُ قَالَ الْأَشْجَارُ الَّتِي سَفَقَتْ‏ (2) طُولًا هِيَ الْأَلْوَاحُ فَأَخْبِرْنِي عَنِ الدُّسُرِ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ الْمَسَامِيرُ وَ الْعَوَارِضُ مِنَ الْحَدِيدِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَأَخْبِرْنِي كَمْ كَانَ طُولُ السَّفِينَةِ وَ كَمْ عَرْضُهَا وَ كَمْ كَانَ ارْتِفَاعُهَا قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ كَانَ طُولُهَا ثَلَاثَمِائَةِ ذِرَاعٍ وَ عَرْضُهَا مِائَةً وَ خَمْسِينَ ذِرَاعاً وَ ارْتِفَاعُهَا مِائَتَيْ ذِرَاعٍ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَأَخْبِرْنِي مِنْ أَيْنَ رَكِبَهَا نُوحٌ قَالَ مِنَ الْعِرَاقِ قَالَ أَيْنَ ثَبَتَ قَالَ طَافَتْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ أُسْبُوعاً وَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ أُسْبُوعاً وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِ‏ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ أَيْنَ كَانَ لَمَّا أَغْرَقَ اللَّهُ الدُّنْيَا قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ قَبْلَ الطُّوفَانِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَأَخْبِرْنِي أَيْنَ كَانَتِ الصَّخْرَةُ وَقْتَ الطُّوفَانِ قَالَ وَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَبَا قُبَيْسٍ أَنْ يَحْمِلَ الصَّخْرَةَ فِي بَطْنِهِ قَالَ فَالْبَيْتُ الْمُقَدَّسُ لَمَّا أَغْرَقَ اللَّهُ الدُّنْيَا أَيْنَ كَانَ قَالَ فِي جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ مَوْلُودٍ لَمْ يُشْبِهْ أَبَاهُ وَ رُبَّمَا أَشْبَهَ خَالَهُ وَ رُبَّمَا أَشْبَهَ عَمَّهُ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَإِنْ غَلَبَتْ شَهْوَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى شَهْوَةِ الرَّجُلِ خَرَجَ الْوَلَدُ إِلَى خَالِهِ وَ إِنْ غَلَبَتْ شَهْوَةُ الرَّجُلِ عَلَى شَهْوَةِ الْمَرْأَةِ خَرَجَ إِلَى عَمِّهِ وَ إِنِ اسْتَوَيَا خَرَجَ الْوَلَدُ إِلَى أُمِّهِ وَ أَبِيهِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ.

أَقُولُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى هَكَذَا قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْمَوْلُودِ إِذَا لَمْ يُشْبِهْ أَبَاهُ وَ رُبَّمَا يُشْبِهُ خَالَهُ وَ عَمَّهُ قَالَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَإِنْ غَلَبَتْ شَهْوَةُ الرَّجُلِ شَهْوَةَ الْمَرْأَةِ خَرَجَ الرَّجُلُ بِأَبِيهِ أَشْبَهَ وَ إِنْ غَلَبَتْ شَهْوَةُ الْمَرْأَةِ خَرَجَ الْوَلَدُ بِأُمِّهِ أَشْبَهُ وَ إِنِ اسْتَوَيَا خَرَجَ شَبِيهاً بِهِمَا فَإِنْ سَبَقَتْ شَهْوَةُ الرَّجُلِ خَرَجَ الْوَلَدُ بِعَمِّهِ أَشْبَهَ وَ إِنْ سَبَقَتْ‏

____________

(1) القمر: 13.

(2) في مخطوطة «شقت».

252

شَهْوَةُ الْمَرْأَةِ كَانَ الْوَلَدُ بِخَالِهِ أَشْبَهَ قَالَ صَدَقْتَ.

رَجَعْنَا إِلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى‏ قَالَ فَأَخْبِرْنِي هَلْ يُعَذِّبُ اللَّهُ عَبْدَهُ بِلَا حُجَّةٍ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ يَا ابْنَ سَلَامٍ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَدْلٌ لَا يَجُورُ فِي قَضَائِهِ قَالَ صَدَقْتَ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْجَنَّةِ أَمْ فِي النَّارِ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ اللَّهُ أَوْلَى بِهِمْ وَ لَكِنْ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَ جُمِعَ الْخَلْقُ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ فَيُؤْتَى بِهِمْ فَيَقُولُ لَهُمْ عِبَادِي وَ أَبْنَاءَ عِبَادِي وَ إِمَائِي مَنْ رَبُّكُمْ وَ مَا دِينُكُمْ وَ مَا أَعْمَالُكُمْ فَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبُّنَا وَ أَنْتَ خَالِقُنَا وَ لَمْ نَكُنْ شَيْئاً وَ أَمَتَّنَا وَ لَمْ تَجْعَلْ لَنَا لِسَاناً نَنْطِقُ بِهِ وَ لَا عَقْلًا نَعْقِلُ بِهِ وَ لَا قُوَّةً فِي الْأَعْضَاءِ نَتَعَبَّدُ بِهَا وَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ وَ هُوَ أَجَلُّ قَائِلٍ فَالْآنَ لَكُمْ أَلْسِنَةٌ وَ عُقُولٌ وَ قُوَّةٌ لِلْحَرَكَةِ فِي الْأَعْضَاءِ فَإِنْ أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ يَا عِبَادِي تَفْعَلُوهُ فَيَقُولُونَ السَّمْعُ وَ الطَّاعَةُ لَكَ يَا إِلَهَنَا وَ خَالِقَنَا وَ رَازِقَنَا وَ مَالِكَنَا فَيَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى مَالِكاً فَتَزْجُرُ جَهَنَّمَ حَتَّى تَفُورَ وَ يَأْمُرُ أَطْفَالَ الْمُشْرِكِينَ أَلْقُوا أَنْفُسَكُمْ فِي تِلْكَ النَّارِ فَمَنْ سَبَقَ لَهُ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ سَعِيداً أَلْقَى نَفْسَهُ فِيهَا فَتَكُونُ النَّارُ عَلَيْهِ بَرْداً وَ سَلَاماً كَمَا كَانَتْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ وَ مَنْ سَبَقَ لَهُ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ شَقِيّاً امْتَنَعَ أَنْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ فِي تِلْكَ النَّارِ فَيَكُونُونَ تَبَعاً لِآبَائِهِمْ وَ أُمَّهَاتِهِمْ فِي النَّارِ وَ الْفِرْقَةُ الْأُخْرَى يَخْرُجُونَ إِلَى الْجَنَّةِ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ صَدَقْتَ [قَالَ بَرَرْتَ وَ بَيَّنْتَ وَ أَزَلْتَ الشَّكَّ يَا مُحَمَّدُ فَزِدْنِي يَقِيناً] فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْأَرْضِ لِمَ سُمِّيَتْ أَرْضاً قَالَ لِأَنَّهَا أَرْضٌ يُدَاسُ عَلَيْهَا قَالَ فَمِمَّ خُلِقَتْ قَالَ مِنْ زَبَرْجَدٍ قَالَ فَالزَّبَرْجَدَةُ مِمَّ خُلِقَتْ قَالَ مِنَ الْمَوْجِ قَالَ فَالْمَوْجُ مِمَّ خُلِقَ قَالَ مِنَ الْبَحْرِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَكَيْفَ ذَلِكَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمَّا خَلَقَ الْبَحْرَ أَمَرَ الرِّيحَ أَنْ تَضْرِبَ الْأَمْوَاجَ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ فَاضْطَرَبَ الْأَمْوَاجُ حَتَّى ظَهَرَ الزَّبَدُ ثُمَّ أَمَرَهَا أَنْ تَجْتَمِعَ فَاجْتَمَعَتْ ثُمَّ أَمَرَهَا أَنْ تَلِينَ فَلَانَتْ ثُمَّ أَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدِلَ فَاعْتَدَلَتْ ثُمَّ أَمَرَهَا أَنْ تَمْتَدَّ فَامْتَدَّتْ فَصَارَتْ أَرْضاً قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مِنْ أَيْنَ سُكُونُهَا قَالَ مِنْ جَبَلِ قَافٍ وَ هُوَ أَصْلُ أَوْتَادِ الْأَرْضِ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْهَا قَالَ فَأَخْبِرْنِي مَا تَحْتَ هَذِهِ الْأَرْضِ قَالَ تَحْتَهَا ثَوْرٌ قَالَ وَ مَا صِفَتُهُ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ لَهُ أَرْبَعُ قَوَائِمَ وَ هُوَ قَائِمٌ عَلَى صَخْرَةٍ بَيْضَاءَ قَالَ فَأَخْبِرْنِي‏

253

مَا صِفَتُهُ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ لَهُ أَرْبَعُونَ قَرْناً وَ أَرْبَعُونَ سِنّاً رَأْسُهُ بِالْمَشْرِقِ وَ ذَنَبُهُ بِالْمَغْرِبِ وَ هُوَ سَاجِدٌ لِلَّهِ تَعَالَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنَ الْقَرْنِ إِلَى الْقَرْنِ مَسِيرَةُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مَا تَحْتَ الصَّخْرَةِ قَالَ تَحْتَهَا جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ الصُّعُودُ قَالَ وَ لِمَنْ ذَلِكَ الْجَبَلُ قَالَ لِأَهْلِ النَّارِ يَصْعَدُهُ الْمُشْرِكُونَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ هُوَ مَسِيرَةُ أَلْفِ سَنَةٍ حَتَّى إِذَا بَلَغُوا أَعْلَى ذَلِكَ الْجَبَلِ ضُرِبُوا بِمَقَامِعَ فَيَسْقُطُونَ إِلَى أَسْفَلِهِ فَيُسْحَبُونَ‏ (1) عَلَى وُجُوهِهِمْ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مَا تَحْتَ ذَلِكَ الْجَبَلِ قَالَ أَرْضٌ قَالَ وَ مَا اسْمُهَا قَالَ جَارِيَةٌ قَالَ وَ مَا تَحْتَهَا قَالَ بَحْرٌ قَالَ وَ مَا اسْمُهُ قَالَ سَهَكٌ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَمَا تَحْتَ ذَلِكَ الْبَحْرِ قَالَ أَرْضٌ قَالَ وَ مَا اسْمُهَا قَالَ نَاعِمَةُ قَالَ وَ مَا تَحْتَهَا قَالَ بَحْرٌ قَالَ وَ مَا اسْمُهُ قَالَ الزَّاخِرُ قَالَ وَ مَا تَحْتَهُ قَالَ أَرْضٌ قَالَ وَ مَا اسْمُهَا قَالَ فَسِيحَةُ قَالَ فَصِفْ لِي هَذِهِ الْأَرْضَ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ هِيَ أَرْضٌ بَيْضَاءُ كَالشَّمْسِ وَ رِيحُهَا كَالْمِسْكِ وَ ضَوْؤُهَا كَالْقَمَرِ وَ نَبَاتُهَا كَالزَّعْفَرَانِ يحشرون‏ (2) [يُحْشَرُ عَلَيْهَا الْمُتَّقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَأَخْبِرْنِي أَيْنَ تَكُونُ هَذِهِ الْأَرْضُ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْهَا الْيَوْمَ قَالَ النَّبِيُّ(ص)يَا ابْنَ سَلَامٍ تُبَدَّلُ هَذِهِ الْأَرْضُ غَيْرَهَا قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مَا تَحْتَ تِلْكَ الْأَرْضِ قَالَ الْبَحْرُ قَالَ وَ مَا اسْمُهُ قَالَ الْقَمْقَامُ قَالَ وَ مَا فِيهِ قَالَ الْحُوتُ قَالَ وَ مَا اسْمُهُ قَالَ يهموت‏ (3) قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَصِفْ لِيَ الْحُوتَ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ رَأْسُهُ بِالْمَشْرِقِ وَ ذَنَبُهُ بِالْمَغْرِبِ قَالَ فَمَا عَلَى ظَهْرِهِ قَالَ الْأَرْضُ وَ الْبِحَارُ وَ الظُّلْمَةُ وَ الْجِبَالُ قَالَ فَمَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ قَالَ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ فِي كُلِّ بَحْرٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَدِينَةٍ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ أَلْفُ لِوَاءٍ تَحْتَ كُلِّ لِوَاءٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ قَالَ فَمَا يَقُولُونَ قَالَ يَقُولُونَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ‏ لا شَرِيكَ لَهُ‏ لَهُ الْمُلْكُ وَ لَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَ يُمِيتُ‏ وَ هُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مَا تَحْتَ الرِّيحِ قَالَ الظُّلْمَةُ قَالَ فَمَا تَحْتَ الظُّلْمَةِ قَالَ‏

____________

(1) في أكثر النسخ «فيسبحون» و الصواب ما في المتن موافقا لنسخة مخطوطة.

(2) كذا و الظاهر «يحشر».

(3) في بعض المخطوطات «بهموت» و في بعضها «بلهوت».

254

الثَّرَى قَالَ فَمَا تَحْتَ الثَّرَى قَالَ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ ثَلَاثٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ فِي الْأَرْضِ أَيْنَ تَكُونُ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ أَوَّلُهَا مَكَّةُ وَ ثَانِيهَا بَيْتُ الْمَقْدِسِ وَ ثَالِثُهَا مَدِينَةُ مُحَمَّدٍ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَرْبَعِ مَدَائِنَ مِنْ مَدَائِنِ الْجَنَّةِ فِي الدُّنْيَا قَالَ أَوَّلُهَا إِرَمُ ذَاتُ الْعِمَادِ وَ الثَّانِيَةُ الْمَنْصُورِيَّةُ (1) وَ هِيَ مَدِينَةٌ بِالشَّامِ وَ الثَّالِثَةُ قَيْسَارِيَّةُ وَ هِيَ مَدِينَةٌ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ فِي الشَّامِ وَ الرَّابِعَةُ هِيَ الْبَلْقَاءُ وَ هِيَ أَرْمَنِيَّةُ (2) قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَرْبَعِ مَنَابِرَ مِنْ مَنَابِرِ الْجَنَّةِ فِي الدُّنْيَا أَيُّ مَوْضِعٍ هِيَ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ أَوَّلُهَا قِيرَوَانُ وَ هِيَ إِفْرِيقِيَةُ وَ الثَّانِيَةُ بَابُ الْأَبْوَابِ وَ هِيَ بِأَرْضِ أَرْمَنِيَّةَ (3) وَ الثَّالِثَةُ عبدان [عَبَّادَانُ‏ (4) وَ هِيَ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ وَ الرَّابِعَةُ بِخُرَاسَانَ وَ هِيَ خَلْفُ نَهَرٍ يُقَالُ لَهُ جَيْحُونُ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَرْبَعِ مَدَائِنَ مِنْ مَدَائِنِ جَهَنَّمَ فِي الدُّنْيَا قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ أَوَّلُهَا مَدِينَةُ فِرْعَوْنَ فِي أَرْضِ مِصْرَ وَ الثَّانِيَةُ أَنْطَاكِيَةُ وَ هِيَ بِأَرْضِ الشَّامِ وَ الثَّالِثَةُ بِأَرْضِ سَيْحَانَ وَ هِيَ بِأَرْضِ أَرْمَنِيَّةَ (5) الرَّابِعَةُ الْمَدَائِنُ وَ هِيَ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَرْبَعَةِ أَنْهَارٍ فِي الدُّنْيَا وَ هِيَ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ قَالَ أَوَّلُهَا الْفُرَاتُ وَ هُوَ بِأَرْضِ‏ (6) الشَّامِ وَ الثَّانِي النِّيلُ وَ هُوَ بِأَرْضِ مِصْرَ وَ الثَّالِثُ نَهَرُ سَيْحَانَ وَ هُوَ نَهَرُ الْهِنْدِ وَ الرَّابِعُ جَيْحُونَ وَ هُوَ بِأَرْضِ بَلْخٍ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ شَيْ‏ءٍ لَا شَيْ‏ءَ وَ شَيْ‏ءٍ بَعْضُ شَيْ‏ءٍ وَ شَيْ‏ءٍ لَا يَفْنَى‏ (7) مِنْهُ شَيْ‏ءٌ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ أَمَّا شَيْ‏ءٌ لَا شَيْ‏ءَ فَهِيَ الدُّنْيَا يَذْهَبُ نَعِيمُهَا وَ يَمُوتُ سَاكِنُهَا وَ يَخْمُدُ ضَوْؤُهَا وَ أَمَّا الشَّيْ‏ءُ بَعْضُ الشَّيْ‏ءِ وُقُوفُ الْخَلَائِقِ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَهُوَ شَيْ‏ءٌ بَعْضُ شَيْ‏ءٍ وَ أَمَّا شَيْ‏ءٌ لَا يَفْنَى‏ (8) مِنْهُ شَيْ‏ءٌ فَالْجَنَّةُ وَ النَّارُ لَا يَفْنَى‏ (9)

____________

(1) المنصورة من بلاد الهند (خ).

(2) ارمينية (خ).

(3) ارمينية (خ).

(4) عبادان (خ).

(5) ارمينية (خ).

(6) في حدود الشام (خ).

(7) في أكثر النسخ «لا يغنى»، و الظاهر ان الصواب ما في المتن موافقا لبعض النسخ المخطوطة.

(8) لا يغنى (خ).

(9) يغنى (خ).

255

مِنَ الْجَنَّةِ نَعِيمُهَا وَ لَا يُنْقَصُ مِنَ النَّارِ عَذَابُهَا فَمَنْ قَالَ مِنَ الْعِبَادِ إِنَّ نَعِيمَهَا يَفْنَى‏ (1) أَوْ عَذَابَ اللَّهِ يَنْقَضِي فَهُوَ كَافِرٌ بِاللَّهِ فِي كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ جَبَلِ قَافٍ مَا خَلْفَهُ وَ مَا دُونَهُ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ خَلْفَهُ أَرْضُ ذَهَبٍ وَ سَبْعُونَ أَرْضاً مِنْ فِضَّةٍ وَ سَبْعَةُ (2) أَرَضِينَ مِنْ مِسْكٍ قَالَ فَمَا سُكَّانُ هَذِهِ الْأَرَضِينَ قَالَ الْمَلَائِكَةُ قَالَ كَمْ طُولُ كُلِّ أَرْضٍ مِنْهَا وَ كَمْ عَرْضُهَا قَالَ طُولُ كُلِّ أَرْضٍ مِنْهَا عَشَرَةُ آلَافِ سَنَةٍ وَ عَرْضُهَا كَذَلِكَ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ قَالَ حِجَابُ الرِّيحِ قَالَ فَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ قَالَ [من صح‏] (3) كَيْفٌ مُحِيطٌ بِالدُّنْيَا كُلِّهَا تُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ وَ يَشْرَبُونَ وَ لَا يَتَغَوَّطُونَ وَ لَا يَبُولُونَ قَالَ نَعَمْ يَا ابْنَ سَلَامٍ مَثَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا كَمَثَلِ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُ أُمُّهُ وَ يَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُهُ وَ لَا يَبُولُ وَ لَا يَتَغَوَّطُ وَ لَوْ رَاثَ فِي بَطْنِهَا وَ بَالَ لَانْشَقَّ بَطْنُهَا قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ مَا هِيَ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ لَبَنٌ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَ خَمْرٌ وَ عَسَلٌ مُصَفَّى وَ مَاءٌ غَيْرُ آسِنٍ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَجَامِدَةٌ هِيَ أَمْ جَارِيَةٌ قَالَ بَلْ جَارِيَةٌ بَيْنَ أَشْجَارِهَا قَالَ فَهَلْ تَنْقُصُ أَمْ تَزِيدُ قَالَ لَا يَا ابْنَ سَلَامٍ قَالَ فَهَلْ لِذَلِكَ مَثَلٌ فِي الدُّنْيَا قَالَ نَعَمْ قَالَ وَ مَا هُوَ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ انْظُرْ إِلَى الْبِحَارِ تُمْطِرُ فِيهَا السَّمَاءُ وَ تَمُدُّهَا الْأَنْهَارُ مِنَ الْأَرْضِ فَلَا تَزِيدُ وَ لَا تَنْقُصُ قَالَ صِفْ لِي أَنْهَارَ الْجَنَّةِ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ فِي الْجَنَّةِ نَهَرٌ يُقَالُ لَهُ الْكَوْثَرُ رَائِحَتُهُ أَطْيَبُ مِنْ رَائِحَةِ الْمِسْكِ الْأَذْفَرِ وَ الْعَنْبَرِ حَصَاهُ الدُّرُّ وَ الْيَاقُوتُ عَلَيْهِ خِتَامٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ الْأَبْيَضِ وَ هُوَ مَنْزِلُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَصِفْ لِي أَشْجَارَ الْجَنَّةِ قَالَ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يُقَالُ لَهَا طُوبَى أَصْلُهَا مِنْ دُرٍّ وَ أَغْصَانُهَا مِنَ الزَّبَرْجَدِ وَ ثَمَرُهَا الْجَوْهَرُ لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ غُرْفَةٌ وَ لَا حُجْرَةٌ وَ لَا مَوْضِعٌ إِلَّا وَ هِيَ مُتَدَلِّيَةٌ عَلَيْهِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَهَلْ فِي الدُّنْيَا لَهَا مِنْ مَثَلٍ قَالَ نَعَمْ الشَّمْسُ الْمُشْرِقَةُ تُشْرِقُ عَلَى بِقَاعِ الدُّنْيَا وَ لَا يَخْلُو مِنْ شُعَاعِهَا مَكَانٌ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَهَلْ فِي الْجَنَّةِ رِيحٌ قَالَ نَعَمْ يَا ابْنَ سَلَامٍ‏

____________

(1) يغنى (خ).

(2) كذا و الظاهر «سبع».

(3) كذا، و كان فيه تصحيفا.

256

فِيهَا رِيحٌ وَاحِدَةٌ خُلِقَتْ مِنْ نُورٍ مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا الْحَيَاةُ (1) وَ اللَّذَّاتُ يُقَالُ لَهَا الْبَهَاءُ فَإِذَا اشْتَاقَ أَهْلُ الْجَنَّةِ أَنْ يَزُورُوا رَبَّهُمْ هَبَّتْ تِلْكَ الرِّيحُ عَلَيْهِمُ الَّتِي لَمْ تُخْلَقْ مِنْ حَرٍّ وَ لَا مِنْ بَرْدٍ بَلْ خُلِقَتْ مِنْ نُورِ الْعَرْشِ تَنْفُخُ فِي وُجُوهِهِمْ فَتُبْهِي وُجُوهُهُمْ وَ تَطَيَّبُ قُلُوبُهُمْ وَ يَزْدَادُوا نُوراً عَلَى نُورِهِمْ وَ تَضْرِبُ أَبْوَابَ الْجِنَانِ وَ تُجْرِي الْأَنْهَارُ وَ تُسَبِّحُ الْأَشْجَارُ وَ تُغَرِّدُ الْأَطْيَارُ فَلَوْ أَنَّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ قِيَامٌ يَسْمَعُونَ مَا فِي الْجَنَّةِ مِنْ سُرُورٍ وَ طَرَبٍ لَمَاتَ الْخَلَائِقُ شَوْقاً إِلَى الْجَنَّةِ وَ الْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ‏ (2) فَيَقُولُونَ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ‏ (3) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (4) قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَرْضِ الْجَنَّةِ مَا هِيَ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ أَرْضُهَا مِنْ ذَهَبٍ وَ تُرَابُهَا الْمِسْكُ وَ الْعَنْبَرُ وَ رَضْرَاضُهَا الدُّرُّ وَ الْيَاقُوتُ وَ سَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مِمَّا يَأْكُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلُوهَا قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ يَأْكُلُونَ مِنْ كَبِدِ الْحُوتِ الَّذِي يَحْمِلُ الْأَرْضَ وَ مَا عَلَيْهَا وَ اسْمُهُ بهموت قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ كَيْفَ يَصْرِفُونَ مَا يَأْكُلُونَ مِنْ ثِمَارِهَا وَ كَيْفَ يَخْرُجُ مِنْ أَجْوَافِهِمْ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ لَيْسَ يَخْرُجُ مِنْ أَجْوَافِهِمْ شَيْ‏ءٌ بَلْ عَرَقاً صَبّاً أَطْيَبَ مِنَ الْمِسْكِ وَ أَزْكَى مِنَ الْعَنْبَرِ وَ لَوْ أَنَّ عَرَقَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مُزِجَ بِهِ الْبِحَارُ لَأُسْكِرَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ مِنْ طِيبِ رَائِحَتِهِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ لِوَاءِ الْحَمْدِ مَا صِفَتُهُ وَ كَمْ طُولُهُ وَ كَمْ ارْتِفَاعُهُ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ طُولُهُ أَلْفُ سَنَةٍ وَ أَسْنَانُهُ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ وَ يَاقُوتَةٍ خَضْرَاءَ قَوَائِمُهُ مِنْ فِضَّةٍ بَيْضَاءَ لَهُ ثَلَاثُ ذَوَائِبَ مِنْ نُورٍ ذُؤَابَةٌ بِالْمَشْرِقِ وَ ذُؤَابَةٌ بِالْمَغْرِبِ وَ الثَّالِثَةُ فِي وَسَطِ الدُّنْيَا قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي كَمْ سَطْرٍ فِيهِ مَكْتُوبٌ قَالَ ثَلَاثَةُ أَسْطُرٍ السَّطْرُ الْأَوَّلُ‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ وَ السَّطْرُ

____________

(1) الحباءات (خ).

(2) في أكثر النسخ «يدخلون عليهم الملائكة».

(3) الزمر: 73.

(4) الرعد: 26.

257

الثَّانِي‏ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ وَ السَّطْرُ الثَّالِثُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ أَيَّتَهُمَا خَلَقَ اللَّهُ قَبْلُ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ قَبْلَ النَّارِ وَ لَوْ خَلَقَ النَّارَ قَبْلَ الْجَنَّةِ لَخَلَقَ الْعَذَابَ قَبْلَ الرَّحْمَةِ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْجَنَّةِ أَيْنَ هِيَ قَالَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَ النَّارُ فِي تُخُومِ الْأَرْضِ السُّفْلَى قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي كَمْ لِلْجَنَّةِ مِنْ بَابٍ وَ كَمْ لِلنَّارِ مِنْ بَابٍ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ وَ لِلنَّارِ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ قَالَ فَأَخْبِرْنِي كَمْ بَيْنَ الْبَابِ وَ الْبَابِ مِنَ الْجَنَّةِ قَالَ مَسِيرَةُ أَلْفِ سَنَةٍ قَالَ وَ كَمْ ارْتِفَاعُهُ قَالَ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ عَلَيْهِ سُرَادِقٌ مِنْ ذَهَبٍ بِطَانَتُهُ مِنْ زُمُرُّدٍ عَلَى كُلِّ بَابٍ جُنْدٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى قَالَ فَأَخْبِرْنِي فَمَا (1) يَقُولُونَ قَالَ يَقُولُونَ طُوبَى لِأَهْلِ الْجَنَّةِ وَ مَا يَلْقَوْنَ مِنْ نَعِيمِ اللَّهِ قَالَ فَصِفْ لِي مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ يَدْخُلُونَهَا أَبْنَاءُ ثَلَاثِينَ وَ بَنَاتُ ثَلَاثِينَ سَنَةً فِي حُسْنِ يُوسُفَ وَ طُولِ آدَمَ وَ خُلْقِ مُحَمَّدٍ قَالَ فَصِفْ لِي بَعْضَ نَعِيمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَالَ إِنَّ أَدْنَى مَنْ فِي الْجَنَّةِ وَ لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ دَنِيٌّ لَوْ نَزَلَ بِهِ جَمِيعُ مَنْ فِي الْأَرْضِ لَأَوْسَعَهُمْ طَعَاماً وَ لَا يَنْقُصُ مِنْهُ شَيْ‏ءٌ وَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَبْصُقُ فِي الْبِحَارِ الْمَالِحَةِ لَعَذُبَتْ وَ لَوْ نَزَلَ مِنْ ذُؤَابَتِهِ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ بَلَغَ ضَوْؤُهَا كَضَوْءِ الشَّمْسِ وَ نُورِ الْقَمَرِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَصِفْ لِيَ الْحُورَ الْعِينَ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ الْحُورُ الْعِينُ بِيضُ الْوُجُوهِ فِحَامُ الْعُيُونِ بِمَنْزِلَةِ جَنَاحِ النَّسْرِ صَفَاؤُهُنَّ كَصَفَاءِ اللُّؤْلُؤِ الْأَبْيَضِ الَّذِي فِي الصَّدَفِ الَّذِي لَمْ تَمَسَّهُ الْأَيْدِي قَالَ فَصِفْ لِيَ النَّارَ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ عَامٍ حَتَّى احْمَرَّتْ وَ أَلْفَ عَامٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ وَ أَلْفَ عَامٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ مَمْزُوجَةٌ بِغَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَهْدَأُ لَهِيبُهَا وَ لَا يَخْمُدُ جَمْرُهَا يَا ابْنَ سَلَامٍ لَوْ أَنَّ جَمْرَةً مِنْ جَمْرِهَا أُلْقِيَتْ فِي دَارِ الدُّنْيَا لَأُلْهِبَتْ‏ (2) مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ لِعِظَمِ خَلْقِهَا وَ هِيَ سَبْعَةُ أَطْبَاقٍ الطَّبَقَةُ الْأَوْلَى لِلْمُنَافِقِينَ وَ الثَّانِيَةُ لِلْمَجُوسِ وَ الثَّالِثَةُ لِلنَّصَارَى وَ الرَّابِعَةُ لِلْيَهُودِ وَ الْخَامِسَةُ سَقَرُ وَ السَّادِسَةُ السَّعِيرُ وَ أَمْسَكَ النَّبِيُّ ص‏

____________

(1) مما (خ).

(2) لسدت (خ).

258

عَنِ السَّابِعَةِ وَ بَكَى حَتَّى ارْفَضَّتْ‏ (1) دُمُوعُهُ عَلَى لِحْيَتِهِ وَ قَالَ أَمَّا السَّابِعَةُ وَ هِيَ أَهْوَنُهَا لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْقِيَامَةِ وَ كَيْفَ تَقُومُ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ كُوِّرَتِ الشَّمْسُ وَ اسْوَدَّتْ وَ طَمَسَتِ النُّجُومُ وَ سُيِّرَتِ الْجِبَالُ وَ عُطِّلَتِ الْعِشَارُ وَ بُدِّلَتِ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ النَّبِيُّ(ص)يُقَامُ الْخَلَائِقُ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ وَ يُمَدُّ الصِّرَاطُ وَ يُنْصَبُ الْمِيزَانُ وَ تُنْشَرُ الدَّوَاوِينُ وَ يَبْرُزُ الرَّبُّ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي كَيْفَ يُمِيتُ اللَّهُ الْخَلَائِقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ يَأْمُرُ اللَّهُ مَلَكَ الْمَوْتِ فَيَقِفُ عَلَى صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَيَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَ يَدَهُ الْيُسْرَى تَحْتَ الثَّرَى وَ يَصِيحُ بِهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَلَا يَبْقَى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَ لَا إِنْسٌ وَ لَا جَانٌّ وَ لَا طَائِرٌ يَطِيرُ إِلَّا خَرَّ مَيِّتاً فَتَبْقَى السَّمَاوَاتُ خَالِيَةً مِنْ سُكَّانِهَا وَ الْأَرْضُ خَرَاباً مِنْ عُمَّارِهَا وَ الْعِشَارُ مُعَطَّلَةً وَ الْبِحَارُ جَامِدَةً حِيتَانُهَا وَ الْجِبَالُ مُدَكْدَكَةً وَ الشَّمْسُ مُنْكَسِفَةً وَ النُّجُومُ مُنْطَمِسَةً قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ مَلَكِ الْمَوْتِ هَلْ يَذُوقُ الْمَوْتَ أَمْ لَا قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ إِذَا أَمَاتَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ وَ لَمْ يَبْقَ شَيْ‏ءٌ لَهُ رُوحٌ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَا مَلَكَ الْمَوْتِ مَنْ أَبْقَيْتَهُ مِنْ خَلْقِي وَ هُوَ أَعْلَمُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ أَنْتَ أَعْلَمُ مِنِّي بِمَا بَقِيَ مِنْ خَلْقِكَ مَا خَلْقٌ إِلَّا وَ قَدْ ذَاقَ الْمَوْتَ إِلَّا عَبْدُكَ الضَّعِيفُ مَلَكُ الْمَوْتِ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَا مَلَكَ الْمَوْتِ أَذَقْتَ عِبَادِي وَ أَنْبِيَائِي وَ أَوْلِيَائِي وَ رُسُلِي الْمَوْتَ وَ قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِيَ الْقَدِيمِ وَ أَنَا عَلَّامُ الْغُيُوبِ أَنَّ كُلَّ شَيْ‏ءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهِي وَ هَذِهِ نَوْبَتُكَ فَيَقُولُ إِلَهِي وَ سَيِّدِي ارْحَمْ عَبْدَكَ مَلَكَ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ يَا مَلَكَ الْمَوْتِ ضَعْ يَمِينَكَ تَحْتَ خَدِّكَ الْأَيْمَنِ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ وَ مُتْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ كَمْ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ قَالَ مَسِيرَةُ ثَلَاثِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِنْ سِنِينِ‏ (2) الدُّنْيَا فَيَضْطَجِعُ مَلَكُ الْمَوْتِ عَلَى يَمِينِهِ وَ يَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ وَ يَدَهُ الشَّمَالَ عَلَى وَجْهِهِ وَ يَصْرَخُ صَرْخَةً فَلَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ أَحْيَاءً لَمَاتُوا لِشِدَّةِ صَرْخَتِهِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ

____________

(1) أي سالت و ترششت.

(2) سنى (خ).

259

فَأَخْبِرْنِي مَا يَصْنَعُ اللَّهُ بِالسَّمَاوَاتِ إِذَا مَاتَ سُكَّانُهَا قَالَ يَطْوِيهَا بِيَمِينِهِ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ وَ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ وَ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ وَ لَا مَعْبُودَ سِوَاهُ أَيْنَ الْمُلُوكُ وَ أَبْنَاءُ الْمُلُوكِ أَيْنَ الْجَبَابِرَةُ وَ أَبْنَاءُ الْجَبَابِرَةِ فَلَا يُجِيبُهُ أَحَدٌ ثُمَّ يَقُولُ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ فَلَا يُجِيبُهُ أَحَدٌ فَيَرُدُّ عَلَى نَفْسِهِ الْمُلْكُ‏ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ الْيَوْمَ تُجْزى‏ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ‏ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي كَيْفَ يَحْشُرُ اللَّهُ الْخَلَائِقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ قَالَ النَّبِيُّ(ص)يَا ابْنَ سَلَامٍ يُحْيِي اللَّهُ إِسْرَافِيلَ وَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ يُحْيِيهِ مِنْ خَدَمِهِ وَ هُوَ صَاحِبُ الصُّورِ أَوَّلًا (1) فَيَأْمُرُهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَنْفُخَ فِي الصُّورِ قَالَ فَأَخْبِرْنِي مَا يَقُولُ إِسْرَافِيلُ فِي الصُّورِ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ يَقُولُ أَيَّتُهَا الْعِظَامُ الْبَالِيَةُ وَ الْأَعْضَاءُ الْمُتَفَرِّقَةُ وَ الشُّعُورُ الْمُنْفَصِلَةُ هَلُمُّوا إِلَى الْعَرْضِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى الْمَلِكِ الْجَبَّارِ خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ ثُمَّ يَنْفُخُ فِي الصُّورِ (2) أُخْرى‏ فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ‏ قَالَ فَكَمْ طُولُ كُلِّ نَفْخَةٍ قَالَ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَكَمْ كَلِمَةً يَتَكَلَّمُ فِيهِ إِسْرَافِيلُ قَالَ سِتَّ كَلِمَاتٍ قَالَ وَ مَا تِلْكَ الْكَلِمَاتُ قَالَ الْكَلِمَةُ الْأُوْلَى يَكُونُ النَّاسُ طِيناً وَ الثَّانِيَةُ يَكُونُونَ صُوَراً وَ الْكَلِمَةُ الثَّالِثَةُ تَسْتَوِي الْأَبْدَانُ وَ الْكَلِمَةُ الرَّابِعَةُ يَجْرِي الدَّمُ فِي الْعُرُوقِ وَ الْكَلِمَةُ الْخَامِسَةُ يَنْبُتُ الشَّعْرُ وَ الْكَلِمَةُ السَّادِسَةُ قُومُوا فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ‏ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي كَيْفَ يَقُومُ الْخَلَائِقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْقُبُورِ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ يَقُومُونَ عُرَاةً حُفَاةً أَبْدَانُهُمْ خَالِيَةٌ بُطُونُهُمْ مُظْلِمَةٌ أَبْصَارُهُمْ وَجِلَةٌ قَالَ‏ (3) الرِّجَالُ يَنْظُرُونَ إِلَى النِّسَاءِ وَ النِّسَاءُ يَنْظُرُونَ إِلَى الرِّجَالِ قَالَ هَيْهَاتَ يَا ابْنَ سَلَامٍ‏ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ‏ مِنْ شِدَّةِ هَوْلِ الْقِيَامَةِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ ثُمَّ أَمْسَكَ ابْنُ سَلَامٍ عَنِ الْكَلَامِ قَالَ النَّبِيُّ(ص)سَلْ عَمَّا شِئْتَ يَا ابْنَ سَلَامٍ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيَّ بِالنَّظَرِ إِلَى‏

____________

(1) في مخطوطة: و هو اول من يحييه من المقربين و هو صاحب الصور فيأمره اللّه ...

(2) فيه (خ).

(3) في بعض النسخ: حال الرجال و النساء، الرجال- الخ- و في بعضها «جال» بالجيم، و في بعضها، قال: الرجال الى النساء و النساء إلى الرجال ينظرون؟.

260

وَجْهِكَ الْمَلِيحِ فَأَخْبِرْنِي إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَيْنَ يُحْشَرُ الْخَلَائِقُ قَالَ النَّبِيُّ(ص)يَحْشُرُ اللَّهُ الْخَلَائِقَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ وَ كَيْفَ ذَلِكَ قَالَ يَأْمُرُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ نَاراً فَتُحِيطُ بِالدُّنْيَا وَ تَضْرِبُ وُجُوهَ الْخَلَائِقِ فَيَهْرَبُونَ مِنْهَا وَ يَمُرُّونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فَيَجْتَمِعُونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مَا يَصْنَعُ اللَّهُ بِالطِّفْلِ الصَّغِيرِ وَ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ مَنْ كَانَ مُؤْمِناً بِاللَّهِ سَارَتْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ وَ انْقَضَّتِ النَّارُ عَنْ وَجْهِهِ وَ مَنْ كَانَ كَافِراً تَلْفَحُ وَجْهَهُ النَّارُ حَتَّى يُؤْتَى بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي كَمْ تَكُونُ صُفُوفُ الْخَلَائِقِ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ مِائَةٌ وَ عِشْرُونَ صَفّاً قَالَ فَكَمْ طُولُ كُلِّ صَفٍّ وَ كَمْ عَرْضُهُ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ طُولُهُ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَ عَرْضُهُ عِشْرُونَ أَلْفَ سَنَةٍ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي كَمْ صَفُّ الْمُؤْمِنِينَ وَ كَمْ صَفُّ الْكَافِرِينَ قَالَ صُفُوفُ الْمُؤْمِنِينَ ثلاث‏ (1) [ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ وَ مِائَةٌ وَ سَبْعَةَ عَشَرَ صَفّاً لِلْكَافِرِينَ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَمَا صِفَةُ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَا صِفَةُ الْكَافِرِينَ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ أَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَغُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ وَ السُّجُودِ وَ أَمَّا الْكَافِرُونَ فَمُسْوَدُّونَ الْوُجُوهُ فَيُؤْتَى بِهِمْ إِلَى الصِّرَاطِ قَالَ وَ كَمْ طُولُ الصِّرَاطِ قَالَ مَسِيرَةُ ثلاثون‏ (2) [ثَلَاثِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي كَيْفَ تَمُرُّ الْخَلَائِقُ عَلَى الصِّرَاطِ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ يَكْسُو اللَّهُ الْخَلَائِقَ نُوراً فَأَمَّا نُورُ الْمُسْلِمِينَ وَ نُورُ الْمُؤْمِنِينَ فَمِنْ نُورِ الْعَرْشِ وَ نُورُ الْمَلَائِكَةِ مِنْ نُورِ الْكُرْسِيِّ وَ نُورِ الْجَنَّةِ فَلَا يُطْفَأُ نُورُهُمْ أَبَداً وَ أَمَّا الْكَافِرُونَ فَمِنَ الْأَرْضِ وَ الْجِبَالِ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَوَّلِ مَنْ يَجُوزُ عَلَى الصِّرَاطِ قَالَ الْمُؤْمِنُونَ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَصِفْ لِي ذَلِكَ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ فِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ يَجُوزُ عَلَى الصِّرَاطِ عِشْرِينَ عَاماً فَإِذَا بَلَغَ أَوَّلُهُمُ الْجَنَّةَ تَرْكَبُ الْكُفَّارُ عَلَى الصِّرَاطِ حَتَّى إِذَا تَوَسَّطُوا أَطْفَأَ اللَّهُ نُورَهُمْ فَيَبْقَوْنَ بِلَا نُورٍ فَيُنَادُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ‏ انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ‏ فَيُقَالُ لَهُمْ أَ لَيْسَ فِيكُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَ الْأَصْحَابُ وَ الْإِخْوَةُ فَيَقُولُونَ أَ وَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ فِي دَارِ الدُّنْيَا قالُوا بَلى‏ وَ لكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَ تَرَبَّصْتُمْ وَ ارْتَبْتُمْ وَ غَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَ غَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ‏

____________

(1) كذا، و الظاهر «ثلاثة».

(2) كذا، و الظاهر «ثلاثين».

261

لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَ لا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (1) فَيَأْمُرُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ جَهَنَّمَ فَتَصِيحُ بِهِمْ صَيْحَةً عَلَى وُجُوهِهِمْ فَيَقَعُونَ فِي النَّارِ حَيَارَى نَادِمِينَ وَ يَنْجُو الْمُؤْمِنِينَ‏ (2) بِبَرَكَةِ اللَّهِ وَ عَوْنِهِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مَا يَصْنَعُ اللَّهُ بِالْمَوْتِ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ إِذَا اسْتَوَى أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ وَ أَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ أُتِيَ بِالْمَوْتِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ فَيُقَالُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَوْلِيَاءَ اللَّهِ هَذَا الْمَوْتُ أَ تَعْرِفُونَهُ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُولُونَ لَهُمْ نَذْبَحُهُ فَيَقُولُونَ نَعَمْ يَا مَلَائِكَةَ رَبِّنَا اذْبَحُوهُ حَتَّى لَا يَكُونَ مَوْتٌ أَبَداً فَيَقُولُونَ لِأَهْلِ النَّارِ يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ هَذَا الْمَوْتُ هَلْ تَعْرِفُونَهُ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ نَذْبَحُهُ فَيَقُولُونَ يَا مَلَائِكَةَ رَبِّنَا لَا تَذْبَحُوهُ وَ دَعُوهُ لَعَلَّ اللَّهَ يَقْضِي عَلَيْنَا بِالْمَوْتِ فَنَسْتَرِيحَ قَالَ النَّبِيُّ(ص)وَ يُذْبَحُ الْمَوْتُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ فَيَيْأَسُ أَهْلُ النَّارِ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْهَا وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِلْخُلُودِ فِيهَا فَعِنْدِي لَكَ أَنْ تُسْلِمَ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ وَ نَهَضَ عَلَى قَدَمَيْهِ وَ قَالَ امْدُدْ يَدَكَ الشَّرِيفَةَ أَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَشْهَدُ أَنَّكَ‏ (3) رَسُولُ اللَّهِ وَ أَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَ الْمِيزَانَ حَقٌّ وَ الْحِسَابَ حَقٌّ وَ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ فَكَبَّرَتِ الصَّحَابَةُ عِنْدَ ذَلِكَ وَ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ عَبْدَ اللَّهِ‏ (4) بْنَ سَلَامٍ وَ صَارَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَ نَقِمَةً عَلَى الْيَهُودِ.

. توضيح إنما أوردت هذه الرواية لاشتهارها بين الخاصة و العامة و ذكر الصدوق ره و غيره من أصحابنا أكثر أجزائها بأسانيدهم في مواضع و قد مر بعضها و إنما أوردتها في هذا المجلد لمناسبة أكثر أجزائه لأبوابه و في بعضها مخالفة ما لسائر الأخبار فهي إما محمولة على أنه(ص)أخبره موافقا لما في كتبهم ليصير سببا لإسلامه‏

____________

(1) الحديد: 14- 15.

(2) كذا، في جميع النسخ، و الصواب «و ينجو المؤمنون» أو «و ينجى المؤمنين».

(3) لرسول (خ).

(4) في أكثر النسخ «عبد سلام بن سلام».

262

أو غير ذلك من الوجوه و المحامل التي تظهر على الناقد البصير و في بعضها تصحيفات نرجو من الله الظفر بنسخة أخرى لتصحيحها.

قوله كان نبيا مرسلا كان المعنى هل كان في الجنة نبيا مرسلا فأجاب(ص)بأنه كان نبيا مرسلا على الملائكة حيث أمر بإنبائهم و في عد إبراهيم من رسل العرب مخالفة للمشهور قوله فتشهد أي ظاهرا قوله فتؤمن أي باطنا و قلبا.

قوله أربعة كتاب لا يوافق الإجمال التفصيل و لعل في أحدهما خطأ أو تصحيفا و سؤاله هل أنزل عليك كتاب بعد قوله و أنزل علي الفرقان لا يخلو من شي‏ء إلا أن يكون حمل ذلك على أنه قدر أنه سينزل و ختمه صدق الله يعني أنه ينبغي أن يختم به لا أنه جزؤه و في القاموس بيسان قرية بالشام و قرية بمرو و موضع باليمامة أقول و في بعض النسخ بالنون و الأول أظهر و له شواهد و لم يكن في الرجال أي مختصا بهم قوله لأن الله واحد كأنه على هذا يعني يوم الأحد يوم الله قوله لأنه يوم لعل المعنى أول يوم مع أن وجه التسمية لا يلزم اطراده قوله و علمه تحت التحت أي أحاط علمه بكل تحت و لا ينافي ارتفاع ذاته و علوه على كل شي‏ء إحاطة علمه بكل شي‏ء مما في العرش أو تحت الثرى.

و في القاموس غرد الطائر كفرح و غرد تغريدا و أغرد و تغرد رفع صوته و طرب به و في النهاية الرضراض الحصا الصغار قوله فحام العيون لعله من الفحمة بمعنى السواد و في القاموس العشراء من النوق التي مضت لحملها عشرة أشهر أو ثمانية أو هي كالنفساء من النساء و الجمع عشراوات و عشار و العشار اسم يقع على النوق حتى ينتج بعضها و بعضها ينتظر نتاجها و قال الدكداك‏ (1) و يكسر من الرمل ما تكبس و استوى و ما التبد منه بالأرض أو هي أرض فيها غلظ و

____________

(1) في القاموس: الدكدك و يكسر و الدكداك من الرمل. الخ و ينتهى الى قوله «مدعوكة». ج 3،(ص)302.

263

أرض مدكدكة مدعوكة كثر بها الناس فكثر آثار المال و الأبوال حتى تفسدها انتهى و انقضاض النار عن وجهه كناية عن سرعة ذهابها عنه و عدم إضرارها به كما ينقض الطائر أو الكوكب في الهواء و تلفح وجهه النار أي تحرقه و قال في النهاية فيه أمتي الغر المحجلون أي بيض مواضع الوضوء من الأيدي و الأقدام استعار أثر الوضوء في الوجه و اليدين و الرجلين للإنسان من البياض الذي يكون في وجه الفرس و يديه و رجليه‏ (1).

____________

(1) النهاية: ج 1،(ص)204.

264

أبواب الإنسان و الروح و البدن و أجزائه و قواهما و أحوالهما

باب 38 أنه لم سمي الإنسان إنسانا و المرأة مرأة و النساء نساء و الحواء حواء

1- الْعِلَلُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْأَسَدِيِّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُكَيْمٍ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سُمِّيَ الْإِنْسَانُ إِنْسَاناً لِأَنَّهُ يَنْسَى وَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى‏ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ‏ (1).

بيان الإنسان فعلان عند البصريين لموافقته مع الأنس لفظا و معنى و قال الكوفيون هو إفعان من نسي أصله إنسيان على إفعلان فحذفت الياء استخفافا لكثرة ما يجري على ألسنتهم فإذا صغروه ردوه إلى أصله لأن التصغير لا يكثر و هذا الخبر يدل على مذهب الكوفيين و رواه العامة عن ابن عباس أيضا قال الخليل في كتاب العين سمي الإنسان من النسيان و الإنسان في الأصل إنسيان لأن جماعته أناسي و تصغيره أنيسيان بترجيع المدة التي حذفت و هو (2) الياء و كذلك إنسان العين و حكى الشيخ في التبيان عن ابن عباس أنه قال إنما سمي إنسانا لأنه عهد إليه فنسي قال الله تعالى‏ وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى‏ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً و قال الراغب في مفرداته الإنسان قيل سمي بذلك لأنه خلق خلقه لا قوام‏

____________

(1) العلل: ج 1،(ص)14. و الآية في سورة طه، آية 115.

(2) كذا، و الصواب: و هى.

265

له إلا بأنس بعضهم ببعض و لهذا قيل الإنسان مدني بالطبع من حيث إنه لا قوام لبعضهم إلا ببعض و لا يمكنه أن يقوم بجميع أسبابه و قيل سمي بذلك لأنه يأنس بكل ما يألفه و قيل هو إفعلان و أصله إنسيان سمي بذلك لأنه عهد إليه فنسي.

2- الْعِلَلُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيِّ عَنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَمِّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ يَزِيدَ النَّوْفَلِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سُمِّيَتِ الْمَرْأَةُ مَرْأَةً لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنَ الْمَرْءِ يَعْنِي خُلِقَتْ حَوَّاءُ مِنْ آدَمَ‏ (1).

3- مَعَانِي الْأَخْبَارِ، مُرْسَلًا مَعْنَى الْإِنْسَانِ أَنَّهُ يَنْسَى وَ مَعْنَى النِّسَاءِ أَنَّهُنَّ أُنْسٌ لِلرِّجَالِ وَ مَعْنَى الْمَرْأَةِ أَنَّهَا خُلِقَتْ مِنَ الْمَرْءِ (2).

بيان: كون النساء من الأنس إما مبني على القلب أو على الاشتقاق الكبير أو على أنه إذا أنسوا بهن نسوا غيرهن فاشتقاقه من النسيان.

4- الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَسَمَّاهُ آدَمَ ثُمَّ عَهِدَ إِلَيْهِ فَنَسِيَ فَسَمَّاهُ الْإِنْسَانَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَبِاللَّهِ مَا غَابَتِ الشَّمْسُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ حَتَّى أُهْبِطَ مِنَ الْجَنَّةِ قَالَ وَ إِنَّمَا سُمِّيَتِ الْمَرْأَةُ مَرْأَةً لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنَ الْمَرْءِ وَ سُمِّيَتْ حَوَّاءَ لِأَنَّهَا أُمُّ كُلِّ حَيٍ‏ (3).

5- الْعِلَلُ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: كَانَ مَكْثُ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ نِصْفَ سَاعَةٍ ثُمَّ أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ لِتَمَامِ تِسْعِ سَاعَاتٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَالَ وَ سُمِّيَتِ الْعَصْرَ لِأَنَّ آدَمَ عُصِرَ بِالْبَلَاءِ قَالَ أَلْقَى اللَّهُ النَّوْمَ عَلَى آدَمَ فَأَخَذَ ضِلْعَهُ الْقَصِيرَ (4) مِنْ جَانِبِهِ الْأَيْسَرِ فَخَلَقَ مِنْهُ حَوَّاءَ فَلَمْ يُؤْذِهِ ذَلِكَ وَ لَوْ آذَاهُ ذَلِكَ مَا عَطَفَ عَلَيْهَا أَبَداً فَقَالَ آدَمُ مَا هَذِهِ قَالَ هَذِهِ امْرَأَةٌ لِأَنَّهَا مِنَ الْمَرْءِ خُلِقَتْ قَالَ مَا اسْمُهَا قَالَ حَوَّاءُ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ سُمِّيَتْ حَوَّاءَ لِأَنَّهَا أُمُ‏

____________

(1) العلل: ج 1،(ص)16.

(2) معاني الأخبار: 48.

(3) الدّر المنثور: ج 1،(ص)52.

(4) القصيرى (خ).

266

كُلِّ حَيٍّ قَالَ جَعْفَرٌ سُمِّينَ النِّسَاءَ لِأُنْسِ آدَمَ بِ حَوَّاءَ حِينَ أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنَسٌ غَيْرُهَا.

فائدة اعلم أنه قد اتفقت كلمة المليين من المسلمين و اليهود و النصارى على أن أول البشر هو آدم و أما الآخرون فخالفوا فيه على أقوال أما الفلاسفة فزعموا أنه لا أول لنوع البشر و لا لغيرهم من الأنواع المتوالدة و أما الهند فمن كان منهم على رأي الفلاسفة فهو يوافقهم في ما ذكر و من لم يكن منهم على رأي الفلاسفة و قال بحدوث الأجسام لا يثبت‏ (1) آدم و يقول إن الله تعالى خلق الأفلاك و خلف فيها طباعا محركة لها بذاتها فلما تحركت و حشوها أجسام لاستحالة الخلأ و كانت الأجسام على طبيعة واحدة فاختلفت طبائعها بالحركة الفلكية و كان القريب من الفلك أسخن و ألطف و البعيد أبرد و أكثف ثم اختلطت العناصر و تكونت منها المركبات و مما تكون منه نوع البشر كما يتكون الدود في الفاكهة و اللحم و البق في البطائح و المواضع العفنة ثم تكون البشر بعضه من بعض بالتوالد و نسي التخليق الأول الذي كان بالتولد و من الممكن أن يقول يتولد بعض البشر في بعض الأراضي القاصية مخلوقة بالتولد و إنما انقطع التولد لأن الطبيعة إذا وجدت للتكون‏ (2) طريقا استغنت عن طريق ثان و أما المجوس فلا يعرفون آدم و لا نوحا و لا ساما و لا حاما و لا يافث و أول متكون من البشر عندهم كيومرث و لقبه كوهشاه أي ملك الجبل و قد كان كيومرث في الجبال و منهم من يسميه گلشاه أي ملك الطين لأنه لم يكن حينئذ بشر يملكهم و قيل تفسير كيومرث حي ناطق ميت قالوا و كان قد رزق من الحس ما لا يقع عليه بصر حيوان إلا وله و أغمي عليه و يزعمون أن مبدأ تكونه و حدوثه أن يزدان و هو الصانع الأول عندهم فكر في أمر أهرمن و هو الشيطان عندهم فكرة أوجبت أن عرق جبينه فمسح العرق و رمى به فصارت منه كيومرث و لهم خبط طويل في كيفية تكون أهرمن عن فكرة يزدان أو من إعجابه بنفسه أو من توحشه و

____________

(1) لم يثبت (خ).

(2) للكون (خ).

267

بينهم خلاف في قدم أهرمن و حدوثه ثم اختلفوا في مدة بقاء كيومرث في الوجود فقال الأكثرون ثلاثون سنة و قال الأقلون أربعون سنة و قال قوم منهم إن كيومرث مكث في الجنة التي في السماء ثلاثة آلاف سنة و هي ألف الحمل و ألف الثور و ألف الجوزاء ثم أهبط إلى الأرض و كان بها آمنا مطمئنا ثلاثة آلاف سنة أخرى و هي ألف السرطان و ألف الأسد و ألف السنبلة ثم مكث بعد ذلك ثلاثين أو أربعين سنة في حرب و خصام بينه و بين أهرمن حتى هلك و اختلفوا في كيفية هلاكه مع اتفاقهم على أنه هلك قتلا فالأكثرون قالوا إنه قتل ابنا لأهرمن يسمى جزوذة فاستغاث أهرمن منه إلى يزدان فلم يجد بدا من أن يقاصه حفظا للعهود التي كانت بينه و بين أهرمن فقتله بابن أهرمن و قال قوم بل قتله أهرمن في صراع كان بينه و بين أهرمن و ذكروا في كيفيته أن كيومرث كان هو القاهر لأهرمن في بادئ الحال و أنه ركبه و جعل يطوف به في العالم إلى أن سأله أهرمن عن أي الأشياء أخوف‏ (1) و أهوالها عنده فقال له باب جهنم فلما بلغ به أهرمن إليها جمح به حتى سقط من فوقه و لم يستمسك فعلاه و سأله عن أي الجهات يبتدئ به في الأكل فقال له من جهة الرجل لأكون‏ (2) ناظرا حسن العالم مدة ما فابتدأه أهرمن فأكله من عند رأسه فبلغ إلى موضع الخصي و أوعية المني من الصلب فقطر من كيومرث قطرتا نطفة على الأرض فنبت منهما ريباستان في جبل بإصطخر ثم ظهرت على تينك الريباستين الأعضاء البشرية في أول الشهر التاسع و تمت أجزاؤه فتصور منهما بشران ذكر و أنثى و هما ميشا و ميشانة و هما بمنزلة آدم و حواء عند المليين و يسميهما مجوس خوارزم مرد و مردانه و زعموا أنهما مكثا خمسين سنة مستغنيين عن الطعام و الشراب منعمين غير متأذيين بشي‏ء حتى ظهر لهما أهرمن في صورة شيخ كبير فحملهما على تناول فواكه الأشجار و أكل منها و هما يبصرانه شيخا فعاد شابا فأكلا منها حينئذ فوقعا في البلايا و ظهر فيهما الحرص حتى تزاوجا و ولد لهما ولد فأكلاه حرصا ثم‏

____________

(1) اخوف له (خ).

(2) فاكون (خ).

268

ألقى الله تعالى في قلوبهما رأفة فولد بعد ذلك ستة أبطن كل بطن ذكر و أنثى و أسماؤهم في كتاب زردشت معروفة ثم كان البطن السابع سيامك و فرواك فتزاوجا فولد لهما الملك المعروف الذي لم يعرف قبله ملك و هو هوشنج و هو الذي خلف جده كيومرث و عقد التاج و جلس على السرير و بنى مدينتين بابل و السوس.

أقول هذه هي الخرافات التي ذكروها و الآيات و الأخبار ناطقة بما هو الحق المبين و بطل أقوال الفرق المضلين.

باب 39 فضل الإنسان و تفضيله على الملك و بعض جوامع أحواله‏

الآيات البقرة وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً إلى قوله سبحانه‏ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ‏ (1) الأنعام‏ وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَ مُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ‏ (2) الحجر وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ‏ (3) الإسراء وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَ فَضَّلْناهُمْ عَلى‏ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (4) الأنبياء خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ‏ (5) الفرقان‏ وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً وَ كانَ رَبُّكَ قَدِيراً (6)

____________

(1) البقرة: 30- 34.

(2) الأنعام: 98.

(3) الحجر: 26.

(4) الإسراء: 70.

(5) الأنبياء: 37.

(6) الفرقان: 54.

269

الروم‏ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ هُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (1) الأحزاب‏ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَ الْمُنافِقاتِ وَ الْمُشْرِكِينَ وَ الْمُشْرِكاتِ وَ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (2) فاطر وَ مِنَ النَّاسِ وَ الدَّوَابِّ وَ الْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ‏ (3) يس‏ سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ مِمَّا لا يَعْلَمُونَ‏ (4) الصافات‏ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ‏ (5) الزمر خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها (6) المؤمن‏ وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ‏ (7) الرحمن‏ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ‏ (8) و قال تعالى‏ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (9) التغابن‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (10) البلد لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ وَ أَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ وَ والِدٍ وَ ما وَلَدَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ أَ يَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً أَ يَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَ لِساناً وَ شَفَتَيْنِ وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ‏ (11) التين‏ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ‏ (12)

____________

(1) الروم: 54.

(2) الأحزاب: 72- 73.

(3) فاطر: 28.

(4) يس: 36.

(5) الصافّات: 11.

(6) الزمر: 6.

(7) المؤمن: 64.

(8) الرحمن: 3- 4.

(9) الرحمن: 14.

(10) التغابن: 2.

(11) البلد: 1- 10.

(12) التين: 4- 5.

270

العلق‏ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ‏ (1) تفسير وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ هذه الآيات مما استدل به على تفضيل الإنسان على الملائكة و سيأتي وجه الاستدلال بها مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ أي من آدم (عليه السلام) لأن الله تعالى خلقنا منه جميعا و خلق حواء من فضل طينته أو من ضلع من أضلاعه و من علينا بهذا لأن الناس إذا رجعوا إلى أصل واحد كانوا أقرب إلى التألف‏ فَمُسْتَقَرٌّ وَ مُسْتَوْدَعٌ‏ أي مستقر في الرحم إلى أن يولد و مستودع في القبر أو مستقر في بطون الأمهات و مستودع في الأصلاب أو مستقر على ظهر الأرض في الدنيا و مستودع عند الله في الآخرة أو مستقرها أيام حياتها و مستودعها حيث‏ (2) يموت و حيث يبعث أو مستقر في القبر و مستودع في الدنيا أو مستقر فيه الإيمان و مستودع يسلب منه كما ورد في الخبر.

مِنْ صَلْصالٍ‏ أي طين يابس يصلصل أي يصوت إذا نقر و قيل من صلصل إذا نتن تضعيف صل‏ مِنْ حَمَإٍ من طين تغير و اسود من طول مجاورة الماء مَسْنُونٍ‏ أي مصور من سنة الوجه أو مصبوب لييبس أو مصور كالجواهر المذابة تصب في القوالب من السن و هو الصب كأنه أفرغ الحمأ فصور منها تمثال إنسان أجوف فيبس حتى نقر و صلصل ثم غير ذلك طورا بعد طور حتى سواه و نفخ فيه من روحه أو منتن من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به فإن ما يسيل منهما يكون منتنا يسمى سنين.

وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ‏ قال الرازي اعلم أن الإنسان جوهر مركب من النفس و البدن فالنفس الإنسانية أشرف النفوس الموجودة في العالم السفلى لأن النفس النباتية قواها الأصلية ثلاثة و هي الاغتذاء و النمو و التوليد و النفس الحيوانية لها قوتان أخريان الحاسة و المحركة بالاختيار ثم إن النفس الإنسانية مختصة بقوة أخرى و هي القوة العاقلة المدركة لحقائق الأشياء كما هي و هي التي يتجلى‏

____________

(1) العلق: 1- 5.

(2) حين (خ).

271

فيها نور معرفة الله و يشرق فيها ضوء كبريائه و هو الذي يطلع على أسرار عالمي الخلق و الأمر و يحيط بأقسام مخلوقات الله من الأرواح و الأجسام كما هي و هذه القوة من سنخ الجواهر القدسية و الأرواح المجردة الإلهية فهذه القوة لا نسبة لها في الشرف و الفضل إلى تلك القوى الخمسة النباتية و الحيوانية و إذا كان الأمر كذلك ظهر أن النفس الإنسانية أشرف النفوس الموجودة في هذا العالم و أما بيان أن البدن الإنساني أشرف أجسام هذا العالم فالمفسرون ذكروا أشياء.

أحدها

- روى ميمون بن مهران عن ابن عباس في قوله‏ وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ‏ قال كل شي‏ء يأكل بفيه إلا ابن آدم فإنه يأكل بيديه.

عن الرشيد أنه أحضرت الأطعمة عنده فدعا بالملاعق و عنده أبو يوسف فقال له جاء في تفسير (1) قوله تعالى‏ وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ‏ و جعلنا لهم أصابع يأكلون بها فأحضرت الملاعق فردها و أكل بأصابعه.

و ثانيها قال الضحاك بالنطق و التميز (2) و تحقيق الكلام أن من عرف شيئا فإما أن يعجز عن تعريف غيره كونه عارفا بذلك الشي‏ء أو يقدر على هذا التعريف أما القسم الأول فهو جملة حال الحيوان سوى الإنسان فإنه إذا حصل في باطنها ألم أو لذة فإنها تعجز عن تعريف غيرها تلك الأحوال تعريفا تاما وافيا و أما القسم الثاني فهو الإنسان فإنه يمكنه تعريف غيره كل ما عرفه و وقف عليه و أحاط به فكونه قادرا على هذا النوع من التعريف هو المراد بكونه ناطقا و بهذا البيان يظهر أن الإنسان الأخرس داخل في هذا الوصف لأنه و إن عجز عن تعريف غيره ما في قلبه بطريق اللسان فإنه يمكنه ذلك بطريق الإشارة و بطريق الكتابة و غيرهما و لا يدخل فيه الببغاء لأنه و إن قدر على تعريفات قليلة فلا قدرة له على تعريف جميع الأحوال على سبيل الكمال و التمام.

و ثالثها قال عطاء بامتداد القامة و اعلم أن هذا الكلام غير تمام لأن‏

____________

(1) في المصدر: جاء في التفسير عن جدك في قوله ...

(2) فيه: التمييز.

272

الأشجار أطول قامة من الإنسان بل ينبغي أن يشرط فيه شرط و هو طول القامة مع استكمال القوة العقلية و القوة الحسية و الحركية.

و رابعها قال يمان بحسن الصورة و الدليل عليه قوله تعالى‏ وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ‏ و لما ذكر الله تعالى خلقه الإنسان قال‏ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‏ و قال‏ صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً و إن شئت فتأمل عضوا واحدا من أعضاء الإنسان و هو العين فخلق الحدقة سوداء ثم أحاط بذلك السواد بياض العين ثم أحاط بذلك البياض سواد الأشفار ثم أحاط بذلك السواد بياض الأجفان ثم خلق فوق بياض الجفن سواد الحاجبين ثم خلق فوق ذلك السواد بياض الجبهة ثم خلق فوق الجبهة سواد الشعر و ليكن هذا المثال الواحد أنموذجا لك في هذا الباب.

و خامسها قال بعضهم من كرامات الآدمي أن آتاه الله الخط و تحقيق الكلام في هذا الباب أن العلم الذي يقدر الإنسان الواحد على استنباطه يكون قليلا أما إذا استنبط الإنسان علما و أودعه في الكتاب و جاء الإنسان الثاني و استعان بهذا الكتاب و ضم إليه من عند نفسه أشياء أخرى ثم لا يزالون يتعاقبون و ضم كل متأخر مباحث كثيرة إلى علوم المتقدمين كثرت العلوم و قويت الفضائل و المعارف و انتهت المباحث العقلية و المطالب الشرعية أقصى الغايات و أكمل النهايات و معلوم أن هذا الباب لا يتأتى إلا بواسطة الخط و الكتب و لهذه الفضيلة الكاملة قال تعالى‏ اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ‏ و سادسها أن أجسام هذا العالم إما البسائط و إما المركبات أما البسائط فهي الأرض و الماء و الهواء و النار و الإنسان ينتفع بكل هذه الأربعة أما الأرض فهي لنا كالأم الحاضنة قال تعالى‏ مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى‏ و قد سماه الله تعالى بأسماء بالنسبة إلينا و هي الفراش و المهاد و المهد و أما الماء فانتفاعنا في الشرب و الزراعة و الحراسة ظاهر و أيضا سخر البحر لنأكل لحما طريا و نستخرج منه حلية نلبسها و نرى الفلك مواخر و أما الهواء فهو مادة حياتنا و لو لا هبوب الرياح لاستولى النتن على هذه المعمورة و أما النار فبها طبخ‏

273

الأغذية و الأشربة و نضجها و هي قائمة مقام الشمس و القمر في الليالي المظلمة و هي الدافعة لضرر البرد و أما المركبات فهي إما الآثار العلوية (1) و إما المعادن و إما النبات و إما الحيوان و الإنسان كالمستولي على كل هذه الأقسام و المنتفع بها و المستسخر لكل أقسامها فهذا العالم بأسرها جرى مجرى قرية معمورة و خان مغلة (2) و جميع منافعها و مصالحها مصروفة إلى الإنسان و الإنسان فيه كالرئيس المخدوم و الملك المطاع و سائر الحيوانات بالنسبة إليه كالعبيد و كل ذلك يدل على كونه مخصوصا من عند الله بمزيد التكريم و التفضيل.

و سابعها أن المخلوقات تنقسم إلى أربعة أقسام إلى ما حصلت له هذه القوة العقلية الحكمية و لم تحصل له القوة الشهوانية و هم الملائكة و إلى ما يكون بالعكس و هم البهائم و إلى ما خلا عن القسمين و هو النبات و الجمادات و إلى ما حصل النوعان فيه و هو الإنسان و لا شك أن الإنسان لكونه مستجمعا للقوة العقلية القدسية و القوة الشهوانية البهيمية و الغضبية السبعية يكون أفضل من البهيمة و السبع و لا شك أيضا أنه أفضل من الأجسام الخالية عن القوتين مثل النبات و المعادن و الجمادات و إذا ثبت ذلك ظهر أن الله تعالى فضل الإنسان على أكثر أقسام المخلوقات بقي هاهنا بحث في أن الملك أفضل من‏ (3) البشر و المعنى أن الجوهر البسيط الموصوف بالقوة العقلية القدسية المحضة أفضل‏ (4) من البشر المستجمع لهاتين القوتين و ذلك بحث آخر.

و ثامنها الموجود إما أن يكون أزليا و أبديا معا و هو الله سبحانه و إما أن لا يكون أزليا و لا أبديا و هو عالم الدنيا مع كل ما فيه من المعادن و النبات و الحيوان و هذا أخس الأقسام و إما أن يكون أزليا و لا يكون أبديا و هذا ممتنع الوجود لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه و إما أن لا يكون أزليا و لكنه يكون أبديا و هو

____________

(1) كذا في المصدر و في بعض النسخ «الآباء» و في بعضها «الآيات».

(2) في المصدر: معد.

(3) في المصدر «أم» فى الموضعين.

(4) في المصدر «أم» فى الموضعين.

274

الإنسان و الملك و لا شك أن هذا القسم أشرف من القسم الثاني و الثالث و ذلك يقتضي كون الإنسان أشرف من أكثر المخلوقات.

و تاسعها العالم العلوي أشرف من العالم السفلى و روح الإنسان من جنس الأرواح العلوية و الجواهر القدسية و ليس في موجودات العالم السفلى شي‏ء حصل من العالم العلوي إلا الإنسان فوجب كون الإنسان أشرف موجودات العالم السفلي.

و عاشرها أشرف الموجودات هو الله تعالى و إذا كان كذلك فكل موجود كان قربه من الله أتم وجب أن يكون أشرف لكن أقرب موجودات هذا العالم من الله تعالى هو الإنسان بسبب أن قلبه مستنير بمعرفة الله و لسانه مشرف بذكر الله و جوارحه و أعضاؤه مكرمة بطاعة الله فوجب الجزم بأن أشرف موجودات هذا العالم السفلي هو الإنسان و لما ثبت أن الإنسان موجود ممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته ثبت أن كلما حصل للإنسان من المراتب العالية و الصفات الشريفة فهي إنما حصلت بإحسان الله و إنعامه فلهذا المعنى قال تعالى‏ وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ‏ و من تمام كرامته على الله أنه لما خلقه في أول الأمر وصف نفسه بأنه أكرم فقال‏ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ‏ و وصف نفسه بالتكريم عند تربية الإنسان فقال‏ وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ‏ و وصف نفسه بالكرم في آخر الأحوال الإنسان فقال‏ يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ‏ و هذا يدل على أنه لا نهاية لكرم الله تعالى و تفضله و إحسانه مع الإنسان.

الحادي عشر قال بعضهم هذا التكريم معناه أنه تعالى خلق آدم بيده و خلق غيره بطريق كن فيكون و من كان مخلوقا بيدي الله كانت العناية به أتم فكان‏ (1) أكرم و أكمل و لما جعلنا من أولاده وجب كون بني آدم أكرم و أكمل.

وَ حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ قال ابن عباس في البر على الخيل و البغال و الحمير و الإبل و في البحر على السفن و هذا أيضا من مؤكدات التكريم المذكور

____________

(1) في بعض النسخ «أتم و اكمل» و في المصدر: كانت العناية به أتم و أكمل و كان أكرم و أكمل.

275

أولا لأنه تعالى سخر هذه الدواب له حتى يركبها و يحمل عليها و يغزو و يقاتل و يذب عن نفسه و كذلك تسخير الله تعالى المياه و السفن و غيرهما ليركبها و ينقل عليها و يتكسب بها بما (1) يختص به ابن آدم كل ذلك مما يدل على أن الإنسان في هذا العالم كالرئيس المتبوع و الملك المطاع.

وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ‏ و ذلك لأن الأغذية إما حيوانية و إما إنسانية و كلا القسمين فإن الإنسان إنما يغتذي بألطف أنواعها و أشرف أقسامها بعد التنقية التامة و الطبخ الكامل و النضج البالغ و ذلك مما لا يصلح إلا للإنسان‏ وَ فَضَّلْناهُمْ‏ الفرق بين التفضيل و التكريم أنه تعالى فضل الإنسان على سائر الحيوانات بأمور خلقية طبيعية ذاتية مثل العقل و النطق و الخط و الصورة الحسنة و القامة المديدة ثم إنه تعالى عرضه بواسطة ذلك العقل و الفهم لاكتساب العقائد الحقة و الأخلاق الفاضلة فالأول هو التكريم و الثاني هو التفضيل.

عَلى‏ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا لم يقل و فضلناهم على الكل فهذا يدل على أنه حصل في مخلوقات الله تعالى شي‏ء لا يكون الإنسان مفضلا عليه و كل من أثبت هذا القسم قال إنه هو الملائكة فلزم القول بأن الملك أفضل من الإنسان و هذا القول مذهب ابن عباس و اختيار الزجاج على ما رواه الواحدي في البسيط. و اعلم أن هذا الكلام مشتمل على بحثين أحدهما أن الأنبياء أفضل أم الملائكة و قد سبق القول فيه في سورة البقرة. و الثاني أن عوام الملائكة و عوام المؤمنين أيهما أفضل منهم من قال بتفضيل المؤمنين على الملائكة و احتجوا عليه بما

- روي عن زيد بن أسلم أنه قال قالت الملائكة ربنا إنك أعطيت بني آدم دنيا (2) يأكلون فيها و يتنعمون و لم تعطنا ذلك في الآخرة فقال تعالى و عزتي و جلالي لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان فقال أبو هريرة المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده.

هكذا

____________

(1) في المصدر: مما.

(2) في المصدر: الدنيا.

276

أورده الواحدي في البسيط و أما القائلون بأن الملك أفضل من البشر على الإطلاق فقد عولوا على هذه الآية و هو في الحقيقة تمسك بدليل الخطاب‏ (1) انتهى.

و قال الطبرسي (قدّس سرّه) استدل بعضهم بهذا على أن الملائكة أفضل من الأنبياء قال لأن قوله‏ عَلى‏ كَثِيرٍ يدل على أن هاهنا من لم يفضلهم عليه و ليس إلا الملائكة لأن بني آدم أفضل من كل حيوان سوى الملائكة بالاتفاق و هذا باطل من وجوه أحدها أن التفضيل هاهنا لم يرد به الثواب لأن الثواب لا يجوز التفضيل به ابتداء و إنما المراد بذلك ما فضلهم الله به من فنون النعم التي عددنا بعضها.

و ثانيها أن المراد بالكثير الجميع فوضع الكثير موضع الجميع و المعنى أنا فضلناهم على من خلقنا و هم كثير كما يقال بذلت له العريض من جاهي و أبحته المنيع من حريمي و لا يراد بذلك أني بذلت له عريض جاهي و منعته ما ليس بعريض و أبحته منيع حريمي و لم أبحه ما ليس منيعا بل المقصود أني بذلت له جاهي الذي من صفته أنه عريض و في القرآن و محاورات العرب من ذلك ما لا يحصى و لا يخفى ذلك على من عرف كلامهم.

و ثالثها أنه إذا سلم أن المراد بالتفضيل زيادة الثواب و أن لفظة من في قوله‏ مِمَّنْ خَلَقْنا تفيد التبعيض فلا يمتنع أن يكون جنس الملائكة أفضل من جنس بني آدم لأن الفضل في الملائكة عام لجميعهم أو أكثرهم و الفضل من‏ (2) بني آدم يختص بقليل من كثير و على هذا فغير منكر أن يكون الأنبياء أفضل من الملائكة و إن كان جنس الملائكة أفضل من جنس بني آدم‏ (3) انتهى.

و أقول كلامه ره في هذه الآية مأخوذ مما سننقله عن السيد المرتضى رضي الله عنه.

____________

(1) مفاتيح الغيب: ج 21،(ص)12- 16.

(2) في المصدر: فى.

(3) مجمع البيان: ج 6،(ص)429.

277

خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ‏ قال البيضاوي كأنه خلقه منه لفرط استعجاله و قلة تأنيه كقولك خلق زيد من الكرم و جعل ما طبع عليه بمنزلة المطبوع هو منه مبالغة في لزومه له و لذلك قيل إنه على القلب و من عجلته مبادرته إلى الكفر و استعجاله الوعيد (1) انتهى و في‏

- تفسير علي بن إبراهيم قال لما أجرى الله في آدم الروح‏ (2) من قدميه فبلغت إلى ركبتيه أراد أن يقوم فلم يقدر فقال الله‏ خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ‏ (3)

. خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً قيل يعني الذي خمر به طينة آدم ثم جعله جزءا من مادة البشر ليجتمع و يسلس و يقبل الإشكال بسهولة أو النطفة فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً أي فقسمه قسمين ذوي نسب أي ذكورا ينسب إليهم و ذوات صهر أي إناثا يصاهر بهن‏ وَ كانَ رَبُّكَ قَدِيراً حيث خلق من مادة واحدة بشرا ذا أعضاء مختلفة و طباع متباعدة و جعله قسمين متقابلين.

وَ رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنَ الْمَاءِ الْعَذْبِ وَ خَلَقَ زَوْجَتَهُ مِنْ سِنْخِهِ فَبَرَأَهَا مِنْ أَسْفَلِ أَعْضَائِهِ فَجَرَى بِذَلِكَ الضِّلْعِ بَيْنَهُمَا سَبَبٌ وَ نَسَبٌ ثُمَّ زَوَّجَهَا إِيَّاهُ فَجَرَى بَيْنَهُمَا بِسَبَبِ ذَلِكَ صِهْرٌ فَذَلِكَ قَوْلُهُ‏ نَسَباً وَ صِهْراً فَالنَّسَبُ مَا كَانَ بِسَبَبِ الرِّجَالِ وَ الصِّهْرُ مَا كَانَ بِسَبَبِ النِّسَاءِ.

و قد أوردنا أخبارا كثيرة في أبواب فضائل أمير المؤمنين(ع)أنها نزلت في النبي و أمير المؤمنين و تزويج فاطمة (صلوات الله عليهم).

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ‏ قيل أي ابتدأكم ضعفاء أو خلقكم من أصل ضعيف و هو النطفة ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً و هو بلوغكم الأشد ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَيْبَةً إذا أخذ منكم السن‏ يَخْلُقُ ما يَشاءُ من ضعف و قوة و شيبة (4).

____________

(1) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)82.

(2) في المصدر: روحه.

(3) تفسير القمّيّ: 429.

(4) في بعض النسخ المخطوطة: شبيبة و شيبة.

278

إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ هذه الآية من المتشابهات و قد اختلف في تأويله المفسرون و الروايات على وجوه الأول أن المراد بالأمانة التكليف بالأوامر و النواهي و المراد بعرضها على السماوات و الأرض و الجبال العرض على أهلها و عرضها عليهم هو تعريفه إياهم أن في تضييع الأمانة الإثم العظيم و كذلك في ترك أوامر الله تعالى و أحكامه فبين سبحانه جرأة الإنسان على المعاصي و إشفاق الملائكة من ذلك فيكون المعنى عرضنا الأمانة على أهل السماوات و الأرض و الجبال من الملائكة و الإنس و الجن‏ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها أي فأبى أهلهن أن يحملوا تركها و عقابها و المأثم فيها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها أي أشفق أهلهن عن‏ (1) حملها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً لنفسه بارتكاب المعاصي‏ جَهُولًا بموضع الأمانة في استحقاق العقاب على الخيانة فيها فالمراد بحمل الأمانة تضييعها قال الزجاج كل من خان الأمانة فقد حملها و من لم يحمل الأمانة فقد أداها.

و الثاني أن معنى‏ عَرَضْنَا عارضنا و قابلنا فإن عرض الشي‏ء على الشي‏ء و معارضته به سواء و المعنى أن هذه الأمانة في جلالة موقعها و عظم شأنها لو قيست السماوات و الأرض و الجبال و عورضت بها لكانت هذه الأمانة أرجح و أثقل وزنا و معنى قوله‏ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها ضعفن عن حملها كذلك‏ وَ أَشْفَقْنَ مِنْها لأن الشفقة ضعف القلب و لذلك صار كناية عن الخوف الذي يضعف عنده القلب ثم قال إن هذه الأمانة التي من صفتها أنها أعظم من هذه الأشياء العظيمة تقلدها الإنسان فلم يحفظها بل حملها و ضيعها لظلمه على نفسه و لجهله بمبلغ الثواب و العقاب.

و الثالث ما ذكره البيضاوي حيث قال تقرير للوعد السابق بتعظيم الطاعة و سماها أمانة من حيث إنها واجبة الأداء و المعنى أنها لعظمة شأنها بحيث لو عرضت على هذه الأجرام العظام و كانت ذات شعور و إدراك لأبين أن يحملنها و حملها الإنسان مع ضعف بنيته و رخاوة قوته لا جرم فاز الراعي لها و القائم بحقوقها بخير الدارين‏ إِنَّهُ‏

____________

(1) من (خ).

279

كانَ ظَلُوماً حيث لم يف بها و لم يراع حقها جَهُولًا بكنه عاقبتها و هذا وصف للجنس باعتبار الأغلب‏ (1) انتهى.

و قال الطبرسي (قدّس سرّه) إنه على وجه التقدير أجرى‏ (2) عليه لفظ الواقع لأن الواقع أبلغ من المقدر معناه لو كانت السماوات و الأرض و الجبال عاقلة ثم عرضت عليها الأمانة و هي وظائف الدين أصولا و فروعا عرض تخيير لاستثقلت ذلك مع كبر أجسامها و شدتها و قوتها و لامتنعت من حملها خوفا من القصور عن أداء حقها ثم حملها الإنسان مع ضعف جسمه و لم يخف الوعيد لظلمه و جهله و على هذا يحمل ما

- روي عن ابن عباس أنها عرضت على نفس السماوات و الأرض فامتنعت من حملها.

. و الرابع أن معنى العرض و الإباء ليس هو على ما يفهم بظاهر الكلام بل المراد تعظيم شأن الأمانة لا مخاطبة الجماد و العرب تقول سألت الربع و خاطبت الدار فامتنعت عن الجواب و إنما هو إخبار عن الحال عبر عنه بذكر الجواب و السؤال و تقول أتى فلان بكذب لا تحمله الجبال و قال سبحانه‏ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ‏ و خطاب من لا يفهم لا يصح فالأمانة على هذا ما أودع الله سبحانه السماوات و الأرض و الجبال من الدلائل على وحدانيته و ربوبيته فأظهرتها و الإنسان الكافر كتمها و جحدها لظلمه‏ (3) و يرجع إليه ما قيل المراد بالأمانة الطاعة التي تعم الطبيعية و الاختيارية و بعرضها استدعاؤها الذي يعم طلب الفعل من المختار و إرادة صدوره من غيره و بحملها الخيانة فيها و الامتناع عن أدائها و منه قولهم حامل الأمانة و محتملها لمن لا يؤديها فتبرأ ذمته فيكون الإباء عنه إتيانا بما يمكن أن يتأتى منه و الظلم و الجهالة للخيانة و التقصير.

و الخامس ما قيل إنه تعالى لما خلق هذه الأجرام فيها فهما (4) و قال لها

____________

(1) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)281- 282.

(2) في المصدر: الا انه اجرى.

(3) مجمع البيان: ج 8،(ص)374.

(4) كذا في جميع النسخ التي بأيدينا و الظاهر «جعل فيها فهما».

280

إني قد فرضت فريضة و خلقت جنة لمن أطاعني فيها و نارا لمن عصاني فقلن نحن مسخرات على ما خلقتنا لا نحتمل فريضة و لا نبغي ثوابا و لا عقابا و لما خلق آدم (عليه السلام) عرض عليه مثل ذلك فتحمله و كان ظلوما لنفسه بتحمله ما يشق عليها جهولا بوخامة عاقبته.

و السادس ما قيل إن المراد بالأمانة العقل و التكليف و بعرضها عليهن اعتبارها بالإضافة إلى استعدادهن و بإبائهن الإباء الطبيعي الذي هو عدم اللياقة و الاستعداد و بحمل الإنسان قابليته و استعداده لها و كونه ظلوما جهولا لما غلب عليه من القوة الغضبية و الشهوية و على هذا يحسن أن يكون علة للحمل عليه فإن من فوائد العقل أن يكون مهيمنا على القوتين حافظا لهما عن التعدي و مجاوزة الحد (1) و معظم مقصود التكليف تعديلهما و كسر سورتهما.

و السابع أن المراد بالأمانة أداء الأمانة ضد الخيانة أو قبولها و تصحيح تتمة الآية على أحد الوجوه المتقدمة.

الثامن أن المراد بالأمانة الإمامة (2) و الخلافة الكبرى و حملها ادعاؤها بغير حق و المراد بالإنسان أبو بكر و قد وردت الأخبار الكثيرة في ذلك أوردتها في كتاب الإمامة و غيرها

- فَقَدْ رُوِيَ بِأَسَانِيدَ عَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ: الْأَمَانَةُ الْوَلَايَةُ مَنِ ادَّعَاهَا بِغَيْرِ حَقٍّ كَفَرَ.

- وَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ‏ الْأَمَانَةُ هِيَ الْإِمَامَةُ وَ الْأَمْرُ وَ النَّهْيُ عُرِضَتْ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبَالِ‏ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها قَالَ أَبْيَنَ أَنْ يَدَّعُوهَا أَوْ يَغْصِبُوهَا أَهْلَهَا وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ‏ الْأَوَّلُ‏ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا (3).

- وَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)الْأَمَانَةُ الْوَلَايَةُ وَ الْإِنْسَانُ أَبُو الشُّرُورِ الْمُنَافِقُ.

- وَ عَنِ الْبَاقِرِ(ع)هِيَ الْوَلَايَةُ أَبَيْنَ‏ أَنْ يَحْمِلْنَها كُفْراً وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ‏ وَ الْإِنْسَانُ أَبُو فُلَانٍ.

. و مما يدل على أن المراد بها التكليف‏

مَا رُوِيَ‏ أَنَّ عَلِيّاً(ع)كَانَ إِذَا حَضَرَ وَقْتُ‏

____________

(1) الحدود (خ).

(2) الامارة (خ).

(3) تفسير عليّ بن إبراهيم: 535 (مقطعا).

281

الصَّلَاةِ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ حَضَرَ وَقْتُ أَمَانَةٍ عَرَضَهَا اللَّهُ‏ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها.

. و مما يدل على كون المراد بها الأمانة المعروفة

- مَا فِي نَهْجِ الْبَلَاغَةِ فِي جُمْلَةِ وَصَايَاهُ لِلْمُسْلِمِينَ‏ ثُمَّ أَدَاءُ الْأَمَانَةِ فَقَدْ خَابَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا أَنَّهَا عُرِضَتْ عَلَى السَّمَاوَاتِ الْمَبْنِيَّةِ وَ الْأَرْضِ الْمَدْحُوَّةِ وَ الْجِبَالِ ذَاتِ الطُّولِ الْمَنْصُوبَةِ فَلَا أَطْوَلَ وَ لَا أَعْرَضَ وَ لَا أَعْظَمَ مِنْهَا وَ لَوِ امْتَنَعَ شَيْ‏ءٌ مِنْهَا بِطُولٍ أَوْ عَرْضٍ أَوْ قُوَّةٍ أَوْ عِزٍّ لَامْتَنَعْنَ وَ لَكِنْ أَشْفَقْنَ مِنَ الْعُقُوبَةِ وَ عَقَلْنَ مَا جَهِلَ مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُنَّ وَ هُوَ الْإِنْسَانُ‏ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا

وَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَبْعَثُ إِلَى الرَّجُلِ يَقُولُ ابْتَعْ لِي ثَوْباً فَيَطْلُبُ فِي السُّوقِ فَيَكُونُ عِنْدَهُ مِثْلُ مَا يَجِدُ لَهُ فِي السُّوقِ فَيُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ لَا يَقْرَبَنَّ هَذَا وَ لَا يُدَنِّسْ نَفْسَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ‏ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ الْآيَةَ.

. و الحق أن الجميع داخل في الآية بحسب بطونها كما قيل إن المراد بالأمانة التكليف بالعبودية لله على وجهها و التقرب بها إلى الله سبحانه كما ينبغي لكل عبد بحسب استعداده لها و أعظمها الخلافة الإلهية لأهلها ثم تسليم من لم يكن من أهلها لأهلها و عدم ادعاء منزلتها لنفسه ثم سائر التكاليف و المراد بعرضها على السماوات و الأرض و الجبال النظر إلى استعدادهن لذلك و بإبائهن الإباء الطبيعي الذي هو عبارة عن عدم اللياقة و تحمل الإنسان إياها تحمله لها من غير استحقاق تكبرا على أهلها أو مع تقصيره بحسب وصف الجنس باعتبار الأغلب فهذه معانيها الكلية و كل ما ورد في تأويلها في مقام يرجع إلى هذه الحقائق كما يظهر عند التدبر و التوفيق من الله سبحانه.

قال السيد المرتضى رضي الله عنه في أجوبة المسائل العكبرية حيث سئل عن تفسير هذه الآية أنه لم يكن عرض في الحقيقة على السماوات و الأرض و الجبال بقول صريح أو دليل ينوب مناب القول و إنما الكلام في هذه الآية مجاز أريد به الإيضاح عن عظم الأمانة و ثقل التكليف بها و شدته على الإنسان و أن السماوات و الأرض و الجبال لو كانت مما يقبل لأبت حمل الأمانة و لم تؤد مع ذلك حقها و

282

نظير ذلك قوله تعالى‏ تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (1) و معلوم أن السماوات و الأرض و الجبال جماد لا تعرف الكفر من الإيمان و لكن المعنى في ذلك إعظام ما فعله المبطلون و تفوه به الضالون و أقدم به المجرمون من الكفر بالله تعالى و أنه من عظمه جار مجرى ما يثقل باعتماده على السماوات و الأرض و الجبال و أن الوزر به كذلك و كان الكلام في معناه ما جاء به التنزيل مجازا و استعارة كما ذكرناه و مثل ذلك قوله تعالى‏ وَ إِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ (2) الآية و معلوم أن الحجارة جماد لا يعلم فيخشى أو يرجو و يؤمل و إنما المراد بذلك تعظيم الوزر في معصية الله تعالى و ما يجب أن يكون العبد عليه من خشية الله تعالى و قد بين الله ذلك بقوله في نظير ما ذكرناه‏ وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ‏ الآية (3) فبين بهذا المثل عن جلالة القرآن و عظم قدره و علو شأنه و أنه لو كان كلام يكون به ما عده و وصفه لكان بالقرآن لعظم قدره على سائر الكلام و قد قيل إن المعنى في قوله‏ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عرضها على أهل السماوات و أهل الأرض و أهل الجبال و العرب يخبر عن أهل الموضع بذكر الموضع و يسميهم باسمه قال الله تعالى‏ وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَ الْعِيرَ (4) يريد أهل القرية و أهل العير و كان العرض على أهل السماوات و أهل الأرض و أهل الجبال قبل خلق آدم و خيروا بين التكليف لما كلفه آدم و بنوه فأشفقوا من التفريط فيه و استعفوا منه فاعفوا فتكلفه الإنسان ففرط فيه و ليست الآية على ما ظنه السائل أنها هي الوديعة و ما في بابها و لكنها التكليف الذي وصفناه و لقوم من أصحاب الحديث الذاهبين إلى الإمامة جواب تعلقوا به من جهة بعض الأخبار و هي أن الأمانة هي الولاية لأمير المؤمنين (عليه السلام) و إنها عرضت قبل خلق آدم على السماوات و الأرض و الجبال ليأتوا بها على شروطها فأبين من حملها على ذلك خوفا من تضييع الحق فيها و كلفها الناس فتكلفوها و لم يؤد أكثرهم حقها انتهى.

____________

(1) مريم: 91.

(2) البقرة: 74.

(3) الرعد: 33.

(4) يوسف: 82.

283

لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ‏ تعليل للحمل من حيث إنه نتيجة كالتأديب للضرب في ضربته تأديبا و ذكر التوبة في الوعد إشعار بأن كونهم ظلوما جهولا في جبلتهم لا يخليهم عن فرطات‏ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً حيث تاب على فرطاتهم و أثاب بالفوز على طاعاتهم و كَذلِكَ‏ أي كاختلاف الثمار و الجبال.

خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها أي الأنواع و الأصناف‏ مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ‏ من النبات و الشجر وَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ‏ الذكر و الأنثى‏ وَ مِمَّا لا يَعْلَمُونَ‏ أي و أزواجا مما لم يطلعهم الله عليه و لم يجعل لهم طريقا إلى معرفته و سيأتي تأويل آخر برواية علي بن إبراهيم‏ مِنْ طِينٍ لازِبٍ‏ أي ممتزج متماسك يلزم بعضه بعضا يقال طين لازب يلزق باليد لاشتداده و قال علي بن إبراهيم يعني يلزق‏ (1) باليد ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها أي من جزئها أو من طينتها أو من نوعها أو لأجلها و لانتفاعها.

فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ‏ بأن خلقكم منتصب القامة بادي البشرة متناسب الأعضاء و التخطيطات متهيأ لمزاولة الصنائع و اكتساب الكمالات‏ وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ‏ أي اللذائذ.

عَلَّمَهُ الْبَيانَ‏ قيل إيماء بأن خلق البشر و ما يميز به عن سائر الحيوانات من البيان و هو التعبير عما في الضمير و إفهام الغير لما أدركه لتلقي الوحي و تعرف الحق و تعلم الشرع‏

- وَ فِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ الرِّضَا(ع)فِي قَوْلِهِ‏ الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ‏ قَالَ اللَّهُ عَلَّمَ مُحَمَّداً الْقُرْآنَ قُلْتُ‏ خَلَقَ الْإِنْسانَ‏ قَالَ ذَلِكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قُلْتُ‏ عَلَّمَهُ الْبَيانَ‏ قَالَ عَلَّمَهُ تِبْيَانَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ الْخَبَرَ (2).

. مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ قيل الصلصال الطين اليابس الذي له صلصلة و الفخار الخزف و قد خلق الله آدم من تراب جعله طينا ثم حمأ مسنونا ثم صلصالا فلا يخالف‏

____________

(1) في المصدر: يلصق. تفسير القمّيّ: 555.

(2) تفسير القمّيّ: 658.

284

ذلك قوله‏ مِنْ تُرابٍ‏ و نحوه.

فَمِنْكُمْ كافِرٌ أي يصير كافرا أو كان في علم الله أنه كافر

وَ فِي الْكَافِي، وَ تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ عَرَفَ اللَّهُ إِيمَانَهُمْ بِوَلَايَتِنَا وَ كُفْرَهُمْ بِتَرْكِهَا يَوْمَ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ فِي صُلْبِ آدَمَ وَ هُمْ ذَرٌّ (1).

. لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ قيل في تعب و مشقة فإنه يكابد مصائب الدنيا و شدائد الآخرة و قال علي بن إبراهيم أي منتصبا (2) و سيأتي تفسيره في الخبر أنه منتصب في بطن أمه.

أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ‏ يبصر بهما وَ لِساناً يترجم عن ضمائره‏ وَ شَفَتَيْنِ‏ يستر بهما فاه و يستعين بهما على النطق و الأكل و الشرب و غيرها وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ‏ طريقي الخير و الشر و قيل الثديين و أصله المكان المرتفع‏

- وَ فِي الْكَافِي، عَنِ الصَّادِقِ(ع)نَجْدَ الْخَيْرِ وَ الشَّرِّ.

- وَ فِي مَجْمَعِ الْبَيَانِ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)سَبِيلَ الْخَيْرِ وَ سَبِيلَ الشَّرِّ.

وَ عَنْهُ(ع)أَنَّهُ قِيلَ لَهُ إِنَّ أُنَاساً يَقُولُونَ فِي قَوْلِهِ‏ وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ‏ أَنَّهُمَا الثَّدْيَانِ فَقَالَ لَا هُمَا الْخَيْرُ وَ الشَّرُّ (3).

. لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ‏ قيل يريد به الجنس‏ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ‏ أي تعديل بأن خص بانتصاب القامة و حسن الصورة و استجماع خواص الكائنات و نظائر سائر الممكنات‏ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ‏ بأن جعلناه من أهل النار أو إلى أسفل سافلين و هو النار و قيل أرذل العمر

- وَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نَزَلَتْ فِي الْأَوَّلِ وَ فِي الْمَنَاقِبِ عَنِ الْكَاظِمِ(ع)قَالَ: الْإِنْسَانُ الْأَوَّلُ‏ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ‏ بِبُغْضِهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.

. و أقول على سبيل الاحتمال يمكن أن يكون رده إلى أسفل سافلين ابتلاؤه بالقوى الشهوانية و العلائق الجسمانية فإن روحه كان من عالم القدس فلما ابتلي‏

____________

(1) الكافي: ج 1،(ص)413، و تفسير القمّيّ: 682.

(2) تفسير القمّيّ: 725.

(3) مجمع البيان: ج 10،(ص)494.

285

بعد التعلق بالبدن بالصفات البهيمية و العلائق الدنية (1) فقد تنزل من أعلى عليين إلى أسفل سافلين فهم باقون في تلك الدركات منهمكون في تلك التعلقات‏ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏ فإنهم نفضوا عن أذيالهم أدناس تلك النشأة الفانية و اختاروا الدرجات العالية فرجعوا إلى النشأة الأولى و تعلقت أرواحهم بالملإ الأعلى فصاروا أشرف من الملائكة المقربين و سكنوا في غرفات الجنان آمنين.

بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ‏ أي جميع المخلوقات على مقتضى حكمته‏

- وَ عَنِ الْبَاقِرِ(ع)خَلَقَ نُورَكَ الْقَدِيمَ قَبْلَ الْأَشْيَاءِ.

مِنْ عَلَقٍ‏ أي من دم جامد بعد النطفة الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ‏ قال علي بن إبراهيم علم الإنسان بالكتابة (2) التي بها يتم أمور الدنيا في مشارق الأرض و مغاربها (3) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ‏ من أنواع الهدى و البيان و قال علي بن إبراهيم قال يعني علم عليا من الكتابة لك ما لم يعلم قبل ذلك‏ (4) قيل عدد سبحانه مبدأ الإنسان و منتهاه إظهارا لما أنعم عليه من نقله من أخس المراتب إلى أعلاها تقريرا لربوبيته و تحقيقا لأكرميته.

فائدة اعلم أن المسلمين اختلفوا في تفضيل الملائكة على البشر أو العكس فذهب أكثر الأشاعرة إلى أن الأنبياء أفضل من الملائكة و صرح بعضهم بأن عوام البشر من المؤمنين أفضل من عوام الملائكة و خواص الملائكة أفضل من عوام البشر أي غير الأنبياء و ذهب أكثر المعتزلة إلى أن الملائكة أفضل من جميع البشر و لا خلاف بين الإمامية في أن الأنبياء و الأئمة(ع)أفضل من جميع الملائكة و الأخبار في ذلك مستفيضة أوردناها في كتاب النبوة و سائر مجلدات الحجة و أما سائر المؤمنين ففي فضل كلهم أو بعضهم على جميع الملائكة أو بعضهم فلا يظهر من الآيات و الأخبار ظهورا بينا يمكن الحكم بأحد الجانبين فنحن فيه من المتوقفين.

قال الشيخ المفيد (قدس الله سره)(5) في كتاب المقالات اتفقت الإمامية على أن أنبياء الله و رسله من البشر أفضل من الملائكة و وافقهم على ذلك أصحاب‏

____________

(1) المدنية (خ).

(2) في المصدر: الكتابة.

(3) تفسير القمّيّ: 731.

(4) تفسير القمّيّ: 731.

(5) روحه (خ).

286

الحديث و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و زعم الجمهور منهم أن الملائكة أفضل من الأنبياء و الرسل و قال نفر منهم سوى من ذكرناه بالوقف في تفضيل أحد الفريقين على الآخر و كان اختلافهم في هذا الباب على ما وصفناه و إجماعهم على خلاف القطع بفضل الأنبياء على الملائكة(ع)حسب ما شرحناه.

ثم قال أما الرسل من الملائكة و الأنبياء(ع)فقولي فيهم مع أئمة آل محمد(ع)كقولي في الأنبياء و الرسل(ع)و أما باقي الملائكة فإنهم و إن بلغوا بالملائكة فضلا فالأئمة من آل محمد(ع)أفضل منهم و أعظم ثوابا عند الله عز و جل بأدلة ليس موضعها هذا الكتاب انتهى.

و قال صاحب الياقوت الأنبياء أفضل من الملائكة لاختصاصهم بشرف الرسالة مع مشقة التكليف و قال العلامة (قدّس سرّه) في شرحه اختلف الناس في ذلك فذهب‏ (1) الإمامية و جماعة من الأشاعرة إلى أن الأنبياء(ع)أشرف من الملائكة و قالت المعتزلة و الفلاسفة بل الملائكة أشرف و قال الصدوق (قدّس سرّه) في رسالة العقائد اعتقادنا في الأنبياء و الرسل و الحجج(ع)أنهم أفضل من الملائكة ثم ذكر الدلائل و بسط القول فيها كما ذكرناه في كتاب الإمامة و قال السيد الشريف المرتضى رضي الله عنه في كتاب الغرر و الدرر في تفضيل الأنبياء على الملائكة(ع)اعلم أنه لا طريق من جهة العقل إلى القطع بفضل مكلف على الآخر لأن الفضل المراعي في هذا الباب هو زيادة استحقاق الثواب و لا سبيل إلى معرفة مقادير الثواب من ظواهر فعل الطاعات لأن الطاعتين قد تتساوى في ظاهر الأمر حالهما و إن زاد ثواب واحدة على الأخرى زيادة عظيمة و إذا لم يكن للعقل في ذلك مجال فالمرجع فيه إلى السمع فإن دل سمع مقطوع به من ذلك على شي‏ء عول عليه و إلا كان الواجب التوقف عنه و الشك فيه و ليس في القرآن و لا في سمع مقطوع على صحته ما يدل على فضل نبي على ملك و لا ملك على نبي و سنبين أن آية واحدة مما يتعلق به في تفضيل الأنبياء على الملائكة(ع)يمكن أن يستدل بها

____________

(1) فذهبت (خ).

287

على ضرب من الترتيب نذكره.

و المعتمد في القطع على أن الأنبياء أفضل من الملائكة على إجماع الشيعة الإمامية على ذلك لأنهم لا يختلفون في هذا بل يزيدون عليه و يذهبون إلى أن الأئمة(ع)أفضل من الملائكة أجمعين و إجماعهم حجة لأن المعصوم في جملتهم و قد بينا في مواضع من كتبنا كيفية الاستدلال بهذه الطريقة و رتبناه و أجبنا عن كل سؤال يسأل عنه فيها و بينا كيف الطريق مع غيبة الإمام إلى العلم بمذاهبه و أقواله و شرحنا ذلك فلا معنى للتشاغل به هاهنا و يمكن أن يستدل على ذلك بأمره تعالى للملائكة بالسجود لآدم(ع)و أنه يقتضي تعظيمه عليهم و تقديمه و إكرامه و إذا كان المفضول لا يجوز تعظيمه و تقديمه على الفاضل علمنا أن آدم(ع)أفضل من الملائكة و كل من قال إن آدم أفضل من الملائكة ذهب إلى أن جميع الأنبياء(ع)أفضل من جميع الملائكة و لا أحد من الأمة فصل بين الأمرين.

فإن قيل و من أين أنه أمرهم بالسجود على جهة التقديم و التعظيم.

قلنا لا يخلو تعبدهم بالسجود له من أن يكون على سبيل القبلة و الجهة من غير أن يقترن به تعظيم و تقديم أو يكون على ما ذكرناه فإن كان الأول لم يجز أنفة إبليس من السجود و تكبره عنه و قوله‏ أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَ‏ (1) و قوله‏ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ‏ (2) و القرآن كله ناطق بأن امتناع إبليس من السجود إنما هو لاعتقاده التفضيل به و التكرمة فلو لم يكن الأمر على هذا لوجب أن يرده الله تعالى عنه و يعلمه أنه ما أمره بالسجود على وجه تعظيمه له و لا تفضيله بل على الوجه الآخر الذي لا حظ للتفضيل فيه و ما جاز إغفال ذلك و هو سبب معصية إبليس و ضلالته فلما لم يقع ذلك دل على أن الأمر بالسجود لم يكن إلا على جهة التفضيل و التعظيم و كيف يقع شك في أن الأمر على ما ذكرنا و كل نبي أراد تعظيم آدم(ع)و وصفه بما اقتضى الفخر و الشرف نفسه بإسجاد الملائكة له و جعل‏

____________

(1) أسرى: 62.

(2) الأعراف: 11، ص: 76.

288

ذلك من أعظم فضائله و هذا مما لا شبهة فيه.

فأما اعتماد بعض أصحابنا في تفضيل الأنبياء على الملائكة على أن المشقة في طاعة الأنبياء(ع)أكثر و أوفر من حيث كانت لهم شهوات في القبائح و نفار عن الواجبات فليس بمعتمد لأنا لا نقطع على أن مشاق الأنبياء أعظم من مشاق الملائكة في التكليف و الشك في مثل ذلك واجب و ليس كل شي‏ء لم يظهر لنا ثبوته وجب القطع على انتفائه و نحن نعلم على الجملة أن الملائكة إذا كانوا مكلفين فلا بد من أن تكون عليهم مشاق في تكليفهم لو لا ذلك ما استحقوا ثوابا على طاعاتهم و التكليف إنما يحسن في كل مكلف تعريضا للثواب و لا يكون التكليف شاقا عليهم إلا و تكون لهم شهوات فيما حظر عليهم و نفار عما أوجب و إذا كان الأمر على هذا فمن أين يعلم أن مشاق الأنبياء(ع)أكثر من مشاق الملائكة و إذا كانت المشقة عامة لتكليف الأمة و لا طريق إلى القطع على زيادتها في تكليف بعض و نقصانها في تكليف آخرين فالواجب التوقف و الشك و نحن الآن نذكر شبه من فضل الملائكة على الأنبياء(ع)و نتكلم عليها بعون الله.

فمما تعلقوا به في ذلك قوله تعالى حكاية عن إبليس مخاطبا لآدم و حواء(ع)ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ‏ (1) فرغبهما في التناول من الشجرة في منزلة الملائكة حتى تناولا و عصيا و ليس يجوز أن يرغب عاقل في أن يكون على منزلة هي دون منزلته حتى يحمله ذلك على خلاف الله تعالى و معصيته و هذا يقتضي فضل الملائكة على الأنبياء(ع)و تعلقوا أيضا بقوله تعالى‏ لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَ لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ‏ (2) و تأخير ذكر الملائكة في مثل هذا الخطاب يقتضي تفضيلهم لأن العادة إنما جرت أن يقال لن يستنكف الوزير أن يفعل هذا و لا الخليفة فيقدم الأدون و يؤخر الأعظم و لم تجر بأن يقال لن يستنكف الأمير أن يفعل كذا و لا الحارس و هذا يقتضي تفضيل الملائكة

____________

(1) الأعراف: 19.

(2) النساء: 171.

289

على الأنبياء(ع)و تعلقوا بقوله تعالى‏ وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَ فَضَّلْناهُمْ عَلى‏ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (1) قالوا و ليس بعد بني آدم مخلوق يستعمل في الخبر عنه لفظة من التي لا تستعمل إلا في العقلاء إلا الجن و الملائكة و لما لم يقل و فضلناهم على من بل قال على كثير ممن خلقنا علم أنه إنما أخرج الملائكة عمن فضل بني آدم عليه لأنه لا خلاف في بني آدم أنه أفضل من الجن و إذا كان وضع الخطاب يقتضي مخلوقا لم يفضل بنو آدم‏ (2) فلا شبهة في أنهم الملائكة و تعلقوا بقوله تعالى‏ وَ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَ لا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ‏ (3) فلو لا أن حال الملائكة أفضل من حال النبي لما قال ذلك فيقال لهم في ما تعلقوا به أولا لم زعمتم أن قوله تعالى‏ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ‏ معناه أن تصيرا أو تتقلبا إلى صفة الملائكة فإن هذه اللفظة ليست بصريح لما ذكرتم بل أحسن الأحوال أن تكون محتملة له و ما أنكرتم أن يكون المعنى أن المنهي عن تناول الشجرة غيركما و إذا النهي يختص الملائكة و الخالدين دونكما و يجري ذلك مجرى قول أحدنا لغيره ما نهيت عن كذا إلا أن تكون فلانا و إنما يعني أن المنهي هو فلان دونك و لم يرد إلا أن تتقلب فتصير فلانا و لما كان غرض إبليس إيقاع الشبهة لهما فمن أوكد الشبهة إيهامهما أنهما لم ينهيا و إنما المنهي غيرهما و من وكيد ما تفسد به هذه الشبهة أن يقال ما أنكرتم أن يكونا رغبا في أن ينقلا إلى صفة الملائكة و خلقهم كما رغبهما إبليس في ذلك و لا تدل هذه الرغبة على أن الملائكة أفضل منهما لأنه بالتقلب إلى خلقة غيره لا يتقلب و لا يتغير الحقيقة بانقلاب الصورة و الخلق فإنه إنما يستحق الثواب على الأعمال دون الهيئات‏ (4) و غير ممتنع أن‏

____________

(1) الإسراء: 10.

(2) كذا، و الصواب، بنو آدم عليه.

(3) الأنعام: 50.

(4) الهيئة (خ).

290

يكونا رغبا في أن يصيرا على الهيئة الملائكة (1) و صورها و ليس ذلك يرغبه في الثواب و لا الفضل فإن الثواب فضل لا يتبع الهيئات و الصور أ لا ترى أنهما رغبا في أن يكونا من الخالدين و ليس الخلود مما يقتضي مزية في ثواب و لا فضلا فيه و إنما هو نفع عاجل و كذلك لا يمتنع أن يكون الرغبة منهما في أن يصيرا ملكين إنما كانت على هذا الوجه.

و يمكن أن يقال للمعتزلة خاصة و كل من أجاز على الأنبياء الصغائر ما أنكرتم أن يكونا اعتقدا أن الملك أفضل من النبي و غلطا في ذلك و كان منهما ذنبا صغيرا لأن الصغائر عندكم تجوز على الأنبياء فمن أين لكم إذا اعتقدا أن الملائكة أفضل من الأنبياء و رغبا في ذلك أن الأمر على ما اعتقداه مع تجويزكم عليهم الذنوب و ليس لهم أن يقولوا إن الصغائر إنما تدخل في أفعال الجوارح دون القلوب لأن ذلك تحكم بغير برهان و ليس يمتنع على أصولهم أن تدخل الصغائر في أفعال القلوب و الجوارح معا لأن حد الصغيرة عندهم ما نقص عقابه عن ثواب طاعات فاعله و ليس يمتنع معنى هذا الحد في أفعال القلوب كما لا يمتنع في أفعال الجوارح.

و يقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا ما أنكرتم أن يكون هذا القول إنما توجه إلى قوم اعتقدوا أن الملائكة أفضل من الأنبياء فأخرج الكلام على حسب اعتقادهم و أخر ذكر الملائكة لذلك و يجري هذا القول مجرى قول من قال منا لغيره لن يستنكف أبي أن يفعل كذا و لا أبوك و إن كان القائل يعتقد أن أباه أفضل و إنما أخرج الكلام على حسب اعتقاد المخاطب لا المخاطب.

و مما يجوز أن يقال أيضا أنه لا تفاوت في الفضل بين الأنبياء و الملائكة و إن ذهبنا إلى أن الأنبياء أفضل منهم و مع التقارب و التداني يحسن أن يؤخر ذكر الأفضل الذي لا تفاوت بينه و بين غيره في الفضل و إنما مع التفاوت و التنافي لا يحسن ذلك أ لا ترى أنه يحسن أن يقول القائل ما يستنكف الأمير فلان من كذا و لا الأمير

____________

(1) في مخطوطة «على الهيئة على الملائكة» و سائر النسخ موافق للمتن، و الظاهر، على هيئة الملائكة.

291

فلان من كذا و إن كانا متساويين متناظرين أو متقاربين و لا يحسن أن يقول ما يستنكف الأمير من كذا و لا الحارس لأجل التفاوت و أقوى من هذا أن يقال إنما أخر ذكر الملائكة عن ذكر المسيح لأن جميع الملائكة أكثر ثوابا لا محالة من المسيح منفردا و هذا لا يقتضي أن كل واحد منهم أفضل من المسيح(ع)و إنما الخلاف في ذلك.

و يقال لهم في ما تعلقوا به ثالثا ما أنكرتم أن يكون المراد بقوله تعالى‏ عَلى‏ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا إنا فضلناهم على من خلقنا و هم كثير و لم يرد التبعيض و يجري ذلك مجرى قوله تعالى‏ وَ لا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا (1) معناه لا تشتروا بها ثمنا قليلا فكل ثمن تأخذونه عنها قليل و لم يرد التخصيص و المنع من الثمن القليل خاصة و مثله قول الشاعر

من أناس ليس في أخلاقهم‏* * * عاجل الفحش و لا سوء الجزع.

و إنما أراد نفي الفحش كله عن أخلاقهم و إن وصفه بأنه عاجل و نفي الجزع عنهم و إن وصفه بالسوء و هذا من غريب البلاغة و دقيقها و نظائره في الشعر و الكلام الفصيح لا تحصى و قد كنا أملينا في تأويل هذه الآية كلاما منفردا استقصيناه و شرحنا هذا الوجه و أكثرنا من ذكر أمثلته.

و وجه آخر في تأويل هذه الآية و هو أنه غير ممتنع أن يكون جميع الملائكة أفضل من جميع بني آدم و إن كان في جملة بني آدم من الأنبياء(ع)من يفضل كل واحد منهم على كل واحد من الملائكة لأن الخلاف إنما هو في فضل كل بني آدم على كل ملك و غير ممتنع أن يكون جميع الملائكة فضلاء يستحق كل واحد منهم الجزيل الأكثر من الثواب فيزيد ثواب جميعهم على ثواب جميع بني آدم لأن الأفاضل من بني آدم أقل عددا و إن كان في بني آدم آحاد كل واحد منهم أفضل من كل واحد من الملائكة.

و وجه آخر و مما يمكن أن يقال في هذه الآية أيضا أن مفهوم الآية إذا تؤملت يقتضي أنه تعالى لم يرد الفضل الذي هو زيادة الثواب و إنما أراد النعم و

____________

(1) البقرة: 41، و المائدة: 47.

292

المنافع الدنيوية أ لا ترى إلى قوله تعالى‏ وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ‏ و الكرامة إنما هي الترقية و ما يجري مجراه ثم قال‏ وَ حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ‏ و لا شبهة في أن الحمل لهم في البر و البحر و رزق الطيبات خارج مما يستحق به و الثواب و يقتضي التفضيل الذي وقع إطلاقه فيه و يجب أن يكون ما عطف عليه من التفضيل داخلا في هذا الباب و في هذا القبيل فإنه أشبه من أن يكون المراد به غير ما سياق الآية وارد به و مبني عليه و أقل الأحوال أن تكون لفظة فَضَّلْناهُمْ‏ مجتمعة للأمرين فلا يجوز الاستدلال بها على خلاف ما نذهب إليه.

و يقال لهم فيما تعلقوا به رابعا لا دلالة في هذه الآية على أن حال الملائكة أفضل من حال الأنبياء لأن الغرض في الكلام إنما هو نفي ما لم يكن عليه لا التفضيل لذلك على ما هو عليه أ لا ترى أن أحدنا لو ظن أنه على صفة و هو ليس عليها جاز أن ينفيها عن نفسه بمثل هذا اللفظ و إن كان على أحوال هي أفضل من تلك الحال و أرفع و ليس يجب إذا انتفى مما تبرأ منه من علم الغيب و كون خزائن الله تعالى عنده أن يكون فيه فضل أن يكون ذلك معتمدا في كل ما يقع النفي له و التبرؤ منه و إذا لم يكن ملكا عنده خزائن الله تعالى جاز أن ينتفي من الأمرين من غير ملاحظة لأن حاله دون هاتين الحالتين.

و مما يوضح هذا و يزيل الإشكال فيه أنه تعالى حكى عنه قوله في آية أخرى‏ وَ لا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً (1) و نحن نعلم أن هذه منزلة غير جليلة و هو على كل حال أرفع منها و أعلى فما المنكر أن يكون نفي الملكية عنه في أنه لا يقتضي أن حاله دون حال الملك بمنزلة نفي هذه المنزلة و التعلق بهذه الآية ضعيف جدا و فيما أوردناه كفاية و بالله التوفيق انتهى.

و ذكر رضي الله عنه نحوا من هذا في أجوبة المسائل التي وردت عليه من الري.

و قال الدواني في شرح العقائد هم أي الأنبياء أفضل من الملائكة العلوية عند

____________

(1) هود: 31.

293

أكثر الأشاعرة و من الملائكة السفلية بالاتفاق و عامة البشر من المؤمنين أيضا أفضل من عامة الملائكة و عند المعتزلة و أبي عبد الله الحليمي‏ (1) و القاضي أبي بكر منا الملائكة أفضل و المراد بالأفضل أكثر ثوابا و ذلك أن عبادة الملائكة فطرية لا مزاحم لهم عنها بخلاف عبادة البشر فإن لهم مزاحمات فتكون عبادتهم أشق و

- قال النبي(ص)أفضل الأعمال أضرها (2).

أي أشقها.

قلت و على هذا يندفع ما يتوهم أن إساءة الأدب مع الملائكة كفر و مع آحاد المؤمنين ليس بكفر فتكون الملائكة أفضل لأن ذلك يدل على أن كون الملك أشرف بسبب كثرة مناسبته مع المبدإ في النزاهة و قلة الوسط لا على أنه أفضل بمعنى كونه أكثر ثوابا.

و قال شارح المقاصد ذهب جمهور أصحابنا و الشيعة إلى أن الأنبياء أفضل من الملائكة خلافا للمعتزلة و القاضي و أبي عبد الله الحليمي و صرح بعض أصحابنا بأن عوام البشر من المؤمنين أفضل من عوام الملائكة و خواص الملائكة أفضل من عوام البشر أي غير الأنبياء لنا وجوه عقلية و نقلية.

الأولى أن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم و الحكيم لا يأمر بسجود الأفضل للأدنى و إباء إبليس و استكباره و التعليل بأنه خير من آدم لكونه من نار و آدم من طين يدل أن المأمور به كان سجود تكرمة و تعظيم لا سجود تحية و زيارة و لا سجود الأعلى للأدنى إعظاما له و رفعا لمنزلته و هضما لنفوس الساجدين.

الثاني أن آدم أنبأهم بالأسماء و بما علمه الله من الخصائص و المعلم أفضل من المتعلم و سوق الآية ينادي على أن الغرض إظهار ما خفي عليهم من أفضلية آدم و دفع ما توهموا فيه من النقصان و لذا قال تعالى‏ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ (3) و بهذا يندفع ما يقال إن لهم أيضا علوما جمة أضعاف العلم بالأسماء

____________

(1) الحلبيّ (خ).

(2) احمزها (خ).

(3) البقرة: 33.

294

لما شاهدوا من اللوح و حصلوا في الأزمنة المتطاولة بالتجارب و الأنظار المتوالية.

الثالث قوله تعالى‏ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ‏ (1) و قد خص من آل إبراهيم و آل عمران غير الأنبياء بدليل الإجماع فيكون آدم و نوح و جميع الأنبياء مصطفون‏ (2) على العالمين الذين منهم الملائكة إذ لا مخصص للملائكة من العالمين و لا جهة لتفسيره بالكثير من المخلوقات.

الرابع أن للبشر شواغل عن الطاعات العلمية و العملية كالشهوة و الغضب و سائر الحاجات الشاغلة و الموانع الخارجة و الداخلة فالمواظبة على العبادات و تحصيل الكمالات بالقهر و الغلبة على ما يضاد القوة العاقلة يكون أشق و أفضل و أبلغ في استحقاق الثواب و لا معنى للأفضلية سوى استحقاق الثواب و الكرامة.

لا يقال لو سلم انتفاء الشهوة و الغضب و سائر الشواغل في حق الملائكة فالعبادة مع كثرة البواعث و الشواغل إنما يكون أشق و أفضل من الأخرى إذا استويا في المقدار و باقي الصفات و عبادة الملائكة أكثر و أدوم فإنهم‏ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ‏ و الإخلاص الذي به القوام و النظام و اليقين الذي هو الأساس و التقوى التي هي الثمرة فيهم أقوى و أقوم لأن طريقهم العيان لا البيان و المشاهدة لا المراسلة لأنا نقول انتفاء الشواغل في حقهم مما لا ينازع فيه أحد و وجود المشقة و الألم في العبادة و العمل عند عدم المنافي و المضاد مما لا يعقل قلت أو كثرت و كون باقي الصفات في حق الأنبياء أضعف و أدنى مما لا يسمع و لا يقبل و قد يتمسك بأن للملائكة عقلا بلا شهوة و للبهائم شهوة بلا عقل و للإنسان كليهما فإذا ترجح شهوته على عقله يكون أدنى من البهائم لقوله تعالى‏ بَلْ هُمْ أَضَلُ‏ (3) فإذا ترجح عقله على شهوته يجب أن يكون أعلى من الملائكة و هذا عائد إلى ما سبق لأن تمام تقريره هو أن الكافر آثر النقصان مع التمكن من الكمال و كل من فعل كذا فهو أضل‏

____________

(1) آل عمران: 33.

(2) كذا في جميع النسخ، و الصواب «مصطفين».

(3) الفرقان: 44.

295

و أرذل ممن آثره بدونه لأن إيثار الشي‏ء مع وجود المضاد و المنافي أرجح و أبلغ من إيثاره بدونه فيلزم أن يكون من آثر الكمال مع التمكن من النقصان أفضل و أكمل ممن آثره بدونه.

و أما التمسك بقوله تعالى‏ وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ‏ و التكريم المطلق لأحد الأجناس يشعر بفضله على غيره فضعيف لأن التكريم لا يوجب التفضيل سيما مع قوله تعالى‏ وَ فَضَّلْناهُمْ عَلى‏ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا فإنه يشير بعدم التفضيل على القليل و ليس غير الملائكة بالإجماع كيف و قد وصف الملائكة أيضا بأنهم‏ عِبادٌ مُكْرَمُونَ‏ ثم قال و احتج المخالفون أيضا بوجوه نقلية و عقلية أما النقليات فمنها قوله تعالى‏ وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَ الْمَلائِكَةُ وَ هُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ‏ (1) خصهم بالتواضع و ترك الاستكبار في السجود و فيه إشارة إلى أن غيرهم ليس كذلك و أن أسباب التكبر و التعظم حاصلة لهم و وصفهم باستمرار الخوف و امتثال الأوامر و من جملتها اجتناب المنهيات.

و منها قوله تعالى‏ وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ‏ (2) وصفهم بالقرب و الشرف عنده و بالتواضع المواظبة على الطاعة و التسبيح.

و منها قوله تعالى‏ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ‏ إلى أن قال‏ وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ‏ (3) وصفهم بالكرامة المطلقة و الامتثال و الخشية و هذه الأمور أساس كافة الخيرات.

و الجواب أن جميع ذلك إنما يدل على فضيلتهم لا على أفضليتهم لا سيما على الأنبياء.

____________

(1) النحل: 49- 50.

(2) الأنبياء: 19- 20.

(3) الأنبياء: 26- 28.

296

و منها قوله تعالى‏ قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَ لا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ‏ (1) فإن مثل هذا الكلام إنما يحسن إذا كان الملك أفضل.

و الجواب أنه إنما قال ذلك حين استعجله قريش العذاب الذي أوعدوا به بقوله تعالى‏ وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ‏ (2) و المعنى أني لست بملك حتى يكون لي القوة و القدرة على إنزال العذاب بإذن الله كما كان لجبرئيل(ع)أو يكون له العلم بذلك بإخبار من الله تعالى بلا واسطة.

و منها قوله تعالى‏ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ‏ (3) أي إلا كراهة أن تكونا ملكين يعني أن الملائكة بالمرتبة العليا و في الأكل من الشجرة ارتقاء إليهما.

و الجواب أن ذلك تمويه من الشيطان و تخييل أن ما يشاهد في الملك من حسن الصورة و عظم الخلق و كمال القوة يحصل بأكل الشجرة و لو سلم فغايته التفضيل على آدم قبل النبوة.

و منها قوله تعالى‏ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى‏ (4) يعني جبرئيل(ع)و المعلم أفضل من المتعلم.

و الجواب أن ذلك بطريق التبليغ و إنما تعليم من الله تعالى.

و منها قوله تعالى‏ لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَ لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ‏ (5) أي لا يترفع عيسى من العبودية و لا من هو أرفع منه درجة كقولك لن يستنكف من هذا الأمر الوزير و لا السلطان و لو عكست أحلت‏ (6) بشهادة علماء البيان و البصراء بأساليب الكلام و عليه قوله تعالى‏ وَ لَنْ تَرْضى‏ عَنْكَ الْيَهُودُ وَ لَا النَّصارى‏ (7)

____________

(1) الأنعام: 50.

(2) الأنعام: 49.

(3) الأعراف: 19.

(4) النجم: 5.

(5) النساء: 171.

(6) حلت (خ).

(7) البقرة: 120.

297

أي مع أنهم أقرب مودة لأهل الإسلام و لهذا خص الملائكة بالمقربين منهم لكونهم أفضل.

و الجواب أن الكلام سيق لرد مقالة النصارى و غيرهم في المسيح و ادعائهم فيه مع النبوة البنوة بل الألوهية و الترفع عن العبودية لكونه روح الله ولد بلا أب لكونه يبرئ الأكمه و الأبرص و المعنى لا يترفع عيسى عن العبودية و لا من هو فوقه في هذا المعنى و هم الملائكة الذين لا أب لهم و لا أم و لا يقدرون على ما لا يقدر عليه عيسى(ع)و لا دلالة على الأفضلية بمعنى كثرة الثواب و سائر الكمالات أ لا ترى أن فيما ذكرت من المثال لم يقصد الزيادة و الرفعة في الفضل و الشرف و الكمال بل في ما هو مظنة الاستنكاف و الرضا كالغلبة و الاستكبار و الاستعلاء في السلطان و قرب المودة في النصارى.

و منها اطراد تقديم ذكر الملائكة على ذكر الأنبياء و الرسل و لا تعقل له جهة سوى الأفضلية.

و الجواب أنه يجوز أن يكون بجهة تقدمهم في الوجود أو في قوة الإيمان بهم و الاهتمام به لأنه أخفى فالإيمان بهم أقوى و بالتحريص عليه أحرى.

و أما العقليات فمنها أن الملائكة روحانيات مجردة في ذاتها متعلقة بالهياكل العلوية مبرأة عن ظلمة المادة و عن الشهوة و الغضب اللذين هما مبدءا الشرور و القبائح متصفة بالكمالات العلمية و العملية بالفعل من غير شوائب الجهل و النقص و الخروج عن القوة إلى الفعل على التدريج و من احتمال الغلط قوية على الأفعال العجيبة و إحداث السحب و الزلازل و أمثال ذلك مطلعة على أسرار الغيب سابقة إلى أنواع الخير و لا كذلك حال البشر.

و الجواب أن مبني ذلك على قواعد الفلسفة دون الملة.

و منها أن أعمالهم الموجبة للمثوبات أكثر لطول زمانهم و أدوم لعدم تخلل الشواغل و أقوم لسلامتها عن مخالطة المعاصي المنقصة للثواب و علومهم أكمل و أكثر لكونهم نورانيين يشاهدون اللوح المحفوظ المنتقش بالكائنات و أسرار المغيبات.

298

و الجواب أن هذا لا يمنع كون أعمال الأنبياء و علومهم أفضل و أكثر ثوابا لجهات أخر كقهر المضاد و المنافي و تحمل المتاعب و المشاق و نحو ذلك على ما مر انتهى.

و أقول و العمدة في ذلك الأخبار الكثيرة الدالة على فضل الأنبياء و الأئمة(ع)على الملائكة و إن كان فيها ما يوهم خلاف ذلك و هي متفرقة في أبواب مجلدات الحجة لم نوردها هاهنا حذرا من الإطناب و حجم الكتاب.

1- الِاحْتِجَاجُ، فِي مَا سَأَلَ الزِّنْدِيقُ الصَّادِقَ(ع)الرَّسُولُ أَفْضَلُ أَمِ الْمَلَكُ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِ قَالَ(ع)بَلِ الرَّسُولُ أَفْضَلُ‏ (1).

2- مَجَالِسُ ابْنِ الشَّيْخِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَمَاعَةٍ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ النَّخَعِيِّ عَنْ جَدِّهِ سُلَيْمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ نَصْرِ بْنِ مُزَاحِمٍ الْمِنْقَرِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الزِّبْرِقَانِ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ(ع)فِي قَوْلِهِ تَعَالَى‏ وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ‏ يَقُولُ فَضَّلْنَا بَنِي آدَمَ عَلَى سَائِرِ الْخَلْقِ‏ وَ حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ يَقُولُ عَلَى الرَّطْبِ وَ الْيَابِسِ‏ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ‏ يَقُولُ مِنْ طَيِّبَاتِ الثِّمَارِ كُلِّهَا وَ فَضَّلْناهُمْ‏ يَقُولُ لَيْسَ مِنْ دَابَّةٍ وَ لَا طَائِرٍ إِلَّا هِيَ تَأْكُلُ وَ تَشْرَبُ بِفِيهَا لَا تَرْفَعُ بِيَدِهَا إِلَى فِيهَا طَعَاماً وَ لَا شَرَاباً غَيْرُ ابْنِ آدَمَ فَإِنَّهُ يَرْفَعُ إِلَى فِيهِ بِيَدِهِ طَعَامَهُ فَهَذَا مِنَ التَّفْضِيلِ.

بيان لعله أراد بالرطب الحيوانات المتحركة النامية و باليابس الأخشاب اليابسة التي تعمل منها السفن و يحتمل كون النشر على خلاف ترتيب اللف فالرطب البحر و اليابس البر.

3- مَجَالِسُ ابْنِ الشَّيْخِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَمَاعَةٍ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ هَارُونَ عَنْ يَحْيَى بْنِ السَّرِيِّ الضَّرِيرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَازِمٍ أَبِي مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى هَارُونَ الرَّشِيدِ قِيلَ لِي وَ كَانَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ الْمَائِدَةُ فَسَأَلَنِي عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ‏

____________

(1) الاحتجاج: 191.

299

الْآيَةَ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ تَأَوَّلَهَا جَدُّكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَخْبَرَنِي الْحَجَّاجُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخُوزِيُّ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ‏ قَالَ كُلُّ دَابَّةٍ تَأْكُلُ بِفِيهَا إِلَّا ابْنُ آدَمَ فَإِنَّهُ يَأْكُلُ بِالْأَصَابِعِ قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ فَبَلَغَنِي أَنَّهُ رَمَى بِمِلْعَقَةٍ كَانَتْ بِيَدِهِ مِنْ فِضَّةٍ وَ تَنَاوَلَ مِنَ الطَّعَامِ بِإِصْبَعِهِ.

4- وَ مِنْهُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَمَاعَةٍ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيِّ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ‏ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ‏ إِلَى قَوْلِهِ‏ تَفْضِيلًا قَالَ لَيْسَ مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَ هِيَ تَأْكُلُ بِفِيهَا إِلَّا ابْنُ آدَمَ فَإِنَّهُ يَأْكُلُ بِيَدِهِ.

5- الْعِلَلُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ(ع)فَقُلْتُ الْمَلَائِكَةُ أَفْضَلُ أَمْ بَنُو آدَمَ فَقَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ رَكَّبَ فِي الْمَلَائِكَةِ عَقْلًا بِلَا شَهْوَةٍ وَ رَكَّبَ فِي الْبَهَائِمِ شَهْوَةً بِلَا عَقْلٍ وَ رَكَّبَ فِي بَنِي آدَمَ كِلْتَيْهِمَا فَمَنْ غَلَبَ عَقْلُهُ شَهْوَتَهُ فَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَ مَنْ غَلَبَ‏ (1) شَهْوَتُهُ عَقْلَهُ فَهُوَ شَرٌّ مِنَ الْبَهَائِمِ‏ (2).

6- صَحِيفَةُ الرِّضَا، بِالْإِسْنَادِ عَنْهُ(ع)عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَثَلُ الْمُؤْمِنِ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَعْظَمُ مِنَ الْمَلَكِ وَ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ مُؤْمِنٍ تَائِبٍ أَوْ مُؤْمِنَةٍ تَائِبَةٍ (3).

7- وَ مِنْهُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُعْرَفُ فِي السَّمَاءِ

____________

(1) في المصدر: غلبت.

(2) علل الشرائع: ج 1،(ص)5.

(3) صحيفة الرضا: 6.

300

كَمَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ أَهْلَهُ وَ وُلْدَهُ وَ إِنَّهُ أَكْرَمُ عِنْدَ اللَّهِ‏ (1) عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ‏ (2).

8- الْعَيَّاشِيُّ، عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فِي قَوْلِهِ تَعَالَى‏ وَ فَضَّلْناهُمْ عَلى‏ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا قَالَ خُلِقَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ مُنْكَبّاً غَيْرَ الْإِنْسَانِ فَإِنَّهُ خُلِقَ مُنْتَصِباً.

9- الْكَافِي، عَنِ الْعِدَّةِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ غَالِبِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ بَشِيرٍ الدَّهَّانِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَا ابْنَ آدَمَ اذْكُرْنِي فِي مَلَإٍ أَذْكُرْكَ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْ مَلَئِكَ‏ (3).

10- وَ مِنْهُ، بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ رَفَعَهُ قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِعِيسَى(ع)يَا عِيسَى اذْكُرْنِي فِي نَفْسِكَ أَذْكُرْكَ فِي نَفْسِي وَ اذْكُرْنِي فِي مَلَئِكَ أَذْكُرْكَ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْ مَلَإِ الْآدَمِيِّينَ‏ (4).

بيان ربما يستدل بالخبرين على كون الملائكة أفضل من بني آدم و يمكن أن يجاب بأن خيرية ملإ الملائكة باعتبار كون الجميع معصومين بخلاف ملإ البشر لا ينافي كون بعض البشر أفضل من الملائكة على أنه يمكن أن يكون المراد بالملإ الثاني ما يشتمل على أرواح النبيين(ع)لكن وقع التصريح في بعض الأخبار بملإ من الملائكة.

11- كِتَابُ تَفْضِيلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، الْكَرَاجُكِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مَنْدَةَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ يَعْقُوبَ الْبَزَّازِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا حَمَلَ الْمَأْمُونُ أَبَا هَدِيَّةَ مَوْلَى أَنَسٍ إِلَى خُرَاسَانَ بَلَغَنِي ذَلِكَ فَخَرَجْتُ فِي لِقَائِهِ فَصَادَفَنِي فِي بَعْضِ الْمَنَازِلِ فَرَأَيْتُ رَجُلًا طَوِيلًا خَفِيفَ الْعَارِضَيْنِ مُنْحَنِياً مِنَ الْكِبْرِ وَ قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ فَقُلْتُ لَهُ حَدِّثْنِي رَحِمَكَ اللَّهُ فَإِنِّي أَتَيْتُكَ مِنْ بَلَدٍ بَعِيدٍ أَسْمَعُ مِنْكَ فَلَمْ يُحَدِّثْنِي مِنَ الزَّحْمَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ رَحَلَ فَتَبِعْتُهُ إِلَى الْمَرْحَلَةِ الْأُخْرَى فَلَمَّا نَزَلَ أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ حَدِّثْنِي‏

____________

(1) في المصدر: على اللّه.

(2) الصحيفة: 8.

(3) الكافي: ج 2،(ص)498.

(4) الكافي: ج 2،(ص)502.

301

رَحِمَكَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ أَنْتَ صَاحِبِي بِالْأَمْسِ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ إِذاً وَ اللَّهِ لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا قَائِماً لِمَا بَدَا مِنِّي إِلَيْكَ لِأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ ثُمَّ قَامَ قَائِماً وَ قَالَ كُنْتُ رَأَيْتُ مَوْلَايَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَ هُوَ مُعَصَّبٌ بِعِصَابَةٍ بَيْضَاءَ فَقُلْتُ وَ مَا هَذِهِ الْعِصَابَةُ قَالَ هَذِهِ دَعْوَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقُلْتُ وَ كَيْفَ فَقَالَ أُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)طَائِرٌ وَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَ أَنَا حِينَئِذٍ أَحْجُبُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)فَأَصْلَحَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَ أَتَتْ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ(ص)وَ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ الْزَمِ الْبَابَ لِيَنَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مِنْهُ فَلَزِمْتُ الْبَابَ وَ قَدَّمَتْهُ إِلَى النَّبِيِّ(ص)فَلَمَّا وَضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَيْهِ رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَدَيْهِ وَ قَالَ اللَّهُمَّ ائْتِنِي بِأَحَبِّ خَلْقِكَ إِلَيْكَ يَأْكُلْ مَعِي مِنْ هَذَا الطَّائِرِ فَسَمِعْتُ دَعْوَةَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ أَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي فَأَتَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقُلْتُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَنْكَ مَشْغُولٌ فَانْصَرَفَ ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)ثَانِيَةً وَ قَالَ اللَّهُمَّ ائْتِنِي بِأَحَبِّ خَلْقِكَ إِلَيْكَ يَأْكُلْ مَعِي مِنْ هَذَا الطَّائِرِ فَأَتَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقُلْتُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَنْكَ مَشْغُولٌ فَانْصَرَفَ ثُمَّ رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)رَأْسَهُ وَ دَعَا ثَالِثَةً وَ قَالَ يَا رَبِّ ائْتِنِي بِأَحَبِّ خَلْقِكَ إِلَيْكَ يَأْكُلْ مَعِي مِنْ هَذَا الطَّائِرِ فَأَتَى عَلِيٌّ فَقُلْتُ رَسُولُ اللَّهِ عَنْكَ مَشْغُولٌ فَقَالَ وَ مَا يَشْغَلُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)عَنِّي وَ دَفَعَنِي فَدَخَلَ فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)قَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَ قَالَ يَا أَخِي مَنِ الَّذِي حَبَسَكَ عَنِّي وَ قَدْ دَعَوْتُ اللَّهَ ثَلَاثاً أَنْ يَأْتِيَنِي بِأَحَبِّ خَلْقِهِ إِلَيْهِ يَأْكُلُ مَعِي مِنْ هَذَا الطَّائِرِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ جِئْتُ ثَلَاثاً كُلَّ ذَلِكَ يَرُدُّنِي أَنَسٌ فَقَالَ لِمَ رَدَدْتَ عَلِيّاً فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي سَمِعْتُ دَعْوَتَكَ فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَفْتَخِرَ بِهِ إِلَى الْأَبَدِ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)اللَّهُمَّ ارْمِ أَنَساً بِوَضَحٍ لَا يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فَظَهَرَ عَلَيَّ هَذَا الَّذِي تَرَى وَ هِيَ دَعْوَةُ عَلِيٍّ.

بيان في سائر الأخبار أن دعوة أمير المؤمنين(ع)عليه حين استشهده فأبى أن يشهد و هذا من الأخبار المتواترة و مما احتج به يوم الشورى فصدقوه و يدل على أنه(ع)أفضل جميع خلق الله و خرج الرسول(ص)بالإجماع و النصوص المتواترة

302

فيدل على فضله على الملائكة و كل من قال بفضله قال بفضل سائر الأئمة و جميع الأنبياء(ع)فثبت فضل الجميع.

12- وَ مِنَ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْقَنَّادِ عَنْ هِشَامِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)عَلِيٌّ أَفْضَلُ مَنْ خَلَقَ اللَّهُ غَيْرِي وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ أَبُوهُمَا خَيْرٌ مِنْهُمَا وَ إِنَّ فَاطِمَةَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ وَ لَوْ أَنَّ لِفَاطِمَةَ خَيْراً مِنْ عَلِيٍّ لَمْ أُزَوِّجْهَا مِنْهُ.

13- وَ مِنْهُ، عَنِ ابْنِ شَاذَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ نَصْرِ بْنِ مُزَاحِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْأَشْعَثِ عَنْ مُرَّةَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: نَظَرَ النَّبِيُّ(ص)إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَقَالَ خَيْرُ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ هَذَا سَيِّدُ الصِّدِّيقِينَ وَ سَيِّدُ الْوَصِيِّينَ وَ إِمَامُ الْمُتَّقِينَ وَ قَائِدُ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَاءَ عَلَى نَاقَةٍ مِنْ نُوقِ الْجَنَّةِ قَدْ أَضَاءَتِ الْقِيَامَةُ مِنْ نُورِهَا عَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ مُرَصَّعٌ بِالزَّبَرْجَدِ وَ الْيَاقُوتِ فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَ يَقُولُ النَّبِيُّونَ هَذَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ تَحْتِ بُطْنَانِ الْعَرْشِ هَذَا الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ هَذَا وَصِيُّ حَبِيبِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَيَجِي‏ءُ عَلِيٌّ حَتَّى يَقِفَ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ فَيُخْرِجُ مِنْهَا مَنْ يُحِبُّ وَ يَأْتِي أَبْوَابَ الْجَنَّةِ فَيُدْخِلُ فِيهَا أَوْلِيَاءَهُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

14- وَ مِنْهُ، عَنِ ابْنِ شَاذَانَ عَنِ الْحَسَنِ‏ (1) بْنِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عِيسَى بْنِ مِهْرَانَ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبَايَةَ عَنْ حُمَيْدٍ الْمَغْرِبِيِّ قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَنَا سَيِّدُ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ وَ أَنْتَ يَا عَلِيُّ سَيِّدُ الْخَلَائِقِ بَعْدِي أَوَّلُنَا كَآخِرِنَا.

أقول: الاستدلال بهذه الأخبار بتقريب ما مر.

____________

(1) الحسين (خ).

303

15- وَ مِنَ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ، عَنِ ابْنِ شَاذَانَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْرُوقٍ اللَّحَّامِ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلَوِيَّةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ حَرِيزِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ‏ لَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ مَا مَرَرْتُ بِمَلَإٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا سَأَلَتْنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ اسْمَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي السَّمَاوَاتِ أَشْهَرُ مِنِ اسْمِي فَلَمَّا بَلَغْتُ السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ وَ نَظَرْتُ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ قَالَ لِي يَا مُحَمَّدُ مَا خَلَقَ اللَّهُ خَلْقاً إِلَّا وَ أَنَا أَقْبِضُ رُوحَهُ إِلَّا أَنْتَ وَ عَلِيٌّ فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ يَقْبِضُ أَرْوَاحَكُمَا بِقُدْرَتِهِ وَ جُزْتُ تَحْتَ الْعَرْشِ إِذْ أَنَا (1) بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَاقِفاً تَحْتَ الْعَرْشِ فَقُلْتُ يَا عَلِيُّ سَبَقْتَنِي فَقَالَ جَبْرَئِيلُ مَنْ هَذَا الَّذِي تُكَلِّمُهُ يَا مُحَمَّدُ فَقُلْتُ هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ لَيْسَ هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ لَكِنَّهُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى صُورَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَنَحْنُ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ كُلَّمَا اشْتَقْنَا إِلَى وَجْهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)زُرْنَا هَذَا الْمَلَكَ لِكَرَامَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ.

أقول: دلالته أولا و آخرا على فضله لا يخفى على المتأمل و دلت عليه الأخبار المستفيضة الدالة على مباهاة الله به(ع)ليلة المبيت و يوم أحد و قول جبرئيل(ع)أنا منكما.

16- الْعُيُونُ، وَ الْعِلَلُ، وَ كَمَالُ الدِّينِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْهَاشِمِيِّ عَنْ فُرَاتِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي الصَّلْتِ الْهَرَوِيِّ عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ خَلْقاً أَفْضَلَ مِنِّي وَ لَا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنِّي قَالَ عَلِيٌّ(ع)فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَنْتَ أَفْضَلُ أَوْ جَبْرَئِيلُ فَقَالَ(ص)يَا عَلِيُّ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فَضَّلَ أَنْبِيَاءَهُ الْمُرْسَلِينَ عَلَى مَلَائِكَتِهِ الْمُقَرَّبِينَ وَ فَضَّلَنِي عَلَى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ وَ الْمُرْسَلِينَ وَ الْفَضْلُ بَعْدِي لَكَ يَا عَلِيُّ وَ لِلْأَئِمَّةِ(ع)مِنْ بَعْدِكَ وَ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَخُدَّامُنَا وَ خُدَّامُ مُحِبِّينَا يَا عَلِيُ‏ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ‏

____________

(1) اذا انا (خ).

304

يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ‏ ... وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِوَلَايَتِنَا يَا عَلِيُّ لَوْ لَا نَحْنُ مَا خُلِقَ آدَمُ وَ لَا حَوَّاءُ وَ لَا الْجَنَّةُ وَ لَا النَّارُ وَ لَا السَّمَاءُ وَ لَا الْأَرْضُ فَكَيْفَ لَا نَكُونُ أَفْضَلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَ قَدْ سَبَقْنَاهُمْ إِلَى مَعْرِفَةِ رَبِّنَا وَ تَسْبِيحِهِ وَ تَهْلِيلِهِ وَ تَقْدِيسِهِ وَ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ فَكَيْفَ لَا نَكُونُ أَفْضَلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَ قَدْ سَجَدُوا لِآدَمَ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ لِكَوْنِنَا فِي صُلْبِهِ وَ إِنَّهُ لَمَّا عُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ أَذَّنَ جَبْرَئِيلُ مَثْنَى مَثْنَى وَ أَقَامَ مَثْنَى مَثْنَى ثُمَّ قَالَ لِي تَقَدَّمْ يَا مُحَمَّدُ فَقُلْتُ لَهُ يَا جَبْرَئِيلُ أَتَقَدَّمُ عَلَيْكَ فَقَالَ نَعَمْ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فَضَّلَ أَنْبِيَاءَهُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ (1) أَجْمَعِينَ وَ فَضَّلَكَ خَاصَّةً إِلَى آخِرِ الْخَبَرِ بِطُولِهِ‏ (2).

17- الْعِلَلُ، بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَمْرِو بْنِ جُمَيْعٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: كَانَ جَبْرَئِيلُ(ع)إِذَا أَتَى النَّبِيَّ(ص)قَعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَعْدَةَ (3) الْعَبِيدِ وَ كَانَ لَا يَدْخُلُ حَتَّى يَسْتَأْذِنَهُ‏ (4).

18- الِاحْتِجَاجُ، وَ تَفْسِيرُ الْإِمَامِ، قَالَ: سَأَلَ الْمُنَافِقُونَ النَّبِيَّ(ص)فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنَا عَنْ عَلِيٍّ هُوَ أَفْضَلُ أَمْ مَلَائِكَةُ اللَّهِ الْمُقَرَّبُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ هَلْ شُرِّفَتِ الْمَلَائِكَةُ إِلَّا بِحُبِّهَا لِمُحَمَّدٍ وَ عَلِيٍّ وَ قَبُولِهَا لِوَلَايَتِهِمَا إِنَّهُ لَا أَحَدَ مِنْ مُحِبِّي عَلِيٍّ نَظَّفَ قَلْبَهُ مِنْ قَذَرِ الْغِشِّ وَ الدَّغَلِ وَ الْغِلِّ وَ نَجَاسَةِ الذُّنُوبِ إِلَّا كَانَ أَطْهَرَ وَ أَفْضَلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْخَبَرَ (5).

19- كَمَالُ الدِّينِ، بِإِسْنَادِهِ إِلَى الرِّضَا(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَنَا سَيِّدُ مَنْ خَلَقَ اللَّهُ وَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ جَبْرَئِيلَ وَ إِسْرَافِيلَ وَ حَمَلَةِ الْعَرْشِ وَ جَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ الْمُرْسَلِينَ الْحَدِيثَ.

____________

(1) في العلل: ملائكته.

(2) علل الشرائع: ج 1،(ص)6، العيون: ج 1،(ص)262.

(3) في المصدر: العبد.

(4) علل الشرائع: ج 1،(ص)7.

(5) الاحتجاج: 31.

305

و أقول الأخبار في ذلك كثيرة قد أوردناها في أبواب فضائل النبي(ص)و الأئمة(ع)فيرجع إليها.

تذييل‏

قال السيد الأجل المرتضى في كتاب الغرر بعد أن سئل عن تفسير قوله تعالى‏ خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ‏ قد ذكر في هذه الآية وجوه من التأويل نحن نذكرها و نرجح الأرجح منها فأولها أن يكون معنى القول المبالغة في وصف الإنسان بكثرة العجلة و أنه شديد الاستعجال لما يؤثره من الأمور لهج باستدناء ما يجلب إليه نفعا أو يدفع عنه ضررا و لهم عادة في استعمال مثل هذا اللفظ عند المبالغة كقولهم لمن يصفونه بكثرة النوم ما خلقت إلا من نوم و ما خلق فلان إلا من شر إذا أرادوا كثرة وقوع الشر منه و ربما قالوا إنما أنت أكل و شرب و ما أشبه ذلك قالت الخنساء تصف بقرة

ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت‏* * * و إنما هي إقبال و إدبار.

و إنما أرادت ما ذكرناه من كثرة وقوع الإقبال و الإدبار منها و يشهد لهذا التأويل قوله عز و جل في موضع آخر وَ كانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا و يطابقه أيضا قوله تعالى‏ فَلا تَسْتَعْجِلُونِ‏ لأن وصفهم بكثرة العجلة و أن من شأنهم فعلها توبيخا لهم و تقريعا ثم نهاهم عن الاستعجال باستدعاء الآيات من حيث كانوا متمكنين من مفارقة طريقتهم في الاستعجال و قادرين على التثبت و التأيد.

و ثانيها ما أجاب به أبو عبيدة و قطرب بن المستنير و غيرهما من أن في الكلام قلبا و المعنى خلق العجل من الإنسان و استشهدوا على ذلك بقوله سبحانه‏ وَ قَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ أي قد بلغت الكبر و بقوله تعالى‏ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ و المعنى أن العصبة تنوء بها و تقول العرب عرضت الناقة على الحوض و إنما هو عرضت الحوض على الناقة ثم ذكر ره شواهد و أبياتا كثيرة في ذلك ثم قال و يبقى على صاحب هذا الجواب مع التغاضي له عن حمل كلامه تعالى على القلب أن‏

306

يقال و ما المعنى و الفائدة في قوله عز و جل خلق العجل من الإنسان أ تريدون بذلك أن الله تعالى خلق العجلة في الإنسان و هذا لا يجوز لأن العجلة فعل من أفعال الإنسان فكيف تكون مخلوقة فيه لغيره و لو كان كذلك لما جاز أن ينهاهم عن الاستعجال في الآية فيقول‏ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ‏ لأنه لا ينهاهم عما خلقه فيهم فإن قالوا لم يرد أنه تعالى خلقها لكنه أراد كثرة فعل الإنسان لها و أنه لا يزال يستعملها قيل لهم هذا هو الجواب الذي قدمناه من غير حاجة إلى القلب و التقديم و التأخير و إذا كان هذا المعنى يتم و ينتظم على ما ذكرناه من غير قلب فلا حاجة بنا إليه و قد ذكر أبو القاسم البلخي هذا الجواب في تفسيره و اختاره و قواه و سأل نفسه عنه و قال كيف جاز أن يقول‏ فَلا تَسْتَعْجِلُونِ‏ و هو خلق العجلة فيهم و أجاب بأنه قد أعطاهم قدرة على مغالبة طبائعهم و كفها و قد يكون الإنسان مطبوعا عليها و هو مع ذلك مأمور بالتثبت قادر على أن يجانب العجلة و ذلك كخلقه في البشر شهوة النكاح و أمرهم في كثير من الأوقات بالامتناع منه و هذا الذي ذكره البلخي تصريح بأن المراد بالعجل غيره و هو الطبع الداعي إليه و الشهوة المتناولة له و يجب أيضا أن يكون المراد بمن هاهنا في لأن شهوة العجل لا تكون مخلوقة من الإنسان و إنما تكون فيه و هذا تجوز على تجوز و توسع على توسع لأن القلب أولا مجاز ثم هو من بعيد المجاز و ذكر العجل و المراد به غيره مجاز آخر و إقامة من مقام في كذلك على أنه تعالى إذا نهاهم عن العجلة بقوله عز و جل‏ فَلا تَسْتَعْجِلُونِ‏ أي معنى لتقديم قوله إني خلقت شهوة العجلة فيهم و الطبع الداعي إليها على ما عبر به البلخي و هذا إلى أن يكون عذرا لهم أقرب منه إلى أن يكون حجة عليهم و أيسر الأحوال أن لا يكون عذرا و لا احتجاجا فلا يكون لتقديمه معنى و في الجواب الأول حسن تقديم ذلك على طريق الذم و التوبيخ و التقريع من غير إضافة له إليه عز و جل فالجواب الأول أوضح و أصح.

و ثالثها جواب روي عن الحسن قال يعني بقوله‏ مِنْ عَجَلٍ‏ أي من ضعف و هي النطفة المنتنة المهينة الضعيفة و هذا قريب إن كان في اللغة شاهد على أن العجل‏

307

يكون عبارة عن الضعف أو عن معناه. و رابعها ما حكي أن أبا الحسن الأخفش أجاب به و هو أن يكون المراد أن الإنسان خلق من تعجيل الأمر لأنه تعالى قال‏ إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏ (1) فإن قيل كيف يطابق هذا الجواب قوله من بعد فَلا تَسْتَعْجِلُونِ‏ قلنا يمكن أن يكون وجه المطابقة أنه لما استعجلوا بالآيات و استبطئوها أعلمهم تعالى أنه ممن لا يعجزه شي‏ء إذا أراده و لا يمتنع عليه و أن من خلق الإنسان بلا كلفة و لا مئونة بأن قال له كن فكان مع ما فيه من بدائع الصنعة و عجائب الحكمة التي يعجز عنها كل قادر و يحار فيها كل ناظر لا يعجزه إظهار ما استعجلوه من الآيات.

و خامسها ما أجاب به بعضهم من أن العجل الطين فكأنه تعالى قال خلق الإنسان من طين كما قال في موضع آخر بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ‏ (2) و استشهد بقول الشاعر.

و النبع يخرج بين الصخر ضاحية* * * و النخل ينبت بين الماء و العجل.

و وجدنا قوما يطعنون في هذا الجواب و يقولون ليس بمعروف أن العجل هو الطين و قد حكى صاحب كتاب العين عن بعضهم أن العجل الحمأة و لم يستشهد عليه إلا أن البيت الذي أنشدناه يمكن أن يكون شاهدا له و قد رواه تغلب عن ابن الأعرابي و خالف في شي‏ء من ألفاظه و إذا صح هذا الجواب فوجه المطابقة بين ذلك و بين قوله تعالى‏ فَلا تَسْتَعْجِلُونِ‏ على نحو ما ذكرناه و هو أن من خلق الإنسان مع الحكمة الظاهرة فيه من الطين لا يعجزه إظهار ما استعجلوه من الآيات أو يكون المعنى أنه لا يجب بمن خلق من الطين المهين و كان أصله هذا الأصل الحقير الضعيف أن يهزأ برسل الله تعالى و آياته و شرائعه لأنه تعالى قال قبل هذه الآية وَ إِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ‏ (3)

____________

(1) النحل: 40.

(2) ألم السجدة: 7.

(3) الأنبياء: 36.

308

و سادسها أن يكون المراد بالإنسان آدم(ع)و معنى‏ مِنْ عَجَلٍ‏ أي في سرعة من خلقه لأنه تعالى لم يخلقه‏ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ كما خلق غيره و إنما ابتدأه الله ابتداء و أنشأه إنشاء فكأنه تعالى نبه بذلك على الآية العجيبة في خلقه له و أنه عز و جل يري عباده من آياته و بيناته أولا ما تقتضيه مصالحهم و تستدعيه أحوالهم.

و سابعها ما روي عن مجاهد و غيره أن الله تعالى خلق آدم بعد خلق كل شي‏ء آخر نهار يوم الجمعة على سرعة معاجلا به غروب الشمس و روي أن آدم(ع)لما نفخت فيه الروح و بلغت أعالي جسده و لم تبلغ أسافله قال رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس.

و ثامنها ما

- روي عن ابن عباس و السدي أن آدم(ع)لما خلق و جعلت الروح في أكثر جسده وثب عجلان مبادرا إلى ثمار الجنة.

و قال قوم بل هم بالوثوب فهذا معنى قوله‏ خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ‏ و هذه الأجوبة الثلاثة المتأخرة مبنية على أن المراد بالإنسان فيها آدم(ع)دون غيره.

باب 40 آخر

نورد ما ذكره محمد بن بحر الشيباني المعروف بالدهني‏ (1) في كتابه من قول مفضلي الأنبياء و الرسل و الأئمة و الحجج على الملائكة (صلوات الله عليهم أجمعين) على ما

____________

(1) كذا في جميع نسخ البحار، و المشهور ضبطه بالراء المهملة المضمومة نسبة الى «رهنه» قرية بكرمان، و حكى ابن داود عن نسخة «الدهنى» بالدال قال النجاشيّ، محمد ابن بحر الرهنى: أبو الحسن الشيباني ساكن نرماشير من ارض كرمان. قال أصحابنا انه كان في مذهبه ارتفاع، و حديثه قريب من السلامة، و لا ادرى من اين قيل و قال في محكى الفهرست، محمّد بن بحر الرهنى من أهل سجستان و كان من المتكلّمين و كان عالما بالاخبار فقيها الا انه متهم بالغلو و له نحو من خمسمائة مصنف و رسالة- انتهى- و الظاهر ان منشأ اتهامه بالغلو مبالغته في تفضيل الأئمّة و علو رتبتهم (عليهم السلام) و لم يثبت منه قول بحلول او اتّحاد أو تفويض و نحوها فلا يبعد كونه حسنا.

309

أورده الصدوق ره في كتاب علل الشرائع ناقلا عنه حيث قال قال مفضلو الأنبياء و الرسل و الحجج على الملائكة أنا نظرنا إلى جميع ما خلق الله عز و جل من شي‏ء علا علوا طبعا و اختيارا أو علي به قسرا و اضطرارا و ما سفل شي‏ء طبعا و اختيارا أو ما سفل به قصرا و اضطرارا فإذا هي ثلاثة أشياء بإجماع حيوان نام و جماد و أفلاك سائرة و بالطبع الذي طبعها عليه صانعها دائرة و في ما دونها عن إرادة خالقها مؤثرة و أنهم نظروا في الأنواع الثلاثة و في الأشياء التي هي أجناس منقسمة إلى جنس الأجناس الذي هو شي‏ء إذ يعطي كل شي‏ء اسمه.

قالوا و نظرنا أي الثلاثة هو نوع لما فوقه و جنس لما تحته أنفع و أرفع و أيها أدون و أوضع فوجدنا أرفع الثلاثة الحيوان و ذلك بحق الحياة التي بان بها النامي و الجماد و إنما رفعة الحيوان عندنا في حكمة الصانع و ترتيبها إن الله تقدست أسماؤه جعل النامي له أغذاء و جعل له عند كل داء دواء و في ما قدر له صحة و شفاء فسبحانه ما أحسن ما دبره في ترتيب حكمته إذ الحيوان الرفيع مما دونه يغذو و منه لوقاية الحر و البرد يكسو و عليه أيام حياته ينشو و جعل الجماد له مركزا و مكديا فامتهنه له امتهانا و جعل له مسرحا و أكنانا و مجامع و بلدانا و مصانع و أوطانا و جعل له حزنا محتاجا و سهلا محتاجا إليه و علوا ينتفع بعلوه و سفلا ينتفع به و بمكاسبه برا و بحرا فالحيوان مستمتع فيستمتع بما جعل له فيه من وجوه المنفعة و الزيادة و الزبول عند الزبول‏ (1) و تتخذ المركز عند التجسيم و التأليف من الجسم المؤلف‏ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ‏ قالوا ثم إنا نظرنا فإذا الله عز و جل قد جعل المتخذ بالروح و النمو و الجسم أعلى و أرفع مما يتخذ بالنمو و الجسم و التأليف و التصريف ثم جعل الحي الذي هو بالحياة التي هي غيره نوعين ناطقا و أعجم ثم أبان الناطق من الأعجم بالنطق و البيان اللذين جعلهما له فجعله أعلى منه بفضيلة النطق و البيان ثم جعل‏

____________

(1) في بعض النسخ «الذبول» فى الموضعين، و في نسخة «الذلول» فى الموضع الثاني.

310

الناطق نوعين حجة و محجوجا فجعل الحجة أعلى من المحجوج لإبانة الله الحجة و اختصاصه إياه بعلم علوي يخصه له دون المحجوجين فجعله معلما من جهة باختصاصه إياه و علما بأمره إياه أن يعلم بأن الله عز و جل معلم الحجة دون أن يكله إلى أحد من خلقه فهو متعال به و بعضهم يتعالى على بعض بعلم يصل إلى المحجوجين من جهة الحجة.

قالوا ثم رأينا أصل الشي‏ء الذي هو آدم فوجدناه قد جعله علما على كل روحاني خلقه قبله و جسماني ذرأه و برأه منه فعلمه علما خصه به لم يعلمهم قبل و لا بعد و فهمه فهما لم يفهمهم قبل و لا بعد ثم جعل ذلك العلم الذي علمه ميراثا فيه لإقامة الحجج من نسله على نسله ثم جعل آدم لرفعة قدره و علو أمره للملائكة الروحانيين قبله و أقامه لهم محنة فابتلاهم بالسجود إليه فجعل لا محالة من أسجد له أعلى و أفضل ممن أسجدهم و لأن من جعل بلوى و حجة أفضل ممن حجهم به و لأن إسجاده جل و عز إياهم للخضوع ألزمهم الاتضاع منهم له و المأمورين بالاتضاع بالخضوع و الخشوع و الاستكانة دون من أمرهم بالخضوع له أ لا ترى إلى من أبى الائتمار لذلك الخضوع و لتلك الاستكانة فأبى و استكبر و لم يخضع لمن أمره له بالخضوع كيف لعن و طرد عن الولاية و أدخل في العداوة فلا يرجى له من كبوته الإقالة آخر الأبد فرأينا السبب الذي أوجب الله عز و جل لآدم عليهم فضلا فإذا هو العلم خصه الله عز و جل دونهم فعلمه الأسماء و بين له الأشياء فعلا بعلمه من لا يعلم ثم أمره جل و عز أن يسألهم سؤال تنبيه لا سؤال تكليف عما علمه بتعليم الله عز و جل إياه مما لم يكن علمهم ليريهم جل و عز علو منزلة العلم و رفعة قدره كيف خص العلم محلا و موضعا اختاره له و أبان ذلك المحل عنهم بالرفعة و الفضل.

ثم علمنا أن سؤال آدم إياهم عما سألهم عنه مما ليس في وسعهم و طوقهم الجواب عنه سؤال تنبيه لا سؤال تكليف لأنه جل و عز لا يكلف ما ليس في وسع المكلف القيام به فلما لم يطيقوا الجواب عما سألوا علمنا أن السؤال كان كالتقرير منه لهم يقرن‏ (1)

____________

(1) في العلل: يقرر.

311

به اتضاعهم بالجهالة عما علمه إياه و علو خطره و قدره و اختصاصه‏ (1) إياه بعلم لم يخصهم به فالتزموا الجواب بأن قالوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا (2) ثم جعل الله عز و جل آدم(ع)معلم الملائكة بقوله‏ أَنْبِئْهُمْ‏ لأن الإنباء من النبأ تعليم و الأمر بالإنباء من الأمر تكليف يقتضي طاعة و عصيانا و الإصغاء من الملائكة للتعليم و التوقيف و التفهيم و التعريف تكليف يقتضي طاعة و عصيانا فمن ذهب منكم إلى فضل المتعلم على المعلم و الموقف على الموقف و المعرف على المعرف كان في تفضيله تعكيس لحكمة الله عز و جل و قلب لترتيبها التي رتبها الله عز و جل فإنه على قياد مذهبه أن تكون الأرض التي هي المركز أعلى من النامي الذي هو عليها الذي فضله الله عز و جل بالنمو و النامي أفضل و أعلى من الحيوان الذي فضله الله جل جلاله بالحياة و النمو و الروح و الحيوان الأعجم الخارج عن التكليف و الأمر و الزجر أعلى و أفضل من الحيوان الناطق المكلف للأمر و الزجر و الحيوان الذي هو المحجوج أعلى من الحجة التي هي حجة الله عز و جل فيها و المتعلم أعلى من المعلم و قد جعل الله عز و جل آدم حجة على كل من خلق من روحاني و جسماني إلا من جعل له أولية الحجة

فَقَدْ رُوِيَ لَنَا أَنَّ حَبِيبَ بْنَ مُظَاهِرٍ الْأَسَدِيَّ بَيَّضَ اللَّهُ وَجْهَهُ‏ أَنَّهُ قَالَ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)أَيَّ شَيْ‏ءٍ كُنْتُمْ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ آدَمَ(ع)قَالَ كُنَّا أَشْبَاحَ نُورٍ نَدُورُ حَوْلَ عَرْشِ الرَّحْمَنِ فَنُعَلِّمُ لِلْمَلَائِكَةِ التَّسْبِيحَ وَ التَّهْلِيلَ وَ التَّحْمِيدَ.

و لهذا تأويل دقيق ليس هذا مكان شرحه و قد بيناه في غيره.

قال مفضلو الملائكة إن مدار الخلق روحانيا كان أو جسمانيا على الدنو من الله عز و جل و الرفعة و العلو و الزلفة و السمو و قد وصف الله جلت عظمته الملائكة من ذلك بما لم يصف به غيرهم ثم وصفهم بالطاعة التي عليها موضع الأمر و الزجر و الثواب و العقاب فقال عز و جل‏ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ‏ (3)

____________

(1) باختصاصه (خ).

(2) البقرة: 32.

(3) التحريم: 6.

312

ثم جعل محلهم الملكوت الأعلى فبراهينهم على توحيده أكثر و أدلتهم عليه أشهر و أوفر و إذا كان ذلك كذلك كان حظهم من الزلفة أجل و من المعرفة بالصانع أفضل.

قالوا ثم رأينا الذنوب و العيوب الموردة النار و دار البوار كلها من الجنس الذي فضلتموه على من قال الله عز و جل في نعتهم لما نعتهم و وصفهم بالطاعة لما وصفهم‏ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ‏ قالوا كيف يجوز فضل جنس فيهم كل عيب و لهم كل ذنب على من لا عيب فيهم و لا ذنب منهم لا صغائر و لا كبائر.

و الجواب أن مفضلي الأنبياء و الحجج(ع)قالوا إنا لا نفضل هاهنا الجنس على الجنس و لكنا فضلنا النوع على النوع من الجنس كما أن الملائكة كلهم ليسوا كإبليس و هاروت و ماروت لم يكن البشر كلهم كفرعون الفراعنة و كشياطين الإنس المرتكبين المحارم المقدمين على المأثم و أما قولكم في الزلفة و القربة فإنكم إن أردتم زلفة المسافات و قربة المداناة فالله عز و جل أجل و مما توهمتموه أنزه و في الأنبياء و الحجج من هو أقرب إلى قربه بالصالحات و القربات‏ (1) الحسنات و بالنيات الطاهرات من كل خلق خلقهم و القرب و البعد من الله جلت عظمته بالمسافة و المدى تشبيه له بخلقه و هو من ذلك نزيه.

و أما قولهم في الذنوب و العيوب فإن الله جلت أسماؤه جعل الأمر و الزجر أسبابا و عللا و الذنوب و المعاصي وجوها فالله جل جلاله هو الذي جعل قاعدة الذنوب من جميع المذنبين من الأولين و الآخرين إبليس و هو من حزب الملائكة و ممن كان في صفوفهم و هو رأس الأبالسة و هو الداعي إلى عصيان الصانع و الموسوس و المزين لكل من تبعه و قبل منه و ركن إليه الطغيان و قد أمهل الملعون لبلوى أهل البلوى في دار الابتلاء فكم من برية نبيه و في طاعة الله عز و جل وجيه و عن معصيته بعيد و قد أقمأ إبليس و أقصاه و زجره و نفاه فلم يلوله على أمر إذا أمره و لا انتهى عن زجر إذا زجر له لمات في قلوب الخلق مكافئ من المعاصي لمات الرحمن فلمات الرحمن‏

____________

(1) العزمات (خ).

313

دافعة للماته و وسوسته و خطراته و لو كانت المحنة بالملعون واقعة بالملائكة و الابتلاء به قائما كما قام في البشر و دائما كما دام لكثرت من الملائكة المعاصي و قلت فيهم الطاعات إذا تمت فيهم الآلات فقد رأينا المبتلي من صفوف‏ (1) الملائكة بالأمر و الزجر مع آلات الشهوات كيف انخدع بحيث دنا من طاعته و كيف بعد مما لم يبعد منه الأنبياء و الحجج الذين اختارهم الله على علم على العالمين إذ ليست هفوات البشر كهفوة إبليس في الاستكبار و فعل هاروت و ماروت في ارتكاب المزجور.

قال مفضلو الملائكة إن الله جل جلاله وضع الخضوع و الخشوع و التضرع و الخنوع حلية فجعل مداها و غايتها آدم(ع)ففازت الملائكة في هذه الحلية و أخذوا منها بنصيب الفضل و السبق فجعل للطاعة فأطاعوا الله فيه و لو كان هناك بنو آدم لما أطاعوه فيما أمر و زجر كما لم يطعه قابيل فصار إمام كل قاتل.

جواب مفضلي الأنبياء و الحجج(ع)قالوا إن الابتلاء الذي ابتلى به الله عز و جل الملائكة من الخشوع و الخضوع لآدم عن غير شيطان مغو و عدو مطغي فاصل بغوايته بين الطائعين و العاصين و المقيمين على الاستقامة عن الميل و عن غير آلات المعاصي التي هي الشهوات المركبات في عباده المبتلين و قد ابتلي من الملائكة من ابتلي فلم يعتصم بعصمة الله الوثقى بل استرسل للخادع الذي كان أضعف منها

- وَ قَدْ رُوِّينَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ فِي الْمَلَائِكَةِ مَنْ بَاقَةُ بَقْلٍ خَيْرٌ مِنْهُ وَ الْأَنْبِيَاءُ وَ الْحُجَجُ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لَهُمْ وَ فِيهِمْ مَا جَهِلْنَاهُ.

و قد أقر مفضلو الملائكة بالتفاضل بينهم كما أقر بالتفاضل بين ذوي الفضل من البشر و من قال إن الملائكة جنس من خلق الله عز و جل تقل فيهم العصاة كهاروت و ماروت و كإبليس اللعين إذ الابتلاء فيهم قل‏ (2) فليس ذلك بموجب أن يكون فاضلهم أفضل من فاضل البشر الذين جعل الله عز و جل الملائكة خدمهم إذا صاروا إلى دار المقامة التي ليس فيها حزن و لا هم و لا نصب و لا سقم و لا فقر.

____________

(1) في المصدر: صنوف.

(2) في المصدر: قليل.

314

قال مفضلو الملائكة إن الحسن البصري يقول إن هاروت و ماروت علجان من أهل بابل و أنكر أن يكونا من الملائكة فلم تعترضونا بالحجة بهما و بإبليس فتحتجون علينا بجني فيه.

قال مفضلو الأنبياء و الحجج(ع)ليس شذوذ الحسن عن جميع المفسرين من الأمة بموجب أن يكون ما يقول كما يقول و أنتم تعلمون أن الشي‏ء لا يستثنى إلا من جنسه و تعلمون أن الجن سموا جنا لاجتنانهم عن الرؤية إلا إذا أرادوا الترائي بما جعل الله عز و جل فيهم من القدرة على ذلك و أن إبليس من صفوف‏ (1) الملائكة و غير جائز في كلام العرب أن يقول قائل جاءت الإبل كلها إلا حمارا و وردت البقر كلها إلا فرسا فإبليس من جنس ما استثني و قول الحسن في هاروت و ماروت بأنهما علجان من أهل بابل شذوذ شذ به عن جميع أهل التفسير و قول الله عز و جل يكذبه إذ قال‏ وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ‏ بفتح اللام‏ بِبابِلَ هارُوتَ وَ مارُوتَ‏ و ليس في قولكم عن قول الحسن فرج لكم فادعوا (2) ما لا فائدة فيه من علة و لا عائدة من حجة قال مفضلو الملائكة قد علمتم ما للملائكة في كتاب الله عز و جل من المدح و الثناء مما بانوا به عن خلق الله جل و علا إذ لو لم يكن فيه إلا قوله‏ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ‏ (3) قال مفضلو الأنبياء و الحجج(ع)لو استقصينا آي القرآن في تفضيل الأنبياء و الحجج (صلوات الله عليهم أجمعين) لاحتجنا لذلك إلى التطويل و الإكثار و ترك الإيجاز و الاختصار و في ما جئنا به من الحجج النظرية التي تزيح العلل من الجميع مقنع إذ ذكرنا ترتيب الله عز و جل خلقه فجعل الأرض دون النامي و النامي أعلى و أفضل من الأرض و جعل النامي دون الحيوان و الحيوان أعلى و أرفع من النامي‏

____________

(1) في المصدر: صنوف.

(2) فدعوا (خ).

(3) الأنبياء: 26- 27. و في المصدر بعد ذكر الآية «لكفى».

315

و جعل الحيوان الأعجم دون الناطق و جعل الحيوان الناطق أفضل من الحيوان الأعجم و جعل الحيوان الجاهل الناطق دون الحيوان العالم الناطق و جعل الحيوان العالم الناطق المحجوج دون الحيوان العالم الحجة و يجب على هذا الترتيب أن المعرب المبين أفضل من الأعجم غير الفصيح و يكون المأمور المزجور مع تمام الشهوات و ما فيهم من طباع حب اللذات و منع النفس من الطلبات و البغيات و مع البلوى بعدو يمهل يمتحن بمعصيته إياه و هو يزينها له محسنا بوسوسته في قلبه و عينه أفضل من المأمور المزجور مع فقد آلة الشهوات و عدم معاداة هذا المتوصل له بتزيين المعاصي و الوسوسة إليه ثم هذا الجنس نوعان حجة و محجوج و الحجة أفضل من المحجوج و لم يحجج آدم الذي هو أصل البشر بواحد من الملائكة تفضيلا من الله عز و جل إياه عليهم و حجج جماهير الملائكة بآدم فجعله العالم بما لم يعلموا و خصه بالتعليم ليبين لهم أن المخصوص بما خصه به مما لم يخصهم أفضل من غير المخصوص بما لم يخصه به و هذا الترتيب حكمة الله عز و جل فمن ذهب يروم إفسادها ظهر منه عناد من مذهبه و إلحاد في طلبه فانتهى الفضل إلى محمد(ص)لأنه ورث آدم و جميع الأنبياء و لأنه الاصطفاء الذي ذكره الله عز و جل فقال‏ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ‏ (1) فمحمد الصفوة و الخالص نجيب النجابة (2) من آل إبراهيم فصار خير آل إبراهيم بقوله‏ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ‏ و اصطفى الله جل جلاله آدم ممن اصطفاه عليهم من روحاني و جسماني‏ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ و صلى الله على محمد و آله و حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ‏ قال الصدوق إنما أردت أن تكون هذه الحكاية في هذا الكتاب و ليس قولي في إبليس إنه كان من الملائكة بل كان من الجن إلا أنه كان يعبد الله بين الملائكة و هاروت و ماروت ملكان و ليس قولي فيهما قول أهل الحشو بل كانا عندي معصومين‏

____________

(1) آل عمران: 33.

(2) في المصدر: النجباء.

316

و معنى هذه الآية وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى‏ مُلْكِ سُلَيْمانَ‏ الآية (1) إنما هو و اتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان و على ما أنزل على الملكين ببابل هاروت و ماروت و قد أخرجت في ذلك خبرا مسندا في كتاب عيون الأخبار عن الرضا(ع)(2).

توضيح قوله و جماد لعل مراده بالجماد غير الحيوان ليشمل النبات و كأنه كان هكذا حيوان و نام و جماد فقوله و أفلاك عطف على ثلاثة أو على جماد و هما قسم واحد لأن الأفلاك أيضا على مذهب أهل الحق من الجماد قوله إلى جنس الأجناس الظرف متعلق بنظروا و يحتمل تعلقه بمنقسمه على شبه القلب أي هي أقسامه كأنه جعل جنس الأجناس مفهوم الشيئية و لا يقول بإطلاق الشي‏ء على الواجب تعالى شأنه و فيه نظر من وجوه و يحتمل أن تكون كلمة إذ زائدة فتأمل.

قوله هو نوع صفة للثلاثة أي كل منها بأن بها النامي أي من النامي جعل النامي له أي للحيوان و جعل له أي جعله له و كأنه كان كذلك قوله و مكديا كذا في النسخ و كأنه من الكدية قال في النهاية الكدية قطعة غليظة صلبة لا يعمل فيها الفاس و أكدى الحافر إذا بلغها

وَ فِيهِ‏ إِنَّ فَاطِمَةَ خَرَجَتْ فِي تَعْزِيَةِ بَعْضِ جِيرَانِهَا فَلَمَّا انْصَرَفَتْ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)لَعَلَّكِ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الْكُدَى.

أراد المقابر و ذلك لأنها كانت مقابرهم في مواضع صلبة و هي جمع كدية انتهى و يشبه أن يكون فيه تصحيف و المهنة بالكسر و الفتح و التحريك و ككلمة الحذق بالخدمة و امتهنه استعمله للمهنة ذكره الفيروزآبادي و قال المصنعة كالحوض يجمع فيه ماء المطر كالمصنع و المصانع الجمع و القرى و المباني من القصور و الحصون انتهى.

دون من أمرهم أي أدون منهم و المدى الغاية و يطلق على المسافة أيضا و في المصباح نبه بالضم نباهة شرف و هو نبيه و أقمأه صغره و أذله و

____________

(1) البقرة: 102.

(2) علل الشرائع: ج 1،(ص)19- 26. و الحديث الذي أشار إليه في العيون: ج 1(ص)267.

320

القيامة أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى‏ ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى‏ أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى‏ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى‏ (1) الدهر هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (2) المرسلات‏ أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ إِلى‏ قَدَرٍ مَعْلُومٍ فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏ (3) النبأ وَ خَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (4) عبس‏ قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ‏ (5) الإنفطارما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ‏ (6) الطارق‏ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرائِبِ‏ (7) تفسير هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ‏ قال الطبرسي رحمه الله أي يخلق صوركم‏ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ على أي صورة شاء و على أي صفة شاء من ذكر و أنثى أو صبيح أو دميم أو طويل أو قصير لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ في سلطانه‏ الْحَكِيمُ‏ في أفعاله و دلت الآية على وحدانية الله سبحانه و تمام قدرته و كمال حكمته حيث صور الولد في رحم الأم على هذه الصفة و ركب فيه أنواع البدائع من غير آلة و لا كلفة و قد تقرر في عقل كل عاقل أن العالم لو اجتمعوا أن يجعلوا من الماء بعوضة و يصوروا منه صورة في حال ما يشاهدونه و يعرفونه لم يقدروا على ذلك و لا وجدوا إليه‏

____________

(1) القيامة: 37- 40.

(2) الدهر: 1- 2.

(3) المرسلات: 20- 24.

(4) النبأ: 8.

(5) عبس: 17- 23.

(6) الانفطار: 6- 8.

(7) الطارق: 5- 7.

319

فاطر وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَ ما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى‏ وَ لا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَ ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (1) يس‏ أَ وَ لَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ‏ (2) الزمر 6 يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ‏ (3) المؤمن‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَ لِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏ (4) حمعسق‏ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَ إِناثاً وَ يَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (5) النجم‏ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ‏ إلى قوله تعالى‏ وَ أَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى‏ مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى‏ (6) الواقعة أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ‏ (7) التغابن‏ وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (8) الملك‏ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ‏ (9) نوح‏ ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً إلى قوله تعالى‏ وَ اللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَ يُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً (10)

____________

(1) فاطر: 11.

(2) يس: 77.

(3) الزمر: 6.

(4) المؤمن: 67.

(5) الشورى: 49- 50.

(6) النجم: 32- 46.

(7) الواقعة: 58- 59.

(8) التغابن: 3.

(9) الملك: 23- 24.

(10) نوح: 13- 18.

317

في النهاية فيه فانطلق الناس لا يلوي أحد على أحد أي لا يلتفت و لا يعطف عليه و قال فيه لابن آدم لمتان لمة من الملك و لمة من الشيطان اللمة الهمة و الخطرة تقع في القلب أراد إلمام الملك أو الشيطان به و القرب منه فما كان من خطرات الخير فهو من الملك و ما كان من خطرات الشر فهو من الشيطان.

قوله من طاعته أي طاعة الشيطان و الهفوة الزلة و في النهاية الخانع الذليل الخاضع قوله حلية في أكثر النسخ بالياء المثناة و الأظهر أنه بالباء الموحدة في القاموس الحلبة بالفتح الدفعة من الخيل في الرهان و خيل تجمع للسباق من كل أوب لا تخرج من إصطبل واحد انتهى.

فجعل مداها و غايتها أي غاية الحلبة في السباق و على النسخة الأولى كان المعنى أنه كان قبلة للخنوع و الخضوع فجعل على بناء المجهول و الضمير للسبق أو آدم و في الصحاح استرسل إليه انبسط و استأنس و قال الباقة من البقل الحزمة منه و في المصباح العلج الرجل الضخم من كفار العجم و بعض العرب قد يطلق العلج على الكافر مطلقا قوله لاجتنانهم أي استتارهم و في الصحاح زاح الشي‏ء يزيح زيحا بعد و ذهب.

باب 41 بدء خلق الإنسان في الرحم إلى آخر أحواله‏

الآيات آل عمران‏ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏ (1) النساء يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَ نِساءً (2)

____________

(1) آل عمران: 6.

(2) النساء: 1.

318

الأنعام‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ‏ (1) هود هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها (2) الرعد اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى‏ وَ ما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَ ما تَزْدادُ وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (3) النحل‏ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ‏ (4) مريم‏ أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً (5) الحج‏ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَ نُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى‏ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً (6) المؤمنون‏ وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ‏ (7) الروم‏ وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ‏ (8) لقمان‏ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى‏ وَهْنٍ وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ‏ (9) التنزيل‏ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ‏ (10)

____________

(1) الأنعام: 2.

(2) هود: 61.

(3) الرعد: 8.

(4) النحل: 4.

(5) مريم: 67.

(6) الحجّ: 5.

(7) المؤمنون: 12- 16.

(8) الروم: 20.

(9) لقمان: 14.

(10) السجدة: 7- 9.

321

سبيلا فكيف يقدرون على الخلق في الأرحام‏ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‏ و هذا الاستدلال مروي عن جعفر بن محمد(ع)(1) مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ أي آدم‏ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها حواء كما مر وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَ نِساءً أي نشر و فرق من هاتين النفسين على وجه التناسل رجالا كثيرا و نساء و قال البيضاوي و اكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها إذ الحكمة تقتضي أن يكن أكثر و ذكر كثيرا حملا على الجمع‏ (2).

خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ‏ قيل أي ابتدأ خلقكم منه فإنه المادة الأولى أو إن آدم الذي هو أصل البشر خلق منه أو خلق أباكم فحذف المضاف إليه‏ (3) انتهى و يحتمل أن يكون المراد الطين الذي سيأتي في الأخبار أنه يذر في النطفة هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ‏ قيل أي هو كونكم منها لا غيره فإنه خلق آدم و مواد النطف التي خلق نسله منها من الأرض‏ وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها قيل أي عمركم فيها و استبقاكم من العمر أو أقدركم على عمارتها و أمركم بها و قيل هو من العمري بمعنى أعمركم فيها دياركم و يرثها منكم بعد انصرام أعماركم أو جعلكم معمرين دياركم تسكنونها مدة عمركم ثم تتركونها لغيركم.

اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى‏ قال الطبرسي رحمه الله يعلم ما في بطن كل حامل من ذكر أو أنثى تام أو غير تام و يعلم لونه و صفاته‏ وَ ما تَغِيضُ الْأَرْحامُ‏ أي يعلم الوقت الذي تنقصه الأرحام من المدة التي هي تسعة أشهر وَ ما تَزْدادُ على ذلك عن أكثر المفسرين و قيل ما تغيض الولد الذي تأتي به المرأة لأقل من ستة أشهر و ما تزداد الولد الذي تأتي به لأقصى مدة الحمل و قيل معناه ما تنقص الأرحام من دم الحيض و هو انقطاع الحيض و ما تزداد بدم النفاس بعد الوضع‏ (4).

____________

(1) مجمع البيان: ج 2،(ص)408.

(2) أنوار التنزيل: ج 1،(ص)255.

(3) أنوار التنزيل: ج 1،(ص)369.

(4) مجمع البيان: ج 6،(ص)280.

322

و قال البيضاوي أي و ما تنقصه و ما تزداد في الجنة و المدة و العدد و قيل المراد نقصان دم الحيض و ازدياده و غاض جاء لازما و متعديا و كذا ازداد (1). وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ قيل أي بقدر لا يجاوزه و لا ينقص عنه و في الأخبار أي بتقدير خلق الإنسان من نطفة قال البيضاوي من جماد لا حس بها و لا حراك سيالة لا تحفظ الوضع و الشكل‏ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ‏ منطيق‏ (2) مجادل‏ مُبِينٌ‏ للحجة أو خصيم مكافح لخالقه قائل‏ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ‏ (3) وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً بل كان عدما صرفا فإنه أعجب من جميع المواد بعد التفريق الذي ينكر منكر البعث.

فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ‏ قال البيضاوي من إمكانه و كونه مقدورا فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ‏ أي فانظروا في بدء خلقكم فإنه يزيح ريبكم فإنا خلقناكم‏ مِنْ تُرابٍ‏ بخلق آدم منها (4) و الأغذية التي يتكون منها المني‏ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ أي من مني من النطف و هو الصب‏ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ قطعة من الدم جامدة ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ قطعة من اللحم بقدر (5) ما يمضغ‏ مُخَلَّقَةٍ وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ مسواة لا نقص فيها و لا عيب و غير مسواة أو تامة و ساقطة أو مصورة و غير مصورة لِنُبَيِّنَ لَكُمْ‏ بهذا التدريج قدرتنا و حكمتنا فإن ما قبل التغير و الفساد و التكون مرة قبلها أخرى و إن من قدر على تغييره و تصويره أولا قدر على ذلك ثانيا و حذف المفعول إيماء إلى أن الأفعال هذه يتبين بها من قدرته و حكمته ما لا يحيط به الذكر وَ نُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ أن نقره‏ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى‏ هو وقت الوضع و قرئ و نقر بالنصب و كذا قوله‏ ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ‏ عطفا على نبين كان خلقهم مدرج لغرضين تبيين القدرة و تقريرهم في الأرحام حتى يولدوا و ينشئوا أو يبلغوا حد التكليف و طِفْلًا حال أجريت على تأويل كل واحد أو للدلالة على الجنس أو لأنه في الأصل مصدر ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ‏

____________

(1) أنوار التنزيل: ج 1،(ص)616.

(2) في المصدر: منطيق مناظر مجادل.

(3) أنوار التنزيل: ج 1،(ص)657.

(4) في المصدر: اذ خلق آدم منه.

(5) في المصدر: و هي في الأصل قدر ما يمضغ.

323

أي كمالكم في القوة و العقل جمع شدة وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى‏ عند بلوغ الأشد أو قبله‏ وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى‏ أَرْذَلِ الْعُمُرِ أي الهرم و الخرف‏ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً أي ليعود كهيئته الأولى في أوان الطفولية من سخافة العقل و قلة الفهم فينسى ما علمه و ينكر من عرفه و أنه استدلال ثان على إمكان البعث بما يعتري الإنسان في أسنانه من الأمور المختلفة و الأحوال المتضادة فإن من قدر على ذلك قدر على نظائره‏ (1).

مِنْ سُلالَةٍ من خلاصة سلت من بين الكدر مِنْ طِينٍ‏ متعلق بمحذوف لأنه صفة لسلالة أو بمعنى سلالة لأنها في معنى مسلولة فتكون ابتدائية كالأول و الإنسان آدم خلق من صفوة سلت من الطين أو الجنس فإنهم خلقوا من سلالات جعلت نطفا بعد أدوار و قيل المراد بالطين آدم لأنه خلق منه و السلالة نطفته‏ ثُمَّ جَعَلْناهُ‏ أي ثم جعلنا نسله فحذف المضاف‏ نُطْفَةً بأن خلقناه منها أو ثم جعلنا السلالة نطفة و تذكير الضمير على تأويل الجوهر أو المسلول أو الماء فِي قَرارٍ مَكِينٍ‏ أي مستقر حصين يعني الرحم‏ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً بأن أحلنا النطفة البيضاء علقة حمراء فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً أي فصيرناها قطعة لحم‏ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً بأن صلبناها فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً مما بقي من المضغة أو مما أنبتنا عليها مما يصل إليها و اختلاف العواطف لتفاوت الاستحالات و الجمع لاختلافها في الهيئة و الصلابة ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ هو صورة البدن و الروح و القوى بنفخة فيه أو المجموع و ثم لما بين الخلقتين من التفاوت‏ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‏ أي المقدرين تقديرا ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ أي ثم فاجأتم وقت كونكم بشرا منتشرين في الأرض‏ وَهْناً أي ذات وهن أو تهن وهنا عَلى‏ وَهْنٍ‏ أي تضعف ضعفا فوق ضعف فإنها لا تزال يتضاعف ضعفها و الجملة في موضع الحال‏ وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ‏ أي و فطامه في انقضاء عامين. الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ‏ أي خلقه موفرا عليه ما يستعده و يليق به على وفق الحكمة و المصلحة و خلقه بدل من كل بدل الاشتمال و قيل علم كيف يخلقه و قرأ نافع و الكوفيون بفتح اللام على الوصف‏ وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ‏ يعني آدم‏

____________

(1) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)95- 96.

324

مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ‏ أي ذريته سميت به لأنها تنسل منه أي تنفصل‏ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ‏ أي ممتهن و قال الطبرسي رحمه الله أي ضعيف و قيل حقير مهان أشار إلى أنه من شي‏ء حقير لا قيمة له و إنما يصير ذا قيمة بالعلم و العمل. (1)

ثُمَّ سَوَّاهُ‏ قال البيضاوي أي قومه بتصوير أعضائه ما ينبغي‏ وَ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ‏ أضافه إلى نفسه تشريفا و إظهارا (2) بأنه خلق عجيب و أن له شأنا له مناسبة إلى الحضرة الربوبية و لأجله من عرف نفسه فقد عرف ربه‏ وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ خصوصا لتسمعوا و تبصروا و تعقلوا قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ‏ أي تشكرون شكرا قليلا (3). مِنْ تُرابٍ‏ بخلق آدم منه‏ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ بخلق ذريته منها ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً ذكرانا و إناثا إِلَّا بِعِلْمِهِ‏ أي إلا معلومة له‏ وَ ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ أي و ما يمد في عمر من مصيره إلى الكبر وَ لا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ‏ من عمر المعمر لغيره بأن يعطى له عمر ناقص من عمره أو لا ينقص من عمر المنقوص عمره بجعله ناقصا و الضمير له و إن لم يذكر لدلالة مقابله عليه أو للمعمر على التسامح فيه ثقة بفهم السامع كقولهم لا يثيب الله عبدا و لا يعاقبه إلا بحق و قيل الزيادة و النقصان في عمر واحد باعتبار أسباب مختلفة أثبتت في اللوح مثل أن يكون فيه إن حج و اعتمر (4) فعمره ستون سنة و إلا فأربعون و قيل المراد بالنقصان ما يمر من عمره و ينقص فإنه يكتب في صحيفة عمره يوما فيوما إِلَّا فِي كِتابٍ‏ هو علم الله أو اللوح أو الصحيفة إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ إشارة إلى الحفظ أو الزيادة و النقص. (5)

____________

(1) مجمع البيان: ج 8،(ص)327.

(2) في المصدر: إشعارا.

(3) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)260.

(4) في المصدر: ان حج عمرو فعمره ...

(5) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)299.

325

يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ‏ بيان لكيفية خلق ما ذكر من الأناسي و الأنعام إظهارا لما فيه من عجائب القدرة غير أنه غلب أولي العقل أو خصهم بالخطاب لأنهم المقصودون‏ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ‏ حيوانا سويا من بعد عظام مكسوة لحما من بعد عظام عارية من بعد مضغ من بعد علق من بعد نطف‏ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ‏ ظلمة البطن و الرحم و المشيمة أو الصلب و الرحم و البطن.

أقول الأول رواه الطبرسي رحمه الله عن أبي جعفر(ع)(1).

ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أي ثم يبقيكم لتبلغوا و كذا قوله تعالى‏ ثُمَّ لِتَكُونُوا مِنْ قَبْلُ‏ أي من قبل الشيخوخة (2) أو بلوغ الأشد وَ لِتَبْلُغُوا قيل أي و يفعل ذلك لتبلغوا أَجَلًا مُسَمًّى‏ هو وقت الموت أو يوم القيامة وَ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏ ما في ذلك من الحجج و العبر.

يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً قال البيضاوي المعنى يجعل أحوال العباد في الأولاد مختلفة على مقتضى المشية فيهب لبعض إما صنفا واحدا من ذكر أو أنثى أو الصنفين جميعا و يعقم آخرين و لعل تقديم الإناث لأنه‏ (3) أكثر لتكثير النسل أو لأن مساق الآية للدلالة على أن الواقع ما يتعلق به مشية الله تعالى لا مشية الإنسان و الإناث كذلك أو لأن الكلام في البلاء و العرب تعدهن بلاء أو لتطييب قلوب آبائهن أو للمحافظة على الفواصل‏ (4).

هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ‏ أي أعلم بأحوالكم منكم‏ إِذْ أَنْشَأَكُمْ‏ أي علم أحوالكم و مصارف أموركم حين ابتدأ خلقكم من التراب بخلق آدم و حين ما صوركم في الأرحام‏ مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى‏ أي تدفن في الرحم أو تخلق أو يقدر منها الولد من مني إذا قدر أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ‏ أي تقذفونه في الأرحام من النطف‏ أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ‏ أي تجعلونه‏

____________

(1) مجمع البيان: ج 8،(ص)491.

(2) الشيخوخية (خ).

(3) في المصدر: لانها.

(4) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)401.

326

بشرا سويا وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ‏ قيل أي فصوركم من جملة ما خلق في السماوات و الأرض بأحسن صورة حيث زينكم بصفوة أوصاف الكائنات و خصكم بخلاصة خصائص المبدعات و جعلكم أنموذج جميع المخلوقات‏ وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ فأحسنوا سرائركم حتى لا يمسخ بالعذاب ظواهركم‏ وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ‏ لتسمعوا المواعظ وَ الْأَبْصارَ لتنظروا صنائعه‏ وَ الْأَفْئِدَةَ لتعتبروا و تتفكروا قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ‏ باستعمالها في ما خلقت لأجلها.

لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً قيل أي لا تأملون له توقيرا أي تعظيما لمن عبده و أطاعه فتكونوا على حال تأملون فيها تعظيمه إياكم‏ وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً حال مقدرة للإنكار من حيث إنها موجبة للرجاء فإن خلقهم أطوارا أي تارات إذ خلقهم أولا عناصر ثم مركباه يغذي الإنسان ثم أخلاطا ثم نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم عظاما و لحوما ثم أنشأهم خلقا آخر فإنه يدل على أنه يمكن أن يعيدهم تارة أخرى فيعظمهم بالثواب و على أنه تعالى عظيم القدرة تام الحكمة

- وَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فِي قَوْلِهِ‏ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً يَقُولُ لَا تَخَافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً.

- وَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ‏ فِي قَوْلِهِ‏ وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً قَالَ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَهْوَاءِ وَ الْإِرَادَاتِ وَ الْمَشِيَّاتِ‏ (1).

وَ اللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً قيل أي أنشأكم منها فاستعير الإنبات للإنشاء لأنه أدل على الحدوث و التكوين من الأرض و أصله أنبتكم إنباتا فنبتم نباتا فاختصر اكتفاء بالدلالة الالتزامية ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها مقبورين‏ وَ يُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً بالحشر و أكده بالمصدر كما أكد به الأول دلالة على أن الإعادة محققة كالابتداء و أنها تكون لا محالة و قال علي بن إبراهيم من الأرض أي على الأرض‏ (2) فَخَلَقَ فَسَوَّى‏ قيل أي قدره فعدله‏ فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ‏ أي الصنفين.

هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ‏ قال البيضاوي استفهام تقرير و تقريب و لذلك فسر

____________

(1) تفسير القمّيّ: 697. و فيه: على وجه الأرض.

(2) تفسير القمّيّ: 697. و فيه: على وجه الأرض.

327

بقد و أصله أهل‏ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ طائفة محدودة من الزمان الممتد الغير المحدود لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً بل كان نسيا (1) منسيا غير مذكور بالإنسانية كالعنصر و النطفة و الجملة حال من الإنسان أو وصف لحين بحذف الراجع و المراد بالإنسان الجنس لقوله‏ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أو آدم بين أولا خلفه ثم ذكر خلق بنيه من نطفة أَمْشاجٍ‏ أي أخلاط جمع مشيج أو مشج من مشجت الشي‏ء إذا خلطته و جمع‏ (2) النطفة به لأن المراد بها مجموع مني الرجل و المرأة و كل منهما مختلفة الأجزاء في الرقة و القوام و الخواص و لذلك يصير كل جزء منهما مادة عضو و قيل مفرد كأعشار و قيل ألوان فإن ماء الرجل أبيض و ماء المرأة أصفر فإذا اختلطا أخضرا أو أطوار فإن النطفة تصير علقة ثم مضغة إلى تمام الخلقة نَبْتَلِيهِ‏ في موضع الحال أي مبتلين له بمعنى مريدين اختباره أو ناقلين له من حال إلى حال فاستعار له الابتلاء فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً ليتمكن من مشاهدة الدلائل و استماع الآيات فهو كالمسبب من الابتلاء و لذلك عطف بالفاء على الفعل المقيد به و رتب عليه قوله‏ إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ‏ (3) و قال الطبرسي رحمه الله قد كان شيئا إلا أنه لم يكن مذكورا لأنه كان ترابا و طينا إلى أن نفخ فيه الروح و قيل إنه أتى على آدم أربعون سنة لم يكن شيئا مذكورا لا في السماء و لا في الأرض بل كان جسدا ملقى من طين قبل أن ينفخ فيه الروح‏

- و روي عن ابن عباس أنه تم‏ (4) خلقه بعد عشرين و مائة سنة.

. وَ رَوَى الْعَيَّاشِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنْ قَوْلِهِ‏ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً قَالَ كَانَ شَيْئاً وَ لَمْ يَكُنْ مَذْكُوراً.

____________

(1) في المصدر: شيئا.

(2) في المصدر: وصف.

(3) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)569.

(4) في المصدر: انه تعالى خلقه.

328

- وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ شُعَيْبٍ‏ (1) الْحَدَّادِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: كَانَ مَذْكُوراً فِي الْعِلْمِ وَ لَمْ يَكُنْ مَذْكُوراً فِي الْخَلْقِ.

- و عن عبد الأعلى مولى آل سام عن أبي عبد الله(ع)مثله‏

- وَ عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْهُ فَقَالَ كَانَ شَيْئاً مُقَدَّراً (2) وَ لَمْ يَكُنْ مُكَوَّناً (3).

و في هذا دلالة على أن المعدوم معلوم و إن لم يكن مذكورا و أن المعدوم يسمى شيئا فإذا حمل الإنسان على الجنس فالمراد أنه قبل الولادة لا يعرف و لا يذكر و لا يدرى من هو و ما يراد به بل يكون معدوما ثم يوجد في صلب أبيه ثم في رحم أمه إلى وقت الولادة أَمْشاجٍ‏ أي أخلاط من ماء الرجل و ماء المرأة في الرحم فأيهما علا صاحبه كان الشبه له عن ابن عباس و غيره و قيل أمشاج أطوار و قيل أراد اختلاف الألوان فنطفة الرجل بيضاء و حمراء و نطفة المرأة خضراء و حمراء (4) فهي مختلفة الألوان و قيل نطفة مشجت بدم الحيض فإذا حبلت ارتفع الحيض و قيل هي العروق التي تكون في النطفة و قيل أخلاط من الطبائع التي تكون في الإنسان من الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة جعلها الله في النطفة ثم بناه‏ (5) البنية الحيوانية المعدلة الأخلاط ثم جعل فيه الحياة ثم شق له السمع و البصر فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‏ (6) انتهى‏ (7).

و أقول على سبيل الاحتمال لا يبعد أن يكون كونه أمشاجا إشارة إلى‏

____________

(1) شعيب بن أعين الحداد كوفيّ ثقة روى عن الصادق (عليه السلام) و يروى عنه سيف بن عميرة و ابن أبي عمير و غيرهما و لم يذكروا روايته عن ابى جعفر (عليه السلام) بلا واسطة. و في مجمع البيان «سعيد الحداد» و الصحيح في ضبطه كما عن غير العلامة في الخلاصة «سعد» بلا ياء و هو من أصحاب الباقر (عليه السلام) مجهول.

(2) مقدورا (خ).

(3) مذكورا (خ).

(4) في المصدر: صفراء.

(5) في المصدر: بناه اللّه ...

(6) في المصدر: رب العالمين.

(7) مجمع البيان: ج 10،(ص)406.

329

الشئون المختلفة التي جعلها الله في الإنسان بتبعية ما جعل فيه من العناصر المختلفة و الصفات المتضادة و المواد المتباينة.

مِنْ ماءٍ مَهِينٍ‏ نطفة قذرة ذليلة و قال علي بن إبراهيم منتن‏ فِي قَرارٍ مَكِينٍ‏ قال في الرحم‏ (1) إِلى‏ قَدَرٍ مَعْلُومٍ‏ أي إلى قدر (2) معلوم من الوقت قدره الله للولادة فَقَدَرْنا على ذلك أو فقدرناه و يدل عليه قراءة نافع و الكسائي بالتشديد فَنِعْمَ الْقادِرُونَ‏ نحن ف وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏ بقدرتنا على ذلك أو على الإعادة وَ خَلَقْناكُمْ أَزْواجاً أي ذكرا و أنثى‏ قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ‏ قيل دعاء عليه بأشنع الدعوات و تعجب من إفراطه في الكفران‏ مِنْ أَيِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ‏ بيان لما أنعم عليه خصوصا من مبدإ حدوثه و استفهام للتحقير و لذلك أجاب عنه بقوله‏ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ‏ أي فهيأه لما يصلح له من الأعضاء و الأشكال أو فقدر أطوارا إلى أن تم خلقه‏ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ‏ أي ثم سهل مخرجه من بطن أمه بأن فتح فوهة الرحم و ألهمه أن ينتكس أو ذلل‏ (3) له سبيل الخير و الشر و فيه على المعنى الأخير إيماء بأن الدنيا طريق و المقصد غيرها و لذا عقبه بقوله‏ ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ‏ عد الإماتة و الإقبار في النعم لأن الإماتة وصلة في الجملة إلى الحياة الأبدية و اللذات الخالصة و الأمر بالقبر تكرمة و صيانة عن السباع.

ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ‏ أي أي شي‏ء خدعك و جرأك على عصيانه قيل ذكر الكريم للمبالغة في المنع عن الاغترار و الإشعار بما به يغره الشيطان فإنه يقول له افعل ما شئت فإن ربك كريم لا يعذب أحدا و قيل إنما قال سبحانه الكريم دون سائر أسمائه و صفاته لأنه كأنه لقنه الجواب حتى يقول غرني كرم الكريم‏

وَ فِي مَجْمَعِ الْبَيَانِ رُوِيَ‏ أَنَّ النَّبِيَّ(ص)لَمَّا تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ غَرَّهُ جَهْلُهُ‏ (4).

.

____________

(1) تفسير القمّيّ: 708.

(2) مقدار (خ).

(3) دلل (خ).

(4) مجمع البيان: ج 10،(ص)449.

330

فَسَوَّاكَ‏ أي جعل أعضاءك سليمة مسواة معدة لمنافعها فعدَّلك قيل التعديل جعل البنية معتدلة متناسبة الأعضاء أو معدلة بما يستعدها من القوى و قرأ الكوفيون‏ فَعَدَلَكَ‏ بالتخفيف أي عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت أو فصرفك عن خلقه غيرك و ميزك بخلقة فارقت خلقة سائر الحيوانات‏ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ‏ أي ركبك في أي صورة شاءها و ما مزيدة و قيل شرطية و ركبك جوابها و الظرف صفة عدلك و إنما لم يعطف الجملة على ما قبلها لأنها بيان لعدلك.

فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ‏ قيل ليعلم صحة إعادته فلا يملي على حافظيه إلا ما ينفعه في عاقبته‏ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ‏ قال الرازي الدفق صب الماء يقال دفقت الماء إذا صببته فهو مدفوق و مندفق و اختلف في أنه كيف وصف بأنه دافق الأول أن معناه ذو اندفاق كما يقال دارع و تارس و لابن و تامر أي ذو درع و ترس و لبن و تمر.

الثاني أنهم يسمون المفعول باسم الفاعل قال الفراء و أهل الحجاز أجعل لهذا من غيرهم يجعلون الفاعل مفعولا إذا كان في مذهب النعت كقولهم سر كاتم و هم ناصب و ليل قائم و كقوله تعالى‏ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ الثالث ذكر الخليل دفق الماء دفقا و دفوقا إذا انصب.

الرابع صاحب الماء لما كان دافقا أطلق ذلك على المجاز.

بَيْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرائِبِ‏ قال الجوهري التريبة واحدة الترائب و هي عظام الصدر ما بين الترقوة إلى الشذوة انتهى و قال الرازي ترائب المرأة عظام صدرها حيث تكون القلادة و كل عظم من ذلك تريبة و هذا قول جميع أهل اللغة ثم قال في هذه الآية قولان أحدهما أن الولد مخلوق من الماء الذي يخرج من صلب الرجل و ترائب المرأة و قال آخرون إنه مخلوق من الماء الذي يخرج من صلب الرجل و ترائبه و احتج صاحب القول الثاني على مذهبه بوجهين الأول أن ماء

331

الرجل خارج من الصلب فقط و ماء المرأة خارج من ترائب المرأة (1) فقط و على هذا التقدير لا يحصل هناك ماء خرج من بين الصلب و الترائب و ذلك على خلاف الآية الثاني أنه تعالى بين أن الإنسان مخلوق من ماء دافق و الذي وصف بذلك هو ماء الرجل ثم وصفه بأنه يخرج هذا الدافق من بين الصلب و الترائب و ذلك يدل على أن الولد مخلوق من ماء الرجل فقط و أجاب القائلون بالقول الأول عن الحجة الأولى أنه يجوز أن يقال للشيئين المتباينين أنه يخرج من بين هذين خير كثير و لأن الرجل و المرأة عند اجتماعها يصيران كالشي‏ء الواحد فحسن هذا اللفظ هناك و عن الثانية بأن هذا من باب إطلاق اسم البعض على الكل فلما كان أحد قسمي المني دافقا أطلق هذا الاسم على المجموع ثم قالوا و الذي يدل على أن الولد مخلوق منهم أن مني الرجل وحده صغير و لا يكفي‏

- وَ رُوِيَ أَنَّهُ(ص)قَالَ: إِذَا غَلَبَ مَاءُ الرَّجُلِ يَكُونُ ذَكَراً وَ يَعُودُ شِبْهُهُ إِلَيْهِ وَ إِلَى أَقَارِبِهِ وَ إِذَا غَلَبَ مَاءُ الْمَرْأَةِ فَإِلَيْهَا وَ إِلَى أَقَارِبِهَا يَعُودُ الشِّبْهُ.

و ذلك يقتضي صحة القول الأول.

ثم قال و اعلم أن الملحدين طعنوا في هذه الآية فقالوا إن كان المراد من قوله‏ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرائِبِ‏ أن المني إنما ينفصل من تلك المواضع فليس الأمر كذلك لأنه إنما يتولد عن فضله الهضم الرابع و ينفصل عن جميع أجزاء البدن حتى يأخذ من كل عضو طبيعة و خاصية (2) فيصير مستعدا لأن يتولد منه مثل تلك الأعضاء و لذلك قيل إن المفرط في الجماع يستولي الضعف عليه في جميع أعضائه و إذا كان المراد أن معظم المني يتولد هناك فهو ضعيف بل معظم أجزائه إنما يتولد (3) في الدماغ و الدليل عليه أنه في صورته يشبه الدماغ و لأن المكثر منه يظهر الضعف أولا في عينيه و إن كان المراد أن مستقر المني هناك فهو ضعيف لأن مستقر المني هو أوعية المني و هي عروق تلتف بعضها ببعض عند الأنثيين و إن كان المراد أن مخرج‏

____________

(1) في المصدر: الترائب.

(2) في المصدر: طبيعته و خاصيته.

(3) في المصدر: يتربى.

332

المني هناك فهو ضعيف فإن الحس يدل على أنه ليس كذلك.

و الجواب لا شك أن معظم الأعضاء معونة في توليد المني هو الدماغ و للدماغ خليفة و هي النخاع في الصلب و شعب كثيرة نازلة إلى مقدم البدن و هو التريبة فلهذا السبب خصص الله هذين العضوين بالذكر على أن كلامكم في كيفية تولد المني و كيفية تولد الأعضاء عن‏ (1) المني محض الوهم و الظن الضعيف و كلام الله أولى بالقبول‏ (2) انتهى.

و قال البيضاوي‏ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرائِبِ‏ بين صلب الرجل و ترائب المرأة و هي عظام صدرها و لو صح أن النطفة تتولد من فضلة (3) الهضم الرابع و تنفصل عن جميع الأعضاء حتى يستعد (4) أن يتولد منها مثل تلك الأعضاء و مقرها عروق التف بعضها ببعض عند البيضتين فالدماغ أعظم الأعضاء معونة في توليدها و لذلك تشبهه و يسرع الإفراط في الجماع بالضعف فيه و له خليفة و هي النخاع و هو في الصلب و شعب كثيرة نازلة إلى الترائب و هما أقرب إلى أوعية المني فلذلك خصا بالذكر (5) انتهى.

و أقول على تقدير تسليم ما ذكره الأطباء في ذلك يمكن أن يكون المراد خروج المني من الرجل و المرأة من أعضاء محصورة بين الصلب من جهة الخلف و الترائب من جهة القدام بأن يكون الصلب و الترائب مقصودين في كل من الرجل و المرأة و يكون هذا التعبير لبيان كثرة مدخلية الصلب و الترائب فيهما و كون ماء المرأة غير دافق ممنوع بل الظاهر أن له أيضا دفقا لكنه لما كان في داخل الرحم لا يظهر كثيرا و ما ورد في الأخبار من تخصيص الصلب بالرجل و الترائب بالمرأة لكون الصلب أدخل‏

____________

(1) من (خ).

(2) مفاتيح الغيب: ج 31،(ص)129.

(3) في المصدر: فضل.

(4) في المصدر: تستعدلان.

(5) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)597.

333

في مني الرجل و الترائب في مني المرأة و يؤيده أن الأطباء ذكروا من آداب الجماع دغدغة ثدي المرأة لتهييج شهوتها و عللوه بأن الثدي شديد المشاركة للرحم.

- 1- الْمَنَاقِبُ، أَبُو جَعْفَرٍ الطُّوسِيُّ فِي الْأَمَالِي وَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ وَ صَاحِبُ الرَّوْضَةِ بِالْإِسْنَادِ عَنْ مُحَمَّدٍ الصَّيْرَفِيِّ وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَالِمٍ قَالَ: دَخَلَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى الصَّادِقِ(ع)فَقَالَ(ع)لَهُ الْبَوْلُ أَقْذَرُ أَمِ الْمَنِيُّ قَالَ الْبَوْلُ قَالَ يَجِبُ عَلَى قِيَاسِكَ أَنْ يَجِبَ الْغُسْلُ مِنَ الْبَوْلِ دُونَ الْمَنِيِّ وَ قَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ الْغُسْلَ مِنَ الْمَنِيِّ دُونَ الْبَوْلِ ثُمَّ قَالَ لِأَنَّ الْمَنِيَّ اخْتِيَارٌ وَ يَخْرُجُ مِنْ جَمِيعِ الْجَسَدِ وَ يَكُونُ فِي الْأَيَّامِ وَ الْبَوْلُ ضَرُورَةٌ وَ يَكُونُ فِي الْيَوْمِ مَرَّاتٍ‏ (1) قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كَيْفَ يَخْرُجُ مِنْ جَمِيعِ الْجَسَدِ وَ اللَّهُ يَقُولُ‏ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرائِبِ‏ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَهَلْ قَالَ لَا يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ ثُمَّ قَالَ(ع)لِمَ لَا تَحِيضُ الْمَرْأَةُ إِذَا حَبِلَتْ قَالَ لَا أَدْرِي قَالَ(ع)حَبَسَ اللَّهُ الدَّمَ فَجَعَلَهُ غِذَاءً لِلْوَلَدِ إِلَى آخِرِ الْخَبَرِ بِطُولِهِ‏ (2).

2- تَفْسِيرُ النُّعْمَانِيِّ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ: سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَنْ مُشَابِهِ‏ (3) الْخَلْقِ فَقَالَ هُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ فَمِنْهُ خَلْقُ الِاخْتِرَاعِ كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ‏ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ‏ (4) وَ خَلْقُ الِاسْتِحَالَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى‏ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ‏ (5) وَ قَوْلُهُ‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ الْآيَةَ (6) وَ أَمَّا خَلْقُ التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ لِعِيسَى‏ وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ‏ (7) الْآيَةَ.

3- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ

____________

(1) في المصدر: و هو مختار و الآخر متولج.

(2) المناقب: ج 4،(ص)253.

(3) متشابه (خ).

(4) الأعراف: 53، يونس: 3، هود: 57، الحديد: 4.

(5) الزمر: 32.

(6) المؤمن: 67.

(7) المائدة: 113.

334

بْنِ أَشْيَمَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ قَالَ: أَصَابَ رَجُلٌ غُلَامَيْنِ فِي بَطْنٍ فَهَنَّأَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)ثُمَّ قَالَ أَيُّهُمَا أَكْبَرُ فَقَالَ الَّذِي خَرَجَ أَوَّلًا فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)الَّذِي خَرَجَ آخِراً هُوَ أَكْبَرُ أَ مَا تَعْلَمُ أَنَّهَا حَمَلَتْ بِذَاكَ أَوَّلًا وَ أَنَّ هَذَا دَخَلَ عَلَى ذَاكَ فَلَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَخْرُجَ حَتَّى خَرَجَ هَذَا فَالَّذِي يَخْرُجُ آخِراً هُوَ أَكْبَرُهُمَا (1).

المناقب، مرسلا مثله‏ (2) بيان لم أر قائلا به و لعله ليس غرضه(ع)الكبر الذي هو مناط الأحكام الشرعية.

4- الْكَافِي، عَنِ الْعِدَّةِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ وَهْبٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَعِيشُ الْوَلَدُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَ لِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ وَ لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَ لَا يَعِيشُ لِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ (3).

5- وَ مِنْهُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي حَمَّادٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَيَابَةَ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ غَايَةِ الْحَمْلِ بِالْوَلَدِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ كَمْ هُوَ فَإِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ رُبَّمَا يَبْقَى‏ (4) فِي بَطْنِهَا سِنِينَ فَقَالَ كَذَبُوا أَقْصَى حَدِّ الْحَمْلِ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ لَا يَزِيدُ لَحْظَةً وَ لَوْ زَادَ سَاعَةً لَقَتَلَ أُمَّهُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ‏ (5).

6- وَ مِنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِذْ دَخَلَ يُونُسُ بْنُ يَعْقُوبَ فَرَأَيْتُهُ يَئِنُّ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)مَا لِي أَرَاكَ تَئِنُّ قَالَ طِفْلٌ لِي تَأَذَّيْتُ بِهِ اللَّيْلَ أَجْمَعَ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَا يُونُسُ حَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ آبَائِهِ(ع)عَنْ جَدِّي رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنَّ جَبْرَئِيلَ نَزَلَ عَلَيْهِ وَ رَسُولُ اللَّهِ وَ عَلِيٌ‏

____________

(1) الكافي: ج 6،(ص)53.

(2) المناقب: ج 4،(ص)270.

(3) الكافي: ج 6،(ص)52.

(4) في المصدر: بقى.

(5) الكافي: ج 6،(ص)52.

335

يَئِنَّانِ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ يَا حَبِيبَ اللَّهِ مَا لِي أَرَاكَ تَئِنُّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مِنْ أَجْلِ طِفْلَيْنِ لَنَا تَأَذَّيْنَا بِبُكَائِهِمَا فَقَالَ جَبْرَئِيلُ مَهْ يَا مُحَمَّدُ فَإِنَّهُ سَيُبْعَثُ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ شِيعَةٌ إِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ فَبُكَاؤُهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ سَبْعُ سِنِينَ فَإِذَا جَازَ السَّبْعَ فَبُكَاؤُهُ اسْتِغْفَارٌ لِوَالِدَيْهِ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَإِذَا جَازَ الْحَدَّ فَمَا أَتَى مِنْ حَسَنَةٍ فَلِوَالِدَيْهِ وَ مَا أَتَى مِنْ سَيِّئَةٍ فَلَا عَلَيْهِمَا (1).

بيان فبكاؤه لا إله إلا الله لعل المعنى أنه يعطى والداه ببكائه ثواب التهليل.

7- الْعِلَلُ، وَ الْعُيُونُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَمْزَةَ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ يَاسِرٍ الْخَادِمِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)يَقُولُ‏ إِنَّ أَوْحَشَ مَا يَكُونُ هَذَا الْخَلْقُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ يَوْمَ يَلِدُ (2) وَ يَخْرُجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ فَيَرَى الدُّنْيَا وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يُعَايِنُ‏ (3) الْآخِرَةَ وَ أَهْلَهَا وَ يَوْمَ يُبْعَثُ فَيَرَى أَحْكَاماً لَمْ يَرَهَا فِي دَارِ الدُّنْيَا وَ قَدْ سَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى يَحْيَى(ع)فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ الثَّلَاثَةِ (4) وَ آمَنَ رَوْعَتَهُ فَقَالَ‏ وَ سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا وَ قَدْ سَلَّمَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ(ع)عَلَى نَفْسِهِ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ الثَّلَاثَةِ (5) فَقَالَ‏ وَ السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (6)

8- الْمَنَاقِبُ، قَالَ عِمْرَانُ الصَّابِي لِلرِّضَا(ع)مَا بَالُ الرَّجُلِ إِذَا كَانَ مُؤَنَّثاً وَ الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَتْ مُذَكَّرَةً قَالَ(ع)عِلَّةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا حَمَلَتْ وَ صَارَ الْغُلَامُ مِنْهَا فِي الرَّحِمِ مَوْضِعَ الْجَارِيَةِ كَانَ مُؤَنَّثاً وَ إِذَا صَارَتِ الْجَارِيَةُ مَوْضِعَ الْغُلَامِ كَانَتْ مُذَكَّرَةً وَ ذَلِكَ أَنَّ مَوْضِعَ الْغُلَامِ فِي الرَّحِمِ مِمَّا يَلِي مَيَامِنَهَا وَ الْجَارِيَةِ مِمَّا يَلِي مَيَاسِرَهَا

____________

(1) الكافي: ج 6(ص)52.

(2) كذا، و الصواب «يولد».

(3) في العيون: فيعاين.

(4) في أكثر النسخ: الثلاثة المواطن:.

(5) في أكثر النسخ: الثلاثة المواطن:.

(6) العيون: ج 1،(ص)257. و لم يوجد في العلل.

336

وَ رُبَّمَا وَلَدَتِ الْمَرْأَةُ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ فَإِنْ عَظُمَ ثَدْيَاهَا جَمِيعاً تَحْمِلُ تَوْأَمَيْنِ وَ إِنْ عَظُمَ أَحَدُ ثَدْيَيْهَا كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ‏ (1) تَلِدُ وَاحِداً إِلَّا أَنَّهُ إِذَا كَانَ الثَّدْيُ الْأَيْمَنُ أَعْظَمَ كَانَ الْمَوْلُودُ ذَكَراً وَ إِذَا كَانَ الْأَيْسَرُ أَعْظَمَ كَانَ الْمَوْلُودُ أُنْثَى وَ إِذَا كَانَتْ حَامِلًا فَضَمُرَ ثَدْيُهَا الْأَيْمَنُ فَإِنَّهَا تُسْقِطُ غُلَاماً وَ إِذَا ضَمُرَ ثَدْيُهَا الْأَيْسَرُ فَإِنَّهَا تُسْقِطُ أُنْثَى وَ إِذَا ضَمُرَا جَمِيعاً تُسْقِطُهُمَا جَمِيعاً قَالَ مِنْ أَيِّ شَيْ‏ءٍ الطُّولُ وَ الْقِصَرُ فِي الْإِنْسَانِ فَقَالَ مِنْ قِبَلِ النُّطْفَةِ إِذَا خَرَجَتْ مِنَ الذَّكَرِ فَاسْتَدَارَتْ جَاءَ الْقِصَرُ وَ إِنِ اسْتَطَالَتْ جَاءَ الطُّولُ‏ (2).

9- تَفْسِيرُ الْإِمَامِ، وَ الِاحْتِجَاجُ، بِالْإِسْنَادِ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيِّ(ع)عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلَ ابْنُ صُورِيَا النَّبِيَّ(ص)فَقَالَ أَخْبِرْنِي يَا مُحَمَّدُ الْوَلَدُ يَكُونُ مِنَ الرَّجُلِ أَوْ مِنَ الْمَرْأَةِ فَقَالَ النَّبِيُّ(ص)أَمَّا الْعِظَامُ وَ الْعَصَبُ وَ الْعُرُوقُ فَمِنَ الرَّجُلِ وَ أَمَّا اللَّحْمُ وَ الدَّمُ وَ الشَّعْرُ فَمِنَ الْمَرْأَةِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ فَمَا بَالُ الْوَلَدِ يُشْبِهُ أَعْمَامَهُ لَيْسَ فِيهِ‏ (3) مِنْ شَبَهِ أَخْوَالِهِ شَيْ‏ءٌ وَ يُشْبِهُ أَخْوَالَهُ لَيْسَ فِيهِ مِنْ شَبَهِ أَعْمَامِهِ شَيْ‏ءٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَيُّهُمَا عَلَا مَاؤُهُ مَاءَ صَاحِبِهِ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَمَّنْ‏ (4) لَا يُولَدُ لَهُ وَ مَنْ يُولَدُ لَهُ فَقَالَ إِذَا مَغَرَتِ النُّطْفَةُ لَمْ يُولَدْ لَهُ أَيْ إِذَا احْمَرَّتْ وَ كَدِرَتْ وَ إِذَا كَانَتْ صَافِيَةً وُلِدَ لَهُ الْخَبَرَ (5).

10- الِاحْتِجَاجُ، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: إِنَّ يَهُودِيّاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ(ص)فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَسْأَلُكَ عَنْ شَيْ‏ءٍ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا نَبِيٌّ قَالَ وَ مَا هُوَ قَالَ عَنْ شَبَهِ الْوَلَدِ أَبَاهُ وَ أُمَّهُ قَالَ مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ غَلِيظٌ وَ مَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ رَقِيقٌ فَإِذَا عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَراً بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مِنْ قِبَلِ ذَلِكَ يَكُونُ الشَّبَهُ وَ إِذَا عَلَا مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ خَرَجَ الْوَلَدُ أُنْثَى بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَ مِنْ قِبَلِ ذَلِكَ يَكُونُ الشَّبَهُ الْخَبَرَ (6).

العلل، عن علي بن أحمد بن محمد عن حمزة بن القاسم العلوي عن علي بن‏

____________

(1) كذا.

(2) المناقب: ج 4،(ص)354.

(3) في الاحتجاج: له.

(4) فيه: عما.

(5) الاحتجاج: 24.

(6) الاحتجاج: 29.

337

الحسين بن الجنيد البزاز عن إبراهيم بن موسى الفراء عن محمد بن ثور عن معمر بن يحيى عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن مرة عن ثوبان‏ مثله‏ (1) أقول سيأتي أخبار الخضر في هذا المعنى في باب النفس و أحوالها.

11- تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِذَا بَلَغَ الْوَلَدُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَقَدْ صَارَ فِيهِ الْحَيَاةُ الْخَبَرَ (2).

12- وَ مِنْهُ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ‏ فِي قَوْلِهِ‏ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ‏ قَالَ النُّطْفَةُ الَّتِي تَخْرُجُ بِقُوَّةٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرائِبِ‏ قَالَ الصُّلْبُ الرَّجُلُ وَ التَّرَائِبُ الْمَرْأَةُ وَ هِيَ صَدْرُهَا (3).

13- الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الدَّيْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ خَلَّاقِينَ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقاً أَمَرَهُمْ فَأَخَذُوا مِنَ التُّرْبَةِ الَّتِي قَالَ فِي كِتَابِهِ‏ مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى‏ (4) فَعَجَنَ النُّطْفَةَ بِتِلْكَ التُّرْبَةِ الَّتِي يَخْلُقُ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ أَسْكَنَهَا الرَّحِمَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَإِذَا تَمَّتْ لَهُ‏ (5) أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ قَالُوا يَا رَبِّ تَخْلُقُ مَا ذَا فَيَأْمُرُهُمْ بِمَا يُرِيدُ مِنْ ذَكَرٍ (6) وَ أُنْثَى أَبْيَضَ أَوْ أَسْوَدَ فَإِذَا خَرَجَتِ الرُّوحُ مِنَ الْبَدَنِ خَرَجَتْ هَذِهِ النُّطْفَةُ بِعَيْنِهَا مِنْهُ كَائِناً مَا كَانَ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً ذَكَراً أَوْ أُنْثَى فَلِذَلِكَ يُغَسَّلُ الْمَيِّتُ غُسْلَ الْجَنَابَةِ (7).

بيان خلاقين أي ملائكة خلاقين و الخلق هنا بمعنى التقدير لا الإيجاد و ظاهره خروج المني الأول بعينها من فيه أو عينه و يمكن أن يحفظ الله تعالى جزء من تلك النطفة مدة حياته و يحتمل أن يكون المراد أن هذا الماء من جنس النطفة فعلة الغسل مشتركة.

____________

(1) علل الشرائع: ج 1،(ص)90.

(2) تفسير القمّيّ: 446.

(3) التفسير: 720.

(4) طه: 57.

(5) في المصدر: لها.

(6) فيه: أو.

(7) الكافي: ج 3،(ص)162.

338

14- الْكَافِي، عَنِ الْعِدَّةِ عَنْ سَهْلٍ عَنِ الْحَجَّالِ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِي مِنْهَالٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ‏ إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَلَكاً فَأَخَذَ مِنَ التُّرْبَةِ الَّتِي يُدْفَنُ فِيهَا فَمَاثَهَا فِي النُّطْفَةِ فَلَا يَزَالُ قَلْبُهُ يَحِنُّ إِلَيْهَا حَتَّى يُدْفَنَ فِيهَا (1).

بيان: الموث الخلط و الحنين الشوق.

15- الْعِلَلُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ‏ (2) يَعْقُوبَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ بِإِسْنَادِهِ رَفَعَهُ قَالَ: أَتَى عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَهُودِيٌّ فَسَأَلَهُ عَنْ مَسَائِلَ فَكَانَ فِي مَا سَأَلَهُ أَخْبِرْنِي عَنْ شَبَهِ الْوَلَدِ أَعْمَامَهُ وَ أَخْوَالَهُ وَ مِنْ أَيِّ النُّطْفَتَيْنِ يَكُونُ الشَّعْرُ (3) وَ اللَّحْمُ وَ الْعَظْمُ وَ الْعَصَبُ فَقَالَ(ع)أَمَّا شَبَهُ الْوَلَدِ أَعْمَامَهُ وَ أَخْوَالَهُ فَإِذَا سَبَقَ نُطْفَةُ الرَّجُلِ نُطْفَةَ الْمَرْأَةِ إِلَى الرَّحِمِ خَرَجَ شَبَهُ الْوَلَدِ إِلَى أَعْمَامِهِ وَ مِنْ نُطْفَةِ الرَّجُلِ يَكُونُ الْعَظْمُ وَ الْعَصَبُ وَ إِذَا سَبَقَ نُطْفَةُ الْمَرْأَةِ نُطْفَةَ الرَّجُلِ إِلَى الرَّحِمِ خَرَجَ شَبَهُ الْوَلَدِ إِلَى أَخْوَالِهِ وَ مِنْ نُطْفَتِهَا يَكُونُ الشَّعْرُ وَ الْجِلْدُ وَ اللَّحْمُ لِأَنَّهَا صَفْرَاءُ رَقِيقَةٌ الْخَبَرَ (4).

16- وَ مِنْهُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقُلْتُ لَهُ إِنَّ الرَّجُلَ رُبَّمَا أَشْبَهَ أَخْوَالَهُ وَ رُبَّمَا أَشْبَهَ عُمُومَتَهُ فَقَالَ إِنَّ نُطْفَةَ الرَّجُلِ بَيْضَاءُ غَلِيظَةٌ وَ نُطْفَةَ الْمَرْأَةِ صَفْرَاءُ رَقِيقَةٌ فَإِنْ غَلَبَتْ نُطْفَةُ الرَّجُلِ نُطْفَةَ الْمَرْأَةِ أَشْبَهَ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَ عُمُومَتَهُ وَ إِنْ غَلَبَتْ نُطْفَةُ الْمَرْأَةِ نُطْفَةَ الرَّجُلِ أَشْبَهَ الرَّجُلُ أَخْوَالَهُ‏ (5).

17- وَ مِنْهُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَاتِمٍ فِي مَا كَتَبَ إِلَيَّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ حَمْدَانَ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ‏

____________

(1) الكافي: ج 3،(ص)203.

(2) في المصدر و في بعض نسخ الكتاب: عن محمّد بن يعقوب.

(3) في المصدر: و الدم.

(4) العلل: ج 1،(ص)1.

(5) العلل: ج 1،(ص)88.

339

أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قُلْتُ لَهُ الْمَوْلُودُ يُشْبِهُ أَبَاهُ وَ عَمَّهُ قَالَ إِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ فَالْوَلَدُ يُشْبِهُ أَبَاهُ وَ عَمَّهُ وَ إِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ يُشْبِهُ الْوَلَدُ أُمَّهُ وَ خَالَهُ‏ (1).

18- وَ مِنْهُ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ (2) بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ الطَّالَقَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْخَلَّالِ‏ (3) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيلٍ المحرمي [الْمَخْرَمِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَكْرٍ الْمِسْمَعِيِ‏ (4) عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَأَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ النَّبِيَّ(ص)فَقَالَ مَا يَنْزِعُ الْوَلَدَ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ قَالَ(ص)إِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدُ إِلَيْهِ الْخَبَرَ (5).

بيان في القاموس نزع أباه و إليه أشبهه و أقول يحتمل أن يكون المراد بالسبق الغلبة ليوافق خبر أبي بصير أو العلو ليطابق رواية ثوبان و غيره و يمكن كون كل منها سببا لذلك و أقول مضامين تلك الأخبار مروية من طرق العامة أيضا و في كتبهم‏

وَ رَوَوْا أَيْضاً أَنَّ حَبْراً مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ سَأَلَ النَّبِيَّ(ص)عَنِ الْوَلَدِ فَقَالَ مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ وَ مَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ فَإِذَا اجْتَمَعَا فَعَلَا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى.

و قال بعضهم معنى العلو الغلبة على الآخر و معنى السبق الخروج أولا و زعم بعضهم أن العلو علة شبه الأعمام و الأخوال و السبق علة الإذكار و الإيناث و رد ذلك التفصيل بأنه جعل في حديث الحبر العلو علة الإذكار و الإيناث و أجاب عنه بعضهم بأن العلو في حديث الحبر بمعنى السبق إلى الرحم لأن ما علا سبق و يتعين تفسيره بذلك فإنه في حديث آخر جعل العلو علة شبه الأعمام و الأخوال و جعله في حديث الحبر علة الإذكار و الإيناث فلو أبقينا العلو في حديث الحبر على‏

____________

(1) العلل: ج 1،(ص)88.

(2) كذا، و الصواب: ابو العباس محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقانى.

(3) في بعض النسخ بالحاء المهملة و في بعضها بالجيم، و لم نجد له ذكرا في كتب الرجال.

(4) كذا في جميع نسخ الكتاب، و الظاهر ان الصواب «السهمى» كما في المصدر لانه الذي يروى عن حميد الطويل.

(5) العلل: ج 1،(ص)89.

340

بابه لزم بمقتضى الحديث أن يكون العلو علة في شبه الأعمام و الأخوال و في الإذكار و الإيناث و لا يصح لأن الحس يكذبه لأنا نشاهد الولد ذكرا و يشبه الأخوال و وجه الجمع بين أحاديث الباب أن يكون الشبه المذكور في هذا الحديث يعني به الشبه الأعم من كونه في التذكير و التأنيث و شبه الأعمام و الأخوال و السبق إلى الرحم علة للتذكير و التأنيث و يخرج من مجموع ذلك أن الأقسام أربعة إن سبقه ماء الرجل و علا أذكر و أشبه الولد أعمامه و إن سبق ماء المرأة و علا ماؤه أنث و أشبه الولد أعمامه انتهى‏ (1).

19- الْعِلَلُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقاً جَمَعَ كُلَّ صُورَةٍ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ أَبِيهِ إِلَى آدَمَ ثُمَّ خَلَقَهُ عَلَى صُورَةِ أَحَدِهِمْ فَلَا يَقُولَنَّ أَحَدٌ هَذَا لَا يُشْبِهُنِي وَ لَا يُشْبِهُ شَيْئاً مِنْ آبَائِي‏ (2).

20- وَ مِنْهُ، عَنِ الْمُظَفَّرِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الْمُظَفَّرِ الْعَلَوِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ الْعَيَّاشِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَارَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ: تَعْتَلِجُ النُّطْفَتَانِ فِي الرَّحِمِ فَأَيَّتُهُمَا كَانَتْ أَكْثَرَ جَاءَتْ تُشْبِهُهَا فَإِنْ كَانَتْ نُطْفَةُ الْمَرْأَةِ أَكْثَرَ جَاءَتْ تُشْبِهُ أَخْوَالَهُ وَ إِنْ كَانَتْ نُطْفَةُ الرَّجُلِ أَكْثَرَ جَاءَتْ تُشْبِهُ أَعْمَامَهُ وَ قَالَ تَحَوَّلُ النُّطْفَةُ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ يَوْماً فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَفِي تِلْكَ الْأَرْبَعِينَ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَلَكَ الْأَرْحَامِ فَيَأْخُذُهَا فَيَصْعَدُ بِهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَيَقِفُ مِنْهُ مَا شَاءَ اللَّهُ فَيَقُولُ يَا إِلَهِي أَ ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى فَيُوحِي اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يَشَاءُ وَ يَكْتُبُ الْمَلَكُ ثُمَّ يَقُولُ إِلَهِي أَ شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ فَيُوحِي اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يَشَاءُ وَ يَكْتُبُ الْمَلَكُ‏

____________

(1) كذا في جميع نسخ الكتاب، و الظاهر سقوط قسمين من الاقسام الأربعة في العبارة و هما: ان سبق ماء الرجل و علا ماء المرأة اذكر و اشبه الولد اخواله، و ان سبق ماء المرأة و علا أيضا انث و اشبه الولد اخواله.

(2) العلل: ج 1،(ص)97.

341

فَيَقُولُ اللَّهُمَ‏ (1) كَمْ رِزْقُهُ وَ مَا أَجَلُهُ ثُمَّ يَكْتُبُهُ وَ يَكْتُبُ كُلَّ شَيْ‏ءٍ يُصِيبُهُ فِي الدُّنْيَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ يَرْجِعُ بِهِ فَيَرُدُّهُ فِي الرَّحِمِ فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها (2)

بيان: في القاموس اعتلجوا اتخذوا صراعا و قتالا و الأرض طال نباتها و الأمواج التطمت.

21- الْعِلَلُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْكُوفِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَصَمِّ عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ مُقَرِّنٍ‏ (3) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سَأَلَ سَلْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلِيّاً(ع)عَنْ رِزْقِ الْوَلَدِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى حَبَسَ عَلَيْهَا الْحَيْضَةَ فَجَعَلَهَا رِزْقَهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ‏ (4).

22- وَ مِنْهُ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ الْبَزَنْطِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَمَّادٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا إِبْرَاهِيمَ(ع)عَنِ الْمَيِّتِ لِمَ يُغَسَّلُ غُسْلَ الْجَنَابَةِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَعْلَى وَ أَخْلَصُ مِنْ أَنْ يَبْعَثَ الْأَشْيَاءَ بِيَدِهِ إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مَلَكَيْنِ خَلَّاقَيْنِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقاً أَمَرَ أُولَئِكَ الْخَلَّاقِينَ فَأَخَذُوا مِنَ التُّرْبَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ‏ مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى‏ (5) فَعَجَنُوهَا بِالنُّطْفَةِ الْمُسْكَنَةِ فِي الرَّحِمِ فَإِذَا عُجِنَتِ النُّطْفَةُ بِالتُّرْبَةِ قَالا يَا رَبِّ مَا تَخْلُقُ قَالَ فَيُوحِي اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى‏ (6) مَا يُرِيدُ مِنْ ذَلِكَ ذَكَراً أَوْ أُنْثَى مُؤْمِناً أَوْ كَافِراً أَسْوَدَ أَوْ أَبْيَضَ شَقِيّاً أَوْ سَعِيداً فَإِنْ مَاتَ سَالَتْ مِنْهُ تِلْكَ النُّطْفَةُ بِعَيْنِهَا لَا غَيْرُهَا فَمِنْ‏

____________

(1) في المصدر: الهى.

(2) علل الشرائع: ج 1،(ص)89 و الآية في سورة الحديد: 22.

(3) ذكر الشيخ في رجاله عدة من أصحاب الصادق (عليه السلام) بهذا الاسم و حال جميعهم مجهول.

(4) علل الشرائع: ج 1،(ص)276.

(5) طه: 57.

(6) في المصدر: اليهما ما يريد ...

342

ثَمَّ صَارَ الْمَيِّتُ يُغَسَّلُ غُسْلَ الْجَنَابَةِ (1).

بيان أمر أولئك الخلاقين كان الجمعية على المجاز أو المراد بالملكين نوعين‏ (2) من الملك لكل امرأة شخصان فيجري فيهما التثنية و الجمع باعتبارين.

23- الْمَحَاسِنُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ هَارُونَ بْنِ الْجَهْمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ‏ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (3) يَعْنِي مُنْتَصِباً فِي بَطْنِ أُمِّهِ مَقَادِيمُهُ إِلَى مَقَادِيمِ أُمِّهِ وَ مَوَاخِيرُهُ إِلَى مَوَاخِيرِ أُمِّهِ غِذَاؤُهُ مِمَّا تَأْكُلُ أُمُّهُ وَ يَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُ تُنَسِّمُهُ تَنْسِيماً وَ مِيثَاقُهُ الَّذِي أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَإِذَا دَنَا وِلَادَتُهُ أَتَاهُ مَلَكٌ يُسَمَّى الزَّاجِرَ فَيَزْجُرُهُ فَيَنْقَلِبُ فَيَصِيرُ مَقَادِيمُهُ إِلَى مَوَاخِرِ (4) أُمِّهِ وَ مَوَاخِيرُهُ إِلَى مُقَدَّمِ أُمِّهِ لِيُسَهِّلَ اللَّهُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَ الْوَلَدِ أَمْرَهُ وَ يُصِيبُ ذَلِكَ جَمِيعَ النَّاسِ إِلَّا إِذَا كَانَ عَاتِياً فَإِذَا زَجَرَهُ فَزَعَ وَ انْقَلَبَ وَ وَقَعَ إِلَى الْأَرْضِ بَاكِياً مِنْ زَجْرَةِ الزَّاجِرِ وَ نَسِيَ الْمِيثَاقَ‏ (5).

أقول: تمامه و شرحه في باب جوامع أحوال الدواب و الأنعام.

24- الْعَيَّاشِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ: إِذَا زَنَى الرَّجُلُ أَدْخَلَ الشَّيْطَانُ ذَكَرَهُ ثُمَّ عَمِلَا جَمِيعاً ثُمَّ تَخْتَلِفُ النُّطْفَتَانِ فَيَخْلُقُ اللَّهُ مِنْهُمَا فَيَكُونُ شِرْكَ الشَّيْطَانِ.

25- وَ مِنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ شِرْكِ الشَّيْطَانِ قَوْلِهِ‏ وَ شارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ قَالَ مَا كَانَ مِنْ مَالٍ حَرَامٍ فَهُوَ شِرْكُ الشَّيْطَانِ قَالَ وَ يَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ حَتَّى يُجَامِعُ فَيَكُونُ مِنْ نُطْفَتِهِ وَ نُطْفَةِ الرَّجُلِ إِذَا كَانَ حَرَاماً.

26- الْعِلَلُ، لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ‏ الْعِلَّةُ فِي تَحْوِيلِ آدَمَ لَحْماً وَ دَماً بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي رَحِمٍ وَ لَا بَطْنٍ وَ كَانَ ظَاهِراً بَارِزاً فَتَحَوَّلَ لَحْماً وَ دَماً بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً.

27- الْمَنَاقِبُ، عَنْ سَلَّامِ بْنِ الْمُسْتَنِيرِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ فِي خَبَرٍ طَوِيلٍ يَذْكُرُ

____________

(1) العلل: ج 1،(ص)284.

(2) نوعان (ظ).

(3) البلد: 4.

(4) في المصدر: مواخير.

(5) المحاسن: 304.

343

فِيهِ خَلْقَ الْوَلَدِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ قَالَ وَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكاً يُقَالُ لَهُ الزَّاجِرُ فَيَزْجُرُهُ زَجْرَةً فَيَفْزَعُ الْوَلَدُ مِنْهَا وَ يَنْقَلِبُ فَتَصِيرُ رِجْلَاهُ أَسْفَلَ الْبَطْنِ لِيُسَهِّلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى الْمَرْأَةِ وَ عَلَى الْوَلَدِ الْخُرُوجَ قَالَ فَإِنِ احْتُبِسَ زَجَرَهُ زَجْرَةً أُخْرَى شَدِيدَةً فَيَفْزَعُ مِنْهَا فَيَسْقُطُ إِلَى الْأَرْضِ فَزِعاً بَاكِياً مِنَ الزَّجْرِ (1).

28- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ جَمِيعاً عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ سَلَّامِ بْنِ الْمُسْتَنِيرِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ مُخَلَّقَةٍ وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ (2) فَقَالَ الْمُخَلَّقَةُ هُمُ الذَّرُّ الَّذِينَ خَلَقَهُمُ اللَّهُ فِي صُلْبِ آدَمَ(ع)أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ ثُمَّ أَجْرَاهُمْ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَ أَرْحَامِ النِّسَاءِ وَ هُمُ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ إِلَى الدُّنْيَا حَتَّى يُسْأَلُوا عَنِ الْمِيثَاقِ وَ أَمَّا قَوْلُهُ‏ وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ فَهُمْ كُلُّ نَسَمَةٍ لَمْ يَخْلُقْهُمُ اللَّهُ فِي صُلْبِ آدَمَ(ع)حِينَ خَلَقَ الذَّرَّ وَ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ وَ هُمُ النُّطَفُ مِنَ الْعَزْلِ وَ السِّقْطِ قَبْلَ أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ وَ الْحَيَاةُ وَ الْبَقَاءُ (3).

بيان على تأويله(ع)يحتمل أن يكون الخلق بمعنى التقدير أي ما قدر في الذر أن ينفخ فيه الروح و ما لم يقدر.

29- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَرِيزٍ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَحَدِهِمَا(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى‏ وَ ما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَ ما تَزْدادُ (4) قَالَ الْغَيْضُ كُلُّ حَمْلٍ دُونَ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَ مَا يَزْدَادُ (5) كُلُّ شَيْ‏ءٍ يَزْدَادُ عَلَى تِسْعَةِ أَشْهُرٍ فَكُلَّمَا رَأَتِ الْمَرْأَةُ الدَّمَ الْخَالِصَ فِي حَمْلِهَا فَإِنَّهَا تَزْدَادُ بِعَدَدِ الْأَيَّامِ الَّتِي رَأَتْ فِي حَمْلِهَا مِنَ الدَّمِ‏ (6).

30- وَ مِنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْجَهْمِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)يَقُولُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)إِنَّ النُّطْفَةَ تَكُونُ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ يَوْماً ثُمَّ تَصِيرُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً ثُمَّ تَصِيرُ مُضْغَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً

____________

(1) المناقب: ج 4،(ص)200.

(2) الحجّ: 5.

(3) الكافي: ج 6،(ص)12.

(4) الرعد: 8.

(5) في المصدر: تزداد.

(6) الكافي: ج 6،(ص)12.

344

فَإِذَا كَمَلَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَلَكَيْنِ خَلَّاقَيْنِ فَيَقُولَانِ يَا رَبِّ مَا تَخْلُقُ ذَكَراً أَوْ أُنْثَى فَيُؤْمَرَانِ فَيَقُولَانِ يَا رَبِّ شَقِيّاً أَوْ سَعِيداً فَيُؤْمَرَانِ فَيَقُولَانِ يَا رَبِّ مَا أَجَلُهُ وَ مَا رِزْقُهُ وَ مَا كُلُّ شَيْ‏ءٍ مِنْ حَالِهِ وَ عَدَّدَ مِنْ ذَلِكَ أَشْيَاءَ وَ يَكْتُبَانِ الْمِيثَاقَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَإِذَا أَكْمَلَ اللَّهُ الْأَجَلَ بَعَثَ اللَّهُ مَلَكاً فَزَجَرَهُ زَجْرَةً فَيَخْرُجُ وَ قَدْ نَسِيَ الْمِيثَاقَ وَ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ فَقُلْتُ لَهُ أَ فَيَجُوزُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَيُحَوِّلَ الْأُنْثَى ذَكَراً أَوِ الذِّكَرَ أُنْثَى فَقَالَ‏ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (1).

بيان قيل كتابة الميثاق كناية عن مفطوريته على خلقه قابلة للتوحيد و سائر المعارف و نسيان الميثاق كناية عن دخوله في عالم الأسباب المشتمل على موانع تعقل ما فطر عليه. أقول قد مر بسط القول في تلك الأخبار في كتاب العدل.

31- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ ابْنِ رِئَابٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ النُّطْفَةَ الَّتِي‏ (2) أَخَذَ عَلَيْهَا الْمِيثَاقَ فِي صُلْبِ آدَمَ أَوْ مَا يَبْدُو لَهُ فِيهِ وَ يَجْعَلُهَا فِي الرَّحِمِ حَرَّكَ الرَّجُلَ لِلْجِمَاعِ وَ أَوْحَى إِلَى الرَّحِمِ أَنِ افْتَحِي بَابَكِ حَتَّى يَلِجَ فِيكِ خَلْقِي وَ قَضَائِيَ النَّافِذُ وَ قَدَرِي فَتَفْتَحُ الرَّحِمُ بَابَهَا فَتَصِلُ النُّطْفَةُ إِلَى الرَّحِمِ فَتَرَدَّدُ فِيهِ أَرْبَعِينَ يَوْماً ثُمَّ تَصِيرُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً ثُمَّ تَصِيرُ مُضْغَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً ثُمَّ تَصِيرُ لَحْماً تَجْرِي فِيهِ عُرُوقٌ مُشْتَبِكَةٌ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكَيْنِ خَلَّاقَيْنِ يَخْلُقَانِ فِي الْأَرْحَامِ مَا يَشَاءُ (3) يَقْتَحِمَانِ فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ مِنْ فَمِ الْمَرْأَةِ فَيَصِلَانِ إِلَى الرَّحِمِ وَ فِيهَا الرُّوحُ الْقَدِيمَةُ الْمَنْقُولَةُ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَ أَرْحَامِ النِّسَاءِ فَيَنْفُخَانِ فِيهَا رُوحَ الْحَيَاةِ وَ الْبَقَاءِ وَ يَشُقَّانِ لَهُ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ جَمِيعَ الْجَوَارِحِ وَ جَمِيعَ مَا فِي الْبَطْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ يُوحِي اللَّهُ إِلَى الْمَلَكَيْنِ اكْتُبَا عَلَيْهِ قَضَائِي وَ قَدَرِي وَ نَافِذَ أَمْرِي وَ اشْتَرِطَا لِيَ الْبَدَاءَ فِي مَا تَكْتُبَانِ‏

____________

(1) الكافي: ج 6،(ص)13.

(2) في المصدر: مما اخذ.

(3) في المصدر: يشاء اللّه فيقتحمان.

345

فَيَقُولَانِ يَا رَبِّ مَا نَكْتُبُ قَالَ فَيُوحِي اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِمَا أَنِ ارْفَعَا رُءُوسَكُمَا إِلَى رَأْسِ أُمِّهِ فَيَرْفَعَانِ رُءُوسَهَا فَإِذَا اللَّوْحُ يَقْرَعُ جَبْهَةَ أُمِّهِ فَيَنْظُرَانِ فِيهِ فَيَجِدَانِ فِي اللَّوْحِ صُورَتَهُ وَ رُؤْيَتَهُ‏ (1) وَ أَجَلَهُ وَ مِيثَاقَهُ شَقِيّاً أَوْ سَعِيداً وَ جَمِيعَ شَأْنِهِ قَالَ فَيُمْلِي أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فَيَكْتُبَانِ جَمِيعَ مَا فِي اللَّوْحِ وَ يَشْتَرِطَانِ الْبَدَاءَ فِي مَا يَكْتُبَانِ ثُمَّ يَخْتِمَانِ الْكِتَابَ وَ يَجْعَلَانِهِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ يُقِيمَانِهِ قَائِماً فِي بَطْنِ أُمِّهِ قَالَ فَرُبَّمَا عَتَا فَانْقَلَبَ وَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا فِي كُلِّ عَاتٍ‏ (2) أَوْ مَارِدٍ فَإِذَا بَلَغَ أَوَانُ خُرُوجِ الْوَلَدِ تَامّاً أَوْ غَيْرَ تَامٍّ أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى الرَّحِمِ أَنِ افْتَحِي بَابَكِ حَتَّى يَخْرُجَ خَلْقِي إِلَى أَرْضِي وَ يَنْفُذَ فِيهِ أَمْرِي فَقَدْ بَلَغَ أَوَانُ خُرُوجِهِ قَالَ فَيَفْتَحُ الرَّحِمُ بَابَ الْوَلَدِ فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ مَلَكاً يُقَالُ لَهُ زَاجِرٌ فَيَزْجُرُهُ زَجْرَةً فَيَفْزَعُ مِنْهَا الْوَلَدُ فَيَنْقَلِبُ فَيَصِيرُ رِجْلَاهُ فَوْقَ رَأْسِهِ وَ رَأْسُهُ فِي أَسْفَلِ الْبَطْنِ لِيُسَهِّلَ اللَّهُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَ عَلَى الْوَلَدِ الْخُرُوجَ قَالَ فَإِذَا احْتُبِسَ زَجَرَهُ الْمَلَكُ زَجْرَةً أُخْرَى فَيَفْزَعُ مِنْهَا فَيَسْقُطُ الْوَلَدُ إِلَى الْأَرْضِ بَاكِياً فَزِعاً مِنَ الزَّجْرَةِ (3).

بيان: قوله أو ما يبدو له فيه من البداء و قد مر معناه في محله و المعنى لم يؤخذ عليه الميثاق أولا في صلب آدم و لكن بدا له ثانيا بعد خروجه من صلبه أن يأخذ عليها الميثاق و يحتمل أن يكون المراد به ما فسر به غير المخلقة في الخبر السابق فيكون مشاركا للأول في بعض ما سيذكر كما أن القسم الأول أيضا قد يسقط قبل كماله فلا يجري فيه جميع ما في الخبر و يحتمل أيضا أن يراد بالأول من يصل إلى حد التكليف و يؤخذ بما أخذ عليه من الميثاق و بالثاني من يموت قبل ذلك حرك الرجل بإلقاء الشهوة عليه و الإيحاء كأنه على سبيل الأمر التكويني لا التكليفي أي تنفتح بقدرته و إرادته تعالى أو كناية عن فطرة إياها على الإطاعة طمعا كما قيل فتردد بحذف إحدى التاءين أي تتحول من حال إلى حال و قد مر أن الخلق‏

____________

(1) في المصدر: «زينته».

(2) و مارد (خ).

(3) الكافي: ج 6،(ص)13- 15.

346

المنسوب إلى الملك بمعنى التقدير و التصوير و التخطيط كما هو معناه المعروف في أصل اللغة فيقتحمان أي يدخلان من غير اختيار لها و إذن منها و فيها الروح القديمة أي الروح المخلوق في الزمان المتقادم قبل خلق جسده و كثيرا ما يطلق القديم في اللغة و العرف على هذا المعنى كما لا يخفى على من تتبع كتب اللغة و موارد الاستعمالات و المراد بها النفس النباتية أو الروح الحيوانية أو الإنسانية قوله رؤيته أي ما يرى منه و يمكن أن يقرأ بالتشديد بمعنى التفكر و الفهم و العتو مجاوزة الحد و الاستكبار.

ثم اعلم أن للعلماء في أمثال هذا الخبر مسالك فمنهم من آمن بظاهرها و وكل علمها إلى من صدرت عنه و هذا سبيل المتقين و منهم من يقول ما يفهم من ظاهره حق و لا عبرة باستبعاد الأوهام في ما صدر عن أئمة الأنام(ع)و منهم من قال هذا على سبيل التمثيل كأنه(ع)شبه ما يعلمه سبحانه من حاله و طينته و ما يستحقه من الكمالات و ما أودع فيه من درجات الاستعدادات بمجي‏ء الملكين و كتابتهما على جبهته و غير ذلك و قال بعضهم قرع اللوح جبهة أمه كأنه كناية عن ظهور أحوال أمه و صفاتها و أخلاقها من ناصيتها و صورتها التي خلقت عليها كأنها جميعا مكتوبة عليها و إنما يستنبط الأحوال التي ينبغي أن يكون الولد عليها من ناصية أمه‏ (1) و يكتب ذلك على وفق ما ثمة للمناسبة التي تكون بينه و بينها و ذلك لأن جوهر الروح إنما يفيض على البدن بحسب استعداده و قبوله إياه و استعداد البدن تابع لاستعداد نفس الأبوين و صفاتهما و أخلاقهما لا سيما الأم المربية له على وفق ما جاء به من ظهر أبيه فهي حينئذ مشتملة على أحواله الأبوية و الأمية و جعل الكتاب المختوم بين عينيه كناية عن ظهور صفاته و أخلاقه من ناصيته و صورته.

أقول الأحوط و الأولى عدم التعرض لأمثال هذه التأويلات الواهية و التسليم لما ورد عن الأئمة الهادية ع.

31- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ أَوْ

____________

(1) أمه مكتوبة (خ).

347

غَيْرِهِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ(ع)جُعِلْتُ فِدَاكَ الرَّجُلُ يَدْعُو لِلْحُبْلَى أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ مَا فِي بَطْنِهَا ذَكَراً سَوِيّاً فَقَالَ يَدْعُو مَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنَّهُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً نُطْفَةٌ وَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً عَلَقَةٌ وَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً مُضْغَةٌ فَذَلِكَ تَمَامُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكَيْنِ خَلَّاقَيْنِ فَيَقُولَانِ يَا رَبِّ مَا تَخْلُقُ ذَكَراً أَوْ أُنْثَى شَقِيّاً أَوْ سَعِيداً فَيَقُولَانِ يَا رَبِّ مَا رِزْقُهُ وَ مَا أَجَلُهُ وَ مَا مُدَّتُهُ فَيُقَالُ ذَلِكَ وَ مِيثَاقُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَلَا يَزَالُ مُنْتَصِباً فِي بَطْنِ أُمِّهِ حَتَّى إِذَا دَنَا خُرُوجُهُ بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ مَلَكاً فَزَجَرَهُ زَجْرَةً فَيَخْرُجُ وَ يَنْسَى الْمِيثَاقَ‏ (1).

32- وَ مِنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى وَ غَيْرِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَمْرٍو (2) عَنْ شُعَيْبٍ الْعَقَرْقُوفِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ لِلرَّحِمِ أَرْبَعَةَ سُبُلٍ فِي أَيِّ سَبِيلٍ سَلَكَ فِيهِ الْمَاءُ كَانَ مِنْهُ الْوَلَدُ وَاحِدٌ أَوِ اثْنَانِ وَ ثَلَاثَةٌ وَ أَرْبَعَةٌ وَ لَا يَكُونُ إِلَى سَبِيلٍ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ (3).

33- وَ مِنْهُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ رَفَعَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمْرَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ لِلرَّحِمِ أَرْبَعَةَ أَوْعِيَةٍ فَمَا كَانَ فِي الْأَوَّلِ فَلِلْأَبِ وَ مَا كَانَ فِي الثَّانِي فَلِلْأُمِّ وَ مَا كَانَ فِي الثَّالِثِ فَلِلْعُمُومَةِ وَ مَا كَانَ فِي الرَّابِعِ فَلِلْخُئُولَةِ (4).

بيان فللأب أي يشبه الولد إذا وقعت فيه و كذا البواقي فسياق هذا الخبر غير سياق الخبر المتقدم من بيان أكثر ما يمكن من أن تلد المرأة و إن كان يظهر ذلك منه إيماء و تلويحا و لذا أوردهما الكليني ره في باب أكثر ما تلد المرأة.

34- النهج، نهج البلاغة قَالَ: أَيُّهَا الْمَخْلُوقُ السَّوِيُّ وَ الْمُنْشَأُ الْمَرْعِيُّ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ‏

____________

(1) الكافي: ج 6،(ص)16.

(2) كذا، و لم يذكر في كتب الرجال «إسماعيل بن عمرو» و الظاهر أنّه إسماعيل بن عمر بن ابان الكلبى و يروى عنه أحمد بن محمّد بن أبي نصر على ما ذكره في جامع الرواة و هو ضعيف.

(3) الكافي: ج 6،(ص)16.

(4) الكافي: ج 6،(ص)17.

348

وَ مُضَاعَفَاتِ الْأَسْتَارِ بُدِئْتَ‏ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ‏ وَ وُضِعْتَ‏ فِي قَرارٍ مَكِينٍ إِلى‏ قَدَرٍ مَعْلُومٍ‏ وَ أَجَلٍ مَقْسُومٍ تَمُورُ فِي بَطْنِ أُمِّكَ جَنِيناً لَا تَحِيرُ دُعَاءً وَ لَا تَسْمَعُ نِدَاءً ثُمَّ أُخْرِجْتَ مِنْ مَقَرِّكَ إِلَى دَارٍ لَمْ تَشْهَدْهَا وَ لَمْ تَعْرِفْ سُبُلَ مَنَافِعِهَا فَمَنْ هَدَاكَ لِاجْتِرَارِ الْغِذَاءِ مِنْ ثَدْيِ أُمِّكَ وَ عَرَّفَكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ مَوَاضِعَ طَلَبِكَ وَ إِرَادَتِكَ هَيْهَاتَ إِنَّ مَنْ يَعْجِزُ عَنْ صِفَاتِ ذِي الْهَيْئَةِ وَ الْأَدَوَاتِ فَهُوَ عَنْ صِفَاتِ خَالِقِهِ أَعْجَزُ وَ مِنْ تَنَاوُلِهِ بِحُدُودِ الْمَخْلُوقِينَ أَبْعَدُ (1).

توضيح السوي العدل و الوسط و رجل سوي أي مستوي الخلقة غير ناقص و أنشأ الخلق ابتدأ خلقهم و الرعاية الحفظ و المرعي من شمله حفظ الراعي و مضاعفات الأستار أي الأستار المضاعفة و الحجب بعضها فوق بعض بدئت من سلالة إشارة إلى قوله تعالى‏ وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ‏ (2) و قد مر وجوه التفسير فيه و هي جارية هاهنا و المكين المتمكن و هو في الأصل صفة للمستقر وصف به المحل مبالغة أو المراد تمكن الرحم في مكانها مربوطة برباطات كما سيأتي و المعنى في مستقر حصين هي الرحم إلى قدر معلوم أي مقدار معين من الزمان قدره الله للولادة و قسمه كضربه و قسمه بالتشديد أي جزأه و فرقه و قسم أمره أي قدره و الأجل المقسوم المدة المقدرة لحياة كل أحد فالظرف متعلق بمحذوف أي منتهيا إلى أجل مقسوم أو يقال الوضع في الرحم غايته ابتداء الأجل أي مدة حياة الدنيا و يحتمل أن يكون تأكيدا للقدر المعلوم و مار الشي‏ء كقال تحرك أو بسرعة و اضطراب و الجنين الولد في البطن لاستتاره من جن أي استتر فإذا ولد فهو منفوس و المحاورة الجواب و مراجعة النطق و يقال كلمته فما أحار إلي جوابا أي لم يجبني و دعوته دعاء ناديته و طلبت إقباله لم تشهدها أي لم تحضرها قبل ذلك و لم تعلم بحالها و الاجترار الجذب مواضع طلبك قيل أي حلمة الثدي و الجمع‏

____________

(1) نهج البلاغة: ج 1،(ص)303.

(2) المؤمنون: 13.

349

باعتبار أن الطفل يمتص من غير ثدي أمه أيضا أو عرفك عند الحاجة إلى كل شي‏ء في دار الدنيا مواضع طلبك و في بعض النسخ و حرك عند الحاجة فالمراد بمواضع الطلب القوى و الآلات التي يحصل بها اجترار الغذاء هيهات أي بعد أن يحيط علما بصفات خالقه الذي هو أبعد الأشياء منه من حيث الحقيقة لعدم المشابهة و المجانسة و ليس له حدود المخلوقين من لا يقدر على وصف نفسه مع أنه أقرب الأشياء إليه و غيره من ذوي الهيئة و الأدوات المجانس له في الذات و الصفات المتصف بحدود المخلوقين.

35- النهج، نهج البلاغة جَعَلَ لَكُمْ أَسْمَاعاً لِتَعِيَ مَا عَنَاهَا وَ أَبْصَاراً لِتَجْلُوَ عَنْ عَشَاهَا وَ أَشْلَاءً جَامِعَةً لِأَعْضَائِهَا مُلَائِمَةً لِأَحْنَائِهَا فِي تَرْكِيبِ صُوَرِهَا وَ مُدَدِ عُمُرِهَا بِأَبْدَانٍ قَائِمَةٍ بِأَرْفَاقِهَا وَ قُلُوبٍ رَائِدَةٍ لِأَرْزَاقِهَا فِي مُجَلِّلَاتِ نِعَمِهِ وَ مُوجِبَاتِ مِنَنِهِ وَ حَوَاجِزِ بَلِيَّتِهِ وَ جَوَائِزِ عَافِيَتِهِ‏ (1) وَ قَدَّرَ لَكُمْ أَعْمَاراً سَتَرَهَا عَنْكُمْ وَ خَلَّفَ لَكُمْ عِبَراً مِنْ آثَارِ الْمَاضِينَ قَبْلَكُمْ إِلَى قَوْلِهِ(ع)أَمْ هَذَا الَّذِي أَنْشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ وَ شُغُفِ الْأَسْتَارِ نُطْفَةً دِهَاقاً وَ عَلَقَةً مِحَاقاً وَ جَنِيناً وَ رَاضِعاً وَ وَلِيداً وَ يَافِعاً ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً وَ لِسَاناً لَافِظاً وَ بَصَراً لَاحِظاً لِيَفْهَمَ مُعْتَبِراً وَ يُقَصِّرَ مُزْدَجِراً حَتَّى إِذَا قَامَ اعْتِدَالُهُ وَ اسْتَوَى مِثَالُهُ نَفَرَ مُسْتَكْبِراً إِلَى آخِرِ الْخُطْبَةِ (2).

توضيح وعاه يعيه حفظه و جمعه و عناه الأمر يعنيه و يعنوه أهمه و العشا بالفتح و القصر سوء البصر بالليل و النهار أو بالليل أو العمى و تجلو بمعنى تكشف قيل أقيم المجلو مقام المجلو عنه و التقدير لتجلو عن قواها عشاها و قيل كلمة عن زائدة أو بمعنى بعد و المفعول محذوف و التقدير لتجلو الأذى بعد عشاها و هو بعيد و المراد جلاء العشا عن البصر الظاهر بأن ينظر إلى ما يعتبر به أو عن بصر القلب بأن يفرق بين الضار و النافع و الأشلاء جمع شلو بالكسر و هو العضو و فسره في القاموس بالجسد أيضا و جمعها للأعضاء على‏

____________

(1) في المصدر: .. مننه، و حواجز عافيته و قدر ...

(2) نهج البلاغة: ج 1،(ص)143.

350

الثاني واضح و على الأول يمكن حملها على الأعضاء الظاهرة الجامعة للباطنة كما قيل.

و أقول يمكن أن يكون المراد بالأعضاء أجزاء الأعضاء و الملاءمة الموافقة و الأحناء جمع حنو بالكسر و هو الجانب و في النهاية لأحنائها أي معاطفها و الغرض الإشارة إلى الحكم و المصالح المرعية في تركيب الأعضاء و ترتيبها و جعل كل منها في موضع يليق بها كما بين بعضها في علم التشريح و كتب منافع الأعضاء و الظرف متعلق بالملاءمة و قيل كأنه قال مركبة و مصورة فأتى بلفظة في كما تقول ركب في سلاحه أو بسلاحه أي متسلحا و الأرفاق جمع رفق بالكسر و هو المنفعة و في القاموس هو ما أستعين به و الأرفاق على هذا عبارة عن الأعضاء و سائر ما يستعين به الإنسان و الباء للاستعانة أو السببية بخلاف الأول و روي بأرماقها و الرمق بقية الروح و الرود الطلب في مجللات نعمه بصيغة الفاعل أي النعم التي تجلل الناس أي تغطيهم كما يتجلل الرجل بالثوب و قيل أي التي تجلل الناس و تعمهم من قولهم سحاب مجلل أي يطبق الأرض و الظرف متعلق بمحذوف و الموضع نصب على الحال و المراد بموجبات المنن على صيغة الفاعل النعم التي توجب الشكر و يروى على صيغة المفعول أي النعم التي أوجبها الله على نفسه لكونه الجواد المطلق و قيل أي ما سقط من نعمه و أفيض على العباد من الوجوب بمعنى السقوط.

و حواجز العافية ما يدفع المضار و يروى حواجز بليته أي ما يمنعها و الامتنان بستر الأعمار لكون الاطلاع عليها و اشتغال الخاطر بخوف الموت مما يبطل نظام الدنيا و الغرض تنبيه الغافل عن انقضاء العمر لستر حده و انتهائه و خلف العبر إبقاؤها بعد ارتحال الماضين كأنها خليفة لهم.

أم هذا الذي قيل أم هاهنا إما استفهامية على حقيقتها كأنه قال أعظكم و أذكركم بحال الشيطان و إغوائه أم بحال الإنسان من ابتداء وجوده إلى حين مماته و إما أن تكون منقطعة بمعنى بل كأنه قال عادلا و تاركا لما وعظهم به‏

351

بل أتلو عليكم بناء هذا الإنسان الذي حاله كذا و الشغف بضمتين جمع شغاف بالفتح و هو في الأصل غلاف القلب و حجابه استعير هنا لوضع الولد و الدهاق بكسر الدال الذي أدهق أي أفرغ إفراغا شديدا و قيل الدهاق المملوءة من قولهم دهق الكأس كجعله ملأها و يروى دفاقا من دفقت الماء أي صببته و المحق المحو و الإبطال و النقص و سميت ثلاث ليال من آخر الشهر محاقا لأن القمر يقرب من الشمس فتمحقه و استعير للعلقة لأنها لم تتصور بعد فأشبهت ما أبطلت صورته و في الأوصاف تحقير للإنسان كما أومئ إليه بالإشارة و الراضع الطفل يرضع أمه كيسمع أي يمتص ثديها و الأم مرضعة و الوليد المولود و كأن المراد به الفطيم و اليافع الغلام الذي شارف الاحتلام و لما يحتلم يقال أيفع الغلام فهو يافع و هو من النوادر.

قال في سر الأدب في ترتيب أحوال الإنسان هو ما دام في الرحم جنين فإذا ولد فوليد ثم ما دام يرضع فرضيع ثم إذا قطع منه اللبن فهو فطيم ثم إذا دب و نمى فهو دارج فإذا بلغ طوله خمسة أشبار فهو خماسي فإذا سقطت رواضعه فهو مثغور فإذا نبتت أسنانه بعد السقوط فهو مثغر فإذا تجاوز العشر أو جاوزها فهو مترعرع و ناشئ فإذا كاد يبلغ الحلم أو بلغه فهو يافع و مراهق فإذا احتلم و اجتمعت قوته فهو حرور و اسمه في جميع هذه الأحوال غلام فإذا اخضر شاربه قيل قد بقل وجهه فإذا صار ذا فتاء فهو فتى و شارخ فإذا اجتمعت لحيته و بلغ غاية شبابه فهو مجتمع ثم ما دام بين الثلاثين و الأربعين فهو شاب ثم هو كهل إلى أن يستوفي الستين و قيل إذا جاوز أربعا و ثلاثين إلى إحدى و خمسين فإذا جاوزها فهو شيخ.

ثم منحه أي أعطاه و اللافظ الناطق و يقال لحظ إذا نظر بمؤخر عينيه و كأن المراد هنا مطلق النظر و يقصر على بناء الإفعال أي ينتهي و المعنى أعطاه القوى الثلاثة ليعتبر بحال الماضين و ما نزل بساحة العاصين و ينتهي عما يفضيه إلى أليم النكال و شديد الوبال أو ليفهم دلائل الصنع و القدرة و يستدل بشواهد

352

الربوبية على وجوب الطاعة و الانتهاء عن المعصية فينزجر عن الخلاف و العصيان و يتخلص عن الخيبة و الخسران و الاعتدال التناسب و الاستقامة و التوسط بين الحالين في كم أو كيف و قيام الاعتدال تمام الخلقة و الصورة و تناسب الأعضاء و خلوها عن النقص و الزيادة و كمال القوى المحتاج إليها في تحصيل المآرب و استوى أي اعتدل و المثال بالكسر المقدار وصفه الشي‏ء و يقال استوى الرجل إذا بلغ أشده أي قوته و هو ما بين ثمانية عشر إلى ثلاثين و نفرت الدابة كضرب أي فر و ذهب.

36- الْفَقِيهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْكُوفِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ مُرَازِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِذَا وَقَعَ الْوَلَدُ فِي جَوْفِ‏ (1) أُمِّهِ صَارَ وَجْهُهُ قِبَلَ ظَهْرِ أُمِّهِ إِنْ كَانَ ذَكَراً وَ إِنْ كَانَ أُنْثَى صَارَ وَجْهُهَا قِبَلَ بَطْنِ أُمِّهَا يَدَاهُ عَلَى وَجْنَتَيْهِ وَ ذَقَنُهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ كَهَيْئَةِ الْحَزِينِ الْمَهْمُومِ فَهُوَ كَالْمَصْرُورِ مَنُوطٌ بِمِعَاءٍ مِنْ سُرَّتِهِ إِلَى سُرَّةِ أُمِّهِ فَبِتِلْكَ السُّرَّةِ يَغْتَذِي مِنْ طَعَامِ أُمِّهِ وَ شَرَابِهَا إِلَى الْوَقْتِ الْمُقَدَّرِ لِوِلَادَتِهِ فَيَبْعَثُ اللَّهُ تَعَالَى‏ (2) مَلَكاً فَيَكْتُبُ عَلَى جَبْهَتِهِ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ مُؤْمِنٌ أَوْ كَافِرٌ غَنِيٌّ أَوْ فَقِيرٌ وَ يَكْتُبُ‏ (3) أَجَلَهُ وَ رِزْقَهُ وَ سُقْمَهُ وَ صِحَّتَهُ فَإِذَا انْقَطَعَ الرِّزْقُ الْمُقَدَّرُ لَهُ مِنْ سُرَّةِ أُمِّهِ زَجَرَهُ الْمَلَكُ زَجْرَةً فَانْقَلَبَ فَزِعاً مِنَ الزَّجْرَةِ وَ صَارَ رَأْسُهُ قِبَلَ الْمَخْرَجِ‏ (4) فَإِذَا وَقَعَ إِلَى الْأَرْضِ دُفِعَ‏ (5) إِلَى هَوْلٍ عَظِيمٍ وَ عَذَابٍ أَلِيمٍ إِنْ أَصَابَتْهُ رِيحٌ أَوْ مَشَقَّةٌ أَوْ مَسَّتْهُ يَدٌ وَجَدَ لِذَلِكَ مِنَ الْأَلَمِ مَا يَجِدُهُ الْمَسْلُوخُ عِنْدَ جَلْدِهِ يَجُوعُ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِطْعَامٍ‏ (6) وَ يَعْطَشُ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِسْقَاءٍ (7) وَ يَتَوَجَّعُ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِغَاثَةِ فَيُوَكِّلُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ الرَّحْمَةَ وَ الشَّفَقَةَ عَلَيْهِ وَ الْمَحَبَّةَ لَهُ أُمَّهُ فَتَقِيهِ الْحَرَّ وَ الْبَرْدَ بِنَفْسِهَا وَ تَكَادُ تَفْدِيهِ بِرُوحِهَا وَ تَصِيرُ مِنَ التَّعَطُّفِ عَلَيْهِ بِحَالٍ لَا

____________

(1) في المصدر: فى بطن.

(2) فيه: اليه ملكا.

(3) فيكتب (خ).

(4) في المصدر: الفرج.

(5) وقع (خ).

(6) في المصدر: الاستطعام.

(7) في المصدر: الاستسقاء.

353

تُبَالِي أَنْ تَجُوعَ إِذَا شَبِعَ وَ تَعْطَشَ إِذَا رَوِيَ وَ تَعْرَى إِذَا كُسِيَ وَ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ رِزْقَهُ فِي ثَدْيَيْ أُمِّهِ فِي إِحْدَاهُمَا طَعَامُهُ وَ فِي الْأُخْرَى شَرَابُهُ حَتَّى إِذَا رَضَعَ آتَاهُ اللَّهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ بِمَا قَدَّرَ لَهُ فِيهِ مِنَ الرِّزْقِ وَ إِذَا أَدْرَكَ فَهَّمَهُ الْأَهْلَ وَ الْمَالَ وَ الشَّرَهَ وَ الْحِرْصَ ثُمَّ هُوَ مَعَ ذَلِكَ بِعَرْضِ‏ (1) الْآفَاتِ وَ الْعَاهَاتِ وَ الْبَلِيَّاتِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَ الْمَلَائِكَةُ تَهْدِيهِ وَ تُرْشِدُهُ وَ الشَّيَاطِينُ تُضِلُّهُ وَ تُغْوِيهِ فَهُوَ هَالِكٌ إِلَّا أَنْ يُنَجِّيَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَ قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ نِسْبَةَ الْإِنْسَانِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ‏ (2) قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ حَالُنَا فَكَيْفَ حَالُكَ وَ حَالُ الْأَوْصِيَاءِ بَعْدَكَ فِي الْوِلَادَةِ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَلِيّاً ثُمَّ قَالَ يَا جَابِرُ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ أَمْرٍ جَسِيمٍ لَا يَحْتَمِلُهُ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَ الْأَوْصِيَاءَ مَخْلُوقُونَ مِنْ نُورِ عَظَمَةِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ‏ (3) يُودِعُ اللَّهُ أَنْوَارَهُمْ أَصْلَاباً طَيِّبَةً وَ أَرْحَاماً طَاهِرَةً يَحْفَظُهَا بِمَلَائِكَتِهِ وَ يُرَبِّيهَا بِحِكْمَتِهِ وَ يَغْذُوهَا بِعِلْمِهِ فَأَمْرُهُمْ يَجِلُّ عَنْ أَنْ يُوصَفَ وَ أَحْوَالُهُمْ تَدِقُّ عَنْ أَنْ تُعْلَمَ لِأَنَّهُمْ نُجُومُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَ أَعْلَامُهُ فِي بَرِيَّتِهِ وَ خُلَفَاؤُهُ عَلَى عِبَادِهِ وَ أَنْوَارُهُ فِي بِلَادِهِ وَ حُجَجُهُ عَلَى خَلْقِهِ يَا جَابِرُ هَذَا مِنْ مَكْنُونِ الْعِلْمِ وَ مَخْزُونِهِ فَاكْتُمْهُ إِلَّا مِنْ أَهْلِهِ‏ (4).

بيان: في القاموس الوجنة مثلثة و ككلمة و محركة ما ارتفع من الخدين و المصرور الأسير لأنه مجموع اليدين من صررت جمعت و قال صر الناقة شد ضرعها و قال ناطه نوطا علقه و الشره بالتحريك غلبة الحرص.

____________

(1) في المصدر: تعرضه.

(2) المؤمنون: 12- 16.

(3) في المصدر: جل ذكره.

(4) الفقيه: 589.

354

37- الْكَافِي، عَنِ الْعِدَّةِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ وَ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ قَالا عَرَضْنَا كِتَابَ الْفَرَائِضِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)وَ مِمَّا فِيهِ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)جَعَلَ دِيَةَ الْجَنِينِ مِائَةَ دِينَارٍ وَ جَعَلَ مَنِيَّ الرَّجُلِ إِلَى أَنْ يَكُونَ جَنِيناً خَمْسَةَ أَجْزَاءٍ فَإِذَا كَانَ جَنِيناً قَبْلَ أَنْ تَلِجَهُ الرُّوحُ مِائَةَ دِينَارٍ وَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ وَ هِيَ النُّطْفَةُ فَهَذَا جُزْءٌ ثُمَّ عَلَقَةً فَهُوَ جُزْءَانِ ثُمَّ مُضْغَةً فَهُوَ ثَلَاثَةُ أَجْزَاءٍ ثُمَّ عَظْماً فَهُوَ أَرْبَعَةُ أَجْزَاءٍ ثُمَّ يُكْسَى لَحْماً فَحِينَئِذٍ تَمَّ جَنِيناً فَكَمَلَتْ لَهُ خَمْسَةُ أَجْزَاءٍ مِائَةُ دِينَارٍ إِلَى قَوْلِهِ فَإِذَا أُنْشِئَ فِيهِ خَلْقٌ آخَرُ وَ هُوَ الرُّوحُ فَهُوَ حِينَئِذٍ نَفْسٌ فِيهِ أَلْفُ دِينَارٍ كَامِلَةً إِنْ كَانَ ذَكَراً وَ إِنْ كَانَ أُنْثَى فَخَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ (1).

38- وَ مِنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْخَزَّازِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنِ الرَّجُلِ يَضْرِبُ الْمَرْأَةَ فَتَطْرَحُ النُّطْفَةَ فَقَالَ عَلَيْهِ عِشْرُونَ دِينَاراً فَقُلْتُ فَيَضْرِبُهَا فَتَطْرَحُ الْعَلَقَةَ فَقَالَ أَرْبَعُونَ‏ (2) دِينَاراً قُلْتُ فَيَضْرِبُهَا فَتَطْرَحُ الْمُضْغَةَ قَالَ عَلَيْهِ سِتُّونَ دِينَاراً قُلْتُ فَيَضْرِبُهَا فَتَطْرَحُهُ وَ قَدْ صَارَ لَهُ عَظْمٌ فَقَالَ عَلَيْهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً بِهَذَا قَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قُلْتُ فَمَا صِفَةُ خِلْقَةِ النُّطْفَةِ الَّتِي تُعْرَفُ بِهَا فَقَالَ النُّطْفَةُ تَكُونُ بَيْضَاءَ مِثْلَ النُّخَامَةِ الْغَلِيظَةِ فَتَمْكُثُ فِي الرَّحِمِ إِذَا صَارَتْ فِيهِ أَرْبَعِينَ يَوْماً ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى عَلَقَةٍ قُلْتُ فَمَا صِفَةُ خِلْقَةِ الْعَلَقَةِ الَّتِي تُعْرَفُ بِهَا فَقَالَ هِيَ عَلَقَةٌ كَعَلَقَةِ الدَّمِ الْمِحْجَمَةِ الْجَامِدَةِ تَمْكُثُ فِي الرَّحِمِ بَعْدَ تَحْوِيلِهَا عَنِ النُّطْفَةِ أَرْبَعِينَ يَوْماً ثُمَّ تَصِيرُ مُضْغَةً قُلْتُ فَمَا صِفَةُ الْمُضْغَةِ وَ خِلْقَتِهَا الَّتِي تُعْرَفُ بِهَا قَالَ هِيَ مُضْغَةٌ لَحْمٌ حَمْرَاءُ فِيهَا عُرُوقٌ خُضْرٌ مُتَشَبِّكَةٌ ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى عَظْمٍ قُلْتُ فَمَا صِفَةُ خِلْقَتِهِ إِذَا كَانَ عَظْماً فَقَالَ إِذَا كَانَ عَظْماً شُقَّ لَهُ السَّمْعُ وَ الْبَصَرُ وَ رُتِّبَتْ جَوَارِحُهُ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّ فِيهِ الدِّيَةَ كَامِلَةً (3).

____________

(1) الكافي: ج 7،(ص)342.

(2) في المصدر: عليه أربعون.

(3) الكافي: ج 7،(ص)345.

355

39- وَ مِنْهُ، عَنْ صَالِحِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ يُونُسَ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فَإِنْ خَرَجَ فِي النُّطْفَةِ قَطْرَةُ دَمٍ قَالَ الْقَطْرَةُ عُشْرُ النُّطْفَةِ فِيهَا اثْنَانِ وَ عِشْرُونَ دِينَاراً قُلْتُ فَإِنْ قَطَرَتْ قَطْرَتَيْنِ قَالَ أَرْبَعَةٌ وَ عِشْرُونَ دِينَاراً قَالَ قُلْتُ فَإِنْ قَطَرَتْ بِثَلَاثٍ قَالَ فَسِتٌّ وَ عِشْرُونَ دِينَاراً قُلْتُ فَأَرْبَعٌ قَالَ فَثَمَانِيَةٌ وَ عِشْرُونَ دِينَاراً وَ فِي خَمْسٍ ثَلَاثُونَ‏ (1) وَ مَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ فَعَلَى حِسَابِ ذَلِكَ حَتَّى تَصِيرَ عَلَقَةً فَإِذَا صَارَتْ عَلَقَةً فَفِيهَا أَرْبَعُونَ دِينَاراً فَقَالَ لَهُ أَبُو شِبْلٍ وَ أَخْبَرَنَا أَبُو شِبْلٍ قَالَ حَضَرْتُ يُونُسَ وَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)يُخْبِرُهُ بِالدِّيَاتِ قَالَ قُلْتُ فَإِنَّ النُّطْفَةَ خَرَجَتْ مُتَخَضْخِضَةً بِالدَّمِ قَالَ فَقَالَ لِي فَقَدْ عَلِقَتْ إِنْ كَانَ دَماً صَافِياً فَفِيهَا أَرْبَعُونَ دِينَاراً وَ إِنْ كَانَ دَماً أَسْوَدَ فَلَا شَيْ‏ءَ عَلَيْهِ إِلَّا التَّعْزِيرَ لِأَنَّهُ مَا كَانَ مِنْ دَمٍ صَافٍ فَذَلِكَ لِلْوَلَدِ وَ مَا كَانَ مِنْ دَمٍ أَسْوَدَ فَذَلِكَ مِنَ الْجَوْفِ قَالَ أَبُو شِبْلٍ فَإِنَّ الْعَلَقَةَ صَارَ فِيهَا شِبْهَ الْعِرْقِ مِنْ لَحْمٍ قَالَ اثْنَانِ وَ أَرْبَعُونَ الْعُشْرُ قَالَ قُلْتُ فَإِنَّ عُشْرَ الْأَرْبَعِينَ أَرْبَعَةٌ قَالَ لَا إِنَّمَا هُوَ عُشْرُ الْمُضْغَةِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا ذَهَبَ عُشْرُهَا فَكُلَّمَا زَادَتْ زِيدَ حَتَّى تَبْلُغَ السِّتِّينَ قَالَ قُلْتُ فَإِنْ رَأَيْتُ فِي الْمُضْغَةِ شِبْهَ الْعُقْدَةِ عَظْماً يَابِساً قَالَ فَذَلِكَ عَظْمٌ كَذَلِكَ أَوَّلُ مَا يَبْتَدِئُ الْعَظْمُ فَيَبْتَدِئُ بِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ فَإِنْ زَادَ فَزَادَ أَرْبَعَةً أَرْبَعَةً حَتَّى تَتِمَ‏ (2) الثَّمَانِينَ قَالَ قُلْتُ وَ كَذَلِكَ إِذَا كُسِيَ الْعَظْمُ لَحْماً قَالَ كَذَلِكَ قُلْتُ فَإِذَا وَكَزَهَا فَسَقَطَ الصَّبِيُّ فَلَا يُدْرَى أَ حَيّاً كَانَ أَمْ لَا قَالَ هَيْهَاتَ يَا بَا شِبْلٍ إِذَا مَضَتِ الْخَمْسَةُ أَشْهُرٍ فَقَدْ صَارَتْ فِيهِ الْحَيَاةُ وَ قَدِ اسْتَوْجَبَ الدِّيَةُ (3).

بيان: الخضخضة تحريك الماء و نحوه إنما هو عشر المضغة أي عشر الدية التي زيدت لصيرورتها مضغة و الوكز كالوعد الدفع و الطعن و الضرب بجمع الكف ثم إن الخبر يدل على أن ولوج الروح بعد الخمسة أشهر و هو خلاف المشهور و ما

____________

(1) في المصدر: ثلاثون دينارا.

(2) في المصدر: يتم.

(3) الكافي: ج 7،(ص)365.

356

دل عليه غيره من الأخبار من أن ولوج الروح بعد الأربعة أشهر و لعل المراد أنه قد يكون كذلك.

40- الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَالِبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدٍ الْمُسَيَّبِ قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ(ع)عَنْ رَجُلٍ ضَرَبَ امْرَأَتَهُ حَامِلًا بِرِجْلِهِ فَطَرَحَتْ مَا فِي بَطْنِهَا مَيِّتاً فَقَالَ إِنْ كَانَ نُطْفَةً فَإِنَّ عَلَيْهِ عِشْرِينَ دِينَاراً قُلْتُ فَمَا حَدُّ النُّطْفَةِ فَقَالَ هِيَ الَّتِي إِذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ فَاسْتَقَرَّتْ فِيهِ أَرْبَعِينَ يَوْماً قَالَ وَ إِنْ طَرَحَتْهُ وَ هُوَ عَلَقَةٌ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَرْبَعِينَ دِينَاراً قُلْتُ فَمَا حَدُّ الْعَلَقَةِ فَقَالَ هِيَ الَّتِي إِذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ فَاسْتَقَرَّتْ فِيهِ ثَمَانِينَ يَوْماً قَالَ وَ إِنْ طَرَحَتْهُ وَ هُوَ مُضْغَةٌ فَإِنَّ عَلَيْهِ سِتِّينَ دِينَاراً قُلْتُ فَمَا حَدُّ الْمُضْغَةِ فَقَالَ هِيَ الَّتِي إِذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ فَاسْتَقَرَّتْ فِيهِ مِائَةً وَ عِشْرِينَ يَوْماً قَالَ وَ إِنْ طَرَحَتْهُ وَ هُوَ نَسَمَةٌ مُخَلَّقَةٌ لَهُ عَظْمٌ وَ لَحْمٌ مُرَتَّبُ‏ (1) الْجَوَارِحِ قَدْ نُفِخَ فِيهِ رُوحُ الْعَقْلِ فَإِنَّ عَلَيْهِ دِيَةً كَامِلَةً قُلْتُ لَهُ أَ رَأَيْتَ تَحَوُّلَهُ فِي بَطْنِهَا إِلَى حَالٍ أَ بِرُوحٍ كَانَ ذَلِكَ أَوْ بِغَيْرِ رُوحٍ قَالَ بِرُوحٍ عَدَا الْحَيَاةِ الْقَدِيمِ الْمَنْقُولِ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَ أَرْحَامِ النِّسَاءِ وَ لَوْ لَا أَنَّهُ كَانَ فِيهِ رُوحٌ عَدَا الْحَيَاةِ مَا تَحَوَّلَ مِنْ حَالٍ‏ (2) إِلَى حَالٍ فِي الرَّحِمِ وَ مَا كَانَ إِذَنْ عَلَى مَنْ يَقْتُلَانِهِ‏ (3) دِيَةٌ وَ هُوَ فِي تِلْكَ الْحَالِ‏ (4).

توضيح مرتب الجوارح في بعض النسخ مزيل الجوارح أي امتازت و افترقت جوارحه بعضها عن بعض كما قال تعالى‏ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا (5) و في بعضها مربل بالراء المهملة و الباء الموحدة قال الجوهري تربلت المرأة كثر لحمها بروح غذاء الحياة المراد إما روح الوالدين أو القوة النامية و في بعضها عدا بالمهملتين من غير مدة فالمراد به أن تحوله بروح غير الروح الذي خلق لأجله قبل‏

____________

(1) في المصدر: مزيل.

(2) في المصدر: عن حال بعد حال.

(3) في المصدر: يقتله.

(4) الكافي: ج 7،(ص)347.

(5) الفتح: 25.

357

خلق الأجساد لأنه لم يتعلق به بعد فالمراد بالروح الأول القوة النامية أو روح الوالدين و على النسختين المنقول صفة روح لا الحياة و المراد بالقديم ما تقادم زمانه لأنه خلق قبل خلق الأجساد كما سيأتي إن شاء الله و إطلاق القتل على الإسقاط قبل تعلق الروح مجاز.

41- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ(ع)إِنَّا رُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّهُ قَالَ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ لَمْ يُحْتَسَبْ صَلَاتُهُ أَرْبَعِينَ يَوْماً قَالَ فَقَالَ صَدَقُوا قُلْتُ وَ كَيْفَ لَا يُحْتَسَبُ‏ (1) صَلَاتُهُ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً لَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَ لَا أَكْثَرَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَ عَزَّ قَدَّرَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ فَصَيَّرَهُ نُطْفَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً ثُمَّ نَقَلَهَا فَصَيَّرَهَا عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً ثُمَّ نَقَلَهَا فَصَيَّرَهَا مُضْغَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً فَهُوَ إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ بَقِيَ فِي مُشَاشَتِهِ‏ (2) أَرْبَعِينَ يَوْماً عَلَى قَدْرِ انْتِقَالِ خِلْقَتِهِ ثُمَّ قَالَ(ع)كَذَلِكَ جَمِيعُ غِذَاءٍ أَكَلَهُ وَ شَرِبَهُ يَبْقَى فِي مُشَاشَتِهِ‏ (3) أَرْبَعِينَ يَوْماً (4).

42- وَ مِنْهُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى رَفَعَهُ‏ فِي مَا نَاجَى اللَّهُ بِهِ مُوسَى(ع)قَالَ يَا مُوسَى أَنَا السَّيِّدُ الْكَبِيرُ إِنِّي خَلَقْتُكَ مِنْ نُطْفَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ‏ مِنْ طِينَةٍ أَخْرَجْتُهَا مِنْ أَرْضٍ مَمْشُوجَةٍ (5) فَكَانَتْ بَشَراً فَأَنَا صَانِعُهَا خَلْقاً الْخَبَرَ (6).

43- وَ مِنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ‏

____________

(1) في المصدر: لا تحتسب.

(2) في المصدر: مشاشه.

(3) في المصدر: مشاشه.

(4) الكافي: ج 6،(ص)402.

(5) في المصدر: ارض ذليله ممشوجة. و قال المؤلّف- ره- في مرآة العقول: أى مخلوطة من أنواع، و المراد: أنى خلقتك من نطفة و أصل تلك النطفة حصل من شخص خلقته من طينة الأرض و هو آدم (عليه السلام) و اخذت طينته من جميع وجه الأرض المشتملة على الوان و أنواع مختلفة.

(6) روضة الكافي: 44.

358

عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُصَدِّقِ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سُئِلَ عَنِ الْمَيِّتِ يَبْلَى جَسَدُهُ قَالَ نَعَمْ حَتَّى لَا يَبْقَى لَحْمٌ وَ لَا عَظْمٌ إِلَّا طِينَتُهُ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا فَإِنَّهَا لَا تَبْلَى تَبْقَى فِي الْقَبْرِ مُسْتَدِيرَةً حَتَّى يَخْلُقَ اللَّهُ مِنْهَا كَمَا خَلَقَ أَوَّلَ مَرَّةٍ (1).

44- وَ مِنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُسْلِمٍ الْحُلْوَانِيِّ عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ الصَّيْقَلِ الرَّازِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَثَمَرَةً تُسَمَّى الْمُزْنَ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ مُؤْمِناً أَقْطَرَ مِنْهَا قَطْرَةً فَلَا تُصِيبُ بَقْلَةً وَ لَا ثَمَرَةً أَكَلَ مِنْهَا مُؤْمِنٌ أَوْ كَافِرٌ إِلَّا أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْ صُلْبِهِ مُؤْمِناً (2).

45- الْعِلَلُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَخْلَدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقَزْوِينِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ(ع)فَقُلْتُ لِأَيِّ عِلَّةٍ يُولَدُ الْإِنْسَانُ هَاهُنَا وَ يَمُوتُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ إِنَ‏ (3) اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ خَلْقَهُ خَلَقَهُمْ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ فَيَرْجِعُ‏ (4) كُلُّ إِنْسَانٍ إِلَى تُرْبَتِهِ‏ (5).

46- تَفْسِيرُ الْإِمَامِ، قَالَ(ع)فِي سِيَاقِ قِصَّةِ ذَبْحِ الْبَقَرَةِ ثُمَّ ذَبَحُوهَا وَ أَخَذُوا قِطْعَةً وَ هِيَ عَجْبُ الذَّنَبِ الَّذِي مِنْهُ خَلَقَ ابْنَ آدَمَ وَ عَلَيْهِ يُرَكِّبُ إِذَا أَرَادَ خَلْقاً جَدِيداً فَضَرَبُوهُ بِهَا الْقِصَّةَ.

47- الْبَصَائِرُ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ سَهْلٍ الْهَمَدَانِيِّ وَ غَيْرِهِ عَنْ يُونُسَ بْنِ ظَبْيَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْبِضَ رُوحَ إِمَامٍ وَ يَخْلُقَ مِنْ بَعْدِهِ إِمَاماً أَنْزَلَ قَطْرَةً مِنْ مَاءٍ تَحْتَ الْعَرْشِ إِلَى الْأَرْضِ فَيُلْقِيهَا عَلَى ثَمَرَةٍ أَوْ بَقْلَةٍ فَيَأْكُلُ تِلْكَ الثَّمَرَةَ أَوْ تِلْكَ الْبَقْلَةَ الْإِمَامُ الَّذِي يَخْلُقُ اللَّهُ مِنْهُ نُطْفَةَ الْإِمَامِ الَّذِي يَقُومُ مِنْ بَعْدِهِ قَالَ فَيَخْلُقُ اللَّهُ مِنْ تِلْكَ الْقَطْرَةِ نُطْفَةً فِي الصُّلْبِ ثُمَّ يَصِيرُ إِلَى الرَّحِمِ‏

____________

(1) الكافي: ج 3،(ص)251.

(2) الكافي: ج 2،(ص)14.

(3) في المصدر: لان.

(4) و في المصدر و في بعض النسخ الكتاب: فمرجع.

(5) العلل: ج 1،(ص)290.

359

فَيَمْكُثُ فِيهَا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَإِذَا مَضَى لَهُ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً سَمِعَ الصَّوْتَ فَإِذَا مَضَى لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ كَتَبَ عَلَى عَضُدِهِ الْأَيْمَنِ‏ وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏ (1) فَإِذَا خَرَجَ إِلَى الْأَرْضِ أُوتِيَ الْحِكْمَةَ وَ زُيِّنَ بِالْعِلْمِ وَ الْوَقَارِ وَ أُلْبِسَ الْهَيْبَةَ وَ جُعِلَ لَهُ مِصْبَاحٌ مِنْ نُورٍ يَعْرِفُ بِهِ الضَّمِيرَ وَ يَرَى بِهِ أَعْمَالَ الْعِبَادِ.

أقول: قد مضت الأخبار في بدء خلق الإمام و خواصه في المجلدات السابقة المتعلقة بالإمامة فلا نعيدها حذرا من التكرار.

48- الْعِلَلُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي(ع)فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ ذَكَرَ فِيهِ إِتْيَانَ الْخَضِرِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ سُؤَالَهُ عَنْ مَسَائِلَ وَ أَمْرَهُ(ع)الْحَسَنَ بِجَوَابِهِ فَقَالَ الْحَسَنُ(ع)فِي سِيَاقِ الْأَجْوِبَةِ وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِ الرَّجُلِ يُشْبِهُ أَعْمَامَهُ وَ أَخْوَالَهُ فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ بِقَلْبٍ سَاكِنٍ وَ عُرُوقٍ هَادِئَةٍ وَ بَدَنٍ غَيْرِ مُضْطَرِبٍ اسْتَكَنَتْ تِلْكَ النُّطْفَةُ فِي تِلْكَ الرَّحِمِ فَخَرَجَ الْوَلَدُ يُشْبِهُ أَبَاهُ وَ أُمَّهُ وَ إِنْ‏ (2) أَتَاهَا بِقَلْبٍ غَيْرِ سَاكِنٍ وَ عُرُوقٍ غَيْرِ هَادِئَةٍ وَ بَدَنٍ مُضْطَرِبٍ اضْطَرَبَتْ تِلْكَ النُّطْفَةُ فِي جَوْفِ تِلْكَ الرَّحِمِ فَوَقَعَتْ عَلَى عِرْقٍ مِنَ الْعُرُوقِ فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى عِرْقٍ مِنْ عُرُوقِ الْأَعْمَامِ أَشْبَهَ‏ (3) الْوَلَدُ أَعْمَامَهُ وَ إِنْ وَقَعَتْ عَلَى عِرْقٍ مِنْ عُرُوقِ الْأَخْوَالِ أَشْبَهَ أَخْوَالَهُ إِلَى آخِرِ مَا سَيَأْتِي مِنَ الْخَبَرِ الطَّوِيلِ‏ (4).

بيان: في القاموس هدأ كمنع هدءا و هدوءا سكن و أقول يحتمل أن يكون المراد أنه إذا لم تضطرب النطفة تحصل المشابهة التامة لأن المني يخرج من جميع البدن فيقع كل جزء موقعه و إذا اضطربت حصلت المشابهة الناقصة فيشبه الأعمام إذا كان الأغلب مني الرجل لأنهم أيضا يشبهون الأب مشابهة ناقصة و إن غلب مني الأم أشبه الأخوال كذلك و يمكن أن يكون بعض العروق في بدن الأب منسوبا إلى‏

____________

(1) الأنعام: 115.

(2) في المصدر: و إن هو.

(3) في المصدر: أشبه الولد.

(4) علل الشرائع: ج 1،(ص)91.

360

الأعمام و في بدن الأم منسوبا إلى الأخوال ففي الاضطراب يعلو المني الخارج من ذلك العرق فالمراد بالعرق مني العرق و هذا لا يخلو من بعد.

49- تَفْسِيرُ الْإِمَامِ، قَالَ(ع)فِي قَوْلِهِ تَعَالَى‏ يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ‏ (1) مِنْ نُطْفَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ‏ فَجَعَلَهُ‏ فِي قَرارٍ مَكِينٍ إِلى‏ قَدَرٍ مَعْلُومٍ‏ فَقَدَّرَهُ فَنِعْمَ الْقَادِرُ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ النُّطْفَةَ تَثْبُتُ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ يَوْماً نُطْفَةً ثُمَّ يَصِيرُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً ثُمَّ مُضْغَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً ثُمَّ يُجْعَلُ بَعْدَهُ عَظْماً ثُمَّ يُكْسَى لَحْماً ثُمَّ يُلْبِسُ اللَّهُ بَعْدَهُ جِلْداً ثُمَّ يَنْبُتُ عَلَيْهِ شَعْراً ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَلَكَ الْأَرْحَامِ فَيُقَالُ لَهُ اكْتُبْ أَجَلَهُ وَ عَمَلَهُ وَ رِزْقَهُ وَ شَقِيّاً يَكُونُ أَوْ سَعِيداً فَيَقُولُ الْمَلَكُ يَا رَبِّ أَنَّى لِي بِعِلْمِ ذَلِكَ فَيُقَالُ لَهُ اسْتَمْلِ ذَلِكَ مِنْ قُرَّاءِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فَيَسْتَمْلِيهِ مِنْهُمْ.

50- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيِّ عَنْ عَائِذِ بْنِ حَبِيبٍ بَيَّاعِ الْهَرَوِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ زَيْدٍ رَفَعَهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: يَثَّغِرُ الْغُلَامُ لِسَبْعِ سِنِينَ وَ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ لِتِسْعٍ وَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ لِعَشْرٍ وَ يَحْتَلِمُ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ (2) وَ يَنْتَهِي طُولُهُ إِلَى اثْنَتَيْنِ‏ (3) وَ عِشْرِينَ سَنَةً وَ يَنْتَهِي عَقْلُهُ إِلَى ثَمَانٍ‏ (4) وَ عِشْرِينَ سَنَةً إِلَّا التَّجَارِبَ‏ (5).

بيان: قال المطرزي ثغر الصبي فهو مثغور سقطت رواضعه و أما إذا نبت بعد السقوط فهو مثغر بالتاء و الثاء و قد اثغر على افتعل.

51- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُمَرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنِ الْحَسَنِ الضَّرِيرِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَشِبُّ الصَّبِيُّ كُلَّ سَنَةٍ أَرْبَعَ أَصَابِعَ بِأَصَابِعِ نَفْسِهِ‏ (6).

52- وَ مِنْهُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِ‏

____________

(1) البقرة: 21.

(2) في المصدر: لاربع عشرة سنة.

(3) في المصدر: اثنتين.

(4) في المصدر: لثمان.

(5) الكافي: ج 6،(ص)46.

(6) الكافي: ج 6،(ص)46.

361

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ: الْغُلَامُ لَا يُلْقِحُ بِتَفَلُّكِ ثدياه [ثَدْيَيْهِ وَ بِسَطْحِ‏ (1) رِيحِ إِبْطَيْهِ‏ (2).

بيان: لا يلقح لا يجامع‏ (3) و هو كناية عن البلوغ و في القاموس فلك ثديها و تفلك استدار.

53- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ خَلِيلِ بْنِ عَمْرٍو الْيَشْكُرِيِّ عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَقُولُ‏ إِذَا كَانَ الْغُلَامُ مُلْتَاثَ الْأُدْرَةِ صَغِيرَ الذَّكَرِ سَاكِنَ النَّظَرِ فَهُوَ مِمَّنْ يُرْجَى خَيْرُهُ وَ يُؤْمَنُ شَرُّهُ قَالَ وَ إِذَا كَانَ الْغُلَامُ شَدِيدَ الْأُدْرَةِ كَبِيرَ الذَّكَرِ حَادَّ النَّظَرِ فَهُوَ مِمَّنْ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ وَ لَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ‏ (4).

توضيح في أكثر النسخ ملتاث الأدرة بالتاء المثناة ثم الثاء المثلثة من اللوثة بالضم و هي الاسترخاء و الأدرة نفخة في الخصية و كأن المراد بها هنا نفس الخصية أي مسترخي الخصية متدليها و في بعضها الإزرة بالزاي أي هيئة الائتزار و التياثة كناية عن أنه لا يجود شد الإزار و المنطقة بحيث يرى منه حسن الائتزار فعجب به كما هو عادة الظرفاء و في بعضها ملثاث بالثاءين المثلثتين و اللث و الإلثاث و اللثلثة الإلحاح و الإقامة و دوام المطر و اللثلثة الضعف و الحبس‏ (5) و التردد في الأمر ذكرها الفيروزآبادي و الأول أنسب.

54- الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بُنْدَارَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْهَمْدَانِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الشَّامِيِّ عَنْ صَالِحِ بْنِ عُقْبَةَ قَالَ سَمِعْتُ الْعَبْدَ الصَّالِحَ يَقُولُ‏ تُسْتَحَبُ‏

____________

(1) في أكثر النسخ: يتفلك ثدياه و يسطع .. و في المصدر: و تسطع.

(2) الكافي: ج 6،(ص)46.

(3) في أكثر النسخ «أو».

(4) الكافي: ج 6،(ص)51.

(5) في القاموس [طبعة مصر]، الجيش. و الظاهر ان الصواب هو الحبس، لانه من معاني اللثلثة.

362

عَرَامَةُ الْغُلَامِ‏ (1) فِي صِغَرِهِ لِيَكُونَ حَلِيماً فِي كِبَرِهِ ثُمَّ قَالَ مَا يَنْبَغِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ هَكَذَا وَ رُوِيَ أَنَّ أَكْيَسَ الصِّبْيَانِ أَشَدُّهُمْ بُغْضاً لِلْكِتَابِ‏ (2).

بيان: العرامة سوء الخلق و الفساد و المرح و الأشرار و المراد ميله إلى اللعب و بغضه للكتاب أي عرامته في صغره علامة عقله و حلمه في كبره و ينبغي أن يكون الطفل هكذا فأما إذا كان منقادا ساكنا حسن الخلق في صغره يكون بليدا في كبره كما هو المجرب و الكتاب بالتشديد المكتب.

55- الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرْطِيِّ قَالَ: قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ أَوْ قَالَ فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ فَوَجَدْتُ فِيهَا يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَنْصَفْتَنِي خَلَقْتُكَ وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً وَ جَعَلْتُكَ بَشَراً سَوِيّاً خَلَقْتُكَ‏ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ‏ ثُمَّ جَعَلْتُكَ‏ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ‏ ثُمَّ خَلَقْتُ‏ النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْتُ‏ الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْتُ‏ الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْتُ‏ الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْتُكَ‏ خَلْقاً آخَرَ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ غَيْرِي ثُمَّ خَفَّفْتُ ثِقْلَكَ عَلَى أُمِّكَ حَتَّى لَا تَتَبَرَّمَ بِكَ‏ (3) وَ لَا تَتَأَذَّى ثُمَّ أَوْحَيْتُ إِلَى الْأَمْعَاءِ أَنِ اتَّسِعِي وَ إِلَى الْجَوَارِحِ أَنْ تَفَرَّقِي فَاتَّسَعَتِ الْأَمْعَاءُ مِنْ بَعْدِ ضِيقِهَا وَ تَفَرَّقَتِ الْجَوَارِحُ مِنْ بَعْدِ تَشْبِيكِهَا ثُمَّ أَوْحَيْتُ إِلَى الْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِالْأَرْحَامِ أَنْ يُخْرِجَكَ مِنْ بَطْنِ أُمِّكَ فَاسْتَخْلَصَكَ‏ (4) عَلَى رِيشَةٍ مِنْ جَنَاحِهِ فَاطَّلَعْتُ عَلَيْكَ فَإِذَا أَنْتَ خَلْقٌ ضَعِيفٌ لَيْسَ لَكَ سِنٌّ يَقْطَعُ وَ لَا ضِرْسٌ يَطْحَنُ فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ فِي صَدْرِ أُمِّكَ ثَدْياً (5) يُدِرُّ لَكَ لَبَناً بَارِداً فِي الصَّيْفِ حَارّاً فِي الشِّتَاءِ وَ اسْتَخْلَصْتُهُ مِنْ بَيْنِ جِلْدٍ وَ لَحْمٍ وَ دَمٍ وَ عُرُوقٍ وَ قَذَفْتُ لَكَ فِي قَلْبِ وَالِدَتِكَ الرَّحْمَةَ وَ فِي قَلْبِ أَبِيكَ التَّحَنُّنَ فِيهِمَا يَكُدَّانِ وَ يَجْهَدَانِ وَ يُرَبِّيَانِكَ وَ يُغَذِّيَانِكَ وَ لَمْ يَنَامَا حَتَّى يُنَوِّمَانِكَ ابْنَ آدَمَ أَنَا فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ لَا بِشَيْ‏ءٍ اسْتَأْهَلْتَهُ بِهِ مِنِّي أَوْ لِحَاجَةٍ اسْتَعَنْتَ عَلَى قَضَائِهَا ابْنَ آدَمَ فَلَمَّا قَطَعَ‏

____________

(1) في المصدر: الصبى.

(2) الكافي: ج 6،(ص)51.

(3) في المصدر: لا تتمرض.

(4) في المصدر: فاستخلصتك.

(5) في المصدر: عرقا.

363

سِنُّكَ وَ طَلَعَ‏ (1) ضِرْسُكَ أَطْعَمْتُكَ فَاكِهَةَ الصَّيْفِ وَ فَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي أَوَانِهِمَا فَلَمَّا (2) عَرَفْتَ أَنِّي رَبُّكَ عَصَيْتَنِي فَالْآنَ إِذْ عَصَيْتَنِي فَادْعُنِي وَ إِنِّي‏ قَرِيبٌ مُجِيبٌ‏ وَ ادْعُنِي‏ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ (3)

56- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ رَوَاهُ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْعَامَّةِ قَالَ: كُنْتُ أُجَالِسُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَلَا وَ اللَّهِ مَا رَأَيْتُ مَجْلِساً أُنِيلُ‏ (4) مِنْ مَجَالِسِهِ قَالَ فَقَالَ لِي ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ أَيْنَ تَخْرُجُ الْعَطْسَةُ فَقُلْتُ مِنَ الْأَنْفِ فَقَالَ لِي أَصَبْتَ الْخَطَأَ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ مِنْ أَيْنَ تَخْرُجُ فَقَالَ مِنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ كَمَا أَنَّ النُّطْفَةَ تَخْرُجُ مِنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ وَ مَخْرَجُهَا مِنَ الْإِحْلِيلِ ثُمَّ أَ مَا رَأَيْتَ الْإِنْسَانَ إِذَا عَطَسَ نَفَضَ جَمِيعَ أَعْضَائِهِ وَ صَاحِبُ الْعَطْسَةِ يَأْمَنُ الْمَوْتَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ‏ (5).

57- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنِ الْخَلْقِ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ مِنْ طِينٍ أَفَاضَ بِهَا كَإِفَاضَةِ الْقِدَاحِ فَأَخْرَجَ الْمُسْلِمَ فَجَعَلَهُ سَعِيداً وَ جَعَلَ الْكَافِرَ شَقِيّاً فَإِذَا وَقَعَتِ النُّطْفَةُ تَلَقَّتْهَا الْمَلَائِكَةُ فَصَوَّرُوهَا ثُمَّ قَالُوا يَا رَبِّ أَ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى فَيَقُولُ الرَّبُّ جَلَّ جَلَالُهُ أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ فَيَقُولَانِ‏ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‏ ثُمَّ يُوضَعُ‏ (6) فِي بَطْنِهَا فَتَرَدَّدُ تِسْعَةَ أَيَّامٍ وَ فِي كُلِّ عِرْقٍ وَ مَفْصَلٍ مِنْهَا وَ لِلرَّحِمِ ثَلَاثَةُ أَقْفَالٍ قُفْلٌ فِي أَعْلَاهَا مِمَّا يَلِي أَعْلَى السُّرَّةِ مِنْ جَانِبِ الْأَيْمَنِ وَ الْقُفْلُ الْآخَرُ فِي وَسَطِهَا أَسْفَلَ‏ (7) مِنَ الرَّحِمِ فَيُوضَعُ بَعْدَ تِسْعَةِ أَيَّامٍ فِي الْقُفْلِ الْأَعْلَى فَيَمْكُثُ فِيهِ ثَلَاثَةَ

____________

(1) في المصدر: طحن.

(2) في المصدر: فاكهة الصيف في اوانها و فاكهة الشتاء في اوانها فلما أن عرفت.

(3) الدّر المنثور: ج 6،(ص)316.

(4) في المصدر و بعض نسخ الكتاب: أنبل.

(5) الكافي: ج 2،(ص)657.

(6) في المصدر: توضع.

(7) في المصدر و بعض نسخ الكتاب: و القفل الآخر أسفل ...

364

أَشْهُرٍ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُصِيبُ الْمَرْأَةَ خُبْثُ النَّفْسِ وَ التَّهَوُّعُ ثُمَّ يَنْزِلُ إِلَى الْقُفْلِ الْأَوْسَطِ فَيَمْكُثُ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَ سُرَّةُ الصَّبِيِّ فِيهَا مَجْمَعُ الْعُرُوقِ وَ عُرُوقُ الْمَرْأَةِ كُلُّهَا مِنْهَا يَدْخُلُ طَعَامُهُ وَ شَرَابُهُ مِنْ تِلْكَ الْعُرُوقِ ثُمَّ يَنْزِلُ إِلَى الْقُفْلِ الْأَسْفَلِ فَيَمْكُثُ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فَذَلِكَ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ ثُمَّ تُطْلَقُ الْمَرْأَةُ فَكُلَّمَا طُلِقَتْ انْقَطَعَ عِرْقٌ مِنْ سُرَّةِ الصَّبِيِّ فَأَصَابَهَا ذَلِكَ الْوَجَعُ وَ يَدُهُ عَلَى سُرَّتِهِ حَتَّى يَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ وَ يَدُهُ مَبْسُوطَةٌ فَيَكُونُ رِزْقُهُ حِينَئِذٍ مِنْ فِيهِ‏ (1).

بيان أفاض بها كإفاضة القداح قال الجوهري إفاضة القداح الضرب بها و القداح جمع القدح بالكسر و هو السهم قبل أن يراش و ينصل فإنهم كانوا يخلطونها و يقرعون بها بعد ما يكتبون عليها أسماءهم و في التشبيه إشارة لطيفة إلى اشتباه خير بني آدم بشرهم إلى أن يميز الله الخبيث من الطيب كذا ذكره بعض الأفاضل.

أقول يمكن أن يقرأ القداح بفتح القاف و تشديد الدال و هو صانع القدح أي أفاض و شرع في بريها و نحتها كالقداح فيراهم مختلفة كالقداح قوله فتردد لعل ترددها كناية عما يؤثر فيها من مزاج الأم أو ما يختلط بها من نطفة الأم الخارجة من جميع عروقها ثم إنه يحتمل أن يكون نزولها إلى الأوسط و الأسفل ببعضها لعظم جثتها لا بكلها قوله أسفل من الرحم أي هو أسفل موضع منها و في القاموس الطلق وجع الولادة و قد طلقت المرأة طلقا على ما لم يسم فاعله و يده أي يد الصبي.

58- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ ابْنِ رِئَابٍ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ‏ إِذَا وَقَعَتِ النُّطْفَةُ فِي الرَّحِمِ اسْتَقَرَّتْ فِيهَا أَرْبَعِينَ يَوْماً وَ تَكُونُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً وَ تَكُونُ مُضْغَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكَيْنِ خَلَّاقَيْنِ فَيُقَالُ لَهُمَا اخْلُقَا كَمَا يُرِيدُ اللَّهُ ذَكَراً أَوْ أُنْثَى صَوِّرَاهُ وَ اكْتُبَا أَجَلَهُ وَ رِزْقَهُ وَ مَنِيَّتَهُ وَ شَقِيّاً أَوْ سَعِيداً وَ اكْتُبَا لِلَّهِ‏

____________

(1) الكافي: ج 6،(ص)15.

365

الْمِيثَاقَ الَّذِي أَخَذَهُ‏ (1) فِي الذَّرِّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَإِذَا دَنَا خُرُوجُهُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكاً يُقَالُ لَهُ زَاجِرٌ فَيَزْجُرُهُ فَيَفْزَعُ فَزَعاً فَيَنْسَى الْمِيثَاقَ وَ يَقَعُ إِلَى الْأَرْضِ وَ يَبْكِي مِنْ زَجْرَةِ الْمَلَكِ‏ (2).

59- قُرْبُ الْإِسْنَادِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ قَالَ: سَأَلْتُ الرِّضَا(ع)أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِنَا بِهَا حَمْلٌ فَقَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)الدُّعَاءُ مَا لَمْ يَمْضِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّمَا لَهَا أَقَلُّ مِنْ هَذَا فَدَعَا لَهَا ثُمَّ قَالَ إِنَّ النُّطْفَةَ تَكُونُ فِي الرَّحِمِ ثَلَاثِينَ يَوْماً وَ تَكُونُ عَلَقَةً ثَلَاثِينَ يَوْماً وَ تَكُونُ مُضْغَةً ثَلَاثِينَ يَوْماً وَ تَكُونُ مُخَلَّقَةً وَ غَيْرَ مُخَلَّقَةٍ ثَلَاثِينَ يَوْماً فَإِذَا تَمَّتِ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهَا مَلَكَيْنِ خَلَّاقَيْنِ يُصَوِّرَانِهِ وَ يَكْتُبَانِ رِزْقَهُ وَ أَجَلَهُ وَ شَقِيّاً أَوْ سَعِيداً الْخَبَرَ (3).

60- تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، لَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ‏ أَيْ خَلَقْنَاكُمْ فِي الْأَصْلَابِ وَ صَوَّرْنَاكُمْ فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ ثُمَّ قَالَ وَ صَوَّرَ ابْنَ مَرْيَمَ فِي الرَّحِمِ دُونَ الصُّلْبِ وَ إِنْ كَانَ مَخْلُوقاً فِي أَصْلَابِ الْأَنْبِيَاءِ وَ رُفِعَ وَ عَلَيْهِ مِدْرَعَةٌ مِنْ صُوفٍ.

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَمَّدِيِّ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ‏ (4) أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فِي قَوْلِهِ‏ وَ لَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ‏ قَالَ أَمَّا خَلَقْناكُمْ‏ فَنُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عِظَاماً (5) ثُمَّ لَحْماً وَ أَمَّا صَوَّرْناكُمْ‏ فَالْعَيْنَ وَ الْأَنْفَ وَ الْأُذُنَيْنِ وَ الْفَمَ وَ الْيَدَيْنِ وَ الرِّجْلَيْنِ صَوَّرَ هَذَا وَ نَحْوَهُ ثُمَّ جَعَلَ الدَّمِيمَ وَ الْوَسِيمَ وَ الْجَسِيمَ وَ الطَّوِيلَ وَ الْقَصِيرَ وَ أَشْبَاهَ هَذَا (6).

____________

(1) في المصدر: اخذه عليه.

(2) الكافي: ج 6،(ص)16.

(3) قرب الإسناد: 206.

(4) في المصدر: عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام).

(5) في المصدر: عظما.

(6) تفسير القمّيّ: 212.

366

61- وَ مِنْهُ، خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها يَعْنِي آدَمَ وَ زَوْجَتَهُ حَوَّاءَ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ‏ قَالَ الْبَطْنُ وَ الرَّحِمُ وَ الْمَشِيمَةُ (1).

62- وَ مِنْهُ، أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ يَعْنِي الظُّلُمَاتِ الثَّلَاثَ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ وَ هِيَ الْمَشِيمَةُ وَ الرَّحِمُ وَ الْبَطْنُ‏ (2).

63- الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مَرَّارٍ عَنْ يُونُسَ قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَتِ الْمَوَارِيثُ مِنْ سِتَّةِ أَسْهُمٍ عَلَى خِلْقَةِ الْإِنْسَانِ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بِحِكْمَتِهِ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ سِتَّةِ أَجْزَاءٍ فَوَضَعَ الْمَوَارِيثَ عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ وَ هُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ‏ فَفِي النُّطْفَةِ دِيَةٌ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَفِي الْعَلَقَةِ دِيَةٌ فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً وَ فِيهَا دِيَةٌ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً وَ فِيهَا دِيَةٌ فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً وَ فِيهِ دِيَةٌ أُخْرَى‏ ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ وَ فِيهِ دِيَةٌ أُخْرَى فَهَذَا ذِكْرُ آخِرِ الْمَخْلُوقِ‏ (3).

64- قِصَصُ الرَّاوَنْدِيِّ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ الصَّدُوقِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)الْمَدِينَةَ أَتَاهُ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ فَسَأَلُوهُ عَنْ مَسَائِلَ مِنْهَا قَالُوا كَيْفَ يَكُونُ الشَّبَهُ مِنَ الْمَرْأَةِ وَ إِنَّمَا النُّطْفَةُ لِلرَّجُلِ فَقَالَ أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ نُطْفَةَ الرَّجُلِ بَيْضَاءُ غَلِيظَةٌ وَ أَنَّ نُطْفَةَ الْمَرْأَةِ حَمْرَاءُ رَقِيقَةٌ فَأَيَّتُهَا غَلَبَ‏ (4) عَلَى صَاحِبَتِهَا كَانَ لَهَا الشَّبَهُ قَالُوا اللَّهُمَّ نَعَمْ الْخَبَرَ.

65- وَ مِنْهُ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ الصَّدُوقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى عَنِ السَّيَّارِيِّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ: إِنَّ الْمَلِكَ قَالَ لِدَانِيَالَ أَشْتَهِي أَنْ يَكُونَ لِي ابْنٌ مِثْلُكَ فَقَالَ مَا مَحَلِّي مِنْ قَلْبِكَ قَالَ أَجَلُّ مَحَلٍّ وَ أَعْظَمُهُ‏

____________

(1) التفسير: 574.

(2) التفسير: 132.

(3) الكافي: ج 7،(ص)84.

(4) كذا، و الصواب «غلبت».

367

قَالَ دَانِيَالُ فَإِذَا (1) جَامَعْتَ فَاجْعَلْ هِمَّتَكَ فِيَّ قَالَ فَفَعَلَ الْمَلِكُ ذَلِكَ فَوُلِدَ لَهُ ابْنٌ أَشْبَهُ خَلْقِ اللَّهِ بِدَانِيَالَ.

بيان أقول ذكر الأطباء أيضا أن للتخيل في وقت الجماع مدخلا في كيفية تصوير الجنين قال ابن سينا في القانون قد قال قوم من العلماء و لم يعدوا عن حكم الجواز إن من أسباب الشبه ما يتمثل حال العلوق في وهم المرأة أو الرجل من الصور الإنسانية تمثلا متمكنا انتهى و قال بعضهم تصور رجل عند الجماع صورة حية فتولد منه طفل كان رأسه رأس إنسان و بدنه بدن حية.

66- قُرْبُ الْإِسْنَادِ، عَنِ السِّنْدِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ [عَنْ وَهْبٍ الْقُرَشِيِّ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)أَنَّ رَجُلًا أَتَى عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَقَالَ إِنَّ امْرَأَتِي هَذِهِ جَارِيَةٌ حَدَثَةٌ وَ هِيَ عَذْرَاءُ وَ هِيَ حَامِلٌ فِي تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَ لَا أَعْلَمُ إِلَّا خَيْراً وَ أَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا افْتَرَعْتُهَا وَ إِنَّهَا لَعَلَى حَالِهَا فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ(ع)نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ هَلْ كُنْتَ تُهَرِيقُ عَلَى فَرْجِهَا قَالَ نَعَمْ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)إِنَّ لِكُلِّ فَرْجٍ ثُقْبَتَيْنِ ثَقْبٌ يَدْخُلُ فِيهِ مَاءُ الرَّجُلِ وَ ثَقْبٌ يَخْرُجُ مِنْهُ الْبَوْلُ وَ أَفْوَاهُ الرَّحِمِ تَحْتَ الثَّقْبِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنْهُ مَاءُ الرَّجُلِ فَإِذَا دَخَلَ الْمَاءُ فِي فَمٍ وَاحِدَةٍ مِنْ أَفْوَاهِ الرَّحِمِ حَمَلَتِ الْمَرْأَةُ بِوَلَدٍ وَاحِدٍ وَ إِذَا دَخَلَ فِي اثْنَيْنِ حَمَلَتْ‏ (2) بِاثْنَيْنِ وَ إِذَا دَخَلَ مِنْ ثَلَاثَةٍ حَمَلَتْ بِثَلَاثَةٍ وَ إِذَا دَخَلَ مِنْ أَرْبَعَةٍ حَمَلَتْ بِأَرْبَعَةٍ وَ لَيْسَ هُنَاكَ غَيْرُ ذَلِكَ وَ قَدْ أُلْحِقَتْ بِكَ وَلَدُهَا فَشَقَّ عَنْهَا (3) الْقَوَابِلُ فَجَاءَتْ بِغُلَامٍ فَعَاشَ‏ (4).

67- التَّهْذِيبُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ(ع)قَالَ: قُلْتُ تَلْزَمُنِي الْمَرْأَةُ أَوِ الْجَارِيَةُ مِنْ خَلْفِي وَ أَنَا مُتَّكِئٌ عَلَى جَنْبٍ فَتَتَحَرَّكُ عَلَى ظَهْرِي فَتَأْتِيهَا الشَّهْوَةُ وَ تُنْزِلُ الْمَاءَ أَ فَعَلَيْهَا غُسْلٌ أَمْ لَا قَالَ نَعَمْ إِذَا جَاءَتِ الشَّهْوَةُ وَ أَنْزَلَتِ الْمَاءَ

____________

(1) إذا (خ).

(2) في المصدر: من اثنين حملت المرأة باثنين.

(3) في المصدر «فسوغتها القوابل» و هو الصواب ظاهرا.

(4) قرب الإسناد: 91.

368

وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ.

68- وَ مِنْهُ، بِسَنَدٍ مُوَثَّقٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُكَيْمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ‏ إِذَا أَمْنَتِ الْمَرْأَةُ وَ الْأَمَةُ مِنْ شَهْوَةٍ جَامَعَهَا الرَّجُلُ أَوْ لَمْ يُجَامِعْهَا فِي نَوْمٍ كَانَ ذَلِكَ أَوْ فِي يَقَظَةٍ فَإِنَّ عَلَيْهَا الْغُسْلَ.

69- وَ مِنْهُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْداً صَالِحاً عَنْ رَجُلٍ مَسَّ فَرْجَ امْرَأَتِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ يَعْبَثُ بِهَا حَتَّى أَنْزَلَتْ عَلَيْهَا غُسْلٌ أَمْ لَا قَالَ أَ لَيْسَ قَدْ أَنْزَلَتْ مِنْ شَهْوَةٍ قُلْتُ بَلَى قَالَ عَلَيْهَا غُسْلٌ.

70- وَ مِنْهُ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ بَزِيعٍ قَالَ: سَأَلْتُ الرِّضَا(ع)عَنِ الرَّجُلِ يُجَامِعُ الْمَرْأَةَ فِي مَا دُونَ الْفَرْجِ فَتُنْزِلُ الْمَرْأَةُ هَلْ عَلَيْهَا غُسْلٌ قَالَ نَعَمْ.

تبيان أقول الأخبار في هذا المعنى كثيرة و هي تدل مع ما مر من الأخبار في شبه الأعمام و الأخوال على أن للمرأة منيا كالرجل كما ذهب إليه جالينوس و أكثر الأطباء و ذهب أرسطو و جماعة من الحكماء إلى أنه ليس للمرأة مني و إنما تنفصل من بيضتها (1) رطوبة شبيهة بالمني يقال لها المني مجازا إذ عندهم أن المني ما اجتمع فيه خمس صفات بياض اللون و حصول اللذة عند الخروج و القوة العاقدة و الدفق و رائحة شبيهة برائحة الطلع و إذا امتزج مني الرجل بتلك الرطوبة تتولد منه مادة الجنين و مني الرجل هي العاقدة و الفاعلة و رطوبة المرأة هي المنعقدة و المنفعلة و قال جالينوس و أتباعه في كل منهما قوة عاقدة و منعقدة و الحق أن النزاع في إطلاق المني على رطوبة المرأة و عدمه لفظي لا طائل تحته و قد مر في الأخبار الكثيرة أن الولد يتكون من المنيين معا و سيأتي بعض القول فيه أيضا في آخر الباب إن شاء الله.

71- تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَوْلُهُ‏ سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ مِمَّا لا يَعْلَمُونَ‏ (2)

قَالَ فَإِنَّهُ حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ النَّضْرِ

____________

(1) بيضتيها (خ).

(2) يس: 36.

369

بْنِ سُوَيْدٍ عَنِ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ النُّطْفَةَ تَقَعُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ عَلَى النَّبَاتِ وَ الثَّمَرِ وَ الشَّجَرِ فَتَأْكُلُ النَّاسُ مِنْهُ وَ الْبَهَائِمُ فَيَجْرِي فِيهِمْ‏ (1).

72- الْعِلَلُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ السَّعْدَآبَادِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: ابْنُ آدَمَ مُنْتَصِبٌ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (2) وَ مَا سِوَى ابْنِ آدَمَ فَرَأْسُهُ فِي دُبُرِهِ وَ يَدَاهُ‏ (3) بَيْنَ يَدَيْهِ‏ (4).

73- تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ‏ قَالَ السُّلَالَةُ الصَّفْوَةُ مِنَ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ الَّذِي يَصِيرُ نُطْفَةً وَ النُّطْفَةُ أَصْلُهَا مِنَ السُّلَالَةِ وَ السُّلَالَةُ هُوَ مِنْ‏ (5) صَفْوَةِ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ وَ الطَّعَامُ مِنْ أَصْلِ الطِّينِ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ‏ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ‏ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ‏ أَيْ فِي الْأُنْثَيَيْنِ ثُمَّ فِي الرَّحِمِ‏ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً إِلَى قَوْلِهِ‏ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‏ وَ هَذِهِ اسْتِحَالَةُ أَمْرٍ إِلَى أَمْرٍ فَحَدُّ النُّطْفَةِ إِذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ يَوْماً ثُمَّ يَصِيرُ عَلَقَةً (6).

74- وَ مِنْهُ، قَوْلُهُ‏ وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ‏ إِلَى قَوْلِهِ‏ ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَهِيَ سِتَّةُ أَجْزَاءٍ وَ سِتَّةُ اسْتَحَالاتٍ وَ فِي كُلِّ جُزْءٍ وَ اسْتِحَالَةٍ دِيَةٌ مَحْدُودَةٌ فَفِي النُّطْفَةِ عِشْرُونَ دِينَاراً وَ فِي الْعَلَقَةِ أَرْبَعُونَ دِينَاراً وَ فِي الْمُضْغَةِ سِتُّونَ دِينَاراً وَ فِي الْعَظْمِ ثَمَانُونَ دِينَاراً وَ إِذَا كُسِيَ لَحْماً فَمِائَةُ دِينَارٍ حَتَّى يَسْتَهِلَّ فَإِذَا اسْتَهَلَّ فَالدِّيَةُ كَامِلَةً (7).

75- وَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فِي قَوْلِهِ‏ ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَهُوَ نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ‏ (8).

____________

(1) تفسير القمّيّ: 551.

(2) البلد: 4.

(3) في نسخة مخطوطة: فرأسه في دبرة بين يديه.

(4) علل الشرائع: ج 2،(ص)181.

(5) في المصدر: و النطفة من السلالة و السلالة من صفوة.

(6) تفسير القمّيّ: 445.

(7) تفسير القمّيّ: 445.

(8) التفسير: 446.

370

76- وَ مِنْهُ، وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ‏ قَالَ هُوَ آدَمُ(ع)ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ‏ أَيْ وُلْدَهُ‏ مِنْ سُلالَةٍ وَ هُوَ الصَّفْوَةُ مِنَ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ‏ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ‏ قَالَ النُّطْفَةُ الْمَنِيُ‏ ثُمَّ سَوَّاهُ‏ أَيْ اسْتَحَالَهُ مِنْ نُطْفَةٍ إِلَى عَلَقَةٍ وَ مِنَ الْعَلَقَةِ (1) إِلَى مُضْغَةٍ ثُمَ‏ (2) نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ‏ (3).

77- وَ مِنْهُ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فِي قَوْلِهِ‏ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً يَعْنِي لَيْسَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ يَعْنِي لَيْسَ مَعَهُمْ أُنْثَى‏ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَ إِناثاً أَيْ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ ذُكْرَاناً وَ إِنَاثاً جَمِيعاً يَجْمَعُ لَهُ الْبَنِينَ وَ الْبَنَاتِ‏ (4).

78- وَ مِنْهُ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْمَحْمُودِيِّ وَ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الدَّارِمِيِ‏ (5) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ سَأَلَ مُوسَى بْنَ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مَسَائِلَ وَ فِيهَا أَخْبِرْنَا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ‏ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَ إِناثاً فَهَلْ يُزَوِّجُ اللَّهُ عِبَادَهُ الذُّكْرَانَ وَ قَدْ عَاقَبَ قَوْماً فَعَلُوا ذَلِكَ فَسَأَلَ مُوسَى أَخَاهُ أَبَا الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيَّ(ع)فَكَانَ مِنْ جَوَابِ أَبِي الْحَسَنِ(ع)أَمَّا قَوْلُهُ‏ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَ إِناثاً فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى زَوَّجَ ذُكْرَانَ الْمُطِيعِينَ إِنَاثاً مِنَ الْحُورِ الْعِينِ وَ إِنَاثَ الْمُطِيعَاتِ مِنَ الْإِنْسِ ذُكْرَانَ الْمُطِيعِينَ وَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ الْجَلِيلُ عَنَى‏ (6) مَا لَبَّسْتَ عَلَى نَفْسِكَ تَطَلُّباً لِلرُّخْصَةِ (7) لِارْتِكَابِ الْمَآثِمِ‏ (8).

بيان لا يخفى بعد ما ذكر في الخبر من سياق الآية و كأنه على سبيل التنزل‏

____________

(1) في المصدر: علقة.

(2) فيه: حتى.

(3) التفسير: 511.

(4) التفسير: 605.

(5) كذا في نسخ الكتاب، و في المصدر «الرازيّ» و هو الصواب ظاهرا، لعدم ذكر من «محمّد بن إسماعيل الدارميّ» فى كتب الرجال.

(6) في أكثر النسخ «اعنى».

(7) في المصدر: طلبا لرخصة.

(8) تفسير القمّيّ: 605.

371

أي لو كان المراد بالتزويج ما زعمت لاحتمل محملا صحيحا أيضا أو يكون هذا بطنا من بطون الآية و يمكن تصحيحه بوجه لا يأبى عن سياق الآية بأن يكون الغرض بيان أحوال جميع أفراد البشر أو المؤمنين في الأزواج‏ (1) و الأولاد فإنهم إما أن يكونوا تزوجوا في الدنيا أم لا فعلى الأول إما يهب لهم إناثا مع الذكران أو بدونهم أو يهب لهم ذكرانا مع الإناث و بدونهن على سبيل منع الخلو أو يجعلهم عقيما لا يولد لهم و على الثاني يزوج المؤمنين و المؤمنات في الآخرة.

79- التَّهْذِيبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُوسَى الْوَرَّاقِ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي جَرِيرٍ الْقُمِّيِّ قَالَ: سَأَلْتُ الْعَبْدَ الصَّالِحَ(ع)عَنِ النُّطْفَةِ مَا فِيهَا مِنَ الدِّيَةِ وَ مَا فِي الْعَلَقَةِ وَ مَا فِي الْمُضْغَةِ الْمُخَلَّقَةِ وَ مَا يُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ قَالَ إِنَّهُ يَخْلُقُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ يَكُونُ نُطْفَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً ثُمَّ مُضْغَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً فَفِي النُّطْفَةِ أَرْبَعُونَ دِينَاراً وَ فِي الْعَلَقَةِ سِتُّونَ دِينَاراً وَ فِي الْمُضْغَةِ ثَمَانُونَ دِينَاراً فَإِذَا اكْتَسَى الْعِظَامُ لَحْماً فَفِيهِ مِائَةُ دِينَارٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‏ فَإِنْ كَانَ ذَكَراً فَفِيهِ الدِّيَةُ وَ إِنْ كَانَتْ أُنْثَى فَفِيهَا دِيَتُهَا.

80- مَعَانِي الْأَخْبَارِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَطَّارِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ (2) عَنْ عَلِيِّ بْنِ السِّنْدِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ‏ (3)(ع)حَيْثُ دَخَلَ عَلَيْهِ دَاوُدُ الرَّقِّيُّ فَقَالَ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ إِذَا مَضَى لِلْحَمْلِ‏ (4) سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَقَدْ فَرَغَ اللَّهُ مِنْ خِلْقَتِهِ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ(ع)يَا دَاوُدُ ادْعُ وَ لَوْ بِشَقِّ الصَّفَا فَقُلْتُ‏ (5) وَ أَيُّ شَيْ‏ءٍ الصَّفَا قَالَ مَا يَخْرُجُ مَعَ الْوَلَدِ فَإِنَ‏

____________

(1) الزواج (خ).

(2) في المصدر: عن محمّد بن أحمد.

(3) كذا في نسخ الكتاب، و في المصدر: عند أبى الحسن (عليه السلام).

(4) في المصدر: للحامل.

(5) فيه: فقلت جعلت فداك.

372

اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (1).

81- الْإِقْبَالُ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)فِي دُعَاءِ يَوْمِ عَرَفَةَ ابْتَدَأْتَنِي بِنِعْمَتِكَ قَبْلَ أَنْ أَكُونَ شَيْئاً مَذْكُوراً وَ خَلَقْتَنِي مِنَ التُّرَابِ ثُمَّ أَسْكَنْتَنِي الْأَصْلَابَ أَمْناً لِرَيْبِ الْمَنُونِ وَ اخْتِلَافِ الدُّهُورِ فَلَمْ أَزَلْ ظَاعِناً مِنْ صُلْبٍ إِلَى رَحِمٍ فِي تَقَادُمِ الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ وَ الْقُرُونِ الْخَالِيَةِ لَمْ تُخْرِجْنِي لِرَأْفَتِكَ بِي وَ لُطْفِكَ لِي وَ إِحْسَانِكَ إِلَيَّ فِي دَوْلَةِ أَيَّامِ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدَكَ وَ كَذَّبُوا رُسُلَكَ لَكِنَّكَ أَخْرَجْتَنِي رَأْفَةً مِنْكَ وَ تَحَنُّناً عَلَيَّ لِلَّذِي سَبَقَ لِي مِنَ الْهُدَى الَّذِي‏ (2) يَسَّرْتَنِي وَ فِيهِ أَنْشَأْتَنِي وَ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ رَؤُفْتَ بِي بِجَمِيلِ صُنْعِكَ وَ سَوَابِغِ نِعْمَتِكَ فَابْتَدَعْتَ خَلْقِي‏ مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى‏ ثُمَّ أَسْكَنْتَنِي‏ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ‏ بَيْنَ لَحْمٍ وَ جِلْدٍ وَ دَمٍ لَمْ تُشَهِّرْنِي بِخَلْقِي وَ لَمْ تَجْعَلْ إِلَيَّ شَيْئاً مِنْ أَمْرِي ثُمَّ أَخْرَجْتَنِي إِلَى الدُّنْيَا تَامّاً سَوِيّاً وَ حَفِظْتَنِي فِي الْمَهْدِ طِفْلًا صَبِيّاً وَ رَزَقْتَنِي مِنَ الْغِذَاءِ لَبَناً مَرِيئاً وَ عَطَفْتَ عَلَيَّ قُلُوبَ الْحَوَاضِنِ وَ كَفَّلْتَنِي الْأُمَّهَاتِ الرَّحَائِمَ وَ كَلَأْتَنِي مِنْ طَوَارِقِ الْجَانِّ وَ سَلَّمْتَنِي مِنَ الزِّيَادَةِ وَ النُّقْصَانِ فَتَعَالَيْتَ يَا رَحِيمُ يَا رَحْمَانُ حَتَّى إِذَا اسْتَهْلَلْتُ نَاطِقاً بِالْكَلَامِ أَتْمَمْتَ عَلَيَّ سَوَابِغَ الْإِنْعَامِ فَرَبَّيْتَنِي زَائِداً فِي كُلِّ عَامٍ حَتَّى إِذَا كَمَلَتْ فِطْرَتِي وَ اعْتَدَلَتْ سَرِيرَتِي أَوْجَبْتَ عَلَيَّ حُجَّتَكَ بِأَنْ أَلْهَمْتَنِي مَعْرِفَتَكَ وَ رَوَّعْتَنِي بِعَجَائِبِ فِطْرَتِكَ وَ أَنْطَقْتَنِي لِمَا ذَرَأْتَ لِي فِي سَمَائِكَ وَ أَرْضِكَ مِنْ بَدَائِعِ خَلْقِكَ وَ نَبَّهْتَنِي لِذِكْرِكَ وَ شُكْرِكَ وَ وَاجِبِ طَاعَتِكَ وَ عِبَادَتِكَ وَ فَهَّمْتَنِي مَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُكَ وَ يَسَّرْتَ لِي تَقَبُّلَ مَرْضَاتِكَ وَ مَنَنْتَ عَلَيَّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بِعَوْنِكَ وَ لُطْفِكَ ثُمَّ إِذْ خَلَقْتَنِي مِنْ حَرِّ الثَّرَى لَمْ تَرْضَ لِي يَا إِلَهِي نِعْمَةً دُونَ أُخْرَى وَ رَزَقْتَنِي مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعَاشِ وَ صُنُوفِ الرِّيَاشِ بِمَنِّكَ الْعَظِيمِ عَلَيَّ وَ إِحْسَانِكَ الْقَدِيمِ إِلَيَّ حَتَّى إِذَا أَتْمَمْتَ عَلَيَّ جَمِيعَ النِّعَمِ وَ صَرَفْتَ عَنِّي كُلَّ النِّقَمِ لَمْ يَمْنَعْكَ جَهْلِي وَ جُرْأَتِي عَلَيْكَ إِنْ دَلَلْتَنِي عَلَى مَا يُقَرِّبُنِي إِلَيْكَ وَ وَفَّقْتَنِي لِمَا يُزْلِفُنِي لَدَيْكَ إِلَى آخِرِ الدُّعَاءِ (3).

____________

(1) معاني الأخبار: 405.

(2) في المصدر: فيه يسرتنى.

(3) الإقبال: 240.

373

بيان ثم أسكنتني الأصلاب أي جعلت مادة وجودي مودعة في أصلاب آبائي فإن نطفة كل ولد كانت في صلب والده و كلهم كانوا من علل وجوده و ريب المنون حوادث الدهر ذكره الجوهري و أمنا مفعول له أي حفظت مادة وجودي في الأصلاب لأكون آمنا من حوادث الدهر و اختلاف الدهور و هو معطوف على ريب أو المنون و الظاعن السائر و قال الجوهري قدم الشي‏ء بالضم قدما فهو قديم و تقادم مثله انتهى فهو من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف أي الأيام المتقادمة و الخالية الماضية للذي متعلق بقوله أخرجتني و يحتمل أن يكون اللام للظرفية و للعلة الذي يسرتني أي جعلتني قابلا له كما قال تعالى‏ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى‏ (1) بين لحم و جلد و دم الظاهر أنه ليس تفسيرا للظلمات الثلاث أي كونتني أو حال كوني بين لحم الرحم و جلدها و الدم الذي فيها أو كنت بين تلك الأجزاء من بدني و الأول أظهر لم تشهرني بخلقي أي لم تجعل تلك الحالات الخسيسة ظاهرة للخلق في ابتداء خلقي لأصير محقرا مهينا عندهم بل سترت تلك الأحوال عنهم و أخرجتني بعد اعتدال صورتي و خروجي عن تلك الأحوال الدنية و الطفل المولود و الصبي الغلام و هما متقاربان في المعنى فالصبي إما تأكيد أو إشارة إلى اختلاف مراتب المولود بأن يكون الطفولية قبل الصبا و الأول أظهر إذ يطلق على المولود حين كونه في المهد طفلا و صبيا فيكون الجمع بينهما إشارة إلى حالتي المولود فباعتبار نعومة بدنه طفل و باعتبار قلة عقله صبي فلذا قال تعالى‏ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (2) و ما قيل من أن الصبي أعم من الطفل لأن المولود إذا فطم لا يسمى طفلا يضعفه قوله تعالى‏ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى‏ عَوْراتِ النِّساءِ (3) قال الراغب الصبي من لم يبلغ الحلم قال تعالى‏ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ

____________

(1) الليل: 7.

(2) مريم: 29.

(3) النور: 31.

374

صَبِيًّا و قال الطفل الولد ما دام ناعما و قد يقع على الجمع قال تعالى‏ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا و قال‏ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى‏ عَوْراتِ النِّساءِ و قد يجمع على أطفال قال عز و جل‏ وَ إِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ‏ (1) و باعتبار النعمة قيل امرأة طفلة انتهى.

و الغذاء ما يتغذى به من الطعام و الشراب و المري إما من المهموز أي الموافق للطبع فخفف أو من المعتل من قولهم مريت الناقة مريا إذا مسحت ضرعها لتدر و المري على فعيل الناقة الكثيرة اللبن و العطف الشفقة و الإمالة يقال عطف العود أي ميله و على الأول يكون على بناء التفعيل و الحواضن النساء اللاتي يقمن بتربية الصبيان و الحضن ما دون الإبط إلى الكشح و حضن الطير بيضه لأنه يضمه إلى نفسه تحت جناحه و لما كانت الأمهات يحضن الأولاد سمين حواضن و الكافل الحافظ لغيره قال تعالى‏ وَ كَفَّلَها زَكَرِيَّا (2) و كلأتني أي حفظتني من طوارق الجان أي جماعة من الجن يطرقون بشر على الأطفال كأم الصبيان و الطارق في الأصل الذي يأتي بالليل لاحتياجه إلى طرق الباب ثم استعمل في كل شر نزل سواء كان بالليل أو بالنهار و المراد بالزيادة و النقصان ما يصير منهما سببا لتشويه الخلقة و ضعف البنية و الاستهلال رفع الصوت و استهلال الصبي صياحه عند الولادة و كمال الفطرة إشارة إلى قوة الأعضاء و القوى الظاهرة و اعتدال السريرة إلى كمال القوى الباطنة أوجبت أي ألزمت و أتممت و روعتني أي أفزعتني و خوفتني و العلم بعجائب الفطرة يصير سببا للخوف للعلم بعظمة الرب سبحانه و وفور نعمه و تقصير المكلف في أداء شكره كما قال تعالى‏ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (3) و قال‏ إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ‏ (4) أو المعنى‏

____________

(1) النور: 59.

(2) آل عمران: 37.

(3) فاطر: 28.

(4) المؤمنون: 58.

375

ألقيت في روعي أي قلبي عجائب الفطرة لكنه بعيد عن الشائع في إطلاق هذا اللفظ بحسب اللغة و قال الفيروزآبادي الحر بالضم خيار كل شي‏ء و من الطين و الرمل الطيب و من الرمل وسطه و الثرى التراب الندي.

أقول سيأتي شرح تلك الفقرات مستوفى عند ذكر الدعاء بتمامه في محله إن شاء الله تعالى.

82- تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ‏ قَالَ خَلَقَهُ مِنْ قَطْرَةٍ مِنْ مَاءٍ مُنْتِنٍ فَيَكُونُ خَصِيماً مُتَكَلِّماً بَلِيغاً (1).

83- وَ مِنْهُ، أَ وَ لَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ‏ قَالَ أَيْ نَاطِقٌ عَالِمٌ بَلِيغٌ‏ (2).

84- وَ مِنْهُ، هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ قَالَ يَعْنِي ذَكَراً وَ أُنْثَى أَسْوَدَ وَ أَبْيَضَ وَ أَحْمَرَ صَحِيحاً وَ سَقِيماً (3).

85- وَ مِنْهُ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ‏ قَالَ عِرْقٌ فِي الظَّهْرِ يَكُونُ مِنْهُ الْوَلَدُ (4).

86- وَ مِنْهُ، إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ‏ أَيْ مُسْتَقِرِّينَ قَوْلُهُ‏ مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى‏ قَالَ تَتَحَوَّلُ النُّطْفَةُ إِلَى الدَّمِ فَتَكُونُ أَوَّلًا دَماً ثُمَّ تَصِيرُ نُطْفَةً وَ تَكُونُ فِي الدِّمَاغِ فِي عِرْقٍ يُقَالُ لَهُ الْوَرِيدُ وَ تَمُرُّ فِي فَقَارِ الظَّهْرِ فَلَا تَزَالُ تَجُوزُ فَقْراً فَقْراً حَتَّى تَصِيرَ إِلَى‏ (5) الْحَالِبَيْنِ فَتَصِيرَ أَبْيَضَ وَ أَمَّا نُطْفَةُ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا تَنْزِلُ مِنْ صَدْرِهَا (6).

____________

(1) تفسير القمّيّ: 357.

(2) التفسير: 553.

(3) التفسير: 87.

(4) التفسير: 695.

(5) في المصدر: فى.

(6) تفسير القمّيّ: 655.

376

بيان: قال الجوهري الحالبان عرقان مكتنفان بالسرة.

87- التَّفْسِيرُ، لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً قَالَ لَمْ يَكُنْ فِي الْعِلْمِ وَ لَا فِي الذِّكْرِ (1).

88- وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ كَانَ فِي الْعِلْمِ وَ لَمْ يَكُنْ فِي الذِّكْرِ نَبْتَلِيهِ‏ أَيْ نَخْتَبِرُهُ‏ (2).

89- وَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فِي قَوْلِهِ‏ أَمْشاجٍ‏ قَالَ مَاءُ الرَّجُلِ وَ مَاءُ الْمَرْأَةِ اخْتَلَطَا جَمِيعاً (3).

بيان لم يكن في العلم أي علم الملائكة.

90- التَّفْسِيرُ، مُخَلَّقَةٍ وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ قَالَ الْمُخَلَّقَةُ إِذَا صَارَتْ دَماً وَ غَيْرُ الْمُخَلَّقَةِ قَالَ السِّقْطُ (4).

91- وَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)لِنُبَيِّنَ لَكُمْ‏ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ كَذَلِكَ فِي الْأَرْحَامِ‏ وَ نُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ فَلَا يَخْرُجُ سِقْطاً (5).

92- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنِ الْعَبَّاسِ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ: إِذَا بَلَغَ الْعَبْدُ مِائَةَ سَنَةٍ فَذَلِكَ أَرْذَلُ الْعُمُرِ (6).

بيان لا يبعد أن يكون دما تصحيف تامّا.

93- التَّفْسِيرُ، إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ‏ قَالَ‏ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ (7).

94- وَ مِنْهُ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ‏ قَالَ مِنْ دَمٍ‏ (8).

____________

(1) التفسير: 706.

(2) التفسير: 706.

(3) التفسير: 70.

(4) التفسير: 435.

(5) التفسير: 435.

(6) تفسير القمّيّ: 435.

(7) التفسير: 696.

(8) التفسير: 731.

377

95- مَجْمَعُ الْبَيَانِ، رُوِيَ أَنَّ ابْنَ صُورِيَا وَ جَمَاعَةً مِنْ يَهُودِ أَهْلِ فَدَكَ لَمَّا قَدِمُوا النَّبِيَّ(ص)إِلَى الْمَدِينَةِ سَأَلُوهُ فَقَالُوا يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ نَوْمُكَ فَقَدْ أُخْبِرْنَا عَنْ نَوْمِ النَّبِيِّ الَّذِي يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ فَقَالَ تَنَامُ عَيْنَايَ وَ قَلْبِي يَقْظَانُ قَالُوا صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنَا عَنِ الْوَلَدِ يَكُونُ مِنَ الرَّجُلِ أَوِ الْمَرْأَةِ فَقَالَ أَمَّا الْعِظَامُ وَ الْعَصَبُ وَ الْعُرُوقُ فَمِنَ الرَّجُلِ وَ أَمَّا اللَّحْمُ وَ الدَّمُ وَ الظُّفُرُ وَ الشَّعْرُ فَمِنَ الْمَرْأَةِ قَالُوا صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَمَا بَالُ الْوَلَدِ يُشْبِهُ أَعْمَامَهُ لَيْسَ فِيهِ مِنْ شَبَهِ أَخْوَالِهِ شَيْ‏ءٌ أَوْ يُشْبِهُ أَخْوَالَهُ وَ لَيْسَ فِيهِ مِنْ شَبَهِ أَعْمَامِهِ شَيْ‏ءٌ فَقَالَ أَيُّهُمَا عَلَا مَاؤُهُ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ قَالُوا صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالُوا أَخْبِرْنَا عَنْ رَبِّكَ مَا هُوَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ‏ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ (1) الْخَبَرَ.

96- الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قُلْتُ لَهُ رَجُلٌ ذَهَبَتْ إِحْدَى بَيْضَتَيْهِ فَقَالَ إِنْ كَانَتِ الْيَسَارَ فَفِيهَا الدِّيَةُ قُلْتُ وَ لِمَ أَ لَيْسَ قُلْتَ مَا كَانَ فِي الْجَسَدِ اثْنَانِ فَفِيهِ‏ (2) نِصْفُ الدِّيَةِ قَالَ لِأَنَّ الْوَلَدَ مِنَ الْبَيْضَةِ الْيُسْرَى‏ (3).

97- الْفَقِيهُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي يَحْيَى الْوَاسِطِيِّ رَفَعَهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: الْوَلَدُ يَكُونُ مِنَ الْبَيْضَةِ الْيُسْرَى فَإِذَا قُطِعَتْ فَفِيهَا ثُلُثَا الدِّيَةِ وَ فِي الْيُمْنَى ثُلُثُ الدِّيَةِ (4).

بيان قال الشهيد الثاني (قدّس سرّه) انحصار التولد في الخصية اليسرى قد أنكره بعض الأطباء و نسبه الجاحظ في حياة الحيوان إلى العامة و لو صح نسبته إليهم(ع)لم يلتفت إلى إنكار منكره انتهى.

و أقول هذا شي‏ء لا يمكن العلم به غالبا إلا من طريق الوحي و الإلهام و التجربة قاصرة عنه مع أنه يمكن أن يحمل على أن اليسرى أدخل في ذلك.

98- تَوْحِيدُ الْمُفَضَّلِ، نَبْتَدِئُ يَا مُفَضَّلُ بِذِكْرِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ فَاعْتَبِرْ بِهِ فَأَوَّلُ‏

____________

(1) مجمع البيان: ج 3(ص)193.

(2) في المصدر: ففى كل واحد نصف الدية.

(3) الكافي: ج 7،(ص)315.

(4) من لا يحضره الفقيه: 511.

378

ذَلِكَ مَا يُدَبَّرُ بِهِ الْجَنِينُ فِي الرَّحِمِ وَ هُوَ مَحْجُوبٌ‏ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ‏ ظُلْمَةِ الْبَطْنِ وَ ظُلْمَةِ الرَّحِمِ وَ ظُلْمَةِ الْمَشِيمَةِ حَيْثُ لَا حِيلَةَ عِنْدَهُ فِي طَلَبِ غِذَاءٍ وَ لَا دَفْعِ أَذًى وَ لَا اسْتِجْلَابِ مَنْفَعَةٍ وَ لَا دَفْعِ مَضَرَّةٍ فَإِنَّهُ يَجْرِي إِلَيْهِ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ مَا يَغْذُوهُ كَمَا يَغْذُو الْمَاءُ النَّبَاتَ فَلَا يَزَالُ ذَلِكَ غِذَاءَهُ حَتَّى إِذَا كَمَلَ خَلْقُهُ وَ اسْتَحْكَمَ بَدَنُهُ وَ قَوِيَ أَدِيمُهُ عَلَى مُبَاشَرَةِ الْهَوَاءِ وَ بَصَرُهُ عَلَى مُلَاقَاةِ الضِّيَاءِ هَاجَ الطَّلْقُ بِأُمِّهِ فَأَزْعَجَهُ أَشَدَّ إِزْعَاجٍ وَ أَعْنَفَهُ حَتَّى يُولَدَ وَ إِذَا وُلِدَ صَرَفَ ذَلِكَ الدَّمَ الَّذِي كَانَ يَغْذُوهُ مِنْ دَمِ أُمِّهِ إِلَى ثَدْيَيْهَا فَانْقَلَبَ الطَّعْمُ وَ اللَّوْنُ إِلَى ضَرْبٍ آخَرَ مِنَ الْغِذَاءِ وَ هُوَ أَشَدُّ مُوَافَقَةً لِلْمَوْلُودِ مِنَ الدَّمِ فَيُوَافِيهِ فِي وَقْتِ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ فَحِينَ يُولَدُ قَدْ تَلَمَّظَ وَ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ طَلَباً لِلرَّضَاعِ فَهُوَ يَجِدُ ثَدْيَيْ أُمِّهِ كَالْإِدَاوَتَيْنِ الْمُعَلَّقَتَيْنِ لِحَاجَتِهِ فَلَا يَزَالُ يَغْتَذِي بِاللَّبَنِ مَا دَامَ رَطْبَ الْبَدَنِ رَقِيقَ الْأَمْعَاءِ لَيِّنَ الْأَعْضَاءِ حَتَّى إِذَا تَحَرَّكَ وَ احْتَاجَ إِلَى غِذَاءٍ فِيهِ صَلَابَةٌ لِيَشْتَدَّ وَ يَقْوَى بَدَنُهُ طَلَعَتْ لَهُ الطَّوَاحِنُ مِنَ الْأَسْنَانِ وَ الْأَضْرَاسِ لِيَمْضَغَ بِهِ الطَّعَامَ فَيَلِينَ عَلَيْهِ وَ يَسْهُلَ لَهُ إِسَاغَتُهُ فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُدْرِكَ فَإِذَا أَدْرَكَ وَ كَانَ ذَكَراً طَلَعَ الشَّعْرُ فِي وَجْهِهِ فَكَانَ ذَلِكَ عَلَامَةَ الذَّكَرِ وَ عِزَّ الرَّجُلِ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ عَنْ حَدِّ الصَّبَا وَ شَبَهِ النِّسَاءِ وَ إِنْ كَانَتْ أُنْثَى يَبْقَى وَجْهُهَا نَقِيّاً مِنَ الشَّعْرِ لِتَبْقَى لَهَا الْبَهْجَةُ وَ النَّضَارَةُ الَّتِي تُحَرِّكُ الرِّجَالَ لِمَا فِيهِ دَوَامُ النَّسْلِ وَ بَقَاؤُهُ اعْتَبِرْ يَا مُفَضَّلُ فِي مَا يُدَبَّرُ بِهِ الْإِنْسَانُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ هَلْ تَرَى يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِالْإِهْمَالِ أَ فَرَأَيْتَ لَوْ لَمْ يَجْرِ إِلَيْهِ ذَلِكَ الدَّمُ وَ هُوَ فِي الرَّحِمِ أَ لَمْ يَكُنْ سَيَذْوَى وَ يَجِفُّ كَمَا يَجِفُّ النَّبَاتُ إِذَا فَقَدَ الْمَاءَ وَ لَوْ لَمْ يُزْعِجْهُ الْمَخَاضُ عِنْدَ اسْتِحْكَامِهِ أَ لَمْ يَكُنْ سَيَبْقَى فِي الرَّحِمِ كَالْمَوْءُودِ فِي الْأَرْضِ وَ لَوْ لَمْ يُوَافِقْهُ اللَّبَنُ مَعَ وِلَادَتِهِ أَ لَمْ يَكُنْ سَيَمُوتُ جُوعاً أَوْ يَغْتَذِي بِغِذَاءٍ لَا يُلَائِمُهُ وَ لَا يَصْلُحُ عَلَيْهِ بَدَنُهُ وَ لَوْ لَمْ تَطْلُعْ عَلَيْهِ الْأَسْنَانُ فِي وَقْتِهَا أَ لَمْ يَكُنْ سَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَضْغُ الطَّعَامِ وَ إِسَاغَتُهُ أَوْ يُقِيمُهُ عَلَى الرَّضَاعِ فَلَا يَشْتَدُّ بَدَنُهُ وَ لَا يَصْلُحُ لِعَمَلٍ ثُمَّ كَانَ تَشْتَغِلُ أُمُّهُ بِنَفْسِهِ عَنْ تَرْبِيَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَوْلَادِ وَ لَوْ لَمْ يَخْرُجِ الشَّعْرُ فِي وَجْهِهِ فِي وَقْتِهِ أَ لَمْ يَكُنْ سَيَبْقَى فِي هَيْئَةِ الصِّبْيَانِ وَ النِّسَاءِ فَلَا تَرَى لَهُ جَلَالَةً وَ لَا وَقَاراً

379

فَقَالَ الْمُفَضَّلُ فَقُلْتُ يَا مَوْلَايَ فَقَدْ رَأَيْتُ مَنْ يَبْقَى عَلَى حَالَتِهِ وَ لَا يَنْبُتُ الشَّعْرُ فِي وَجْهِهِ وَ إِنْ بَلَغَ حَالَ الْكِبَرِ فَقَالَ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ‏ وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ فَمَنْ هَذَا الَّذِي يَرْصُدُهُ حَتَّى يُوَافِيَهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَآرِبِ إِلَّا الَّذِي أَنْشَأَهُ خَلْقاً بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ ثُمَّ تَوَكَّلَ لَهُ بِمَصْلَحَتِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ فَإِنْ كَانَ الْإِهْمَالُ يَأْتِي بِمِثْلِ هَذَا التَّدْبِيرِ فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْعَمْدُ وَ التَّقْدِيرُ يَأْتِيَانِ بِالْخَطَإِ وَ الْمُحَالِ لِأَنَّهُمَا ضِدُّ (1) الْإِهْمَالِ وَ هَذَا فَظِيعٌ مِنَ الْقَوْلِ وَ جَهْلٌ مِنْ قَائِلِهِ لِأَنَّ الْإِهْمَالَ لَا يَأْتِي بِالصَّوَابِ وَ التَّضَادَّ لَا يَأْتِي بِالنِّظَامِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْمُلْحِدُونَ عُلُوّاً كَبِيراً وَ لَوْ كَانَ الْمَوْلُودُ يُولَدُ فَهِماً عَاقِلًا لَأَنْكَرَ الْعَالَمَ عِنْدَ وِلَادَتِهِ وَ لَبَقِيَ حَيْرَانَ تَائِهَ الْعَقْلِ إِذَا رَأَى مَا لَمْ يَعْرِفْ وَ وَرَدَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَرَ مِثْلَهُ مِنِ اخْتِلَافِ صُوَرِ الْعَالَمِ مِنَ الْبَهَائِمِ وَ الطَّيْرِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُشَاهِدُهُ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ وَ يَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ وَ اعْتَبِرْ ذَلِكَ بِأَنَّ مَنْ سُبِيَ مِنْ ولد [بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وَ هُوَ عَاقِلٌ يَكُونُ كَالْوَالِهِ الْحَيْرَانِ فَلَا يُسْرِعُ فِي تَعَلُّمِ الْكَلَامِ وَ قَبُولِ الْأَدَبِ كَمَا يُسْرِعُ الَّذِي يُسْبَى صَغِيراً غَيْرَ عَاقِلٍ ثُمَّ لَوْ وُلِدَ عَاقِلًا كَانَ يَجِدُ غَضَاضَةً إِذَا رَأَى نَفْسَهُ مَحْمُولًا مُرْضَعاً مُعَصَّباً بِالْخِرَقِ مُسَجًّى فِي الْمَهْدِ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ هَذَا كُلِّهِ لِرِقَّةِ بَدَنِهِ وَ رُطُوبَتِهِ حَتَّى يُولَدَ ثُمَّ كَانَ لَا يُوجَدُ لَهُ مِنَ الْحَلَاوَةِ وَ الْوَقْعِ مِنَ الْقُلُوبِ مَا يُوجَدُ لِلطِّفْلِ فَصَارَ يَخْرُجُ إِلَى الدُّنْيَا غَبِيّاً غَافِلًا عَمَّا فِيهِ أَهْلُهُ فَيَلْقَى الْأَشْيَاءَ بِذِهْنٍ ضَعِيفٍ وَ مَعْرِفَةٍ نَاقِصَةٍ ثُمَّ لَا يَزَالُ يَتَزَيَّدُ (2) فِي الْمَعْرِفَةِ قَلِيلًا قَلِيلًا وَ شَيْئاً بَعْدَ شَيْ‏ءٍ وَ حَالًا بَعْدَ حَالٍ حَتَّى يَأْلَفَ الْأَشْيَاءَ وَ يَتَمَرَّنَ وَ يَسْتَمِرَّ عَلَيْهَا فَيَخْرُجُ مِنْ حَدِّ التَّأَمُّلِ بِهَا وَ الْحَيْرَةِ فِيهَا إِلَى التَّصَرُّفِ وَ الِاضْطِرَابِ إِلَى الْمَعَاشِ بِعَقْلِهِ وَ حِيلَتِهِ وَ إِلَى الِاعْتِبَارِ وَ الطَّاعَةِ وَ السَّهْوِ وَ الْغَفْلَةِ وَ الْمَعْصِيَةِ وَ فِي هَذَا أَيْضاً وُجُوهٌ أُخَرُ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ يُولَدُ تَامَّ الْعَقْلِ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ لَذَهَبَ مَوْضِعُ حَلَاوَةِ تَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ وَ مَا قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ لِلْوَالِدَيْنِ فِي الِاشْتِغَالِ بِالْوَلَدِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَ مَا يُوجِبُ التَّرْبِيَةَ لِلْآبَاءِ عَلَى الْأَبْنَاءِ مِنَ الْمُكَافَاةِ بِالْبِرِّ وَ الْعَطْفِ عَلَيْهِمْ عِنْدَ حَاجَتِهِمْ‏

____________

(1) ضدا الاهمال (ظ).

(2) يتزايد (خ).

380

إِلَى ذَلِكَ مِنْهُمْ ثُمَّ كَانَ الْأَوْلَادُ لَا يَأْلَفُونَ آبَاءَهُمْ وَ لَا يَأْلَفُ الْآبَاءُ أَبْنَاءَهُمْ لِأَنَّ الْأَوْلَادَ كَانُوا يَسْتَغْنُونَ عَنْ تَرْبِيَةِ الْآبَاءِ وَ حِيَاطَتِهِمْ فَيَتَفَرَّقُونَ عَنْهُمْ حِينَ يُولَدُونَ فَلَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَ أُمَّهُ وَ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ نِكَاحِ أُمِّهِ وَ أُخْتِهِ وَ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ مِنْهُ إِذْ كَانَ لَا يَعْرِفُهُنَّ وَ أَقَلُّ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْقَبَاحَةِ بَلْ هُوَ أَشْنَعُ وَ أَعْظَمُ وَ أَفْظَعُ وَ أَقْبَحُ وَ أَبْشَعُ لَوْ خَرَجَ الْمَوْلُودُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَ هُوَ يَعْقِلُ أَنْ يَرَى مِنْهَا مَا لَا يَحِلُّ لَهُ وَ لَا يَحْسُنُ بِهِ أَنْ يَرَاهُ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ أُقِيمَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ مِنَ الْخِلْقَةِ عَلَى غَايَةِ الصَّوَابِ وَ خَلَا مِنَ الْخَطَاءِ دَقِيقُةُ وَ جَلِيلُهُ اعْرِفْ يَا مُفَضَّلُ مَا لِلْأَطْفَالِ فِي الْبُكَاءِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ وَ اعْلَمْ أَنَّ فِي أَدْمِغَةِ الْأَطْفَالِ رُطُوبَةً إِنْ بَقِيَتْ فِيهَا أَحْدَثَتْ عَلَيْهِمْ أَحْدَاثاً جَلِيلَةً وَ عِلَلًا عَظِيمَةً مِنْ ذَهَابِ الْبَصَرِ وَ غَيْرِهِ فَالْبُكَاءُ يُسِيلُ تِلْكَ الرُّطُوبَةَ مِنْ رُءُوسِهِمْ فَيُعْقِبُهُمْ ذَلِكَ الصِّحَّةَ فِي أَبْدَانِهِمْ وَ السَّلَامَةَ فِي أَبْصَارِهِمْ أَ فَلَيْسَ قَدْ جَازَ أَنْ يَكُونَ الطِّفْلُ يَنْتَفِعُ بِالْبُكَاءِ وَ وَالِدَاهُ لَا يَعْرِفَانِ ذَلِكَ فَهُمَا دَائِبَانِ لِيُسْكِتَانِهِ وَ يَتَوَخَّيَانِ فِي الْأُمُورِ مَرْضَاتَهُ لِئَلَّا يَبْكِيَ وَ هُمَا لَا يَعْلَمَانِ أَنَّ الْبُكَاءَ أَصْلَحُ لَهُ وَ أَجْمَلُ عَاقِبَةً فَهَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ مَنَافِعُ لَا يَعْرِفُهَا الْقَائِلُونَ بِالْإِهْمَالِ وَ لَوْ عَرَفُوا ذَلِكَ لَمْ يَقْضُوا عَلَى الشَّيْ‏ءِ أَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَهُ وَ لَا يَعْلَمُونَ السَّبَبَ فِيهِ فَإِنَّ كُلَّ مَا لَا يَعْلَمُهُ الْمُنْكِرُونَ يَعْلَمُهُ الْعَارِفُونَ وَ كَثِيراً مَا يَقْصُرُ عَنْهُ عِلْمُ الْمَخْلُوقِينَ مُحِيطٌ بِهِ عِلْمُ الْخَالِقِ جَلَّ قُدْسُهُ وَ عَلَتْ كَلِمَتُهُ فَأَمَّا مَا يَسِيلُ مِنْ أَفْوَاهِ الْأَطْفَالِ مِنَ الرِّيقِ فَفِي ذَلِكَ خُرُوجُ الرُّطُوبَةِ الَّتِي لَوْ بَقِيَتْ فِي أَبْدَانِهِمْ لَأَحْدَثَتْ عَلَيْهِمُ الْأُمُورَ الْعَظِيمَةَ كَمَنْ تَرَاهُ قَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الرُّطُوبَةُ فَأَخْرَجَتْهُ إِلَى حَدِّ الْبَلَهِ وَ الْجُنُونِ وَ التَّخْلِيطِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْمُتْلِفَةِ كَالْفَالِجِ وَ اللَّقْوَةِ وَ مَا أَشْبَهَهُمَا فَجَعَلَ اللَّهُ تِلْكَ الرُّطُوبَةَ تَسِيلُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ فِي صِغَرِهِمْ لِمَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الصِّحَّةِ فِي كِبَرِهِمْ فَتَفَضَّلَ عَلَى خَلْقِهِ بِمَا جَهِلُوهُ وَ نَظَرَ لَهُمْ بِمَا لَمْ يَعْرِفُوهُ وَ لَوْ عَرَفُوا نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ لَشَغَلَهُمْ ذَلِكَ عَنِ التَّمَادِي فِي مَعْصِيَتِهِ فَسُبْحَانَهُ مَا أَجَلَّ نِعْمَتَهُ وَ أَسْبَغَهَا عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ وَ غَيْرِهِمْ مِنْ خَلْقِهِ وَ تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الْمُبْطِلُونَ عُلُوّاً كَبِيراً.

أقول: قد مر شرحه و تمامه في كتاب التوحيد.

381

99- الْعِلَلُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ قُدَامَةَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ نَاصِحٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَرْمَنِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَدِيدٍ الْمَدَائِنِيِّ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَأَلْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ(ع)عَنِ الطِّفْلِ يَضْحَكُ مِنْ غَيْرِ عُجْبٍ وَ يَبْكِي مِنْ غَيْرِ أَلَمٍ فَقَالَ يَا مُفَضَّلُ مَا مِنْ طِفْلٍ إِلَّا وَ هُوَ يَرَى الْإِمَامَ وَ يُنَاجِيهِ فَبُكَاؤُهُ لِغَيْبَةِ الْإِمَامِ عَنْهُ وَ ضَحِكُهُ إِذَا أَقْبَلَ إِلَيْهِ حَتَّى إِذَا أُطْلِقَ لِسَانُهُ أُغْلِقَ ذَلِكَ الْبَابُ عَنْهُ وَ ضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالنِّسْيَانِ‏ (1).

بيان لا استبعاد في ظاهر الخبر مع صحته و يحتمل أن يكون المراد برؤية الإمام و مناجاته توجه و شمول شفاعته و لطفه و دعائه له فإن لهم تصرفا في العوالم يقصر العقل عن إدراكه.

100- التَّوْحِيدُ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى‏ (2) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَكْرَمَ‏ (3) بْنِ أَبِي إِيَاسٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لَا تَضْرِبُوا أَطْفَالَكُمْ عَلَى بُكَائِهِمْ‏ (4) فَإِنَّ بُكَاءَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ وَ آلِهِ وَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ الدُّعَاءُ لِوَالِدَيْهِ‏ (5).

بيان يحتمل أن يكون المراد بالخبر مع ضعفه أن لوالديه ثواب هذه الأذكار و الأدعية فينبغي أن لا يملوا و لا يضربوهم و قال بعض المحققين السر فيه أن الطفل أربعة أشهر لا يعرف سوى الله عز و جل الذي فطر على معرفته و توحيده فبكاؤه توسل إليه و التجاء به سبحانه خاصة دون غيره فهو شهادة له بالتوحيد و أربعة أخرى يعرف أمه من حيث إنها وسيلة لاغتذائه فقط لا من حيث إنها أمه و لهذا يأخذ

____________

(1) علل الشرائع: ج 2،(ص)272.

(2) كذا في نسخ الكتاب، و في المصدر: جعفر بن محمّد بن إبراهيم السرندى.

(3) في المصدر: محمّد بن آدم.

(4) البكاء (خ).

(5) التوحيد: 242.

382

اللبن من غيرها أيضا في هذه المدة غالبا فلا يعرف فيها بعد الله إلا من كان وسيلة بين الله و بينه في ارتزاقه الذي هو مكلف به تكليفا طبيعيا من حيث كونها وسيلة لا غير و هذا معنى الرسالة فبكاؤه في هذه المدة بالحقيقة شهادة بالرسالة و أربعة أخرى يعرف أبويه و كونه محتاجا إليهما في الرزق فبكاؤه فيها دعاء لهما بالسلامة و البقاء في الحقيقة.

101 الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَضَرَتْ عِصَابَةٌ مِنَ الْيَهُودِ نَبِيَّ اللَّهِ(ص)فَسَأَلُوهُ عَنْ مَسَائِلَ فَكَانَ فِي مَا سَأَلُوهُ كَيْفَ مَاءُ الرَّجُلُ مِنْ مَاءِ الْمَرْأَةِ وَ كَيْفَ الْأُنْثَى مِنْهُ وَ الذَّكَرُ فَقَالَ إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ أَبْيَضُ غَلِيظٌ وَ إِنَّ مَاءَ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ رَقِيقٌ فَأَيُّهُمَا عَلَا كَانَ لَهُ الْوَلَدُ وَ الشَّبَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى إِنْ عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ كَانَ ذَكَراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ إِنْ عَلَا مَاءُ الْمَرْأَةِ كَانَ أُنْثَى بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى.

102 وَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَأَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ النَّبِيَّ(ص)فَقَالَ مَا يَنْزِعُ الْوَلَدَ إِلَى أَبِيهِ وَ إِلَى أُمِّهِ قَالَ أَخْبَرَنِي جَبْرَئِيلُ أَنَّهُ إِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ إِلَيْهِ الْوَلَدَ وَ إِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلُ نَزَعَ إِلَيْهَا.

103 وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ‏ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى‏ وَ لَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ‏ قَالَ خُلِقُوا فِي ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ صُوِّرُوا فِي الْأَرْحَامِ‏ (1).

104 وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ‏ خُلِقُوا فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ ثُمَّ صُوِّرُوا فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ (2).

105 وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ قَالَ: أَمَّا قَوْلُهُ‏ خَلَقْناكُمْ‏ فَآدَمُ وَ أَمَّا صَوَّرْناكُمْ‏ فَذُرِّيَتُهُ‏ (3).

106 وَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ(ص)سُئِلَ عَنِ الْعَزْلِ فَقَالَ لَا عَلَيْكُمْ أَنْ تَفْعَلُوا إِنْ يَكُنْ مِمَّا أَخَذَ اللَّهُ مِنْهَا الْمِيثَاقَ فَكَانَتْ عَلَى الصَّخْرَةِ نُفِخَ‏

____________

(1) الدّر المنثور: ج 3،(ص)72.

(2) الدّر المنثور: ج 3،(ص)72.

(3) الدّر المنثور: ج 3،(ص)72.

383

فِيهِ الرُّوحُ‏ (1).

107 وَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْعَزْلِ فَقَالَ لَوْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ نَسَمَةٍ مِنْ صُلْبِ رَجُلٍ ثُمَّ أَفْرَغَهُ عَلَى صَفَا لَأَخْرَجَهُ مِنْ ذَلِكَ الصَّفَا فَإِنْ شِئْتَ فَاعْزِلْ وَ إِنْ شِئْتَ لَا تَعْزِلْ‏ (2).

108 وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ‏ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى‏ مِنْ سُلالَةٍ قَالَ السُّلَالَةُ صفر صَفْوُ الْمَاءِ الرَّقِيقِ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الْوَلَدُ (3).

109 وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعاً النُّطْفَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا الْوَلَدُ تَرْعَدُ لَهَا الْأَعْضَاءُ وَ الْعُرُوقُ كُلُّهَا إِذَا خَرَجَتْ وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ‏ (4).

110 وَ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ: إِذَا تَمَّتِ النُّطْفَةُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ بُعِثَ إِلَيْهَا مَلَكٌ فَنَفَخَ فِيهَا الرُّوحَ فِي الظُّلُمَاتِ الثَّلَاثِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ‏ ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ يَعْنِي نَفَخَ الرُّوحَ‏ (5).

111 وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ‏ فِي قَوْلِهِ‏ ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ يَقُولُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ بَعْدَ مَا خَرَجَ فَكَانَ مِنْ بَدْءِ خَلْقِهِ الْآخَرِ أَنِ اسْتَهَلَّ ثُمَّ كَانَ مِنْ خَلْقِهِ أَنْ دُلَ‏ (6) عَلَى ثَدْيِ أُمِّهِ ثُمَّ كَانَ مِنْ خَلْقِهِ أَنْ عَلِمَ كَيْفَ يَبْسُطُ رِجْلَيْهِ إِلَى أَنْ قَعَدَ إِلَى أَنْ حَبَا إِلَى أَنْ قَامَ عَلَى رِجْلَيْهِ إِلَى أَنْ مَشَى إِلَى أَنْ فُطِمَ فَعَلِمَ كَيْفَ يَشْرَبُ وَ يَأْكُلُ مِنَ الطَّعَامِ إِلَى أَنْ بَلَغَ الْحُلُمَ إِلَى أَنْ بَلَغَ إِلَى أَنْ يَتَقَلَّبَ فِي الْبِلَادِ (7).

112 وَ عَنْ قَتَادَةَ ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ قَالَ يَقُولُ بَعْضُهُمْ هُوَ نَبَاتُ الشَّعْرِ وَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ هُوَ نَفْخُ الرُّوحِ‏ (8).

113 وَ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَ مَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعٍ أَوْ بِخَمْسٍ وَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً أَيْ رَبِّ أَ شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ أَ ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى فَيَقُولُ اللَّهُ وَ يَكْتُبَانِ ثُمَّ يَكْتُبُ عَمَلَهُ وَ رِزْقَهُ وَ أَجَلَهُ وَ أَثَرَهُ وَ مُصِيبَتَهُ‏

____________

(1) الدّر المنثور: ج 3،(ص)144.

(2) الدّر المنثور: ج 3،(ص)144.

(3) الدّر المنثور: ج 5،(ص)6.

(4) الدّر المنثور: ج 5،(ص)6.

(5) الدّر المنثور: ج 5،(ص)7.

(6) في المصدر: دله.

(7) الدّر المنثور: ج 5،(ص)7.

(8) الدّر المنثور: ج 5،(ص)7.

384

ثُمَّ تُطْوَى الصَّحِيفَةُ فَلَا يُزَادُ فِيهَا وَ لَا يَنْقُصُ مِنْهَا (1).

114 وَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِذَا مَكَثَ الْمَنِيُّ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً أَتَاهُ مَلَكُ النُّفُوسِ فَعَرَجَ بِهِ إِلَى الرَّبِّ فَيَقُولُ يَا رَبِّ أَ ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى فَيَقْضِي اللَّهُ مَا هُوَ قَاضٍ فَيَقُولُ أَ شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ فَيَكْتُبُ مَا هُوَ لَاقٍ وَ قَرَأَ أَبُو ذَرٍّ مِنْ فَاتِحَةِ التَّغَابُنِ خَمْسَ آيَاتٍ إِلَى قَوْلِهِ‏ وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (2).

115 وَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِذَا جِئْنَاكُمْ بِحَدِيثٍ أَتَيْنَاكُمْ بِتَصْدِيقِهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ النُّطْفَةَ تَكُونُ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ ثُمَّ تَكُونُ مُضْغَةً أَرْبَعِينَ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ نَزَلَ الْمَلَكُ فَيَقُولُ لَهُ اكْتُبْ فَيَقُولُ مَا ذَا أَكْتُبُ فَيَقُولُ شَقِيّاً (3) أَوْ سَعِيداً ذَكَراً أَوْ أُنْثَى وَ مَا رِزْقُهُ وَ أَثَرُهُ وَ أَجَلُهُ فَيُوحِي اللَّهُ بِمَا يَشَاءُ وَ يَكْتُبُهُ الْمَلَكُ ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ‏ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ‏ ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَمْشَاجُهَا عُرُوقُهَا (4).

116 وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ‏ فِي قَوْلِهِ‏ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ‏ قَالَ مَاءُ الرَّجُلِ وَ مَاءُ الْمَرْأَةِ حِينَ يَخْتَلِطَانِ‏ (5).

117 وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ قَالَ لَهُ‏ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ‏ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ‏ قَالَ اخْتِلَاطُ مَاءِ الرَّجُلِ وَ مَاءِ الْمَرْأَةِ إِذَا وَقَعَ فِي الرَّحِمِ قَالَ وَ هَلْ تَعْرِفُ الْعَرَبُ ذَلِكَ قَالَ نَعَمْ أَ مَا سَمِعْتَ أَبَا ذُوَيْبٍ وَ هُوَ يَقُولُ‏

كَأَنَّ الرِّيشَ وَ الْفَوْقَيْنِ مِنْهُ‏* * * خِلَالُ النَّسْلِ خَالَطَهُ مَشِيجٌ‏

(6).

118 وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ‏ فِي قَوْلِهِ‏ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ‏ قَالَ مُخْتَلِفَةِ الْأَلْوَانِ‏ (7).

____________

(1) الدّر المنثور: ج 4،(ص)345 (مقطعا).

(2) الدّر المنثور: ج 6:(ص)227.

(3) في المصدر: اكتب شقيا ...

(4) الدّر المنثور: ج 6،(ص)297.

(5) الدّر المنثور: ج 6،(ص)297.

(6) الدّر المنثور: ج 6،(ص)297.

(7) الدّر المنثور: ج 6،(ص)298.

385

119 وَ عَنْ مُجَاهِدٍ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ‏ قَالَ أَلْوَانُ نُطْفَةِ الرَّجُلِ بَيْضَاءُ وَ حَمْرَاءُ وَ نُطْفَةُ الْمَرْأَةِ خَضْرَاءُ وَ حَمْرَاءُ (1).

120 وَ عَنْ قَتَادَةَ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ‏ قَالَ طَوْراً نُطْفَةً وَ طَوْراً عَلَقَةً وَ طَوْراً مُضْغَةً وَ طَوْراً عِظَاماً ثُمَّ كَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً وَ ذَلِكَ أَشَدُّ مَا يَكُونُ إِذَا كُسِيَ اللَّحْمَ‏ ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ قَالَ أَنْبَتَ لَهُ الشَّعْرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‏ فَأَنْبَأَهُ اللَّهُ مِمَّا خَلَقَهُ وَ أَبْنَاهُ إِنَّمَا بَيَّنَ ذَلِكَ لِيَبْتَلِيَهُ بِذَلِكَ لِيَعْلَمَ كَيْفَ شُكْرُهُ وَ مَعْرِفَتُهُ لِحَقِّهِ فَبَيَّنَ اللَّهُ لَهُ مَا أَحَلَّ لَهُ وَ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ‏ إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً لِنِعَمِ اللَّهِ‏ وَ إِمَّا كَفُوراً بِهَا (2).

121 وَ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ‏ أَمْشاجٍ‏ قَالَ الظُّفْرُ وَ الْعَظْمُ وَ الْعَصَبُ مِنَ الرَّجُلِ وَ اللَّحْمُ وَ الدَّمُ وَ الشَّعْرُ مِنَ الْمَرْأَةِ (3).

122 وَ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ النَّسَمَةَ فَجَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ طَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عِرْقٍ وَ عَصَبٍ مِنْهَا فَإِذَا كَانَ الْيَوْمُ السَّابِعُ أَحْضَرَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ عِرْقٍ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ آدَمَ ثُمَّ قَرَأَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ‏ (4)

123 وَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ‏ قَالَ إِمَّا قَبِيحاً وَ إِمَّا حَسَناً وَ شِبْهَ أَبٍ أَوْ أُمٍّ أَوْ خَالٍ أَوْ عَمٍ‏ (5).

124 وَ عَنْ عُلَيِّ بْنِ رِيَاحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ‏ أَنَّ النَّبِيَّ(ص)قَالَ لَهُ مَا وُلِدَ لَكَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَسَى أَنْ يُولَدَ لِي إِمَّا غُلَامٌ وَ إِمَّا جَارِيَةٌ قَالَ فَمَنْ يُشْبِهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَسَى أَنْ يُشْبِهَ إِمَّا أَبَاهُ وَ إِمَّا أُمَّهُ فَقَالَ لَا تَقُولَنَّ هَذَا إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا اسْتَقَرَّتْ فِي الرَّحِمِ أَحْضَرَهَا اللَّهُ كُلَّ نَسَبٍ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ آدَمَ فَرَكَّبَ خَلْقَهُ فِي صُورَةٍ مِنْ تِلْكَ الصُّوَرِ أَ مَا قَرَأْتَ هَذِهِ الْآيَةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ‏ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ‏ مِنْ نَسَبَكِ مَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ آدَمَ‏ (6).

____________

(1) الدّر المنثور: ج 6(ص)298.

(2) الدّر المنثور: ج 6(ص)298.

(3) الدّر المنثور: ج 6(ص)298.

(4) المصدر: ج 6،(ص)323.

(5) الدّر المنثور: ج 6،(ص)323.

(6) الدّر المنثور: ج 6،(ص)323.

386

125 وَ عَنِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ‏ فِي قَوْلِهِ‏ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرائِبِ‏ قَالَ صُلْبُ الرَّجُلِ وَ تَرَائِبُ الْمَرْأَةِ لَا يَكُونُ الْوَلَدُ إِلَّا مِنْهُمَا (1).

126 وَ عَنِ ابْنِ أَبْزَى قَالَ: الصُّلْبُ مِنَ الرَّجُلِ وَ التَّرَائِبُ مِنَ الْمَرْأَةِ (2).

127 وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ‏ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرائِبِ‏ قَالَ مَا بَيْنَ الْجِيدِ وَ النَّحْرِ (3).

128 وَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: التَّرَائِبُ أَسْفَلُ مِنَ التَّرَاقِي‏ (4).

129 وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ‏ فِي قَوْلِهِ‏ وَ التَّرائِبِ‏ قَالَ تَرِيبَةُ الْمَرْأَةِ وَ هُوَ مَوْضِعُ الْقِلَادَةِ (5).

130 وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ قَالَ لَهُ‏ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرائِبِ‏ قَالَ التَّرَائِبُ مَوْضِعُ الْقِلَادَةِ مِنَ الْمَرْأَةِ قَالَ وَ هَلْ تَعْرِفُ الْعَرَبُ ذَلِكَ قَالَ نَعَمْ أَ مَا سَمِعْتَ قَوْلَ الشَّاعِرِ

وَ الزَّعْفَرَانُ عَلَى تَرَائِبِهَا* * * شَرَقاً بِهِ اللَّبَّاتُ وَ النَّحْرُ

(6).

131 وَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ‏ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرائِبِ‏ قَالَ صُلْبِ الرَّجُلِ وَ تَرَائِبِ الْمَرْأَةِ أَ مَا سَمِعْتَ قَوْلَ الشَّاعِرِ

نِظَامُ اللُّؤْلُؤِ عَلَى تَرَائِبِهَا* * * شَرَقاً بِهِ اللَّبَّاتُ وَ النَّحْرُ

(7).

132 وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: التَّرَائِبُ بَيْنَ ثَدْيَيِ الْمَرْأَةِ (8).

وَ 133 عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: التَّرَائِبُ الصَّدْرُ (9).

17- و عن عكرمة و ابن عياض‏ مثله‏ (10).

134 وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: التَّرَائِبُ أَرْبَعَةُ أَضْلَاعٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ مِنْ أَسْفَلِ الْأَضْلَاعِ‏ (11).

____________

(1) المصدر: ج 6،(ص)336.

(2) المصدر: ج 6،(ص)336.

(3) المصدر: ج 6،(ص)336.

(4) المصدر: ج 6،(ص)336.

(5) المصدر: ج 6،(ص)336.

(6) المصدر: ج 6،(ص)336.

(7) المصدر: ج 6،(ص)336.

(8) لم نجد هذه الرواية في الدّر المنثور.

(9) الدّر المنثور: ج 6،(ص)336.

(10) الدّر المنثور: ج 6،(ص)336.

(11) الدّر المنثور: ج 6،(ص)336.

387

135 وَ عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: يُخْلَقُ الْعِظَامُ وَ الْعَصَبُ مِنْ مَاءِ الرَّجُلِ وَ يُخْلَقُ اللَّحْمُ وَ الدَّمُ مِنْ مَاءِ الْمَرْأَةِ (1).

136 وَ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ‏ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرائِبِ‏ قَالَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ صُلْبِهِ وَ نَحْرِهِ‏ إِنَّهُ عَلى‏ رَجْعِهِ لَقادِرٌ قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى بَعْثِهِ وَ إِعَادَتِهِ لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ قَالَ إِنَّ هَذِهِ السَّرَائِرَ مُخْتَبَرَةٌ فَأَسِرُّوا خَيْراً وَ أَعْلِنُوهُ‏ فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ يَمْتَنِعُ بِهَا وَ لا ناصِرٍ يَنْصُرُهُ مِنَ اللَّهِ‏ (2).

137 وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ‏ فِي قَوْلِهِ‏ إِنَّهُ عَلى‏ رَجْعِهِ لَقادِرٌ قَالَ أَنْ يَجْعَلَ الشَّيْخَ شَابّاً وَ الشَّابَّ شَيْخاً (3).

138 وَ عَنْ مُجَاهِدٍ إِنَّهُ عَلى‏ رَجْعِهِ لَقادِرٌ قَالَ عَلَى رَجْعِ النُّطْفَةِ فِي الْإِحْلِيلِ‏ (4).

بيان: قوله كأن الريش أقول أورد الجوهري البيت هكذا

كأن النصل و الفوقين منها.* * * خلال الريش سيط به المشيج.

.

فائدة

قال بعض المحققين مبدأ عقد الصورة في مني الذكر و مبدأ انعقادها في مني الأنثى و هما بالنسبة إلى الجنين كالإنفحة و اللّبن بالقياس إلى الجبنّ و قيل إن لكل من المنيين قوة عاقدة و قابلة و إن كانت العاقدة في الذكوري أقوى و المنعقدة في الأنوثي أقوى و رجح ذلك بأنه لو لم يكن كذلك لم يمكن أن يتحدا شيئا واحدا و لم ينعقد مني الذكر حتى يصير جزء من الولد و قال بعضهم و لهذا إذا كان مزاج الأنثى قويا ذكوريا كما تكون أمزجة النساء الشريفة النفس القوية القوى و كان مزاج كبدها حارا كان المني المنفصل من الكلية اليمنى مقام مني الرجل في شدة قوة العقد و المنفصل من اليسرى مقام مني الأنثى في قوة الانعقاد فينخلق الولد بإذن الله و خصوصا إذا كانت النفس متأيدة بروح القدس متقومة به بحيث يسري اتصالها به إلى الطبيعة و البدن و يغير المزاج و يمد جميع القوى في أفعالها بالمدد الروحاني‏

____________

(1) الدّر المنثور: ج 6(ص)336.

(2) الدّر المنثور: ج 6(ص)336.

(3) الدّر المنثور: ج 6(ص)336.

(4) الدّر المنثور: ج 6(ص)336.

388

فتصير أقدر على أفعالها بما لا ينضبط بالقياس كما وقع للصديقة مريم بنت عمران على نبينا و آله و على ابنها و (عليها السلام) حيث تمثل لها روح القدس بشرا سوي الخلق حسن الصورة فتأثر نفسها به فتحركت على مقتضى الجبلة و سري الأثر من الخيال في الطبيعة فتحركت شهوتها فأنزلت كما يقع في المنام من الاحتلام انتهى.

و أقول قد مر أن نفوذ إرادة الله سبحانه و قدرته في أمر لا يتوقف على حصول تلك الأسباب العادية حتى يتكلف أمثال تلك التكلفات التي ربما انتهى القول به إلى نسبة أمور إلى النساء المقدسات المطهرات لا يرضى الله بها و الكف عنها أحوط و أحرى.

ثم قالوا ابتداء خلقه الجنين‏ (1) هو حصول الماء في الرحم و شبه بالعجين إذا ألصق بالتنور ثم يتغير عن حاله قليلا و يشبه بالبذر إذا طرح في الأرض و يسمى نطفة ثم تحصل فيه نقط دموية من دم الحيض و يسمى علقة ثم يظهر فيه حمرة ظاهرة منه فيصير شبيها بالدم الجامد و يعظم قليلا و يهيج فيه ريح حارة و يسمى مضغة ثم يتم و يتميز فيه الأعضاء الرئيسة الثلاثة (2) و يظهر لسائر الأعضاء رسوم خفية و يسمى جنينا ثم يظهر فيه رسوم سائر الأعضاء و يقوى و يصلب و يجري فيه الروح و يتحرك و يسمى صبيا ثم تنفصل الرسوم و تظهر الصورة و ينبت الشعر ثم ينفتح لسانه و تتم خلقته و تكمل خلقة الذكر قبل خلقة الأنثى و إذا كمل لم يكتف بما

____________

(1) و الذي ثبت في علم الفسيولوجيا أن في منى الرجل حيوانات صغيرة جدا تسمى «اسبرماتزوئيد» و أن المرأة تبيض كل شهر في الرحم و تخرج بيضاتها بدم الحيض، فإذا وصل منى الرجل باحدى تلك البيضات اجتمع الاسبرماتزوئيدات حولها و دخل أقواها فيها و ربما دخل الاثنان او أكثر معا فيتعدّد الجنين و عندئذ يحصل للبيضة حالة لا يمكن معها دخول سائر الاسبرماتزوئيدات، و بعد ذلك لا يزال ينشأ و ينمو و يتزايد بصيرورته بالانفصال اثنين ثمّ أربعة و هكذا، ثمّ يظهر فيه نقطتان حمراوان إحداهما موضع القلب و الأخرى موضع المخ، ثمّ يظهر رسوم الأعضاء ثمّ صورها حتّى يكتمل جميع الأعضاء و ينفخ فيها الروح.

(2) و هي القلب و الكبد و المخ.

389

يجيئه من الغذاء من دم الحيض فيتحرك حركات صعبة قوية و انتهكت رباطات الرحم فكانت الولادة.

و قال بعضهم الرحم موضوعة في ما بين المثانة و المعى المستقيم و هي مربوطة برباطات على هيئة السلسلة و جسمها عصبي ليمكن امتدادها و اتساعها وقت الولادة و الحاجة إلى ذلك و تنضم إذا استغنت و لها بطنان ينتهيان إلى فم واحد و زائدتان تسميان قرني‏ (1) الرحم و خلف هاتين الزائدتين بيضتا المرأة و هما أصغر من بيضتي الرجل و أشد تفرطحا و المفرطح العريض و منهما ينصب مني المرأة إلى تجويف الرحم و للرحم رقبة منتهية إلى فرج المرأة و تلك الرقبة من المرأة بمنزلة الذكر من الرجل فإذا امتزج مني الرجل بمني المرأة من تجويف الرحم كان العلوق ثم ينمي من دم الطمث و يتصل بالجنين عروق تأتي إلى الرحم فتغذوه حتى يتم و يكمل فإذا لم يكتف بما يجيئه من تلك العروق يتحرك حركات قوية طلبا للغذاء فيهتك أربطة الرحم التي قلنا إنها على هيئة السلسلة و يكون منها الولادة انتهى.

و اعلم أنهم اتفقوا على أن المني يتولد من فضلة الهضم الرابع في الأعضاء قال بقراط في كتابه في المني إن جمهور مادة المني هو من الدماغ فإنه ينزل منه إلى العرقين اللذين خلف الأذنين ثم منهما إلى النخاع لئلا يبعد من الدماغ و ما يشبهه مسافة طويلة فيغير مزاجه ثم منه إلى الكليتين بعد نفوذه في العرقين الطالعين المتشعبين من الأجوف إلى العروق التي تأتي الأنثيين و لهذا قيل إن قطعهما يقطع النسل. و نقل الطبري عن بقراط أن الصقالبة إذا أرادوا أن يرتبوا (2) أولادهم للدعوة أو للناموس بتروا منهم هذين العرقين فينقطع هذا المقطوع العرق عن الجماع و يصير بصورة النساء فيتبركون به و يتوسلون به إلى الله تعالى و يرون أن دعاءه مستجاب و أن الله قد اصطفاه و اختاره و طهره من الخبائث و جالينوس أنكر ذلك و خطّأ قول بقراط.

____________

(1) قرطى الرحم (خ).

(2) يربوا (ظ).

390

و قال الشيخ أنا أرى أن المني ليس يجب أن يكون من الدماغ وحده و إن كانت خميرته منه و صح ما يقوله بقراط من أمر العرقين بل يجب أن يكون له من كل عضو رئيس عين و من الأعضاء الأخرى ترشح أيضا إلى هذه الأصول.

و قال القرشي في شرح القانون إنما يكون تولد المني من الرطوبة المبثوثة على الأعضاء كالطل و معلوم أنه ليس في كل عضو من الأعضاء مجرى يسيل فيه ما هناك من تلك الرطوبة إلى الأنثيين ثم إلى القضيب فلا يمكن أن يكون وصولها إلى هناك إلا بأن تتبخر تلك الرطوبة من الأعضاء حتى تتصعد إلى الدماغ و هناك تفارقها الحرارة المتبخرة فتبرد و تتكاثف و تعود إلى قوامها قبل التبخر ثم من هناك ينزل إلى العروق التي خلف الأذنين و ينفذ إلى النخاع في عروق هناك لئلا يتغير عن التعدل الذي أفاده الدماغ فلا يتبخر بالحرارة كرة أخرى فإذا نزلت من هناك حتى وصلت إلى قرب الأنثيين صادف هناك عروقا واصلة من الكليتين إلى الأنثيين و تلك العروق مملوءة من الدم فتتسخن في الكليتين و تعدل فيحيله ذلك النازل من الدماغ إلى مشابهة بعض استحالة ثم بعد ذلك ينفذ إلى الأنثيين و يكمل فيهما تعدله و بياضه و نضجه و منهما يندفع إلى أوعيته.

و أيد ذلك بما نقل من كتاب منسوب إلى هرمس في سر الخليقة قد فسره بليناس و هو أن المني إذا خرج من معادنه عند الجماع ائتلف بعضه إلى بعض و سما إلى الدماغ و أخذ الصورة منه ثم نزل في الذكر و خرج منه.

و قال شارح الأسباب مادة المني يأتي من الكبد إلى الكليتين في شعب من الأجوف النازل و يتصفى فيهما من المائية ثم منهما إلى المجرى الذي بينهما و بين الأنثيين و هو عرق كثير المعاطف و الاستدارات ليطول المسافة بينهما فينضج فيه المني و يبيض بعد احمراره ثم منه إلى الأنثيين فهما يعينان على تمام تكون المني بإسخانها الدم النافذ في هذه العروق انتهى.

و قالوا و نبت من الأنثيين وعاءان مثل البربخين شبيهين بجوهر الأنثيين يصعدان أولا إلى العانة و إلى معلق البيضتين ثم ينزلان متوربين إلى عنق المثانة أسفل من‏

391

مجرى البول ثم يتصلان إلى المجرى الذي في أصل القضيب و يسمى هذان الوعاءان أوعية المني و هذان في الرجال أطول و أوسع منهما في النساء و في القضيب مجار ثلاثة مجرى المني و مجرى البول و مجرى الودي كذا ذكر الشيخ في القانون و قال صاحب ترويح الأرواح في القضيب مجريان أحدهما مجرى البول و الودي و الآخر مجرى المني و كلامهم في ذلك كثير اكتفينا بذلك لتطلع في الجملة على بعض مصطلحاتهم فتستعملها في فهم ما مر و سيأتي من الآيات و الأخبار و الله يعلم حقائق الأمور.

و في القاموس البربخ منفذ الماء و مجراه و هو الأردبة و البالوعة من الخزف.

[كلمة المصحّح‏]

بسمه تعالى‏ إلى هنا تمّ الجزء الرابع من المجلّد الرابع عشر- كتاب السماء و العالم- من بحار الأنوار و هو الجزء السابع و الخمسون حسب تجزئتنا من هذه الطبعة البهيّة. و قد قابلناه على النسخة الّتي صحّحها الفاضل الخبير الشيخ محمّد تقيّ اليزديّ بما فيها من التعليق و التنميق و اللّه وليّ التوفيق.

محمد الباقر البهبودى‏

392

[كلمة المحقّق‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه كما هو أهله و كما ينبغي لكرم وجهه و عزّ جلاله و الصلاة و السلام على رسوله و آله.

و بعد فقد بذلنا غاية المجهود في تصحيح هذا الجزء من كتاب «بحار الأنوار» و هو الجزء السابع و الخمسون حسب تجزئتنا في هذا الطبعة- و تنميقه و التعليق عليه و مقابلته بالنسخ و المصادر. نشكر اللّه تعالى على ما وفّقنا لذلك و نسأله أن يديم توفيقنا و يزيدنا من فضله و اللّه ذو الفضل العظيم.

قم المشرفة: محمد تقى اليزدي‏

393

(مراجع التصحيح و التخريج و التعليق)

قوبل هذا الجزء بعدّة نسخ مطبوعة و مخطوطة، منها النسخة المطبوعة بطهران سنة (1305) المعروفة بطبعة أمين الضرب، و منها النسخة المطبوعة بتبرير و منها النسخة المخطوطة النفيسة لمكتبة صاحب الفضيلة السيّد جلال الدين الأرمويّ الشهير ب «المحدّث» و اعتمدنا في التخريج و التصحيح و التعليق على كتب كثيرة نسرد بعض أساميها:

1- القرآن الكريم.

2- تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي المطبوع سنة 1311 في ايران‏

3- تفسير فرات الكوفيّ المطبوع سنة 1354 في النجف‏

4- تفسير مجمع البيان المطبوع سنة 1373 في طهران‏

5- تفسير أنوار التنزيل للقاضي البيضاويّ المطبوع سنة 1285 في استانبول‏

6- تفسير مفاتيح الغيب للفخر الرازيّ المطبوع سنة 1294 في استانبول‏

7- الاحتجاج للطبرسيّ المطبوع سنة 1350 في النجف‏

8- اصول الكافي للكليني المطبوع سنة* * * في طهران‏

9- الاقبال للسيّد بن طاوس المطبوع سنة 1312 في طهران‏

10- تنبيه الخواطر لورّام بن أبي فراس المطبوع سنة* * * في طهران‏

11- التوحيد للصدوق المطبوع سنة 1375 في طهران‏

12- ثواب الأعمال للصدوق المطبوع سنة 1375 في طهران‏

13- الخصال الأعمال للصدوق المطبوع سنة 1374 في طهران‏

14- الدرّ المنثور للسيوطيّ‏

15- روضة الكافي للكليني المطبوع سنة 1374 في طهران‏

394

16- علل الشرائع الصدوق المطبوع سنة 1378 في قم‏

17- عيون الأخبار للصدوق المطبوع سنة 1377 في قم‏

18- فروع الكافي للكلينى المطبوع سنة* * * في* * *

19- المحاسن للبرقيّ المطبوع سنة 1371 في طهران‏

20- معاني الاخبار للصدوق المطبوع سنة 1379 في طهران‏

21- مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب المطبوع سنة 1378 في قم‏

22- من لا يحضره الفقيه للصدوق المطبوع سنة 1376 في طهران‏

23- نهج البلاغة للشريف الرضي المطبوع سنة* * * في مصر

24- اسد الغاية لعزّ الدين ابن الأثير المطبوع سنة* * * في طهران‏

25- تنقيح المقال للشيخ عبد اللّه المامقاني المطبوع سنة 1350 في النجف‏

26- تهذيب الاسماء و اللغات للحافظ محيى الدين بن شرف النورى المطبوع في مصر

27- جامع الرواة للاردبيلى المطبوع سنة 1331 في طهران‏

28- خلاصة تذهيب الكمال للحافظ الخزرجي المطبوع سنة 132 في مصر

29- رجال النجاشى المطبوع* * * * * * في طهران‏

30- روضات الجنات للميرزا محمّد باقر الموسوى المطبوع سنة 1367 في طهران‏

31- الكنى و الألغاب للمحدّث القمي‏المطبوع* * * * * * في صيدا

32- لسان الميزان لابن حجر العسقلاني المطبوع* * * * * * فى حيدرآباد الدكن‏

33- الرواشح السماوية للسيد محمّد باقر الحسيني الشهير بالداماد المطبوع سنة 1311 في ايران‏

34- القبسات للسيد محمّد باقر الحسينى الشهير بالداماد المطبوع سنة 1315 في ايران‏

35- رسالة مذهب ارسطاطا ليس للسيد محمّد باقر الحسينى الشهير بالداماد المطبوعة بهامش القبسات‏

36- اثولوجيا المنسوب إلى ارسطاطا ليس المطبوعة بهامش القبسات‏

395

37- رسالة الحدوث لصدر المتألهين المطبوع سنة 1302 في ايران‏

38- الشفاء للشيخ الرئيس ابى على بن سينا المطبوع سنة 1303 في ايران‏

39- شرح التجريد تأليف المحقق الطوسى للعلامة الحلّيّ المطبوع سنة 1367 في قم‏

40- عين اليقين للمولى محسن الفيض الكاشاني المطبوع سنة 1313 في طهران‏

41- مروج الذهب للمسعودى المطبوع سنة 1346 في مصر

42- القاموس لمحيط للفيروزآبادى المطبوع سنة 1332 في مصر

43- الصحاح للجوهريّ المطبوع سنة 1377 في مصر

44- النهاية لمجد الدين ابن الاثير المطبوع سنة 1311 في مصر

396

فهرس ما في هذا الجزء من الأبواب‏

الموضوع/ الصفحه‏

29- باب الرياح و أسبابها و أنواعها 22- 1

30- باب الماء و أنواعه و البحار و غرائبها و ما ينعقد فيها و علّة المدّ و الجزر و الممدوح من الأنهار و المذموم منها 50- 23

31- باب الأرض و كيفيّتها و ما أعدّ اللّه للناس فيها و جوامع أحوال العناصر و ما تحت الأرضين 100- 51

32- باب آخر في قسمة الأرض إلى الأقاليم و ذكر جبل قاف و سائر الجبال و كيفيّة خلقها و سبب الزلزلة و علّتها 150- 100

33- باب تحريم أكل الطين و ما يحلّ أكله منه 163- 150

34- باب المعادن و أحوال الجمادات و الطبائع و تأثيراتها و انقلابات الجواهر و بعض النوادر 198- 164

35- باب نادر 200- 198

36- باب الممدوح من البلدان و المذموم منها و غرائبها 240- 201

37- باب نادر (مسائل ابن سلام عن النبيّ (صّلى الّله عليه و آله)) 263- 241

أبواب الإنسان و الروح و البدن و أجزائه و قواهما و أحوالهما

38- باب أنّه لم سمّي الإنسان إنسانا و المرأة مرأة و النساء نساء و الحوّاء حوّاء 268- 264

39- باب فضل الإنسان و تفضيله على الملك و بعض جوامع أحواله 308- 268

40- باب آخر (في تفشيل الأنسان على الملك) 317- 308

41- باب بدء خلق الإنسان في الرحم إلى آخر أحواله 391- 317

397

(رموز الكتاب)

ب: لقرب الإسناد.

بشا: لبشارة المصطفى.

تم: لفلاح السائل.

ثو: لثواب الأعمال.

ج: للإحتجاج.

جا: لمجالس المفيد.

جش: لفهرست النجاشيّ.

جع: لجامع الأخبار.

جم: لجمال الأسبوع.

جُنة: للجُنة.

حة: لفرحة الغريّ.

ختص: لكتاب الإختصاص.

خص: لمنتخب البصائر.

د: للعَدَد.

سر: للسرائر.

سن: للمحاسن.

شا: للإرشاد.

شف: لكشف اليقين.

شي: لتفسير العياشيّ‏

ص: لقصص الأنبياء.

صا: للإستبصار.

صبا: لمصباح الزائر.

صح: لصحيفة الرضا (ع).

ضا: لفقه الرضا (ع).

ضوء: لضوء الشهاب.

ضه: لروضة الواعظين.

ط: للصراط المستقيم.

طا: لأمان الأخطار.

طب: لطبّ الأئمة.

ع: لعلل الشرائع.

عا: لدعائم الإسلام.

عد: للعقائد.

عدة: للعُدة.

عم: لإعلام الورى.

عين: للعيون و المحاسن.

غر: للغرر و الدرر.

غط: لغيبة الشيخ.

غو: لغوالي اللئالي.

ف: لتحف العقول.

فتح: لفتح الأبواب.

فر: لتفسير فرات بن إبراهيم.

فس: لتفسير عليّ بن إبراهيم.

فض: لكتاب الروضة.

ق: للكتاب العتيق الغرويّ‏

قب: لمناقب ابن شهر آشوب.

قبس: لقبس المصباح.

قضا: لقضاء الحقوق.

قل: لإقبال الأعمال.

قية: للدُروع.

ك: لإكمال الدين.

كا: للكافي.

كش: لرجال الكشيّ.

كشف: لكشف الغمّة.

كف: لمصباح الكفعميّ.

كنز: لكنز جامع الفوائد و تأويل الآيات الظاهرة معا.

ل: للخصال.

لد: للبلد الأمين.

لى: لأمالي الصدوق.

م: لتفسير الإمام العسكريّ (ع).

ما: لأمالي الطوسيّ.

محص: للتمحيص.

مد: للعُمدة.

مص: لمصباح الشريعة.

مصبا: للمصباحين.

مع: لمعاني الأخبار.

مكا: لمكارم الأخلاق.

مل: لكامل الزيارة.

منها: للمنهاج.

مهج: لمهج الدعوات.

ن: لعيون أخبار الرضا (ع).

نبه: لتنبيه الخاطر.

نجم: لكتاب النجوم.

نص: للكفاية.

نهج: لنهج البلاغة.

نى: لغيبة النعمانيّ.

هد: للهداية.

يب: للتهذيب.

يج: للخرائج.

يد: للتوحيد.

ير: لبصائر الدرجات.

يف: للطرائف.

يل: للفضائل.

ين: لكتابي الحسين بن سعيد او لكتابه و النوادر.

يه: لمن لا يحضره الفقيه.