بحار الأنوار


الجزء الخامس


تأليف

العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي


جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

http://www.masaha.org


http://www.masaha.org

1

[الخطبة من المؤلف (رحمه الله )‏]

الحمد للّه الذي أمر عباده بالعدل و هو تعالى أولى به من المأمورين، و زجرهم فبيّن أنّه لا يظلم المزجورين، و كلّف الخلق بعد استطاعتهم ليكونوا بطاعته في جنّاته متنعمين، و بمعصيته في نيرانه معذّبين و الصلاة على شافع المذنبين و فخر المرسلين، محمّد خاتم النبيين، و على وصيّه رافع لواء الحمد، يوم الدين، و الساقي من حوض أخيه شيعته المرحومين، و على أوصيائهما الأطهرين، و ذرّيتهما الأكرمين ما أظلّت السماوات على الأرضين.

أمّا بعد فهذا هو المجلّد الثالت من كتاب بحار الأنوار المشتمل على أخبار العدل و المعاد، و علل تكليف العباد، مما ألّفه الراجي لرحمة ربّه و شفاعة نبيّه يوم التناد محمّد باقر بن محمّد تقي رزقه الله سلوك سبيل الرشاد، و غفر له و لوالديه يوم المعاد.

4

الواقعة جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ‏ تفسير المبالغة في قوله تعالى‏ بِظَلَّامٍ‏ إما غير مقصودة أو هي لكثرة العبيد أو لبيان أن ما ينسبون إليه تعالى من جبرهم على المعاصي و تعذيبهم عليها غاية الظلم أو لبيان أنه لو اتصف تعالى به لكان صفة كمال فيجب كماله فيه و الفتيل الخيط الذي في شق النواة (1) و في تفسير علي بن إبراهيم هي القشرة التي على النواة.

قوله تعالى‏ وَ إِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى‏ حِمْلِها أي إن تدع نفس أثقلتها الأوزار لحمل بعض أوزارها لم تجب لحمل شي‏ء منه و لو كان المدعو ذا قرابتها.

1- لي، الأمالي للصدوق أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ صَبَّاحِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ وَ هِشَامٍ وَ حَفْصٍ وَ غَيْرِ وَاحِدٍ قَالُوا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقُ(ع)إِنَّا لَا نَقُولُ جَبْراً وَ لَا تَفْوِيضاً (2).

2- يد، التوحيد ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) لي، الأمالي للصدوق السِّنَانِيُّ عَنِ الْأَسَدِيِّ عَنْ سَهْلٍ عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْحَسَنِيِّ عَنِ الْإِمَامِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ الرِّضَا عَلِيِّ بْنِ مُوسَى(ع)قَالَ: خَرَجَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ عِنْدِ الصَّادِقِ(ع)فَاسْتَقْبَلَهُ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ(ع)فَقَالَ لَهُ يَا غُلَامُ مِمَّنِ الْمَعْصِيَةُ فَقَالَ(ع)لَا تَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةٍ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَيْسَتْ مِنْهُ فَلَا يَنْبَغِي لِلْكَرِيمِ أَنْ يُعَذِّبَ عَبْدَهُ بِمَا لَمْ يَكْتَسِبْهُ- (3) وَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مِنَ الْعَبْدِ فَلَا يَنْبَغِي لِلشَّرِيكِ الْقَوِيِّ أَنْ يَظْلِمَ الشَّرِيكَ الضَّعِيفَ وَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنَ الْعَبْدِ وَ هِيَ مِنْهُ فَإِنْ عَاقَبَهُ اللَّهُ فَبِذَنْبِهِ وَ إِنْ عَفَا عَنْهُ فَبِكَرَمِهِ وَ جُودِهِ‏ (4).

3- ب، قرب الإسناد ابْنُ حُكَيْمٍ عَنِ الْبَزَنْطِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ(ع)قَالَ فَقَالَ لِي اكْتُبْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِيَّتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تَشَاءُ وَ بِنِعْمَتِي أَدَّيْتَ إِلَيَ‏

____________



(1) مأخوذ من الفتيل، لكونه على هيئته، يضرب به المثل في الشي‏ء الحقير.

(2) في المصدر: انا لا أقول جبرا و لا تفويضا م.

(3) في أكثر المصادر: بما لا يكتسبه. م.

(4) سيأتى الحديث مفصلا من الاحتجاج تحت رقم 33.

3

المؤمنون‏ وَ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وَ لَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ‏ النور لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ‏ سبأ قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَ لا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏ فاطر وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ وَ إِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى‏ حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْ‏ءٌ وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى‏ ص‏ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ الزمر إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَ لا يَرْضى‏ لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ المؤمن‏ وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ و قال تعالى‏ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى‏ إِلَّا مِثْلَها و قال تعالى‏ الْيَوْمَ تُجْزى‏ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ‏ السجدة مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ الزخرف‏ وَ ما ظَلَمْناهُمْ وَ لكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ‏ ق‏ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَ قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ الطور إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏ و قال تعالى‏ كُلُوا وَ اشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏ و قال سبحانه‏ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ‏ النجم‏ وَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى‏ إلى قوله تعالى‏ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى‏ وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى‏ وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى‏ ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى‏

2

كتاب العدل و المعاد

أبواب العدل‏

باب 1 نفي الظلم و الجور عنه تعالى و إبطال الجبر و التفويض و إثبات الأمر بين الأمرين و إثبات الاختيار و الاستطاعة

الآيات آل عمران‏ ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ النساء إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَ يُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً و قال‏ وَ لا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا و قال‏ ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ‏ و قال‏ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَ آمَنْتُمْ وَ كانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً الأنعام‏ ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى‏ بِظُلْمٍ وَ أَهْلُها غافِلُونَ وَ لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ‏ الأعراف‏ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَ اللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ الأنفال‏ ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ التوبة فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏ يونس‏ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَ لكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏ و قال تعالى‏ قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى‏ فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ‏ النحل‏ وَ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا الحج‏ ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ

5

فَرَائِضِي وَ بِقُدْرَتِي قَوِيتَ عَلَى مَعْصِيَتِي خَلَقْتُكَ سَمِيعاً بَصِيراً أَنَا أَوْلَى بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ وَ أَنْتَ أَوْلَى بِسَيِّئَاتِكَ مِنِّي لِأَنِّي لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ‏ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ‏ قَدْ نَظَمْتُ جَمِيعَ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ‏ (1).

4- ب، قرب الإسناد أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ الْبَزَنْطِيِّ عَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع)إِذَا نَاجَى رَبَّهُ قَالَ يَا رَبِّ قَوِيتُ عَلَى مَعْصِيَتِكَ بِنِعْمَتِكَ قَالَ وَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى‏ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَ إِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ‏ فَقَالَ إِنَّ الْقَدَرِيَّةَ يَحْتَجُّونَ بِأَوَّلِهَا وَ لَيْسَ كَمَا يَقُولُونَ أَ لَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَقُولُ‏ وَ إِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ‏ وَ قَالَ نُوحٌ عَلَى نَبِيِّنَا وَ آلِهِ وَ (عليه السلام)‏ وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ‏ قَالَ الْأَمْرُ إِلَى اللَّهِ‏ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ.

بيان اعلم أن لفظ القدري يطلق في أخبارنا على الجبري و على التفويضي و

____________

(1) في قرب الإسناد المطبوع: قد نظمت جميع ما تسأل عنه. أقول: أخرجه ثقة الإسلام في كتابه الكافي في باب الجبر و القدر أتم من هذا، و اللفظ هكذا: محمّد بن أبي عبد اللّه و غيره، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: قلت لابى الحسن الرضا (عليه السلام): إن بعض أصحابنا يقول بالجبر، و بعضهم يقول بالاستطاعة، قال: فقال لي: اكتب: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ قال عليّ بن الحسين: قال اللّه عزّ و جلّ: يا بن آدم بمشيتى كنت أنت الذي تشاء، و بقوتى أديت إلى فرائضى، و بنعمتى قويت على معصيتى، جعلتك سميعا بصيرا، ما أصابك من حسنة فمن اللّه، و ما أصابك من سيئة فمن نفسك، و ذلك أنى أولى بحسناتك منك، و أنت أولى بسيئاتك منى، و ذلك لا اسأل عما أفعل و هم يسألون، قد نظمت لك كل شي‏ء تريد. انتهى. و أخرجه أيضا في باب المشية و الإرادة بصورة أخصر من هذا و يأتي بالاسناد تحت رقم 93 و يأتي أيضا تحت رقم 88 بسند آخر مع اختلاف.

قوله: بقوتى أديت إلى فرائضى اي بقوتى التي أعطيتك و بتوفيقى الذي وفقتك أديت فرائضى، و لو وكلتك إلى نفسك و خذلتك لاسقطتك نفسك إلى هوية الضلال؛ و أدخلتك مداخل السوء و الفحشاء، و ذلك أنى جعلتك سميعا لاستماع ما نطقت به أنبيائى و أدلة رشادى من شرائعى و معالم دينى، و وفقتك للاستماع، و جعلتك بصيرا لتبصر آثار صنعى، و آيات توحيدى و ألوهيتي، فما أصابك من حسنة فمن ناحيتى و من عندي، و لتوفيقى و قوتى، و ما أصابك من سيئة فمن سوء اختيارك، و غواية نفسك، و اغتيال سوء سريرتك.

6

المراد في هذا الخبر هو الثاني و قد أحال كل من الفريقين ما ورد في ذلك على الآخر قَالَ شَارِحُ الْمَقَاصِدِ لَا خِلَافَ فِي ذَمِّ الْقَدَرِيَّةِ

وَ قَدْ وَرَدَ فِي صِحَاحِ الْأَحَادِيثِ‏ لَعَنَ اللَّهُ الْقَدَرِيَّةَ عَلَى لِسَانِ سَبْعِينَ نَبِيّاً.

و المراد بهم القائلون بنفي كون الخير و الشر كله بتقدير الله و مشيته سموا بذلك لمبالغتهم في نفيه و قيل لإثباتهم للعبد قدرة الإيجاد و ليس بشي‏ء لأن المناسب حينئذ القدري بضم القاف و قالت المعتزلة القدرية هم القائلون بأن الخير و الشر كله من الله و بتقديره و مشيته لأن الشائع نسبة الشخص إلى ما يثبته و يقول به كالجبرية و الحنفية و الشافعية لا إلى ما ينفيه وَ رُدَّ بِأَنَّهُ صَحَّ عَنِ‏

- النَّبِيِّ(ص)قَوْلُهُ‏ الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ أُمَّتِي.

- وَ قَوْلُهُ‏ إِذَا قَامَتِ الْقِيَامَةُ نَادَى مُنَادٍ أَهْلَ الْجَمْعِ أَيْنَ خُصَمَاءُ اللَّهِ فَتَقُومُ الْقَدَرِيَّةُ.

و لا خفاء في أن المجوس هم الذين ينسبون الخير إلى الله و الشر إلى الشيطان و يسمونهما يزدان و أهرمن و أن من لا يفوض الأمور كلها إلى الله تعالى و يفرز بعضها فينسبه إلى نفسه يكون هو المخاصم لله تعالى و أيضا من يضيف القدر إلى نفسه و يدعي كونه الفاعل و المقدر أولى باسم القدري ممن يضيفه إلى ربه انتهى.

و قال العلامة (رحمه الله ) في شرحه على التجريد قال أبو الحسن البصري و محمود الخوارزمي وجه تشبيهه(ع)المجبرة بالمجوس من وجوه أحدها أن المجوس اختصوا بمقالات سخيفة و اعتقادات واهية معلومة البطلان و كذلك المجبرة.

و ثانيها أن مذهب المجوس أن الله تعالى يخلق فعله ثم يتبرأ منه كما خلق إبليس ثم انتفى عنه و كذلك المجبرة قالوا إنه تعالى يفعل القبائح ثم يتبرأ منه‏ (1).

و ثالثها أن المجوس قالوا إن نكاح الأخوات و الأمهات بقضاء الله و قدره و إرادته و وافقهم المجبرة حيث قالوا إن نكاح المجوس لأخواتهم و أمهاتهم بقضاء الله و قدره و إرادته.

و رابعها أن المجوس قالوا إن القادر على الخير لا يقدر على الشر و بالعكس‏

____________

(1) في شرح التجريد: ثم يتبرأ منها. م.

7

و المجبرة قالوا إن القدرة موجبة للفعل غير متقدمة عليه فالإنسان القادر على الخير لا يقدر على ضده و بالعكس انتهى.

أقول سيتضح لك أن كلا منهما ضال صادق فيما نسب إلى الآخر و أن الحق غير ما ذهبا إليه و هو الأمر بين الأمرين.

5- ب، قرب الإسناد بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ قَالَ سَمِعْتُ الرِّضَا(ع)يَقُولُ‏ كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع)إِذَا نَاجَى رَبَّهُ قَالَ اللَّهُمَّ يَا رَبِّ إِنَّمَا قَوِيتُ عَلَى مَعَاصِيكَ بِنِعَمِكَ‏ (1).

6- فس، تفسير القمي‏ قَوْلُهُ‏ إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا إِلَى قَوْلِهِ‏ يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً قَالَ الصَّادِقُ(ع)إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنَ اللَّهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يُضِلُّ الْعِبَادَ ثُمَّ يُعَذِّبُهُمْ عَلَى ضَلَالَتِهِمْ.

بيان الظاهر أنه(ع)جعل قوله تعالى‏ يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً من جملة قول الذين كفروا على خلاف ما ذهب إليه المفسرون من أنه من كلامه تعالى جوابا لقولهم‏ (2).

7- ل، الخصال الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ عَنِ ابْنِ مَنِيعٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ الْمُرْجِئَةُ وَ الْقَدَرِيَّةُ.

8 كَنْزُ الْكَرَاجُكِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّخْرِ الْبَصْرِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَيْفٍ‏ (3) عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَهْرَوَيْهِ الْقَزْوِينِيِّ عَنْ دَاوُدَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ(ع)مِثْلَهُ.

بيان قال الكراجكي ظنت المعتزلة أن الشيعة هم المرجئة لقولهم إنا نرجو من الله تعالى العفو عن المؤمن إذا ارتكب معصية و مات قبل التوبة و هذا غلط

____________

(1) أقول: غير خفى أنّه و الخبر المتقدم تحت رقم 4 قطعتان من الخبر الثالث.

(2) و لعلّ الحديث مربوط بآخر الآية، و هو قوله: و ما يضل به إلّا الفاسقين الآية. ط.

(3) في المصدر: يوسف. م.

8

منهم في التسمية لأن المرجئة مشتق من الإرجاء و هو التأخير (1) بل هم الذين أخروا الأعمال و لم يعتقدوا من فرائض الإيمان ثم قال إن المعتزلة لها من الزلات الفظيعة ما يكثر تعداده و قد صنف ابن الراوندي كتاب فضائحهم فأورد فيه جملا من اعتقاداتهم و آراء شيوخهم مما ينافر العقول و يضاد شريعة الرسول‏

- وَ قَدْ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ بِذَمِّهِمْ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ(ع)وَ لَعَنَهُمْ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ(ع)فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْمُعْتَزِلَةَ أَرَادَتْ أَنْ تَوَحَّدَتْ فَأَلْحَدَتْ وَ رَامَتْ أَنْ تَرْفَعَ التَّشْبِيهَ فَأَثْبَتَتْ‏

. 9- ل، الخصال مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ بَشَّارٍ الْقَزْوِينِيُّ عَنِ الْمُظَفَّرِ بْنِ أَحْمَدَ وَ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ الْكُوفِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ(ع)أَدْنَى مَا يَخْرُجُ بِهِ الرَّجُلُ مِنَ الْإِيمَانِ أَنْ يَجْلِسَ إِلَى غَالٍ وَ يَسْتَمِعَ إِلَى حَدِيثِهِ وَ يُصَدِّقَهُ عَلَى قَوْلِهِ إِنَّ أَبِي حَدَّثَنِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ(ع)أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَا نَصِيبَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ الْغُلَاةُ وَ الْقَدَرِيَّةُ.

10- عد، العقائد اعْتِقَادُنَا فِي الِاسْتِطَاعَةِ مَا قَالَهُ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ(ع)حِينَ قِيلَ لَهُ أَ يَكُونُ الْعَبْدُ مُسْتَطِيعاً قَالَ نَعَمْ بَعْدَ أَرْبَعِ خِصَالٍ أَنْ يَكُونَ مُخَلَّى السَّرْبِ صَحِيحَ الْجِسْمِ سَلِيمَ الْجَوَارِحِ لَهُ سَبَبٌ وَارِدٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَإِذَا تَمَّتْ هَذِهِ فَهُوَ مُسْتَطِيعٌ فَقِيلَ لَهُ مِثْلُ أَيِّ شَيْ‏ءٍ فَقَالَ يَكُونُ الرَّجُلُ مُخَلَّى السَّرْبِ صَحِيحَ الْجِسْمِ سَلِيمَ الْجَوَارِحِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَزْنِيَ إِلَّا أَنْ يَرَى امْرَأَةً فَإِذَا وَجَدَ الْمَرْأَةَ فَإِمَّا أَنْ يَعْصِمَ فَيَمْتَنِعَ كَمَا امْتَنَعَ يُوسُفُ وَ إِمَّا أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَهَا فَيَزْنِيَ وَ هُوَ زَانٍ وَ لَمْ يُطِعِ اللَّهَ بِإِكْرَاهٍ وَ لَمْ يَعْصِ بِغَلَبَةٍ (2).

____________

(1) قال في الكنز بعد ذلك(ص)50: يقال لمن أخر أمرا: أرجأت الامر يا رجل، فأنت مرجئ قال اللّه: «أَرْجِهْ وَ أَخاهُ»* أى أخره، و قال تعالى: «وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ» أى مؤخرون إلى مشيته، و أمّا الرجاء فانما يقال: منه رجوت فأنا راج، فيجب أن تكون الشيعة راجية لا المرجئة و المرجئة هم الذين أخروا الاعمال، و لم يعتقدوا من فرائض الايمان، و قد لعنهم النبيّ فيما وردت به الاخبار. انتهى. ثم ذكر الحديث المتقدم.

(2) سيوافيك الحديث مسندا عن الرضا (عليه السلام) تحت رقم 54.

9

11 وَ سُئِلَ الصَّادِقُ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ قَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَ هُمْ سالِمُونَ‏ قَالَ مُسْتَطِيعُونَ لِلْأَخْذِ بِمَا أُمِرُوا بِهِ وَ التَّرْكِ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَ بِذَلِكَ ابْتُلُوا (1).

12- وَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبٌ مَسْطُورٌ يَا مُوسَى إِنِّي خَلَقْتُكَ وَ اصْطَفَيْتُكَ وَ قَوَّيْتُكَ- (2) وَ أَمَرْتُكَ بِطَاعَتِي وَ نَهَيْتُكَ عَنْ مَعْصِيَتِي فَإِنْ أَطَعْتَنِي أَعَنْتُكَ عَلَى طَاعَتِي وَ إِنْ عَصَيْتَنِي لَمْ أُعِنْكَ عَلَى مَعْصِيَتِي وَ لِيَ الْمِنَّةُ عَلَيْكَ فِي طَاعَتِكَ وَ لِيَ الْحُجَّةُ عَلَيْكَ فِي مَعْصِيَتِكَ.

13- فس، تفسير القمي فِي رِوَايَةِ أَبِي الْجَارُودِ (3) قَوْلُهُ‏ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدى‏ وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ قَالَ خَلَقَهُمْ حِينَ خَلَقَهُمْ مُؤْمِناً وَ كَافِراً وَ شَقِيّاً وَ سَعِيداً وَ كَذَلِكَ يَعُودُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُهْتَدٍ وَ ضَالٌّ يَقُولُ‏ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ‏ وَ هُمُ الْقَدَرِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا قَدَرَ وَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى الْهُدَى وَ الضَّلَالَةِ وَ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ إِنْ شَاءُوا اهْتَدَوْا وَ إِنْ شَاءُوا ضَلُّوا وَ هُمْ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ كَذَبَ أَعْدَاءُ اللَّهِ الْمَشِيَّةُ وَ الْقُدْرَةُ لِلَّهِ‏ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ‏ مَنْ خَلَقَهُ اللَّهُ شَقِيّاً يَوْمَ خَلَقَهُ كَذَلِكَ يَعُودُ إِلَيْهِ- (4) وَ مَنْ خَلَقَهُ سَعِيداً يَوْمَ خَلَقَهُ كَذَلِكَ يَعُودُ إِلَيْهِ سَعِيداً قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَ السَّعِيدُ مَنْ سَعِدَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ.

14- ل، الخصال الْفَامِيُّ وَ ابْنُ مَسْرُورٍ عَنْ ابْنِ بُطَّةَ عَنِ الصَّفَّارِ وَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَحْبُوبٍ‏ (5) عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَرِيزٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: النَّاسُ فِي الْقَدَرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ رَجُلٍ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَجْبَرَ النَّاسَ عَلَى الْمَعَاصِي فَهَذَا قَدْ ظَلَّمَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِي حُكْمِهِ وَ هُوَ كَافِرٌ وَ رَجُلٍ يَزْعُمُ أَنَّ الْأَمْرَ

____________



(1) سيأتي الحديث مسندا عن الصادق (عليه السلام) تحت رقم 41 و 56.

(2) في الأصل: و هديتك و قويتك و في آخر الحديث: فى معصيتك لي.

(3) في تفسير القمّيّ بعد ذلك: عن أبي جعفر (عليه السلام). م.

(4) و فيه ايضا: يعود إليه شقيا. م.

(5) في التوحيد بعد ذلك: و محمّد بن حسين بن عبد العزيز، عن ابن عيسى. م.

10

مُفَوَّضٌ إِلَيْهِمْ فَهَذَا وَهَّنَ اللَّهَ فِي سُلْطَانِهِ فَهُوَ كَافِرٌ وَ رَجُلٍ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ كَلَّفَ الْعِبَادَ مَا يُطِيقُونَ وَ لَمْ يُكَلِّفْهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ فَإِذَا أَحْسَنَ حَمِدَ اللَّهَ وَ إِذَا أَسَاءَ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ فَهَذَا مُسْلِمٌ بَالِغٌ.

يد، التوحيد الْوَرَّاقُ عَنِ ابْنِ بُطَّةَ مِثْلَهُ.

15- ل، الخصال أَبِي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْفَارِسِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ جَعْفَرٍ الْبَصْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمَّا خَلَقَ الْجَنَّةَ خَلَقَهَا مِنْ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَةٍ مِنْ ذَهَبٍ وَ لَبِنَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ جَعَلَ حِيطَانَهَا الْيَاقُوتَ وَ سَقْفَهَا الزَّبَرْجَدَ وَ حَصْبَاءَهَا اللُّؤْلُؤَ- (1) وَ تُرَابَهَا الزَّعْفَرَانَ وَ الْمِسْكَ الْأَزْفَرَ فَقَالَ لَهَا تَكَلَّمِي فَقَالَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ قَدْ سَعِدَ مَنْ يَدْخُلُنِي فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَّ بِعِزَّتِي وَ عَظَمَتِي وَ جَلَالِي وَ ارْتِفَاعِي لَا يَدْخُلُهَا مُدْمِنُ خَمْرٍ وَ لَا سِكِّيرٌ وَ لَا قَتَّاتٌ‏ (2) وَ هُوَ النَّمَّامُ وَ لَا دَيُّوثٌ وَ هُوَ الْقَلْطَبَانُ وَ لَا قَلَّاعٌ وَ هُوَ الشُّرْطِيُّ وَ لَا زَنُّوقٌ وَ هُوَ الْخُنْثَى وَ لَا خَيُّوفٌ‏ (3) وَ هُوَ النَّبَّاشُ وَ لَا عَشَّارٌ وَ لَا قَاطِعُ رَحِمٍ وَ لَا قَدَرِيٌّ.

توضيح السكير بالكسر و تشديد الكاف الكثير السكر و الفرق بينه و بين المدمن إما بكون المراد بالخمر ما يتخذ من العنب و بالسكير من يسكر من غيره أو بكون المراد بالمدمن أعم ممن يسكر و شرط السلطان نخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من جنده و النسبة إليهم شرطي كتركي و لم أجد اللغويين فسروا الزنوق و الخيوف بما فسرا به في الخبر.

16- ل، الخصال أَبِي وَ ابْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ وَ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بِإِسْنَادٍ لَهُ يَرْفَعُهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مُدْمِنُ‏

____________



(1) في نسخة: و حصاها اللؤلؤ.

(2) من القت و هو الكذب، و سمى النمام قتاتا لانه يزور الحديث و يحسّنها و يبلغها على جهة الكذب و الفساد.

(3) في نسخة من الكتاب: و لا خنوف. و في الخصال المطبوع: و لا خيوق في الموضعين.

11

خَمْرٍ وَ لَا سِكِّيرٌ وَ لَا عَاقٌّ وَ لَا شَدِيدُ السَّوَادِ وَ لَا دَيُّوثٌ وَ لَا قَلَّاعٌ وَ هُوَ الشُّرْطِيُّ وَ لَا زَنُّوقٌ وَ هُوَ الْخُنْثَى وَ لَا خَيُّوفٌ وَ هُوَ النَّبَّاشُ وَ لَا عَشَّارٌ وَ لَا قَاطِعُ رَحِمٍ وَ لَا قَدَرِيٌّ.

قال الصدوق (رحمه الله ) يعني بشديد السواد الذي لا يبيض شي‏ء من شعر رأسه و لا من شعر لحيته مع كبر السن و يسمى الغربيب‏ (1).

17- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) السِّنَانِيُّ عَنِ الْأَسَدِيِّ عَنْ سَهْلٍ عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْحَسَنِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مَحْمُودٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ‏ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِالتَّرْكِ كَمَا يُوصَفُ خَلْقُهُ وَ لَكِنَّهُ مَتَى عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ عَنِ الْكُفْرِ وَ الضَّلَالِ مَنَعَهُمُ الْمُعَاوَنَةَ وَ اللُّطْفَ وَ خَلَّى بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ اخْتِيَارِهِمْ قَالَ وَ سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ خَتَمَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ وَ عَلى‏ سَمْعِهِمْ‏ قَالَ الْخَتْمُ هُوَ الطَّبْعُ عَلَى قُلُوبِ الْكُفَّارِ عُقُوبَةً عَلَى كُفْرِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى‏ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا قَالَ وَ سَأَلْتُهُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ هَلْ يُجْبِرُ عِبَادَهُ عَلَى الْمَعَاصِي فَقَالَ بَلْ يُخَيِّرُهُمْ‏ (2) وَ يُمْهِلُهُمْ حَتَّى يَتُوبُوا قُلْتُ فَهَلْ يُكَلِّفُ عِبَادَهُ مَا لَا يُطِيقُونَ فَقَالَ كَيْفَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَ هُوَ يَقُولُ‏ وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ثُمَّ قَالَ(ع)حَدَّثَنِي أَبِي مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)أَنَّهُ قَالَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ يُجْبِرُ عِبَادَهُ عَلَى الْمَعَاصِي أَوْ يُكَلِّفُهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ فَلَا تَأْكُلُوا ذَبِيحَتَهُ وَ لَا تَقْبَلُوا شَهَادَتَهُ وَ لَا تُصَلُّوا وَرَاءَهُ وَ لَا تُعْطُوهُ مِنَ الزَّكَاةِ شَيْئاً.

ج، الإحتجاج مُرْسَلًا عَنِ الْحَسَنِيِ‏ مِثْلَهُ.

18- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) تَمِيمٌ الْقُرَشِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الشَّامِيِ‏ (3) قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا(ع)بِمَرْوَ فَقُلْتُ لَهُ يَا ابْنَ‏

____________



(1) وزان عفريت.

(2) في الاحتجاج: لا بل يخيرهم. م.

(3) الموجود في العيون: «زيد بن عمير بن معاوية الشاميّ» و حكى فيه عن نسخة اخرى «يزيد بن عمير، عن معاوية الشاميّ».

12

رَسُولِ اللَّهِ رُوِيَ لَنَا عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)أَنَّهُ قَالَ لَا جَبْرَ وَ لَا تَفْوِيضَ بَلْ أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ فَمَا مَعْنَاهُ فَقَالَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ أَفْعَالَنَا ثُمَّ يُعَذِّبُنَا عَلَيْهَا فَقَدْ قَالَ بِالْجَبْرِ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَوَّضَ أَمْرَ الْخَلْقِ وَ الرِّزْقِ إِلَى حُجَجِهِ(ع)فَقَدْ قَالَ بِالتَّفْوِيضِ فَالْقَائِلُ بِالْجَبْرِ كَافِرٌ وَ الْقَائِلُ بِالتَّفْوِيضِ مُشْرِكٌ فَقُلْتُ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَمَا أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ فَقَالَ وُجُودُ السَّبِيلِ إِلَى إِتْيَانِ مَا أُمِرُوا بِهِ وَ تَرْكِ مَا نُهُوا عَنْهُ فَقُلْتُ لَهُ فَهَلْ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَشِيَّةٌ وَ إِرَادَةٌ فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَمَّا الطَّاعَاتُ فَإِرَادَةُ اللَّهِ وَ مَشِيَّتُهُ فِيهَا الْأَمْرُ بِهَا وَ الرِّضَا لَهَا وَ الْمُعَاوَنَةُ عَلَيْهَا وَ إِرَادَتُهُ وَ مَشِيَّتُهُ فِي الْمَعَاصِي النَّهْيُ عَنْهَا وَ السَّخَطُ لَهَا وَ الْخِذْلَانُ عَلَيْهَا قُلْتُ فَلِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِيهَا الْقَضَاءُ- (1) قَالَ نَعَمْ مَا مِنْ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ الْعِبَادُ مِنْ خَيْرٍ وَ شَرٍّ إِلَّا وَ لِلَّهِ فِيهِ قَضَاءٌ قُلْتُ فَمَا مَعْنَى هَذَا الْقَضَاءِ قَالَ الْحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِمَا يَسْتَحِقُّونَهُ عَلَى أَفْعَالِهِمْ مِنَ الثَّوَابِ وَ الْعِقَابِ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ.

ج، الإحتجاج رواه مرسلا مثله.

19- ن، (2) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) الدَّقَّاقُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الطَّائِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ الْكُوفِيِّ قَالَ سَمِعْتُ سَيِّدِي عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ(ع)يَقُولُ حَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ الرِّضَا عَلِيِّ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ(ع)وَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ الْبَغْدَادِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ جَعْفَرٍ الْعَلَوِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)وَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ الْفَارِسِيُّ الْغَرَائِمِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ رُمَيْحٍ النَّسَوِيِّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عِيسَى‏

____________

(1) في العيون المطبوع: فهل عزّ و جلّ فيها القضاء؟.

(2) أورده الإمام عليّ بن محمّد العسكريّ (عليه السلام) ملخصا في رسالته إلى أهل الأهواز في معنى الجبر و التفويض، و سيوردها المصنّف (قدس سره) في الباب الآتي. و يأتي عن كتاب الاحتجاج أيضا في الباب الثالث تحت رقم 19 و عن الإرشاد تحت رقم 75 و عن النهج تحت رقم 79.

13

الْمَرْوَزِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَلَوِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِيهِ(ع)وَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَطَّانُ عَنِ السُّكَّرِيِّ عَنِ الْجَوْهَرِيِّ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ بَكَّارٍ الضَّبِّيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالُوا لَمَّا انْصَرَفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)مِنْ صِفِّينَ قَامَ إِلَيْهِ شَيْخٌ مِمَّنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ مَعَهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنَا عَنْ مَسِيرِنَا هَذَا أَ بِقَضَاءٍ مِنَ اللَّهِ وَ قَدَرٍ.

وَ قَالَ الرِّضَا فِي رِوَايَتِهِ عَنْ آبَائِهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ أَخْبِرْنَا عَنْ خُرُوجِنَا إِلَى أَهْلِ الشَّامِ أَ بِقَضَاءٍ مِنَ اللَّهِ وَ قَدَرٍ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَجَلْ يَا شَيْخُ فَوَ اللَّهِ مَا عَلَوْتُمْ تَلْعَةً وَ لَا هَبَطْتُمْ بَطْنَ وَادٍ إِلَّا بِقَضَاءٍ مِنَ اللَّهِ وَ قَدَرٍ فَقَالَ الشَّيْخُ عِنْدَ اللَّهِ أَحْتَسِبُ عَنَائِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- (1) فَقَالَ مَهْلًا يَا شَيْخُ لَعَلَّكَ تَظُنُّ قَضَاءً حَتْماً وَ قَدَراً لَازِماً لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَبَطَلَ الثَّوَابُ وَ الْعِقَابُ وَ الْأَمْرُ وَ النَّهْيُ وَ الزَّجْرُ وَ لَسَقَطَ مَعْنَى الْوَعْدِ وَ الْوَعِيدِ وَ لَمْ تَكُنْ عَلَى مُسِي‏ءٍ لَائِمَةٌ وَ لَا لِمُحْسِنٍ مَحْمَدَةٌ وَ لَكَانَ الْمُحْسِنُ أَوْلَى بِاللَّائِمَةِ مِنَ الْمُذْنِبِ وَ الْمُذْنِبُ أَوْلَى بِالْإِحْسَانِ مِنَ الْمُحْسِنِ تِلْكَ مَقَالَةُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَ خُصَمَاءِ الرَّحْمَنِ وَ قَدَرِيَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ مَجُوسِهَا يَا شَيْخُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ كَلَّفَ تَخْيِيراً وَ نَهَى تَحْذِيراً وَ أَعْطَى عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيراً وَ لَمْ يُعْصَ مَغْلُوباً وَ لَمْ يُطَعْ مُكْرِهاً وَ لَمْ يَخْلُقِ السَّمَاوَاتِ‏ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا- (2) ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ قَالَ فَنَهَضَ الشَّيْخُ وَ هُوَ يَقُولُ‏

____________



(1) الظاهر كما يستفاد من الكافي سقوط جملة من هنا إمّا من الصدوق أو من النسّاخ و من روى الحديث عنه، و هي في الكافي هكذا: فقال له: مه يا شيخ فو اللّه لقد عظم اللّه الاجر في مسيركم و أنتم سائرون، و في مقامكم و أنتم مقيمون، و في منصرفكم و أنتم منصرفون، و لم تكونوا في شي‏ء من حالاتكم مكرهين، و لا إليه مضطرين. فقال له الشيخ: و كيف لم نكن في شي‏ء من حالاتنا مكرهين و لا إليه مضطرين و كان بالقضاء و القدر مسيرنا و منقلبنا و منصرفنا؟ فقال له: و تظن أنه كان قضاء حتما إه و أورد مثله العلامة في شرح التجريد في باب القضاء و القدر بإسناده عن الأصبغ مع اختلاف نشير إليه بعد ذلك. و فيه أيضا بعد قوله: يا أمير المؤمنين قوله: ما أرى لي من الاجر شيئا.

و ياتى نحوه أيضا في خبر 19 من الباب الثالث مع زيادة.

(2) يوجد في الكافي هنا أيضا زيادة و هى: و لم يبعث النبيين مبشرين و منذرين عبثا.

14

أَنْتَ الْإِمَامُ الَّذِي نَرْجُو بِطَاعَتِهِ* * * -يَوْمَ النَّجَاةِ مِنَ الرَّحْمَنِ غُفْرَاناً

أَوْضَحْتَ مِنْ دِينِنَا مَا كَانَ مُلْتَبِساً* * * جَزَاكَ رَبُّكَ عَنَّا فِيهِ إِحْسَاناً

فَلَيْسَ مَعْذِرَةٌ فِي فِعْلِ فَاحِشَةٍ* * * قَدْ كُنْتُ رَاكِبَهَا فِسْقاً وَ عِصْيَاناً

لَا لَا وَ لَا قَابِلًا نَاهِيهِ أَوْقَعَهُ‏* * * فِيهَا عَبَدْتُ إِذاً يَا قَوْمِ شَيْطَاناً

وَ لَا أَحَبَّ وَ لَا شَاءَ الْفُسُوقَ وَ لَا* * * قَتْلَ الْوَلِيِّ لَهُ ظُلْماً وَ عُدْوَاناً

أَنَّى يُحِبُّ وَ قَدْ صَحَّتْ عَزِيمَتُهُ‏* * * ذُو الْعَرْشِ أَعْلَنَ ذَاكَ اللَّهُ إِعْلَاناً

لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الشِّعْرِ إِلَّا بَيْتَيْنِ مِنْ أَوَّلِهِ‏ (1).

- يد، التوحيد زَادَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِهِ‏ فَقَالَ الشَّيْخُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْقَضَاءُ وَ الْقَدْرُ اللَّذَانِ سَاقَانَا وَ مَا هَبَطْنَا وَادِياً وَ مَا عَلَوْنَا تَلْعَةً إِلَّا بِهِمَا فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)الْأَمْرُ مِنَ اللَّهِ وَ الْحُكْمُ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً

بيان التلعة ما ارتفع من الأرض.

قوله عند الله أحتسب عنائي أي لما لم نكن مستحقين للأجر لكوننا مجبورين فأحتسب أجر مشقتي عند الله لعله يثيبني بلطفه و يحتمل أن يكون استفهاما على سبيل الإنكار و قال الجزري الاحتساب من الحسب كالاعتداد من العد و إنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله احتسبه لأن له حينئذ أن يعتد عمله و الاحتساب في الأعمال الصالحات و عند المكروهات هو البدار إلى طلب الأجر و تحصيله بالتسليم و الصبر أو باستعمال أنواع البر و القيام بها على الوجه المرسوم فيها طلبا للثواب المرجو منها انتهى.

قوله(ع)و لكان المذنب أولى بالإحسان أقول لأنه حمله على ما هو قبيح عقلا و شرعا و صيره بذلك محلا للائمة الناس فهو أولى بالإحسان لتدارك ذلك و أيضا لما حمل المحسن على ما هو حسن عقلا و شرعا و صار بذلك موردا لمدح الناس فإن‏

____________

(1) كالكليني في الكافي إلّا أنّه قال:

أوضحت من أمرنا ما كان ملتبسا* * * جزاك ربك بالاحسان إحسانا

15

عاقبه و أضر به تداركا لما أحسن إليه كان أولى من جمع الإضرارين على المسي‏ء و قيل إنما كان المذنب أولى بالإحسان لأنه لا يرضى بالذنب كما يدل عليه جبره عليه و المحسن أولى بالعقوبة لأنه لا يرضى بالإحسان لدلالة الجبر عليه و من لا يرضى بالإحسان أولى بالعقوبة من الذي يرضى به.

و يحتمل أن يكون هذا متفرعا على ما مر أي إذا بطل الثواب و العقاب و الأمر و النهي و الوعد و الوعيد لكان المذنب أولى إلخ و وجهه أنه لم يبق حينئذ إلا الإحسان و العقوبة الدنيوية و المذنب في الدنيا متنعم بأنواع اللذات و ليست له مشقة التكاليف الشرعية و المحسن في التعب و النصب بارتكاب أفعال لا يشتهيها و ترك ما يلتذ بها مقتر عليه لاجتناب المحرمات من الأموال فحينئذ الإحسان الواقع للمذنب أكثر مما وقع للمحسن فهو أولى بالإحسان من المحسن و العقوبة الواقعة على المحسن أكثر مما وقع على المذنب فهو أولى بالعقوبة من المذنب‏ (1) و القدرية في هذا الخبر أطلقت على الجبرية و قوله لم يعص على بناء المفعول و كذا قوله و لم يطع مكرها بكسر الراء و في الفتح تكلف.

و في الكافي بعد ذلك و لم يملك مفوضا إشارة إلى نفي التفويض التام بحيث لا يقدر على صرفهم عنه أو بحيث لا يكون لتوفيقه و هدايته مدخل فيه.

20- يد، التوحيد ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ابْنُ مَسْرُورٍ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيِّ عَنِ‏

____________

(1) و ذكر وجهين آخرين في كتابه المرآة أيضا، أحدهما أنّه لما اقتضى ذات المذنب أن يحسن إليه في الدنيا باحداث اللذات فيه فينبغي أن يكون في الآخرة أيضا كذلك، لعدم تغير الذوات في النشأتين، و إذا اقتضى ذات المحسن المشقة في الدنيا و إيلامه بالتكاليف الشاقة ففى الآخرة أيضا ينبغي أن يكون كذلك. الثاني ما قيل: لعل وجه ذلك أن المذنب بصدور القبائح و السيئات منه متألم منكسر البال، لظنه أنّها وقعت منه باختياره و قد كانت بجبر جابر و قهر قاهر فيستحق الاحسان، و أن المحسن لفرحاته بصدور الحسنات عنه و زعمه أنّه قد فعلها بالاختيار أولى بالعقوبة من المذنب أقول: لعل قوله: و لكان المحسن أولى إه فيه تصحيف، و صحيحه كما في شرح التجريد في رواية الأصبغ:

و لم يكن المحسن أولى بالمدح من المسى‏ء، و لا المسى‏ء أولى بالذم من المحسن. أو كما ياتى في حديث 19 من الباب الثالث: و لا كان المحسن أولى إه و معناه ظاهر لا يحتاج إلى شي‏ء من التوجيهات المذكورة، لان العبد إذا كان مجبورا على الفعل مسلوبا عنه الاختيار كان المحسن و المسى‏ء كلاهما متساويين في عدم صحة استناد الاحسان و الاساءة إليهما فلا يكون أحدهما أولى بالمدح أو الذم من الآخر.

16

الْوَشَّاءِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ: سَأَلْتُهُ فَقُلْتُ اللَّهُ فَوَّضَ الْأَمْرَ إِلَى الْعِبَادِ قَالَ اللَّهُ أَعَزُّ مِنْ ذَلِكَ قُلْتُ فَأَجْبَرَهُمْ عَلَى الْمَعَاصِي قَالَ اللَّهُ أَعْدَلُ وَ أَحْكَمُ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا أَوْلَى بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ وَ أَنْتَ أَوْلَى بِسَيِّئَاتِكَ مِنِّي عَمِلْتَ الْمَعَاصِيَ بِقُوَّتِيَ الَّتِي جَعَلْتُهَا فِيكَ.

21- يد، التوحيد ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) الطَّالَقَانِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ الْهَرَوِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ‏ مَنْ قَالَ بِالْجَبْرِ فَلَا تُعْطُوهُ مِنَ الزَّكَاةِ وَ لَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً- (1) إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَ لَا يُحَمِّلُهَا فَوْقَ طَاقَتِهَا وَ لا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏

22- يد، التوحيد ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْجَعْفَرِيِّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَهُ الْجَبْرُ وَ التَّفْوِيضُ فَقَالَ أَ لَا أُعْطِيكُمْ فِي هَذَا أَصْلًا لَا تَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَ لَا يُخَاصِمُكُمْ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا كَسَرْتُمُوهُ- (2) قُلْنَا إِنْ رَأَيْتَ ذَلِكَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يُطَعْ بِإِكْرَاهٍ وَ لَمْ يُعْصَ بِغَلَبَةٍ وَ لَمْ يُهْمِلِ الْعِبَادَ فِي مُلْكِهِ هُوَ الْمَالِكُ لِمَا مَلَّكَهُمْ وَ الْقَادِرُ عَلَى مَا أَقْدَرَهُمْ عَلَيْهِ فَإِنِ ائْتَمَرَ الْعِبَادُ بِطَاعَتِهِ‏ (3) لَمْ يَكُنِ اللَّهُ عَنْهَا صَادّاً وَ لَا مِنْهَا مَانِعاً وَ إِنِ ائْتَمَرُوا بِمَعْصِيَتِهِ فَشَاءَ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ ذَلِكَ فَعَلَ وَ إِنْ لَمْ يَحُلْ وَ فَعَلُوهُ فَلَيْسَ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَهُمْ فِيهِ ثُمَّ قَالَ(ع)مَنْ يَضْبِطْ حُدُودَ هَذَا الْكَلَامِ فَقَدْ خَصَمَ مَنْ خَالَفَهُ.

ج، الإحتجاج مرسلا مثله‏ (4) بيان لعل ذكر الائتمار ثانيا للمشاكلة أو هو بمعنى الهم أو الفعل من غير مشاورة كما ذكر في النهاية و القاموس.

23- يد، التوحيد مع، معاني الأخبار حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحْتَمِلُ بْنُ سَعِيدٍ السَّمَرْقَنْدِيُ‏ (5) الْفَقِيهُ بِأَرْضِ بَلْخٍ‏

____________

(1) في المصدرين: و لا تقبلوا له شهادة. م.

(2) في التوحيد المطبوع: و لا تخاصمون عليه أحدا إلّا كسرتموه.

(3) ائتمر الامر و به: امتثله. أقول: أورد الحديث الكليني في باب القضاء و القدر.

(4) الا ان صدر الرواية من قوله: «فقال الا اعطيكم» الى قوله: «قلنا ان رايت ذلك» غير مذكور في المصدر م.

(5) كذا في النسخ و لعله تصحيف «محمد».

17

قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الزَّاهِدِ السَّمَرْقَنْدِيُّ بِإِسْنَادٍ رَفَعَهُ إِلَى الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ إِنَّ أَسَاسَ الدِّينِ التَّوْحِيدُ وَ الْعَدْلُ وَ عِلْمُهُ كَثِيرٌ لَا بُدَّ لِعَاقِلٍ مِنْهُ فَاذْكُرْ مَا يَسْهُلُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ وَ يَتَهَيَّأُ حِفْظُهُ فَقَالَ أَمَّا التَّوْحِيدُ فَأَنْ لَا تُجَوِّزَ عَلَى رَبِّكَ مَا جَازَ عَلَيْكَ وَ أَمَّا الْعَدْلُ فَأَنْ لَا تَنْسُبَ إِلَى خَالِقِكَ مَا لَامَكَ عَلَيْهِ.

24- فس، تفسير القمي‏ قَوْلُهُ‏ وَ قارُونَ وَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ لَقَدْ جاءَهُمْ‏ إِلَى قَوْلِهِ‏ سابِقِينَ‏ (1) فَهَذَا رَدٌّ عَلَى الْمُجَبِّرَةِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْأَفْعَالَ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا صُنْعَ لَهُمْ فِيهَا وَ لَا اكْتِسَابَ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ‏ فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ‏ وَ لَمْ يَقُلْ بِفِعْلِنَا لِأَنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُعَذِّبَ الْعَبْدَ عَلَى فِعْلِهِ الَّذِي يُجْبِرُهُ عَلَيْهِ.

25- فس، تفسير القمي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَجَدْتُ لِأَهْلِ الْقَدَرِ أَسْمَاءً فِي كِتَابِ اللَّهِ‏ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَ سُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى‏ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ فَهُمُ الْمُجْرِمُونَ.

26- ج، الإحتجاج عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ إِيَّاكَ أَنْ تَقُولَ بِالتَّفْوِيضِ- (2) فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يُفَوِّضِ الْأَمْرَ إِلَى خَلْقِهِ وَهْناً مِنْهُ وَ ضَعْفاً وَ لَا أَجْبَرَهُمْ عَلَى مَعَاصِيهِ‏ (3) ظُلْماً الْخَبَرَ.

27- يد، التوحيد الدَّقَّاقُ عَنِ الْأَسَدِيِّ عَنْ خُنَيْسِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْخَزَّازِ عَنِ الْمُفَضَّلِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: لَا جَبْرَ وَ لَا تَفْوِيضَ وَ لَكِنْ أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَالَ قُلْتُ مَا أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَالَ مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ رَأَيْتَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ فَنَهَيْتَهُ فَلَمْ يَنْتَهِ فَتَرَكْتَهُ فَفَعَلَ تِلْكَ الْمَعْصِيَةَ فَلَيْسَ حَيْثُ لَمْ يَقْبَلْ مِنْكَ فَتَرَكْتَهُ كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي أَمَرْتَهُ بِالْمَعْصِيَةِ.

28- عد، العقائد اعْتِقَادُنَا فِي الْجَبْرِ وَ التَّفْوِيضِ قَوْلُ الصَّادِقِ(ع)لَا جَبْرَ وَ لَا تَفْوِيضَ.

____________

(1) العنكبوت: 39.

(2) ليست هذه العبارة مروية على استقلالها في المصدر: بل مذكورة في ضمن حديث مفصل. م.

(3) في نسخة: المعاصى.

18

أقول: و ساق الخبر إلى آخر ما رواه المفضل و قال الشيخ المفيد (قدس الله روحه) في شرحه الجبر هو الحمل على الفعل و الاضطرار إليه بالقسر و الغلبة و حقيقة ذلك إيجاد الفعل في الخلق من غير أن يكون له قدرة على دفعه و الامتناع من وجوده فيه و قد يعبر عما يفعله الإنسان بالقدرة التي معه على وجه الإكراه له على التخويف و الإلجاء أنه جبر و الأصل فيه ما فعل من غير قدرة على امتناعه منه حسب ما قدمناه و إذا تحقق القول في الجبر على ما وصفناه كان مذهب الجبر هو قول من يزعم أن الله تعالى خلق في العبد الطاعة من غير أن يكون للعبد قدرة على ضدها و الامتناع منها و خلق فيهم المعصية كذلك فهم المجبرة حقا و الجبر مذهبهم على التحقيق و التفويض هو القول برفع الحظر (1) عن الخلق في الأفعال و الإباحة لهم مع ما شاءوا من الأعمال و هذا قول الزنادقة و أصحاب الإباحات و الواسطة بين هذين القولين أن الله أقدر الخلق على أفعالهم و مكنهم من أعمالهم و حد لهم الحدود في ذلك و رسم لهم الرسوم و نهاهم عن القبائح بالزجر و التخويف و الوعد و الوعيد فلم يكن بتمكينهم من الأعمال مجبرا لهم عليها و لم يفوض إليهم الأعمال لمنعهم من أكثرها و وضع الحدود لهم فيها و أمرهم بحسنها و نهاهم عن قبيحها فهذا هو الفصل بين الجبر و التفويض على ما بيناه.

29- ج، الإحتجاج عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: سَأَلَ الزِّنْدِيقُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقَالَ أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ كَيْفَ لَمْ يَخْلُقِ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ مُطِيعِينَ مُوَحِّدِينَ وَ كَانَ عَلَى ذَلِكَ قَادِراً قَالَ(ع)لَوْ خَلَقَهُمْ مُطِيعِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ثَوَابٌ لِأَنَّ الطَّاعَةَ إِذَا مَا كَانَتْ فِعْلَهُمْ لَمْ تَكُنْ جَنَّةٌ وَ لَا نَارٌ وَ لَكِنْ خَلَقَ خَلْقَهُ فَأَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِ وَ نَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ وَ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِرُسُلِهِ وَ قَطَعَ عُذْرَهُمْ بِكُتُبِهِ لِيَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ يُطِيعُونَ وَ يَعْصُونَ وَ يَسْتَوْجِبُونَ بِطَاعَتِهِمْ لَهُ الثَّوَابَ وَ بِمَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ الْعِقَابَ قَالَ فَالْعَمَلُ الصَّالِحُ مِنَ الْعَبْدِ هُوَ فِعْلُهُ‏

____________



(1) الحظر: المنع، و ظاهره انه (رحمه الله ) يفسر التفويض بالالحاد مع أن الظاهر ان المراد بالتفويض في الاخبار هو ما قالت به المعتزلة في مقابل الأشاعرة، و هو أن الافعال مخلوقة للإنسان، و إن كانت القوى و الادوات مخلوقة للّه خلافا لما ينسب الى الأشاعرة أن الجميع مخلوقة للّه. ط.

19

وَ الْعَمَلُ الشَّرُّ مِنَ الْعَبْدِ هُوَ فِعْلُهُ قَالَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ الْعَبْدُ يَفْعَلُهُ وَ اللَّهُ بِهِ أَمَرَهُ وَ الْعَمَلُ الشَّرُّ الْعَبْدُ يَفْعَلُهُ وَ اللَّهُ عَنْهُ نَهَاهُ قَالَ أَ لَيْسَ فَعَلَهُ بِالْآلَةِ الَّتِي رَكِبَهَا فِيهِ- (1) قَالَ نَعَمْ وَ لَكِنْ بِالْآلَةِ الَّتِي عَمِلَ بِهَا الْخَيْرَ قَدَرَ بِهَا عَلَى الشَّرِّ الَّذِي نَهَاهُ عَنْهُ‏ (2) قَالَ فَإِلَى الْعَبْدِ مِنَ الْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ قَالَ مَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا وَ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ يُطِيقُ تَرْكَهُ وَ لَا أَمَرَهُ بِشَيْ‏ءٍ إِلَّا وَ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ فِعْلَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ صِفَتِهِ الْجَوْرُ وَ الْعَبَثُ وَ الظُّلْمُ وَ تَكْلِيفُ الْعِبَادِ مَا لَا يُطِيقُونَ قَالَ فَمَنْ خَلَقَهُ اللَّهُ كَافِراً يَسْتَطِيعُ الْإِيمَانَ وَ لَهُ عَلَيْهِ بِتَرْكِهِ الْإِيمَانَ حُجَّةٌ قَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ جَمِيعاً مُسْلِمِينَ أَمَرَهُمْ وَ نَهَاهُمْ وَ الْكُفْرُ اسْمٌ يَلْحَقُ الْفِعْلَ حِينَ يَفْعَلُهُ الْعَبْدُ وَ لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ الْعَبْدَ حِينَ خَلَقَهُ كَافِراً إِنَّهُ إِنَّمَا كَفَرَ مِنْ بَعْدِ أَنْ بَلَغَ وَقْتاً لَزِمَتْهُ الْحُجَّةُ مِنَ اللَّهِ فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْحَقَّ فَجَحَدَهُ فَبِإِنْكَارِهِ الْحَقَّ صَارَ كَافِراً قَالَ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَدِّرَ عَلَى الْعَبْدِ الشَّرَّ وَ يَأْمُرَهُ بِالْخَيْرِ وَ هُوَ لَا يَسْتَطِيعُ الْخَيْرَ أَنْ يَعْمَلَهُ وَ يُعَذِّبَهُ عَلَيْهِ قَالَ إِنَّهُ لَا يَلِيقُ بِعَدْلِ اللَّهِ وَ رَأْفَتِهِ أَنْ يُقَدِّرَ عَلَى الْعَبْدِ الشَّرَّ وَ يُرِيدَهُ مِنْهُ ثُمَّ يَأْمُرَهُ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَخْذَهُ وَ الْإِنْزَاعِ عَمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَرْكِهِ ثُمَّ يُعَذِّبَهُ عَلَى تَرْكِهِ أَمْرَهُ الَّذِي عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَخْذَهُ الْخَبَرَ.

عد، العقائد اعتقادنا في أفعال العباد أنها مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين و معنى ذلك أنه لم يزل الله عالما بمقاديرها.

أقول قال الشيخ المفيد (قدس الله روحه) في شرح العقائد عند شرح هذا الكلام الذي ذكره أبو جعفر (رحمه الله ) قد جاء به حديث غير معمول به و لا مرضي الإسناد. (3)

____________

(1) و هي قدرته و إرادته و مشيته.

(2) أي الآلة التي جعلها اللّه في العبد لا يقتضى طرفا من الفعل دون طرفه الآخر حتّى يكون العبد مقهورا لها و مجبورا على الفعل بسببها فيستند الفعل إلى اللّه و ينفى عن العبد، بل الآلة و هي قدرة العبد و إرادته يقتضى طرفى الفعل من الوجود و العدم، و يمكن أن يستعملها في الخير و الشر، فتخصيص طرفى الفعل أو الخير و الشر بالوجود من العبد.

(3) و هو الحديث الآتي تحت رقم 37 و 38، و فيهما عبد الواحد بن محمّد بن عبدوس و لم يرو توثيقه من قدماء أهل الرجال.

20

و الأخبار الصحيحة بخلافه و ليس نعرف في لغة العرب أن العلم بالشي‏ء هو خلق له و لو كان ذلك كما قال المخالفون للحق لوجب أن يكون من علم النبي(ص)فقد خلقه و من علم السماء و الأرض فهو خالق لهما و من عرف بنفسه شيئا من صنع الله تعالى و قرره في نفسه أن يكون خالقا له و هذا محال لا يذهب وجه الخطإ فيه على بعض رعية الأئمة(ع)فضلا عنهم.

فأما التقدير فهو الخلق في اللغة لأن التقدير لا يكون إلا بالفعل فأما بالعلم فلا يكون تقديرا و لا يكون أيضا بالفكر و الله متعال عن خلق الفواحش و القبائح على كل حال‏

- وَ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الثَّالِثِ(ع)أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ أَ هِيَ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى فَقَالَ(ع)لَوْ كَانَ خَالِقاً لَهَا لَمَا تَبَرَّأَ مِنْهَا وَ قَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ‏ أَنَّ اللَّهَ بَرِي‏ءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏ وَ لَمْ يُرِدِ الْبَرَاءَةَ مِنْ خَلْقِ ذَوَاتِهِمْ وَ إِنَّمَا تَبَرَّأَ مِنْ شِرْكِهِمْ وَ قَبَائِحِهِمْ.

و كتاب الله تعالى المقدم على الأحاديث و الروايات و إليه يتقاضى في صحيح الأخبار و سقيمها فما قضى به فهو الحق دون ما سواه قال الله تعالى‏ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ‏ فخبر بأن كل شي‏ء خلقه فهو حسن غير قبيح فلو كانت القبائح من خلقه لما حكم بحسن جميع ما خلق و قال تعالى‏ ما تَرى‏ فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ‏ فنفى التفاوت عن خلقه و قد ثبت أن الكفر و الكذب متفاوت في نفسه و المتضاد من الكلام متفاوت فكيف يجوز أن يطلقوا على الله تعالى أنه خالق لأفعال العباد و في أفعال العباد من التفاوت ما ذكرناه.

30- ج، (1) الإحتجاج‏ مِمَّا أَجَابَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيُّ(ع)فِي رِسَالَتِهِ إِلَى أَهْلِ الْأَهْوَازِ حِينَ سَأَلُوهُ عَنِ الْجَبْرِ وَ التَّفْوِيضِ أَنْ قَالَ اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ قَاطِبَةً لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ لَا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ جَمِيعِ فِرَقِهَا فَهُمْ فِي حَالَةِ الِاجْتِمَاعِ عَلَيْهِ مُصِيبُونَ وَ عَلَى تَصْدِيقِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مُهْتَدُونَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ(ص)لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ(ص)أَنَّ مَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ وَ لَمْ يُخَالِفْ بَعْضُهَا بَعْضاً هُوَ الْحَقُّ فَهَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ لَا مَا تَأَوَّلَهُ الْجَاهِلُونَ وَ لَا مَا قَالَهُ الْمُعَانِدُونَ مِنْ إِبْطَالِ‏

____________



(1) سيأتي الحديث مفصلا في الباب الآتي بصورة اخرى عن تحف العقول.

21

حُكْمِ الْكِتَابِ وَ اتِّبَاعِ حُكْمِ الْأَحَادِيثِ الْمُزَوَّرَةِ (1) وَ الرِّوَايَاتِ الْمُزَخْرَفَةِ- (2) وَ اتِّبَاعِ الْأَهْوَاءِ الْمُرْدِيَةِ الْمُهْلِكَةِ الَّتِي تُخَالِفُ نَصَّ الْكِتَابِ وَ تَحْقِيقَ الْآيَاتِ الْوَاضِحَاتِ النَّيِّرَاتِ وَ نَحْنُ نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُوَفِّقَنَا لِلصَّوَابِ وَ يَهْدِيَنَا إِلَى الرَّشَادِ ثُمَّ قَالَ(ع)فَإِذَا شَهِدَ الْكِتَابُ بِتَصْدِيقِ خَبَرٍ وَ تَحْقِيقِهِ فَأَنْكَرَتْهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْأُمَّةِ وَ عَارَضَتْهُ بِحَدِيثٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمُزَوَّرَةِ فَصَارَتْ بِإِنْكَارِهَا وَ دَفْعِهَا الْكِتَابَ كُفَّاراً ضُلَّالًا وَ أَصَحُّ خَبَرٍ مَا عُرِفَ تَحْقِيقُهُ مِنَ الْكِتَابِ مِثْلُ الْخَبَرِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)حَيْثُ قَالَ إِنِّي مُسْتَخْلِفٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ كِتَابَ اللَّهِ وَ عِتْرَتِي مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي وَ إِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ وَ اللَّفْظَةُ الْأُخْرَى عَنْهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ قَوْلُهُ(ص)إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللَّهِ وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي وَ إِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ أَمَا إِنَّكُمْ إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا فَلَمَّا وَجَدْنَا شَوَاهِدَ هَذَا الْحَدِيثِ نَصّاً فِي كِتَابِ اللَّهِ مِثْلَ قَوْلِهِ‏ إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ‏ ثُمَّ اتَّفَقَتْ رِوَايَاتُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِخَاتَمِهِ وَ هُوَ رَاكِعٌ فَشَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهُ وَ أَنْزَلَ الْآيَةَ فِيهِ ثُمَّ وَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَدْ أَبَانَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ وَ قَوْلِهِ(ص)عَلِيٌّ يَقْضِي دَيْنِي وَ يُنْجِزُ مَوْعِدِي وَ هُوَ خَلِيفَتِي عَلَيْكُمْ بَعْدِي وَ قَوْلِهِ(ص)حَيْثُ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَ تُخْلِفُنِي عَلَى النِّسَاءِ وَ الصِّبْيَانِ فَقَالَ أَ مَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي فَعَلِمْنَا أَنَّ الْكِتَابَ شَهِدَ بِتَصْدِيقِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ وَ تَحْقِيقِ هَذِهِ الشَّوَاهِدِ فَيَلْزَمُ الْأُمَّةَ الْإِقْرَارُ بِهَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ مُوَافِقَةً لِلْقُرْآنِ وَ وَافَقَ الْقُرْآنُ هَذِهِ الْأَخْبَارَ فَلَمَّا وَجَدْنَا ذَلِكَ مُوَافِقاً لِكِتَابِ اللَّهِ وَجَدْنَا كِتَابَ اللَّهِ مُوَافِقاً لِهَذِهِ الْأَخْبَارِ وَ عَلَيْهَا دَلِيلًا كَانَ الِاقْتِدَاءُ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ فَرْضاً لَا يَتَعَدَّاهُ إِلَّا أَهْلُ الْعِنَادِ وَ الْفَسَادِ

____________



(1) أي الأحاديث المتزينة بالكذب، أو الأحاديث الكاذبة.

(2) أي الروايات المموهة بالكذب.

22

ثُمَّ قَالَ(ع)وَ مُرَادُنَا وَ قَصْدُنَا الْكَلَامُ فِي الْجَبْرِ وَ التَّفْوِيضِ وَ شَرْحُهُمَا وَ بَيَانُهُمَا وَ إِنَّمَا قَدَّمْنَا مَا قَدَّمْنَا لِكَوْنِ اتِّفَاقِ الْكِتَابِ وَ الْخَبَرِ إِذَا اتَّفَقَا دَلِيلًا لِمَا أَرَدْنَاهُ وَ قُوَّةً لِمَا نَحْنُ مُبَيِّنُوهُ مِنْ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَالَ الْجَبْرُ وَ التَّفْوِيضُ بِقَوْلِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)عِنْدَ مَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَا جَبْرَ وَ لَا تَفْوِيضَ بَلْ أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ وَ قِيلَ فَمَا ذَا يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَالَ صِحَّةُ الْعَقْلِ وَ تَخْلِيَةُ السَّرْبِ وَ الْمُهْلَةُ فِي الْوَقْتِ وَ الزَّادُ مِنْ قِبَلِ الرَّاحِلَةِ وَ السَّبَبُ الْمُهَيِّجُ لِلْفَاعِلِ عَلَى فِعْلِهِ فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ فَإِذَا نَقَصَ الْعَبْدُ مِنْهَا خَلَّةً (1) كَانَ الْعَمَلُ عَنْهُ مُطَّرَحاً بِحَسَبِهِ وَ أَنَا أَضْرِبُ لِكُلِّ بَابٍ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ الثَّلَاثَةِ وَ هِيَ الْجَبْرُ وَ التَّفْوِيضُ وَ الْمَنْزِلَةُ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ مَثَلًا يُقَرِّبُ الْمَعْنَى لِلطَّالِبِ وَ يُسَهِّلُ لَهُ الْبَحْثَ مِنْ شَرْحِهِ وَ يَشْهَدُ بِهِ الْقُرْآنُ بِمُحْكَمِ آيَاتِهِ وَ تَحَقُّقِ تَصْدِيقِهِ عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ وَ بِاللَّهِ الْعِصْمَةُ وَ التَّوْفِيقُ ثُمَّ قَالَ(ع)فَأَمَّا الْجَبْرُ فَهُوَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَبَرَ الْعِبَادَ عَلَى الْمَعَاصِي وَ عَاقَبَهُمْ عَلَيْهَا وَ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ فَقَدْ ظَلَّمَ اللَّهَ وَ كَذَّبَهُ وَ رَدَّ عَلَيْهِ قَوْلَهُ‏ وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً وَ قَوْلَهُ جَلَّ ذِكْرُهُ‏ ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ مَعَ آيٍ كَثِيرَةٍ فِي مِثْلِ هَذَا فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَجْبُورٌ عَلَى الْمَعَاصِي فَقَدْ أَحَالَ بِذَنْبِهِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ ظَلَّمَهُ فِي عُقُوبَتِهِ لَهُ وَ مَنْ ظَلَّمَ رَبَّهُ فَقَدْ كَذَّبَ كِتَابَهُ وَ مَنْ كَذَّبَ كِتَابَهُ لَزِمَهُ الْكُفْرُ بِاجْتِمَاعِ الْأُمَّةِ وَ الْمَثَلُ الْمَضْرُوبُ فِي ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ مَلَكَ عَبْداً مَمْلُوكاً لَا يَمْلِكُ إِلَّا نَفْسَهُ وَ لَا يَمْلِكُ عَرَضاً (2) مِنْ عُرُوضٍ الدُّنْيَا وَ يَعْلَمُ مَوْلَاهُ ذَلِكَ مِنْهُ فَأَمَرَهُ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُ بِالْمَصِيرِ إِلَى السُّوقِ بِحَاجَةٍ يَأْتِيهِ بِهَا وَ لَا يُمَلِّكُهُ ثَمَنَ مَا يَأْتِيهِ بِهِ وَ عَلِمَ الْمَالِكُ أَنَّ عَلَى الْحَاجَةِ رَقِيباً لَا يَطْمَعُ أَحَدٌ فِي أَخْذِهَا مِنْهُ إِلَّا بِمَا يَرْضَى بِهِ مِنَ الثَّمَنِ وَ قَدْ وَصَفَ مَالِكُ هَذَا الْعَبْدِ نَفْسَهُ بِالْعَدْلِ وَ النَّصَفَةِ وَ إِظْهَارِ الْحِكْمَةِ وَ نَفْيِ الْجَوْرِ فَأَوْعَدَ عَبْدَهُ‏ (3) إِنْ لَمْ يَأْتِهِ بِالْحَاجَةِ أَنْ يُعَاقِبَهُ فَلَمَّا صَارَ الْعَبْدُ إِلَى السُّوقِ وَ حَاوَلَ أَخْذَ الْحَاجَةِ الَّتِي بَعَثَهُ‏

____________



(1) بضم الخاء: الخصلة.

(2) العرض بفتح العين و سكون الراء: المتاع و كل شي‏ء سوى الدراهم و الدنانير، و الجمع:

العروض.

(3) أي فتهدده.

23

الْمَوْلَى لِلْإِتْيَانِ بِهَا وَجَدَ عَلَيْهَا مَانِعاً يَمْنَعُهُ مِنْهَا إِلَّا بِالثَّمَنِ وَ لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ ثَمَنَهَا فَانْصَرَفَ إِلَى مَوْلَاهُ خَائِباً بِغَيْرِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ فَاغْتَاظَ مَوْلَاهُ لِذَلِكَ وَ عَاقَبَهُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ كَانَ ظَالِماً مُتَعَدِّياً مُبْطِلًا لِمَا وَصَفَ مِنْ عَدْلِهِ وَ حِكْمَتِهِ وَ نَصَفَتِهِ وَ إِنْ لَمْ يُعَاقِبْهُ كَذَّبَ نَفْسَهُ أَ لَيْسَ يَجِبُ أَنْ لَا يُعَاقِبَهُ وَ الْكَذِبُ وَ الظُّلْمُ يَنْفِيَانِ الْعَدْلَ وَ الْحِكْمَةَ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْمُجَبِّرَةُ عُلُوّاً كَبِيراً ثُمَّ قَالَ الْعَالِمُ(ع)بَعْدَ كَلَامٍ طَوِيلٍ فَأَمَّا التَّفْوِيضُ الَّذِي أَبْطَلَهُ الصَّادِقُ(ع)وَ خَطَّأَ مَنْ دَانَ بِهِ فَهُوَ قَوْلُ الْقَائِلِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَوَّضَ إِلَى الْعِبَادِ اخْتِيَارَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ وَ أَهْمَلَهُمْ- (1) وَ فِي هَذَا كَلَامٌ دَقِيقٌ- (2) لَمْ يَذْهَبْ إِلَى غَوْرِهِ وَ دِقَّتِهِ إِلَّا الْأَئِمَّةُ الْمَهْدِيَّةُ(ع)مِنْ عِتْرَةِ آلِ الرَّسُولِ (صلوات الله عليهم) فَإِنَّهُمْ قَالُوا لَوْ فَوَّضَ اللَّهُ أَمْرَهُ إِلَيْهِمْ عَلَى جِهَةِ الْإِهْمَالِ لَكَانَ لَازِماً لَهُ رِضَا مَا اخْتَارَهُ- (3) وَ اسْتَوْجَبُوا بِهِ مِنَ الثَّوَابِ وَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ فِيمَا اجْتَرَمُوا الْعِقَابُ- (4) إِذَا كَانَ الْإِهْمَالُ وَاقِعاً وَ تَنْصَرِفُ هَذِهِ الْمَقَالَةُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْعِبَادُ تَظَاهَرُوا عَلَيْهِ فَأَلْزَمُوهُ قَبُولَ اخْتِيَارِهِمْ بِآرَائِهِمْ ضَرُورَةً كَرِهَ ذَلِكَ أَمْ أَحَبَّهُ فَقَدْ لَزِمَهُ الْوَهْنُ أَوْ يَكُونُ جَلَّ وَ تَقَدَّسَ عَجَزَ عَنْ تَعَبُّدِهِمْ بِالْأَمْرِ وَ النَّهْيِ عَنْ إِرَادَتِهِ فَفَوَّضَ أَمْرَهُ وَ نَهْيَهُ إِلَيْهِمْ وَ أَجْرَاهُمَا عَلَى مَحَبَّتِهِمْ إِذْ عَجَزَ عَنْ تَعَبُّدِهِمْ بِالْأَمْرِ وَ النَّهْيِ عَلَى إِرَادَتِهِ فَجَعَلَ الِاخْتِيَارَ إِلَيْهِمْ فِي الْكُفْرِ وَ الْإِيمَانِ وَ مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ مَلَكَ عَبْداً ابْتَاعَهُ لِيَخْدُمَهُ وَ يُعَرِّفَ لَهُ فَضْلَ وِلَايَتِهِ وَ يَقِفَ عِنْدَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ وَ ادَّعَى مَالِكُ الْعَبْدِ أَنَّهُ قَادِرٌ قَاهِرٌ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَأَمَرَ عَبْدَهُ وَ نَهَاهُ وَ وَعَدَهُ عَلَى اتِّبَاعِ أَمْرِهِ عَظِيمَ الثَّوَابِ وَ أَوْعَدَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ أَلِيمَ الْعِقَابِ فَخَالَفَ الْعَبْدُ إِرَادَةَ مَالِكِهِ وَ لَمْ يَقِفْ عِنْدَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ فَأَيُّ أَمْرٍ أَمَرَهُ بِهِ أَوْ نَهْيٍ نَهَاهُ عَنْهُ لَمْ يَأْتَمِرْ عَلَى إِرَادَةِ الْمَوْلَى بَلْ كَانَ الْعَبْدُ يَتَّبِعُ إِرَادَةَ نَفْسِهِ وَ بَعَثَهُ فِي بَعْضِ حَوَائِجِهِ وَ فِيهَا الْحَاجَةُ لَهُ فَصَارَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ تِلْكَ الْحَاجَةِ

____________



(1) أهمله: تركه و لم يستعمله عمدا أو نسيانا.

(2) في المصدر: و هذا الكلام دقيق. م.

(3) في المصدر: ما اختاروه و استوجبوا به الثواب. م.

(4) أي لم يكن عليهم فيما اكتسبوا العقاب.

24

خِلَافاً عَلَى مَوْلَاهُ وَ قَصَدَ إِرَادَةَ نَفْسِهِ وَ اتَّبَعَ هَوَاهُ فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مَوْلَاهُ نَظَرَ إِلَى مَا أَتَاهُ فَإِذَا هُوَ خِلَافُ مَا أَمَرَهُ فَقَالَ الْعَبْدُ اتَّكَلْتُ عَلَى تَفْوِيضِكَ الْأَمْرَ إِلَيَّ فَاتَّبَعْتُ هَوَايَ وَ إِرَادَتِي لِأَنَّ الْمُفَوَّضَ إِلَيْهِ غَيْرُ مَحْظُورٍ عَلَيْهِ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ التَّفْوِيضِ وَ التَّحْصِيرِ ثُمَّ قَالَ(ع)فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ فَوَّضَ قَبُولَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ إِلَى عِبَادِهِ فَقَدْ أَثْبَتَ عَلَيْهِ الْعَجْزَ وَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ قَبُولَ كُلِّ مَا عَمِلُوا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ وَ أَبْطَلَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَ نَهْيَهُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ بِقُدْرَتِهِ وَ مَلَّكَهُمْ اسْتِطَاعَةَ مَا تَعَبَّدَهُمْ بِهِ مِنَ الْأَمْرِ وَ النَّهْيِ وَ قَبِلَ مِنْهُمُ اتِّبَاعَ أَمْرِهِ وَ رَضِيَ بِذَلِكَ مِنْهُمْ وَ نَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ وَ ذَمَّ مَنْ عَصَاهُ وَ عَاقَبَهُ عَلَيْهَا وَ لِلَّهِ الْخِيَرَةُ فِي الْأَمْرِ وَ النَّهْيِ يَخْتَارُ مَا يُرِيدُ وَ يَأْمُرُ بِهِ وَ يَنْهَى عَمَّا يَكْرَهُ وَ يُثِيبُ وَ يُعَاقِبُ بِالاسْتِطَاعَةِ الَّتِي مَلَّكَهَا عِبَادَهُ لِاتِّبَاعِ أَمْرِهِ وَ اجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ لِأَنَّهُ الْعَدْلُ وَ مِنْهُ النَّصَفَةُ وَ الْحُكُومَةُ بَالَغَ الْحُجَّةَ بِالْإِعْذَارِ وَ الْإِنْذَارِ وَ إِلَيْهِ الصَّفْوَةُ يَصْطَفِي مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ اصْطَفَى مُحَمَّداً(ص)وَ بَعَثَهُ بِالرِّسَالَةِ إِلَى خَلْقِهِ وَ لَوْ فَوَّضَ اخْتِيَارَ أُمُورِهِ إِلَى عِبَادِهِ لَأَجَازَ لِقُرَيْشٍ اخْتِيَارَ أُمَيَّةَ بْنِ الصَّلْتِ وَ أَبِي مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ إِذْ كَانَا عِنْدَهُمْ أَفْضَلَ مِنْ مُحَمَّدٍ لِمَا قَالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى‏ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ‏ يَعْنُونَهُمَا بِذَلِكَ فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ لَيْسَ بِجَبْرٍ وَ لَا تَفْوِيضٍ بِذَلِكَ أَخْبَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)حِينَ سَأَلَهُ عَبَايَةُ بْنُ رِبْعِيٍّ الْأَسَدِيُّ عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)تَمْلِكُهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْ مَعَ اللَّهِ فَسَكَتَ عَبَايَةُ بْنُ رِبْعِيٍ‏ (1) فَقَالَ لَهُ قُلْ يَا عَبَايَةُ قَالَ وَ مَا أَقُولُ قَالَ إِنْ قُلْتَ تَمْلِكُهَا مَعَ اللَّهِ قَتَلْتُكَ وَ إِنْ قُلْتَ تَمْلِكُهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ قَتَلْتُكَ قَالَ وَ مَا أَقُولُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ تَقُولُ تَمْلِكُهَا بِاللَّهِ الَّذِي يَمْلِكُهَا مِنْ دُونِكَ فَإِنْ مَلَّكَكَهَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ عَطَائِهِ وَ إِنْ سَلَبَكَهَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ بَلَائِهِ وَ هُوَ الْمَالِكُ لِمَا مَلَّكَكَ وَ الْمَالِكُ لِمَا عَلَيْهِ أَقْدَرَكَ أَ مَا سَمِعْتَ النَّاسَ يَسْأَلُونَ الْحَوْلَ وَ الْقُوَّةَ حَيْثُ يَقُولُونَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فَقَالَ الرَّجُلُ وَ مَا تَأْوِيلُهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ لَا حَوْلَ لَنَا عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ إِلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ وَ لَا قُوَّةَ لَنَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ قَالَ فَوَثَبَ الرَّجُلُ وَ قَبَّلَ يَدَيْهِ وَ رِجْلَيْهِ‏

____________



(1) بالعين المهملة المفتوحة و الباء الموحدة.

25

ثُمَّ قَالَ(ع)فِي قَوْلِهِ تَعَالَى‏ وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ الصَّابِرِينَ وَ نَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ‏ وَ فِي قَوْلِهِ‏ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ‏ وَ فِي قَوْلِهِ‏ أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏ وَ فِي قَوْلِهِ‏ وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ‏ وَ فِي قَوْلِهِ‏ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَ أَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُ‏ وَ قَوْلِ مُوسَى‏ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ‏ وَ قَوْلِهِ‏ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ‏ وَ قَوْلِهِ‏ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ‏ وَ قَوْلِهِ‏ إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ وَ قَوْلِهِ‏ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَ قَوْلِهِ‏ وَ إِذِ ابْتَلى‏ إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ‏ وَ قَوْلِهِ‏ وَ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَ لكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ‏ إِنَّ جَمِيعَهَا جَاءَتْ فِي الْقُرْآنِ بِمَعْنَى الِاخْتِبَارِ ثُمَّ قَالَ(ع)فَإِنْ قَالُوا مَا الْحُجَّةُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ قُلْنَا فَعَلَى مَجَازِ هَذِهِ الْآيَةِ يَقْتَضِي مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ كَوْنِهِ تَعَالَى قَادِراً عَلَى هِدَايَةِ مَنْ يَشَاءُ وَ ضَلَالَةِ مَنْ يَشَاءُ وَ لَوْ أَجْبَرَهُمْ عَلَى أَحَدِهِمَا لَمْ يَجِبْ لَهُمْ ثَوَابٌ وَ لَا عَلَيْهِمْ عِقَابٌ عَلَى مَا شَرَحْنَاهُ وَ الْمَعْنَى الْآخَرُ أَنَّ الْهِدَايَةَ مِنْهُ التَّعْرِيفُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى‏ وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى‏ عَلَى الْهُدى‏ وَ لَيْسَ كُلُّ آيَةٍ مُشْتَبِهَةً فِي الْقُرْآنِ كَانَتِ الْآيَةُ حُجَّةً عَلَى حُكْمِ الْآيَاتِ اللَّاتِي أُمِرَ بِالْأَخْذِ بِهَا وَ تَقْلِيدِهَا وَ هِيَ قَوْلُهُ‏ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ‏ الْآيَةِ وَ قَالَ‏ فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ‏ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ لِمَا يُحِبُّ وَ يَرْضَى وَ يُقَرِّبُ لَنَا وَ لَكُمُ الْكَرَامَةَ وَ الزُّلْفَى وَ هَدَانَا لِمَا هُوَ لَنَا وَ لَكُمْ خَيْرٌ وَ أَبْقَى إِنَّهُ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ الْحَكِيمُ الْجَوَادُ الْمَجِيدُ.

31- ج، الإحتجاج عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَبِيصَةَ (1) قَالَ سَمِعْتُ الرِّضَا(ع)يَقُولُ‏ سُئِلَ أَبِي ع‏

____________



(1) هكذا في نسخ الكتاب و الاحتجاج المطبوع و هو غير مذكور في التراجم و لكن الظاهر انه تصحيف «دارم بن قبيصة» المترجم في(ص)117 من رجال النجاشيّ بقوله: دارم بن قبيصة بن نهشل ابن مجمع أبو الحسن التميمى الدارميّ السائح، روى عن الرضا (عليه السلام)، و له عنه كتاب الوجوه.

26

هَلْ مَنَعَ اللَّهُ عَمَّا أَمَرَ بِهِ وَ هَلْ نَهَى عَمَّا أَرَادَ وَ هَلْ أَعَانَ عَلَى مَا لَمْ يُرِدْ فَقَالَ(ع)أَمَّا مَا سَأَلْتَ هَلْ مَنَعَ اللَّهُ عَمَّا أَمَرَ بِهِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَكَانَ قَدْ مَنَعَ إِبْلِيسَ عَنِ السُّجُودِ لآِدَمَ وَ لَوْ مَنَعَ إِبْلِيسَ لَعَذَرَهُ‏ (1) وَ لَمْ يَلْعَنْهُ وَ أَمَّا مَا سَأَلْتَ هَلْ نَهَى عَمَّا أَرَادَ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَكَانَ حَيْثُ نَهَى آدَمَ عَنْ أَكْلِ الشَّجَرَةِ أَرَادَ مِنْهُ أَكْلَهَا وَ لَوْ أَرَادَ مِنْهُ أَكْلَهَا مَا نَادَى عَلَيْهِ صِبْيَانُ الْكَتَاتِيبِ- (2) وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ وَ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَ بِشَيْ‏ءٍ وَ يُرِيدَ غَيْرَهُ وَ أَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ قَوْلِكَ هَلْ أَعَانَ عَلَى مَا لَمْ يُرِدْ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَ جَلَّ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَنْ يُعِينَ عَلَى قَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ وَ تَكْذِيبِهِمْ وَ قَتْلِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَ الْفُضَلَاءِ مِنْ وُلْدِهِ وَ كَيْفَ يُعِينُ عَلَى مَا لَمْ يُرِدْ وَ قَدْ أَعَدَّ جَهَنَّمَ لِمُخَالِفِيهِ وَ لَعَنَهُمْ عَلَى تَكْذِيبِهِمْ لِطَاعَتِهِ وَ ارْتِكَابِهِم لِمُخَالَفَتِهِ وَ لَوْ جَازَ أَنْ يُعِينَ عَلَى مَا لَمْ يُرِدْ لَكَانَ أَعَانَ فِرْعَوْنَ عَلَى كُفْرِهِ وَ ادِّعَائِهِ أَنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَ فَتَرَى أَرَادَ اللَّهُ مِنْ فِرْعَوْنَ أَنْ يَدَّعِيَ الرُّبُوبِيَّةَ يُسْتَتَابُ قَائِلُ هَذَا فَإِنْ تَابَ مِنْ كَذِبِهِ عَلَى اللَّهِ وَ إِلَّا ضُرِبَ عُنُقُهُ.

32- ج، الإحتجاج وَ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيِّ(ع)(3) أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فَعَلِمَ مَا هُمْ إِلَيْهِ صَائِرُونَ فَأَمَرَهُمْ وَ نَهَاهُمْ فَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَقَدْ جَعَلَ لَهُمُ السَّبِيلَ إِلَى الْأَخْذِ بِهِ وَ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَقَدْ جَعَلَ لَهُمُ السَّبِيلَ إِلَى تَرْكِهِ وَ لَا يَكُونُونَ آخِذِينَ وَ لَا تَارِكِينَ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَ مَا جَبَرَ اللَّهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ عَلَى مَعْصِيَتِهِ بَلِ اخْتَبَرَهُمْ بِالْبَلْوَى كَمَا قَالَ تَعَالَى‏ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا

قوله(ع)و لا يكونون آخذين و لا تاركين إلا بإذنه أي بتخليته و علمه.

____________

و النظائر، و كتاب الناسخ و المنسوخ إه و قال العلامة في القسم الثاني من الخلاصة: يروى عن الرضا (عليه السلام) قال ابن الغضائري: لا يؤنس بحديثه و لا يوثق به. انتهى، أقول: دارم بفتح الدال و كسر الراء وزان فاعل، و قبيصة كسفينة، و نهشل بفتح النون و سكون الهاء و فتح الشين، و مجمع بالميم المضمومة و الجيم المفتوحة و الميم المشددة المكسورة وزان محدث.

(1) عذره يعذره على ما صنع: دفع عنه اللوم و الذنب أو قبل عذره.

(2) جمع الكتاب- بضم الكاف و تشديد التاء-: موضع التعليم.

(3) في المصدر: عن الحسن بن عليّ بن محمّد العسكريّ. م.

27

33- ج، الإحتجاج وَ رُوِيَ‏ أَنَّهُ دَخَلَ أَبُو حَنِيفَةَ الْمَدِينَةَ وَ مَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا حَنِيفَةَ إِنَّ هَاهُنَا جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ مِنْ عُلَمَاءِ آلِ مُحَمَّدٍ(ع)فَاذْهَبْ بِنَا إِلَيْهِ نَقْتَبِسْ مِنْهُ عِلْماً فَلَمَّا أَتَيَا إِذَا هُمَا بِجَمَاعَةٍ مِنْ شِيعَتِهِ يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَهُ أَوْ دُخُولَهُمْ عَلَيْهِ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ خَرَجَ غُلَامٌ حَدَثٌ- (1) فَقَامَ النَّاسُ هَيْبَةً لَهُ فَالْتَفَتَ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ يَا ابْنَ مُسْلِمٍ مَنْ هَذَا قَالَ هَذَا مُوسَى ابْنُهُ قَالَ وَ اللَّهِ لَأَجْبَهَنَّهُ‏ (2) بَيْنَ يَدَيْ شِيعَتِهِ قَالَ مَهْ لَنْ تَقْدِرَ عَلَى ذَلِكَ قَالَ وَ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّهُ- (3) ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى مُوسَى(ع)فَقَالَ يَا غُلَامُ أَيْنَ يَضَعُ الْغَرِيبُ حَاجَتَهُ فِي بَلْدَتِكُمْ هَذِهِ قَالَ يَتَوَارَى خَلْفَ الْجِدَارِ وَ يَتَوَقَّى أَعْيُنَ الْجَارِ وَ شُطُوطَ الْأَنْهَارِ وَ مَسْقَطَ الثِّمَارِ وَ لَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَ لَا يَسْتَدْبِرُهَا فَحِينَئِذٍ يَضَعُ حَيْثُ شَاءَ- (4) ثُمَّ قَالَ يَا غُلَامُ مِمَّنِ الْمَعْصِيَةُ قَالَ يَا شَيْخُ لَا تَخْلُو مِنْ ثَلَاثٍ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنَ اللَّهِ وَ لَيْسَ مِنَ الْعَبْدِ شَيْ‏ءٌ فَلَيْسَ لِلْحَكِيمِ أَنْ يَأْخُذَ عَبْدَهُ بِمَا لَمْ يَفْعَلْهُ وَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنَ الْعَبْدِ وَ مِنَ اللَّهِ وَ اللَّهُ أَقْوَى الشَّرِيكَيْنِ فَلَيْسَ لِلشَّرِيكِ الْأَكْبَرِ أَنْ يَأْخُذَ الشَّرِيكَ الْأَصْغَرَ بِذَنْبِهِ وَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنَ الْعَبْدِ وَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ شَيْ‏ءٌ فَإِنْ شَاءَ عَفَا وَ إِنْ شَاءَ عَاقَبَ قَالَ فَأَصَابَتْ أَبَا حَنِيفَةَ سَكْتَةٌ كَأَنَّمَا أُلْقِمَ فُوهُ الْحَجَرَ- (5) قَالَ فَقُلْتُ لَهُ أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَتَعَرَّضْ لِأَوْلَادِ رَسُولِ اللَّهِ ص.

____________

(1) الحدث: الشاب.

(2) أي لأنكسن رأسه، و في نسخة: لاهجبنه لعله من (الهجب): السوق و السرعة؛ الضرب بالعصا. و في الاحتجاج المطبوع: و اللّه اخجله.

(3) يعرف من هذا نفسيات إمام السنة و رزانته و عفافه في الحجاج! هبه لم يكن يرى لسلالة النبوّة قداسة و حرمة فبم كان يرى إباحة تخجيل امرئ مسلم، و هو يراه غلاما حدّثنا؟ لم يكن بينه و بينه عداوة و لا خصام؛ كما يعرف تبحر الإمام (عليه السلام) في الأصول و الفروع و قوة حجاجه و هو غلام حدث.

(4) أقول: أخرج الكليني صدر الحديث من قوله: «يا غلام أين يضع الغريب ببلدكم» فى المجلد الأول من فروع الكافي(ص)6 عن عليّ بن إبراهيم رفعه، و فيه زيادة و هو هكذا: فقال: اجتنب أفنية المساجد، و شطوط الأنهار، و مساقط الثمار، و منازل النزال، و لا تستقبل القبلة بغائط و لا بول، و ارفع ثوبك، وضع حيث شئت. و أورده الشيخ بإسناده عن الكليني في التهذيب ج 1(ص)9.

(5) مثل سائر يضرب لمن تكلم فاجيب بمسكتة.

28

و في ذلك يقول الشاعر هذه الأبيات‏

لم تخل أفعالنا اللاتي نذم بها.* * * إحدى ثلاث معان حين نأتيها.

إما تفرد بارينا بصنعتها.* * * فيسقط اللوم عنا حين ننشيها.

أو كان يشركنا فيها فيلحقه.* * * ما سوف يلحقنا من لائم فيها.

أو لم يكن لإلهي في جنايتها.* * * ذنب فما الذنب إلا ذنب جانيها

.

فس، تفسير القمي‏ وَ أَمَّا الرَّدُّ عَلَى الْمُجَبِّرَةِ الَّذِينَ قَالُوا لَيْسَ لَنَا صُنْعٌ وَ نَحْنُ مُجْبَرُونَ يُحْدِثُ اللَّهُ لَنَا الْفِعْلَ عِنْدَ الْفِعْلِ وَ إِنَّمَا الْأَفْعَالُ هِيَ مَنْسُوبَةٌ إِلَى النَّاسِ عَلَى الْمَجَازِ لَا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَ تَأَوَّلُوا فِي ذَلِكَ آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يَعْرِفُوا مَعْنَاهَا مِثْلَ قَوْلِهِ‏ وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ‏ وَ قَوْلِهِ‏ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي تَأْوِيلُهَا عَلَى خِلَافِ مَعَانِيهَا وَ فِيمَا قَالُوهُ إِبْطَالُ الثَّوَابِ وَ الْعِقَابِ وَ إِذَا قَالُوا ذَلِكَ ثُمَّ أَقَرُّوا بِالثَّوَابِ وَ الْعِقَابِ نَسَبُوا اللَّهَ إِلَى الْجَوْرِ وَ أَنَّهُ يُعَذِّبُ عَلَى غَيْرِ اكْتِسَابٍ وَ فِعْلٍ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً أَنْ يُعَاقِبَ أَحَداً عَلَى غَيْرِ فِعْلٍ وَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ وَاضِحَةٍ عَلَيْهِ وَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ رَدٌّ عَلَيْهِمْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى‏ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ‏ فَقَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهَا وَ عَلَيْهَا هُوَ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِفِعْلِهَا وَ قَوْلُهُ‏ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ‏ وَ قَوْلُهُ‏ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ وَ قَوْلُهُ‏ ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ‏ وَ قَوْلُهُ‏ وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى‏ عَلَى الْهُدى‏ وَ قَوْلُهُ‏ إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ‏ يَعْنِي بَيَّنَّا لَهُ طَرِيقَ الْخَيْرِ وَ طَرِيقَ الشَّرِّ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً وَ قَوْلُهُ‏ وَ عاداً وَ ثَمُودَ وَ قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَ كانُوا مُسْتَبْصِرِينَ وَ قارُونَ وَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ لَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى‏ بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَ ما كانُوا سابِقِينَ فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ‏ فَلَمْ يَقُلْ بِفِعْلِنَا فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَ مِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَ مِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَ مِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَ ما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏ وَ مِثْلُهُ كَثِيرٌ.

29

أَقُولُ سَيَأْتِي مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ بِوَجْهٍ أَبْسَطَ فِي كِتَابِ الْقُرْآنِ فِي تَفْسِيرِ النُّعْمَانِيِّ فِيمَا رَوَاهُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع.

34- يد، التوحيد الْمُفَسِّرُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ(ع)قَالَ قَالَ الرِّضَا(ع)مَا عَرَفَ اللَّهَ مَنْ شَبَّهَهُ بِخَلْقِهِ وَ لَا وَصَفَهُ بِالْعَدْلِ مَنْ نَسَبَ إِلَيْهِ ذُنُوبَ عِبَادِهِ- (1) الْخَبَرَ.

35- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ابْنُ عُبْدُوسٍ عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ عَنْ حَمْدَانَ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى الرِّضَا(ع)أَسْأَلُهُ عَنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ أَ مَخْلُوقَةٌ أَمْ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ فَكَتَبَ(ع)أَفْعَالُ الْعِبَادِ مُقَدَّرَةٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَبْلَ خَلْقِ الْعِبَادِ بِأَلْفَيْ عَامٍ.

36- يد، التوحيد ل، الخصال ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الْبَصْرِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْمِيثَمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْرَوَيْهِ الْقَزْوِينِيِّ عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الْغَازِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)قَالَ سَمِعْتُ أَبِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ(ع)يَقُولُ‏ الْأَعْمَالُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ فَرَائِضُ وَ فَضَائِلُ وَ مَعَاصِي فَأَمَّا الْفَرَائِضُ فَبِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَ بِرِضَى اللَّهِ وَ بِقَضَائِهِ وَ تَقْدِيرِهِ وَ مَشِيَّتِهِ وَ عِلْمِهِ وَ أَمَّا الْفَضَائِلُ فَلَيْسَتْ بِأَمْرِ اللَّهِ- (2) وَ لَكِنْ بِرِضَى اللَّهِ وَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَ بِقَدَرِ اللَّهِ وَ بِمَشِيَّةِ اللَّهِ وَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَ أَمَّا الْمَعَاصِي فَلَيْسَتْ بِأَمْرِ اللَّهِ- (3) وَ لَكِنْ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَ بِقَدَرِ اللَّهِ وَ بِمَشِيَّةِ اللَّهِ وَ بِعِلْمِهِ ثُمَّ يُعَاقِبُ عَلَيْهَا.

يد، التوحيد ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) قال‏ (4) مصنف هذا الكتاب المعاصي بقضاء الله معناه بنهي الله لأن حكمه عز و جل فيها على عباده الانتهاء عنها (5) و معنى قوله بقدر الله أي بعلم الله بمبلغها

____________

(1) هذا صريح في انه من قول الرضا (عليه السلام)، و في المصدر: صريح في انه من كلام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

(2) أي الامر الوجوبى.

(3) و لا برضاه، لان اللّه لا يرضى بالكفر و المعاصى.

(4) في التوحيد: قال مصنف هذا الكتاب قضاء اللّه عزّ و جلّ في المعاصى حكمه فيها، و مشيته في المعاصى نهيه عنها، و قدره فيها علمه بمقاديرها و مبالغها. م.

(5) هذا على أحد معاني القضاء و هو الحكم و الالزام كما قال اللّه تعالى: وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً، و قوله: وَ اللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِ‏، أي يحكم. أقول: و يمكن أن يكون بمعنى الفصل و القطع و تحتم الامر، لوقوعه قبال القدر و هو التقدير، و إسناد ذلك إلى اللّه تعالى بحيث لا يستلزم الجبر إمّا بواسطة علمه تعالى بحصول ذلك الفعل عند وجود سببه و علته التامة و منها إرادة الإنسان و اختيار فاعله، أو بواسطة جعله الإنسان مختارا، و عدم ردعه التكوينى و كفه عن الفعل مع قدرته عليه، أو لصحة إسناد الفعل إلى أحد علله الطولية.

30

و مقدارها و معنى قوله بمشية الله فإنه عز و جل شاء أن لا يمنع العاصي إلا بالزجر و القول و النهي و التحذير دون الجبر و المنع بالقوة و الدفع بالقدرة.

37- مع، معاني الأخبار ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ابْنُ عُبْدُوسٍ عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ عَنْ حَمْدَانَ‏ (1) عَنِ الْهَرَوِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)يَقُولُ‏ أَفْعَالُ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ فَقُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا مَعْنَى مَخْلُوقَةٌ قَالَ مُقَدَّرَةٌ.

38- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ابْنُ عُبْدُوسٍ عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ عَنِ الْفَضْلِ عَنِ الرِّضَا(ع)فِيمَا كَتَبَ لِلْمَأْمُونِ مِنْ مَحْضِ الْإِسْلَامِ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ خَلْقَ تَقْدِيرٍ لَا خَلْقَ تَكْوِينٍ وَ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ لَا نَقُولُ بِالْجَبْرِ وَ التَّفْوِيضِ الْخَبَرَ.

39- يد، (2) التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ مَعْرُوفٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْقَصِيرِ قَالَ: كَتَبْتُ عَلَى يَدَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)جُعِلْتُ فِدَاكَ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَشْيَاءَ قَدْ كَتَبْتُ بِهَا إِلَيْكَ فَإِنْ رَأَيْتَ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَنْ تَشْرَحَ لِي جَمِيعَ مَا كَتَبْتُ إِلَيْكَ اخْتَلَفَ النَّاسُ جُعِلْتُ فِدَاكَ بِالْعِرَاقِ فِي الْمَعْرِفَةِ وَ الْجُحُودِ فَأَخْبِرْنِي جُعِلْتُ فِدَاكَ أَ هُمَا مَخْلُوقَتَانِ وَ اخْتَلَفُوا فِي الْقُرْآنِ فَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَ قَالَ آخَرُونَ كَلَامُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ وَ عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ أَ قَبْلَ الْفِعْلِ أَوْ مَعَ الْفِعْلِ فَإِنَّ أَصْحَابَنَا قَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَ رَوَوْا فِيهِ وَ عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى هَلْ يُوصَفُ بِالصُّورَةِ وَ بِالتَّخْطِيطِ فَإِنْ رَأَيْتَ جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ أَنْ تَكْتُبَ إِلَيَّ بِالْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَ عَنِ الْحَرَكَاتِ أَ هِيَ مَخْلُوقَةٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ وَ عَنِ الْإِيمَانِ مَا هُوَ فَكَتَبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَلَى يَدَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ سَأَلْتَ عَنِ الْمَعْرِفَةِ مَا هِيَ فَاعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الْقَلْبِ مَخْلُوقَةٌ وَ الْجُحُودَ صُنْعُ اللَّهِ فِي الْقَلْبِ‏

____________



(1) لعله حمدان بن سليمان.

(2) أقول: أخرج الكليني قطعة من الحديث و هى «وصف اللّه بالصورة و التخطيط» فى باب النهى عن الصفة، و قطعة و هى «الايمان ما هو؟» فى باب «أن الإسلام قبل الايمان» فى كتابه الكافي عن على بن إبراهيم، عن العباس بن معروف، عن ابن أبي نجران، عن حماد بن عثمان، عن عبد الرحيم بن عتيك القصير. فيظهر من هذا اتّحاد ابن عتيك مع عبد الرحيم القصير.

31

مَخْلُوقٌ وَ لَيْسَ لِلْعِبَادِ فِيهِمَا مِنْ صُنْعٍ وَ لَهُمْ فِيهِمَا الِاخْتِيَارُ مِنَ الِاكْتِسَابِ فَبِشَهْوَتِهِمُ الْإِيمَانَ اخْتَارُوا الْمَعْرِفَةَ فَكَانُوا بِذَلِكَ مُؤْمِنِينَ عَارِفِينَ وَ بِشَهْوَتِهِمُ الْكُفْرَ اخْتَارُوا الْجُحُودَ فَكَانُوا بِذَلِكَ كَافِرِينَ جَاحِدِينَ ضُلَّالًا وَ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ لَهُمْ وَ خِذْلَانِ مَنْ خَذَلَهُ اللَّهُ فَبِالاخْتِيَارِ وَ الِاكْتِسَابِ عَاقَبَهُمُ اللَّهُ وَ أَثَابَهُمْ وَ سَأَلْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ عَنِ الْقُرْآنِ وَ اخْتِلَافِ النَّاسِ قِبَلَكُمْ فَإِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ مُحْدَثٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَ غَيْرُ أَزَلِيٍّ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا شَيْ‏ءَ غَيْرَ اللَّهِ مَعْرُوفٌ وَ لَا مَجْهُولٌ كَانَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا مُتَكَلِّمَ وَ لَا مُرِيدَ وَ لَا مُتَحَرِّكَ وَ لَا فَاعِلَ جَلَّ وَ عَزَّ رَبُّنَا فَجَمِيعُ هَذِهِ الصِّفَاتِ مُحْدَثَةٌ عِنْدَ حُدُوثِ الْفِعْلِ مِنْهُ جَلَّ وَ عَزَّ رَبُّنَا وَ الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فِيهِ خَبَرُ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَ خَبَرُ مَا يَكُونُ بَعْدَكُمْ- (1) أُنْزِلَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ سَأَلْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ لِلْفِعْلِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْعَبْدَ وَ جَعَلَ لَهُ الْآلَةَ وَ الصِّحَّةَ وَ هِيَ الْقُوَّةُ الَّتِي يَكُونُ الْعَبْدُ بِهَا مُتَحَرِّكاً مُسْتَطِيعاً لِلْفِعْلِ وَ لَا مُتَحَرِّكٌ إِلَّا وَ هُوَ يُرِيدُ الْفِعْلَ وَ هِيَ صِفَةٌ مُضَافَةٌ إِلَى الشَّهْوَةِ الَّتِي هِيَ خَلْقُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مُرَكَّبَةٌ فِي الْإِنْسَانِ فَإِذَا تَحَرَّكَتِ الشَّهْوَةُ لِلْإِنْسَانِ‏ (2) اشْتَهَى الشَّيْ‏ءَ وَ أَرَادَهُ فَمِنْ ثَمَّ قِيلَ لِلْإِنْسَانِ مُرِيدٌ فَإِذَا أَرَادَ الْفِعْلَ وَ فَعَلَ كَانَ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ وَ الْحَرَكَةِ فَمِنْ ثَمَّ قِيلَ لِلْعَبْدِ مُسْتَطِيعٌ مُتَحَرِّكٌ فَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ سَاكِناً غَيْرَ مُرِيدٍ لِلْفِعْلِ وَ كَانَ مَعَهُ الْآلَةُ وَ هِيَ الْقُوَّةُ وَ الصِّحَّةُ اللَّتَانِ بِهِمَا تَكُونُ حَرَكَاتُ الْإِنْسَانِ وَ فِعْلُهُ كَانَ سُكُونُهُ لِعِلَّةِ سُكُونِ الشَّهْوَةِ فَقِيلَ سَاكِنٌ فَوُصِفَ بِالسُّكُونِ فَإِذَا اشْتَهَى الْإِنْسَانُ وَ تَحَرَّكَتْ شَهْوَتُهُ الَّتِي رُكِّبَتْ فِيهِ اشْتَهَى الْفِعْلَ وَ تَحَرَّكَ بِالْقُوَّةِ الْمُرَكَّبَةِ فِيهِ وَ اسْتَعْمَلَ الْآلَةَ الَّتِي يَفْعَلُ بِهَا الْفِعْلَ فَيَكُونُ الْفِعْلُ مِنْهُ عِنْدَ مَا تَحَرَّكَ وَ اكْتَسَبَهُ فَقِيلَ فَاعِلٌ وَ مُتَحَرِّكٌ وَ مُكْتَسِبٌ وَ مُسْتَطِيعٌ أَ وَ لَا تَرَى أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ صِفَاتٌ يُوصَفُ بِهَا الْإِنْسَانُ وَ سَأَلْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ عَنِ التَّوْحِيدِ وَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَنْ قِبَلَكَ فَتَعَالَى اللَّهُ الَّذِي‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَصِفُهُ الْوَاصِفُونَ الْمُشَبِّهُونَ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بِخَلْقِهِ الْمُفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَاعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ فِي التَّوْحِيدِ مَا نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

____________



(1) في نسخة: و خبر من يكون بعدكم.

(2) في التوحيد المطبوع: فى الإنسان.

32

فَانْفِ عَنِ اللَّهِ الْبُطْلَانَ وَ التَّشْبِيهَ فَلَا نَفْيَ وَ لَا تَشْبِيهَ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الثَّابِتُ الْمَوْجُودُ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَصِفُهُ الْوَاصِفُونَ وَ لَا تَعْدُ الْقُرْآنَ‏ (1) فَتَضِلَّ بَعْدَ الْبَيَانِ وَ سَأَلْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ عَنِ الْإِيمَانِ فَالْإِيمَانُ هُوَ إِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ وَ عَقْدٌ بِالْقَلْبِ وَ عَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ فَالْإِيمَانُ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ- (2) وَ قَدْ يَكُونُ الْعَبْدُ مُسْلِماً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ مُؤْمِناً وَ لَا يَكُونُ مُؤْمِناً حَتَّى يَكُونَ مُسْلِماً فَالْإِسْلَامُ قَبْلَ الْإِيمَانِ وَ هُوَ يُشَارِكُ الْإِيمَانَ فَإِذَا أَتَى الْعَبْدُ بِكَبِيرَةٍ مِنْ كَبَائِرِ الْمَعَاصِي أَوْ صَغِيرَةٍ مِنْ صَغَائِرِ الْمَعَاصِي الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَنْهَا كَانَ خَارِجاً مِنَ الْإِيمَانِ وَ سَاقِطاً عَنْهُ اسْمُ الْإِيمَانِ وَ ثَابِتاً عَلَيْهِ اسْمُ الْإِسْلَامِ فَإِنْ تَابَ وَ اسْتَغْفَرَ عَادَ إِلَى الْإِيمَانِ- (3) وَ لَمْ يُخْرِجْهُ إِلَى الْكُفْرِ وَ الْجُحُودِ وَ الِاسْتِحْلَالِ- (4) وَ إِذَا قَالَ لِلْحَلَالِ هَذَا حَرَامٌ وَ لِلْحَرَامِ هَذَا حَلَالٌ وَ دَانَ بِذَلِكَ فَعِنْدَهَا يَكُونُ خَارِجاً مِنَ الْإِيمَانِ وَ الْإِسْلَامِ إِلَى الْكُفْرِ وَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ دَخَلَ الْحَرَمَ ثُمَّ دَخَلَ الْكَعْبَةَ فَأَحْدَثَ فِي الْكَعْبَةِ حَدَثاً فَأُخْرِجَ عَنِ الْكَعْبَةِ وَ عَنِ الْحَرَمِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ وَ صَارَ إِلَى النَّارِ.

قال الصدوق (رحمه الله ) كأن المراد من هذا الحديث ما كان فيه من ذكر القرآن و معنى ما فيه أنه غير مخلوق أي غير مكذوب و لا يعني به أنه غير محدث لأنه قد قال محدث غيره مخلوق و غير أزلي مع الله تعالى ذكره.

بيان قوله على يدي عبد الملك أي أرسلت الكتاب معه قوله(ع)إن المعرفة من صنع الله أي أصل المعرفة أو كمالها من الله تعالى بعد اكتسابهم و تفكرهم فالمفيض للمعارف هو الرب تعالى و للتفكر و النظر و الطلب مدخل فيها و إنما يثابون و يعاقبون بفعل تلك المبادي و تركها أو المعنى أن المعرفة ليست إلا من قبله تعالى إما بإلقائها في قلوبهم أو ببيان الأنبياء و الحجج(ع)و إنما كلف العباد بقبول ذلك‏

____________

(1) أي لا تتجاوز عما في القرآن.

(2) في الكافي هنا زيادة و هي قوله: و هو دارو كذلك الإسلام دار و الكفر دار، فقد يكون إلخ.

(3) في الكافي: الى دار الايمان.

(4) في الكافي: و لا يخرجه إلى الكفر الا الجحود و الاستحلال أن يقول للحلال اه.

33

و إقرارهم به ظاهرا و تخلية النفس قبل ذلك لطلب الحق عن العصبية و العناد و عما يوجب الحرمان عن الحق من تقليد أهل الفساد و هذا هو المراد بالاختيار من الاكتساب.

ثم بين(ع)أن لتوفيق الله و خذلانه أيضا مدخلا في ذلك الاكتساب أيضا كما سيأتي تحقيقه و لعل المنع من إطلاق الخلق على القرآن إما للتقية مماشاة مع العامة أو لكونه موهما لمعنى آخر أطلق الكفار عليه بهذا المعنى فقالوا إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ‏ كما أشار إليه الصدوق (رحمه الله )(1). قوله معروف و لا مجهول أي لم يكن مع الله شي‏ء يعرفه الخلق أو يجهلونه.

40- يد، التوحيد أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِي شُعَيْبٍ الْمَحَامِلِيِ‏ (2) عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الْجَمَّالِ‏ (3) عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْ‏ءٍ مِنَ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ لَيْسَتِ الِاسْتِطَاعَةُ مِنْ كَلَامِي وَ لَا مِنْ كَلَامِ آبَائِي.

قال الصدوق (رحمه الله ) يعني بذلك أنه ليس من كلامي و لا من كلام آبائي أن يقول لله عز و جل إنه مستطيع كما قال الذين كانوا على عهد عيسى ع‏ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ بيان لعل منعه عن إطلاق الاستطاعة فيه تعالى لكونه استفعالا من الطاعة فلا يليق إطلاقه بجنابه تعالى أو لأن الاستطاعة إنما تطلق على القدرة المتفرعة على حصول الآلات و الأدوات‏ (4) و الله تعالى منزه عن ذلك و سيأتي تحقيق معنى الخبر.

____________

(1) بل الحق أن الكلام هو اللفظ لا بما انه صوت بل بما أنّه دال على المعنى أي المعنى المدلول عليه بما انه مرتبط بالصوت الذي هو كيف مسموع، و هذا معنى اعتبارى لا يتعلق به الجعل و هذا بخلاف الحدوث؛ و لتفصيل الكلام محل آخر. ط.

(2) هو صالح بن خالد الكوفيّ، من رجال أبى الحسن موسى (عليه السلام) مولى عليّ بن الحكم بن الزبير الأنباري، له كتاب، وثقه ثقة النجاشيّ في باب الكنى من رجاله.

(3) لم نجد ذكره في التراجم. و في المصدر: ابو سلمان.

(4) هذا و ما ذكره الصدوق (رحمه الله ) من عجيب التأويل. و ظاهر الرواية أن المراد بالاستطاعة قول دائر بين الناس و ليس إلّا ما كان دائرا بين المعتزلة يومئذ من القول بالاستطاعة و هو استناد الفعل إلى قدرة العبد و استطاعته من غير أن يكون للّه سبحانه فيه صنع. و يمكن أن يكون إشارة إلى مسألة تحقّق الاستطاعة قبل الفعل الذي نفتها الأشاعرة و يكون الخبر وارد اعلى التقية. ط.

34

41- يد، التوحيد أَبِي وَ ابْنُ الْوَلِيدِ مَعاً عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ (1) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ قَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَ هُمْ سالِمُونَ‏ قَالَ وَ هُمْ مُسْتَطِيعُونَ يَسْتَطِيعُونَ الْأَخْذَ بِمَا أُمِرُوا بِهِ وَ التَّرْكَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَ بِذَلِكَ ابْتُلُوا قَالَ وَ سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ مَاتَ وَ تَرَكَ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَ لَمْ يَحُجَّ حَتَّى مَاتَ هَلْ كَانَ يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ قَالَ نَعَمْ إِنَّمَا اسْتَغْنَى عَنْهُ بِمَالِهِ وَ صِحَّتِهِ.

بيان ليس عنه في بعض النسخ و هو أظهر و مع وجوده يحتمل أن يكون عن بمعنى اللام كما قيل في قوله تعالى‏ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ و يحتمل أن يكون الاستغناء عنه كناية عن الترك و الباء بمعنى مع أي تركه مع وجود ماله و صحته.

42- يد، التوحيد بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَدِيدٍ عَنْ جَمِيلٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ‏ قَالَ صَارَتْ أَصْلَابُهُمْ كَصَيَاصِي الْبَقَرِ يَعْنِي قُرُونَهَا وَ قَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَ هُمْ سالِمُونَ‏ قَالَ‏ (2) وَ هُمْ سَالِمُونَ وَ هُمْ مُسْتَطِيعُونَ.

43- يد، التوحيد بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الصَّيْرَفِيِّ عَنْ صَبَّاحٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: سَأَلَهُ زُرَارَةُ وَ أَنَا حَاضِرٌ فَقَالَ أَ فَرَأَيْتَ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْنَا فِي كِتَابِهِ وَ مَا نَهَانَا عَنْهُ جَعَلَنَا مُسْتَطِيعِينَ لِمَا افْتَرَضَ عَلَيْنَا مُسْتَطِيعِينَ لِتَرْكِ مَا نَهَانَا عَنْهُ فَقَالَ نَعَمْ.

44- يد، التوحيد بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جَنَاحٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيِّ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ وَ قَدْ فَعَلُوا فَقُلْتُ نَعَمْ زَعَمُوا أَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا عِنْدَ الْفِعْلِ وَ إِرَادَةٍ فِي حَالِ الْفِعْلِ‏ (3) لَا قَبْلَهُ فَقَالَ أَشْرَكَ الْقَوْمُ.

____________

(1) هو المفضل بن صالح الأسدى النخاس ضعيف.

(2) في المصدر: قال: و هم مستطيعون. م.

(3) في التوحيد المطبوع: واردة في حال الفعل.

35

بيان قوله(ع)و قد فعلوا أي نفوا الاستطاعة أيضا بعد ما نفوا سائر ضروريات الدين أو المعنى أنهم فعلوا الفعل باختيارهم فكيف لا يستطيعون.

45- يد، التوحيد بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْحَذَّاءِ (1) عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)مَا يُعْنَى بِقَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ قَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَ هُمْ سالِمُونَ‏ قَالَ وَ هُمْ مُسْتَطِيعُونَ.

46- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى وَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ وَ ابْنِ أَبِي الْخَطَّابِ جَمِيعاً عَنِ الْبَزَنْطِيِّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: لَا يَكُونُ الْعَبْدُ فَاعِلًا وَ لَا مُتَحَرِّكاً إِلَّا وَ الِاسْتِطَاعَةُ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ إِنَّمَا وَقَعَ التَّكْلِيفُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بَعْدَ الِاسْتِطَاعَةِ فَلَا يَكُونُ مُكَلَّفاً لِلْفِعْلِ إِلَّا مُسْتَطِيعاً.

47- يد، التوحيد عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْفَضْلِ‏ (2) عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ‏ (3) عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ‏ (4) عَنْ سَهْلٍ الْمَصِّيصِيِ‏ (5) عَنْهُ(ع)مِثْلَهُ.

48- يد، التوحيد أَبِي عَنْ سَعْدٍ (6) عَنِ ابْنِ بَزِيعٍ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَمَّنْ رَوَاهُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ‏ لَا يَكُونُ الْعَبْدُ فَاعِلًا إِلَّا وَ هُوَ مُسْتَطِيعٌ وَ قَدْ يَكُونُ مُسْتَطِيعاً غَيْرَ فَاعِلٍ وَ لَا يَكُونُ فَاعِلًا أَبَداً حَتَّى يَكُونَ مَعَهُ الِاسْتِطَاعَةُ.

49- يد، التوحيد أَبِي وَ ابْنُ الْوَلِيدِ مَعاً عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ‏

____________

(1) لم نعرف اسمه و لا حاله. و في بعض النسخ: «الخزاعيّ» بدل «الحذاء».

(2) في التوحيد: أحمد بن الفضل بن المغيرة. أقول: لم نجد له ذكرا في الرجال.

(3) في التوحيد: منصور بن عبد اللّه بن إبراهيم الأصفهانيّ. أقول: هو كسابقه.

(4) في التوحيد: محمّد بن أبي الحسين القريضى. أقول هو أيضا كسابقه.

(5) في التوحيد: سهل (بن خ ل) أبى محمّد المصيصى. أقول: هو أيضا كسابقه.

(6) في التوحيد: أبى، عن سعد، عن يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبي عمير.

36

عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِ‏ (1) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏ وَ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ‏ قَالَ أَكْذَبَهُمْ اللَّهُ فِي قَوْلِهِمْ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ وَ قَدْ كَانُوا مُسْتَطِيعِينَ لِلْخُرُوجِ.

50- يد، التوحيد بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي عِيسَى عَنِ الْحَجَّالِ عَنْ ثَعْلَبَةَ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ أَعْيَنَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَ سَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَ لكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ‏ إِنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ لِلْخُرُوجِ وَ قَدْ كَانَ فِي الْعِلْمِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَ سَفَراً قَاصِداً لَفَعَلُوا.

51- يد، التوحيد أَبِي وَ ابْنُ الْوَلِيدِ عَنْ سَعْدٍ وَ الْحِمْيَرِيُّ هُمَا عَنْ ابْنِ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَا أُمِرَ الْعِبَادُ إِلَّا بِدُونِ سَعَتِهِمْ فَكُلُّ شَيْ‏ءٍ أُمِرَ النَّاسُ بِأَخْذِهِ فَهُمْ مُتَّسِعُونَ لَهُ وَ مَا لَا يَتَّسِعُونَ لَهُ فَهُوَ مَوْضُوعٌ عَنْهُمْ وَ لَكِنَّ النَّاسَ لَا خَيْرَ فِيهِمْ.

52- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ ابْنِ أَبَانٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ (2) عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ حُمْرَانَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ فَلَمْ يُجِبْنِي فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ دَخْلَةً أُخْرَى فَقُلْتُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ إِنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي قَلْبِي مِنْهَا شَيْ‏ءٌ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا شَيْ‏ءٌ أَسْمَعُهُ مِنْكَ قَالَ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّكَ مَا كَانَ فِي قَلْبِكَ قُلْتُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ فَإِنِّي أَقُولُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُكَلِّفِ الْعِبَادَ إِلَّا مَا يَسْتَطِيعُونَ وَ إِلَّا مَا يُطِيقُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يَصْنَعُونَ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِإِرَادَةِ اللَّهِ وَ مَشِيَّتِهِ وَ قَضَائِهِ وَ قَدَرِهِ قَالَ هَذَا دِينُ اللَّهِ الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ وَ آبَائِي أَوْ كَمَا قَالَ.

____________

(1) لا يعرف الرجل في أصحاب الصادق (عليه السلام).

(2) أقول: أخرج الحديث ثقة الإسلام في باب الاستطاعة من كتابه الكافي عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن بعض أصحابنا، عن عبيد بن زرارة. و الظاهر أنه الصحيح لبعد رواية الحسين بن سعيد عن عبيد بن زرارة بلا واسطة.

37

قال الصدوق (رحمه الله ) مشية الله و إرادته في الطاعات الأمر بها و في المعاصي النهي عنها و المنع منها بالزجر و التحذير.

53- يد، التوحيد الْعَطَّارُ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ حُمْرَانَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ لَنَا كَلَاماً نَتَكَلَّمُ بِهِ قَالَ هَاتِهِ قُلْتُ نَقُولُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَمَرَ وَ نَهَى وَ كَتَبَ الْآجَالَ وَ الْآثَارَ لِكُلِّ نَفْسٍ بِمَا قَدَّرَ لَهَا وَ أَرَادَ وَ جَعَلَ فِيهِمْ مِنَ الِاسْتِطَاعَةِ لِطَاعَتِهِ مَا يَعْمَلُونَ بِهِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ فَإِذَا تَرَكُوا ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ كَانُوا مَحْجُوجِينَ بِمَا صَيَّرَ فِيهِمْ مِنَ الِاسْتِطَاعَةِ وَ الْقُوَّةِ لِطَاعَتِهِ فَقَالَ هَذَا هُوَ الْحَقُّ إِذَا لَمْ تَعْدُهُ إِلَى غَيْرِهِ.

54- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنِ ابْنِ أَسْبَاطٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ يَسْتَطِيعُ الْعَبْدُ بَعْدَ أَرْبَعِ خِصَالٍ أَنْ يَكُونَ مُخَلَّى السَّرْبِ صَحِيحَ الْجِسْمِ سَلِيمَ الْجَوَارِحِ لَهُ سَبَبٌ وَارِدٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَسِّرْهَا لِي قَالَ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مُخَلَّى السَّرْبِ صَحِيحَ الْجِسْمِ سَلِيمَ الْجَوَارِحِ يُرِيدُ أَنْ يَزْنِيَ فَلَا يَجِدُ امْرَأَةً ثُمَّ يَجِدُهَا فَإِمَّا أَنْ يَعْصِمَ فَيَمْتَنِعَ كَمَا امْتَنَعَ يُوسُفُ(ع)أَوْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ إِرَادَتِهِ فَيَزْنِيَ فَيُسَمَّى زَانِياً وَ لَمْ يُطِعِ اللَّهَ بِإِكْرَاهٍ وَ لَمْ يَعْصِ بِغَلَبَةٍ.

بيان السبب الوارد من الله هو العصمة أو التخلية.

55- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ ابْنِ أَبَانٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُخْتَارِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَابِرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْخَلْقَ فَعَلِمَ مَا هُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ وَ أَمَرَهُمْ وَ نَهَاهُمْ فَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَقَدْ جَعَلَ لَهُمُ السَّبِيلَ إِلَى الْأَخْذِ بِهِ وَ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ فَقَدْ جَعَلَ لَهُمُ السَّبِيلَ إِلَى تَرْكِهِ وَ لَا يَكُونُونَ فِيهِ آخِذِينَ وَ لَا تَارِكِينَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ.

قال‏ (1) الصدوق (رحمه الله ) يعني بعلمه.

____________

(1) ليست في النسخ الثلاثة المطبوعة من التوحيد جملة «قال الصدوق» و لعلّ العلّامة المجلسيّ استظهر ان جملة «يعنى بعلمه» من الصدوق (رحمه الله ). م.

38

56- يد، التوحيد بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ الْحُسَيْنِ عَنْ فَضَالَةَ عَنْ أَبَانٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّيَّارِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ قَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَ هُمْ سالِمُونَ‏ قَالَ مُسْتَطِيعُونَ يَسْتَطِيعُونَ الْأَخْذَ بِمَا أُمِرُوا بِهِ وَ التَّرْكَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَ بِذَلِكَ ابْتُلُوا ثُمَّ قَالَ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ مِمَّا أُمِرُوا بِهِ وَ نُهُوا عَنْهُ إِلَّا وَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِيهِ ابْتِلَاءٌ وَ قَضَاءٌ.

سن، المحاسن ابن فضال عن أبي جميلة عن محمد الحلبي‏ مثله‏ (1).

57- يد، التوحيد أَبِي عَنْ سَعْدٍ (2) عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَا كَلَّفَ اللَّهُ الْعِبَادَ كُلْفَةَ فِعْلٍ وَ لَا نَهَاهُمْ عَنْ شَيْ‏ءٍ حَتَّى جَعَلَ لَهُمُ الِاسْتِطَاعَةَ ثُمَّ أَمَرَهُمْ وَ نَهَاهُمْ فَلَا يَكُونُ الْعَبْدُ آخِذاً وَ لَا تَارِكاً إِلَّا بِاسْتِطَاعَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ قَبْلَ الْأَمْرِ وَ النَّهْيِ وَ قَبْلَ الْأَخْذِ وَ التَّرْكِ وَ قَبْلَ الْقَبْضِ وَ الْبَسْطِ.

58- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ‏ لَا يَكُونُ مِنَ الْعَبْدِ قَبْضٌ وَ لَا بَسْطٌ إِلَّا بِاسْتِطَاعَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ لِلْقَبْضِ وَ الْبَسْطِ.

59- يد، التوحيد أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنْ الْمَحَامِلِيِّ وَ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى مَعاً عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ وَ عِنْدَهُ قَوْمٌ يَتَنَاظَرُونَ فِي الْأَفَاعِيلِ وَ الْحَرَكَاتِ فَقَالَ الِاسْتِطَاعَةُ قَبْلَ الْفِعْلِ لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِقَبْضٍ وَ لَا بَسْطٍ إِلَّا وَ الْعَبْدُ لِذَلِكَ مُسْتَطِيعٌ.

____________

(1) و زاد في المحاسن بعد قوله (عليه السلام): و لذلك ابتلوا: و قال ليس في العبد قبض و لا بسط ممّا امر اللّه به او نهى عنه الا و من اللّه فيه ابتلاء و قضاء. م.

(2) في التوحيد المطبوع: سعد، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن سعيد. و هو الصحيح لان سعد لا يروى عن الحسن أو الحسين إلّا بواسطة و هي أحمد بن محمّد بن عيسى، نص على ذلك الكاظمى في المشتركات، و أمّا الحسين بن سعيد فهو شريك أخيه الحسن في رواياته و مشايخه إلّا في زرعة بن محمّد و فضالة بن أيوب، فان الحسين يروى عنهما بواسطة أخيه الحسن، فعلى ذلك يصحّ أن يكون ما في السند الحسين أو الحسن كما في التوحيد المطبوع.

39

60- يد، التوحيد أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ يَزِيدَ عَنْ مَرْوَكِ بْنِ عُبَيْدٍ (1) عَنْ عَمْرٍو رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَمَّنْ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقَالَ لَهُ إِنَّ لِي أَهْلَ بَيْتٍ قَدَرِيَّةً يَقُولُونَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَعْمَلَ كَذَا وَ كَذَا وَ نَسْتَطِيعُ أَنْ لَا نَعْمَلَ قَالَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)قُلْ لَهُ هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ لَا تَذْكُرَ مَا تَكْرَهُ وَ أَنْ لَا تَنْسَى مَا تُحِبُّ فَإِنْ قَالَ لَا فَقَدْ تَرَكَ قَوْلَهُ وَ إِنْ قَالَ نَعَمْ فَلَا تُكَلِّمْهُ أَبَداً فَقَدْ ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ.

61- يد، التوحيد أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي حَمَّادٍ (2) عَنْ أَبِي خَالِدٍ السِّجِسْتَانِيِ‏ (3) عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَقْطِينٍ عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ(ع)قَالَ: مَرَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)بِجَمَاعَةٍ بِالْكُوفَةِ وَ هُمْ يَخْتَصِمُونَ بِالْقَدَرِ (4) فَقَالَ لِمُتَكَلِّمِهِمْ أَ بِاللَّهِ تَسْتَطِيعُ أَمْ مَعَ اللَّهِ أَمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَسْتَطِيعُ فَلَمْ يَدْرِ مَا يَرُدُّ عَلَيْهِ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِنْ زَعَمْتَ أَنَّكَ بِاللَّهِ تَسْتَطِيعُ فَلَيْسَ إِلَيْكَ‏ (5) مِنَ الْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ وَ إِنْ زَعَمْتَ أَنَّكَ مَعَ اللَّهِ تَسْتَطِيعُ فَقَدْ زَعَمْتَ أَنَّكَ شَرِيكٌ مَعَهُ فِي مِلْكِهِ وَ إِنْ زَعَمْتَ أَنَّكَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَسْتَطِيعُ فَقَدِ ادَّعَيْتَ الرُّبُوبِيَّةَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا بَلْ بِاللَّهِ أَسْتَطِيعُ فَقَالَ أَمَا إِنَّكَ لَوْ قُلْتَ غَيْرَ هَذَا لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ‏ (6).

____________

(1) بفتح الميم و سكون الراء و فتح الواو هو صالح بن عبيد بن زياد أبى حفصة.

(2) أبى النخير الرازيّ، و اسم أبى حماد سلمة، قال النجاشيّ: و كان أمره ملبسا، يعرف و ينكر، له كتب: منها كتاب خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) و كتاب نوادر.

(3) لم نقف على اسمه إلّا أن الفاضل المامقاني قال: لا يبعد أن اسمه سالم بن سلمة الكندي السجستانيّ، و لكنى لم أقف على من كناه بأبي خالد. م.

(4) في نسخة من التوحيد: فى القدر. م.

(5) في المصدر: فليس لك.

(6) لا ريب ان أسباب الفعل و الآلات و القوى كلها من اللّه و لا خلاف فيه من معتزلى و لا أشعرى و لا إمامى و انما الكلام في أن استطاعة الفعل هل هي قبل الفعل أو معه؟ الثاني للاشعرى و غيره لغيرهم. ثم اختلف في الاستطاعة قبل الفعل هل العبد مستقل بها بحيث يتصرف في الأسباب و آلات الفعل من غير أنّ يرتبط شي‏ء من تصرفه باللّه أم للّه فيه صنع بحيث ان القدرة للّه مضافة إلى سائر الأسباب و إنّما يقدر العبد بتمليك اللّه إياه شيئا منها؟ المعتزلة على الأول و المتحصل من أخبار أهل البيت (عليهم السلام) هو الثاني، إذا عرفت ذلك ظهر لك ما في تفسير المصنّف (رحمه الله ) لمعنى الحديث فقد أوله تاويلا عجيبا مع أن الروايات صريحة في خلافه. ط.

40

بيان لعلّه أراد(ع)بقوله بالله تستطيع أن الله يجبره على الفعل فلذا قال فليس إليك من الأمر شي‏ء و لمّا نفى المتكلّم الثلاثة و قال بالله أستطيع علم أن مراده أني مستطيع قادر بما ملّكني الله من الأسباب و الآلات فلذا لم يردّ(ع)كلامه و قبل منه و يحتمل على بُعد أن يكون اختار الشقّ الأوّل فقوله(ع)ليس إليك من الأمر شي‏ء أي لا تستقلّ في الفعل بأن تقدر على تحصيل جميع ما يتوقّف عليه الفعل و الحاصل أنه لما كان قدريا تفويضيا قال(ع)إن اخترت هذا فقد أقررت ببطلان ما تعتقده من استقلال العبد و لا بدّ لك من اختياره.

62- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) يد، التوحيد تَمِيمٌ الْقُرَشِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ عَنِ الْهَرَوِيِّ قَالَ: سَأَلَ الْمَأْمُونُ الرِّضَا(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَ كانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً فَقَالَ إِنَّ غِطَاءَ الْعَيْنِ لَا يَمْنَعُ مِنَ الذِّكْرِ وَ الذِّكْرُ لَا يُرَى بِالْعُيُونِ وَ لَكِنَّ اللَّهَ شَبَّهَ الْكَافِرِينَ بِوَلَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)بِالْعُمْيَانِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَثْقِلُونَ قَوْلَ النَّبِيِّ(ص)فِيهِ وَ كَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً فَقَالَ الْمَأْمُونُ فَرَّجْتَ عَنِّي فَرَّجَ اللَّهُ عَنْكَ.

63- ف، تحف العقول‏ كَتَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكُمْ مَعْشَرَ بَنِي هَاشِمٍ الْفُلْكُ الْجَارِيَةُ فِي اللُّجَجِ الْغَامِرَةِ وَ الْأَعْلَامُ النَّيِّرةُ الشَّاهِرَةُ أَوْ كَسَفِينَةِ نُوحٍ(ع)الَّتِي نَزَلَهَا الْمُؤْمِنُونَ وَ نَجَا فِيهَا الْمُسْلِمُونَ كَتَبْتُ إِلَيْكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ عِنْدَ اخْتِلافِنَا فِي الْقَدَرِ وَ حَيْرَتِنَا فِي الِاسْتِطَاعَةِ فَأَخْبِرْنَا بِالَّذِي عَلَيْهِ رَأْيُكَ وَ رَأْيُ آبَائِكَ(ع)فَإِنَّ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عِلْمَكُمْ وَ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ عَلَى النَّاسِ وَ اللَّهُ الشَّاهِدُ عَلَيْكُمْ‏ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏ فَأَجَابَهُ الْحَسَنُ ع‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ وَصَلَ إِلَيَّ كِتَابُكَ وَ لَوْ لَا مَا ذَكَرْتَهُ مِنْ حَيْرَتِكَ وَ حَيْرَةِ مَنْ مَضَى قَبْلَكَ إِذاً مَا أَخْبَرْتُكَ أَمَّا بَعْدُ فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَ شَرِّهِ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ فَقَدْ كَفَرَ وَ مَنْ أَحَالَ الْمَعَاصِيَ عَلَى اللَّهِ فَقَدْ فَجَرَ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُطَعْ مُكْرِهاً وَ لَمْ يُعْصَ مَغْلُوباً وَ لَمْ يُهْمِلِ الْعِبَادَ سُدًى مِنَ الْمَمْلَكَةِ (1) بَلْ هُوَ الْمَالِكُ لِمَا مَلَّكَهُمْ وَ

____________



(1) أهمله: تركه و لم يستعمله عمدا أو نسيانا. و سدى أي باطلا و مهملا.

41

الْقَادِرُ عَلَى مَا عَلَيْهِ أَقْدَرَهُمْ بَلْ أَمَرَهُمْ تَخْيِيراً وَ نَهَاهُمْ تَحْذِيراً فَإِنِ ائْتَمَرُوا لِلطَّاعَةِ لَمْ يَجِدُوا عَنْهَا صَادّاً وَ إِنِ انْتَهَوْا إِلَى الْمَعْصِيَةِ فَشَاءَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يَحُولَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَهَا فَعَلَ وَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ هُوَ الَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَيْهَا جَبْراً وَ لَا أُلْزِمُوهَا كَرْهاً بَلْ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِأَنْ بَصَّرَهُمْ وَ عَرَّفَهُمْ وَ حَذَّرَهُمْ وَ أَمَرَهُمْ وَ نَهَاهُمْ لَا جَبْلًا لَهُمْ عَلَى مَا أَمَرَهُمْ بِهِ فَيَكُونُوا كَالْمَلَائِكَةِ وَ لَا جَبْراً لَهُمْ عَلَى مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ وَ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ‏ وَ السَّلامُ عَلى‏ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى‏.

أقول سيأتي في كتاب الاحتجاجات بسند آخر أبسط من هذا.

64- سن، المحاسن عَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُكَلِّفَ النَّاسَ مَا لَا يُطِيقُونَ وَ اللَّهُ أَعَزُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي سُلْطَانِهِ مَا لَا يُرِيدُ.

65- سن، المحاسن أَبِي عَنْ حَمَّادٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُخْتَارِ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ حُمْرَانَ قَالَ: قُلْتُ لَهُ إِنَّا نَقُولُ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّفِ الْعِبَادَ إِلَّا مَا آتَاهُمْ وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ لَا يُطِيقُونَهُ فَهُوَ عَنْهُمْ مَوْضُوعٌ وَ لَا يَكُونُ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَ قَضَى وَ قَدَّرَ وَ أَرَادَ فَقَالَ وَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا لَدِينِي وَ دِينُ آبَائِي‏ (1).

66- سن، المحاسن عَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَا كَلَّفَ اللَّهُ الْعِبَادَ إِلَّا مَا يُطِيقُونَ وَ إِنَّمَا كَلَّفَهُمْ فِي الْيَوْمِ وَ اللَّيْلَةِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ وَ كَلَّفَهُمْ مِنْ كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَ كَلَّفَهُمْ صِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي السَّنَةِ وَ كَلَّفَهُمْ حَجَّةً وَاحِدَةً وَ هُمْ يُطِيقُونَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَ إِنَّمَا كَلَّفَهُمْ دُونَ مَا يُطِيقُونَ وَ نَحْوَ هَذَا.

67- سن، المحاسن أَبِي عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْخَثْعَمِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْقَصِيرِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سَأَلَهُ حَفْصٌ الْأَعْوَرُ وَ أَنَا أَسْمَعُ جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ قَوْلُ اللَّهِ‏ (2) وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قَالَ ذَلِكَ الْقُوَّةُ فِي الْمَالِ أَوِ الْيَسَارُ قَالَ فَإِنْ كَانُوا مُوسِرِينَ فَهُمْ مِمَّنْ يَسْتَطِيعُ إِلَيْهِ السَّبِيلَ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ لَهُ‏

____________



(1) تقدم الحديث عن التوحيد تحت رقم 52 و فيه زيادة.

(2) في المصدر: فقال جعلنى اللّه فداك ما قول اللّه. م.

42

ابْنُ سَيَابَةَ بَلَغَنَا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ يُكْتَبُ وَفْدُ الْحَاجِّ فَقَطَعَ كَلَامَهُ فَقَالَ كَانَ أَبِي يَقُولُ يُكْتَبُونَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ‏ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ‏ قَالَ فَإِنْ لَمْ يُكْتَبْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ قَالَ لَا مَعَاذَ اللَّهِ فَتَكَلَّمَ حَفْصٌ‏ (1) فَقَالَ لَسْتُ مِنْ خُصُومَتِكُمْ فِي شَيْ‏ءٍ هَكَذَا الْأَمْرُ.

68- ضا، فقه الرضا (عليه السلام) أَرْوِي‏ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ الْعَالِمَ ع- فَقَالَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَ لَيْسَ أَنَا مُسْتَطِيعٌ لِمَا كُلِّفْتُ فَقَالَ لَهُ(ع)مَا الِاسْتِطَاعَةُ عِنْدَكَ قَالَ الْقُوَّةُ عَلَى الْعَمَلِ قَالَ لَهُ(ع)قَدْ أُعْطِيتَ الْقُوَّةَ إِنْ أُعْطِيتَ الْمَعُونَةَ قَالَ لَهُ الرَّجُلُ فَمَا الْمَعُونَةُ قَالَ التَّوْفِيقُ قَالَ فَلِمَ إِعْطَاءُ التَّوْفِيقِ قَالَ لَوْ كُنْتَ مُوَفَّقاً كُنْتَ عَامِلًا وَ قَدْ يَكُونُ الْكَافِرُ أَقْوَى مِنْكَ وَ لَا يُعْطَى التَّوْفِيقَ فَلَا يَكُونُ عَامِلًا ثُمَّ قَالَ(ع)أَخْبِرْنِي عَنْكَ مَنْ خَلَقَ فِيكَ الْقُوَّةَ قَالَ الرَّجُلُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَالَ الْعَالِمُ هَلْ تَسْتَطِيعُ بِتِلْكَ الْقُوَّةِ دَفْعَ الضَّرِّ عَنْ نَفْسِكَ وَ أَخْذَ النَّفْعِ إِلَيْهَا بِغَيْرِ الْعَوْنِ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَالَ لَا قَالَ فَلِمَ تَنْتَحِلُ مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَيْنَ أَنْتَ عَنْ قَوْلِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ‏ (2) وَ مَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ.

69- وَ أَرْوِي‏ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ أَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْمَلَ مَا لَمْ يَكُنْ قَالَ لَا قَالَ أَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْتَهِيَ عَمَّا يَكُونُ قَالَ لَا قَالَ فَفِيمَا أَنْتَ مُسْتَطِيعٌ قَالَ الرَّجُلُ لَا أَدْرِي فَقَالَ الْعَالِمُ(ع)إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ خَلْقاً فَجَعَلَ فِيهِمْ آلَةَ الْفِعْلِ ثُمَّ لَمْ يُفَوِّضْ إِلَيْهِمْ فَهُمْ مُسْتَطِيعُونَ لِلْفِعْلِ فِي وَقْتِ الْفِعْلِ مَعَ الْفِعْلِ قَالَ لَهُ الرَّجُلُ فَالْعِبَادُ مَجْبُورُونَ فَقَالَ لَوْ كَانُوا مَجْبُورِينَ كَانُوا مَعْذُورِينَ قَالَ الرَّجُلُ فَفَوَّضَ إِلَيْهِمْ قَالَ لَا قَالَ فَمَا هُوَ قَالَ الْعَالِمُ(ع)عَلِمَ مِنْهُمْ فِعْلًا فَجَعَلَ فِيهِمْ آلَةَ الْفِعْلِ فَإِذَا فَعَلُوا كَانُوا مُسْتَطِيعِينَ‏ (3).

____________

(1) في المصدر: حفص بن سالم. م.

(2) أي شعيب على نبيّنا و آله و (عليه السلام) حيث قال: «إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ». هود: 88.

(3) أقول: أخرج الكليني (قدس الله روحه) الحديث في باب الاستطاعة عن كتابه الكافي، عن محمّد بن يحيى و عليّ بن إبراهيم جميعا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، و عبد اللّه ابن يزيد جميعا، عن رجل من أهل البصرة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام). و فيه زيادة على ما في الكتاب فليراجعه.

43

بيان ما ورد في هذا الخبر من عدم تقدم الاستطاعة على الفعل موافقا لأخبار أوردها الكليني في ذلك يحتمل وجوها الأول التقية لموافقته لما ذهب إليه الأشاعرة من أن للعبد قدرة و كسبا مقارنة للفعل غير مؤثرة فيه و لمخالفته لما سبق من الأخبار الكثيرة الدالة على تقدم الاستطاعة و أن من لا يقول به فهو مشرك.

الثاني أن يكون المراد بالاستطاعة في أمثال هذا الخبر الاستقلال بالفعل بحيث لا يمكن أن يمنعه عنه مانع و لا يكون هذا إلا في حال الفعل إذ يمكن قبل الفعل أن يزيله الله عن الفعل و لو بإعدامه و إزالة عقله أو شي‏ء آخر مما يتوقف عليه الفعل.

الثالث أن يكون المعنى أن في حال الفعل يظهر الاستطاعة و يعلم أنه كان مستطيعا قبله بأن أذن الله له في الفعل كما ورد أن بعد القضاء لا بداء و الأول أظهر.

جا، المجالس للمفيد عَلِيُّ بْنُ مَالِكٍ النَّحْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْكَاتِبِ عَنْ يَمُوتَ بْنِ الْمُزَرِّعِ عَنْ عِيسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ ذُو الرُّمَّةِ الشَّاعِرُ (1) يَذْهَبُ إِلَى النَّفْيِ فِي الْأَفْعَالِ وَ كَانَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ‏ (2) إِلَى الْإِثْبَاتِ فِيهَا فَاجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِهِمَا عِنْدَ بِلَالِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ وَ هُوَ وَالِي الْبَصْرَةِ وَ بِلَالٌ يَعْرِفُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْخِلَافِ فَحَضَّهُمَا عَلَى الْمُنَاظَرَةِ فَقَالَ رُؤْبَةُ وَ اللَّهِ مَا يَفْحَصُ طَائِرٌ أُفْحُوصاً وَ لَا يُقَرْمِصُ سَبُعٌ قُرْمُوصاً إِلَّا كَانَ ذَلِكَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَ قَدَرِهِ فَقَالَ لَهُ ذُو الرُّمَّةِ وَ اللَّهِ مَا أَذِنَ اللَّهُ لِلذِّئْبِ أَنْ يَأْخُذَ حَلُوبَةَ عَالَةٍ عَيَايِلَ ضَرَائِكَ فَقَالَ لَهُ رُؤْبَةُ أَ فَبِمَشِيَّتِهِ أَخَذَهَا أَمْ بِمَشِيَّةِ اللَّهِ فَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ بَلْ بِمَشِيَّتِهِ وَ إِرَادَتِهِ فَقَالَ رُؤْبَةُ هَذَا وَ اللَّهِ الْكَذِبُ عَلَى الذِّئْبِ فَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ وَ اللَّهِ الْكَذِبُ عَلَى الذِّئْبِ أَهْوَنُ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى‏

____________



(1) اسمه غيلان بن عقبة، و كنيته أبو الحارث، أورد ذكره و أخباره و من أشعاره أبو الفرج في الأغاني ج 16(ص)110 توفى في خلافة هشام بن عبد الملك و له أربعون سنة.

(2) و اسم الحجاج عبد اللّه بن رؤبة، يتصل نسبه بزيد بن مناة الراجز المشهور من مخضرمى الدولتين و من اعراب البصرة، سمع من أبى هريرة و النسابة البكرى، و عداده في التابعين، روى عنه معمر بن المثنى و النضر بن شميل، مات في زمن المنصور سنة 145 قاله ياقوت في ارشاد الاريب ج 4(ص)214.

44

رَبِّ الذِّئْبِ فَقَالَ وَ أَنْشَدَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مَالِكٍ النَّحْوِيُّ فِي أَثَرِ هَذَا الْحَدِيثِ لِمَحْمُودٍ الْوَرَّاقِ‏

أَ عَاذِلُ لَمْ آتِ الذُّنُوبَ عَلَى جَهْلٍ‏* * * وَ لَا أَنَّهَا مِنْ فِعْلِ غَيْرِي وَ لَا فِعْلِي‏

وَ لَا جُرْأَةٍ مِنِّي عَلَى اللَّهِ جِئْتُهَا* * * وَ لَا أَنَّ جَهْلِي لَا يُحِيطُ بِهِ عَقْلِي‏

وَ لَكِنْ بِحُسْنِ الظَّنِّ مِنِّي بِعَفْوِ مَنْ‏* * * تَفَرَّدَ بِالصُّنْعِ الْجَمِيلِ وَ بِالْفَضْلِ‏

فَإِنْ صَدَقَ الظَّنُّ الَّذِي قَدْ ظَنَنْتُهُ‏* * * فَفِي فَضْلِهِ مَا صَدَّقَ الظَّنَّ مِنْ مِثْلِي‏

وَ إِنْ نَالَنِي مِنْهُ الْعِقَابُ فَإِنَّمَا* * * أَتَيْتُ مِنَ الْإِنْصَافِ فِي الْحُكْمِ وَ الْعَدْلِ‏

.

أقول روى السيد المرتضى في الغرر هذا الخبر بسند آخر عن أبي عبيدة.

بيان قال الجزري أُفحوص القطاة موضعها الذي تجثم فيه‏ (1) و تبيض كأنها تفحص عنه التراب أي تكشفه و الفحص البحث و الكشف و قال في مناظرة ذي الرمة و رؤبة ما تقرمص سبع قرموصا إلا بقضاء القرموص حفرة يحفرها الرجل يكتنّ فيها من البرد يأوي إليها الصيد و هي واسعة الجوف ضيّقة الرأس و قرمص و تقرمص إذا دخلها و تقرمص السبع إذا دخلها للاصطياد.

و قال في قصّة ذي الرمة و رؤبة عالة ضرائك الضرائك جمع ضريك و هو الفقير سيّئ الحال و قيل الهزيل.

و قال السيد في الغرر العيايل جميع عيل و هو ذو العيال و الضرائك جميع ضريك و هو الفقير و في رواية السيد هذا كذب على الذئب ثان فالمعنى أنه كذب ثان على الذئب بعد ما كذب عليه في قصّة يوسف.

70- كش، رجال الكشي حَمْدَوَيْهِ وَ إِبْرَاهِيمُ ابْنَا نُصَيْرٍ عَنِ الْعُبَيْدِيِّ عَنْ هِشَامِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَشْرِقِيِّ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو الْحَسَنِ الْخُرَاسَانِيُ‏ (2) كَيْفَ تَقُولُونَ فِي الِاسْتِطَاعَةِ بَعْدَ يُونُسَ فَذَهَبَ فِيهَا مَذْهَبَ زُرَارَةَ (3) وَ مَذْهَبُ زُرَارَةَ هُوَ الْخَطَأُ فَقُلْتُ لَا وَ لَكِنَّهُ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي‏

____________



(1) تجثم الطائر أو الحيوان: تلبد بالارض و أقام فيه.

(2) في المصدر: أبو الحسن الخراسانيّ (عليه السلام). و الظاهر أنّه هو الرضا (عليه السلام). م.

(3) في الكشّيّ المطبوع: تذهب فيها مذهب زرارة؟.

45

مَا يَقُولُ زُرَارَةُ فِي الِاسْتِطَاعَةِ وَ قَوْلُ زُرَارَةَ هُمْ قُدَّرٌ (1) وَ نَحْنُ مِنْهُ بُرَآءُ وَ لَيْسَ مِنْ دِينِ آبَائِكَ قَالَ فَبِأَيِّ شَيْ‏ءٍ تَقُولُونَ قُلْتُ بِقَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا مَا اسْتِطَاعَتُهُ قَالَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)صِحَّتُهُ وَ مَالُهُ فَنَحْنُ بِقَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)نَأْخُذُ قَالَ صَدَقَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)هَذَا هُوَ الْحَقُ‏ (2).

بيان قوله ما يقول زرارة في الاستطاعة و قول زرارة فيمن قدر كذا في بعض النسخ فلعل المعنى أن زرارة لا يقول بالاستطاعة بل إنما يقول بها فيمن قدر على الفعل بإذنه و توفيقه تعالى و نحن من القول بالاستطاعة المحضة برآء فكلمة ما نافية و يحتمل أن يكون استفهاما للإنكار و التحقير أي أي شي‏ء قول زرارة فنقول به ثم بين أنه قوله بالاستطاعة فيمن قدر على الفعل و في أكثر النسخ هم قدّر فيحتمل الوجه الثاني و يكون قدّر بضم القاف و تشديد الدال جمع قادر أي يقول هم قادرون بالاستقلال و في بعض النسخ قذر بالذال المعجمة و ربما قرأ قوم زرارة و قد يقرأ هيّم قذر و الهيّم بالكسر الإبل العطاش و أثر التصحيف و التحريف فيه ظاهر.

71- كش، رجال الكشي مُحَمَّدُ بْنُ قُولَوَيْهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي الْحَلَّالِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ زُرَارَةَ رَوَى عَنْكَ فِي الِاسْتِطَاعَةِ شَيْئاً فَقَبِلْنَا مِنْهُ وَ صَدَّقْنَاهُ وَ قَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَعْرِضَهُ عَلَيْكَ فَقَالَ هَاتِهِ فَقُلْتُ زَعَمَ أَنَّهُ سَأَلَكَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا فَقُلْتُ مَنْ مَلَكَ زَاداً وَ رَاحِلَةً فَقَالَ كُلُّ مَنْ مَلَكَ زَاداً وَ رَاحِلَةً فَهُوَ مُسْتَطِيعٌ لِلْحَجِّ وَ إِنْ لَمْ يَحِجَّ فَقُلْتُ نَعَمْ فَقَالَ لَيْسَ هَكَذَا سَأَلَنِي وَ لَا هَكَذَا قُلْتُ كَذَبَ عَلَيَّ وَ اللَّهِ كَذَبَ عَلَيَّ وَ اللَّهِ‏

____________



(1) في الكشّيّ: ما تقول في الاستطاعة، و قول زرارة فيمن قدر.

(2) أقول: حمله الاصحاب و أمثاله ممّا ورد في ذمّ زرارة و نظرائه من أجلاء الاصحاب على التقية حفظا لهم و حقنا لدمائهم، و يدلّ على صحة هذا الحمل ما ورد من الروايات، من الاعتذار عن ذمهم مثل قول الصادق (عليه السلام) لعبد اللّه بن زرارة: أقرئ منى على والدك السلام، و قل له انى انما أعيبك دفاعا منى عنك، فان الناس و العدو يسارعون الى كل من قربناه و حمدنا مكانه لادخال اذى فيمن نحبه و نقربه، و يذمونه لمحبتنا له، و قربه و دنوه منا. و الحديث طويل فليراجعه.

46

لَعَنَ اللَّهُ زُرَارَةَ لَعَنَ اللَّهُ زُرَارَةَ إِنَّمَا قَالَ لِي مَنْ كَانَ لَهُ زَادٌ وَ رَاحِلَةٌ فَهُوَ مُسْتَطِيعٌ لِلْحَجِّ قُلْتُ وَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ قَالَ فَمُسْتَطِيعٌ هُوَ قُلْتُ لَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ قُلْتُ فَأُخْبِرُ زُرَارَةَ بِذَلِكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ زِيَادٌ فَقَدِمْتُ الْكُوفَةَ فَلَقِيتُ زُرَارَةَ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَ سَكَتُّ عَنْ لَعْنِهِ قَالَ أَمَا إِنَّهُ قَدْ أَعْطَانِي الِاسْتِطَاعَةَ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ وَ صَاحِبُكُمْ هَذَا لَيْسَ لَهُ بَصِيرَةٌ بِكَلَامِ الرَّجُلِ‏ (1).

72- كش، رجال الكشي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَرِيزٍ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى فَارِسَ وَ خَرَجَ مَعَنَا مُحَمَّدٌ الْحَلَبِيُّ إِلَى مَكَّةَ فَاتَّفَقَ قُدُومُنَا جَمِيعاً إِلَى حُنَيْنٍ فَسَأَلْتُ الْحَلَبِيَّ فَقُلْتُ لَهُ أَطْرِفْنَا بِشَيْ‏ءٍ (2) قَالَ نَعَمْ جِئْتُكَ بِمَا تَكْرَهُ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)مَا تَقُولُ فِي الِاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ لَيْسَ مِنْ دِينِي وَ لَا مِنْ دِينِ آبَائِي فَقُلْتُ الْآنَ ثَلِجَ عَنْ صَدْرِي وَ اللَّهِ لَا أَعُودُ لَهُمْ مَرِيضاً وَ لَا أُشَيِّعُ لَهُمْ جَنَازَةً وَ لَا أُعْطِيهِمْ شَيْئاً مِنْ زَكَاةِ مَالِي قَالَ فَاسْتَوَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)جَالِساً وَ قَالَ لِي كَيْفَ قُلْتَ فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ الْكَلَامَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)كَانَ أَبِي(ع)يَقُولُ أُولَئِكَ قَوْمٌ حَرَّمَ اللَّهُ وُجُوهَهُمْ عَلَى النَّارِ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ وَ كَيْفَ قُلْتَ لِي لَيْسَ مِنْ دِينِي وَ لَا مِنْ دِينِ آبَائِي قَالَ إِنَّمَا أَعْنِي بِذَلِكَ قَوْلَ زُرَارَةَ وَ أَشْبَاهِهِ.

____________

(1) حكى عن ابن طاوس مناقشة في سند هذا الخبر بقوله: الذي يظهر أن الرواية غير متصلة لان محمّد بن أبي القاسم كان معاصرا لابى جعفر محمّد بن بابويه، و مات محمّد بن بابويه سنة احدى و ثمانين و ثلاثمائة، و مات الصادق (عليه السلام) سنة مائة و ثمان و أربعين، و يبعد أن يكون زياد بن أبى الحلال عاش من زمان الصادق (عليه السلام) حتّى لقى محمّد بن أبي القاسم معاصر أبى جعفر محمّد بن بابويه، بل ذكر شيخنا في الرجال أن زياد بن أبي الحلال من رجال الباقر (عليه السلام) و مات الباقر (عليه السلام) سنة مائة و أربع عشرة، و هذا آكد في كون السند مقطوعا انتهى.

أقول: المعروف المتكرر في الأسانيد رواية الصدوق عن محمّد بن أبي القاسم بوساطة محمّد بن على ماجيلويه أو غيره، و نجد روايته عنه بلا واسطة، و لكن مع ذلك رواية ابن أبي الحلال عنه بعيد جدا؛ و يمكن أن يقال: ان المعاصرة أعم من الملاقاة و نقل الرواية عنه. قلت: هذا و ان كان حقا الا أن النجاشيّ صرّح بأن محمّد بن أبي القاسم هذا كان صهرا لأحمد بن أبي عبد اللّه البرقي الذي توفّي سنة 274 أو 280 و هذا يبعد ادراك ابن بابويه عصره فتأمل، و مع هذا كله ما قرب ابن طاوس من انقطاع الحديث قوى جدا.

(2) أطرف: أتى بالطرفة أي الحديث الجديد المستحسن.

47

بيان قوله لا أعود لهم مريضا أي للقائلين بالاستطاعة من الشيعة فعرف(ع)أن مراده مطلق القائلين بالاستطاعة فردّ عليه بأن ما نفيته هو ما ينسب إلى زرارة موافقا لمذهب التفويض بل الحقّ الأمر بين الأمرين كما مر و هذا هو معنى الخبر لا ما حمله عليه الصدوق (رحمه الله ) سابقا.

73- يف، الطرائف رَوَى جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ عَنْ نَبِيِّهِمْ(ص)أَنَّهُ قَالَ: لُعِنَتِ الْقَدَرِيَّةُ عَلَى لِسَانِ سَبْعِينَ نَبِيّاً قِيلَ وَ مَنِ الْقَدَرِيَّةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ قَوْمٌ يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدَّرَ عَلَيْهِمُ الْمَعَاصِيَ وَ عَذَّبَهُمْ عَلَيْهَا.

74- وَ رَوَى صَاحِبُ الْفَائِقِ وَ غَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَكِّيِّ بِإِسْنَادِهِ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ(ص)فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَخْبِرْنِي بِأَعْجَبِ شَيْ‏ءٍ رَأَيْتَ قَالَ رَأَيْتُ قَوْماً يَنْكِحُونَ أُمَّهَاتِهِمْ وَ بَنَاتِهِمْ وَ أَخَوَاتِهِمْ فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لِمَ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ قَالُوا قَضَاءُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَ قَدَرُهُ فَقَالَ النَّبِيُّ(ص)سَيَكُونُ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَقُولُونَ مِثْلَ مَقَالَتِهِمْ أُولَئِكَ مَجُوسُ أُمَّتِي.

75- وَ رَوَى صَاحِبُ الْفَائِقِ وَ غَيْرُهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّهُ قَالَ: يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ يَعْمَلُونَ الْمَعَاصِيَ وَ يَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَدَّرَهَا عَلَيْهِمْ الرَّادُّ عَلَيْهِمْ كَشَاهِرِ سَيْفِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

76- كش، رجال الكشي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ الْوَشَّاءِ عَنِ ابْنِ خِدَاشٍ‏ (1) عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ حَفْصٍ الْعَطَّارِ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ حُمْرَانَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ زُرَارَةُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يُكَلِّفِ الْعِبَادَ إِلَّا مَا يُطِيقُونَ وَ إِنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَ يُرِيدَ وَ يَقْضِيَ قَالَ هُوَ وَ اللَّهِ الْحَقُّ وَ دَخَلَ عَلَيْنَا صَاحِبُ الزُّطِّيِّ فَقَالَ لَهُ يَا مُيَسِّرُ أَ لَسْتَ عَلَى هَذَا قَالَ عَلَى أَيِّ شَيْ‏ءٍ

____________



(1) بكسر الخاء المعجمة كما في تقريب ابن حجر و ضوابط الأسماء للطريحى (رحمه الله )، و اسمه عبد اللّه بن خداش أبو خداش المهرى، قال النجاشيّ: ضعيف جدا و في مذهبه ارتفاع انتهى. و حكى الكشّيّ عن محمّد بن مسعود أنّه قال: قال أبو محمّد عبد اللّه بن محمّد بن خالد: أبو خداش عبد اللّه بن خداش المهرى- و مهر محلة بالبصرة- و هو ثقة.

48

أَصْلَحَكَ اللَّهُ أَوْ جُعِلْتُ فِدَاكَ قَالَ فَأَعَادَ هَذَا الْقَوْلَ عَلَيْهِ كَمَا قُلْتُ لَهُ ثُمَّ قَالَ هَذَا وَ اللَّهِ دِينِي وَ دِينُ آبَائِي‏ (1).

77- كش، رجال الكشي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُتَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ صَبِيحٍ قَالَ: مَرَرْتُ فِي الرَّوْضَةِ بِالْمَدِينَةِ فَإِذَا إِنْسَانٌ قَدْ جَذَبَنِي فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِزُرَارَةَ فَقَالَ لِيَ اسْتَأْذِنْ لِي عَلَى صَاحِبِكَ قَالَ فَخَرَجْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى لِحْيَتِهِ ثُمَّ قَالَ لَا تَأْذَنْ لَهُ ثَلَاثاً فَإِنَّ زُرَارَةَ يُرِيدُنِي عَلَى الْقَدَرِ عَلَى كِبَرِ السِّنِّ وَ لَيْسَ مِنْ دِينِي وَ لَا دِينِ آبَائِي.

78- ما، الأمالي للشيخ الطوسي الْحُسَيْنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْقَزْوِينِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَهْبَانَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الزَّعْفَرَانِيِّ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏ وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ فَقَالَ كَانُوا يَقُولُونَ قَدْ فَرَغَ مِنَ الْأَمْرِ.

79- يد، التوحيد عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْأَسْوَارِيُّ عَنْ مَكِّيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْبَرْدَعِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَشْرَسَ عَنْ بَشِيرِ بْنِ الْحَكَمِ وَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هَارُونَ عَنْ غِيَاثِ بْنِ الْمُجِيبِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ قَالَ: سَبَقَ الْعِلْمُ وَ جَفَّ الْقَلَمُ وَ تَمَّ الْقَضَاءُ بِتَحْقِيقِ الْكِتَابِ وَ تَصْدِيقِ الرِّسَالَةِ وَ السَّعَادَةُ مِنَ اللَّهِ وَ الشَّقَاوَةُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ‏

____________



(1) لم نجد الحديث بهذه الصورة في رجال الكشّيّ، و الموجود فيه هكذا: محمّد بن مسعود، قال:

حدّثني عبد اللّه بن محمّد بن خالد، قال: حدّثني الوشاء، عن ابن خداش، عن عليّ بن إسماعيل، عن ربعى، عن الهيثم بن حفص العطّار قال: سمعت حمزة بن حمران يقول:- حين قدم من اليمن- لقيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقلت له: بلغني أنك لعنت عمى زرارة، قال فرفع يده حتّى صك بها صدره، ثمّ قال: لا و اللّه ما قلت، و لكنكم تأتون عنه بالفتيا فأقول: من قال هذا فأنا منه برى‏ء؛ قال:

قلت: و أحكى لك ما تقول؟ قال: نعم؛ قال: قلت: إن اللّه عزّ و جلّ لم يكلف العباد إلّا ما يطيقون إه أقول: قوله: و احكى لك ما تقول لعله تصحيف ما يقول: أو ما نقول.

49

ص كَانَ يَرْوِي حَدِيثَهُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ قَالَ اللَّهُ يَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِيَّتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تَشَاءُ لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ وَ بِإِرَادَتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تُرِيدُ لِنَفْسِكَ مَا تُرِيدُ وَ بِفَضْلِ نِعْمَتِي عَلَيْكَ قَوِيتَ عَلَى مَعْصِيَتِي وَ بِعِصْمَتِي وَ عَفْوِي وَ عَافِيَتِي أَدَّيْتَ إِلَيَّ فَرَائِضِي فَأَنَا أَوْلَى بِإِحْسَانِكَ مِنْكَ وَ أَنْتَ أَوْلَى بِذَنْبِكَ مِنِّي فَالْخَيْرُ مِنِّي إِلَيْكَ بِمَا أَولَيْتُ بَدْأً وَ الشَّرُّ مِنِّي إِلَيْكَ بِمَا جَنَيْتَ جَزَاءً وَ بِسُوءِ ظَنِّكَ بِي قَنَطْتَ مِنْ رَحْمَتِي فَلِيَ الْحَمْدُ وَ الْحُجَّةُ عَلَيْكَ بِالْبَيَانِ وَ لِيَ السَّبِيلُ عَلَيْكَ بِالْعِصْيَانِ وَ لَكَ الْجَزَاءُ الْحُسْنَى عِنْدِي بِالْإِحْسَانِ لَمْ أَدَعْ تَحْذِيرَكَ وَ لَمْ أَخْذُلْ عِنْدَ عِزَّتِكَ وَ لَمْ أُكَلِّفْكَ فَوْقَ طَاقَتِكَ وَ لَمْ أُحَمِّلْكَ مِنَ الْأَمَانَةِ إِلَّا مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ رَضِيتُ مِنْكَ لِنَفْسِي مَا رَضِيتُ بِهِ لِنَفْسِكَ مِنِّي قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَنْ أُعَذِّبَكَ إِلَّا بِمَا عَمِلْتَ.

بيان قال الجزري فيه جفّت الأقلام و طويت الصحف يريد ما كتب في اللوح المحفوظ من المقادير و الكائنات و الفراغ منها تمثيلا بفراغ الكاتب من كتابته و يبس قلمه انتهى قوله تعالى بدأ كفعل أو كفعال أي ابتدأ من غير استحقاق و في بعض النسخ يدا أي نعمة.

أقول قول عبد الملك بن هارون في آخر الخبر تفسير للفقرة الأخيرة أي رضيت بسيبك أو من الأمور المتعلقة بك لنفسي أن أعذبك كما رضيت لنفسك بفعل ما يوجبه فيرجع حاصله إلى أنه لن أعذبك إلا بما عملت.

80- يد، التوحيد تَمِيمٌ الْقُرَشِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ الْهَرَوِيِّ قَالَ: سَأَلَ الْمَأْمُونُ يَوْماً عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرِّضَا(ع)فَقَالَ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ‏ فَقَالَ الرِّضَا(ع)حَدَّثَنِي أَبِي مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ- عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ- عَنْ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ(ص)لَوْ أَكْرَهْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنَ النَّاسِ عَلَى الْإِسْلَامِ لَكَثُرَ عَدَدُنَا وَ قَوِينَا عَلَى عَدُوِّنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَا كُنْتُ لِأَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بِبِدْعَةٍ لَمْ يُحْدِثْ إِلَيَّ فِيهَا شَيْئاً وَ ما أَنَا مِنَ‏

50

الْمُتَكَلِّفِينَ‏ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَا مُحَمَّدُ وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً عَلَى سَبِيلِ الْإِلْجَاءِ وَ الِاضْطِرَارِ فِي الدُّنْيَا كَمَا يُؤْمِنُونَ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ وَ رُؤْيَةِ الْبَأْسِ فِي الْآخِرَةِ وَ لَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ بِهِمْ لَمْ يَسْتَحِقُّوا مِنِّي ثَوَاباً وَ لَا مَدْحاً لَكِنِّي أُرِيدُ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْمِنُوا مُخْتَارِينَ غَيْرَ مُضْطَرِّينَ لِيَسْتَحِقُّوا مِنِّيَ الزُّلْفَى وَ الْكَرَامَةَ وَ دَوَامَ الْخُلُودِ فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ‏ وَ أَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ‏ فَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ تَحْرِيمِ الْإِيمَانِ عَلَيْهَا وَ لَكِنْ عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا مَا كَانَتْ لِتُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ إِذْنُهُ أَمْرُهُ لَهَا بِالْإِيمَانِ مَا كَانَتْ مُكَلَّفَةً مُتَعَبِّدَةً وَ إِلْجَاؤُهُ إِيَّاهَا إِلَى الْإِيمَانِ عِنْدَ زَوَالِ التَّكْلِيفِ وَ التَّعَبُّدِ عَنْهَا فَقَالَ الْمَأْمُونُ فَرَّجْتَ عَنِّي يَا أَبَا الْحَسَنِ فَرَّجَ اللَّهُ عَنْكَ.

بيان قال الطبرسي (رحمه الله ) في قوله تعالى‏ وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ‏ (1) معناه الإخبار عن قدرة الله تعالى و أنه يقدر على أن يكره الخلق على الإيمان كما قال‏ إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ‏ (2) و لذلك قال بعد ذلك‏ أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ‏ و معناه أنه لا ينبغي أن تريد إكراههم على الإيمان مع أنك لا تقدر عليه لأن الله تعالى يقدر عليه و لا يريده لأنه ينافي التكليف و قوله تعالى‏ وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ‏ معناه أنه لا يمكن أحدا أن يؤمن إلا بإطلاق الله له في الإيمان و تمكينه منه و دعائه إليه بما خلق فيه من العقل الموجب لذلك و قيل إن إذنه هاهنا أمره كما قال‏ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ‏ (3) و قيل إن إذنه هاهنا علمه أي لا تؤمن نفس إلا بعلم الله من قولهم أذنت لكذا إذا سمعته و علمته و آذنته أعلمته فتكون خبرا عن علمه تعالى بجميع الكائنات و يجوز أن يكون معناه إعلام الله تعالى المكلفين بفضل الإيمان و ما يدعوهم إلى فعله و يبعثهم عليه.

____________

(1) يونس: 99.

(2) الشعراء: 4.

(3) النساء: 170.

51

81- يد، التوحيد أَبِي وَ ابْنُ الْوَلِيدِ مَعاً عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ وَ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ هُمَا عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنِ ابْنِ هَاشِمٍ عَنِ ابْنِ مَعْبَدٍ عَنْ دُرُسْتَ عَنِ الْفُضَيْلِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ‏ شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَكُونَ مُسْتَطِيعاً لِمَا لَمْ يَشَأْ أَنْ أَكُونَ فَاعِلَهُ قَالَ وَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ شَاءَ وَ أَرَادَ وَ لَمْ يُحِبَّ وَ لَمْ يَرْضَ شَاءَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي مُلْكِهِ شَيْ‏ءٌ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَ أَرَادَ مِثْلَ ذَلِكَ وَ لَمْ يُحِبَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَ لَمْ يَرْضَ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ.

82- يد، التوحيد ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ السَّعْدَآبَادِيِّ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يُونُسَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالا إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَرْحَمُ بِخَلْقِهِ مِنْ أَنْ يُجْبِرَ خَلْقَهُ عَلَى الذُّنُوبِ ثُمَّ يُعَذِّبَهُمْ عَلَيْهَا وَ اللَّهُ أَعَزُّ مِنْ أَنْ يُرِيدَ أَمْراً فَلَا يَكُونَ قَالَ فَسَأَلَا(ع)هَلْ بَيْنَ الْجَبْرِ وَ الْقَدَرِ مَنْزِلَةٌ ثَالِثَةٌ قَالا نَعَمْ أَوْسَعُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ.

83- يد، التوحيد الْوَرَّاقُ عَنْ سَعْدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَهْلٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَوَّضَ اللَّهُ الْأَمْرَ إِلَى الْعِبَادِ قَالَ اللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُفَوِّضَ إِلَيْهِمْ قُلْتُ فَأَجْبَرَ اللَّهُ الْعِبَادَ عَلَى أَفْعَالِهِمْ فَقَالَ اللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُجْبِرَ عَبْداً عَلَى فِعْلٍ ثُمَّ يُعَذِّبَهُ عَلَيْهِ.

84- يد، التوحيد أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ يَزِيدَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ الْيَمَانِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْخَلْقَ فَعَلِمَ مَا هُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ وَ أَمَرَهُمْ وَ نَهَاهُمْ فَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَقَدْ جَعَلَ لَهُمُ السَّبِيلَ إِلَى الْأَخْذِ بِهِ وَ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَقَدْ جَعَلَ لَهُمُ السَّبِيلَ إِلَى تَرْكِهِ وَ لَا يَكُونُونَ آخِذِينَ وَ لَا تَارِكِينَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ‏ (1).

85- يد، التوحيد أَبِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْيَقْطِينِيِّ عَنْ يُونُسَ عَنْ حَفْصِ بْنِ قُرْطٍ (2) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْمُرُ بِالسُّوءِ

____________



(1) تقدم مثله عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) مع زيادة تحت رقم 32 و أورده الكليني رضي اللّه عنه في باب الجبر و القدر من الكافي بإسناده عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، و في متنه نقصان.

(2) بضم القاف و سكون الراء.

52

وَ الْفَحْشَاءِ فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْخَيْرَ وَ الشَّرَّ بِغَيْرِ مَشِيَّةِ اللَّهِ فَقَدْ أَخْرَجَ اللَّهَ مِنْ سُلْطَانِهِ‏ (1) وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَعَاصِيَ بِغَيْرِ قُوَّةِ اللَّهِ فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَ مَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ يَعْنِي بِالْخَيْرِ وَ الشَّرِّ الصِّحَّةَ وَ الْمَرَضَ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً

86- نهج، نهج البلاغة سُئِلَ(ع)عَنِ التَّوْحِيدِ وَ الْعَدْلِ فَقَالَ التَّوْحِيدُ أَنْ لَا تَتَوَهَّمَهُ وَ الْعَدْلُ أَنْ لَا تَتَّهِمَهُ‏ (2).

87- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ ابْنِ مَتِّيلٍ‏ (3) عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: اللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُكَلِّفَ النَّاسَ مَا لَا يُطِيقُونَ وَ اللَّهُ أَعَزُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي سُلْطَانِهِ مَا لَا يُرِيدُ.

88- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) يد، التوحيد الْفَامِيُّ عَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ هَاشِمٍ عَنِ ابْنِ مَعْبَدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا(ع)قَالَ: قُلْتُ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنَّ النَّاسَ يَنْسُبُونَنَا إِلَى الْقَوْلِ بِالتَّشْبِيهِ وَ الْجَبْرِ لِمَا رُوِيَ مِنَ الْأَخْبَارِ فِي ذَلِكَ عَنْ آبَائِكَ الْأَئِمَّةِ(ع)فَقَالَ يَا ابْنَ خَالِدٍ أَخْبِرْنِي عَنِ الْأَخْبَارِ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ آبَائِي(ع)فِي التَّشْبِيهِ وَ الْجَبْرِ أَكْثَرُ أَمِ الْأَخْبَارُ الَّتِي رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ(ص)فِي ذَلِكَ فَقُلْتُ بَلْ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ قَالَ(ع)فَلْيَقُولُوا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)كَانَ يَقُولُ بِالتَّشْبِيهِ وَ الْجَبْرِ إِذاً قُلْتُ لَهُ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)لَمْ يَقُلْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً وَ إِنَّمَا رُوِيَ عَلَيْهِ قَالَ(ع)فَلْيَقُولُوا فِي آبَائِي ع‏

____________



(1) فان من زعم استقلال الخلق و عدم قدرته تعالى على صرفهم عن أفعالهم و عدم مدخليته سبحانه في أعمالهم بوجه فقد أخرج اللّه من سلطانه و عزله عن التصرف في ملكه، قاله المصنّف في المرآة. أقول: أورده الكليني في الكافي إلى قوله: «أدخله اللّه النار» و الظاهر أن ما بعده من كلام الصدوق.

(2) يأتي مصدرا عن الصادق (عليه السلام) تحت رقم 106.

(3) بالميم المفتوحة، و التاء المشددة، قاله الطريحى في الضوابط، و حكى عن ابن داود أنه ضبطه بالميم المضمومة، و تضعيف التاء المفتوحة و الياء المثناة من تحت، هو الحسن بن متيل، قال النجاشيّ: وجه من وجوه أصحابنا، كثير الحديث له كتاب نوادر.

53

إِنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً وَ إِنَّمَا رُوِيَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ(ع)مَنْ قَالَ بِالتَّشْبِيهِ وَ الْجَبْرِ فَهُوَ كَافِرٌ وَ مُشْرِكٌ وَ نَحْنُ مِنْهُ بُرَآءُ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ يَا ابْنَ خَالِدٍ إِنَّمَا وَضَعَ الْأَخْبَارَ عَنَّا فِي التَّشْبِيهِ وَ الْجَبْرِ الْغُلَاةُ الَّذِينَ صَغَّرُوا عَظَمَةَ اللَّهِ فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَقَدْ أَبْغَضَنَا وَ مَنْ أَبْغَضَهُمْ فَقَدْ أَحَبَّنَا وَ مَنْ وَالاهُمْ فَقَدْ عَادَانَا وَ مَنْ عَادَاهُمْ فَقَدْ وَالانَا وَ مَنْ وَصَلَهُمْ فَقَدْ قَطَعَنَا وَ مَنْ قَطَعَهُمْ فَقَدْ وَصَلَنَا وَ مَنْ جَفَاهُمْ فَقَدْ بَرَّنَا وَ مَنْ بَرَّهُمْ فَقَدْ جَفَانَا وَ مَنْ أَكْرَمَهُمْ فَقَدْ أَهَانَنَا وَ مَنْ أَهَانَهُمْ فَقَدْ أَكْرَمَنَا وَ مَنْ قَبِلَهُمْ فَقَدْ رَدَّنَا وَ مَنْ رَدَّهُمْ فَقَدْ قَبِلَنَا وَ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ فَقَدْ أَسَاءَ إِلَيْنَا وَ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ فَقَدْ أَحْسَنَ إِلَيْنَا وَ مَنْ صَدَّقَهُمْ فَقَدْ كَذَّبَنَا وَ مَنْ كَذَّبَهُمْ فَقَدْ صَدَّقَنَا وَ مَنْ أَعْطَاهُمْ فَقَدْ حَرَمَنَا وَ مَنْ حَرَمَهُمْ فَقَدْ أَعْطَانَا يَا ابْنَ خَالِدٍ مَنْ كَانَ مِنْ شِيعَتِنَا فَلَا يَتَّخِذَنَّ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَ لَا نَصِيراً (1).

89- يد، التوحيد أَبِي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيِّ عَنِ اللُّؤْلُؤِيِّ عَنِ ابْنِ سِنَانٍ عَنْ مِهْزَمٍ‏ (2) قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَخْبِرْنِي عَمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ مَنْ خَلَّفْتَ مِنْ مَوَالِينَا قَالَ فَقُلْتُ فِي الْجَبْرِ وَ التَّفْوِيضِ قَالَ فَاسْأَلْنِي قُلْتُ أَجْبَرَ اللَّهُ الْعِبَادَ عَلَى الْمَعَاصِي قَالَ اللَّهُ أَقْهَرُ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ قَالَ قُلْتُ فَفَوَّضَ إِلَيْهِمْ قَالَ اللَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ قَالَ قُلْتُ فَأَيُّ شَيْ‏ءٍ هَذَا أَصْلَحَكَ اللَّهُ قَالَ فَقَلَّبَ يَدَهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً ثُمَّ قَالَ لَوْ أَجَبْتُكَ فِيهِ لَكَفَرْتَ.

بيان قوله(ع)الله أقهر لهم من ذلك لعل المعنى أن جبرهم على المعاصي ثم تعذيبهم عليها هو الظلم و الظلم فعل العاجزين‏

- كَمَا قَالَ سَيِّدُ السَّاجِدِينَ(ع)إِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى الظُّلْمِ الضَّعِيفُ وَ اللَّهُ أَقْهَرُ مِنْ ذَلِكَ.

أو المعنى أنه تعالى لو أراد تعذيبهم و لم يمنعه عدله من ذلك لما احتاج إلى أن يكلفهم ثم يجبرهم على المعاصي ثم يعذبهم عليها فإن هذا تلبيس يفعله من لا يقدر على التعذيب ابتداء و هو أقهر لهم من ذلك و الظاهر أنه تصحيف أرأف أو نحوه و إنما امتنع(ع)عن بيان الأمر بين الأمرين‏

____________

(1) تقدم الخبر في باب نفى التشبيه تحت رقم.

(2) بفتح الميم أو كسرها و سكون الهاء و فتح الزاى المعجمة، هو والد إبراهيم بن مهزم، لم نجد في التراجم ما يفيد وثاقته أو مدحه.

54

لأنه كان يعلم أنه لا يدركه عقل السائل فيشك فيه أو يجحده فيكفر.

90- ضا، فقه الرضا (عليه السلام)سَأَلْتُ الْعَالِمَ(ع)أَجْبَرَ اللَّهُ الْعِبَادَ عَلَى الْمَعَاصِي فَقَالَ اللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ ذَلِكَ فَقُلْتُ لَهُ فَمُفَوِّضٌ إِلَيْهِمْ فَقَالَ هُوَ أَعَزُّ مِنْ ذَلِكَ فَقُلْتُ لَهُ فَصِفْ لَنَا الْمَنْزِلَةَ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ فَقَالَ الْجَبْرُ هُوَ الْكُرْهُ فَاللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يُكْرِهْ عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَ إِنَّمَا الْجَبْرُ أَنْ يُجْبَرَ الرَّجُلُ عَلَى مَا يَكْرَهُ وَ عَلَى مَا لَا يَشْتَهِي كَالرَّجُلِ يُغْلَبُ عَلَى أَنْ يُضْرَبَ أَوْ يُقْطَعَ يَدُهُ أَوْ يُؤْخَذَ مَالُهُ أَوْ يُغْصَبَ عَلَى حُرْمَتِهِ أَوْ مَنْ كَانَتْ لَهُ قُوَّةٌ وَ مَنَعَةٌ فَقُهِرَ فَأَمَّا مَنْ أَتَى إِلَى أَمْرٍ طَائِعاً مُحِبّاً لَهُ يُعْطِي عَلَيْهِ مَالَهُ لِيَنَالَ شَهْوَتَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَبْرٍ إِنَّمَا الْجَبْرُ مَنْ أكرهه [أُكْرِهَ عَلَيْهِ أَوْ أُغْضِبَ حَتَّى فَعَلَ مَا لَا يُرِيدُ وَ لَا يَشْتَهِيهِ وَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ هَوًى وَ لَا شَهْوَةً وَ لَا مَحَبَّةً وَ لَا مَشِيَّةً إِلَّا فِيمَا عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ وَ إِنَّمَا يُجْرَوْنَ فِي عِلْمِهِ وَ قَضَائِهِ وَ قَدَرِهِ عَلَى الَّذِي فِي عِلْمِهِ وَ كِتَابِهِ السَّابِقِ فِيهِمْ قَبْلَ خَلْقِهِمْ وَ الَّذِي عَلِمَ أَنَّهُ غَيْرُ كَائِنٍ مِنْهُمْ هُوَ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ فِيهِ شَهْوَةً وَ لَا إِرَادَةً.

91- وَ أَرْوِي عَنِ الْعَالِمِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: مَنْزِلَةٌ بَيْنَ مَنْزِلَتَيْنِ فِي الْمَعَاصِي وَ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ فَاللَّهُ جَلَّ وَ عَزَّ الْفَاعِلُ لَهَا وَ الْقَاضِي وَ الْمُقَدِّرُ وَ الْمُدَبِّرُ.

92- وَ قَدْ أَرْوِي أَنَّهُ قَالَ: لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِناً حَقّاً حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَ مَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ.

93- وَ أَرْوِي عَنِ الْعَالِمِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: مَسَاكِينُ الْقَدَرِيَّةِ أَرَادُوا أَنْ يَصِفُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بِعَدْلِهِ فَأَخْرَجُوهُ مِنْ قُدْرَتِهِ وَ سُلْطَانِهِ.

94- وَ رُوِيَ‏ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنْ لَا يُعْصَى مَا خَلَقَ إِبْلِيسَ.

95- وَ أَرْوِي‏ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ الْعَالِمَ(ع)أَ كَلَّفَ اللَّهُ الْعِبَادَ مَا لَا يُطِيقُونَ فَقَالَ كَلَّفَ اللَّهُ جَمِيعَ الْخَلْقِ مَا لَا يُطِيقُونَ إِنْ لَمْ يُعِنْهُمْ عَلَيْهِ فَإِنْ أَعَانَهُمْ عَلَيْهِ أَطَاقُوهُ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَ عَزَّ لِنَبِيِّهِ ص‏ وَ اصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ‏.

96- قُلْتُ وَ رُوِيتُ عَنِ الْعَالِمِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: الْقَدَرُ وَ الْعَمَلُ بِمَنْزِلَةِ الرُّوحِ وَ الْجَسَدِ فَالرُّوحُ بِغَيْرِ الْجَسَدِ لَا يَتَحَرَّكُ وَ لَا يُرَى وَ الْجَسَدُ بِغَيْرِ الرُّوحِ صُورَةٌ لَا حِرَاكَ لَهُ‏

55

فَإِذَا اجْتَمَعَا قَوِيَا وَ صَلُحَا وَ حَسُنَا وَ مَلُحَا كَذَلِكَ الْقَدَرُ وَ الْعَمَلُ فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْقَدَرُ وَاقِعاً عَلَى الْعَمَلِ لَمْ يُعْرَفِ الْخَالِقُ مِنَ الْمَخْلُوقِ وَ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْعَمَلُ بِمُوَافَقَةٍ مِنَ الْقَدَرِ لَمْ يَمْضِ وَ لَمْ يَتِمَّ وَ لَكِنْ بِاجْتِمَاعِهِمَا قَوِيَا وَ صَلُحَا وَ لِلَّهِ فِيهِ الْعَوْنُ لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ وَ لكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ‏ الْآيَةَ ثُمَّ قَالَ(ع)وَجَدْتُ ابْنَ آدَمَ بَيْنَ اللَّهِ وَ بَيْنَ الشَّيْطَانِ فَإِنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ خَلَّصَهُ وَ اسْتَخْلَصَهُ‏ (1) وَ إِلَّا خَلَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ عَدُوِّهِ.

- 97 وَ قِيلَ لِلْعَالِمِ(ع)إِنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا يَقُولُ بِالْجَبْرِ وَ بَعْضَهُمْ يَقُولُونَ بِالاسْتِطَاعَةِ قَالَ فَأَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِيَّتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تَشَاءُ وَ سَاقَ إِلَى آخِرِ مَا سَيَأْتِي فِي خَبَرِ الْبَزَنْطِيِ‏ (2).

98- شي، تفسير العياشي عَنِ الْحَسَنِ‏ (3) بْنِ مُحَمَّدٍ الْجَمَّالِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا قَالَ: بَعَثَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ إِلَى عَامِلِ الْمَدِينَةِ أَنْ وَجِّهْ إِلَيَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَ لَا تُهَيِّجْهُ وَ لَا تُرَوِّعْهُ وَ اقْضِ لَهُ حَوَائِجَهُ وَ قَدْ كَانَ وَرَدَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ رَجُلٌ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ فَحَضَرَ جَمِيعُ مَنْ كَانَ بِالشَّامِ فَأَعْيَاهُمْ جَمِيعاً فَقَالَ مَا لِهَذَا إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ فَكَتَبَ إِلَى صَاحِبِ الْمَدِينَةِ أَنْ يَحْمِلَ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ إِلَيْهِ فَأَتَاهُ صَاحِبُ الْمَدِينَةِ بِكِتَابِهِ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)إِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا أَقْوَى عَلَى الْخُرُوجِ وَ هَذَا جَعْفَرٌ ابْنِي يَقُومُ مَقَامِي فَوَجَّهَهُ إِلَيْهِ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى الْأُمَوِيِّ أَزْرَاهُ لِصِغَرِهِ وَ كَرِهَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْقَدَرِيِّ مَخَافَةَ أَنْ يَغْلِبَهُ وَ تَسَامَعَ النَّاسُ بِالشَّامِ بِقُدُومِ جَعْفَرٍ لِمُخَاصَمَةِ الْقَدَرِيَّةِ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ بِخُصُومَتِهِمَا فَقَالَ الْأُمَوِيُّ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّهُ قَدْ أَعْيَانَا أَمْرُ هَذَا الْقَدَرِيِّ وَ إِنَّمَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ لِأَجْمَعَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَدَعْ عِنْدَنَا أَحَداً إِلَّا خَصَمَهُ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ يَكْفِينَاهُ قَالَ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا قَالَ الْقَدَرِيُّ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)سَلْ عَمَّا شِئْتَ فَقَالَ لَهُ اقْرَأْ سُورَةَ الْحَمْدِ قَالَ فَقَرَأَهَا وَ قَالَ الْأُمَوِيُّ وَ أَنَا مَعَهُ مَا فِي سُورَةِ الْحَمْدِ غُلِبْنَا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏ قَالَ فَجَعَلَ الْقَدَرِيُ‏

____________



(1) بتوفيقه و تسديده و تأييده و عدم إيكاله على نفسه، و توجيه الأسباب له نحو مطلوب الخير و إلّا فتركه بحاله، و لم ينصره على عدوه، و هذا معنى التوفيق و الخذلان، و الهداية و الاضلال.

(2) الآتي تحت رقم 104.

(3) في نسخة: الحسين.

56

يَقْرَأُ سُورَةَ الْحَمْدِ حَتَّى بَلَغَ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى‏ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏ فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ قِفْ مَنْ تَسْتَعِينُ وَ مَا حَاجَتُكَ إِلَى المئونة [الْمَعُونَةِ إِنَّ الْأَمْرَ إِلَيْكَ‏ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏.

99- شي، تفسير العياشي عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِي الْحَسَنِ(ع)قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى ابْنَ آدَمَ بِمَشِيَّتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تَشَاءُ وَ تَقُولُ وَ بِقُوَّتِي أَدَّيْتَ إِلَيَّ فَرَائِضِي وَ بِنِعْمَتِي قَوِيتَ عَلَى مَعْصِيَتِي مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَ مَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَ ذَاكَ أَنِّي أَوْلَى بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ وَ أَنْتَ أَوْلَى بِسَيِّئَاتِكَ مِنِّي وَ ذَاكَ أَنِّي لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ‏ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ‏

100- وَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ عَنِ الرِّضَا(ع)وَ أَنْتَ أَوْلَى بِسَيِّئَاتِكَ مِنِّي عَمِلْتَ الْمَعَاصِيَ بِقُوَّتِيَ الَّتِي جَعَلْتُ فِيكَ.

101 شي، تفسير العياشي عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَمَّنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ‏ وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّكَ لَتَسْأَلُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْقَدَرِ وَ مَا هُوَ مِنْ دِينِي وَ لَا دِينِ آبَائِي وَ لَا وَجَدْتُ أَحَداً مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَقُولُ بِهِ.

102 شي، تفسير العياشي عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ‏ وَيْحَ هَذِهِ الْقَدَرِيَّةِ إِنَّمَا يَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ‏ وَيْحَهُمْ مَنْ قَدَّرَهَا إِلَّا اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى.

1- 103 مِنْ كِتَابِ مَطَالِبِ السَّئُولِ، لِمُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ الْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الشَّافِعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمٍ عَنِ الْإِمَامِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ الْجَمِيعِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ قَالَ يَوْماً أَعْجَبُ مَا فِي الْإِنْسَانِ قَلْبُهُ فِيهِ مَوَادُّ مِنَ الْحِكْمَةِ وَ أَضْدَادٌ لَهَا مِنْ خِلَافِهَا فَإِنْ سَنَحَ لَهُ الرَّجَاءُ وَلَّهَهُ الطَّمَعُ وَ إِنْ هَاجَ بِهِ الطَّمَعُ أَهْلَكَهُ الْحِرْصُ وَ إِنْ مَلَكَهُ الْيَأْسُ قَتَلَهُ الْأَسَفُ وَ إِنْ عَرَضَ لَهُ الْغَضَبُ اشْتَدَّ بِهِ الْغَيْظُ وَ إِنْ أُسْعِدَ بِالرِّضَا نَسِيَ التَّحَفُّظَ وَ إِنْ نَالَهُ الْخَوْفُ شَغَلَهُ الْحُزْنُ وَ إِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ قَصَمَهُ‏

57

الْجَزَعُ‏ (1) وَ إِنْ وَجَدَ مَالًا أَطْغَاهُ الْغِنَى وَ إِنْ عَضَّتْهُ فَاقَةٌ (2) شَغَلَهُ الْبَلَاءُ وَ إِنْ أَجْهَدَهُ الْجُوعُ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ وَ إِنْ أَفْرَطَ بِهِ الشِّبَعُ كَظَّتْهُ الْبِطْنَةُ (3) فَكُلُّ تَقْصِيرٍ بِهِ مُضِرٌّ وَ كُلُّ إِفْرَاطٍ لَهُ مُفْسِدٌ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِمَّنْ شَهِدَ وَقْعَةَ الْجَمَلِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنَا عَنِ الْقَدَرِ فَقَالَ بَحْرٌ عَمِيقٌ فَلَا تَلِجْهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنَا عَنِ الْقَدَرِ فَقَالَ بَيْتٌ مُظْلِمٌ فَلَا تَدْخُلْهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنَا عَنِ الْقَدَرِ فَقَالَ سِرُّ اللَّهِ فَلَا تَبْحَثْ عَنْهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنَا عَنِ الْقَدَرِ فَقَالَ لَمَّا أَبَيْتَ فَإِنَّهُ أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ لَا جَبْرَ وَ لَا تَفْوِيضَ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ فُلَاناً يَقُولُ بِالاسْتِطَاعَةِ وَ هُوَ حَاضِرٌ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)عَلَيَّ بِهِ فَأَقَامُوهُ فَلَمَّا رَآهُ قَالَ لَهُ الِاسْتِطَاعَةَ تَمْلِكُهَا مَعَ اللَّهِ أَوْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ إِيَّاكَ أَنْ تَقُولَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا فَتَرْتَدَّ فَقَالَ وَ مَا أَقُولُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ قُلْ أَمْلِكُهَا بِاللَّهِ الَّذِي أَنْشَأَ مَلْكَتَهَا.

104 ب، قرب الإسناد ابْنُ حُكَيْمٍ عَنِ الْبَزَنْطِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِلرِّضَا(ع)إِنَّ أَصْحَابَنَا بَعْضُهُمْ يَقُولُ بِالْجَبْرِ وَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ بِالاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ لِيَ اكْتُبْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِيَّتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تَشَاءُ لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ وَ بِقُوَّتِي أَدَّيْتَ إِلَيَّ فَرَائِضِي وَ بِنِعْمَتِي قَوِيتَ عَلَى مَعْصِيَتِي جَعَلْتُكَ سَمِيعاً بَصِيراً قَوِيّاً مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَ مَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَ ذَلِكَ أَنِّي أَوْلَى بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ وَ أَنْتَ أَوْلَى بِسَيِّئَاتِكَ مِنِّي وَ ذَلِكَ أَنِّي لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ‏ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ‏ فَقَدْ نَظَمْتُ لَكَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ تُرِيدُ (4).

يد، التوحيد ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) أَبِي وَ ابْنُ الْوَلِيدِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ الْبَزَنْطِيِ‏ مِثْلَهُ.

____________

(1) أي هلكه الجزع.

(2) أي إن اشتدت عليه الفاقة.

(3) كظ الطعام فلانا: ملأه حتّى لا يطيق التنفس: و كظ الامر فلانا. غمه و كربه و بهظه، و المناسب للحديث المعنى الثاني.

(4) تقدم ذيل الخبر الواقع تحت رقم 3 ما يناسب هذا الخبر فراجعه.

58

105 أَعْلَامُ الدِّينِ لِلدَّيْلَمِيِّ، رُوِيَ‏ أَنَّ طَاوُساً الْيَمَانِيَ‏ (1) دَخَلَ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ(ع)وَ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقُولُ بِالْقَدَرِ فَقَالَ لَهُ يَا طَاوُسُ مَنْ أَقْبَلُ لِلْعُذْرِ مِنَ اللَّهِ مِمَّنِ اعْتَذَرَ وَ هُوَ صَادِقٌ فِي اعْتِذَارِهِ فَقَالَ لَهُ لَا أَحَدَ أَقْبَلُ لِلْعُذْرِ مِنْهُ فَقَالَ لَهُ مَنْ أَصْدَقُ مِمَّنْ قَالَ لَا أَقْدِرُ وَ هُوَ لَا يَقْدِرُ فَقَالَ طَاوُسٌ لَا أَحَدَ أَصْدَقُ مِنْهُ فَقَالَ الصَّادِقُ(ع)لَهُ يَا طَاوُسُ فَمَا بَالُ مَنْ هُوَ أَقْبَلُ لِلْعُذْرِ لَا يَقْبَلُ عُذْرَ مَنْ قَالَ لَا أَقْدِرُ وَ هُوَ لَا يَقْدِرُ فَقَامَ طَاوُسٌ وَ هُوَ يَقُولُ لَيْسَ بَيْنِي وَ بَيْنَ الْحَقِّ عَدَاوَةٌ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ‏ فَقَدْ قَبِلْتُ نَصِيحَتَكَ.

106 وَ قَالَ الصَّادِقُ(ع)لِهِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ أَ لَا أُعْطِيكَ جُمْلَةً فِي الْعَدْلِ وَ التَّوْحِيدِ قَالَ بَلَى جُعِلْتُ فِدَاكَ قَالَ مِنَ الْعَدْلِ أَنْ لَا تَتَّهِمَهُ وَ مِنَ التَّوْحِيدِ أَنْ لَا تَتَوَهَّمَهُ‏ (2).

- 107 يف، الطرائف رَوَى كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْإِمَامِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ قَالَ يَوْماً لِبَعْضِ الْمُجَبِّرَةِ هَلْ يَكُونُ أَحَدٌ أَقْبَلَ لِلْعُذْرِ الصَّحِيحِ مِنَ اللَّهِ فَقَالَ لَا فَقَالَ فَمَا تَقُولُ فِيمَنْ قَالَ مَا أَقْدِرُ وَ هُوَ لَا يَقْدِرُ أَ يَكُونُ مَعْذُوراً أَمْ لَا فَقَالَ الْمُجَبِّرُ يَكُونُ مَعْذُوراً قَالَ لَهُ فَإِذَا كَانَ اللَّهُ يَعْلَمُ مِنْ عِبَادِهِ أَنَّهُمْ مَا قَدَرُوا عَلَى طَاعَتِهِ وَ قَالَ لِسَانُ حَالِهِمْ أَوْ مَقَالُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا رَبِّ مَا قَدَرْنَا عَلَى طَاعَتِكَ لِأَنَّكَ مَنَعْتَنَا مِنْهَا أَ مَا يَكُونُ قَوْلُهُمْ وَ عُذْرُهُمْ صَحِيحاً عَلَى قَوْلِ الْمُجَبِّرَةِ فَقَالَ بَلَى وَ اللَّهِ فَقَالَ فَيَجِبُ عَلَى قَوْلِكَ أَنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ هَذَا الْعُذْرَ الصَّحِيحَ وَ لَا يُؤَاخِذُ أَحَداً أَبَداً وَ هَذَا خِلَافُ قَوْلِ أَهْلِ الْمِلَلِ كُلِّهِمْ فَتَابَ الْمُجَبِّرُ مِنْ قَوْلِهِ بِالْجَبْرِ فِي الْحَالِ.

108 يف، الطرائف‏ رُوِيَ أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ كَتَبَ إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَ إِلَى عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وَ إِلَى وَاصِلِ بْنِ عَطَاءٍ وَ إِلَى عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ أَنْ يَذْكُرُوا مَا عِنْدَهُمْ وَ مَا وَصَلَ إِلَيْهِمْ‏

____________



(1) هو طاوس بن كيسان اليمانيّ، أبو عبد الرحمن الحميري مولاهم الفارسيّ، يقال: اسمه ذكوان و طاوس لقب، مات سنة 106 و قيل بعد ذلك، قاله ابن حجر في(ص)241 من التقريب و وثقه و قال: فقيه فاضل من الثالثة انتهى. أقول: أورده الشيخ أبو جعفر الطوسيّ في رجاله في أصحاب السجّاد (عليه السلام)، و يستفاد من بعض الأخبار كونه محبا للامام السجّاد (عليه السلام)، و من بعض آخر كونه متعنتا ممتحنا للباقر (عليه السلام)، و سيوافيك ذلك في كتاب الاحتجاجات، و المسلم أن الرجل من العامّة و زهادهم.

(2) مأخوذ ممّا تقدم تحت رقم 86 من كلام عليّ (عليه السلام).

59

فِي الْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ أَنَّ أَحْسَنَ مَا انْتَهَى إِلَيَّ مَا سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ(ع)أَنَّهُ قَالَ أَ تَظُنُّ أَنَّ الَّذِي نَهَاكَ دَهَاكَ وَ إِنَّمَا دَهَاكَ أَسْفَلُكَ وَ أَعْلَاكَ وَ اللَّهُ بَرِي‏ءٌ مِنْ ذَاكَ وَ كَتَبَ إِلَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي الْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ قَوْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)لَوْ كَانَ الزُّورُ (1) فِي الْأَصْلِ مَحْتُوماً كَانَ الْمُزَوَّرُ فِي الْقِصَاصِ مَظْلُوماً وَ كَتَبَ إِلَيْهِ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي الْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ قَوْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)أَ يَدُلُّكَ عَلَى الطَّرِيقِ وَ يَأْخُذُ عَلَيْكَ الْمَضِيقَ وَ كَتَبَ إِلَيْهِ الشَّعْبِيُّ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي الْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ قَوْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)كُلُّ مَا اسْتَغْفَرْتَ اللَّهَ مِنْهُ فَهُوَ مِنْكَ وَ كُلُّ مَا حَمِدْتَ اللَّهَ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْهُ فَلَمَّا وَصَلَتْ كُتُبُهُمْ إِلَى الْحَجَّاجِ وَ وَقَفَ عَلَيْهَا قَالَ لَقَدْ أَخَذُوهَا مِنْ عَيْنٍ صَافِيَةٍ.

أَقُولُ رَوَى الْكَرَاجُكِيُ‏ مِثْلَهُ وَ فِيهِ مَنْ وَسَّعَ عَلَيْكَ الطَّرِيقَ لَمْ يَأْخُذْ عَلَيْكَ الْمَضِيقَ.

و في القاموس دهاه أصابه بداهية و هي الأمر العظيم.

109 يف، الطرائف رُوِيَ‏ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ(ع)عَنِ الْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ فَقَالَ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلُومَ الْعَبْدَ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْهُ وَ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَلُومَ الْعَبْدَ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْعَبْدِ لِمَ عَصَيْتَ لِمَ فَسَقْتَ لِمَ شَرِبْتَ الْخَمْرَ لِمَ زَنَيْتَ فَهَذَا فِعْلُ الْعَبْدِ وَ لَا يَقُولُ لَهُ لِمَ مَرِضْتَ لِمَ قَصُرْتَ لِمَ ابْيَضَضْتَ لِمَ اسْوَدَدْتَ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى.

110 يف، الطرائف رُوِيَ‏ أَنَّ الْفَضْلَ بْنَ سَهْلٍ سَأَلَ الرِّضَا(ع)بَيْنَ يَدَيِ الْمَأْمُونِ فَقَالَ يَا أَبَا الْحَسَنِ الْخَلْقُ مَجْبُورُونَ فَقَالَ اللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُجْبِرَ خَلْقَهُ ثُمَّ يُعَذِّبَهُمْ قَالَ فَمُطْلَقُونَ قَالَ اللَّهُ أَحْكَمُ مِنْ أَنْ يُهْمِلَ عَبْدَهُ وَ يَكِلَهُ إِلَى نَفْسِهِ.

يف، الطرائف وَ مِنَ الْحِكَايَاتِ مَا رُوِيَ‏ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعَدْلِ وَقَفَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُجَبِّرَةِ فَقَالَ لَهُمْ أَنَا مَا أَعْرِفُ الْمُجَادَلَةَ وَ الْإِطَالَةَ لَكِنِّي أَسْمَعُ فِي الْقُرْآنِ قَوْلَهُ تَعَالَى‏ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ‏ وَ مَفْهُومُ هَذَا الْكَلَامِ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ أَنَّ الْمُوقِدَ لِلنَّارِ غَيْرُ اللَّهِ وَ أَنَّ الْمُطْفِئَ لِلنَّارِ هُوَ اللَّهُ وَ كَيْفَ تَقْبَلُ الْعُقُولُ أَنَّ الْكُلَّ مِنْهُ وَ أَنَ‏

____________



(1) في المصدر: لو كان الوزر في الأصل محتوما اه. م.

60

الْمُوقِدَ لِلنَّارِ هُوَ الْمُطْفِئُ لَهَا فَانْقَطَعُوا وَ لَمْ يَرُدُّوا جَوَاباً وَ مِنَ الْحِكَايَاتِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْيَهُودِ اجْتَمَعُوا إِلَى أَبِي بَحْرٍ الْخَاقَانِيِّ فَقَالُوا لَهُ مَا مَعْنَاهُ أَنْتَ سُلْطَانٌ عَادِلٌ مُنْصِفٌ وَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي بَلَدِكَ الْمُجَبِّرَةُ وَ هُمُ الَّذِينَ يُعَوَّلُونَ عَلَيْهِمْ فِي الْأَقْوَالِ وَ الْأَفْعَالِ وَ هُمْ يَشْهَدُونَ لَنَا أَنَّنَا لَا نَقْدِرُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَ لَا الْإِيمَانِ فَكَيْفَ تَأْخُذُ الْجِزْيَةَ مِنْ قَوْمٍ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَ لَا الْإِيمَانِ فَجَمَعَ الْمُجَبِّرَةَ وَ قَالَ لَهُمْ مَا تَقُولُونَ فِيمَا قَدْ ذَكَرَهُ الْيَهُودُ مِنِ احْتِجَاجِهِمْ عَلَيْكُمْ فَقَالُوا كَذَا نَقُولُ إِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَ الْإِيمَانِ فَطَالَبَهُمْ بِالدَّلِيلِ عَلَى قَوْلِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَنَفَاهُمْ وَ مِنَ الْحِكَايَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ زِيَادٍ الدِّمَشْقِيِّ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ فِي حَرَسِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَدَخَلَ غَيْلَانُ فَقَالَ يَا عُمَرُ إِنَّ أَهْلَ الشَّامِ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْمَعَاصِيَ قَضَاءُ اللَّهِ وَ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ فَقَالَ وَيْحَكَ يَا غَيْلَانُ أَ وَ لَسْتَ تَرَانِي أُسَمِّي مَظَالِمَ بَنِي مَرْوَانَ ظُلْماً وَ أَرُدُّهَا أَ فَتَرَانِي أُسَمِّي قَضَاءَ اللَّهِ ظُلْماً وَ أَرُدُّهُ.

أقول أورد السيد في الطرائف فصلا مشبعا في الردّ على المجبّرة تركنا إيراده لئلا يطول الكتاب مع كونه خارجا عن مقصودنا فمن أراد الاطلاع عليه فليراجع إلى الكتاب المذكور و قد مرّ خبر الحسين بن خالد في ذلك في باب نفي التشبيه‏ (1).

111 وَ قَالَ الْكَرَاجُكِيُّ فِي كَنْزِ الْفَوَائِدِ، قَالَ الصَّادِقُ(ع)لِزُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ يَا زُرَارَةُ أُعْطِيكَ جُمْلَةً فِي الْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ قَالَ نَعَمْ جُعِلْتُ فِدَاكَ قَالَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَ جَمَعَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ سَأَلَهُمْ عَمَّا عَهِدَ إِلَيْهِمْ وَ لَمْ يَسْأَلْهُمْ عَمَّا قَضَى عَلَيْهِمْ.

112 وَ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ الْقُمِّيِّ عَنِ الصَّدُوقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)خَمْسَةٌ لَا تَطْفَأُ نِيرَانُهُمْ وَ لَا تَمُوتُ أَبْدَانُهُمْ رَجُلٌ أَشْرَكَ وَ رَجُلٌ عَقَّ وَالِدَيْهِ وَ رَجُلٌ سَعَى بِأَخِيهِ إِلَى السُّلْطَانِ فَقَتَلَهُ وَ رَجُلٌ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ وَ رَجُلٌ أَذْنَبَ وَ حَمَلَ ذَنْبَهُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ.

____________

(1) و تقدم في هذا الباب أيضا تحت رقم 88.

61

فائدة قال السيد المرتضى (قدس الله روحه) إن سأل سائل فقال بم تدفعون من خالفكم في الاستطاعة و زعم أن المكلف يؤمر بما لا يقدر عليه و لا يستطيعه إذا تعلق بقوله تعالى‏ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (1) فإن الظاهر من هذه الآية يوجب أنهم غير مستطيعين للأمر الذي هم غير فاعلين له و أن القدرة مع الفعل و إذا تعلق بقوله تعالى في قصة موسى‏ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (2) و إنه نفى أن يكون قادرا على الصبر في حال هو فيها غير صابر و هذا يوجب أن القدرة مع الفعل و بقوله تعالى‏ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَ ما كانُوا يُبْصِرُونَ‏ (3).

يقال له أول ما نقوله إن المخالف لنا في هذا الباب من الاستطاعة لا يصح له فيه التعلق بالسمع لأن مذهبه لا تسلم معه صحة السمع و لا يتمكن مع المقام عليه من معرفة السمع بأدلته و إنما قلنا ذلك لأن من جوز تكليف الله تعالى الكافر بالإيمان و هو لا يقدر عليه لا يمكنه العلم بنفي القبائح عن الله عز و جل و إذا لم يمكنه ذلك فلا بد من أن يلزمه تجويز القبائح على الله في أفعاله و أخباره و لا يأمن من أن يرسل كذابا و أن يخبرهم بالكذب تعالى عن ذلك فالسمع إن كان كلامه قدح في حجته تجويز الكذب عليه و إن كان كلام رسوله قدح فيه ما يلزمه من تجويز تصديق الكذاب و إنما طرق ذلك تجويز بعض القبائح عليه و ليس لهم أن يقولوا إن أمره تعالى الكافر بالإيمان و إن لم يقدر عليه يحسن من حيث أتى الكافر فيه من قبل نفسه لأنه تشاغل بالكفر فترك الإيمان و إنما كان يبطل تعلقنا بالسمع لو أضفنا ذلك إليه تعالى على وجه يقبح و ذلك لأن ما قالوه إذا لم يؤثر في كون ما ذكرناه تكليفا لما لا يطاق لم يؤثر في نفي ما ألزمناه عنهم لأنه يلزم على ذلك أن يفعل الكذب و سائر القبائح و تكون حسنة منه بأن يفعلها من وجه لا يقبح منه و ليس قولهم إنا لم نضفه إليه من وجه يقبح بشي‏ء يعتمد بل يجري مجرى قول من جوز عليه أن يكذب و يكون الكذب منه حسنا و يدعي مع ذلك صحة معرفة السمع بأن يقول إنني لم أضف إليه قبيحا فيلزمني إفساد

____________

(1) الإسراء: 48.

(2) الكهف: 67.

(3) هود: 20.

62

طريقة السمع فلما كان من ذكرناه لا عذر له في هذا الكلام لم يكن للمخالف في الاستطاعة عذر بمثله.

و نعود إلى تأويل الآي أما قوله‏ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا فليس فيه ذكر للشي‏ء الذي لا يقدرون عليه و لا بيان له و إنما يصح ما قالوه لو بين لهم أنهم لا يستطيعون سبيلا إلى أمر معين فأما إذا لم يذكر ذلك كذلك فلا متعلق لهم.

فإن قيل فقد ذكر تعالى من قبل ضلالهم فيجب أن يكون المراد بقوله‏ فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى مفارقة الضلال.

قلنا إنه تعالى كما ذكر الضلال فقد ذكر ضرب المثل منهم فيجوز أن يريد أنهم لا يستطيعون سبيلا إلى تحقيق ما ضربوه من الأمثال و ذلك غير مقدور على الحقيقة و لا مستطاع و الظاهر أن هذا الوجه أولى لأنه تعالى حكى عنهم أنهم ضربوا له الأمثال و جعل ضلالهم و أنهم لا يستطيعون السبيل متعلقا بما تقدم ذكره و ظاهر ذلك يوجب رجوع الأمرين جميعا إليه و أنهم ضلوا بضرب المثل و أنهم لا يستطيعون سبيلا إلى تحقيق ما ضربوه من المثل على أنه تعالى قد أخبر عنهم بأنهم ضلوا و ظاهر ذلك الإخبار عن ماضي فعلهم فإن كان قوله‏ فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا يرجع إليه فيجب أن يدل على أنهم لا يقدرون في المستقبل على ترك الماضي و هذا مما لا يخالف فيه و ليس فيه ما نأباه من أنهم لا يقدرون في المستقبل أو في الحال على مفارقة الضلال و الخروج عنه و تعذر تركه و بعد (1) فإذا لم يكن للآية ظاهر فلم صاروا بأن يحملوا نفي الاستطاعة على أمر كلفوه بأولى منا إذا حملنا ذلك على أمر لم يكلفوه أو على أنه أراد الاستثقال و الخبر عن عظم المشقة عليهم و قد جرت عادة أهل اللغة بأن يقولوا لمن يستثقل شيئا إنه لا يستطيعه و لا يقدر عليه و لا يتمكن منه أ لا ترى أنهم يقولون فلان لا يستطيع أن يكلم فلانا و لا ينظر إليه و ما أشبه ذلك و إنما غرضهم الاستثقال و شدة الكلفة و المشقة.

____________

(1) في الأمالي المطبوع: و تعذر تركه بعد مضيه.

63

فإن قيل فإذا كان لا ظاهر للآية يشهد بمذهب المخالف فما المراد بها عندكم قلنا قد ذكر أبو علي أن المراد أنهم لا يستطيعون إلى بيان تكذيبه سبيلا لأنهم ضربوا الأمثال ظنا منهم بأن ذلك يبين كذبه فأخبر تعالى أن ذلك غير مستطاع لأن تكذيب صادق و إبطال حق مما لا تتعلق به قدرة و لا تتناوله استطاعة و قد ذكر أبو هاشم أن المراد بالآية أنهم لأجل ضلالهم بضرب المثل و كفرهم لا يستطيعون سبيلا إلى الخير الذي هو النجاة من العقاب و الوصول إلى الثواب و ليس يمكن على هذا أن يقال كيف لا يستطيعون سبيلا إلى الخير و الهدى و هم عندكم قادرون على الإيمان و التوبة و متى فعلوا ذلك استحقوا الثواب لأن المراد أنهم مع التمسك بالضلال و المقام على الكفر لا سبيل لهم إلى خير و هدى و إنما يكون لهم سبيل إلى ذلك بأن يفارقوا ما هم عليه و قد يمكن أيضا في معنى الآية ما تقدم ذكره من أن المراد بنفي الاستطاعة عنهم أنهم مستثقلون للإيمان فقد يخبر عمن يستثقل شيئا بأنه لا يستطيعه على ما تقدم ذكره كذا في كتاب الغرر للسيد (رحمه الله ).

فأما قوله تعالى في قصة موسى ع‏ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً فظاهره يقتضي أنك لا تستطيع ذلك في المستقبل و لا يدل على أنه غير مستطيع للصبر في الحال أن يفعله في الثاني و قد يجوز أن يخرج في المستقبل من أن يستطيع ما هو في الحال مستطيع له غير أن الآية تقتضي خلاف ذلك لأنه قد صبر عن المسألة أوقاتا و إن لم يصبر عنها في جميع الأوقات فلم تنتف الاستطاعة للصبر عنه في جميع الأحوال المستقبلة.

على أن المراد بذلك واضح و إنه تعالى خبر عن استثقاله الصبر عن المسألة عما لا يعرف و لا يقف عليه لأن مثل ذلك يصعب على النفس و لهذا يجد أحدنا إذا جرى بين يديه ما ينكره و يستبدعه تنازعه نفسه إلى المسألة عنه و البحث عن حقيقته و يثقل عليه الكف عن الفحص عن أمره فلما حدث من صاحب موسى(ع)ما يستنكر ظاهره استثقل الصبر عن المسألة عن ذلك و يشهد لهذا الوجه قوله تعالى‏ وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً فبين أن العلة في قلة صبره ما ذكرناه دون غيره و لو كان الأمر على ما ظنوا لوجب أن يقول و كيف تصبر و أنت غير مطيق للصبر.

64

و أما قوله تعالى‏ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَ ما كانُوا يُبْصِرُونَ‏ فلا تعلق لهم بظاهره لأن السمع ليس بمعني فيكون مقدورا لأن الإدراك على المذهب الصحيح ليس بمعني و لو ثبت أنه معني على ما يقوله أبو علي لكان أيضا غير مقدور للعبد من حيث اختص القديم تعالى بالقدرة عليه هذا إن أريد بالسمع الإدراك و إن أريد به نفس الحاسة فهي أيضا غير مقدورة للعباد لأن الجواهر و ما تخصص به الحواس من البينة و المعاني ليصح به الإدراك مما ينفرد القديم تعالى بالقدرة عليه‏ (1) فالظاهر لا حجة لهم فيه. فإن قالوا و لعل المراد بالسمع كونهم سامعين كأنه نفى عنهم استطاعة أن يسمعوا قلنا هذا خلاف الظاهر و لو ثبت أن المراد ذلك لحملنا نفي الاستطاعة هاهنا على ما تقدم ذكره من الاستثقال و شدة المشقة كما يقول القائل فلان لا يستطيع أن يراني و لا يقدر على أن يكلمني و ما أشبه ذلك و هذا بين لمن تأمله. (2)

و قال رضي الله عنه إن سأل سائل عن قوله تعالى‏ قالَ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ‏ (3) فقال أ ليس ظاهر هذا القول يقتضي أنه خالق لأعمال العباد لأن ما هاهنا بمعنى الذي فكأنه قال خلقكم و خلق أعمالكم.

قلنا قد حمل أهل الحق هذه الآية على أن المراد بقوله‏ وَ ما تَعْمَلُونَ‏ أي و ما تعملون فيه من الحجارة و الخشب و غيرهما مما كانوا يتخذونه أصناما و يعبدونها قالوا و غير منكر أن يريد بقوله‏ وَ ما تَعْمَلُونَ‏ ذلك كما أنه قد أراد ما ذكرناه بقوله‏ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ‏ لأنه لم يرد أنكم تعبدون نحتكم الذي هو فعل لكم بل أراد ما تفعلون فيه النحت كما قال تعالى في عصا موسى ع‏ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ‏ (4) و تَلْقَفْ ما

____________

(1) هكذا في النسخ و لكن الصحيح كما في الأمالي المطبوع: لا يصحّ بها الإدراك فانه ممّا ينفرد به القديم تعالى بالقدرة عليه.

(2) يوجد ذلك كله في كتابه الأمالي المسمى بالغرر، في ج 4(ص)71- 74 و يوجد بعده في(ص)143- 146 من هذا المجلد.

(3) الصافّات: 94 و 95.

(4) الأعراف: 117.

65

صَنَعُوا (1) و إنما أراد أن العصا تلقف الحبال التي أظهروا سحرهم فيها و هي التي حلتها صنعتهم و إفكهم فقال‏ ما صَنَعُوا و ما يَأْفِكُونَ‏ و أراد ما صنعوا فيه و ما يأفكون فيه و مثله قوله تعالى‏ يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَ تَماثِيلَ وَ جِفانٍ‏ (2) و إنما أراد المعمول فيه دون العمل و هذا الاستعمال أيضا سائع شائع لأنهم يقولون هذا الباب عمل النجار و في الخلخال هذا من عمل الصائغ و إن كانت الأجسام التي أشير إليها ليست أعمالا لهم و إنما عملوا فيها فحسن إجراء هذه العبارة.

فإن قيل كل الذي ذكرتموه و إن استعمل فعلى وجه المجاز و الاتساع لأن العمل في الحقيقة لا يجري إلا على فعل الفاعل دون ما يفعل فيه و إن استعير في بعض المواضع قلنا ليس نسلم لكم أن الاستعمال الذي ذكرناه على سبيل المجاز بل نقول هو المفهوم الذي لا يستفاد سواه لأن القائل إذا قال هذا الثوب عمل فلان لم يفهم منه إلا أنه عمل فيه و ما رأينا أحدا قط يقول في الثوب بدلا من قوله هذا من عمل فلان هذا مما حله عمل فلان فالأول أولى بأن يكون حقيقة و ليس ينكر أن يكون الأصل في الحقيقة ما ذكروه ثم انتقل بعرف الاستعمال إلى ما ذكرناه و صار أخص به و مما لا يستفاد من الكلام سواه كما انتقلت ألفاظ كثيرة على هذا الحد و لا اعتبار بالمفهوم من الألفاظ إلا بما استقر عليه استعمالها دون ما كانت عليه في الأصل فوجب أن يكون المفهوم.

و الظاهر من الآية ما ذكرناه على أنا لو سلمنا أن ذلك مجاز لوجب المصير إليه من وجوه فمن ذلك‏ (3) أنه تعالى أخرج الكلام مخرج التهجين لهم و التوبيخ لأفعالهم و الإزراء على مذاهبهم فقال‏ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ‏ و متى لم يكن قوله‏ وَ ما تَعْمَلُونَ‏ المراد به تعملون فيه ليصير تقدير الكلام أ تعبدون الأصنام التي تنحتونها و الله خلقكم و خلق هذه الأصنام التي تفعلون فيها التخطيط و التصوير لم يكن للكلام معنى و لا مدخل في باب التوبيخ و يصير على ما يذكره المخالف كأنه‏

____________

(1) طه: 69 أقول: لقف الشي‏ء: تناوله بسرعة.

(2) سبا: 13.

(3) في الأمالي المطبوع هكذا: منها ما يشهد به ظاهر الآية و يقتضيه و لا يسوغ سواه، و منها ما تقتضيه الأدلة القاطعة الخارجة عن الآية، فمن ذلك أنّه تعالى أخرج. إه.

66

قال أ تعبدون ما تنحتون و الله خلقكم و خلق عباداتكم فأي وجه للتقريع و هذا إلى أن يكون عذرا أقرب من أن يكون لوما و توبيخا لأنه إذا خلق عبادتهم للأصنام فأي وجه للومهم عليها (1) على أن قوله تعالى‏ وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ‏ بعد قوله‏ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ‏ إنما خرج مخرج التعليل للمنع من عبادة غيره تعالى فلا بد أن يكون متعلقا بما تقدم من قوله‏ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ‏ و مؤثرا في المنع من عبادة غير الله فلو أفاد قوله‏ ما تَعْمَلُونَ‏ نفس العمل الذي هو النحت دون المعمول فيه لكان لا فائدة في الكلام لأن القوم لم يكونوا يعبدون النحت و إنما كانوا يعبدون محله و أنه كان لا حظ في الكلام للمنع من عبادة الأصنام و كذلك إن حمل قوله تعالى‏ ما تَعْمَلُونَ‏ على أعمال أخر ليست نحتهم و لا هي ما عملوا فيه لكان أظهر في باب اللغو و العبث و البعد عن التعلق بما تقدم فلم يبق إلا أنه أراد أنه خلقكم و ما تعملون فيه النحت فكيف تعبدون مخلوقا مثلكم.

فإن قيل لم زعمتم أنه لو كان الأمر على ما ذكرناه لم يكن للقول الثاني حظ في باب المنع من عبادة الأصنام و ما تنكرون أن يكون لما ذكرناه وجه في المنع من ذلك على أن ما ذكرتموه أيضا لو أريد لكان وجها و هو أن من خلقنا و خلق الأفعال فينا لا يكون إلا الإله القديم الذي تحق له العبادة و غير القديم تعالى كما يستحيل أن يخلقنا يستحيل أن يخلق فينا الأفعال على الوجه الذي يخلقها القديم عليه فصار لما ذكرناه تأثير.

قلنا معلوم أن الثاني إذا كان كالتعليل للأول و المؤثر في المنع من العبادة فلأن يتضمن أنكم مخلوقان و ما تعبدونه أولى من أن ينصرف إلى ما ذكرتموه مما لا يقتضي أكثر من خلقهم دون خلق ما عبدوه فإنه لا شي‏ء أدل على المنع من عبادة الأصنام من كونها مخلوقة كما أن عابدها مخلوق و يشهد بما ذكرناه قوله تعالى في موضع آخر أَ يُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ وَ لا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَ لا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ‏ (2)

____________

(1) أضاف في الأمالي المطبوع: و تقريعهم بها.

(2) الأعراف: 191- 192.

67

فاحتج تعالى عليهم في المنع من عبادة الآلهة دونه بأنها مخلوقة لا تخلق شيئا و لا تدفع عن أنفسها ضرا و لا عنهم و هذا واضح على أنه لو ساوى ما ذكروه ما ذكرناه في التعلق بالأول لم يسغ حمله على ما ادعوه لأن فيه عذرا لهم في الفعل الذي عنفوا به و قرعوا من أجله و قبيح أن يوبخهم بما يعذرهم و يذمهم بما ينزههم على ما تقدم على أنا لا نسلم أن من يفعل أفعال العباد و يخلقها يستحق العبادة لأن من جملة أفعالهم القبائح و من فعل القبائح لا يكون إلها و لا تحق العبادة له فخرج ما ذكروه من أن يكون مؤثرا في انفراده بالعبادة على أن إضافته العمل إليهم بقوله تعالى‏ تَعْمَلُونَ‏ يبطل تأويلهم هذه الآية لأنه لو كان خالقا له لم يكن عملا لهم لأن العمل إنما يكون عملا لمن يحدثه و يوجده فكيف يكون عملا لهم و الله خلقه و هذه مناقضة لهم فثبت بهذا أن الظاهر شاهد لنا أيضا على أن قوله‏ وَ ما تَعْمَلُونَ‏ يقتضي الاستقبال و كل فعل لم يوجد فهو معدوم و محال أن يقول تعالى إني خالق للمعدوم.

فإن قالوا اللفظ و إن كان للاستقبال فالمراد به الماضي فكأنه قال و الله خلقكم و ما عملتم قلنا هذا عدول منكم عن الظاهر الذي ادعيتم أنكم متمسكون به و ليس أنتم بأن تعدلوا عنه بأولى منا بل نحن أحق لأنا نعدل عنه بدلالة و أنتم تعدلون بغير حجة.

فإن قالوا فأنتم تعدلون عن هذا الظاهر بعينه على تأويلكم و تحملون لفظ الاستقبال على لفظ الماضي قلنا نحن لا نحتاج في تأويلنا إلى ذلك لأنا إذا حملنا قوله‏ وَ ما تَعْمَلُونَ‏ على الأصنام المعمول فيها و معلوم أن الأصنام موجودة قبل عملهم فيها فجاز أن يقول تعالى إني خلقتها و لا يجوز أن يقول إني خلقت ما سيقع من العمل في المستقبل على أنه لو أراد بذلك أعمالهم لا ما عملوا فيه على ما ادعوه لم يكن في الظاهر حجة على ما يريدون لأن الخلق هو التقدير و التدبير و ليس يمتنع في اللغة أن يكون الخالق خالقا لفعل غيره إذا قدره و دبره أ لا ترى أنهم يقولون خلقت الأديم و إن لم يكن الأديم فعلا لمن يقول ذلك فيه و يكون معنى خلقه لأفعال العباد أنه مقدر لها و معرف لنا مقاديرها و مراتبها و ما به نستحق عليها من الجزاء.

68

باب 2 آخر و هو من الباب الأول‏

و فيه رسالة أبي الحسن الثالث (صلوات الله عليه) في الردّ على أهل الجبر و التفويض و إثبات العدل و المنزلة بين المنزلتين بوجه أبسط مما مر.

1- ف، (1) تحف العقول مِنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ‏ وَ عَلى‏ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى‏ وَ رَحْمَتُ اللَّهِ وَ بَرَكاتُهُ‏ فَإِنَّهُ وَرَدَ عَلَيَّ كِتَابُكُمْ وَ فَهِمْتُ مَا ذَكَرْتُمْ مِنِ اخْتِلَافِكُمْ فِي دِينِكُمْ وَ خَوْضِكُمْ فِي الْقَدَرِ وَ مَقَالَةِ مَنْ يَقُولُ مِنْكُمْ بِالْجَبْرِ وَ مَنْ يَقُولُ بِالتَّفْوِيضِ وَ تَفَرُّقِكُمْ فِي ذَلِكَ وَ تَقَاطُعِكُمْ وَ مَا ظَهَرَ مِنَ الْعَدَاوَةِ بَيْنَكُمْ ثُمَّ سَأَلْتُمُونِي عَنْهُ وَ بَيَانَهُ لَكُمْ وَ فَهِمْتُ ذَلِكَ كُلَّهُ اعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّا نَظَرْنَا فِي الْآثَارِ وَ كَثْرَةِ مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ فَوَجَدْنَاهَا عِنْدَ جَمِيعِ مَنْ يَنْتَحِلُ الْإِسْلَامَ‏ (2) مِمَّنْ يَعْقِلُ عَنِ اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ لَا تَخْلُو مِنْ مَعْنَيَيْنِ إِمَّا حَقٌّ فَيُتَّبَعُ وَ إِمَّا بَاطِلٌ فَيُجْتَنَبُ وَ قَدِ اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ قَاطِبَةً لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ لَا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْفِرَقِ وَ فِي حَالِ اجْتِمَاعِهِمْ مُقِرُّونَ بِتَصْدِيقِ الْكِتَابِ وَ تَحْقِيقِهِ مُصِيبُونَ مُهْتَدُونَ وَ ذَلِكَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ فَأَخْبَرَ أَنَّ جَمِيعَ مَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ كُلُّهَا حَقٌّ هَذَا إِذَا لَمْ يُخَالِفْ بَعْضُهَا بَعْضاً وَ الْقُرْآنَ حَقٌّ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي تَنْزِيلِهِ وَ تَصْدِيقِهِ فَإِذَا شَهِدَ الْقُرْآنُ بِتَصْدِيقِ خَبَرٍ وَ تَحْقِيقِهِ وَ أَنْكَرَ الْخَبَرَ طَائِفَةٌ مِنَ الْأُمَّةِ لَزِمَهُمُ الْإِقْرَارُ بِهِ ضَرُورَةً حِينَ‏ (3) اجْتَمَعَتْ فِي الْأَصْلِ عَلَى تَصْدِيقِ الْكِتَابِ فَإِنْ هِيَ جَحَدَتْ وَ أَنْكَرَتْ لَزِمَهَا الْخُرُوجُ مِنَ الْمِلَّةِ فَأَوَّلُ خَبَرٍ يُعْرَفُ تَحْقِيقُهُ مِنَ الْكِتَابِ وَ تَصْدِيقُهُ وَ الْتِمَاسُ شَهَادَتِهِ عَلَيْهِ خَبَرٌ وَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ وُجِدَ بِمُوَافَقَةِ الْكِتَابِ وَ تَصْدِيقِهِ بِحَيْثُ لَا تُخَالِفُهُ أَقَاوِيلُهُمْ حَيْثُ قَالَ إِنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللَّهِ وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا وَ إِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا

____________



(1) أورد شطرا من الحديث عن الاحتجاج في الباب المتقدم تحت رقم 30.

(2) أي من ينتسب إليه.

(3) في نسخة: حيث.

69

عَلَيَّ الْحَوْضَ‏ (1) فَلَمَّا وَجَدْنَا شَوَاهِدَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ اللَّهِ نَصّاً مِثْلَ قَوْلِهِ جَلَّ وَ عَزَّ إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ‏ (2).

- وَ رَوَتِ الْعَامَّةُ فِي ذَلِكَ أَخْبَاراً لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِخَاتَمِهِ وَ هُوَ رَاكِعٌ فَشَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهُ وَ أَنْزَلَ الْآيَةَ فِيهِ فَوَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَدْ أَتَى بِقَوْلِهِ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ وَ بِقَوْلِهِ أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَ وَجَدْنَاهُ يَقُولُ عَلِيٌّ يَقْضِي دَيْنِي وَ يُنْجِزُ مَوْعِدِي وَ هُوَ خَلِيفَتِي عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي.

فالخبر الأول الذي استنبط منه هذه الأخبار خبر صحيح مجمع عليه لا اختلاف فيه عندهم و هو أيضا موافق للكتاب فلما شهد الكتاب بتصديق الخبر و هذه الشواهد الأخر لزم على الأمة الإقرار بها ضرورة إذ كانت هذه الأخبار شواهدها من القرآن ناطقة و وافقت القرآن و القرآن وافقها ثم وردت حقائق الأخبار عن رسول الله(ص)عن الصادقين(ع)نقلها قوم ثقات معروفون فصار الاقتداء بهذه الأخبار فرضا واجبا على كل مؤمن و مؤمنة لا يتعداه إلا أهل العناد و ذلك أن أقاويل آل رسول الله(ص)متصلة بقول الله و ذلك مثل قوله في محكم كتابه‏ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً

- وَ وَجَدْنَا نَظِيرَ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)مَنْ آذَى عَلِيّاً فَقَدْ آذَانِي وَ مَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ وَ مَنْ آذَى اللَّهَ يُوشِكُ أَنْ يَنْتَقِمَ مِنْهُ.

- وَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ(ص)مَنْ أَحَبَّ عَلِيّاً فَقَدْ أَحَبَّنِي وَ مَنْ أَحَبَّنِي فَقَدْ أَحَبَّ اللَّهَ.

- وَ مِثْلُ قَوْلِهِ(ص)فِي بَنِي وَلِيعَةَ (3) لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْهِمْ رَجُلًا كَنَفْسِي يُحِبُّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ قُمْ يَا عَلِيُّ فَسِرْ إِلَيْهِمْ وَ قَوْلُهُ(ص)يَوْمُ خَيْبَرَ لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْهِمْ غَداً رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ كَرَّاراً غَيْرَ فَرَّارٍ لَا يَرْجِعُ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَقَضَى‏

____________



(1) سيوافيك الحديث و ما يأتي بعدها من الأحاديث الواردة في أمير المؤمنين (عليه السلام) بأسنادها المتفقة عليها عند جمهور المسلمين في كتاب الإمامة.

(2) سيأتي كلام المفسرين من العامّة و الخاصّة حول الآية و غيرها ممّا نزلت في أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتاب الإمامة.

(3) قال الفيروزآبادي في القاموس: بنو وليعة كسفينة: حى من كندة.

70

رَسُولُ اللَّهِ(ص)بِالْفَتْحِ قَبْلَ التَّوْجِيهِ فَاسْتَشْرَفَ لِكَلَامِهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ دَعَا عَلِيّاً(ع)فَبَعَثَهُ إِلَيْهِمْ فَاصْطَفَاهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ (1) وَ سَمَّاهُ كَرَّاراً غَيْرَ فَرَّارٍ فَسَمَّاهُ اللَّهُ مُحِبّاً لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ فَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ يُحِبَّانِهِ.

و إنما قدمنا هذا الشرح و البيان دليلا على ما أردنا و قوة لما نحن مبينوه من أمر الجبر و التفويض و المنزلة بين المنزلتين و بالله العون و القوة و عليه نتوكل في جميع أمورنا فإنا نبدأ من ذلك بقول‏

- الصَّادِقِ(ع)لَا جَبْرَ وَ لَا تَفْوِيضَ وَ لَكِنْ مَنْزِلَةٌ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ.

و هي صحة الخلقة و تخلية السرب و المهلة في الوقت و الزاد مثل الراحلة و السبب المهيج للفاعل على فعله فهذه خمسة أشياء جمع بها الصادق(ع)جوامع الفضل فإذا نقص العبد منها خلة (2) كان العمل عنه مطروحا بحسبه فأخبر الصادق(ع)بأصل ما يجب على الناس من طلب معرفته و نطق الكتاب بتصديقه فشهد بذلك محكمات آيات رسوله لأن الرسول(ص)و آله(ع)لا يعدو شي‏ء من قوله و أقاويلهم حدود القرآن فإذا وردت حقائق الأخبار و التمست شواهدها من التنزيل فوجد لها موافقا و عليها دليلا كان الاقتداء بها فرضا لا يتعداه إلا أهل العناد كما ذكرنا في أول الكتاب و لما التمسنا تحقيق ما قاله الصادق(ع)من المنزلة بين المنزلتين و إنكاره الجبر و التفويض وجدنا الكتاب قد شهد له و صدق مقالته في هذا

- وَ خُبِّرَ عَنْهُ أَيْضاً مُوَافِقاً لِهَذَا أَنَّ الصَّادِقَ(ع)سُئِلَ هَلْ أَجْبَرَ اللَّهُ الْعِبَادَ عَلَى الْمَعَاصِي فَقَالَ الصَّادِقُ(ع)هُوَ أَعْدَلُ مِنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ فَهَلْ فَوَّضَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ(ع)هُوَ أَعَزُّ وَ أَقْهَرُ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ.

- وَ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: النَّاسُ فِي الْقَدَرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ رَجُلٍ يَزْعُمُ أَنَّ الْأَمْرَ مُفَوَّضٌ إِلَيْهِ فَقَدْ وَهَّنَ اللَّهَ فِي سُلْطَانِهِ فَهُوَ هَالِكٌ وَ رَجُلٍ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَ عَزَّ أَجْبَرَ الْعِبَادَ عَلَى الْمَعَاصِي وَ كَلَّفَهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ فَقَدْ ظَلَّمَ اللَّهَ فِي حُكْمِهِ فَهُوَ هَالِكٌ وَ رَجُلٍ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ كَلَّفَ الْعِبَادَ مَا يُطِيقُونَ وَ لَمْ يُكَلِّفْهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ فَإِذَا أَحْسَنَ حَمِدَ اللَّهَ وَ إِذَا أَسَاءَ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ فَهَذَا

____________



(1) في نسخة: المنقية.

(2) بضم الخاء و فتحها: خصلة.

71

مُسْلِمٌ بَالِغٌ.

فأخبر(ع)أن من تقلد الجبر و التفويض و دان بهما فهو على خلاف الحق فقد شرحت الجبر الذي من دان به يلزمه الخطاء و أن الذي يتقلد التفويض يلزمه الباطل فصارت المنزلة بين المنزلتين بينهما ثم قال و أضرب لكل باب من هذه الأبواب مثلا يقرب المعنى للطالب و يسهل له البحث عن شرحه تشهد به محكمات آيات الكتاب و تحقق تصديقه عند ذوي الألباب و بالله التوفيق و العصمة فأما الجبر الذي يلزم من دان به الخطاء فهو قول من زعم أن الله جل و عز أجبر العباد على المعاصي و عاقبهم عليها و من قال بهذا القول فقد ظلم الله في حكمه و كذبه و رد عليه و قوله‏ وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً و قوله‏ ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ و قوله‏ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَ لكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏ مع آي كثيرة في ذكر هذا فمن زعم أنه مجبر على المعاصي فقد أحال بذنبه على الله و قد ظلمه في عقوبته و من ظلم الله فقد كذب كتابه و من كذب كتابه فقد لزمه الكفر باجتماع الأمة و مثل ذلك مثل رجل ملك عبدا مملوكا لا يملك نفسه و لا يملك عرضا من عروض الدنيا و يعلم مولاه ذلك منه فأمره على علم منه بالمصير إلى السوق لحاجة يأتيه بها و لم يملكه ثمن ما يأتيه به من حاجته و علم المالك أن على الحاجة رقيبا لا يطمع أحد في أخذها منه إلا بما يرضى به من الثمن و قد وصف مالك هذا العبد نفسه بالعدل و النصفة و إظهار الحكمة و نفي الجور و أوعد عبده إن لم يأته بحاجته أن يعاقبه على علم منه بالرقيب الذي على حاجته أنه سيمنعه و علم أن المملوك لا يملك ثمنها و لم يملكه ذلك فلما صار العبد إلى السوق و جاء ليأخذ حاجته التي بعثه المولى لها وجد عليها مانعا يمنع منها إلا بشراء و ليس يملك العبد ثمنها فانصرف إلى مولاه خائبا بغير قضاء حاجته فاغتاظ مولاه من ذلك و عاقبه عليه أ ليس يجب في عدله و حكمته أن لا يعاقبه و هو يعلم أن عبده لا يملك عرضا من عروض الدنيا و لم يملكه ثمن حاجته فإن عاقبه عاقبه ظالما متعديا عليه مبطلا لما وصف من عدله و حكمته و نصفته و إن لم يعاقبه كذب نفسه في وعيده إياه حين أوعده بالكذب و الظلم اللذين ينفيان العدل و الحكمة تعالى عما يقولون علوا كبيرا فمن دان بالجبر أو بما يدعو

72

إلى الجبر فقد ظلم الله و نسبه إلى الجور و العدوان إذ أوجب على من أجبر العقوبة و من زعم أن الله أجبر العباد فقد أوجب على قياس قوله إن الله يدفع عنهم العقوبة و من زعم أن الله يدفع عن أهل المعاصي العذاب فقد كذب الله في وعيده حيث يقول‏ بَلى‏ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ‏ و قوله‏ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى‏ ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً و قوله‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً مع آي كثيرة في هذا الفن فمن كذب وعيد الله يلزمه في تكذيبه آية من كتاب الله الكفر و هو ممن قال الله‏ أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى‏ أَشَدِّ الْعَذابِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏ بل نقول إن الله عز و جل جازى العباد على أعمالهم و يعاقبهم على أفعالهم بالاستطاعة التي ملكهم إياها فأمرهم و نهاهم بذلك و نطق كتابه‏ مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى‏ إِلَّا مِثْلَها وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ‏ و قال جل ذكره‏ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ‏ و قال‏ الْيَوْمَ تُجْزى‏ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ‏ فهذه آيات محكمات تنفي الجبر و من دان به و مثلها في القرآن كثير اختصرنا ذلك لئلا يطول الكتاب و بالله التوفيق فأما التفويض الذي أبطله الصادق(ع)و خطأ من دان به و تقلده فهو قول القائل إن الله جل ذكره فوض إلى العباد اختيار أمره و نهيه و أهملهم و في هذا كلام دقيق لمن يذهب إلى تحريره و دقته و إلى هذا ذهبت الأئمة المهتدية من عترة الرسول(ع)فإنهم قالوا لو فوض إليهم على جهة الإهمال لكان لازما له رضى ما اختاروه و استوجبوا به الثواب و لم يكن عليهم فيما جنوه العقاب إذا كان الإهمال واقعا و تنصرف هذه المقالة على معنيين إما أن يكون العباد تظاهروا عليه فألزموه قبول اختيارهم بآرائهم ضرورة كره ذلك أم أحب فقد لزمه الوهن أو يكون جل و عز عجز عن تعبدهم بالأمر و النهي على إرادته كرهوا أو أحبوا ففوض أمره و نهيه إليهم‏

73

و أجراهما على محبتهم إذ عجز عن تعبدهم بإرادته فجعل الاختيار إليهم في الكفر و الإيمان و مثل ذلك مثل رجل ملك عبدا ابتاعه ليخدمه و يعرف له فضل ولايته و يقف عند أمره و نهيه و ادعى مالك العبد أنه قاهر عزير حكيم فأمر عبده و نهاه و وعده على اتباع أمره عظيم الثواب و أوعده على معصيته أليم العقاب فخالف العبد إرادة مالكه و لم يقف عند أمره و نهيه فأي أمر أمره به أو أي نهي نهاه عنه لم يأته على إرادة المولى بل كان العبد يتبع إرادة نفسه و اتباع هواه و لا يطيق المولى أن يرده إلى اتباع أمره و نهيه و الوقوف على إرادة ففوض اختيار أمره و نهيه إليه و رضي منه بكل ما فعله على إرادة العبد لا على إرادة المالك و بعثه في بعض حوائجه و سمى له الحاجة فخالف على مولاه و قصد لإرادة نفسه و اتبع هواه فلما رجع إلى مولاه نظر إلى ما أتاه به فإذا هو خلاف ما أمره به فقال له لم أتيتني بخلاف ما أمرتك فقال العبد اتكلت على تفويضك الأمر إلي فاتبعت هواي و إرادتي لأن المفوض إليه غير محظور عليه فاستحال التفويض أو ليس يجب على هذا السبب إما أن يكون المالك للعبد قادرا يأمر عبده باتباع أمره و نهيه على إرادته لا على إرادة العبد و يملكه من الطاقة بقدر ما يأمره به و ينهاه عنه فإذا أمره بأمر و نهاه عن نهي عرفه الثواب و العقاب عليهما و حذره و رغبه بصفة ثوابه و عقابه ليعرف العبد قدرة مولاه بما ملكه من الطاقة لأمره و نهيه و ترغيبه و ترهيبه فيكون عدله و إنصافه شاملا له و حجته واضحة عليه للإعذار و الإنذار فإذا اتبع العبد أمر مولاه جازاه و إذا لم يزدجر عن نهيه عاقبه أو يكون عاجزا غير قادر ففوض أمره إليه أحسن أم أساء أطاع أم عصى عاجز عن عقوبته و رده إلى اتباع أمره و في إثبات العجز نفي القدرة و التأله و إبطال الأمر و النهي و الثواب و العقاب و مخالفة الكتاب إذ يقول‏ وَ لا يَرْضى‏ لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ‏ و قوله عز و جل‏ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ‏ و قوله‏ وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَ ما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ‏ و قوله‏ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً و قوله‏ وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ‏ وَ لا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَ أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ‏ فمن زعم أن الله تعالى فوض أمره‏

74

و نهيه إلى عباده فقد أثبت عليه العجز و أوجب عليه قبول كل ما عملوا من خير و شر و أبطل أمر الله و نهيه و وعده و وعيده لعلة ما زعم أن الله فوضها إليها لأن المفوض إليه يعمل بمشيته فإن شاء الكفر أو الإيمان كان غير مردود عليه و لا محظور فمن دان بالتفويض على هذا المعنى فقد أبطل جميع ما ذكرنا من وعده و وعيده و أمره نهيه و هو من أهل هذه الآية أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى‏ أَشَدِّ الْعَذابِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏ تعالى الله عما يدين به أهل التفويض علوا كبيرا لكن نقول إن الله عز و جل خلق الخلق بقدرته و ملكهم استطاعة تعبدهم بها فأمرهم و نهاهم بما أراد فقبل منهم اتباع أمره و رضي بذلك لهم و نهاهم عن معصيته و ذم من عصاه و عاقبه عليها و لله الخيرة في الأمر و النهي يختار ما يريد و يأمر به و ينهى عما يكره و يعاقب عليه بالاستطاعة التي ملكها عباده لاتباع أمره و اجتناب معاصيه لأنه ظاهر العدل و النصفة و الحكمة البالغة بالغ الحجة بالإعذار و الإنذار و إليه الصفوة يصطفي من يشاء من عباده لتبليغ رسالته و احتجاجه على عباده اصطفى محمدا(ص)و بعثه برسالاته إلى خلقه فقال من قال من كفار قومه حسدا و استكبارا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى‏ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ‏ يعني بذلك أمية بن أبي الصلت و أبا مسعود الثقفي فأبطل الله اختيارهم و لم يجز لهم آراءهم حيث يقول‏ أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ‏ و لذلك اختار من الأمور ما أحب و نهى عما كره فمن أطاعه أثابه و من عصاه عاقبه و لو فوض من اختيار أمره إلى عباده لأجاز لقريش اختيار أمية بن الصلت و أبي مسعود الثقفي إذ كانا عندهم أفضل من محمد(ص)فلما أدب الله المؤمنين بقوله‏ وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ‏ فلم يجز لهم الاختيار بأهوائهم و لم يقبل منهم إلا اتباع أمره و اجتناب نهيه على يدي من اصطفاه فمن أطاعه رشد و من عصاه ضل و غوى و لزمته الحجة بما ملكه من الاستطاعة لاتباع أمره و اجتناب‏

75

نهيه فمن أجل ذلك حرمه ثوابه و أنزل به عقابه وَ هَذَا الْقَوْلُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ لَيْسَ بِجَبْرٍ وَ لَا تَفْوِيضٍ وَ بِذَلِكَ‏

أَخْبَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه) عَبَايَةَ بْنَ رِبْعِيٍّ الْأَسَدِيَ‏ حِينَ سَأَلَهُ عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ الَّتِي بِهَا يَقُومُ وَ يَقْعُدُ وَ يَفْعَلُ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ سَأَلْتَ عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ تَمْلِكُهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْ مَعَ اللَّهِ فَسَكَتَ عَبَايَةُ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قُلْ يَا عَبَايَةُ قَالَ وَ مَا أَقُولُ قَالَ(ع)إِنْ قُلْتَ إِنَّكَ تَمْلِكُهَا مَعَ اللَّهِ قَتَلْتُكَ وَ إِنْ قُلْتَ تَمْلِكُهَا دُونَ اللَّهِ قَتَلْتُكَ قَالَ عَبَايَةُ فَمَا أَقُولُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ(ع)تَقُولُ إِنَّكَ تَمْلِكُهَا بِاللَّهِ الَّذِي يَمْلِكُهَا مِنْ دُونِكَ فَإِنْ يُمَلِّكْهَا إِيَّاكَ كَانَ ذَلِكَ مِنْ عَطَائِهِ وَ إِنْ يَسْلُبْكَهَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ بَلَائِهِ هُوَ الْمَالِكُ لِمَا مَلَّكَكَ وَ الْقَادِرُ عَلَى مَا عَلَيْهِ أَقْدَرَكَ أَ مَا سَمِعْتَ النَّاسَ يَسْأَلُونَ الْحَوْلَ وَ الْقُوَّةَ حِينَ يَقُولُونَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ قَالَ عَبَايَةُ وَ مَا تَأْوِيلُهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ(ع)لَا حَوْلَ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ إِلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ وَ لَا قُوَّةَ لَنَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ قَالَ فَوَثَبَ عَبَايَةُ فَقَبَّلَ يَدَيْهِ وَ رِجْلَيْهِ.

وَ رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)حِينَ أَتَاهُ نَجْدَةُ يَسْأَلُهُ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا ذَا عَرَفْتَ رَبَّكَ قَالَ(ع)بِالتَّمْيِيزِ الَّذِي خَوَّلَنِي‏ (1) وَ الْعَقْلِ الَّذِي دَلَّنِي قَالَ أَ فَمَجْبُولٌ أَنْتَ عَلَيْهِ قَالَ لَوْ كُنْتُ مَجْبُولًا مَا كُنْتُ مَحْمُوداً عَلَى إِحْسَانٍ وَ لَا مَذْمُوماً عَلَى إِسَاءَةٍ وَ كَانَ الْمُحْسِنُ أَوْلَى بِاللَّائِمَةِ مِنَ الْمُسِي‏ءِ فَعَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ قَائِمٌ بَاقٍ وَ مَا دُونَهُ حَدَثٌ حَائِلٌ زَائِلٌ وَ لَيْسَ الْقَدِيمُ الْبَاقِي كَالْحَدَثِ الزَّائِلِ قَالَ نَجْدَةُ أَجِدُكَ أَصْبَحْتَ حَكِيماً يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ أَصْبَحْتُ مُخَيَّراً فَإِنْ أَتَيْتُ السَّيِّئَةَ بِمَكَانِ الْحَسَنَةِ فَأَنَا الْمُعَاقَبُ عَلَيْهَا.

وَ رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ سَأَلَهُ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الشَّامِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنَا عَنْ خُرُوجِنَا إِلَى الشَّامِ بِقَضَاءٍ وَ قَدَرٍ قَالَ نَعَمْ يَا شَيْخُ مَا عَلَوْتُمْ تَلْعَةً وَ لَا هَبَطْتُمْ وَادِياً إِلَّا بِقَضَاءٍ وَ قَدَرٍ مِنَ اللَّهِ فَقَالَ الشَّيْخُ عِنْدَ اللَّهِ أَحْتَسِبُ عَنَائِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ مَهْ يَا شَيْخُ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ عَظَّمَ أَجْرَكُمْ فِي مَسِيرِكُمْ وَ أَنْتُمْ سَائِرُونَ وَ فِي مُقَامِكُمْ وَ أَنْتُمْ مُقِيمُونَ وَ فِي انْصِرَافِكُمْ وَ أَنْتُمْ مُنْصَرِفُونَ وَ لَمْ تَكُونُوا فِي شَيْ‏ءٍ مِنْ أُمُورِكُمْ‏

____________



(1) خوله الشي‏ء: أعطاه إياه متفضلا، أو ملكه إياه.

76

مُكْرَهِينَ وَ لَا إِلَيْهِ مُضْطَرِّينَ لَعَلَّكَ ظَنَنْتَ أَنَّهُ قَضَاءٌ حَتْمٌ وَ قَدَرٌ لَازِمٌ وَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَبَطَلَ الثَّوَابُ وَ الْعِقَابُ وَ لَسَقَطَ الْوَعْدُ وَ الْوَعِيدُ وَ لَمَا أُلْزِمَتِ الْأَشْيَاءُ أَهْلَهَا عَلَى الْحَقَائِقِ ذَلِكَ مَقَالَةُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَ أَوْلِيَاءِ الشَّيَاطِينِ‏ (1) إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَ عَزَّ أَمَرَ تَخْيِيراً وَ نَهَى تَحْذِيراً وَ لَمْ يُطَعْ مُكْرِهاً وَ لَمْ يُعْصَ مَغْلُوباً وَ لَمْ يَخْلُقِ السَّمَاوَاتِ‏ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ فَقَامَ الشَّيْخُ فَقَبَّلَ رَأْسَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ أَنْشَأَ يَقُولُ‏

أَنْتَ الْإِمَامُ الَّذِي نَرْجُو بِطَاعَتِهِ‏* * * يَوْمَ النَّجَاةِ مِنَ الرَّحْمَنِ غُفْرَاناً

أَوْضَحْتَ مِنْ دِينِنَا مَا كَانَ مُلْتَبِساً* * * جَزَاكَ رَبُّكَ عَنَّا فِيهِ رِضْوَاناً

فَلَيْسَ مَعْذِرَةٌ فِي فِعْلِ فَاحِشَةٍ* * * عِنْدِي لِرَاكِبِهَا ظُلْماً وَ عِصْيَاناً

.

فقد دل قول أمير المؤمنين(ع)على موافقة الكتاب و نفي الجبر و التفويض اللذين يلزمان من دان بهما و تقلدهما الباطل و الكفر و تكذيب الكتاب و نعوذ بالله من الضلالة و الكفر و لسنا ندين بجبر و لا تفويض لكنا نقول بمنزلة بين المنزلتين و هو الامتحان و الاختيار بالاستطاعة التي ملكنا الله و تعبدنا بها على ما شهد به الكتاب و دان به الأئمة الأبرار من آل الرسول (صلوات الله عليهم) و مثل الاختبار بالاستطاعة مثل رجل ملك عبدا و ملك مالا كثيرا أحب أن يختبر عبده على علم منه بما يئول إليه فملكه من ماله بعض ما أحب و وقفه على أمور عرفها العبد فأمره أن يصرف ذلك المال فيها و نهاه عن أسباب لم يحبها و تقدم إليه أن يجتنبها و لا ينفق من ماله فيها و المال يتصرف في أي الوجهين فصرف المال أحدهما في اتباع أمر المولى و رضاه و الآخر صرفه في اتباع نهيه و سخطه و أسكنه دار اختبار أعلمه أنه غير دائم له السكنى في الدار و أن له دارا غيرها و هو مخرجه إليها فيها ثواب و عقاب دائمان فإن أنفذ العبد المال الذي ملكه مولاه في الوجه الذي أمره به جعل له ذلك الثواب الدائم في تلك الدار التي أعلمه أنه مخرجه إليها و إن أنفق المال في الوجه الذي نهاه عن إنفاقه فيه جعل له ذلك العقاب الدائم في دار الخلود

____________

(1) في المصدر: الشيطان. م.

77

و قد حد المولى في ذلك حدا معروفا و هو المسكن الذي أسكنه في الدار الأولى فإذا بلغ الحد استبدل المولى بالمال و بالعبد على أنه لم يزل مالكا للمال و العبد في الأوقات كلها إلا أنه وعد أن لا يسلبه ذلك المال ما كان في تلك الدار الأولى إلا أن يستتم‏ (1) سكناه فيها فوفى له لأن من صفات المولى العدل و الوفاء و النصفة و الحكمة أو ليس يجب إن كان ذلك العبد صرف ذلك المال في الوجه المأمور به أن يفي له بما وعده من الثواب و تفضل عليه بأن استعمله في دار فانية و أثابه على طاعته فيها نعيما دائما في دار باقية دائمة و إن صرف العبد المال الذي ملكه مولاه أيام سكناه تلك الدار الأولى في الوجه المنهي عنه و خالف أمر مولاه كذلك يجب عليه العقوبة الدائمة التي حذره إياها غير ظالم له لما تقدم إليه و أعلمه و عرفه و أوجب له الوفاء بوعده و وعيده بذلك يوصف القادر القاهر و أما المولى فهو الله جل و عز و أما العبد فهو ابن آدم المخلوق و المال قدرة الله الواسعة و محنته إظهار الحكمة و القدرة و الدار الفانية هي الدنيا و بعض المال الذي ملكه مولاه هو الاستطاعة التي ملك ابن آدم و الأمور التي أمر الله بصرف المال إليها هو الاستطاعة لاتباع الأنبياء و الإقرار بما أوردوه عن الله جل و عز و اجتناب الأسباب التي نهى عنها هي طرق إبليس و أما وعده فالنعيم الدائم و هي الجنة و أما الدار الفانية فهي الدنيا و أما الدار فهي الدار الباقية و هي الآخرة و القول بين الجبر و التفويض هو الاختبار و الامتحان و البلوى بالاستطاعة التي ملك العبد و شرحها في خمسة الأمثال التي ذكرها الصادق(ع)أنها جمعت جوامع الفضل و أنا مفسرها بشواهد من القرآن و البيان إن شاء الله تفسير صحة الخلقة أما قول الصادق(ع)فإن معناه كمال الخلق للإنسان بكمال‏ (2) الحواس و ثبات العقل و التمييز و إطلاق اللسان بالنطق و ذلك قول الله‏ وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَ فَضَّلْناهُمْ عَلى‏ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا

____________

(1) في المصدر: الى ان يستتم. م.

(2) في المصدر: و كمال الحواس. م.

78

فقد أخبر عز و جل عن تفضيله بني آدم على سائر خلقه من البهائم و السباع و دواب البحر و الطير و كل ذي حركة تدركه حواس بني آدم بتمييز العقل و النطق و ذلك قوله‏ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ‏ و قوله‏ يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ‏ و في آيات كثيرة فأول نعمة الله على الإنسان صحة عقله و تفضيله على كثير من خلقه بكمال العقل و تمييز البيان و ذلك أن كل ذي حركة على بسيط الأرض هو قائم بنفسه بحواسه مستكمل في ذاته ففضل بني آدم بالنطق الذي ليس في غيره من الخلق المدرك بالحواس فمن أجل النطق ملّك الله ابن آدم غيره من الخلق حتى صار آمرا ناهيا و غيره مسخّر له كما قال الله‏ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى‏ ما هَداكُمْ‏ و قال‏ وَ هُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها و قال‏ وَ الْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْ‏ءٌ وَ مَنافِعُ وَ مِنْها تَأْكُلُونَ وَ لَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَ حِينَ تَسْرَحُونَ وَ تَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى‏ بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ‏ فمن أجل ذلك دعا الله الإنسان إلى اتباع أمره و إلى طاعته بتفضيله إياه باستواء الخلق و كمال النطق و المعرفة بعد أن ملّكهم استطاعة ما كان تعبدهم به بقوله‏ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَ اسْمَعُوا وَ أَطِيعُوا و قوله‏ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها و قوله‏ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها و في آيات كثيرة فإذا سلب العبد حاسة من حواسه رفع العمل عنه بحاسته كقوله‏ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى‏ حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ‏ الآية فقد رفع عن كل من كان بهذه الصفة الجهاد و جميع الأعمال التي لا يقوم إلا بها و كذلك أوجب على ذي اليسار الحج و الزكاة لما ملكه من استطاعة ذلك و لم يوجب على الفقير الزكاة و الحج قوله تعالى‏ وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا و قوله في الظهار وَ الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ إلى قوله‏ فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً كل ذلك دليل على أن الله تبارك و تعالى لم يكلف عباده إلا ما ملكهم استطاعته بقوة العمل به و نهاهم عن مثل ذلك فهذه صحة الخلقة

79

و أما قوله تخلية السرب فهو الذي ليس عليه رقيب يحظر عليه و يمنعه العمل بما أمره الله به و ذلك قوله في من استضعف و حظر عليه العمل فلم يجد حيلة و لم يهتد سبيلا (1) مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فأخبر أن المستضعف لم يخل سربه و ليس عليه من القول شي‏ء إذا كان مطمئن القلب بالإيمان و أما المهلة في الوقت فهو العمر الذي يمتع به الإنسان‏ (2) من حد ما يجب عليه المعرفة إلى أجل الوقت و ذلك من وقت تمييزه و بلوغ الحلم إلى أن يأتيه أجله فمن مات على طلب الحق و لم يدرك كماله فهو على خير و ذلك قوله‏ وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ‏ الآية و إن كان لم يعمل بكمال شرائعه لعلة ما لم يمهله في الوقت إلى استتمام أمره و قد حظر على البالغ ما لم يحظر على الطفل إذا لم يبلغ الحلم في قوله تعالى‏ وَ قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَ‏ الآية فلم يجعل عليهن حرجا في إبداء الزينة للطفل و كذلك لا تجري عليه الأحكام و أما قوله الزاد فمعناه الجدة و البلغة (3) التي سيتعين بها العبد على ما أمره الله به و ذلك قوله‏ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ‏ الآية أ لا ترى أنه قبل عذر من لم يجد ما ينفق و ألزم الحجة كل من أمكنته البلغة و الراحلة للحج و الجهاد و أشباه ذلك كذلك قبل عذر الفقراء و أوجب لهم حقا في مال الأغنياء بقوله‏ لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏ الآية فأمر بإعفائهم و لم يكلفهم الإعداد لما لا يستطيعون و لا يملكون و أما قوله في السبب المهيج فهو النية التي هي داعية الإنسان إلى جميع الأفعال و حاستها القلب فمن فعل فعلا و كان بدين لم يعقد قلبه على ذلك لم يقبل‏

____________

(1) في المصدر: و لا يهتدى سبيلا كما قال اللّه تعالى‏ «إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا» م.

(2) في التحف المطبوع: يبلغ به الإنسان.

(3) الجدة بكسر الجيم و فتح الدال المخففة كعدة: الغنى. البلغة بضم الباء و سكون اللام: ما يكفى من العيش.

80

الله منه عملا إلا بصدق النية كذلك‏ (1) أخبر عن المنافقين بقوله‏ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ‏ ثم أنزل على نبيه(ص)توبيخا للمؤمنين‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ‏ الآية فإذا قال الرجل قولا و اعتقد في قوله دعته النية إلى تصديق القول بإظهار الفعل و إذا لم يعتقد القول لم يتبين حقيقة و قد أجاز الله صدق النية و إن كان الفعل غير موافق لها لعلة مانع يمنع إظهار الفعل في قوله‏ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ‏ و قوله‏ لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ‏ الآية فدل القرآن و أخبار الرسول(ص)أن القلب مالك لجميع الحواس يصحح أفعالها و لا يبطل ما يصحح القلب شي‏ء فهذا شرح جميع الخمسة الأمثال التي ذكرها الصادق(ع)أنها تجمع المنزلة بين المنزلتين و هما الجبر و التفويض فإذا اجتمع في الإنسان كمال هذه الخمسة الأمثال وجب عليه العمل كملا لما أمر الله عز و جل به و رسوله و إذا نقص العبد منها خلة كان العمل عنه مطروحا بحسب ذلك فأما شواهد القرآن على الاختبار و البلوى بالاستطاعة التي تجمع القول بين القولين فكثيرة و من ذلك قوله‏ وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ الصَّابِرِينَ وَ نَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ‏ و قال‏ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ‏ و قال‏ الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏ و قال في الفتن التي معناها الاختبار وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ‏ الآية و قال في قصة قوم موسى‏ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَ أَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُ‏ و قول موسى‏ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ‏ أي اختبارك فهذه الآيات يقاس بعضها ببعض و يشهد بعضها لبعض و أما آيات البلوى بمعنى الاختبار قوله‏ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ‏ و قوله‏ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ‏ و قوله‏ إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ و قوله‏ خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا و قوله‏ وَ إِذِ ابْتَلى‏ إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ‏ و قوله‏ وَ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَ لكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ‏ و كل ما في القرآن من بلوى هذه الآيات التي شرح أولها فهي اختبار و أمثالها في القرآن كثيرة فهي إثبات الاختبار و البلوى إن الله جل و عز لم يخلق الخلق عبثا و لا أهملهم‏

____________

(1) في المصدر: و لذلك. م.

81

سدى و لا أظهر حكمته لعبا بذلك أخبر في قوله‏ أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً فإن قال قائل فلم يعلم الله ما يكون من العباد حتى اختبرهم قلنا بلى قد علم ما يكون منهم قبل كونه و ذلك قوله‏ وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ‏ و إنما اختبرهم ليعلمهم عدله و لا يعذبهم إلا بحجة بعد الفعل و قد أخبر بقوله‏ وَ لَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا و قوله‏ وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا و قوله‏ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ‏ فالاختبار من الله بالاستطاعة التي ملكها عبده و هو القول بين الجبر و التفويض بهذا نطق القرآن و جرت الأخبار عن الأئمة من آل الرسول فإن قالوا ما الحجة في قول الله‏ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ و ما أشبهها قيل مجاز هذه الآيات كلها على معنيين أما أحدهما فإخبار عن قدرته أي إنه قادر على هداية من يشاء و ضلالة من يشاء و إذا أجبرهم بقدرته على أحدهما لم يجب لهم ثواب و لا عليهم عقاب على نحو ما شرحنا في الكتاب و المعنى الآخر أن الهداية منه تعريفه كقوله‏ وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ‏ أي عرفناهم‏ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى‏ عَلَى الْهُدى‏ فلو جبرهم على الهدى لم يقدروا أن يضلوا و ليس كلما وردت آية مشتبهة كانت الآية حجة على محكم الآيات اللواتي أمرنا بالأخذ بها من ذلك قوله‏ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ‏ الآية و قال‏ فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ‏ أي أحكمه و أشرحه‏ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ‏ وفقنا الله و إياكم من القول و العمل لما يحب و يرضى و جنبنا و إياكم معاصيه بمنه و فضله و الحمد لله كثيرا كما هو أهله و صلى الله على محمد و آله الطيبين و حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ‏ ظلم الله على بناء التفعيل أي نسبه إلى الظلم قوله(ع)و من زعم أن الله يدفع عن أهل المعاصي العذاب أي عموما بحيث لا يعاقب أحدا منهم كما هو مقتضى الجبر فلا ينافي سقوط بعضها بالعفو أو الشفاعة قوله(ع)و لما لزمت‏

82

الأشياء أي الخطايا و الذنوب و في بعض النسخ الأسماء و هو أوفق بما روي عنه(ع)في موضع آخر أي لا يصح إطلاق المؤمن و الكافر و الصالح و الطالح و أشباهها على الحقيقة.

فذلكة اعلم أن الذي استفاض عن الأئمة(ع)هو نفي الجبر و التفويض و إثبات الأمر بين الأمرين و قد اعترف به بعض المخالفين أيضا قال إمامهم الرازي حال هذه المسألة عجيبة فإن الناس كانوا مختلفين فيها أبدا بسبب أن ما يمكن الرجوع فيها إليها متعارضة متدافعة فمعول الجبرية على أنه لا بد لترجيح الفعل على الترك من مرجح ليس من العبد و معول القدرية على أن العبد لو لم يكن قادرا على فعل لما حسن المدح و الذم و الأمر و النهي و هما مقدمتان بديهيتان ثم من الأدلة العقلية اعتماد الجبرية على أن تفاصيل أحوال الأفعال غير معلومة للعبد و اعتماد القدرية على أن أفعال العباد واقعة على وفق تصورهم و دواعيهم و هما متعارضتان و من الإلزامات الخطابية أن القدرة على الإيجاد صفة كمال لا يليق بالعبد الذي هو منبع النقصان و أن أفعال العباد تكون سفها و عبثا فلا يليق بالمتعالي عن النقصان و أما الدلائل السمعية فالقرآن مملو بما يوهم بالأمرين و كذا الآثار فإن أمة من الأمم لم تكن خالية من الفرقتين و كذا الأوضاع و الحكايات متدافعة من الجانبين حتى قيل إن وضع النرد على الجبر و وضع الشطرنج على القدر إلا أن مذهبنا أقوى بسبب أن القدح في قولنا لا يترجح الممكن إلا بمرجح يوجب انسداد باب إثبات الصانع و نحن نقول الحق ما قال بعض أئمة الدين أنه لا جبر و لا تفويض و لكن أمر بين أمرين و ذلك أن مبنى المبادي القريبة لأفعال العبد على قدرته و اختياره و المبادي البعيدة على عجزه و اضطراره فالإنسان مضطر في صورة مختار كالقلم في يد الكاتب و الوتد في شق الحائط و في كلام العقلاء قال الحائط للوتد لم تشقني فقال سل من يدقني انتهى.

و أما معنى الجبر فهو ما ذهبت إليه الأشاعرة من أن الله تعالى أجرى الأعمال على أيدي العباد من غير قدرة مؤثرة لهم فيها و عذبهم عليها.

83

و أما التفويض فهو ما ذهب إليه المعتزلة من أنه تعالى أوجد العباد و أقدرهم على تلك الأفعال و فوض إليهم الاختيار فهم مستقلون بإيجادها على وفق مشيتهم و قدرتهم و ليس لله في أفعالهم صنع.

و أما الأمر بين الأمرين فالذي ظهر مما سبق من الأخبار هو أن لهداياته و توفيقاته تعالى مدخلا في أفعال العباد بحيث لا يصل إلى حد الإلجاء و الاضطرار كما أن سيدا أمر عبده بشي‏ء يقدر على فعله و فهمه ذلك و وعده على فعله شيئا من الثواب و على تركه شيئا من العقاب فلو اكتفى من تكليف عبده بذلك و لم يزد عليه مع علمه بأنه لا يفعل الفعل بمحض ذلك لم يكن ملوما عند العقلاء لو عاقبه على تركه و لا يقول عاقل بأنه أجبره على ترك الفعل و لو لم يكتف السيد بذلك و زاد في ألطافه و الوعد بإكرامه و الوعيد على تركه و أكد ذلك ببعث من يحثه على الفعل و يرغبه فيه ثم فعل بقدرته و اختياره ذلك الفعل فلا يقول عاقل بأنه جبره على ذلك الفعل و أما فعل ذلك بالنسبة إلى جماعة و تركه بالنسبة إلى آخرين فيرجع إلى حسن اختيارهم و صفاء طويتهم أو سوء اختيارهم و قبح سريرتهم فالقول بهذا لا يوجب نسبة الظلم إليه تعالى بأن يجبرهم على المعاصي ثم يعذبهم عليها كما يلزم الأولين و لا عزله تعالى عن ملكه و استقلال العباد بحيث لا مدخل لله في أفعالهم فيكونون شركاء لله في تدبير عالم الوجود كما يلزم الآخرين و قد مرت شواهد هذا المعنى في الأخبار

- وَ يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْكُلَيْنِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ أَجْبَرَ اللَّهُ الْعِبَادَ عَلَى الْمَعَاصِي قَالَ لَا فَقَالَ فَفَوَّضَ إِلَيْهِمُ الْأَمْرَ قَالَ لَا قَالَ فَمَا ذَا قَالَ لُطْفٌ مِنْ رَبِّكَ بَيْنَ ذَلِكَ‏ (1).

و يظهر من‏ (2)

____________

(1) أورده الكليني في باب الجبر و القدر من الكافي بإسناده عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن الحسن زعلان، عن أبي طالب القمّيّ، عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

(2) و مرجع الخبرين في مؤداهما واحد، و هو الذي يشاهده كل إنسان من نفسه عيانا و هو أنه مع قطع النظر عن سائر الأسباب من الموجبات و الموانع يملك اختيار الفعل أو الترك فله أن يفعل و له أن يترك، و أمّا كونه مالكا للاختيار فانما ملكه إياه ربّه سبحانه كما في الاخبار؛ و من أحسن الامثلة لذلك مثال المولى إذا ملك عبده ما يحتاج إليه في حياته من مال يتصرف فيه و زوجة يأنس إليها و دار يسكنها و أثاث و متاع فان قلنا أن هذا التمليك يبطل ملك المولى كان قولا بالتفويض، و إن قلنا أن ذلك لا يوجب للعبد ملكا و المولى باق على مالكيته كما كان قولا بالجبر، و ان قلنا ان العبد يملك بذلك و المولى مالك لجميع ما يملكه في عين ملكه و أنّه من كمال ملك المولى كان قولا بالامر بين الامرين. ط.

84

بعض الأخبار أن المراد بالتفويض المنفي هو كون العبد مستقلا في الفعل بحيث لا يقدر الرب تعالى على صرفه عنه و الأمر بين الأمرين هو أنه جعلهم مختارين في الفعل و الترك مع قدرته على صرفهم عما يختارون و منهم من فسر الأمر بين الأمرين بأن الأسباب القريبة للفعل يرجع إلى قدرة العبد و الأسباب البعيدة كالآلات و الأسباب و الأعضاء و الجوارح و القوى إلى قدرة الرب تعالى فقد حصل الفعل بمجموع القدرتين و فيه أن التفويض بهذا المعنى لم يقل به أحد حتى يرد عليه و منهم من قال الأمر بين الأمرين هو كون بعض الأشياء باختيار العبد و هي الأفعال التكليفية و كون بعضها بغير اختياره كالصحة و المرض و النوم و اليقظة و الذكر و النسيان و أشباه ذلك و يرد عليه ما أوردناه على الوجه السابع و الله تعالى يعلم و حججه(ع)و بسط القول في تلك المسألة و إيراد الدلائل و البراهين على ما هو الحق فيها و دفع الشكوك و الشبه عنها لا يناسب ما هو المقصود من هذا الكتاب و الله يهدي من يشاء إلى الحق و الصواب.

باب 3 القضاء و القدر (1) و المشية و الإرادة و سائر أسباب الفعل‏

الآيات البقرة وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَ لكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ آل عمران‏ وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا الأنعام‏ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا و قال تعالى‏ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَ ما يَفْتَرُونَ‏ و قال تعالى‏ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَ لا آباؤُنا وَ لا حَرَّمْنا مِنْ شَيْ‏ءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ‏

____________

(1) مسألة القضاء و القدر من العقائد التي جاءت بها جميع الأديان، و ليست خاصّة بالمسلمين، و لكثرة استعمال هاتين اللفظتين ظنّ بعض الناس أن فيهما معنى الاكراه و الاجبار و ليس كما ظنّ، و سيوافيك الاخبار و الروايات و كلمات الاعلام في ذلك فتعلم أنهما لا ينافيان الاختيار.

85

الأعراف‏ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَ لا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ‏ أنفال‏ وَ لكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا التوبة قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ‏ و قال تعالى‏ فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كافِرُونَ‏ يونس‏ وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ يَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ‏ الأحزاب‏ وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا قال‏ وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً فاطر وَ ما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى‏ وَ لا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَ ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ السجدة وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ‏ حمعسق‏ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَ الظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ و قال تعالى‏ وَ لَوْ لا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ‏ الزخرف‏ وَ قالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ‏ القمر إِنَّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ و قال‏ وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَ كُلُّ صَغِيرٍ وَ كَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ الحديد ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ الحشر ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى‏ أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ‏ التغابن‏ ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ‏ الطلاق‏ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ وَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً

86

المدثر كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ و قال تعالى‏ وَ ما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ‏ الدهر وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ‏ و قال تعالى‏ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ‏ كورت‏ وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ‏ تفسير وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا أي لو شاء أن يجبرهم و يلجئهم على ترك الاقتتال لفعل لكنه مناف للتكليف فلذا وكلهم إلى اختيارهم فاقتتلوا و إذن الله أمره و تقديره و قيل علمه من أذن بمعنى علم.

و قال الطبرسي في قوله تعالى‏ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ‏ أي لو شاء لألجأكم إلى الإيمان و هذه المشية تخالف المشية المذكورة في الآية الأولى لأن الله سبحانه أثبت هذه و نفى تلك فالأولى مشية الاختيار و الثانية مشية الإلجاء و قيل إن المراد به لو شاء لهداكم إلى نيل الثواب و دخول الجنة ابتداء من غير تكليف.

قوله تعالى‏ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَ لا ضَرًّا أي مطلقا لأن ما يتوقف عليه الفعل من الأسباب و الآلات إنما هو بقدرته تعالى و هو لا ينافي الاختيار أو فيما ليس باختيار العبد من دفع البلايا و جلب المنافع و يؤيده قوله تعالى بعد ذلك‏ وَ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَ ما مَسَّنِيَ السُّوءُ قوله تعالى‏ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا أي قدر الله التقاءكم مع المشركين في بدر على غير ميعاد منكم ليقضي أمرا كان كائنا لا محالة أو من شأنه أن يكون هو إعزاز الدين و أهله و إذلال الشرك و أهله و معنى‏ لِيَقْضِيَ‏ ليفعل أو ليظهر قضاؤه.

قوله تعالى‏ فِي الزُّبُرِ أي في الكتب التي كتبتها الحفظة أو في اللوح المحفوظ و كل صغير و كبير مستطر أي و ما قدموه من أعمالهم من صغير و كبير مكتوب عليهم أو كل صغير و كبير من الأرزاق و الآجال و نحوها مكتوب في اللوح.

قوله تعالى‏ وَ ما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ‏ أي إلا أن يشاء أن يجبرهم على ذلك بقرينة قوله سابقا إِنَّها تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ‏ و قيل إلا أن يشاء الله من حيث‏

87

أمر به و نهى عن تركه فكانت مشيته سابقة أي لا يذكرون إلا و الله قد شاء ذلك.

1- ب، قرب الإسناد ابْنُ طَرِيفٍ عَنِ ابْنِ عُلْوَانَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ(ص)يَا رَسُولَ اللَّهِ رُقًى‏ (1) يُسْتَشْفَى بِهَا هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ فَقَالَ إِنَّهَا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ.

2- ل، الخصال الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ السَّنْجَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ (2) عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ خِرَاشٍ‏ (3) عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعَةٍ حَتَّى يَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي بِالْحَقِّ وَ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ.

3- ل، الخصال أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْبُنْدَارُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نُوحٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَنْ بِشْرِ بْنِ نُمَيْرٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ (4) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَرْبَعَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَاقٌّ وَ مَنَّانٌ وَ مُكَذِّبٌ بِالْقَدَرِ وَ مُدْمِنُ خَمْرٍ.

4- ل، الخصال حَمْزَةُ الْعَلَوِيُّ عَنْ أَحْمَدَ الْهَمْدَانِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَسَنِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ‏

____________

(1) جمع الرقية بالضم: العوذة.

(2) قال العلامة في القسم الثاني من الخلاصة: منصور بن معتمر من أصحاب الباقر (عليه السلام) تبرى انتهى. و قال ابن حجر في تقريب التهذيب: منصور بن المعتمر بن عبد اللّه السلمى، أبو عتاب- بمثلثة ثقيلة ثمّ موحدة- الكوفيّ، ثقة، ثبت، و كان لا يدلس، من طبقة الأعمش، مات سنة 132.

(3) ربعى بكسر الراء و سكون الباء، و العين المهملة، خراش بالخاء المعجمة المكسورة و الراء و السين المعجمة، ضبطه كذلك الميرزا في هامس الوسيط، و حكى ذلك أيضا عن ابن داود، و ضبطه ابن حجر في التقريب بكسر المهملة و آخره معجمة و قال: أبو مريم العبسى الكوفيّ ثقة، عابد، مخضرم، من الثانية، مات سنة مائة، و قيل: غير ذلك انتهى. أقول: و أرخ وفاته في الوسيط و في المحكى عن مختصر الذهبي سنة 101 و حكى عن البرقي و غيره أنّه و أخاه مسعود من خواص أمير المؤمنين (عليه السلام) من مضر.

(4) لعله صدى- بالتصغير- ابن عجلان أبو امامة الباهلى الصحابيّ المشهور سكن الشام و مات بها سنة 86 و قيل 81.

88

مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونٍ الْخَزَّازِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)سِتَّةٌ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَ كُلُّ نَبِيٍّ مُجَابٍ الزَّائِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ الْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللَّهِ وَ التَّارِكُ لِسُنَّتِي وَ الْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِي مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَ الْمُتَسَلِّطُ بِالْجَبَرُوتِ لِيُذِلَّ مَنْ أَعَزَّهُ اللَّهُ وَ يُعِزَّ مَنْ أَذَلَّهُ اللَّهُ وَ الْمُسْتَأْثِرُ بِفَيْ‏ءِ الْمُسْلِمِينَ الْمُسْتَحِلُّ لَهُ.

5- ل، الخصال ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْكُوفِيِّ عَنْ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنِّي لَعَنْتُ سَبْعَةً لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَ كُلُّ نَبِيٍّ مُجَابٍ قَبْلِي فَقِيلَ وَ مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ الزَّائِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ الْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللَّهِ وَ الْمُخَالِفُ لِسُنَّتِي وَ الْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِي مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَ الْمُتَسَلِّطُ بِالْجَبْرِيَّةِ (1) لِيُعِزَّ مَنْ أَذَلَّ اللَّهُ وَ يُذِلَّ مَنْ أَعَزَّ اللَّهُ وَ الْمُسْتَأْثِرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ‏ (2) بِفَيْئِهِمْ مُسْتَحِلًّا لَهُ وَ الْمُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ.

6- ل، الخصال مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْخَثْعَمِيِّ عَنْ ثَابِتِ بْنِ عَامِرٍ السِّنْجَارِيِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ قَالَ النَّبِيُّ(ص)سَبْعَةٌ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَ كُلُّ نَبِيٍّ مُجَابٍ الْمُغَيِّرُ لِكِتَابِ اللَّهِ وَ الْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللَّهِ وَ الْمُبَدِّلُ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ وَ الْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِي مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ الْمُتَسَلِّطُ فِي سُلْطَانِهِ لِيُعِزَّ مَنْ أَذَلَّ اللَّهُ وَ يُذِلَّ مَنْ أَعَزَّ اللَّهُ وَ الْمُسْتَحِلُّ لِحُرُمِ اللَّهِ‏ (3) وَ الْمُتَكَبِّرُ عِبَادَةَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ.

7- ل، الخصال أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيِّ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ عِمْرَانَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ(ع)قَالَ: لَا يَكُونُ شَيْ‏ءٌ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا بِسَبْعَةٍ بِقَضَاءٍ وَ قَدَرٍ وَ إِرَادَةٍ وَ مَشِيَّةٍ وَ كِتَابٍ وَ أَجَلٍ وَ إِذْنٍ فَمَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ أَوْ رَدَّ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ.

____________

(1) المتسلط بالجبرية أو بالجبروت أي بالقدرة و السلطة و العظمة.

(2) استأثر بالشي‏ء على الغير أي استبد به و خص به نفسه.

(3) الحرم بضم الحاء و الراء جمع الحرام: ضد الحلال.

89

8- فس، تفسير القمي أَبِي عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ‏ (1) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ مُوسَى(ع)سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ آدَمَ(ع)فَجَمَعَ فَقَالَ مُوسَى يَا أَبَتِ أَ لَمْ يَخْلُقْكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَ نَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَ أَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ وَ أَمَرَكَ أَنْ لَا تَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ فَلِمَ عَصَيْتَهُ قَالَ يَا مُوسَى بِكَمْ وَجَدْتَ خَطِيئَتِي قَبْلَ خَلْقِي فِي التَّوْرَاةِ قَالَ بِثَلَاثِينَ سَنَةً (2) قَالَ فَهُوَ ذَلِكَ قَالَ الصَّادِقُ(ع)فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى(ع)(3).

بيان من أصحابنا من حمل هذا الخبر على التقية إذ قد ورد ذلك في كتبهم بطرق كثيرة و قد رواه السيد في الطرائف من طرقهم و رده و يمكن أن يقال إن المراد أنه كتب في التوراة أن الله وكل آدم إلى اختياره حتى فعل ما فعل لمصلحة إهباطه إلى الدنيا و أما كونه قبل خلقه(ع)فلأن التوراة كتب في الألواح السماوية في ذلك الوقت و إن وجده موسى(ع)بعد بعثته و يحتمل اطلاع روح موسى على ذلك قبل خلق جسد آدم و الله يعلم.

9-(ع)أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ عُمَرَ بْنِ بِشْرٍ الْبَزَّازِ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَاقِرُ(ع)مَا يَسْتَطِيعُ أَهْلُ الْقَدَرِ أَنْ يَقُولُوا وَ اللَّهِ لَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ لِلدُّنْيَا وَ أَسْكَنَهُ الْجَنَّةَ لِيَعْصِيَهُ فَيَرُدَّهُ إِلَى مَا خَلَقَهُ لَهُ.

بيان قوله ليعصيه أي عالما بأنه يخليه مع اختياره فيعصيه فيكون اللام لام العاقبة أي ليخليه فيعصي بذلك مختارا و الله يعلم.

10- مع، معاني الأخبار أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ‏

____________

(1) قد عرفت سابقا عدم ثبوت رواية ابن مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) بلا واسطة ممّا ذكرنا عن النجاشيّ، فانه قال: إنّه روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و ليس بثبت انتهى، و ممّا نقلنا عن الكشّيّ من أنّه لم يسمع عنه (عليه السلام) إلّا حديث من أدرك المشعر فقد أدرك الحجّ، فعلى هذا فالرواية مرسلة.

(2) في المصدر: بثلاثين ألف سنة.

(3) أي غلب آدم موسى بالحجة.

90

شُعَيْبٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)شَاءَ وَ أَرَادَ وَ لَمْ يُحِبَّ وَ لَمْ يَرْضَ قُلْتُ كَيْفَ قَالَ شَاءَ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْ‏ءٌ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَ أَرَادَ مِثْلَ ذَلِكَ وَ لَمْ يُحِبَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَ لَمْ يَرْضَ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ (1).

11 عد، العقائد اعتقادنا في الإرادة و المشية قول الصادق(ع)شاء الله و أراد و لم يحب و لم يرض شاء أن لا يكون شي‏ء إلا بعلمه و أراد مثل ذلك و لم يحب أن يقال له ثالث ثلاثة و لم يرض لعباده الكفر و قال الله عز و جل‏ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ (2) و قال عز و جل‏ وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ‏ (3) و قال عز و جل‏ وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ‏ (4) و قال عز و جل‏ وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ‏ (5) كما قال‏ وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا (6) كما قال‏ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى‏ مَضاجِعِهِمْ‏ (7) و قال عز و جل‏ وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَ ما يَفْتَرُونَ‏ (8) و قال عز و جل‏ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَ ما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (9) و قال عز و جل‏ وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها (10) و قال عز و جل‏ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ (11) و قال عز و جل‏ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَ يَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ‏ (12) و قال الله عز و جل‏ يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ (13) و قال عز و جل‏ يُرِيدُ اللَّهُ‏

____________

(1) تقدم مسندا تحت رقم 11 و يأتي بسند آخر تحت رقم 34.

(2) القصص: 56.

(3) الدهر: 30.

(4) يونس: 99.

(5) يونس: 100.

(6) آل عمران: 145.

(7) آل عمران: 154.

(8) الأنعام: 112.

(9) الأنعام: 107.

(10) الم السجدة: 13.

(11) الأنعام: 125.

(12) النساء: 26.

(13) آل عمران: 176.

91

أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ‏ (1) و قال‏ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (2) و قال عز و جل‏ وَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَ يُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً (3) و قال عز و جل‏ وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ (4) فهذا اعتقادنا في الإرادة و المشية و مخالفونا يشنعون علينا في ذلك و يقولون إنا نقول إن الله عز و جل أراد المعاصي و أراد قتل الحسين(ع)و ليس هكذا نقول و لكنا نقول إن الله عز و جل أراد أن يكون معصية العاصين خلاف طاعة المطيعين و أراد أن تكون المعاصي غير منسوبة إليه من جهة الفعل و أراد أن يكون موصوفا بالعلم بها قبل كونها و نقول أراد الله أن يكون قتل الحسين(ع)معصية له خلاف الطاعة و نقول أراد أن يكون قتله منهيا عنه غير مأمور به و نقول أراد الله أن يكون مستقبحا غير مستحسن و نقول أراد الله عز و جل أن يكون قتله سخطا لله غير رضاه و نقول أراد الله عز و جل أن لا يمنع من قتله بالجبر و القدرة كما منع منه بالنهي و نقول أراد الله أن لا يدفع القتل عنه كما دفع الحرق عن إبراهيم(ع)حين قال عز و جل للنار التي ألقي فيها يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى‏ إِبْراهِيمَ‏ (5) و نقول لم يزل الله عالما بأن الحسين(ع)سيقتل و يدرك بقتله سعادة الأبد و يشقى قاتله شقاوة الأبد و نقول ما شاء الله كان و ما لم يشأ لم يكن هذا اعتقادنا في الإرادة و المشية دون ما نسب إلينا أهل الخلاف و المشنعون علينا من أهل الإلحاد أقول قال الشيخ المفيد نور الله ضريحه الذي ذكره الشيخ أبو جعفر (رحمه الله ) في هذا الباب لا يتحصل و معانيه تختلف و تتناقض و السبب في ذلك أنه عمل على ظواهر الأحاديث المختلفة و لم يكن ممن يرى النظر فيميز بين الحق و الباطل و يعمل على ما توجب الحجة و من عول في مذهبه على الأقاويل المختلفة و تقليد الرواة كانت حاله في الضعف ما وصفناه و الحق في ذلك أن الله تعالى لا يريد إلا ما حسن من الأفعال و لا

____________

(1) النساء: 27.

(2) البقرة: 185.

(3) النساء: 27.

(4) النساء: 31.

(5) الأنبياء: 69.

92

يشاء إلا الجميل من الأعمال و لا يريد القبائح و لا يشاء الفواحش تعالى الله عما يقول المبطلون علوا كبيرا قال الله تعالى‏ وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ و قال‏ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ و قال‏ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَ يَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ‏ الآية وَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَ يُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَ خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً فخبر سبحانه أنه لا يريد لعباده العسر بل يريد بهم اليسر و أنه يريد لهم البيان و لا يريد لهم الضلال و يريد التخفيف عنهم و لا يريد التثقيل عليهم فلو كان سبحانه مريدا لمعاصيهم لنا في ذلك إرادة البيان لهم أو التخفيف عنهم و اليسر لهم فكتاب الله تعالى شاهد بضد ما ذهب إليه الضالون المفترون على الله الكذب تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

فأما ما تعلقوا به من قوله تعالى‏ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ‏ الآية فليس للمجبرة به تعلق و لا فيه حجة من قبل أن المعنى فيه من أراد الله تعالى أن ينعمه و يثيبه جزاء على طاعته شرح صدره للإسلام بالألطاف التي يحبوه بها فييسر له بها استدامة أعمال الطاعات و الهداية في هذا الموضع هي التعظيم قال الله تعالى فيما خبر به عن أهل الجنة الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا (1) الآية أي نعمنا به و أثابنا إياه و الضلال في هذه الآية هو العذاب قال الله تعالى‏ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَ سُعُرٍ (2) فسمي العذاب ضلالا و النعيم هداية و الأصل في ذلك أن الضلال هو الهلاك و الهداية هي النجاة.

قال الله تعالى حكاية عن العرب‏ أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (3) يعنون إذا هلكنا فيها و كأن المعنى في قوله‏ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ‏ ما قدمناه‏ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ‏ ما وصفناه و المعنى في قوله‏ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً يريد سلبه التوفيق عقوبة له على عصيانه و منعه الألطاف جزاء له على إساءته فشرح الصدر ثواب الطاعة بالتوفيق و تضييقه عقاب المعصية بمنع التوفيق و ليس في هذه الآية على ما بيناه شبه لأهل الخلاف فيما ادعوه من أن الله تعالى يضل عن الإيمان و يصد

____________

(1) الأعراف: 43.

(2) القمر: 47.

(3) الم السجدة: 10.

93

عن الإسلام و يريد الكفر و يشاء الضلال و أما قوله تعالى‏ وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً فالمراد به الإخبار عن قدرته و أنه لو شاء أن يلجئهم إلى الإيمان و يحملهم عليه بالإكراه و الاضطرار لكان على ذلك قادرا لكنه شاء تعالى منهم الإيمان على الطوع و الاختيار و آخر الآية يدل على ما ذكرناه و هو قوله‏ أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ‏ (1) يريد أن الله قادر على إكراههم على الإيمان لكنه لا يفعل ذلك و لو شاءه لتيسر عليه و كل ما يتعلقون به من أمثال هذه الآية فالقول فيه ما ذكرناه أو نحوه على ما بيناه و فرار المجبرة من إطلاق القول بأن الله يريد أن يعصى و يكفر به و يقتل أولياؤه إلى القول بأنه يريد أن يكون ما علم كما علم و يريد أن يكون معاصيه قبائح منهيا عنها وقوع فيما هربوا منه و تورط فيما كرهوه‏ (2) و ذلك أنه إذا كان ما علم من القبيح كما علم و كان تعالى مريدا لأن يكون ما علم من القبيح كما علم فقد أراد القبيح و أراد أن يكون قبيحا فما معنى فرارهم من شي‏ء إلى نفسه و هربهم من معنى إلى عينه فكيف يتم لهم ذلك مع أهل العقول و هل قولهم هذا إلا كقول إنسان أنا لا أسب زيدا لكني أسب أبا عمرو و زيد هو أبو عمرو و كقول اليهود إذ قالوا سخرية بأنفسهم نحن لا نكفر بمحمد(ص)لكنا نكفر بأحمد فهذا رعونة (3) و جهل ممن صار إليه.

12- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَكْرٍ الْخُورِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُوَيْبَارِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَدَّرَ الْمَقَادِيرَ وَ دَبَّرَ التَّدَابِيرَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ.

ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بالأسانيد الثلاثة عنه(ع)مثله- صح، صحيفة الرضا (عليه السلام) عنه(ع)مثله.

13- فس، تفسير القمي أَبِي عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ص‏

____________

(1) قد أشرنا قبيل ذلك إلى موضع الآية و إلى مواضع سائر الآيات.

(2) تورط الرجل: وقع في الورطة أو في أمر مشكل.

(3) الرعونة: الحمق و الهوج في الكلام.

94

قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)سَبَقَ الْعِلْمُ وَ جَفَّ الْقَلَمُ وَ مَضَى الْقَضَاءُ وَ تَمَّ الْقَدَرُ بِتَحْقِيقِ الْكِتَابِ وَ تَصْدِيقِ الرُّسُلِ وَ بِالسَّعَادَةِ مِنَ اللَّهِ لِمَنْ آمَنَ وَ اتَّقَى وَ بِالشَّقاءِ لِمَنْ كَذَّبَ وَ كَفَرَ وَ بِالْوَلَايَةِ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ بِالْبَرَاءَةِ مِنْهُ لِلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِيَّتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تَشَاءُ لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ وَ بِإِرَادَتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تُرِيدُ لِنَفْسِكَ مَا تُرِيدُ وَ بِفَضْلِ نِعْمَتِي عَلَيْكَ قَوِيتَ عَلَى مَعْصِيَتِي وَ بِقُوَّتِي وَ عِصْمَتِي وَ عَافِيَتِي أَدَّيْتَ إِلَيَّ فَرَائِضِي وَ أَنَا أَوْلَى بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ وَ أَنْتَ أَوْلَى بِذَنْبِكَ مِنِّي الْخَيْرُ مِنِّي إِلَيْكَ [وَاصِلٌ بِمَا أَوْلَيْتُكَ بِهِ‏ (1) وَ الشَّرُّ مِنِّي إِلَيْكَ بِمَا جَنَيْتَ جَزَاءٌ وَ بِكَثِيرٍ مِنْ تَسَلُّطِي لَكَ انْطَوَيْتَ عَنْ طَاعَتِي وَ بِسُوءِ ظَنِّكَ بِي قَنَطْتَ مِنْ رَحْمَتِي فَلِيَ الْحَمْدُ وَ الْحُجَّةُ عَلَيْكَ بِالْبَيَانِ وَ لِيَ السَّبِيلُ عَلَيْكَ بِالْعِصْيَانِ وَ لَكَ الْجَزَاءُ الْحَسَنُ عِنْدِي بِالْإِحْسَانِ لَمْ أَدَعْ تَحْذِيرَكَ بِي وَ لَمْ آخُذْكَ عِنْدَ عِزَّتِكَ وَ هُوَ قَوْلُهُ‏ وَ لَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى‏ ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ لَمْ أُكَلِّفْكَ فَوْقَ طَاقَتِكَ وَ لَمْ أَحْمِلْكَ مِنَ الْأَمَانَةِ إِلَّا مَا أَقْرَرْتَ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ وَ رَضِيْتُ لِنَفْسِي مِنْكَ مَا رَضِيتُ بِهِ لِنَفْسِكَ مِنِّي.

14- يد، التوحيد أَبِي وَ ابْنُ الْوَلِيدِ مَعاً عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ وَ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ مَعاً عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنِ ابْنِ يَزِيدَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعْدَانَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنِ النَّبِيِّ(ص)مِثْلَهُ.

بيان قوله(ص)بتحقيق الكتاب أي جنس الكتاب فالمراد كل كتاب منزل أو القرآن أو اللوح قوله تعالى بمشيتي كنت أنت الذي تشاء أي شئت أن أجعلك شائيا مختارا و أردت أن أجعلك مريدا فجعلتك كذلك و في يد الخير مني بما أوليت بدءا فيمكن أن يقرأ أوليت على صيغة الخطاب و التكلم.

قوله تعالى و بكثير من تسلطي لك أي من التسلط الذي جعلت لك على الخلق و على الأمور و انطوى عن الشي‏ء أي هاجره و جانبه و في التوحيد مكان تلك الفقرة و بإحساني إليك قويت على طاعتي.

____________

(1) في المصدر: الخير منى إليك واصل بما اوليتك.

95

قوله تعالى و لم آخذك عند عزتك أي لم أعذبك عند غفلتك بل وعظتك و نبهتك و حذرتك و قوله و هو قوله إلى قوله من دابة ليس في التوحيد و لا يبعد كونه كلام علي بن إبراهيم.

15- فس، تفسير القمي‏ وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى‏ قَالَ قَدَّرَ الْأَشْيَاءَ فِي التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ ثُمَّ هَدَى إِلَيْهَا مَنْ يَشَاءُ.

16- ج، الإحتجاج رُوِيَ أَنَّهُ‏ سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَنِ الْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ فَقَالَ لَا تَقُولُوا وَكَلَهُمُ اللَّهُ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَتُوَهِّنُوهُ وَ لَا تَقُولُوا جَبَرَهُمْ‏ (1) عَلَى الْمَعَاصِي فَتُظَلِّمُوهُ وَ لَكِنْ قُولُوا الْخَيْرُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَ الشَّرُّ بِخِذْلَانِ اللَّهِ وَ كُلٌّ سَابِقٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ.

17- قَالَ الرِّضَا(ع)ثَمَانِيَةُ أَشْيَاءَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَ قَدَرِهِ النَّوْمُ وَ الْيَقَظَةُ وَ الْقُوَّةُ وَ الضَّعْفُ وَ الصِّحَّةُ وَ الْمَرَضُ وَ الْمَوْتُ وَ الْحَيَاةُ (2).

18- وَ قَالَ النَّبِيُّ(ص)يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَائِي وَ لَمْ يَشْكُرْ لِنَعْمَائِي وَ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى بَلَائِي فَلْيَتَّخِذْ رَبّاً سِوَائِي‏ (3).

19- ج، الإحتجاج رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيِّ(ع)فِي رِسَالَتِهِ إِلَى أَهْلِ الْأَهْوَازِ فِي نَفْيِ الْجَبْرِ وَ التَّفْوِيضِ أَنَّهُ قَالَ رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الشَّامِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنَا عَنْ خُرُوجِنَا إِلَى الشَّامِ أَ بِقَضَاءٍ وَ قَدَرٍ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ نَعَمْ يَا شَيْخُ مَا عَلَوْتُمْ تَلْعَةً وَ لَا هَبَطْتُمْ بَطْنَ وَادٍ إِلَّا بِقَضَاءٍ مِنَ اللَّهِ وَ قَدَرِهِ فَقَالَ الرَّجُلُ عِنْدَ اللَّهِ أَحْتَسِبُ عَنَائِي وَ اللَّهِ مَا أَرَى لِي مِنَ الْأَجْرِ شَيْئاً فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)بَلَى فَقَدْ عَظَّمَ اللَّهُ لَكُمُ الْأَجْرَ فِي مَسِيرِكُمْ وَ أَنْتُمْ ذَاهِبُونَ وَ عَلَى مُنْصَرَفِكُمْ وَ أَنْتُمْ مُنْقَلِبُونَ وَ لَمْ تَكُونُوا فِي شَيْ‏ءٍ مِنْ حَالاتِكُمْ مُكْرَهِينَ‏ (4) فَقَالَ الرَّجُلُ وَ كَيْفَ لَا نَكُونُ مُضْطَرِّينَ وَ الْقَضَاءُ وَ الْقَدْرُ سَاقَانَا وَ عَنْهُمَا كَانَ مَسِيرُنَا فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ‏

____________



(1) في المصدر: اجبرهم. م.

(2) لم نجده في الاحتجاج. م.

(3) لم نجده أيضا فيه. م.

(4) في المصدر: من حالاتكم مكرهين و لا إليه مضطرين. م.

96

ع لَعَلَّكَ أَرَدْتَ قَضَاءً لَازِماً وَ قَدَراً حَتْماً لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَبَطَلَ الثَّوَابُ وَ الْعِقَابُ وَ سَقَطَ الْوَعْدُ وَ الْوَعِيدُ وَ الْأَمْرُ مِنَ اللَّهِ وَ النَّهْيُ وَ مَا كَانَتْ تَأْتِي مِنَ اللَّهِ لَائِمَةٌ لِمُذْنِبٍ وَ لَا مَحْمَدَةٌ لِمُحْسِنٍ وَ لَا كَانَ الْمُحْسِنُ أَوْلَى بِثَوَابِ الْإِحْسَانِ مِنَ الْمُذْنِبِ وَ لَا الْمُذْنِبُ أَوْلَى بِعُقُوبَةِ الذَّنْبِ مِنَ الْمُحْسِنِ تِلْكَ مَقَالَةُ إِخْوَانِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَ جُنُودِ الشَّيْطَانِ وَ خُصَمَاءِ الرَّحْمَنِ وَ شُهَدَاءِ الزُّورِ وَ الْبُهْتَانِ وَ أَهْلِ الْعَمَى‏ (1) وَ الطُّغْيَانِ هُمْ قَدَرِيَّةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ مَجُوسِهَا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ تَخْيِيراً وَ نَهَى تَحْذِيراً وَ كَلَّفَ يَسِيراً وَ لَمْ يُعْصَ مَغْلُوباً وَ لَمْ يُطَعْ مُكْرِهاً وَ لَمْ يُرْسِلِ الرُّسُلَ هَزْلًا وَ لَمْ يُنْزِلِ الْقُرْآنَ عَبَثاً وَ لَمْ يَخْلُقِ السَّمَاوَاتِ‏ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ قَالَ ثُمَّ تَلَا عَلَيْهِمْ‏ وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ‏ قَالَ فَنَهَضَ الرَّجُلُ مَسْرُوراً وَ هُوَ يَقُولُ‏

أَنْتَ الْإِمَامُ الَّذِي نَرْجُو بِطَاعَتِهِ‏* * * يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ الرَّحْمَنِ رِضْوَاناً

وَ سَاقَ الْأَبْيَاتَ إِلَى قَوْلِهِ‏

أَنَّى يُحِبُّ وَ قَدْ صَحَّتْ عَزِيمَتُهُ‏* * * عَلَى الَّذِي قَالَ أَعْلِنْ ذَاكَ إِعْلَاناً

20- وَ رُوِيَ‏ أَنَّ الرَّجُلَ قَالَ فَمَا الْقَضَاءُ وَ الْقَدَرُ الَّذِي ذَكَرْتَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ الْأَمْرُ بِالطَّاعَةِ وَ النَّهْيُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَ التَّمْكِينُ مِنْ فِعْلِ الْحَسَنَةِ وَ تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ وَ الْمَعُونَةُ عَلَى الْقُرْبَةِ إِلَيْهِ وَ الْخِذْلَانُ لِمَنْ عَصَاهُ وَ الْوَعْدُ وَ الْوَعِيدُ وَ التَّرْغِيبُ وَ التَّرْهِيبُ كُلُّ ذَلِكَ قَضَاءُ اللَّهِ فِي أَفْعَالِنَا وَ قَدَرُهُ لِأَعْمَالِنَا أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا تَظُنَّهُ فَإِنَّ الظَّنَّ لَهُ مُحْبِطٌ لِلْأَعْمَالِ فَقَالَ الرَّجُلُ فَرَّجْتَ عَنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَرَّجَ اللَّهُ عَنْكَ.

21 فَوَائِدُ الْكَرَاجُكِيِّ، عَنِ الْمُفِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْحَافِظِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ جَعْفَرٍ الْعَلَوِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنِ الصَّادِقِ(ع)عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ(ع)قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ أَخْبِرْنَا عَنْ خُرُوجِنَا إِلَى أَهْلِ الشَّامِ إِلَى آخِرِ الْخَبَرَيْنِ.

____________

(1) في المصدر: و أهل الغى. م.

97

22- عد، العقائد اعْتِقَادُنَا فِي الْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ قَوْلُ الصَّادِقِ(ع)لِزُرَارَةَ حِينَ سَأَلَهُ فَقَالَ مَا تَقُولُ فِي الْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ قَالَ أَقُولُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ إِذَا جَمَعَ الْعِبَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَأَلَهُمْ عَمَّا عَهِدَ إِلَيْهِمْ وَ لَمْ يَسْأَلْهُمْ عَمَّا قَضَى عَلَيْهِمْ‏ (1) وَ الْكَلَامُ فِي الْقَدَرِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ كَمَا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لِرَجُلٍ قَدْ سَأَلَهُ عَنِ الْقَدَرِ فَقَالَ بَحْرٌ عَمِيقٌ فَلَا تَلِجْهُ ثُمَّ سَأَلَهُ ثَانِيَةً فَقَالَ طَرِيقٌ مُظْلِمٌ فَلَا تَسْلُكْهُ ثُمَّ سَأَلَهُ ثَالِثَةً فَقَالَ سِرُّ اللَّهِ فَلَا تَتَكَلَّفْهُ‏ (2).

23- وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فِي الْقَدَرِ أَلَا إِنَّ الْقَدَرَ سِرٌّ مِنَ سِرِّ اللَّهِ‏ (3) وَ حِرْزٌ مِنْ حِرْزِ اللَّهِ مَرْفُوعٌ فِي حِجَابِ اللَّهِ مَطْوِيٌّ عَنْ خَلْقِ اللَّهِ مَخْتُومٌ بِخَاتَمِ اللَّهِ سَابِقٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ وَضَعَ اللَّهُ عَنِ الْعِبَادِ عِلْمَهُ وَ رَفَعَهُ فَوْقَ شَهَادَاتِهِمْ‏ (4) لِأَنَّهُمْ لَا يَنَالُونَهُ بِحَقِيقَةِ الرَّبَّانِيَّةِ وَ لَا بِقُدْرَةِ الصَّمَدَانِيَّةِ وَ لَا بِعَظَمَةِ النُّورَانِيَّةِ وَ لَا بِعِزَّةِ الْوَحْدَانِيَّةِ لِأَنَّهُ بَحْرٌ زَاخِرٌ مَوَّاجٌ خَالِصٌ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عُمْقُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ عَرْضُهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ أَسْوَدُ كَاللَّيْلِ الدَّامِسِ كَثِيرُ الْحَيَّاتِ وَ الْحِيتَانِ تَعْلُو مَرَّةً وَ تَسْفُلُ أُخْرَى فِي قَعْرِهِ شَمْسٌ تُضِي‏ءُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهَا إِلَّا الْوَاحِدُ الْفَرْدُ فَمَنْ تَطَلَّعَ عَلَيْهَا فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي حُكْمِهِ وَ نَازَعَهُ فِي سُلْطَانِهِ وَ كَشَفَ عَنْ سِرِّهِ وَ سِتْرِهِ وَ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (5)

24- وَ رُوِيَ‏ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَدَلَ مِنْ عِنْدِ حَائِطٍ مَائِلٍ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ فَقِيلَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَفِرُّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ فَقَالَ(ع)أَفِرُّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ‏ (6) وَ سُئِلَ‏

____________



(1) سيأتي الحديث مسندا تحت رقم 38 و تقدم مرسلا عن زرارة في الباب السابق تحت رقم 111 نحوه.

(2) سيأتي مسندا تحت رقم 35.

(3) في المصدر: سر من سر اللّه و ستر من ستر اللّه. م.

(4) في المصدر: و رفعه فوق شهاداتهم و مبلغ عقولهم. م.

(5) أورده مسندا في(ص)392 من التوحيد، و السند هكذا: محمّد بن موسى المتوكل، عن السعدآبادي، عن البرقي، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن زياد بن المنذر، عن ابن طريف، عن الأصبغ، عن أمير المؤمنين (عليه السلام). فليراجعه.

(6) انظر الحديث مسندا تحت رقم 41.

98

الصَّادِقُ(ع)عَنِ الرُّقَى هَلْ تَدْفَعُ مِنَ الْقَدَرِ شَيْئاً فَقَالَ هِيَ مِنَ الْقَدَرِ (1).

أقول قال الشيخ المفيد (رحمه الله ) في شرح هذا الكلام عمل أبو جعفر في هذا الباب على أحاديث شواذّ لها وجوه تعرفها العلماء متى صحّت و ثبت أسنادها و لم يقل فيه قولا محصلا و قد كان ينبغي له لما لم يعرف للقضاء معنى أن يهمل الكلام فيه و القضاء معروف في اللغة و عليه شواهد من القرآن فالقضاء على أربعة أضراب أحدها الخلق و الثاني الأمر و الثالث الإعلام و الرابع القضاء بالحكم فأما شاهد الأول فقوله تعالى‏ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ‏ (2) و أما الثاني فقوله تعالى‏ وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ‏ (3) و أما الثالث فقوله تعالى‏ وَ قَضَيْنا إِلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ‏ (4) و أما الرابع فقوله‏ وَ اللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِ‏ (5) يعني يفصل بالحكم بالحق بين الخلق‏ (6) و قوله‏ وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِ‏ و قد قيل إن للقضاء معنى خامسا و هو الفراغ من الأمر و استشهد على ذلك بقول يوسف ع‏ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ‏ (7) يعني فرغ منه و هذا يرجع إلى معنى الخلق.

و إذا ثبت ما ذكرناه في أوجه القضاء بطل قول المجبرة أن الله تعالى قضى بالمعصية على خلقه لأنه لا يخلو إما أن يكونوا يريدون به أن الله خلق العصيان في خلقه فكان يجب أن يقولوا قضى في خلقه بالعصيان و لا يقولوا قضى عليهم لأن الخلق فيهم لا عليهم مع أن الله تعالى قد أكذب من زعم أنه خلق المعاصي بقوله سبحانه‏ الَّذِي‏

____________

(1) تقدم الحديث مسندا تحت رقم 1 عن كتاب قرب الإسناد، و أورده الصدوق في(ص)390 من التوحيد بإسناد آخر و هو هكذا: الدقاق، عن محمّد بن أبي عبد اللّه الكوفيّ، عن موسى بن عمران النخعيّ، عن عمه الحسين بن يزيد النوفليّ، عن عليّ بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرقى أ تدفع من القدر شيئا؟ فقال: هى من القدر، و قال (عليه السلام): إن القدرية مجوس هذه الأمة، و هم الذين أرادوا أن يصفوا اللّه بعدله فأخرجوه من سلطانه، و فيهم نزلت هذه الآية: «يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى‏ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ»

(2) حم السجدة: 12.

(3) اسرى: 23.

(4) اسرى: 4.

(5) المؤمن: 10.

(6) الزمر: 69.

(7) يوسف: 41.

99

أَحْسَنَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ‏ (1) كما مر و لا وجه لقولهم قضى المعاصي على معنى أمر بها لأنه تعالى قد أكذب مدعي ذلك بقوله تعالى‏ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏ (2) و لا معنى لقول من زعم أنه قضى بالمعاصي على معنى أنه أعلم الخلق بها إذ كان الخلق لا يعلمون أنهم في المستقبل يطيعون أو يعصون و لا يحيطون علما بما يكون منهم في المستقبل على التفضيل و لا وجه لقولهم إنه قضى بالذنوب على معنى أنه حكم بها بين العباد لأن أحكام الله تعالى حق و المعاصي منهم و لا لذلك فائدة و هو لغو باتفاق فبطل قول من زعم أن الله تعالى يقضي بالمعاصي و القبائح.

و الوجه عندنا في القضاء و القدر بعد الذي بيناه أن لله تعالى في خلقه قضاء و قدرا في أفعالهم أيضا قضاء و قدرا معلوما و يكون المراد بذلك أنه قد قضى في أفعالهم الحسنة بالأمر بها و في أفعالهم القبيحة بالنهي عنها و في أنفسهم بالخلق لها و فيما فعله فيهم بالإيجاد له و القدر منه سبحانه فيما فعله إيقاعه في حقه و موضعه و في أفعال عباده ما قضاه فيها من الأمر و النهي و الثواب و العقاب لأن ذلك كله واقع موقعه و موضوع في مكانه لم يقع عبثا و لم يصنع باطلا.

فإذا فسر القضاء في أفعال الله تعالى و القدر بما شرحناه زالت الشبهة منه و ثبتت الحجة به و وضح القول فيه لذوي العقول و لم يلحقه فساد و لا اختلال.

فأما الأخبار التي رواها في النهي عن الكلام في القضاء و القدر فهي تحتمل وجهين أحدهما أن يكون النهي خاصا بقوم كان كلامهم في ذلك يفسدهم و يضلهم عن الدين و لا يصلحهم إلا الإمساك عنه و ترك الخوض فيه و لم يكن النهي عنه عاما لكافة المكلفين و قد يصلح بعض الناس بشي‏ء يفسد به آخرون و يفسد بعضهم بشي‏ء يصلح به آخرون فدبر الأئمة(ع)أشياعهم في الدين بحسب ما علموه من مصالحهم فيه.

و الوجه الآخر أن يكون النهي عن الكلام فيهما النهي عن الكلام فيما خلق الله تعالى و عن علله و أسبابه و عما أمر به و تعبد و عن القول في علل ذلك إذ كان طلب علل الخلق و الأمر محظورا لأن الله تعالى سترها من أكثر خلقه أ لا ترى أنه لا يجوز لأحد

____________

(1) الم السجدة: 7.

(2) الأعراف: 28.

100

أن يطلب لخلقه جميع ما خلق عللا مفصّلات فيقول لم خلق كذا و كذا حتى يعدّ المخلوقات كلها و يحصيها و لا يجوز أن يقول لم أمر بكذا و تعبد بكذا و نهى عن كذا إذ تعبّده بذلك و أمره لما هو أعلم به من مصالح الخلق و لم يطلع أحدا من خلقه على تفصيل ما خلق و أمر به و تعبد و إن كان قد أعلم في الجملة أنه لم يخلق الخلق عبثا و إنما خلقهم للحكمة و المصلحة و دل على ذلك بالعقل و السمع فقال سبحانه‏ وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ‏ (1) و قال‏ أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً (2) و قال‏ إِنَّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (3) يعني بحق و وضعناه في موضعه و قال‏ وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏ (4) و قال فيما تعبد لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها وَ لكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى‏ مِنْكُمْ‏ (5) و قد يصح أن يكون تعالى خلق حيوانا بعينه لعلمه تعالى بأنه يؤمن عند خلقه كفار أو يتوب عند ذلك فساق أو ينفع به مؤمنون أو يتعظ به ظالمون أو ينتفع المخلوق نفسه بذلك أو يكون عبرة لواحد في الأرض أو في السماء و ذلك يغيب عنا و إن قطعنا في الجملة أن جميع ما صنع الله تعالى إنما صنعه لأغراض حكمية و لم يصنعه عبثا و كذلك يجوز أن يكون تعبدنا بالصلاة لأنها تقربنا من طاعته و تبعدنا عن معصيته و تكون العبادة بها لطفا لكافة المتعبدين بها أو لبعضهم.

فلما خفيت هذه الوجوه و كانت مستورة عنا و لم يقع دليل على التفصيل فيها و إن كان العلم بأنها حكمة في الجملة كان النهي عن الكلام في معنى القضاء و القدر إنما هو عن طلب علل لها مفصلة فلم يكن نهيا عن الكلام في معنى القضاء و القدر.

هذا إن سلمت الأخبار التي رواها أبو جعفر (رحمه الله ) فإما إن بطلت أو اختل سندها فقد سقط عنا عهدة الكلام فيها و الحديث الذي رواه عن زرارة حديث صحيح من بين ما روى و المعنى فيه ظاهر ليس به على العقلاء خفاء و هو مؤيد للقول بالعدل‏

____________

(1) الأنبياء: 16.

(2) المؤمنون: 115.

(3) القمر: 49.

(4) الذاريات: 56.

(5) الحجّ: 37.

101

أ لا ترى إلى‏

- مَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)مِنْ قَوْلِهِ‏ إِذَا حَشَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْخَلَائِقَ سَأَلَهُمْ عَمَّا عَهِدَ إِلَيْهِمْ وَ لَمْ يَسْأَلْهُمْ عَمَّا قَضَى عَلَيْهِمْ‏ (1).

و قد نطق القرآن بأن الخلق مسئولون عن أعمالهم انتهى كلامه (رحمه الله ).

و أقول من تفكر في الشبه الواردة على اختيار العباد و فروع مسألة الجبر و الاختيار و القضاء و القدر علم سر نهي المعصوم عن التفكر فيها فإنه قل من أمعن النظر فيها و لم يزل قدمه إلا من عصمه الله بفضله.

25- يد، التوحيد الْمُفَسِّرُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيِّ(ع)قَالَ قَالَ الرِّضَا(ع)فِيمَا يَصِفُ بِهِ الرَّبَّ لَا يَجُورُ فِي قَضِيَّتِهِ الْخَلْقُ إِلَى مَا عَلِمَ مُنْقَادُونَ وَ عَلَى مَا سَطَرَ فِي كِتَابِهِ مَاضُونَ لَا يَعْمَلُونَ خِلَافَ مَا عَلِمَ مِنْهُمْ وَ لَا غَيْرَهُ يُرِيدُونَ الْخَبَرَ (2).

26- يد، التوحيد فِي خَبَرِ الْفَتْحِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ(ع)إِنَّ لِلَّهِ إِرَادَتَيْنِ وَ مَشِيَّتَيْنِ إِرَادَةَ حَتْمٍ وَ إِرَادَةَ عَزْمٍ يَنْهَى وَ هُوَ يَشَاءُ وَ يَأْمُرُ وَ هُوَ لَا يَشَاءُ أَ وَ مَا رَأَيْتَ أَنَّ اللَّهَ نَهَى آدَمَ وَ زَوْجَتَهُ أَنْ يَأْكُلَا مِنَ الشَّجَرَةِ وَ هُوَ شَاءَ ذَلِكَ وَ لَوْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَأْكُلَا وَ لَوْ أَكَلَا لَغَلَبَتْ مَشِيَّتُهُمَا مَشِيَّةَ اللَّهِ وَ أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ بِذَبْحِ ابْنِهِ وَ شَاءَ أَنْ لَا يَذْبَحَهُ وَ لَوْ لَمْ يَشَأْ أَنْ لَا يَذْبَحَهُ لَغَلَبَتْ مَشِيَّةُ إِبْرَاهِيمَ مَشِيَّةَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ.

أقول أوردنا الخبر بإسناده و تمامه في باب جوامع التوحيد قال الصدوق (رحمه الله ) بعد إيراد هذا الخبر إن الله تعالى نهى آدم و زوجته عن أن يأكلا من الشجرة و قد علم أنهما يأكلان منها لكنه عز و جل شاء أن لا يحول بينهما و بين الأكل منها بالجبر و القدرة كما منعهما عن الأكل منها بالنهي و الزجر فهذا معنى مشيته فيهما و لو شاء عز و جل منعهما من الأكل بالجبر ثم أكلا منها لكان مشيتهما قد غلبت مشية الله كما قال العالم تعالى الله عن العجز علوا كبيرا.

بيان قيل المراد بالمشية في تلك الأخبار هو العلم و قيل هي تهيئة أسباب الفعل بعد إرادة العبد ذلك الفعل و قيل إرادة بالعرض يتعلق بفعل العبد و الأصوب‏

____________

(1) يأتي الحديث مسندا تحت رقم 38 و فيه: إبراهيم بن هاشم و عليّ بن معبد.

(2) تقدم الحديث بتمامه في باب نفى الجسم و الصورة.

102

أنها عبارة عن منع الألطاف و الهدايات الصارفة عن الفعل و الداعية إليه لضرب من المصلحة أو عقوبة لما صنع العبد بسوء اختياره كما مر بيانه‏ (1).

27- يد، التوحيد الدَّقَّاقُ عَنِ الْكُلَيْنِيِّ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ عَنِ الْمُعَلَّى قَالَ: سُئِلَ الْعَالِمُ(ع)كَيْفَ عَلِمَ اللَّهُ قَالَ عَلِمَ وَ شَاءَ وَ أَرَادَ وَ قَدَّرَ وَ قَضَى وَ أَمْضَى فَأَمْضَى مَا قَضَى وَ قَضَى مَا قَدَّرَ وَ قَدَّرَ مَا أَرَادَ فَبِعِلْمِهِ كَانَتِ الْمَشِيَّةُ وَ بِمَشِيَّتِهِ كَانَتِ الْإِرَادَةُ وَ بِإِرَادَتِهِ كَانَ التَّقْدِيرُ وَ بِتَقْدِيرِهِ كَانَ الْقَضَاءُ وَ بِقَضَائِهِ كَانَ الْإِمْضَاءُ فَالْعِلْمُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْمَشِيَّةِ وَ الْمَشِيَّةُ ثَانِيَةٌ وَ الْإِرَادَةُ ثَالِثَةٌ وَ التَّقْدِيرُ وَاقِعٌ عَلَى الْقَضَاءِ بِالْإِمْضَاءِ فَلِلَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى الْبَدَاءُ فِيمَا عَلِمَ مَتَى شَاءَ وَ فِيمَا أَرَادَ لِتَقْدِيرِ الْأَشْيَاءِ فَإِذَا وَقَعَ الْقَضَاءُ بِالْإِمْضَاءِ فَلَا بَدَاءَ فَالْعِلْمُ بِالْمَعْلُومِ قَبْلَ كَوْنِهِ وَ الْمَشِيَّةُ فِي الْمُشَاءِ قَبْلَ عَيْنِهِ وَ الْإِرَادَةُ فِي الْمُرَادِ قَبْلَ قِيَامِهِ وَ التَّقْدِيرُ لِهَذِهِ الْمَعْلُومَاتِ قَبْلَ تَفْصِيلِهَا وَ تَوْصِيلِهَا عِيَاناً وَ قِيَاماً (2) وَ الْقَضَاءُ بِالْإِمْضَاءِ هُوَ الْمُبْرَمُ مِنَ الْمَفْعُولَاتِ ذَوَاتِ الْأَجْسَامِ الْمُدْرَكَاتِ بِالْحَوَاسِّ مِنْ ذِي لَوْنٍ وَ رِيحٍ وَ وَزْنٍ وَ كَيْلٍ وَ مَا دَبَّ وَ دَرَجَ مِنْ إِنْسٍ وَ جِنٍّ وَ طَيْرٍ وَ سِبَاعٍ وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ فَلِلَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فِيهِ الْبَدَاءُ مِمَّا لَا عَيْنَ لَهُ فَإِذَا وَقَعَ الْعَيْنُ الْمَفْهُومُ الْمُدْرَكُ فَلَا بَدَاءَ وَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَ بِالْعِلْمِ عَلِمَ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ كَوْنِهَا وَ بِالْمَشِيَّةِ عَرَفَ صِفَاتِهَا وَ حُدُودَهَا وَ أَنْشَأَهَا قَبْلَ إِظْهَارِهَا وَ بِالْإِرَادَةِ مَيَّزَ أَنْفُسَهَا فِي أَلْوَانِهَا وَ صِفَاتِهَا وَ حُدُودِهَا وَ بِالتَّقْدِيرِ قَدَّرَ أَقْوَاتَهَا (3) وَ عَرَّفَ أَوَّلَهَا وَ آخِرَهَا وَ بِالْقَضَاءِ أَبَانَ لِلنَّاسِ أَمَاكِنَهَا وَ دَلَّهُمْ عَلَيْهَا وَ بِالْإِمْضَاءِ شَرَحَ عِلَلَهَا وَ أَبَانَ أَمْرَهَا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ‏.

بيان قوله(ع)قبل تفصيلها و توصيلها أي في لوح المحو و الإثبات أو في الخارج قوله(ع)فإذا وقع العين المفهوم المدرك أي فصل و ميز في اللوح أو أوجد في الخارج و لعل تلك الأمور عبارة عن اختلاف مراتب تقديرها في لوح المحو و

____________

(1) ما تضمنه الخبر هي الإرادة التشريعية، و الإرادة التكوينية المتعلقة بأفعال العباد من طريق اختيارهم و إرادتهم، و الذي ذكره المصنّف (رحمه الله ) بقوله: و الاصوب إلخ من لوازم تعلق الإرادة من طريق الاختيار. ط.

(2) في الكافي: عيانا و وقتا.

(3) في المصدر: فى ألوانها و صفاتها و بالتقدير قدر اوقاتها. م.

103

الإثبات قد جعلها الله من أسباب وجود الشي‏ء و شرائطه لمصالح و قد مر بيانها في باب البداء فالمشية كتابة وجود زيد و بعض صفاته مثلا مجملا و الإرادة كتابة العزم عليه بتا مع كتابة بعض صفاته أيضا و التقدير تفصيل بعض صفاته و أحواله لكن مع نوع من الإجمال أيضا و القضاء تفصيل جميع الأحوال و هو مقارن للإمضاء أي الفعل و الإيجاد و العلم بجميع تلك الأمور أزلي قديم فقوله و بالمشية عرف على صيغة التفعيل و شرح العلل كناية عن الإيجاد.

و قال بعض الأفاضل الظاهر من السؤال أنه كيف علم الله أ بعلم مستند إلى الحضور العيني في وقته و الشهود لموجود عيني‏ (1) أو في موجود عيني كما في علومنا أو بعلم مستند إلى الذات سابق على خلق الأشياء فأجاب(ع)بأن العلم سابق على وجود المخلوق بمراتب فقال علم و شاء و أراد و قدر و قضى و أمضى فالعلم ما به ينكشف الشي‏ء و المشية ملاحظته بأحوال مرغوب فيها يوجب فينا ميلا دون المشية له سبحانه لتعاليه عن التغير و الاتصاف بالصفة الزائدة و الإرادة تحريك الأسباب نحوه بحركة نفسانية فينا بخلاف الإرادة فيه سبحانه و القدر التحديد و تعيين الحدود و الأوقات و القضاء هو الإيجاب و الإمضاء هو الإيجاد فوجود الخلق بعد علمه سبحانه بهذه المراتب و قوله فأمضى ما قضى أي فأوجد ما أوجب و أوجب ما قدر و قدر ما أراد ثم استأنف البيان على وجه أوضح فقال بعلمه كانت المشية و هي مسبوقة بالعلم و بمشيته كانت الإرادة و هي مسبوقة بالمشية و بإرادته كان التقدير و التقدير مسبوق بالإرادة و بتقديره كان القضاء و الإيجاب و هو مسبوق بالتقدير إذ لا إيجاب إلا للمحدد الموقوف و بقضائه و إيجابه كان الإمضاء و الإيجاد و لله تعالى البداء فيما علم متى شاء فإن الدخول في العلم أول مراتب السلوك إلى الوجود العيني و له البداء فيما علم متى شاء أن يبدو و فيما أراد و حرك الأسباب نحو تحريكه متى شاء قبل القضاء و الإيجاب فإذا وقع القضاء و الإيجاب متلبسا بالإمضاء و الإيجاد فلا بداء فعلم أن في المعلوم العلم قبل كون المعلوم و حصوله في الأذهان و الأعيان و في المشاء المشية قبل عينه و وجوده‏

____________

(1) في بعض النسخ هكذا: أ بعلم مستند إلى الحضور العينى في وقته و الشهود في وقته بموجود.؟.

104

العيني و في أكثر النسخ المنشأ و لعل المراد به الإنشاء قبل الإظهار كما في آخر الحديث و في المراد الإرادة قبل قيامه و التقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها و توصيلها و حضورها العيني في أوقاتها و القضاء بالإمضاء هو المبرم الذي يلزمه وجود المقضي فبالعلم علم الأشياء قبل كونها و أصل العلم غير مرتبط بنحو من الحصول للمعلوم و لو في غيره بصورته المتحددة و لا يوجب نفس العلم و الانكشاف بما هو علم و انكشاف للأشياء إنشاءها و بالمشية و معرفتها بصفاتها و حدودها أنشأها إنشاء قبل الإظهار و الإدخال في الوجود العيني و بالإرادة و تحريك الأسباب نحو وجودها العيني ميز بعضها عن بعض بتخصيص تحريك الأسباب نحو وجود بعض دون بعض و بالتقدير قدرها و عين و حدد أقواتها و أوقاتها و آجالها و بالقضاء و إيجابها بموجباتها أظهر للناس أماكنها و دلهم عليها بدلائلها فاهتدوا إلى العلم بوجودها حسب ما يوجبه الموجب بعد العلم بالموجب و بالإمضاء و الإيجاد أوضح تفصيل عللها و أبان أمرها بأعيانها.

28- يد، التوحيد الْقَطَّانُ عَنْ أَحْمَدَ الْهَمْدَانِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنِ الثُّمَالِيِّ عَنِ ابْنِ طَرِيفٍ عَنِ الْأَصْبَغِ قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى دَاوُدَ يَا دَاوُدُ تُرِيدُ وَ أُرِيدُ وَ لَا يَكُونُ إِلَّا مَا أُرِيدُ فَإِنْ أَسْلَمْتَ لِمَا أُرِيدُ أَعْطَيْتُكَ مَا تُرِيدُ وَ إِنْ لَمْ تُسْلِمْ لِمَا أُرِيدُ أَتْعَبْتُكَ فِيمَا تُرِيدُ ثُمَّ لَا يَكُونُ إِلَّا مَا أُرِيدُ.

29- يد، التوحيد أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ الْعَرْزَمِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: كَانَ لِعَلِيٍّ(ع)غُلَامٌ اسْمُهُ قَنْبَرُ وَ كَانَ يُحِبُّ عَلِيّاً(ع)حُبّاً شَدِيداً فَإِذَا خَرَجَ عَلِيٌّ(ع)خَرَجَ عَلَى أَثَرِهِ بِالسَّيْفِ فَرَآهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ يَا قَنْبَرُ مَا لَكَ قَالَ جِئْتُ لِأَمْشِيَ خَلْفَكَ فَإِنَّ النَّاسَ كَمَا تَرَاهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَخِفْتُ عَلَيْكَ قَالَ وَيْحَكَ أَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ تَحْرُسُنِي أَمْ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ قَالَ لَا بَلْ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ قَالَ إِنَّ أَهْلَ الْأَرْضِ لَا يَسْتَطِيعُونَ بِي شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مِنَ السَّمَاءِ فَارْجِعْ فَرَجَعَ.

30- كا، الكافي عَلِيٌّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ زَيْدٍ الشَّحَّامِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع‏

105

قَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)جَلَسَ إِلَى حَائِطٍ مَائِلٍ يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَقْعُدْ تَحْتَ هَذَا الْحَائِطِ فَإِنَّهُ مُعْوِرٌ (1) فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَرَسُ امْرِئٍ أَجَلُهُ فَلَمَّا قَامَ سَقَطَ الْحَائِطُ قَالَ وَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَفْعَلُ هَذَا وَ أَشْبَاهَهُ وَ هَذَا الْيَقِينُ.

31- كا، الكافي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْوَشَّاءِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ: نَظَرْتُ يَوْماً فِي الْحَرْبِ إِلَى رَجُلٍ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ فَحَرَّكْتُ فَرَسِي فَإِذَا هُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَقَالَ نَعَمْ يَا سَعِيدَ بْنَ قَيْسٍ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَ لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ حَافِظٌ وَ وَاقِيَةٌ مَعَهُ مَلَكَانِ يَحْفَظَانِهِ مِنْ أَنْ يَسْقُطَ مِنْ رَأْسِ جَبَلٍ أَوْ يَقَعَ فِي بِئْرٍ فَإِذَا نَزَلَ الْقَضَاءُ خَلَّيَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ.

بيان يمكن أن يكون هذه الأمور من خصائصهم(ع)لعلمهم بعدم تضرّرهم بهذه الأمور و بوقت موتهم و سببه و لذا فرّ(ع)من حائط كما سيأتي و لم يفرّ من حائط كما مرّ لعلمه بسقوط الأول و عدم سقوط الثاني و يحتمل أن يكون المقصود من تلك الأخبار عدم المبالغة في الفرار عن البلايا و المصائب و عدم ترك الواجبات للتوهّمات البعيدة. (2)

- وَ يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الصَّدُوقُ فِي الْخِصَالِ عَنِ ابْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْكُوفِيِّ وَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمَّادٍ الْحَارِثِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)خَمْسَةٌ لَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ أَحَدُهُمْ رَجُلٌ مَرَّ بِحَائِطٍ مَائِلٍ وَ هُوَ يُقْبِلُ إِلَيْهِ وَ لَمْ يُسْرِعِ الْمَشْيَ حَتَّى سَقَطَ عَلَيْهِ الْخَبَرَ

.

____________

(1) أي مخوف لا حافظ له.

(2) قوله (عليه السلام) في آخر الرواية الأولى: «و هذا اليقين» الظاهر في المدح و التعظيم ينفى الاحتمال الأول إذ لا فضل لمن لا يتقى مكروها لعلمه بعدم وجوده أو عدم تأثيره، و كذا قوله (عليه السلام): حرس امرأ أجله يدفع الاحتمال الثاني إذ لا يعتد بالتوهمات البعيدة عند العقلاء فلا حاجة إلى دفعه بأن الأجل حارس. و الذي ينبغي أن يقال: أن اليقين بأن الامر بيد اللّه لا يدع احتمالا لتأثير مؤثر غيره حتّى يتقى آثار المكاره و مع ذلك فالعادة الجارية بين العقلاء من الإنسان أن يتقى ما يعد عادة أثرا مكروها و لمن فاز بدرجة اليقين من أولياء اللّه أن يعمل على طبق يقينه، و أن يجرى على ما يجرى عليه العقلاء فكان (عليه السلام) يتفنن في سيرته فتارة هكذا و تارة كذلك. ط.

106

32- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْقَدَّاحِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ: قِيلَ لِعَلِيٍّ(ع)إِنَّ رَجُلًا يَتَكَلَّمُ فِي الْمَشِيَّةِ فَقَالَ ادْعُهُ لِي فَقَالَ فَدُعِيَ لَهُ فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ خَلَقَكَ اللَّهُ لِمَا شَاءَ أَوْ لِمَا شِئْتَ قَالَ لِمَا شَاءَ قَالَ فَيُمْرِضُكَ إِذَا شَاءَ أَوْ إِذَا شِئْتَ قَالَ إِذَا شَاءَ قَالَ فَيَشْفِيكَ إِذَا شَاءَ أَوْ إِذَا شِئْتَ قَالَ إِذَا شَاءَ قَالَ فَيُدْخِلُكَ حَيْثُ يَشَاءُ أَوْ حَيْثُ شِئْتَ فَقَالَ حَيْثُ يَشَاءُ قَالَ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)لَوْ قُلْتَ غَيْرَ هَذَا لَضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاكَ.

33- يد، التوحيد وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: دَخَلَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَوْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)رَجُلٌ مِنْ أَتْبَاعِ بَنِي أُمَيَّةَ فَخِفْنَا عَلَيْهِ فَقُلْنَا لَهُ لَوْ تَوَارَيْتَ وَ قُلْنَا لَيْسَ هُوَ هَاهُنَا قَالَ بَلَى ائْذَنُوا لَهُ‏ (1) فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ عِنْدَ لِسَانِ كُلِّ قَائِلٍ وَ يَدِ كُلِّ بَاسِطٍ فَهَذَا الْقَائِلُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَ هَذَا الْبَاسِطُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْسُطَ يَدَهُ إِلَّا بِمَا شَاءَ اللَّهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ آمَنَ بِهَا وَ ذَهَبَ.

34- يد، التوحيد أَبِي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَعْبَدٍ عَنْ دُرُسْتَ عَنِ الْفُضَيْلِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ‏ شَاءَ وَ أَرَادَ وَ لَمْ يُحِبَّ وَ لَمْ يَرْضَ شَاءَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي مُلْكِهِ‏ (2) شَيْ‏ءٌ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَ أَرَادَ مِثْلَ ذَلِكَ وَ لَمْ يُحِبَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَ لَمْ يَرْضَ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ.

- يد، التوحيد إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَدْ قَضَى جَمِيعَ أَعْمَالِ الْعِبَادِ وَ قَدَّرَهَا وَ جَمِيعَ مَا يَكُونُ فِي الْعَالَمِ مِنْ خَيْرٍ وَ شَرٍّ.

و القضاء قد يكون بمعنى الإعلام كما قال الله عز و جل‏ وَ قَضَيْنا إِلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ‏ (3) يريد أعلمناهم و كما قال الله عز و جل‏ وَ قَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ‏ (4) يريد أخبرناه و أعلمناه فلا ينكر أن يكون الله عز و جل يقضي أعمال العباد و سائر ما يكون من خير و شر على هذا المعنى لأن الله عز و جل عالم بها أجمع و يصح أن يعلمها عباده و يخبرهم عنها و قد يكون القدر أيضا في معنى‏

____________

(1) في المصدر: بل ائذنوا له. م.

(2) ليست في المصدر كلمة «فى ملكه» كما في الكافي «ج 1(ص)151».

(3) اسرى: 2.

(4) الحجر: 66.

107

الكتاب و الأخبار كما قال الله عز و جل‏ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ‏ (1) يعني كتبنا و أخبرنا و قال العجاج.

و اعلم بأن ذا الجلال قد قدر.* * * في الصحف الأولى التي كان سطر.

و قدر معناه كتب و قد يكون القضاء بمعنى الحكم و الإلزام قال الله عز و جل‏ وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً (2) يريد حكم بذلك و ألزمه خلقه فقد يجوز أن يقال إن الله عز و جل قد قضى من أعمال العباد على هذا المعنى ما قد ألزمه عباده و حكم به عليهم و هي الفرائض دون غيرها و قد يجوز أيضا أن يقدر الله عز و جل أعمال العباد بأن يبين مقاديرها و أحوالها من حسن و قبح و فرض و نافلة و غير ذلك و يفعل من الأدلة على ذلك ما يعرف به هذه الأحوال لهذه الأفعال فيكون عز و جل مقدرا لها في الحقيقة و ليس يقدرها ليعرف مقدارها و لكن ليبين لغيره ممن لا يعرف ذلك حال ما قدره بتقديره إياه و هذا أظهر من أن يخفى و أبين من أن يحتاج إلى الاستشهاد عليه أ لا ترى أنا قد نرجع إلى أهل المعرفة بالصناعات في تقديرها لنا فلا يمنعهم علمهم بمقاديرها من أن يقدروها لنا ليبينوا لنا مقاديرها و إنما أنكرنا أن يكون الله عز و جل حكم بها على عباده و منعهم من الانصراف عنها أو أن يكون فعلها و كونها فأما أن يكون عز و جل خلقها خلق تقدير فلا ننكره.

و سمعت بعض أهل العلم يقول إن القضاء على عشرة أوجه فأول وجه منها العلم و هو قول الله عز و جل‏ إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها (3) يعني علمها.

و الثاني الإعلام و هو قوله عز و جل‏ وَ قَضَيْنا إِلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ‏ (4) و قوله‏ وَ قَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ (5) أي أعلمناه.

و الوجه الثالث الحكم و هو قوله عز و جل و يقضي ربك بالحق يعني يحكم بالحق. (6)

____________

(1) النمل: 57.

(2) اسرى: 23.

(3) يوسف: 68.

(4) اسرى: 4.

(5) الحجر: 66.

(6) في المصدر: و هو قوله عزّ و جلّ‏ «وَ اللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ» اى يحكم بالحق، و الرابع القول و هو قوله عزّ و جلّ «و هو يَقْضِي بِالْحَقِّ» اى يقول بالحق. م.

108

و الرابع القول و هو قوله عز و جل‏ وَ اللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِ‏ (1) أي يقول الحق و الخامس الحتم و هو قوله عز و جل‏ فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ‏ (2) يعني حتمنا فهو القضاء الحتم.

و السادس الأمر و هو قوله عز و جل‏ وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ‏ (3) يعني أمر ربك.

و السابع الخلق و هو قوله عز و جل‏ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ‏ (4) يعني خلقهن.

و الثامن الفعل و هو قوله عز و جل‏ فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ‏ (5) أي افعل ما أنت فاعل.

و التاسع الإتمام و هو قوله عز و جل‏ فَلَمَّا قَضى‏ مُوسَى الْأَجَلَ‏ (6) و قوله عز و جل حكاية عن موسى‏ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَ اللَّهُ عَلى‏ ما نَقُولُ وَكِيلٌ‏ (7) أي أتممت.

و العاشر الفراغ من الشي‏ء و هو قوله عز و جل‏ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ‏ (8) يعني فرغ لكما منه و قول القائل قد قضيت لك حاجتك يعني فرغت لك منها فيجوز أن يقال إن الأشياء كلها بقضاء الله و قدره تبارك و تعالى بمعنى أن الله عز و جل قد علمها و علم مقاديرها و له عز و جل في جميعها حكم من خير أو شر فما كان من خير فقد قضاه بمعنى أنه أمر به و حتمه و جعله حقا و علم مبلغه و مقداره و ما كان من شر فلم يأمر به و لم يرضه و لكنه عز و جل قد قضاه و قدره بمعنى أنه علمه بمقداره و مبلغه و حكم فيه بحكمه.

و الفتنة على عشرة أوجه فوجه منها الضلال.

____________

(1) المؤمن: 20.

(2) سبأ: 34.

(3) اسرى: 23.

(4) حم السجدة: 12.

(5) طه: 72.

(6) القصص: 28.

(7) القصص: 28.

(8) يوسف: 41.

109

و الثاني الاختبار و هو قوله عز و جل‏ وَ فَتَنَّاكَ فُتُوناً (1) يعني اختبرناك اختبارا و قوله عز و جل‏ الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏ (2) يعني لا يختبرون.

و الثالث الحجة و هو قوله عز و جل‏ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ‏ (3) و الرابع الشرك و هو قوله عز و جل‏ وَ الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ‏ (4) و الخامس الكفر و هو قوله عز و جل‏ أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا (5) يعني في الكفر.

و السادس الإحراق بالنار و هو قوله عز و جل‏ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ‏ (6) الآية يعني أحرقوا.

و السابع العذاب و هو قوله عز و جل‏ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ‏ (7) يعني يعذبون و قوله عز و جل‏ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ‏ (8) يعني عذابكم و قوله عز و جل‏ وَ مَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ‏ يعني عذابه‏ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً (9) و الثامن القتل و هو قوله عز و جل‏ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا (10) يعني إن خفتم أن يقتلوكم و قوله عز و جل‏ فَما آمَنَ لِمُوسى‏ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى‏ خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَ مَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ‏ (11) يعني أن يقتلهم.

و التاسع الصد و هو قوله تعالى‏ وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ‏ (12) يعني ليصدونك.

و العاشر شدة المحنة و هو قوله عز و جل‏ رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا (13)

____________

(1) طه: 40.

(2) العنكبوت: 29- 30.

(3) الأنعام: 23.

(4) البقرة: 191.

(5) التوبة: 50.

(6) المجادلة: 10.

(7) الحجر: 13.

(8) الحجر: 14.

(9) المائدة: 41.

(10) النساء: 101.

(11) يونس: 83.

(12) اسرى: 73.

(13) الممتحنة: 5.

110

و قوله عز و جل‏ رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏ (1) أي محنة فيفتنوا بذلك و يقولوا في أنفسهم لم نقتلهم إلا و دينهم الباطل و ديننا الحق فيكون ذلك داعيا لهم إلى النار على ما هم عليه من الكفر و الظلم و قد زاد علي بن إبراهيم بن هاشم على هذه الوجوه العشر وجها آخر فقال في الوجوه من الفتنة ما هو المحبة و هو قوله عز و جل‏ إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ (2) أي محبة و الذي عندي في ذلك أن وجوه الفتنة عشرة و أن الفتنة في هذا الموضع أيضا المحنة بالنون لا المحبة بالباء

- وَ تَصْدِيقُ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ(ص)الْوَلَدُ مَجْهَلَةٌ مَجْبَنَةٌ مَبْخَلَةٌ.

وَ قَدْ أَخْرَجْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مُسْنَداً فِي كِتَابِ مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ع.

بيان قوله(ص)مجهلة أي يحملون آباءهم على الجهل مجبنة أي يحملونهم على الجبن مبخلة أي يحملونهم على البخل.

أقول هذه الوجوه من القضاء و الفتنة المذكورة في تفسير النعماني فيما رواه عن أمير المؤمنين(ع)و قد أثبتناه بإسناده في كتاب القرآن.

35- يد، التوحيد أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَنْتَرَةَ الشَّيْبَانِيِ‏ (3) عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَدَرِ فَقَالَ بَحْرٌ عَمِيقٌ فَلَا تَلِجْهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَدَرِ قَالَ طَرِيقٌ مُظْلِمٌ فَلَا تَسْلُكْهُ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَدَرِ قَالَ سِرُّ اللَّهِ فَلَا تَتَكَّلَفْهُ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَدَرِ قَالَ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَمَّا إِذَا أَبَيْتَ فَإِنِّي سَائِلُكَ أَخْبِرْنِي أَ كَانَتْ رَحْمَةُ اللَّهِ لِلْعِبَادِ قَبْلَ أَعْمَالِ الْعِبَادِ أَمْ كَانَتْ أَعْمَالُ الْعِبَادِ قَبْلَ رَحْمَةِ اللَّهِ قَالَ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ بَلْ كَانَتْ رَحْمَةُ اللَّهِ لِلْعِبَادِ قَبْلَ أَعْمَالِ الْعِبَادِ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ‏

____________



(1) يونس: 85.

(2) التغابن: 15.

(3) عنترة بفتح العين المهملة و سكون النون و فتح التاء و الراء المهملة و الهاء، و الظاهر أنّه عبد الملك بن هارون بن عنترة الشيباني المترجم في(ص)167 من رجال النجاشيّ بقوله: عبد الملك بن هارون بن عنترة الشيباني كوفيّ، ثقة، عين، روى عن أصحابنا و رووا عنه، و لم يكن متحققا بأمرنا إه. و أورد ابن حجر ترجمة جده عنترة في التقريب، قال: عنترة بن عبد الرحمن الكوفيّ ثقة من الثانية، و هم من زعم أن له صحبة، و هو جد عبد الملك بن هارون بن عنترة الكوفيّ. أقول: حكى عن رجال البرقي أن جد عبد الملك بن هارون بن عنترة يكون صيفى بن فسيل الذي سيره زياد بن أبيه الى معاوية مع حجر بن عدى و قتله معاوية مع حجر و أصحابه.

111

ع قُومُوا فَسَلِّمُوا عَلَى أَخِيكُمْ فَقَدْ أَسْلَمَ وَ قَدْ كَانَ كَافِراً قَالَ وَ انْطَلَقَ الرَّجُلُ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَ بِالْمَشِيَّةِ الْأُولَى نَقُومُ وَ نَقْعُدُ وَ نَقْبِضُ وَ نَبْسُطُ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ إِنَّكَ لَبَعِيدٌ فِي الْمَشِيَّةِ أَمَا إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَجْعَلُ اللَّهُ لَكَ فِي شَيْ‏ءٍ مِنْهَا مَخْرَجاً أَخْبِرْنِي أَ خَلَقَ اللَّهُ الْعِبَادَ كَمَا شَاءَ أَوْ كَمَا شَاءُوا فَقَالَ كَمَا شَاءَ قَالَ فَخَلَقَ اللَّهُ الْعِبَادَ لِمَا شَاءَ أَوْ لِمَا شَاءُوا فَقَالَ لِمَا شَاءَ قَالَ يَأْتُونَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا شَاءَ أَوْ كَمَا شَاءُوا قَالَ يَأْتُونَهُ كَمَا شَاءَ قَالَ قُمْ فَلَيْسَ إِلَيْكَ مِنَ الْمَشِيَّةِ شَيْ‏ءٌ.

بيان لعل المراد المشية المستقلة التي لا يحتاج معها إلى عون الله و توفيقه‏ (1).

36- يد، التوحيد أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ جَمِيلٍ عَنْ زُرَارَةَ

____________

(1) كل واحد من آحاد الخلق محدود بحدود يتعين بها في وجوده كالطول و العرض و اللون و سائر الأوصاف و الروابط التي يرتبط بغيره بواسطتها ككون الإنسان ابن فلان و أخا فلان و أبا فلان و في زمان كذا و مكان كذا و هكذا. و إذا أمعنت النظر في ذلك وجدت أن جميع أسباب وجود الشي‏ء ذوات دخل في حدود وجوده سائر ما يتعلق بوجوده و انها هي التي يتقدر بها الشي‏ء غير أن كلا من الأسباب أيضا يتقدر بما يتقدمه من المقدرات، و لا محالة تنتهى إليه سبحانه فعنده تعالى حقيقة ما يتقدر به كل شي‏ء و يتحدد به كل أمر.

و الأشياء إنّما ترتبط به تعالى من جهة صفاته الفعلية التي بها ينعم عليها و يقيم صلبها و يدبر أمرها كالرحمة و الرزق و الهداية و الاحياء و الحفظ و الخلق و غيرها و ما يقابلها فلله سبحانه من جهة صفات فعله دخل في كل شي‏ء مخلوق و ما يتعلق به من أثر و فعل إذ لا معنى لاثبات صفة فيه تعالى متعلقة بالاشياء و هي لا تتعلق بها.

و لذلك فانه (عليه السلام) سأل الرجل عن تقدم صفة الرحمة على الاعمال، و لا معنى لتقدمها مع عدم ارتباطها بها و تأثيرها فيها فقد نظم اللّه الوجود بحيث تجرى فيه الرحمة و الهداية و المثوبة و المغفرة و كذا ما يقابلها و لا يوجب ذلك بطلان الاختيار في الافعال فان تحقّق الاختيار نفسه مقدّمة من مقدمات تحقّق الامر المقدر إذ لو لا الاختيار لم يتحقّق طاعة و لا معصية فلم يتحقّق ثواب و لا عقاب و لا امر و لا نهى و لا بعث و لا تبليغ. و من هنا يظهر وجه تمسك الإمام (عليه السلام) بسبق صفة الرحمة على العمل ثمّ بيانه (عليه السلام) أن للّه مشية في كل شي‏ء و أنّها لا تلغو و لا تغلبه مشية العبد فالفعل لا يخطئ مشيته تعالى و لا يوجب ذلك بطلان تأثير مشية العبد فان مشية العبد إحدى مقدمات تحقّق ما تعلقت به مشيته تعالى فان شاء الفعل الذي يوجد بمشية العبد فلا بد لمشية العبد من التحقّق و التأثير فافهم ذلك، و هذه الرواية الشريفة على ارتفاع مكانتها و لطف مضمونها يتضح به جميع ما ورد في الباب من مختلف الروايات، و كذا الآيات المختلفة من غير حاجة الى أخذ بعض و تأويل بعض آخر. ط.

112

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ‏ إِنَّ الْقَضَاءَ وَ الْقَدَرَ خَلْقَانِ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ وَ اللَّهُ‏ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ

37- فس، تفسير القمي النَّضْرُ عَنْ هِشَامٍ وَ عُبَيْدٍ عَنْ حُمْرَانَ عَنْهُ(ع)مِثْلَهُ‏ (1).

بيان خلقان من خلق الله بضم الخاء أي صفتان من صفات الله أو بفتحها أي هما نوعان من خلق الأشياء و تقديرها في الألواح السماوية و له البداء فيها قبل الإيجاد فذلك قوله‏ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ أو المعنى أنهما مرتبتان من مراتب خلق الأشياء فإنها تتدرج في الخلق إلى أن تظهر في الوجود العيني.

38- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ هَاشِمٍ عَنِ ابْنِ مَعْبَدٍ عَنْ دُرُسْتَ عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا تَقُولُ فِي الْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ قَالَ أَقُولُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا جَمَعَ الْعِبَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَأَلَهُمْ عَمَّا عَهِدَ إِلَيْهِمْ وَ لَمْ يَسْأَلْهُمْ عَمَّا قَضَى عَلَيْهِمْ.

بيان هذا الخبر يدل على أن القضاء و القدر إنما يكون في غير الأمور التكليفية كالمصائب و الأمراض و أمثالها فلعل المراد بهما القضاء و القدر الحتميان‏ (2).

39- يد، التوحيد أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنِ الْمِنْقَرِيِّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ أَ بِقَدَرٍ يُصِيبُ النَّاسَ مَا أَصَابَهُمْ أَمْ بِعَمَلٍ فَقَالَ إِنَّ الْقَدَرَ وَ الْعَمَلَ بِمَنْزِلَةِ الرُّوحِ وَ الْجَسَدِ فَالرُّوحُ بِغَيْرِ جَسَدٍ لَا يُحَسُّ وَ الْجَسَدُ بِغَيْرِ رُوحٍ صُورَةٌ لَا حَرَاكَ بِهَا فَإِذَا اجْتَمَعَا قَوِيَا وَ صَلُحَا كَذَلِكَ الْعَمَلُ وَ الْقَدَرُ فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْقَدَرُ وَاقِعاً عَلَى الْعَمَلِ لَمْ يُعْرَفِ الْخَالِقُ مِنَ الْمَخْلُوقِ وَ كَانَ‏

____________



(1) ما وجدناه في تفسير القمّيّ. م.

(2) الرواية تدلّ على أن التكاليف و الاحكام أمور اعتبارية غير تكوينية، و مورد القضاء و القدر بالمعنى الدائر هو التكوينيات فأعمال العباد من حيث وجودها الخارجى كسائر الموجودات متعلقات القضاء و القدر، و من حيث تعلق الامر و النهى و الاشتمال على الطاعة و المعصية أمور اعتبارية وضعية خارجة عن دائرة القضاء و القدر إلّا بالمعنى الآخر الذي بينه أمير المؤمنين (عليه السلام) للرجل الشاميّ عند منصرفه من صفّين كما في الروايات و محصله التكليف لمصالح تستدعى ذلك فالقدر في الاعمال ينشأ من المصالح التي تستدعى التكليف الكذائى و القضاء هو الحكم بالوجوب و الحرمة مثلا بامر أو نهى. ط.

113

الْقَدَرُ شَيْئاً لَمْ يُحَسَّ وَ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْعَمَلُ بِمُوَافَقَةٍ مِنَ الْقَدَرِ لَمْ يَمْضِ وَ لَمْ يَتِمَّ وَ لَكِنَّهُمَا بِاجْتِمَاعِهِمَا قَوِيَا وَ لِلَّهِ فِيهِ الْعُيُونُ‏ (1) لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ ثُمَّ قَالَ أَلَا إِنَّ مِنْ أَجْوَرِ النَّاسِ مَنْ رَأَى جَوْرَهُ عَدْلًا وَ عَدْلَ الْمُهْتَدِي جَوْراً أَلَا إِنَّ لِلْعَبْدِ أَرْبَعَةَ أَعْيُنٍ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا أَمْرَ آخِرَتِهِ وَ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا أَمْرَ دُنْيَاهُ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِعَبْدٍ خَيْراً فَتَحَ لَهُ الْعَيْنَيْنِ اللَّتَيْنِ فِي قَلْبِهِ فَأَبْصَرَ بِهِمَا الْعَيْبَ وَ إِذَا أَرَادَ غَيْرَ ذَلِكَ تَرَكَ الْقَلْبَ بِمَا فِيهِ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى السَّائِلِ عَنِ الْقَدَرِ فَقَالَ هَذَا مِنْهُ هَذَا مِنْهُ.

بيان أي فتح عيني القلب و تركهما من القدر.

40- يد، التوحيد الْقَطَّانُ عَنِ ابْنِ زَكَرِيَّا عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنِ ابْنِ حَيَّانَ التَّيْمِيِ‏ (2) عَنْ أَبِيهِ وَ كَانَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)يَوْمَ صِفِّينَ وَ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: بَيْنَمَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)يُعَبِّئُ الْكَتَائِبَ‏ (3) يَوْمَ صِفِّينَ وَ مُعَاوِيَةُ مُسْتَقْبِلَةٌ عَلَى فَرَسٍ لَهُ يَتَأَكَّلُ تَحْتَهُ تَأَكُّلًا وَ عَلِيٌّ(ع)عَلَى فَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)الْمُرْتَجِزِ وَ بِيَدِهِ حَرْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ هُوَ مُتَقَلِّدٌ سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ احْتَرِسْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّا نَخْشَى أَنْ يَغْتَالَكَ هَذَا الْمَلْعُونُ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ إِنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَى دِينِهِ وَ إِنَّهُ لَأَشْقَى الْقَاسِطِينَ وَ أَلْعَنُ الْخَارِجِينَ عَلَى الْأَئِمَّةِ الْمُهْتَدِينَ وَ لَكِنْ كَفَى بِالْأَجَلِ حَارِساً لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا وَ مَعَهُ مَلَائِكَةٌ حَفَظَةٌ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَنْ يَتَرَدَّى فِي بِئْرٍ (4) أَوْ يَقَعَ عَلَيْهِ حَائِطٌ أَوْ يُصِيبَهُ سُوءٌ فَإِذَا حَانَ أَجَلُهُ‏ (5) خَلَّوْا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ مَا يُصِيبُهُ فَكَذَلِكَ أَنَا إِذَا حَانَ أَجَلِي انْبَعَثَ‏

____________



(1) في المصدر: و للّه فيه العون. م.

(2) لم نجد في كتب التراجم من أصحابنا ترجمته و لا ترجمة أبيه، و الظاهر هو يحيى بن سعيد بن حيان، أبو حيان التيمى الكوفيّ، أورد ترجمته ابن حجر في(ص)549 من التقريب قال: ثقة من السادسة مات سنة خمس و أربعين. و أورد ترجمة أبيه في(ص)185 قال: سعيد بن حيان التيمى الكوفيّ والد يحيى، وثقه ثقة العجليّ، من الثالثة.

(3) عبى تعبية الكتائب أي هيأها و جهزها. و الكتائب جمع الكتيبة: القطعة من الجيش.

(4) أي يحفظونه من أن يسقط في بئر.

(5) أي قرب أجله.

114

أَشْقَاهَا فَخَضَبَ هَذِهِ مِنْ هَذَا وَ أَشَارَ إِلَى لِحْيَتِهِ وَ رَأْسِهِ عَهْداً مَعْهُوداً وَ وَعْداً غَيْرَ مَكْذُوبٍ وَ الْحَدِيثُ طَوِيلٌ أَخَذْنَا مِنْهُ مَوْضِعَ الْحَاجَةِ.

41- يد، التوحيد الْوَرَّاقُ وَ ابْنُ مُغِيرَةَ مَعاً عَنْ سَعْدٍ عَنِ النَّهْدِيِّ عَنِ ابْنِ عُلْوَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ عَنِ ابْنِ طَرِيفٍ عَنِ ابْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَدَلَ مِنْ عِنْدِ حَائِطٍ مَائِلٍ إِلَى حَائِطٍ آخَرَ فَقِيلَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَفِرُّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ قَالَ أَفِرُّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ.

بيان أي إن الفرار أيضا من تقديره تعالى فلا ينافي كون الأشياء بقضاء الله الفرار من البلايا و السعي في تحصيل ما يجب السعي فيه فإن كل ذلك داخل في علمه و قضائه و لا ينافي شي‏ء من ذلك اختيار العبد كما مر و يحتمل أن يكون المراد بقدر الله هنا حكمه و أمره أي إنما أفر من القضاء بأمره تعالى.

42- يد، التوحيد أَبِي وَ ابْنُ الْوَلِيدِ مَعاً عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ وَ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ مَعاً عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنِ ابْنِ هَاشِمٍ عَنِ ابْنِ مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ‏ كَمَا أَنَّ بَادِئَ النِّعَمِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ قَدْ نَحَلَكُمُوهُ كَذَلِكَ الشَّرُّ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَ إِنْ جَرَى بِهِ قَدَرُهُ.

43- يد، التوحيد أَبِي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ يُوسُفَ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَرْزَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ إِلَى مَنْ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ‏ قَدَّرَ اللَّهُ الْمَقَادِيرَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.

44- فس، تفسير القمي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّيَّارِيِّ عَنْ فُلَانٍ‏ (1) عَنْ أَبِي الْحَسَنِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ قُلُوبَ الْأَئِمَّةِ مَوْرِداً لِإِرَادَتِهِ فَإِذَا شَاءَ اللَّهُ شَيْئاً شَاءُوهُ وَ هُوَ قَوْلُهُ‏ وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ‏

45- فس، تفسير القمي جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى عَنِ ابْنِ الْبَطَائِنِيِ‏ (2) عَنْ أَبِيهِ‏

____________

(1) لم نجد ذكره في كتب الرجال، و يوجد في ج 2(ص)86 من فروع الكافي في باب الأسماء و الكنى رواية ابن مياح عن فلان حميد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

(2) هو الحسن بن عليّ بن أبي حمزة سالم البطائنى، هو و أبوه من الواقفة، بل أبوه من عمدها ضعفهما أصحابنا، و وردت روايات في ذمهما. و كان على قائد أبي بصير يحيى بن القاسم.

115

عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قُلْتُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى‏ وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ‏ قَالَ لِأَنَّ الْمَشِيَّةَ إِلَيْهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا إِلَى النَّاسِ.

بيان لعل المراد أن المشية إنما هي مما خلقها الله في العبد و جعله شائيا فلا يشاؤن إلا بعد أن جعلهم الله بحيث يقدرون على المشية أو أن المشية المستقلة التي لا يعارضها شي‏ء إنما هي لله تعالى و أما مشية العباد فهي مشوبة بالعجز يمكن أن يصرفهم الله تعالى عنها إذا شاء فهم لا يشاءون إلا بعد أن يهيئ الله لهم أسباب الفعل و لم يصرفهم عن مشيتهم فالمعنى أن المشية المستقلة إليه تعالى أو أن أسباب المشية و نفوذها بقدرته تعالى.

و في الآية وجه آخر ذكر في الخبر السابق و حاصله أن الله تعالى بعد أكمل أولياءه و حججه(ع)لا يشاءون شيئا إلا بعد أن يلهمهم الله تعالى و يلقي المشية في قلوبهم فهو المتصرف في قلوبهم و أبدانهم و المسدد لهم في جميع أحوالهم فالآية خاصة غير عامة و قال الطبرسي (رحمه الله ) فيه أقوال أحدها أن معناه و ما تشاءون الاستقامة إلا أن يشاء الله ذلك من قبل حيث خلقكم لها و كلفكم بها فمشيته تعالى بين يدي مشيتكم.

و ثانيها أنه خطاب للكفار و المراد لا تشاءون الإسلام إلا أن يشاء الله أن يجبركم عليه و يلجئكم إليه و لكنه لا يفعل لأنه يريد منكم أن تؤمنوا اختيارا لتستحقوا الثواب.

و ثالثها أن المراد و ما تشاءون إلا أن يشاء الله أن يلطف لكم في الاستقامة (1).

____________

(1) قال الشيخ في التبيان: أى و ليس يشاءون شيئا من العمل بطاعته و بما يرضاه و يوصلكم إلى ثوابه إلّا و اللّه يشاؤه و يريده، لانه يريد من عباده أن يطيعوه، و ليس المراد أن يشاء كل ما يشاؤه العبد من المعاصى و المباحات، لان الحكيم لا يجوز أن يريد القبائح و لا المباح، لان ذلك صفة نقص و تعالى اللّه عن ذلك و قد قال اللّه تعالى: «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» و المعصية و الكفر من أعظم العسر، فكيف يكون اللّه تعالى شائيا له؟ و هل ذلك إلّا تناقض ظاهر؟ انتهى.

116

46- فس، تفسير القمي قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ‏ وَ أَمَّا الرَّدُّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّ الرَّدَّ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَيْهِمْ كَثِيرٌ وَ ذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ قَالُوا نَحْنُ نَخْلُقُ أَفْعَالَنَا وَ لَيْسَ لِلَّهِ فِيهَا صُنْعٌ وَ لَا مَشِيَّةٌ وَ لَا إِرَادَةٌ وَ يَكُونُ مَا شَاءَ إِبْلِيسُ وَ لَا يَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ وَ احْتَجُّوا أَنَّهُمْ خَالِقُونَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‏ فَقَالُوا فِي الْخَلْقِ خَالِقُونَ غَيْرَ اللَّهِ فَلَمْ يَعْرِفُوا مَعْنَى الْخَلْقِ وَ عَلَى كَمْ وَجْهٍ هُوَ فَسُئِلَ الصَّادِقُ(ع)أَ فَوَّضَ اللَّهُ إِلَى الْعِبَادِ أَمْراً فَقَالَ اللَّهُ أَجَلُّ وَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ فَقِيلَ فَأَجْبَرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ اللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُجْبِرَهُمْ عَلَى فِعْلٍ ثُمَّ يُعَذِّبَهُمْ عَلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ هَلْ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَنْزِلَتَيْنِ مَنْزِلَةٌ قَالَ نَعَمْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ‏ (1).

47- وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ قَالَ: سُئِلَ هَلْ بَيْنَ الْجَبْرِ وَ الْقَدَرِ مَنْزِلَةٌ قَالَ نَعَمْ فَقِيلَ مَا هُوَ فَقَالَ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ.

48- وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ قَالَ: هَكَذَا أُخْرِجَ إِلَيْنَا (2).

49- قَالَ وَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ يُونُسَ قَالَ قَالَ الرِّضَا(ع)يَا يُونُسُ لَا تَقُلْ بِقَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ فَإِنَّ الْقَدَرِيَّةَ لَمْ يَقُولُوا بِقَوْلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ لَا بِقَوْلِ أَهْلِ‏

____________



أقول: النظر في الآية و سابقتها و هي قوله تعالى: «إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى‏ رَبِّهِ سَبِيلًا» و لاحقتها و هي قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَ الظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً» يعطى المراد و يفيد المغزى، و هو أن اللّه تعالى أثبت لهم المشيئة و أثبت أن وقوع مشاهم انما يكون في صورة مشيئته، فلو كان أراد ذلك حقيقة لم يكن لاستناد الظلم اليهم معنى، لانهم كانوا فيما ظلموا كارهين غير مختارين، بل كان استناد ذلك إليه تعالى أقوى و أولى، كما أن الآيات أيضا لم تكن لهم تذكرة في مشيئتهم اتخاذ السبيل، بل لم يكن لنسبة الحكمة الى ذاته أيضا معنى محصل، لان فعل القبائح و الظلم و اجبار العبد عليهما و العقاب بهما مع ذلك ينافى الحكمة، فالظاهر غير مراد، بل المراد بيان أن لتوفيقه و تأييده أيضا دخلا في أفعالهم، بحيث لو تركهم و أنفسهم و لم يؤيدهم و يسددهم لكانت أنفسهم تدخلونهم مداخل السوء و تخرجونهم عن الصراط السوى و طريق المعروف.

(1) تقدم ما في معناه مسندا تحت رقم 82 و 83 في الباب السابق.

(2) لعله الخبر الآتي تحت رقم 66.

117

النَّارِ وَ لَا بِقَوْلِ إِبْلِيسَ فَإِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ قَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ‏ وَ لَمْ يَقُولُوا بِقَوْلِ أَهْلِ النَّارِ فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ قَالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَ قَالَ إِبْلِيسُ‏ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي‏ فَقُلْتُ يَا سَيِّدِي وَ اللَّهِ مَا أَقُولُ بِقَوْلِهِمْ وَ لَكِنِّي أَقُولُ لَا يَكُونُ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَ قَضَى وَ قَدَّرَ (1) فَقَالَ لَيْسَ هَكَذَا يَا يُونُسُ وَ لَكِنْ لَا يَكُونُ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَ أَرَادَ وَ قَدَّرَ وَ قَضَى أَ تَدْرِي مَا الْمَشِيَّةُ يَا يُونُسُ قُلْتُ لَا قَالَ هُوَ الذِّكْرُ الْأَوَّلُ وَ تَدْرِي مَا الْإِرَادَةُ قُلْتُ لَا قَالَ الْعَزِيمَةُ عَلَى مَا شَاءَ وَ تَدْرِي مَا التَّقْدِيرُ قُلْتُ لَا قَالَ هُوَ وَضْعُ الْحُدُودِ مِنَ الْآجَالِ وَ الْأَرْزَاقِ وَ الْبَقَاءِ وَ الْفَنَاءِ (2) وَ تَدْرِي مَا الْقَضَاءُ قُلْتُ لَا قَالَ هُوَ إِقَامَةُ الْعَيْنِ‏ (3) وَ لَا يَكُونُ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ فِي ذِكْرِ الْأَوَّلِ.

بيان الظاهر أن المراد بالقدرية هنا من يقول إن أفعال العباد و وجودها ليست بقدرة الله و بقدره بل باستقلال إرادة العبد به و استواء نسبة الإرادتين إليه و صدور أحدهما عنه لا بموجب غير الإرادة كما ذهب إليه بعض المعتزلة لا يقول بقول أهل الجنة من إسناد هدايتهم إليه سبحانه و لا بقول أهل النار من إسناد ضلالتهم إلى شقوتهم و لا بقول إبليس من إسناد الإغواء إليه سبحانه و الفرق بين كلامه(ع)و كلام يونس إنما هو في الترتيب فإن في كلامه(ع)التقدير مقدّم على القضاء كما هو الواقع و في كلام يونس بالعكس و الذكر هو الكتابة مجملا في لوح المحو و الإثبات أو العلم القديم.

50- ثو، ثواب الأعمال عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الْبَصْرِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ‏

____________

(1) في الكافي عن عليّ بن إبراهيم «إلا ما شاء اللّه أراد و قضى و قدّر». م.

(2) في الكافي: قال هو الهندسة و وضع الحدود من البقاء و الفناء.

(3) في الكافي: قال: و القضاء هو الإبرام و اقامة العين. أقول: اقامة العين أي اقامته في الأعيان و الوجود الخارجى، و هو في أفعاله بمعنى الخلق و الايجاد على وفق الحكمة، و في أفعالنا ترتب الثواب و العقاب عليها على وجه الجزاء. و قال المنصف: اقامة العين أي ايجاده، و في أفعال العباد اقدار العبد و تمكينه و رفع الموانع عنه انتهى. و يأتي الحديث بإسناد آخر مع تفاوت في ألفاظه تحت رقم 69.

118

عَنِ الْحَارِثِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ: إِنَّ أَرْوَاحَ الْقَدَرِيَّةِ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ غُدُوّاً وَ عَشِيّاً حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ فَإِذَا قَامَتِ السَّاعَةُ عُذِّبُوا مَعَ أَهْلِ النَّارِ بِأَلْوَانِ الْعَذَابِ فَيَقُولُونَ يَا رَبَّنَا عَذَّبْتَنَا خَاصَّةً وَ تُعَذِّبُنَا عَامَّةً فَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ‏ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ

بيان قال الطبرسي (رحمه الله ) أي خلقنا كل شي‏ء خلقناه مقدرا بمقدار توجبه الحكمة لم نخلقه جزافا فخلقنا العذاب أيضا على قدر الاستحقاق و كذلك كل شي‏ء خلقناه في الدنيا و الآخرة خلقناه مقدّرا بمقدار معلوم و قيل معناه خلقنا كل شي‏ء على قدر معلوم فخلقنا اللسان للكلام و اليد للبطش و الرجل للمشي و العين للنظر و الأذن للسماع و المعدة للطعام و لو زاد أو نقص عما قدرناه لما تمّ الغرض و قيل معناه جعلنا لكل شي‏ء شكلا يوافقه و يصلح له كالمرأة للرجل و الأتان للحمار و ثياب الرجال للرجال و ثياب النساء للنساء و قيل خلقنا كل شي‏ء بقدر مقدر و قضاء محتوم في اللوح المحفوظ.

51- ثو، ثواب الأعمال عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بِشْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الدَّامَغَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ يُونُسَ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَاتِ إِلَّا فِي الْقَدَرِيَّةِ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَ سُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى‏ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ

52- ثو، ثواب الأعمال عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ- الْمُرْجِئَةُ وَ الْقَدَرِيَّةُ.

53- ثو، ثواب الأعمال الْعَطَّارُ عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ الْأَهْوَازِيِّ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: يُحْشَرُ الْمُكَذِّبُونَ بِقَدَرِ اللَّهِ مِنْ قُبُورِهِمْ قَدْ مُسِخُوا قِرَدَةً وَ خَنَازِيرَ.

54- ثو، ثواب الأعمال ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ زُرَارَةَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ

119

فِي الْقَدَرِيَّةِ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ

55- شي، تفسير العياشي عَنْ زُرَارَةَ وَ حُمْرَانَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِهِ‏ وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ‏ قَالَ قَدَّرَهُ الَّذِي قَدَّرَهُ عَلَيْهِ.

56- وَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: خَيْرُهُ وَ شَرُّهُ مَعَهُ حَيْثُ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ فِرَاقَهُ حَتَّى يُعْطَى كِتَابَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا عَمِلَ.

بيان قال الطبرسي (رحمه الله ) معناه و ألزمنا كل إنسان عمله من خير أو شر في عنقه أي جعلناه كالطوق في عنقه لا يفارقه و قيل طائره يمنه و شؤمه و هو ما يطير به و قيل طائره حظه من الخير و الشر و خص العنق لأنه محل الطوق الذي يزين المحسن و الغل الذي يشين المسي‏ء و قيل طائره كتابه و قيل معناه جعلنا لكل إنسان دليلا من نفسه لأن الطائر يستدل به عندهم على الأمور الكائنة فيكون معناه كل إنسان دليل نفسه و شاهد عليها إن كان محسنا فطائره ميمون و إن أساء فطائره مشوم‏ (1).

57- ثو، ثواب الأعمال ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ النَّخَعِيِّ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنِ الصَّادِقِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ص)قَالَ: يُجَاءُ بِأَصْحَابِ الْبِدَعِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتَرَى الْقَدَرِيَّةَ مِنْ بَيْنِهِمْ كَالشَّامَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَا أَرَدْتُمْ فَيَقُولُونَ أَرَدْنَا وَجْهَكَ فَيَقُولُ قَدْ أَقَلْتُكُمْ عَثَرَاتِكُمْ وَ غَفَرْتُ لَكُمْ زَلَّاتِكُمْ إِلَّا الْقَدَرِيَّةَ فَإِنَّهُمْ دَخَلُوا فِي الشِّرْكِ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ.

____________

(1) قال السيّد الرضيّ في مجازات القرآن: و هذه استعارة و المراد بالطائر هاهنا- و اللّه أعلم ما يعمله الإنسان من خير و شر، و نفع و ضر، و ذلك مأخوذ من زجر الطائر على مذهب العرب، لانهم يتبركون بالطائر المعترض من ذات اليمين، و يتشاءمون بالطائر المعترض من ذات الشمال، و معنى ذلك أنّه سبحانه يجعل عمل الإنسان من الخير و الشر كالطوق في عنقه بالزامه إيّاه و الحكم عليه به، و قال بعضهم: معنى ذلك انا جعلنا لكل إنسان دليلا من نفسه على ما بيناه له و هديناه إليه و العرب تقيم العنق و الرقبة مقام نفس الإنسان و جملته، فنقول: لى في رقبة فلان دم، ولى في رقبته دين أي عنده، و فلان قد اعتق رقبة إذا أعتق عبدا أو أمة، و يقول الداعي في دعائه: اللّهمّ أعتق رقبتى من النار، و ليس يريد العتق المخصوص و انما يريد الذات و الجملة، و جعل سبحانه الطائر مكان الدليل التي يستدل به على استحقاق الثواب و العقاب على عادة العرب التي ذكرناها في التبرك بالسانح و التشاؤم بالبارح.

120

بيان المراد بأصحاب البدع من لم ينته به بدعته إلى الكفر فضلوا من حيث لا يعلمون.

58- ثو، ثواب الأعمال بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ: لِكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوسٌ وَ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا قَدَرَ.

59- ثو، ثواب الأعمال بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: دَخَلَ مُجَاهِدٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَلَى عَلِيٍّ(ع)فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا تَقُولُ فِي كَلَامِ أَهْلِ الْقَدَرِ وَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مَعَكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَوْ فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَالَ مَا تَصْنَعُ بِهِمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ أَسْتَتِيبُهُمْ فَإِنْ تَابُوا وَ إِلَّا ضَرَبْتُ أَعْنَاقَهُمْ.

60- ثو، ثواب الأعمال بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ شُجَاعٍ عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ص)مَا غَلَا أَحَدٌ فِي الْقَدَرِ إِلَّا خَرَجَ مِنَ الْإِيمَانِ‏ (1).

61- ثو، ثواب الأعمال ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَاصِمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: مَا اللَّيْلُ بِاللَّيْلِ وَ لَا النَّهَارُ بِالنَّهَارِ أَشْبَهَ مِنَ الْمُرْجِئَةِ بِالْيَهُودِيَّةِ وَ لَا مِنَ الْقَدَرِيَّةِ بِالنَّصْرَانِيَّةِ.

62- ير، بصائر الدرجات أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ جَمِيلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ فَقَالَ هُمَا خَلْقَانِ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ وَ اللَّهُ‏ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ وَ أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ فِي الْمَشِيَّةِ فَنَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ يَا جَمِيلُ لَا أُجِيبُكَ فِي الْمَشِيَّةِ (2).

63- سن، المحاسن أَبِي عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ حُمْرَانَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً فَقَالَ كَانَ شَيْئاً وَ لَمْ يَكُنْ مَذْكُوراً قُلْتُ فَقَوْلُهُ‏

____________



(1) في نسخة: الإسلام.

(2) روى الحديث في مختصر بصائر الدرجات «ص 134» بإسناد آخر عن جميل عن زرارة عن عبد اللّه بن سليمان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام). م.

121

أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً قَالَ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً فِي كِتَابٍ وَ لَا عِلْمٍ.

بيان و لا علم أي علم أحد من المخلوقين و الخلق في هذه الآية يحتمل التقدير و الإيجاد قوله(ع)كان شيئا أي مقدرا كما روى الكليني عن مالك الجهني مكان شيئا مقدرا (1) غير مذكور أي عند الخلق أي غير موجود ليذكر عند الخلق أو كان مقدرا في اللوح لكن لم يوح أمره إلى أحد من الخلق.

64- سن، المحاسن عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً قَدَّرَهُ فَإِذَا قَدَّرَهُ قَضَاهُ فَإِذَا قَضَاهُ أَمْضَاهُ.

65- سن، المحاسن أَبِي عَنْ فَضَالَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ حَرِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَوْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْكَانَ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)لَا يَكُونُ شَيْ‏ءٌ فِي الْأَرْضِ وَ لَا فِي السَّمَاءِ إِلَّا بِهَذِهِ الْخِصَالِ السَّبْعَةِ بِمَشِيَّةٍ وَ إِرَادَةٍ وَ قَدَرٍ وَ قَضَاءٍ وَ إِذْنٍ وَ كِتَابٍ وَ أَجَلٍ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُقَدِّرُ عَلَى نَقْصِ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَقَدْ كَفَرَ.

66- سن، المحاسن النَّضْرُ عَنْ هِشَامٍ وَ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ عَنْ حُمْرَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: (2) كُنْتُ أَنَا وَ الطَّيَّارُ جَالِسَيْنِ فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَأَفْرَجْنَا لَهُ فَجَلَسَ بَيْنِي وَ بَيْنَ الطَّيَّارِ فَقَالَ فِي أَيِّ شَيْ‏ءٍ أَنْتُمْ فَقُلْنَا كُنَّا فِي الْإِرَادَةِ وَ الْمَشِيَّةِ وَ الْمَحَبَّةِ فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)شَاءَ لَهُمُ الْكُفْرَ وَ أَرَادَهُ فَقَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَأَحَبَّ ذَلِكَ وَ رَضِيَهُ فَقَالَ لَا قُلْتُ شَاءَ وَ أَرَادَ مَا لَمْ يُحِبَّ وَ لَمْ يَرْضَ قَالَ هَكَذَا خَرَجَ إِلَيْنَا (3).

____________

(1) أقول: أورده في كتابه الكافي في باب البداء بإسناده عن أحمد بن مهران، عن عبد العظيم الحسنى، عن عليّ بن أسباط، عن ابن مسكان، عن مالك الجهنيّ قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه تعالى: «أ و لم ير الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً» قال: فقال: لا مقدرا و لا مكونا. قال: و سألته عن قوله: «هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً» فقال:

كان مقدرا غير مذكور.

(2) الظاهر أن ضمير «قال» يرجع الى حمران، و أن لفظة «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)» زائدة من النسّاخ.

(3) في المصدر: هكذا اخرج الينا. م.

122

67- سن، المحاسن أَبِي عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: الْمَشِيَّةُ مُحْدَثَةٌ.

68- سن، المحاسن أَبِي عَنْ يُونُسَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ: قُلْتُ لَا يَكُونُ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَ أَرَادَ وَ قَدَّرَ وَ قَضَى‏ (1) قُلْتُ فَمَا مَعْنَى شَاءَ قَالَ ابْتِدَاءُ الْفِعْلِ قُلْتُ فَمَا مَعْنَى أَرَادَ قَالَ الثُّبُوتُ عَلَيْهِ قُلْتُ فَمَا مَعْنَى قَدَّرَ قَالَ تَقْدِيرُ الشَّيْ‏ءِ مِنْ طُولِهِ وَ عَرْضِهِ قُلْتُ فَمَا مَعْنَى قَضَى قَالَ إِذَا قَضَى أَمْضَاهُ فَذَلِكَ الَّذِي لَا مَرَدَّ لَهُ.

بيان ابتداء الفعل أي أول الكتابة في اللوح أو أول ما يحصل من جانب الفاعل و يصدر عنه مما يؤدي إلى وجود المعلول.

69- سن، المحاسن أَبِي عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: قَالَ أَبُو الْحَسَنِ(ع)لِيُونُسَ مَوْلَى عَلِيِّ بْنِ يَقْطِينٍ يَا يُونُسُ لَا تَتَكَلَّمْ بِالْقَدَرِ قَالَ إِنِّي لَا أَتَكَلَّمُ بِالْقَدَرِ وَ لَكِنْ أَقُولُ لَا يَكُونُ إِلَّا مَا أَرَادَ اللَّهُ وَ شَاءَ وَ قَضَى وَ قَدَّرَ فَقَالَ لَيْسَ هَكَذَا أَقُولُ وَ لَكِنْ أَقُولُ لَا يَكُونُ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَ أَرَادَ وَ قَدَّرَ وَ قَضَى ثُمَّ قَالَ أَ تَدْرِي مَا الْمَشِيَّةُ فَقَالَ لَا فَقَالَ هَمُّهُ بِالشَّيْ‏ءِ أَ وَ تَدْرِي مَا أَرَادَ قَالَ لَا قَالَ إِتْمَامُهُ عَلَى الْمَشِيَّةِ فَقَالَ أَ وَ تَدْرِي مَا قَدَّرَ قَالَ لَا قَالَ هُوَ الْهَنْدَسَةُ مِنَ الطُّولِ وَ الْعَرْضِ وَ الْبَقَاءِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ إِذَا شَاءَ شَيْئاً أَرَادَهُ وَ إِذَا أَرَادَ قَدَّرَهُ وَ إِذَا قَدَّرَهُ قَضَاهُ وَ إِذَا قَضَاهُ أَمْضَاهُ يَا يُونُسُ إِنَّ الْقَدَرِيَّةَ لَمْ يَقُولُوا بِقَوْلِ اللَّهِ‏ وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ‏ وَ لَا قَالُوا بِقَوْلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ‏ وَ لَا قَالُوا بِقَوْلِ أَهْلِ النَّارِ رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَ كُنَّا قَوْماً ضالِّينَ‏ وَ لَا قَالُوا بِقَوْلِ إِبْلِيسَ‏ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي‏ وَ لَا قَالُوا بِقَوْلِ نُوحٍ‏ وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏ ثُمَّ قَالَ قَالَ اللَّهُ يَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِيَّتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تَشَاءُ وَ بِقُوَّتِي أَدَّيْتَ إِلَيَّ فَرَائِضِي وَ بِنِعْمَتِي قَوِيتَ عَلَى مَعْصِيَتِي وَ جَعَلْتُكَ سَمِيعاً بَصِيراً قَوِيّاً فَمَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنِّي وَ مَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَ ذَلِكَ أَنِّي لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ‏ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ‏ ثُمَّ قَالَ قَدْ نَظَمْتُ لَكَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ تُرِيدُهُ.

____________

(1) في المصدر: و أراد و قضى، فقال: لا يكون الا ما شاء اللّه و أراد و قدر و قضى، قال: قلت اه. م.

123

70- ضا، فقه الرضا (عليه السلام)سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه) عَنِ الْقَدَرِ قَالَ فَقِيلَ لَهُ أَنْبِئْنَا عَنِ الْقَدَرِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ سِرُّ اللَّهِ فَلَا تُفَتِّشُوهُ فَقِيلَ لَهُ الثَّانِيَ أَنْبِئْنَا عَنِ الْقَدَرِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ بَحْرٌ عَمِيقٌ فَلَا تَلْحَقُوهُ‏ (1) فَقِيلَ لَهُ [الثَّالِثَ أَنْبِئْنَا عَنِ الْقَدَرِ فَقَالَ‏ ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَ ما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ‏ (2) فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا سَأَلْنَاكَ عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ الَّتِي بِهَا نَقُومُ وَ نَقْعُدُ فَقَالَ اسْتِطَاعَةً تَمْلِكُ مَعَ اللَّهِ أَمْ دُونَ اللَّهِ قَالَ فَسَكَتَ الْقَوْمُ وَ لَمْ يُحِرُوا جَوَاباً فَقَالَ(ع)إِنْ قُلْتُمْ إِنَّكُمْ تَمْلِكُونَهَا مَعَ اللَّهِ قَتَلْتُكُمْ وَ إِنْ قُلْتُمْ دُونَ اللَّهِ قَتَلْتُكُمْ فَقَالُوا كَيْفَ نَقُولُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ تَمْلِكُونَهَا بِالَّذِي يَمْلِكُهَا دُونَكُمْ‏ (3) فَإِنْ أَمَدَّكُمْ بِهَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ عَطَائِهِ وَ إِنْ سَلَبَهَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ بَلَائِهِ إِنَّمَا هُوَ الْمَالِكُ لِمَا مَلَّكَكُمْ وَ الْقَادِرُ لِمَا عَلَيْهِ أَقْدَرَكُمْ أَ مَا تَسْمَعُونَ مَا يَقُولُ الْعِبَادُ وَ يَسْأَلُونَهُ الْحَوْلَ وَ الْقُوَّةَ حَيْثُ يَقُولُونَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فَسُئِلَ عَنْ تَأْوِيلِهَا فَقَالَ لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ إِلَّا بِعِصْمَتِهِ وَ لَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَتِهِ إِلَّا بِعَوْنِهِ.

71- قَالَ الْعَالِمُ‏ كَتَبَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (صلوات الله عليهما) يَسْأَلُهُ عَنِ الْقَدَرِ وَ كَتَبَ إِلَيْهِ فَاتَّبِعْ مَا شَرَحْتُ لَكَ فِي الْقَدَرِ مِمَّا أُفْضِيَ إِلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَ شَرِّهِ فَقَدْ كَفَرَ وَ مَنْ حَمَلَ الْمَعَاصِيَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَدِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ افْتِرَاءً عَظِيماً إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا يُطَاعُ بِإِكْرَاهٍ وَ لَا يُعْصَى بِغَلَبَةٍ وَ لَا يُهْمِلُ الْعِبَادَ فِي الْهَلَكَةِ لَكِنَّهُ الْمَالِكُ لِمَا مَلَّكَهُمْ وَ الْقَادِرُ لِمَا عَلَيْهِ أَقْدَرَهُمْ فَإِنِ ائْتَمَرُوا بِالطَّاعَةِ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ صَادّاً عَنْهَا مُبْطِئاً وَ إِنِ ائْتَمَرُوا بِالْمَعْصِيَةِ

____________



(1) في نسخة: فلا تلجوه. و في فقه الرضا المطبوع هنا زيادة و هي قوله: فقيل له الثالث:

أنبئنا عن القدر يا أمير المؤمنين، فقال: طريق معوج فلا تسلكوه، ثمّ قيل له الرابع أنبئنا إه.

(2) الآية تدلّ على سبق وجود الرحمة على إيتائها و افاضتها فان الفتح نوع كشف و اظهار يحتاج الى وجود المكشوف عنه و سبقه على الكشف فتدل على تقدم الرحمة الإلهيّة على أعمال العباد التي تفتح لهم الرحمة فيها و بها، و حينئذ يعود مضمون الكلام الى ما تقدم في الخبر الذي تحت رقم 35 عن أمير المؤمنين (عليه السلام) فراجع. ط.

(3) في المطبوع هكذا: تملكونها بالذى يملككم بملكها دونكم.

124

فَشَاءَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ فَيَحُولَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَا ائْتَمَرُوا بِهِ فَعَلَ وَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ هُوَ حَمَلَهُمْ عَلَيْهَا قَسْراً وَ لَا كَلَّفَهُمْ جَبْراً بَلْ بِتَمْكِينِهِ إِيَّاهُمْ بَعْدَ إِعْذَارِهِ وَ إِنْذَارِهِ لَهُمْ وَ احْتِجَاجِهِ عَلَيْهِمْ طَوَّقَهُمْ وَ مَكَّنَهُمْ وَ جَعَلَ لَهُمُ السَّبِيلَ إِلَى أَخْذِ مَا إِلَيْهِ دَعَاهُمْ وَ تَرْكِ مَا عَنْهُ نَهَاهُمْ جَعَلَهُمْ مُسْتَطِيعِينَ لِأَخْذِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ غَيْرِ آخِذِيهِ وَ لِتَرْكِ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ غَيْرِ تَارِكِيهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ عِبَادَهُ أَقْوِيَاءَ لِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ يَنَالُونَ بِتِلْكَ الْقُوَّةِ وَ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ وَ جَعَلَ الْعُذْرَ لِمَنْ يَجْعَلُ لَهُ السَّبِيلَ حَمْداً مُتَقَبَّلًا (1) فَأَنَا عَلَى ذَلِكَ أَذْهَبُ وَ بِهِ أَقُولُ وَ اللَّهِ وَ أَنَا وَ أَصْحَابِي أَيْضاً عَلَيْهِ وَ لَهُ الْحَمْدُ.

72- نهج، نهج البلاغة قَالَ(ع)وَ قَدْ سُئِلَ عَنِ الْقَدَرِ طَرِيقٌ مُظْلِمٌ فَلَا تَسْلُكُوهُ وَ بَحْرٌ عَمِيقٌ فَلَا تَلِجُوهُ وَ سِرُّ اللَّهِ فَلَا تَتَكَلَّفُوهُ.

73- ضا، فقه الرضا (عليه السلام)سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه) عَنْ مَشِيَّةِ اللَّهِ وَ إِرَادَتِهِ فَقَالَ(ص)إِنَّ لِلَّهِ مَشِيَّتَيْنِ مَشِيَّةَ حَتْمٍ وَ مَشِيَّةَ عَزْمٍ وَ كَذَلِكَ إِنَّ لِلَّهِ إِرَادَتَيْنِ إِرَادَةَ حَتْمٍ وَ إِرَادَةَ عَزْمٍ إِرَادَةُ حَتْمٍ لَا تُخْطِئُ وَ إِرَادَةُ عَزْمٍ تُخْطِئُ وَ تُصِيبُ وَ لَهُ مَشِيَّتَانِ مَشِيَّةٌ يَشَاءُ وَ مَشِيَّةٌ لَا يَشَاءُ يَنْهَى وَ هُوَ يَشَاءُ وَ يَأْمُرُ وَ هُوَ لَا يَشَاءُ مَعْنَاهُ أَرَادَ مِنَ الْعِبَادِ وَ شَاءَ (2) وَ لَمْ يُرِدِ الْمَعْصِيَةَ وَ شَاءَ وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ بِقَضَائِهِ وَ قَدَرِهِ وَ الْأُمُورُ تَجْرِي مَا بَيْنَهُمَا فَإِذَا أَخْطَأَ الْقَضَاءُ لَمْ يُخْطِئِ الْقَدَرُ وَ إِذَا لَمْ يَخُطَّ الْقَدَرُ لَمْ يَخُطَّ الْقَضَاءُ وَ إِنَّمَا الْخَلْقُ مِنَ الْقَضَاءِ إِلَى الْقَدَرِ (3) وَ إِذَا يُخْطِئُ وَ مِنَ الْقَدَرِ إِلَى الْقَضَاءِ وَ الْقَضَاءُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ النَّاطِقِ عَلَى لِسَانِ سَفِيرِهِ الصَّادِقِ(ص)مِنْهَا قَضَاءُ الْخَلْقِ وَ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى‏ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ‏ مَعْنَاهُ خَلَقَهُنَ‏

____________



(1) إلى هنا أنهى الحديث في فقه الرضا المطبوع و ليست فيه جملة «فأنا على ذلك» إلى قوله:

«و له الحمد» بل أثبت الجملة عقيب قوله: «و عظم شانه» فى الخبر الآتي تحت رقم 74.

(2) في فقه الرضا المطبوع: أراد العبادة و شاء.

(3) في فقه الرضا المطبوع: فاذا اضطر القضاء لم يخطئ القدر، و إذا لم يخطئ القدر لم يخطئ القضاء، و انما الخلق من القضاء الى القدر، فإذا أخطأ القدر لم يخطئ القضاء، و انما الخلق من القدر الى القضاء، و للقضاء أربعة أوجه اه.

125

وَ الثَّانِي قَضَاءُ الْحُكْمِ وَ هُوَ قَوْلُهُ‏ وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِ‏ مَعْنَاهُ حُكِمَ وَ الثَّالِثُ قَضَاءُ الْأَمْرِ وَ هُوَ قَوْلُهُ‏ وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ‏ مَعْنَاهُ أَمَرَ رَبُّكَ وَ الرَّابِعُ قَضَاءُ الْعِلْمِ وَ هُوَ قَوْلُهُ‏ وَ قَضَيْنا إِلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ‏ مَعْنَاهُ عَلِمْنَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الْمَعْصِيَةَ وَ مَا أَرَادَ وَ شَاءَ الطَّاعَةَ وَ أَرَادَ مِنْهُمْ لِأَنَّ الْمَشِيَّةَ مَشِيَّةُ الْأَمْرِ وَ مَشِيَّةُ الْعِلْمِ وَ إِرَادَتَهُ إِرَادَةُ الرِّضَا وَ إِرَادَةُ الْأَمْرِ أَمَرَ بِالطَّاعَةِ وَ رَضِيَ بِهَا وَ شَاءَ الْمَعْصِيَةَ يَعْنِي عَلِمَ مِنْ عِبَادِهِ الْمَعْصِيَةَ وَ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِهَا فَهَذَا مِنْ عَدْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فِي عِبَادِهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَ عَظُمَ شَأْنُهُ.

أقول كانت النسخة سقيمة فأوردناه كما وجدناه.

قوله(ع)إذا أخطأ القضاء يمكن أن يقرأ بغير همز و المعنى إذا جاوز أمر من الأمور التي شرع في تهيئة أسباب وجوده القضاء و لم يصر مقضيا فلا يتجاوز عن القدر و لا محالة يدخل في التقدير و إنما يكون البداء بعد التقدير و إذا لم يَخُطَّ من المضاعف بمعنى الكتابة أي إذا لم يكتب شي‏ء في لوح القدر لا يكتب في لوح القضاء إذ هو بعد القدر و إنما الخلق من القضاء أي إذا لوحظت علل الخلق و الإيجاد ففي الترتيب الصعودي يتجاوز من القضاء إلى القدر و التخطي و البداء إنما يكون بعد القدر قبل القضاء و الأظهر أنه كان و إذا أخطأ القدر مكان و إذا لم يخط القدر و يكون من الخطاء لا من الخط فالمعنى أن كل ما يوجد من الأمور إما موافق للوح القضاء أو للوح القدر على سبيل منع الخلو فإذا وقع البداء في أمر و لم يقع على ما أثبت في القدر يكون موافقا للقضاء و لعل ظاهر هذا الخبر تقدم القضاء على القدر و يحتمل أن يكون القضاء في الأولى بمعنى الأمر و في الثانية بمعنى الحتم فيستقيم ما في الرواية من النفي.

74- شا، الإرشاد رَوَى الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ حَرْبِ صِفِّينَ فَقَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ خَبِّرْنِي عَمَّا كَانَ بَيْنَنَا وَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مِنَ الْحَرْبِ أَ كَانَ بِقَضَاءٍ مِنَ اللَّهِ وَ قَدَرٍ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مَا

126

عَلَوْتُمْ تَلْعَةً وَ لَا هَبَطْتُمْ وَادِياً إِلَّا وَ لِلَّهِ فِيهِ قَضَاءٌ وَ قَدَرٌ فَقَالَ الرَّجُلُ فَعِنْدَ اللَّهِ أَحْتَسِبُ عَنَائِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ لَهُ وَ لِمَ قَالَ إِذَا كَانَ الْقَضَاءُ وَ الْقَدْرُ سَاقَانَا إِلَى الْعَمَلِ فَمَا الثَّوَابُ لَنَا عَلَى الطَّاعَةِ وَ مَا وَجْهُ الْعِقَابِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَ وَ ظَنَنْتَ يَا رَجُلُ إنِهُ قَضَاءٌ حَتْمٌ وَ قَدَرٌ لَازِمٌ لَا تَظُنَّ ذَلِكَ فَإِنَّ الْقَوْلَ بِهِ مَقَالَةُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَ حِزْبِ الشَّيْطَانِ وَ خُصَمَاءِ الرَّحْمَنِ وَ قَدَرِيَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ مَجُوسِهَا إِنَّ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ أَمَرَ تَخْيِيراً وَ نَهَى تَحْذِيراً وَ كَلَّفَ يَسِيراً وَ لَمْ يُطَعْ مُكْرِهاً وَ لَمْ يُعْصَ مَغْلُوباً وَ لَمْ يَخْلُقِ السَّمَاوَاتِ‏ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ فَقَالَ الرَّجُلُ فَمَا الْقَضَاءُ وَ الْقَدَرُ الَّذِي ذَكَرْتَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ الْأَمْرُ بِالطَّاعَةِ وَ النَّهْيُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَ التَّمْكِينُ مِنْ فِعْلِ الْحَسَنَةِ وَ تَرْكِ السَّيِّئَةِ وَ الْمَعُونَةُ عَلَى الْقُرْبَةِ إِلَيْهِ وَ الْخِذْلَانُ لِمَنْ عَصَاهُ وَ الْوَعْدُ وَ الْوَعِيدُ وَ التَّرْغِيبُ وَ التَّرْهِيبُ كُلُّ ذَلِكَ قَضَاءُ اللَّهِ فِي أَفْعَالِنَا وَ قَدَرُهُ لِأَعْمَالِنَا فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا تَظُنَّهُ فَإِنَّ الظَّنَّ لَهُ مُحْبِطٌ لِلْأَعْمَالِ فَقَالَ الرَّجُلُ فَرَّجْتَ عَنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَرَّجَ اللَّهُ عَنْكَ وَ أَنْشَأَ يَقُولُ‏

أَنْتَ الْإِمَامُ الَّذِي نَرْجُو بِطَاعَتِهِ‏

إِلَى آخِرِ الْبَيْتَيْنِ‏ (1).

75 الدُّرَّةُ الْبَاهِرَةُ، قَالَ الرِّضَا(ع)الْمَشِيَّةُ الِاهْتِمَامُ بِالشَّيْ‏ءِ وَ الْإِرَادَةُ إِتْمَامُ ذَلِكَ الشَّيْ‏ءِ.

76- نهج، نهج البلاغة قَالَ(ع)وَ قَدْ سُئِلَ عَنِ الْقَدَرِ طَرِيقٌ مُظْلِمٌ فَلَا تَسْلُكُوهُ وَ بَحْرٌ عَمِيقٌ فَلَا تَلِجُوهُ وَ سِرُّ اللَّهِ فَلَا تَتَكَلَّفُوهُ.

77 وَ قَالَ(ع)يَغْلِبُ الْمِقْدَارُ عَلَى التَّقْدِيرِ حَتَّى تَكُونَ الْآفَةُ فِي التَّدْبِيرِ.

بيان المقدار القدر.

78- نهج، نهج البلاغة مِنْ كَلَامِهِ(ع)لِلشَّامِيِّ لَمَّا سَأَلَهُ أَ كَانَ مَسِيرُهُ إِلَى الشَّامِ بِقَضَاءٍ مِنَ اللَّهِ وَ قَدَرِهِ بَعْدَ كَلَامٍ طَوِيلٍ مُخْتَارُهُ وَيْحَكَ لَعَلَّكَ ظَنَنْتَ قَضَاءً لَازِماً وَ قَدَراً حَاتِماً وَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَبَطَلَ الثَّوَابُ وَ الْعِقَابُ وَ سَقَطَ الْوَعْدُ وَ الْوَعِيدُ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ عِبَادَهُ تَخْيِيراً وَ نَهَاهُمْ تَحْذِيراً وَ كَلَّفَ يَسِيراً وَ لَمْ يُكَلِّفْ عَسِيراً وَ أَعْطَى عَلَى الْقَلِيلِ‏

____________



(1) تقدم الحديث باسناد متعدّدة تحت رقم 19 من الباب الأوّل.

127

كَثِيراً وَ لَمْ يُعْصَ مَغْلُوباً وَ لَمْ يُطَعْ مُكْرِهاً وَ لَمْ يُرْسِلِ الْأَنْبِيَاءَ لَعِباً وَ لَمْ يُنْزِلِ الْكُتُبَ لِلْعِبَادِ عَبَثاً وَ لَا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ‏ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ.

79 شي، تفسير العياشي عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالسُّوءِ وَ الْفَحْشَاءِ فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْخَيْرَ وَ الشَّرَّ بِغَيْرِ مَشِيَّتِهِ فَقَدْ أَخْرَجَ اللَّهَ مِنْ سُلْطَانِهِ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَعَاصِيَ عُمِلَتْ بِغَيْرِ قُوَّةِ اللَّهِ فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَ مَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ.

تتميم قال العلامة (رحمه الله ) في شرحه على التجريد يطلق القضاء على الخلق و الإتمام قال الله تعالى‏ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ‏ (1) أي خلقهن و أتمّهن و على الحكم و الإيجاب كقوله تعالى‏ وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ‏ (2) أي أوجب و ألزم.

و على الإعلام و الإخبار كقوله تعالى‏ وَ قَضَيْنا إِلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ‏ (3) أي أعلمناهم و أخبرناهم و يطلق القدر على الخلق كقوله تعالى‏ وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها (4) و الكتابة كقول الشاعر.

و اعلم بأن ذا الجلال قد قدر* * * في الصحف الأولى التي كان سطر.

و البيان كقوله تعالى‏ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ‏ (5) أي بيّنّا و أخبرنا بذلك إذا ظهر هذا فنقول للأشعري ما تعني بقولك إنه تعالى قضى أعمال العباد و قدرها إن أردت به الخلق و الإيجاد فقد بينا بطلانه و أن الأفعال مستندة إلينا و إن عنى به الإلزام لم يصح إلا في الواجب خاصة و إن عنى به أنه تعالى بيَّنها و كتبها و علم أنهم سيفعلونها فهو صحيح لأنه تعالى قد كتب ذلك أجمع في اللوح المحفوظ و بيَّنه لملائكته و هذا المعنى الأخير هو المتعين للإجماع على وجوب الرضا بقضاء الله تعالى و قدره و لا يجوز الرضا بالكفر و غيره من القبائح و لا ينفعهم الاعتذار

____________

(1) فصّلت: 12.

(2) اسرى: 23.

(3) اسرى: 4.

(4) فصّلت: 11.

(5) النمل: 57.

128

بوجوب الرضا به من حيث إنه فعله و عدم الرضا به من حيث الكسب لبطلان الكسب أولا و ثانيا نقول إن كان كون الكفر كسبا بقضائه تعالى و قدره وجب الرضا به من حيث هو كسب و هو خلاف قولكم و إن لم يكن بقضاء و قدر بطل إسناد الكائنات بأجمعها إلى القضاء و القدر انتهى.

و قال شارح المواقف اعلم أن قضاء الله عند الأشاعرة هو إرادته الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال و قدره إيجاده إياها على وجه مخصوص و تقدير معين في ذواتها و أحوالها و أما عند الفلاسفة فالقضاء عبارة عن علمه بما ينبغي أن يكون عليه الوجود حتى يكون على أحسن النظام و أكمل الانتظام و هو المسمى عندهم بالعناية التي هي مبدأ لفيضان الموجودات من حيث جملتها على أحسن الوجوه و أكملها و القدر عبارة عن خروجها إلى الوجود العيني بأسبابها على الوجه الذي تقرر في القضاء و المعتزلة ينكرون القضاء و القدر في الأفعال الاختيارية الصادرة عن العباد و يثبتون علمه تعالى بهذه الأفعال و لا يسندون وجودها إلى ذلك العلم بل إلى اختيار العباد و قدرتهم انتهى.

و قال السيد المرتضى رضي الله عنه في كتاب الغرر و الدرر إن قال قائل ما تأويل قوله تعالى‏ وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ يَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ‏ (1) فظاهر هذا الكلام يدل على أن الإيمان إنما كان لهم فعله بإذنه و أمره و ليس هذا مذهبكم فإن حمل الإذن هاهنا على الإرادة اقتضى أن من لم يقع منه الإيمان لم يرد الله تعالى منه و هذا أيضا بخلاف قولكم ثم جعل الرجس الذي هو العذاب على الذين لا يعقلون و من كان فاقدا عقله لا يكون مكلفا فكيف يستحق العذاب‏

- وَ هَذَا بِالضِّدِّ مِنَ الْخَبَرِ الْمَرْوِيِّ عَنِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّهُ قَالَ: أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْهُ.

الجواب يقال له في قوله‏ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ‏ وجوه منها أن يكون الإذن الأمر و يكون معنى الكلام أن الإيمان لا يقع من أحد إلا بعد أن يأذن الله فيه و يأمر به و لا يكون معناه ما ظنه السائل من أنه لا يكون للفاعل فعله إلا بإذنه‏

____________

(1) يونس: 100.

129

و يجري هذا مجرى قوله تعالى‏ وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ‏ (1) و معلوم أن معنى قوله ليس لها في هذه الآية هو ما ذكرناه و إن كان الأشبه في الآية التي فيها ذكر الموت أن يكون المراد بالإذن العلم.

و منها أن يكون الإذن هو التوفيق و التيسير و التسهيل و لا شبهة في أن الله تعالى يوفق لفعل الإيمان و يلطف فيه و يسهل السبيل إليه.

و منها أن يكون الإذن العلم من قولهم أنت أذنت لكذا و كذا إذا سمعته و علمته و أذنت فلانا بكذا و كذا إذا أعلمته فتكون فائدة الآية الإخبار عن علمه تعالى بسائر الكائنات و أنه مما لا تخفى عليه الخفيات و قد أنكر بعض من لا بصيرة له أن يكون الإذن بكسر الألف و تسكين الذال عبارة عن العلم و زعم أن الذي هو العلم الأذن بالتحريك و استشهد بقول الشاعر إن همي في سماع و أذن و ليس الأمر على ما توهمه هذا المتوهم لأن الإذن هو المصدر و الأذن هو اسم الفعل و يجري مجرى الحذر في أنه مصدر و الحذر بالتسكين الاسم على أنه لو لم يكن مسموعا إلا الأذن بالتحريك لجاز التسكين مثل مثل و مثل و شبه و شبه و نظائر ذلك كثيرة.

و منها أن يكون الإذن العلم و معناه إعلام الله المكلفين بفضل الإيمان و ما يدعو إلى فعله فيكون معنى الآية و ما كان لنفس أن تؤمن إلا بإعلام الله تعالى لها ما يبعثها على الإيمان و يدعوها إلى فعله فأما ظن السائل دخول الإرادة في محتمل اللفظ فباطل لأن الإذن لا يحتمل الإرادة في اللغة و لو احتملها أيضا لم يجب ما توهمه لأنه إذا قال إن الإيمان لم يقع إلا و أنا مريد له لم ينف أن يكون مريدا لما لم يقع و ليس في صريح الكلام و لا في دلالته شي‏ء من ذلك. (2)

____________

(1) آل عمران: 145.

(2) قال الشيخ (قدس سره) في التبيان و معنى قوله: «و ما كان لنفس أن تؤمن إلّا باذن اللّه» أنه لا يمكن لاحد أن يؤمن إلّا باطلاق اللّه له في الايمان و تمكينه منه و دعاؤه إليه بما خلق فيه من العقل الموجب لذلك. و قال الحسن و أبو عليّ الجبّائيّ: إذنه هاهنا: أمره، و حقيقة إطلاقه في الفعل بالامر و قد يكون الاذن بالإطلاق في الفعل برفع التبعية. و قيل: معناه: و ما كان لنفس أن تؤمن إلّا بعلم اللّه، و أصل الاذن: الإطلاق في الفعل، فأما الاقدار على الفعل فلا يسمى إذنا فيه، لان النهى ينافى الإطلاق. انتهى.

130

و أما قوله تعالى‏ وَ يَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ‏ فلم يعن به الناقصي العقول و إنما أراد تعالى الذين لم يعقلوا و لم يعلموا ما وجب عليهم علمه من معرفة خالقهم تعالى و الاعتراف بنبوة رسله(ع)و الانقياد إلى طاعتهم و وصفهم بأنهم لا يعقلون تشبيها كما قال الله تعالى‏ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ‏ (1) و كما يصف أحدنا من لم يفطن لبعض الأمور أو لم يعلم ما هو مأمور بعلمه بالجنون و فقد العقل فأما الحديث الذي أورده السائل شاهدا له فقد قيل فيه إنه(ص)لم يرد بالبله ذوي الغفلة و النقص و الجنون و إنما أراد البله عن الشر و القبيح و سماهم بلها عن ذلك من حيث لا يستعملونه و لا يعتادونه لا من حيث فقد العلم به و وجه تشبيه من هذه حاله بالأبله ظاهر (2) ثم قال (رحمه الله ) إن سأل سائل عن قوله تعالى حاكيا عن شعيب ع‏ قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا (3) فقال أ ليس هذا تصريحا منه بأن الله تعالى يجوز أن يشاء الكفر و القبيح لأن ملة قومه كانت كفرا و ضلالا و قد أخبر أنه لا يعود فيها إلا أن يشاء الله.

الجواب قيل له في هذه الآية وجوه أولها أن تكون الملة التي عناها الله تعالى إنما هي العبادات الشرعيّات التي كانت قوم شعيب متمسكين بها و هي منسوخة عنهم و لم يعن بها ما يرجع إلى الاعتقادات في الله و صفاته. (4)

____________

(1) البقرة: 18.

(2) قال بعد ذلك: فان الابله عن الشي‏ء هو الذي لا يعرض له و لا يقصد إليه فإذا كان المتنزّه عن الشر معرضا عنه هاجرا لفعله جاز أن يوصف بالبله للفائدة التي ذكرناها، و يشهد بصحة هذا التأويل قول الشاعر:

و لقد لهوت بطفلة ميالة* * * بلهاء تطلعنى على اسرارها

أراد بالبلهاء ما ذكرناه؛ الى آخر كلامه. و من شاء الاطلاع عليه فليراجع ج 1(ص)31 من أماليه.

(3) الأعراف: 89.

(4) قال بعد ذلك: مما لا يجوز أن تختلف العبادات فيه و الشرعيات يجوز فيها اختلاف العبادة من حيث تبعت المصالح و الالطاف و المعلوم من أحوال المكلفين، فكانه قال: ان ملتكم لا نعود فيها مع علمنا بان اللّه قد نسخها و أزال حكمها الا أن يشاء اللّه ان يتعبدنا بمثلها فنعود إليها، و تلك.

131

و ثانيها أنه أراد أن ذلك لا يكون أبدا من حيث علقه بمشية الله تعالى لما كان معلوما أنه لا يشاؤه و كل أمر علق بما لا يكون فقد نفى كونه على أبعد الوجوه و تجري الآية مجرى قوله تعالى‏ وَ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ و ثالثها ما ذكره قطرب من أن في الكلام تقديما و تأخيرا و أن الاستثناء من الكفار وقع لا من شعيب فكأنه تعالى قال حاكيا عن الكفار لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا إلا أن يشاء الله أن تعود في ملتنا ثم قال حاكيا عن شعيب‏ وَ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها على كل حال.

و رابعها أن تعود الهاء التي في قوله تعالى‏ فِيها إلى القرية لا إلى الملة لأن ذكر القرية قد تقدم كما تقدم ذكر الملة و يكون تلخيص الكلام أنا سنخرج من قريتكم و لا نعود فيها إلا أن يشاء الله بما ينجزه لنا من الوعد في الإظهار عليكم و الظفر بكم فنعود إليها.

و خامسها أن يكون المعنى إلا أن يشاء الله أن يردكم إلى الحق فنكون جميعا على ملة واحدة غير مختلفة لأنه لما قال تعالى حاكيا عنهم‏ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا كان معناه أو لتكونن على ملة واحدة غير مختلفة فحسن أن يقول من بعد إلا أن يشاء الله أن يجمعكم معنا على ملة واحدة فإن قيل الاستثناء بالمشية إنما كان بعد قوله و ما يكون لنا أن نعود فيها فكأنه قال ليس نعود فيها إلا أن يشاء الله فكيف يصح هذا الجواب قلنا هو كذلك إلا أنه لما كان معنى أن نعود فيها هو أن تصير ملتنا واحدة غير

____________

الافعال التي كانوا متمسكين بها مع نسخها عنهم و نهيهم عنها و ان كانت ضلالا و كفرا فقد كان يجوز فيما هو مثلها أن يكون ايمانا و هدى، بل فيها أنفسها قد كان يجوز ذلك، و ليس تجرى هذه الافعال مجرى الجهل باللّه تعالى الذي لا يجوز أن يكون إلّا قبيحا، و قد طعن بعضهم على هذا الجواب فقال: كيف يجوز أن يتعبدهم اللّه تعالى بتلك الملّة مع قوله: «قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها»؟ فيقال له: لم ينف عودهم إليها على كل حال، و انما نفى العود إليها مع كونها منسوخة منهيا عنها، و الذي علقه بمشية اللّه تعالى من العود إليها هو بشرط أن يأمر بها و يتعبد بمثلها، و الجواب مستقيم لا خلل فيه انتهى. يوجد ذلك في ج 2(ص)64.

132

مختلفة جاز أن يوقع الاستثناء على المعنى فيقول إلا أن يشاء الله أن نتفق في الملة بأن ترجعوا أنتم إلى الحق.

فإن قيل و كان الله ما شاء أن ترجع الكفار إلى الحق قلنا بلى قد شاء ذلك إلا أنه ما شاء على كل حال بل من وجه دون وجه و هو أن يؤمنوا و يصيروا إلى الحق مختارين ليستحقوا الثواب الذي أجرى بالتكليف إليه و لو شاءه على كل حال لما جاز أن لا يقع منهم. (1)

و سادسها أن يكون المعنى إلا أن يشاء الله أن يمكنكم من إكراهنا و يخلي بينكم و بينه فنعود إلى إظهارها مكرهين و يقوي هذا الوجه قوله تعالى‏ أَ وَ لَوْ كُنَّا كارِهِينَ‏ و سابعها أن يكون المعنى إلا أن يشاء الله أن يتعبدنا بإظهار ملتكم مع الإكراه لأن إظهار كلمة الكفر قد يحسن في بعض الأحوال إذا تعبد الله تعالى بإظهاره و قوله‏ أَ وَ لَوْ كُنَّا كارِهِينَ‏ يقوي هذا الوجه أيضا.

فإن قيل فكيف يجوز من نبي من أنبياء الله تعالى أن يتعبد بإظهار الكفر و خلاف ما جاء به من الشرع قلنا يجوز أن يكون لم يرد بالاستثناء نفسه بل قومه فكأنه قال و ما يكون لي و لا لأمتي أن نعود فيها إلا يشاء الله أن يتعبد أمتي بإظهار ملتكم على سبيل الإكراه و هذا جائز غير ممتنع. و قال طيّب الله رمسه إن سأل سائل عن تأويل قوله تعالى‏ فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كافِرُونَ‏ (2) فقال كيف يعذبهم بالأموال و الأولاد و معلوم أن لهم فيها سرورا و لذة و ما تأويل‏

____________

(1) و فيه بعد ذلك زيادة و هي قوله: فكان شعيبا (عليه السلام) قال: ان ملتنا لا تكون واحدة أبدا الا أن يشاء اللّه أن يلجئكم الى الاجتماع معنا على ديننا و موافقتنا في ملتنا، و الفائدة في ذلك واضحة، لانه لو اطلق أنا لا نتفق أبدا و لا تصير ملتنا واحدة لتوهم متوهم أن ذلك ممّا لا يمكن على حال من الأحوال فافاد بتعليقه له بالمشية هذا الوجه، و يجرى قوله تعالى: «إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ»* مجرى قوله تعالى:

«وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً» ج 2(ص)65.

(2) التوبة: 55.

133

قوله‏ ماتُوا وَ هُمْ كافِرُونَ‏ فظاهره يقتضي أنه أراد كفرهم من حيث أراد أن تزهق أنفسهم في حال كفرهم لأن القائل إذا قال أريد أن يلقاني فلان و هو لابس أو على صفة كذا و كذا فالظاهر أنه أراد كونه على هذه الصفة.

قلنا أما التعذيب بالأموال و الأولاد ففيه وجوه.

أحدها ما روي عن ابن عباس و قتادة و هو أن يكون في الكلام تقديم و تأخير و يكون التقدير فلا تعجبك يا محمد و لا تعجب المؤمنين معك أموال هؤلاء الكفار و المنافقين و أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة عقوبة لهم علي منعهم حقوقها و استشهد على ذلك بقوله تعالى‏ اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ‏ (1) فالمعنى فألقه إليهم فانظر ما ذا يرجعون ثم تول عنهم.

و ثانيها أن يكون المعنى ما جعله للمؤمنين من قتالهم و غنيمة أموالهم و سبي أولادهم و استرقاقهم و في ذلك لا محالة إيلام لهم و استخفاف بهم. (2)

و ثالثها أن يكون المراد بتعذيبهم بذلك كل ما يدخله في الدنيا عليهم من الغموم و المصائب بأموالهم و أولادهم التي هي لهؤلاء الكفار و المنافقين عقاب و جزاء و للمؤمنين محنة و جالبة للنفع و العوض و يجوز أيضا أن يراد به ما ينذر به الكافر قبل موته و عند

____________

(1) النمل: 28.

(2) قال بعد ذلك: و انما أراد اللّه تعالى بذلك إعلام نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) و المؤمنين أنه لم يرزق الكفّار الأموال و الاولاد و لم يبقها في أيديهم كرامة لهم و رضى عنهم، بل للمصلحة الداعية إلى ذلك، و أنهم مع هذه الحالة معذبون بهذه النعم من الوجه الذي ذكرناه، فلا يجب أن يغبطوا بها و يحسدوا عليها، اذ كانت هذه عاجلتهم، و العقاب الاليم آجلتهم، و هذا جواب أبى على الجبّائيّ و قد طعن عليه بعض من لا تأمل له فقال: كيف يصحّ هذا التأويل مع أنا نجد كثيرا من الكفّار لا تنالهم أيدى المسلمين، و لا يقدرون على غنيمة أموالهم، و نجد أهل الكتاب أيضا خارجين عن هذه الجملة، لمكان الذمّة و العهد؟ و ليس هذا الاعتراض بشي‏ء، لانه لا يمتنع أن تختص الآية بالكفار الذين لا ذمة لهم و لا عهد ممن أوجب اللّه تعالى محاربته، فاما الذين هم بحيث لا تنالهم الأيدي، أو هم من القوّة على حدّ لا يتم معه غنيمة أموالهم فلا يقدح الاعتراض بهم في هذا الجواب، لانهم ممن أراد اللّه أن يسبى و يغنم و يجاهد و يغلب، و ان لم يقع ذلك، و ليس في ارتفاعه بالتعذر دلالة على أنه غير مراد. انتهى ج 2(ص)153.

134

احتضاره و انقطاع التكليف عنه مع أنه حي من العذاب الدائم الذي قد أعد له و إعلامه أنه صائر إليه.

و رابعها أن يكون المراد بذلك ما ألزمه هؤلاء الكفار من الفرائض و الحقوق في أموالهم لأن ذلك يؤخذ منهم على كره و هم إذا أنفقوا فيه أنفقوا بغير نية و لا عزيمة فتصير نفقتهم غرامة و عذابا من حيث لا يستحقون عليها أجرا و في هذا الوجه نظر. (1)

____________

(1) قال (قدس الله روحه): و هذا وجه غير صحيح، لان الوجه في تكليف الكافر اخراج الحقوق من ماله، كالوجه في تكليف المؤمن ذلك، و محال أن يكون انما كلف اخراج هذه الحقوق على سبيل العذاب و الجزاء، لان ذلك لا يقتضى وجوبه عليه، و الوجه في تكليف الجميع هذه الأمور هو المصلحة و اللطف في التكليف، و لا يجرى ذلك مجرى ما قلناه في الجواب الذي قبل هذا من أن المصائب و الغموم تكون للمؤمنين محنة و للكافرين عقوبة، لان تلك الأمور ممّا يجوز أن يكون وجه حسنها للعقوبة و المحنة جميعا، و لا يجوز في هذه الفرائض أن يكون لوجوبها على المكلف إلّا وجه واحد و هو المصلحة في الدين، فافترق الامران، و ليس لهم أن يقولوا: ليس التعذيب في إيجاب الفرائض عليهم، و إنّما هو في إخراجهم لاموالهم على سبيل التكره و الاستثقال، و ذلك أنّه إذا كان الامر على ما ذكروه خرج الامر من أن يكون مرادا للّه تعالى، لانه جل و عزّ ما أراد منهم اخراج المال على هذا الوجه بل على الوجه الذي هو طاعة و قربة، فإذا أخرجوها متكرهين مستثقلين لم يرد ذلك، فكيف يقول: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها؟ و يجب أن يكون ما يعذبون به شيئا يصحّ أن يريده اللّه تعالى.

أقول: أورد شيخ الطائفة في التبيان وجوها أخر، أولها ما حكى عن ابن زيد أن المعنى: انما يريد اللّه ليعذبهم بحفظها و المصائب فيها مع حرمان المنفعة بها.

ثانيها: أن مفارقتها و تركها و الخروج عنها بالموت صعب عليهم شديد، لانهم يفارقون النعم، لا يدرون الى ما ذا يصيرون بعد الموت، فيكون حينئذ عذابا عليهم، بمعنى أن مفارقتها غم و عذاب؛ و معنى تزهق أنفسهم أي تهلك و تذهب بالموت، يقال: زهق بضاعة فلان أي ذهبت أجمع.

و أورد وجوها أخر متقاربة مع ما ذكره السيّد (رحمه الله ) و قال بعد ذلك: و ليس في الآية ما يدل على ان اللّه تعالى أراد الكفر على ما يقوله المجبرة، لان قوله: «وَ هُمْ كافِرُونَ» في موضع الحال، كقولك: أريد أن نذمه فهو كافر، و أريد أن نضربه و هو عاص، و أنت لا تريد كفره و لا عصيانه، بل تريد ذمه في حال كفره و عصيانه، و تقدير الآية: انما يريد اللّه عذابهم و ازهاق أنفسهم، أي أى اهلاكها في حال كونهم كافرين. «التبيان ج 1(ص)837».

135

ثم اعلم أن جميع الوجوه التي حكيناها في هذه الآية إلا جواب التقديم و التأخير مبنية على أن الحياة الدنيا ظرف للعذاب و ما يحتاج عندنا إلى جميع ما تكلفوه إذا لم نجعل الحياة ظرفا للعذاب بل جعلناها ظرفا للفعل الواقع بالأموال و الأولاد المتعلق بهما لأنا قد علمنا أولا أن قوله ليعذبهم بها لا بد من الانصراف عن ظاهره لأن الأموال و الأولاد أنفسهما لا تكون عذابا فالمراد على سائر وجوه التأويل الفعل المتعلق بها و المضاف إليها سواء كان إنفاقها أو المصيبة بها و الغم عليها أو إباحة غنيمتها و إخراجها عن أيدي مالكيها و كان تقدير الآية إنما يريد الله ليعذبهم بكذا و كذا مما يتعلق بأموالهم و أولادهم و يتصل بها و إذا صح هذا جاز أن تكون الحياة الدنيا ظرفا لأفعالهم القبيحة في أموالهم و أولادهم التي تغضب الله و تسخطه كإنفاقهم الأموال في وجوه المعاصي و حملهم الأولاد على الكفر فتقدير الكلام إنما يريد الله ليعذبهم بفعلهم في أموالهم و أولادهم الواقع ذلك في الحياة الدنيا و أما قوله تعالى‏ وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كافِرُونَ‏ فمعناه تبطل و تخرج أي أنهم يموتون على الكفر ليس يجب إذا كان مريدا لأن تزهق أنفسهم و هم على هذه الحال أن يريد الحال نفسها على ما ظنوه‏ (1) و قد ذكر في ذلك وجه آخر و هو أن لا يكون قوله‏ وَ هُمْ كافِرُونَ‏ حالا لزهوق أنفسهم بل يكون كأنه كلام مستأنف و التقدير فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ‏ مع ذلك كله‏ كافِرُونَ‏ صائرون إلى النار و تكون الفائدة أنهم مع عذاب الدنيا قد اجتمع عليهم عذاب الآخرة و يكون معنى تزهق أنفسهم المشقة الشديدة و الكلفة الصعبة.

أقول قد مضى بعض الأخبار في معنى القدر و القضاء في باب البداء.

____________

(1) قال: لان الواحد منا قد يامر غيره و يريد منه أن يقاتل أهل البغى و هم محاربون، و لا يقاتلهم و هم منهزمون، و لا يكون مريدا لحرب أهل البغى للمؤمنين و ان أراد قتلهم على هذه الحالة، و كذلك قد يقول لغلامه: أريد أن تواظب على المصير الى في السجن و أنا محبوس، و للطبيب: صر الى و لازمنى و أنا مريض و هو لا يريد المرض و لا الحبس، و ان كان قد أراد ما هو متعلق بهاتين الحالتين.

136

باب 4 الآجال‏

الآيات آل عمران‏ وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا و قال تعالى‏ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى‏ مَضاجِعِهِمْ‏ الأنعام‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى‏ أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ‏ الأعراف‏ وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ‏ يونس‏ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ‏ الحجر وَ ما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَ لَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَ ما يَسْتَأْخِرُونَ‏ النحل‏ وَ لَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَ لكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ‏ مريم‏ فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا طه‏ وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى‏ العنكبوت‏ وَ لَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَ لَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏ فاطر وَ ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ حمعسق‏ وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ‏ المنافقين‏ وَ لَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها

137

نوح‏ وَ يُؤَخِّرْكُمْ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏ تفسير قال الرازي في تفسيره اختلفوا في تفسير الإذن.

الأول أن يكون الإذن هو الأمر أي يأمر ملك الموت بقبض الأرواح فلا يموت أحد إلا بهذا الأمر.

الثاني أن المراد به الأمر التكويني كقوله تعالى‏ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏ و لا يقدر على الحياة و الموت أحد إلا الله.

الثالث أن يكون الإذن هو التخلية و الإطلاق و ترك المنع بالقهر و الإجبار و به فسر قوله تعالى‏ وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ‏ أي بتخليته فإنه تعالى قادر على المنع من ذلك بالقهر.

الرابع أن يكون الإذن بمعنى العلم و معناه أن نفسا لا تموت إلا في الوقت الذي علم الله موتها فيه.

الخامس قال ابن عباس الإذن هو قضاء الله و قدره فإنه لا يحدث شي‏ء إلا بمشية الله و إرادته و الآية تدل على أن المقتول ميت بأجله و أن تغيير الآجال ممتنع انتهى.

قوله‏ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ أي من الظفر الذي وعدنا النبي(ص)أو لو كنا مختارين لما خرجنا باختيارنا.

قوله تعالى‏ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى‏ مَضاجِعِهِمْ‏ قال الطبرسي (رحمه الله ) فيه قولان أحدهما أن معناه لو لزمتم منازلكم أيها المنافقون و المرتابون لخرج إلى البراز المؤمنون الذين فرض عليهم القتال صابرين محتسبين فيقتلون و يقتلون و لما تخلفوا بتخلفكم.

و الثاني أن معناه لو كنتم في منازلكم لخرج الذين كتب عليهم القتل أي كتب آجالهم و موتهم و قتلهم في اللوح المحفوظ في ذلك الوقت إلى مصارعهم و ذلك أن ما علم الله كونه فإنه يكون كما علمه لا محالة و ليس في ذلك أن المشركين غير قادرين على‏

138

ترك القتال من حيث علم الله ذلك منهم و كتبه لأنه كما علم أنهم لا يختارون ذلك علم أنهم قادرون و لو وجب ذلك لوجب أن لا يكون تعالى قادرا على ما علم أنه لا يفعله و القول بذلك كفر.

و قال (رحمه الله ) في قوله تعالى‏ ثُمَّ قَضى‏ أَجَلًا أي كتب و قدر أجلا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ‏ قيل فيه أقوال أحدها أنه يعني بالأجلين أجل الحياة إلى الموت و أجل الموت إلى البعث و روى ابن عباس قال‏ قَضى‏ أَجَلًا من مولده إلى مماته‏ وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ‏ من الممات إلى البعث لا يعلم أحد ميقاته سواه فإذا كان الرجل صالحا واصلا لرحمه زاد الله له في أجل الحياة من أجل الممات إلى البعث و إذا كان غير صالح و لا واصل نقصه الله من أجل الحياة و زاد في أجل المبعث قال و ذلك قوله‏ وَ ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ‏ و ثانيها أنه الأجل الذي يحيي به أهل الدنيا إلى أن يموتوا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ‏ يعني الآخرة لأنها أجل ممدود دائم لا آخر له.

و ثالثها أن‏ أَجَلًا يعني به أجل من مضى من الخلق‏ وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ‏ يعني به آجال الباقين.

و رابعها أن قوله‏ قَضى‏ أَجَلًا عنى به النوم يقبض الروح فيه ثم يرجع عند اليقظة و الأجل المسمى هو أجل الموت و الأصل في الأجل هو الوقت فأجل الحياة هو الوقت الذي يكون فيه الحياة و أجل الموت أو القتل هو الوقت الذي يحدث فيه الموت أو القتل و ما يعلم الله تعالى أن المكلف يعيش إليه لو لم يقتل لا يسمى أجلا حقيقة و يجوز أن يسمى ذلك مجازا و ما جاء في الأخبار من أن صلة الرحم تزيد في العمر و الصدقة تزيد في الأجل و أن الله تعالى زاد في أجل قوم يونس و ما أشبه ذلك فلا مانع من ذلك و قال في قوله تعالى‏ وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ‏ أي لكل جماعة و أهل عصر وقت لاستيصالهم و قيل المراد بالأجل أجل العمر الذي هو ملة الحياة.

قوله‏ لا يَسْتَأْخِرُونَ‏ أي لا يتأخرون ساعة من ذلك الوقت و لا يتقدمون ساعة.

و قيل معناه لا يبطلون التأخر عن ذلك الوقت للإياس عنه و لا يطلبون التقدم و معنى‏

139

جاء أجلهم قرب أجلهم كما يقال جاء الصيف إذا قارب وقته.

قوله تعالى‏ وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ‏ أي في تأخير العذاب عن قومك و أنه لا يعذبهم و أنت فيهم‏ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ‏ أي لفرغ من عذابهم و استيصالهم و قيل معناه لو لا حكم سبق من ربك بتأخيرهم إلى وقت انقضاء آجالهم لقضي بينهم قبل انقضاء آجالهم.

1- فس، تفسير القمي أَبِي عَنِ النَّضْرِ عَنِ الْحَلَبِيِّ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: الْأَجَلُ الْمَقْضِيُّ هُوَ الْمَحْتُومُ الَّذِي قَضَاهُ اللَّهُ وَ حَتَمَهُ وَ الْمُسَمَّى هُوَ الَّذِي فِيهِ الْبَدَاءُ يُقَدِّمُ مَا يَشَاءُ وَ يُؤَخِّرُ مَا يَشَاءُ وَ الْمَحْتُومُ لَيْسَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَ لَا تَأْخِيرٌ.

فس، تفسير القمي‏ إِلَّا وَ لَها كِتابٌ مَعْلُومٌ‏ أَيْ أَجَلٌ مَكْتُوبٌ‏

. 2- فس، تفسير القمي أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ النَّضْرِ عَنْ يَحْيَى الْحَلَبِيِّ عَنْ هَارُونَ بْنِ خَارِجَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ‏ وَ لَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها قَالَ إِنَّ عِنْدَ اللَّهِ كُتُباً مَوْقُوفَةً يُقَدِّمُ مِنْهَا مَا يَشَاءُ وَ يُؤَخِّرُ فَإِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْقَدَرِ أَنْزَلَ فِيهَا كُلَّ شَيْ‏ءٍ يَكُونُ إِلَى مِثْلِهَا (1) فَذَلِكَ قَوْلُهُ‏ وَ لَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها إِذَا أَنْزَلَهُ وَ كَتَبَهُ كُتَّابُ السَّمَاوَاتِ وَ هُوَ الَّذِي لَا يُؤَخِّرُهُ.

3- شي، تفسير العياشي عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِهِ تَعَالَى‏ ثُمَّ قَضى‏ أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ‏ قَالَ الْأَجَلُ الَّذِي غَيْرُ مُسَمًّى مَوْقُوفٌ يُقَدِّمُ مِنْهُ مَا شَاءَ وَ يُؤَخِّرُ مِنْهُ مَا شَاءَ وَ أَمَّا الْأَجَلُ الْمُسَمَّى فَهُوَ الَّذِي يُنْزِلُ مِمَّا يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ إِلَى مِثْلِهَا مِنْ قَابِلٍ فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ‏ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ‏

4- ما، الأمالي للشيخ الطوسي وَ عَنْ حُمْرَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: الْمُسَمَّى مَا سُمِّيَ لِمَلَكِ الْمَوْتِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَ هُوَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ‏ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ‏ وَ الْآخَرُ لَهُ فِيهِ الْمَشِيَّةُ إِنْ شَاءَ قَدَّمَهُ وَ إِنْ شَاءَ أَخَّرَهُ.

5- ما، الأمالي للشيخ الطوسي الْغَضَائِرِيُّ عَنِ التَّلَّعُكْبَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَمَّامٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ‏

____________

(1) في المصدر: أنزل اللّه فيها كل شي‏ء يكون الى ليلة مثلها. م.

140

الْحُسَيْنِ الْهَمَذَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ لِلْمُؤْمِنِ أَجَلًا فِي الْمَوْتِ يُبْقِيهِ مَا أَحَبَّ الْبَقَاءَ فَإِذَا عَلِمَ مِنْ أَنَّهُ سَيَأْتِي بِمَا فِيهِ بَوَارُ دِينِهِ‏ (1) قَبَضَهُ إِلَيْهِ تَعَالَى مُكْرَهاً.

6- قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامٍ فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِأَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ مَوْلَى الطَّالِبِيِّينَ وَ كَانَ رَاوِيَةً لِلْحَدِيثِ‏ (2) فَحَدَّثَنِي عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَسَدٍ الطُّفَاوِيِ‏ (3) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَنْ يَمُوتُ بِالذُّنُوبِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَمُوتُ بِالْآجَالِ وَ مَنْ يَعِيشُ بِالْإِحْسَانِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَعِيشُ بِالْأَعْمَارِ.

7 دَعَوَاتُ الرَّاوَنْدِيِّ، قَالَ الصَّادِقُ(ع)يَعِيشُ النَّاسُ بِإِحْسَانِهِمْ أَكْثَرَ مِمَّا يَعِيشُونَ بِأَعْمَارِهِمْ وَ يَمُوتُونَ بِذُنُوبِهِمْ أَكْثَرَ مِمَّا يَمُوتُونَ بِآجَالِهِمْ.

8- النهج، نهج البلاغة قَالَ(ع)إِنَّ مَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ مَلَكَيْنِ يَحْفَظَانِهِ فَإِذَا جَاءَ الْقَدَرُ خَلَّيَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ وَ إِنَّ الْأَجَلَ جُنَّةٌ (4) حَصِينَةٌ.

9- شي، تفسير العياشي عَنْ حُمْرَانَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ‏ قَضى‏ أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ‏ قَالَ هُمَا أَجَلَانِ أَجَلٌ مَوْقُوفٌ يَصْنَعُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَ أَجَلٌ مَحْتُومٌ.

10- شي، تفسير العياشي عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِهِ‏ قَضى‏ أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ‏ قَالَ الْأَجَلُ الْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي نَبَذَهُ إِلَى الْمَلَائِكَةِ وَ الرُّسُلِ وَ الْأَنْبِيَاءِ وَ الْأَجَلُ الْمُسَمَّى عِنْدَهُ هُوَ الَّذِي سَتَرَهُ عَنِ الْخَلَائِقِ.

بيان ظاهر بعض الأخبار كون الأجل الأول محتوما و الثاني موقوفا و بعضها بالعكس و يمكن الجمع بأن المعنى أنه تعالى قضى أجلا أخبر به أنبياءه و حججه(ع)و أخبر بأنه محتوم فلا يتطرق إليه التغيير و عنده أجل مسمى أخبر بخلافه غير محتوم فهو الذي إذا أخبر بذلك المسمى يحصل منه البداء فلذا قال تعالى‏

____________

(1) أي هلاك دينه. أقول: متن الحديث لا يخلو عن غرابة.

(2) الراوية: الذي يروى الحديث و التاء فيه للمبالغة.

(3) قال الفيروزآبادي في القاموس: الطفاوة بالضم: حى من قيس عيلان.

(4) بضم الجيم: السترة، و كل ما وقى من السلاح.

141

عِنْدَهُ‏ أي لم يطلع عليه أحدا بعد و إنما يطلق عليه المسمى لأنه بعد الإخبار يكون مسمى فما لم يسم فهو موقوف و منه يكون البداء فيما أخبر لا على وجه الحتم و يحتمل أن يكون المراد بالمسمى ما سمي و وصف بأنه محتوم فالمعنى قضى أجلا محتوما أي أخبر بكونه محتوما و أجلا آخر وصف بكونه محتوما عنده و لم يخبر الخلق بكونه محتوما فيظهر منه أنه أخبر بشي‏ء لا على وجه الحتم فهو غير المسمى لا الأجل الذي ذكر أولا و حاصل الوجهين مع قربهما أن الأجلين كليهما محتومان أخبر بأحدهما و لم يخبر بالآخر و يظهر من الآية أجل آخر غير الأجلين و هو الموقوف و يمكن أن يكون الأجل الأول عاما فيرتكب تكلف في خبر ابن مسكان بأنه قد يكون محتوما و ظاهر أكثر الأخبار أن الأول موقوف و المسمى محتوم.

11- شي، تفسير العياشي عَنْ حَمَّادِ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ‏ يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ‏ قَالَ إِنَّ ذَلِكَ كِتَابٌ يَمْحُو اللَّهُ فِيهِ مَا يَشَاءُ وَ يُثْبِتُ فَمِنْ ذَلِكَ الَّذِي يَرُدُّ الدُّعَاءُ الْقَضَاءَ وَ ذَلِكَ الدُّعَاءُ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ الَّذِي يُرَدُّ بِهِ الْقَضَاءُ حَتَّى إِذَا صَارَ إِلَى أُمِّ الْكِتَابِ لَمْ يُغْنِ الدُّعَاءُ فِيهِ شَيْئاً.

بيان لعل المراد بكونه مكتوبا عليه أن هذا الحكم ثابت له حتى يوافق ما في اللوح من القضاء الحتمي فإذا وافقه فلا ينفع الدعاء و يحتمل أن يكون المعنى أن ذلك الدعاء الذي يرد به القضاء من الأسباب المقدرة أيضا فلا ينافي الدعاء القدر و القضاء.

12- شي، تفسير العياشي عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ الْمَرْءَ لَيَصِلُ رَحِمَهُ وَ مَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا ثَلَاثُ سِنِينَ فَيَمُدُّهَا اللَّهُ إِلَى ثَلَاثٍ وَ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَ إِنَّ الْمَرْءَ لَيَقْطَعُ رَحِمَهُ وَ قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ ثَلَاثٌ وَ ثَلَاثُونَ سَنَةً فَيَقْصِرُهَا اللَّهُ إِلَى ثَلَاثِ سِنِينَ أَوْ أَدْنَى قَالَ الْحُسَيْنُ وَ كَانَ جَعْفَرٌ(ع)يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ‏

13- نهج، نهج البلاغة مِنْ كَلَامِهِ(ع)لَمَّا خُوِّفَ مِنَ الْغِيلَةِ وَ إِنَّ عَلَيَّ مِنَ اللَّهِ جُنَّةً

142

حَصِينَةً فَإِذَا جَاءَ يَوْمِي انْفَرَجَتْ عَنِّي وَ أَسْلَمَتْنِي فَحِينَئِذٍ لَا يَطِيشُ السَّهْمُ وَ لَا يَبْرَأُ الْكَلْمُ‏ (1).

بيان الغيلة القتل على غفلة و طاش السهم انحرف عن الغرض.

14- نهج، نهج البلاغة قَالَ(ع)كَفَى بِأَجَلٍ حَارِساً.

تذنيب أقول الأخبار الدالة على حقيقة الأجلين و تحقيقهما قد مر في باب البداء من كتاب التوحيد و قال المحقق الطوسي (رحمه الله ) في التجريد أجل الحيوان الوقت الذي علم الله بطلان حياته فيه و المقتول يجوز فيه الأمران لولاه و يجوز أن يكون الأجل لطفا للغير لا للمكلف.

و قال العلامة (رحمه الله ) في شرحه اختلف الناس في المقتول لو لم يقتل فقالت المجبرة إنه كان يموت قطعا و هو قول أبي هذيل العلاف و قال بعض البغداديين إنه كان يعيش قطعا و قال أكثر المحققين إنه كان يجوز أن يعيش و يجوز أن يموت ثم اختلفوا فقال قوم منهم إن كان المعلوم منه البقاء لو لم يقتل له أجلان و قال الجبائيان و أصحابهما و أبو الحسين البصري إن أجله هو الوقت الذي قتل فيه ليس له أجل آخر لو لم يقتل فما كان يعيش إليه ليس بأجل له الآن حقيقي بل تقديري و احتج الموجبون لموته بأنه لولاه لزم خلاف معلوم الله تعالى و هو محال و احتج الموجبون لحياته بأنه لو مات لكان الذابح غنم غيره محسنا و لما وجب القود لأنه لم يفوت حياته.

و الجواب عن الأول ما تقدم من أن العلم يؤثر في المعلوم و عن الثاني بمنع الملازمة إذ لو ماتت الغنم استحق ما لها عوضا زائدا على الله تعالى فيذبحه فوته الأعواض الزائدة و القود من حيث مخالفة الشارع إذ قتله حرام عليه و إن علم موته و لهذا لو أخبر الصادق بموت زيد لم يجز لأحد قتله ثم قال (رحمه الله ) و لا استبعاد في أن يكون أجل الإنسان لطفا لغيره من المكلفين و لا يمكن أن يكون لطفا للمكلف نفسه لأن الأجل يطلق على عمره و حياته و يطلق على أجل موته أما الأول فليس بلطف لأنه‏

____________

(1) بفتح الكاف و سكون اللام أي لا يشفى الجرح.

143

تمكين له من التكليف و اللطف زائد على التمكين و أما الثاني فهو قطع للتكليف فلا يصح أن يكلف بعده فيكون لطفا له فيما يكلفه من بعد و اللطف لا يصح أن يكون لطفا فيما مضى انتهى.

أقول لا يخفى ما في قوله (رحمه الله ) العلم لا يؤثر فإنه غير مرتبط بالسؤال بل الجواب هو أنه يلزم خلاف العلم على هذا الفرض على أي حال فإن من علم الله أنه سيقتل إذا مات بغير قتل كان خلاف ما علمه تعالى و أما علمه بموته على أي حال فليس بمسلم و أما قوله و اللطف لا يصح أن يكون لطفا فيما مضى فيمكن منعه بأنه يمكن أن يكون لطفا من حيث علم المكلف بوقوعه فيردعه عن ارتكاب كثير من المحرمات إلا أن يقال اللطف هو العلم بوقوع أصل الموت فأما خصوص الأجل المعين فلعدم علمه به غالبا لا يكون لطفا من هذه الجهة أيضا و يمكن تطبيق كلام المصنف على هذا الوجه من غير تكلف.

باب 5 الأرزاق و الأسعار (1)

الآيات البقرة وَ اللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ‏ آل عمران‏ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ‏ هود وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها الرعد اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ الأسرى‏ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً

____________

(1) الارزاق جمع الرزق، و هو كل ما صح انتفاع الحيوان به بالتغذى أو غيره و ليس لاحد منعه منه؛ و أمّا إطلاق الرزق على الممنوع و المحرم فسيأتي الكلام فيه مفصلا من المصنّف؛ و أمّا الاسعار فهو جمع السعر بالكسر و هو الذي يقوم عليه الثمن، و هو قد يرخص و قد يغلو، و يأتي الكلام في أنهما مستندان إلى اللّه مطلقا أو في بعض الاحيان.

144

الحج‏ لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَ إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ‏ المؤمنين‏ وَ هُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ‏ النور وَ اللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ‏ العنكبوت‏ وَ كَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَ إِيَّاكُمْ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏ و قال تعالى‏ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ يَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ الروم‏ أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏ سبأ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ‏ و قال تعالى‏ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏ و قال تعالى‏ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ يَقْدِرُ لَهُ وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَ هُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ‏ الزمر أَ وَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏ حمعسق‏ لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ و قال تعالى حمعسق‏ وَ لَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَ لكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ الزخرف‏ أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا الذاريات 22 وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ‏ تفسير قال الطبرسي (رحمه الله ) في قوله تعالى‏ وَ اللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ‏ قيل فيه أقوال أحدها أن معناه يعطيهم الكثير الواسع الذي لا يدخله الحساب من كثرته.

145

و ثانيها أنه لا يرزق الناس في الدنيا على مقابلة أعمالهم و إيمانهم و كفرهم فلا يدل بسط الرزق على الكفار على منزلتهم عند الله و إن قلنا إن المراد به في الآخرة فمعناه أن الله لا يثيب المؤمنين في الآخرة على قدر أعمالهم التي سلفت منهم بل يزيدهم تفضلا.

و ثالثها أنه يعطيه عطاء لا يأخذه بذلك أحد و لا يسأله عنه سائل و لا يطلب عليه جزاء و لا مكافاة.

و رابعها أنه يعطيه من العدد الشي‏ء الذي لا يضبط بالحساب و لا يأتي عليه العدد لأن ما يقدر عليه غير متناه و لا محصور فهو يعطي الشي‏ء لا من عدد أكثر منه فينقص منه كمن يعطي الألف من الألفين و العشرة من المائة.

و خامسها أن معناه يعطي أهل الجنة ما لا يتناهى و لا يأتي عليه الحساب.

و قال البيضاوي في قوله تعالى‏ وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ‏ أي أسباب رزقكم أو تقديره و قيل المراد بالسماء السحاب و بالرزق المطر لأنه سبب الأقوات‏ وَ ما تُوعَدُونَ‏ من الثواب لأن الجنة فوق السماء السابعة أو لأن الأعمال و ثوابها مكتوبة مقدرة في السماء و قيل إنه مستأنف خبره‏ فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ‏ و على هذا فالضمير لما و على الأول يحتمل أن يكون له و لما ذكر من أمر الآيات و الرزق و الوعيد مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ‏ أي مثل نطقكم كما أنه لا شك لكم في أنكم تنطقون ينبغي أن لا تشكوا في تحقق ذلك انتهى.

و قال الوالد العلامة (رحمه الله ) يحتمل أن يكون التشبيه من حيث اتصال النطق و فيضان المعاني من المبدإ بقدر الحاجة من غير علم بموضعه و محل وروده فيكون التشبيه أكمل.

1- ب، قرب الإسناد ابْنُ طَرِيفٍ عَنِ ابْنِ عُلْوَانَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ الرِّزْقَ لَيَنْزِلُ‏ (1) مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ عَلَى عَدَدِ قَطْرِ الْمَطَرِ إِلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا قُدِّرَ لَهَا وَ لَكِنْ لِلَّهِ فُضُولٌ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ.

____________

(1) في المصدر: ينزل. م.

146

2- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْمُفَسِّرُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْحُسَيْنِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ الرِّضَا عَنْ أَبِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: سَأَلَ الصَّادِقُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ(ع)عَنْ بَعْضِ أَهْلِ مَجْلِسِهِ فَقِيلَ عَلِيلٌ فَقَصَدَهُ عَائِداً وَ جَلَسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَوَجَدَهُ دَنِفاً (1) فَقَالَ لَهُ أَحْسِنْ ظَنَّكَ بِاللَّهِ قَالَ أَمَّا ظَنِّي بِاللَّهِ فَحَسَنٌ وَ لَكِنْ غَمِّي لِبَنَاتِي مَا أَمْرَضَنِي غَيْرُ غَمِّي بِهِنَّ فَقَالَ الصَّادِقُ(ع)الَّذِي تَرْجُوهُ لِتَضْعِيفِ حَسَنَاتِكَ وَ مَحْوِ سَيِّئَاتِكَ فَارْجُهُ لِإِصْلَاحِ حَالِ بَنَاتِكَ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ لَمَّا جَاوَزْتُ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى‏ (2) وَ بَلَغْتُ أَغْصَانَهَا وَ قُضْبَانَهَا رَأَيْتُ بَعْضَ ثِمَارِ قُضْبَانِهَا أَثْدَاءً مُعَلَّقَةً يَقْطُرُ مِنْ بَعْضِهَا اللَّبَنُ وَ مِنْ بَعْضِهَا الْعَسَلُ وَ مِنْ بَعْضِهَا الدُّهْنُ وَ يَخْرُجُ عَنْ بَعْضِهَا شِبْهُ دَقِيقِ السَّمِيذِ وَ عَنْ بَعْضِهَا الثِّيَابُ‏ (3) وَ عَنْ بَعْضِهَا كَالنَّبِقِ- (4) فَيَهْوِي ذَلِكَ كُلُّهُ نَحْوَ الْأَرْضِ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي أَيْنَ مَقَرُّ هَذِهِ الْخَارِجَاتِ عَنْ هَذِهِ الْأَثْدَاءِ وَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعِي جَبْرَئِيلُ لِأَنِّي كُنْتُ جَاوَزْتُ مَرْتَبَتَهُ وَ اخْتَزَلَ دُونِي فَنَادَانِي رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ فِي سِرِّي يَا مُحَمَّدُ هَذِهِ أَنْبَتُّهَا مِنْ هَذَا الْمَكَانِ الْأَرْفَعِ لِأَغْذُوَ مِنْهَا بَنَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أُمَّتِكَ وَ بَنِيهِمْ فَقُلْ لِآبَاءِ الْبَنَاتِ لَا تَضِيقَنَّ صُدُورُكُمْ عَلَى فَاقَتِهِنَّ فَإِنِّي كَمَا خَلَقْتُهُنَّ أَرْزُقُهُنَّ.

بيان السميذ بالذال المعجمة و المهملة الدقيق الأبيض و الاختزال الانفراد و الاقتطاع.

3- شي، تفسير العياشي عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ كَثِيرٍ رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ(ص)قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَ سْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ‏ قَالَ فَقَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ(ص)مَا هَذَا الْفَضْلُ أَيُّكُمْ‏

____________



(1) بفتح الدال و كسر النون: من لازمه المرض.

(2) هى في السماء السابعة، قيل: هى شجرة في أقصى الجنة، إليها ينتهى علم الاولين و الآخرين و لا يتعداها. و قيل: شجرة نبق عن يمين العرش، و في الحديث: سميت سدرة المنتهى لان أعمال أهل الأرض تصعد بها الملائكة الحفظة إلى محل السدرة و الحفظة الكرام البررة دون السدرة يكتبون ما يرفع اليهم الملائكة من أعمال العباد في الأرض فينتهون بها الى محل السدرة.

(3) في المصدر: النبات. م.

(4) النبق: حمل شجر السدر.

147

يَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)عَنْ ذَلِكَ قَالَ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)أَنَا أَسْأَلُهُ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ الْفَضْلِ مَا هُوَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ وَ قَسَّمَ لَهُمْ أَرْزَاقَهُمْ مِنْ حِلِّهَا وَ عَرَضَ لَهُمْ بِالْحَرَامِ فَمَنِ انْتَهَكَ حَرَاماً نَقَصَ لَهُ مِنَ الْحَلَالِ بِقَدْرِ مَا انْتَهَكَ مِنَ الْحَرَامِ وَ حُوسِبَ بِهِ.

4- نهج، نهج البلاغة قَالَ(ع)الرِّزْقُ رِزْقَانِ رِزْقٌ تَطْلُبُهُ وَ رِزْقٌ يَطْلُبُكَ فَإِنْ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ فَلَا تَحْمِلْ هَمَّ سَنَتِكَ عَلَى هَمِّ يَوْمِكَ كَفَاكَ كُلَّ يَوْمٍ مَا فِيهِ فَإِنْ تَكُنِ السَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَدُّهُ سَيُؤْتِيكَ فِي كُلِّ غَدٍ جَدِيدٍ مَا قَسَمَ لَكَ وَ إِنْ لَمْ تَكُنِ السَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ فَمَا تَصْنَعُ بِالْهَمِّ لِمَا لَيْسَ لَكَ وَ لَنْ يَسْبِقَكَ إِلَى رِزْقِكَ طَالِبٌ وَ لَنْ يَغْلِبَكَ عَلَيْهِ غَالِبٌ وَ لَنْ يُبْطِئَ عَنْكَ مَا قَدْ قُدِّرَ لَكَ.

5- شي، تفسير العياشي عَنِ ابْنِ الْهُذَيْلِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَسَّمَ الْأَرْزَاقَ بَيْنَ عِبَادِهِ وَ أَفْضَلَ فَضْلًا كَبِيراً لَمْ يُقَسِّمْهُ بَيْنَ أَحَدٍ قَالَ اللَّهُ‏ وَ سْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ‏

6- شي، تفسير العياشي عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي الْبِلَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ إِلَّا وَ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَهَا رِزْقَهَا حَلَالًا يَأْتِيهَا فِي عَافِيَةٍ وَ عَرَضَ لَهَا بِالْحَرَامِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَإِنْ هِيَ تَنَاوَلَتْ مِنَ الْحَرَامِ شَيْئاً قَاصَّهَا بِهِ مِنَ الْحَلَالِ الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ لَهَا وَ عِنْدَ اللَّهِ سِوَاهُمَا فَضْلٌ كَبِيرٌ.

7- شي، تفسير العياشي عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ النَّوْمَ بَعْدَ الْفَجْرِ مَكْرُوهٌ لِأَنَّ الْأَرْزَاقَ تُقَسَّمُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَقَالَ الْأَرْزَاقُ مَوْظُوفَةٌ مَقْسُومَةٌ وَ لِلَّهِ فَضْلٌ يَقْسِمُهُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ‏ وَ سْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ‏ ثُمَّ قَالَ وَ ذِكْرُ اللَّهِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَبْلَغُ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ مِنَ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ.

8- كا، الكافي الْعِدَّةُ عَنْ سَهْلٍ عَنِ ابْنِ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِالسِّعْرِ مَلَكاً فَلَنْ يَغْلُوَ مِنْ قِلَّةٍ وَ لَا يَرْخُصُ مِنْ كَثْرَةٍ (1).

____________

(1) غلا السعر: ارتفع الثمن و زاد عما جرت به العادة. و رخص: انحط عما جرت به العادة.

148

9- كا، الكافي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنِ ابْنِ مَعْرُوفٍ عَنِ الْحَجَّالِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنِ الثُّمَالِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَكَّلَ مَلَكاً بِالسِّعْرِ يُدَبِّرُهُ بِأَمْرِهِ.

10 كا، الكافي الْعِدَّةُ عَنْ سَهْلٍ عَنِ ابْنِ يَزِيدَ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ مَلَكاً بِالْأَسْعَارِ يُدَبِّرُهَا.

11- نهج، نهج البلاغة وَ قَدَّرَ الْأَرْزَاقَ فَكَثَّرَهَا وَ قَلَّلَهَا وَ قَسَّمَهَا عَلَى الضِّيقِ وَ السَّعَةِ فَعَدَلَ فِيهَا لِيَبْتَلِيَ مَنْ أَرَادَ بِمَيْسُورِهَا وَ مَعْسُورِهَا وَ لِيَخْتَبِرَ بِذَلِكَ الشُّكْرَ وَ الصَّبْرَ مِنْ غَنِيِّهَا وَ فَقِيرِهَا ثُمَّ قَرَنَ بِسَعَتِهَا عَقَابِيلَ فَاقَتِهَا وَ يفرج [بِفُرَجِ أفراجها [أَفْرَاحِهَا غُصَصَ أَتْرَاحِهَا وَ خَلَقَ الْآجَالَ فَأَطَالَهَا وَ قَصَّرَهَا وَ قَدَّمَهَا وَ أَخَّرَهَا وَ وَصَلَ بِالْمَوْتِ أَسْبَابَهَا وَ جَعَلَهُ خَالِجاً لِأَشْطَانِهَا وَ قَاطِعاً لِمَرَائِرِ أَقرَانِهَا.

بيان العقابيل بقايا المرض واحدها عقبول و الأتراح الغموم و الخلج الجذب و الشطن الحبل و المرائر الحبال المفتولة على أكثر من طاق و الأقران الحبال.

12- عدة، عدة الداعي رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى‏ وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ‏ قَالَ هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ لَوْ لَا فُلَانٌ لَهَلَكْتُ وَ لَوْ لَا فُلَانٌ لَمَا أَصَبْتُ كَذَا وَ كَذَا وَ لَوْ لَا فُلَانٌ لَضَاعَ عِيَالِي أَ لَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ جَعَلَ لِلَّهِ شَرِيكاً فِي مُلْكِهِ يَرْزُقُهُ وَ يَدْفَعُ عَنْهُ قُلْتُ فَنَقُولُ لَوْ لَا أَنَّ اللَّهَ مَنَّ عَلَيَّ بِفُلَانٍ لَهَلَكْتُ قَالَ نَعَمْ لَا بَأْسَ بِهَذَا وَ نَحْوِهِ.

13- كا، الكافي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَلَا إِنَّ الرُّوحَ الْأَمِينَ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّهُ لَا تَمُوتُ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ وَ لَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ شَيْ‏ءٍ مِنَ الرِّزْقِ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَسَّمَ الْأَرْزَاقَ بَيْنَ خَلْقِهِ حَلَالًا وَ لَمْ يُقَسِّمْهَا حَرَاماً فَمَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَ صَبَرَ أَتَاهُ رِزْقُهُ مِنْ حِلِّهِ وَ مَنْ هَتَكَ حِجَابَ سِتْرِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَخَذَهُ مِنْ‏

149

غَيْرِ حِلِّهِ قُصَّ بِهِ مِنْ رِزْقِهِ الْحَلَالِ وَ حُوسِبَ عَلَيْهِ.

بيان أقول سيأتي أكثر الآيات و الأخبار المتعلقة بهذا الباب في كتاب المكاسب و النفث النفخ و الروع بالضم العقل و القلب و الإجمال في الطلب ترك المبالغة فيه‏ (1) أي اتقوا الله في هذا الكد الفاحش أو المعنى أنكم إذا اتقيتم الله لا تحتاجون إلى هذا الكد و التعب لقوله تعالى‏ وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ‏ (2) و هتك الستر تمزيقه و خرقه.

ثم الظاهر من هذا الخبر و غيره من الأخبار أن الله تعالى قدر في الصحف السماوية لكل بشر رزقا حلالا بقدر ما يكفيه بحيث إذا لم يرتكب الحرام و طلب من الحلال سبب له ذلك و يسره له و إذا ارتكب الحرام فبقدر ذلك يمنع مما قدر له. (3)

____________

(1) و الاعتدال و عدم الافراط فيه.

(2) الطلاق: 3.

(3) لا شك أن ما نشاهده من الموجودات أعم من الجماد و النبات و الحيوان و الإنسان لا يكفيها أصل الوجود للبقاء بل تستمد في بقائها بأمور أخر خارجة من وجودها اما بضمها الى أنفسها بالاقتيات و و الاغتذاء أو بوجه آخر بالايواء و اللبس و التناسل و نحوها. و هذا المعنى في الإنسان و سائر أقسام الحيوان أوضح، و هو الرزق الذي عليه يتوقف بقاء أقسام الحيوان من غير فرق في ذلك بينها أصلا، و قد قال تعالى: «وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها» الآية، فالرزق ممّا لا يستغنى عنه موجود في بقائه، و اذ خلق اللّه هذه الأشياء لبقاء ما فقد خلق لها رزقا، فاستناد البقاء إليه تعالى يوجب استناد الرزق إليه من غير شك قال تعالى: «فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ» الآية، و كون الرزق بهذا المعنى أمرا تكوينيا غير مربوط بعالم التكليف كالشمس في رائعة النهار فان الحدوث و البقاء و لوازم كل منهما أمور تكوينية بلا ريب.

ثمّ ان الإنسان لما تعلق التكليف ببعض أفعاله المتعلقة بالارزاق كالاكل و الشرب و النكاح و اللباس و نحوها، و الرزق ممّا يضطر إليه تكوينا كان لازم ذلك أن لا يتعلق الحرمة و المنع الا بما له مندوحة و الا كان تكليفا بما لا يطاق قال تعالى: «وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» الآية، و قال:

إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ الآية، و كان لازم ذلك أن في موارد المحرمات أرزاقا الهية محللة هي المندوحة للعبد و هي الأرزاق المنسوبة إليه تعالى بحسب النظر التشريعى دون المحرمات. فتحصل أن الرزق رزقان رزق تكوينى و هو كل ما يستمد به موجود في بقائه كيف كان، و رزق تشريعى، و هو الحلال الذي يستمد به الإنسان في الحياة دون الحرام فانه ليس برزق منه تعالى؛ هذا هو الذي يتحصل من الكتاب و السنة بعد التدبر فيهما. ط.

150

قال الشيخ البهائي (قدس الله روحه) في شرح هذا الحديث الرزق عند الأشاعرة كل ما انتفع به حي سواء كان بالتغذي أو بغيره مباحا كان أو لا و خصه بعضهم بما تربى به الحيوان من الأغذية و الأشربة و عند المعتزلة هو كل ما صح انتفاع الحيوان به بالتغذي أو غيره و ليس لأحد منعه منه فليس الحرام رزقا عندهم و قال الأشاعرة في الرد عليهم لو لم يكن الحرام رزقا لم يكن المغتذي طول عمره بالحرام مرزوقا و ليس كذلك لقوله تعالى‏ وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها (1) و فيه نظر فإن الرزق عند المعتزلة أعم من الغذاء و هم لم يشرطوا الانتفاع بالفعل فالمغتذي طول عمره بالحرام إنما يرد عليهم لو لم ينتفع مدة عمره بشي‏ء انتفاعا محللا و لو بشرب الماء و التنفّس في الهواء بل و لا تمكن من الانتفاع بذلك أصلا و ظاهر أن هذا مما لا يوجد و أيضا فلهم أن يقولوا لو مات حيوان قبل أن يتناول شيئا محللا و لا محرما يلزم أن يكون غير مرزوق فما هو جوابكم فهو جوابنا هذا و لا يخفى أن الأحاديث المنقولة في هذا الباب متخالفة و المعتزلة تمسكوا بهذا الحديث و هو صريح في مدعاهم غير قابل للتأويل‏

وَ الْأَشَاعِرَةُ تَمَسَّكُوا بِمَا رَوَوْهُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)إِذْ جَاءَ عُمَرُ بْنُ قُرَّةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيَّ الشِّقْوَةَ فَلَا أَرَانِي أُرْزَقُ إِلَّا مِنْ دَفِّي بِكَفِّي فَأْذَنْ فِي الْغِنَاءِ مِنْ غَيْرِ فَاحِشَةٍ فَقَالَ(ص)لَا آذَنُ لَكَ وَ لَا كَرَامَةَ وَ لَا نِعْمَةَ أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ لَقَدْ رَزَقَكَ اللَّهُ طَيِّباً فَاخْتَرْتَ مَا حَرَّمَ عَلَيْكَ مِنْ رِزْقِهِ مَكَانَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ مِنْ حَلَالِهِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ قُلْتَ بَعْدَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ ضَرَبْتُكَ ضَرْباً وَجِيعاً.

و المعتزلة يطعنون في سند هذا الحديث تارة و يؤولونه على تقدير سلامته أخرى بأن سياق الكلام يقتضي أن يقال فاخترت ما حرم الله عليك من حرامه مكان ما أحل الله لك من حلاله و إنما قال(ص)من رزقه مكان من حرامه فأطلق على الحرام اسم الرزق بمشاكلة قوله فلا أراني أرزق و قوله(ص)لقد رزقك الله و تمسك المعتزلة أيضا بقوله تعالى‏ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ‏ (2) قال الشيخ في التبيان‏

____________

(1) هود: 6.

(2) البقرة: 3.

151

ما حاصله أن هذه الآية تدل على أن الحرام ليس رزقا لأنه سبحانه مدحهم بالإنفاق من الرزق و الإنفاق من الحرام لا يوجب المدح و قد يقال إن تقديم الظرف يفيد الحصر و هو يقتضي كون المال المنفق على ضربين ما رزقه الله و ما لم يرزقه و إن المدح إنما هو على الإنفاق مما رزقهم و هو الحلال لا مما سولت لهم أنفسهم من الحرام و لو كان كل ما ينفقونه رزقا من الله سبحانه لم يستقم الحصر فتأمل انتهى كلامه رفع الله مقامه.

أقول إن كان المراد بقولهم رزقهم الله الحرام أنه خلقه و مكنهم من التصرف فيه فلا نزاع في أن الله رزقهم بهذا المعنى و إن كان المعنى أنه المؤثر في أفعالهم و تصرفاتهم في الحرام فهذا إنما يستقيم على أصلهم الذي ثبت بطلانه و إن كان الرزق بمعنى التمكين و عدم المنع من التصرف فيه بوجه فظاهر أن الحرام ليس برزق بهذا المعنى على مذهب من المذاهب و إن كان المعنى أنه قدر تصرفهم فيه بأحد المعاني التي مضت في القضاء و القدر أو خذلهم و لم يصرفهم جبرا عن ذلك فبهذا المعنى يصدق أنه رزقهم الحرام و أما ظواهر الآيات و الأخبار الواردة في ذلك فلا يريب عاقل في أنها منصرفة إلى الحلال كما أومأنا إلى معناه سابقا.

و أما الأسعار فقد ذهبت الأشاعرة إلى أنه ليس المسعر إلا الله تعالى بناء على أصلهم من أن لا مؤثر في الوجود إلا الله و أما الإمامية و المعتزلة فقد ذهبوا إلى أن الغلاء و الرخص قد يكونان بأسباب راجعة إلى الله و قد يكونان بأسباب ترجع إلى اختيار العباد و أما الأخبار الدالة على أنهما من الله فالمعنى أن أكثر أسبابهما راجعة إلى قدرة الله أو أن الله تعالى لما لم يصرف العباد عما يختارونه من ذلك مع ما يحدث في نفوسهم من كثرة رغباتهم أو غناهم بحسب المصالح فكأنهما وقعا بإرادته تعالى كما مر القول فيما وقع من الآيات و الأخبار الدالة على أن أفعال العباد بإرادة الله تعالى و مشيته و هدايته و إضلاله و توفيقه و خذلانه و يمكن حمل بعض تلك الأخبار على المنع من التسعير و النهي عنه بل يلزم الوالي أن لا يجبر الناس على السعر و يتركهم و اختيارهم فيجري السعر على ما يريد الله تعالى.

152

قال العلامة (رحمه الله ) في شرحه على التجريد السعر هو تقدير العوض الذي يباع به الشي‏ء و ليس هو الثمن و لا المثمن و هو ينقسم إلى رخص و غلاء فالرخص هو السعر المنحط عما جرت به العادة مع اتحاد الوقت و المكان و الغلاء زيادة السعر عما جرت به العادة مع اتحاد الوقت و المكان و إنما اعتبرنا الزمان و المكان لأنه لا يقال إن الثلج قد رخص سعره في الشتاء عند نزوله لأنه ليس أوان سعره و يجوز أن يقال رخص في الصيف إذا نقص سعره عما جرت عادته في ذلك الوقت و لا يقال رخص سعره في الجبال التي يدوم نزوله فيها لأنها ليست مكان بيعه و يجوز أن يقال رخص سعره في البلاد التي اعتيد بيعه فيها و اعلم أن كل واحد من الرخص و الغلاء قد يكون من قبله تعالى بأن يقلل جنس المتاع المعين و يكثر رغبة الناس إليه فيحصل الغلاء لمصلحة المكلفين و قد يكثر جنس ذلك المتاع و يقلل رغبة الناس إليه تفضلا منه و إنعاما أو لمصلحة دينية فيحصل الرخص و قد يحصلان من قبلنا بأن يحمل السلطان الناس على بيع جميع تلك السلعة بسعر غال ظلما منه أو لاحتكار الناس أو لمنع الطريق خوف الظلمة أو لغير ذلك من الأسباب المستند إلينا فيحصل الغلاء و قد يحمل السلطان الناس على بيع السلعة برخص ظلما منه أو يحملهم على بيع ما في أيديهم من جنس ذلك المتاع فيحصل الرخص.

باب 6 السعادة و الشقاوة و الخير و الشر و خالقهما و مقدرهما

الآيات هود فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ‏ إلى قوله تعالى‏ وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها الآية المؤمنين‏ أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى‏ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَ كُنَّا قَوْماً ضالِّينَ‏ الزمر وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ‏

153

وَ يُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى‏ وَ لكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ‏ التغابن‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ‏ تفسير قال البيضاوي‏ فَمِنْهُمْ شَقِيٌ‏ وجبت له النار بمقتضى الوعيد وَ سَعِيدٌ وجبت له الجنة بموجب الوعد.

و قال الطبرسي (رحمه الله )غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا أي شقاوتنا و هي المضرّة اللاحقة في العاقبة و السعادة المنفعة اللاحقة في العاقبة و المعنى استعلت علينا سيئاتنا التي أوجبت لنا الشقاوة.

و قال الزمخشري قالوا بلى أتونا و تلوا علينا و لكن وجبت علينا كلمة الله بسوء أعمالنا كما قالوا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا فذكروا عملهم الموجب لكلمة العذاب و هو الكفر و الضلال.

1- لي، الأمالي للصدوق أَبِي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنِ الْكِنَانِيِّ عَنِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ الْخَبَرَ.

2- ب، قرب الإسناد مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى عَنِ الْقَدَّاحِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)قَابِضاً عَلَى‏ (1) شَيْئَيْنِ فِي يَدِهِ فَفَتَحَ يَدَهُ الْيُمْنَى ثُمَّ قَالَ‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ كِتَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ بِأَعْدَادِهِمْ وَ أَحْسَابِهِمْ وَ أَنْسَابِهِمْ مُجْمَلٌ‏ (2) عَلَيْهِمْ لَا يَنْقُصُ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَ لَا يُزَادُ فِيهِمْ أَحَدٌ ثُمَّ فَتَحَ يَدَهُ الْيُسْرَى فَقَالَ‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ كِتَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَهْلِ النَّارِ بِأَعْدَادِهِمْ وَ أَحْسَابِهِمْ وَ أَنْسَابِهِمْ مُجْمَلٌ‏ (3) عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَ لَا يُزَادُ فِيهِمْ أَحَدٌ وَ قَدْ يُسْلَكُ بِالسُّعَدَاءِ طَرِيقَ الْأَشْقِيَاءِ حَتَّى يُقَالَ هُمْ مِنْهُمْ هُمْ هُمْ مَا أَشْبَهَهُمْ بِهِمْ ثُمَّ يُدْرِكُ أَحَدَهُمْ سَعَادَتُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ وَ لَوْ بِفُوَاقِ نَاقَةٍ وَ قَدْ يُسْلَكُ بِالْأَشْقِيَاءِ طَرِيقَ أَهْلِ السَّعَادَةِ حَتَّى يُقَالَ هُمْ مِنْهُمْ هُمْ هُمْ مَا أَشْبَهَهُمْ بِهِمْ ثُمَّ يُدْرِكُ أَحَدَهُمْ شِقَاهُ وَ لَوْ قَبْلَ مَوْتِهِ وَ لَوْ بِفُوَاقِ نَاقَةٍ فَقَالَ النَّبِيُّ(ص)الْعَمَلُ بِخَوَاتِيمِهِ الْعَمَلُ بِخَوَاتِيمِهِ‏ (4) الْعَمَلُ بِخَوَاتِيمِهِ.

____________

(1) في المصدر: قابضا شيئين بدون على.

(2) في نسخة: يجمل.

(3) في نسخة: يجمل.

(4) سيأتي الحديث بألفاظ اخرى تحت رقم 13 و 15.

154

بيان قال الجزري في حديث القدر كتاب فيه أسماء أهل الجنة و أهل النار أجمل على آخرهم تقول أجملت الحساب إذا جمعت آحاده و كملت أفراده أي أحصوا فلا يزاد فيهم و لا ينقص و قال الفيروزآبادي الفواق كغراب ما بين الحلبتين من الوقت و يفتح أو ما بين فتح يدك و قبضها على الضرع.

3- ب، قرب الإسناد ابْنُ عِيسَى عَنِ الْبَزَنْطِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ الرِّضَا(ع)أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ لِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِنَا بِهَا حَمْلٌ فَقَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)الدُّعَاءُ مَا لَمْ يَمْضِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّمَا لَهَا أَقَلُّ مِنْ هَذَا فَدَعَا لَهَا ثُمَّ قَالَ إِنَّ النُّطْفَةَ تَكُونُ فِي الرَّحِمِ ثَلَاثِينَ يَوْماً وَ تَكُونُ عَلَقَةً ثَلَاثِينَ يَوْماً وَ تَكُونُ مُضْغَةً ثَلَاثِينَ يَوْماً وَ تَكُونُ مُخَلَّقَةً وَ غَيْرَ مُخَلَّقَةٍ ثَلَاثِينَ يَوْماً وَ إِذَا تَمَّتِ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ بَعَثَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى إِلَيْهَا مَلَكَيْنِ خَلَّاقَيْنِ يُصَوِّرَانِهِ وَ يَكْتُبَانِ رِزْقَهُ وَ أَجَلَهُ شَقِيّاً أَوْ سَعِيداً.

بيان قال البيضاوي في قوله تعالى‏ مُخَلَّقَةٍ وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ مسواة لا نقص فيها و لا عيب و غير مسواة أو تامة و ساقطة أو مصورة و غير مصورة انتهى.

أقول لعل المراد بالخبر أن في ثلاثين يوما بعد المضغة إما أن يبتدأ في تصويره بخلق عظامه أو يسقط أو إما أن يسوى بحيث لا يكون فيه عيب أو يجعل حيث يكون فيه عيب ثم اعلم أن هذا الخبر يمكن أن يكون تفسيرا لقوله(ص)الشقي من شقي في بطن أمه أي يكتب شقاوته و ما يؤول إليه أمره عليه في ذلك الوقت.

4- ب، قرب الإسناد بِالْإِسْنَادِ قَالَ سَمِعْتُ الرِّضَا(ع)يَقُولُ‏ جَفَّ الْقَلَمُ بِحَقِيقَةِ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ بِالسَّعَادَةِ لِمَنْ آمَنَ وَ اتَّقَى وَ الشَّقَاوَةِ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لِمَنْ كَذَّبَ وَ عَصَى.

5- ل، الخصال مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ عَمِّهِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ وَهْبِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)أَنَّهُ قَالَ: حَقِيقَةُ السَّعَادَةِ أَنْ يُخْتَمَ الرَّجُلُ عَمَلُهُ بِالسَّعَادَةِ وَ حَقِيقَةُ الشَّقَاءِ أَنْ يُخْتَمَ الْمَرْءُ عَمَلُهُ بِالشَّقَاءِ.

6- ع، علل الشرائع الْمُظَفَّرُ الْعَلَوِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَارَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ‏

155

(صلوات الله عليه) قَالَ: تَعْتَلِجُ النُّطْفَتَانِ‏ (1) فِي الرَّحِمِ فَأَيَّتُهُمَا كَانَتْ أَكْثَرَ جَاءَتْ تُشْبِهُهَا فَإِنْ كَانَتْ نُطْفَةُ الْمَرْأَةِ أَكْثَرَ جَاءَتْ تُشْبِهُ أَخْوَالَهُ وَ إِنْ كَانَتْ نُطْفَةُ الرَّجُلِ أَكْثَرَ جَاءَتْ تُشْبِهُ أَعْمَامَهُ وَ قَالَ تَحَوَّلُ النُّطْفَةُ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ يَوْماً فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَفِي تِلْكَ الْأَرْبَعِينَ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَلَكَ الْأَرْحَامِ فَيَأْخُذُهَا فَيَصْعَدُ بِهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَيَقِفُ مِنْهُ مَا شَاءَ اللَّهُ‏ (2) فَيَقُولُ يَا إِلَهِي أَ ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى فَيُوحِي اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ (3) مِنْ ذَلِكَ مَا يَشَاءُ وَ يَكْتُبُ الْمَلَكُ ثُمَّ يَقُولُ إِلَهِي أَ شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ فَيُوحِي اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ ذَلِكَ مَا يَشَاءُ وَ يَكْتُبُ الْمَلَكُ فَيَقُولُ اللَّهُمَّ كَمْ رِزْقُهُ وَ مَا أَجَلُهُ ثُمَّ يَكْتُبُهُ وَ يَكْتُبُ كُلَّ شَيْ‏ءٍ يُصِيبُهُ فِي الدُّنْيَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ يَرْجِعُ بِهِ فَيَرُدُّهُ فِي الرَّحِمِ فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها

7- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) الْمُفَسِّرُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ(ع)قَالَ قَالَ الرِّضَا(ع)قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ(ص)يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ فُلَانٌ يَعْمَلُ مِنَ الذُّنُوبِ كَيْتَ وَ كَيْتَ‏ (4) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)بَلْ قَدْ نَجَا وَ لَا يَخْتِمُ اللَّهُ تَعَالَى عَمَلَهُ إِلَّا بِالْحُسْنَى وَ سَيَمْحُو اللَّهُ عَنْهُ السَّيِّئَاتِ وَ يُبَدِّلُهَا لَهُ حَسَنَاتٍ إِنَّهُ كَانَ مَرَّةً يَمُرُّ فِي طَرِيقٍ عَرَضَ لَهُ مُؤْمِنٌ قَدِ انْكَشَفَ عَوْرَتُهُ وَ هُوَ لَا يَشْعُرُ فَسَتَرَهَا عَلَيْهِ وَ لَمْ يُخْبِرْهُ بِهَا مَخَافَةَ أَنْ يَخْجَلَ ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ الْمُؤْمِنَ عَرَفَهُ فِي مَهْوَاةٍ فَقَالَ لَهُ أَجْزَلَ اللَّهُ لَكَ الثَّوَابَ‏ (5) وَ أَكْرَمَ لَكَ الْمَآبَ‏ (6) وَ لَا نَاقَشَكَ الْحِسَابَ‏ (7)

____________



(1) اعتلجت الوحش: تضاربت، و اعتلج القوم: اقتتلوا و اصطرعوا. أقول: فيه ايعاز منه (عليه السلام) الى وجود الحيوانات الصغار الحية في النطفة.

(2) في المصدر: حيث يشاء اللّه. م.

(3) بفتح التاء و قد يكسر: يكنى بها عن الحديث و الخبر، و تستعملان بدون الواو أيضا و لا تستعملان الا مكررتين.

(4) في نسخة: فيوحى اللّه عزّ و جلّ إليه.

(5) أي أكثره و أوسعه.

(6) المآب: المرجع و المنقلب.

(7) ناقشه الحساب و في الحساب: استقصى في حسابه.

156

فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ فِيهِ فَهَذَا الْعَبْدُ لَا يُخْتَمُ لَهُ إِلَّا بِخَيْرٍ بِدُعَاءِ ذَلِكَ الْمُؤْمِنِ فَاتَّصَلَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)بِهَذَا الرَّجُلِ فَتَابَ وَ أَنَابَ وَ أَقْبَلَ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَلَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ حَتَّى أُغِيرَ عَلَى سَرْحِ الْمَدِينَةِ (1) فَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فِي أَثَرِهِمْ‏ (2) جَمَاعَةً ذَلِكَ الرَّجُلُ أَحَدُهُمْ فَاسْتُشْهِدَ فِيهِمْ.

8- يد، التوحيد الدَّقَّاقُ عَنِ الْكُلَيْنِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ رَفَعَهُ عَنْ شُعَيْبٍ الْعَقَرْقُوفِيِّ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: كُنْتُ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)جَالِساً وَ قَدْ سَأَلَهُ سَائِلٌ فَقَالَ جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ أَيْنَ لَحِقَ الشَّقَاءُ أَهْلَ الْمَعْصِيَةِ حَتَّى حَكَمَ لَهُمْ فِي عِلْمِهِ بِالْعَذَابِ عَلَى عَمَلِهِمْ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَيُّهَا السَّائِلُ عَلِمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ لَا يَقُومُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ بِحَقِّهِ فَلَمَّا عَلِمَ بِذَلِكَ وَهَبَ لِأَهْلِ مَحَبَّتِهِ‏ (3) الْقُوَّةَ عَلَى مَعْصِيَتِهِمْ لِسَبْقِ عِلْمِهِ فِيهِمْ وَ لَمْ يَمْنَعْهُمْ إِطَاقَةَ الْقَبُولِ مِنْهُ لِأَنَّ عِلْمَهُ أَوْلَى بِحَقِيقَةِ التَّصْدِيقِ فَوَافَقُوا مَا سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْمِهِ وَ إِنْ قَدَرُوا (4) أَنْ يَأْتُوا خِلَالًا يُنْجِيهِمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ وَ هُوَ مَعْنَى شَاءَ مَا شَاءَ وَ هُوَ سِرٌّ.

بيان هذا الخبر مأخوذ من الكافي و فيه تغييرات عجيبة تورث سوء الظن بالصدوق و إنه إنما فعل ذلك ليوافق مذهب أهل العدل‏ (5) و في الكافي هكذا أيها السائل حكم الله عز و جل لا يقوم أحد من خلقه بحقه فلما حكم بذلك وهب لأهل محبته القوة على معرفته و وضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم أهله و وهب لأهل المعصية القوة على معصيتهم لسبق علمه فيهم و منعهم إطاقة القبول منه فوافقوا ما سبق لهم في علمه و لم يقدروا أن يأتوا حالا تنجيهم من عذابه لأن علمه أولى بحقيقة التصديق و هو معنى شاء ما شاء و هو سره.

قوله(ع)لا يقوم أحد أي تكاليفه تعالى شاقّة لا يتيسر الإتيان بها إلا بهدايته‏

____________

(1) أغار عليهم: هجم و أوقع بهم. سرح المدينة: فنائها.

(2) بفتح الهمزة و كسرها: بعدهم.

(3) الموجود في التوحيد المطبوع هكذا: وهب لاهل محبته القوّة على معرفته، و وضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم أهله، و وهب لاهل المعصية القوّة على معصيتهم إه. فالظاهر أنّها كانت ساقطة عن نسخته (قدس سره).

(4) في نسخة كما في التوحيد المطبوع: و لم يقدروا.

(5) هذا البيان ناش عن سقوط سطر من نسخة المؤلّف- (رحمه الله )- و الصدوق (ره) أثبت و أضبط.

157

تعالى أو كيفية حكم الله و قضائه في غاية الغموض لا تصل إليها عقول أكثر الخلق قوله(ع)و منعهم إطاقة القبول قيل هو مصدر مضاف إلى الفاعل أي منعوا أنفسهم إطاقة القبول و الظاهر أنه على صيغة الماضي أي منع الله منهم غاية الوسع و الطاقة بالألطاف و الهدايات التي يستحقها أهل الطاعة بنياتهم الحسنة لا أنه سلبهم القدرة على الفعل و الله يعلم.

9- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنِ ابْنِ أَسْبَاطٍ عَنِ الْبَطَائِنِيِّ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا قَالَ بِأَعْمَالِهِمْ شَقُوا.

10- يد، التوحيد مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَلَوِيُّ عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ عَنِ الْفَضْلِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ(ع)عَنْ مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَ السَّعِيدُ مَنْ سَعِدَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ فَقَالَ الشَّقِيُّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ‏ (1) وَ هُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَنَّهُ سَيَعْمَلُ أَعْمَالَ الْأَشْقِيَاءِ وَ السَّعِيدُ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ وَ هُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَنَّهُ سَيَعْمَلُ أَعْمَالَ السُّعَدَاءِ قُلْتُ لَهُ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ(ص)اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ لِيَعْبُدُوهُ وَ لَمْ يَخْلُقْهُمْ لِيَعْصُوهُ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏ فَيَسَّرَ كُلًّا لِمَا خَلَقَ لَهُ فَالْوَيْلُ لِمَنِ اسْتَحَبَّ الْعَمَى عَلَى الْهُدَى.

11- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ يَزِيدَ عَنْ صَفْوَانَ عَنِ ابْنِ حَازِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ السَّعَادَةَ وَ الشَّقَاوَةَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ فَمَنْ عَلِمَهُ اللَّهُ‏ (2) سَعِيداً لَمْ يُبْغِضْهُ أَبَداً وَ إِنْ عَمِلَ شَرّاً أَبْغَضَ عَمَلَهُ وَ لَمْ يُبْغِضْهُ وَ إِنْ عَلِمَهُ شَقِيّاً لَمْ يُحِبَّهُ أَبَداً وَ إِنْ عَمِلَ صَالِحاً أَحَبَّ عَمَلَهُ وَ أَبْغَضَهُ لِمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ فَإِذَا أَحَبَّ اللَّهُ شَيْئاً لَمْ يُبْغِضْهُ أَبَداً وَ إِذَا أَبْغَضَ شَيْئاً لَمْ يُحِبَّهُ أَبَداً.

سن، المحاسن أبي عن صفوان‏ مثله‏

____________

(1) في المصدر: من علمه اللّه و كذا في قوله (عليه السلام): و السعيد من علم اللّه. م.

(2) في المحاسن فمن خلقه اللّه. م.

158

بيان خلق السعادة و الشقاوة أي قدّرهما بتقدير التكاليف الموجبة لهما قوله(ع)فمن علمه الله سعيدا في الكافي فمن خلقه الله أي قدره بأن علمه كذلك و أثبت حاله في اللوح أو خلقه حالكونه عالما بأنه سعيد.

12- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ وَ سَعْدٍ مَعاً عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ‏ قَالَ يَحُولُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْبَاطِلَ حَقٌّ وَ قَدْ قِيلَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ بِالْمَوْتِ‏ (1) وَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ اللَّهَ يَنْقُلُ الْعَبْدَ مِنَ الشَّقَاءِ إِلَى السَّعَادَةِ وَ لَا يَنْقُلُهُ مِنَ السَّعَادَةِ إِلَى الشَّقَاءِ.

13- ير، بصائر الدرجات إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَاشِمٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَيْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ‏ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)النَّاسَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى قَابِضاً عَلَى كَفِّهِ فَقَالَ أَ تَدْرُونَ مَا فِي كَفِّي قَالُوا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ فَقَالَ فِيهَا أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ أَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَ قَبَائِلِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ أَ تَدْرُونَ مَا فِي يَدِي قَالُوا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ فَقَالَ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ وَ أَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَ قَبَائِلِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ قَالَ حَكَمَ اللَّهُ وَ عَدَلَ وَ حَكَمَ اللَّهُ وَ عَدَلَ‏ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (2).

14- سن، المحاسن أَبِي عَنِ النَّضْرِ عَنِ الْحَلَبِيِّ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنِ ابْنِ حَازِمٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَ يُحِبُّ اللَّهُ الْعَبْدَ ثُمَّ يُبْغِضُهُ أَوْ يُبْغِضُهُ ثُمَّ يُحِبُّهُ فَقَالَ مَا تَزَالُ تَأْتِينِي بِشَيْ‏ءٍ فَقُلْتُ هَذَا دِينِي وَ بِهِ أُخَاصِمُ النَّاسَ فَإِنْ نَهَيْتَنِي عَنْهُ تَرَكْتُهُ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ هَلْ أَبْغَضَ اللَّهُ مُحَمَّداً(ص)عَلَى حَالٍ مِنَ الْحَالاتِ فَقَالَ لَوْ أَبْغَضَهُ عَلَى حَالٍ مِنَ الْحَالاتِ لَمَا أَلْطَفَ لَهُ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ فَجَعَلَهُ نَبِيّاً فَقُلْتُ أَ لَمْ تُجِبْنِي مُنْذُ سِنِينَ عَنِ الشَّقَاوَةِ وَ السَّعَادَةِ أَنَّهُمَا كَانَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الْخَلْقَ قَالَ بَلَى وَ أَنَا السَّاعَةَ أَقُولُهُ قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّعِيدِ هَلْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ عَلَى حَالٍ مِنَ الْحَالاتِ فَقَالَ لَوْ أَبْغَضَهُ عَلَى حَالٍ مِنَ‏

____________



(1) الظاهر أن جملة «و قد قيل ان اللّه إلخ» من كلام الصدوق مدرجة بين الحديثين.

(2) تقدم الحديث بألفاظ اخرى تحت رقم 2 و يأتي بعد أيضا.

159

الْحَالاتِ لَمَا أَلْطَفَ لَهُ حَتَّى يُخْرِجَهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ فَيَجْعَلَهُ سَعِيداً قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي عَنِ الشَّقِيِّ هَلْ أَحَبَّهُ اللَّهُ عَلَى حَالٍ مِنَ الْحَالاتِ فَقَالَ لَوْ أَحَبَّهُ عَلَى حَالٍ مِنَ الْحَالاتِ مَا تَرَكَهُ شَقِيّاً وَ لَاسْتَنْقَذَهُ مِنَ الشَّقَاءِ إِلَى السَّعَادَةِ قُلْتُ فَهَلْ يُبْغِضُ اللَّهُ الْعَبْدَ ثُمَّ يُحِبُّهُ أَوْ يُحِبُّهُ ثُمَّ يُبْغِضُهُ فَقَالَ لَا.

15- سن، المحاسن النَّضْرُ عَنْ يَحْيَى الْحَلَبِيِّ عَنْ مُعَلًّى أَبِي عُثْمَانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَنْظَلَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: اخْتَصَمَ رَجُلَانِ بِالْمَدِينَةِ قَدَرِيٌّ وَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَجَعَلَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)بَيْنَهُمَا فَأَتَيَاهُ فَذَكَرَا كَلَامَهُمَا فَقَالَ إِنْ شِئْتُمَا أَخْبَرْتُكُمَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَالا قَدْ شِئْنَا فَقَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ كِتَابٌ كَتَبَهُ اللَّهُ بِيَمِينِهِ وَ كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِأَسْمَائِهِمْ وَ أَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَ عَشَائِرِهِمْ وَ يُجْمَلُ عَلَيْهِمْ‏ (1) لَا يَزِيدُ فِيهِمْ رَجُلًا وَ لَا يَنْقُصُ مِنْهُمْ رَجُلًا (2) وَ قَدْ يُسْلَكُ بِالسَّعِيدِ فِي طَرِيقِ الْأَشْقِيَاءِ حَتَّى يَقُولَ النَّاسُ كَانَ‏ (3) مِنْهُمْ مَا أَشْبَهَهُ بِهِمْ بَلْ هُوَ مِنْهُمْ ثُمَّ تَدَارَكُهُ السَّعَادَةُ وَ قَدْ يُسْلَكُ بِالشَّقِيِّ طَرِيقَ السُّعَدَاءِ حَتَّى يَقُولَ النَّاسُ مَا أَشْبَهَهُ بِهِمْ بَلْ هُوَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَتَدَارَكُهُ الشَّقَاءُ مَنْ كَتَبَهُ اللَّهُ سَعِيداً وَ لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا (4) إِلَّا فُوَاقُ نَاقَةٍ خَتَمَ اللَّهُ لَهُ بِالسَّعَادَةِ.

- يد، التوحيد أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّضْرِ عَنِ الْحَلَبِيِّ عَنْ مُعَلًّى أَبِي عُثْمَانَ عَنِ ابْنِ حَنْظَلَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: يُسْلَكُ بِالسَّعِيدِ طَرِيقَ الْأَشْقِيَاءِ إِلَى آخِرِ الْخَبَرِ

. 16- سن، المحاسن ابْنُ فَضَّالٍ عَنْ مُثَنًّى الْحَنَّاطِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ قَوْماً لِحُبِّنَا وَ خَلَقَ قَوْماً لِبُغْضِنَا فَلَوْ أَنَّ الَّذِينَ خَلَقَهُمْ‏

____________



(1) في المصدر: مجمل عليهم، بدون الواو.

(2) في المصدر: و لا ينقص منهم أحدا أبدا. و كتاب كتبه اللّه فيه أسماء أهل النار باسمائهم و أسماء آبائهم و عشائرهم مجمل عليهم لا يزيد فيهم رجلا و لا ينقص منهم رجلا. م.

(3) في المصدر: كانه منهم. م.

(4) في المصدر: من الدنيا شي‏ء. م.

160

لِحُبِّنَا خَرَجُوا مِنْ هَذَا الْأَمْرِ إِلَى غَيْرِهِ لَأَعَادَهُمْ إِلَيْهِ وَ إِنْ رَغِمَتْ آنَافُهُمْ وَ خَلَقَ قَوْماً لِبُغْضِنَا فَلَا يُحِبُّونَنَا أَبَداً (1).

17- سن، المحاسن الْوَشَّاءُ عَنْ مُثَنًّى عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ‏ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فَخَلَقَ خَلْقاً لِحُبِّنَا لَوْ أَنَّ أَحَداً خَرَجَ مِنْ هَذَا الرَّأْيِ لَرَدَّهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَ إِنْ رَغِمَ أَنْفُهُ وَ خَلَقَ قَوْماً لِبُغْضِنَا فَلَا يُحِبُّونَنَا أَبَداً.

18- سن، المحاسن ابْنُ مَحْبُوبٍ وَ عَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ‏ إِنَّ مِمَّا أَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى وَ أَنْزَلَ فِي التَّوْرَاةِ أَنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا خَلَقْتُ الْخَلْقَ وَ خَلَقْتُ الْخَيْرَ وَ أَجْرَيْتُهُ عَلَى يَدَيْ مَنْ أُحِبُّ فَطُوبَى لِمَنْ أَجْرَيْتُهُ عَلَى يَدَيْهِ وَ أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا خَلَقْتُ الْخَلْقَ وَ خَلَقْتُ الشَّرَّ وَ أَجْرَيْتُهُ عَلَى يَدَيْ مَنْ أُرِيدُ فَوَيْلٌ لِمَنْ أَجْرَيْتُهُ عَلَى يَدَيْهِ.

19- سن، المحاسن أَبِي عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ‏ إِنَّ فِي بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كُتُبِهِ إِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا خَلَقْتُ الْخَيْرَ وَ خَلَقْتُ الشَّرَّ فَطُوبَى لِمَنْ أَجْرَيْتُ عَلَى يَدَيْهِ الْخَيْرَ وَ وَيْلٌ لِمَنْ أَجْرَيْتُ عَلَى يَدَيْهِ الشَّرَّ وَ وَيْلٌ لِمَنْ قَالَ كَيْفَ ذَا وَ كَيْفَ ذَا.

20- سن، المحاسن مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ وَ عَمْرٍو الْأَفْرَقِ الْخَيَّاطِ (2) وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْكَانَ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ أَنَا إِلَهٌ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا خَالِقُ الْخَيْرِ وَ الشَّرِّ وَ هُمَا خَلْقَانِ مِنْ خَلْقِي فَطُوبَى لِمَنْ قَدَّرْتُ لَهُ الْخَيْرَ وَ وَيْلٌ لِمَنْ قَدَّرْتُ لَهُ الشَّرَّ وَ وَيْلٌ لِمَنْ قَالَ كَيْفَ ذَا.

____________

(1) اتّحاده مع ما قبله ظاهر. و ليس في المصدر: إليه.

(2) أورده الشيخ في كتابه الفهرست و استظهر الميرزا كونه عمرو بن خالد الحناط الافرق المترجم في رجال النجاشيّ بقوله: عمرو بن خالد الحناط، لقبه الافرق، مولى، ثقة، عين، روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، له كتاب اه و أمّا الحسين بن أبي عبيد فلم نظفر بترجمته.

161

21- سن، المحاسن الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍ‏ (1) عَنْ دَاوُدَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْجَمَّالِ‏ (2) قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَ ذُكِرَ عِنْدَهُ الْقَدَرُ وَ كَلَامُ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ هَذَا كَلَامٌ خَبِيثٌ أَنَا عَلَى دِينِ آبَائِي لَا أَرْجِعُ عَنْهُ الْقَدَرُ حُلْوُهُ وَ مُرُّهُ مِنَ اللَّهِ وَ الْخَيْرُ وَ الشَّرُّ كُلُّهُ مِنَ اللَّهِ.

22- سن، المحاسن أَبُو شُعَيْبٍ الْمَحَامِلِيُ‏ (3) عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الْحَمَّارِ (4) عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ شَيْ‏ءٍ مِنَ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ الْخَيْرُ وَ الشَّرُّ حُلْوُهُ وَ مُرُّهُ وَ صَغِيرُهُ وَ كَثِيرُهُ مِنَ اللَّهِ.

بيان المراد بخلق الخير و الشر إما تقديرهما كما مر أو المراد خلق الآلات و الأسباب التي بها يتيسر فعل الخير و فعل الشر كما أنه تعالى خلق الخمر و خلق في الناس القدرة على شربها أو كناية عن أنهما إنما يحصلان بتوفيقه و خذلانه فكأنه خلقهما أو المراد بالخير و الشر النعم و البلايا أو المراد بخلقهما خلق من يعلم أنه يكون باختياره مختارا للخير و مختارا للشر و الله يعلم.

23- سن، المحاسن الْبَزَنْطِيُّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْخَيْرَ وَ الشَّرَّ إِلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ‏ (5).

شي، تفسير العياشي عن أبي بصير مثله.

____________

(1) في المصدر: الحسين بن على. م.

(2) في المحاسن المطبوع أيضا (الجمال) و كذا فيما يأتي بعده، و الصحيح فيما (الحمار) و نقل عن خطّ الشهيد ضبطه بالحاء المهملة، و الميم المشددة، و الراء أخيرا، قال النجاشيّ في 115 من رجاله: داود بن سليمان، أبو سليمان الحمار، كوفيّ ثقة، روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) إه أقول: الحديث لا يخلو عن شبهة الإرسال، لظهور اتّحاده مع الآتي بعده.

(3) كنية صالح بن خالد المحاملى.

(4) كنية داود بن سليمان المتقدم.

(5) الخير موجود مخلوق من غير شك و أمّا الشر فليس بموجود و لا مخلوق بالاصالة و إنّما يتحقّق بالعرض و بمقايسة شي‏ء إلى شي‏ء نحوا من المقايسة، و الدليل على ذلك قوله تعالى: «اللَّهُ*

162

باب 7 الهداية و الإضلال و التوفيق و الخذلان‏

الآيات الفاتحة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ‏ البقرة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ وَ عَلى‏ سَمْعِهِمْ وَ عَلى‏ أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ‏ و قال تعالى‏ يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ‏ و قال تعالى‏ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى‏ نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ‏ و قال تعالى‏ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ و قال‏ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏ و قال‏ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ‏ آل عمران‏ قُلْ إِنَّ الْهُدى‏ هُدَى اللَّهِ‏ و قال تعالى‏ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَ شَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَ جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏ النساء وَ لَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً المائدة وَ مَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ‏ و قال تعالى‏ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ‏

____________

خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ»* الآية و قوله: «الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ» الآية حيث عد كل شي‏ء خلقا لنفسه ثمّ عده حسنا غير سيئ، و قال تعالى: ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ‏ الآية فعد بعض الأشياء كالبلايا و الأمراض سيئات و ذكرها بالمساءة، مع أنّها من حيث وجودها و خلقها حسنة فليست مساءتها إلا من جملة العرض و المقايسة.

فالاشياء أعم من الخيرات و الشرور من حيث وجودها و خلقها مستندة إليه تعالى كما ذكر في خبر المحاسن رقم 21 و كذلك مع المقايسة إذا كان الاستناد أعم ممّا بالذات و بالعرض و الشرور من حيث هي شرور لا تستند إليه تعالى بالاصالة كما ذكر في هذا الخبر. ط.

163

بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ‏ و قال تعالى‏ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ‏ و قال تعالى‏ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ‏ و قال تعالى‏ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ‏ الأنعام‏ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَ جَعَلْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذانِهِمْ وَقْراً و قال تعالى‏ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى‏ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ‏ و قال تعالى‏ وَ كَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها و قال تعالى‏ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَ مَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ و قال تعالى‏ وَ كَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا و قال تعالى‏ وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ نَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ وَ لَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَ كَلَّمَهُمُ الْمَوْتى‏ وَ حَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى‏ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَ ما يَفْتَرُونَ وَ لِتَصْغى‏ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَ لِيَرْضَوْهُ وَ لِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ‏ و قال تعالى‏ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ‏ و قال تعالى‏ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏ و قال تعالى‏ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ‏ الأعراف‏ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ‏ و قال تعالى‏ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَ مَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَ لَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ‏ و قال تعالى‏ فَرِيقاً هَدى‏ وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ و قال تعالى‏ سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ كانُوا عَنْها غافِلِينَ‏

164

و قال تعالى‏ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَ يَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ‏ الأنفال‏ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى‏ و قال تعالى‏ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ‏ (1) التوبة وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏ و قال تعالى‏ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ‏ و قال تعالى‏ وَ طُبِعَ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ‏ و قال تعالى‏ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ‏ يونس‏ وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلى‏ دارِ السَّلامِ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ و قال تعالى‏ كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ‏ و قال تعالى‏ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَ لَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَ لَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَ لكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏ و قال تعالى‏ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَ لَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ‏ هود وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ‏ و قال تعالى‏ وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ‏ و قال تعالى‏ وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏ (2)

____________

(1) قال الرضى (رحمه الله ): هذه استعارة على بعض التأويلات المذكورة في هذه الآية، و المعنى:

أن اللّه أقرب إلى العبد من قلبه، فكأنّه حائل بينه و بينه من هذا الوجه، أو يكون المعنى أنّه قادر على تبديل قلب المرء من حال إلى حال، إذ كان سبحانه موصوفا بأنّه مقلب القلوب، و المعنى أنّه ينقلها من حال الامن إلى حال الخوف، و من حال الخوف إلى حال الامن، و من حال المساءة إلى حال السرور، و من حال المحبوب إلى حال المكروه.

(2) الإغواء: هو الدعاء إلى الغى و الضلال، و ذلك غير جائز على اللّه سبحانه لقبحه، و ورود أمره بضده، فهو من قبيل الاستعارة، و المراد هنا تخييبه سبحانه لهم من رحمته لكفرهم به، و ذهابهم عن أمره، و خذلانهم عن سبيل الرشاد، و يجوز أن يكون بمعنى الهلاك، كما يجوز أن يكون بمعنى الحكم بالغواية عليهم.

165

الرعد قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ‏ و قال تعالى‏ أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً و قال تعالى‏ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ إبراهيم‏ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ و قال تعالى‏ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ النحل‏ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏ و قال تعالى‏ وَ أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ وَ سَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ‏ الأسرى 97 وَ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ‏ و قال تعالى‏ وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً الكهف‏ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً مريم‏ قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا و قال تعالى‏ وَ يَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً‏ و قال تعالى‏ أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا النور وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ ما زَكى‏ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَ لكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏ و قال تعالى‏ وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ و قال تعالى‏ وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ الفرقان‏ وَ لكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَ آباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَ كانُوا قَوْماً بُوراً الشعراء كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ‏ النمل‏ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ‏ القصص‏ وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ و قال تعالى القصص‏ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ‏

166

الروم‏ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَ ما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ‏ و قال سبحانه‏ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ‏ التنزيل‏ وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ‏ سبأ قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى‏ نَفْسِي وَ إِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ‏ فاطر أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ و قال سبحانه‏ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَ ما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ يس‏ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى‏ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ وَ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ‏ الزمر إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ و قال تعالى‏ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ وَ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍ‏ و قال تعالى‏ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ‏ المؤمن‏ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ و قال تعالى‏ كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ‏ و قال تعالى‏ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ و قال تعالى‏ كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ‏ السجدة وَ قَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ‏ حمعسق‏ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ‏ و قال تعالى‏ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ‏ و قال تعالى‏ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ‏

167

الزخرف‏ وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا و قال تعالى‏ وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ‏ و قال تعالى‏ أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَ مَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ الجاثية أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى‏ عِلْمٍ وَ خَتَمَ عَلى‏ سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ وَ جَعَلَ عَلى‏ بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ‏ محمد أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ وَ اتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ‏ و قال تعالى‏ وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَ آتاهُمْ تَقْواهُمْ‏ و قال تعالى‏ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَ أَعْمى‏ أَبْصارَهُمْ‏ الصف‏ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏ المنافقين‏ فَطُبِعَ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ‏ الدهر إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً تفسير قوله تعالى‏ خَتَمَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ‏ قال البيضاوي الختم الكتم سمي به الاستيثاق من الشي‏ء بضرب الخاتم عليه لأنه كتم له و البلوغ آخره نظرا إلى أنه آخر فعل يفعل في إحرازه و الغشاوة فعالة من غشاه إذا غطاه بنيت لما يشتمل على الشي‏ء كالعصابة و العمامة و لا ختم و لا تغشية على الحقيقة و إنما المراد بهما أن يحدث في نفوسهم هيئة تمرنهم على استحباب الكفر و المعاصي و استقباح الإيمان و الطاعات بسبب غيّهم و انهماكهم في التقليد و إعراضهم عن النظر الصحيح فيجعل قلوبهم بحيث لا ينفذ فيها الحق و أسماعهم تعاف استماعه فتصير كأنها مستوثق منها بالختم و أبصارهم لا تجتلي لها الآيات المنصوبة في الآفاق و الأنفس كما تجتليها أعين المستبصرين فتصير كأنها غطي عليها و حيل بينها و بين الأبصار و سماه على الاستعارة ختما و تغشية أو مثل قلوبهم و مشاعرهم المئوفة بأشياء ضرب حجاب بينها و بين الاستنفاع بها ختما و تغطية و قد عبر عن إحداث هذه الهيئة بالطبع في قوله تعالى‏ أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ وَ سَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ‏ (1) و بالإغفال في قوله تعالى‏

____________

(1) النحل: 108.

168

وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ‏ (1) و بالإقساء في قوله تعالى‏ وَ جَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً (2) و هي من حيث إن الممكنات بأسرها مستندة إلى الله واقعة بقدرته استندت إليه و من حيث إنها مسببة مما اقترفوه بدليل قوله‏ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ‏ (3) و قوله تعالى‏ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ‏ (4) وردت الآية ناعية عليهم‏ (5) شناعة صفتهم و وخامة عاقبتهم و اضطرت المعتزلة فيه فذكروا وجوها من التأويل.

الأول أن القول لما أعرضوا عن الحق و تمكن ذلك في قلوبهم حتى صار كالطبيعة لهم شبه بالوصف الخلقي المجبول عليه.

الثاني أن المراد به تمثيل حال قلوبهم بقلوب البهائم التي خلقها الله تعالى خالية عن الفطن أو قلوب مقدر ختم الله عليها و نظيره سال به الوادي إذا هلك و طارت به العنقاء إذا طالت غيبته.

الثالث أن ذلك في الحقيقة فعل الشيطان أو الكافر لكن لما كان صدوره عنه بإقداره تعالى إياه أسنده إليه إسناد الفعل إلى السبب.

الرابع أن أعراقهم لما رسخت في الكفر و استحكمت بحيث لم يبق طريق إلى تحصيل إيمانهم سوى الإلجاء و القسر ثم لم يقسرهم إبقاء على غرض التكليف عبر عن تركه بالختم فإنه سد لإيمانهم و فيه إشعار على ترامي أمرهم في الغي و تناهي انهماكهم في الضلال و البغي.

الخامس أن يكون حكاية لما كانت الكفرة يقولون مثل‏ قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَ فِي آذانِنا وَقْرٌ وَ مِنْ بَيْنِنا وَ بَيْنِكَ حِجابٌ‏ (6) تهكما و استهزاء بهم كقوله تعالى‏ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا (7) الآية.

____________

(1) الكهف: 28.

(2) المائدة: 13.

(3) النساء: 155.

(4) المنافقون: 3.

(5) نعى عليه شهواته: عابه بها. و نعى عليه ذنوبه: ظهرها و شهرها.

(6) حم السجدة: 5 أقول: أكنة جمع الكن، و هو وقاء كل شي‏ء و ستره، قال الشيخ الطوسيّ في التبيان: و انما قالوا: ذلك ليؤيسوا النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من قبولهم دينه، فهو على التمثيل فكأنهم شبهوا قلوبهم بما يكون في غطاء فلا يصل إليه شي‏ء ممّا وراءه، و فيه تحذير من مثل حالهم في كل من دعى الى أمر لا يمتنع أن يكون هو الحق، فلا يجوز أن يدفعه بمثل هذا الدفع، «وَ فِي آذانِنا وَقْرٌ» أى ثقل عن استماع هذا القرآن‏ «وَ مِنْ بَيْنِنا وَ بَيْنِكَ حِجابٌ» قيل: الحجاب: الخلاف الذي يقتضى أن نكون بمعزل عنك، قال الزجاج: معناه: حاجز في النحلة و الدين، أي لا نوافقك في مذهب.

(7) البينة: 1.

169

السادس أن ذلك في الآخرة و إنما أخبر عنه بالماضي لتحققه و تيقن وقوعه و يشهد له قوله تعالى‏ وَ نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى‏ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَ بُكْماً وَ صُمًّا (1) السابع أن المراد بالختم وسم قلوبهم بسمة تعرفها الملائكة فيبغضونهم و يتنفرون عنهم و على هذا المنهاج كلامنا و كلامهم فيما يضاف إلى الله تعالى من طبع و إضلال و نحوهما انتهى.

أقول بعد قيام البرهان على امتناع أن يكلف الحكيم أحدا ثم يمنعه عن الإتيان بما كلفه به ثم يعذبه عليه و شهادة العقل بقبح ذلك و أنه تعالى منزه عنه لا بد من الحمل على أحد الوجوه التي ذكرها.

و زاد الشيخ الطبرسي (رحمه الله ) على ما ذكر وجهين آخرين أحدهما ما سيأتي نقلا عن تفسير العسكري(ع)و قد مرت الإشارة إليه أيضا و هو أن المراد بالختم العلامة و إذا انتهى الكافر من كفره إلى حالة يعلم الله تعالى أنه لا يؤمن فإنه يعلم على قلبه علامة و قيل هي نكتة سوداء تشاهدها الملائكة فيعلمون بها أنه لا يؤمن بعدها فيذمونه و يدعون عليه كما أنه تعالى يكتب في قلب المؤمن الإيمان و يعلم عليه علامة تعلم الملائكة بها أنه مؤمن فيمدحونه و يستغفرون له فقوله تعالى‏ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ‏ يحتمل أمرين أحدهما أنه طبع الله عليها جزاء للكفر و عقوبة عليه و الآخر أنه طبع عليها بعلامة كفرهم كما يقال طبع عليه بالطين و ختم عليه بالشمع.

و ثانيهما أن المراد بالختم على القلوب أن الله شهد عليها و حكم بأنها لا تقبل الحق كما يقال أراك أنك تختم على كل ما يقوله فلان أي تشهد به و تصدقه و قد ختمت عليك بأنك لا تفلح أي شهدت و ذلك استعارة قوله تعالى‏ يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً قال الطبرسي (رحمه الله ) فيه وجهان أحدهما حكي عن الفراء أنه قال حكاية عمن قال‏ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا أي يضل به قوم و يهدي به قوم ثم قال الله تعالى‏ وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ‏ فبين تعالى أنه لا يضل إلا فاسقا ضالا و هذا وجه حسن.

____________

(1) اسرى: 97.

170

و الآخر أنه كلامه تعالى ابتداء و كلاهما محتمل و إذا كان محمولا على هذا فمعنى قوله يضل به كثيرا أن الكفار يكذبون به و ينكرونه و يقولون ليس هو من عند الله فيضلون بسببه و إذا حصل الضلال بسببه أضيف إليه و قوله‏ وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً يعني الذين آمنوا به و صدقوه و قالوا هذا في موضعه فلما حصلت الهداية بسببه أضيف إليه فمعنى الإضلال على هذا تشديد الامتحان الذي يكون عنده الضلال فالمعنى أن الله يمتحن بهذه الأمثال عباده فيضل بها قوم كثير و يهدى بها قوم كثير و مثله قوله‏ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ‏ (1) أي ضلوا عندها و هذا مثل قولهم أفسدت فلانة فلانا و أذهبت عقله و هي ربما لم تعرفه و لكن لما ذهب عقله و فسد من أجلها أضيف الفساد إليها و قد يكون الإضلال بمعنى التخلية على وجه العقوبة و ترك المنع بالقهر و منع الألطاف التي تفعل بالمؤمنين جزاء على إيمانهم و هذا كما يقال لمن لا يصلح سيفه أفسدت سيفك أريد به أنك لم تحدث فيه الإصلاح في كل وقت بالصقل و الإحداد.

و قد يكون الإضلال بمعنى التسمية بالضلال و الحكم به كما يقال أضله إذا نسبه إلى الضلال و أكفره إذا نسبه إلى الكفر قال الكميت و طائفة قد أكفروني بحبكم.

و قد يكون الإضلال بمعنى الإهلاك و العذاب و التدمير و منه قوله تعالى‏ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَ سُعُرٍ (2) و منه قوله تعالى‏ أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ‏ (3) أي هلكنا و قوله‏ وَ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ‏ (4) أي لم يبطل فعلى هذا يكون المعنى أن الله تعالى يهلك و يعذب بالكفر به كثيرا بأن يضلهم عن الثواب و طريق الجنة بسببه فيهلكوا و يهدي إلى الثواب و طريق الجنة بالإيمان به كثيرا عن أبي علي الجبائي قال و يدل على ذلك قوله‏ وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ‏ لأنه لا يخلو من أن يكون أراد العقوبة على التكذيب كما قلناه أو يكون أراد به التحيير و التشكيك فإن أراد الحيرة فقد ذكر أنه لا يفعل إلا بالفاسق المتحير الشاك فيجب أن لا تكون الحيرة المتقدمة التي بها صاروا فساقا من فعله إلا إذا وجدت حيرة قبلها أيضا و هذا يوجب وجود

____________

(1) إبراهيم: 36.

(2) القمر: 47.

(3) الم السجدة: 10.

(4) محمّد: 4.

171

ما لا نهاية له من حيرة قبل حيرة لا إلى أول أو ثبوت إضلال لا إضلال قبله و إذا كان ذلك من فعله فقد أضل من لم يكن فاسقا و هو خلاف قوله‏ وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ‏ و على هذا الوجه فيجوز أن يكون حكم الله عليهم بالكفر و براءته منهم و لعنته عليهم إهلاكا لهم و يكون إهلاكه إضلالا و كل ما في القرآن من الإضلال المنسوب إلى الله تعالى فهو بمعنى ما ذكرناه من الوجوه و لا يجوز أن يضاف إلى الله سبحانه الإضلال الذي أضافه إلى الشيطان و إلى فرعون و السامري بقوله‏ وَ لَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً (1) و قوله‏ وَ أَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ‏ (2) و قوله‏ وَ أَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُ‏ (3) و هو أن يكون بمعنى التلبيس و التغليط و التشكيك و الإيقاع في الفساد و الضلال و غير ذلك مما يؤدي إلى التظليم و التجوير إلى ما يذهب إليه المجبرة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

و إذ قد ذكرنا أقسام الإضلال فلنذكر أقسام الهداية التي هي ضده اعلم أن الهداية في القرآن تقع على وجوه.

أحدها أن تكون بمعنى الدلالة و الإرشاد يقال هداه الطريق و للطريق و إلى الطريق إذا دله عليه و هذا الوجه عام لجميع المكلفين فإن الله تعالى هدى كل مكلف إلى الحق بأن دله عليه و أرشده إليه لأنه كلفه الوصول إليه فلو لم يدله عليه لكان قد كلفه ما لا يطيق و يدل عليه قوله تعالى‏ وَ لَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى‏ (4) و قوله‏ إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ‏ (5) و قوله‏ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً‏ (6) و قوله‏ وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى‏ عَلَى الْهُدى‏ (7) و قوله‏ وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ (8) و قوله‏ وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ‏ (9) و ما أشبه ذلك من الآيات.

و ثانيها أن يكون بمعنى زيادة الألطاف التي بها يثبت على الهدى و منه قوله تعالى‏ وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً‏ (10)

____________

(1) يس: 62.

(2) طه: 79.

(3) طه: 85.

(4) النجم: 23.

(5) الدهر: 3.

(6) البقرة: 185.

(7) حم السجدة: 17.

(8) الشورى: 52.

(9) البلد: 10.

(10) محمّد: 17.

172

و ثالثها أن تكون بمعنى الإثابة و منه قوله تعالى‏ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ‏ (1) و قوله تعالى‏ وَ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَ يُصْلِحُ بالَهُمْ‏ (2) و الهداية التي تكون بعد قتلهم هي إثابتهم لا محالة.

و رابعها الحكم بالهداية كقوله تعالى‏ وَ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ (3) و هذه الوجوه الثلاثة خاصة بالمؤمنين دون غيرهم لأنه تعالى إنما يثيب من يستحق الإثابة و هم المؤمنون و يزيدهم ألطافا بإيمانهم و طاعتهم و يحكم لهم بالهداية لذلك أيضا.

و خامسها أن تكون الهداية بمعنى جعل الإنسان مهتديا بأن يخلق الهداية فيه كما يجعل الشي‏ء متحركا بخلق الحركة فيه و الله تعالى يفعل العلوم الضرورية في القلوب فذلك هدايته منه تعالى و هذا الوجه أيضا عام لجميع العقلاء كالوجه الأول فأما الهداية التي كلف الله تعالى العباد فعلها كالإيمان به و بأنبيائه و غير ذلك فإنها من فعل العباد و لذلك يستحقون عليها المدح و الثواب و إن كان الله سبحانه قد أنعم عليهم بدلالتهم على ذلك و إرشادهم إليه و دعاهم إلى فعله و تكليفهم إياه و أمرهم به فهو من هذا الوجه نعمة منه سبحانه عليهم و منة منه واصلة إليهم و فضل منه و إحسان لديهم فهو مشكور على ذلك محمود إذ فعله بتمكينه و ألطافه و ضروب تسهيلاته و معوناته.

و قال (رحمه الله ) في قوله تعالى‏ وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ (4) إن المراد به البيان و الدلالة و الصراط المستقيم هو الإسلام أو المراد به يهديهم باللطف فيكون خاصا بمن علم من حاله أنه يصلح به أو المراد به يهديهم إلى طريق الجنة و قال في قوله تعالى‏ مَتى‏ نَصْرُ اللَّهِ‏ (5) قيل هذا استعجال للموعود كما يفعله الممتحن و إنما قاله الرسول استبطاء للنصر على جهة التمني و قيل إن معناه الدعاء لله بالنصر و قيل إنه ذكر كلام الرسول و المؤمنين جملة و تفصيلا قال المؤمنون‏ مَتى‏ نَصْرُ اللَّهِ‏ و قال الرسول‏ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ‏

____________

(1) يونس: 9.

(2) محمّد: 4 و 5.

(3) اسرى: 97.

(4) النور: 46.

(5) البقرة: 214.

173

و قال في قوله تعالى‏ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ (1) أي من ظلمات الضلال و الكفر إلى نور الهدى و الإيمان بأن هداهم إليه و نصب الأدلة لهم عليه و رغبهم فيه و فعل بهم من الألطاف ما يقوي دواعيهم إلى فعله.

و قال في قوله تعالى‏ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏ (2) أي بالمعونة على بلوغ البغية من الفساد و قيل لا يهديهم إلى المحاجة كما يهدي أنبياءه و قيل لا يهديهم بألطافه و تأييده إذا علم أنه لا لطف لهم و قيل لا يهديهم إلى الجنة.

و قال في قوله تعالى‏ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً (3) معناه كيف يسلك الله بهم سبيل المهتدين بالإثابة لهم و الثناء عليهم أو أنه على طريق التبعيد كما يقال كيف يهديك إلى الطريق و قد تركته أي لا طريق يهديهم به إلى الإيمان إلا من الوجه الذي هداهم به و قد تركوه أو كيف يهديهم الله إلى طريق الجنة و الحال هذه.

أقول الأظهر أن المعنى أنهم حرموا أنفسهم بما اختاروه الألطاف الخاصة من ربهم تعالى.

و قال في قوله تعالى‏ وَ مَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ‏ (4) قيل فيه أقوال أحدها أن المراد بالفتنة العذاب أي من يرد الله عذابه كقوله تعالى‏ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ‏ (5) أي يعذبون و قوله‏ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ‏ (6) أي عذابكم.

و ثانيها أن معناه من يرد الله إهلاكه.

و ثالثها أن المراد به من يرد الله خزيه و فضيحته بإظهار ما ينطوي عليه.

____________

(1) البقرة: 257.

(2) البقرة: 258.

(3) آل عمران: 86.

(4) المائدة: 41 قال الشيخ في التبيان:- بعد نقل الأقوال الثلاثة الاولة- و أصل الفتنة:

التخليص من قولهم: فتنت الذهب في النار أي خلصته من الغش، و الفتنة: الاختبار، و يسمى بذلك لما فيها من تخليص الحال لمن أراد الاضلال، و إنّما أراد الحكم عليه بذلك بايراد الحجج ففيه تمييز و تخليص لحالهم من حال غيرهم من المؤمنين، و من فسره على العذاب فلانهم يحرقون كما يحرق خبث الذهب فهم خبث كلهم، و من فسره على الفضيحة فلما فيها من الدلالة عليهم التي يتميزون بها من غيرهم.

(5) الذاريات: 13.

(6) الذاريات: 14.

174

و رابعها أن المراد من يرد الله اختباره بما يبتليه من القيام بحدوده فيدع ذلك و يحرفه.

و الأصح الأول‏ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي فلن تستطيع أن تدفع لأجله من أمر الله الذي هو العذاب أو الفضيحة أو الهلاك شيئا أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ‏ معناه أولئك اليهود لم يرد الله أن يطهر من عقوبات الكفر التي هي الختم و الطبع و الضيق قلوبهم كما طهر قلوب المؤمنين منها بأن كتب في قلوبهم الإيمان و شرح صدورهم للإسلام و قيل معناه لم يرد أن يطهرها من الكفر بالحكم عليها بأنها بريئة منه ممدوحة بالإيمان.

قال القاضي و هذا لا يدل على أنه سبحانه لم يرد منهم الإيمان لأن ذلك لا يعقل من تطهير القلب إلا على جهة التوسع و لأن قوله‏ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ‏ يقتضي نفي كونه مريدا و ليس فيه بيان الوجه الذي لم يرد ذلك عليه و المراد بذلك أنه لم يرد تطهير قلوبهم مما يلحقها من الغموم بالذم و الاستخفاف و العقاب و لذا قال عقيبه‏ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ‏ و لو كان أراد ما قاله المجبرة لم يجعل ذلك ذما لهم و لا عقبه بالذم و لا جعله في حكم الجزاء على ما لأجله عاقبهم و أراد ذلك فيهم.

أقول‏

رَوَى النُّعْمَانِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ فِيمَا رَوَاهُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه)أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنِ الْمُتَشَابِهِ فِي تَفْسِيرِ الْفِتْنَةِ فَقَالَ مِنْهُ فِتْنَةُ الِاخْتِبَارِ وَ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى‏ الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏ (1) وَ قَوْلُهُ لِمُوسَى‏ وَ فَتَنَّاكَ فُتُوناً (2) وَ مِنْهُ فِتْنَةُ الْكُفْرِ وَ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى‏ لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَ قَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَ ظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ‏ (3) وَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ فِي الَّذِينَ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ(ص)فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ‏ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَ لا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا (4) يَعْنِي ائْذَنْ لِي وَ لَا تُكْفِرْنِي فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَ‏ أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ‏ (5)

____________



(1) العنكبوت: 1 و 2.

(2) طه: 40.

(3) التوبة: 48.

(4) التوبة: 49.

(5) التوبة: 49.

175

وَ مِنْهُ فِتْنَةُ الْعَذَابِ وَ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى‏ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ‏ (1) أَيْ يُعَذَّبُونَ‏ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ‏ (2) أَيْ ذُوقُوا عَذَابَكُمْ وَ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى‏ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا (3) أَيْ عَذَّبُوا الْمُؤْمِنِينَ وَ مِنْهُ فِتْنَةُ الْمَحَبَّةِ لِلْمَالِ وَ الْوَلَدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى‏ إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ (4) وَ مِنْهُ فِتْنَةُ الْمَرَضِ وَ هُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ‏ أَ وَ لا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَ لا هُمْ يَذَّكَّرُونَ‏ (5) أَيْ يَمْرَضُونَ وَ يُقْتَلُونَ.

انتهى.

و قال الطبرسي (رحمه الله ) في قوله تعالى‏ فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ‏ قيل في معناه أقوال أحدها معناه فاعلم يا محمد أنما يريد الله أن يعاقبهم ببعض أجرامهم و ذكر البعض و المراد به الكل كما يذكر العموم و يراد به الخصوص.

و الثاني أنه ذكر البعض تغليظا للعقاب و المراد أنه يكفي أن يؤخذوا ببعض ذنوبهم في إهلاكهم و التدمير عليهم.

و الثالث أنه أراد تعجيل بعض العقاب مما كان من التمرد في الأجرام لأن عذاب الدنيا مختص ببعض الذنوب دون بعض و عذاب الآخرة يعم.

قوله تعالى‏ وَ جَعَلْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً قال الزمخشري الأكنة على القلوب و الوقر في الآذان مثل في نبو قلوبهم و مسامعهم عن قبوله و اعتقاد صحته و وجه إسناد الفعل إلى ذاته و هو قوله‏ وَ جَعَلْنا للدلالة على أنه أمر ثابت فيهم لا يزول عنهم كأنهم مجبولون عليه أو هي حكاية لما كانوا ينطقون به من قولهم‏ وَ فِي آذانِنا وَقْرٌ وَ مِنْ بَيْنِنا وَ بَيْنِكَ حِجابٌ‏ و قال الطبرسي (رحمه الله ) قال القاضي أبو عاصم العامري أصح الأقوال فيه‏

- ما روي‏ أن النبي(ص)كان يصلي بالليل و يقرأ القرآن في الصلاة جهرا رجاء أن يستمع إلى قراءته إنسان فيتدبر معانيه و يؤمن به فكان المشركون إذا سمعوه آذوه و منعوه عن الجهر بالقراءة.

و كان الله تعالى يلقي عليهم النوم أو يجعل‏

____________

(1) الذاريات: 13.

(2) الذاريات: 14.

(3) البروج: 10.

(4) التغابن: 15.

(5) التوبة: 126.

176

في قلوبهم أكنة ليقطعهم عن مرادهم و ذلك بعد ما بلغهم ما تقوم به الحجة و تنقطع به المعذرة و بعد ما علم الله تعالى أنهم لا ينتفعون بسماعه و لا يؤمنون به فشبه إلقاء النوم عليهم بجعل الغطاء على قلوبهم و بوقر آذانهم لأن ذلك كان يمنعهم من التدبر كالوقر و الغطاء و هذا معنى قوله تعالى‏ وَ إِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً و يحتمل ذلك وجها آخر و هو أنه تعالى يعاقب هؤلاء الكفار الذين علم أنهم لا يؤمنون بعقوبات يجعلها في قلوبهم تكون موانع من أن يفقهوا ما يستمعونه و يحتمل أيضا أن يكون سمى الكفر الذي في قلوبهم كنا تشبيها و مجازا و إعراضهم عن القرآن وقرا توسعا لأن مع الكفر و الإعراض لا يحصل الإيمان و الفهم كما لا يحصلان مع الكن و الوقر و نسب ذلك إلى نفسه لأنه الذي شبه أحدهما بالآخر كما يقول أحدنا لغيره إذا أثنى على إنسان و ذكر مناقبه جعلته فاضلا و بالضد إذا ذكر مقابحه و فسقه يقول جعلته فاسقا (1) و قال الزمخشري في قوله تعالى‏ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى‏ أي بأن يأتيهم بآية ملجئة و لكنه لا يفعل لخروجه عن الحكمة.

و قوله تعالى‏ لِيَمْكُرُوا فِيها قال الطبرسي (رحمه الله ) اللام لام العاقبة و قال الزمخشري معناه خليناهم ليمكروا و ما كففناهم عن المكر و كذا قال اللام لام العاقبة في قوله تعالى‏ لِيَقُولُوا أي عاملناهم معاملة المختبر ليشكروا أو يصبروا فآل أمرهم إلى العاقبة. و قال الطبرسي (رحمه الله ) في قوله تعالى‏ وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ‏ وجهين.

____________

(1) أوردنا قبلا معنى الآية عن التبيان. و لنذكر هنا ما عن الرضى (رحمه الله ) في كتابه مجازات القرآن قال: و هذه استعارة و ليس هناك على الحقيقة شي‏ء ممّا أشاروا إليه، و إنّما أخرجوا هذا الكلام مخرج الدلالة على استثقالهم ما يسمعونه من قوارع القرآن و بواقع البيان فكأنهم من قوة الزهادة فيه و شدة الكراهية له قد وقرت أسماعهم عن فهمه، و أكنت قلوبهم دون علمه، و ذلك معروف في عادة الناس أن يقول القائل منهم لمن يشنأ كلامه و يستثقل خطابه: ما أسمح قولك و لا أعى لفظك و إن كان صحيح حاسة السمع، الا أنّه حمل الكلام على الاستثقال و المقت، و على هذا قول الشاعر:

و كلام سيئ قد وقرت‏* * * اذنى عنه و ما بى من صمم.

177

أحدهما أنه يقلبهما في جهنم على لهب النار و حر الجمر كما لم يؤمنوا به أول مرة في الدنيا و الآخر أن المعنى يقلب أفئدتهم و أبصارهم بالحيرة التي تغم و تزعج النفس.

و قال الزمخشري‏ وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ‏ وَ نَذَرُهُمْ‏ عطف على‏ لا يُؤْمِنُونَ‏ داخل في حكم و ما يشعركم أنهم لا يؤمنون و ما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم و أبصارهم أي نطبع على قلوبهم و أبصارهم فلا يفقهون و لا يبصرون الحق كما كانوا عند نزول آياتنا أولا لا يؤمنون بها لكونهم مطبوعا على قلوبهم و ما يشعركم أنا نذرهم في طغيانهم أي نخليهم و شأنهم لا نكفهم عن الطغيان حتى يعمهوا فيه. (1)

و قال في قوله تعالى‏ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ‏ أي مشية إكراه و اضطرار.

و قال الطبرسي (رحمه الله ) في قوله‏ كَذلِكَ جَعَلْنا وجوه أحدها أن المراد كما أمرناك بعداوة قومك من المشركين فقد أمرنا من قبلك بمعاداة أعدائهم من الجن و الإنس و متى أمر الله رسوله بمعاداة قوم من المشركين فقد جعلهم أعداء له.

و ثانيها أن معناه حكمنا بأنهم أعداء و أخبرنا بذلك ليعاملوهم معاملة الأعداء في الاحتراز عنهم و الاستعداد لدفع شرهم و هذا كما يقال جعل القاضي فلانا عدلا و فلانا فاسقا إذا حكم بعدالة هذا و فسق ذاك.

و ثالثها أن المراد خلينا بينهم و بين اختيارهم العداوة لم نمنعهم على ذلك كرها و لا جبرا لأن ذلك يزيل التكليف.

و رابعها أنه سبحانه إنما أضاف ذلك إلى نفسه لأنه سبحانه لما أرسل إليهم الرسل و أمرهم إلى دعائهم إلى الإسلام و الإيمان و خلع ما كانوا يعبدونه من الأصنام و الأوثان نصبوا عند ذلك العداوة لأنبيائه و مثله قول نوح(ع)فلم يزدهم دعائي إلا فرارا و قال و العامل في قوله‏ وَ لِتَصْغى‏ قوله‏ يُوحِي‏ و لا يجوز أن يكون العامل‏

____________

(1) و هذه استعارة، لان تقليب القلوب و الابصار على الحقيقة بازالتها عن مواضعها و إقلاقها عن مناصبها لا يصحّ، و البنية صحيحة و الجملة حية متصرفة، و إنّما المراد- و اللّه أعلم- أنا نرميها بالحيرة و المخافة جزاء على الكفر و الضلالة فتكون الافئدة مسترجعة لتعاظم أسباب المخاوف و تكون الابصار منزعجة لتوقع طلوع المكاره. و قد قيل: إن المراد بذلك تقليبهما على مرامض الجمر في نار جهنم و ذلك يخرج الكلام عن حيز الاستعارة إلى حيز الحقيقة؛ قاله الرضى رضي اللّه عنه.

178

فيه‏ جَعَلْنا لأن الله سبحانه لا يجوز أن يريد إصغاء القلوب إلى الكفر و وحي الشياطين إلا أن نجعلها لام العاقبة و قال البلخي اللام في‏ وَ لِتَصْغى‏ لام العاقبة و ما بعده لام الأمر الذي يراد به التهديد.

و قال (رحمه الله ) في قوله تعالى‏ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ‏ فيه وجوه.

أحدها أن معناه‏ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ‏ إلى الثواب و طريق الجنة يَشْرَحْ صَدْرَهُ‏ في الدنيا لِلْإِسْلامِ‏ بأن يثبت عزمه عليه و يقوي دواعيه على التمسك به و إنما يفعل ذلك لطفا له و منا عليه و ثوابا على اعتدائه بهدى الله و قبوله إياه و من يرد أن يضله عن ثوابه و كرامته يجعل صدره في كفره ضيقا حرجا عقوبة له على تركه الإيمان من غير أن يكون سبحانه مانعا له عن الإيمان بل ربما يكون ذلك داعيا إليه فإن من ضاق صدره بالشي‏ء كان ذلك داعيا إلى تركه.

و ثانيها أن معناه فمن يرد الله أن يثبته على الهدى يشرح صدره من الوجه الذي ذكرناه جزاء له على إيمانه و اهتدائه و قد يطلق الهدى و يراد به الاستدامة و من يرد أن يضله أي يخذله و يخلي بينه و بين ما يريده لاختياره الكفر و تركه الإيمان‏ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً بأن يمنعه الألطاف التي هو ينشرح لها صدره لخروجه من قبولها بإقامته على كفره.

و ثالثها أن معناه‏ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ‏ زيادة الهدى التي وعدها المؤمن‏ يَشْرَحْ صَدْرَهُ‏ لتلك الزيادة لأن من حقها أن يزيد المؤمن بصيرة وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ‏ عن تلك الزيادة بمعنى يذهبه عنها من حيث أخرج هو نفسه من أن تصح عليه‏ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً لمكان فقد تلك الزيادة لأنها إذا اقتضت في المؤمن ما قلناه أوجب في الكافر ما يضاده و الرجس العذاب.

و قال في قوله تعالى‏ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ‏ أي حكمنا بذلك لأنهم يتناصرون على الباطل كما قال‏ وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً و قال في قوله‏ وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ‏ يعني خلقناهم على أن عاقبتهم المصير إلى‏

179

جهنم بكفرهم و إنكارهم و سوء اختيارهم و يدل عليه قوله سبحانه‏ وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏ و قال الزمخشري جعلهم في أنهم لا يلقون أذهانهم إلى معرفة الحق و لا ينظرون بعيونهم إلى ما خلق الله نظر اعتبار و لا يسمعون ما يتلى عليهم من آيات الله سماع تدبر كأنهم عدموا فهم القلوب و أبصار العيون و استماع الآذان و جعلهم لإغراقهم في الكفر و شدة شكائمهم فيه و أنهم لا يتأتى منهم إلا أفعال أهل النار مخلوقين للنار دلالة على توغلهم في الموجبات و تمكنهم فيما يؤهلهم لدخول النار.

و قال الطبرسي (رحمه الله ) في قوله تعالى‏ فَرِيقاً هَدى‏ أي جماعة حكم لهم بالاهتداء بقبولهم للهدى أو لطف لهم بما اهتدوا عنده أو هداهم إلى طريق الثواب‏ وَ فَرِيقاً حَقَ‏ أي وجب‏ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إذ لم يقبلوا الهدى أو حق عليهم الخذلان لأنه لم يكن لهم لطف تنشرح لهم صدورهم أو حق عليهم العذاب أو الهلاك بكفرهم.

و قال الزمخشري في قوله تعالى‏ وَ لكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ‏ أي إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم‏ وَ لكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ‏ لأنه هو الذي أنزل الملائكة و ألقى الرعب في قلوبهم و شاء النصر و الظفر و قوى قلوبكم و أذهب عنها الفزع و الجزع‏ وَ ما رَمَيْتَ‏ أنت يا محمد إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى‏ يعني أن الرمية التي رميتها لم ترمها أنت على الحقيقة لأنك لو رميتها لما بلغ أثرها إلا ما يبلغ أثر رمي البشر و لكنها كانت رمية الله حيث أثرت ذلك الأثر العظيم فأثبت الرمية لرسول الله(ص)لأن صورتها وجدت منه و نفاها عنه لأن أثرها الذي لا تطيقه البشر فعل الله فكان الله هو فاعل الرمية على الحقيقة و كأنها لم توجد من الرسول أصلا.

و قال الطبرسي (رحمه الله ) في قوله تعالى‏ ثُمَّ انْصَرَفُوا أي انصرفوا عن المجلس و قيل انصرفوا عن الإيمان به‏ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ‏ عن الفوائد التي يستفيدها المؤمنون و السرور بها و حرموا الاستبشار بتلك الحال و قيل معناه صرف الله قلوبهم عن رحمته و ثوابه عقوبة لهم على انصرافهم عن الإيمان بالقرآن و عن مجلس رسول الله(ص)و قيل إنه على وجه الدعاء عليهم أي خذلهم الله باستحقاقهم ذلك و دعاء الله على عباده وعيد لهم و إخبار بلحاق العذاب بهم.

180

قوله تعالى‏ كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ‏ قال الزمخشري‏ أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ‏ بدل من الكلمة أي حق عليهم انتفاء الإيمان و علم الله منهم ذلك أو حق عليهم كلمة الله أنهم من أهل الخذلان و أن إيمانهم غير كائن أو أراد بالكلمة العدة بالعذاب و أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ‏ تعليل بمعنى لأنهم لا يؤمنون.

و قال في قوله تعالى‏ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ‏ أي ثبت عليهم قول الله الذي كتبه في اللوح و أخبر به الملائكة أنهم يموتون كفارا فلا يكون غيره فتلك كتابة معلوم لا كتابة مقدر و مراد تعالى الله عن ذلك.

و قال السيد المرتضى رضي الله عنه إن سأل سائل فقال ما عندكم في تأويل قوله تعالى‏ وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ‏ يقال له أما قوله تعالى‏ وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ‏ فإنما عنى به المشية التي ينضم إليها الإلجاء و لم يعن المشية على سبيل الاختيار و إنما أراد تعالى أن يخبرنا عن قدرته و أنه ممن لا يغالب و لا يعصى مقهورا من حيث كان قادرا على الإلجاء و الإكراه على ما أراده من العباد فأما لفظة ذلك في الآية فحملها على الرحمة أولى من حملها على الاختلاف لدليل العقل و شهادة اللفظ فأما دليل العقل فمن حيث علمنا أنه تعالى كره الاختلاف و الذهاب عن الدين و نهى عنه و توعد عليه فكيف يجوز أن يكون شائيا له و مجريا بخلق العباد إليه و أما شهادة اللفظ فلأن الرحمة أقرب إلى هذه الكناية من الاختلاف و حمل اللفظ على أقرب المذكورين أولى في لسان العرب فأما ما طعن به السائل من تذكير الكناية فباطل لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي و إذا كني عنها بلفظ التذكير كانت الكناية على المعنى لأن معناها هو الفضل و الإنعام كما قالوا سرني كلمتك يريدون سرني كلامك و قال الله تعالى‏ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي‏ و لم يقل هذه و إنما أراد هذا فضل من ربي و في موضع آخر إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ‏ و لم يقل قريبة.

أقول ثم استشهد (رحمه الله ) لذلك بكثير من الأشعار تركناها حذرا من الإطناب ثم قال و قال زياد الأعجم.

إن الشجاعة و المروة ضمنا.* * * قبرا بمرو على الطريق الواضح.

181

و يروى أن السماحة و الشجاعة فقال ضمّنا و لم يقل ضمنتا قال الفراء لأنه ذهب إلى أن السماحة و الشجاعة مصدران و العرب تقول قصارة الثوب يعجبني لأن تأنيث المصادر يرجع إلى الفعل و هو مذكر على أن قوله تعالى‏ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ‏ كما يدل على الرحمة يدل أيضا على أن يرحم فإذا جعلنا الكناية بلفظة ذلك عن أن يرحم كان التذكير في موضعه لأن الفعل مذكر و يجوز أيضا أن يكون قوله تعالى‏ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ‏ كناية عن اجتماعهم على الإيمان و كونهم فيه أمة واحدة لا محالة أنه لهذا خلقهم و يطابق هذه الآية قوله تعالى‏ وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏ و قد قال قوم في قوله تعالى‏ وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً معناه أنه لو شاء أن يدخلهم أجمعين الجنة فيكونوا في وصول جميعهم إلى النعيم أمة واحدة و أجرى هذه الآية مجرى قوله تعالى‏ وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها في أنه أراد هداها إلى طريق الجنة فعلى هذا التأويل يمكن أن ترجع لفظة ذلك إلى إدخالهم أجمعين إلى الجنة لأنه تعالى إنما خلقهم للمصير إليها و الوصول إلى نعيمها فأما قوله‏ وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ‏ فمعناه الاختلاف في الدين و الذهاب عن الحق فيه بالهوى و الشبهات و ذكر أبو مسلم محمد بن بحر في قوله تعالى‏ وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ‏ وجها غريبا و هو أن يكون معناه أن خلف هؤلاء الكافرين يخلف سلفهم في الكفر لأنه سواء قولك خلف بعضهم بعضا و قولك اختلفوا كما سواء قولك قتل بعضهم بعضا و اقتتلوا و منه قولهم لا أفعل كذا ما اختلف العصران و الجديدان أي جاء كل واحد منهما بعد الآخر فأما الرحمة فليست رقة القلب لكنها فعل النعم و الإحسان يدل على ذلك أن من أحسن إلى غيره و أنعم عليه يوصف بأنه رحيم و إن لم تعلم منه رقة قلبه عليه.

فإن قيل إذا كانت الرحمة هي النعمة و عندكم أن نعم الله تعالى شاملة للخلق أجمعين فأي معنى للاستثناء مَنْ رَحِمَ‏ من جملة المختلفين إن كانت الرحمة هي النعمة و كيف يصح اختصاصها بقوم دون قوم و هي عندكم شاملة عامة.

قلنا لا شبهة في أن نعم الله سبحانه شاملة للخلق أجمعين غير أن في نعمه أيضا ما

182

يختص بها بعض العباد إما لاستحقاق أو لسبب يقتضي الاختصاص فإذا حملنا قوله إلا من رحم ربك على النعمة بالثواب فالاختصاص ظاهر لأن النعمة به لا تكون إلا مستحقة فمن استحق الثواب بأعماله وصل إلى هذه النعمة و من لم يستحقه لم يصل إليها و إن حملنا الرحمة في الآية على النعمة بالتوفيق للإيمان و اللطف الذي وقع بعده فعل الإيمان كانت هذه النعمة أيضا مختصة لأنه تعالى إنما لم ينعم على سائر المكلفين بها من حيث لم يكن في معلومه أن لهم توفيقا و أن في الأفعال ما يختارون عنده الإيمان فاختصاص هذه النعمة ببعض العباد لا يمنع من شمول نعم آخر لهم كما أن شمول تلك النعم لا يمنع من اختصاص هذه انتهى كلامه رفع الله مقامه.

و قال الزمخشري ذلك إشارة إلى ما دل عليه الكلام الأول و تضمنه يعني و لذلك التمكين و الاختيار الذي كان عنه الاختلاف خلقهم ليثيب مختار الحق بحسن اختياره و يعاقب مختار الباطل بسوء اختياره‏ وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ‏ و هي قوله للملائكة لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ‏ لعلمه بكثرة من يختار الباطل. (1)

و قال في قوله تعالى‏ أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ‏ يعني مشية الإلجاء و القسر لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً و معنى‏ أَ فَلَمْ يَيْأَسِ‏ أ فلم يعلم قيل هي لغة قوم من النخع و قيل إنما استعمل اليأس بمعنى العلم لتضمنه معناه لأن اليائس عن الشي‏ء عالم بأنه لا يكون كما استعمل الرجاء في معنى الخوف و النسيان في معنى الترك لتضمن ذلك و يدل عليه أن عليا و ابن عباس و جماعة من الصحابة و التابعين قرءوا أ فلم يتبين و هو تفسير أَ فَلَمْ يَيْأَسِ‏ و يجوز أن يتعلق‏ أَنْ لَوْ يَشاءُ بآمنوا أي أ و لم يقنط عن إيمان هؤلاء الكفرة الذين آمنوا بأن‏ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً و لهداهم.

و قال السيد المرتضى رضي الله عنه في كتاب الغرر و الدرر قال الله جل من قائل‏ وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً الآية في هذه الآية وجوه من التأويل كل منها يبطل الشبهة

____________

(1) قال السيّد الرضيّ في تلخيص البيان في قوله تعالى: «وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ»: هذه استعارة و المراد هاهنا بتمام كلمة اللّه سبحانه صدق وعيده الذي تقدم الخبر به و تمامه وقوع مخبره مطابقا لخبره.

183

الداخلة على بعض المبطلين فيها حتى عدلوا بتأويلها عن وجهه و صرفوه عن بابه.

أولها أن الإهلاك قد يكون حسنا و قد يكون قبيحا فإذا كان مستحقا أو على سبيل الامتحان كان حسنا و إنما يكون قبيحا إذا كان ظلما فتعلق الإرادة لا يقتضي تعلقها به على الوجه القبيح و لا ظاهر الآية يقتضي ذلك و إذا علمنا بالأدلة العقلية تنزه القديم تعالى عن القبائح علمنا أن الإرادة لم يتعلق إلا بالإهلاك الحسن و قوله تعالى‏ أَمَرْنا مُتْرَفِيها المأمور به محذوف و ليس يجب أن يكون المأمور به هو الفسق و إن وقع بعده الفسق و يجري هذا مجرى قول القائل أمرته فعصى و دعوته فأبى و المراد أنني أمرته بالطاعة و دعوته إلى الإجابة و القبول و يمكن أن يقال على هذا الوجه ليس موضع الشبهة ما تكلمتم عليه و إنما موضعها أن يقال أي معنى لتقدم الإرادة فإن كانت متعلقة بإهلاك مستحق بغير الفسق المذكور في الآية فلا معنى لقوله تعالى‏ إِذا أَرَدْنا ... أَمَرْنا لأن أمره بما يأمر به لا يحسن إرادته للعقاب المستحق بما تقدم من الأفعال و إن كانت الإرادة متعلقة بالإهلاك المستحق بمخالفة الأمر المذكور في الآية فهذا هو الذي تأبونه لأنه يقتضي أنه تعالى مريد لإهلاك من لم يستحق العقاب.

و الجواب عن ذلك أنه تعالى لم يعلق الإرادة إلا بالإهلاك المستحق بما تقدم من الذنوب و الذي حسن قوله تعالى‏ وَ إِذا أَرَدْنا ... أَمَرْنا هو أن في تكرر الأمر بالطاعة و الإيمان إعذارا إلى العصاة و إنذارا لهم و إيجابا و إثباتا للحجة عليهم حتى يكونوا متى خالفوا و أقاموا على العصيان و الطغيان بعد تكرر الوعيد و الوعظ و الإنذار ممن يحق عليه القول و تجب عليه الحجة و يشهد بصحة هذا التأويل قوله تعالى قبل هذه الآية وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا و الثاني أن يكون قوله تعالى‏ أَمَرْنا مُتْرَفِيها من صفة القرية و صلتها و لا يكون جوابا لقوله‏ وَ إِذا أَرَدْنا و يكون تقدير الكلام و إذا أردنا أن نهلك قرية من صفتها أنا أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها و يكون إذا على هذا الجواب لم يأت له جواب ظاهر في الآية للاستغناء عنه بما في الكلام من الدلالة عليه و نظير هذا قوله تعالى في صفة الجنة.

184

حَتَّى إِذا جاؤُها وَ فُتِحَتْ أَبْوابُها إلى قوله‏ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ‏ و لم يأت لإذا جواب في طول الكلام للاستغناء عنه.

و الثالث أن يكون ذكر الإرادة في الآية مجازا و اتساعا و تنبيها على المعلوم من حال القوم و عاقبة أمرهم و أنهم متى أمروا فسقوا و خالفوا و يجري ذكر الإرادة هاهنا مجرى قولهم إذا أراد التاجر أن يفتقر أتته النوائب من كل جهة و جاءه الخسران من كل طريق و قولهم إذا أراد العليل أن يموت خلط في مأكله و تسرع إلى كل ما تتوق إليه نفسه و معلوم أن التاجر لم يرد في الحقيقة شيئا و لا العليل أيضا لكن لما كان المعلوم من حال هذا الخسران و من حال ذاك الهلاك حسن هذا الكلام و استعمل ذكر الإرادة لهذا الوجه مجازا و كلام العرب وحي و إشارات و استعارة و مجازات و لهذه الحال كان كلامهم في المرتبة العليا من الفصاحة فإن الكلام متى خلا من الاستعارة و جرى كله على الحقيقة كان بعيدا من الفصاحة بريئا من البلاغة و كلام الله تعالى أفصح الكلام.

الرابع أن تحمل الآية على التقديم و التأخير فيكون تلخيصها و إذا أمرنا مترفي قرية بالطاعة فعصوا و استحقوا العقاب أردنا إهلاكهم و التقديم و التأخير في الشعر و كلام العرب كثير و مما يمكن أن يكون شاهدا بصحة هذا التأويل من القرآن قوله تعالى‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ‏ (1) و الطهارة إنما تجب قبل القيام إلى الصلاة و قوله تعالى‏ وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ‏ (2) و قيام الطائفة معه يجب أن يكون قبل إقامة الصلاة لأن إقامتها هو الإتيان بجميعها على الكمال فأما قراءة من قرأ بالتشديد فقال أمرنا و قراءة من قرأ بالمد و التخفيف فقال آمرنا فلن يخرج معنى قراءتهما عن الوجوه التي ذكرناها إلا الوجه الأول فإن معناه لا يليق إلا بأن يكون ما تضمنته الآية هو الأمر الذي يستدعي به الفعل انتهى.

و قال الطبرسي (رحمه الله ) و قرأ يعقوب آمرنا بالمد و هو قراءة علي بن أبي طالب‏

____________

(1) المائدة: 7.

(2) النساء: 102.

185

و الحسين(ع)و جماعة و قرأ أمرنا بالتشديد ابن عباس و النهدي و أبو جعفر محمد بن علي(ع)بخلاف و قرأ أمرنا بكسر الميم بوزن عمرنا الحسن و يحيى بن يعمر و أرجع الجميع إلى معنى كثرنا

- كَقَوْلِهِ(ص)خَيْرُ الْمَالِ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ وَ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ.

أي كثيرة النتاج.

و قال الزمخشري‏ وَ إِذا أَرَدْنا أي و إذا دنا وقت إهلاك قوم و لم يبق من زمان إهلاكهم إلا قليلا أمرناهم‏ فَفَسَقُوا أي أمرناهم بالفسق ففعلوا و الأمر مجاز لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم افسقوا و هذا لا يكون فبقي أن يكون مجازا و وجه المجاز أنه صب عليهم النعمة صبا فجعلوها ذريعة إلى المعاصي و اتباع الشهوات فكأنهم مأمورون بذلك لتسبب إبلاء النعمة فيه و إنما خولهم إياها ليشكروا و يعملوا فيها بالخير و يتمكنوا من الإحسان و البر كما خلقهم أصحاء أقوياء و أقدرهم على الخير و الشر و طلب منهم إيثار الطاعة على المعصية فآثروا الفسوق فلما فسقوا حق عليهم القول و هو كلمة العذاب فدمرهم و قد فسر بعضهم أمرنا بكثرنا و جعل أمرته فأمر من باب فعلته ففعل كثبرته فثبر. و قال في قوله تعالى‏ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا يعني أمهله و أملى له في العمر فأخرج على لفظ الأمر إيذانا بوجوب ذلك و أنه مفعول لا محالة كالمأمور به الممتثل لتقطع معاذير الضال و يقال له يوم القيامة أَ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ (1) أو كقوله‏ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً (2) أو مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا في معنى الدعاء بأن يمهله الله و ينفس في مدة حياته.

و قال الطبرسي (رحمه الله ) في قوله تعالى‏ أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ‏ أي خلينا بينهم و بين الشياطين إذا وسوسوا إليهم و دعوهم إلى الضلال حتى أغووهم و لم يخل بينهم بالإلجاء و لا بالمنع‏ (3) و عبر عن ذلك بالإرسال على سبيل المجاز و التوسع‏

____________

(1) فاطر: 37.

(2) آل عمران: 178.

(3) قال الشيخ في التبيان: أى يمدهم و يحلم عنهم فلا يعاجلهم بالعقوبة كما قال: «وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ» و يجوز أن يكون أراد فليمدد له الرحمن مدا في عذابهم في النار، كما قال:

وَ نَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا»

186

كما يقال لمن خلى بين الكلب و غيره أرسل كلبه عليه‏ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا أي تزعجهم إزعاجا من الطاعة إلى المعصية و قيل تغريهم إغراء بالشي‏ء.

و في قوله تعالى‏ وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ‏ بأن لطف لكم و أمركم بما تصيرون به أزكياء ما صار منكم أحد زكيا أو ما طهر أحد من وسوسة الشيطان و ما صلح‏ وَ لكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي‏ أي يطهر بلطفه‏ مَنْ يَشاءُ و هو من له لطيف يفعله سبحانه به ليزكو عنده.

و في قوله تعالى‏ وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً أي نجاة و فرجا أو نورا في القيامة و في قوله سبحانه‏ وَ لكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَ آباءَهُمْ‏ أي طولت أعمارهم و أعمار آبائهم و أمددتهم بالأموال و الأولاد بعد موت الرسل حتى نسوا الذكر المنزل على الأنبياء و تركوه و كانوا قوما هلكى فاسدين و في قوله‏ كَذلِكَ سَلَكْناهُ‏ أي القرآن و في قوله تعالى‏ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ‏ أي أعمالهم التي أمرناهم بها و قيل بأن خلقنا فيهم شهوة القبيح ليجتنبوا المشتهى.

قوله تعالى‏ وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ قال البيضاوي قيل بالتسمية كقوله‏ وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أو بمنع الألطاف الصارفة عنه. (1)

و قال الطبرسي (رحمه الله ) في قوله تعالى‏ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ‏ أي هدايته أو من أحببته لقرابته و المراد بالهداية هنا اللطف الذي يختار عنده الإيمان فإنه لا يقدر عليه إلا الله تعالى لأنه إما أن يكون من فعله خاصة أو بإعلامه و لا يعلم ما يصلح المرء في دينه إلا الله تعالى فإن الهداية التي هي الدعوة و البيان قد أضافه سبحانه إليه في قوله‏ وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ (2) و قيل إن المراد بالهداية في الآية الإجبار على الاهتداء أي أنت لا تقدر على ذلك و قيل معناه ليس عليك اهتداؤهم و قبولهم الحق.

____________

(1) قال الشيخ: قيل: فى معناه قولان: أحدهما إنا عرفنا الناس أنهم كانوا كذلك كما يقال جعله رجل شر بتعريفنا حاله، و الثاني إنا حكمنا عليهم بذلك، كما قال: «ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَ لا سائِبَةٍ» و الجعل على أربعة أقسام: أحدها بمعنى الاحداث، كقوله: «وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ» الثاني بمعنى قلبه من حال إلى حال، كجعل النطفة علقة. الثالث بمعنى الحكم أنّه على صفة. الرابع بمعنى اعتقد أنّه على حال، كقولهم: جعل فلان فلانا راكبا إذا اعتقد فيه ذلك اه.

(2) الشورى: 52.

187

و قال في قوله تعالى‏ وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها أي بأن نفعل أمرا من الأمور يلجئهم إلى الإقرار بالتوحيد و لكن ذلك يبطل الغرض بالتكليف قال الجبائي و يجوز أن يكون المراد به و لو شئنا لأجبناهم إلى ما سألوا من الرد إلى دار التكليف ليعملوا بالطاعات‏ وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي‏ أن أجازيهم بالعقاب و لا أردهم و قيل معناه و لو شئنا لهديناهم إلى الجنة وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي‏ أي الخير و الوعيد لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ‏ أي من كلا الصنفين بكفرهم.

و قال في قوله تعالى‏ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ أي ينفع بالإسماع من يشاء أي يلطف له و يوفقه‏ وَ ما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ أي إنك لا تقدر على أن تنفع الكفار بإسماعك إياهم إذ لم يقبلوا كما لا يسمع من في القبور من الأموات.

و قال في قوله تعالى‏ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى‏ أَكْثَرِهِمْ‏ أي وجب الوعيد و استحقاق العقاب عليهم‏ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ‏ و يموتون على كفرهم و قد سبق ذلك في علم الله و قيل تقديره لقد سبق القول على أكثرهم أنهم لا يؤمنون و ذلك أنه سبحانه أخبر ملائكته أنهم لا يؤمنون فحق قوله عليهم‏ إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ‏ يعني أيديهم كنى عنها و إن لم يذكرها لأن الأعناق و الأغلال يدلان عليهما و اختلف في معنى الآية على وجوه أحدها أنه سبحانه إنما ذكره ضربا للمثل و تقديره مثل هؤلاء المشركين في إعراضهم عما تدعوهم إليه كمثل رجل غلت يداه إلى عنقه لا يمكنه أن يبسطهما إلى خير و رجل طامح برأسه لا يبصر موطئي قدميه.

و ثانيها أن المعنى كان هذا القرآن أغلالا في أعناقهم يمنعهم عن الخضوع لاستماعه و تدبره لثقله عليهم و ذلك أنهم لما استكبروا عنه و أنفوا من اتباعه و كان المستكبر رافعا رأسه لاويا عنقه شامخا بأنفه لا ينظر إلى الأرض صاروا كأنما غلت أيديهم إلى أعناقهم و إنما أضاف ذلك إلى نفسه لأن عند تلاوة القرآن عليهم و دعوته إياهم صاروا بهذه الصفة.

و ثالثها أن المعني بذلك أناس من قريش هموا بقتل النبي(ص)فغلت أيديهم إلى أعناقهم فلم يستطيعوا أن يبسطوا إليه أبدا.

188

و رابعها أن المراد به وصف حالهم يوم القيامة فهو مثل قوله‏ إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ‏ فَهُمْ مُقْمَحُونَ‏ أراد أن أيديهم لما غلت إلى أعناقهم و رفعت الأغلال أذقانهم و رءوسهم صعدا فهم مرفوع الرأس برفع الأغلال إياها و المقمح الغاض بصره بعد رفع رأسه‏ وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ‏ (1) هذا على أحد الوجهين تشبيه لهم بمن هذه صفته في إعراضهم عن الإيمان و قبول الحق و ذلك عبارة عن خذلان الله إياهم لما كفروا فكأنه قال و تركناهم مخذولين فصار ذلك‏

____________

(1) قال الرضى (رحمه الله ): و هاتان استعارتان، و من أوضح الأدلة على ذلك أن الكلام كله في أوصاف القوم المذمومين، و هم في أحوال الدنيا دون الآخرة، ألا ترى قوله تعالى بعد ذلك: «سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» و إذا كان الكلام محمولا على أحوال الدنيا دون الآخرة و قد علمنا أن هؤلاء القوم الذين ذهب الكلام اليهم كان الناس يشاهدونهم غير مقمحين بالاغلال و لا مضروبا عليهم بالاسداد علمنا أن الكلام خرج مخرج قوله سبحانه: «خَتَمَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ» الخ فكان ذلك وصف لما كان عليه الكفّار عند سماع القرآن من تنكيس الأذقان ولى الاعناق ذهابا عن الرشد، و استكبارا عن الانقياد للحق، و ضيق صدورهم بما يرد عليهم من صوادع البيان و قوارع القرآن؛ و قد اختلف في معنى الاقماح فقال قوم: هو غض الابصار و استشهدوا بقول بشر بن أبي حازم في ذكر السقيفة:

و نحن على جوانبها قعود* * * نغض الطرف كالابل القماح‏

. و قال قوم: المقمح الرافع رأسه صعدا فكان هؤلاء المذمومين شبهوا على المبالغة في وصف تكارههم للايمان، و تضايق صدورهم لسماع القرآن بقوم عوقبوا فجذبت أعناقهم بالاغلال إلى صدورهم مضمومة إليها أيمانهم ثمّ رفعت ليكون ذلك أشدّ لإيلامهم و أبلغ في عذابهم. و قيل: إن المقمح: الغاض بصره بعد رفع رأسه، فكانه جامع بين الصفتين جميعا. و قيل: إن قوله تعالى: «فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ» يعنى به أيمانهم المجموعة بالاغلال الى أعناقهم، فاكتفى بذكر الاعناق من الايمان، لان الاغلال تجمع بين الايمان و الاعناق، و كذلك معنى السد المجعول بين أيديهم و من خلفهم انما هو تشبيه بمن قصر خطوه، و اخذت عليه طرقه، و لما كان ما يصيبهم من هذه المشاق المذكورة و الأحوال المذمومة انما هو عقيب تلاوة القرآن عليهم، و نفث قوارعه في أسماعهم حسن أن يضيف سبحانه الى نفسه فيقول:

انا جعلناهم على تلك الصفات. و قد قرئ سدا بالفتح و سدا بالضم، و قيل: إن السد بالفتح ما يصنعه الناس، و بالضم: ما يصنعه اللّه تعالى. و قال بعضهم: المراد بذكر السد هاهنا الاخبار عن خذلان اللّه اياهم و تركه نصرهم و معونتهم، كما تقول العرب في صفة الضال المتحير: فلان لا ينفذ في طريق يسلكه، و لا يعلم أمامه أم وراءه خير له. و أمّا قوله سبحانه: «فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ» فهو أيضا في معنى الختم و الطبع، و واقع على الوجه الذي يقعان عليه، و قد تقدم ايماؤنا إليه.

189

من بين أيديهم سدا و من خلفهم سدا و إذا قلنا إنه وصف حالهم في الآخرة فالكلام على حقيقته و يكون عبارة عن ضيق المكان في النار بحيث لا يجدون متقدما و لا متأخرا إذ سد عليهم جوانبهم و إذا حملنا على صفة القوم الذين هموا بقتل النبي(ص)فالمراد جعلنا بين أيدي أولئك الكفار منعا و من خلفهم منعا حتى لم يبصروا النبي(ص)و قوله‏ فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ‏ أي أغشيناهم أبصارهم فهم لا يبصرون النبي(ص)و قيل أي فأعميناهم فهم لا يبصرون الهدى و قيل فأغشيناهم بالعذاب فهم لا يبصرون في النار و قيل معناه أنهم لما انصرفوا عن الإيمان و القرآن لزمهم ذلك حتى لا يكادوا يتخلصون منه بوجه كالمغلول و المسدود عليه طرقه.

و قال في قوله تعالى‏ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ‏ أي عن طريق الجنة فَما لَهُ مِنْ هادٍ أي لا يقدر على هدايته أحد و قيل من ضل عن الله و رحمته فلا هادي له يقال أضللت بعيري إذا ضل و قيل معناه من يضلله عن زيادة الهدى و الألطاف لأن الكافر لا لطف له.

و قال في قوله تعالى‏ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ‏ أي كراهة أن تقول لو أراد الله هدايتي لكنت ممن يتقي معاصيه و قيل إنهم لما لم ينظروا في الأدلة و اشتغلوا بالدنيا توهموا أن الله لم يهدهم فرد الله عليهم بقوله‏ بَلى‏ قَدْ جاءَتْكَ آياتِي‏ الآية و قال الزمخشري‏ وَ قَيَّضْنا لَهُمْ‏ و قدرنا لهم يعني لمشركي مكة قُرَناءَ أخدانا (1) من الشياطين من جمع قرين كقوله‏ وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ‏ (2) فإن قلت كيف جاز أن يقيض لهم القرناء من الشياطين و هو ينهاهم عن اتباع خطواتهم قلت معناه أنه خذلهم و منعهم التوفيق لتصميمهم على الكفر فلم يبق لهم قرناء سوى الشياطين و الدليل عليه و من يعش نقيض.

ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ‏ ما تقدم من أعمالهم و ما هم عازمون عليها أو ما بين أيديهم‏

____________

(1) جمع الخدن بكسر الخاء و سكون الدال: الحبيب و الصاحب.

(2) الزخرف: 36.

190

من أمر الدنيا و اتباع الشهوات و ما خلفهم من أمر العاقبة و أن لا بعث و لا حساب‏ وَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ‏ يعني كلمة العذاب‏ فِي أُمَمٍ‏ في جملة أمم‏ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ‏ تعليل لاستحقاقهم العذاب.

و قال الطبرسي (رحمه الله ) في قوله‏ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا معناه أن الوجه في اختلاف الرزق بين العباد في الضيق و السعة زيادة على ما فيه من المصلحة أن في ذلك تسخيرا من بعض العباد لبعض بإحواجهم إليه يستخدم بعضهم بعضا فينتفع أحدهم بعمل الآخر له فينتظم بذلك قوام أمر العالم و قيل معناه ليملك بعضهم بعضا بما لهم فيتخذونهم عبيدا و مماليك.

و قال في قوله تعالى‏ وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ‏ أي يعرض عنه‏ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً أي نخلي بينه و بين الشيطان الذي يغويه فيصير قرينه عوضا عن ذكر الله و قيل معناه نقرن به شيطانا في الآخرة يلزمه فيذهب به إلى النار كما أن المؤمن يقرن به ملك فلا يفارقه حتى يصير به إلى الجنة.

و قال السيد المرتضى رضي الله عنه فيما مر في سورة الأعراف من قوله تعالى‏ سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ‏ الآية فيه وجوه أولها أن يكون تعالى عنى بذلك صرفهم عن ثواب الله النظر في الآيات و عن العز و الكرامة اللذين يستحقهما من أدى الواجب عليه في آيات الله تعالى و أدلته و تمسك بها و الآيات على هذا التأويل يحتمل أن تكون سائر الأدلة و يحتمل أن تكون معجزات الأنبياء(ع)خاصة و هذا التأويل يطابقه الظاهر لأنه تعالى قال‏ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ كانُوا عَنْها غافِلِينَ‏ فبين أن صرفهم من الآيات يستحق بتكذيبهم و لا يليق ذلك إلا بما ذكرناه.

و ثانيها أن يصرفهم عن زيادة المعجزات التي يظهرها على الأنبياء بعد قيام الحجة بما تقدم من آياتهم و معجزاتهم لأنه تعالى إنما يظهر هذا الضرب من المعجزات إذا علم أنه يؤمن عنده من لم يؤمن بما تقدم من الآيات فإذا علم خلاف ذلك لم يظهرها و صرف الذين علم من حالهم أنهم لا يؤمنون بها عنها و يكون الصرف على أحد وجهين إما بأن لا يظهرها جملة أو بأن يصرفهم عن مشاهدتها و يظهرها بحيث ينتفع بها غيرهم.

191

و ثالثها أن يكون معنى‏ سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ‏ أي لا أوتيها من هذه صفته و إذا صرفهم عنها فقد صرفها عنهم و كلا اللفظين يفيد معنى واحدا.

و رابعها أن يكون المراد بالآيات العلامات التي يجعلها الله في قلوب المؤمنين ليدل بها الملائكة على الفرق بين المؤمن و الكافر فيفعلوا بكل واحد منها ما يستحقه من التعظيم أو الاستخفاف كما تأول أهل الحق الطبع و الختم اللذين ورد بهما القرآن على أن المراد بهما العلامة المميزة بين الكافر و المؤمن و يكون معنى سأصرفهم عنها أي أعدل بهم عنها و أخص بها المؤمنين المصدقين بآياتي و أنبيائي.

و خامسها أن يريد تعالى أني أصرف من رام المنع من أداء آياتي و تبليغها لأن من الواجب على الله أن يحول بين من رام ذلك و بينه و لا يمكن منه لأنه ينقض الغرض في البعثة.

و سادسها أن يكون الصرف هنا الحكم و التسمية و الشهادة و معلوم أن من شهد على غيره بالانصراف عن شي‏ء جاز أن يقال له صرفه عنه كما يقال له صرفه عنه كما يقال أكفره و كذبه و فسقه.

و سابعها أنه تعالى لما علم أن الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق سينصرفون عن النظر في آياته و الإيمان بها إذا أظهرها على أيدي رسله جاز أن يقول سأصرف عن آياتي فيريد سأظهر ما ينصرفون بسوء اختيارهم عنه و يجري ذلك مجرى قولهم سأبخل فلانا أي أسأله ما يبخل ببذله و الآيات إما المعجزات أو جمع الأدلة.

و ثامنها أن يكون الصرف هاهنا المنع من إبطال الآيات و الحجج و القدح فيها بما يخرجها عن أن تكون أدلة و حججا فيكون تقدير الكلام إني بما أؤيده من حججي و أحكمه من آياتي و بيناتي سأصرف المبطلين و المكذبين عن القدح في الآيات و الدلالات.

و تاسعها أن الله عز و جل لما وعد موسى(ع)و أمته لهلاك عدوهم قال‏ سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ‏ فأراد عز و جل أنه يهلكهم و يصطلمهم و يحتاجهم على طريق العقوبة لهم بما قد كان منهم من التكذيب بآيات الله‏

192

تعالى و الرد لحججه و هو تعالى إذا أهلك هؤلاء الجبارين فقد صرفهم عن آياته من حيث اقتطعهم عن مشاهدتها و النظر فيها.

و في قوله تعالى‏ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ‏ وجهان أحدهما أن يكون ذلك على سبيل التأكيد و التغليظ و البيان عن أن التكبر لا يكون إلا بغير الحق.

و الثاني أن في التكبر ما يكون ممدوحا لأن من تكبر و تنزه عن الفواحش و تباعد عن فعلها و تجنب أهلها يكون مستحقا للمدح و إنما التكبر المذموم هو الواقع على وجه النخوة و البغي و الاستطالة على ذوي الضعف و الفخر عليهم و المباهاة لهم.

ثم المراد بالغفلة في الآية التشبيه لا الحقيقة و وجه التشبيه أنهم لما أعرضوا عن تأمل آيات الله تعالى و الانتفاع بها اشتبهت حالهم حال من كان ساهيا غافلا عنها كما قال تعالى‏ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ‏ على هذا المعنى انتهى ملخص كلامه (رحمه الله ) و قد بسط الكلام فيها بما لا مزيد عليه.

و قال رضي الله عنه في قوله تعالى‏ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ أما النور و الظلمة المذكوران في الآية فجائز أن يكون المراد بهما الإيمان و الكفر و جائز أيضا أن يراد بهما الجنة و النار و الثواب و العقاب و قد تصح الكناية عن الثواب و النعيم في الجنة بأنه نور و عن العقاب في النار بأنه ظلمة و إذا كان المراد بهما الجنة و النار ساغ إضافة إخراجهم من الظلمات إلى النور إليه تعالى لأنه لا شبهة في أنه جل و عز هو المدخل للمؤمن الجنة و العادل به عن طريق النار و الظاهر بما ذكرناه أشبه لأنه يقتضي أن المؤمن الذي ثبت كونه مؤمنا يخرج من الظلمة إلى النور فلو حمل على الإيمان و الكفر لتناقض المعنى و لصار تقدير الكلام أنه يخرج المؤمن الذي تقدم كونه مؤمنا من الكفر إلى الإيمان و ذلك لا يصح على أنا لو حملنا الكلام على الإيمان و الكفر لصح و لم يكن مقتضيا لما توهموه و يكون وجه إضافة الإخراج إليه و إن لم يكن الإيمان من فعله من حيث دل و بين و أرشد و لطف و سهل و قد علمنا أنه لو لا هذه الأمور لم يخرج المكلف من الكفر إلى الإيمان فتصح إضافة الإخراج إليه لكون ما عددناه من جهته و على هذا يصح من أحدنا إذا أشار على غيره‏

193

بدخول بلد من البلدان و رغبة في ذلك و عرفه ما فيه من الصلاح أو بمجانبة فعل من الأفعال أن يقول أنا أدخلت فلانا البلد الفلاني و أنا أخرجته من كذا و كذا أ لا ترى أنه تعالى قد أضاف إخراجهم من النور إلى الظلمات إلى الطواغيت و إن لم يدل ذلك على أن الطاغوت هو الفاعل للكفر للكفار بل وجه الإضافة ما تقدم لأن الشياطين يغوون و يدعون إلى الكفر و يزينون فعله فكيف اقتضت الإضافة الأولى أن الإيمان من فعل الله في المؤمن و لم تقتض الإضافة الثانية أن الكفر من فعل الشياطين في الكفار لو لا بله المخالفين و غفلتهم و بعد فلو كان الأمر على ما ظنوه لما صار الله وليا للمؤمنين و ناصرا لهم على ما اقتضته الآية و الإيمان من فعله لا من فعلهم و لما كان خاذلا للكفار و مضيفا لولايتهم إلى الطاغوت و الكفر من فعله بهم و لم فصل بين الكافر و المؤمن في باب الولاية و هو المتولي لفعل الأمرين فيهما و مثل هذا لا يذهب على أحد و لا يعرض عنه إلا معاند مغالط لنفسه.

و قال رضي الله عنه في قوله تعالى‏ رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا فيه وجوه أولها أن يكون المراد بالآية ربنا لا تشدد علينا المحنة في التكليف و لا تشق علينا فيه فيفضي بنا إلى ضيق قلوبنا بعد الهداية و ليس يمتنع أن يضيفوا ما يقع من زيغ قلوبهم عند تشديده تعالى المحنة عليهم إليه كما قال تعالى في السورة أنها فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ‏ (1) فإن قيل كيف يشدد المحنة عليهم قلنا بأن يقوي شهواتهم لما في عقولهم‏ (2) و نفورهم عن الواجب عليهم فيكون التكليف عليهم بذلك شاقا و الثواب المستحق عليهم عظيما متضاعفا و إنما يحسن أن يجعله شاقا تعريضا لهذه المنزلة.

و ثانيها أن يكون ذلك دعاء بالتثبيت على الهداية و إمدادهم بالألطاف التي معها يستمرون على الإيمان.

فإن قيل و كيف يكون مزيغا لقلوبهم بأن لا يفعل اللطف قلنا من حيث كان المعلوم أنه متى قطع إمدادهم بألطافه و توفيقاته زاغوا و انصرفوا عن الإيمان و يجري‏

____________

(1) التوبة: 125.

(2) في الأمالي المطبوع هكذا: بأن يقوى شهواتهم لما قبحه في عقولهم.

194

هذا مجرى قولهم اللهم لا تسلط علينا من لا يرحمنا معناه لا تخل بيننا و بين من لا يرحمنا فيتسلط علينا فكأنهم قالوا لا تخل بيننا و بين نفوسنا و تمنعنا ألطافك فنزيغ و نضل.

و ثالثها ما ذكره الجبائي و هو أن المعنى لا تزغ قلوبنا عن ثوابك و رحمتك و معنى هذا السؤال أنهم سألوا الله أن يلطف لهم في فعل الإيمان حتى يقيموا عليه و لا يتركوه في مستقبل عمرهم فيستحقوا بترك الإيمان أن تزيغ قلوبهم عن الثواب و أن يفعل بهم بدلا منه العقاب.

و رابعها أن تكون الآية محمولة على الدعاء بأن لا يزيغ القلوب عن اليقين و الإيمان و لا يقتضي ذلك أنه تعالى سئل ما كان لا يحب أن يفعله و ما لو لا المسألة لجاز فعله لأنه غير ممتنع أن ندعوه على سبيل الانقطاع إليه و الافتقار إلى ما عنده بأن يفعل ما نعلم أنه لا بد من أن يفعله و بأن لا يفعل ما نعلم أنه واجب أن لا يفعله إذا تعلق بذلك ضرب من المصلحة كما قال تعالى حاكيا عن إبراهيم‏ وَ لا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (1) و كما قال تعالى في تعليمنا ما ندعو به‏ قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَ رَبُّنَا الرَّحْمنُ‏ (2) و كقوله تعالى‏ رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ‏ (3) و قال رضي الله عنه في قول نوح ع‏ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ‏ ليس في هذه الآية ما يقتضي خلاف مذهبنا لأنه تعالى لم يقل إنه فعل الغواية أو أرادها و إنما أخبر أن نصح النبي(ع)لا ينفع إن كان الله يريد غوايتهم و وقوع الإرادة لذلك أو جواز وقوعها لا دلالة عليهم في الظاهر على أن الغواية هاهنا الخيبة و حرمان الثواب و يشهد بصحة ما ذكرناه في هذه اللفظة قول الشاعر.

فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره.* * * و من يغو لا يعدم على الغي لائما.

فكأنه قال إن كان الله يريد أن يخيبكم و يعاقبكم بسوء عملكم و كفركم و يحرمكم ثوابه فليس ينفعكم نصحي ما دمتم مقيمين على ما أنتم عليه إلا أن تقلعوا و تتوبوا

____________

(1) الشعراء: 87.

(2) الأنبياء: 112.

(3) البقرة: 286.

195

و قد سمى الله تعالى العقاب غيا فقال‏ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (1) و ما قبل هذه الآية يشهد لما ذكرناه و أن القوم استعجلوا عقاب الله تعالى فقالوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي‏ الآية فأخبر أن نصحه لا ينفع من يريد الله أن ينزل به العذاب و لا يغني عنه شيئا.

و قال جعفر بن حرب إن الآية تتعلق بأنه كان في قوم نوح طائفة تقول بالجبر فنبههم الله تعالى بهذا القول على فساد مذاهبهم و قال لهم على طريق الإنكار عليهم و التعجب من قولهم إن كان القول كما تقولون من أن الله يفعل فيكم الكفر و الفساد فما ينفعكم نصحي فلا تطلبوا مني نصحا فأنتم على قولكم لا تنتفعون به و هذا جيد.

و روي عن الحسن في هذه الآية وجه صالح و هو أنه قال المعنى فيها إن كان الله يريد أن يعذبكم فليس ينفعكم نصحي عند نزول العذاب بكم و إن قبلتموه و آمنتم به لأن من حكم الله تعالى أن لا يقبل الإيمان عند نزول العذاب و كل هذا واضح في زوال الشبهة في الآية.

أقول إنما بسطنا الكلام فيما نقلناه عن الأفاضل الأعلام في تفسير تلك الآيات من كلام الملك العلام لتحيط خبرا بما ذكره أهل العدل فيها لدفع شبه المخالفين و سنتلو عليك ما ورد في تأويلها نقلا عن أئمة الدين صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين ما تتخلص به من شبه المبطلين.

1- كا، الكافي عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ وَ قَوْلِ النَّاسِ فَقَالَ وَ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ‏ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ النَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِي إِصَابَةِ الْقَوْلِ وَ كُلُّهُمْ هَالِكٌ قَالَ قُلْتُ قَوْلُهُ‏ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ‏ قَالَ هُمْ شِيعَتُنَا وَ لِرَحْمَةٍ خَلَقَهُمْ‏ (2) وَ هُوَ قَوْلُهُ‏ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ‏ يَقُولُ لِطَاعَةِ الْإِمَامِ.

____________

(1) مريم: 59.

(2) في المصدر: و لرحمته. م.

196

عد، العقائد اعتقادنا في الفطرة و الهداية أن الله عز و جل فطر جميع الخلق على التوحيد و ذلك قوله عز و جل‏ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها

2- وَ قَالَ الصَّادِقُ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ‏ قَالَ حَتَّى يُعَرِّفَهُمْ مَا يُرْضِيهِ وَ مَا يُسْخِطُهُ.

3 وَ قَالَ: فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها قَالَ بَيَّنَ لَهَا مَا تَأْتِي وَ مَا تَتْرُكُ‏ (1).

4 وَ قَالَ: (2) فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً قَالَ عَرَّفْنَاهُ إِمَّا آخِذاً وَ إِمَّا تَارِكاً.

5 وَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى‏ عَلَى الْهُدى‏ قَالَ وَ هُمْ يَعْرِفُونَ.

6 وَ سُئِلَ‏ (3) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ‏ قَالَ نَجْدَ الْخَيْرِ وَ نَجْدَ الشَّرِّ.

7- وَ قَالَ(ع)مَا حَجَبَ اللَّهُ عِلْمَهُ عَنِ الْعِبَادِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ عَنْهُمْ.

8- وَ قَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ احْتَجَّ عَلَى النَّاسِ بِمَا آتَاهُمْ وَ عَرَّفَهُمْ.

9 ما، الأمالي للشيخ الطوسي الْحُسَيْنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْقَزْوِينِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَهْبَانَ‏ (4) عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الزَّعْفَرَانِيِّ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ‏ قَالَ نَجْدَ الْخَيْرِ وَ الشَّرِّ (5).

____________

(1) في المصدر: و ما تترك من المعاصى. م.

(2) في المصدر: و قال تعالى: «إِنَّا هَدَيْناهُ» الآية. م.

(3) في المصدر: و سئل عن الصادق (عليه السلام). م.

(4) بفتح الواو و سكون الهاء، ترجمه النجاشيّ في(ص)282 من رجاله و قال: إنّه ثقة من أصحابنا، واضح الرواية، قليل التخليط، له كتب إه.

(5) النجد: المكان الغليظ الرفيع، و قوله: «هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ» مثل لطريقى الحق و الباطل في الاعتقاد، و الصدق و الكذب في المقال، و الجميل و القبيل في الفعال، قاله الراغب في المفردات.

197

10- نهج، نهج البلاغة قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَرَفْتُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِفَسْخِ الْعَزَائِمِ وَ حَلِّ الْعُقُودِ (1).

11- فس، تفسير القمي فِي رِوَايَةِ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فِي قَوْلِهِ تَعَالَى‏ قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَ أَبْصارَكُمْ وَ خَتَمَ عَلى‏ قُلُوبِكُمْ‏ يَقُولُ أَخَذَ اللَّهُ مِنْكُمُ الْهُدَى‏ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ‏

12- فس، تفسير القمي فِي رِوَايَةِ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فِي قَوْلِهِ‏ وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ‏ يَقُولُ وَ نَنْكُسُ قُلُوبَهُمْ فَيَكُونُ أَسْفَلُ قُلُوبِهِمْ أَعْلَاهَا وَ نُعْمِي‏ (2) أَبْصَارَهُمْ فَلَا يُبْصِرُونَ الْهُدَى.

13- فس، تفسير القمي فِي رِوَايَةِ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فِي قَوْلِهِ‏ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها يَقُولُ‏ (3) طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا فَلَا تَعْقِلُ‏ وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ‏ عَلَيْهَا غِطَاءٌ عَنِ الْهُدَى‏ لا يُبْصِرُونَ بِها وَ لَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها جَعَلَ فِي آذَانِهِمْ وَقْراً فَلَمْ يَسْمَعُوا الْهُدَى.

14- فس، تفسير القمي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فِي قَوْلِهِ‏ وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَ بُكْمٌ‏ يَقُولُ صُمٌّ عَنِ الْهُدَى وَ بُكْمٌ لَا يَتَكَلَّمُونَ بِخَيْرٍ فِي الظُّلُماتِ‏ يَعْنِي ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَ مَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ وَ هُوَ رَدٌّ عَلَى قَدَرِيَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَحْشُرُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الصَّابِئِينَ وَ النَّصَارَى وَ الْمَجُوسِ فَيَقُولُونَ‏ وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ‏ يَقُولُ اللَّهُ‏ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ‏ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَلَا إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوساً وَ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا قَدَرَ وَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْمَشِيَّةَ وَ الْقُدْرَةَ إِلَيْهِمْ وَ لَهُمْ.

____________

(1) العزائم جمع العزيمة: الإرادة المؤكدة. و فسخها نقضها. و العقود جمع العقد بمعنى النية تنعقد على فعل أمر، و بهذا النقض و الحل يعرف أن هناك قدرة سامية قاهرة فوق إرادة البشر و مشيئته تحول بين الإنسان و إرادته، و هي قدرة اللّه تعالى، و لو لا هالكان الإنسان أمضى ما عزم، و فعل ما عقد.

(2) في المصدر: و يعمى ابصارهم. م.

(3) في المصدر: اي طبع اللّه. م.

198

15- فس، تفسير القمي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (صلوات الله عليه) وَ أَنَا عِنْدَهُ فَقَالَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ‏ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ وَ يَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏ وَ قَوْلُهُ‏ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ‏ فَقَالَ نَعَمْ لَيْسَ لِلَّهِ فِي عِبَادِهِ أَمْرٌ إِلَّا الْعَدْلُ وَ الْإِحْسَانُ فَالدُّعَاءُ مِنَ اللَّهِ عَامٌّ وَ الْهُدَى خَاصٌّ مِثْلُ قَوْلِهِ‏ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ وَ لَمْ يَقُلْ وَ يَهْدِي جَمِيعَ مَنْ دَعَاهُ‏ (1) إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.

16- لي، الأمالي للصدوق أَبِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ عَنْ حَمْدَانَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ نُوحِ بْنِ شُعَيْبٍ عَنِ ابْنِ بَزِيعٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)قَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ وَ كُلُّكُمْ فَقِيرٌ إِلَّا مَنْ أَغْنَيْتُهُ وَ كُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إِلَّا مَنْ عَصَمْتُهُ.

17- ب، قرب الإسناد ابْنُ سَعْدٍ (2) عَنِ الْأَزْدِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْراً أَخَذَ بِعُنُقِهِ فَأَدْخَلَهُ‏ (3) فِي هَذَا الْأَمْرِ إِدْخَالًا.

18- ب، قرب الإسناد الْيَقْطِينِيُّ عَنْ نُبَاتَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ‏ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْراً وَكَّلَ بِهِ مَلَكاً فَأَخَذَ بِعَضُدِهِ فَأَدْخَلَهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ.

19- ب، قرب الإسناد هَارُونُ عَنِ ابْنِ صَدَقَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: كُونُوا دُعَاةَ النَّاسِ بِأَعْمَالِكُمْ وَ لَا تَكُونُوا دُعَاةً بِأَلْسِنَتِكُمْ فَإِنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ حَيْثُ يَذْهَبُ إِلَيْهِ النَّاسُ إِنَّهُ مَنْ أَخَذَ مِيثَاقَهُ أَنَّهُ مِنَّا فَلَيْسَ بِخَارِجٍ مِنَّا وَ لَوْ ضَرَبْنَا خَيْشُومَهُ بِالسَّيْفِ وَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنَّا ثُمَّ حَبَوْنَا (4) لَهُ الدُّنْيَا لَمْ يُحِبَّنَا.

____________

(1) في المصدر: جميع من دعا. م.

(2) لم نجد الحديث في المصدر بهذا السند، و فيه: عنه، عن بكر بن محمّد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام). م.

(3) في نسخة من المصدر: فيدخله. م.

(4) الحبوة: العطية.

199

بيان قوله(ع)ليس حيث يذهب إليه الناس أي أنهم يقدرون على هداية الناس بالاحتجاج عليهم و لعل المقصود في تلك الأخبار زجر الشيعة عن المعارضات و المجادلات مع المخالفين بحيث يتضررون بها فإنهم كانوا يبالغون في ذلك ظنا منهم أنهم يقدرون بذلك على هداية الخلق و ليس الغرض منع الناس عن هداية الخلق في مقام يظنون النفع و لم يكن مظنة ضرر فإن ذلك من أعظم الواجبات.

20- ب، قرب الإسناد أَحْمَدُ عَنِ الْبَزَنْطِيِّ قَالَ: قُلْتُ لَهُ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى‏ إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى‏ قَالَ اللَّهُ‏ (1) يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ فَقُلْتُ لَهُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ إِنَّ قَوْماً مِنْ أَصْحَابِنَا يَزْعُمُونَ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ مُكْتَسَبَةٌ وَ أَنَّهُمْ إِذَا نَظَرُوا مِنْهُ‏ (2) وَجْهَ النَّظَرِ أَدْرَكُوا فَأَنْكَرَ(ع)ذَلِكَ وَ قَالَ فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكْتَسِبُونَ الْخَيْرَ لِأَنْفُسِهِمْ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا وَ هُوَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ خَيْراً مِمَّنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ هَؤُلَاءِ بَنِي هَاشِمٍ مَوْضِعُهُمْ مَوْضِعُهُمْ وَ قَرَابَتُهُمْ قَرَابَتُهُمْ وَ هُمْ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكُمْ أَ فَتَرَوْنَ‏ (3) أَنَّهُمْ لَا يَنْظُرُونَ لِأَنْفُسِهِمْ وَ قَدْ عَرَفْتُمْ وَ لَمْ يَعْرِفُوا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)لَوِ اسْتَطَاعَ النَّاسُ لَأَحَبُّونَا.

21- يد، التوحيد مع، معاني الأخبار الْوَرَّاقُ وَ السِّنَانِيُ‏ (4) عَنِ ابْنِ زَكَرِيَّا الْقَطَّانِ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ بُهْلُولٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْبَصْرِيِّ عَنِ الْهَاشِمِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يُضِلُّ الظَّالِمِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ دَارِ كَرَامَتِهِ وَ يَهْدِي أَهْلَ الْإِيمَانِ وَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ إِلَى جَنَّتِهِ كَمَا قَالَ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ وَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ‏ قَالَ فَقُلْتُ فَقَوْلُهُ‏ وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ‏ وَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي‏

____________



(1) في المصدر: فقلت له قول اللّه تبارك و تعالى: «إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى‏» قال: ان اللّه. م.

(2) في المصدر: إذا نظروا من وجه النظر. م.

(3) في المصدر: افترى. م.

(4) في التوحيد و المعاني: الوراق و السنانى و الدقاق قالوا: حدّثنا القطان. م.

200

يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ‏ فَقَالَ إِذَا فَعَلَ الْعَبْدُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ مِنَ الطَّاعَةِ كَانَ فِعْلُهُ وِفْقاً لِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ سُمِّيَ الْعَبْدُ بِهِ مُوَفَّقاً وَ إِذَا أَرَادَ الْعَبْدُ أَنْ يَدْخُلَ فِي شَيْ‏ءٍ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ فَحَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بَيْنَهُ وَ بَيْنَ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ فَتَرَكَهَا كَانَ تَرْكُهُ لَهَا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى وَ مَتَى خُلِّيَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْمَعْصِيَةِ فَلَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وَ بَيْنَهَا حَتَّى يَرْتَكِبَهَا فَقَدْ خَذَلَهُ وَ لَمْ يَنْصُرْهُ وَ لَمْ يُوَفِّقْهُ.

22- يد، التوحيد مع، معاني الأخبار ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ابْنُ عُبْدُوسٍ عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ عَنْ حَمْدَانَ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرِّضَا(ع)(1) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ‏ قَالَ مَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ بِإِيمَانِهِ فِي الدُّنْيَا إِلَى جَنَّتِهِ وَ دَارِ كَرَامَتِهِ فِي الْآخِرَةِ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلتَّسْلِيمِ لِلَّهِ وَ الثِّقَةِ بِهِ وَ السُّكُونِ إِلَى مَا وَعَدَهُ مِنْ ثَوَابِهِ حَتَّى يَطْمَئِنَّ إِلَيْهِ‏ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ‏ عَنْ جَنَّتِهِ وَ دَارِ كَرَامَتِهِ فِي الْآخِرَةِ لِكُفْرِهِ بِهِ وَ عِصْيَانِهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً حَتَّى يَشُكَّ فِي كُفْرِهِ وَ يَضْطَرِبَ مِنِ اعْتِقَادِهِ قَلْبُهُ حَتَّى يَصِيرَ كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ‏.

ج، الإحتجاج مرسلا عنه(ع)مثله.

23- مع، معاني الأخبار أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً فَقَالَ قَدْ يَكُونُ ضَيِّقاً وَ لَهُ مَنْفَذٌ يَسْمَعُ مِنْهُ وَ يُبْصِرُ وَ الْحَرَجُ هُوَ الْمُلْتَامُ الَّذِي لَا مَنْفَذَ لَهُ يَسْمَعُ بِهِ وَ لَا يُبْصِرُ مِنْهُ.

24- م، تفسير الإمام (عليه السلام) ج، الإحتجاج بِالْإِسْنَادِ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ(ع)قَالَ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى‏ خَتَمَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ وَ عَلى‏ سَمْعِهِمْ وَ عَلى‏ أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ‏ أَيْ وَسَمَهَا بِسِمَةٍ (2) يَعْرِفُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ مَلَائِكَتِهِ إِذَا نَظَرُوا إِلَيْهَا بِأَنَّهُمُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ‏ وَ عَلى‏ سَمْعِهِمْ‏ كَذَلِكَ بِسِمَاتٍ‏ وَ عَلى‏ أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا أَعْرَضُوا عَنِ النَّظَرِ فِيمَا كُلِّفُوهُ وَ قَصَّرُوا فِيمَا

____________



(1) في التوحيد و المعاني: سألت ابا الحسن عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) بنيسابور. م.

(2) السمة كعدة: العلامة و أثر الكى، و الجمع سمات، اى جعل له علامة يعرف بها من يشاء.

201

أُرِيدَ مِنْهُمْ وَ جَهِلُوا مَا لَزِمَهُمُ الْإِيمَانُ بِهِ فَصَارُوا كَمَنْ عَلَى عَيْنَيْهِ غِطَاءٌ لَا يُبْصِرُ مَا أَمَامَهُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَتَعَالَى عَنِ الْبَعْثِ وَ الْفَسَادِ وَ عَنِ مُطَالَبَةِ الْعِبَادِ بِمَا مَنَعَهُمْ بِالْقَهْرِ مِنْهُ فَلَا يَأْمُرُهُمْ بِمُغَالَبَتِهِ وَ لَا بِالْمَصِيرِ إِلَى مَا قَدْ صَدَّهُمْ عَنْهُ بِالْقَسْرِ عَنْهُ‏ (1) ثُمَّ قَالَ‏ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ‏ يَعْنِي فِي الْآخِرَةِ الْعَذَابُ الْمُعَدُّ لِلْكَافِرِينَ وَ فِي الدُّنْيَا أَيْضاً لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَصْلِحَهُ بِمَا يَنْزِلُ بِهِ مِنْ عَذَابِ الِاسْتِصْلَاحِ لِيُنَبِّهَهُ لِطَاعَتِهِ وَ مِنْ عَذَابِ الِاصْطِلَامِ‏ (2) لِيُصَيِّرَهُ إِلَى عَدْلِهِ وَ حِكْمَتِهِ.

قال الطبرسي (رحمه الله ) و روى أبو محمد العسكري(ع)مثل ما قال هو في تأويل هذه الآية من المراد بالختم على قلوب الكفار عن الصادق(ع)بزيادة شرح لم نذكره مخافة التطويل لهذا الكتاب.

25 ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) تَمِيمٌ الْقُرَشِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ الْهَرَوِيِّ قَالَ قَالَ الرِّضَا(ع)فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ‏ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ تَحْرِيمِ الْإِيمَانِ عَلَيْهَا وَ لَكِنْ عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا مَا كَانَتْ لِتُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ إِذْنُهُ أَمْرُهُ لَهَا بِالْإِيمَانِ مَا كَانَتْ مُكَلَّفَةً مُتَعَبَّدَةً وَ إِلْجَاؤُهُ إِيَّاهَا إِلَى الْإِيمَانِ عِنْدَ زَوَالِ التَّكْلِيفِ وَ التَّعَبُّدِ عَنْهَا.

26- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) السِّنَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ الْأَسَدِيِّ عَنْ سَهْلٍ عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْحَسَنِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مَحْمُودٍ قَالَ: سَأَلْتُ الرِّضَا(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ خَتَمَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ وَ عَلى‏ سَمْعِهِمْ‏ قَالَ الْخَتْمُ هُوَ الطَّبْعُ عَلَى قُلُوبِ الْكُفَّارِ عُقُوبَةً عَلَى كُفْرِهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى‏ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا.

27- فس، تفسير القمي‏ قَوْلُهُ‏ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ‏ يَعْنِي الْحَسَنَاتِ وَ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْآيَةِ ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ‏ وَ قَدِ اشْتَبَهَ هَذَا عَلَى عِدَّةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَقَالُوا يَقُولُ اللَّهُ‏ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ إِنْ‏

____________



(1) في المصدر: الى ما قد صدهم بالقسر عنه. م.

(2) في المصدر: أو من عذاب الاصطلاح. م.

202

تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ‏ الْحَسَنَةُ وَ السَّيِّئَةُ ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْآيَةِ ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ‏ فَكَيْفَ هَذَا وَ مَا مَعْنَى الْقَوْلَيْنِ فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ مِنْ مَعْنَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعاً عَنِ الصَّادِقِينَ(ع)أَنَّهُمْ قَالُوا الْحَسَنَاتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى وَجْهَيْنِ وَ السَّيِّئَاتُ عَلَى وَجْهَيْنِ فَمِنَ الْحَسَنَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ الصِّحَّةُ وَ السَّلَامَةُ وَ الْأَمْنُ وَ السَّعَةُ فِي الرِّزْقِ وَ قَدْ سَمَّاهَا اللَّهُ حَسَنَاتٍ‏ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَعْنِي بِالسَّيِّئَةِ هَاهُنَا الْمَرَضَ وَ الْخَوْفَ وَ الْجُوعَ وَ الشِّدَّةَ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى‏ وَ مَنْ مَعَهُ‏ أَيْ يَتَشَاءَمُوا بِهِ وَ الْوَجْهُ الثَّانِي مِنَ الْحَسَنَاتِ يَعْنِي بِهِ أَفْعَالَ الْعِبَادِ وَ هُوَ قَوْلُهُ‏ مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَ مِثْلُهُ كَثِيرٌ وَ كَذَا السَّيِّئَاتُ عَلَى وَجْهَيْنِ فَمِنَ السَّيِّئَاتِ الْخَوْفُ وَ الْجُوعُ وَ الشِدَّةُ وَ هُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي قَوْلِهِ‏ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى‏ وَ مَنْ مَعَهُ‏ وَ عُقُوبَاتِ الذُّنُوبِ قَدْ سَمَّاهَا اللَّهُ السَّيِّئَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى‏ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها وَ الْوَجْهُ الثَّانِي مِنَ السَّيِّئَاتِ يَعْنِي بِهَا أَفْعَالَ الْعِبَادِ الَّذِينَ يُعَاقَبُونَ عَلَيْهَا وَ هُوَ قَوْلُهُ‏ وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ وَ قَوْلُهُ‏ ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ‏ يَعْنِي مَا عَمِلْتَ مِنْ ذُنُوبٍ فَعُوقِبْتَ عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ فَمِنْ نَفْسِكَ بِأَعْمَالِكَ لِأَنَّ السَّارِقَ يُقْطَعُ وَ الزَّانِي يُجْلَدُ وَ يُرْجَمُ وَ الْقَاتِلُ يُقْتَلُ فَقَدْ سَمَّى اللَّهُ الْعِلَلَ وَ الْخَوْفَ وَ الشِّدَّةَ وَ عُقُوبَاتِ الذُّنُوبِ كُلَّهَا سَيِّئَاتٍ فَقَالَ‏ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ‏ بِأَعْمَالِكَ قَوْلُهُ‏ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ‏ يَعْنِي الصِّحَّةَ وَ الْعَافِيَةَ وَ السَّعَةَ وَ السَّيِّئَاتِ الَّتِي هِيَ عُقُوبَاتُ الذُّنُوبِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.

بيان لا يخفى أن الظاهر في الآية الأولى من الحسنة النعمة كالخصب و الظفر و الأمن و الفرح و من السيئة القحط و الهزيمة و الجوع و الخوف و يحتمل بعيدا ما ذكره علي بن إبراهيم من عقوبات الذنوب و في الآية الثانية يحتمل أن يكون المراد بالحسنة الطاعة فإنها بتوفيقه تعالى و النعمة فإنها بأنواعها من فضله تعالى و بالسيئة الذنوب فإنها باختيارنا أو عقوباتها فإنها بسبب أفعالنا و لا ينافي ذلك كونها من الله إذ تقديرها و إلزامها و إيجابها من الله و فعل ما يوجبها منا و لعل كلام علي بن إبراهيم ناظر

203

إلى هذا أو البلايا و المصائب فإنها بسبب ذنوبنا التي نستحقها بها و لا ينافي أيضا كونها من عند الله إذ أعمالنا أسباب لإنزال الله تعالى إياها فالفاعل هو الله و نحن الأسباب و منا البواعث و يمكن حمل الآية أيضا على الطاعات و المعاصي إذ المعاصي صادرة منا بسلب توفيقه تعالى عنا فيجوز نسبتها إليه تعالى أيضا مجازا و إن كنا نحن بقبائح أعمالنا باعثين لسلب التوفيق أيضا و لعله إنما خص بعض الصور بالذكر لظهور البواقي.

28- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ ابْنِ أَبَانٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْفَرَّاءِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ وَ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَا عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَنَّ جَبْرَئِيلَ(ع)مِنْ قِبَلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَّا بِالتَّوْفِيقِ.

29- يد، التوحيد الْقَطَّانُ عَنِ السُّكَّرِيِّ عَنِ الْجَوْهَرِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ مَعْنَى لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فَقَالَ مَعْنَاهُ لَا حَوْلَ لَنَا عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ وَ لَا قُوَّةَ لَنَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ.

30- سن، المحاسن مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ السَّرَّاجِ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ ثَابِتٍ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَا ثَابِتُ مَا لَكُمْ وَ لِلنَّاسِ كُفُّوا عَنِ النَّاسِ وَ لَا تَدْعُوا أَحَداً إِلَى أَمْرِكُمْ فَوَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَ أَهْلَ الْأَرَضِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَهْدُوا عَبْداً يُرِيدُ اللَّهُ ضَلَالَتَهُ مَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَهْدُوهُ‏ (1) وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَ أَهْلَ الْأَرَضِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يُضِلُّوا عَبْداً يُرِيدُ اللَّهُ هُدَاهُ مَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يُضِلُّوهُ كُفُّوا عَنِ النَّاسِ وَ لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ أَخِي وَ ابْنُ عَمِّي وَ جَارِي فَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْراً طَيَّبَ رُوحَهُ فَلَا يَسْمَعُ مَعْرُوفاً إِلَّا عَرَفَهُ وَ لَا مُنْكَراً إِلَّا أَنْكَرَهُ ثُمَّ يَقْذِفُ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ كَلِمَةً يَجْمَعُ بِهَا أَمْرَهُ.

سن، المحاسن أبي عن عبد الله بن يحيى عن عبد الله بن مسكان عن ثابت‏ مثله.

31- سن، المحاسن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَا سُلَيْمَانُ إِنَّ لَكَ قَلْباً وَ مَسَامِعَ وَ إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَهْدِيَ عَبْداً

____________



(1) في نسخة: على أن يهدوه.

204

فَتَحَ مَسَامِعَ قَلْبِهِ وَ إِذَا أَرَادَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ خَتَمَ مَسَامِعَ قَلْبِهِ فَلَا يَصْلُحُ أَبَداً وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ أَمْ عَلى‏ قُلُوبٍ أَقْفالُها

32- سن، المحاسن الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَ فَضَالَةُ عَنْ كُلَيْبِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْأَسَدِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)مَا أَنْتُمْ وَ النَّاسَ إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْراً نَكَتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةً بَيْضَاءَ فَإِذَا هُوَ يَجُولُ لِذَلِكَ وَ يَطْلُبُهُ.

33- سن، المحاسن فَضَالَةُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ يَزِيدَ (1) عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْراً نَكَتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةً بَيْضَاءَ فَجَالَ الْقَلْبُ يَطْلُبُ الْحَقَّ ثُمَّ هُوَ إِلَى أَمْرِكُمْ أَسْرَعُ مِنَ الطَّيْرِ إِلَى وَكْرِهِ‏ (2).

34- سن، المحاسن أَبِي عَنْ فَضَالَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ خَيْثَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُعْفِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ‏ إِنَّ الْقَلْبَ يَنْقَلِبُ مِنْ لَدُنْ مَوْضِعِهِ إِلَى حَنْجَرَتِهِ مَا لَمْ يُصِبِ الْحَقَّ فَإِذَا أَصَابَ الْحَقَّ قَرَّ ثُمَّ ضَمَّ أَصَابِعَهُ وَ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً

شي، تفسير العياشي عن خيثمة مثله‏ (3).

35- سن، المحاسن حَمَّادُ بْنُ عِيسَى عَنْ رِبْعِيٍّ عَنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: لَا تَدْعُوا إِلَى هَذَا الْأَمْرِ فَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْراً أَخَذَ بِعُنُقِهِ فَأَدْخَلَهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ.

سن، المحاسن يحيى بن إبراهيم بن أبي البلاد عن أبيه عن جده عن أبي جعفر(ع)مثله.

36- سن، المحاسن النَّضْرُ عَنْ يَحْيَى الْحَلَبِيِّ عَنْ عِمْرَانَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْراً أَخَذَ بِعُنُقِهِ فَأَدْخَلَهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ.

____________

(1) الموجود في نسخ الكتاب و المحاسن المطبوع: القاسم بن يزيد: و الظاهر أنّه مصحف القاسم بن بريد.

(2) الوكر: عش الطائر و موضعه.

(3) بضم الخاء المعجمة و سكون الياء المثناة و فتح الثاء المثلثة، و الميم و الهاء.

205

سن، المحاسن علي بن إسماعيل الميثمي عن ربعي عن حذيفة بن منصور عن أبي عبد الله(ع)مثله- سن، المحاسن صفوان عن العلاء عن محمد عن أبي عبد الله(ع)مثله.

37- سن، المحاسن صَفْوَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ فُضَيْلٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)نَدْعُو النَّاسَ إِلَى هَذَا الْأَمْرِ فَقَالَ لَا يَا فُضَيْلُ إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْراً وَكَّلَ مَلَكاً (1) فَأَخَذَ بِعُنُقِهِ فَأَدْخَلَهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ طَائِعاً أَوْ كَارِهاً.

38- سن، المحاسن ابْنُ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ إِنِّي لَا أَسْأَلُكَ إِلَّا عَمَّا يَعْنِينِي‏ (2) إِنَّ لِي أَوْلَاداً قَدْ أَدْرَكُوا فَأَدْعُوهُمْ إِلَى شَيْ‏ءٍ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ فَقَالَ لَا إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا خَلَقَ عَلَوِيّاً أَوْ جَعْفَرِيّاً يَأْخُذُ اللَّهُ بِنَاصِيَتِهِ حَتَّى يُدْخِلَهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ.

39- سن، المحاسن صَفْوَانُ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ كَانَ أَبِي(ع)يَقُولُ‏ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْراً أَخَذَ بِعُنُقِهِ فَأَدْخَلَهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ قَالَ وَ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِهِ.

40- سن، المحاسن حَمَّادُ بْنُ عِيسَى عَنْ نُبَاتَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيِّ قَالَ: أَدْخَلَنِي مُيَسِّرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَ فِي الْبَيْتِ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا فَجَعَلَ مُيَسِّرٌ يَقُولُ جُعِلْتُ فِدَاكَ هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ كَذَا وَ كَذَا حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ فَقَالَ إِنَّ هَذَا لَيْسَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ أَحَدٌ يَعْرِفُ هَذَا الْأَمْرَ غَيْرُهُ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْراً وَكَّلَ بِهِ مَلَكاً فَأَخَذَ بِعَضُدِهِ فَأَدْخَلَهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ.

41- سن، المحاسن عَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى‏ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ‏ فَقَالَ يَحُولُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْبَاطِلَ حَقٌّ.

بيان أي يهديه إلى الحق.

____________

(1) في المصدر: امر ملكا م.

(2) أي إلّا عما يهمنى.

206

و قال السيد المرتضى رضي الله عنه في الغرر و الدرر فيه وجوه.

أولها أن يريد بذلك أنه تعالى يحول بين المرء و بين الانتفاع بقلبه بالموت و هذا حث منه عز و جل على الطاعات و المبادرة لها قبل الفوت.

و ثانيها أنه يحول بين المرء و قلبه بإزالة عقله و إبطال تميزه و إن كان حيا و قد يقال لمن فقد عقله و سلب تمييزه إنه بغير قلب قال تعالى‏ إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى‏ لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ‏ (1) و ثالثها أن يكون المعنى المبالغة في الإخبار عن قربه من عباده و علمه بما يبطنون و يخفون و أن الضمائر المكنونة له ظاهرة و الخفايا المستورة لعلمه بادية و يجري ذلك مجرى قوله تعالى‏ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (2) و نحن نعلم أنه تعالى لم يرد قرب المسافة بل المعنى الذي ذكرناه و إذا كان جل و عز هو أعلم بما في قلوبنا منا و كان ما نعلمه أيضا يجوز أن ننساه و نسهو عنه و نضل عن علمه و كل ذلك لا يجوز عليه جاز أن يقول إنه يحول بيننا و بين قلوبنا لأنه معلوم في الشاهد أن كل شي‏ء يحول بين شيئين فهو أقرب إليهما (3) و العرب تضع كثيرا لفظة القرب على غير معنى المسافة فيقول فلان أقرب إلى قلبي من فلان.

و رابعها ما أجاب به بعضهم من أن المؤمنين كانوا يفكرون في كثرة عدوهم و قلة عددهم فيدخل قلوبهم الخوف فأعلمهم تعالى أنه يحول بين المرء و قلبه بأن يبدله بالخوف الأمن و يبدل عدوهم بظنهم أنهم قادرون عليهم الجبن و الخور. (4)

و يمكن في الآية وجه خامس و هو أن يكون المراد أنه تعالى يحول بين المرء و بين ما يدعوه إليه قلبه من قبائح بالأمر و النهي و الوعد و الوعيد انتهى.

أقول يمكن أن تكون الحيلولة بالهدايات و الألطاف الخاصة زائدا على‏

____________

(1) ق: 37.

(2) ق: 16.

(3) في المصدر بعد ذلك: و لما أراد اللّه تعالى المبالغة في وصف القرب خاطبنا بما نعرف و نألف؛ و إن كان القرب الذي عناه جلت عظمته لم يرد به المسافة اه.

(4) الخور بالخاء و الواو المفتوحتين: الضعف.

207

الأمر و النهي و يحتمل أن يكون مخصوصا بالمقربين الذين يملك الله قلوبهم و يستولي عليها بلطفه و يتصرف فيها بأمره فلا يشاءون شيئا إلا أن يشاء الله و لا يريدون إلا ما أراد الله فهو تعالى في كل آن يفيض على أرواحهم و يتصرف في أبدانهم فهم ينظرون بنور الله و يبطشون بقوة الله كما قال تعالى فيهم فبي يسمع و بي يبصر و بي ينطق و بي يمشي و بي يبطش و قال جل و عز كنت سمعه و بصره و يده و رجله و لسانه و سيأتي مزيد تحقيق لذلك في كتاب المكارم و قد مر الكلام في الآية في باب العلم‏ (1).

42- شي، تفسير العياشي عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)لَبَسُوا عَلَيْهِمْ لَبَسَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ‏ وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ‏

43- شي، تفسير العياشي عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ‏ اجْعَلُوا أَمْرَكُمْ هَذَا لِلَّهِ وَ لَا تَجْعَلُوا لِلنَّاسِ فَإِنَّهُ مَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ لِلَّهِ وَ مَا كَانَ لِلنَّاسِ فَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ وَ لَا تُخَاصِمُوا النَّاسَ بِدِينِكُمْ فَإِنَّ الْخُصُومَةَ مَمْرَضَةٌ لِلْقَلْبِ إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ قَالَ‏ أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ‏ ذَرُوا النَّاسَ فَإِنَّ النَّاسَ أَخَذُوا مِنَ النَّاسِ وَ إِنَّكُمْ أَخَذْتُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ عَلِيٍّ وَ لَا سَوَاءٌ إِنِّي سَمِعْتُ أَبِي(ع)وَ هُوَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ إِذَا كَتَبَ إِلَى عَبْدٍ أَنْ يَدْخُلَ فِي هَذَا الْأَمْرِ كَانَ أَسْرَعَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّيْرِ إِلَى وَكْرِهِ.

44- شي، تفسير العياشي الْبَزَنْطِيُّ عَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ: قَالَ اللَّهُ فِي قَوْمِ نُوحٍ‏ وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ‏ قَالَ الْأَمْرُ إِلَى اللَّهِ يَهْدِي وَ يُضِلُّ.

45- شي، تفسير العياشي عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ‏ إِنَّ رَسُولَ‏

____________



(1) لا يخفى أن جميع ما ذكر من هذه الوجوه إنّما هو للفرار من نسبة فعل القبيح إليه تعالى فان الحيلولة و المكر و الامر بالمعصية و بالجملة كل ما هو إضلال بوجه قبيح من الحكيم فلا ينسب إليه تعالى؛ إلا أن ظاهر الكتاب أن جميع ذلك منه تعالى فيما نسب إليه من قبيل المجازاة على المعاصى قال تعالى: «وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ» و قال: «فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ» و لا يقبح الاضلال و كل ما يرجع إليه إذا كان بعنوان المجازاة كما لا يخفى. ط.

208

اللَّهِ(ص)كَانَ يَدْعُو أَصْحَابَهُ فَمَنْ أَرَادَ بِهِ خَيْراً سَمِعَ وَ عَرَفَ مَا يَدْعُوهُ إِلَيْهِ وَ مَنْ أَرَادَ بِهِ شَرّاً طَبَعَ عَلَى قَلْبِهِ فَلَا يَسْمَعُ وَ لَا يَعْقِلُ وَ هُوَ قَوْلُهُ‏ أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ وَ سَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ‏

46- شي، تفسير العياشي عَنْ حُمْرَانَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ‏ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها مُشَدَّدَةً مَنْصُوبَةً تَفْسِيرُهَا كَثَّرْنَا وَ قَالَ لَا قَرَأْتُهَا مُخَفَّفَةً.

بيان قال الفيروزآبادي أَمِرَ كفرح أَمَراً و أَمَرَةً كثُر و تمّ فهو آمر [أَمِرٌ و الأمْر اشتدّ و الرجل كثُرت ماشيتُه و أمّره [آمَرَهُ الله و أمره كنصره لغيّة كثّر ماشيتَهُ و نسلَهُ.

47- شي، تفسير العياشي عَنْ حُمْرَانَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ‏ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها قَالَ تَفْسِيرُهَا أَمَرْنَا أَكَابِرَهَا.

48 تَفْسِيرُ النُّعْمَانِيِّ، بِالْإِسْنَادِ الْآتِي فِي كِتَابِ الْقُرْآنِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ: الضَّلَالَةُ عَلَى وُجُوهٍ فَمِنْهُ مَحْمُودٌ وَ مِنْهُ مَذْمُومٌ وَ مِنْهُ مَا لَيْسَ بِمَحْمُودٍ وَ لَا مَذْمُومٍ وَ مِنْهُ ضَلَالُ النِّسْيَانِ فَأَمَّا الضَّلَالُ الْمَحْمُودُ وَ هُوَ الْمَنْسُوبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى كَقَوْلِهِ‏ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ هُوَ ضَلَالُهُمْ عَنْ طَرِيقِ الْجَنَّةِ بِفِعْلِهِمْ وَ الْمَذْمُومُ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى‏ وَ أَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُ‏ وَ أَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَ ما هَدى‏ وَ مِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ وَ أَمَّا الضَّلَالُ الْمَنْسُوبُ إِلَى الْأَصْنَامِ فَقَوْلُهُ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ‏ وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ‏ الْآيَةَ وَ الْأَصْنَامُ لَا يُضْلِلْنَ أَحَداً عَلَى الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا ضَلَّ النَّاسُ بِهَا وَ كَفَرُوا حِينَ عَبَدُوهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَمَّا الضَّلَالُ الَّذِي هُوَ النِّسْيَانُ فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى‏ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى‏ وَ قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الضَّلَالَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ فَمِنْهُمْ مَا نَسَبَهُ إِلَى نَبِيِّهِ عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ‏ وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى‏ مَعْنَاهُ وَجَدْنَاكَ فِي قَوْمٍ لَا يَعْرِفُونَ نُبُوَّتَكَ فَهَدَيْنَاهُمْ بِكَ وَ أَمَّا الضَّلَالُ الْمَنْسُوبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْهُدَى وَ الْهُدَى هُوَ الْبَيَانُ وَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ‏ أَ وَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ‏ مَعْنَاهُ أَ وَ لَمْ أُبَيِّنْ لَهُمْ مِثْلُ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ‏ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى‏ عَلَى الْهُدى‏ أَيْ بَيَّنَّا لَهُمْ وَ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى‏ وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ‏ وَ أَمَّا مَعْنَى الْهُدَى فَقَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ وَ مَعْنَى‏

209

الْهَادِي الْمُبَيِّنُ لِمَا جَاءَ بِهِ الْمُنْذِرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ قَدِ احْتَجَّ قَوْمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ عَلَى اللَّهِ‏ إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها وَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ‏ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ قَالَ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ‏ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً فَأَجَابَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ‏ إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها إِلَى قَوْلِهِ‏ يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ‏ فَهَذَا مَعْنَى الضَّلَالِ الْمَنْسُوبِ إِلَيْهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ أَقَامَ لَهُمُ الْإِمَامَ الْهَادِيَ لِمَا جَاءَ بِهِ الْمُنْذِرُ فَخَالَفُوهُ وَ صَرَفُوا عَنْهُ بَعْدَ أَنْ أَقَرُّوا بِفَرْضِ طَاعَتِهِ وَ لَمَّا بَيَّنَ لَهُمْ مَا يَأْخُذُونَ وَ مَا يَذَرُونَ فَخَالَفُوهُ ضَلُّوا هَذَا مَعَ عِلْمِهِمْ بِمَا قَالَهُ النَّبِيُّ(ص)وَ هُوَ قَوْلُهُ لَا تُصَلُّوا عَلَيَّ صَلَاةً مَبْتُورَةً (1) إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَيَّ بَلْ صَلُّوا عَلَى أَهْلِ بَيْتِي وَ لَا تَقْطَعُوهُمْ مِنِّي فَإِنَّ كُلَّ سَبَبٍ وَ نَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا سَبَبِي وَ نَسَبِي وَ لَمَّا خَالَفُوا اللَّهَ تَعَالَى ضَلُّوا فَأَضَلُّوا فَحَذَّرَ اللَّهُ تَعَالَى الْأُمَّةَ مِنِ اتِّبَاعِهِمْ فَقَالَ سُبْحَانَهُ‏ وَ لا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَ أَضَلُّوا كَثِيراً وَ ضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ‏ وَ السَّبِيلُ هَاهُنَا الْوَصِيُّ وَ قَالَ سُبْحَانَهُ‏ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ‏ الْآيَةَ فَخَالَفُوا مَا وَصَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَ اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ فَحَرَّفُوا دِينَ اللَّهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ وَ شَرَائِعَهُ وَ بَدَّلُوا فَرَائِضَهُ وَ أَحْكَامَهُ وَ جَمِيعَ مَا أُمِرُوا بِهِ كَمَا عَدَلُوا عَمَّنْ أُمِرُوا بِطَاعَتِهِ وَ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ بِمُوَالاتِهِ وَ اضْطَرَّهُمْ ذَلِكَ إِلَى اسْتِعْمَالِ الرَّأْيِ وَ الْقِيَاسِ فَزَادَهُمْ ذَلِكَ حَيْرَةً وَ الْتِبَاساً وَ مِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ‏ وَ لِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ فَكَأَنَّ تَرْكَهُمُ اتِّبَاعَ الدَّلِيلِ الَّذِي أَقَامَ لَهُمْ ضَلَالَةٌ لَهُمْ فَصَارَ ذَلِكَ كَأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ تَعَالَى لِمَا خَالَفُوا أَمْرَهُ فِي اتِّبَاعِ الْإِمَامِ ثُمَّ افْتَرَقُوا وَ اخْتَلَفُوا وَ لَعَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَ اسْتَحَلَّ بَعْضُهُمْ دِمَاءَ بَعْضٍ‏ فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ‏ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ‏

49- نهج، نهج البلاغة قَالَ(ع)وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِمْ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

____________



(1) أي ناقصة.

210

إِنَّا لَا نَمْلِكُ مَعَ اللَّهِ شَيْئاً وَ لَا نَمْلِكُ إِلَّا مَا مَلَّكَنَا فَمَتَى مَلَّكَنَا مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنَّا كَلَّفَنَا وَ مَتَى أَخَذَهُ مِنَّا وَضَعَ تَكْلِيفَهُ عَنَّا (1).

50 كَنْزُ الْكَرَاجُكِيِّ، قَالَ قَالَ الصَّادِقُ(ع)مَا كُلُّ مَنْ نَوَى شَيْئاً قَدَرَ عَلَيْهِ وَ لَا كُلُّ مَنْ قَدَرَ عَلَى شَيْ‏ءٍ وُفِّقَ لَهُ وَ لَا كُلُّ مَنْ وُفِّقَ لِشَيْ‏ءٍ أَصَابَ لَهُ فَإِذَا اجْتَمَعَتِ النِّيَّةُ وَ الْقُدْرَةُ وَ التَّوْفِيقُ وَ الْإِصَابَةُ فَهُنَالِكَ تَمَّتِ السَّعَادَةُ.

باب 8 التمحيص و الاستدراج و الابتلاء و الاختبار

الآيات آل عمران‏ وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى‏ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ‏ و قال تعالى‏ وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَ لِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَمْحَقَ الْكافِرِينَ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَ يَعْلَمَ الصَّابِرِينَ‏ و قال تعالى‏ وَ لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَ لِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ‏ و قال تعالى‏ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ‏ المائدة وَ حَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ الأنعام‏ وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ‏

____________

(1) حاصله أن اختيارنا و قوة تعاطينا الافعال و الأمور إنّما هو منه سبحانه، و ليس لنا في حد ذاتنا و هوياتنا أمر و اختيار دونه، فنحن المالكون لها بالعرض و هو المالك بالذات و الحقيقة، فيما أعطانا من القوّة على الافعال و الاعمال- و هي منه و اختيارها بيده و قبضته عليها أشدّ من قبضتنا عليها- كلفنا و أوجب علينا أشياء، و حرم أمورا، و متى أخذ هذه القوّة و المقدرة عنا وضع تكليفه أيضا عنا، فالمغزى أنّ لافعالنا إسنادا إليه تعالى بما أقدرنا عليها و أمكنه روعنا عنها و أخذ القوّة منا، كما أن لها أيضا إسنادا إلينا، بما أوجدناها و اخترنا فعلها على تركها، فليس أجبرنا على أعمالنا بحيث لم تصح إسنادها إلينا، و لا فوض أمرها إلينا بحيث لم تكن له مشيئة و أمر فيها.

211

الأعراف‏ وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ‏ الأنفال‏ وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً و قال تعالى‏ وَ اعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ التوبة أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لا رَسُولِهِ وَ لَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَ اللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ‏ و قال تعالى‏ أَ وَ لا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَ لا هُمْ يَذَّكَّرُونَ‏ هود لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا الكهف‏ إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا طه‏ وَ فَتَنَّاكَ فُتُوناً و قال تعالى‏ قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَ أَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُ‏ إلى قوله‏ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ‏ و قال تعالى‏ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ‏ الأنبياء وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ‏ و قال‏ وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ‏ الحج‏ لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ‏ الفرقان‏ وَ جَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَ كانَ رَبُّكَ بَصِيراً النمل‏ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ‏ العنكبوت‏ الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ‏ الأحزاب‏ هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَ زُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً الصافات‏ إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ‏ ص‏ وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَ أَلْقَيْنا عَلى‏ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ‏ الزمر فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى‏ عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏ المؤمن‏ فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ

212

الدخان‏ وَ لَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ‏ و قال تعالى‏ وَ آتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ‏ محمد وَ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَ لكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ‏ و قال تعالى‏ وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ الصَّابِرِينَ وَ نَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ‏ القمر إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ‏ الممتحنة رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا الملك‏ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا القلم‏ إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ‏ و قال تعالى‏ فَذَرْنِي وَ مَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ‏ الجن‏ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ‏ المدثر وَ ما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا الطارق‏ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَ أَكِيدُ كَيْداً تفسير قال الطبرسي (رحمه الله ) في قوله تعالى‏ وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا أي يعلمهم متميزين بالإيمان و إذا كان الله تعالى يعلمهم قبل إظهارهم الإيمان كما يعلمهم بعده فإنما يعلم قبل الإظهار أنهم سيتميزون فإذا أظهروه علمهم متميزين و يكون التغير حاصلا في المعلوم لا في العالم كما أن أحدنا يعلم الغد قبل مجيئه على معنى أنه سيجي‏ء فإذا جاء علمه جائيا و علمه يوما لا غدا و إذا انقضى فإنما يعلمه أمس لا يوما و لا غدا و يكون التغيير واقعا في المعلوم لا في العالم و قيل معناه و ليعلم أولياء الله و إنما أضاف إلى نفسه تفخيما و قيل معناه و ليظهر المعلوم من صبر من يصبر و جزع من يجزع و إيمان من يؤمن و قيل ليظهر المعلوم من النفاق و الإخلاص و معناه ليعلم الله المؤمن من المنافق فاستغنى بذكر أحدهما عن الآخر وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ أي ليكرم بالشهادة من قتل يوم أحد أو يتخذ منكم شهودا على الناس بما يكون منهم من العصيان و أصل التمحيص التخليص و المحق إفناء الشي‏ء حالا بعد حال أي ليبتلي الله الذين آمنوا و ليخلصهم‏

213

من الذنوب أو ينجيهم من الذنوب بالابتلاء و يهلك الكافرين بالذنوب عند الابتلاء و قال‏ وَ لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ‏ أي ليختبر ما فيها بأعمالكم لأنه قد علمه غيبا فيعلمه شهادة لأن المجازات إنما تقع على ما يعلمه مشاهدة و قيل معناه ليعاملكم معاملة المختبرين‏ وَ لِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ‏ أي ليكشفه و يميزه أو يخلصه من الوساوس و قال لتبلون أي لتوقع عليكم المحن و تلحقكم الشدائد في أموالكم بذهابها و نقصانها و في أنفسكم أيها المؤمنون بالقتل و المصائب.

و قال البيضاوي‏ أَمْ حَسِبْتُمْ‏ خطاب للمؤمنين حين كره بعضهم القتال أو المنافقين‏ أَنْ تُتْرَكُوا و لم يتبين الخلص منكم و هم الذين جاهدوا من غيرهم نفي العلم و إرادة نفي المعلوم للمبالغة فإنه كالبرهان عليه من حيث إن تعلق العلم به مستلزم لوقوعه‏ وَلِيجَةً بطانة يوالونهم و يفشون إليهم أسرارهم.

و قال في قوله تعالى‏ يُفْتَنُونَ‏ أي يبتلون بأصناف البليات أو بالجهاد مع رسول الله(ص)فيعاينون ما يظهر عليه من الآيات.

و قال الطبرسي (رحمه الله ) في قوله تعالى‏ وَ فَتَنَّاكَ فُتُوناً أي اختبرناك اختبارا و في قوله تعالى‏ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ‏ أي امتحناهم و شددنا عليهم التكليف بما حدث فيهم من أمر العجل فألزمناهم عند ذلك النظر ليعلموا أنه ليس بإله فأضاف الضلال إلى السامري و الفتنة إلى نفسه.

و في قوله تعالى‏ وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ أي نعاملكم معاملة المختبر بالفقر و الغنى و بالضراء و السراء و بالشدة و الرخاء.

وَ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مَرِضَ فَعَادَهُ إِخْوَانُهُ فَقَالَ كَيْفَ نَجِدُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ بِشَرٍّ قَالُوا مَا هَذَا كَلَامُ مِثْلِكَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ‏ وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً فَالْخَيْرُ الصِّحَّةُ وَ الْغِنَى وَ الشَّرُّ الْمَرَضُ وَ الْفَقْرُ.

فِتْنَةً أي ابتلاء و اختبارا و شدة تعبد.

و قال في قوله تعالى‏ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ‏ أي ما آذنتكم به اختبار لكم و شدة تكليف ليظهر صنيعكم و قيل هذه الدنيا فِتْنَةٌ لَكُمْ‏ و قيل تأخير العذاب محنة و

214

اختبار لكم لترجعوا عما أنتم عليه‏ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ‏ أي تتمتعون به إلى وقت انقضاء آجالكم.

و قال في قوله تعالى‏ وَ جَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أي امتحانا و ابتلاء و هو افتنان الفقير بالغني يقول لو شاء الله لجعلني مثله غنيا و الأعمى بالبصير و السقيم بالصحيح.

و قال في قوله تعالى‏ وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏ أي أ ظن الناس أن يقنع منهم بأن يقولوا إنا مؤمنون فقط و يقتصر منهم على هذا القدر و لا يمتحنون بما يتبين به حقيقة إيمانهم هذا لا يكون.

و قيل معنى يفتنون يبتلون في أنفسهم و أموالهم و هو المروي عن أبي عبد الله(ع)و يكون المعنى و لا يشدد عليهم التكليف و التعبد و لا يؤمرون و لا ينهون.

و قيل معناه و لا يصابون بشدائد الدنيا و مصائبها أي أنها لا تندفع بقولهم آمنا و قال الحسن معناه أ حسبوا أن يتركوا أن يقولوا لا إله إلا الله و لا يختبروا أ صدقوا أم كذبوا يعني أن مجرد الإقرار لا يكفي و الأولى حمله على الجميع إذ لا تنافي فإن المؤمن يكلف بعد الإيمان بالشرائع و يمتحن في النفس و المال و يمنى بالشدائد و الهموم و المكاره فينبغي أن يوطن نفسه على هذه الفتنة ليكون الأمر أيسر عليه إذا نزل به.

و قال في قوله تعالى‏ عَلى‏ عِلْمٍ‏ أي إنما أوتيته بعلمي و جلدي و حيلتي أو على خير عمله الله عندي أو على علم يرضاه عني فلذلك آتاني ما آتاني من النعم ثم قال ليس الأمر على ما يقولون بل هي فتنة أي بلية و اختبار يبتليه الله بها فيظهر كيف شكره أو صبره في مقابلتها فيجازيه بحسبها.

و قيل معناه هذه النعمة فتنة أي عذاب لهم إذا أضافوها إلى أنفسهم و قيل معناه هذه المقالة التي قالوها فتنة لهم لأنهم يعاقبون عليها و قال في قوله تعالى‏ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ‏ أي إلى الهلكة حتى يقعوا فيه بغتة.

و قيل يجوز أن يريد عذاب الآخرة أي نقربهم إليه درجة درجة حتى يقعوا فيه.

215

و قيل هو من المدرجة و هي الطريق و درج إذا مشى سريعا أي سنأخذهم من حيث لا يعلمون أي طريق سلكوا فإن الطريق كلها إلي و مرجع الجميع إلي و لا يغلبني غالب و لا يسبقني سابق و لا يفوتني هارب.

و قيل إنه من الدرج أي سنطويهم في الهلاك و نرفعهم عن وجه الأرض يقال طويت فلانا و طويت أمر فلان إذا تركته و هجرته و قيل معناه كلما جددوا خطيئة جددنا لهم نعمة.

- وَ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَحْدَثَ الْعَبْدُ ذَنْباً جُدِّدَ لَهُ نِعْمَةٌ فَيَدَعُ الِاسْتِغْفَارَ فَهُوَ الِاسْتِدْرَاجُ.

و لا يصح قول من قال إن معناه يستدرجهم إلى الكفر و الضلال لأن الآية وردت في الكفار و تضمنت أنه يستدرجهم في المستقبل فإن السين يختص المستقبل و لأنه جعل الاستدراج جزاء على كفرهم و عقوبة فلا بد أن يريد معنى آخر غير الكفر. (1)

و قوله‏ وَ أُمْلِي لَهُمْ‏ معناه و أمهلهم و لا أعاجلهم بالعقوبة فإنهم لا يفوتوني و لا يفوتني عذابهم‏ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ‏ أي عذابي قوي منيع لا يدفعه دافع و سماه كيدا لنزوله بهم من حيث لا يشعرون و قيل أراد أن جزاء كيدهم متين و قال‏ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً أي يحتالون في الإيقاع بك و بمن معك و يريدون إطفاء نورك‏ وَ أَكِيدُ كَيْداً أي أريد أمرا آخر على ضد ما يريدون و أدبر ما ينقض تدابيرهم فسماه كيدا من حيث يخفى عليهم‏ (2).

____________

(1) فيه ان الكفر كالايمان ذو مراتب قال تعالى: «ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً» الآية فالمعنى:

ان اللّه يخرجهم من كفر إلى كفر هو أشدّ منه، و ما ذكره في الرواية لا ينافيه. ط.

(2) النهج: قال (عليه السلام): لا يقولن أحدكم: اللّهمّ أعوذ بك من الفتنة، لانه ليس أحد إلا و هو مشتمل على فتنة، و لكن من استعاذ فليستعذ من عضلات الفتن، فان اللّه سبحانه يقول: «وَ اعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ» و معنى ذلك أنّه يختبرهم بالاموال و الاولاد ليتبين الساخط لرزقه، و الراضى بقسمه، و إن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم، و لكن لتظهر الافعال التي بها يستحق الثواب و العقاب، لان بعضهم يحب الذكور و يكره الاناث، و بعضهم يحب تثمير المال و يكره انثلام الحال.

قال الرضى: و هذا من غريب ما سمع منه في التفسير.

216

1- شي، تفسير العياشي عَنِ الْوَشَّاءِ بِإِسْنَادٍ لَهُ يُرْسِلُهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: وَ اللَّهِ لَتُمَحَّصُنَّ وَ اللَّهِ لَتُمَيَّزُنَّ وَ اللَّهِ لَتُغَرْبَلُنَّ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْكُمْ إِلَّا الْأَنْدَرُ قُلْتُ وَ مَا الْأَنْدَرُ قَالَ الْبَيْدَرُ وَ هُوَ أَنْ يَدْخُلَ الرَّجُلُ قُبَّةَ (1) الطَّعَامِ يُطَيِّنُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُخْرِجُهُ وَ قَدْ تَأَكَّلَ بَعْضُهُ فَلَا يَزَالُ يُنَقِّيهِ ثُمَّ يُكِنُّ عَلَيْهِ يُخْرِجُهُ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ حَتَّى يَبْقَى مَا لَا يَضُرُّهُ شَيْ‏ءٌ.

بيان قال الفيروزآبادي الأندر البيدر أو كدس القمح.

2- شي، تفسير العياشي عَنْ زُرَارَةَ وَ حُمْرَانَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِهِ‏ رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏ قَالَ لَا تُسَلِّطْهُمْ عَلَيْنَا فَتَفْتِنَهُمْ بِنَا.

3- كش، رجال الكشي خَلَفُ بْنُ حَمَّارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)إِنِّي تَرَكْتُ ابْنَ قِيَامَا (2) مِنْ أَعْدَى خَلْقِ اللَّهِ لَكَ قَالَ ذَلِكَ شَرٌّ لَهُ قُلْتُ مَا أَعْجَبَ مَا أَسْمَعُ مِنْكَ جُعِلْتُ فِدَاكَ قَالَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ إِبْلِيسُ كَانَ فِي جِوَارِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الْقُرْبِ مِنْهُ فَأَمَرَهُ فَأَبَى وَ تَعَزَّزَ وَ كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ فَأَمْلَى اللَّهُ لَهُ وَ اللَّهِ مَا عَذَّبَ اللَّهُ بِشَيْ‏ءٍ أَشَدَّ مِنَ الْإِمْلَاءِ وَ اللَّهِ يَا حُسَيْنُ مَا عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِشَيْ‏ءٍ أَشَدَّ مِنَ الْإِمْلَاءِ (3).

4- يد، التوحيد أَبِي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السِّنْدِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَا مِنْ قَبْضٍ وَ لَا بَسْطٍ إِلَّا وَ لِلَّهِ فِيهِ الْمَنُّ أَوِ الِابْتِلَاءُ (4).

5- يد، التوحيد عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْيَقْطِينِيِّ عَنْ يُونُسَ عَنِ الطَّيَّارِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَا مِنْ قَبْضٍ وَ لَا بَسْطٍ إِلَّا وَ لِلَّهِ فِيهِ مَشِيَّةٌ وَ قَضَاءٌ وَ ابْتِلَاءٌ.

سن، المحاسن أبي عن يونس‏ مثله‏

____________

(1) في نسخة: بيته.

(2) هو الحسين بن قياما الواقفى، كان يجحد أبا الحسن الرضا (عليه السلام).

(3) الاملاء: الامهال و عدم التعجيل في العقوبة.

(4) في نسخة: و الابتلاء.

217

بيان لعل القبض و البسط في الأرزاق بالتوسيع و التقتير و في النفوس بالسرور و الحزن و في الأبدان بالصحة و الألم و في الأعمال بتوفيق الإقبال إليه و عدمه و في الأخلاق بالتحلية و عدمها و في الدعاء بالإجابة له و عدمها و في الأحكام بالرخصة في بعضها و النهي عن بعضها.

6- يد، التوحيد أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ فَضَالَةَ عَنِ الطَّيَّارِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ لَهُ‏ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ فِيهِ قَبْضٌ أَوْ بَسْطٌ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَوْ نَهَى عَنْهُ إِلَّا وَ فِيهِ مِنَ اللَّهِ ابْتِلَاءٌ وَ قَضَاءٌ.

7- سن، المحاسن ابْنُ فَضَّالٍ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ أَعْيَنَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: لَيْسَ لِلْعَبْدِ قَبْضٌ وَ لَا بَسْطٌ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَوْ نَهَى اللَّهُ عَنْهُ إِلَّا وَ مِنَ اللَّهِ فِيهِ ابْتِلَاءٌ.

8- سن، المحاسن مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ وَ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ مَعاً عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ الْوَصَّافِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ فِيمَا نَاجَى اللَّهُ بِهِ مُوسَى(ع)أَنْ قَالَ يَا رَبِّ هَذَا السَّامِرِيُّ صَنَعَ الْعِجْلَ الْخُوَارُ مَنْ صَنَعَهُ فَأَوْحَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنَّ تِلْكَ فِتْنَتِي فَلَا تُفْصِحَنَّ عَنْهَا.

بيان أي لا تظهرنها لأحد فإن عقولهم قاصرة عن فهمها.

9- كا، الكافي عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُنْدَبٍ‏ (1) عَنْ سُفْيَانَ بْنِ السِّمْطِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْراً فَأَذْنَبَ ذَنْباً أَتْبَعَهُ بِنَقِمَةٍ وَ يُذَكِّرُهُ الِاسْتِغْفَارَ وَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ شَرّاً فَأَذْنَبَ ذَنْباً أَتْبَعَهُ بِنِعْمَةٍ لِيُنْسِيَهُ الِاسْتِغْفَارَ وَ يَتَمَادَى بِهَا وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ‏ بِالنِّعَمِ عِنْدَ الْمَعَاصِي.

10- كا، الكافي عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ وَ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ‏

____________

(1) بضم الجيم و سكون النون و فتح الدال بعدها باء موحدة، هو عبد اللّه بن جندب البجليّ الكوفيّ، عربى ثقة، كان وكيلا لابى إبراهيم و أبى الحسن الرضا (عليهما السلام)، و كان عابدا، رفيع المنزلة لديهما؛ و قال فيه أبو الحسن الرضا (عليه السلام): إن عبد اللّه بن جندب لمن المخبتين.

218

جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ ابْنِ رِئَابٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ قَالَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنِ الِاسْتِدْرَاجِ قَالَ هُوَ الْعَبْدُ يُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُمْلِي لَهُ وَ يُجَدَّدُ لَهُ عِنْدَهُ النِّعَمُ فَيُلْهِيهِ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ مِنَ الذُّنُوبِ فَهُوَ مُسْتَدْرَجٌ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ.

11- كا، الكافي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ سَمَاعَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ‏ قَالَ هُوَ الْعَبْدُ يُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُجَدَّدُ لَهُ النِّعْمَةُ مَعَهُ تُلْهِيهِ تِلْكَ النِّعْمَةُ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ مِنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ.

12- كا، الكافي عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ يَعْقُوبَ السَّرَّاجِ وَ عَلِيِّ بْنِ رِئَابٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه) لَمَّا بُويِعَ بَعْدَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَ خَطَبَ بِخُطْبَةٍ ذَكَرَهَا يَقُولُ فِيهَا أَلَا إِنَّ بَلِيَّتَكُمْ قَدْ عَادَتْ كَهَيْئَتِهَا يَوْمَ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ(ص)وَ الَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً وَ لَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلَاكُمْ وَ أَعْلَاكُمْ أَسْفَلَكُمْ وَ لَيَسْبِقَنَّ سَبَّاقُونَ كَانُوا قَصَّرُوا وَ لَيُقَصِّرَنَّ سَبَّاقُونَ كَانُوا سَبَقُوا وَ اللَّهِ مَا كَتَمْتُ وَسْمَةً وَ لَا كَذَبْتُ كِذْبَةً وَ لَقَدْ نُبِّئْتُ بِهَذَا الْمَقَامِ وَ هَذَا الْيَوْمِ.

بيان لتبلبلن أي لتخلطن من تبلبلت الألسن أي اختلطت أو من البلابل و هي الهموم و الأحزان و وسوسة الصدر و لتغربلن يجوز أن يكون من الغربال الذي يغربل الدقيق و يجوز أن يكون من غربلت اللحم أي قطعته فعلى الأول يحتمل معنيين أحدهما الاختلاط كما أن في غربلة الدقيق يختلط بعضه ببعض و الثاني أن يريد بذلك أن يستخلص الصالح منكم من الفاسد و يتميز كما يمتاز الدقيق عند الغربلة من النخالة.

قوله(ع)حتى يعود أسفلكم أعلاكم أي يصير عزيزكم ذليلا و ذليلكم عزيزا أو صالحكم فاجرا و فاجركم صالحا و مؤمنكم كافرا و كافركم مؤمنا و في النهج لتساطن سوط القدر حتى يعود و هو أظهر يقال ساط القدر إذا قلب ما فيها من طعام بالمسوط و أداره و المسوط خشبة يحرك بها ما فيها ليخلط.

219

قوله(ع)و ليسبقن سباقون يعني(ع)به قوما قصروا في أول الأمر في نصرته ثم نصروه في ذلك الوقت و بالفقرة الثانية قوما سعوا إلى بيعته و بادروا إلى نصرته في أول الأمر ثم خذلوه و نكثوا بيعته كطلحة و الزبير.

قوله(ع)ما كتمت وسمة و في بعض النسخ بالشين المعجمة و هو الأظهر قال الجزري في حديث علي و الله ما كتمت وشمة أي كلمة و في بعض النسخ بالسين المهملة فهو بمعنى العلامة أي ما سترت علامة تدل على سبيل الحق و لكن عميتم عنها و لا يخفى لطف انضمام الكتم بالوسمة إذ الكتم بالتحريك نبت يخلط بالوسمة يختضب به.

13- كا، الكافي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْأَنْبَارِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍ‏ (1) عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ (2) عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ‏ وَيْلٌ لِطُغَاةِ الْعَرَبِ مِنْ أَمْرٍ قَدِ اقْتَرَبَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ كَمْ مَعَ الْقَائِمِ مِنَ الْعَرَبِ قَالَ نَفَرٌ يَسِيرٌ قُلْتُ وَ اللَّهِ إِنَّ مَنْ يَصِفُ هَذَا الْأَمْرَ مِنْهُمْ لَكَثِيرٌ قَالَ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَنْ يُمَحَّصُوا وَ يُمَيَّزُوا وَ يُغَرْبَلُوا وَ يُسْتَخْرَجَ فِي الْغِرْبَالِ خَلْقٌ كَثِيرٌ.

14- كا، الكافي عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَمَّرِ بْنِ خَلَّادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ(ع)يَقُولُ‏ الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏ ثُمَّ قَالَ لِي مَا الْفِتْنَةُ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ الَّذِي عِنْدَنَا الْفِتْنَةُ فِي الدِّينِ فَقَالَ يُفْتَنُونَ كَمَا يُفْتَنُ الذَّهَبُ ثُمَّ قَالَ يُخَلَّصُونَ كَمَا يُخَلَّصُ الذَّهَبُ.

15- كا، الكافي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ الصَّيْقَلِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَ الْحَارِثُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا جُلُوساً وَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَسْمَعُ كَلَامَنَا فَقَالَ لَنَا فِي أَيِّ شَيْ‏ءٍ أَنْتُمْ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لَا وَ اللَّهِ‏

____________



(1) في نسخة: الحسن بن عليّ.

(2) بكسر الميم، و سكون العين، و فتح الزاى بعدها الالف، و هو المحكى عن إيضاح الاشتباه، و ممدودا كما عن الداماد، أو بضم الميم و سكون الغين المعجمة، و فتح الراء المهملة و المد كما عن الخليل و عن الوحيد في تعليقاته.

220

لَا يَكُونُ مَا تَمُدُّونَ إِلَيْهِ أَعْيُنَكُمْ حَتَّى تُغَرْبَلُوا لَا وَ اللَّهِ لَا يَكُونُ مَا تَمُدُّونَ إِلَيْهِ أَعْيُنَكُمْ حَتَّى تُمَحَّصُوا لَا وَ اللَّهِ لَا يَكُونُ مَا تَمُدُّونَ إِلَيْهِ أَعْيُنَكُمْ حَتَّى تُمَيَّزُوا لَا وَ اللَّهِ لَا يَكُونُ مَا تَمُدُّونَ إِلَيْهِ أَعْيُنَكُمْ إِلَّا بَعْدَ إِيَاسٍ لَا وَ اللَّهِ مَا يَكُونُ مَا تَمُدُّونَ إِلَيْهِ أَعْيُنَكُمْ حَتَّى يَشْقَى مَنْ يَشْقَى وَ يَسْعَدَ مَنْ يَسْعَدُ.

16- نهج، نهج البلاغة أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَعَاذَكُمْ مِنْ أَنْ يَجُورَ عَلَيْكُمْ وَ لَمْ يُعِذْكُمْ مِنْ أَنْ يَبْتَلِيَكُمْ وَ قَدْ قَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ‏ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَ إِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ‏

17- نهج، نهج البلاغة قَالَ(ع)كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ وَ مَغْرُورٍ بِالسِّتْرِ عَلَيْهِ وَ مَفْتُونٍ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ وَ مَا ابْتَلَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَحَداً بِمِثْلِ الْإِمْلَاءِ.

18- وَ قَالَ(ع)أَيُّهَا النَّاسُ لِيَرَكُمُ اللَّهُ مِنَ النِّعْمَةِ وَجِلِينَ كَمَا يَرَاكُمْ مِنَ النَّقِمَةِ فَرِقِينِ إِنَّهُ مَنْ وُسِّعَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ اسْتِدْرَاجاً فَقَدْ أَمِنَ مَخُوفاً وَ مَنْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ اختيارا [اخْتِبَاراً فَقَدْ ضَيَّعَ مَأْمُولًا.

أقول سيأتي الآيات و الأخبار في الإملاء و الإمهال و الاستدراج في كتاب الإيمان و الكفر.

باب 9 أن المعرفة منه تعالى‏

الآيات لقمان‏ وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏ الزخرف‏ وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ‏ الحجرات‏ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ الليل‏ إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى‏

221

تفسير قوله تعالى‏ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏ إما لكونهم مجبولين مفطورين على الإذعان بذلك إذا رجعوا إلى أنفسهم و لم يتبعوا أسلافهم أو الخطاب مع كفار قريش فإنهم كانوا معترفين بأن الخالق هو الله و ليس له شريك في الخلق لكنهم كانوا يجعلون الأصنام شريكا له في العبادة.

قوله تعالى‏ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ‏ أي أراكم السبيل إليه بإرسال الرسل و إنزال الكتب أو وفقكم لقبول ما أتت به الرسل و الإذعان بها أو ألهمكم المعرفة كما هو ظاهر الأخبار.

- 1- ب، قرب الإسناد مُعَاوِيَةُ بْنُ حُكَيْمٍ عَنِ الْبَزَنْطِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)لِلنَّاسِ فِي الْمَعْرِفَةِ صُنْعٌ قَالَ لَا قُلْتُ لَهُمْ عَلَيْهَا ثَوَابٌ قَالَ يُتَطَوَّلُ عَلَيْهِمْ بِالثَّوَابِ كَمَا يُتَطَوَّلُ عَلَيْهِمْ بِالْمَعْرِفَةِ.

ضا، فقه الرضا (عليه السلام) عن العالم(ع)مثله.

2- ل، الخصال أَبِي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ دُرُسْتَ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سِتَّةُ أَشْيَاءَ لَيْسَ لِلْعِبَادِ فِيهَا صُنْعٌ الْمَعْرِفَةُ وَ الْجَهْلُ وَ الرِّضَا وَ الْغَضَبُ وَ النَّوْمُ وَ الْيَقَظَةُ.

سن، المحاسن أبي رفعه إلى أبي عبد الله(ع)مثله.

- 3- يد، التوحيد ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ مَعْرُوفٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْقَصِيرِ قَالَ: كَتَبْتُ عَلَى يَدَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْمَعْرِفَةِ وَ الْجُحُودِ أَ هُمَا مَخْلُوقَتَانِ فَكَتَبَ(ع)سَأَلْتَ عَنِ الْمَعْرِفَةِ مَا هِيَ فَاعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الْقَلْبِ مَخْلُوقَةٌ وَ الْجُحُودَ صُنْعُ اللَّهِ فِي الْقَلْبِ مَخْلُوقٌ وَ لَيْسَ لِلْعِبَادِ فِيهِمَا مِنْ صُنْعٍ وَ لَهُمْ فِيهَا الِاخْتِيَارُ مِنَ الِاكْتِسَابِ فَبِشَهْوَتِهِمُ الْإِيمَانَ اخْتَارُوا الْمَعْرِفَةَ فَكَانُوا بِذَلِكَ مُؤْمِنِينَ عَارِفِينَ وَ بِشَهْوَتِهِمُ الْكُفْرَ اخْتَارُوا الْجُحُودَ فَكَانُوا بِذَلِكَ كَافِرِينَ جَاحِدِينَ ضُلَّالًا وَ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ لَهُمْ وَ خِذْلَانِ مَنْ خَذَلَهُ اللَّهُ فَبِالاخْتِيَارِ وَ الِاكْتِسَابِ عَاقَبَهُمُ اللَّهُ وَ أَثَابَهُمْ الْخَبَرَ.

222

4- سن، المحاسن أَبِي عَنِ النَّضْرِ عَنِ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ (1) عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ‏ (2) قَالَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْحُبَّ الَّذِي تُحِبُّونَّا لَيْسَ بِشَيْ‏ءٍ صَنَعْتُمُوهُ وَ لَكِنَّ اللَّهَ صَنَعَهُ.

5- سن، المحاسن ابْنُ فَضَّالٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُقْبَةَ وَ فَضْلٍ الْأَسَدِيِّ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى مَوْلَى آلِ سَامٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: لَمْ يُكَلِّفِ اللَّهُ الْعِبَادَ الْمَعْرِفَةَ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ إِلَيْهَا سَبِيلًا.

6- سن، المحاسن الْوَشَّاءُ عَنْ أَبَانٍ الْأَحْمَرِ عَنْ عُثْمَانَ عَنِ الْفَضْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ بَقْبَاقٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ‏ هَلْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ صُنْعٌ قَالَ لَا.

7- سن، المحاسن الْوَشَّاءُ عَنْ أَبَانٍ الْأَحْمَرِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنِ الْإِيمَانِ هَلْ لِلْعِبَادِ فِيهِ صُنْعٌ قَالَ لَا وَ لَا كَرَامَةَ بَلْ هُوَ مِنَ اللَّهِ وَ فَضْلِهِ.

8- سن، المحاسن مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ النَّضْرِ عَنْ يَحْيَى الْحَلَبِيِّ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ الْحُرِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ‏ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ‏ هَلْ لِلْعِبَادِ بِمَا حَبَّبَ صُنْعٌ قَالَ لَا وَ لَا كَرَامَةَ.

9- سن، المحاسن أَبِي خِدَاشٍ الْمَهْدِيِ‏ (3) عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ حَفْصٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: لَيْسَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَعْلَمُوا حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الْمُعَلِّمَ لَهُمْ فَإِذَا أَعْلَمَهُمْ‏ (4) فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَعْلَمُوا.

10- سن، المحاسن عِدَّةٌ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ مُثَنًّى الْحَنَّاطِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ‏

____________

(1) ليس في المصدر «عن ابى بصير» بل روى الحديث أبو المغراء عن ابى جعفر (عليه السلام) بلا واسطة. م.

(2) في المصدر عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: انى لا علم. م.

(3) يحتمل قويا كون لفظة المهدى مصحف (المهرى) و مهرة محلة بالبصرة، و أبو خداش كنية لعبد اللّه بن خداش المهرى البصرى، الذي ضعفه النجاشيّ و قال: فى مذهبه ارتفاع. و حكى الكشّيّ عن الطيالسى توثيقه.

(4) في المصدر: فاذا علمهم. م.

223

سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ‏ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فَخَلَقَ قَوْماً لِحُبِّنَا لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ خَرَجَ مِنْ هَذَا الرَّأْيِ لَرَدَّهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَ إِنْ رَغِمَ أَنْفُهُ وَ خَلَقَ خَلْقاً (1) لِبُغْضِنَا لَا يُحِبُّونَنَا أَبَداً.

11- ما، الأمالي للشيخ الطوسي الْحُسَيْنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْقَزْوِينِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَهْبَانَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الزَّعْفَرَانِيِّ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: قُلْتُ لَهُ‏ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها قَالَ التَّوْحِيدُ.

12- سن، المحاسن أَبِي عَنْ صَفْوَانَ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدٍ صَالِحٍ‏ (2) هَلْ فِي النَّاسِ اسْتِطَاعَةٌ يَتَعَاطَوْنَ بِهَا الْمَعْرِفَةَ قَالَ لَا إِنَّمَا هُوَ تَطَوُّلٌ مِنَ اللَّهِ قُلْتُ أَ فَلَهُمْ عَلَى الْمَعْرِفَةِ ثَوَابٌ إِذَا كَانَ‏ (3) لَيْسَ فِيهِمْ مَا يَتَعَاطَوْنَهُ بِمَنْزِلَةِ الرُّكُوعِ وَ السُّجُودِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ فَفَعَلُوهُ قَالَ لَا إِنَّمَا هُوَ تَطَوُّلٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَ تَطَوُّلٌ بِالثَّوَابِ.

13- سن، المحاسن أَبِي عَنْ فَضَالَةَ عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ‏ وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ‏ قَالَ كَانَ ذَلِكَ مُعَايَنَةَ اللَّهِ‏ (4) فَأَنْسَاهُمُ الْمُعَايَنَةَ وَ أَثْبَتَ الْإِقْرَارَ فِي صُدُورِهِمْ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ مَا عَرَفَ أَحَدٌ خَالِقَهُ وَ لَا رَازِقَهُ وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ‏ وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏

بيان المعاينة مجاز عن المواجهة بالخطاب أي خلق الكلام قبالة وجههم فنسوا تلك الحالة و ثبتت المعرفة في قلوبهم‏ (5) ثم اعلم أن أخبار هذا الباب و كثيرا

____________

(1) في المصدر: قوما. م.

(2) الظاهر: «للعبد الصالح» و هو كناية عن موسى بن جعفر (عليه السلام). م.

(3) في المصدر: كانوا. م.

(4) في المصدر: معاينة للّه. م.

(5) قد تقدم في أخبار الرؤية و جوامع التوحيد من كتاب التوحيد ما يظهر به معنى هذه المعاينة و هو العلم اليقينى باللّه سبحانه من غير وساطة تفكر عقلي و تصور خيالى أو وهمى أو اتصال حسى و من غير لزوم تجسيم أو تحديد فارجع و تأمل. و لا يخلو موجود ذو شعور بل موجود مخلوق عن هذا العلم فلا حجاب بينه و بين خلقه كما في الروايات. ط.

224

من أخبار الأبواب السابقة تدل على أن معرفة الله تعالى بل معرفة الرسول و الأئمة (صلوات الله عليه) و سائر العقائد الدينية موهبيّة و ليست بكسبيّة و يمكن حملها على كمال معرفته أو المراد أنه تعالى احتج عليهم بما أعطاهم من العقول و لا يقدر أحد من الخلق حتى الرسل على هداية أحد و تعريفه أو المراد أن المفيض للمعارف هو الرب تعالى و إنما أمر العباد بالسعي في أن يستعدوا لذلك بالفكر و النظر كما يشير إليه خبر عبد الرحيم أو يقال هي مختصة بمعرفة غير ما يتوقف عليه العلم بصدق الرسل فإن ما سوى ذلك إنما نعرفه بما عرفنا الله على لسان أنبيائه و حججه (صلوات الله عليهم) أو يقال المراد بها معرفة الأحكام الفرعية لعدم استقلال العقل فيها أو المعنى أنها إنما تحصل بتوفيقه تعالى للاكتساب هذا ما يمكن أن يقال في تأويلها مع بعد أكثرها (1) و الظاهر منها أن العباد إنما يكلفون بالانقياد للحق و ترك الاستكبار عن قبوله فأما المعارف فإنها بأسرها مما يلقيه الله تعالى في قلوب عباده بعد اختيارهم للحق ثم يكمل ذلك يوما فيوما بقدر أعمالهم و طاعاتهم حتى يوصلهم إلى درجة اليقين و حسبك في ذلك ما وصل إليك من سيرة النبيين و أئمة الدين في تكميل أممهم و أصحابهم فإنهم لم يحيلوهم على الاكتساب و النظر و تتبع كتب الفلاسفة و الاقتباس من علوم الزنادقة بل إنما دعوهم أولا إلى الإذعان بالتوحيد و سائر العقائد ثم دعوهم إلى تكميل النفس بالطاعات و الرياضيات حتى فازوا بأعلى درجات السعادات.

____________

(1) لا يخفى أن الإرادة التي هي مناط الاختيار لا تتعلق بشي‏ء الا عن تصور و تصديق سابق اجمالا أو تفصيلا فمن المحال أن يتعلق الإرادة باصل المعرفة و العلم فيكون اختياريا من صنع العبد كافعال الجوارح و هذا هو الذي تذكره الروايات. و اما تفاصيل العلم و المعرفة فهي كسبية اختيارية بالواسطة بمعنى أن الفكر في المقدمات يجعل الإنسان مستعدا لافاضة النتيجة منه تعالى، و العلم مع ذلك ليس فعلا من افعال الإنسان، و لتفصيل الكلام محل آخر يرجع إليه. ط.

225

باب 10 الطينة و الميثاق‏

الآيات الأعراف‏ وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَ كُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ‏ الأحزاب‏ وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَ أَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً

1- سن، المحاسن أَبِي عَنْ صَالِحِ بْنِ سَهْلٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)جُعِلْتُ فِدَاكَ مِنْ أَيِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَ اللَّهُ طِينَةَ الْمُؤْمِنِ قَالَ مِنْ طِينَةِ الْأَنْبِيَاءِ فَلَنْ يَنْجُسَ أَبَداً.

2- سن، المحاسن بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)الْمُؤْمِنُونَ مِنْ طِينَةِ الْأَنْبِيَاءِ قَالَ نَعَمْ.

3- ما، الأمالي للشيخ الطوسي الْمُفِيدُ عَنِ ابْنِ قُولَوَيْهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ فَضَالَةَ (1) عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّا وَ شِيعَتَنَا خُلِقْنَا مِنْ طِينَةٍ مِنْ عِلِّيِّينَ‏ (2) وَ خُلِقَ عَدُوُّنَا مِنْ طِينَةِ خَبَالٍ‏ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ‏

بيان قال الجزري فيه من شرب الخمر سقاه الله من طينة الخبال يوم القيامة جاء تفسيره في الحديث أن الخبال عصارة أهل النار و الخبال في الأصل الفساد و قال الفيروزآبادي الخبال كسحاب النقصان و الهلاك و العناء و الكل و العيال و السم القاتل و صديد أهل النار و قال الحمأ محركة الطين الأسود المنتن و قال المسنون المنتن.

____________

(1) في المصدر: عن فضالة عن عليّ بن أبي طالب؛ و عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليهما السلام).

(2) اسم لا على الجنان. و قيل: بل ذلك في الحقيقة اسم لسكانها.

226

4- ما، الأمالي للشيخ الطوسي شَيْخُ الطَّائِفَةِ عَنْ أَبِي مَنْصُورٍ السُّكَّرِيِّ عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَرْوَانَ الْقَطَّانِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ مِهْرَانَ الْعَطَّارِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِيهِ وَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)عَنْ أَبِيهِمَا عَنْ جَدِّهِمَا قَالا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ فِي الْفِرْدَوْسِ لَعَيْناً أَحْلَى مِنَ الشَّهْدِ وَ أَلْيَنَ مِنَ الزُّبْدِ وَ أَبْرَدَ مِنَ الثَّلْجِ وَ أَطْيَبَ مِنَ الْمِسْكِ فِيهَا طِينَةٌ خَلَقَنَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْهَا وَ خَلَقَ مِنْهَا شِيعَتَنَا فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ تِلْكَ الطِّينَةِ فَلَيْسَ مِنَّا وَ لَا مِنْ شِيعَتِنَا وَ هِيَ الْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِ وَلَايَةَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)قَالَ عُبَيْدٌ فَذَكَرْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ صَدَقَكَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَكَذَا أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنِ النَّبِيِّ(ص)(1).

5- ع، علل الشرائع ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ عِيسَى وَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ حَبِيبٍ السِّجِسْتَانِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ‏ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمَّا أَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ(ع)مِنْ ظَهْرِهِ لِيَأْخُذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَ بِالنُّبُوَّةِ (2) لِكُلِّ نَبِيٍّ كَانَ أَوَّلُ مَنْ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ بِالنُّبُوَّةِ نُبُوَّةَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ(ص)ثُمَّ قَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ لآِدَمَ(ع)انْظُرْ مَا ذَا تَرَى قَالَ فَنَظَرَ آدَمُ إِلَى ذُرِّيَّتِهِ وَ هُمْ ذَرٌّ قَدْ مَلَئُوا السَّمَاءَ فَقَالَ آدَمُ يَا رَبِّ مَا أَكْثَرَ ذُرِّيَّتِي وَ لِأَمْرٍ مَا خَلَقْتَهُمْ‏ (3) فَمَا تُرِيدُ مِنْهُمْ بِأَخْذِكَ الْمِيثَاقَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ وَ عَزَّ لِيَعْبُدُونِي وَ لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَ يُؤْمِنُونَ بِرُسُلِي وَ يَتَّبِعُونَهُمْ قَالَ آدَمُ(ع)فَمَا لِي‏ (4) أَرَى بَعْضَ الذَّرِّ أَعْظَمَ مِنْ بَعْضٍ وَ بَعْضَهُمْ لَهُ نُورٌ قَلِيلٌ وَ بَعْضَهُمْ لَيْسَ لَهُ نُورٌ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ كَذَلِكَ خَلَقْتُهُمْ لِأَبْلُوَهُمْ فِي كُلِّ حَالاتِهِمْ قَالَ آدَمُ(ع)يَا رَبِّ فَتَأْذَنُ لِي فِي الْكَلَامِ فَأَتَكَلَّمَ قَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ تَكَلَّمْ فَإِنَّ رُوحَكَ مِنْ رُوحِي وَ طَبِيعَتَكَ مِنْ خِلَافِ كَيْنُونَتِي قَالَ آدَمُ يَا رَبِّ لَوْ كُنْتَ خَلَقْتَهُمْ‏

____________



(1) يأتي الحديث عن أمالي الشيخ بسند آخر تحت رقم 28 و في ذيله تفسير للخبر.

(2) في نسخة: و بالنبوية.

(3) و في نسخة: و لاى أمر خلقتهم.

(4) في المصدر: قال آدم (عليه السلام) يا ربّ فما لى. م.

227

عَلَى مِثَالٍ وَاحِدٍ وَ قَدْرٍ وَاحِدٍ وَ طَبِيعَةٍ وَاحِدَةٍ وَ جِبِلَّةٍ وَاحِدَةٍ وَ أَلْوَانٍ وَاحِدَةٍ وَ أَعْمَارٍ وَاحِدَةٍ وَ أَرْزَاقٍ سَوَاءٍ لَمْ يَبْغِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ تَحَاسُدٌ وَ لَا تَبَاغُضٌ وَ لَا اخْتِلَافٌ فِي شَيْ‏ءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ يَا آدَمُ بِرُوحِي نَطَقْتَ وَ بِضَعْفِ طَبْعِكَ تَكَلَّفْتَ مَا لَا عِلْمَ لَكَ بِهِ وَ أَنَا اللَّهُ الْخَلَّاقُ‏ (1) الْعَلِيمُ بِعِلْمِي خَالَفْتُ بَيْنَ خَلْقِهِمْ وَ بِمَشِيَّتِي أُمْضِي فِيهِمْ أَمْرِي وَ إِلَى تَدْبِيرِي وَ تَقْدِيرِي هُمْ صَائِرُونَ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِي وَ إِنَّمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ لِيَعْبُدُونِي وَ خَلَقْتُ الْجَنَّةَ لِمَنْ عَبَدَنِي وَ أَطَاعَنِي مِنْهُمْ وَ اتَّبَعَ رُسُلِي وَ لَا أُبَالِي وَ خَلَقْتُ النَّارَ لِمَنْ كَفَرَ بِي وَ عَصَانِي وَ لَمْ يَتَّبِعْ رُسُلِي وَ لَا أُبَالِي وَ خَلَقْتُكَ وَ خَلَقْتُ ذُرِّيَّتَكَ مِنْ غَيْرِ فَاقَةٍ بِي إِلَيْكَ وَ إِلَيْهِمْ وَ إِنَّمَا خَلَقْتُكَ وَ خَلَقْتُهُمْ لِأَبْلُوَكَ وَ أَبْلُوَهُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا فِي دَارِ الدُّنْيَا فِي حَيَاتِكُمْ وَ قَبْلَ مَمَاتِكُمْ وَ كَذَلِكَ خَلَقْتُ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةَ وَ الْحَيَاةَ وَ الْمَوْتَ وَ الطَّاعَةَ وَ الْمَعْصِيَةَ وَ الْجَنَّةَ وَ النَّارَ وَ كَذَلِكَ أَرَدْتُ فِي تَقْدِيرِي وَ تَدْبِيرِي وَ بِعِلْمِيَ النَّافِذِ فِيهِمْ خَالَفْتُ بَيْنَ صُوَرِهِمْ وَ أَجْسَامِهِمْ‏ (2) وَ أَلْوَانِهِمْ وَ أَعْمَارِهِمْ وَ أَرْزَاقِهِمْ وَ طَاعَتِهِمْ وَ مَعْصِيَتِهِمْ فَجَعَلْتُ مِنْهُمُ السَّعِيدَ وَ الشَّقِيَّ وَ الْبَصِيرَ وَ الْأَعْمَى وَ الْقَصِيرَ وَ الطَّوِيلَ وَ الْجَمِيلَ وَ الذَّمِيمَ وَ الْعَالِمَ وَ الْجَاهِلَ وَ الْغَنِيَّ وَ الْفَقِيرَ وَ الْمُطِيعَ وَ الْعَاصِيَ وَ الصَّحِيحَ وَ السَّقِيمَ وَ مَنْ بِهِ الزَّمَانَةُ وَ مَنْ لَا عَاهَةَ بِهِ‏ (3) فَيَنْظُرُ الصَّحِيحُ إِلَى الَّذِي بِهِ الْعَاهَةُ فَيَحْمَدُنِي عَلَى عَافِيَتِهِ وَ يَنْظُرُ الَّذِي بِهِ الْعَاهَةُ إِلَى الصَّحِيحِ فَيَدْعُونِي وَ يَسْأَلُنِي أَنْ أُعَافِيَهُ وَ يَصْبِرُ عَلَى بَلَائِهِ‏ (4) فَأُثِيبُهُ جَزِيلَ عَطَائِي وَ يَنْظُرُ الْغَنِيُّ إِلَى الْفَقِيرِ فَيَحْمَدُنِي وَ يَشْكُرُنِي وَ يَنْظُرُ الْفَقِيرُ إِلَى الْغَنِيِّ فَيَدْعُونِي وَ يَسْأَلُنِي وَ يَنْظُرُ الْمُؤْمِنُ إِلَى الْكَافِرِ فَيَحْمَدُنِي عَلَى مَا هَدَيْتُهُ فَلِذَلِكَ خَلَقْتُهُمْ لِأَبْلُوَهُمْ فِي السَّرَّاءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ فِيمَا عَافَيْتُهُمْ وَ فِيمَا ابْتَلَيْتُهُمْ وَ فِيمَا أَعْطَيْتُهُمْ وَ فِيمَا أَمْنَعُهُمْ‏ (5) وَ أَنَا اللَّهُ الْمَلِكُ الْقَادِرُ وَ لِي أَنْ أُمْضِيَ جَمِيعَ مَا قَدَّرْتُ عَلَى مَا دَبَّرْتُ وَ إِلَى أَنْ أُغَيِّرَ عَنْ ذَلِكَ مَا شِئْتُ إِلَى مَا شِئْتُ فَأُقَدِّمَ مِنْ‏

____________



(1) في نسخة: الخالق.

(2) في نسخة: و أجسادهم.

(3) الزمانة: عدم بعض الأعضاء؛ تعطيل القوى. العاهة: الآفة.

(4) في المصدر: على بلائى فاثيبه على جزيل عطائى. م.

(5) و في نسخة: و فيما اعافيهم، و فيما ابتليهم، و فيما اعطيهم، و فيما منعتهم.

228

ذَلِكَ مَا أَخَّرْتُ وَ أُؤَخِّرَ مِنْ ذَلِكَ مَا قَدَّمْتُ وَ أَنَا اللَّهُ الْفَعَّالُ لِمَا أُرِيدُ لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ وَ أَنَا أَسْأَلُ خَلْقِي عَمَّا هُمْ فَاعِلُونَ.

ختص، الإختصاص هشام بن سالم‏ مثله بيان قوله تعالى من روحي أي من الروح الذي اصطفيته و انتجبته أي من عالم المجردات أو من عالم القدس و طبيعتك من عالم الخلق و الجسمانيات أو مما هو معدن الشهوات و الجهالات فبطبيعتك و بشريتك سألت ما سألت و الذميم و المذموم و في بعض النسخ بالدال المهملة يقال رجل دميم أي قصير قبيح.

6- ع، علل الشرائع أَبِي (رحمه الله ) عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ السَّيَّارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِهْرَانَ الْكُوفِيِّ عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ اللَّيْثِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ(ع)يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنِ الْمُؤْمِنِ الْمُسْتَبْصِرِ إِذَا بَلَغَ فِي الْمَعْرِفَةِ وَ كَمَلَ هَلْ يَزْنِي قَالَ اللَّهُمَّ لَا قُلْتُ فَيَلُوطُ قَالَ اللَّهُمَّ لَا قُلْتُ فَيَسْرِقُ قَالَ لَا قُلْتُ فَيَشْرَبُ الْخَمْرَ قَالَ لَا قُلْتُ فَيَأْتِي بِكَبِيرَةٍ مِنْ هَذِهِ الْكَبَائِرِ أَوْ فَاحِشَةٍ مِنْ هَذِهِ الْفَوَاحِشِ قَالَ لَا قُلْتُ فَيُذْنِبُ ذَنْباً قَالَ نَعَمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ مُذْنِبٌ مُسْلِمٌ قُلْتُ مَا مَعْنَى مُسْلِمٍ قَالَ الْمُسْلِمُ بِالذَّنْبِ لَا يَلْزَمُهُ وَ لَا يَصِيرُ [يُصِرُّ عَلَيْهِ‏ (1) قَالَ فَقُلْتُ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَعْجَبَ هَذَا لَا يَزْنِي وَ لَا يَلُوطُ وَ لَا يَسْرِقُ وَ لَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَ لَا يَأْتِي كَبِيرَةً (2) مِنَ الْكَبَائِرِ وَ لَا فَاحِشَةً فَقَالَ لَا عَجَبَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَ‏ يَفْعَلُ ما يَشاءُ وَ لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ‏ فَمِمَّ عَجِبْتَ يَا إِبْرَاهِيمُ سَلْ وَ لَا تَسْتَنْكِفْ وَ لَا تَسْتَحْسِرْ (3) فَإِنَّ هَذَا الْعِلْمَ لَا يَتَعَلَّمُهُ مُسْتَكْبِرٌ وَ لَا مُسْتَحْسِرٌ قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنِّي أَجِدُ مِنْ شِيعَتِكُمْ مَنْ يَشْرَبُ وَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ وَ يَحِيفُ السَّبِيلَ وَ يَزْنِي وَ يَلُوطُ وَ يَأْكُلُ الرِّبَا وَ يَرْتَكِبُ الْفَوَاحِشَ وَ يَتَهَاوَنُ بِالصَّلَاةِ وَ الصِّيَامِ وَ الزَّكَاةِ وَ يَقْطَعُ الرَّحِمَ وَ يَأْتِي الْكَبَائِرَ فَكَيْفَ هَذَا وَ لِمَ ذَاكَ فَقَالَ يَا إِبْرَاهِيمُ هَلْ يَخْتَلِجُ‏ (4) فِي صَدْرِكَ شَيْ‏ءٌ غَيْرُ هَذَا قُلْتُ نَعَمْ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ‏

____________



(1) و في نسخة: و لا يصر عليه.

(2) في المصدر: بكبيرة. م.

(3) استحسر: تعب و أعيا. و في نسخة: و لا تستح. و كذا فيما بعده.

(4) اختلج الشي‏ء في صدره: شغله و تجاذبه.

229

أُخْرَى أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ وَ مَا هُوَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ قَالَ فَقُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَ أَجِدُ مِنْ أَعْدَائِكُمْ وَ مُنَاصِبِيكُمْ مَنْ يُكْثِرُ مِنَ الصَّلَاةِ وَ مِنَ الصِّيَامِ وَ يُخْرِجُ الزَّكَاةَ وَ يُتَابِعُ بَيْنَ الْحَجِّ وَ الْعُمْرَةِ وَ يَحُضُّ عَلَى الْجِهَادِ وَ يَأْثَرُ عَلَى الْبِرِّ وَ عَلَى صِلَةِ الْأَرْحَامِ وَ يَقْضِي حُقُوقَ إِخْوَانِهِ وَ يُوَاسِيهِمْ مِنْ مَالِهِ‏ (1) وَ يَتَجَنَّبُ شُرْبَ الْخَمْرِ وَ الزِّنَا وَ اللِّوَاطَ وَ سَائِرَ الْفَوَاحِشِ فَمِمَّ ذَاكَ وَ لِمَ ذَاكَ فَسِّرْهُ لِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَ بَرْهِنْهُ وَ بَيِّنْهُ فَقَدْ وَ اللَّهِ كَثُرَ فِكْرِي وَ أَسْهَرَ لَيْلِي وَ ضَاقَ ذَرْعِي قَالَ فَتَبَسَّمَ (صلوات الله عليه) ثُمَّ قَالَ يَا إِبْرَاهِيمُ خُذْ إِلَيْكَ بَيَاناً شَافِياً فِيمَا سَأَلْتَ وَ عِلْماً مَكْنُوناً مِنْ خَزَائِنِ عِلْمِ اللَّهِ وَ سِرِّهِ أَخْبِرْنِي يَا إِبْرَاهِيمُ كَيْفَ تَجِدُ اعْتِقَادَهُمَا قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَجِدُ مُحِبِّيكُمْ وَ شِيعَتَكُمْ عَلَى مَا هُمْ فِيهِ مِمَّا وَصَفْتُهُ مِنْ أَفْعَالِهِمْ لَوْ أُعْطِيَ أَحَدُهُمْ مِمَّا (2) بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ ذَهَباً وَ فِضَّةً أَنْ يَزُولَ عَنْ وَلَايَتِكُمْ وَ مَحَبَّتِكُمْ إِلَى مُوَالاةِ غَيْرِكُمْ وَ إِلَى مَحَبَّتِهِمْ مَا زَالَ وَ لَوْ ضُرِبَتْ خَيَاشِيمُهُ‏ (3) بِالسُّيُوفِ فِيكُمْ وَ لَوْ قُتِلَ فِيكُمْ مَا ارْتَدَعَ‏ (4) وَ لَا رَجَعَ عَنْ مَحَبَّتِكُمْ وَ وَلَايَتِكُمْ وَ أَرَى النَّاصِبَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِمَّا وَصَفْتُهُ مِنْ أَفْعَالِهِمْ لَوْ أُعْطِيَ أَحَدُهُمْ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ ذَهَباً وَ فِضَّةً أَنْ يَزُولَ عَنْ مَحَبَّةِ الطَّوَاغِيتِ وَ مُوَالاتِهِمْ إِلَى مُوَالاتِكُمْ مَا فَعَلَ وَ لَا زَالَ وَ لَوْ ضُرِبَتْ خَيَاشِيمُهُ بِالسُّيُوفِ فِيهِمْ وَ لَوْ قُتِلَ فِيهِمْ مَا ارْتَدَعَ وَ لَا رَجَعَ وَ إِذَا سَمِعَ أَحَدُهُمْ مَنْقَبَةً لَكُمْ وَ فَضْلًا اشْمَأَزَّ مِنْ ذَلِكَ‏ (5) وَ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَ رُئِيَ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ بُغْضاً لَكُمْ وَ مَحَبَّةً لَهُمْ قَالَ فَتَبَسَّمَ الْبَاقِرُ(ع)ثُمَّ قَالَ يَا إِبْرَاهِيمُ هَاهُنَا (6) هَلَكَتِ الْعَامِلَةُ النَّاصِبَةُ تَصْلى‏ ناراً حامِيَةً تُسْقى‏ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (7) وَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ قَدِمْنا إِلى‏

____________



(1) أي يعاونهم من ماله.

(2) في نسخة: ما.

(3) جمع الخيشوم: أقصى الانف.

(4) في نسخة: ما ابتدع.

(5) أي انقبض و نفر كراهة منه.

(6) في المصدر: من هاهنا. م.

(7) أي بلغ إناه في شدة الحر.

230

- ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (1) وَيْحَكَ يَا إِبْرَاهِيمُ أَ تَدْرِي مَا السَّبَبُ وَ الْقِصَّةُ فِي ذَلِكَ وَ مَا الَّذِي قَدْ خَفِيَ عَلَى النَّاسِ مِنْهُ قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَبَيِّنْهُ لِي وَ اشْرَحْهُ وَ بَرْهِنْهُ قَالَ يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ عَالِماً قَدِيماً خَلَقَ الْأَشْيَاءَ لَا مِنْ شَيْ‏ءٍ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَقَدْ كَفَرَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْ‏ءُ الَّذِي خَلَقَ مِنْهُ الْأَشْيَاءَ قَدِيماً مَعَهُ فِي أَزَلِيَّتِهِ وَ هُوِيَّتِهِ كَانَ ذَلِكَ أَزَلِيّاً بَلْ خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا لَا مِنْ شَيْ‏ءٍ فَكَانَ مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَرْضاً طَيِّبَةً ثُمَّ فَجَّرَ مِنْهَا مَاءً عَذْباً زُلَالًا فَعَرَضَ عَلَيْهَا وَلَايَتَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَقَبِلَتْهَا فَأَجْرَى ذَلِكَ الْمَاءَ عَلَيْهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ حَتَّى طَبَّقَهَا وَ عَمَّهَا ثُمَّ نَضَبَ ذَلِكَ الْمَاءَ عَنْهَا (2) وَ أَخَذَ مِنْ صَفْوَةِ ذَلِكَ الطِّينِ طِيناً فَجَعَلَهُ طِينَ الْأَئِمَّةِ(ع)ثُمَّ أَخَذَ ثُفْلَ ذَلِكَ الطِّينِ فَخَلَقَ مِنْهُ شِيعَتَنَا وَ لَوْ تَرَكَ طِينَتَكُمْ يَا إِبْرَاهِيمُ عَلَى حَالِهِ كَمَا تَرَكَ طِينَتَنَا لَكُنْتُمْ وَ نَحْنُ شَيْئاً وَاحِداً قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَمَا فَعَلَ بِطِينَتِنَا قَالَ أُخْبِرُكَ يَا إِبْرَاهِيمُ خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَرْضاً سَبِخَةً (3) خَبِيثَةً مُنْتِنَةً ثُمَّ فَجَّرَ مِنْهَا مَاءً أُجَاجاً آسِناً مَالِحاً فَعَرَضَ عَلَيْهَا وَلَايَتَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ وَ لَمْ تَقْبَلْهَا فَأَجْرَى ذَلِكَ الْمَاءَ عَلَيْهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ حَتَّى طَبَّقَهَا وَ عَمَّهَا ثُمَّ نَضَبَ ذَلِكَ الْمَاءُ عَنْهَا ثُمَّ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ الطِّينِ فَخَلَقَ مِنْهُ الطُّغَاةَ وَ أَئِمَّتَهُمْ ثُمَّ مَزَجَهُ بِثُفْلِ طِينَتِكُمْ وَ لَوْ تَرَكَ طِينَتَهُمْ عَلَى حَالِهِ وَ لَمْ يَمْزُجْ بِطِينَتِكُمْ لَمْ يَشْهَدُوا الشَّهَادَتَيْنِ وَ لَا صَلَّوْا وَ لَا صَامُوا وَ لَا زَكَّوْا وَ لَا حَجُّوا وَ لَا أَدَّوْا أَمَانَةً وَ لَا أَشْبَهُوكُمْ فِي الصُّوَرِ وَ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَكْبَرَ عَلَى الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَرَى صُورَةَ عَدُوِّهِ مِثْلَ صُورَتِهِ قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَمَا صَنَعَ بِالطِّينَتَيْنِ قَالَ مَزَجَ بَيْنَهُمَا بِالْمَاءِ الْأَوَّلِ وَ الْمَاءِ الثَّانِي ثُمَّ عَرَكَهَا عَرْكَ الْأَدِيمِ ثُمَّ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ قَبْضَةً فَقَالَ هَذِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَ لَا أُبَالِي وَ أَخَذَ قَبْضَةً أُخْرَى وَ قَالَ هَذِهِ إِلَى النَّارِ وَ لَا أُبَالِي ثُمَّ خَلَطَ بَيْنَهُمَا فَوَقَعَ مِنْ سِنْخِ الْمُؤْمِنِ‏

____________



(1) الهباء: دقاق التراب و ما نبت في الهواء، فلا يبدو إلّا في أثناء ضوء الشمس في الكوة.

(2) أي نزح ماؤه و نشف.

(3) أي أرضا ذات نز و ملح.

231

وَ طِينَتِهِ عَلَى سِنْخِ الْكَافِرِ وَ طِينَتِهِ وَ وَقَعَ مِنْ سِنْخِ الْكَافِرِ وَ طِينَتِهِ عَلَى سِنْخِ الْمُؤْمِنِ وَ طِينَتِهِ فَمَا رَأَيْتَهُ مِنْ شِيعَتِنَا مِنْ زِنًا أَوْ لِوَاطٍ أَوْ تَرْكِ صَلَاةٍ أَوْ صِيَامٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ جِهَادٍ أَوْ خِيَانَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ مِنْ هَذِهِ الْكَبَائِرِ فَهُوَ مِنْ طِينَةِ النَّاصِبِ وَ عُنْصُرِهِ الَّذِي قَدْ مُزِجَ فِيهِ لِأَنَّ مِنْ سِنْخِ النَّاصِبِ وَ عُنْصُرِهِ وَ طِينَتِهِ اكْتِسَابَ الْمَآثِمِ وَ الْفَوَاحِشِ وَ الْكَبَائِرِ وَ مَا رَأَيْتَ مِنَ النَّاصِبِ وَ مُوَاظَبَتِهِ عَلَى الصَّلَاةِ وَ الصِّيَامِ وَ الزَّكَاةِ وَ الْحَجِّ وَ الْجِهَادِ وَ أَبْوَابِ الْبِرِّ فَهُوَ مِنْ طِينَةِ الْمُؤْمِنِ وَ سِنْخِهِ الَّذِي قَدْ مُزِجَ فِيهِ لِأَنَّ مِنْ سِنْخِ الْمُؤْمِنِ وَ عُنْصُرِهِ وَ طِينَتِهِ اكْتِسَابَ الْحَسَنَاتِ وَ اسْتِعْمَالَ الْخَيْرِ وَ اجْتِنَابَ الْمَآثِمِ فَإِذَا عُرِضَتْ هَذِهِ الْأَعْمَالُ كُلُّهَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ أَنَا عَدْلٌ لَا أَجُورُ وَ مُنْصِفٌ لَا أَظْلِمُ وَ حَكَمٌ لَا أَحِيفُ وَ لَا أَمِيلُ وَ لَا أَشْطُطُ (1) أَلْحِقُوا الْأَعْمَالَ السَّيِّئَةَ الَّتِي اجْتَرَحَهَا الْمُؤْمِنُ بِسِنْخِ النَّاصِبِ وَ طِينَتِهِ وَ أَلْحِقُوا الْأَعْمَالَ الْحَسَنَةَ الَّتِي اكْتَسَبَهَا النَّاصِبُ بِسِنْخِ الْمُؤْمِنِ وَ طِينَتِهِ رُدُّوهَا كُلَّهَا إِلَى أَصْلِهَا فَإِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا عَالِمُ السِّرِّ وَ أَخْفَى وَ أَنَا الْمُطَّلِعُ عَلَى قُلُوبِ عِبَادِي لَا أَحِيفُ وَ لَا أَظْلِمُ وَ لَا أَلْزِمُ أَحَداً إِلَّا مَا عَرَفْتُهُ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَهُ ثُمَّ قَالَ الْبَاقِرُ(ع)يَا إِبْرَاهِيمُ اقْرَأْ هَذِهِ الْآيَةَ قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَيَّةَ آيَةٍ قَالَ قَوْلَهُ تَعَالَى‏ قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ‏ هُوَ فِي الظَّاهِرِ مَا تَفْهَمُونَهُ وَ هُوَ وَ اللَّهِ فِي الْبَاطِنِ هَذَا بِعَيْنِهِ يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّ لِلْقُرْآنِ ظَاهِراً وَ بَاطِناً وَ مُحْكَماً وَ مُتَشَابِهاً وَ نَاسِخاً وَ مَنْسُوخاً ثُمَّ قَالَ أَخْبِرْنِي يَا إِبْرَاهِيمُ عَنِ الشَّمْسِ إِذَا طَلَعَتْ وَ بَدَا شُعَاعُهَا فِي الْبُلْدَانِ أَ هُوَ بَائِنٌ مِنَ الْقُرْصِ قُلْتُ فِي حَالِ طُلُوعِهِ بَائِنٌ قَالَ أَ لَيْسَ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ اتَّصَلَ ذَلِكَ الشُّعَاعُ بِالْقُرْصِ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ كَذَلِكَ يَعُودُ كُلُّ شَيْ‏ءٍ إِلَى سِنْخِهِ وَ جَوْهَرِهِ وَ أَصْلِهِ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَزَعَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ سِنْخَ النَّاصِبِ وَ طِينَتَهُ مَعَ أَثْقَالِهِ وَ أَوْزَارِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ فَيُلْحِقُهَا كُلَّهَا بِالنَّاصِبِ وَ يَنْزِعُ سِنْخَ الْمُؤْمِنِ وَ طِينَتَهُ مَعَ حَسَنَاتِهِ وَ أَبْوَابِ بِرِّهِ وَ اجْتِهَادِهِ مِنَ النَّاصِبِ فَيُلْحِقُهَا كُلَّهَا بِالْمُؤْمِنِ أَ فَتَرَى هَاهُنَا (2) ظُلْماً وَ عُدْوَاناً قُلْتُ لَا يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ هَذَا وَ اللَّهِ الْقَضَاءُ الْفَاصِلُ وَ الْحُكْمُ الْقَاطِعُ وَ الْعَدْلُ الْبَيِّنُ‏

____________



(1) الحيف: الجور و الظلم. و مال الحاكم في حكمه: جار و ظلم. و شطط الرجل: أفرط و تباعد عن الحق.

(2) في المصدر: افترى هذا. م.

232

لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ‏ هَذَا يَا إِبْرَاهِيمُ‏ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ‏ هَذَا مِنْ حُكْمِ الْمَلَكُوتِ‏ (1) قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَ مَا حُكْمُ الْمَلَكُوتِ قَالَ حُكْمُ اللَّهِ وَ حُكْمُ أَنْبِيَائِهِ وَ قِصَّةُ الْخَضِرِ وَ مُوسَى(ع)حِينَ اسْتَصْحَبَهُ فَقَالَ‏ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً افْهَمْ يَا إِبْرَاهِيمُ وَ اعْقِلْ أَنْكَرَ مُوسَى عَلَى الْخَضِرِ وَ اسْتَفْظَعَ أَفْعَالَهُ‏ (2) حَتَّى قَالَ لَهُ الْخَضِرُ يَا مُوسَى مَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي إِنَّمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَنْ هَذَا وَيْحَكَ يَا إِبْرَاهِيمُ قُرْآنٌ يُتْلَى وَ أَخْبَارٌ تُؤْثَرُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَنْ رَدَّ مِنْهَا حَرْفاً فَقَدْ كَفَرَ وَ أَشْرَكَ وَ رَدَّ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ اللَّيْثِيُّ فَكَأَنِّي لَمْ أَعْقِلِ الْآيَاتِ وَ أَنَا أَقْرَؤُهَا أَرْبَعِينَ سَنَةً إِلَّا ذَلِكَ الْيَوْمَ فَقُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا أَعْجَبَ هَذَا تُؤْخَذُ حَسَنَاتُ أَعْدَائِكُمْ فَتُرَدُّ عَلَى شِيعَتِكُمْ وَ تُؤْخَذُ سَيِّئَاتُ مُحِبِّيكُمْ فَتُرَدُّ عَلَى مُبْغِضِيكُمْ قَالَ إِي وَ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَالِقِ الْحَبَّةِ وَ بَارِئِ النَّسَمَةِ وَ فَاطِرِ الْأَرْضِ وَ السَّمَاءِ مَا أَخْبَرْتُكَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَ مَا أَتَيْتُكَ إِلَّا بِالصِّدْقِ‏ وَ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ‏ وَ مَا اللَّهُ‏ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ وَ إِنَّ مَا أَخْبَرْتُكَ لَمَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ كُلَّهُ قُلْتُ هَذَا بِعَيْنِهِ يُوجَدُ فِي الْقُرْآنِ قَالَ نَعَمْ يُوجَدُ فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ مَوْضِعاً فِي الْقُرْآنِ أَ تُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ ذَلِكَ عَلَيْكَ قُلْتُ بَلَى يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَ لْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَ ما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَ أَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ‏ الْآيَةَ أَزِيدُكَ يَا إِبْرَاهِيمُ قُلْتُ بَلَى يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ‏ لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ مِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ‏ أَ تُحِبُّ أَنْ أَزِيدَكَ قُلْتُ بَلَى يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ‏ فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً

____________



(1) الملكوت: الملك العظيم. العز و السلطان. و الملكوت السماوى هو محل القديسين في السماء.

(2) استفظع الامر أي وجده فظيعا، و الامر الفظيع: الذي اشتدت شناعته و جاوز المقدار في ذلك.

233

يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ شِيعَتِنَا حَسَنَاتٍ وَ يُبَدِّلُ اللَّهُ حَسَنَاتِ أَعْدَائِنَا سَيِّئَاتٍ وَ جَلَالِ اللَّهِ وَ وَجْهِ اللَّهِ إِنَّ هَذَا لَمِنْ عَدْلِهِ وَ إِنْصَافِهِ لَا رَادَّ لِقَضَائِهِ وَ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ‏ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏ أَ لَمْ أُبَيِّنْ لَكَ أَمْرَ الْمِزَاجِ وَ الطِّينَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ قُلْتُ بَلَى يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ اقْرَأْ يَا إِبْرَاهِيمُ‏ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ‏ (1) إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ‏ يَعْنِي مِنَ الْأَرْضِ الطَّيِّبَةِ وَ الْأَرْضِ الْمُنْتِنَةِ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى‏ يَقُولُ لَا يَفْتَخِرْ أَحَدُكُمْ بِكَثْرَةِ صَلَاتِهِ وَ صِيَامِهِ وَ زَكَاتِهِ وَ نُسُكِهِ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى مِنْكُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ اللَّمَمِ وَ هُوَ الْمِزَاجُ‏ (2) أَزِيدُكَ يَا إِبْرَاهِيمُ قُلْتُ بَلَى يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ‏ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدى‏ وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏ يَعْنِي أَئِمَّةَ الْجَوْرِ دُونَ أَئِمَّةِ الْحَقِ‏ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ‏ خُذْهَا إِلَيْكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ فَوَ اللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ غُرَرِ أَحَادِيثِنَا وَ بَاطِنِ سَرَائِرِنَا وَ مَكْنُونِ خَزَائِنِنَا وَ انْصَرِفْ وَ لَا تُطْلِعْ عَلَى سِرِّنَا أَحَداً إِلَّا مُؤْمِناً مُسْتَبْصِراً فَإِنَّكَ إِنْ أَذَعْتَ سِرَّنَا بُلِيتَ فِي نَفْسِكَ وَ مَالِكَ وَ أَهْلِكَ وَ وُلْدِكَ‏ (3).

بيان قال الفيروزآبادي أثر على الأمر كفرح عزم و له تفرّغ و قال الآسن من الماء الآجن و قال عركه دلكه و حكّه.

و لعل المراد بالأديم هنا الطعام المأدوم ثم في قوله ثم أخذ للترتيب الذكري و لتفصيل ما أجمل سابقا.

____________

(1) اللمم: مقاربة الذنب من غير أن يقع فيه، من قولك: ألممت بكذا: أى نزلت به و قاربته من غير مواقعة، و يعبر به عن الصغيرة. و يأتي أيضا بمعنى جنون خفيف، أو طرف من الجنون يلم بالانسان.

(2) أي الافتخار بكثرة الصلاة و غيرها من العبادات من قبل اللمم و هو المزاج، و الظاهر أنه (عليه السلام) أراد باللمم المعنى الثاني الذي ذكرناه؛ أو ما قاربه ممّا يكون لازما للطبع و مسندا إلى المزاج.

(3) و ختم بهذا الحديث الشريف كتاب علل الشرائع. م.

234

ثم اعلم أن هذا الخبر و أمثاله مما يصعب على القلوب فهمه و على العقول إدراكه و يمكن أن يكون كناية عما علم الله تعالى و قدره من اختلاط المؤمن و الكافر في الدنيا و استيلاء أئمة الجور و أتباعهم على أئمة الحق و أتباعهم و علم أن المؤمنين إنما يرتكبون الآثام لاستيلاء أهل الباطل عليهم و عدم تولي أئمة الحق بسياستهم فيعذرهم بذلك و يعفو عنهم و يعذب أئمة الجور و أتباعهم بتسببهم لجرائم من خالطهم مع ما يستحقون من جرائم أنفسهم و الله يعلم و حججه(ص)(1).

7- فس، تفسير القمي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى‏ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمَّا ذَرَأَ الْخَلْقَ فِي الذَّرِّ الْأَوَّلِ فَأَقَامَهُمْ صُفُوفاً قُدَّامَهُ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً(ص)فَآمَنَ بِهِ قَوْمٌ وَ أَنْكَرَهُ قَوْمٌ‏ (2) فَقَالَ اللَّهُ‏ هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى‏ يَعْنِي بِهِ مُحَمَّداً(ص)حَيْثُ دَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الذَّرِّ الْأَوَّلِ.

8- فس، تفسير القمي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ نُعَيْمٍ الصَّحَّافِ قَالَ: سَأَلْتُ الصَّادِقَ(ع)عَنْ قَوْلِهِ‏ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ‏ فَقَالَ عَرَفَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِيمَانَهُمْ بِوَلَايَتِنَا وَ كُفْرَهُمْ بِتَرْكِهَا يَوْمَ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ وَ هُمْ ذَرٌّ فِي صُلْبِ آدَمَ ع.

ير، بصائر الدرجات أحمد بن محمد عن ابن محبوب‏ مثله‏ (3).

9- فس، تفسير القمي أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ‏ هَذِهِ الْآيَةُ وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً يَعْنِي مَنْ جَرَى فِيهِ شَيْ‏ءٌ مِنْ شِرْكِ الشَّيْطَانِ عَلَى الطَّرِيقَةِ يَعْنِي عَلَى الْوَلَايَةِ فِي الْأَصْلِ عِنْدَ الْأَظِلَّةِ حِينَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي آدَمَ- (4) لَأَسْقَيْناهُمْ‏

____________



(1) استيفاء البحث عن مسألة نقل الاعمال الذي يدلّ عليه الرواية و ما يناظره من النقل و التعويض تعرضنا له في الجزء الثاني من تفسير الميزان و سنستوفى تمام البحث في تفسير سورة الأنفال ان شاء اللّه تعالى. ط.

(2) في المصدر: قوم آخر.

(3) فيه بادنى تغيير: فمنكم مؤمن و منكم كافر فقال عرف اللّه و اللّه ايمانهم بولايتنا و كفرهم بها يوم اخذ اللّه عليهم الميثاق في صلب آدم و هم ذر. هذه تمام الحديث في المصدر. م.

(4) في المصدر: ذرية آدم. م.

235

ماءً غَدَقاً يَعْنِي لَكِنَّا وَضَعْنَا أَظِلَّتَهُمْ فِي الْمَاءِ الْفُرَاتِ الْعَذْبِ.

بيان قوله(ع)يعني من جرى أي لما كانت لفظة لو دالة على عدم تحقق الاستقامة فالمراد بهم من جرى فيهم شرك الشيطان من المنكرين للولاية و حاصل الخبر أن المراد بالآية أنهم لو كانوا أقروا في عالم الضلال و الأرواح بالولاية لجعلنا أرواحهم في أجساد مخلوقة من الماء العذب فمنشأ اختلاف الطينة هو التكليف الأول في عالم الأرواح عند الميثاق.

10- فس، تفسير القمي أَبِي عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَنَا مِنْ أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَ خَلَقَ قُلُوبَ شِيعَتِنَا مِمَّا خَلَقَنَا مِنْهُ وَ خَلَقَ أَبْدَانَهُمْ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَقُلُوبُهُمْ تَهْوَى إِلَيْنَا وَ إِنَّهَا خُلِقَتْ مِمَّا خُلِقْنَا مِنْهُ ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ‏ كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ‏

11- ع، علل الشرائع ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ السَّعْدَآبَادِيِّ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي نَهْشَلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ‏ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَنَا الْخَبَرَ.

سن، المحاسن أبي عن أبي نهشل عن محمد بن إسماعيل عن أبي حمزة مثله بيان قد اختلف في تفسير عليين فقيل هي مراتب عالية محفوفة بالجلالة و قيل السماء السابعة و قيل سدرة المنتهى و قيل الجنة و قيل لوح من زبرجد أخضر معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيه و قال الفراء أي في ارتفاع بعد ارتفاع لا غاية له و المراد أن كتابة أعمالهم أو ما يكتب من أعمالهم في عليين أي في دفتر (1) أعمالهم أو المراد أن دفتر أعمالهم في تلك الأمكنة الشريفة و على الأخير فيه حذف مضاف أي و ما أدراك ما كتاب عليين و الظاهر أن مفاد الخبر أن دفتر أعمالهم موضوع في مكان أخذت منه طينتهم و يحتمل أن يكون المراد بالكتاب الروح لأنه محل للعلوم ترتسم فيها.

____________

(1) مجموع الصحف المضمومة، و الكلمة من الدخيل.

236

12- فس، تفسير القمي أَبِي عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ يَحْيَى الْحَلَبِيِّ عَنِ ابْنِ سِنَانٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَوَّلُ مَنْ سَبَقَ مِنَ الرُّسُلِ إِلَى بَلَى رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ أَقْرَبَ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَ كَانَ بِالْمَكَانِ الَّذِي قَالَ لَهُ جَبْرَئِيلُ لَمَّا أُسْرِيَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ تَقَدَّمْ يَا مُحَمَّدُ فَقَدْ وَطِئْتَ مَوْطِئاً لَمْ تَطَأْهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَ لَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ‏ (1) وَ لَوْ لَا أَنَّ رُوحَهُ وَ نَفْسَهُ كَانَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ لَمَا قَدَرَ أَنْ يَبْلُغَهُ فَكَانَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ كَمَا قَالَ اللَّهُ‏ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏ أَيْ بَلْ أَدْنَى‏ (2) فَلَمَّا خَرَجَ الْأَمْرُ مِنَ اللَّهِ وَقَعَ إِلَى أَوْلِيَائِهِ(ع)فَقَالَ الصَّادِقُ(ع)كَانَ الْمِيثَاقُ مَأْخُوذاً عَلَيْهِمْ لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَ لِرَسُولِهِ بِالنُّبُوَّةِ وَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْأَئِمَّةِ بِالْإِمَامَةِ فَقَالَ‏ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ‏ وَ مُحَمَّدٌ نَبِيَّكُمْ وَ عَلِيٌّ إِمَامَكُمْ وَ الْأَئِمَّةُ الْهَادُونَ أَئِمَّتَكُمْ فَ قالُوا بَلى‏ فَقَالَ اللَّهُ‏ شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ أَيْ لِئَلَّا تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ‏ فَأَوَّلُ مَا أَخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْمِيثَاقَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِالرُّبُوبِيَّةِ (3) وَ هُوَ قَوْلُهُ‏ وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ‏ فَذَكَرَ جُمْلَةَ الْأَنْبِيَاءِ ثُمَّ أَبْرَزَ أَفْضَلَهُمْ بِالْأَسَامِي فَقَالَ‏ وَ مِنْكَ‏ يَا مُحَمَّدُ فَقَدَّمَ رَسُولَ اللَّهِ(ص)لِأَنَّهُ أَفْضَلُهُمْ‏ وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ‏ فَهَؤُلَاءِ الْخَمْسَةُ أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ وَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَفْضَلُهُمْ ثُمَّ أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ مِيثَاقَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ لَهُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَ عَلَى أَنْ يَنْصُرُوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ‏ وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ‏ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ص‏ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ‏ يَعْنِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه) تُخْبِرُوا أُمَمَكُمْ بِخَبَرِهِ وَ خَبَرِ وَلِيِّهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ.

13 فس، تفسير القمي أَبِي عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْكَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع‏

____________

(1) في المصدر: لم يطأه أحد قبلك ملك و لا نبى مرسل. م.

(2) أراد (عليه السلام) في هذا التفسير القرب المعنوى لا المكانى، و فسرت الآية بأن الدنو و التدلى كان بينه ( صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و بين جبرئيل (عليه السلام) و سياق الآيات قبلها و بعدها يؤيّده.

(3) في المصدر: له بالربوبية. م.

237

وَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فِي قَوْلِهِ‏ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ‏ قَالَ مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً عَنْ آدَمَ‏ (1) فَهَلُمَّ جَرّاً إِلَّا وَ يَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقَاتِلُ وَ يَنْصُرُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)وَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ أَخَذَ أَيْضاً مِيثَاقَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَالَ‏ قُلْ‏ يَا مُحَمَّدُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ عَلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ وَ ما أُوتِيَ مُوسى‏ وَ عِيسى‏ وَ مَا أُوتِيَ‏ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏

14 فس، تفسير القمي أَبِي عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ‏ (2) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِهِ‏ وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ شَهِدْنا قُلْتُ مُعَايَنَةً كَانَ هَذَا قَالَ نَعَمْ فَثَبَتَتِ الْمَعْرِفَةُ وَ نَسُوا الْمَوْقِفَ وَ سَيَذْكُرُونَهُ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَمْ يَدْرِ أَحَدٌ مَنْ خَالِقُهُ وَ رَازِقُهُ فَمِنْهُمْ مَنْ أَقَرَّ بِلِسَانِهِ فِي الذَّرِّ وَ لَمْ يُؤْمِنْ بِقَلْبِهِ فَقَالَ اللَّهُ‏ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ‏

15- أَقُولُ رَوَى الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ فَهْدٍ فِي الْمُهَذَّبِ وَ غَيْرِهِ بِإِسْنَادِهِمْ عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قَالَ لِي يَا مُعَلَّى يَوْمُ النَّيْرُوزِ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَ لَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ أَنْ يَدِينُوا بِرُسُلِهِ وَ حُجَجِهِ وَ أَوْلِيَائِهِ(ع)الْخَبَرَ.

16- فس، تفسير القمي أَبِي عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْمِقْدَامِ عَنْ ثَابِتٍ الْحَدَّادِ (3) عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ آبَائِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فِي خَبَرٍ طَوِيلٍ‏ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ‏ قَالَ وَ كَانَ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَقْدِمَةً فِي آدَمَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُ وَ احْتِجَاجاً مِنْهُ عَلَيْهِمْ قَالَ فَاغْتَرَفَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَ تَعَالَى غُرْفَةً بِيَمِينِهِ مِنَ الْمَاءِ الْعَذْبِ‏

____________



(1) في المصدر: من لدن آدم. م.

(2) قد حكينا سابقا عن الكشّيّ أن عبد اللّه بن مسكان لم يرو عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) إلّا حديث (من أدرك المشعر فقد أدرك الحجّ) ففى سائر رواياته عنه (عليه السلام) ظنّ إرسال.

(3) هو ثابت بن هرمز، أبو المقدام العجليّ، والد عمرو بن أبي المقدام، عده الكشّيّ في التبرية. و لم يثبت توثيقه و لا توثيق ابنه.

238

الْفُرَاتِ وَ كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ فَصَلْصَلَهَا فِي كَفِّهِ فَجَمَدَتْ فَقَالَ لَهَا مِنْكِ أَخْلُقُ النَّبِيِّينَ وَ الْمُرْسَلِينَ وَ عِبَادِيَ الصَّالِحِينَ وَ الْأَئِمَّةَ الْمُهْتَدِينَ وَ الدُّعَاةَ إِلَى الْجَنَّةِ وَ أَتْبَاعَهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَ لَا أُبَالِي وَ لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ‏ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ‏ ثُمَّ اغْتَرَفَ غُرْفَةً أُخْرَى مِنَ الْمَاءِ الْمَالِحِ الْأُجَاجِ فَصَلْصَلَهَا فِي كَفِّهِ فَجَمَدَتْ ثُمَّ قَالَ لَهَا مِنْكِ أَخْلُقُ الْجَبَّارِينَ وَ الْفَرَاعِنَةَ وَ الْعُتَاةَ وَ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَ الدُّعَاةَ إِلَى النَّارِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ أَشْيَاعَهُمْ وَ لَا أُبَالِي وَ لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ‏ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ‏ قَالَ وَ شَرَطَ فِي ذَلِكَ الْبَدَاءَ فِيهِمْ وَ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي أَصْحَابِ الْيَمِينِ الْبَدَاءَ ثُمَّ خَلَطَ الْمَاءَيْنِ جَمِيعاً فِي كَفِّهِ فَصَلْصَلَهُمَا ثُمَّ كَفَأَهُمَا قُدَّامَ عَرْشِهِ وَ هُمَا سُلَالَةٌ مِنْ طِينٍ الْخَبَرَ.

شي، تفسير العياشي عن جابر عن أبي جعفر(ع)مثله- ع، علل الشرائع ابن الوليد عن الصفار عن ابن عيسى عن ابن محبوب عن عمرو بن أبي المقدام عن جابر مثله بيان قال الجزري فيه كلتا يديه يمين أي يديه تبارك و تعالى بصفة الكمال لا نقص في واحدة منهما لأن الشمال ينقص عن اليمين و إطلاق هذه الأسماء إنما هو على سبيل المجاز و الاستعارة و الله منزه من التشبيه و التجسيم انتهى.

أقول لما كانت اليد كناية عن القدرة فيحتمل أن يكون المراد باليمين القدرة على الرحمة و النعمة و الفضل و بالشمال القدرة على العذاب و القهر و الابتلاء فالمعنى أن عذابه و قهره و إمراضه و إماتته و سائر المصائب و العقوبات لطف و رحمة لاشتمالها على الحكم الخفية و المصالح العامة و به يمكن أن يفسر ما ورد في الدعاء و الخير في يديك و الصلصال الطين الحر خلط بالرمل فصار يتصلصل إذا جف و سلالة الشي‏ء ما انسل منه و استخرج بجذب و نزع.

17- ع، علل الشرائع أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ مَاءً عَذْباً فَخَلَقَ مِنْهُ أَهْلَ طَاعَتِهِ وَ جَعَلَ مَاءً مُرّاً فَخَلَقَ مِنْهُ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ ثُمَّ أَمَرَهُمَا فَاخْتَلَطَا فَلَوْ لَا ذَلِكَ مَا وَلَدَ الْمُؤْمِنُ إِلَّا مُؤْمِناً وَ لَا الْكَافِرُ إِلَّا كَافِراً.

239

18- ع، علل الشرائع ابْنُ الْوَلِيَدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ عَنِ ابْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ‏ (1) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَارُودِ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (صلوات الله عليه) قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ النَّبِيِّينَ مِنْ طِينَةِ عِلِّيِّينَ قُلُوبَهُمْ وَ أَبْدَانَهُمْ وَ خَلَقَ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ تِلْكَ الطِّينَةِ وَ خَلَقَ أَبْدَانَهُمْ مِنْ دُونِ ذَلِكَ وَ خَلَقَ الْكَافِرِينَ مِنْ طِينَةِ سِجِّيلٍ قُلُوبَهُمْ وَ أَبْدَانَهُمْ فَخَلَطَ بَيْنَ الطِّينَتَيْنِ فَمِنْ هَذَا يَلِدُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ وَ يَلِدُ الْكَافِرُ الْمُؤْمِنَ وَ مِنْ هَاهُنَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنُ السَّيِّئَةَ وَ يُصِيبُ الْكَافِرُ الْحَسَنَةَ فَقُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ تَحِنُّ إِلَى مَا خُلِقُوا مِنْهُ‏ (2) وَ قُلُوبُ الْكَافِرِينَ تَحِنُّ إِلَى مَا خُلِقُوا مِنْهُ.

19- ع، علل الشرائع أَحْمَدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ مُحَمَّدٍ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ يَزِيدَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ الْهُذَلِيِّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)مِثْلَهُ وَ فِيهِ وَ خَلَقَ أَبْدَانَ الْمُؤْمِنِينَ وَ خَلَقَ الْكُفَّارَ وَ سِجِّينٌ مَكَانَ سِجِّيلٍ‏ (3).

ير، بصائر الدرجات ابن معروف عن حماد عن ربعي عنه(ع)مثله‏

- سن، المحاسن أَبِي عَنْ حَمَّادٍ إِلَى قَوْلِهِ‏ وَ خَلَقَ أَبْدَانَهُمْ مِنْ دُونِ ذَلِكَ.

بيان سجين موضع فيه كتاب الفجار و دواوينهم قال أبو عبيد هو فعيل من السجن كالفسيق من الفسق و قيل هو الأرض السابعة أو أسفل منها أو جب في جهنم و السجيل كسكيت حجارة من مدر معرب سنگ گل و السجين أظهر.

20- ع، علل الشرائع مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنِ ابْنِ أَبَانٍ عَنِ ابْنِ أُورَمَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنِ الْعَبْقَرِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَبَّةَ الْعُرَنِيِّ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ آدَمَ(ع)مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ فَمِنْهُ السِّبَاخُ‏ (4) وَ مِنْهُ الْمِلْحُ وَ مِنْهُ الطَّيِّبُ فَكَذَلِكَ فِي ذُرِّيَّةِ الصَّالِحِ وَ الطَّالِحِ.

____________

(1) بكسر الراء و سكون الباء، و كسر العين، ثمّ الياء عنونه النجاشيّ في رجاله «ص 120» فقال:

ربعى ابن عبد اللّه بن الجارود بن أبي سيرة الهذلى أبو نعيم بصرى ثقة، روى عن أبي عبد اللّه و أبى الحسن (عليهما السلام)، و صحب الفضيل بن يسار، و أكثر الاخذ عنه، و كان خصيصا به، له كتاب رواه عدة من أصحابنا إه.

(2) أي تشتاق إلى ما خلقوا منه.

(3) في العلل المطبوع: سجين في كلا الروايتين. م.

(4) السباخ من الأرض: ما لم يحرث و لم يعمر.

240

21- ع، علل الشرائع ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنِ ابْنِ أَبَانٍ عَنِ ابْنِ أُورَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَجْرَى مَاءً فَقَالَ لَهُ كُنْ عَذْباً أَخْلُقْ مِنْكَ جَنَّتِي وَ أَهْلَ طَاعَتِي وَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَجْرَى مَاءً فَقَالَ لَهُ كُنْ بَحْراً مَالِحاً أَخْلُقْ مِنْكَ نَارِي وَ أَهْلَ مَعْصِيَتِي ثُمَّ خَلَطَهُمَا جَمِيعاً فَمِنْ ثَمَّ يُخْرِجُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ وَ يُخْرِجُ الْكَافِرَ مِنَ الْمُؤْمِنِ وَ لَوْ لَمْ يَخْلِطْهُمَا لَمْ يُخْرِجْ مِنْ هَذَا إِلَّا مِثْلَهُ وَ لَا مِنْ هَذَا إِلَّا مِثْلَهُ.

22- ع، علل الشرائع أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ يَقُولُ فِي آخِرِهِ‏ مَهْمَا رَأَيْتَ مِنْ نَزَقِ أَصْحَابِكَ وَ خُرْقِهِمْ فَهُوَ مِمَّا أَصَابَهُمْ مِنْ لَطْخِ أَصْحَابِ الشِّمَالِ‏ (1) وَ مَا رَأَيْتَ مِنْ حُسْنِ شِيَمِ‏ (2) مَنْ خَالَفَهُمْ وَ وَقَارِهِمْ فَهُوَ مِنْ لَطْخِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ.

23- ع، علل الشرائع ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ أَوَّلِ مَا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَا خَلَقَ مِنْهُ كُلَّ شَيْ‏ءٍ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ وَ مَا هُوَ قَالَ الْمَاءُ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ الْمَاءَ بَحْرَيْنِ أَحَدُهُمَا عَذْبٌ وَ الْآخَرُ مِلْحٌ‏ (3) فَلَمَّا خَلَقَهُمَا نَظَرَ إِلَى الْعَذْبِ فَقَالَ يَا بَحْرُ فَقَالَ لَبَّيْكَ وَ سَعْدَيْكَ قَالَ فِيكَ بَرَكَتِي وَ رَحْمَتِي وَ مِنْكَ أَخْلُقُ أَهْلَ طَاعَتِي وَ جَنَّتِي ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْآخَرِ فَقَالَ يَا بَحْرُ فَلَمْ يُجِبْ فَأَعَادَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَا بَحْرُ فَلَمْ يُجِبْ فَقَالَ عَلَيْكَ لَعْنَتِي وَ مِنْكَ أَخْلُقُ أَهْلَ مَعْصِيَتِي وَ مَنْ أَسْكَنْتُهُ نَارِي ثُمَّ أَمَرَهُمَا أَنْ يَمْتَزِجَا فَامْتَزَجَا قَالَ فَمِنْ ثَمَّ يَخْرُجُ الْمُؤْمِنُ مِنَ الْكَافِرِ وَ الْكَافِرُ مِنَ الْمُؤْمِنِ.

24- ع، علل الشرائع ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ الْبَزَنْطِيِّ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ وَ أَبِي الرَّبِيعِ يَرْفَعَانِهِ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ مَاءً فَجَعَلَهُ عَذْباً فَجَعَلَ مِنْهُ أَهْلَ‏

____________



(1) النزق: الخفة في كل أمر؛ العجلة في جهل و حمق. الخرق: ضعف الرأى؛ سوء التصرف؛ الجهل و الحمق؛ ضد الرفق. اللطخ: كل شي‏ء لوث بغير لونه.

(2) جمع للشيمة: الخلق و الطبيعة.

(3) في نسخة: و الآخر مالح.

241

طَاعَتِهِ وَ خَلَقَ مَاءً مُرّاً فَجَعَلَ مِنْهُ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ ثُمَّ أَمَرَهُمَا فَاخْتَلَطَا وَ لَوْ لَا ذَلِكَ مَا وَلَدَ الْمُؤْمِنُ إِلَّا مُؤْمِناً وَ لَا الْكَافِرُ إِلَّا كَافِراً.

25- ع، علل الشرائع أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ ابْنِ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْ حَبِيبٍ قَالَ حَدَّثَنِي الثِّقَةُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَخَذَ مِيثَاقَ الْعِبَادِ وَ هُمْ أَظِلَّةٌ قَبْلَ الْمِيلَادِ فَمَا تَعَارَفَ مِنَ الْأَرْوَاحِ ائْتَلَفَ وَ مَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ.

26- ع، علل الشرائع بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ حَبِيبٍ عَمَّنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَا تَقُولُ فِي الْأَرْوَاحِ أَنَّهَا جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَ مَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ قَالَ فَقُلْتُ إِنَّا نَقُولُ ذَلِكَ قَالَ فَإِنَّهُ كَذَلِكَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَخَذَ مِنَ الْعِبَادِ مِيثَاقَهُمْ وَ هُمْ أَظِلَّةُ قَبْلَ الْمِيلَادِ وَ هُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ‏ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ قَالَ فَمَنْ أَقَرَّ لَهُ يَوْمَئِذٍ جَاءَتْ أُلْفَتُهُ هَاهُنَا وَ مَنْ أَنْكَرَهُ يَوْمَئِذٍ جَاءَ خِلَافُهُ هَاهُنَا.

بيان جاءت ألفته أي ألفته مع أئمته و معرفته لهم أو ألفة المؤمنين بعضهم ببعض من جهة اتفاقهم في المذهب و يحتمل أن يكون التعارف معرفة الشيعة لأئمتهم و الائتلاف ألفة المؤمنين بعضهم ببعض لموافقتهم في المذهب.

27- ع، علل الشرائع أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: كُنَّا عِنْدَهُ فَذَكَرْنَا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِنَا فَقُلْنَا فِيهِ حِدَّةٌ (1) فَقَالَ مِنْ عَلَامَةِ الْمُؤْمِنِ أَنْ تَكُونَ فِيهِ حِدَّةٌ قَالَ فَقُلْنَا لَهُ إِنَّ عَامَّةَ أَصْحَابِنَا فِيهِمْ حِدَّةٌ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فِي وَقْتِ مَا ذَرَأَهُمْ أَمَرَ أَصْحَابَ الْيَمِينِ وَ أَنْتُمْ هُمْ أَنْ يَدْخُلُوا النَّارَ فَدَخَلُوهَا فَأَصَابَهُمْ وَهَجٌ‏ (2) فَالْحِدَّةُ مِنْ ذَلِكَ الْوَهَجِ وَ أَمَرَ أَصْحَابَ الشِّمَالِ وَ هُمْ مُخَالِفُوهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا النَّارَ فَلَمْ يَفْعَلُوا فَمِنْ ثَمَّ لَهُمْ سَمْتٌ وَ لَهُمْ وَقَارٌ.

28- ما، الأمالي للشيخ الطوسي الْغَضَائِرِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَلَوِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ‏

____________

(1) الحدة من الإنسان: بأسه و ما يعتريه من الغضب.

(2) الوهج: اتقاد النار.

242

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْعَطَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ الْغَزَّالِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ جَدِّهِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ فِي الْفِرْدَوْسِ لَعَيْناً أَحْلَى مِنَ الشَّهْدِ وَ أَلْيَنَ مِنَ الزُّبْدِ وَ أَبْرَدَ مِنَ الثَّلْجِ وَ أَطْيَبَ مِنَ الْمِسْكِ فِيهَا طِينَةٌ خَلَقَنَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْهَا وَ خَلَقَ شِيعَتَنَا مِنْهَا فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ تِلْكَ الطِّينَةِ فَلَيْسَ مِنَّا وَ لَا مِنْ شِيعَتِنَا وَ هِيَ الْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى وَلَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)قَالَ عُبَيْدٌ فَذَكَرْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ‏ (1) هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ صَدَقَكَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَكَذَا أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي- عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ عُبَيْدٌ قُلْتُ أَشْتَهِي أَنْ تُفَسِّرَهُ لَنَا إِنْ كَانَ عِنْدَكَ تَفْسِيرٌ قَالَ نَعَمْ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنَّهُ قَالَ إِنَّ لِلَّهِ مَلَكاً رَأْسُهُ تَحْتَ الْعَرْشِ وَ قَدَمَاهُ فِي تُخُومِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى بَيْنَ عَيْنَيْهِ رَاحَةُ أَحَدِكُمْ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقاً عَلَى وَلَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)أَمَرَ ذَلِكَ الْمَلَكَ فَأَخَذَ مِنْ تِلْكَ الطِّينَةِ فَرَمَى بِهَا فِي النُّطْفَةِ حَتَّى تَصِيرَ إِلَى الرَّحِمِ مِنْهَا يَخْلُقُ وَ هِيَ الْمِيثَاقُ.

29- ع، علل الشرائع أَبِي عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَدْيَنَ مِنْ وُلْدِ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَشْتَرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَ مَعِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِنَا فَقُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنِّي لَأَغْتَمُّ وَ أَحْزَنُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَعْرِفَ لِذَلِكَ سَبَباً فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ ذَلِكَ الْحَزَنَ وَ الْفَرَحَ يَصِلُ إِلَيْكُمْ مِنَّا إِذَا دَخَلَ عَلَيْنَا حَزَنٌ أَوْ سُرُورٌ كَانَ ذَلِكَ دَاخِلًا عَلَيْكُمْ لِأَنَّا وَ إِيَّاكُمْ مِنْ نُورِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَجَعَلَنَا وَ طِينَتَنَا وَ طِينَتَكُمْ وَاحِدَةً وَ لَوْ تُرِكَتْ طِينَتُكُمْ كَمَا أُخِذَتْ لَكُنَّا وَ أَنْتُمْ سَوَاءً وَ لَكِنْ مُزِجَتْ طِينَتُكُمْ بِطِيْنَةِ أَعْدَائِكُمْ فَلَوْ لَا ذَلِكَ مَا أَذْنَبْتُمْ ذَنْباً أَبَداً قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَتَعُودُ طِينَتُنَا وَ نُورُنَا كَمَا بَدَأَ فَقَالَ إِي وَ اللَّهِ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ هَذَا الشُّعَاعِ الزَّاجِرِ مِنَ الْقُرْصِ إِذَا طَلَعَ أَ هُوَ مُتَّصِلٌ بِهِ أَوْ بَائِنٌ مِنْهُ‏

____________



(1) تقدم الحديث عن الأمالي بسند آخر تحت رقم 4 و فيه: فذكرت ذلك لمحمّد بن على بن الحسين بن على (عليهم السلام): و هو الصحيح.

243

فَقُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ بَلْ هُوَ بَائِنٌ مِنْهُ فَقَالَ أَ فَلَيْسَ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ وَ سَقَطَ الْقُرْصُ عَادَ إِلَيْهِ فَاتَّصَلَ بِهِ كَمَا بَدَأَ مِنْهُ فَقُلْتُ لَهُ نَعَمْ فَقَالَ كَذَلِكَ وَ اللَّهِ شِيعَتُنَا مِنْ نُورِ اللَّهِ خُلِقُوا وَ إِلَيْهِ يَعُودُونَ وَ اللَّهِ إِنَّكُمْ لَمُلْحَقُونَ بِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ إِنَّا لَنَشْفَعُ فَنُشَفَّعُ‏ (1) وَ وَ اللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَشْفَعُونَ فَتُشَفَّعُونَ وَ مَا مِنْ رَجُلٍ مِنْكُمْ إِلَّا وَ سَتُرْفَعُ لَهُ نَارٌ عَنْ شِمَالِهِ وَ جَنَّةٌ عَنْ يَمِينِهِ فَيُدْخِلُ أَحِبَّاءَهُ الْجَنَّةَ وَ أَعْدَاءَهُ النَّارَ.

30- ع، علل الشرائع الدَّقَّاقُ عَنْ مُحَمَّدٍ الْأَسَدِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ رَفَعَهُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ زَيْدٍ الشَّحَّامِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَنَا مِنْ نُورٍ مُبْتَدَعٍ مِنْ نُورٍ رَسَخَ ذَلِكَ النُّورُ فِي طِينَةٍ مِنْ أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَ خَلَقَ قُلُوبَ شِيعَتِنَا مِمَّا خَلَقَ مِنْهُ أَبْدَانَنَا وَ خَلَقَ أَبْدَانَهُمْ مِنْ طِينَةٍ دُونَ ذَلِكَ فَقُلُوبُهُمْ تَهْوَى إِلَيْنَا لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِمَّا خُلِقْنَا مِنْهُ ثُمَّ قَرَأَ كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ‏ وَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ قُلُوبَ أَعْدَائِنَا مِنْ طِينَةٍ مِنْ سِجِّينٍ وَ خَلَقَ أَبْدَانَهُمْ مِنْ طِينَةٍ مِنْ دُونِ ذَلِكَ وَ خَلَقَ قُلُوبَ شِيعَتِهِمْ مِمَّا خَلَقَ مِنْهُ أَبْدَانَهُمْ فَقُلُوبُهُمْ تَهْوَى إِلَيْهِمْ ثُمَّ قَرَأَ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَ ما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ كِتابٌ مَرْقُومٌ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏

31- ع، علل الشرائع أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ أَبِي يَحْيَى الْوَاسِطِيِّ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَنَا مِنْ عِلِّيِّينَ وَ خَلَقَ أَرْوَاحَنَا مِنْ فَوْقِ ذَلِكَ وَ خَلَقَ أَرْوَاحَ شِيعَتِنَا مِنْ عِلِّيِّينَ وَ خَلَقَ أَجْسَادَهُمْ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَ الْقَرَابَةُ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُمْ وَ مِنْ ثَمَّ تَحِنُّ قُلُوبُهُمْ إِلَيْنَا.

32- ع، علل الشرائع أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ قَالَ ثَبَتَتِ الْمَعْرِفَةُ وَ نَسُوا الْوَقْتَ‏ (2) وَ سَيَذْكُرُونَهُ يَوْماً وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَمْ يَدْرِ أَحَدٌ مَنْ خَالِقُهُ وَ لَا مَنْ رَازِقُهُ.

شي، تفسير العياشي عن زرارة مثله.

____________

(1) نشفع على صيغة المجهول من باب التفعيل، أي يقبل شفاعتنا.

(2) في نسخة: الموقف.

244

33- ع، علل الشرائع ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ دَاوُدَ الرَّقِّيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ خَلَقَهُمْ وَ نَشَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ مَنْ رَبُّكُمْ فَأَوَّلُ مَنْ نَطَقَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْأَئِمَّةُ (صلوات الله عليهم أجمعين) فَقَالُوا أَنْتَ رَبُّنَا فَحَمَّلَهُمُ الْعِلْمَ وَ الدِّينَ ثُمَّ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ هَؤُلَاءِ حَمَلَةُ دِينِي وَ عِلْمِي وَ أُمَنَائِي فِي خَلْقِي وَ هُمُ الْمَسْئُولُونَ ثُمَّ قَالَ لِبَنِي آدَمَ أَقِرُّوا لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَ لِهَؤُلَاءِ النَّفَرِ بِالطَّاعَةِ وَ الْوَلَايَةِ فَقَالُوا نَعَمْ رَبَّنَا أَقْرَرْنَا فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ لِلْمَلَائِكَةِ اشْهَدُوا فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ شَهِدْنَا عَلَى أَنْ لَا يَقُولُوا غَداً إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ‏ أَوْ يَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَ كُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ‏ يَا دَاوُدُ الْأَنْبِيَاءُ (1) مُؤَكَّدَةٌ عَلَيْهِمْ فِي الْمِيثَاقِ.

بيان قوله(ع)هم المسئولون أي يجب على الناس أن يسألوهم عن أمور دينهم أو فيه حذف و إيصال أي يسأل الناس يوم القيامة عن حبهم و ولايتهم.

34- ع، علل الشرائع أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ بَزِيعٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ عُقْبَةَ (2) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيِّ وَ عُقْبَةَ جَمِيعاً عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْخَلْقَ فَخَلَقَ مَنْ أَحَبَّ مِمَّا أَحَبَّ وَ كَانَ مَا أَحَبَّ أَنْ خَلَقَهُ مِنْ طِينَةِ الْجَنَّةِ وَ خَلَقَ مَنْ أَبْغَضَ مِمَّا أَبْغَضَ وَ كَانَ مَا أَبْغَضَ أَنْ خَلَقَهُ مِنْ طِينَةِ النَّارِ ثُمَّ بَعَثَهُمْ فِي الظِّلَالِ فَقُلْتُ وَ أَيُّ شَيْ‏ءٍ الظِّلَالُ فَقَالَ أَ لَمْ تَرَ إِلَى ظِلِّكَ فِي الشَّمْسِ شَيْ‏ءٌ وَ لَيْسَ بِشَيْ‏ءٍ ثُمَّ بَعَثَ مِنْهُمُ النَّبِيِّينَ فَدَعَوْهُمْ إِلَى الْإِقْرَارِ بِاللَّهِ وَ هُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏ ثُمَّ دَعَوْهُمْ إِلَى الْإِقْرَارِ بِالنَّبِيِّينَ فَأَنْكَرَ بَعْضٌ وَ أَقَرَّ بَعْضٌ ثُمَّ دَعَوْهُمْ إِلَى وَلَايَتِنَا فَأَقَرَّ بِهَا وَ اللَّهِ مَنْ أَحَبَّ وَ أَنْكَرَهَا مَنْ أَبْغَضَ وَ هُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ‏ ثُمَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)كَانَ التَّكْذِيبُ ثَمَّ.

____________

(1) في نسخة: ولايتنا.

(2) ضبطه الطريحى في الضوابط بضم العين، و سكون القاف، و فتح الباء، و احتمل المامقاني كونه بالفتحات الثلاث.

245

ير، بصائر الدرجات محمد بن الحسين عن محمد بن إسماعيل عن صالح بن عقبة عن عبد الله بن محمد الجعفي عن أبي جعفر و عن عقبة عن أبي جعفر(ع)مثله- شي، تفسير العياشي عن عبد الله الجعفي‏ مثله توضيح قوله(ع)في الظلال أي عالم الأرواح بناء على أنها أجسام لطيفة و يحتمل أن يكون التشبيه للتجرد أيضا تقريبا إلى الأفهام أو عالم المثال على القول به قبل الانتقال إلى الأبدان.

قوله(ع)و هو قوله أي هذه المعرفة الفطرية إنما حصل من أخذ تلك الميثاق.

35- ع، علل الشرائع ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ الْيَقْطِينِيِّ عَنْ زِيَادٍ الْقَنْدِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِي الطَّوَافِ إِذْ مَرَّ رَجُلٌ مِنْ آلِ عُمَرَ فَأَخَذَ (1) بِيَدِهِ رَجُلٌ فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ فَانْتَهَرَهُ وَ أَغْلَظَ لَهُ وَ قَالَ لَهُ بَطَلَ حَجُّكَ إِنَّ الَّذِي تَسْتَلِمُهُ حَجَرٌ لَا يَضُرُّ وَ لَا يَنْفَعُ فَقُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)جُعِلْتُ فِدَاكَ أَ مَا سَمِعْتَ قَوْلَ الْعُمَرِيِّ لِهَذَا الَّذِي اسْتَلَمَ الْحَجَرَ فَأَصَابَهُ مَا أَصَابَهُ فَقَالَ وَ مَا الَّذِي قَالَ قُلْتُ لَهُ قَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بَطَلَ حَجُّكَ إِنَّمَا هُوَ حَجَرٌ لَا يَضُرُّ وَ لَا يَنْفَعُ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)كَذَبَ ثُمَّ كَذَبَ ثُمَّ كَذَبَ إِنَّ لِلْحَجَرِ لِسَاناً ذَلِقاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَشْهَدُ لِمَنْ وَافَاهُ بِالْمُوَافَاةِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ خَلَقَ بَحْرَيْنِ بَحْراً عَذْباً وَ بَحْراً أُجَاجاً فَخَلَقَ تُرْبَةَ آدَمَ مِنَ الْبَحْرِ الْعَذْبِ وَ شَنَ‏ (2) عَلَيْهَا مِنَ الْبَحْرِ الْأُجَاجِ ثُمَّ جَبَّلَ آدَمَ فَعَرَكَ عَرْكَ الْأَدِيمِ فَتَرَكَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهِ الرُّوحَ أَقَامَهُ شَبَحاً فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ فَخَرَجُوا كَالذَّرِّ فَقَالَ هَؤُلَاءِ إِلَى الْجَنَّةِ وَ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ وَ قَالَ هَؤُلَاءِ إِلَى النَّارِ فَأَنْطَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ وَ أَصْحَابَ الْيَسَارِ فَقَالَ أَهْلُ الْيَسَارِ يَا رَبِّ لِمَا خَلَقْتَ‏ (3) لَنَا النَّارَ وَ لَمْ تُبَيِّنْ لَنَا وَ لَمْ تَبْعَثْ إِلَيْنَا رَسُولًا فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُمْ ذَلِكَ لِعِلْمِي بِمَا أَنْتُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ وَ إِنِّي سَأَبْتَلِيكُمْ فَأَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ النَّارَ فَأُسْعِرَتْ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ تَقَحَّمُوا

____________



(1) في نسخة: واخذ.

(2) في المصدر: سن. م.

(3) في المصدر: لم خلقت. م.

246

جَمِيعاً فِي النَّارِ فَإِنِّي أَجْعَلُهَا عَلَيْكُمْ بَرْداً وَ سَلَاماً فَقَالُوا يَا رَبِّ إِنَّمَا سَأَلْنَاكَ لِأَيِّ شَيْ‏ءٍ جَعَلْتَهَا لَنَا هَرَباً مِنْهَا وَ لَوْ أَمَرْتَ أَصْحَابَ الْيَمِينِ مَا دَخَلُوا فَأَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ النَّارَ فَأُسْعِرَتْ ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ تَقَحَّمُوا جَمِيعاً فِي النَّارِ فَتَقَحَّمُوا جَمِيعاً فَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْداً وَ سَلَاماً فَقَالَ لَهُمْ‏ (1) أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالَ أَصْحَابُ الْيَمِينِ بَلَى طَوْعاً وَ قَالَ أَصْحَابُ الشِّمَالِ بَلَى كَرْهاً فَأَخَذَ مِنْهُمْ جَمِيعاً مِيثَاقَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ قَالَ وَ كَانَ الْحَجَرُ فِي الْجَنَّةِ فَأَخْرَجَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فَالْتَقَمَ الْمِيثَاقَ مِنَ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ‏ فَلَمَّا أَسْكَنَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ آدَمَ الْجَنَّةَ وَ عَصَى أَهْبَطَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْحَجَرَ وَ جَعَلَهُ فِي رُكْنِ بَيْتِهِ وَ أَهْبَطَ آدَمَ(ع)عَلَى الصَّفَا فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ رَآهُ فِي الْبَيْتِ فَعَرَفَهُ وَ عَرَفَ مِيثَاقَهُ وَ ذَكَرَهُ فَجَاءَ إِلَيْهِ مُسْرِعاً فَأَكَبَّ عَلَيْهِ وَ بَكَى عَلَيْهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً تَائِباً مِنْ خَطِيئَتِهِ وَ نَادِماً عَلَى نَقْضِهِ مِيثَاقَهُ قَالَ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أُمِرْتُمْ أَنْ تَقُولُوا إِذَا اسْتَلَمْتُمُ الْحَجَرَ أَمَانَتِي أَدَّيْتُهَا وَ مِيثَاقِي تَعَاهَدْتُهُ لِتَشْهَدَ لِي بِالْمُوَافَاةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

36- ع، علل الشرائع ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ السَّعْدَآبَادِيِّ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَمَذَانِيِّ عَنْ إِسْحَاقَ الْقُمِّيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ(ع)فَقُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَخْبِرْنِي عَنِ الْمُؤْمِنِ يَزْنِي قَالَ لَا قُلْتُ فَيَلُوطُ قَالَ لَا قُلْتُ فَيَشْرَبُ الْمُسْكِرَ قَالَ لَا قُلْتُ فَيُذْنِبُ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ لَا يَزْنِي وَ لَا يَلُوطُ وَ لَا يَرْتَكِبُ السَّيِّئَاتِ فَأَيُّ شَيْ‏ءٍ ذَنْبُهُ فَقَالَ يَا إِسْحَاقُ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى‏ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ‏ وَ قَدْ يُلِمُّ الْمُؤْمِنُ بِالشَّيْ‏ءِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مُرَادٌ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَخْبِرْنِي عَنِ النَّاصِبِ لَكُمْ يُظْهَرُ بِشَيْ‏ءٍ أَبَداً قَالَ لَا قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَقَدْ أَرَى الْمُؤْمِنَ الْمُوَحِّدَ الَّذِي يَقُولُ بِقَوْلِي وَ يَدِينُ اللَّهَ بِوَلَايَتِكُمْ وَ لَيْسَ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ خِلَافٌ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ وَ يَزْنِي وَ يَلُوطُ وَ آتِيهِ فِي حَاجَةٍ وَاحِدَةٍ فَأُصِيبُهُ مُعَبِّسَ الْوَجْهِ كَامِحَ اللَّوْنِ ثَقِيلًا فِي حَاجَتِي بَطِيئاً فِيهَا وَ قَدْ أَرَى‏

____________



(1) في المصدر: فقال لهم جميعا. م.

247

النَّاصِبَ الْمُخَالِفَ لِمَا أَنَا عَلَيْهِ وَ يَعْرِفُنِي بِذَلِكَ فَآتِيهِ فِي حَاجَةٍ فَأُصِيبُهُ طَلِقَ الْوَجْهِ حَسَنَ الْبِشْرِ مُتَسَرِّعاً فِي حَاجَتِي فَرِحاً بِهَا يُحِبُّ قَضَاءَهَا (1) كَثِيرَ الصَّلَاةِ كَثِيرَ الصَّوْمِ كَثِيرَ الصَّدَقَةِ يُؤَدِّي الزَّكَاةَ وَ يُسْتَوْدَعُ فَيُؤَدِّي الْأَمَانَةَ قَالَ يَا إِسْحَاقُ لَيْسَ تَدْرُونَ مِنْ أَيْنَ أُوتِيتُمْ قُلْتُ لَا وَ اللَّهِ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنِي فَقَالَ يَا إِسْحَاقُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمَّا كَانَ مُتَفَرِّداً بِالْوَحْدَانِيَّةِ ابْتَدَأَ الْأَشْيَاءَ لَا مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَجْرَى الْمَاءَ الْعَذْبَ عَلَى أَرْضٍ طَيِّبَةٍ طَاهِرَةٍ سَبْعَةَ أَيَّامٍ مَعَ لَيَالِيهَا ثُمَّ نَضَبَ الْمَاءُ عَنْهَا فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ صَفَاوَةِ ذَلِكَ الطِّينِ وَ هِيَ طِينَتُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ أَسْفَلِ ذَلِكَ الطِّينَةِ وَ هِيَ طِينَةُ شِيعَتِنَا ثُمَّ اصْطَفَانَا لِنَفْسِهِ فَلَوْ أَنَّ طِينَةَ شِيعَتِنَا تُرِكَتْ كَمَا تُرِكَتْ طِينَتُنَا لَمَا زَنَى أَحَدٌ مِنْهُمْ وَ لَا سَرَقَ وَ لَا لَاطَ وَ لَا شَرِبَ الْمُسْكِرَ وَ لَا اكْتَسَبَ شَيْئاً مِمَّا ذَكَرْتَ وَ لَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَجْرَى الْمَاءَ الْمَالِحَ عَلَى أَرْضٍ مَلْعُونَةٍ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَ لَيَالِيَهَا ثُمَّ نَضَبَ الْمَاءُ عَنْهَا ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً وَ هِيَ طِينَةٌ مَلْعُونَةٌ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ‏ (2) وَ هِيَ طِينَةُ خَبَالٍ‏ (3) وَ هِيَ طِينَةُ أَعْدَائِنَا فَلَوْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ تَرَكَ طِينَتَهُمْ كَمَا أَخَذَهَا لَمْ تَرَوْهُمْ فِي خَلْقِ الْآدَمِيِّينَ وَ لَمْ يُقِرُّوا بِالشَّهَادَتَيْنِ وَ لَمْ يَصُومُوا وَ لَمْ يُصَلُّوا وَ لَمْ يُزَكُّوا وَ لَمْ يَحُجُّوا الْبَيْتَ وَ لَمْ تَرَوْا أَحَداً مِنْهُمْ بِحُسْنِ خُلُقٍ وَ لَكِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى جَمَعَ الطِّينَتَيْنِ طِينَتَكُمْ وَ طِينَتَهُمْ فَخَلَطَهُمَا وَ عَرَكَهُمَا عَرْكَ الْأَدِيمِ وَ مَزَجَهُمَا بِالْمَاءَيْنِ فَمَا رَأَيْتَ مِنْ أَخِيكَ مِنْ شَرِّ لَفْظٍ أَوْ زِنًا أَوْ شَيْ‏ءٍ مِمَّا ذَكَرْتَ مِنْ شُرْبِ مُسْكِرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَيْسَ مِنْ جَوْهَرِيَّتِهِ وَ لَا مِنْ إِيمَانِهِ إِنَّمَا هُوَ بِمَسْحَةِ النَّاصِبِ اجْتَرَحَ هَذِهِ السَّيِّئَاتِ الَّتِي ذَكَرْتَ وَ مَا رَأَيْتَ مِنَ النَّاصِبِ مِنْ حُسْنِ وَجْهٍ وَ حُسْنِ خُلُقٍ أَوْ صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ حَجِّ بَيْتٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ فَلَيْسَ مِنْ جَوْهَرِيَّتِهِ إِنَّمَا تِلْكَ الْأَفَاعِيلُ مِنْ مَسْحَةِ الْإِيمَانِ اكْتَسَبَهَا وَ هُوَ اكْتِسَابُ مَسْحَةِ الْإِيمَانِ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَمَهْ‏ (4) قَالَ لِي يَا إِسْحَاقُ أَ يَجْمَعُ اللَّهُ الْخَيْرَ

____________



(1) كذا في نسخة المصنّف لكن الظاهر كما في بعض النسخ: فرحا بما يحب قضاءها.

(2) الحمأ: الطين الأسود المتغير. و المسنون: المنتن. و قيل: المصور. و المصبوب المفرغ كأنّه افرغ حتّى صار صورة.

(3) الخبال الفساد، النقصان.

(4) في نسخة: قسمه.

248

وَ الشَّرَّ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَزَعَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَسْحَةَ الْإِيمَانِ مِنْهُمْ فَرَدَّهَا إِلَى شِيعَتِنَا وَ نَزَعَ مَسْحَةَ النَّاصِبِ بِجَمِيعِ مَا اكْتَسَبُوا مِنَ السَّيِّئَاتِ فَرَدَّهَا عَلَى أَعْدَائِنَا وَ عَادَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ إِلَى عُنْصُرِهِ الْأَوَّلِ الَّذِي مِنْهُ ابْتَدَأَ أَ مَا رَأَيْتَ الشَّمْسَ إِذَا هِيَ بَدَتْ أَ لَا تَرَى لَهَا شُعَاعاً زَاجِراً مُتَّصِلًا بِهَا أَوْ بَائِناً مِنْهَا قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ الشَّمْسُ إِذَا هِيَ غَرَبَتْ بَدَأَ إِلَيْهَا الشُّعَاعُ كَمَا بَدَأَ مِنْهَا وَ لَوْ كَانَ بَائِناً مِنْهَا لَمَا بَدَأَ إِلَيْهَا قَالَ نَعَمْ يَا إِسْحَاقُ كُلُّ شَيْ‏ءٍ يَعُودُ إِلَى جَوْهَرِهِ الَّذِي مِنْهُ بَدَأَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ تُؤْخَذُ حَسَنَاتُهُمْ فَتُرَدُّ إِلَيْنَا وَ تُؤْخَذُ سَيِّئَاتُنَا فَتُرَدُّ إِلَيْهِمْ قَالَ إِي وَ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَجِدُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ نَعَمْ يَا إِسْحَاقُ قُلْتُ فِي أَيِّ مَكَانٍ قَالَ لِي يَا إِسْحَاقُ أَ مَا تَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً فَلَمْ يُبَدِّلِ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ إِلَّا لَكُمْ وَ اللَّهُ يُبَدِّلُ لَكُمْ.

إيضاح قال الجزري في حديث الإفك و إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله أي قاربت و قيل اللمم مقاربة المعصية من غير إيقاع فعل و قيل هو من اللمم صغار الذنوب قوله يظهر بشي‏ء على البناء للمفعول من أظهره بمعنى أعانه أي هل يعان بشي‏ء من الخير و لعله كان يظفر أو يطهر بالطاء المهملة قوله(ع)أتيتم أي هلكتم و في بعض النسخ أوتيتم أي أتاكم الذنب قوله(ع)شعاعا زاجرا أي شديدا يزجر البصر عن النظر قوله بدا إليها لعله ضمن معنى الانتهاء.

37- ير، بصائر الدرجات عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدٍ (1) عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ جَدِّهِ(ع)قَالَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع)إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ جَبْرَئِيلَ إِلَى الْجَنَّةِ فَأَتَاهُ بِطِينَةٍ مِنْ طِينِهَا

____________



(1) هو الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين (عليه السلام)، الملقب بذى الدمعة، الذي تبناه و رباه أبو عبد اللّه (عليه السلام)، و زوجه بنت الارقط. و في البصائر المطبوع «على بن معبد» بدل «على بن سعيد» و يؤيد ذلك ما حكى عن جامع الرواة أن الصواب موسى بن جعفر، عن على بن معبد؛ دون عليّ بن سعيد.

249

وَ بَعَثَ مَلَكَ الْمَوْتِ إِلَى الْأَرْضِ فَجَاءَهُ بِطِينَةٍ مِنْ طِينِهَا فَجَمَعَ الطِّينَتَيْنِ ثُمَّ قَسَمَهَا نِصْفَيْنِ فَجَعَلَنَا مِنْ خَيْرِ الْقِسْمَيْنِ وَ جَعَلَ شِيعَتَنَا مِنْ طِينَتِنَا فَمَا كَانَ مِنْ شِيعَتِنَا مِمَّا يُرْغَبُ بِهِمْ عَنْهُ‏ (1) مِنَ الْأَعْمَالِ الْقَبِيحَةِ فَذَاكَ مِمَّا خَالَطَهُمْ مِنَ الطِّينَةِ الْخَبِيثَةِ وَ مَصِيرُهَا إِلَى الْجَنَّةِ وَ مَا كَانَ فِي عَدُوِّنَا مِنْ بِرٍّ وَ صَلَاةٍ وَ صَوْمٍ وَ مِنَ الْأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ فَذَاكَ لِمَا خَالَطَهُمْ مِنْ طِينَتِنَا الطَّيِّبَةِ وَ مَصِيرُهُمْ إِلَى النَّارِ.

38- ير، بصائر الدرجات عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مَسْعُودِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ كُلَيْبٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ حَمَّادٍ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: يَا فُضَيْلُ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ خُلِقْنَا مِنْ عِلِّيِّينَ وَ خُلِقَ قُلُوبُنَا مِنَ الَّذِي خُلِقْنَا مِنْهُ وَ خُلِقَ شِيعَتُنَا مِنْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ وَ خُلِقَ قُلُوبُ شِيعَتِنَا مِنْهُ وَ إِنَّ عَدُوَّنَا خُلِقُوا مِنْ سِجِّينٍ وَ خُلِقَ قُلُوبُهُمْ مِنَ الَّذِي خُلِقُوا مِنْهُ‏ (2) وَ خُلِقَ شِيعَتُهُمْ مِنْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ وَ خُلِقَ قُلُوبُ شِيعَتِهِمْ مِنَ الَّذِي خُلِقُوا مِنْهُ فَهَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ عِلِّيِّينَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ سِجِّينٍ وَ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَهْلُ سِجِّينٍ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ عِلِّيِّينَ.

39- ير، بصائر الدرجات عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: أَخَذَ اللَّهُ‏ (3) مِيثَاقَ شِيعَتِنَا مَعَنَا عَلَى وَلَايَتِنَا لَا يَزِيدُونَ وَ لَا يَنْقُصُونَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَنَا مِنْ طِينَةِ عِلِّيِّينَ وَ خَلَقَ شِيعَتَنَا مِنْ طِينَةِ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ وَ خَلَقَ عَدُوَّنَا مِنْ طِينَةِ سِجِّينٍ وَ خَلَقَ أَوْلِيَاءَهُمْ مِنْ طِينَةِ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ.

40- ير، بصائر الدرجات أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَمَّنْ رَوَاهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرٍو الْجَبَلِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عِمْرَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَنَا مِنْ طِينَةِ عِلِّيِّينَ وَ خَلَقَ قُلُوبَنَا مِنْ طِينَةِ فَوْقِ عِلِّيِّينَ وَ خَلَقَ شِيعَتِنَا مِنْ طِينَةِ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ وَ خَلَقَ قُلُوبَهُمْ مِنْ طِينَةِ عِلِّيِّينَ فَصَارَتْ قُلُوبُهُمْ تَحِنُّ إِلَيْنَا لِأَنَّهَا مِنَّا وَ خَلَقَ عَدُوَّنَا مِنْ طِينَةِ سِجِّينٍ وَ خَلَقَ قُلُوبَهُمْ مِنْ طِينَةِ أَسْفَلَ مِنْ سِجِّينٍ وَ إِنَّ اللَّهَ رَادٌّ كُلَّ طِينَةٍ إِلَى مَعْدِنِهَا فَرَادُّهُمْ إِلَى عِلِّيِّينَ وَ رَادُّهُمْ إِلَى سِجِّينٍ.

____________

(1) مما يرغب به عنهم (ظ).

(2) في المصدر: مما خلقوا منه م.

(3) في المصدر: قد أخذ اللّه م.

250

41- ير، بصائر الدرجات أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ‏ وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ‏ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ قَالَ أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ ذُرِّيَّتَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَخَرَجُوا كَالذَّرِّ (1) فَعَرَّفَهُمْ نَفْسَهُ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَنْ يَعْرِفَ‏ (2) أَحَدٌ رَبَّهُ ثُمَّ قَالَ‏ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ وَ إِنَّ هَذَا مُحَمَّدٌ رَسُولِي‏ (3) وَ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ خَلِيفَتِي وَ أَمِينِي.

42- ير، بصائر الدرجات بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى‏ هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى‏ قَالَ يَعْنِي بِهِ مُحَمَّداً(ص)حَيْثُ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِقْرَارِ بِاللَّهِ فِي الذَّرِّ الْأَوَّلِ.

43- سن، المحاسن ابْنُ مَحْبُوبٍ‏ (4) عَنِ ابْنِ رِئَابٍ عَنْ بُكَيْرٍ قَالَ كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ‏ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَخَذَ مِيثَاقَ شِيعَتِنَا بِالْوَلَايَةِ لَنَا وَ هُمْ ذَرٌّ يَوْمَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى الذَّرِّ بِالْإِقْرَارِ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَ لِمُحَمَّدٍ بِالنُّبُوَّةِ وَ عَرَضَ عَلَى مُحَمَّدٍ(ص)أُمَّتَهُ فِي الظِّلِ‏ (5) وَ هُمْ أَظِلَّةٌ وَ خَلَقَهُمْ مِنَ الطِّينَةِ الَّتِي خَلَقَ مِنْهَا آدَمَ وَ خَلَقَ أَرْوَاحَ شِيعَتِنَا قَبْلَ أَبْدَانِهِمْ بِأَلْفَيْ عَامٍ وَ عَرَضَهُمْ عَلَيْهِ وَ عَرَّفَهُمْ رَسُولَ اللَّهِ(ص)وَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ(ع)وَ نَحْنُ نَعْرِفُهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ.

- وَ رَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عِيسَى عَنْ أَبِي الْجَرَّاحِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ(ع)وَ زَادَ فِيهِ وَ كُلُّ قَلْبٍ يَحِنُّ إِلَى بَدَنِهِ.

-

شي، تفسير العياشي عن بكير مثله.

44- سن، المحاسن أَبِي عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْبَطَائِنِيِّ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ

____________

(1) في المصدر: فخرجوا الى يوم القيمة كالذر. م.

(2) في المصدر: لم يعرف. م.

(3) في المصدر: و ان هذا محمّد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و على أمير المؤمنين (ع). م.

(4) في المصدر: أحمد بن محمّد و محمّد بن الحسين جميعا عن ابن محبوب. م.

(5) في المصدر: فى الطين. م.

251

ع قَالَ: لَا تُخَاصِمُوا النَّاسَ فَإِنَّ النَّاسَ لَوِ اسْتَطَاعُوا أَنْ يُحِبُّونَا لَأَحَبُّونَا إِنَّ اللَّهَ أَخَذَ مِيثَاقَ النَّفْسِ‏ (1) فَلَا يَزِيدُ فِيهِمْ أَحَدٌ أَبَداً وَ لَا يَنْقُصُ مِنْهُمْ أَحَدٌ أَبَداً.

45- سن، المحاسن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ يُوسُفَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)جُعِلْتُ فِدَاكَ أَنَا مَوْلَاكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَيْسَانَ فَقَالَ أَمَّا النَّسَبُ فَأَعْرِفُهُ وَ أَمَّا أَنْتَ فَلَسْتُ أَعْرِفُكَ قَالَ قُلْتُ وُلِدْتُ بِالْجَبَلِ‏ (2) وَ نَشَأْتُ بِأَرْضِ فَارِسَ وَ أَنَا أُخَالِطُ النَّاسَ فِي التِّجَارَاتِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ فَأَرَى الرَّجُلَ حَسَنَ السَّمْتِ وَ حَسَنَ الْخُلُقِ وَ الْأَمَانَةِ ثُمَّ أُفَتِّشُهُ فَأُفَتِّشُهُ عَنْ عَدَاوَتِكُمْ وَ أُخَالِطُ الرَّجُلَ وَ أَرَى فِيهِ سُوءَ الْخُلُقِ وَ قِلَّةَ أَمَانَةٍ وَ زَعَارَّةً ثُمَّ أُفَتِّشُهُ فَأُفَتِّشُهُ عَنْ وَلَايَتِكُمْ فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ فَقَالَ‏ (3) أَ مَا عَلِمْتَ يَا ابْنَ كَيْسَانَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَخَذَ طِينَةً مِنَ الْجَنَّةِ وَ طِينَةً مِنَ النَّارِ فَخَلَطَهُمَا جَمِيعاً ثُمَّ نَزَعَ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ فَمَا رَأَيْتَ مِنْ أُولَئِكَ مِنَ الْأَمَانَةِ وَ حُسْنِ السَّمْتِ وَ حُسْنِ الْخُلُقِ فَمِمَّا مَسَّتْهُمْ مِنْ طِينَةِ الْجَنَّةِ وَ هُمْ يَعُودُونَ إِلَى مَا خُلِقُوا مِنْهُ وَ مَا رَأَيْتَ مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ قِلَّةِ الْأَمَانَةِ وَ سُوءِ الْخُلُقِ وَ الزَّعَارَّةِ فَمِمَّا مَسَّتْهُمْ مِنْ طِينَةِ النَّارِ وَ هُمْ يَعُودُونَ إِلَى مَا خُلِقُوا مِنْهُ.

بيان قوله(ع)فلست أعرفك أي بالتشيع و الزعارة بالتشديد و قد يخفف شراسة الخلق.

46- سن، المحاسن أَبِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ عَمَّنْ حَدَّثَهُ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَرَى الرَّجُلَ مِنْ أَصْحَابِنَا مِمَّنْ يَقُولُ بِقَوْلِنَا خَبِيثَ اللِّسَانِ خَبِيثَ الْخِلْطَةِ قَلِيلَ الْوَفَاءِ بِالْمِيعَادِ فَيَغُمُّنِي غَمّاً شَدِيداً وَ أَرَى الرَّجُلَ مِنَ الْمُخَالِفِينَ عَلَيْنَا حَسَنَ السَّمْتِ حَسَنَ الْهَدْيِ‏ (4) وَفِيّاً بِالْمِيعَادِ فَأَغْتَمُّ غَمّاً (5) فَقَالَ أَ وَ تَدْرِي لِمَ ذَاكَ قُلْتُ لَا قَالَ‏

____________



(1) هكذا في نسخ من البحار، و في المحاسن المطبوع (الناس) و في هامش نسخة المصنّف:

(الشيعة ظ) بخطه الشريف (قدس سره).

(2) يطلق بلاد الجبل على مدن بين آذربيجان و عراق العرب، و خوزستان و فارس، و بلاد الديلم.

(3) في المصدر: فقال لي. م.

(4) الهدى: الطريقة؛ السيرة.

(5) في المصدر: فاغتم لذلك عما شديدا. م.

252

إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الطِّينَتَيْنِ فَعَرَكَهُمَا وَ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا رَاحَتَيْهِ جَمِيعاً وَاحِدَةً عَلَى الْأُخْرَى ثُمَّ فَلَقَهُمَا فَقَالَ هَذِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَ هَذِهِ إِلَى النَّارِ وَ لَا أُبَالِي فَالَّذِي رَأَيْتَ مِنْ خُبْثِ اللِّسَانِ وَ الْبَذَاءِ وَ سُوءِ الْخِلْطَةِ وَ قِلَّةِ الْوَفَاءِ بِالْمِيعَادِ مِنَ الرَّجُلِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَصْحَابِكُمْ يَقُولُ بِقَوْلِكُمْ فَبِمَا الْتَطَخَ بِهَذِهِ مِنَ الطِّينَةِ الْخَبِيثَةِ وَ هُوَ عَائِدٌ إِلَى طِينَتِهِ وَ الَّذِي رَأَيْتَ مِنْ حُسْنِ الْهَدْيِ وَ حُسْنِ السَّمْتِ وَ حُسْنِ الْخِلْطَةِ وَ الْوَفَاءِ بِالْمِيعَادِ مِنَ الرِّجَالِ مِنَ الْمُخَالِفِينَ فَبِمَا الْتَطَخَ بِهِ مِنَ الطِّينَةِ فَقُلْتُ‏ (1) فَرَّجْتَ عَنِّي فَرَّجَ اللَّهُ عَنْكَ.

47- سن، المحاسن يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي الْبِلَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يُقَالُ لَهُ عِمْرَانُ‏ أَنَّهُ خَرَجَ فِي عُمْرَةٍ زَمَنَ الْحَجَّاجِ فَقُلْتُ لَهُ هَلْ لَقِيتَ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَمَا قَالَ لَكَ قَالَ قَالَ لِي يَا عِمْرَانُ مَا خَبَرُ النَّاسِ فَقُلْتُ تَرَكْتُ الْحَجَّاجَ يَشْتِمُ أَبَاكَ عَلَى الْمِنْبَرِ أَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (صلوات الله عليه) فَقَالَ أَعْدَاءُ اللَّهِ يَبْدَهُونَ سَبَّنَا أَمَا إِنَّهُمْ لَوِ اسْتَطَاعُوا أَنْ يَكُونُوا مِنْ شِيعَتِنَا لَكَانُوا وَ لَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ إِنَّ اللَّهَ أَخَذَ مِيثَاقَنَا وَ مِيثَاقَ شِيعَتِنَا وَ نَحْنُ وَ هُمْ أَظِلَّةٌ فَلَوْ جَهَدَ النَّاسُ أَنْ يَزِيدُوا فِيهِ‏ (2) رَجُلًا أَوْ يَنْقُصُوا مِنْهُ‏ (3) رَجُلًا مَا قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ.

بيان يبدهون بالباء أي يأتون به بديهة و فجأة بلا رويّة و في بعض النسخ بالنون يقال ندهت الإبل أي سقتها مجمعة و الندهة بالضم و الفتح الكثرة من المال.

48- سن، المحاسن عَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ عَنْ أَبَانٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: لَوْ عَلِمَ النَّاسُ كَيْفَ كَانَ ابْتِدَاءُ الْخَلْقِ لَمَا اخْتَلَفَ اثْنَانِ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ قَالَ كُنْ مَاءً عَذْباً أَخْلُقْ مِنْكَ جَنَّتِي وَ أَهْلَ طَاعَتِي وَ قَالَ كُنْ مَاءً مِلْحاً أُجَاجاً أَخْلُقْ مِنْكَ نَارِي وَ أَهْلَ مَعْصِيَتِي ثُمَّ أَمَرَهُمَا فَامْتَزَجَا فَمِنْ ذَلِكَ صَارَ يَلِدُ الْمُؤْمِنُ كَافِراً وَ الْكَافِرُ مُؤْمِناً ثُمَّ أَخَذَ طِينَ آدَمَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ فَعَرَكَهُ عَرْكاً شَدِيداً فَإِذَا

____________



(1) في المصدر: من الطينة الطيبة فقلت جعلت فداك. م.

(2) في المصدر: فيهم. م.

(3) في المصدر: منهم. م.

253

هُمْ فِي الذَّرِّ يَدِبُّونَ فَقَالَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ إِلَى الْجَنَّةِ بِسَلَامٍ وَ قَالَ لِأَصْحَابِ النَّارِ إِلَى النَّارِ وَ لَا أُبَالِي ثُمَّ أَمَرَ نَاراً فَأُسْعِرَتْ فَقَالَ لِأَصْحَابِ الشِّمَالِ ادْخُلُوهَا فَهَابُوهَا وَ قَالَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ ادْخُلُوهَا فَدَخَلُوهَا فَقَالَ كُونِي بَرْداً وَ سَلَاماً فَكَانَتْ بَرْداً وَ سَلَاماً فَقَالَ أَصْحَابُ الشِّمَالِ يَا رَبِّ أَقِلْنَا (1) فَقَالَ قَدْ أَقَلْتُكُمْ فَادْخُلُوهَا فَذَهَبُوا فَهَابُوهَا فَثَمَّ ثَبَتَتِ الطَّاعَةُ وَ الْمَعْصِيَةُ فَلَا يَسْتَطِيعُ هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونُوا مِنْ هَؤُلَاءِ وَ لَا هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونُوا مِنْ هَؤُلَاءِ.

بيان قوله(ع)لما اختلف اثنان أي في مسألة القضاء و القدر أو لما تنازع اثنان في أمر الدين.

49- سن، المحاسن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّهِيكِيُّ عَنْ حَسَّانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالا كَانَ فِي بَدْءِ خَلْقِ اللَّهِ أَنْ خَلَقَ أَرْضاً وَ طِينَةً وَ فَجَّرَ مِنْهَا مَاءَهَا وَ أَجْرَى ذَلِكَ الْمَاءَ عَلَى الْأَرْضِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَ لَيَالِيَهَا ثُمَّ نَضَبَ الْمَاءُ عَنْهَا ثُمَّ أَخَذَ مِنْ صَفْوَةِ تِلْكَ الطِّينَةِ وَ هِيَ طِينَةُ الْأَئِمَّةِ ثُمَّ أَخَذَ قَبْضَةً أُخْرَى مِنْ أَسْفَلِ تِلْكَ الطِّينَةِ وَ هِيَ طِينَةُ ذُرِّيَّةِ الْأَئِمَّةِ وَ شِيعَتِهِمْ فَلَوْ تُرِكَتْ طِينَتُكُمْ كَمَا تُرِكَ طِينَتُنَا لَكُنْتُمْ أَنْتُمْ وَ نَحْنُ شَيْئاً وَاحِداً قُلْتُ فَمَا صَنَعَ بِطِينَتِنَا قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ أَرْضاً سَبِخَةً ثُمَّ أَجْرَى عَلَيْهَا مَاءً أُجَاجاً أَجْرَاهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَ لَيَالِيَهَا ثُمَّ نَضَبَ عَنْهَا الْمَاءُ ثُمَّ أَخَذَ مِنْ صَفْوَةِ تِلْكَ الطِّينَةِ وَ هِيَ طِينَةُ أَئِمَّةِ الْكُفْرِ فَلَوْ تُرِكَتْ طِينَةُ عَدُوِّنَا كَمَا أَخَذَهَا لَمْ يَشْهَدُوا الشَّهَادَتَيْنِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ وَ لَمْ يَكُونُوا يَحُجُّونَ الْبَيْتَ وَ لَا يَعْتَمِرُونَ وَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَ لَا يَصَّدَّقُونَ وَ لَا يَعْمَلُونَ شَيْئاً مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ ثُمَّ قَالَ أَخَذَ اللَّهُ طِينَةَ شِيعَتِنَا وَ طِينَةَ عَدُوِّنَا فَخَلَطَهُمَا وَ عَرَكَهُمَا عَرْكَ الْأَدِيمِ ثُمَّ مَزَجَهُمَا بِالْمَاءِ ثُمَّ جَذَبَ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ وَ قَالَ هَذِهِ فِي الْجَنَّةِ وَ لَا أُبَالِي وَ هَذِهِ فِي النَّارِ وَ لَا أُبَالِي فَمَا رَأَيْتَ فِي الْمُؤْمِنِ مِنْ زَعَارَّةٍ وَ سُوءِ الْخُلُقِ وَ اكْتِسَابِ سَيِّئَاتٍ فَمِنْ تِلْكَ‏

____________



(1) أي اصفح عنا.

254

السَّبِخَةِ (1) الَّتِي مَازَجَتْهُ مِنَ النَّاصِبِ وَ مَا رَأَيْتَ مِنْ حُسْنِ خُلُقِ النَّاصِبِ وَ طَلَاقَةِ وَجْهِهِ وَ حُسْنِ بِشْرِهِ وَ صَوْمِهِ وَ صَلَاتِهِ فَمِنْ تِلْكَ السَّبِخَةِ الَّتِي أَصَابَتْهُ مِنَ الْمُؤْمِنِ.

50- نهج، نهج البلاغة مِنْ كَلَامٍ لَهُ رَوَى الْيَمَامِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ قُتَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِحْيَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ(ع)وَ قَدْ ذُكِرَ عِنْدَهُ اخْتِلَافُ النَّاسِ إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمْ مَبَادِي طِينَتِهِمْ وَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِلْقَةً مِنْ سَبَخِ أَرْضٍ وَ عَذْبِهَا وَ حَزْنِ‏ (2) تُرْبَةٍ وَ سَهْلِهَا فَهُمْ عَلَى حَسَبِ قُرْبِ أَرْضِهِمْ يَتَقَارَبُوَن وَ عَلَى قَدْرِ اخْتِلَافِهَا يَتَفَاوَتُونَ فَتَامُّ الرُّوَاءِ نَاقِصُ الْعَقْلِ وَ مَادُّ الْقَامَةِ (3) قَصِيرُ الْهِمَّةِ وَ زَاكِي الْعَمَلِ قَبِيحُ الْمَنْظَرِ وَ قَرِيبُ الْقَعْرِ بَعِيدُ السَّبْرِ وَ مَعْرُوفُ الضَّرِيبَةِ مُنْكَرُ الْجَلِيبَةِ وَ تَائِهُ الْقَلْبِ مُتَفَرِّقُ اللُّبِّ وَ طَلِيقُ اللِّسَانِ حَدِيدُ الْجَنَانِ.

بيان قوله(ع)إنما فرق بينهم قال ابن ميثم أي تقاربهم في الصور و الأخلاق تابع لتقارب طينهم و تقارب مباديه و هي السهل و الحزن و السبخ و العذب و تفاوتهم فيها لتفاوت طينهم و مباديه المذكورة و قال أهل التأويل الإضافة بمعنى اللام أي المبادي لطينهم كناية عن الأجزاء العنصرية التي هي مبادي المركبات ذوات الأمزجة و السبخ كناية عن الحار اليابس و العذب عن الحار الرطب و السهل عن البارد الرطب و الحزن عن البارد اليابس و الفلقة القطعة و الشق من الشي‏ء و الرواء المنظر الحسن و قريب القعر أي قصير بعيد السبر أي داهية يبعد اختبار باطنه يقال سبرت الرجل أسبره أي اختبرت باطنه و غوره و الضريبة الخلق و الطبيعة و الجليبة ما يجلبه الإنسان و يتكلفه أي خلقه حسن يتكلف فعل القبيح و حمله ابن ميثم على العكس و قال متفرق اللب أي يتبع كل ناعق ثم قال الخمسة الأول ظاهرهم مخالف لباطنهم و الأخيرتان ليستا على تلك الوتيرة ذكرتا لتتميم الأقسام.

51- شي، تفسير العياشي عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ(ع)أَ رَأَيْتَ حِينَ أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ‏

____________



(1) سبخ الأرض: مالحها.

(2) الحزن بفتح الحاء: الخشن ضد السهل.

(3) ماد القامة: طويلها.

255

عَلَى الذَّرِّ فِي صُلْبِ آدَمَ فَعَرَضَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ كَانَتْ مُعَايَنَةً مِنْهُمْ لَهُ‏ (1) قَالَ نَعَمْ يَا زُرَارَةُ وَ هُمْ ذَرٌّ بَيْنَ يَدَيْهِ‏ (2) وَ أَخَذَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ الْمِيثَاقَ بِالرُّبُوبِيَّةِ لَهُ وَ لِمُحَمَّدٍ(ص)بِالنُّبُوَّةِ ثُمَّ كَفَلَ لَهُمْ بِالْأَرْزَاقِ وَ أَنْسَاهُمْ رُؤْيَتَهُ وَ أَثْبَتَ فِي قُلُوبِهِمْ مَعْرِفَتَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ إِلَى الدُّنْيَا كُلَّ مَنْ أَخَذَ عَلَيْهِ الْمِيثَاقَ فَمَنْ جَحَدَ مَا أَخَذَ عَلَيْهِ الْمِيثَاقَ لِمُحَمَّدٍ(ص)لَمْ يَنْفَعْهُ إِقْرَارُهُ لِرَبِّهِ بِالْمِيثَاقِ وَ مَنْ لَمْ يَجْحَدْ مِيثَاقَ مُحَمَّدٍ نَفَعَهُ الْمِيثَاقُ لِرَبِّهِ.

52- شي، تفسير العياشي عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ فِي مُبْتَدَإِ الْخَلْقِ بَحْرَيْنِ أَحَدُهُمَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَ الْآخَرُ مِلْحٌ أُجَاجٌ ثُمَّ خَلَقَ تُرْبَةَ آدَمَ مِنَ الْبَحْرِ الْعَذْبِ الْفُرَاتِ ثُمَّ أَجْرَاهُ عَلَى الْبَحْرِ الْأُجَاجِ فَجَعَلَهُ حَمَأً مَسْنُوناً وَ هُوَ خَلْقُ آدَمَ ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ كَتِفِ آدَمَ الْأَيْمَنِ فَذَرَأَهَا فِي صُلْبِ آدَمَ فَقَالَ هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ وَ لَا أُبَالِي ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ كَتِفِ آدَمَ الْأَيْسَرِ فَذَرَأَهَا فِي صُلْبِ آدَمَ فَقَالَ هَؤُلَاءِ فِي النَّارِ وَ لَا أُبَالِي وَ لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ وَ لِي فِي هَؤُلَاءِ الْبَدَاءُ بَعْدُ (3) وَ فِي هَؤُلَاءِ وَ هَؤُلَاءِ سَيُبْتَلَوْنَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَاحْتَجَّ يَوْمَئِذٍ أَصْحَابُ الشِّمَالِ وَ هُمْ ذَرٌّ عَلَى خَالِقِهِمْ فَقَالُوا يَا رَبَّنَا بِمَ أَوْجَبْتَ لَنَا النَّارَ وَ أَنْتَ الْحَكَمُ الْعَدْلُ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَحْتَجَّ عَلَيْنَا وَ تَبْلُوَنَا بِالرُّسُلِ وَ تَعْلَمَ طَاعَتَنَا لَكَ وَ مَعْصِيَتَنَا فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فَأَنَا أُخْبِرُكُمْ بِالْحُجَّةِ عَلَيْكُمْ الْآنَ فِي الطَّاعَةِ وَ الْمَعْصِيَةِ وَ الْإِعْذَارِ بَعْدَ الْإِخْبَارِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مَالِكٍ خَازِنِ النَّارِ أَنْ مُرِ النَّارَ تَشْهَقُ ثُمَّ تُخْرِجُ عُنُقاً مِنْهَا (4) فَخَرَجَتْ لَهُمْ ثُمَّ قَالَ اللَّهُ لَهُمُ ادْخُلُوهَا طَائِعِينَ فَقَالُوا لَا نَدْخُلُهَا طَائِعِينَ ثُمَّ قَالَ ادْخُلُوهَا طَائِعِينَ أَوْ لَأُعَذِّبَنَّكُمْ بِهَا كَارِهِينَ قَالُوا إِنَّا هَرَبْنَا إِلَيْكَ مِنْهَا وَ حَاجَجْنَاكَ فِيهَا حَيْثُ أَوْجَبْتَهَا عَلَيْنَا وَ صَيَّرْتَنَا مِنْ أَصْحَابِ الشِّمَالِ فَكَيْفَ نَدْخُلُهَا

____________



(1) أراد من المعاينة الشهود اليقينى و الحضور العلمى، لا المشاهدة و الرؤية بالعين الجسماني لظهور انتفاء شرائط الرؤية من وجود الباصرة لهم هناك، و الجسمية له تعالى.

(2) أي متفرق بين يديه أي في الأرض، و الذر أيضا بمعنى النسل.

(3) و في نسخة: ولى في هؤلاء البلاء بعد.

(4) أي قطعة و جماعة منها.

256

طَائِعِينَ وَ لَكِنِ ابْدَأْ أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي دُخُولِهَا كَيْ تَكُونَ قَدْ عَدَلْتَ فِينَا وَ فِيهِمْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَأَمَرَ أَصْحَابَ الْيَمِينِ وَ هُمْ ذَرٌّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ ادْخُلُوا هَذِهِ النَّارَ طَائِعِينَ قَالَ فَطَفِقُوا يَتَبَادَرُونَ فِي دُخُولِهَا فَوَلَجُوا فِيهَا جَمِيعاً فَصَيَّرَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَرْداً وَ سَلَاماً ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ مِنْهَا ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى نَادَى فِي أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَ أَصْحَابِ الشِّمَالِ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ فَقَالَ أَصْحَابُ الْيَمِينِ بَلَى يَا رَبَّنَا نَحْنُ بَرِيَّتُكَ وَ خَلْقُكَ مُقِرِّينَ طَائِعِينَ وَ قَالَ أَصْحَابُ الشِّمَالِ بَلَى يَا رَبَّنَا نَحْنُ بَرِيَّتُكَ وَ خَلْقُكَ كَارِهِينَ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ‏ وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ‏ قَالَ تَوْحِيدُهُمْ لِلَّهِ.

53- شي، تفسير العياشي عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِمَاءٍ كُنْ عَذْباً فُرَاتاً أَخْلُقْ مِنْكَ جَنَّتِي وَ أَهْلَ طَاعَتِي وَ قَالَ لِمَاءٍ كُنْ مِلْحاً أُجَاجاً أَخْلُقْ مِنْكَ نَارِي وَ أَهْلَ مَعْصِيَتِي فَأَجْرَى الْمَاءَيْنِ عَلَى الطِّينِ ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً بِهَذِهِ وَ هِيَ يَمِينٌ فَخَلَقَهُمْ خَلْقاً كَالذَّرِّ ثُمَّ أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ وَ عَلَيْكُمْ طَاعَتِي قَالُوا بَلَى فَقَالَ لِلنَّارِ كُونِي نَاراً فَإِذَا نَارٌ تَأَجَّجُ وَ قَالَ لَهُمْ قَعُوا فِيهَا فَمِنْهُمْ مَنْ أَسْرَعَ وَ مِنْهُمْ مَنْ أَبْطَأَ فِي السَّعْيِ وَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرِمْ مَجْلِسَهُ فَلَمَّا وَجَدُوا حَرَّهَا رَجَعُوا فَلَمْ يَدْخُلْهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً بِهَذِهِ فَخَلَقَهُمْ خَلْقاً مِثْلَ الذَّرِّ مِثْلَ أُولَئِكَ ثُمَّ أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِثْلَ مَا أَشْهَدَ الْآخَرِينَ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ قَعُوا فِي هَذِهِ النَّارِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَبْطَأَ وَ مِنْهُمْ مَنْ أَسْرَعَ وَ مِنْهُمْ مَنْ مَرَّ بِطَرْفِ الْعَيْنِ فَوَقَعُوا فِيهَا كُلُّهُمْ فَقَالَ اخْرُجُوا مِنْهَا سَالِمِينَ فَخَرَجُوا لَمْ يُصِبْهُمْ شَيْ‏ءٌ وَ قَالَ الْآخَرُونَ يَا رَبَّنَا أَقِلْنَا نَفْعَلْ كَمَا فَعَلُوا قَالَ قَدْ أَقَلْتُكُمْ فَمِنْهُمْ مَنْ أَسْرَعَ فِي السَّعْيِ وَ مِنْهُمْ مَنْ أَبْطَأَ وَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرِمْ مَجْلِسَهُ مِثْلَ مَا صَنَعُوا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فَذَلِكَ قَوْلُهُ‏ وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ‏

بيان يقال رام يريم إذا برح و زال من مكانه و أكثر ما يستعمل في النفي.

54- شي، تفسير العياشي خَالِدٌ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ‏ إِنَّهُمْ مَلْعُونُونَ فِي الْأَصْلِ.

55- شي، تفسير العياشي عَنْ زُرَارَةَ وَ حُمْرَانَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع‏

257

عَنْ قَوْلِ اللَّهِ‏ وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ‏ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ أَمَّا قَوْلُهُ‏ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَإِنَّهُ حِينَ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ.

56- شي، تفسير العياشي عَنْ رِفَاعَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ‏ وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ‏ قَالَ نَعَمْ أَخَذَ اللَّهُ الْحُجَّةَ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ يَوْمَ الْمِيثَاقِ هَكَذَا وَ قَبَضَ يَدَهُ.

57- شي، تفسير العياشي عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)كَيْفَ أَجَابُوا وَ هُمْ ذَرٌّ قَالَ جَعَلَ فِيهِمْ مَا إِذَا سَأَلَهُمْ أَجَابُوهُ يَعْنِي فِي الْمِيثَاقِ.

بيان أي تعلقت الأرواح بتلك الذر و جعل فيهم العقل و آلة السمع و آلة النطق حتى فهموا الخطاب و أجابوا و هم ذر (1).

58- شي، تفسير العياشي عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ‏ إِلَى‏ قالُوا بَلى‏ قَالَ كَانَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ وَ آلِهِ السَّلَامُ أَوَّلَ مَنْ قَالَ بَلَى قُلْتُ كَانَتْ رُؤْيَةَ مُعَايَنَةٍ قَالَ ثَبَتَتِ الْمَعْرِفَةُ فِي قُلُوبِهِمْ وَ أُنْسُوا ذَلِكَ الْمِيثَاقَ وَ سَيَذْكُرُونَهُ بَعْدُ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَمْ يَدْرِ أَحَدٌ مَنْ خَالِقُهُ وَ لَا مَنْ يَرْزُقُهُ.

59- شي، تفسير العياشي عَنْ زُرَارَةَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ‏ وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ‏ فَقَالَ وَ أَبُوهُ يَسْمَعُ حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابِ التُّرْبَةِ الَّتِي خَلَقَ مِنْهَا آدَمَ فَصَبَّ عَلَيْهَا الْمَاءَ الْعَذْبَ الْفُرَاتَ فَتَرَكَهَا أَرْبَعِينَ صَبَاحاً ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهَا الْمَاءَ الْمَالِحَ الْأُجَاجَ فَتَرَكَهَا أَرْبَعِينَ صَبَاحاً فَلَمَّا اخْتَمَرَتِ الطِّينَةُ أَخَذَهَا تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فَعَرَكَهَا عَرْكاً شَدِيداً ثُمَّ هَكَذَا حَكَى‏ (2) بَسَطَ كَفَّيْهِ فَخَرَجُوا كَالذَّرِّ مِنْ يَمِينِهِ وَ شِمَالِهِ فَأَمَرَهُمْ جَمِيعاً أَنْ يَقَعُوا فِي النَّارِ فَدَخَلَ أَصْحَابُ الْيَمِينِ فَصَارَتْ عَلَيْهِمْ بَرْداً وَ سَلَاماً وَ أَبَى أَصْحَابُ الشِّمَالِ أَنْ يَدْخُلُوهَا.

____________

(1) ظاهر الرواية لسان الحال، أو أنهم كانوا على خلقة لو نزلوا منزل الدنيا ظهر ذلك منهم في صورة السؤال و الجواب، و أمّا ما ذكره (رحمه الله ) فبعيد عن سياق الخبر و لو صح لكان هو الخلق الدنيوى بعينه. ط.

(2) حكى العقدة: شدها.

258

بيان قوله(ع)من يمينه و شماله أي من يمين الملك المأمور بهذا الأمر و شماله أو من يمين العرش و شماله أو استعار اليمين للجهة التي فيها اليمن و البركة و كذا الشمال بعكس ذلك.

60- شي، تفسير العياشي عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ‏ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ قُلْتُ قَالُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ قَالَ نَعَمْ وَ قَالُوا بِقُلُوبِهِمْ فَقُلْتُ وَ أَيَّ شَيْ‏ءٍ كَانُوا يَوْمَئِذٍ قَالَ صَنَعَ مِنْهُمْ مَا اكْتَفَى بِهِ.

61- شي، تفسير العياشي عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ‏ وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ‏ إِلَى‏ أَنْفُسِهِمْ‏ قَالَ أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ ذُرِّيَّتَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَخَرَجُوا كَالذَّرِّ فَعَرَّفَهُمْ نَفْسَهُ وَ أَرَاهُمْ نَفْسَهُ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ مَا عَرَفَ أَحَدٌ رَبَّهُ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ‏ وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏.

62- شي، تفسير العياشي عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ: أَتَاهُ ابْنُ الْكَوَّاءِ (1) فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى هَلْ كَلَّمَ أَحَداً مِنْ وُلْدِ آدَمَ قَبْلَ مُوسَى فَقَالَ عَلِيٌّ قَدْ كَلَّمَ اللَّهُ جَمِيعَ خَلْقِهِ بَرَّهُمْ وَ فَاجِرَهُمْ وَ رَدُّوا عَلَيْهِ الْجَوَابَ فَثَقُلَ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ الْكَوَّاءِ وَ لَمْ يَعْرِفْهُ فَقَالَ لَهُ كَيْفَ كَانَ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ لَهُ أَ وَ مَا تَقْرَأُ كِتَابَ اللَّهِ إِذْ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ‏ وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ فَقَدْ أَسْمَعَكُمْ كَلَامَهُ وَ رَدُّوا عَلَيْهِ الْجَوَابَ كَمَا تَسْمَعُ فِي قَوْلِ اللَّهِ يَا ابْنَ الْكَوَّاءِ قالُوا بَلى‏ فَقَالَ لَهُمْ إِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَ أَنَا الرَّحْمَنُ فَأَقَرُّوا لَهُ بِالطَّاعَةِ وَ الرُّبُوبِيَّةِ وَ مَيَّزَ الرُّسُلَ وَ الْأَنْبِيَاءَ وَ الْأَوْصِيَاءَ وَ أَمَرَ الْخَلْقَ بِطَاعَتِهِمْ فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ فِي الْمِيثَاقِ فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ إِقْرَارِهِمْ بِذَلِكَ‏ شَهِدْنا عَلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ‏ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ‏.

63- قَالَ أَبُو بَصِيرٍ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَخْبِرْنِي عَنِ الذَّرِّ وَ حَيْثُ أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى وَ أَسَرَّ بَعْضُهُمْ خِلَافَ مَا أَظْهَرَ قُلْتُ كَيْفَ عَلِمُوا

____________



(1) كشداد، هو عبد اللّه بن عمرو اليشكرى، خارجى ملعون.

259

الْقَوْلَ حَيْثُ قِيلَ لَهُمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ فِيهِمْ مَا إِذَا سَأَلَهُمْ أَجَابُوهُ.

64- شي، تفسير العياشي عَنْ زُرَارَةَ وَ حُمْرَانَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالا إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ وَ هِيَ أَظِلَّةٌ فَأَرْسَلَ رَسُولَهُ مُحَمَّداً(ص)فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَذَّبَهُ ثُمَّ بَعَثَهُ فِي الْخَلْقِ الْآخَرِ فَآمَنَ بِهِ مَنْ كَانَ آمَنَ بِهِ فِي الْأَظِلَّةِ وَ جَحَدَهُ مَنْ جَحَدَ بِهِ يَوْمَئِذٍ فَقَالَ‏ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ‏

65- شي، تفسير العياشي عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِهِ‏ ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى‏ قَوْمِهِمْ‏ إِلَى‏ بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ‏ قَالَ بَعَثَ اللَّهُ الرُّسُلَ إِلَى الْخَلْقِ وَ هُمْ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَ أَرْحَامِ النِّسَاءِ فَمَنْ صَدَّقَ حِينَئِذٍ صَدَّقَ بَعْدَ ذَلِكَ وَ مَنْ كَذَّبَ حِينَئِذٍ كَذَّبَ بَعْدَ ذَلِكَ.

66- شي، تفسير العياشي عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى هَبَطَ إِلَى الْأَرْضِ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى آدَمَ وَ هُوَ بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ الرَّوْحَاءُ وَ هُوَ وَادٍ بَيْنَ الطَّائِفِ وَ مَكَّةَ قَالَ فَمَسَحَ عَلَى ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ صَرَخَ بِذُرِّيَّتِهِ وَ هُمْ ذَرٌّ قَالَ فَخَرَجُوا كَمَا يَخْرُجُ النَّحْلُ مِنْ كُورِهَا فَاجْتَمَعُوا عَلَى شَفِيرِ الْوَادِي‏ (1) فَقَالَ اللَّهُ لآِدَمَ انْظُرْ مَا ذَا تَرَى فَقَالَ آدَمُ أَرَى ذَرّاً كَثِيراً عَلَى شَفِيرِ الْوَادِي فَقَالَ اللَّهُ يَا آدَمُ هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُكَ أَخْرَجْتُهُمْ مِنْ ظَهْرِكَ لِآخُذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ لِي بِالرُّبُوبِيَّةِ وَ لِمُحَمَّدٍ بِالنُّبُوَّةِ كَمَا آخُذُهُ عَلَيْهِمْ فِي السَّمَاءِ قَالَ آدَمُ يَا رَبِّ وَ كَيْفَ وَسِعَتْهُمْ ظَهْرِي قَالَ اللَّهُ يَا آدَمُ بِلُطْفِ صَنِيعِي وَ نَافِذِ قُدْرَتِي قَالَ آدَمُ يَا رَبِّ فَمَا تُرِيدُ مِنْهُمْ فِي الْمِيثَاقِ قَالَ اللَّهُ أَنْ لَا يُشْرِكُوا بِي شَيْئاً قَالَ آدَمُ فَمَنْ أَطَاعَكَ مِنْهُمْ يَا رَبِّ فَمَا جَزَاؤُهُ قَالَ أُسْكِنُهُ جَنَّتِي قَالَ آدَمُ فَمَنْ عَصَاكَ فَمَا جَزَاؤُهُ قَالَ أُسْكِنُهُ نَارِي قَالَ آدَمُ يَا رَبِّ لَقَدْ عَدَلْتَ فِيهِمْ وَ لَيَعْصِيَنَّكَ أَكْثَرُهُمْ إِنْ لَمْ تَعْصِمْهُمْ.

بيان هبط إلى الأرض أي هبط و نزل أمره و وحيه مع طوائف كثيرة من الملائكة شبههم بالظلل في وفورهم و كثرتهم و تراكمهم و الظلل جمع الظلة و هي ما أظلك من‏

____________

(1) الشفير: ناحية كل شي‏ء، و من الوادى: ناحية من أعلاه.

260

سحاب و نحوه و هذا مثل قوله تعالى‏ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَ الْمَلائِكَةُ (1) و المسح كناية عن شمول اللطف و الرحمة.

67- كشف، كشف الغمة مِنْ كِتَابِ دَلَائِلِ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي مُحَمَّدٍ(ع)فَسَأَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْأَرْمَنِيُّ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ‏ وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ شَهِدْنا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ(ع)ثَبَتَتِ الْمَعْرِفَةُ وَ نَسُوا ذَلِكَ الْمَوْقِفَ وَ سَيَذْكُرُونَهُ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَمْ يَدْرِ أَحَدٌ مَنْ خَالِقُهُ وَ لَا مَنْ رَازِقُهُ قَالَ أَبُو هَاشِمٍ فَجَعَلْتُ أَتَعَجَّبُ فِي نَفْسِي مِنْ عَظِيمِ مَا أَعْطَى اللَّهُ وَلِيَّهُ وَ جَزِيلِ مَا حَمَّلَهُ فَأَقْبَلَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلَيَّ فَقَالَ الْأَمْرُ أَعْجَبُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ يَا أَبَا هَاشِمٍ وَ أَعْظَمُ مَا ظَنُّكَ بِقَوْمٍ مَنْ عَرَفَهُمْ عَرَفَ اللَّهَ وَ مَنْ أَنْكَرَهُمْ أَنْكَرَ اللَّهَ فَلَا مُؤْمِنَ إِلَّا وَ هُوَ بِهِمْ مُصَدِّقٌ وَ بِمَعْرِفَتِهِمْ مُوقِنٌ.

بيان: اعلم أن أخبار هذا الباب من متشابهات الأخبار و معضلات الآثار و لأصحابنا رضي الله عنهم فيها مسالك.

منها ما ذهب إليه الأخباريون و هو أنا نؤمن بها مجملا و نعترف بالجهل عن حقيقة معناها و عن أنها من أي جهة صدرت و نرد علمه إلى الأئمة ع.

و منها أنها محمولة على التقية لموافقتها لروايات العامة و لما ذهبت إليه الأشاعرة و هم جلّهم و لمخالفتها ظاهرا لما مر من أخبار الاختيار و الاستطاعة.

و منها أنها كناية عن علمه تعالى بما هم إليه صائرون فإنه تعالى لما خلقهم مع علمه بأحوالهم فكأنه خلقهم من طينات مختلفة.

و منها أنها كناية عن اختلاف استعداداتهم و قابلياتهم و هذا أمر بيّن لا يمكن إنكاره فإنه لا شبهة في أن النبي(ص)و أبا جهل ليسا في درجة واحدة من الاستعداد و القابلية و هذا لا يستلزم سقوط التكليف فإن الله تعالى كلّف النبي(ص)حسب ما أعطاه من الاستعداد لتحصيل الكمالات و كلف أبا جهل حسب ما أعطاه من ذلك و لم يكلفه ما ليس في وسعه و لم يجبره على شي‏ء من الشر و الفساد.

____________

(1) البقرة: 210.

261

و منها أنه لما كلّف الله تعالى الأرواح أولا في الذرّ و أخذ ميثاقهم فاختاروا الخير و الشر باختيارهم في ذلك الوقت و تفرع اختلاف الطينة على ما اختاروه باختيارهم كما دل عليه بعض الأخبار السابقة فلا فساد في ذلك.

و لا يخفى ما فيه و في كثير من الوجوه السابقة و ترك الخوض في أمثال تلك المسائل الغامضة التي تعجز عقولنا عن الإحاطة بكنهها أولى لا سيما في تلك المسألة التي نهى أئمتنا عن الخوض فيها و لنذكر بعض ما ذكره في ذلك علماؤنا (رضوان الله عليهم) و مخالفوهم.

فمنها ما ذكره الشيخ المفيد (قدس الله روحه) في جواب المسائل السرويّة

حيث سئل ما قوله أدام الله تأييده في معنى الأخبار المرويّة عن الأئمة الهادية(ع)في الأشباح و خلق الله تعالى الأرواح قبل خلق آدم(ع)بألفي عام و إخراج الذرّيّة من صلبه على صور الذرّ و

- مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَ مَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ‏

. الجواب و بالله التوفيق‏

أن الأخبار بذكر الأشباح تختلف ألفاظها و تتباين معانيها و قد بنت الغلاة عليها أباطيل كثيرة و صنّفوا فيها كتبا لغوا فيها و هزءوا فيما أثبتوه منه في معانيها و أضافوا ما حوته الكتب إلى جماعة من شيوخ أهل الحق و تخرصوا الباطل بإضافتها إليهم من جملتها كتاب سموه كتاب الأشباح و الأظلة نسبوه في تأليفه إلى محمد بن سنان و لسنا نعلم صحة ما ذكروه في هذا الباب عنه و إن كان صحيحا فإن ابن سنان قد طعن عليه و هو متهم بالغلو فإن صدقوا في إضافة هذا الكتاب إليه فهو ضلال لضال عن الحق و إن كذبوا فقد تحملوا أوزار ذلك و الصحيح من حديث الأشباح الرواية التي جاءت عن الثقات بأن آدم(ع)رأى على العرش أشباحا يلمع نورها فسأل الله تعالى عنها فأوحى إليه أنها أشباح رسول الله(ص)و أمير المؤمنين و الحسن و الحسين و فاطمة(ص)و أعلمه أنه لو لا الأشباح التي رآها ما خلقه و لا خلق سماء و لا أرضا و الوجه فيما

262

أظهره الله تعالى من الأشباح و الصور لآدم أن دله على تعظيمهم و تبجيلهم‏ (1) و جعل ذلك إجلالا لهم و مقدمة لما يفترضه من طاعتهم و دليلا على أن مصالح الدين و الدنيا لا تتم إلا بهم و لم يكونوا في تلك الحال صورا مجيبة و لا أرواحا ناطقة لكنها كانت على مثل صورهم في البشرية يدل على ما يكونوا عليه في المستقبل في الهيئة و النور الذي جعله عليهم يدل على نور الدين بهم و ضياء الحق بحججهم و قد روي أن أسماءهم كانت مكتوبة إذ ذاك على العرش و أن آدم(ع)لما تاب إلى الله عز و جل و ناجاه بقبول توبته سأله بحقهم عليه و محلهم عنده فأجابه و هذا غير منكر في العقول و لا مضاد للشرع المنقول و قد رواه الصالحون الثقات المأمونون و سلم لروايته طائفة الحق و لا طريق إلى إنكاره و الله ولي التوفيق.

فصل‏

و مثل ما بشر الله به آدم(ع)من تأهيله نبيه(ص)لما أهَّله له و تأهيل أمير المؤمنين و الحسن و الحسين(ع)لما أهَّلهم له و فرض عليه تعظيمهم و إجلالهم كما بشر به في الكتب الأولى من بعثته لنبينا(ص)فقال في محكم كتابه‏ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏ (2) و قوله تعالى مخبرا عن المسيح ع‏ وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ (3) و قوله سبحانه‏ وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ‏ (4) يعني رسول الله(ص)فحصلت البشائر به من الأنبياء و أممهم قبل إخراجه إلى العالم بالوجود و إنما أراد جل اسمه بذلك إجلاله و إعظامه و أن يأخذ العهد له على الأنبياء و الأمم كلها فلذلك أظهر لآدم(ع)صورة شخصه و أشخاص أهل بيته(ع)و أثبت أسماءهم له ليخبره بعاقبتهم و بين له عن محلهم عنده و منزلتهم لديه و لم يكونوا

____________

(1) بجله: عظمه و كرمه.

(2) الأعراف: 157.

(3) الصف: 6.

(4) آل عمران: 81.

263

في تلك الحال أحياء ناطقين و لا أرواحا مكلفين و إنما كانت أشباحهم دالة عليهم حسب ما ذكرناه.

فصل‏

و قد بشر الله عز و جل بالنبي و الأئمة(ع)في الكتب الأولى فقال في بعض كتبه التي أنزلها على أنبيائه(ع)و أهل الكتب يقرءونه و اليهود يعرفونه أنه ناجى إبراهيم الخليل(ع)في مناجاته إني قد عظمتك و باركت عليك و على إسماعيل و جعلت منه اثني عشر عظيما و كبرتهم جدا جدا و جعلت منهم شعبا عظيما لأمة عظيمة و أشباه ذلك كثير في كتب الله تعالى الأولى.

فصل‏

فأما الحديث في إخراج الذرية من صلب آدم(ع)على صورة الذر فقد جاء الحديث بذلك على اختلاف ألفاظه و معانيه و الصحيح أنه أخرج الذرية من ظهره كالذر فملأ بهم الأفق و جعل على بعضهم نورا لا يشوبه ظلمة و على بعضهم ظلمة لا يشوبها نور و على بعضهم نورا و ظلمة فلما رآهم آدم(ع)عجب من كثرتهم و ما عليهم من النور و الظلمة فقال يا رب ما هؤلاء قال الله عز و جل له هؤلاء ذريتك يريد تعريفه كثرتهم و امتلاء الآفاق بهم و أن نسله يكون في الكثرة كالذر الذي رآه ليعرفه قدرته و يبشره بإفضال نسله و كثرتهم فقال(ع)يا رب ما لي أرى على بعضهم نورا لا ظلمة فيه و على بعضهم ظلمة لا يشوبها نور و على بعضهم ظلمة و نورا فقال تبارك و تعالى أما الذين عليهم النور منهم بلا ظلمة فهم أصفيائي من ولدك الذي يطيعوني و لا يعصوني في شي‏ء من أمري فأولئك سكان الجنة و أما الذين عليهم ظلمة و لا يشوبها نور فهم الكفار من ولدك الذين يعصوني و لا يطيعوني فأما الذين عليهم نور و ظلمة فأولئك الذين يطيعوني من ولدك و يعصوني فيخلطون أعمالهم السيئة بأعمال حسنة فهؤلاء أمرهم إلي إن شئت عذبتهم فبعدلي و إن شئت عفوت عنهم فبفضلي فأنبأه الله تعالى بما يكون من ولده و شبههم بالذر الذي أخرجهم من ظهره و جعله علامة على كثرة ولده و يحتمل أن يكون ما أخرجه من ظهره و جعل أجسام ذريته دون أرواحهم و إنما فعل الله تعالى ذلك ليدل آدم(ع)على العاقبة منه و يظهر له من قدرته و سلطانه و عجائب صنعته و أعلمه‏

264

بالكائن قبل كونه و ليزداد آدم(ع)يقينا بربه و يدعوه ذلك إلى التوفر على طاعته و التمسك بأوامره و الاجتناب لزواجره فأما الأخبار التي جاءت بأن ذرية آدم(ع)استنطقوا في الذر فنطقوا فأخذ عليهم العهد فأقروا فهي من أخبار التناسخية و قد خلطوا فيها و مزجوا الحق بالباطل و المعتمد من إخراج الذرية ما ذكرناه دون ما عداه مما استمر القول به على الأدلة العقلية و الحجج السمعية و إنما هو تخليط لا يثبت به أثر على ما وصفناه.

فصل‏

فإن تعلق متعلق بقوله تبارك اسمه‏ وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ‏ (1) فظن بظاهر هذا القول تحقق ما رواه أهل التناسخ و الحشوية و العامة في إنطاق الذرية و خطابهم و أنهم كانوا أحياء ناطقين فالجواب عنه أن لهذه الآية من المجاز في اللغة كنظائرها مما هو مجاز و استعارة و المعنى فيها أن الله تبارك و تعالى أخذ من كل مكلف يخرج من ظهر آدم و ظهور ذريته العهد عليه بربوبيته من حيث أكمل عقله و دله بآثار الصنعة على حدثه و أن له محدثا أحدثه لا يشبهه يستحق العبادة منه بنعمة عليه فذلك هو أخذ العهد منهم و آثار الصنعة فيهم و الإشهاد لهم على أنفسهم بأن الله تعالى ربهم و قوله تعالى‏ قالُوا بَلى‏ يريد به أنهم لم يمتنعوا من لزوم آثار الصنعة فيهم و دلائل حدثهم اللازمة لهم و حجة العقل عليهم في إثبات صانعهم فكأنه سبحانه لما ألزمهم الحجة بعقولهم على حدثهم و وجود محدثهم قال لهم‏ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ‏ فلما لم يقدروا على الامتناع من لزوم دلائل الحدث لهم كانوا كقائلين‏ بَلى‏ شَهِدْنا و قوله تعالى‏ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَ كُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ‏ أ لا ترى أنه احتج عليهم بما لا يقدرون يوم القيامة أن يتأولوا في إنكاره و لا يستطيعون و قد قال سبحانه‏ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَ كَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ‏

____________

(1) الأعراف: 172.

265

الْعَذابُ‏ (1) و لم يرد أن المذكور يسجد كسجود البشر في الصلاة و إنما أراد به غير ممتنع من فعل الله فهو كالمطيع لله و هو معبر عنه بالساجد قال الشاعر.

بجمع تضل البلق في حجراته.* * * ترى الأكم فيها سجدا للحوافر.

(2)

يريد أن الحوافر تذل الأكم بوطيها عليها.

و قوله تعالى‏ ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ‏ (3) و هو سبحانه لم يخاطب السماء بكلام و لا السماء قالت قولا مسموعا و إنما أراد أنه عمد إلى السماء فخلقها و لم يتعذر عليه صنعتها فكأنه لما خلقها فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً فلما تعلقت بقدرته كانتا كالقائل‏ أَتَيْنا طائِعِينَ‏ و كمثل قوله تعالى‏ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (4) و الله تعالى يجل عن خطاب النار و هي مما لا يعقل و لا يتكلم و إنما الخبر عن سعتها و أنها لا تضيق بمن يحلها من المعاقبين و ذلك كله على مذهب أهل اللغة و عادتهم في المجاز أ لا ترى إلى قول شاعر.

و قالت له العينان سمعا و طاعة.* * * و أَسْبَلَتا (5)كالدُّرِّ ما لم يُثَقَّب.

و العينان لم تقولا قولا مسموعا و لكنه أراد منهما البكاء فكانت كما أراد من غير تعذر عليه و مثله قول عنترة.

فازوَرّ من وقْع القَنا بلُبانه.* * * و شكا إليَّ بعَبْرة و تحمُّم.

(6)

____________

(1) الحجّ: 18.

(2) الاكم جمع الاكمة: التل. و الحوافر جمع الحافر، و الحافر للدابّة بمنزلة القدم للإنسان.

(3) حم السجدة: 11.

(4) ق: 30.

(5) أسبلت العين الدمع: أرسلت.

(6) الازورار عن الشي‏ء العدول عنه، و القنا جمع قناة و هي الرمح، و وقعها وقوعها و الضرب بها، و اللبان بالفتح ما جرى عليه اللبن. منه (قدس سره).

266

و الفرس لا يشتكي قولا لكنه ظهر منه علامة الخوف و الجزع فسمي ذلك قولا و منه قول الآخر.

و شكا إليَّ جَمَلِي طولَ السَّرَى. (1)

و الجمل لا يتكلم لكنه لما ظهر منه النصب و الوصب لطول السرى عبر عن هذه العلامة بالشكوى التي تكون كالنطق و الكلام و منه قولهم أيضا.

امتلأ الحوض و قال قَطْنِي. (2)* * * حسبك مني قد ملأت بطني.

و الحوض لم يقل قطني لكنه لما امتلأ بالماء عبر عنه بأنه قال حسبي و لذلك أمثال كثيرة في منثور كلام العرب و منظومة و هو من الشواهد على ما ذكرناه في تأويل الآية و الله تعالى نسأل التوفيق.

فصل‏

فأما الخبر بأن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام فهو من أخبار الآحاد و قد روته العامة كما روته الخاصة و ليس هو مع ذلك مما يقطع على الله بصحته و إنما نقله رواته لحسن الظن به و إن ثبت القول فالمعنى فيه أن الله تعالى قدر الأرواح في علمه قبل اختراع الأجساد و اخترع الأجساد و اخترع لها الأرواح فالخلق للأرواح قبل الأجساد خلق تقدير في العلم كما قدمناه و ليس بخلق لذواتها كما وصفناه و الخلق لها بالإحداث و الاختراع بعد خلق الأجسام و الصور التي تدبرها الأرواح و لو لا أن ذلك كذلك لكانت الأرواح تقوم بأنفسها و لا تحتاج إلى آلات يعتملها و لكنا نعرف ما سلف لنا من الأحوال قبل خلق الأجساد كما نعلم أحوالنا بعد خلق الأجساد و هذا محال لا خفاء بفساده.

و أما الحديث بأن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف فالمعنى فيه أن الأرواح التي هي الجواهر البسائط تتناصر بالجنس و تتخاذل بالعوارض فما تعارف منها باتفاق الرأي و الهوى ائتلف و ما تناكر منها

____________

(1) بضم السين: سير الليل.

(2) أي حسبى.

267

بمباينة في الرأي و الهوى اختلف و هذا موجود حسا و مشاهد و ليس المراد بذلك أن ما تعارف منها في الذر ائتلف كما يذهب إليه الحشوية كما بيناه من أنه لا علم للإنسان بحال كان عليها قبل ظهوره في هذا العالم و لو ذكر بكل شي‏ء ما ذكر ذلك فوضح بما ذكرناه أن المراد بالخبر ما شرحناه و الله الموفق للصواب انتهى.

أقول: 267 طرح ظواهر الآيات و الأخبار المستفيضة بأمثال تلك الدلائل الضعيفة و الوجوه السخيفة جرأة على الله و على أئمة الدين و لو تأملت فيما يدعوهم إلى ذلك من دلائلهم و ما يرد عليها من الاعتراضات الواردة لعرفت أن بأمثالها لا يمكن الاجتراء على طرح خبر واحد فكيف يمكن طرح تلك الأخبار الكثيرة الموافقة لظاهر الآية الكريمة بها و بأمثالها و سيأتي الأخبار الدالة على تقدم خلق الأرواح على الأجساد في كتاب السماء و العالم و سنتكلم عليها.

و منها ما ذكره السيد المرتضى رضي الله عنه في قوله تعالى‏ وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ‏ الآية

حيث قال و قد ظن بعض من لا بصيرة له و لا فطنة عنده أن تأويل هذه الآية أن الله سبحانه استخرج من ظهر آدم(ع)جميع ذريته و هم في خلق الذر فقررهم بمعرفته‏ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ‏ و هذا التأويل مع أن العقل يبطله و يحيله مما يشهد ظاهر القرآن بخلافه لأن الله تعالى قال‏ وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ‏ و لم يقل من آدم و قال من‏ ظُهُورِهِمْ‏ و لم يقل من ظهوره و قال‏ ذُرِّيَّتَهُمْ‏ و لم يقل ذريته ثم أخبر تعالى بأنه فعل ذلك لئلا يقولوا يوم القيامة إنهم كانوا عن هذا غافلين أو يعتذروا بشرك آبائهم و أنهم نشئوا على دينهم و سنتهم و هذا يقتضي أن الآية لم تتناول ولد آدم(ع)لصلبه و أنها إنما تناولت من كان له آباء مشركون و هذا يدل على اختصاصها ببعض ذرية بني آدم فهذه شهادة الظاهر ببطلان تأويلهم فأما شهادة العقول فمن حيث لا تخلو هذه الذرية التي استخرجت من ظهر آدم(ع)و خوطبت و قررت من أن تكون كاملة العقول مستوفية بشروط التكليف أو لا تكون كذلك فإن كانت بالصفة الأولى وجب أن يذكر هؤلاء بعد خلقهم و إنشائهم و إكمال عقولهم ما كانوا عليه في تلك الحال و ما قرروا به و استشهدوا عليه لأن العاقل‏

268

لا ينسى ما جرى هذا المجرى و إن بعد العهد و طال الزمان و لهذا لا يجوز أن يتصرف أحدنا في بلد من البلدان و هو عاقل كامل فينسى مع بعد العهد جميع تصرفه المتقدم و سائر أحواله و ليس أيضا لتخلل الموت بين الحالين تأثير لأنه لو كان تخلل الموت يزيل الذكر لكان تخلل النوم و السكر و الجنون و الإغماء بين أحوال العقلاء يزيل ذكرهم لما مضى من أحوالهم لأن سائر ما عددناه مما ينفي العلوم يجري مجرى الموت في هذا الباب و ليس لهم أن يقولوا إذا جاز في العاقل الكامل أن ينسى ما كان عليه في حال الطفولية جاز ما ذكرنا و ذلك أنا إنما أوجبنا ذكر العقلاء لما ادعوه إذا كملت عقولهم من حيث جرى عليهم و هم كاملو العقل و لو كانوا بصفة الأطفال في تلك الحال لم نوجب عليهم ما أوجبناه على أن تجويز النسيان عليهم ينقض الغرض في الآية و ذلك أن الله تعالى أخبر بأنه إنما قررهم و أشهدهم لئلا يدعوا يوم القيامة الغفلة عن ذلك و سقوط الحجة عنهم فيه فإذا جاز نسيانهم له عاد الأمر إلى سقوط الحجة عنهم و زواله.

و إن كانوا على الصفة الثانية من فقد العلم و شرائط التكليف قبح خطابهم و تقريرهم و إشهادهم و صار ذلك عبثا قبيحا يتعالى الله عنه.

فإن قيل قد أبطلتم تأويل مخالفيكم فما تأويلها الصحيح عندكم.

قلنا في الآية وجهان أحدهما أن يكون تعالى إنما عنى بها جماعة من ذرية بني آدم خلقهم و بلغهم و أكمل عقولهم و قررهم على ألسن رسله(ع)بمعرفته و ما يجب من طاعته فأقروا بذلك‏ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ‏ به لئلا يقولوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ‏ أو يعتذروا بشرك آبائهم و إنما أتي من اشتبه عليه تأويل الآية من حيث ظن أن اسم الذرية لا يقع إلا على من لم يكن كاملا عاقلا و ليس الأمر كما ظن لأنا نسمي جميع البشر بأنهم ذرية آدم و إن دخل فيهم العقلاء الكاملون و قد قال الله تعالى‏ رَبَّنا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَ أَزْواجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ‏ و لفظ الصالح لا يطلق إلا على من كان كاملا عاقلا فإن استبعدوا تأويلنا و حملنا الآية على البالغين المكلفين فهذا جوابهم.

269

الجواب الثاني أنه تعالى لما خلقهم و ركبهم تركيبا يدل على معرفته و يشهد بقدرته و وجوب عبادته و أراهم العبر و الآيات و الدلائل في غيرهم و في أنفسهم كان بمنزلة المشهد لهم على أنفسهم و كانوا في مشاهدة ذلك و معرفته و ظهوره فيهم على الوجه الذي أراده الله تعالى و تعذر امتناعهم منه و انفكاكهم من دلالته بمنزلة المقر المعترف و إن لم يكن هناك إشهاد و لا اعتراف على الحقيقة و يجري ذلك مجرى قوله تعالى‏ ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ‏ و إن لم يكن منه تعالى قول على الحقيقة و لا منهما جواب و مثله قوله تعالى‏ شاهِدِينَ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ و نحن نعلم أن الكفار لم يعترفوا بالكفر بألسنتهم و إنما ذلك لما ظهر منهم ظهورا لا يتمكنون من دفعه كانوا بمنزلة المعترفين به و مثل هذا قولهم جوارحي تشهد بنعمتك و حالي معترفة بإحسانك.

و ما روي عن بعض الحكماء من قوله سل الأرض من شق أنهارك و غرس أشجارك و جنى ثمارك فإن لم تجبك جؤارا (1) أجابتك اعتبارا و هذا باب كبير و له نظائر كثيرة في النظم و النثر يغني عن ذكر جميعها القدر الذي ذكرناه منها.

و منها ما ذكره الرازي في تفسير تلك الآية

حيث قال في تفسير تلك الآية قولان مشهوران.

الأول و هو مذهب المفسرين و أهل الأثر

مَا رَوَى مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ الْجُهَنِيُ‏ أَنَّ عُمَرَ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً فَقَالَ خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ ذُرِّيَّةً فَقَالَ خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَفِيمَ الْعَمَلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ اللَّهَ إِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَ إِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلَ النَّارَ.

- وَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ‏

____________



(1) جار إلى اللّه: رفع صوته إلى اللّه.

270

مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ (1) مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

و قال مقاتل إن الله مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فخرج منه ذرية بيضاء كهيئة الذر تتحرك ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فخرج منه ذرية سود كهيئة الذر فقال يا آدم هؤلاء ذريتك ثم قال لهم‏ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ فقال للبيض هؤلاء في الجنة برحمتي و هم أصحاب اليمين و قال للسود هؤلاء في النار و لا أبالي و هم أصحاب الشمال و أصحاب المشأمة ثم أعادهم جميعا في صلب آدم فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال و أرحام النساء و قال تعالى فيمن نقض العهد الأول‏ وَ ما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ (2) و هذا القول قد ذهب إليه كثير من قدماء المفسرين كسعيد بن المسيب و سعيد بن جبير و الضحاك و عكرمة و الكلبي.

و أما المعتزلة فقد أطبقوا على أنه لا يجوز تفسير هذه الآية بهذه الوجه و احتجوا على فساد هذا القول بوجوه.

الأول أنه قال‏ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ‏ فقوله‏ مِنْ ظُهُورِهِمْ‏ بدل من قوله‏ بَنِي آدَمَ‏ فلم يذكر الله أنه أخذ من ظهر آدم شيئا.

الثاني أنه لو كان كذلك لما قال‏ مِنْ ظُهُورِهِمْ‏ و لا من ذريتهم بل قال من ظهره و ذريته. الثالث أنه تعالى حكى عن أولئك الذرية أنهم قالوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ‏ و هذا الكلام لا يليق بأولاد آدم لأنه(ع)ما كان مشركا.

الرابع أن أخذ الميثاق لا يمكن إلا من العاقل فلو أخذ الله الميثاق من أولئك لكانوا عقلاء و لو كانوا عقلاء و أعطوا ذلك الميثاق حال عقلهم لوجب أن يتذكروا في هذا الوقت أنهم أعطوا الميثاق قبل دخولهم في هذا العالم لأن الإنسان إذا وقعت له واقعة عظيمة مهيبة فإنه لا يجوز مع كونه عاقلا أن ينساها نسيانا كليا لا يتذكر منها

____________

(1) النسمة: الإنسان، او كل دابة فيها روح، و المراد هاهنا الأول.

(2) الأعراف: 102.

271

شيئا لا بالقليل و لا بالكثير و بهذا الدليل يبطل القول بالتناسخ فإنا نقول لو كانت أرواحنا قد حصلت قبل هذه الأجساد في أجساد أخرى لوجب أن نتذكر الآن أنا كنا قبل هذا الجسد في أجساد أخرى و حيث لم نتذكر ذلك كان القول بالتناسخ باطلا فإذا كان اعتقادنا في إبطال التناسخ ليس إلا على هذا الدليل و هذا الدليل بعينه قائم في هذه المسألة وجب القول بمقتضاه.

الخامس أن جميع الخلق الذين خلقهم الله من أولاد آدم(ع)عدد عظيم و كثرة كثيرة فالمجموع الحاصل من تلك الذرات تبلغ مبلغا في الحجمية و المقدار و صلب آدم(ع)على صغره يبعد أن يتسع لهذا المجموع.

السادس أن البنية شرط لحصول الحياة و العقل و الفهم إذ لو لم يكن كذلك لم يبعد في كل ذرة من ذرات الهباء أن تكون عاقلا فاهما مصنفا للتصانيف الكثيرة في العلوم الدقيقة و فتح هذا الباب يقتضي إلى التزام الجهالات و إذا ثبت أن البنية شرط لحصول الحياة فكل واحد من تلك الذرات لا يمكن أن يكون فاهما عاقلا إلا إذا حصلت له قدرة من البنية و الجثة و إذا كان كذلك فمجموع تلك الأشخاص الذين خرجوا إلى الوجود من أول تخليق آدم إلى آخر فناء الدنيا لا تحويهم عرصة الدنيا فكيف يمكن أن يقال إنهم بأسرهم حصلوا دفعة واحدة في صلب آدم ع.

السابع قالوا هذا الميثاق إما أن يكون قد أخذه الله منهم في ذلك الوقت ليصير حجة عليهم في ذلك الوقت أو ليصير حجة عليهم عند دخولهم في دار الدنيا و الأول باطل لانعقاد الإجماع على أن بسبب ذلك القدر من الميثاق لا يصيرون مستحقين للثواب و العقاب و المدح و الذم و لا يجوز أن يكون المطلوب منه أن يصير ذلك حجة عليهم عند دخولهم في دار الدنيا لأنهم لما لم يذكروا ذلك الميثاق في الدنيا فكيف يصير حجة عليهم في التمسك بالإيمان.

الثامن قال الكعبي إن حال أولئك الذرية لا يكون أعلى في الفهم و العلم من حال الأطفال فلما لم يمكن توجيه التكليف على الطفل فكيف يمكن توجيه على أولئك الذر.

272

و أجاب الزجاج عنه و قال لما لم يبعد أن يؤتي الله النمل العقل كما قال‏ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ‏ (1) و أن يعطي الجبل الفهم حتى يسبح كما قال‏ وَ سَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ‏ (2) و كما أعطى الله العقل للبعير حتى سجد للرسول(ص)و للنخلة حتى سمعت و انقادت حين دعيت فكذا هاهنا.

التاسع أن أولئك الذر في ذلك الوقت إما أن يكونوا كاملي العقول و القدر أو ما كانوا كذلك فإن كان الأول كانوا مكلفين لا محالة و إنما يبقون مكلفين إذا عرفوا الله بالاستدلال و لو كانوا كذلك لما امتازت أحوالهم في ذلك الوقت عن أحوالهم في هذه الحياة الدنيا فلو افتقر التكليف في الدنيا إلى سبق ذلك الميثاق لافتقر التكليف في وقت ذلك الميثاق إلى سبق ميثاق آخر و لزم التسلسل و هو محال.

و أما الثاني و هو أن يقال إنهم في وقت ذلك الميثاق ما كانوا كاملي العقول و لا كاملي القدر فحينئذ يمتنع توجيه الخطاب و التكليف عليهم.

العاشرة قوله تعالى‏ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ‏ (3) و لو كانت تلك الذرات عقلاء فاهمين كاملين لكانوا موجودين قبل هذا الماء الدافق و لا معنى للإنسان إلا ذلك الشي‏ء فحينئذ لا يكون الإنسان مخلوقا من الماء الدافق و ذلك رد لنص القرآن.

فإن قالوا لم لا يجوز أن يقال إنه تعالى خلقه كامل العقل و الفهم و القدرة عند الميثاق ثم أزال عقله و فهمه و قدرته ثم إنه خلقه مرة أخرى في رحم الأم و أخرجه إلى هذه الحياة.

قلنا هذا باطل لأنه لو كان الأمر كذلك لما كان خلق من النطفة خلقا على سبيل الابتداء بل كان يجب أن يكون خلقا على سبيل الإعادة و أجمع المسلمون على أن خلقه من النطفة هو الخلق المبتدأ فدل هذا على أن ما ذكرتموه باطل.

الحادي عشر هي أن تلك الذرات إما أن يقال إنه عين هؤلاء الناس أو غيرهم‏

____________

(1) النمل: 18.

(2) الأنبياء: 79.

(3) الطارق: 6.

273

و القول الثاني باطل بالإجماع و في القول الأول فنقول إما أن يقال إنهم بقوا فهماء عقلاء قادرين حال ما كانوا نطفة و علقة و مضغة أو ما بقوا كذلك و الأول باطل ببديهة العقل و الثاني يقتضي أن يقال الإنسان حصل له الحياة أربع مرات أولها وقت الميثاق و ثانيها في الدنيا و ثالثها في القبر و رابعها في القيامة و أنه حصل له الموت ثلاث مرات موت بعد الحياة الحاصلة في الميثاق الأول و موت في الدنيا و موت في القبر و هذا العدد مخالف للعدد المذكور في قوله تعالى‏ رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ‏ (1) الثاني عشر قوله تعالى‏ وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ‏ (2) فلو كان القول بهذا الذر صحيحا لكان ذلك الذر هو الإنسان لأنه هو المكلف المخاطب المثاب المعاقب و ذلك باطل لأن الذر غير مخلوق من النطفة و العلقة و المضغة و نص الكتاب دليل على أن الإنسان مخلوق من النطفة و العلقة و المضغة و هو قوله‏ وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ‏ و قوله‏ قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ‏ (3) فهذه جملة الوجوه المذكورة في بيان أن هذا القول ضعيف.

و القول الثاني في تفسير هذه الآية قول أصحاب النظر و أرباب المعقولات أنه أخرج الذر و هم الأولاد من أصلاب آبائهم و ذلك الإخراج أنهم كانوا نطفة فأخرجها الله تعالى في أرحام الأمهات و جعلها علقة ثم مضغة ثم جعلهم بشرا سويا و خلقا كاملا ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيته و عجائب خلقه و غرائب صنعه فبالإشهاد صاروا كأنهم قالوا بلى و إن لم يكن هناك قول باللسان لذلك نظائر.

منها قوله تعالى‏ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ‏ (4) و منها قوله تعالى‏ إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏ (5).

و قول العرب قال الجدار للوتد لم تشقني قال سل من يدقني فإن الذي ورائي ما خلاني و رأيي و قال الشاعر.

امتلأ الحوض و قال قطني.

____________

(1) المؤمن: 11.

(2) المؤمنون: 12.

(3) عبس: 19.

(4) فصّلت: 11.

(5) النحل: 42.

274

فهذا النوع من المجاز و الاستعارة مشهورة في الكلام فوجب حمل الكلام عليه فهذا هو الكلام في تقرير هذين القولين و هذا القول الثاني لا طعن فيه البتة و بتقدير أن يصح هذا القول لم يكن ذلك منافيا لصحة القول الأول إنما الكلام في أن القول الأول هل يصح أم لا.

فإن قال قائل فما المختار عندكم فيه قلنا هاهنا مقامان أحدهما أنه هل يصح القول بأخذ الميثاق عن الذر و الثاني أن بتقدير أن يصح القول به فهل يمكن جعله تفسيرا لألفاظ هذه الآية.

أما المقام الأول فالمنكرون له قد تمسكوا بالدلائل العقلية التي ذكرناها و قررناها.

و يمكن الجواب عن كل واحد منها بوجه مقنع.

أما الوجه الأول من الوجوه العقلية المذكورة و هو أنه لو صح القول بأخذ هذا الميثاق لوجب أن نتذكره الآن.

قلنا خالق العلم بحصول الأحوال الماضية هو الله تعالى لأن هذه العلوم عقلية ضرورية و العلوم الضرورية خالقها هو الله تعالى و إذا كان كذلك صح منه تعالى أن يخلقها.

فإن قالوا فإذا جوزتم هذا فجوزوا أن يقال إن قبل هذا البدن كنا في أبدان أخرى على سبيل التناسخ و إن كنا لا نتذكر الآن أحوال تلك الأبدان قلنا الفرق بين الأمرين ظاهر و ذلك لأنا إذا كنا في أبدان أخرى و بقينا فيها سنين و دهورا امتنع في مجرى العادة نسيانها أما أخذ هذا الميثاق إنما حصل في أسرع زمان و أقل وقت فلم يبعد حصول النسيان و الفرق الظاهر حاكم بصحة هذا الفرق لأن الإنسان إذا بقي على العمل الواحد سنين كثيرة يمتنع أن ينساها أما إذا مارس العمل الواحد لحظة واحدة فقد ينساها فظهر الفرق.

و أما الوجه الثاني و هو أن يقال مجموع تلك الذرات يمتنع حصولها بأسرها في‏

275

ظهر آدم(ع)قلنا عندنا البنية ليست شرطا لحصول الحياة و الجوهر الفرد و الجزء الذي لا يتجزى قابل للحياة و العقل فإذا جعلنا كل واحد من تلك الذرات جوهرا فردا فلم قلتم إن ظهر آدم لا يتسع لمجموعها إلا أن هذا الجواب لا يتم إلا إذا قلنا الإنسان جوهر فرد و جزء لا يتجزى في البدن على ما هو مذهب بعض القدماء و أما إذا قلنا الإنسان هو النفس الناطقة و أنه جوهر غير متحيز و لا حال في متحيز فالسؤال زائل.

و أما الوجه الثالث و هو قوله فائدة أخذ الميثاق هي أن تكون حجة في ذلك الوقت أو في الحياة الدنيا فجوابنا أن نقول يفعل الله ما يشاء و يحكم ما يريد و أيضا أ ليس أن من المعتزلة إذا أرادوا تصحيح القول بوزن الأعمال و إنطاق الجوارح قالوا لا يبعد أن يكون لبعض المكلفين في إسماع هذه الأشياء لطف فكذا هاهنا لا يبعد أن يكون لبعض الملائكة من تميز السعداء من الأشقياء في وقت أخذ الميثاق لطف و قيل أيضا إن الله تعالى يذكرهم ذلك الميثاق يوم القيامة و بقية الوجوه ضعيفة و الكلام عليها سهل هين.

و أما المقام الثاني و هو أن بتقدير أن يصح القول بأخذ الميثاق من الذر فهل يمكن جعله تفسيرا لألفاظ هذه الآية فنقول الوجوه الثلاثة المذكورة أولا دافعة لذلك لأن قوله‏ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ‏ فقد بينا أن المراد منه و إذ أخذ ربك من ظهور بني آدم و أيضا لو كانت هذه الذرية مأخوذة من ظهر آدم لقال من ظهره ذريته و لم يقل‏ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ‏ أجاب الناصرون لذلك القول بأنه صحت الرواية عن رسول الله(ص)أنه فسر هذه الآية بهذا الوجه و الطعن في تفسير رسول الله(ص)غير ممكن فنقول ظاهر الآية تدل على أنه تعالى أخرج ذرا من ظهور بني آدم فيحمل ذلك على أنه تعالى يعلم أن الشخص الفلاني يتولد منه فلان و من ذلك الفلان فلان آخر فعلى الترتيب الذي علم دخولهم في الوجود يخرجهم و يميز بعضهم من بعض و أما أنه تعالى يخرج كل تلك الذرية من صلب آدم فليس في لفظ الآية ما يدل على ثبوته و ليس في الآية أيضا ما يدل على بطلانه إلا أن الخبر قد دل عليه فثبت‏

276

إخراج الذرية من ظهور بني آدم في القرآن و ثبت إخراج الذرية من ظهر آدم بالخبر و على هذا التقدير فلا منافاة بين الأمرين و لا مدافعة فوجب المصير إليهما معا صونا للآية و الخبر عن الطعن بقدر الإمكان فهذا منتهى الكلام في تقرير هذا المقام انتهى.

و لنكتف بنقل ما نقلناه من غير تعرض لجرح و تعديل فإن من له بصيرة نافذة إذا أحاط بما نقلنا من الأخبار و كلام من تكلم في ذلك يتضح له طريق الوصول إلى ما هو الحق في ذلك بفضله تعالى‏ (1) ثم اعلم أنه سيأتي بعض الأخبار المناسبة لهذا الباب في باب علة استلام الحجر من كتاب الحج و باب خلق الأئمة و باب أخذ ميثاقهم(ع)من كتاب الإمامة و أبواب أحوال آدم(ع)من كتاب النبوة.

باب 11 من لا ينجبون من الناس و محاسن الخلقة و عيوبها اللتين تؤثّران في الخلق‏

1- ل، الخصال ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جَنَاحٍ‏ (2) يَرْفَعُهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سِتَّةٌ لَا يَنْجُبُونَ السِّنْدِيُّ وَ الزِّنْجِيُّ وَ التُّرْكِيُّ وَ الْكُرْدِيُّ وَ الْخُوزِيُّ وَ نَبْكُ الرَّيِّ.

بيان الخوزي أهل خوزستان و النبك المكان المرتفع‏ (3) و يحتمل أن يكون إضافته إلى الري بيانية و في بعض النسخ بتقديم الباء على النون و هو بالضم أصل الشي‏ء و خالصه.

____________

(1) ما يشتمل عليه أخبار الباب ليس مسألة واحدة بل كل من مسألة نقل الاعمال و مسألة الطينة و مسألة أخذ الميثاق و منه ميثاق الذر و مسألة بدء الخلقة مسائل مختلفة مرتبطة بالقضاء الكلى و قد خلطها الباحثون من المتكلّمين و المفسرين؛ و بحثنا عنها في رسالة الافعال و رسالة الإنسان قبل الدنيا و نرجو أن يوفقنا اللّه سبحانه لاستيفاء هذه الأبحاث في مواضع تناسبها من تفسير الميزان إنشاء اللّه. ط.

(2) يحتمل قويا أن يكون الواسطة (مطرف مولى معن) الآتي بعد ذلك، لان سعيد بن جناح يروى عنه، و أن يكون الخبر متحدا مع الحديث الآتي بعده.

(3) و الاكمة المحددة الرأس، أو التل الصغير.

277

2- ل، الخصال أَبِي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ سَهْلٍ عَنْ مَنْصُورٍ (1) عَنْ نَصْرٍ الْكَوْسَجِ‏ (2) عَنْ مُطَرِّفٍ مَوْلَى مَعْنٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: لَا يَدْخُلُ حَلَاوَةُ الْإِيمَانِ قَلْبَ سِنْدِيٍّ وَ لَا زِنْجِيٍّ وَ لَا خُوزِيٍّ وَ لَا كُرْدِيٍّ وَ لَا بَرْبَرِيٍّ وَ لَا نَبْكِ الرَّيِّ وَ لَا مَنْ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ مِنَ الزِّنَا.

3- ع، علل الشرائع عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زُرَيْقٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: يَا هِشَامُ النَّبَطُ لَيْسَ مِنَ الْعَرَبِ وَ لَا مِنَ الْعَجَمِ فَلَا تَتَّخِذْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَ لَا نَصِيراً فَإِنَّ لَهُمْ أُصُولًا (3) تَدْعُو إِلَى غَيْرِ الْوَفَاءِ (4).

4- ل، الخصال ابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْهَمْدَانِيِ‏ (5) يَرْفَعُهُ إِلَى دَاوُدَ بْنِ فَرْقَدٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: ثَلَاثَةٌ لَا يَنْجُبُونَ أَعْوَرُ يَمِينٍ وَ أَزْرَقُ كَالْفَصِّ وَ مُولَدُ السِّنْدِ.

5- ل، الخصال أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنِ ابْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَا ابْتَلَى اللَّهُ بِهِ شِيعَتَنَا فَلَنْ يَبْتَلِيَهُمْ بِأَرْبَعٍ أَنْ يَكُونُوا لِغَيْرِ رِشْدَةٍ أَوْ أَنْ يَسْأَلُوا بِأَكُفِّهِمْ‏ (6) أَوْ يُؤْتَوْا فِي أَدْبَارِهِمْ أَوْ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ أَزْرَقُ أَخْضَرُ.

6- ل، الخصال أَبِي وَ ابْنُ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ وَ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ بِإِسْنَادِهِ رَفَعَهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: خَمْسَةٌ خُلِقُوا نَارِيِّينَ الطَّوِيلُ الذَّاهِبُ وَ الْقَصِيرُ الْقَمِي‏ءُ وَ الْأَزْرَقُ بِخُضْرَةٍ وَ الزَّائِدُ وَ النَّاقِصُ.

بيان قمأ كجمع و كرم ذل و صغر فهو قمي‏ء ذكره الفيروزآبادي.

7- ل، الخصال أَبِي وَ ابْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ وَ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ‏

____________

(1) لعله منصور بن العباس أبو الحسين الرازيّ الضعيف، و إلّا فمجهول.

(2) لم نجد له و لا لمطرف ذكرا في التراجم.

(3) في المصدر: اصواتا م.

(4) الحديث مجهول بحسين بن زريق.

(5) ضعفه الاصحاب.

(6) في نسخة: بكفهم.

278

مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بِإِسْنَادٍ لَهُ يَرْفَعُهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مُدْمِنُ خَمْرٍ وَ لَا سِكِّيرٌ وَ لَا عَاقٌّ وَ لَا شَدِيدُ السَّوَادِ وَ لَا دَيُّوثٌ وَ لَا قَلَّاعٌ وَ هُوَ الشُّرْطِيُّ وَ لَا زَنُّوقٌ وَ هُوَ الْخُنْثَى وَ لَا خَيُّوفٌ‏ (1) وَ هُوَ النَّبَّاشُ وَ لَا عَشَّارٌ وَ لَا قَاطِعُ رَحِمٍ وَ لَا قَدَرِيٌّ.

قال الصدوق رضي الله عنه يعني شديد السواد الذي لا يبيض شي‏ء من شعر رأسه و لا من شعر لحيته مع كبر السن و يسمى الغربيب.

8- ل، الخصال الْقَطَّانُ وَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى عَنِ ابْنِ زَكَرِيَّا الْقَطَّانِ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ بُهْلُولٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرِ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَاطَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ الزَّعْفَرَانِيِّ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزِّنْجِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ(ع)قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ سِنَانٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالُوا كُلُّهُمْ‏ ثَلَاثَةَ عَشَرَ صِنْفاً وَ قَالَ تَمِيمٌ‏ (2) سِتَّةَ عَشَرَ صِنْفاً مِنْ أُمَّةِ جَدِّي(ص)لَا يُحِبُّونَا وَ لَا يُحَبِّبُونَا إِلَى النَّاسِ وَ يُبْغِضُونَا وَ لَا يَتَوَلَّوْنَا وَ يَخْذُلُونَا وَ يُخَذِّلُونَ النَّاسَ عَنَّا فَهُمْ أَعْدَاؤُنَا حَقّاً لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ‏ وَ لَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ‏ قَالَ قُلْتُ بَيِّنْهُمْ لِي يَا أَبَتِ وَقَاكَ اللَّهُ شَرَّهُمْ قَالَ الزَّائِدُ فِي خَلْقِهِ فَلَا تَرَى أَحَداً مِنَ النَّاسِ فِي خَلْقِهِ زِيَادَةٌ إِلَّا وَجَدْتَهُ لَنَا مُنَاصِباً وَ لَمْ تَجِدْهُ لَنَا مُوَالِياً وَ النَّاقِصُ الْخَلْقِ مِنَ الرِّجَالِ فَلَا تَرَى لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ خَلْقاً نَاقِصَ الْخِلْقَةِ إِلَّا وَجَدْتَ فِي قَلْبِهِ عَلَيْنَا غِلًّا (3) وَ الْأَعْوَرُ بِالْيَمِينِ لِلْوِلَادَةِ فَلَا تَرَى لِلَّهِ خَلْقاً وُلِدَ أَعْوَرَ الْيَمِينِ إِلَّا كَانَ لَنَا مُحَارِباً وَ لِأَعْدَائِنَا مُسَالِماً وَ الْغِرْبِيبُ مِنَ الرِّجَالِ فَلَا تَرَى لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ خَلْقاً غِرْبِيباً وَ هُوَ الَّذِي قَدْ طَالَ عُمُرُهُ فَلَمْ يَبْيَضَّ شَعْرُهُ وَ تَرَى لِحْيَتَهُ مِثْلَ حَنَكِ الْغُرَابِ إِلَّا كَانَ عَلَيْنَا مُؤَلِّباً وَ لِأَعْدَائِنَا مُكَاثِراً وَ الْحُلْكُوكُ مِنَ الرِّجَالِ فَلَا تَرَى مِنْهُمْ أَحَداً إِلَّا كَانَ لَنَا شَتَّاماً وَ لِأَعْدَائِنَا مَدَّاحاً

____________



(1) في نسخة: خنوف.

(2) هو ابن بهلول الواقع في الطريق الأول.

(3) الغل بكسر الغين و تشديد اللام: الحقد و الغش.

279

وَ الْأَقْرَعُ‏ (1) مِنَ الرِّجَالِ فَلَا تَرَى رَجُلًا بِهِ قَرَعٌ إِلَّا وَجَدْتَهُ هَمَّازاً لَمَّازاً مَشَّاءً بِالنَّمِيمَةِ عَلَيْنَا وَ الْمُفَصَّصُ‏ (2) بِالْخُضْرَةِ مِنَ الرِّجَالِ فَلَا تَرَى مِنْهُمْ أَحَداً وَ هُمْ كَثِيرُونَ إِلَّا وَجَدْتَهُ يَلْقَانَا بِوَجْهٍ وَ يَسْتَدْبِرُنَا بِآخَرَ يَبْتَغِي لَنَا الْغَوَائِلَ‏ (3) وَ الْمَنْبُوذُ مِنَ الرِّجَالِ فَلَا تَلْقَى مِنْهُمْ أَحَداً إِلَّا وَجَدْتَهُ لَنَا عَدُوّاً مُضِلًّا مُبِيناً وَ الْأَبْرَصُ مِنَ الرِّجَالِ فَلَا تَلْقَى مِنْهُمْ أَحَداً إِلَّا وَجَدْتَهُ يَرْصُدُ لَنَا الْمَرَاصِدَ وَ يَقْعُدُ لَنَا وَ لِشِيعَتِنَا مَقْعَداً لِيُضِلَّنَا بِزَعْمِهِ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ وَ الْمَجْذُومُ وَ هُمْ حَصَبُ جَهَنَّمَ هُمْ لَهَا وَارِدُونَ وَ الْمَنْكُوحُ فَلَا تَرَى مِنْهُمْ أَحَداً إِلَّا وَجَدْتَهُ يَتَغَنَّى بِهِجَائِنَا وَ يُؤَلِّبُ عَلَيْنَا وَ أَهْلُ مَدِينَةٍ تُدْعَى سِجِسْتَانَ هُمْ لَنَا أَهْلُ عَدَاوَةٍ وَ نَصْبٍ وَ هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَ الْخَلِيقَةِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَذَابِ مَا عَلَى فِرْعَوْنَ وَ هَامَانَ وَ قَارُونَ وَ أَهْلُ مَدِينَةٍ تُدْعَى الرَّيَّ هُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ وَ أَعْدَاءُ رَسُولِهِ وَ أَعْدَاءُ أَهْلِ بَيْتِهِ يَرَوْنَ حَرْبَ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)جِهَاداً وَ مَالَهُمْ مَغْنَماً وَ لَهُمْ عَذَابُ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ‏ وَ أَهْلُ مَدِينَةٍ تُدْعَى الْمَوْصِلَ هُمْ شَرُّ مَنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَ أَهْلُ مَدِينَةٍ تُسَمَّى الزَّوْرَاءَ تُبْنَى فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَسْتَشْفُونَ بِدِمَائِنَا وَ يَتَقَرَّبُونَ بِبُغْضِنَا يُوَالُونَ فِي عَدَاوَتِنَا وَ يَرَوْنَ حَرْبَنَا فَرْضاً وَ قِتَالَنَا حَتْماً يَا بُنَيَّ فَاحْذَرْ هَؤُلَاءِ ثُمَّ احْذَرْهُمْ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو اثْنَانِ مِنْهُمْ بِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِكَ إِلَّا هَمُّوا بِقَتْلِهِ وَ اللَّفْظُ لِتَمِيمٍ مِنْ أَوَّلِ الْحَدِيثِ إِلَى آخِرِهِ.

بيان قوله(ع)مؤلّبا أي يجمع الناس علينا بالعداوة و الظلم و الحلكوك بالضم و الفتح الشديد السواد و المفصص بالخضرة هو الذي يكون عينه أزرق كالفصّ كما مر في الخبر و الفص أيضا حدقة العين و في بعض النسخ بالضادين المعجمتين و هو تصحيف و المنبوذ ولد الزنا و الزوراء بغداد ثم اعلم أنه لا يبعد أن يكون‏

____________

(1) الاقرع: من سقط شعر رأسه.

(2) في النسخ المطبوعة ذكر ثلاثة عشر صنفا بحذف قوله: و المفصص بالخضرة الى قوله: و الابرص، و ليس في آخرها جملة: و اللفظ لتميم من اول الحديث إلى آخره. م.

(3) جمع الغائلة: الداهية. الفساد. المهلكة. الشر.

280

بعض البلاد كالري يكون هذا لبيان حالهم في تلك الأزمان لا إلى يوم القيامة و لعله سقط واحد من الستة عشر من النسّاخ أو من الرواة.

9- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بِالْأَسَانِيدِ الثَّلَاثَةِ عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ(ع)عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ: لَا تَجِدُ فِي أَرْبَعِينَ أَصْلَعَ رَجُلَ سَوْءٍ وَ لَا تَجِدُ فِي أَرْبَعِينَ كَوْسَجاً رَجُلًا صَالِحاً وَ أَصْلَعُ سَوْءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَوْسَجٍ صَالِحٍ.

صح، صحيفة الرضا (عليه السلام) عنه(ع)مثله بيان الصلع انحسار شعر مقدم الرأس.

10- ع، علل الشرائع أَبِي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ عَلِيٍّ الرَّيَّانِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نَجْرَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَمَّادٍ عَنْ ذَرِيحٍ الْمُحَارِبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ(ص)فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَسْأَلُ اللَّهُ عَمَّا سِوَى الْفَرِيضَةِ قَالَ لَا قَالَ فَوَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تَقَرَّبْتُ إِلَى اللَّهِ بِشَيْ‏ءٍ سِوَاهَا قَالَ وَ لِمَ قَالَ لِأَنَّ اللَّهَ قَبَّحَ خَلْقِي قَالَ فَأَمْسَكَ النَّبِيُّ(ص)وَ نَزَلَ جَبْرَئِيلُ(ع)فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ رَبُّكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَ يَقُولُ أَقْرِئْ عَبْدِي فُلَاناً السَّلَامَ وَ قُلْ لَهُ أَ مَا تَرْضَى أَنْ أَبْعَثَكَ غَداً فِي الْآمِنِينَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ قَدْ ذَكَرَنِيَ اللَّهُ عِنْدَهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَوَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا بَقِيَ شَيْ‏ءٌ يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ إِلَّا تَقَرَّبْتُ بِهِ.

11- ع، علل الشرائع أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ حَمَّادٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)جُعِلْتُ فِدَاكَ نَرَى الْخَصِيَّ مِنْ أَصْحَابِنَا عَفِيفاً لَهُ عِبَادَةٌ وَ لَا نَكَادُ نَرَاهُ إِلَّا فَظّاً غَلِيظاً سَفِيهَ الْغَضَبِ فَقَالَ إِنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَزْنِي.

بيان يحتمل أن يكون قوله(ع)إنما ذلك علة لعفته أو المعنى أن غلظته و فخره و عجبه بترك الزنا و يحتمل أن يكون المراد عدم قدرته على الجماع مطلقا فإن به تندفع المواد الفاسدة و به يستقيم الطبع و الخلق.

12- ع، علل الشرائع بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ الْبَرْقِيِّ رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْخَصِيِّ فَقَالَ لِمَ تَسْأَلُ عَمَّنْ لَمْ يَلِدْهُ مُؤْمِنٌ وَ لَا يَلِدُ مُؤْمِناً.

281

13- ما، الأمالي للشيخ الطوسي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَشِيشٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنِ اللُّؤْلُؤِيِّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)عَلَيْكُمْ بِالْوَجْهِ الْمِلَاحِ وَ الْحَدَقِ السُّودِ فَإِنَّ اللَّهَ يَسْتَحْيِي أَنْ يُعَذِّبَ الْوَجْهَ الْمَلِيحَ بِالنَّارِ.

14- ثو، ثواب الأعمال أَبِي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ‏ مَا حَسَّنَ اللَّهُ خَلْقَ عَبْدٍ وَ لَا خُلُقَهُ إِلَّا اسْتَحْيَا أَنْ يُطْعِمَ لَحْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ النَّارَ.

15- ين، كتاب حسين بن سعيد و النوادر بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: قَالَ أَيُّمَا عَبْدٍ كَانَ لَهُ صُورَةٌ حَسَنَةٌ مَعَ مَوْضِعٍ لَا يَشِينُهُ ثُمَّ تَوَاضَعَ لِلَّهِ كَانَ مِنْ خَالِصَةِ اللَّهِ قَالَ قُلْتُ مَا مَوْضِعٌ لَا يَشِينُهُ قَالَ لَا يَكُونُ ضُرِبَ فِيهِ سِفَاحٌ.

بيان يمكن توجيه تلك الأخبار على قانون أهل العدل بأن الله تعالى خلق من علم أنهم يكونون شرارا باختيارهم بهذه الصفات و جعلهم من أهل تلك البلاد من غير أن يكون لتلك الأحوال مدخل في أعمالهم أو المراد أنهم في درجة ناقصة من الكمال غير قابلين لمعالي الفضائل و الكمالات من غير أن يكونوا مجبورين على القبائح و السيئات.

باب 12 علة عذاب الاستيصال و حال ولد الزنا و علة اختلاف أحوال الخلق‏

الآيات الأنفال‏ وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ‏ حمعسق‏ وَ لَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَ لكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ

282

الزخرف‏ أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ وَ لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَ مَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ وَ لِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَ سُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ وَ زُخْرُفاً وَ إِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ‏ تفسير قال الطبرسي (رحمه الله ) في الآية الأولى حذرهم الله من هذه الفتنة و أمرهم أن يتقوها و كأنه قال اتقوا فتنة لا تقربوها فتصيبكم فإن قوله‏ لا تُصِيبَنَ‏ نهي مسوق على الأمر و لفظ النهي واقع على الفتنة و هو في المعنى للمأمورين بالاتقاء كقوله‏ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ‏ (1) و اختلف في معنى الفتنة هاهنا فقيل هي العذاب أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب و الخطاب لأصحاب النبي(ص)خاصة و قيل هي البلية التي يظهر باطن أمر الإنسان فيها.

عن الحسن قال و نزلت في علي و عمار و طلحة و الزبير قال و قد قال الزبير لقد قرأنا هذه الآية زمانا و ما أرانا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها فخالفنا حتى أصابتنا خاصة و قيل نزلت في أهل بدر خاصة فأصابتهم يوم الجمل فاقتتلوا عن السدي و قيل هي الضلالة و افتراق الكلمة و مخالفة بعضهم بعضا و قيل هي الهرج الذي يركب الناس فيه بالظلم و يدخل ضرره على كل أحد ثم اختلف في إصابة هذه الفتنة على قولين أحدهما أنها جارية على العموم فتصيب الظالم و غير الظالم أما الظالمون فمعذبون و أما المؤمنون فممتحنون ممحصون عن ابن عباس و روي أنه سئل عنها فقال أَبْهِمُوا مَا أَبْهَمَ اللَّهُ.

و الثاني أنها تخصّ الظالم لأن الغرض منع الناس عن الظلم و تقديره و اتقوا عذابا يصيب الظلمة خاصة و تقويه قراءة من قرأ لتصيبن باللام و قيل إن لا في قوله‏ لا تُصِيبَنَ‏ زائدة و يجوز أن يقال إن الألف في لا لإشباع الفتحة.

و قال البيضاوي في قوله تعالى‏ وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ‏ و أوقعنا

____________

(1) البقرة: 132.

283

بينهم التفاوت في الرزق و غيره‏ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا ليستعمل بعضهم بعضا في حوائجهم فيحصل بينهم تألف و نظام ينتظم بذلك نظام العالم لا لكمال في الموسع و لا لنقص في المقتر وَ لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً و لو لا أن يرغبوا في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة و تنعم لحبهم الدنيا فيجتمعوا عليه.

1- ع، علل الشرائع ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) الْهَمَدَانِيُّ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْهَرَوِيِّ عَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ: قُلْتُ لَهُ لِأَيِّ عِلَّةٍ أَغْرَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا فِي زَمَنِ نُوحٍ(ع)وَ فِيهِمُ الْأَطْفَالُ وَ فِيهِمْ مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ فَقَالَ(ع)مَا كَانَ فِيهِمُ الْأَطْفَالُ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَعْقَمَ أَصْلَابَ قَوْمِ نُوحٍ(ع)وَ أَرْحَامَ نِسَائِهِمْ أَرْبَعِينَ عَاماً فَانْقَطَعَ نَسْلُهُمْ فَغَرِقُوا وَ لَا طِفْلَ فِيهِمْ وَ مَا كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِيَهْلِكَ بِعَذَابِهِ مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ وَ أَمَّا الْبَاقُونَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ(ع)فَأُغْرِقُوا لِتَكْذِيبِهِمْ لِنَبِيِّ اللَّهِ نُوحٍ(ع)وَ سَائِرُهُمْ أُغْرِقُوا بِرِضَاهُمْ بِتَكْذِيبِ الْمُكَذِّبِينَ وَ مَنْ غَابَ مِنْ أَمْرٍ (1) فَرَضِيَ بِهِ كَانَ كَمَنْ شَهِدَهُ وَ أَتَاهُ.

2- ع، علل الشرائع ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ (2) عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ(ع)أَ رَأَيْتَ نُوحاً(ع)حِينَ دَعَا عَلَى قَوْمِهِ فَقَالَ‏ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً قَالَ(ع)عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْجُبُ مِنْ بَيْنِهِمْ أَحَدٌ قَالَ قُلْتُ وَ كَيْفَ عَلِمَ ذَلِكَ قَالَ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ‏ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ‏ فَعِنْدَ هَذَا دَعَا عَلَيْهِمْ بِهَذَا الدُّعَاءِ.

3- ع، علل الشرائع طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْهَرَوِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ يَحْيَى عَنْ صَدَقَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ(ص)عَنْ جَبْرَئِيلَ(ع)قَالَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيّاً فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ وَ مَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْ‏ءٍ أَنَا فَاعِلُهُ مَا تَرَدَّدْتُ‏ (3) فِي قَبْضِ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ‏

____________



(1) في المصدر: عن امر. م.

(2) بفتح السين و كسر الدال المهملتين- وزان شريف- هو حنان بن سدير بن حكيم بن صهيب، أبو الفضل الصيرفى، كوفيّ من أصحاب الصادق و الكاظم (عليهما السلام)، واقفى كما في (فهرست)، و اختلف الاصحاب في توثيقه و تضعيفه.

(3) في نسخة: كتردّدى.

284

الْمَوْتَ وَ أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ وَ لَا بُدَّ مِنْهُ وَ مَا يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَ لَا يَزَالُ عَبْدِي يَبْتَهِلُ إِلَيَ‏ (1) حَتَّى أُحِبَّهُ وَ مَنْ أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ لَهُ سَمْعاً وَ بَصَراً وَ يَداً وَ مَوْئِلًا (2) إِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ وَ إِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ وَ إِنَّ مِنْ عِبَادِيَ الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ يُرِيدُ الْبَابَ مِنَ الْعِبَادَةِ فَأَكُفُّهُ عَنْهُ لِئَلَّا يَدْخُلَهُ عُجْبٌ فَيُفْسِدَهُ وَ إِنَّ مِنْ عِبَادِيَ الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ لَا يَصْلُحُ إِيمَانُهُ إِلَّا بِالْفَقْرِ وَ لَوْ أَغْنَيْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ وَ إِنَّ مِنْ عِبَادِيَ الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ لَا يَصْلُحُ إِيمَانُهُ إِلَّا بِالْغِنَى وَ لَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ وَ إِنَّ مِنْ عِبَادِيَ الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ لَا يَصْلُحُ إِيمَانُهُ إِلَّا بِالسُّقْمِ وَ لَوْ صَحَّحْتُ جِسْمَهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ وَ إِنَّ مِنْ عِبَادِيَ الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ لَا يَصْلُحُ إِيمَانُهُ إِلَّا بِالصِّحَّةِ وَ لَوْ أَسْقَمْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ إِنِّي أُدَبِّرُ عِبَادِي بِعِلْمِي بِقُلُوبِهِمْ فَإِنِّي عَلِيمٌ خَبِيرٌ.

بيان قال الشيخ البهائي (قدس الله روحه) ما تضمنه هذا الحديث من نسبة التردد إليه سبحانه يحتاج إلى التأويل و فيه وجوه الأول أن في الكلام إضمارا و التقدير لو جاز علي التردد ما ترددت في شي‏ء كترددي في وفاة المؤمن.

الثاني أنه لما جرت العادة بأن يتردد الشخص في مساءة من يحترمه و يوقره كالصديق الوفي و الخل الصفي و أن لا يتردد في مساءة من ليس له عنده قدر و لا حرمة كالعدو و الحية و العقرب بل إذا خطر بالبال مساءته أوقعها من غير تردد و لا تأمل صح أن يعبر بالتردد و التأمل في مساءة الشخص من توقيره و احترامه و بعدمهما عن إذلاله و احتقاره فقوله سبحانه ما ترددت المراد به و الله أعلم ليس لشي‏ء من مخلوقاتي عندي قدر حرمة كقدر عبدي المؤمن و حرمته فالكلام من قبيل الاستعارة التمثيلية.

____________

(1) أي يدعو و يتضرع. و في الحديث: الابتهال: تبسط يديك و ذراعيك إلى السماء حين ترى أسباب البكاء. و في حديث آخر: الابتهال: مد يده تلقاء وجهه إلى القبلة، و لا يبتهل حتّى تجرى الدمعة.

و في حديث آخر: الابتهال: رفع يديك تجاوز بهما رأسك.

(2) الموئل: الملجأ و المنجى.

285

الثالث أنه قد ورد في الحديث من طرق الخاصة و العامة أن الله سبحانه يظهر للعبد المؤمن عند الاحتضار من اللطف و الكرامة و البشارة بالجنة ما يزيل عنه كراهة الموت و يوجب رغبته في الانتقال إلى دار القرار فيقل تأذيه به و يصير راضيا بنزوله راغبا في حصوله فأشبهت هذه المعاملة من يريد أن يؤلم حبيبه ألما يتعقبه نفع عظيم فهو يتردد في أنه كيف يوصل ذلك الألم إليه على وجه يقل تأذيه فلا يزال يظهر له ما يرغبه فيما يتعقبه من اللذة الجسيمة و الراحة العظيمة إلى أن يتلقاه بالقبول و يعده من الغنائم المؤدية إلى إدراك المأمول انتهى.

أقول قد أثبتنا الأخبار الدالة على علل اختلاف الخلق في باب الطينة و الميثاق.

4- ع، علل الشرائع أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْكُوفِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُمَرَ الْجَلَّابِ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْجَنَّةَ طَاهِرَةً مُطَهَّرَةً فَلَا يَدْخُلُهَا إِلَّا مَنْ طَابَتْ وِلَادَتُهُ وَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)طُوبَى لِمَنْ كَانَتْ أُمُّهُ عَفِيفَةً.

5- ع، علل الشرائع بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الدَّيْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى الصَّادِقِ(ع)قَالَ: يَقُولُ وَلَدُ الزِّنَا يَا رَبِّ مَا ذَنْبِي فَمَا كَانَ لِي فِي أَمْرِي صُنْعٌ قَالَ فَيُنَادِيهِ مُنَادٍ فَيَقُولُ أَنْتَ شَرُّ الثَّلَاثَةِ أَذْنَبَ وَالِدَاكَ فَتُبْتَ عَلَيْهِمَا وَ أَنْتَ رِجْسٌ وَ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا طَاهِرٌ.

6- ثو، ثواب الأعمال ابْنُ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ‏ لَا خَيْرَ فِي وَلَدِ الزِّنَا وَ لَا فِي بَشَرِهِ وَ لَا فِي شَعْرِهِ وَ لَا فِي لَحْمِهِ وَ لَا فِي دَمِهِ وَ لَا فِي شَيْ‏ءٍ مِنْهُ يَعْنِي وَلَدَ الزِّنَا.

سن، المحاسن أبي عن ابن فضال‏ مثله.

7- ثو، ثواب الأعمال ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ الْوَشَّاءِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَائِذٍ عَنْ أَبِي خَدِيجَةَ (1) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ الزِّنَا نَجَا نَجَا سَائِحُ بَنِي‏

____________



(1) كنية لسالم بن مكرم.

286

إِسْرَائِيلَ فَقِيلَ لَهُ وَ مَا سَائِحُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ كَانَ عَابِداً فَقِيلَ لَهُ إِنَّ وَلَدَ الزِّنَا لَا يَطِيبُ أَبَداً وَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ عَمَلًا قَالَ فَخَرَجَ يَسِيحُ بَيْنَ الْجِبَالِ وَ يَقُولُ مَا ذَنْبِي.

سن، المحاسن في رواية أبي خديجة مثله‏ (1).

8- ص، قصص الأنبياء (عليهم السلام) الصَّدُوقُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْفَضْلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ عُزَيْرٌ (2) يَا رَبِّ إِنِّي نَظَرْتُ فِي جَمِيعِ أُمُورِكَ وَ أَحْكَامِهَا فَعَرَفْتُ عَدْلَكَ بِعَقْلِي وَ بَقِيَ بَابٌ لَمْ أَعْرِفْهُ إِنَّكَ تَسْخَطُ عَلَى أَهْلِ الْبَلِيَّةِ فَتَعُمُّهُمْ بِعَذَابِكَ وَ فِيهِمُ الْأَطْفَالُ فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ وَ كَانَ الْحَرُّ شَدِيداً فَرَأَى شَجَرَةً فَاسْتَظَلَّ بِهَا وَ نَامَ فَجَاءَتْ نَمْلَةٌ فَقَرَصَتْهُ فَدَلَكَ الْأَرْضَ بِرِجْلِهِ فَقَتَلَ مِنَ النَّمْلِ كَثِيراً فَعَرَفَ أَنَّهُ مَثَلٌ ضُرِبَ فَقِيلَ لَهُ يَا عُزَيْرُ إِنَّ الْقَوْمَ إِذَا اسْتَحَقُّوا عَذَابِي قَدَّرْتُ نُزُولَهُ عِنْدَ انْقِضَاءِ آجَالِ الْأَطْفَالِ فَمَاتُوا أُولَئِكَ بِآجَالِهِمْ وَ هَلَكَ هَؤُلَاءِ بِعَذَابِي.

بيان القرص أخذك لحم إنسان بإصبعك حتى تؤلمه و لسع البراغيث و القبض و القطع كذا ذكره الفيروزآبادي.

أقول لعله تعالى إنما أراه قصة النمل لبيان أن الحكمة قد تقتضي تعميم البلية و الانتقام لرعاية المصالح العامة و حاصل الجواب أن الله تعالى كما أنه يميت الأطفال متفرقا إما لمصلحتهم أو لمصلحة آبائهم أو لمصلحة النظام الكلي كذلك قد يقدر موتهم جميعا في وقت واحد لبعض تلك المصالح و ليس ذلك على جهة الغضب عليهم بل هي رحمة لهم لعلمه تعالى بأنهم يصيرون بعد بلوغهم كفارا أو يعوضهم في الآخرة و يميتهم لردع سائر الخلق عن الاجتراء على مساخط الله أو غير ذلك مع أنه ليس‏

____________

(1) و في المحاسن: ان كان أحد من أولاد الزنا نجا لنجا اه و هذا أحسن لمكان «إن» وفاقا لمذاهب العدلية.

(2) بتقديم الزاى المعجمة على الراء وزان (رجيل) نبى من أنبياء بني إسرائيل، و هو الذي قال بنو إسرائيل فيه: (عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ!!) بعد ما كتب التوراة عن ظهر قلبه. و سيأتي ذكره و قصته في كتاب النبوّة.

287

يجب على الله تعالى إبقاء الخلق أبدا فكل مصلحة تقتضي موتهم في كبرهم يمكن جريانها في موتهم عند صغرهم و الله تعالى يعلم.

9- سن، المحاسن الْحَجَّالُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْكَابُلِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ(ع)يَقُولُ‏ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ خَلَصَ مِنْ آدَمَ.

10 سن، المحاسن الْقَاسِمُ بْنُ يَحْيَى عَنْ جَدِّهِ الْحَسَنِ عَنْ ضُرَيْسٍ الْوَابِشِيِ‏ (1) عَنْ سَدِيرٍ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)مَنْ طَهُرَتْ وِلَادَتُهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ.

11- سن، المحاسن الْقَاسِمُ بْنُ يَحْيَى عَنْ جَدِّهِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ طَاهِرَةً مُطَهَّرَةً لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا مَنْ طَابَتْ وِلَادَتُهُ.

12- سن، المحاسن أَبِي عَنِ النَّضْرِ عَنْ يَحْيَى الْحَلَبِيِّ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ حُرٍّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ (2) قَالَ: كُنَّا عِنْدَهُ وَ مَعَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَجْلَانَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَجْلَانَ مَعَنَا رَجُلٌ يَعْرِفُ مَا نَعْرِفُ وَ يُقَالُ إِنَّهُ وَلَدُ زِنَاءٍ فَقَالَ مَا تَقُولُ فَقُلْتُ إِنَّ ذَلِكَ لَيُقَالُ لَهُ فَقَالَ إِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي النَّارِ مِنْ صَدْرٍ يَرُدُّ عَنْهُ وَهَجَ جَهَنَّمَ‏ (3) وَ يُؤْتَى بِرِزْقِهِ.

بيان من صدر أي يبنى له ذلك في صدر جهنم و أعلاه و الظاهر أنه مصحّف صبر بالتحريك و هو الجمد.

13- سن، المحاسن أَبِي عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ هَاشِمٍ أَبِي سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ نُوحاً حَمَلَ فِي السَّفِينَةِ الْكَلْبَ وَ الْخِنْزِيرَ وَ لَمْ يَحْمِلْ فِيهَا وَلَدَ الزِّنَا وَ إِنَّ النَّاصِبَ شَرٌّ مِنْ وَلَدِ الزِّنَا.

14- كا، الكافي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمُعَلَّى عَنِ الْوَشَّاءِ عَنْ أَبَانٍ عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ وَلَدَ الزِّنَا يُسْتَعْمَلُ إِنْ عَمِلَ خَيْراً جُزِيَ بِهِ وَ إِنْ عَمِلَ شَرّاً جُزِيَ بِهِ.

بيان هذا الخبر موافق لما هو المشهور بين الإمامية من أن ولد الزنا كسائر الناس‏

____________

(1) ضريس وزان «زبير» و لم نجد في التراجم ما يدلّ على مدحه أو ذمه.

(2) لعله عبد اللّه بن محمّد الحضرمى، و ضمير «عنده» يرجع إلى الصادق (عليه السلام).

(3) الوهج: اتقاد النار.

288

مكلف بأصول الدين و فروعه و يجري عليه أحكام المسلمين مع إظهار الإسلام و يثاب على الطاعات و يعاقب على المعاصي و نسب إلى الصدوق و السيد المرتضى و ابن إدريس رحمهم الله القول بكفره و إن لم يظهره و هذا مخالف لأصول أهل العدل إذ لم يفعل باختياره ما يستحق به العقاب فيكون عذابه جورا و ظلما و الله‏ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ فأما الأخبار الواردة في ذلك فمنهم من حملها على أنه يفعل باختياره ما يكفر بسببه فلذا حكم عليه بالكفر و أنه لا يدخل الجنة و أما ظاهرا فلا يحكم بكفره إلا بعد ظهور ذلك منه.

أقول يمكن الجمع بين الأخبار على وجه آخر يوافق قانون العدل بأن يقال لا يدخل ولد الزنا الجنة لكن لا يعاقب في النار إلا بعد أن يظهر منه ما يستحقه و مع فعل الطاعة و عدم ارتكاب ما يحبطه يثاب في النار على ذلك و لا يلزم على الله أن يثيب الخلق في الجنة و يدل عليه خبر عبد الله بن عجلان و لا ينافيه خبر ابن أبي يعفور إذ ليس فيه تصريح بأن جزاءه يكون في الجنة (1) و أما العمومات الدالة على أن من يؤمن بالله و يعمل صالحا يدخله الله الجنة يمكن أن تكون مخصصة بتلك الأخبار و بالجملة فهذه المسألة مما قد تحير فيه العقول و ارتاب به الفحول و الكف عن الخوض فيها أسلم و لا نرى فيها شيئا أحسن من أن يقال الله أعلم.

باب 13 الأطفال و من لم يتم عليهم الحجة في الدنيا

الآيات الطور وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ ما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ تفسير قال الطبرسي (رحمه الله ) يعني بالذرية أولادهم الصغار و الكبار لأن الكبار يتبعون الآباء بإيمان منهم و الصغار يتبعون الآباء بإيمان من الآباء فالولد يحكم‏

____________

(1) و يمكن حملها على بيان المبالغة، و بيان أن الناجى منهم قليل، و الاكثرون منهم يختارون الغى على الرشاد، و الضلال على الهدى، هذا مع غض النظر عما في كثير من أسنادها من الضعف و الجهالة و الإرسال.

289

له بالإسلام تبعا لوالده و المعنى أنا نلحق الأولاد بالآباء في الجنة و الدرجة من أجل الآباء لتقر عين الآباء باجتماعهم معهم في الجنة كما كانت تقر بهم في الدنيا عن ابن عباس و الضحاك و ابن زيد و في رواية أخرى عن ابن عباس أنهم البالغون ألحقوا بدرجة آبائهم و إن قصرت أعمالهم تكرمة لآبائهم و إذا قيل كيف يلحقون بهم في الثواب و لم يستحقوه فالجواب أنهم يلحقون بهم في الجمع لا في الثواب و المرتبة.

- وَ رَوَى زَاذَانُ‏ (1) عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ وَ أَوْلَادَهُمْ فِي الْجَنَّةِ ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ

. وَ رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ: أَطْفَالُ الْمُؤْمِنِينَ يُهْدَوْنَ إِلَى آبَائِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وَ ما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ أي لم ننقص الآباء من الثواب حين ألحقنا بهم ذرياتهم.

1- فس، تفسير القمي قَوْلُهُ‏ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ‏ فَإِنَّهُ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ سُلَيْمَانَ الدَّيْلَمِيِّ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ أَطْفَالَ شِيعَتِنَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ تُرَبِّيهِمْ فَاطِمَةُ(ع)قَوْلُهُ‏ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ‏ قَالَ يُهْدَوْنَ إِلَى آبَائِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ‏ وَ ما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ أَيْ مَا نَقَصْنَاهُمْ.

2- ل، الخصال أَبِي عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ احْتَجَّ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى خَمْسَةٍ عَلَى الطِّفْلِ وَ الَّذِي مَاتَ بَيْنَ النَّبِيِّينَ وَ الَّذِي أَدْرَكَ النَّبِيَّ وَ هُوَ لَا يَعْقِلُ وَ الْأَبْلَهِ‏ (2) وَ الْمَجْنُونِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَ الْأَصَمِّ وَ الْأَبْكَمِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْتَجُّ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ فَيَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ رَسُولًا فَيُؤَجِّجُ لَهُمْ نَاراً فَيَقُولُ لَهُمْ رَبُّكُمْ يَأْمُرُكُمْ‏

____________



(1) زاذان- بالزاى و الذال المعجمتين بينهما ألف وزان (هامان)- أبو عمرة الفارسيّ عده الشيخ من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ و قال العلامة في خاتمة القسم الأوّل من خلاصته: كنيته أبو عمر (ابو عمر و خ ل). و يوجد ترجمته في(ص)161 من تقريب ابن حجر، قال: زاذان أبو عمر الكندي البزاز، و يكنى أبا عبد اللّه أيضا، صدوق، يرسل، و فيه شيعية، من الثانية، مات سنة 72.

(2) هو من ضعف عقله و عجز رأيه.

290

أَنْ تَثِبُوا فِيهَا فَمَنْ وَثَبَ فِيهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْداً وَ سَلَاماً وَ مَنْ عَصَى سِيقَ إِلَى النَّارِ.

قال الصدوق رضي الله عنه إن قوما من أصحاب الكلام ينكرون ذلك و يقولون إنه لا يجوز أن يكون في دار الجزاء تكليف و دار الجزاء للمؤمنين إنما هي الجنة و دار الجزاء للكافرين إنما هي النار و إنما يكون هذا التكليف من الله عز و جل في غير الجنة و النار فلا يكون كلفهم في دار الجزاء ثم يصيرهم إلى الدار التي يستحقونها بطاعتهم أو معصيتهم فلا وجه لإنكار ذلك و لا قوة إلا بالله.

3- مع، معاني الأخبار أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)هَلْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)عَنِ الْأَطْفَالِ فَقَالَ قَدْ سُئِلَ فَقَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ثُمَّ قَالَ يَا زُرَارَةُ هَلْ تَدْرِي مَا قَوْلُهُ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ قُلْتُ لَا قَالَ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِيهِمُ الْمَشِيَّةُ إِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُتِيَ بِالْأَطْفَالِ وَ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ الَّذِي قَدْ أَدْرَكَ السِّنَ‏ (1) وَ لَمْ يَعْقِلْ مِنَ الْكِبَرِ وَ الْخَرَفِ- (2) وَ الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ بَيْنَ النَّبِيِّينَ وَ الْمَجْنُونِ وَ الْأَبْلَهِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ فَكُلُّ وَاحِدٍ يَحْتَجُّ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَيَبْعَثُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِمْ مَلَكاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَ يُؤَجِّجُ نَاراً فَيَقُولُ إِنَّ رَبَّكُمْ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَثِبُوا فِيهَا فَمَنْ وَثَبَ فِيهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْداً وَ سَلَاماً وَ مَنْ عَصَاهُ سِيقَ إِلَى النَّارِ.

كا، الكافي علي عن أبيه عن حماد مثله.

4- غط، الغيبة للشيخ الطوسي ابْنُ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)أَنَّهُ قَالَ: حَقِيقٌ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَ الضُّلَّالَ الْجَنَّةَ فَقَالَ زُرَارَةُ كَيْفَ ذَلِكَ جُعِلْتُ فِدَاكَ قَالَ يَمُوتُ النَّاطِقُ وَ لَا يَنْطِقُ الصَّامِتُ فَيَمُوتُ الْمَرْءُ بَيْنَهُمَا فَيُدْخِلُهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ (3).

____________

(1) في نسخة: قد أدرك النبيّ.

(2) هو الذي فسد عقله من الكبر.

(3) لانه لم تبلغه الحجة، و لم يرشد إلى المحجة. و اللّه تعالى يقول: «وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا».

291

5- كنز، كنز جامع الفوائد و تأويل الآيات الظاهرة قَوْلُهُ تَعَالَى‏ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ‏- عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ قَالَ الْوِلْدَانُ أَوْلَادُ أَهْلِ الدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَسَنَاتٌ فَيُثَابُونَ عَلَيْهَا وَ لَا سَيِّئَاتٌ فَيُعَاقَبُونَ عَلَيْهَا فَأُنْزِلُوا هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ.

6- وَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَلَى صُورَةِ الْوِلْدَانِ خُلِقُوا لِخِدْمَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ.

7- يد، التوحيد الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى بْنِ ضُرَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ السُّكَّرِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَارُونَ الْكَرْخِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ يَزِيدَ بْنِ سَلَّامٍ عَنْ أَبِيهِ سَلَّامِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)فَقُلْتُ أَخْبِرْنِي أَ يُعَذِّبُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ خَلْقاً بِلَا حُجَّةٍ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ قُلْتُ فَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ فِي الْجَنَّةِ أَمْ فِي النَّارِ فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَوْلَى بِهِمْ إِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ فَيَأْمُرُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ نَاراً يُقَالُ لَهُ الْفَلَقُ أَشَدَّ شَيْ‏ءٍ فِي نَارِ جَهَنَّمَ عَذَاباً فَتَخْرُجُ مِنْ مَكَانِهَا سَوْدَاءَ مُظْلِمَةً بِالسَّلَاسِلِ وَ الْأَغْلَالِ فَيَأْمُرُهَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ تَنْفُخَ فِي وُجُوهِ الْخَلَائِقِ نَفْخَةً فَتَنْفُخُ فَمِنْ شِدَّةِ نَفْخَتِهَا تَنْقَطِعُ السَّمَاءُ وَ تَنْطَمِسُ النُّجُومُ وَ تَجْمُدُ الْبِحَارُ وَ تَزُولُ الْجِبَالُ وَ تُظْلِمُ الْأَبْصَارُ وَ تَضَعُ الْحَوَامِلُ حَمْلَهَا وَ تَشِيبُ الْوِلْدَانُ مِنْ هَوْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى أَطْفَالَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُلْقُوا أَنْفُسَهُمْ فِي تِلْكَ النَّارِ فَمَنْ سَبَقَ لَهُ فِي عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَكُونَ سَعِيداً أَلْقَى نَفْسَهُ فِيهَا فَكَانَتْ عَلَيْهِ بَرْداً وَ سَلَاماً كَمَا كَانَتْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ(ع)وَ مَنْ سَبَقَ لَهُ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ شَقِيّاً امْتَنَعَ فَلَمْ يُلْقِ نَفْسَهُ فِي النَّارِ فَيَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى النَّارَ فَتَلْتَقِطُهُ لِتَرْكِهِ أَمْرَ اللَّهِ وَ امْتِنَاعِهِ مِنَ الدُّخُولِ فِيهَا فَيَكُونُ تَبَعاً لِآبَائِهِ فِي جَهَنَّمَ‏ (1).

8- كا، الكافي الْعِدَّةُ عَنْ سَهْلٍ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ رَفَعَهُ‏ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْأَطْفَالِ فَقَالَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَهُمُ اللَّهُ وَ أَجَّجَ نَاراً (2) وَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَطْرَحُوا أَنْفُسَهُمْ فِيهَا فَمَنْ كَانَ فِي‏

____________



(1) للحديث تتمة ما نقلت بتمامها. م.

(2) في المصدر: و اجج لهم نارا. م.

292

عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَنَّهُ سَعِيدٌ رَمَى نَفْسَهُ فِيهَا وَ كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْداً وَ سَلَامَةً (1) وَ مَنْ كَانَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ شَقِيٌّ امْتَنَعَ فَيَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمْ إِلَى النَّارِ فَيَقُولُونَ يَا رَبَّنَا تَأْمُرُ بِنَا إِلَى النَّارِ وَ لَمْ يَجْرِ عَلَيْنَا الْقَلَمُ فَيَقُولُ الْجَبَّارُ قَدْ أَمَرْتُكُمْ مُشَافَهَةً فَلَمْ تُطِيعُونِي فَكَيْفَ لَوْ أَرْسَلْتُ رُسُلِي بِالْغَيْبِ إِلَيْكُمْ.

9- وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ أَمَّا أَطْفَالُ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُمْ يُلْحَقُونَ بِآبَائِهِمْ وَ أَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ يُلْحَقُونَ بِآبَائِهِمْ وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ‏

10- كا، الكافي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ يَحْيَى الْحَلَبِيِّ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنِ الْوِلْدَانِ فَقَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)عَنِ الْوِلْدَانِ وَ الْأَطْفَالِ فَقَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ.

11- كا، الكافي عَلِيٌّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)مَا تَقُولُ فِي الْأَطْفَالِ الَّذِينَ مَاتُوا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا فَقَالَ سُئِلَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَقَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ يَا زُرَارَةُ هَلْ تَدْرِي مَا عَنَى بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)قَالَ قُلْتُ لَا فَقَالَ إِنَّمَا عَنَى كُفُّوا عَنْهُمْ وَ لَا تَقُولُوا فِيهِمْ شَيْئاً وَ رُدُّوا عِلْمَهُمْ إِلَى اللَّهِ.

12- كا، الكافي الْعِدَّةُ عَنْ سَهْلٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ‏ قَالَ فَقَالَ قَصُرَتِ الْأَبْنَاءُ عَنْ عَمَلِ الْآبَاءِ (2) فَأَلْحَقُوا الْأَبْنَاءَ بِالْآبَاءِ لِتَقَرَّ بِذَلِكَ أَعْيُنُهُمْ.

13- يه، من لا يحضر الفقيه عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْهُ(ع)مِثْلَهُ.

14- كا، الكافي عَلِيٌّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ‏

____________



(1) في المصدر: و سلاما. م.

(2) في المصدر: على عمل الآباء. م.

293

سُئِلَ عَمَّنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ (1) وَ عَمَّنْ لَمْ يُدْرِكِ الْحِنْثَ‏ (2) وَ الْمَعْتُوهَ‏ (3) فَقَالَ يَحْتَجُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يَرْفَعُ لَهُمْ نَاراً فَيَقُولُ لَهُمْ ادْخُلُوهَا فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْداً وَ سَلَاماً وَ مَنْ أَبَى قَالَ هَا أَنْتُمْ قَدْ أَمَرْتُكُمْ فَعَصَيْتُمُونِي.

15- كا، الكافي بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: ثَلَاثَةٌ يُحْتَجُّ عَلَيْهِمْ الْأَبْكَمُ وَ الطِّفْلُ وَ مَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيُرْفَعُ لَهُمْ نَارٌ فَيُقَالُ لَهُمُ ادْخُلُوهَا فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْداً وَ سَلَاماً وَ مَنْ أَبَى قَالَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى هَذَا قَدْ أَمَرْتُكُمْ فَعَصَيْتُمُونِي.

16 نَوَادِرُ الرَّاوَنْدِيِّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لَا تَزَوَّجُوا الْحَسْنَاءَ الْجَمِيلَةَ الْعَاقِرَةَ (4) فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَ وَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ الْوِلْدَانَ تَحْتَ عَرْشِ الرَّحْمَنِ يَسْتَغْفِرُونَ لِآبَائِهِمْ يَحْضُنُهُمْ إِبْرَاهِيمُ وَ تُرَبِّيهِمْ سَارَةُ(ع)فِي جَبَلٍ مِنْ مِسْكٍ وَ عَنْبَرٍ وَ زَعْفَرَانٍ.

17- يه، من لا يحضره الفقيه فِي الصَّحِيحِ رَوَى أَبُو زَكَرِيَّا عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِذَا مَاتَ طِفْلٌ مِنْ أَطْفَالِ الْمُؤْمِنِينَ نَادَى مُنَادٍ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ قَدْ مَاتَ فَإِنْ كَانَ مَاتَ وَالِدَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْ بَعْضُ أَهْلِ بَيْتِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ دُفِعَ إِلَيْهِ يَغْذُوهُ وَ إِلَّا دُفِعَ إِلَى فَاطِمَةَ(ع)تَغْذُوهُ حَتَّى يَقْدَمَ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْ بَعْضُ أَهْلِ بَيْتِهِ فَتَدْفَعُهُ إِلَيْهِ.

18- يه، من لا يحضره الفقيه فِي الصَّحِيحِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِئَابٍ عَنِ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَدْفَعُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَ سَارَةَ أَطْفَالَ الْمُؤْمِنِينَ يَغْذُوَانِهِمْ بِشَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ لَهَا أَخْلَافٌ‏ (5) كَأَخْلَافِ الْبَقَرِ فِي قَصْرٍ مِنَ الدُّرِّ (6) فَإِذَا كَانَ يَوْمُ‏

____________



(1) أي في زمان انقطاع الرسل و عدم تيسر الوصول إلى الحجة.

(2) أي البلوغ و الإدراك.

(3) المعتوه: من نقص عقله. و يقال أيضا: لمن دهش من غير مس جنون. و في الحديث اريد به المعنى الأول.

(4) أي المرأة التي حبس رحمها فلم تلد.

(5) جمع (خلف) بكسر الخاء و سكون اللام: حلمة ضرع الناقة.

(6) في المصدر: من درة. م.

294

الْقِيَامَةِ أُلْبِسُوا وَ أُطِيبُوا وَ أُهْدُوا إِلَى آبَائِهِمْ فَهُمْ مُلُوكٌ فِي الْجَنَّةِ مَعَ آبَائِهِمْ وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى‏ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ‏ (1).

بيان يمكن الجمع بين الخبرين بأن بعضهم تربيه 15 فاطمة(ع)و بعضهم إبراهيم و سارة(ع)على اختلاف مراتب آبائهم أو تدفعه فاطمة(ع)إليهما.

19- وَ رَوَى الشَّيْخُ حَسَنُ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي كِتَابِ الْمُخْتَصَرِ (2)، نَقْلًا مِنْ كِتَابِ الْمِعْرَاجِ لِلشَّيْخِ الصَّالِحِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الصَّدُوقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْكُوفِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ صَالِحِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنِ الْبَاقِرِ(ع)قَالَ: لَمَّا صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِلَى السَّمَاءِ وَ انْتَهَى إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَ لَقِيَ الْأَنْبِيَاءَ(ع)قَالَ أَيْنَ أَبِي إِبْرَاهِيمَ(ع)قَالُوا لَهُ هُوَ مَعَ أَطْفَالِ شِيعَةِ عَلِيٍّ فَدَخَلَ الْجَنَّةَ فَإِذَا هُوَ تَحْتَ شَجَرَةٍ لَهَا ضُرُوعٌ كَضُرُوعِ الْبَقَرِ فَإِذَا انْفَلَتَ الضَّرْعُ مِنْ فَمِ الصَّبِيِّ قَامَ إِبْرَاهِيمُ فَرَدَّ عَلَيْهِ قَالَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْ عَلِيٍّ(ع)فَقَالَ خَلَّفْتُهُ فِي أُمَّتِي قَالَ نِعْمَ الْخَلِيفَةُ خَلَّفْتَ أَمَا إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ طَاعَتَهُ وَ هَؤُلَاءِ أَطْفَالُ شِيعَتِهِ سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِيَ الْقَائِمَ عَلَيْهِمْ فَفَعَلَ وَ إِنَّ الصَّبِيَّ لَيَجْرَعُ الْجُرْعَةَ فَيَجِدُ طَعْمَ ثِمَارِ الْجَنَّةِ وَ أَنْهَارِهَا فِي تِلْكَ الْجُرْعَةِ.

20- يه، من لا يحضره الفقيه فِي الصَّحِيحِ‏ سَأَلَ جَمِيلُ بْنُ دَرَّاجٍ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ أَطْفَالِ الْأَنْبِيَاءِ فَقَالَ لَيْسُوا كَأَطْفَالِ النَّاسِ وَ سَأَلَهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)لَوْ بَقِيَ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً قَالَ لَوْ بَقِيَ كَانَ عَلَى مِنْهَاجِ أَبِيهِ ص.

بيان أي كان مؤمنا موحّدا تابعا لأبيه لا نبيّا.

21- يه، من لا يحضره الفقيه رَوَى وَهْبُ بْنُ وَهْبٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ قَالَ عَلِيٌّ(ع)أَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ مَعَ آبَائِهِمْ فِي النَّارِ وَ أَوْلَادُ الْمُسْلِمِينَ مَعَ آبَائِهِمْ فِي الْجَنَّةِ.

____________

(1) ليس في نظام الجنة تزاحم كما هو في الدنيا، و الكتاب و السنة ناطقان بذلك فلا منافاة بين تربية فاطمة (عليها السلام) لاطفال المؤمنين في الجنة و تربية إبراهيم و سارة (عليهما السلام) لهم حتّى يحتاج الى الجمع بين الروايات. ط.

(2) أي المختصر من بصائر الدرجات لسعد بن عبد اللّه.

295

22- يه، من لا يحضره الفقيه فِي الصَّحِيحِ رَوَى جَعْفَرُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ يَمُوتُونَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ قَالَ كُفَّارٌ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ يَدْخُلُونَ مَدَاخِلَ آبَائِهِمْ وَ قَالَ(ع)يُؤَجِّجُ‏ (1) لَهُمْ نَاراً فَيُقَالُ لَهُمُ ادْخُلُوهَا فَإِنْ دَخَلُوهَا كَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْداً وَ سَلَاماً وَ إِنْ أَبَوْا قَالَ لَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ هُوَ ذَا أَنَا قَدْ أَمَرْتُكُمْ فَعَصَيْتُمُونِي فَيَأْمُرُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِمْ إِلَى النَّارِ.

بيان قال الصدوق (رحمه الله ) بعد إيراد تلك الأخبار هذه الأخبار متفقة و ليست بمختلفة و أطفال المشركين و الكفار مع آبائهم في النار لا تصيبهم من حرّها لتكون الحجة أوكد عليهم متى أمروا يوم القيامة بدخول نار تؤجج لهم مع ضمان السلامة متى لم يثقوا به و لم يصدقوا وعده في شي‏ء قد شاهدوا مثله.

أقول جمع الصدوق بينها بحمل ما دل على إطلاق دخولهم النار على نار البرزخ و قال لا يصيبهم حرها حينئذ و رأى أن فائدة ذلك توكيد الحجة عليهم في التكليف بدخول نار تؤجج لهم في القيامة و يمكن أن يقال لعل الله تعالى يعلم أن كل أولاد الكفار الذين يموتون قبل الحلم لا يدخلون النار يوم القيامة بعد التكليف فلذا قال الله أعلم بما كانوا عاملين أي في القيامة بعد التكليف و لذا جعلهم من أولادهم و يمكن أيضا أن يحمل قوله(ع)كفار على أنه يجري عليهم في الدنيا أحكام الكفار بالتبعية في النجاسة و عدم التغسيل و التكفين و الصلاة و التوارث و غير ذلك و يخص دخولهم النار و دخولهم مداخل آبائهم بمن لم يدخل منهم نار التكليف و الأظهر حملها على التقية لموافقتها لروايات المخالفين و أقوال أكثرهم قال النووي في شرح صحيح المسلم اختلف العلماء فيمن مات من أطفال المشركين فمنهم من يقول هم تبع لآبائهم في النار و منهم من يتوقف فيهم و الثالث و هو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون أنهم من أهل الجنة و استدلوا بأشياء.

منها

حَدِيثُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ‏ حِينَ رَآهُ النَّبِيُّ(ص)وَ حَوْلَهُ أَوْلَادُ النَّاسِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ أَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ قَالَ وَ أَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ.

رواه البخاري في صحيحه‏

____________

(1) في المصدر: و قال عليّ (عليه السلام) تؤجج. الخبر؛ و الظاهر يؤجج.

296

و منها قوله تعالى‏ وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (1) و لا يتوجه على المولود التكليف حتى يبلغ فيلزم الحجة انتهى.

- وَ رَوَى الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ قَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا فَاعِلِينَ.

و قال هذا حديث متفق على صحته.

وَ رُوِيَ بِإِسْنَادٍ آخَرَ عَنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَ غَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَنْ يُولَدُ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَ أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَ يُنَصِّرَانِهِ كَمَا تُنْتَجُونَ الْبَهِيمَةَ هَلْ تَجِدُونَ فِيهَا جَدْعَاءَ (2) حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَ فَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَ هُوَ صَغِيرٌ قَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ.

ثم قال هذا حديث متفق على صحته ثم قال في شرح الخبر قلت أطفال المشركين لا يحكم لهم بجنة و لا نار بل أمرهم موكول إلى علم الله فيهم كما أفتى به الرسول(ص)و جملة الأمر أن مرجع العباد في المعاد إلى ما سبق لهم في علم الله من السعادة و الشقاوة و قيل حكم أطفال المؤمنين و المشركين حكم آبائهم و هو المراد بقوله الله أعلم بما كانوا عاملين‏

يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ مُفَسَّراً عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ‏ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَرَارِيُّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ مِنْ آبَائِهِمْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِلَا عَمَلٍ قَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ قُلْتُ فَذَرَارِيُّ الْمُشْرِكِينَ قَالَ مِنْ آبَائِهِمْ قُلْتُ بِلَا عَمَلٍ قَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ.

و قال معمر عن قتادة عن الحسن أن سلمان قال أولاد المشركين خدم أهل الجنة قال الحسن أ تعجبون أكرمهم الله و أكرمهم به انتهى.

أقول فظهر أن تلك الروايات موافقة لما رواه المخالفون في طرقهم و قد أولها أئمتنا(ع)بما مر في الأخبار السابقة ثم اعلم أنه لا خلاف بين أصحابنا في أن أطفال المؤمنين يدخلون الجنة و ذهب المتكلمون منا إلى أن أطفال الكفار لا يدخلون النار

____________

(1) اسرى: 15.

(2) أي مقطوع الاذن و ناقص الأعضاء. و في نسخة المصنّف: من جدعاء.

297

فهم إما يدخلون الجنة أو يسكنون الأعراف و ذهب أكثر المحدثين منا إلى ما دلت عليه الأخبار الصحيحة من تكليفهم في القيامة بدخول النار المؤجّجة لهم قال المحقق الطوسي (رحمه الله ) في التجريد تعذيب غير المكلف قبيح و كلام نوح(ع)مجاز و الخدمة ليست عقوبة له و التبعية في بعض الأحكام جائزة.

و قال العلامة (قدس الله روحه) في شرحه ذهب بعض الحشويّة إلى أن الله تعالى يعذّب أطفال المشركين و يلزم الأشاعرة تجويزه و العدلية كافة على منعه و الدليل عليه أنه قبيح عقلا فلا يصدر منه تعالى احتجوا بوجوه.

الأول قول نوح ع‏ وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً و الجواب أنه مجاز و التقدير أنهم يصيرون كذلك لا حال طفوليتهم.

الثاني قالوا إنا نستخدمه لأجل كفر أبيه فقد فعلنا فيه ألما و عقوبة فلا يكون قبيحا.

و الجواب أن الخدمة ليست عقوبة للطفل و ليس كل ألم عقوبة فإن الفصد و الحجامة ألمان و ليسا عقوبة نعم استخدامه عقوبة لأبيه و امتحان له يعوّض عليه كما يعوّض على أمراضه.

الثالث قالوا إن حكم الطفل يتبع حكم أبيه في الدفن و منع التوارث و الصلاة عليه و منع التزويج.

و الجواب أن المنكر عقابه لأجل جرم أبيه و ليس بمنكر أن يتبع حكم أبيه في بعض الأشياء إذا لم يجعل له بها ألم و عقوبة و لا ألم له في منعه من الدفن و التوارث و ترك الصلاة عليه.

298

باب 14 من رفع عنه القلم و نفي الحرج في الدين و شرائط صحة التكليف و ما يعذر فيه الجاهل و أنه يلزم على الله التعريف‏

الآيات البقرة لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ‏ و قال تعالى‏ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَ اعْفُ عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا أنعام‏ قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ الأنعام الأعراف‏ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها الأنفال‏ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ إِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ‏ التوبة وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ‏ النحل‏ وَ عَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَ مِنْها جائِرٌ وَ لَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ‏ الأسرى‏ مَنِ اهْتَدى‏ فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا طه‏ وَ لَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزى‏ الحج‏ وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ النور كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏ و قال‏ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏

299

الشعراء وَ ما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ ذِكْرى‏ وَ ما كُنَّا ظالِمِينَ‏ القصص‏ وَ لَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ و قال تعالى‏ وَ ما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى‏ حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَ ما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى‏ إِلَّا وَ أَهْلُها ظالِمُونَ‏ الأحزاب‏ وَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَ لكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ‏ الطلاق‏ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها تفسير لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ‏ قيل هو منسوخ بآيات الجهاد و قيل خاصّ بأهل الكتاب و قيل الإكراه في الحقيقة إلزام الغير فعلا لا يرى فيه خيرا و لكن‏ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ‏ أي تميز الإيمان من الكفر بالآيات الواضحة و دلت الدلائل على أن الإيمان يوصل إلى السعادة و الكفر يوصل إلى الشقاوة و العاقل متى تبين له ذلك بادرت نفسه إلى الإيمان من غير إلجاء و إكراه‏ إِلَّا وُسْعَها أي ما يسعه قدرتها أو ما دون مدى طاقتها بحيث يتسع فيه طوقها كقوله تعالى‏ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا أي لا تؤاخذنا بما أدى بنا إلى نسيان أو خطإ من تفريط و قلة مبالاة أو يكون سؤالا على سبيل التضرع و الاستكانة و إن كان ما يسأله لازما على الله تعالى أو المراد بنسينا تركنا و بأخطأنا أذنبنا إِصْراً أي عبئا ثقيلا يأصر صاحبه أي يحبسه في مكانه يريد به التكاليف الشاقة ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ‏ أي من البلايا و العقوبة أو ما يثقل علينا تحمله من التكاليف الشاقة و قد يقول الرجل لأمر يصعب عليه إني لا أطيقه أو يكون الدعاء على سبيل التعبد كما مر.

لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ أي ليموت من يموت عن بينة عاينها و يعيش من يعيش عن حجة شاهدها لئلا يكون له حجة و معذرة أو ليصدر كفر من كفر و إيمان من آمن عن وضوح بينة على استعارة الهلاك و الحياة للكفر و الإسلام و المراد بمن‏

300

هلك و من حي المشارف للهلاك و الحياة أو من هذا حاله في علم الله و قضائه.

وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً أي ليسميهم ضلالا أو يؤاخذهم مؤاخذتهم و يعذبهم و يضلهم عن سبيل الجنة.

قوله تعالى‏ وَ عَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ‏ أي يجب على الله في عدله بيان الطريق المستقيم‏ وَ مِنْها جائِرٌ أي من السبيل ما هو عادل عن الحق قوله تعالى‏ لَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ لو لا الأولى امتناعية و لو لا الثانية تحضيضية و جواب الأولى محذوف أي ما أرسلناك قوله تعالى‏ فِي أُمِّها أي في أصلها و معظمها فإن الأشراف غالبا يسكنون المدن‏ إِلَّا ما آتاها أي إلا بقدر ما أعطاها من الطاقة.

1- ب، قرب الإسناد هَارُونُ عَنِ ابْنِ زِيَادٍ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: مِمَّا أَعْطَى اللَّهُ أُمَّتِي وَ فَضَّلَهُمْ بِهِ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ أَعْطَاهُمْ ثَلَاثَ خِصَالٍ لَمْ يُعْطَهَا إِلَّا نَبِيٌّ وَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى كَانَ إِذَا بَعَثَ نَبِيّاً قَالَ لَهُ اجْتَهِدْ فِي دِينِكَ وَ لَا حَرَجَ عَلَيْكَ وَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَعْطَى ذَلِكَ أُمَّتِي حَيْثُ يَقُولُ‏ وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ يَقُولُ مِنْ ضِيقٍ الْخَبَرَ.

2- ب، قرب الإسناد الْبَزَّازُ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ: لَا غِلَظَ عَلَى مُسْلِمٍ فِي شَيْ‏ءٍ (1).

3- ل، الخصال ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ مُوسَى بْنِ بَكْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)الرَّجُلُ يُغْمَى عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَ الْيَوْمَيْنِ وَ الثَّلَاثَةَ وَ الْأَرْبَعَةَ وَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَمْ يَقْضِي مِنْ صَلَاتِهِ فَقَالَ أَ لَا أُخْبِرُكَ بِمَا يَجْمَعُ لَكَ هَذَا وَ أَشْبَاهَهُ كُلُّ مَا غَلَبَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرٍ فَاللَّهُ أَعْذَرُ لِعَبْدِهِ وَ زَادَ فِيهِ غَيْرُهُ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ وَ هَذَا مِنَ الْأَبْوَابِ الَّتِي يَفْتَحُ كُلُّ بَابٍ مِنْهَا أَلْفَ بَابٍ.

4- سن، المحاسن عَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ عَنْ أَبَانٍ الْأَحْمَرِ عَنْ حَمْزَةَ الطَّيَّارِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قَالَ لِيَ اكْتُبْ وَ أَمْلَى إِنَّ قَوْلَنَا إِنَّ اللَّهَ يَحْتَجُّ عَلَى الْعِبَادِ بِالَّذِي‏

____________



(1) كذا في نسخة المصنّف بخطه الشريف؛ و في المصدر و كذا في بعض نسخ البحار: «لا غلط» أى ليس فيما لم يعرف وجه الصواب فيه على المسلم مؤاخذة، أو حكم إلزامى.

301

آتَاهُمْ وَ عَرَّفَهُمْ ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا وَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ وَ أَمَرَ فِيهِ وَ نَهَى أَمَرَ فِيهِ بِالصَّلَاةِ وَ الصَّوْمِ فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)عَنِ الصَّلَاةِ فَقَالَ أَنَا أُنِيمُكَ وَ أَنَا أُوقِظُكَ فَإِذَا قُمْتَ فَصَلِّ لِيَعْلَمُوا إِذَا أَصَابَهُمْ ذَلِكَ كَيْفَ يَصْنَعُونَ لَيْسَ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا نَامَ عَنْهَا هَلَكَ وَ كَذَلِكَ الصِّيَامُ أَنَا أُمْرِضُكَ وَ أَنَا أُصِحُّكَ فَإِذَا شَفَيْتُكَ فَاقْضِهِ ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَ كَذَلِكَ إِذَا نَظَرْتَ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ لَمْ تَجِدْ أَحَداً (1) إِلَّا وَ لِلَّهِ عَلَيْهِ حُجَّةٌ وَ لَهُ فِيهِ الْمَشِيَّةُ وَ لَا أَقُولُ إِنَّهُمْ مَا شَاءُوا صَنَعُوا ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ يَهْدِي وَ يُضِلُّ وَ قَالَ مَا أُمِرُوا إِلَّا بِدُونِ سَعَتِهِمْ وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ أُمِرَ النَّاسُ بِهِ فَهُمْ يَسْعَوْنَ لَهُ وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ لَا يَسْعَوْنَ لَهُ فَمَوْضُوعٌ عَنْهُمْ وَ لَكِنَّ النَّاسَ لَا خَيْرَ فِيهِمْ ثُمَّ تَلَا لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَ لا عَلَى الْمَرْضى‏ وَ لا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ‏ فَوَضَعَ‏ (2) عَنْهُمْ‏ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَ لا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ‏ قَالَ فَوَضَعَ عَنْهُمْ لِأَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ وَ قَالَ‏ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَ هُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَ طُبِعَ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ‏.

شي، تفسير العياشي عن زرارة و حمران و محمد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبد الله(ع)مثله.

5- سن، المحاسن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ حَكَمِ بْنِ مِسْكِينٍ الثَّقَفِيِّ عَنِ النَّضْرِ بْنِ قِرْوَاشٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ‏ إِنَّمَا احْتَجَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ بِمَا آتَاهُمْ وَ عَرَّفَهُمْ.

سن، المحاسن بعض أصحابنا عن ابن أسباط عن حكم بن مسكين‏ مثله.

6- سن، المحاسن أَبِي عَنْ صَفْوَانَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)النَّاسُ مَأْمُورُونَ وَ مَنْهِيُّونَ وَ مَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ عَذَرَهُ اللَّهُ‏ (3).

7- سن، المحاسن ابْنُ فَضَّالٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ الطَّيَّارِ وَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ فَضَالَةَ عَنْ أَبَانٍ الْأَحْمَرِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ‏ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ‏ قَالَ حَتَّى يُعَرِّفَهُمْ مَا يُرْضِيهِ وَ مَا يُسْخِطُهُ وَ قَالَ‏ فَأَلْهَمَها

____________



(1) في المصدر: فى ضيق و لم تجد احدا. م.

(2) ليست في المصدر جملة «فوضع عنهم» الى «غفور رحيم». م.

(3) أي قبل عذره و رفع عنه اللوم و الذنب.

302

فُجُورَها وَ تَقْواها قَالَ بَيَّنَ لَهَا مَا تَأْتِي وَ مَا تَتْرُكُ وَ قَالَ‏ إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً قَالَ عَرَّفْنَاهُ فَإِمَّا أَخَذَ وَ إِمَّا تَرَكَ‏ (1) وَ سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ‏ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ‏ قَالَ يَشْتَهِي سَمْعُهُ وَ بَصَرُهُ وَ لِسَانُهُ وَ يَدُهُ وَ قَلْبُهُ أَمَّا إِنَّهُ هُوَ عَسَى‏ (2) شَيْ‏ءٌ مِمَّا يَشْتَهِي فَإِنَّهُ لَا يَأْتِيهِ إِلَّا وَ قَلْبُهُ مُنْكِرٌ لَا يَقْبَلُ الَّذِي يَأْتِي يَعْرِفُ أَنَّ الْحَقَّ غَيْرُهُ وَ عَنْ قَوْلِهِ‏ وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى‏ عَلَى الْهُدى‏ قَالَ نَهَاهُمْ عَنْ فِعْلِهِمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى وَ هُمْ يَعْرِفُونَ.

8- سن، المحاسن ابْنُ فَضَّالٍ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ‏ إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً قَالَ عَلَّمَهُ السَّبِيلَ فَإِمَّا آخِذٌ فَهُوَ شَاكِرٌ وَ إِمَّا تَارِكٌ فَهُوَ كَافِرٌ.

9- سن، المحاسن ابْنُ يَزِيدَ عَنْ رَجُلٍ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مِسْكِينٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ الْحُرِّ بَيَّاعِ الْهَرَوِيِّ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَا أَيُّوبُ مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَ قَدْ يُرَدُّ (3) عَلَيْهِ الْحَقُّ حَتَّى يَصْدَعَ قَبِلَهُ أَمْ تَرَكَهُ وَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ‏ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ‏

بيان الصدع الإظهار و التبيين و قال البيضاوي في قوله‏ فَيَدْمَغُهُ‏ أي فيمحقه و إنما استعار لذلك القذف و هو الرمي البعيد المستلزم لصلابة المرمي و الدمغ الذي هو كسر الدماغ بحيث يشق غشاؤه المؤدي إلى زهوق الروح تصويرا لإبطاله و مبالغة فيه‏ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ‏ هالك و الزهوق ذهاب الروح و ذكره لترشيح المجاز.

10- سن، المحاسن أَبِي عَنْ يُونُسَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)هَلْ جُعِلَ فِي النَّاسِ أَدَاةٌ يَنَالُونَ بِهَا الْمَعْرِفَةَ قَالَ لَا قُلْتُ فَهَلْ كُلِّفُوا الْمَعْرِفَةَ قَالَ لَا إِنَّ عَلَى اللَّهِ الْبَيَانَ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ الْعِبَادَ إِلَّا وُسْعَهَا وَ لَا يُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا.

____________

(1) في نسخة: فاما آخذ و إمّا تارك.

(2) في المصدر: اما انه هو غشى شيئا.

(3) في المصدر: برز.

303

11- سن، المحاسن عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَيَمُنُّ عَلَى قَوْمٍ وَ مَا فِيهِمْ خَيْرٌ فَيَحْتَجُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَيُلْزِمُهُمُ الْحُجَّةَ.

12- سن، المحاسن ابْنُ مَحْبُوبٍ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ وَ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعَبْدِيِّ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْفُورٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: أَبَى اللَّهُ أَنْ يُعَرِّفَ بَاطِلًا حَقّاً أَبَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ الْحَقَّ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ بَاطِلًا لَا شَكَّ فِيهِ وَ أَبَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ الْبَاطِلَ فِي قَلْبِ الْكَافِرِ الْمُخَالِفِ حَقّاً لَا شَكَّ فِيهِ وَ لَوْ لَمْ يَجْعَلْ هَذَا هَكَذَا مَا عُرِفَ حَقٌّ مِنْ بَاطِلٍ.

13- ل، الخصال الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّكُونِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنِ ابْنِ ظَبْيَانَ قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بِامْرَأَةٍ مَجْنُونَةٍ قَدْ فَجَرَتْ فَأَمَرَ بِرَجْمِهَا فَمَرُّوا بِهَا عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَقَالَ مَا هَذِهِ قَالُوا مَجْنُونَةٌ فَجَرَتْ فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ أَنْ تُرْجَمَ قَالَ لَا تَعْجَلُوا فَأَتَى عُمَرَ فَقَالَ لَهُ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ الْقَلَمَ رُفِعَ عَنْ ثَلَاثٍ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَ عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ وَ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ.

14- يد، التوحيد ل، الخصال الْعَطَّارُ عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ يَزِيدَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعَةٌ الْخَطَاءُ وَ النِّسْيَانُ وَ مَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَ مَا لَا يَعْلَمُونَ وَ مَا لَا يُطِيقُونَ وَ مَا اضْطُرُّوا إِلَيْهِ وَ الْحَسَدُ وَ الطِّيَرَةُ وَ التَّفَكُّرُ فِي الْوَسْوَسَةِ فِي الْخَلْقِ مَا لَمْ يُنْطَقْ بِشَفَةٍ.

بيان المراد بالرفع في أكثرها رفع المؤاخذة و العقاب و في بعضها يحتمل رفع التأثير و في بعضها النهي أيضا فأما اختصاص رفع الخطاء و النسيان بهذه الأمة فلعله لكون سائر الأمم مؤاخذين بهما إذا كان مباديهما باختيارهم على أنه يحتمل أن يكون المراد اختصاص المجموع فلا ينافي اشتراك البعض.

و أما ما أكرهوا عليه فلعله كان يلزمهم تحمل المشاق العظيمة فيما أكرهوا عليه و قد وسع الله على هذه الأمة بتوسيع دائرة التقية و أما ما لا يعلمون فرفع‏

304

كثير منها ظاهر كالصلاة في الثوب و المكان المغصوبين و الثوب النجس و السجود على الموضع النجس و جهل الحكم في كثير من المسائل و الجهل بالأحكام التي لم تصل إلينا و لعل سائر الأمم كانوا يؤاخذون بالقضاء و الإعادة و اللفظ و إن كان عاما لكنه مختص بالإجماع بالموارد الخاصة و أما ما لا يطيقون فقد مر بيانه.

و أما الطيرة بكسر الطاء و فتح الياء و سكونها و هو ما يتشاءم به من الفأل الردي فيمكن أن يكون المراد برفعها النهي عنها بأن لا تكون منهيا عنها في الأمم السالفة و يحتمل أن يكون المراد تأثيرها أو حرمة تأثر النفس بها و الاعتناء بشأنها و الأخير أظهر و سيأتي بيانها و كذا الحسد يحتمل الوجهين الأولين و ثالثا و هو عدم حرمة ما لا يظهر من الحسد و هو أظهر كما ورد في الأخبار إلا أن المؤمن لا يظهر الحسد.

و أما التفكر في الوسوسة في الخلق و يحتمل أن يكون المعنى التفكر فيما يوسوس الشيطان في القلب في الخالق و مبدئه و كيفية خلقه فإنها معفو عنها ما لم يعتقد خلاف الحق و ما لم ينطق بالكفر الذي يخطر بباله أو المراد التفكر في خلق الأعمال و مسألة القضاء و القدر أو المراد التفكر فيما يوسوس الشيطان في النفس من أحوال المخلوقين و سوء الظن بهم في أعمالهم و أحوالهم و يؤيد الأخير كثير من الأخبار و قد فصلنا القول فيه في شرح روضة الكافي.

15- ين، كتاب حسين بن سعيد و النوادر فَضَالَةُ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ‏ وُضِعَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ سِتَّةٌ الْخَطَاءُ وَ النِّسْيَانُ وَ مَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَ مَا لَا يَعْلَمُونَ وَ مَا لَا يُطِيقُونَ وَ مَا اضْطُرُّوا عَلَيْهِ.

16- ين، كتاب حسين بن سعيد و النوادر عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)اللَّهُ عَفَا عَنْ أُمَّتِي ثَلَاثاً الْخَطَاءَ وَ النِّسْيَانَ وَ الِاسْتِكْرَاهَ وَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَ فِيهَا رَابِعَةٌ وَ مَا لَا يُطِيقُونَ.

17- يد، التوحيد عَنِ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)وُضِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَ النِّسْيَانُ وَ مَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ.

305

18- ين، كتاب حسين بن سعيد و النوادر عَنْ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يُسْتَكْرَهُ عَلَى الْيَمِينِ فَيَحْلِفُ بِالطَّلَاقِ وَ الْعَتَاقِ وَ صَدَقَةِ مَا يَمْلِكُ أَ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فَقَالَ لَا ثُمَّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وُضِعَ عَنْ أُمَّتِي مَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَ مَا لَمْ يُطِيقُوا وَ مَا أَخْطَئُوا.

عد، العقائد اعتقادنا في التكليف هو أن الله تعالى لم يكلف عباده إلا دون ما يطيقون كما قال الله عز و جل‏ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها و الوسع دون الطاقة.

19- قَالَ الصَّادِقُ(ع)وَ اللَّهِ مَا كَلَّفَ اللَّهُ الْعِبَادَ إِلَّا دُونَ مَا يُطِيقُونَ لِأَنَّهُ كَلَّفَهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ خَمْسَ صَلَوَاتٍ وَ كَلَّفَهُمْ فِي السَّنَةِ صِيَامَ ثَلَاثِينَ يَوْماً وَ كَلَّفَهُمْ فِي كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَ كَلَّفَهُمْ حَجَّةً وَاحِدَةً وَ هُمْ يُطِيقُونَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.

20- ما، الأمالي للشيخ الطوسي جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى عَنْ عَمَّيْهِ عَلِيٍّ وَ الْحُسَيْنِ ابْنَيْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ آبَائِهِ(ع)عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: يُوحِي اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى الْحَفَظَةِ الْكِرَامِ لَا تَكْتُبُوا عَلَى عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ عِنْدَ ضَجَرِهِ شَيْئاً.

21- نهج، نهج البلاغة قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَدْ بُصِّرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ‏ (1) وَ قَدْ هُدِيتُمْ إِنِ اهْتَدَيْتُمْ وَ أُسْمِعْتُمْ إِنِ اسْتَمَعْتُمْ.

22- وَ قَالَ(ع)قَدْ أَضَاءَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ‏ (2).

23 كِتَابُ الْغَارَاتِ، لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِنَّهُ لَيْسَ لِهَالِكٍ هَلَكَ مَنْ يَعْذِرُهُ فِي تَعَمُّدِ ضَلَالَةٍ حَسِبَهَا هُدًى وَ لَا تَرْكِ حَقٍّ حَسِبَهُ ضَلَالَةً.

24- سن، المحاسن أَبِي عَنْ يُونُسَ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)لَيْسَ مِنْ بَاطِلٍ يَقُومُ بِإِزَاءِ الْحَقِّ إِلَّا غَلَبَ الْحَقُّ الْبَاطِلَ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ‏ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ‏

____________

(1) أي كشف اللّه لكم عن الخير و الشر و عرفهما لكم ان استعملتم بصركم. و كذا فيما بعده.

(2) أي تبين و وضح سبيل الهدى لمن كان له بصيرة في أمر الدنيا و فنائها، و بصيرة في الآخرة و بقائها.

306

25- سن، المحاسن النَّوْفَلِيُّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: كُلُّ قَوْمٍ يَعْمَلُونَ عَلَى رِيبَةٍ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مُشْكِلَةٍ مِنْ رَأْيِهِمْ وَ زَارِئٌ مِنْهُمْ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَ قَدْ تَبَيَّنَ الْحَقُّ مِنْ ذَلِكَ بِمُقَايَسَةِ الْعَدْلِ عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ.

26- شي، تفسير العياشي عَنْ زُرَارَةَ وَ حُمْرَانَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَحَدِهِمَا(ع)قَالَ: فِي آخِرِ الْبَقَرَةِ لَمَّا دَعَوْا أُجِيبُوا لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها قَالَ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهَا لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ‏ وَ كَذَا قَوْلُهُ‏ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا

27- شي، تفسير العياشي عَنْ عَمْرِو بْنِ مَرْوَانَ الْخَزَّازِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)رُفِعَتْ عَنْ أُمَّتِي أَرْبَعُ خِصَالٍ مَا أَخْطَئُوا وَ مَا نَسُوا وَ مَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَ مَا لَمْ يُطِيقُوا وَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى‏ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ‏ وَ قَوْلُ اللَّهِ‏ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ‏

28- شي، تفسير العياشي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ رَفَعَهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سَأَلْتُهُ أَ تَسْتَطِيعُ النَّفْسُ الْمَعْرِفَةَ قَالَ فَقَالَ لَا فَقُلْتُ يَقُولُ اللَّهُ‏ الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَ كانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً قَالَ هُوَ كَقَوْلِهِ‏ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَ ما كانُوا يُبْصِرُونَ‏ قُلْتُ فَعَابَهُمْ قَالَ لَمْ يَعِبْهُمْ بِمَا صَنَعَ فِي قُلُوبِهِمْ وَ لَكِنْ عَابَهُمْ بِمَا صَنَعُوا وَ لَوْ لَمْ يَتَكَلَّفُوا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ شَيْ‏ءٌ.

بيان أي الغطاء و المنع عن السمع و البصر إنما ترتبت على أعمالهم السيئة فإنما عاتبهم على أفعالهم التي صارت أسبابا لتلك الحالات أو المعنى أن المراد بالغطاء و عدم استطاعة السمع و البصر ما سلطوا على أنفسهم من التعصب و الامتناع عن قبول الحق لا شي‏ء صنعه الله في قلوبهم و سمعهم و بصرهم.

29- كا، الكافي عَلِيٌّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: كُنْتُ عِنْدَهُ وَ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ يَجِي‏ءُ مِنْهُ الشَّيْ‏ءُ عَلَى حَدِّ الْغَضَبِ يُؤَاخِذُهُ اللَّهُ‏

307

بِهِ فَقَالَ اللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَسْتَغْلِقَ عَبْدَهُ.

وَ فِي نُسْخَةِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ(ع)يَسْتَقْلِقَ عَبْدَهُ.

توضيح قوله من أن يستغلق عبده أي يكلّفه و يجبره فيما لم يكن له فيه اختيار قال الفيروزآبادي استغلقني في بيعته لم يجعل لي خيارا في ردّه قوله و في نسخة أبي الحسن الأول يستقلق لعله كان الحديث في بعض الأصول مرويا عن أبي الحسن(ع)و فيه كان يستقلق بالقاف من القلق بمعنى الانزعاج و الاضطراب و يرجع إلى الأول بتكلّف.

تذنيب قال السيد المرتضى رضي الله عنه إن سأل سائل عن قوله تعالى‏ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَ ما كانُوا يُبْصِرُونَ‏ (1) كيف نفى استطاعتهم للسمع و الإبصار و أكثرهم كان يسمع بأذنه و يرى بعينه قلنا فيه وجوه.

أحدها أن يكون المعنى يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع فلا يسمعون و بما كانوا يستطيعون الإبصار فلا يبصرون عنادا للحق فأسقطت الباء من الكلام و ذلك جائز كما جاز في قولهم لأجزينك بما عملت و لأجزينك ما عملت و لأحدثنك بما عملت و لأحدثنك ما عملت.

و الثاني أنهم لاستثقالهم استماع آيات الله و كراهتهم تذكرها و تدبرها و تفهمها جروا مجرى من لا يستطيع السمع كما يقول القائل ما يستطيع فلان أن ينظر لشدة عداوته إلى فلان و ما يقدر أن يكلمه و معنى‏ ما كانُوا يُبْصِرُونَ‏ أن إبصارهم لم يكن نافعا لهم و لا مجديا عليهم مع الإعراض عن تأمل آيات الله تعالى و تدبرها فلما انتفت عنهم منفعة الإبصار جاز أن ينفى عنهم الإبصار نفسه.

و الثالث أن يكون معنى نفي السمع و البصر راجعا إلى آلهتهم لا إليهم و تقدير الكلام أولئك و آلهتهم لم يكونوا معجزين في الأرض يضاعف لهم العذاب ثم قال مخبرا عن الآلهة ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَ ما كانُوا يُبْصِرُونَ‏ و هذا الوجه يروى عن ابن عباس و فيه أدنى بعد و يمكن في الآية وجه آخر و هو أن تكون ما

____________

(1) هود: 20.

308

في قوله‏ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ‏ ليست للنفي بل تجري مجرى قولهم لأواصلنك ما لاح نجم و يكون المعنى أن العذاب يضاعف لهم في الآخرة ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَ ما كانُوا يُبْصِرُونَ‏ أي أنهم معذبون ما كانوا أحياء.

و قال (رحمه الله ) في تأويل قوله تعالى‏ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا (1) قيل المراد بنسينا تركنا قال قطرب معنى النسيان هاهنا الترك كما قال تعالى‏ وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى‏ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ‏ (2) أي ترك و لو لا ذلك لم يكن فعله معصية و كقوله تعالى‏ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ‏ (3) أي تركوا طاعته فتركهم من ثوابه و رحمته و قد يقول الرجل لصاحبه لا تنسني من عطيتك أي لا تتركني منها و قد يمكن في الآية وجه آخر و هو أن يحمل النسيان على السهو و فقد العلوم و يكون وجه الدعاء بذلك ما قد بيناه فيما تقدم من السؤال على سبيل الانقطاع إلى الله و الاستغاثة به و إن كان مأمونا منه المؤاخذة بمثله و يجري مجرى قوله‏ وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ‏ و هذا الوجه أيضا يمكن في قوله‏ أَوْ أَخْطَأْنا إذا كان الخطاء ما وقع سهوا أو عن غير عمد فأما على ما يطابق الوجه الأول فقد يجوز أن يريد بالخطاء ما يفعل من المعاصي بالتأويل السيئ و عن جهل بأنها معاص لأن من قصد شيئا على اعتقاده أنه بصفة فوقع ما هو بخلاف معتقده يقال قد أخطأ فكأنه أمرهم بأن يستغفروا مما تركوه متعمدين من غير سهو و لا تأويل و مما أقدموا عليه مخطئين متأولين و يمكن أيضا أن يريد بأخطأنا هاهنا أذنبنا و فعلنا قبيحا و إن كانوا له متعمدين و به عالمين لأن جميع معاصينا لله تعالى قد يوصف كلها بأنها خطأ من حيث فارقت الصواب و إن كان فاعلها متعمدا و كأنه أمرهم بأن يستغفروا مما تركوه من الواجبات و مما فعلوه من المقبحات ليشتمل الكلام على جهتي الذنوب و الله أعلم بمراده.

____________

(1) البقرة: 286.

(2) طه: 115.

(3) التوبة: 67.

309

باب 15 علة خلق العباد و تكليفهم و العلة التي من أجلها جعل الله في الدنيا اللذات و الآلام و المحن‏

الآيات الحجر وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَ إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ الأنبياء وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ‏ المؤمن‏ أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ‏ الفرقان‏ قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً الروم‏ أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ‏ و قال تعالى‏ ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏ الأحزاب‏ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا ص‏ وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا الزمر خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِ‏ حمعسق‏ وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ

310

الدخان‏ وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏ الجاثية وَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَ لِتُجْزى‏ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ‏ الأحقاف‏ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى‏ الذاريات‏ وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَ ما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ‏ القيامة أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً‏ تفسير قال البيضاوي في قوله تعالى‏ وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ‏ و إنما خلقناها مشحونة بضروب البدائع تبصرة للنظار و تذكرة لذوي الاعتبار و تسبيبا لما ينتظم به أمور العباد في المعاش و المعاد فينبغي أن يتشبثوا بها إلى تحصيل الكمال و لا يغتروا بزخارفها فإنها سريعة الزوال‏ لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً ما يتلهى به و يلعب‏ لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا من جهة قدرتنا أو من عندنا مما يليق بحضرتنا من المجردات لا من الأجسام المرفوعة و الأجرام المبسوطة كعادتكم في رفع السقوف و تزويقها و تسوية الفروش و تزيينها و قيل اللهو الولد بلغة اليمن و قيل الزوجة و المراد الرد على النصارى‏ إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ‏ ذلك و يدل على جوابه الجواب المتقدم و قيل إن نافية و الجملة كالنتيجة للشرطية بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ‏ الذي من عداد اللهو فَيَدْمَغُهُ‏ فيمحقه‏ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ‏ هالك انتهى. (1)

____________

(1) قال الرضى (رحمه الله ): و هذه استعارة لان حقيقة القذف من صفات الأشياء الثقيلة التي يرجم بها، كالحجارة و غيرها، فجعل سبحانه إيراد الحق على الباطل بمنزلة الحجر الثقيل الذي يرض ما صكه و يدمغ ما مسّه، و لما بدأ تعالى بذكر قذف الحق على الباطل- و في الاستعارة حفها و أعطاها واجبها- فقال سبحانه: «فَيَدْمَغُهُ» و لم يقل: فيذهبه و يبطله؛ لان الدمغ إنّما يكون عن وقوع الأشياء الثقال على طريق الغلبة و الاستعلاء، فكأن الحق أصاب دماغ الباطل فأهلكه، و الدماغ مقتل، و لذلك قال سبحانه من بعد: «فَإِذا هُوَ زاهِقٌ» و الزاهق: الهالك.

311

قوله تعالى‏ أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً استدلال على البعث بأن لذات هذه الدار الفانية لا تليق بأن تكون مقصودة لخلق هذه العالم مع هذه الآلام و المشاق و المصائب المشاهدة فيها فلو لم يكن لاستحقاق دار أخرى باقية خالية عن المحن و الآلام لكان الخلق عبثا و لذا قال بعده‏ وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ‏ قوله تعالى‏ قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ‏ (1) أي ما يصنع بكم أو لا يعتد بكم لو لا دعاؤكم إلى الدين أو لو لا عبادتكم أو لو لا دعاؤكم لله عند الشدائد و هو المروي عن أبي جعفر ع.

قوله تعالى‏ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ قيل هي التكليف بالأوامر و النواهي و المعنى أنها لعظمة شأنها بحيث لو عرضت على هذه الأجرام و العظام و كانت ذا شعور و إدراك لأبين أن يحملنها و أشفقن منها و حملها الإنسان مع ضعف بنيته و رخاوة قوته لا جرم فإن الراعي لها بخير الدارين‏ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً حيث لم يراع حقها جَهُولًا بكنه عاقبتها و قيل المراد الطاعة التي تعم الاختيارية و الطبيعية و عرضها استدعاؤها الذي يعم طلب الفعل من المختار و إرادة صدوره من غيره و بحملها الخيانة فيها و الامتناع عن أدائها و الظلم و الجهالة الخيانة و التقصير و قيل إنه تعالى لما خلق هذه الأجرام خلق فيها فهما و قال لها إني فرضت فريضة و نارا لمن عصاني فقلن نحن مسخرات على ما خلقنا لا نحتمل فريضة و لا نبغي ثوابا و لا عقابا و لما خلق آدم عرض عليه مثل ذلك فحمله و كان ظلوما لنفسه بتحمل ما يشق عليها جهولا بوخامة عاقبته و قيل المراد بالأمانة العقل أو التكليف و بعرضها عليهن اعتبارها بالإضافة إلى استعدادهن و بإبائهن الإباء الطبيعي الذي هو عدم اللياقة و الاستعداد و بحمل الإنسان قابليته و استعداده لها و كونه ظلوما جهولا لما غلب عليه من القوة

____________

(1) قال الراغب في مفرداته: ما عبأت به أي لم ابال به، و أصله من العب‏ء أي الثقل، كأنّه قال: ما أرى له وزنا و قدرا، قال: «قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي» و قيل: أصله من عبأت الطيب، كانه قيل: ما يبقيكم‏ لَوْ لا دُعاؤُكُمْ‏.

312

الغضبية و الشهوية (1) و قد ورد في بعض الروايات أن المراد بها الخلافة و المراد بالإنسان أبو بكر و سيأتي شرحها في أبواب الآيات النازلة في أمير المؤمنين ع.

1- ع، علل الشرائع أَبِي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: خَرَجَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ مَا خَلَقَ الْعِبَادَ إِلَّا لِيَعْرِفُوهُ فَإِذَا عَرَفُوهُ عَبَدُوهُ فَإِذَا عَبَدُوهُ اسْتَغْنَوْا بِعِبَادَتِهِ عَنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي فَمَا مَعْرِفَةُ اللَّهِ قَالَ مَعْرِفَةُ أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ إِمَامَهُمُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ.

قال الصدوق (رحمه الله ) يعني بذلك أن يعلم أهل كل زمان أن الله هو الذي لا يخليهم في كل زمان من إمام معصوم فمن عبد ربا لم يقم لهم الحجة فإنما عبد غير الله عز و جل.

بيان يحتمل أن يكون المراد أن معرفة الله تعالى إنما ينفع مع سائر العقائد التي منها معرفة الإمام أو أن معرفة الله إنما يحصل من معرفة الإمام إذ هو السبيل إلى معرفته تعالى.

____________

(1) و قيل: المراد بذلك أهل السماوات و الأرض و الجبال فحذف لفظ الاهل اختصارا له لدلالة الكلام عليه، و لما حذف الاهل أجرى الفعل على لفظ السماوات و الأرض و الجبال فقيل:

«فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها» كقوله تعالى: «وَ نَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ» أى من أهل القرية، فلما حذف الاهل أجرى الفعل على القرية فقيل: «كانت تعمل الخبائث» ردا على أهل القرية، و هذا موضع حسن. و قال بعضهم: عرض الشي‏ء على الشي‏ء و معارضته سواء، و المعارضة و المقايسة و الموازنة بمعنى واحد، فاخبر اللّه تعالى عن عظم أمر الأمانة و ثقلها و أنّها إذا قيست بالسماوات و الأرض و الجبال و وزنت بها رجحت عليها، و لم تطق حملها ضعفا عنها، و ذلك معنى قوله تعالى: «فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها» و من كلامهم: (فلان يابى الضيم) إذا كان لا يحتمله فالاباء هاهنا هو أن لا يقام بحمل الشي‏ء، و الاشفاق في هذا الموضع هو الضعف عن الشي‏ء، و لذلك كنى عن الخوف الذي هو ضعف القلب، فقالوا: (فلان مشفق من كذا) أي خائف منه، يقول تعالى:

فالسماوات و الأرض و الجبال لم تحمل الأمانة ضعفا عنها، و حملها الإنسان، أي تقلدها و تطوق المآثم فيها للمعروف من كثرة جهله و ظلمه لنفسه.

313

2- ع، علل الشرائع الطَّالَقَانِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ يَحْيَى الْجَلُودِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا الْجَوْهَرِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ الصَّادِقَ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ(ع)فَقُلْتُ لَهُ لِمَ خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ خَلْقَهُ عَبَثاً وَ لَمْ يَتْرُكْهُمْ سُدًى بَلْ خَلَقَهُمْ لِإِظْهَارِ قُدْرَتِهِ وَ لِيُكَلِّفَهُمْ طَاعَتَهُ فَيَسْتَوْجِبُوا بِذَلِكَ رِضْوَانَهُ وَ مَا خَلَقَهُمْ لِيَجْلِبَ مِنْهُمْ مَنْفَعَةً وَ لَا لِيَدْفَعَ بِهِمْ مَضَرَّةً بَلْ خَلَقَهُمْ لِيَنْفَعَهُمْ وَ يُوصِلَهُمْ إِلَى نَعِيمِ الْأَبَدِ.

3- ع، علل الشرائع أَبِي عَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ هَارُونَ عَنِ ابْنِ زِيَادٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إِنَّا خُلِقْنَا لِلْعَجَبِ قَالَ وَ مَا ذَاكَ اللَّهَ أَنْتَ‏ (1) قَالَ خُلِقْنَا لِلْفَنَاءِ فَقَالَ مَهْ يَا ابْنَ أَخِ خُلِقْنَا لِلْبَقَاءِ وَ كَيْفَ تَفْنَى جَنَّةٌ لَا تَبِيدُ وَ نَارٌ لَا تَخْمُدُ وَ لَكِنْ قُلْ إِنَّمَا نَتَحَوَّلُ مِنْ دَارٍ إِلَى دَارٍ.

4- ع، علل الشرائع الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى بْنِ ضُرَيْسٍ الْبَجَلِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ السُّكَّرِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَارُونَ الْكَرْخِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ سَلَّامِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ‏ (2) مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ سَلَّامِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَخِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَالَ: فِي صُحُفِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ(ع)يَا عِبَادِي إِنِّي لَمْ أَخْلُقِ الْخَلْقَ لِأَسْتَكْثِرَ بِهِمْ مِنْ قِلَّةٍ وَ لَا لِآنَسَ بِهِمْ مِنْ وَحْشَةٍ وَ لَا لِأَسْتَعِينَ بِهِمْ عَلَى شَيْ‏ءٍ عَجَزْتُ عَنْهُ وَ لَا لِجَرِّ مَنْفَعَةٍ وَ لَا لِدَفْعِ مَضَرَّةٍ وَ لَوْ أَنَّ جَمِيعَ خَلْقِي مِنْ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ اجْتَمَعُوا عَلَى طَاعَتِي وَ عِبَادَتِي لَا يَفْتُرُونَ عَنْ ذَلِكَ لَيْلًا وَ لَا نَهَاراً مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مِلْكِي شَيْئاً سُبْحَانِي وَ تَعَالَيْتُ عَنْ ذَلِكَ.

5- ع، علل الشرائع السِّنَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ الْأَسَدِيِّ عَنِ النَّخَعِيِّ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَالِمٍ‏

____________

(1) كذا في المصدر و البحار و الظاهر «للّه انت» كان المخاطب خاصّ و خالص له تعالى و يؤيده الحديث المذكور في هذا الباب عن مسعدة بن زياد قال: قال رجل لجعفر بن محمّد (عليه السلام): يا أبا عبد اللّه انا خلقنا للعجب؟ قال و ما ذاك للّه أنت؟. الحديث. م.

(2) في المصدر: عبيد اللّه. م.

314

عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏ قَالَ خَلَقَهُمْ لِيَأْمُرَهُمْ بِالْعِبَادَةِ قَالَ وَ سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ‏ قَالَ خَلَقَهُمْ لِيَفْعَلُوا مَا يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ رَحْمَتَهُ فَيَرْحَمَهُمْ.

بيان قال الطبرسي (رحمه الله ) في قوله تعالى‏ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏ أي لم أخلق الجن و الإنس إلا لعبادتهم إياي فإذا عبدوني استحقوا الثواب و قيل إلا لآمرهم و أنهاهم و أطلب منهم العبادة و اللام لام الغرض و المراد أن الغرض في خلقهم تعريض الثواب و ذلك لا يحصل إلا بأداء العبادات فصار كأنه سبحانه خلقهم للعبادة ثم إنه إذا لم يعبده قوم لم يبطل الغرض و يكون كمن هيأ طعاما لقوم و دعاهم ليأكلوه فحضروا و لم يأكله بعضهم فإنه لا ينسب إلى السفه و يصح غرضه فإن الأكل موقوف على اختيار الغير و كذلك المسألة فإن الله إذا أزاح علل المكلفين من القدرة و الآلة و الألطاف و أمرهم بعبادته فمن خالف فقد أتى من قبل نفسه لا من قبله سبحانه و قيل معناه إلا ليقروا بالعبودية طوعا و كرها ثم قال تعالى‏ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَ ما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ‏ لنفي إيهام أن يكون ذلك لعائدة نفع تعود إليه تعالى فبين أنه لعائدة النفع على الخلق دونه تعالى لأنه غني بنفسه غير محتاج إلى غيره و كل الخلق محتاجون إليه و قيل معناه ما أريد أن يرزقوا أحدا من خلقي و إنما أسند الطعام إلى نفسه لأن الخلق كلهم عيال الله و من أطعم عيال أحد فقد أطعمه.

6- ع، علل الشرائع ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ النَّهِيكِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الطَّاطَرِيِّ عَنْ دُرُسْتَ عَنْ جَمِيلٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏ فَقَالَ خَلَقَهُمْ لِلْعِبَادَةِ (1).

- 7- ع، علل الشرائع ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ السَّعْدَآبَادِيِّ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ عَنْ جَمِيلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ ما خَلَقْتُ‏

____________



(1) و في نسخة: خلقتهم للعبادة.

315

الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏ قَالَ خَلَقَهُمْ لِلْعِبَادَةِ قُلْتُ خَاصَّةً أَمْ عَامَّةً قَالَ لَا بَلْ عَامَّةً.

بيان لما توهم الراوي أن معنى الآية أن الغرض من الخلق حصول نفس العبادة فيلزم تخلف الغرض في الكفار فلهذا سأل ثانيا أن هذا خاص بالمؤمنين أو عام لجميع الخلق فأجاب(ع)بأنه عام إذ الغرض التكليف بالعبادة و قد حصل من الجميع.

8 ع، علل الشرائع أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَفْصِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَتِ الْعَاهَاتُ فِي أَهْلِ الْحَاجَةِ لِئَلَّا يَسْتَتِرُوا وَ لَوْ جُعِلَتْ فِي الْأَغْنِيَاءِ لَسُتِرَتْ.

9- لي، الأمالي للصدوق الْعَطَّارُ عَنْ سَعْدٍ عَنِ النَّهْدِيِّ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ سَمَاعَةَ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ وَ لَمْ يَجِدْ مَا يُكَفِّرُهَا بِهِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِالْحُزْنِ فِي الدُّنْيَا لِيُكَفِّرَهَا فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ وَ إِلَّا أَسْقَمَ بَدَنَهُ لِيُكَفِّرَهَا بِهِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ وَ إِلَّا شَدَّدَ عَلَيْهِ عِنْدَ مَوْتِهِ لِيُكَفِّرَهَا بِهِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ وَ إِلَّا عَذَّبَهُ فِي قَبْرِهِ لِيَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ ذُنُوبِهِ.

10- ما، الأمالي للشيخ الطوسي الْغَضَائِرِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَلَوِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ عَنِ الْكُلَيْنِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ النَّيْسَابُورِيِّ عَنِ الصَّادِقِ عَنْ آبَائِهِ(ع)عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بِمَنِّهِ وَ رَحْمَتِهِ لَمَّا فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْفَرَائِضَ لَمْ يَفْرِضْ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ لِحَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهِ بَلْ رَحْمَةً مِنْهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لِيَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ لِيَبْتَلِيَ مَا فِي صُدُورِكُمْ‏ وَ لِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ‏ وَ لِتَتَسَابَقُوا إِلَى رَحْمَتِهِ وَ لِتَتَفَاضَلَ مَنَازِلُكُمْ فِي جَنَّتِهِ إِلَى آخِرِ مَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْإِمَامَةِ.

11 نهج، نهج البلاغة قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فِي بَعْضِ خُطَبِهِ‏ بَعَثَ رُسُلَهُ بِمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ وَحْيِهِ وَ جَعَلَهُمْ حُجَّةً لَهُ عَلَى خَلْقِهِ لِئَلَّا تَجِبَ الْحُجَّةُ لَهُمْ بِتَرْكِ الْإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ بِلِسَانِ الصِّدْقِ إِلَى سَبِيلِ الْحَقِّ أَلَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَشَفَ الْحَقَّ كَشْفَةً لَا أَنَّهُ جَهِلَ‏

316

مَا أَخْفَوْهُ مِنْ مَصُونِ أَسْرَارِهِمْ وَ مَكْنُونِ ضَمَائِرِهِمْ وَ لَكِنْ لِيَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا فَيَكُونَ الثَّوَابُ جَزَاءً وَ الْعِقَابُ بَوَاءً.

بيان قال في النهاية الجراحات بواء أي سواء في القصاص و منه حديث علي(ع)و العقاب بواء و أصل البوء اللزوم.

12- ل، الخصال أَبِي عَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ هَارُونَ عَنِ ابْنِ زِيَادٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لَوْ لَا ثَلَاثٌ فِي ابْنِ آدَمَ مَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ شَيْ‏ءٌ (1) الْمَرَضُ وَ الْفَقْرُ وَ الْمَوْتُ وَ كُلُّهُمْ فِيهِ وَ إِنَّهُ مَعَهُمْ لَوَثَّابٌ.

13- ج، الإحتجاج وَ رُوِيَ‏ أَنَّهُ اتَّصَلَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّ قَوْماً مِنْ أَصْحَابِهِ خَاضُوا فِي التَّعْدِيلِ وَ التَّجْوِيرِ (2) فَخَرَجَ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ خَلْقَهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونُوا عَلَى آدَابٍ رَفِيعَةٍ وَ أَخْلَاقٍ شَرِيفَةٍ فَعَلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ إِلَّا بِأَنْ يُعَرِّفَهُمْ مَا لَهُمْ وَ مَا عَلَيْهِمْ وَ التَّعْرِيفُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْأَمْرِ وَ النَّهْيِ وَ الْأَمْرُ وَ النَّهْيُ لَا يَجْتَمِعَانِ إِلَّا بِالْوَعْدِ وَ الْوَعِيدِ وَ الْوَعْدُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتَّرْغِيبِ وَ الْوَعِيدُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتَّرْهِيبِ وَ التَّرْغِيبُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَا تَشْتَهِيهِ أَنْفُسُهُمْ وَ تَلَذُّهُ أَعْيُنُهُمْ وَ التَّرْهِيبُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِضِدِّ ذَلِكَ ثُمَّ خَلَقَهُمْ فِي دَارِهِ وَ أَرَاهُمْ طَرَفاً (3) مِنَ اللَّذَّاتِ لِيَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلَى مَا وَرَاءَهُمْ مِنَ اللَّذَّاتِ الْخَالِصَةِ الَّتِي لَا يَشُوبُهَا أَلَمٌ أَلَا وَ هِيَ الْجَنَّةُ وَ أَرَاهُمْ طَرَفاً مِنَ الْآلَامِ لِيَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلَى مَا وَرَاءَهُمْ مِنَ الْآلَامِ الْخَالِصَةِ الَّتِي لَا يَشُوبُهَا لَذَّةٌ أَلَا وَ هِيَ النَّارُ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ تَرَوْنَ نَعِيمَ الدُّنْيَا مَخْلُوطاً بِمِحَنِهَا وَ سُرُورِهَا مَمْزُوجاً بِكَدِرِهَا وَ غُمُومِهَا

____________



(1) طأطأ الرأس: خفضه، أي لو لا ثلاث في ابن آدم ما تواضع و لا خضع، و كان يتكبر و يعجب بنفسه.

(2) في المصدر: و التجريح. م.

(3) الطرف بفتح الطاء و الراء: طائفة من الشي‏ء.

317

قِيلَ فَحَدَّثَ الْجَاحِظُ (1) بِهَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ هُوَ جِمَاعُ الْكَلَامِ الَّذِي دَوَّنَهُ النَّاسُ فِي كُتُبِهِمْ وَ تَحَاوَرُوهُ بَيْنَهُمْ قِيلَ ثُمَّ سَمِعَ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُ‏ (2) بِذَلِكَ فَقَالَ صَدَقَ الْجَاحِظُ هَذَا مَا لَا يَحْتَمِلُهُ الزِّيَادَةُ وَ النُّقْصَانُ.

14- ج، الإحتجاج رَوَى هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ‏ أَنَّهُ سَأَلَ الزِّنْدِيقُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)لِأَيِّ عِلَّةٍ خَلَقَ الْخَلْقَ وَ هُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِمْ وَ لَا مُضْطَرٍّ إِلَى خَلْقِهِمْ وَ لَا يَلِيقُ بِهِ الْعَبَثُ بِنَا قَالَ خَلَقَهُمْ لِإِظْهَارِ حِكْمَتِهِ وَ إِنْفَاذِ عِلْمِهِ وَ إِمْضَاءِ تَدْبِيرِهِ قَالَ وَ كَيْفَ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى هَذِهِ الدَّارِ فَيَجْعَلَهَا دَارَ ثَوَابِهِ وَ مَحْبِسَ عِقَابِهِ قَالَ إِنَّ هَذِهِ دَارُ بَلَاءٍ وَ مَتْجَرُ الثَّوَابِ‏ (3) وَ مُكْتَسَبُ الرَّحْمَةِ مُلِئَتْ آفَاتٍ وَ طُبِّقَتْ شَهَوَاتٍ لِيَخْتَبِرَ فِيهَا عِبَادَهُ بِالطَّاعَةِ فَلَا يَكُونُ دَارُ عَمَلٍ دَارَ جَزَاءٍ الْخَبَرَ.

15- ما، الأمالي للشيخ الطوسي جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيِّ عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْحَسَنِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْجَوَادِ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)الْمَرَضُ لَا أَجْرَ فِيهِ وَ لَكِنَّهُ لَا يَدَعُ عَلَى الْعَبْدِ ذَنْباً إِلَّا حَطَّهُ وَ إِنَّمَا الْأَجْرُ فِي الْقَوْلِ بِاللِّسَانِ وَ الْعَمَلِ بِالْجَوَارِحِ وَ إِنَّ اللَّهَ بِكَرَمِهِ وَ فَضْلِهِ يُدْخِلُ الْعَبْدَ بِصِدْقِ النِّيَّةِ وَ السَّرِيرَةِ الصَّالِحَةِ الْجَنَّةَ.

16- ثو، ثواب الأعمال أَبِي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ وَ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ جَمِيعاً عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّوْفَلِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فِي الْمَرَضِ يُصِيبُ الصَّبِيَّ قَالَ كَفَّارَةٌ لِوَالِدَيْهِ.

____________

(1) هو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الليثى البصرى اللغوى النحوى، كان من غلمان النظام، و مائلا إلى النصب و العثمانية، تثقف في البصرة و بغداد، و اطلع على جميع العلوم المعروفة في عصره، نسبت إليه فرقة الجاحظية من المعتزلة، ولد بالبصرة، و توفى فيها سنة 255 و أصابه الفلج في آخر عمره، له كتب: منها (الحيوان) في سبعة أجزاء، و (البيان و التبيين) و (البخلاء) و (العثمانية) التي نقض عليها أبو جعفر الاسكافى، و الشيخ المفيد، و السيّد أحمد بن طاوس.

(2) هو محمّد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان، منسوب إلى (جبى) بالضم كورة بخوزستان، أحد أئمة المعتزلة، له مقالات كلامية على مذهب الاعتزال، أخذ الكلام عن أبى يوسف يعقوب بن عبد اللّه الشحام البصرى رئيس المعتزلة بالبصرة في عصره، و عنه أخذ أبو الحسن الأشعريّ شيخ السنة علم الكلام؛ ولد سنة 235 و توفى في شعبان سنة 303.

(3) في نسخة المصنّف: و منجز الثواب.

318

17- شي، تفسير العياشي عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ‏ وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏ قَالَ خَلَقَهُمْ لِلْعِبَادَةِ قَالَ قُلْتُ وَ قَوْلُهُ‏ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ‏ فَقَالَ نَزَلَتْ هَذِهِ بَعْدَ تِلْكَ.

18- كشف، كشف الغمة من كتاب الدلائل للحميري عن داود بن أعين قال‏ تفكرت في قول الله تعالى‏ وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏ قلت خلقوا للعبادة و يعصون و يعبدون غيره و الله لأسألن جعفرا عن هذه الآية فأتيت الباب فجلست أريد الدخول عليه إذ رفع صوته فقرأ وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏ ثم قرأ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً فعرفت أنها منسوخة.

بيان هذا الخبر و الخبر السابق يدلان على أن آية وَ ما خَلَقْتُ‏ منسوخة و لعل المعنى أنه على تقدير تسليم دلالتها على ما يزعمون فهي منسوخة بآيات معارضة لما نزلت بعدها و يكون المراد بالنسخ البداء أو التخصيص أو التبيين.

أقول إقامة البراهين العقلية على حسن التكليف و وقوع الآلام و الأحزان و الأمراض و وجوب العوض على الله تعالى فيها و الفرق بين الثواب و العوض موكول إلى مظانها من الكتب الكلامية و التعرض لها خروج عن مقصود الكتاب.

باب 16 عموم التكاليف‏

الآيات المدثر يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ‏

1- شي، تفسير العياشي عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِهِ تَعَالَى‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ‏ قَالَ هِيَ لِلْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً.

- 2- شي، تفسير العياشي عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ‏ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ‏ قَالَ فَقَالَ هَذِهِ كُلُّهَا تَجْمَعُ الضُّلَّالَ وَ الْمُنَافِقِينَ وَ كُلَّ مَنْ أَقَرَّ بِالدَّعْوَةِ الظَّاهِرَةِ.

319

بيان كون ظاهر الخطاب المصدّر ب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مختصّا بالمؤمنين أو بهم و بالمنافقين و المخالفين لا ينافي شمول التكاليف بدليل آخر لجميع المكلفين و قد حقق ذلك في كتب الأصول و كتب الكلام.

3- نهج، نهج البلاغة قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)اعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرْضَى عَنْكُمْ بِشَيْ‏ءٍ سَخِطَهُ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَ لَنْ يَسْخَطَ عَلَيْكُمْ بِشَيْ‏ءٍ رَضِيَهُ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَ إِنَّمَا تَسِيرُونَ فِي أَثَرٍ بَيِّنٍ وَ تَتَكَلَّمُونَ بِرَجْعِ قَوْلٍ قَدْ قَالَهُ الرِّجَالُ مِنْ قَبْلِكُمْ.

باب 17 أن الملائكة يكتبون أعمال العباد

الآيات الأنعام‏ وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً يونس‏ إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ‏ الرعد لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ‏ مريم‏ كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ‏ الأنبياء فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَ إِنَّا لَهُ كاتِبُونَ‏ المؤمنون‏ وَ لَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِ‏ (1) وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ‏ يس‏ وَ نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَ آثارَهُمْ‏ الزخرف‏ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَ نَجْواهُمْ بَلى‏ (2) وَ رُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ‏ الجاثية كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى‏ إِلى‏ كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏

____________

(1) قيل: وصف الكتاب بالنطق مبالغة في وصفه باظهار البيان و إعلان البرهان، تشبيها باللسان الناطق في الابانة عن ضميره، و الكشف عن مستوره؛ و قد يقال الناطق لما يدلّ على شي‏ء، و على هذا قيل لحكيم: ما الناطق الصامت؟ فقال: الدلائل المخبرة و العبر الواعظة.

(2) أي بل نسمع ذلك و ندركه و مع ذلك رسلنا؟؟؟.

320

ق 17 إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (1) القمر وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (2) وَ كُلُّ صَغِيرٍ وَ كَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ التكوير وَ إِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ‏ الإنفطار وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ‏ الطارق‏ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ تفسير قال الطبرسي (رحمه الله )وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً أي ملائكة يحفظون أعمالكم و يحصونها عليكم و يكتبونها و في قوله تعالى‏ إِنَّ رُسُلَنا يعني الملائكة الحفظة و في قوله تعالى‏ لَهُ مُعَقِّباتٌ‏ قيل إنها الملائكة يتعاقبون تعقب ملائكة الليل ملائكة النهار و ملائكة النهار ملائكة الليل و هم الحفظة يحفظون على العبد عمله و قيل هم أربعة أملاك مجتمعون عند صلاة الفجر و روي ذلك أيضا عن أئمتنا(ع)و قيل إنهم ملائكة يحفظونه عن المهالك حتى ينتهوا به إلى المقادير.

و في قوله تعالى‏ كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ‏ أي سنأمر الحفظة بإثباته عليه لنجازيه به في الآخرة و في قوله تعالى‏ وَ إِنَّا لَهُ كاتِبُونَ‏ أي نأمر ملائكتنا أن يكتبوا ذلك فلا يضيع منه شي‏ء و قيل أي ضامنون جزاءه و في قوله تعالى‏ وَ لَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِ‏ يريد صحائف الأعمال و في قوله تعالى‏ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ‏ إذ متعلقة بقوله‏ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ أي و نحن أعلم به و أملك له حين يتلقى المتلقيان و هما الملكان يأخذان منه عمله فيكتبانه كما يكتب المملى عليه‏ عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ أراد عن اليمين قعيد و عن الشمال قعيد فاكتفى بأحدهما عن الآخر و المراد بالقعيد هنا الملازم الذي لا يبرح لا القاعد الذي هو ضد القائم.

و قيل عن اليمين كاتب الحسنات و عن الشمال كاتب السيئات و قيل الحفظة أربعة ملكان بالنهار و ملكان بالليل و ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ‏ أي ما يتكلم بكلام فيلفظه أي‏

____________

(1) الرقيب: الحارس، الحافظ. العتيد: الحاضر المهيا و المعد للزوم الامر. و قيل: القعيد:

الرصيد. و يوصف به الواحد و الاثنين و الجمع.

(2) أي مكتوب في الكتب التي كتبتها الحفظة.

321

يرميه من فمه‏ إِلَّا لَدَيْهِ‏ حافظه حاضر معه يعني الملك الموكل به إما صاحب اليمين و إما صاحب الشمال يحفظ عمله لا يغيب عنه و الهاء في لديه تعود إلى القول أو إلى القائل‏

- وَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: إِنَّ صَاحِبَ الشِّمَالِ لَيَرْفَعُ الْقَلَمَ سِتَّ سَاعَاتٍ عَنِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ الْمُخْطِئِ أَوِ الْمُسِي‏ءِ فَإِنْ نَدِمَ وَ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنْهَا أَلْقَاهَا وَ إِلَّا كَتَبَ وَاحِدَةً.

وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى‏ إِنَّ صَاحِبَ الْيَمِينِ أَمِيرٌ عَلَى صَاحِبِ الشِّمَالِ فَإِذَا عَمِلَ حَسَنَةً كَتَبَهَا لَهُ صَاحِبُ الْيَمِينِ بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا وَ إِذَا عَمِلَ سَيِّئَةً فَأَرَادَ صَاحِبُ الشِّمَالِ أَنْ يَكْتُبَهَا قَالَ لَهُ صَاحِبُ الْيَمِينِ أَمْسِكْ فَيُمْسِكُ عَنْهُ سَبْعَ سَاعَاتٍ فَإِنِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنْهَا لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ وَ إِنْ لَمْ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ كُتِبَتْ لَهُ سَيِّئَةٌ وَاحِدَةٌ.

و قال في قوله تعالى‏ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ‏ أي من الملائكة يحفظون عليكم ما تعملونه من الطاعات و المعاصي ثم وصف الحفظة فقال‏ كِراماً على ربهم‏ كاتِبِينَ‏ يكتبون أعمال بني آدم يعلمون ما تفعلون من خير و شر فيكتبونه عليكم لا يخفى عليهم من ذلك شي‏ء و قيل إن الملائكة تعلم ما يفعله العبد إما باضطرار و إما باستدلال و قيل معناه يعلمون ما تفعلون من الظاهر دون الباطن.

1- كا، الكافي عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبَلَةَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَيْنِ إِذَا قَعَدَا يَتَحَدَّثَانِ قَالَتِ الْحَفَظَةُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ اعْتَزِلُوا بِنَا فَلَعَلَّ لَهُمَا سِرّاً وَ قَدْ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا فَقُلْتُ أَ لَيْسَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ‏ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ فَقَالَ يَا إِسْحَاقُ إِنْ كَانَتِ الْحَفَظَةُ لَا تَسْمَعُ فَإِنَّ عَالِمَ السِّرِّ يَسْمَعُ وَ يَرَى.

2- كا، الكافي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَخْبِرْنِي بِأَفْضَلِ الْمَوَاقِيتِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَقَالَ مَعَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ‏وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً يَعْنِي صَلَاةَ الْفَجْرِ تَشْهَدُهُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَ مَلَائِكَةُ النَّهَارِ فَإِذَا صَلَّى الْعَبْدُ الصُّبْحَ مَعَ‏ (1) طُلُوعِ الْفَجْرِ أُثْبِتَتْ لَهُ مَرَّتَيْنِ أَثْبَتَهَا مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَ مَلَائِكَةُ النَّهَارِ.

____________

(1) في نسخة من المصدر: من طلوع الفجر. م.

322

3- نهج، نهج البلاغة اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ عَلَيْكُمْ رَصَداً مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَ عُيُوناً (1) مِنْ جَوَارِحِكُمْ وَ حُفَّاظَ صِدْقٍ يَحْفَظُونَ أَعْمَالَكُمْ وَ عَدَدَ أَنْفَاسِكُمْ لَا تَسْتُرُكُمْ مِنْهُمْ ظُلْمَةُ لَيْلٍ دَاجٍ وَ لَا يُكِنُّكُمْ‏ (2) مِنْهُمْ بَابٌ ذُو رِتَاجٍ.

بيان الرصد بالتحريك القوم يرصدون و الرتاج بالكسر الغلق.

4- ين، كتاب حسين بن سعيد و النوادر الْحُسَيْنُ بْنُ عُلْوَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ مَوْضِعِ الْمَلَكَيْنِ مِنَ الْإِنْسَانِ قَالَ هَاهُنَا وَاحِدٌ وَ هَاهُنَا وَاحِدٌ يَعْنِي عِنْدَ شِدْقَيْهِ‏ (3).

5- ين، كتاب حسين بن سعيد و النوادر ابْنُ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمْرَانَ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ‏ مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَ مَعَهُ مَلَكَانِ يَكْتُبَانِ مَا يَلْفِظُهُ ثُمَّ يَرْفَعَانِ ذَلِكَ إِلَى مَلَكَيْنِ فَوْقَهُمَا فَيُثْبِتَانِ مَا كَانَ مِنْ خَيْرٍ وَ شَرٍّ وَ يُلْقِيَانِ مَا سِوَى ذَلِكَ.

6- ين، كتاب حسين بن سعيد و النوادر حَمَّادٌ عَنْ حَرِيزٍ وَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: لَا يَكْتُبُ الْمَلَكَانِ إِلَّا مَا نَطَقَ بِهِ الْعَبْدُ.

7- ين، كتاب حسين بن سعيد و النوادر حَمَّادٌ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَحَدِهِمَا(ع)قَالَ: لَا يَكْتُبُ الْمَلَكُ إِلَّا مَا يَسْمَعُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ اذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَ خِيفَةً قَالَ لَا يَعْلَمُ ثَوَابَ ذَلِكَ الذِّكْرِ فِي نَفْسِ الْعَبْدِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى.

8- ين، كتاب حسين بن سعيد و النوادر النَّضْرُ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ فِي الْهَوَاءِ مَلَكاً يُقَالُ لَهُ إِسْمَاعِيلُ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ مَلَكٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ يُحْصُونَ أَعْمَالَ الْعِبَادِ فَإِذَا كَانَ رَأْسُ السَّنَةِ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ مَلَكاً يُقَالُ لَهُ السِّجِلُّ فَانْتَسَخَ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى‏ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ‏

____________

(1) جمع العين: الجاسوس و الديدبان.

(2) أي لا يستركم و لا يخفاكم.

(3) الشدق بكسر الشين و فتحها و سكون الدال: زاوية الفم من باطن الخدين. و لعله إشارة إلى احاطة الملكين بما يلفظ، و شدة اطلاعهما بما يتكلم.

323

9- ين، كتاب حسين بن سعيد و النوادر النَّضْرُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى‏ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ قَالَ هُمَا الْمَلَكَانِ وَ سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى‏ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ قَالَ هُوَ الْمَلَكُ الَّذِي يَحْفَظُ عَلَيْهِ عَمَلَهُ وَ سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ‏ قَالَ هُوَ شَيْطَانٌ.

10- ج، الإحتجاج‏ سَأَلَ الزِّنْدِيقُ الصَّادِقَ(ع)مَا عِلَّةُ الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِعِبَادِهِ يَكْتُبُونَ عَلَيْهِمْ وَ لَهُمْ وَ اللَّهُ عَالِمُ السِّرِّ وَ مَا هُوَ أَخْفَى قَالَ اسْتَعْبَدَهُمْ بِذَلِكَ وَ جَعَلَهُمْ شُهُوداً عَلَى خَلْقِهِ لِيَكُونَ الْعِبَادُ لِمُلَازَمَتِهِمْ إِيَّاهُمْ أَشَدَّ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ مُوَاظَبَةً وَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ أَشَدَّ انْقِبَاضاً وَ كَمْ مِنْ عَبْدٍ يَهُمُّ بِمَعْصِيَةٍ فَذَكَرَ مَكَانَهَا فَارْعَوَى وَ كَفَّ فَيَقُولُ رَبِّي يَرَانِي وَ حَفَظَتِي بِذَلِكَ تَشْهَدُ (1) وَ إِنَّ اللَّهَ بِرَأْفَتِهِ وَ لُطْفِهِ أَيْضاً وَكَّلَهُمْ بِعِبَادِهِ يَذُبُّونَ عَنْهُمْ مَرَدَةَ الشَّيَاطِينِ وَ هَوَامَّ الْأَرْضِ وَ آفَاتٍ كَثِيرَةً مِنْ حَيْثُ لَا يَرَوْنَ بِإِذْنِ اللَّهِ إِلَى أَنْ يَجِي‏ءَ أَمْرُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ.

11- أَقُولُ رُوِيَ فِي كِتَابِ قَضَاءِ الْحُقُوقِ وَ ثَوَابِ الْأَعْمَالِ وَ رِجَالِ الْكَشِّيِّ بِأَسَانِيدِهِمْ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: لَمَّا كَثُرَ مَالِي أَجْلَسْتُ عَلَى بَابِي بَوَّاباً يَرُدُّ عَنِّي فُقَرَاءَ الشِّيعَةِ فَخَرَجْتُ إِلَى مَكَّةَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ فَسَلَّمْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَرَدَّ عَلَيَّ بِوَجْهٍ قَاطِبٍ مُزْوَرٍّ (2) فَقُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا الَّذِي غَيَّرَ حَالِي عِنْدَكَ قَالَ تَغَيُّرُكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ وَ اللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُمْ عَلَى دِينِ اللَّهِ وَ لَكِنْ خَشِيتُ الشُّهْرَةَ عَلَى نَفْسِي فَقَالَ يَا إِسْحَاقُ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ الْمُؤْمِنَيْنِ إِذَا الْتَقَيَا فَتَصَافَحَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَيْنَ إِبْهَامَيْهِمَا مِائَةَ رَحْمَةٍ تِسْعَةً وَ تِسْعِينَ لِأَشَدِّهِمَا حُبّاً فَإِذَا اعْتَنَقَا غَمَرَتْهُمَا الرَّحْمَةُ فَإِذَا لَبِثَا لَا يُرِيدَانِ بِذَلِكَ إِلَّا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى قِيلَ لَهُمَا غَفَرَ لَكُمَا فَإِذَا جَلَسَا يَتَسَاءَلَانِ قَالَتِ الْحَفَظَةُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ اعْتَزِلُوا بِنَا عَنْهُمَا فَإِنَّ لَهُمَا سِرّاً وَ قَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمَا قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَلَا تَسْمَعُ الْحَفَظَةُ قَوْلَهُمَا وَ لَا تَكْتُبُهُ وَ قَدْ قَالَ تَعَالَى‏ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ قَالَ فَنَكَسَ رَأْسَهُ طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَهُ وَ قَدْ فَاضَتْ دُمُوعُهُ عَلَى لِحْيَتِهِ‏

____________



(1) في المصدر: و حفظتى على ذلك يشهد. م.

(2) قطب الرجل. زوى و قبض ما بين عينيه و عبس. و زور عنه: مال.

324

وَ قَالَ إِنْ كَانَتِ الْحَفَظَةُ لَا تَسْمَعُهُ وَ لَا تَكْتُبُهُ فَقَدْ سَمِعَهُ عَالِمُ السِّرِّ وَ أَخْفَى يَا إِسْحَاقُ خَفِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ كُنْتَ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ فَإِنْ شَكَكْتَ أَنَّهُ يَرَاكَ فَقَدْ كَفَرْتَ وَ إِنْ أَيْقَنْتَ أَنَّهُ يَرَاكَ ثُمَّ بَارَزْتَهُ بِالْمَعْصِيَةِ فَقَدْ جَعَلْتَهُ أَهْوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيْكَ‏ (1).

12 سَعْدُ السُّعُودِ، رَوَاهُ مِنْ كِتَابِ قِصَصِ الْقُرْآنِ لِلْهَيْصَمِ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّيْسَابُورِيِّ قَالَ: دَخَلَ عُثْمَانُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَالَ أَخْبِرْنِي عَنِ الْعَبْدِ كَمْ مَعَهُ مِنْ مَلَكٍ قَالَ مَلَكٌ عَلَى يَمِينِكَ‏ (2) عَلَى حَسَنَاتِكَ وَ وَاحِدٌ عَلَى الشِّمَالِ فَإِذَا عَمِلْتَ حَسَنَةً كَتَبَ عَشْراً وَ إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً قَالَ الَّذِي عَلَى الشِّمَالِ لِلَّذِي عَلَى الْيَمِينِ أَكْتُبُ قَالَ لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ وَ يَتُوبُ فَإِذَا قَالَ ثَلَاثاً قَالَ نَعَمْ اكْتُبْ أَرَاحَنَا اللَّهُ مِنْهُ فَبِئْسَ الْقَرِينُ مَا أَقَلَّ مُرَاقَبَتَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مَا أَقَلَّ اسْتِحْيَاءَهُ مِنْهُ‏ (3) يَقُولُ اللَّهُ‏ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ وَ مَلَكَانِ بَيْنَ يَدَيْكَ وَ مِنْ خَلْفِكَ يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ‏ لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ‏ وَ مَلَكٌ قَابِضٌ عَلَى نَاصِيَتِكَ فَإِذَا تَوَاضَعْتَ لِلَّهِ رَفَعَكَ وَ إِذَا تَجَبَّرْتَ عَلَى اللَّهِ وَضَعَكَ وَ فَضَحَكَ وَ مَلَكَانِ‏ (4) عَلَى شَفَتَيْكَ لَيْسَ يَحْفَظَانِ إِلَّا الصَّلَاةَ عَلَى مُحَمَّدٍ(ص)وَ مَلَكٌ قَائِمٌ عَلَى فِيكَ لَا يَدَعُ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَّةُ فِي فِيكَ وَ مَلَكَانِ عَلَى عَيْنَيْكَ فَهَذِهِ عَشَرَةُ أَمْلَاكٍ عَلَى كُلِّ آدَمِيٍّ وَ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ سِوَى مَلَائِكَةِ النَّهَارِ فَهَؤُلَاءِ عِشْرُونَ مَلَكاً عَلَى كُلِّ آدَمِيٍّ وَ إِبْلِيسُ بِالنَّهَارِ وَ وُلْدُهُ بِاللَّيْلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏ وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ‏ الْآيَةَ وَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَ‏ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ‏ الْآيَةَ.

ثم قال السيد (رحمه الله ) و اعلم أن الله عز و جل وكل بكل إنسان ملكين يكتبان عليه الخير و الشر و وردت الأخبار بأنه يأتيه ملكان بالنهار و ملكان بالليل و ذلك قوله تعالى‏ لَهُ مُعَقِّباتٌ‏ لأنهم يتعاقبون ليلا و نهارا و إن ملكي النهار يأتيانه إذا انفجر الصبح فيكتبان ما يعمله إلى غروب الشمس فإذا غربت نزل إليه الملكان الموكلان بكتابة الليل و يصعد الملكان الكاتبان بالنهار بديوانه إلى الله عز و جل فلا يزال ذلك دأبهم إلى‏

____________

(1) و روى الكليني في باب المصافحة بإسناده عن إسحاق بن عمّار نحوه.

(2) في نسخة: عن يمينك.

(3) في نسخة: منا.

(4) في نسخة: و ملكان مقربان.

325

حضور أجله فإذا حضر أجله قالا للرجل الصالح جزاك الله من صاحب عنا خيرا فكم من عمل صالح أريتناه و كم من قول حسن أسمعتناه و كم من مجلس حسن أحضرتناه فنحن لك اليوم على ما تحبه و شفعاء إلى ربك و إن كان عاصيا قالا له جزاك الله من صاحب عنا شرا فلقد كنت تؤذينا فكم من عمل سيئ أريتناه و كم من قول سيئ أسمعتناه و كم من مجلس سوء أحضرتناه و نحن لك اليوم على ما تكره و شهيدان عند ربك.

13- وَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُمَا إِذَا أَرَادَ النُّزُولَ صَبَاحاً وَ مَسَاءً نَسَخَ لَهُمَا إِسْرَافِيلُ عَمَلَ الْعَبْدِ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فَيُعْطِيهِمَا ذَلِكَ فَإِذَا صَعِدَا صَبَاحاً وَ مَسَاءً بِدِيوَانِ الْعَبْدِ قَابَلَهُ إِسْرَافِيلُ بِالنُّسْخَةِ الَّتِي نَسَخَ لَهُمَا حَتَّى يَظْهَرَ أَنَّهُ كَانَ كَمَا نَسَخَ لَهُمَا.

14- وَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: الْمَلَكَانِ يَكْتُبَانِ أَعْمَالَ الْعَلَانِيَةِ فِي دِيوَانٍ وَ أَعْمَالَ السِّرِّ فِي دِيوَانٍ آخَرَ (1).

15- كا، الكافي الْعِدَّةُ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَهُمُّ بِالْحَسَنَةِ وَ لَا يَعْمَلُ بِهَا فَتُكْتَبُ لَهُ حَسَنَةٌ فَإِنْ هُوَ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَهُمُّ بِالسَّيِّئَةِ أَنْ يَعْمَلَهَا فَلَا يَعْمَلُهَا فَلَا تُكْتَبُ عَلَيْهِ.

16- كا، الكافي الْعِدَّةُ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَفْصٍ الْعُوسِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ السَّائِحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْمَلَكَيْنِ هَلْ يَعْلَمَانِ بِالذَّنْبِ إِذَا أَرَادَ الْعَبْدُ أَنْ يَفْعَلَهُ أَوِ الْحَسَنَةِ فَقَالَ رِيحُ الْكَنِيفِ وَ رِيحُ الطِّيبِ‏ (2) سَوَاءٌ قُلْتُ لَا قَالَ إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا هَمَّ بِالْحَسَنَةِ خَرَجَ نَفَسُهُ طَيِّبَ الرِّيحِ فَقَالَ صَاحِبُ الْيَمِينِ لِصَاحِبِ الشِّمَالِ قُمْ‏ (3) فَإِنَّهُ قَدْ هَمَّ بِالْحَسَنَةِ فَإِذَا فَعَلَهَا كَانَ لِسَانُهُ قَلَمَهُ وَ رِيقُهُ مِدَادَهُ فَأَثْبَتَهَا لَهُ وَ إِذَا هَمَّ بِالسَّيِّئَةِ خَرَجَ نَفَسُهُ مُنْتِنَ الرِّيحِ فَيَقُولُ صَاحِبُ الشِّمَالِ لِصَاحِبِ الْيَمِينِ‏

____________



(1) الديوان: مجتمع الصحف. و الكتاب يكتب فيه أهل الجيش و أهل العطية، و الجمع دواوين و دياوين.

(2) بفتح الطاء و تشديد الياء، أو بكسر الطاء، و كان هذين ريحان معنويان يجدهما الملائكة قاله المصنّف في المرآة.

(3) في نسخة: قف.

326

قِفْ فَإِنَّهُ قَدْ هَمَّ بِالسَّيِّئَةِ فَإِذَا هُوَ فَعَلَهَا كَانَ لِسَانُهُ قَلَمَهُ وَ رِيقُهُ مِدَادَهُ فَأَثْبَتَهَا عَلَيْهِ.

17- كا، الكافي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عُثْمَانَ الْمُرَادِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ لَمْ يَهْلِكْ عَلَى اللَّهِ بَعْدَهُنَّ إِلَّا هَالِكٌ‏ (1) يَهُمُّ الْعَبْدُ الْحَسَنَةَ فَيَعْمَلُهَا فَإِنْ هُوَ لَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ حَسَنَةً بِحُسْنِ نِيَّتِهِ وَ إِنْ هُوَ عَمِلَهَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَشْراً وَ يَهُمُّ بِالسَّيِّئَةِ أَنْ يَعْمَلَهَا فَإِنْ لَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ وَ إِنْ هُوَ عَمِلَهَا أُجِّلَ سَبْعَ سَاعَاتٍ وَ قَالَ صَاحِبُ الْحَسَنَاتِ لِصَاحِبِ السَّيِّئَاتِ وَ هُوَ صَاحِبُ الشِّمَالِ لَا تَعْجَلْ عَسَى أَنْ يُتْبِعَهَا بِحَسَنَةٍ تَمْحُوهَا فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ‏ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ‏ أَوِ الِاسْتِغْفَارَ فَإِنْ هُوَ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي‏ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ‏ وَ أَتُوبُ إِلَيْهِ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ وَ إِنْ مَضَتْ سَبْعُ سَاعَاتٍ وَ لَمْ يُتْبِعْهَا بِحَسَنَةٍ وَ لَا اسْتِغْفَارٍ (2) قَالَ صَاحِبُ الْحَسَنَاتِ لِصَاحِبِ السَّيِّئَاتِ اكْتُبْ عَلَى الشَّقِيِّ الْمَحْرُومِ.

18- نهج، نهج البلاغة قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِعَيْنِهِ وَ نَوَاصِيكُمْ بِيَدِهِ وَ تَقَلُّبُكُمْ فِي قَبْضَتِهِ إِنْ أَسْرَرْتُمْ عَلِمَهُ وَ إِنْ أَعْلَنْتُمْ كَتَبَهُ وَ قَدْ وَكَّلَ بِذَلِكَ حَفَظَةً كِرَاماً لَا يُسْقِطُونَ حَقّاً وَ لَا يُثْبِتُونَ بَاطِلًا.

____________

(1) قال المصنّف في مرآة العقول: اعلم أن الهلاك في قوله: (يهلك) بمعنى الخسران و استحقاق العقاب، و في قوله: (هالك) بمعنى الضلال و الشقاوة الجبلية، و تعديته بكلمة (على) إما بتضمين الورود، أي لم يهلك حين وروده على اللّه، أو معنى الاجتراء أي مجترئا على اللّه، أو معنى العلو و الرفعة، كأن من يعصيه تعالى يترفع عليه و يخاصمه. و يحتمل أن يكون (على) بمعنى (فى) نحوه قوله تعالى: (عَلى‏ حِينِ غَفْلَةٍ) أى في معرفته و أوامره و نواهيه، أو بمعنى (من) بتضمين معنى الحينية، كما في قوله تعالى: «إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ» أو بمعنى (عن) بتضمين معنى المجاوزة، أو بمعنى (مع) أي حالكونه معه و مع ما هو عليه من اللطف و العناية. أقول: الخصال الاربع: اولها أن يهم بالحسنة من دون عمل، الثانية أن يعمل بها، الثالث أن يهم بالسيئة من دون عمل و الرابعة أن يعمل بها و لكن يتبعها بحسنة تمحوها، أو استغفار قبل مضى سبع ساعات.

(2) في المصدر: و لم يتبعها حسنة و استغفار. م.

327

19- يب، تهذيب الأحكام مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ الْيَقْطِينِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ‏ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)كَانَ إِذَا أَرَادَ قَضَاءَ الْحَاجَةِ وَقَفَ عَلَى بَابِ الْمَذْهَبِ‏ (1) ثُمَّ الْتَفَتَ يَمِيناً وَ شِمَالًا إِلَى مَلَكَيْهِ فَيَقُولُ أَمِيطَا عَنِّي‏ (2) فَلَكُمَا اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ لَا أُحْدِثَ حَدَثاً حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكُمَا.

20- ين، كتاب حسين بن سعيد و النوادر ابْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِسَيِّئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ وَ إِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ كُتِبَتْ لَهُ.

21- عد، العقائد اعْتِقَادُنَا أَنَّهُ مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَ مَلَكَانِ مُوَكَّلَانِ بِهِ يَكْتُبَانِ جَمِيعَ أَعْمَالِهِ وَ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ وَ لَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَ لَهُ حَسَنَةٌ فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَ لَهُ عَشْرٌ فَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ حَتَّى يَعْمَلَهَا فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ وَاحِدَةٌ (3) وَ الْمَلَكَانِ يَكْتُبَانِ عَلَى الْعَبْدِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَتَّى النَّفْخَ فِي الرَّمَادِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ‏ وَ مَرَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)بِرَجُلٍ وَ هُوَ يَتَكَلَّمُ بِفُضُولِ الْكَلَامِ فَقَالَ يَا هَذَا إِنَّكَ تُمْلِي عَلَى كَاتِبِيكَ‏ (4) كِتَاباً إِلَى رَبِّكَ فَتَكَلَّمْ بِمَا يَعْنِيكَ وَ دَعْ مَا لَا يَعْنِيكَ.

22- وَ قَالَ(ع)لَا يَزَالُ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ يُكْتَبُ مُحْسِناً مَا دَامَ سَاكِتاً فَإِذَا تَكَلَّمَ كُتِبَ إِمَّا مُحْسِناً أَوْ مُسِيئاً وَ مَوْضِعُ الْمَلَكَيْنِ مِنِ ابْنِ آدَمَ الشِّدْقَانِ صَاحِبُ الْيَمِينِ يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ وَ صَاحِبُ الشِّمَالِ يَكْتُبُ السَّيِّئَاتِ وَ مَلَكَا النَّهَارِ يَكْتُبَانِ عَمَلَ الْعَبْدِ بِالنَّهَارِ وَ مَلَكَا اللَّيْلِ يَكْتُبَانِ عَمَلَ الْعَبْدِ فِي اللَّيْلِ.

23- وَ رَوَى الصَّدُوقُ (رحمه الله ) فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الشِّيعَةِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ سَدِيرٍ الصَّيْرَفِيِ‏ (5) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَ عِنْدَهُ أَبُو بَصِيرٍ وَ مُيَسِّرٌ وَ عِدَّةٌ مِنْ جُلَسَائِهِ فَلَمَّا أَنْ أَخَذْتُ مَجْلِسِي أَقْبَلَ عَلَيَّ بِوَجْهِهِ وَ قَالَ‏

____________



(1) أي باب الكنيف.

(2) أي ابعد او تنحا عني.

(3) في المصدر: و ان عملها اجل سبع ساعات فان تاب قبلها لم يكتب عليه و ان لم يتب كتب عليه سيئة واحدة. م.

(4) في نسخة: ملائكتك.

(5) سدير وزان شريف.

328

يَا سَدِيرُ أَمَا إِنَّ وَلِيَّنَا لَيَعْبُدُ اللَّهَ قَائِماً وَ قَاعِداً وَ نَائِماً وَ حَيّاً وَ مَيِّتاً قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَمَّا عِبَادَتُهُ قَائِماً وَ قَاعِداً وَ حَيّاً فَقَدْ عَرَفْنَا فَكَيْفَ يَعْبُدُ اللَّهَ نَائِماً وَ مَيِّتاً قَالَ إِنَّ وَلِيَّنَا لَيَضَعُ رَأْسَهُ فَيَرْقُدُ فَإِذَا كَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَكَّلَ بِهِ مَلَكَيْنِ خُلِقَا فِي الْأَرْضِ لَمْ يَصْعَدَا إِلَى السَّمَاءِ وَ لَمْ يَرَيَا مَلَكُوتَهُمَا فَيُصَلِّيَانِ عِنْدَهُ حَتَّى يَنْتَبِهَ فَيَكْتُبُ اللَّهُ ثَوَابَ صَلَاتِهِمَا لَهُ وَ الرَّكْعَةُ مِنْ صَلَاتِهِمَا تَعْدِلُ أَلْفَ صَلَاةٍ مِنْ صَلَاةِ الْآدَمِيِّينَ وَ إِنَّ وَلِيَّنَا لَيَقْبِضُهُ اللَّهُ إِلَيْهِ فَيَصْعَدُ مَلَكَاهُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَقُولَانِ يَا رَبَّنَا عَبْدُكَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ انْقَطَعَ وَ اسْتَوْفَى أَجَلَهُ وَ لَأَنْتَ أَعْلَمُ مِنَّا بِذَلِكَ فَأْذَنْ لَنَا نَعْبُدْكَ فِي آفَاقِ سَمَائِكَ وَ أَطْرَافِ أَرْضِكَ قَالَ فَيُوحِي اللَّهُ إِلَيْهِمَا إِنَّ فِي سَمَائِي لَمَنْ يَعْبُدُنِي وَ مَا لِي فِي عِبَادَتِهِ مِنْ حَاجَةٍ بَلْ هُوَ أَحْوَجُ إِلَيْهَا وَ إِنَّ فِي أَرْضِي لَمَنْ يَعْبُدُنِي حَقَّ عِبَادَتِي وَ مَا خَلَقْتُ خَلْقاً أَحْوَجَ إِلَيَّ مِنْهُ فَاهْبِطَا إِلَى قَبْرِ وَلِيِّي فَيَقُولَانِ يَا رَبَّنَا مَنْ هَذَا يَسْعَدُ بِحُبِّكَ إِيَّاهُ قَالَ فَيُوحِي اللَّهُ إِلَيْهِمَا ذَلِكَ مَنْ أَخَذَ مِيثَاقَهُ بِمُحَمَّدٍ عَبْدِي وَ وَصِيِّهِ وَ ذُرِّيَّتِهِمَا بِالْوَلَايَةِ اهْبِطَا إِلَى قَبْرِ وَلِيِّي فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ فَصَلِّيَا عِنْدَهُ إِلَى أَنْ أَبْعَثَهُ فِي الْقِيَامَةِ قَالَ فَيَهْبِطُ الْمَلَكَانِ فَيُصَلِّيَانِ عِنْدَ الْقَبْرِ إِلَى أَنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ فَيَكْتُبُ ثَوَابَ صَلَاتِهِمَا لَهُ وَ الرَّكْعَةُ مِنْ صَلَاتِهِمَا تَعْدِلُ أَلْفَ صَلَاةٍ مِنْ صَلَاةِ الْآدَمِيِّينَ قَالَ سَدِيرٌ جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَإِذاً وَلِيُّكُمْ نَائِماً وَ مَيِّتاً أَعْبَدُ مِنْهُ حَيّاً وَ قَائِماً قَالَ فَقَالَ هَيْهَاتَ يَا سَدِيرُ إِنَّ وَلِيَّنَا لَيُؤْمِنُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُجِيزُ أَمَانَهُ.

24- ما، الأمالي للشيخ الطوسي جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْعَلَوِيِّ الْعُرَيْضِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عَمَّيْهِ عَلِيِّ وَ الْحُسَيْنِ ابْنَيْ مُوسَى عَنْ أَبِيهِمَا مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: يُوحِي اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى الْحَفَظَةِ الْكِرَامِ لَا تَكْتُبُوا عَلَى عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ عِنْدَ ضَجَرِهِ شَيْئاً (1).

أقول الأخبار الدالة على الكاتبين مبثوثة في الأبواب السابقة و اللاحقة و فيما ذكرناه هنا كفاية.

25 مُحَاسَبَةُ النَّفْسِ، لِلسَّيِّدِ عَلِيِّ بْنِ طَاوُسٍ (قدس الله روحه) مِنْ أَمَالِي الْمُفِيدِ

____________

(1) نقل هذه الرواية بعينها في باب من رفع عنه القلم تحت رقم 20 عن هذا المصدر. م.

329

بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)قَالَ: إِنَّ الْمَلَكَ الْمُوَكَّلَ عَلَى الْعَبْدِ يَكْتُبُ فِي صَحِيفَةِ أَعْمَالِهِ فَأَمْلُوا بِأَوَّلِهَا وَ آخِرِهَا خَيْراً يُغْفَرْ لَكُمْ مَا بَيْنَ ذَلِكَ.

26- وَ مِنْهُ، نَقْلًا مِنْ كِتَابِ الدُّعَاءِ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَةِ عَمَلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَحْتَ كُلِّ ذَنْبٍ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.

27- وَ مِنْهُ، مُرْسَلًا عَنِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لَا تَقْطَعُوا نَهَارَكُمْ بِكَذَا وَ كَذَا وَ فَعَلْنَا كَذَا وَ كَذَا فَإِنَّ مَعَكُمْ حَفَظَةً يُحْصُونَ عَلَيْكُمْ وَ عَلَيْنَا.

28- وَ مِنْهُ، نَقْلًا مِنْ تِبْيَانِ شَيْخِ الطَّائِفَةِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى‏ وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ‏ قَالَ رُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ الْأَعْمَالَ تُعْرَضُ عَلَى النَّبِيِّ(ص)فِي كُلِّ إِثْنَيْنِ وَ خَمِيسٍ فَيَعْلَمُهَا وَ كَذَلِكَ تُعْرَضُ عَلَى الْأَئِمَّةِ(ع)فَيَعْرِفُونَهَا وَ هُمُ الْمَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ.

- 29- وَ مِنْهُ، نَقْلًا مِنْ كِتَابِ الْأَزْمِنَةِ لِمُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الْمَرْزُبَانِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَصُومُ الْإِثْنَيْنِ وَ الْخَمِيسَ فَقِيلَ لَهُ لِمَ ذَلِكَ فَقَالَ(ص)إِنَّ الْأَعْمَالَ تُرْفَعُ فِي كُلِّ إِثْنَيْنِ وَ خَمِيسٍ فَأُحِبُّ أَنْ تُرْفَعَ عَمَلِي وَ أَنَا صَائِمٌ.

30 وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَا مِنْ إِثْنَيْنِ وَ لَا خَمِيسٍ إِلَّا تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَّا عَمَلَ الْمَقَادِيرِ.

31- وَ مِنْهُ، نَقْلًا مِنْ كِتَابِ التَّذْيِيلِ لِمُحَمَّدِ بْنِ النَّجَّارِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الصَّادِقِ(ع)قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْخَمِيسِ عِنْدَ الْعَصْرِ أَهْبَطَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَلَائِكَةً مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ مَعَهَا صَحَائِفُ مِنْ فِضَّةٍ بِأَيْدِيهِمْ أَقْلَامٌ مِنْ ذَهَبٍ تَكْتُبُ الصَّلَاةَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ‏ (1).

32- وَ مِنْهُ، نَقْلًا مِنْ كُتُبِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ‏ آخِرُ خَمِيسٍ مِنَ الشَّهْرِ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ.

33- وَ مِنْهُ، بِإِسْنَادِهِ إِلَى شَيْخِ الطَّائِفَةِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَنْبَسَةَ الْعَابِدِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: آخِرُ خَمِيسٍ فِي الشَّهْرِ تُرْفَعُ فِيهِ أَعْمَالُ الشَّهْرِ.

____________

(1) في نسخة: عند غروب الشمس.

330

- 34- وَ مِنْهُ، نَقْلًا مِنْ كِتَابِ خُطَبِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لِعَبْدِ الْعَزِيزِ الْجَلُودِيِّ قَالَ: إِنَّ ابْنَ الْكَوَّاءِ سَأَلَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ قَالَ وَيْلَكَ ذَلِكَ الضُّرَاحُ بَيْتٌ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ حِيَالَ الْكَعْبَةِ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِيهِ كِتَابُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَنْ يَمِينِ الْبَابِ يَكْتُبُونَ أَعْمَالَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ فِيهِ كِتَابُ أَهْلِ النَّارِ عَنْ يَسَارِ الْبَابِ يَكْتُبُونَ أَعْمَالَ أَهْلِ النَّارِ بِأَقْلَامٍ سُودٍ فَإِذَا كَانَ وَقْتُ الْعِشَاءِ ارْتَفَعَ الْمَلَكَانِ فَيَسْمَعُونَ مِنْهُمَا مَا عَمِلَ الرَّجُلُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى‏ هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏.

35- وَ مِنْهُ، نَقْلًا مِنْ كِتَابِ ابن [أَبِي عُمَرَ الزَّاهِدِ صَاحِبِ تغلب [ثَعْلَبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنِ الصُّبَاحِيِّ أُسْتَاذِ الْإِمَامِيَّةِ مِنَ الشِّيعَةِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالُوا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِنَّ الْمَلَكَيْنِ يَجْلِسَانِ عَلَى نَاجِذَيِ الرَّجُلِ يَكْتُبَانِ خَيْرَهُ وَ شَرَّهُ وَ يَسْتَمِدَّانِ مِنْ غُرَّيْهِ وَ رُبَّمَا جَلَسَا عَلَى الصِّمَاغَيْنِ.

فَسَمِعْتُ تغلبا [ثَعْلَباً يَقُولُ الِاخْتِيَارُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ مَا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ النَّاجِدَانِ النَّابَانِ وَ الْغُرَّانِ الشِّدْقَانِ وَ الصَّامِغَانِ وَ الصِّمَاغَانِ وَ مَنْ قَالَهُمَا بِالْعَيْنِ فَقَدْ صَحَّفَهُمَا مُجْتَمَعَا الرِّيقِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ وَ هُمَا اللَّذَانِ يُسَمِّيهِمَا الْعَامَّةُ الصِّوَارَيْنِ.

وَ قَالَ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)نَظِّفُوا الصِّمَاغَيْنِ فَإِنَّهُمَا مَقْعَدُ الْمَلَكَيْنِ فَقَالَ تغلب [ثَعْلَبٌ هُمَا الْمَوْضِعُ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ الرِّيقُ مِنَ الْإِنْسَانِ وَ هُمَا الَّذِي يُسَمِّيهِ الْعَامَّةُ الصِّوَارَيْنِ.

بيان روى في النهاية الخبرين عن أمير المؤمنين(ع)و قال النواجذ هي التي تبدو عند الضحك و قال الغُرَّان بالضم الشدقان و قال الصماغان مجتمع الريق في جانبي الشفة و قيل هما ملتقى الشدقين و يقال لهما الصامغان و الصماغان و الصواران.

331

باب 18 الوعد و الوعيد و الحبط و التكفير

الآيات البقرة وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ‏ آل عمران‏ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ و قال تعالى‏ أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ ما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ‏ و قال‏ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ النساء إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ‏ و قال تعالى‏ لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَ لا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ‏ الأعراف‏ وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ لِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ‏ الأنفال‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَ يُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ‏ التوبة ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَ فِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ‏ و قال‏ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ الرعد إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ الكهف‏ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَ لِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ‏ العنكبوت‏ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ‏ الروم‏ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏ و قال سبحانه‏ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ‏ الأحزاب‏ وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً و قال تعالى‏ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَ كانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً

332

الزمر وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ و قال تعالى‏ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَ يَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ‏ المؤمن‏ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ‏ محمد كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَ أَصْلَحَ بالَهُمْ‏ و قال تعالى‏ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ‏ و قال‏ ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَ كَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ‏ و قال‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ شَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى‏ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ‏ الفتح‏ وَ يُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ‏ الحجرات‏ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ‏ التغابن‏ وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَ يَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ‏ الطلاق‏ وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ‏ التحريم‏ عَسى‏ رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ‏ الزلزال 7 فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ‏ تحقيق اعلم أن المشهور بين متكلمي الإمامية بطلان الإحباط و التكفير بل قالوا باشتراط الثواب و العقاب بالموافاة بمعنى أن الثواب على الإيمان مشروط بأن يعلم الله منه أنه يموت على الإيمان و العقاب على الكفر و الفسوق مشروط بأن يعلم الله أنه لا يسلم و لا يتوب و بذلك أولوا الآيات الدالة على الإحباط و التكفير و ذهبت المعتزلة إلى ثبوت الإحباط و التكفير للآيات و الأخبار الدالة عليهما.

قال شارح المقاصد لا خلاف من أن من آمن بعد الكفر و المعاصي فهو من أهل الجنة بمنزلة من لا معصية له و من كفر نعوذ بالله بعد الإيمان و العمل الصالح فهو من أهل النار بمنزلة من لا حسنة له و إنما الكلام فيمن آمن و عمل صالحا و آخر سيئا كما يشاهد من الناس فعندنا مآله إلى الجنة و لو بعد النار و استحقاقه للثواب‏

333

و العقاب بمقتضى الوعد و الوعيد ثابت من غير حبوط و المشهور من مذهب المعتزلة أنه من أهل الخلود في النار إذا مات قبل التوبة فأشكل عليهم الأمر في إيمانه و طاعاته و ما يثبت من استحقاقاته أين طارت و كيف زالت فقالوا بحبوط الطاعات و مالوا إلى أن السيئات يذهبن الحسنات حتى ذهبت الجمهور منهم إلى أن الكبيرة الواحدة تحبط ثواب جميع العبادات و فساده ظاهر أما سمعا فللنصوص الدالة على أن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا و عمل صالحا و أما عقلا فللقطع بأنه لا يحسن من الحليم الكريم إبطال ثواب إيمان العبد و مواظبته على الطاعات طول العمر بتناول لقمة من الربا أو جرعة من الخمر قالوا الإحباط مصرح في التنزيل كقوله تعالى‏ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ‏ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ‏ لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى‏ قلنا لا بالمعنى الذي قصدتم بل بمعنى أن من عمل عملا استحق به الذم و كان يمكنه أن يعمله على وجه يستحق به المدح و الثواب يقال إنه أحبط عمله كالصدقة مع المن و الأذى و بدونها و أما إحباط الطاعات بالكفر بمعنى أنه لا يثاب عليها البتة فليس من التنازع في شي‏ء و حين تنبه أبو علي و أبو هاشم لفساد هذا الرأي رجعا من التمادي بعض الرجوع فقالا إن المعاصي إنما يحبط الطاعات و إذا أوردت عليها و إن أوردت الطاعات أحبطت المعاصي ثم ليس النظر إلى أعداد الطاعات و المعاصي بل إلى مقادير الأوزار و الأجور فرب كبيرة يغلب وزرها أجر طاعات كثيرة و لا سبيل إلى ضبط ذلك بل هو مفوض إلى علم الله تعالى ثم افترقا فزعم أبو علي أن الأقل يسقط و لا يسقط من الأكثر شيئا و يكون سقوط الأقل عقابا إذا كان الساقط ثوابا و ثوابا إذا كان الساقط عقابا و هذا هو الإحباط المحض و قال أبو هاشم الأقل يسقط و يسقط من الأكثر ما يقابله مثلا من له مائة جزء من العقاب و اكتسب ألف جزء من الثواب فإنه يسقط منه العقاب و مائة جزء من الثواب بمقابلته و يبقى له تسعمائة جزء من الثواب و كذا العكس و هذا هو القول بالموازنة انتهى كلامه. أقول الحقّ أنه لا يمكن إنكار سقوط ثواب الإيمان بالكفر اللاحق الذي‏

334

يموت عليه و كذا سقوط عقاب الكفر بالإيمان اللاحق الذي يموت عليه و قد دلت الأخبار الكثيرة على أن كثيرا من المعاصي يوجب سقوط ثواب كثير من الطاعات و أن كثيرا من الطاعات كفارة لكثير من السيئات و الأخبار في ذلك متواترة و قد دلت الآيات على أن الحسنات يذهبن السيئات و لم يقم دليل تام على بطلان ذلك و أما أن ذلك عام في جميع الطاعات و المعاصي فغير معلوم و أما أن ذلك على سبيل الإحباط و التكفير بعد ثبوت الثواب و العقاب أو على سبيل الاشتراط بأن الثواب في علمه تعالى على ذلك العمل مشروط بعدم وقوع ذلك الفسق بعده و أن العقاب على تلك المعصية مشروط بعدم وقوع تلك الطاعة بعدها فلا يثيب أو لا ثواب و عقاب فلا يهمنا تحقيق ذلك بل يرجع النزاع في الحقيقة إلى اللفظ لكن الظاهر من كلام المعتزلة و أكثر الإمامية أنهم لا يعتقدون إسقاط الطاعة شيئا من العقاب أو المعصية شيئا من الثواب سوى الإسلام و الارتداد و التوبة و أما الدلائل التي ذكروها لذلك فلا يخفى وهنها و ليس هذا الكتاب موضع ذكرها.

ثم اعلم أنه لا خلاف بين الإمامية في عدم خلود أصحاب الكبائر من المؤمنين في النار و أما أنهم هل يدخلون النار أو يعذبون في البرزخ و المحشر فقط فقد اختلف فيه الأخبار و سيأتي تحقيقها.

1- سن، المحاسن عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاسَانِيُّ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ الْجَعْفَرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَنْ وَعَدَهُ اللَّهُ عَلَى عَمَلٍ‏ (1) ثَوَاباً فَهُوَ مُنْجِزٌ لَهُ وَ مَنْ أَوْعَدَهُ عَلَى عَمَلٍ عِقَاباً فَهُوَ فِيهِ بِالْخِيَارِ.

2 كَنْزُ الْكَرَاجُكِيِّ، عَنِ الْمُفِيدِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقَاسَانِيِّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ الْمِنْقَرِيِ‏ (2) عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ: يُوقَفُ الْعَبْدُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَقُولُ قِيسُوا بَيْنَ‏

____________



(1) في المصدر: من وعده على عمل. م.

(2) نسبة إلى منقر- وزان منبر- أبو بطن من سعد ثمّ من تميم، و هو منقر بن عبيد بن مقاعس.

335

نِعَمِي عَلَيْهِ وَ بَيْنَ عَمَلِهِ فَتَسْتَغْرِقُ النِّعَمُ الْعَمَلَ فَيَقُولُونَ قَدِ اسْتَغْرَقَ النِّعَمُ الْعَمَلَ فَيَقُولُ هَبُوا لَهُ النِّعَمَ وَ قِيسُوا بَيْنَ الْخَيْرِ وَ الشَّرِّ مِنْهُ فَإِنِ اسْتَوَى الْعَمَلَانِ أَذْهَبَ اللَّهُ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ وَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ وَ إِنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ بِفَضْلِهِ وَ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ فَضْلٌ وَ هُوَ مِنْ أَهْلِ التَّقْوَى وَ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ تَعَالَى وَ اتَّقَى الشِّرْكَ بِهِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْمَغْفِرَةِ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ بِرَحْمَتِهِ إِنْ شَاءَ وَ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ بِعَفْوِهِ.

عد، العقائد اعتقادنا في الوعد و الوعيد هو أن من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجزه و من وعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار إن عذبه فبعدله و إن عفا عنه فبفضله و ما الله‏ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ و قد قال الله عز و جل‏ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ (1) و اعتقادنا في العدل هو أن الله تبارك و تعالى أمرنا بالعدل و عاملنا بما هو فوقه و هو التفضل و ذلك أنه عز و جل يقول‏ مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى‏ إِلَّا مِثْلَها وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ‏ (2) بيان قال الشيخ المفيد (قدس الله روحه) في شرح القول الأخير العدل هو الجزاء على العمل بقدر المستحق عليه و الظلم هو منع الحقوق و الله تعالى كريم جواد متفضل رحيم قد ضمن الجزاء على الأعمال و العوض على المبتدإ من الآلام و وعد التفضل بعد ذلك بزيادة من عنده فقال تعالى‏ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى‏ وَ زِيادَةٌ (3) فخبر أن للمحسن الثواب المستحق و زيادة من عنده و قال‏ مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها يعني له عشر أمثال ما يستحق عليها وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى‏ إِلَّا مِثْلَها وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ‏ يريد أنه لا يجازيه بأكثر مما يستحقه ثم ضمن بعد ذلك العفو و وعد بالغفران فقال سبحانه‏ وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى‏ ظُلْمِهِمْ‏ (4) و قال‏ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ (5) و قال‏ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا (6) و الحق الذي للعبد هو ما جعل الله حقا له و اقتضاء جود الله و كرمه و إن‏

____________

(1) النساء: 48 و 116.

(2) الأنعام: 160.

(3) يونس: 26.

(4) الرعد: 6.

(5) النساء: 47.

(6) يونس: 58.

336

كان لو حاسبه بالعدل لم يكن له عليه بعد النعم التي أسلفها حق لأنه تعالى ابتدأ خلقه بالنعم و أوجب عليهم بها الشكر و ليس أحد من الخلق يكافئ نعم الله تعالى عليه بعمل و لا يشكره أحد إلا و هو مقصر بالشكر عن حق النعمة و قد أجمع أهل القبلة على أن من قال إني وفيت جميع ما لله علي و كافأت نعمه بالشكر فهو ضال و أجمعوا على أنهم مقصرون عن حق الشكر و أن لله عليهم حقوقا لو مد في أعمارهم إلى آخر مدى الزمان لما وفوا الله سبحانه بما له عليهم فدل ذلك على أن ما جعله حقا لهم فإنما جعله بفضله و جوده و كرمه و لأن حال العامل الشاكر خلاف حال من لا عمل له في العقول و ذلك أن الشاكر يستحق في العقول الحمد و من لا عمل له فليس له في العقول حمد و إذا ثبت الفصل بين العامل و من لا عمل له كان ما يجب في العقول من حمده هو الذي يحكم عليه بحقه و يشار إليه بذلك و إذا أوجبت العقول له مزية على من لا عمل له كان العدل من الله تعالى معاملته بما جعل في العقول له حقا و قد أمر تعالى بالعدل و نهى عن الجور فقال تعالى‏ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ‏ (1) الآية انتهى.

و قال العلامة (رحمه الله ) في شرحه على التجريد ذهب جماعة من معتزلة بغداد إلى أن العفو جائز عقلا غير جائز سمعا و ذهب البصريون إلى جوازه سمعا و هو الحق و استدل المصنف (رحمه الله ) بوجوه ثلاثة.

الأول أن العقاب حق لله تعالى فجاز تركه و المقدمتان ظاهرتان.

الثاني أن العقاب ضرر بالمكلف و لا ضرر في تركه على مستحقه و كل ما كان كذلك كان تركه حسنا أما أنه ضرر بالمكلف فضروري و أما عدم الضرر في تركه فقطعي لأنه تعالى غني بذاته عن كل شي‏ء و أما أن ترك مثل هذا حسن فضرورية و أما السمع فالآيات الدالة على العفو كقوله تعالى‏ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ‏ فإما أن يكون هذان الحكمان مع التوبة أو بدونها و الأول باطل لأن الشرك يغفر من التوبة فتعين الثاني و أيضا المعصية مع التوبة يجب غفرانها

____________

(1) النحل: 90.

337

و ليس المراد في الآية المعصية التي يجب غفرانها لأن الواجب لا يعلق بالمشية فما كان يحسن قوله‏ لِمَنْ يَشاءُ فوجب عود الآية إلى معصية لا يجب غفرانها و لقوله تعالى‏ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى‏ ظُلْمِهِمْ‏ و على يدل على الحال أو الغرض كما يقال ضربت زيدا على عصيانه أي لأجل عصيانه و هو غير مراد هنا قطعا فتعين الأول و الله تعالى قد نطق في كتابه العزيز بأنه عفو غفور و أجمع المسلمون عليه و لا معنى له إلا إسقاط العقاب عن العاصي انتهى أقول سيأتي الآيات و الأخبار في ذلك.

إلى هنا تمّ الجزء الخامس من كتاب بحار الأنوار من هذه الطبعة المزدانة بتعاليق نفيسة قيّمة و فوائد جمّة ثمينة؛ و يحوي هذا الجزء 528 حديثاً و 18 باباً.

و اللّه الموفّق للخير و الرشاد.

ذيحجة الحرام 1376 ه‏

338

فهرست ما في هذا الجزء

الموضوع/ الصفحة

أبواب العدل‏

باب 1 نفي الظلم و الجور عنه تعالى، و إبطال الجبر و التفويض، و إثبات الأمر بين الأمرين، و إثبات الاختيار و الاستطاعة؛ و فيه 112 حديثاً. 2- 67

باب 2 آخر و هو من الباب الأوّل و فيه حديث. 68- 84

باب 3 القضاء و القدر: و المشيّة و الإرادة و سائر أبواب الفعل؛ و فيه 79 حديثاً. 84- 135

باب 4 الآجال؛ و فيه 14 حديثاً. 136- 143

باب 5 الأرزاق و الأسعار؛ و فيه 13 حديثاً. 143- 152

باب 6 السعادة و الشقاوة، و الخير و الشّر، و خالقهما و مقدّرهما؛ و فيه 23 حديثاً. 152- 161

باب 7 الهداية و الإضلال و التوفيق و الخذلان؛ و فيه 50 حديثاً. 162- 210

باب 8 التمحيص و الاستدراج، و الابتلاء و الاختبار؛ و فيه 18 حديثاً. 210- 220

باب 9 أنّ المعرفة منه تعالى؛ و فيه 13 حديثاً. 220- 224

باب 10 الطينة و الميثاق؛ و فيه 67 حديثاً. 225- 276

باب 11 من لا ينجبون من الناس، و محاسن الخلقة و عيوبها اللّتين تؤثّران فى الخلق؛ و فيه 15 حديثاً. 276- 281

باب 12 علّة عذاب الاستيصال، و حال ولد الزنا، و علّة اختلاف أحوال الخلق؛ و فيه 41 حديثاً. 281- 288

باب 13 الأطفال و من لم يتمّ عليهم الحجّة في الدنيا؛ و فيه 22 حديثاً. 288- 297

باب 14 من رفع عنه القلم، و نفي الحرج في الدين، و شرائط صحّة التكليف، و ما يعذّر فيه الجاهل، و أنّه يلزم على اللّه التعريف؛ و فيه 29 حديثاً. 298- 308

باب 15 علّة خلق العباد و تكليفهم، و العلّة التّي من أجلها جعل اللّه في الدنيا اللذّات و الآلام و المحن؛ و فيه 18 حديثاً. 309- 318

باب 16 عموم التكاليف؛ و فيه ثلاثة أحاديث. 318- 319

باب 17 أنّ الملائكة يكتبون أعمال العباد؛ و فيه 35 حديثاً. 319- 330

باب 18 الوعد و الوعيد، و الحبط و التكفير؛ و فيه حديثان. 331- 337

342

[شكر و تجليل للمحقّق‏]

بسمه تعالى‏

قد قوبل هذا الجزء من هذا الكتاب القيّم بعدّة نسخ مطبوعة و مخطوطة، و منها نسخة ثمينة نفيسة توجد بخطّ المصنّف (قدس سره) الشريف، و يجد القارى‏ء انموذجا من صورتها الفتوغرافيّة في أول الجزء و في آخره.

و النسخة لخزانة كتب فضيلة الفقيد ثقة الإسلام و المحدّثين الحاج السيّد (صدر الدين الصدر العامليّ) الخطيب الشهير الإصفهانيّ (رضوان الله عليه)؛ و قد أتحفنا إيّاها ولده المعظّم العالم العامل الحاج السيّد (مهدي الصدر العامليّ) نزيل طهران فمن واجبنا أن نقدّم إليه ثناءنا العاطر و شكرنا الجزيل؛ وفّقه اللّه تعالى و إيّانا لجميع مرضاته. و ممّايشكر عليه و يقدّر جدّاً قيام فضيلة الخطيب المصقّع المفوّه المفضال الحاجّ السيّد (مصطفى الطباطبائي القميّ) مقابلة ما في البحار من الحديث بمصادره المنقول عنها و بيان ما هنالك من الاختلاف و ذكر أرقام صفحاته عدا المخطوط منها و ما لم يتح له الوقوف عليه و نحن نرمز تلكم التعاليق ب (م) و اللّه‏المستعان إنّه وليّ التوفيق.

يحيى عابدي‏

(رموز الكتاب)

ب: لقرب الإسناد.

بشا: لبشارة المصطفى.

تم: لفلاح السائل.

ثو: لثواب الأعمال.

ج: للإحتجاج.

جا: لمجالس المفيد.

جش: لفهرست النجاشيّ.

جع: لجامع الأخبار.

جم: لجمال الأسبوع.

جُنة: للجُنة.

حة: لفرحة الغريّ.

ختص: لكتاب الإختصاص.

خص: لمنتخب البصائر.

د: للعَدَد.

سر: للسرائر.

سن: للمحاسن.

شا: للإرشاد.

شف: لكشف اليقين.

شي: لتفسير العياشيّ‏

ص: لقصص الأنبياء.

صا: للإستبصار.

صبا: لمصباح الزائر.

صح: لصحيفة الرضا (ع).

ضا: لفقه الرضا (ع).

ضوء: لضوء الشهاب.

ضه: لروضة الواعظين.

ط: للصراط المستقيم.

طا: لأمان الأخطار.

طب: لطبّ الأئمة.

ع: لعلل الشرائع.

عا: لدعائم الإسلام.

عد: للعقائد.

عدة: للعُدة.

عم: لإعلام الورى.

عين: للعيون و المحاسن.

غر: للغرر و الدرر.

غط: لغيبة الشيخ.

غو: لغوالي اللئالي.

ف: لتحف العقول.

فتح: لفتح الأبواب.

فر: لتفسير فرات بن إبراهيم.

فس: لتفسير عليّ بن إبراهيم.

فض: لكتاب الروضة.

ق: للكتاب العتيق الغرويّ‏

قب: لمناقب ابن شهر آشوب.

قبس: لقبس المصباح.

قضا: لقضاء الحقوق.

قل: لإقبال الأعمال.

قية: للدُروع.

ك: لإكمال الدين.

كا: للكافي.

كش: لرجال الكشيّ.

كشف: لكشف الغمّة.

كف: لمصباح الكفعميّ.

كنز: لكنز جامع الفوائد و تأويل الآيات الظاهرة معا.

ل: للخصال.

لد: للبلد الأمين.

لى: لأمالي الصدوق.

م: لتفسير الإمام العسكريّ (ع).

ما: لأمالي الطوسيّ.

محص: للتمحيص.

مد: للعُمدة.

مص: لمصباح الشريعة.

مصبا: للمصباحين.

مع: لمعاني الأخبار.

مكا: لمكارم الأخلاق.

مل: لكامل الزيارة.

منها: للمنهاج.

مهج: لمهج الدعوات.

ن: لعيون أخبار الرضا (ع).

نبه: لتنبيه الخاطر.

نجم: لكتاب النجوم.

نص: للكفاية.

نهج: لنهج البلاغة.

نى: لغيبة النعمانيّ.

هد: للهداية.

يب: للتهذيب.

يج: للخرائج.

يد: للتوحيد.

ير: لبصائر الدرجات.

يف: للطرائف.

يل: للفضائل.

ين: لكتابي الحسين بن سعيد او لكتابه و النوادر.

يه: لمن لا يحضره الفقيه.