بحار الأنوار
الجزء الثامن و الخمسون
تأليف
العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

2
الجواب لازدادوا عنادا و قيل إن اليهود قالت لقريش (1) سلوا محمدا عن الروح فإن أجابكم فليس بنبي و إن لم يجبكم فهو نبي فإنا نجد في كتبنا ذلك فأمر الله سبحانه بالعدول عن جوابهم و أن يكلمهم (2) في معرفة الروح إلى ما في عقولهم ليكون ذلك علما على صدقه و دلالة لنبوته.
و ثانيها أنهم سألوه عن الروح أ هي مخلوقة محدثة أم ليست كذلك فقال سبحانه قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي أي من فعله و خلقه و كان هذا جوابا لهم عما سألوه عنه بعينه و على هذا فيجوز أن يكون الروح الذي سألوه عنه هو الذي به قوام الجسد على قول ابن عباس و غيره أم جبرئيل على قول الحسن و قتادة أم ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه لكل وجه سبعون ألف لسان يسبح الله تعالى بجميع ذلك على ما روي عن علي(ع)أم عيسى(ع)فإنه سمي بالروح.
و ثالثها أن المشركين سألوه عن الروح الذي هو القرآن كيف يلقاك به الملك و كيف صار معجزا و كيف صار نظمه و ترتيبه مخالفا لأنواع كلامنا من الخطب و الأشعار و قد سمى الله سبحانه القرآن روحا في قوله وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا (3) فقال سبحانه قل يا محمد إن الروح الذي هو القرآن من أمر ربي أنزله علي دلالة على نبوتي و ليس من فعل المخلوقين و لا مما يدخل في إمكانهم و على هذا فقد وقع الجواب أيضا موقعه و أما على القول الأول فيكون معنى قوله الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي هو الأمر الذي يعلمه ربي و لم يطلع عليه أحدا. و اختلف العلماء في مهيّة الروح فقيل إنه جسم رقيق هوائي متردد في مخارق الحيوان و هو مذهب أكثر المتكلمين و اختاره المرتضى (قدس الله روحه) و قيل هو جسم هوائي على بنية حيوانية في كل جزء منه حياة عن علي بن عيسى قال فلكل حيوان روح و بدن إلا أن منهم من الأغلب عليه الروح و منهم من الأغلب
____________
(1) في المجمع: لكفار قريش.
(2) فيه: و يكلهم.
(3) الشورى: 52.
1
تتمة كتاب السماء و العالم
تتمة أبواب الإنسان و الروح و البدن و أجزائه و قواهما و أحوالهما
باب 42 حقيقة النفس و الروح و أحوالهما
الآيات الإسراء وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (1) الزمر اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَ يُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (2) الواقعة فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَ أَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (3) الملك الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (4) تفسير وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قال الطبرسي روّح الله روحه اختلف في الروح المسئول عنه على أقوال أحدها أنهم سألوه عن الروح الذي في بدن الإنسان ما هو و لم يجبهم و سأله عن ذلك قوم من اليهود عن ابن مسعود و ابن عباس و جماعة و اختاره الجبائي و على هذا فإنما عدل النبي(ص)عن جوابهم لعلمه بأن ذلك أدعى لهم إلى الصلاح في الدين و لأنهم كانوا بسؤالهم متعنتين لا مستفيدين فلو صدر
____________
(1) الإسراء: 85.
(2) الزمر: 42.
(3) الواقعة: 83.
(4) الملك: 2.
5
إلى حال و في التبديل من نقصان إلى كمال و التغير و التبدل من أمارات الحدوث فقوله قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي يدل على أنهم سألوا أن الروح هل هي حادثة أم لا فأجاب بأنها حادثة واقعة بتخليق الله و تكوينه ثم استدل على حدوث الأرواح بتغيرها من حال إلى حال فهذا ما نقوله في هذا الباب و الله أعلم بالصواب (1) أقول ثم ذكر الأقوال الأخرى في تفسير الروح في هذه الآية فمنها أنه القرآن كما مر و منها أنه ملك من الملائكة هو أعظمهم قدرا و قوة و هو المراد من قوله تعالى يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا (2)
- وَ نَقَلُوا عَنْ عَلِيٍّ(ع)أَنَّهُ قَالَ: هُوَ مَلَكٌ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ وَجْهٍ وَ لِكُلِّ وَجْهٍ سَبْعُونَ أَلْفَ لِسَانٍ لِكُلِّ لِسَانٍ سَبْعُونَ أَلْفَ لُغَةٍ يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى بِتِلْكَ اللُّغَاتِ كُلِّهَا وَ يَخْلُقُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ تَسْبِيحَةٍ مَلَكاً يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالُوا وَ لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ خَلْقاً أَعْظَمَ مِنَ الرُّوحِ غَيْرَ الْعَرْشِ وَ لَوْ شَاءَ اللَّهُ يَبْتَلِعُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَ الْأَرَضِينَ السَّبْعَ بِلُقْمَةٍ وَاحِدَةٍ.
ثم اعترض على هذا الوجه و على الرواية بوجوه سخيفة ثم ذكر من الوجوه أنه جبرئيل(ع)و وجها رابعا عن مجاهد أنه خلق ليسوا بالملائكة على صورة بني آدم يأكلون و لهم أيد و أرجل و رءوس و قال أبو صالح يشبهون الناس و ليسوا بالناس و لم أجد في القرآن و لا في الأخبار الصحيحة شيئا يمكن التمسّك به في إثبات هذا القول.
ثم قال في شرح مذاهب الناس في حقيقة الإنسان اعلم أن العلم الضروري حاصل بأن هاهنا شيئا إليه يشير الإنسان بقوله أنا و إذا قال الإنسان علمت و فهمت و أبصرت و سمعت و ذقت و شممت و لمست و غضبت فالمشار إليه لكل أحد بقوله أنا إما أن يكون جسما أو عرضا أو مجموع الجسم و العرض أو ما تركب (3) من الجسم و العرض و ذلك الشيء الثالث فهذا ضبط معقول أما القسم الأول و هو أن يقال الإنسان جسم فذلك الجسم إما أن يكون هو هذه البنية أو جسما داخلا في هذه
____________
(1) مفاتيح الغيب: ج 21،(ص)37- 38 (ملخصا).
(2) النبأ: 38.
(3) في المصدر: أو شيئا مغايرا للجسم و العرض أو من ذلك الشيء الثالث.
6
البنية أو جسما خارجا عنها أما القائلون بأن الإنسان عبارة عن هذه البنية المحسوسة و هذا الهيكل المجسم المحسوس فإذا أبطلنا كون الإنسان عبارة عن هذا الجسم و أبطلنا كون الإنسان محسوسا فقد بطل كلامهم بالكلية.
و الذي يدل على أنه لا يمكن أن يكون الإنسان عبارة عن هذا الجسم وجوه الأول أن العلم البديهيّ حاصل بأن أجزاء هذه الجثّة متبدّلة بالزيادة و النقصان تارة بحسب النمو و الذبول و تارة بحسب السمن و الهزال و العلم الضروريّ حاصل بأن المتبدّل المتغيّر مغاير للثابت الباقي و يحصل من مجموع هذه المقدمات الثلاث العلم القطعيّ بأنه ليس عبارة عن مجموع هذه الجثّة.
الثاني أن الإنسان حال ما يكون مشتغل الفكر متوجّه الهمّة نحو أمر مخصوص فإنه في تلك الحالة غير غافل عن نفسه المعينة بدليل أنه في تلك الحالة قد يقول غضبت و اشتهيت و سمعت كلامك و أبصرت وجهك و تاء الضمير كناية عن نفسه المخصوصة فهو في تلك الحالة عالم بنفسه المخصوصة و غافل عن جملة بدنه و عن كل واحد من أعضائه و أبعاضه.
الثالث أن كل أحد يحكم بصريح عقله بإضافة كل واحد من هذه الأعضاء إلى نفسه فيقول رأسي و عيني و يدي و رجلي و لساني و قلبي و بدني و المضاف غير المضاف إليه فوجب أن يكون الشيء الذي هو الإنسان مغايرا لجملة هذا البدن و لكل واحد من هذه الأعضاء فإن قالوا فقد يقول نفسي و ذاتي فيضيف النفس و الذات إلى نفسه فيلزم أن نفس الشيء و ذاته مغايرة لنفسه و ذاته و ذلك محال قلنا قد يراد بنفس الشيء و ذاته هذا البدن المخصوص و قد يراد بنفس الشيء و ذاته الحقيقة المخصوصة التي إليها يشير كل أحد بقوله أنا فإذا قال نفسي و ذاتي كان المراد منه البدن و عندنا أنه مغاير لجوهر الإنسان.
الرابع أن كل دليل يدلّ على أن الإنسان يمتنع أن يكون جسما فهو أيضا يدلّ على أنه يمتنع أن يكون عبارة عن هذا الجسم و سيأتي تقرير تلك الدلائل.
الخامس أن الإنسان قد يكون حيّا حال ما يكون البدن ميّتا فوجب
7
كون الإنسان مغايرا لهذا البدن و الدليل على صحّة ما ذكرناه قوله تعالى وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (1) فهذا النصّ صريح في أن أولئك المقتولين أحياء و الحسّ يدل على أن هذا الجسد ميّتة.
السادس أن قوله تعالى النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَ عَشِيًّا (2) و قوله أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً (3) يدلّ على أن الإنسان حيّ بعد الموت
- وَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ(ص)الْأَنْبِيَاءُ لَا يَمُوتُونَ وَ لَكِنْ يُنْقَلُونَ مِنْ دَارٍ إِلَى دَارٍ.
- وَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ(ص)الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ.
- وَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ(ص)مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ.
و أن كل هذه النصوص يدلّ على أن الإنسان حيّ يبقى بعد موت الجسد و بديهة العقل و الفطرة شاهدتان بأن هذا الجسد ميّت و لو جوزنا كونه حيّا كان يجوز مثله في جميع الجمادات و ذلك عين السفسطة و إذا ثبت أن الإنسان حيّ ما كان الجسد ميّتا لزم أن الإنسان شيء غير هذا الجسد.
السابع
- قَوْلُهُ(ص)فِي خُطْبَةٍ طَوِيلَةٍ لَهُ حَتَّى إِذَا حُمِلَ الْمَيِّتُ عَلَى نَعْشِهِ رَفْرَفَ رُوحُهُ فَوْقَ النَّعْشِ وَ يَقُولُ يَا أَهْلِي وَ يَا وُلْدِي لَا تَلْعَبَنَّ بِكُمُ الدُّنْيَا كَمَا لَعِبَتْ بِي جَمَعْتُ الْمَالَ مِنْ حِلِّهِ وَ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ فَالْمَهْنَأُ (4) لِغَيْرِي وَ التَّبِعَةُ عَلَيَّ فَاحْذَرُوا مِثْلَ مَا حَلَّ بِي.
وجه الاستدلال أن النبي(ص)صرح بأن حال كون الجسد محمولا على النعش بقي هناك شيء ينادي و يقول يا أهلي و يا ولدي جمعت المال من حله و غير حله و معلوم أن الذي كان الأهل أهلا له و كان الولد ولدا له و كان جامعا للمال من الحرام و الحلال و الذي بقي في ربقته الوبال ليس إلا ذلك الإنسان فهذا تصريح بأن في الوقت الذي كان الجسد ميتا محمولا على النعش كان ذلك الإنسان حيا باقيا فاهما و ذلك تصريح بأن الإنسان شيء مغاير لهذا الجسد و الهيكل.
____________
(1) آل عمران: 165.
(2) غافر: 46.
(3) نوح: 25.
(4) في المصدر: فالغنى.
8
الثامن قوله تعالى يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (1) و الخطاب بقوله ارْجِعِي إنما يتوجه إليها حال الموت فدل هذا على أن الشيء الذي يرجع إلى الله بعد موت الجسد يكون راضيا مرضيا عند الله و الذي يكون راضيا مرضيا ليس إلا الإنسان فهذا يدل على أن الإنسان بقي حيا بعد موت الجسد و الحي غير الميت فالإنسان مغاير لهذا الجسد.
التاسع قوله تعالى حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَ هُمْ لا يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِ (2) أثبت كونهم مردودين إلى الله الذي هو مولاهم الحق عند كون الجسد ميتا فوجب أن يكون ذلك المردود إلى الله مغايرا لذلك الجسد الميت.
العاشر ترى جميع فرق الدنيا من الهند و الروم و العرب و العجم و جميع أرباب الملل و النحل من اليهود و النصارى و المجوس و المسلمين و سائر فرق العالم و طوائفهم يتصدقون عن موتاهم و يدعون لهم بالخير و يذهبون إلى زياراتهم و لو لا أنهم بعد موت الجسد بقوا أحياء لكان التصدق لهم عبثا و لكان الدعاء لهم عبثا و لكان الذهاب إلى زيارتهم عبثا فإطباق الكل على هذه الصدقة و الدعاء و الزيارة يدل على أن فطرتهم الأصلية السليمة شاهدة بأن الإنسان شيء غير هذا الجسد و أن ذلك الشيء لا يموت بموت هذا الجسد.
الحادي عشر أن كثيرا من الناس يرى أباه و ابنه في المنام و يقول له اذهب إلى الموضع الفلاني فإن فيه ذهبا دفنته لك و قد يراه فيوصيه بقضاء دين عنه ثم عند اليقظة إذا فتش عنه كان كما رآه في النوم من غير تفاوت و لو لا أن الإنسان باق حي بعد الموت لما كان كذلك و لما دل هذا الدليل على أن الإنسان حي بعد الموت و دل الحس على أن الجسد ميت كان الإنسان مغايرا لهذا الجسد.
الثاني عشر أن الإنسان إذا ضاع عضو من أعضائه مثل أن تقطع يداه و رجلاه
____________
(1) الفجر: 27- 28.
(2) الأنعام: 61- 62.
4
متحيز أو حال في المتحيز أو موجود غير متحيز و لا حال في المتحيز و ثانيها أن يقال الأرواح قديمة أو حادثة و ثالثها أن يقال الأرواح هل تبقى بعد موت الأجساد أو تفنى و رابعها أن يقال ما هي حقيقة سعادة الأرواح و شقاوتها.
و بالجملة فالمباحث المتعلقة بالروح كثيرة و قوله وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ليس فيه ما يدل على أنهم عن أي هذه المسائل سألوا إلا أن جوابه تعالى لا يليق إلا بمسألتين من المسائل التي ذكرناها إحداهما السؤال عن ماهية الروح و الثانية عن قدمها و حدوثها.
أما البحث الأول فهو أنهم قالوا ما حقيقة الروح و ماهيته أ هو عبارة عن أجسام موجودة في داخل هذا البدن متولدة من امتزاج الطبائع و الأخلاط أو عبارة عن نفس هذا المزاج و التركيب أو هو عبارة عن عرض آخر قائم بهذه الأجسام أو هو عبارة عن موجود مغاير لهذه الأجسام و لهذه الأعراض فأجاب الله عنه بأنه موجود مغاير لهذه الأجسام و لهذه الأعراض و ذلك لأن هذه الأجسام و هذه الأعراض أشياء تحدث من امتزاج الأخلاط و العناصر و أما الروح فإنه ليس كذلك بل هو جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا بمحدث قوله كن فيكون فقالوا لم كان شيئا مغايرا لهذه الأجسام و لهذه الأعراض فأجاب الله بأنه موجود يحدث بأمر الله و تكوينه و تأثيره في إفادة الحياة لهذا الجسد و لا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه فإن أكثر حقائق الأشياء و ماهياتها مجهولة و لم يلزم من كونها مجهولة نفيها و هذا هو المراد بقوله وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا و أما البحث الثاني فهو أن لفظ الأمر قد جاء بمعنى الفعل قال تعالى وَ ما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ و قال لَمَّا جاءَ أَمْرُنا أي فعلنا فقوله قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي من فعل ربي و هذا الجواب يدل على أنهم سألوا أن الروح قديمة أو حادثة فقال بل هي حادثة و إنما حصلت بفعل الله و تكوينه و إيجاده ثم احتج على حدوث الروح بقوله وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا بمعنى أن الأرواح في مبدإ الفطرة تكون خالية عن العلوم ثم تحصل فيها المعارف و العلوم فهي لا تزال تكون في التغير من حال
3
عليه البدن و قيل إن الروح عرض ثم اختلف فيه فقيل هو الحياة التي يتهيأ بها المحل لوجود العلم و القدرة و الاختيار و هو مذهب الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان رضي الله عنه و البلخي و جماعة من المعتزلة البغداديين و قيل هو معنى في القلب عن الأسواري و قيل إن الروح الإنسان و هو الحي المكلف عن ابن الإخشيد و النظام.
و قال بعض العلماء إن الله خلق الروح من ستة أشياء من جوهر النور و الطيب و البقاء و الحياة و العلم و العلو أ لا ترى أنه ما دام في الجسد كان الجسد نورانيا يبصر بالعينين و يسمع بالأذنين و يكون طيبا فإذا خرج من الجسد نتن البدن و يكون باقيا فإذا فارقه الروح بلي و فني و يكون حيا و بخروجه يصير ميتا و يكن عالما فإذا خرج منه الروح لم يعلم شيئا و يكون علويا لطيفا توجد به الحياة بدلالة قوله تعالى في صفة الشهداء بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ (1) و أجسادهم قد بليت في التراب.
و قوله وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا قيل هو خطاب للنبي(ص)و غيره إذ لم يبين له الروح و معناه و ما أوتيتم من العلم المنصوص عليه إلا قليلا أي شيئا يسيرا لأن غير المنصوص عليه أكثر فإن معلومات الله تعالى لا نهاية لها و قيل خطاب لليهود الذين سألوه فقالت اليهود عند ذلك كيف و قد أعطانا الله التوراة فقال التوراة في علم الله قليل (2).
و قال الرازي للمفسرين في الروح المذكورة في هذه الآية أقوال و أظهرها أن المراد منه الروح الذي هو سبب الحياة ثم ذكر رواية سؤال اليهود و إبهام النبي(ص)قصة الروح و زيفها بوجوه ضعيفة ثم قال بل المختار عندنا أنهم سألوه عن الروح و أنه(ص)أجابهم عنه على أحسن الوجوه و تقريره أن المذكور في الآية أنهم سألوه عن الروح و السؤال عنه يقع على وجوه كثيرة أحدها أن يقال ماهية الروح أ هو
____________
(1) آل عمران: 170.
(2) مجمع البيان: ج 6،(ص)347 و 438.
9
و تقلع عيناه و تقطع أذناه إلى غيرها من الأعضاء فإن ذلك الإنسان يجد من قلبه و عقله أنه هو عين ذلك الإنسان من غير تفاوت البتة حتى أنه يقول أنا ذلك الإنسان الذي كنت موجودا قبل ذلك إلا أنهم قطعوا يدي و رجلي و ذلك برهان يقيني على أن ذلك الإنسان شيء مغاير لهذه الأعضاء و الأبعاض و ذلك يبطل قول من يقول الإنسان عبارة عن هذه البنية المخصوصة.
الثالث عشر أن القرآن و الأحاديث يدلان على أن جماعة من اليهود قد مسخهم الله و جعلهم في صورة القردة و الخنازير فنقول ذلك الإنسان هل بقي حال ذلك المسخ أو لم يبق فإن لم يبق كان هذا إماتة لذلك الإنسان و خلق خنزير أو قردة و ليس هذا من المسخ في شيء و إن قلنا إن ذلك الإنسان بقي حال حصول ذلك المسخ فنقول فعلى هذا التقدير الإنسان باق و تلك البنية و ذلك الهيكل غير باق فوجب أن يكون ذلك الإنسان شيئا مغايرا لتلك البنية.
الرابع عشر أن رسول الله(ص)كان يرى جبرئيل في صورة دحية الكلبي و كان يرى إبليس في صورة الشيخ النجدي فهنا بنية الإنسان و هيكله و شكله حاصل مع أن الحقيقة (1) الإنسانية غير حاصلة و هذا يدل على أن الإنسان ليس عبارة عن هذه البنية و هذا الهيكل.
الخامس عشر أن الزاني يزني بفرجه و يضرب على ظهره فوجب أن يكون الإنسان شيئا آخر سوى الفرج و سوى الظهر و يقال إن ذلك الشيء يستعمل الفرج في عمل و الظهر في عمل آخر فيكون الملتذ و المتألم هو ذلك الشيء إلا أنه يحصل اللذة بواسطة ذلك العضو و يتألم بواسطة الضرب على هذا العضو السادس عشر أني إذا تكلمت مع زيد و قلت له افعل كذا و لا تفعل كذا فالمخاطب بهذا الخطاب و المأمور و المنهي ليس هو جبهة زيد و لا حدقته و لا أنفه و لا فمه و لا شيء من أعضائه بعينه فوجب أن يكون المأمور و المنهي و المخاطب شيئا مغايرا لهذه الأعضاء و ذلك يدل على أن ذلك المأمور و المنهي غير هذا الجسد فإن قالوا
____________
(1) في المصدر: حقيقة الإنسان.
12
السمسم و نفاذ ماء الورد في جسم الورد و نفاذ تلك الأجسام (1) السماوية في جوهر البدن هو المراد بقوله وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي (2) ثم إن البدن ما دام يبقى سليما قابلا لنفاذ تلك الأجسام الشريفة فيه بقي حيا فإذا تولد في البدن أخلاط غليظة منعت تلك الأخلاط الغليظة من سريان تلك الأجسام الشريفة فانفصلت عن هذا البدن فحينئذ يعرض الموت فهذا مذهب قوي و قول شريف يجب التأمل فيه فإنه شديد المطابقة لما ورد في الكتب الإلهية من أحوال الموت و الحياة فهذا تفصيل مذاهب القائلين بأن الإنسان جسم موجود في داخل البدن و أما أن الإنسان جسم موجود خارج البدن فلا أعرف أحدا ذهب إلى هذا القول.
و أما القسم الثاني و هو أن يقال الإنسان عرض حال في البدن فهذا لا يقوله عاقل لأنه من المعلوم بالضرورة أن الإنسان جوهر لأنه موصوف بالعلم و القدرة و التدبير و التصرف و كل من كان هذا شأنه كان جوهرا و الجوهر لا يكون عرضا بل الذي يمكن أن يقال له عاقل هو الإنسان (3) بشرط أن يكون موصوفا بأعضاء مخصوصة و على هذا التقدير فللناس فيه أقوال القول الأول أن العناصر الأربعة إذا امتزجت و انكسرت سورة كل واحد منها بسورة أخرى حصلت كيفية معتدلة هي المزاج و مراتب هذا المزاج غير متناهية فبعضها هي الإنسانية و بعضها هي الفرسية فالإنسان عبارة عن أجسام موصوفة بكيفيات مخصوصة متولدة عن امتزاجات أجزاء العناصر بمقدار مخصوص و هذا قول جمهور الأطباء و منكري بقاء النفس و من المعتزلة قول أبي الحسين البصري.
و القول الثاني أن الإنسان عبارة عن أجزاء مخصوصة بشرط كونها موصوفة بصفة الحياة و العلم و القدرة و الحياة عرض قائم بالجسم و هؤلاء أنكروا الروح و النفس
____________
(1) في بعض النسخ «الاجزاء».
(2) الحجر: 29، ص: 72.
(3) كذا في نسخ الكتاب، و في المصدر «بل الذي يمكن ان يقول به كل عاقل هو ان الإنسان يشترط ...».
11
قطعيتان ينتج هذا القياس أن حقيقة الإنسان غير مرئية و لا محسوسة و هذا برهان يقيني.
ثم قال في شرح مذاهب القائلين بأن الإنسان جسم موجود في داخل البدن اعلم أن الأجسام الموجودة في هذا العالم السفلي إما أن يكون أحد العناصر الأربعة أو ما يكون متولدا من امتزاجها و يمتنع أن يحصل في البدن الإنساني جسم عنصري خالص بل لا بد و أن يكون الحاصل جسما متولدا من امتزاجات هذه الأربعة فنقول أما الجسم الذي تغلب عليه الأرضية فهو الأعضاء الصلبة الكثيفة كالعظم و العصب و الوتر و الرباط و الشحم و اللحم و الجلد و لم يقل أحد من العقلاء الذين قالوا إن الإنسان شيء مغاير لهذا الجسد بأنه عبارة عن عضو معين من هذه الأعضاء و ذلك لأن هذه الأعضاء كثيفة ثقيلة ظلمانية فلا جرم لم يقل أحد من العقلاء بأن الإنسان عبارة عن أحد هذه الأعضاء و أما الجسم الذي تغلب عليه المائية فهو الأخلاط الأربعة و لم يقع (1) في شيء منها أنه الإنسان إلا في الدم فإن فيهم من قال إنه لروح بدليل أنه إذا خرج لزمه الموت أما الجسم الذي تغلب عليه الهوائية و النارية فهي الأرواح و هي نوعان أحدهما أجسام هوائية مخلوطة بالحرارة الغريزية متولدة إما في القلب أو في الدماغ و قالوا إنها هي الروح الإنساني ثم إنهم اختلفوا فمنهم من يقول الإنسان هو الروح الذي في القلب و منهم من يقول إنه جزء لا يتجزأ في الدماغ و منهم من يقول الروح عبارة عن أجزاء نارية مختلطة بهذه الأرواح القلبية و الدماغية و تلك الأجزاء النارية هي المسماة بالحرارة الغريزية و هي الإنسان و من الناس من يقول الروح عبارة عن أجسام نورانية سماوية لطيفة الجوهر على طبيعة ضوء الشمس و هي لا تقبل التحلل و التبدل و لا التفرق و التمزق فإذا تكون البدن و تم استعداده و هو المراد بقوله فَإِذا سَوَّيْتُهُ نفذت تلك الأجسام الشريفة السماوية الإلهية في داخل أعضاء البدن نفاذ النار في الفحم و نفاذ دهن السمسم في
____________
(1) في المصدر: و لم يقل أحد في ...
10
لم لا يجوز أن يكون المأمور و المنهي جملة هذا البدن لا شيء من أجزائه و أبعاضه قلنا توجيه التكليف إلى الجملة إنما يصح لو كانت الجملة فاهمة عالمة فنقول لو كانت الجملة عالمة فإما أن يقوم بمجموع البدن علم واحد أو يقوم بكل واحد من أجزاء البدن علم على حده و الأول يقتضي قيام العرض الواحد بالمحال الكثيرة و هو محال و الثاني يقتضي أن يكون كل واحد من أجزاء البدن عالما فاهما على سبيل الاستقلال و قد بينا أن العلم الضروري حاصل بأن الجزء المعين من البدن ليس عالما فاهما مدركا بالاستقلال فسقط هذا السؤال.
السابع عشر الإنسان يجب أن يكون عالما و العلم لا يحصل إلا في القلب فيلزم أن يكون الإنسان عبارة عن الشيء الموجود في القلب و إذا ثبت هذا بطل القول بأن الإنسان عبارة عن هذا الهيكل و هذه الجثة إنما قلنا إن الإنسان يجب أن يكون عالما لأنه فاعل مختار و الفاعل المختار هو الذي يفعل بواسطة القصد إلى تكوينه و هما مشروطان بالعلم لأن ما لا يكون متصورا امتنع القصد إلى تكوينه فثبت أن الإنسان يجب أن يكون عالما بالأشياء و إنما قلنا إن العلم لا يوجد إلا في القلب للبرهان و القرآن أما البرهان فلأنا نجد العلم الضروري بأنا نجد علومنا من ناحية القلب و أما القرآن فآيات نحو قوله تعالى لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها (1) و قوله كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ (2) و قوله نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ (3) و إذا ثبت أن الإنسان يجب أن يكون عالما و ثبت أن العلم ليس إلا في القلب ثبت أن الإنسان شيء في القلب أو شيء له تعلق بالقلب و على التقديرين فإنه بطل قول من يقول إن الإنسان هو هذا الجسد و هذا الهيكل.
و أما البحث الثاني و هو بيان أن الإنسان غير محسوس هو أن حقيقة الإنسان شيء مغاير للسطح و اللون و كل ما هو مرئي فهو إما السطح و إما اللون و هما مقدمتان
____________
(1) الأعراف: 178.
(2) المجادلة: 22.
(3) الشعراء: 193- 194.
13
و قالوا ليس هاهنا إلا أجسام مؤتلفة موصوفة بصفة الحياة و بهذه الأعراض المخصوصة و هي الحياة و العلم و القدرة و هذا مذهب أكثر شيوخ المعتزلة.
و القول الثالث أن الإنسان عبارة عن أجسام مخصوصة بأشكال مخصوصة و بشرط أن تكون أيضا موصوفة بالحياة و العلم و القدرة و الإنسان إنما يمتاز عن سائر الحيوانات بشكل جسده و هيئة أعضائه و أجزائه إلا أن هذا مشكل فإن الملائكة قد يتشبهون بصور الناس فهنا صورة الإنسان حاصلة مع عدم الإنسانية و في صورة المسخ معنى الإنسانية حاصلة مع أن هذه الصورة غير حاصلة فقد بطل اعتبار هذا الشكل و الصورة في حصول معنى الإنسانية طردا و عكسا.
أما القسم الثالث و هو أن يقال الإنسان موجود ليس بجسم و لا جسماني و هذا قول أكثر الإلهيين من الفلاسفة القائلين ببقاء النفس المثبتين للنفس معادا روحانيا و ثوابا و عقابا روحانيا ذهب إليه جماعة من علماء المسلمين مثل الشيخ أبي القاسم الراغب الأصفهاني و الشيخ أبي حامد الغزالي و من قدماء المعتزلة معمر بن عباد السلمي و من الشيعة الملقب عندهم بالشيخ المفيد و من الكرامية جماعة.
و اعلم أن القائلين بإثبات النفس فريقان الأول و هم المحققون منهم قالوا الإنسان عبارة عن هذا الجوهر المخصوص و هذا البدن آلته و منزله و مركبه و على هذا التقدير فالإنسان غير موجود في داخل العالم و لا في خارجه و غير متصل بالعالم و لا منفصل عنه و لكنه متعلق بالبدن تعلق التدبير و التصرف كما أن إله العالم لا تعلق له بالعالم إلا على سبيل التصرف و التدبير.
و الفريق الثاني الذين قالوا النفس إذا تعلقت بالبدن اتحدت بالبدن فصارت النفس عين البدن و البدن عين النفس و مجموعهما عند الاتحاد هو الإنسان فإذا جاء وقت الموت بطل هذا الاتحاد و بقيت النفس و فسد البدن فهذا جملة مذاهب الناس في الإنسان و كان ثابت بن قرة يثبت النفس و يقول إنها متعلقة بأجسام سماوية نورانية لطيفة غير قابلة للكون و الفساد و التفرق و التمزق و أن تلك الأجسام تكون سارية في البدن و هن موجودات في داخل البدن (1) و أما أن
____________
(1) مفاتيح الغيب: ج 21،(ص)45.
14
الإنسان جسم موجود خارج البدن فلا أعرف أحدا ذهب إلى ذلك أقول ثم ذكر حججا عقلية طويلة الذيل على إثبات النفس و مغايرتها للبدن.
منها أن النفس واحدة و متى كانت واحدة وجب أن تكون مغايرة لهذا البدن و لكل واحد من أجزائه أما كونها واحدة فتارة ادعى البداهة فيه و تارة استدل عليه بوجوه منها أنا إذا فرضنا جوهرين مستقلين يكون كل واحد منهما مستقلا بفعله الخاص امتنع أن يصير اشتغال أحدهما بفعله الخاص به مانعا لاشتغال الآخر بفعله الخاص به و إذا ثبت هذا فنقول لو كان محل الإدراك و الفكر جوهرا و محل الغضب جوهرا آخر و محل الشهوة جوهرا ثالثا وجب أن لا يكون اشتغال القوة الغضبية بفعلها مانعا للقوة الشهوانية من الاشتغال بفعلها و لا بالعكس لكن التالي باطل فإن اشتغال الإنسان بالشهوة و انصبابه إليها يمنعه من الاشتغال بالغضب و الانصباب إليه و بالعكس فعلمنا أن هذه الأمور الثلاثة ليست مبادئ مستقلة بل هي صفات مختلفة لجوهر واحد فلا جرم كان اشتغال ذلك الجوهر بأحد هذه الأفعال عائقا له عن الاشتغال بالفعل الآخر.
و منها أن حقيقة الحيوان أنه جسم ذو نفس حساسة متحركة بالإرادة فالنفس لا يمكنها أن تتحرك بالإرادة إلا عند حصول الداعي و لا معنى للداعي إلا الشعور بخير يرغب في جذبه أو بشر يرغب في دفعه و هذا يقتضي أن يكون المتحرك بالإرادة هو بعينه مدركا للخير و الشر و الملذ و الموذي و النافع و الضار فثبت بما ذكرنا أن النفس الإنسانية شيء واحد و ثبت أن ذلك الشيء هو المبصر و السامع و الشامّ و الذائق و اللامس و المتخيل و المتفكر و المتذكر و المشتهي و الغاضب و هو الموصوف بجميع الإدراكات لكل المدركات و هو الموصوف بجميع الأفعال الاختيارية و الحركات الإرادية.
ثم قال و أما المقدمة الثانية فهي في بيان أنه لما كانت النفس شيئا واحدا وجب أن لا يكون النفس هذا البدن و لا شيئا من أجزائه و أما امتناع كونها جملة هذا البدن فتقريره أنا نعلم بالضرورة أن القوة الباصرة غير سارية في كل البدن
15
و كذا القوة السامعة و كذا سائر القوى كالتخيل و التذكر و التفكر و العلم بأن هذه القوى غير سارية في جملة أجزاء البدن علم بديهي بل هو من أقوى العلوم البديهية و أما بيان أنه يمتنع أن يكون النفس جزءا من أجزاء البدن فإنا نعلم بالضرورة أنه ليس في البدن جزء واحد هو بعينه موصوف بالإبصار و السماع و الفكر و الذكر بل الذي يتبادر إلى الخاطر أن الإبصار مخصوص بالعين لا بسائر الأعضاء و السماع مخصوص بالأذن لا بسائر الأعضاء و الصوت مخصوص بالحلق لا بسائر الأعضاء و كذلك القول في سائر الإدراكات و سائر الأفعال فأما أن يقال إنه حصل في البدن جزء واحد موصوف بكل هذه الإدراكات و كل هذه الأفعال فالعلم الضروري حاصل أنه ليس الأمر كذلك فثبت بما ذكرناه أن النفس الإنسانية شيء واحد موصوف بجملة هذه الإدراكات و بجملة هذه الأفعال و ثبت بالبديهة أن جملة البدن ليست كذلك و ثبت أيضا أن شيئا من أجزاء البدن ليس كذلك فحينئذ يحصل اليقين بأن النفس شيء مغاير لهذا البدن و لكل واحد من أجزائه و هو المطلوب.
و لنقرر هذا البرهان بعبارة أخرى نقول إنا نعلم بالضرورة أنا إذا أبصرنا شيئا عرفناه و إذا عرفناه اشتهيناه و إذا اشتهيناه حركنا أبداننا إلى القرب منه فوجب القطع بأن الذي أبصر هو الذي عرف و أن الذي عرف هو الذي اشتهى و أن الذي اشتهى هو الذي حرك إلى القرب منه فيلزم القطع بأن المبصر لذلك الشيء و العارف به و المشتهي إليه و المحرك إلى القرب منه شيء واحد إذ لو كان المبصر شيئا و العارف شيئا ثانيا و المشتهي شيئا ثالثا و المحرك شيئا رابعا لكان الذي أبصر لم يعرف و الذي عرف لم يشته و الذي اشتهى لم يحرك لكن من المعلوم أن كون شيء مبصرا لشيء لا يقتضي صيرورة شيء آخر عالما بذلك الشيء و كذلك القول في سائر المراتب و أيضا فإنا نعلم بالضرورة أن الرائي للمرئيات أنا و أني لما رأيتها عرفتها و لما عرفتها اشتهيتها و لما اشتهيتها طلبتها و حركت الأعضاء إلى القرب منها و نعلم أيضا بالضرورة أن الموصوف بهذه الرؤية و بهذا العلم و بهذه الشهوة و بهذا التحريك أنا لا غيري و أيضا العقلاء قالوا الحيوان لا بد و أن يكون حساسا متحركا بالإرادة
16
فإن لم يحس بشيء لم يشعر بكونه ملائما و بكونه منافرا و إذا لم يشعر بذلك امتنع كونه مريدا للجذب أو الدفع فثبت أن الشيء الذي يكون متحركا بالإرادة فإنه بعينه يجب أن يكون حساسا فثبت أن المدرك لجميع المدركات بجميع أنواع الإدراكات و أن المباشر لجميع التحريكات الاختيارية شيء واحد.
و أيضا فإنا إذا تكلمنا بكلام لقصد تفهيم الغير معاني تلك الكلمات فقد عقلناها و أردنا تعريف غيرنا تلك المعاني و لما حصلت هذه الإرادة في قلوبنا حاولنا إدخال تلك الحروف و الأصوات في الوجود لنتوسل بها إلى تعريف غيرنا تلك المعاني.
إذا ثبت هذا فنقول إن كان محل العلم و الإرادة و محل تلك الحروف و الأصوات جسما واحدا لزم أن يقال إن محل العلوم و الإرادات هو الحنجرة و اللهاة و اللسان و معلوم أنه ليس كذلك و إن قلنا إن محل العلوم و الإرادات هو القلب لزم أن يكون محل الصوت هو القلب أيضا و ذلك باطل أيضا بالضرورة و إن قلنا إن محل الكلام هو الحنجرة و اللهاة و اللسان و محل العلوم و الإرادات هو القلب و محل القدرة هو الأعصاب و الأوتار و العضلات كنا قد وزعنا هذه الأمور على هذه الأعضاء المختلفة لكنا أبطلنا ذلك و بينا أن المدرك لجميع الإدراكات و الإرادات و المحرك لجميع الأعضاء بجميع أنواع التحريكات يجب أن يكون شيئا واحدا فلم يبق إلا أن يقال محل الإدراك و القدرة على التحريك شيء سوى هذا البدن و سوى أجزاء هذا البدن و أن هذه الأعضاء جارية مجرى الآلات و الأدوات فكما أن النجار يفعل أفعالا مختلفة بواسطة آلات مختلفة فكذلك النفس تبصر بالعين و تسمع بالأذن و تتفكر بالدماغ و تعقل بالقلب فهذه الأعضاء آلات النفس و أدوات لها و ذات النفس جوهر مغاير لها مفارق عنها بالذات متعلق بها تعلق التصرف و التدبير و هذا البرهان برهان شريف يقيني في هذا المطلوب و بالله التوفيق.
و منها أنه لو كان الإنسان عبارة عن هذا الجسد لكان إما أن يقوم بكل واحد من الأجزاء حياة و علم و قدرة على حدة أو يقوم بجميع الأجزاء حياة و علم و قدرة واحدة و القسمان باطلان أما الأول فلأنه يقتضي كون كل واحد من أجزاء الجسد حيا
17
عالما قادرا على سبيل الاستقلال فوجب أن لا يكون الإنسان الواحد حيوانا واحدا بل أحياء عالمين قادرين و حينئذ لا يبقى فرق بين الإنسان الواحد و بين أشخاص كثيرين من الناس ربط بعضهم بالبعض بالسلسلة لكنا نعلم بالضرورة فساد هذا الكلام لأني أجد ذاتي ذاتا واحدة و حيوانا لا حيوانات كثيرين و أيضا فبتقدير أن يكون كل واحد من أجزاء هذا الجسد حيوانا واحدا على حدة فحينئذ لا يكون لكل واحد منها خبر عن حال صاحبه فلا يمتنع أن يريد هذا الجزء أن يتحرك إلى هذا الجانب و يريد الجزء الآخر أن يتحرك إلى الجانب الآخر فحينئذ يقع التدافع بين أجزاء بدن الإنسان الواحد كما يقع بين الشخصين و فساد ذلك معلوم بالبديهة و أما الثاني فلأنه يقتضي قيام الصفة الواحدة بالمحال الكثيرة و ذلك معلوم البطلان بالضرورة مع أنه يعود المحذور السابق أيضا.
و منها أنا لما تأملنا في أحوال النفس رأينا أحوالها بالضد من أحوال الجسم و ذلك يدل على أن النفس ليست جسما و تقرير هذه المنافاة من وجوه الأول أن كل جسم حصلت فيه صورة فإنه لا يقبل صورة أخرى من جنس الصورة الأولى إلا بعد زوال الصورة الأولى عنه زوالا تاما مثاله أن البصر إذا حصل فيه شكل التثليث امتنع أن يحصل فيه شكل التربيع و التدوير إلا بعد زوال الشكل الأول عنه ثم إنا وجدنا الحال في قبول النفس لصور المعقولات بالضد من ذلك فإن النفس التي لم تقبل صورة عقلية البتة يعسر قبولها لشيء من الصور العقلية فإذا قبلت صورة واحدة كان قبولها للصورة الثانية أسهل و إذا قبلت الصورة الثانية صار قبولها للصورة الثالثة أسهل ثم إن النفس لا تزال تقبل صورة بعد صورة من غير أن تضعف البتة بل كلما كان قبولها للصور أكثر كان قبولها للصور الآتية بعد ذلك أسهل و أسرع و لهذا السبب يزداد الإنسان فهما و إدراكا كلما ازداد تخريجا و ارتياضا للعلوم فثبت أن قبول النفس للصورة العقلية على خلاف قبول الجسم للصورة و ذلك يوهم أن النفس ليست بجسم.
و الثاني أن المواظبة على الأفكار الدقيقة لها أثر في النفس و أثر في البدن أما
18
أثرها في النفس فهو تأثيرها في إخراج النفس عن القوة إلى الفعل في التعقلات و الإدراكات و كلما كانت الأفكار أكثر كان حصول هذه الأحوال أكمل و ذلك غاية كمالها و نهاية شرفها و جلالتها و أما أثرها في البدن فهو أنها توجب استيلاء اليبس على البدن و استيلاء الذبول عليه و هذه الحالة لو استمرت لانتهت إلى الماليخوليا و موت البدن (1) فثبت بما ذكرنا أن هذه الأفكار توجب حياة النفس و شرفها و توجب نقصان البدن و موته فلو كانت النفس هي البدن لصار الشيء الواحد بالنسبة إلى الشيء الواحد سببا لكماله و نقصانه معا و لحياته و موته معا و إنه محال.
و الثالث أنا شاهدنا أنه ربما كان بدن الإنسان ضعيفا نحيفا فإذا لاح نور من الأنوار القدسية و تجلى له سر من أسرار عالم الغيب حصل لذلك الإنسان جرأة عظيمة و سلطنة قوية و لم يعبأ بحضور أكبر السلاطين و لم يقم له وزنا و لو لا أن النفس شيء سوى البدن و النفس إنما تحيا و تبقى بغير ما به يقوى البدن و يحيا لما كان الأمر كذلك.
و الرابع أن أصحاب الرياضات و المجاهدات كلما أمعنوا في قهر القوى البدنية و تجويع الجسد قويت قواهم الروحانية و أشرقت أسرارهم بالمعارف الإلهية و كلما أمعن الإنسان في الأكل و الشرب و قضاء الشهوات الجسدانية صار كالبهيمة و بقي محروما عن آثار النظر و العقل و الفهم و المعرفة (2) و لو لا أن النفس غير البدن لما كان الأمر كذلك.
و الخامس أنا نرى النفس تفعل أفاعيلها بآلات بدنية فإنها تبصر بالعين و تسمع بالأذن و تأخذ باليد و تمشي بالرجل أما إذا آل الأمر إلى التعقل و الإدراك فإنها مستقلة بذاتها في هذا الفعل من غير إعانة شيء من الآلات و لذلك فإن الإنسان يمكنه أن لا يبصر شيئا إذا غمض عينه و أن لا يسمع شيئا إذا سد أذنيه و لا يمكنه البتة أن يزيل عن قلبه العلم بما كان عالما به فعلمنا أن النفس
____________
(1) في المصدر: و سوق الموت.
(2) في المصدر: عن آثار النطق و العقل و المعرفة.
19
غنية بذاتها في العلوم و المعارف عن شيء من الآلات البدنية فهذه الوجوه أمارات قوية في أن النفس ليست بجسم.
ثم ذكر في إثبات أن النفس ليست بجسم وجوها من الدلائل السمعية الأول قوله تعالى وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ (1) و معلوم أن أحدا من العقلاء لا ينسى هذا الهيكل المشاهد فدل ذلك على أن النفس التي ينساها الإنسان عند فرط الجهل شيء آخر غير هذا البدن.
الثاني قوله تعالى أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ و هذا صريح في أن النفس غير هذا الجسد.
الثالث أنه تعالى ذكر مراتب الخلقة الجسمانية فقال وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ إلى قوله فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً و لا شك أن جميع هذه المراتب اختلافات واقعة في الأحوال الجسمانية ثم إنه تعالى لما أراد أن يذكر نفخ الروح قال ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ و هذا تصريح بأن ما يتعلق بالروح جنس مغاير لما سبق ذكره من التغيرات الواقعة في الأحوال الجسمانية و ذلك يدل على أن الروح شيء مغاير للبدن.
فإن قالوا هذه الآية حجة عليكم لأنه تعالى قال وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ و كلمة من للتبعيض و هذا يدل على أن الإنسان بعض من أبعاض الطين قلنا كلمة من أصلها لابتداء الغاية كقولك خرجت من البصرة إلى الكوفة فقوله تعالى وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ يقتضي أن يكون ابتداء تخليق الإنسان حاصلا من هذه السلالة و نحن نقول بموجبه لأنه تعالى يسوي المزاج أولا ثم ينفخ فيه الروح فيكون ابتداء تخليقه من سلالة.
الرابع قوله فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ميز تعالى بين التسوية و بين نفخ الروح فالتسوية عبارة عن تخليق الأبعاض و الأعضاء ثم أضاف الروح إلى نفسه بقوله مِنْ رُوحِي دل ذلك على أن جوهر الروح شيء مغاير لجوهر الجسد.
____________
(1) الحشر: 19.
22
و الجواب عن الثالث أن الرزق المذكور في الآية محمول على ما يقوي حالهم و يكمل كمالهم و هو معرفة الله و محبته بل نقول هذا من أدل الدلائل على صحة قولنا لأن أبدانهم قد بليت تحت التراب و الله تعالى يقول إن أرواحهم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش فهذا يدل على أن الروح غير البدن (1) و قال في قوله سبحانه نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ فيه قولان الأول أنه إنما قال عَلى قَلْبِكَ و إن كان إنما أنزله عليه ليؤكد به أن ذلك المنزل محفوظ و المرسول (2) متمكن في قلبه لا يجوز عليه التغير فيوثق عليه بالإنذار الواقع مع (3) الذي بين الله تعالى أنه المقصود و لذلك قال لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ الثاني أن القلب هو المخاطب في الحقيقة لأنه موضع التمييز و الاختيار و أما سائر الأعضاء فمسخرة له و الدليل عليه القرآن و الحديث و المعقول أما القرآن فآيات إحداها في سورة البقرة نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ (4) و قال هاهنا نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ و قال إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ (5) و ثانيها أن استحقاق الجزاء ليس إلا على ما في القلب من المساعي فقال لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ (6) و قال لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها وَ لكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ (7) و التقوى في القلب لأنه تعالى قال أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى (8) و قال تعالى وَ حُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (9) و ثالثها قوله حكاية عن
____________
(1) مفاتيح الغيب: ج 21،(ص)53.
(2) في المصدر: للرسول.
(3) فيه: منه.
(4) البقرة: 97.
(5) ق: 37.
(6) البقرة: 225.
(7) الحجّ: 37.
(8) الحجرات: 3.
(9) العاديات: 10.
21
من جنس الأجسام بل هو جوهر قدسي مجرد و اعلم أن أكثر العارفين الكاملين من أصحاب الرياضات و أصحاب المكاشفات و المشاهدات مصرون على هذا القول جازمون بهذا المذهب.
ثم قال و احتج المنكرون بوجوه الحجة الأولى لو كانت مساوية لذات الله تعالى في كونه ليس بجسم و لا عرض لكان مساويا له في تمام الماهية و ذلك محال.
الثانية قوله تعالى قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ إلى قوله ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ و هذا تصريح بأن الإنسان شيء مخلوق من نطفة و أنه يموت و يدخل القبر ثم أنه تعالى يخرجه من القبر و لو لم يكن الإنسان عبارة عن هذه الجثة لم تكن الأحوال المذكورة في هذه الآية صحيحة.
الثالثة قوله تعالى وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً إلى قوله يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ و هذا يدل على أن الروح جسم لأن الارتزاق و الفرح من صفات الأجسام.
و الجواب عن الأول أن المساواة في أنه ليس بمتحيز و لا حال في المتحيز مساواة في صفات سلبية و المساواة في الصفات السلبية لا توجب المماثلة و اعلم أن جماعة من الجهال يظنون أنه لما كان الروح موجودا ليس بمتحيز و لا حال في المتحيز وجب أن يكون مثلا للإله أو جزءا من الإله و ذلك جهل فاحش و غلط قبيح و تحقيقه ما ذكرنا من أن المساواة في السلوب لو أوجبت المماثلة لوجب القول باستواء كل المختلفات فإن كل ماهيتين مختلفتين لا بد و أن يشتركا في سلب كل ما عداهما عنهما.
و الجواب عن الثاني أنه لما كان الإنسان في العرف و الظاهر عبارة عن هذه الجثة أطلق عليه اسم الإنسان و أيضا فلقائل أن يقول هب أنا نجعل اسم الإنسان عبارة عن هذه الجثة إلا أنا قد دللنا على أن محل العلم و القدرة ليس هو هذه الجثة.
20
الخامس قوله تعالى وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها و هذه الآية صريحة في وجود النفس موصوفة بالإدراك و التحريك معا لأن الإلهام عبارة عن الإدراك و أما الفجور و التقوى فهو فعل و هذه الآية صريحة في أن الإنسان شيء واحد و هو موصوف بالإدراك و التحريك و هو موصوف أيضا بفعل الفجور تارة و فعل التقوى أخرى و معلوم أن جملة البدن غير موصوف بهذين الوصفين و ليس في البدن عضو واحد موصوف بهذين الوصفين فلا بد من إثبات جوهر واحد يكون موصوفا بكل هذه الأمور.
السادس قوله تعالى إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً فهذا تصريح بأن الإنسان شيء واحد و ذلك الشيء الواحد هو المبتلى بالتكاليف الإلهية و الأمور الربانية و هو الموصوف بالسمع و البصر و مجموع البدن ليس كذلك و ليس عضو من أعضاء البدن كذلك فالنفس شيء مغاير جملة البدن و مغاير (1) أجزاء البدن و هو الموصوف بهذه الصفات.
و اعلم أن الأحاديث الواردة في صفة الأرواح قبل تعلقها بالأجساد و بعد انفصالها من الأجساد كثيرة و كل ذلك يدل على أن النفس غير هذا الجسد و العجب ممن يقرأ هذه الآيات الكثيرة و يروي هذه الأخبار الكثيرة ثم يقول توفي رسول الله(ص)و ما كان يعرف ما الروح و هذا من العجائب.
ثم استدل بهذه الآية التي بصدد تفسيرها على هذا المذهب و تقريره أن الروح لو كان جسما منتقلا من حالة إلى حالة و من صفة إلى صفة لكان مساويا للبدن في كونه متولدا من أجسام اتصفت بصفات مخصوصة بعد أن كانت موصوفة بصفات أخر فإذا سئل رسول الله(ص)عن الروح وجب أن يبين أنه جسم كان كذا ثم صار كذا و كذا حتى صار روحا مثل ما ذكر في كيفية تولد البدن أنه كان نطفة ثم علقة ثم مضغة فلما لم يقل ذلك بل قال إنه من أمر ربي بمعنى أنه لا يحدث و لا يدخل في الوجود إلا لأجل أن الله تعالى قال له كُنْ فَيَكُونُ دل ذلك على أنه جوهر ليس
____________
(1) كذا، و في المصدر: مغاير لجملة البدن و مغاير لاجزاء ...
23
أهل النار لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (1) و معلوم أن العقل في القلب و السمع منفذ إليه و قال إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (2) و معلوم أن السمع و البصر لا يستفاد منهما إلا ما يؤديانه إلى القلب فكان السؤال عنهما في الحقيقة سؤالا عن القلب و قال يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَ ما تُخْفِي الصُّدُورُ (3) و لم تخن الأعين إلا بما تضمر القلوب عند التحديق بها و رابعها قوله وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (4) فخص هذه الثلاثة بإلزام الحجة و استدعاء الشكر عليها و قد قلنا لا طائل في السمع و الأبصار إلا بما يؤديانه إلى القلوب ليكون القلب هو القاضي و المتحكم عليه و قال تعالى وَ لَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَ جَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَ أَبْصاراً وَ أَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَ لا أَبْصارُهُمْ وَ لا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ (5) فجعل هذه الثلاثة تمام ما ألزمهم من حجة و المقصود من ذلك هو الفؤاد القاضي فيما يؤدي إليه السمع و البصر.
- وَ أَمَّا الْحَدِيثُ فَمَا رَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ سَمِعْتُهُ(ص)يَقُولُ أَلَا وَ إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَ إِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَ هِيَ الْقَلْبُ.
. و أما المعقول فوجوه أحدها أن القلب إذا غشي عليه فلو قطع سائر الأعضاء لم يحصل الشعور به و إذا أفاق القلب فإنه يشعر بجميع ما ينزل بالأعضاء من الآفات فدل ذلك على أن الأعضاء تبع للقلب و لذلك فإن القلب إذا فرح أو حزن فإنه يتغير حال الأعضاء عند ذلك و كذا القول في سائر الأعراض النفسانية.
و ثانيها أن القلب منبع المشيئات الباعثة على الأفعال الصادرة من سائر الأعضاء و إذا كانت المشيئات مبادئ الأفعال و منبعها هو القلب فالأمر المطلق هو القلب.
____________
(1) الملك: 10.
(2) الإسراء: 36.
(3) غافر: 19.
(4) السجدة: 19.
(5) الأحقاف: 26.
24
و ثالثها أن معدن العقل هو القلب و إذا كان كذلك كان الآمر المطلق هو القلب أما المقدمة الأولى ففيها النزاع فإن طائفة من القدماء ذهبوا إلى أن معدن العقل هو الدماغ و الذي يدل على قولنا وجوه الأول قوله تعالى أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها (1) و قوله لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها (2) و قوله إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ (3) أي عقل أطلق على العقل لما أنه معدن له.
الثاني أنه تعالى أضاف أضداد العقل إلى القلب فقال فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ (4) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ (5) وَ قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ (6) يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ (7) يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ (8) كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ (9) أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (10) فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (11) فدلت هذه الآيات على أن موضع الجهل و الغفلة هو القلب فوجب أن يكون موضع العقل و الفهم أيضا هو القلب.
الثالث أنا إذا جربنا أنفسنا وجدنا علومنا حاصلة في ناحية القلب و لذلك فإن الواحد منا إذا أمعن في الفكر و الروية أحس من قلبه ضيقا و ضجرا حتى كأنه يتألم بذلك و كل ذلك يدل على أن موضع العقل هو القلب و إذا ثبت ذلك وجب أن يكون المكلف هو القلب لأن التكليف مشروط بالعقل و الفهم.
____________
(1) الحجّ: 46.
(2) الأعراف: 178.
(3) ق: 37.
(4) البقرة: 10.
(5) البقرة: 7.
(6) البقرة: 88.
(7) التوبة: 65.
(8) آل عمران: 167.
(9) المطففين: 14.
(10) محمّد: 24.
(11) الحجّ: 46.
25
الرابع أن القلب هو أول الأعضاء تكونا و آخرها موتا و قد ثبت ذلك بالتشريح و لأنه متمكن في الصدر الذي هو الأوسط في الجسد و من شأن الملوك المحتاجين إلى الخدم أن يكونوا في وسط المملكة لتكتنفهم الحواشي من الجوانب ليكونوا أبعد من الآفات.
و احتج من قال العقل في الدماغ بوجوه أحدها أن الحواس التي هي الآلات للإدراك نافذة إلى الدماغ دون القلب و ثانيها أن الأعضاء (1) التي هي آلات الحركات الاختيارية نافذة من الدماغ دون القلب و ثالثها أن الآفة إذا دخلت في الدماغ اختل العقل و رابعها أن في العرف كل من أريد وصفه بقلة العقل يقال إنه خفيف الدماغ خفيف العقل (2) و خامسها أن العقل أشرف فيكون مكانها أشرف و الأعلى هو الأشرف و ذلك هو الدماغ لا القلب فوجب أن يكون محل العقل الدماغ لا القلب.
و الجواب عن الأول لم لا يجوز أن يقال الحواس تؤدي آثارها إلى الدماغ ثم إن الدماغ يؤدي تلك الآثار إلى القلب و الدماغ آلة قريبة للقلب (3) و الحواس آلة بعيدة و الحس يخدم الدماغ و الدماغ يخدم القلب و تحقيقه أنا ندرك من أنفسنا أنا إذا عقلنا أن الأمر الفلاني يجب فعله أو يجب تركه فإن الأعضاء تتحرك عند ذلك و نحن (4) عند التعقلات نحس من جانب الدماغ.
و عن الثاني أنه لا يبعد أن يتأدى الأثر من القلب إلى الدماغ ثم الدماغ يحرك الأعضاء بواسطة الأعصاب النابتة منه.
و عن الثالث لا يبعد أن تكون سلامة الدماغ شرطا لوصول تأثير القلب إلى سائر الأعضاء.
____________
(1) كذا، و في المصدر «الأعصاب» و هو الصواب.
(2) في المصدر: خفيف الرأس.
(3) للعقل (خ).
(4) كذا، و في المصدر «و نحن نجد التعقلات من جانب القلب لا من جانب الدماغ.
26
و عن الرابع أن ذلك العرف إنما كان لأن القلب إنما يعتدل مزاجه بما يستمده من الدماغ من برودته فإذا لحق الدماغ خروج عن الاعتدال خرج القلب عن الاعتدال أيضا إما لزيادة حرارته عن القدر الواجب أو لنقصان حرارته عن ذلك القدر فحينئذ يختل العقل.
و عن الخامس أنه لو صح ما قالوه لوجب أن يكون موضع القلب هو القحف (1) و لما بطل ذلك ثبت فساد قولهم (2) انتهى.
و أقول بعد تسليم مقدمات دلائله و عدم التعرض لتزييفها و منعها إنما تدل على أن الروح غير البدن و أجزائه و الحواس الظاهرة و الباطنة و لا تدل على تجردها لم لا يجوز أن تكون جسما لطيفا من عالم الملكوت تتعلق بالبدن أو تدخله و تخرج عند الموت و تبقى محفوظة إلى النشور كما سنحققه إن شاء الله تعالى. قوله تعالى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها قال الطبرسي (قدس الله سره) أي يقبضها إليه وقت موتها و انقضاء آجالها و المعنى حين موت أبدانها و أجسادها على حذف المضاف وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها أي يتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها و التي تتوفى عند النوم هي النفس التي يكون بها العقل و التمييز فهي التي تفارق النائم فلا يعقل و التي تتوفى عند الموت هي نفس الحياة التي إذا زالت زال معها النفس و النائم يتنفس فالفرق بين قبض النوم و قبض الموت أن قبض النوم يضاد اليقظ و قبض الموت يضاد الحياة و قبض النوم يكون الروح معه و قبض الموت يخرج الروح من البدن فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ إلى يوم القيامة وَ يُرْسِلُ الْأُخْرى يعني الأنفس التي لم يقض على موتها يريد نفس النائم إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قد سمي لموته إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أي دلالات واضحات على توحيد الله و كمال قدرته لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في الأدلة إذ لا يقدر على قبض النفوس تارة بالنوم و تارة بالموت غير الله تعالى قال ابن عباس في بني آدم نفس و
____________
(1) القحف- بكسر القاف-: عظيم فوق الدماغ.
(2) مفاتيح الغيب: ج 23،(ص)166- 168.
27
روح و بينهما مثل شعاع الشمس فالنفس التي بها العقل و التمييز و الروح التي بها النفس و التحريك فإذا نام قبض الله نفسه و لم يقبض روحه و إذا مات قبض الله نفسه و روحه و يؤيده
- مَا رَوَاهُ الْعَيَّاشِيُّ بِالْإِسْنَادِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ أَبِي الْمِقْدَامِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَنَامُ إِلَّا عَرَجَتْ نَفْسُهُ إِلَى السَّمَاءِ وَ بَقِيَتْ رُوحُهُ فِي بَدَنِهِ وَ صَارَ بَيْنَهُمَا سَبَبٌ كَشُعَاعِ الشَّمْسِ فَإِذَا أَذِنَ اللَّهُ فِي قَبْضِ الْأَرْوَاحِ أَجَابَتِ الرُّوحُ وَ النَّفْسُ (1) وَ إِنْ أَذِنَ اللَّهُ فِي رَدِّ الرُّوحِ أَجَابَتِ النَّفْسُ وَ الرُّوحُ وَ هُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَمَهْمَا رَأَتْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ فَهُوَ مِمَّا لَهُ تَأْوِيلٌ وَ مَا رَأَتْ فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ فَهُوَ مِمَّا يُخَيِّلُهُ الشَّيْطَانُ وَ لَا تَأْوِيلَ لَهُ (2).
و قال الرازي النفس الإنسانية عبارة عن جوهر مشرق روحاني إذا تعلّق بالبدن حصل ضوؤه في جميع الأعضاء و هو الحياة فنقول إن وقت الموت ينقطع تعلّقه عن ظاهر البدن و عن باطنه و ذلك هو الموت و أما في وقت النوم فإنه ينقطع تعلّقه عن ظاهر البدن فثبت أن النوم و الموت من جنس واحد إلا أن الموت انقطاع تامّ كامل و النوم انقطاع ناقص من بعض الوجوه إذا ثبت هذا ظهر أن القادر العالم القديم الحكيم دبر تعلّق جوهر النفس بالبدن على ثلاثة أوجه أحدها أن يقع ضوء النفس على جميع أجزاء البدن ظاهره و باطنه و ذلك هو اليقظة و ثانيها أن ينقطع ضوء النفس عن البدن بالكلية و هو الموت و ثالثها أن ينقطع ضوء النفس عن ظاهر البدن دون باطنه و هو النوم (3).
فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قال الطبرسي رحمه الله أي فهلا إذا بلغت النفس الحلقوم عند الموت وَ أَنْتُمْ يا أهل الميّت حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ أي ترون تلك الحال و
____________
(1) كذا، و الظاهر زيادة الواو في الموضعين: فالصواب «أجابت الروح النفس ...
أجابت النفس الروح».
(2) مجمع البيان: ج 8،(ص)500- 501.
(3) مفاتيح الغيب: ج 26،(ص)284.
28
قد صار إلى أن تخرج نفسه و قيل معناه تنظرون لا يمكنكم الدفع و لا تملكون شيئا (1).
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ قال الرازي قالوا الحياة هي الصفة التي يكون الموصوف بها بحيث يصح أن يعلم و يقدر و اختلفوا في الموت فقال قوم إنه عبارة عن عدم هذه الصفة و قال أصحابنا إنه صفة وجودية مضادة للحياة و احتجوا بهذه الآية لأن العدم لا يكون مخلوقا (2).
1 مَعَانِي الْأَخْبَارِ، قَالَ حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ بَكْرٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الطَّائِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنْقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي كَيْفَ هَذَا النَّفْخُ فَقَالَ إِنَّ الرُّوحَ مُتَحَرِّكٌ كَالرِّيحِ وَ إِنَّمَا سُمِّيَ رُوحاً لِأَنَّهُ اشْتُقَّ اسْمُهُ مِنَ الرِّيحِ وَ إِنَّمَا أَخْرَجَهُ عَلَى لَفْظَةِ الرِّيحِ لِأَنَّ الرُّوحَ مُجَانِسٌ لِلرِّيحِ (3) وَ إِنَّمَا أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ اصْطَفَاهُ عَلَى سَائِرِ الْأَرْوَاحِ كَمَا اصْطَفَى بَيْتاً مِنَ الْبُيُوتِ فَقَالَ بَيْتِي وَ قَالَ لِرَسُولٍ مِنَ الرُّسُلِ خَلِيلِي وَ أَشْبَاهِ ذَلِكَ وَ كُلُّ ذَلِكَ مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ مُحْدَثٌ مَرْبُوبٌ مُدَبَّرٌ (4).
الكافي، عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن محمد بن خالد عن القاسم بن العروة مثله (5)- الاحتجاج، عن محمد بن مسلم مثله (6) بيان لعل إخراجه على لفظة الريح كما في الكافي عبارة عن التعبير عن إيجاده
____________
(1) مجمع البيان: ج 9،(ص)227.
(2) مفاتيح الغيب: ج 30،(ص)54.
(3) في الكافي: الأرواح مجانسة الريح.
(4) معاني الأخبار: 17.
(5) الكافي: ج 1،(ص)131.
(6) الاحتجاج: 176.
29
في البدن بالنفخ فيه لمناسبة الروح للريح و مجانسته إياه و اعلم أن الروح قد تطلق على النفس الناطقة التي تزعم الحكماء أنها مجردة و هي محل العلوم و الكمالات و مدبرة للبدن و قد تطلق على الروح الحيواني و هو البخار اللطيف المنبعث من القلب الساري في جميع الجسد و هذا الخبر و أمثاله يحتملهما و إن كانت بالأخيرة بعضها أنسب و قيل الروح و إن لم تكن في أصل جوهرها من هذا العالم إلا أن لها مظاهر و مجالي في الجسد و أول مظهر لها فيه بخار لطيف دخاني شبيه في لطافته و اعتداله بالجرم السماوي و يقال له الروح الحيواني و هو مستوى الروح الرباني الذي هو من عالم الأمر و مركبه و مطية قواه فعبر(ع)عن الروح بمظهره تقريبا إلى الأفهام لأنها قاصرة عن فهم حقيقته كما أشير إليه بقوله تعالى قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا و لأن مظهره هذا هو المنفوخ دون أصله.
و قال البيضاوي فَإِذا سَوَّيْتُهُ عدلت خلقه و هيأته لنفخ الروح وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي حتى جرى آثاره في تجاويف أعصابه (1) فحيي و أصل النفخ إجراء الريح في تجويف جسم آخر و لما كان الروح يتعلق أولا بالبخار اللطيف المنبعث من القلب و تفيض عليه القوة الحيوانية فيسري حاملا لها في تجاويف الشرايين إلى أعماق البدن جعل تعلقه نفخا (2).
و قال النيسابوري النفخ إجراء الريح في تجاويف جسم آخر فمن زعم أن الروح جسم لطيف كالهواء سار في البدن فمعناه ظاهر و من قال إنه جوهر مجرد غير متحيز و لا حال في متحيز فمعنى النفخ عنده تهيئة البدن لأجل تعلق النفس الناطقة به قال جار الله ليس ثم نفخ و لا منفوخ و إنما هو تمثيل لتحصيل ما يحيا به فيه و لا خلاف في أن الإضافة في قوله رُوحِي للتشريف و التكريم مثل ناقَةَ اللَّهِ و بيت الله
____________
(1) في المصدر: أعضائه.
(2) أنوار التنزيل: ج 1،(ص)648.
30
و قال الرازي قوله تعالى فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي يدل على أن تخليق البشر لا يتم إلا بأمرين التسوية أولا ثم نفخ الروح ثانيا و هذا حق لأن الإنسان مركب من جسد و نفس أما الجسد فإنه يتولد من المني و المني إنما يتولد من دم الطمث و هو إنما يتولد من الأخلاط و هي إنما تتولد من الأركان الأربعة فلا بد في حصول هذه التسوية من رعاية المدة التي في مثلها يحصل ذلك المزاج الذي لأجله يحصل الاستعداد لقبول النفس الناطقة فأما النفس فإليها الإشارة بقوله وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي و لما أضاف الروح إلى نفسه دل على أنه جوهر شريف علوي قدسي و ذهبت الحلولية إلى أن كلمة من تدل على التبعيض و هذا يوهم أن الروح جزء من أجزاء الله و هذا في غاية الفساد لأن كل ما له جزء فهو مركب و ممكن الوجود لذاته و محدث و أما كيفية نفخ الروح فاعلم أن الأقوى أن جوهر النفس عبارة عن أجرام شفافة نورانية علوية العنصر قدسية الجواهر و هي تسري في هذا البدن سريان الضوء في الهواء و النار في الفحم فهذا القدر معلوم أما كيفية ذلك النفخ فمما لا يعلمه إلا الله تعالى (1).
2 قُرْبُ الْإِسْنَادِ، عَنْ هَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ زِيَادٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)أَنَّ رُوحَ آدَمَ(ع)لَمَّا أُمِرَتْ أَنْ تَدْخُلَ فِيهِ كَرِهَتْهُ فَأَمَرَهَا أَنْ تَدْخُلَ كَرْهاً وَ تَخْرُجَ كَرْهاً (2).
بيان لا يبعد أن يكون المعنى أن الروح لما كانت من عالم الملكوت و هي لا تناسب البدن فلما خلقها الله خلقا تحتاج في تصرفها و أعمالها و ترقياتها إلى البدن فكأنها تعلقت به كرها فلما أنست به و نسيت ما كانت عليه صعبت عليها مفارقتها للبدن أو أنه لما كانت محتاجة إلى البدن و رأته ضائعة مختلة لا يمكنها إعمالها فيما تريد فارقته كرها.
____________
(1) بماء على تكامل النفس بالحركة الجوهرية إلى مرتبة التجرد يمكن أن يكون التعبير بالنفخ إشارة إلى تكونها التدريجى.
(2) قرب الإسناد: 53.
31
3 الْعِلَلُ، وَ الْخِصَالُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْيَقْطِينِيِّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ يَحْيَى عَنْ جَدِّهِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ وَ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لَا يَنَامُ الرَّجُلُ (1) وَ هُوَ جُنُبٌ وَ لَا يَنَامُ إِلَّا عَلَى طَهُورٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ فَلْيَتَيَمَّمْ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّ رُوحَ الْمُؤْمِنِ تُرْفَعُ إِلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فَيَقْبَلُهَا وَ يُبَارِكُ عَلَيْهَا فَإِنْ كَانَ أَجَلُهَا قَدْ حَضَرَ جَعَلَهَا فِي كُنُوزِ (2) رَحْمَتِهِ وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَجَلُهَا قَدْ حَضَرَ بَعَثَ بِهَا مَعَ أُمَنَائِهِ مِنْ مَلَائِكَتِهِ فَيَرُدُّونَهَا فِي جَسَدِهَا (3).
4 مَجَالِسُ الصَّدُوقِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ الْعِبَادَ إِذَا نَامُوا خَرَجَتْ أَرْوَاحُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فَمَا رَأَتِ الرُّوحُ فِي السَّمَاءِ فَهُوَ الْحَقُّ وَ مَا رَأَتْ فِي الْهَوَاءِ فَهُوَ الْأَضْغَاثُ أَلَا وَ إِنَّ الْأَرْوَاحَ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَ مَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ (4) فَإِذَا كَانَتِ الرُّوحُ فِي السَّمَاءِ تَعَارَفَتْ
____________
(1) في العلل: المسلم.
(2) في العلل: مكنون.
(3) الخصال: 175، العلل: ج 1،(ص)279.
(4) توجد هذه الجملة «الأرواح جنود- الخ-» فى عدة من رواياتنا، و رويت بطرق عاميّة عن النبيّ (صّلى الّله عليه و آله) و سيأتي نقلها عن الشهاب تحت الرقم (50) و قد ذكر في بيانها وجوه مختلفة غير مستندة إلى ظاهر اللفظ. و الذي يظهر بالتأمل في نفس الرواية امور:
(الف) ان الأرواح جنود لا جند واحد، فهى في صفوف مختلفة كل صف يشتمل على عدة ارواح (ب) ان التعارف و التناكر في الأرواح يرتبطان بتجندها في جنود مختلفة، و لا سيما بالنظر الى لفظة الفاء في الرواية. (ج) ان الائتلاف و الاختلاف واقعان في هذا العالم الجسماني و باعتبار تعلقها بالابدان كما ان التعارف و التناكر المتفرعين على التجند في الجنود يتصف بهما الأرواح مع قطع النظر عن تعلقها بالابدان، و يؤيده بل يدلّ عليه ذيل هذه الرواية كما انه يؤيده أيضا ما ورد في شأن صدور الرواية النبويّة كما سيجيء نقلها عن «الضوء».
و يتحصل من هذه الأمور ان للأرواح وعاء تكون هي في ذلك الوعاء مصطفة في صفوف.
32
وَ تَبَاغَضَتْ فَإِذَا تَعَارَفَتْ فِي السَّمَاءِ تَعَارَفَتْ فِي الْأَرْضِ وَ إِذَا تَبَاغَضَتْ فِي السَّمَاءِ تَبَاغَضَتْ فِي الْأَرْضِ (1).
5 التَّوْحِيدُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ السِّنَانِيِّ وَ غَيْرِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبَرْمَكِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْعَبَّاسِ عَنْ عُبَيْسِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِيقَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ خَلْقاً وَ خَلَقَ رُوحاً ثُمَّ أَمَرَ مَلَكاً فَنَفَخَ فِيهِ فَلَيْسَتْ بِالَّتِي نَقَصَتْ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ شَيْئاً هِيَ مِنْ قُدْرَتِهِ (2).
مَجَالِسُ الصَّدُوقِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ وَ عَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ النَّوْفَلِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ(ع)الْمُؤْمِنُ يَرَى الرُّؤْيَا فَتَكُونُ كَمَا رَآهَا وَ رُبَّمَا رَأَى الرُّؤْيَا فَلَا تَكُونُ شَيْئاً فَقَالَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا نَامَ خَرَجَتْ مِنْ رُوحِهِ حَرَكَةٌ مَمْدُودَةٌ صَاعِدَةٌ إِلَى السَّمَاءِ فَكُلُّ مَا رَآهُ رُوحُ الْمُؤْمِنِ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاءِ فِي مَوْضِعِ التَّقْدِيرِ وَ التَّدْبِيرِ فَهُوَ الْحَقُّ وَ كُلُّ مَا رَآهُ فِي الْأَرْضِ فَهُوَ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ فَقُلْتُ لَهُ وَ تَصْعَدُ رُوحُ
____________
مختلفة، و اصطفاف عدة من الأرواح في صف واحد يوجب معرفة بعضها لبعض كما ان الاختلاف في الصفوف يلازم التناكر و عدم التعارف و من هذا التعارف و التناكر ينشأ الائتلاف و الاختلاف في هذا العالم فمنشأ التعارف هو الاصطفاف في صف واحد و بعبارة اخرى هو اتّحاد مرتبة الوجود او تقارب المراتب، كما ان منشأ التناكر هو الاختلاف في الصف و بعبارة اخرى هو اختلاف مرتبة الوجود او تباعد المراتب.
ثمّ ان الظاهر من قوله «الأرواح جنود.» انها بالفعل تكون في الصفوف المختلفة لا انها كانت في الماضى كذلك، فالظاهر منها- الذي يوجبه حمل اللفظ مادة و هيئة على المعنى الحقيقي- انها مع كونها متعلقة بالابدان لها وعاء آخر تكون هي في ذلك الوعاء مصطفة في صفوف مختلفة، و هذا لا يستقيم الا على القول بتجردها فان الاجسام اللطيفة المفروضة بعد حلولها في الأبدان لا يتصور لها اصطفاف و تعارف حقيقيان.
(1) الأمالي: 88.
(2) التوحيد: 113.
33
الْمُؤْمِنِ إِلَى السَّمَاءِ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ حَتَّى لَا يَبْقَى (1) شَيْءٌ فِي بَدَنِهِ فَقَالَ لَا لَوْ خَرَجَتْ كُلُّهَا حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهَا (2) شَيْءٌ إِذاً لَمَاتَ قُلْتُ فَكَيْفَ تَخْرُجُ (3) فَقَالَ أَ مَا تَرَى الشَّمْسَ فِي السَّمَاءِ فِي مَوْضِعِهَا وَ ضَوْؤُهَا وَ شُعَاعُهَا فِي الْأَرْضِ فَكَذَلِكَ الرُّوحُ أَصْلُهَا فِي الْبَدَنِ وَ حَرَكَتُهَا مَمْدُودَةٌ (4).
بيان فقه هذه الأخبار موقوف على تحقيق حقيقة الروح و قد مضى بعض القول فيها و سيأتي تمامه إن شاء الله.
7 الْإِحْتِجَاجُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّهُ سَأَلَ الصَّادِقَ(ع)قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَمَّنْ قَالَ بِتَنَاسُخِ الْأَرْوَاحِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ قَالُوا ذَلِكَ وَ بِأَيِّ حُجَّةٍ قَامُوا عَلَى مَذَاهِبِهِمْ قَالَ إِنَّ أَصْحَابَ التَّنَاسُخِ قَدْ خَلَّفُوا وَرَاءَهُمْ مِنْهَاجَ الدِّينِ وَ زَيَّنُوا لِأَنْفُسِهِمُ الضَّلَالاتِ وَ أَمْرَجُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الشَّهَوَاتِ وَ زَعَمُوا أَنَّ السَّمَاءَ خَاوِيَةٌ مَا فِيهَا شَيْءٌ مِمَّا يُوصَفُ وَ أَنَّ مُدَبِّرَ هَذَا الْعَالَمِ فِي صُورَةِ الْمَخْلُوقِينَ بِحُجَّةِ مَنْ رَوَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ وَ أَنَّهُ لَا جَنَّةَ وَ لَا نَارَ وَ لَا بَعْثَ وَ لَا نُشُورَ وَ الْقِيَامَةُ عِنْدَهُمْ خُرُوجُ الرُّوحِ مِنْ قَالَبِهِ وَ وُلُوجُهُ فِي قَالَبٍ آخَرَ إِنْ كَانَ مُحْسِناً فِي الْقَالَبِ الْأَوَّلِ أُعِيدَ فِي قَالَبٍ أَفْضَلَ مِنْهُ حُسْناً فِي أَعْلَى دَرَجَةِ الدُّنْيَا وَ إِنْ كَانَ مُسِيئاً أَوْ غَيْرَ عَارِفٍ صَارَ فِي بَعْضِ الدَّوَابِّ الْمُتْعَبَةِ فِي الدُّنْيَا أَوْ هَوَامَّ مُشَوَّهَةِ الْخِلْقَةِ وَ لَيْسَ عَلَيْهِمْ صَوْمٌ وَ لَا صَلَاةٌ وَ لَا شَيْءٌ مِنَ الْعِبَادَةِ أَكْثَرَ مِنْ مَعْرِفَةِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَتُهُ وَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا مُبَاحٌ لَهُمْ مِنْ فُرُوجِ النِّسَاءِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَخَوَاتِ وَ الْبَنَاتِ وَ الْخَالاتِ وَ ذَوَاتِ الْبُعُولَةِ وَ كَذَلِكَ الْمَيْتَةُ وَ الْخَمْرُ وَ الدَّمُ فَاسْتَقْبَحَ مَقَالَتَهُمْ كُلُّ الْفِرَقِ وَ لَعَنَهُمْ كُلُّ الْأُمَمِ فَلَمَّا سُئِلُوا الْحُجَّةَ زَاغُوا وَ حَادُوا فَكَذَّبَ مَقَالَتَهُمُ التَّوْرَاةُ وَ لَعَنَهُمُ الْفُرْقَانُ وَ زَعَمُوا مَعَ ذَلِكَ أَنَّ إِلَهَهُمْ يَنْتَقِلُ مِنْ قَالَبٍ إِلَى قَالَبٍ وَ أَنَّ الْأَرْوَاحَ الْأَزَلِيَّةَ هِيَ الَّتِي
____________
(1) في المصدر: لا يبقى منه شيء.
(2) فيه: منه.
(3) فيه: يخرج.
(4) الأمالي: 88.
34
كَانَتْ فِي آدَمَ ثُمَّ هَلُمَّ جَرّاً إِلَى يَوْمِنَا هَذَا فِي وَاحِدٍ بَعْدَ آخَرَ فَإِذَا كَانَ الْخَالِقُ فِي صُورَةِ الْمَخْلُوقِ فَبِمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا خَالِقُ صَاحِبِهِ وَ قَالُوا إِنَّ الْمَلَائِكَةَ مِنْ وُلْدِ آدَمَ كُلُّ مَنْ صَارَ فِي أَعْلَى دَرَجَةِ دِينِهِمْ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلَةِ الِامْتِحَانِ وَ التَّصْفِيَةِ فَهُوَ مَلَكٌ فَطَوْراً تَخَالُهُمْ نَصَارَى فِي أَشْيَاءَ وَ طَوْراً دَهْرِيَّةً يَقُولُونَ إِنَّ الْأَشْيَاءَ عَلَى غَيْرِ الْحَقِيقَةِ فَقَدْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَأْكُلُوا شَيْئاً مِنَ اللُّحْمَانِ لِأَنَّ الدَّوَابَّ عِنْدَهُمْ كُلَّهَا مِنْ وُلْدِ آدَمَ حُوِّلُوا فِي صُوَرِهِمْ فَلَا يَجُوزُ أَكْلُ لُحُومِ الْقُرُبَاتِ (1) وَ سَاقَ الْحَدِيثَ الطَّوِيلَ إِلَى أَنْ قَالَ أَخْبِرْنِي عَنِ السِّرَاجِ إِذَا انْطَفَأَ أَيْنَ يَذْهَبُ نُورُهُ قَالَ يَذْهَبُ فَلَا يَعُودُ قَالَ فَمَا أَنْكَرْتَ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ مِثْلَ ذَلِكَ إِذَا مَاتَ وَ فَارَقَ الرُّوحُ الْبَدَنَ لَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ أَبَداً كَمَا لَا يَرْجِعُ ضَوْءُ السِّرَاجِ إِلَيْهِ أَبَداً إِذَا انْطَفَأَ قَالَ لَمْ تُصِبِ الْقِيَاسَ إِنَّ النَّارَ فِي الْأَجْسَامِ كَامِنَةٌ وَ الْأَجْسَامَ قَائِمَةٌ بِأَعْيَانِهَا كَالْحَجَرِ وَ الْحَدِيدِ فَإِذَا ضُرِبَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ سَطَعَتْ (2) مِنْ بَيْنِهِمَا نَارٌ يُقْتَبَسُ مِنْهَا سِرَاجٌ لَهُ الضَّوْءُ فَالنَّارُ ثَابِتَةٌ فِي أَجْسَامِهَا وَ الضَّوْءُ ذَاهِبٌ وَ الرُّوحُ جِسْمٌ رَقِيقٌ قَدْ أُلْبِسَ قَالَباً كَثِيفاً وَ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ السِّرَاجِ الَّذِي ذَكَرْتَ إِنَّ الَّذِي خَلَقَ فِي الرَّحِمِ جَنِيناً مِنْ مَاءٍ صَافٍ وَ رَكَّبَ فِيهِ ضُرُوباً مُخْتَلِفَةً مِنْ عُرُوقٍ وَ عَصَبٍ وَ أَسْنَانٍ وَ شَعْرٍ وَ عِظَامٍ وَ غَيْرِ ذَلِكَ هُوَ يُحْيِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَ يُعِيدُهُ بَعْدَ فَنَائِهِ قَالَ فَأَيْنَ الرُّوحُ قَالَ فِي بَطْنِ الْأَرْضِ حَيْثُ مَصْرَعِ الْبَدَنِ إِلَى وَقْتِ الْبَعْثِ قَالَ فَمَنْ صُلِبَ أَيْنَ رُوحُهُ قَالَ فِي كَفِّ الْمَلَكِ الَّذِي قَبَضَهَا حَتَّى يُودِعَهَا الْأَرْضَ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنِ الرُّوحِ أَ غَيْرُ الدَّمِ قَالَ نَعَمْ الرُّوحُ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ مَادَّتُهُ مِنَ الدَّمِ وَ مِنَ الدَّمِ رُطُوبَةُ الْجِسْمِ وَ صَفَاءُ اللَّوْنِ وَ حُسْنُ الصَّوْتِ وَ كَثْرَةُ الضَّحِكِ فَإِذَا جَمَدَ الدَّمُ فَارَقَ الرُّوحُ الْبَدَنَ قَالَ فَهَلْ يُوصَفُ بِخِفَّةٍ وَ ثِقَلٍ وَ وَزْنٍ قَالَ الرُّوحُ بِمَنْزِلَةِ الرِّيحِ فِي الزِّقِّ إِذَا نُفِخَتْ فِيهِ امْتَلَأَ الزِّقُّ مِنْهَا فَلَا يَزِيدُ فِي وَزْنِ الزِّقِّ وُلُوجُهَا فِيهِ وَ لَا يَنْقُصُهَا خُرُوجُهَا مِنْهُ كَذَلِكَ الرُّوحُ لَيْسَ لَهَا ثِقَلٌ وَ لَا وَزْنٌ
____________
(1) الاحتجاج: 188.
(2) في المصدر: سقطت.
35
قَالَ فَأَخْبِرْنِي مَا جَوْهَرُ الرِّيحِ (1) قَالَ الرِّيحُ هَوَاءٌ إِذَا تَحَرَّكَ سُمِّيَ رِيحاً فَإِذَا سَكَنَ سُمِّيَ هَوَاءً وَ بِهِ قِوَامُ الدُّنْيَا وَ لَوْ كُفَّ الرِّيحُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَفَسَدَ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَ نَتُنَ وَ ذَلِكَ أَنَّ الرِّيحَ بِمَنْزِلَةِ الْمِرْوَحَةِ تَذُبُّ وَ تَدْفَعُ الْفَسَادَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وَ تُطَيِّبُهُ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الرُّوحِ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْبَدَنِ نَتُنَ الْبَدَنُ وَ تَغَيَّرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ قَالَ أَ فَيَتَلَاشَى الرُّوحُ بَعْدَ خُرُوجِهِ عَنْ قَالَبِهِ أَمْ هُوَ بَاقٍ قَالَ بَلْ هُوَ بَاقٍ إِلَى وَقْتِ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَبْطُلُ الْأَشْيَاءُ وَ تَفْنَى فَلَا حِسَّ وَ لَا مَحْسُوسَ ثُمَّ أُعِيدَتِ الْأَشْيَاءُ كَمَا بَدَأَهَا مُدَبِّرُهَا وَ ذَلِكَ أَرْبَعُمِائَةِ سَنَةٍ يَسْبُتُ فِيهَا الْخَلْقُ وَ ذَلِكَ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ قَالَ وَ أَنَّى لَهُ بِالْبَعْثِ وَ الْبَدَنُ قَدْ بَلِيَ وَ الْأَعْضَاءُ قَدْ تَفَرَّقَتْ فَعُضْوٌ بِبَلْدَةٍ تَأْكُلُهَا سِبَاعُهَا وَ عُضْوٌ بِأُخْرَى تُمَزِّقُهُ هَوَامُّهَا وَ عُضْوٌ قَدْ صَارَ تُرَاباً بُنِيَ بِهِ مَعَ الطِّينِ حَائِطٌ قَالَ إِنَّ الَّذِي أَنْشَأَهُ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ وَ صَوَّرَهُ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ كَانَ سَبَقَ إِلَيْهِ قَادِرٌ أَنْ يُعِيدَهُ كَمَا بَدَأَهُ قَالَ أَوْضِحْ لِي ذَلِكَ قَالَ إِنَّ الرُّوحَ مُقِيمَةٌ فِي مَكَانِهَا رُوحُ الْمُحْسِنِ فِي ضِيَاءٍ وَ فُسْحَةٍ وَ رُوحُ الْمُسِيءِ فِي ضِيقٍ وَ ظُلْمَةٍ وَ الْبَدَنُ يَصِيرُ تُرَاباً كَمَا مِنْهُ خُلِقَ وَ مَا تَقْذِفُ بِهِ السِّبَاعُ وَ الْهَوَامُّ مِنْ أَجْوَافِهَا مِمَّا أَكَلَتْهُ وَ مَزَّقَتْهُ كُلُّ ذَلِكَ فِي التُّرَابِ مَحْفُوظٌ عِنْدَ مَنْ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ عَدَدَ الْأَشْيَاءِ وَ وَزْنَهَا وَ إِنَّ تُرَابَ الرُّوحَانِيِّينَ بِمَنْزِلَةِ الذَّهَبِ فِي التُّرَابِ فَإِذَا كَانَ حِينَ الْبَعْثِ مُطِرَتِ الْأَرْضُ مَطَرَ النُّشُورِ فَتَرْبُو الْأَرْضُ ثُمَّ تُمْخَضُ مَخْضَ السِّقَاءِ فَيَصِيرُ تُرَابُ الْبَشَرِ كَمَصِيرِ الذَّهَبِ مِنَ التُّرَابِ إِذَا غُسِلَ بِالْمَاءِ وَ الزَّبَدِ مِنَ اللَّبَنِ إِذَا مُخِضَ فَيَجْتَمِعُ تُرَابُ كُلِّ قَالَبٍ فَيُنْقَلُ بِإِذْنِ اللَّهِ الْقَادِرِ إِلَى حَيْثُ الرُّوحِ فَتَعُودُ الصُّوَرُ بِإِذْنِ الْمُصَوِّرِ كَهَيْئَتِهَا وَ تَلِجُ الرُّوحُ فِيهَا فَإِذَا قَدِ اسْتَوَى لَا يُنْكِرُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئاً (2).
بيان: من فروج النساء أي الأجانب غير ذات البعولة و ظاهر الخبر أن الروح جسم لطيف و أوله بعض القائلين بالتجرد بتأويلات ستأتي الإشارة إلى بعضها
____________
(1) عن جوهر الروح (خ).
(2) الاحتجاج: 191- 192.
36
و كذا أولوا
- مَا رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)فِي وَصْفِ الرُّوحِ أَنَّهُ قَالَ وَ بِهَا يُؤْمَرُ الْبَدَنُ وَ يُنْهَى وَ يُثَابُ وَ يُعَاقَبُ وَ قَدْ تُفَارِقُهُ وَ يُلْبِسُهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ غَيْرَهُ كَمَا تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ.
و قال بعضهم قوله(ع)و قد تفارقه و يلبسها الله غيره صريح في أنها مجردة عن البدن مستقلة و أنه ليس المراد بها الروح البخارية قال و أما إطلاق الجسم عليه فلأن نشأة الملكوت أيضا جسمانية من حيث الصورة و إن لم تكن مادية.
8 الْعِلَلُ، وَ الْعُيُونُ، عَنْ أَبِيهِ وَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيِّ وَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَطَّارِ وَ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ جَمِيعاً عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ دَاوُدَ بْنِ قَاسِمٍ الْجَعْفَرِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الثَّانِي(ع)قَالَ: أَقْبَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)ذَاتَ يَوْمٍ وَ مَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)وَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ (رحمه اللّه) وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مُتَّكِئٌ عَلَى يَدِ سَلْمَانَ وَ دَخَلَ مَسْجِدَ الْحَرَامِ (1) إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ وَ اللِّبَاسِ فَسَلَّمَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَرَدَّ (عليه السلام) فَجَلَسَ ثُمَّ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَسْأَلُكَ عَنْ ثَلَاثِ مَسَائِلَ إِنْ أَخْبَرْتَنِي بِهِنَّ عَلِمْتُ أَنَّ الْقَوْمَ رَكِبُوا مِنْ أَمْرِكَ مَا أَقْضِي عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مَأْمُونِينَ فِي دُنْيَاهُمْ وَ لَا فِي آخِرَتِهِمْ وَ إِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى عَلِمْتُ أَنَّكَ وَ هُمْ شَرَعٌ سَوَاءٌ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)سَلْنِي عَمَّا بَدَا لَكَ فَقَالَ أَخْبِرْنِي عَنِ الرَّجُلِ إِذَا نَامَ أَيْنَ تَذْهَبُ رُوحُهُ وَ عَنِ الرَّجُلِ كَيْفَ يَذْكُرُ وَ يَنْسَى وَ عَنِ الرَّجُلِ كَيْفَ يُشْبِهُ وَلَدُهُ الْأَعْمَامَ وَ الْأَخْوَالَ فَالْتَفَتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)فَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَجِبْهُ فَقَالَ(ع)أَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الْإِنْسَانِ إِذَا نَامَ أَيْنَ تَذْهَبُ رُوحُهُ فَإِنَّ رُوحَهُ مُتَعَلِّقَةٌ (2) بِالرِّيحِ وَ الرِّيحُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْهَوَاءِ إِلَى وَقْتِ مَا يَتَحَرَّكُ صَاحِبُهَا لِلْيَقَظَةِ فَإِنْ أَذِنَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِرَدِّ تِلْكَ الرُّوحِ عَلَى صَاحِبِهَا جَذَبَتْ تِلْكَ الرُّوحُ الرِّيحَ وَ جَذَبَتْ تِلْكَ الرِّيحُ الْهَوَاءَ فَرَجَعَتِ الرُّوحُ فَاسْتَكَنَتْ (3) فِي بَدَنِ صَاحِبِهَا فَإِنْ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ عَزَّ
____________
(1) في العلل و الاحتجاج: فجلس.
(2) في العلل «معلقة» فى الموضعين.
(3) في العيون «فاسكنت» و في الاحتجاج «فسكنت».
37
وَ جَلَّ بِرَدِّ تِلْكَ الرُّوحِ عَلَى صَاحِبِهَا جَذَبَ الْهَوَاءُ الرِّيحَ فَجَذَبَتِ الرِّيحُ الرُّوحَ فَلَمْ تُرَدَّ عَلَى صَاحِبِهَا إِلَى وَقْتِ مَا يُبْعَثُ وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِ الذُّكْرِ وَ النِّسْيَانِ فَإِنَّ قَلْبَ الرَّجُلِ فِي حُقٍّ وَ عَلَى الْحُقِّ طَبَقٌ فَإِنْ صَلَّى الرَّجُلُ عِنْدَ ذَلِكَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَاةً تَامَّةً انْكَشَفَ ذَلِكَ الطَّبَقُ عَنْ ذَلِكَ الْحُقِّ فَأَضَاءَ الْقَلْبُ وَ ذَكَرَ الرَّجُلُ مَا كَانَ نَسِيَ وَ إِنْ هُوَ لَمْ يُصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ- أَوْ نَقَصَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ انْطَبَقَ ذَلِكَ الطَّبَقُ عَلَى ذَلِكَ الْحُقِّ فَأَظْلَمَ الْقَلْبُ وَ نَسِيَ الرَّجُلُ مَا كَانَ ذَكَرَهُ وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِ الْمَوْلُودِ (1) الَّذِي يُشْبِهُ أَعْمَامَهُ وَ أَخْوَالَهُ فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ فَجَامَعَهَا بِقَلْبٍ سَاكِنٍ وَ عُرُوقٍ هَادِئَةٍ وَ بَدَنٍ غَيْرِ مُضْطَرِبٍ فَاسْتَكَنَتْ تِلْكَ النُّطْفَةُ فِي جَوْفِ الرَّحِمِ خَرَجَ الْوَلَدُ يُشْبِهُ أَبَاهُ وَ أُمَّهُ وَ إِنْ هُوَ أَتَاهَا بِقَلْبٍ غَيْرِ سَاكِنٍ وَ عُرُوقٍ غَيْرِ هَادِئَةٍ وَ بَدَنٍ مُضْطَرِبٍ اضْطَرَبَتِ النُّطْفَةُ (2) فَوَقَعَتْ فِي حَالِ اضْطِرَابِهَا عَلَى بَعْضِ الْعُرُوقِ فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى عِرْقٍ مِنْ عُرُوقِ الْأَعْمَامِ أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَعْمَامَهُ وَ إِنْ وَقَعَتْ عَلَى عِرْقٍ مِنْ عُرُوقِ الْأَخْوَالِ أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَخْوَالَهُ فَقَالَ الرَّجُلُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ لَمْ أَزَلْ أَشْهَدُ بِهَا أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ (3) وَ رَسُولُهُ وَ لَمْ أَزَلْ أَشْهَدُ بِذَلِكَ وَ أَشْهَدُ أَنَّكَ وَصِيُّ رَسُولِهِ وَ الْقَائِمُ بِحُجَّتِهِ وَ أَشَارَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ لَمْ أَزَلْ أَشْهَدُ بِهَا وَ أَشْهَدُ أَنَّكَ وَصِيُّهُ وَ الْقَائِمُ بِحُجَّتِهِ أَشَارَ إِلَى الْحَسَنِ(ع)وَ أَشْهَدُ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ وَصِيُّ أَبِيكَ وَ الْقَائِمُ بِحُجَّتِهِ بَعْدَكَ وَ أَشْهَدُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ الْحُسَيْنِ بَعْدَهُ وَ أَشْهَدُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَ أَشْهَدُ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَ أَشْهَدُ عَلَى مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّهُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ أَشْهَدُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ
____________
(1) في العلل: الرجل الذي يشبه ولده اعمامه.
(2) في العلل: اضطربت تلك النطفة في جوف تلك الرحم فوقعت على عرق من العروق فان.
(3) في المصادر الثلاثة: رسول اللّه.
38
مُوسَى أَنَّهُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ وَ أَشْهَدُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى وَ أَشْهَدُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَ أَشْهَدُ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ أَشْهَدُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ وُلْدِ الْحَسَنِ (1) بْنِ عَلِيٍّ لَا يُسَمَّى وَ لَا يُكَنَّى حَتَّى يَظْهَرَ أَمْرُهُ فَيَمْلَؤُهَا (2) عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً أَنَّهُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ ثُمَّ قَامَ وَ مَضَى فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَا أَبَا مُحَمَّدٍ اتَّبِعْهُ فَانْظُرْ أَيْنَ يَقْصِدُ فَخَرَجَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)فِي أَثَرِهِ قَالَ فَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ وَضَعَ رِجْلَهُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَمَا دَرَيْتُ أَيْنَ أَخَذَ مِنْ أَرْضِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَرَجَعْتُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَأَعْلَمْتُهُ فَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَ تَعْرِفُهُ قُلْتُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَعْلَمُ فَقَالَ هُوَ الْخَضِرُ (3).
الإحتجاج، مرسلا مثله (4)- المحاسن، عن أبيه عن داود بن القاسم مثله (5) بيان فإن روحه متعلقة بالريح يحتمل أن يكون المراد بالروح الروح الحيوانية و بالريح النفس و بالهواء الهواء الخارج المنجذب بالنفس و أن يكون المراد بالروح النفس مجردة كانت أم مادية و بالريح الروح الحيوانية لشباهتها بالريح في لطافتها و تحركها و نفوذها في مجاري البدن و بالهواء النفس و الحق جمع حقة بالضم فيهما و هي وعاء من خشب و لعل الجمعية هنا لاشتمال القلب الصنوبري على تجاويف و أغشية أو لاشتمال محله عليها أو هي باعتبار الإفراط و الحق مخفف حقة و الطبق محركة غطاء كل شيء و لا يبعد أن يكون الكلام مبنيا على الاستعارة و التمثيل فإن الصلاة على محمد و آل محمد لما كانت سببا للقرب من المبدإ و استعداد النفس لإفاضة العلوم عليها فكان الشواغل النفسانية الموجبة للبعد عن الحق
____________
(1) في العلل: الحسين.
(2) في الاحتجاج: فيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا.
(3) علل الشرائع: ج 1،(ص)90- 92، العيون: ج 1، 65- 68.
(4) الاحتجاج: 142- 143.
(5) المحاسن: 332.
39
تعالى طبق عليها فتصير الصلاة سببا لكشفه و تنوّر القلب و استعداده لفيض الحق إما بإفاضة الصورة ثانية أو باستردادها من الخزانة.
9- تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْقَاسِمِ الْجَعْفَرِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي(ع)قَالَ: أَقْبَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَوْماً وَ يَدُهُ عَلَى عَاتِقِ سَلْمَانَ مَعَهُ الْحَسَنُ(ع)حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَمَّا جَلَسَ جَاءَ رَجُلٌ عَلَيْهِ بُرْدٌ حَسَنٌ فَسَلَّمَ وَ جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ مَسَائِلَ فَإِنْ أَنْتَ أَجَبْتَ (1) مِنْهَا عَلِمْتُ أَنَّ الْقَوْمَ نَالُوا مِنْكَ وَ أَنْتَ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْ غَيْرِكَ وَ إِنْ لَمْ تُجِبْنِي (2) عَنْهَا عَلِمْتُ أَنَّكَ وَ الْقَوْمَ شَرَعٌ سَوَاءٌ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)سَلِ ابْنِي هَذَا يَعْنِي الْحَسَنَ فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ بِوَجْهِهِ عَلَى الْحَسَنِ(ع)فَقَالَ لَهُ يَا بُنَيَّ أَخْبِرْنِي عَنِ الرَّجُلِ إِذَا نَامَ أَيْنَ يَكُونُ رُوحُهُ وَ عَنِ الرَّجُلِ يَسْمَعُ الشَّيْءَ فَيَذْكُرُهُ دَهْراً ثُمَّ يَنْسَاهُ فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ كَيْفَ هَذَا وَ أَخْبِرْنِي عَنِ الرَّجُلِ يَلِدُ لَهُ الْأَوْلَادُ مِنْهُمْ مَنْ يُشْبِهُ أَبَاهُ وَ عُمُومَتَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يُشْبِهُ أُمَّهُ وَ أَخْوَالَهُ فَكَيْفَ هَذَا فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ(ع)نَعَمْ أَمَّا الرَّجُلُ إِذَا نَامَ فَإِنَّ رُوحَهُ يَخْرُجُ مِثْلَ شُعَاعِ الشَّمْسِ فَيَتَعَلَّقُ بِالرِّيحِ وَ الرِّيحُ بِالْهَوَاءِ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ تَرْجِعَ جَذَبَ الْهَوَاءُ الرِّيحَ وَ جَذَبَ الرِّيحُ الرُّوحَ فَرَجَعَتْ إِلَى الْبَدَنِ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْبِضَهَا جَذَبَ الْهَوَاءُ الرِّيحَ وَ جَذَبَ الرِّيحُ الرُّوحَ فَقَبَضَهَا (3) وَ أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي يَنْسَى الشَّيْءَ ثُمَّ يَذْكُرُهُ فَمَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا عَلَى رَأْسِ فُؤَادِهِ حُقَّةٌ مَفْتُوحَةُ الرَّأْسِ فَإِذَا سَمِعَ الشَّيْءَ وَقَعَ فِيهَا فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَنْسَاهَا طَبَّقَ عَلَيْهَا وَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَهُ فَتَحَهَا وَ هَذَا دَلِيلُ الْإِلَهِيَّةِ وَ أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي يَلِدُ لَهُ الْأَوْلَادُ فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ فَإِنَّ الْوَلَدَ يُشْبِهُ أَبَاهُ وَ عُمُومَتَهُ وَ إِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ يُشْبِهُ أُمَّهُ وَ أَخْوَالَهُ (4) فَالْتَفَتَ الرَّجُلُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ لَمْ أَزَلْ أَقُولُهَا وَ أَشْهَدُ
____________
(1) في المصدر: خرجت.
(2) فيه: لم تخرج منها.
(3) في المصدر: فيقبضها إليه.
(4) فيه: خئولته.
40
أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ (1) وَ لَمْ أَزَلْ أَقُولُهَا وَ أَشْهَدُ أَنَّكَ وَصِيُّ مُحَمَّدٍ وَ خَلِيفَتُهُ فِي أُمَّتِهِ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَقّاً وَ أَنَّ الْحَسَنَ الْقَائِمُ بِأَمْرِكَ وَ أَنَّ الْحُسَيْنَ الْقَائِمُ مِنْ بَعْدِهِ بِأَمْرِهِ وَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ الْقَائِمُ بِأَمْرِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ وَ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ وَ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى وَ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ وَ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ وَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَ وَصِيَّ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْقَائِمُ بِالْقِسْطِ الْمُنْتَظَرُ الَّذِي يَمْلَؤُهَا قِسْطاً وَ عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَ جَوْراً ثُمَّ قَامَ وَ خَرَجَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لِلْحَسَنِ هَذَا أَخِي الْخَضِرُ (2).
بيان و هذا دليل الإلهية أي كون الذكر و النسيان بيد الله و من قبله دليل على وجود الصانع كما قال أمير المؤمنين(ع)عرفت الله بفسخ العزائم و في بعض النسخ الإلهامية أي العلوم الإلهامية فإنه إذا كان الذكر من قبله تعالى فالعلوم كلها منه و يجوز أن يلهم من يشاء من عباده ما يشاء و الأول أظهر.
10- التَّوْحِيدُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْقَطَّانِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ السَّكْرَانِيِ (3) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا الْجَوْهَرِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الصَّادِقِ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِنَّ لِلْجِسْمِ سِتَّةَ أَحْوَالٍ الصِّحَّةَ وَ الْمَرَضَ وَ الْمَوْتَ وَ الْحَيَاةَ وَ النَّوْمَ وَ الْيَقَظَةَ وَ كَذَلِكَ الرُّوحُ فَحَيَاتُهَا عِلْمُهَا وَ مَوْتُهَا جَهْلُهَا وَ مَرَضُهَا شَكُّهَا وَ صِحَّتُهَا يَقِينُهَا وَ نَوْمُهَا غَفْلَتُهَا وَ يَقَظَتُهَا حِفْظُهَا (4).
11 مُنْتَخَبُ الْبَصَائِرِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ وَ مُوسَى بْنِ عُمَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَثَلُ رُوحِ الْمُؤْمِنِ وَ بَدَنِهِ كَجَوْهَرَةٍ فِي صُنْدُوقٍ إِذَا أُخْرِجَتِ (5) الْجَوْهَرَةُ مِنْهُ طُرِحَ الصُّنْدُوقُ وَ لَمْ يُعْبَأْ بِهِ وَ قَالَ إِنَّ الْأَرْوَاحَ
____________
(1) في المصدر و بعض نسخ الكتاب: عبده و رسوله.
(2) تفسير القمّيّ: 405- 406.
(3) في المصدر و بعض نسخ الكتاب «السكرى» و في بعضها «السكران» و لم نجد له ذكرا في كتب الرجال.
(4) التوحيد: 219.
(5) في البصائر: خرجت.
41
لَا تُمَازِجُ الْبَدَنَ وَ لَا تُوَاكِلُهُ (1) وَ إِنَّمَا هِيَ كِلَلٌ (2) لِلْبَدَنِ مُحِيطَةٌ بِهِ.
البصائر، عن بعض أصحابنا عن المفضل مثله (3) بيان استدل بآخر هذه الرواية على تجرد الروح إذ لم يقل أحد بكونها جسما خارجا من البدن و يمكن أن يكون هذا بيان حالها بعد الموت فإن أول الخبر ظاهره الدخول.
12- الْمَنَاقِبُ لِابْنِ شَهْرَآشُوبَ، سَأَلَ أَبَا بَكْرٍ نَصْرَانِيَّانِ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْحُبِّ وَ الْبُغْضِ وَ مَعْدِنُهُمَا وَاحِدٌ وَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ وَ الرُّؤْيَا الْكَاذِبَةِ وَ مَعْدِنُهُمَا وَاحِدٌ فَأَشَارَ إِلَى عُمَرَ فَلَمَّا سَأَلَاهُ أَشَارَ إِلَى عَلِيٍّ فَلَمَّا سَأَلَاهُ عَنِ الْحُبِّ وَ الْبُغْضِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَجْسَادِ بِأَلْفَيْ عَامٍ فَأَسْكَنَهَا الْهَوَاءَ فَمَهْمَا تَعَارَفَ هُنَاكَ ائْتَلَفَ هَاهُنَا وَ مَهْمَا تَنَاكَرَ هُنَاكَ اخْتَلَفَ هَاهُنَا ثُمَّ سَأَلَاهُ عَنِ الْحِفْظِ وَ النِّسْيَانِ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ ابْنَ آدَمَ وَ جَعَلَ لِقَلْبِهِ غَاشِيَةً فَمَهْمَا مَرَّ بِالْقَلْبِ وَ الْغَاشِيَةُ مُنْفَتِحَةٌ حَفِظَ وَ أَحْصَى وَ مَهْمَا مَرَّ بِالْقَلْبِ وَ الْغَاشِيَةُ مُنْطَبِقَةٌ لَمْ يَحْفَظْ وَ لَمْ يُحْصِ ثُمَّ سَأَلَاهُ عَنِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ وَ الرُّؤْيَا الْكَاذِبَةِ فَقَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الرُّوحَ وَ جَعَلَ لَهَا سُلْطَاناً فَسُلْطَانُهَا النَّفْسُ فَإِذَا نَامَ الْعَبْدُ خَرَجَ الرُّوحُ وَ بَقِيَ سُلْطَانُهُ فَيَمُرُّ بِهِ جِيلٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَ جِيلٌ مِنَ الْجِنِّ فَمَهْمَا كَانَ مِنَ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ فَمِنَ الْمَلَائِكَةِ وَ مَهْمَا كَانَ مِنَ الرُّؤْيَا الْكَاذِبَةِ فَمِنَ الْجِنِّ فَأَسْلَمَا عَلَى يَدَيْهِ وَ قُتِلَا مَعَهُ يَوْمَ صِفِّينَ (4).
بيان يحتمل أن تكون الغاشية كناية عما يعرض القلب من الخيالات الفاسدة و التعلقات الباطلة لأنها شاغلة للنفس عن إدراك العلوم و المعارف كما ينبغي و عن حفظها كما مر و المراد بالنفس هنا إما الروح البخارية الحيوانية و بالروح النفس الناطقة فالمراد بقوله سلطانها السلطان المنسوب من قبلها على البدن و أنها مسلطة على
____________
(1) في البصائر: لا تداخله.
(2) فيه: كالكلل.
(3) بصائر الدرجات: 463.
(4) المناقب، ج 2،(ص)357،.
42
الروح من جهة أن تعلقها بالبدن مشروطة (1) بها و تابعة لها فإذا زالت الحيوانية انقطع تعلق الناطقة أو خرجت عن البدن و يحتمل العكس فالمراد بخروج الروح خروجها من الأعضاء الظاهرة و ميلها إلى الباطن و تسلط الناطقة على الحيوانية ظاهر لكونها المدبرة للبدن و جميع أجزائه و التفريع في قوله(ع)فيمر به على الوجهين ظاهر فإنه لبقاء السلطان في البدن لم تذهب الحياة بالكلية و بقيت الحواس الباطنة مدركة فإلهام الملائكة و وساوس الشياطين أيضا باقية.
13 الْعَيَّاشِيُّ، عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنْقَوْلِ اللَّهِ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي قَالَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ وَ اللَّهُ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ (2).
بيان يمكن حمل الخبر على الروح الإنساني و إن كان ظاهره الملك أو خلق أعظم منه كما مر.
14- الْعَيَّاشِيُّ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَحَدِهِمَا(ع)قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْقَوْلِهِ وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي قَالَ (3) الَّتِي فِي الدَّوَابِّ وَ النَّاسِ قُلْتُ وَ مَا هِيَ قَالَ هِيَ مِنَ الْمَلَكُوتِ مِنَ الْقُدْرَةِ (4).
15- وَ عَنْ أَسْبَاطِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: خَلْقٌ أَعْظَمُ مِنْ جَبْرَئِيلَ وَ مِيكَائِيلَ وَ هُوَ مَعَ الْأَئِمَّةِ يُفَقِّهُهُمْ وَ هُوَ مِنَ الْمَلَكُوتِ.
16- الْمَنَاقِبُ، يُونُسُ فِي حَدِيثِهِ قَالَ: سَأَلَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)لِمَ يَمِيلُ الْقَلْبُ إِلَى الْخُضْرَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَمِيلُ إِلَى غَيْرِهَا قَالَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْقَلْبَ أَخْضَرَ وَ مِنْ شَأْنِ الشَّيْءِ أَنْ يَمِيلَ إِلَى شَكْلِهِ (5).
____________
(1) كذا، و الصواب: مشروط بها و تابع لها.
(2) تفسير العيّاشيّ: ج 2،(ص)316.
(3) في المصدر: ما الروح؟ قال.
(4) تفسير العيّاشيّ: ج 2،(ص)317.
(5) المناقب: ج 4،(ص)256.
43
17- جَامِعُ الْأَخْبَارِ، سَأَلَ أَبُو بَصِيرٍ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)الرَّجُلُ نَائِمٌ هُنَا وَ الْمَرْأَةُ النَّائِمَةُ يَرَيَانِ أَنَّهُمَا بِمَكَّةَ أَوْ بِمِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ أَرْوَاحُهُمَا خَارِجٌ (1) مِنْ أَبْدَانِهِمَا قَالَ لَا يَا أَبَا بَصِيرٍ فَإِنَّ الرُّوحَ إِذَا فَارَقَتِ الْبَدَنَ لَمْ تَعُدْ إِلَيْهِ غَيْرَ أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ عَيْنِ الشَّمْسِ هِيَ مُرَكَّبَةٌ (2) فِي السَّمَاءِ فِي كَبِدِهَا وَ شُعَاعُهَا فِي الدُّنْيَا.
18- عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ الْعِبَادَ إِذَا نَامُوا خَرَجَتْ أَرْوَاحُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَمَا رَأَتِ الرُّوحُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَهُوَ الْحَقُّ وَ مَا رَأَتْ فِي الْهَوَاءِ فَهُوَ الْأَضْغَاثُ.
19 رُوِيَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ(ع)يَقُولُ إِنَّ الْمَرْءَ إِذَا نَامَ فَإِنَّ رُوحَ الْحَيَوَانِ بَاقِيَةٌ فِي الْبَدَنِ وَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ رُوحُ الْعَقْلِ فَقَالَ عَبْدُ الْغَفَّارِ الْأَسْلَمِيُّ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها إِلَى قَوْلِهِ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أَ فَلَيْسَ تُرَى الْأَرْوَاحُ كُلُّهَا تَصِيرُ إِلَيْهِ عِنْدَ مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ مَا يَشَاءُ وَ يُرْسِلُ مَا يَشَاءُ فَقَالَ لَهُ أَبُو الْحَسَنِ(ع)إِنَّمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ أَرْوَاحُ الْعُقُولِ فَأَمَّا أَرْوَاحُ الْحَيَاةِ فَإِنَّهَا فِي الْأَبْدَانِ لَا يَخْرُجُ إِلَّا بِالْمَوْتِ وَ لَكِنَّهُ إِذَا قَضَى عَلَى نَفْسٍ الْمَوْتَ قَبَضَ الرُّوحَ الَّذِي فِيهِ الْعَقْلُ وَ لَوْ كَانَتْ رُوحُ الْحَيَاةِ خَارِجَةً لَكَانَ بَدَناً مُلْقًى لَا يَتَحَرَّكُ وَ لَقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ لِهَذَا مَثَلًا فِي كِتَابِهِ فِي أَصْحَابِ الْكَهْفِ حَيْثُ قَالَ وَ نُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَ ذاتَ الشِّمالِ أَ فَلَا تَرَى أَنَّ أَرْوَاحَهُمْ فِيهِمْ بِالْحَرَكَاتِ.
توضيح الظاهر أن الروح التي في خبر أبي بصير المراد بها روح الحياة أو المراد بالخروج في الأخبار الأخر إعراضها عن البدن و توجهها إلى عالمها الأصلية و هي عالم الملكوت كما يظهر من التمثيل بالشمس قوله(ع)و لكنه إذا قضى أي بالنوم و كأن فيه سقطا.
20- الْكَافِي، عَنِ الْعِدَّةِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي نَهْشَلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَنَا مِنْ أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَ خَلَقَ قُلُوبَ شِيعَتِنَا مِمَّا خَلَقَنَا مِنْهُ وَ خَلَقَ أَبْدَانَهُمْ مِنْ دُونِ ذَلِكَ
____________
(1) كذا.
(2) مركوزة (خ).
44
فَقُلُوبُهُمْ تَهْوِي إِلَيْنَا لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِمَّا خُلِقْنَا مِنْهُ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (1) وَ خَلَقَ عَدُوَّنَا مِنْ سِجِّينٍ وَ خَلَقَ قُلُوبَ شِيعَتِهِمْ مِمَّا خَلَقَهُمْ مِنْهُ وَ أَبْدَانَهُمْ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَقُلُوبُهُمْ تَهْوِي إِلَيْهِمْ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِمَّا خُلِقُوا مِنْهُ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَ ما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ كِتابٌ مَرْقُومٌ (2).
بيان اختلف المفسرون في تفسير عليين فقيل إنها مراتب عالية محفوفة بالجلالة و قيل السماء السابعة و قيل سدرة المنتهى و قيل الجنة و قيل أعلى مراتبها و قيل لوح من زبرجد أخضر معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيه و السجين الأرض السابعة أو أسفل منها أو جب في جهنم و المراد أن كتابة أعمالهم أو ما يكتب منها في عليين أي في دفتر أعمالهم أو المراد أن دفتر أعمالهم في تلك الأمكنة الشريفة و على الأخير فيه حذف مضاف أي و ما أدراك ما كتاب عليين و أما الاستشهاد بالآيتين في الخبر فيحتمل وجهين أحدهما أن دفتر أعمالهم موضوع في مكان أخذت منه طينتهم و ثانيهما أن يكون على تفسيره(ع)المراد بالكتاب الروح لأن الروح هو الكتاب الذي فيه علوم المقربين و معارفهم و جهالات المضلين و خرافاتهم.
21- الْكَافِي، عَنِ الْعِدَّةِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي يَحْيَى الْوَاسِطِيِّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَنَا مِنْ عِلِّيِّينَ وَ خَلَقَ أَرْوَاحَنَا مِنْ فَوْقِ ذَلِكَ وَ خَلَقَ أَرْوَاحَ شِيعَتِنَا مِنْ عِلِّيِّينَ وَ خَلَقَ أَجْسَادَهُمْ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْقَرَابَةُ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُمْ وَ قُلُوبُهُمْ تَحِنُّ إِلَيْنَا (3).
بيان خلقنا أي أبداننا من فوق ذلك أي أعلى عليين من دون ذلك أي أدنى عليين فمن أجل ذلك أي من أجل كون أبداننا و أرواحنا مخلوقة
____________
(1) المطففين: 18- 21.
(2) المطففين: 7- 9، الكافي: ج 1،(ص)390.
(3) الكافي: ج 1،(ص)389.
45
من عليين و كون أرواحهم و أجسادهم أيضا مخلوقة من عليين و يحتمل أن يكون المراد بقوله من فوق ذلك من مكان أرفع من عليين و بقوله من دون ذلك من مكان أسفل من عليين فالقرابة من حيث كون أرواحنا و أبدانهم من عليين قوله تحن أي تهوي كما قال تعالى فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ (1).
22- الْكَافِي، عَنِ الْعِدَّةِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الزَّعْفَرَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَنَا مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ ثُمَّ صَوَّرَ خَلْقَنَا مِنْ طِينَةٍ مَخْزُونَةٍ مَكْنُونَةٍ (2) فَأَسْكَنَ ذَلِكَ النُّورَ فِيهِ فَكُنَّا نَحْنُ خَلْقاً وَ بَشَراً نُورَانِيِّينَ لَمْ يُجْعَلْ لِأَحَدٍ فِي مِثْلِ الَّذِي خُلِقْنَا (3) نَصِيبٌ وَ خَلَقَ أَرْوَاحَ شِيعَتِنَا مِنْ طِينَتِنَا وَ أَبْدَانَهُمْ مِنْ طِينَةٍ مَخْزُونَةٍ مَكْنُونَةٍ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ الطِّينَةِ وَ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِأَحَدٍ فِي مِثْلِ الَّذِي خَلَقَهُمْ مِنْهُ نَصِيباً إِلَّا لِلْأَنْبِيَاءِ فَلِذَلِكَ صِرْنَا نَحْنُ وَ هُمُ النَّاسَ وَ سَائِرُ (4) النَّاسِ هَمَجٌ لِلنَّارِ وَ إِلَى النَّارِ (5).
توضيح إن الله خلقنا أي أرواحنا من نور عظمته أي من نور يدل على كمال عظمته و قدرته ثم صور خلقنا أي خلق لنا أجسادا مثالية شبيهة بالأجساد الأصيلة فهي صور خلقهم و أمثلته فيدل على أن لهم أجسادا مثالية قبل تعلق أرواحهم المقدسة بأبدانهم المطهرة و بعد مفارقتها إياه بل معها أيضا كما أن لنا بعد موتنا أجسادا مثالية تتعلق أرواحنا بها كما مر في كتاب المعاد بل يمكن أن تكون أجسادنا المثالية أيضا كذلك و يكون ما نرى في المنام فيها كما هو رأي جماعة و من فسر التصوير في هذا الخبر بتصوير الأجساد الأصيلة فقد أبعد فكنا خلقا و بشرا
____________
(1) إبراهيم: 37.
(2) في المصدر: مكنونة من تحت العرش.
(3) فيه: خلقنا منه.
(4) في المصدر: و صار سائر.
(5) الكافي: ج 1،(ص)389.
46
نورانيين فالخلق للروح و البشر للجسد المثالي فإنه بصورة البشر و كونهما نورانيين بناء على كونهما جسمين لطيفين منورين من عالم الملكوت بناء على كون الروح جسما و على القول بتجردها كناية عن خلوه عن الظلمة الهيولائية و قبوله للأنوار القدسية و الإفاضات الربانية في مثل الذي خلقنا أي خلق أرواحنا منه من طينتنا أي طينة أجسادنا و الخبر يدل على فضلهم على الأنبياء(ع)بل يومئ إلى مساواة شيعتهم لهم و المراد بالناس أولا الناس بحقيقة الإنسانية و ثانيا ما يطلق عليه الإنسان في العرف العام و الهمج محركة ذباب صغير كالبعوض يسقط على وجوه الأغنام و الحمير و لعله(ع)شبههم بهم لازدحامهم دفعة على كل ناعق و براحهم (1) عنه بأدنى سبب للنار أي خلقوا لها و اللام للعاقبة و إلى النار أي مصيرهم إليها.
23- الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ سَلَمَةَ بْنِ خَطَّابٍ وَ غَيْرِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِئَابٍ رَفَعَهُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ نَهَراً دُونَ عَرْشِهِ وَ دُونَ النَّهَرِ الَّذِي دُونَ عَرْشِهِ نُورٌ نَوَّرَهُ وَ إِنَّ فِي حَافَتَيِ النَّهَرِ رُوحَيْنِ مَخْلُوقَيْنِ رُوحُ الْقُدُسِ وَ رُوحٌ مِنْ أَمْرِهِ وَ إِنَّ لِلَّهِ عَشْرَ طِينَاتٍ خَمْسَةً مِنَ الْجَنَّةِ وَ خَمْسَةً مِنَ الْأَرْضِ فَفَسَّرَ الْجِنَانَ وَ فَسَّرَ الْأَرْضَ ثُمَّ قَالَ مَا مِنْ نَبِيٍّ وَ لَا مَلَكٍ مِنْ بَعْدِهِ جَبَلَهُ إِلَّا نَفَخَ فِيهِ مِنْ إِحْدَى الرُّوحَيْنِ وَ جَعَلَ النَّبِيَّ مِنْ إِحْدَى الطِّينَتَيْنِ قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ(ع)مَا الْجَبْلُ فَقَالَ الْخَلْقُ غَيْرُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَنَا مِنَ الْعَشْرِ طِينَاتٍ وَ نَفَخَ فِينَا مِنَ الرُّوحَيْنِ جَمِيعاً فَأَطْيَبَ بِهَا طِيباً.
وَ رَوَى غَيْرُهُ عَنْ أَبِي الصَّامِتِ قَالَ: طِينُ الْجِنَانِ جَنَّةُ عَدْنٍ وَ جَنَّةُ الْمَأْوَى وَ النَّعِيمُ (2) وَ الْفِرْدَوْسُ وَ الْخُلْدُ وَ طِينُ الْأَرْضِ مَكَّةُ وَ الْمَدِينَةُ وَ الْكُوفَةُ وَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ وَ الْحَيْرُ (3).
____________
(1) في بعض النسخ «برائهم».
(2) في المصدر: و جنة النعيم.
(3) فيه «و الحائر». الكافي: ج 1،(ص)389.
47
بيان دون عرشه أي عنده نوره ماض من التفعيل و المستتر فيه راجع إلى النور و البارز إلى النهر أو العرش أو المستتر إلى الله و البارز إلى النور مبالغة في إضاءته و لمعانه و في البصائر نور من نوره و كأنه أصوب أي من الأنوار التي خلقها الله سبحانه و حافتا النهر بالتخفيف جانباه مخلوقين إبطال لقول النصارى إن عيسى روح الله غير مخلوق روح القدس أي هما روح القدس و روح من أمره أي الروح الذي قال الله فيه قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي و ستأتي الأقوال فيه و ظاهر الخبر إما الروح الإنساني أو الروح الذي يؤيد الله به الأئمة(ع)ففسر الجنان الظاهر أنه كلام ابن رئاب و الضمير المستتر لأمير المؤمنين(ع)و قيل لأبي الحسن(ع)و التفسير إشارة إلى ما ذكر بعده في خبر أبي الصامت ثم قال أي أمير المؤمنين(ع)و لا ملك بالتحريك و قد يقرؤها (1) بكسر اللام أي إمام كما قال تعالى وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً و هو بعيد و جملة من بعده جبله نعت ملك و ضمير بعده لنبي و ضمير جبله للملك إشارة إلى أن النبي أفضل من الملك فالمراد بالبعدية ما هي بحسب الرتبة و جعل النبي إنما لم يذكر الملك هنا لذكره سابقا و قيل لأنه ليس للملك جسد مثل جسد الإنسان قوله ما الجبل هو بفتح الجيم و سكون الباء سؤال عن مصدر الفعل المتقدم و هو كلام ابن رئاب ففسره(ع)بالخلق و الأظهر عندي أن غيرنا تتمة الكلام السابق على الاستثناء المنقطع و اعتراض السؤال و الجواب بين الكلام قبل تمامه و ليس تتمة لتفسير الجبل كما توهمه الأكثر.
قال الشيخ البهائي (قدّس سرّه) يعني مادة بدننا لا تمسى جبلة بل طينة لأنها خلق من العشر طينات انتهى قال الفيروزآبادي الجبلة مثلثة و محركة و كطمرة الخلقة و الطبيعة و ككتاب الجسد و البدن و جبلهم الله يجبل و يجبل خلقهم و على الشيء طبعه و جبره كأجبله انتهى.
و أطيب بها صيغة التعجب و طيبا منصوب على الاختصاص و في بعض
____________
(1) في بعض النسخ «يقرأ».
48
نسخ البصائر طينا بالنون فالنصب على التميز أي ما أطيبها من طينة و روى غيره كأنه كلام ابن عطية و يحتمل بعض أصحاب الكتب قبله و ضمير غيره لابن رئاب و أبو الصامت راوي الباقر و الصادق(ع)و الظاهر أنه رواه عن أحدهما و الحير حائر الحسين(ع)و قال بعضهم كأنه(ع)شبه علم الأنبياء(ع)بالنهر لمناسبة ما بينهما في كون أحدهما مادة حياة الروح و الآخر مادة حياة الجسم و عبر عنه بالنور لإضاءته و عبر عن علم من دونهم من العلماء بنور النور لأنه من شعاع ذلك النور و كما أن حافتي النهر يحفظان الماء في النهر و يحيطان به فيجري إلى مستقره كذلك الروحان يحفظان العلم و يحيطان به ليجري إلى مستقره و هو قلب النبي أو الوصي و الطينات الجنانية كأنها من الملكوت و الأرضية من الملك فإن من مزجهما خلق أبدان نبينا(ص)و الأوصياء(ع)من أهل البيت بخلاف سائر الأنبياء و الملائكة فإنهم خلقوا من إحدى الطينتين كما أن لهم إحدى الروحين خاصة.
24- الْكَافِي، عَنِ الْعِدَّةِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ (1) عَنْ سَدِيرٍ الصَّيْرَفِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ هَلْ يُكْرَهُ الْمُؤْمِنُ عَلَى قَبْضِ رُوحِهِ قَالَ لَا وَ اللَّهِ إِنَّهُ إِذَا أَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ لِقَبْضِ رُوحِهِ جَزِعَ عِنْدَ ذَلِكَ فَيَقُولُ لَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ يَا وَلِيَّ اللَّهِ لَا تَجْزَعْ فَوَ الَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً لَأَنَا أَبَرُّ بِكَ وَ أَشْفَقُ عَلَيْكَ مِنْ وَالِدٍ رَحِيمٍ لَوْ حَضَرَكَ افْتَحْ عَيْنَيْكَ فَانْظُرْ قَالَ يَتَمَثَّلُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ فَاطِمَةُ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ وَ الْأَئِمَّةُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمْ(ع)فَيُقَالُ لَهُ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ فَاطِمَةُ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ وَ الْأَئِمَّةُ(ع)رُفَقَاؤُكَ قَالَ فَيَفْتَحُ عَيْنَيْهِ فَيَنْظُرُ فَيُنَادِي رُوحَهُ مُنَادٍ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْعِزَّةِ فَيَقُولُ يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ إِلَى مُحَمَّدٍ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً بِالْوَلَايَةِ مَرْضِيَّةً بِالثَّوَابِ فَادْخُلِي فِي عِبادِي يَعْنِي مُحَمَّداً وَ أَهْلَ بَيْتِهِ وَ ادْخُلِي جَنَّتِي فَمَا شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنِ اسْتِلَالِ رُوحِهِ وَ اللُّحُوقِ بِالْمُنَادِي (2).
____________
(1) في المصدر: عن أبيه عن سدير.
(2) الكافي: ج 3،(ص)127.
49
25 الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ خَالِدِ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِذَا حِيلَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْكَلَامِ أَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ مَنْ شَاءَ اللَّهُ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ يَمِينِهِ وَ الْآخَرُ عَنْ يَسَارِهِ فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ أَمَّا مَا كُنْتَ تَرْجُو فَهُوَ ذَا أَمَامَكَ وَ أَمَّا مَا كُنْتَ تَخَافُ فَقَدْ أَمِنْتَ مِنْهُ ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ فَيَقُولُ هَذَا مَنْزِلُكَ مِنَ الْجَنَّةِ فَإِنْ شِئْتَ رَدَدْنَاكَ إِلَى الدُّنْيَا وَ لَكَ فِيهَا ذَهَبٌ وَ فِضَّةٌ فَيَقُولُ لَا حَاجَةَ لِي فِي الدُّنْيَا وَ سَاقَ إِلَى قَوْلِهِ فَإِذَا خَرَجَتِ النَّفْسُ مِنَ الْجَسَدِ فَيُعْرَضُ عَلَيْهَا كَمَا عُرِضَ عَلَيْهِ وَ هِيَ فِي الْجَسَدِ فَيَخْتَارُ الْآخِرَةَ فَيُغَسِّلُهُ فِيمَنْ يُغَسِّلُهُ وَ يُقَلِّبُهُ فِيمَنْ يُقَلِّبُهُ فَإِذَا أُدْرِجَ فِي أَكْفَانِهِ وَ وُضِعَ عَلَى سَرِيرِهِ خَرَجَتْ رُوحُهُ تَمْشِي بَيْنَ أَيْدِي الْقَوْمِ قُدُماً وَ تَلْقَاهُ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَ يُبَشِّرُونَهُ بِمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنَ النَّعِيمِ فَإِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ رُدَّ إِلَيْهِ الرُّوحُ إِلَى وَرِكَيْهِ ثُمَّ يُسْأَلُ عَمَّا يَعْلَمُ فَإِذَا جَاءَ بِمَا يَعْلَمُ فُتِحَ لَهُ ذَلِكَ الْبَابُ الَّذِي أَرَاهُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَيَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ نُورِهَا (1) وَ بَرْدِهَا وَ طِيبِ رِيحِهَا الْحَدِيثَ (2).
26- وَ مِنْهُ، عَنِ الْعِدَّةِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ إِنَّ آيَةَ الْمُؤْمِنِ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بِبَيَاضِ (3) وَجْهِهِ أَشَدَّ مِنْ بَيَاضِ لَوْنِهِ وَ يَرْشَحُ جَبِينُهُ وَ يَسِيلُ مِنْ عَيْنَيْهِ كَهَيْئَةِ الدُّمُوعِ فَيَكُونُ ذَلِكَ خُرُوجَ نَفْسِهِ وَ إِنَّ الْكَافِرَ تَخْرُجُ نَفْسُهُ سَيْلًا (4) مِنْ شِدْقِهِ كَزَبَدِ الْبَعِيرِ أَوْ كَمَا تَخْرُجُ نَفْسُ الْبَعِيرِ (5).
27- وَ مِنْهُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَا عَلِيُّ إِنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ إِذَا نَزَلَ لِقَبْضِ
____________
(1) في المصدر: وضوئها.
(2) الكافي: ج 3،(ص)129.
(3) فيه: يبياض.
(4) في الكافي: سلا.
(5) الكافي: ج 3،(ص)134.
50
رُوحِ الْكَافِرِ نَزَلَ وَ مَعَهُ سَفُّودٌ مِنْ نَارٍ فَيَنْزِعُ رُوحَهُ فَيَصِيحُ جَهَنَّمُ الْحَدِيثَ (1).
28- الْفَقِيهُ، قَالَ قَالَ الصَّادِقُ(ع)إِذَا قُبِضَتِ الرُّوحُ فَهِيَ مُظِلَّةٌ فَوْقَ الْجَسَدِ رُوحُ الْمُؤْمِنِ وَ غَيْرُهُ يَنْظُرُ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ يُصْنَعُ بِهِ فَإِذَا كُفِّنَ وَ وُضِعَ عَلَى السَّرِيرِ وَ حُمِلَ عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ عَادَتِ الرُّوحُ إِلَيْهِ فَدَخَلَتْ فِيهِ فَيُمَدُّ لَهُ فِي بَصَرِهِ فَيَنْظُرُ إِلَى مَوْضِعِهِ مِنَ الْجَنَّةِ أَوْ مِنَ النَّارِ فَيُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَجِّلُونِي عَجِّلُونِي وَ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ رُدُّونِي رُدُّونِي وَ هُوَ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ يُصْنَعُ بِهِ وَ يَسْمَعُ الْكَلَامَ (2).
29- الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي وَلَّادٍ الْحَنَّاطِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ يَرْوُونَ أَنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فِي حَوَاصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ حَوْلَ الْعَرْشِ فَقَالَ لَا الْمُؤْمِنُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ يُجْعَلَ رُوحُهُ فِي حَوْصَلَةِ طَيْرٍ لَكِنْ فِي أَبْدَانٍ كَأَبْدَانِهِمْ (3).
30- وَ مِنْهُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ يُونُسَ بْنِ ظَبْيَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: فَإِذَا قَبَضَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ صَيَّرَ تِلْكَ الرُّوحَ فِي قَالَبٍ كَقَالَبِهِ فِي الدُّنْيَا فَيَأْكُلُونَ وَ يَشْرَبُونَ فَإِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمُ الْقَادِمُ عَرَفُوهُ بِتِلْكَ الصُّورَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي الدُّنْيَا (4).
31- وَ مِنْهُ، بِسَنَدٍ مُوَثَّقٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّا نَتَحَدَّثُ عَنْ أَرْوَاحِ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا فِي حَوَاصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَرْعَى فِي الْجَنَّةِ وَ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ تَحْتَ الْعَرْشِ فَقَالَ لَا إِذاً مَا هِيَ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ قُلْتُ فَأَيْنَ هِيَ قَالَ فِي رَوْضَةٍ كَهَيْئَةِ الْأَجْسَادِ فِي الْجَنَّةِ (5).
32- وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْهُ(ع)قَالَ: إِنَّ الْأَرْوَاحَ فِي صِفَةِ الْأَجْسَادِ
____________
(1) المصدر: ج 3، 253.
(2) الفقيه: 51.
(3) الكافي: ج 3،(ص)244.
(4) الكافي: ج 3،(ص)245.
(5) الكافي: ج 3،(ص)245.
51
فِي شَجَرٍ فِي الْجَنَّةِ تَعَارَفُ وَ تَسَاءَلُ (1).
33- وَ مِنْهُ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ ضُرَيْسٍ الْكُنَاسِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ جَنَّةً خَلَقَهَا اللَّهُ فِي الْمَغْرِبِ وَ مَاءُ فُرَاتِكُمْ هَذِهِ يَخْرُجُ مِنْهَا وَ إِلَيْهَا تَخْرُجُ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ حُفَرِهِمْ عِنْدَ كُلِّ مَسَاءٍ فَتَسْقُطُ عَلَى ثِمَارِهَا وَ تَأْكُلُ مِنْهَا وَ تَتَنَعَّمُ فِيهَا وَ تَتَلَاقَى وَ تَتَعَارَفُ فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ هَاجَتْ مِنَ الْجَنَّةِ فَكَانَتْ فِي الْهَوَاءِ فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ تَطِيرُ ذَاهِبَةً وَ جَائِيَةً وَ تَعْهَدُ حُفَرَهَا إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَ تَتَلَاقَى فِي الْهَوَاءِ وَ تَتَعَارَفُ قَالَ وَ إِنَّ لِلَّهِ نَاراً فِي الْمَشْرِقِ خَلَقَهَا لِيُسْكِنَهَا أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ وَ يَأْكُلُونَ مِنْ زَقُّومِهَا وَ يَشْرَبُونَ مِنْ حَمِيمِهَا لَيْلَهُمْ فَإِذَا طَلَعَتِ الْفَجْرُ هَاجَتْ إِلَى وَادٍ بِالْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ بَرَهُوتُ أَشَدَّ حَرّاً مِنْ نِيرَانِ الدُّنْيَا كَانُوا فِيهَا يَتَلَاقَوْنَ وَ يَتَعَارَفُونَ فَإِذَا كَانَ الْمَسَاءُ عَادُوا إِلَى النَّارِ فَهُمْ كَذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْحَدِيثَ (2).
34- وَ مِنْهُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ حَبَّةَ الْعُرَنِيِّ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِلَى الظَّهْرِ فَوَقَفَ بِوَادِي السَّلَامِ كَأَنَّهُ مُخَاطِبٌ لِأَقْوَامٍ فَقُمْتُ بِقِيَامِهِ حَتَّى أَعْيَيْتُ ثُمَّ جَلَسْتُ حَتَّى مَلِلْتُ ثُمَّ قُمْتُ حَتَّى نَالَنِي مِثْلُ مَا نَالَنِي أَوَّلًا ثُمَّ جَلَسْتُ حَتَّى مَلِلْتُ ثُمَّ قُمْتُ وَ جَمَعْتُ رِدَائِي فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي قَدْ أَشْفَقْتُ عَلَيْكَ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ فَرَاحَةَ سَاعَةٍ ثُمَّ طَرَحْتُ الرِّدَاءَ لِيَجْلِسَ عَلَيْهِ فَقَالَ لِي يَا حَبَّةُ إِنْ هُوَ إِلَّا مُحَادَثَةُ مُؤْمِنٍ أَوْ مُؤَانَسَتُهُ قَالَ قُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِنَّهُمْ لَكَذَلِكَ قَالَ نَعَمْ وَ لَوْ كُشِفَ لَكَ لَرَأَيْتَهُمْ حَلَقاً حَلَقاً مُحْتَبِينَ يَتَحَادَثُونَ فَقُلْتُ أَجْسَامٌ أَمْ أَرْوَاحٌ فَقَالَ أَرْوَاحٌ وَ مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَمُوتُ فِي بُقْعَةٍ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ إِلَّا قِيلَ لِرُوحِهِ الْحَقِي بِوَادِي السَّلَامِ وَ إِنَّهَا لَبُقْعَةٌ مِنْ جَنَّةِ عَدْنٍ (3).
35- الْمَحَاسِنُ، عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: ذَكَرَ الْأَرْوَاحَ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ يَلْتَقُونَ فَقُلْتُ يَلْتَقُونَ
____________
(1) الكافي: ج 3،(ص)244.
(2) المصدر: ج 3،(ص)247.
(3) المصدر: ج 3،(ص)243.
52
قَالَ يَلْتَقُونَ وَ يَتَسَاءَلُونَ وَ يَتَعَارَفُونَ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَهُ قُلْتَ فُلَانٌ (1).
36 الْفَقِيهُ، بِسَنَدِهِ الصَّحِيحِ عَنِ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَرْفَعُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَ سَارَةَ أَطْفَالَ الْمُؤْمِنِينَ يُغَذُّونَهُمْ بِشَجَرٍ فِي الْجَنَّةِ لَهَا أَخْلَافٌ كَأَخْلَافِ الْبَقَرِ فِي قَصْرٍ مِنْ دُرٍّ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُلْبِسُوا وَ طُيِّبُوا وَ هُدُوا إِلَى آبَائِهِمْ فَهُمْ مُلُوكٌ فِي الْجَنَّةِ مَعَ آبَائِهِمْ وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (2)
37 الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَخِيهِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ عَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ: قُلْتُ لَهُ بَلَغَنِي أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَقْصَرُ الْأَيَّامِ قَالَ كَذَلِكَ هُوَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ كَيْفَ ذَلِكَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَجْمَعُ أَرْوَاحَ الْمُشْرِكِينَ تَحْتَ عَيْنِ الشَّمْسِ فَإِذَا رَكَدَتِ الشَّمْسُ عَذَّبَ اللَّهُ أَرْوَاحَ الْمُشْرِكِينَ بِرُكُودِ الشَّمْسِ سَاعَةً فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ لَا يَكُونُ لِلشَّمْسِ رُكُودٌ رَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ لِفَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَلَا يَكُونُ لِلشَّمْسِ رُكُودٌ (3).
38- وَ مِنْهُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَفْصِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَزُورُ أَهْلَهُ فَيَرَى مَا يُحِبُّ وَ يُسْتَرُ عَنْهُ مَا يَكْرَهُ وَ إِنَّ الْكَافِرَ لَيَزُورُ أَهْلَهُ فَيَرَى مَا يَكْرَهُ وَ يُسْتَرُ عَنْهُ مَا يُحِبُّ قَالَ وَ فِيهِمْ (4) مَنْ يَزُورُ كُلَّ جُمْعَةٍ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَزُورُ عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِ (5).
39- وَ مِنْهُ، عَنِ الْعِدَّةِ عَنْ سَهْلٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ(ع)قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْمَيِّتِ يَزُورُ أَهْلَهُ قَالَ نَعَمْ فَقُلْتُ فِي كَمْ يَزُورُ قَالَ فِي الْجُمْعَةِ وَ فِي الشَّهْرِ وَ فِي السَّنَةِ عَلَى قَدْرِ مَنْزِلَتِهِ فَقُلْتُ فِي أَيِّ صُورَةٍ يَأْتِيهِمْ قَالَ فِي صُورَةِ طَائِرٍ لَطِيفٍ يَسْقُطُ عَلَى جُدُرِهِمْ وَ يُشْرِفُ عَلَيْهِمْ فَإِنْ رَآهُمْ بِخَيْرٍ
____________
(1) المحاسن: 178.
(2) الفقيه: 439، و الآية في سورة الطور: 21.
(3) الكافي: ج 3،(ص)416.
(4) في المصدر: منهم.
(5) الكافي: ج 3(ص)230.
53
فَرِحَ وَ إِنْ رَآهُمْ بِشَرٍّ وَ حَاجَةٍ حَزِنَ وَ اغْتَمَ (1).
وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ إِسْحَاقَ قَالَ: قُلْتُ فِي أَيِّ صُورَةٍ قَالَ فِي صُورَةِ الْعُصْفُورِ أَوْ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ (2).
أقول: قد أوردت أمثال هذه الأخبار مشروحة في كتاب المعاد و إنما أوردت قليلا منها هاهنا لدلالتها على حقيقة الروح و النفس و أحوالهما.
40- دَعَوَاتُ الرَّاوَنْدِيِّ، رُوِيَ أَنَّ فِي الْعَرْشِ تِمْثَالًا لِكُلِّ عَبْدٍ فَإِذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِالْعِبَادَةِ رَأَتِ الْمَلَائِكَةُ تِمْثَالَهُ وَ إِذَا اشْتَغَلَ بِالْمَعْصِيَةِ أَمَرَ اللَّهُ بَعْضَ الْمَلَائِكَةِ حَتَّى يَحْجُبُوهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ لِئَلَّا تَرَاهُ الْمَلَائِكَةُ فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ(ص)يَا مَنْ أَظْهَرَ الْجَمِيلَ وَ سَتَرَ الْقَبِيحَ.
بيان ربما يستدل به على أن الجسد المثالي موجود في حال الحياة أيضا.
41- الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ (3) عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي حَمَّادٍ عَنِ الْوَشَّاءِ عَنْ كَرَّامٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنِ الْوَزَغِ فَقَالَ رِجْسٌ وَ هُوَ مَسْخٌ كُلُّهُ فَإِذَا قَتَلْتَهُ فَاغْتَسِلْ وَ قَالَ إِنَّ أَبِي كَانَ قَاعِداً فِي الْحِجْرِ وَ مَعَهُ رَجُلٌ يُحَدِّثُهُ فَإِذَا هُوَ بِوَزَغٍ يُوَلْوِلُ بِلِسَانِهِ فَقَالَ أَبِي لِلرَّجُلِ أَ تَدْرِي مَا يَقُولُ هَذَا الْوَزَغُ فَقَالَ لَا عِلْمَ لِي بِمَا يَقُولُ قَالَ فَإِنَّهُ يَقُولُ وَ اللَّهِ لَئِنْ ذَكَرْتُمْ عُثْمَانَ بِشَتِيمَةٍ لَأَشْتِمَنَّ عَلِيّاً حَتَّى يَقُومَ مِنْ هَاهُنَا قَالَ وَ قَالَ أَبِي لَيْسَ يَمُوتُ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ مَيِّتٌ إِلَّا مُسِخَ وَزَغاً قَالَ وَ قَالَ إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ لَمَّا نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ مُسِخَ وَزَغاً فَذَهَبَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ وَ كَانَ عِنْدَهُ وُلْدُهُ فَلَمَّا أَنْ فَقَدُوهُ عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَدْرُوا كَيْفَ يَصْنَعُونَ ثُمَّ اجْتَمَعَ أَمْرُهُمْ عَلَى أَنْ يَأْخُذُوا جِذْعاً فَيَصْنَعُوهُ كَهَيْئَةِ الرَّجُلِ قَالَ فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَ أَلْبَسُوا الْجِذْعَ دِرْعَ حَدِيدٍ ثُمَّ أَلْقَوْهُ (4) فِي الْأَكْفَانِ فَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا
____________
(1) الكافي: ج 3،(ص)230.
(2) المصدر: ج 3 231.
(3) الظاهر أنّه عليّ بن محمّد بن إبراهيم بن أبان الكليني المعروف بعلان، و هو ثقة، لكن الرواية مجهولة بعبد اللّه بن طلحة.
(4) في المصدر «لفوه» و هو الصواب.
54
أَنَا وَ وُلْدُهُ (1).
بيان المشهور استحباب ذلك الغسل و استندوا في ذلك إلى رواية مرسلة رواها الصدوق في الفقيه و قيل إن العلة في ذلك أنه يخرج من ذنوبه فيغتسل كغسل التوبة و قال المحقق في المعتبر و عندي أن ما ذكره ابن بابويه ليس بحجة و ما ذكره المعلل ليس طائلا. أقول كأنهم غفلوا عن هذا الخبر إذ لم يذكروه في مقام الاحتجاج و إن كان مجهولا يولول أي يصوت و الشتيمة الاسم من الشتم إلا مسخ وزغا إما بمسخه قبل موته أو بتعلق روحه بجسد مثالي على صورة الوزغ و هما ليسا تناسخا كما مر و سيأتي أو بتغيير جسده الأصلي إلى تلك الصورة كما هو ظاهر آخر الخبر لكن يشكل تعلق الروح به قبل الرجعة و البعث و يمكن أن يكون قد ذهب بجسده إلى الجحيم أو أحرق و تصور لهم جسده المثالي و إلباس الجذع درع الحديد ليصير ثقيلا أو لأنه إن مسه أحد فوق الكفن لا يحس بأنه خشب.
42 الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْمِقْدَامِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ: وَ اللَّهِ مَا مِنْ عَبْدٍ مِنْ شِيعَتِنَا يَنَامُ إِلَّا أَصْعَدَ اللَّهُ رُوحَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَيُبَارِكُ (2) عَلَيْهَا فَإِنْ كَانَ قَدْ أَتَى عَلَيْهَا أَجَلُهَا (3)جَعَلَهَا فِي كُنُوزِ رَحْمَتِهِ وَ فِي رِيَاضِ جَنَّتِهِ وَ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ وَ إِنْ كَانَ أَجَلُهَا مُتَأَخِّراً بَعَثَ بِهَا مَعَ أَمَنَتِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِيَرُدَّهَا إِلَى الْجَسَدِ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ لِتَسْكُنَ فِيهِ الْحَدِيثَ (4).
مجالس الصدوق، عن محمد بن الحسن عن محمد بن الحسن الصفار عن الحسين بن الحسن بن أبان عن الحسين بن سعيد عن محمد بن أبي عمير عن علي بن أبي حمزة
____________
(1) روضة الكافي: 232.
(2) هذه الجملة (فيبارك عليها) غير موجودة في المجالس.
(3) الضمائر كلها في المجالس على صيغة المذكر.
(4) روضة الكافي: 213.
55
عن أبي بصير عن أبي عبد الله عن أبيه(ع)مثله (1).
43- وَ مِنْهُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ يَحْيَى عَنْ جَدِّهِ الْحَسَنِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ آبَائِهِ(ع)عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: يَا عَلِيُّ إِنَّ أَرْوَاحَ شِيعَتِكَ لَتَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ فِي رُقَادِهِمْ وَ وَفَاتِهِمْ فَتَنْظُرُ الْمَلَائِكَةُ إِلَيْهَا كَمَا يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَى الْهِلَالِ شَوْقاً إِلَيْهِمْ وَ لِمَا يَرَوْنَ مَنْزِلَتَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ (2) الْخَبَرَ.
44- الْفَقِيهُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ وَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فِيقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ فَقَالَ لَعَلَّكَ تَرَى أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَكُونُوا يَنَامُونَ فَقُلْتُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ فَقَالَ لَا بُدَّ لِهَذَا الْبَدَنِ أَنْ تُرِيحَهُ حَتَّى تَخْرُجَ نَفْسُهُ فَإِذَا خَرَجَ النَّفْسُ اسْتَرَاحَ الْبَدَنُ وَ رَجَعَتِ الرُّوحُ فِيهِ وَ فِيهِ قُوَّةٌ عَلَى الْعَمَلِ الْحَدِيثَ (3).
بيان قال بعض المحققين الفرق بين الموت و النوم أن في الموت ينقطع تعلق النفس الناطقة و في النوم يبطل تصرفها فالمراد من خروج النفس الناطقة هنا بطلان تصرفها في البدن و المراد من الروح هذا الجسم البخاري اللطيف الذي يكون من لطافة الأغذية و بخاراتها و له مدخل عظيم في نظام البدن.
45- فِي رِسَالَةِ الْإِهْلِيلَجَةِ الَّتِي كَتَبَ الصَّادِقُ(ع)إِلَى الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ وَ ذَكَرَ فِيهَا احْتِجَاجَهُ فِي إِثْبَاتِ الصَّانِعِ تَعَالَى عَلَى الطَّبِيبِ الْهِنْدِيِّ قَالَ(ع)قُلْتُ أَ فَتُقِرُّ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ أَمْ قَدْ بَقِيَ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ قَالَ إِنِّي مِنْ ذَلِكَ عَلَى حَدِّ وُقُوفٍ مَا أَتَخَلَّصُ إِلَى أَمْرٍ يَنْفُذُ لِي فِيهِ الْأَمْرُ قُلْتُ أَمَّا إِذَا أَبَيْتَ إِلَّا الْجَهَالَةَ وَ زَعَمْتَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ لَا تُدْرَكُ إِلَّا بِالْحَوَاسِّ فَإِنِّي أُخْبِرُكَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْحَوَاسِّ دَلَالَةٌ عَلَى الْأَشْيَاءِ وَ لَا فِيهَا مَعْرِفَةٌ إِلَّا بِالْقَلْبِ فَإِنَّهُ دَلِيلُهَا وَ مُعَرِّفُهَا الْأَشْيَاءُ الَّتِي تَدَّعِي أَنَّ الْقَلْبَ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا بِهَا فَقَالَ أَمَّا إِذَا نَطَقْتَ بِهَذَا فَمَا أَقْبَلُ مِنْكَ إِلَّا بِالتَّخْلِيصِ وَ التَّفَحُّصِ مِنْهُ
____________
(1) المجالس: 373.
(2) المجالس: 336.
(3) الفقيه: 127.
56
بِإِيضَاحٍ وَ بَيَانٍ وَ حُجَّةٍ وَ بُرْهَانٍ قُلْتُ فَأَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ أَنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ رُبَّمَا ذَهَبَتِ الْحَوَاسُّ أَوْ بَعْضُهَا وَ دَبَّرَ الْقَلْبُ لِلْأَشْيَاءِ الَّتِي فِيهَا الْمَضَرَّةُ وَ الْمَنْفَعَةُ مِنَ الْأُمُورِ الْعَلَانِيَةِ وَ الْخَفِيَّةِ فَأَمَرَ بِهَا وَ نَهَى فَنَفَذَ فِيهَا أَمْرُهُ وَ صَحَّ فِيهَا قَضَاؤُهُ قَالَ إِنَّكَ تَقُولُ فِي هَذَا قَوْلًا يُشْبِهُ الْحُجَّةَ وَ لَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُوضِحَهُ لِي غَيْرَ هَذَا الْإِيضَاحِ قُلْتُ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْقَلْبَ يَبْقَى بَعْدَ ذَهَابِ الْحَوَاسِّ قَالَ نَعَمْ وَ لَكِنْ يَبْقَى بِغَيْرِ دَلِيلٍ عَلَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهَا الْحَوَاسُّ قُلْتُ فَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الطِّفْلَ تَضَعُهُ أُمُّهُ مُضْغَةً لَيْسَ تَدُلُّهُ الْحَوَاسُّ عَلَى شَيْءٍ يُسْمَعُ وَ لَا يُبْصَرُ وَ لَا يُذَاقُ وَ لَا يُلْمَسُ وَ لَا يُشَمُّ قَالَ بَلَى قُلْتُ فَأَيَّةُ الْحَوَاسِّ دَلَّتْهُ عَلَى طَلَبِ اللَّبَنِ إِذَا جَاعَ وَ الضَّحِكِ بَعْدَ الْبُكَاءِ إِذَا رَوِيَ مِنَ اللَّبَنِ وَ أَيُّ حَوَاسِّ سِبَاعِ الطَّيْرِ وَ لَاقِطِ الْحَبِّ مِنْهَا دَلَّهَا عَلَى أَنْ تُلْقِيَ بَيْنَ أَفْرَاخِهَا اللَّحْمَ وَ الْحَبَّ فَتَأْوِيَ سِبَاعُهَا إِلَى اللَّحْمِ وَ الْآخَرُونَ إِلَى الْحَبِّ وَ أَخْبِرْنِي عَنْ فِرَاخِ طَيْرِ الْمَاءِ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ فِرَاخَ طَيْرِ الْمَاءِ إِذَا طُرِحَتْ فِيهِ سَبَحَتْ وَ إِذَا طُرِحَتْ فِيهِ فِرَاخُ طَيْرِ الْبَرِّ غَرِقَتْ وَ الْحَوَاسُّ وَاحِدَةٌ فَكَيْفَ انْتَفَعَ بِالْحَوَاسِّ طَيْرُ الْمَاءِ وَ أَعَانَتْهُ عَلَى السِّبَاحَةِ وَ لَمْ يَنْتَفِعْ طَيْرُ الْبَرِّ فِي الْمَاءِ بِحَوَاسِّهَا وَ مَا بَالُ طَيْرِ الْبَرِّ إِذَا غَمَسْتَهَا فِي الْمَاءِ سَاعَةً مَاتَتْ وَ إِذَا أَمْسَكْتَ طَيْرَ الْمَاءِ سَاعَةً مَاتَتْ فَلَا أَرَى الْحَوَاسَّ فِي هَذَا إِلَّا مُنْكَسِراً عَلَيْكَ وَ لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ إِلَّا مِنْ مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ جَعَلَ لِلْمَاءِ خَلْقاً وَ لِلْبَرِّ خَلْقاً أَمْ أَخْبِرْنِي مَا بَالُ الذَّرَّةِ الَّتِي لَا تُعَايِنُ الْمَاءَ قَطُّ تُطْرَحُ فِي الْمَاءِ فَتَسْبَحُ وَ تُلْقَى الْإِنْسَانُ ابْنُ خَمْسِينَ سَنَةً مِنْ أَقْوَى الرِّجَالِ وَ أَعْقَلِهِمْ لَمْ تَتَعَلَّمِ السِّبَاحَةَ فَيَغْرَقُ كَيْفَ لَمْ يَدُلَّهُ عَقْلُهُ وَ لُبُّهُ وَ تَجَارِبُهُ وَ بَصَرُهُ بِالْأَشْيَاءِ مَعَ اجْتِمَاعِ حَوَاسِّهِ وَ صِحَّتِهَا أَنْ يُدْرِكَ ذَلِكَ بِحَوَاسِّهِ كَمَا أَدْرَكَتْهُ الذَّرَّةُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ إِنَّمَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ أَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الْقَلْبَ الَّذِي هُوَ مَعْدِنُ الْعَقْلِ فِي الصَّبِيِّ الَّذِي وَصَفْتُ وَ غَيْرِهِ مِمَّا سَمِعْتَ مِنَ الْحَيَوَانِ هُوَ الَّذِي يَهِيجُ الصَّبِيَّ إِلَى طَلَبِ الرَّضَاعِ وَ الطَّيْرَ اللَّاقِطَ عَلَى لَقْطِ الْحَبِّ وَ السِّبَاعَ عَلَى ابْتِلَاعِ اللَّحْمِ
57
قَالَ لَسْتُ أَجِدُ الْقَلْبَ يَعْلَمُ شَيْئاً إِلَّا بِالْحَوَاسِّ قُلْتُ أَمَّا إِذَا أَبَيْتَ إِلَّا النُّزُوعَ إِلَى الْحَوَاسِّ فَإِنَّا نَقْبَلُ نُزُوعَكَ إِلَيْهَا بَعْدَ رَفْضِكَ لَهَا وَ نُجِيبُكَ فِي الْحَوَاسِّ حَتَّى يَتَقَرَّرَ عِنْدَكَ أَنَّهَا لَا تَعْرِفُ مِنْ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ إِلَّا الظَّاهِرَ مِمَّا هُوَ دُونَ الرَّبِّ الْأَعْلَى سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى فَأَمَّا مَا يَخْفَى وَ لَا يَظْهَرُ فَلَسْتَ تَعْرِفُهُ وَ ذَلِكَ أَنَّ خَالِقَ الْحَوَاسِّ جَعَلَ لَهَا قَلْباً احْتَجَّ بِهِ عَلَى الْعِبَادِ وَ جَعَلَ الْحَوَاسَّ الدَّلَالاتِ عَلَى الظَّاهِرِ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ فَنَظَرَتِ الْعَيْنُ إِلَى خَلْقٍ مُتَّصِلٍ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فَدَلَّتِ الْقَلْبَ عَلَى مَا عَايَنَتْ وَ تَفَكَّرَ الْقَلْبُ حِينَ دَلَّتْهُ الْعَيْنُ عَلَى مَا عَايَنَتْ مِنْ مَلَكُوتِ السَّمَاءِ وَ ارْتِفَاعِهَا فِي الْهَوَاءِ بِغَيْرِ عَمَدٍ يُرَى وَ لَا دَعَائِمَ تُمْسِكُهَا لَا تُؤَخَّرُ مَرَّةً فَتَنْكَشِطَ وَ لَا تُقَدَّمُ أُخْرَى فَتَزُولَ وَ لَا تَهْبِطُ مَرَّةً فَتَدْنُوَ وَ لَا تَرْتَفِعُ أُخْرَى فَتَنْأَى لَا تَتَغَيَّرُ لِطُولِ الْأَمَلِ (1) وَ لَا تَخْلُقُ لِاخْتِلَافِ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامِ وَ لَا يَتَدَاعَى مِنْهَا نَاحِيَةٌ وَ لَا يَنْهَارُ مِنْهَا طَرَفٌ مَعَ مَا عَايَنَتْ مِنَ النُّجُومِ الْجَارِيَةِ السَّبْعَةِ الْمُخْتَلِفَةِ بِمَسِيرِهَا لِدَوَرَانِ الْفَلَكِ وَ تَنَقُّلِهَا فِي الْبُرُوجِ يَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ وَ شَهْراً بَعْدَ شَهْرٍ وَ سَنَةً بَعْدَ سَنَةٍ مِنْهَا السَّرِيعُ وَ مِنْهَا الْبَطِيءُ وَ مِنْهَا الْمُعْتَدِلُ السَّيْرِ ثُمَّ رُجُوعِهَا وَ اسْتِقَامَتِهَا وَ أَخْذِهَا عَرْضاً وَ طُولًا وَ خُنُوسِهَا عِنْدَ الشَّمْسِ وَ هِيَ مُشْرِقَةٌ وَ ظُهُورِهَا إِذَا غَرَبَتْ وَ جَرْيِ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ فِي الْبُرُوجِ دَائِبَيْنِ لَا يَتَغَيَّرَانِ فِي أَزْمِنَتِهِمَا وَ أَوْقَاتِهِمَا يَعْرِفُ ذَلِكَ مَنْ يَعْرِفُ بِحِسَابٍ مَوْضُوعٍ وَ أَمْرٍ مَعْلُومٍ بِحِكْمَتِهِ يَعْرِفُ ذَوُو الْأَلْبَابِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ حِكْمَةِ الْإِنْسِ وَ لَا تَفْتِيشِ الْأَوْهَامِ وَ لَا تَقْلِيبِ التَّفَكُّرِ فَعَرَفَ الْقَلْبُ حِينَ دَلَّتْهُ الْعَيْنُ عَلَى مَا عَايَنَتْ أَنَّ لِذَلِكَ الْخَلْقِ وَ التَّدْبِيرِ وَ الْأَمْرِ الْعَجِيبِ صَانِعاً يُمْسِكُ السَّمَاءَ الْمُنْطَبِقَةَ أَنْ تَهْوِيَ إِلَى الْأَرْضِ وَ أَنَّ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ وَ النُّجُومَ فِيهَا خَالِقُ السَّمَاءِ ثُمَّ نَظَرَتِ الْعَيْنُ إِلَى مَا اسْتَقَلَّهَا مِنَ الْأَرْضِ فَدَلَّتِ الْقَلْبَ عَلَى (2) مَا عَايَنَتْ فَعَرَفَ الْقَلْبُ بِعَقْلِهِ أَنَّ مُمْسِكَ الْأَرْضِ الْمُمَهَّدَةِ أَنْ تَزُولَ أَوْ تَهْوِيَ فِي الْهَوَاءِ أَوْ هُوَ يَرَى الرِّيشَةَ تُرْمَى بِهَا فَتَسْقُطُ مَكَانَهَا وَ هِيَ فِي الْخِفَّةِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي يُمْسِكُ السَّمَاءَ الَّتِي فَوْقَهَا وَ أَنَّهُ لَوْ لَا ذَلِكَ لَخَسَفَتْ بِمَا عَلَيْهَا مِنْ ثِقَلِهَا وَ ثِقَلِ الْجِبَالِ وَ الْأَنَامِ وَ الْأَشْجَارِ وَ الْبُحُورِ وَ الرِّمَالِ فَعَرَفَ الْقَلْبُ
____________
(1) الأجل خ.
(2) إلى خ.
58
بِدَلَالَةِ الْعَيْنِ أَنَّ مُدَبِّرَ الْأَرْضِ هُوَ مُدَبِّرُ السَّمَاءِ ثُمَّ سَمِعَتِ الْأُذُنُ صَوْتَ الرِّيَاحِ الشَّدِيدَةِ الْعَاصِفَةِ وَ اللَّيِّنَةِ الطَّيِّبَةِ وَ عَايَنَتِ الْعَيْنُ مَا يُقْلَعُ مِنْ عِظَامِ الشَّجَرِ وَ يُهْدَمُ مِنْ وَثِيقِ الْبُنْيَانِ وَ تُسْفِي مِنْ ثِقَالِ الرِّمَالِ تُخَلِّي مِنْهَا نَاحِيَةً وَ تَصُبُّهَا فِي أُخْرَى بِلَا سَائِقٍ تُبْصِرُهُ الْعَيْنُ وَ لَا تَسْمَعُهُ الْأُذُنُ وَ لَا يُدْرَكُ بِشَيْءٍ مِنَ الْحَوَاسِّ وَ لَيْسَتْ مُجَسَّدَةً تُلْمَسُ وَ لَا مَحْدُودَةً تُعَايَنُ فَلَمْ تَزِدِ الْعَيْنُ وَ الْأُذُنُ وَ سَائِرُ الْحَوَاسِّ عَلَى أَنْ دَلَّتِ الْقَلْبُ أَنَّ لَهَا صَانِعاً وَ ذَلِكَ أَنَّ الْقَلْبَ يُفَكِّرُ بِالْعَقْلِ الَّذِي فِيهِ فَيَعْرِفُ أَنَّ الرِّيحَ لَمْ تَتَحَرَّكْ مِنْ تِلْقَائِهَا وَ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمُحَرِّكَةَ لَمْ يَكْفُفْ عَنِ التَّحَرُّكِ وَ لَمْ تَهْدِمْ طَائِفَةً وَ تُعْفِي أُخْرَى وَ لَمْ تَقْلَعْ شَجَرَةً وَ تَدَعُ أُخْرَى إِلَى جَنْبِهَا وَ لَمْ تَصُبَّ أَرْضاً وَ تَنْصَرِفُ عَنْ أُخْرَى فَلَمَّا تَفَكَّرَ الْقَلْبُ فِي أَمْرِ الرِّيحِ عَلِمَ أَنَّ لَهَا مُحَرِّكاً هُوَ الَّذِي يَسُوقُهَا حَيْثُ يَشَاءُ وَ يُسْكِنُهَا إِذَا شَاءَ وَ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَ يَصْرِفُهَا عَمَّنْ يَشَاءُ فَلَمَّا نَظَرَ الْقَلْبُ إِلَى ذَلِكَ وَجَدَهَا مُتَّصِلَةً بِالسَّمَاءِ وَ مَا فِيهَا مِنَ الْآيَاتِ فَعَرَفَ أَنَّ الْمُدَبِّرَ الْقَادِرَ عَلَى أَنْ يُمْسِكَ الْأَرْضَ وَ السَّمَاءَ هُوَ خَالِقُ الرِّيحِ وَ مُحَرِّكُهَا إِذَا شَاءَ وَ مُمْسِكُهَا كَيْفَ شَاءَ وَ مُسَلِّطُهَا عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَ كَذَلِكَ دَلَّتِ الْعَيْنُ وَ الْأُذُنُ الْقَلْبَ عَلَى هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ وَ عَرَفَ ذَلِكَ بِغَيْرِهِمَا مِنْ حَوَاسِّهِ حِينَ حَرَّكَتْهُ فَلَمَّا دَلَّ الْحَوَاسُّ عَلَى تَحْرِيكِ هَذَا الْخَلْقِ الْعَظِيمِ مِنَ الْأَرْضِ فِي غِلَظِهَا وَ ثِقَلِهَا وَ طُولِهَا وَ عَرْضِهَا وَ مَا عَلَيْهَا مِنْ ثِقَلِ الْجِبَالِ وَ الْمِيَاهِ وَ الْأَنَامِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ وَ إِنَّمَا يَتَحَرَّكُ فِي نَاحِيَةٍ وَ لَمْ يَتَحَرَّكْ فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى وَ هِيَ مُلْتَحِمَةٌ جَسَداً وَاحِداً وَ خَلْقاً مُتَّصِلًا بِلَا فَصْلٍ وَ لَا وَصْلٍ تَهْدِمُ نَاحِيَةً وَ تَخْسِفُ بِهَا وَ تُسَلِّمُ أُخْرَى فَعِنْدَهَا عَرَفَ الْقَلْبُ أَنَّ مُحَرِّكَ مَا حُرِّكَ مِنْهَا هُوَ مُمْسِكُ مَا أُمْسِكَ مِنْهَا وَ هُوَ مُحَرِّكُ الرِّيحِ وَ مُمْسِكُهَا وَ هُوَ مُدَبِّرُ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا وَ أَنَّ الْأَرْضَ لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمُتَزَلْزِلَةَ لِنَفْسِهَا لَمَا تَزَلْزَلَتْ وَ لَمَا تَحَرَّكَتْ وَ لَكِنَّهُ الَّذِي دَبَّرَهَا وَ خَلَقَهَا حَرَّكَ مِنْهَا مَا شَاءَ ثُمَّ نَظَرَ الْعَيْنُ إِلَى الْعَظِيمِ مِنَ الْآيَاتِ مِنَ السَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ بِمَنْزِلَةِ الدُّخَانِ لَا جَسَدَ لَهُ يَلْمِسُ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَرْضِ وَ الْجِبَالِ يَتَخَلَّلُ الشَّجَرَةَ فَلَا يُحَرِّكُ مِنْهَا شَيْئاً وَ لَا يَهْصِرُ مِنْهَا غُصْناً وَ لَا يُعَلَّقُ مِنْهَا بِشَيْءٍ يَعْتَرِضُ الرُّكْبَانَ فَيَحُولُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ مِنْ ظُلْمَتِهِ وَ كَثَافَتِهِ وَ يَحْتَمِلُ مِنْ
59
ثِقَلِ الْمَاءِ وَ كَثْرَتِهِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى صِفَتِهِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الصَّوَاعِقِ الصَّادِعَةِ وَ الْبُرُوقِ اللَّامِعَةِ وَ الرَّعْدِ وَ الثَّلْجِ وَ الْبَرْدِ وَ الْجَلِيدِ مَا لَا تَبْلُغُ الْأَوْهَامُ صِفَتَهُ وَ لَا تَهْتَدِي الْقُلُوبُ إِلَى كُنْهِ عَجَائِبِهِ فَيَخْرُجُ مُسْتَقِلًّا فِي الْهَوَاءِ يَجْتَمِعُ بَعْدَ تَفَرُّقِهِ وَ يَلْتَحِمُ بَعْدَ تَزَايُلِهِ تُفَرِّقُهُ الرِّيَاحُ مِنَ الْجِهَاتِ كُلِّهَا إِلَى حَيْثُ تَسُوقُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ رَبِّهَا يَسْفُلُ مَرَّةً وَ يَعْلُو أُخْرَى مُتَمَسِّكٌ بِمَا فِيهِ مِنَ الْمَاءِ الْكَثِيرِ الَّذِي إِذَا أَزْجَاهُ صَارَتْ مِنْهُ الْبُحُورُ يَمُرُّ عَلَى الْأَرَاضِي الْكَثِيرَةِ وَ الْبُلْدَانِ الْمُتَنَائِيَةِ لَا تَنْقُصُ مِنْهُ نُقْطَةٌ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى مَا لَا يُحْصَى مِنَ الْفَرَاسِخِ فَيُرْسِلُ مَا فِيهِ قَطْرَةً بَعْدَ قَطْرَةٍ وَ سَيْلًا بَعْدَ سَيْلٍ مُتَتَابِعٌ عَلَى رِسْلِهِ حَتَّى يَنْقَعَ الْبِرَكُ وَ تَمْتَلِئَ الْفِجَاجُ وَ تَعْتَلِيَ الْأَوْدِيَةُ بِالسُّيُولِ كَأَمْثَالِ الْجِبَالِ غَاصَّةً بِسُيُولِهَا مُصَمَّخَةَ الْآذَانِ لِدَوِيِّهَا وَ هَدِيرِهَا فَتَحْيَا بِهَا الْأَرْضُ الْمَيِّتَةُ فَتُصْبِحُ مُخْضَرَّةً بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُغْبَرَّةً وَ مَعِيشَةً بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُجْدِبَةً قَدْ كَسَبَتْ أَلْوَاناً مِنْ نَبَاتٍ عُشْبٍ نَاضِرَةً زَاهِرَةً مُزَيَّنَةً مَعَاشاً لِلنَّاسِ وَ الْأَنْعَامِ فَإِذَا أَفْرَغَ الْغَمَامُ مَاءَهُ أَقْلَعَ وَ تَفَرَّقَ وَ ذَهَبَ حَيْثُ لَا يُعَايَنُ وَ لَا يُدْرَى أَيْنَ تَوَارَى فَأَدَّتِ الْعَيْنُ ذَلِكَ إِلَى الْقَلْبِ أَنَّ ذَلِكَ السَّحَابَ لَوْ كَانَ بِغَيْرِ مُدَبِّرٍ وَ كَانَ مَا وَصَفْتُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ مَا احْتَمَلَ نِصْفَ ذَلِكَ مِنَ الثِّقَلِ مِنَ الْمَاءِ وَ إِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُهُ لَمَا احْتَمَلَهُ أَلْفَيْ فَرْسَخٍ أَوْ أَكْثَرَ وَ لَأَرْسَلَهُ فِيمَا هُوَ أَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ وَ لَمَا أَرْسَلَهُ قَطْرَةً بَعْدَ قَطْرَةٍ بَلْ كَانَ يُرْسِلُهُ إِرْسَالًا فَكَانَ يَهْدِمُ الْبُنْيَانَ وَ يُفْسِدُ النَّبَاتَ وَ لَمَا جَازَ إِلَى بَلَدٍ وَ تَرَكَ آخَرَ دُونَهُ فَعَرَفَ الْقَلْبُ بِالْأَعْلَامِ الْمُنِيرَةِ الْوَاضِحَةِ أَنَّ مُدَبِّرَ الْأُمُورِ وَاحِدٌ وَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً لَكَانَ فِي طُولِ هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ وَ الْأَبَدِ وَ الدَّهْرِ اخْتِلَافٌ فِي التَّدْبِيرِ وَ تَنَاقُضٌ فِي الْأُمُورِ وَ لَتَأَخَّرَ بَعْضٌ وَ تَقَدَّمَ بَعْضٌ وَ لَكَانَ تَسَفَّلَ بَعْضُ مَا قَدْ عَلَا وَ لَعَلَا بَعْضُ مَا قَدْ سَفَلَ وَ لَطَلَعَ شَيْءٌ وَ غَابَ فَتَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِهِ أَوْ تَقَدَّمَ مَا قَبْلَهُ فَعَرَفَ الْقَلْبُ بِذَلِكَ أَنَّ مُدَبِّرَ الْأَشْيَاءِ مَا غَابَ مِنْهَا وَ مَا ظَهَرَ هُوَ اللَّهُ الْأَوَّلُ خَالِقُ السَّمَاءِ وَ مُمْسِكُهَا وَ فَارِشُ الْأَرْضِ وَ دَاحِيهَا وَ صَانِعُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ مِمَّا عَدَدْنَا وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُحْصَ وَ كَذَلِكَ عَايَنَتِ الْعَيْنُ اخْتِلَافَ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ دَائِبَيْنِ جَدِيدَيْنِ لَا يَبْلَيَانِ فِي طُولِ كَرِّهِمَا وَ لَا يَتَغَيَّرَانِ لِكَثْرَةِ اخْتِلَافِهِمَا وَ لَا يَنْقُصَانِ عَنْ حَالِهِمَا النَّهَارُ فِي نُورِهِ وَ ضِيَائِهِ وَ اللَّيْلُ فِي سَوَادِهِ وَ ظُلْمَتِهِ يَلِجُ أَحَدُهَمَا فِي الْآخَرِ حَتَّى يَنْتَهِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى غَايَةٍ-
60
مَحْدُودَةٍ مَعْرُوفَةٍ فِي الطُّولِ وَ الْقِصَرِ عَلَى مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ وَ مَجْرًى وَاحِدٍ مَعَ سُكُونِ مَنْ يَسْكُنُ فِي اللَّيْلِ وَ انْتِشَارِ مَنْ يَنْتَشِرُ فِي النَّهَارِ وَ انْتِشَارِ مَنْ يَنْتَشِرُ فِي اللَّيْلِ وَ سُكُونِ مَنْ يَسْكُنُ فِي النَّهَارِ ثُمَّ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ وَ حُلُولِ أَحَدِهِمَا بِعَقِبِ الْآخَرِ حَتَّى تَكُونَ الْحَرُّ بَرْداً وَ الْبَرْدُ حَرّاً فِي وَقْتِهِ وَ إِبَّانِهِ فَكُلُّ هَذَا مِمَّا يَسْتَدِلُّ بِهِ الْقَلْبُ عَلَى الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى فَعَرَفَ الْقَلْبُ بِعَقْلِهِ أَنَّ مُدَبِّرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ هُوَ الْوَاحِدُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَ لَا يَزَالُ وَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ آلِهَةٌ مَعَهُ سُبْحَانَهُ لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَ لَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَ لَفَسَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى صَاحِبِهِ وَ كَذَلِكَ سَمِعَتِ الْأُذُنُ مَا أَنْزَلَ الْمُدَبِّرُ مِنَ الْكُتُبِ تَصْدِيقاً لِمَا أَدْرَكَتْهُ الْقُلُوبُ بِعُقُولِهَا وَ تَوْفِيقِ اللَّهِ إِيَّاهَا وَ مَا قَالَهُ مَنْ عَرَفَهُ كُنْهَ مَعْرِفَتِهِ بِلَا وَلَدٍ وَ لَا صَاحِبَةٍ وَ لَا شَرِيكٍ فَأَدَّتِ الْأُذُنُ مَا سَمِعَتْ مِنَ اللِّسَانِ بِمَقَالَةِ الْأَنْبِيَاءِ إِلَى الْقَلْبِ فَقَالَ قَدْ أَتَيْتَنِي مِنْ أَبْوَابٍ لَطِيفَةٍ بِمَا لَمْ يَأْتِنِي بِهِ أَحَدٌ غَيْرُكَ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَمْنَعُنِي مِنْ تَرْكِ مَا فِي يَدِي إِلَّا الْإِيضَاحُ وَ الْحُجَّةُ الْقَوِيَّةُ بِمَا وَصَفْتَ لِي وَ فَسَّرْتَ وَ قُلْتُ أَمَّا إِذَا حَجَبْتَ عَنِ الْجَوَابِ وَ اخْتَلَفَ مِنْكَ الْمَقَالُ فَسَيَأْتِيكَ مِنَ الدَّلَالَةِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِكَ خَاصَّةً مَا يَسْتَبِينُ لَكَ أَنَّ الْحَوَاسَّ لَا تَعْرِفُ شَيْئاً إِلَّا بِالْقَلْبِ فَهَلْ رَأَيْتَ فِي الْمَنَامِ أَنَّكَ تَأْكُلُ وَ تَشْرَبُ حَتَّى وَصَلَتْ لَذَّةُ ذَلِكَ إِلَى قَلْبِكَ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَهَلْ رَأَيْتَ أَنَّكَ تَضْحَكُ وَ تَبْكِي وَ تَجُولُ فِي الْبُلْدَانِ الَّتِي لَمْ تَرَهَا وَ الَّتِي قَدْ رَأَيْتَهَا حَتَّى تَعْلَمَ مَعَالِمَ مَا رَأَيْتَ مِنْهَا قَالَ نَعَمْ مَا لَا أُحْصِي قُلْتُ فَهَلْ رَأَيْتَ أَحَداً مِنْ أَقَارِبِكَ مِنْ أَخٍ أَوْ أَبٍ أَوْ ذِي رَحِمٍ قَدْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ حَتَّى تَعْلَمَهُ وَ تَعْرِفَهُ كَمَعْرِفَتِكَ إِيَّاهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ قَالَ أَكْثَرُ مِنَ الْكَثِيرِ قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي أَيُّ حَوَاسِّكَ أَدْرَكَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فِي مَنَامِكَ حَتَّى دَلَّتْ قَلْبَكَ عَلَى مُعَايَنَةِ الْمَوْتَى وَ كَلَامِهِمْ وَ أَكْلِ طَعَامِهِمْ وَ الْجَوَلَانِ فِي الْبُلْدَانِ وَ الضَّحِكِ وَ الْبُكَاءِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ قَالَ مَا أَقْدِرُ أَنْ أَقُولَ لَكَ أَيُّ حَوَاسِّي أَدْرَكَ ذَلِكَ أَوْ شَيْئاً مِنْهُ وَ كَيْفَ تُدْرِكُ وَ هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ لَا تَسْمَعُ وَ لَا تُبْصِرُ قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي حَيْثُ اسْتَيْقَظْتَ أَ لَسْتَ قَدْ ذَكَرْتَ الَّذِي رَأَيْتَ فِي مَنَامِكَ تَحْفَظُهُ وَ تَقُصُّهُ بَعْدَ يَقَظَتِكَ عَلَى إِخْوَانِكَ لَا تَنْسَى مِنْهُ حَرْفاً قَالَ إِنَّهُ كَمَا تَقُولُ وَ رُبَّمَا رَأَيْتُ الشَّيْءَ فِي مَنَامِي ثُمَّ لَا أُمْسِي حَتَّى أَرَاهُ فِي يَقَظَتِي كَمَا
61
رَأَيْتُهُ فِي مَنَامِي قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي أَيُّ حَوَاسِّكَ قَرَّرَتْ عِلْمَ ذَلِكَ فِي قَلْبِكَ حَتَّى ذَكَرْتَهُ بَعْدَ مَا اسْتَيْقَظْتَ قَالَ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ مَا دَخَلَتْ فِيهِ الْحَوَاسُّ قُلْتُ أَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَعْلَمَ حَيْثُ بَطَلَتِ الْحَوَاسُّ فِي هَذَا أَنَّ الَّذِي عَايَنَ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ وَ حَفِظَهَا فِي مَنَامِكَ قَلْبُكَ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ الْعَقْلَ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ عَلَى الْعِبَادِ قَالَ إِنَّ الَّذِي رَأَيْتُ فِي مَنَامِي لَيْسَ بِشَيْءٍ إِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ السَّرَابِ الَّذِي يُعَايِنُهُ صَاحِبُهُ وَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ لَا يَشُكُّ أَنَّهُ مَاءٌ فَإِذَا انْتَهَى إِلَى مَكَانِهِ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً فَمَا رَأَيْتُ فِي مَنَامِي فَبِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ قُلْتُ كَيْفَ شَبَّهْتَ السَّرَابَ بِمَا رَأَيْتَ فِي مَنَامِكَ مِنْ أَكْلِكَ الطَّعَامَ الْحُلْوَ وَ الْحَامِضَ وَ مَا رَأَيْتَ مِنَ الْفَرَحِ وَ الْحَزَنِ قَالَ لِأَنَّ السَّرَابَ حَيْثُ انْتَهَيْتُ إِلَى مَوْضِعِهِ صَارَ لَا شَيْءَ وَ كَذَلِكَ صَارَ مَا رَأَيْتُ فِي مَنَامِي حِينَ انْتَبَهْتُ قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي إِنْ أَتَيْتُكَ بِأَمْرٍ وَجَدْتَ لَذَّتَهُ فِي مَنَامِكَ وَ خَفَقَ لِذَلِكَ قَلْبُكَ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ قَالَ بَلَى قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي هَلِ احْتَلَمْتَ قَطُّ حَتَّى قَضَيْتَ فِي امْرَأَةٍ نَهْمَتَكَ (1) عَرَفْتَهَا أَمْ لَمْ تَعْرِفْهَا قَالَ بَلَى مَا لَا أُحْصِيهِ قُلْتُ أَ لَسْتَ وَجَدْتَ لِذَلِكَ لَذَّةً عَلَى قَدْرِ لَذَّتِكَ فِي يَقَظَتِكَ فَتَنْتَبِهُ وَ قَدْ أَنْزَلْتَ الشَّهْوَةَ حَتَّى يَخْرُجُ مِنْكَ بِقَدْرِ مَا يَخْرُجُ فِي الْيَقَظَةِ هَذَا كَسْرٌ بِحُجَّتِكَ فِي السَّرَابِ قَالَ مَا يَرَى الْمُحْتَلِمُ فِي مَنَامِهِ شَيْئاً إِلَّا مَا كَانَتْ حَوَاسُّهُ دَلَّتْ عَلَيْهِ فِي الْيَقَظَةِ قُلْتُ مَا زِدْتَ عَلَى أَنْ قَوَّيْتَ مَقَالَتِي وَ زَعَمْتَ أَنَّ الْقَلْبَ يَعْقِلُ الْأَشْيَاءَ وَ يَعْرِفُهَا بَعْدَ ذَهَابِ الْحَوَاسِّ وَ مَوْتِهَا فَكَيْفَ أَنْكَرْتَ أَنَّ الْقَلْبَ يَعْرِفُ الْأَشْيَاءَ وَ هُوَ يَقْظَانُ مُجْتَمِعَةٌ لَهُ حَوَاسُّهُ وَ مَا الَّذِي عَرَّفَهُ إِيَّاهَا بَعْدَ مَوْتِ الْحَوَاسِّ وَ هُوَ لَا يَسْمَعُ وَ لَا يُبْصِرُ وَ لَكُنْتَ حَقِيقاً أَنْ لَا تُنْكِرَ لَهُ الْمَعْرِفَةَ وَ حَوَاسُّهُ حَيَّةٌ مُجْتَمِعَةٌ إِذَا أَقْرَرْتَ أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى الِامْرَأَةِ بَعْدَ ذَهَابِ حَوَاسِّهِ حَتَّى نَكَحَهَا وَ أَصَابَ لَذَّتَهُ مِنْهَا فَيَنْبَغِي لِمَنْ يَعْقِلُ حَيْثُ وَصَفَ الْقَلْبَ بِمَا وَصَفَهُ بِهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِالْأَشْيَاءِ وَ الْحَوَاسُّ ذَاهِبَةٌ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ الْقَلْبَ مُدَبِّرُ الْحَوَاسِّ وَ مَلِكُهَا وَ رَأْسُهَا وَ الْقَاضِي عَلَيْهَا فَإِنَّهُ مَا جَهِلَ الْإِنْسَانُ مِنْ شَيْءٍ فَمَا يَجْهَلُ أَنَّ الْيَدَ لَا تَقْدِرُ عَلَى الْعَيْنِ أَنْ تَقْلَعَهَا وَ لَا عَلَى اللِّسَانِ أَنْ تَقْطَعَهُ وَ أَنَّهُ لَيْسَ يَقْدِرُ شَيْءٌ مِنَ الْحَوَاسِ
____________
(1) أي شهوتك.
62
أَنْ يَفْعَلَ بِشَيْءٍ مِنَ الْجَسَدِ شَيْئاً بِغَيْرِ إِذْنِ الْقَلْبِ وَ دَلَالَتِهِ وَ تَدْبِيرِهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى جَعَلَ الْقَلْبَ مُدَبِّراً لِلْجَسَدِ بِهِ يَسْمَعُ وَ بِهِ يُبْصِرُ وَ هُوَ الْقَاضِي وَ الْأَمِيرُ عَلَيْهِ لَا يَتَقَدَّمُ الْجَسَدُ إِنْ هُوَ تَأَخَّرَ وَ لَا يَتَأَخَّرُ إِنْ هُوَ تَقَدَّمَ وَ بِهِ سَمِعَتِ الْحَوَاسُّ وَ أَبْصَرَتْ إِنْ أَمَرَهَا ائْتَمَرَتْ وَ إِنْ نَهَاهَا انْتَهَتْ وَ بِهِ يَنْزِلُ الْفَرَحُ وَ الْحَزَنُ وَ بِهِ يَنْزِلُ الْأَلَمُ إِنْ فَسَدَ شَيْءٌ مِنَ الْحَوَاسِّ بَقِيَ عَلَى حَالِهِ وَ إِنْ فَسَدَ الْقَلْبُ ذَهَبَ جَمِيعُهَا حَتَّى لَا يَسْمَعُ وَ لَا يُبْصِرُ قَالَ لَقَدْ كُنْتُ أَظُنُّكَ لَا تَتَخَلَّصُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَ قَدْ جِئْتَ بِشَيْءٍ لَا أَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ قُلْتُ وَ أَنَا أُعْطِيكَ تَصَادِيقَ مَا أَنْبَأْتُكَ بِهِ وَ مَا رَأَيْتَ فِي مَنَامِكَ فِي مَجْلِسِكَ السَّاعَةَ قَالَ افْعَلْ فَإِنِّي قَدْ تَحَيَّرْتُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قُلْتُ أَخْبِرْنِي هَلْ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ مِنْ تِجَارَةٍ أَوْ صِنَاعَةٍ أَوْ بِنَاءٍ أَوْ تَقْدِيرِ شَيْءٍ وَ تَأْمُرُ بِهِ إِذَا أَحْكَمْتَ تَقْدِيرَهُ فِي ظَنِّكَ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَهَلْ أَشْرَكْتَ قَلْبَكَ فِي ذَلِكَ الْفِكْرِ شَيْئاً مِنْ حَوَاسِّكَ قَالَ لَا قُلْتُ أَ فَلَا تَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي أَخْبَرَكَ بِهِ قَلْبُكَ حَقٌّ قَالَ الْيَقِينُ هُوَ فَزِدْنِي مَا يُذْهِبُ الشَّكَّ عَنِّي وَ يُزِيلُ الشُّبْهَةَ مِنْ قَلْبِي.
أقول: قد عرفت أن القلب يطلق في لسان الشرع في الآيات و الأخبار على النفس الناطقة و لما كان السائل منكرا لإدراك ما سوى الحواس الظاهرة نبهه(ع)على خطائه بمدركات الحواس الباطنة التي هي من آلات النفس و قد مر شرح الفقرات و تمام الحديث في كتاب التوحيد.
46- الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ الْآيَةَ قَالَ نَفْسٌ وَ رُوحٌ بَيْنَهُمَا مِثْلُ شُعَاعِ الشَّمْسِ فَيَتَوَفَّى اللَّهُ النَّفْسَ فِي مَنَامِهِ وَ يَدَعُ الرُّوحَ فِي جَوْفِهِ يَتَقَلَّبُ وَ يَعِيشُ فَإِنْ بَدَا لِلَّهِ أَنْ يَقْبِضَهُ قَبَضَ الرُّوحَ فَمَاتَ وَ إِنْ أَخَّرَ أَجَلَهُ رَدَّ النَّفْسَ إِلَى مَكَانِهَا مِنْ جَوْفِهِ (1).
47- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ الْآيَةَ قَالَ كُلُّ نَفْسٍ لَهَا سَبَبٌ تَجْرِي فِيهِ فَإِذَا قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتُ نَامَتْ حَتَّى يَنْقَطِعَ السَّبَبُ وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ تُتْرَكُ (2).
____________
(1) الدّر المنثور: ج 5،(ص)329.
(2) الدّر المنثور: ج 5،(ص)329.
63
48- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْآيَةِ قَالَ سَبَبٌ مَمْدُودٌ (1) مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ فَأَرْوَاحُ الْمَوْتَى وَ أَرْوَاحُ الْأَحْيَاءِ تَأْوِي إِلَى ذَلِكَ السَّبَبِ فَتَعَلَّقُ النَّفْسُ الْمَيِّتَةُ بِالنَّفْسِ الْحَيَّةِ فَإِذَا أُذِنَ لِهَذِهِ الْحَيَّةِ بِالانْصِرَافِ إِلَى جَسَدِهَا تَسْتَكْمِلُ رِزْقَهَا أُمْسِكَتِ النَّفْسُ الْمَيِّتَةُ وَ أُرْسِلَتِ الْأُخْرَى (2).
49- وَ عَنْ جُحَيْفَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فِي سَفَرِهِ الَّذِي نَامُوا فِيهِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ قَالَ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْكُمْ أَرْوَاحَكُمْ (3).
50 شِهَابُ الْأَخْبَارِ، قَالَ النَّبِيُّ(ص)الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ مَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَ مَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ.
ضوء الشهاب هذا الحديث مما تسكب فيه العبرات و لا تؤمن في تفسيره العثرات و أنا مورد فيه بقدر ما رزقني الله تعالى من العلم به فأقول إن أصل كلمة روح موضوع للطيب و الطهارة فتسمى روح الإنسان روحا و الملائكة المطهرون أرواحا و روح القدس جبرئيل(ع)و الروح اسم ملك آخر قال تعالى يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا و عيسى(ع)روح الله و النسبة إلى الملائكة و الجن روحاني بالضم و هم الروحانيون و يقال لكل ذي روح روحاني قاله أبو عبيدة و الروح الراحة و مكان روحاني طيب و الريح واحدة الرياح و الأرواح أصلها روح فقلبت الواو ياء لمكان كسرة الراء و الراح و الرياح بفتح الراء الخمر و روح و ريحان أي رحمة و رزق و الروح و النسيم و الريحان المشموم و من ذلك الروح التي يحيا بها الإنسان سميت بذلك لطهارتها و طيبها في الخلقة و في مبدإ التكوين و قال أصحاب الأصول الروح النفس المتردد في مخارق الحي و على ذلك قال الشاعر
فقلت له ارفعها إليك و أحيها.* * * بروحك و اجعلها له قبة (4)قدرا.
____________
(1) في المصدر: ممدود بين السماء و الأرض.
(2) الدّر المنثور: ج 5،(ص)329.
(3) الدّر المنثور: ج 5،(ص)329.
(4) في بعض النسخ «لها قتبة».
64
و ما يقوله قوم من أن الأرواح قائمة بالأجساد و أنها كانت قبل الأجساد بكذا و كذا عاما و أنها غير داخلة في الأجساد و لا خارجة منها و أنها تفنى إلى غير ذلك فنحن مستغنون عن ذكره فيما نحن بصدده و كتب الأصول و الجدل أولى بذكر ذلك فقال بعض من تكلم في هذا الحديث إنه على حذف المضاف و التقدير ذوو الأرواح و هذا قريب المأخذ و عند جماعة من محققي أصحاب الأصول أنه يجوز عقلا أن يكون الله تعالى إذا استشهد الشهيد أو توفي النبي أو الصالح من بني آدم ينتزع من جسده أجزاء بقدر ما تحل الحياة التي كانت الجملة بها حية فيها فيردها إلى تلك الأجزاء فتصير حيا و إن كانت جثة صغيرة فيرفعه إلى حيث شاء فإنه لا اعتبار في الحي بالجثة و ظاهر الكتاب يشهد بصحة ذلك حيث يقول تعالى وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ إلى قوله تعالى وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (1) و
فِي الْحَدِيثِ أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَعَلَّقُ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ.
و هذا الحديث مما يعضد هذه المقالة فعلى هذا تتعارف هذه الأجساد اللطيفة بعد موت صاحبها كما كانت في دار الدنيا تعرف بعضها بعضا فتتباشر فتأتلف و بالعكس. و
رَوَتْ عَائِشَةُ فِي سَبَبِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مُخَنَّثاً قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ عَلَى مُخَنَّثٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مُخَنَّثٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ(ص)فَقَالَ الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ الْحَدِيثَ.
- وَ رُوِيَ عَنْهُ(ص)الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَتَشَامُّ كَمَا تَشَامُّ الْخَيْلُ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَ مَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ فَلَوْ أَنَّ مُؤْمِناً جَاءَ إِلَى مَجْلِسٍ فِيهِ مِائَةُ مُنَافِقٍ لَيْسَ فِيهِمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَاحِدٌ لَجَاءَ حَتَّى يَجْلِسَ إِلَيْهِ.
أو كما قال
وَ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ كَانَتِ امْرَأَةٌ بِمَكَّةَ تَدْخُلُ عَلَى نِسَاءِ قُرَيْشٍ تُضْحِكُهُنَّ فَلَمَّا هَاجَرْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ دَخَلَتِ الْمَدِينَةَ فَدَخَلَتْ عَلَيَّ قُلْتُ فُلَانَةُ مَا أَقْدَمَكِ قَالَتْ إِلَيْكُنَّ قُلْتُ فَأَيْنَ نَزَلْتِ قَالَتْ عَلَى فُلَانَةَ امْرَأَةٍ مُضْحِكَةٍ بِالْمَدِينَةِ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ دَخَلَتْ فُلَانَةُ الْمُضْحِكَةُ قَالَ(ص)فَعَلَى مَنْ نَزَلَتْ قُلْتُ عَلَى فُلَانَةَ قَالَ
____________
(1) آل عمران: 169،.
65
الْمُضْحِكَةِ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ إِنَّ الْأَرْوَاحَ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ الْحَدِيثَ..
و في كلام بعضهم الروح نقاب أي يعلم بالأشياء و هذه كناية عن العلم و الفطنة و الذكاء و المعرفة و الدهاء و العرب تعبر بالروح عن الحياة و الله الموفق.
و أقول إن تحقيق أمر الروح عسير و لا يعلم حقيقة ذلك إلا من خلقه و أوجده و ركبه وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا و لو أراد الله تعالى أن يعلم حقيقته و ماهيته بكنهه لأعلمناه و قال وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي فقال حتى نسكت عما أسكت الله عنه و قد أوردت بعض ما سمعت فيه و علمت و أنت محكم فانظر فيه و احكم و التوقف فيه فرض من لا فرض له و الله أعلم و أحكم ثم رسوله(ص)و فائدة الحديث إعلام أن الجنس إلى الجنس أميل و إليه أسوق و أشوق و التعارف مما يجر الائتلاف و بالعكس و راوية الحديث عائشة.
شِهَابُ الْأَخْبَارِ، قَالَ النَّبِيُّ(ص)النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ.
الضوء المعدن مستقر الجوهر من قولك عدن بالمكان إذا أقام فيه و منه جَنَّاتُ عَدْنٍ أي إقامة و الذهب الجسد المعروف الذي ذهب الناس فيه و القطعة ذهبة و ذهب الرجل إذا رأى القطعة الكبيرة من الذهب في المعدن فدهش و الفضة أحد الثمنين و هو أحد الأجساد أيضا فيقول(ص)الناس متفاوتون كتفاوت المعادن متفاضلون كتفاضل الجواهر المجلوبة منها فمنها الذهب و الفضة و النحاس و الحديد و الأسرب و الرصاص و الزرنيخ و الفيروزج و غير ذلك و كان الغرض النبوي أن يعلمك أن الناس متفاوتون أمثال الفلز و الخرز ليسوا بأمثال و إن كانوا من جنس واحد و مورد هذا الحديث على العكس من مورد الحديث الذي قبله يعني قوله(ص)الناس كأسنان المشط فكأنه(ص)يقول إذا صادفت أحدا فتعرف أحواله و تجسس أفعاله و أقواله فإن كان صالحا فعليك به فهو من المعدن النفيس فإن كان طالحا فالهرب الهرب منه فهو من المعدن الخسيس و فائدة الحديث الإعلام بتفاوت الناس على أنهم بنو الرجل و راوي الحديث أبو هريرة و تمام الحديث خيارهم في الجاهلية خيارهم
66
في الإسلام إذا فقهوا يعني أن الخيار منهم في الجاهلية إذا تفقهوا فهم الخيار في الإسلام و الله أعلم.
بيان قال الطيبيّ هو تشبيه بليغ فكمعادن الذهب تأكيد أو مجاز عن التفاوت أي الناس متفاوتون في النسب بالشرف و الضعة كتفاوت المعدن في الذهب و الفضة و ما دونهما و تفاوتهم في الإسلام بالقبول لفيض الله بحسب العلم و الحكمة على مراتب و عدم قبوله و قيد إذا فقهوا يفيد أن الإيمان يرفع تفاوت الجاهلية فإذا تحلى (1) بالعلم استجلب النسب الأصلي فيجتمع شرف النسب و الحسب و فيه أن الوضيع العالم أرفع من الشريف الجاهل.
52 الشِّهَابُ، النَّاسُ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَا تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً وَاحِدَةً.
الضوء الناس أصله أناس فخفف و ليس الألف و اللام عوضا من الهمزة المحذوفة لأنهما تجتمعان مع الهمزة كقوله
إن المنايا يطلعن على الأناس الآمنينا
و الناس بن مضر بن نزار اسم قيس عيلان و الإبل البعران الكثيرة و لا واحد له من لفظه و أبل الوحشي يأبل أبولا و أبل يأبل إبلا اجتزأ عن الماء شبهت بالإبل في الصبر عن الماء و تأبل الرجل عن امرأته إذا ترك مقاربتها و رجل آبل و أبل حسن القيام على إبله و إبل مأبلة أي مجموعة و الراحلة البعير الذي يصلح للارتحال و راحله عاونه على رحلته و المعنى و الله أعلم أنه ذم للناس و أنه قلما يقع فيهم من هو كامل في بابه و قال أبو عبيد يعني أنهم متساوون ليس لأحد منهم فضل على أحد في النسب و لكنهم أشباه و أمثال كإبل مائة ليس فيها راحلة تتبين فيها و تتميز منها بالتمام و حسن المنظر و الراحلة عند العرب تكون الجمل النجيب و الناقة النجيبة يختارها الرجل لمركبه و دخول الهاء في الراحلة للمبالغة كما تقول رجل داهية و راوية للشعر و علامة و نسابة و يقال إنها إنما سميت راحلة لأنها ترحل كما قال تعالى فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ أي مرضية و كما قال تعالى مِنْ ماءٍ دافِقٍ أي مدفوق قال و يقال لفلان إبل إذا كانت له مائة من الإبل و إبلان
____________
(1) تجلى (خ).
67
إذا كانت له مائتان و يقال للمائة منها هنيدة معرفة لا تنصرف و قال أبو سليمان الخطابي يقال للمائتين هنيد بغير هاء و العهدة عليه و قال ابن قتيبة الراحلة هي التي يختارها الرجل لمركبه و رحله على النجابة و تمام الخلق و حسن المنظر فإذا كانت في جماعة الإبل عرفت يقول الناس متساوون ليس لأحد منهم فضل في النسب و لكنهم أشباه كإبل مائة ليس فيها راحلة و قد خطأه أبو منصور الأزهري لفظا و معنى أما اللفظة فمن حيث جعل الناقة هي الراحلة قال و ليس الجمل عنده راحلة و الراحلة عند العرب تكون الجمل النجيب و الناقة النجيبة و أما المعنى أنه يعز فيهم الكامل الفاضل زهدا في الدنيا و رغبة في الآخرة هذا معنى كلام الأزهري و فائدة الحديث ذم الناس و أن الكامل فيهم قلما يوجد و راوي الحديث عبد الله بن عمر.
بيان قال في النهاية يعني أن المرضي المنتجب من الناس في عزة وجوده كالنجيب من الإبل القوي على الأحمال و الأسفار الذي لا يوجد في كثير من الإبل قال الأزهري الذي عندي فيه أن الله تعالى ذم الدنيا و حذر العباد سوء مغبتها (1) و ضرب لهم فيها الأمثال ليعتبروا و يحذروا و كان النبي(ص)يحذرهم ما حذرهم الله و يزهدهم فيها فرغب أصحابه بعده فيها تنافسوا عليها حتى كان الزهد في النادر القليل منهم.
- فَقَالَ(ص)تَجِدُونَ النَّاسَ مِنْ بَعْدِي كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَيْسَ فِيهَا رَاحِلَةٌ.
. أي أن الكامل في الزهد في الدنيا و الرغبة في الآخرة قليل كقلة الراحلة في الإبل و الراحلة هي البعير القوي على الأسفار و الأحمال النجيب التام الخلق الحسن المنظر و يقع على الذكر و الأنثى و الهاء فيه للمبالغة انتهى و قال الكرماني و قيل أي الناس في أحكام الدين سواء لا فضل فيها لشريف على مشروف و لا لرفيع على وضيع كإبل لا راحلة فيها و هي التي ترحل لتركب أي كلها تصلح للجمل لا للركوب.
أقول قد مر بعض الأخبار المناسبة لهذا الباب في أبواب المعاد و أبواب خلق أرواح النبي(ص)و الأئمة(ع)و سيأتي بعضها في الأبواب الآتية إن شاء الله تعالى.
____________
(1) أي عاقبتها.
68
تذييل و تفصيل في بيان أقوال الحكماء و الصوفية و المتكلمين من الخاصة و العامة في حقيقة النفس و الروح ثم بيان ما ظهر من الآيات و الأخبار في ذلك.
قال شارح المقاصد في بيان آراء الحكماء و المتكلمين في النفس لما عرفت أن الجوهر المجرد إن تعلق بالبدن تعلق التدبير و التصرف فنفس و إلا فعقل و قد يطلق لفظ النفس على ما ليس بمجرد بل مادي كالنفس النباتية التي هي مبدأ أفاعيله من التغذية و التنمية و التوليد و النفس الحيوانية التي هي مبدأ الحس و الحركة الإرادية و يجعل النفس الأرضية اسما لها و النفس الناطقة الإنسانية فيفسر بأنها كمال أول لجسم طبيعي إلى ذي حياة بالقوة ثم قال مقتضى قواعدهم أي الفلاسفة أن يكون في الإنسان نفس هي مبدأ تعقل الكليات و أخرى مبدأ الحركات و الإحساسات و أخرى مبدأ التغذية و التنمية و توليد المثل (1) لكن ذكر في شرح الإشارات و غيره أن ليس الأمر كذلك بل المركبات منها ما له صورة معدنية يقتصر فعلها على حفظ المواد المجتمعة من الأسطقسات المتضادة بكيفياتها المتداعية إلى الانفكاك لاختلاف ميولها إلى أمكنتها المختلفة و منها ما له صورة تسمى نفسا نباتية يصدر عنها مع الحفظ المذكور جمع أجزاء أخر من الأسطقسات و إضافتها إلى مواد المركب و صرفها في وجوه التغذية و الإنماء و التوليد و منها ما له صورة تسمى نفسا حيوانية يصدر عنها مع الأفعال النباتية و الحفظ المذكور الحس و الحركة الإرادية و منها ما له نفس مجردة يصدر عنها مع الأفعال السابقة كلها النطق و ما يتبعه.
ثم قال و لما يثبت عند المتكلمين اختلاف أنواع الأجسام و استناد الآثار إليها ليحتاج إلى فصول منوعة و مباد مختلفة بنوا إثبات النفس على الأدلة السمعية
____________
(1) غاية ما تقتضيه قواعد الفلسفة اثبات مبادئ لهذه الافاعيل، لكن هذا لا ينافى اتّحاد جميع هذه المبادى بالنفس اتّحاد المراتب الناقصة بالكاملة، فقد اثبتوا ان النفس في وحدتها كل القوى و اقاموا عليها براهين مذكورة في محالها.
69
و التنبهات العقلية مثل أن البدن و أعضاءه الظاهرة و الباطنة دائما في التبدل و التحلل و النفس بحالها و أن الإنسان الصحيح العقل قد يغفل عن البدن و أجزائه و لا يغفل بحال عن وجود ذاته و أنه قد يريد ما يمانعه البدن مثل الحركة إلى العلو.
و بالجملة قد اختلف كلمة الفريقين في حقيقة النفس فقيل هي النار السارية في الهيكل المحسوس و قيل الهواء و قيل الماء و قيل العناصر الأربعة و المحبة و الغلبة أي الشهوة و الغضب و قيل الأخلاط الأربعة و قيل الدم و قيل نفس كل شخص مزاجه الخاص و قيل جزء لا يتجزأ في القلب و كثير من المتكلمين على أنها الأجزاء الأصلية الباقية من أول العمر إلى آخره و كأن هذا مراد من قال هي هذا الهيكل المخصوص و البنية المحسوسة أي التي من شأنها أن يحس بها و جمهورهم على أنه جسم مخالف بالماهية للجسم الذي يتولد منه الأعضاء نوراني علوي خفيف حي لذاته نافذ في جواهر الأعضاء سار فيها سريان ماء الورد في الورد و النار في الفحم لا يتطرق إليه تبدل و لا انحلال بقاؤه في الأعضاء حياة و انتقاله عنها إلى عالم الأرواح موت و قيل إنها أجسام لطيفة متكونة في القلب سارية في الأعضاء من طريق الشرايين أي العروق الضاربة أو متكونة في الدماغ نافذة في الأعصاب الثابتة منه إلى جملة البدن.
و اختار المحققون من الفلاسفة و أهل الإسلام (1) إلى أنها جوهر مجرد في ذاته متعلق بالبدن تعلق التدبير و التصرف و متعلقه أولا هو ما ذكره المتكلمون من الروح القلبي المتكون في جوفه الأيسر من بخار الأغذية و لطيفه و يفيده قوة بها يسري في جميع البدن فيفيد كل عضو قوة بها يتم نفعه من القوى المذكورة فيما سبق احتج القائلون بأنها من قبيل الأجسام بوجوه الأول أن المدرك للكليات أعني النفس هو بعينه المدرك للجزئيات لأنا نحكم بالكلي على الجزئي كقولنا هذه الحرارة حرارة و الحاكم بين الشيئين لا بد أن يتصورهما و المدرك للجزئيات جسم لأنا نعلم بالضرورة أنا إذا لمسنا النار كان المدرك لحرارتها هو العضو اللامس
____________
(1) كذا، و الظاهر زيادة لفظة «الى».
70
و لأن غير الإنسان من الحيوانات يدرك الجزئيات مع أن الاتفاق على أنا لا نثبت لها نفوسا مجردة.
و رد بأنا لا نسلم أن المدرك لهذه الحرارة هو العضو اللامس بل النفس بواسطته و نحن لا ننازع في أن المدرك للكليات و الجزئيات هو النفس لكن للكليات بالذات و للجزئيات بالآلات و إذا لم نجعل العضو مدركا أصلا لا يلزم أن يكون الإدراك مرتين و الإنسان مدركين على ما قيل.
و يمكن دفعه بأنه يستلزم إما إثبات النفوس المجردة للحيوانات الأخر و إما جعل إحساساتها للقوى و الأعضاء و إحساسات الإنسان للنفس بواسطتها مع القطع بعدم التفاوت (1).
الثاني أن كل واحد منا يعلم قطعا أن المشار إليه بأنا و هو النفس يتصف بأنه حاضر هناك و قائم و قاعد و ماش و واقف و نحو ذلك من خواص الأجسام و المتصف بخاصة الجسم جسم و قريب من ذلك ما يقال إن للبدن إدراكات هي بعينها إدراكات المشار إليه بأنا أعني النفس مثل إدراك حرارة النار و برودة الجمد و حلاوة العسل و غير ذلك من المحسوسات فلو كانت النفس مجردة أو مغايرة للبدن امتنع أن تكون صفتها غير صفته.
و الجواب أن المشار إليه بأنا و إن كان هو النفس على الحقيقة لكن كثيرا ما يشار به إلى البدن أيضا لشدة ما بينهما من التعلق فحيث يوصف بخواص الأجسام
____________
(1) ثبوت مرتبة من التجرد لنفوس سائر الحيوانات مثل ما تثبت لنفوس الاطفال مما لا ينفيه برهان إن لم يكن ممّا يثبته: و اما دعوى القطع بعدم الفرق بين ادراك الإنسان و سائر الحيوانات فغير مقبولة، فان القطع لو حصل فانما يحصل بمشابهة مبادئ الاحساس في جميع الحيوانات، و اما عدم اتّحاد بعض هذه المبادى بمبدإ أقوى و أكمل في بعضها- و هو لنفس الناطقة في الإنسان- فمما لا يسمع دعوى القطع فيه. و الافعال الصادرة من الإنسان كلها مستندة الى النفس، و منها ما يشترك بينها و بين النبات، فهل يصحّ دعوى القطع بعدم التفاوت بين الافعال المشتركة بينهما؟.
71
كالقيام و القعود و كإدراك المحسوسات عند من يجعل المدرك نفس الأعضاء و القوى لا النفس بواسطتها فالمراد به البدن و ليس معنى هذا الكلام أنها لشدة تعلقها بالبدن و استغراقها في أحواله يغفل فيحكم عليها بما هو من خواص الأجسام كما فهمه صاحب الصحائف ليلزم كونها في غاية الغفلة.
الثالث أنها لو كانت مجردة لكانت نسبتها إلى جميع البدن على السواء فلم يتعلق ببدن دون آخر و على تقدير التعلق جاز أن ينتقل من بدن إلى بدن آخر و حينئذ لم يصح الحكم بأن زيدا الآن هو الذي كان بالأمس.
و رد بأنا لا نسلم أن نسبتها إلى الكل على السواء بل لكل نفس بدن لا يليق بمزاجه و اعتداله إلا لتلك النفس الفائضة عليه بحسب استعداده الحاصل باعتداله الخاص (1).
الرابع النصوص الظاهرة من الكتاب و السنة تدل على أنها تبقى بعد خراب البدن و تتصف بما هو من خواص الأجسام كالدخول في النار و عرضها عليها و كالترفرف حول الجنازة و ككونها في قناديل من نور أو في جوف طيور خضر و أمثال ذلك و لا خفاء في احتمال التأويل و كونها على طريق التمثيل و لهذا تمسك بها القائلون بتجرد النفوس زعما منهم أن مجرد مغايرتها للبدن يفيد ذلك.
و قد يستدل بأنه لا دليل على تجردها فيجب أن لا تكون مجردة لأن الشيء إنما يثبت بدليل و هو مع ابتنائه على القاعدة الواهية معارض بأنه لا دليل على كونها جسما أو جسمانيا فيجب أن لا يكون كذلك.
ثم قال و احتج القائلون بتجرد النفس بوجوه الأول أنها تكون محلا لأمور يمتنع حلولها في الماديات و كل ما هو كذلك يكون مجردا بالضرورة أما بيان كونها محلا لأمور هذا شأنها فلأنها تتعقلها و قد سبق أن التعقل إنما يكون بحلول الصورة و انطباع المثال و المادي لا يكون
____________
(1) هذا بناء على تجرد النفس منذ أول وجودها، و أمّا بناء على تجردها بالحركة الجوهرية و اتّحادها بالبدن فالجواب يصير أوضح بكثير.
72
صورة لغير المادي و مثالا له. و أما بيان تلك الأمور و امتناع حلولها في المادة فهو أن من جملة معقولاتها الواجب و إن لم تعقله بالكنه و الجواهر المجردة و إن لم نقل بوجودها في الخارج إذ ربما تعقل المعنى فتحكم عليه بأنه موجود أو ليس بموجود و لا خفاء في امتناع حلول صورة المجرد في المادي.
و منها المعاني الكلية التي لا تمنع نفس صورها (1) الشركة كالإنسانية المتناولة لزيد و عمرو فإنها يمتنع اختصاصها بشيء من المقادير و الأوضاع و الكيفيات و غير ذلك مما لا ينفك عنه الشيء المادي في الخارج بل يجب تجردها عن جميع ذلك و إلا لم تكن متناولة لما ليس له ذلك و الحاصل أن الحلول في المادة يستلزم الاختصاص بشيء من المقادير و الأوضاع و الكيفيات و الكلية تنافي ذلك فلو لم تكن النفس مجردة لم تكن محلا للصورة الكلية عاقلة لها و اللازم باطل.
و منها المعاني التي لا تقبل الانقسام كالوجود و الوحدة و النقطة و غير ذلك و إلا لكان كل معقول مركبا من أجزاء غير متناهية بالفعل و هو محال و مع ذلك فالمطلوب و هو وجود ما لا ينقسم حاصل لأن الكثرة عبارة عن الوحدات و إذا كان من المعقولات ما هو واحد غير منقسم لزم أن يكون محله العاقل له غير جسم بل مجردا لأن الجسم و الجسماني منقسم و انقسام المحل مستلزم لانقسام الحال فيما يكون الحلول لذات المحل كحلول السواد و الحركة و المقدار في الجسم لا لطبيعة تلحقه كحلول النقطة في الخط لتناهيه و كحلول الشكل في السطح لكونه ذا نهاية أو أكثر و كحلول المحاذاة في الجسم من حيث وجود جسم آخر على وضع ما منه و كحلول الوحدة في الأجزاء من حيث هي مجموع.
و منها المعاني التي لا يمكن اجتماعها إلا في المجردات دون الجسم كالضدين و كعدة من الصور و الأشكال فإنه لا تزاحم بينها في التعقل بل يتصورها و يحكم فيما بينها بامتناع الاجتماع في محل واحد من المواد الخارجية حكما ضروريا و هذا الوجه
____________
(1) تصورها (ظ).
73
من الاحتجاج يمكن أن يجعل وجوها أربعة بأن يقال لو كانت النفس جسما لما كانت عاقلة للمجردات أو للكليات أو للبسائط أو للمتمانعين.
و الجواب أن مبنى هذا الاحتجاج على مقدمات غير مسلمة عند الخصم منها أن تعقل الشيء يكون بحلول صورة في العاقل لا بمجرد إضافة بين العاقل و المعقول و منها أن النفس لو لم تكن مجردة لكانت منقسمة و لم يجز أن يكون جوهرا وضعيا غير منقسم كالجزء الذي لا يتجزى و منها أن الشيء إذا كان مجردا كانت صورته الإدراكية مجردة يمتنع حلولها في المادي و لم يجز أن تكون حاله في جسم عاقل لكنها إذا وجدت في الخارج كانت ذلك الشيء المجرد و منها أن صورة الشيء إذا اختصت بوضع و مقدار و كيفية بحلولها في جسم كذلك كان الشيء أيضا مختصا بذلك و لم يجز أن يكون في ذاته غير مختص بشيء من الأوضاع و الكيفيات و المقادير و منها أن الشيء إذا لم يقبل الانقسام كانت صورته الحاصلة في العاقل كذلك و لم يجز أن تكون منقسمة بانقسام المحل العاقل مع كون الشيء غير منقسم لذاته و لا لحلوله في منقسم و منها أن الشيئين إذا كانا بحيث يمتنع اجتماعهما في محل كالسواد و البياض كانت الصورتان الحاصلتان منهما في الجوهر العاقل كذلك و قد سبق أن صورة الشيء قد تخالفه في كثير من الأحكام و منها أن اجتماعهما في العاقل لا يجوز أن يكون بقيام كل منهما بجزء منه و منها أن انقسام المحل يستلزم انقسام الحال فيه لذاته ليمتنع حلول البسيط في العاقل الجسماني المنقسم البتة بناء على نفي الجزء الذي لا يتجزى و لا يخفى أن بعض هذه المقدمات مما قامت عليه الحجة أقول ثم ذكر حججا أخرى لهم أعرضنا عنها و عن أجوبتها حذرا من الإطناب (1).
و قال شارح المواقف مذاهب المنكرين لتجرد النفس الناطقة كثيرة لكن المشهور منها تسعة
____________
(1) ذكر الحكماء لاثبات تجرد النفس عشرة براهين اخرى، فعلى من أراد الاطلاع عليها الرجوع الى كتبهم المفصلة لا سيما الاسفار الأربعة.
74
الأول لابن الراوندي أنه جزء لا يتجزى في القلب بدليل عدم الانقسام مع نفي المجردات الممكنة.
الثاني للنظام أنه أجزاء هي أجسام لطيفة سارية في البدن سريان ماء الورد في الورد باقية من أول العمر إلى آخره لا يتطرق إليها تحلل و تبدل حتى إذا قطع جزء من البدن انقبض ما فيه من تلك الأجزاء إلى سائر الأعضاء إنما المتحلل و المتبدل من البدن فضل ينضم إليه و ينفصل عنه إذ كل أحد يعلم أنه باق من أول عمره إلى آخره و لا شك أن المتبدل ليس كذلك.
الثالث أنه قوة في الدماغ و قيل في القلب. الرابع أنه ثلاث قوى إحداها في القلب و هي الحيوانية و الثانية في الكبد و هي النباتية و الثالثة في الدماغ و هي النفسانية.
الخامس أنه الهيكل المخصوص و هو المختار عند جمهور المتكلمين.
السادس أنها الأخلاط الأربعة المعتدلة كما و كيفا.
السابع أنه اعتدال المزاج النوعي.
الثامن أنه الدم المعتدل إذ بكثرته و اعتداله تقوى الحياة و بالعكس.
التاسع أنه الهواء إذ بانقطاعها طرفة عين تنقطع الحياة فالبدن بمنزلة الزق المنفوخ فيه.
ثم قال و اعلم أن شيئا من ذلك لم يقم عليه دليل و ما ذكروه لا يصلح للتعويل عليه ثم قال تعلق النفس بالبدن ليس تعلقا ضعيفا يسهل زواله بأدنى سبب مع بقاء المتعلق بحاله كتعلق الجسم بمكانه و إلا تمكنت النفس من مفارقة البدن بمجرد المشيئة من غير حاجة إلى أمر آخر و ليس أيضا تعلقا في غاية القوة بحيث إذا زال التعلق بطل المتعلق مثل تعلق الأعراض و الصور المادية بمحالها لما عرفت من أنها مجردة بذاتها غنية عما يحل فيه بل هو تعلق متوسط بين بين كتعلق الصانع بالآلات التي يحتاج إليها في أفعاله المختلفة و من ثم قيل هو تعلق العاشق بالمعشوق عشقا جليا إلهاميا فلا ينقطع ما دام البدن صالحا لأن يتعلق به النفس أ لا ترى أنه
75
تحبه و لا تمله مع طول الصحبة و تكره مفارقته و ذلك لتوقف كمالاتها و لذاتها العقلية و الحسية عليه فإنها في مبدإ خلقتها خالية عن الصفات الفاضلة كلها فاحتاجت إلى آلات تعينها على اكتساب تلك الكمالات و إلى أن تكون تلك الآلات مختلفة فيكون لها بحسب كل آلة فعل خاص حتى إذا حاولت فعلا خاصا كالإبصار مثلا التفتت إلى العين فتقوى بها على الإبصار التام و كذا الحال في سائر الأفعال و لو اتحدت الآلة لاختلطت الأفعال و لم يحصل لها شيء منها على الكمال و إذا حصلت لها الإحساسات توصلت منها إلى الإدراكات الكلية و نالت حظها من العلوم و الأخلاق المرضية و ترقت إلى لذاتها العقلية بعد احتظائها باللذات الحسية فتعلقها بالبدن على وجه التدبير كتعلق العاشق في القوة بل أقوى منه بكثير و إنما تتعلق من البدن أولا بالروح القلبي المتكون في جوفه الأيسر من بخار الغذاء و لطيفه فإن القلب له تجويف في جانبه الأيسر يجذب إليه لطيف الدم فيبخره بحرارته المفرطة فذلك البخار هو المسمى بالروح عند الأطباء و عرف كونه أول متعلق للنفس بأن شد الأعصاب يبطل قوى الحس و الحركة عما وراء موضع الشد و لا يبطلهما مما يلي جهة الدماغ و أيضا التجارب الطبية تشهد بذلك و تفيد النفس الروح بواسطة التعلق قوة بها يسري الروح إلى جميع البدن فيفيد الروح الحامل لتلك القوة كل عضو قوة بها يتم نفعه من القوى التي فصلناها فيما قبل و هذا كله عندنا للقادر المختار ابتداء و لا حاجة إلى إثبات القوى كما مر مرارا انتهى.
و قال المحقق القاساني في روض الجنان اعلم أن المذاهب في حقيقة النفس كما هي الدائرة في الألسنة و المذكورة في الكتب المشهورة أربعة عشر مذهبا الأول هذا الهيكل المحسوس المعبر عنه بالبدن.
الثاني أنها القلب أعني العضو الصنوبري اللحماني المخصوص.
الثالث أنها الدماغ.
الرابع أنها أجزاء لا تتجزى في القلب و هو مذهب النظام و متابعيه.
الخامس أنها الأجزاء الأصلية المتولدة من المني.
76
السادس أنها المزاج.
السابع أنها الروح الحيواني و يقرب منه ما قيل إنها جسم لطيف سار في البدن سريان الماء في الورد و الدهن في السمسم.
الثامن أنها الماء.
التاسع أنها النار و الحرارة الغريزية.
العاشر أنها النفس.
الحادي عشر أنها هي الواجب تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
الثاني عشر أنها الأركان الأربعة.
الثالث عشر أنها صورة نوعية قائمة بمادة البدن و هو مذهب الطبيعيين.
الرابع عشر أنها جوهر مجرد عن المادة الجسمية و عوارض الجسم لها تعلق بالبدن تعلق التدبير و التصرف و الموت إنما هو قطع هذا التعلق و هذا هو مذهب الحكماء الإلهيين و أكابر الصوفية و الإشراقيين و عليه استقر رأي المحققين المتكلمين كالرازي و الغزالي و المحقق الطوسي و غيرهم من الأعلام و هو الذي أشارت إليه الكتب السماوية و انطوت عليه الأنباء النبوية و قادت عليه الأمارات الحدسية و المكاشفات الذوقية انتهى.
و قال في الصحائف الإلهية النفس إما أن يكون جسما أو جسمانيا أو لا هذا و لا ذاك فإن كان جسما فإما أن يكون هذا الهيكل المحسوس و مال إليه كثير من المتكلمين و هو ضعيف و إما أن يكون جسما داخلا فيه و فيه عشر أقوال الأول قول أفلوطرخس أنه النار السارية فيه لأن خاصية النار الإشراق و الحركة و خاصية النفس الحركة و الإدراك و الإدراك إشراق و يتأيد بقول الأطباء مدبر البدن الحرارة الغريزية.
الثاني قول ديوجامس أنه الهواء لأنه لطيف نافذ في المنافذ الضيقة قابل للأشكال المختلفة و يحرك الجسم الذي هو فيه كالزق المنفوخ فيه و النفس كذلك فالنفس الهواء.
77
الثالث قول ثاليس الملطي أنه الماء لأن الماء سبب النمو و النشوء و النفس كذلك و هذه الوجوه ضعيفة لأنها مركبة من موجبتين في الشكل الثاني.
الرابع قول أنباذقلس أنه العناصر الأربعة و المحبة و الغلبة.
الخامس قول طائفة من الطبيعيين أنه الأخلاط الأربعة لأن بقاءها بكيفياتها و كمياتها المخصوصة سبب لبقاء الحياة بالدوران و هو ضعيف إذ الدوران لا يفيد اليقين.
السادس أنه الدم لأنه أشرف الأخلاط.
السابع أنه أجسام لطيفة حية لذواتها سارية في الأعضاء و الأخلاط لا يتطرق إليها انحلال و تبدل و بقاؤها فيها هو الحياة و انفصالها عنها هو الموت.
الثامن أنه أجسام لطيفة متكونة في البطن يشوب القلب و ينفذ من الشرايين إلى جملة البدن.
التاسع أنه أرواح متكونة في الدماغ تصلح لقبول قوى الحس و الحركة تنفذ في الأعصاب إلى جملة البدن.
العاشر أنه أجزاء أصلية باقية من أول العمر إلى آخره و هو اختيار محققي المتكلمين.
و إن كان جسمانيا ففيها أقوال الأول أنه المزاج و هو قول أكثر الأطباء.
الثاني أنه صفة للحياة.
الثالث أنه الشكل و التخطيط.
الرابع أنه تناسب الأركان و الأخلاط.
و إن لم يكن جسما و لا جسمانيا فهو إما متحيز و هو قول ابن الراوندي لأنه قال إنه جزء لا يتجزى في القلب أو غير متحيز و هو قول جمهور الفلاسفة و معمر من قدماء المعتزلة و أكثر الإمامية و الغزالي و الراغب و ذهب فرفوريوس إلى اتحاد النفس بالبدن.
78
ثم قال بعد إيراد بعض الدلائل و الأجوبة من الجانبين فالحق أنها جوهر لطيف نوراني مدرك للجزئيات و الكليات حاصل في البدن متصرف فيه غني عن الاغتذاء بريء عن التحلل و النماء و لم يبعد أن يبقى مثل هذا الجوهر بعد فناء البدن و يلتذ بما يلائمه و يتألم بما يباينه هذا تحقيق ما تحقق عندي من حقيقة النفس انتهى و قال الصدوق رضي الله عنه في رسالة العقائد اعتقادنا في النفوس أنها الأرواح التي بها الحياة و أنها الخلق الأول
- لِقَوْلِ النَّبِيِّ(ص)أَوَّلُ مَا أَبْدَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى هِيَ النُّفُوسُ الْمُقَدَّسَةُ الْمُطَهَّرَةُ فَأَنْطَقَهَا بِتَوْحِيدِهِ ثُمَّ خَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ سَائِرَ خَلْقِهِ.
و اعتقادنا فيها أنها خلقت للبقاء و لم تخلق للفناء
- لِقَوْلِ النَّبِيِّ(ص)مَا خُلِقْتُمْ لِلْفَنَاءِ بَلْ خُلِقْتُمْ لِلْبَقَاءِ وَ إِنَّمَا تُنْقَلُونَ مِنْ دَارٍ إِلَى دَارٍ.
و أنها في الأرض غريبة و في الأبدان مسجونة و اعتقادنا فيها أنها إذا فارقت الأبدان فهي باقية منها منعمة و منها معذبة إلى أن يردها الله عز و جل بقدرته إلى أبدانها
- وَ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ لَا يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ إِلَّا مَا نَزَلَ مِنْهَا.
و قال الله جل ثناؤه وَ لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ (1) فما لم ترفع منها إلى الملكوت بقي هو في الهاوية و ذلك لأن الجنة درجات و النار دركات و قال الله عز و جل تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَيْهِ (2) و قال عز و جل إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ نَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (3) و قال الله تعالى وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (4) و قال الله تعالى وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَ لكِنْ لا تَشْعُرُونَ (5)
- وَ قَالَ النَّبِيُّ ص
____________
(1) الأعراف: 176.
(2) المعارج: 4.
(3) القمر: 54- 55.
(4) آل عمران: 169- 170.
(5) البقرة: 154.
79
الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَ مَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ.
- وَ قَالَ الصَّادِقُ(ع)إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى آخَى بَيْنَ الْأَرْوَاحِ فِي الْأَظِلَّةِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْأَبْدَانَ بِأَلْفَيْ عَامٍ فَلَوْ قَدْ قَامَ قَائِمُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ لَوَرِثَ الْأَخُ الَّذِي آخَى بَيْنَهُمَا فِي الْأَظِلَّةِ وَ لَمْ يَرِثِ الْأَخُ مِنَ الْوِلَادَةِ.
- وَ قَالَ الصَّادِقُ(ع)إِنَّ الْأَرْوَاحَ لَتَلْتَقِي فِي الْهَوَاءِ فَتَتَعَارَفُ وَ تَسَاءَلُ فَإِذَا أَقْبَلَ رُوحٌ مِنَ الْأَرْضِ قَالَتِ الْأَرْوَاحُ دَعُوهُ فَقَدْ أَفْلَتَ مِنْ هَوْلٍ عَظِيمٍ ثُمَّ سَأَلُوهُ مَا فَعَلَ فُلَانٌ وَ مَا فَعَلَ فُلَانٌ فَكُلَّمَا قَالَ قَدْ بَقِيَ رَجَوْهُ أَنْ يَلْحَقَ بِهِمْ وَ كُلَّمَا قَالَ قَدْ مَاتَ قَالُوا هَوَى هَوَى.
. ثم قال (قدّس سرّه) و الاعتقاد في الروح أنه ليس من جنس البدن فإنه خلق آخر لقوله تعالى ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (1) و اعتقادنا في الأنبياء و الرسل و الأئمة(ع)أن فيهم خمسة أرواح روح القدس و روح الإيمان و روح القوة و روح الشهوة و روح المدرج و في المؤمنين أربعة أرواح روح الإيمان و روح القوة و روح الشهوة و روح المدرج و في الكافرين و البهائم ثلاثة أرواح روح القوة و روح الشهوة و روح المدرج و أما قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي (2) فإنه خلق أعظم من جبرئيل و ميكائيل كان مع رسول الله(ص)و مع الأئمة(ع)و هو من الملكوت.
و قال الشيخ المفيد نور الله ضريحه في شرحه على العقائد كلام أبي جعفر في النفس و الروح على مذهب الحدس دون التحقيق و لو اقتصر على الأخبار و لم يتعاط ذكر معانيها كان أسلم له من الدخول في باب يضيق عنه سلوكه ثم قال رحمه الله النفس عبارة عن معان أحدها ذات الشيء و الآخر الدم السائل و الآخر النفس الذي هو الهواء و الرابع هو الهوى و ميل الطبع فأما شاهد المعنى الأول فهو قولهم هذا نفس الشيء أي ذاته و عينه و شاهد الثاني قولهم كلما كانت النفس سائلة فحكمه كذا و كذا و شاهد الثالث قولهم فلان هلكت نفسه إذا انقطع نفسه و لم يبق
____________
(1) المؤمنون: 14.
(2) الإسراء، 85.
80
في جسمه هواء يخرج من حواسه و شاهد الرابع قول الله تعالى إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ (1) يعني الهوى داع إلى القبيح و قد يعبر عن النفس بالنقم قال الله تعالى وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ (2) يريد نقمته و عقابه فأما الروح فعبارة عن معان أحدها الحياة و الثاني القرآن و الثالث ملك من ملائكة الله تعالى و الرابع جبرئيل(ع)فشاهد الأول قولهم كل ذي روح فحكمه كذا يريدون كل ذي حياة و قولهم فيمن مات قد خرجت منه الروح يعنون الحياة و قولهم في الجنين صورة لم يلجه الروح يريدون لم تلجه الحياة و شاهد الثاني قوله تعالى وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا (3) يعني القرآن و شاهد الثالث قوله يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ الآية (4) و شاهد الرابع قوله تعالى قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ (5) يعني جبرئيل(ع)و أما ما ذكره أبو جعفر و رواه أن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد بألفي عام فما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف فهو حديث من (6) أحاديث الآحاد و خبر من طرق الأفراد و له وجه غير ما ظنه من لا علم له بحقائق الأشياء و هو أن الله تعالى خلق الملائكة قبل البشر بألفي عام فما تعارف منها قبل خلق البشر ائتلف عند خلق البشر و ما لم يتعارف منها إذ ذاك اختلف بعد خلق البشر و ليس الأمر كما ظنه أصحاب التناسخ و دخلت الشبهة فيه على حشوية الشيعة فتوهموا أن الذوات الفعالة المأمورة المنهية كانت مخلوقة في الذر و تتعارف و تعقل و تفهم و تنطق ثم خلق الله لها أجسادا من بعد ذلك فركبها فيها و لو كان ذلك كذلك لكنا نعرف نحن ما كنا عليه و إذا ذكرنا به ذكرناه و لا يخفى علينا الحال فيه أ لا ترى أن من نشأ ببلد من البلاد فأقام فيه حولا ثم انتقل إلى غيره لم يذهب عنه علم ذلك و إن خفي
____________
(1) يوسف: 53.
(2) آل عمران: 28- 30.
(3) الشورى: 52.
(4) النبأ: 38.
(5) النحل: 102.
(6) الأحاديث (ظ).
81
عليه لسهوه عنه فيذكر به ذكره و لو لا أن الأمر كذلك لجاز أن يولد منا إنسان ببغداد و ينشأ بها و يقيم عشرين سنة فيها ثم ينتقل إلى مصر آخر فينسى حاله ببغداد و لا يذكر منها شيئا و إن ذكر به و عدد عليه علامات حاله و مكانه و نشوئه و هذا ما لا يذهب إليه عاقل و الذي صرح به أبو جعفر رحمه الله في معنى الروح و النفس هو قول التناسخية بعينه من غير أن يعلم أنه قولهم فالجناية بذلك على نفسه و غيره عظيمة فأما ما ذكره من أن الأنفس باقية فعبارة مذمومة و لفظ يضاد ألفاظ القرآن قال الله تعالى كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ (1) و الذي حكاه من ذلك و توهمه هو مذهب كثير من الفلاسفة الملحدين الذين زعموا أن الأنفس لا يلحقها الكون و الفساد و أنها باقية و إنما تفنى و تفسد الأجسام المركبة و إلى هذا ذهب بعض أصحاب التناسخ و زعموا أن الأنفس لم تزل تتكرر في الصور و الهياكل لم تحدث و لم تفن و لن تعدم و أنها باقية غير فانية و هذا من أخبث قول و أبعده من الصواب و ما دونه في الشناعة و الفساد شنع به الناصبة على الشيعة و نسبوهم به إلى الزندقة و لو عرف مثبته ما فيه لما تعرض له لكن أصحابنا المتعلقين بالأخبار أصحاب سلامة و بعد ذهن و قلة فطنة يمرون على وجوههم فيما سمعوه من الأحاديث و لا ينظرون في سندها و لا يفرقون بين حقها و باطلها و لا يفهمون ما يدخل عليهم في إثباتها و لا يحصلون معاني ما يطلقونه منها.
و الذي ثبت من الحديث في هذا الباب أن الأرواح بعد موت الأجساد على ضربين منها ما ينقل إلى الثواب و العقاب و منها ما يبطل فلا يشعر بثواب و لا عقاب
- وَ قَدْ رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)مَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْمَعْنَى وَ بَيَّنَّاهُ وَ سُئِلَ عَمَّنْ مَاتَ فِي هَذِهِ الدَّارِ أَيْنَ تَكُونُ رُوحُهُ فَقَالَ مَنْ مَاتَ وَ هُوَ مَاحِضٌ لِلْإِيمَانِ مَحْضاً أَوْ مَاحِضٌ لِلْكُفْرِ مَحْضاً نُقِلَتْ رُوحُهُ مِنْ هَيْكَلِهِ إِلَى مِثْلِهِ فِي الصُّورَةِ وَ جُوزِيَ بِأَعْمَالِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَإِذَا بَعَثَ اللَّهُ مَنْ فِي الْقُبُورِ أَنْشَأَ جِسْمَهُ وَ رَدَّ رُوحَهُ إِلَى جَسَدِهِ وَ حَشَرَهُ لِيُوَفِّيَهُ أَعْمَالَهُ فَالْمُؤْمِنُ يَنْتَقِلُ رُوحُهُ مِنْ جَسَدِهِ إِلَى مِثْلِ جَسَدِهِ فِي الصُّورَةِ فَيُجْعَلُ فِي جِنَانٍ مِنْ جِنَانِ اللَّهِ يَتَنَعَّمُ
____________
(1) الرحمن: 26- 27.
82
فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْمَآبِ وَ الْكَافِرُ يَنْتَقِلُ رُوحُهُ مِنْ جَسَدِهِ إِلَى مِثْلِهِ بِعَيْنِهِ وَ يُجْعَلُ فِي النَّارِ فَيُعَذَّبُ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
و شاهد ذلك في المؤمن قوله تعالى قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي (1) و شاهد ما ذكرناه في الكافر قوله تعالى النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَ عَشِيًّا (2) فأخبر سبحانه أن مؤمنا قال بعد موته و قد أدخل الجنة يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ و أخبر أن كافرا يعذب بعد موته غُدُوًّا وَ عَشِيًّا و يوم يقوم الساعة يخلد في النار.
و الضرب الآخر من يلهى عنه و يعدم نفسه عند فساد جسمه فلا يشعر بشيء حتى يبعث و هو من لم يمحض الإيمان محضا و لا الكفر محضا و قد بين الله ذلك عند قوله إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً (3) فبين أن قوما عند الحشر لا يعلمون مقدار لبثهم في القبور حتى يظن بعضهم أن ذلك كان عشرا و يظن بعضهم أن ذلك كان يوما و ليس يجوز أن يكون ذلك من وصف من عذب إلى بعثه و نعم إلى بعثه لأن من لم يزل منعما أو معذبا لا يجهل عليه حاله فيما عومل به و لا يلتبس عليه الأمر في بقائه بعد وفاته
- وَ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا يُسْأَلُ فِي قَبْرِهِ مَنْ مَحَضَ الْإِيمَانَ مَحْضاً أَوْ مَحَضَ الْكُفْرَ مَحْضاً فَأَمَّا مَا سِوَى هَذَيْنِ فَإِنَّهُ يُلْهَى عَنْهُ.
- وَ قَالَ فِي الرَّجْعَةِ إِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا عِنْدَ قِيَامِ الْقَائِمِ مَنْ مَحَضَ الْإِيمَانَ أَوْ مَحَضَ الْكُفْرَ مَحْضاً فَأَمَّا مَا سِوَى هَذَيْنِ فَلَا رُجُوعَ لَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْمَآبِ.
. و قد اختلف أصحابنا فيمن ينعم و يعذب بعد موته فقال بعضهم المعذب و المنعم هو الروح التي توجه إليها الأمر و النهي و التكليف سموها جوهرا و قال آخرون بل الروح الحياة جعلت في جسد كجسده في دار الدنيا و كلا الأمرين يجوزان في العقل و الأظهر عندي قول من قال إنها الجوهر المخاطب و هو الذي
____________
(1) يس: 26- 27.
(2) المؤمن: 46.
(3) طه: 104.
83
يسميه الفلاسفة البسيط و قد جاء في الحديث أن الأنبياء (1) خاصة و الأئمة من بعده ينقلون بأجسادهم و أرواحهم من الأرض إلى السماء فيتنعمون في أجسادهم التي كانوا فيها عند مقامهم في الدنيا و هذا خاص لحجج الله دون من سواهم من الناس
- وَ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّهُ قَالَ: مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مِنْ عِنْدِ قَبْرِي سَمِعْتُهُ وَ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مِنْ بَعِيدٍ بُلِّغْتُهُ.
- وَ قَالَ(ص)مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْراً وَ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عَشْراً صَلَّيْتُ عَلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ فَلْيُكْثِرِ امْرُؤٌ مِنْكُمُ الصَّلَاةَ عَلَيَّ أَوْ فَلْيُقِلَّ.
فبين أنه(ص)بعد خروجه من الدنيا يسمع الصلاة عليه و لا يكون كذلك إلا و هو حي عند الله تعالى و كذلك أئمة الهدى يسمعون سلام المسلم عليهم من قرب و يبلغهم سلامه من بعد و بذلك جاءت الآثار الصادقة عنهم و قد قال وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ الآية (2) إلى آخر ما مر في كتاب المعاد أقول و قد تكلمنا عليه هناك فلا نعيده و قال المفيد (قدس الله روحه) في كتاب المسائل القول في تنعم أصحاب القبور و تعذيبهم على أي شيء يكون الثواب لهم و العقاب و من أي وجه يصل إليهم ذلك و كيف تكون صورهم في تلك الأحوال.
و أقول إن الله تعالى يجعل لهم أجساما كأجسامهم في دار الدنيا ينعم مؤمنيهم فيها و يعذب كفارهم و فساقهم فيها دون أجسامهم التي في القبور يشاهدها الناظرون تتفرق و تندرس و تبلى على مرور الأوقات و ينالهم ذلك في غير أماكنهم من القبور و هذا يستمر على مذهبي في النفس و معنى الإنسان المكلف عندي و هو الشيء المحدث القائم بنفسه الخارج عن صفات الجواهر و الأعراض و مضى به روايات عن الصادقين من آل محمد(ع)و لست أعرف لمتكلم من الإمامية قبلي فيه مذهبا فأحكمه و لا أعلم بيني و بين فقهاء الإمامية و أصحاب الحديث فيه اختلافا.
و قال السيد المرتضى رضي الله عنه في أجوبة المسائل العكبرية حين سئل عن
____________
(1) كذا، و الظاهر ان الصواب «نبيّنا» بقرينة قوله «من بعده».
(2) آل عمران: 169.
84
قول الله تعالى وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (1) و قال فهل يكون الرزق لغير جسم و ما صورة هذه الحياة فإنا مجمعون على أن الجواهر لا تتلاشى فما الفرق حينئذ في الحياة بين المؤمن و الكافر فأجاب قدس الله لطيفه أن الرزق لا يكون عندنا إلا للحيوان و الحيوان عندنا ليسوا بأجسام بل ذوات أخرجوا في هذه الدار إلى الأجساد و تعذر عليهم كثير من الأفعال إلا بها و صارت آلتهم في الأفعال الأجساد فإن أغنوا عنها بعد الوفاة جاز أن يرزقوا مع عدمها رزقا تحصل لهم اللذات و إن ردوا إليها كان الرزق لهم حينئذ بحسبه في الدنيا على السواء.
فأما قوله ما صورة هذه الحياة فالحياة لا صورة لها لأنها عرض من الأعراض و هي تقوم بالذات الفعال دون الأجساد التي تقوم بها حياة النمو دون الحياة التي هي شرط في العلم و القدرة و نحوهما من الأعراض.
و قوله إنا مجمعون على أن الجواهر لا تتلاشى فليس ذلك كما ظن و لو كان الأمر فيه ما توهم لامتنع أن يوجد الحياة لبعض الجواهر و يرفع عن بعض كما يوجد حياة النمو لبعض الأجساد و يرفع عن بعض على الاتفاق و لو قلنا إن الحياة بعد النقلة من هذه الدار يعم أهل الكفر و الإيمان لم يفسد ذلك علينا أصلا في الدين فكانت الحياة لأهل الإيمان شرطا في وصول اللذات إليهم و الحياة لأهل الكفر شرطا في وصول الآلام إليهم بالعقاب.
و قال رضي الله عنه في أجوبة المسائل التي وردت عليه من الري حين سئل عن الروح الصحيح عندنا أن الروح عبارة عن الهواء المتردد في مخارق الحي منا الذي لا يثبت كونه حيا إلا مع تردده و لهذا لا يسمى ما يتردد في مخارق الجماد روحا فالروح جسم على هذه القاعدة. أقول
وَ قَدْ رَوَى بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ كُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ
____________
(1) آل عمران: 169.
85
مَوْلَانَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيّاً(ع)فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أُرِيدُ أَنْ تُعَرِّفَنِي نَفْسِي قَالَ يَا كُمَيْلُ وَ أَيَّ الْأَنْفُسِ تُرِيدُ أَنْ أُعَرِّفَكَ قُلْتُ يَا مَوْلَايَ هَلْ هِيَ إِلَّا نَفْسٌ وَاحِدَةٌ قَالَ يَا كُمَيْلُ إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةٌ النَّامِيَةُ النَّبَاتِيَّةُ وَ الْحِسِّيَّةُ الْحَيَوَانِيَّةُ وَ النَّاطِقَةُ الْقُدْسِيَّةُ وَ الْكُلِّيَّةُ الْإِلَهِيَّةُ وَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ خَمْسُ قُوًى وَ خَاصِيَّتَانِ فَالنَّامِيَةُ النَّبَاتِيَّةُ لَهَا خَمْسُ قُوًى مَاسِكَةٌ وَ جَاذِبَةٌ وَ هَاضِمَةٌ وَ دَافِعَةٌ وَ مُرَبِّيَةٌ وَ لَهَا خَاصِيَّتَانِ الزِّيَادَةُ وَ النُّقْصَانُ وَ انْبِعَاثُهَا مِنَ الْكَبِدِ وَ الْحِسِّيَّةُ الْحَيَوَانِيَّةُ لَهَا خَمْسُ قُوًى سَمْعٌ وَ بَصَرٌ وَ شَمٌّ وَ ذَوْقٌ وَ لَمْسٌ وَ لَهَا خَاصِيَّتَانِ الرِّضَا وَ الْغَضَبُ وَ انْبِعَاثُهَا مِنَ الْقَلْبِ وَ النَّاطِقَةُ الْقُدْسِيَّةُ لَهَا خَمْسُ قُوًى فِكْرٌ وَ ذِكْرٌ وَ عِلْمٌ وَ حِلْمٌ وَ نَبَاهَةٌ وَ لَيْسَ لَهَا انْبِعَاثٌ وَ هِيَ أَشْبَهُ الْأَشْيَاءِ بِالنُّفُوسِ الْفَلَكِيَّةِ وَ لَهَا خَاصِيَّتَانِ النَّزَاهَةُ وَ الْحِكْمَةُ وَ الْكُلِّيَّةُ الْإِلَهِيَّةُ لَهَا خَمْسُ قُوًى بَهَاءٌ فِي فَنَاءٍ وَ نَعِيمٌ فِي شَقَاءٍ وَ عِزٌّ فِي ذُلٍّ وَ فَقْرٌ فِي غَنَاءٍ وَ صَبْرٌ فِي بَلَاءٍ وَ لَهَا خَاصِيَّتَانِ الرِّضَا وَ التَّسْلِيمُ وَ هَذِهِ الَّتِي مَبْدَؤُهَا مِنَ اللَّهِ وَ إِلَيْهِ تَعُودُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي (1) وَ قَالَ تَعَالَى يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً (2) وَ الْعَقْلُ فِي وَسَطِ الْكُلِّ..
أقول هذه الاصطلاحات لم تكد توجد في الأخبار المعتبرة المتداولة و هي شبيهة بأضغاث أحلام الصوفية و قال بعضهم في شرح هذا الخبر النفسان الأوليان في كلامه(ع)مختصان بالجهة الحيوانية التي هي محل اللذة و الألم في الدنيا و الآخرة و الأخيرتان بالجهة الإنسانية و هما سعيدة في النشأتين و سميا الأخيرة فإنها لا حظ لها من الشقاء لأنها ليست من عالم الشقاء بل هي منفوخة من روح الله فلا يتطرق إليها ألم هناك من وجه و ليست هي موجودة في أكثر الناس بل ربما لم يبلغ من ألوف كثيرة واحد إليها و كذلك الأعضاء و الجوارح بمعزل عن اللذة و الألم أ لا ترى إلى المريض إذا نام و هو حي و الحس عنده موجود و الجرح الذي يتألم به في يقظته موجود في العضو و مع هذا لا يجد ألما لأن الواجد للألم قد صرف وجهه عن عالم الشهادة
____________
(1) الحجر: 29.
(2) الفجر: 27- 28.
86
إلى البرزخ فما عنده خير فإذا استيقظ المريض أي رجع إلى عالم الشهادة و نزل منزل الحواس قامت به الأوجاع و الآلام فإن كان في البرزخ في ألم كما في رؤيا مفزعة مولمة أو في لذة كما في رؤيا حسنة ملذة انتقل منه الألم و اللذة حيث انتقل و كذلك حاله في الآخرة انتهى.
و قال العلامة الحلي نور الله مرقده في كتاب معارج الفهم اختلف الناس في حقيقة النفس ما هي و تحرير الأقوال الممكنة فيها أن النفس إما أن تكون جوهرا أو عرضا أو مركبا منهما و إن كانت جوهرا فإما أن تكون متحيزة أو غير متحيزة و إن كانت متحيزة فإما أن تكون منقسمة أو لا تكون و قد صار إلى كل من هذه الأقوال قائل و المشهور مذهبان أحدهما أن النفس جوهر مجرد ليس بجسم و لا حال في الجسم و هو مدبر لهذا البدن و هو قول جمهور الحكماء و مأثور عن شيخنا المفيد و بني نوبخت من أصحابنا و الثاني أنها جوهر أصلية في هذا البدن حاصلة فيه من أول العمر إلى آخره لا يتطرق إليها التغير و لا الزيادة و لا النقصان و عند المعتزلة عبارة عن الهيكل المشاهد المحسوس و هاهنا مذاهب أخرى منها أن النفس هو الله تعالى و منها أنها هي المزاج و منها أنها النفس و منها أنها النار و منها أنها الهواء و غير ذلك من المذاهب السخيفة انتهى.
و قال المحقق الطوسي (قدس الله روحه) في التجريد هي جوهر مجرد و قال العلامة رفع الله مقامه في شرحه اختلف الناس في ماهية النفس و أنها هل هي جوهر أم لا و القائلون بأنها جوهر اختلفوا في أنها هل هي مجردة أم لا و المشهور عند الأوائل و جماعة من المتكلمين كبني نوبخت من الإمامية و المفيد منهم و الغزالي من الآشاعرة أنها جوهر مجرد ليس بجسم و لا جسماني و هو الذي اختاره المصنف انتهى.
و قال المحقق الطوسي رحمه الله أيضا في كتاب الفصول الذي يشير إليه الإنسان حال قوله أنا لو كان عرضا لاحتاج إلى محل يتصف به لكن لا يتصف بالإنسان شيء بالضرورة بل يتصف هو بأوصاف هي غيره فيكون جوهرا و لو كان
87
هو البدن أو شيء من جوارحه لم يتصف بالعلم لكنه يتصف به الضرورة فيكون جوهرا عالما و البدن و سائر الجوارح آلاته في أفعاله و نحن نسميه هاهنا الروح انتهى.
و توقف رحمه الله في رسالة قواعد العقائد و اكتفى بذكر الأقوال حيث قال المسألة الثانية في أقوال الناس في حقيقة الإنسان و أنها أي شيء هي اختلفوا في حقيقة فبعضهم قالوا إن الإنسان هو الهيكل المشاهد و بعضهم قالوا هو أجزاء أصلية داخلية في تركيب الإنسان لا يزيد بالنمو و لا ينقص بالذبول و قال النظام هو جسم لطيف في داخل الإنسان سار في أعضائه فإذا قطع منه عضو تقلص ما فيه إلى باقي ذلك الجسم و إذا قطع بحيث انقطع ذلك الجسم مات الإنسان و قال ابن الراوندي هو جوهر لا يتجزى في القلب و بعضهم قالوا هو الأخلاط الأربعة و بعضهم قالوا هو الروح و هو جوهر مركب من بخارية الأخلاط و لطيفها مسكنه الأعضاء الرئيسة التي هي القلب و الدماغ و الكبد و منها ينفذ الروح في العروق و الأعصاب إلى سائر الأعضاء و جميع ذلك جواهر جسمانية و بعضهم قالوا هو المزاج المعتدل الإنساني و بعضهم قالوا تخاطيط الأعضاء و تشكيل الإنسان الذي لا يتغير من أول عمره إلى آخره و بعضهم قالوا العرض المسمى بالحياة و جميع ذلك أعراض و الحكماء و جمع من (1) المحققين من غيرهم قالوا إنه جوهر غير جسماني لا يمكن أن يشار إليه إشارة حسية و هذه هي المذاهب و بعضها ظاهر الفساد انتهى.
و قال الشيخ السديد المفيد طيب الله تربته حين سأله السائل في المسائل الرؤية ما قوله أدام الله تعالى علوه في الأرواح و مائيتها و حقيقة كيفياتها (2) و ما لها عند مفارقتها الأجساد و هي حياة النمو و قبول الغذاء و الحياة التي في الذوات الفعالة هي معنى أم لا الجواب أن الأرواح عندنا هي أعراض لا بقاء لها و إنما عبد الله (3) تعالى منها الحي حالا بحال فإذا قطع امتداد المحيي بها جاءت (4) الموت الذي هو ضد
____________
(1) جميع المحققين (خ).
(2) كيفيتها (خ).
(3) كذا، و الظاهر «يمد».
(4) كذا، و الصواب «جاء».
88
الحياة و لم يكن للأرواح وجود فإذا أحيا الله تعالى الأموات ابتدأ فيهم الحياة التي هي الروح و الحياة التي في الذوات الفعالة هي معنى يصحح العلم و القدرة و هي شرط في كون العالم عالما و القادر قادرا و ليست من نوع الحياة التي تكون (1).
ثم قال (قدّس سرّه) حين سأل السائل ما قوله حرس الله تعالى عزه في الإنسان أ هو هذا الشخص المرئي المدرك على ما يذكره أصحاب أبي هاشم أم جزء حال في القلب حساس دراك كما يحكى عن أبي بكر بن الأخشاد و الجواب أن الإنسان هو ما ذكره بنو نوبخت و قد حكي عن هشام بن الحكم و الأخبار عن موالينا(ع)تدل على ما أذهب إليه و هي شيء قائم بنفسه لا حجم له و لا حيز لا يصح عليه التركيب و لا الحركة و السكون و لا الاجتماع و لا الافتراق و هو الشيء الذي كانت تسميه الحكماء الأوائل الجوهر البسيط و كذلك كل حي فعال محدث فهو جوهر بسيط و ليس كما قال الجبائي و ابنه و أصحابهما إنه جملة مؤلفة و لا كما قال ابن الأخشاد إنه جسم متخلخل في الجملة الظاهرة و لا كما قال الأعوازي إنه جزء لا يتجزى و قوله (2) فيه قول معمر من المعتزلة و بني نوبخت من الشيعة على ما قدمت ذكره و هو شيء يحتمل العلم و القدرة و الحياة و الإرادة و الكراهة و البغض و الحب قائم بنفسه محتاج في أفعاله إلى الآلة التي هي الجسد و الوصف له بأنه حي يصح عليه القول بأنه عالم قادر و ليس الوصف له بالحياة كالوصف للأجساد بالحياة حسب ما قدمناه و قد يعبر عنه بالروح و على هذا المعنى جاءت الأخبار أن الروح إذا فارقت الجسد نعمت و عذبت و المراد الإنسان الذي هو الجوهر البسيط يسمى الروح و عليه الثواب و العقاب و إليه يوجه الأمر و النهي و الوعد و الوعيد و قد دل القرآن على ذلك بقوله يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ
____________
(1) كذا.
(2) في بعض النسخ «و فيه».
89
فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (1) فأخبر تعالى أنه غير الصورة و أنه مركب فيها و لو كان الإنسان هو الصورة لم يكن لقوله تعالى فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ معنى لأن المركب في الشيء غير الشيء المركب فيه و محال أن تكون الصورة مركبة في نفسها و عينها لما ذكرناه و قد قال سبحانه في مؤمن آل يس (2) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي (3) فأخبر أنه حي ناطق منعم و إن كان جسمه على ظهر الأرض أو في بطنها و قال تعالى وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ (4) فأخبر أنهم أحياء و إن كانت أجسادهم على وجه الأرض مواتا لا حياة فيها
- وَ رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِينَ(ع)أَنَّهُمْ قَالُوا إِذَا فَارَقَتْ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْسَادَهُمْ أَسْكَنَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي مِثْلِ أَجْسَادِهِمُ الَّتِي فَارَقُوهَا فَيُنَعِّمُهُمْ فِي جَنَّةٍ وَ أَنْكَرُوا مَا ادَّعَتْهُ الْعَامَّةُ مِنْ أَنَّهَا تَسْكُنُ فِي حَوَاصِلِ الطُّيُورِ الْخُضْرِ وَ قَالُوا الْمُؤْمِنُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ.
و لنا على المذهب الذي وصفناه أدلة عقلية لا يطعن المخالف فيها و نظائر لما ذكرناه من الأدلة السمعية و بالله أستعين انتهى كلامه رفع الله مقامه.
و قال الغزالي في الأربعين الروح هي نفسك و حقيقتك و هي أخفى الأشياء عليك و أعنى بنفسك روحك التي هي خاصة الإنسان المضافة إلى الله تعالى بقوله قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي (5) و قوله وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي (6) دون الروح الجسماني اللطيف الذي هو حامل قوة الحس و الحركة التي تنبعث من القلب و تنتشر في جملة البدن في تجويف العروق و الضوارب فيفيض منها نور حس البصر على العين و نور السمع على الأذن و كذلك سائر القوى و الحركات و الحواس كما يفيض من السراج
____________
(1) الانفطار: 6- 8.
(2) كذا.
(3) يس: 26- 27.
(4) آل عمران: 169.
(5) الإسراء: 85.
(6) الحجر: 29.
90
نور على حيطان البيت إذا أدير في جوانبه فإن هذه الروح تتشارك البهائم فيها و تنمحق بالموت لأنه بخار اعتدل نضجه عند اعتدال مزاج الأخلاط فإذا انحل المزاج بطل كما يبطل النور الفائض من السراج عند إطفاء السراج بانقطاع الدهن عنه أو بالنفخ فيه و انقطاع الغذاء عن الحيوان يفسد هذه الروح لأن الغذاء له كالدهن للسراج و القتل له كالنفخ في السراج و هذه الروح هي التي يتصرف في تقويمها و تعديلها علم الطب و لا تحمل هذه الروح المعرفة و الأمانة بل الحامل للأمانة الروح الخاصة للإنسان و نعني بالأمانة تقلد عهدة التكليف بأن تعرض لخطر الثواب و العقاب بالطاعة و المعصية.
و هذه الروح لا تفنى و لا تموت بل تبقى بعد الموت إما في نعيم و سعادة أو في جحيم و شقاوة فإنه محل المعرفة و التراب لا يأكل محل المعرفة و الإيمان أصلا و قد نطقت به الأخبار و شهدت له شواهد الاستبصار و لم يأذن الشارع في تحقيق صفته إلى أن قال و هذه الروح لا تفنى و لا تموت بل يتبدل بالموت حالها فقط و لا يتبدل منزلها و القبر في حقها إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار إذ لم يكن لها مع البدن علاقة سوى استعمالها للبدن أو اقتناصها أوائل المعرفة بواسطة شبكة الحواس فالبدن آلتها و مركبها و شبكتها و بطلان الآلة و الشبكة و المركب لا يوجب بطلان الصائد نعم إن بطلت الشبكة بعد الفراغ من الصيد فبطلانها غنيمة إذ يتخلص من حمله و ثقله و لذا
- قَالَ(ع)تُحْفَةُ الْمُؤْمِنِ الْمَوْتُ.
و إن بطلت الشبكة قبل الصيد عظمت فيه الحسرة و الندامة و الألم و لذلك يقول المقصر رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ (1) كَلَّا بل من كان ألف الشبكة و أحبها و تعلق قلبه بحسن صورتها و صنعتها و ما يتعلق بسببها كان له من العذاب ضعفين (2) أحدهما حسرة فوات الصيد الذي لا يقتنص إلا بشبكة البدن و الثاني زوال الشبكة مع تعلق القلب بها و إلفه لها و هذا مبدأ من مبادئ معرفة عذاب القبر انتهى.
____________
(1) المؤمنون: 101.
(2) ضعفان، ظ.
91
أقول لما كانت رسالة الباب المفتوح إلى ما قيل في النفس و الروح للشيخ الفاضل الرضي علي بن يونس العاملي روح الله روحه جمة الفوائد كثيرة العوائد مشتملة على جل ما قيل في هذا الباب من غير إسهاب و إطناب أوردت هاهنا جميعها و هي هذه.
الحمد لله الذي خلق النفوس و حجب حقيقتها عنا فإن العين تبصر غيرها و يتعذر إدراك نفسها منها فأوجب ذلك خبط العلماء فيها و لم يصل أكثرهم بدقيق الفكر إليها و قد قال العالم الرباني الذي أوجب الله حقه من عرف نفسه فقد عرف ربه أشار بامتناع معرفة نفسه مع قربه إلى امتناع الإحاطة بكنه ربه و ما قيل في تفسيره من عرفها بالمخلوقية عرفه بالخالقية لا يدفع ما قصدناه و لا يمتنع ما ذكرناه إذ معرفتها بصفة حدوثها لا يستلزم معرفة عينها فإن معرفتها ليست ضروريا بلا خلاف لوجود الخلاف فيها و لا كسبية لامتناع صدق الجنس و الفصل عليها بل الاعتراف بالعجز عن وجدانها أسهل من الفحص عن كنهها و برهانها و الإنسان ضعيف القوة محدود الجملة معلومه أقل من مظنونه و تخمينه أكثر من يقينه لكن من كان نظره أعلى و نقده أجلى و نوره أصنع و فكره أشيع كان من الشك أنجى و من الشبهة أنأى و ثاقب بصره الأسنى إلى النفس أدنى و هذا الإنسان الضعيف الصغير فيه ذلك البسيط اللطيف جزء يسير فكيف يدرك بجزء منه كله و يقبل منه جميعه و هذا يتعذر أن يكون معلوما و يبعد و إن لم يكن معدوما بل يكفي أن يعلم أنها قوة إلهية مسببة واسطة بين الطبيعة المصرفة و العناصر المركبة المثير لها الطالع عليها السائغ فيها الممتزج بها فالإنسان ذو طبيعة لآثارها البادية في بدنه و ذو نفس لآثارها الظاهرة في مطلبه و مأربه و ذو عقل لتميزه و غضبه و شكه و يقينه و ها أنا ذا واضع لك في هذا المختصر المسمى بالباب المفتوح إلى ما قيل في النفس و الروح ما بلغني من أقاويل الأوائل و ما أوردوا من الشبهات و الدلائل راج من واهب المواهب الإشارة إلى مأخذ تلك المذاهب مورد ما حضرني من دخل فيها.
92
فهنا مقصدان.
الأول في النفس
مقدمة
اسم النفس مشترك بالاشتراك اللفظي بين معان منها ذات الشيء فعل ذلك بنفسه و منها الأنفة ليس لفلان نفس و منها الإرادة نفس فلان في كذا و منها العين قال ابن القيس
يتقي أهلها النفوس عليها* * * فعلى نحرها الرقى و التميم.
و منها مقدار دبغة من الدباغ تقول أعطني نفسا أي قدر ما أدبغ به مرة و منها العيب إني لا أعلم نفس فلان أي عيبه و منها العقوبة وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ و منها ما يفوت الحياة بفواته كنفس الحيوان كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ و هذه هي المبحوث عنها المختلف فيها.
و اعلم أن الاحتمالات التي اقتضاها التقسيم بمناسبة إما جوهر مادي أو جوهر مجرد أو مادي و عرض أو مجرد و عرض أو مادي و مجرد و عرض.
المذهب الأول الجوهر المادي
قال به جماعة المعتزلة و كثير من المتكلمين ثم اختلفوا على مذاهب ذهب جمهور المسلمين إلى أنه مجموع الهيكل المحسوس و هذا كما ترى ليس هو جوهر فقط بل مضاف إليه عرض لأن الجسم كذلك و اختاره القزويني قال لإجماع أهل اللغة أنهم عند إطلاق نفسه يشيرون إليه و اتفاق الأمة على وقوع الإدراكات بالبصر عليه و نصوص القرآن أيضا واردة فيه مثل إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ و أنه هو الذي يمات و يقبر في قوله ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ فمن يخرج عن هذه النصوص إلى غير مدلولاتها كيف يكون مسلما و قد أجمعت الأمة على أن من رأى هذه البنية و حلف أنه ما رأى إنسانا حنث و لكن اختلف في أن الإنسان هل هو هذه الجملة أو شيء له هذه الجملة أو شيء له هذه الجملة قال الأقرب الثاني و الفائدة في الملك إذا جاء فيها فإنه ليس بإنسان و كذلك المصور لها من خشب و غيره
93
و إنما جرى اسم الإنسان على الهيكل تبعا لذلك الشيء الذي له الهيكل آدم و أولاده و هذا الذي قربه مخالف لما صوره.
و قال شارح النظم أطبق العقلاء على بطلان هذا القول لأن مقطوع اليد باق و يمتنع بقاء الماهية عند عدم جزئها و لأنها دائما تتحلل و تستخلف فالفائت له ثواب و عليه عقاب فإن حشرت كلها لزم المحال و إن لم تحشر لزم الظلم و الإضلال ذهب أهل هذا التقسيم إلى أنه بعض الهيكل ثم اختلفوا على أقوال.
قال ابن الراوندي إنه جزء في القلب قال النظام إنه أجزاء لطيفة في القلب و كأنهما نظرا إلى أن الإنسان إذا رجع إلى نفسه وجد قلبه محل ذكره فظناها ذلك و هو خطأ لعدم إنتاج الشكل الثاني من الموجبتين قال الأطباء إنه الروح الذي في القلب من الجانب الأيسر نظرا إلى أن جانب الإنسان الأيسر أخطر من الأيمن و هو ضعيف لجواز كون محله غير القلب و سلامة القلب شرط فيه قال بعضهم إنه الدم لفوات الحياة بفواته و عليه قول السموأل تسيل على حد الضباة نفوسنا قلنا لا يلزم من عدم شيء عند عدم آخر اتحادهما كالجوهر و العرض و لا حجة في الشعر لاحتماله المجاز و قيل هو الأخلاط بشرط أن يكون لكل واحد منها قدر معين و مأخذ هذا و جوابه قريب مما سلف.
قال بعض الفلاسفة إنه الجزء الناري لأن خاصة النار الإشراق و الحركة و خاصة النفس الإدراك و الحركة و الإدراك من جنس الإشراق و لذلك قالت الأطباء إن مدبر هذا البدن الحرارة الغريزية قلنا لا يلزم من الاشتراك في الخاصة الاشتراك في ذي الخاصة فإن العناصر مع اختلاف ماهياتها تشترك في كيفياتها.
قال الباقلاني هو الجزء الهوائي و هو النفس المتردد في المخارق و أنه متى انقطع انقطعت الحياة فالنفس هو النفس قلنا قد أسلفنا أن التلازم لا يستلزم الاتحاد.
قيل هو الجزء المائي لأنه سبب النمو فالنفس كذلك قلنا و هذا من
94
موجبتين في الشكل الثاني فهو عقيم و لا ينحصر النمو في الماء فإنه يوجد في الشمس و الهواء.
قيل هو أجزاء لطيفة سارية في البدن كسريان الدهن في السمسم و ماء الورد في ورقه قلنا هذا مجرد خيال خال عن دليل.
قال النظام و ابن الإخشيد إنه الروح الدماغي الصالح لقبول الحس و الكفر و الحفظ و الذكر و هو الحي المكلف الفاعل للأفعال و هو مركب من بخارية الأخلاط و لطيفها و مسكنه الأعضاء الرئيسة التي هي القلب و الدماغ و الكبد و ما ينفذ في العروق و الأعصاب إلى سائر الأعضاء قلنا قد علمنا أن الأذن هي السامعة و العين هي الباصرة و البدن راكع و ساجد فكيف يقال الفاعل غيرها و لم حد الزاني و لم قتل المرتد إذا كان هو غير هذا المشاهد.
قال النظام أيضا إنه جزء لطيف داخل البدن سار في أعضائه فإذا قطع منه عضو تقلص ذلك اللطيف فإذا قطع اللطيف معه مات الإنسان و هذا نظر إلى فقد الحياة بفقدانه و قد عرفت ضعفه.
قال هشام بن الحكم هو جسم لطيف يختص بالقلب و سماه نورا و إن الجسد موات و إن الروح هو الحي الفعال المدرك و قد عرفت مأخذه و ضعفه مما سلف.
قال ابن الإخشيد أيضا إنه جسم منبث في الجملة و فيه ما فيما قبله.
قالت الصوفية إنه جسم لطيف كهيئة الإنسان ملبس كالثوب على الجسد و كأنهم نظروا إلى الأفعال الصادرة عنه و إلى أنه إذا قطع بعضه لم يمت فجعلوه شيئا ملازما للجملة و هذا خرص محض.
قالت الثنوية هو جوهران ممتزجان أحدهما خير هو من النور و الآخر شر هو من الظلمة بناء منهم على قدم هذين و تدبيرهما و قد عرفت بطلان مبناه في الكلام.
قالت المرقونية إنه ثلاثة جواهر نور و ظلمة و ثالث بينهما و هو الفاعل دونهما.
95
قالت الصابئة هو الحواس الخمس لأنه شاعر و هذه مشاعر و هو من موجبتين في الثاني و يلزمهم أنه متى ذهب بعضها ذهب الإنسان لبطلان المركب ببطلان جزئه و الحس يكذبه.
قال قوم من الدهرية هو الطبائع الأربع فهذا الضرب من الاختلاف كان إنسانا قال بعض الدهرية هو الطبائع الأربع و خامس آخر هو المنطق و التمييز و الفعل.
قال بعض أصحاب الهيولى هو الجوهر الحي الناطق و هو في هذا الجوهر شيء ليس بمماس و لا مباين و هو المدبر له.
قالت الملكائية من النصارى هو النفس و العقل و الجرم.
قال معمر هو عين من الأعيان لا يجوز عليه الانتقال و لا يجوز له محل و لا مكان يدبر هذا العالم و يحركه و لا يجوز إدراكه و رؤيته فقد قيل إنه جعل الإنسان بمثابة القديم غير أنه لما سئل كيف يختص تدبيره بهذا البدن دون غيره دهش و قال إنه مدبر لسائر أبدان العالم و هذه صفة الإله سبحانه فزعم حينئذ أنه ربه و هذا هو الذي عناه شارح نظم البراهين بقوله و قيل إن النفس هو الإله قالوا يجوز كون النفس مختلفة بالحقيقة و الأبدان مختلفة بالمزاج فتعلق كل نفس بما يناسبها من المزاج قلنا الأبدان الإنسانية قريبة المزاج و ربما اتحد أكثرها في المزاج فيلزم أن يتعلق بالجميع (1) و هذه الأقوال لإدراكها مأخذ إلا أنها عند تحرير المبحث منها ما يرجع إلى الجوهر المجرد و منها ما يرجع إلى الأجزاء الأصلية.
قال أكثر المحققين كأبي الحسين البصري و جمال الدين الحلي و كمال الدين البحراني و سالم بن عزيزة السوراوي إن الإنسان أجزاء أصلية في البدن باقية من أول العمر إلى آخره لا يجوز عليها التبدل و التغير لا مجموع البدن لأنه دائما في التبدل و الاستخلاف مع بقاء النفس و الباقي غير الزائل و لو كان هو جملة البدن
____________
(1) بالجمع (خ).
96
لزم الظلم حيث إن المعدوم منه لا يمكن إعادته لما عرفت من امتناع إعادة المعدوم فلا يصل إليه ما يستحقه و لأنا متى استحضرنا العلوم وجدناها في ناحية صدورنا فلو كان محل علومنا شيء خارج عن شيء من أجسامنا لزم قيام صفاتنا بغيرنا و لأن الإنسان لو كان مجردا كما قيل لزم أن لا يعلم الإنسان الآخر لأنه لو علم الإنسان الآخر علم ذلك المجرد و هو ظاهر البطلان و لأنا نعلم هذا الإنسان و الإنسان المطلق جزء منه فلو لم نعلم الجزء لم نعلم الكل و ينعكس إلى أنا لما علمنا الكل علمنا الجزء و المجرد لا يعلم فليس بجزء و لأنا ندرك الألم بأجسامنا عند تقريبنا إلى النار مثلا و نحكم عليها به و المحكوم عليه هو الإنسان فهو معلوم و المجرد غير معلوم.
قالوا الإنسان يدرك الكليات لامتناع حصر الكل الذي لا ينحصر في الجسم المنحصر فيكون هو المجرد قلنا إن العلم ليس صورة حالة في العالم و إنما هو الوصول إلى المعلوم و النظر إليه و لا نسلم له أن العلم بالكل كلي إنما الكلي في الحقيقة هو المعلوم و إن أطلق عليه فبالمجاز لأن عروض جميع الأفراد مستحيلة على القوة العقلية و إنما يحصل لها لقيامها بالجسم بعوارض محصورة لأنها صور جزئية في نفس جزئية موصوفة بالحدوث في وقت مخصوص و إذا كانت في النفس بهذه العوارض فهي ليست كلية.
قالوا القوة العقلية تقوى من الأفعال على ما لا يتناهى و الجسمية لا تقوى على ما لا يتناهى أنتج من الشكل الثاني القوة العقلية ليست جسمية قلنا لا نسلم أن القوة العقلية تقوى على فعل فضلا عن أن يقوى على ما لا يتناهى لأن تعلقها بالمعقول عندكم حصول صورة فيها و ذلك انفعال لا فعل و لو سلمنا أصل قوتها منعنا عدم تناهيها لأنكم إن أردتم أنها تقوى في الوقت الواحد على ما لا يتناهى منعناه فإنا نجد في أنفسنا تعذر ذلك علينا و إن أردتم بعدم النهاية أنه ما من وقت إلا و يمكننا أن نفعل فيه فالقوة الجسمية تقوى لذلك إذ ما من آن يفرض إلا و يمكن أو يجب أن يحصل لها فيه فعل فيقوى على ما لا يتناهى فتكون القوة العاقلة جسمية.
قالوا لو قويت الجسمية على ما لا يتناهى و كان جزؤها يقوى على ما لا يتناهى
97
ساوى الجزء الكل و إن قوي على ما يتناهى تناهى الكل لأن نسبة الكل إلى الجزء معلومة فيكون نسبة تأثيره إلى تأثير الجزء معلومة و نسبة تأثير الجزء متناهية فنسبة تأثير الكل متناهية قلنا لا يلزم من كون تأثير الجزء أقل تناهيه فإن الجزء المؤثر الدائم الأثر له تأثير دائم و لا يلزم من دوامه مساواته الكل لأن له تأثيرا دائما لكنه ضعيف قليل لأنه واقف على حد.
قال جمهور الفلاسفة و معمر بن عباد السلمي من قدماء المعتزلة و الغزالي و أبو القاسم الراغب و الشيخ المفيد و بنو نوبخت و الأسواري و نصير الدين الطوسي إنه جوهر مجرد عن المكان و الجهة و المحل متعلق بالبدن تعلق العاشق بمعشوقه و الملك بمدينته و يفعل أفعاله بواسطته و إن النفس تدرك حقائق الموجودات و جواز الجائزات و استحالة المستحيلات و إن النفس الفلكية تفيض على الأشخاص كالشمس تدخل عند طلوعها كل كوة بل قال الغزالي لا هو داخل البدن و لا خارج عنه و لا متصل به و لا منفصل عنه لأن مصحح ذلك الجسمية و التحيز المنفيان عنه كما أن الجماد لا عالم و لا جاهل لنفي المصحح عنه و هو الحياة قال و من نفاه نفاه لغلبة العامية على طبعه و لهذا إن الكرامية و الحنبلية جعلوا الإله جسما موجودا إذ لم يعقلوا إلا جسما يشار إليه و من ترقى عن ذلك قليلا نفى الجسمية و لم يطق ينظر في عوارضها فأثبت الجهة لله سبحانه فإذا منعوا ذلك في صفات الله كيف يجيزونه في غيره قالوا لو تجرد شيء شاركه القديم في أخص صفاته فيشاركه في ذاته قلنا نمنع كون التجرد أخص الصفات بل كونه قيوما لقيامه بذاته و قيام غيره به احتجوا على إثبات المجرد بأن هنا معلومات بسيطة كالوحدة و النقطة فالعلم بها بسيط إذ لو تركب فإن تعلق جزؤه به أجمع ساوى الجزء الكل و لزم وجود العلم قبل وجوده و إن تعلق ببعضه لزم تركب ما فرض بساطته و إن لم يتعلق بشيء ظهر أنه ليس بعلم إذ الكلام في باقي الأجزاء كالكلام فيه فعند الجمع بينهما إن لم تحصل هيئة جديدة كان العلم المفروض محض ما ليس بعلم و إن حصلت الهيئة المفروضة علما فإن كانت من الجزءين فالتركيب في فاعلهما و إن حصلت عندهما قائمة بهما فالتركيب
98
في قابلهما لا فيهما إذ لو كانت مركبة عاد الكلام في أجزائها فمحل هذه المفروضة علما هو النفس و هي بسيطة لأنها لو تركبت فإن حل العلم البسيط في مجموعها انقسم العلم إذ الحال في أحد الجزءين غير الحال في الآخر و لو كان هو الحال في الآخر لزم حلول العرض الواحد في محلين و إن حل في أحد الجزءين فإن كان هو النفس فالمطلوب و إن كان هو جزؤها فالجزء الآخر خال منه فلزم أن نعلم شيئا و نجهله في وقت واحد فظهر أن المحل و هو النفس بسيط و لا شيء من الجسم و الجسماني ببسيط ينتج من الشكل الثاني أن محل العلم ليس بجسم و لا جسماني.
و الجواب أما المقدمة الأولى و هي أن هنا معلوما بسيطا فمسلم أما الباقيات فممنوعات أما الثانية فلأن الجزء يجوز مساواته للكل في التعلق و إن لم يساوه في الحقيقة كالأدلة المتواترة على شيء واحد و إن واحدها تعلق بما تعلق به مجموعها و فيه نظر لأن الجزء الثاني من العلم إن زاد المعلوم به انكشافا تعلق بغير ما تعلق به الأول و إن لم يزد كان وجوده مثل عدمه و الأصوب في المنع أن قولهم إن لم يتعلق الجزء بشيء ظهر أنه ليس بعلم فعند الجمع إن لم يحصل هيئة كان المفروض علما محض ما ليس بعلم و إن حصلت منه إلخ نفي كل مركب فيقال في الحيوان مثلا ليس بمركب لأن جزأه إما حيوان فيتقدم الحيوان على نفسه و ساوى الجزء الكل أو ليس بحيوان فبعد الجمع بالجزء الآخر إن لم تحصل هيئة كان الحيوان محض ما ليس بحيوان و إن حصلت فهي بسيطة لأنه لو كان لها جزء عاد التقسيم المذكور فيكون التركيب في فاعلها أو قابلها لا فيها و ليس لهم عن هذه المعارضة مذهب و أما الثالثة و هو أنه يلزم من بساطة الحال بساطة المحل فلأنا لا نسلم أن العلم على هيئة الحلول و الصورة و إنما هو إدراك و وصول و نظر إلى المعلوم و لو سلم لم يلزم من بساطة الحال بساطة المحل فإن النقطة و الوحدة موجودتان في الجسم المركب نعم إنما يلزم ذلك إذا كان الحلول على نعت السريان و لم يقم على السريان في محل النزاع برهان.
و يلزم مما قالوا كون النفس جسما أو جسمانية لأنها تعلم المركب في صورة
99
المركبة مركبة فيلزم كون محلها مركبا لامتناع حلول المركب في البسيط و هذه معارضة أخرى لا محيص عنها و أما الرابعة فنمنع انقسام كل جسم و جسماني لما ثبت في الكلام جواهر لا تقبل الانقسام.
المذهب الثاني أنها عرض
فذهب جالينوس إلى أنه المزاج الذي هو اعتدال الأركان و هذا نظر إلى فوات الحياة بفواته و قد سلف جوابه.
و قيل إنه تشكيل البدن و تخطيطه و هذا قول سخيف جدا منقوض بمقطوع اليد مثلا فإن فوات تخطيطها يلزم منه عدم النفس لعدم الكل بعدم الجزء.
و قيل إنه الحياة و هذا مأخوذ من التلازم بينهما و قد عرفت أنه لا يوجب الاتحاد.
و قيل إنه النسبة الواقعة بين الأركان في الكميات و الكيفيات.
أما تركبه من الجسم و المجرد أو من العرض و المجرد أو من الجسم و العرض و المجرد فقال سديد الدين محفوظ لا أعلم به قائلا إلا أن تفسير الفلاسفة لحقيقة الإنسان بأنه الحيوان الناطق يقتضي كون الإنسان عبارة عن البدن و النفس معا لأن الحياة جنس حلته أعراض و الناطق هو النفس فعلى هذا يكون الإنسان مركبا من هذه تركيبا ثلاثيا و هذا مذهب تاسع و عشرون.
و الثلاثون قال بشر بن معتمر و هشام النوطي إنه الجسم و الروح الذي هو الحياة و إنهما الفاعلان للأفعال و على هذا قيل في الإنسان نفس و روح فإذا نام خرجت نفسه و إذا مات خرجتا معا و هذا يؤدي إلى أن النفس و الروح غير الإنسان.
خاتمة
- قَوْلُهُ(ع)مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ.
قال بعض العلماء الروح لطيفة لاهوتية في صفة ناسوتية دالة من عشرة أوجه على وحدانية ربانية 1 لما حركت الهيكل و دبرته علمنا أنه لا بد للعالم من محرك و مدبر.
2 دلت وحدتها على وحدته.
100
3 دل تحريكها للجسد على قدرته.
4 دل اطلاعها على ما في الجسد على علمه.
5 دل استواؤها إلى الأعضاء على استوائه إلى خلقه.
6 دل تقدمها عليه و بقاؤها بعده على أزله و أبده.
7 دل عدم العلم بكيفيتها على عدم الإحاطة به.
8 دل عدم العلم بمحلها من الجسد على عدم أينيته.
9 دل عدم مسها على امتناع مسه.
10 دل عدم إبصارها على استحالة رؤيته.
المقصد الثاني الروح
فزعمت الفلاسفة أن في البدن أرواحا و أنفسا يعبرون عنها بالقوى منها الروح الطبيعي التي يشترك فيها جميع الأجساد النامية و محلها الكبد و منها الروح الحيواني و هي التي يشترك فيها الحيوانات و محلها من الإنسان القلب و منها النفساني و هي من فيض النفس الناطقة أو العقل و محلها الدماغ و هي المدبرة للبدن و عندنا أن هذه الأرواح معان يخلقها الله تعالى في هذه المحال ثم أثبتوا قوى أخر في المعدة الماسكة و الهاضمة و الجاذبة و الدافعة و عندنا أيضا أنها معان و ليست جواهر لتماثل الجواهر و لو كان بعض الجواهر روحا لنفسه لكان كل جوهر كذلك فيستغني كل جزء عن أن يكون له روح غير نفسه فبطل بذلك كون روح الجسد من نفسه.
إن قالوا الروح الباقي عرض و اعترض في الروح الأول قلنا فلم لا يجوز أن يكون روح هذا الجسد الظاهر عرضا هو الحياة و الله خالق الموت و الحياة فإن كانت جوهرا و الموت عرض امتنع أن يبطل حكمها لأن العرض لا يضاد الجوهر و عند معظم أهل الفلاسفة و الطب أن الروح من بخار الدم تتصاعد فتبقى ببقائها.
101
و اعلم أن اسم الروح مشترك باللفظ بين عشر معان ا الوحي ب جبرئيل ج عيسى د الاسم الأعظم ه ملك عظيم الجثة و الرحمة ز الراحة ح الإنجيل ط القرآن ي الحياة أو سببها.
و قال الباقلاني و الأسفراني و ابن كيال و غيرهم أن الروح هي الحياة و هي عرض خاص و ليست شيئا من بقية الأعراض المعتدلة و المحسوسة لجواز زوالها مع بقاء الروح.
إن قيل فكيف يكون الروح هو الحياة و الله له حياة و ليس له روح قلنا أسماء الله تعالى سبحانه توقيفية لا تبلغ من الآراء فإن الله تعالى عليم و لا يسمى داريا و لا شاعرا و لا فقيها و لا فهيما و الله تعالى قادر مبين و لا يسمى شجاعا و لا مستطيعا.
إن قيل كيف يكون الروح هو الحياة و في الأخبار أن الأرواح تنتقل إلى عليين و إلى سجين و إلى قناديل تحت العرش و إلى حواصل طير خضر و الحياة لا تنتقل.
قلنا يجوز أن تنتقل أجزاء أحياء و تسمى أرواحا لأنها محال الروح و هي الحياة تسمية للمحل باسم معنى فيه كما يسمى المسجد صلاة في قوله تعالى لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى (1) أو نقول المنتقل أمثال الأرواح يخلقها الله و تسمى أرواحا نورانية إن كانت قائمة بذوات المطيعين طيبة تصلي عليها الملائكة و ظلمانية منتنة إن كانت قائمة بذوات المسيئين تلعنها الملائكة مثل ما ورد في الأخبار تصعد صلاة المحسن طيبة مضيئة و صلاة المسيء منتنة مظلمة و إن سورة البقرة و آل عمران تأتيان كأنهما غمامتان و الله تبعث الأيام على هيئتها و تبعث يوم الجمعة أزهر و أنه يؤتى بكبش أملح فيذبح و يقال هذا الموت و أن الأعمال توزن و إنما هي أمثلة يخلقها الله.
إن قيل إن الله وصف النفس التي هي الروح بالإرسال و الإمساك في قوله
____________
(1) النساء: 42.
102
تعالى يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ الآية (1) و الحياة لا توصف بذلك.
قلنا قد سلف أن النفس يقال على معان منها الروح و منها العقل و التمييز و هذان هما المراد من قوله يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ الآية و أطلق على النائم لعدم الدفع و النفع و منه سمى الله الكفار أمواتا في قوله إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى (2) لعدم النفع.
إن قيل في الحديث أن الأرواح جنود في الهواء و الحياة لا تكون في الهواء.
قلنا محمول على الذرية التي خرجت من آدم و في هذا نظر لمخالفة ظاهر الآية إذ فيها وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ (3) أو أن الأرواح هنا القلوب لأن التعارف و التساكن (4) فيها.
إن قيل في الحديث خلق الله الأرواح قبل الأجساد و لا يصح ذلك في الحياة.
قلنا لا يعلم صحته أو المراد بالأرواح الملائكة فإن جبرئيل روح و الملك العظيم الجثة روح و الروحانيون صنف منهم أيضا.
و الظاهر من كلام أبي الحسن و جماعة أن الروح أجسام لطيفة فقيل ليست معينة و قال الجويني هي ماسكة الأجسام المحسوسة أجرى الله العادة باستمرار الحياة ما استمرت و كان ابن فورك يقول هو ما يجري في تجاويف الأعضاء و لهذا جوز أبو منصور البغدادي قيام الحياة بالشعر إذ لا يشترط في محلها التجويف و لم يجوز قيام الروح لاشتراط التجويف و ليس في الشعر تجويف و استدلوا على كونها جسما بوصف الله لها ببلوغ الحلقوم و بالإرسال و بالرجوع و بالفزع و بقوله من نام على وضوء يؤذن لروحه أن تسجد عند العرش و على هذا اختلف في تكليفها فقيل ليست مكلفة و قيل بل مكلفة بأفعال غير أفعال البدن المحبة و ضدها و أن له
____________
(1) الزمر: 42.
(2) النمل: 80.
(3) الأعراف: 171.
(4) التناكر (ظ).
103
حياة و أفعالها اقتناء الأفعال (1) الحميدة و اجتناب الذميمة و أوردوا في ذلك ما أورده الخيري في تفسيره قوله تعالى يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها (2) أن النفس و الروح يجيئان بين يدي الله فيختصمان فتقول النفس كنت كالثوب لم أقترف ذنبا ما لم تدخل فيّ و يقول الروح كنت مخلوقا قبلك بدهور و لم أدر ما الذنب إلى أن دخلت فيك فيمثل الله لهما أعمى و مقعدا و كرما على الجدار و يأمرهما بالاقتطاف فيقول الأعمى لا أبصر و يقول المقعد لا أمشي فيقول له اركب الأعمى و اقتطف فيقول هذا مثالكما فكما صار العنب بكما مقطوفا صار الذنب بكما معروفا و من قال الروح هي الحياة قال المراد بالروح في هذا القول القلب لأنه به حياة الجسد و قد روي في حلية الأولياء عن سلمان رضي الله عنه أنه قال مثل القلب و الجسد مثل الأعمى و المقعد قال المقعد أرى ثمرة و لا أستطيع القيام فاحملني فحمله فأكل و أطعمه و هذا أولى لأن فعل الجسد إنما يكون طاعة و معصية بعزيمة القلب و لهذا
- قَالَ(ع)إِنَّ فِي الْجِسْمِ (3) لَمُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ سَائِرُهُ وَ إِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُهُ وَ هِيَ الْقَلْبُ
. تذنيب
قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي (4) إن قيل كيف أبهم الله الجواب قلنا فيه وجوه.
ا قال الكتابيون للمشركين اسألوا محمدا عنه فإن توقف فيه فهو نبي فسألوه فأجاب بذلك و قوله وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا عنى اليهود قالوا أوتينا التوراة و فيها علم كل شيء.
ب كان قصدهم بالسؤال تخجيل النبي(ص)فإن الروح لما قيل على معان
____________
(1) الأخلاق (خ).
(2) النحل: 111.
(3) الجسد (خ).
(4) الإسراء: 85.
104
مختلفة كما سلف حتى لو أجاب بواحد منها قالوا ما نريد هذا فأبهموا السؤال فأبهم الجواب بما ينطبق على الجميع بأنه من أمر الله أي أنه أحدثه بقوله كن أو هو من شأنه و خلقه.
ج عن ابن عباس أنهم سألوا عن جبرئيل لأنهم كانوا يدعون معاداته.
د
- عَنْ عَلِيٍّ(ع)أَنَّهُمْ سَأَلُوا عَنِ الْمَلَكِ الْعَظِيمِ الْجُثَّةِ.
. ه لو أريد الروح التي في البدن لم يكن في الآية دليل على أنه لا يعلمها إلا الله.
هذا آخر ما وجدنا من الرسالة و لن نتكلم على ما فيها إحالة على أفهام الناظرين فخذ منها ما صفا و دع ما كدر.
تتمة
أقول بعد ما أحطت خبرا بما قيل في هذا الباب من الأقوال المتشتتة و الآراء المتخالفة و بعض دلائلهم عليها لا يخفى عليك أنه لم يقم دليل عقلي على التجرد و لا على المادية و ظواهر الآيات و الأخبار تدل على تجسم الروح و النفس و إن كان بعضها قابلا للتأويل و ما استدلوا به على التجرد لا يدل دلالة صريحة عليه و إن كان في بعضها إيماء إليه فما يحكم به بعضهم من تكفير القائل بالتجرد إفراط و تحكم كيف و قد قال به جماعة من علماء الإمامية و نحاريرهم و جزم القائلين بالتجرد أيضا بمحض شبهات ضعيفة مع أن ظواهر الآيات و الأخبار تنفيه أيضا جرأة و تفريط فالأمر مردد بين أن يكون جسما لطيفا نورانيا ملكوتيا داخلا في البدن تقبضه الملائكة عند الموت و تبقى معذبا أو منعما بنفسه أو بجسد مثالي يتعلق به كما مر في الأخبار أو يلهى عنه إلى أن ينفخ في الصور كما في المستضعفين و لا استبعاد في أن يخلق الله جسما لطيفا يبقيه أزمنة متطاولة كما يقول المسلمون في الملائكة و الجن و يمكن أن يرى في بعض الأحوال بنفسه أو بجسده المثالي و لا يرى في بعض الأحوال بنفسه أو بجسده بقدرة الله سبحانه أو يكون مجردا يتعلق بعد قطع تعلقه عن جسده الأصلي بجسد مثالي و يكون قبض الروح و بلوغها الحلقوم و أمثال ذلك تجوزا عن
105
قطع تعلقها أو أجرى عليها أحكام ما تعلقت أولا به و هو الروح الحيواني البخاري مجازا.
ثم الظاهر من الأخبار أن النفس الإنساني غير الروح الحيواني و غير سائر أجزاء البدن المعروفة و أما كونها جسما لطيفا خارجا من البدن محيطا به أو متعلقا به فهو بعيد و لم يقل به أحد و إن كان يستفاد من ظواهر بعض الأخبار كما عرفت.
و قد يستدل على بطلان القول بوجود مجرد سوى الله بقوله سبحانه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (1) و هو ضعيف إذ يمكن أن يكون تجرده سبحانه مباينا لتجرد غيره كما تقول في السمع و البصر و القدرة و غيرها.
و قد يستدل على نفيه بما سبق من الأخبار الدالة على أن الوحدة مختصة به تعالى و أن غيره سبحانه متجزئ كخبر فتح بن يزيد
- عَنْ أَبِي الْحَسَنِ(ع)وَ قَالَ فِي آخِرِهِ وَ الْإِنْسَانُ وَاحِدٌ فِي الِاسْمِ لَا وَاحِدٌ فِي الْمَعْنَى وَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ هُوَ وَاحِدٌ لَا وَاحِدَ غَيْرُهُ وَ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَ لَا تَفَاوُتَ وَ لَا زِيَادَةَ وَ لَا نُقْصَانَ وَ أَمَّا الْإِنْسَانُ الْمَخْلُوقُ الْمَصْنُوعُ الْمُؤَلَّفُ مِنْ أَجْزَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ وَ جَوَاهِرَ شَتَّى غَيْرَ أَنَّهُ بِالاجْتِمَاعِ شَيْءٌ وَاحِدٌ.
- وَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي(ع)فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ وَ لَكِنَّهُ الْقَدِيمُ فِي ذَاتِهِ وَ مَا سِوَى الْوَاحِدِ مُتَجَزِّئٌ وَ اللَّهُ الْوَاحِدُ لَا مُتَجَزِّئٌ وَ لَا مُتَوَهَّمٌ بِالْقِلَّةِ وَ الْكَثْرَةِ وَ كُلُّ مُتَجَزِّئٍ أَوْ مُتَوَهَّمٍ بِالْقِلَّةِ وَ الْكَثْرَةِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ دَالٌّ عَلَى خَالِقٍ لَهُ.
- وَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لَا تشبه [تُشْبِهُهُ صُورَةٌ وَ لَا يُحَسُّ بِالْحَوَاسِّ وَ لَا يُقَاسُ بِالنَّاسِ قَرِيبٌ فِي بُعْدِهِ بَعِيدٌ فِي قُرْبِهِ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ وَ لَا يُقَالُ شَيْءٌ فَوْقَهُ أَمَامَ كُلِّ شَيْءٍ وَ لَا يُقَالُ لَهُ أَمَامٌ دَاخِلٌ فِي الْأَشْيَاءِ لَا كَشَيْءٍ دَاخِلٍ وَ خَارِجٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ لَا كَشَيْءٍ خَارِجٍ سُبْحَانَ مَنْ هُوَ هَكَذَا وَ لَا هَكَذَا غَيْرُهُ.
فإن هذه الأخبار و غيرها مما مر في كتاب التوحيد تدل على اختصاص تلك الصفات بالله تعالى و على القول بوجود مجرد سوى الله كانت مشتركة مع الله سبحانه فيها لا سيما في العقول التي ينفون عنها التغير و التبدل و لا يخلو من قوة لكن
____________
(1) الشورى: 11.
106
للكلام فيه مجال و الله يعلم حقائق الأمور و حججه ع.
و أقول لما انتهى الكلام في هذا الباب إلى بعض الإطناب لكونه من أهم المطالب و أقصى المآرب فلا بأس بأن نذكر بعض المطالب المهمة من أحوال النفس و شئونها في فوائد.
الأولى في بيان اتحاد حقيقة النفوس البشرية بالنوع قال نصير الملة و الدين رحمه الله في التجريد و دخولها تحت حد واحد يقتضي وحدتها و قال العلامة رفع الله مقامه اختلف الناس في ذلك فذهب الأكثر إلى أن النفوس البشرية متحدة في النوع متكثرة بالشخص و هو مذهب أرسطو و ذهب جماعة من القدماء إلى أنها مختلفة بالنوع و احتج المصنف على وحدتها بأنها يشملها حد واحد و الأمور المختلفة يستحيل اجتماعها تحت حد واحد و عندي في هذا نظر و قال شارح المقاصد ذهب جمع من قدماء الفلاسفة إلى أن النفوس الحيوانية و الإنسانية متماثلة متحدة الماهية و اختلاف الأفعال و الإدراكات عائد إلى اختلاف الآلات و هذا لازم على القائلين بأنها أجسام و الأجسام متماثلة إذ لا تختلف إلا بالعوارض و أما القائلون بأن النفوس الإنسانية مجردة فذهب الجمهور منهم إلى أنها متحدة الماهية و إنما تختلف في الصفات و الملكات و اختلاف الأمزجة و الأدوات و ذهب بعضهم إلى أنها مختلفة بالماهية بمعنى أنها جنس تحته أنواع مختلفة تحت كل نوع أفراد متحدة الماهية متناسبة الأحوال بحسب ما يقتضيه الروح العلوي المسمى بالطباع التام لذلك النوع و يشبه أن يكون
- قَوْلُهُ(ع)النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ.
- وَ قَوْلُهُ(ع)الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَ مَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ.
إشارة إلى هذا و ذكر الإمام في المطالب العالية أن هذا المذهب هو المختار عندنا.
و أما بمعنى أن يكون كل فرد منها مخالفا بالماهية لسائر الأفراد حتى لا يشترك منهم اثنان في الحقيقة فلم يقل به قائل تصريحا كذا ذكره أبو البركات في المعتبر.
107
احتج الجمهور بأن ما يعقل من النفس و يجعل لها حدا معنى واحد مثل الجوهر المجرد المتعلق بالبدن و الحد تمام الماهية و هذا ضعيف لأن مجرد التحديد بحد واحد لا يوجب الوحدة النوعية إذ المعاني الجنسية أيضا كذلك كقولنا الحيوان جسم حساس متحرك بالإرادة و إن ادعي أن هذا مقول في جواب السؤال بما هو عن أي فرد و أي طائفة تفرض فهو ممنوع بل ربما يحتاج إلى ضم مميز جوهري و قد يحتج بأنها مشاركة في كونها نفوسا بشرية فلو تخالفت بفصول مميزة لكانت من المركبات دون المجردات و الجواب بعد تسليم كون النفسية من الذاتيات دون العرضيات أن التركيب العقلي من الجنس و الفصل لا ينافي التجرد و لا يستلزم الجسمية.
و احتج الآخرون بأن اختلاف النفوس في صفاتها لو لم يكن لاختلاف ماهياتها بل لاختلاف الأمزجة و الأحوال البدنية و الأسباب الخارجية لكانت الأشخاص المتقاربة جدا في أحوال البدن و الأسباب الخارجة متقاربة البتة في الملكات و الأخلاق من الرحمة و القسوة و الكرم و البخل و العفة و الفجور و بالعكس و اللازم باطل إذ كثيرا ما يوجد الأمر بخلاف ذلك بل ربما يوجد الإنسان الواحد يبدل مزاجه جدا و هو على غريزته الأولى و لا خفاء في أن هذا من الإقناعيات الضعيفة لجواز أن يكون ذلك لأسباب أخر لا نطلع على تفاصيلها.
الثانية تساوي الأرواح و الأبدان قال شارح المقاصد كل نفس يعلم بالضرورة أن ليس معها في هذا البدن نفس أخرى تدبر أمره و أن ليس لها تدبير و تصرف في بدن آخر فالنفس مع البدن على التساوي ليس لبدن واحد إلا نفس واحدة و لا تتعلق نفس واحدة إلا ببدن واحد أما على سبيل الاجتماع فظاهر و أما على سبيل التبادل و الانتقال من بدن إلى آخر فلوجوه.
الأول أن النفس المتعلقة بهذا البدن لو كانت منتقلة إليه من بدن آخر لزم أن يتذكر شيئا من أحوال ذلك البدن لأن العلم و الحفظ و التذكر من الصفات القائمة بجوهرها الذي لا يختلف باختلاف أحوال البدن و اللازم باطل قطعا.
108
الثاني أنها لو تعلقت بعد مفارقة هذا البدن ببدن آخر لزم أن يكون عدد الأبدان الهالكة مساويا لعدد الأبدان الحادثة لئلا يلزم تعطل بعض النفوس أو اجتماع عدة منها على التعلق ببدن واحد أو تعلق واحدة منها بأبدان كثيرة معا لكنا نعلم قطعا بأنه قد يهلك في مثل الطوفان العام أبدان كثيرة لا يحدث مثلها إلا في أعصار متطاولة.
الثالث أنه لو انتقل نفس إلى بدن لزم أن يجتمع فيه نفسان منتقلة و حادثة لأن حدوث النفس عن العلة القديمة يتوقف على حصول الاستعداد في القابل أعني البدن و ذلك بحصول المزاج الصالح و عند حصول الاستعداد في القابل يجب حدوث النفس لما تقرر من لزوم وجود المعلول عند تمام العلة.
لا يقال لا بد مع ذلك من عدم المانع و لعل تعلق المنتقلة مانع و تكون لها الأولوية في المنع لما لها من الكمال.
لأنا نقول لا دخل للكمال في اقتضاء التعلق بل ربما يكون الأمر بالعكس فإذن ليس منع الانتقال للحدوث أولى من منع الحدوث للانتقال.
و اعترض على الوجوه الثلاثة بعد تسليم مقدماتها بأنها إنما تدل على أن النفس بعد مفارقه البدن لا تنتقل إلى بدن آخر إنساني و لا يدل على أنها لا تنتقل إلى حيوان آخر من البهائم و السباع و غيرهما على ما جوزه بعض التناسخية و سماه مسخا و لا إلى نبات على ما جوزه بعضهم و سماه فسخا و لا إلى جماد على ما جوزه آخر و سماه رسخا و لا إلى جرم سماوي على ما يراه بعض الفلاسفة.
و إنما قلنا بعد تسليم المقدمات لأنه ربما يعترض على الوجه الأول بمنع لزوم التذكر و إنما يلزم لو لم يكن التعلق بذلك البدن شرطا و الاستغراق في تدبير البدن الآخر مانعا أو طول العهد منسيا و على الثاني بمنع لزوم التساوي و إنما يلزم لو كان التعلق ببدن آخر لازما البتة و على الفور و أما إذا كان جائزا أو لازما و لو بعد حين فلا لجواز أن لا ينتقل نفوس الهالكين الكثيرين أو ينتقل بعد حدوث الأبدان الكثيرة و ما توهم من التعطيل مع أنه لا حجة على بطلانه فليس بلازم لأن
109
الابتهاج بالكمالات أو التألم بالجهالات شغل و على الثالث بأنه مبني على حدوث النفس و كون المزاج مع الفاعل تمام العلة بحيث لا مانع أصلا و الكل في حيز المنع ثم قال و ليس للتناسخية دليل يعتد به و غاية ما تمسكوا به في إثبات التناسخ على الإطلاق أي انتقال النفس بعد المفارقة إلى جسم آخر إنساني أو غيره وجوه. الأول أنها لو لم تتعلق لكانت معطلة و لا تعطيل في الوجود و كلتا المقدمتين ممنوعة.
الثاني أنها مجبولة على الاستكمال و الاستكمال لا يكون إلا بالتعلق لأن ذلك شأن النفوس و إلا كانت عقلا لا نفسا و رد بأنه ربما كان الشيء طالبا لكماله و لا يحصل لزوال الأسباب و الآلات بحيث لا يحصل لها البدن.
الثالث أنها قديمة فتكون متناهية العدد لامتناع وجود ما لا يتناهى بالفعل بخلاف ما لا يتناهى من الحوادث كالحركات و الأوضاع و ما يستند إليها فإنها إنما تكون على سبيل التعاقب دون الاجتماع و الأبدان مطلقا بل الأبدان الإنسانية خاصة غير متناهية لأنها من الحوادث المتعاقبة المستندة إلى ما لا يتناهى من الدورات الفلكية و أوضاعها فلو لم يتعلق كل نفس إلا ببدن واحد لزم توزع ما يتناهى على ما لا يتناهى و هو محال بالضرورة.
و رد بمنع قدم النفوس و منع لزوم تناهي القدماء لو ثبت فإن الأدلة إنما تمت فيما له وضع و ترتيب و منع لا تناهي الأبدان و عللها و منع لزوم أن يتعلق بكل بدن نفس و إن أريد الأبدان التي صارت إنسانا بالفعل اقتصر على منع لا تناهيها.
ثم قال و قد يتوهم أن من شريعتنا القول بالتناسخ فإن مسخ أهل المائدة قردة و خنازير رد لنفوسهم إلى أبدان حيوانات أخر و المعاد الجسماني رد لنفوس الكل إلى أبدان أخر إنسانية للقطع بأن الأبدان المحشورة لا تكون الأبدان الهالكة بعينها لتبدل الصور و الأشكال بلا نزاع.
و الجواب أن المتنازع هو أن النفوس بعد مفارقتها الأبدان تتعلق في الدنيا
110
بأبدان أخر للتدبير و التصرف و الاكتساب لا أن تتبدل صور الأبدان كما في المسخ أو أن تجتمع أجزاؤها الأصلية بعد التفرق فترد إليها النفوس كما في المعادن على الإطلاق و كما في إحياء عيسى(ع)بعض الأشخاص.
و قال السيد المرتضى رضي الله عنه حين سأله سائل تأول سيدنا أدام الله نعماءه ما ورد في المسوخ مثل الدب و القرد و الفيل و الخنزير و ما شاكل ذلك على أنها كانت على خلق جميلة غير منفور عنها ثم جعلت هذه الصور المسيئة على سبيل التنفير عنها و الزيادة في الصد عن الانتفاع بها و قال لأن بعض الأحياء لا يجوز أن يصير حيا آخر غيره إذا أريد بالمسخ هذا فهو باطل و إن أريد غيره نظرنا فيه فما جواب من سأل عند سماع هذا عن الأخبار الواردة عن النبي و الأئمة(ع)بأن الله تعالى يمسخ قوما من هذه الأمة قبل يوم القيامة كما مسخ في الأمم المتقدمة و هي كثيرة لا يمكن الإطالة بحصرها في كتاب و قد سلم الشيخ المفيد رضي الله عنه صحتها و ضمن ذلك الكتاب الذي وسمه بالتمهيد و أحال القول بالتناسخ و ذكر أن الأخبار المعول عليها لم ترد إلا بأن الله تعالى يمسخ قوما قبل يوم القيامة و قد روى النعماني كثيرا من ذلك يحتمل النسخ و المسخ معا فمما رواه
- مَا أَوْرَدَهُ فِي كِتَابِ التَّسَلِّي وَ التَّقَوِي وَ أَسْنَدَهُ إِلَى الصَّادِقِ(ع)حَدِيثٌ طَوِيلٌ يَقُولُ فِي آخِرِهِ وَ إِذَا احْتُضِرَ الْكَافِرُ حَضَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ عَلِيٌّ(ع)وَ جَبْرَئِيلُ وَ مَلَكُ الْمَوْتِ(ع)فَيَدْنُو إِلَيْهِ عَلِيٌّ(ع)فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا كَانَ يُبْغِضُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَأَبْغِضْهُ فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ يَا جَبْرَئِيلُ إِنَّ هَذَا كَانَ يُبْغِضُ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ أَهْلَ بَيْتِ رَسُولِهِ فَأَبْغِضْهُ فَيَقُولُ جَبْرَئِيلُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ إِنَّ هَذَا كَانَ يُبْغِضُ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ أَهْلَ بَيْتِهِ فَأَبْغِضْهُ وَ اعْنُفْ بِهِ فَيَدْنُو مِنْهُ مَلَكُ الْمَوْتِ فَيَقُولُ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَخَذْتَ فَكَاكَ رَقَبَتِكَ أَخَذْتَ أَمَانَ بَرَاءَتِكَ تَمَسَّكْتَ بِالْعِصْمَةِ الْكُبْرَى فِي دَارِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ وَ مَا هِيَ فَيَقُولُ وَلَايَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَيَقُولُ مَا أَعْرِفُهَا وَ لَا أَعْتَقِدُ بِهَا فَيَقُولُ لَهُ جَبْرَئِيلُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ وَ مَا كُنْتَ تَعْتَقِدُ فَيَقُولُ كَذَا وَ كَذَا فَيَقُولُ لَهُ جَبْرَئِيلُ أَبْشِرْ يَا عَدُوَّ اللَّهِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَ عَذَابِهِ فِي النَّارِ وَ أَمَّا مَا كُنْتَ تَرْجُو فَقَدْ فَاتَكَ وَ أَمَّا الَّذِي كُنْتَ تَخَافُهُ فَقَدْ نَزَلَ بِكَ ثُمَّ يَسُلُ
111
نَفْسَهُ سَلًّا عَنِيفاً ثُمَّ يُوَكَّلُ بِرُوحِهِ مِائَةُ شَيْطَانٍ كُلُّهُمْ يَبْصُقُ فِي وَجْهِهِ وَ يَتَأَذَّى بِرِيحِهِ فَإِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ فُتِحَ لَهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ النَّارِ يَدْخُلُ عَلَيْهِ (1) مِنْ فَوْحِ رِيحِهَا وَ لَهَبِهَا ثُمَّ إِنَّهُ يُؤْتَى بِرُوحِهِ إِلَى جِبَالِ بَرَهُوتَ ثُمَّ إِنَّهُ يَصِيرُ فِي الْمُرَكَّبَاتِ حَتَّى إِنَّهُ يَصِيرُ فِي دُودَةٍ بَعْدَ أَنْ يَجْرِيَ فِي كُلِّ مَسْخٍ مَسْخُوطٍ عَلَيْهِ حَتَّى يَقُومَ قَائِمُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ لِيَضْرِبَ عُنُقَهُ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (2) وَ اللَّهِ لَقَدْ أُتِيَ بِعُمَرَ بْنِ سَعْدٍ بَعْدَ مَا قُتِلَ وَ إِنَّهُ لَفِي صُورَةِ قِرْدٍ فِي عُنُقِهِ سِلْسِلَةٌ فَجَعَلَ يَعْرِفُ أَهْلَ الدَّارِ وَ هُمْ لَا يَعْرِفُونَهُ وَ اللَّهِ لَا يَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يُمْسَخَ عَدُوُّنَا مَسْخاً ظَاهِراً حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ لَيُمْسَخُ فِي حَيَاتِهِ قِرْداً أَوْ خِنْزِيراً وَ مِنْ وَرَائِهِمْ عَذَابٌ غَلِيظٌ وَ مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَ ساءَتْ مَصِيراً
. و الأخبار في هذا المعنى كثيرة قد جازت عن حد الآحاد فإن استحال النسخ و عولنا على أنه ألحق بها و دلس (3) فيها و أضيف إليها فما ذا يحيل المسخ و قد صرح به فيها و في قوله هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ وَ جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَ الْخَنازِيرَ (4) و قوله فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (5) و قوله وَ لَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ (6) و الأخبار ناطقة بأن معنى هذا المسخ هو إحالة التغيير عن بنية الإنسانية إلى ما سواها
- وَ فِي الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ أَ رَأَيْتُمْ لَوْ قُلْتُ لَكُمْ إِنَّهُ يَكُونُ فِيكُمْ قِرَدَةٌ وَ خَنَازِيرُ أَ كُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ فَقَالَ رَجُلٌ يَكُونُ فِينَا قِرَدَةٌ وَ خَنَازِيرُ قَالَ وَ مَا يُؤْمِنُكَ مِنْ ذَلِكَ لَا أُمَّ لَكَ.
و هذا تصريح بالمسخ و قد تواتر الأخبار بما يفيد أن معناه تغيير الهيئة و الصورة و في الأحاديث أن رجلا قال لأمير المؤمنين ع
____________
(1) إليه (خ).
(2) غافر: 11.
(3) دس (ظ).
(4) المائدة: 63.
(5) البقرة: 65.
(6) يس: 67.
112
و قد حكم عليه بحكم و الله ما حكمت بالحق فقال له اخسأ كلبا و إن الأثواب تطايرت عنه و صار كلبا يمصع (1) بذنبه و إذا جاز أن يجعل الله جل و عز الجماد حيوانا فمن ذا الذي يحيل جعل حيوان في صورة حيوان آخر.
فأجاب (قدّس سرّه) اعلم أنا لم نحل المسخ و إنما أحلنا أن يصير الحي الذي كان إنسانا الحي الذي كان قردا أو خنزيرا و المسخ أن يغير صورة الحي الذي كان إنسانا يصير بهيمة لا أنه يتغير صورته إلى صورة البهيمة و الأصل في المسخ قوله تعالى كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (2) و قوله تعالى وَ جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَ الْخَنازِيرَ وَ عَبَدَ الطَّاغُوتَ (3) و قد تأول قوم من المفسرين آيات القرآن التي في ظاهرها المسخ على أن المراد بها أنا حكمنا بنجاستهم و خسة منزلتهم و إيضاع أقدارهم لما كفروا و خالفوا فجروا بذلك مجرى القرود التي لها هذه الأحكام كما يقول أحدنا لغيره ناظرت فلانا و أقمت عليه الحجة حتى مسخته كلبا على هذا المعنى و قال آخرون بل أراد بالمسخ أن الله تعالى غير صورهم و جعلهم على صور القرود على سبيل العقوبة لهم و التنفير عنهم و ذلك جائز مقدور لا مانع له و هو أشبه بالظاهر و أمر عليه و التأويل الأول ترك الظاهر و إنما تترك الظواهر لضرورة و ليست هاهنا.
فإن قيل فكيف يكون ما ذكرتم عقوبة قلنا هذه الخلقة إذا ابتدئت لم تكن عقوبة و إذا غير الحي المخلوق على الخلقة التامة الجميلة إليها كان ذلك عقوبة لأن تغير الحال إلى ما ذكرناه يقتضي الغم و الحسرة.
فإن قيل فيجب أن يكون مع تغير الصورة ناسا قردة و ذلك متناف قلنا متى تغيرت صورة الإنسان إلى صورة القرد لم يكن في تلك الحال إنسانا بل كان إنسانا مع البنية الأولى و استحق الوصف بأنه قرد لما صار على صورته و إن كان الحي واحدا في الحالين لم يتغير و يجب فيمن مسخ قردا على سبيل العقوبة له أن يذمه مع تغير
____________
(1) مصع بذنبه- كفتح-: حركه.
(2) البقرة: 65.
(3) المائدة: 63.
113
الصورة على ما كان منه من القبائح لأن تغير الهيئة و الصورة لا يوجب الخروج عن استحقاق الذم كما لا يخرج المهزول إذا سمن عما كان يستحقه من الذم و كذا السمين إذا هزل فإن قيل فيقولون إن هؤلاء الممسوخين تناسلوا و إن القردة في أزماننا هذه من نسل أولئك قلنا ليس يمتنع أن يتناسلوا بعد أن مسخوا لكن الإجماع حاصل على أنه ليس شيء من البهائم من أولاد آدم و لو لا هذا الإجماع لجوزنا ما ذكر و على هذه الجملة التي قررناها لا ينكر صحة الأخبار الواردة من طرقنا بالمسخ لأنها كلها يتضمن وقوع ذلك على من يستحق العقوبة و الذم من الأعداء و المخالفين.
فإن قيل أ فتجوزون أنه يغير الله تعالى صورة حيوان جميلة إلى صورة أخرى غير جميلة بل مشوهة منفور عنها أم لا تجوزون قلنا إنما أجزنا في الأول ذلك على سبيل العقوبة لصاحب هذه الخلقة التي كانت جميلة ثم تغيرت لأنه يغتم بذلك و يتأسف و هذا الغرض لا يتم في الحيوان التي (1) ليس بمكلف فتغيير صورهم عبث فإن كان في ذلك غرض يحسن لمثله جاز انتهى.
و ظاهر كلامه رحمه الله أولا و آخرا أنه عند المسخ يخرج عن حقيقة الإنسانية و يدخل في نوع آخر و فيه نظر و الحق أن امتياز نوع الإنسان إذا كان بهذا الهيكل المخصوص و هذا الشكل و التخطيط و الهيئة فلا يكون هذا إنسانا بل قردة(2) و خنزيرا و إن كان امتيازه بالروح المجرد أو الساري في البدن كما هو الأصوب كانت الإنسانية باقية غير ذاهبة و كان إنسانا في صورة حيوان و لم يخرج من نوع الإنسان و لم يدخل في نوع آخر
- وَ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)أَنَّ الْفِرْقَةَ الْمُعْتَزِلَةَ عَنْ أَهْلِ السَّبْتِ لَمَّا دَخَلُوا قَرْيَتَهُمْ بَعْدَ مَسْخِهِمْ عَرَفَتِ الْقِرَدَةُ أَنْسَابَهَا مِنَ الْإِنْسِ وَ لَمْ يَعْرِفِ الْإِنْسُ أَنْسَابَهَا مِنَ الْقِرَدَةِ فَقَالَ الْقَوْمُ لِلْقِرَدَةِ أَ لَمْ نَنْهَكُمْ.
- وَ فِي تَفْسِيرِ الْعَسْكَرِيِّ(ع)فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ كُلَّهُمْ قِرَدَةً وَ بَقِيَ بَابُ الْمَدِينَةِ مُغْلَقاً لَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَ لَا يَدْخُلُ إِلَيْهِمْ أَحَدٌ وَ تَسَامَعَ
____________
(1) كذا، و الصواب «الذي».
(2) كذا، و الصواب «قردا».
114
بِذَلِكَ أَهْلُ الْقُرَى فَقَصَدُوهُمْ وَ تَسَنَّمُوا حِيطَانَ الْبَلَدِ فَاطَّلَعُوا عَلَيْهِمْ فَإِذَا كُلُّهُمْ رِجَالُهُمْ وَ نِسَاؤُهُمْ قِرَدَةٌ يَمُوجُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ يَعْرِفُ هَؤُلَاءِ النَّاظِرُونَ مَعَارِفَهُمْ وَ قَرَابَاتِهِمْ وَ خُلَطَاءَهُمْ يَقُولُ الْمُطَّلِعُ لِبَعْضِهِمْ أَنْتَ فُلَانٌ أَنْتَ فُلَانٌ فَتَدْمَعُ عَيْنَيْهِ وَ يُومِئُ بِرَأْسِهِ أَيْ نَعَمْ.
فهذان الخبران يدلان على أنهم لم يتخلعوا من الإنسانية و كان فيهم العقل و الشعور إلا أنهم كانوا لا يقدرون على التكلم.
قال النيسابوري في قوله سبحانه كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (1) عن مجاهد أنه مسخ قلوبهم بمعنى الطبع و الختم لا أنه مسخ صورهم و هو مثل قوله كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً (2).
و احتج بأن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس فإذا أبطله و خلق مكانه تركيب القرد رجع حاصل المسخ إلى إعدام الأعراض التي باعتبارها كان ذلك الجسم إنسانا و إيجاد أعراض أخر باعتبارها صار قردا و أيضا لو جوزنا ذلك لم نؤمن في كل ما نراه قردا و كلبا أنه كان إنسانا عاقلا و ذلك شك في المشاهدات.
و أجيب بأن الإنسان ليس هذا الهيكل لتبدله بالسمن و الهزال فهو أمر وراء ذلك إما جسماني سار في جميع البدن أو جزء في جانب من البدن كقلب أو دماغ أو مجرد كما تقوله الفلاسفة و على التقادير فلا امتناع في بقاء ذلك الشيء مع تطرق التغير إلى هذا الهيكل و هذا هو المسخ و بهذا التأويل يجوز في الملك الذي تكون جثته في غاية العظم أن يدخل حجرة الرسول(ص)و لأنه لم يتغير منهم إلا الخلقة و الصورة و العقل و الفهم باق فإنهم يعرفون ما نالهم بشؤم المعصية من تغير الخلقة و تشويه الصورة و عدم القدرة على النطق و سائر الخواص الإنسانية فيتألمون بذلك و يتعذبون ثم أولئك القرود بقوا أو أفناهم الله و إن بقوا فهذه القرود التي في زماننا من نسلهم أم لا الكل سائر (3) عقلا إلا أن الرواية عن ابن عباس أنهم
____________
(1) البقرة: 65.
(2) الجمعة: 5.
(3) سائغ (ظ).
115
ما مكثوا إلا ثلاثة أيام ثم هلكوا انتهى.
و أقول قد ورد في أخبارنا أيضا موافقا لما روي عن ابن عباس كما في تفسير العسكري(ع)كانوا كذلك ثلاثة أيام ثم بعث الله عليهم ريحا و مطرا فجر بهم إلى البحر و ما بقي مسخ بعد ثلاثة أيام و أما التي ترون من هذه المصورات بصورها فإنما هي أشباهها لا هي بأعيانها و لا من نسلها.
- وَ رَوَى الصَّدُوقُ فِي الْعِلَلِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ قَالَ إِنَّ أُولَئِكَ مُسِخُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ مَاتُوا وَ لَمْ يَتَنَاسَلُوا وَ إِنَّ الْقِرَدَةَ الْيَوْمَ مِثْلُ أُولَئِكَ وَ كَذَلِكَ الْخِنْزِيرُ وَ سَائِرُ الْمُسُوخِ مَا وُجِدَ مِنْهَا الْيَوْمَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ مِثْلُهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يُؤْكَلَ لَحْمُهُ (1) الْخَبَرَ.
- وَ رَوَى فِي الْعُيُونِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَهْمِ قَالَ: سَمِعْتُ الْمَأْمُونَ يَسْأَلُ الرِّضَا(ع)عَمَّا يَرْوِيهِ النَّاسُ مِنْ أَمْرِ الزُّهْرَةِ وَ أَنَّهَا كَانَتِ امْرَأَةً فُتِنَ بِهَا هَارُوتُ وَ مَارُوتُ وَ مَا يَرْوُونَهُ مِنْ أَمْرِ سُهَيْلٍ أَنَّهُ كَانَ عَشَّاراً بِالْيَمَنِ فَقَالَ(ع)كَذَبُوا فِي قَوْلِهِمْ إِنَّهُمَا كَوْكَبَانِ وَ إِنَّهُمَا كَانَتَا دَابَّتَيْنِ مِنْ دَوَابِّ الْبَحْرِ فَغَلِطَ النَّاسُ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمَا الْكَوْكَبَانِ وَ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَمْسَخَ أَعْدَاءَهُ أَنْوَاراً مُضِيئَةً ثُمَّ يُبْقِيَهُمَا مَا بَقِيَتِ السَّمَاءُ وَ الْأَرْضُ وَ إِنَّ الْمُسُوخَ لَمْ يَبْقَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ حَتَّى مَاتَتْ وَ مَا تَنَاسَلَ مِنْهَا شَيْءٌ وَ مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ الْيَوْمَ مَسْخٌ وَ إِنَّ الَّتِي وَقَعَتْ عَلَيْهَا اسْمُ الْمُسُوخِيَّةِ مِثْلَ الْقِرْدِ وَ الْخِنْزِيرِ وَ الدُّبِّ وَ أَشْبَاهِهَا إِنَّمَا هِيَ مِثْلُ مَا مَسَخَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى صُوَرِهَا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ لَعَنَهُمْ بِإِنْكَارِهِمْ تَوْحِيدَ اللَّهِ وَ تَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُ الْخَبَرَ (2).
أقول فقد ثبت بهذه الأخبار أن هذه الحيوانات ليست من نسل هؤلاء المسوخ و لا من نوعهم و إنما هي على صورهم و قد عرفت أن المسخ ليس تناسخا لأن الروح لم ينتقل إلى بدن آخر و إنما تغيرت صورة البدن و أما التناسخ بمعنى انتقال
____________
(1) لم نجد الرواية بعينها في العلل، و يوجد ما هو قريب المضمون بها في: ج 2،(ص)170.
(2) العيون ج 1(ص)271.
116
الروح من بدن إلى بدن غير الأبدان المثالية فمما أجمع على نفيه جميع المسلمين و أما الأخبار الشاذة الواردة في ذلك فيشكل التعلق بظواهرها كالخبر الذي أورده السائل فهي إما مؤولة بالمسخ أو بتصور الأجساد المثالية بتلك الصور كما ذكرنا سابقا و أما في الأجساد المثالية فقد تقدم القول فيها في كتاب المعاد و الله الهادي إلى الرشاد.
قال شارح المقاصد القول بالتناسخ في الجملة محكي عن كثير من الفلاسفة إلا أنه حكاية لا تعضدها شبهة فضلا عن حجة و مع ذلك فالنصوص القاطعة من الكتاب و السنة ناطقة بخلافها و ذلك أنهم ينكرون المعاد الجسماني أعني حشر الأجساد و كون الجنة و النار داري ثواب و عقاب و لذات و آلام حسية و يجعلون المعاد عبارة عن مفارقة النفوس الأبدان و الجنة عن ابتهاجها بكمالاتها و النار عن تعلقها بأبدان حيوانات أخر يناسبها فيما اكتسب من الأخلاق و تمكنت فيها من الهيئات معذبة بما يلقى فيها من الذل و الهوان مثلا تتعلق نفس الحريص بالخنزير و السارق بالفار و المعجب بالطاوس و الشرير بالكلب و يكون لها تدريج في ذلك بحسب الأنواع و الأشخاص أي ينزل من بدن إلى بدن هو أدنى في تلك الهيئة المناسبة مثلا يبتدئ نفس الحريص من التعلق ببدن الخنزير ثم إلى ما دونه في ذلك حتى ينتهي إلى النمل ثم يتصل بعالم العقول عند زوال تلك الهيئة بالكلية.
ثم إن من المنتمين من التناسخية إلى دين الإسلام يروجون هذا الرأي بالعبارات المهذبة و الاستعارات المستعذبة و يصرفون به إليه بعض الآيات الواردة في أصحاب العقوبات اجتراء على الله و افتراء على ما هو دأب الملاحدة و الزنادقة و من يجري مجراهم من الغاوين المغوين الذين هم شياطين الإنس الذين يوحون إلى العوام و القاصرين من المحصلين زخرف القول غرورا.
فمن جملة ذلك ما قالوا في قوله تعالى كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ أي بالفساد بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها (1) أي بالكون و في قوله تعالى كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها (2)
____________
(1) النساء: 55.
(2) الحجّ: 22.
117
أي من دركات جهنم التي هي أبدان الحيوانات و كذا في قوله فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (1) و قوله تعالى رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (2) و في قوله تعالى وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ الآية (3) معناه أنهم كانوا مثلكم في الخلق و العلوم و المعايش و الصناعات فانتقلوا إلى أبدان هذه الحيوانات و في قوله تعالى كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (4) أي بعد المفارقة و في قوله تعالى وَ نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ (5) أي على صور الحيوانات المتنكسة الرءوس إلى غير ذلك من الآيات و من نظر في كتب التفسير بل في سياق الآيات لا يخفى عليه فساد هذه الهذيانات.
و جوز بعض الفلاسفة تعلق النفوس المفارقة ببعض الأجرام السماوية للاستكمال و بعضهم على أن نفوس الكاملين تتصل بعالم المجردات و نفوس المتوسطين تتخلص إلى عالم المثل المعلقة في مظاهر الأجرام العلوية على اختلاف مراتبهم في ذلك و نفوس الأشقياء إلى هذا العالم في مظاهر الظلمانيات في الصور المستكرهة بحسب اختلاف مراتبهم في الشقاوة فيبقى بعضهم في تلك الظلمات أبدا لكون الشقاوة في الغاية و بعضهم ينتقل بالتدريج إلى عالم الأنوار المجردة.
الثالثة أن النفس لا تفنى بفناء البدن قال في شرح المقاصد فناء البدن لا يوجب فناء النفس المغايرة له مجردة كانت أو مادية أي جسما حالا فيه لأن كونها مدبرة له متصرفة فيه لا يقتضي فناءها بفنائه لكن مجرد ذلك لا يدل على كونها باقية البتة فلهذا احتيج في ذلك إلى دليل و هو عندنا النصوص من الكتاب و السنة و إجماع الأمة و هي من الكثرة و الظهور بحيث لا يفتقر إلى الذكر و قد أورد الإمام في المطالب العالية من الشواهد العقلية و النقلية في هذا الباب ما يفضي ذكره إلى الإطناب و أما الفلاسفة فزعموا أنه يمتنع فناء النفس
____________
(1) المؤمن: 11.
(2) المؤمنون: 107.
(3) الأنعام: 38.
(4) البقرة: 65.
(5) الإسراء: 97.
119
تكميل النفس من جهة أن البدن آلة لها في تحصيل العلم و العمل يسمى عقلا عمليا و المشهور أن مراتب النفس أربع لأنه إما كمال و إما استعداد نحو الكمال قوي أو متوسط أو ضعيف فالضعيف و هو محض قابلية النفس للإدراكات يسمى عقلا هيولانيا تشبيها بالهيولى الأولى الخالية في نفسها عن جميع الصور القابلة لها بمنزلة قوة الطفل للكتابة و المتوسط و هو استعدادها لتحصيل النظريات بعد حصول الضروريات تسمى عقلا بالملكة لما حصل لها من ملكة الانتقال إلى النظريات بمنزلة الشخص المستعد لتعلم الكتابة و تختلف مراتب الناس في ذلك اختلافا عظيما بحسب اختلاف درجات الاستعدادات و القوى و هو الاقتدار على استحضار النظريات متى شاءت من غير افتقار إلى كسب جديد لكونها مكتسبة مخزونة تحضر بمجرد الالتفات بمنزلة القادر على الكتابة حين لا يكتب و له أن يكتب متى شاء و يسمى عقلا بالفعل لشدة قربه من الفعل و أما الكمال فهو أن يحصل النظريات مشاهدة بمنزلة الكاتب حين يكتب و يسمى عقلا مستفادا أي من خارج هو العقل الفعال الذي يخرج نفوسنا من القوة إلى الفعل فيما له من الكمالات و نسبته إلينا نسبة الشمس إلى أبصارنا و تختلف عبارات القوم في أن المذكورات أسام لهذه الاستعدادات و الكمال أو للنفس باعتبار اتصافها بها أو لقوى في النفس هي مبادئها مثلا يقال تارة إن العقل الهيولاني هو استعداد النفس لقبول العلوم الضرورية و تارة إنها قوة استعدادية أو قوة من شأنها الاستعداد المحض و تارة إنه النفس في مبدإ الفطرة من حيث قابليتها للعلوم و كذا في البواقي و ربما يقال إن العقل بالملكة هو حصول الضروريات من حيث يتأدى إلى النظريات.
و قال ابن سينا هو صورة المعقولات الأولى و تتبعها القوة على كسب غيرها بمنزلة الضوء للإبصار و المستفاد هو المعقولات المكتسبة عند حصولها بالفعل.
و قال في كتاب المبدإ و المعاد إن العقل بالفعل و العقل المستفاد واحد بالذات مختلف بالاعتبار فإنه من جهة تحصيله للنظريات عقل بالفعل و من جهة حصولها
118
أقول ثم ذكر بعض دلائلهم على ذلك لا حاجة بنا إلى إيرادها. الرابعة في كيفية تعقل النفس و إدراكها قال في التجريد و تعقل بذاتها و تدرك بالآلات و قال شارح المقاصد لا نزاع في أن مدرك الكليات من الإنسان هو النفس و أما مدرك الجزئيات على وجه كونها جزئيات فعندنا النفس و عند الفلاسفة الحواس (1) ثم قال بعد إيراد الحجج من الجانبين لما كان إدراك الجزئيات مشروطا عند الفلاسفة بحصول الصورة في الآلات فعند مفارقة النفس و بطلان الآلات لا تبقى مدركة للجزئيات ضرورة انتفاء المشروط بانتفاء الشرط و عندنا لما لم تكن الآلات شرطا في إدراك الجزئيات إما لأنه ليس بحصول الصورة لا في النفس و لا في الحس و إما لأنه لا يمتنع ارتسام صورة الجزئي في النفس بل الظاهر من قواعد الإسلام أنه يكون للنفس بعد المفارقة إدراكات متجددة جزئية و اطلاع على بعض جزئيات أحوال الأحياء سيما الذين كان بينهم و بين الميت تعارف في الدنيا و لهذا ينتفع بزيارة القبور و الاستعانة بنفوس الأخيار من الأموات في استنزال الخيرات و استدفاع الملمات فإن للنفس بعد المفارقة تعلقا ما بالبدن و بالتربة التي دفنت فيها فإذا زار الحي تلك التربة و توجهت تلقاءه نفس الميت حصل بين النفسين علاقات و إفاضات.
الخامسة في كمالات النفس و مراتبها قال في شرح المقاصد قد سبق أن لفظ القوة كما يطلق على مبدإ التغيير و الفعل فكذا يطلق على مبدإ التغير و الانفعال فقوة النفس باعتبار تأثرها عما فوقها من المبادئ للاستكمال بالعلوم و الإدراكات يسمى عقلا نظريا و باعتبار تأثيرها في البدن لتكميل جوهره و إن كان ذلك أيضا عائدا إلى
____________
(1) ذهب المشاءون إلى أن النفس تدرك الجزئيات بتوسط الحواس الظاهرة و الباطنة و ذهب شيخ الاشراق إلى أن حصول الاوضاع و الإضافات الخاصّة بين الحواس و المحسوسات شروط لادراك النفس لمدركاتها الجزئية المحسوسة في عالم المثال، و ذهب صدر المتألهين إلى أن للنفس مرتبة مثالية تدرك الجزئيات المحسوسة فيها، و الحواس إنّما هي آلات لادراك المحسوسات المادية و معدات تعد النفس لادراكها في عالمها المثالى، و اما الجزئيات المتخيلة و الموجودة في عالم المثال الأعظم فتدركها بنفسها من دون حاجة إلى آلة و تبعه على ذلك أتباع مدرسته و أصحاب الحكمة المتعالية.
و عليه يصحّ ادراك النفس للجزئيات بعد مفارقة البدن أيضا.
120
فيه بالفعل عقل مستفاد و ربما قيل هو عقل بالفعل بالقياس إلى ذاته و مستفاد بالقياس إلى فاعله.
و اختلفوا أيضا في أن المعتبر في المستفاد هو حصول النظريات الممكنة للنفس بحيث لا يغيب أصلا حتى قالوا إنه آخر المراتب البشرية و أول منازل الملكية و أنه يمتنع أو يستبعد جدا ما دامت النفس متعلقة بالبدن أو مجرد الحضور حتى يكون قبل العقل بالفعل بحسب الوجود على ما صرح به الإمام و إن كان بحسب الشرف هو الغاية و الرئيس المطلق الذي يخدمه سائر القوى الإنسانية و الحيوانية و النباتية و لا يخفى أن هذا أشبه بما اتفقوا عليه من حصر المراتب في الأربع نعم حضور الكل بحيث لا يغيب أصلا هو كمال مرتبة المستفاد.
ثم قال أما العملي فهو قوة بها يتمكن الإنسان من استنباط الصناعات و التصرفات في موضوعاتها التي هي بمنزلة المواد كالخشب للنجار و تميز مصالحه التي يجب الإتيان بها من المفاسد التي يجب الاجتناب عنها لينتظم بذلك أمر معاشه و معاده و بالجملة هي مبدأ حركة بدن الإنسان إلى الأفاعيل الجزئية الخاصة بالرؤية على مقتضى آراء تخصها صلاحيته و لها نسبة إلى القوة النزوعية و منها يتولد الضحك و الخجل و البكاء و نحوها و نسبة إلى الحواس الباطنة و هي استعمالها في استخراج أمور مصلحة و صناعات و غيرها و نسبة إلى القوة النظرية و هي أن أفاعيله أعني أعماله الاختيارية تنبعث عن آراء جزئية تستند إلى آراء كلية تستنبط من مقدمات أولية أو تجربية أو ذائعة أو ظنية تحكم بها القوة النظرية مثلا يستنبط من قولنا بذل الدرهم جميل و الفعل الجميل ينبغي أن يصدر عنا ينتج أن بذل الدرهم ينبغي أن يصدر عنا ثم يحكم بأن هذا الدرهم ينبغي أن أبذله لهذا المستحق فينبعث من ذلك شوق و إرادة إلى بذله فتقدم القوة المحركة على دفعه إلى المستحق.
ثم قال و كمال القوة النظرية معرفة أعيان الموجودات و أحوالها و أحكامها كما هي أي على الوجه الذي هي عليه في نفس الأمر بقدر الطاقة البشرية و سمي حكمة نظرية و كمال القوة العملية القيام بالأمور على ما ينبغي أي على الوجه الذي
121
يرتضيه العقل الصحيح بقدر الطاقة البشرية و سمي حكمة عملية و فسروا الحكمة على ما يشمل القسمين بأنها خروج النفس من القوة إلى الفعل في كمالها الممكن علما و عملا إلا أنه لما كثر الخلاف و فشا الباطل و الضلال في شأن الكمال و في كون الأشياء كما هي و الأمور على ما ينبغي لزم الاقتداء في ذلك بمن ثبت بالمعجزات الباهرة أنهم على هدى من الله تعالى و كانت الحكمة الحقيقية هي الشريعة لكن لا بمعنى مجرد الأحكام العملية بل بمعنى معرفة النفس ما لها و ما عليها و العمل بها على ما ذهب إليه أهل التحقيق من أن المشار إليها في قوله وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً (1) هو الفقه و أنه اسم للعلم و العمل جميعا.
و قد تقسم الحكمة المفسرة بمعرفة الأشياء كما هي إلى النظرية العملية لأنها إن كانت علما بالأصول المتعلقة بقدرتنا و اختيارنا فعملية و غايتها العمل و تحصيل الخير و إلا فنظرية و غايتها إدراك الحق و كل منهما ينقسم بالقسمة الأولية إلى ثلاثة أقسام فالنظرية إلى الإلهي و الرياضي و الطبيعي و العملية إلى علم الأخلاق و علم تدبير المنزل و علم سياسة المدينة لأن النظرية إن كان علما بأحوال الموجودات من حيث يتعلق بالمادة تصورا و قواما فهي العلم الطبيعي و إن كان من حيث يتعلق بها قواما لا تصورا فالرياضي كالبحث عن الخطوط و السطوح و غيرهما مما يفتقر إلى المادة في الوجود لا في التصور و إن كان من حيث لا يتعلق بها لا قواما و لا تصورا فالإلهي و يسمى العلم الأعلى و علم ما بعد الطبيعة كالبحث عن الواجب و المجردات و ما يتعلق بذلك.
و الحكمة العملية إن تعلقت بآراء ينتظم بها حال الشخص و ذكاء نفسه فالحكمة الخلقية و إلا فإن تعلقت بانتظام المشاركة الإنسانية الخاصة فالحكمة المنزلية و العامة فالحكمة المدنية و السياسة.
ثم قال للإنسان قوة شهوية هي مبدأ جذب المنافع و دفع المضار من المآكل و المشارب و غيرها و تسمى القوة البهيمية و النفس الأمارة و قوة غضبية هي
____________
(1) البقرة: 269.
122
مبدأ الإقدام على الأهوال و الشوق إلى التسلط و الترفع و تسمى السبعية و النفس اللوامة و قوة نطقية هي مبدأ إدراك الحقائق و الشوق إلى النظر في العواقب ليتميز بين المصالح و المفاسد و يحدث من اعتدال حركة الأولى العفة و هي أن تكون تصرفات البهيمية على وفق اقتضاء النطقية ليسلم عن أن تستعبدها الهوى و تستخدمها اللذات و لها طرف إفراط هي الخلاعة و الفجور أي الوقوع في ازدياد اللذات على ما لا ينبغي و طرف تفريط هي الخمود أي السكون عن طلب ما رخص فيه العقل و الشرع من اللذات إيثارا لا خلقة و من اعتدال حركة السبعية الشجاعة و هي انقيادها للنطقية ليكون إقدامها على حسب الروية من غير اضطراب في الأمور الهائلة و لها طرف إفراط هو التهور أي الإقدام على ما لا ينبغي و تفريط و هو الجبن أي الحذر عما لا ينبغي و من اعتدال حركة النطقية و هي معرفة الحقائق على ما هي عليه بقدر الاستطاعة و طرف إفراطها الجربزة و هي استعمال الفكر فيما لا ينبغي و طرف تفريطها الغباوة و هي تعطيل الفكر بالإرادة و الوقوف على اكتساب العلوم فالأوساط فضائل و الأطراف رذائل و إذا امتزجت الفضائل حصل من اجتماعها حالة متشابهة هي العدالة فأصول الفضائل العفة و الشجاعة و الحكمة و العدالة و لكل منها شعب و فروع مذكورة في كتب الأخلاق و كذا الرذائل الستة انتهى.
تتميم
قال الرازي في المطالب العالية في تعديد خواص النفس الإنسانية و نحن نذكر منها عشرة القسم الأول من الخواص النطق و فيه أبحاث.
الأول أن الإنسان الواحد لو لم يكن في الوجود إلا هو و إلا الأمور الموجودة في الطبيعة لهلك أو ساءت معيشته بل الإنسان محتاج إلى أمور أزيد مما في الطبيعة مثل الغذاء المعمول فإن الأغذية الطبيعية لا يلائم الإنسان و الملابس أيضا لا يصلح للإنسان إلا بعد صيرورتها صناعية فكذلك يحتاج الإنسان إلى جملة من الصناعات حتى تنتظم أسباب معيشته و الإنسان الواحد لا يمكنه القيام بمجموع تلك الصناعات
123
بل لا بد من المشاركة حتى يخبز هذا لذاك و ينسج ذاك لهذا فلهذه الأسباب احتاج الإنسان إلى أن تكون له قدرة على أن يعرف الآخر الذي هو شريكه ما في نفسه بعلامة وضعية و هي أقسام فالأول أصلحها و أشرفها الأصوات المركبة و السبب في شرفها أن بدن الإنسان لا يتم و لا يكمل إلا بالقلب الذي هو معدن الحرارة الغريزية و لا بد من وصول النسيم البارد إليه ساعة فساعة حتى يبقى على اعتداله و لا يحترق فخلقت آلات في بدنه بحيث يقدر الإنسان على استدخال النسيم البارد في قلبه فإذا مكث ذلك النسيم لحظة تسخن و فسد فوجب إخراجه فالصانع الحكيم جعل النفس الخارج سببا لحدوث الصوت فلا جرم سهل تحصيل الصوت بهذا الطريق ثم إن ذلك الصوت سهل تقطيعه في المحابس المختلفة فحصلت هيئات مخصوصة بسبب تقطيع ذلك الصوت في تلك المحابس و تلك الهيئات المخصوصة هي الحروف فحصلت الحروف و الأصوات بهذا الطريق ثم تركب الحروف فحصلت الكلمات بهذا الطريق ثم جعلوا كل كلمة مخصوصة معرفة لمعنى مخصوص فلا جرم صار تعريف المعاني المخصوصة بهذا الطريق في غاية السهولة من وجوه الأول أن إدخالها في الوجود في غاية السهولة و الثاني أن تكون الكلمات الكثيرة الواقعة في مقابلة المعلومات الكثيرة في غاية السهولة و الثالث أن عند الحاجة إلى التعريف تدخل في الوجود و عند الاستغناء عن ذكرها تعدم لأن الأصوات لا تبقى.
و القسم الثاني من طرق التعريف الإشارة و النطق أفضل بوجوه الأول أن الإشارة إنما تكون إلى موجود حاضر عند المشير محسوس و أما النطق فإنه يتناول المعدوم و يتناول ما لا يصح الإشارة إليه و يتناول ما يصح الإشارة إليه أيضا و الثاني أن الإشارة عبارة عن تحريك الحدقة إلى جانب معين فالإشارة نوع واحد أو نوعان فلا يصح لتعريف الأشياء المختلفة بخلاف النطق فإن الأصوات و الحروف البسيطة و المركبة كثيرة و الثالث أنه إذا أشار إلى شيء فذلك الشيء ذات قامت به صفات كثيرة فلا يعرف بسبب تلك الإشارة أن المراد تعريف الذات وحدها أو الصفة الفلانية
124
أو الصفة الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو المجموع و أما النطق فإنه واف بتعرف كل واحدة من هذه الأحوال بعينها.
و القسم الثالث الكتابة و ظاهر أن المئونة في إدخالها في الوجود صعبة و مع ذلك فإنها مفرعة على النطق و ذلك لأنا لو افتقرنا إلى أن نضع لتعريف كل معنى من المعاني البسيطة و المركبة نقشا لافتقرنا إلى حفظ نقوش غير متناهية و ذلك غير ممكن فدبروا فيه طريقا لطيفا و هو أنهم وضعوا بإزاء كل واحد من الحروف النطقية البسيطة نقشا خاصا ثم جعلوا النقوش المركبة في مقابلة الحروف المركبة فسهلت المئونة في الكتابة بهذا الطريق إلا أن على هذا التقدير صارت الكتابة مفرعة على النطق إلا أنه حصل في الكتابة منفعة عظيمة و هي أن عقل الإنسان الواحد لا يفي باستنباط العلوم الكثيرة فالإنسان الواحد إذا استنبط مقدارا من العلم و أثبته في الكتاب بواسطة الكتابة فإذا جاء بعده إنسان آخر و وقف عليه قدر على استنباط أشياء أخر زائدة على ذلك الأول فظهر أن العلوم إنما كثرت بإعانة الكتابة
- فَلِهَذَا قَالَ(ع)قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابَةِ.
فهذا بيان حقيقة النطق و الإشارة و الكتابة.
البحث الثاني مما يتعلق بهذا الباب أن المشهور أنه يقال في حد الإنسان إنه حيوان ناطق فقال بعضهم إن هذا التعريف باطل طردا و عكسا أما الطرد فلأن بعض الحيوانات قد تنطق و أما العكس فهو بعض الناس لا ينطق فأجيب عنه بأن المراد منه النطق العقلي و لم يذكروا لهذا النطق العقلي تفسيرا ملخصا فنقول الحيوان نوعان منه ما إذا عرف شيئا فإنه لا يقدر على أن يعرف غيره حال نفسه مثل البهائم و غيرها فإنها إذا وجدت من نفسها أحوالا مخصوصة لا تقدر على أن تعرف غيرها تلك الأحوال و أما الإنسان فإذا وجد من نفسه حالة مخصوصة قدر على أن يعرف غيره تلك الحالة الموجودة في نفسه فالناطق الذي جعل فصلا مقوما هو هذا المعنى و السبب فيه أن أكمل طرق التعريف هو النطق فعبر عن هذه القدرة بأكمل الطرق الدالة عليها و بهذا التقرير فإن تلك السؤال لا يتوجه و الله أعلم بالصواب.
125
البحث الثالث أن هذه الألفاظ و الكلمات لها أسماء كثيرة فالأول اللفظ و فيه وجهان أحدهما أن هذه الألفاظ إنما تولد بسبب أن ذلك الإنسان لفظ ذلك الهواء من حلقه فلما كان سبب حدوث هذه الأصوات هو لفظ ذلك الهواء لا جرم سميت باللفظ و الثاني أن تلك المعاني كانت كامنة في قلب ذلك الإنسان فلما ذكر هذه الألفاظ صارت تلك المعاني الكامنة معلومة فكأن ذلك الإنسان لفظها من الداخل إلى الخارج.
و الاسم الثاني الكلام و اشتقاق هذه اللفظة من الكلم و هو الجرح و السبب أن الإنسان إذا سمع تلك اللفظة تأثر جسمه بسماعها و تأثر عقله بفهم معناها فلهذا السبب سمي بالكلمة.
و الاسم الثالث العبارة و هي مأخوذة من العبور و المجاوزة و فيه وجهان الأول أن ذلك النفس لما خرج منه فكأن جاوزه و عبر عليه الثاني أن ذلك المعنى عبر من القائل إلى فهم المستمع.
الاسم الرابع القول و هذا التركيب يفيد الشدة و القوة و لا شك أن تلك اللفظة لها قوة إما لسبب خروجها إلى الخارج و إما لسبب أنها تقوى على التأثر في السمع و على التأثير في العقل و الله أعلم.
النوع الثاني من خواص الإنسان قدرته على استنباط الصنائع العجيبة و لهذه القدرة مبدأ و آلة أما المبدأ فهو الخيال القادر على تركيب الصور بعضها ببعض و أما الآلة فهي اليدان و قد سماهما الحكيم أرسطاطاليس الآلة المباحة و سنذكر هذه اللفظة في علم التشريح إن شاء الله و قد يحصل ما يشبه هذه الحالة للحيوانات الأخر كالنحل في بناء البيوت المسدسة إلا أن ذلك لا يصدر من استنباط و قياس بل إلهام و تسخير و لذلك لا يختلف و لا يتنوع هكذا قاله الشيخ و هو منقوض بالحركة الفلكية و سنفرد لهذا البحث فصلا على الاستقصاء.
النوع الثالث من خواص الإنسان الأعراض النفسانية المختلفة و هي على أقسام فأحدها أنه إذا رأى شيئا لم يعرف سببه حصلت حالة مخصوصة في نفسه مسماة
126
بالتعجب و ثانيها أنه إذا أحس بحصول الملائم حصلت حالة مخصوصة و تتبعها أحوال جسمانية و هي تمدد في عضلات الوجه مع أصوات مخصوصة و هي الضحك فإن أحس بحصول المنافي و الموذي حزن فانعصر دم قلبه في الداخل فينعصر أيضا دماغه و تنفصل عنه قطرة من الماء و تخرج من العين و هي البكاء و ثالثها أن الإنسان إذا اعتقد في غيره أنه اعتقد فيه أنه أقدم على شيء من القبائح حصلت حالة مخصوصة تسمى بالخجالة و رابعها أنه إذا اعتقد في فعل مخصوص أنه قبيح فامتنع عنه لقبحه حصلت حالة مخصوصة هي الحياء و بالجملة فاستقصاء القول في تعديد الأحوال النفسانية مذكور في باب الكيفيات النفسانية و النوع الرابع من خواص الإنسان الحكم بحسن بعض الأشياء و قبح بعضها إما لأن صريح العقل يوجب ذلك عند من يقول به و إما لأجل أن المصلحة الحاصلة بسبب المشاركة الإنسانية اقتضت تقريرها لتبقى مصالح العالم مرعية و أما سائر الحيوانات فإنها إن تركت بعض الأشياء مثل الأسد فإنه لا يفترس صاحبه فليس ذلك مشابها للحالة الحاصلة للإنسان بل هيئة أخرى لأن كل حيوان فهو يحب بالطبع كل من ينفعه فلهذا السبب الشخص الذي أطعمه محبوب عنده فيصير ذلك مانعا له عن افتراسه.
النوع الخامس من خواص الإنسان تذكر الأمور الماضية و قيل إن هذه الحالة لا تحصل لسائر الحيوانات و الجزم في هذا الباب بالنفي و الإثبات مشكل و النوع السادس الفكر و الروية و هذا الفكر على قسمين أحدهما أن يتفكر لأجل أن يعرف حاله و هذا النوع من الفكر ممكن في الماضي و المستقبل و الحاضر و النوع الثاني التفكر في كيفية إيجاده و تكوينه و هذا النوع من الفكر لا يمكن في الواجب و الممتنع و إنما يمكن في الممكن ثم لا يمكن في الممكن الماضي و الحاضر و إنما يمكن في الممكن المستقبل و إذا حكمت هذه القوة تبع حكمها حصول الإرادة الجازمة و يتبعها تأثير القوة و القدرة في تحريك البدن و هل لشيء من الحيوانات شيء من الكيفيات المشهور إنكاره و فيه موضع بحث فإنها راغبة في
127
كل ما يكون لذيذا عندها نافرة عن كل ما يكون مولما عندها فوجب أن يتقرر عندها أن كل لذيذ مطلوب و أن كل مولم مكروه فأجيب عنه بأن رغبتها إنما يكون في هذا اللذيذ فكل لذيذ حضر عنده فإنه يرغب فيه من حيث إنه ذلك الشيء فأما أن يعتقد أن كل لذيذ فهو مطلوب فهذا ليس عنده.
و اعلم أن الحكم في هذه الأشياء بالنفي و الإثبات حكم على الغيب و العلم بها ليس إلا لله العلي العليم و الله أعلم.
الفصل الثاني و العشرون في بيان أن اللذات العقلية أشرف و أكمل من اللذات الحسية اعلم أن الغالب على الطباع العامية أن أقوى اللذات و أكمل السعادات لذة المطعم و المنكح و لذلك فإن جمهور الناس لا يعبدون الله إلا ليجدوا المطاعم اللذيذة في الآخرة و إلا ليجدوا المناكح الشهية هناك و هذا القول مردود عند المحققين من أهل الحكمة و أرباب الرياضة و يدل عليه وجوه.
الحجة الأولى لو كانت سعادة الإنسان متعلقة بقضاء الشهوة و إمضاء الغضب لكان الحيوان الذي يكون أقوى في هذا الباب من الإنسان أشرف منه لكن الجمل أكثر أكلا من الناس و الذئب أقوى في الإيذاء من الإنسان و العصفور أقوى على السفاد من الإنسان فوجب كون هذه الأشياء أشرف من الإنسان لكن التالي معلوم البطلان بالضرورة فوجب الجزم بأن سعادة الإنسان غير متعلقة بهذه الأمور.
الحجة الثانية كل شيء يكون سببا لحصول السعادة و الكمال فكلما كان ذلك الشيء أكثر حصولا كانت السعادة و الكمال أكثر حصولا فلو كان قضاء شهوة البطن و الفرج سببا لكمال حال الإنسان و لسعادته لكان الإنسان كلما أكثر اشتغالا بقضاء شهوة البطن و الفرج و أكثر استغراقا فيه كان أعلى درجة و أكمل فضيلة لكن التالي باطل لأن الإنسان الذي جعل عمره وقفا على الأكل و الشرب و البعال يعد من البهيمة و يقضى عليه بالدناءة و الخساسة و كل ذلك يدل على أن الاشتغال بقضاء هاتين الشهوتين ليس من باب السعادات و الكمالات بل من باب دفع الحاجات و الآفات.
الحجة الثالثة أن الإنسان يشاركه في لذة الأكل و الشرب جميع الحيوانات
128
الخسيسة فإنه كما أن الإنسان يلتذ بأكل السكر فكذلك الجعل يلتذ بتناول السرقين فلو كانت هذه اللذات البدنية هي السعادة الكبرى للإنسان لوجب أن لا يكون للإنسان فضيلة على هذه الحيوانات الخسيسة بل نزيد و نقول لو كانت سعادة الإنسان متعلقة بهذه اللذات الخسيسة لوجب أن يكون الإنسان أخس الحيوانات و التالي باطل فالمقدم مثله و بيان وجه الملازمة أن الحيوانات الخسيسة مشاركة للإنسان في هذه اللذات الخسيسة البدنية إلا أن الإنسان يتنغص عليه المطالب بسبب العقل فإن العقل سمي عقلا لكونه عقالا له و حبسا له عن أكثر ما يشتهيه و يميل طبعه إليه فإذا كان التقدير أن كمال السعادة ليس إلا في هذه اللذات الخسيسة ثم بينا أن هذه اللذات الخسيسة حاصلة على سبيل الكمال و التمام للبهائم و السباع من غير معارض و مدافع و هي حاصلة للإنسان مع المنازع القوي و المعارض الكامل وجب أن يكون الإنسان أخس الحيوانات و لما كان هذا معلوم الفساد بالبديهة ثبت أن هذه اللذات الخسيسة ليست موجبة للبهجة و السعادة.
الحجة الرابعة أن هذه اللذات الخسيسة إذا بحث عنها فهي في الحقيقة ليست لذات بل حاصلها يرجع إلى دفع الألم و الدليل عليه أن الإنسان كلما كان أكثر جوعا كان التذاذه بالأكل أكمل و كلما كان ألم الجوع أقل كان الالتذاذ بالأكل أقل و أيضا إذا طال عهد الإنسان بالوقاع و اجتمع المني الكثير في أوعية المني حصلت في تلك الأوعية دغدغة شديدة و تمدد و ثقل و كلما كانت هذه الأحوال الموذية أكثر كانت اللذة الحاصلة عند اندفاع ذلك المني أقوى و لهذا السبب فإن لذة الوقاع في حق من طال عهده بالوقاع يكون أكمل منها في حق من قرب عهده به فثبت أن هذه الأحوال التي يظن أنها لذات جسمانية فهي في الحقيقة ليست إلا دفع الألم و هكذا القول في اللذة الحاصلة بسبب لبس الثياب فإنه لا حاصل لتلك اللذة إلا دفع ألم الحر و البرد و إذا ثبت أنه لا حاصل لهذه اللذات إلا دفع الآلام فنقول ظهر أنه ليس فيها سعادة لأن الحالة السابقة هي حصول الألم و الحالة الحاضرة عدم الألم و هذا العدم كان حاصلا عند العدم الأصلي فثبت أن هذه الأحوال ليست
129
سعادات و لا كمالات البتة.
الحجة الخامسة أن الإنسان من حيث يأكل و يشرب و يجامع و يؤذي يشاركه سائر الحيوانات و إنما يمتاز عنها بالإنسانية و هي مانعة من تكميل تلك الأحوال و موجبة لنقصانها و تقليلها فلو كانت هذه الأحوال عين السعادة لكان الإنسان من حيث إنه إنسان ناقصا شقيا خسيسا و لما حكمت البديهة بفساد هذا التالي ثبت فساد المقدم.
الحجة السادسة أن العلم الضروري حاصل بأن بهجة الملائكة و سعادتهم أكمل و أشرف من بهجة الحمار و سعادته و من بهجة الديدان و الذباب و سائر الحيوانات و الحشرات ثم لا نزاع أن الملائكة ليس لها هذه اللذات فلو كانت السعادة القصوى ليست إلا هذه اللذات لزم كون هذه الحيوانات الخسيسة أعلى حالا و أكمل درجة من الملائكة المقربين و لما كان هذا التالي باطلا كان المقدم مثله بل هاهنا ما هو أعلى و أقوى مما ذكرناه و هو أنه لا نسبة لكمال واجب الوجود و جلاله و شرفه و عزته إلى أحوال غيره مع أن هذه اللذات الحسية ممتنعة عليه فثبت أن الكمال و الشرف قد يحصلان سوى هذه اللذات الجسمية فإن قالوا ذلك الكمال لأجل حصول الإلهية و ذلك في حق الخلق محال فنقول لا نزاع أن حصول الإلهية في حق الخلق محال إلا
- أَنَّهُ قَالَ(ع)تَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِ اللَّهِ.
و الفلاسفة قالوا الفلسفة عبارة عن التشبه بالإله بقدر الطاقة البشرية فيجب عليه أن يعرف تفسير هذا التخلق و هذا التشبه و معلوم أنه لا معنى لهما إلا تقليل الحاجات و إضافة الخيرات و الحسنات لا بالاستكثار من اللذات و الشهوات.
الحجة السابعة أن هؤلاء الذين حكموا بأن سعادة الإنسان ليس إلا في تحصيل هذه اللذات البدنية و الراحات الجسمانية إذا رأوا إنسانا أعرض عن طلبها مثل أن يكون مواظبا للصوم مكتفيا بما جاءت الأرض عظم اعتقادهم فيه و زعموا أنه ليس من جنس الإنسان بل من زمرة الملائكة و يعدون أنفسهم بالنسبة إليه أشقياء أراذل و إذا رأوا إنسانا مستغرق الفكر و الهمة في طلب الأكل و الشرب و الوقاع مصروف الهمة إلى تحصيل أسباب هذه الأحوال معرضا عن العلم و الزهد و العبادة قضوا بالبهيمية
130
و الخزي و النكال و لو لا أنه تقرر في عقولهم أن الاشتغال بتحصيل هذه اللذات الجسدانية نقص و دناءة و أن الترفع عن الالتفات إليها كمال و سعادة لما كان الأمر على ما ذكرنا و لكان يجب أن يحكموا على المعرض عن تحصيل هذه اللذات بالخزي و النكال و على المستغرق فيها بالسعادة و الكمال و فساد التالي يدل على فساد المقدم.
الحجة الثامنة كل شيء يكون في نفسه كمالا و سعادة وجب أن لا يستحيا من إظهاره بل يجب أن يفتخر بإظهاره و يتبجح بفعله و نحن نعلم بالضرورة أن أحدا من العقلاء لا يفتخر بكثرة الأكل و لا بكثرة المباشرة و لا بكونه مستغرق الوقت و الزمان في هذه الأعمال و أيضا فالعاقل لا يقدر على الوقاع إلا في الخلوة فأما عند حضور الناس فإن أحدا من العقلاء لا يجد في نفسه تجويز الإقدام عليه و ذلك يدل على أنه تقرر في عقول الخلق أنه فعل خسيس و عمل قبيح فيجب إخفاؤه عن العيون و أيضا فقد جرت عادة السفهاء بأنه لا يشتم بعضهم بعضا إلا بذكر ألفاظ الوقاع و ذلك يدل على أنه مرتبة خسيسة و درجة قبيحة و أيضا لو أن واحدا من السفهاء أخذ يحكي عند حضور الجمع العظيم فلانا كيف يواقع زوجته فإن ذلك الرجل يستحيي من ذلك الكلام و يتأذى من ذلك القائل و كل هذا يدل على أن ذلك الفعل ليس من الكمالات و السعادات بل هو عمل باطل و فعل قبيح.
الحجة التاسعة كل فرس و حمار كان ميله إلى الأكل و الشرب و الإيذاء أكثر و كان قبوله للرياضة أقل كان قيمته أقل و كل حيوان كان أقل رغبة في الأكل و الشرب و كان أسرع قبولا للرياضة كانت قيمته أكثر أ لا ترى أن الفرس الذي يقبل الرياضة في الكر و الفر و العدو الشديد فإنه يشترى بثمن رفيع و كل فرس لا يقبل هذه الرياضة يوضع على ظهره الإكاف و يسوى بينه و بين الحمار و لا يشترى إلا بثمن قليل فلما كانت الحيوانات التي هي غير ناطقة لا تظهر فضائلها بسبب الأكل و الشرب و الوقاع بل بسبب تقليلها و بسبب قبول الأدب و حسن الخدمة لمولاه فما ظنك بالحيوان الناطق العاقل.
الحجة العاشرة أن سكان أطراف الأرض لما لم تكمل عقولهم و معارفهم و
131
أخلاقهم لا جرم كانوا في غاية الخسة و الدناءة أ لا ترى أن سكان الإقليم السابع و هم الصقالبة لما قل نصيبهم من المعارف الحقيقية و الأخلاق الفاضلة فلا جرم تقرر في عقول العقلاء خسة درجاتهم و دناءة مراتبهم و أما سكان وسط المعمور لما فازوا بالمعارف الحقيقية و الأخلاق الفاضلة لا جرم أقر كل أحد بأنهم أفضل طوائف البشر و أكملهم و ذلك يدل على أن فضيلة الإنسان و كماله لا يظهر إلا بالعلوم الحقيقية و الأخلاق الفاضلة.
باب 43 في خلق الأرواح قبل الأجساد و علة تعلقها بها و بعض شئونها من ائتلافها و اختلافها و حبها و بغضها و غير ذلك من أحوالها
1- الْبَصَائِرُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ آدَمَ أَبِي الْحُسَيْنِ (1) عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ وَ اللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي لَأُحِبُّكَ فَقَالَ كَذَبْتَ فَقَالَ الرَّجُلُ سُبْحَانَ اللَّهِ كَأَنَّكَ تَعْرِفُ مَا فِي قَلْبِي فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَبْدَانِ بِأَلْفَيْ عَامٍ ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَيْنَا فَأَيْنَ كُنْتَ لَمْ أَرَكَ (2).
2- وَ مِنْهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي هَاشِمٍ عَنْ سَلَّامِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ (3) عَنْ عُمَارَةَ قَالَ: كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ اللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ فَسَأَلَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ
____________
(1) في المصدر: أبى الحسن.
(2) البصائر: 87.
(3) كذا في جميع النسخ، و الظاهر أنّه «سلام بن أبي عمرة» لعدم ذكر «سلام بن أبي عمير» في كتب الرجال، و اما عمارة فلم نعرف أنّه من هو، و من المعلوم انه غير عمارة بن أبي سلامة الهمدانيّ شهيد الطف، و على فرض كونه إيّاه فلا يمكن رواية سلام عنه بلا واسطة، و كيف كان فلا تخلو الرواية عن ضعف او ارسال كسابقتها و لاحقاتها.
132
إِنَّ الْأَرْوَاحَ خُلِقَتْ قَبْلَ الْأَبْدَانِ بِأَلْفَيْ عَامٍ ثُمَّ أُسْكِنَتِ الْهَوَاءَ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ثَمَّ ائْتَلَفَ هَاهُنَا وَ مَا تَنَاكَرَ مِنْهَا ثَمَّ اخْتَلَفَ هَاهُنَا وَ إِنَّ رُوحِي أَنْكَرَ رُوحَكَ (1).
3- وَ مِنْهُ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ يُونُسَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ اللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)وَ اللَّهِ مَا تُحِبُّنِي فَغَضِبَ الرَّجُلُ فَقَالَ كَأَنَّكَ وَ اللَّهِ تُخْبِرُنِي مَا فِي نَفْسِي قَالَ لَهُ عَلِيٌّ(ع)لَا وَ لَكِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَبْدَانِ بِأَلْفَيْ عَامٍ فَلَمْ أَرَ رُوحَكَ فِيهَا (2).
الْكَشِّيُّ، وَجَدْتُ فِي كِتَابِ جَبْرَئِيلَ بْنِ أَحْمَدَ بِخَطِّهِ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ (3) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الصَّادِقِ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَجْسَادِ بِأَلْفَيْ عَامٍ ثُمَّ أَسْكَنَهَا الْهَوَاءَ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ثَمَّ ائْتَلَفَ هَاهُنَا وَ مَا تَنَاكَرَ ثَمَّ اخْتَلَفَ هَاهُنَا.
أقول: قد أوردنا أمثال هذه الأخبار في باب إخبار أمير المؤمنين(ع)بشهادته و باب أنهم(ع)يعرفون الناس بحقيقة الإيمان و النفاق و باب أنهم المتوسمون.
5 الْبَصَائِرُ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَيُّوبَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَبْدَانِ بِأَلْفَيْ (4) عَامٍ فَلَمَّا رَكَّبَ الْأَرْوَاحَ فِي أَبْدَانِهَا كَتَبَ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ مُؤْمِنٌ أَوْ كَافِرٌ وَ مَا هُمْ بِهِ مُبْتَلَوْنَ (5) وَ
____________
(1) البصائر: 88.
(2) المصدر: 88.
(3) مشترك بين جماعة من الضعفاء و المجهولين كعبد اللّه بن عبد الرحمن، و في بعض النسخ «أبي عبد اللّه بن عبد الرحمن».
(4) في تفسير الفرات: بألف.
(5) فيه: مبتلين بقدر اذن فأرة.
133
مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئِ أَعْمَالِهِمْ وَ حَسَنِهَا فِي قَدْرِ أُذُنِ الْفَأْرَةِ ثُمَّ أَنْزَلَ بِذَلِكَ قُرْآناً عَلَى نَبِيِّهِ فَقَالَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (1) وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)هُوَ الْمُتَوَسِّمَ وَ أَنَا بَعْدَهُ وَ الْأَئِمَّةُ مِنْ ذُرِّيَّتِي هُمُ الْمُتَوَسِّمُونَ (2).
تفسير الفرات، عن أحمد بن يحيى معنعنا عن أبي جعفر(ع)مثله (3).
6- الْعِلَلُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبَرْمَكِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْخَرَّازِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ الْهَاشِمِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)لِأَيِّ عِلَّةٍ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْأَرْوَاحَ فِي الْأَبْدَانِ بَعْدَ كَوْنِهَا فِي مَلَكُوتِهِ الْأَعْلَى فِي أَرْفَعِ مَحَلٍّ فَقَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَلِمَ أَنَّ الْأَرْوَاحَ فِي شَرَفِهَا وَ عُلُوِّهَا مَتَى مَا تُرِكَتْ عَلَى حَالِهَا نَزَعَ أَكْثَرُهَا إِلَى دَعْوَى الرُّبُوبِيَّةِ دُونَهُ عَزَّ وَ جَلَّ فَجَعَلَهَا بِقُدْرَتِهِ فِي الْأَبْدَانِ الَّتِي قَدَّرَ لَهَا فِي ابْتِدَاءِ التَّقْدِيرِ نَظَراً لَهَا وَ رَحْمَةً بِهَا وَ أَحْوَجَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ وَ عَلَّقَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَ رَفَعَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَ رَفَعَ بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ وَ كَفَى (4) بَعْضَهَا بِبَعْضٍ وَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رُسُلَهُ وَ اتَّخَذَ عَلَيْهِمْ حُجَجَهُ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ يَأْمُرُونَ بِتَعَاطِي الْعُبُودِيَّةِ وَ التَّوَاضُعِ لِمَعْبُودِهِمْ بِالْأَنْوَاعِ الَّتِي تَعَبَّدَهُمْ بِهَا وَ نَصَبَ لَهُمْ عُقُوبَاتٍ فِي الْعَاجِلِ وَ عُقُوبَاتٍ فِي الْآجِلِ وَ مَثُوبَاتٍ فِي الْعَاجِلِ وَ مَثُوبَاتٍ فِي الْآجِلِ لِيُرَغِّبَهُمْ بِذَلِكَ فِي الْخَيْرِ وَ يُزَهِّدَهُمْ فِي الشَّرِّ وَ لِيُذِلَّهُمْ (5) بِطَلَبِ الْمَعَاشِ وَ الْمَكَاسِبِ فَيَعْلَمُوا بِذَلِكَ أَنَّهُمْ بِهَا مَرْبُوبُونَ وَ عِبَادٌ مَخْلُوقُونَ وَ يُقْبِلُوا عَلَى عِبَادَتِهِ فَيَسْتَحِقُّوا بِذَلِكَ نَعِيمَ الْأَبَدِ وَ جَنَّةَ الْخُلْدِ وَ يَأْمَنُوا مِنَ النُزُوعِ إِلَى مَا لَيْسَ لَهُمْ بِحَقٍّ ثُمَّ قَالَ(ع)يَا ابْنَ الْفَضْلِ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَحْسَنُ نَظَراً لِعِبَادِهِ مِنْهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ أَ لَا تَرَى أَنَّكَ لَا تَرَى فِيهِمْ إِلَّا مُحِبّاً لِلْعُلُوِّ عَلَى غَيْرِهِ حَتَّى إِنَّهُ يَكُونُ مِنْهُمْ
____________
(1) الحجر: 75.
(2) البصائر: 356.
(3) تفسير الفرات: 81.
(4) كفأ (ظ).
(5) في بعض النسخ «ليدلهم» بالدال المهملة.
134
لَمَنْ قَدْ نَزَعَ إِلَى دَعْوَى الرُّبُوبِيَّةِ وَ مِنْهُمْ مَنْ (1) نَزَعَ إِلَى دَعْوَى النُّبُوَّةِ بِغَيْرِ حَقِّهَا وَ مِنْهُمْ مَنْ (2) نَزَعَ إِلَى دَعْوَى الْإِمَامَةِ بِغَيْرِ حَقِّهَا وَ ذَلِكَ مَعَ مَا يَرَوْنَ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ النَّقْصِ وَ الْعَجْزِ وَ الضَّعْفِ وَ الْمَهَانَةِ وَ الْحَاجَةِ وَ الْفَقْرِ وَ الْآلَامِ وَ الْمُنَاوَبَةِ عَلَيْهِمْ وَ الْمَوْتِ الْغَالِبِ لَهُمْ وَ الْقَاهِرِ لِجَمِيعِهِمْ يَا ابْنَ الْفَضْلِ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا يَفْعَلُ بِعِبَادِهِ إِلَّا الْأَصْلَحَ لَهُمْ وَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَ لكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (3)
بيان في القاموس نزع إلى أهله نزاعا و نزاعة و نزوعا بالضم اشتاق و في المصباح نزع إلى الشيء نزاعا ذهب إليه و المناوبة عليهم أي إنزال المصائب عليهم بالنوبة نوعا بعد نوع أو معاقبتهم بذلك قال في القاموس النوب نزول الأمر كالنوبة و النوبة الدولة و ناوبه عاقبه و يحتمل أن يكون المنادبة بالدال من الندبة و النوحة.
7- الْإِخْتِصَاصُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُلْوَانَ عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي وَ اللَّهِ لَأُحِبُّكَ فِي اللَّهِ وَ أُحِبُّكَ فِي السِّرِّ كَمَا أُحِبُّكَ فِي الْعَلَانِيَةِ وَ أَدِينُ اللَّهَ بِوَلَايَتِكَ فِي السِّرِّ كَمَا أَدِينُ بِهَا فِي الْعَلَانِيَةِ وَ بِيَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُودٌ فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ ثُمَّ نَكَتَ بِالْعُودِ سَاعَةً فِي الْأَرْضِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)حَدَّثَنِي بِأَلْفِ حَدِيثٍ لِكُلِّ حَدِيثٍ أَلْفُ بَابٍ وَ إِنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ تَلْتَقِي فِي الْهَوَاءِ فَتَشَمُّ وَ تَتَعَارَفُ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَ مَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ بِحَقِّ اللَّهِ لَقَدْ كَذَبْتَ فَمَا أَعْرِفُ فِي الْوُجُوهِ (4) وَجْهَكَ وَ لَا اسْمَكَ فِي الْأَسْمَاءِ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي لَأُحِبُّكَ (5) فِي اللَّهِ وَ أُحِبُّكَ فِي السِّرِّ كَمَا أُحِبُّكَ فِي الْعَلَانِيَةِ قَالَ فَنَكَتَ الثَّانِيَةَ
____________
(1) في المصدر: من قد نزع.
(2) في المصدر: من قد نزع.
(3) العلل: ج 1،(ص)15 و 16.
(4) في المصدر: وجهك في الوجوه.
(5) ليس في المصدر هذه الجملة «لاحبك في اللّه».
135
بِعُودِهِ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ الْأَرْضَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ صَدَقْتَ إِنَّ طِينَتَنَا طِينَةٌ مَخْزُونَةٌ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَهَا مِنْ صُلْبِ آدَمَ فَلَمْ يَشِذَّ مِنْهَا شَاذٌّ وَ لَا يَدْخُلْ فِيهَا دَاخِلٌ مِنْ غَيْرِهَا اذْهَبْ فَاتَّخِذْ لِلْفَقْرِ جِلْبَاباً فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ يَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَ اللَّهِ الْفَقْرُ أَسْرَعُ إِلَى مُحِبِّينَا مِنَ السَّيْلِ إِلَى بَطْنِ الْوَادِي (1).
بيان في النهاية شاممت فلانا إذا قاربته و عرفت ما عنده بالاختبار و الكشف و هي مفاعلة من الشم كأنك تشم ما عنده و يشم ما عندك لتعملا بمقتضى ذلك
- وَ قَالَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ(ع)مَنْ أَحَبَّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَلْيُعِدَّ لِلْفَقْرِ جِلْبَاباً.
أي ليزهد في الدنيا و ليصبر على الفقر و القلة الحديث و الجلباب الإزار و الرداء و قيل هو كالمقنعة تغطي به المرأة رأسها و ظهرها و صدرها و جمعه جلابيب كنى به عن الصبر لأنه يستر عن الفقر كما يستر الجلباب البدن و قيل إنما كنى بالجلباب عن اشتماله بالفقر أي فليلبس إزار الفقر و يكون منه على حالة تعمه و تشتمله لأن الغناء من أحوال أهل الدنيا و لا يتهيأ الجمع بين حب الدنيا و حب أهل البيت.
8- الْعِلَلُ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: الْعِلَّةُ فِي خَلْقِ الْأَرْوَاحِ قَبْلَ الْأَبْدَانِ بِأَلْفَيْ عَامٍ قَالَ إِنَّمَا عَنَى بِهِ أَنَّ الْأَرْوَاحَ خُلِقَتْ قَبْلَ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ.
9- كِتَابُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا عِنْدَ اللَّهِ ائْتَلَفَ فِي الْأَرْضِ وَ مَا تَنَاكَرَ عِنْدَ اللَّهِ اخْتَلَفَ فِي الْأَرْضِ.
9- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ أَخَذَ مِيثَاقَ شِيعَتِنَا بِالْوَلَايَةِ لَنَا وَ هُمْ ذَرٌّ يَوْمَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى الذَّرِّ بِالْإِقْرَارِ (2) بِالرُّبُوبِيَّةِ وَ لِمُحَمَّدٍ(ص)بِالنُّبُوَّةِ وَ عَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ أُمَّتَهُ فِي الطِّينِ وَ هُمْ أَظِلَّةٌ وَ خَلَقَهُمْ مِنَ الطِّينَةِ الَّتِي خَلَقَ مِنْهَا آدَمَ
____________
(1) الاختصاص: 311.
(2) في المصدر: له بالربوبية.
136
وَ خَلَقَ اللَّهُ أَرْوَاحَ شِيعَتِنَا قَبْلَ أَبْدَانِهِمْ بِأَلْفَيْ عَامٍ عَرَضَهُمْ عَلَيْهِ وَ عَرَّفَهُمْ رَسُولَ اللَّهِ وَ عَرَّفَهُمْ عَلِيّاً وَ نَحْنُ نَعْرِفُهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ (1)
بيان في الطين أي حين كان النبي(ص)في الطين أو الأمة أو هما معا و هو أظهر و المراد قبل خلق الجسد و عرضهم عليه أي على الله أو على النبي في لحن القول إشارة إلى قوله تعالى وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ (2) قال البيضاوي لحن القول أسلوبه و إمالته إلى جهة تعريض و تورية منه قيل للمخطئ لاحن لأنه يعدل الكلام عن الصواب (3).
11- مَعَانِي الْأَخْبَارِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْهَيْثَمِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ تَمِيمِ بْنِ بُهْلُولٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَجْسَادِ بِأَلْفَيْ عَامٍ فَجَعَلَ أَعْلَاهَا وَ أَشْرَفَهَا أَرْوَاحَ مُحَمَّدٍ وَ عَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ وَ الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُمْ(ع)فَعَرَضَهَا عَلَى السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبَالِ فَغَشِيَهَا نُورُهُمْ (4) الْحَدِيثَ.
12- الْبَصَائِرُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَشْهَدِيِّ مِنْ آلِ رَجَاءٍ الْبَجَلِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَا وَ اللَّهِ لَأُحِبُّكَ فَقَالَ لَهُ كَذَبْتَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَبْدَانِ بِأَلْفَيْ عَامٍ فَأَسْكَنَهَا الْهَوَاءَ ثُمَّ عَرَضَهَا عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَوَ اللَّهِ مَا مِنْهَا رُوحٌ إِلَّا وَ قَدْ عَرَفْنَا بَدَنَهُ فَوَ اللَّهِ مَا رَأَيْتُكَ فِيهَا فَأَيْنَ كُنْتَ (5) الْخَبَرَ.
13- الْبَصَائِرُ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ هَارُونَ بْنِ الْجَهْمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: بَيْنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ جَالِسٌ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ وَ قَدِ احْتَبَى بِسَيْفِهِ
____________
(1) الكافي: ج 1،(ص)437.
(2) محمّد: 30.
(3) أنوار التنزيل: ج 2،(ص)439.
(4) معاني الأخبار: 108.
(5) البصائر: 87.
137
وَ أَلْقَى تُرْسَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ تَسْتَعْدِي عَلَى زَوْجِهَا فَقَضَى لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا فَغَضِبَتْ فَقَالَتْ وَ اللَّهِ مَا هُوَ كَمَا قَضَيْتَ وَ اللَّهِ مَا تَقْضِي بِالسَّوِيَّةِ وَ لَا تَعْدِلُ فِي الرَّعِيَّةِ وَ لَا قَضِيَّتُكَ عِنْدَ اللَّهِ بِالْمَرْضِيَّةِ قَالَ فَغَضِبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَنَظَرَ إِلَيْهَا مَلِيّاً ثُمَّ قَالَ كَذَبْتِ يَا جَرِيَّةُ يَا بَذِيَّةُ يَا سَلْسَعُ يَا سَلْفَعُ يَا الَّتِي لَا تَحِيضُ مِثْلَ النِّسَاءِ قَالَ فَوَلَّتْ هَارِبَةً وَ هِيَ تَقُولُ وَيْلِي وَيْلِي فَتَبِعَهَا عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ فَقَالَ يَا أَمَةَ اللَّهِ قَدِ اسْتَقْبَلْتِ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ بِكَلَامٍ سَرَرْتِنِي بِهِ ثُمَّ نَزَغَكِ بِكَلِمَةٍ فَوَلَّيْتِ مِنْهُ هَارِبَةً تُوَلْوِلِينَ قَالَ فَقَالَتْ يَا هَذَا ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَنِي (1) بِالْحَقِّ وَ اللَّهِ مَا رَأَيْتُ حَيْضاً كَمَا تَرَاهُ الْمَرْأَةُ قَالَ فَرَجَعَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ لَهُ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ مَا هَذَا التَّكَهُّنُ قَالَ وَيْلَكَ يَا ابْنَ حُرَيْثٍ لَيْسَ مِنِّي هَذَا كِهَانَةً إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَبْدَانِ (2) بِأَلْفَيْ عَامٍ ثُمَّ كَتَبَ بَيْنَ أَعْيُنِهَا مُؤْمِنٌ أَوْ كَافِرٌ ثُمَّ أَنْزَلَ بِذَلِكَ قُرْآناً عَلَى مُحَمَّدٍ(ص)إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (3) فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مِنَ الْمُتَوَسِّمِينَ وَ أَنَا بَعْدَهُ وَ الْأَئِمَّةُ مِنْ ذُرِّيَّتِي مِنْهُمْ (4).
- وَ مِنْهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَيُّوبَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ يَا عَمْرُو وَيْلَكَ إِنَّهَا لَيْسَتْ بِالْكِهَانَةِ وَ لَكِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَبْدَانِ بِأَلْفَيْ عَامٍ فَلَمَّا رَكَّبَ الْأَرْوَاحَ فِي أَبْدَانِهَا كَتَبَ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ مُؤْمِنٌ (5) أَمْ كَافِرٌ وَ مَا هُمْ بِهِ مُبْتَلَوْنَ وَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ شَرِّ (6) أَعْمَالِهِمْ وَ حَسَنَتِهِ فِي قَدْرِ أُذُنِ الْفَأْرَةِ ثُمَّ أَنْزَلَ بِذَلِكَ قُرْآناً عَلَى نَبِيِّهِ فَقَالَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)هُوَ الْمُتَوَسِّمَ ثُمَّ أَنَا [مِنْ بَعْدِهِ وَ الْأَئِمَّةُ مِنْ ذُرِّيَّتِي مِنْ
____________
(1) في المصدر: أخبرنى و اللّه بما هو فيّ، لا و اللّه ما رأيت ...
(2) الاجساد (خ).
(3) الحجر: 75.
(4) البصائر: 356.
(5) في الاختصاص: كافر و مؤمن و ما هم مبتلين و ما هم عليه من سيئ عملهم و حسنه ..
(6) في البصائر: سيئ.
138
بَعْدِي هُمُ الْمُتَوَسِّمُونَ فَلَمَّا تَأَمَّلْتُهَا عَرَفْتُ مَا هِيَ (1) عَلَيْهَا بِسِيمَاهَا (2).
- الإختصاص، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب و إبراهيم بن هاشم عن عمرو بن عثمان مثله (3).
14- الْبَصَائِرُ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَهْزِيَارَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي الْبِلَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ: دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ لَعَنَهُ اللَّهُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ قَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَجْسَادِ بِأَلْفَيْ عَامٍ فَأَسْكَنَهَا الْهَوَاءَ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا هُنَالِكَ ائْتَلَفَ فِي الدُّنْيَا وَ مَا تَنَاكَرَ مِنْهَا هُنَاكَ اخْتَلَفَ فِي الدُّنْيَا وَ إِنَّ رُوحِي لَا تَعْرِفُ رُوحَكَ (4) الْخَبَرَ.
15- وَ مِنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ هُوَ مَعَ أَصْحَابِهِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ (5) أَمَا وَ اللَّهِ أُحِبُّكَ وَ أَتَوَلَّاكَ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مَا أَنْتَ كَمَا قُلْتَ وَيْلَكَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَبْدَانِ بِأَلْفَيْ عَامٍ عَرَضَ عَلَيْنَا الْمُحِبَّ لَنَا فَوَ اللَّهِ مَا رَأَيْتُ رُوحَكَ فِيمَنْ عَرَضَ عَلَيْنَا فَأَيْنَ كُنْتَ فَسَكَتَ الرَّجُلُ عِنْدَ ذَلِكَ وَ لَمْ يُرَاجِعْهُ (6).
16- وَ مِنْهُ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عِيسَى بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: بَيْنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ اللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ قَالَ مَا تَفْعَلُ قَالَ
____________
(1) فيه: عرفت ما فيها و ما هي عليه.
(2) البصائر: 354.
(3) الاختصاص: 308.
(4) البصائر: 88- 89.
(5) في بعض النسخ و في المصدر: أنا.
(6) البصائر: 87.
139
بَلَى وَ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ قَالَ وَ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا تُحِبُّنِي فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي أَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنِّي أُحِبُّكَ وَ أَنْتَ تَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا أُحِبُّكَ وَ اللَّهِ كَأَنَّكَ تُخْبِرُنِي أَنَّكَ أَعْلَمُ بِمَا فِي نَفْسِي قَالَ فَغَضِبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ إِنَّمَا كَانَ الْحَدِيثُ الْعَظِيمُ يَخْرُجُ مِنْهُ عِنْدَ الْغَضَبِ قَالَ فَرَفَعَ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَ قَالَ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَ هُوَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَبْدَانِ بِأَلْفَيْ عَامٍ ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْنَا الْمُحِبَّ مِنَ الْمُبْغِضِ فَوَ اللَّهِ مَا رَأَيْتُكَ فِيمَنْ أَحَبَّ فَأَيْنَ كُنْتَ (1).
بيان: ما تفعل أي ما تحب أو ما تعمل بمقتضاه أو للاستفهام أي أيّ شيء تقصد بإظهار الحب فيكون تعريضا بالنفي و الأول أظهر.
17- الْعِلَلُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْفُورٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ الْأَرْوَاحَ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا فِي الْمِيثَاقِ ائْتَلَفَ هَاهُنَا وَ مَا تَنَاكَرَ مِنْهَا فِي الْمِيثَاقِ اخْتَلَفَ هَاهُنَا وَ الْمِيثَاقُ هُوَ فِي هَذَا الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ (2) الْخَبَرَ.
18- وَ مِنْهُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْعَلَا عَنْ حَبِيبٍ قَالَ حَدَّثَنَا الثِّقَةُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَخَذَ مِيثَاقَ الْعِبَادِ وَ هُمْ أَظِلَّةٌ قَبْلَ الْمِيلَادِ فَمَا تَعَارَفَ مِنَ الْأَرْوَاحِ ائْتَلَفَ وَ مَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ (3).
19- وَ مِنْهُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ حَبِيبٍ عَمَّنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَا تَقُولُ فِي الْأَرْوَاحِ أَنَّهَا جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَ مَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ قَالَ فَقُلْتُ إِنَّا نَقُولُ ذَلِكَ قَالَ فَإِنَّهُ كَذَلِكَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَخَذَ عَلَى (4) الْعِبَادِ
____________
(1) البصائر: 87- 88.
(2) العلل: ج 2،(ص)111.
(3) المصدر: ج 1،(ص)80.
(4) في المصدر: من.
140
مِيثَاقَهُمْ وَ هُمْ أَظِلَّةٌ قَبْلَ الْمِيلَادِ وَ هُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ (1) قَالَ فَمَنْ أَقَرَّ لَهُ يَوْمَئِذٍ جَاءَتْ أُلْفَتُهُ هَاهُنَا وَ مَنْ أَنْكَرَهُ يَوْمَئِذٍ جَاءَ خِلَافُهُ هَاهُنَا (2).
بيان قال في النهاية فيه الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف (3) مجندة أي مجموعة كما يقال ألوف مؤلفة و قناطير مقنطرة و معناه الإخبار عن مبدإ كون الأرواح و تقدمها على الأجساد أي أنها خلقت أول خلقها على قسمين من ائتلاف و اختلاف كالجنود المجموعة إذا تقابلت و تواجهت و معنى تقابل الأرواح ما جعلها الله عليه من السعادة و الشقاوة و الأخلاق في مبدإ الخلق يقول إن الأجساد التي فيها الأرواح تلتقي في الدنيا فتأتلف و تختلف على حسب ما خلقت عليه و لهذا ترى الخيّر يحب الأخيار و يميل إليهم و الشرير يحب الأشرار و يميل إليهم انتهى.
و قال الكرماني في شرح البخاري أي خلقت مجتمعة ثم فرقت في أجسامها فمن وافق الصفة ألفه و من باعد نافره و قال الخطابي خلقت قبلها فكانت تلتقي فلما التبست بها تعارفت بالذكر الأول فصار كل إنما يعرف و ينكر على ما سبق له من العهد و قال النووي مجندة أي جموع مجتمعة و أنواع مختلفة و تعارفها لأمر جعلها الله عليه و قيل موافقة صفاتها و تناسبها في شيمها و قال الطيبي الفاء في فما تعارف تدل على تقدم اشتباك في الأزل ثم تفرق فيما لا يزال أزمنة متطاولة ثم ائتلاف بعد تناكر كمن فقد أنيسه ثم اتصل به فلزمه و أنس به و إن لم يسبق له اختلاط معه اشمأز منه و دل التشبيه بالجنود على أن ذلك الاجتماع في الأزل كان لأمر عظيم من فتح بلاد و قهر أعداء و دل على أن أحد الحزبين حزب الله و الآخر
____________
(1) الأعراف: 171.
(2) العلل: ج 1،(ص)80.
(3) قد مر منا بيان موجز في شرح الحديث في ذيل الرواية الرابعة من الباب السابق فراجع.
141
حزب الشيطان و هذا التعارف إلهامات من الله من غير إشعار منهم بالسابقة انتهى و قد مر كلام قطب الدين الراوندي رحمه الله في هذا الخبر.
اعلم أن ما تقدم من الأخبار المعتبرة في هذا الباب و ما أسلفناه في أبواب بدء خلق الرسول(ص)و الأئمة(ع)و هي قريبة من التواتر دلت على تقادم (1) خلق الأرواح على الأجساد و ما ذكروه من الأدلة على حدوث الأرواح عند خلق الأبدان مدخولة لا يمكن رد تلك الروايات لأجلها (2).
____________
(1) تقدم (خ).
(2) الكلام حول روايات خلق الأرواح قبل الأبدان يقع في جهات:
(الف) في صدورها: هل تكون مقطوعة الصدور أو لا؟ و على فرض عدم القطع بصدورها هل يوجد دليل على وجوب التعبد بها أولا (ب) في دلالتها، هل تدلّ دلالة صريحة على تقدم وجود الأرواح على أبدانها خارجا بالتقدم الزمانى أولا (ج) في توافقها مع الأدلة العقليّة.
فنقول: أما من الجهة الأولى فهي غير بالغة حدّ التواتر، فلا يحصل القطع بصدورها عادة و ادلة حجية الخبر الواحد قاصرة عن غير ما يتعلق بالاحكام الفرعية العملية، فلا يوجد دليل على وجوب التعبد بها. و أمّا من الجهة الثانية فلا ريب في ظهورها في ذلك في حدّ نفسها و إن لم يبلغ إلى مرتبة النصّ. و قد أول الشيخ المفيد- على ما يأتي حكايته عنه- الخلق بالتقدير، كما أنه يمكن حملها على نوع من التمثيل و الاستعارة إذا وجد دليل قطعى معارض لمدلولها. و أما من الجهة الثالثة فقد دار البحث بين الفلاسفة حول حدوث النفس و قدمها، و ذهب أصحاب مدرسة صدر المتألهين إلى انها تحدث بحدوث البدن غير بالغة حدّ التجرد العقلى متحركة نحوه، و لا مجال لذكر أدلتهم و نقدها هاهنا.
و هناك أمر يتعلق بمعرفة شئون النفس يستعصى على الاذهان المتوغلة في الماديات، و لعل إجادة التأمل فيه يعين على حل العويصة و هو أن النفس و إن كانت أمرا متعلقا بالمادة بل ناشئا عنها و متحدا بها و بهذا الاعتبار صح مقايستها بالحوادث و اتصافها بالمقارنة و التقدّم و التأخر زمانا إلّا أنّها حين ما تدخل في حظيرة التجرد تجد نفسها محيطة بالبدن من ناحية البدن و النهاية و أن شعاعها يمتد إلى ما قبل حدوث البدن كما انه يمتد إلى ما بعد انحلاله. فالذى ينظر إلى جوهرها المجرد من فوق عالم الطبيعة يجدها خارجة عن وعاء الزمان محيطة به، و إذا قايسها.
142
20- الْكَافِي، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ (1) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو جَعْفَرٍ(ع)يَا جَابِرُ إِنَّ اللَّهَ أَوَّلَ مَا خَلَقَ خَلَقَ مُحَمَّداً وَ عِتْرَتَهُ الْهُدَاةَ الْمُهْتَدِينَ فَكَانُوا أَشْبَاحَ نُورٍ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ قُلْتُ وَ مَا الْأَشْبَاحُ قَالَ ظِلُّ النُّورِ أَبْدَانٌ نُورِيَّةٌ بِلَا أَرْوَاحٍ وَ كَانَ مُؤَيَّداً بِرُوحٍ وَاحِدٍ وَ هِيَ رُوحُ الْقُدُسِ (2) فَبِهِ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ وَ عِتْرَتُهُ [وَ لِذَلِكَ خَلَقَهُمْ حُلَمَاءَ عُلَمَاءَ بَرَرَةً أَصْفِيَاءَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ بِالصَّلَاةِ وَ الصَّوْمِ وَ السُّجُودِ وَ التَّسْبِيحِ وَ التَّهْلِيلِ وَ يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ وَ يَحُجُّونَ وَ يَصُومُونَ (3).
بيان أول منصوب بالظرفية و المهتدين صفة و كونه مفعول الهداة بعيد فكانوا أشباح نور الإضافة إما بيانية أي أشباحا هي أنوار و الأشباح جمع الشبح بالتحريك و هو سواد الإنسان أو غيره تراه من بعيد فالمراد إما الأجساد المثالية فالمراد بقوله بلا أرواح بلا أرواح الحيوانية أو الروح مجردا كان أو جسما
____________
إلى ظاهرة مادية واقعة في ظرف الزمان كالبدن يجدها موجودة معها و قبلها و بعدها، فيصح له أن يحكم بتقدم وجودها على وجود البدن مع أن من ينظر إليها من نافذة عالم المادة و يعتبرها أمرا متعلقا بالبدن بل مرتبة كاملة له انتهى إليها بالحركة الجوهرية و بهذا الاعتبار يسميها نفسا، يحكم بحدوثها عند حدوث البدن و حصول التجرد لها بعد ذلك و لا منافاة بين النظرين، و بهذا يمكن الجمع بين القولين.
و ممّا ينبغي الالتفات إليه أن في تقدم خلق الأرواح على الأبدان بألفى عام- على حد التعبير الوارد في الروايات- لم يعتبر كل روح إلى بدنه بحيث يكون خلق كل روح قبل خلق بدنه بألفى عام كامل لا أزيد و لا أنقص و الا لزم عدم وجود جميع الأرواح في زمن عليّ (عليه السلام) فضلا عما قبله، ضرورة حدوث كثير من الأبدان بعد زمنه بآلاف سنة و لا يبعد أن يكون ذكر الالفين لاجل التكثير، و تثنية الالف للاشارة الى التقدّم العقلى و المثالى.
(1) في المصدر «الحسين [عن محمد] بن عبد اللّه» و هو مصحف، و الصواب ما في نسخ الكتاب كما أثبتناه، و هو الحسين بن محمّد بن عامر بن أبي بكر الأشعريّ الثقة و يروى عن عمه «عبد اللّه بن عامر» و عن غيره.
(2) فيه (خ).
(3) الكافي: ج 1،(ص)442.
143
لطيفا فيستقيم أيضا لأن الأرواح ما لم تتعلق بالأبدان فهي مستقلة بنفسها أرواح من جهة و أجساد من جهة فهي أبدان نورانية لم تتعلق بها أرواح أخر و على هذا فظل النور أيضا إضافته للبيان أو لامية و المراد بالنور نور ذاته تعالى فإنها من آثار ذلك النور الأقدس و ظلاله و المعنى دقيق و ربما يؤول النور بالعقل الفعال على طريقة الفلاسفة.
و كان مؤيدا بروح واحد أي في عالم الأرواح أو في عالم الأجساد و الأول أظهر و لذلك أي لتأيدهم بذلك الروح في أول الفطرة الروحانية خلقهم في الفطرة الجسمانية حلماء علماء إلخ و يصلون كأنه تأكيد لما مر أو المراد بقوله خلقهم خلقهم في عالم الأرواح أي كانوا يعبدون الله في هذا العالم و كانوا فيه علماء بخلاف سائر الأرواح لتأيدهم حينئذ بروح القدس فقوله(ع)و يصلون أي في عالم الأجساد فلا تكرار.
أقول قد مرت أخبار كثيرة في ذلك في باب حدوث العالم.
قال شارح المقاصد النفوس الإنسانية سواء جعلناها مجردة أو مادية حادثة عندنا لكونها أثر القادر المختار و إنما الكلام في أن حدوثها قبل البدن لقوله(ص)خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام أو بعده لقوله تعالى بعد ذكر أطوار البدن ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ (1) إشارة إلى إفاضة النفس و لا دلالة في الحديث مع كونه خبر واحد على أن المراد بالأرواح النفوس البشرية أو الجوهر (2) العلوية و لا في الآية على أن المراد إحداث النفس أو إحداث تعلقها بالبدن و أما الفلاسفة فمنهم من جعلها قديمة و ذهب أرسطو و شيعته إلى أنها حادثة ثم ذكر دلائل الطرفين و اعترض عليها بوجوه أعرضنا عن ذكرها.
____________
(1) المؤمنون: 14.
(2) كذا في بعض النسخ، و في بعضها «الجوهرية العلوية» و الظاهر ان الصواب «الجواهر العلوية».
144
و قال الشيخ المفيد (قدس الله نفسه) في أجوبة المسائل الروية (1) فأما الخبر بأن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام فهو من أخبار الآحاد و قد روته العامة كما روته الخاصة و ليس هو مع ذلك مما يقطع على الله بصحته و إن ثبت القول فالمعنى فيه أن الله تعالى قدر الأرواح في علمه قبل اختراع الأجساد و اخترع الأجساد و اخترع لها الأرواح فالخلق للأرواح قبل الأجساد خلق تقدير في العلم كما قدمناه و ليس بخلق لذواتها كما وصفناه و الخلق لها بالإحداث و الاختراع بعد خلق الأجسام و الصور التي تدبرها الأرواح و لو لا أن ذلك كذلك لكانت الأرواح تقوم بأنفسها و لا تحتاج إلى آلات تعلقها و لكنا نعرف ما سلف لنا من الأرواح قبل خلق الأجساد كما نعلم أحوالنا بعد خلق الأجساد و هذا محال لا خفاء بفساده و أما الحديث بأن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف فالمعنى فيه أن الأرواح التي هي الجواهر البسائط تتناصر بالجنس و تتخاذل بالعوارض فما تعارف منها باتفاق الرأي و الهوى ائتلف و ما تناكر منها بمباينة في الرأي و الهوى اختلف و هذا موجود حسا و مشاهد و ليس المراد بذلك أن ما تعارف منها في الذر ائتلف كما ذهبت إليه الحشوية كما بيناه من أنه لا علم للإنسان بحال كان عليها قبل ظهوره في هذا العالم و لو ذكر بكل شيء ما ذكر ذلك فوضح بما ذكرناه أن المراد بالخبر ما شرحناه و الله الموفق للصواب انتهى.
و أقول قيام الأرواح بأنفسها أو تعلقها بالأجساد المثالية ثم تعلقها بالأجساد العنصرية مما لا دليل على امتناعه و أما عدم تذكر الأحوال السابقة فلعله لتقلبها في الأطوار المختلفة أو لعدم القوى البدنية أو كون تلك القوى قائمة بما فارقته من الأجساد المثالية أو لإذهاب الله تعالى تذكر هذه الأمور عنها لنوع من المصلحة كما ورد أن الذكر و النسيان من صنعه تعالى مع أن الإنسان لا يتذكر كثيرا من أحوال الطفولية و الولادة و التأويل الذي ذكره للحديث في غاية البعد لا سيما مع الإضافات الواردة في الأخبار المتقدمة.
____________
(1) السروية (خ).
145
21- الْعِلَلُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَطَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَبَّاسٍ عَنْ أَسْبَاطٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنِّي رُبَّمَا حَزِنْتُ فَلَا أَعْرِفُ فِي أَهْلٍ وَ لَا مَالٍ وَ لَا وَلَدٍ وَ رُبَّمَا فَرِحْتُ فَلَا أَعْرِفُ فِي أَهْلٍ وَ لَا مَالٍ وَ لَا وَلَدٍ فَقَالَ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَ مَعَهُ مَلَكٌ وَ شَيْطَانٌ فَإِذَا كَانَ فَرَحُهُ كَانَ (1) دُنُوُّ الْمَلَكِ مِنْهُ وَ إِذَا كَانَ حَزَنُهُ كَانَ (2) دُنُوُّ الشَّيْطَانِ مِنْهُ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَ يَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَ اللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَ فَضْلًا وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (3).
بيان لعل المراد أن هذا لهم من أجل وساوس الشيطان و أمانيه في أمور الدنيا الفانية و إن لم يتفطن به الإنسان فيظن أنه لا سبب له أو يكون غرض السائل فوت الأهل و المال و الولد في الماضي فلا ينافي الهم للتفكر فيها لأجل ما يستقبل أو المراد أنه لما كان شأن الشيطان ذلك يصير محض دنوه سببا للهم و في الملك بعكس ذلك في الوجهين.
22- الْعِلَلُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَطَّارِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَدْيَنَ مِنْ وُلْدِ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَشْتَرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَ مَعِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِنَا فَقُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنِّي لَأَغْتَمُّ وَ أَحْزَنُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَعْرِفَ لِذَلِكَ سَبَباً فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ ذَلِكَ الْحَزَنَ وَ الْفَرَحَ يَصِلُ إِلَيْكُمْ مِنَّا لِأَنَّا إِذَا دَخَلَ عَلَيْنَا حُزْنٌ أَوْ سُرُورٌ كَانَ ذَلِكَ دَاخِلًا عَلَيْكُمْ وَ لِأَنَّا وَ إِيَّاكُمْ مِنْ نُورِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَجَعَلَنَا وَ طِينَتَنَا وَ طِينَتَكُمْ وَاحِدَةً وَ لَوْ تُرِكَتْ طِينَتُكُمْ كَمَا أُخِذَتْ لَكُنَّا وَ أَنْتُمْ سَوَاءً وَ لَكِنْ مُزِجَتْ طِينَتُكُمْ بِطِيْنَةِ أَعْدَائِكُمْ فَلَوْ لَا ذَلِكَ مَا أَذْنَبْتُمْ ذَنْباً أَبَداً قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَتَعُودُ (4) طِينَتُنَا وَ نُورُنَا كَمَا بُدِئَ فَقَالَ إِي وَ اللَّهِ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ هَذَا الشُّعَاعِ
____________
(1) في المصدر كان من دنو.
(2) في المصدر كان من دنو.
(3) العلل: ج 1،(ص)87، و الآية في سورة البقرة: 268.
(4) في المصدر: أ فتعود.
146
الزَّاخِرِ مِنَ الْقُرْصِ إِذَا طَلَعَ أَ هُوَ مُتَّصِلٌ بِهِ أَوْ بَائِنٌ مِنْهُ فَقُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ بَلْ هُوَ بَائِنٌ مِنْهُ فَقَالَ أَ فَلَيْسَ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ وَ سَقَطَ الْقُرْصُ عَادَ إِلَيْهِ فَاتَّصَلَ بِهِ كَمَا بَدَأَ مِنْهُ فَقُلْتُ لَهُ نَعَمْ فَقَالَ كَذَلِكَ وَ اللَّهِ شِيعَتُنَا مِنْ نُورِ اللَّهِ خُلِقُوا وَ إِلَيْهِ يَعُودُونَ وَ اللَّهِ إِنَّكُمْ لَمُلْحَقُونَ بِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ إِنَّا لَنَشْفَعُ فَنُشَفَّعُ وَ وَ اللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَشْفَعُونَ فَتُشَفَّعُونَ وَ مَا مِنْ رَجُلٍ مِنْكُمْ إِلَّا وَ سَتُرْفَعُ لَهُ نَارٌ عَنْ شِمَالِهِ وَ جَنَّةٌ عَنْ يَمِينِهِ فَيُدْخِلُ أَحِبَّاءَهُ الْجَنَّةَ وَ أَعْدَاءَهُ النَّارَ (1).
بيان يا عبد الله ليس هذا اسم أبي بصير فإن المشهور بهذا اللقب اثنان أحدهما ليث المرادي و الآخر يحيى بن القاسم و ليس كنية واحد منهما أبا عبد الله حتى يمكن أن يقال كان أبا عبد الله فسقط أبا من النساخ و لكن كنيتهما أبو محمد فالظاهر أن أبا بصير هذا ليس شيئا منهما بل هو عبد الله بن محمد الأسدي الكوفي المكنى بأبي بصير كما ذكره الشيخ في الرجال و إن كان ذكره في أصحاب الباقر(ع)لأنه كثيرا ما يذكر الرجل في أصحاب إمام ثم يذكره في أصحاب إمام آخر و كثيرا ما يكتفي بأحدهما و لو كان أحد المشهورين يمكن أن يكون المراد المركب الإضافي لا التسمية و قد شاع النداء بهذا عند الضجر في عرف العرب و العجم و في القاموس زخر البحر كمنع طما و تملأ و الوادي مد جدا و ارتفع و الشيء ملأه و القوم جاشوا لنفير أو حرب و القدر و الحرب جاشتا و النبات طال و الرجل بما عنده فخر انتهى و أكثر المعاني مناسبة و في بعض النسخ بالجيم و لا يستقيم إلا بتكلف.
قوله عاد إليه كأنه على المجاز كما أن في المشبه أيضا كذلك فإن الظاهر عود الضمير في (2) إليه إلى الله و يحتمل عوده إلى النور و المراد بنور الله النور المشرق و المكرم الذي اصطفاه و خلقه و لا يبعد أن يكون المراد أنوار الأئمة(ع)كما قال(ع)إنكم لملحقون بنا أو المراد بنور الله رحمته و التشفيع قبول الشفاعة.
____________
(1) العلل: ج 1:(ص)87.
(2) من (خ).
147
23- الْمَحَاسِنُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ فَضَالَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبَانٍ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ قَالَ: تَنَفَّسْتُ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)ثُمَّ قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَهْتَمُّ مِنْ غَيْرِ مُصِيبَةٍ تُصِيبُنِي أَوْ أَمْرٍ نَزَلَ (1) بِي حَتَّى تَعْرِفُ (2) ذَلِكَ أَهْلِي فِي وَجْهِي وَ يَعْرِفُهُ صَدِيقِي قَالَ نَعَمْ يَا جَابِرُ قُلْتُ وَ مِمَّ ذَلِكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ وَ مَا تَصْنَعُ بِذَلِكَ قُلْتُ أُحِبُّ أَنْ أَعْلَمَهُ فَقَالَ يَا جَابِرُ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ طِينَةِ الْجِنَانِ وَ أَجْرَى فِيهِمْ مِنْ رِيحِ رُوحِهِ فَلِذَلِكَ الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ لِأَبِيهِ وَ أُمِّهِ فَإِذَا أَصَابَ تِلْكَ الْأَرْوَاحَ فِي بَلَدٍ مِنَ الْبُلْدَانِ شَيْءٌ حَزِنَتْ عَلَيْهِ الْأَرْوَاحُ لِأَنَّهَا مِنْهُ (3).
بيان تنفست أي تأوهت و في الكافي تقبضت بمعنى الانبساط كما سيأتي من ريح روحه بالضم أي من رحمة ذاته أو نسيم روحه الذي اصطفاه كما مر أو بالفتح أي رحمته كما ورد في خبر آخر و أجرى فيهم من روح رحمته و يؤيد الأول بعض الأخبار لأبيه و أمه لأن الطينة بمنزلة الأم و الروح بمنزلة الأب و هما متحدان نوعا أو صنفا فيهما.
24- الْكَافِي، عَنِ الْعِدَّةِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ أَيُّوبَ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبَانٍ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ قَالَ: تَقَبَّضْتُ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ رُبَّمَا حَزِنْتُ مِنْ غَيْرِ مُصِيبَةٍ تُصِيبُنِي أَوْ أَلَمٍ (4) يَنْزِلُ بِي حَتَّى يَعْرِفُ ذَلِكَ أَهْلِي فِي وَجْهِي وَ صَدِيقِي فَقَالَ نَعَمْ يَا جَابِرُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ طِينَةِ الْجِنَانِ وَ أَجْرَى فِيهِمْ مِنْ رِيحِ رُوحِهِ فَلِذَلِكَ الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ لِأَبِيهِ وَ أُمِّهِ فَإِذَا أَصَابَ رُوحاً مِنْ تِلْكَ الْأَرْوَاحِ فِي بَلَدٍ مِنَ الْبُلْدَانِ حُزْنٌ حَزِنَتْ هَذِهِ لِأَنَّهَا مِنْهَا (5).
____________
(1) في المصدر: ينزل.
(2) فيه: يعرف.
(3) المحاسن: 133.
(4) في المصدر و بعض نسخ الكتاب: أمر.
(5) الكافي: ج 2،(ص)166.
148
25- وَ مِنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وَ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِئَابٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِنِ اشْتَكَى شَيْئاً مِنْهُ وَجَدَ أَلَمَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ جَسَدِهِ وَ أَرْوَاحُهُمَا مِنْ رُوحٍ وَاحِدَةٍ وَ إِنَّ رُوحَ الْمُؤْمِنِ لَأَشَدُّ اتِّصَالًا بِرُوحِ اللَّهِ مِنِ اتِّصَالِ شُعَاعِ الشَّمْسِ بِهَا (1).
الإختصاص، عنه(ع)مرسلا مثله (2) تبيين قوله(ع)كالجسد الواحد كأنه(ع)ترقى عن الأخوة إلى الاتحاد أو بين أن إخوتهم ليست مثل سائر الأخوات بل هم بمنزلة أعضاء جسد واحد تعلق بها روح واحد فكما أنه بتألم عضو واحد تتألم و تتعطل سائر الأعضاء فكذا بتألم واحد من المؤمنين يحزن و يتألم سائرهم كما مر فقوله(ع)كالجسد الواحد تقديره كعضوي جسد واحد و قوله إن اشتكى ظاهره أنه بيان لحال المشبه به و الضميران المستتران فيه و في وجد راجعان إلى المرء و الإنسان أو الروح الذي يدل عليه الجسد و ضمير منه للجسد و ضمير أرواحهما لشيء و سائر الجسد و الجمعية باعتبار جمعية السائر أو من إطلاق الجمع على التثنية مجازا و في الإختصاص و أن روحهما و هو أظهر و المراد بالروح الواحد إن كان الروح الحيوانية فمن للتبعيض و إن كان النفس الناطقة فمن للتعليل فإن روحهما الروح الحيوانية هذا إذا كان قوله و أرواحهما من تتمة بيان المشبه به و يحتمل تعلقه بالمشبه فالضمير للأخوين المذكورين في أول الخبر و الغرض إما بيان شدة اتصال الروحين كأنهما روح واحدة أو أن روحيهما من روح واحدة هي روح الأئمة(ع)و هو نور الله كما مر في خبر أبي بصير الذي هو كالشرح لهذا الخبر و يحتمل أن يكون إن اشتكى أيضا لبيان حال المشبه لاتضاح وجه الشبه و على التقادير المراد بروح الله أيضا الروح التي اصطفاها الله و جعلها في الأئمة(ع)كما مر في قوله تعالى
____________
(1) الكافي: ج 2،(ص)166.
(2) الاختصاص: 32.
149
وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي و يحتمل أن يكون المراد بروحه ذاته سبحانه إشارة إلى شدة ارتباط أرواح المقربين و المحبين من الشيعة المخلصين بجناب الحق تعالى حيث لا يغفلون عن ربهم ساعة و يفيض عليهم منه سبحانه آنا فآنا و ساعة فساعة العلم و الحكم و الكمالات و الهدايات بل الإرادة (1) أيضا لتخليهم عن إرادتهم و تفويضهم جميع أمورهم إلى ربهم كما قال فيهم وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ (2)
- وَ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ وَ بَصَرَهُ وَ يَدَهُ وَ رِجْلَهُ وَ لِسَانَهُ.
و سيأتي تمام القول فيه في محله إن شاء الله تعالى بحسب فهمي و الله الموفق.
26- قُرْبُ الْإِسْنَادِ، عَنْ هَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ جَعْفَراً(ع)وَ سُئِلَ هَلْ يَكُونُ أَنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ الشَّيْءَ وَ لَمْ يَرَهُ قَالَ نَعَمْ فَقِيلَ لَهُ مِثْلُ أَيِّ شَيْءٍ فَقَالَ مِثْلُ اللَّوْنِ مِنَ الطَّعَامِ يُوصَفُ لِلْإِنْسَانِ وَ لَمْ يَأْكُلْهُ فَيُحِبُّهُ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِثْلُ الرَّجُلِ يُحِبُّ الشَّيْءَ يَذْكُرُ لِأَصْحَابِهِ وَ مَا لَكَ أَكْثَرُ مِمَّا تَدَعُ.
بيان لعل المعنى إذا تفكرت في أمثلة ذلك كان ما لك منها أكثر مما تتركه كناية عن كثرة أمثلة ذلك و ظهورها و يمكن أن يكون تصحيف تسمع و يمكن أن يكون غرض السائل السؤال عن حب المؤمن أخاه من غير سابقة كما في سائر الأخبار.
27- مَجَالِسُ الشَّيْخِ، عَنْ جَمَاعَةٍ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَلَوِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبَلَةَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: لَمَّا احْتُضِرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)جَمَعَ بَنِيهِ فَأَوْصَاهُمْ ثُمَّ قَالَ يَا بَنِيَّ إِنَّ الْقُلُوبَ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ تَتَلَاحَظُ بِالْمَوَدَّةِ وَ تَتَنَاجَى بِهَا وَ كَذَلِكَ هِيَ فِي الْبُغْضِ فَإِذَا أَحْبَبْتُمُ الرَّجُلَ مِنْ غَيْرِ خَيْرٍ سَبَقَ مِنْهُ إِلَيْكُمْ فَارْجُوهُ وَ إِذَا أَبْغَضْتُمُ الرَّجُلَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ سَبَقَ مِنْهُ إِلَيْكُمْ فَاحْذَرُوهُ.
28- مَجَالِسُ ابْنِ الشَّيْخِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَنَانِ
____________
(1) في نسختين مخطوطتين: الارادات.
(2) التكوير: 29.
150
بْنِ سَدِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنِّي لَأَلْقَى الرَّجُلَ لَمْ أَرَهُ وَ لَمْ يَرَنِي فِيمَا مَضَى قَبْلَ يَوْمِهِ ذَلِكَ فَأُحِبُّهُ حُبّاً شَدِيداً فَإِذَا كَلَّمْتُهُ وَجَدْتُهُ لِي مِثْلَ مَا أَنَا عَلَيْهِ لَهُ وَ يُخْبِرُنِي أَنَّهُ يَجِدُ لِي مِثْلَ الَّذِي أَجِدُ لَهُ فَقَالَ صَدَقْتَ يَا سَدِيرُ إِنَّ ائْتِلَافَ قُلُوبِ الْأَبْرَارِ إِذَا الْتَقَوْا وَ إِنْ لَمْ يُظْهِرُوا التَّوَدُّدَ بِأَلْسِنَتِهِمْ كَسُرْعَةِ اخْتِلَاطِ قَطْرِ الْمَاءِ عَلَى مِيَاهِ الْأَنْهَارِ وَ إِنَّ بُعْدَ ائْتِلَافِ قُلُوبِ الْفُجَّارِ إِذَا الْتَقَوْا وَ إِنْ أَظْهَرُوا التَّوَدُّدَ بِأَلْسِنَتِهِمْ كَبُعْدِ الْبَهَائِمِ مِنَ التَّعَاطُفِ وَ إِنْ طَالَ اعْتِلَافُهَا عَلَى مِزْوَدٍ وَاحِدٍ.
بيان: المزود كمنبر وعاء الزاد.
29- الشِّهَابُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَثَلُ الْمُؤْمِنِ فِي تَوَادِّهِمْ وَ تَرَاحُمِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى بَعْضُهُ تَدَاعَى سَائِرُهُ بِالسَّهَرِ وَ الْحُمَّى.
30- وَ قَالَ(ص)مَثَلُ الْقَلْبِ مَثَلُ رِيشَةٍ بِأَرْضٍ تُقَلِّبُهَا الرِّيَاحُ.
الضوء يقال تداعت الحيطان إذا تهادمت أو تهيأت للسقوط بأن تميل أو تتهور
- يَقُولُ(ص)الْمُؤْمِنُونَ مُتَّحِدُونَ مُتَآزِرُونَ مُتَضَافِرُونَ كَأَنَّهُمْ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ.
- وَ لِذَلِكَ قَالَ(ص)الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ بِمَنْزِلَةِ الْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً.
- وَ قَالَ(ص)الْمُؤْمِنُونَ يَدٌ وَاحِدَةٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ.
شبه(ع)المؤمنين في اتحادهم و موازرتهم بالجسد المجتمع من آلات و أعضاء إذا اشتكى بعضه كانت الجملة ألمة سقيمة مساهرة محمومة لاتصال بعضه ببعض و لأن الألم هو الجملة و هو في حكم الجزء الواحد بسبب الحياة التي هي كالمسمار يضم أجزاءها و ينتظمها و لفظ الحديث خبر و تشبيه و المعنى أمر يأمرهم به أن يتوادوا و يتحابوا و يرحم بعضهم بعضا و فائدة الحديث الأمر بالتناصر و التعاون و راوي الحديث النعمان بن بشير و قال ره في الحديث الثاني و روي بأرض فلاة شبه(ع)القلب بريشة ساقطة بأرض عراء لا حاجز بها و لا مانع فالريح تطيرها هنا و ثم و ذلك للاعتقادات و الأحوال التي يتقلب لها و لسرعة انقلابه و قلة ثبوته و دوامه على حالة واحدة و قد قيل إنما سمي قلبا لتقلبه و فائدة الحديث إعلام أن القلب سريع الانقلاب لا يبقى على وجه واحد و راوي الحديث أنس بن مالك.
151
باب 44 حقيقة الرؤيا و تعبيرها و فضل الرؤيا الصادقة و علتها و علة الكاذبة
الآيات يونس الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (1) يوسف إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ إلى قوله تعالى وَ كَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَ يُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ (2) و قال تعالى وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ (3) و قال تعالى وَ دَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَ قالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إلى قوله يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَ أَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ إلى قوله تعالى قالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَ سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَ ما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ وَ قالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَ ادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَ سَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يابِساتٍ
____________
(1) يونس: 64.
(2) يوسف: 8.
(3) يوسف: 23.
152
لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ (1) الإسراء وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ (2) الروم وَ مِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ (3) الصافات قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ (4) الفتح لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِ (5) المجادلة إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (6) النبأ وَ جَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (7) تفسير الَّذِينَ آمَنُوا أي بجميع ما يجب الإيمان به وَ كانُوا يَتَّقُونَ مع ذلك معاصيه لَهُمُ الْبُشْرى قال الطبرسي رحمه الله قيل فيه أقوال أحدها أن البشرى في الحياة الدنيا هي ما بشرهم الله تعالى به في القرآن على الأعمال الصالحة و ثانيها أن البشارة في الحياة الدنيا بشارة الملائكة للمؤمنين عند موتهم ب أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ و ثالثها أنها في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها المؤمن لنفسه أو ترى له و في القيامة إلى أن يدخلوا الجنة يبشرونهم بها حالا بعد حال و هو المروي عن أبي جعفر(ع)و روي ذلك في حديث مرفوعا عن النبي(ص)(8).
لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ قال البيضاوي الرؤيا كالرؤية غير أنها مختصة بما يكون في
____________
(1) يوسف: 36- 51.
(2) الإسراء: 60.
(3) الروم: 23.
(4) الصافّات: 102.
(5) الفتح: 27.
(6) المجادلة: 10.
(7) النبأ: 9.
(8) مجمع البيان: ج 5،(ص)120.
153
النوم و فرق بينهما بحرف التأنيث كالقربة و القربى و هي انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة إلى الحس المشترك و الصادقة منها إنما تكون باتصال النفس بالملكوت لما بينهما من التناسب عند فراغها (1) من تدبير البدن أدنى فراغ فتتصور بما فيها مما يليق من المعاني الحاصلة هناك ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه فترسلها إلى الحس المشترك فتصير مشاهدة ثم إن كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوت إلا بالكلية و الجزئية استغنت الرؤيا عن التعبير و إلا احتاجت إليه.
مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ أي من تعبير الرؤيا لأنها أحاديث الملك إن كانت صادقة و أحاديث النفس و الشيطان إن كانت كاذبة أو من تأويل غوامض كتب الله و سنن الأنبياء و كلمات الحكماء (2).
و قال الطبرسي رحمه الله قيل إنه كان بين رؤياه و بين مصير أبيه و إخوته إلى مصر أربعون سنة عن ابن عباس و أكثر المفسرين و قيل ثمانون عن الحسن (3) و قال النيسابوري قال علماء التعبير إن الرؤيا الردية يظهر أثرها عن قريب لكيلا يبقى المؤمن في الحزن و الغم و الرؤيا الجيدة يبطئ تأثيرها لتكون بهجة المؤمن أدوم.
قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً قال الطبرسي رحمه الله هو من رؤيا المنام كان يوسف(ع)لما دخل السجن قال لأهله إني أعبر الرؤيا فقال أحد العبدين و هو الساقي رأيت أصل حبلة عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها و عصرتها في كأس الملك و سقيته إياها و قال صاحب الطعام إني رأيت كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز و أنواع الأطعمة و سباع الطير تنهش منه نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ أي أخبرنا بتعبيره و ما يئول إليه أمره قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ في منامكما إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ في اليقظة قبل أن يأتيكما التأويل أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً روي أنه قال
____________
(1) كذا في المصدر، و في بعض نسخ الكتاب «فراغه».
(2) أنوار التنزيل: ج 1(ص)585.
(3) مجمع البيان: ج 5،(ص)209.
154
أما العناقيد الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تبقى في السجن ثم يخرجك الملك في يوم الرابع و تعود إلى ما كنت عليه و الرب المالك وَ أَمَّا الْآخَرُ أي صاحب الطعام روي أنه قال بئس ما رأيت أما السلاسل الثلاث فإنها ثلاثة أيام تبقى في السجن فيخرجك الملك فيصلبك فتأكل الطير من رأسك فقال عند ذلك ما رأيت شيئا و كنت ألعب فقال يوسف قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ أي فرغ من الأمر الذي تسألان و تطلبان معرفته و ما قلته لكما فإنه نازل بكما و هو كائن لا محالة (1).
وَ قالَ الْمَلِكُ قال النيسابوري لما دنا فرج يوسف أراه الله في المنام سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس و سبع بقرات عجاف فابتلعت العجاف السمان و رأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها و سبعا أخر يابسات قد استحصدت و أدركت فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها فاضطرب الملك بسببه لأن فطرته قد شهدت بأن استيلاء الضعيف على القوي منذر بنوع من أنواع الشر إلا أنه لم يعرف تفصيله فجمع الكهنة و المعبرين و قال يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ ثم إنه تعالى إذا أراد أمرا هيأ أسبابه فأعجز الله أولئك الملأ عن جواب المسألة و عماه عليهم حتى قالوا إنها أَضْغاثُ أَحْلامٍ و نفوا عن أنفسهم كونهم عالمين بتأويلها.
و اعلم أنه سبحانه خلق جوهر النفس الناطقة بحيث يمكنها الصعود إلى عالم الأفلاك و مطالعة اللوح المحفوظ و المانع لها من ذلك هو اشتغالها بتدبير البدن و ما يرد عليها من طريق الحواس و في وقت النوم تقل تلك الشواغل فتقوى النفس على تلك المطالعة فإذا وقفت النفس على حالة من تلك الأحوال فإن بقيت في الخيال كما شوهدت لم تحتج إلى التأويل و إن نزلت آثار مخصوصة مناسبة للإدراك الروحاني إلى عالم الخيال فهناك يفتقر إلى المعبر ثم منها ما هي متسقة منتظمة يسهل على المعبر الانتقال من تلك المتخيلات إلى الحقائق الروحانيات و منها ما تكون مختلطة مضطربة لا يضبط تحليلها و تركيبها لتشويش وقع في ترتيبها و تأليفها فهي المسماة بالأضغاث و بالحقيقة الأضغاث ما يكون مبدؤها تشويش القوة المتخيلة لفساد وقع في القوى البدنية
____________
(1) مجمع البيان: ج 5،(ص)232- 235 (ملخصا).
155
و لورود أمر غريب عليه من خارج لكن القسم المذكور قد تعد من الأضغاث من حيث إنها أعيت المعبر عن تأويلها انتهى وَ قالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما قال البيضاوي أي من صاحبي السجن و هو الشرابي وَ ادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ و تذكر يوسف بعد جماعة من الزمان مجتمعة أو (1) مدة طويلة فَأَرْسِلُونِ إلى من عنده علمه أو إلى السجن لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ أي إلى الملك و من عنده لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ تأويله أو فضلك و مكانك دَأَباً أي على عادتكم المستمرة و انتصابه على الحال بمعنى دائبين أو المصدر بإضمار فعله أي تدأبون دأبا و تكون الجملة حالا فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ لئلا يأكله السوس إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ في تلك السنين ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَ أي يأكل أهلهن ما ادخرتم لأجلهن فنسب (2) إليهن على المجاز تطبيقا بين المعبر و المعبر به إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ أي تحرزون لبذور الزراعة فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ أي يمطرون من الغيث أو يغاثون من القحط من الغوث وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ ما يعصر كالعنب و الزيتون لكثرة الثمار و قيل يحلبون الضروع (3).
وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا قيل المراد رؤية العين و الأكثر على أنه رؤية المنام و قال الطبرسي رحمه الله روي عن ابن عباس أنها رؤيا نوم رآها أنه سيدخل مكة و هو بالمدينة فقصدها فصده المشركون في الحديبية عن دخولها حتى شك قوم و دخلت عليهم الشبهة فقالوا يا رسول الله أ ليس قد أخبرتنا أنا ندخل المسجد الحرام آمنين فقال أ و قلت لكم إنكم تدخلونها العام قالوا لا فقال لندخلنها إن شاء الله و رجع ثم دخل مكة في العام القابل فنزل لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِ (4) و قيل رأى(ص)في منامه أن قرودا تصعد منبره و تنزل فساءه ذلك و اغتم به فلم (5)
____________
(1) في المصدر: أى.
(2) في المصدر: فأسند.
(3) أنوار التنزيل: ج 1،(ص)597- 598.
(4) الفتح: 27.
(5) في المجمع: فلم يسمع بعد ذلك ضاحكا حتّى مات.
156
ير بعد ذلك ضاحكا حتى توفي (1).
أقول و قد مرت أخبار كثيرة في ذلك و قال الرازي قال سعيد بن المسيب رأى رسول الله(ص)بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك و هذا قول ابن عباس في رواية عطا.
وَ مِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ أي منامكم في الزمانين لاستراحة القوى النفسانية و قوة القوى الطبيعية و طلب معاشكم فيهما أو منامكم بالليل و ابتغاؤكم بالنهار فلف و ضم بين الزمانين و الفعلين بعاطفين إشعارا بأن كلا من الزمانين و إن اختص بأحدهما فهو صالح للآخر عند الحاجة و يؤيده سائر الآيات الواردة فيه.
إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ يدل على أن نوم الأنبياء(ع)بمنزلة الوحي و كذا الآية التالية إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ قال الطبرسي رحمه الله يعني نجوى المنافقين و الكفار بما يسوء المؤمنين و يغمهم من وساوس الشيطان و بدعائه و إغوائه و قيل المراد بها أحلام المنام التي يراها الإنسان في منامه و يحزنه (2). أقول سيأتي ذلك في الرواية وَ جَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً قال السيد المرتضى رحمه الله إن سأل سائل عن قوله تعالى وَ جَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً فقال إذا كان المراد بالسبات هو النوم فكأنه قال و جعلنا نومكم نوما و هذا مما لا فائدة فيه الجواب قلنا في هذه الآية وجوه منها أن يكون المراد بالسبات الراحة و الدعة و قد قال قوم إن اجتماع الخلق كان في يوم الجمعة و الفراغ منه في يوم السبت فسمي اليوم بالسبت للفراغ الذي كان فيه و لأن الله تعالى أمر بني إسرائيل فيه بالاستراحة من الأعمال قيل و أصل السبات التمدد يقال سبتت المرأة شعرها إذا حلته من العقص و أرسلته قال الشاعر و إن سبتته مال جثلا كأنه. سدى واهلات من نواسج خثعما.
أراد إن أرسلته و منها أن يكون المراد بذلك القطع و السبت أيضا الحلق
____________
(1) مجمع البيان: ج 6،(ص)424.
(2) مجمع البيان: ج 9،(ص)251.
157
يقال سبت شعره إذا حلقه و هو يرجع إلى معنى القطع و النعال السبتية التي لا شعر عليها.
قال عنترة
بطل كأن ثيابه في سرحة* * * يحذي نعال السبت ليس بتوأم.
و يقال لكل أرض مرتفعة منقطعة مما حولها سبتاء و جمعها سباتى فيكون المعنى على هذا الجواب جعلنا نومكم قطعا لأعمالكم و تصرفكم و منها أن يكون المراد بذلك أنا جعلنا نومكم سباتا ليس بموت لأن النائم قد يفقد من علومه و قصوده و أحواله أشياء كثيرة يفقدها الميت فأراد سبحانه أن يمتن علينا بأن جعل نومنا الذي يضاهي فيه بعض أحوالنا أحوال الميت ليس بموت على الحقيقة و لا يخرج لنا عن الحياة و الإدراك فجعل التأكيد بذكر المصدر قائما مقام نفي الموت و سادا مسد قوله و جعلنا نومكم ليس بموت و يمكن في الآية وجه آخر لم يذكر فيها هو أن السبات ليس هو كل نوم و إنما هو من صفات النوم إذا وقع على بعض الوجوه و السبات هو النوم الممتد الطويل السكون و لهذا يقال فيمن وصف بكثرة النوم إنه مسبوت و به سبات و لا يقال ذلك في كل نائم و إذا كان الأمر على هذا لم يجر قوله تعالى وَ جَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً مجرى أن يقول و جعلنا نومكم نوما و الوجه في الامتنان علينا بأن جعل نومنا ممتدا طويلا ظاهر و هو لما في ذلك لنا من المنفعة و الراحة لأن التهويم و النوم الغرار لا يكسبان شيئا من الراحة بل يصحبهما في الأكثر القلق و الانزعاج و الهموم هي التي تقلل النوم و تنزره و فراغ القلب و رخاء البال تكون معهما غزارة النوم و امتداده و هذا واضح.
قال السيد (قدس الله روحه) وجدت أبا بكر محمد بن القاسم الأنباري يطعن على الجواب الذي ذكرناه أولا و يقول إن ابن قتيبة أخطأ في اعتماده لأن الراحة لا يقال لها سبات و لا يقال سبت الرجل بمعنى استراح و أراح و يعتمد على الجواب الذي ثنينا بذكره و يقول في ما استشهد به ابن قتيبة من قوله سبتت المرأة شعرها إن معناه أيضا القطع لأن ذلك إنما يكون بإزالة الشداد الذي كان مجموعا به
158
و قطعه و المقدار الذي ذكره ابن الأنباري لا يقدح في جواب ابن قتيبة لأنه لا ينكر أن يكون السبات هو الراحة و الدعة إذا كانتا عن نوم و إن لم توصف كل راحة بأنها سبات و يكون هذا الاسم يخص الراحة إذا كانت على هذا الوجه و لهذا نظائر كثيرة في الأسماء و إذا أمكن ذلك لم يكن في امتناع قولهم سبت الرجل بمعنى استراح في كل موضع دلالة على أن السبات لا يكون اسما للراحة عند النوم و الذي يبقى على ابن قتيبة أن يبين أن السبات هو الراحة و الدعة و يستشهد على ذلك بشعر أو لغة فإن البيت الذي ذكره يمكن أن يكون المراد به القطع دون التمدد و الاسترسال.
فإن قيل فما الفرق بين جواب ابن قتيبة و جوابكم الذي ذكرتموه أخيرا قلنا الفرق بينهما بين لأن ابن قتيبة جعل السبات نفسه راحة و جعله عبارة عنها و أخذ يستشهد على ذلك بالتمدد دون غيره و نحن جعلنا السبات نفسه من صفات النوم و الراحة واقعة عنده للامتداد و طول السكون فيه فلا يلزمنا أن نقول سبت الرجل بمعنى استراح لأن الشيء لا يسمى بما يقع عنده حقيقة و الاستراحة تقع على جوابنا عند السبات و ليس السبات إياها بعينها على أن في الجواب الذي اختاره ابن الأنباري ضربا من الكلام لأن السبت و إن كان القطع على ما ذكره فلم يسمع فيه البناء الذي ذكره و هو السبات و يحتاج في إثبات مثل هذا البناء إلى سمع عن أهل اللغة و قد كان يجب أن يورد من أي وجه إذا كان السبت هو القطع جاز أن يقال سبات على هذا المعنى و لم نره فعل ذلك (1).
1- مَجَالِسُ الصَّدُوقِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)عَنِ الرَّجُلِ يَنَامُ فَيَرَى الرُّؤْيَا فَرُبَّمَا كَانَتْ حَقّاً وَ رُبَّمَا كَانَتْ بَاطِلًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَا عَلِيُّ مَا مِنْ عَبْدٍ يَنَامُ إِلَّا عُرِجَ بِرُوحِهِ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَمَا رَأَى عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَهُوَ حَقٌّ ثُمَّ إِذَا أَمَرَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ بِرَدِّ رُوحِهِ إِلَى جَسَدِهِ فَصَارَتِ الرُّوحُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ فَمَا
____________
(1) الغرر و الدر ج 1(ص)337- 340.
159
رَأَتْهُ فَهُوَ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ (1).
2- وَ مِنْهُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ وَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنْ مُحَسِّنِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّ لِإِبْلِيسَ شَيْطَاناً يُقَالُ لَهُ هُزَعُ يَمْلَأُ الْمَشْرِقَ وَ الْمَغْرِبَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ يَأْتِي النَّاسَ فِي الْمَنَامِ (2).
3- قُرْبُ الْإِسْنَادِ، عَنْ هَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَنْ رَأَى أَنَّهُ فِي الْحَرَمِ وَ كَانَ خَائِفاً أَمِنَ.
4- تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ قَالَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ يَرَاهَا الْمُؤْمِنُ وَ فِي الْآخِرَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ (3).
5- الْمَحَاسِنُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ دَاوُدَ عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَعَثَنِي إِنْسَانٌ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)زَعَمَ أَنَّهُ يَفْزَعُ فِي مَنَامِهِ مِنِ امْرَأَةٍ تَأْتِيهِ قَالَ فَصِحْتُ حَتَّى سَمِعَ الْجِيرَانُ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)اذْهَبْ فَقُلْ إِنَّكَ لَا تُؤَدِّي الزَّكَاةَ قَالَ بَلَى وَ اللَّهِ إِنِّي لَأُؤَدِّيهَا فَقَالَ قُلْ لَهُ إِنْ كُنْتَ تُؤَدِّيهَا لَا تُؤَدِّيهَا إِلَى أَهْلِهَا (4).
6- الْخَرَائِجُ، رُوِيَ أَنَّ أَبَا عُمَارَةَ الْمَعْرُوفَ بِالطَّيَّانِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَعِي قَنَاةً قَالَ كَانَ فِيهَا زُجٌّ قُلْتُ لَا قَالَ لَوْ رَأَيْتَ فِيهَا زُجّاً لَوُلِدَ (5) لَكَ غُلَامٌ لَكِنَّهُ (6) تُولَدُ جَارِيَةٌ ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ كَمْ فِي الْقَنَاةِ مِنْ كَعْبٍ قُلْتُ اثْنَا عَشَرَ كَعْباً قَالَ تَلِدُ الْجَارِيَةُ اثْنَيْ عَشَرَ بِنْتاً.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْعَبَّاسَ بْنَ الْوَلِيدِ فَقَالَ: أَنَا مِنْ
____________
(1) الأمالي: 89.
(2) الأمالي: 89. و زاد: «و لهذا يرى الاضغاث».
(3) تفسير القمّيّ: 289.
(4) المحاسن: 87.
(5) يولد (خ).
(6) لكن (خ).
160
وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَ لِي إِحْدَى عَشْرَةَ خَالَةً وَ أَبُو عُمَارَةَ جَدِّي.
7- الْمَنَاقِبُ، عَنْ يَاسِرٍ الْخَادِمِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ قَفَصاً فِيهِ سَبْعَ عَشْرَةَ قَارُورَةً إِذْ وَقَعَ الْقَفَصُ فَتَكَسَّرَتِ الْقَوَارِيرُ فَقَالَ إِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاكَ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَمْلِكُ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْماً ثُمَّ يَمُوتُ فَخَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بِالْكُوفَةِ مَعَ أَبِي السَّرَايَا فَمَكَثَ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْماً ثُمَّ مَاتَ (1).
الكافي، عن الحسين عن أحمد بن هلال عن ياسر مثله (2) بيان إن صدقت رؤياك أي لم تكن من أضغاث الأحلام التي لا تعبير لها أو لم تكذب في نقلها و الأول أظهر و محمد بن إبراهيم هو طباطبا بايعه أولا أبو السرايا و خرج و لما مات بايع محمد بن زيد و قال الطبري في تاريخه كان اسم أبي السرايا سري بن منصور و كان من أولاد هاني بن قبيصة الذي عصى على كسرى أَبَرْوِيزَ و كان أبو السرايا من أمراء المأمون ثم عصى في الكوفة على أمير العراق و بايع محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين(ع)ثم أرسل إليه حسن بن سهل أمير العراق جندا فقاتلوه و أسر و قتل.
8- الْكَشِّيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى قَالَ قَالَ لِي يَاسِرٌ الْخَادِمُ إِنَّ أَبَا الْحَسَنِ الثَّانِيَ(ع)أَصْبَحَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ قَالَ فَقَالَ لِي رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ مَوْلًى لِعَلِيِّ بْنِ يَقْطِينٍ وَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ غُرَّةٌ بَيْضَاءُ فَتَأَوَّلْتُ ذَلِكَ عَلَى الدِّينِ.
9- دَعَوَاتُ الرَّاوَنْدِيِّ، حَدَّثَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ رَأَيْتُكَ فِي النَّوْمِ كَأَنِّي أَقُولُ لَكَ كَمْ بَقِيَ مِنْ أَجَلِي فَقُلْتَ لِي بِيَدِكَ هَكَذَا وَ أَوْمَأَ إِلَى خَمْسٍ وَ قَدْ شَغَلَ ذَلِكَ قَلْبِي فَقَالَ(ع)إِنَّكَ سَأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ هِيَ خَمْسٌ تَفَرَّدَ اللَّهُ بِهَا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي
____________
(1) المناقب: ج 4،(ص)352.
(2) روضة الكافي: 275.
161
نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (1)
بيان قال الطبرسي رحمه الله
- جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ مَفَاتِيحَ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ وَ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ.
- وَ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الْخَمْسَةَ لَا يَعْلَمُهَا عَلَى التَّفْصِيلِ وَ التَّحْقِيقِ غَيْرُهُ تَعَالَى (2).
. أقول هذا لا ينافي ما أخبروا(ع)به من هذه الأشياء على سبيل الإعجاز لأنه كان بالوحي و الإلهام و كان عدم الإخبار في هذا المقام لعدم وصول الخبر من الله تعالى إليه في تلك الواقعة أو لمصلحة و قد مر القول فيه في كتاب الإمامة.
10- الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقَالَ رَأَيْتُ كَأَنَّ الشَّمْسَ طَالِعَةٌ عَلَى رَأْسِي دُونَ جَسَدِي فَقَالَ تَنَالُ أَمْراً جَسِيماً وَ نُوراً سَاطِعاً وَ دِيناً شَامِلًا فَلَوْ غَطَّتْكَ لَانْغَمَسْتَ فِيهِ وَ لَكِنَّهَا غَطَّتْ رَأْسَكَ أَ مَا قَرَأْتَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي (3) فَلَمَّا أَفَلَتْ تَبَرَّأَ مِنْهَا إِبْرَاهِيمُ(ع)قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ الشَّمْسَ خَلِيفَةٌ أَوْ مَلِكٌ فَقَالَ مَا أَرَاكَ تَنَالُ الْخِلَافَةَ وَ لَمْ يَكُنْ فِي آبَائِكَ وَ أَجْدَادِكَ مَلِكٌ وَ أَيُّ خِلَافَةٍ وَ مُلُوكِيَّةٍ أَكْثَرُ (4) مِنَ الدِّينِ وَ النُّورِ تَرْجُو بِهِ دُخُولَ الْجَنَّةِ إِنَّهُمْ يَغْلَطُونَ فَقُلْتُ (5) صَدَقْتَ جُعِلْتُ فِدَاكَ (6).
بيان بازِغَةً أي طالعة و لعل استشهاده(ع)كان بأن إبراهيم(ع)بعد رؤية الشمس و اختلاف أحوالها اهتدى أو أظهر الاهتداء و هدى قومه إلى التوحيد فطلوع الشمس على رأسك علامة لاهتدائك إلى الدين القويم أو بأن الشمس لما
____________
(1) لقمان: 34.
(2) مجمع البيان: ج 8،(ص)324.
(3) الأنعام: 78.
(4) في المصدر: أكبر.
(5) في بعض النسخ و المصدر: قلت.
(6) روضة الكافي: 291- 292.
162
كان في عالم المحسوسات أضوأ الأنوار حتى إن إبراهيم(ع)قال لموافقة قومه و إتمام الحجة عليهم هذا رَبِّي لغلبة نورها و ظهورها و وصفها بالكبر ثم تبرأ منها لتغير أحوالها الدالة على إمكانها و حدوثها و في الرؤيا تتمثل الأمور المعنوية بالأمور المحسوسة المناسبة لها فينبغي أن يكون هذا النور أضوأ الأنوار المعنوية فليس إلا الدين الحق و الأول أظهر لفظا و الثاني معنى قوله(ع)و لم يكن في آبائك يظهر منه أن تعبير الرؤيا يختلف باختلاف الأشخاص و يحتمل أن يكون الغرض بيان خطإ أصل تعبيرهم بأن ذلك غير محتمل لا أنه لا يستقيم في خصوص تلك المادة.
11- الْكَافِي، بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ رَجُلٍ رَأَى كَأَنَّ الشَّمْسَ طَالِعَةٌ عَلَى قَدَمَيْهِ دُونَ جَسَدِهِ قَالَ(ع)مَالٌ يَنَالُهُ مِنْ نَبَاتِ (1) الْأَرْضِ مِنْ بُرٍّ أَوْ تَمْرٍ يَطَؤُهُ بِقَدَمَيْهِ وَ يَتَّسِعُ فِيهِ وَ هُوَ حَلَالٌ إِلَّا أَنَّهُ يَكُدُّ فِيهِ كَمَا كَدَّ آدَمُ(ع)(2).
12- وَ مِنْهُ، عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الصَّائِغِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَ عِنْدَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فَقُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ رَأَيْتُ رُؤْيَا عَجِيبَةً فَقَالَ يَا ابْنَ مُسْلِمٍ هَاتِهَا فَإِنَّ الْعَالِمَ بِهَا جَالِسٌ وَ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ فَقُلْتُ رَأَيْتُ كَأَنِّي دَخَلْتُ دَارِي وَ إِذَا أَهْلِي قَدْ خَرَجَتْ عَلَيَّ فَكَسَرَتْ جَوْزاً كَثِيراً وَ نَثَرَتْهُ عَلَيَّ فَتَعَجَّبْتُ مِنْ هَذِهِ الرُّؤْيَا فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنْتَ رَجُلٌ تُخَاصِمُ وَ تُجَادِلُ لِئَاماً فِي مَوَارِيثِ أَهْلِكَ فَبَعْدَ نَصَبٍ شَدِيدٍ تَنَالُ حَاجَتَكَ مِنْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَصَبْتَ وَ اللَّهِ يَا أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ ثُمَّ خَرَجَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ عِنْدِهِ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنِّي كَرِهْتُ تَعْبِيرَ هَذَا النَّاصِبِ فَقَالَ يَا ابْنَ مُسْلِمٍ لَا يَسُؤْكَ اللَّهُ فَمَا يُوَاطِئُ تَعْبِيرُهُمْ تَعْبِيرَنَا وَ لَا تَعْبِيرُنَا تَعْبِيرَهُمْ وَ لَيْسَ التَّعْبِيرُ كَمَا عَبَّرَهُ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَقَوْلُكَ أَصَبْتَ وَ تَحْلِفُ عَلَيْهِ وَ هُوَ مُخْطِئٌ قَالَ نَعَمْ حَلَفْتُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَصَابَ الْخَطَاءَ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ فَمَا تَأْوِيلُهَا قَالَ يَا ابْنَ مُسْلِمٍ
____________
(1) في المصدر: نبات من الأرض.
(2) روضة الكافي: 275.
163
إِنَّكَ تَتَمَتَّعُ بِامْرَأَةٍ فَتَعْلَمُ بِهَا أَهْلُكَ فَتَخْرِقُ (1) عَلَيْكَ ثِيَاباً جُدُداً فَإِنَّ الْقِشْرَ كِسْوَةُ اللُّبِّ قَالَ ابْنُ مُسْلِمٍ فَوَ اللَّهِ مَا كَانَ بَيْنَ تَعْبِيرِهِ وَ تَصْحِيحِ الرُّؤْيَا إِلَّا صَبِيحَةُ الْجُمُعَةِ فَلَمَّا كَانَ غَدَاةُ الْجُمُعَةِ أَنَا جَالِسٌ بِالْبَابِ إِذْ مَرَّتْ بِي جَارِيَةٌ فَأَمَرْتُ غُلَامِي فَرَدَّهَا ثُمَّ أَدْخَلَهَا دَارِي فَتَمَتَّعْتُ بِهَا فَأَحَسَّتْ بِي وَ بِهَا أَهْلِي فَدَخَلَتْ عَلَيْنَا الْبَيْتَ فَبَادَرَتِ الْجَارِيَةُ نَحْوَ الْبَابِ فَبَقِيتُ أَنَا فَمَزَّقَتْ عَلَيَّ ثِيَاباً جُدُداً كُنْتُ أَلْبَسُهَا فِي الْأَعْيَادِ وَ جَاءَ مُوسَى الزَّوَّارُ الْعَطَّارُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقَالَ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ رَأَيْتُ رُؤْيَا هَالَتْنِي رَأَيْتُ صِهْراً لِي مَيِّتاً وَ قَدْ عَانَقَنِي وَ قَدْ خِفْتُ أَنْ يَكُونَ الْأَجَلُ قَدِ اقْتَرَبَ فَقَالَ يَا مُوسَى تَوَقَّعِ الْمَوْتَ صَبَاحاً وَ مَسَاءً فَإِنَّهُ مُلَاقِينَا وَ مُعَانَقَةُ الْأَمْوَاتِ لِلْأَحْيَاءِ أَطْوَلُ لِأَعْمَارِهِمْ فَمَا كَانَ اسْمُ صِهْرِكَ قَالَ حُسَيْنٌ فَقَالَ أَمَا إِنَّ رُؤْيَاكَ تَدُلُّ عَلَى بَقَائِكَ وَ زِيَارَتِكَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَإِنَّ كُلَّ مَنْ عَانَقَ سَمِيَّ الْحُسَيْنِ(ع)يَزُورُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَ ذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ قَالَ أَتَى إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)رَجُلٌ فَقَالَ (2) يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ رَأَيْتُ فِي مَنَامِي كَأَنِّي خَارِجٌ مِنْ مَدِينَةِ الْكُوفَةِ فِي مَوْضِعٍ أَعْرِفُهُ وَ كَأَنَّ شَيْخاً (3) مِنْ خَشَبٍ أَوْ رَجُلًا مَنْحُوتاً مِنْ خَشَبٍ عَلَى فَرَسٍ مِنْ خَشَبٍ يُلَوِّحُ بِسَيْفِهِ وَ أَنَا أُشَاهِدُهُ فَزِعاً مَذْعُوراً مَرْعُوباً فَقَالَ(ع)أَنْتَ رَجُلٌ تُرِيدُ اغْتِيَالَ رَجُلٍ فِي مَعِيشَتِهِ فَاتَّقِ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَكَ ثُمَّ يُمِيتُكَ فَقَالَ الرَّجُلُ أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ أُوتِيتَ عِلْماً وَ اسْتَنْبَطْتَهُ مِنْ مَعْدِنِهِ أُخْبِرُكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ عَمَّا قَدْ فَسَّرْتَ لِي إِنَّ رَجُلًا مِنْ جِيرَانِي جَاءَنِي وَ عَرَضَ عَلَيَّ ضَيْعَتَهُ فَهَمَمْتُ أَنْ أَمْلِكَهَا بِوَكْسٍ (4) كَثِيرٍ لِمَا عَرَفْتُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا طَالِبٌ غَيْرِي فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَ صَاحِبُكَ يَتَوَلَّانَا وَ يَبْرَأُ مِنْ عَدُوِّنَا فَقَالَ نَعَمْ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ رَجُلٌ جَيِّدُ الْبَصِيرَةِ مُسْتَحْكِمُ الدِّينِ وَ أَنَا
____________
(1) في المصدر: فتمزق.
(2) في المصدر: فقال له.
(3) فيه: شبحا.
(4) الوكس: النقص.
164
تَائِبٌ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ إِلَيْكَ مِمَّا هَمَمْتُ بِهِ وَ نَوَيْتُهُ فَأَخْبِرْنِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ لَوْ كَانَ نَاصِبِيّاً (1) حَلَّ لِيَ اغْتِيَالُهُ فَقَالَ أَدِّ الْأَمَانَةَ لِمَنِ ائْتَمَنَكَ وَ أَرَادَ مِنْكَ النَّصِيحَةَ وَ لَوْ إِلَى قَاتِلِ الْحُسَيْنِ(ع)(2).
بيان الظاهر أن الراوي عن الزوار و القرشي هو محمد بن مسلم و يحتمل الإرسال من الكليني قوله أو رجلا كأن الترديد من الراوي و يقال لوّح بسيفه على بناء التفعيل أي لمع به.
13- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْجَهْمِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ(ع)يَقُولُ الرُّؤْيَا عَلَى مَا تُعَبَّرُ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا رَوَى أَنَّ رُؤْيَا الْمَلِكِ كَانَتْ أَضْغَاثَ أَحْلَامٍ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ(ع)إِنَّ امْرَأَةً رَأَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنَّ جِذْعَ بَيْتِهَا انْكَسَرَ (3) فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ(ص)فَقَصَّتْ عَلَيْهِ الرُّؤْيَا فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ(ص)يَقْدَمُ زَوْجُكِ وَ يَأْتِي وَ هُوَ صَالِحٌ وَ قَدْ كَانَ زَوْجُهَا غَائِباً فَقَدِمَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ(ص)ثُمَّ غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا غَيْبَةً أُخْرَى فَرَأَتْ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ جِذْعَ بَيْتِهَا قَدِ انْكَسَرَ (4) فَأَتَتِ النَّبِيَّ(ص)فَقَصَّتْ عَلَيْهِ الرُّؤْيَا فَقَالَ لَهَا يَقْدَمُ زَوْجُكِ وَ يَأْتِي صَالِحاً فَقَدِمَ عَلَى مَا قَالَ ثُمَّ غَابَ زَوْجُهَا ثَالِثَةً فَرَأَتْ فِي مَنَامِهَا أَنَّ جِذْعَ بَيْتِهَا قَدِ انْكَسَرَ فَلَقِيَتْ رَجُلًا أَعْسَرَ فَقَصَّتْ عَلَيْهِ الرُّؤْيَا فَقَالَ لَهَا الرَّجُلُ السَّوْءُ يَمُوتُ زَوْجُكِ فَبَلَغَ النَّبِيَّ(ص)(5) فَقَالَ أَلَّا كَانَ عَبَّرَ لَهَا خَيْراً (6).
توضيح أضغاث أحلام أي لم تكن لها حقيقة و إنما وقعت كذلك لتعبير يوسف(ع)و إنما أورد الراوي تلك الرواية تأييدا لما ذكره قوله(ص)يقدم
____________
(1) فيه: ناصبا.
(2) روضة الكافي: 293.
(3) في المصدر: قد انكسر.
(4) في بعض النسخ «انكسرت» فى المواضع الثلاثة.
(5) في المصدر: قال: فبلغ ذلك النبيّ.
(6) روضة الكافي: 335.
165
زوجك لعله(ص)عبر انكسار أسطوانة بيتها بفوات ما كان لها من التمكن و التصرف في غيبته و قال الفيروزآبادي يوم عسر و عسير و أعسر شديد أو شؤم و أعسر يسر يعمل بيديه جميعا فإن عمل بالشمال فهو أعسر و المراد هنا الشوم أو من يعمل باليسار فإنه أيضا مشوم و يظهر من أخبار المخالفين أن هذا الأعسر كان أبا بكر و لعله(ص)لم يصرح باسمه تقية قال في النهاية فيه إن امرأة أتت النبي(ص)فقالت رأيت كأن جائز بيتي انكسر فقال يرد الله غائبك فرجع زوجها ثم غاب فرأت مثل ذلك فأتت النبي(ص)فلم تجده و وجدت أبا بكر فأخبرته فقال يموت زوجك فذكرت ذلك لرسول الله(ص)فقال هل قصصتها على أحد قالت نعم قال هو كما قيل لك الجائز الخشبة التي توضع عليها أطراف العوارض في سقف البيت و الجمع أجوزة.
14- الْكَافِي، عَنِ الْعِدَّةِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنِ الْحَلَبِيِّ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: رَأَيْتُ كَأَنِّي عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ وَ النَّاسُ يَصْعَدُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حَتَّى إِذَا كَثُرُوا عَلَيْهِ تَطَاوَلَ بِهِمْ فِي السَّمَاءِ وَ جَعَلَ النَّاسُ يَتَسَاقَطُونَ عَنْهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا عِصَابَةٌ يَسِيرَةٌ فَفُعِلَ ذَلِكَ خَمْسَ مَرَّاتٍ فِي كُلِّ ذَلِكَ يَتَسَاقَطُ عَنْهُ النَّاسُ وَ تَبْقَى تِلْكَ الْعِصَابَةُ أَمَا إِنَّ قَيْسَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَجْلَانَ فِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ فَمَا مَكَثَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا نَحْواً مِنْ خَمْسٍ حَتَّى هَلَكَ (1).
بيان كأن تأويل الرؤيا الفتن التي حدثت بعده (صلوات الله عليه) في الشيعة فارتدوا.
و أقول و روى الكشي عن حمدويه بن نصير عن محمد بن عيسى عن النضر مثله و فيه أما إن ميسر بن عبد العزيز و عبد الله بن عجلان في تلك العصابة فما مكث بعد ذلك إلا نحوا من سنتين حتى هلك(ع)و قيس غير مذكور في كتب الرجال.
15- الْمَحَاسِنُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ قَالَ قَالَ
____________
(1) روضة الكافي: 182- 183.
166
أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا أَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ صَعِدَ (1) اللَّهُ بِأَرْوَاحِهِمْ إِلَيْهِ فَمَنْ قَضَى عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ جَعَلَهُ فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ بِنُورِ (2) رَحْمَتِهِ وَ نُورِ عِزَّتِهِ وَ إِنْ لَمْ يُقَدِّرْ عَلَيْهِ الْمَوْتَ بَعَثَ بِهَا مَعَ أُمَنَائِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَى الْأَبْدَانِ الَّتِي هِيَ فِيهَا (3).
16- الْعَيَّاشِيُّ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: رَأَتْ فَاطِمَةُ(ع)فِي النَّوْمِ كَأَنَّ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ(ع)ذُبِحَا أَوْ قُتِلَا فَأَحْزَنَهَا ذَلِكَ فَأَخْبَرَتْ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ(ص)فَقَالَ يَا رُؤْيَا فَتَمَثَّلَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ أَنْتِ أَرَيْتِ فَاطِمَةَ هَذَا الْبَلَاءَ قَالَتْ لَا فَقَالَ يَا أَضْغَاثُ وَ أَنْتِ أَرَيْتِ فَاطِمَةَ هَذَا الْبَلَاءَ قَالَتْ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَا (4) أَرَدْتِ بِذَلِكِ قَالَتْ أَرَدْتُ (5) أُحْزِنُهَا فَقَالَ(ص)لِفَاطِمَةَ(ع)اسْمَعِي لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ (6).
بيان كأن خطابه(ص)كان لملك الرؤيا و شيطان الأضغاث لقوله سبحانه إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ أو تمثل بإعجازه(ص)لكل منهما مثال و تعلق به روح فسأله و مثل هذا التسلط الذي يذهب أثره سريعا من الشيطان و لم يوجب معصية على المعصومين(ع)لم يدل دليل على نفيه و لا ينافيه قوله تعالى إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ (7) و قد مر بعض القول فيه في كتاب النبوة و سيأتي أيضا إن شاء الله تعالى.
17- فَرَجُ الْمَهْمُومِ، نَقْلًا مِنْ كِتَابِ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا لِلْكُلَيْنِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَوْمٌ يَقُولُونَ النُّجُومُ أَصَحُّ مِنَ الرُّؤْيَا وَ ذَلِكَ (8) كَانَتْ صَحِيحَةً حِينَ لَمْ يُرَدَّ الشَّمْسُ عَلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ وَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الشَّمْسَ عَلَيْهِمَا ضَلَّ فِيهِمَا عُلَمَاءُ النُّجُومِ فَمِنْهُمْ مُصِيبٌ وَ مِنْهُمْ مُخْطِئٌ.
18- الْبَصَائِرُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)مَنِ الرَّسُولُ وَ مَنِ النَّبِيُّ وَ مَنِ الْمُحَدَّثُ فَقَالَ الرَّسُولُ الَّذِي يَأْتِيهِ
____________
(1) في المصدر: أصعد.
(2) فيه: فى كنوز رحمته.
(3) المحاسن: 178.
(4) في المصدر: فما اردت.
(5) فيه: اردت أن أحزنها.
(6) تفسير العيّاشيّ: ج 2،(ص)172.
(7) الحجر: 41.
(8) كذا.
167
جَبْرَئِيلُ فَيُكَلِّمُهُ قُبُلًا فَيَرَاهُ كَمَا يَرَى أَحَدُكُمْ صَاحِبَهُ الَّذِي يُكَلِّمُهُ فَهَذَا الرَّسُولُ وَ النَّبِيُّ الَّذِي يُؤْتَى فِي النَّوْمِ نَحْوَ رُؤْيَا إِبْرَاهِيمَ وَ نَحْوَ مَا كَانَ يَأْخُذُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)مِنَ السُّبَاتِ إِذَا أَتَاهُ جَبْرَئِيلُ فِي النَّوْمِ فَهَكَذَا النَّبِيُّ وَ مِنْهُمْ مَنْ تُجْمَعُ (1) لَهُ الرِّسَالَةُ وَ النُّبُوَّةُ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)رَسُولًا نَبِيّاً يَأْتِيهِ جَبْرَئِيلُ قُبُلًا فَيُكَلِّمُهُ وَ يَرَاهُ وَ يَأْتِيهِ فِي النَّوْمِ وَ أَمَّا الْمُحَدَّثُ فَهُوَ الَّذِي يَسْمَعُ كَلَامَ الْمَلَكِ فَيُحَدِّثُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَاهُ وَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْتِيَهُ فِي النَّوْمِ (2).
أقول: قد مضى مثله بأسانيد جمة في كتاب النبوة و كتاب الإمامة و غيرهما.
19- الْإِخْتِصَاصُ، قَالَ الصَّادِقُ(ع)إِذَا كَانَ الْعَبْدُ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْراً أَرَاهُ فِي مَنَامِهِ رُؤْيَا تُرَوِّعُهُ فَيَنْزَجِرُ بِهَا عَنْ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ وَ إِنَّ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ (3).
20- وَ مِنْهُ، عَنْ أَبِي الْفَرَجِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبَلَةَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ مَنْ كَانَتْ لَهُ إِلَى اللَّهِ حَاجَةٌ وَ أَرَادَ أَنْ يَرَانَا وَ أَنْ يَعْرِفَ مَوْضِعَهُ فَلْيَغْتَسِلْ ثَلَاثَةَ لَيَالٍ يُنَاجِي بِنَا فَإِنَّهُ يَرَانَا وَ يُغْفَرُ لَهُ بِنَا وَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَوْضِعُهُ قُلْتُ سَيِّدِي فَإِنَّ رَجُلًا رَآكَ فِي الْمَنَامِ وَ هُوَ يَشْرَبُ النَّبِيذَ قَالَ لَيْسَ النَّبِيذُ يُفْسِدُ عَلَيْهِ دِينَهُ إِنَّمَا يُفْسِدُ عَلَيْهِ تَرْكُنَا وَ تَخَلُّفُهُ عَنَّا (4) الْخَبَرَ.
21- مَجَالِسُ الصَّدُوقِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَاتَانَةَ (5) عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْكَرْخِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِلصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)إِنَّ رَجُلًا رَأَى رَبَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي مَنَامِهِ فَمَا يَكُونُ ذَلِكَ فَقَالَ ذَلِكَ
____________
(1) في البصائر: يجتمع.
(2) بصائر الدرجات: 371.
(3) الاختصاص: 241.
(4) المصدر: 90.
(5) بالنون أولا و آخرا و التاء في الوسط كما حكى في التعليقة عن جده المجلسيّ الأول- ره- و قيل في ضبطه وجوه اخرى.
168
رَجُلٌ لَا دِينَ لَهُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا يُرَى فِي الْيَقَظَةِ وَ لَا فِي الْمَنَامِ وَ لَا فِي الدُّنْيَا وَ لَا فِي الْآخِرَةِ (1).
22- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَدِيدٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَحَدِهِمَا(ع)قَالَ: أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ يَوْماً كَئِيباً حَزِيناً فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ(ع)مَا لِي أَرَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَئِيباً حَزِيناً فَقَالَ(ص)وَ كَيْفَ لَا أَكُونُ كَذَلِكَ وَ قَدْ رَأَيْتُ فِي لَيْلَتِي هَذِهِ أَنَّ بَنِي تَيْمٍ وَ بَنِي عَدِيٍّ وَ بَنِي أُمَيَّةَ يَصْعَدُونَ مِنْبَرِي هَذَا يَرُدُّونَ النَّاسَ عَنِ الْإِسْلَامِ الْقَهْقَرَى فَقُلْتُ يَا رَبِّ فِي حَيَاتِي أَوْ بَعْدَ مَوْتِي فَقَالَ بَعْدَ مَوْتِكَ (2).
23- وَ مِنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَ مُحَسِّنِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى الْقَمَّاطِ عَنْ عَمِّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: رَأَى (3) رَسُولُ اللَّهِ(ص)بَنِي أُمَيَّةَ يَصْعَدُونَ عَلَى مِنْبَرِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَ يُضِلُّونَ النَّاسَ عَنِ الصِّرَاطِ الْقَهْقَرَى فَأَصْبَحَ كَئِيباً حَزِيناً قَالَ فَهَبَطَ عَلَيْهِ جَبْرَئِيلُ(ع)فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِي أَرَاكَ كَئِيباً حَزِيناً قَالَ يَا جَبْرَئِيلُ إِنِّي رَأَيْتُ بَنِي أُمَيَّةَ فِي لَيْلَتِي هَذِهِ يَصْعَدُونَ مِنْبَرِي مِنْ بَعْدِي يُضِلُّونَ النَّاسَ عَنِ الصِّرَاطِ الْقَهْقَرَى فَقَالَ وَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيّاً إِنَّ هَذَا شَيْءٌ مَا اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ فَعَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ بِآيٍ مِنَ الْقُرْآنِ يُؤْنِسُهُ بِهَا قَالَ أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ وَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَ ما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لِنَبِيِّهِ(ص)خَيْراً مِنْ أَلْفِ شَهْرِ مُلْكِ بَنِي أُمَيَّةَ (4).
____________
(1) البصائر: 363.
(2) روضة الكافي: 345.
(3) في أكثر النسخ: أرى.
(4) لم نجد الرواية بعينها في الكافي، و في الروضة (ص 222) رواية تتحد معها مضمونا و تفترق عنها في مواضع من السند و المتن، اما السند فهي عن سهل بن زياد عن.
169
24- كِتَابُ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ وَ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ قُلْتُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)وَ سُئِلَ عَنْهَذِهِ الْآيَةِ وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ (1) فَقَالَ إِنِّي رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَئِمَّةِ الضَّلَالِ يَصْعَدُونَ مِنْبَرِي وَ يَنْزِلُونَ يَرُدُّونَ أُمَّتِي عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى فِيهِمْ رَجُلَانِ مِنْ حَيَّيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ مُخْتَلِفَيْنِ وَ ثَلَاثَةٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَ سَبْعَةٌ مِنْ وُلْدِ الْحَكَمِ بْنِ الْعَاصِ إِذَا بَلَغُوا خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا جَعَلُوا كِتَابَ اللَّهِ دَخَلًا وَ عِبَادَ اللَّهِ خَوَلًا الْحَدِيثَ.
25- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنِ ابْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)الْفَرْقُ مِنَ السُّنَّةِ قَالَ لَا قُلْتُ هَلْ فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)قَالَ نَعَمْ قُلْتُ كَيْفَ (2) ذَلِكَ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)حِينَ صُدَّ عَنِ الْبَيْتِ وَ قَدْ كَانَ سَاقَ الْهَدْيَ وَ أَحْرَمَ أَرَاهُ اللَّهُ الرُّؤْيَا الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ إِذْ يَقُولُ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ (3) فَعَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَنَّهُ سَيَفِي لَهُ بِمَا أَرَاهُ فَمِنْ ثَمَّ وَفَّرَ ذَلِكَ الشَّعْرَ الَّذِي كَانَ عَلَى رَأْسِهِ حِينَ أَحْرَمَ انْتِظَاراً لِحَلْقِهِ فِي الْحَرَمِ حَيْثُ وَعَدَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فَلَمَّا حَلَقَهُ لَمْ يُعِدْ تَوْفِيرَ (4) الشَّعْرِ وَ لَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ قَبْلِهِ (5).
____________
محمّد بن عبد الحميد عن يونس .. الخ، و أمّا المتن فتبتدأ هكذا: قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول هبط جبرئيل على رسول اللّه (صّلى الّله عليه و آله) و رسول اللّه (صّلى الّله عليه و آله) كئيب حزين .. و لعله وقع سهو في ذكر المصدر.
(1) الإسراء: 60.
(2) في المصدر: كيف فرق رسول اللّه (صّلى الّله عليه و آله) و ليس من السنة؟ قال: من أصابه ما أصاب رسول اللّه (صّلى الّله عليه و آله) يفرق كما فرق رسول اللّه(ص)فقد أصاب سنة رسول اللّه(ص)و الا فلا قلت له: كيف ذلك؟.
(3) الفتح: 27.
(4) في المصدر: فى توفير.
(5) الكافي: ج 6،(ص)486.
170
26- مَجَالِسُ الصَّدُوقِ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فِي خُرُوجِهِ إِلَى صِفِّينَ فَلَمَّا نَزَلَ نَيْنَوَى وَ هُوَ بِشَطِّ الْفُرَاتِ تَوَضَّأَ وَ صَلَّى ثُمَّ نَعَسَ فَانْتَبَهَ فَقَالَ رَأَيْتُ فِي مَنَامِي كَأَنِّي بِرِجَالٍ قَدْ نَزَلُوا مِنَ السَّمَاءِ مَعَهُمْ أَعْلَامٌ بِيضٌ قَدْ تَقَلَّدُوا سُيُوفَهُمْ وَ هِيَ بِيضٌ تَلْمَعُ وَ قَدْ خَطُّوا حَوْلَ هَذِهِ الْأَرْضِ خَطَّةً ثُمَّ رَأَيْتُ كَأَنَّ هَذِهِ النَّخِيلَ قَدْ ضَرَبَتْ بِأَغْصَانِهَا الْأَرْضَ يَضْطَرِبُ بِدَمٍ عَبِيطٍ وَ كَأَنِّي بِالْحُسَيْنِ فَرْخِي وَ مُضْغَتِي وَ مُخِّي قَدْ غَرِقَ فِيهِ يَسْتَغِيثُ فَلَا يُغَاثُ وَ كَأَنَّ الرِّجَالَ الْبِيضَ قَدْ نَزَلُوا مِنَ السَّمَاءِ يُنَادُونَهُ وَ يَقُولُونَ صَبْراً آلَ الرَّسُولِ فَإِنَّكُمْ تُقْتَلُونَ عَلَى أَيْدِي شِرَارِ النَّاسِ وَ هَذِهِ الْجَنَّةُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إِلَيْكَ مُشْتَاقَةٌ ثُمَّ يُعَزُّونَنِي (1) وَ يَقُولُونَ يَا أَبَا الْحَسَنِ أَبْشِرْ فَقَدْ أَقَرَّ اللَّهُ (2) عَيْنَكَ بِهِ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ثُمَّ انْتَبَهْتُ هَكَذَا وَ الَّذِي نَفْسُ عَلِيٍّ بِيَدِهِ لَقَدْ نَبَّأَنِيَ الصَّادِقُ الْمُصَدَّقُ أَبُو الْقَاسِمِ(ص)أَنِّي سَأَرَاهَا فِي خُرُوجِي إِلَى أَهْلِ الْبَغْيِ عَلَيْنَا وَ هَذِهِ أَرْضُ كَرْبٍ وَ بَلَاءٍ يُدْفَنُ فِيهَا الْحُسَيْنُ وَ سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ وُلْدِي وَ وُلْدِ فَاطِمَةَ (3) وَ الْحَدِيثُ مُخْتَصَرٌ.
27- الْمَكَارِمُ، رُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ(ع)قَالَ: كُنْتُ أَدْعُو اللَّهَ سَنَةً عَقِيبَ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ يُعَلِّمَنِيَ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ فَإِنِّي (4) ذَاتَ يَوْمٍ قَدْ صَلَّيْتُ الْفَجْرَ فَغَلَبَتْنِي عَيْنَايَ وَ أَنَا قَاعِدٌ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ قَائِمٍ بَيْنَ يَدَيَّ يَقُولُ لِي سَأَلْتَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعَلِّمَكَ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ قال (5) [قُلْتُ نَعَمْ قَالَ قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ اللَّهِ اللَّهِ اللَّهِ اللَّهِ (6) الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ قَالَ فَوَ اللَّهِ مَا دَعَوْتُ بِهَا لِشَيْءٍ إِلَّا رَأَيْتُ نُجْحَهُ (7).
____________
(1) يعزونى (خ).
(2) في الأمالي: اقر اللّه به عينك يوم القيامة.
(3) الأمالي: 356.
(4) في المصدر: فبينا أنا ذات.
(5) في المصدر «قلت» و هو الصواب.
(6) في المصدر تكرر لفظة الجلالة خمس مرّات.
(7) مكارم الأخلاق: 408.
171
أقول: قد مر رؤيا عبد المطلب في بشارة النبي(ص)أنه رأى أن شجرة قد نبتت على ظهره قد نال رأسها السماء و ضربت بأغصانها الشرق و الغرب و أن نورا يزهر منها أعظم من نور الشمس و أن العرب و العجم ساجدة لها و هي كل يوم تزداد عظما و نورا و أن رهطا من قريش يريدون قطعها فإذا دنوا منها يأخذهم شاب من أحسن الناس وجها و يكسر ظهورهم و يقلع أعينهم فقالت الكاهنة لئن صدقت ليخرجن من صلبك ولد يملك الشرق و الغرب و ينبأ في الناس و قد مر أيضا رؤياه في حفر زمزم و السيوف و هي طويلة و قد مرت منامات آمنة في ولادة النبي(ص)و مضى رؤيا العباس في بشارة النبي(ص)أنه رأى أنه خرج من منخر عبد الله بن عبد المطلب طائر أبيض فطار و بلغ المشرق و المغرب ثم رجع حتى سقط على بيت الكعبة فسجدت له قريش كلها فصار نورا بين السماء و الأرض و امتد حتى بلغ المشرق و المغرب فقالت كاهنة بني مخزوم يا عباس لئن صدقت رؤياك ليخرجن من صلبه ولد يصير أهل المشرق و المغرب تبعا له و تقدم في غزوة بدر أن عاتكة بنت عبد المطلب رأت أن راكبا قد دخل مكة ينادي ثلاث مرات يا آل عدي يا آل فهر اغدوا إلى مصارعكم فأخذ حجرا فدهدهه من الجبل فما ترك دارا من دور قريش إلا أصابته منه فلذة و كان وادي مكة قد صار من أسفله دما فوافى زمزم بعد ثلاث و نادى فيهم أدركوا العير فكانت غزوة بدر
- وَ مَرَّ فِي وِلَادَةِ الْحُسَيْنِ(ع)أَنَّ أُمَّ أَيْمَنَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُ فِي لَيْلَتِي هَذِهِ كَأَنَّ بَعْضَ أَعْضَائِكَ مُلْقًى فِي بَيْتِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)تَلِدُ فَاطِمَةُ الْحُسَيْنَ فَتُرَبِّينَهُ وَ تَلُفِّينَهُ فَيَكُونُ بَعْضُ أَعْضَائِي فِي بَيْتِكَ.
و تقدم أيضا أن امرأة حنظلة بن أبي عامر الراهب رأت في المنام كأن السماء انفرجت فوقع فيها حنظلة ثم انضمت فذهب حنظلة إلى أحد فاستشهد و تقدم أيضا منامات غريبة من بختنصر منها أنه رأى في المنام كأن ملائكة السماء هبطت إلى الأرض أفواجا إلى الجب الذي حبس فيه دانيال(ع)مسلمين عليه يبشرونه بالفرج فندم على ما فعل و أخرجه من الجب و منها أنه رأى في نومه كأن رأسه من حديد و رجليه من نحاس و صدره من ذهب فعبرها دانيال بأنه يذهب ملكه و يقتل بعد ثلاث
173
و قال الخطابي في أعلام الحديث قوله إذا اقترب الزمان فيه قولان أحدهما أن يكون معناه تقارب زمان الليل و النهار وقت استوائهما أيام الربيع و ذلك وقت اعتدال الطبائع الأربع غالبا و كذلك هو في الخريف و المعبرون يقولون أصدق الرؤيا ما كان وقت اعتدال الليل و النهار و إدراك الثمار و ينعها و الوجه الآخر أن اقتراب الزمان انتهاء مدة إذا دنا قيام الساعة.
و أصدقهم رؤيا قال النووي في شرح الصحيح ظاهره الإطلاق و قيد القاضي بآخر الزمان عند انقطاع العلم بموت العلماء و الصالحين فجعله الله جابرا و منبها لهم و الأول أظهر لأن غير الصادق في حديثه يتطرق الخلل إلى رؤياه و حكايته إياها.
32- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُعَمَّرِ بْنِ خَلَّادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ(ع)يَقُولُ رُبَّمَا رَأَيْتُ الرُّؤْيَا فَأُعَبِّرُهَا وَ الرُّؤْيَا عَلَى مَا تُعَبَّرُ (1).
بيان قال في النهاية فيه الرؤيا لأول عابر يقال عبرت الرؤيا أعبرها عبرا و عبرتها تعبيرا إذا أولتها و فسرتها و خبرت بآخر ما يئول إليه أمرها يقال هو عابر الرؤيا و عابر للرؤيا و هذه اللام تسمى لام التعقيب لأنها عقبت الإضافة و العابر الناظر في الشيء و المعبر المستدل بالشيء على الشيء و منه الحديث للرؤيا كنى و أسماء فكنوها بكناها و اعتبروها بأسمائها و منه حديث ابن سيرين كان يقول إني أعتبر الحديث المعنى فيه أنه يعبر الرؤيا على الحديث و يعتبر به كما يعتبرها بالقرآن في تأويلها مثل أن يعبر الغراب بالرجل الفاسق و الضلع بالمرأة لأن النبي(ص)سمى الغراب فاسقا و جعل المرأة كالضلع و نحو ذلك من الكنى و الأسماء انتهى قوله(ع)على ما تعبر أي تقع موافقة لما عبرت به.
33- الْكَافِي، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ وَ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَالِبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)كَانَ يَقُولُ إِنَّ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تُرَفُّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ
____________
(1) روضة الكافي: 335.
172
يقتله رجل من ولد فارس فكان كذلك و رأى المؤبدان في ولادة النبي(ص)في المنام إبلا صعابا يقود خيلا عرابا.
28- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ فَدَعَا اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَهُ غُلَاماً ثَلَاثَ سِنِينَ فَلَمَّا رَأَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُجِيبُهُ قَالَ يَا رَبِّ أَ بَعِيدٌ أَنَا مِنْكَ فَلَا تَسْمَعُنِي أَمْ قَرِيبٌ أَنْتَ مِنِّي فَلَا تُجِيبُنِي قَالَ فَأَتَاهُ آتٍ فِي مَنَامِهِ فَقَالَ إِنَّكَ تَدْعُو اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ مُنْذُ ثَلَاثِ سِنِينَ بِلِسَانٍ بَذِيٍّ وَ قَلْبٍ عَاتٍ غَيْرِ تَقِيٍّ وَ نِيَّةٍ غَيْرِ صَادِقَةٍ فَأَقْلِعْ عَنْ بَذَائِكَ وَ لْيَتَّقِ اللَّهَ قَلْبُكَ وَ لْتَحْسُنْ نِيَّتُكَ قَالَ فَفَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِكَ ثُمَّ دَعَا اللَّهَ فَوُلِدَ لَهُ الْغُلَامُ (1).
29- مَجَالِسُ الشَّيْخِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ: كَانَ أَبِي يَنَالُ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَأُتِيَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ أَنْتَ السَّابُّ عَلِيّاً فَحَنِقَ حَتَّى أَحْدَثَ فِي فِرَاشِهِ ثَلَاثاً.
30- قِصَصُ الرَّاوَنْدِيِّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ طِرْبَالٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: لَمَّا أَمَرَ الْمَلِكُ بِحَبْسِ يُوسُفَ(ع)فِي السِّجْنِ أَلْهَمَهُ اللَّهُ تَأْوِيلَ الرُّؤْيَا فَكَانَ يُعَبِّرُ لِأَهْلِ السِّجْنِ رُؤْيَاهُمْ.
31- مَجَالِسُ ابْنِ الشَّيْخِ، عَنْ وَالِدِهِ عَنِ ابْنِ مَخْلَدٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَلَّامٍ عَنْ قَبِيصَةَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ هِشَامٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: إِذَا تَقَارَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكْذِبْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ وَ أَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُهُمْ حَدِيثاً.
بيان هذه الرواية رواها من طرق المخالفين قال في النهاية فيه إذا تقارب الزمان و في رواية اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب أراد اقتراب الساعة و قيل اعتدال الليل و النهار و تكون الرؤيا فيه صحيحة لاعتدال الزمان و اقترب افتعل من القرب و تقارب تفاعل منه و يقال للشيء إذا ولى و أدبر تقارب و منه حديث المهدي يتقارب الزمان حتى تكون السنة كالشهر انتهى.
____________
(1) الكافي: ج 2،(ص)324.
174
عَلَى رَأْسِ صَاحِبِهَا حَتَّى يُعَبِّرَهَا لِنَفْسِهِ أَوْ يُعَبِّرَهَا لَهُ مِثْلُهُ فَإِذَا عُبِّرَتْ لَزِمَتِ الْأَرْضَ فَلَا تَقُصُّوا رُؤْيَاكُمْ إِلَّا عَلَى مَنْ يَعْقِلُ (1).
بيان في القاموس رف الطائر أي بسط جناحيه كرفرف و الرفرفة تحريك الظليم جناحيه حول الشيء يريد أن يقع عليه انتهى و في تشبيه الرؤيا بالطير و إثبات الرفرفة و ترشيحه بالقص الذي هو قطع الجناح و بلزوم الأرض لطائف لا تخفى و في النهاية في حديث الرؤيا لا تقصها إلا على واد يقال قصصت الرؤيا على فلان إذا أخبرته بها أقصها قصا و القص البيان.
34- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)الرُّؤْيَا لَا تُقَصُّ إِلَّا عَلَى مُؤْمِنٍ خَلَا مِنَ الْحَسَدِ وَ الْبَغْيِ (2).
بيان إنما اشترط(ع)ذلك لئلا يتعمد المعبر تعبيرها بالسوء حسدا و بغيا أقول
- رَوَى الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ(ص)رَجُلٌ وَ هُوَ يَخْطُبُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ الْبَارِحَةَ كَأَنَّ عُنُقِي ضُرِبَتْ فَسَقَطَ رَأْسِي فَاتَّبَعْتُهُ فَأَخَذْتُهُ ثُمَّ أَعَدْتُهُ مَكَانَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِذَا لَعِبَ الشَّيْطَانُ بِأَحَدِكُمْ فِي مَنَامِهِ فَلَا يُحَدِّثَنَّ بِهِ النَّاسَ.
و
- عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا فَيُهِمُّنِي حَتَّى سَمِعْتُ أَبِي قَتَادَةَ يَقُولُ كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا فَيُمْرِضُنِي حَتَّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ وَ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ وَ لْيَنْقُلْ (3) عَنْ يَسَارِهِ وَ لْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَ مِنْ شَرِّ مَا رَأَى فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ.
ثم قال فيه إرشاد للمستعبر لموضع رؤياه فإن رأى ما يكره لا يحدث به حتى لا يستقبله في تعبيرها ما يزداد به هما فإن رأى ما يحبه فلا يحدث به إلا من يحبه لأنه لا يأمن ممن لا يحبه أن يعبره حسدا على غير وجهه فيغمه أو يكيده بأمر كما أخبر الله تعالى عن يعقوب حين قص عليه يوسف رؤياه
____________
(1) الروضة: 336.
(2) الروضة: 336.
(3) و ليتفل ظ.
175
لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً
- وَ رُوِيَ عَنْ أَبِي رَزِينٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَ أَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ وَ هِيَ عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ فَإِذَا حَدَّثْتَ بِهَا وَقَعَتْ وَ أَحْسَبُهُ قَالَ لَا تُحَدِّثْ بِهَا إِلَّا حَبِيباً أَوْ لَبِيباً.
- وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ يُعَبَّرْ فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ قَالَ وَ أَحْسَبُهُ قَالَ وَ لَا تَقُصَّهَا إِلَّا عَلَى وَادٍّ أَوْ ذِي رَأْيٍ.
الواد لا يحب أن يستقبلك في تفسيرها إلا بما تحب و إن لم يكن عالما بالعبارة لم يعجل لك بما يغمك و أما ذو الرأي فمعناه ذو العلم بعبارتها فهو يخبرك بحقيقة تفسيرها أو بأقرب مما تعلم منها و لعله أن يكون في تفسيرها موعظة يردعك عن قبيح ما أنت عليه أو يكون فيها بشرى فتشكر الله عليها قال و روى أبو أيوب مرسلا أن النبي(ص)قال إن الرؤيا يقع على ما عبر و مثل ذلك مثل رجل رفع رجله فهو ينتظر متى يضعها و إذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحا أو عالما انتهى.
و قال في النهاية فيه الرؤيا لأول عابر و هي على رجل طائر لأول عابر أي إذا عبرها بر صادق عالم بأصولها و فروعها و اجتهد فيها وقعت له دون غيره ممن فسرها بعده و هي على رجل طائر أي أنها على رجل قدر جار و قضاء ماض من خير أو شر و إن ذلك هو الذي قسمه الله تعالى لصاحبها من قولهم اقتسموا دارا فطار سهم فلان في ناحيتها أي وقع سهمه و خرج و كل حركة من كلمة أو شيء يجري لك فهو طائر و المراد أن الرؤيا هي التي يعبرها المعبر الأول فكأنها كانت على رجل طائر فسقطت و وقعت حيث عبرت كما يسقط الذي يكون على رجل الطائر بأدنى حركة.
35- غَوَالِي اللَّئَالِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذَا أُتِيتُ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَظَافِيرِي قَالُوا بِمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْعِلْمِ.
بيان قال في فتح الباري و في رواية من أطرافي و يحتمل أن يكون بصر به و هو الظاهر و أن يكون علمه و يؤيد الأول ما في رواية أخرى فشربت منه حتى
176
رأيته يجري في عروقي بين الجلد و اللحم على أنه محتمل أيضا و قال في حديث أبي هريرة اللبن في المنام فطرة و في رواية أبي بكرة من رأى أنه يشرب لبنا فهو الفطرة و في حديث الإسراء حين أتي بقدح خمر و قدح لبن فأخذ اللبن فقال له جبرئيل أخذت الفطرة و قال إن من الرؤيا ما يدل على الماضي و الحال و المستقبل و هذه أولت على الماضي فإن رؤياه هذه تمثيل بأمر قد وقع لأن الذي أعطيه من العلم كان قد حصل له قال و ذكر الدينوري أن اللبن المذكور فيها يختص بالإبل و أنه لشاربه مال حلال و علم و حكمة قال و لبن البقر خصب السنة و مال حلال و فطرة و لبن السباع غير محمود إلا أن لبن اللبؤة (1) مال مع عداوة لذي أمر.
36- جَامِعُ الْأَخْبَارِ، فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ عَنِ الْأَئِمَّةِ(ع)أَنَّ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ صَحِيحَةٌ لِأَنَّ نَفْسَهُ طَيِّبَةٌ وَ يَقِينَهُ صَحِيحٌ وَ تَخْرُجُ فَتَتَلَقَّى مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَهِيَ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْجَبَّارِ وَ قَالَ(ع)انْقَطَعَ الْوَحْيُ وَ بَقِيَ الْمُبَشِّرَاتُ أَلَا وَ هِيَ نَوْمُ الصَّالِحِينَ وَ الصَّالِحَاتِ وَ لَقَدْ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ أَبِيهِ(ع)أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ مَنْ رَآنِي فِي مَنَامِهِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي وَ لَا فِي صُورَةِ أَحَدٍ مِنْ أَوْصِيَائِي وَ لَا فِي صُورَةِ أَحَدٍ مِنْ شِيعَتِهِمْ وَ إِنَّ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ.
37- كَمَالُ الدِّينِ، يُرْوَى فِي الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ عَنْ أَئِمَّتِنَا(ع)أَنَّ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ(ص)أَوْ أَحَداً مِنَ الْأَئِمَّةِ(ع)(2) قَدْ دَخَلَ مَدِينَةً أَوْ قَرْيَةً فِي مَنَامِهِ فَإِنَّهُ أَمْنٌ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوِ الْقَرْيَةِ مِمَّا يَخَافُونَ وَ يَحْذَرُونَ وَ بُلُوغٌ لِمَا يَأْمُلُونَ وَ يَرْجُونَ.
38- الْفَقِيهُ، قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ(ص)رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ لَهُ جِسْمٌ وَ جَمَالٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ (3) فَقَالَ أَمَّا قَوْلُهُ لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَهِيَ
____________
(1) اللبؤة: انثى الأسد.
(2) (صلوات الله عليهم) (خ).
(3) يونس: 63- 64.
177
الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ يَرَاهَا الْمُؤْمِنُ فَيُبَشَّرُ بِهَا فِي دُنْيَاهُ وَ أَمَّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ فِي الْآخِرَةِ فَإِنَّهَا بِشَارَةُ الْمُؤْمِنِ (1) عِنْدَ الْمَوْتِ يُبَشَّرُ بِهَا عِنْدَ مَوْتِهِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ وَ لِمَنْ يَحْمِلُكَ إِلَى قَبْرِكَ (2).
39- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَمَّرِ بْنِ خَلَّادٍ عَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)إِذَا (3) أَصْبَحَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ هَلْ مِنْ مُبَشِّرَاتٍ يَعْنِي بِهِ الرُّؤْيَا (4).
بيان روت العامة أيضا هذه الرواية بإسنادهم عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله(ص)يقول لم يبق من النبوة إلا المبشرات قالوا و ما المبشرات قال الرؤيا الصالحة.
40- الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ رَأْيُ الْمُؤْمِنِ وَ رُؤْيَاهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عَلَى سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ (5).
بيان لما غيب الله تعالى في آخر الزمان عن الناس حجتهم تفضل عليهم و أعطاهم رأيا في استنباط الأحكام الشرعية مما وصل إليهم من أئمتهم(ع)و لما حجب عنهم الوحي و خزانه أعطاهم الرؤيا الصادقة أزيد مما كان لغيرهم ليظهر عليهم بعض الحوادث قبل حدوثها و قيل إنما يكون هذا في زمان القائم(ع)على سبعين جزءا لعل المراد أن للنبوة أجزاء كثيرة سبعون منها من قبل الرأي أي الاستنباط اليقيني لا الاجتهاد و التظني و الرؤيا الصادقة فهذا المعنى الحاصل لأهل آخر الزمان على نحو تلك السبعين و مشابه لها و إن كان في النبي أقوى و يحتمل أن يكون المعنى على نحو بعض أجزاء السبعين كما ورد أن الرؤيا الصادقة جزء من سبعين
____________
(1) في المصدر: للمؤمن.
(2) الفقيه: 32.
(3) في المصدر: كان إذا ...
(4) روضة الكافي: 90.
(5) روضة الكافي: 90.
178
جزءا من النبوة و قد روت العامة بأسانيد
- عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّهُ قَالَ: الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَ أَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ.
قال البغوي في شرح السنة أراد تحقيق أمر الرؤيا و تأكيده و إنما كانت جزءا من النبوة في حق الأنبياء دون غيرهم قال عبيد بن عمير رؤيا الأنبياء وحي و قرأ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ الآية و قيل إنها جزء من أجزاء علم النبوة و علم النبوة باق و النبوة غير باقية أو أراد به أنها كالنبوة في الحكم بالصحة كما قال(ص)الهدى الصالح و السمت الصالح و الاقتصاد جزء من خمسة و عشرين جزءا من النبوة أي هذه الخصال في الحسن و الاستحباب كجزء من أجزاء النبوة و هذه الخلال جزء من شمائل الأنبياء و جزء من أجزاء فضائلهم فاقتدوا فيها بهم لا أنها حقيقة نبوة لأن النبوة لا تتجزى و لا نبوة بعد محمد(ص)و هو معنى قوله(ع)ذهبت النبوة و بقيت المبشرات الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو يرى له و قيل معنى قوله جزء من ستة و أربعين أن مدة الوحي على رسول الله من حين بدأ إلى أن فارق الدنيا كان ثلاثا و عشرين سنة و كان ستة أشهر منها في أول الأمر يوحى إليه في النوم و هو نصف سنة فكانت مدة وحيه في النوم جزء من ستة و أربعين جزءا من أيام الوحي انتهى.
و قال الجزري في النهاية الجزء القطعة و النصيب من الشيء و منه الحديث الرؤيا الصالحة جزء من ستة و أربعين جزءا من النبوة و إنما خص هذا العدد لأن عمر النبي(ص)في أكثر الروايات الصحيحة كان ثلاثا و ستين سنة و كانت مدة نبوته منها ثلاثا و عشرين سنة لأنه بعث عند استيفاء الأربعين و كان في أول العمر يرى الوحي في المنام و دام كذلك نصف سنة ثم رأى الملك في اليقظة فإذا نسب مدة الوحي في النوم و هي نصف سنة إلى مدة نبوته و هي ثلاث و عشرون سنة كانت نصف جزء من ثلاثة و عشرين جزءا و ذلك جزء واحد من ستة و أربعين جزءا و قد تعاضدت الروايات في أحاديث الرؤيا بهذا العدد و جاء في بعضها من خمسة و أربعين جزءا و وجه ذلك أن عمره لم يكن قد استكمل ثلاثا و ستين و مات في أثناء السنة الثالثة و الستين و نسبة نصف السنة إلى اثنتين و عشرين سنة و بعض الأخرى نسبة جزء من خمسة و أربعين و في
179
بعض الروايات جزء من أربعين و يكون محمولا على من روي أن عمره كان ستين سنة فيكون نسبة نصف سنة إلى عشرين سنة كنسبة جزء إلى أربعين انتهى.
و قال الخطابي في أعلام الحديث هذا و إن كان وجها قد يحتمله الحساب و العدد فإن أول ما يجب من الشرط فيه أن يثبت ما قاله من ذلك بخبر أو رواية و لم نسمع فيه خبرا و لا ذكر قائل هذه المقالة في ما بلغني عنه في ذلك أثرا فهو كأنه ظن و حسبان و الظن لا يغني من الحق شيئا و لئن كانت هذه المدة محسوبة من أجزاء النبوة على ما ذهب إليه من هذه القسمة لقد كان يجب أن يلحق بها سائر الأوقات التي كان يوحى إليه في منامه في تضاعيف أيام حياته و أن تلتقط و تلفق و تزداد في أصل الحساب و إذا صرنا إلى أصل هذه القضية بطلت هذه القسمة و سقط هذا الحساب من أصله و قد ثبت عن رسول الله(ص)في عدة أحاديث من روايات كثيرة أنه كان يرى الرؤيا المختلفة في أمور الشريعة و مهمات أسباب الدين فيقصها على أصحابه فكان يقول لهم إذا أصبح من رأى منكم رؤيا فيقصونها عليه و قال لهم يوم أحد رأيت في سيفي ثلمة و رأيت كأني مردف كبشا فتأولت ثلمة السيف أنه يصاب في أصحابه و أنه يقتل كبش القوم ثم ذكر رؤيا كثيرة فقال و هذه كلها بعد الهجرة و أعلى هذه كلها ما نطق به الكتاب من رؤيا الفتح في قوله جل و عز لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِ الآية (1) و قوله وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ الآية (2) فدل ما ذكرناه من هذا و ما تركناه من هذا الباب على ضعف هذا التأويل و نقول إن هذا الحديث صحيح و جملة ما فيه حق و ليس كل ما يخفى علينا علته لا تلزمنا حجته و قد نرى أعداد ركعات الصلوات و أيام الصيام و رمي الجمار محصورة في حساب معلوم و ليس يمكننا أن نصل من علمها إلى أمر يوجب حصرها تحت هذه الأعداد دون ما هو أكثر منها أو أقل فلم يكن ذهابنا عن معرفة ذلك قادحا في موجب الاعتقاد منا في اللازم من أمرها و معنى الحديث تحقيق أمر الرؤيا و أنها مما كان الأنبياء يثبتونه و يحققونه و أنها كانت جزءا
____________
(1) الفتح: 27.
(2) الإسراء: 60.
180
من أجزاء الذي كان يأتيهم و الأنباء التي كان ينزل بها الوحي عليهم انتهى.
و قال بعض شراح البخاري الرؤيا جزء من النبوة أي في حق الأنبياء فإنهم يوحى إليهم في المنام و قيل الرؤيا تأتي على وفق النبوة لا أنها جزء باق منها و قيل هي من الأنباء أي أنباء صدق من الله لا كذب فيه و لا حرج في الأخذ بظاهره فإن أجزاء النبوة لا تكون نبوة فلا ينافي حينئذ ذهبت (1) النبوة ثم رؤيا الكافر قد يصدق لكن لا يكون جزءا منها إذ المراد الرؤيا الصالحة من المؤمن الصالح جزء منها.
و قال النووي في شرح صحيح مسلم وجّه الطبري اختلاف الروايات في عدد ما هو جزء منه باختلاف حال الرائي بالصلاح و الفسق و قيل باعتبار الخفي و الجلي من الرؤيا و قيل إن للمنامات شبها بما حصل له و ميز به من النبوة بجزء من ستة و أربعين.
41- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ(ص)فِيقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا قَالَ هِيَ الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ يَرَى الْمُؤْمِنُ فَيُبَشَّرُ بِهَا فِي دُنْيَاهُ (2).
بيان روي في شرح السنة بإسناده عن عبادة بن الصامت قال سألت رسول الله(ص)عنقوله تعالى لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا قال هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو يرى له و لا تنافي بينه و بين ما ورد في بعض الأخبار أنها هي البشارة عند الموت لاحتمال شمولها لهما.
42- الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي خَلَفٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: الرُّؤْيَا عَلَى ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ بِشَارَةٍ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِ وَ تَحْذِيرٍ مِنَ الشَّيْطَانِ وَ أَضْغَاثِ أَحْلَامٍ (3).
____________
(1) كذا.
(2) روضة الكافي: 90.
(3) روضة الكافي: 90.
181
بيان لعل المراد بتحذير الشيطان أنه يحذر و يخوف عن ارتكاب الأعمال الصالحة أو المراد به الأحلام الهائلة المخوفة و الظاهر أنه تصحيف تحزين لآية النجوى و قوله لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا و لرواية محمد بن الأشعث الآتية
- وَ لِمَا رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِذَا كَانَ آخِرُ الزَّمَانِ لَمْ يَكَدْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ يَكْذِبُ وَ أَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُهُمْ حَدِيثاً وَ الرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ رُؤْيَا بُشْرَى مِنَ اللَّهِ وَ رُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ بِهِ الرَّجُلُ نَفْسَهُ وَ رُؤْيَا مِنْ تَحْزِينِ الشَّيْطَانِ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ وَ لْيَقُمْ وَ لْيُصَلِّ وَ الْقَيْدُ فِي الْمَنَامِ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ وَ الْغُلُّ أَكْرَهُهُ.
ثم قال قوله و القيد ثبات في الدين لأن القيد يمنع عن النهوض و التقلب و كذلك الورع يمنعه مما لا يوافق الدين و هذا إذا كان مقيدا في مسجد أو سبيل الخير و إن رآه مسافر فهو إقامة عن السفر و كذلك إذا رأى دابته مقيدة و إن رآه مريض أو محبوس طال مرضه و حبسه أو مكروب طال كربه و الغل كفر لقوله تعالى غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا (1) و قد يكون بخلا قال تعالى وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ (2) و قد يكون كفّا عن المعاصي إذا كان في الرؤيا ما يدل على الصلاح بأن يرى ذلك لرجل صالح.
43- مَجَالِسُ ابْنِ الشَّيْخِ، عَنْ وَالِدِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّلْتِ عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَسَنِيِ (3) عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ عَنِ الرِّضَا عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ: رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ.
44- وَ مِنْهُ، عَنْ وَالِدِهِ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ شِبْلٍ عَنْ ظَفْرِ بْنِ حُمْدُونٍ عَنْ
____________
(1) يس: 8.
(2) الإسراء: 29.
(3) في بعض النسخ «الحسيني» و الظاهر ان الصواب ما أثبتناه موافقا لبعض النسخ المخطوطة، و هو عليّ بن محمّد الحسنى الخجندى نزيل الرى، و لم نجد ذكرا من «الحسيني» في كتب الرجال.
182
إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وَ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِسْحَاقَ شَعِرٍ عَنْ هَارُونَ بْنِ حَمْزَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ إِنَّ مِنَّا لَمَنْ يُنْكَتُ فِي قَلْبِهِ وَ إِنَّ مِنَّا لَمَنْ يُؤْتَى فِي مَنَامِهِ وَ إِنَّ مِنَّا لَمَنْ يَسْمَعُ الصَّوْتَ مِثْلَ صَوْتِ السِّلْسِلَةِ فِي الطَّشْتِ (1) وَ إِنَّ مِنَّا لَمَنْ يَأْتِيهِ صُورَةٌ أَعْظَمُ مِنْ جَبْرَئِيلَ وَ مِيكَائِيلَ ع.
45- الْمَكَارِمُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)كَثِيرَ الرُّؤْيَا وَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ.
46- مَجَالِسُ الصَّدُوقِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْبَغْدَادِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى عَنْ مُرَيْسَةَ بِنْتِ مُوسَى بْنِ يُونُسَ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ يُونُسَ عَنْ بَهْجَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ عَنْ خَالِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْصُورٍ قَالَ: سَأَلْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ(ع)عَنْ مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ بْنِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ وَ سَاقَ الْحَدِيثَ الطَّوِيلَ فِي قِصَّةِ كَرْبَلَاءَ وَ سَفَرِهِ (صلوات الله عليه) إِلَى الْعِرَاقِ إِلَى أَنْ قَالَ فَهَمَّ بِالْخُرُوجِ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ إِلَى أَرْضِ الْعِرَاقِ فَلَمَّا أَقْبَلَ اللَّيْلُ رَاحَ إِلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ(ص)لِيُوَدِّعَ الْقَبْرَ فَقَامَ يُصَلِّي فَأَطَالَ فَنَعَسَ وَ هُوَ سَاجِدٌ فَجَاءَ النَّبِيُّ(ص)وَ هُوَ فِي مَنَامِهِ فَأَخَذَ الْحُسَيْنَ(ع)وَ ضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ وَ جَعَلَ يُقَبِّلُ عَيْنَيْهِ وَ يَقُولُ بِأَبِي أَنْتَ كَأَنِّي أَرَاكَ مُرَمَّلًا بِدَمِكَ بَيْنَ عِصَابَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَرْجُونَ شَفَاعَتِي مَا لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ خَلَاقٍ يَا بُنَيَّ إِنَّكَ قَادِمٌ عَلَى أَبِيكَ وَ أُمِّكَ وَ أَخِيكَ وَ هُمْ مُشْتَاقُونَ إِلَيْكَ وَ إِنَّ لَكَ فِي الْجَنَّةِ دَرَجَاتٍ لَا تَنَالُهَا إِلَّا بِالشَّهَادَةِ فَانْتَبَهَ الْحُسَيْنُ(ع)مِنْ نَوْمِهِ بَاكِياً فَأَتَى أَهْلَ بَيْتِهِ فَأَخْبَرَهُمْ بِالرُّؤْيَا وَ وَدَّعَهُمْ وَ سَاقَ إِلَى أَنْ قَالَ ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلَ الْعُذَيْبَ فَقَالَ فِيهَا قَائِلَةَ الظَّهِيرَةِ ثُمَّ انْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ بَاكِياً فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَهْ فَقَالَ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا سَاعَةٌ لَا تَكْذِبُ الرُّؤْيَا فِيهَا وَ إِنَّهُ عَرَضَ لِي فِي مَنَامِي عَارِضٌ فَقَالَ تُسْرِعُونَ السَّيْرَ وَ الْمَنَايَا تَسِيرُ بِكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ الْحَدِيثَ.
47- ثَوَابُ الْأَعْمَالِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنْ
____________
(1) في بعض النسخ «الطست» بالمهملة.
183
يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمُثَنَّى عَنْ هِشَامِ بْنِ أَحْمَدَ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْكَانَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ مَرْوَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: ثَلَاثَةٌ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ صَوَّرَ صُورَةً مِنَ الْحَيَوَانِ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا وَ لَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا وَ الَّذِي يَكْذِبُ فِي مَنَامِهِ يُعَذَّبُ حَتَّى يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَ لَيْسَ بِعَاقِدِهِمَا وَ الْمُسْتَمِعُ مِنْ قَوْمٍ وَ هُمْ لَهُ كَارِهُونَ يُصَبُّ فِي أُذُنَيْهِ الْآنُكُ وَ هُوَ الْأُسْرُبُّ.
48- الْكَافِي، عَنِ الْعِدَّةِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ رَجُلًا كَانَ عَلَى أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ فَرَأَى فِي مَنَامِهِ فَقِيلَ لَهُ انْطَلِقْ فَصَلِّ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُغَسِّلُهُ فِي الْبَقِيعِ فَجَاءَ الرَّجُلُ فَوَجَدَ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)قَدْ تُوُفِّيَ (1).
49- تَوْحِيدُ الْمُفَضَّلِ، فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي الْأَحْلَامِ كَيْفَ دَبَّرَ الْأَمْرَ فِيهَا فَمَزَجَ صَادِقَهَا بِكَاذِبِهَا فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ كُلُّهَا تَصْدُقُ لَكَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَنْبِيَاءَ وَ لَوْ كَانَتْ كُلُّهَا تَكْذِبُ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَنْفَعَةٌ بَلْ كَانَتْ فَضْلًا لَا مَعْنَى لَهُ فَصَارَتْ تَصْدُقُ أَحْيَاناً فَيَنْتَفِعُ بِهَا النَّاسُ فِي مَصْلَحَةٍ يَهْتَدِي لَهَا أَوْ مَضَرَّةٍ يَتَحَذَّرُ (2) مِنْهَا وَ تَكْذِبُ كَثِيراً لِئَلَّا يَعْتَمِدَ عَلَيْهَا كُلَّ الِاعْتِمَادِ.
50- مَنَاقِبُ الْخُوَارِزْمِيِّ، قَالَ: لَمَّا كَانَ وَقْتُ السَّحَرِ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي حُوصِرَ فِيهَا الْحُسَيْنُ(ع)خَفَقَ بِرَأْسِهِ خَفْقَةً ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَقَالَ رَأَيْتُ فِي مَنَامِي السَّاعَةَ كَأَنَّ كِلَاباً قَدْ شَدَّتْ عَلَيَّ لِتَنْهَشَنِي وَ فِيهَا كَلْبٌ أَبْقَعُ (3) رَأَيْتُهُ أَشَدَّهَا عَلَيَّ وَ أَظُنُّ أَنَّ الَّذِي يَتَوَلَّى قَتْلِي رَجُلٌ أَبْرَصُ مِنْ بَيْنِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْخَبَرَ.
51- دَعَوَاتُ الرَّاوَنْدِيِّ، حَدَّثَ أَبُو عُمَرَ الْقَاضِي أَنَّ أَبَا يُوسُفَ اعْتَلَّ فَقَالَ لَيْلَةً رَأَيْتُ قَائِلًا يَقُولُ كُلْ لَا وَ اشْرَبْ لَا فَإِنَّكَ تَبْرَأُ فَأَرْسَلْنَا إِلَى أَبِي عَلِيٍّ الْخَيَّاطِ فَقَالَ مَا سَمِعْتُ بِأَعْجَبَ مِنْ هَذَا وَ الْمَنَامَاتُ تُعَبَّرُ مِنَ الْقُرْآنِ وَ الْحَدِيثِ فَأَنْظِرُونِي حَتَّى
____________
(1) الروضة: 183.
(2) يتحرز (خ).
(3) أي فيه سواد و بياض.
184
أُفَكِّرَ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جَاءَنَا فَقَالَ مَرَرْتُ الْبَارِحَةَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ فَنَظَرْتُ إِلَى لَا يَتَرَدَّدُ فِيهَا وَ هِيَ شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ اسْقُوهُ زَيْتاً وَ أَطْعِمُوهُ زَيْتاً قَالَ فَفَعَلْنَا هَذَا فَكَانَ سَبَبَ عَافِيَتِهِ.
52- وَ عَنْ سَمُرَةَ (1) بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ هَلْ رَأَى مِنْكُمْ أَحَدٌ رُؤْيَا فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُصَّ وَ إِنَّهُ قَالَ لَنَا ذَاتَ غَدَاةٍ إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ فَقَالا لِيَ انْطَلِقْ فَانْطَلَقْتُ مَعَهُمْ فَأَخْرَجَانِي إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ وَ إِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ فَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فَيُثْلَغُ (2) رَأْسُهُ فَيَتَدَهْدَهُ الْحَجَرُ هَاهُنَا فَيَتْبَعُ الْحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ فَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى قُلْتُ لَهُمَا سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَانِ قَالا لِي انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ وَ إِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ وَ إِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ وَ مَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ وَ عَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الْجَانِبِ الْأَوَّلِ فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْجَانِبُ كَمَا كَانَ ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى قُلْتُ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَانِ قَالا لِي انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ (3) وَ أَصْوَاتٌ فَاطَّلَعْنَا فِيهِ فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَ نِسَاءٌ عُرَاةٌ فَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا- (4) قُلْتُ لَهُمَا مَا هَؤُلَاءِ قَالا لِي انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى
____________
(1) سمرة- بفتح السين المهملة و ضم الميم- ابن جندب بن هلال الفزارى صاحب القضية المعروفة مع الأنصاريّ، كان واليا على البصرة من قبل زياد بن أبيه، فقتل في أيّام امارته- و هي ستة أشهر- ثمانية آلاف رجل من الشيعة، و عن ابن أبي الحديد انه عاش حتّى حضر مقتل الحسين (عليه السلام) و كان من شرطة ابن زياد، و كان أيّام مسير الحسين (عليه السلام) إلى العراق يحرض الناس على الخروج إلى قتاله.
(2) أي يشدخ رأسه و يكسره.
(3) اللغط- بفتحتين-: أصوات مبهمة لا تفهم.
(4) أي أحدثوا ضوضاء، و هو أصوات الناس في الحرب و الازدحام.
185
نَهَرٍ أَحْمَرَ مِثْلَ الدَّمِ وَ إِذَا فِي النَّهَرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ وَ إِذَا عَلَى شَاطِئِ النَّهَرِ رَجُلٌ عِنْدَهُ حِجَارَةٌ كَثِيرَةٌ وَ إِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ ثُمَّ يَأْتِي الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الْحِجَارَةَ فَيَفْغَرُ (1) لَهُ فَاهُ فَيُلْقِمُهُ حَجَراً فَيَنْطَلِقُ فَيَسْبَحُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ وَ كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فَغَرَ لَهُ فَاهُ فَأَلْقَمَهُ حَجَراً قُلْتُ لَهُمَا مَا هَذَانِ قَالا لِي انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ كَرِيهِ الْمَرْآةِ كَأَكْرَهِ مَا أَنْتَ رَاءٍ وَ إِذَا هُوَ عِنْدَهُ نَارٌ لَهُ يَحُشُّهَا وَ يَسْعَى حَوْلَهَا قُلْتُ لَهُمَا مَا هَذَا فَقَالا لِي انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ فِيهَا مِنْ كُلِّ نَوْرِ الرَّبِيعِ وَ إِذَا بَيْنَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا فِي السَّمَاءِ وَ إِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ مَا رَأَيْتُهُمْ قَطُّ قُلْتُ لَهُمَا مَا هَؤُلَاءِ قَالا لِي انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ عَظِيمَةٍ لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا وَ لَا أَحْسَنَ قَالا لِيَ ارْقَ فِيهَا فَارْتَقَيْنَا فِيهَا فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ وَ لَبِنِ فِضَّةٍ فَأَتَيْنَا بَابَ الْمَدِينَةِ فَاسْتَفْتَحْنَا فَفُتِحَ لَنَا فَدَخَلْنَاهَا فَتَلَقَّانَا فِيهَا رِجَالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ وَ شَطْرٌ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ قَالا لَهُمُ اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ فَإِذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي كَانَ مَاءُهُ الْمَحْضَ فِي الْبَيَاضِ فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فِيهِ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا فَذَهَبَ السُّوءُ عَنْهُمْ فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ قَالا لِي هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ وَ هُنَاكَ مَنْزِلُكَ فَسَمَا بَصَرِي صُعُداً فَإِذَا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبَابَةِ الْبَيْضَاءِ قَالا لِي هَذَا مَنْزِلُكَ قُلْتُ لَهُمَا بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمَا ذَرَانِي أَدْخُلْهُ قَالا أَمَّا الْآنَ فَلَا وَ أَنْتَ دَاخِلُهُ قُلْتُ لَهُمَا فَإِنِّي رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَباً فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ قَالا لِي أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُكَ أَمَّا الرَّجُلُ الْأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ فَيُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ وَ يَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ وَ مَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ وَ عَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الْكَذِبَةَ تَبْلُغُ الْآفَاقَ فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ أَمَّا الرِّجَالُ وَ النِّسَاءُ الْعُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ التَّنُّورِ فَإِنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَ الزَّوَانِي وَ أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ وَ يُلْقَمُ الْحِجَارَةَ فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا وَ أَمَّا الرَّجُلُ الْكَرِيهُ الْمَرْآةِ الَّذِي عِنْدَهُ النَّارُ يَحُشُّهَا
____________
(1) فغرفاه: فتحه.
186
فَإِنَّهُ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ وَ أَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ(ع)وَ أَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ وَ أَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ وَ شَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ أَنَا جَبْرَئِيلُ وَ هَذَا مِيكَائِيلُ.
تبيين أقول هذه الرواية رواها الخطابي في كتاب أعلام الدين و زاد بعد قوله مات على الفطرة قال فقال بعض المسلمين يا رسول الله و أولاد المشركين فقال رسول الله(ص)و أولاد المشركين و قال الجزري في النهاية الثلغ الشدخ و هو ضربك الشيء الرطب بالشيء اليابس حتى يتشدخ و منه حديث الرؤيا و إذا هو يهوي بالصخرة فيثلغ بها رأسه و قال في حديث الرؤيا فيتدهدى الحجر فيتبعه فيأخذه أي يتدحرج يقال دهديت الحجر و دهدهته و قال الكلوب بالتشديد حديدة معوجة الرأس و قال فيشرشر شدقه أي يشقه و يقطعه و الشدق طرف الفم و قال اللغط صوت و ضجة لا يفهم معناه و قال ضوضوا أي ضجوا و استغاثوا و الضوضاة أصوات الناس و غلبتهم (1) و هي مصدر و قال فيفغر فاه أي يفتحه و قال كريه المرآة أي قبيح المنظر يقال رجل حسن المنظر و المرآة و حسن في مرآة العين و هي مفعلة من الرؤية و قال يحشها أي يوقدها يقال حششت النار أحشها إذا ألهبتها و أضرمتها و قال على روضة معتمة أي وافية النبات طويلة انتهى.
و قال الخطابي يعني كافية النبات و العميم الطويل من النبات كقول الأعشى
مؤزر بعميم النبت مكتهل
و يقال جارية عميمة أي طويلة القد و في النهاية المحض في اللغة اللبن الخالص غير مشوب بشيء و قال الربابة بالفتح السحابة التي ركب بعضها بعضا و قال الخطابي و أما قوله(ص)و أولاد المشركين فظاهره أنه ألحقهم بأولاد المسلمين في حكم الآخرة و إن كان قد حكم بحكم آبائهم في الدنيا و ذلك أنه سئل عن ذراري المشركين فقال هم من آبائهم و للناس فيهم اختلاف
____________
(1) كذا في نسخ الكتاب، و الصواب «جلبتهم»، و الجلبة: الضجة و اختلاط أصوات الناس.
187
و عامة أهل السنة على أن حكمهم حكم آبائهم في الكفر و قد ذهبت طائفة منهم إلى أنهم في الآخرة من أهل الجنة و قد رويت آثار عن نفر من الصحابة و احتجوا لهذه المقالة
- بِحَدِيثِ النَّبِيِّ(ص)كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَ يُنَصِّرَانِهِ وَ يُمَجِّسَانِهِ.
و احتجوا بقول الله عز و جل وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (1) و احتجوا بقول الله عز و جل يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (2) قال بعض أهل التفسير إنهم أطفال الكفار و احتجوا لذلك بأن اسم الولدان يشتق من الولادة و لا ولادة في الجنة فكانوا هم الذين نالتهم الولادة في الدنيا و روي عن بعضهم أنهم إن كانوا سبيا و خدما للمسلمين في الدنيا فهم كذلك خدم لهم في الجنة.
53- تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ كَانَ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ فَاطِمَةَ(ع)رَأَتْ فِي مَنَامِهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)هَمَّ أَنْ يَخْرُجَ هُوَ وَ فَاطِمَةُ وَ عَلِيٌّ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ(ع)مِنَ الْمَدِينَةِ فَخَرَجُوا حَتَّى جَاوَزُوا مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ فَتَعَرَّضَ لَهُمْ طَرِيقَانِ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)ذَاتَ الْيَمِينِ حَتَّى انْتَهَى بِهِمْ إِلَى مَوْضِعٍ فِيهِ نَخْلٌ وَ مَاءٌ فَاشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ(ص)شَاةً كَبْرَاءَ وَ هِيَ الَّتِي فِي إِحْدَى أُذُنَيْهَا نُقَطٌ بِيضٌ فَأَمَرَ بِذَبْحِهَا فَلَمَّا أَكَلُوا مَاتُوا فِي مَكَانِهِمْ فَانْتَبَهَتْ فَاطِمَةُ بَاكِيَةً ذَعِرَةً فَلَمْ تُخْبِرْ رَسُولَ اللَّهِ بِذَلِكَ فَلَمَّا أَصْبَحَتْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)بِحِمَارٍ فَأَرْكَبَ عَلَيْهِ فَاطِمَةَ(ع)وَ أَمَرَ أَنْ يَخْرُجَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ(ع)مِنَ الْمَدِينَةِ كَمَا رَأَتْ فَاطِمَةُ(ع)فِي نَوْمِهَا فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ عَرَضَ لَهُ (3) طَرِيقَانِ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ذَاتَ الْيَمِينِ كَمَا رَأَتْ فَاطِمَةُ(ع)حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى مَوْضِعٍ فِيهِ نَخْلٌ وَ مَاءٌ فَاشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ(ص)شَاةً كَبْرَاءَ كَمَا رَأَتْ فَاطِمَةُ فَأَمَرَ بِذَبْحِهَا فَذُبِحَتْ وَ شُوِيَتْ فَلَمَّا أَرَادُوا أَكْلَهَا قَامَتْ فَاطِمَةُ وَ تَنَحَّتْ نَاحِيَةً مِنْهُمْ تَبْكِي مَخَافَةَ أَنْ يَمُوتُوا فَطَلَبَهَا
____________
(1) التكوير: 9- 10.
(2) الواقعة: 17.
(3) في المصدر: لهم.
188
رَسُولُ اللَّهِ(ص)حَتَّى وَقَعَ (1) عَلَيْهَا وَ هِيَ تَبْكِي فَقَالَ مَا شَأْنُكِ يَا بُنَيَّةِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَأَيْتُ كَذَا وَ كَذَا فِي نَوْمِي وَ قَدْ فَعَلْتَ أَنْتَ كَمَا (2) رَأَيْتُهُ فَتَنَحَّيْتُ عَنْكُمْ فَلَا أَرَاكُمْ (3) تَمُوتُونَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ نَاجَى رَبَّهُ فَنَزَلَ عَلَيْهِ جَبْرَئِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ هَذَا شَيْطَانٌ يقول (4) [يُقَالُ لَهُ الدِّهَارُ (5) وَ هُوَ الَّذِي أَرَى فَاطِمَةَ هَذِهِ الرُّؤْيَا وَ يُؤْذِي الْمُؤْمِنِينَ فِي نَوْمِهِمْ مَا يَغْتَمُّونَ بِهِ فَأَمَرَ جَبْرَئِيلُ فَجَاءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَالَ لَهُ أَنْتَ أَرَيْتَ فَاطِمَةَ هَذِهِ الرُّؤْيَا فَقَالَ نَعَمْ يَا مُحَمَّدُ فَبَزَقَ (6) عَلَيْهِ ثَلَاثَ بَزَقَاتٍ فَشَجَّهُ فِي ثَلَاثِ مَوَاضِعَ ثُمَّ قَالَ جَبْرَئِيلُ لِمُحَمَّدٍ قُلْ يَا مُحَمَّدُ إِذَا رَأَيْتَ فِي مَنَامِكَ شَيْئاً تَكْرَهُهُ أَوْ رَأَى أَحَدٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَلْيَقُلْ أَعُوذُ بِمَا عَاذَتْ بِهِ مَلَائِكَةُ اللَّهِ الْمُقَرَّبُونَ وَ أَنْبِيَاؤُهُ (7) الْمُرْسَلُونَ وَ عِبَادُهُ الصَّالِحُونَ مِنْ شَرِّ مَا رَأَيْتُ وَ مِنْ (8) رُؤْيَايَ وَ تَقْرَأُ الْحَمْدَ وَ الْمُعَوِّذَتَيْنِ وَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَ تَتْفُلُ عَنْ يَسَارِكِ ثَلَاثَ تَفَلَاتٍ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ مَا رَأَى (9) وَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ الْآيَةَ (10).
بيان ما رأيت الكبراء بهذا المعنى فيما عندنا من كتب اللغة و تعرض الشيطان لفاطمة(ع)و كون منامها المضاهي للوحي شيطانيا و إن كان بعيدا لكن باعتبار عدم بقاء الشبهة و زوالها سريعا و ترتب المعجز من الرسول(ص)في ذلك و المنفعة المستمرة للأمة ببركتها يقل الاستبعاد و الحديث مشهور و متكرر في الأصول و الله يعلم.
54 الْبَصَائِرُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَانٍ الْوَاقِفِيِ (11) قَالَ: كَانَ لِي ابْنُ عَمٍّ يُقَالُ لَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَ كَانَ زَاهِداً وَ كَانَ مِنْ أَعْبَدِ أَهْلِ زَمَانِهِ وَ كَانَ يَلْقَاهُ السُّلْطَانُ وَ رُبَّمَا اسْتَقْبَلَ السُّلْطَانَ بِالْكَلَامِ الصَّعْبِ يَعِظُهُ وَ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ
____________
(1) وقف (خ).
(2) في المصدر: كل ما رأيته.
(3) فيه: لان لا أراكم.
(4) كذا.
(5) الزها (خ).
(6) في المصدر: فبصق عليه ثلاث بصقات.
(7) و أنبياء اللّه (خ).
(8) فيه: من رؤيا ...
(9) فيه فأنزل ...
(10) تفسير القمّيّ: 668- 669.
(11) في بعض النسخ: الرافقى.
189
وَ كَانَ السُّلْطَانُ يَحْتَمِلُ لَهُ ذَلِكَ لِصَلَاحِهِ فَلَمْ يَزَلْ هَذِهِ حَالَهُ حَتَّى كَانَ يَوْماً دَخَلَ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى(ع)الْمَسْجِدَ فَرَآهُ فَدَنَا إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ يَا بَا عَلِيٍّ مَا أَحَبَّ إِلَيَّ مَا أَنْتَ فِيهِ وَ أَسَرَّنِي بِكَ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَتْ بِكَ مَعْرِفَةٌ فَاذْهَبْ فَاطْلُبِ الْمَعْرِفَةَ قَالَ جُعِلْتُ فِدَاكَ وَ مَا الْمَعْرِفَةُ قَالَ لَهُ اذْهَبْ وَ تَفَقَّهْ وَ اطْلُبِ الْحَدِيثَ قَالَ عَمَّنْ قَالَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَ عَنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ اعْرِضِ الْحَدِيثَ عَلَيَّ قَالَ فَذَهَبَ فَتَكَلَّمَ مَعَهُمْ ثُمَّ جَاءَهُ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِ فَأَسْقَطَهُ كُلَّهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ اذْهَبْ وَ اطْلُبِ الْمَعْرِفَةَ وَ كَانَ الرَّجُلُ مَعْنِيّاً بِدِينِهِ فَلَمْ يَزَلْ يَتَرَصَّدُ أَبَا الْحَسَنِ(ع)حَتَّى خَرَجَ إِلَى ضَيْعَةٍ لَهُ فَتَبِعَهُ وَ لَحِقَهُ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنِّي أَحْتَجُّ عَلَيْكَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ فَدُلَّنِي عَلَى الْمَعْرِفَةِ قَالَ فَأَخْبَرَهُ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ قَالَ لَهُ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ أَخْبَرَهُ بِأَمْرِ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ فَقَبِلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ فَمَنْ كَانَ بَعْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ الْحَسَنُ ثُمَّ الْحُسَيْنُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى نَفْسِهِ(ع)ثُمَّ سَكَتَ قَالَ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَمَنْ هُوَ الْيَوْمَ قَالَ إِنْ أَخْبَرْتُكَ تَقْبَلُ قَالَ بَلَى جُعِلْتُ فِدَاكَ فَقَالَ أَنَا هُوَ قَالَ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَشَيْءٌ أَسْتَدِلُّ بِهِ قَالَ اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الشَّجَرَةِ وَ أَشَارَ إِلَى أُمِّ غَيْلَانَ فَقُلْ لَهَا يَقُولُ لَكِ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ أَقْبِلِي قَالَ فَأَتَيْتُهَا قَالَ فَرَأَيْتُهَا وَ اللَّهِ تَجُبُّ الْأَرْضَ جُبُوباً حَتَّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ أَشَارَ إِلَيْهَا فَرَجَعَتْ قَالَ فَأَقَرَّ بِهِ ثُمَّ لَزِمَ السُّكُوتَ فَكَانَ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ يَتَكَلَّمُ بَعْدَ ذَلِكَ وَ كَانَ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ يَرَى الرُّؤْيَا الْحَسَنَةَ وَ تُرَى لَهُ ثُمَّ انْقَطَعَتْ عَنْهُ الرُّؤْيَا فَرَأَى لَيْلَةً أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِيمَا يَرَى النَّائِمُ فَشَكَا إِلَيْهِ انْقِطَاعَ الرُّؤْيَا فَقَالَ لَا تَغْتَمَّ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا رَسَخَ فِي الْإِيمَانِ رُفِعَ عَنْهُ الرُّؤْيَا.
بيان: الجب القطع.
55- الْكَافِي، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْعَبَّاسِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ (1)(ع)قَالَ: إِنَّ الْأَحْلَامَ لَمْ تَكُنْ فِي مَا مَضَى فِي أَوَّلِ الْخَلْقِ وَ إِنَّمَا حَدَثَتْ فَقُلْتُ وَ مَا الْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ بَعَثَ رَسُولًا إِلَى أَهْلِ زَمَانِهِ فَدَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَ طَاعَتِهِ فَقَالُوا إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ فَمَا لَنَا
____________
(1) ليس في المصدر لفظة «الأول».
190
فَوَ اللَّهِ مَا أَنْتَ بِأَكْثَرِنَا مَالًا وَ لَا بِأَعَزِّنَا عَشِيرَةً فَقَالَ إِنْ أَطَعْتُمُونِي أَدْخَلَكُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَ إِنْ عَصَيْتُمُونِي أَدْخَلَكُمُ اللَّهُ النَّارَ فَقَالُوا وَ مَا الْجَنَّةُ وَ مَا النَّارُ فَوَصَفَ لَهُمْ ذَلِكَ فَقَالُوا مَتَى نَصِيرُ إِلَى ذَلِكَ فَقَالَ إِذَا مِتُّمْ فَقَالُوا لَقَدْ رَأَيْنَا أَمْوَاتَنَا صَارُوا عِظَاماً وَ رُفَاتاً فَازْدَادُوا لَهُ تَكْذِيباً وَ بِهِ اسْتِخْفَافاً فَأَحْدَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِيهِمُ الْأَحْلَامَ فَأَتَوْهُ فَأَخْبَرُوهُ بِمَا رَأَوْا وَ مَا أَنْكَرُوا مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ أَرَادَ أَنْ يَحْتَجَّ عَلَيْكُمْ بِهَذَا هَكَذَا تَكُونُ أَرْوَاحُكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَ إِنْ بُلِيَتْ أَبْدَانُكُمْ تَصِيرُ الْأَرْوَاحُ إِلَى عِقَابٍ حَتَّى تُبْعَثَ الْأَبْدَانُ (1).
بيان الرفات كل ما دق و كسر و ما أنكروا من ذلك أي استغرابهم من ذلك أو ما أصابوا من المنكر و العذاب في النوم أو ما أنكروا أولا من عذاب البرزخ و الأول أظهر هكذا تكون أرواحكم كما أن في النوم تتألم أرواحكم بما لم يظهر أثره على أجسادكم و لا يطلع من ينظر إليكم عليه كذلك نعيم البرزخ و عذابه و قد مر الكلام فيه في كتاب المعاد.
56- الدُّرَّةُ الْبَاهِرَةُ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيُّ(ع)مَنْ (2) أَكْثَرَ الْمَنَامَ رَأَى الْأَحْلَامَ.
بيان قال مؤلفه (قدّس سرّه) الظاهر أنه(ع)يعني أن طلب الدنيا كالنوم و ما يصير منها كالحلم انتهى.
و أقول يتحمل أن يكون المعنى أن كثرة الغفلة عن ذكر الله و عن الموت و أمور الآخرة موجبة للأماني الباطلة و الخيالات الفاسدة التي هي كأضغاث الأحلام و لا يلتفت إليها الكرام مع أن الحمل على ظاهره أظهر و أصوب بحمل الأحلام على الفاسدة منها كما ورد أن الحلم من الشيطان.
57- كِتَابُ الْغَايَاتِ لِجَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ الْقُمِّيِّ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)خِيَارُكُمْ أُولُو النُّهَى قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَنْ أُولُو النُّهَى فَقَالَ أُولُو النُّهَى أُولُو الْأَحْلَامِ الصَّادِقَةِ.
____________
(1) روضة الكافي: 90.
(2) في بعض النسخ «فى».
191
كِتَابُ التَّبْصِرَةِ لِعَلِيِّ بْنِ بَابَوَيْهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)الرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ وَ تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ وَ الَّذِي يُحَدِّثُ بِهِ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ فَيَرَاهُ فِي مَنَامِهِ وَ قَالَ(ص)الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ وَ الْحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ.
59 كِتَابُ الْمُؤْمِنِ لِلْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: رَأْيُ الْمُؤْمِنِ وَ رُؤْيَاهُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى عَلَى الثُّلُثِ (1).
بيان و منهم من يعطى لعل المعنى أن بعض الكمّل من المؤمنين يكون رأيه و رؤياه ثلثا من أجزاء النبوة.
60- الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، مِنْ عِدَّةِ كُتُبٍ بِأَسَانِيدَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ(ص)فِيقَوْلِهِ تَعَالَى لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ قَالَ هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ فَهِيَ بُشْرَاهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ بُشْرَاهُ فِي الْآخِرَةِ الْجَنَّةُ (2).
و روي مثله بأسانيد عن عبادة بن الصامت و أبي هريرة و جابر بن عبد الله و غيرهم.
61- وَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)فِيقَوْلِهِ تَعَالَى لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا قَالَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يُبَشَّرُ بِهَا الْمُؤْمِنُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَ أَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ فَمَنْ رَأَى ذَلِكَ فَلْيُخْبِرْ بِهَا وَادّاً وَ مَنْ رَأَى سِوَى ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَهُ فَلْيَنْفِثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثاً وَ لَا يُخْبِرْ بِهَا أَحَداً (3).
14- 62- وَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ رَسُولَ اللَّهِ(ص)فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْقَوْلِ اللَّهِ الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَمَّا قَوْلُهُ لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَهِيَ الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ تُرَى لِلْمُؤْمِنِ فَيُبَشَّرُ بِهَا فِي دُنْيَاهُ وَ أَمَّا قَوْلُهُ وَ فِي
____________
(1) يحتمل أن يقرأ «الثلاث» و كذا في بيان المؤلّف- ره.
(2) الدّر المنثور: ج 3،(ص)311.
(3) الدّر المنثور: ج 3،(ص)311.
192
الْآخِرَةِ فَإِنَّهَا بِشَارَةُ الْمُؤْمِنِ عِنْدَ الْمَوْتِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ وَ لِمَنْ يَحْمِلُكَ إِلَى قَبْرِكَ (1).
63- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا قَالَ هِيَ الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِبَعْضِ إِخْوَانِهِ (2).
64- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: أَلَا إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ (3).
65- وَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْهُ(ص)قَالَ: لَا نُبُوَّةَ بَعْدِي إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَا الْمُبَشِّرَاتُ قَالَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ (4).
66- وَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ وَ هِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ (5).
67- وَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ وَ أَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُهُمْ حَدِيثاً وَ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَ أَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ وَ الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ فَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ وَ الرُّؤْيَا مِنْ تَحْزِينِ الشَّيْطَانِ وَ الرُّؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ وَ إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ وَ لْيَتْفُلْ وَ لَا يُحَدِّثْ بِهِ النَّاسَ وَ أُحِبُّ الْقَيْدَ فِي النَّوْمِ وَ أَكْرَهُ الْغُلَّ الْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا تُعْجِبُهُ فَلْيَقُصَّهَا إِنْ شَاءَ وَ إِنْ رَأَى شَيْئاً يَكْرَهُهُ فَلَا يَقُصَّهُ عَلَى أَحَدٍ وَ لْيَقُمْ يُصَلِّي (6).
68- وَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ(ص)قَالَ: رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَ أَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ (7).
و عن أنس مثله.
69- وَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْهُ(ص)قَالَ: إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يُحِبُّهَا فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ اللَّهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَلَيْهَا وَ لْيُحَدِّثْ بِهَا وَ إِذَا رَأَى غَيْرَهُ مِمَّا يَكْرَهُ فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَ لَا يَذْكُرْهَا لِأَحَدٍ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ (8).
70- وَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَيْضاً عَنْهُ(ص)قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ (9).
____________
(1) الدّر المنثور: ج 3،(ص)312.
(2) الدّر المنثور: ج 3،(ص)312.
(3) الدّر المنثور: ج 3،(ص)312.
(4) الدّر المنثور: ج 3،(ص)312.
(5) الدّر المنثور: ج 3،(ص)312.
(6) الدّر المنثور: ج 3،(ص)312.
(7) الدّر المنثور: ج 3،(ص)312.
(8) الدّر المنثور: ج 3،(ص)312.
(9) الدّر المنثور: ج 3،(ص)312.
193
71- وَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْهُ(ص)فِيقَوْلِهِ تَعَالَى لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا قَالَ هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُؤْمِنُ لِنَفْسِهِ أَوْ تُرَى لَهُ وَ هُوَ كَلَامٌ يُكَلِّمُ بِهِ رَبُّكَ عَبْدَهُ فِي الْمَنَامِ (1).
72- وَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ وَ الْحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ شَيْئاً يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفِثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ لْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ (2).
73- وَ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)الرُّؤْيَا عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهَا تَخْوِيفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ بِهِ ابْنَ آدَمَ وَ مِنْهَا الْأَمْرُ يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ فِي الْيَقَظَةِ فَيَرَاهُ فِي الْمَنَامِ وَ مِنْهَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَ أَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ (3).
74- وَ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: الْعَجَبُ مِنْ رُؤْيَا الرَّجُلِ أَنَّهُ يَبِيتُ فَيَرَى الشَّيْءَ لَمْ يَخْطُرْ لَهُ عَلَى بَالٍ فَيَكُونُ رُؤْيَاهُ كَأَخْذٍ بِالْيَدِ وَ يَرَى الرَّجُلُ الرُّؤْيَا فَلَا يَكُونُ رُؤْيَاهُ شَيْئاً فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)أَ فَلَا أُخْبِرُكَ بِذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَ يُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ كُلَّهَا فَمَا رَأَتْ وَ هِيَ عِنْدَهُ فِي السَّمَاءِ فَهِيَ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ وَ مَا رَأَتْ إِذَا أُرْسِلَتْ إِلَى أَجْسَادِهَا تَلَقَّتْهَا الشَّيَاطِينُ فِي الْهَوَاءِ فَكَذَبَتْهَا وَ أَخْبَرَتْهَا بِالْأَبَاطِيلِ فَكُذِبَتْ فِيهَا فَعَجِبَ عُمَرُ مِنْ قَوْلِهِ (4).
بيان: فلينفث أي فليتفل تفلا خفيفا و إن لم يخرج معه شيء من البزاق.
75- الْكَافِي، عَنِ الْعِدَّةِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ دُرُسْتَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)جُعِلْتُ فِدَاكَ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ وَ الْكَاذِبَةُ مَخْرَجُهُمَا مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ قَالَ صَدَقْتَ أَمَّا الْكَاذِبَةُ الْمُخْتَلِفَةُ فَإِنَّ الرَّجُلَ يَرَاهَا فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ فِي سُلْطَانِ الْمَرَدَةِ الْفَسَقَةِ وَ إِنَّمَا هِيَ شَيْءٌ
____________
(1) المصدر: ج 3،(ص)313.
(2) المصدر: ج 3،(ص)313.
(3) الدّر المنثور: ج 3،(ص)313.
(4) المصدر: ج 5:(ص)329.
194
يُخَيَّلُ إِلَى الرَّجُلِ وَ هِيَ كَاذِبَةٌ مُخَالِفَةٌ لَا خَيْرَ فِيهَا وَ أَمَّا الصَّادِقَةُ إِذَا رَآهَا بَعْدَ الثُّلُثَيْنِ مِنَ اللَّيْلِ مَعَ حُلُولِ الْمَلَائِكَةِ وَ ذَلِكَ قَبْلَ السَّحَرِ فَهِيَ صَادِقَةٌ لَا تَخْتَلِفُ (1) إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ جُنُباً أَوْ يَكُونَ (2) عَلَى غَيْرِ طُهْرٍ أَوْ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ حَقِيقَةَ ذِكْرِهِ فَإِنَّهَا تَخْتَلِفُ وَ تُبْطِئُ عَلَى صَاحِبِهَا (3).
بيان قوله مخرجهما من موضع واحد لعل المراد أن ارتسامهما في محل واحد أو أن علتهما معا الارتسام لكن علة الارتسام فيهما مختلفة و قيل يعني كليهما صورة علمية يخلقها الله تعالى في قلب عباده بأسباب روحانية أو شيطانية أو طبيعية قوله(ع)في سلطان المردة الفسقة أي في أول الليل يستولي على الإنسان شهوات ما رآه في النهار و كثرت في ذهنه الصور الخيالية و اختلطت بعضها ببعض و بسبب كثرة مزاولة الأمور الدنيوية بعد عن ربه و غلبت عليه القوى النفسانية و الطبيعية فبسبب هذه الأمور تبعد عنه ملائكة الرحمن و تستولي عليه جنود الشيطان فإذا كان وقت السحر سكنت قواه و زالت عنه ما اعتراه من الخيالات الشهوانية فأقبل عليه مولاه بالفضل و الإحسان و أرسل عليه ملائكته ليدفعوا عنه أحزاب الشيطان فلذا أمره الله تعالى في ذلك الوقت بعبادته و مناجاته و قال إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَ أَقْوَمُ قِيلًا (4) فما يراه في الحالة الأولى فهو من التسويلات و التخييلات الشيطانية و من الوساوس النفسانية و ما يراه في الحالة الثانية فهو من الإفاضات الرحمانية بتوسط الملائكة الروحانية ثم ذكر(ع)علة تخلف بعض الرؤيا مع كونها في السحر فقال إنه إما بسبب جنابة أو حدث أو غفلة عن ذكر الله تعالى فإنها توجب البعد عن الله و استيلاء الشيطان.
و قال في شرح السنة قال أرباب التعبير رؤيا الليل أقوى من رؤيا النهار و
____________
(1) في المصدر: لا تخلف.
(2) فيه: أو ينام على غير طهور و لم يذكر.
(3) روضة الكافي: 91.
(4) المزّمّل: 6.
195
أصدق ساعات الرؤيا وقت السحر و روي عن أبي سعيد قال أصدق الرؤيا بالأسحار.
و قال ابن حجر في فتح الباري ذكر الدينوري أن رؤيا أول الليل يبطئ تأويلها و من النصف الثاني يسرع و إن أسرعها تأويلا وقت السحر و لا سيما عند طلوع الفجر و عن جعفر الصادق(ع)أسرعها تأويلا رؤيا القيلولة.
تفصيل و تبيين
لما كان أمر الرؤيا و صدقها و كذبها مما اختلفت فيه أقاويل الناس (1) فلا بأس
____________
(1) مسألة الرؤيا من غوامض المسائل النفسية، و قد بقيت بعد جهات منها في قيد الإبهام. و لنبدأ بالاشارة إلى جوانب بينة منها لعلها تساعد على توضيح بعض جوانبها الأخرى.
فنقول: لا ريب ان النائم عند ما يرى شيئا من المنامات تحصل له إدراكات من غير طرق الحواس الظاهرة و تسمية تلك الادراكات بالخيالات لا تخرجها عن واقعها، فان الخيال حتّى الفاسد الباطل منه له حصول في الذهن و وجود علمى للنفس، و إنّما فساده و بطلانه من ناحية عدم انطباقه على الخارج. و لا ريب في حكاية كثير من المنامات عن وقوع أشياء في الخارج في ما مضى أو ما يأتي مع عدم سبيل للرائى حتّى في حال يقظته إلى الاطلاع على شيء منها: و هي أكثر من ان يمكن حملها على الصدقة و الاتفاق، و خاصّة منامات الأنبياء و الأولياء المشتملة على الوحى و الالهام كما أنّه لا ريب في ان كثيرا منها تمثلات ذهنية لاميال و آمال و تركيبات و تحليلات لما اختزن من الصور في خزانة الخيال. و هذه النوع الأخير من الرؤيا- و إن انقسم إلى اقسام مختلفة- يرجع إلى بروز ما كمن في النفس إلى ساحة الحواس الباطنة و ادراك النفس لها بتوسيط تلك الحواس مرة اخرى. و معرفة علل هذا الافاعيل النفسية و مدى ارتباطها بالحالات البدنية و الروحية رهينة لتجارب كثيرة لا يزال علماء النفس مشتغلين بها.
اما النوع الأول منه فلا يمكن تعليله بأمثال تلك العلل فحسب كما لا يخفى. و بعبارة اخرى حصول هذا النوع من الادراكات للنفس ليس معلولا لحالات فسيولوجية أو ظاهرات بسيكولوجية معينة. فأى حاله بدنية أو نفسية توجب العلم بوجود كنز على مقدار معين في مكان خاصّ أو بحدوث حادثة مشخصة في زمان خاصّ في المستقبل؟! و ما هو الذي يمكن أن يجعل وجه الربط بين الظاهرات الجسمية و الروحية في الإنسان و بين العلم بقضايا عازبة عن ذهنه بموضوعاتها و محمولاتها؟! فهذه المعلومات ليست ممّا يستقل به النفس من الإدراك بصرف النظر عما هو خارج عن ذاتها رأسا و الغير الذي يمكن أن يشارك النفس في حصول هذه الادراكات لها بوجه.
196
أن نذكر هاهنا بعض أقوال المتكلمين و الحكماء ثم نبين ما ظهر لنا فيه من أخبار أئمة الأنام ع.
فأما الحكماء فقد بنوا ذلك على ما أسسوه من انطباع صور الجزئيات في النفوس المنطبعة الفلكية و صور الكليات في العقول المجردة و قالوا إن النفس في حالة النوم قد تتصل بتلك المبادئ العالية فتحصل لها بعض العلوم الحقة الواقعة فهذه هي الرؤيا الصادقة و قد يركب المتخيلة بعض الصور المخزونة في الخيال ببعض فهذه هي الرؤيا الكاذبة و قال بعضهم إن للنفوس الإنسانية اطلاعا على الغيب في حال المنام و ليس أحد من الناس إلا و قد جرب ذلك من نفسه تجارب أوجبته التصديق و ليس ذلك بسبب الفكر فإن الفكر في حال اليقظة التي هو فيها أمكن يقصر عن تحصيل مثل ذلك فكيف في حال النوم بل بسبب أن النفوس الإنسانية لها مناسبة الجنسية إلى المبادئ العالية المنتقشة بجميع ما كان و ما سيكون و ما هو كائن في الحال و لها أن تتصل بها اتصالا روحانيا و أن تنتقش بما هو مرتسم فيها لأن اشتغال النفس ببعض أفاعيلها يمنعها عن الاشتغال بغير تلك الأفاعيل و ليس لنا سبيل إلى إزالة عوائق النفس بالكلية عن الانتقاش بما في المبادئ العالية لأن أحد العائقين هو اشتغال النفس بالبدن و لا يمكن لنا إزالة هذا العائق بالكلية ما دام البدن صالحا لتدبيرها إلا أنه قد يسكن
____________
إما أن يكون أمرا عقليا محضا، أو مثاليا برزخيا، و لا يكون أمرا ماديا البتة، للقطع بعدم حصول ارتباط مادى بين الإنسان و بين موجود مادى آخر ممّا يقع تحت الحواس في حال النوم بحيث يمكن إسناد تلك العلوم إليه بوجه. فعلى فرض جعل المشارك للنفس امرا عقليا يصير الرؤيا اتصالا للنفس بموجود عقلي في المنام و تمثل ما تستفيد منه حسب استعدادها بصور جزئية في عالمها المثالى. و ان شئت قلت: فى ساحة الحواس الباطنة و لوح الذهن و على فرض جعل المشارك أمرا مثاليا بصير الرؤيا إشرافا للنفس على عالم المثال و مشاهدة أمور هناك مباشرة.
و كلاهما ممّا يصحّ فرضه عقلا، و لا ينفيه دليل شرعى، بل يوجد في الاخبار ما يؤيدهما بل يدل عليهما، فعليك باجادة التدبر فيها. و سيأتي في المتن أقوال عدة من العلماء و الباحثين تعرف مواقع النظر فيها ممّا تلونا عليك، فلا نتصدى لنقدها بالتفصيل حذرا من التطويل.
197
أحد الشاغلين في حالة النوم فإن الروح ينتشر إلى ظاهر البدن بواسطة الشرايين و ينصب إلى الحواس الظاهرة حالة الانتشار و يحصل الإدراك بها و هذه الحالة هي اليقظة فتشتغل النفس بتلك الإدراكات فإذا انخنس الروح إلى الباطن تعطلت هذه الحواس و هذه الحالة هي النوم و بتعطلها يخف إحدى شواغل النفس عن الاتصال بالمبادئ العالية و الانتقاش ببعض ما فيها فيتصل حينئذ بتلك المبادئ اتصالا روحانيا و يرتسم في النفس بعض ما انتقش في تلك المبادئ مما استعدت هي لأن تكون منتقشة به كالمرايا إذا حوذي بعضها ببعض و القوة المتخيلة جبلت محاكيه لما يرد عليها فتحاكي تلك المعاني المنتقشة في النفس بصور جزئية مناسبة لها ثم تصير تلك الصور الجزئية في الحس المشترك فتصير مشاهدة و هذه هي الرؤيا الصادقة.
ثم إن الصور التي تركبها القوة المتخيلة إن كانت شديدة المناسبة لتلك المعاني المنطبعة في النفس حتى لا يكون بين المعاني التي أدركتها النفس و بين الصور التي ركبتها القوة المتخيلة تفاوت إلا في الكلية و الجزئية كانت الرؤيا غنية عن التعبير و إن لم تكن شديدة المناسبة إلا أنه مع ذلك تكون بينهما مناسبة بوجه ما كانت الرؤيا محتاجة إلى التعبير و هو أن يرجع من الصورة التي في الخيال إلى المعنى الذي صورته المتخيلة بتلك الصورة و أما إذا لم تكن بين المعنى الذي أدركته النفس و بين الصورة التي ركبتها القوة المتخيلة مناسبة أصلا لكثرة انتقالات المتخيلة من صورة إلى صورة لا تناسب المعنى الذي أدركته النفس أصلا فهذه الرؤيا من قبيل أضغاث الأحلام و لهذا قالوا لا اعتماد على رؤيا الشاعر و الكاذب لأن قوتهما المتخيلة قد تعودت الانتقالات الكاذبة الباطلة انتهى.
و لا يخفى أن هذا رجم بالغيب و تقول بالظن و الريب و لم يستند إلى دليل و برهان و لا إلى مشاهدة و عيان و لا إلى وحي إلهي مع ابتنائه على إثبات العقول المجردة و النفوس الفلكية المنطبعة و هما مما نفتهما الشريعة المقدسة كما تقرر في محله.
و قال الرازي في المطالب العالية في بيان طريقة الفلاسفة في كيفية صدور
198
المعجزات و الكرامات عن الأنبياء و الأولياء قالوا قد عرفت أن انطباع الصور في الحس المشترك على وجهين أحدهما أن الحواس الظاهرة إذا أخذت صور المحسوسات الموجودة في الخارج و أدتها إلى الحس المشترك فحينئذ تنطبع في الحس المشترك و تصير مشاهدة له و الثاني أن القوة المتخيلة التي من شأنها تركيب الصور بعضها بالبعض إذا ركبت صورة فإن تلك الصورة قد تنطبع في الحس المشترك و متى حصل الانطباع وجب أن تصير مشاهدة و ذلك لأن في القسم الأول إنما صارت تلك الصورة مشاهدة لأجل أن تلك الصور انطبعت في الحس المشترك لا لأجل أنها وردت عليه من الخارج و إذا كان كذلك وجب أيضا في الصور المنحدرة عليه من جانب المتخيلة أن تصير مشاهدة و مثال الحس المشترك المرآة فإن كل صورة تنطبع فيها من أي جانب كان صارت مشاهدة فكذلك الصور المنطبعة في الحس المشترك إذا انطبعت فيه من أي جانب كان وجب أن تصير محسوسة إذا عرفت هذا فنقول الصور التي تشاهدها الأبرار و الكهنة و النائمون و الممرورون ليست موجودة في الخارج فإنها لو كانت موجودة في الخارج لوجب أن يراها كل من كان سليم الحس بناء على أنه متى كانت الحاسة سليمة و كان الشيء الحاضر بحيث تصح رؤيته و لم يحصل القرب القريب و البعد البعيد و اللطافة و الصغر و حصلت المقابلة فعند حضور هذه الشرائط يكون الإدراك و الإبصار واجبا إذ لو جاز أن لا يحصل الإدراك عند حضور هذه الشرائط لجاز أن يصير عندنا جبال عظيمة و أصوات هائلة و لا نراها و لا نسمعها و معلوم أن تجويزه يوجب الجهالات العظيمة فثبت بهذا أن تلك الصور غير موجودة في الخارج فيجب الجزم بأن ورودها على الحس المشترك إنما كان من الداخل و هو أن القوة المتخيلة ركبت تلك الصور فانحدرت إلى الحس المشترك فصارت مرئية و قد كان الواجب أن تحصل هذه الحاصلة أبدا إلا أن العائق عنه أمران الأول أن الحس المشترك إذا حصلت فيه الصور المأخوذة من الخارج لم يتسع للصور التي يركبها المتخيلة فحينئذ تصير الصور التي يركبها المتخيلة بحيث لا يمكن انطباعها في الحس المشترك و الثاني أن القوة
199
العاقلة تكون مسلطة على القوة المتخيلة فيمنعها عن تركيب تلك الصور. إذا عرفت هذا فنقول إنه إذا انتفى الشاغلان معا أو أحدهما فإنه يحصل ذلك التلويح و ذاك التشبيح أما في وقت النوم فقد زال أحد الشاغلين و هو الحس الظاهر فلا ينتقل من الحواس الظاهرة إلى الحس المشترك شيء من الصور فيبقى لوح الحس المشترك خاليا عن النقوش الخارجية فيستعد لقبول الصور التي تركبها المتخيلة فتنحدر تلك الصورة من المتخيلة إلى لوح الحس المشترك فتصير محسوسة.
و أما في وقت المرض فإن النفس تصير مشغولة بتدبير البدن فلا تتفرغ لمنع القوة المتخيلة من تركيب تلك الصور فحينئذ تقوى القوة المتخيلة على عملها و إذا قويت على هذا العمل عصت الحس المشترك عن قبول الصور الخارجية فوردت عليه هذه الصور فتصير مشاهدة محسوسة و الصور الهائلة التي تصير مشاهدة في حالة الخوف فهي من هذا الباب فإن الخوف المستولي على النفس يصدها عن تأديب المتخيلة فلا جرم تقدر المتخيلة على رسم صورها في الحس المشترك كصورة الغول و غيرها و كذلك قد يستولي على النفوس الضعيفة العقل قوى أخرى كشهوة شيء فتشتد تلك الشهوة حتى تغلب العقل فالمتخيلة تركب صورة ذلك المشتهى و تنطبع تلك الصورة في لوح الحس المشترك فتصير محسوسة.
إذا عرفت هذا فنقول إنه يتفرع عليه أشياء كثيرة الفرع الأول في سبب المنامات الصادقة و الكاذبة اعلم أن الصور التي تركبها المتخيلة قد تكون كاذبة و قد تكون صادقة أما الكاذبة فوقوعها على ثلاثة أوجه الأول أن الإنسان إذا أحس بشيء و بقيت صورة ذلك المحسوس في خزانة الخيال فعند النوم ترتسم تلك الصورة في الحس المشترك فتصير مشاهدة محسوسة و الثاني أن القوة المفكرة إذا ألفت صورة ارتسمت تلك الصورة في الخيال ثم وقت النوم تنتقل تلك إلى الحس المشترك فتصير محسوسة كما أن الإنسان إذا تفكر في الانتقال من بلد إلى بلد و حصل في خاطره شيء أو خوف عن شيء فإنه يرى تلك الأحوال في النوم و الثالث أن مزاج الروح الحامل للقوة المفكرة إذا تغير فإنه تتغير أحوال القوة
200
المفكرة و لهذا السبب فإن الذي يميل مزاجه إلى الحرارة يرى في النوم النيران و الحريق و الدخان و من مال مزاجه إلى البرودة يرى الثلوج و من مال مزاجه إلى الرطوبة يرى الأمطار و من مال مزاجه إلى اليبوسة يرى التراب و الألوان المظلمة فهذه الأنواع الثلاثة لا عبرة بها البتة بل هي من قبيل أضغاث الأحلام.
و أما الرؤيا الصادقة فالكلام في ذكر سببها متفرع على مقدمتين إحداهما أن جميع الأمور الكائنة في هذا العالم الأسفل مما كان و مما سيكون و مما هو كائن موجود في علم البارئ تعالى و علم الملائكة العقلية و النفوس السماوية و الثانية أن النفس الناطقة من شأنها أن تتصل بتلك المبادئ و تنتقش فيها الصور المنتقشة في تلك المبادئ و عدم حصول هذا المعنى ليس لأجل البخل من تلك المبادئ أو لأجل أن النفس الناطقة غير قابلة لتلك الصور بل لأجل أن استغراق النفس في تدبير البدن صار مانعا من ذلك الاتصال العام.
إذا عرفت هذا فنقول النفس إذا حصل لها أدنى فراغ من تدبير البدن اتصلت بطباعها بتلك المبادئ فينطبع فيها بعض تلك الصور الحاضرة عند تلك المبادئ و هو الصور التي هي أليق بتلك النفس و معلوم أن أليق الأحوال بها ما يتعلق بأحوال ذلك الإنسان و بأصحابه و بأهل بلده و إقليمه و أما إن كان ذلك الإنسان منجذب الهمة إلى تحصيل علوم المعقولات لاحت له منها أشياء و من كانت همته مصالح الناس رآها ثم إذا انطبعت تلك الصور في جوهر النفس الناطقة أخذت المتخيلة التي من طباعها محاكاة الأمور في حكاية تلك الصور المنطبعة في النفس بصور جزئية يناسبها (1) ثم إن تلك الصور تنطبع في الحس المشترك فتصير مشاهدة فهذا هو سبب الرؤيا في المنام ثم إن تلك الصور التي ركبتها المتخيلة لأجل تلك المعاني قد تكون شديدة المناسبة لتلك المعاني فتكون هذه الرؤيا غنية عن التعبير و قد لا تكون كذلك إلا أنها أيضا مناسبة لتلك المعاني من بعض الوجوه و هاهنا تحتاج هذه المنامات إلى التعبير و فائدة التعبير التحليل بالعكس يعني أن يرجع المعبر من
____________
(1) تناسبها (ظ).
201
هذه الصور الحاضرة في الخيال إلى تلك المعاني و القسم الثالث أن لا تكون هذه الصور مناسبة لتلك المعاني البتة و ذلك يكون لأحد وجهين أحدهما أن يكون حدوث هذا الخيال الغريب إنما كان لوجه واحد من الوجوه الثلاثة المذكورة في سبب أضغاث الأحلام و الثاني أن يكون ذلك لأجل أن القوة المتخيلة ركبت لأجل ذلك المعنى صورة ثم ركبت لأجل تلك الصورة صورة ثانية و للثانية ثالثة و أمعنت في هذه الانتقالات فانتهت بالأخرة إلى صورة لا تناسب المعنى التي أدركته النفس أولا البتة و حينئذ يصير هذا القسم أيضا من باب أضغاث الأحلام و لهذا السبب قيل إنه لا اعتماد على رؤيا الكاذب و الشاعر لأن القوة المتخيلة منهما قد عودت الانتقالات الكاذبة الباطلة و الله أعلم.
الفرع الثاني في كيفية الإخبار عن الغيب اعلم أن النفس الناطقة إذا كانت كاملة القوة وافية في الوصول إلى الجوانب العالية و السافلة و تكون في القوة بحيث لا يصير اشتغالها بتدبير البدن عائقا لها عن الاتصال بالمبادئ المفارقة ثم اتفق أيضا أن كانت قوته (1) الفكرية قوية قادرة على انتزاع لوح الحس المشترك عن الحواس الظاهرة فحينئذ لا يبعد أن يقع لمثل هذه النفس في حال اليقظة مثل ما يقع للنائمين من الاتصال بالمبادئ المفارقة فحينئذ يرتسم عن بعض تلك المفارقات صور تدل على وقائع هذا العالم في جوهر النفس الناطقة ثم إن القوة لأجل قوتها تركب صورة مناسبة لها ثم تنحدر تلك الصورة إلى لوح الحس المشترك فتصير مشاهدة و عند هذه الحال يسمع ذلك الإنسان كلاما منظوما من هاتف و قد يشاهد منظرا في أكمل هيئة و أجل صورة تخاطبه تلك الصورة بما يهمه من أحوال من يتصل به ثم إن كانت هذه الصورة المحسوسة منطبقة على تلك المعاني التي أدركتها النفس الناطقة كان ذلك وحيا صريحا و إن كانت الصورة الخيالية مخالفة لذلك المعنى العقلي من بعض الوجوه كان ذلك وحيا محتاجا إلى التأويل و الصارف للقوة المتخيلة عن هذا التغيير و التبديل أمران
____________
(1) كذا، و الظاهر «قوتها».
202
الأول أن الصورة المنطبقة (1) في النفس الناطقة الفائضة من جانب المبادئ العالية لما فاضت على غاية الجلاء و الوضوح صارت تلك القوة مانعة للخيال عن التصرف فيها كما أن الصور المحسوسة المأخوذة من الخارج إذا كانت في غاية القوة فحينئذ يقوى على منع القوة المتخيلة من التصرف في تلك الصورة بالتغيير و التبديل.
النوع الثاني أن النفوس التي ليس لها من القوة ما يقوى على الاتصال بعالم الغيب في حال اليقظة فربما استعانت في حال اليقظة بما يدهش الحس و يحير الخيال كما يستعين بعضهم بشد حثيث و بعضهم بتأمل شيء شفاف أو برق لامع يورث البصر ارتعاشا فإن كل ذلك مما يدهش الخيال فيستعد النفس بسبب حيرتها و انقطاعها في تلك اللحظة عن تدبير البدن لانتهاز فرصة إدراك الغيب و الشرط في هذا أن يكون ذلك الإنسان ضعيف العقل مصدقا لكل ما يحكى له من مسيس الجن مثل الصبيان و النسوان و البله فهؤلاء إذا ضعفت حواسهم و كانت أوهامهم شديدة الانجذاب إلى مطلوب معين فحينئذ يقع لنفوسهم التفات في تلك اللحظة إلى عالم الغيب و يتأمل ذلك المطلوب فتارة يسمع خطابا و يظن أنه جني و تارة تتراءى له صور مشاهدة فيظن أنها من إخوان الجن فيلقي إليه من الغيب ما ينطق به في أثناء الغشي فيأخذه السامعون و يبنون عليه تدابيرهم في مهماتهم فهذا ما قرره الشيخ الرئيس في هذا الباب.
و اعلم أن الأصل في جملة هذه التفاريع أمران الأول أن يقال هذه الصور التي تشاهدها الأنبياء و الأولياء و غيرهم ليست موجودة في الخارج لأنها لو كانت موجودة في الخارج لوجب أن يدركها كل من كان له سليم الحس إذ لو جوزنا أن لا يحصل الإدراك مع حصول هذه الشرائط لجاز أن تكون بحضرتنا جبال و رعود و نحن لا نراها و لا نسمعها و ذلك يوجب السفسطة و لا يخفى أن الجهالات التي ألزمتموها على هذا القول هي على قولكم ألزم و ذلك لأنا لو جوزنا أن يرى الإنسان صورا و يشاهدها و يتكلم معها و يسمع أصواتها و يرى
____________
(1) المنطبعة (ظ).
203
أشكالها ثم إنها لا تكون موجودة البتة في الخارج جاز أيضا في كل هذه الأشياء التي نراها و نسمعها من صور الناس و الجبال و البحار و أصوات الرعود أن لا يكون لشيء منها وجود في الخارج بل يكون محض الخيالات و محض الصور المرتسمة في الحس المشترك و معلوم أن القول به محض السفسطة بل نقول هذا في البعد عن الحق و الغوص في الجهالة أشد من الأول لأن على القول الذي نقول نحن جازمون بأن كل ما رأيناه فهو موجود حق إلا أنه يلزمنا تجويز أن يكون قد حضر عندنا أشياء و نحن لا نراها و تجويز هذا لا يوجب الشك في وجود ما رأيناه و سمعناه أما على القول الذي يقولونه فإنه يلزم وقوع الشك في وجود كل صورة رأيناها و كل صوت سمعناه و ذلك هو الجهالة التامة و السفسطة الكاملة فثبت أن القول الذي اخترتموه في غاية الفساد.
فإن قالوا إن حصول هذه الحالة لحصول أحوال منها أن يكون كامل النفس قوي العقل كما في حق الأنبياء و الأولياء فإذا لم يحصل شيء من هذه الأحوال و كان الإنسان باقيا على مقتضى المزاج المعتدل لم يحصل شيء من هذه الأحوال فحينئذ يحصل القطع بوجود هذه الأشياء في الخارج فنقول في الجواب إن بالطريق الذي ذكرتم ظهر أنه لا يمتنع أن يحس الإنسان بوجود صور مع أنها لا تكون موجودة أصلا و إذا ظهر جواز هذا المعنى فنحن إنما يمكننا انتفاء هذه الحالة إذا دللنا على أن الأسباب الموجبة لحصول هذه الحالة محصورة في كذا و كذا و نقيم على هذا الحصر برهانا يقينيا ثم نبين في المقام الثاني أنها بأسرها منتفية زائدة بالبرهان اليقيني ثم نبين في المقام الثالث أن الممكن حال بقائه لا يستغني عن السبب فإن (1) بتقدير أن يكون الأمر كذلك لم يلزم من زوال تلك الأسباب زوال هذه الحالة ثم على تقدير إقامة البراهين القاطعة الجازمة على صحة هذه المقدمات يصير جزمنا بحصول هذه المحسوسات في الخارج موقوفا على إثبات هذه المقدمات النظرية الغامضة و الموقوف على النظري الغامض أولى أن يكون نظريا غامضا و حينئذ تبطل هذه العلوم المستفادة
____________
(1) فانه (ظ).
204
من الحواس بطلانا كليا فثبت أن القول الذي ذكرتموه قول باطل يوجب التزام السفسطة.
و اعلم أن الذي حمل هؤلاء الفلاسفة على ذكر هذه العلل و الأسباب إطباقهم على إنكار الملائكة و على إنكار الجن و قد بينا في كتاب الأرواح أنه ليس لهم شبهة و لا خيال يدل على نفي هذه الأشياء و إذا كان أصل هذه الأقوال نفي الملائكة و الجن و قد عرفت أنه ليس لهم فيه دليل و فرعه مما يوجب القول بالسفسطة كان هذا القول في غاية الفساد و البطلان فهذا تمام الكلام في هذا الأصل. و أما الأصل الثاني فهو أن هذه الكلمات متفرعة على إثبات إدراك الحواس الباطنة و نحن قد بينا بالبرهان القاهر القاطع أن المدرك لجميع الإدراكات هو النفس الناطقة و أن القول بتوزيع الإدراكات على قوى متفرقة قول باطل و كلام فاسد فثبت بهذه البيانات أن كلامهم في غاية الضعف و الفساد.
و الحق أن هذا الباب يحتمل وجوها كثيرة فأحدها أنا بينا أن النفوس الناطقة أنواع كثيرة ذو طوائف مختلفة و لكل طائفة منها روح فلكي كلي هو العلة لوجودها و هو المتكفل بإصلاح أحوالها و ذلك الروح الفلكي كالأصل و المعدن و الينبوع بالنسبة إليها و سميناه بالطباع التام فلا يمتنع أن يكون الذي يراها في المنامات و في اليقظة أخرى و على سبيل الإلهامات ثالثا هو ذلك الطباع التام و لا يمتنع كون ذلك الطباع التام قادرا على أن يتشكل بأشكال مختلفة بحسب جسم مخصوص هوائي في جميع أعماله و ثانيها أن تثبت طوائف الملائكة و طوائف الجن و نحكم بكونها قادرة على أن تأتي بأعمال مخصوصة عندها يظهرون للبشر و على أعمال أخرى عندها يحتجبون عن البشر فهذا ما نقوله في هذا الباب انتهى.
و قال في المواقف و شرحه و أما الرؤيا فخيال باطل عند المتكلمين أي جمهورهم أما عند المعتزلة فلفقد شرائط الإدراك حالة النوم من المقابلة و إثبات الشعاع و توسط الهواء الشفاف و البنية المخصوصة و انتفاء الحجاب إلى غير ذلك من الشرائط المعتبرة في الإدراكات فما يراه النائم ليس من الإدراكات في شيء بل هو من قبيل الخيالات
205
الفاسدة و الأوهام الباطلة و أما عند الأصحاب إذ لم يشترطوا في الإدراك شيئا من ذلك فلأنه خلاف العادة أي لم تجر عادته تعالى بخلق الإدراكات في الشخص و هو نائم و لأن النوم ضد للإدراك فلا يجامعه فلا يكون الرؤيا إدراكا حقيقة بل هو من قبيل الخيال الباطل.
و قال الأستاذ أبو إسحاق إنه إدراك حق بلا شبهه إذ لا فرق بين ما يجده النائم من نفسه في نومه من إبصار المبصرات و سمع المسموعات (1) و ذوق و غيرها من الإدراكات و بين ما يجده اليقظان في إدراكاته فلو جاز التشكيك فيه لجاز التشكيك فيما يجده اليقظان و لزم السفسطة و القدح في الأمور المعلومة حقيقتها بالبديهة و لم يخالف الأستاد في كون النوم ضدا للإدراك لكنه زعم أن الإدراك يقوم بجزء من أجزاء الإنسان غير ما يقوم به النوم من أجزائه فلا يلزم اجتماع الضدين في محل واحد أقول ثم ذكر ما زعمته الفلاسفة في ذلك نحوا مما مر و قال بعض المحققين من الحكماء و الصوفية الجامعين بزعمهم بين الشرع و الحكمة سبب الرؤيا انخناس الروح البخاري من الظاهر إلى الباطن بأسباب شتى مثل طلب الاستراحة عن كثرة الحركة و ميل الاشتغال بتأثيره في الباطن لينفتح السد و لهذا يغلب النوم عند امتلاء المعدة و مثل أن يكون الروح قليلا ناقصا فلا يفي بالظاهر و الباطن جميعا و لزيادته و نقصانه أسباب طبية مذكورة في كتب الأطباء فإذا انخنس الروح إلى الباطن و ركدت الحواس بسبب من الأسباب بقيت النفس فارغة عن شغل الحواس لأنها لا تزال مشغولة بالتفكر فيما تورده الحواس عليها فإذا وجدت فرصة الفراغ و ارتفعت عنها الموانع فإن كانت عالية معتادة بالصدق أو مائلة إلى العالم الروحاني العقلي متوجهة إلى الحق مطهرة عن النقائص معرضة عن الشواغل البدنية متصفة بالمحامد أو غير ذلك مما جب تنويرها و تقويتها و قدرتها على خرق العالم الحسي من الإتيان بالطاعات و العبادات و استعمال القوى و الآلات بموجب الأوامر الإلهية و حفظ الاعتدال بين طرفي الإفراط و التفريط فيها و دوام الوضوء و الذكر خصوصا من أول
____________
(1) في أكثر النسخ «للمسموعات».
206
الليل إلى وقت النوم و صحة البدن و اعتدال مزاجه الشخصي و الدماغي اتصلت بالجواهر الروحانية الشريفة التي فيها نقوش جميع الموجودات كلية و جزئية المسماة بالكتاب المبين و أم الكتاب فانتقشت بما فيها من صور الأشياء لا سيما ما ناسب أغراضها و يكون مهما لها فإن النفس بمنزلة مرآة ينطبع فيها كل ما قابلها من مرآة أخرى عند حصول الأسباب و ارتفاع الحجاب بينهما و الحجاب هاهنا اشتغال النفس بما تورده الحواس فإذا ارتفع ظهر فيها من تلك المرائي ما يناسبها و يحاذيها فإن كانت تلك الصور جزئية و بقيت في النفس بحفظ الحافظة إياها على وجهها و لم تتصرف فيه القوة المتخيلة الحاكية للأشياء بمثلها فتصدق هذه الرؤيا و لا تحتاج إلى التعبير و إن كانت المتخيلة غالبة و إدراك النفس للصورة ضعيفا صارت المتخيلة بطبعها إلى تبديل ما رأته النفس بمثال كتبديل العلم باللبن و تبديل العدو بالحية و تبديل الملك بالبحر و الجبل إلى غير ذلك و ذلك لما دريت أن لكل معنى صورة في نشأة غير صورته في النشأة الأخرى و أن النشآت متطابقة.
نقل أن رجلا جاء إلى ابن سيرين و قال رأيت كأن في يدي خاتما أختم به أفواه الرجال و فروج النساء فقال إنك مؤذن تؤذن في شهر رمضان قبل الفجر فقال صدقت و جاء آخر فقال كأني صببت الزيت في الزيتون فقال إن كانت تحتك جارية اشتريتها ففتش عن حالها فإنها أمك لأن الزيتون أصل الزيت فهو رد إلى الأصل فنظر فإذا جاريته كانت أمه و قد سبيت في صغره و قال آخر له كأني أعلق الدر في أعناق الخنازير فقال كأنك تعلم الحكمة غير أهلها و كان كما قال.
و ربما تبدل المتخيلة الأشياء المرئية في النوم بما يشابهها و يناسبها مناسبة ما أو ما يضادها كما من رأى أنه ولد له ابن فتولد له بنت و بالعكس و هذه الرؤيا تحتاج إلى مزيد تصرف في تعبيره فيحلل بالعكس أي يرجع من الصور الخيالية الجزئية إلى المعاني النفسانية الكلية و ربما لم تكن انتقالات المتخيلة مضبوطة بنوع مخصوص فانشعبت وجوه التعبير فصار مختلفا بالأشخاص و الأحوال و الصناعات و فصول السنة و صحة النائم و مرضه و صاحب التعبير لا ينال إلا بضرب من الحدس و يغلط فيه كثيرا للالتباس
207
و إن كانت النفس سفلية متعلقة بالدنيا منهمكة في الشهوات حريصة على المخالفات مستعملة للمتخيلة في التخيلات الفاسدة و غير ذلك مما يوجب الظلمة و ازدياد الحجب أو سوء مزاج الدماغ فلا تتصل بالجواهر الروحانية بمجرد ذلك فتفعل باختراعها بقوتها المتخيلة في مملكتها و عالمها الباطني صورا و أشخاصا جسمانية بعضها مطابقة لما يوجد في الخارج و بعضها خرافات لا أصل لها في شيء من العوالم بل هو من دعابات المتخيلة و اضطراباتها التي لا تفتر عنها في أكثر الأحوال ثم انتقلت منها و حاكتها بأمور أخرى في النوم فبقيت مشغولة بمحاكاتها كما تبقى مشغولة بالحواس في اليقظة و خصوصا إذا كانت ضعيفة منفعلة عن آثار القوى و هي أضغاث الأحلام و لمحاكاتها أسباب من أحوال البدن و مزاجه فإن غلبت على مزاجه الصفراء حاكاها بالأشياء الصفر و إن كان فيه الحرارة حاكاها بالنار و الحمام الحار و إن غلبت البرودة حاكاها بالثلج و الشتاء و نظائرهما و إن غلبت السوداء حاكاها بالأشياء السود و الأمور الهائلة قال بعض العلماء و إنما حصلت صورة النار مثلا في التخيل عند غلبة الحرارة لأن الحرارة التي في موضع تتعدى إلى المجاور لها كما يتعدى نور الشمس إلى الأجسام بمعنى أنه سيكون سببا لحدوثه إذ خلقت الأشياء موجودة وجودا فائضا بأمثاله على غيره و القوة المتخيلة منطبعة في الجسم الحار فيتأثر به تأثرا يليق بطبعها لأن كل شيء قابل يتأثر من شيء فإنما يتأثر منه بشيء يناسب جوهر هذا القابل و طبعه فالمتخيلة ليست بجسم حتى تقبل نفس الحرارة فتقبل من الحرارة ما في طبعها القبول و هو صورة الحار فهذا هو السبب فيه.
ثم قال و الاتصال بالجواهر الروحانية كما يكون في المنام فكذلك قد يكون في اليقظة أيضا كما أن الاختراعات الخيالية تكون في الحالتين و ذلك لأن رفع الحجاب بين مرآة النفس و ذلك العالم كما يكون في المنام فكذلك قد يكون بأسباب أخر مثل صفاء النفس بسبب أصل الفطرة و مثل انزعاج النفس و انزجارها عن هذا العالم بسبب ما يكدرها و ينقص (1) عيشها الدنياوي من المؤلمات و المنفرات فيتوجه
____________
(1) ينغص (ظ).
208
إلى عالمها هربا من هذه الأمور الموحشة فيرتفع الحجاب بينها و بين عالمها و مثل الرياضات العلمية و العملية التي توجب المكاشفات الصورية و المعنوية أي ظهور الحوادث و الحقائق و مثل الموت الإرادي الذي يكون للأولياء و مثل الموت الطبيعي الذي يوجب كشف الغطاء للجميع سواء كانوا سعداء أو أشقياء و مثل ما لو غلب على المزاج اليبوسة و الحرارة و قل الروح البخاري حتى صرفت النفس لغلبة السوداء و قلة الروح عن موارد الحواس فيكون مع فتح العين و سائر أبواب الحواس كالمبهوت الغافل الغائب عما يرى و يسمع و ذلك لضعف خروج الروح إلى الظاهر فهذا أيضا لا يستحيل أن ينكشف لنفسه من الجواهر الروحانية شيء من الغيب فيحدث به و يجري على لسانه فكأنه أيضا غافل عما يحدث به و هذا يوجد في بعض المجانين و المصروعين و بعض الكهنة فيحدثون بما يكون موافقا لما سيكون.
ثم ما تتلقاه النفس في اليقظة على وجهين فإن كانت النفس قوية وافية بضبط الجوانب لا تشغلها المشاعر السفلية عن المدارك العالية و تكون متخيلتها قوية على استخلاص الحس المشترك عن مشاهدة الظواهر إلى مشاهدة ما يراها في الباطن فلا يبعد أن يقع لها ما يقع للنائم من غير تفاوت فمنه ما هو وحي صريح لا يفتقر إلى التأويل و منه ما ليس كذلك فيفتقر إليه أو يكون شبيها بالمنامات التي هي أضغاث أحلام إن أمعنت المتخيلة في الانتقال و المحاكات و إن لم يكن كذلك فلا يخلو إما أن يستعين بما يقع للحس دهشة و للخيال حيرة أو لا بل كانت لضعف طبيعي في الحواس أو مرض طار فالأول كفعل المستنطقين المشغلين للصبيان و النساء ذوات المدارك الضعيفة بأمور مترقرقة أو بأشياء ملطخة سود مدهشة محيرة للحس مرعشة للبصر برجرجتها أو شفيفها و كاستعانة بعض المتصوفة و المتكهنة برقص و تصفيق و تطريب فكل هذه موهنة للحواس مخلة بها و ربما يستعينون أيضا بالإبهام بالعزائم و بأدعية غير مفهومة الألفاظ يوجب الترهيب بالحس (1) إذا استنطقوا غيرهم و الثاني كما للمصروعين و الممرورين و من في قواه ضعف و في دماغه رطوبة قابلة و قد يجتمع الشيئان ضعف
____________
(1) بالجن (خ).
209
الفائق (1) و قوة النفس بتطريب و غيره كالكثير من المرتاضين من أولي الكد و هذا حسن و ما للكهنة و الممرورين نقص أو ضلال أو تعطيل للقوى كما خلقت لأجله و أما الفضلاء فرياضاتهم و علومهم مرموزة مكتومة عن المحجوبين.
و قال الكراجكي رحمه الله في كتاب كنز الفوائد وجدت لشيخنا المفيد رضي الله عنه في بعض كتبه أن الكلام في باب رؤيا المنامات عزيز و تهاون أهل النظر به شديد و البلية بذلك عظيمة و صدق القول فيه أصل جليل و الرؤيا في المنام يكون من أربع جهات أحدها حديث النفس بالشيء و الفكر فيه حتى يحصل كالمنطبع في النفس فيتخيل إلى النائم ذلك بعينه و أشكاله و نتائجه و هذا معروف بالاعتبار.
الجهة الثانية من الطباع و ما يكون من قهر بعضها لبعض فيضطرب له المزاج و يتخيل لصاحبه ما يلائم ذلك الطبع الغالب من مأكول و مشروب و مرئي و ملبوس و مبهج و مزعج قد ترى تأثير الطبع الغالب في اليقظة و الشاهد حتى أن من غلب عليه الصفراء يصعب عليه الصعود إلى المكان العالي يتخيل له من وقوعه منه و يناله من الهلع و الزمع ما لا ينال غيره و من غلبت عليه السوداء يتخيل له أنه قد صعد في الهواء و ناجته الملائكة و يظن صحة ذلك حتى إنه ربما اعتقد في نفسه النبوة و أن الوحي يأتيه من السماء و ما أشبه ذلك.
و الجهة الثالثة ألطاف من الله عز و جل لبعض خلقه من تنبيه و تيسير و إعذار و إنذار فيلقي في روعه ما ينتج له تخييلات أمور تدعوه إلى الطاعة و الشكر على النعمة و تزجره عن المعصية و تخوفه الآخرة و يحصل له بها مصلحة و زيادة فائدة و فكر يحدث له معرفة.
و الجهة الرابعة أسباب من الشيطان و وسوسة يفعلها للإنسان يذكره بها أمورا تحزنه و أسبابا تغمه فيما لا يناله أو يدعوه إلى ارتكاب محظور يكون فيه عطبه أو تخيل شبهة في دينه يكون منها هلاكه و ذلك مختص بمن عدم التوفيق
____________
(1) العائق (خ).
210
لعصيانه و كثرة تفريطه في طاعات الله سبحانه و لن ينجو من باطل المنامات و أحلامها إلا الأنبياء و الأئمة(ع)و من رسخ في العلم من الصالحين.
و قد كان شيخي رضي الله عنه قال لي إن كل من كثر علمه و اتسع فهمه قلت مناماته فإن رأى مع ذلك مناما و كان جسمه من العوارض سليما فلا يكون منامه إلا حقا يريد بسلامة الجسم عدم الأمراض المهيجة للطباع و غلبة بعضها على ما تقدم به البيان و السكران أيضا لا يصح منامه و كذلك الممتلئ من الطعام لأنه كالسكران و لذلك قيل إن المنامات قل ما يصح في ليالي شهر رمضان فأما منامات الأنبياء(ع)فلا تكون إلا صادقة و هي وحي في الحقيقة و منامات الأئمة(ع)جارية مجرى الوحي و إن لم تسم وحيا و لا تكون قط إلا حقا و صدقا و إذا صح منام المؤمن فإنه من قبل الله تعالى كما ذكرناه
- وَ قَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنَّهُ قَالَ: رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعَةٍ وَ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ.
- وَ رُوِيَ عَنْهُ(ع)أَنَّهُ قَالَ: رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَجْرِي مَجْرَى كَلَامٍ تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ عِنْدَهُ.
. فأما وسوسة شياطين الجن فقد ورد السمع بذكرها قال الله تعالى مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (1) و قال وَ إِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ (2) و قال شَياطِينَ (3) الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً (4) و ورد السمع به فلا طريق إلى دفعه.
فأما كيفية وسوسة الجني للإنسي فهو أن الجن أجسام رقاق لطاف فيصح أن يتوصل أحدهم برقة جسمه و لطافته إلى غاية سمع الإنسان و نهايته فيوقع فيه كلاما يلبس عليه إذا سمعه و يشتبه عليه بخواطره لأنه لا يرد عليه ورود المحسوسات من ظاهر جوارحه و يصح أن يفعل هذا بالنائم و اليقظان جميعا و ليس هو في العقل
____________
(1) الناس: 4- 6.
(2) الأنعام: 121.
(3) صدرها: «وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ» الخ.
(4) الأنعام: 112.
211
مستحيلا
- رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَخْطُبُ إِذْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَأَيْتُ كَأَنَّ رَأْسِي قَدْ قُطِعَ وَ هُوَ يَتَدَحْرَجُ وَ أَنَا أَتْبَعُهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لَا تُحَدِّثْ بِلَعْبِ الشَّيْطَانِ بِكَ ثُمَّ قَالَ إِذَا لَعِبَ الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ (1) فِي مَنَامِهِ فَلَا يُحَدِّثَنَّ بِهِ أَحَداً.
. و أما رؤية الإنسان للنبي(ص)أو لأحد الأئمة(ع)في المنام فإن ذلك عندي على ثلاثة أقسام قسم أقطع على صحته و قسم أقطع على بطلانه و قسم أجوز فيه الصحة و البطلان فلا أقطع فيه على حال فأما الذي أقطع على صحته فهو كل منام رأى فيه النبي(ص)أو أحد الأئمة(ع)و هو الفاعل لطاعة أو آمر بها و ناه عن معصية (2) أو مبين لقبحها و قائل لحق أو داع إليه و زاجر عن باطل أو ذام لمن هو عليه و أما الذي أقطع على بطلانه فهو كل ما كان ضد ذلك لعلمنا أن النبي(ص)و الإمام(ع)صاحبا حق و صاحب الحق بعيد عن الباطل و أما الذي أجوز فيه الصحة و البطلان فهو المنام الذي يرى فيه النبي و الإمام(ع)و ليس هو آمرا و لا ناهيا و لا على حال يختص بالديانات مثل أن يراه راكبا أو ماشيا أو جالسا و نحو ذلك و أما الخبر الذي
- يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ(ص)مِنْ قَوْلِهِ مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَشَبَّهُ بِي.
. فإنه إذا كان المراد به المنام يحمل على التخصيص دون أن يكون في كل حال و يكون المراد به القسم الأول من الثلاثة الأقسام لأن الشيطان لا يتشبه بالنبي(ص)في شيء من الحق و الطاعات و أما
مَا رُوِيَ عَنْهُ(ص)مِنْ قَوْلِهِ مَنْ رَآنِي نَائِماً رَآنِي يَقْظَانَ.
. فإنه يحتمل وجهين أحدهما أن يكون المراد به رؤية المنام و يكون خاصا كالخبر الأول على القسم الذي قدمناه و الثاني أن يكون أراد به رؤية اليقظة دون المنام و يكون قوله نائما حالا للنبي و ليست حالا لمن رآه فكأنه قال من رآني و أنا نائم فكأنما رآني و أنا منتبه و الفائدة في هذا المقال أن يعلمهم بأنه يدرك في الحالتين إدراكا واحدا فيمنعهم ذلك إذا حضروا عنده و هو نائم
____________
(1) بأحدكم (ظ).
(2) في أكثر النسخ «معصيته».
212
أن يفيضوا فيما لا يحسن أن يذكروه بحضرته و هو منتبه
- وَ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ(ع)أَنَّهُ غَفَا ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ وُضُوءٍ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِنِّي لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ تَنَامُ عَيْنَايَ وَ لَا يَنَامُ قَلْبِي.
. و جميع هذه الروايات أخبار آحاد فإن سلمت فعلى هذا المنهاج و قد كان شيخي رحمه الله يقول إذا جاز من بشر أن يدعي في اليقظة أنه إله كفرعون و من جرى مجراه مع قلة حيلة البشر و زوال اللبس في اليقظة فما المانع من أن يدعي إبليس عند النائم بوسوسة له أنه نبي مع تمكن إبليس مما لا يتمكن منه البشر و كثرة اللبس المعترض في المنام و مما يوضح لك أن من المنامات التي يتخيل للإنسان أنه قد رأى فيها رسول الله و الأئمة منها ما هو حق و منها ما هو باطل أنك ترى الشيعي يقول رأيت في المنام رسول الله(ص)و معه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)و هو يأمرني بالاقتداء به دون غيره و يعلمني أنه خليفته من بعده و أن أبا بكر و عمر و عثمان ظالموه و أعداؤه و ينهاني عن موالاتهم و يأمرني بالبراءة منهم و نحو ذلك مما يختص بمذهب الشيعة ثم يرى الناصبي يقول رأيت رسول الله في النوم و معه أبو بكر و عمر و عثمان و هو يأمرني بمحبتهم و ينهاني عن بغضهم و يعلمني أنهم أصحابه في الدنيا و الآخرة و أنهم معه في الجنة و نحو ذلك مما يختص بمذهب الناصبية فنعلم لا محالة أن أحد المنامين حق و الآخر باطل فأولى الأشياء أن يكون الحق منهما ما ثبت الدليل في اليقظة على صحة ما تضمنه و الباطل ما أوضحت الحجة عن فساده و بطلانه و ليس يمكن الشيعي أن يقول للناصبي إنك كذبت في قولك إنك رأيت رسول الله(ص)لأنه يقدر أن يقول له مثل هذا بعينه و قد شاهدنا ناصبيا يتشيع و أخبرنا في حال تشيعه بأنه يرى منامات بالضد مما كان يراه في حال نصبه فبان بذلك أن أحد المنامين باطل و أنه من نتيجة حديث النفس أو من وسوسة إبليس و نحو ذلك و أن المنام الصحيحة (1) هو لطف من الله تعالى بعبده على المعنى المتقدم
____________
(1) كذا.
213
وصفه و قولنا في المنام الصحيح إن الإنسان رأى في نومه النبي(ص)إنما معناه أنه كان قد رآه و ليس المراد به التحقق في اتصال شعاع بصره بجسد النبي(ص)و أي بصر يدرك به في حال نومه و إنما هي معاني تصورت و في نفسه تخيل له فيها أمر لطف الله تعالى له به قام مقام العلم و ليس هذا بمناف للخبر الذي روي من قوله من رآني فقد رآني لأن معناه فكأنما رآني و ليس يغلط في هذا المكان إلا من ليس له من عقله اعتبار قال المازري من العامة في شرح قول النبي الرؤيا من الله و الحلم من الشيطان مذهب أهل السنة في حقيقة الرؤيا أن الله تعالى يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان و هو سبحانه و تعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ لا يمنعه النوم و اليقظة فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنه جعلها علما على أمور أخر يخلقها في ثاني الحال أو كان قد خلقها فإذا خلق في قلب النائم الطيران و ليس بطائر فأكثر ما فيه أنه اعتقد أمرا على خلاف ما هو فيكون ذلك الاعتقاد علما على غيره كما يكون خلق الله تعالى الغيم علما على المطر و الجميع خلق الله تعالى و لكن يخلق الرؤيا و الاعتقادات التي جعلها علما على ما يسر بغير حضرة الشيطان و خلق ما هو علم على ما يضر بحضرة الشيطان فنسب إلى الشيطان مجازا لحضوره عندها و إن كان لا فعل له حقيقة.
و قال البغوي في شرح السنة ليس كل ما يراه الإنسان صحيحا و يجوز تعبيره بل الصحيح ما كان من الله يأتيك به ملك الرؤيا من نسخة أم الكتاب و ما سوى ذلك أضغاث أحلام لا تأويل لها و هي على أنواع قد تكون من فعل الشيطان يلعب بالإنسان أو يريه ما يحزنه و له مكايد يحزن بها بني آدم كما قال تعالى إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا و من لعب الشيطان به الاحتلام الذي يوجب الغسل فلا يكون له تأويل و قد يكون من حديث النفس كما يكون في أمر أو حرفة يرى نفسه في ذلك الأمر و العاشق يرى معشوقه و نحوه و قد يكون من مزاج الطبيعة كمن غلب عليه الدم يرى الفصد و الحجامة و الحمرة و الرعاف و الرياحين و المزامير و النشاط و نحوه و من غلب عليه الصفراء يرى النار و
214
الشمع و السراج و الأشياء الصفر و الطيران في الهواء و نحوه و من غلب عليه السوداء يرى الظلمة و السواد و الأشياء السود و صيد الوحش و الأحوال و الأموات و القبور و المواضع الخربة و كونه في مضيق لا منفذ له أو تحت ثقل و نحوه و من غلب عليه البلغم يرى البياض و المياه و الأنداء و الثلج و الوحل فلا تأويل لشيء منها.
و قال السيد المرتضى رحمه الله في كتاب الغرر و الدرر في جواب سائل سأله ما القول في المنامات أ صحيحة هي أم باطلة و مِن فعل مَن هي و ما وجه صحتها في الأكثر و ما وجه الإنزال عند رؤية المباشرة في المنام و إن كان فيها صحيح و باطل فما السبيل إلى تمييز أحدهما من الآخر.
الجواب اعلم أن النائم غير كامل العقل لأن النوم ضرب من السهو و السهو ينفي العلوم و لهذا يعتقد النائم الاعتقادات الباطلة لنقصان عقله و فقد علومه و جميع المنامات إنما هي اعتقادات يبتدئها (1) النائم في نفسه و لا يجوز أن تكون من فعل غيره فيه لأن من عداه من المحدثين سواء كانوا بشرا أو ملائكة أو جنا أجسام و الجسم لا يقدر أن يفعل في غيره اعتقادا ابتداء بل و لا شيئا من الأجناس على هذا الوجه و إنما يفعل ذلك في نفسه على سبيل الابتداء و إنما قلنا إنه لا يفعل في غيره جنس الاعتقادات متولدا لأن الذي يعدي الفعل من محل القدرة إلى غيرها من الأسباب إنما هو الاعتمادات و ليس في جنس الاعتمادات ما يولد الاعتقادات و لهذا لو اعتمد أحدنا على قلب غيره الدهر الطويل ما تولد فيه شيء من الاعتقادات و قد بين ذلك و شرح في مواضع كثيرة و القديم تعالى هو القادر أن يفعل في قلوبنا ابتداء من غير سبب أجناس الاعتقادات و لا يجوز أن يفعل في قلب النائم اعتقادا لأن أكثر اعتقادات النائم جهل و يتأول الشيء على خلاف ما هو به لأنه يعتقد أنه يرى و يمشي و أنه راكب و على صفات كثيرة و كل ذلك على خلاف ما هو به و هو تعالى لا يفعل الجهل فلم يبق إلا أن الاعتقادات كلها من جهة النائم و قد ذكر في المقالات أن المعروف بصالح قبة كان يذهب إلى أن ما يراه النائم في منامه على الحقيقة و هذا جهل منه
____________
(1) في أكثر النسخ «يبتدئ بها».
215
يضاهي جهل السوفسطائية لأن النائم يرى أن رأسه مقطوع و أنه قد مات و أنه قد صعد إلى السماء و نحن نعلم ضرورة خلاف ذلك كله و إذا جاز عند صالح هذا أن يعتقد اليقظان في السراب أنه ماء و في المردي (1) إذا كان في الماء أنه مكسور و هو على الحقيقة صحيح لضرب من الشبهة و اللبس فألا جاز ذلك في النائم و هو من الكمال أبعد و من النقص أقرب.
و ينبغي أن يقسم ما يتخيل النائم أنه يراه إلى أقسام ثلاثة منها ما يكون من غير سبب يقتضيه و لا داع يدعو إليه اعتقادا مبتدأ و منها ما يكون من وسواس الشيطان يفعل في داخل سمعه كلاما خفيا يتضمن أشياء مخصوصة فيعتقد النائم إذا سمع ذلك الكلام أنه يراه فقد نجد كثيرا من النيام يسمعون حديث من يتحدث بالقرب منها فيعتقدون أنهم يرون ذلك الحديث في منامهم و منها ما يكون سببه و الداعي إليه خاطرا يفعله الله تعالى أو يأمر بعض الملائكة بفعله و معنى هذا الخاطر أن يكون كلاما يفعل في داخل السمع فيعتقد النائم أيضا أنه ما يتضمن ذلك الكلام و المنامات الداعية إلى الخير و الصلاح في الدين يجب أن تكون إلى هذا الوجه مصروفة كما أنما يقتضي الشر منها الأولى أن تكون إلى وسواس الشيطان مصروفة و قد يجوز على هذا في ما يراه النائم في منامه ثم يصح ذلك حتى يراه في يقظته على حد ما يراه في منامه و في كل منام يصح تأويله أن يكون سبب صحته أن الله تعالى يفعل كلاما في سمعه لضرب من المصلحة بأن شيئا يكون أو قد كان على بعض الصفات فيعتقد النائم أن الذي يسمعه هو يراه فإذا صح تأويله على ما يراه فما ذكرناه إن لم يكن مما يجوز أن تتفق فيه الصحة اتفاقا فإن في المنامات ما يجوز أن يصح بالاتفاق و ما يضيق فيه مجال نسبته إلى الاتفاق فهذا الذي ذكرناه يمكن أن يكون وجها فيه.
فإن قيل أ ليس قد قال أبو علي الجبائي في بعض كلامه في المنامات إن الطبائع لا يجوز أن تكون مؤثرة فيها لأن الطبائع لا يجوز على المذاهب الصحيحة أن تؤثر في شيء و إنه غير ممتنع مع ذلك أن يكون بعض المآكل يكثر عندها المنامات بالعادة كما أن فيها ما يكثر عنده بالعادة تخييل الإنسان و هو مستيقظ ما لا
____________
(1) خشبة يدفع بها الملاح السفينة.
216
أصل له قلنا قد قال ذلك أبو علي و هو خطأ لأن تأثيرات المآكل بمجرى العادة على المذاهب الصحيحة إذا لم تكن مضافة إلى الطبائع فهو من فعل الله تعالى فكيف نضيف التخيل الباطل و الاعتقاد الفاسد إلى فعل الله تعالى فأما المستيقظ الذي استشهد به فالكلام فيه و الكلام في النائم واحد و لا يجوز أن نضيف التخيل الباطل إلى فعل الله تعالى في نائم و لا يقظان فأما ما يتخيل من الفاسد و هو غير نائم فلا بد من أن يكون ناقص العقل في الحال و فاقد التمييز بسهو و ما يجري مجراه فيبتدئ اعتقاد الأصل له كما قلناه في النائم.
فإن قيل فما قولكم في منامات الأنبياء(ع)و ما السبب في صحتها حتى عد ما يرونه في المنام مضاهيا لما يسمعونه من الوحي.
قلنا الأخبار الواردة بهذا الجنس غير مقطوع على صحتها و لا هي مما توجب العلم و قد يمكن أن يكون الله تعالى أعلم النبي بوحي يسمعه من الملك على الوجه الموجب للعلم أني سأريك في منامك في وقت كذا ما يجب أن تعمل عليه فيقطع على صحته من هذا الوجه لا بمجرد رؤيته له في المنام و على هذا الوجه يحمل منام إبراهيم(ع)في ذبح ابنه و لو لا ما أشرنا إليه كيف كان يقطع إبراهيم(ع)بأنه متعبد بذبح ولده.
فإن قيل فما تأويل ما يروى عنه(ع)من قوله من رآني فقد رآني فإن الشيطان لا يتخيل بي و قد علمنا أن المحق و المبطل و المؤمن و الكافر قد يرون النبي(ص)في النوم و يخبر كل واحد منهم عنه بضد ما يخبر به الآخر فكيف يكون رائيا له في الحقيقة مع هذا.
قلنا هذا خبر واحد ضعيف من أضعف أخبار الآحاد و لا معول على مثل ذلك على أنه يمكن مع تسليم صحته أن يكون المراد به من رآني في اليقظة فقد رآني على الحقيقة لأن الشيطان لا يتمثل بي لليقظان فقد قيل إن الشيطان ربما تمثلت بصورة البشر و هذا التشبيه أشبه بظاهر ألفاظ الخبر لأنه قال من رآني فقد رآني فأثبت غيره رائيا له و نفسه مرئية و في النوم لا رائي له في الحقيقة و لا
217
مرئي و إنما ذلك في اليقظة و لو حملناه على النوم لكان تقدير الكلام من اعتقد أنه يراني في منامه و إن كان غير راء له على الحقيقة فهو في الحكم كأنه قد رآني و هذا عدول عن ظاهر لفظ الخبر و تبديل لصيغته و هذا الذي رتبناه في المنامات و قسمناه أسد تحقيقا من كل شيء قيل في أسباب المنامات و ما سطر في ذلك معروف غير محصل و لا محقق فأما ما يهذي إليه الفلاسفة في هذا الباب فهو مما يضحك الثكلى لأنهم ينسبون ما صح من المنامات لما أعيتهم الحيل في ذكر سببه إلى أن النفس اطلعت إلى عالمها فأشرفت على ما يكون و هذا الذي يذهبون إليه في حقيقة النفس غير مفهوم و لا مضبوط فكيف إذا أضيف (1) إليه الاطلاع على عالمها و ما هذا الاطلاع و إلى أي شيء يشيرون بعالم النفس و لم يجب أن تعرف الكائنات عند هذا الاطلاع فكل هذا زخرفة و مخرقة و تهاويل لا يتحصل منها شيء و قول صالح قبة مع أنه تجاهل محض أقرب إلى أن يكون مفهوما من قول الفلاسفة لأن صالحا ادعى أن النائم يرى على الحقيقة ما ليس يراه فلم يشر إلى أمر غير معقول و لا مفهوم بل ادعى ما ليس بصحيح و إن كان مفهوما و هؤلاء عولوا على ما لا يفهم مع الاجتهاد و لا يعقل مع قوة التأمل و الفرق بينهما واضح.
فأما سبب الإنزال فيجب أن يبنى على شيء يحقق سبب الإنزال في اليقظة مع الجماع ليس هذا مما يهذي به أصحاب الطبائع لأنا قد بينا في غير موضع أن الطبع لا أصل له و أن الإحالة فيه على سراب لا يتحصل و إنما سبب الإنزال أن الله تعالى أجرى العادة بأن يخرج هذا الماء من الظهر عند اعتقاد النائم أنه يجامع و إن كان هذا الاعتقاد باطلا (2) انتهى كلامه (قدس الله روحه).
و لنكتف بذكر هذه الأقوال و لا نشتغل بنقدها و تفصيلها و لا بردها و تحصيلها لأن ذلك مما يؤدي إلى التطويل الخارج عن المقصود في الكتاب و لنذكر ما ظهر لنا في هذا الباب من الأخبار المنتمية إلى الأئمة الأخيار(ع)فهو أن الرؤيا تستند إلى أمور شتى.
____________
(1) في أكثر النسخ «ضيف».
(2) الأمالي ج 2(ص)392- 395.
218
فمنها أن للروح في حالة النوم حركة إلى السماء إما بنفسها بناء على تجسمها كما هو الظاهر من الأخبار أو بتعلقها بجسد مثالي إن قلنا به في حال الحياة أيضا بأن يكون للروح جسدان أصلي و مثالي يشتد تعلقها في حال اليقظة بهذا الجسد الأصلي و يضعف تعلقها بالآخر و ينعكس الأمر في حال النوم أو بتوجهها و إقبالها إلى عالم الأرواح بعد ضعف تعلقها بالجسد بنفسها من غير جسد مثالي و على تقدير التجسم أيضا يحتمل ذلك كما يومئ إليه بعض الأخبار بأن يكون حركتها كناية عن إعراضها عن هذا الجسد و إقبالها إلى عالم آخر و توجهها إلى نشأة أخرى و بعد حركتها بأي معنى كانت ترى أشياء في الملكوت الأعلى و تطالع بعض الألواح التي أثبتت فيها التقديرات فإن كان لها صفاء و لعينها ضياء يرى الأشياء كما أثبتت فلا تحتاج رؤياه إلى تعبير و إن استدلت على عين قلبه أغطية أرماد التعلقات الجسمانية و الشهوات النفسانية فيرى الأشياء بصور شبيهة لها كما أن ضعيف البصر و مؤف العين يرى الأشياء على غير ما هي عليه و العارف بعلته (1) يعرف أن هذه الصورة المشبهة التي اشتبهت عليه صورة لأي شيء فهذا شأن المعبر العارف بداء كل شخص و علته و يمكن أيضا أن يظهر الله عليه الأشياء في تلك الحالة بصور يناسبها لمصالح كثيرة كما أن الإنسان قد يرى المال في نوم بصورة حية و قد يرى الدراهم بصورة عذرة ليعرف أنهما يضران و هما مستقذران واقعا فينبغي أن يتحرز عنهما و يجتنبهما و قد ترى في الهواء أشياء فهي الرؤيا الكاذبة التي لا حقيقة لها و يحتمل أن يكون المراد بما يراه في الهواء ما أنس به من الأمور المألوفة و الشهوات و الخيالات الباطلة و قد مضى ما يدل على هذين النوعين في رواية محمد بن القاسم و رواية معاوية بن عمار و غيرهما.
و منها ما هو بسبب إفاضة الله تعالى عليه في منامه إما بتوسط الملائكة أو بدونه كما يومئ إليه خبر أبي بصير و سعد بن أبي خلف.
و منها ما هو بسبب وسواس الشيطان و استيلائه عليه بسبب المعاصي التي عملها في اليقظة أو الطاعات التي تركها فيها أو الكثافات و النجاسات الظاهرية و الباطنية التي
____________
(1) بعقله (خ).
219
لوث نفسه بها كما مر في رواية هزع و رواية تارك الزكاة و غيرهما و تدل عليه آية النجوى على بعض الوجوه.
و منها ما هو بسبب ما بقي في ذهنه من الخيالات الواهية و الأمور الباطلة و يومئ إليه خبر ابن أبي خلف و غيره.
و أما ما وراء ذلك مما سبق ذكره و إن كان بعضها محتملا و يمكن تطبيق الآيات و الأخبار عليه لكن لم يدل عليه دليل و التجويز و الإمكان لا يقومان مقام البرهان مع أنه ليس من الأمور التي يجب تحقيقها و الإذعان بكيفيتها.
خاتمة
نورد فيها بعض ما ذكره أرباب التعبير و التأويل و إن لم يكن لأكثرها مأخذ يصلح للتعويل.
قال بعضهم السحاب حكمة فمن ركبه علا في الحكمة و إن أصاب منها شيئا أصاب حكمة و إن خالطه و لم يصب شيئا خالط الحكماء فإن كان في السحاب سواد أو ظلمة أو رياح أو شيء من هيئته العذاب فهو عذاب و إن كان فيه غيث فهو رحمة و السمن و العسل قد يكون مالا في التأويل و قد يكون علما و حكمة روي أن رجلا سأل ابن سيرين قال رأيت كأني ألعق عسلا من جام من جوهر فقال اتق الله و عاود القرآن فقد قرأته ثم نسيته.
و العلو إلى السماء رفعة قال تعالى وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (1) و من رأى أنه صعد السماء و دخلها نال شرفا و ذكرا و شهادة.
و الطيران في الهواء عزم سفر أو نيل شرف و قال بعضهم من رأى أنه يطير فإن كان إلى جهة السماء من غير تعريج ناله ضرر و إن غاب في السماء و لم يرجع مات و إن رجع أفاق من مرضه و إن كان يطير عرضا سافر و نال رفعة بقدر طيرانه و إن كان بجناح فهو مال و سلطان يسافر في كنفه و إن كان بغير جناح دل على التعزير في ما
____________
(1) مريم: 57.
220
يدخل (1) فيه و قالوا إن الطيران للشرار دليل ردي و الحبل العهد و الأمان لقوله تعالى وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً (2) و اعلم أن التأويل قد يكون بدلالة كتاب أو سنة أو من الأمثال السائرة بين الناس و قد يقع التأويل على الأسماء و المعاني و قد يقع على الضد فالتأويل بدلالة القرآن كالحبل يعبر بالعهد كما مر و السفينة بالنجاة قال تعالى فَأَنْجَيْناهُ وَ أَصْحابَ السَّفِينَةِ (3) و الخشبة بالنفاق لقوله تعالى كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ (4) و الحجارة بالقسوة لقوله تعالى أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً (5) و المرض بالنفاق لقوله فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ (6) و الماء بالفتنة في حال لقوله لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ (7) و أكل اللحم الني بالغيبة لقوله أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً (8) و دخول الملك محلة أو بلدا أو دارا يصغر عن قدره و ينكر دخول مثله مثلها يعبر بمصيبة و ذل ينال أهله لقوله إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها (9) و البيض بالنساء لقوله كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (10) و كذلك اللباس لقوله هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ (11) و استفتاح الباب بالدعاء لقوله إِنْ تَسْتَفْتِحُوا (12) أي تدعوا.
و التأويل بدلالة الحديث كالغراب بالرجل الفاسق لأن النبي(ص)سماه فاسقا و الفأرة بالمرأة الفاسقة لأنه(ص)سماه فويسقة و الضلع بالمرأة
- لِقَوْلِهِ(ص)إِنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعٍ أَعْوَجَ.
و القوارير بالنساء
- لِقَوْلِهِ(ص)رُوَيْدَكَ سَوْقاً بِالْقَوَارِيرِ.
. و التأويل بالأمثال كالصائغ بالكذاب لقولهم أكذب الناس الصواغون و حفر الحفرة بالمكر لقولهم من حفر حفرة لأخيه وقع فيها قال تعالى وَ لا يَحِيقُ
____________
(1) يدخله فيه (خ).
(2) آل عمران: 103.
(3) العنكبوت: 15.
(4) المنافقون: 4.
(5) البقرة: 74.
(6) البقرة: 10.
(7) الجن: 16.
(8) الحجرات: 12.
(9) النمل: 34.
(10) الصافّات: 49.
(11) البقرة: 187.
(12) الأنفال: 19.
221
الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ (1) و الحاطب بالنمام لقولهم لمن نم و وشى إنه يحطب عليه و فسروا قوله حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (2) بالنميمة و طول اليد بصنائع المعروف لقولهم فلان أطول يدا من فلان و يعبر الرمي بالحجارة و السهم بالقذف لقولهم رمى فلانا بفاحشة قال الله تعالى وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ (3) و غسل اليد باليأس عما يؤمل (4) لقولهم غسلت يدي عنك و التأويل بالأسامي كمن رأى من يسمى راشدا يعبر بالرشد و سالما بالسلامة
- وَ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)رَأَيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّا فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ فَأُتِينَا بِرُطَبِ ابْنِ طَابٍ فَأَوَّلْتُ الرِّفْعَةَ لَنَا فِي الدُّنْيَا وَ الْعَافِيَةَ فِي الْآخِرَةِ وَ أَنَّ دِينَنَا قَدْ طَابَ.
و قال ابن سيرين نوى التمر نية السفر و قد يعبر السفرجل بالسفر إذا لم يكن في الرؤيا ما يدل على المرض و السوسن بالسوء لأن أوله سوء إذا عدل به مما ينسب إليه في التأويل.
و التأويل بالمعنى كالأترج يعبر بالنفاق لمخالفة باطنه ظاهره إذا لم يكن في الرؤيا ما يدل على المال و كالورد و النرجس بقلة البقاء إن عدل به عما نسب إليه لسرعة ذهابه و الآس بالبقاء لأنه يدوم روي أن امرأة بالأهواز رأت كأن زوجها ناولها نرجسا و ناول ضرتها آسا فقال المعبر يطلقك و يتمسك بضرتك أ ما سمعت قول الشاعر
ليس للنرجس عهد* * * إنما العهد للآس.
و أما التأويل بالضد فكما أن الخوف يعبر بالأمن لقوله وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً (5) و الأمن بالخوف و البكاء بالفرح إذا لم يكن معه رنة و الضحك بالحزن إلا أن يكون تبسما و الطاعون بالحرب و الحرب بالطاعون و العجلة بالندم و الندم بالعجلة و العشق بالجنون و الجنون بالعشق و النكاح بالتجارة و التجارة بالنكاح و الحجامة بكتبة الصك و الصك بالحجامة و التحول عن المنزل بالسفر
____________
(1) فاطر: 43.
(2) المسد: 4.
(3) النور: 4.
(4) يأمل (خ).
(5) النور: 55.
222
و السفر بالتحول عن المنزل و من هنا أن العطش خير من الري و الفقر من الغنى و المضروب و المجروح و المقذوف أحسن حالا من الفاعل.
و قد يتغير بالزيادة و النقصان كالبكاء إنه فرح و إن كان معه صوت و رنة فمصيبة و في الضحك إنه حزن فإن كان تبسما فصالح و في الجوز مال مكنون فإن سمعت له قعقعة فهو خصومة و الدهن في الرأس زينة فإن سال عن الوجه فهو غم و الزعفران ثناء حسن فإن ظهر له لون فهو مرض أو هم و المريض يخرج من منزله و لا يتكلم فهو موته فإن تكلم برأ و الفأر نساء فإن اختلفت ألوانها إلى البيض و السود فهي الأيام و الليالي و السمك نساء فإذا عرف عددها فإن كثر فغنيمة.
و قد يتغير التأويل عن أصله باختلاف حال الرائي كالغل في النوم مكروه و هو في حق الرجل الصالح قبض اليد عن الشر و قال ابن سيرين نقول في الرجل يخطب على المنبر يصيب سلطانا فإن لم يكن من أهله يصلب و سأل رجل ابن سيرين عن الأذان فقال الحج و سأله آخر فأول بقطع السرقة و قال رأيت الأول في سيماء حسنة فتأولت وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِ (1) و لم أرض هيئة الثاني فأولت ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (2) و قد يرى فيصيبه عين ما رأى حقيقة من ولاية أو حج أو قدوم غائب أو خير أو نكبة و قد رأى النبي(ص)عام الفتح فكان كذلك قال تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا (3) و روى الزهري عن ابن خزيمة بن ثابت عن عمه أن خزيمة رأى أنه سجد على جبهة النبي(ص)فأخبره فاضطجع له و قال صدق رؤياك فسجد على جبهته و قد يرى في المنام الشيء فيكون لولده أو قريبه أو سميه فقد أري [رأى النبي(ص)متابعة أبي جهل معه فكان لابنه عكرمة فلما أسلم قال(ص)هو هذا و رأى لأسيد بن العاص ولاية مكة فكان لابنه عتاب ولاه النبي(ص)مكة و روى البخاري بإسناده عن ابن سيرين عن قيس بن عباد قال كنت جالسا في مسجد المدينة في ناس فيهم بعض أصحاب النبي(ص)فدخل
____________
(1) الحجّ: 27.
(2) يوسف: 70.
(3) الفتح: 27.
223
رجل على (1) وجهه أثر الخشوع فقال بعض القوم هذا رجل من أهل الجنة فصلى ركعتين تجوز فيهما ثم خرج و تبعته فقلت له إنك حين دخلت المسجد قالوا هذا من أهل الجنة قال و الله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم و سأحدثك بم ذاك رأيت رؤيا على عهد النبي(ص)فقصصتها عليه رأيت كأني في روضة ذكر من سعتها و خضرتها في وسطها عمود من حديد أسفله في الأرض و أعلاه في السماء و أعلاه عروة فقيل لي ارقه قلت لا أستطيع فأتاني منصف فرفع ثيابي من خلفي فرقيت حتى كنت في أعلاها فأخذت بالعروة فقيل استمسك فاستيقظت و إنها لفي يدي فقصصتها على النبي(ص)فقال تلك الروضة الإسلام و ذلك العمود عمود الإسلام و تلك العروة العروة الوثقى فأنت على الإسلام حتى تموت و الرجل عبد الله بن سلام.
قال في النهاية في الحديث تجوزوا في الصلاة أي خففوها و أسرعوا بها و قيل إنه من الجواز القطع و السير و قال المنصف بكسر الميم الخادم و قد يفتح.
و قال في شرح السنة من رأى في النوم أنه قد صعد السماء فدخلها نال شرفا و ذكرا و نال الشهادة فإن رأى نفسه فيها لا يدري متى صعد إليها فهو شرف معجل و شهادة مؤجلة و الشمس ملك عظيم و من رأى فيها من تغير أو كسوف فهو حدث بالملك من هم أو مرض أو نحوه و القمر وزير الملك في التأويل و الزهرة امرأته و عطارد كاتبه و المريخ صاحب حربه و زحل صاحب عذابه و المشتري صاحب ماله و سائر النجوم العظام أشراف الناس و إنما يكون القمر وزيرا ما رئي في السماء فإن رآه عنده أو في حجره أو في بيته تزوج زوجا يغلب ضوؤه رجلا كان أو امرأة و كانت الشمس في تأويل رؤيا يوسف أباه و القمر أمه أو خالته و الكواكب الأحد عشر إخوته كما قال تعالى وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ الآية (2) و كان رؤياه في صباه فظهر تأويلها بعد أربعين سنة و يقال بعد ثمانين سنة. و روي أن ابن سيرين رأى في المنام كأن الجوزاء تقدمت الثريا فأخذ في
____________
(1) في (خ).
(2) يوسف: 100.
224
الوصية و قال يموت الحسن و أموت بعده و هو أشرف مني و سأل رجل ابن سيرين فقال رأيت كأني أطير بين السماء و الأرض فقال أنت رجل كثير المنى و قالوا من رأى القيامة قد قامت في موضع فإن العدل يبسط في ذلك المكان فإن كانوا مظلومين نصروا و إن كانوا ظالمين انتقم منهم لأنه العدل و يوم القيامة يوم الفصل و العدل قال تعالى وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ (1) و من رأى دخل الجنة فهو البشرى من الله بالجنة فإن أكل شيئا من ثمارها أو أصابها فهو خير يناله في دينه و دنياه و علم ينتفع به فإن أعطاها غيره ينتفع بعلمه غيره و دخول جهنم إنذار للعاصي ليتوب فإن رأى أنه تناول شيئا من طعامها أو شرابها فهو خلاف أعمال البر منه أو علم يصير عليه وبالا و الغسل و الوضوء بالماء البارد توبة و شفاء من المرض و خروج من الحبس و قضاء للدين و أمن من الخوف غير أن الغسل أقوى من الوضوء قال تعالى لأيوب(ع)هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَ شَرابٌ (2) فلما اغتسل خرج من المكاره و الغسل و الوضوء بالماء المسخن همّ أو مرض و الأذان حج لقوله تعالى وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِ (3) و ربما كان سلطانا في الدين و قوة و الصلاة في النوم استقامة الرأي في الدين و السنة إذا كانت إلى الكعبة و الإمامة رئاسة و ولاية إن استقامت قبلته و تمت صلاته و الركوع توبة لقوله تعالى خَرَّ راكِعاً وَ أَنابَ (4) و السجود قربة لقوله تعالى وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ (5) و إن صلى منحرفا عن سمت القبلة شرقا أو غربا فانحراف عن السنة فإن جعلها وراء ظهره فهو نبذه الإسلام لقوله تعالى فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ (6) فإن رأى أنه لا يعرف القبلة فهو حيرة منه في الدين و من رأى نفسه فوق الكعبة فلا دين له و الكعبة الإمام العادل فمن أم الكعبة فقد أم الإمام و المسجد الجامع هو السلطان و من رأى نفسه بالكعبة أو يأتي بشيء من المناسك فهو صلاح في دينه بقدر عمله و دخول الحرم أمن لقوله وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً (7)
____________
(1) الأنبياء: 47.
(2) ص: 42.
(3) الحجّ: 27.
(4) ص: 24.
(5) العلق: 20.
(6) آل عمران: 185.
(7) آل عمران: 91.
225
و الأضحية فك الرقبة فمن ضحى و كان عبدا أعتق و إن كان أسيرا نجا أو خائفا أمن أو مديونا قضى دينه أو مريضا شفاه الله أو صرورة حج.
و قال من رأى في المنام أنه تزوج امرأة عاينها أو عرفها أو نسبت إليه أصاب سلطانا و إن تزوج امرأة لم يعاينها و لم يعرفها و لم تنسب إليه إلا أنه يسمي عروسا فهو موته أو يقتل إنسانا و من طلق امرأة عزل عن سلطنته و من تزوج امرأة ميتة ظفر بأمر ميت و من رأى أنه نكح امرأة من محارمها يصل رحمها و من أصاب زانية أصاب دنيا حراما فإن رآه رجل من الصالحين أصاب علما فإن رأت امرأة أنها تزوجت أصابت خيرا فإن رأت أن زانيا نكحها فهو نقصان مالها و تشتت أمرها.
- وَ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ(ص)قَالَ: رَأَيْتُ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنَ الْمَدِينَةِ حَتَّى نَزَلَتْ مَهْيَعَةَ فَتَأَوَّلْتُهَا أَنَّ وَبَاءَ الْمَدِينَةِ نُقِلَ إِلَى مَهْيَعَةَ وَ هِيَ الْجُحْفَةُ.
. و قال أصحاب التعبير الرجل المعروف في النوم هو ذلك الرجل أو سميه أو نظيره و المجهول إن كان شابا فهو عدو و إن كان شيخا فهو جدة و المرأة العجوزة المجهولة هي الدنيا فإن كانت ذات هيئة و سمت حسن كانت حلالا و إن كانت على غير سمت الإسلام كانت دنيا حراما و إن كانت شعثة قبيحة فلا دين و لا دنيا و المرأة سنة و الجارية خير و الصبي هم و المرأة الزانية هي الدنيا لطالب الدنيا و علم لأهل الصلاح و العلم و الخصيان هم الملائكة إذا رآهم في سمت حسن و سأل رجل ابن سيرين فقال رأيت في النوم صبيا في حجري يصيح فقال اتق الله و لا تضرب بالعود.
فأما الأعضاء فرأس الرجل رئيسه و الوجه جاهه و الشيب وقاره و طول الشعر هم إلا أن يكون ممن يلبس السلاح (1) فهو له زينة و حلق الرأس كفارة الذنوب إن كان في حرم أو أيام موسم و إن كان مديونا أو في كرب ففرج و إن لم يكن
____________
(1) الصلاح (خ).
226
شيئا منها فهو هتك أو عزل رئيسه و طول اللحية فوق القدر دين أو هم و خضاب الرأس و اللحية تغطية أمر و شعر الشارب و الإبط زيادة مكروهه (1) و نقصانه محمود و الأذن امرأة الرجل و ابنته و السمع و البصر دينه و الصوت صيته في الناس و ما حدث عن شيء منه كان ذلك فيما ينسب إليه و العين دين فإن رأى أنه أعمى ضل عن الإسلام و إن رأى أنه أعور ذهب نصف دينه أو أصاب إثما عظيما و الرمد حدث في الدين و أشفار العين وقاية الدين و كذا الاكتحال و الجبهة و الأنف من الجاه و الفم مفتاح أمره و خاتمته و القلب القائم بأمره و مدبره و اللسان ترجمانه و المبلغ عنه و قد يكون حجته و قطعه انقطاع حجته في المنازعة و قد يكون اللسان ذكره قال تعالى وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (2) و قطع اللسان للنساء محمود يدل على الستر و الحياء و الأسنان أهل البيت و القرابات لتقاربها و تلاصقها و الثنايا أقربهم و الأبعد منها أبعدهم و العليا رجال القرابة و السفلى نساؤها و ما حدث فيها من حسن أو فساد أو كلال ففي القرابة فإن رأى أن أسنانه سقطت فصارت في يده تكثر نساء أهله فإن سقطت و ذهبت فهو موتهم قبله و العنق موضع الأمانة و الدين و ضعفه عجز عن احتمال الأمانة و الدين و العضد أخ أو ولد قد أدرك و اليد أخ و قطعها موته و قد يؤول طول اليد بصنائع المعروف و إذا نسبت اليد إلى الأخ كانت الأصابع أولادا لأخ و إذا انفردت الأصابع عن ذكر اليد فهي الصلوات الخمس و نقصانها حدث في الصلاة فالإبهام الصبح و السبابة الظهر و الوسطى العصر و البنصر المغرب و الخنصر العشاء و الصدر حلم الرجل و احتماله و الثدي البنت و البطن و الأمعاء مال و ولد فإن رأى ظهور شيء من أمعائه من جوفه فهو ظهور ماله و الكبد كنز و في الحديث يخرج الأرض أفلاذ كبدها أي كنوزها و كذلك الدماغ و المخ و الأضلاع النساء لأن المرأة خلقت من ضلع و الظهر سند الرجل و قوته و من المملوك سيده و
____________
(1) في بعض النسخ «زيادته مكروهة».
(2) الشعراء: 84.
227
الصلب القوة و قد يكون الولد لأن الولد يخرج منه و الذكر ذكره و قد يكون ولده و الخصيتان الأعداء فإن رأى قطعهما ظفر به أعداؤه فإن (1) عظمتا كان منيعا و قد يكون انقطاع الخصيتين انقطاع إناث الولد و الفخذ عشيرة الرجل و قومه و الركبة موضع كده و نصبه في المعيشة و القروح و البثر و الجراح و الورم في البدن و الجنون و الجذام كلها مال و البرص مال و كسوة
- وَ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)سَأَلَ عَنْ وَرَقَةَ فَقَالَتْ خَدِيجَةُ إِنَّهُ قَدْ صَدَّقَكَ وَ لَكِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)رَأَيْتُهُ (2) فِي الْمَنَامِ وَ عَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ وَ لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَكَانَ عَلَيْهِ لِبَاسٌ غَيْرُ ذَلِكَ.
قال المعبرون القميص على الرجل دينه على لسان صاحب الشرع و قد يعبر القميص بشأنه في مكسبه و معيشته و ما رأى في قميصه صفاقة أو خرق أو وسخ فهو صلاح معيشته أو فساده و السراويل جارية أعجمية و الإزار امرأة و أفضل الثياب ما كان جديدا صفيقا واسعا و البياض في الثياب جمال في الدين و الدنيا و الحمرة في الثياب صالحة للنساء و تكره للرجال إلا أن تكون في ملحفة أو إزار أو فراش فهو حينئذ سرور و فرح و الصفرة في الثياب مرض و الخضرة حياة في الدين لأنها لباس أهل الجنة و السواد سود (3) و سلطان لمن يلبس السواد في اليقظة و لمن لا يلبسها مكروه و الصوف مال كثير و البرد من القطن يجمع خير الدين و الدنيا و أجود البرود الحبرة فإن كان البرد من إبريشم فهو مال حرام و فساد من الدين و القطن و الكتان و الشعر و الوبر كلها مال و العمامة ولاية و الفراش امرأة حرة أو أمة و الوسائد و المرافق و المقادم و المناديل خدم و السرير سلطان إذا كان ممن يصلح لذلك و إلا فهو شهرة.
و يقال المرأة فضيحة و الستور على الأبواب هم و حزن و النعل امرأة و خمار
____________
(1) و إن (خ).
(2) في أكثر النسخ «اريته».
(3) سودد (خ).
228
المرأة زوجها فإن لم يكن لها زوج فوليها.
- وَ رُوِيَ عَنْ أُمِّ الْعَلَا الْأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ عَيْناً تَجْرِي فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَالَ ذَاكَ عِلْمُهُ (1).
و قال أصحاب التعبير الساقية التي لا يغرق في مثلها حياة طيبة و البحر الملك الأعظم فإن استقى منه ماء أصاب من الملك مالا و النهر رجل يقدر (2) عظمته و الماء الصافي إذا شرب خير و حياة طيبة و إن كان كدرا أصابه مرض و شرب الماء المسخن و دخول الحمام هم و مرض و الماء الراكد أضعف في التأويل من الجاري و المطر غياث و رحمة إن كان عاما و إن كان خاصا في موضع فهو أوجاع يكون (3) في ذلك الموضع و الطين و الوحل و الماء الكدر هم و حزن و السيل عدو يتسلط و الثلج و البرد و الجليد هم و عذاب إلا أن يكون الثلج قليلا في موضعه و حينه فيكون خصبا لأهل ذلك الموضع و السباحة احتباس أمر و المشي على الماء قوة نفس و من غمره الماء أصابه هم غالب و الغرق فيه إذا لم يمت غرق في أمر الدنيا و انفجار العيون من الدار و الحائط و حيث ينكر انفجارها هم و حزن و مصيبة بقدر قوة العين و الخمر مال حرام فإن سكر منها أصاب معه سلطانا و السكر من غير الشراب خوف و من اعتصر خمرا خدم السلطان و أخصب و جرت على يده أمور عظام قال تعالى إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً (4) فأوله يوسف بأنه يسقي ربه خمرا و شرب اللبن فطرة و هو يكون مالا حلالا
- وَ قَدْ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ النَّبِيَّ(ص)أَوَّلَ اللَّبَنَ بِالْعِلْمِ.
و روي أن امرأة رأت في المنام أنها كانت تحلب حية فسألت ابن سيرين فقال هذه يدخل عليها أهل الأهواء.
اللبن فطرة و الحية عدو و ليست من الفطرة في شيء و الأشجار رجال أحوالهم
____________
(1) في بعض النسخ «عمله» و هو أظهر.
(2) في بعض النسخ «بقدر».
(3) كذا.
(4) يوسف: 36.
229
كأحوال الشجر في الطبع و النفع و طيب الريح فمن رأى شجرا أو أصاب شيئا من ثمره أصاب من رجل في مثل حال ذلك الشجر و النخل رجل شريف و التمر مال و شجر الجوز رجل أعجمي شحيح و الجوز نفسه مال مكنون و شجرة السدر رجل شريف و شجرة الزيتون رجل مبارك نفاع و ثمر الزيتون هم و حزن و الكرم و البستان امرأة و العنب الأبيض في وقته غضارة الدنيا و خيرها و في غير وقته مال يناله قبل وقته الذي يرجوه و الأشجار العظام التي لا ثمر لها كالدلب و الصنوبر إن رأى فهو رجل ضخم بعيد الصوت قليل الخير و المال و الشجرة ذات الشوك رجل صعب المرام و الصفر من الثمار مثل المشمش و الكمثرى و الزعرور الأصفر و نحوها أمراض و الحامض منها هم و حزن و الحبوب كلها مال و الحشيش مال و الزرع عمله في دينه أو دنياه و الثوم و البصل و الجزر و الشلجم هم و حزن و الرياحين كلها بكاء و حزن إلا ما يرى منها ثابتا في موضعه من غير أن يمسه و هو يجد ريحه.
- وَ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَ غَيْرُهُ مِنَ الْمُخَالِفِينَ بِإِسْنَادِهِمْ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ لَهَا نَخْلٌ فَذَهَبَ وَهْلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ وَ رَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفاً فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ وَ اجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ وَ رَأَيْتُ أَيْضاً فِيهَا بَقَراً وَ اللَّهِ (1) خَيْرٌ فَإِذَا هُمُ النَّفَرُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ وَ إِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ بَعْدُ وَ ثَوَابُ الصِّدْقِ الَّذِي أَتَانَا اللَّهُ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ.
. قال في النهاية وهل إلى الشيء بالفتح يهل بالكسر وهلا بالسكون إذا ذهب وهمه إليه انتهى و ضبطه النووي بالتحريك و قال الوهل بالتحريك معناه الوهم و الاعتقاد و سائر اللغويين على الأول.
- وَ رَوَوْا أَيْضاً عَنْ جَابِرٍ فِي خَبَرِ غَزْوَةِ أُحُدٍ أَنَّ النَّبِيَّ(ص)قَالَ: رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ وَ رَأَيْتُ بَقَراً تُنْحَرُ فَأَوَّلْتُ الدِّرْعَ الْحَصِينَةَ بِالْمَدِينَةِ وَ الْبَقَرَ بَقَرَةً وَ اللَّهِ
____________
(1) كذا في جميع النسخ، و لعله سقط منه شيء.
230
خَيْرٌ. وَ أَوَّلُوا ذَبْحَ الْبَقَرَةِ بِالْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا يَوْمَ أُحُدٍ.
قال ابن حجر هذه اللفظة الأخيرة هي بفتح الموحدة و سكون القاف مصدر بقره بقرا و منهم من ضبطها بفتح النون و الفاء.
و قال أهل التعبير السيف سلطان في المنام و إن رآه قد رفعه فوق رأسه نال سلطانا مشهورا و إن لم يكن ممن ينبغي له فهو ولد و كذلك كل من أعطي سكينا أو رمحا أو قوسا ليس معه سلاح فهو ولد و إن كان معه سلاح فهو سلطان و ما حدث في السيف من انكسار أو ثلمة أو كدورة فهو حدث فيما ينسب السيف إليه و إن رأى أنه سل سيفا من غمد ولدت امرأته غلاما فإن انكسر السيف في الغمد مات الولد فإن انكسر الغمد دون السيف ماتت الأم و سلم الولد و الرمي عن القوس نفوذ كتبه في السلطان (1) بالأمر و النهي و انكسار القوس مصيبة و البقر سنون فإن كانت سمانا كانت مخاصب و إن كانت عجافا كانت مجادب كما في تأويل يوسف(ع)و من ركب ثورا أصاب مالا من عمل السلطان أو استمكن من عامل و إن رأى ثورا من العوامل ذبح و قسم لحمه فهو موت عامل و قسمة تركته فإن كان من غير العوامل كان رجلا ضخما و البعير رجل ضخم و الناقة امرأة و ما رأى أنه راكب بعير مجهول سافر و إن نزل عنه مرض و إن دخل جماعة من الإبل أرضا دخلها عدو و ربما كان أوجاعا و من رأى أنه يرعى غنما سودا فهو أناس من أناس العرب و إن كانت بيضا فمن العجم
- وَ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَالَ: رَأَيْتُ غَنَماً كَثِيرَةً سُوداً دَخَلَ فِيهَا غَنَمٌ كَثِيرٌ بِيضٌ قَالُوا فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْعَجَمُ يُشَارِكُونَكُمْ فِي دِينِكُمْ وَ أَنْسَابِكُمْ وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ مُعَلَّقاً بِالثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنَ الْعَجَمِ فَأَسْعَدُهُمْ بِهِ فَارِسُ.
. و الكبش رجل ضخم و النعجة امرأة شريفة و العنز يجري مجرى النعجة إذا كان في الرؤيا ما يدل على المرأة إلا أن العنز دون النعجة في الشرف و الحسب و قد يجري مجرى النعجة (2) في كونها سنة مخصبة إن كانت سمينة و مجدبة إن كانت عجافا
____________
(1) في بعض النسخ: فى سلطانه.
(2) البقر (ظ).
231
و الفرس عز و سلطان و الأنثى امرأة شريفة و البغل سفر و الحمار جد الرجل الذي يسعى به فمن رأى أنه ذبح حماره ليأكل من لحمه أصاب مالا يجده و الفيل سلطان أعجمي فإن ركبه في أرض حرب كانت الدبرة على أصحاب الفيل قال تعالى أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ و من أصاب حمار وحش أو وعلا و صغيره (1) أنه يريد أكله يصيب غنيمة و من رأى أنه راكب حمار وحش يصرفه كيف شاء فهو راكب معصية أو يفارق رأي الجماعة و الأسد عدو قاهر و الخنزير رجل دني شديد الشوكة و الضبع امرأة قبيحة سوء و الدب عدو دني أحمق و الذئب سلطان غشوم أو لص ضعيف كذاب و الثعلب كثير الاختلاف فمن رأى أنه ينازعه خاصم ذا قرابة و إن طلب ثعلبا أصابه وجع و إن طلبه ثعلب أصابه فزع و من رأى ثعلبا يهرب منه فهو عزيمة يراوغه و من أصاب ثعلبا أصاب امرأة يحبها حبا ضعيفا و ابن آوى كالثعلب و أضعف و السنور لص و ابن عرس في معناه و أضعف و الكلب عدو دني غير مبالغ في العداوة و القرد عدو ملعون و الحية عدو مكاتم للعداوة و العقرب عدو ضعيف لا تجاوز عداوته لسانه و كذلك سائر الهوام أعداء على منازلهم و ذو السم أبلغ و النسر و العقاب سلطان قوي و الحدأة ملك خامل الذكر شديد الشوكة و البازي سلطان غشوم و الصقر قريب منه و الغراب إنسان فاسق كذوب و العقعق إنسان لا عهد له و لا حفاظ و لا دين و الطاوس الذكر ملك أعجمي و الأنثى امرأة حسناء أعجمية و الحمامة امرأة أو خادمة و الفاختة امرأة غير آلفة و الدجاج خدم و الديك رجل أعجمي من نسل الملوك.
قال عمر رأيت أن ديكا نقر بي نقرتين فأولت أن رجلا من العجم سيقتلني فقتله أبو لؤلؤة و العصفور رجل صخاب (2) دني و البلبل غلام صغير و الببغاء ولد يناغي و الخفاش عابد مجتهد و الزرزور صاحب أسفار و الهدهد كاتب يتعاطى دقيق العلم و لا دين له و الثناء عليه قبيح لنتن ريحه و الزنابير و الذباب سفلة الناس و غوغاؤهم
____________
(1) ضميره (خ).
(2) الصخاب: الشديد الصياح.
232
و النحلة إنسان كسوب عظيم الخطر و البركة و طير الماء أفضل الطير في التأويل لأنها أكثرها ريشا و أقلها غائلة و لها سلطانان في البر و الماء و السمك الطري الكبار إذا كثر عددها مال و غنيمة و صغارها هموم كالصبيان و من أصاب سمكة طرية أو سمكتين أصاب امرأة أو امرأتين فإن أصاب في بطنها لؤلؤة أصاب منها غلاما و الضفدع إنسان عابد مجتهد فإن كثر من الضفادع فعذاب و الجراد جند و الجنود إذا دخلوا موضعا فهو خراب
- وَ رَوَى مُسْلِمٌ وَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أُوتِيتُ خَزَائِنَ الْأَرْضِ فَوُضِعَ فِي يَدَيَّ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ فَكَبَّرَا عَلَيَّ وَ أَهَمَّانِي فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنِ انْفُخْهُمَا فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ الَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا صَاحِبَ صَنْعَاءَ وَ صَاحِبَ الْيَمَامَةِ.
- وَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ فَأَوَّلْتُهُمَا كَاذِبَيْنِ يَخْرُجَانِ مِنْ بَعْدِي يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا مُسَيْلَمَةُ صَاحِبُ الْيَمَامَةِ وَ الْعَبْسِيُّ صَاحِبُ صَنْعَاءَ.
و قال علماء التعبير من رأى عليه سوارين من ذهب أصابه ضيق في ذات يده و من الفضة خير من الذهب فإن رأى عليه خلخالا من ذهب أو فضة أصابه حبس أو خوف أو قيد و ليس يصلح للرجال في المنام من الحلي إلا القلادة و التاج و العقد و القرط و الخاتم و للنساء كله زينة و القلادة ولاية و أمانة و اللؤلؤ المنظوم كلام الله أو من كلام البر و إن كان منثورا فهو ولد و غلمان و ربما كان اللؤلؤ جارية أو امرأة و القرط زينة و جمال و الخاتم إذا كان معروف الصياغة و النقش سلطان صاحبه فإن أعطي خاتما فتختم به ملك شيئا و ربما كان الخاتم امرأة و مالا أو ولدا.
و فص الخاتم وجه ما يعبر الخاتم به و إن كان الخاتم من ذهب كان ما نسب إليه حراما فإن رأى حلقته انكسرت و سقطت و بقي الفص ذهب سلطانه و بقي الذكر و الجمال و من رأى أنه أصاب ذهبا يصيبه غرم و يذهب ماله فإن كان الذهب معمولا من إناء أو نحوه كان أضعف في التأويل و الدراهم مختلفة التأويل على اختلاف الطبائع فمنهم من يراها في المنام فيصيبها في اليقظة و منهم من يعبرها بالكلام فإن كانت بيضا فهي كلام حسن و إن كانت ردية فكلام سوء و منهم من
233
لا يوافقه شيء منهما و الدراهم في الجملة خير من الدنانير فقد يكون الدينار الواحد و الدرهم الواحد يكون ولدا صغيرا.
انتهى ما أخرجناه من كتبهم المعتبرة عندهم و لا يعتمد على أكثرها لابتنائها على مناسبات خفية و أوهام ردية و الأخبار التي رووها أكثرها غير ثابتة و قد جرت التجربة في كثير منها على خلاف ما ذكروه فكثيرا ما رأينا ماء صافيا فأصبنا علما و دخلنا بستانا أخضر فأصبنا معرفة و وجدنا الحية دنيا كما شبه أمير المؤمنين(ع)الدنيا بها فإنها لين لمسها و في جوفها السم الناقع يهوي إليها الصبي الجاهل و يهرب منها الفطن العاقل و كثيرا ما ترى العذرة في المنام يقع على الإنسان أو يتلوث يده بها فيصيب مالا و سقوط الأسنان العليا لموت أقارب الأب و السفلى لأقارب الأم و كسر الظهر لفوت الأخ.
- كَمَا قَالَ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ(ع)حِينَ اسْتُشْهِدَ الْعَبَّاسُ (قدس الله روحه) الْآنَ انْكَسَرَ ظَهْرِي.
. و كثيرا ما يرى الإنسان أنه يدخل الحمام فيوفق لزيارة أحد الأئمة(ع)فإنها موجبة لتطهير الأرواح عن لوث الخطايا و الذنوب كالحمام لتطهير الأجساد و تناثر النجوم لكثرة فوت العلماء و لذا سموا ابتداء الغيبة الكبرى سنة تناثر النجوم لفوت كثير من أكابر العلماء فيها كالكليني و علي بن بابويه و السمري آخر السفراء و غيرهم رضي الله عنهم.
ثم إنها تختلف كثيرا باختلاف الأشخاص و الأحوال و الأزمان و لذا كان هذا العلم من معجزات الأنبياء و الأولياء (1)(ع)و ليس لغيرهم من ذلك إلا حظ يسير لا يُسْمِنُ وَ لا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ و أما أضغاث الأحلام الناشئة من الأغذية الردية و الأخلاط البدنية فهي كثيرة معلومة بالتجارب و لقد أتى رجل والدي (قدّس سرّه) فزعا مهموما و قال رأيت الليلة أسدا أبيض في عنقه حية سوداء يحملان علي و يريدان قتلي فقال والدي رحمه الله لعلك أكلت البارحة طعام الأقط مع رب الرمان قال نعم قال لا بأس عليك الطعامان المؤذيان صورا لك في المنام و أمثال ذلك كثيرة جربها كل إنسان من نفسه و الله ولي التوفيق.
____________
(1) في بعض النسخ: الأوصياء.
234
باب 45 آخر في رؤية النبي(ص)و أوصيائه(ع)و سائر الأنبياء و الأولياء في المنام
1 الْعُيُونُ، وَ الْمَجَالِسُ، لِلصَّدُوقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الطَّالَقَانِيِّ عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)فِي الْمَنَامِ كَأَنَّهُ يَقُولُ لِي كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا دُفِنَ فِي أَرْضِكُمْ بَعْضِي (1) وَ اسْتُحْفِظْتُمْ وَدِيعَتِي وَ غُيِّبَ فِي تُرَابِكُمْ (2) نَجْمِي فَقَالَ لَهُ الرِّضَا(ع)أَنَا الْمَدْفُونُ فِي أَرْضِكُمْ وَ أَنَا بَضْعَةٌ مِنْ نَبِيِّكُمْ وَ أَنَا الْوَدِيعَةُ وَ النَّجْمُ أَلَا فَمَنْ زَارَنِي وَ هُوَ يَعْرِفُ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مِنْ حَقِّي وَ طَاعَتِي فَأَنَا وَ آبَائِي شُفَعَاؤُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ مَنْ كُنَّا شُفَعَاءَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَجَا وَ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ الثَّقَلَيْنِ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ لَقَدْ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ أَبِيهِ(ع)أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ مَنْ رَآنِي (3) فِي مَنَامِهِ فَقَدْ رَآنِي(4) لِأَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي وَ لَا فِي صُورَةِ أَحَدٍ مِنْ أَوْصِيَائِي وَ لَا فِي صُورَةِ أَحَدٍ مِنْ شِيعَتِهِمْ وَ إِنَّ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ (5).
تبيان يدل الخبر على عدم تمثل الشيطان في المنام بصورة النبي(ص)و الأئمة بل بصورة شيعتهم أيضا و لعله محمول على خلص شيعتهم كسلمان و أبي ذر و المقداد و أضرابهم و قد روى المخالفون أيضا مثله بأسانيد عن ابن (6) عمر و أبي
____________
(1) في المجالس: بضعتى.
(2) في بعض النسخ و في المصدرين: ثراكم.
(3) في العيون: زارنى.
(4) في العيون: زارنى.
(5) العيون: ج 2،(ص)257. الأمالي: 39.
(6) في أكثر النسخ: أبى عمر.
235
هريرة و ابن مسعود و جابر و أبي سعيد و أبي قتادة عن النبي(ص)برواية أبي داود و البخاري و مسلم و الترمذي بألفاظ مختلفة منها من رآني في المنام فكأنما رآني في اليقظة و لا يتمثل الشيطان بي و منها من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي و منها من رآني في النوم فقد رآني فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل في صورتي و في رواية أن يتشبه بي و منها من رآني فقد رأى الحق فإن الشيطان لا يتراءى بي.
و قال في النهاية الحق ضد الباطل و منه الحديث من رآني فقد رأى الحق أي رؤيا صادقة ليست من أضغاث الأحلام و قيل فقد رآني حقيقة غير مشتبه انتهى.
و اعلم أن العلماء اختلفوا في أن المراد رؤيتهم(ع)في صورهم الأصلية أو بأي صورة كانت و لا يخفى أن ظاهر حديث الرضا(ع)التعميم لأن الرائي لم يكن رأى النبي(ص)و لم يسأله(ع)في أي صورة رأيته و حمله على أنه(ع)علم أنه رآه بصورته الأصلية بعيد عن السياق فإن من رأى أحدا من الأئمة(ع)في المنام لم يحصل له علم في المنام بأنه رآه و يقال في العرف و اللغة إنه رآهم و إن رأى الشخص الواحد بصور مختلفة فيقال رآه بصورة فلان و لا يعدون هذا الكلام من المتناقض.
و العامة أيضا اختلفوا في ذلك فمنهم من قال المراد رؤيته(ص)بصورته الأصلية و أيدوه عن ابن سيرين أنه إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي(ص)قال صف لي الذي رأيته فإن وصف له صفة لا يعرفها قال لم تره و بعضهم قال بالتعميم و أيده بما رووه عن أبي هريرة قال قال رسول الله(ص)من رآني في المنام فقد رآني فإني أرى في كل صورة.
و قال القرطبي اختلف في معنى الحديث فقال قوم هو على ظاهره فمن رآه في النوم رأى حقيقته كمن رآه في اليقظة سواء قال و هذا قول يدرك فساده بأوائل العقول و يلزم عليه أن لا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها و أن لا يراه رائيان في آن
236
واحد في مكانين و أن يحيا (1) الآن و يخرج من قبره و يمشي في الأسواق و يخاطب الناس و يخاطبونه و يلزم من ذلك أن يخلو قبره عن جسده فلا يبقى فيه منه شيء و يزار مجرد القبر و يسلم على غائب لأنه جائز أن يرى في الليل و النهار مع اتصال الأوقات على حقيقته في غير قبره و هذه جهالات لا يلتزمها من له أدنى مسكة من العقل (2) و قالت طائفة معناه أن من رآه على صورته التي كان عليها و يلزم منه أن من رآه على غير صفته أن يكون رؤياه من الأضغاث و من المعلوم أنه يرى في النوم على حالة تخالف حاله في الدنيا من الأحوال اللائقة و تقع تلك الرؤيا حقا كما لو رأى امتلاء دارا (3) [دار بجسمه مثلا فإنه يدل على امتلاء تلك الدار بالخير و لو تمكن الشيطان من التمثل بشيء مما كان عليه أو ينسب إليه لعارض عموم قوله فإن الشيطان لا يتمثل بي فالأولى تنزه رؤياه و كذا رؤيا شيء منه أو مما ينسب إليه عن ذلك فهو أبلغ في الحرمة و أليق بالعصمة كما عصم من الشيطان في يقظته قال و الصحيح في تأويل هذا الحديث أن مقصوده أن رؤيته في كل حالة ليست باطلة و لا أضغاث أحلام بل هي حق في نفسها و لو رأى على غير صورته فتصور تلك الصورة ليس من الشيطان بل هو من قبل الله قال و هذا قول القاضي أبي بكر و غيره و يؤيده قوله فقد رأى الحق أي رأى الحق الذي قصد إعلام الرائي فيه فإن كانت على ظاهرها و إلا سعى في تأويلها و لا يهمل أمرها لأنها إما بشرى بخير أو إنذار من شر و إما تنبيه على حكم ينفع له في دينه أو دنياه.
و قال الغزالي لا يريد أنه رأى بل رأى مثالا صار آلة يتأدى بها معنى في نفسي إليه و صار واسطة بيني و بينه في تعريف الحق إياه بل البدن في اليقظة أيضا ليس إلا آلة النفس و الحق أن ما يراه حقيقة روحه المقدس(ص)و يعلم الرائي كونه(ص)بخلق علم لا غير.
____________
(1) في أكثر النسخ: يجىء.
(2) عقل (خ).
(3) دار (ظ).
237
و قال الكرماني في شرح البخاري فقد رآني أي رؤيته ليست أضغاث أحلام و لا تخييلات الشيطان كما روي فقد رأى الحق ثم الرؤية بخلق الله لا يشترط فيها مواجهة و لا مقابلة فإن قيل كثيرا ما يرى على خلاف صفته و يراه شخصان في حالة في مكانين قلت ذلك ظن الرائي أنه كذلك و قد يظن الظان بعض الخيالات مرئيا لكونه مرتبطا بما يراه عادة فذاته الشريفة هي مرئية قطعا لا خيال فيه و لا ظن فإن قلت الجزاء هو الشرط قلت أراد لازمه أي فليستبشر فإنه رآني و قال الطيبي اتحاد الشرط و الجزاء يدل على المبالغة أي رأى حقيقتي على كمالها قال و قال القاضي لعله مقيد بما رآه على صفته فإن خالف كان رؤيا تأويل رؤيا حقيقة و هو ضعيف انتهى كلماتهم الواهية.
و الظاهر أنها ليست رؤية بالحقيقة و إنما هو بحصول الصورة في الحس المشترك أو غيره بقدرة الله تعالى و الغرض من هذه العبارة بيان حقيقة الرؤيا و أنها من الله لا من الشيطان و هذا المعنى هو الشائع في مثل هذه العبارة كأن يقول رجل من أراد أن يراني فلير فلانا أو من رأى فلانا فقد رآني أو من وصل فلانا فقد وصلني فإن كل هذه محمولة على التجوز و المبالغة و لم يرد بها معناها حقيقة.
و أما التأويل الذي ذكره المفيد (قدس الله روحه) فيما نقلنا عنه في الباب السابق فلا يخفى بعده مع أنه غير محتمل في خبر الرضا(ع)أصلا بل في بعض ألفاظ الروايات العامية أيضا بقي الكلام في أنه هل يكون حجة في الأحكام الشرعية فيه إشكال فإنه
- قَدْ وَرَدَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنِ الصَّادِقِ(ع)فِي حَدِيثِ الْأَذَانِ أَنَّ دِينَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَعَزُّ مِنْ أَنْ يُرَى فِي النَّوْمِ.
. و يمكن أن يقال المراد أنه لا يثبت أصل شرعية الأحكام بالنوم بل إنما هي بالوحي الجلي و مع ذلك ينبغي أن يخص بنوم غير الأنبياء و الأئمة(ع)لما مر أن نومهم بمنزلة الوحي لكن هذه الأخبار ليست بصريحة في وجوب العمل به إذ لعله مع العلم بكونه منهم(ع)لم يجب العمل به إذ مناط الأحكام الشرعية العلوم الظاهرة كما أن النبي و الأئمة(ع)كانوا يعرفون كفر
238
المنافقين و فسق الفاسقين و نجاسة أكثر الأشياء لكن الظاهر أنهم لم يكونوا مأمورين بالعمل بهذا العلم بل كانوا يستندون في تلك الأحكام إلى الأمور الظاهرة من المشاهدة و سماع البينة مع أن الظاهر أن هذا من مسائل الأصول و لا بد فيه من العلم و لا يثبت بأخبار الآحاد المفيدة للظن و أيضا ما يرى في المنام قد يحتاج إلى تعبير و تأويل فلعل ما رآه مما له تعبير و هو لا يعرفه و إن لم يكن من قبيل الأضغاث.
و لقد سأل السيد مهنا بن سنان العلامة الحلي (قدس الله روحه) ما يقول سيدنا فيمن رأى في منامه رسول الله(ص)أو بعض الأئمة(ع)و هو يأمره بشيء و ينهاه عن شيء هل يجب عليه امتثال ما أمره به أو اجتناب ما نهاه عنه أم لا يجب ذلك مع ما صح عن سيدنا رسول الله(ص)أنه قال من رآني في منامه فقد رآني فإن الشيطان لم يتمثل بي و غير ذلك من الأحاديث.
و ما قولكم لو كان ما أمر به أو نهى عنه على خلاف ما في أيدي الناس من ظاهر الشريعة هل بين الحالين فرق أم لا أفتنا في ذلك مبينا جعل الله كل صعب عليك هينا.
فأجاب نور الله ضريحه أما ما يخالف الظاهر فلا ينبغي المصير إليه و أما ما يوافق الظاهر فالأولى المتابعة من غير وجوب لأن رؤيته(ع)لا يعطي وجوب الاتباع في المنام انتهى.
و قال البغوي في شرح السنة رؤية النبي(ص)في المنام حق و كذلك جميع الأنبياء و الملائكة و كذلك الشمس و القمر و النجوم المضيئة و السحاب الذي فيه الغيث و من رأى نزول الملائكة بمكان فهو نصرة لأهله إن كانوا في كرب و جدب و كذلك رؤية الأنبياء و من رأى ملكا يكلمه ببر أو عظة أو بصلة أو يبشره فهو شرف في الدنيا و شهادة في العاقبة و رؤية الأنبياء كالملائكة إلا في الشهادة لأن الأنبياء كانوا يخالطون الناس كما قال إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ (1) الآية و قال في
____________
(1) الأعراف: 206.
239
الشهداء وَ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ (1) و رؤية النبي(ص)في مكان سعة لأهله إن كانوا في ضيق و نصرة إن كانوا في ظلم و كذلك الصحابة و التابعين لهم بإحسان و رؤية أهل الدين بركة و خير على قدر منازلهم في الدين و من رأى النبي كثيرا في المنام لم يزل خفيف الحال مقلا في دنيا (2) من غير حاجة فادحة و لا خذلان قال النبي(ص)إن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه و رؤية الإمام إصابة خير و شرف.
2- قُرْبُ الْإِسْنَادِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُكَيْمٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بِنْتِ إِلْيَاسَ قَالَ: قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)بِخُرَاسَانَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)وَ الْتَزَمْتُهُ (3).
3- وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْهُ(ع)قَالَ: قَالَ لِيَ ابْتِدَاءً إِنَّ أَبِي كَانَ عِنْدِيَ الْبَارِحَةَ قُلْتُ أَبُوكَ قَالَ أَبِي قُلْتُ أَبُوكَ قَالَ فِي الْمَنَامِ إِنَّ جَعْفَراً كَانَ يَجِيءُ إِلَى أَبِي فَيَقُولُ يَا بُنَيَّ افْعَلْ كَذَا يَا بُنَيَّ افْعَلْ كَذَا قَالَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ لِي يَا حَسَنُ إِنَّ مَنَامَنَا وَ يَقَظَتَنَا وَاحِدَةٌ (4).
4- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى (5) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ سُوَيْدٍ القلا [الْقَلَّاءِ عَنْ بَشِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قُلْتُ لَهُ إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي قُلْتُ لَكَ إِنَّ الْقِتَالَ مَعَ غَيْرِ الْإِمَامِ الْمُفْتَرَضِ الطَّاعَةِ حَرَامٌ مِثْلَ الْمَيْتَةِ وَ الدَّمِ وَ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ فَقُلْتَ لِي نَعَمْ هُوَ كَذَلِكَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)هُوَ كَذَلِكَ (6).
5- تَفْسِيرُ الْفُرَاتِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُمَرَ الْقُرَشِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُمَرَ الْجَعْفَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ أُدْمِنُ الْحَجَّ فَأَمُرُّ عَلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَدَخَلْتُ (7)
____________
(1) الحديد: 19.
(2) دنياه (ظ).
(3) قرب الإسناد: 203. و فيه: رايت رسول اللّه (صّلى الّله عليه و آله) هاهنا و التزمته.
(4) المصدر: 202.
(5) في الكافي: محمّد بن الحسن الطاطرى، عمن ذكره، عن عليّ بن النعمان، عن سويد القلانسى- الخ-.
(6) الكافي: ج 5،(ص)23. و فيه: هو كذلك، هو كذلك.
(7) في المصدر: ففى بعض حججى غدا علينا عليّ بن الحسين (ع) و وجهه مشرق فقال:
جاءنى رسول اللّه ...
240
فِي بَعْضِ حِجَجِي عَلَيْهِ فَقَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)فِي لَيْلَتِي هَذِهِ حَتَّى أَخَذَ بِيَدِي فَأَدْخَلَنِيَ الْجَنَّةَ فَزَوَّجَنِي حَوْرَاءَ فَوَاقَعْتُهَا فَعَلِقَتْ فَصَاحَ بِي رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَا عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ سَمِّ الْمَوْلُودَ مِنْهَا زَيْداً قَالَ فَمَا قُمْنَا (1) مِنْ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ حَتَّى أَرْسَلَ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ هَدِيَّةً إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)شَرَاهَا بِثَلَاثِينَ أَلْفاً فَلَمَّا رَأَيْنَا إِشْعَافَهُ بِهَا تَفَرَّقْنَا مِنَ الْمَجْلِسِ فَلَمَّا كَانَ مِنْ قَابِلٍ حَجَجْتُ وَ مَرَرْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ لِأُسَلِّمَ عَلَيْهِ فَخَرَجَ بِزَيْدٍ عَلَى كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ وَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَ هُوَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ وَ يُومِئُ بِيَدِهِ إِلَى زَيْدٍ وَ هُوَ يَقُولُ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا.
6- مَجَالِسُ الصَّدُوقِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرَانَ النَّقَّاشِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْدِ الْهَمْدَانِيِّ عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ رُشَيْدٍ عَنْ عَمِّهِ سَعِيدِ بْنِ خُثَيْمٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ قَالَ: حَجَجْتُ فَأَتَيْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ(ع)فَقَالَ يَا حَمْزَةُ أَ لَا أُحَدِّثُكَ عَنْ رُؤْيَا رَأَيْتُهَا رَأَيْتُ كَأَنِّي أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَأُوتِيتُ بِحَوْرَاءَ لَمْ أَرَ أَحْسَنَ مِنْهَا فَبَيْنَا أَنَا مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِي إِذْ سَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ يَا عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ لِيَهْنِئْكَ زَيْدٌ لِيَهْنِئْكَ زَيْدٌ قَالَ أَبُو حَمْزَةَ ثُمَّ حَجَجْتُ بَعْدَهُ فَأَتَيْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ فَقَرَعْتُ الْبَابَ فَفُتِحَ لِي وَ دَخَلْتُ فَإِذَا هُوَ حَامِلٌ زَيْداً عَلَى يَدِهِ أَوْ قَالَ حَامِلًا غُلَاماً عَلَى يَدِهِ فَقَالَ لِي يَا أَبَا حَمْزَةَ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا (2)
7- كِتَابُ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَا قَالَ لَكَ أَبُوكَ حِينَ دَعَانَا رَجُلًا رَجُلًا فَقَالَ أَمَّا أَدْنَى شَهَادَتِي فَإِنَّهُ قَالَ إِنْ بَايَعُوا أَصْلَعَ بَنِي هَاشِمٍ حَمَلَهُمْ عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ وَ أَقَامَهُمْ عَلَى كِتَابِ رَبِّهِمْ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِمْ ثُمَّ قَالَ يَا ابْنَ عُمَرَ فَمَا قُلْتَ أَنْتَ عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ قُلْتُ لَهُ فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَسْتَخْلِفَهُ قَالَ فَمَا رَدَّ عَلَيْكَ قَالَ وَ رَدَّ عَلَيَّ شَيْئاً أَكْتُمُهُ قَالَ عَلِيٌّ(ع)فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَدْ أَخْبَرَنِي بِهِ لَيْلَةَ مَاتَ أَبُوكَ فِي مَنَامِي وَ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ(ص)فَقَدْ رَآهُ فِي الْيَقَظَةِ قَالَ فَمَا أَخْبَرَكَ قَالَ أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا ابْنَ عُمَرَ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ لَتُصَدِّقَنَ
____________
(1) في المصدر:.
(2) الأمالي: 202.
241
قَالَ أَوْ أَسْكُتُ قَالَ فَإِنَّهُ قَالَ لَكَ حِينَ قُلْتَ لَهُ فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَسْتَخْلِفَهُ قَالَ الصَّحِيفَةُ الَّتِي كَتَبْنَاهَا بَيْنَنَا وَ الْعَهْدُ فِي الْكَعْبَةِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَسَكَتَ ابْنُ عُمَرَ وَ قَالَ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ(ص)لَمَّا أَمْسَكْتَ عَنِّي الْخَبَرَ.
8- وَ مِنْهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ الْأَزْدِيِ وَ سَاقَ قِصَّةَ وَفَاةِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى أَنْ قَالَ دَعَا بِالْوَيْلِ وَ الثُّبُورِ وَ قَالَ هَذَا مُحَمَّدٌ وَ عَلِيٌّ (صلوات الله عليهما) يُبَشِّرَانِي بِالنَّارِ بِيَدِهِ الصَّحِيفَةُ الَّتِي تَعَاهَدْنَا عَلَيْهَا فِي الْكَعْبَةِ وَ هُوَ يَقُولُ لَقَدْ وَفَيْتَ بِهَا فَظَاهَرْتَ عَلَى وَلِيِّ اللَّهِ [أَنْتَ وَ أَصْحَابُكَ فَأَبْشِرْ بِالنَّارِ فِي أَسْفَلِ السَّافِلِينَ قَالَ سُلَيْمٌ فَقُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَمَنْ تَرَى حَدَّثَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ بِمَا قَالُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّهُ يَرَاهُ فِي مَنَامِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ وَ حَدِيثُهُ إِيَّاهُ فِي الْمَنَامِ مِثْلُ حَدِيثِهِ إِيَّاهُ فِي الْيَقَظَةِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي فِي نَوْمٍ وَ لَا يَقَظَةٍ وَ لَا بِأَحَدٍ مِنْ أَوْصِيَائِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ سُلَيْمٌ فَقُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ(ع)فَقُلْتُ سَمِعْتُ أَنَا أَيْضاً كَمَا سَمِعْتَ أَنْتَ قُلْتُ لِمُحَمَّدٍ فَلَعَلَّ مَلَكاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ حَدَّثَهُ قَالَ أَوْ ذَاكَ وَ سَاقَهُ إِلَى أَنْ قَالَ سُلَيْمٌ فَلَمَّا قُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ بِمِصْرَ وَ عَزَّيْنَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)حَدَّثْتُهُ بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدٌ وَ خَبَّرْتُهُ بِمَا خَبَّرَنِي بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ قَالَ صَدَقَ مُحَمَّدٌ (رحمه اللّه) أَمَا إِنَّهُ شَهِيدٌ يُرْزَقُ الْحَدِيثَ.
9- مَجَالِسُ ابْنِ الشَّيْخِ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْمُفِيدِ عَنِ الصَّدُوقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَمَّنْ سَمِعَ حَنَانَ بْنَ سَدِيرٍ الصَّيْرَفِيَّ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)فِيمَا يَرَى النَّائِمُ وَ بَيْنَ يَدَيْهِ طَبَقٌ مُغَطًّى بِمِنْدِيلٍ فَدَنَوْتُ مِنْهُ وَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلَامَ ثُمَّ كَشَفَ الْمِنْدِيلَ عَنِ الطَّبَقِ فَإِذَا فِيهِ رُطَبٌ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَاوِلْنِي رُطَبَةً فَنَاوَلَنِي وَاحِدَةً فَأَكَلْتُهَا ثُمَّ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَاوِلْنِي أُخْرَى فَنَاوَلَنِيهَا فَأَكَلْتُهَا فَجَعَلْتُ كُلَّمَا أَكَلْتُ وَاحِدَةً سَأَلْتُهُ أُخْرَى حَتَّى أَعْطَانِي ثَمَانِيَةَ رُطَبَاتٍ فَأَكَلْتُهَا ثُمَّ طَلَبْتُ مِنْهُ أُخْرَى فَقَالَ لِي حَسْبُكَ قَالَ فَانْتَبَهْتُ مِنْ مَنَامِي فَلَمَّا كَانَ مِنَ
242
الْغَدِ دَخَلْتُ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ(ع)وَ بَيْنَ يَدَيْهِ طَبَقٌ مُغَطًّى بِمِنْدِيلٍ كَأَنَّهُ الَّذِي رَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ ثُمَّ كَشَفَ الطَّبَقَ فَإِذَا فِيهِ رُطَبٌ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُ فَعَجِبْتُ لِذَلِكَ وَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ نَاوِلْنِي رُطَبَةً فَنَاوَلَنِي فَأَكَلْتُهَا ثُمَّ طَلَبْتُ أُخْرَى حَتَّى أَكَلْتُ ثَمَانِيَ رُطَبَاتٍ ثُمَّ طَلَبْتُ مِنْهُ أُخْرَى فَقَالَ لِي لَوْ زَادَكَ جَدِّي رَسُولُ اللَّهِ(ص)لَزِدْنَاكَ فَأَخْبَرْتُهُ فَتَبَسَّمَ تَبَسُّمَ عَارِفٍ بِمَا كَانَ.
10- وَ مِنْهُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَلْمَانَ فِي أَجْوِبَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَنْ مَسَائِلِ الْجَاثَلِيقِ وَ سَاقَ إِلَى أَنْ طَلَبَ الْجَاثَلِيقُ مِنْهُ(ع)الْمُعْجِزَ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ خَرَجْتَ أَيُّهَا النَّصْرَانِيُّ مِنْ مُسْتَقَرِّكَ مُضْمِراً خِلَافَ مَا أَظْهَرْتَ الْآنَ مِنَ الطَّلَبِ وَ الِاسْتِرْشَادِ فَأُرِيتَ فِي مَنَامِكَ مَقَامِي وَ حُدِّثْتَ فِيهِ كَلَامِي وَ حُذِّرْتَ فِيهِ مِنْ خِلَافِي وَ أُمِرْتَ فِيهِ بِاتِّبَاعِي قَالَ صَدَقْتَ وَ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ الْمَسِيحَ مَا اطَّلَعَ عَلَى مَا أَخْبَرْتَنِي بِهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ أَسْلَمَ وَ أَسْلَمَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ.
أقول: قد مر في أبواب معجزات الأئمة(ع)أخبار كثيرة في ذلك تركناها مخافة الإطناب و التكرار و ستأتي رؤيا أم داود في باب عمل الاستفتاح.
11- التَّوْحِيدُ لِلصَّدُوقِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ وَهْبِ بْنِ وَهْبٍ الْقُرَشِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)رَأَيْتُ الْخَضِرَ(ع)(1) قَبْلَ بَدْرٍ بِلَيْلَةٍ فَقُلْتُ لَهُ عَلِّمْنِي شَيْئاً أُنْصَرْ بِهِ عَلَى الْأَعْدَاءِ فَقَالَ (2) يَا هُوَ يَا مَنْ لَا هُوَ إِلَّا هُوَ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ قَصَصْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَالَ يَا عَلِيُّ عُلِّمْتَ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ وَ كَانَ عَلَى لِسَانِي يَوْمَ بَدْرٍ (3) الْخَبَرَ.
12- مَجَالِسُ ابْنِ الشَّيْخِ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ حَشِيشٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَخْلَدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مِيثَمٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيِّ عَنْ
____________
(1) في المصدر: فى المنام.
(2) فيه: قل يا هو ...
(3) التوحيد: 49.
243
أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ فِي مَنَامِي حِينَ وَجَّهَ مُوسَى بْنُ عِيسَى إِلَى قَبْرِ الْحُسَيْنِ(ع)مَنْ كَرَبَهُ وَ كَرَبَ جَمِيعَ أَرْضِ الْحَائِرِ وَ زَرَعَ الزَّرْعَ فِيهَا كَأَنِّي خَرَجْتُ إِلَى قَوْمِي بَنِي غَاضِرَةَ فَلَمَّا صِرْتُ بِقَنْطَرَةِ الْكُوفَةِ اعْتَرَضَتْنِي خَنَازِيرُ عَشَرَةٌ تُرِيدُنِي فَأَغَاثَنِيَ اللَّهُ بِرَجُلٍ كُنْتُ أَعْرِفُهُ مِنْ بَنِي أَسَدٍ فَدَفَعَهَا عَنِّي فَمَضَيْتُ لِوَجْهِي فَلَمَّا صِرْتُ إِلَى شَاهِي ضَلَلْتُ الطَّرِيقَ فَرَأَيْتُ هُنَاكَ عَجُوزاً فَقَالَتْ لِي أَيْنَ تُرِيدُ أَيُّهَا الشَّيْخُ قُلْتُ أُرِيدُ الْغَاضِرِيَّةَ قَالَتْ لِي تَنْظُرُ هَذَا الْوَادِيَ فَإِنَّكَ إِذَا أَتَيْتَ إِلَى آخِرِهِ اتَّضَحَ لَكَ الطَّرِيقُ فَمَضَيْتُ وَ فَعَلْتُ ذَلِكَ فَلَمَّا صِرْتُ إِلَى نَيْنَوَى إِذَا أَنَا بِشَيْخٍ كَبِيرٍ جَالِسٌ هُنَاكَ فَقُلْتُ مِنْ أَيْنَ أَنْتَ أَيُّهَا الشَّيْخُ فَقَالَ لِي أَنَا مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ فَقُلْتُ كَمْ تَعُدُّ مِنَ السِّنِينَ قَالَ مَا أَحْفَظُ مَا مَرَّ مِنْ سِنِّي وَ عُمُرِي وَ لَكِنْ أَبْعَدُ ذِكْرِي أَنِّي رَأَيْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ(ع)وَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَ مَنْ تَبِعَهُ يُمْنَعُونَ الْمَاءَ الَّذِي تَرَاهُ وَ لَا تُمْنَعُ الْكِلَابُ وَ لَا الْوُحُوشُ شُرْبَهُ فَاسْتَفْظَعْتُ ذَلِكَ وَ قُلْتُ لَهُ وَيْحَكَ أَنْتَ رَأَيْتَ هَذَا قَالَ إِي وَ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ لَقَدْ رَأَيْتُ هَذَا أَيُّهَا الشَّيْخُ وَ عَايَنْتُهُ وَ إِنَّكَ وَ أَصْحَابَكَ الَّذِينَ تُعِينُونَ عَلَى مَا قَدْ رَأَيْنَا مِمَّا أَقْرَحَ عُيُونَ الْمُسْلِمِينَ إِنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا مُسْلِمٌ فَقُلْتُ وَيْحَكَ وَ مَا هُوَ قَالَ حَيْثُ لَمْ تُنْكِرُوا مَا أَجْرَى سُلْطَانُكُمْ إِلَيْهِ قُلْتُ وَ مَا جَرَى قَالَ أَ يُكْرَبُ قَبْرُ ابْنِ النَّبِيِّ(ص)وَ يُحْرَثُ أَرْضُهُ قُلْتُ وَ أَيْنَ الْقَبْرُ قَالَ هَا هُوَ ذَا أَنْتَ وَاقِفٌ فِي أَرْضِهِ وَ أَمَّا الْقَبْرُ فَقَدْ عَمِيَ عَنْ أَنْ يُعْرَفَ مَوْضِعُهُ قَالَ ابْنُ عَيَّاشٍ وَ مَا كُنْتُ رَأَيْتُ الْقَبْرَ قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ قَطُّ وَ لَا أَتَيْتُهُ فِي طُولِ عُمُرِي فَقُلْتُ مَنْ لِي بِمَعْرِفَتِهِ فَمَضَى مَعِيَ الشَّيْخُ حَتَّى وَقَفَ بِي عَلَى حَيْرٍ لَهُ بَابٌ وَ آذِنٌ وَ إِذَا جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ عَلَى الْبَابِ فَقُلْتُ لِلْآذِنِ أُرِيدُ الدُّخُولَ عَلَى ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَالَ لَا تَقْدِرُ عَلَى الْوُصُولِ فِي هَذَا الْوَقْتِ قُلْتُ وَ لِمَ قَالَ هَذَا وَقْتُ زِيَارَةِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ وَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ وَ مَعَهُمَا جَبْرَئِيلُ وَ مِيكَائِيلُ فِي رَعِيلٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ كَثِيرٍ قَالَ ابْنُ عَيَّاشٍ فَانْتَبَهْتُ وَ قَدْ دَخَلَنِي رَوْعٌ شَدِيدٌ وَ حُزْنٌ وَ كَآبَةٌ وَ مَضَتْ بِيَ الْأَيَّامُ حَتَّى كِدْتُ أَنْ أَنْسَى الْمَنَامَ ثُمَّ اضْطُرِرْتُ إِلَى الْخُرُوجِ إِلَى بَنِي غَاضِرَةَ لِدَيْنٍ
244
كَانَ لِي عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَخَرَجْتُ وَ أَنَا لَا أَذْكُرُ الْحَدِيثَ حَتَّى صِرْتُ بِقَنْطَرَةِ الْكُوفَةِ وَ لَقِيَنِي عَشَرَةٌ مِنَ اللُّصُوصِ فَحِينَ رَأَيْتُهُمْ ذَكَرْتُ الْحَدِيثَ وَ رَعَبْتُ مِنْ خَشْيَتِي لَهُمْ فَقَالُوا لِي أَلْقِ مَا مَعَكَ وَ انْجُ بِنَفْسِكَ وَ كَانَ مَعِي نُفَيْقَةٌ فَقُلْتُ وَيْحَكُمْ أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ وَ إِنَّمَا خَرَجْتُ فِي طَلَبِ دَيْنٍ لِي وَ اللَّهِ لَا تَقْطَعُونِي عَنْ طَلَبِ دَيْنِي وَ تَصَرُّفَاتِي فِي نَفَقَتِي فَإِنِّي شَدِيدُ الْإِضَافَةِ فَنَادَى رَجُلٌ مِنْهُمْ مَوْلَايَ وَ رَبِّ الْكَعْبَةِ لَا تَعَرَّضْ لَهُ ثُمَّ قَالَ لِبَعْضِ فِتْيَانِهِمْ كُنْ مَعَهُ حَتَّى تَصِيرَ بِهِ إِلَى الطَّرِيقِ الْأَيْمَنِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَجَعَلْتُ أَتَذَكَّرُ مَا رَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ وَ أَتَعَجَّبُ مِنْ تَأْوِيلِ الْخَنَازِيرِ حَتَّى صِرْتُ إِلَى نَيْنَوَى فَرَأَيْتُ وَ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الشَّيْخَ الَّذِي كُنْتُ رَأَيْتُهُ فِي مَنَامِي بِصُورَتِهِ وَ هَيْئَتِهِ رَأَيْتُهُ فِي الْيَقَظَةِ كَمَا رَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ سَوَاءً فَحِينَ رَأَيْتُهُ ذَكَرْتُ الْأَمْرَ وَ الرُّؤْيَا فَقُلْتُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَا كَانَ هَذَا إِلَّا وَحْياً (1) ثُمَّ سَأَلْتُهُ كَمَسْأَلَتِي إِيَّاهُ فِي الْمَنَامِ فَأَجَابَنِي بِمَا كَانَ أَجَابَنِي ثُمَّ قَالَ لِي امْضِ بِنَا فَمَضَيْتُ فَوَقَفْتُ مَعَهُ عَلَى الْمَوْضِعِ وَ هُوَ مَكْرُوبٌ فَلَمْ يَفُتْنِي شَيْءٌ مِنْ مَنَامِي إِلَّا الْآذِنُ وَ الْحَيْرُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ حَيْراً وَ لَمْ أَرَ آذِناً ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّ أَبَا حُصَيْنٍ حَدَّثَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَإِيَّايَ رَأَى فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَشَبَّهُ بِي تَمَامَ الْخَبَرَ.
بيان: تقول كرب الأرض إذا قلبتها للحرث و الرعيل القطعة من الخيل و الإضافة الضيافة.
أقول و قد مضت أخبار كثيرة من هذا الباب في أبواب معجزات الأئمة و معجزات ضرائحهم المقدسة.
____________
(1) في أكثر النسخ «وصيا» و الظاهر أنّه تصحيف.
245
باب 46 قوى النفس و مشاعرها من الحواس الظاهرة و الباطنة و سائر القوى البدنية
الآيات البقرة خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (1) النحل وَ اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (2) المؤمنون وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (3) الروم وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (4) تفسير خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ قال النيسابوري القلب تارة يراد به اللحم الصنوبري المودع في التجويف الأيسر من الصدر و هو محل الروح الحيواني الذي هو منشأ الحس و الحركة و ينبعث منه إلى سائر الأعضاء بتوسط الأوردة و الشرايين و يراد به تارة اللطيفة الربانية التي بها يكون الإنسان إنسانا و بها يستعد لامتثال الأوامر و النواهي و القيام بموجب (5) التكليف إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ (6) و هي من عالم الأمر الذي لا يتوقف وجوده على مادة و مدة بعد إرادة موجده
____________
(1) البقرة: 7.
(2) النحل: 78.
(3) المؤمنون: 78.
(4) الروم: 22.
(5) بمواجب (خ).
(6) ق: 37.
246
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (1) كما أن البدن بل اللحم الصنوبري من عالم الخلق و هو نقيض ذلك أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ (2) و قد يعبر عنها بالنفس الناطقة وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها (3) و بالروح قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي (4) وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي (5) ثم قال بعد تفسير السمع و البصر و الحق عندي أن نسبة البصر إلى العين نسبة البصيرة إلى القلب و لكل من القلب و العين نور أما نور العين فمنطبع فيها لأنه من عالم الخلق فهو نور جزئي و مدركه في ذلك النور و لكل منهما بل لكل فرد منهما حد ينتهي إليه بحسب شدته و ضعفه و يتدرج في الضعف بحسب تباعد المرئي حتى لا يدركه أو يدركه أصغر مما هو عليه انتهى.
أقول و قد مضى تفسير الختم و تأويله في كتاب العدل.
لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً قال الزمخشري هو في موضع الحال أي غير عالمين شيئا من حق المنعم الذي خلقكم في البطون و سواكم ثم أخرجكم من الضيق إلى السعة وَ جَعَلَ لَكُمُ معناه و ركب فيكم هذه الأشياء آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه و اجتلاب العلم و العمل به من شكر المنعم و عبادته و القيام بحقوقه و الترقي إلى ما يسعدكم.
و قال النيسابوري اعلم أن جمهور الحكماء زعموا أن الإنسان في مبدإ فطرته خال عن المعارف و العلوم إلا أنه تعالى خلق السمع و البصر و الفؤاد و سائر القوى المدركة حتى ارتسم في خياله بسبب كثرة ورود المحسوسات عليه حقائق تلك الماهيات و حضرت صورها في ذهنه ثم إن مجرد حضور تلك الحقائق إن كان كافيا في جزم الذهن بثبوت بعضها لبعض أو انتفاء بعضها عن بعض فتلك الأحكام علوم بديهية و إن لم يكن
____________
(1) يس: 82 و الآية كانت في المتن بجميع نسخه هكذا: إنّما أمرنا لشيء إذا اردناه ان نقول له كن فيكون.
(2) الأعراف: 54.
(3) الشمس: 7- 8.
(4) الإسراء: 85.
(5)(ص)72، الجر: 29.
247
كذلك بل كانت متوقفة على علوم سابقة عليها و لا محالة تنتهي إلى البديهيات قطعا للدور أو التسلسل فهي علوم كسبية فظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في النفوس الإنسانية هو أنه تعالى أعطى الحواس و القوى الداركة للصور الجزئية و عندي أن النفس قبل البدن موجودة عالمة بعلوم جمة هي التي ينبغي أن تسمى بالبديهيات و إنما لا يظهر آثارها عليها حتى إذا قوي و ترقى ظهرت آثارها شيئا فشيئا و قد برهنا على هذه المعاني في كتبنا الحكمية فالمراد بقوله لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً أنه لا يظهر أثر العلم عليهم ثم إنه بتوسط الحواس الظاهرة و الباطنة يكتسب سائر العلوم و معنى لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أن تصرفوا كل آلة في ما خلق لأجله و ليس الواو للترتيب حتى يلزم من عطف جعل على أخرج أن يكون جعل السمع و البصر و الأفئدة متأخرا عن الإخراج من البطن.
وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوانِكُمْ قال الرازي لما أشار إلى دلائل الأنفس و الآفاق ذكر ما هو من صفات الأنفس بالاختلاف الذي بين ألوان الإنسان فإن واحدا منهم مع كثرة عددهم و صغر حجمهم خدودهم و قدودهم لا تشتبه بغيرهم و الثاني اختلاف كلامهم فإن عربيين هما أخوان إذا تكلما بلغة واحدة يعرف أحدهما من الآخر حتى أن من يكون محجوبا عنهما لا يبصرهما يقول هنا صوت فلان و فيه حكمة بالغة و ذلك لأن الإنسان يحتاج إلى التمييز بين الأشخاص ليعرف صاحب الحق من غيره و العدو من الصديق ليحترز قبل وصول العدو إليه و ليقبل على الصديق (1) قبل أن يفوته الإقبال عليه و ذلك قد يكون بالبصر فخلق اختلاف الصور و قد يكون بالسمع فخلق اختلاف الأصوات و أما اللمس و الشم و الذوق فلا يفيد فائدة في معرفة العدو و الصديق فلا يقع بها التمييز (2) و من الناس من قال إن المراد اختلاف اللغات كالعربية و الفارسية و الرومية و غيرها و الأول أصح انتهى.
و على الثاني المراد أنه علم كل صنف لغته أو ألهمه وضعها و أقدره عليها.
____________
(1) في أكثر النسخ «ليحترز قبل ...» و هو خطأ من النسّاخ ظاهر.
(2) في أكثر النسخ «التميز».
248
الأخبار.
1- مَجَالِسُ الصَّدُوقِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مَرَّارٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَعْقُوبَ قَالَ: كَانَ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ(ع)جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ حُمْرَانُ بْنُ أَعْيَنَ وَ مُؤْمِنُ الطَّاقِ وَ هِشَامُ بْنُ سَالِمٍ وَ الطَّيَّارُ وَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ وَ هُوَ شَابٌّ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَا هِشَامُ قَالَ لَبَّيْكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ أَ لَا تُحَدِّثُنِي كَيْفَ صَنَعْتَ بِعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وَ كَيْفَ سَأَلْتَهُ قَالَ هِشَامٌ جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنِّي أُجِلُّكَ وَ أَسْتَحْيِيكَ وَ لَا يَعْمَلُ لِسَانِي بَيْنَ يَدَيْكَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَافْعَلُوا (1) قَالَ هِشَامٌ بَلَغَنِي مَا كَانَ فِيهِ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَ جُلُوسُهُ فِي مَسْجِدِ الْبَصْرَةِ وَ عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيَّ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ وَ دَخَلْتُ الْبَصْرَةَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَتَيْتُ مَسْجِدَ الْبَصْرَةِ فَإِذَا أَنَا بِحَلْقَةٍ كَبِيرَةٍ وَ إِذَا أَنَا بِعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ عَلَيْهِ شَمْلَةٌ سَوْدَاءُ مُتَّزِرٌ بِهَا مِنْ صُوفٍ وَ شَمْلَةٌ مُرْتَدٍ بِهَا (2) فَاسْتَفْرَجْتُ النَّاسَ فَأَفْرَجُوا لِي ثُمَّ قَعَدْتُ فِي آخِرِ الْقَوْمِ عَلَى رُكْبَتَيَّ ثُمَّ قُلْتُ أَيُّهَا الْعَالِمُ أَنَا رَجُلٌ غَرِيبٌ تَأْذَنُ لِي فَأَسْأَلَكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ قَالَ فَقَالَ نَعَمْ قَالَ قُلْتُ لَهُ أَ لَكَ عَيْنٌ قَالَ يَا بُنَيَّ أَيُّ شَيْءٍ هَذَا مِنَ السُّؤَالِ فَقُلْتُ هَكَذَا مَسْأَلَتِي فَقَالَ يَا بُنَيَّ سَلْ وَ إِنْ كَانَتْ مَسْأَلَتُكَ حَمْقَاءَ قُلْتُ أَجِبْنِي فِيهَا قَالَ فَقَالَ لِي سَلْ قُلْتُ أَ لَكَ عَيْنٌ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَمَا تَرَى بِهَا قَالَ الْأَلْوَانَ وَ الْأَشْخَاصَ قَالَ قُلْتُ (3) فَلَكَ أَنْفٌ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَمَا تَصْنَعُ بِهِ قَالَ أَتَشَمَّمُ بِهَا الرَّائِحَةَ قَالَ قُلْتُ أَ لَكَ فَمٌ قَالَ نَعَمْ قَالَ قُلْتُ وَ مَا (4) تَصْنَعُ بِهِ قَالَ أَعْرِفُ بِهِ طَعْمَ الْأَشْيَاءِ قَالَ قُلْتُ أَ لَكَ لِسَانٌ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ وَ مَا تَصْنَعُ بِهِ قَالَ أَتَكَلَّمُ بِهِ قَالَ قُلْتُ أَ لَكَ أُذُنٌ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ وَ مَا تَصْنَعُ بِهَا قَالَ أَسْمَعُ بِهَا الْأَصْوَاتَ قَالَ قُلْتُ
____________
(1) في المصدر: فافعلوه.
(2) زاد فيه: و الناس يسألونه.
(3)؟؟؟؟: أ لك.
(4) فما (خ).
249
أَ لَكَ يَدٌ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ وَ مَا تَصْنَعُ بِهَا قَالَ أَبْطِشُ بِهَا قَالَ قُلْتُ أَ لَكَ قَلْبٌ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ وَ مَا تَصْنَعُ بِهِ قَالَ أُمَيِّزُ كُلَّ مَا وَرَدَ عَلَى هَذِهِ الْجَوَارِحِ قَالَ قُلْتُ أَ فَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْجَوَارِحِ غِنًى عَنِ الْقَلْبِ قَالَ لَا قُلْتُ وَ كَيْفَ ذَلِكَ وَ هِيَ صَحِيحَةٌ سَلِيمَةٌ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنَّ الْجَوَارِحَ إِذَا شَكَّتْ فِي شَيْءٍ شَمَّتْهُ أَوْ رَأَتْهُ أَوْ ذَاقَتْهُ أَوْ سَمِعَتْهُ أَوْ لَمَسَتْهُ رَدَّتْهُ إِلَى الْقَلْبِ فَيُيْقِنُ الْيَقِينَ وَ يُبْطِلُ الشَّكَّ قَالَ فَقُلْتُ إِنَّمَا أَقَامَ اللَّهُ الْقَلْبَ لِشَكِّ الْجَوَارِحِ قَالَ نَعَمْ قَالَ قُلْتُ فَلَا بُدَّ مِنَ الْقَلْبِ وَ إِلَّا لَمْ تَسْتَقِمِ الْجَوَارِحُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَقُلْتُ يَا أَبَا مَرْوَانَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمْ يَتْرُكْ جَوَارِحَكَ حَتَّى جَعَلَ لَهَا إِمَاماً يُصَحِّحُ لَهَا الصَّحِيحَ وَ يُيْقِنُ مَا شَكَّ فِيهِ وَ يَتْرُكُ هَذَا الْخَلْقَ كُلَّهُمْ فِي حَيْرَتِهِمْ وَ شَكِّهِمْ وَ اخْتِلَافِهِمْ لَا يُقِيمُ لَهُمْ إِمَاماً يَرُدُّونَ إِلَيْهِ شَكَّهُمْ وَ حَيْرَتَهُمْ وَ يُقِيمُ لَكَ إِمَاماً لِجَوَارِحِكَ تَرُدُّ إِلَيْهِ حَيْرَتَكَ وَ شَكَّكَ قَالَ فَسَكَتَ وَ لَمْ يَقُلْ شَيْئاً قَالَ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ أَنْتَ هِشَامٌ فَقُلْتُ لَا فَقَالَ لِي أَ جَالَسْتَهُ فَقُلْتُ لَا قَالَ فَمِنْ أَيْنَ أَنْتَ قُلْتُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ قَالَ فَأَنْتَ إِذاً هُوَ قَالَ ثُمَّ ضَمَّنِي إِلَيْهِ وَ أَقْعَدَنِي فِي مَجْلِسِهِ وَ مَا نَطَقَ حَتَّى قُمْتُ فَضَحِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقُ(ع)ثُمَّ قَالَ يَا هِشَامُ مَنْ عَلَّمَكَ هَذَا قَالَ قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ جَرَى عَلَى لِسَانِي قَالَ يَا هِشَامُ هَذَا وَ اللَّهِ مَكْتُوبٌ فِي صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى (1).
2- الْعِلَلُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْبَرْقِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ لِرَجُلٍ اعْلَمْ يَا فُلَانُ إِنَّ مَنْزِلَةَ الْقَلْبِ (2) مِنَ الْجَسَدِ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ مِنَ النَّاسِ الْوَاجِبِ الطَّاعَةِ عَلَيْهِمْ أَ لَا تَرَى أَنَّ جَمِيعَ جَوَارِحِ الْجَسَدِ شُرَطٌ لِلْقَلْبِ وَ تَرَاجِمَةٌ لَهُ مُؤَدِّيَةٌ عَنْهُ الْأُذُنَانِ وَ الْعَيْنَانِ وَ الْأَنْفُ (3) وَ الْيَدَانِ وَ الرِّجْلَانِ وَ الْفَرْجُ فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا هَمَّ بِالنَّظَرِ فَتَحَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ وَ إِذَا هَمَّ بِالاسْتِمَاعِ حَرَّكَ أُذُنَيْهِ وَ فَتَحَ
____________
(1) الأمالي: 351- 352.
(2) في بعض النسخ «و الجسد» و الصواب ما أثبتناه موافقا لنسخ اخرى و للمصدر.
(3) زاد في المصدر: «و الفم».
250
مَسَامِعَهُ فَسَمِعَ وَ إِذَا هَمَّ الْقَلْبُ بِالشَّمِّ اسْتَنْشَقَ بِأَنْفِهِ فَأَدَّى تِلْكَ الرَّائِحَةَ إِلَى الْقَلْبِ وَ إِذَا هَمَّ بِالنُّطْقِ تَكَلَّمَ بِاللِّسَانِ وَ إِذَا هَمَّ بِالْحَرَكَةِ سَعَتِ الرِّجْلَانِ وَ إِذَا هَمَّ بِالشَّهْوَةِ تَحَرَّكَ الذَّكَرُ فَهَذِهِ كُلُّهَا مُؤَدِّيَةٌ عَنِ الْقَلْبِ بِالتَّحْرِيكِ وَ كَذَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُطَاعَ لِلْأَمْرِ مِنْهُ (1).
بيان: قال في القاموس الشرطة بالضم واحد الشرط كصرد و هم أول كتيبة تشهد الحرب و تتهيأ للموت و طائفة من أعوان الولاة.
3- التَّوْحِيدُ، وَ الْخِصَالُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْمِنْقَرِيِّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ يَقُولُ فِيهِ أَلَا إِنَّ لِلْعَبْدِ أَرْبَعَ أَعْيُنٍ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا أَمْرَ دِينِهِ وَ دُنْيَاهُ وَ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا أَمْرَ آخِرَتِهِ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْراً فَتَحَ لَهُ الْعَيْنَيْنِ اللَّتَيْنِ فِي قَلْبِهِ فَأَبْصَرَ بِهِمَا الْغَيْبَ وَ أَمْرَ آخِرَتِهِ وَ إِذَا أَرَادَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ تَرَكَ الْقَلْبَ بِمَا فِيهِ (2).
أقول: أوردت الأخبار في أحوال القلب و صلاحه و فساده و كذا أحوال النفس و درجاتها في الصلاح و الفساد في أبواب مكارم الأخلاق من كتاب الكفر و الإيمان.
4 الْمَنَاقِبُ لِابْنِ شَهْرَآشُوبَ، مِمَّا أَجَابَ الرِّضَا(ع)بِحَضْرَةِ الْمَأْمُونِ لِضُبَاعِ بْنِ نَصْرٍ الْهِنْدِيِّ وَ عِمْرَانَ الصَّابِي عَنْ مَسَائِلِهِمَا قَالَ عِمْرَانُ الْعَيْنُ نُورٌ مُرَكَّبَةٌ أَمِ الرُّوحُ تُبْصِرُ الْأَشْيَاءَ مِنْ مَنْظَرِهَا قَالَ(ع)الْعَيْنُ شَحْمَةٌ وَ هُوَ الْبَيَاضُ وَ السَّوَادُ وَ النَّظَرُ لِلرُّوحِ دَلِيلُهُ أَنَّكَ تَنْظُرُ فِيهِ فَتَرَى صُورَتَكَ فِي وَسَطِهِ وَ الْإِنْسَانُ لَا يَرَى صُورَتَهُ إِلَّا فِي مَاءٍ أَوْ مِرْآةٍ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ قَالَ ضِبَاعٌ فَإِذَا عَمِيَتِ الْعَيْنُ كَيْفَ صَارَتِ الرُّوحُ قَائِمَةً وَ النَّظَرُ ذَاهِبٌ قَالَ كَالشَّمْسِ طَالِعَةً يَغْشَاهَا الظَّلَامُ قَالا (3) أَيْنَ تَذْهَبُ الرُّوحُ قَالَ أَيْنَ يَذْهَبُ الضَّوْءُ الطَّالِعُ مِنَ الْكُوَّةِ فِي الْبَيْتِ إِذَا سُدَّتِ الْكُوَّةُ قَالَ أَوْضِحْ لِي
____________
(1) علل الشرائع: ج 1،(ص)103.
(2) الخصال: 112.
(3) في المصدر: قال.
251
ذَلِكَ قَالَ الرُّوحُ مَسْكَنُهَا فِي الدِّمَاغِ وَ شُعَاعُهَا مُنْبَثٌّ فِي الْجَسَدِ بِمَنْزِلَةِ الشَّمْسِ دَارَتُهَا فِي السَّمَاءِ وَ شُعَاعُهَا مُنْبَسِطٌ عَلَى الْأَرْضِ فَإِذَا غَابَتِ الدَّارَةُ فَلَا شَمْسَ وَ إِذَا قُطِعَتِ الرَّأْسُ فَلَا رُوحَ (1).
بيان نور مركبة أي مدرك ركب في هذا العضو و هو يدرك المبصرات أم المدرك الروح و هذا منظره و اختار(ع)الثاني و يدل على أن المدرك النفس و هذه آلاتها كما مر أنه المشهور و يحتمل أن يكون المراد به الروح الحيواني بأن يكون المراد أن المدرك هو الروح الذي في العين لا نفس الضوء (2) فلا ينفي المذهب الآخر كما يومئ إليه قوله الروح مسكنها في الدماغ و هو يدل على أن محل الروح و منشأه الدماغ كما قيل و كان النزاع لفظي و المراد هنا الروح النفساني النازل من الدماغ بتوسط الأعصاب إلى جميع البدن و منشأ الجميع القلب.
قال بعض المحققين خلق الله سبحانه بلطيف صنعه جرما حارا لطيفا نورانيا شفافا يسمى بالروح البخاري و جعله مركبا للنفس و قواها و كرسيا لملائكتها حيا بحياتها باقيا بتعلقها به فانيا برحلتها عنه لا كسائر الأجرام التي تزول عنها الحياة و هي باقية و به حياة البدن من الواهب بواسطة النفس فكل موضع يفيض عليه من سلطان نوره يحيا و إلا فيموت و اعتبر بالسدد فلو لا أن قوة الحس و الحركة قائمة بهذا الجسم اللطيف لما كانت السدد يمنعها و قد يخدر العضو بالسدة بحيث لا يتألم بجرح و ضرب و ربما ينقطع فتبطل الحياة منه و لو لا أنه شديد اللطافة لما نفذ في شباك العصب و من أخذ بعض عروقه يحس بجري جسم لطيف حار فيه و تراجعه عنه و هذا هو الروح و منبعه القلب الصنوبري و منه يتوزع على الأعضاء العالية و السافلة من البدن فما يصعد إلى معدن الدماغ على أيدي خوادم الشرايين معتدلا بتبريده فائضا إلى الأعضاء المدركة المتحركة منبثا في جميع البدن يسمى روحا نفسانيا و ما يسفل منه إلى الكبد بأيدي سفراء الأوردة الذي هو مبدأ
____________
(1) المناقب: ج 4،(ص)353.
(2) العضو خ.
252
القوى النباتية منبثا في أعراق البدن يسمى روحا طبيعيا انتهى.
قوله دليله أنك تنظر فيه كأن الغرض التنبيه على أن هذا العضو بنفسه ليس شاعرا لشيء لأنه مثل سائر الأجسام الصقيلة التي يرى فيها الوجه كالماء و المرآة فكما أنها ليست مدركة لما ينطبع فيها فكذا العين و غيرها من المشاعر أو دفع (1) لتوهم كون الانطباع دليلا على كونها شاعرة فيكون سندا للمنع.
قوله دارتها أي جرمها المستدير في القاموس الدار المحل يجمع البناء و العرصة كالدارة و بالهاء ما أحاط بالشيء كالدائرة و من الرمل ما استدار منه و هالة القمر و في المصباح الدارة دارة القمر و غيره سميت بذلك لاستدارتها انتهى و الرأس مذكر و تأنيث الفعل كأنه لاشتماله على الأعضاء الكثيرة إن لم يكن من تصحيف النساخ.
5- التَّوْحِيدُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ الدَّيَصَانِيَّ أَتَى هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ فَقَالَ لَهُ أَ لَكَ رَبٌّ فَقَالَ بَلَى قَالَ قَادِرٌ قَالَ بَلَى (2) قَادِرٌ قَاهِرٌ قَالَ يَقْدِرُ أَنْ يُدْخِلَ الدُّنْيَا كُلَّهَا فِي الْبَيْضَةِ لَا تَكْبُرُ (3) الْبَيْضَةُ وَ لَا تَصْغُرُ الدُّنْيَا فَقَالَ هِشَامٌ النَّظِرَةَ فَقَالَ لَهُ قَدْ أَنْظَرْتُكَ حَوْلًا ثُمَّ خَرَجَ عَنْهُ فَرَكِبَ هِشَامٌ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُ فَقَالَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَتَانِي عَبْدُ اللَّهِ الدَّيَصَانِيُّ بِمَسْأَلَةٍ لَيْسَ الْمُعَوَّلُ فِيهَا إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَ عَلَيْكَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَمَّا ذَا سَأَلَكَ فَقَالَ قَالَ لِي كَيْتَ وَ كَيْتَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَا هِشَامُ كَمْ حَوَاسُّكَ قَالَ خَمْسٌ فَقَالَ أَيُّهَا أَصْغَرُ فَقَالَ النَّاظِرُ قَالَ وَ كَمْ قَدْرُ النَّاظِرِ قَالَ مِثْلُ الْعَدَسَةِ أَوْ أَقَلُّ مِنْهَا فَقَالَ يَا هِشَامُ فَانْظُرْ أَمَامَكَ وَ فَوْقَكَ وَ أَخْبِرْنِي بِمَا تَرَى فَقَالَ أَرَى سَمَاءً وَ أَرْضاً وَ دُوراً وَ قُصُوراً وَ تُرَاباً وَ جِبَالًا وَ أَنْهَاراً فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ الَّذِي قَدَرَ أَنْ يُدْخِلَ
____________
(1) رفع خ.
(2) في المصدر: نعم.
(3) في المصدر «لا يكبر في البيضة» و الصواب ما في المتن.
253
الَّذِي تَرَاهُ الْعَدَسَةَ (1) أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا قَادِرٌ أَنْ يُدْخِلَ الدُّنْيَا كُلَّهَا الْبَيْضَةَ وَ لَا تَصْغُرُ الدُّنْيَا وَ لَا تَكْبُرُ الْبَيْضَةُ فَانْكَبَّ هِشَامٌ عَلَيْهِ وَ قَبَّلَ يَدَيْهِ وَ رَأْسَهُ وَ رِجْلَيْهِ وَ قَالَ حَسْبِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَانْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَ غَدَا عَلَيْهِ الدَّيَصَانِيُّ فَقَالَ لَهُ يَا هِشَامُ إِنِّي جِئْتُكَ مُسَلِّماً وَ لَمْ أَجِئْكَ مُتَقَاضِياً لِلْجَوَابِ فَقَالَ لَهُ هِشَامٌ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ مُتَقَاضِياً فَهَاكَ الْجَوَابَ (2) الْخَبَرَ.
تبيين أقول في حل هذا الخبر وجوه أوردتها في كتاب التوحيد و على التقادير يدل على أن الإبصار بالانطباع و على بعض الوجوه المتقدمة يحتمل أن يكون إقناعيا مبنيا على المقدمة المشهورة بين الجمهور أن الرؤية بدخول صور المرئيات في العضو البصري فلا ينافي كون الإبصار حقيقة بخروج الشعاع.
6- الْإِخْتِصَاصُ، قَالَ الْعَالِمُ(ع)خَلَقَ اللَّهُ عَالَمَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ فَعَالَمٌ عِلْوِيٌّ وَ عَالَمٌ سِفْلِيٌّ وَ رَكَّبَ الْعَالَمَيْنِ جَمِيعاً فِي ابْنِ آدَمَ وَ خَلَقَهُ كريا (3) [كُرَوِيّاً مُدَوَّراً فَخَلَقَ اللَّهُ رَأْسَ ابْنِ آدَمَ كَقُبَّةِ الْفَلَكِ وَ شَعْرَهُ كَعَدَدِ النُّجُومِ وَ عَيْنَيْهِ كَالشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ مَنْخِرَيْهِ كَالشِّمَالِ وَ الْجَنُوبِ وَ أُذُنَيْهِ كَالْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ جَعَلَ لَمْحَهُ كَالْبَرْقِ وَ كَلَامَهُ كَالرَّعْدِ وَ مَشْيَهُ كَسَيْرِ الْكَوَاكِبِ وَ قُعُودَهُ كَشَرَفِهَا وَ غَفْوَهُ كَهُبُوطِهَا وَ مَوْتَهُ كَاحْتِرَاقِهَا وَ خَلَقَ فِي ظَهْرِهِ أَرْبَعاً وَ عِشْرِينَ فِقْرَةً كَعَدَدِ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ خَلَقَ لَهُ ثَلَاثِينَ مِعًى كَعَدَدِ الْهِلَالِ ثَلَاثِينَ يَوْماً وَ خَلَقَ لَهُ اثْنَيْ عَشَرَ وِصْلًا (4) كَعَدَدِ السَّنَةِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْراً وَ خَلَقَ لَهُ ثَلَاثَمِائَةٍ وَ سِتِّينَ عِرْقاً كَعَدَدِ السَّنَةِ ثَلَاثِمِائَةٍ وَ سِتِّينَ يَوْماً وَ خَلَقَ لَهُ سَبْعَمِائَةِ عَصَبَةٍ وَ اثْنَيْ عَشَرَ عُضْواً وَ هُوَ مِقْدَارُ مَا يُقِيمُ الْجَنِينَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَ عَجَّنَهُ مِنْ مِيَاهٍ أَرْبَعَةٍ فَخَلَقَ الْمَالِحَ فِي عَيْنَيْهِ فَهُمَا لَا يَذُوبَانِ فِي الْحَرِّ وَ لَا يَجْمُدَانِ فِي الْبَرْدِ وَ خَلَقَ الْمُرَّ فِي أُذُنَيْهِ لِكَيْ لَا تَقْرَبَهُمَا الْهَوَامُّ وَ خَلَقَ الْمَنِيَّ فِي ظَهْرِهِ لِكَيْلَا يَعْتَرِيَهُ الْفَسَادُ وَ خَلَقَ
____________
(1) فيه: العدس.
(2) التوحيد: 75.
(3) في المصدر: كرويا.
(4) من هنا الى «و اثنى عشر» غير موجود في المصدر.
254
الْعَذْبَ فِي لِسَانِهِ (1) لِيَجِدَ طَعْمَ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ وَ خَلَقَهُ بِنَفْسٍ وَ جَسَدٍ وَ رُوحٍ فَرُوحُهُ الَّتِي لَا تُفَارِقُهُ إِلَّا بِفِرَاقِ الدُّنْيَا وَ نَفْسُهُ الَّتِي تُرِيهِ (2) الْأَحْلَامَ وَ الْمَنَامَاتِ وَ جِسْمُهُ هُوَ الَّذِي يَبْلَى وَ يَرْجِعُ إِلَى التُّرَابِ (3).
بيان و غفوه أي نومه و في بعض النسخ فقره و كأنه تصحيف و هو مقدار ما يقيم أي الاثنا عشر فإن أكثر الحمل اثنا عشر شهرا على الأشهر و كأن الروح هو الحيواني و النفس هي الناطقة.
7- تُحَفُ الْعُقُولِ، سَأَلَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ عَنْ قَوْلِ عَلِيٍّ(ع)إِنَّ الْخُنْثَى يُوَرَّثُ مِنَ الْمَبَالِ وَ قَالَ فَمَنْ يَنْظُرُ إِذَا بَالَ إِلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ عَسَى أَنْ تَكُونَ امْرَأَةً وَ قَدْ نَظَرَ إِلَيْهَا الرِّجَالُ أَوْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَجُلًا وَ قَدْ نَظَرَتْ إِلَيْهِ النِّسَاءُ وَ هَذَا مَا لَا يَحِلُّ فَأَجَابَ أَبُو الْحَسَنِ الثَّالِثُ(ع)إِنَّ قَوْلَ عَلِيٍّ(ع)حَقٌّ وَ يَنْظُرُ قَوْمٌ عُدُولٌ يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِرْآةً وَ تَقُومُ الْخُنْثَى خَلْفَهُمْ عُرْيَانَةً فَيَنْظُرُونَ فِي الْمَرَايَا فَيَرَوْنَ الشَّبَحَ فَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِ (4).
بيان ظاهره أن الرؤية بالانطباع لا بخروج الشعاع لقوله(ع)فيرون الشبح و لأنه إذا كان بخروج الشعاع فلا ينفع النظر في المرآة لأن المرئي حينئذ هو الفرج أيضا و يمكن الجواب بوجهين.
الأول أن مبنى الأحكام الشرعية الحقائق العرفية و اللغوية لا الدقائق الحكمية و من رأى امرأة في الماء لا يقال لغة و لا عرفا أنه رآها و إنما يقال رأى صورتها و شبحها و النصوص الدالة على تحريم النظر إلى العورة إنما تدل على تحريم الرؤية المتعارفة و شمولها لهذا النوع من الرؤية غير معلوم فيمكن أن يكون كلامه(ع)مبنيا على ذلك لا على كون الرؤية بالانطباع و يكون قوله فيرون الشبح
____________
(1) في المصدر: فشهد آدم أن لا إله إلّا اللّه فخلقه بنفس- الخ-.
(2) فيه: يرى بها الاحلام.
(3) الاختصاص: 142- 143.
(4) تحف العقول: السؤال في(ص)477، و الجواب في(ص)480.
255
مبنيا على ما يحكم به أهل العرف و ذكره لبيان أن مثل تلك الرؤية لا تسمى رؤية حقيقية (1) لا عرفا و لا لغة.
و الثاني أنه يحتمل أن يكون الحكم مبنيا على الضرورة و يجوز في حال الضرورة ما لا يجوز في غيرها فيجوز النظر إلى العورة كنظر الطبيب و القابلة و أمثالهما و لما كان هذا النوع من الرؤية أخف شناعة و أقل مفسدة اختاره(ع)لدفع الضرورة هناك بها فلا يدل على الجواز عند فقد الضرورة و على الانطباع و الأول أظهر و مع ذلك لا يمكن دفع كون ظاهر الخبر الانطباع و سنتكلم في أصل الحكم في موضعه إن شاء الله تعالى.
8- تَوْحِيدُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ الصَّادِقُ(ع)فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي الْأَفْعَالِ الَّتِي جُعِلَتْ فِي الْإِنْسَانِ مِنَ الطَّعْمِ وَ النَّوْمِ وَ الْجِمَاعِ وَ مَا دُبِّرَ فِيهَا فَإِنَّهُ جُعِلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي الطِّبَاعِ نَفْسِهِ مُحَرِّكٌ يَقْتَضِيهِ وَ يَسْتَحِثُّ بِهِ فَالْجُوعُ يَقْتَضِي الطَّعْمَ الَّذِي بِهِ حَيَاةُ الْبَدَنِ وَ قِوَامُهُ وَ الْكَرَى (2) يَقْتَضِي النَّوْمَ الَّذِي فِيهِ رَاحَةُ الْبَدَنِ وَ إِجْمَامُ قُوَاهُ وَ الشَّبَقُ يَقْتَضِي الْجِمَاعَ الَّذِي فِيهِ دَوَامُ النَّسْلِ وَ بَقَاؤُهُ وَ لَوْ كَانَ الْإِنْسَانُ إِنَّمَا يَصِيرُ إِلَى أَكْلِ الطَّعَامِ لِمَعْرِفَتِهِ بِحَاجَةِ بَدَنِهِ إِلَيْهِ وَ لَمْ يَجِدْ مِنْ طِبَاعِهِ شَيْئاً يَضْطَرُّهُ إِلَى ذَلِكَ كَانَ خَلِيقاً أَنْ يَتَوَانَى عَنْهُ أَحْيَاناً بِالتَّثَقُّلِ وَ الْكَسَلِ حَتَّى يَنْحَلَّ بَدَنُهُ فَيَهْلِكَ كَمَا يَحْتَاجُ الْوَاحِدُ إِلَى الدَّوَاءِ لِشَيْءٍ مِمَّا يَصْلُحُ بِهِ بَدَنُهُ فَيُدَافِعُ بِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ ذَلِكَ إِلَى الْمَرَضِ وَ الْمَوْتِ وَ كَذَلِكَ لَوْ كَانَ إِنَّمَا يَصِيرُ إِلَى النَّوْمِ بِالتَّفَكُّرِ فِي حَاجَتِهِ إِلَى رَاحَةِ الْبَدَنِ وَ إِجْمَامِ قُوَاهُ كَانَ عَسَى أَنْ يَتَثَاقَلَ عَنْ ذَلِكَ فَيَدْفَعَهُ حَتَّى يُنْهَكَ بَدَنُهُ وَ لَوْ كَانَ إِنَّمَا يَتَحَرَّكُ لِلْجِمَاعِ بِالرَّغْبَةِ فِي الْوَلَدِ كَانَ غَيْرَ بَعِيدٍ أَنْ يَفْتُرَ عَنْهُ حَتَّى يَقِلَّ النَّسْلُ أَوْ يَنْقَطِعَ فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَرْغَبُ فِي الْوَلَدِ وَ لَا يَحْفِلُ (3) بِهِ فَانْظُرْ كَيْفَ جُعِلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ الَّتِي بِهَا قِوَامُ الْإِنْسَانِ وَ صَلَاحُهُ مُحَرِّكٌ مِنْ نَفْسِ الطَّبْعِ يُحَرِّكُهُ كَذَلِكَ وَ يَحْدُوهُ عَلَيْهِ
____________
(1) حقيقة (خ).
(2) الكرى- بفتحتين-: النعاس.
(3) أي لا يبالى و لا يهتم به. و في نسخة «لا يحتمل به» و في أخرى «و لا بمجفل به».
256
وَ اعْلَمْ أَنَّ فِي الْإِنْسَانِ قُوًى أَرْبَعاً قُوَّةً جَاذِبَةً تَقْبَلُ الْغِذَاءَ وَ تُورِدُهُ عَلَى الْمَعِدَةِ وَ قُوَّةً مُمْسِكَةً تَحْبِسُ الطَّعَامَ حَتَّى تَفْعَلَ فِيهِ الطَّبِيعَةُ فِعْلَهَا وَ قُوَّةً هَاضِمَةً وَ هِيَ الَّتِي تَطْبُخُهُ وَ تَسْتَخْرِجُ صَفْوَهُ وَ تَبُثُّهُ فِي الْبَدَنِ وَ قُوَّةً دَافِعَةً تَدْفَعُهُ وَ تَحْدُرُ الثُّفْلَ الْفَاضِلَ بَعْدَ أَخْذِ الْهَاضِمَةِ حَاجَتَهَا فَفَكِّرْ فِي تَقْدِيرِ هَذِهِ الْقُوَى الْأَرْبَعِ الَّتِي فِي الْبَدَنِ وَ أَفْعَالِهَا وَ تَقْدِيرِهَا لِلْحَاجَةِ إِلَيْهَا وَ الْإِرْبِ فِيهَا وَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّدْبِيرِ وَ الْحِكْمَةِ وَ لَوْ لَا الْجَاذِبَةُ كَيْفَ يَتَحَرَّكُ الْإِنْسَانُ لِطَلَبِ الْغِذَاءِ الَّتِي بِهَا قِوَامُ الْبَدَنِ وَ لَوْ لَا الْمَاسِكَةُ كَيْفَ كَانَ يَلْبَثُ الطَّعَامُ فِي الْجَوْفِ حَتَّى تَهْضِمَهُ الْمَعِدَةُ وَ لَوْ لَا الْهَاضِمَةُ كَيْفَ كَانَ يَنْطَبِخُ مِنْهُ حَتَّى يَخْلُصَ مِنْهُ الصَّفْوُ الَّذِي يَغْذُو الْبَدَنَ وَ يَسُدُّ خُلَلَهُ وَ لَوْ لَا الدَّافِعَةُ كَيْفَ كَانَ الثُّفْلُ الَّذِي تُخَلِّفُهُ الْهَاضِمَةُ يَنْدَفِعُ وَ يَخْرُجُ أَوَّلًا فَأَوَّلًا أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ وَكَّلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِلَطِيفِ صُنْعِهِ وَ حُسْنِ تَقْدِيرِهِ هَذِهِ الْقُوَى بِالْبَدَنِ وَ الْقِيَامِ بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُ وَ سَأُمَثِّلُ فِي ذَلِكَ مِثَالًا إِنَّ الْبَدَنَ بِمَنْزِلَةِ دَارِ الْمَلِكِ وَ لَهُ فِيهَا حَشَمٌ وَ صِبْيَةٌ (1) وَ قُوَّامٌ مُوَكَّلُونَ بِالدَّارِ فَوَاحِدٌ لِإِفْضَاءِ (2) حَوَائِجِ الْحَشَمِ وَ إِيرَادِهَا عَلَيْهِمْ وَ آخَرُ لِقَبْضِ مَا يَرِدُ وَ خَزْنِهِ إِلَى أَنْ يُعَالَجَ وَ يُهَيَّأَ وَ آخَرُ لِعِلَاجِ ذَلِكَ وَ تَهْيِئَتِهِ وَ تَفْرِيقِهِ وَ آخَرُ لِتَنْظِيفِ مَا فِي الدَّارِ مِنَ الْأَقْذَارِ وَ إِخْرَاجِهِ مِنْهَا فَالْمَلِكُ هُوَ الْخَلَّاقُ الْحَكِيمُ مَلِكُ الْعَالَمِينَ وَ الدَّارُ هِيَ الْبَدَنُ وَ الْحَشَمُ هِيَ الْأَعْضَاءُ وَ الْقُوَّامُ هِيَ هَذِهِ الْقُوَى الْأَرْبَعُ وَ لَعَلَّكَ تَرَى ذِكْرَنَا هَذِهِ الْقُوَى الْأَرْبَعَ وَ أَفْعَالَهَا بَعْدَ الَّذِي وَصَفْتُ فَضْلًا وَ تَزْدَاداً وَ لَيْسَ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ هَذِهِ الْقُوَى عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي كُتُبِ الْأَطِبَّاءِ وَ لَا قَوْلُنَا فِيهِ كَقَوْلِهِمْ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوهَا عَلَى مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي صِنَاعَةِ الطِّبِّ وَ تَصْحِيحِ الْأَبْدَانِ وَ ذَكَرْنَاهَا عَلَى مَا يُحْتَاجُ فِي صَلَاحِ الدِّينِ وَ شِفَاءِ النُّفُوسِ مِنَ الْغَيِّ كَالَّذِي أَوْضَحْتُهُ بِالْوَصْفِ الثَّانِي وَ الْمَثَلِ الْمَضْرُوبِ مِنَ التَّدْبِيرِ وَ الْحِكْمَةِ فِيهَا تَأَمَّلْ يَا مُفَضَّلُ هَذِهِ الْقُوَى الَّتِي فِي النَّفْسِ وَ مَوْقِعَهَا مِنَ الْإِنْسَانِ أَعْنِي الْفِكْرَ وَ الْوَهْمَ وَ الْعَقْلَ وَ الْحِفْظَ وَ غَيْرَ ذَلِكَ أَ فَرَأَيْتَ لَوْ نُقِصَ الْإِنْسَانُ مِنْ هَذِهِ الْخِلَالِ الْحِفْظَ وَحْدَهُ
____________
(1) الصبية- بالتثليث: جمع الصبى.
(2) في بعض النسخ «لا قضاء» و هو تصحيف.
257
كَيْفَ كَانَتْ تَكُونُ حَالُهُ وَ كَمْ مِنْ خَلَلٍ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ فِي أُمُورِهِ وَ مَعَاشِهِ وَ تَجَارُبِهِ إِذَا لَمْ يَحْفَظْ مَا لَهُ وَ عَلَيْهِ وَ مَا أَخَذَهُ وَ مَا أَعْطَى وَ مَا رَأَى وَ مَا سَمِعَ وَ مَا قَالَ وَ مَا قِيلَ لَهُ وَ لَمْ يَذْكُرْ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ مِمَّنْ أَسَاءَهُ وَ مَا نَفَعَهُ مِمَّا ضَرَّهُ ثُمَّ كَانَ لَا يَهْتَدِي لِطَرِيقٍ لَوْ سَلَكَهُ مَا لَا يُحْصَى وَ لَا يَحْفَظُ عِلْماً وَ لَوْ دَرَسَهُ عُمُرَهُ وَ لَا يَعْتَقِدُ دِيناً وَ لَا يَنْتَفِعُ بِتَجْرِبَةٍ وَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْتَبِرَ شَيْئاً عَلَى مَا مَضَى بَلْ كَانَ حَقِيقاً أَنْ يَنْسَلِخَ مِنَ الْإِنْسَانِيَّةِ أَصْلًا فَانْظُرْ إِلَى النِّعْمَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الْخِلَالِ أَوْ كَيْفَ مَوْقِعُ الْوَاحِدَةِ مِنْهَا دُونَ الْجَمِيعِ وَ أَعْظَمُ مِنَ النِّعْمَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي الْحِفْظِ النِّعْمَةُ فِي النِّسْيَانِ فَإِنَّهُ لَوْ لَا النِّسْيَانُ لَمَا سَلَا أَحَدٌ عَنْ مُصِيبَةٍ وَ لَا انْقَضَتْ لَهُ حَسْرَةٌ وَ لَا مَاتَ لَهُ حِقْدٌ وَ لَا اسْتَمْتَعَ بِشَيْءٍ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا مَعَ تَذَكُّرِ الْآفَاتِ وَ لَا رَجَاءُ غَفْلَةٍ مِنْ سُلْطَانٍ وَ لَا فَتْرَةٌ مِنْ حَاسِدٍ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ جُعِلَ فِي الْإِنْسَانِ الْحِفْظُ وَ النِّسْيَانُ وَ هُمَا مُخْتَلِفَانِ مُتَضَادَّانِ جُعِلَ لَهُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا ضَرْبٌ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَ مَا عَسَى أَنْ يَقُولَ الَّذِينَ قَسَّمُوا الْأَشْيَاءَ بَيْنَ خَالِقَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمُتَضَادَّةِ الْمُتَبَايِنَةِ وَ قَدْ تَرَاهَا تَجْمَعُ عَلَى مَا فِيهِ الصَّلَاحُ وَ الْمَنْفَعَةُ انْظُرْ يَا مُفَضَّلُ إِلَى مَا خُصَّ بِهِ الْإِنْسَانُ دُونَ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ مِنْ هَذَا الْخَلْقِ الْجَلِيلِ قَدْرُهُ الْعَظِيمِ غَنَاؤُهُ أَعْنِي الْحَيَاءَ فَلَوْلَاهُ لَمْ يُقْرَ ضَيْفٌ وَ لَمْ يُوفَ بِالْعِدَاتِ وَ لَمْ تُقْضَ الْحَوَائِجُ وَ لَمْ يُتَحَرَّ الْجَمِيلُ وَ لَمْ يُتَنَكَّبِ الْقَبِيحُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ حَتَّى إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأُمُورِ الْمُفْتَرَضَةِ أَيْضاً إِنَّمَا يُفْعَلُ لِلْحَيَاءِ فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ [مَنْ لَوْ لَا الْحَيَاءُ لَمْ يَرْعَ حَقَّ وَالِدَيْهِ وَ لَمْ يَصِلْ ذَا رَحِمٍ وَ لَمْ يُؤَدِّ أَمَانَةً وَ لَمْ يَعِفَّ عَنْ فَاحِشَةٍ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ وُفِّيَ الْإِنْسَانُ جَمِيعَ الْخِلَالِ الَّتِي فِيهَا صَلَاحُهُ وَ تَمَامُ أَمْرِهِ تَأَمَّلْ يَا مُفَضَّلُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ بِهِ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ هَذَا النُّطْقِ الَّذِي يُعَبِّرُ بِهِ عَمَّا فِي ضَمِيرِهِ وَ مَا يَخْطُرُ بِقَلْبِهِ وَ يُنْتِجُهُ فِكْرُهُ وَ بِهِ يَفْهَمُ مِنْ غَيْرِهِ مَا فِي نَفْسِهِ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْبَهَائِمِ الْمُهْمَلَةِ الَّتِي لَا تُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهَا بِشَيْءٍ وَ لَا تَفْهَمُ عَنْ مُخْبِرٍ شَيْئاً وَ كَذَلِكَ الْكِتَابَةُ الَّتِي بِهَا تُقَيَّدُ أَخْبَارُ الْمَاضِينَ لِلْبَاقِينَ وَ أَخْبَارُ الْبَاقِينَ لِلْآتِينَ وَ بِهَا تُخَلَّدُ الْكُتُبُ فِي الْعُلُومِ وَ الْآدَابِ وَ غَيْرِهَا وَ بِهَا يَحْفَظُ الْإِنْسَانُ ذِكْرَ مَا يَجْرِي بَيْنَهُ وَ بَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الْمُعَامَلَاتِ وَ الْحِسَابِ وَ لَوْلَاهُ لَانْقَطَعَ أَخْبَارُ بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ
258
عَنْ بَعْضٍ وَ أَخْبَارُ الْغَائِبِينَ عَنْ أَوْطَانِهِمْ وَ دَرَسَتِ الْعُلُومُ وَ ضَاعَتِ الْآدَابُ وَ عَظُمَ مَا يَدْخُلُ عَلَى النَّاسِ مِنَ الْخَلَلِ فِي أُمُورِهِمْ وَ مُعَامَلَاتِهِمْ وَ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَى النَّظَرِ فِيهِ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ وَ مَا رُوِيَ لَهُمْ مِمَّا لَا يَسَعُهُمْ جَهْلُهُ وَ لَعَلَّكَ تَظُنُّ أَنَّهَا مِمَّا يُخْلَصُ إِلَيْهِ بِالْحِيلَةِ وَ الْفِطْنَةِ وَ لَيْسَتْ مِمَّا أُعْطِيَهُ الْإِنْسَانُ مِنْ خَلْقِهِ وَ طِبَاعِهِ وَ كَذَلِكَ الْكَلَامُ إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَصْطَلِحُ عَلَيْهِ النَّاسُ فَيَجْرِي بَيْنَهُمْ وَ لِهَذَا صَارَ يَخْتَلِفُ فِي الْأُمَمِ الْمُخْتَلِفَةِ بِأَلْسُنٍ مُخْتَلِفَةٍ وَ كَذَلِكَ الْكِتَابَةُ كَكِتَابَةِ الْعَرَبِيِّ وَ السُّرْيَانِيِّ وَ الْعِبْرَانِيِّ وَ الرُّومِيِّ وَ غَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الْكِتَابَةِ الَّتِي هِيَ مُتَفَرِّقَةٌ فِي الْأُمَمِ إِنَّمَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا كَمَا اصْطَلَحُوا عَلَى الْكَلَامِ فَيُقَالُ لِمَنِ ادَّعَى ذَلِكَ إِنَّ الْإِنْسَانَ وَ إِنْ كَانَ لَهُ فِي الْأَمْرَيْنِ جَمِيعاً فِعْلٌ أَوْ حِيلَةٌ فَإِنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَبْلُغُ بِهِ ذَلِكَ الْفِعْلَ وَ الْحِيلَةَ عَطِيَّةٌ وَ هِبَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ فِي خَلْقِهِ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ لِسَانٌ مُهَيَّأٌ لِلْكَلَامِ وَ ذِهْنٌ يَهْتَدِي بِهِ لِلْأُمُورِ لَمْ يَكُنْ لِيَتَكَلَّمَ أَبَداً وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَفٌّ مُهَيَّأَةٌ وَ أَصَابِعُ لِلْكِتَابَةِ لَمْ يَكُنْ لِيَكْتُبَ أَبَداً وَ اعْتَبِرْ ذَلِكَ مِنَ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَا كَلَامَ لَهَا وَ لَا كِتَابَةَ فَأَصْلُ ذَلِكَ فِطْرَةُ الْبَارِئِ جَلَّ وَ عَزَّ وَ مَا تَفَضَّلَ بِهِ عَلَى خَلْقِهِ فَمَنْ شَكَرَ أُثِيبَ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي مَا أُعْطِيَ الْإِنْسَانُ عِلْمَهُ وَ مَا مُنِعَ فَإِنَّهُ أُعْطِيَ عِلْمَ جَمِيعِ مَا فِيهِ صَلَاحُ دِينِهِ وَ دُنْيَاهُ فَمِمَّا فِيهِ صَلَاحُ دِينِهِ مَعْرِفَةُ الْخَالِقِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بِالدَّلَائِلِ وَ الشَّوَاهِدِ الْقَائِمَةِ فِي الْخَلْقِ وَ مَعْرِفَةُ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ مِنَ الْعَدْلِ عَلَى النَّاسِ كَافَّةً وَ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَ مُوَاسَاةِ أَهْلِ الْخُلَّةِ وَ أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ تُوجِبُ مَعْرِفَتَهُ وَ الْإِقْرَارُ وَ الِاعْتِرَافُ بِهِ فِي الطَّبْعِ وَ الْفِطْرَةِ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ مُوَافِقَةٍ أَوْ مُخَالِفَةٍ وَ كَذَلِكَ أُعْطِيَ عِلْمَ مَا فِيهِ صَلَاحُ دُنْيَاهُ كَالزِّرَاعَةِ وَ الْغِرَاسِ وَ اسْتِخْرَاجِ الْأَرَضِينَ وَ اقْتِنَاءِ الْأَغْنَامِ وَ الْأَنْعَامِ وَ اسْتِنْبَاطِ الْمِيَاهِ وَ مَعْرِفَةِ الْعَقَاقِيرِ الَّتِي يُسْتَشْفَى بِهَا مِنْ ضُرُوبِ الْأَسْقَامِ وَ الْمَعَادِنِ الَّتِي يُسْتَخْرَجُ مِنْهَا أَنْوَاعُ الْجَوَاهِرِ وَ رُكُوبِ السُّفُنِ وَ الْغَوْصِ فِي الْبَحْرِ وَ ضُرُوبِ الْحِيَلِ فِي صَيْدِ الْوَحْشِ وَ الطَّيْرِ وَ الْحِيتَانِ وَ التَّصَرُّفِ فِي الصِّنَاعَاتِ وَ وُجُوهِ الْمَتَاجِرِ وَ الْمَكَاسِبِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ شَرْحُهُ وَ يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ مِمَّا فِيهِ صَلَاحُ أَمْرِهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَأُعْطِيَ عِلْمَ مَا يَصْلُحُ بِهِ دِينُهُ وَ دُنْيَاهُ وَ مُنِعَ مَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ
259
شَأْنُهُ وَ لَا طَاقَتُهُ أَنْ يَعْلَمَ كَعِلْمِ الْغَيْبِ وَ مَا هُوَ كَائِنٌ وَ بَعْضِ مَا قَدْ كَانَ أَيْضاً كَعِلْمِ مَا فَوْقَ السَّمَاءِ وَ مَا تَحْتَ الْأَرْضِ وَ مَا فِي لُجَجِ الْبِحَارِ وَ أَقْطَارِ الْعَالَمِ وَ مَا فِي قُلُوبِ النَّاسِ وَ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَ أَشْبَاهِ هَذَا مِمَّا حُجِبَ عَلَى النَّاسِ عِلْمُهُ وَ قَدِ ادَّعَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ هَذِهِ الْأُمُورَ فَأَبْطَلَ دَعْوَاهُمْ مَا يَبِينُ مِنْ خَطَئِهُمْ فِي مَا يَقْضُونَ عَلَيْهِ وَ يَحْكُمُونَ بِهِ فِي مَا ادَّعَوْا عِلْمَهُ فَانْظُرْ كَيْفَ أُعْطِيَ الْإِنْسَانُ عِلْمَ جَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِدِينِهِ وَ دُنْيَاهُ وَ حُجِبَ عَنْهُ مَا سِوَى ذَلِكَ لِيَعْرِفَ قَدْرَهُ وَ نَقْصَهُ وَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ فِيهَا صَلَاحُهُ تَأَمَّلِ الْآنَ يَا مُفَضَّلُ مَا سُتِرَ عَنِ الْإِنْسَانِ عِلْمُهُ مِنْ مُدَّةِ حَيَاتِهِ فَإِنَّهُ لَوْ عَرَفَ مِقْدَارَ عُمُرِهِ وَ كَانَ قَصِيرَ الْعُمُرِ لَمْ يَتَهَنَّأْ بِالْعَيْشِ مَعَ تَرَقُّبِ الْمَوْتِ وَ تَوَقُّعِهِ لِوَقْتٍ قَدْ عَرَفَهُ بَلْ كَانَ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَدْ فَنِيَ مَالُهُ أَوْ قَارَبَ الْفَنَاءَ فَقَدِ اسْتَشْعَرَ الْفَقْرَ وَ الْوَجَلَ مِنْ فَنَاءِ مَالِهِ وَ خَوْفِ الْفَقْرِ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَدْخُلُ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ فَنَاءِ الْعُمُرِ أَعْظَمُ مِمَّا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ فَنَاءِ الْمَالِ لِأَنَّ مَنْ يَقِلُّ مَالُهُ يَأْمُلُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مِنْهُ فَيَسْكُنُ إِلَى ذَلِكَ وَ مَنْ أَيْقَنَ بِفَنَاءِ الْعُمُرِ اسْتَحْكَمَ عَلَيْهِ الْيَأْسُ وَ إِنْ كَانَ طَوِيلَ الْعُمُرِ ثُمَّ عَرَفَ ذَلِكَ وَثِقَ بِالْبَقَاءِ وَ انْهَمَكَ فِي اللَّذَّاتِ وَ الْمَعَاصِي وَ عَمِلَ عَلَى أَنَّهُ يَبْلُغُ مِنْ ذَلِكَ شَهْوَتَهُ ثُمَّ يَتُوبُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَ هَذَا مَذْهَبٌ لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ وَ لَا يَقْبَلُهُ أَ لَا تَرَى لَوْ أَنَّ عَبْداً لَكَ عَمِلَ عَلَى أَنَّهُ يُسْخِطُكَ سَنَةً وَ يُرْضِيكَ يَوْماً أَوْ شَهْراً لَمْ تَقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ وَ لَمْ يَحُلَّ عِنْدَكَ مَحَلَّ الْعَبْدِ الصَّالِحِ دُونَ أَنْ يُضْمِرَ طَاعَتَكَ وَ نُصْحَكَ فِي كُلِّ الْأُمُورِ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ عَلَى تَصَرُّفِ الْحَالاتِ فَإِنْ قُلْتَ أَ وَ لَيْسَ قَدْ يُقِيمُ الْإِنْسَانُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ حِيناً ثُمَّ يَتُوبُ فَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ يَكُونُ مِنَ الْإِنْسَانِ لِغَلَبَةِ الشَّهَوَاتِ لَهُ لو [وَ تَرْكِهِ مُخَالَفَتَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَدِّرَهَا فِي نَفْسِهِ وَ يَبْنِيَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ فَيَصْفَحُ اللَّهُ عَنْهُ وَ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ فَأَمَّا مَنْ قَدَّرَ أَمْرَهُ عَلَى أَنْ يَعْصِيَ مَا بَدَا لَهُ ثُمَّ يَتُوبَ آخِرَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يُحَاوِلُ خَدِيعَةَ مَنْ لَا يُخَادَعُ بِأَنْ يَتَسَلَّفَ التَّلَذُّذَ فِي الْعَاجِلِ وَ يَعِدَ وَ يُمَنِّيَ نَفْسَهُ التَّوْبَةَ فِي الْآجِلِ وَ لِأَنَّهُ لَا يَفِي بِمَا يَعِدُ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ النُزُوعَ مِنَ التَّرَفُّهِ وَ التَّلَذُّذِ وَ مُعَانَاةَ التَّوْبَةِ وَ لَا سِيَّمَا عِنْدَ الْكِبَرِ وَ ضَعْفِ الْبَدَنِ أَمْرٌ صَعْبٌ وَ لَا يُؤْمَنُ عَلَى الْإِنْسَانِ مَعَ مُدَافَعَتِهِ بِالتَّوْبَةِ أَنْ
260
يُرْهِقَهُ الْمَوْتُ فَيَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا غَيْرَ تَائِبٍ كَمَا قَدْ يَكُونُ عَلَى الْوَاحِدِ دَيْنٌ إِلَى أَجَلٍ وَ قَدْ يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهِ فَلَا يَزَالُ يُدَافِعُ بِذَلِكَ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ وَ قَدْ نَفِدَ الْمَالُ فَيَبْقَى الدَّيْنُ قَائِماً عَلَيْهِ فَكَانَ خَيْرَ الْإِنْسَانِ أَنْ يُسْتَرَ عَنْهُ مَبْلَغُ عُمُرِهِ فَيَكُونَ طُولَ عُمُرِهِ يَتَرَقَّبُ الْمَوْتَ فَيَتْرُكَ الْمَعَاصِيَ وَ يُؤْثِرَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ فَإِنْ قُلْتَ وَ هَا هُوَ الْآنَ قَدْ سُتِرَ عَنْهُ مِقْدَارُ حَيَاتِهِ وَ صَارَ يَتَرَقَّبُ الْمَوْتَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ يُقَارِفُ الْفَوَاحِشَ وَ يَنْتَهِكُ الْمَحَارِمَ قُلْنَا إِنَّ وَجْهَ التَّدْبِيرِ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْإِنْسَانُ مَعَ ذَلِكَ لَا يَرْعَوِي وَ لَا يَنْصَرِفُ عَنِ الْمَسَاوِي فَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ مَرَحِهِ وَ مِنْ قَسَاوَةِ قَلْبِهِ لَا مِنْ خَطَإٍ فِي التَّدْبِيرِ كَمَا أَنَّ الطَّبِيبَ قَدْ يَصِفُ لِلْمَرِيضِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ فَإِنْ كَانَ الْمَرِيضُ مُخَالِفاً لِقَوْلِ الطَّبِيبِ لَا يَعْمَلُ بِمَا يَأْمُرُهُ وَ لَا يَنْتَهِي عَمَّا يَنْهَاهُ عَنْهُ لَمْ (1) يَنْتَفِعْ بِصِفَتِهِ وَ لَمْ يَكُنِ الْإِسَاءَةُ فِي ذَلِكَ الطَّبِيبِ بَلْ لِلْمَرِيضِ حَيْثُ لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ وَ لَئِنْ كَانَ الْإِنْسَانُ مَعَ تَرَقُّبِهِ لِلْمَوْتِ كُلَّ سَاعَةٍ لَا يَمْتَنِعُ عَنِ الْمَعَاصِي فَإِنَّهُ لَوْ وَثِقَ بِطُولِ الْبَقَاءِ كَانَ أَحْرَى بِأَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْكَبَائِرِ الْقَطْعِيَّةِ (2) فَتَرَقُّبُ الْمَوْتِ عَلَى كُلِّ حَالٍ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الثِّقَةِ بِالْبَقَاءِ ثُمَّ إِنَّ تَرَقُّبَ الْمَوْتِ وَ إِنْ كَانَ صِنْفٌ مِنَ النَّاسِ يَلْهَوْنَ عَنْهُ وَ لَا يَتَّعِظُونَ بِهِ فَقَدْ يَتَّعِظُ بِهِ صِنْفٌ آخَرُ مِنْهُمْ وَ يَنْزِعُونَ عَنِ الْمَعَاصِي وَ يُؤْثِرُونَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ وَ يَجُودُونَ بِالْأَمْوَالِ وَ الْعَقَائِلِ النَّفْسِيَّةِ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَ الْمَسَاكِينِ فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْعَدْلِ أَنْ يُحْرَمَ هَؤُلَاءِ الِانْتِفَاعَ بِهَذِهِ الْخَصْلَةِ لِتَضْيِيعِ أُولَئِكَ حَظَّهُمْ مِنْهَا.
تذنيب
و لنذكر بعض ما ذكره الحكماء في تحقيق القوى البدنية الإنسانية لتوقف فهم الآيات و الأخبار عليها في الجملة و اشتمالها على الحكم الربانية.
قالوا الحيوان جسم مركب مختص من بين المركبات بالنفس الحيوانية لكون مزاجه أقرب إلى الاعتدال جدا من النباتات و المعادن فبعد أن يستوفي درجة
____________
(1) في بعض النسخ: و لم ينتفع بصفته فلم يكن.
(2) الفظيعة (خ).
261
الجماد و النبات يقبل صورة أشرف من صورتهما و عرفوا النفس الحيوانية بأنها كمال أول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يدرك الجزئيات و يتحرك بالإرادة و لها قوتان مدركة و محركة أما المدركة فهي إما في الظاهر أو في الباطن أما التي في الظاهر فهي خمس بحكم الاستقراء و قيل لأن الطبيعة لا تنتقل من درجة الحيوانية إلى درجة فوقها إلا و قد استكملت جميع ما في تلك المرتبة فلو كان في الإمكان حس آخر لكان حاصلا للإنسان فلما لم يحصل علمنا أن الحواس منحصرة في الخمس.
فمنها السمع و هو قوة مودعة في العصب المفروش في مقعر الصماخ و يتوقف على وصول الهواء المنضغط بين القارع و المقروع و (1) القالع و المقلوع مع مقاومة المتكيف بكيفية الصوت المعلول لتموج ذلك الهواء إلى الصماخ و ليس مرادهم بوصوله ما هو المتبادر منه بل إن ذلك الهواء بتموجه يموج الهواء المجاور له و يكفيه بالصوت ثم يتموج المجاور لهذا المجاور و هكذا إلى أن يتموج الهواء الراكد في الصماخ و قيل لا ينحصر المتوسط في الهواء بل كل جسم سيال كالماء أيضا.
و منها البصر و هو قوة مودعة في ملتقى العصبتين المجوفتين النابتتين من غور البطنين المقدمين من الدماغ يتيامن النابت منهما يسارا و يتياسر النابت منهما يمينا فيلتقيان و يصير تجويفهما واحدا ثم ينعطف النابت منهما يمينا إلى الحدقة اليمنى و النابت منهما يسارا إلى الحدقة اليسرى و يسمى الملتقى بمجمع النور.
و الفلاسفة اختلفوا في كيفية الإبصار فالطبيعيون منهم ذهبوا إلى أنه بانطباع شبح المرئي في جزء من الرطوبة الجليدية التي هي بمنزلة البرد و الجمد في الصقالة المرآتية فإذا قابلها متلون مستنير انطبع مثل صورته فيها كما ينطبع صورة الإنسان في المرآة لا بأن ينفصل من المتلون شيء و يميل إلى العين بل بأن يحدث مثل صورته في عين الناظر و يكون استعداد حصوله بالمقابلة المخصوصة مع توسط الهواء المشف.
____________
(1) أو (خ).
262
و الرياضيون ذهبوا إلى أنه بخروج الشعاع من العين على هيئة مخروط رأسه عند العين و قاعدته عند المرئي ثم اختلفوا في أن ذلك المخروط مصمت أو مؤتلف من خطوط مجتمعة في الجانب الذي يلي الرأس متفرقة في الجانب الذي يلي القاعدة و قال بعضهم بأن الخارج من العين خط واحد مستقيم لكن يثبت طرفه الذي يلي العين و يضطرب طرفه الأخرى على المرئي فيتخيل منه هيئة مخروط.
و الإشراقيون قالوا لا شعاع و لا انطباع و إنما الإبصار مقابلة المستنير للعضو الباصر الذي فيه رطوبة صقيلة فإذا وجدت هذه الشروط مع زوال المانع يقع للنفس علم حضوري إشراقي على المبصر فتدركه النفس مشاهدة ظاهرة جلية لكن المشهور من آراء الفلاسفة الانطباع و الشعاع.
تمسك الأولون بوجوه أحدها و هو العمدة أن العين جسم صقيل نوراني و كل جسم كذلك إذا قابله كثيف ملون انطبع فيه شبحه كالمرآة أما الكبرى فظاهر و أما الصغرى فلما نشاهد من النور في الظلمة إذا حك المنتبه من النوم عينه و لأن الإنسان إذا نظر نحو أنفه قد يرى عليه دائرة مثل الضياء و إذا انتبه من النوم قد يبصر ما قرب منه ثم يفقده و ذلك لامتلاء العين من النور و إن غمضنا إحدى العينين اتسع مثقب العين الأخرى فيعلم أنه يملؤه جوهر نوري و لو لا انصباب أجسام نورانية من الدماغ إلى العين لكان تجويف العصبتين عديم الفائدة.
و ثانيها أن الإحساس بسائر الحواس ليس لأجل خروج شيء من المحسوس بل لأجل أن يأتيها صورة المحسوس فكذا حكم الإبصار.
و ثالثها أن كون رؤية الأشياء الكبيرة من البعيد صغيرة لضيق زاوية الرؤية لا يتأتى إلا مع القول بكون موضع الرؤية هو الزاوية كما هو رأي أصحاب الانطباع لا القاعدة على ما هو رأي القائلين بخروج الشعاع فإنها لا تتفاوت.
و رابعها أن من حدق النظر إلى الشمس ثم انصرف عنها يبقى في عينه صورتها زمانا و ذلك يوجب ما قلناه.
و خامسها أن الممرورين يرون صورا مخصوصة لا وجود لها في الخارج فإذن
263
حصولها في البصر.
و أجيب عن الأول بأنه بعد تمامه لا يفيد إلا انطباع الشبح و أما كون الإبصار به فلا و عن الثاني أنه تمثيل بلا جامع و عن الثالث بأن كون العلة ما ذكرتم غير مسلم كيف و أصحاب الشعاع يذكرون له وجها آخر و عن الرابع بأن الصورة غير باقية في الباصرة بل في الخيال و أين أحدهما من الآخر و عن الخامس أنه إنما يدل على إثبات الانطباع في هذا النحو من الرؤية التي هي من قبيل الرؤيا و مشاهدة الأمور الغائبة عن الأبصار بوقوع أشباحها في الخيال و لا يدل على أن الإبصار للموجودات في الخارج بالانطباع و قياس أحدهما على الآخر غير ملتفت إليه في العلوم.
و تمسك القائلون بالشعاع أيضا بوجوه أحدها أن من قل شعاع بصره كان إدراكه للقريب أصح من إدراكه للبعيد لتفرق الشعاع في (1) البعيد و من كثر شعاع بصره مع غلظه كان إدراكه للبعيد أصح لأن الحركة في المسافة البعيدة تفيد رقة و صفاء و لو كان الإبصار بالانطباع لما تفاوت الحال.
و ثانيها أن الأجهر يبصر بالليل دون النهار لأن شعاع بصره لقلته يتخلل نهارا شعاع الشمس فلا يبصر و يجتمع ليلا فيقوى على الإبصار و الأعمش بالعكس لأن شعاع بصره لغلظه لا يقوى على الإبصار إلا إذا أفادته الشمس رقة و صفاء.
و ثالثها أن الإنسان إذا نظر إلى ورقة و رآها كلها لم يظهر له إلا السطر الذي يحدق نحوه البصر و ما ذاك إلا بسبب أن مسقط سهم مخروط الشعاع أصح إدراكا.
و رابعها أن الإنسان يرى في الظلمة كأن نورا انفصل عن عينه و أشرق على أنفه و إذا غمض عينه على السراج يرى كأن خطوطا شعاعية اتصلت بين عينيه و السراج.
و الجواب عن الكل أنها لا تدل على المطلوب أعني كون الإبصار بخروج الشعاع بل على أن في العين نورا و نحن لا ننكر أن في آلات الإبصار أجساما شعاعية مضيئة تسمى بالروح الباصرة و إن أنكرها محمد بن زكريا زعما أن النور لا يوجد إلا في النار
____________
(1) للبعيد (خ).
264
و في الكواكب و أما الأجسام الكثيفة و ما في بواطنها فالأولى بها الظلمة و كيف يعقل داخل الدماغ مع تسترها بالحجب جسم نوراني أما ابن سينا فقد اعترف بذلك لأن جالينوس لما احتج ببعض الشبه التي مر ذكرها على خروج الشعاع من العين و أجاب عنه بأن ذلك يدل على وجود الشعاع في العين و لا نزاع فيه لكن قلتم إن ذلك الشعاع يخرج فحينئذ نقول آلة الإبصار جسم نوراني في الجليدية يرتسم منه بين العين و المرئي مخروط وهمي يتعلق إدراك النفس بذلك المرئي من جهة زاويته التي عند الجليدية و تشتد حركته عند رؤية البعيد فيتخلل لطيفها فيفتقر إلى تلطيف إذا غلظ و تكثيف إذا لطف و رق فوق ما ينبغي و يحدث منها في المقابل القابل أشعة و أضواء يكون قوتها في مسقط السهم مما يحاذي مركز العين الذي هو بمنزلة الزاوية للمخروط الوهمي و لشدة استنارته يكون ما يرى منه أظهر و إدراكه أقوى و أكمل و يشبه أن يكون هذا مراد القائلين بخروج الشعاع تجوزا منهم على ما صرح به الشيخ و إلا فهو باطل قطعا أما إذا أريد حقيقة الشعاع الذي هو من قبيل الأعراض فظاهر و إن أريد جسم شعاعي يتحرك من العين إلى المرئي فلأنا قاطعون بأنه يمتنع أن يخرج من العين جسم ينبسط في لحظة على نصف كرة العالم ثم إذا طبق الجفن عاد إليها أو انعدم ثم إذا فتح خرج مثله و هكذا و أن يتحرك الجسم الشعاعي من دون قاسر أو إرادة إلى جميع الجهات و أن ينفذ في الأفلاك و يخرقها ليرى الكواكب و أن لا يتشوش لهبوب الرياح و لا يتصل بغير المقابل كما في الأصوات حيث يميلها الرياح إلى الجهات و لأنه يلزم أن لا يرى القمر مثل الثوابت بل بزمان يناسب التفاوت بينهما و ليس كذلك بل يرى الأفلاك بما فيها من الكواكب دفعة ثم إن للقائلين بالشعاع مذهبا آخر و هو أن المشف الذي بين البصر و المرئي يتكيف بكيفية الشعاع الذي في البصر و يصير بذلك آلة للإبصار و يرد عليه المفاسد المتقدمة مع زيادة.
و قال صاحب المقاصد الحق أن الإبصار بمحض خلق الله تعالى عند فتح العين. ثم اعلم أنه يعرض في الرؤية أمور غريبة قد يستدل ببعضها على أحد المذهبين
265
منها اختلاف الأقدار بسبب تفاوت الأبعاد و السبب فيه على كلا المذهبين اختلاف زاوية مركز الجليدية انفراجا و حدة فإنه إذا قابل المبصر البصر توهمنا خطين مستقيمين واصلين بين مركز الجليدية و طرفي المبصر فيحصل زاوية البتة عند مركز الجليدية فكلما كانت تلك الزاوية أعظم يرى المرئي أصغر و لا يخفى على المتدرب أن قرب المرئي سبب لعظم تلك الزاوية و بعده سبب لصغرها أو بزيادة القرب يزيد عظمها و بزيادة البعد يزيد صغرها فالخطوط التي هي أضلاع الزوايا موجودة عند الرياضيين موهومة عند المشاءين و كل من أصحاب المذهبين جعل هذا مؤيدا لمذهبه و له وجه و إن كان بمذهب المشاءين أنسب.
و قال بعض المحققين قد قرر الحكماء عن آخرهم أن تفاوت أقدار المبصرات بتفاوت أقدار الزاوية المذكورة و يتبع تفاوت إحداهما تفاوت الأخرى على نسبتها من غير انثلام في اتساق النسبة و بنوا عليه علم المناظر و غيره من معظمات المسائل و فيه شبهة و هو أنا إذا قربنا جسما صغيرا طوله مثل طول البصر أو أزيد بقليل كالإصبع من البصر بحيث يصل إلى رءوس شعر الجفن فيرى بزاوية عظيمة جدا و يحجب الجبل العظيم جدا فزاويته أعظم من زاوية الجبل فيجب أن يرى أعظم مع أن الأمر بخلافه ضرورة و الجواب أنه في الرؤية أعظم إلا أنه يعلم بحكم العقل أنه صغير جدا و رئي عظيما بسبب كمال قربه انتهى.
و منها رؤية المرئيات في المرايا و الأجسام الصقيلة و اختلف في سببه و تفرق آراؤهم إلى مذاهب أربعة الأول مذهب أصحاب الشعاع حيث ذهبوا إلى أنه بانعكاس الخطوط الشعاعية و تفصيله أنا نعلم تجربة أن الشعاع ينعكس من الجسم الصقيل كما ينعكس شعاع الشمس من الماء إلى الجدار و من المرآة إلى مقابلها فإذا وقع شعاع البصر على المرآة مثلا ينعكس منها إلى جسم آخر وضعه من المرآة وضع المرآة من البصر على وجه تتساوى زاويتا الشعاع و الانعكاس فإذا قابلت المرآة وجه المبصر و كان سهم المخروط الشعاعي عمودا على سطح المرآة وجب انعكاس ذلك الخط العمود من سمته بعينه إلى مركز الجليدية إذ لو انعكس إلى غيره لزم تساوي زاوية قائمة مع زاوية
266
حادة و انعكست الخطوط القريبة منه إلى باقي أجزاء الوجه فيرى الوجه و إذا كانت المرآة غير مقابلة للبصر على الوجه المذكور لم ينعكس الشعاع إليه بل إلى جسم آخر من شأنه أن تتساوى به الزاويتان المذكورتان فالمرئي في المرآة إنما هو الأمر الخارجي لكن لما رئي بالشعاع الذي رئي به المرآة يظن أنه في المرآة و ليس موجودا في المرآة و إذا كان الوجه قريبا من المرآة و الخطوط المنعكسة قصيرة يظن أن صورة المرئي قريبة من سطح المرآة و إذا كان الوجه بعيدا عنها و الخطوط المنعكسة طويلة يظن الصورة غائرة فيها و أورد عليه وجوه من الإيراد المذكورة في محالها.
الثاني مذهب أصحاب الانطباع و توضيحه أنه كما أن القوة الباصرة بحيث إذا قابلت جسما ملونا مضيئا ارتسمت صورته فيها فكذلك هي بحيث إذا قابلت جسما صقيلا ارتسمت صورتها في الباصرة مع صورة مقابل ذلك الجسم الصقيل و ترتسم في جزء ارتسمت فيه صورة المرآة و شرط الانعكاس عندهم أيضا ما مر من كون الجسم المقابل من المرآة مثل مقابلة المرآة للمبصر بحيث تتساوى زاويتا الشعاع و الانعكاس من الخطوط الشعاعية الموهومة المفروضة المستقيمة.
الثالث مذهب سخيف ضعيف و هو أن الصورة ينطبع في المرآة.
الرابع مذهب أفلاطون و من سبقه و تبعه من الإشراقيين حيث أثبتوا عالما آخر سوى هذا العالم الجسماني الذي هو المحدد للجهات مع ما فيه من الأجرام الفلكية و الأجسام العنصرية و هو عالم متوسط بينه و بين عالم المجردات العقلية الصرفة المنزهة عن المقدار و الحيز و الجهة و الشكل فإن أشخاص هذا العالم صور مثالية و أشباح برزخية مجردة عن الطبائع و المواد نورانية يسمى ذلك العالم عالم المثال و قالوا إن الصور المرئية في المرايا و غيرها من الأجسام الصقيلة و الصور المتخيلة و أمثالها صور موجودة قائمة بنفسها إذ لو كانت الصور في المرآة لما اختلفت رؤية الشيء باختلاف مواضع نظرنا إليها و لو كانت في الهواء لم يمكن أن ترى لأن الهواء شفاف لم يمكن أن يرى و كذا ما حل فيه و ليست هي صورتك بعينها بأن ينعكس الشعاع من المرآة إليك لبطلان القول بالشعاع لوجوه مذكورة في كتب
267
القوم و لا في القوة الباصرة أو غيرها من القوى البدنية لوجوه ذكروها فهي صور جسمانية موجودة في عالم آخر متوسط بين عالمي الحس و العقل يسمى بعالم المثال و هي قائمة بذاتها معلقة لا في محل و لا في مكان لها مظاهر كالمرآة في الصور المرئية المرآتية و الخيال في الصور الخيالية و وافقهم الصوفية في إثبات هذا العالم و قد مرت الإشارة إليه.
قال القيصري في شرح الفصوص اعلم أن العالم المثالي هو عالم روحاني من جوهر نوراني شبيه بالجوهر الجسماني في كونه محسوسا مقداريا و بالجوهر المجرد العقلي في كونه نورانيا و ليس بجسم مركب مادي و لا جوهر مجرد عقلي لأنه برزخ و حد فاصل بينهما و كل ما هو برزخ بين الشيئين لا بد و أن يكون غيرهما بل له جهتان يشبه بكل منهما ما يناسب عالمه اللهم إلا أن يقال أنه جسم نوري في غاية ما يمكن من اللطافة فيكون حدا فاصلا بين الجواهر المجردة اللطيفة و بين الجواهر الجسمانية الكثيفة و إن كان بعض هذه الأجسام ألطف من البعض كالسماوات بالنسبة إلى غيرهما انتهى.
و منها رؤية الشيء شيئين كما في الأحول و في من مد طرف عينه أو غمض إصبعه في طرف من العين فإنه يرى كل شيء اثنين و اختلفت الآراء في تعليله و لنذكر منها مذهبين الأول مذهب أصحاب الشعاع فإنهم يقولون إنه يخرج من كل عين مخروط شعاعي له سهم فإن وقع السهمان على موضع واحد من المرئي يرى شيئا واحدا و إن اختلف موقعاهما يرى اثنين الثاني مذهب أصحاب الانطباع و مداره على مقدمة و هي أن القوة البصرية قائمة بالروح الحيواني المصبوب في العصبتين المجوفتين النابتتين من مقدم الدماغ المتقاطعتين و عند التقاطع يتحد التجويفان و هناك مجمع النور فإذا قابل البصر المبصر انطبعت صورته في الجليديتين و لا يكفي ذلك في الإبصار و إلا لرئي الشيء الواحد شيئين بل يحب أن تتأدى صورة أخرى مثل تلك الصورة إلى مجمع النور فتحصل الإبصار ثم إن هذا الروح الذي في مجمع النور يؤدي صورة المرئي إلى الحس المشترك و هناك يتم كمال الإبصار
268
ثم بعده هذه المقدمة نقول إن لإدراك الشيء الواحد اثنين أربعة أسباب الأول انتقال الآلة المؤدية للشبح الذي في الجليدية إلى ملتقى العصبتين فلا يتأدى الشبحان إلى موضع واحد بل ينتهي كل إلى جزء آخر من الروح الباصرة لأن خطي الشبحين لم ينفذا نفوذا من شأنه أن يتقاطعا عند ملتقى العصبتين و إذا اختص كل بجزء آخر من الروح الباصرة فكأنهما شبحان لشيئين و لأنه يختلف موضع الشبح في الروح الباصرة يرى الاثنين في الاثنين.
الثاني حركة الروح الباصرة التي في الملتقى و تموجها يمينا و يسارا حتى يتقدم مركزها المرسوم له في الطبع إلى جهتي الجليديتين أخذا متموجا مضطربا فيرتسم فيه الشبح قبل تقاطع المخروطين فينطبع من الشيء الواحد شبحان و يرى كشيئين مفترقين و هذا مثل ارتسام شبح الشمس في الماء الساكن الراكد مرة واحدة و في الماء المتوج متكررا.
الثالث اضطراب روح الباصرة التي في مقدم الدماغ و حركته قداما إلى صوب ملتقى العصبتين و خلفا إلى الحس المشترك فإذا نظر في تلك الحالة إلى المرئي انطبع شبحه في جزء من الروح الحاصل في مركزه الذي له وضع مخصوص بالقياس إلى ذلك المرئي فإذا تحرك ذلك الجزء و وقع جزء آخر في موضعه فلا جرم انطبع شبحه في ذلك الجزء أيضا و لم يزل بعد عن الجزء الأول فتجتمع هناك صورتان و يرى شيئان و لمثل هذا السبب يرى الشيء السريع الحركة إلى جانبين كشيئين لأنه قبل انمحاء صورته عن الحس المشترك و هو في جانب يراه البصر في جانب آخر فتتوافى (1) إدراكاته في الجانبين معا و من هذا القبيل رؤية القطرة النازلة خطا مستقيما و الشعلة الجوالة دائرة و نظير الحركة الدورية لصاحب الدوار فإنه لسبب من الأسباب الطبية (2) يتحرك الروح الذي في تجويف مقدم الدماغ على الدور فحينئذ إن انطبعت فيه صورة تزول بسرعة لتحركه كزوال الضوء عن أجزاء الكرة المقابلة
____________
(1) فتتواخى (خ).
(2) الطبيعية (ظ).
269
للكوة التي تشرق منها الشمس على الكرة إذا دارت الكرة لكن قبل زوالها عن ذلك الجزء تحصل صورة في الجزء الذي حصل مكانه فيظن أن المرئي يدور حول نفسه و ما ذلك إلا لحركة الرائي.
الرابع اضطراب يعرض للثقبة العنبية فإن الطبقة العنبية سهلة الحركة إلى هيئة تتسع بها الثقبة تارة و تضيق أخرى تارة إلى خارج و تارة إلى داخل فإن تحرك إلى خارج يعرض للثقبة اتساع و إن تحرك إلى داخل يعرض لها تضيق فإن ضاقت يرى الشيء أكبر و إن اتسعت يرى أصغر فيرى المرئي أولا غير المرئي ثانيا خصوصا إذا تمثلت قبل انمحاء الأول فيرى اثنين و في حال ضيق الثقبة يتكاثف الروح البصري و النور الشعاعي فيرى أكبر كما يرى الشيء في البخار أعظم و في حال السعة يتلطف الروح و يتخلخل و يرق فيرى أصغر.
و منها انعطاف الشعاع و بيان ذلك أن الخطوط الشعاعية التي هي على سطح المخروط تنفذ على الاستقامة إلى طرفي المرئي إذا كان الشفاف المتوسط متشابه الغلظ و الرقة فإن فرض هناك تفاوت بأن يكون مما يلي الرائي هواء و مما يلي المرئي ماء أو بخارا فإن تلك الخطوط إذا وصلت إلى ذلك الماء مثلا انعطفت و مالت إلى سهم المخروط ثم وصلت إلى طرفي المرئي و لو انعكس الفرض مالت الخطوط إلى خلاف جانب السهم و من لوازم الانعطاف رؤية الشيء في الماء و البخار أعظم مما يرى في الهواء فإن العنبة ترى في الماء كالإجاصة و الكوكب يرى في الأفق أعظم مما يرى في وسط السماء و ذلك لأن الخطوط إذا انعطفت و مالت إلى جانب السهم تكون زاوية رأس المخروط أعظم منها إذا نفذت الخطوط على الاستقامة لأنه يجب أن تتباعد الخطوط بحيث إذا انعطفت و مالت إلى السهم وصلت إلى طرفي المرئي فيكون المرئي بها أعظم من المرئي بالأخرى.
و منها رؤية الشجر على الشط منتكسا و ذلك لأن الخطوط الشعاعية المنعكسة من سطح الماء إلى الشجر إنما تنعكس إليه على هيئة أوتار الآلة الحدباء المسماة بالفارسية چنگ فإذا كان الشجر على الطرف الآخر من الماء انعكس الشعاع
270
إلى رأس الشجر من موضع أقرب من الرائي و إلى ما تحت رأسه من موضع أبعد منه و هكذا و إذا كان الشجر على طرف الرائي كان الأمر في الانعكاس على عكس ما ذكر أ لا ترى أنك إذا سترت سطح الماء من جانبك يستر عنك رأس الشجر في الصورة الأولى و قاعدتها في الصورة الثانية فيكون الخط الشعاعي المنعكس إلى رأس الشجر أطول من جميع تلك الخطوط المنعكسة إلى ما دونه و يكون ما هو أقرب منه أطول مما هو أبعد منه على الترتيب حتى يكون أقصرها هو المنعكس إلى قاعدة الشجرة و ذلك لتساوي زاويتي الشعاع و الانعكاس.
و لنفرض خط ا ب عرض النهر و خط ج ب الشجر القائم على شطه و ه الحدقة و نفرض على ا ب نقطتي د و و على ج ب ح و ط فإذا خرج من ه خط شعاعي إلى و و آخر إلى د وجب أن ينعكس الأول إلى نقطة ط مثلا فتكون الزاوية الشعاعية أعني زاوية ه و ا كالزاوية الانعكاسية أعني زاوية ط و ب و أن ينعكس الآخر إلى نقطة ح و تتساوى أيضا شعاعية ه د ا و انعكاسية ح د ب.
ثم إن النفس لا تدرك الانعكاس لتعودها في رؤية المرئيات بنفوذ الشعاع على الاستقامة فتحسب الشعاع المنعكس نافذا في الماء و لا نفوذ حينئذ هناك إذ ربما لا يكون الماء عميقا بقدر طول الشجر فيحسب لذلك أن رأس الشجر أكثر نزولا في الماء لكون الشعاع المنعكس إليه أطول و كذا الحال في باقي الأجزاء على الترتيب فتراه كأنه منتكس تحت سطح الماء.
و منها الشامة و هي قوة منبثة في زائدتي مقدم الدماغ الشبيهتين بحلمتي الثدي تدرك الروائح بتوسط الهواء المتكيف بكيفية ذي الرائحة و قيل بتبخر أجزاء
271
لطيفة من ذي الرائحة تختلط بالهواء و تصل معه إلى الخيشوم و قيل بفعل ذي الرائحة في الشامة من غير استحالة في الهواء و لا تبخر و انفصال أجزاء و رد الثاني بأن القليل من المسك يشم على طول الأزمنة و كثرة الأمكنة من غير نقصان في وزنه و حجمه و الثالث بأن المسك قد يذهب به إلى مسافة بعيدة و يحرق و يفنى بالكلية مع أن رائحته تدرك في الهواء الأول أزمنة متطاولة و يؤيد ذلك ما حكى أرسطو أن الرخمة (1) قد انتقلت من مسافة مائتي فرسخ برائحة جيفة من حرب وقع بين اليونانيين و دلهم على انتقالها من تلك المسافة عدم كون الرخمة في تلك الأرض إلا في نحو من هذا الحد من المسافة و قد يقال لعل المتحلل منه أجزاء صغار جدا تختلط بجميع تلك الأجزاء الهوائية و الاستبعاد غير كاف في المباحث العلمية على أن الشيخ اعترض عليه في الشفاء بقوله يجوز أن يكون إدراكها للجيف بالباصرة حين هي محلقة في الجو العالي.
و منها الذائقة و هي قوة منبثة في العصب المفروش على جرم اللسان و هي تالية للامسة إذ منفعتها أيضا في الفعل الذي به يتقوم البدن و هي تشهية الغذاء و اختياره و بالجملة يتمكن به على جذب الملائم و دفع المنافر من المطعومات كما أن اللامسة يتمكن بها على مثل ذلك من الملموسات و هي توافق اللامسة في الاحتياج إلى الملامسة و تفارقها في أن نفس ملامسة المطعوم لا يؤدي الطعم كما أن نفس ملامسة الحار تؤدي الحرارة بل تفتقر إلى توسط الرطوبة اللعابية المنبعثة عن الآلة التي تسمى الملعبة و يشترط أن تكون هذه الرطوبة خالية عن مثل طعم المطعوم و ضده بل عن غير ما يؤدي طعم المذوق كما هو إلى الذائقة فإن المريض إذا تكيف لعابه بطعم الخلط الغالب عليه لا يدرك طعوم الأشياء المأكولة و المشروبة إلا مشوبة بذلك الطعوم فإن الممرور إنما يجد طعم العسل مرا.
و اختلفوا في أن توسطها إما بأن يخالطها أجزاء لطيفة من ذي الطعم ثم تغوص هذه الرطوبة معها في جرم اللسان إلى الذائقة فالمحسوس حينئذ هو كيفية ذي الطعم
____________
(1) الرخمة- بالتحريك- طائر من الجوارح العظيمة الجثة.
272
و تكون الرطوبة واسطة لتسهل وصول جوهر المحسوس الحامل للكيفية إلى الحاسة أو بأن يتكيف نفس الرطوبة بالطعم بسبب المجاورة فتغوص وحدها فيكون المحسوس كيفيتها و على التقديرين لا واسطة بين الذائقة و محسوسها حقيقة بخلاف الإبصار المحتاج إلى توسط الجسم الشفاف و منها اللامسة و هي منبثة في البدن كله من شأنها إدراك الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة و نحو ذلك بأن ينفعل عنها العضو اللامس عند الملامسة بحكم الاستقراء قال الشيخ أول الحواس الذي يصير به الحيوان حيوانا هو اللمس فإنه كما أن للنبات قوة غاذية يجوز أن يفقد سائر القوى دونها كذلك حال اللامسة للحيوان لأن صلاح مزاجه من الكيفيات الملموسة و فساده باختلالها و الحس طليعة للنفس فيجب أن يكون الطليعة الأولى هو ما يدل على ما منع به الفساد و يحفظ به الصلاح و أن يكون قبل الطلائع التي تدل على أمور تتعلق ببعضها منفعة خارجة عن القوام و مضرة خارجة عن الفساد و الذوق و إن كان دالا على الشيء الذي به يستبقى الحياة من المطعومات فقد يجوز أن يبقى الحيوان بدونه لإرشاد الحواس الأخر على الغذاء الموافق و اجتناب المضار و ليس شيء منها يعين على أن الهواء محرق أو مجمد و لشدة الاحتياج إليه كان بمعونة الأعصاب ساريا في جميع الأعضاء إلا ما يكون عدم الحس أنفع له كالكبد و الطحال و الكلية لئلا تتأذى بما يلاقيها من الحاد اللذاع فإن الكبد مولد للصفراء و السوداء و الطحال و الكلية مصبان لما فيه لذع و كالرئة فإنها دائمة الحركة فتتألم باصطكاك بعضها ببعض و كالعظام فإنها أساس البدن و دعامة الحركات فلو أحست لتألمت بالضغط و المزاحمة و بما يرد عليها من المصاكات.
ثم إن الجمهور ذهبوا إلى أن اللامسة قوة واحدة بها يدرك جميع الملموسات كسائر الحواس فإن اختلاف المدركات لا يوجب اختلاف الإدراكات ليستدل بذلك على تعدد مبادئها و ذهب كثير من المحققين و منهم الشيخ إلى أنها قوى متعددة بناء على ما مهدوه في تكثير القوى من أن القوة الواحدة لا يصدر عنها أكثر من واحد
273
فقالوا هاهنا ملموسات مختلفة الأجناس متضادة الأجناس فلا بد لها من قوى مدركة مختلفة تحكم بالتضاد بينها فأثبتوا لكل ضدين منها قوة واحدة هي الحاكمة بين الحرارة و البرودة و الحاكمة بين الرطوبة و اليبوسة و الحاكمة بين الخشونة و الملاسة و الحاكمة بين اللين و الصلابة و منهم من زاد الحاكمة بين الثقل و الخفة قالوا و يجوز أن يكون لهذه القوى بأسرها آلة واحدة مشتركة بينها و أن يكون هناك في الآلات انقسام غير محسوس فلذا توهم اتحاد القوى.
و يرد عليه أن المدرك بالحس هو المتضادان كالحرارة و البرودة دون التضاد فإنه من المعاني المدركة بالعقل أو الوهم و إذا جاز إدراك قوة واحدة للضدين فقد صدر عنها اثنان فلم لا يجوز أن يصدر عنها ما هو أكثر من ذلك و أيضا فإن الطعوم و الروائح و الألوان أجناس مختلفة متضادة مع اتحاد القوى المدركة لها و كون التضاد في ما بين الملموسات أكثر و أقوى لا يجدي نفعا.
و أما الحواس الباطنة فهي أيضا خمس عندهم بشهادة الاستقراء.
الأول الحس المشترك و يسمى باليونانية بنطاسيا أي لوح النفس و هي قوة مرتبة في مقدم التجويف الأول من التجاويف الثلاثة التي في الدماغ تقبل جميع الصور المنطبعة في الحواس الظاهرة بالتأدي إليها من طريق الحواس فهو كحوض ينصب فيه أنهار خمسة و استدلوا على وجوده بوجوه.
الأول أنا نشاهد القطرة النازلة خطا مستقيما و النقطة الدائرة بسرعة خطا مستديرا و ليس ارتسامها (1) في البصر إذ لا يرتسم فيه إلا المقابل و هو القطرة و النقطة فإذن ارتسامها (2) إنما يكون في قوة أخرى غير البصر حصل فيها الارتسامات المتتالية بعضها ببعض فيشاهد خطا.
الثاني أنا نحكم ببعض المحسوسات الظاهرة على بعض كالحكم بأن هذا الأبيض هو هذا الحلو و هذا الأصفر هو هذا الحار و كل من الحواس الظاهرة
____________
(1) ارتسامهما (خ).
(2) ارتسامهما (خ).
274
لا يحضر عندها إلا نوع مدركاتها فلا بد من قوة يحضر عندها جميع الأنواع ليصح الحكم بينها.
الثالث أن المبرسم أي من به المرض المسمى بذات الجنب إذا قوي مرضه و تعطلت حواسه الظاهرة بغلبة المرض يرى أشياء لا تحقق لها في الخارج على سبيل المشاهدة دون التخيل فإنه قد يرى سباعا و أشخاصا حاضرة عنده و لا يراها أحد ممن سلم حواسه و ليست هذه الصور مرتسمة في بصره إذ لا يرتسم فيه إلا ما هو موجود مقابل إياه و لما كان إدراكها كإدراك ما يرتسم من الخارج بلا فرق عند المدرك دل ذلك أيضا على أن الإبصار إنما هو بالحس المشترك و لما كان الإبصار بارتسام الصورة في الحس المشترك لم يتميز الحال عند المدرك بين أن يرد عليه الصورة من الخارج كما هو الغالب و بين أن ترد عليه من داخل كما في المبرسم فإنه لما اشتغل نفسه بمزاولة المرض بحيث تعطلت حواسه الظاهرة استولت المتخيلة و نقشت في لوح الحس المشترك صورا كانت مخزونة في الخيال و صورا ركبتها من الصور المخزونة على طريق انتقاشها فيه من الخارج و لما لم يكن لها شعور بانتقاشها فيه من داخل لم يفرق بينها و بين الصور المنتقشة فيه من خارج فيحسب الأشياء التي هذه صورها موجودة في الخارج حاضرة عنده كما في الصحة بلا فرق.
و اعترض على الأول بأنه يجوز أن يكون اتصال الارتسام في الباصرة بأن يرتسم المقابل الآخر قبل أن يزول المرتسم قبله بسرعة لحوق الثاني و قوة ارتسام الأول فيكونان معا قيل و هذا مكابرة للقطع بأنه لا ارتسام في البصر عند زوال المقابلة.
و على الثاني بأنه لا يلزم من عدم كون الارتسام في الباصرة كونه في قوة أخرى جسمانية لجواز أن يكون في النفس أ لا ترى أنا نحكم بالكلي على الجزئي كحكمنا بأن زيدا إنسان مع القطع بأن مدرك الكلي هو النفس و يجوز أن يكون حضورهما عند النفس و حكمها بينهما لارتسامهما في آلتين كما أن الحكم بين الكلي و الجزئي تكون لارتسام الكلي في النفس و الجزئي في الآلة.
275
و على الثالث أنه لا يلزم من ذلك وجود حس مشترك غاية الأمر أن لا تكفي الحواس الظاهرة لمشاهدة الصور حالتي الغيبة و الحضور بل يكون لكل حس ظاهر حس باطن.
الثاني الخيال و هي قوة مرتبة في مؤخر التجويف الأول من الدماغ بحسب المشهور و عند المحققين الروح المصوب في التجويف الأول آلة للحس المشترك و الخيال إلا أن المشاهدة اختص بما في مقدمه و التخيل بما في مؤخره و هو يحفظ جميع صور المحسوسات و يمثلها بعد الغيبة عن الحواس المختصة و الحس المشترك و هي خزانة الحس المشترك لبقاء الصور المحسوسة فيها بعد زوالها عنه و إنما جعلت خزانة للحس المشترك مع أن مدركات جميع الحواس الظاهرة تختزن فيها لأن الحواس الظاهرة لا تدرك شيئا بسبب الاختزان بالخيال بل بإحساس جديد من خارج فيفوت معنى الخزانة بالقياس إليها بخلاف الحس المشترك فإنا إذا شاهدنا صورة في اليقظة أو النوم ثم ذهلنا عنها ثم شاهدناها مرة أخرى نحكم عليها بأنها هي التي شاهدناها قبل ذلك فلو لم تكن الصور محفوظة لم يكن هذا الحكم كما لو صارت منسية و إنما احتيج إلى الحفظ لئلا يختل نظام العالم و لا يشتبه الضار بالنافع إذا لم يعلم أنه المبصر أو لا و ينفسد المعاملات و غيرها.
و الدليل على مغايرتها للحس المشترك وجهان أحدهما أن قوة القبول غير قوة الحفظ فرب قابل النقش كالماء لم يحفظ لوجود رطوبة فيه هي شرط سرعة القبول و عدم اليبس الذي هو شرط الحفظ و ثانيهما أن استحضار الصور و الذهول عنها من غير نسيان و النسيان يوجب تغاير القوتين ليكون الاستحضار حصول الصورة فيهما و الذهول حصولها في أحدهما دون الأخرى و النسيان زوالها عنهما و اعترض عليهما بوجوه و أجابوا منها و هي مذكورة في محالها.
و احتج الرازي على إبطال الخيال بأن من طاف في العالم و رأى البلاد و الأشخاص الغير المعدودة فلو انطبقت صورها في الروح الدماغي فإما أن يحصل جميع تلك الصور في محل واحد فيلزم الاختلاط و عدم التمايز و إما أن يكون لكل صورة
276
محل فيلزم ارتسام صورة في غاية العظم في جزء في غاية الصغر.
و أجيب بأنه قياس للصور على الأعيان و هو باطل فإنه لا استحالة و لا استبعاد في توارد الصور على محل واحد مع تمايزها و لا في ارتسام صورة العظيم في المحل الصغير و إنما ذلك في الأعيان الحالة في محالها حلول العرض في الموضوع أو الجسم في المكان الثالث الوهم و هي القوة المدركة للمعاني الجزئية الموجودة في المحسوسات كالعداوة المعينة من زيد و قيد بذلك لأن مدرك العداوة الكلية هو النفس و المراد بالمعاني ما لا يدرك بالحواس الظاهرة فيقابل الصور أعني ما يدرك بها فإدراك تلك المعاني دليل على وجود قوة بها إدراكها و كونها مما لم يتأد من الحواس دليل على مغايرتها للحس المشترك و كونها جزئية دليل على مغايرتها للنفس الناطقة بناء على أنها لا تدرك الجزئيات بالذات هذا مع وجودها في الحيوانات العجم كإدراك الشاة معنى في الذئب بقي الكلام في أن القوة الواحدة لما جاز أن تكون آلة لإدراك أنواع المحسوسات لم لا يجوز أن تكون آلة لإدراك معانيها أيضا.
و أما إثبات ذلك بأنهم جعلوا من أحكام الوهم ما إذا رأينا شيئا أصفر فحكمنا بأنه عسل و حلو فيكون الوهم مدركا للحلاوة و الصفرة و العسل جميعا ليصح الحكم و بأن مدرك عداوة الشخص مدرك له ضرورة فضعيف لأن الحاكم حقيقة هو النفس فيكون المجموع من الصور و المعاني حاضرا عندها بواسطة الآلات كل منها بآلتها الخاصة و لا يلزم كون محل الصور و المعاني قوة واحدة لكن يشكل بأن مثل هذا الحكم قد يكون للحيوانات العجم التي لا يعلم وجود النفس الناطقة لها كذا ذكره في شرح المقاصد.
و قد يستدل على وجودها بأن في الإنسان شيئا ينازع عقله في قضاياه كما يخاف الانفراد بميت يقتضي عقله الأمن منه و ربما يغلب التخويف على التأمين فهو قوة باطنية غير عقله و قيل محل هذه القوة التجويف الأوسط من الدماغ و آلتها الدماغ كله لأنها الرئيس المطلق في الحيوان و مستخدمة سائر القوى
277
الحيوانية التي مصدر أكثر أفاعيلها الروح الدماغي فيكون كل الدماغ آلة لكن الأخص بها التجويف الأوسط لاستخدامها المتخيلة و محلها مؤخر ذلك التجويف و لا يستلزم كون الشيء آلة القوة كونه محلا لها ليلزم توارد القوى على محل واحد كما توهم.
الرابع الحافظة و هي للوهم كالخيال للحس المشترك و وجه تغايرهما (1) أن قوة القبول غير قوة الحفظ و الحافظة للمعاني غير الحافظة للصور و الكلام فيه كالكلام في ما تقدم و يسميها قوم ذاكرة إذ بها الذكر أعني ملاحظة المحفوظ بعد الذهول و متذكرة إذ بها التذكر أي الاحتيال لاستعراض الصور بعد ما اندرست و محلها أول التجويف الآخر من الدماغ.
و الخامس المتخيلة المركبة للصور المحسوسة و المعاني الجزئية المتعلقة بها بعضها مع بعض و المفصلة بعضها عن بعض تركيب الصورة بالصورة كما في قولك صاحب هذا اللون المخصوص له هذا الطعم المخصوص و تركيب المعنى بالمعنى كما في قولك ما له هذه العداوة له هذه النفرة و تركيب الصورة بالمعنى كما في قولك صاحب هذه الصداقة له هذا اللون و تفصيل الصورة عن الصورة كما في قولك هذا اللون ليس هذا الطعم و قس على هذا و قال بعضهم هي مرتبة في مقدم التجويف الأوسط من الدماغ من شأنها تركيب بعض ما في الخيال أو الحافظة من الصور و المعاني مع بعض و تفصيل بعضها عن بعض فتجمع أجزاء أنواع مختلفة كجعلها حيوانا من رأس إنسان و عنق جمل و ظهر نمر و يفرق أجزاء نوع واحد كإنسان بلا رأس و لا يسكن عن فعلها دائما لا نوما و لا يقظة و هي المحاكية للمدركات و الهيئات المزاجية و تنتقل إلى الضد و الشبيه فما في القوى الباطنة أشد شيطنة منها ليس من شأنها أن يكون عملها منتظما بل النفس هي التي تستعملها على أي نظام أرادت فتسمى عند استعمال النفس إياها بواسطة الوهم بالمتخيلة و عند استعمالها إياها بواسطة القوة
____________
(1) تغايرها (خ).
278
العقلية بالمفكرة بها تستنبط العلوم و الصناعات و تقتنص الحدود الوسطى باستعراض ما في الحافظة.
خاتمة
قال بعض المحققين قد علم بالتشريح أن للدماغ بطونا ثلاثة أعظمها البطن المقدم و أصغرها البطن الأوسط و هو كمنفذ من البطن المقدم إلى البطن المؤخر فآلة الحس المشترك هو الروح المصبوب في مقدم البطن المقدم و آلة الخيال هو الروح المصبوب في مؤخره و لما كان الوهم سلطان القوى الحسية و مستخدما لسائر القوى الحيوانية كان الدماغ كله آلة له و إن كان له اختصاص بآخر التجويف الأوسط و آلة المتصرفة مقدم التجويف الأوسط و آلة الحافظة مقدم التجويف الأخير و أما مؤخر هذا التجويف فلم يودع فيه شيء من هذه القوى إذ لا حارس هناك من الحواس الظاهرة فلو أودع فيه شيء من هذه القوى لكثر فيه المصادمات الموجبة لاختلال القوة.
قال المحقق الشريف فانظر إلى حكمة البارئ حيث قدم ما يدرك به الصور الجزئية و وضع تحته ما يحفظها و أخر ما يدرك به المعاني المنتزعة من تلك الصور و قرنه بما يحفظها و أقعد المتصرف فيهما بينهما فسبحانه جلت قدرته و عظمت حكمته انتهى.
هو إشارة إلى ما قيل في تعيين محال تلك القوى بطريق الحكمة و الغاية من أن الحس المشترك ينبغي أن يكون في مقدم الدماغ ليكون قريبا من الحواس الظاهرة فيكون التأدي إليه سهلا و الخيال خلفه لأن خزانة الشيء ينبغي أن يكون كذلك ثم ينبغي أن يكون الوهم بقرب الخيال ليكون الصور الجزئية بحذاء معانيها الجزئية و الحافظة بعده لأنها خزانته و المتخيلة في الوسط لتكون قريبة من الصور و المعاني فيمكنها الأخذ منهما (1) بسهولة.
و أما القوى المحركة فعندهم تنقسم إلى فاعلة و باعثة أما الباعثة المسماة
____________
(1) منها (خ).
279
بالشوقية فهي القوة التي إذا ارتسمت في الخيال صورة مطلوبة أو مهروبة عنها حملت القوة الفاعلة على تحريك آلات الحركة و الشوقية ذات شعبتين شهوية و غضبية لأنها إن حملت الفاعلة على تحريك يطلب بها الأشياء المتخيلة التي اعتقد أنها نافعة سواء كانت ضارة بحسب الواقع أو نافعة طلبا لحصول اللذة تسمى قوة شهوانية و إن حملت القوة الشوقية القوى المباشرة على تحريك يدفع به الشيء المتخيل ضارا كان بحسب الواقع أو مفيدا دفعا على سبيل الغلبة تسمى قوة غضبية.
و أما الفاعلة المباشرة للتحريك فهي التي من شأنها أن تعد العضلات للتحريك و كيفية ذلك الإعداد منها أن تبسط العضل بإرخاء الأعصاب إلى خلاف جهة مبدئها لينبسط العضو المتحرك أي يزداد طولا و ينتقص عرضا أو تقبضه بتمديد الأعصاب إلى جهة مبدئها لينقبض العضو المتحرك أي يزداد عرضا و ينتقص طولا.
ثم اعلم أن للحركات الاختيارية مبادئ مترتبة أبعدها القوى المدركة التي هي الخيال أو الوهم في الحيوان و العقل بتوسطهما في الإنسان و في الفلك بزعمهم و تليها القوة الشوقية و هي الرئيسة في القوة المحركة الفاعلة كما أن الوهم رئيسه في القوى المدركة و بعد الشوقية و قبل الفاعلة قوة أخرى هي مبدأ العزم و الإجماع المسماة بالإرادة و الكراهة و هي التي تصمم بعد التردد في الفعل و الترك عند وجود ما يترجح به أحد طرفيهما المتساوي نسبتهما إلى القادر عليهما.
و يدل على مغايرة الشوق للإدراك تحقق الإدراك بدونه و على مغايرة الشوق للإجماع أنه قد يكون شوق (1) و لا إرادة و قيل إنه لا تغاير بينهما إلا بالشدة و الضعف فإن الشوق قد يكون ضعيفا ثم يقوى فيصير عزما فالعزم كمال الشوق و ما قيل من أنه قد يحصل كمال الشوق بدون الإرادة كما في المحرمات للزاهد المغلوب للشهوة فغير مسلم بل الشوق العقلي فيه إلى جانب الترك أقوى من الميل الشهوي إلى خلافه و يدل على مغايرة الفاعلة لسائر المبادئ كون الإنسان المشتاق العازم غير قادر على التحريك و كون القادر على ذلك غير مشتاق
____________
(1) في بعض النسخ «شوقا» و الصواب ما في المتن.
280
و قال الشيخ المفيد (قدس الله روحه) في كتاب المسائل الحس كله مماسة ما تحس به المحسوس و اتصال به أو بما يتصل به أو بما ينفصل منه أو بما يتصل بما ينفصل منه و ذلك كالبصر فإن شعاعه لا بد من أن يتصل بالمبصر أو بما ينفصل منه أو بما يتصل بما ينفصل منه و لو كان يحس به بغير اتصال لما ضر الساتر و الحاجز و لما ضرت الظلمة و لكان وجود ذلك و عدمه في وقوع العلم سواء فإن قال قائل أ فيتصل شعاع البصر بالمشتري و زحل على بعدهما قيل له لا لكنه يتصل بالشعاع المنفصل منهما فيصيران كالشيء الواحد لتجانسهما و تشاكلهما.
و أما الصوت فإنه إذا حدث في أول الهواء الذي يلي الأجسام المصطكة و كذا في ما يليه من الهواء مثله ثم كذلك إلى أن يتولد في الهواء الذي يلي الصماخ فيدركه السامع و مما يدل على ذلك أن القصار يضرب الثوب على الحجر فترى مماسة الثوب للحجر و يصل الصوت بعد ذلك فهذا دال على ما قلناه من أنه يتولد في هواء بعد هواء إلى أن يتولد في الهواء الذي يلي الصماخ.
و أما الرائحة فإنه ينفصل من الجسم ذي الرائحة أجزاء لطاف و تتفرق في الهواء فما صار منه في الخيشوم الذي يقرب من موضع ذي الرائحة أدركه.
و أما الذوق فإنه إدراك ما ينحل من الجسم فيمازج رطوبة اللسان و اللهوات و لذلك لا يوجد طعم ما لا ينحل منه الشيء كاليواقيت و الزجاج و نحوهما و الطعم و الرائحة لا خلاف في أنهما لا يكونان إلا بمماسة و اللمس في الحقيقة هو طلب الشيء ليشعر به و حقيقته الشعور و هذه جملة على اعتقادنا و أبي القاسم البلخي و جمهور أهل العدل و أبو هاشم الجبائي يخالف في مواضع منها.
و أقول قال الحكماء أيضا للنفس الناطقة قوى تشارك بها الحيوان الأعجم و النبات و قوى أخرى أخص يحصل بها الإدراك للجزئي و هي قوى تشارك بها الحيوان الأعجم دون النبات و هي الحواس الخمس الظاهرة و الخمس الباطنة و لها قوة أخرى أخص من الأوليين لأنها تختص بالإنسان و هي قوة يحصل بها الإدراك للكلي.
281
فأما القوى التي تشارك بها النبات و الحيوان الأعجم فأصولها ثلاثة اثنتان لأجل الشخص و هما الغاذية و النامية و واحدة لأجل النوع و هي المولدة و هذه القوى الثلاثة تسمى نباتية لا لاختصاص النبات بها بل لانحصار قواه فيها و تسمى طبيعية أيضا.
فأما الغاذية فهي التي تحيل الغذاء إلى مشاكلة المغتذي و يتم فعلها بأفعال جزئية ثلاثة أحدها تحصيل جوهر البدل و هي الدم و الخلط الذي هو بالقوة القريبة من الفعل و بالإلزاق و هو أن يلصق ذلك الحاصل بالعضو و يجعله جزءا منه و بالتشبيه بالعضو المغتذي حتى في قوامه و لونه و قد تخل بكل واحد من هذه الأفعال الثلاثة أما الأول فكما في علة تسمى أطروقيا و هي عدم الغذاء و أما الثاني فكما في الاستسقاء اللحمي و أما الثالث فكما في البرص و البهق فإن البدل و الإلصاق موجودان فيهما و التشبيه غير موجود فهذه الأفعال الثلاثة لا بد و أن تكون بقوى ثلاث لكن القوة الغاذية هي مجموعها أو قوة أخرى هي تستخدم كل واحدة منها و القوة التي يصدر منها التشبيه يسمونها مغيرة ثانية و هي واحدة بالجنس في الإنسان و غيره من المركبات التي لها أجزاء و أعضاء مختلفة بالحقيقة بمنزلة الأعضاء و تختلف بالنوع إذ في كل عضو منها قوة تغير الغذاء إلى تشبيه مخالف لتشبيه قوة أخرى.
و أما النامية فهي التي تداخل الغذاء بين أجزاء المغتذي فيزيد في الأقطار الثلاثة بنسبة طبيعية بأن يزيد في الأعضاء الأصلية أعني ما يتولد عن المني كالعظم و العصب و الرباط و غيرها و بذلك يظهر الفرق بين النمو و السمن فإن السمن إنما هو زيادة في الأعضاء المتولدة من الدم كاللحم و الشحم و السمين لا في الأعضاء الأصلية و بقولنا بنسبة طبيعية يخرج الورم فإنه ليس على نسبة طبيعية بل خارج عن المجرى الطبيعي.
و أما المولدة فالمراد بها قوتان فوحدتهما اعتبارية كما في الغاذية إحداهما ما يجعل فضلة الهضم الرابع منيا و هذه القوة فعلها في الأنثيين لأن ذلك الدم
282
يصير منيا فيها و ثانيهما ما يهيئ كل جزء من المني من الذكر و الأنثى في الرحم بعضو مخصوص بأن يجعل بعضه مستعدا للعظمية و بعضه مستعدا للعصبية و بعضه للرباطية إلى غير ذلك و هذه القوة تسمى المغيرة الأولى و فعلها إنما يكون حال كون المني في الرحم ليصادف ذلك فعل القوة المصورة لأنها تعد مواد الأعضاء و المصورة تلبسها صورها الخاصة بها.
و إنما احتيج إلى هذه القوى أما إلى الغاذية فلأن بقاء البدن بدون الغذاء محال لأن البدن إنما يمكن تكونه من جسم رطب ليكون قابلا للتشكيل و التمديد و لا بد من حرارة عاقدة منضجة محللة للفضول يلزمها لا محالة أن تحلل الرطوبة و يعينها على ذلك الهواء الخارجي و الحركات البدنية و النفسانية فلو لا أن الغذاء يخلف بدل ما يتحلل منه لم يمكن بقاؤه مدة تمام التكون فضلا عما بعد ذلك و ليس يوجد في الخارج جسم إذا مس جسد الإنسان استحال بطبيعته فلا بد إذن من أن يكون للنفس قوة من شأنها أن تحيل الوارد إلى مشابهة جوهر أعضاء البدن ليخلف بذلك بدل ما يتحلل منه و هي القوة الغاذية.
و أما إلى المولدة فلما ثبت من أن الموت ضروري و حدوث الإنسان بالتولد مما يندر وجوده فوجب أن يكون للنفس قوة تفصل من المادة التي تحصلها الغاذية ما بعده مادة لشخص آخر و لما كانت المادة المنفصلة أقل من المقدار الواجب لشخص كامل جعلت النفس ذات قوة تضيف من المادة التي تحصلها الغاذية شيئا فشيئا إلى المادة المفصولة فيزيد بها مقدارها في الأقطار على تناسب طبيعي يليق بأشخاص ذلك النوع إلى أن يتم الشخص.
و تخدم الغاذية قوى أربع هي الجاذبة و الماسكة و الهاضمة و الدافعة أما الاحتياج إلى الجاذبة فظاهر لأن الغذاء لا يمكن أن يصل بنفسه إلى جميع الأعضاء لأنه لا يخلو إما أن يكون ثقيلا فلا يصل إلى الأعضاء العالية و إما أن يكون خفيفا فلا يصل إلى الأعضاء السافلة و وجودها في بعض الأعضاء معلوم بالحس فإن المنتكس إذا اشتدت حاجته إلى الغذاء يجده ينجذب من فمه إلى المعدة من غير
283
إرادته بل مع إرادة إمساكه في فمه و أيضا إن الحلو يخرج بالقيء بعد غيره و إن تناوله أولا و ما ذلك إلا بجذب المعدة اللذيذ إلى قعرها و أيضا الرحم إذا كانت خالية عن الفضول بعيدة العهد من الجماع يحس الإنسان وقت الجماع أن إحليله ينجذب إلى الداخل.
و أما إلى الماسكة فلأن الغذاء لا بد فيه من الاستحالة حتى يصير شبيها بجوهر المغتذي و الاستحالة حركة و كل حركة في زمان فلا بد من زمان في مثله يستحيل الغذاء إلى جوهر المغتذي و لأن الخلط جسم رطب سيال استحال أن يقف بنفسه زمانا فلا بد من قاسر يقسره على الوقوف و ذلك القاسر هو الماسكة و وجودها في بعض الأعضاء معلوم بالحس فإن أرباب التشريح قالوا إذا شرحنا الحيوان حال ما تناول الغذاء وجدنا معدته محتوية على الغذاء بحيث لا يمكن أن يسيل من ذلك الغذاء شيء و أيضا قالوا إذا شققنا بطن الحامل من تحت السرة وجدنا رحمها منضمة انضماما شديدا بحيث لا يسع أن يدخل فيها طرف الميل و أيضا فإن المني إذا استقر في الرحم لا ينزل عنها مع ثقله.
و أما إلى الهاضمة فلأن إحالة القوة المغيرة إنما يكون لما هو متقارب الاستعداد للصورة العضوية و إنما يكون ذلك بعد فعل القوة التي تجعله متقارب الاستعداد و تلك هي القوة الهاضمة.
و مراتب الهضم أربع أولها في المعدة فإن الغذاء يصير فيها كيلوسا أي جوهرا شبيها بماء الكشك الثخين إما بمخالطة المشروب و ذلك في أكثر الحيوانات و إما بلا مخالطة المشروب كما في جوارح الصيد و ابتداء ذلك الهضم في الفم و لهذا كانت الحنطة الممضوغة تفعل في إنضاج الدماميل ما لا تفعله المطبوخة و لا المدقوقة المخلوطة باللعاب و ثانيها في الكبد فإن الكيلوس إذا تم انهضامه في المعدة انجذبت لطائفه بالعروق المسماة بالماساريقا إلى الكبد و تداخلت في العروق المتصغرة المتضائلة المنتشرة في جميع أجزاء الكبد بحيث يلاقي الكبد بكليته الكيلوس فينهضم هناك انهضاما ثانيا و تنخلع صورته النوعية الغذائية و يستحيل إلى الأخلاط و يسمى
284
كيموسا و ابتداء هذا الهضم في الماساريقا و ثالثها في العروق و ابتداؤه من حين صعود الخلط في العرق العظيم الطالع من حدبة الكبد و رابعها في الأعضاء و ابتداؤه من حين ما ترشح الدم من فوهات العروق.
و أما إلى الدافعة فلأنه ليس غذاء يصير بتمامه جزءا من المغتذي بل يفضل منه ما يضيق المكان و يمنع ما يرد من الغذاء عن الوصول إلى الأعضاء و يوجب ثقل البدن بل يفسد و يفسد فلا بد من قوة تدفع تلك الفضلات و وجودها ظاهر عند الحس في حال التبرز و القيء و إراقة البول.
و قد تتضاعف هذه القوى لبعض الأعضاء كما للمعدة فإن فيها الجاذبة و الماسكة و الهاضمة و الدافعة بالنسبة إلى غذاء جميع البدن و فيها أيضا هذه القوى بالنسبة إلى ما تغتذي (1) به خاصة.
ثم اعلم أن الحكماء عدوا من القوى المولدة القوة المصورة و أنكرها جماعة منهم المحقق الطوسي (قدّس سرّه) و الفخر الرازي و الغزالي و غيرهم قال في المقاصد المولدة هي قوة شأنها تحصيل البزر (2) و تفصيله إلى أجزاء مختلفة و هيئات مناسبة و ذلك بأن يفرز جزءا من الغذاء بعد الهضم التام ليصير مبدأ لشخص آخر من نوع المغتذي أو جنسه ثم يفصل ما فيه من الكيفيات المزاجية فيمزجها تمزيجات بحسب عضو عضو ثم يفيده بعد الاستحالات الصور و القوى و الأعراض الحاصلة للنوع الذي انفصل عنه البزر أو لجنسه كما في البغل و المحققون على أن هذه الأفعال مستندة إلى قوى ثلاث بينوا حالها على ما عرفت في الإنسان و كثير من الحيوانات الأولى التي تجذب الدم إلى الأنثيين و تتصرف فيه إلى أن يصير منيا و هي لا تفارق الأنثيين و تخص باسم المحصلة.
____________
(1) في أكثر النسخ «تقتضى» و هو تصحيف.
(2) البرز- بالباء المكسورة و الزاى المعجمة الساكنة ثمّ الراء المهملة: ما يبذر من الحبوب.
285
و الثانية التي تتصرف في المني فتفصل كيفياتها المزاجية و تمزجها تمزيجات بحسب عضو عضو فتعين للعصب مثلا مزاجا خاصا و للشريان مزاجا خاصا و للعظم مزاجا خاصا و بالجملة تعد مواد الأعضاء و تخص هذه باسم المفصلة و المغيرة الأولى تمييزا عن المغيرة التي هي من جملة الغاذية.
و الثالثة التي تفيد تمييز الأجزاء و تشكيلها على مقاديرها و أوضاع بعضها عن بعض و كيفياتها و بالجملة تلبس كل عضو صورته الخاصة به يستكمل وجود الأعضاء و هذه تخص باسم المصورة و فعلها إنما يكون في الرحم انتهى.
و قال المحقق الطوسي (قدّس سرّه) و المصورة عندي باطلة لاستحالة صدور هذه الأفعال المحكمة المركبة عن قوة بسيطة ليس لها شعور أصلا انتهى.
و الغزالي بالغ في ذلك حتى أبطل القوى مطلقا و ادعى أن الأفعال المنسوبة إلى القوى صادرة عن ملائكة موكلة بهذه الأفعال تفعلها بالشعور و الاختيار كما هو ظاهر النصوص الواردة في هذا الباب.
و قال الشارح القوشجي بعد إيراد الكلام المتقدم يرد عليه أنا لا نسلم أن المصورة قوة واحدة بسيطة لم لا يجوز أن تكون وحدتها بالجنس كما أن المغيرة واحدة بالجنس مختلفة بالنوع و لو سلم فلم لا يجوز أن يكون صدور هذه الأفعال عنها بحسب استعداد المادة فإن المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع في الأعضاء ففضلة هضم كل عضو إنما تستعد لصورة ذلك العضو.
لكن الإنصاف أن تلك الأفعال المتقنة المحكمة على النظام المشاهد من الصور العجيبة و الأشكال الغريبة و النقوش المؤتلفة و الألوان المختلفة و ما روعي فيها من حكم و مصالح لقد تحيرت فيها الأوهام و عجزت عن إدراكها العقول و الأفهام قد بلغ المدون منها كما علم في علم التشريح و منافع خلقة الناس خمسة آلاف مع أن ما لم يعلم منها أكثر مما قد علم كما لا يخفى على ذي حدس كامل كما لا يكاد يذعن العقل بصدورها عن القوة التي سموها مصورة و إن فرضنا كونها مركبة و المواد
286
مختلفة بل يحكم بأن أمثال تلك الأمور لا يمكن أن تصدر إلا عن حكيم عليم خبير قدير.
ثم أطال الكلام في الاعتراض على دلائلهم في إثبات تلك القوى و تعددها تركناها مخافة الإطناب و الإسهاب.
باب 47 ما به قوام بدن الإنسان و أجزائه و تشريح أعضائه و منافعها و ما يترتب عليها من أحوال النفس
1- الْعِلَلُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ (1) بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَحْمَدَ الْبَرَاوِذِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَرْثِ بْنِ سُفْيَانَ (2) السَّمَرْقَنْدِيِّ عَنْ صَالِحِ بْنِ سَعِيدٍ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ وُجِدَ فِي التَّوْرَاةِ صِفَةُ خَلْقِ آدَمَ(ع)حِينَ خَلَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ ابْتَدَعَهُ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى إِنِّي خَلَقْتُ آدَمَ وَ رَكَّبْتُ جَسَدَهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ ثُمَّ جَعَلْتُهَا وِرَاثَةً فِي وُلْدِهِ تَنْمِي فِي أَجْسَادِهِمْ وَ يَنْمُونَ عَلَيْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ رَكَّبْتُ جَسَدَهُ حِينَ خَلَقْتُهُ مِنْ رَطْبٍ وَ يَابِسٍ وَ سُخْنٍ وَ بَارِدٍ وَ ذَلِكَ أَنِّي خَلَقْتُهُ مِنْ تُرَابٍ وَ مَاءٍ ثُمَّ جَعَلْتُ فِيهِ نَفْساً وَ رُوحاً فَيُبُوسَةُ كُلِّ جَسَدٍ مِنْ قِبَلِ التُّرَابِ وَ رُطُوبَتُهُ مِنْ قِبَلِ الْمَاءِ وَ حَرَارَتُهُ مِنْ قِبَلِ النَّفْسِ وَ بُرُودَتُهُ مِنْ قِبَلِ الرُّوحِ ثُمَّ خَلَقْتُ فِي الْجَسَدِ بَعْدَ هَذَا الْخَلْقِ الْأَوَّلِ أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ وَ هُنَّ مِلَاكُ الْجَسَدِ وَ قِوَامُهُ بِإِذْنِي لَا يَقُومُ الْجَسَدُ إِلَّا بِهِنَّ وَ لَا تَقُومُ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ إِلَّا بِالْأُخْرَى مِنْهَا الْمِرَّةُ السَّوْدَاءُ وَ الْمِرَّةُ الصَّفْرَاءُ وَ الدَّمُ وَ الْبَلْغَمُ ثُمَّ أَسْكَنَ بَعْضَ هَذَا الْخَلْقِ فِي بَعْضٍ فَجَعَلَ مَسْكَنَ الْيُبُوسَةِ فِي الْمِرَّةِ
____________
(1) في المصدر «محمّد بن شاذان بن أحمد بن عثمان المرواذى» و لم نجد له ذكرا في كتب الرجال من العامّة و الخاصّة.
(2) في المصدر و بعض نسخ الكتاب سفين.
287
السَّوْدَاءِ وَ مَسْكَنَ الرُّطُوبَةِ فِي الْمِرَّةِ الصَّفْرَاءِ وَ مَسْكَنَ الْحَرَارَةِ فِي الدَّمِ وَ مَسْكَنَ الْبُرُودَةِ فِي الْبَلْغَمِ فَأَيُّمَا جَسَدٍ اعْتَدَلَتْ بِهِ (1) هَذِهِ الْأَنْوَاعُ الْأَرْبَعُ الَّتِي جَعَلْتُهَا مِلَاكَهُ وَ قِوَامَهُ وَ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَرْبَعاً لَا تَزِيدُ وَ لَا تَنْقُصُ كَمُلَتْ صِحَّتُهُ وَ اعْتَدَلَ بُنْيَانُهُ فَإِنْ زَادَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ عَلَيْهِنَّ فَقَهَرَتْهُنَّ وَ مَالَتْ بِهِنَّ [وَ دَخَلَ عَلَى الْبَدَنِ السُّقْمُ مِنْ نَاحِيَتِهَا بِقَدْرِ مَا زَادَتْ وَ إِذَا كَانَتْ نَاقِصَةً نقل (2) [تَقِلُّ عَنْهُنَّ حَتَّى تَضْعُفَ مِنْ طَاقَتِهِنَّ وَ تَعْجِزَ عَنْ مُقَارَنَتِهِنَ (3) وَ جَعَلَ عَقْلَهُ فِي دِمَاغِهِ وَ شَرَهَهُ (4) فِي كُلْيَتِهِ وَ غَضَبَهُ فِي كَبِدِهِ وَ صَرَامَتَهُ (5) فِي قَلْبِهِ وَ رَغْبَتَهُ فِي رِئَتِهِ وَ ضَحِكَهُ فِي طِحَالِهِ وَ فَرَحَهُ وَ حَزَنَهُ وَ كَرْبَهُ فِي وَجْهِهِ وَ جَعَلَ فِيهِ ثَلَاثَمِائَةٍ وَ سِتِّينَ مَفْصَلًا قَالَ وَهْبٌ فَالطَّبِيبُ الْعَالِمُ بِالدَّاءِ وَ الدَّوَاءِ يَعْلَمُ مِنْ حَيْثُ يَأْتِي السُّقْمُ مِنْ قِبَلِ زِيَادَةٍ تَكُونُ فِي إِحْدَى هَذِهِ الْفِطَرِ (6) الْأَرْبَعِ أَوْ نُقْصَانٍ مِنْهَا وَ يَعْلَمُ الدَّوَاءَ الَّذِي بِهِ يُعَالِجُهُنَّ فَيَزِيدُ فِي النَّاقِصَةِ مِنْهُنَّ أَوْ يَنْقُصُ مِنَ الزَّائِدَةِ حَتَّى يَسْتَقِيمَ الْجَسَدُ عَلَى فِطْرَتِهِ وَ يَعْتَدِلَ الشَّيْءُ بِأَقْرَانِهِ ثُمَّ تَصِيرُ هَذِهِ الْأَخْلَاقُ الَّتِي رَكَّبَ عَلَيْهَا الْجَسَدَ فِطَراً عَلَيْهِ تُبْنَى أَخْلَاقُ بَنِي آدَمَ وَ بِهَا تُوصَفُ فَمِنَ التُّرَابِ الْعَزْمُ وَ مِنَ الْمَاءِ اللِّينُ وَ مِنَ الْحَرَارَةِ الْحِدَّةُ وَ مِنَ الْبُرُودَةِ الْأَنَاةُ فَإِنْ مَالَتْ بِهِ الْيُبُوسَةُ كَانَ عَزْمُهُ الْقَسْوَةَ وَ إِنْ مَالَتْ بِهِ الرُّطُوبَةُ كَانَتْ لِينُهُ مَهَانَةً وَ إِنْ مَالَتْ بِهِ الْحَرَارَةُ كَانَتْ حِدَّتُهُ طَيْشاً وَ سَفَهاً وَ إِنْ مَالَتْ بِهِ الْبُرُودَةُ كَانَتْ أَنَاتُهُ رَيْباً وَ بَلَداً فَإِنِ اعْتَدَلَتْ أَخْلَاقُهُ وَ كُنَّ سَوَاءً وَ اسْتَقَامَتْ فِطْرَتُهُ كَانَ حَازِماً فِي أَمْرِهِ لَيِّناً فِي عَزْمِهِ حَادّاً فِي لِينِهِ مُتَأَنِّياً فِي حِدَّتِهِ لَا يَغْلِبُهُ خُلُقٌ مِنْ أَخْلَاقِهِ وَ لَا يَمِيلُ بِهِ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ اسْتَكْثَرَ
____________
(1) فيه (خ).
(2) في المصدر: تقل.
(3) مقاومتهن (خ).
(4) في بعض النسخ «و شره» و في بعضها «و سوءه في طينته».
(5) شرهه (خ).
(6) في أكثر النسخ «الفطرة».
288
وَ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ أَقَلَّ وَ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ عَدَلَ وَ يَعْلَمُ كُلُّ خُلُقٍ مِنْهَا إِذَا عَلَا عَلَيْهِ بِأَيِّ شَيْءٍ يَمْزُجُهُ وَ يُقَوِّمُهُ فَأَخْلَاقُهُ كُلُّهَا مُعْتَدِلَةٌ كَمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فَمِنَ التُّرَابِ قَسْوَتُهُ وَ بُخْلُهُ وَ حَصْرُهُ وَ فَظَاظَتُهُ وَ بُرْمُهُ وَ شُحُّهُ وَ بَأْسُهُ وَ قُنُوطُهُ وَ عَزْمُهُ وَ إِصْرَارُهُ وَ مِنَ الْمَاءِ كَرَمُهُ وَ مَعْرُوفُهُ (1) وَ تَوَسُّعُهُ وَ سُهُولَتُهُ وَ تَوَسُّلُهُ (2) وَ قُرْبُهُ وَ قَبُولُهُ وَ رَجَاؤُهُ وَ اسْتِبْشَارُهُ فَإِذَا خَافَ ذُو الْعَقْلِ أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ أَخْلَاقُ التُّرَابِ وَ يَمِيلَ بِهِ أَلْزَمَ كُلَّ خُلُقٍ مِنْهَا خُلُقاً مِنْ أَخْلَاقِ الْمَاءِ يَمْزُجُهُ بِهِ بِلِينِهِ يُلْزِمُ الْقَسْوَةَ اللِّينَ وَ الْحَصْرَ التَّوَسُّعَ وَ الْبُخْلَ الْعَطَاءَ وَ الْفَظَاظَةَ الْكَرَمَ وَ الْبَرَمَ التَّرَسُّلَ (3) وَ الشُّحَّ السَّمَاحَ وَ الْيَأْسَ الرَّجَاءَ وَ الْقُنُوطَ الِاسْتِبْشَارَ وَ الْعَزْمَ الْقَبُولَ وَ الْإِصْرَارَ الْقُرْبَ ثُمَّ مِنَ النَّفْسِ حِدَّتُهُ وَ خِفَّتُهُ وَ شَهْوَتُهُ وَ لَهْوُهُ وَ لَعِبُهُ وَ ضَحِكُهُ وَ سَفَهُهُ وَ خِدَاعُهُ وَ عُنْفُهُ وَ خَوْفُهُ وَ مِنَ الرُّوحِ حِلْمُهُ وَ وَقَارُهُ وَ عَفَافُهُ وَ حَيَاؤُهُ وَ بَهَاؤُهُ وَ فَهْمُهُ وَ كَرَمُهُ وَ صِدْقُهُ وَ رِفْقُهُ وَ كِبْرُهُ وَ إِذَا خَافَ ذُو الْعَقْلِ أَنْ تَغْلِبَ عَلَيْهِ أَخْلَاقُ النَّفْسِ وَ تَمِيلَ بِهِ أَلْزَمَ كُلَّ خُلُقٍ مِنْهَا خُلُقاً مِنْ أَخْلَاقِ الرُّوحِ يُقَوِّمُهُ بِهِ يُلْزِمُ الْحِدَّةَ الْحِلْمَ وَ الْخِفَّةَ الْوَقَارَ وَ الشَّهْوَةَ الْعَفَافَ وَ اللَّعِبَ الْحَيَاءَ وَ الضَّحِكَ الْفَهْمَ وَ السَّفَهَ الْكَرَمَ وَ الْخِدَاعَ الصِّدْقَ وَ الْعُنْفَ الرِّفْقَ وَ الْخَوْفَ الصَّبْرَ ثُمَّ بِالنَّفْسِ سَمِعَ ابْنُ آدَمَ وَ أَبْصَرَ وَ أَكَلَ وَ شَرِبَ وَ قَامَ وَ قَعَدَ وَ ضَحِكَ وَ بَكَى وَ فَرِحَ وَ حَزِنَ وَ بِالرُّوحِ عَرَفَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ وَ الرُّشْدَ مِنَ الْغَيِّ وَ الصَّوَابَ مِنَ الْخَطَاءِ وَ بِهِ عَلِمَ وَ تَعَلَّمَ وَ حَكَمَ وَ عَقَلَ وَ اسْتَحْيَا وَ تَكَرَّمَ وَ تَفَقَّهَ وَ تَفَهَّمَ وَ تَحَذَّرَ وَ تَقَدَّمَ ثُمَّ يَقْرِنُ إِلَى أَخْلَاقِهِ عَشَرَةَ خِصَالٍ أُخْرَى الْإِيمَانَ وَ الْحِلْمَ وَ الْعَقْلَ وَ الْعِلْمَ وَ الْعَمَلَ وَ اللِّينَ وَ الْوَرَعَ وَ الصِّدْقَ وَ الصَّبْرَ وَ الرِّفْقَ فَفِي هَذِهِ الْأَخْلَاقِ الْعَشْرِ جَمِيعُ الدِّينِ كُلِّهِ وَ لِكُلِّ خُلُقٍ مِنْهَا عَدُوٌّ فَعَدُوُّ الْإِيمَانِ الْكُفْرُ وَ عَدُوُّ الْحِلْمِ الْحُمْقُ وَ عَدُوُّ الْعَقْلِ الْغَيُّ وَ عَدُوُّ الْعِلْمِ الْجَهْلُ وَ عَدُوُّ الْعَمَلِ الْكَسَلُ وَ عَدُوُّ اللِّينِ الْعَجَلَةُ وَ عَدُوُّ الْوَرَعِ الْفُجُورُ
____________
(1) معرفته «خ».
(2) ترسله «ظ».
(3) التوسل «ظ».
289
وَ عَدُوُّ الصِّدْقِ الْكَذِبُ وَ عَدُوُّ الصَّبْرِ الْجَزَعُ وَ عَدُوُّ الرِّفْقِ الْعُنْفُ فَإِذَا وَهَنَ الْإِيمَانُ تَسَلَّطَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ وَ تَعَبَّدَهُ وَ حَالَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ كُلِّ شَيْءٍ يَرْجُو مَنْفَعَتَهُ وَ إِذَا صَلُبَ الْإِيمَانُ وَهَنَ لَهُ الْكُفْرُ وَ تَعَبَّدَ وَ اسْتَكَانَ وَ اعْتَرَفَ الْإِيمَانَ وَ إِذَا ضَعُفَ الْحِلْمُ عَلَا الْحُمْقُ وَ حَاطَهُ وَ ذَبْذَبَهُ وَ أَلْبَسَهُ الْهَوَانَ بَعْدَ الْكَرَامَةِ وَ إِذَا اسْتَقَامَ الْحِلْمُ فَضَحَ الْحُمْقَ وَ تَبَيَّنَ عَوْرَتَهُ وَ أَبْدَى سَوْأَتَهُ وَ كَشَفَ سِتْرَهُ وَ أَكْثَرَ مَذَمَّتَهُ فَإِذَا اسْتَقَامَ اللِّينُ تَكَرَّمَ مِنَ الْخِفَّةِ وَ الْعَجَلَةِ وَ اطَّرَدَتِ الْحِدَّةُ وَ ظَهَرَ الْوَقَارُ وَ الْعَفَافُ وَ عُرِفَتِ السَّكِينَةُ وَ إِذَا ضَعُفَ الْوَرَعُ تَسَلَّطَ عَلَيْهِ الْفُجُورُ وَ ظَهَرَ الْإِثْمُ وَ تَبَيَّنَ الْعُدْوَانُ وَ كَثُرَ الظُّلْمُ وَ نَزَلَ الْحُمْقُ وَ عُمِلَ بِالْبَاطِلِ وَ إِذَا ضَعُفَ الصِّدْقُ كَثُرَ الْكَذِبُ وَ فَشَتِ الْفِرْيَةُ وَ جَاءَ الْإِفْكُ بِكُلِّ وَجْهِ الْبُهْتَانِ (1) وَ إِذَا حَصَلَ الصِّدْقُ اخْتَسَأَ الْكَذِبُ وَ ذَلَّ وَ صَمَتَ لِلْإِفْكِ (2) وَ أُمِيتَتِ (3) الْفِرْيَةُ وَ أُهِينَ الْبُهْتَانُ وَ دَنَا الْبِرُّ وَ اقْتَرَبَ الْخَيْرُ وَ طُرِدَتِ الشِّرَّةُ وَ إِذَا وَهَنَ الصَّبْرُ وَهَنَ الدِّينُ وَ كَثُرَ الْحُزْنُ وَ رَهِقَ الْجَزَعُ وَ أُمِيتَتِ الْحَسَنَةُ وَ ذَهَبَ الْأَجْرُ وَ إِذَا صَلُبَ الصَّبْرُ خَلَصَ الدِّينُ وَ ذَهَبَ الْحُزْنُ وَ أُخِّرَ الْجَزَعُ وَ أُحْيِيَتِ الْحَسَنَةُ وَ عَظُمَ الْأَجْرُ وَ تَبَيَّنَ الْحَزْمُ وَ ذَهَبَ الْوَهْنُ وَ إِذَا تُرِكَ الرِّفْقُ ظَهَرَ الْغِشُّ وَ جَاءَتِ الْفَظَاظَةُ وَ اشْتَدَّتِ الْغِلْظَةُ وَ كَثُرَ (4) الْغَشْمُ وَ تُرِكَ الْعَدْلُ وَ فَشَا الْمُنْكَرُ وَ تُرِكَ الْمَعْرُوفُ وَ ظَهَرَ السَّفَهُ وَ رُفِضَ الْحِلْمُ (5) وَ ذَهَبَ الْعَقْلُ وَ تُرِكَ الْعِلْمُ وَ فَتَرَ الْعَمَلُ وَ مَاتَ اللِّينُ وَ ضَعُفَ الصَّبْرُ وَ غُلِبَ الْوَرَعُ وَ وَهَنَ الصِّدْقُ وَ بَطَلَ تَعَبُّدُ أَهْلِ الْإِيمَانِ فَمِنْ أَخْلَاقِ الْعَقْلِ عَشَرَةُ أَخْلَاقٍ صَالِحَةٍ الْحِلْمُ وَ الْعِلْمُ وَ الرُّشْدُ وَ الْعَفَافُ وَ الصِّيَانَةُ وَ الْحَيَاءُ وَ الرَّزَانَةُ وَ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْخَيْرِ وَ كَرَاهَةُ الشَّرِّ وَ طَاعَةُ النَّاصِحِ فَهَذِهِ عَشَرَةُ أَخْلَاقٍ صَالِحَةٍ ثُمَّ يَتَشَعَّبُ (6) كُلُّ خُلُقٍ مِنْهَا عَشْرَ خِصَالٍ فَالْحِلْمُ يَتَشَعَّبُ مِنْهُ حُسْنُ الْعَوَاقِبِ وَ الْمَحْمَدَةُ فِي النَّاسِ وَ تَشَرُّفُ الْمَنْزِلَةِ وَ السَّلْبُ عَنِ السَّفِلَةِ وَ رُكُوبُ
____________
(1) في المصدر: و البهتان.
(2) في المصدر «الافك» و هو الظاهر.
(3) و اميت (خ).
(4) في جميع النسخ «و كسر» و هو تصحيف.
(5) في المصدر «الحكم» و الظاهر أنّه تصحيف.
(6) في المصدر «من كل» و هو الصواب.
290
الْجَمِيلِ وَ صُحْبَةُ الْأَبْرَارِ وَ الِارْتِدَاعُ (1) عَنِ الضَّيْعَةِ (2) وَ الِارْتِفَاعُ عَنِ الخَسَاسَةِ وَ شُهْرَةُ (3) اللِّينِ وَ الْقُرْبُ مِنْ مَعَالِي الدَّرَجَاتِ وَ يَتَشَعَّبُ مِنَ الْعِلْمِ الشَّرَفُ وَ إِنْ كَانَ دَنِيّاً وَ الْعِزُّ وَ إِنْ كَانَ مَهِيناً وَ الْغِنَى وَ إِنْ كَانَ فَقِيراً وَ الْقُوَّةُ وَ إِنْ كَانَ ضَعِيفاً وَ النَّيْلُ وَ إِنْ كَانَ حَقِيراً وَ الْقُرْبُ وَ إِنْ كَانَ قَصِيّاً وَ الْجُودُ وَ إِنْ كَانَ بَخِيلًا وَ الْحَيَاءُ وَ إِنْ كَانَ صَلِفاً وَ الْمَهَابَةُ وَ إِنْ كَانَ وَضِيعاً وَ السَّلَامَةُ وَ إِنْ كَانَ سَفِيهاً وَ يَتَشَعَّبُ مِنَ الرُّشْدِ السَّدَادُ وَ الْهُدَى وَ الْبِرُّ وَ التَّقْوَى وَ الْعِبَادَةُ وَ الْقَصْدُ وَ الِاقْتِصَادُ وَ الْقَنَاعَةُ وَ الْكَرَمُ وَ الصِّدْقُ وَ يَتَشَعَّبُ مِنَ الْعَفَافِ الْكِفَايَةُ (4) وَ الِاسْتِكَانَةُ وَ الْمُصَادَقَةُ وَ الْمُرَاقَبَةُ وَ الصَّبْرُ وَ النَّصْرُ وَ الْيَقِينُ وَ الرِّضَا وَ الرَّاحَةُ وَ التَّسْلِيمُ وَ يَتَشَعَّبُ مِنَ الصِّيَانَةِ الْكَفُّ وَ الْوَرَعُ وَ حُسْنُ الثَّنَاءِ وَ التَّزْكِيَةُ وَ الْمُرُوءَةُ وَ الْكَرَمُ وَ الْغِبْطَةُ وَ السُّرُورُ وَ الْمَنَالَةُ وَ التَّفَكُّرُ وَ يَتَشَعَّبُ مِنَ الْحَيَاءِ اللِّينُ وَ الرَّأْفَةُ وَ الرَّحْمَةُ وَ الْمُدَاوَمَةُ وَ الْبَشَاشَةُ وَ الْمُطَاوَعَةُ وَ ذُلُّ النَّفْسِ وَ النُّهَى وَ الْوَرَعُ وَ حُسْنُ الْخُلُقِ وَ يَتَشَعَّبُ مِنَ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْخَيْرِ الصَّلَاحُ وَ الِاقْتِدَارُ وَ الْعِزُّ وَ الْإِخْبَاتُ وَ الْإِنَابَةُ وَ السُّؤْدُدُ وَ الْأَمْنُ وَ الرِّضَا فِي النَّاسِ وَ حُسْنُ الْعَاقِبَةِ وَ يَتَشَعَّبُ مِنْ كَرَاهَةِ الشَّرِّ حُسْنُ الْأَمَانَةِ وَ تَرْكُ الْخِيَانَةِ وَ اجْتِنَابُ السُّوءِ وَ تَحْصِينُ الْفَرْجِ وَ صِدْقُ اللِّسَانِ وَ التَّوَاضُعُ وَ التَّضَرُّعُ لِمَنْ هُوَ فَوْقَهُ وَ الْإِنْصَافُ لِمَنْ هُوَ دُونَهُ وَ حُسْنُ الْجِوَارِ وَ مُجَانَبَةُ إِخْوَانِ السَّوْءِ وَ يَتَشَعَّبُ مِنَ الرَّزَانَةِ التَّوَقُّرُ وَ السُّكُونُ وَ التَّأَنِّي وَ الْعِلْمُ وَ التَّمْكِينُ وَ الْحُظْوَةُ وَ الْمَحَبَّةُ وَ الْفَلَحُ (5) وَ الزِّكَايَةُ وَ الْإِنَابَةُ وَ يَتَشَعَّبُ مِنْ طَاعَةِ النَّاصِحِ زِيَادَةُ الْعَقْلِ وَ كَمَالُ اللُّبِّ وَ مَحْمَدَةُ النَّاسِ وَ الِامْتِعَاضُ مِنَ اللَّوْمِ وَ الْبُعْدُ مِنَ الْبَطْشِ وَ اسْتِصْلَاحُ الْحَالِ وَ مُرَاقَبَةُ مَا هُوَ نَازِلٌ وَ الِاسْتِعْدَادُ لِلْعَدُوِّ وَ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى الْمِنْهَاجِ وَ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى الرَّشَادِ فَهَذِهِ مِائَةُ خَصْلَةٍ مِنْ أَخْلَاقِ الْعَاقِلِ (6).
بيان الصرامة بالصاد المهملة الشجاعة و الحدة و العزم و في بعض النسخ
____________
(1) في بعض النسخ «و الارتداد».
(2) في المصدر «الضعة».
(3) و شهوة (خ).
(4) الكفاف (خ).
(5) في المصدر، الفلج.
(6) علل الشرائع: ج 1،(ص)104- 108.
291
بالمعجمة من ضرم كفرح اشتد جوعه أو من ضرم عليه احتد غضبا في وجهه أي تظهر فيه و في القاموس التبلد التجلد بلد ككرم و فرح فهو بليد و أبلد و قال الحصر كالنصر و الضرب التضييق و بالتحريك ضيق الصدر و البخل و العي في المنطق و قال الفظ الغليظ الجانب السيئ الخلق القاسي الخشن الكلام فظ بين الفظاظة و الفظاظ بالكسر.
قوله يلزم القسوة اللين إلخ أي يختار الوسط بينهما و يكسر سورة (1) كل منهما بالآخر و هي العدالة المطلوبة في الأخلاق أو يستعمل كلا منها في موقعه كما قال تعالى في وصف أمير المؤمنين(ع)و أضرابه أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ و هو التخلق بأخلاق رب العالمين كما قال سبحانه نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَ أَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ و البرم التوسل أي التقرب إلى الناس أو إلى الله بالصبر على أخلاق الناس و لعله كان بالراء و هو الاستئناس فإنه أنسب و العزم بالقبول أي إذا عزم في أمر فنصحه صادق يقبل منه و الإصرار القرب أي من الله بالتوبة أو الأعم قوله و كبره أي على أعداء الدين و الظاهر صبره كما يظهر من قوله و الخوف الصبر و يحتمل أن يكون التصحيف في ما سيأتي و يكون المراد بالكبر الشجاعة لمقابلة الخوف.
ثم الظاهر أن المراد بالنفس في هذا الحديث الروح الحيواني و بالروح الناطقة و نسبة البرد إليها لأنه يلزم تعلقها تحرك النفس الذي يحصل البرد بسببه و تقدم أي إلى الخير و السعادة و الكمال و في القاموس الذبذبة تردد الشيء المعلق في الهواء و حماية الجوار و الأهل و إيذاء الخلق و التحريك و قال تكرم عنه تنزه و قال الطرد الإبعاد و قال خسأ الكلب طرده و صمت للإفك أي عنه و شرّة الشباب بالكسر نشاطه و الرزانة الوقار و الارتداع الانزجار و لا يبعد أن يكون مكان الضيعة الضعة كما مر في كتاب العقل و في القاموس الصلف بالتحريك التكلم بما يكرهه صاحبك
____________
(1) في بعض النسخ «سورة في كل ..».
292
و التمدح بما ليس عندك أو مجاوزة حد الظرف و الادعاء فوق ذلك تكبرا انتهى و المنالة لعل المراد بها الدرجة التي تنال بها أشرف المقاصد من القرب و الفوز و السعادة من النيل الإصابة و الإخبات الخشوع و الخضوع للرب تعالى و الحظوة بالضم و الكسر المكانة و المنزلة و الفلح بالمهملة محركة و الفلاح الفوز و النجاة و البقاء في الخير و بالمعجمة بالفتح الظفر و الفوز و الاسم بالضم و الزكاية النمو و الطهارة و في بعض النسخ الركانة بالراء المهملة و النون و هي العلو و الرفعة و الوقار و لعله أصوب و في القاموس معض من الأمر كفرح غضب و شق عليه فهو ماعض و معض و أمعضه و معضه تمعيضا فامتعض.
أقول إنما لم نعط شرح هذا الخبر حقه لأنه من الأخبار العامية المنسوبة إلى أهل الكتاب و قد مر قريب منه في كتاب العقل و شرحناه هناك بما ينفع في هذا المقام.
2- الْخِصَالُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَطَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَشْعَرِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ اللُّؤْلُؤِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الطَّاطَرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ دُرُسْتَ عَنْ أَبِي الْأَصْبَغِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: بُنِيَ الْجَسَدُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ الرُّوحِ وَ الْعَقْلِ وَ الدَّمِ وَ النَّفْسِ فَإِذَا خَرَجَ الرُّوحُ تَبِعَهُ الْعَقْلُ فَإِذَا (1) رَأَى الرُّوحُ شَيْئاً حَفِظَهُ عَلَيْهِ الْعَقْلُ وَ بَقِيَ الدَّمُ وَ النَّفْسُ (2).
بيان كأن المراد بالروح النفس الناطقة و بالعقل الحالات و الصفات الحالة فيها و لا بد لها منها في العلوم و الإدراكات فإذا فارق الروح البدن تبعتها تلك الأحوال لأنها في البرزخ لا تفارقها العلوم و المعارف بل تترقى فيها كما يظهر من الأخبار و بالنفس الروح الحيوانية فهي مع الدم الحامل لها تبقيان في البدن و تضمحلان و قوله فإذا رأى الروح أي بعد مفارقة (3) البدن و الرؤية بمعنى العلم أو بعين الجسد المثالي.
____________
(1) في المصدر: و إذا.
(2) الخصال: 106.
(3) بل الظاهر أن المراد ما تراه الروح في حال الرؤيا، و المراد ببقاء النفس بقاؤها في البدن حال النوم.
293
3- الْخِصَالُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قِوَامُ الْإِنْسَانِ وَ بَقَاؤُهُ بِأَرْبَعَةٍ بِالنَّارِ وَ النُّورِ وَ الرِّيحِ وَ الْمَاءِ فَبِالنَّارِ يَأْكُلُ وَ يَشْرَبُ وَ بِالنُّورِ يُبْصِرُ وَ يَعْقِلُ وَ بِالرِّيحِ يَسْمَعُ وَ يَشَمُّ وَ بِالْمَاءِ يَجِدُ لَذَّةَ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ فَلَوْ لَا النَّارُ فِي مَعِدَتِهِ لَمَا هَضَمَتِ الطَّعَامَ وَ الشَّرَابَ وَ لَوْ لَا النُّورُ فِي بَصَرِهِ لَمَا أَبْصَرَ وَ لَا عَقَلَ وَ لَوْ لَا الرِّيحُ لَمَا الْتَهَبَتْ نَارُ الْمَعِدَةِ وَ لَوْ لَا الْمَاءُ لَمْ يَجِدْ لَذَّةَ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ قَالَ وَ سَأَلْتُهُ عَنِ النِّيرَانِ فَقَالَ النِّيرَانُ أَرْبَعَةٌ نَارٌ تَأْكُلُ وَ تَشْرَبُ وَ نَارٌ تَأْكُلُ وَ لَا تَشْرَبُ وَ نَارٌ تَشْرَبُ وَ لَا تَأْكُلُ وَ نَارٌ لَا تَأْكُلُ وَ لَا تَشْرَبُ فَالنَّارُ الَّتِي تَأْكُلُ وَ تَشْرَبُ فَنَارُ ابْنِ آدَمَ وَ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ وَ الَّتِي تَأْكُلُ وَ لَا تَشْرَبُ فَنَارُ الْوَقُودِ وَ الَّتِي تَشْرَبُ وَ لَا تَأْكُلُ فَنَارُ الشَّجَرَةِ وَ الَّتِي لَا تَأْكُلُ وَ لَا تَشْرَبُ فَنَارُ الْقَدَّاحَةِ وَ الْحُبَاحِبِ (1).
بيان فبالنار يأكل و يشرب أي بالحرارة الغريزية التي تتولد من النار و يسمونها نار الله و المراد بالنور إما نور البصر أو الأعم منه و من سائر القوى و المشاعر فإن النور ما يصير سببا لظهور الأشياء كما عرفت مرارا و بالريح يسمع و يشم لأن الهواء حامل للصوت و الكيفيات المشمومة و بالماء يجد لذة الطعام و الشراب أي الماء الذي في الفم فإنه الموصل للكيفيات المذوقة إلى الذائقة كما مر فلو لا النار في معدته أي الحرارة المفرطة فنار ابن آدم أي الحرارة الغريزية فإنها الداعية إلى الأكل و الشرب و تحيل المأكول و المشروب فنار الوقود أي النيران التي توقدها الناس فإنها تأكل الحطب و كل ما تقع فيه أي تحيلها و تكسرها و لا تشرب لأن الماء غالبا يطفئها و التي تشرب و لا تأكل فنار الشجرة أي النار التي تورى من الشجر الأخضر كما مر في تفسير قوله تعالى الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فإنها تشرب الماء الذي (2) يسقي الشجر و لا تأكل أي لا يحيل شيئا ترد (3) عليه بحرارتها
____________
(1) الخصال، 106.
(2) في جميع نسخ الكتاب، التي.
(3) يرد عليها (ظ).
294
و قد مر الكلام فيها و في القاموس قدح بالزند رام الإيراء به كاقتدح و المقدح و القداح و المقداح حديدته و القداح و القداحة حجره و قال الجوهري الحباحب اسم رجل بخيل كان لا يوقد إلا نارا ضعيفة مخافة الضيفان فضربوا بها المثل حتى قالوا نار الحباحب لما تقدحه الخيل بحوافرها انتهى و لعل المعنى أنها لما كانت تخرج من بين الحديد و الحجر و لا ينفذ الماء فيهما و لا يحيلان شيئا فكأنهما لا تأكل و لا تشرب و قد مر الكلام فيه من باب النار.
7- الْعُيُونُ، عَنْ هَانِي بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُودٍ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِيهِ بِإِسْنَادِهِ رَفَعَهُ أَنَّ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ(ع)دَخَلَ عَلَى الرَّشِيدِ فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنِ الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ فَقَالَ مُوسَى(ع)أَمَّا الرِّيحُ فَإِنَّهُ مَلِكٌ يُدَارَى وَ أَمَّا الدَّمُ فَإِنَّهُ عَبْدٌ عَارِمٌ (1) وَ رُبَّمَا قَتَلَ الْعَبْدُ مَوْلَاهُ وَ أَمَّا الْبَلْغَمُ فَإِنَّهُ خَصِمٌ جَدِلٌ إِنْ سَدَدْتَهُ مِنْ جَانِبٍ انْفَتَحَ مِنْ آخَرَ وَ أَمَّا الْمِرَّةُ فَإِنَّهَا أَرْضٌ إِذَا اهْتَزَّتْ رَجَفَتْ بِمَا فَوْقَهَا فَقَالَ لَهُ هَارُونُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ تُنْفِقُ عَلَى النَّاسِ مِنْ كُنُوزِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ (2).
بيان يحتمل أن يكون المراد بالريح المرة الصفراء لحدتها و لطافتها و سرعة تأثيرها فينبغي أن يدارى لئلا تغلب و تهلك أو المراد بها الروح الحيوانية و بالمرة الصفراء و السوداء معا فإنه تطلق عليهما المرة فيكون اصطلاحا آخر في الطبائع و تقسيما آخر لها و العارم سيئ الخلق الشديد يقال عرم الصبي علينا أي أشر و مرح أو بطر أو فسد (3) و لعل المعنى أنه خادم للبدن نافع له لكن ربما كانت غلبته سببا للهلاك فينبغي أن يصلح و يكون الإنسان على حذر منه فإنه خصم جدل كناية عن بطء علاجه و عدم اندفاعه بسهولة إذا اهتزت أي غلبت و تحركت رجفت بما فوقها كما في حمى النائبة من الغب و الربع و غيرهما فإنها تزلزل البدن و تحركها و رأيت مثل هذا الكلام في كتب الأطباء و الحكماء الأقدمين.
____________
(1) في المصدر «غارم» بالمعجمة، و الظاهر أنّه تصحيف.
(2) العيون، ج 1،(ص)81.
(3) أفسد (خ).
295
5- الْعُيُونُ، وَ الْعِلَلُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيِّ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي طَاهِرِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ: الطَّبَائِعُ أَرْبَعٌ فَمِنْهُنَّ الْبَلْغَمُ وَ هُوَ خَصِمٌ جَدِلٌ وَ مِنْهُنَّ الدَّمُ وَ هُوَ عَبْدٌ وَ رُبَّمَا قَتَلَ الْعَبْدُ سَيِّدَهُ وَ مِنْهُنَّ الرِّيحُ وَ هُوَ (1) مَلِكٌ يُدَارَى وَ مِنْهُنَّ الْمِرَّةُ وَ هَيْهَاتَ وَ هَيْهَاتَ هِيَ الْأَرْضُ إِذَا ارْتَجَّتْ ارْتَجَّتْ بِمَا عَلَيْهَا (2).
6 الْعِلَلُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيِّ عَنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَمِّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ السَّكُونِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّمَا صَارَ الْإِنْسَانُ يَأْكُلُ وَ يَشْرَبُ بِالنَّارِ وَ يُبْصِرُ وَ يَعْمَلُ (3) بِالنُّورِ وَ يَسْمَعُ وَ يَشَمُّ بِالرِّيحِ وَ يَجِدُ لَذَّةَ (4) الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ بِالْمَاءِ وَ يَتَحَرَّكُ بِالرُّوحِ وَ لَوْ لَا أَنَّ النَّارَ فِي مَعِدَتِهِ مَا هُضِمَتْ أَوْ قَالَ حُطِمَتِ الطَّعَامُ وَ الشَّرَابُ فِي جَوْفِهِ وَ لَوْ لَا الرِّيحُ مَا الْتَهَبَتْ نَارُ الْمَعِدَةِ وَ لَا خَرَجَ الثُّفْلُ مِنْ بَطْنِهِ وَ لَوْ لَا الرُّوحُ مَا تَحَرَّكَ وَ لَا جَاءَ وَ لَا ذَهَبَ وَ لَوْ لَا بَرْدُ الْمَاءِ لَاحْتَرَقَهُ (5) نَارُ الْمَعِدَةِ وَ لَوْ لَا النُّورُ مَا أَبْصَرَ وَ لَا عَقَلَ فَالطِّينُ صُورَتُهُ وَ الْعَظْمُ فِي جَسَدِهِ بِمَنْزِلَةِ الشَّجَرِ فِي الْأَرْضِ وَ الدَّمُ فِي جَسَدِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ فِي الْأَرْضِ وَ لَا قِوَامَ لِلْأَرْضِ إِلَّا بِالْمَاءِ وَ لَا قِوَامَ لِجَسَدِ الْإِنْسَانِ إِلَّا بِالدَّمِ وَ الْمُخُّ دَسَمُ الدَّمِ وَ زُبْدُهُ فَهَكَذَا (6) الْإِنْسَانُ خُلِقَ مِنْ شَأْنِ الدُّنْيَا وَ شَأْنِ الْآخِرَةِ فَإِذَا جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا صَارَتْ حَيَاتُهُ فِي الْأَرْضِ لِأَنَّهُ نَزَلَ مِنْ شَأْنِ السَّمَاءِ إِلَى الدُّنْيَا فَإِذَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا صَارَتْ تِلْكَ الْفُرْقَةُ الْمَوْتَ تَرُدُّ شَأْنَ الْأُخْرَى (7) إِلَى السَّمَاءِ فَالْحَيَاةُ فِي الْأَرْضِ وَ الْمَوْتُ فِي السَّمَاءِ
____________
(1) في المصدر: هى.
(2) العلل: ج 1،(ص)100.
(3) يعقل (ظ).
(4) في المصدر: طعم.
(5) في المصدر: «لا حرقته» و هو الصواب.
(6) فكذا (خ).
(7) في بعض النسخ «الآخرة».
296
وَ ذَلِكَ أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْأَرْوَاحِ وَ الْجَسَدِ فَرُدَّتِ الرُّوحُ وَ النُّورُ إِلَى الْقُدْرَةِ (1) الْأُولَى وَ تُرِكَ الْجَسَدُ لِأَنَّهُ مِنْ شَأْنِ الدُّنْيَا وَ إِنَّمَا فَسَدَ الْجَسَدُ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّ الرِّيحَ تُنَشِّفُ الْمَاءَ فَيَيْبَسُ فَيَبْقَى الطِّينُ فَيَصِيرُ رُفَاتاً وَ يَبْلَى وَ يَرْجِعُ كُلٌّ إِلَى جَوْهَرِهِ الْأَوَّلِ وَ تَحَرَّكَتِ الرُّوحُ بِالنَّفْسِ حَرَكَتَهَا مِنَ الرِّيحِ فَمَا كَانَ مِنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ فَهُوَ نُورٌ مُؤَيَّدٌ بِالْعَقْلِ وَ مَا كَانَ مِنْ نَفْسِ الْكَافِرِ فَهُوَ نَارٌ مُؤَيَّدٌ بِالنَّكْرَاءِ فَهَذِهِ صُورَةُ نَارٍ وَ هَذِهِ صُورَةُ نُورٍ وَ الْمَوْتُ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَ نَقِمَةٌ (2)عَلَى الْكَافِرِينَ وَ لِلَّهِ عُقُوبَتَانِ إِحْدَاهُمَا مِنْ أَمْرِ الرُّوحِ وَ الْأُخْرَى تَسْلِيطُ بَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ فَمَا كَانَ مِنْ قِبَلِ الرُّوحِ فَهُوَ السُّقْمُ وَ الْفَقْرُ وَ مَا كَانَ مِنْ تَسْلِيطٍ فَهُوَ النَّقِمَةُ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَ كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (3) مِنَ الذُّنُوبِ فَمَا كَانَ مِنْ ذَنْبِ الرُّوحِ مِنْ ذَلِكَ سُقْمٌ وَ فَقْرٌ وَ مَا كَانَ مِنْ تَسْلِيطٍ فَهُوَ النَّقِمَةُ وَ كُلُّ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِ عُقُوبَةٌ لَهُ فِي الدُّنْيَا وَ عَذَابٌ لَهُ فِيهَا وَ أَمَّا الْكَافِرُ فَنَقِمَةٌ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَ سُوءُ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ وَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِذَنْبٍ وَ الذَّنْبُ مِنَ الشَّهْوَةِ وَ هِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِ خَطَأٌ وَ نِسْيَانٌ وَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَكْرَهاً وَ مَا لَا يُطِيقُ وَ مَا كَانَ فِي الْكَافِرِ فَعَمْدٌ وَ جُحُودٌ وَ اعْتِدَاءٌ وَ حَسَدٌ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ (4)
بيان أو قال الترديد من الراوي و الحطم الكسر و لو لا الريح أي التي تدخل المعدة مع الطعام و الشراب أو المتولدة في المعدة أو الالتهاب من الأولى و خروج الثفل من الثانية كما ذكر الأطباء أن الرياح المتولدة فيها تعين على إحدار الثفل فالطين صورته أي مادته التي تقبل صورته و قال الفيروزآبادي و تستعمل الصورة بمعنى النوع و الصفة خلق من شأن الدنيا أي البدن و شأن الآخرة أي الروح فإذا جمع الله بينهما أي بين النشأتين صارت حياته في الأرض أي تعلقت روحه السماوية
____________
(1) القدس (خ).
(2) نقمته (خ).
(3) سورة الأنعام، الآية 129.
(4) العلل: ج 1،(ص)101 102، و الآية في سورة البقرة: 109.
297
بالجسد الأرضي فتدخل فيه على الجسمية أو تظهر آثارها في الأرض بتوسط البدن على التجرد ترد شأن الآخرة أي الروح إلى السماء فالحياة في الأرض أي بسبب كون الروح أو تعلقها في الأرض و الموت في السماء أي بسبب عروج الروح إلى السماء أو الروح في حال الحياة في الأرض و بعد الموت في السماء فردت الروح و النور إلى القدرة الأولى أي إلى عالم الأرواح التي هي أولى مخلوقاته تعالى و في بعض النسخ إلى القدس الأولى أي إلى عوالم القدس الأولى و يرجع كل أي من العناصر إلى جوهره الأول قبل الامتزاج أو كل من الروح و البدن إلى الجوهر الأول و تحركت الروح بالنفس كأن المراد بالروح هنا الحيوانية و بالنفس الناطقة أي عند الموت تتحرك الروح إلى السماء بسبب حركة النفس أو قطع تعلقها كحركة الروح في حال الحياة في البدن من الريح التي هي النفس أو المراد حركتها في حال الحياة أي الروح الحيوانية إنما تتحرك و تجري في مجاري البدن بسبب النفس حركتها التي بسبب الريح و التنفس (1) و يمكن أن يقرأ بالنفس بالتحريك أي حركة الروح الحيوانية تابعة للنفس كما أن النفس و تحركه تابع للريح فيرتكب تأويل في تأنيث الضمير كالأنفاس و نحوه و على هذا يحتمل وجها آخر بأن يكون المراد خروج الحيوانية بالنفس و خروجه كحركة الروح بالريح إلى السماء بعد خروجها و الروح في قوله فردت الروح يمكن أيضا حملها على الحيوانية فالمراد بالنور الناطقة و يدل عليه قوله فهو نور مؤيد بالعقل و إذا حملناها على الناطقة فالمراد بالنور كمالاتها و علمها و إدراكاتها و الأول في أكثر أجزاء الخبر أظهر و النكراء بالفتح الحيل و الخداع و الفطنة في الباطل قال في القاموس النكر و النكارة و النكراء و النكر بالضم الدهاء و الفتنة و المنكر و قد مر في الحديث أنها شبهة (2) بالعقل و ليست به.
قوله إحداهما من الروح أي ما يصيب روحه من الآلام الجسمانية و الروحانية
____________
(1) النفس (خ).
(2) شبيهة (ظ).
298
بلا توسط أحد و الأخرى ما يصيبه بسبب تسلط الغير عليه فهو النقمة أي ينتقم الله منه بغيره و عقوبة المؤمن منحصرة فيهما و أما الكافر فيجتمع عليه عقاب الدنيا و عذاب الآخرة و يحتمل أن تكون أن مخففة و كان المعنى إنما يفعله باستكراه الشهوة و عدم طاقته لمقاومتها لعسر تركها عليه لا بسبب اختياره و خروجه عن التكليف و أما الكافر فيفعلها عمدا و اعتداء و استهانة بأمر الله و نهيه كما ورد في خبر آخر فإذا وقع الاستخفاف فهو الكفر.
حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ الآية في سورة البقرة هكذا وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً قال البيضاوي علة ود مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ يجوز أن يتعلق بود أي تمنوا ذلك من عند أنفسهم و تشهيهم لا من قبل التدين و الميل مع الحق أو بحسدا أي حسدا بالغا منبعثا من أصل نفوسهم (1) انتهى و ظاهر الخبر أن الاستشهاد بقوله مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ أي باختيارهم لا باستكراه و اضطرار و خطإ و نسيان فيدل على أن المؤمن لا يرتكب المعصية إلا على أحد هذه الوجوه فالمراد بالمؤمن الكامل و هو الذي لا يخاف عليه العذاب في الآخرة و على ما أولنا يشمل غيره أيضا و لا يخفى ما في الخبر من التشويش و كأنه من الرواة و هو مع ذلك مشتمل على رموز خفية و أسرار غيبية و حكم ربانية و حقائق إيمانية لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ
7- الْعِلَلُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْمِقْدَامِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي (2) عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمَّا أَحَبَّ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقاً بِيَدِهِ وَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ الْجِنِّ وَ النَّسْنَاسِ فِي الْأَرْضِ سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ قَالَ وَ لَمَّا كَانَ مِنْ شَأْنِ اللَّهِ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ لِلَّذِي أَرَادَ مِنَ التَّدْبِيرِ وَ التَّقْدِيرِ لِمَا هُوَ مُكَوِّنُهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ عِلْمِهِ لَمَّا أَرَادَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ كَشَطَ عَنْ أَطْبَاقِ السَّمَاوَاتِ ثُمَّ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ انْظُرُوا إِلَى أَهْلِ
____________
(1) أنوار التنزيل: ج 1(ص)106.
(2) في المصدر: عن أبي جعفر (عليه السلام).
299
الْأَرْضِ مِنْ خَلْقِي مِنَ الْجِنِّ وَ النَّسْنَاسِ فَلَمَّا رَأَوْا مَا يَعْمَلُونَ فِيهَا مِنَ الْمَعَاصِي وَ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَ غَضِبُوا لِلَّهِ وَ أَسِفُوا عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَ لَمْ يَمْلِكُوا غَضَبَهُمْ أَنْ قَالُوا يَا رَبِّ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْقَادِرُ الْجَبَّارُ (1) الْقَاهِرُ الْعَظِيمُ الشَّأْنِ وَ هَذَا خَلْقُكَ الضَّعِيفُ الذَّلِيلُ فِي أَرْضِكَ يَتَقَلَّبُ (2) فِي قَبْضَتِكَ وَ يَعِيشُونَ بِرِزْقِكَ وَ يَسْتَمْتِعُونَ بِعَافِيَتِكَ وَ هُمْ يَعْصُونَكَ بِمِثْلِ هَذِهِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ لَا تَأْسَفُ وَ لَا تَغْضَبُ وَ لَا تَنْتَقِمُ لِنَفْسِكَ لِمَا تَسْمَعُ مِنْهُمْ وَ تَرَى وَ قَدْ عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْنَا وَ أَكْبَرْنَاهُ فِيكَ فَلَمَّا سَمِعَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَالَ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً لِي عَلَيْهِمْ فَيَكُونُ حَجَّةً لِي عَلَيْهِمْ فِي أَرْضِي عَلَى خَلْقِي فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ سُبْحَانَكَ أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قَالُوا (3) فَاجْعَلْهُ مِنَّا فَإِنَّا لَا نُفْسِدُ فِي الْأَرْضِ وَ لَا نَسْفِكُ الدِّمَاءَ قَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ يَا مَلَائِكَتِي إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْلُقَ خَلْقاً بِيَدِي أَجْعَلُ ذُرِّيَّتَهُ أَنْبِيَاءَ مُرْسَلِينَ وَ عِبَاداً صَالِحِينَ وَ أَئِمَّةً مُهْتَدِينَ أَجْعَلُهُمْ خُلَفَائِي عَلَى خَلْقِي فِي أَرْضِي يَنْهَوْنَهُمْ عَنْ مَعَاصِيَ (4) وَ يُنْذِرُونَهُمْ عَذَابِي وَ يَهْدُونَهُمْ إِلَى طَاعَتِي وَ يَسْلُكُونَ بِهِمْ طَرِيقَ سَبِيلِي وَ أَجْعَلُهُمْ حُجَّةً لِي عُذْراً أَوْ نُذْراً وَ أُبِينُ (5) النَّسْنَاسَ مِنْ أَرْضِي فَأُطَهِّرُهَا مِنْهُمْ وَ أَنْقُلُ مَرَدَةَ الْجِنِّ الْعُصَاةَ عَنْ بَرِيَّتِي وَ خَلْقِي وَ خِيَرَتِي وَ أُسْكِنُهُمْ فِي الْهَوَاءِ وَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ لَا يُجَاوِرُونَ نَسْلَ خَلْقِي وَ أَجْعَلُ بَيْنَ الْجِنِّ وَ بَيْنَ خَلْقِي حِجَاباً وَ لَا يَرَى نَسْلُ خَلْقِي الْجِنَّ وَ لَا يُؤَانِسُونَهُمْ وَ لَا يُخَالِطُونَهُمْ فَمَنْ (6) عَصَانِي مِنْ نَسْلِ خَلْقِيَ الَّذِينَ اصْطَفَيْتُهُمْ لِنَفْسِي أَسْكَنْتُهُمْ مَسَاكِنَ الْعُصَاةِ وَ أَوْرَدْتُهُمْ مَوَارِدَهُمْ وَ لَا أُبَالِي
____________
(1) المختار (خ).
(2) في المصدر: يتقلبون.
(3) في المصدر: و قالوا.
(4) فيه: المعاصى.
(5) سيأتي في البيان عن بعض النسخ «ابير» و عن بعضها «ابيد».
(6) زاد في المصدر: و لا يجالسونهم.
300
فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا رَبَّنَا افْعَلْ مَا شِئْتَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ (1) الْحَكِيمُ فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ وَ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ تَقَدَّمَ (2) إِلَى الْمَلَائِكَةِ فِي آدَمَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَخْلُقَهُ احْتِجَاجاً مِنْهُ عَلَيْهِمْ قَالَ فَاغْتَرَفَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى غُرْفَةً مِنَ الْمَاءِ الْعَذْبِ الْفُرَاتِ فَصَلْصَلَهَا فَجَمَدَتْ ثُمَّ قَالَ لَهَا مِنْكِ أَخْلُقُ النَّبِيِّينَ وَ الْمُرْسَلِينَ وَ عِبَادِيَ الصَّالِحِينَ وَ الْأَئِمَّةَ الْمُهْتَدِينَ الدُّعَاةَ إِلَى الْجَنَّةِ وَ أَتْبَاعَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ لَا أُبَالِي وَ لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ يَعْنِي بِذَلِكَ خَلْقَهُ أَنَّهُ سَيَسْأَلُهُمْ ثُمَّ اغْتَرَفَ غُرْفَةً مِنَ الْمَاءِ الْمَالِحِ الْأُجَاجِ فَصَلْصَلَهَا فَجَمَدَتْ ثُمَّ قَالَ لَهَا مِنْكِ أَخْلُقُ الْجَبَّارِينَ وَ الْفَرَاعِنَةَ وَ الْعُتَاةَ (3) إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَ الدُّعَاةَ إِلَى النَّارِ يَوْمَ (4) الْقِيَامَةِ وَ أَتْبَاعَهُمْ وَ لَا أُبَالِي وَ لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ قَالَ وَ شَرَطَ فِي ذَلِكَ الْبَدَاءَ وَ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي أَصْحَابِ الْيَمِينِ الْبَدَاءَ ثُمَّ خَلَطَ الْمَاءَيْنِ فَصَلْصَلَهُمَا ثُمَّ أَلْقَاهُمَا قُدَّامَ عَرْشِهِ وَ هُمَا ثُلَّةٌ مِنْ طِينٍ ثُمَّ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ الْأَرْبَعَةَ الشِّمَالَ وَ الدَّبُورَ وَ الصَّبَا وَ الْجَنُوبَ أَنْ جَوِّلُوا عَلَى هَذِهِ السُّلَالَةِ (5) الطِّينِ وَ أَبْرِءُوهَا وَ أَنْشِئُوهَا (6) ثُمَّ جَزِّءُوهَا وَ فَصِّلُوهَا وَ أَجْرُوا فِيهَا (7) الطَّبَائِعَ الْأَرْبَعَةَ الرِّيحَ وَ الْمِرَّةَ وَ الدَّمَ وَ الْبَلْغَمَ قَالَ فَجَالَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهَا وَ هِيَ الشِّمَالُ وَ الصَّبَا وَ الْجَنُوبُ وَ الدَّبُورُ فَأَجْرَوْا فِيهَا الطَّبَائِعَ الْأَرْبَعَةَ قَالَ وَ الرِّيحُ فِي الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْبَدَنِ مِنْ نَاحِيَةِ الشِّمَالِ قَالَ وَ الْبَلْغَمُ فِي الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْبَدَنِ مِنْ نَاحِيَةِ الصَّبَا قَالَ وَ الْمِرَّةُ فِي الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْبَدَنِ مِنْ نَاحِيَةِ الدَّبُورِ قَالَ وَ الدَّمُ فِي الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْبَدَنِ مِنْ نَاحِيَةِ الْجَنُوبِ قَالَ فَاسْتَقَلَّتِ النَّسَمَةُ وَ كَمَلَ الْبَدَنُ قَالَ فَلَزِمَهُ
____________
(1) العلى (خ).
(2) تقدمة (خ).
(3) في المصدر: و اخوان.
(4) فيه: الى يوم القيامة.
(5) فيه: الثلة.
(6) فيه: و انسموها.
(7) فيه: و أجروا إليها.
301
مِنْ نَاحِيَةِ الرِّيحِ حُبُّ الْحَيَاةِ وَ طُولُ الْأَمَلِ وَ الْحِرْصُ وَ لَزِمَهُ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَلْغَمِ حُبُّ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ وَ اللِّينُ وَ الرِّفْقُ وَ لَزِمَهُ مِنْ نَاحِيَةِ الْمِرَّةِ الْغَضَبُ وَ السَّفَهُ وَ الشَّيْطَنَةُ وَ التَّجَبُّرُ وَ التَّمَرُّدُ وَ الْعَجَلَةُ وَ لَزِمَهُ مِنْ نَاحِيَةِ الدَّمِ حُبُّ النِّسَاءِ وَ اللَّذَّاتِ وَ رُكُوبُ الْمَحَارِمِ وَ الشَّهَوَاتِ قَالَ عَمْرٌو أَخْبَرَنِي جَابِرٌ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)قَالَ وَجَدْنَاهُ فِي كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ عَلِيٍّ(ع)(1).
تفسير علي بن إبراهيم، عن أبيه عن ابن محبوب عن عمرو بن أبي المقدام عن ثابت الحداد عن جابر الجعفي عن أبي جعفر(ع)مثله بأدنى تغيير و قد أوردناه بلفظ التفسير في باب خلق آدم(ع)(2) بيان لما هو مكونه متعلق بالتقدير و التدبير على التنازع و علمه معطوف على الذي أو على شأن الله أو علمه بصيغة الماضي عطفا على هو مكونه و لما أراد بالتشديد تأكيد لقوله لما أحب لبعد العهد بين الشرط و الجزاء و قال الجوهري كشطت الجل عن ظهر الفرس و الغطاء عن الشيء إذا كشفته عنه و في المصباح أسف غضب وزنا و معنى أن قالوا أي إلى أن قالوا و أن ليس في التفسير و فيه يتقلبون و هو أظهر و ما هنا لرعاية إفراد لفظ الخلق و فيه خليفة يكون حجة لي في أرضي على خلقي بيدي أي بقدرتي و أبين النسناس أي أخرجهم و في بعض النسخ أبير أي أهلك و في التفسير أبيد بمعناه و المردة جمع المارد و هو العاتي و في الصحاح الصلصال الطين الحر خلط بالرمل فصار يتصلصل إذا جف و الحمأ الطين الأسود و المسنون المتغير المنتن و قال ثلة البئر ما أخرج من ترابها و الثلة بالضم الجماعة من الناس انتهى و في التفسير سلالة من طين و سلالة الشيء ما استل منه أن جولوا من الجولان و في التفسير أن يجولوا و ابروها من البري بمعنى النحت أو بالهمز أي اجعلوها مستعدة لأن أبرأها و أنشئها مجازا و البر التراب و يمكن
____________
(1) العلل: ج 1،(ص)98- 100.
(2) تفسير القمّيّ: 31.
302
أن يكون من التأبير و في القاموس أبر النخل و الزرع كأبره أصلحه و لعل المراد بالريح المرة الصفراء و بالمرة السوداء كما مر أو بالعكس أو المراد بالريح الروح الحيواني و بالمرة المرتان و في التفسير الصغير لعلي بن إبراهيم و أجروا فيها الطبائع الأربع المرتين و الدم و البلغم إلى قوله فالدم من ناحية الصبا و البلغم من ناحية الشمال و المرة الصفراء من ناحية الجنوب و المرة السوداء من ناحية الدبور.
8- الْعِلَلُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا رَفَعَهُ (1) قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)عِرْفَانُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ أَنْ يَعْرِفَهَا بِأَرْبَعِ طَبَائِعَ وَ أَرْبَعِ دَعَائِمَ وَ أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ وَ طَبَائِعُهُ الدَّمُ وَ الْمِرَّةُ وَ الرِّيحُ وَ الْبَلْغَمُ وَ دَعَائِمُهُ الْعَقْلُ وَ مِنَ الْعَقْلِ الْفِطْنَةُ وَ الْفَهْمُ وَ الْحِفْظُ وَ الْعِلْمُ وَ أَرْكَانُهُ النُّورُ وَ النَّارُ وَ الرُّوحُ وَ الْمَاءُ فَأَبْصَرَ وَ سَمِعَ وَ عَقَلَ بِالنُّورِ وَ أَكَلَ وَ شَرِبَ بِالنَّارِ وَ جَامَعَ وَ تَحَرَّكَ بِالرُّوحِ وَ وَجَدَ طَعْمَ الذَّوْقِ وَ الطُّعْمِ بِالْمَاءِ فَهَذَا تَأْسِيسُ صُورَتِهِ فَإِذَا كَانَ عَالِماً حَافِظاً ذَكِيّاً فَطِناً فَهِماً عَرَفَ فِي مَا هُوَ وَ مِنْ أَيْنَ تَأْتِيهِ الْأَشْيَاءُ وَ لِأَيِّ شَيْءٍ هُوَ هَاهُنَا وَ لِمَا هُوَ (2) صَائِرٌ بِإِخْلَاصِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَ الْإِقْرَارِ بِالطَّاعَةِ وَ قَدْ جَرَى فِيهِ النَّفْسُ وَ هِيَ حَارَّةٌ وَ تَجْرِي فِيهِ وَ هِيَ بَارِدَةٌ فَإِذَا حَلَّتْ بِهِ الْحَرَارَةُ أَشِرَ وَ بَطِرَ وَ ارْتَاحَ وَ قَتَلَ وَ سَرَقَ وَ نَصَحَ (3) وَ اسْتَبْشَرَ وَ فَجَرَ وَ زَنَى وَ اهْتَزَّ وَ بَذَخَ وَ إِذَا كَانَتْ بَارِدَةً اهْتَمَّ وَ حَزِنَ وَ اسْتَكَانَ وَ ذَبَلَ وَ نَسِيَ وَ أَيِسَ فَهِيَ الْعَوَارِضُ الَّتِي تَكُونُ مِنْهَا (4) الْأَسْقَامُ فَإِنَّهُ سَبِيلُهَا وَ لَا يَكُونُ أَوَّلُ ذَلِكَ إِلَّا لِخَطِيئَةٍ عَمِلَهَا فَيُوَافِقُ ذَلِكَ مَأْكَلٌ أَوْ مَشْرَبٌ فِي إِحْدَى سَاعَاتٍ لَا تَكُونُ تِلْكَ السَّاعَةُ مُوَافِقَةً لِذَلِكَ الْمَأْكَلِ وَ الْمَشْرَبِ بِحَالِ الْخَطِيئَةِ فَيَسْتَوْجِبُ الْأَلَمَ مِنْ أَلْوَانِ الْأَسْقَامِ وَ قَالَ جَوَارِحُ الْإِنْسَانِ وَ عُرُوقُهُ وَ أَعْضَاؤُهُ جُنُودٌ لِلَّهِ (5)
____________
(1) في المصدر: يرفعه.
(2) و الى ما (خ).
(3) في المصدر: «و بهج» و هو الظاهر.
(4) فيه و في بعض نسخ الكتاب: فيها.
(5) جنود اللّه (خ).
303
مُجَنَّدَةٌ عَلَيْهِ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ سُقْماً سَلَّطَهَا عَلَيْهِ فَأَسْقَمَهُ مِنْ حَيْثُ يُرِيدُ بِهِ ذَلِكَ السُّقْمَ (1).
بيان قوله و الفهم عطف على العقل أو عد العقل أربعا باعتبار شعبه و الأول أظهر و قال الراغب في مفرداته النور الضوء المنتشر الذي يعين على الإبصار و ذلك ضربان دنيوي و أخروي فالدنيوي ضربان ضرب معقول بعين البصيرة و هو ما انتشر من الأمور الإلهية كنور العقل و نور القرآن و محسوس بعين البصر و هو ما انتشر من الأجسام النيرة كالقمر و النجوم و النيران فمن النور الإلهي قوله عز و جل قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ (2) و قال وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ (3) و قال وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا (4) و قال فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ (5) و قال نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ (6) ثم قال و من النور الأخروي قوله يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ (7) و قوله انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ (8) و سمى الله نفسه نورا فقال اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ (9) انتهى.
عرف في ما هو أي فناء الدنيا و دناءتها و أحوال نفسه و ضعفه و عجزه و من أين تأتيه الأشياء أي يؤمن بالقضاء و القدر و يعلم أسباب الخير و الشر و السعادة و الشقاوة و لأي شيء هو هاهنا أي في الدنيا للمعرفة و الطاعة و إلى ما هو صائر من الآخرة و قوله بإخلاص الطاعة إما حال عن فاعل عرف أي متلبسا به أو متعلق بصائر أي يعلم أن مصيره إلى الجنة إذا أخلص الوحدانية أو متعلق بالمعرفة علة لها
____________
(1) العلل: ج 1،(ص)102- 103.
(2) المائدة: 15.
(3) الأنعام: 122.
(4) الشورى: 52.
(5) الزمر: 22.
(6) النور: 35.
(7) الحديد: 12.
(8) الحديد: 13.
(9) النور: 35.
304
و الارتياح النشاط و البذخ الكبر بذخ كفرح و ذبل ذوي و ضمر (1) بحال الخطيئة أي تلك الموافقة بسبب الخطيئة و قال الجوهري الجند الأنصار و الأعوان و فلان جنّد الجنود.
9- الْعِلَلُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْبَرْقِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ لِرَجُلٍ اعْلَمْ يَا فُلَانُ إِنَّ مَنْزِلَةَ الْقَلْبِ مِنَ الْجَسَدِ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ مِنَ النَّاسِ الْوَاجِبِ الطَّاعَةِ عَلَيْهِمْ أَ لَا تَرَى أَنَّ جَمِيعَ جَوَارِحِ الْجَسَدِ شُرَطٌ لِلْقَلْبِ وَ تَرَاجِمَةٌ لَهُ مُؤَدِّيَةٌ عَنْهُ الْأُذُنَانِ وَ الْعَيْنَانِ وَ الْأَنْفُ وَ الْفَمُ وَ الْيَدَانِ وَ الرِّجْلَانِ وَ الْفَرْجُ فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا هَمَّ بِالنَّظَرِ فَتَحَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ وَ إِذَا هَمَّ بِالاسْتِمَاعِ حَرَّكَ أُذُنَيْهِ وَ فَتَحَ مَسَامِعَهُ فَسَمِعَ وَ إِذَا هَمَّ الْقَلْبُ بِالشَّمِّ اسْتَنْشَقَ بِأَنْفِهِ فَأَدَّى تِلْكَ الرَّائِحَةَ إِلَى الْقَلْبِ وَ إِذَا هَمَّ بِالنُّطْقِ تَكَلَّمَ بِاللِّسَانِ (2) وَ إِذَا هَمَّ بِالْحَرَكَةِ سَعَتِ الرِّجْلَانِ وَ إِذَا هَمَّ بِالشَّهْوَةِ تَحَرَّكَ الذَّكَرُ فَهَذِهِ كُلُّهَا مُؤَدِّيَةٌ عَنِ الْقَلْبِ بِالتَّحْرِيكِ وَ كَذَلِكَ يَنْبَغِي الإمام (3) [لِلْإِمَامِ أَنْ يُطَاعَ لِلْأَمْرِ مِنْهُ (4).
بيان: الشرط كصرد طائفة من أعوان الولاة.
10- الْعِلَلُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ الْبَزَنْطِيِّ عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ الْغِلْظَةَ فِي الْكَبِدِ وَ الْحَيَاءَ فِي الرِّيحِ وَ الْعَقْلَ مَسْكَنُهُ الْقَلْبُ (5).
11- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَصْرٍ وَ الْحَسَنِ بْنِ
____________
(1) ذوى- كضرب و فرح- ذويا: نشف ماؤه، و ضمر- كنصر و كرم-: هزل.
(2) زاد في المصدر: و إذا هم بالبطش عملت اليدان.
(3) فيه: للامام.
(4) العلل: ج 1،(ص)103.
(5) المصدر: ج 1،(ص)101.
305
فَضَّالٍ عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: الْحَزْمُ فِي الْقَلْبِ وَ الرَّحْمَةُ وَ الْغِلْظَةُ (1) فِي الْكَبِدِ وَ الْحَيَاءُ فِي الرِّئَةِ وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ لِأَبِي جَمِيلَةَ الْعَقْلُ مَسْكَنُهُ فِي الْقَلْبِ (2).
بيان الحزم ضبط الأمر و الأخذ فيه بالثقة و نسبته إلى القلب إما لأن المراد بالقلب النفس و هو ظاهر و إما لأن لقوة القلب مدخلا في حسن التدبير و الرحمة و الغلظة منسوبتان إلى الأخلاط المتولدة في الكبد فلذا نسبهما (3) إليه و يحتمل أن يكون لبعض صفاته مدخلا (4) فيهما كما هو المعروف بين الناس و كذا الرئة و لا يبعد أن يكون الريح في الخبر السابق تصحيف الرئة لاتحاد الراوي و على تقدير صحته المراد المرة السوداء أو الصفراء و الأول أنسب.
12- الْعِلَلُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا رَفَعَ الْحَدِيثَ قَالَ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ طِينَةَ آدَمَ أَمَرَ الرِّيَاحَ الْأَرْبَعَ فَجَرَتْ عَلَيْهَا فَأَخَذَتْ مِنْ كُلِّ رِيحٍ طَبِيعَتَهَا (5).
13- النُّصُوصُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ هَارُونَ بْنِ مُوسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَخْلَدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَزِيعٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَسَنِ بْنِ فُرَاتٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ هَاشِمٍ الْبَرِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي صِغَرِهِ عِنْدَ أَبِيهِ(ع)يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ أَيْنَ الضَّحِكُ قَالَ يَا مُحَمَّدُ الْعَقْلُ مِنَ الْقَلْبِ وَ الْحُزْنُ مِنَ الْكَبِدِ وَ النَّفَسُ مِنَ الرِّئَةِ وَ الضَّحِكُ مِنَ الطِّحَالِ فَقُمْتُ وَ قَبَّلْتُ رَأْسَهُ.
14- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ سِنَانٍ قَالَ سَمِعْتُ
____________
(1) الغضب (خ).
(2) روضة الكافي: 190.
(3) نسبتهما (خ).
(4) كذا في جميع النسخ، و الصواب «مدخل».
(5) العلل: ج 1،(ص)101.
306
أَبَا الْحَسَنِ(ع)يَقُولُ طَبَائِعُ الْجِسْمِ عَلَى أَرْبَعَةٍ فَمِنْهَا الْهَوَاءُ الَّذِي لَا تَحْيَا (1) النَّفْسُ إِلَّا بِهِ وَ بِنَسِيمِهِ وَ يُخْرِجُ مَا فِي الْجِسْمِ مِنْ دَاءٍ وَ عُفُونَةٍ وَ الْأَرْضُ الَّتِي قَدْ تُوَلِّدُ الْيُبْسَ وَ الْحَرَارَةَ وَ الطَّعَامُ وَ مِنْهُ يَتَوَلَّدُ الدَّمُ أَ لَا يرى (2) [تَرَى أَنَّهُ يَصِيرُ إِلَى الْمَعِدَةِ فَيُغَذِّيهِ حَتَّى يَلِينَ ثُمَّ يَصْفُو فَيَأْخُذُ (3) الطَّبِيعَةُ صَفْوَهُ دَماً ثُمَّ يَنْحَدِرُ الثُّفْلُ وَ الْمَاءُ وَ هُوَ يُوَلِّدُ الْبَلْغَمَ (4).
بيان طبائع الجسم على أربعة أي مبنى طبائع جسد الإنسان و صلاحها على أربعة أشياء و يحتمل أن يكون المراد بالطبائع ما له مدخل في قوام البدن و إن كان خارجا عنه فالمراد أنها على أربعة أقسام و يخرج ما في الجسم يدل على أن لتحرك النفس مدخلا في دفع الأدواء و رفع العفونات عن الجسد كما هو الظاهر و الأرض أي الثانية منها الأرض و هي تولد اليبس بطبعها و الحرارة بانعكاس أشعة الشمس و الكواكب عنها فلها مدخل في تولد المرة الصفراء و المرة السوداء و الطعام هذا هو الثالثة و إنما نسب الدم فقط إليها لأنها أدخل في قوام البدن من سائر الأخلاط مع عدم مدخلية الأشياء الخارجة كثيرا فيها و الماء هو الرابعة و مدخليتها في تولد البلغم ظاهرة.
15- الْإِخْتِصَاصُ، عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا يَرْفَعُهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ قَاسَ إِبْلِيسُ فَقَالَ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ وَ لَوْ عَلِمَ إِبْلِيسُ مَا خَلَقَ اللَّهُ (5) فِي آدَمَ لَمْ يَفْتَخِرْ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْمَلَائِكَةَ مِنْ نُورٍ (6) وَ خَلَقَ الْجَانَّ مِنَ النَّارِ وَ خَلَقَ الْجِنَّ صِنْفاً مِنَ الْجَانِّ مِنَ الرِّيحِ وَ خَلَقَ الْجِنَ (7) صِنْفاً مِنَ الْجِنِّ مِنَ الْمَاءِ وَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ صَفْحَةِ الطِّينِ ثُمَّ أَجْرَى فِي آدَمَ النُّورَ
____________
(1) لا تجيء (خ).
(2) في المصدر: أ لا ترى.
(3) فيه: فتأخذ.
(4) روضة الكافي: 230.
(5) في المصدر: ما جعل.
(6) في المصدر: من النور.
(7) كذا و في المصدر، و خلق صنفا.
307
وَ النَّارَ وَ الرِّيحَ وَ الْمَاءَ فَبِالنُّورِ أَبْصَرَ وَ عَقَلَ وَ فَهِمَ وَ بِالنَّارِ أَكَلَ وَ شَرِبَ وَ لَوْ لَا أَنَّ النَّارَ فِي الْمَعِدَةِ لَمْ يَطْحَنِ الْمَعِدَةُ الطَّعَامَ وَ لَوْ لَا أَنَّ الرِّيحَ فِي جَوْفِ آدَمَ تُلَهِّبُ نَارَ الْمَعِدَةِ لَمْ تَلْتَهِبْ وَ لَوْ لَا أَنَّ الْمَاءَ فِي جَوْفِ ابْنِ آدَمَ يُطْفِئُ حَرَّ نَارِ الْمَعِدَةِ لَأَحْرَقَتِ النَّارُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ فَجَمَعَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي آدَمَ الْخَمْسَ الْخِصَالِ (1) وَ كَانَتْ فِي إِبْلِيسَ خَصْلَةٌ فَافْتَخَرَ بِهَا (2).
16- نهج، نهج البلاغة قَالَ(ع)اعْجَبُوا لِهَذَا الْإِنْسَانِ يَنْظُرُ بِشَحْمٍ وَ يَتَكَلَّمُ بِلَحْمٍ وَ يَسْمَعُ بِعَظْمٍ وَ يَتَنَفَّسُ مِنْ خَرْمٍ (3).
17- الْعِلَلُ، لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ رَفَعَهُ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْمَوْتِ مِمَّا هُوَ وَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ هُوَ فَقَالَ هُوَ مِنَ الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ الَّتِي هِيَ مُرَكَّبَةٌ فِي الْإِنْسَانِ وَ هِيَ الْمِرَّتَانِ وَ الدَّمُ وَ الرِّيحُ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نُزِعْنَ هَذِهِ الطَّبَائِعُ مِنَ الْإِنْسَانِ فَيُخْلَقُ مِنْهَا الْمَوْتُ فَيُؤْتَى بِهِ فِي صُورَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ أَيْ أَغْبَرَ فَيُذْبَحُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ فَلَا يَكُونُ فِي الْإِنْسَانِ هَذِهِ الطَّبَائِعُ الْأَرْبَعُ فَلَا يَمُوتُ أَبَداً.
18- الْخِصَالُ، وَ الْعِلَلُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الطَّالَقَانِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَدَوِيِّ عَنْ عَبَّادِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ الرَّبِيعِ صَاحِبِ الْمَنْصُورِ قَالَ: حَضَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)مَجْلِسَ الْمَنْصُورِ يَوْماً وَ عِنْدَهُ رَجُلٌ مِنَ الْهِنْدِ يَقْرَأُ كُتُبَ الطِّبِّ فَجَعَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)يُنْصِتُ لِقِرَاءَتِهِ فَلَمَّا فَرَغَ الْهِنْدِيُّ قَالَ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَ تُرِيدُ مِمَّا مَعِي شَيْئاً قَالَ لَا فَإِنَّ مَعِي مَا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا مَعَكَ قَالَ وَ مَا هُوَ قَالَ أُدَاوِي الْحَارَّ بِالْبَارِدِ وَ الْبَارِدَ بِالْحَارِّ وَ الرَّطْبَ بِالْيَابِسِ وَ الْيَابِسَ بِالرَّطْبِ وَ أَرُدُّ الْأَمْرَ كُلَّهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَسْتَعْمِلُ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ أَعْلَمُ أَنَّ الْمَعِدَةَ بَيْتُ الدَّاءِ وَ أَنَّ الْحِمْيَةَ هِيَ الدَّوَاءُ وَ أُعَوِّدُ الْبَدَنَ مَا اعْتَادَ فَقَالَ الْهِنْدِيُّ وَ هَلِ الطِّبُّ إِلَّا هَذَا فَقَالَ الصَّادِقُ(ع)أَ فَتَرَانِي مِنْ كُتُبِ
____________
(1) خصال (خ).
(2) الاختصاص: 109، و فيه: فافتخر بها على آدم (عليه السلام).
(3) نهج البلاغة الرقم 7 من الحكم.
308
الطِّبِّ أَخَذْتُ قَالَ نَعَمْ قَالَ لَا وَ اللَّهِ مَا أَخَذْتُ إِلَّا عَنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَأَخْبِرْنِي أَنَا أَعْلَمُ بِالطِّبِّ أَمْ أَنْتَ قَالَ الْهِنْدِيُّ لَا بَلْ أَنَا قَالَ الصَّادِقُ(ع)فَأَسْأَلُكَ شَيْئاً قَالَ سَلْ قَالَ الصَّادِقُ(ع)أَخْبِرْنِي يَا هِنْدِيُّ لِمَ كَانَ فِي الرَّأْسِ شُئُونٌ قَالَ لَا أَعْلَمُ قَالَ فَلِمَ جُعِلَ الشَّعْرُ عَلَيْهِ مِنْ فَوْقُ قَالَ لَا أَعْلَمُ قَالَ فَلِمَ خَلَتِ الْجَبْهَةُ مِنَ الشَّعْرِ قَالَ لَا أَعْلَمُ قَالَ فَلِمَ كَانَ لَهَا تَخَاطِيطُ (1) وَ أَسَارِيرُ قَالَ لَا أَعْلَمُ قَالَ فَلِمَ كَانَ الْحَاجِبَانِ مِنْ فَوْقِ الْعَيْنَيْنِ (2) قَالَ لَا أَعْلَمُ قَالَ فَلِمَ جُعِلَ الْعَيْنَانِ كَاللَّوْزَتَيْنِ قَالَ لَا أَعْلَمُ قَالَ فَلِمَ جُعِلَ الْأَنْفُ (3) بَيْنَهُمَا قَالَ لَا أَعْلَمُ قَالَ فَلِمَ كَانَ ثَقْبُ الْأَنْفِ فِي أَسْفَلِهِ قَالَ لَا أَعْلَمُ قَالَ فَلِمَ جُعِلَتِ الشَّفَةُ وَ الشَّارِبُ مِنْ فَوْقِ الْفَمِ قَالَ لَا أَعْلَمُ قَالَ فَلِمَ احْتَدَّ السِّنُّ وَ عَرُضَ الضِّرْسُ وَ طَالَ (4) النَّابُ قَالَ لَا أَعْلَمُ قَالَ فَلِمَ جُعِلَتِ اللِّحْيَةُ لِلرِّجَالِ قَالَ لَا أَعْلَمُ قَالَ فَلِمَ خَلَتِ الْكَفَّانِ مِنَ الشَّعْرِ قَالَ لَا أَعْلَمُ قَالَ فَلِمَ خَلَا الظُّفُرُ وَ الشَّعْرُ مِنَ الْحَيَاةِ قَالَ لَا أَعْلَمُ قَالَ فَلِمَ كَانَ الْقَلْبُ كَحَبِّ الصَّنَوْبَرِ قَالَ لَا أَعْلَمُ قَالَ فَلِمَ كَانَتِ الرِّئَةُ قِطْعَتَيْنِ وَ جُعِلَ حَرَكَتُهَا فِي مَوْضِعِهَا قَالَ لَا أَعْلَمُ قَالَ فَلِمَ كَانَتِ الْكَبِدُ حَدْبَاءَ قَالَ لَا أَعْلَمُ قَالَ فَلِمَ كَانَتِ الْكُلْيَةُ كَحَبِّ اللُّوبِيَا قَالَ لَا أَعْلَمُ قَالَ فَلِمَ جُعِلَ طَيُّ الرُّكْبَةِ إِلَى خَلْفٍ قَالَ لَا أَعْلَمُ قَالَ فَلِمَ انْخَصَرَتِ (5) الْقَدَمُ قَالَ لَا أَعْلَمُ فَقَالَ الصَّادِقُ(ع)لَكِنِّي أَعْلَمُ قَالَ فَأَجِبْ فَقَالَ الصَّادِقُ(ع)كَانَ فِي الرَّأْسِ شُئُونٌ لِأَنَّ الْمُجَوَّفَ إِذَا كَانَ بِلَا فَصْلٍ أَسْرَعَ إِلَيْهِ الصُّدَاعُ (6) فَإِذَا جُعِلَ ذَا فُصُولٍ كَانَ الصُّدَاعُ (7) مِنْهُ أَبْعَدَ وَ جُعِلَ الشَّعْرُ مِنْ فَوْقِهِ لِيُوصِلَ بِوُصُولِهِ الْأَدْهَانَ إِلَى الدِّمَاغِ وَ
____________
(1) تخطيط (خ).
(2) فوق العين (خ).
(3) في ما بينهما (خ).
(4) أطال (خ).
(5) في العلل تخصرت.
(6) في العلل و الخصال: الصدع.
(7) في العلل و الخصال: الصدع.
309
يُخْرِجَ بِأَطْرَافِهِ الْبُخَارَ مِنْهُ وَ يَرُدَّ (1) الْحَرَّ وَ الْبَرْدَ الْوَارِدَيْنِ عَلَيْهِ وَ خَلَتِ الْجَبْهَةُ مِنَ الشَّعْرِ لِأَنَّهَا مَصَبُّ النُّورِ إِلَى الْعَيْنَيْنِ وَ جُعِلَ فِيهَا التَّخَاطِيطُ (2) وَ الْأَسَارِيرُ لِيُحْبَسَ الْعَرَقُ الْوَارِدُ مِنَ الرَّأْسِ عَنِ الْعَيْنِ قَدْرَ مَا يُمِيطُهُ الْإِنْسَانُ عَنْ (3) نَفْسِهِ كَالْأَنْهَارِ فِي الْأَرْضِ الَّتِي تَحْبِسُ الْمِيَاهَ وَ جُعِلَ الْحَاجِبَانِ مِنْ فَوْقِ الْعَيْنَيْنِ لِيَرُدَّا (4) عَلَيْهِمَا مِنَ النُّورِ قَدْرَ الْكِفَايَةِ أَ لَا تَرَى يَا هِنْدِيُّ أَنَّ مَنْ غَلَبَهُ النُّورُ جَعَلَ يَدَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ لِيَرُدَّ عَلَيْهِمَا قَدْرَ كِفَايَتِهِمَا مِنْهُ وَ جُعِلَ الْأَنْفُ فِي مَا بَيْنَهُمَا لِيُقْسَمَ النُّورُ قِسْمَيْنِ إِلَى كُلِّ عَيْنٍ سَوَاءً وَ كَانَتِ الْعَيْنُ كَاللَّوْزَةِ لِيَجْرِيَ فِيهَا الْمِيلُ بِالدَّوَاءِ وَ يَخْرُجَ مِنْهَا الدَّاءُ وَ لَوْ كَانَتْ مُرَبَّعَةً أَوْ مُدَوَّرَةً مَا جَرَى فِيهَا الْمِيلُ وَ مَا وَصَلَ إِلَيْهَا دَوَاءٌ وَ لَا خَرَجَ مِنْهَا دَاءٌ وَ جُعِلَ ثَقْبُ الْأَنْفِ فِي أَسْفَلِهِ لِيَنْزِلَ مِنْهُ الْأَدْوَاءُ الْمُنْحَدِرَةُ مِنَ الدِّمَاغِ وَ يَصْعَدَ (5) فِيهَا الْأَرَايِيحُ (6) إِلَى الْمَشَامِّ وَ لَوْ كَانَ فِي أَعْلَاهُ لَمَا نَزَلَ دَاءٌ وَ لَا وَجَدَ رَائِحَةً وَ جُعِلَ الشَّارِبُ وَ الشَّفَةُ فَوْقَ الْفَمِ لِحَبْسِ مَا يَنْزِلُ مِنَ الدِّمَاغِ عَنِ الْفَمِ لِئَلَّا يَتَنَغَّصَ عَلَى الْإِنْسَانِ طَعَامُهُ وَ شَرَابُهُ فَيُمِيطَهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ جُعِلَتِ اللِّحْيَةُ لِلرِّجَالِ لِيُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْكَشْفِ فِي الْمَنْظَرِ وَ يُعْلَمَ بِهَا الذَّكَرُ مِنَ (7) الْأُنْثَى وَ جُعِلَ السِّنُّ حَادّاً لِأَنَّ بِهِ يَقَعُ الْعَضُّ وَ جُعِلَ الضِّرْسُ عَرِيضاً لِأَنَّ بِهِ يَقَعُ الطَّحْنُ وَ الْمَضْغُ وَ كَانَ النَّابُ طَوِيلًا لِيَشُدَّ (8) الْأَضْرَاسَ وَ الْأَسْنَانَ كَالْأُسْطُوَانَةِ فِي الْبِنَاءِ وَ خَلَا الْكَفَّانِ مِنَ الشَّعْرِ لِأَنَّ بِهِمَا يَقَعُ اللَّمْسُ فَلَوْ كَانَ بِهِمَا شَعْرٌ مَا دَرَى الْإِنْسَانُ مَا يُقَابِلُهُ وَ يَلْمِسُهُ وَ خَلَا الشَّعْرُ وَ الظُّفُرُ مِنَ الْحَيَاةِ لِأَنَّ طُولَهُمَا سَمِجٌ يَقْبُحُ وَ قَصَّهُمَا حَسَنٌ فَلَوْ كَانَ فِيهِمَا حَيَاةٌ لَأَلِمَ الْإِنْسَانُ لِقَصِّهِمَا وَ كَانَ (9) الْقَلْبُ كَحَبِّ الصَّنَوْبَرِ لِأَنَّهُ مُنَكَّسٌ فَجُعِلَ
____________
(1) في العلل: و يرد عنه الحر.
(2) التخطيط (خ).
(3) من نفسه (خ).
(4) في العلل: «ليوردا» و في الخصال: «ليرد».
(5) في العلل و تصعد فيها الروائح.
(6) الارياح (خ).
(7) و الأنثى (خ).
(8) في الخصال: «ليشيد» و في بعض النسخ «ليسند».
(9) و جعل (خ).
310
رَأْسُهُ دَقِيقاً لِيَدْخُلَ فِي الرِّئَةِ فَيَتَرَوَّحَ عَنْهُ بِبَرْدِهَا لِئَلَّا يَشِيطَ الدِّمَاغُ بِحَرِّهِ وَ جُعِلَتِ الرِّئَةُ قِطْعَتَيْنِ لِيَدْخُلَ بَيْنَ مَضَاغِطِهَا (1) فَتَرَوَّحَ عَنْهُ بِحَرَكَتِهَا وَ كَانَتِ الْكَبِدُ حَدْبَاءَ لِتُثَقِّلَ الْمَعِدَةَ وَ تَقَعَ جَمِيعُهَا عَلَيْهَا فَتَعْصِرَهَا فَيَخْرُجَ مَا فِيهَا مِنَ الْبُخَارِ وَ جُعِلَتِ الْكُلْيَةُ كَحَبِّ اللُّوبِيَا لِأَنَّ عَلَيْهَا مَصَبَّ الْمَنِيِّ نُقْطَةً بَعْدَ نُقْطَةٍ فَلَوْ كَانَتْ مُرَبَّعَةً أَوْ مُدَوَّرَةً لَاحْتَبَسَتِ النُّقْطَةُ الْأُولَى الثَّانِيَةَ فَلَا يَلْتَذُّ بِخُرُوجِهَا الْحَيُّ إِذِ الْمَنِيُّ يَنْزِلُ مِنْ فِقَارِ الظَّهْرِ إِلَى الْكُلْيَةِ فَهِيَ كَالدُّودَةِ تَنْقَبِضُ وَ تَنْبَسِطُ تَرْمِيهِ أَوَّلًا فَأَوَّلًا إِلَى الْمَثَانَةِ كَالْبُنْدُقَةِ مِنَ الْقَوْسِ وَ جُعِلَ طَيُّ الرُّكْبَةِ إِلَى خَلْفٍ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَمْشِي إِلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَتَعْتَدِلُ الْحَرَكَاتُ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَسَقَطَ فِي الْمَشْيِ وَ جُعِلَتِ الْقَدَمُ مُتَخَصِّرَةً لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ جَمِيعُهُ ثَقُلَ ثِقْلَ حَجَرِ الرَّحَى إِذَا كَانَ عَلَى حَرْفِهِ دَفَعَهُ الصَّبِيُّ وَ إِذَا وَقَعَ عَلَى وَجْهِهِ صَعُبَ ثِقْلُهُ عَلَى الرَّجُلِ فَقَالَ الْهِنْدِيُّ مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا الْعِلْمُ فَقَالَ(ع)أَخَذْتُهُ عَنْ آبَائِي(ع)عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص- عَنْ جَبْرَئِيلَ(ع)عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ جَلَالُهُ الَّذِي خَلَقَ الْأَجْسَادَ وَ الْأَرْوَاحَ (2) فَقَالَ الْهِنْدِيُّ صَدَقْتَ وَ أَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ وَ عَبْدُهُ وَ أَنَّكَ أَعْلَمُ أَهْلِ زَمَانِكَ (3).
بيان قال في القاموس المعدة ككلمة و بالكسر موضع الطعام و قال الجوهري الشأن واحد الشئون و هي مواصل قبائل الرأس و ملتقاها و منها تجيء الدموع و قال السرر أيضا واحد أسرار الكف و الجبهة و هي خطوطها و جمع الجمع أسارير و الذي يظهر من كلام اللغويين أن السن و الضرس مترادفان و يظهر من إطلاقات الأخبار و غيرها اختصاص السن بالمقاديم الحداد و الضرس بالمآخير العراض و في المصباح حدب الإنسان من باب تعب إذا خرج ظهره و ارتفع عن الاستواء و الرجل أحدب و المرأة حدباء و قال الجوهري رجل مخصر القدمين إذا كانت قدمه تمس الأرض من مقدمها
____________
(1) مساقطها (خ).
(2) في العلل و الخصال: الاجسام.
(3) العلل: ج 1،(ص)92- 95: الخصال 98- 100.
311
و عقبها و تخوى (1) أخمصها مع دقة فيه قوله(ع)ليوصل بوصوله أي بسبب وصول الشعر إلى الدماغ تصل إليه الأدهان أو هو جمع الوصل إلى منابته و أصوله و لا يبعد أن يكون في الأصل بأصوله فصحف بقرينة مقابلة أطرافه قوله(ع)لأنها مصب النور و ذلك لأن طول الشعر من الجانب الأعلى إليهما و أكثر الأنوار السماوية ترد من الجهة العليا أو أن الأعصاب التي ترد منها الروح إليهما في باطن الجبهة و مع نبات الشعر تصل منابتها إلى تلك الأعصاب فتمنع ورود الروح التي هي محل النور أو أنه مزاج الروح الحامل للنور حار رطب و الشعر يتولد من المواد الباردة اليابسة فلا يتوافقان و الأول أظهر و يقال ماطه يميطه و أماطه أي نحاه و أبعده و في القاموس الريح معروف و الجمع أرواح و أرياح و رياح و ريح كعنب و جمع الجمع أراويح و أراييح قوله(ع)فيميطه عن نفسه أي فيحتاج إلى أن يميط ما ينزل من الدماغ في أثناء الأكل و الشرب عن نفسه أو فيميط الشارب و الشفة ما ينزل عنه و هو بعيد ليستغنى بها عن الكشف أي عن كشف العورة لاستعلام كونه ذكرا أم أنثى و قوله في المنظر متعلق بقوله يستغنى لا بالكشف ليشد الأضراس و في بعض النسخ ليسند و في المصباح السند بفتحتين ما استندت إليه من حائط و غيره يقال أسندته إلى الشيء فسند هو انتهى و على التقديرين لعل وجه كونه سندا من بين سائر الأسنان أنه لطوله يمنع وقوع الأسنان بعضه على بعض في بعض الأحوال كما أن الأسطوانة تمنع السقف من السقوط أو أنها لطولها و قوتها تكون أثبت من غيرها فتمنعها من التزلزل و السقوط لاتصالها كالأسطوانة التي تنصب في الأرض و يجعل بينها التخاتج فتمسكها و يؤيده أن هذا السن يسقط غالبا بعد سائرها فهو أقوى منها و أثبت.
ما يقابله كأنه كان يعامله فصحف مع أن أكثر ما يلمس يكون مقابلا ليدخل أي القلب بين مضاغطها أي بين قطعتي الرئة فتروح أي الرئة عنه أي القلب و في القاموس شاط يشيط شيطا احترق و فلان هلك انتهى و استعيرت
____________
(1) يخوى (خ).
312
النقطة هنا للشيء القليل و القطرة و الاحتباس يكون لازما و متعديا إلى الثانية أي منضمة إليها و هذا موافق لما مر من مذهب جالينوس في ذلك و كأنه كان مكان المثانة الأنثيين لأنهم لم يذكروا مرور المني على المثانة كما عرفت إلا أن يكون المراد رميه قريبا من المثانة كما مر و قال الشيخ في القانون في ذكر أوعية المني و هذه الأوعية تصعد أولا ثم تتصل برقبة المثانة أسفل من مجرى البول مع أن أكثر ما ذكره مبني على الظن و التخمين فإن صح الخبر و ضبطه كان قولهم في ذلك باطلا قوله(ع)يمشي إلى ما بين يديه أي يميل في المشي إلى قدامه فلو كان طي الركبة من القدام لانثنى أيضا من هذا الجانب فيسقط قوله إذا وقع على الأرض جميعه و ذلك لامتناع الخلأ لأنه إذا لم يكن بين السطحين هواء أصلا و انطبقتا لم يكن رفع أحدهما عن الآخر فيرتفعان معا و لو كان بينهما هواء قليل يرتفع لكن يعسر (1) لتوقفه على تخلخل هذا الهواء و دخول الهواء من خارج أيضا فتخصر القدم يوجب وجود هواء كثير تحت القدم فإذا رفع القدم يدخل تحت ما لصق بالأرض من قدام القدم و عقبه الهواء من الأطراف بسرعة و سهولة فلا يعسر رفعه.
19- الْعِلَلُ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّارِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ سُفْيَانَ الْحَرِيرِيِّ عَنْ مُعَاذٍ عَنْ بِشْرِ بْنِ يَحْيَى الْعَامِرِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَ مَعِي نُعْمَانُ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)مَنِ الَّذِي مَعَكَ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ لَهُ نَظَرٌ وَ نَفَاذُ (2) رَأْيٍ يُقَالُ لَهُ نُعْمَانُ (3) قَالَ فَلَعَلَّ هَذَا
____________
(1) يتعسر (خ).
(2) في المصدر: و نقاد و رأى.
(3) يعني أبا حنيفة، و هو نعمان بن ثابت بن مرزبان مولى تيم اللّه، و انحرافه عن الإمام الصّادق مشهور بين الفريقين، ينسب إليه مكتب الرأى و القياس، قال الغزالى: فأما ابو حنيفة فقد قلب الشريعة ظهر البطن و شوش مسلكها و غير نظامها و أردف جميع قواعد الشريعة بأصل هدم به شرع محمّد المصطفى (ص) و من فعل شيئا من هذا مستحلا كفر و من فعل غير مستحل فسق، ثمّ جرى في الطعن عليه بما لا يسع ذكره المجال من اراده راجع كتابه المسمى «المنخول في الأصول»، و قد ألف شيخنا المفيد- ره- رسالة في مخالفته لنصوص كتاب اللّه و سنة رسوله من باب الطهارة إلى الديات.
313
الَّذِي يَقِيسُ الْأَشْيَاءَ بِرَأْيِهِ فَقُلْتُ نَعَمْ قَالَ يَا نُعْمَانُ هَلْ تُحْسِنُ أَنْ تَقِيسَ رَأْسَكَ فَقَالَ لَا فَقَالَ مَا أَرَاكَ تُحْسِنُ شَيْئاً وَ لَا فَرْضَكَ إِلَّا مِنْ عِنْدِ غَيْرِكَ فَهَلْ عَرَفْتَ كَلِمَةً أَوَّلُهَا كُفْرٌ وَ آخِرُهَا إِيمَانٌ قَالَ لَا قَالَ فَهَلْ عَرَفْتَ مَا الْمُلُوحَةُ فِي الْعَيْنَيْنِ وَ الْمَرَارَةُ فِي الْأُذُنَيْنِ وَ الْبُرُودَةُ فِي الْمَنْخِرَيْنِ وَ الْعُذُوبَةُ فِي الشَّفَتَيْنِ قَالَ لَا قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَسِّرْ لَنَا جَمِيعَ مَا وَصَفْتَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ عَيْنَيِ ابْنِ آدَمَ مِنْ شَحْمَتَيْنِ فَجَعَلَ فِيهِمَا الْمُلُوحَةَ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَذَابَتَا فَالْمُلُوحَةُ تَلْفِظُ مَا يَقَعُ فِي الْعَيْنِ مِنَ الْقَذَى وَ جَعَلَ الْمَرَارَةَ فِي الْأُذُنَيْنِ حِجَاباً مِنَ الدِّمَاغِ فَلَيْسَ مِنْ دَابَّةٍ تَقَعُ فِيهِ إِلَّا الْتَمَسَتِ الْخُرُوجَ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَوَصَلَتْ إِلَى الدِّمَاغِ وَ جُعِلَتِ الْعُذُوبَةُ فِي الشَّفَتَيْنِ مَنّاً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى ابْنِ آدَمَ يَجِدُ (1) بِذَلِكَ عُذُوبَةَ الرِّيقِ وَ طَعْمَ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ وَ جَعَلَ الْبُرُودَةَ فِي الْمَنْخِرَيْنِ لِئَلَّا تَدَعَ فِي الرَّأْسِ شَيْئاً إِلَّا أَخْرَجَتْهُ قُلْتُ فَمَا الْكَلِمَةُ الَّتِي أَوَّلُهَا كُفْرٌ وَ آخِرُهَا إِيمَانٌ قَالَ قَوْلُ الرَّجُلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَوَّلُهَا كُفْرٌ وَ آخِرُهَا إِيمَانٌ ثُمَّ قَالَ يَا نُعْمَانُ إِيَّاكَ وَ الْقِيَاسَ فَقَدْ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنَّهُ قَالَ مَنْ قَاسَ شَيْئاً بِشَيْءٍ قَرَنَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَعَ إِبْلِيسَ فِي النَّارِ فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ قَاسَ عَلَى رَبِّهِ فَدَعِ الرَّأْيَ وَ الْقِيَاسَ فَإِنَّ الدِّينَ لَمْ يُوضَعْ بِالْقِيَاسِ وَ (2) بِالرَّأْيِ (3).
بيان أقول قد مرت أخبار كثيرة في هذا المعنى في باب البدع و المقاييس و في بعضها جعل الأذنين مرتين لئلا يدخلها شيء إلا مات لو لا ذلك لقتل ابن آدم الهوام و جعل الشفتين عذبتين ليجد ابن آدم طعم الحلو و المر و جعل العينين مالحتين لأنهما شحمتان و لو لا ملوحتهما لذابتا و جعل الأنف باردا سائلا لئلا يدع في الرأس داء إلا أخرجه و لو لا ذلك لثقل الدماغ و تدود و في بعضها و جعل الماء في المنخرين
____________
(1) في المصدر: فيجد.
(2) فيه: و لا بالرأى.
(3) العلل: ج 1،(ص)86.
314
ليصعد منه النفس و ينزل و يجد منه الريح الطيبة من الخبيثة قوله(ع)و لا فرضك أي ما أراك تحسن ما افترض الله عليك إلا إذا أخذته من غيرك و قوله فالملوحة تلفظ علة أخرى و جعل البرودة أي الماء البارد فإن السيلان علة لإخراج ما في الرأس لا البرودة (1) و هي علة لعدم سيلان الدماغ كما أشير إليه في الخبر الآخر.
20- الْعِلَلُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبَرْمَكِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْعَبَّاسِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقُلْتُ مَا الْعِلَّةُ فِي بَطْنِ الرَّاحَةِ لَا يَنْبُتُ فِيهِ الشَّعْرُ وَ يَنْبُتُ فِي ظَاهِرِهَا فَقَالَ لِعِلَّتَيْنِ أَمَّا إِحْدَاهُمَا فَلِأَنَّ النَّاسَ يَعْلَمُونَ الْأَرْضَ الَّتِي تُدَاسُ وَ يُكْثِرُ عَلَيْهَا الْمَشْيُ لَا تُنْبِتُ شَيْئاً وَ الْعِلَّةُ الْأُخْرَى لِأَنَّهَا جُعِلَتْ مِنَ الْأَبْوَابِ الَّتِي تُلَاقِي الْأَشْيَاءَ فَتُرِكَتْ لَا يَنْبُتُ عَلَيْهَا الشَّعْرُ لِتَجِدَ مَسَّ اللَّيِّنِ وَ الْخَشِنِ وَ لَا يَحْجُبَهَا الشَّعْرُ عَنْ وُجُودِ الْأَشْيَاءِ وَ لَا يَكُونُ بَقَاءُ الْخَلْقِ إِلَّا عَلَى ذَلِكَ (2).
بيان الأرض التي تداس كأنه علة لعدم نبات الشعر بعد الكبر لا ابتداء و الدوس الوطء بالرجل من الأبواب التي تلاقي الأشياء أي من أسباب العلم التي تدرك بها الأشياء بالملاقاة أو من الأعضاء التي تلاقي الأشياء كثيرا عن وجود الأشياء أي وجدان كيفياتها في القاموس وجد المطلوب كوعد وجدا و وجودا و وجدانا و إجدانا بكسرهما أدركه.
21 الْعِلَلُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيِّ رَفَعَهُ قَالَ: دَخَلَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا حَنِيفَةَ (3) بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقِيسُ قَالَ نَعَمْ أَنَا أَقِيسُ فَقَالَ وَيْلَكَ لَا تَقِسْ فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ قَاسَ إِبْلِيسُ قَالَ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قَاسَ
____________
(1) لعل المراد أن البرودة هي التي بسببها تتقطر الابخرة المتصاعدة إلى الدماغ فتسيل من المنخرين.
(2) العلل: ج 1(ص)95.
(3) يا أبا حنيفة (خ).
315
مَا بَيْنَ النَّارِ وَ الطِّينِ وَ لَوْ قَاسَ نُورِيَّةَ آدَمَ بِنُورِ النَّارِ عَرَفَ فَضْلَ مَا بَيْنَ النُّورَيْنِ وَ صَفَاءَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَ لَكِنْ قِسْ لِي رَأْسَكَ مَعَ جَسَدِكَ أَخْبِرْنِي عَنْ أُذُنَيْكَ مَا لَهُمَا مُرَّتَانِ وَ عَنْ عَيْنَيْكَ مَا لَهُمَا مَالِحَتَانِ وَ عَنْ شَفَتَيْكَ مَا لَهُمَا عَذْبَتَانِ وَ عَنْ أَنْفِكَ مَا لَهُ بَارِدٌ فَقَالَ لَا أَدْرِي فَقَالَ لَهُ أَنْتَ لَا تُحْسِنُ (1) تَقِيسُ رَأْسَكَ تَقِيسُ الْحَلَالَ وَ الْحَرَامَ فَقَالَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَخْبِرْنِي كَيْفَ ذَلِكَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَ الْأُذُنَيْنِ مُرَّتَيْنِ لِئَلَّا يَدْخُلَهُمَا شَيْءٌ إِلَّا مَاتَ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَقَتَلَتِ الدَّوَابُّ ابْنَ آدَمَ وَ جَعَلَ الْعَيْنَيْنِ مَالِحَتَيْنِ لِأَنَّهَا شَحْمَتَانِ وَ لَوْ لَا مُلُوحَتُهُمَا لَذَابَتَا وَ جَعَلَ الشَّفَتَيْنِ عَذْبَتَيْنِ لِيَجِدَ ابْنُ آدَمَ طَعْمَ الْحُلْوِ وَ الْمُرِّ وَ جَعَلَ الْأَنْفَ بَارِداً سَائِلًا لِئَلَّا يَدَعَ فِي الرَّأْسِ دَاءً إِلَّا أَخْرَجَهُ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَثَقُلَ الدِّمَاغُ وَ تَدَوَّدَ.
وَ قَالَ الْبَرْقِيُّ وَ رَوَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ قَالَ فِي الْأُذُنَيْنِ لِامْتِنَاعِهِمَا مِنَ الْعِلَاجِ وَ قَالَ فِي مَوْضِعِ ذِكْرِ الشَّفَتَيْنِ الرِّيقَ فَإِنَّمَا عَذُبَ الرِّيقُ لِيُمَيَّزَ بِهِ بَيْنَ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ وَ قَالَ فِي ذِكْرِ الْأَنْفِ لَوْ لَا بَرْدُ مَاءِ (2) الْأَنْفِ وَ إِمْسَاكُهُ الدِّمَاغَ لَسَالَ الدِّمَاغُ مِنْ حَرَارَتِهِ (3).
- وَ مِنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَقِيلِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيِّ رَفَعَ الْحَدِيثَ وَ ذَكَرَ مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ وَ تَدَوَّدَ (4).
بيان و تدود أي تولد فيه الدود لامتناعهما من العلاج أي لتكونا بطبعهما آبيتين (5) ممتنعتين عن أن تعالج الدواب فيهما بعد دخولهما بل تموت أو تخرج أو لأنهما لكونهما غائرتين في الرأس يشكل علاجهما إذا لذعتهما هامة أو دابة فينفذ السم سريعا إلى الدماغ فيهلك.
____________
(1) في المصدر: لا تحسن أن تقيس رأسك، فكيف تقيس الحلال و الحرام؟.
(2) ما في الانف (خ).
(3) العلل: ج 1،(ص)82.
(4) المصدر: 81.
(5) في نسخ الكتاب: آيتين.
316
22- الْمَنَاقِبُ، مِمَّا أَجَابَ الرِّضَا(ع)بِحَضْرَةِ الْمَأْمُونِ لِضُبَاعِ بْنِ نَصْرٍ الْهِنْدِيِّ وَ عِمْرَانَ الصَّابِي عَنْ مَسَائِلِهِمَا قَالا فَمَا بَالُ الرَّجُلِ يَلْتَحِي دُونَ الْمَرْأَةِ قَالَ(ع)زَيَّنَ اللَّهُ الرِّجَالَ بِاللِّحَى وَ جَعَلَهَا فَصْلًا يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى الرِّجَالِ (1) وَ النِّسَاءِ (2).
23- مَجَالِسُ الشَّيْخِ، عَنْ جَمَاعَةٍ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُوسَوِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ (3) بْنِ أَحْمَدَ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ سَبْرَةَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الصَّادِقِ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فِي ابْنِ آدَمَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَ سِتُّونَ عِرْقاً مِنْهَا مِائَةٌ وَ ثَمَانُونَ مُتَحَرِّكَةٌ وَ مِائَةٌ وَ ثَمَانُونَ سَاكِنَةٌ فَلَوْ سَكَنَ الْمُتَحَرِّكُ لَمْ يَبْقَ الْإِنْسَانُ وَ لَوْ تَحَرَّكَ السَّاكِنُ لَهَلَكَ الْإِنْسَانُ الْخَبَرَ.
المكارم، عن علي(ع)عنه(ص)مثله (4).
24- الْعِلَلُ، لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْعِلَّةُ فِي زِيَادَةِ ضِلْعِ الْمَرْأَةِ عَلَى ضِلْعِ الرَّجُلِ لِمَكَانِ الْجَنِينِ كَيْ يَتَّسِعَ جَوْفُهَا لِلْوَلَدِ.
25 الْكَافِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَنْبَارِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَحْمَدُ اللَّهَ فِي كُلِّ يَوْمٍ ثَلَاثَمِائَةٍ وَ سِتِّينَ مَرَّةً عَدَدَ عُرُوقِ الْجَسَدِ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ كَثِيراً عَلَى كُلِّ حَالٍ (5).
26- وَ مِنْهُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ وَ حُمَيْدِ بْنِ زِيَادٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ جَمِيعاً عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْمِيثَمِيِّ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ فِي ابْنِ آدَمَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَ سِتِّينَ عِرْقاً مِنْهَا مِائَةٌ وَ ثَمَانُونَ مُتَحَرِّكَةٌ
____________
(1) من النساء.
(2) المناقب: ج 4،(ص)354.
(3) كذا ذكره النجاشيّ، و عن الفاضل الجزائريّ في الحاوى أن ضبطه مصغرا سهو إن لم يكن رجلا آخر، و احتمل بعضهم كونه مسمى باسمين.
(4) المكارم: 357.
(5) الكافي: ج 2،(ص)503.
317
وَ مِنْهَا مِائَةٌ وَ ثَمَانُونَ سَاكِنَةٌ فَلَوْ سَكَنَ الْمُتَحَرِّكُ لَمْ يَنَمْ وَ لَوْ تَحَرَّكَ السَّاكِنُ لَمْ يَنَمْ وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِذَا أَصْبَحَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ كَثِيراً عَلَى كُلِّ حَالٍ ثَلَاثَمِائَةٍ وَ سِتِّينَ مَرَّةً وَ إِذَا أَمْسَى قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ (1).
العلل، عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن يعقوب بن يزيد عن الميثمي مثله (2).
27 الْمَنَاقِبُ لِابْنِ شَهْرَآشُوبَ، عَنْ سَالِمٍ الضَّرِيرِ أَنَّ نَصْرَانِيّاً سَأَلَ (3) الصَّادِقَ(ع)عَنْ أَسْرَارِ الطِّبِّ ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ تَفْصِيلِ الْجِسْمِ فَقَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ وَصْلًا وَ عَلَى مِائَتَيْنِ وَ ثَمَانِيَةٍ وَ أَرْبَعِينَ عَظْماً وَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ وَ سِتِّينَ عِرْقاً فَالْعُرُوقُ هِيَ الَّتِي تَسْقِي الْجَسَدَ كُلَّهُ وَ الْعِظَامُ تُمْسِكُهَا وَ اللَّحْمُ يُمْسِكُ الْعِظَامَ وَ الْعَصَبُ يُمْسِكُ اللَّحْمَ وَ جَعَلَ فِي يَدَيْهِ اثْنَيْنِ وَ ثَمَانِينَ عَظْماً فِي كُلِّ يَدٍ أَحَدٌ وَ أَرْبَعُونَ عَظْماً مِنْهَا فِي كَفِّهِ خَمْسَةٌ وَ ثَلَاثُونَ عَظْماً وَ فِي سَاعِدِهِ اثْنَانِ وَ فِي عَضُدِهِ وَاحِدٌ وَ فِي كَتِفِهِ ثَلَاثَةٌ فَذَلِكَ أَحَدٌ وَ أَرْبَعُونَ عَظْماً وَ كَذَلِكَ فِي الْأُخْرَى وَ فِي رِجْلِهِ ثَلَاثَةٌ وَ أَرْبَعُونَ عَظْماً مِنْهَا فِي قَدَمِهِ خَمْسَةٌ وَ ثَلَاثُونَ عَظْماً وَ فِي سَاقِهِ اثْنَانِ وَ فِي رُكْبَتِهِ ثَلَاثَةٌ وَ فِي فَخِذِهِ وَاحِدٌ وَ فِي وَرِكِهِ اثْنَانِ وَ كَذَلِكَ فِي الْأُخْرَى وَ فِي صُلْبِهِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ فَقَارَةً وَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ (4) مِنْ جَنْبَيْهِ تِسْعَةُ أَضْلَاعٍ وَ فِي وَقَصَتِهِ (5) ثَمَانِيَةٌ وَ فِي رَأْسِهِ سِتَّةٌ وَ ثَلَاثُونَ عَظْماً وَ فِي فِيهِ ثَمَانِيَةٌ وَ عِشْرُونَ أَوِ اثْنَانِ وَ ثَلَاثُونَ عَظْماً (6).
تبيين يمكن أن يكون المراد وصل الأعضاء العظيمة بعضها ببعض كالرأس و العنق العضدين و الساعدين و الوركين مع الفخذين و الساقين و الأضلاع من اليمين و الأضلاع
____________
(1) الكافي: ج 2،(ص)503.
(2) العلل: ج 2،(ص)42.
(3) في المصدر: سأل الصادق (ع) عن تفصيل.
(4) واحدة (خ).
(5) في المصدر: و في عنقه.
(6) المناقب: ج 4،(ص)256.
318
من الشمال و كأن المراد بالوقصة العنق قال الفيروزآبادي وقص عنقه كوعد كسرها و الوقص بالتحريك قصر العنق انتهى فعدها ثمانية باعتبار ضم بعض فقرات الظهر إليها لقربها منها و انحنائها و يحتمل أن يكون في الأصل و في وقيصته و هي عظام وسط الظهر و هي على المشهور سبعة فتكون الثمانية بضم الترقوة إليها و في بعض النسخ في أول الخبر و ستة و أربعين عظما و هو تصحيف لأنه لا يستقيم الحساب و الأسنان غير داخلة في عدد العظام فيدل على أنها ليست بعظم و قد اختلف الأطباء في ذلك اختلافا عظيما فمنهم من ذهب إلى أنها عظم و قيل هو عصب و قيل عضو مركب.
و ظاهر الأخبار أنها نوع آخر غير العظم و العصب لأنهم(ع)عدوها في ما لا تحله الحياة من الحيوان مقابلا للقرن و العظم و الظلف و الحافر و غيرها و هو لا ينافي المذهب الأخير كثيرا و ظاهر الأخبار أنه لا حس لها و لم تحلها الحياة كما ذهب إليه بعض الأطباء و قال بعضهم لها حس قال في القانون ليس لشيء من العظام حس البتة إلا للأسنان فإن جالينوس قال بل التجربة تشهد أن لها حسا أعينت به بقوة تأتيها من الدماغ ليميز أيضا بين الحار و البارد و قال القرشي قال جالينوس ليس بشيء (1) من العظام حس إلا للأسنان لأن قوة الحس تأتيها في عصب لين و هذا عجب فإنه كيف جعل لينا و هو مخالط للعظام و ينبغي أن يكون شبيها بجرمها فيكون صلبا لئلا تتضرر بمماستها و قال بقي هاهنا بحث و هو أن الأسنان عظام أو ليس بعظام و قد شنع جالينوس على من لا يجعلها عظاما و جعلهم سوفسطائية و استدل على أنها عظام بما هو عين السفسطة و ذلك لأنه قال ما هذا معناه لأنها لو لم تكن عظاما لكانت إما أن تكون عروقا أو شرايين أو لحما أو عصبا و معلوم أنها ليست كذلك و هذا غير لازم فإن القائلين بأنها ليست بعظام يجعلونها من الأعضاء المؤلفة لا من هذه المفردة و يستدلون على تركيبها بما يشاهد فيها من الشظايا و تلك رباطية و عصبية قالوا و هذا يوجد في أسنان الحيوانات الكبار ظاهرا.
____________
(1) لشيء (خ).
319
و قوله(ع)و في فيه ثمانية و عشرون أي في بدء الإنبات ثم ينبت في قريب من العشرين أربعة أخرى تسمى أسنان الحلم بالكسر بمعنى العقل أو بالضم بمعنى الاحتلام يعني البلوغ و لذا قال(ع)بعده و اثنان و ثلاثون و يحتمل أن يكون باعتبار اختلافها في الأشخاص قال في القانون الأسنان اثنتان و ثلاثون سنا و ربما عدمت النواجد منها في بعض الناس و هي الأربعة الطرفانية فكانت ثماني و عشرين سنا فمن الأسنان ثنيتان و رباعيتان من فوق و مثلهما من أسفل للقطع و نابان من فوق و نابان من تحت للكسر و أضراس للطحن في كل جانب فوقاني و سفلاني أربعة أو خمسة فكل ذلك اثنتان و ثلاثون سنا أو ثماني و عشرون و النواجد تنبت في الأكثر في وسط زمان النمو و هو بعد البلوغ إلى الوقف و ذلك أن الوقوف قريب من ثلاثين سنة و لذلك تسمى أسنان الحلم.
28- الْكَافِي، عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْعَزْرَمِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً فِي أَصْلَابِهِمْ أَرْحَامٌ كَأَرْحَامِ النِّسَاءِ قَالَ فَسُئِلَ فَمَا لَهُمْ لَا يَحْمِلُونَ فَقَالَ إِنَّهَا مَنْكُوسَةٌ وَ لَهُمْ فِي أَدْبَارِهِمْ غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْجَمَلِ أَوِ الْبَعِيرِ فَإِذَا هَاجَتْ هَاجُوا وَ إِذَا سَكَنَتْ سَكَنُوا (1).
29 وَ مِنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ صَالِحِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ رِفَاعَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ ضَرَبَ رَجُلًا فَنَقَصَ بَعْضَ نَفَسِهِ بِأَيِّ شَيْءٍ يُعْرَفُ ذَلِكَ قَالَ ذَلِكَ بِالسَّاعَاتِ قُلْتُ وَ كَيْفَ السَّاعَاتُ (2) قَالَ إِنَّ النَّفَسَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ وَ هُوَ فِي الشِّقِّ الْأَيْمَنِ مِنَ الْأَنْفِ فَإِذَا مَضَتِ السَّاعَةُ صَارَ إِلَى الشِّقِّ الْأَيْسَرِ فَتَنْظُرُ (3) مَا بَيْنَ نَفَسِكَ وَ نَفَسِهِ ثُمَّ يُحْسَبُ فَيُؤْخَذُ بِحِسَابِ ذَلِكَ مِنْهُ (4).
____________
(1) الكافي: ج 5،(ص)549.
(2) في المصدر: و كيف بالساعات، قال: فان ...
(3) فيه: فتنتظر ما بين نفسك و نفسه ثمّ يحتسب فيؤخذ ...
(4) الكافي: ج 7،(ص)324.
320
بيان كأن المراد به أنه في أول اليوم يكون النفس في الشق الأيمن أكثر و لعل هذا إنما ذكر استطرادا فإن استعلام عدد النفس لا يتوقف عليه و لم أر من عمل به سوى الشيخ يحيى بن سعيد في جامعه و قال العلامة ره في التحرير في انقطاع النفس الدية و في بعضه بحسب ما يراه.
30 التَّهْذِيبُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَوْمَ بَدْرٍ لَا تُوَارُوا إِلَّا كَمِيشاً يَعْنِي بِهِ مَنْ كَانَ ذَكَرُهُ صَغِيراً وَ قَالَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا فِي كِرَامِ النَّاسِ.
31- تَوْحِيدُ الْمُفَضَّلِ، فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ كَيْفَ جُعِلَتْ آلَاتُ الْجِمَاعِ فِي الذَّكَرِ وَ الْأُنْثَى جَمِيعاً عَلَى مَا يُشَاكِلُ ذَلِكَ فَجُعِلَ لِلذَّكَرِ آلَةٌ نَاشِرَةٌ تَمْتَدُّ حَتَّى تَصِلَ النُّطْفَةُ إِلَى الرَّحِمِ إِذْ كَانَ مُحْتَاجاً إِلَى أَنْ يَقْذِفَ مَاءَهُ فِي (1) غَيْرِهِ وَ خُلِقَ لِلْأُنْثَى وِعَاءٌ قَعِرٌ لِيَشْتَمِلَ عَلَى الْمَاءَيْنِ جَمِيعاً وَ يَحْتَمِلَ الْوَلَدَ وَ يَتَّسِعَ لَهُ وَ يَصُونَهُ حَتَّى يَسْتَحْكِمَ أَ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ تَدْبِيرِ حَكِيمٍ لَطِيفٍ سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي أَعْضَاءِ الْبَدَنِ أَجْمَعَ وَ تَدْبِيرِ كُلٍّ مِنْهَا لِلْإِرْبِ فَالْيَدَانِ لِلْعِلَاجِ وَ الرِّجْلَانِ لِلسَّعْيِ وَ الْعَيْنَانِ لِلِاهْتِدَاءِ وَ الْفَمُ لِلِاغْتِذَاءِ وَ الْمَعِدَةُ لِلْهَضْمِ وَ الْكَبِدُ لِلتَّخْلِيصِ وَ الْمَنَافِذُ لِتَنْفِيذِ الْفُضُولِ وَ الْأَوْعِيَةُ لِحَمْلِهَا وَ الْفَرْجُ لِإِقَامَةِ النَّسْلِ وَ كَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَعْضَاءِ إِذَا تَأَمَّلْتَهَا وَ أَعْمَلْتَ فِكْرَكَ فِيهَا وَ نَظَرَكَ وَجَدْتَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْهَا قَدْ قُدِّرَ لِشَيْءٍ عَلَى صَوَابٍ وَ حِكْمَةٍ قَالَ الْمُفَضَّلُ فَقُلْتُ يَا مَوْلَايَ إِنَّ قَوْماً يَزْعُمُونَ أَنَّ هَذَا مِنْ فِعْلِ الطَّبِيعَةِ فَقَالَ سَلْهُمْ عَنْ هَذِهِ الطَّبِيعَةِ أَ هِيَ شَيْءٌ لَهُ عِلْمٌ وَ قُدْرَةٌ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ أَمْ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَإِنْ أَوْجَبُوا لَهَا الْعِلْمَ وَ الْقُدْرَةَ فَمَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ إِثْبَاتِ الْخَالِقِ فَإِنَّ هَذِهِ صِفَتُهُ (2) وَ إِنْ زَعَمُوا أَنَّهَا تَفْعَلُ هَذِهِ الْأَفْعَالَ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لَا عَمْدٍ وَ كَانَ فِي أَفْعَالِهَا مَا قَدْ تَرَاهُ (3) مِنَ
____________
(1) الى غيره (خ).
(2) صنعته (خ).
(3) تراد (خ).
321
الصَّوَابِ وَ الْحِكْمَةِ عُلِمَ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لِلْخَالِقِ الْحَكِيمِ وَ أَنَّ الَّذِي سَمَّوْهُ طَبِيعَةً هُوَ سُنَّةٌ فِي خَلْقِهِ الْجَارِيَةُ عَلَى مَا أَجْرَاهَا عَلَيْهِ فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي وُصُولِ الْغِذَاءِ إِلَى الْبَدَنِ وَ مَا فِيهِ مِنَ التَّدْبِيرِ فَإِنَّ الطَّعَامَ يَصِيرُ إِلَى الْمَعِدَةِ فَتَطْبُخُهُ وَ تَبْعَثُ بِصَفْوِهِ إِلَى الْكَبِدِ فِي (1) عُرُوقٍ رِقَاقٍ وَاشِجَةٍ بَيْنَهُمَا قَدْ جُعِلَتْ كَالْمُصَفِّي لِلْغِذَاءِ لِكَيْلَا يَصِلَ إِلَى الْكَبِدِ مِنْهُ شَيْءٌ فَيَنْكَاهَا وَ ذَلِكَ أَنَّ الْكَبِدَ رَقِيقَةٌ لَا تَحْتَمِلُ الْعُنْفَ ثُمَّ إِنَّ الْكَبِدَ ثَقِيلَةٌ فَيَسْتَحِيلُ بِلُطْفِ التَّدْبِيرِ دَماً وَ يَنْفُذُ إِلَى الْبَدَنِ كُلِّهِ فِي مَجَارِيَ مُهَيَّأَةٍ لِذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمَجَارِي الَّتِي تُهَيَّأُ لِلْمَاءِ حَتَّى يَطَّرِدَ إِلَى (2) الْأَرْضِ كُلِّهَا وَ يَنْفُذُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ مِنَ الْخَبَثِ وَ الْفُضُولِ إِلَى مَغَايِضَ (3) قَدْ أُعِدَّتْ لِذَلِكَ فَمَا كَانَ مِنْهُ مِنْ جِنْسِ الْمِرَّةِ الصَّفْرَاءِ جَرَى إِلَى الْمَرَارَةِ وَ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ السَّوْدَاءِ جَرَى إِلَى الطِّحَالِ وَ مَا كَانَ مِنَ الْبِلَّةِ وَ الرُّطُوبَةِ جَرَى إِلَى الْمَثَانَةِ فَتَأَمَّلْ حِكْمَةَ التَّدْبِيرِ فِي تَرْكِيبِ الْبَدَنِ وَ وَضْعِ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ مِنْهُ مَوَاضِعَهَا وَ إِعْدَادِ هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ فِيهِ لِتَحْمِلَ تِلْكَ الْفُضُولَ لِئَلَّا تَنْتَشِرَ فِي الْبَدَنِ فَتُسْقِمَهُ وَ تَنْهَكَهُ فَتَبَارَكَ مَنْ أَحْسَنَ التَّقْدِيرَ وَ أَحْكَمَ التَّدْبِيرَ وَ لَهُ الْحَمْدُ كَمَا هُوَ أَهْلُهُ وَ مُسْتَحِقُّهُ قَالَ الْمُفَضَّلُ فَقُلْتُ صِفْ نُشُوءَ الْأَبْدَانِ وَ نُمُوَّهَا حَالًا بَعْدَ حَالٍ حَتَّى تَبْلُغَ التَّمَامَ وَ الْكَمَالَ فَقَالَ(ع)أَوَّلُ ذَلِكَ تَصْوِيرُ الْجَنِينِ فِي الرَّحِمِ حَيْثُ لَا تَرَاهُ عَيْنٌ وَ لَا تَنَالُهُ يَدٌ وَ يُدَبِّرُهُ حَتَّى يَخْرُجَ سَوِيّاً مُسْتَوْفِياً جَمِيعُ مَا فِيهِ قِوَامُهُ وَ صَلَاحُهُ مِنَ الْأَحْشَاءِ وَ الْجَوَارِحِ وَ الْعَوَامِلِ إِلَى مَا فِي تَرْكِيبِ أَعْضَائِهِ مِنَ الْعِظَامِ وَ اللَّحْمِ وَ الشَّحْمِ وَ الْمُخِّ وَ الْعَصَبِ وَ الْعُرُوقِ وَ الْغَضَارِيفِ فَإِذَا خَرَجَ إِلَى الْعَالَمِ تَرَاهُ كَيْفَ يَنْمِي بِجَمِيعِ أَعْضَائِهِ وَ هُوَ ثَابِتٌ عَلَى شَكْلِهِ وَ هَيْئَتِهِ لَا تَتَزَايَدُ وَ لَا تَنْقُصُ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ إِنْ مُدَّ فِي عُمُرِهِ أَوْ يَسْتَوْفِي مُدَّتَهُ قَبْلَ ذَلِكَ هَلْ هَذَا إِلَّا مِنْ لَطِيفِ التَّدْبِيرِ وَ الْحِكْمَةِ يَا مُفَضَّلُ انْظُرْ إِلَى مَا خُصَّ بِهِ الْإِنْسَانُ فِي خَلْقِهِ تَشْرِيفاً وَ تَفْضِيلًا عَلَى الْبَهَائِمِ فَإِنَّهُ
____________
(1) و عروق دقاق (خ).
(2) في (خ).
(3) جمع «مغيض» المكان الذي يغيض فيه الماء، و في بعض النسخ «مفائض» أي المجارى.
322
خُلِقَ يَنْتَصِبُ قَائِماً وَ يَسْتَوِي جَالِساً لِيَسْتَقْبِلَ الْأَشْيَاءَ بِيَدَيْهِ وَ جَوَارِحِهِ وَ يُمْكِنَهُ الْعِلَاجُ وَ الْعَمَلُ بِهِمَا فَلَوْ كَانَ مَكْبُوباً عَلَى وَجْهِهِ كَذَاتِ الْأَرْبَعِ لَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَعْمَلَ شَيْئاً مِنَ الْأَعْمَالِ انْظُرِ الْآنَ يَا مُفَضَّلُ إِلَى هَذِهِ الْحَوَاسِّ الَّتِي خُصَّ بِهَا الْإِنْسَانُ فِي خَلْقِهِ وَ شُرِّفَ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ كَيْفَ جُعِلَتِ الْعَيْنَانِ فِي الرَّأْسِ كَالْمَصَابِيحِ فَوْقَ الْمَنَارَةِ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ مُطَالَعَةِ الْأَشْيَاءِ وَ لَمْ تُجْعَلْ فِي الْأَعْضَاءِ الَّتِي تَحْتَهُنَّ كَالْيَدَيْنِ وَ الرِّجْلَيْنِ فَتَعْرِضَهَا الْآفَاتُ وَ تُصِيبَهَا مِنْ مُبَاشَرَةِ الْعَمَلِ وَ الْحَرَكَةِ مَا يُعَلِّلُهَا وَ يُؤَثِّرُ فِيهَا وَ يَنْقُصُ مِنْهَا وَ لَا فِي الْأَعْضَاءِ الَّتِي وَسَطَ الْبَدَنِ كَالْبَطْنِ وَ الظَّهْرِ فَيَعْسُرَ تَقَلُّبُهَا وَ اطِّلَاعُهَا نَحْوَ الْأَشْيَاءِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ مَوْضِعٌ كَانَ الرَّأْسُ أَسْنَى الْمَوَاضِعِ لِلْحَوَاسِّ وَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الصَّوْمَعَةِ لَهَا فَجُعِلَ الْحَوَاسُّ خَمْساً تَلْقَى خَمْساً لِكَيْلَا يَفُوتَهَا شَيْءٌ مِنَ الْمَحْسُوسَاتِ فَخُلِقَ الْبَصَرُ لِيُدْرِكَ الْأَلْوَانَ فَلَوْ كَانَتِ الْأَلْوَانُ وَ لَمْ يَكُنْ بَصَرٌ يُدْرِكُهَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَنْفَعَةٌ وَ خُلِقَ السَّمْعُ لِيُدْرِكَ الْأَصْوَاتَ فَلَوْ كَانَتِ الْأَصْوَاتُ وَ لَمْ يَكُنْ سَمْعٌ يُدْرِكُهَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِرْبٌ وَ كَذَلِكَ سَائِرُ الْحَوَاسِّ ثُمَّ هَذَا يَرْجِعُ مُتَكَافِئاً فَلَوْ كَانَ بصرا [بَصَرٌ وَ لَمْ يَكُنْ ألوانا [أَلْوَانٌ لَمَا كَانَ لِلْبَصَرِ مَعْنًى وَ لَوْ كَانَ سَمْعٌ وَ لَمْ يَكُنْ أَصْوَاتٌ لَمْ يَكُنْ لِلسَّمْعِ مَوْضِعٌ فَانْظُرْ كَيْفَ قَدَّرَ بَعْضَهَا يَلْقَى بَعْضاً فَجَعَلَ لِكُلِّ حَاسَّةٍ مَحْسُوساً يَعْمَلُ فِيهِ وَ لِكُلِّ مَحْسُوسٍ حَاسَّةً تُدْرِكُهُ وَ مَعَ هَذَا فَقَدْ جُعِلَتْ أَشْيَاءُ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الْحَوَاسِّ وَ الْمَحْسُوسَاتِ لَا يَتِمُّ الْحَوَاسُّ إِلَّا بِهَا كَمِثْلِ الضِّيَاءِ وَ الْهَوَاءِ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ضِيَاءٌ يُظْهِرُ اللَّوْنَ لِلْبَصَرِ لَمْ يَكُنِ الْبَصَرُ يُدْرِكُ اللَّوْنَ وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ هَوَاءٌ يُؤَدِّي الصَّوْتَ إِلَى السَّمْعِ لَمْ يَكُنِ السَّمْعُ يُدْرِكُ الصَّوْتَ فَهَلْ يَخْفَى عَلَى مَنْ صَحَّ نَظَرُهُ وَ أَعْمَلَ فِكْرَهُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الَّذِي وَصَفْتُ مِنْ تَهْيِئَةِ الْحَوَاسِّ وَ الْمَحْسُوسَاتِ بَعْضُهَا يَلْقَى بَعْضاً وَ تَهْيِئَةِ أَشْيَاءَ أُخَرَ بِهَا تَتِمُّ الْحَوَاسُّ لَا يَكُونُ إِلَّا بِعَمْدٍ وَ تَقْدِيرٍ مِنْ لَطِيفٍ خَبِيرٍ فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي مَنْ عَدِمَ الْبَصَرَ مِنَ النَّاسِ وَ مَا يَنَالُهُ مِنَ الْخَلَلِ فِي أُمُورِهِ فَإِنَّهُ لَا يَعْرِفُ مَوْضِعَ قَدَمِهِ وَ لَا يُبْصِرُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْأَلْوَانِ وَ بَيْنَ الْمَنْظَرِ الْحَسَنِ وَ الْقَبِيحِ وَ لَا يَرَى حُفْرَةً إِنْ هَجَمَ عَلَيْهَا وَ لَا عَدُوّاً إِنْ أَهْوَى إِلَيْهِ بِسَيْفٍ وَ لَا يَكُونُ لَهُ
323
سَبِيلٌ إِلَى أَنْ يَعْمَلَ شَيْئاً مِنْ هَذِهِ الصِّنَاعَاتِ مِثْلَ الْكِتَابَةِ وَ التِّجَارَةِ وَ الصِّيَاغَةِ حَتَّى إِنَّهُ لَوْ لَا نَفَاذُ ذِهْنِهِ لَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْحَجَرِ الْمُلْقَى وَ كَذَلِكَ مَنْ عَدِمَ السَّمْعَ يَخْتَلُّ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ فَإِنَّهُ يَفْقِدُ رَوْحَ الْمُخَاطَبَةِ وَ الْمُحَاوَرَةِ وَ يَعْدَمُ لَذَّةَ الْأَصْوَاتِ وَ اللُّحُونِ الشَّجِيَّةِ [وَ الْمُطْرِبَةِ وَ يُعَظِّمُ الْمَئُونَةَ عَلَى النَّاسِ فِي مُحَاوَرَتِهِ حَتَّى يَتَبَرَّمُوا (1) بِهِ وَ لَا يَسْمَعُ شَيْئاً مِنْ أَخْبَارِ النَّاسِ وَ أَحَادِيثِهِمْ حَتَّى يَكُونُ كَالْغَائِبِ وَ هُوَ شَاهِدٌ أَوْ كَالْمَيِّتِ وَ هُوَ حَيٌّ فَأَمَّا مَنْ عَدِمَ الْعَقْلَ فَإِنَّهُ يَلْحَقُ بِمَنْزِلَةِ الْبَهَائِمِ بَلْ يَجْهَلُ كَثِيراً مِمَّا يَهْتَدِي إِلَيْهِ الْبَهَائِمُ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ صَارَتِ الْجَوَارِحُ وَ الْعَقْلُ وَ سَائِرُ الْخِلَالِ الَّتِي بِهَا صَلَاحُ الْإِنْسَانِ وَ الَّتِي لَوْ فَقَدَ مِنْهَا شَيْئاً لَعَظُمَ مَا يَنَالُهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْخَلَلِ يُوَافِي خَلْقَهُ عَلَى التَّمَامِ حَتَّى لَا يَفْقِدَ شَيْئاً مِنْهَا فَلِمَ كَانَ كَذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّهُ خُلِقَ بِعِلْمٍ وَ تَقْدِيرٍ قَالَ الْمُفَضَّلُ فَقُلْتُ فَلِمَ صَارَ بَعْضُ النَّاسِ يَفْقِدُ شَيْئاً مِنْ هَذِهِ الْجَوَارِحِ فَيَنَالُهُ فِي ذَلِكَ مِثْلُ مَا وَصَفْتَهُ يَا مَوْلَايَ قَالَ(ع)ذَلِكَ لِلتَّأْدِيبِ وَ الْمَوْعِظَةِ لِمَنْ يَحِلُّ ذَلِكَ بِهِ وَ لِغَيْرِهِ بِسَبَبِهِ كَمَا قَدْ يُؤَدِّبُ الْمُلُوكُ النَّاسَ لِلتَّنْكِيلِ وَ الْمَوْعِظَةِ فَلَا يُنْكَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بَلْ يُحْمَدُ مِنْ رَأْيِهِمْ وَ يُصَوَّبُ مِنْ تَدْبِيرِهِمْ ثُمَّ إِنَّ لِلَّذِينَ تَنْزِلُ بِهِمْ هَذِهِ الْبَلَايَا مِنَ الثَّوَابِ بَعْدَ الْمَوْتِ إِنْ شَكَرُوا وَ أَنَابُوا لَمَا (2) يَسْتَصْغِرُونَ مَعَهُ مَا يَنَالُهُمْ مِنْهَا حَتَّى إِنَّهُمْ لَوْ خُيِّرُوا بَعْدَ الْمَوْتِ لَاخْتَارُوا أَنْ يُرَدُّوا إِلَى الْبَلَايَا لِيَزْدَادُوا مِنَ الثَّوَابِ فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي الْأَعْضَاءِ الَّتِي خُلِقَتْ أَفْرَاداً وَ أَزْوَاجاً وَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَ التَّقْدِيرِ وَ الصَّوَابِ فِي التَّدْبِيرِ فَالرَّأْسُ مِمَّا خُلِقَ فَرْداً وَ لَمْ يَكُنْ لِلْإِنْسَانِ صَلَاحٌ فِي أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ أَ لَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أُضِيفَ إِلَى رَأْسِ الْإِنْسَانِ رَأْسٌ آخَرُ لَكَانَ ثِقْلًا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَيْهِ لِأَنَّ الْحَوَاسَّ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا مُجْتَمِعَةٌ فِي رَأْسٍ وَاحِدٍ ثُمَّ كَانَ الْإِنْسَانُ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ لَوْ كَانَ لَهُ رَأْسَانِ فَإِنْ تَكَلَّمَ مِنْ أَحَدِهِمَا كَانَ الْآخَرُ مُعَطَّلًا لَا إِرْبَ فِيهِ وَ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ وَ إِنْ تَكَلَّمَ مِنْهُمَا جَمِيعاً بِكَلَامٍ وَاحِدٍ كَانَ أَحَدُهُمَا فَضْلًا لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ وَ إِنْ تَكَلَّمَ بِأَحَدِهِمَا بِغَيْرِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ مِنَ الْآخَرِ لَمْ يَدْرِ السَّامِعُ بِأَيِ
____________
(1) أي يتضجروا.
(2) ما (خ).
324
ذَلِكَ يَأْخُذُ وَ كَانَ أَشْبَاهُ هَذَا مِنَ الِاخْتِلَاطِ وَ الْيَدَانِ مِمَّا خُلِقَ أَزْوَاجاً وَ لَمْ يَكُنْ لِلْإِنْسَانِ خَيْرٌ فِي أَنْ يَكُونَ لَهُ يَدٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ يُخِلُّ بِهِ فِي مَا يَحْتَاجُ إِلَى مُعَالَجَتِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ أَ لَا تَرَى أَنَّ النَّجَّارَ وَ الْبَنَّاءَ لَوْ شَلَّتْ إِحْدَى يَدَيْهِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعَالِجَ صِنَاعَتَهُ وَ إِنْ تَكَلَّفَ ذَلِكَ لَمْ يُحْكِمْهُ وَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهُ مَا يَبْلُغُهُ إِذَا كَانَتْ لَهُ يَدَانِ يَتَعَاوَنَانِ عَلَى الْعَمَلِ أَطِلِ الْفِكْرَ يَا مُفَضَّلُ فِي الصَّوْتِ وَ الْكَلَامِ وَ تَهْيِئَةِ آلَاتِهِ فِي الْأَسْنَانِ فَالْحَنْجَرَةُ كَالْأُنْبُوبَةِ (1) لِخُرُوجِ الصَّوْتِ وَ اللِّسَانُ وَ الشَّفَتَانِ وَ الْأَسْنَانُ لِصِيَاغَةِ الْحُرُوفِ وَ النَّغْمِ أَ لَا تَرَى أَنَّ مَنْ سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ لَمْ يُقِمِ السِّينَ وَ مَنْ سَقَطَتْ شَفَتُهُ لَمْ يُصَحِّحِ الْفَاءَ وَ مَنْ ثَقُلَ لِسَانُهُ لَمْ يُفْصِحِ الرَّاءَ وَ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِذَلِكَ الْمِزْمَارُ الْأَعْظَمُ فَالْحَنْجَرَةُ يُشْبِهُ (2) قَصَبَةَ الْمِزْمَارِ وَ الرِّئَةُ يُشْبِهُ (3) الزِّقَّ الَّذِي يُنْفَخُ فِيهِ لِتَدْخُلَ الرِّيحُ وَ الْعَضَلَاتُ الَّتِي تَقْبِضُ عَلَى الرِّئَةِ لِيَخْرُجَ الصَّوْتُ كَالْأَصَابِعِ الَّتِي تَقْبِضُ عَلَى الزِّقِّ حَتَّى تَجْرِيَ (4) الرِّيحُ فِي الْمِزْمَارِ وَ الشَّفَتَانِ وَ الْأَسْنَانُ الَّتِي تَصُوغُ الصَّوْتَ حُرُوفاً وَ نَغْماً كَالْأَصَابِعِ الَّتِي تَخْتَلِفُ فِي فَمِ الْمِزْمَارِ فَتَصُوغُ صَفِيرَهُ أَلْحَاناً غَيْرَ أَنَّهُ وَ إِنْ كَانَ مَخْرَجُ الصَّوْتِ يُشْبِهُ الْمِزْمَارَ بِالدَّلَالَةِ وَ التَّعْرِيفِ فَإِنَّ الْمِزْمَارَ بِالْحَقِيقَةِ هُوَ الْمُشَبَّهُ بِمَخْرَجِ الصَّوْتِ قَدْ أَنْبَأْتُكَ بِمَا فِي الْأَعْضَاءِ مِنَ الْغِنَاءِ فِي صَنْعَةِ الْكَلَامِ وَ إِقَامَةِ الْحُرُوفِ وَ فِيهَا مَعَ الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ مَآرِبُ أُخْرَى فَالْحَنْجَرَةُ لِيُسْلَكَ فِيهَا هَذَا النَّسِيمُ إِلَى الرِّئَةِ فَتَرَوَّحَ عَنِ الْفُؤَادِ بِالنَّفَسِ الدَّائِمِ الْمُتَتَابِعِ الَّذِي لَوْ حَبَسَ شَيْئاً يَسِيراً لَهَلَكَ الْإِنْسَانُ وَ بِاللِّسَانِ تُذَاقُ الطُّعُومُ فَيُمَيَّزُ بَيْنَهَا وَ يُعْرَفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا حُلْوُهَا مِنْ مُرِّهَا وَ حَامِضُهَا مِنْ مُزِّهَا وَ مَالِحُهَا مِنْ عَذْبِهَا وَ طَيِّبُهَا مِنْ خَبِيثِهَا وَ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ مَعُونَةٌ عَلَى إِسَاغَةِ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ وَ الْأَسْنَانُ تَمْضَغُ الطَّعَامَ حَتَّى يَلِينَ وَ يَسْهُلَ إِسَاغَتُهُ وَ هِيَ مَعَ ذَلِكَ
____________
(1) الانبوبة- كالارجوزة-: ما بين العقدتين من القصب أو الرمح، و أنابيب الرئة مخارج النفس منها.
(2) تشبه (ظ).
(3) تشبه (ظ).
(4) تخرج (خ).
325
كَالسَّنَدِ لِلشَّفَتَيْنِ تُمْسِكُهُمَا وَ تَدْعَمُهُمَا مِنْ دَاخِلِ الْفَمِ وَ اعْتَبِرْ ذَلِكَ بِأَنَّكَ تَرَى مَنْ سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ مُسْتَرْخِيَ الشَّفَةِ وَ مُضْطَرِبَهَا وَ بِالشَّفَتَيْنِ يُتَرَشَّفُ الشَّرَابُ حَتَّى يَكُونَ الَّذِي يَصِلُ إِلَى الْجَوْفِ مِنْهُ بِقَصْدٍ وَ قَدَرٍ لَا يَثُجُ (1) ثَجّاً فَيَغَصَّ بِهِ الشَّارِبُ أَوْ يَنْكَأَ فِي الْجَوْفِ ثُمَّ هُمَا بَعْدَ ذَلِكَ كَالْبَابِ الْمُطْبَقِ عَلَى الْفَمِ يَفْتَحُهُمَا الْإِنْسَانُ إِذَا شَاءَ وَ يُطْبِقُهُمَا إِذَا شَاءَ فَفِي مَا وَصَفْنَا مِنْ هَذَا بَيَانُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ يَتَصَرَّفُ وَ يَنْقَسِمُ إِلَى وُجُوهٍ مِنَ الْمَنَافِعِ كَمَا تَتَصَرَّفُ الْأَدَاةُ الْوَاحِدَةُ فِي أَعْمَالٍ شَتَّى وَ ذَلِكَ كَالْفَأْسِ يُسْتَعْمَلُ فِي النِّجَارَةِ وَ الْحَفْرِ وَ غَيْرِهِمَا مِنَ الْأَعْمَالِ لَوْ رَأَيْتَ الدِّمَاغَ إِذَا كُشِفَ عَنْهُ لَرَأَيْتَهُ قَدْ لُفَّ بِحُجُبٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ لِتَصُونَهُ مِنَ الْأَعْرَاضِ وَ تُمْسِكَهُ فَلَا يَضْطَرِبَ وَ لَرَأَيْتَ عَلَيْهِ الْجُمْجُمَةَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْضَةِ كَيْمَا يَفُتَّهُ هَدُّ الصَّدْمَةِ (2) وَ الصَّكَّةِ (3) الَّتِي رُبَّمَا وَقَعَتْ فِي الرَّأْسِ ثُمَّ قَدْ جُلِّلَتِ الْجُمْجُمَةُ بِالشَّعْرِ حَتَّى صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْفَرْوِ لِلرَّأْسِ تَسْتُرُهُ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ فَمَنْ حَصَّنَ الدِّمَاغَ هَذَا التَّحْصِينَ إِلَّا الَّذِي خَلَقَهُ وَ جَعَلَهُ يَنْبُوعَ الْحِسِّ وَ الْمُسْتَحِقَّ لِلْحِيطَةِ وَ الصِّيَانَةِ لِعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ مِنَ الْبَدَنِ وَ ارْتِفَاعِ دَرَجَتِهِ وَ خَطَرِ مَرْتَبَتِهِ تَأَمَّلْ يَا مُفَضَّلُ الْجَفْنُ عَلَى الْعَيْنِ كَيْفَ جُعِلَ كَالْغِشَاءِ وَ الْأَشْفَارُ كَالْأَشْرَاجِ وَ أَوْلَجَهَا فِي هَذَا الْغَارِ وَ أَظَلَّهَا بِالْحِجَابِ وَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الشَّعْرِ فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ مَنْ غَيَّبَ الْفُؤَادَ فِي جَوْفِ الصَّدْرِ وَ كَسَاهُ الْمِدْرَعَةَ الَّتِي هِيَ غِشَاؤُهُ وَ حَصَّنَهُ بِالْجَوَانِحِ وَ مَا عَلَيْهَا مِنَ اللَّحْمِ وَ الْعَصَبِ لِئَلَّا يَصِلَ إِلَيْهِ مَا يَنْكَؤُهُ مَنْ جَعَلَ فِي الْحَلْقِ مَنْفَذَيْنِ أَحَدُهُمَا لِمَخْرَجِ الصَّوْتِ وَ هُوَ الْحُلْقُومُ الْمُتَّصِلُ بِالرِّئَةِ وَ الْآخَرُ مَنْفَذٌ لِلْغِذَاءِ وَ هُوَ الْمَرِيءُ الْمُتَّصِلُ بِالْمَعِدَةِ الْمُوصِلُ الْغِذَاءَ إِلَيْهَا وَ جَعَلَ عَلَى الْحُلْقُومِ طَبَقاً يَمْنَعُ الطَّعَامَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الرِّئَةِ فَيَقْتُلَ مَنْ جَعَلَ الرِّئَةَ مِرْوَحَةَ الْفُؤَادِ لَا تَفْتُرُ وَ لَا تُخِلُّ لِكَيْلَا
____________
(1) ثج الماء: سال.
(2) حد (خ)-.
(3) الصكة: الضربة الشديدة، و اللطمة.
326
تَتَحَيَّزَ الْحَرَارَةُ فِي الْفُؤَادِ فَتُؤَدِّيَ إِلَى التَّلَفِ مَنْ جَعَلَ لِمَنَافِذِ الْبَوْلِ وَ الْغَائِطِ أَشْرَاجاً تَضْبِطُهُمَا لِئَلَّا يَجْرِيَا جَرَيَاناً دَائِماً فَيَفْسُدَ عَلَى الْإِنْسَانِ عَيْشُهُ فَكَمْ عَسَى أَنْ يُحْصِيَ الْمُحْصِي مِنْ هَذَا بَلِ الَّذِي لَا يُحْصَى مِنْهُ وَ لَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ أَكْثَرُ مَنْ جَعَلَ الْمَعِدَةَ عَصَبَانِيَّةً شَدِيدَةً وَ قَدَّرَهَا لِهَضْمِ الطَّعَامِ الْغَلِيظِ وَ مَنْ جَعَلَ الْكَبِدَ رَقِيقَةً نَاعِمَةً لِقَبُولِ الصَّفْوِ اللَّطِيفِ مِنَ الْغِذَاءِ وَ لِتَهْضِمَ وَ تَعْمَلَ مَا هُوَ أَلْطَفُ مِنْ عَمَلِ الْمَعِدَةِ إِلَّا اللَّهُ الْقَادِرُ أَ تَرَى مِنَ الْإِهْمَالِ يَأْتِي بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَلَّا بَلْ هُوَ تَدْبِيرٌ مِنْ مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ قَادِرٍ عَلِيمٍ بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ خَلْقِهِ إِيَّاهَا لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ لِمَ صَارَ الْمُخُّ الرَّقِيقُ مُحَصَّناً فِي أَنَابِيبِ الْعِظَامِ هَلْ ذَلِكَ إِلَّا لِيَحْفَظَهُ وَ يَصُونَهُ لِمَ صَارَ الدَّمُ السَّائِلُ مَحْصُوراً فِي الْعُرُوقِ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ فِي الظُّرُوفِ إِلَّا لِتَضْبِطَهُ فَلَا يُفِيضَ لِمَ صَارَتِ (1) الْأَظْفَارُ عَلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إِلَّا وِقَايَةً لَهَا وَ مَعُونَةً عَلَى الْعَمَلِ لِمَ صَارَ دَاخِلُ الْأُذُنِ مُلْتَوِياً كَهَيْئَةِ اللَّوْلَبِ (2) إِلَّا لِيَطَّرِدَ فِيهِ الصَّوْتُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى السَّمْعِ وَ لِيَكْسِرَ حُمَةَ الرِّيحِ فَلَا يَنْكَأَ فِي السَّمْعِ لِمَ حَمَلَ الْإِنْسَانُ عَلَى فَخِذَيْهِ وَ أَلْيَتَيْهِ هَذَا اللَّحْمَ إِلَّا لِيَقِيَهُ مِنَ الْأَرْضِ فَلَا يَتَأَلَّمَ مِنَ الْجُلُوسِ عَلَيْهَا كَمَا يَأْلَمُ مَنْ نَحَلَ جِسْمُهُ وَ قَلَّ لَحْمُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْأَرْضِ حَائِلٌ يُوَقِّيهِ صَلَابَتَهَا مَنْ جَعَلَ الْإِنْسَانَ ذَكَراً وَ أُنْثَى إِلَّا مَنْ خَلَقَهُ مُتَنَاسِلًا وَ مَنْ خَلَقَهُ مُتَنَاسِلًا إِلَّا مَنْ خَلَقَهُ مُؤَمِّلًا وَ مَنْ أَعْطَاهُ آلَاتِ الْعَمَلِ إِلَّا مَنْ خَلَقَهُ عَامِلًا وَ مَنْ خَلَقَهُ عَامِلًا إِلَّا مَنْ جَعَلَهُ مُحْتَاجاً وَ مَنْ جَعَلَهُ مُحْتَاجاً إِلَّا مَنْ ضَرَبَهُ بِالْحَاجَةِ وَ مَنْ ضَرَبَهُ بِالْحَاجَةِ إِلَّا مَنْ تَوَكَّلَ بِتَقْوِيمِهِ مَنْ خَصَّهُ بِالْفَهْمِ إِلَّا مَنْ أَوْجَبَ لَهُ الْجَزَاءَ مَنْ وَهَبَ لَهُ الْحِيلَةَ إِلَّا مَنْ مَلَّكَهُ الْحَوْلَ وَ مَنْ مَلَّكَهُ الْحَوْلَ إِلَّا مَنْ أَلْزَمَهُ الْحُجَّةَ مَنْ يَكْفِيهِ مَا لَا تَبْلُغُهُ حِيلَتُهُ إِلَّا مَنْ لَمْ يَبْلُغْ (3) مَدَى شُكْرِهِ فَكِّرْ
____________
(1) صار الاظفار (خ).
(2) اللولب آلة من خشب او حديد ذات دوائر ناتئة- و هو الذكر- أو داخلة- و هو الأنثى و في أكثر نسخ الكتاب «الكوكب» و الظاهر أنّه تصحيف، و يمكن أن يكون بمعنى المحبس أو ينبوع البئر.
(3) لا يبلغ (خ).
327
وَ تَدَبَّرْ مَا وَصَفْتُهُ هَلْ تَجِدُ الْإِهْمَالَ عَلَى هَذَا النِّظَامِ وَ التَّرْتِيبِ تَبَارَكَ اللَّهُ عَمَّا يَصِفُونَ أَصِفُ لَكَ الْآنَ يَا مُفَضَّلُ الْفُؤَادَ اعْلَمْ أَنَّ فِيهِ ثُقَباً مُوَجَّهَةً نَحْوَ الثُقَبِ الَّتِي فِي الرِّئَةِ تُرَوِّحُ عَنِ الْفُؤَادِ حَتَّى لَوِ اخْتَلَفَتْ تِلْكَ الثُّقَبُ فَتَزَايَلَ (1) بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ لَمَا وَصَلَ الرَّوْحُ إِلَى الْفُؤَادِ وَ لَهَلَكَ الْإِنْسَانُ فَيَسْتَجِيزُ ذُو فِكْرٍ وَ رَوِيَّةٍ أَنْ يَزْعُمَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا يَكُونُ بِالْإِهْمَالِ وَ لَا يَجِدُ شَاهِداً مِنْ نَفْسِهِ يَنْزِعُهُ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ لَوْ رَأَيْتَ فَرْداً مِنْ مِصْرَاعَيْنِ فِيهِ كَلُّوبٌ (2) أَ كُنْتَ تَتَوَهَّمُ أَنَّهُ جُعِلَ كَذَلِكَ بِلَا مَعْنًى بَلْ كُنْتَ تَعْلَمُ ضَرُورَةً أَنَّهُ مَصْنُوعٌ يَلْقَى فَرْداً آخَرَ فَتُبْرِزُهُ لِيَكُونَ فِي اجْتِمَاعِهِمَا ضَرْبٌ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَ هَكَذَا تَجِدُ الذَّكَرَ مِنَ الْحَيَوَانِ كَأَنَّهُ فَرْدٌ مِنْ زَوْجٍ مُهَيَّأٌ (3) مِنْ فَرْدٍ أُنْثَى فَيَلْتَقِيَانِ لِمَا فِيهِ مِنْ دَوَامِ النَّسْلِ وَ بَقَائِهِ فَتَبّاً وَ خَيْبَةً وَ تَعْساً لِمُنْتَحِلِي الْفَلْسَفَةِ كَيْفَ عَمِيَتْ قُلُوبُهُمْ عَنْ هَذِهِ الْخِلْقَةِ الْعَجِيبَةِ حَتَّى أَنْكَرُوا التَّدْبِيرَ وَ الْعَمْدَ فِيهَا لَوْ كَانَ فَرْجُ الرَّجُلِ مُسْتَرْخِياً كَيْفَ كَانَ يَصِلُ إِلَى قَعْرِ الرَّحِمِ حَتَّى يُفْرِغَ النُّطْفَةَ فِيهِ وَ لَوْ كَانَ مُنْعَظاً أَبَداً كَيْفَ كَانَ الرَّجُلُ يَتَقَلَّبُ فِي الْفِرَاشِ وَ يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ وَ شَيْءٌ شَاخِصٌ أَمَامَهُ ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مَعَ قُبْحِ الْمَنْظَرِ تَحْرِيكُ الشَّهْوَةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنَ الرِّجَالِ وَ النِّسَاءِ جَمِيعاً فَقَدَّرَ اللَّهُ جَلَّ اسْمُهُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ ذَلِكَ لَا يَبْدُو لِلْبَصَرِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَ لَا يَكُونُ عَلَى الرِّجَالِ مِنْهُ مَئُونَةٌ بَلْ جَعَلَ فِيهِ الْقُوَّةَ عَلَى الِانْتِصَابِ وَقْتَ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ لِمَا قَدَّرَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مِنْ دَوَامِ النَّسْلِ وَ بَقَائِهِ اعْتَبِرِ الْآنَ يَا مُفَضَّلُ بِعِظَمِ النِّعْمَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي مَطْعَمِهِ وَ مَشْرَبِهِ وَ تَسْهِيلِ خُرُوجِ الْأَذَى أَ لَيْسَ مِنْ حُسْنِ التَّقْدِيرِ فِي بِنَاءِ الدَّارِ أَنْ يَكُونَ الْخَلَاءُ فِي أَسْتَرِ مَوْضِعٍ فِيهَا فَهَكَذَا جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمَنْفَذَ الْمُهَيَّأَ لِلْخَلَاءِ مِنَ الْإِنْسَانِ فِي أَسْتَرِ مَوْضِعٍ مِنْهُ فَلَمْ يَجْعَلْهُ بَارِزاً مِنْ خَلْقِهِ وَ لَا نَاشِراً مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ بَلْ هُوَ مُغَيَّبٌ فِي مَوْضِعٍ غَامِضٍ مِنَ الْبَدَنِ مَسْتُورٌ مَحْجُوبٌ يَلْتَقِي
____________
(1) و تزايل (خ).
(2) الكلوب: خشبة في رأسها عقافة منها او من حديد.
(3) مهنأ (خ).
328
عَلَيْهِ الْفَخِذَانِ وَ تَحْجُبُهُ الْأَلْيَتَانِ بِمَا عَلَيْهِمَا مِنَ اللَّحْمِ فَيُوَارِيَانِهِ فَإِذَا احْتَاجَ الْإِنْسَانُ إِلَى الْخَلَاءِ وَ جَلَسَ تِلْكَ الْجِلْسَةَ أَلْفَى ذَلِكَ الْمَنْفَذَ مِنْهُ مُنْصَبّاً مُهَيَّأً لِانْحِدَارِ الثُّفْلِ فَتَبَارَكَ اللَّهُ مَنْ تَظَاهَرَتْ آلَاؤُهُ وَ لَا تُحْصَى نَعْمَاؤُهُ فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي هَذِهِ الْطَوَاحِنِ الَّتِي جُعِلَتْ لِلْإِنْسَانِ فَبَعْضُهَا حُدَادٌ لِقَطْعِ الطَّعَامِ وَ قَرْضِهِ وَ بَعْضُهَا عُرَاضٌ لِمَضْغِهِ وَ رَضِّهِ فَلَمْ يَنْقُصْ وَاحِدٌ (1) مِنَ الصِّفَتَيْنِ إِذْ كَانَ مُحْتَاجاً إِلَيْهِمَا جَمِيعاً تَأَمَّلْ وَ اعْتَبِرْ بِحُسْنِ التَّدْبِيرِ فِي خَلْقِ الشَّعْرِ وَ الْأَظْفَارِ فَإِنَّهُمَا لَمَّا كَانَا مِمَّا يَطُولُ وَ يَكْثُرُ حَتَّى يُحْتَاجُ إِلَى تَخْفِيفِهِ أَوَّلًا فَأَوَّلًا جُعِلَا عَدِيمَيِ الْحِسِّ لِئَلَّا يُؤْلِمَ الْإِنْسَانَ الْأَخْذُ مِنْهُمَا وَ لَوْ كَانَ قَصُّ الشَّعْرِ وَ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ مِمَّا يُوجَدُ لَهُ مَسُّ ذَلِكَ لَكَانَ الْإِنْسَانُ مِنْ ذَلِكَ بَيْنَ مَكْرُوهَيْنِ إِمَّا أَنْ يَدَعَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى يَطُولَ فَيَتَثَقَّلَ عَلَيْهِ وَ إِمَّا أَنْ يُخَفِّفَهُ بِوَجَعٍ وَ أَلَمٍ يَتَأَلَّمُ مِنْهُ قَالَ الْمُفَضَّلُ فَقُلْتُ فَلِمَ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ خِلْقَةً لَا تَزِيدُ فَيَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ إِلَى النُّقْصَانِ مِنْهُ فَقَالَ(ع)إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فِي ذَلِكَ عَلَى الْعَبْدِ نِعَماً لَا يَعْرِفُهَا فَيَحْمَدَ عَلَيْهَا اعْلَمْ أَنَّ آلَامَ الْبَدَنِ وَ أَدْوَاءَهُ تَخْرُجُ بِخُرُوجِ الشَّعْرِ فِي مَسَامِّهِ وَ بِخُرُوجِ الْأَظْفَارِ مِنْ أَنَامِلِهَا وَ لِذَلِكَ أُمِرَ الْإِنْسَانُ بِالنُّورَةِ وَ حَلْقِ الرَّأْسِ وَ قَصِّ الْأَظْفَارِ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ لِيُسْرِعَ الشَّعْرُ وَ الْأَظْفَارُ فِي النَّبَاتِ فَتَخْرُجَ الْآلَامُ وَ الْأَدْوَاءُ بِخُرُوجِهِمَا وَ إِذَا طَالا تَحَيَّزَا وَ قَلَّ خُرُوجُهُمَا فَاحْتُبِسَتِ الْآلَامُ وَ الْأَدْوَاءُ فِي الْبَدَنِ فَأَحْدَثَتْ عِلَلًا وَ أَوْجَاعاً وَ مَنَعَ مَعَ ذَلِكَ الشَّعْرَ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُضِرُّ بِالْإِنْسَانِ وَ يُحْدِثُ عَلَيْهِ الْفَسَادَ وَ الضَّرَرَ لَوْ نَبَتَ الشَّعْرُ فِي الْعَيْنِ أَ لَمْ يَكُنْ سَيَعْمَى الْبَصَرُ وَ لَوْ نَبَتَ فِي الْفَمِ أَ لَمْ يَكُنْ سَيُنَغِّصُ عَلَى الْإِنْسَانِ طَعَامَهُ وَ شَرَابَهُ وَ لَوْ نَبَتَ فِي بَاطِنِ الْكَفِّ أَ لَمْ يَكُنْ سَيَعُوقُهُ عَنْ صِحَّةِ اللَّمْسِ وَ بَعْضِ الْأَعْمَالِ وَ لَوْ نَبَتَ فِي فَرْجِ الْمَرْأَةِ وَ عَلَى ذَكَرِ الرَّجُلِ أَ لَمْ يَكُنْ سَيُفْسِدُ عَلَيْهِمَا لَذَّةَ الْجِمَاعِ فَانْظُرْ كَيْفَ تَنَكَّبَ الشَّعْرُ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ ثُمَّ لَيْسَ هَذَا فِي الْإِنْسَانِ فَقَطْ بَلْ تَجِدُهُ فِي الْبَهَائِمِ وَ السِّبَاعِ وَ سَائِرِ الْمُتَنَاسِلَاتِ فَإِنَّكَ تَرَى أَجْسَامَهُنَّ مُجَلَّلَةً بِالشَّعْرِ وَ تَرَى هَذِهِ
____________
(1) واحدا (خ).
329
الْمَوَاضِعَ خَالِيَةً مِنْهُ لِهَذَا السَّبَبِ بِعَيْنِهِ فَتَأَمَّلِ الْخِلْقَةَ كَيْفَ تَتَحَرَّزُ وُجُوهَ الْخَطَاءِ وَ الْمَضَرَّةِ وَ تَأْتِي بِالصَّوَابِ وَ الْمَنْفَعَةِ إِنَّ الْمَنَّانِيَّةَ (1) وَ أَشْبَاهَهُمْ حِينَ اجْتَهَدُوا فِي عَيْبِ الْخِلْقَةِ وَ الْعَمْدِ عَابُوا الشَّعْرَ النَّابِتَ عَلَى الرَّكَبِ وَ الْإِبْطَيْنِ وَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ رُطُوبَةٍ تَنْصَبُّ إِلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ فَيَنْبُتُ فِيهَا الشَّعْرُ كَمَا يَنْبُتُ الْعُشْبُ فِي مُسْتَنْقَعِ الْمِيَاهِ أَ فَلَا تَرَى إِلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ أَسْتَرُ وَ أَهْيَأُ لِقَبُولِ تِلْكَ الْفَضْلَةِ مِنْ غَيْرِهَا ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ تُعَدُّ مِمَّا يَحْمِلُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَئُونَةِ هَذَا الْبَدَنِ وَ تَكَالِيفِهِ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ فَإِنَّ اهْتِمَامَهُ بِتَنْظِيفِ بَدَنِهِ وَ أَخْذِ مَا يَعْلُوهُ مِنَ الشَّعْرِ مِمَّا يَكْسِرُ بِهِ شِرَّتَهُ وَ يَكُفُّ عَادِيَتَهُ وَ يَشْغَلُهُ عَنْ بَعْضِ مَا يُخْرِجُهُ إِلَيْهِ الْفَرَاغُ مِنَ الْأَشَرِ وَ الْبِطَالَةِ تَأَمَّلِ الرِّيقَ وَ مَا فِيهِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ فَإِنَّهُ جُعِلَ يَجْرِي جَرَيَاناً دَائِماً إِلَى الْفَمِ لِيَبُلَّ الْحَلْقَ وَ اللَّهَوَاتِ فَلَا يَجِفَّ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ لَوْ جُعِلَتْ كَذَلِكَ كَانَ فِيهِ هَلَاكُ الْإِنْسَانِ ثُمَّ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُسِيغَ طَعَاماً إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْفَمِ بِلَّةٌ تُنْفِذُهُ تَشْهَدُ بِذَلِكَ الْمُشَاهَدَةُ وَ اعْلَمْ أَنَّ الرُّطُوبَةَ مَطِيَّةُ الْغِذَاءِ وَ قَدْ تَجْرِي مِنْ هَذِهِ الْبِلَّةِ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الْمِرَّةِ فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ صَلَاحٌ تَامٌّ لِلْإِنْسَانِ وَ لَوْ يَبِسَتِ الْمِرَّةُ لَهَلَكَ الْإِنْسَانُ وَ لَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ جَهَلَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَ ضَعَفَةِ الْمُتَفَلْسِفِينَ بِقِلَّةِ التَّمْيِيزِ وَ قُصُورِ الْعِلْمِ لَوْ كَانَ بَطْنُ الْإِنْسَانِ كَهَيْئَةِ الْقَبَاءِ يَفْتَحُهُ الطَّبِيبُ إِذَا شَاءَ فَيُعَايِنُ مَا فِيهِ وَ يُدْخِلُ يَدَهُ فَيُعَالِجُ مَا أَرَادَ عِلَاجَهُ أَ لَمْ يَكُنْ أَصْلَحَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُصْمَتاً مَحْجُوباً عَنِ الْبَصَرِ وَ الْيَدِ لَا يُعْرَفُ مَا فِيهِ إِلَّا بِدَلَالاتٍ غَامِضَةٍ كَمِثْلِ النَّظَرِ إِلَى الْبَوْلِ وَ حِسِّ الْعِرْقِ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ فِيهِ الْغَلَطُ وَ الشُّبْهَةُ حَتَّى رُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ سَبَباً لِلْمَوْتِ فَلَوْ عَلِمَ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةُ أَنَّ هَذَا لَوْ كَانَ هَكَذَا كَانَ أَوَّلَ مَا فِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَسْقُطُ عَنِ الْإِنْسَانِ الْوَجَلُ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَ الْمَوْتِ وَ كَانَ يَسْتَشْعِرُ الْبَقَاءَ وَ يَغْتَرُّ بِالسَّلَامَةِ فَيُخْرِجُهُ ذَلِكَ إِلَى الْعُتُوِّ وَ الْأَشَرِ ثُمَّ كَانَتِ الرُّطُوبَاتُ الَّتِي فِي الْبَطْنِ تَتَرَشَّحُ وَ تَتَحَلَّبُ فَيُفْسِدُ عَلَى الْإِنْسَانِ مَقْعَدَهُ وَ مَرْقَدَهُ وَ ثِيَابَ بِذْلَتِهِ وَ زِينَتِهِ بَلْ كَانَ يُفْسِدُ عَلَيْهِ عَيْشَهُ
____________
(1) في بعض النسخ «المنابية» بتقديم الموحدة التحتانية على المثناة الفوقانية، و في بعضها «المانوية».
330
ثُمَّ إِنَّ الْمَعِدَةَ وَ الْكَبِدَ وَ الْفُؤَادَ إِنَّمَا تَفْعَلُ أَفْعَالَهَا بِالْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ مُحْتَبَسَةً فِي الْجَوْفِ فَلَوْ كَانَ فِي الْبَطْنِ فَرْجٌ يَنْفَتِحُ حَتَّى يَصِلَ الْبَصَرُ إِلَى رُؤْيَتِهِ وَ الْيَدُ إِلَى عِلَاجِهِ لَوَصَلَ بَرْدُ الْهَوَاءِ إِلَى الْجَوْفِ فَمَازَجَ الْحَرَارَةَ الْغَرِيزِيَّةَ وَ بَطَلَ عَمَلُ الْأَحْشَاءِ فَكَانَ فِي ذَلِكَ هَلَاكُ الْإِنْسَانِ أَ فَلَا تَرَى أَنَّ كُلَّ مَا تَذْهَبُ إِلَيْهِ الْأَوْهَامُ سِوَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْخِلْقَةُ خَطَأٌ وَ خَطَلٌ.
أقول: قد مر شرح الجميع في كتاب التوحيد من أراد ذلك فليرجع إليه (1).
32- الدُّرُّ الْمَنْثُورُ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ ابْنَ آدَمَ كَمَا شَاءَ وَ بِمَا شَاءَ (2) فَكَانَ كَذَلِكَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ خَلَقَ مِنَ التُّرَابِ وَ الْمَاءِ فَمِنْهُ لَحْمُهُ وَ دَمُهُ وَ شَعْرُهُ وَ عِظَامُهُ وَ جَسَدُهُ فَهَذَا (3) بَدْءُ الْخَلْقِ الَّذِي خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُ ابْنَ آدَمَ ثُمَّ جُعِلَتْ فِيهِ النَّفْسُ فَبِهَا يَقُومُ وَ يَقْعُدُ وَ يَسْمَعُ وَ يُبْصِرُ وَ يَعْلَمُ مَا تَعْلَمُ الدَّوَابُّ وَ يَتَّقِي مَا تَتَّقِي ثُمَّ جُعِلَتْ فِيهِ الرُّوحُ فَبِهِ عَرَفَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ وَ الرُّشْدَ مِنَ الْغَيِّ وَ بِهِ حَذِرَ وَ تَقَدَّمَ وَ اسْتَتَرَ وَ تَعَلَّمَ وَ دَبَّرَ الْأُمُورَ كُلَّهَا فَمِنَ التُّرَابِ يُبُوسَتُهُ وَ مِنَ الْمَاءِ رُطُوبَتُهُ فَهَذَا بَدْءُ الْخَلْقِ الَّذِي خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُ ابْنَ آدَمَ كَمَا أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ جَعَلَ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الْفِطَرِ الْأَرْبَعِ أَنْوَاعاً مِنَ الْخَلْقِ (4) فِي جَسَدِ ابْنِ آدَمَ فَهِيَ قِوَامُ جَسَدِهِ وَ مِلَاكُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ هِيَ الْمِرَّةُ السَّوْدَاءُ وَ الْمِرَّةُ الصَّفْرَاءُ وَ الدَّمُ وَ الْبَلْغَمُ فَيُبُوسَتُهُ وَ حَرَارَتُهُ مِنْ قِبَلِ النَّفْسِ وَ مَسْكَنُهَا فِي الدَّمِ وَ رُطُوبَتُهُ وَ بُرُودَتُهُ مِنْ قِبَلِ الرُّوحِ وَ مَسْكَنُهُ (5) فِي الْبَلْغَمِ فَإِذَا اعْتَدَلَتْ هَذِهِ الْفِطَرُ فِي الْجَسَدِ فَكَانَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ رُبُعٌ كَانَ جِلْداً (6) كَامِلًا وَ جِسْماً صَحِيحاً وَ إِنْ كَثُرَ وَاحِدٌ مِنْهَا عَلَى صَاحِبِهِ عَلَاهَا وَ قَهَرَهَا وَ أُدْخِلَ (7) عَلَيْهَا السُّقْمُ مِنْ نَاحِيَتِهِ وَ إِنْ قَلَّ عَنْهَا وَاحِدٌ (8) مِنْهَا غَلَبَتْ عَلَيْهِ وَ قَهَرَتْهُ وَ مَالَتْ بِهِ فَضَعُفَ عَنْ قُوَّتِهَا وَ عَجَزَ عَنْ طَاقَتِهَا
____________
(1) راجع الجزء الثالث من هذه الطبعة، الصفحة 66- 78.
(2) في المصدر: مما شاء.
(3) فيه: فذلك.
(4) فيه: أنواعا من الخلق أربعة في ...
(5) مسكنها (خ).
(6) في المصدر: جسدا.
(7) دخل (خ).
(8) فيه: و اخذ عنها.
331
وَ أُدْخِلَ عَلَيْهَا السُّقْمُ مِنْ نَاحِيَتِهِ فَالطَّبِيبُ الْعَالِمُ بِالدَّاءِ وَ الدَّوَاءِ يَعْلَمُ مِنَ الْجَسَدِ حَيْثُ أَتَى سُقْمُهُ أَ مِنْ نُقْصَانٍ أَوْ مِنْ زِيَادَةٍ (1).
33- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى دَاوُدَ أَنْ يَسْأَلَ سُلَيْمَانَ عَنْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً فَإِنْ أَجَابَ وَرَّثَهُ الْعِلْمَ وَ النُّبُوَّةَ قَالَ أَخْبِرْنِي يَا بُنَيَّ أَيْنَ مَوْضِعُ الْعَقْلِ مِنْكَ قَالَ الدِّمَاغُ قَالَ أَيْنَ مَوْضِعُ الْحَيَاءِ مِنْكَ قَالَ الْعَيْنَانِ قَالَ أَيْنَ مَوْضِعُ الْبَاطِلِ مِنْكَ قَالَ الْأُذُنَانِ قَالَ أَيْنَ بَابُ الْخَطِيئَةِ مِنْكَ قَالَ اللِّسَانُ قَالَ أَيْنَ طَرِيقُ الرِّيحِ مِنْكَ قَالَ الْمَنْخِرَانِ قَالَ أَيْنَ مَوْضِعُ الْأَدَبِ وَ الْبَيَانِ مِنْكَ قَالَ الْكُلْوَتَانِ قَالَ أَيْنَ بَابُ الْفَظَاظَةِ وَ الْغِلْظَةِ مِنْكَ قَالَ الْكَبِدُ قَالَ أَيْنَ بَيْتُ الرِّيحِ مِنْكَ قَالَ الرِّئَةُ قَالَ أَيْنَ بَابُ الْفَرَحِ مِنْكَ قَالَ الطِّحَالُ قَالَ أَيْنَ بَابُ الْكَسْبِ مِنْكَ قَالَ الْيَدَانِ قَالَ أَيْنَ بَابُ النَّصْبِ مِنْكَ قَالَ الرِّجْلَانِ قَالَ أَيْنَ بَابُ الشَّهْوَةِ مِنْكَ قَالَ الْفَرْجُ قَالَ أَيْنَ بَابُ الذُّرِّيَّةِ مِنْكَ قَالَ الصُّلْبُ قَالَ أَيْنَ بَابُ الْعِلْمِ وَ الْفَهْمِ وَ الْحِكْمَةِ قَالَ الْقَلْبُ إِذَا صَلَحَ الْقَلْبُ صَلَحَ ذَلِكَ كُلُّهُ وَ إِذْ فَسَدَ الْقَلْبُ فَسَدَ ذَلِكَ كُلُّهُ.
[كلمة المصحّح]
بسمه تعالى إلى هنا تمّ الجزء الخامس من المجلّد الرابع عشر- كتاب السماء و العالم- من بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار و هو الجزء الثامن و الخمسون حسب تجزئتنا من هذه الطبعة البهيّة النفيسة. و قد قابلناه على النسخة الّتي نمقّها الفاضل الخبير الشيخ محمّد تقيّ اليزديّ بما فيها من التعليق و اللّه وليّ التوفيق.
محمّد الباقر البهبودى
____________
(1) الدّر المنثور: ج 5،(ص)17.
332
(مراجع التصحيح و التخريج و التعليق)
قوبل هذا الجزء بعدّة نسخ مطبوعة و مخطوطة، منها النسخة المطبوعة بطهران سنة (1305) المعروفة بطبعة أمين الضرب، و منها النسخة المطبوعة بتبرير و منها النسخة المخطوطة النفيسة لمكتبة صاحب الفضيلة السيّد جلال الدين الأرمويّ الشهير ب «المحدّث» و اعتمدنا في التخريج و التصحيح و التعليق على كتب كثيرة نسرد بعض أساميها:
1- القرآن الكريم.
2- تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي المطبوع سنة 1311 في ايران
3- تفسير فرات الكوفيّ المطبوع سنة 1354 في النجف
4- تفسير مجمع البيان المطبوع سنة 1373 في طهران
5- تفسير أنوار التنزيل للقاضي البيضاويّ المطبوع سنة 1285 في استانبول
6- تفسير مفاتيح الغيب للفخر الرازيّ المطبوع سنة 1294 في استانبول
7- الاحتجاج للطبرسيّ المطبوع سنة 1350 في النجف
8- اصول الكافي للكليني المطبوع سنة* * * في طهران
9- الاقبال للسيّد بن طاوس المطبوع سنة 1312 في طهران
10- تنبيه الخواطر لورّام بن أبي فراس المطبوع سنة* * * في طهران
11- التوحيد للصدوق المطبوع سنة 1375 في طهران
12- ثواب الأعمال للصدوق المطبوع سنة 1375 في طهران
13- الخصال الأعمال للصدوق المطبوع سنة 1374 في طهران
14- الدرّ المنثور للسيوطيّ
15- روضة الكافي للكليني المطبوع سنة 1374 في طهران
333
16- علل الشرائع الصدوق المطبوع سنة 1378 في قم
17- عيون الأخبار للصدوق المطبوع سنة 1377 في قم
18- فروع الكافي للكلينى المطبوع سنة* * * في* * *
19- المحاسن للبرقيّ المطبوع سنة 1371 في طهران
20- معاني الاخبار للصدوق المطبوع سنة 1379 في طهران
21- مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب المطبوع سنة 1378 في قم
22- من لا يحضره الفقيه للصدوق المطبوع سنة 1376 في طهران
23- نهج البلاغة للشريف الرضي المطبوع سنة* * * في مصر
24- اسد الغاية لعزّ الدين ابن الأثير المطبوع سنة* * * في طهران
25- تنقيح المقال للشيخ عبد اللّه المامقاني المطبوع سنة 1350 في النجف
26- تهذيب الاسماء و اللغات للحافظ محيى الدين بن شرف النورى المطبوع في مصر
27- جامع الرواة للاردبيلى المطبوع سنة 1331 في طهران
28- خلاصة تذهيب الكمال للحافظ الخزرجي المطبوع سنة 132 في مصر
29- رجال النجاشى المطبوع* * * * * * في طهران
30- روضات الجنات للميرزا محمّد باقر الموسوى المطبوع سنة 1367 في طهران
31- الكنى و الألغاب للمحدّث القميالمطبوع* * * * * * في صيدا
32- لسان الميزان لابن حجر العسقلاني المطبوع* * * * * * فى حيدرآباد الدكن
33- الرواشح السماوية للسيد محمّد باقر الحسيني الشهير بالداماد المطبوع سنة 1311 في ايران
34- القبسات للسيد محمّد باقر الحسينى الشهير بالداماد المطبوع سنة 1315 في ايران
35- رسالة مذهب ارسطاطا ليس للسيد محمّد باقر الحسينى الشهير بالداماد المطبوعة بهامش القبسات
36- اثولوجيا المنسوب إلى ارسطاطا ليس المطبوعة بهامش القبسات
334
37- رسالة الحدوث لصدر المتألهين المطبوع سنة 1302 في ايران
38- الشفاء للشيخ الرئيس ابى على بن سينا المطبوع سنة 1303 في ايران
39- شرح التجريد تأليف المحقق الطوسى للعلامة الحلّيّ المطبوع سنة 1367 في قم
40- عين اليقين للمولى محسن الفيض الكاشاني المطبوع سنة 1313 في طهران
41- مروج الذهب للمسعودى المطبوع سنة 1346 في مصر
42- القاموس لمحيط للفيروزآبادى المطبوع سنة 1332 في مصر
43- الصحاح للجوهريّ المطبوع سنة 1377 في مصر
44- النهاية لمجد الدين ابن الاثير المطبوع سنة 1311 في مصر
335
فهرس ما في هذا الجزء من الأبواب
الموضوع/ الصفحه
42- باب حقيقة النفس و الروح و أحوالهما 131- 1
43- باب آخر في خلق الأرواح قبل الأجساد و علّة تعلّقها بها و بعض شئونها من ائتلافها و اختلافها و حبّها و بغضها و غير ذلك من أحوالها 150- 131
44- باب حقيقة الرؤيا و تعبيرها و فضل الرؤيا الصادقة و علّتها و علّة الكاذبة 233- 151
45- باب آخر في رؤية النبي (صّلى الّله عليه و آله) و أوصيائه (عليهم السلام) و سائر الأنبياء و الأولياء في المنام 244- 234
46- باب قوى النفس و مشاعرها من الحواسّ الظاهرة و الباطنة و سائر القوى البدنية 286- 245
47- باب ما به قوام بدن الإنسان و أجزائه و تشريح أعضائه و منافعها و ما يترتّب عليها من أحوال النفس 331- 286
337
(رموز الكتاب)
ب: لقرب الإسناد.
بشا: لبشارة المصطفى.
تم: لفلاح السائل.
ثو: لثواب الأعمال.
ج: للإحتجاج.
جا: لمجالس المفيد.
جش: لفهرست النجاشيّ.
جع: لجامع الأخبار.
جم: لجمال الأسبوع.
جُنة: للجُنة.
حة: لفرحة الغريّ.
ختص: لكتاب الإختصاص.
خص: لمنتخب البصائر.
د: للعَدَد.
سر: للسرائر.
سن: للمحاسن.
شا: للإرشاد.
شف: لكشف اليقين.
شي: لتفسير العياشيّ
ص: لقصص الأنبياء.
صا: للإستبصار.
صبا: لمصباح الزائر.
صح: لصحيفة الرضا (ع).
ضا: لفقه الرضا (ع).
ضوء: لضوء الشهاب.
ضه: لروضة الواعظين.
ط: للصراط المستقيم.
طا: لأمان الأخطار.
طب: لطبّ الأئمة.
ع: لعلل الشرائع.
عا: لدعائم الإسلام.
عد: للعقائد.
عدة: للعُدة.
عم: لإعلام الورى.
عين: للعيون و المحاسن.
غر: للغرر و الدرر.
غط: لغيبة الشيخ.
غو: لغوالي اللئالي.
ف: لتحف العقول.
فتح: لفتح الأبواب.
فر: لتفسير فرات بن إبراهيم.
فس: لتفسير عليّ بن إبراهيم.
فض: لكتاب الروضة.
ق: للكتاب العتيق الغرويّ
قب: لمناقب ابن شهر آشوب.
قبس: لقبس المصباح.
قضا: لقضاء الحقوق.
قل: لإقبال الأعمال.
قية: للدُروع.
ك: لإكمال الدين.
كا: للكافي.
كش: لرجال الكشيّ.
كشف: لكشف الغمّة.
كف: لمصباح الكفعميّ.
كنز: لكنز جامع الفوائد و تأويل الآيات الظاهرة معا.
ل: للخصال.
لد: للبلد الأمين.
لى: لأمالي الصدوق.
م: لتفسير الإمام العسكريّ (ع).
ما: لأمالي الطوسيّ.
محص: للتمحيص.
مد: للعُمدة.
مص: لمصباح الشريعة.
مصبا: للمصباحين.
مع: لمعاني الأخبار.
مكا: لمكارم الأخلاق.
مل: لكامل الزيارة.
منها: للمنهاج.
مهج: لمهج الدعوات.
ن: لعيون أخبار الرضا (ع).
نبه: لتنبيه الخاطر.
نجم: لكتاب النجوم.
نص: للكفاية.
نهج: لنهج البلاغة.
نى: لغيبة النعمانيّ.
هد: للهداية.
يب: للتهذيب.
يج: للخرائج.
يد: للتوحيد.
ير: لبصائر الدرجات.
يف: للطرائف.
يل: للفضائل.
ين: لكتابي الحسين بن سعيد او لكتابه و النوادر.
يه: لمن لا يحضره الفقيه.
