بحار الأنوار
الجزء الرابع و الستون
تأليف
العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

4
غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ (1) آل عمران إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (2) و قال تعالى وَ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (3) و قال سبحانه إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (4) و قال تعالى قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ وَ ما أُوتِيَ مُوسى وَ عِيسى وَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (5) و قال سبحانه وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (6) و قال عز و علا فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (7) و قال عز و جل وَ إِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (8) النساء وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ نُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (9) و قال تعالى وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (10)
____________
(1) البقرة: 285.
(2) آل عمران: 49.
(3) آل عمران: 57.
(4) السورة: 68.
(5) السورة: 84.
(6) السورة: 152.
(7) آل عمران: 179.
(8) آل عمران: 199.
(9) النساء: 57.
(10) النساء: 122.
1
كتاب الإيمان و الكفر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي فضل نوع الإنسان على سائر الحيوان بالإسلام و الإيمان و جعل لهما جنودا من مكارم الشيم و محاسن الخصال لتكون لهما حصونا من نزعات الشيطان و الصلاة و السلام على النبي الكريم الرءوف الرحيم الموصوف بالخلق العظيم المبعوث لتتميم مكارم الأخلاق محمد و آله المخصوصين بين أصناف البرايا بأطيب الأعراق المنصوصين بالفضل و الشرف في السبع الطباق الممدوحين بأطهر الصفات و أفخر السمات في جميع الآفاق أما بعد فهذا هو المجلد الخامس عشر من كتاب بحار الأنوار في بيان الإسلام و الإيمان و شرائطهما و توابعهما من مكارم الأخلاق و محاسن الأعراق و آداب معاشرة أصناف الخلق من الأقارب و الأجانب و بيان معاني الكفر و ما يوجبه و النفاق و ما يستلزمه من مقابح الخصال و مذامّ الخلال و قد أفردت لأبواب العشرة كتابا لصلوحها لجعلها مجلدا برأسها و إن أدخلناها في هذا المجلد في الفهرس المذكور في أول الكتاب و أطلب من الله المعونة في نيل الحق و الصواب في كل باب
2
أبواب الإيمان و الإسلام و التشيع و معانيها و فضلها و صفاتها
أقول: سيجيء في كتاب العشرة و في كتاب الآداب و السنن ما يتعلّق بهذه الأبواب من الأخبار فانتظره.
باب 1 فضل الإيمان و جمل شرائطه
الآيات
البقرة هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (1) و قال تعالى وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ الآية (2) و قال تعالى وَ آمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَ لا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ (3) و قال عز و جل وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (4)
____________
(1) البقرة: 1- 5.
(2) البقرة: 25.
(3) البقرة: 41.
(4) السورة: 72.
3
و قال تعالى أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (1) و قال جل و علا قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (2) و قال عز من قائل مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ(3) و قال تعالى قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ وَ ما أُوتِيَ مُوسى وَ عِيسى وَ ما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4) و قال سبحانه إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (5) و قال تعالى فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ إلى قوله هُمْ فِيها خالِدُونَ (6) و قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (7) و قال سبحانه آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَ قالُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا
____________
(1) البقرة: 85.
(2) السورة: 93.
(3) السورة: 98.
(4) البقرة: 136 و 137.
(5) السورة: 248.
(6) البقرة: 256 و 257.
(7) السورة: 277 و 278.
5
و قال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ الْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَ الْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَ مَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً (1) و قال تعالى وَ سَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (2) و قال سبحانه وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (3) و قال جل و علا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَ أَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَ اسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَ لا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً (4) و قال فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ اعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَ فَضْلٍ وَ يَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (5) المائدةوَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ (6) و قال سبحانه وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَ لَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ (7) و قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هادُوا وَ الصَّابِئُونَ وَ النَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ عَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (8)
____________
(1) النساء: 136.
(2) النساء: 146.
(3) السورة: 152.
(4) النساء: 173.
(5) النساء: 175.
(6) المائدة: 9.
(7) المائدة: 66.
(8) المائدة: 69، و مثلها في سورة البقرة الآية 62، و سورة الحجّ الآية: 17.
8
آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (1) و قال سبحانه كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ أَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَ لا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (2) هود إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ أَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَ الْأَصَمِّ وَ الْبَصِيرِ وَ السَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَ فَلا تَذَكَّرُونَ (3) الرعد قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَ الْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَ النُّورُ (4) إبراهيم وَ أُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (5) النحل ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (6) أسرى وَ يُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (7) الكهف وَ يُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً (8)
____________
(1) يونس: 91.
(2) يونس: 102- 105.
(3) هود: 23 و 24.
(4) الرعد: 16.
(5) إبراهيم: 23- 27.
(6) النحل: 123.
(7) أسرى: 9.
(8) الكهف: 2- 3.
7
الزَّكاةَ وَ الَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (1) الأنفال وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ الَّذِينَ آوَوْا وَ نَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ (2) التوبة الَّذِينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (3) و قال تعالى وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (4) يونس وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ (5) و قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (6) و قال تعالى الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ (7) و قال عز و جل وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (8) و قال جل و علا حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي
____________
(1) الأعراف: 156 و 157.
(2) الأنفال: 73 و 74.
(3) براءة: 20.
(4) براءة: 72.
(5) يونس: 2.
(6) يونس: 9.
(7) يونس: 63 و 64.
(8) يونس: 87.
6
الأنعام فَمَنْ آمَنَ وَ أَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (1) و قال سبحانه وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (2) و قال عز و علا إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) و قال جل و عز أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (4) و قال تعالى وَ هذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ هُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (5) و قال تعالى وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (6) و قال تعالى هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (7) و قال تعالى قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (8) الأعراف اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَ لا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (9) و قال تعالى وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (10) و قال سبحانه وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ
____________
(1) الأنعام: 48.
(2) الأنعام: 92.
(3) السورة: 99.
(4) السورة: 122.
(5) السورة: 127.
(6) الأنعام: 153.
(7) الأنعام: 158.
(8) الأنعام: 161.
(9) الأعراف: 3.
(10) الأعراف: 42.
9
و قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ (1) و قال سبحانه وَ ما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَ يَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا (2) و قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا (3) مريم إِلَّا مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَ لا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (4) و قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (5) طه وَ مَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ ذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى (6) و قال تعالى وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى (7) الأنبياء فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَ إِنَّا لَهُ كاتِبُونَ (8) الحج إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (9) و قال تعالى إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤاً وَ لِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ وَ هُدُوا
____________
(1) الكهف: 30- 31.
(2) الكهف: 55.
(3) الكهف: 108 و 109.
(4) مريم: 60.
(5) مريم: 96.
(6) طه: 75 و 76.
(7) طه: 82.
(8) الأنبياء: 94.
(9) الحجّ: 14.
10
إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَ هُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (1) و قال تعالى إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا (2) و قال تعالى فَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ (3) و قال تعالى وَ إِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) و قال تعالى فَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (5) المؤمنون قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ إلى قوله أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (6) النور وَ يَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالرَّسُولِ وَ أَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ ما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ إلى قوله إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (7) و قال سبحانه إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ (8) النمل هُدىً وَ بُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (9) القصص فَأَمَّا مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (10) العنكبوت الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (11)
____________
(1) الحجّ: 23 و 24.
(2) الحجّ: 38.
(3) الحجّ: 50.
(4) الحجّ: 54.
(5) الحجّ: 56.
(6) المؤمنون: 1- 11.
(7) النور: 47- 51.
(8) النور: 62.
(9) النمل: 2- 3.
(10) القصص: 67.
(11) العنكبوت: 1- 3.
11
و قال تعالى وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (1) و قال سبحانه وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ إلى قوله وَ لَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (2) و قال تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) و قال سبحانه وَ قُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَ إِلهُنا وَ إِلهُكُمْ واحِدٌ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ وَ كَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ مِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ (4) و قال عز و جل أَ وَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَ ذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (5) و قال سبحانه وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً إلى قوله يَتَوَكَّلُونَ (6) الروم فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (7) و قال تعالى فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَ اتَّقُوهُ وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ لا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (8) و قال سبحانه فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ إلى قوله لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ
____________
(1) العنكبوت: 7.
(2) العنكبوت: 9- 11.
(3) العنكبوت: 24.
(4) السورة 46 و 47.
(5) السورة: 51.
(6) السورة: 58 و 59.
(7) الروم: 15.
(8) الروم: 30- 32.
12
فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (1) و قال إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (2) لقمان إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) التنزيل إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَ سَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ هُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (4) و قال تعالى أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (5) الأحزاب وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً (6) سبأ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ (7) فاطر 19 وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ كَبِيرٌ (8) و قال سبحانه وَ ما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَ الْبَصِيرُ (9) الآية يس لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا الآية (10) المؤمن الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ الآيات (11) و قال تعالى وَ مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ الآية (12) و قال سبحانه إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (13)
____________
(1) الروم: 43- 45.
(2) الروم: 53.
(3) لقمان: 8 و 9.
(4) السجدة: 15.
(5) السجدة: 18 و 19.
(6) الأحزاب: 47.
(7) سبأ: 4.
(8) سبأ: 7.
(9) السورة: 19.
(10) يس: 70.
(11) المؤمن: 6- 9.
(12) المؤمن: 40.
(13) المؤمن: 51.
15
إلى قوله يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (1) إلى قوله تعالى وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَ نُورُهُمْ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ إلى قوله تعالى سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (2) و قال عز و جل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3) الحشر لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (4) الصف يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ يُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَ أُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَ فَتْحٌ قَرِيبٌ وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ كَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (5) المنافقين وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (6) التغابن فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ النُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
____________
(1) الحديد: 12.
(2) الحديد: 19- 21.
(3) الحديد: 28.
(4) الحشر: 20.
(5) الصف: 1- 14.
(6) المنافقين: 8.
14
آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ آمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَ أَصْلَحَ بالَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَ أَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (1) و قال تعالى ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ أَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ (2) الفتح لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ يُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَ كانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً (3) و قال تعالى فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَ كانُوا أَحَقَّ بِها وَ أَهْلَها وَ كانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (4) و قال سبحانه وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً (5) الحجرات وَ لكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ نِعْمَةً وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6) الذاريات إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (7) و قال تعالى وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (8) الحديد آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ أَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ وَ ما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَ قَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ إِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (9)
____________
(1) القتال: 1- 3.
(2) القتال: 11- 12.
(3) الفتح: 5.
(4) الفتح: 26.
(5) الفتح: 29.
(6) الحجرات: 1- 7.
(7) الذاريات: 8- 9.
(8) الذاريات: 55.
(9) الحديد: 7- 9.
13
و قال تعالى وَ ما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَ الْبَصِيرُ الآية (1) و قال تعالى فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَ خَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (2) السجدة إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (3) حمعسق شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (4) و قال تعالى وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ (5) و قال سبحانه وَ يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ (6) الزخرف الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَ كانُوا مُسْلِمِينَ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَ أَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (7) الجاثية فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (8) الأحقاف إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (9) محمد الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ وَ الَّذِينَ
____________
(1) المؤمن: 58.
(2) المؤمن: 84 و 85.
(3) فصّلت: 8.
(4) الشورى: 13.
(5) الشورى: 22 و 23.
(6) الشورى: 26.
(7) الزخرف: 69 و 70.
(8) الجاثية: 30.
(9) الأحقاف: 13 و 14.
16
يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَ يَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ إلى قوله تعالى وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ (1) الطلاق الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَ يَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً (2) التحريم يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَ اغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (3) الملك أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) القلم أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (5) الجن فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَ لا رَهَقاً (6)المطففين إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَ إِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ وَ إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ وَ إِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ وَ ما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (7) الإنشقاق إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (8) البروج إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
____________
(1) التغابن: 8- 11.
(2) الطلاق: 10- 11.
(3) التحريم: 8.
(4) الملك: 22.
(5) القلم: 35- 36.
(6) الجن: 13.
(7) المطففين: 29- 36.
(8) الانشقاق: 25.
19
أَخَاكَ عَلِيّاً بَعْدَكَ إِمَاماً وَ لَكَ وَصِيّاً مَرْضِيّاً وَ انْقَادُوا لِمَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ وَ صَارُوا إِلَى مَا أَصَارَهُمْ إِلَيْهِ وَ رَأَوْا لَهُ مَا يَرَوْنَ لَكَ إِلَّا النُّبُوَّةَ الَّتِي أُفْرِدْتَ بِهَا.
. و أن الجنة لا تصير لهم إلا بموالاته و موالاة من ينص لهم عليه من ذريته و موالاة سائر أهل ولايته و معاداة أهل مخالفته و عداوته و أن النيران لا تهدأ عنهم و لا يعدل بهم عن عذابها إلا بتنكبهم عن موالاة مخالفيهم و مؤازرة شانئيهم.
وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ من أداء الفرائض و اجتناب المحارم و لم يكونوا كهؤلاء الكافرين بك أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ بساتين تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ من تحت شجرها و مساكنها إلى آخر ما مرّ في أبواب المعاد.
وَ قَالَ(ع)قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِلْيَهُودِ وَ آمِنُوا (1) أَيُّهَا الْيَهُودُ بِما أَنْزَلْتُ عَلَى مُحَمَّدٍ مِنْ ذِكْرِ نُبُوَّتِهِ وَ أَنْبَاءِ إِمَامَةِ أَخِيهِ عَلِيٍّ وَ عِتْرَتِهِ الطَّاهِرِينَ- مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ فَإِنَّ مَثَلَ هَذَا الذِّكْرِ فِي كِتَابِكُمْ أَنَّ مُحَمَّداً النَّبِيَّ سَيِّدُ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ الْمُؤَيَّدُ بِسَيِّدِ الْوَصِيِّينَ وَ خَلِيفَةِ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَارُوقِ الْأُمَّةِ وَ بَابِ مَدِينَةِ الْحِكْمَةِ وَ وَصِيِّ رَسُولِ الرَّحْمَةِ- وَ لا تَشْتَرُوا بِآياتِيالْمُنْزَلَةِ لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ وَ إِمَامَةِ عَلِيٍّ وَ الطَّيِّبِينَ مِنْ عِتْرَتِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَإِنَّ ذَلِكَ وَ إِنْ كَثُرَ فَإِلَى نَفَادٍ وَ خَسَارٍ وَ بَوَارٍ وَ إِيَّايَ فَاتَّقُونِ فِي كِتْمَانِ أَمْرِ مُحَمَّدٍ وَ أَمْرِ وَصِيِّهِ.
. و قيل في قوله تعالى وَ لا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ تعريض بأن الواجب أن تكونوا أول من آمن به لأنهم كانوا أهل النظر في معجزاته و العلم بشأنه و المستفتحين به و المبشرين بزمانه.
قوله تعالى وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ (2) استدلوا بالعطف على عدم دخول الأعمال في الإيمان و هو كذلك لكنه لا ينفي الاشتراط بل استدل في بعض الأخبار بالمقارنة عليه.
أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ (3) يدل على اشتراط أجزاء الإيمان بعضها
____________
(1) سورة البقرة: 41.
(2) سورة البقرة: 82.
(3) البقرة: 85.
18
الكل و يؤدون الحقوق لأهاليها و يقرضون و يقضون الحاجات و يأخذون بأيدي الضعفاء يقودون الضرير و ينجون الضعفاء من المهالك و يحملون عنهم المتاع و يركبون الراجلين و يؤثرون من هو أفضل منهم في الإيمان على أنفسهم بالمال و النفس و يساوون من كان في درجتهم فيه و يبذلون العلم لأهله و يروون فضائل أهل البيت(ع)لمحبيهم و لمن يرجون هدايته أكثر ما تقدم مأخوذ من تفسير الإمام(ع)(1).
وَ فِي مَعَانِي الْأَخْبَارِ وَ الْعَيَّاشِيِّ عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَيْ مِمَّا عَلَّمْنَاهُمْ يَبُثُّونَ (2).
بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ أي من القرآن و الشريعة وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ من التوراة و الإنجيل و الزبور و صحف إبراهيم و سائر كتب الله المنزلة بأنها حق و صدق من عند رب صادق حكيم كما قال الإمام(ع)(3).
وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ قَالَ(ع)بِالدَّارِ الْآخِرَةِ بَعْدَ هَذِهِ الدُّنْيَا يُوقِنُونَ لَا يَشُكُّونَ فِيهَا أَنَّهَا الدَّارُ الَّتِي فِيهَا جَزَاءُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا عَمِلُوا وَ عِقَابُ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ بِمِثْلِ مَا كَسَبُوهُ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ قَالَ(ع)أَخْبَرَ عَزَّ جَلَالُهُ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْمَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ.
عَلى هُدىً أي بيان و صواب مِنْ رَبِّهِمْ و علم بما أمرهم به وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي الناجون مما منه يوجلون الفائزون بما يأملون
وَ قَالَ(ع)فِي قَوْلِهِ تَعَالَى- وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا (4) بِاللَّهِ وَ صَدَّقُوكَ فِي نُبُوَّتِكَ فَاتَّخَذُوكَ إِمَاماً وَ صَدَّقُوكَ فِي أَقْوَالِكَ وَ صَوَّبُوكَ فِي أَفْعَالِكَ وَ اتَّخَذُوا
____________
(1) يعني التفسير المنسوب الى الامام العسكريّ (عليه السلام).
(2) تفسير العيّاشيّ ج 1 ص 26. و فيه «ينبئون».
(3) يعني الامام العسكريّ في التفسير المنسوب إليه (عليه السلام).
(4) سورة البقرة: 25.
17
الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (1) البلد ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَ تَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (2) التين إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (3) البينة إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (4) العصر وَ الْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ السورة (5).
تفسير
هُدىً أي بيان من الضلالة لِلْمُتَّقِينَ (6) الذين يتقون الموبقات و يتقون تسليط السفه على أنفسهم حتى إذا علموا ما يجب عليهم علمه عملوا بما يوجب لهم رضى ربهم و سيأتي
عَنِ الصَّادِقِ(ع)الْمُتَّقُونَ شِيعَتُنَا.
و إنما خصّ المتقين بالاهتداء به لأنهم المنتفعون به.
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ أي بما غاب عن حواسهم من توحيد الله و نبوة الأنبياء و قيام القائم(ع)و الرجعة و البعث و الحساب و الجنة و النار و سائر الأمور التي يلزمهم الإيمان بها مما لا يعرف بالمشاهدة و إنما يعرف بدلائل نصبها الله عز و جل عليه وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ بإتمام ركوعها و سجودها و حفظ مواقيتها و حدودها و صيانتها مما يفسدها أو ينقصها وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ من الأموال و القوى و الأبدان و الجاه و العلم يُنْفِقُونَ أي يتصدقون يحتملون
____________
(1) البروج: 11.
(2) البلد: 17- 18.
(3) التين: 6.
(4) البينة: 7- 8.
(5) العصر: 1- 3.
(6) البقرة: 2.
20
ببعض و فسر الخزي في الحياة الدنيا بذل الجزية إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ قيل أي إلى جنس أشد العذاب يتفاوت ذلك على قدر تفاوت معاصيهم و الآية في اليهود و كذا قوله.
قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ (1) قيل أي بموسى و التوراة أن تكفروا بي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ كما تزعمون بموسى و التوراة و لكن معاذ الله لا يأمركم إيمانكم بموسى و التوراة بالكفر بمحمد ص.
مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ (2) بأن يخالفه عنادا لإنعامه على المقربين من عباده وَ مَلائِكَتِهِ المبعوثين لنصرتهم وَ رُسُلِهِ المخبرين عن فضلهم الداعين إلى متابعتهم وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكالَ تخصيص بعد التعميم للاهتمام فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ يدل على وجوب الإيمان بالملائكة و الرسل و أن عداوتهما كفر.
وَ فِي تَفْسِيرِ الْإِمَامِ(ع)إِنَّ اللَّهَ ذَمَّ الْيَهُودَ فِي بُغْضِهِمْ لِ جَبْرَئِيلَ الَّذِي كَانَ يُنَفِّذُ قَضَاءَ اللَّهِ فِيهِمْ فِيمَا يَكْرَهُونَ كَدَفْعِهِ عَنْ بُخْتَنَصَّرَ أَنْ يَقْتُلَهُ دَانِيَالُ مِنْ غَيْرِ ذَنْبٍ جَنَى بُخْتَنَصَّرُ حَتَّى بَلَغَ كِتَابُ اللَّهِ فِي الْيَهُودِ أَجَلَهُ وَ حَلَّ بِهِمْ مَا جَرَى فِي سَابِقِ عِلْمِهِ وَ ذَمَّهُمْ أَيْضاً وَ ذَمَّ النَّوَاصِبَ فِي بُغْضِهِمْ لِ جَبْرَئِيلَ وَ مِيكَائِيلَ وَ مَلَائِكَةِ اللَّهِ النَّازِلِينَ لِتَأْيِيدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)عَلَى الْكَافِرِينَ حَتَّى أَذَلَّهُمْ بِسَيْفِهِ الصَّارِمِ.
وَ فِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ الَّذِينَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ لَوْ كَانَ الْمَلَكُ الَّذِي يَأْتِيكَ مِيكَائِيلَ آمَنَّا بِكَ فَإِنَّهُ مَلَكُ الرَّحْمَةِ وَ هُوَ صَدِيقُنَا وَ جَبْرَئِيلُ مَلَكُ الْعَذَابِ وَ هُوَ عَدُوُّنَا قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ (3)
فِي الْكَافِي وَ الْعَيَّاشِيِ (4)، عَنِ الْبَاقِرِ(ع)إِنَّمَا عَنَى
____________
(1) البقرة: 93.
(2) البقرة: 98.
(3) البقرة: 136.
(4) تفسير العيّاشيّ ج 1 ص 62، الكافي ج 1 ص 415 و 416 و لفظه:
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن النعمان، عن سلام، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: قولوا آمنا باللّه و ما أنزل الينا» الخ.
21
بِذَلِكَ عَلِيّاً وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ وَ جَرَتْ بَعْدَهُمْ فِي الْأَئِمَّةِ(ع)ثُمَّ رَجَعَ الْقَوْلُ مِنَ اللَّهِ فِي النَّاسِ فَقَالَ- فَإِنْ آمَنُوا يَعْنِي النَّاسَ بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ الْآيَةَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا يَعْنِي الْقُرْآنَ- وَ ما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ يَعْنِي الصُّحُفَ- وَ الْأَسْباطِ حَفَدَةُ يَعْقُوبَ- وَ ما أُوتِيَ مُوسى وَ عِيسى أَيِ التَّوْرَاةَ وَ الْإِنْجِيلَ- وَ ما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ جُمْلَةً الْمَذْكُورُونَ مِنْهُمْ وَ غَيْرُ الْمَذْكُورِينَ- مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ- كَالْيَهُودِ حَيْثُ آمَنُوا بِبَعْضٍ وَ كَفَرُوا بِبَعْضٍ.
و أحد لوقوعه في سياق النفي عم فساغ أن يضاف إليه بين و نحن له أي لله مسلمون مذعنون مخلصون.
- وَ فِي الْفَقِيهِ (1) فِي وَصَايَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لِابْنِهِ فُرِضَ عَلَى اللِّسَانِ الْإِقْرَارُ وَ التَّعْبِيرُ عَنِ الْقَلْبِ بِمَا عُقِدَ عَلَيْهِ فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا الْآيَةَ.
فَإِنْ آمَنُوا أي سائر الناس بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ أي بما آمنتم به و المثل مقحم في مثله (2) وَ إِنْ تَوَلَّوْا أَيْ أَعْرَضُوا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ أي كفر كذا في المجمع (3) عن الصادق(ع)و أصله المخالفة و المناوأة فإن كل واحد من المتخالفين في شق غير شق الآخر فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ تسلية و تسكين للمؤمنين وَ هُوَ السَّمِيعُ لأقوالكم الْعَلِيمُ بأخلاقكم
____________
(1) يعني فقيه من لا يحضره الفقيه و رواه في الكافي ج 2 ص 35 عن أبي عبد اللّه «ع» فى حديث طويل في باب أن الايمان مبثوث لجوارح البدن كلها: و فيه فرض اللّه على اللسان القول و التعبير عن القلب بما عقد عليه و أقربه، قال اللّه تبارك و تعالى: وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً و قال: «قُولُوا آمَنَّا باللّه و ما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَ إِلهُنا وَ إِلهُكُمْ واحِدٌ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فهذا ما فرض اللّه على اللسان.
(2) أي في مثل هذه الموارد.
(3) مجمع البيان ج 1 ص 218.
22
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ (1) في المجمع عن الصادق(ع)هو الشيطان (2).
أقول و يستفاد من كثير من الأخبار أنه يعم كل ما عبد من دون الله من صنم أو إمام ضلال أو صاد عن دين الله و هو فعلوت من الطغيان (3) و في تفسير علي بن إبراهيم هم الذين غصبوا آل محمد حقهم وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ بالتوحيد و تصديق الرسل فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى أي طلب الإمساك من نفسه بالحبل الوثيق و هي مستعارة لمتمسك الحق من النظر الصحيح و الدين القويم.
وَ فِي الْكَافِي عَنِ الصَّادِقِ(ع)(4) هِيَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.
وَ عَنِ الْبَاقِرِ(ع)هِيَ مَوَدَّتُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ لَا انْفِصامَ لَها لَا انْقِطَاعَ لَهَا.
وَ فِي مَعَانِي الْأَخْبَارِ عَنِ النَّبِيِ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْتَمْسِكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى الَّتِي لَا انْفِصَامَ لَهَا فَلْيَسْتَمْسِكْ بِوَلَايَةِ أَخِي وَ وَصِيِّي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَإِنَّهُ لَا يَهْلِكُ مَنْ أَحَبَّهُ وَ تَوَلَّاهُ وَ لَا يَنْجُو مَنْ أَبْغَضَهُ وَ عَادَاهُ (5).
____________
(1) البقرة 256.
(2) مجمع البيان ج 2 ص 364.
(3) قال في المفردات: الطاغوت عبارة عن كل متعد، و كل معبود من دون اللّه، و يستعمل في الواحد و الجمع، قال: «فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ، وَ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ، يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ» فعبارة عن كل متعد.
و لما تقدم سمى الساحر، و الكاهن، و المارد من الجن، و الصارف عن طريق الخير طاغوتا.
و وزنه فيما قيل فعلوت نحو جبروت و ملكوت، و قيل أصله طغووت، و لكن قلب لام الفعل. نحو صاعقة و صاقعة، ثمّ قلب الواو ألفا لتحركه و انفتاح ما قبله.
(4) رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 14 باب في أن الصبغة هي الإسلام تحت الرقم 1.
(5) معاني الأخبار ص 368 و 369. و سنده هكذا: حدّثنا محمّد بن على ماجيلويه قال: حدّثني عمى محمّد بن أبي القاسم، عن أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي، عن أبيه، عن خلف بن حماد الأسدى، عن أبي الحسن العبدى، عن الأعمش، عن عباية بن ربعى، عن عبد اللّه بن عبّاس قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلخ.
23
وَ اللَّهُ سَمِيعٌ بِالْأَقْوَالِ عَلِيمٌ بِالْنِّيَّاتِ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا مُتَوَلٍّ أُمُورَهُمْ يُخْرِجُهُمْ بهدايته و توفيقه مِنَ الظُّلُماتِ أي ظلمات الجهل و الذنوب إِلَى النُّورِ أي نور الهدى و المغفرة و سيأتي
عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ: الْمُؤْمِنُ يَتَقَلَّبُ فِي خَمْسَةٍ مِنَ النُّورِ مَدْخَلُهُ نُورٌ وَ مَخْرَجُهُ نُورٌ وَ عِلْمُهُ نُورٌ وَ كَلَامُهُ نُورٌ وَ مَنْظَرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى النُّورِ.
وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ
فِي الْكَافِي، عَنِ الْبَاقِرِ(ع)أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّوَاغِيتُ.
وَ فِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ هُمُ الظَّالِمُونَ آلَ مُحَمَّدٍ- أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ وَ هُمُ الَّذِينَ تَبِعُوا مَنْ غَصَبَهُمْ- يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ قِيلَ مِنْ نُورِ الْفِطْرَةِ إِلَى فَسَادِ الِاسْتِعْدَادِ.
وَ فِي الْكَافِي عَنِ الصَّادِقِ(ع)النُّورُ آلُ مُحَمَّدٍ وَ الظُّلُمَاتُ عَدُوُّهُمْ (1).
وَ فِي الْكَافِي وَ الْعَيَّاشِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يَعْنِي ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ إِلَى نُورِ التَّوْبَةِ وَ الْمَغْفِرَةِ لِوَلَايَتِهِمْ كُلَّ إِمَامٍ عَادِلٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ قَالَ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ إِنَّمَا عَنَى بِهَذَا أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى نُورِ الْإِسْلَامِ فَلَمَّا أَنْ تَوَلَّوْا كُلَّ إِمَامٍ جَائِرٍ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ خَرَجُوا بِوَلَايَتِهِمْ مِنْ نُورِ الْإِسْلَامِ إِلَى ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ فَأَوْجَبَ اللَّهُ لَهُمُ النَّارَ مَعَ الْكُفَّارِ (2).
وَ زَادَ فِي الْعَيَّاشِيِّ قَالَ: قُلْتُ أَ لَيْسَ اللَّهُ عَنَى بِهَذَا الْكُفَّارَ حِينَ قَالَ- وَ الَّذِينَ كَفَرُوا قَالَ فَقَالَ وَ أَيُّ نُورٍ لِلْكَافِرِ فَأُخْرِجَ مِنْهُ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
- الْعَيَّاشِيُّ عَنِ الصَّادِقِ(ع)فَأَعْدَاءُ
____________
(1) الكافي ج 8 ص 289 و العيّاشيّ ج 1 ص 137.
(2) تفسير العيّاشيّ ج 1 ص 138، و تراه في الكافي ج 1 ص 375، باب فيمن دان اللّه عزّ و جلّ بغير امام من اللّه جلّ جلاله، تحت الرقم 3.
24
عَلِيٍّ هُمُ الْخَالِدُونَ فِي النَّارِ وَ إِنْ كَانُوا فِي أَدْيَانِهِمْ عَلَى غَايَةِ الْوَرَعِ وَ الزُّهْدِ وَ الْعِبَادَةِ (1).
. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا (2) قيل أي بالله و رسله و بما جاءهم منه وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ عطفهما على ما يعمهما لإنافتهما على سائر الأعمال الصالحة وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من آت وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ على فائت إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (3) أي بقلوبكم فإن دليله امتثال ما أمرتم أقول تشعر بأن من يأتي بالذنوب الموبقة ليس بمؤمن.
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ (4) قال البيضاوي شهادة و تنصيص من الله على صحة إيمانه و الاعتداد به و أنه جازم في أمره غير شاك فيه وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لا يخلو من أن يعطف المؤمنون على الرسول فيكون الضمير الذي ينوب عنه التنوين راجعا إلى الرسول و المؤمنين أو يجعل مبتدأ فيكون الضمير للمؤمنين و باعتباره يصح وقوع كل بخبره خبر المبتدإ و يكون إفراد الرسول بالحكم إما لتعظيمه أو لأن إيمانه عن مشاهدة و عيان و إيمانهم عن نظر و استدلال.
لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ أي يقولون لا نفرق و أحد في معنى الجمع لوقوعه في سياق النفي و لذلك دخل عليه بين و المراد نفي الفرق بالتصديق و التكذيب وَ قالُوا سَمِعْنا أجبنا وَ أَطَعْنا أمرك غُفْرانَكَ رَبَّنا أي اغفر لنا غفرانك أو نطلب غفرانك وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ أي المرجع بعد الموت و هو إقرار منهم بالبعث انتهى
____________
(1) تفسير العيّاشيّ ج 1 ص 139.
(2) سورة البقرة: 277.
(3) سورة البقرة: 282.
(4) البقرة: 285.
25
إِنَّ فِي ذلِكَ (1) أي في إنبائكم بما تأكلون و ما تدّخرون في بيوتكم لَآيَةً و معجزة لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي مصدقين غير معاندين فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ (2) الإيفاء و التوفية إعطاء الحق وافيا كاملا.
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ (3) أي أخصهم به و أقربهم منه من الولي و هو القرب لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ من أمته وَ هذَا النَّبِيُ خصوصا وَ الَّذِينَ آمَنُوا من أمته لموافقتهم له في أكثر ما شرع لهم على الأصالة.
فِي الْكَافِي (4) وَ الْعَيَّاشِيِ (5) هُمُ الْأَئِمَّةُ وَ مَنِ اتَّبَعَهُمْ.
وَ فِي الْمَجْمَعِ (6) قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالْأَنْبِيَاءِ أَعْمَلُهُمْ بِمَا جَاءُوا بِهِ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ وَ قَالَ إِنَّ وَلِيَّ مُحَمَّدٍ ص مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَ إِنْ بَعُدَتْ لُحْمَتُهُ وَ إِنَّ عَدُوَّ مُحَمَّدٍ مَنْ عَصَى اللَّهَ وَ إِنْ قَرُبَتْ قَرَابَتُهُ.
وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ أي يتولّى نصرتهم قُلْ آمَنَّا (7) أمر للرسول بأن يخبر عن نفسه و متابعيه بالإيمان وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ أي منقادون مخلصون في عبادته وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (8) يتفضّل عليهم بالعفو و غيره في الأحوال كلها فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ (9) مخلصين وَ إِنْ تُؤْمِنُوا حقّ الإيمان وَ تَتَّقُوا النفاق فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ لا يقادر قدره لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا (10) كما فعله المحرّفون من أحبارهم
____________
(1) آل عمران: 49.
(2) آل عمران: 57.
(3) آل عمران: 68.
(4) الكافي ج 1 ص 416.
(5) تفسير العيّاشيّ ج 1 ص 177.
(6) مجمع البيان ج 2 ص 458.
(7) آل عمران: 84.
(8) آل عمران: 152.
(9) آل عمران: 179.
(10) آل عمران: 199.
26
أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ و يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ كما وعدوا في آية أخرى إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ لعلمه بالأعمال و ما يستوجبه كل عامل من الجزاء فيسرع في الجزاء و يوصل الأجر الموعود سريعا.
أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ (1) أي من الدماء و درن الدنيا و أنجاسها و قيل من الأخلاق السيئة وَ نُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا أي دائما لا تنسخه الشمس مشتق من الظل لتأكيده كما قيل ليل أليل وَعْدَ اللَّهِ (2) قال الطبرسي (رحمه الله) أي وعد الله ذلك وعدا حَقًّا مصدر مؤكّد لما قبله كأنه قال أحقه حقا وَ مَنْ أَصْدَقُ استفهام فيه معنى النفي أي لا أجد أصدق من الله قولا فيما أخبر و وعدا فيما وعد (3).
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ (4) أي آمنوا بألسنتهم و ظاهرهم آمنوا بقلوبكم و باطنكم ليوافق ظاهركم باطنكم فالخطاب للمنافقين و قيل الخطاب للمؤمنين على الحقيقة و المعنى اثبتوا على هذا الإيمان في المستقبل و داوموا عليه و اختاره الجبائي قال لأن الإيمان الذي هو التصديق لا يبقى و إنما يستمر بأن يجدده الإنسان حالا بعد حال.
و قيل الخطاب لأهل الكتاب أمروا بأن يؤمنوا بالنبي و الكتاب الذي أنزل عليه كما آمنوا بما معهم من التوراة و الإنجيل و يكون وجه أمرهم بالتصديق بهما و إن كانوا مصدّقين بهما أحد أمرين.
إما أن يكون لأن التوراة و الإنجيل فيهما صفات نبينا و تصحيح نبوّته فمن لم يصدقه و لم يصدق القرآن لا يكون مصدقا بهما لأن في تكذيبه تكذيب التوراة و الإنجيل.
و إما أن يكون الله عز و جل أمرهم بالإقرار بمحمد و القرآن و بالكتاب
____________
(1) النساء: 57.
(2) النساء: 122.
(3) مجمع البيان ج 3 ص 114.
(4) النساء: 136.
27
الذي أنزل من قبله و هو الإنجيل و ذلك لا يصح إلا بالإقرار بعيسى(ع)أيضا و أنه نبي مرسل.
وَ مَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ أي يجحده أو يشبهه بخلقه أو يرد أمره و نهيه وَ مَلائِكَتِهِ أي ينفيهم أو ينزلهم منزلة لا تليق بهم كما قالوا إنهم بنات الله وَ كُتُبِهِ فيجحدها وَ رُسُلِهِ فينكرهم وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ أي يوم القيامة فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً أي ذهب عن الحق و قصد السبيل ذهابا بعيدا.
وَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ (1) بأن آمنوا بجميعهم أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أي يعطيهم أُجُورَهُمْ الموعودة لهم سمي الثواب أجرا للدلالة على استحقاقهم لها و التصدير بسوف للدلالة على أنه كائن لا محالة و إن تأخر وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً لم يزل يغفر ما فرط منهم من المعاصي رَحِيماً يتفضل بأنواع الإنعام.
وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ (2) أي على ما كان وعدهم به من الجزاء وَ أَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا أي أنفوا عن الإقرار بوحدانيته وَ اسْتَكْبَرُوا أي تعظموا عن الإقرار له بالطاعة و العبودية وَلِيًّا ينجيهم من عذابه وَ لا نَصِيراً أي ناصرا ينقذهم من عقابه (3).
وَ اعْتَصَمُوا بِهِ أي بحبل طاعته أو طاعة أنبيائه و حججه أو بدينه كما قال وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً
وَ فِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الِاعْتِصَامُ التَّمَسُّكُ بِهِ بِوَلَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ- وَ وَلَايَةِ الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ.
فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ أي ثواب مستحق أو نعمة منه و هي الجنة عن ابن عباس وَ فَضْلٍ أي إحسان زائد عليه و قيل أي ما يبسط لهم من الكرامة و تضعيف الحسنات و ما يزاد لهم من النعم على ما يستحقونه وَ يَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً قال الطبرسي (رحمه الله) (4) صراطا مفعول ثان ليهديهم فإنه على
____________
(1) النساء: 152.
(2) النساء: 173.
(3) النساء: 175.
(4) مجمع البيان ج 3 ص 147.
28
معنى يعرفهم أو حال من الهاء في إليه أي يوفقهم لإصابة فضله الذي يتفضل به على أوليائه و يسددهم لسلوك منهج من أنعم عليهم من أهل طاعته و اقتفاء آثارهم.
و أقول
فِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ (1) الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ عَلِيٌّ ع.
لَهُمْ مَغْفِرَةٌ (2) أي لذنوبهم وَ أَجْرٌ أي ثواب عَظِيمٌ قال الطبرسي (رحمه الله) الفرق بين الثواب و الأجر أن الثواب يكون جزاء على الطاعات و الأجر قد يكون على سبيل المعاوضة بمعنى الأجرة (3).
وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ (4) قال يعني اليهود و النصارى آمَنُوا بمحمد وَ اتَّقَوْا الكفر و الفواحش لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أي سترناها عليهم و غفرناها لهم وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ أي عملوا بما فيهما على ما فيهما دون أن يحرفوا شيئا منهما أو عملوا بما فيهما بأن أقاموهما نصب أعينهم وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ أي القرآن و قيل كل ما دل الله عليه من أمور الدين لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ بإرسال السماء عليهم مدرارا وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ بإعطاء الأرض خيرها و قيل لأكلوا ثمار النخيل و الأشجار من فوقهم و الزروع من تحت أرجلهم.
و المعنى لتركوا في بلادهم و لم يجلوا عن بلادهم و لم يقتلوا فكانوا يتمتعون بأموالهم و ما رزقهم الله من النعم و إنما خص سبحانه الأكل لأن ذلك أعظم الانتفاع و قيل كناية عن التوسعة كما يقال فلان في الخير من قرنه إلى قدمه أي يأتيه الخير من كل جهة يلتمسه منها.
أقول و في تفسير علي بن إبراهيم مِنْ فَوْقِهِمْ المطر وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ
____________
(1) تفسير القمّيّ ص 606 و 612 و غير ذلك من الموارد التي يفسر كلمة «الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ»* و هكذا رواه الصدوق في المعاني ص 32 عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).
(2) المائدة: 9.
(3) مجمع البيان ج 3 ص 169.
(4) المائدة: 65 و 66.
29
النبات و أقول قال بعض أهل التحقيق مِنْ فَوْقِهِمْ الإفاضات و الإلهامات الربانية وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ما يكتسبونه بالفكر و النظر و مطالعة الكتب فهو محمول على الرزق الروحاني.
مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ قد دخلوا في الإسلام وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ و فيه معنى التعجب أي ما أسوأ عملهم و هم الذين أقاموا على الجحود و الكفر.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا (1) أي بالله و بما فرض عليهم الإيمان به وَ الَّذِينَ هادُوا أي اليهود وَ الصَّابِئُونَ قال علي بن إبراهيم إنهم ليسوا من أهل الكتاب و لكنهم يعبدون الكواكب و النجوم وَ النَّصارى مَنْ آمَنَ منهم أي نزع عن كفره فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في الآخرة حين يخاف الفاسقون وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ إذا حزن المخالفون.
أقول قد ورد مثل هذه الآية في البقرة (2) فَمَنْ آمَنَ (3) أي صدق الرسل وَ أَصْلَحَ أي عمل صالحا في الدنيا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من العذاب وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ بفوت الثواب يُؤْمِنُونَ بِهِ (4) أي بالقرآن وَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ فإن من صدق بالآخرة خاف العاقبة و لا يزال الخوف يحمله على النظر و التدبر حتى يؤمن به و يحافظ على الطاعة و تخصيص الصلاة لأنها عماد الدين و علم الإيمان إِنَّ فِي ذلِكُمْ (5) أي في إنزال الماء من السماء و إخراج النباتات و الأشجار و الثمار لَآياتٍ على وجود صانع عليم حكيم قدير يقدره و يدبره و ينقله من حال إلى حال لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ فإنهم المنتفعون.
____________
(1) المائدة: 69.
(2) البقرة: الآية 62.
(3) الأنعام: 48.
(4) الأنعام: 92.
(5) الأنعام: 99.
30
أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً (1) قيل أي كافرا فَأَحْيَيْناهُ بأن هديناه إلى الإيمان و إنما سمي الكافر ميتا لأنه لا ينتفع بحياته و لا ينفع غيره بحياته فهو أسوأ حالا من الميت و سمي المؤمن حيا لأنه له و لغيره المصلحة و المنفعة و قيل نطفة فأحييناه وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ قيل المراد بالنور العلم و الحكمة لأن العلم يهتدى به إلى الرشاد كما يهتدى بالنور في الطرقات أو القرآن و الإيمان كَمَنْ مَثَلُهُ مثل من هو فِي الظُّلُماتِ أي في ظلمة الكفر.
و سمي القرآن و الإيمان و العلم نورا لأن الناس يبصرون بذلك و يهتدون به من ظلمات الكفر و حيرة الضلالة كما يهتدى بسائر الأنوار و سمي الكفر ظلمة لأن الكافر لا يهتدي بهداه و لا يبصر أمر رشده كما سمي أعمى كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ قال الحسن زينه و الله لهم الشيطان و أنفسهم.
وَ فِي الْكَافِي (2) عَنِ الْبَاقِرِ(ع)مَيْتاً لَا يَعْرِفُ شَيْئاً وَ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ إِمَاماً يَأْتَمُّ بِهِ- كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ الْإِمَامَ.
وَ فِي الْعَيَّاشِيِ (3) عَنْهُ(ع)الْمَيِّتُ الَّذِي لَا يَعْرِفُ هَذَا الشَّأْنَ يَعْنِي هَذَا الْأَمْرَ- وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً إِمَاماً يَأْتَمُّ بِهِ يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ع- كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا هَذَا الْخَلْقُ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ شَيْئاً.
- وَ فِي الْمَنَاقِبِ عَنِ الصَّادِقِ(ع)كانَ مَيْتاً عَنَّا فَأَحْيَيْناهُ بِنَا.
وَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (4) جَاهِلًا عَنِ الْحَقِّ وَ الْوَلَايَةِ فَهَدَيْنَاهُ إِلَيْنَا قَالَ النُّورُ الْوَلَايَةُ فِي الظُّلُماتِ يَعْنِي وَلَايَةَ غَيْرِ الْأَئِمَّةِ ع
وَ فِي الْمَجْمَعِ (5) عَنِ الْبَاقِرِ(ع)أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَ أَبِي جَهْلٍ.
وَ هذا صِراطُ رَبِّكَ (6) قيل يعني طريقه و عادته في التوفيق و الخذلان و قيل الإسلام أو القرآن مُسْتَقِيماً لا اعوجاج فيه و النصب على الحال قَدْ فَصَّلْنَا
____________
(1) الأنعام: 122.
(2) لم نجده في الكافي.
(3) العيّاشيّ ج 1 ص 357.
(4) تفسير القمّيّ ص: 203.
(5) مجمع البيان ج 4 ص 359.
(6) الأنعام: 122.
31
الْآياتِ أي بيناها و ميزناها لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ فيعلمون أن القادر هو الله و أن كل ما يحدث من خير أو شر فهو بقضائه و أنه عليم بأحوال العباد حكيم عدل فيما يفعل بهم لَهُمْ للذين تذكروا و عرفوا الحق دارُ السَّلامِ أي دار الله أو دار السلامة من كل آفة.
و قال علي بن إبراهيم يعني في الجنة و السلام الأمان و العافية و السرور عِنْدَ رَبِّهِمْ أي في ضمانه يوصلهم إليها لا محالة وَ هُوَ وَلِيُّهُمْ قيل أي مولاهم و محبهم و قال علي بن إبراهيم أي أولى بهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أي بسبب أعمالهم.
وَ أَنَّ هذا صِراطِي (1) أي و لأن تعليل للأمر باتباعه و قيل الإشارة فيه إلى ما ذكر في السورة فإنها بأسرها في إثبات التوحيد و النبوة و بيان الشريعة و قرئ إن بالكسر على الاستئناف وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ أي الأديان المختلفة المتشعبة عن الأهوية المتباينة فَتَفَرَّقَ بِكُمْ أي فتفرقكم و تزيلكم عَنْ سَبِيلِهِ الذي هو اتباع الوحي و اقتفاء البرهان ذلِكُمْ الاتباع وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الضلال و التفرق عن الحق.
وَ فِي رَوْضَةِ الْوَاعِظِينَ، عَنِ النَّبِيِّ ص فِي هَذِهِ الْآيَةِ سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَهَا لِعَلِيٍّ فَفَعَلَ (2).
وَ رَوَى الْعَيَّاشِيُّ عَنِ الْبَاقِرِ(ع)أَنَّهُ قَالَ لِبُرَيْدٍ الْعِجْلِيِّ تَدْرِي مَا يَعْنِي بِ صِراطِي مُسْتَقِيماً قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ وَلَايَةُ عَلِيٍّ وَ الْأَوْصِيَاءِ قَالَ وَ تَدْرِي مَا يَعْنِي وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ وَلَايَةَ فُلَانٍ وَ فُلَانٍ قَالَ وَ تَدْرِي
____________
(1) الأنعام: 153.
(2) و رواه ابن شهرآشوب في المناقب عن إبراهيم الثقفى بإسناده الى أبى برذة الاسلمى ج 3 ص 72.
32
مَا مَعْنَى فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ يَعْنِي سَبِيلَ عَلِيٍّ(ع)(1).
هَلْ يَنْظُرُونَ (2) إنكار بمعنى ما ينتظرون إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أي ملائكة الموت أو العذاب أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أي أمره بالعذاب أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ
فِي الْإِحْتِجَاجِ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ إِنَّمَا خَاطَبَ نَبِيَّنَا ص هَلْ يَنْتَظِرُ الْمُنَافِقُونَ أَوْ الْمُشْرِكُونَ- إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ فيعاينوهم أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ يَعْنِي بِذَلِكَ أَمْرَ رَبِّكَ وَ الْآيَاتُ هِيَ الْعَذَابُ فِي دَارِ الدُّنْيَا كَمَا عَذَّبَ الْأُمَمَ السَّالِفَةَ وَ الْقُرُونَ الْخَالِيَةَ (3).
يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ إلخ كأن المعنى أنه لا ينفع الإيمان حينئذ نفسا غير مقدمة إيمانها أو مقدمة إيمانها غير كاسبة في إيمانها خيرا و الآية تدل على أن الإيمان لا ينفع و لا يقبل عند معاينة أحوال الآخرة و مشاهدة العذاب كإيمان فرعون و قد مرّ تفسير الآية بتمامها في كتاب المعاد.
وَ فِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْبَاقِرِ(ع)نَزَلَتْ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قَالَ إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها
وَ فِي الْكَافِي وَ الْعَيَّاشِيِّ عَنِ الْبَاقِرِ وَ الصَّادِقِ(ع)فِي قَوْلِهِ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ قَالَ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَ خُرُوجُ الدَّجَّالِ وَ ظُهُورُ الدُّخَانِ وَ الرَّجُلُ يَكُونُ مُصِرّاً وَ لَمْ يَعْمَلْ عَمَلَ الْإِيمَانِ ثُمَّ تَجِيءُ الْآيَاتُ فَلَا يَنْفَعُهُ إِيمَانُهُ.
وَ عَنْ أَحَدِهِمَا(ع)فِي قَوْلِهِ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قَالَ الْمُؤْمِنُ الْعَاصِي حَالَتْ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ إِيمَانِهِ كَثْرَةُ ذُنُوبِهِ وَ قِلَّةُ حَسَنَاتِهِ فَلَمْ يَكْسِبْ فِي إِيمَانِهِ خَيْراً (4).
____________
(1) تفسير العيّاشيّ ج 1 ص 383 و 384.
(2) الأنعام: 158.
(3) الاحتجاج ص 132.
(4) تفسير العيّاشيّ ج 1 ص 385.
33
وَ فِي الْكَافِي عَنِ الصَّادِقِ(ع)مِنْ قَبْلُ يَعْنِي فِي الْمِيثَاقِ- أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قَالَ الْأَنْبِيَاءُ وَ الْأَوْصِيَاءُ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)خَاصَّةً، قَالَ لَا يَنْفَعُ إِيمَانُهَا لِأَنَّهَا سُلِبَتْ (1).
وَ فِي الْإِكْمَالِ عَنْهُ(ع)فِي هَذِهِ الْآيَةِ يَعْنِي خُرُوجَ الْقَائِمِ الْمُنْتَظَرِ (2).
وَ عَنْهُ(ع)قَالَ: الْآيَاتُ هُمُ الْأَئِمَّةُ(ع)وَ الْآيَةُ الْمُنْتَظَرَةُ الْقَائِمُ(ع)فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها (3)
وَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهَا خُرُوجُ دَابَّةِ الْأَرْضِ مِنْ عِنْدِ الصَّفَا مَعَهَا خَاتَمُ سُلَيْمَانَ وَ عَصَا مُوسَى وَ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا (4).
قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ وعيد و تهديد أي انتظروا إتيان أحد الثلاثة فإنا منتظرون له و حينئذ لنا الفوز و لكم الويل.
قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي (5) أي بالوحي و الإرشاد و دِيناً أي هداني دينا قِيَماً فيعل من قام كالسيد و الهين مِلَّةَ إِبْراهِيمَ هداني و عرفني ملة إبراهيم في حال حنيفيته
وَ فِي الْعَيَّاشِيِ (6) عَنِ الْبَاقِرِ(ع)مَا أَبَقَتِ الْحَنِيفِيَّةُ شَيْئاً حَتَّى إِنَّ مِنْهَا قَصَّ الْأَظْفَارِ وَ الْأَخْذَ مِنَ الشَّارِبِ وَ الْخِتَانَ.
وَ عَنْهُ(ع)مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَدِينُ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ(ع)غَيْرَنَا وَ غَيْرَ شِيعَتِنَا.
وَ عَنِ السَّجَّادِ(ع)مَا أَحَدٌ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا نَحْنُ وَ شِيعَتُنَا وَ سَائِرُ النَّاسِ مِنْهَا بِرَاءٌ.
.
____________
(1) الكافي ج 1 ص 428.
(2) اكمال الدين ج 2 ص 27.
(3) اكمال الدين ج 2 ص 5.
(4) اكمال الدين ج 2 ص 207 و 208 في حديث الدجال.
(5) الأنعام: 160- 161.
(6) تفسير العيّاشيّ ج 1 ص 388.
34
ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ (1) أي من القرآن و الوحي مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ أي شياطين الجن و الإنس فيحملوكم على الأهواء و البدع و يضلوكم عن دين الله و عما أمرتم باتباعه قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ أي تذكرا قليلا تتذكرون لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها (2) اعتراض بين المبتدإ و الخبر للترغيب في اكتساب النعيم المقيم بما يسعه طاقتهم و يسهل عليهم.
وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ (3) أي في الدنيا فما من مسلم و لا كافر و لا مطيع و لا عاص و هو متقلب في نعمتي أو في الدنيا و الآخرة إلا أن قوما لم يدخلوها لضلالهم فَسَأَكْتُبُها أي فسأثبتها و أوجبها في الآخرة لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الشرك و المعاصي.
وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ (4) يستفاد من بعض الآيات تأويل الطيبات بأخذ العلم من أهله و الخبائث بقول من خالف و هو بطن من بطون الآية و قد مر تفسيرها في أبواب الأطعمة وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ أي يخفف عنهم ما كلفوا به من التكاليف الشاقة و أصل الإصر الثقل (5) و كذا الأغلال وَ عَزَّرُوهُ أي عظموه بالتقوية و الذب عنه و أصل التعزير المنع و أما النور فقيل هو القرآن و في كثير من الأخبار أنه علي ع.
وَ هاجَرُوا (6) أي فارقوا أوطانهم و قومهم حبا لله و لرسوله و هم
____________
(1) الأعراف: 3.
(2) الأعراف: 42.
(3) الأعراف: 156.
(4) الأعراف: 157.
(5) بل المراد: وعد الناس بأن الايمان به و التسليم له يجب عما قبله فمن آمن به و أسلم له حط من عاتقه ثقل الآثام و الذنوب التي اكتسبها قبل ذلك حتّى حقوق الناس أي مظالمهم و أقول: على ما ثبت من تأويل الآية في المهدى «ص» يكون الايمان به و التسليم له يجب عما قبل ذلك من الآثام و الذنوب كلها، اللّهمّ اجعلنا من الآمنين به.
(6) الأنفال: 73.
35
المهاجرون من مكة إلى المدينة وَ الَّذِينَ آوَوْا أي آووهم إلى ديارهم وَ نَصَرُوا هم على أعدائهم و هم الأنصار أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لأنهم حققوا إيمانهم بالهجرة و النصرة و الانسلاخ من الأهل و المال و النفس لأجل الدين لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ لا تبعة له و لا منة فيه وَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا مَعَكُمْ (1) يريد اللاحقين بعد السابقين فَأُولئِكَ مِنْكُمْ أي من جملتكم أيها المهاجرون و الأنصار و حكمهم حكمكم في وجوب موالاتهم و نصرتهم و إن تأخر إيمانهم و هجرتهم.
أَعْظَمُ دَرَجَةً (2) أي ممن لم يستجمع هذه الصفات وَ أُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ أي المختصون بالفوز و نيل الحسنى عند الله.
وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً (3) أي يطيب فيها العيش فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ أي إقامة و خلود و قد مضت الأخبار في ذلك من باب وصف الجنة وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ يعني و شيء من رضوانه أكبر من ذلك كله لأن رضاه سبب كل سعادة و موجب كل فوز و به ينال كرامته التي هي أكبر أصناف الثواب ذلِكَ الرضوان هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الذي يستحقر دونه كل لذة و بهجة.
أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ (4) أي سابقة و فضلا سميت قدما لأن السبق بها كما سميت النعمة يدا لأنها باليد تعطى و إضافتها إلى الصدق لتحققها و التنبيه على أنهم إنما ينالونها بصدق القول و النية
وَ فِي الْمَجْمَعِ (5) عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّ مَعْنَى قَدَمَ صِدْقٍ شَفَاعَةُ مُحَمَّدٍ ص.
و في الكافي و العياشي (6) هو رسول الله ص و فيهما بولاية أمير المؤمنين(ع)و هذا لأن الولاية من شروط الشفاعة و هما متلازمتان.
بِإِيمانِهِمْ (7) أي بسبب إيمانهم للاستقامة على سلوك الطريق المؤدي
____________
(1) الأنفال: 74.
(2) براءة: 20.
(3) براءة: 22.
(4) يونس: 2.
(5) مجمع البيان ج 5 ص 89.
(6) تفسير العيّاشيّ ج 2 ص 117 و 118.
(7) يونس: 9.
36
إلى الجنة فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ لأن التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها أو يهديهم في الآخرة إليها.
وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (1) بالنصرة في الدنيا و الجنة في العقبى.
آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ (2) قال الطبرسي (3) (رحمه الله) فيه إضمار أي قيل له آلآن آمنت حين لم ينفع الإيمان و لم يقبل لأنه حال الإلجاء و قد عصيت بترك الإيمان في حال ما ينفعك الإيمان فهلا آمنت قبل ذلك و إيمان الإلجاء لا يستحق به الثواب فلا ينفع انتهى.
و ذكر الرازي لعدم قبول توبة فرعون وجوها منها أنه إنما آمن عند نزول العذاب و الإيمان في هذا الوقت غير مقبول لأنه عند نزول العذاب وقت الإلجاء و في هذا الحال لا تكون التوبة مقبولة.
كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا (4) أي مثل ذلك الإنجاء نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ منكم حين نهلك المشركين و حَقًّا عَلَيْنا اعتراض يعني حق ذلك علينا حقا
وَ فِي الْمَجْمَعِ (5) وَ الْعَيَّاشِيِ (6) عَنِ الصَّادِقِ(ع)مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَشْهَدُوا عَلَى مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ
وَ لكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ (7) فإنه هو الحقيق بأن يخاف و يرجى و يعبد و إنما خص التوفي بالذكر للتهديد وَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ المصدقين بالتوحيد فهذا ديني.
____________
(1) يونس: 87.
(2) يونس: 91.
(3) مجمع البيان ج 5 ص 131.
(4) يونس: 102.
(5) مجمع البيان ج 5 ص 138.
(6) تفسير العيّاشيّ ج 2 ص 138.
(7) يونس: 103.
37
وَ أَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ (1) عطف على أن أكون غير أن صلة أن محكية بصيغة الأمر و المعنى أمرت بالاستقامة و السداد في الدين بأداء الفرائض و الانتهاء عن القبائح.
وَ أَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ (2) أي اطمأنوا إليه و خشعوا له مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ أي الكافر و المؤمن كَالْأَعْمى وَ الْأَصَمِ أي كالأعمى و كالأصم أو كالأعمى الأصم وَ الْبَصِيرِ وَ السَّمِيعِ أي كالبصير و كالسميع أو كالبصير السميع و ذلك لتعامي الكافر عن آيات الله و تصامه عن استماع كلام الله و تأبيه عن تدبّر معانيه أَ فَلا تَذَكَّرُونَ بضرب الأمثال و التأمل فيها.
هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَ الْبَصِيرُ (3) قال علي بن إبراهيم يعني الكافر و المؤمن أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَ النُّورُ قال الكفر و الإيمان كَلِمَةً طَيِّبَةً (4) قيل أي قولا حقا و دعاء إلى صلاح كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ يطيب ثمرها كالنخلة
وَ فِي الْمَجْمَعِ (5) عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ الطَّيِّبَةَ النَّخْلَةُ- أَصْلُها ثابِتٌ فِي الْأَرْضِ ضَارِبٌ بِعُرُوقِهِ فِيهَا- تُؤْتِي أُكُلَها أَيْ تُعْطِي ثَمَرَهَا كُلَّ حِينٍ أَيْ كُلَّ وَقْتِ وَقَّتَهُ اللَّهُ لِإِثْمَارِهَا- بِإِذْنِ رَبِّها أَيْ بِإِرَادَةِ خَالِقِهَا لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ لِأَنَّ فِي ضَرْبِ الْأَمْثَالِ تَذْكِيراً وَ تَصْوِيراً لِلْمَعَانِي بِالْمَحْسُوسَاتِ لِتَقْرِيبِهَا مِنَ الْأَفْهَامِ.
وَ فِي الْعَيَّاشِيِ (6) عَنِ الصَّادِقِ(ع)هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّهِ وَ لِمَنْ عَادَاهُمْ.
وَ فِي الْكَافِي، (7) عَنْهُ(ع)أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الشَّجَرَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ- رَسُولُ اللَّهِ ص أَصْلُهَا وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَرْعُهَا وَ الْأَئِمَّةُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا أَغْصَانُهَا
____________
(1) يونس: 105.
(2) هود: 23 و 24.
(3) الرعد: 16.
(4) إبراهيم: 24- 27.
(5) مجمع البيان ج 6 ص 312.
(6) تفسير العيّاشيّ ج 2 ص 224.
(7) الكافي ج 1 ص 428.
38
وَ عِلْمُ الْأَئِمَّةِ ثَمَرُهَا وَ شِيعَتُهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَرَقُهَا.
قال و الله إن المؤمن ليولد فتورق ورقة فيها و إن المؤمن ليموت فتسقط ورقة منها.
و في الإكمال الحسن و الحسين ثمرها و التسعة من ولد الحسين أغصانها و في معاني الأخبار (1) و غصن الشجرة فاطمة و ثمرها أولادها و ورقها شيعتنا و زاد في الإكمال تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ ما يخرج من علم الإمام إليكم في كل سنة من كل فجّ عميق.
وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ قيل أي قول باطل و دعاء إلى ضلال أو فساد كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل اجْتُثَّتْ أي استؤصلت و أخذت جثته بالكلية مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ لأن عروقها قريبة منه ما لَها مِنْ قَرارٍ أي استقرار
وَ فِي الْمَجْمَعِ (2) عَنِ الْبَاقِرِ(ع)أَنَّ هَذَا مَثَلُ بَنِي أُمَيَّةَ.
وَ رَوَى عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْهُ(ع)كَذَلِكَ الْكَافِرُونَ لَا تَصْعَدُ أَعْمَالُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ وَ بَنُو أُمَيَّةَ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِي مَجْلِسٍ وَ لَا فِي مَسْجِدٍ وَ لَا تَصْعَدُ أَعْمَالُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ.
بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ قيل أي الذي ثبت بالحجة و البرهان عندهم و تمكن في قلوبهم و اطمأنت إليه أنفسهم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فلا يزلون إذا افتتنوا في دينهم وَ فِي الْآخِرَةِ فلا يتلعثمون (3) إذا سئلوا عن معتقدهم وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ الذين ظلموا أنفسهم بالجحود و الاقتصار على التقليد فلا يهتدون إلى الحق و لا يثبتون في مواقف الفتن
وَ فِي التَّوْحِيدِ عَنِ الصَّادِقِ(ع)يَعْنِي يُضِلُّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ دَارِ كَرَامَتِهِ- وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ مِنْ تَثْبِيتِ الْمُؤْمِنِينَ وَ خِذْلَانِ الظَّالِمِينَ.
. و يظهر من كثير من الأخبار أن التثبيت في الدنيا عند الموت و في الآخرة في القبر أو الآخرة تشمل الحالتين و قد مضت الأخبار الكثيرة في تفسير الآيات المذكورة في كتب الإمامة و الفتن و المعاد و قد أوردنا وجوها كثيرة فيها
____________
(1) معاني الأخبار ص 400.
(2) مجمع البيان ج 6 ص 313.
(3) تلعثم: توقف و تلكأ.
39
فلا نعيدها.
حَنِيفاً (1) قال الراغب الحنف هو ميل عن الضلال إلى الاستقامة و الجنف بالعكس (2) أَجْراً حَسَناً (3) هو الجنة أَبَداً بلا انقطاع إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (4) إلا انتظار أن تأتيهم سنة الأولين و هي الإهلاك و الاستئصال أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ أي عذاب الآخرة قُبُلًا أي عيانا كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ (5) قال في المجمع (6) أي كان في حكم الله و علمه لهم بساتين الفردوس و هو أطيب موضع في الجنة و أوسطها و أفضلها و أرفعها نُزُلًا أي منزلا و مأوى و قيل ذات نزل و قال الراغب النزل ما يعد للنازل من الزاد (7) لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا أي تحولا إذ لا يجدون أطيب منها حتى تنازعهم إليه أنفسهم وَ لا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (8) قيل أي لا ينقصون شيئا من جزاء أعمالهم و يجوز أن ينتصب شيئا على المصدر.
سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (9) قيل أي سيجعل لهم في القلوب مودة و قد مر (10) في أخبار كثيرة أنها نزلت في أمير المؤمنين(ع)حيث جعل الله له في قلوب المؤمنين ودا و فرض مودته و ولايته على الخلق
____________
(1) النحل: 123.
(2) المفردات: ص 33 و فيه: و الجنف ميل عن الاستقامة الى الضلال.
(3) الكهف: 2- 3.
(4) الكهف: 55.
(5) الكهف: 108.
(6) مجمع البيان ج 6 ص 498.
(7) المفردات: ص 489.
(8) مريم: 60.
(9) مريم: 96.
(10) راجع تاريخ أمير المؤمنين (عليه السلام) الباب 14 ج 35 ص 360 من هذه الطبعة.
40
قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ (1) أي في الدنيا لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى أي المنازل الرفيعة جَنَّاتُ عَدْنٍ بدل من الدرجات مَنْ تَزَكَّى أي من تطهر من أدناس الكفر و المعاصي لِمَنْ تابَ (2) أي من الشرك وَ آمَنَ بما يجب الإيمان به ثُمَّ اهْتَدى أي إلى ولاية أهل البيت(ع)كما ورد في الأخبار الكثيرة التي قد مر بعضها و سيأتي بعضها إن شاء الله.
وَ هُوَ مُؤْمِنٌ (3) أي بالله و رسله فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ أي لا تضييع له استعير لمنع الثواب كما استعير الشكر لإعطائه وَ إِنَّا لَهُ أي لسعيه كاتِبُونَ أي مثبتون في صحيفة عمله يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (4) أي من إثابة الموحد الصالح و عقاب المشرك لا دافع له و لا مانع.
مِنْ أَساوِرَ (5) جمع أسورة و هي جمع سوار مِنْ ذَهَبٍ بيان له وَ لُؤْلُؤاً عطف عليها لا على ذهب إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ قيل هو قولهم الحمد لله الذي صدقنا وعده أو كلمة التوحيد و قال علي بن إبراهيم التوحيد و الإخلاص وَ هُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ قيل أي المحمود نفسه أو عاقبته و هو الجنة أو الحق أو المستحق لذاته الحمد و هو الله تعالى و صراطه الإسلام.
وَ فِي الْمَحَاسِنِ عَنِ الْبَاقِرِ(ع)هُوَ وَ اللَّهِ هَذَا الْأَمْرُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ.
وَ فِي الْكَافِي (6) عَنِ الصَّادِقِ(ع)فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ ذَاكَ حَمْزَةُ وَ جَعْفَرٌ وَ عُبَيْدَةُ وَ سَلْمَانُ وَ أَبُو ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادُ وَ عَمَّارٌ هُدُوا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ.
إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا (7) أي غائلة المشركين وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ (8) قيل الكريم من كل نوع ما يجمع فضائله
____________
(1) طه: 75- 76.
(2) طه: 82.
(3) الأنبياء: 94.
(4) الحجّ: 14.
(5) الحجّ: 23 و 24.
(6) الكافي ج 1 ص 426.
(7) الحجّ: 38.
(8) الحجّ: 50.
41
إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (1) قالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ إِلَى الْإِمَامِ الْمُسْتَقِيمِ.
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (2)
فِي الْكَافِي (3) عَنِ الْبَاقِرِ(ع)قَالَ: أَ تَدْرِي مَنْ هُمْ قِيلَ أَنْتَ أَعْلَمُ قَالَ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الْمُسَلِّمُونَ إِنَّ الْمُسَلِّمِينَ هُمُ النُّجَبَاءُ.
وَ رَوَى عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ قَالَ لَهَا تَكَلَّمِي فَقَالَتْ- قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الْآيَةَ.
و أقول تدل الآيات على اشتراط تأثير الإيمان في دخول الجنة بالأعمال و إن أمكن تأويلها بما سيأتي و كذا قوله تعالى وَ يَقُولُونَ آمَنَّا إلى آخر الآيات تدل على بعض شرائط الإيمان و أن من لم يتحاكم إلى الرسول و لم يرض بحكمه فليس بمؤمن.
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ (4) حمل على الكاملين في الإيمان الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ أي من صميم قلوبهم وَ إِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ كالجمعة و الأعياد و الحروب و المشاورة في الأمور حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ أي الرسول ص إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أعاده مؤكدا على أسلوب أبلغ فإنه يفيد أن المستأذن مؤمن لا محالة و أن الذاهب بغير إذن ليس كذلك تنبيها على كونه مصداقا لصحة الإيمان و مميزا للمخلص عن المنافق و تعظيما للجرم.
فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (5) قيل عسى تحقيق على عادة الكرام أو ترجي من التائب بمعنى فليتوقع أن يفلح وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ (6) أي لا يختبرون
وَ فِي الْمَجْمَعِ (7) عَنِ الصَّادِقِ ع
____________
(1) الحجّ: 54.
(2) المؤمنون: 51.
(3) الكافي ج 1 ص 391 و بعده: فالمؤمن غريب فطوبى للغرباء، و رواه في المحاسن ص 272.
(4) المؤمنون: 62.
(5) القصص: 67.
(6) العنكبوت: 1- 3.
(7) مجمع البيان ج 8 ص 272.
42
مَعْنَى يُفْتَنُونَ يُبْتَلَوْنَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَ أَمْوَالِهِمْ.
وَ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ فِتْنَةٍ يُبْتَلَى بِهَا الْأُمَّةُ لِيَتَعَيَّنَ الصَّادِقُ مِنَ الْكَاذِبِ لِأَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ وَ بَقِيَ السَّيْفُ وَ افْتِرَاقُ الْكَلِمَةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَ فِي الْكَافِي (1) عَنِ الْكَاظِمِ(ع)أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ثُمَّ قَالَ مَا الْفِتْنَةُ قِيلَ الْفِتْنَةُ فِي الدِّينِ فَقَالَ يُفْتَنُونَ كَمَا يُفْتَنُ الذَّهَبُ ثُمَّ يُخَلَّصُونَ كَمَا يُخَلَّصُ الذَّهَبُ.
فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا أي في الوجود بحيث يتميز الذين صدقوا في الإيمان و الذين كذبوا فيه بعد ما كان يعلمهم قبل ذلك أنهم سيوجدون و يمتحنون
وَ فِي الْمَجْمَعِ (2) عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُمَا قَرَءَا بِضَمِّ الْيَاءِ وَ كَسْرِ اللَّامِ فِيهِمَا مِنَ الْإِعْلَامِ أَيْ لَيُعَرِّفَنَّهُمُ النَّاسَ.
و أقول تدل على أن الإقرار الظاهري غير كاف في الإيمان الواقعي أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (3) أي أحسن جزاء أعمالهم.
لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (4) أي في جملتهم أو في زمرتهم في الجنة وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ بلسانه فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ أي في دينه أو في ذاته جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ أي تعذيبهم و أذيتهم كَعَذابِ اللَّهِ فيرجع عن الدين كما ينبغي للكافر أن يترك دينه مخافة عذاب الله وَ لَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ أي فتح و غنيمة لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ في الدين فأشركونا فيه و المراد المنافقون أو قوم ضعف إيمانهم فارتدوا من أذى المشركين و يؤيد الأول أَ وَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ أي من الإخلاص و النفاق وَ لَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بقلوبهم وَ لَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ فيجازي الفريقين.
وَ قُولُوا (5) أي لأهل الكتاب في المجادلة و في الدعوة إلى الدين فلا
____________
(1) الكافي ج 1 ص 370.
(2) مجمع البيان ج 8 ص 271.
(3) العنكبوت: 7.
(4) العنكبوت: 9- 11.
(5) العنكبوت: 46 و 47.
43
يدل على اشتراط الإيمان بالقول فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ أي علمه أي مؤمنو أهل الكتاب وَ مِنْ هؤُلاءِ يعني من العرب أو من أهل مكة أو ممن في عهد الرسول ص من أهل الكتاب مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ أي بالقرآن وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا مع ظهورها و قيام الحجة عليها إِلَّا الْكافِرُونَ المتوغلون في الكفر.
يُتْلى عَلَيْهِمْ (1) أي تدوم تلاوته عليهم إِنَّ فِي ذلِكَ أي الكتاب الذي هو آية مستمرة و حجة مبينة لَرَحْمَةً أي لنعمة عظيمة وَ ذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي تذكرة لمن همّه الإيمان دون التعنّت لَنُبَوِّئَنَّهُمْ (2) لَنُنْزِلَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ المخصوص بالمدح محذوف دل عليه ما قبله و هو الجنة أو الغرف الَّذِينَ صَبَرُوا على المحن و المشاق في الدين وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي لا يتوكلون إلا على الله فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ (3) قيل أي أرض ذات أزهار و أنهار يُحْبَرُونَ أي يسرون سرورا تهللت له وجوههم و قال علي بن إبراهيم أي يكرمون.
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً (4) قيل أي مائلا مستقيما عليه و قيل هو تمثيل للإقبال و استقامة عليه و الاهتمام به و قال علي بن إبراهيم أي طاهرا
وَ رَوَى هُوَ وَ الْكُلَيْنِيُ (5) عَنِ الْبَاقِرِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: هُوَ الْوَلَايَةُ.
وَ فِي التَّهْذِيبِ عَنِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ: أَمَرَهُ أَنْ يُقِيمَ وَجْهَهُ لِقِبْلَةٍ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ.
فِطْرَتَ اللَّهِ نصب على الإغراء أو المصدر لما دل عليه ما بعدها الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها أي خلقهم عليها قيل و هي قبولهم للحق و تمكنهم من إدراكه أو ملة الإسلام فإنهم لو خلوا و ما خلقوا عليه أدى بهم إليها.
____________
(1) العنكبوت: 51.
(2) العنكبوت: 58 و 59.
(3) الروم: 15.
(4) الروم: 30- 32.
(5) الكافي ج 1 ص 419.
44
وَ فِي الْكَافِي (1) عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ سُئِلَ مَا تِلْكَ الْفِطْرَةُ قَالَ هِيَ الْإِسْلَامُ.
فطرهم الله حين أخذ ميثاقهم على التوحيد قال أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ (2) و فيهم المؤمن و الكافر.
و في كثير من الأخبار (3) فطرهم على التوحيد و في بعضها فطرهم على الولاية و في بعضها فطرهم على التوحيد و محمد رسول الله ص و آله و علي أمير المؤمنين(ع)(4).
وَ عَنِ الْبَاقِرِ(ع)(5) فَطَرَهُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ عِنْدَ الْمِيثَاقِ عَلَى مَعْرِفَةِ أَنَّهُ رَبُّهُمْ قَالَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَمْ يَعْلَمُوا مَنْ رَبُّهُمْ وَ لَا مَنْ رَازِقُهُمْ.
و قد مضت الأخبار و الأقوال في ذلك في كتاب العدل.
لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ أي لا يقدر أحد أن يغيره أو لا ينبغي أن يغير ذلِكَ إشارة إلى الدين المأمور بإقامة الوجه له أو الفطرة إن فسرت بالملة الدِّينُ الْقَيِّمُ أي المستوي الذي لا عوج فيه وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أي استقامته مُنِيبِينَ إِلَيْهِ أي راجعين إليه مرة بعد أخرى مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ أي اختلفوا فيما يعبدونه على اختلاف أهوائهم و قرأ حمزة و الكسائي فارقوا أي تركوا وَ كانُوا شِيَعاً أي فرقا يشايع كل إمامها الذي أصل دينها كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ أي مسرورون ظنا بأنه الحق (6).
لِلدِّينِ الْقَيِّمِ أي البليغ الاستقامة لا مَرَدَّ لَهُ لتحتم مجيئه يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ أصله يتصدعون أي يتفرقون فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ
____________
(1) الكافي ج 2 ص 12.
(2) الأعراف: 172.
(3) راجع الكافي كتاب الإيمان و الكفر باب فطرة الخلق على التوحيد.
(4) راجع الكافي ج 1 ص 412 و تراه في كشف الحق بروايته عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ج 1 ص 93.
(5) تفسير العيّاشيّ ج 2 ص 40.
(6) الروم: 43.
45
لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (1) قيل أي لهم نعيم جنات فعكس للمبالغة خالِدِينَ فِيها حال من الضمير في لهم أو من جنات النعيم وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا مصدران مؤكدان الأول لنفسه و الثاني لغيره لأن قوله لَهُمْ جَنَّاتُ وعد و ليس كل وعد حقا وَ هُوَ الْعَزِيزُ الذي لا يغلبه شيء فيمنعه عن إنجاز وعده و وعيده الْحَكِيمُ الذي لا يفعل إلا ما تستدعيه حكمته بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً (2) أي على سائر الأمم أو على أجر أعمالهم وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ أي لا تعب فيه و لا من عليه وَ ما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَ الْبَصِيرُ (3) أي الكافر و المؤمن وَ لَا الظُّلُماتُ وَ لَا النُّورُ أي و لا الباطل و لا الحق وَ لَا الظِّلُّ وَ لَا الْحَرُورُأي و لا الثواب و لا العقاب و لا لتأكيد نفي الاستواء و تكريرها على الشقين لمزيد التأكيد و الحرور من الحر غلب على السموم.
و قال علي بن إبراهيم الظل الناس و الحرور البهائم و كأنهم إنما سموا ظلا لتعيشهم في الظلال و البهائم حرورا لتعيشهم فيها و في بعض النسخ للناس و للبهائم و هو أصوب و في بعضها و لا الحرور و الحرور السمائم و هو أظهر منهما وَ ما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَ لَا الْأَمْواتُ تمثيل آخر للمؤمنين و الكافرين أبلغ من الأول و لذلك كرر الفعل و قيل للعلماء و الجهلاء إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ هدايته فيوفقه لفهم آياته و الاتعاظ بعظاته وَ ما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ أي المصرين على الكفر و قال علي بن إبراهيم قال هؤلاء الكفار لا يسمعون منك كما لا يسمع من في القبور.
مَنْ كانَ حَيًّا (4) قال ره يعني مؤمنا حي القلب و في المجمع عن
____________
(1) لقمان: 8 و 9.
(2) الأحزاب: 47.
(3) فاطر: 19.
(4) يس: 70.
46
أمير المؤمنين(ع)أي عاقلا وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ أي تجب كلمة العذاب عَلَى الْكافِرِينَ (1) الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ (2) أخبر عنهم بالإيمان إظهارا لفضله و تعظيما لأهله وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا في الأخبار الكثيرة للذين آمنوا بولايتهم(ع)رَبَّنا أي يقولون ربنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً أي وسعت رحمتك و علمك كل شيء فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ قيل أي للذين علمت منهم التوبة و اتباع سبيل الحق وَ قِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ رَبَّنا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ أي إياها وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَ أَزْواجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ عطف على هم الأول أي أدخلهم و معهم هؤلاء ليتم سرورهم أو الثاني لبيان عموم الوعد إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الذي لا يمتنع عليه مقدور الْحَكِيمُ الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه حكمته و من ذلك الوفاء بالوعد وَ قِهِمُ السَّيِّئاتِ أي العقوبات أو جزاء السيئات أو المعاصي في الدنيا لقوله وَ مَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ أي و من تقها في الدنيا فقد رحمته في الآخرة وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يعني الرحمة أو الوقاية أو مجموعهما.
وَ مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ (3) قيل أي بغير تقدير و موازنة بالعمل بل أضعافا مضاعفة فضلا من الله و رحمة و لعل جعل العمل عمدة و الإيمان حالا للدلالة على أنه شرط في اعتبار العمل و أن ثوابه أعلى من ذلك.
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا (4) قيل أي بالحجة و الظفر و الانتقام من الكفرة فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ الأشهاد جمع شاهد و المراد بهم من يقوم
____________
(1) مجمع البيان ج 8 ص 432.
(2) المؤمن: 6- 9.
(3) المؤمن: 40.
(4) المؤمن: 51.
47
يوم القيامة للشهادة على الناس من الملائكة و الأنبياء و المؤمنين.
و قال علي بن إبراهيم هو في الرجعة إذا رجع رسول الله ص و الأئمة ص
وَ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ: ذَلِكَ وَ اللَّهِ فِي الرَّجْعَةِ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ لَمْ يُنْصَرُوا فِي الدُّنْيَا وَ قُتِلُوا وَ الْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِمْ قُتِلُوا وَ لَمْ يُنْصَرُوا وَ ذَلِكَ فِي الرَّجْعَةِ.
وَ ما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَ الْبَصِيرُ (1) أي الجاهل و المستبصر وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ لَا الْمُسِيءُ أي و لا يستوي المؤمن المحسن و المسيء مؤمنا كان أو غيره قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ أي تذكرا ما قليلا تتذكرون فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا (2) أي عذابنا النازل بهم قال في المجمع (3) أي عند رؤيتهم بأس الله و عذابه لأنهم يصيرون عند ذلك ملجئين و فعل الملجإ لا يستحق به المدح سُنَّتَ اللَّهِ نصبها على المصدر أي سن الله هذه السنة في الأمم الماضية كلها إذ لا ينفعهم إيمانهم إذا رأوا العذاب و المراد بالسنة هنا الطريقة المستمرة من فعله بأعدائه الجاحدين وَ خَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ بدخول النار و استحقاق النقمة و فوت الثواب و الجنة
وَ فِي الْعُيُونِ (4) عَنِ الرِّضَا(ع)أَنَّهُ سُئِلَ لِأَيِّ عِلَّةٍ غَرَّقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وَ قَدْ آمَنَ بِهِ وَ أَقَرَّ بِتَوْحِيدِهِ قَالَ لِأَنَّهُ آمَنَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَأْسِ وَ الْإِيمَانُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَأْسِ غَيْرُ مَقْبُولٍ وَ ذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي السَّلَفِ وَ الْخَلَفِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا الْآيَتَيْنِ (5).
.
____________
(1) المؤمن: 58.
(2) المؤمن: 84 و 85.
(3) مجمع البيان ج 8 ص 535.
(4) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 77- ط دار العلم قم.
(5) قال بعد ذلك: و لعلة أخرى أغرق اللّه عزّ و جلّ فرعون و هي انه استغاث بموسى لما أدركه الغرق و لم يستغث باللّه، فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليه يا موسى لم تغث فرعون لانك لم تخلقه، و لو استغاث بى لاغثته. أقول: العلة الأولى لعدم قبول ايمانه، و هذه وجه عدم اغاثته و نجاته من الغرق.
48
و قال الرازي في تفسيره فإن قيل اذكروا ضابطا في الوقت الذي لا ينفع الإتيان بالإيمان قلنا إنه الوقت الذي يعاين فيه نزول ملائكة الرحمة و العذاب لأن في ذلك الوقت يصير المرء ملجأ إلى الإيمان فذلك الإيمان لا ينفع إنما ينفع مع القدرة على خلافه حتى يكون المرء مختارا أما إذا عاينوا علامات الآخرة فلا ينفع قوله غَيْرُ مَمْنُونٍ (1) أي لا يمن به عليكم أو غير مقطوع.
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ (2) أي قرر لكم دين نوح و محمد و من بينهما من أرباب الشرائع(ع)و هو الأصل المشترك فيما بينهم المفسر بقوله أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ و هو الإيمان بما يجب تصديقه و الطاعة في أحكام الله وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ أي و لا تختلفوا في هذا الأصل أما فروع الشرائع فمختلفة كما قال لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أي عظم عليهم ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ من التوحيد (3) اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ أي يجتلب إليه و الضمير لما تدعوهم أو للدين وَ يَهْدِي إِلَيْهِ بالإرشاد و التوفيق مَنْ يُنِيبُ أي يقبل إليه و قال علي بن إبراهيم (4) هم الأئمة الذين اختارهم و اجتباهم
وَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ قَالَ الْإِمَامُ- وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كِنَايَةٌ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ- ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنْ وَلَايَةِ عَلِيٍّ ع- مَنْ يَشاءُ كِنَايَةٌ عَنْ عَلِيٍّ ع.
و سيأتي خبر طويل في تأويل هذه الآية
____________
(1) فصّلت: 8.
(2) الشورى: 13.
(3) في الكافي ج 1 ص 418 في حديث الرضا (عليه السلام) أن المراد كبر على المشركين بولاية عليّ (عليه السلام) ما تدعوهم إليه يا محمّد من ولاية على، هكذا في الكتاب مخطوطة.
(4) و هكذا رواه في كنز جامع الفوائد ص 284.
49
فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ (1) قيل أي في أطيب بقاعها و أنزهها لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي ما يشتهونه ثابت لهم عند ربهم ذلِكَ إشارة إلى ما للمؤمنين هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ الذي يصغر دونه ما لغيرهم في الدنيا ذلِكَ الَّذِي أي ذلك الثواب الذي يبشرهم الله به فحذف الجار ثم العائد أو ذلِكَ التبشير الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ وَ يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا (2) قيل أي يستجيب الله لهم فحذف اللام و المراد إجابة الدعاء أو الإثابة على الطاعة أو يستجيبون الله بالطاعة إذا دعاهم إليها
وَ فِي الْمَجْمَعِ (3) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَنَّ الْأَنْصَارَ عَرَضُوا عَلَى النَّبِيِّ ص أَمْوَالَهُمْ فَنَزَلَتْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ مُسَلِّمِينَ وَ قَالَ الْمُنَافِقُونَ إِنَّ هَذَا الشَّيْءَ افْتِرَاءٌ وَ سَاقَ إِلَى قَوْلِهِ وَ قَالَ وَ يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هُمُ الَّذِينَ سَلَّمُوا لِقَوْلِهِ.
وَ فِي الْكَافِي (4) عَنِ الْبَاقِرِ(ع)قَالَ: هُوَ الْمُؤْمِنُ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ فَيَقُولُ لَهُ الْمَلَكُ آمِينَ وَ يَقُولُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ وَ لَكَ مِثْلَا مَا سَأَلْتَ لِحُبِّكَ إِيَّاهُ.
وَ فِي الْمَجْمَعِ (5) عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ: وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ الشَّفَاعَةَ لِمَنْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ مِمَّنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا.
الَّذِينَ آمَنُوا (6) صفة للمنادي في قوله يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ تُحْبَرُونَ أي تسرون أو تزينون أو تكرمون إكراما يبالغ فيه فِي رَحْمَتِهِ (7) التي من جملتها الجنة ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ لخلوصه
____________
(1) الشورى: 22 و 23.
(2) الشورى: 26.
(3) مجمع البيان ج 9 ص 29.
(4) الكافي ج 2 ص 507.
(5) مجمع البيان ج 9 ص 30.
(6) الزخرف: 69- 70.
(7) الجاثية: 30.
50
عن الشوائب.
قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا (1) قيل أي جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم و الاستقامة في الأمور التي هي منتهى العمل و ثم للدلالة على تأخير رتبة العمل و توقف اعتباره على التوحيد و قال علي بن إبراهيم استقاموا على ولاية أمير المؤمنين(ع)فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من لحوق مكروه وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ على فوات محبوب.
وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (2) قال علي بن إبراهيم نزلت في أصحاب رسول الله ص الذين ارتدوا بعده و غصبوا أهل بيته حقهم و صدوا عن أمير المؤمنين و عن ولاية الأئمة(ع)أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ أي أبطل ما كان تقدم منهم مع رسول الله ص من الجهاد و النصر
- وَ رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)فِي قَوْلِهِ وَ آمَنُوا بِما نُزِّلَ قَالَ بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ فِي عَلِيٍّ هَكَذَا نَزَلَتْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ قَالَ نَزَلَتْ فِي أَبِي ذَرٍّ وَ سَلْمَانَ وَ عَمَّارٍ وَ الْمِقْدَادِ لَمْ يَنْقُضُوا الْعَهْدَ قَالَ وَ آمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ أَيْ أُثْبِتُوا عَلَى الْوَلَايَةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ- وَ هُوَ الْحَقُ يَعْنِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ع- بالَهُمْ أَيْ حَالَهُمْ.
ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ قال و هم الذين اتبعوا أعداء رسول الله و أمير المؤمنين (صلوات الله عليهما)
وَ رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ: فِي سُورَةِ مُحَمَّدٍ ص آيَةٌ فِينَا وَ آيَةٌ فِي أَعْدَائِنَا (3).
مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا (4) أي ناصرهم على أعدائهم و قال علي بن إبراهيم يعني الذين ثبتوا على ولاية أمير المؤمنين(ع)لا مَوْلى لَهُمْ فيدفع العذاب عنهم.
____________
(1) الأحقاف: 13.
(2) القتال: 1- 3.
(3) راجع مجمع البيان ج 9 ص 95، و رواه في كنز جامع الفوائد ص 302 و 334 عن عليّ (عليه السلام).
(4) القتال: 11.
51
لِيُدْخِلَ (1) قيل أي فعل ما فعل و دبر ما دبر ليدخل وَ يُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أي يغطيها و لا يظهرها فَوْزاً عَظِيماً لأنه منتهى ما يطلب من جلب نفع أو دفع ضرر وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (2) أي أنزل عليهم الثبات و الوقار وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى أي كلمة بها يتقى من النار أو هي كلمة أهل التقوى و قال الأكثر هي كلمة الشهادة و روي ذلك عن النبي ص
وَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)هِيَ الْإِيمَانُ وَ عَنِ النَّبِيِّ ص فِي وَصْفِ عَلِيٍّ(ع)هُوَ الْكَلِمَةُ الَّتِي أَلْزَمْتُهَا الْمُتَّقِينَ (3).
وَ فِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ عَنْهُمْ(ع)نَحْنُ كَلِمَةُ التَّقْوَى.
أي ولايتهم وَ كانُوا أَحَقَّ بِها أي بتلك الكلمة من غيرهم وَ أَهْلَها أي المستأهل لها وَ كانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً فيعلم أهل كل شيء و ييسره له.
حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ (4) أي جعله أحب الأديان إليكم بأن أقام الأدلة على صحته و بما وعد من الثواب عليه وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ بالألطاف الداعية إليه و فيه إشعار بأن الإيمان من فعل القلب وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ بما وصف من العقاب عليه و بوجوه الألطاف الصارفة عنه وَ الْفُسُوقَ أي الخروج عن الطاعة إلى المعاصي وَ الْعِصْيانَ أي جميع المعاصي و قيل الفسوق الكذب و هو المروي عن أبي جعفر(ع)(5).
وَ فِي الْكَافِي وَ غَيْرِهِ (6) عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّ الْإِيمَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ الثَّلَاثَةُ
____________
(1) الفتح: 5.
(2) الفتح: 26.
(3) منها ما تراه في ج 35 ص 300 من هذه الطبعة في روايات المعراج، و تراه في ج 36 ص 55 باب أنّه (عليه السلام) كلمة اللّه أحاديث في ذلك.
(4) الحجرات: 7 و 8.
(5) رواه الطبرسيّ في مجمع البيان ج 9 ص 133.
(6) راجع الكافي ج 1 ص 426، مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 343 تفسير القمّيّ ص 640.
52
الثَّلَاثَةُ عَلَى التَّرْتِيبِ.
وَ فِي الْمَحَاسِنِ (1) عَنْهُ(ع)أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَ قِيلَ لَهُ هَلْ لِلْعِبَادِ فِيمَا حَبَّبَ اللَّهُ صُنْعٌ قَالَ لَا وَ لَا كَرَامَةَ.
وَ فِي الْكَافِي (2) عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْحُبِّ وَ الْبُغْضِ أَ مِنَ الْإِيمَانِ هُوَ فَقَالَ وَ هَلِ الْإِيمَانُ إِلَّا الْحُبُّ وَ الْبُغْضُ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ.
أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ يعني أولئك الذين فعل بهم ذلك هم الذين أصابوا الطريق السوي إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (3) أي في محمد ص شاعر أو مجنون أو منكم مكذب و منكم مصدق و منكم شاك أو في القرآن أنه سحر أو كهانة أو ما سطره الأولون يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ الضمير للرسول ص أو القرآن أو الإيمان أي من صرف عنه صرف عن الخيرات كلها أو لا صرف أشد منه فكأنه لا صرف بالنسبة إليه أو يصرف عنه من صرف في علم الله و قضائه تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (4) أي من قدر الله إيمانه أو من آمن فإنه يزداد بصيرة مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ (5) أي من الأموال التي جعلكم الله خلفاء في التصرف فيها فهي حقيقة له لا لكم أو التي استخلفكم عمن قبلكم في تملكها و التصرف فيها وَ ما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ أي أيما عذر لكم في ترك الإيمان وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ إليه بالحجج و البينات وَ قَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ أي و قد أخذ الله ميثاقكم بالإيمان قبل ذلك إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ لموجب ما فإن هذا موجب لا مزيد عليه مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ أي من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان
____________
(1) المحاسن: 199.
(2) الكافي ج 2 ص 125. و تراه في المحاسن ص 262.
(3) الذاريات: 8 و 9.
(4) الذاريات: 55.
(5) الحديد: 7- 9.
53
يَسْعى نُورُهُمْ (1) قيل أي ما يهتدون به إلى الجنة بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ من حيث يؤتون صحائف أعمالهم لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ أي يقولون لهم من يتلقاهم من الملائكة بُشْراكُمُأي المبشر به جنات أو بشراكم دخول جنات ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ إشارة إلى ما تقدم من النور و البشرى بالجنات المخلدة أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ (2)
فِي التَّهْذِيبِ عَنِ السَّجَّادِ(ع)إِنَّ هَذِهِ لَنَا وَ لِشِيعَتِنَا.
وَ فِي الْمَحَاسِنِ (3) عَنِ الصَّادِقِ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ: مَا مِنْ شِيعَتِنَا إِلَّا صِدِّيقٌ شَهِيدٌ قِيلَ أَنَّى يَكُونُ ذَلِكَ وَ عَامَّتُهُمْ يَمُوتُونَ عَلَى فُرُشِهِمْ فَقَالَ أَ مَا تَتْلُوا كِتَابَ اللَّهِ فِي الْحَدِيدِ- وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَ الشُّهَداءُ قَالَ لَوْ كَانَ الشُّهَدَاءُ لَيْسَ إِلَّا كَمَا يَقُولُونَ كَانَ الشُّهَدَاءُ قَلِيلًا.
أقول سيأتي أخبار كثيرة في ذلك و قد مر بعضها لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَ نُورُهُمْ أي أجر الصديقين و الشهداء و نورهم سابِقُوا (4) أي سارعوا مسارعة السابقين في المضمار إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أي إلى موجباتها كَعَرْضِ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ قيل أي كعرض مجموعهما إذا بسطتا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا (5) أي بالرسل المتقدمة اتَّقُوا اللَّهَ فيما نهاكم عنه يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ أي نصيبين مِنْ رَحْمَتِهِ لإيمانكم بمحمد و إيمانكم بمن قبله وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ قيل يريد المذكور في قوله يَسْعى نُورُهُمْ أو الهدى الذي يسلك به إلى جناب القدس.
و قال علي بن إبراهيم (6) كِفْلَيْنِ نصيبين مِنْ رَحْمَتِهِ أحدهما أن
____________
(1) الحديد: 12.
(2) الحديد: 19.
(3) المحاسن: 163. و الحديث عن زيد بن أرقم عن الحسين بن على (عليهما السلام) و فيه قال: قلت جعلت فداك أنى يكون ذلك إلخ.
(4) الحديد: 21.
(5) الحديد: 28.
(6) تفسير القمّيّ: 666.
54
لا يدخله النار و ثانيهما أن يدخله الجنة وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً يعني الإيمان
وَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)(1) كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ قَالَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ وَ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ يَعْنِي إِمَاماً تَأْتَمُّونَ بِهِ.
وَ فِي الْمَنَاقِبِ قَالَ: وَ النُّورُ عَلِيٌّ ع.
لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَ أَصْحابُ (2) الْجَنَّةِ قيل أي لا يستوي الذين استكملوا نفوسهم فاستأهلوا الجنة و الذين استمهنوها فاستحقوا النار هُمُ الْفائِزُونَ بالنعيم المقيم.
تُؤْمِنُونَ (3) استئناف مبين للتجارة و هو الجمع بين الإيمان و الجهاد المؤدي إلى كمال عزهم و المراد به الأمر و إنما جيء بلفظ الخبر إيذانا بأن ذلك مما لا يترك ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ يعني ما ذكر من الإيمان و الجهاد إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي إن كنتم من أهل العلم إذ الجاهل لا يعتد بفعله يَغْفِرْ لَكُمْ جواب للأمر المدلول عليه بلفظ الخبر أو بشرط أو استفهام دل عليه الكلام تقديره إن تؤمنوا و تجاهدوا أو هل تقبلون أن أدلكم يغفر لكم ذلِكَ إشارة إلى ما ذكر من المغفرة و إدخال الجنة وَ أُخْرى أي و لكم إلى هذه النعمة المذكورة نعمة أخرى و قيل مبتدأ خبره نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَ فَتْحٌ قَرِيبٌ فتح مكة و في تفسير علي بن إبراهيم يعني في الدنيا بفتح القائم(ع)وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ عطف على محذوف مثل قل يا أيها الذين آمنوا و بشر أو على تؤمنون به فإنه في معنى الأمر مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ (4) أي من جندي متوجها إلى نصرة الله و الحواريّون أصفياؤه فَآمَنَتْ طائِفَةٌ أي بعيسى فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا أي بالحجة أو بالحرب و ذلك بعد رفع عيسى(ع)فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ أي فصاروا غالبين وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ (5) أي لله الغلبة و القوة و لمن أعزه
____________
(1) الكافي ج 1 ص 430، كنز جامع الفوائد: 334.
(2) الحشر: 20.
(3) الصف: 10.
(4) الصف: 14.
(5) المنافقون: 8.
55
من رسوله و المؤمنين وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ من فرط جهلهم و غرورهم وَ النُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا (1) ذهب أكثر المفسرين إلى أنه القرآن و قال علي بن إبراهيم (2) النور أمير المؤمنين ع
- وَ فِي الْكَافِي (3) عَنِ الْكَاظِمِ(ع)الْإِمَامَةُ هِيَ النُّورُ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى- فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ النُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا قَالَ النُّورُ هُوَ الْإِمَامُ.
- وَ عَنِ الْبَاقِرِ(ع)(4) أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ النُّورُ وَ اللَّهِ الْأَئِمَّةُ الْخَبَرَ.
و الأخبار في ذلك كثيرة أوردناها في كتاب الإمامة (5).
يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ (6) لأجل ما فيه من الحساب و الجزاء و الجمع جمع الأولين و الآخرين ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ يغبن فيه بعضهم بعضا لنزول السعداء منازل الأشقياء لو كانوا سعداء و بالعكس
وَ فِي مَعَانِي الْأَخْبَارِ (7) عَنِ الصَّادِقِ(ع)يَوْمَ يَغْبِنُ أَهْلُ الْجَنَّةِ أَهْلَ النَّارِ.
وَ يَعْمَلْ صالِحاً أي عملا صالحا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ إشارة إلى مجموع الأمرين و لذلك جعله الفوز العظيم لأنه جامع للمصالح من دفع المضار و جلب المنافع يَهْدِ قَلْبَهُ (8) قيل أي للثبات و الاسترجاع عند حلول المصيبة و قال علي بن إبراهيم أي يصدق الله في قلبه فإذا بين الله له اختار الهدى و يزيده الله كما قال وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً
وَ فِي الْكَافِي (9) عَنِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ: إِنَّ الْقَلْبَ لَيَتَرَجَّجُ فِيمَا بَيْنَ الصَّدْرِ
____________
(1) التغابن: 8.
(2) تفسير القمّيّ ص 683.
(3) الكافي ج 1 ص 196.
(4) الكافي ج 1 ص 194 و 195 حديثان.
(5) راجع ج 32 ص 3- 325.
(6) التغابن: 9.
(7) معاني الأخبار ص 156.
(8) التغابن: 11.
(9) الكافي ج 2 ص 421.
56
وَ الْحَنْجَرَةِ حَتَّى يُعْقَدَ عَلَى الْإِيمَانِ فَإِذَا عُقِدَ عَلَى الْإِيمَانِ قَرَّ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ
. أقول كأنه(ع)قرأ بالهمز و رفع قلبه كما قرأ في الشواذ (1) منسوبا إلى عكرمة و عمرو بن دينار أو هو بيان لحاصل المعنى فيوافق القراءة المشهورة أيضا أي يهدي الله قلبه فيسكن.
ذِكْراً رَسُولًا (2)
عَنِ الرِّضَا(ع)أَنَّ الذِّكْرَ هُنَا هُوَ الرَّسُولُ (3) وَ نَحْنُ أَهْلُ الذِّكْرِ.
و قال البيضاوي يعني بالذكر جبرئيل(ع)لكثرة ذكره أو لنزوله بالذكر و هو القرآن أو لكونه مذكورا في السماوات أو ذا ذكر أي شرف أو محمدا ص لمواظبته على تلاوة القرآن أو تبليغه و عبر عن إرساله بالإنزال ترشيحا أو لأنه مسبب عن إنزال الوحي إليه و أبدل عنه رسولا للبيان أو أراد به القرآن و رسولا منصوب بمقدر مثل أرسل أو ذكرا و الرسول مفعوله أو بدله على أنه بمعنى الرسالة مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ من الضلالة إلى الهدى قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً قيل فيه تعجيب و تعظيم لما رزقوا من الثواب.
وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ (4) عطف على النبي ص إحمادا لهم و تعريضا لمن ناواهم و قيل مبتدأ خبره نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ
فِي الْمَجْمَعِ (5) عَنِ الصَّادِقِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ يَسْعَى أَئِمَّةُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ وَ بِأَيْمَانِهِمْ حَتَّى يُنْزِلُوهُمْ مَنَازِلَهُمْ فِي الْجَنَّةِ.
- و روى علي بن
____________
(1) راجع مجمع البيان ج 10 ص 299.
(2) الطلاق: 10- 11.
(3) و ذلك لان «رسولا» بيان أو بدل عن «ذكرا» و لا يلزم كون الرسول منزلا فان التقدير انا انزلنا اليكم ذكرا بل انا أرسلنا اليكم رسولا».
(4) التحريم: 9.
(5) مجمع البيان ج 10 ص 318 و هكذا رواه عليّ بن إبراهيم في تفسيره ص 459.
57
إبراهيم مثله
وَ عَنِ الْبَاقِرِ(ع)فَمَنْ كَانَ لَهُ نُورٌ يَوْمَئِذٍ نَجَا وَ كُلُّ مُؤْمِنٍ لَهُ نُورٌ.
يَقُولُونَ إذا طفئ أنوار المنافقين. رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا و قيل تتفاوت أنوارهم بحسب أعمالهم فيسألون إتمامه تفضلا.
أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا (1) يقال كببته فأكب و هو من الغرائب أي يعثر كل ساعة و يخرّ على وجهه لوعورة طريقه و اختلاف أجزائه و لذلك قابله بقوله أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا أي قائما سالما من العثار عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي مستوي الأجزاء أو الجهة و المراد تشبيه المشرك و الموحد بالسالكين و الدينين بالمسلكين و قيل المراد بالمكب الأعمى فإنه يعتسف فينكب و بالسوي البصير و قيل من يمشي مكبا هو الذي يحشر على وجهه إلى النار و من يمشي سويا الذي يحشر على قدميه إلى الجنة.
وَ فِي الْكَافِي (2) عَنِ الْكَاظِمِ(ع)أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ ضَرَبَ مَثَلَ مَنْ حَادَ عَنْ وَلَايَةِ عَلِيٍّ(ع)كَمَنْ يَمْشِي عَلَى وَجْهِهِ لَا يَهْتَدِي لِأَمْرِهِ وَ جَعَلَ مَنْ تَبِعَهُ سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع.
. أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ (3) إنكار لقولهم إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد و من معه لم يفضلونا بل نكون أحسن حالا منهم كما نحن عليه في الدنيا ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ التفات فيه تعجيب من حكمهم و استبعاد له و إشعار بأنه صادر من اختلال فكر و اعوجاج رأي.
فَلا يَخافُ بَخْساً وَ لا رَهَقاً (4) أي نقصا في الجزاء أو أن يرهقه ذلة و قال علي بن إبراهيم البخس النقصان و الرهق العذاب.
____________
(1) الملك: 20.
(2) الكافي ج 1 ص 433.
(3) القلم: 35.
(4) الجن: 13.
58
وَ فِي الْكَافِي (1) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْمَاضِي(ع)قَالَ: قُلْتُ قَوْلُهُ لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ قَالَ الْهُدَى الْوَلَايَةُ آمَنَّا بِمَوْلَانَا فَمَنْ آمَنَ بِوَلَايَةِ مَوْلَاهُ فَلا يَخافُ بَخْساً وَ لا رَهَقاً قُلْتُ تَنْزِيلٌ قَالَ لَا تَأْوِيلٌ.
. يَضْحَكُونَ (2) أي يستهزءون وَ إِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ أي يغمز بعضهم بعضا و يشيرون بأعينهم انْقَلَبُوا فَكِهِينَ أي ملتذين بالسخرية منهم و قال علي بن إبراهيم إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا الأول و الثاني و من تبعهما يَتَغامَزُونَ برسول الله إلى آخر السورة.
و في المجمع (3) قيل نزلت في علي بن أبي طالب(ع)و ذلك أنه كان في نفر من المسلمين جاءوا إلى رسول الله ص فسخر منهم المنافقون و ضحكوا و تغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا رأينا اليوم الأصلع فضحكنا منه فنزلت الآيات قبل أن يصل علي و أصحابه إلى النبي ص.
و عن ابن عباس (4) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا منافقو قريش و الَّذِينَ آمَنُوا علي بن أبي طالب ع.
وَ إِذا رَأَوْهُمْ (5) أي و إذا رأوا المؤمنين نسبوهم إلى الضلال وَ ما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ أي على المؤمنين حافِظِينَ يحفظون عليهم أعمالهم و يشهدون برشدهم و ضلالهم فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ حين يرونهم أذلاء مغلولين في النار.
و روي (6) أنه يفتح لهم باب إلى الجنة فيقال لهم أخرجوا إليها فإذا
____________
(1) الكافي ج 1 ص 433، في حديث.
(2) المطففين: 28.
(3) مجمع البيان ج 10 ص 457.
(4) رواه أيضا في المجمع عن أبي القاسم الحسكانى في كتاب شواهد التنزيل.
(5) المطففين: 32.
(6) رواه الطبرسيّ عن أبي صالح ج 10 ص 457.
59
وصلوا أغلق دونهم فيضحك المؤمنون منهم هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ أي أثيبوا و جوزوا ما كانُوا يَفْعَلُونَ من السخرية بالمؤمنين و الاستفهام للتقرير.
غَيْرُ مَمْنُونٍ (1) أي غير مقطوع أو ممنون به عليهم كما مر ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (2) إذ الدنيا و ما فيها يصغر دونه وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ (3) أي أوصى بعضهم بعضا بالصبر على طاعة الله تعالى و المرحمة الرحمة على عبادة أو بموجبات رحمة الله أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ أي اليمين أو اليمن و قال علي بن إبراهيم أصحاب أمير المؤمنين ع.
وَ الْعَصْرِ قيل أقسم بصلاة العصر أو بعصر النبوة أو بالدهر لاشتماله على الأعاجيب إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ أي في خسران في مساعيهم و صرف أعمارهم في مطالبهم إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فإنهم اشتروا الآخرة بالدنيا ففازوا بالحياة الأبدية و السعادة السرمدية وَ تَواصَوْا بِالْحَقِ بالثابت الذي لا يصح إنكاره من اعتقاد أو عمل وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ عن المعاصي و على الطاعات و على المصائب.
وَ فِي الْإِكْمَالِ عَنِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ: الْعَصْرِ عَصْرُ خُرُوجِ الْقَائِمِ(ع)إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ يَعْنِي أَعْدَاءَنَا- إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا يَعْنِي بِآيَاتِنَا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَعْنِي بِمُوَاسَاةِ الْإِخْوَانِ- وَ تَواصَوْا بِالْحَقِ يَعْنِي الْإِمَامَةَ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ يَعْنِي بِالْعِشْرَةِ.
و قال علي بن إبراهيم إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا بولاية أمير المؤمنين(ع)وَ تَواصَوْا بِالْحَقِ ذرياتهم و من خلفوا بالولاية تواصوا بها و صبروا عليها.
وَ فِي الْمَجْمَعِ (4) عَنْ عَلِيٍّ ع- وَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُمَا قَرَءَا وَ الْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ- وَ إِنَّهُ فِيهِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ
.
____________
(1) الانشقاق: 25 و التين 6.
(2) البروج: ج 12.
(3) البلد: 17.
(4) مجمع البيان ج 10 ص 536.
60
الأخبار
1- ع، علل الشرائع عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِناً لِأَنَّهُ يُؤْمِنُ عَلَى اللَّهِ فَيُجِيزُ أَمَانَهُ (1).
بيان: يؤمن على الله أي يدعو و يشفع لغيره في الدنيا و الآخرة فيستجاب له و تقبل شفاعته فيه و سيأتي التخصيص بالأخيرة.
2- سن، المحاسن عَنِ ابْنِ يَزِيدَ عَنْ مَرْوَكِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ سِنَانِ بْنِ طَرِيفٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: لِمَ سُمِّيَ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِناً فَقُلْتُ لَا أَدْرِي إِلَّا أَنَّهُ أُرَاهُ يُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَقَالَ صَدَقْتَ وَ لَيْسَ لِذَلِكَ سُمِّيَ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِناً فَقُلْتُ لِمَ سُمِّيَ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِناً قَالَ إِنَّهُ يُؤْمِنُ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُجِيزُ أَمَانَهُ (2).
3- ع، علل الشرائع عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ هَارُونَ عَنِ ابْنِ صَدَقَةَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَ لَا أُنَبِّئُكُمْ لِمَ سُمِّيَ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِناً لِإِيمَانِهِ النَّاسَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَ أَمْوَالِهِمْ أَ لَا أُنَبِّئُكُمْ مَنِ الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ يَدِهِ وَ لِسَانِهِ الْخَبَرَ (3).
بيان: فيه إيماء إلى أنه يشترط في الإيمان أو كماله أن لا يخافه الناس على أنفسهم و أموالهم و كذا الإسلام.
4- شي، تفسير العياشي عَنْ زُرَارَةَ وَ حُمْرَانَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى (4) قَالَ هِيَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ (5).
____________
(1) علل الشرائع ج 2 ص 219.
(2) المحاسن: 329.
(3) علل الشرائع: 219.
(4) البقرة: 256.
(5) تفسير العيّاشيّ ج 1 ص 138.
61
5- ختص، الإختصاص رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: الْمُؤْمِنُ هَاشِمِيٌّ لِأَنَّهُ هَشَمَ الضَّلَالَ وَ الْكُفْرَ وَ النِّفَاقَ وَ الْمُؤْمِنُ قُرَشِيٌّ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لِلشَّيْءِ وَ نَحْنُ الشَّيْءُ وَ أَنْكَرَ لَا شَيْءَ الدُّلَامَ وَ أَتْبَاعَهُ وَ الْمُؤْمِنُ نَبَطِيٌّ لِأَنَّهُ اسْتَنْبَطَ الْأَشْيَاءَ تَعَرَّفَ الْخَبِيثَ عَنِ الطَّيِّبِ وَ الْمُؤْمِنُ عَرَبِيٌّ لِأَنَّهُ عُرِّبَ عَنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ وَ الْمُؤْمِنُ أَعْجَمِيٌّ لِأَنَّهُ أَعْجَمَ عَنِ الدُّلَامِ فَلَمْ يَذْكُرْهُ بِخَيْرٍ وَ الْمُؤْمِنُ فَارِسِيٌّ لِأَنَّهُ تَفَرَّسَ فِي الْأَسْمَاءِ لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ مَنُوطاً بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ أَبْنَاءُ فَارِسَ يَعْنِي بِهِ الْمُتَفَرِّسَ فَاخْتَارَ مِنْهَا أَفْضَلَهَا وَ اعْتَصَمَ بِأَشْرَفِهَا وَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ (1).
توضيح كأن الغرض بيان فضل المؤمن و أنه يمكن أن يطلق عليه كل اسم حسن بوجه من الوجوه فبين(ع)أنه يمكن أن يعد في الهاشميين لأنه هشم الضلال و أشباهه أي كسرها و أبطلها.
في القاموس الهشم كسر الشيء اليابس أو الأجوف أو لكسر العظام و الرأس خاصة أو الوجه و الأنف أو كل شيء هشمه يهشمه فهو مهشوم و هشيم و هاشم أبو عبد المطلب و اسمه عمرو لأنه أول من ثرد الثريد و هشمه (2) و القرشي كأنه مبني على الاشتقاق الكبير أو كان أصله ذلك كتأبط شرا فصار بكثرة الاستعمال كذلك و المراد بالشيء الحق الثابت و باللاشيء الباطل المضمحلّ و يمكن أن يكون بمعنى المشيء أي ما يصلح أن تتعلق به المشيئة و الحق كذلك.
و الدلام بيان للا شيء و يكنى به غالبا في الأخبار عن عمر تقية و قد يطلق على سابقه أيضا إما لسواد ظاهرهما أو باطنهما بالكفر و النفاق أو لانتشار الظلم و الفتن بهما في الآفاق
____________
(1) الاختصاص: 143.
(2) القاموس ج 4 ص 190.
62
في القاموس الدلام كسحاب السواد أو الأسود (1) و في النهاية فيه أميركم رجل طوال أدلم الأدلم الأسود الطويل و منه الحديث فجاء رجل أدلم فاستأذن على النبي ص قيل هو عمر بن الخطاب انتهى و هذا يدل على أن الكناية بعمر أنسب و القرش القطع و الجمع و في تسمية قريش أقوال شتى لا طائل في ذكرها.
لأنه عرّب عنا كأنه على بناء المجهول من التفعيل فإن التعريب تهذيب المنطق من اللحن فعن تعليلية أو على بناء المعلوم من التعريب بمعنى التكلم عن القوم و الإعراب الإبانة و الإفصاح و عدم اللحن في الكلام و الرد عن القبيح كل ذلك ذكره الفيروزآبادي (2).
و في النهاية عربت عن القوم إذا تكلمت عنهم و قال الإعراب و التعريب الإبانة و الإيضاح و في القاموس من لا يفصح كالاعجمي و استعجم سكت.
قوله(ع)لأنه تفرس في الأسماء التفرس التثبت و النظر و إعمال الحدس الصائب في الأمور و قوله فاختار عطف على قوله تفرس و الحديث معترض بينهما لبيان أن الفارس في هذا الحديث أيضا المتفرس و المعنى أن الذين مدحهم الرسول ص ليس مطلق العجم بل أهل الدين و اليقين منهم كسلمان رضي الله عنه و التفرس في الأسماء كالتفكر في الإيمان و النفاق مثلا و اختيار الإيمان و في التقوى و الفسق و اختيار التقوى أو التفكر في أن الإيمان ما معناه و على أي الفرق المختلفة يصح إطلاق المؤمن فيختار من الإيمان ما هو حقه و ما يصح أن يطلق عليه.
و الحاصل أنه يتدبر و يتفكر في الدلائل و البراهين من الكتاب و السنة و الأدلة العقلية و يختار من العقائد و الأعمال ما هو أحسنها و أوفقها للأدلة و في النهاية فيه اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله يقال بمعنيين أحدهما
____________
(1) القاموس ج 4 ص 113.
(2) المصدر ج 1 ص 102.
63
ما دل ظاهر هذا الحديث عليه و هو ما يوقعه الله تعالى في قلوب أوليائه فيعلمون أحوال الناس بنوع من الكرامات و إصابة الظن و الحدس و الثاني نوع يتعلم بالدلائل و التجارب و الخلق و الأخلاق فتعرف به أحوال الناس و للناس فيه تصانيف قديمة و حديثة و رجل فارس بالأمر أي عالم به بصير.
6- صِفَاتُ الشِّيعَةِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمَّارٍ السَّابَاطِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَهْلِ السَّمَاءِ هَلْ يَرَوْنَ أَهْلَ الْأَرْضِ قَالَ لَا يَرَوْنَ إِلَّا الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ مِنْ نُورٍ كَنُورِ الْكَوَاكِبِ قِيلَ فَهُمْ يَرَوْنَ أَهْلَ الْأَرْضِ قَالَ لَا يَرَوْنَ نُورَهُ حَيْثُ مَا تَوَجَّهَ ثُمَّ قَالَ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ خَمْسُ سَاعَاتٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَشْفَعُ فِيهَا (1).
7- قَضَاءُ الْحُقُوقِ لِلصُّورِيِّ، بِإِسْنَادِهِ قَالَ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)لِمَ سُمِّيَ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِناً قَالَ لِأَنَّهُ اشْتَقَّ لِلْمُؤْمِنِ اسْماً مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى فَسَمَّاهُ مُؤْمِناً وَ إِنَّمَا سُمِّيَ الْمُؤْمِنُ لِأَنَّهُ يُؤْمَنُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَ يُؤْمِنُ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُجِيزُ لَهُ ذَلِكَ وَ لَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ قَامَ أَوْ قَعَدَ أَوْ نَامَ أَوْ نَكَحَ أَوْ مَرَّ بِمَوْضِعِ قَذَرٍ حَوَّلَهُ اللَّهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ طُهْراً لَا يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ قَذَرِهَا شَيْءٌ وَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْمَوْقِفِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص فَيَمُرُّ بِالْمَسْخُوطِ عَلَيْهِ الْمَغْضُوبِ غَيْرِ النَّاصِبِ وَ لَا الْمُؤْمِنِ وَ قَدِ ارْتَكَبَ الْكَبَائِرَ فَيَرَى مَنْزِلَةً عَظِيمَةً لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ قَدْ عَرَفَ الْمُؤْمِنَ فِي الدُّنْيَا وَ قَضَى لَهُ الْحَوَائِجَ فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُ اتِّكَالًا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَيُعَرِّفُهُ بِفَضْلِ اللَّهِ فَيَقُولُ اللَّهُمَّ هَبْ لِي عَبْدَكَ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ قَالَ فَيُجِيبُهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى ذَلِكَ قَالَ وَ قَدْ حَكَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَوْلَهُمْ- فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (2) مِنَ النَّبِيِّينَ- وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ مِنَ الْجِيرَانِ وَ الْمَعَارِفِ فَإِذَا أَيِسُوا مِنَ الشَّفَاعَةِ قَالُوا يَعْنِي مَنْ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ- فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (3).
بيان: بموضع قذر كأنه متعلق بجميع الأفعال المتقدمة و المراد
____________
(1) صفات الشيعة ص 181.
(2) الشعراء: 100.
(3) قضاء الحقوق مخطوط.
64
بالقذارة و الطهر المعنويان أو بالطهر فقط المعنوي و المراد بغير الناصب و المؤمن المستضعف أو المؤمن الفاسق أو الأعم منهما.
8- كِتَابُ الْمُؤْمِنِ، عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَ أَنَا جَالِسٌ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها (1) أَ يَجْرِي لِهَؤُلَاءِ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ مِنْهُمْ هَذَا الْأَمْرَ قَالَ إِنَّمَا هِيَ لِلْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً (2).
9- وَ مِنْهُ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى اللَّهِ ثَوَابٌ عَلَى عَمَلٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِينَ.
10- وَ مِنْهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِذَا أَحْسَنَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ ضَاعَفَ اللَّهُ لَهُ عَمَلَهُ لِكُلِّ عَمَلٍ سَبْعُمِائَةِ ضِعْفٍ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ اللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ (3)
11- وَ مِنْهُ، عَنْ أَحَدِهِمَا(ع)قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَزْهَرُ نُورُهُ لِأَهْلِ السَّمَاءِ كَمَا تَزْهَرُ نُجُومُ السَّمَاءِ لِأَهْلِ الْأَرْضِ وَ قَالَ(ع)إِنَّ الْمُؤْمِنَ وَلِيُّ اللَّهِ يُعِينُهُ وَ يَصْنَعُ لَهُ وَ لَا يَقُولُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَ لَا يَخَافُ غَيْرَهُ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ الْمُؤْمِنَيْنِ لَيَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ فَلَا يَزَالُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مُقْبِلًا عَلَيْهِمَا بِوَجْهِهِ وَ الذُّنُوبُ تَتَحَاتُّ عَنْ وُجُوهِهِمَا حَتَّى يَفْتَرِقَا.
بيان: ولي الله أي محبه أو محبوبه أو ناصر دينه قال في المصباح الولي فعيل بمعنى فاعل من وليه إذا قام به و منه اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا (4) و يكون الولي بمعنى المفعول في حق المطيع فيقال المؤمن ولي الله.
قوله يعينه أي الله يعين المؤمن و يصنع له أي يكفي مهماته و لا يقول أي المؤمن على الله إلا الحق أي إلا ما علم أنه حق و لا يخاف غيره و فيه تفكيك بعض الضمائر و الأظهر أن المعنى يعين المؤمن دين الله
____________
(1) الأنعام: 16.
(2) لم يطبع بعد.
(3) البقرة: 261.
(4) البقرة: 257.
67
و أقول ستأتي الأخبار في ذلك و شرحها في كتاب الجنائز إن شاء الله.
الْمُؤْمِنُ، عَنْ أَحَدِهِمَا(ع)قَالَ: إِنَّ ذُنُوبَ الْمُؤْمِنِ مَغْفُورَةٌ فَيَعْمَلُ الْمُؤْمِنُ لِمَا يَسْتَأْنِفُ أَمَا إِنَّهَا لَيْسَتْ إِلَّا لِأَهْلِ الْإِيمَانِ.
بيان: لما يستأنف أي لتحصيل الثواب لا لتكفير السيئات.
26- نهج، نهج البلاغة فِي بَعْضِ خُطَبِهِ(ع)سَبِيلٌ أَبْلَجُ الْمِنْهَاجِ أَنْوَرُ السِّرَاجِ فَبِالْإِيمَانِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحَاتِ وَ بِالصَّالِحَاتِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الْإِيمَانِ وَ بِالْإِيمَانِ يُعْمَرُ الْعِلْمُ وَ بِالْعِلْمِ يُرْهَبُ الْمَوْتُ وَ بِالْمَوْتِ تُخْتَمُ الدُّنْيَا وَ بِالدُّنْيَا تُحْرَزُ الْآخِرَةُ وَ بِالْقِيَامَةِ تُزْلَفُ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ وَ تُبَرَّزُ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ وَ إِنَّ الْخَلْقَ لَا مَقْصَرَ لَهُمْ عَنِ الْقِيَامَةِ مُرْقِلِينَ فِي مِضْمَارِهَا إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى (1).
تبيين بلج الصبح أي أضاء و أشرق و المنهاج الطريق و الظاهر أن الكلام في وصف الدين و مناهجه قوانينه و سراجه الأنور الرسول الهادي إليه و أوصياؤه (صلوات الله عليهم).
قال بعض شراح النهج يريد بالإيمان أولا مسماه اللغوي و هو التصديق قال الله تعالى وَ ما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَ لَوْ كُنَّا صادِقِينَ (2) أي بمصدق و ثانيا بمعناه الشرعي أي التصديق و الإقرار و العمل أي من حصل عنده التصديق بالوحدانية و الرسالة استدل بهما على وجوب الأعمال الصالحة عليه أو ندبه إليها و بأعماله الصالحة يعلم إيمانه و بهذا فر من الدور (3).
____________
(1) نهج البلاغة عبده ط مصر ص 301 الخطبة 154.
(2) يوسف: 17.
(3) بل الصحيح أن الاستدلال ليس بمعناه المصطلح عليه عند الفلاسفة و المتكلّمين بل هو بمعناه اللغوى و هو الاستهداء و المراد أن الايمان يهدى الى عمل الصالحات فيمن آمن و لم يكن ليعمل الصالحات كما أن الصالحات تهدى الى الايمان باللّه فيمن يعمل الصالحات و لم يكن ليؤمن باللّه كما سيجيء احتماله فيما بعد.
66
وَ مِنْهُ، عَنِ ابْنِ أَبِي الْبِلَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: إِذَا مَاتَ الْمُؤْمِنُ صَعِدَ مَلَكَاهُ فَقَالا يَا رَبِّ مَاتَ فُلَانٌ فَيَقُولُ انْزِلَا فَصَلِّيَا عَلَيْهِ عِنْدَ قَبْرِهِ وَ هَلِّلَانِي وَ كَبِّرَانِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ اكْتُبَا مَا تَعْمَلَانِ لَهُ.
19- وَ مِنْهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: رَأْيُ الْمُؤْمِنِ وَ رُؤْيَاهُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى عَلَى الثُّلُثِ.
بيان: و منهم من يعطى أي من المؤمنين الكاملين من يعطى ثلث أجزاء النبوة من الرأي و الرؤيا أو الأعم.
20- الْمُؤْمِنُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ عَمَلَ الْمُؤْمِنِ يَذْهَبُ فَيَمْهَدُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ كَمَا يُرْسِلُ الرَّجُلُ غُلَامَهُ فَيَفْرُشُ لَهُ ثُمَّ تَلَا- وَ مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (1)
وَ مِنْهُ، عَنْهُ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَذُودُ الْمُؤْمِنَ عَمَّا يَكْرَهُ كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ الْبَعِيرَ الْغَرِيبَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ.
22- وَ مِنْهُ، عَنْهُ(ع)أَنَّهُ قَالَ: كَمَا لَا يَنْفَعُ مَعَ الشِّرْكِ شَيْءٌ فَلَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ شَيْءٌ.
بيان: كأنه محمول على ترك الصغائر فإن ترك الكبائر من الإيمان أو على الضرر الذي يوجب دخول النار أو الخلود فيها.
23- الْمُؤْمِنُ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ كَتَرَدُّدِي عَلَى الْمُؤْمِنِ لِأَنِّي أُحِبُّ لِقَاءَهُ وَ يَكْرَهُ الْمَوْتَ فَأَزْوِيهِ عَنْهُ وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَاحِدٌ لَاكْتَفَيْتُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِي وَ جَعَلْتُ لَهُ مِنْ إِيمَانِهِ أُنْساً لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى أَحَدٍ.
24- وَ مِنْهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَا مُؤْمِنٌ يَمُوتُ فِي غُرْبَةٍ مِنَ الْأَرْضِ فَيَغِيبُ عَنْهُ بَوَاكِيهِ إِلَّا بَكَتْهُ بِقَاعُ الْأَرْضِ الَّتِي كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَيْهَا وَ بَكَتْهُ أَثْوَابُهُ وَ بَكَتْهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ الَّتِي كَانَ يَصْعَدُ بِهَا عَمَلُهُ وَ بَكَاهُ الْمَلَكَانِ الْمُوَكَّلَانِ بِهِ.
____________
(1) الروم: 44.
68
و قال بعضهم الصالحات معلولات للإيمان و ثمرات له فيستدل بوجوده في قلب العبد على ملازمته للصالحات استدلالا بالعلة على المعلول و بصدورها عن العبد على وجوده في القلب استدلالا بالمعلول على العلة.
و على هذا الوجه يكون الإيمان في الموضعين بالمعنى اللغوي و حينئذ يمكن أن يكون المعنى يستدل بالإيمان على الصالحات أو يكون الإيمان دليلا للإنسان نفسه و قائدا يؤديه إلى فعل الصالحات و بأعماله الصالحة يعلم غيره أنه من المؤمنين فالاستدلال في الموضعين ليس بمعنى واحد.
و يمكن أن يراد بالثاني أن مشاهدة الأعمال الصالحة يؤدي من يشاهدها إلى الإيمان.
و يحتمل أن يكون المراد أن الإيمان يهدي إلى صالح الأعمال و الأعمال الصالحة تورث كمال الإيمان أو الإيمان يقود الإنسان إلى الأعمال الصالحة و الأعمال الصالحة الناشية من حسن السريرة و خلوص النية تورث توفيق الكافر للإيمان.
أو يستدل بإيمان الرجل إذا علم على حسن عمله و بقدر أعماله على قدر إيمانه و كماله أو يستدل بكل منهما إذا علم على الآخر و هذا قريب من الثاني و الغرض بيان شدة الارتباط و التلازم بينهما.
و بالإيمان يعمر العلم فإن العلم الخالي من الإيمان كالخراب لا ينتفع به و قيل لأن حسن العمل من أجزاء الإيمان و العلم بلا عمل كالخراب لا فائدة فيه.
و بالعلم يرهب الموت أي يخشى عقاب الله بعد الموت كما قال الله تعالى إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (1) و بالموت تختم الدنيا و الموت لا مهرب منه فلا بد من القطع بانقطاع الدنيا و لا ينبغي للعاقل أن تكون همته مقصورة عليها.
____________
(1) فاطر: 28.
65
و أولياءه و يصنع له أي أعماله خالصة لله سبحانه في القاموس صنع إليه معروفا كمنع صنعا بالضم و ما أحسن صنع الله بالضم و صنيع الله عندك.
13- الْمُؤْمِنُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: لَا يَقْدِرُ الْخَلَائِقُ عَلَى كُنْهِ صِفَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَكَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى كُنْهِ صِفَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَكَذَلِكَ لَا يَقْدِرُ عَلَى كُنْهِ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ كَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى كُنْهِ صِفَةِ الرَّسُولِ ص فَكَذَلِكَ لَا يَقْدِرُ عَلَى كُنْهِ صِفَةِ الْإِمَامِ(ع)وَ كَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى كُنْهِ صِفَةِ الْإِمَامِ(ع)كَذَلِكَ لَا يَقْدِرُ عَلَى كُنْهِ صِفَةِ الْمُؤْمِنِ.
14- وَ مِنْهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: يَقُولُ عَزَّ وَ جَلَّ مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيّاً فَقَدْ أَرْصَدَ لِمُحَارَبَتِي وَ أَنَا أَسْرَعُ شَيْءٍ إِلَى نُصْرَةِ أَوْلِيَائِي وَ مَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ كَتَرَدُّدِي فِي مَوْتِ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ إِنِّي لَأُحِبُّ لِقَاءَهُ فَيَكْرَهُ الْمَوْتَ فَأَصْرِفُهُ عَنْهُ وَ إِنَّهُ لَيَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ وَ إِنَّهُ لَيَدْعُونِي فَأُجِيبُهُ وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا إِلَّا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ لَاسْتَغْنَيْتُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِي وَ لَجَعَلْتُ لَهُ مِنْ إِيمَانِهِ أُنْساً لَا يَسْتَوْحِشُ إِلَى أَحَدٍ.
15- وَ مِنْهُ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: لَوْ كَانَتْ ذُنُوبُ الْمُؤْمِنِ مِثْلَ رَمْلِ عَالِجٍ وَ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ لَغَفَرَهَا اللَّهُ لَهُ فَلَا تَجْتَرُوا.
بيان: يدل على أنه ليس المراد بالمؤمن المؤمن الكامل لعدم اجتماع الإيمان الكامل مع هذه الذنوب الكثيرة و عدم الاجتراء إما لأنه قلما يبقى الإيمان مع الإصرار على الذنوب الكثيرة أو لأن المغفرة و عدم العقوبات لا ينافي حط الدرجات و فوت السعادات.
16- الْمُؤْمِنُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: يُتَوَفَّى الْمُؤْمِنُ مَغْفُوراً لَهُ ذُنُوبُهُ وَ اللَّهِ جَمِيعاً.
17- وَ مِنْهُ، عَنْهُ(ع)قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا دَعَا اللَّهَ أَجَابَهُ فَشُخِصَ بَصَرِي نَحْوَهُ إِعْجَاباً (1) بِمَا قَالَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ لِخَلْقِهِ.
____________
(1) و في المطبوع «اعجابا بها قال فقال: و هو تصحيف.
69
و بالدنيا تحرز الآخرة أي تحاز و تجمع سعاداتهما فإن الدنيا مضمار الآخرة و محل الاستعداد و اكتساب الزاد ليوم المعاد أو المراد بالدنيا الأموال و نحوها أي يمكن للإنسان أن يصرف ما أعطاه الله من المال و نحوه على وجه يكتسب به الآخرة و الزلفة و الزلفى بالضم فيهما القربة و أبرزه الشيء إبرازا و برزه تبريزا أي أظهره و كشفه.
و الغاوي العامل بما يوجب الخيبة أي بالقيامة أو فيها يقرب الجنة للمتقين ليدخلوها أو ليستبشروا بها و يكشف الغطاء عن الجحيم للضالين كما قال سبحانه وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (1) قيل و في اختلاف الفعلين دلالة على غلبة الوعد و القصر بالفتح الغاية كالقصارى بالضم و قصرت الشيء حبسته و قصرت فلانا على كذا رددته على شيء دون ما أراد كذا في العين أي لا محبس للخلق أو لا غاية لهم دون القيامة أو لا مرد لهم عنها.
و أرقل أي أسرع و المضمار موضع تضمير الفرس و مدّته و هو أن تعلفه حتى يسمن ثم ترده إلى القوت و فسر المضمار بالميدان و هو أنسب بالمقام.
27- نَوَادِرُ الرَّاوَنْدِيِّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْمُؤْمِنُ كَمِثْلِ شَجَرَةٍ لَا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا شِتَاءً وَ لَا قَيْظاً قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَا هِيَ قَالَ النَّخْلَةُ.
بيان: القيظ صميم الصيف من طلوع الثريا إلى طلوع سهيل.
28- ما، الأمالي للشيخ الطوسي جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَلَوِيِّ عَنْ جَدِّهِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ إِسْحَاقَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَخِيهِ الْكَاظِمِ عَنْ آبَائِهِ(ع)عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ: يُعَيِّرُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَبْداً مِنْ عِبَادِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ عَبْدِي مَا مَنَعَكَ إِذْ مَرِضْتُ أَنْ تَعُودَنِي فَيَقُولُ سُبْحَانَكَ سُبْحَانَكَ أَنْتَ رَبُّ الْعِبَادِ لَا تَأْلَمُ وَ لَا تَمْرَضُ فَيَقُولُ مَرِضَ أَخُوكَ الْمُؤْمِنُ فَلَمْ تَعُدْهُ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ ثُمَّ لَتَكَفَّلْتُ بِحَوَائِجِكَ فَقَضَيْتُهَا لَكَ وَ ذَلِكَ مِنْ كَرَامَةِ عَبْدِيَ
____________
(1) الشعراء: 90 و 91.
70
الْمُؤْمِنِ وَ أَنَا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (1).
أَقُولُ وَ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ مَعَ زِيَادَةِ السَّقْيِ وَ الْإِطْعَامِ.
بيان: لوجدتني أي وجدت رحمتي أو علمي عنده و الكلام مشتمل على المجاز و الاستعارة مبالغة في إكرام المؤمن.
29- مِشْكَاةُ الْأَنْوَارِ، عَنْ مُيَسِّرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ مِنْكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيَمُرُّ بِهِ الرَّجُلُ وَ قَدْ أُمِرَ بِهِ إِلَى النَّارِ فَيَقُولُ يَا فُلَانُ أَغِثْنِي فَإِنِّي كُنْتُ أَصْنَعُ إِلَيْكَ الْمَعْرُوفَ فِي دَارِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ لِلْمَلَكِ خَلِّ سَبِيلَهُ فَيَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ فَيُخَلِّي سَبِيلَهُ.
30- وَ مِنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمْرَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: يُؤْتَى بِعَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَتْ لَهُ حَسَنَةٌ فَيُقَالُ لَهُ اذْكُرْ وَ تَذَكَّرْ هَلْ لَكَ حَسَنَةٌ فَيَقُولُ مَا لِي حَسَنَةٌ غَيْرُ أَنَّ فُلَاناً عَبْدَكَ الْمُؤْمِنَ مَرَّ بِي فَسَأَلَنِي مَاءً لِيَتَوَضَّأَ بِهِ فَيُصَلِّيَ فَأَعْطَيْتُهُ فَيُدْعَى بِذَلِكَ الْعَبْدُ فَيَقُولُ نَعَمْ يَا رَبِّ فَيَقُولُ الرَّبُّ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ غَفَرْتُ لَكَ أَدْخِلُوا عَبْدِي جَنَّتِي.
31- وَ مِنْهُ، عَنِ الْمُفَضَّلِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: يُقَالُ لِلْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَصَفَّحْ وُجُوهَ النَّاسِ فَمَنْ كَانَ سَقَاكَ شَرْبَةً أَوْ أَطْعَمَكَ أُكْلَةً أَوْ فَعَلَ بِكَ كَذَا وَ كَذَا فَخُذْ بِيَدِهِ فَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ قَالَ فَإِنَّهُ لَيَمُرُّ عَلَى الصِّرَاطِ وَ مَعَهُ بَشَرٌ كَثِيرٌ فَيَقُولُ الْمَلَائِكَةُ يَا وَلِيَّ اللَّهِ إِلَى أَيْنَ يَا عَبْدَ اللَّهِ فَيَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَجِيزُوا لِعَبْدِي فَأَجَازُوهُ وَ إِنَّمَا سُمِّيَ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِناً لِأَنَّهُ يُجِيزُ عَلَى اللَّهِ فَيُجِيزُ أَمَانَهُ.
وَ مِنْهُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو جَعْفَرٍ(ع)إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُفَوِّضُ اللَّهُ إِلَيْهِ- يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَصْنَعُ مَا يَشَاءُ قُلْتُ حَدِّثْنِي فِي كِتَابِ اللَّهِ أَيْنَ قَالَ قَالَ قَوْلُهُ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَ لَدَيْنا مَزِيدٌ (2) فَمَشِيَّةُ اللَّهِ مُفَوَّضَةٌ إِلَيْهِ وَ الْمَزِيدُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يُحْصَى ثُمَّ قَالَ يَا جَابِرُ وَ لَا تَسْتَعِنْ بِعَدُوٍّ لَنَا فِي حَاجَةٍ وَ لَا تَسْتَطْعِمْهُ
____________
(1) أمالي الطوسيّ ج 2 ص 242 ط النجف.
(2) ق: 35.
71
وَ لَا تَسْأَلْهُ شَرْبَةً أَمَا إِنَّهُ لَيُخْلَدُ فِي النَّارِ فَيَمُرُّ بِهِ الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ يَا مُؤْمِنُ أَ لَسْتُ فَعَلْتُ كَذَا وَ كَذَا فَيَسْتَحْيِي مِنْهُ فَيَسْتَنْقِذُهُ مِنَ النَّارِ وَ إِنَّمَا سُمِّيَ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِناً لِأَنَّهُ يُؤْمِنُ عَلَى اللَّهِ فَيُجِيزُ اللَّهُ أَمَانَهُ.
33- وَ مِنْهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: الْمُؤْمِنُ زَعِيمُ أَهْلِ بَيْتِهِ شَاهِدٌ عَلَيْهِمْ وَلَايَتَهُمْ وَ قَالَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَخْشَعُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى هَوَامُّ الْأَرْضِ وَ سِبَاعُهَا وَ طَيْرُ السَّمَاءِ.
34- وَ مِنْهُ، عَنْ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ قَالَ الْبَاقِرُ(ع)إِنَّ اللَّهَ أَعْطَى الْمُؤْمِنَ ثَلَاثَ خِصَالٍ الْعِزَّ فِي الدُّنْيَا وَ فِي دِينِهِ وَ الْفَلَحَ فِي الْآخِرَةِ وَ الْمَهَابَةَ فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ.
35- وَ مِنْهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: الْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنَ الْكَعْبَةِ.
36- وَ مِنْهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لِيَأْذَنْ بِحَرْبٍ مِنِّي مَنْ آذَى عَبْدِيَ الْمُؤْمِنَ وَ لْيَأْمَنْ غَضَبِي مَنْ أَكْرَمَ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنَ وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ إِلَّا عَبْدٌ وَاحِدٌ مَعَ إِمَامٍ عَادِلٍ لَاسْتَغْنَيْتُ بِهِمَا عَنْ جَمِيعِ مَا خَلَقْتُ فِي أَرْضِي وَ لَقَامَتْ سَبْعُ سَمَاوَاتٍ وَ سَبْعُ أَرَضِينَ بِهِمَا وَ جَعَلْتُ لَهُمَا مِنْ إِيمَانِهِمَا أُنْساً لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى أُنْسٍ سِوَاهُمَا.
37- وَ مِنْهُ، قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ص مَا مِنْ شَيْءٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَ تَرْكِ مَا أَمَرَ أَنْ يَتْرُكَ.
38- وَ مِنْهُ، عَنْهُ ص قَالَ: لَا يُعَذِّبُ اللَّهُ أَهْلَ قَرْيَةٍ وَ فِيهَا مِائَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَا يُعَذِّبُ اللَّهُ أَهْلَ قَرْيَةٍ وَ فِيهَا خَمْسُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَا يُعَذِّبُ اللَّهُ أَهْلَ قَرْيَةٍ وَ فِيهَا عَشَرَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَا يُعَذِّبُ اللَّهُ أَهْلَ قَرْيَةٍ وَ فِيهَا خَمْسَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَا يُعَذِّبُ اللَّهُ أَهْلَ قَرْيَةٍ وَ فِيهَا رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
39- وَ مِنْهُ، رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص نَظَرَ إِلَى الْكَعْبَةِ فَقَالَ مَرْحَباً بِالْبَيْتِ مَا أَعْظَمَكَ وَ أَعْظَمَ حُرْمَتَكَ عَلَى اللَّهِ وَ اللَّهِ لَلْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْكَ لِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مِنْكَ وَاحِدَةً وَ مِنَ الْمُؤْمِنِ ثَلَاثَةً مَالَهُ وَ دَمَهُ وَ أَنْ يُظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ.
72
40- وَ مِنْهُ، عَنْهُ ص قَالَ: مَنْ آذَى مُؤْمِناً فَقَدْ آذَانِي وَ مَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مَنْ آذَى اللَّهَ فَهُوَ مَلْعُونٌ فِي التَّوْرَاةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الزَّبُورِ وَ الْفُرْقَانِ.
41- وَ مِنْهُ، عَنْهُ ص قَالَ: مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ وَ أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَ لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ مُؤْمِنٍ تَائِبٍ وَ مُؤْمِنَةٍ تَائِبَةٍ وَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُعْرَفُ فِي السَّمَاءِ كَمَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ أَهْلَهُ وَ وُلْدَهُ.
42- وَ مِنْهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ فَوَّضَ إِلَى الْمُؤْمِنِ أَمْرَهُ كُلَّهُ وَ لَمْ يُفَوِّضْ إِلَيْهِ أَنْ يَكُونَ ذَلِيلًا أَ مَا تَسْمَعُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ- وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ (1) فَالْمُؤْمِنُ يَكُونُ عَزِيزاً وَ لَا يَكُونُ ذَلِيلًا وَ قَالَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ أَعَزُّ مِنَ الْجَبَلِ يُسْتَقَلُّ مِنْهُ بِالْمَعَاوِلِ وَ الْمُؤْمِنُ لَا يُسْتَقَلُّ مِنْ دِينِهِ.
بيان: و لم يفوض إليه أن يكون ذليلا أي نهاه أن يذلّ نفسه و لو كان في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و سائر القرب فإذا علم أنه يصير سببا لمذلته و إهانته و أذاه سقط ذلك عنه أو المعنى أن الله يعزّه بعزّة دينه و رفعته الواقعية و إن أذلّ نفسه فإن الله أخبر بعزّته و ضمنها له و كان الاستشهاد بالآية و آخر الخبر بالأخير أنسب.
43- ما، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ الْمُفِيدِ عَنِ ابْنِ قُولَوَيْهِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ شَرِيفِ بْنِ سَابِقٍ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: يَا فَضْلُ لَا تَزْهَدُوا فِي فُقَرَاءِ شِيعَتِنَا فَإِنَّ الْفَقِيرَ مِنْهُمْ لَيَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي مِثْلِ رَبِيعَةَ وَ مُضَرَ ثُمَّ قَالَ يَا فَضْلُ إِنَّمَا سُمِّيَ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِناً لِأَنَّهُ يُؤْمِنُ عَلَى اللَّهِ فَيُجِيزُ اللَّهُ أَمَانَهُ ثُمَّ قَالَ أَ مَا سَمِعْتَ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي أَعْدَائِكُمْ إِذَا رَأَوْا شَفَاعَةَ الرَّجُلِ مِنْكُمْ لِصَدِيقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (2) الْخَبَرَ (3).
____________
(1) المنافقون: 8.
(2) الشعراء: 100.
(3) أمالي الطوسيّ ج 1 ص 46.
73
44- سن، المحاسن عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنِ الثُّمَالِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ لَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ عَنِ النَّاسِ فَنَظَرُوا إِلَى مَا وَصَلَ مَا بَيْنَ اللَّهِ وَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ خَضَعَتْ لِلْمُؤْمِنِ رِقَابُهُمْ وَ تَسَهَّلَتْ لَهُ أُمُورُهُمْ وَ لَانَتْ طَاعَتُهُمْ وَ لَوْ نَظَرُوا إِلَى مَرْدُودِ الْأَعْمَالِ مِنَ السَّمَاءِ لَقَالُوا مَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ أَحَدٍ عَمَلًا (1).
باب 2 أن المؤمن ينظر بنور الله و أن الله خلقه من نوره
1- ير، بصائر الدرجات عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ سُلَيْمَانَ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ(ع)قَالَ يَا سُلَيْمَانُ اتَّقِ فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ فَسَكَتُّ حَتَّى أَصَبْتُ خَلْوَةً فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ سَمِعْتُكَ تَقُولُ اتَّقِ فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ يَا سُلَيْمَانُ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْمُؤْمِنَ مِنْ نُورِهِ وَ صَبَغَهُمْ فِي رَحْمَتِهِ وَ أَخَذَ مِيثَاقَهُمْ لَنَا بِالْوَلَايَةِ وَ الْمُؤْمِنُ أَخُ الْمُؤْمِنِ لِأَبِيهِ وَ أُمِّهِ أَبُوهُ النُّورُ وَ أُمُّهُ الرَّحْمَةُ وَ إِنَّمَا يَنْظُرُ بِذَلِكَ النُّورِ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ (2).
بيان الفراسة الكاملة لكمّل المؤمنين و هم الأئمة(ع)فإنهم يعرفون كلا من المؤمنين و المنافقين بسيماهم كما مر في كتاب الإمامة و سائر المؤمنين يتفرّسون ذلك بقدر إيمانهم «خلق المؤمن من نوره» أي من روح طيّبة منوّرة بنور الله أو من طينة مخزونة مناسبة لطينة أئمتهم(ع)«و صبغهم» أي غمسهم أو لوّنهم «في رحمته» كناية عن جعلهم قابلة لرحماته الخاصّة أو عن تعلّق
____________
(1) المحاسن: 132.
(2) بصائر الدرجات: 79.
74
الروح الطيّبة التي هي محلّ الرحمة «أبوه النّور و أمّه الرّحمة» كأنه على الاستعارة أي لشدّة ارتباطه بأنوار الله و رحماته كأن أباه النور و أمّه الرحمة أو النور كناية عن الطينة و الرحمة عن الروح أو بالعكس.
2- ير، بصائر الدرجات عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِيسَى بْنِ أَسْلَمَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)جُعِلْتُ فِدَاكَ هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي سَمِعْتُهُ مِنْكَ مَا تَفْسِيرُهُ قَالَ وَ مَا هُوَ قُلْتُ إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ قَالَ يَا مُعَاوِيَةُ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْمُؤْمِنَ مِنْ نُورِهِ وَ صَبَغَهُمْ فِي رَحْمَتِهِ وَ أَخَذَ مِيثَاقَهُمْ لَنَا بِالْوَلَايَةِ عَلَى مَعْرِفَتِهِ يَوْمَ عَرَّفَهُ نَفْسَهُ فَالْمُؤْمِنُ أَخُ الْمُؤْمِنِ لِأَبِيهِ وَ أُمِّهِ أَبُوهُ النُّورُ وَ أُمُّهُ الرَّحْمَةُ فَإِنَّمَا يَنْظُرُ بِذَلِكَ النُّورِ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ (1).
فضائل الشيعة للصدوق عن أبيه عن سعد عن عباد بن سليمان عن محمد بن سليمان مثله (2).
3- ير، بصائر الدرجات عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَنَا شِيعَةً فَجَعَلَهُمْ مِنْ نُورِهِ وَ صَبَغَهُمْ فِي رَحْمَتِهِ وَ أَخَذَ مِيثَاقَهُمْ لَنَا بِالْوَلَايَةِ عَلَى مَعْرِفَتِهِ يَوْمَ عَرَّفَهُمْ نَفْسَهُ فَهُوَ الْمُتَقَبِّلُ مِنْ مُحْسِنِهِمْ الْمُتَجَاوِزُ عَنْ مُسِيئِهِمْ مَنْ لَمْ يَلْقَ اللَّهَ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ لَمْ يَتَقَبَّلْ مِنْهُ حَسَنَةً وَ لَمْ يَتَجَاوَزْ عَنْهُ سَيِّئَةً (3).
4- ير، بصائر الدرجات عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ ثُمَّ تَلَا (4) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (5)
____________
(1) بصائر الدرجات ص 80.
(2) فضائل الشيعة 150.
(3) بصائر الدرجات ص 80.
(4) الحجر: 75.
(5) بصائر الدرجات: 357.
75
5- ير، بصائر الدرجات عَنْ أَبِي طَالِبٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ قَالَ هُمُ الْأَئِمَّةُ(ع)قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ لِقَوْلِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (1)
6- سن، المحاسن عَنْ أَبِيهِ عَنْ سُلَيْمَانَ الْجَعْفَرِيِّ عَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ: قَالَ لِي يَا سُلَيْمَانُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ الْمُؤْمِنَ مِنْ نُورِهِ وَ صَبَغَهُمْ فِي رَحْمَتِهِ وَ أَخَذَ مِيثَاقَهُمْ لَنَا بِالْوَلَايَةِ فَالْمُؤْمِنُ أَخُ الْمُؤْمِنِ لِأَبِيهِ وَ أُمِّهِ أَبُوهُ النُّورُ وَ أُمُّهُ الرَّحْمَةُ فَاتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ (2).
7- سن، المحاسن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنِ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَجْرَى فِي الْمُؤْمِنِ مِنْ رِيحِ رَوْحِ اللَّهِ وَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَقُولُ (3) رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (4)
نَوَادِرُ الرَّاوَنْدِيِّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِيَّاكُمْ وَ فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ تَعَالَى.
9- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بِإِسْنَادِ التَّمِيمِيِّ عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْمُؤْمِنُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ (5).
10- نهج، نهج البلاغة قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)اتَّقُوا ظُنُونَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ (6).
11- كا، الكافي عَنِ الْعِدَّةِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ فَضَالَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبَانٍ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ قَالَ: تَقَبَّضْتُ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ رُبَّمَا حَزِنْتُ مِنْ غَيْرِ مُصِيبَةٍ تُصِيبُنِي أَوْ أَمْرٍ يَنْزِلُ بِي حَتَّى يَعْرِفُ ذَلِكَ أَهْلِي فِي وَجْهِي
____________
(1) بصائر الدرجات: 357.
(2) المحاسن: 131.
(3) الفتح: 29.
(4) المحاسن: 131.
(5) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 200.
(6) نهج البلاغة: 219 تحت الرقم 309 من باب الحكم و المواعظ.
76
وَ صَدِيقِي قَالَ نَعَمْ يَا جَابِرُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ طِينَةِ الْجِنَانِ وَ أَجْرَى فِيهِمْ مِنْ رِيحِ رُوحِهِ فَلِذَلِكَ الْمُؤْمِنُ أَخُ الْمُؤْمِنِ لِأَبِيهِ وَ أُمِّهِ فَإِذَا أَصَابَ رُوحاً مِنْ تِلْكَ الْأَرْوَاحِ فِي بَلَدٍ مِنَ الْبُلْدَانِ حُزْنٌ حَزِنَتْ هَذِهِ لِأَنَّهَا مِنْهَا (1).
بيان التقبض ظهور أثر الحزن عند الانبساط و في المحاسن تنفست (2) أي تأوهت من ريح روحه أي من نسيم من روحه الذي نفخه في الأنبياء و الأوصياء(ع)كما قال وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي (3) أو من رحمة ذاته
كَمَا قَالَ الصَّادِقُ(ع)وَ اللَّهِ شِيعَتُنَا مِنْ نُورِ اللَّهِ خُلِقُوا وَ إِلَيْهِ يَعُودُونَ.
. أو الإضافة بيانية شبه الروح بالريح لسريانه في البدن كما أن نسبة النفخ إليه لذلك أي من الروح الذي هو كالريح و اجتباه و اختاره و يمكن أن يقرأ بفتح الراء أي من نسيم رحمته كما في خبر آخر و أجرى فيهم من روح رحمته لأبيه و أمه الظاهر تشبيه الطينة بالأم و الروح بالأب و يحتمل العكس.
____________
(1) الكافي ج 2 ص 166. و تراه في المحاسن: 133.
(2) أي بدل تقبضت.
(3) الحجر: 29، ص: 72.
77
باب 3 طينة المؤمن و خروجه من الكافر و بالعكس و بعض أخبار الميثاق زائدا على ما تقدم في كتاب التوحيد و العدل
1- سن، المحاسن عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ رَفَعَهُ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى شِيعَتَنَا مِنْ طِينَةٍ مَخْزُونَةٍ لَا يَشِذُّ مِنْهَا شَاذٌّ وَ لَا يَدْخُلُ فِيهَا دَاخِلٌ أَبَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (1).
2- سن، المحاسن عَنْ أَبِيهِ عَنْ فَضَالَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّا وَ شِيعَتَنَا خُلِقْنَا مِنْ طِينَةٍ وَاحِدَةٍ (2).
3- سن، المحاسن عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْخَفَّافِ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)الْمُؤْمِنُ آنَسُ الْإِنْسِ جَيِّدُ الْجِنْسِ مِنْ طِينَتِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ (3).
بيان: آنس على صيغة اسم الفاعل و يحتمل أفعل التفضيل و نسبته إلى الأنس على المجاز و المراد الأنس بأئمتهم(ع)أو بعضهم ببعض (4).
4- سن، المحاسن عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَدِيدٍ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْمُؤْمِنِ وَ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ بَعَثَ مَلَكاً فَأَخَذَ
____________
(1) المحاسن: 134.
(2) المصدر: 135،.
(3) المصدر نفسه: 135.
(4) أو هو الانس خلاف الجن و المعنى أن المؤمن آنس أفراد الانس.
78
قَطْرَةً مِنْ مَاءِ الْمُزْنِ فَأَلْقَاهَا عَلَى وَرَقَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ (1) فَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ مِنْهُ (2).
5- سن، المحاسن عَنِ الْوَشَّاءِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُيَسِّرٍ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ نُطْفَةَ الْمُؤْمِنِ لَتَكُونُ فِي صُلْبِ الْمُشْرِكِ فَلَا يُصِيبُهُ شَيْءٌ مِنَ الشَّرِّ حَتَّى يَضَعَهُ فَإِذَا صَارَ بَشَراً سَوِيّاً لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ مِنَ الشَّرِّ حَتَّى يَجْرِيَ عَلَيْهِ الْقَلَمُ (3).
ختص، الإختصاص عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمْرَانَ قَالَ: سَأَلْتُ الصَّادِقَ(ع)مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَ اللَّهُ طِينَةَ الْمُؤْمِنِ قَالَ مِنْ طِينَةِ عِلِّيِّينَ قَالَ قُلْتُ فَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَ الْمُؤْمِنَ قَالَ مِنْ طِينَةِ الْأَنْبِيَاءِ فَلَنْ يُنَجِّسَهُ شَيْءٌ (4).
7- وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (صلوات الله عليه) قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ النَّبِيِّينَ مِنْ طِينَةِ عِلِّيِّينَ قُلُوبَهُمْ وَ أَبْدَانَهُمْ وَ خَلَقَ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ تِلْكَ الطِّينَةِ وَ خَلَقَ أَبْدَانَهُمْ مِنْ دُونِ ذَلِكَ وَ خَلَقَ الْكُفَّارَ مِنْ طِينَةِ سِجِّينٍ قُلُوبَهُمْ وَ أَبْدَانَهُمْ فَخَلَطَ بَيْنَ الطِّينَتَيْنِ فَمِنْ هَذَا يَلِدُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ وَ يَلِدُ الْكَافِرُ الْمُؤْمِنَ وَ مِنْ هَذَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنُ السَّيِّئَةَ وَ مِنْ هَاهُنَا يُصِيبُ الْكَافِرُ الْحَسَنَةَ فَقُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ تَحِنُّ إِلَى مَا خُلِقُوا مِنْهُ وَ قُلُوبُ الْكَافِرِينَ تَحِنُّ إِلَى مَا خُلِقُوا مِنْهُ (5).
____________
(1) و المراد الأب فانه صاحب النطفة، و به يلحق الولد، و هذا التعبير و زان قوله (عليه السلام): «اختاروا لنطفكم فان الخال أحد الضجيعين».
(2) المحاسن: 138.
(3) المصدر: 138.
(4) الاختصاص: 25. و مثله في الكافي ج 2 ص 3 بإسناده عن صالح بن سهل قال: قلت لابى عبد اللّه (عليه السلام): جعلت فداك من أي شيء خلق اللّه عزّ و جلّ طينة المؤمن؟
فقال من طينة الأنبياء فلم تنجس أبدا.
قال المؤلّف (قدس سره) في شرحه مرآة العقول يعنى نجاسة الكفر و الشرك.
(5) الاختصاص: 24. و مثله في الكافي ج 2 ص 2.
79
بيان الخلق يكون بمعنى التكوين و بمعنى التقدير و في النهاية طِينَ عليه أي جُبِلَ و يقال طَانَهُ اللَّهُ عَلَى طِينَتِهِ خَلَقَهُ عَلَى جِبِلَّتِهِ و طِينَةُ الرَّجُل خَلْقُهُ و أَصْلُهُ و قال علّيّون اسم للسماء السابعة و قيل اسم لديوان الملائكة الحفظة ترفع إليه أعمال الصالحين من العباد.
و قيل أراد أعلى الأمكنة و أشرف المراتب و أقربها من الله تعالى في الدار الآخرة و تعرب بالحروف و الحركات كقِنَّسْرِينَ و أشباهها على أنها جمع أو واحد انتهى.
و إضافة الطينة إما بتقدير اللام أو من أو في «قلوبهم و أبدانهم» بدل النبيين و يحتمل أن يراد بالقلب هنا العضو المعروف الذي يتعلق الروح أولا بالبخار اللطيف المنبعث منه فلا ينافي ما مر في باب خلق أبدان الأئمة(ع)من أن أجسادهم مخلوقة من طينة عليين و أرواحهم مخلوقة من فوق ذلك على أنه لو أريد به الروح أمكن الجمع بجعل الطينة مبدأ لها مجازا باعتبار القرب و التعلق أو بتخصيص النبيين بغير نبينا ص و يؤيده بعض الأخبار و في القاموس سجين كسكين موضع فيه كتاب الفجار و واد في جهنم أو حجر في الأرض السابعة و في النهاية اسم علم للنار فعيل من السجن.
«فخلط الطينتين» أي في جسد آدم(ع)فلذا حصل في ذريته قابلية المرتبتين و استعداد الدرجتين «و من هاهنا يصيب المؤمن السيئة» لخلط طينته بطينة الكافر و كذا العكس «فقلوب المؤمنين تحنّ» أي تميل و تشتاق قال الجوهري الحنين الشوق و تَوَقَان النفس «إلى ما خلقوا منه» أي إلى الأعمال المناسبة لما خلقوا منه المؤدية إليها أو إلى الأنبياء و الأوصياء(ع)المخلوقين من الطينة التي خلق منها قلوبهم و كذا الفقرة الثانية تحتمل الوجهين و قد مر الكلام منا في أمثال هذا الخبر في كتاب العدل.
و قال بعض المحدثين في تأويله أن الله تعالى لما علم في الأزل الأرواح التي تختار الإيمان باختيارها و التي تختار المعصية باختيارها سواء خلقوا من طينة
80
عليين أو من طينة سجين فلما علم ذلك أعطى أبدان الأرواح التي علم أنهم يختارون الإيمان باختيارها كيفية عليين للمناسبة و أعطى أبدان الأرواح التي علم أنها تختار الكفر باختيارها كيفية السجين من غير أن يكون للأمرين مدخل في اختيارهم الإيمان و الكفر و خلط ما بين الطينتين من غير أن يكون لذلك الخلط مدخل في اختيار الحسنة و السيئة.
و قال بعض أرباب التأويل من المحققين (1) المراد بعليين أشرف المراتب و أقربها من الله تعالى و له درجات كما يدل عليه ما ورد في بعض الأخبار من قولهم أعلى عليين و كما وقع التنبيه في هذا الخبر بنسبة خلق القلوب و الأبدان كليهما إليه مع اختلافهما في الرتبة. فيشبه أن يراد بهما عالم الجبروت و الملكوت جميعا اللذين هما فوق عالم الملك أي عالم العقل و النفس و خلق قلوب النبيين من الجبروت معلوم لأنهم المقرّبون و أما خلق أبدانهم من الملكوت فذلك لأن أبدانهم الحقيقية هي التي في باطن هذه الجلود المدبرة لهذه الأبدان و إنما أبدانهم العنصرية أبدان أبدانهم لا علاقة لهم بها فكأنهم و هم في جلابيب من هذه الأبدان قد نفضوها و تجرّدوا منها لعدم ركونهم إليها و شدة شوقهم إلى النشأة الأخرى و لهذا نعموا بالوصول إلى الآخرة و مفارقة هذه الأدنى و من هنا ورد في الحديث
الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَ جَنَّةُ الْكَافِرِ (2).
.
____________
(1) يريد به الفيلسوف المشهور ملا صدرا الشيرازى.
(2) قال العلامة الطباطبائى مد ظله في بعض كلامه: الاخبار مستفيضة في أن اللّه تعالى خلق السعداء من طينة عليين و خلق الاشقياء من طينة سجين- من النار- و كل يرجع الى حكم طينته من السعادة و الشقاء، و قد أورد عليها اولا بمخالفة الكتاب و ثانيا باستلزام الجبر الباطل.
أما البحث الأول فقد قال اللّه تعالى: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ» و قال: «بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ» فأفاد أن الإنسان مخلوق من طين، ثمّ قال تعالى: «وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ
81
و إنما نسب خلق أبدان المؤمنين إلى ما دون ذلك لأنها مركّبة من هذه و من هذه لتعلّقهم بهذه الأبدان العنصرية أيضا ما داموا فيها و سجين أخس المراتب و أبعدها من الله سبحانه فيشبه أن يراد به حقيقة الدنيا و باطنها التي هي مخبوءة تحت عالم الملك أعني هذا العالم العنصري فإن الأرواح مسجونة فيه و لهذا ورد في الحديث
الْمَسْجُونُ مَنْ سَجَنَتْهُ الدُّنْيَا عَنِ الْآخِرَةِ.
.
____________
مُوَلِّيها» الآية. و قال: «ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها» الآية:
فأفاد أن للإنسان غاية و نهاية من السعادة و الشقاء، و هو متوجه إليها، سائر نحوها و قال تعالى: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدى وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ» الآية.
فأفاد أن ما ينتهى إليه أمر الإنسان من السعادة و الشقاء هو ما كان عليه في بدء خلقه طينا، فهذه الطينة طينة سعادة و طينة شقاء، و آخر السعيد الى الجنة، و آخر الشقى الى النار، فهما أو لهما لكون الآخر هو الأول، و حينئذ صح أن السعداء خلقوا من طينة الجنة و الاشقياء خلقوا من طينة النار.
و قال تعالى: «كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ... كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَ ما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ كِتابٌ مَرْقُومٌ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» الآيات و هي تشعر بأن عليين و سجين هما ما ينتهى إليه أمر الابرار و الفجار من النعمة و العذاب فافهم.
و اما البحث الثاني و هو ان اخبار الطينة تستلزم أن تكون السعادة و الشقاء لازمين حتميين للإنسان، و معه لا يكون أحدهما اختياريا كسبيا للإنسان و هو الجبر الباطل.
فالجواب عنه أن اقتضاء الطينة للسعادة أو الشقاء ليس من قبل نفسها بل من قبل حكمه تعالى و قضائه ما قضى من سعادة و شقاء، فيرجع الاشكال الى سبق قضاء السعادة الشقاء في حقّ الإنسان قبل أن يخلق، و أن ذلك يستلزم الجبر، و الجواب أن القضاء متعلق بصدور الفعل عن اختيار العبد، فهو فعل اختيارى في عين أنّه حتمى الوقوع، و لم يتعلق بالفعل سواء اختاره العبد أو لم يختره حتّى يلزم منه بطلان الاختيار.
82
و خلق أبدان الكفار من هذا العالم ظاهر و إنما نسب خلق قلوبهم إليه لشدة ركونهم إليه و إخلادهم إلى الأرض و تثاقلهم إليها فكأنه ليس لهم من الملكوت نصيب لاستغراقهم في الملك و الخلط بين الطينتين إشارة إلى تعلق الأرواح الملكوتية بالأبدان العنصرية بل نشؤها منها شيئا فشيئا فكل من النشأتين غلبت عليه صار من أهلها فيصير مؤمنا حقيقيا أو كافرا حقيقيا أو بين الأمرين على حسب مراتب الإيمان و الكفر انتهى.
و أقول هو مبني على أصول و اصطلاحات لم تثبت حقيتها و لم تعرف حقيقتها و لا ضرورة في الخوض فيها.
7- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ عَبْدِ الْغَفَّارِ الْجَازِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْمُؤْمِنَ مِنْ طِينَةِ الْجَنَّةِ وَ خَلَقَ الْكَافِرَ مِنْ طِينَةِ النَّارِ وَ قَالَ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْراً طَيَّبَ رُوحَهُ وَ جَسَدَهُ فَلَا يَسْمَعُ شَيْئاً مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا عَرَفَهُ وَ لَا يَسْمَعُ شَيْئاً مِنَ الْمُنْكَرِ إِلَّا أَنْكَرَهُ قَالَ وَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ الطِّينَاتُ ثَلَاثٌ طِينَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَ الْمُؤْمِنُ مِنْ تِلْكَ الطِّينَةِ إِلَّا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ هُمْ مِنْ صَفْوَتِهَا هُمُ الْأَصْلُ وَ لَهُمْ فَضْلُهُمْ وَ الْمُؤْمِنُونَ الْفَرْعُ مِنْ طِينٍ لازِبٍ كَذَلِكَ لَا يُفَرِّقُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ شِيعَتِهِمْ وَ قَالَ طِينَةُ النَّاصِبِ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ وَ أَمَّا الْمُسْتَضْعَفُونَ فَ مِنْ تُرابٍ لَا يَتَحَوَّلُ مُؤْمِنٌ عَنْ إِيمَانِهِ وَ لَا نَاصِبٌ عَنْ نَصْبِهِ وَ لِلَّهِ الْمَشِيَّةُ فِيهِمْ (1).
تبيين من طينة الجنة أي من طينة يعلم حين خلقه منها أنه يصير إلى الجنة أو من طينة مرجحة لأعمال تصير سببا لدخول الجنة لا على الإلجاء إذا أراد الله بعبد خيرا أي حسن عاقبة و سعادة.
____________
(1) الكافي ج 2 ص 3.
83
طيب روحه بالهدايات الخاصة و الألطاف المرجحة و ذلك بعد حسن اختياره و ما يعود إليه من الأسباب مِنْ طِينٍ لازِبٍ قال القاضي هو الحاصل من ضرب الجزء المائي إلى الجزء الأرضي و في القاموس اللزوب اللصوق و الثبوت و لزب ككرم لزبا و لزوبا دخل بعضه في بعض و الطين لزق و صلب.
أقول و يمكن أن يكون على هذا التأويل للآية الكريمة المراد باللزوب لصوقهم بالأئمة(ع)و ملازمتهم لهم فقوله كذلك لا يفرق الله و في بعض النسخ لذلك أي للزوبهم و لصوقهم بأئمتهم(ع)و لصوق طينتهم بطينتهم لا يفرق الله بينهم و بينهم أو لكونهم من فرع تلك الطينة لا يفرق الله بينهما في الدنيا و الآخرة لأن الفرع ملحق بالأصل و تابع له.
و الحمأ الطين الأسود و المسنون المتغير المنتن و قيل أي مصبوب كأنه أفرغ حتى صار صورة و قيل إنه الرطب و قيل مصور و الحمأ المسنون طين سجين فمن تراب أي خلقوا من تراب غير ممزوج بماء عذب زلال كما مزجت به طينة الأنبياء و المؤمنين و لا بماء آسن أجاج كما مزجت به طينة الكافرين.
و كأن هذا وجه جمع بين الآيات الكريمة فإن ما دل على أنه خلق مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فهو في الناصب و ما دل على أنه خلق مِنْ طِينٍ لازِبٍ فهو في الشيعة و ما دل على أنه خلق مِنْ تُرابٍ فهو في المستضعفين فيحتمل أن يكون المراد إدخال تلك الطينات في بدن آدم(ع)لتحصيل قابلية جميع تلك الأمور و الأقسام في ولده أو يكون المراد خلق كل صنف من طينة بإدخالها في النطفة أو بحصول تلك النطفة من هذه الطينة.
فالأوسط أظهر
لِمَا رَوَاهُ الشَّيْخُ فِي مَجَالِسِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ جَدِّهِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ فِي الْفِرْدَوْسِ لَعَيْناً أَحْلَى مِنَ الشَّهْدِ وَ أَلْيَنَ مِنَ الزُّبْدِ وَ أَبْرَدَ
84
مِنَ الثَّلْجِ وَ أَطْيَبَ مِنَ الْمِسْكِ فِيهَا طِينَةٌ خَلَقَنَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْهَا وَ خَلَقَ شِيعَتَنَا مِنْهَا فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ تِلْكَ الطِّينَةِ فَلَيْسَ مِنَّا وَ لَا مِنْ شِيعَتِنَا وَ هِيَ الْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى وَلَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ع- قَالَ عُبَيْدٌ فَذَكَرْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ صَدَقَكَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَكَذَا أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ عُبَيْدٌ أَشْتَهِي أَنْ تُفَسِّرَهُ لَنَا إِنْ كَانَ عِنْدَكَ تَفْسِيرٌ قَالَ نَعَمْ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص أَنَّهُ قَالَ إِنَّ لِلَّهِ مَلَكاً رَأْسُهُ تَحْتَ الْعَرْشِ وَ قَدَمَاهُ فِي تُخُومِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى بَيْنَ عَيْنَيْهِ رَاحَةُ أَحَدِكُمْ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقاً عَلَى وَلَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)أَمَرَ ذَلِكَ الْمَلَكَ فَأَخَذَ مِنْ تِلْكَ الطِّينَةِ فَرَمَى بِهَا فِي النُّطْفَةِ حَتَّى يَصِيرَ إِلَى الرَّحِمِ مِنْهَا يَخْلُقُ وَ هِيَ الْمِيثَاقُ.
قوله و لله المشية فيهم أي في المستضعفين و التعميم بعيد (1).
8- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُسْلِمٍ الْحُلْوَانِيِّ عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ الصَّيْقَلِ الرَّازِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً تُسَمَّى الْمُزْنَ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ مُؤْمِناً أَقْطَرَ مِنْهَا قَطْرَةً فَلَا تُصِيبُ بَقْلَةً وَ لَا ثَمَرَةً أَكَلَ مِنْهَا مُؤْمِنٌ أَوْ كَافِرٌ إِلَّا أَخْرَجَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ صُلْبِهِ مُؤْمِناً (2).
بيان: في المصباح حلوان بالضم بلد مشهور من سواد العراق و هي آخر مدن العراق و بينها و بين بغداد نحو خمس مراحل و في القاموس المزن بالضم
____________
(1) بل للّه المشية فيهم جميعا و ليس المشية مشية جزافية بل هي ما يجرى عليه ناموس الكون و الفساد الحاكم على الإنسان و قلبه و فكره و أفعاله كلها فمن آمن فقد آمن بمشية اللّه و من كفر فقد كفر بمشية اللّه و من ارتد عن الايمان الى النصب و العناد فقد ارتد بمشية اللّه، فافهم ذلك.
(2) الكافي ج 2 ص 14.
85
السحاب أو أبيضه أو ذو الماء انتهى و كان التسمية هنا على التشبيه.
قيل هذا الحديث كما يناسب ما قيل إن المراد بالطينة الأصول الممتزجات المنتقلة في أطوار الخلقة كالنطفة و ما قبلها من موادها مثل النبات و الغذاء و ما بعدها من العلقة و المضغة و المزاج الإنسان القابل للنفس الناطقة المدبرة كذلك يناسب ما ذكر من أن المراد بالطينة طينة الجنة لأن طينة الجنة اختمارها و تربيتها بهذه القطرة كما أنه بماء العذب الفرات المذكور سابقا و بالجملة خلقه من طينة الجنة و مزجها بماء الفرات أولا و تربيتها بماء المزن ثانيا لطف منه تعالى بالنسبة إلى المؤمن ليحصل له الوصول إلى أعلى مراتب القرب انتهى.
و قال بعض المحققين من أهل التأويل الجنة تشتمل جنان الجبروت و الملكوت و المزن السحاب و هو أيضا يعم سحاب ماء الرحمة و الجود و الكرم و سحاب ماء المطر و الخصب و الديم و كما أن لكل قطرة من ماء المطر صورة و سحابا انفصلت منه في عالم الملك كذلك له صورة و سحاب انفصلت منه في عالمي الملكوت و الجبروت و كما أن البقلة و الثمرة تتربى بصورتها الملكية كذلك تتربى بصورتيها الملكوتية و الجبروتية المخلوقتين من ذكر الله تعالى اللتين من شجرة المزن الجناني و كما أنهما تتربيان بها قبل الأكل كذلك تتربيان بها بعد الأكل في بدن الآكل فإنها ما لم تستحل إلى صورة العضو فهي بعد في التربية.
فالإنسان إذا أكل بقلة أو ثمرة ذكر الله عز و جل عندها و شكر الله عليها و صرف قوتها في طاعة الله سبحانه و الأفكار الإيمانية و الخيالات الروحانية فقد تربت تلك البقلة أو الثمرة في جسده بماء المزن الجناني فإذا فضلت من مادتها فضلة منوية فهي من شجرة المزن التي أصلها في الجنة.
و إذا أكلها على غفلة من الله سبحانه و لم يشكر الله عليها و صرف قوتها في معصية الله تعالى و الأفكار المموهة الدنيوية و الخيالات الشهوانية فقد تربت
86
تلك البقلة أو الثمرة في جسده بماء آخر غير صالح لخلق المؤمن إلا أن يكون قد تحقق تربيتها بماء المزن الجناني قبل الأكل.
و أما مأكولة الكافر التي يخلق منها المؤمن فإنما يتحقق تربيتها بذلك الماء قبل أكله لها غالبا و لذكر الله عند زرعها أو غرسها مدخل في تلك التربية و كذلك لحل ثمنها و تقوى زارعها أو غارسها إلى غير ذلك من الأسباب.
9- كا، الكافي الْعِدَّةُ عَنْ سَهْلٍ وَ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ جَمِيعاً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أُورَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ يُوسُفَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَنَا مَوْلَاكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَيْسَانَ قَالَ أَمَّا النَّسَبُ فَأَعْرِفُهُ وَ أَمَّا أَنْتَ فَلَسْتُ أَعْرِفُكَ قَالَ قُلْتُ لَهُ إِنِّي وُلِدْتُ بِالْجَبَلِ وَ نَشَأْتُ فِي أَرْضِ فَارِسَ وَ إِنَّنِي أُخَالِطُ النَّاسَ فِي التِّجَارَاتِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ فَأُخَالِطُ الرَّجُلَ فَأَرَى لَهُ حُسْنَ السَّمْتِ وَ حُسْنَ الْخُلُقِ وَ كَثْرَةَ أَمَانَةٍ ثُمَّ أُفَتِّشُهُ فَأُفَتِّشُهُ عَنْ عَدَاوَتِكُمْ وَ أُخَالِطُ الرَّجُلَ فَأَرَى مِنْهُ سُوءَ الْخُلُقِ وَ قِلَّةَ أَمَانَةٍ وَ زَعَارَّةً ثُمَّ أُفَتِّشُهُ فَأُفَتِّشُهُ عَنْ وَلَايَتِكُمْ فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ قَالَ فَقَالَ لِي أَ مَا عَلِمْتَ يَا ابْنَ كَيْسَانَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَخَذَ طِينَةً مِنَ الْجَنَّةِ طِينَةً مِنَ النَّارِ فَخَلَطَهُمَا جَمِيعاً ثُمَّ نَزَعَ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ وَ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ فَمَا رَأَيْتَ فِي أُولَئِكَ مِنَ الْأَمَانَةِ وَ حُسْنِ الْخُلُقِ وَ حُسْنِ السَّمْتِ فَمِمَّا مَسَّتْهُمْ مِنْ طِينَةِ الْجَنَّةِ وَ هُمْ يَعُودُونَ إِلَى مَا خُلِقُوا مِنْهُ وَ مَا رَأَيْتَ مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ قِلَّةِ الْأَمَانَةِ وَ سُوءِ الْخُلُقِ وَ الزَّعَارَّةِ فَمِمَّا مَسَّتْهُمْ مِنْ طِينَةِ النَّارِ وَ هُمْ يُعَادُونَ إِلَى مَا خُلِقُوا مِنْهُ (1).
توضيح عن عداوتكم التعدية بعن لتضمين معنى الكشف و السمت الطريق و هيئة أهل الخير و زعارة بالزاي و الراء المشددة و يخفف الشراسة و سوء الخلق و في بعض النسخ بالدال و العين و الراء المهملات و هو الفساد و الفسق
____________
(1) الكافي ج 2 ص 4.
87
و الخبث فخلطهما جميعا أي في صلب آدم(ع)إلى أن يخرجوا من أصلاب أولاده و هو المراد بقوله ثم نزع هذه من هذه إذ يخرج المؤمن من صلب الكافر و الكافر من صلب المؤمن.
و حمل الخلط على الخلطة في عالم الأجساد و اكتساب بعضهم الأخلاق من بعض بعيد جدا و قيل ثم نزع هذه من هذه معناه أنه نزع طينة الجنة من طينة النار و طينة النار من طينة الجنة بعد ما مست إحداهما الأخرى ثم خلق أهل الجنة من طينة الجنة و أهل النار من طينة النار و أولئك إشارة إلى الأعداء و هؤلاء إلى الأولياء و ما خلقوا منه في الأول طينة النار و في الثاني طينة الجنة.
كا، الكافي عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي حَمَّادٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ(ع)بَعَثَ جَبْرَئِيلَ(ع)فِي أَوَّلِ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَقَبَضَ بِيَمِينِهِ قَبْضَةً فَبَلَغَتْ قَبْضَتُهُ مِنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَ أَخَذَ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ تُرْبَةً وَ قَبَضَ قَبْضَةً أُخْرَى مِنَ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ الْعُلْيَا إِلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ الْقُصْوَى فَأَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ كَلِمَتَهُ فَأَمْسَكَ الْقَبْضَةَ الْأُولَى بِيَمِينِهِ وَ الْقَبْضَةَ الْأُخْرَى بِشِمَالِهِ فَفَلَقَ الطِّينَ فِلْقَتَيْنِ فَذَرَا مِنَ الْأَرْضِ ذَرْواً وَ مِنَ السَّمَاوَاتِ ذَرْواً فَقَالَ لِلَّذِي بِيَمِينِهِ مِنْكَ الرُّسُلُ وَ الْأَنْبِيَاءُ وَ الْأَوْصِيَاءُ وَ الصِّدِّيقُونَ وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ السُّعَدَاءُ وَ مَنْ أُرِيدُ كَرَامَتَهُ فَوَجَبَ لَهُمْ مَا قَالَ كَمَا قَالَ وَ قَالَ لِلَّذِي بِشِمَالِهِ مِنْكَ الْجَبَّارُونَ وَ الْمُشْرِكُونَ وَ الْكَافِرُونَ وَ الطَّوَاغِيتُ وَ مَنْ أُرِيدُ هَوَانَهُ وَ شِقْوَتَهُ فَوَجَبَ لَهُمْ مَا قَالَ كَمَا قَالَ ثُمَّ إِنَّ الطِّينَتَيْنِ خُلِطَتَا جَمِيعاً وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَ النَّوى (1) فَالْحَبُّ طِينَةُ الْمُؤْمِنِينَ الَّتِي أَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهَا مَحَبَّتَهُ وَ النَّوَى طِينَةُ
____________
(1) الأنعام: 95 و ما بعدها ذيلها.
88
الْكَافِرِينَ الَّذِينَ نَأَوْا عَنْ كُلِّ خَيْرٍ وَ إِنَّمَا سُمِّيَ النَّوَى مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ نَأَى عَنْ كُلِّ خَيْرٍ وَ تَبَاعَدَ عَنْهُ وَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِ فَالْحَيُّ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَخْرُجُ طِينَتُهُ مِنْ طِينَةِ الْكَافِرِ وَ الْمَيِّتُ الَّذِي يُخْرَجُ هُوَ مِنَ الْحَيِّ هُوَ الْكَافِرُ الَّذِي يُخْرَجُ مِنْ طِينَةِ الْمُؤْمِنِ فَالْحَيُّ الْمُؤْمِنُ وَ الْمَيِّتُ الْكَافِرُ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ (1) فَكَانَ مَوْتُهُ اخْتِلَاطَ طِينَتِهِ مَعَ طِينَةِ الْكَافِرِ وَ كَانَ حَيَاتُهُ حِينَ فَرَّقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بَيْنَهُمَا بِكَلِمَتِهِ كَذَلِكَ يُخْرِجُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْمُؤْمِنَ فِي الْمِيلَادِ مِنَ الظُّلْمَةِ بَعْدَ دُخُولِهِ فِيهَا إِلَى النُّورِ وَ يُخْرِجُ الْكَافِرَ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلْمَةِ بَعْدَ دُخُولِهِ إِلَى النُّورِ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ- (2) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (3)
تبيين قوله في أول ساعة إلخ قيل لما كان خلق آدم(ع)بعد خلق السماوات و الأرض ضرورة تقدم البسيط على المركب و كان خلق السماوات و الأرض و أقواتها في ستة أيام من الأسبوع و قد جمعت جميعا في الجمعة صار بدو خلق الإنسان فيه و المراد بكلمته جبرئيل(ع)لأنه حامل كلمته أو لاهتداء الناس به كاهتدائهم بكلام الله أو لكونه مخلوقا بكلمة كن بلا مادة و قيل المراد بالسماوات درجات الجنة و بالأرضين دركات سجين ليطابق الأخبار الأخر و يحتمل أخذها منهما معا.
و قيل كأن المراد بالتربة ما له مدخل في تهيئة المادة القابلة لأن يخلق منها شيء فيشمل الطينة بمعنى الجبلة و آثار القوى السماوية المربية للنطفة و بالجملة ما له مدخل في السبب القابلي انتهى.
و قيل إطلاق التربة على ما أخذ من السماوات من قبيل مجاز المشارفة أي ما يصير تربة و ينقلب إليهما و القصوى مؤنث الأقصى أي الأبعد و يدل على أن الأرض سبع طبقات كالسماوات كما قال الله تعالى اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ
____________
(1) الأنعام: 122.
(2) يس: 70.
(3) الكافي ج 2 ص 5.
89
سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ (1) قوله(ع)ففلق الطين فلقتين ضمير فلق إما راجع إلى الله أو إلى جبرئيل و كذا قوله فذرا و في القاموس فلقه يفلقه شقه كفلقه و فالق الحب خالقه أو شاقه بإخراج الورق منه و قال ذرت الريح الشيء أو أذرته و ذرته أطارته و أذهبته و ذرا هو بنفسه.
أقول الكلام يحتمل وجوها الأول أن يكون قوله ففلق تفريعا و تأكيدا لما مضى أي فصار بقبض بعض الطين باليمين و بعضه بالشمال الطين صنفين ففرق من الأرض أي ما كان في يده من طين الأرض و كذا الثاني فقال الله أو جبرئيل للذي بيمينه قبل الذرو أو للذي كان بيمينه بعده.
الثاني أن يكون المعنى ففلق كل طين من الطينتين فلقة أي جعل كلا منهما حصتين ففرق من كل طين حصة ليكون طينة للمستضعفين و الأطفال و المجانين و قال لما بقي في اليمين منك الرسل إلخ و لما بقي في الشمال منك الجبارون إلخ و على هذا لعل إرجاع الضمائر إلى الله أولى فيقرأ أريد في الموضعين بصيغه المتكلم و على الوجه الآخر يقرأ بصيغه الغائب المجهول.
الثالث ما ذكره بعض الأفاضل حيث قال كان الفلق كناية عن إفراز ما يصلح من المادتين لخلق الإنسان و إنما ذرا من كل منهما ما ذرا لأنه كان فيهما ما ليس له مدخل في خلق الإنسان و إنما كان مادة لسائر الأكوان خاصة.
قوله(ع)ثم إن الطينتين خلطتا أي ما كان في اليدين أو جميع الطينتين المذروء منهما و غير المذروء.
قوله(ع)فالحب طينة المؤمنين هذا بطن من بطون الآية و على هذا التأويل المراد بالفلق شق كل منهما و إخراج الآخر منه أو شق كل منهما
____________
(1) الطلاق: 12، و لكنها لا تدلّ على أن الأرض ذات طباق كالسماوات و لعلّ المراد مثلهن عددا، أو مثلهن قطعا فينطبق مع سبع قارات لارضنا هذه التي نحن عليها.
90
عن صاحبه أو خلقهما. من أجل أنه نأى كأن مناسبة نأى و نوى من جهة الاشتقاق الكبير المبني على توافق بعض حروف الكلمتين فإن الأول مهموز الوسط و الثاني من المعتل (1) و يحتمل أن يكون أصل المهموز من المعتل أو بالعكس و يؤيده أن صاحب مصباح المنير و الراغب في المفردات ذكرا نأى في باب النون مع الواو أو يقال ليس الغرض هنا بيان الاشتقاق بل بيان أن النوى بمعنى البعد و ذكر نأى لتناسب اللفظين فإن الواوي أيضا يطلق بهذا المعنى قال في القاموس النية الوجه الذي يذهب فيه و البعد كالنوى فيهما انتهى.
و الآية في سورة الأنعام هكذا إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَ النَّوى (2) قال في مجمع البيان (3) أي شاق الحبة اليابسة الميتة فيخرج منه النبات و شاق النواة اليابسة فيخرج منه النخل و الشجر و قيل معناه خالق الحب و النوى و منشئهما و مبدئهما و قيل المراد به ما في الحبة و النواة من الشق و هو من عجيب قدرة الله تعالى في استوائه.
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِ (4) أي يخرج النبات الغض الطري الخضر من الحب اليابس و يخرج الحب اليابس من النبات الحي النامي عن الزجاج و العرب تسمي الشجرة ما دام غضا قائما بأنه حي فإذا يبس أو قطع أو قلع سموه ميتا.
و قيل معناه يخلق الحي من النطفة و هي موات و يخلق النطفة و هي موات من الحي عن الحسن و غيره و هذا أصح و قيل معناه يخرج الطير من البيض و البيض من
____________
(1) و لعلّ ذلك إشارة الى أن الحب و هو ما كان له قشر و لباب يؤكل انما يناسب المؤمن ذا اللب و أن النوى و هو ما كان كله كالقشر و ليس له لباب يؤكل انما يناسب الكافر ليس له لب.
(2) الأنعام: 95.
(3) مجمع البيان ج 4 ص 338.
(4) الأنعام: 95.
91
الطير عن الجبائي (1) و قيل يخرج المؤمن من الكافر و الكافر من المؤمن.
ثم قال سبحانه في هذه السورة أيضا أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها (2) قال الطبرسي (3) أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً أي كافرا فَأَحْيَيْناهُ بأن هديناه إلى الإيمان عن ابن عباس و غيره شبه سبحانه الكفر بالموت و الإيمان بالحياة و قيل معناه من كان نطفة فأحييناه وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً المراد بالنور العلم و الحكمة أو القرآن أو الإيمان و بالظلمات ظلمات الكفر.
و إنما سمى الله الكافر ميتا لأنه لا ينتفع بحياته و لا ينتفع غيره بحياته فهو أسوأ حالا من الميت إذ لا يوجد من الميت ما يعاقب عليه و لا يتضرر غيره به و سمى المؤمن حيا لأنه له و لغيره المصلحة و المنفعة في حياته و كذلك سمى الكافر ميتا و المؤمن حيا في عدة مواضع مثل قوله إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى (4) و لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا (5) و قوله وَ ما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَ لَا الْأَمْواتُ (6) و سمى القرآن و الإيمان و العلم نورا لأن الناس يبصرون بذلك و يهتدون به من ظلمات الكفر و حيرة الضلالة كما يهتدى بسائر الأنوار و سمى الكفر ظلمة لأن الكافر لا يهتدي بهداه و لا يبصر أمر رشده انتهى.
و أقول على التأويل المذكور في الخبر و أكثر التفاسير المذكورة قوله تعالى يُخْرِجُ الْحَيَ بيان لقوله فالِقُ الْحَبِ قوله حين فرق الله بينهما بكلمته أي بقدرته أو بأمر كن أو بجبرئيل
____________
(1) و ليس بشيء فان النطفة ليست بميتة بل الحيوانات و النباتات كلها انما يخلقون من نطفة حى.
(2) الأنعام: 122.
(3) مجمع البيان ج 4 ص 359.
(4) النمل: 80.
(5) يس: 70.
(6) فاطر: 22.
92
و التفريق في الميلاد أو في الطينة و الأول أظهر فقوله كذلك تشبيه الإخراج من الظلمات إلى النور و بالعكس بإخراج الحي من الميت و بالعكس في أن المراد فيهما إخراج طينة المؤمن من طينة الكافر و بالعكس.
و ليس المراد تأويل تتمة تلك الآية أعني قوله سبحانه أ و من كان ميتا إلخ فإنه لم يذكر فيها إخراج الكافر من النور إلى الظلمة بل فيها أنه في الظلمات ليس بخارج منها بل هو إشارة إلى قوله تعالى اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ الآية. و لا ينافيه قوله(ع)و يخرج الكافر مع أن في الآية نسب الإخراج إلى الطاغوت لأن لخذلانه سبحانه مدخلا في ذلك مع أنه يمكن أن يقرأ على بناء المجرد المعلوم أو على بناء المجهول.
و ما قيل من أنه يظهر من هذا الحديث أن إخراج المؤمن من الكافر و بالعكس في وقتين وقت تفريق الطين و وقت الولادة فليس بظاهر كما عرفت ثم استشهد(ع)لإطلاق الحياة على الإيمان أو كونه من طينة مقربة له بقوله سبحانه لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا أي كان من طينة الجنة على تأويله ع.
قال الطبرسي (1) أي أنزلناه ليخوف به من معاصي الله من كان مؤمنا لأن الكافر كالميت بل أقل من الميت أو من كان عاقلا كما روي عن علي(ع)و قيل من كان حي القلب حي البصر وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ أي يجب الوعيد و العذاب على الكافرين بكفرهم و أقول على تأويله(ع)يحتمل أن يكون المراد بالقول ما مر من قوله سبحانه منك الجبارون و المشركون و الكافرون إلى آخره.
11- مع، معاني الأخبار سُئِلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)عَنِ الْمَوْتِ مَا هُوَ فَقَالَ هُوَ التَّصْدِيقُ بِمَا لَا يَكُونُ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ- عَنِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا مَاتَ لَمْ يَكُنْ مَيِّتاً فَإِنَّ الْمَيِّتَ هُوَ الْكَافِرُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ
____________
(1) مجمع البيان ج 8 ص 432.
93
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ (1) يَعْنِي الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ وَ الْكَافِرَ مِنَ الْمُؤْمِنِ (2).
12- كا، الكافي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ سَهْلٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)جُعِلْتُ فِدَاكَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ طِينَةَ الْمُؤْمِنِ فَقَالَ مِنْ طِينَةِ الْأَنْبِيَاءِ فَلَنْ تَنْجَسَ أَبَداً (3).
بيان: فلن تنجس أبدا أي بنجاسة الكفر و الشرك و إن نجست بالمعاصي فتطهر بالتوبة و الشفاعة و رحمة الرب تعالى و قيل أي لن يتعلق بالدنيا تعلق ركون و إخلاد يذهله عن الآخرة.
13- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ صَالِحِ بْنِ سَهْلٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)الْمُؤْمِنُونَ مِنْ طِينَةِ الْأَنْبِيَاءِ قَالَ نَعَمْ (4).
بيان: أي من فضل طينتهم.
14- كا، الكافي عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيِّ وَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: لَوْ عَلِمَ النَّاسُ كَيْفَ ابْتُدِئَ الْخَلْقُ لَمَا اخْتَلَفَ اثْنَانِ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ قَالَ كُنْ مَاءً عَذْباً أَخْلُقْ مِنْكَ جَنَّتِي وَ أَهْلَ طَاعَتِي وَ كُنْ مِلْحاً أُجَاجاً أَخْلُقْ مِنْكَ نَارِي وَ أَهْلَ مَعْصِيَتِي ثُمَّ أَمَرَهُمَا فَامْتَزَجَا فَمِنْ ذَلِكَ صَارَ يَلِدُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ وَ الْكَافِرُ الْمُؤْمِنَ ثُمَّ أَخَذَ طِينَةً مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ فَعَرَكَهُ عَرْكاً شَدِيداً فَإِذَا هُمْ كَالذَّرِّ يَدِبُّونَ فَقَالَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ إِلَى الْجَنَّةِ بِسَلَامٍ وَ قَالَ لِأَصْحَابِ الشِّمَالِ إِلَى النَّارِ وَ لَا أُبَالِي ثُمَّ أَمَرَ نَاراً فَأُسْعِرَتْ فَقَالَ لِأَصْحَابِ الشِّمَالِ أُدْخُلُوهَا فَهَابُوهَا وَ قَالَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ أُدْخُلُوهَا فَدَخَلُوهَا فَقَالَ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً فَكَانَتْ بَرْداً
____________
(1) الروم: 18.
(2) معاني الأخبار: 290.
(3) الكافي ج 2: 3. و فيه فلم تنجس أبدا.
(4) الكافي ج 2: 5.
94
وَ سَلَاماً فَقَالَ أَصْحَابُ الشِّمَالِ يَا رَبِّ أَقِلْنَا قَالَ قَدْ أَقَلْتُكُمْ فَادْخُلُوهَا فَذَهَبُوا فَهَابُوهَا فَثَمَّ ثَبَتَتِ الطَّاعَةُ وَ الْمَعْصِيَةُ وَ لَا يَسْتَطِيعُ هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونُوا مِنْ هَؤُلَاءِ وَ لَا هَؤُلَاءِ مِنْ هَؤُلَاءِ (1).
تبيين لما اختلف اثنان أي في مسألة الاستطاعة و الاختيار و الجبر أو لما تنازع اثنان في أمر من أمور الدين لاختلاف أفهامهم و قابلياتهم و طينهم و لما بالغوا في هداية الخلق.
كن ماء عذبا أمر تكويني أو استعارة تمثيلية لبيان علمه تعالى باختلاف مواد الخلق و استعداداتهم و ما هم إليه صائرون و في القاموس ماء أجاج ملح مر و قال أديم النار عامته أو بياضه و من الضحى أوله و من السماء و الأرض ما ظهر و قال عركه دلكه و حكه حتى عفاه و قال الذر صغار النمل و مائة منها زنة حبة شعير الواحدة ذرة و قال دب يدب دبا و دبيبا مشى على هنيئة و قال أقلته فسخته و استقاله طلب إليه أن يقيله و قال هابه يهابه هيبا و مهابة خافه.
وَ قَالَ السَّيِّدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي نَهْجِ الْبَلَاغَةِ (2) رَوَى الْيَمَانِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ قُتَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِحْيَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ(ع)وَ قَدْ ذُكِرَ اخْتِلَافُ النَّاسِ قَالَ إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمْ مَبَادِي طِينِهِمْ وَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِلْقَةً مِنْ سَبَخِ أَرْضٍ وَ عَذْبِهَا وَ حَزْنِ تُرْبَةٍ وَ سَهْلِهَا فَهُمْ عَلَى حَسَبِ قُرْبِ أَرْضِهِمْ يَتَقَارَبُونَ وَ عَلَى قَدْرِ اخْتِلَافِهِمْ يَتَفَاوَتُونَ فَتَامُّ الرُّوَاءِ نَاقِصُ الْعَقْلِ وَ مَادُّ الْقَامَةِ قَصِيرُ الْهِمَّةِ وَ زَاكِي الْعَمَلِ قَبِيحُ الْمَنْظَرِ وَ قَرِيبُ الْقَعْرِ بَعِيدُ السَّبْرِ وَ مَعْرُوفُ الضَّرِيبَةِ مُنْكَرُ الْجَلِيبَةِ وَ نَائِرُ الْقَلْبِ مُتَفَرِّقُ اللُّبِّ وَ طَلِيقُ اللِّسَانِ حَدِيدُ الْجَنَانِ.
. و قال ابن ميثم (3) في قوله(ع)إنما فرق بينهم إلخ أي تقاربهم في
____________
(1) الكافي ج 2: 6.
(2) نهج البلاغة ط مصر عبده ج 1 ص 253.
(3) شرح النهج لابن ميثم ص 419 ط ايران قديم.
95
الصور و الأخلاق تابع لتقارب طينهم و تقارب مباديه و هي السهل و الحزن و السبخ و العذب و تفاوتهم فيها لتفاوت طينهم و مباديه المذكورة.
و قال أهل التأويل الإضافة بمعنى اللام أي المبادي لطينهم كناية عن الأجزاء العنصرية التي هي مبادي المركبات ذوات الأمزجة (1) أو السبخ كناية عن الحار اليابس و العذب عن الحار الرطب و السهل عن البارد الرطب و الحزن عن البارد اليابس انتهى.
و أقول لا يبعد أن يكون الماء العذب كناية عما خلق الله في الإنسان من الدواعي إلى الخير و الصلاح كالعقل و النفس الملكوتي و الماء الأجاج عما ينافي و يعارض ذلك و يدعو إلى الشهوات الدنية و اللذات الجسمانية من البدن و ما ركب فيه من الدواعي إلى الشهوات.
و مزجهما كناية عن تركيبهما في الإنسان فقوله أخلق منك أي من أجلك جنتي و أهل طاعتي إذ لو لا ما في الإنسان من جهة الخير لم يكن لخلق الجنة فائدة و لم يكن يستحقها أحد و لم يصر أحد مطيعا له تعالى.
و كذا قوله أخلق منك ناري إذ لو لا ما في الإنسان من دواعي الشرور لم يكن يعصي الله أحد و لم يحتج إلى خلق النار للزجر عن الشرور.
ثم لإظهار إحاطة علمه بما سيقع من كل فرد من أفراد البشر للملائكة لطفا لهم و لبني آدم أيضا بعد إخبار الرسل بذلك جعلهم كالذر و ميز من علم منهم الإيمان ممن علم منهم خلافه و كلفهم بدخول النار ليعلموا قبل التكليف في عالم الأجساد
____________
(1) بل الصحيح كما أشرنا إليه قبلا أن النطفة هي التي خلقت من سلالة من الطين فليس الإنسان مركبا من الماء و التراب و انما ذلك هو النطفة و لست أعنى الماء الدافق و لا «اسپرماتوزئيد» على اصطلاح المتأخرين بل هي شيء آخر سميت بالنطفة عند المتأخرين في داخل «اسپرماتوزئيد» و انما شخصية الجنين بها فالنطفة التي اخذت و استلت من سهل الأرض غير ما اخذت و استلت من حزنها و ما اخذت من طين لازب رس غير ما اخذت من حما مسنون و هكذا.
96
أن ما علم منهم مطابق للواقع فثم ثبتت الطاعة و المعصية و علم الملائكة من يطيع بعد ذلك و من يعصي و أثبت ذلك في الألواح مطابقا لعلمه تعالى.
و قوله فمن ذلك صار يلد المؤمن الكافر أي لأجل ما قرر في الإنسان من جهتي الخير و الشر ترى الأب يصير تابعا للعقل و مقويا لدواعي الخير و زاجرا للشهوات فيصير من الأخيار و الابن يتبع الهوى و الشهوات و يسلطها على العقل فيصير من الأشرار مع نهاية الارتباط بينهما و قوله و لا يستطيع هؤلاء أي لا يتخلف ما علم الله تعالى منهم لكن لا يختارونها إلا باختيارهم و إرادتهم و استطاعتهم هذا ما خطر بالبال على وجه الاحتمال و الله يعلم غوامض أسرارهم ع.
و قال بعض أهل التأويل عبر عن المادة تارة بالماء و أخرى بالتربة لاشتراكهما في قبول الأشكال و لاجتماعهما في طينة الإنسان و تركيب خلقته و أديم الأرض وجهها و كأنه كناية عما ينبت منها مما يصلح أن يصير غذاء للإنسان و يحصل منه النطفة أو تتربى به و العرك الدلك و كأنه كناية عن مزجه بحيث يحصل منه المزاج و يستعد للحياة و الذر النمل الصغار و وجه الشبه الحس و الحركة و كونهم محل الشعور مع صغر الجثة و الخفاء.
و هذا الخطاب إنما كان في عالم الأمر و لشدة ارتباط الملك بالملكوت و قوامه به جاز إسناد مادته إليه و إن كان عالم الأمر مجردا عن المادة و اجتماعهم في الوجود عند الله إنما هو لاجتماع الأجسام الزمانية عنده تعالى دفعة واحدة في عالم الأمر و إن كانت متفرقة مبسوطة متدرجة في عالم الخلق.
و وجودهم في عالم الأمر وجود ملكوتي ظلي ينبعث من حقيقته هذا الوجود الخلقي الجسماني و هو صورة علمه سبحانه بها و عنه عبر بالظلال في حديث آخر.
و أمره تعالى إياهم إلى الجنة و النار هدايته إياهم إلى سبيلهما ثم توفيقه أو خذلانه و لعل المراد بالنار المسعرة بعد ذلك التكاليف الشرعية و تحصيل المعرفة
97
المحرقة للقلوب لصعوبة الخروج عن عهدتها.
و استقالة أصحاب الشمال كناية عن تمنيهم الإطاعة و عدم قدرتهم التامة عليها لغلبة الشهوة عليهم و كونهم مسخرة تحت سلطان الهوى كما قالوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَ كُنَّا قَوْماً ضالِّينَ (1) انتهى.
و لعل إبداء تلك التأويلات في الأخبار جرأة على الله و رسوله و الأئمة الأخيار إلا أن يكون على سبيل الاحتمال لكن بعد ثبوت ما بنوا عليه الكلام من المقدمات التي لم تثبت بالبرهان و اليقين بل بعضها مناف لما ثبت في الدين المبين.
15- كا، الكافي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْبَزَنْطِيِّ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ مُحَمَّدٍ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ(ع)أَرْسَلَ الْمَاءَ عَلَى الطِّينِ ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً فَعَرَكَهَا ثُمَّ فَرَّقَهَا فِرْقَتَيْنِ بِيَدِهِ ثُمَّ ذَرَاهُمْ فَإِذَا هُمْ يَدِبُّونَ ثُمَّ رَفَعَ لَهُمْ نَاراً فَأَمَرَ أَهْلَ الشِّمَالِ أَنْ يَدْخُلُوهَا فَذَهَبُوا إِلَيْهَا فَهَابُوهَا وَ لَمْ يَدْخُلُوهَا ثُمَّ أَمَرَ أَهْلَ الْيَمِينِ أَنْ يَدْخُلُوهَا فَذَهَبُوا فَدَخَلُوهَا فَأَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ النَّارَ فَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْداً وَ سَلَاماً فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُ الشِّمَالِ قَالُوا رَبَّنَا أَقِلْنَا فَأَقَالَهُمْ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ ادْخُلُوهَا فَذَهَبُوا فَقَامُوا عَلَيْهَا وَ لَمْ يَدْخُلُوهَا فَأَعَادَهُمْ طِيناً وَ خَلَقَ مِنْهَا آدَمَ(ع)وَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَلَنْ يَسْتَطِيعَ هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونُوا مِنْ هَؤُلَاءِ وَ لَا هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونُوا مِنْ هَؤُلَاءِ قَالَ فَيَرَوْنَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص أَوَّلُ مَنْ دَخَلَ تِلْكَ النَّارَ فَلِذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ (2) قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (3)
بيان فيرون أي علماء أهل البيت(ع)قُلْ إِنْ كانَ الآية قد مر فيه
____________
(1) المؤمنون: 107.
(2) الزخرف: 81.
(3) الكافي ج 2: 7.
98
وجوه من التأويل (1) الأول فأنا أول العابدين منكم فإن النبي يكون أعلم بالله و بما يصح له و بما لا يصح له و أولى بتعظيم ما يجب تعظيمه و من حق تعظيم الوالد تعظيم ولده و لا يستلزم ذلك إمكاك كينونة الولد و عبادته له فإن المحال قد يستلزم المحال بل المراد نفيهما.
و الثاني أن معناه إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول العابدين لله الموحدين له المنكرين لقولكم.
و الثالث أن المعنى فأنا أول الآنفين منه (2) أو من أن يكون له ولد من عبد يعبد إذا اشتد أنفة (3).
الرابع أن كلمة إن نافية أي ما كان له ولد فأنا أول الموحدين من أهل مكة و بناء الخبر على التفسير الأول إذ ظهر منه أنه ص كان مبادرا إلى كل خير و سعادة و إطاعة فلا بد أن يكون مبادرا في دخول النار عند الأمر به.
16- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ صَالِحِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيِّ وَ عُقْبَةَ جَمِيعاً عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْخَلْقَ فَخَلَقَ مَنْ أَحَبَّ مِمَّا أَحَبَّ فَكَانَ مَا أَحَبَّ أَنْ خَلَقَهُ مِنْ طِينَةِ الْجَنَّةِ وَ خَلَقَ مَا أَبْغَضَ مِمَّا أَبْغَضَ وَ كَانَ مَا أَبْغَضَ أَنْ خَلَقَهُ مِنْ طِينَةِ النَّارِ ثُمَّ بَعَثَهُمْ فِي الظِّلَالِ
____________
(1) راجع ج 3 ص 256 من هذه الطبعة الجديدة.
(2) و اختاره عليّ بن إبراهيم في تفسيره، و في الاحتجاج عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أول العابدين أي الجاحدين.
(3) قال الجوهريّ: قال أبو زيد: العبد بالتحريك: الغضب و الانف و الاسم العبدة مثل الانفة، و قد عبد أي أنف قال الفرزدق:
اولئك أحلاسى فجئنى بمثلهم* * * و أعبد أن أهجو كليبا بدارم.
قال أبو عمرو: و قوله تعالى: فأنا أول العابدين من الانف و الغضب.
99
فَقُلْتُ وَ أَيُّ شَيْءٍ الظِّلَالُ فَقَالَ(ع)أَ لَمْ تَرَ إِلَى ظِلِّكَ فِي الشَّمْسِ شَيْئاً وَ لَيْسَ بِشَيْءٍ ثُمَّ بَعَثَ فِيهِمُ النَّبِيِّينَ فَدَعَوْهُمْ إِلَى الْإِقْرَارِ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (1) ثُمَّ دَعَوْهُمْ إِلَى الْإِقْرَارِ بِالنَّبِيِّينَ فَأَقَرَّ بَعْضُهُمْ وَ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ ثُمَّ دَعَوْهُمْ إِلَى وَلَايَتِنَا فَأَقَرَّ بِهَا وَ اللَّهِ مَنْ أَحَبَّ وَ أَنْكَرَهَا مَنْ أَبْغَضَ وَ هُوَ قَوْلُهُ- فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ (2) ثُمَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)كَانَ التَّكْذِيبُ ثَمَ (3).
بيان: فخلق من أحب مما أحب قيل ما في قوله ما أحب و ما أبغض مصدرية.
و أقول يمكن تأويله بالعلم أي بأنه لما علم الله تعالى حين خلقهم أنهم سيصيرون من الأشقياء و أبغضهم فكأنه خلقهم مما أبغض أو أنه إشارة إلى اختلاف استعداداتهم و قابلياتهم في اختيار الحق و قبوله.
و المراد بالظل إما عالم الأرواح أو عالم المثال فعلى الأول شبه الروح المجرد على القول به أو الجسم اللطيف بالظل للطافته و عدم كثافته أو لكونه تابعا لعالم الأجساد الأصلية و على الثاني ظاهر.
و قوله شيئا بتقدير تحسه أو الرؤية بمعنى العلم لكن لا يناسبه تعديتها بإلى و الأظهر شيء كما ورد في هذه الرواية بسند آخر و قيل أراد بقوله و ليس بشيء أن الحياة و التكليف في ذلك الوقت لا يصيران سببين للثواب و العقاب كأفعال النائم و لا يبقى بل مثال و حكاية عن الحياة و التكليف في الأبدان و لذا سمي الوجود الذهني بالوجود الظلي لعدم كونه منشأ للآثار و مبدأ للأحكام.
و قيل يمكن أن يراد به عالم الذر المباين لعالم الأجساد الكثيفة و هو
____________
(1) الزخرف: 87.
(2) يونس: 74.
(3) الكافي ج 2: 10.
100
يحكي عن هذا العالم و يشبهه و ليس منه فهو ظل بالنسبة إليه أو عالم الأرواح كما قال أمير المؤمنين(ع)في بعض خطبه إلا إن الذرية أفنان أنا شجرتها و دوحة أنا ساقتها و إني من أحمد بمنزلة الضوء من الضوء كنا أظلالا تحت العرش قبل خلق البشر و قبل خلق الطينة التي كان منها البشر أشباحا خالية لا أجساما نامية.
لَيَقُولُنَّ اللَّهُ أي خلقنا الله أو الله خلقنا على اختلاف في تقديم المحذوف و تأخيره و المشهور الأول و الغرض أن اضطرارهم إلى هذا الجواب بمقتضى العهد و الميثاق.
و قوله فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا الآية في سورة الأعراف (1) هكذا تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَ لَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ و كأن التغيير من النساخ أو النقل بالمعنى (2).
و قال البيضاوي فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا عند مجيئهم بالمعجزات بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ أي بما كذبوه قبل الرسل بل كانوا مستمرين على التكذيب أو فما كانوا ليؤمنوا مدة عمرهم بما كذبوا به أولا حين جاءتهم الرسل و لم يؤثر قط فيهم دعوتهم المتطاولة و الآيات المتتابعة و اللام لتأكيد النفي و الدلالة على أنهم ما صلحوا للإيمان لمنافاته لحالهم في التصميم على الكفر و الطبع على قلوبهم.
17- كا، الكافي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)كَيْفَ أَجَابُوا وَ هُمْ ذَرٌّ قَالَ جَعَلَ فِيهِمْ مَا إِذَا
____________
(1) الأعراف: 101.
(2) بل كما أشرنا إليه سابقا الآية في يونس 74 بزيادة لفظ «به» و هي قوله تعالى:
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ»
101
سَأَلَهُمْ أَجَابُوا يَعْنِي فِي الْمِيثَاقِ (1).
بيان: ما إذا سألهم كلمة ما موصولة و العائد محذوف أي أجابوه به أي جعل في كل ذرة العقل و آلة السمع و آلة النطق و من حمل الآية على الاستعارة و التمثيل حمل الخبر على أن المراد به أنه جعلهم بحيث إذا سئلوا في عالم الأبدان أجابوا بلسان المقال (2) و هو بعيد.
18- شي، تفسير العياشي عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ: أَتَاهُ ابْنُ الْكَوَّاءِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى هَلْ كَلَّمَ أَحَداً مِنْ وُلْدِ آدَمَ قَبْلَ مُوسَى- فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)قَدْ كَلَّمَ اللَّهُ جَمِيعَ خَلْقِهِ بَرَّهُمْ وَ فَاجِرَهُمْ وَ رَدُّوا عَلَيْهِ الْجَوَابَ فَثَقُلَ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ الْكَوَّاءِ وَ لَمْ يَعْرِفْهُ فَقَالَ لَهُ كَيْفَ كَانَ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- فَقَالَ لَهُ أَ وَ مَا تَقْرَأُ كِتَابَ اللَّهِ إِذْ يَقُولُ لِنَبِيِّكَ- وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى (3) فَأَسْمَعَهُمْ كَلَامَهُ وَ رَدُّوا عَلَيْهِ الْجَوَابَ كَمَا تَسْمَعُ فِي قَوْلِ اللَّهِ يَا ابْنَ الْكَوَّاءِ قالُوا بَلى فَقَالَ إِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَ أَنَا الرَّحْمَنُ فَأَقَرُّوا لَهُ بِالطَّاعَةِ وَ الرُّبُوبِيَّةِ وَ مَيَّزَ الرُّسُلَ وَ الْأَنْبِيَاءَ وَ الْأَوْصِيَاءَ وَ أَمَرَ الْخَلْقَ بِطَاعَتِهِمْ فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ فِي الْمِيثَاقِ فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ شَهِدْنَا عَلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا
____________
(1) الكافي ج 2 ص 12.
(2) قال الفيض (رحمه الله) في تفسير الآية: ان اللّه نصب لهم دلائل ربوبيته، و ركب في عقولهم ما يدعوهم الى الإقرار بها، حتى صاروا بمنزلة الاشهاد على طريقة التمثيل، نظير ذلك قوله عزّ و جلّ: «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» و قوله جل و علا «فقال لها و للأرض ائتيا قالتا أتينا طائعين» و معلوم أنّه لا قول ثمة، و انما هو تمثيل و تصوير للمعنى. و ذلك حين كانت أنفسهم في أصلاب آبائهم العقليّة، و معادنهم الاصلية. يعنى شاهدهم و هم دقائق في تلك الحقائق، و عبر عن تلك الآباء بالظهور، لان كل واحد منهم ظهر أو مظهر لطائفة من النفوس أو ظاهر عنده لكونه صورة عقلية نورية ظاهرة بذاتها.
(3) الأعراف: 171.
102
غافِلِينَ (1)
19- شي، تفسير العياشي عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَخْبِرْنِي عَنِ الذَّرِّ حَيْثُ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى وَ اللَّهِ وَ أَسَرَّ بَعْضُهُمْ خِلَافَ مَا أَظْهَرَ كَيْفَ عَلِمُوا الْقَوْلَ حَيْثُ قِيلَ لَهُمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ فِيهِمْ مَا إِذَا سَأَلَهُمْ أَجَابُوهُ (2).
20- شي، تفسير العياشي عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى قُلْتُ قَالُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ قَالَ نَعَمْ وَ قَالُوا بِقُلُوبِهِمْ قُلْتُ وَ أَيُّ شَيْءٍ كَانُوا يَوْمَئِذٍ قَالَ صَنَعَ فِيهِمْ مَا اكْتَفَى بِهِ (3).
21- أَقُولُ وَجَدْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ مَرْوِيّاً عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكُوفِيِّ عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ عَنْ أَبِيهِ سَدِيرٍ الصَّيْرَفِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ اللَّيْثِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِلْإِمَامِ الْبَاقِرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنِ الْمُؤْمِنِ مِنْ شِيعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا بَلَغَ وَ كَمُلَ فِي الْمَعْرِفَةِ هَلْ يَزْنِي قَالَ(ع)لَا قُلْتُ فَيَلُوطُ قَالَ لَا قُلْتُ فَيَسْرِقُ قَالَ لَا قُلْتُ فَيَشْرَبُ خَمْراً قَالَ لَا قُلْتُ فَيُذْنِبُ ذَنْباً قَالَ لَا قَالَ الرَّاوِي فَتَحَيَّرْتُ مِنْ ذَلِكَ وَ كَثُرَ تَعَجُّبِي مِنْهُ قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنِّي أَجِدُ مِنْ شِيعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مِنْ مَوَالِيكُمْ مَنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَ يَأْكُلُ الرِّبَا وَ يَزْنِي وَ يَلُوطُ وَ يَتَهَاوَنُ بِالصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ وَ الصَّوْمِ وَ الْحَجِّ وَ الْجِهَادِ وَ أَبْوَابِ الْبِرِّ حَتَّى إِنَّ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ يَأْتِيهِ فِي حَاجَةٍ يَسِيرَةٍ فَلَا يَقْضِيهَا لَهُ فَكَيْفَ هَذَا يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ هَذَا قَالَ فَتَبَسَّمَ الْإِمَامُ(ع)وَ قَالَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ هَلْ عِنْدَكَ شَيْءٌ غَيْرُ مَا ذَكَرْتَ قُلْتُ نَعَمْ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَ إِنِّي أَجِدُ النَّاصِبَ الَّذِي لَا أَشُكُّ فِي كُفْرِهِ يَتَوَرَّعُ عَنْ هَذِهِ
____________
(1) تفسير العيّاشيّ ج 2 ص 41.
(2) تفسير العيّاشيّ ج 2 ص 42.
(3) تفسير العيّاشيّ ج 2 ص 40.
103
الْأَشْيَاءِ لَا يَسْتَحِلُّ الْخَمْرَ وَ لَا يَسْتَحِلُّ دِرْهَماً لِمُسْلِمٍ وَ لَا يَتَهَاوَنُ بِالصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ وَ الصِّيَامِ وَ الْحَجِّ وَ الْجِهَادِ وَ يَقُومُ بِحَوَائِجِ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُسْلِمِينَ لِلَّهِ وَ فِي اللَّهِ تَعَالَى فَكَيْفَ هَذَا وَ لِمَ هَذَا فَقَالَ(ع)يَا إِبْرَاهِيمُ لِهَذَا أَمْرٌ بَاطِنٌ وَ هُوَ سِرٌّ مَكْنُونٌ وَ بَابٌ مُغْلَقٌ مَخْزُونٌ وَ قَدْ خَفِيَ عَلَيْكَ وَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَمْثَالِكَ وَ أَصْحَابِكَ وَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يُؤْذِنْ أَنْ يَخْرُجَ سِرُّهُ وَ غَيْبُهُ إِلَّا إِلَى مَنْ يَحْتَمِلُهُ وَ هُوَ أَهْلُهُ قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنِّي وَ اللَّهِ لَمُحْتَمِلٌ مِنْ أَسْرَارِكُمْ وَ لَسْتُ بِمُعَانِدٍ وَ لَا بِنَاصِبٍ فَقَالَ(ع)يَا إِبْرَاهِيمُ نَعَمْ أَنْتَ كَذَلِكَ وَ لَكِنْ عِلْمُنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لَا يَحْتَمِلُهُ إِلَّا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ أَوْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ أَوْ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ وَ إِنَّ التَّقِيَّةَ مِنْ دِينِنَا وَ دِيْنِ آبَائِنَا وَ مَنْ لَا تَقِيَّةَ لَهُ فَلَا دِينَ لَهُ يَا إِبْرَاهِيمُ لَوْ قُلْتُ إِنَّ تَارِكَ التَّقِيَّةِ كَتَارِكِ الصَّلَاةِ لَكُنْتُ صَادِقاً يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّ مِنْ حَدِيثِنَا وَ سِرِّنَا وَ بَاطِنِ عِلْمِنَا مَا لَا يَحْتَمِلُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَ لَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَ لَا مُؤْمِنٌ مُمْتَحَنٌ قُلْتُ يَا سَيِّدِي وَ مَوْلَايَ فَمَنْ يَحْتَمِلُهُ إِذاً قَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ وَ شِئْنَا أَلَا مَنْ أَذَاعَ سِرَّنَا إِلَّا إِلَى أَهْلِهِ فَلَيْسَ مِنَّا ثَلَاثاً أَلَا مَنْ أَذَاعَ سِرَّنَا أَذَاقَهُ اللَّهُ حَرَّ الْحَدِيدِ ثُمَّ قَالَ يَا إِبْرَاهِيمُ خُذْ مَا سَأَلْتَنِي عِلْماً بَاطِناً مَخْزُوناً فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي حَبَا اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ بِهِ رَسُولَهُ ص وَ حَبَا بِهِ رَسُولَهُ وَصِيَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)ثُمَّ قَرَأَ(ع)هَذِهِ الْآيَةَ عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ (1) وَيْحَكَ يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّكَ قَدْ سَأَلْتَنِي عَنِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ شِيعَةِ مَوْلَانَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ عَنْ زُهَّادِ النَّاصِبَةِ وَ عُبَّادِهِمْ مِنْ هَاهُنَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ وَ قَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (2) وَ مِنْ هَاهُنَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ عامِلَةٌ
____________
(1) الجن: 27 و 28.
(2) الفرقان: 21.
104
ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (1) وَ هَذَا النَّاصِبُ قَدْ جُبِلَ عَلَى بُغْضِنَا وَ رَدِّ فَضْلِنَا وَ يُبْطِلُ خِلَافَةَ أَبِينَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ يُثْبِتُ خِلَافَةَ مُعَاوِيَةَ وَ بَنِي أُمَيَّةَ وَ يَزْعُمُ أَنَّهُمْ خُلَفَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَ يَزْعُمُ أَنَّ مَنْ خَرَجَ عَلَيْهِمْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ وَ يَرْوِي فِي ذَلِكَ كَذِباً وَ زُوراً وَ يَرْوِي أَنَّ الصَّلَاةَ جَائِزَةٌ خَلْفَ مَنْ غَلَبَ وَ إِنْ كَانَ خَارِجِيّاً ظَالِماً وَ يَرْوِي أَنَّ الْإِمَامَ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ (صلوات الله عليهما) كَانَ خَارِجِيّاً خَرَجَ عَلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَدْفَعَ زَكَاةَ مَالِهِ إِلَى السُّلْطَانِ وَ إِنْ كَانَ ظَالِماً يَا إِبْرَاهِيمُ هَذَا كُلُّهُ رَدٌّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَ عَلَى رَسُولِهِ ص سُبْحَانَ اللَّهِ قَدِ افْتَرَوْا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَ تَقَوَّلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص الْبَاطِلَ وَ خَالَفُوا اللَّهَ وَ خَالَفُوا رَسُولَهُ وَ خُلَفَاءَهُ يَا إِبْرَاهِيمُ لَأَشْرَحَنَّ لَكَ هَذَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُ إِنْكَاراً وَ لَا مِنْهُ فِرَاراً وَ مَنْ رَدَّ حَرْفاً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ فَقُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ هَذَا الَّذِي سَأَلْتَنِي فِي أَمْرِ شِيعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه) وَ أَمْرِ عَدُوِّهِ النَّاصِبِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ هَذَا بِعَيْنِهِ قَالَ نَعَمْ هَذَا بِعَيْنِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ يَا إِبْرَاهِيمُ اقْرَأْ هَذِهِ الْآيَةَ- الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ (2) أَ تَدْرِي مَا هَذِهِ الْأَرْضُ قُلْتُ لَا قَالَ(ع)اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ أَرْضاً طَيِّبَةً طَاهِرَةً وَ فَجَّرَ فِيهَا مَاءً عَذْباً زُلَالًا فُرَاتاً سَائِغاً فَعَرَضَ عَلَيْهَا وَلَايَتَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَقَبِلَتْهَا فَأَجْرَى عَلَيْهَا ذَلِكَ الْمَاءَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ نَضَبَ عَنْهَا ذَلِكَ الْمَاءُ بَعْدَ السَّابِعِ فَأَخَذَ مِنْ صَفْوَةِ ذَلِكَ الطِّينِ طِيناً فَجَعَلَهُ طِينَ الْأَئِمَّةِ(ع)ثُمَّ أَخَذَ جَلَّ جَلَالُهُ ثُفْلَ
____________
(1) الغاشية: 4.
(2) النجم: 32.
105
ذَلِكَ الطِّينِ فَخَلَقَ مِنْهُ شِيعَتَنَا وَ محبونا [مُحِبِّينَا مِنْ فَضْلِ طِينَتِنَا فَلَوْ تَرَكَ يَا إِبْرَاهِيمُ طِينَتَكُمْ كَمَا تَرَكَ طِينَتَنَا لَكُنْتُمْ أَنْتُمْ وَ نَحْنُ سَوَاءً قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا صَنَعَ بِطِينَتِنَا قَالَ مَزَجَ طِينَتَكُمْ وَ لَمْ يَمْزُجْ طِينَتَنَا قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَ بِمَا ذَا مَزَجَ طِينَتَنَا قَالَ(ع)خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَيْضاً أَرْضاً سَبِخَةً خَبِيثَةً مُنْتِنَةً وَ فَجَّرَ فِيهَا مَاءً أُجَاجاً مَالِحاً آسِناً ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهَا جَلَّتْ عَظَمَتُهُ وَلَايَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَلَمْ تَقْبَلْهَا وَ أَجْرَى ذَلِكَ الْمَاءَ عَلَيْهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ نَضَبَ ذَلِكَ الْمَاءُ عَنْهَا ثُمَّ أَخَذَ مِنْ كُدُورَةِ ذَلِكَ الطِّينِ الْمُنْتِنِ الْخَبِيثِ وَ خَلَقَ مِنْهُ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ وَ الطُّغَاةَ وَ الْفَجَرَةَ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بَقِيَّةِ ذَلِكَ الطِّينِ فَمَزَجَ بِطِينَتِكُمْ وَ لَوْ تَرَكَ طِينَتَهُمْ عَلَى حَالِهِ وَ لَمْ يَمْزُجْ بِطِينَتِكُمْ مَا عَمِلُوا أَبَداً عَمَلًا صَالِحاً وَ لَا أَدَّوْا أَمَانَةً إِلَى أَحَدٍ وَ لَا شَهِدُوا الشَّهَادَتَيْنِ وَ لَا صَامُوا وَ لَا صَلَّوْا وَ لَا زَكَّوْا وَ لَا حَجُّوا وَ لَا أَشْبَهُوكُمْ فِي الصُّوَرِ أَيْضاً يَا إِبْرَاهِيمُ لَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَرَى صُورَةً حَسَنَةً فِي عَدُوٍّ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ الْمُؤْمِنُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ مِنْ طِينِ الْمُؤْمِنِ وَ مِزَاجِهِ يَا إِبْرَاهِيمُ ثُمَّ مُزِجَ الطِّينَتَانِ بِالْمَاءِ الْأَوَّلِ وَ الْمَاءِ الثَّانِي فَمَا تَرَاهُ مِنْ شِيعَتِنَا مِنْ رِبًا وَ زِنًا وَ لِوَاطَةٍ وَ خِيَانَةٍ وَ شُرْبِ خَمْرٍ وَ تَرْكِ صَلَاةٍ وَ صِيَامٍ وَ زَكَاةٍ وَ حَجٍّ وَ جِهَادٍ فَهِيَ كُلُّهَا مِنْ عَدُوِّنَا النَّاصِبِ وَ سِنْخِهِ وَ مِزَاجِهِ الَّذِي مُزِجَ بِطِينَتِهِ وَ مَا رَأَيْتَهُ فِي هَذَا الْعَدُوِّ النَّاصِبِ مِنَ الزُّهْدِ وَ الْعِبَادَةِ وَ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى الصَّلَاةِ وَ أَدَاءِ الزَّكَاةِ وَ الصَّوْمِ وَ الْحَجِّ وَ الْجِهَادِ وَ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَ الْخَيْرِ فَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ طِينِ الْمُؤْمِنِ وَ سِنْخِهِ وَ مِزَاجِهِ فَإِذَا عُرِضَ أَعْمَالُ الْمُؤْمِنِ وَ أَعْمَالُ النَّاصِبِ عَلَى اللَّهِ يَقُولُ جَلَّ وَ عَزَّ أَنَا عَدْلٌ لَا أَجُورُ وَ مُنْصِفٌ لَا أَظْلِمُ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي وَ ارْتِفَاعِ مَكَانِي مَا أَظْلِمُ مُؤْمِناً بِذَنْبٍ مُرْتَكَبٍ مِنْ سِنْخِ النَّاصِبِ وَ طِينِهِ وَ مِزَاجِهِ هَذِهِ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ كُلُّهَا مِنْ طِينِ الْمُؤْمِنِ وَ مِزَاجِهِ وَ الْأَعْمَالُ الرَّدِيَّةُ
106
الَّتِي كَانَتْ مِنَ الْمُؤْمِنِ مِنْ طِينِ الْعَدُوِّ النَّاصِبِ وَ يُلْزِمُ اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا هُوَ مِنْ أَصْلِهِ وَ جَوْهَرِهِ وَ طِينَتِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِعِبَادِهِ مِنَ الْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ أَ فَتَرَى هَاهُنَا ظُلْماً وَ جَوْراً وَ عُدْوَاناً ثُمَّ قَرَأَ(ع)مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ (1): يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّ الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ فَبَدَا شُعَاعُهَا فِي الْبُلْدَانِ كُلِّهَا أَ هُوَ بَائِنٌ مِنَ الْقُرْصَةِ أَمْ هُوَ مُتَّصِلٌ بِهَا شُعَاعُهَا تَبْلُغُ فِي الدُّنْيَا فِي الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ حَتَّى إِذَا غَابَتْ يَعُودُ الشُّعَاعُ وَ يَرْجِعُ إِلَيْهَا أَ لَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ قُلْتُ بَلَى يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ فَكَذَلِكَ يَرْجِعُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَى أَصْلِهِ وَ جَوْهَرِهِ وَ عُنْصُرِهِ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَنْزِعُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْعَدُوِّ النَّاصِبِ سِنْخَ الْمُؤْمِنِ وَ مِزَاجَهُ وَ طِينَتَهُ وَ جَوْهَرَهُ وَ عُنْصُرَهُ مَعَ جَمِيعِ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ وَ يَرُدُّهُ إِلَى الْمُؤْمِنِ وَ يَنْزِعُ اللَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِ سِنْخَ النَّاصِبِ وَ مِزَاجَهُ وَ طِينَتَهُ وَ جَوْهَرَهُ وَ عُنْصُرَهُ مَعَ جَمِيعِ أَعْمَالِهِ السَّيِّئَةِ الرَّدِيَّةِ وَ يَرُدُّهُ إِلَى النَّاصِبِ عَدْلًا مِنْهُ جَلَّ جَلَالُهُ وَ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ وَ يَقُولُ لِلنَّاصِبِ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ هَذِهِ الْأَعْمَالُ الْخَبِيثَةُ مِنْ طِينَتِكَ وَ مِزَاجِكَ وَ أَنْتَ أَوْلَى بِهَا وَ هَذِهِ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ مِنْ طِينَةِ الْمُؤْمِنِ وَ مِزَاجِهِ وَ هُوَ أَوْلَى بِهَا الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (2) أَ فَتَرَى هَاهُنَا ظُلْماً وَ جَوْراً قُلْتُ لَا يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ بَلْ أَرَى حِكْمَةً بَالِغَةً فَاضِلَةً وَ عَدْلًا بَيِّناً وَاضِحاً ثُمَّ قَالَ(ع)أَزِيدُكَ بَيَاناً فِي هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الْقُرْآنِ قُلْتُ بَلَى يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ أَ لَيْسَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ- الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَ الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَ الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ (3) وَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ يَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ
____________
(1) يوسف: 79.
(2) المؤمن: 17.
(3) النور: 24.
107
فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (1) فَقُلْتُ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَ مَا أَوْضَحَ ذَلِكَ لِمَنْ فَهِمَهُ وَ مَا أَعْمَى قُلُوبَ هَذَا الْخَلْقِ الْمَنْكُوسِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ فَقَالَ(ع)يَا إِبْرَاهِيمُ مِنْ هَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى- إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (2) مَا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُشَبِّهَهُمْ بِالْحَمِيرِ وَ الْبَقَرِ وَ الْكِلَابِ وَ الدَّوَابِّ حَتَّى زَادَهُمْ فَقَالَ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ ذِكْرُهُ فِي أَعْدَائِنَا النَّاصِبَةِ- وَ قَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (3) وَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (4) وَ قَالَ جَلَّ جَلَالُهُ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (5) وَ قَالَ جَلَّ وَ عَزَّ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً (6) كَذَلِكَ النَّاصِبُ يَحْسَبُ مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ نَافِعَةً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا آخَرَ أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (7) ثُمَّ قَالَ(ع)يَا إِبْرَاهِيمُ أَزِيدُكَ فِي هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الْقُرْآنِ قُلْتُ بَلَى يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ(ع)قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً
____________
(1) الأنفال: 37 و 38.
(2) الفرقان: 44.
(3) الفرقان: 21.
(4) الكهف: 105.
(5) المجادلة: 18.
(6) النور: 40.
(7) النور: 41.
108
رَحِيماً (1) يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ شِيعَتِنَا حَسَنَاتٍ وَ حَسَنَاتِ أَعْدَائِنَا سَيِّئَاتٍ- يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ- لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَ لَا رَادَّ لِقَضَائِهِ- لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ هَذَا يَا إِبْرَاهِيمُ مِنْ بَاطِنِ عِلْمِ اللَّهِ الْمَكْنُونِ وَ مِنْ سِرِّهِ الْمَخْزُونِ أَ لَا أَزِيدُكَ مِنْ هَذَا الْبَاطِنِ شَيْئاً فِي الصُّدُورِ قُلْتُ بَلَى يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ(ع)قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَ لْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَ ما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَ أَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَ لَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (2) وَ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فالِقُ الْإِصْباحِ- فاطِرُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لَقَدْ أَخْبَرْتُكَ بِالْحَقِّ وَ أَنْبَأْتُكَ بِالصِّدْقِ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ وَ أَحْكَمُ.
بيان: قد مر هذا الخبر نقلا من العلل (3) مع اختلاف ما و زيادة و نقص و هو من غوامض الأسرار.
و قال بعض المحققين في شرحه جملة القول في بيان السر فيه أنه قد تحقق و ثبت أن كلا من العوالم الثلاثة له مدخل في خلق الإنسان و في طينته و مادته من كل حظ و نصيب و لعل الأرض الطيبة كناية عما له في جملة طينته من آثار عالم الملكوت الذي منه الأرواح المثالية و القوى الخيالية الفلكية المعبر عنهم بالمدبرات أمرا.
و الماء العذب عما له في طينته من إفاضات عالم الجبروت الذي منه الجواهر القدسية و الأرواح العالية المجردة عن الصور المعبر عنهم بالسابقات سبعا.
و الأرض الخبيثة عما له في طينته من أجزاء عالم الملك الذي منه الأبدان العنصرية المسخرة تحت الحركات الفلكية المسخرة لما فوقها
____________
(1) الفرقان: 71.
(2) العنكبوت: 12 و 13.
(3) راجع علل الشرائع ج 2: 293.
109
و الماء الأجاج المالح الآسن عما له في طينته من تهيجات الأوهام الباطلة و الأهواء المموهة الردية الحاصلة من تركيب الملك مع الملكوت مما لا أصل له و لا حقيقة.
ثم الصفوة من الطينة الطيبة عبارة عما غلب عليه إفاضة الجبروت من ذلك و الثفل منه ما غلب عليه أثر الملكوت منه و كدورة الطين المنتن الخبيث مما غلب عليه طبائع عالم الملك و ما يتبعه من الأهواء المضلة.
و إنما لم يذكر نصيب عالم الملك للأئمة(ع)مع أن أبدانهم العنصرية منه لأنهم لم يتعلقوا بهذه الدنيا و لا بهذه الأجساد تعلق ركون و إخلاد فهم و إن كانوا في النشأة الفانية بأبدانهم العنصرية و لكنهم ليسوا من أهلها كما مضى بيانه.
قَالَ الصَّادِقُ(ع)فِي حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ يَا حَفْصُ مَا أَنْزَلْتُ الدُّنْيَا مِنْ نَفْسِي إِلَّا بِمَنْزِلَةِ الْمَيْتَةِ إِذَا اضْطُرِرْتُ إِلَيْهَا أَكَلْتُ مِنْهَا.
فلا جرم نفضوا أذيالهم منها بالكلية إذا ارتحلوا عنها و لم يبق معهم منها كدورة و إنما لم يذكر نصيب الناصب و أئمة الكفر من إفاضة عالم الجبروت مع أن لهم منه حظ الشعور و الإدراك و غير ذلك لعدم تعلقهم و لا ركونهم إليه و لذا تراهم تشمئز نفوسهم من سماع العلم و الحكمة و يثقل عليهم فهم الأسرار و المعارف فليس لهم من ذلك العالم إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَ ما هُوَ بِبالِغِهِ وَ ما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ فلا جرم ذهب عنهم نصيبهم من ذلك العالم حين أخلدوا إلى الأرض وَ اتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ فإذا جاء يوم الفصل و ميز الله الخبيث من الطيب ارتقى من غلب عليه إفاضات عالم الجبروت إلى الجبروت و أعلى الجنان و التحق بالمقربين و من غلب عليه آثار الملكوت إلى الملكوت و مواصلة الحور و الولدان و التحق بأصحاب اليمين و بقي من غلب عليه الملك في الحسرة و الثبور و الهوان و التعذيب بالنيران إذ فرق الموت بينه و بين محبوباته و مشتهياته.
110
فالأشقياء و إن انتقلوا إلى نشأة من جنس نشأة الملكوت خلقت بتبعيتها بالعرض إلا أنهم يحملون معهم من الدنيا من صور أعمالهم و أخلاقهم و عقائدهم مما لا يمكن انفكاكهم عنه مما يتأذون به و يعذبون بمجاورته من سَمُومٍ وَ حَمِيمٍ وَ ظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ و من حيات و عقارب و ذوات لدغ و سموم و من ذهب و فضة كنزوها في دار الدنيا و لم ينفقوها في سبيل الله و أشرب في قلوبهم محبتها فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ و من آلهة يعبدونها من دون الله من حجر أو خشب أو حيوان أو غيرها مما يعتقدون فيه أنه ينفعهم و هو يضرهم إذ يقال إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ و بالجملة المرء مع من أحب فمحبوب الأشقياء لما كان من متاع الدنيا الذي لا حقيقة له و لا أصل بل هو مَتاعُ الْغُرُورِ فإذا كان يوم القيامة و برزت و حواق الأمور كسد متاعهم و صار لا شيئا محضا فيتألمون بذلك و يتمنون الرجوع إلى الدنيا التي هي وطنهم المألوف لأنهم من أهلها ليسوا من أهل النشأة الباقية لأنهم رَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَ اطْمَأَنُّوا بِها فإذا فارقوها عذبوا بفراقها في نار جهنم.
أعمالهم التي أحاطت بهم و جميع المعاصي و الشهوات يرجع إلى متاع هذه النشأة الدنياوية و محبتها فمن كان من أهلها عذب بمفارقتها لا محالة و من ليس من أهلها و إنما ابتلي بها و ارتكبها مع إيمان منه بقبحها و خوف من الله سبحانه في إتيانها فلا جرم يندم على ارتكابها إذا رجع إلى عقله و أناب إلى ربه فيصير ندامته عليها و الاعتراف بها و ذل مقامه بين يدي ربه حياء منه تعالى سببا لتنوير قلبه و هذا المعنى تبديل سيئاتهم حسنات.
فالأشقياء إنما عذبوا بما لم يفعلوا لحنينهم إلى ذلك و شهوتهم له و عقد ضمائرهم على فعله دائما أن تيسر لهم لأنهم كانوا من أهله و من جنسه وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ و السعداء إنما لم يخلدوا في العذاب و لم يشتد عليهم العقاب بما فعلوا من القبائح لأنهم ارتكبوا على كره من عقولهم و خوف من ربهم لأنهم لم
111
يكونوا من أهلها و لا من جنسها بل أثيبوا بما لم يفعلوا من الخيرات لحنينهم إليه و عزمهم عليه و عقد ضمائرهم على فعله إن تيسر لهم.
فإنما الأعمال بالنيات و إنما لكل امرئ ما نوى و إنما ينوي كل ما ناسب طينته و يقتضيه جبلته كما قال الله سبحانه قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ (1) و لهذا ورد في الحديث أن كلا من أهل الجنة و النار إنما يخلدون فيما يخلدون على نياتهم و إنما يعذب بعض السعداء حين خروجهم من الدنيا بسبب مفارقة ما مزج بطينتهم من طينة الأشقياء مما أنسوا به قليلا و ألفوه بسبب ابتلائهم به ما داموا في الدنيا.
وَ رَوَى الشَّيْخُ الصَّدُوقُ (رحمه الله) فِي اعْتِقَادَاتِهِ مُرْسَلًا أَنَّهُ لَا يُصِيبُ أَحَداً مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ أَلَمٌ فِي النَّارِ إِذَا دَخَلُوهَا وَ إِنَّمَا يُصِيبُهُمْ آلَامٌ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْهَا فَيَكُونُ تِلْكَ الْآلَامُ جَزَاءً بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ مَا اللَّهُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ انْتَهَى.
. و أقول بناء هذه التأويلات على أمور ليست مخالفتها لأصول متكلمي الإمامية أقل من مخالفة ظواهر تلك الأخبار و قد تكلمنا في أمثال هذه الروايات في كتاب العدل و كان ترك الخوض فيها و في أمثالها و رد علمها مع صحتها إلى من صدرت عنه أحوط و أولى كما قال مولانا أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) و قد سئل عن القدر طريق مظلم فلا تسلكوه و بحر عميق فلا تلجوه و سر الله فلا تتكلفوه.
كا الكافي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ زُرَارَةَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى (2) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ فَقَالَ وَ أَبُوهُ يَسْمَعُ(ع)حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَدْ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابِ التُّرْبَةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ
____________
(1) أسرى: 84.
(2) الأعراف: 171.
112
مِنْهَا آدَمَ(ع)فَصَبَّ عَلَيْهَا الْمَاءَ الْعَذْبَ الْفُرَاتَ ثُمَّ تَرَكَهَا أَرْبَعِينَ صَبَاحاً ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهَا الْمَاءَ الْمَالِحَ الْأُجَاجَ فَتَرَكَهَا أَرْبَعِينَ صَبَاحاً فَلَمَّا اخْتَمَرَتِ الطِّينَةُ أَخَذَهَا فَعَرَكَهَا عَرْكاً شَدِيداً فَخَرَجُوا كَالذَّرِّ مِنْ يَمِينِهِ وَ شِمَالِهِ وَ أَمَرَهُمْ جَمِيعاً أَنْ يَقَعُوا فِي النَّارِ فَدَخَلَ أَصْحَابُ الْيَمِينِ فَصَارَتْ عَلَيْهِمْ بَرْداً وَ سَلَاماً وَ أَبَى أَصْحَابُ الشِّمَالِ أَنْ يَدْخُلُوهَا (1).
بيان ظاهر الحديث أن السؤال عن الباقر(ع)كان في زمن أبيه(ع)و هو حاضر و فيه أنه لم يعهد إدراك زرارة علي بن الحسين(ع)فيحتمل أن يكون روي ذلك عن الرجل السائل و لم يكن زرارة حاضرا عند السؤال مع أنه يمكن إدراكه زمان السجاد(ع)و عدم روايته عنه و لذا لم يعد في أصحابه.
و في تفسير العياشي (2) هكذا عن زرارة أن رجلا سأل أبا عبد الله(ع)إلى آخر الخبر و هو أصوب.
وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ قال البيضاوي أي أخرج من أصلابهم نسلا على ما يتوالدون قرنا بعد قرن و مِنْ ظُهُورِهِمْ بدل من بني آدم بدل البعض و قرأ نافع و أبو عمرو و ابن عامر و يعقوب ذرياتهم وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ أي نصب لهم دلائل ربوبيته و ركب في عقولهم ما يدعوهم إلى الإقرار بها حتى صاروا بمنزلة من قيل أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى فنزل تمكينهم من العلم بها و تمكنهم منه منزلة الإشهاد و الاعتراف على طريقة التمثيل و يدل عليه قوله قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ أي كراهة أن تقولوا إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ لم نتنبه عليه بدليل أو تقولوا عطف على أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَ كُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ فاقتدينا بهم لأن
____________
(1) الكافي ج 2 ص 7.
(2) تفسير العيّاشيّ ج 2 ص 39.
113
التقليد عند قيام الدليل و التمكن من العلم به لا يصلح عذرا أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ يعني آباءهم المبطلين بتأسيس الشرك و قيل لما خلق الله آدم أخرج من ذريته ذرية كالذر و أحياهم و جعل لهم العقل و النطق و ألهمهم ذلك لحديث رواه عمر (1) انتهى.
و قال بعض المحققين لعل معنى إشهاد ذرية بني آدم على أنفسهم بالتوحيد استنطاق حقائقهم بألسنة قابليات جواهرها و ألسن استعدادات ذواتها و أن تصديقهم به كان بلسان طباع الإمكان قبل نصب الدلائل لهم أو بعد نصب الدلائل أو أنه نزل تمكينهم من العلم و تمكنهم منه بمنزلة الإشهاد و الاعتراف على طريقة التخيل نظير ذلك قوله عز و جل إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ (2) إلخ و قوله عز و علا فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (3) و معلوم أنه لا قول ثمة و إنما هو تمثيل و تصوير للمعنى و يحتمل أن يكون النطق باللسان الملكوتي الذي به يسبح كل شيء بحمد ربه و ذلك لأنهم مفطورون على التوحيد.
قوله(ع)من تراب التربة هذا من قبيل إضافة الجزء إلى الكل قوله من يمينه و شماله الضميران راجعان إلى الملك المأمور بهذا الأمر كجبرئيل أو العرش أو إلى التراب فاستعار اليمين للجهة التي فيها اليمن و البركة و الشمال للأخرى أو اليمين لصفة الرحمانية و الشمال لصفة القهارية فالضميران راجعان إلى الله تعالى كما في الدعاء و الخير في يديك أي كلما يصدر منك من خير أو شر أو نفع أو ضر فهو خير و مشتمل على المصالح الجليلة.
23- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ
____________
(1) راجع الدّر المنثور ج 3 ص 142، ففيه أحاديث متعدّدة عن رسول اللّه «ص» بأسانيد مختلفة.
(2) النحل: 40.
(3) فصّلت: 11.
114
دَاوُدَ الْعِجْلِيِّ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ حُمْرَانَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى حَيْثُ خَلَقَ الْخَلْقَ خَلَقَ مَاءً عَذْباً وَ مَاءً مَالِحاً أُجَاجاً فَامْتَزَجَ الْمَاءَانِ فَأَخَذَ طِيناً مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ فَعَرَكَهُ عَرْكاً شَدِيداً فَقَالَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ وَ هُمْ كَالذَّرِّ يَدِبُّونَ إِلَى الْجَنَّةِ بِسَلَامٍ وَ قَالَ لِأَصْحَابِ الشِّمَالِ إِلَى النَّارِ وَ لَا أُبَالِي ثُمَّ قَالَ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ثُمَّ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى النَّبِيِّينَ فَقَالَ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ وَ أَنَّ هَذَا مُحَمَّدٌ رَسُولِي وَ أَنَّ هَذَا عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَالُوا بَلَى فَثَبَتَتْ لَهُمُ النُّبُوَّةُ وَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى أُولِي الْعَزْمِ أَنَّنِي رَبُّكُمْ وَ مُحَمَّدٌ رَسُولِي وَ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ أَوْصِيَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ وُلَاةُ أَمْرِي وَ خُزَّانُ عِلْمِي وَ أَنَّ الْمَهْدِيَّ أَنْتَصِرُ بِهِ لِدِينِي وَ أُظْهِرُ بِهِ دَوْلَتِي وَ أَنْتَقِمُ بِهِ مِنْ أَعْدَائِي وَ أُعْبَدُ بِهِ طَوْعاً وَ كَرْهاً قَالُوا أَقْرَرْنَا يَا رَبِّ وَ شَهِدْنَا وَ لَمْ يَجْحَدْ آدَمُ وَ لَمْ يُقِرَّ فَثَبَتَتِ الْعَزِيمَةُ لِهَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ فِي الْمَهْدِيِّ وَ لَمْ يَكُنْ لِآدَمَ عَزْمٌ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ وَ هُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (1) قَالَ إِنَّمَا هُوَ فَتَرَكَ ثُمَّ أَمَرَ نَاراً فَأُجِّجَتْ فَقَالَ لِأَصْحَابِ الشِّمَالِ ادْخُلُوهَا فَهَابُوهَا وَ قَالَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ ادْخُلُوهَا فَدَخَلُوهَا فَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْداً وَ سَلَاماً فَقَالَ أَصْحَابُ الشِّمَالِ يَا رَبِّ أَقِلْنَا فَقَالَ قَدْ أَقَلْتُكُمْ اذْهَبُوا فَادْخُلُوهَا فَهَابُوهَا فَثَمَّ ثَبَتَتِ الطَّاعَةُ وَ الْوَلَايَةُ وَ الْمَعْصِيَةُ (2).
توضيح قوله(ع)فأخذ طينا أي مزجه بالماءين ليحصل فيه استعداد الخير و الشر إلى الجنة أي امضوا إليها سالمين من العذاب و النكال أو إلى ما يوجب الجنة سالمين من شبه الشياطين و وساوسهم.
أن تقولوا كذا في أكثر النسخ بصيغة الخطاب كما في القراءات المشهورة
____________
(1) طه: 115.
(2) الكافي ج 2 ص 8.
115
فيكون ذكر تتمة الآية استطرادا و الأصوب هنا أن يقولوا بصيغة الغيبة موافقا لقراءة أبي عمرو في الآية قوله(ع)ثم أخذ لعل كلمة ثم هنا للتراخي الرتبي لا الزماني لما بين الميثاقين من التفاوت و إلا فالظاهر تقدم أخذ الميثاق من النبيين على غيرهم كما أن ميثاق أولي العزم مقدم على غيرهم أيضا و أريد بأولي العزم نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و محمد (صلوات الله عليهم) و لا ينافي دخول الإقرار بنبوة نبينا ص فيما عهد إليهم دخوله في المعهود إليهم.
قيل و لما كانوا معهودين معلومين جاز أن يشار إليهم بهؤلاء الخمسة مع عدم ذكرهم مفصلا و إنما زاد في أخذ الميثاق على من زاد في رتبته و شرفه لأن التكليف إنما يكون بقدر الفهم و الاستعداد فكلما زاد زاد و أنما يعرف مراتب الوجود من له حظ منها و بقدر حظه منها و أما آدم فلما لم يعزم على الإقرار بالمهدي لم يعد من أولي العزم و إنما عزم على الإقرار بغيره من الأوصياء.
إنما هو فترك يعني معنى فنسي هنا ليس إلا فترك و لعل السر في عدم عزمه(ع)على الإقرار بالمهدي استبعاده أن يكون لهذا النوع الإنساني اتفاق على أمر واحد انتهى.
و أقول الظاهر أن المراد بعدم العزم عدم الاهتمام به و بتذكره أو عدم التصديق اللساني حيث لم يكن شيء من ذلك واجبا لا عدم التصديق به مطلقا فإنه لا يناسب منصب النبوة بل و لا ما هو أدون منه و قوله إنما هو فترك أي معنى النسيان هنا الترك لأن النسيان غير مجوز على الأنبياء(ع)أو كان في قراءتهم(ع)فترك مكان فنسي أو المعنى أن العزم إنما هو ما ذكر أي العزم على الإقرار المذكور فترك آدم(ع)أو كان المطلوب الإقرار التام و لم يأت به أو عزم أولا ثم ترك و الأول كأنه أظهر.
و في القاموس الأجيج تلهب النار كالتأجج و أججتها تأجيجا فتأججت.
116
24- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ حَبِيبٍ السِّجِسْتَانِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمَّا أَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ بَنِي آدَمَ مِنْ ظَهْرِهِ لِيَأْخُذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ بِالرُّبُوبِيَّةِ لَهُ وَ بِالنُّبُوَّةِ لِكُلِّ نَبِيٍّ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَخَذَ لَهُ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ بِنُبُوَّتِهِ- مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ص ثُمَّ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لآِدَمَ انْظُرْ مَا ذَا تَرَى قَالَ فَنَظَرَ آدَمُ(ع)إِلَى ذُرِّيَّتِهِ وَ هُمْ ذَرٌّ قَدْ مَلَئُوا السَّمَاءَ قَالَ آدَمُ(ع)يَا رَبِّ مَا أَكْثَرَ ذُرِّيَّتِي وَ لِأَمْرٍ مَا خَلَقْتَهُمْ فَمَا تُرِيدُ مِنْهُمْ بِأَخْذِكَ الْمِيثَاقَ عَلَيْهِمْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ يَعْبُدُونَنِي وَ لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَ يُؤْمِنُونَ بِرُسُلِي وَ يَتَّبِعُونَهُمْ قَالَ آدَمُ يَا رَبِّ فَمَا لِي أَرَى بَعْضَ الذَّرِّ أَعْظَمَ مِنْ بَعْضٍ وَ بَعْضَهُمْ لَهُ نُورٌ كَثِيرٌ وَ بَعْضَهُمْ لَهُ نُورٌ قَلِيلٌ وَ بَعْضَهُمْ لَيْسَ لَهُ نُورٌ أَصْلًا فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ كَذَلِكَ خَلَقْتُهُمْ لِأَبْلُوَهُمْ فِي كُلِّ حَالاتِهِمْ قَالَ آدَمُ(ع)يَا رَبِّ فَتَأْذَنُ لِي فِي الْكَلَامِ فَأَتَكَلَّمَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ تَكَلَّمْ فَإِنَّ رُوحَكَ مِنْ رُوحِي وَ طَبِيعَتَكَ خِلَافُ كَيْنُونَتِي قَالَ آدَمُ(ع)فَلَوْ كُنْتَ خَلَقْتَهُمْ عَلَى مِثَالٍ وَاحِدٍ وَ قَدْرٍ وَاحِدٍ وَ طَبِيعَةٍ وَاحِدَةٍ وَ جِبِلَّةٍ وَاحِدَةٍ وَ أَلْوَانٍ وَاحِدَةٍ وَ أَعْمَارٍ وَاحِدَةٍ وَ أَرْزَاقٍ سَوَاءٍ لَمْ يَبْغِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَ لَمْ يَكُ بَيْنَهُمْ تَحَاسُدٌ وَ لَا تَبَاغُضٌ وَ لَا اخْتِلَافٌ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَا آدَمُ بِرُوحِي نَطَقْتَ وَ بِضَعْفِ طَبِيعَتِكَ تَكَلَّمْتَ مَا لَا عِلْمَ لَكَ بِهِ وَ أَنَا الْخَالِقُ الْعَلِيمُ بِعِلْمِي خَالَفْتُ بَيْنَ خَلْقِهِمْ وَ بِمَشِيَّتِي يَمْضِي فِيهِمْ أَمْرِي وَ إِلَى تَدْبِيرِي وَ تَقْدِيرِي صَائِرُونَ وَ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِي إِنَّمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ لِيَعْبُدُونِي وَ خَلَقْتُ الْجَنَّةَ لِمَنْ عَبَدَنِي فَأَطَاعَنِي مِنْهُمْ وَ اتَّبَعَ رُسُلِي وَ لَا أُبَالِي وَ خَلَقْتُ النَّارَ لِمَنْ كَفَرَ بِي وَ عَصَانِي وَ لَمْ يَتَّبِعْ رُسُلِي وَ لَا أُبَالِي وَ خَلَقْتُكَ وَ خَلَقْتُ ذُرِّيَّتَكَ مِنْ غَيْرِ فَاقَةٍ بِي إِلَيْكَ وَ إِلَيْهِمْ وَ إِنَّمَا خَلَقْتُكَ وَ خَلَقْتُهُمْ لِأَبْلُوَكَ وَ أَبْلُوَهُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا فِي دَارِ الدُّنْيَا فِي حَيَاتِكُمْ وَ قَبْلَ مَمَاتِكُمْ-
117
فَلِذَلِكَ خَلَقْتُ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةَ وَ الْحَيَاةَ وَ الْمَوْتَ وَ الطَّاعَةَ وَ الْمَعْصِيَةَ وَ الْجَنَّةَ وَ النَّارَ وَ كَذَلِكَ أَرَدْتُ فِي تَقْدِيرِي وَ تَدْبِيرِي وَ بِعِلْمِيَ النَّافِذِ فِيهِمْ خَالَفْتُ بَيْنَ صُوَرِهِمْ وَ أَجْسَامِهِمْ وَ أَلْوَانِهِمْ وَ أَعْمَارِهِمْ وَ أَرْزَاقِهِمْ وَ طَاعَتِهِمْ وَ مَعْصِيَتِهِمْ فَجَعَلْتُ مِنْهُمُ الشَّقِيَّ وَ السَّعِيدَ وَ الْبَصِيرَ وَ الْأَعْمَى وَ الْقَصِيرَ وَ الطَّوِيلَ وَ الْجَمِيلَ وَ الدَّمِيمَ وَ الْعَالِمَ وَ الْجَاهِلَ وَ الْغَنِيَّ وَ الْفَقِيرَ وَ الْمُطِيعَ وَ الْعَاصِيَ وَ الصَّحِيحَ وَ السَّقِيمَ وَ مَنْ بِهِ الزَّمَانَةُ وَ مَنْ لَا عَاهَةَ بِهِ فَيَنْظُرُ الصَّحِيحُ إِلَى الَّذِي بِهِ الْعَاهَةُ فَيَحْمَدُنِي عَلَى عَافِيَتِهِ وَ يَنْظُرُ الَّذِي بِهِ الْعَاهَةُ إِلَى الصَّحِيحِ فَيَدْعُونِي وَ يَسْأَلُنِي أَنْ أُعَافِيَهُ وَ يَصْبِرُ عَلَى بَلَائِي فَأُثِيبُهُ جَزِيلَ عَطَائِي وَ يَنْظُرُ الْغَنِيُّ إِلَى الْفَقِيرِ فَيَحْمَدُنِي وَ يَشْكُرُنِي وَ يَنْظُرُ الْفَقِيرُ إِلَى الْغَنِيِّ فَيَدْعُونِي وَ يَسْأَلُنِي وَ يَنْظُرُ الْمُؤْمِنُ إِلَى الْكَافِرِ فَيَحْمَدُنِي عَلَى مَا هَدَيْتُهُ فَلِذَلِكَ (1) خَلَقْتُهُمْ لِأَبْلُوَهُمْ فِي السَّرَّاءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ فِيمَا أُعَافِيهِمْ وَ فِيمَا أَبْتَلِيهِمْ وَ فِيمَا أُعْطِيهِمْ وَ فِيمَا أَمْنَعُهُمْ وَ أَنَا اللَّهُ الْمَلِكُ الْقَادِرُ وَ لِي أَنْ أَمْضِيَ جَمِيعَ مَا قَدَّرْتُ عَلَى مَا دَبَّرْتُ وَ لِي أَنْ أُغَيِّرَ مِنْ ذَلِكَ مَا شِئْتُ إِلَى مَا شِئْتُ وَ أُقَدِّمَ مِنْ ذَلِكَ مَا أَخَّرْتُ وَ أُؤَخِّرَ مِنْ ذَلِكَ مَا قَدَّمْتُ وَ أَنَا اللَّهُ الْفَعَّالُ لِمَا أُرِيدُ لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ وَ أَنَا أَسْأَلُ خَلْقِي عَمَّا هُمْ فَاعِلُونَ (2).
تبيين قوله فكان و ثم قال و فنظر الكل معطوف على أخرج و قوله قال آدم جواب لما و لأمر ما أي لأمر عظيم قوله يَعْبُدُونَنِي أي أريد منهم أن يعبدوني قوله لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً حال أو استئناف بياني قوله و كذلك خلقتهم في بعض النسخ لذلك أي لأجل الاختلاف كما قال سبحانه وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ (3) على بعض التفاسير أو لأن يعبدوني و لا يشركوا بي شيئا.
____________
(1) فكذلك ظ، و زان قوله فيما سبق و كذلك خلقتهم، و كذلك أردت في تقديرى.
(2) الكافي ج 2 ص 8- 10.
(3) هود: 118.
118
من روحي أي من روح اصطفيته و اخترته أو من عالم المجردات بناء على تجرد النفس قيل الروح الأول النفس و الثاني جبرئيل و لا يخفى ما فيه.
و طبيعتك أي خلقتك الجسمانية البدنية أو صفاتها التابعة لها خلاف كينونتي أي وجودي فإنها من عالم الماديات و لا تناسب عالم المجردات و الخطاء و الوهم ناش منها.
و قيل الكينونة هنا مصدر كان الناقصة و الإضافة أيضا للتشريف أي صفاتك البدنية مخالفة للآداب المرضية لي ككونك صابرا و قانعا و راضيا بقضائه تعالى و الجبلة بكسر الجيم و الباء و تشديد اللام الخلقة قوله و بضعف طبيعتك تكلفت ما لا علم لك به في بعض النسخ و بضعف قوتك تكلمت.
و الحاصل أن حكمك بأنهم إذا كانوا على صفات واحدة كان أقرب إلى الحكمة و الصواب أنما نشأ من الأوهام التابعة للقوى البدنية فإنهم لو كانوا كذلك لم يتيسر التكليف المعرض لهم لأرفع الدرجات و لم يبق نظام النوع و لم يرتكبوا الصناعات الشاقة التي بها بقاء نوعهم إلى غير ذلك من الحكم و المصالح.
بعلمي خالفت بين خلقهم إذ علمت أن في مخالفة خلقتهم صلاحهم و بقاء نوعهم و بمشيتي أي إرادتي التابعة لحكمتي يمضي فيهم أمري أي الأمر التكويني أو التكليفي أو الأعم لا تبديل لخلقي أي لتقديري أو لما قررت فيهم من القابليات و الاستعدادات و قيل أي من حسنت أحواله في ذلك الوقت حسنت أحواله في الدنيا و من حسنت أحواله في الدنيا حسنت أحواله في الآخرة و من قبحت أحواله في ذلك الوقت قبحت أحواله في الموطنين الآخرين لا يتبدل هؤلاء إلى هؤلاء و لا هؤلاء إلى هؤلاء.
أقول قد مر و سيأتي الكلام في تفسير قوله تعالى لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ (1) و كان هذا إشارة إليه و إنما خلقت الجن و الإنس ليعبدوني إشارة إلى قوله
____________
(1) الروم: 30.
119
تعالى وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (1) و أورد على ظاهر الآية أن بعض الجن و الإنس لا يعبدون أصلا إما لكفر أو جنون أو موت قبل البلوغ أو نحو ذلك و عدم ترتب العلة الغائية على فعل الحكيم ممتنع و أجيب بوجوه أربعة.
الأول أنه أراد سبحانه بالجن و الإنس اللذين بلغوا حد التكليف قبل الممات و التعليل المفهوم من اللام أعم من العلة الغائية
- كَمَا رَوَى الصَّدُوقُ فِي التَّوْحِيدِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ص اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ (2) إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ لِيَعْبُدُوهُ وَ لَمْ يَخْلُقْهُمْ لِيَعْصُوهُ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فَيَسَّرَ كُلًّا لِمَا خُلِقَ لَهُ فَالْوَيْلُ لِمَنِ اسْتَحَبَّ الْعَمَى عَلَى الْهُدَى.
. الثاني أنه إن سلمنا أن المراد بالجن و الإنس ما هو أعم من المكلفين و أن اللام للعلية الغائية لا نسلم العموم في ضمير الجمع في قوله ليعبدون إذ لعل المراد عبادة بعض الجن و الإنس.
الثالث إن سلمنا عموم ضمير يعبدون أيضا فلا نسلم رجوع الضمير إلى الجن و الإنس إذ يمكن عوده إلى المؤمنين المذكورين قبل هذه الآية في قوله تعالى وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ فتدل على أن خلق غير المؤمنين لأجل المؤمنين كما يومئ إليه قوله تعالى في هذا الخبر و ينظر المؤمن إلى الكافر فيحمدني فلذلك خلقتهم إلخ.
الرابع لو سلمنا جميع ذلك نقول ترتب الغاية على فعل الحكيم و وجوبه
____________
(1) الذاريات: 56.
(2) قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما منكم من أحد الا و قد كتب مقعده من النار و مقعده من الجنة قالوا يا رسول اللّه أ فلا نتكل على كتابنا و ندع العمل، قال اعملوا فكل ميسر لما خلق له اما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل السعادة، و أمّا من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل الشقاوة، متفق عليه، كما في مشكاة المصابيح ص 20.
120
أنما هو فيما هو غاية بالذات و الغاية بالذات هنا إنما هي التكليف بالعبادة و العبادة غاية بالعرض و التكليف شامل لجميع أفراد الجن و الإنس للروايات الدالة على أن الأطفال و المجانين يكلفون في القيامة كما سيأتي في كتاب الجنائز.
قوله و قبل مماتكم كأن تخصيص قبل الممات بالذكر و إن كان داخلا في الحياة للتنبيه على أن المدار على العاقبة في السعادة و الشقاوة لأبلوك و أبلوهم أي لأعاملك و إياهم معاملة المختبر أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا مفعول ثان للبلوى بتضمين معنى العلم.
قوله و الطاعة و المعصية إسناد خلقهما إليه سبحانه إسناد إلى العلة البعيدة أو المراد به جعل المعصية معصية و الطاعة طاعة أو المراد بالخلق التقدير على عموم المجاز أو الاشتراك و ظاهره أن الجنة و النار مخلوقتان كما هو مذهب أكثر الإمامية بل كلهم و أكثر العامة و قد مر الكلام فيه في كتاب المعاد.
و بعلمي النافذ فيهم أي المتعلق بكنه ذواتهم و صفاتهم و أعمالهم كأنه نفذ في أعماقهم أو الجاري أثره فيهم فجعلت منهم الشقي و السعيد أي من كنت أعلم عند خلقه أنه يصير شقيا أو المادة القابلة للشقاوة و إن لم يكن مجبورا عليها و كذا السعيد و البصير أي بصرا أو بصيرة و كذا الأعمى.
و الذميم في أكثر النسخ بالذال المعجمة أي المذموم الخلقة في القاموس ذمه ذما و مذمة فهو مذموم و ذميم و بئر ذميم و ذميمة قليلة الماء و غزيرة ضد و به ذميمة أي زمانة تمنعه الخروج و كأمير بثر يعلو الوجوه من حر أو جرب (1) و في بعض النسخ بالدال المهملة في القاموس (2) و الدمة بالكسر الرجل القصير الحقير و أدم أقبح أو ولد له ولد قبيح دميم و قال الزمانة العاهة و قوله لأبلوهم بدل لقوله لذلك خلقتهم قوله و لي أن أغير إشارة إلى أن
____________
(1) القاموس ج 4 ص 115 و 116.
(2) القاموس: ج 4 ص 113.
121
الطينات المختلفة و الخلق منها و تقدير الأمور المذكورة فيهم ليس مما ينفي اختيار الخير و الشر أو من الأمور الحتمية التي لا تقبل البداء.
لا أسأل عما أفعل إنما لا يسأل لأنه سبحانه الكامل بالذات العادل في كل ما أراد العالم بالحكم و المصالح الخفية التي لا تصل إليها عقول الخلق بخلاف غيره فإنهم مسئولون عن أعمالهم و أحوالهم لأن فيها الحسن و القبيح و الإيمان و الكفر لا بالمعنى الذي تذهب إليه الأشاعرة أنه يجوز أن يدخل الأنبياء(ع)النار و الكفار الجنة و لا يجب عليه شيء.
و قيل إن هذا إشارة إلى عدم الوجوب السابق و جواز تخلف المعلول عن العلة التامة كما اختاره هذا القائل.
و قال بعض أرباب التأويل في شرح هذا الخبر إنما ملئوا السماء لأن الملكوت إنما هو في باطن السماء و قد ملئوها و كانوا يومئذ ملكوتيين و السر في تفاوت الخلائق في الخيرات و الشرور و اختلافهم في السعادة و الشقاوة اختلاف استعداداتهم و تنوع حقائقهم لتباين المواد السفلية في اللطافة و الكثافة و اختلاف أمزجتهم في القرب و البعد من الاعتدال الحقيقي و اختلاف الأرواح التي بإزائها في الصفاء و الكدورة و القوة و الضعف و ترتب درجاتهم في القرب من الله سبحانه و البعد عنه كما أشير إليه
فِي الْحَدِيثِ (1) النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ.
و أما سر هذا السر أعني سر اختلاف الاستعدادات و تنوع الحقائق فهو تقابل صفات الله سبحانه و أسمائه الحسنى التي هي من أوصاف الكمال و نعوت الجلال و ضرورة تباين مظاهرها التي بها يظهر أثر تلك الأسماء فكل من الأسماء يوجب تعلق إرادته سبحانه و قدرته إلى إيجاد مخلوق يدل عليه من حيث اتصافه بتلك الصفة فلا بد من
____________
(1) رواه الكليني في الكافي ج 8 ص 177 و لفظه: الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة فمن كان له في الجاهلية أصل فله في الإسلام أصل، و رواه السيوطي في الجامع الصغير و لفظه كما في المتن و بعده: «إذا تفقهوا».
122
إيجاد المخلوقات كلها على اختلافها و تباين أنواعها لتكون مظاهر لأسمائه الحسنى جميعا و مجالي لصفاته العليا قاطبة كما أشير إلى لمعة منه في هذا الحديث انتهى.
أقول هذه الكلمات مبنية على خرافات الصوفية إنما نورد أمثالها لتطلع على مسالك القوم في ذلك و آرائهم.
25- كا، الكافي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنِّي لَأَرَى بَعْضَ أَصْحَابِنَا يَعْتَرِيهِ النَّزَقُ وَ الْحِدَّةُ وَ الطَّيْشُ فَأَغْتَمُّ لِذَلِكَ غَمّاً شَدِيداً وَ أَرَى مَنْ خَالَفَنَا فَأَرَاهُ حَسَنَ السَّمْتِ قَالَ لَا تَقُلْ حَسَنَ السَّمْتِ فَإِنَّ السَّمْتَ سَمْتُ الطَّرِيقِ وَ لَكِنْ قُلْ حَسَنَ السِّيمَاءِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ (1) قَالَ قُلْتُ فَأَرَاهُ حَسَنَ السِّيمَاءِ لَهُ وَقَارٌ فَأَغْتَمُّ لِذَلِكَ قَالَ لَا تَغْتَمَّ لِمَا رَأَيْتَ مِنْ نَزَقِ أَصْحَابِكَ وَ لِمَا رَأَيْتَ مِنْ حُسْنِ سِيمَاءِ مَنْ خَالَفَكَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ خَلَقَ تِلْكَ الطِّينَتَيْنِ ثُمَّ فَرَّقَهُمَا فِرْقَتَيْنِ فَقَالَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ كُونُوا خَلْقاً بِإِذْنِي فَكَانُوا خَلْقاً بِمَنْزِلَةِ الذَّرِّ يَسْعَى وَ قَالَ لِأَصْحَابِ الشِّمَالِ كُونُوا خَلْقاً بِإِذْنِي فَكَانُوا خَلْقاً بِمَنْزِلَةِ الذَّرِّ يَدْرُجُ ثُمَّ رَفَعَ لَهُمْ نَاراً فَقَالَ (2) ادْخُلُوهَا بِإِذْنِي فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَهَا مُحَمَّدٌ ص ثُمَّ اتَّبَعَهُ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَ أَوْصِيَاؤُهُمْ وَ أَتْبَاعُهُمْ ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِ الشِّمَالِ ادْخُلُوهَا بِإِذْنِي فَقَالُوا رَبَّنَا خَلَقْتَنَا لِتُحْرِقَنَا فَعَصَوْا فَقَالَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ اخْرُجُوا بِإِذْنِي مِنَ النَّارِ فَخَرَجُوا لَمْ تَكْلِمْ مِنْهُمُ النَّارُ كَلْماً وَ لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِمْ أَثَراً فَلَمَّا رَآهُمْ أَصْحَابُ الشِّمَالِ قَالُوا رَبَّنَا نَرَى أَصْحَابَنَا قَدْ سَلِمُوا فَأَقِلْنَا وَ مُرْنَا بِالدُّخُولِ قَالَ قَدْ أَقَلْتُكُمْ فَادْخُلُوهَا فَلَمَّا دَنَوْا وَ أَصَابَهُمُ الْوَهَجُ رَجَعُوا فَقَالُوا يَا رَبَّنَا لَا صَبْرَ لَنَا عَلَى الِاحْتِرَاقِ فَعَصَوْا فَأَمَرَهُمْ بِالدُّخُولِ ثَلَاثاً كُلَّ ذَلِكَ يَعْصُونَ وَ يَرْجِعُونَ وَ أَمَرَ أُولَئِكَ ثَلَاثاً كُلَّ ذَلِكَ يُطِيعُونَ وَ يَخْرُجُونَ فَقَالَ لَهُمْ كُونُوا طِيناً بِإِذْنِي فَخَلَقَ مِنْهُ آدَمَ
____________
(1) الفتح: 29.
(2) فقال لاصحاب اليمين ظ.
123
قَالَ فَمَنْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ لَا يَكُونُ مِنْ هَؤُلَاءِ وَ مَنْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ لَا يَكُونُ مِنْ هَؤُلَاءِ وَ مَا رَأَيْتَ مِنْ نَزَقِ أَصْحَابِكَ وَ خُلُقِهِمْ فَمِمَّا أَصَابَ مِنْ لَطْخِ أَصْحَابِ الشِّمَالِ وَ مَا رَأَيْتَ مِنْ حُسْنِ سِيمَاءِ مَنْ خَالَفَكُمْ وَ وَقَارِهِمْ فَمِمَّا أَصَابَهُمْ مِنْ لَطْخِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (1).
توضيح يقال عراه و اعتراه أي غشيه و أتاه و النزق بالفتح و التحريك الخفة عند الغضب و الحدة و الطيش قريبان منه و قال الجوهري السمت الطريق و سمت يسمت بالضم أي قصد و السمت هيئة أهل الخير يقال ما أحسن سمته أي هديه (2) و قال السيما مقصور من الواو قال تعالى سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ و قد يجيء السيماء و السيمياء ممدودين (3).
و قال الفيروزآبادي السمت الطريق و هيئة أهل الخير و السير على الطريق بالظن و حسن النحو و قصد الشيء (4) و قال السيمة و السيماء و السيمياء بكسرهن العلامة (5).
و قال الجزري السمت الهيئة الحسنة و منه فينظرون إلى سمته و هديه أي حسن هيئته و منظره في الدين و ليس من الحسن و الجمال و قيل هو من السمت الطريق يقال الزم هذا السمت و فلان حسن السمت أي حسن القصد.
و قال الزمخشري السمت أخذ النهج و لزوم المحجة يقال ما أحسن سمته أي طريقته التي ينتهجها في تحري الخير و التزيي بزي الصالحين.
و في المصباح السمت الطريق و القصد و السكينة و الوقار و الهيئة انتهى.
و لعل منعه(ع)عن إطلاق السمت لأن السمت يكون بمعنى سمت الطريق فيوهم أن طريقهم و مذهبهم حسن فعبر(ع)بعبارة أخرى لا يوهم ذلك أو لما
____________
(1) الكافي ج 2 ص 11.
(2) الصحاح ص 254.
(3) الصحاح: 1956.
(4) القاموس ج 1 ص 150.
(5) القاموس ج 4 ص 133.
124
لم يكن السمت بمعنى هيئة أهل الخير فصيحا أمر بعبارة أخرى أفصح منه أو أنه(ع)علم أنه أراد بالسمت السيماء لا هيئة أهل الخير و الطريقة الحسنة و الأفعال المحمودة فلذا نبهه(ع)بأن السمت لم يأت بالمعنى الذي أردت و هذا قريب من الأول.
و الوقار الاطمئنان و السكينة البدنية لأصحاب اليمين أي للذين كانوا في يمين الملك الذي أمره بتفريقها أو للذين كانوا في يمين العرش أو للذين علم أنهم سيصيرون من المؤمنين الذين يقفون في القيامة عن يمين العرش.
كونوا خلقا أي مخلوقين ذوي أرواح و قيل أي كونوا أرواحا بمنزلة الذر أي النمل الصغار يسعى و إطلاق السعي هنا و الدرج فيما سيأتي إما لمحض التفنن في العبارة أو المراد بالسعي سرعة السير و بالدرج المشي الضعيف كما يقال درج الصبي إذا مشى أول مشيه فيكون إشارة إلى مسارعة الأولين إلى الخيرات و بطء الآخرين عنها و قيل المراد سعي الأولين إلى العلو و الآخرين إلى السفل و لا دلالة في اللفظ عليهما.
ثم اتبعه أولو العزم أي سائرهم(ع)و الكلم الجرح و الفعل كضرب و قد يبنى على التفعيل و في القاموس وهج النار تهج وهجا و وهجانا اتقدت و الاسم الوهج محركة.
و أقول يمكن أن يقال في تأويل هذا الخبر أنه لما كان من علم الله منهم السعادة تابعين للعقل و لمقتضيات النفس المقدس فكأنها طينتهم و من علم الله منهم الشقاوة تابعين للشهوات البدنية و دواعي النفس الأمارة فكأنها طينتهم و لما مزج الله بينهما في عالم الشهود جرى في غالب الناس الطاعة و المعصية و الصفات القدسية و الملكات الردية فما كان من الخيرات فهو من جهة العقل و النفس و هما طينة أصحاب اليمين و إن كان في أصحاب الشمال و ما كان من الشرور و المعاصي فهو من الأجزاء البدنية التي هي طينة أصحاب الشمال و إن كان في أصحاب اليمين.
125
و يمكن أيضا أن يقال المعنى أن الله تعالى قرر في خلقة آدم(ع)و طينته دواعي الخير و الشر و علم أنه يكون في ذريته السعداء و الأشقياء و خلق آدم(ع)مع علمه بذلك فكأنه خلط بين الطينتين و لما كان أولاد آدم مدنيين بالطبع لا بد لهم في نشأة الدنيا من المخالطة و المصاحبة فالسعداء يكتسبون الصفات الذميمة من مخالطة الأشقياء و بالعكس فلعل قوله من لطخ أصحاب الشمال و من لطخ أصحاب اليمين إشارة إلى هذا المعنى.
و لما كان السبب الأقوى في اكتساب السعداء صفات الأشقياء استيلاء أئمة الجور و أتباعهم على أئمة الحق و أتباعهم و علم الله أن المؤمنين إنما يرتكبون الآثام لاستيلاء أهل الباطل عليهم و عدم تولي أئمة الحق لسياستهم فيعذرهم بذلك و يعفو عنهم و يعذب أئمة الجور و أتباعهم بتسببهم لجرائم من خالطهم مع ما يستحقون من جرائم أنفسهم و سيأتي مزيد تحقيق لذلك في الأخبار الآتية إن شاء الله تعالى.
26- سن، المحاسن عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ الْمُؤْمِنَ مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ وَ جَلَالِ كِبْرِيَائِهِ فَمَنْ طَعَنَ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَوْ رَدَّ عَلَيْهِ فَقَدْ رَدَّ عَلَى اللَّهِ فِي عَرْشِهِ وَ لَيْسَ هُوَ مِنَ اللَّهِ فِي وَلَايَةٍ وَ إِنَّمَا هُوَ شِرْكُ شَيْطَانٍ (1).
بيان: و ليس هو من الله في ولاية أي ليس من أولياء الله و أحبائه و أنصاره أو ليس من المؤمنين الذين ينصرهم الله و يواليهم كما قال تعالى ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ أَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (2) أو ليس من حزب الله بل هو من حزب الشيطان كما ورد في خبر آخر خرج من ولاية الله إلى ولاية الشيطان.
27- رِيَاضُ الْجِنَانِ، لِفَضْلِ اللَّهِ بْنِ مَحْمُودٍ الْفَارِسِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ بِشْرِ بْنِ أَبِي عُتْبَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ مُحَمَّداً مِنْ طِينَةٍ مِنْ
____________
(1) المحاسن: 132.
(2) القتال 11.
126
جَوْهَرَةٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ وَ إِنَّهُ كَانَ لِطِينَتِهِ نَضْجٌ فَجَعَلَ طِينَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مِنْ نَضْجِ طِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ كَانَ لِطِينَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)نَضْجٌ فَجَعَلَ طِينَتَنَا مِنْ فَضْلِ طِينَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ كَانَتْ لِطِينَتِنَا نَضْجٌ فَجَعَلَ طِينَةَ شِيعَتِنَا مِنْ نَضْجِ طِينَتِنَا فَقُلُوبُهُمْ تَحِنُّ إِلَيْنَا وَ قُلُوبُنَا تَعْطِفُ عَلَيْهِمْ كَعَطْفِ الْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ وَ نَحْنُ لَهُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ لَنَا وَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَنَا خَيْرٌ وَ نَحْنُ لَهُ خَيْرٌ.
28- وَ مِنْهُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الْحَجَّاجِ قَالَ قَالَ لِي أَبُو جَعْفَرٍ(ع)يَا أَبَا الْحَجَّاجِ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ مُحَمَّداً وَ آلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ طِينِ عِلِّيِّينَ وَ خَلَقَ قُلُوبَهُمْ (1) مِنْ طِينِ عِلِّيِّينَ فَقُلُوبُ شِيعَتِنَا مِنْ أَبْدَانِ آلِ مُحَمَّدٍ ص وَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ عَدُوَّ آلِ مُحَمَّدٍ مِنْ طِينِ سِجِّينٍ وَ خَلَقَ قُلُوبَهُمْ أَخْبَثَ مِنْ ذَلِكَ وَ خَلَقَ شِيعَتَهُمْ مِنْ طِينٍ دُونَ طِينِ سِجِّينٍ فَقُلُوبُهُمْ مِنْ أَبْدَانِ أُولَئِكَ وَ كُلُّ قَلْبٍ يَحِنُّ إِلَى بَدَنِهِ.
29- بشا، بشارةُ المصطفى عَنِ ابْنِ الشَّيْخِ عَنْ وَالِدِهِ عَنِ الْمُفِيدِ عَنِ الْجِعَابِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ الْأَنْصَارِيِّ وَ بِالْإِسْنَادِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)أَ لَا أُبَشِّرُكَ أَلَا أَمْنَحُكَ قَالَ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِنِّي خُلِقْتُ أَنَا وَ أَنْتَ مِنْ طِينَةٍ وَاحِدَةٍ فَفَضَلَتْ مِنْهَا فَضْلَةٌ فَخَلَقَ مِنْهَا شِيعَتَنَا فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دُعِيَ النَّاسُ بِأُمَّهَاتِهِمْ إِلَّا شِيعَتَكَ فَإِنَّهُمْ يُدْعَوْنَ بِأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ لِطِيبِ مَوْلِدِهِمْ (2).
30- بشا، بشارة المصطفى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ شَهْرِيَارَ الْخَازِنِ عَنْ أَبِي مَنْصُورٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمُعَدِّلِ عَنْ أَبِي عُمَيْرٍ السَّمَّاكِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَهْدِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ السِّجِسْتَانِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ الْحِمَّصِيِّ عَنْ أَبِي زِيَادٍ
____________
(1) كأنّه يعنى قلوب شيعتهم.
(2) بشارة المصطفى ص 115 و 17.
127
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ لِعَلِيٍّ(ع)أَ لَا أُبَشِّرُكَ يَا عَلِيُّ قَالَ بَلَى بِأَبِي وَ أُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَنَا وَ أَنْتَ وَ فَاطِمَةُ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ خُلِقْنَا مِنْ طِينَةٍ وَاحِدَةٍ وَ فَضَلَتْ مِنْهَا فَضْلَةٌ فَجَعَلَ (1) مِنْهَا شِيعَتَنَا وَ مُحِبِّينَا فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دُعِيَ النَّاسُ بِأَسْمَاءِ أُمَّهَاتِهِمْ مَا خَلَا نَحْنُ وَ شِيعَتَنَا وَ مُحِبِّينَا فَإِنَّهُمْ يُدْعَوْنَ بِأَسْمَائِهِمْ وَ أَسْمَاءِ آبَائِهِمْ (2).
31- بشا، بشارة المصطفى عَنِ ابْنِ شَيْخِ الطَّائِفَةِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْمُفِيدِ عَنِ الْمُظَفَّرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الثَّلْجِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْهَاشِمِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الزُّرَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي زَكَرِيَّا الْمَوْصِلِيِّ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ(ع)أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ لِعَلِيٍّ أَنْتَ الَّذِي احْتَجَّ اللَّهُ بِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْخَلْقِ حَيْثُ أَقَامَهُمْ أَشْبَاحاً فَقَالَ لَهُمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى قَالَ وَ مُحَمَّدٌ رَسُولِي قَالُوا بَلَى قَالَ وَ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَأَبَى الْخَلْقُ جَمِيعاً إِلَّا اسْتِكْبَاراً وَ عُتُوّاً عَنْ وَلَايَتِكَ إِلَّا نَفَرٌ قَلِيلٌ وَ هُمْ أَقَلُّ الْقَلِيلِ وَ هُمْ أَصْحَابُ الْيَمِينِ (3).
32- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى وَ غَيْرِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ غَيْرِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ عَنْ أَبِي نَهْشَلٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَنَا مِنْ أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَ خَلَقَ قُلُوبَ شِيعَتِنَا مِمَّا خَلَقَنَا مِنْهُ وَ خَلَقَ أَبْدَانَهُمْ مِنْ دُونِ ذَلِكَ وَ قُلُوبُهُمْ تَهْوَى إِلَيْنَا لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِمَّا خُلِقْنَا ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (4) وَ خَلَقَ عَدُوَّنَا مِنْ سِجِّينٍ وَ خَلَقَ قُلُوبَ شِيعَتِهِمْ مِمَّا خَلَقَهُمْ مِنْهُ وَ أَبْدَانَهُمْ
____________
(1) فخلق خ ل.
(2) بشارة المصطفى 24.
(3) بشارة المصطفى: 144.
(4) المطففين: 18- 21.
128
مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَقُلُوبُهُمْ تَهْوَى إِلَيْهِمْ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِمَّا خُلِقُوا مِنْهُ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ- كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَ ما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ كِتابٌ مَرْقُومٌ (1) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (2)
بيان قد مر الخبر و شرحه في باب خلق أبدان الأئمة(ع)(3).
و قال بعض أرباب التأويل كل ما يدركه الإنسان بحواسه يرتفع منه أثر إلى روحه و يجتمع في صحيفة ذاته و خزانة مدركاته و كذلك كل مثقال ذرة من خير أو شر يعمله يرى أثره مكتوبا ثمة و سيما ما رسخت بسبب الهيئات و تأكدت به الصفات و صار خلقا و ملكة.
فالأفاعيل المتكررة و العقائد الراسخة في النفوس هي بمنزلة النقوش الكتابية في الألواح كما قال الله تعالى أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ (4) و هذه الألواح النفيسة يقال لها صحائف الأعمال و إليه الإشارة بقوله سبحانه وَ إِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (5) و قوله عز و جل وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (6) فيقال له لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (7) هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) فمن كان من أهل السعادة و أصحاب اليمين و كانت معلوماته أمورا قدسية و أخلاقه زكية و أعماله صالحة فقد أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (9) أعني من الجانب
____________
(1) المطففين: 7- 10.
(2) الكافي ج 2 ص 4.
(3) كتاب الإمامة المجلد السابع.
(4) المجادلة: 22.
(5) كورت 10.
(6) أسرى: 13.
(7) ق: 22.
(8) الجاثية: 28.
(9) أسرى: 71- الحاقة: 19.
129
الأقوى الروحاني و هو جهة عليين و ذلك لأن كتابه من جنس الألواح العالية و الصحف المكرمة المرفوعة المطهرة بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ (1) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ و من كان من الأشقياء المردودين و كانت معلوماته مقصورة على الجرميات و أخلاقه سيئة و أعماله خبيثة فقد أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ أعني من جانبه الأضعف الجسماني و هو جهة سجين و ذلك لأن كتابه من جنس الأوراق السفلية و الصحائف الحسية القابلة للاحتراق فلا جرم يعذب بالنار و إنما عود الأرواح إلى ما خلقت منه كما قال سبحانه كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (2) كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ (3) فما خلق من عليين فكتابه في عليين و ما خلق من سجين فكتابه في سجين انتهى.
و سياق تلك التحقيقات على مذاقه من أصول الدين و لما لم يصرح بنفي ما حققه جماهير الإمامية من أصحاب اليقين لا أدري أنها ثبتت له في عليين أو سجين وفقنا الله لسلوك مسالك المتقين.
33- بشا، بشارة المصطفى عَنِ ابْنِ الشَّيْخِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْمُفِيدِ عَنِ ابْنِ قُولَوَيْهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ فَضَالَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّا وَ شِيعَتَنَا خُلِقْنَا مِنْ طِينَةِ عِلِّيِّينَ وَ خَلَقَ اللَّهُ عَدُوَّنَا مِنْ طِينَةِ خَبَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (4)
بيان: قال في النهاية فيه من شرب الخمر سقاه الله من طينة الخبال يوم القيامة جاء تفسيره في الحديث أن الخبال عصارة أهل النار و الخبال في الأصل الفساد و يكون من الأفعال و الأبدان و العقول.
____________
(1) اقتباس من قوله تعالى في عبس: 13- 16.
(2) الأعراف: 29.
(3) الأنبياء: 104.
(4) بشارة المصطفى: 105.
130
باب 4 فطرة الله سبحانه و صبغته
الآيات
البقرة صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَ نَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (1) الروم فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (2)
تفسير
صِبْغَةَ اللَّهِ قال البيضاوي أي صبغنا الله صبغته و هي فطرة اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها فإنها حلية الإنسان كما أن الصبغة حلية المصبوغ أو هدانا هدايته و أرشدنا حجته أو طهر قلوبنا بالإيمان تطهيره و سماه صبغة لأنه ظهر أثره عليهم ظهور الصبغ على المصبوغ و تداخل في قلوبهم تداخل الصبغ الثوب أو للمشاكلة فإن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية و يقولون هو تطهير لهم و به تحقق نصرانيتهم و نصبها على أنه مصدر مؤكد لقوله آمنا و قيل على الإغراء و قيل على البدل من ملة إبراهيم.
وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً لا صبغة أحسن من صبغته وَ نَحْنُ لَهُ عابِدُونَ تعريض بهم أي لا نشرك به كشرككم.
____________
(1) البقرة: 138.
(2) الروم: 30.
131
و أقول قد مضى تفسير الآية الثانية في باب فضل الإيمان (1).
كا، الكافي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ وَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً (2) قَالَ الْإِسْلَامُ وَ قَالَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ- فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى (3) قَالَ هِيَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ (4).
بيان قيل على هذه الأخبار يحتمل أن تكون صبغة منصوبة على المصدر من مسلمون في قوله تعالى قبل ذلك لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (5) ثم يحتمل أن يكون معناها و موردها مختصا بالخواص و الخلص المخاطبين ب قُولُوا في صدر الآيات حيث قال قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا (6) دون سائر أفراد بني آدم بل يتعين هذا المعنى أن فسر الإسلام بالخضوع و الانقياد للأوامر و النواهي كما فعلوه و إن فسر بالمعنى العرفي فتوجيه التعميم فيه كتوجيه التعميم في فطرة الله كما سيأتي إن شاء الله.
و قيل صبغة الله إبداع الممكنات و إخراجها من العدم إلى الوجود و إعطاء كل ما يليق به من الصفات و الغايات و غيرهما.
قوله فَقَدِ اسْتَمْسَكَ قال تعالى فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها و فسر الطاغوت في الأخبار بالشيطان و بأئمة الضلال و الأولى التعميم ليشمل كل من عبد من دون الله من صنم أو صاد عن سبيل الله و يُؤْمِنْ بِاللَّهِ بالتوحيد و تصديق الرسل و أوصيائهم.
فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى أي طلب الإمساك من نفسه بالحبل الوثيق
____________
(1) راجع ص 43 و 44 فيما سبق.
(2) البقرة: 138.
(3) البقرة: 256.
(4) الكافي ج 2 ص 14.
(5) البقرة: 136.
(6) البقرة: 136.
132
و هي مستعار لمتمسك الحق من النظر الصحيح و الدين القويم لَا انْفِصامَ لَها أي لا انقطاع لها و ما ورد في الخبر من تفسيره بالإيمان كأن المراد به أنه تعالى شبه الإيمان الكامل بالعروة الوثقى.
و على ما ورد في كثير من الأخبار من أن المراد بالطاغوت الغاصبون للخلافة فالمعنى من رفض متابعة أئمة الضلال و آمن بما جاء من عند الله في علي و الأوصياء من بعده(ع)فقد آمن بالله وحده لا شريك له و إلا فهو مشرك
- كَمَا رُوِيَ فِي مَعَانِي الْأَخْبَارِ (1)، عَنِ النَّبِيِّ ص مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْتَمْسِكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى الَّتِي لَا انْفِصامَ لَها فَلْيَسْتَمْسِكْ بِوَلَايَةِ أَخِي وَ وَصِيِّي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَإِنَّهُ لَا يَهْلِكُ مَنْ أَحَبَّهُ وَ تَوَلَّاهُ وَ لَا يَنْجُو مَنْ أَبْغَضَهُ وَ عَادَاهُ.
- وَ عَنِ الْبَاقِرِ(ع)أَنَّ الْعُرْوَةَ الْوُثْقَى هِيَ مَوَدَّتُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ
. 2- كا، الكافي عَنِ الْعِدَّةِ عَنْ سَهْلٍ عَنِ الْبَزَنْطِيِّ عَنْ دَاوُدَ بْنِ سِرْحَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَرْقَدٍ عَنْ حُمْرَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً قَالَ الصِّبْغَةُ هِيَ الْإِسْلَامُ (2).
3- يد، التوحيد عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْعَلَا بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها قَالَ عَلَى التَّوْحِيدِ (3).
4- ير، بصائر الدرجات عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْخَشَّابِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِهِ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها (4) قَالَ فَقَالَ عَلَى التَّوْحِيدِ وَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)(5).
____________
(1) معاني الأخبار: 368.
(2) الكافي ج 2: 14.
(3) كتاب التوحيد: 341.
(4) الروم: 30.
(5) بصائر الدرجات: 78.
133
بيان قال في النهاية فيه كل مولود يولد على الفطرة الفطر الابتداء و الاختراع و الفطرة منه الحالة كالجلسة و الركبة و المعنى أنه يولد على نوع من الجبلة و الطبع المتهيأ لقبول الدين فلو ترك عليها لاستمر على لزومها و لم يفارقها إلى غيرها و إنما يعدل عنه من يعدل لآفة من آفات البشر و التقليد ثم تمثل بأولاد اليهود و النصارى في اتباعهم لآبائهم و الميل إلى أديانهم عن مقتضى الفطرة السليمة.
و قيل معناه كل مولود يولد على معرفة الله و الإقرار به فلا تجد أحدا إلا و هو يقر بأن الله صانعه و إن سماه بغير اسمه أو عبد معه غيره و منه حديث حذيفة على غير فطرة محمد أراد دين الإسلام الذي هو منسوب إليه انتهى.
و قيل الفطرة بالكسر مصدر للنوع من الإيجاد و هو إيجاد الإنسان على نوع مخصوص من الكمال و هو التوحيد و معرفة الربوبية مأخوذا عليهم ميثاق العبودية و الاستقامة على سنن العدل.
و قال بعض العامة الفطرة ما سبق من سعادة أو شقاوة فمن علم الله سعادته ولد على فطرة الإسلام و من علم شقاوته ولد على فطرة الكفر تعلق بقوله تعالى لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ (1) و بحديث الغلام الذي قتله الخضر(ع)طبع يوم طبع كافرا فإنه يمنع من كون تولده على فطرة الإسلام.
و أجيب عن الأول بأن معنى لا تَبْدِيلَ لا تغيير يعني لا يكون بعضهم على فطرة الكفر و بعضهم على فطرة الإسلام و يؤيده قوله ص كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه و ينصرانه فإن المراد بهذه الفطرة فطرة الإسلام.
و عن الثاني بأن المراد بالطبع حالة ثانية طرأت و هي التهيؤ للكفر عن الفطرة التي ولد عليها.
و قال بعضهم المراد بالفطرة كونه خلقا قابلا للهداية و متهيئا لها لما أوجد فيه من القوة القابلة لها لأن فطرة الإسلام و صوابها موضوع في العقول
____________
(1) الروم: 30.
134
و إنما يدفع العقول عن إدراكها تغيير الأبوين أو غيرهما.
و أجيب عنه بأن حمل الفطرة على الإسلام لا يأباه العقل و ظاهر الروايات يدل عليه و حملها على خلاف الظاهر لا وجه له من غير مستند.
سن، المحاسن عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْكَانَ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها قَالَ فَطَرَهُمْ عَلَى مَعْرِفَةِ أَنَّهُ رَبُّهُمْ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَمْ يَعْلَمُوا إِذَا سُئِلُوا مَنْ رَبُّهُمْ وَ مَنْ رَازِقُهُمْ (1).
بيان قال في المصباح المنير فطر الله الخلق فطرا من باب قتل خلقهم و الاسم الفطرة بالكسر قال الله تعالى فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها
وَ قَالَ ص كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ.
قيل معناه الفطرة الإسلامية و الدين الحق و إنما أبواه يهودانه و ينصرانه أي ينقلانه إلى دينهما.
و هذا التفسير مشكل إن حمل اللفظ على حقيقته فقط لأنه يلزم منه أن لا يتوارث المشركون مع أولادهم الصغار قبل أن يهودوهم و ينصروهم و اللازم منتف بل الوجه حمله على حقيقته و مجازه معا.
أما حمله على مجازه فعلى ما قبل البلوغ و ذلك أن إقامة الأبوين على دينهما سبب لجعل الولد تابعا لهما فلما كانت الإقامة سببا جعلت تهويدا و تنصيرا مجازا ثم أسند إلى الأبوين توبيخا لهما و تقبيحا عليهما كأنه قال أبواه بإقامتهما على الشرك يجعلانه مشركا و يفهم من هذا أنه لو أقام أحدهما على الشرك و أسلم الآخر لا يكون مشركا بل مسلما و قد جعل البيهقي هذا معنى الحديث فقال قد جعل رسول الله ص حكم الأولاد قبل أن يختاروا لأنفسهم حكم الآباء فيما يتعلق بأحكام الدنيا و أما حمله على الحقيقة فعلى ما بعد البلوغ لوجود الكفر من الأولاد.
6- كا، الكافي عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
____________
(1) المحاسن: 241 و الآية في الروم: 30.
135
سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها مَا تِلْكَ الْفِطْرَةُ قَالَ هِيَ الْإِسْلَامُ فَطَرَهُمُ اللَّهُ حِينَ أَخَذَ مِيثَاقَهُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ (1).
بيان: على التوحيد متعلق بفطر و أخذ على التنازع.
7- كا، الكافي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ (2) قَالَ الْحَنِيفِيَّةُ مِنَ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ قَالَ فَطَرَهُمْ عَلَى الْمَعْرِفَةِ بِهِ فَقَالَ زُرَارَةُ وَ سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى (3) قَالَ أَخْرَجَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ ذُرِّيَّتَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَخَرَجُوا كَالذَّرِّ فَعَرَّفَهُمْ وَ أَرَاهُمْ نَفْسَهُ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ رَبَّهُ وَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ يَعْنِي عَلَى الْمَعْرِفَةِ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَالِقُهُ وَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ- (4) وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (5).
تبيين قوله حُنَفاءَ لِلَّهِ إشارة إلى قوله سبحانه في سورة الحج فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ أي اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان كما يجتنب الأنجاس و كل افتراء
- وَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ الشِّطْرَنْجُ وَ قَوْلَ الزُّورِ الْغِنَاءُ.
____________
(1) الكافي ج 2 ص 12، و الآية في الروم: 30.
(2) الحجّ: 31.
(3) الأعراف: 171.
(4) لقمان: 25.
(5) الكافي ج 2: 12 و 13.
136
قال الطبرسي (1) (رحمه الله) حُنَفاءَ لِلَّهِ أي مستقيمي الطريقة على ما أمر الله مائلين عن سائر الأديان غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ أي حجاجا مخلصين و هم مسلمون موحدون لا يشركون في تلبية الحج به أحدا.
و قال في النهاية فيه خلقت عبادي حنفاء أي طاهري الأعضاء من المعاصي لا أنه خلقهم كلهم مسلمين لقوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ (2) و قيل أراد أنه خلقهم حنفاء مؤمنين لما أخذ عليهم الميثاق أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى فلا يوجد أحد إلا و هو مقر بأن له ربا و إن أشرك به و اختلفوا فيه.
و الحنفاء جمع حنيف و هو المائل إلى الإسلام الثابت عليه و الحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم و أصل الحنف الميل و منه
الحديث بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ.
انتهى.
لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ أي بأن يكونوا كلهم أو بعضهم عند الخلق مشركين بل كان كلهم مسلمين مقرين به أو قابلين للمعرفة و أراهم نفسه أي بالرؤية العقلية الشبيهة بالرؤية العينية في الظهور ليرسخ فيهم معرفته و يعرفوه في دار التكليف و لو لا تلك المعرفة الميثاقية لم يحصل لهم تلك القابلية و فسر(ع)الفطرة في الحديث بالمجبولية على معرفة الصانع و الإذعان به.
كذلك قوله أي هذه الآية أيضا محمولة على هذا المعنى وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ أي كفار مكة كما ذكره المفسرون أو الأعم كما هو الأظهر من الخبر لَيَقُولُنَّ اللَّهُ لفطرتهم على المعرفة و قال البيضاوي لوضوح الدليل المانع من إسناد الخلق إلى غيره بحيث اضطروا إلى إذعانه انتهى.
و المشهور أنه مبني على أن كفار قريش لم يكونوا ينكرون أن الصانع هو الله بل كانوا يعبدون الأصنام لزعمهم أنها شفعاء عند الله و ظاهر الخبر أن
____________
(1) مجمع البيان ج 8 ص 83.
(2) التغابن: 2.
137
كل كافر لو خلي و طبعه و ترك العصبية و متابعة الأهواء و تقليد الأسلاف و الآباء لأقر بذلك كما ورد ذلك في الأخبار الكثيرة قال بعض المحققين الدليل على ذلك ما ترى أن الناس يتوكلون بحسب الجبلة على الله و يتوجهون توجها غريزيا إلى مسبب الأسباب و مسهل الأمور الصعاب و إن لم يتفطنوا لذلك و يشهد لهذا قول الله عز و جل قال أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَ تَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (1)
وَ فِي تَفْسِيرِ مَوْلَانَا الْعَسْكَرِيِّ(ع)أَنَّهُ سُئِلَ مَوْلَانَا الصَّادِقُ عَنِ اللَّهِ فَقَالَ لِلسَّائِلِ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ هَلْ رَكِبْتَ سَفِينَةً قَطُّ قَالَ بَلَى قَالَ فَهَلْ كُسِرَ بِكَ حَيْثُ لَا سَفِينَةَ تُنْجِيكَ وَ لَا سِبَاحَةَ تُغْنِيكَ قَالَ بَلَى قَالَ فَهَلْ تَعَلَّقَ قَلْبُكَ هُنَاكَ أَنَّ شَيْئاً مِنَ الْأَشْيَاءِ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُخَلِّصَكَ مِنْ وَرْطَتِكَ قَالَ بَلَى قَالَ الصَّادِقُ فَذَلِكَ الشَّيْءُ هُوَ اللَّهُ الْقَادِرُ عَلَى الْإِنْجَاءِ حِينَ لَا مُنْجِيَ وَ عَلَى الْإِغَاثَةِ حِينَ لَا مُغِيثَ.
و لهذا جعلت الناس معذورين في تركهم اكتساب المعرفة بالله عز و جل متروكين على ما فطروا عليه مرضيا عنهم بمجرد الإقرار بالقول و لم يكلفوا الاستدلال العلمية في ذلك و إنما التعمق لزيادة البصيرة و لطائفة مخصوصة و أما الاستدلال فللرد على أهل الضلال.
ثم إن أفهام الناس و عقولهم متفاوتة في قبول مراتب العرفان و تحصيل الاطمئنان كما و كيفا شدة و ضعفا سرعة و بطئا حالا و علما و كشفا و عيانا و إن كان أصل المعرفة فطريا إما ضروري أو يهتدى إليه بأدنى تنبيه فلكل طريقة هداه الله عز و جل إليها إن كان من أهل الهداية و الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق و هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ
____________
(1) الأنعام: 40 و 41.
138
قال بعض المنسوبين إلى العلم اعلم أن أظهر الموجودات و أجلاها هو الله عز و جل فكان هذا يقتضي أن يكون معرفته أول المعارف و أسبقها إلى الأفهام و أسهلها على العقول و نرى الأمر بالضد من ذلك فلا بد من بيان السبب فيه.
و إنما قلنا إن أظهر الموجودات و أجلاها هو الله لمعنى لا تفهمه إلا بمثال هو أنا إذا رأينا إنسانا يكتب أو يخيط مثلا كان كونه حيا من أظهر الموجودات فحياته و علمه و قدرته للخياطة أجلى عندنا من سائر صفاته الظاهرة و الباطنة إذ صفاته الباطنة كشهوته و غضبه و خلقه و صحته و مرضه و كل ذلك لا نعرفه و صفاته الظاهرة لا نعرف بعضها و بعضها نشك فيه كمقدار طوله و اختلاف لون بشرته و غير ذلك من صفاته.
أما حياته و قدرته و إرادته و علمه و كونه حيوانا فإنه جلي عندنا من غير أن يتعلق حس البصر بحياته و قدرته و إرادته فإن هذه الصفات لا تحس بشيء من الحواس الخمس ثم لا يمكن أن يعرف حياته و قدرته و إرادته إلا بخياطته و حركته فلو نظرنا إلى كل ما في العلم سواء لم نعرف به صفاته فما عليه إلا دليل واحد و هو مع ذلك جلي واضح.
و وجود الله و قدرته و علمه و سائر صفاته يشهد له بالضرورة كل ما نشاهده و ندركه بالحواس الظاهرة و الباطنة من حجر و مدر و نبات و شجر و حيوان و سماء و أرض و كوكب و بر و بحر و نار و هواء و جوهر و عرض بل أول شاهد عليه أنفسنا و أجسامنا و أصنافنا و تقلب أحوالنا و تغير قلوبنا و جميع أطوارنا في حركاتنا و سكناتنا.
و أظهر الأشياء في علمنا أنفسنا ثم محسوساتنا بالحواس الخمس ثم مدركاتنا بالبصيرة و العقل و كل واحد من هذه المدركات له مدرك واحد و شاهد و دليل واحد و جميع ما في العالم شواهد ناطقة و أدلة شاهدة بوجود خالقها و مدبرها و مصرفها و محركها و دالة على علمه و قدرته و لطفه و حكمته.
و الموجودات المدركة لا حصر لها فإن كانت حياة الكاتب ظاهرة عندنا
139
و ليس يشهد له إلا شاهد واحد و هو ما أحسسنا من حركة يده فكيف لا يتصور في الوجود شيء داخل نفوسنا و خارجها إلا و هو شاهد عليه و على عظمته و جلاله إذ كل ذرة فإنها تنادي بلسان حالها أنه ليس وجودها بنفسها و لا حركتها بذاتها و إنما يحتاج إلى موجد و محرك لها يشهد بذلك أولا تركيب أعضائنا و ائتلاف عظامنا و لحومنا و أعصابنا و نبات شعورنا و تشكل أطرافنا و سائر أجزائنا الظاهرة و الباطنة فإنا نعلم أنها لم تأتلف بنفسها كما نعلم أن يد الكاتب لم يتحرك بنفسها.
و لكن لما لم يبق في الوجود مدرك و محسوس و معقول و حاضر و غائب إلا و هو شاهد و معرف عظم ظهوره فانبهرت العقول و دهشت عن إدراكه فإذن ما يقصر عن فهمه عقولنا له سببان أحدهما خفاؤه في نفسه و غموضه و ذلك لا يخفى مثاله و الآخر ما يتناهى وضوحه و هذا كما أن الخفاش يبصر بالليل و لا يبصر بالنهار لا لخفاء النهار و استتاره و لكن لشدة ظهوره فإن بصر الخفاش ضعيف يبهره نور الشمس إذا أشرق فيكون قوة ظهوره مع ضعف بصره سببا لامتناع إبصاره فلا يرى شيئا إلا إذا امتزج الظلام بالضوء و ضعف ظهوره.
فكذلك عقولنا ضعيفة و جمال الحضرة الإلهية في نهاية الإشراق و الاستنارة و في غاية الاستغراق و الشمول حتى لا يشذ عن ظهوره ذرة من ملكوت السماوات و الأرض فصار ظهوره سبب خفائه فسبحان من احتجب بإشراق نوره و اختفى عن البصائر و الأبصار بظهوره.
و لا تتعجب من اختفاء ذلك بسبب الظهور فإن الأشياء تستبان بأضدادها و ما عم وجوده حتى لا ضد له عسر إدراكه فلو اختلف الأشياء فدل بعضها دون البعض أدركت التفرقة على قرب و لما اشتركت في الدلالة على نسق واحد أشكل الأمر.
و مثاله نور الشمس المشرق على الأرض فإنا نعلم أنه عرض من الأعراض
140
يحدث في الأرض و يزول عند غيبة الشمس فلو كانت الشمس دائمة الإشراق لا غروب لها لكنا نظن أن لا هيئة في الأجسام إلا ألوانها و هي السواد و البياض و غيرها فإنا لا نشاهد في الأسود إلا السواد و في الأبيض إلا البياض و أما الضوء فلا ندركه وحده لكن لما غابت الشمس و أظلمت المواضع أدركنا تفرقة بين الحالتين فعلمنا أن الأجسام كانت قد استضاءت بضوء و اتصفت بصفة فارقتها عند الغروب فعرفنا وجود النور بعدمه و ما كنا نطلع عليه لو لا عدمه إلا بعسر شديد و ذلك لمشاهدتنا الأجسام متشابهة غير مختلفة في الظلام و النور.
هذا مع أن النور أظهر المحسوسات إذ به يدرك سائر المحسوسات فما هو ظاهر في نفسه و هو مظهر لغيره انظر كيف تصور استبهام أمره بسبب ظهوره لو لا طريان ضده فإذن الرب تعالى هو أظهر الأمور و به ظهرت الأشياء كلها و لو كان له عدم أو غيبة أو تغير لانهدمت السماوات و الأرض و بطل الملك و الملكوت و لأدركت التفرقة بين الحالتين و لو كان بعض الأشياء موجودا به و بعضها موجودا بغيره لأدركت التفرقة بين الشيئين في الدلالة و لكن دلالته عامة في الأشياء على نسق واحد و وجوده دائم في الأحوال يستحيل خلافه فلا جرم أورث شدة الظهور خفاء فهذا هو السبب في قصور الأفهام.
و أما من قويت بصيرته و لم يضعف منته فإنه في حال اعتدال أمره لا يرى إلا الله و أفعاله و أفعاله أثر من آثار قدرته فهي تابعة فلا وجود لها بالحقيقة و إنما الوجود للواحد الحق الذي به وجود الأفعال كلها و من هذا حاله فلا ينظر في شيء من الأفعال إلا و يرى فيه الفاعل و يذهل عن الفعل من حيث إنه سماء و أرض و حيوان و شجر بل ينظر فيه من حيث إنه صنع فلا يكون نظره مجاوزا له إلى غيره كمن نظر في شعر إنسان أو خطه أو تصنيفه و رأى فيه الشاعر و المصنف و رأى آثاره من حيث هي آثاره لا من حيث إنه حبر و عفص و زاج مرقوم على بياض فلا يكون قد نظر إلى غير المصنف.
141
فكل العالم تصنيف الله تعالى فمن نظر إليها من حيث إنها فعل الله و عرفها من حيث إنها فعل الله و أحبها من حيث إنها فعل الله لم يكن ناظرا إلا في الله و لا عارفا إلا بالله و لا محبا إلا لله و كان هو الموحد الحق الذي لا يرى إلا الله بل لا ينظر إلى نفسه من حيث نفسه بل من حيث هو عبد الله فهذا هو الذي يقال فيه إنه فني في التوحيد و إنه فني في نفسه و إليه الإشارة بقول من قال كنا بنا ففنينا عنا فبقينا بلا نحن.
فهذه أمور معلومة عند ذوي البصائر أشكلت لضعف الأفهام عن دركها و قصور قدرة العلماء عن إيضاحها و بيانها بعبارة مفهمة موصلة للغرض إلى الأفهام و لاشتغالهم بأنفسهم و اعتقادهم أن بيان ذلك لغيرهم مما لا يغنيهم.
فهذا هو السبب في قصور الأفهام عن معرفة الله تعالى و انضم إليه أن المدركات كلها التي هي شاهدة على الله إنما يدركها الإنسان في الصبي عند فقد العقل قليلا قليلا و هو مستغرق الهم بشهواته و قد أنس بمدركاته و محسوساته إلفها فسقط وقعها عن قلبه بطول الأنس و لذلك إذا رأى على سبيل الفجأة حيوانا غريبا أو فعلا من أفعال الله خارقا للعادة عجيبا انطلق لسانه بالمعرفة طبعا فقال سبحان الله و هو يرى طول النهار نفسه و أعضاءه و سائر الحيوانات المألوفة و كلها شواهد قاطعة و لا يحس بشهادتها لطول الأنس بها و لو فرض أكمه بلغ عاقلا ثم انقشعت الغشاوة عن عينه فامتد بصره إلى السماء و الأرض و الأشجار و النبات و الحيوان دفعة واحدة على سبيل الفجأة يخاف على عقله أن ينبهر لعظم تعجبه من شهادة هذه العجائب على خالقها.
و هذا و أمثاله من الأسباب مع الانهماك في الشهوات و هي التي سدت على الخلق سبيل الاستضاءة بأنوار المعرفة و السباحة في بحارها الواسعة و الجليات إذا صارت مطلوبة صارت معتاصة (1) فهذا سد الأمر فليتحقق و لذلك قيل
____________
(1) اعتاص عليه الامر: أى التوى، منه (رحمه الله).
142
لقد ظهرت فلا تخفى على أحد* * * إلا على أكمه لا يعرف القمرا
لكن بطنت بما أظهرت محتجبا* * * فكيف يعرف من بالعرف استترا
وَ فِي كَلَامِ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَى جَدِّهِ وَ أَبِيهِ وَ أُمِّهِ وَ أَخِيهِ وَ عَلَيْهِ وَ بَنِيهِ مَا يُرْشِدُكَ إِلَى هَذَا الْعِيَانِ بَلْ يُغْنِيكَ عَنْ هَذَا الْبَيَانِ حَيْثُ قَالَ فِي دُعَاءِ عَرَفَةَ كَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ بِمَا هُوَ فِي وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ إِلَيْكَ أَ يَكُونُ لِغَيْرِكَ مِنَ الظُّهُورِ مَا لَيْسَ لَكَ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُظْهِرَ لَكَ مَتَى غِبْتَ حَتَّى تَحْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْكَ وَ مَتَى بَعُدْتَ حَتَّى تَكُونَ الْآثَارُ هِيَ الَّتِي تُوصِلُ إِلَيْكَ عَمِيَتْ عَيْنٌ لَا تَرَاكَ وَ لَا تَزَالُ عَلَيْهَا رَقِيباً وَ خَسِرَتْ صَفْقَةُ عَبْدٍ لَمْ تَجْعَلْ لَهُ مِنْ حُبِّكَ نَصِيباً وَ قَالَ أَيْضاً تَعَرَّفْتَ لِكُلِّ شَيْءٍ فَمَا جَهِلَكَ شَيْءٌ وَ قَالَ تَعَرَّفْتَ إِلَيَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ فَرَأَيْتُكَ ظَاهِراً فِي كُلِّ شَيْءٍ فَأَنْتَ الظَّاهِرُ لِكُلِّ شَيْءٍ انْتَهَى.
و أقول قد مضى أكثر أخبار هذا الباب في كتاب التوحيد (1).
____________
(1) راجع ج 3 ص 276- 282 من هذه الطبعة، باب الدين الحنيف و الفطرة و صبغة اللّه و التعريف في الميثاق.
143
باب 5 فيما يدفع الله بالمؤمن
1- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ التَّيْمِيِ (1) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَارَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَدْفَعُ بِالْمُؤْمِنِ الْوَاحِدِ عَنِ الْقَرْيَةِ الْفَنَاءَ (2).
بيان: عن القرية أي عن أهلها بحذف المضاف كما في قوله تعالى وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ (3) و ذلك الدفع إما بدعائه أو ببركة وجوده فيهم.
2- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: لَا يُصِيبُ قَرْيَةً عَذَابٌ وَ فِيهَا سَبْعَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (4).
بيان: و يمكن رفع التنافي بينه و بين الأول بوجوه الأول أن الأول محمول على النادر و الثاني على الغالب أو الحتم الثاني أن يراد بالمؤمن في الأول الكامل و في الثاني غيره الثالث أن يحملا على اختلاف المعاصي و استحقاق العذاب فيها فإنها مختلفة ففي القليل و الخفيف منها يدفع بالواحد و في الكثير و الغليظ منها
____________
(1) منسوب الى تيم اللات، و الرجل عليّ بن الحسن بن فضال الفطحى الثقة.
و في نسخة الكمبانيّ «الميثمى» و هو تصحيف.
(2) الكافي ج 2 ص 247.
(3) يوسف: 82.
(4) الكافي ج 2 ص 247.
144
لا يدفع إلا بالسبعة مع أن المفهوم لا يعارض المنطوق.
3- كا، الكافي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قِيلَ لَهُ فِي الْعَذَابِ إِذَا نَزَلَ بِقَوْمٍ يُصِيبُ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ نَعَمْ وَ لَكِنْ يَخْلُصُونَ بَعْدَهُ (1).
بيان و لكن يخلصون بعده أي ينجون بعد نزول العذاب بهم في البرزخ و القيامة في المصباح خلص الشيء من التلف خلوصا من باب قعد و خلاصا و مخلصا سلم و نجا و خلص الماء من الكدر صفا انتهى.
و يشكل الجمع بينه و بين الخبرين السابقين و يمكن الجمع بوجوه الأول حمل العذاب في الأولين على نوع منه كعذاب الاستيصال كما أنه سبحانه أخرج لوطا و أهله من بين قومه ثم أنزل العذاب عليهم و هذا الخبر على نوع آخر كالوباء و القحط.
الثاني أن يحمل هذا على النادر و ما مر على الغالب على بعض الوجوه.
الثالث حمل هذا على أقل من السبعة و حمل الواحد على النادر و ما قيل إن المراد بالخلاص الخلاص في الدنيا فهو بعيد مع أنه لا ينفع في دفع التنافي.
____________
(1) الكافي ج 2 ص 247.
145
باب 6 حقوق المؤمن على الله عز و جل و ما ضمن الله تعالى له
1- ل، الخصال عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى الْحَضْرَمِيِّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: لِلْمُؤْمِنِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عِشْرُونَ خَصْلَةً يَفِي لَهُ بِهَا لَهُ عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَنْ لَا يَفْتِنَهُ وَ لَا يُضِلَّهُ وَ لَهُ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعْرِيَهُ وَ لَا يُجَوِّعَهُ وَ لَهُ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُشْمِتَ بِهِ عَدُوَّهُ وَ لَهُ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَهْتِكَ سِتْرَهُ وَ لَهُ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَخْذُلَهُ وَ يُعِزَّهُ وَ لَهُ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُمِيتَهُ غَرَقاً وَ لَا حَرَقاً وَ لَهُ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَقَعَ عَلَى شَيْءٍ وَ لَا يَقَعَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَ لَهُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَقِيَهُ مَكْرَ الْمَاكِرِينَ وَ لَهُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُعِيذَهُ مِنْ سَطَوَاتِ الْجَبَّارِينَ وَ لَهُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَجْعَلَهُ مَعَنَا فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَدْوَاءِ مَا يَشِينُ خِلْقَتَهُ وَ لَهُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُعِيذَهُ مِنَ الْبَرَصِ وَ الْجُذَامِ وَ لَهُ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُمِيتَهُ عَلَى كَبِيرَةٍ وَ لَهُ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُنْسِيَهُ مَقَامَهُ فِي الْمَعَاصِي حَتَّى يُحْدِثَ تَوْبَةً وَ لَهُ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَحْجُبَ عَنْهُ عِلْمَهُ وَ مَعْرِفَتَهُ بِحُجَّتِهِ وَ لَهُ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَغْرِزَ فِي قَلْبِهِ الْبَاطِلَ وَ لَهُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَحْشُرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ نُورُهُ يَسْعَى بَيْنَ يَدَيْهِ وَ لَهُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُوَفِّقَهُ لِكُلِّ خَيْرٍ وَ لَهُ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِ عَدُوَّهُ فَيُذِلَّهُ وَ لَهُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَخْتِمَ لَهُ بِالْأَمْنِ وَ الْإِيمَانِ وَ يَجْعَلَهُ مَعَنَا فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى هَذِهِ شَرَائِطُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لِلْمُؤْمِنِينَ (1).
____________
(1) الخصال: ج 2: 99.
146
بيان قوله(ع)و لا يضله عطف تفسير لقوله لا يفتنه و هتك الستر الفضيحة بالعيوب و المعاصي و ذكر البرص و الجذام بعد قوله ما يشين خلقه تخصيص بعد التعميم و بذلك عدا شيئين و كذلك تسليط العدو و سطوات الجبارين بينهما العموم و الخصوص فالمراد بالعدو غير الجبارين أن لا يحجب عنه علمه أي بالحجة أو مطلقا بعد الفحص.
و في المصباح غرزته غرزا من باب ضرب أثبته بالأرض و في النهاية في حديث الدعاء و ألحقني بالرفيق الأعلى الرفيق جماعة الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين و هو اسم جاء على فعيل و معناه الجماعة كالصديق و الخليط يقع على الواحد و الجمع و منه قوله تعالى وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (1) انتهى. ثم إن أكثر هذه الخصال يحتمل أن تكون مبنية على الغالب و مشروطة بالشرائط.
2- ما، الأمالي للشيخ الطوسي الْمُفِيدُ عَنِ الصَّدُوقِ عَنِ ابْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ الْأَسَدِيِّ عَنِ النَّخَعِيِّ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ضَمِنَ لِلْمُؤْمِنِ ضَمَاناً قَالَ قُلْتُ مَا هُوَ قَالَ ضَمِنَ لَهُ إِنْ أَقَرَّ لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَ لِمُحَمَّدٍ ص بِالنُّبُوَّةِ وَ لِعَلِيٍّ(ع)بِالْإِمَامَةِ وَ أَدَّى مَا افْتُرِضَ عَلَيْهِ أَنْ يُسْكِنَهُ فِي جِوَارِهِ قَالَ فَقُلْتُ هَذِهِ وَ اللَّهِ هِيَ الْكَرَامَةُ الَّتِي لَا تُشْبِهُهَا كَرَامَةُ الْآدَمِيِّينَ ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)اعْمَلُوا قَلِيلًا تَنَعَّمُوا كَثِيراً (2).
ثو، ثواب الأعمال ابن المتوكل مثله (3).
____________
(1) النساء: 69.
(2) أمالي الشيخ ص 195.
(3) ثواب الأعمال ص 5.
147
باب 7 الرضا بموهبة الإيمان و أنه من أعظم النعم و ما أخذ الله على المؤمن من الصبر على ما يلحقه من الأذى
1- ما، الأمالي للشيخ الطوسي الْفَحَّامُ عَنِ الْمَنْصُورِيِّ عَنْ عَمِّ أَبِيهِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الثَّالِثِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى سَيِّدِنَا الصَّادِقِ(ع)فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَقْرَ فَقَالَ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْتَ وَ مَا أَعْرِفُكَ فَقِيراً قَالَ وَ اللَّهِ يَا سَيِّدِي مَا اسْتَبَنْتَ وَ ذَكَرَ مِنَ الْفَقْرِ قِطْعَةً وَ الصَّادِقُ(ع)يُكَذِّبُهُ إِلَى أَنْ قَالَ خَبِّرْنِي لَوْ أُعْطِيتَ بِالْبَرَاءَةِ مِنَّا مِائَةَ دِينَارٍ كُنْتَ تَأْخُذُ قَالَ لَا إِلَى أَنْ ذَكَرَ أُلُوفَ دَنَانِيرَ وَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ فَقَالَ لَهُ مَنْ مَعَهُ سِلْعَةٌ يُعْطَى هَذَا الْمَالَ لَا يَبِيعُهَا هُوَ فَقِيرٌ؟.
بيان: ما استبنت أي ما حققت حالي و ما استوضحتها حيث لم تعرفني فقيرا.
2- ير، بصائر الدرجات عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ وَ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ الْبَزَّازِ قَالَ: تَلَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَلَيْنَا هَذِهِ الْآيَةَ فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ (1) قَالَ أَ تَدْرِي مَا آلَاءُ اللَّهِ قُلْتُ لَا قَالَ هِيَ أَعْظَمُ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَ هِيَ وَلَايَتُنَا (2).
3- سن، المحاسن عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ يُوسُفَ بْنِ ثَابِتِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنْ تَكُونُوا وَحْدَانِيِّينَ فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص
____________
(1) الأعراف: 74.
(2) بصائر الدرجات: ص 81.
148
وَحْدَانِيّاً يَدْعُو النَّاسَ فَلَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُ وَ لَقَدْ كَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَجَابَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)وَ قَدْ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ص أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي (1).
4- سن، المحاسن عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ شَجَرَةَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ إِيمَانِهِ أُنْساً يَسْكُنُ إِلَيْهِ حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَى قُلَّةِ جَبَلٍ لَمْ يَسْتَوْحِشْ إِلَى مَنْ خَالَفَهُ (2).
بيان: القلة بالضم أعلى الجبل و قلة كل شيء أعلاه يستوحش إلى من خالفه أي ممن خالفه و الظاهر لم يستوحش كما في بعض النسخ بتضمين معنى الميل أي لم يستوحش من الوحدة فيميل إلى من خالفه في الدين و يأنس به في القاموس الوحشة الهم و الخلوة و الخوف و استوحش وجد الوحشة.
5- سن، المحاسن عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ كَتَرَدُّدِي عَنِ الْمُؤْمِنِ فَإِنِّي أُحِبُّ لِقَاءَهُ وَ يَكْرَهُ الْمَوْتَ فَأَزْوِيهِ عَنْهُ وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَاحِدٌ لَاكْتَفَيْتُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِي وَ جَعَلْتُ لَهُ مِنْ إِيمَانِهِ أُنْساً لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى أَحَدٍ (3).
6- سن، المحاسن عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَلَبِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لِيَأْذَنْ بِحَرْبٍ مِنِّي مُسْتَذِلُّ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ وَ مَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ كَتَرَدُّدِي فِي مَوْتِ الْمُؤْمِنِ إِنِّي لَأُحِبُّ لِقَاءَهُ وَ يَكْرَهُ الْمَوْتَ فَأَصْرِفُهُ عَنْهُ وَ إِنَّهُ لَيَدْعُونِي فِي أَمْرٍ فَأَسْتَجِيبُ لَهُ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا إِلَّا وَاحِدٌ مِنْ عَبِيدِي مُؤْمِنٌ لَاسْتَغْنَيْتُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِي وَ لَجَعَلْتُ لَهُ مِنْ إِيمَانِهِ
____________
(1) المحاسن: 159.
(2) المحاسن: 159.
(3) المحاسن: 159 و 160.
149
أُنْساً لَا يَسْتَوْحِشُ فِيهِ إِلَى أَحَدٍ (1).
بيان: ليأذن بحرب مني أي ليعلم أني أحاربه كناية عن شدة غضبه عليه أو أنه في حكم محاربي كما قال تعالى فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ (2) قال الطبرسي أي اعلموا بحرب و المعنى أنكم في امتناعكم حرب لله و لرسوله قوله لاستغنيت به أي لأقمت نظام العالم و أنزلت الماء من السماء و رفعت عن الناس العذاب و البلاء لوجود هذا المؤمن لأن هذا يكفي لبقاء هذا النظام لا يستوحش فيه كان كلمة في تعليلية و الضمير للإيمان و ليست هذه الكلمة في أكثر الروايات و هو أظهر.
7- سن، المحاسن عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّضْرِ عَنْ يَحْيَى الْحَلَبِيِّ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ الْحُرِّ أَخِي أُدَيْمٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)مَا يَضُرُّ أَحَدَكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى قُلَّةِ جَبَلٍ يَجُوعُ يَوْماً وَ يَشْبَعُ يَوْماً إِذَا كَانَ عَلَى دِينِ اللَّهِ (3).
8- سن، المحاسن عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: سَلَامَةُ الدِّينِ وَ صِحَّةُ الْبَدَنِ خَيْرٌ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا حَسْبُ (4).
9- عُدَّةُ الدَّاعِي، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لِيَأْذَنْ بِحَرْبٍ مِنِّي مَنْ آذَى عَبْدِيَ الْمُؤْمِنَ وَ لْيَأْمَنْ غَضَبِي مَنْ أَكْرَمَ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنَ وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ خَلْقِي فِي الْأَرْضِ فِيمَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَاحِدٌ مَعَ إِمَامٍ عَادِلٍ لَاسْتَغْنَيْتُ بِعِبَادَتِهِمَا عَنْ جَمِيعِ مَا خَلَقْتُ فِي أَرْضِي وَ لَقَامَتْ سَبْعُ أَرَضِينَ وَ سَبْعُ سَمَاوَاتٍ بِهِمَا وَ لَجَعَلْتُ لَهُمَا مِنْ إِيمَانِهِمَا أُنْساً لَا يَحْتَاجَانِ إِلَى الْبَشَرِ سِوَاهُمَا (5).
____________
(1) المحاسن: 160.
(2) البقرة: 279.
(3) المحاسن: 160.
(4) المحاسن: 219.
(5) عدّة الداعي: 138.
150
كا، الكافي عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ كُلَيْبِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ مَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَسْتَوْحِشَ إِلَى أَخِيهِ فَمَنْ دُونَهُ الْمُؤْمِنُ عَزِيزٌ فِي دِينِهِ (1).
بيان أن يستوحش أي يجد الوحشة و لعله ضمن معنى الميل و السكون فعدي بإلى أي استوحش من الناس مائلا أو ساكنا إلى أخيه.
قال في الوافي ضمن الاستيحاش معنى الاستيناس فعداه بإلى و إنما لا ينبغي له ذلك لأنه ذل فلعل أخاه الذي ليس في مرتبته لا يرغب في صحبته.
و قال بعضهم إلى بمعنى مع و المراد بأخيه أخوه النسبي و من موصولة و دون منصوب بالظرفية و الضمير لأخيه أي لا ينبغي للمؤمن أن يجد وحشة مع أخيه النسبي إذا كان كافرا فمن كان دون هذا الأخ من الأقارب و الأجانب و قيل أي لا ينبغي للمؤمن أن يستوحش من الله و من الإيمان به إلى أخيه فكيف من دونه إذ للمؤمن أنس بالإيمان و قرب الحق من غير وحشة فلو انتفى الأنس و تحققت الوحشة انتفى الإيمان و القرب.
و أقول الأظهر ما ذكرنا أولا من أن المؤمن لا ينبغي أن يجد الوحشة من قلة أحبائه و موافقيه و كثرة أعدائه و مخالفيه فيأنس لذلك و يميل إلى أخيه الديني أو النسبي فمن دونه من الأعادي أو الأجانب و قوله المؤمن عزيز في دينه جملة استئنافية فكأنه يقول قائل لم لا يستوحش فيجيب بأنه منيع رفيع القدر بسبب دينه فلا يحتاج في عزه و كرامته و غلبته إلى أن يميل إلى أحد و يأنس به و الحاصل أن عزته بالدين لا بالعشائر و التابعين فكلمة في سببية.
و أقول في بعض النسخ عمن دونه و في بعضها عن دونه فهو صلة للاستيحاش أي يأنس بأخيه مستوحشا عمن هو غيره.
11- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ أَيُّوبَ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبَانٍ وَ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى
____________
(1) الكافي ج 2 ص 245.
151
أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي مَرْضَةٍ مَرِضَهَا لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا رَأْسُهُ فَقَالَ يَا فُضَيْلُ إِنَّنِي كَثِيراً مَا أَقُولُ مَا عَلَى رَجُلٍ عَرَّفَهُ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ لَوْ كَانَ فِي رَأْسِ جَبَلٍ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ يَا فُضَيْلَ بْنَ يَسَارٍ إِنَّ النَّاسَ أَخَذُوا يَمِيناً وَ شِمَالًا وَ إِنَّا وَ شِيعَتَنَا هُدِينَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ يَا فُضَيْلَ بْنَ يَسَارٍ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَوْ أَصْبَحَ لَهُ (1) مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ كَانَ ذَلِكَ خَيْراً لَهُ وَ لَوْ أَصْبَحَ مُقَطَّعاً أَعْضَاؤُهُ كَانَ ذَلِكَ خَيْراً لَهُ يَا فُضَيْلَ بْنَ يَسَارٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَفْعَلُ بِالْمُؤْمِنِ إِلَّا مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ يَا فُضَيْلَ بْنَ يَسَارٍ لَوْ عَدَلَتِ الدُّنْيَا عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى عَدُوَّهُ مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ يَا فُضَيْلَ بْنَ يَسَارٍ إِنَّهُ مَنْ كَانَ هَمُّهُ هَمّاً وَاحِداً كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّهُ (2) وَ مَنْ كَانَ هَمُّهُ فِي كُلِّ وَادٍ لَمْ يُبَالِ اللَّهُ بِأَيِّ وَادٍ هَلَكَ (3).
محص، التمحيص عن الفضيل مثله بأدنى تغيير و اختصار بيان في مرضة بالفتح أو بالتحريك و كلاهما مصدر مرضها أي مرض بها و قيل البارز في مرضها مفعول مطلق للنوع لم يبق منه إلا رأسه من للتبعيض و الضمير للإمام(ع)أي من أعضائه أو للتعليل و الضمير للمرض و الأول أظهر و المعنى أنه نحف جميع أعضائه و هزلت حتى كأنه لم يبق منها شيء إلا رأسه فإنه لقلة لحمه لا يعتريه الهزال كثيرا أو المراد أنه لم يبق قوة الحركة في شيء من أعضائه إلا في رأسه و الأول أظهر.
كثيرا ما أقول ما زائدة للإبهام و ما في قوله ما على رجل نافية أو استفهامية للإنكار و حاصلهما واحد أي لا ضرر و لا وحشة عليه أخذوا يمينا و شمالا أي عدلوا عن الصراط المستقيم إلى أحد جانبيه من الإفراط كالخوارج أو التفريط كالمخالفين له ما بين المشرق أي و الحال أن له ما بينهما أو أصبح بمعنى صار مقطعا على بناء المفعول للتكثير أعضاؤه
____________
(1) في التمحيص: لو أصبح له ملك ما بين المشرق إلخ.
(2) في التمحيص: كفاه اللّه ما أهمه.
(3) الكافي ج 2 ص 246.
152
بدل اشتمال من الضمير المستتر في مقطعا و منهم من قرأ أعضاء بالنصب على التميز.
و قوله(ع)إن الله لا يفعل بالمؤمن تعليل لهاتين الجملتين فإنه تعالى لو أعطى جميع الدنيا المؤمن لم يكن ذلك على سبيل الاستدراج بل لأنه علم أنه يشكره و يصرفه في مصارف الخير و لا يصير ذلك سببا لنقص قدره عند الله كما فعل ذلك بسليمان(ع)بخلاف ما إذا فعل ذلك بغير المؤمن فإنه لإتمام الحجة عليه و استدراجه فيصير سببا لشدة عذابه و كذا إذا قدر للمؤمن تقطيع أعضائه فإنما هو لمزيد قربه عنده تعالى و رفعة درجاته في الآخرة فينبغي أن يشكره سبحانه في الحالتين و يرضى بقضائه فيهما.
و لما كان الغالب في الدنيا فقر المؤمنين و ابتلائهم بأنواع البلاء و غنى الكفار و الأشرار و الجهال رغب الأولين بالصبر و حذر الآخرين عن الاغترار بالدنيا و الفخر بقوله(ع)لو عدلت الدنيا عند الله جناح بعوضة ما سقى عدوه منها شربة ماء فما أعطاه أعداءه ليس لكرامتهم عنده بل لهوانهم عليه و لذا لم يعطهم من الآخرة التي لها عنده قدر و منزلة شيئا و قد قال تعالى وَ لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَ مَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (1) إنه من كان همه هما واحدا الهم القصد و العزم و الحزن و الحاصل أنه من كان مقصوده أمرا واحدا و هو طلب دين الحق و رضى الله تعالى و قربه و طاعته و لم يخلطه بالأغراض النفسانية و الأهواء الباطلة فإن الحق واحد و للباطل شعب كثيرة أو غرضه في العبادات قربه تعالى و رضاه دون الأغراض الدنيوية كفاه الله همه أي أعانه على تحصيل ذلك المقصود و نصره على النفس و الشيطان و جنود الجهل و من كان همه في كل واد من أودية الضلالة و الجهالة لم يبال الله بأي واد هلك أي صرف الله لطفه و توفيقه عنه و تركه مع نفسه و
____________
(1) الزخرف: 33.
153
أهوائها حتى يهلك باختيار واحد من الأديان الباطلة أو الأغراض الباطلة أو كل واد من أودية الدنيا و كل شعبة من شعب أهواء النفس الأمارة بالسوء من حب المال و الجاه و الشرف و العلو و لذة المطاعم و المشارب و الملابس و المناكح و غير ذلك من الأمور الفانية الباطلة.
و الحاصل أن من اتبع الشهوات النفسانية أو الآراء الباطلة و لم يصرف نفسه عن مقتضاها إلى دين الحق و طاعة الله و ما يوجب قربه لم يمدده الله بنصره و توفيقه و لم يكن له عند الله قدر و منزلة و لم يبال بأي طريق سلك و لا في أي واد هلك و قيل بأي واد من أودية جهنم و قيل يمكن أن يراد بالهم الواحد القصد إلى الله و التوكل عليه في جميع الأمور فإنه تعالى يكفيه هم الدنيا و الآخرة بخلاف من اعتمد على رأيه و قطع علاقة التوكل عن نفسه و يحتمل أن يكون المراد بالهم الحزن و الغم أي من كان حزنه للآخرة كفاه الله ذلك و أوصله إلى سرور الأبد و من كان حزنه للدنيا وكله الله إلى نفسه حتى يهلك في واد من أودية أهوائها.
12- كا، الكافي عَنِ الْعِدَّةِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ الْمُخْتَارِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)يَا عَبْدَ الْوَاحِدِ مَا يَضُرُّ رَجُلًا إِذَا كَانَ عَلَى ذَا الرَّأْيِ مَا قَالَ النَّاسُ لَهُ وَ لَوْ قَالُوا مَجْنُونٌ وَ مَا يَضُرُّهُ وَ لَوْ كَانَ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ يَعْبُدُ اللَّهَ حَتَّى يَجِيئَهُ الْمَوْتُ (1).
بيان: ما يضر ما نافية و يحتمل الاستفهام على الإنكار على ذا الرأي أي على هذا الرأي و هو التشيع ما قال فاعل ما يضره و لو قالوا مجنون فإن هذا أقصى ما يمكن أن يقال فيه كما قالوا في الرسول ص و ما يضره أي قول الناس و هذا أيضا يحتمل الاستفهام على الإنكار و لو كان على رأس جبل أي لكثرة قول الناس فيه هربا من أقوالهم فيه و ضررهم يعبد الله
____________
(1) الكافي ج 2 ص 245.
154
حال أو استئناف كأنه سئل كيف لا يضره ذلك قال لأنه يعبد الله حتى يأتيه الموت.
13- كا، الكافي عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنِ الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَاحِدٌ لَاسْتَغْنَيْتُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِي وَ لَجَعَلْتُ لَهُ مِنْ إِيمَانِهِ أُنْساً لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ (1).
بيان: يحتمل أن يكون هذا المؤمن الواحد الإمام أو لا بد من أحد غيره يؤمن به و الأول أظهر لما مر من كون إبراهيم(ع)أمة و قد مر ما يؤيد الثاني أيضا و أما كون الإيمان سببا للأنس و عدم الاستيحاش لأنه يتفكر في الله و صفاته و في صفات الأنبياء و الأئمة(ع)و حالاتهم و في درجات الآخرة و نعمها و يتلو كتاب الله و يدعوه فيعبده فيأنس به سبحانه كما سئل عن راهب لم لا تستوحش عن الخلوة قال لأني إذا أردت أن يكلمني أحد أتلو كتاب الله و إذا أردت أن أكلم أحدا أناجي الله.
14- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى عَنِ ابْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: مَا يُبَالِي مَنْ عَرَّفَهُ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ أَنْ يَكُونَ عَلَى قُلَّةِ جَبَلٍ يَأْكُلُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ (2).
بيان: ما يبالي خبر أو المعنى ينبغي أن لا يبالي من عرفه هذا الأمر أي دين الإمامية.
كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ مَنْصُورٍ الصَّيْقَلِ وَ الْمُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ قَالا سَمِعْنَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ كَتَرَدُّدِي فِي مَوْتِ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ إِنَّنِي لَأُحِبُّ لِقَاءَهُ وَ يَكْرَهُ الْمَوْتَ فَأَصْرِفُهُ عَنْهُ وَ إِنَّهُ
____________
(1) الكافي ج 2 ص 245.
(2) المصدر ج 2 ص 245.
155
لَيَدْعُونِي فَأُجِيبُهُ وَ إِنَّهُ لَيَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا إِلَّا وَاحِدٌ مِنْ عَبِيدِي مُؤْمِنٌ لَاسْتَغْنَيْتُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِي وَ لَجَعَلْتُ لَهُ مِنْ إِيمَانِهِ أُنْساً لَا يَسْتَوْحِشُ إِلَى أَحَدٍ (1).
تبيين ما ترددت في شيء هذا الحديث من الأحاديث المشهورة بين الفريقين و من المعلوم أنه لم يرد التردد المعهود من الخلق في الأمور التي يقصدونها فيترددون في إمضائها إما لجهلهم بعواقبها أو لقلة ثقتهم بالتمكن منها لمانع و نحوه و لهذا قال أنا فاعله أي لا محالة أنا أفعله لحتم القضاء بفعله أو المراد به التردد في التقديم و التأخير لا في أصل الفعل و على التقديرين فلا بد فيه من تأويل و فيه وجوه عند الخاصة و العامة أما عند الخاصة فثلاثة.
الأول أن في الكلام إضمارا و التقدير لو جاز علي التردد ما ترددت في شيء كترددي في وفاة المؤمن.
الثاني أنه لما جرت العادة بأن يتردد الشخص في مساءة من يحترمه و يوقره كالصديق و أن لا يتردد في مساءة من ليس له عنده قدر و لا حرمة كالعدو بل يوقعها من غير تردد و تأمل صح أن يعبر عن توقير الشخص و احترامه بالتردد و عن إذلاله و احتقاره بعدمه فالمعنى ليس لشيء من مخلوقاتي عندي قدر و حرمة كقدر عبدي المؤمن و حرمته فالكلام من قبيل الاستعارة التمثيلية.
الثالث أنه ورد من طريق الخاصة و العامة أن الله سبحانه يظهر للعبد المؤمن عند الاحتضار من اللطف و الكرامة و البشارة بالجنة ما يزيل عنه كراهة الموت و يوجب رغبته في الانتقال إلى دار القرار فيقل تأذيه به و يصير راضيا بنزوله و راغبا في حصوله فأشبهت هذه المعاملة معاملة من يريد أن يؤلم حبيبه ألما يتعقبه نفع عظيم فهو يتردد في أنه كيف يوصل هذا الألم إليه على وجه يقل تأذيه.
فلا يزال يظهر له ما يرغبه فيما يتعقبه من اللذة الجسمية و الراحة العظيمة
____________
(1) الكافي ج 2: 246.
156
إلى أن يتلقاه بالقبول و يعده من الغنائم المؤدية إلى إدراك المأمول فيكون في الكلام استعارة تمثيلية.
و أما وجوهه عند العامة فهي أيضا ثلاثة الأول أن معناه ما تردد عبدي المؤمن في شيء أنا فاعله كتردده في قبض روحه فإنه متردد بين إرادته للبقاء و إرادتي للموت فأنا ألطفه و أبشره حتى أصرفه عن كراهة الموت فأضاف سبحانه تردد نفس وليه إلى ذاته المقدسة كرامة و تعظيما له كما يقول غدا يوم القيامة لبعض من يعاتبه من المؤمنين في تقصيره عن تعاهد ولي من أوليائه عبدي مرضت فلم تعدني فيقول كيف تمرض و أنت رب العالمين فيقول مرض عبدي فلان فلم تعده فلو عدته لوجدتني عنده و كما أضاف مرض وليه و سقمه إلى عزيز ذاته المقدسة عن نعوت خلقه إعظاما لقدر عبده و تنويها بكرامة منزلته كذلك أضاف التردد إلى ذاته لذلك.
الثاني أن ترددت في اللغة بمعنى رددت مثل قولهم فكرت و تفكرت و دبرت و تدبرت فكأنه يقول ما رددت ملائكتي و رسلي في أمر حكمت بفعله مثل ما رددتهم عند قبض روح عبدي المؤمن فارددهم في إعلامه بقبضي له و تبشيره بلقائي و بما أعددت له عندي كما ردد ملك الموت(ع)إلى إبراهيم و موسى(ع)في القصتين المشهورتين إلى أن اختار الموت فقبضهما كذلك خواص المؤمنين من الأولياء يرددهم إليهم رفقا و كرامة ليميلوا إلى الموت و يحبوا لقاءه تعالى.
الثالث أن معناه ما رددت الأعلال و الأمراض و البر و اللطف و الرفق حتى يرى بالبر عطفي و كرمي فيميل إلى لقائي طمعا و بالبلايا و العلل فيتبرم بالدنيا و لا يكره الخروج منها.
و ما دل عليه هذا الحديث من أن المؤمن يكره الموت لا ينافي ما دلت الروايات الكثيرة عليه من أن المؤمن يحب لقاء الله و لا يكرهه إما لما ذكره
157
الشهيد في الذكرى من أن حب لقاء الله غير مقيد بوقت فيحمل على حال الاحتضار و معاينة ما يحب فإنه ليس شيء حينئذ أحب إليه من الموت و لقاء الله أو لأنه يكره الموت من حيث التألم به و هما متغايران و كراهة أحد المتغايرين لا يوجب كراهة الآخر أو لأن حب لقاء الله يوجب حب كثرة العمل النافع وقت لقائه و هو يستلزم كراهة الموت القاطع له و اللازم لا ينافي الملزوم قوله تعالى و إنه ليدعوني بأن يقول يا الله مثلا فأجيبه بأن يقول له لبيك مثلا و إنه ليسألني أي يطلب حاجته كأن يقول اصرف عني الموت لاستغنيت به أي اكتفيت به في إبقاء نظام العالم للمصلحة و ضمن يستوحش معنى الاحتياج و نحوه فعدي بإلى كما مر.
باب 8 قلة عدد المؤمنين و أنه ينبغي أن لا يستوحشوا لقلتهم و أنس المؤمنين بعضهم ببعض
الآيات قال تعالى وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (1) و قال وَ قَلِيلٌ ما هُمْ (2) و قال وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (3) و قال سبحانه بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (4) و قال وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (5)
____________
(1) سبأ: 13.
(2) ص: 24.
(3) هود: 40.
(4) العنكبوت: 63.
(5) يونس: 60 النمل: 73.
158
و أقول مثله كثير في القرآن و الغرض رفع ما يسبق إلى الأوهام العامية أن الكثرة دليل الحقية و القلة دليل البطلان و لذا يميل أكثر الناس إلى السواد الأعظم مع أن في أعصار جميع الأنبياء كان أعداؤهم أضعاف أضعاف أتباعهم و أوليائهم و قد ذم الكثير و مدح القليل الرب الجليل في التنزيل و الله يهدي إلى سواء السبيل.
1- نهج، نهج البلاغة قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ فَإِنَّ النَّاسَ اجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَةٍ شِبَعُهَا قَصِيرٌ وَ جُوعُهَا طَوِيلٌ (1).
بيان لما كانت العادة جارية بأن يستوحش الناس من الوحدة و قلة الرفيق في الطريق لا سيما إذا كان طويلا صعبا غير مأنوس فنهى عن الاستيحاش في تلك الطريق و كنى به عما عساه يعرض لبعضهم من الوسوسة بأنهم ليسوا على الحق لقلتهم و كثرة مخالفيهم كما أشرنا إليه.
و أيضا قلة العدد في الطرق الحسية مظنة الهلاك و السلامة مع الكثرة فنبههم(ع)على أنهم في طريق الهدى و السلامة و إن كانوا قليلين و لا يجوز مقايسة طرق الآخرة بطرق الدنيا.
ثم نبه على علة قلة أهل طريق أهل الهدى و هي اجتماع الناس على الدنيا فقال فإن الناس و استعار للدنيا المائدة لكونهما مجتمع اللذات و كنى عن قصر مدتها بقصر شبعها و عن استعقاب الانهماك فيها للعذاب الطويل في الآخرة بطول جوعها.
قيل و لفظ الجوع مستعار للحاجة الطويلة بعد الموت إلى المطاعم الحقيقية الباقية من الكمالات النفسانية و هو بسبب الغفلة في الدنيا فلذلك نسب الجوع إليها.
2- صِفَاتُ الشِّيعَةِ لِلصَّدُوقِ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ
____________
(1) نهج البلاغة: 442، الخطبة 199.
159
ع قَالَ: قَالَ لِي كَمْ شِيعَتُنَا بِالْكُوفَةِ قَالَ قُلْتُ خَمْسُونَ أَلْفاً فَمَا زَالَ يَقُولُ إِلَى أَنْ قَالَ وَ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنْ يَكُونَ بِالْكُوفَةِ خَمْسَةٌ وَ عِشْرُونَ رَجُلًا يَعْرِفُونَ أَمْرَنَا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ وَ لَا يَقُولُونَ عَلَيْنَا إِلَّا الْحَقَ (1).
3- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ قُتَيْبَةَ الْأَعْشَى قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ الْمُؤْمِنَةُ أَعَزُّ مِنَ الْمُؤْمِنِ وَ الْمُؤْمِنُ أَعَزُّ مِنَ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ فَمَنْ رَأَى مِنْكُمُ الْكِبْرِيتَ الْأَحْمَرَ (2).
بيان في القاموس عز يعز عزا و عزة بكسرهما صار عزيزا كتعزز و قوي بعد ذلة و الشيء قل فلا يكاد يوجد فهو عزيز (3) و قال الكبريت من الحجارة الموقد بها و الياقوت الأحمر و الذهب و جوهر معدنه خلف التبت بوادي النمل (4) انتهى.
و المشهور أن الكبريت الأحمر هو الجوهر الذي يطلبه أصحاب الكيمياء و هو الإكسير و حاصل الحديث أن المرأة المتصفة بصفات الإيمان أقل وجودا من الرجل المتصف بها و الرجل المتصف بها أعز وجودا من الإكسير الذي لا يكاد يوجد ثم أكد قلة وجود الكبريت بقوله فمن رأى منكم و هو استفهام إنكاري أي إذا لم تروا الكبريت الأحمر فكيف تطمعون في رؤية المؤمن الكامل الذي هو أعز وجودا منه أو في كثرته.
4- كا، الكافي عَنِ الْعِدَّةِ عَنْ سَهْلٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ عَنْ مُثَنًّى الْحَنَّاطِ عَنْ كَامِلٍ التَّمَّارِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ النَّاسُ كُلُّهُمْ بَهَائِمُ ثَلَاثاً إِلَّا قَلِيلٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنُ غَرِيبٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (5).
____________
(1) صفات الشيعة ص 170.
(2) الكافي ج 2: 242.
(3) القاموس ج 2 ص 182.
(4) المصدر ج 1 ص 155.
(5) الكافي ج 2 ص 242.
160
بيان كلهم بهائم أي شبيه بها في عدم العقل و إدراك الحق و غلبة الشهوات النفسانية على القوى العقلانية كما قال تعالى إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا إلا قليل كذا في أكثر النسخ و في بعضها إلا قليلا و هو أصوب.
المؤمن غريب لأنه قلما يجد مثله فيسكن إليه فهو بين الناس كالغريب الذي بعد عن أهله و وطنه و دياره ثلاث مرات أي قال هذا الكلام ثلاث مرات و كذا قوله ثلاثا و في بعض النسخ عزيز مكان غريب.
5- كا، الكافي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ ابْنِ رِئَابٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ لِأَبِي بَصِيرٍ أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ أَنِّي أَجِدُ مِنْكُمْ ثَلَاثَةَ مُؤْمِنِينَ يَكْتُمُونَ حَدِيثِي مَا اسْتَحْلَلْتُ أَنْ أَكْتُمَهُمْ حَدِيثاً (1).
بيان ثلاثة مؤمنين ثلاثة إما بالتنوين و مؤمنين صفتها أو بالإضافة فمؤمنين تميز و يدل على أن المؤمن الكامل الذي يستحق أن يكون صاحب أسرارهم و حافظها قليل و أنهم كانوا يتقون من أكثر الشيعة كما كانوا يتقون من المخالفين لأنهم كانوا يذيعون فيصل ذلك إما إلى خلفاء الجور فيتضررون(ع)منهم أو إلى نواقص العقول الذين لا يمكنهم فهمها فيصير سببا لضلالتهم.
و يمكن أن يقال في سبب تعيين الثلاثة إن الواحد لا يمكنه ضبط السر و كذا الاثنان و أما إذا كانوا ثلاثة فيأنس بعضهم ببعض و يذكرون ذلك فيما بينهم فلا يضيق صدرهم و يخف عليهم الاستتار عن غيرهم كما هو المجرب.
6- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بُنْدَارَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمَّادٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ سَدِيرٍ الصَّيْرَفِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقُلْتُ لَهُ وَ اللَّهِ مَا يَسَعُكَ الْقُعُودُ قَالَ وَ لِمَ يَا سَدِيرُ قُلْتُ لِكَثْرَةِ مَوَالِيكَ وَ شِيعَتِكَ وَ أَنْصَارِكَ وَ اللَّهِ لَوْ كَانَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مَا لَكَ مِنَ الشِّيعَةِ وَ الْأَنْصَارِ وَ الْمَوَالِي مَا طَمِعَ فِيهِ تَيْمٌ وَ لَا عَدِيٌ
____________
(1) الكافي ج 2: 242.
161
فَقَالَ يَا سَدِيرُ كَمْ عَسَى أَنْ يَكُونُوا قُلْتُ مِائَةَ أَلْفٍ قَالَ مِائَةَ أَلْفٍ قُلْتُ نَعَمْ وَ مِائَتَيْ أَلْفٍ فَقَالَ وَ مِائَتَيْ أَلْفٍ قُلْتُ نَعَمْ وَ نِصْفَ الدُّنْيَا قَالَ فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ قَالَ يَخِفُّ عَلَيْكَ أَنْ تَبْلُغَ مَعَنَا إِلَى يَنْبُعَ قُلْتُ نَعَمْ فَأَمَرَ بِحِمَارٍ وَ بَغْلٍ أَنْ يُسْرَجَا فَبَادَرْتُ فَرَكِبْتُ الْحِمَارَ فَقَالَ يَا سَدِيرُ تَرَى أَنْ تُؤْثِرَنِي بِالْحِمَارِ قُلْتُ الْبَغْلُ أَزْيَنُ وَ أَنْبَلُ قَالَ الْحِمَارُ أَرْفَقُ بِي فَنَزَلْتُ فَرَكِبَ الْحِمَارَ وَ رَكِبْتُ الْبَغْلَ فَمَضَيْنَا فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَقَالَ يَا سَدِيرُ انْزِلْ بِنَا نُصَلِّي ثُمَّ قَالَ هَذِهِ أَرْضٌ سَبِخَةٌ لَا يَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهَا فَسِرْنَا حَتَّى صِرْنَا إِلَى أَرْضٍ حَمْرَاءَ وَ نَظَرَ إِلَى غُلَامٍ يَرْعَى جِدَاءً فَقَالَ وَ اللَّهِ يَا سَدِيرُ لَوْ كَانَ لِي شِيعَةٌ بِعَدَدِ هَذِهِ الْجِدَاءِ مَا وَسِعَنِي الْقُعُودُ وَ نَزَلْنَا وَ صَلَّيْنَا فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنَ الصَّلَاةِ عَطَفْتُ إِلَى الْجِدَاءِ فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ سَبْعَةَ عَشَرَ (1).
بيان سدير كأمير ما يسعك القعود أي ترك القتال و الجهاد و في المصباح قعد عن حاجته تأخر عنها و الموالي الأحباء المخلصون من الشيعة و تيم قبيلة أبي بكر و عدي قبيلة عمر أي ما طمع من غصب خلافته التيمي و العدوي أو قبيلتهما قال مائة ألف على سبيل التعجب و الإنكار يخف عليك بكسر الخاء أي يسهل و لا يثقل و في القاموس خف القوم ارتحلوا مسرعين.
و قال ينبع كينصر حصن له عيون و نخيل و زروع بطريق حاج مصر (2) و في النهاية على سبع مراحل من المدينة من جهة البحر انتهى و قيل على أربع مراحل و هو من أوقاف أمير المؤمنين(ع)و هو(ع)أجرى عينه كما يظهر من الأخبار.
أن يسرجا بدل اشتمال لقوله حمار و بغل أزين أي الزينة في
____________
(1) الكافي ج 2 ص 242.
(2) القاموس ج 3: 87.
162
ركوبه أكثر و عند الناس أحسن و في القاموس النبل بالضم الذكاء و النجابة نبل ككرم نبالة فهو نبيل و امرأة نبيلة في الحسن بينة النبالة و كذا الناقة أو الفرس و الرجل (1) و الحاصل أني إنما اخترت لك البغل لأنه أشرف و أفضل و اختار(ع)الحمار لأن التواضع فيه أكثر مع سهولة الركوب و النزول و السير.
فحانت الصلاة أي قرب أو دخل وقتها في القاموس حان يحين قرب و آن و كأن الأمر بالنزول أولا ثم الإعراض عنه للتنبيه على عدم جواز الصلاة فيها و في المشهور محمول على الكراهة إلا أن يحصل الاستقرار و سيأتي في كتاب الصلاة و كره الصلاة في السبخة إلا أن تكون مكانا لينا تقع عليه الجبهة مستويا و سنتكلم عليه إن شاء الله.
و قال الجوهري الجدي من ولد المعز و ثلاثة أجد فإذا كثرت فهي الجداء و لا تقل الجدايا و لا الجدي بكسر الجيم (2) و قال عطفت أي ملت و يومئ إلى أن الصاحب(ع)مع كثرة من يدعي التشيع ليست له شيعة واقعية بهذا العدد و قيل أي لا بد أن يكون في عسكر الإمام(ع)هذا العدد من المخلصين حتى يمكنه طلب حقه بهذا العسكر لا أن هذا العدد كاف في جواز الخروج.
كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: قَالَ لِي عَبْدٌ صَالِحٌ(ع)يَا سَمَاعَةُ أَمِنُوا عَلَى فُرُشِهِمْ وَ أَخَافُونِي أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ كَانَتِ الدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا إِلَّا وَاحِدٌ يَعْبُدُ اللَّهَ وَ لَوْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ لَأَضَافَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ حَيْثُ يَقُولُ- إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (3) فَصَبَرَ (4) بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ آنَسَهُ بِإِسْمَاعِيلَ وَ إِسْحَاقَ فَصَارُوا ثَلَاثَةً
____________
(1) القاموس ج 4 ص 54.
(2) الصحاح: 2299.
(3) النحل: 120.
(4) فغبر، خ ل- كما في متن الكافي.
163
أَمَا وَ اللَّهِ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَقَلِيلٌ وَ إِنَّ أَهْلَ الْكُفْرِ كَثِيرٌ أَ تَدْرِي لِمَ ذَاكَ فَقُلْتُ لَا أَدْرِي جُعِلْتُ فِدَاكَ فَقَالَ صُيِّرُوا أُنْساً لِلْمُؤْمِنِينَ يَبُثُّونَ إِلَيْهِمْ مَا فِي صُدُورِهِمْ فَيَسْتَرِيحُونَ إِلَى ذَلِكَ وَ يَسْكُنُونَ إِلَيْهِ (1).
بيان أخافوني أي بالإذاعة و ترك التقية و الضمير في أمنوا راجع إلى المدعين للتشيع الذين لم يطيعوا أئمتهم في التقية و ترك الإذاعة و أشار بذلك إلى أنهم ليسوا بشيعة لنا ثم ذكر لرفع استبعاد السائل عن قلة المخلصين بقوله لقد كانت الدنيا و ما فيها الواو للحال و ما نافية و لو كان معه غيره أي من أهل الإيمان لأضافه الله عز و جل إليه لأن الغرض ذكر أهل الإيمان التاركين للشرك حيث قال و لم يك من المشركين فلو كان معه غيره من المؤمنين لذكره معه.
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قال في مجمع البيان (2) اختلف في معناه فقيل قدوة و معلما للخير قال ابن الأعرابي يقال للرجل العالم أمة و قيل أراد إمام هدى و قيل سماه أمة لأن قوام الأمة كان فيه و قيل لأنه قام بعمل أمة و قيل لأنه انفرد في دهره بالتوحيد فكان مؤمنا وحده و الناس كفار قانِتاً لِلَّهِ أي مطيعا دائما على عبادته و قيل مصليا حَنِيفاً أي مستقيما على الطاعة و طريق الحق و هو الإسلام وَ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بل كان موحدا انتهى.
و قيل يحتمل أن يكون من للابتداء أي لم يكن في آبائه مشرك و هو بعيد و في النهاية في حديث قس أنه يبعث يوم القيامة أمة واحدة الأمة الرجل المتفرد بدين كقوله تعالى إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ انتهى.
و أقول كأن هذا كان بعد وفاة لوط(ع)أو أنه لما لم يكن معه و كان مبعوثا على قوم آخر لم يكن ممن يؤنسه و يقويه على أمره في قومه فغبر بذلك
____________
(1) الكافي ج 2: 243.
(2) مجمع البيان ج 6: 391.
164
في أكثر النسخ بالغين المعجمة و الباء الموحدة أي مكث أو مضى و ذهب كما في القاموس فعلى الأول فيه ضمير مستتر راجع إلى إبراهيم و على الثاني فاعله ما شاء الله و في بعض النسخ فصبر فهو موافق للأول و في بعضها بالعين المهملة فهو موافق للثاني.
و إن أهل الكفر كثير المراد بالكفر هنا مقابل الإيمان الكامل كما قال سبحانه وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ (1) أ تدري لم ذاك هذا بيان لحقية هذا الكلام أي قلة عدد المؤمنين مع أنهم بحسب الظاهر كثيرون أو لأن الله تعالى لم جعل هؤلاء في صورة المؤمنين أو لم خلقهم و المعنى على التقادير أن الله جعل هؤلاء المتشيعة أنسا للمؤمنين لئلا يستوحشوا لقلتهم أو يكون علة لخروج هؤلاء عن الإيمان فالمعنى أن الله تعالى جعل المخالفين أنسا للمؤمنين فيبثون أي المؤمنون إلى المخالفين أسرار أئمتهم فبذلك خرجوا عن الإيمان.
و يؤيد الاحتمالات المتقدمة خبر علي بن جعفر (2) فيستريحون إلى ذلك إلى بمعنى مع أو ضمن في متعلقه معنى التوجه و نحوه.
8- كا، الكافي عَنِ الْعِدَّةِ عَنْ سَهْلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أُورَمَةَ عَنِ النَّضْرِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي خَالِدٍ الْقَمَّاطِ عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ(ع)جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا أَقَلَّنَا لَوِ اجْتَمَعْنَا عَلَى شَاةٍ مَا أَفْنَيْنَاهَا فَقَالَ أَ لَا أُحَدِّثُكَ بِأَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ ذَهَبُوا إِلَّا وَ أَشَارَ بِيَدِهِ ثَلَاثَةً قَالَ حُمْرَانُ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا حَالُ عَمَّارٍ قَالَ رَحِمَ اللَّهُ عَمَّاراً أَبَا الْيَقْظَانِ بَايَعَ وَ قُتِلَ شَهِيداً فَقُلْتُ فِي نَفْسِي مَا شَيْءٌ أَفْضَلَ مِنَ الشَّهَادَةِ فَنَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ لَعَلَّكَ تَرَى أَنَّهُ مِثْلُ الثَّلَاثَةِ أَيْهَاتَ أَيْهَاتَ (3).
بيان ما أقلنا صيغة تعجب ما أفنيناها أي ما نقدر على أكل جميعها و أشار كلام الراوي و المراد به الإشارة بثلاثة أصابع من يده(ع)و ثلاثة كلام الإمام و المراد بالثلاثة سلمان و أبو ذر و المقداد
كَمَا رَوَى الْكَشِّيُ
____________
(1) يوسف: 106.
(2) الآتي تحت الرقم 9.
(3) الكافي ج 2 ص 244.
165
عَنِ الْبَاقِرِ(ع)(1) أَنَّهُ قَالَ: ارْتَدَّ النَّاسُ إِلَّا ثَلَاثَةَ نَفَرٍ سَلْمَانُ وَ أَبُو ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادُ قَالَ الرَّاوِي فَقُلْتُ فَعَمَّارٌ قَالَ كَانَ جَاضَ جَيْضَةً ثُمَّ رَجَعَ ثُمَّ إِنْ أَرَدْتَ الَّذِي لَمْ يَشُكَّ وَ لَمْ يَدْخُلْهُ شَيْءٌ فَالْمِقْدَادُ فَأَمَّا سَلْمَانُ فَإِنَّهُ عَرَضَ فِي قَلْبِهِ أَنَّ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ لَوْ تَكَلَّمَ بِهِ لَأَخَذَتْهُمُ الْأَرْضُ وَ هُوَ هَكَذَا وَ أَمَّا أَبُو ذَرٍّ فَأَمَرَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِالسُّكُوتِ وَ لَمْ يَأْخُذْهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ فَأَبَى إِلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ.
جاض أي عدل عن الحق و مال.
و قال الجوهري (2) هيهات كلمة تبعيد و التاء مفتوحة مثل كيف و أصلها هاء و ناس يكسرونها على كل حال بمنزلة نون التثنية و قد تبدل الهاء الأولى همزة فيقال أيهات مثل هراق و أراق قال الكسائي و من كسر التاء وقف عليها بالهاء فقال هيهاه و من نصبها وقف بالتاء و إن شاء بالهاء.
9- كا، الكافي عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمُعَلَّى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ(ع)يَقُولُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ بِوَلَايَتِنَا مُؤْمِناً وَ لَكِنْ جُعِلُوا أُنْساً لِلْمُؤْمِنِينَ (3).
10- كا، الكافي عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ يُونُسَ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَسْكُنُ إِلَى الْمُؤْمِنِ كَمَا يَسْكُنُ الظَّمْآنُ إِلَى الْمَاءِ الْبَارِدِ (4).
بيان إلى المؤمن قيل إلى بمعنى مع و أقول كأن فيه تضمينا و هذا تشبيه كامل للمعقول بالمحسوس فإن للظمآن اضطرابا في فراق الماء و يشتد طلبه له فإذا وجده استقر و سكن و يصير سببا لحياته البدني فكذلك المؤمن يشتد شوقه إلى المؤمن و تعطشه في لقائه فإذا وجده سكن
____________
(1) رجال الكشّيّ ص 16.
(2) الصحاح: 2258.
(3) الكافي ج 2: 245.
(4) الكافي ج 2: 247.
166
و مال إليه و يحيا به حياة طيبة روحانية فإنه يصير سببا لقوة إيمانه و إزالة شكوكه و شبهاته و زوال وحشته.
و قيل هذا السكون ينشأ من أمرين أحدهما الاتحاد في الجنسية للتناسب في الطبيعة و الروح كما مر و المتجانسان يميل أحدهما إلى الآخر و كلما كان التناسب و التجانس أكمل كان الميل أعظم كما روي أن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف و ثانيهما المحبة لأن المؤمن لكمال صورته الظاهرة و الباطنة بالعلم و الإيمان و الأخلاق و الأعمال محبوب القلوب و تلك الصورة قد تدرك بالبصر و البصيرة و قد تكون سببا للمحبة و السكون بإذن الله تعالى و بسبب العلاقة في الواقع و إن لم يعلم تفصيلها.
باب 9 أصناف الناس في الإيمان
الآيات التوبة الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفاقاً وَ أَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَ مِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَ يَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وَ مِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَ صَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) الشعراء وَ لَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (2)
____________
(1) البراءة 97- 99.
(2) الشعراء: 198.
167
محمد وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (1) تفسير الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفاقاً الأعراب سكان البادية الذين لم يهاجروا إلى النبي ص قال الراغب العرب أولاد إسماعيل و الأعراب جمعه في الأصل و صار ذلك اسما لسكان البادية قال تعالى قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا و قال الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفاقاً انتهى (2).
و كونهم أشد كفرا و نفاقا من أهل الحضر لتوحشهم و قساوتهم و جفائهم و نشوهم في بعد من مشاهدة العلماء و سماع التنزيل وَ أَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا أي أحق بأن لا يعلموا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ من الشرائع فرائضها و سننها و أحكامها وَ اللَّهُ عَلِيمٌ يعلم حال كل أحد من أهل الوبر و المدر حَكِيمٌ فيما يصيب به مسيئهم و محسنهم عقابا و ثوابا.
وَ مِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ أي يعد ما يُنْفِقُ أي يصرفه في سبيل الله و يتصدق به مَغْرَماً أي غرامة و خسرانا إذ لا يحتسبه عند الله و لا يرجو عليه ثوابا و إنما ينفق رئاء و تقية وَ يَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ أي ينتظر بكم صروف الزمان و حوادث الأيام من الموت و القتل و المغلوبية فيرجع إلى دين المشركين و يتخلص من الإنفاق عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ اعتراض بالدعاء عليهم بنحو ما يتربصونه أو إخبار عن وقوع ما يتربصون عليهم وَ اللَّهُ سَمِيعٌ لما يقولون عند الإنفاق و غيره عَلِيمٌ بما يضمرون.
قُرُباتٍ أي سبب قربات وَ صَلَواتِ الرَّسُولِ أي و سبب دعواته لأنه كان يدعو للمتصدقين بالخير و البركة و يستغفر لهم أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ شهادة من الله لهم بصحة معتقدهم و تصديق لرجائهم سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ وعد لهم بإحاطة الرحمة عليهم إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تقرير له.
____________
(1) القتال: 38.
(2) المفردات: 328، و فيه الاعراب ولد إسماعيل.
168
ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (1) لفرط عنادهم و استنكافهم من اتباع العجم و ما قيل من أن المراد بالأعجمين البهائم فهو في غاية البعد.
وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا (2) عطف على وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ (3) و قال علي بن إبراهيم يعني عن ولاية أمير المؤمنين ع.
يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ أي يقم مكانكم قوما آخرين و قال علي بن إبراهيم يدخلهم في هذا الأمر ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ قال في معاداتكم و خلافكم و ظلمكم لآل محمد عليه و (عليهم السلام).
قال في المجمع وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا أي تعرضوا عن طاعته و عن أمر رسوله يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ أمثل و أطوع منكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ بل يكونوا خيرا منكم و أطوع لله منكم.
وَ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ نَاساً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ص قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَ كَانَ سَلْمَانُ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ فَضَرَبَ ص يَدَهُ عَلَى فَخِذِ سَلْمَانَ فَقَالَ هَذَا وَ قَوْمُهُ وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ مَنُوطاً بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ فَارِسَ.
وَ رَوَى أَبُو بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنْ تَتَوَلَّوْا يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ- يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ يَعْنِي الْمَوَالِيَ.
وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قَدْ وَ اللَّهِ أَبْدَلَ بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمُ الْمَوَالِيَ (4)-
. 1- مع، معاني الأخبار عَنْ مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ عَنْ أَبِي يَحْيَى الْوَاسِطِيِّ عَمَّنْ ذَكَرَهُ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ مَنْ لَمْ يَكُنْ عَرَبِيّاً صَلْباً وَ مَوْلًى صَرِيحاً فَهُوَ سِفْلِيٌّ فَقَالَ وَ أَيُ
____________
(1) الشعراء: 198.
(2) القتال: 38.
(3) القتال: 36.
(4) مجمع البيان ج 9 ص 108.
169
شَيْءٍ الْمَوْلَى الصَّرِيحُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ مَنْ مُلِكَ أَبَوَاهُ قَالَ وَ لِمَ قَالُوا هَذَا قَالَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ص مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ أَ مَا بَلَغَكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ أَنَا مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ أَنَا مَوْلَى كُلِّ مُسْلِمٍ عَرَبِيِّهَا وَ عَجَمِيِّهَا فَمَنْ وَالَى رَسُولَ اللَّهِ ص أَ لَيْسَ يَكُونُ مِنْ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ أَيُّهُمَا أَشْرَفُ مَنْ كَانَ مِنْ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ص أَوْ مَنْ كَانَ مِنْ نَفْسِ أَعْرَابِيٍّ جِلْفٍ بَائِلٍ عَلَى عَقِبَيْهِ ثُمَّ قَالَ(ع)مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ رَغْبَةً خَيْرٌ مِمَّنْ دَخَلَ رَهْبَةً وَ دَخَلَ الْمُنَافِقُونَ رَهْبَةً وَ الْمَوَالِي دَخَلُوا رَغْبَةً (1).
بيان في القاموس الصلب بالضم الشديد و الحسب و القوة و قال الصريح الخالص من كل شيء و قال (2) السفل و السفلة بكسرهما نقيض العلو و قد سفل ككرم و علم و نصر سفالا و سفولا و تسفل و سفل في خلقه و علمه ككرم سفلا و يضم و سفالا ككتاب و في الشيء سفولا نزل من أعلاه إلى أسفله و سفلة الناس بالكسر كفرحة أسافلهم و غوغاؤهم.
مولى القوم من أنفسهم كان غرضه ص حثهم على إكرام مواليهم و معتقيهم و رعايتهم و عدم الإزراء بشأنهم و تعييرهم بخسة نسبهم لا أنهم في حكمهم في جميع الأمور كما فهمه بعض العامة قال في النهاية في حديث الزكاة مولى القوم منهم الظاهر من المذهب و المشهور أن موالي بني هاشم و المطلب لا يحرم عليهم أخذ الزكاة لانتفاء النسب الذي به حرم على بني هاشم و المطلب و في مذهب الشافعي على وجه أنه يحرم على الموالي أخذها لهذا الحديث و وجه الجمع بين الحديث و نفي التحريم أنه إنما قال هذا القول تنزيها لهم و بعثا على التشبه بسادتهم و الاستنان بسنتهم في اجتناب مال الصدقة التي هي أوساخ الناس.
____________
(1) معاني الأخبار: 405.
(2) القاموس ج 3: 396.
170
و أقول غرض القائل أنه ليس غير العرب من نجباء الناس و لما قال رسول الله ص مولى القوم من أنفسهم فالمولى الصريح أيضا ملحق بهم فحمل الرواية على الحقيقة و العموم و سائر الناس من أهل فارس و غيرهم من سقاط الناس و أراذلهم و ليسوا من أكفاء العرب كما كان عمر يقوله و ذلك أنه سمع من النبي ص أن أنصار علي و أهل بيته(ع)يكونون من العجم و لذا حكم بقتل العجم جميعا لما استولى على بلاد فارس فمنعه أمير المؤمنين(ع)عن ذلك
وَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ.
فصار أولادهم من أهل العراق و غيرهم من أصحاب أئمتنا (صلوات الله عليهم) و أنصارهم و محل أسرارهم و دونوا الأصول و انتشر ببركتهم علوم أهل البيت (صلوات الله عليهم) في العالم.
و هذا الكلام الذي نقله الراوي عن المتعصبين من المخالفين الذين كانوا أعداء أهل البيت و شيعتهم و مواليهم كان مبنيا على ما ذكرنا فأجاب(ع)متعجبا من كلامهم بأن النبي ص و إن قال مولى القوم من أنفسهم قال أيضا أنا مولى من لا مولى له فالعجم كلهم رسول الله مولاهم.
و أيضا له ص ولاء كل مسلم من العرب و العجم أي هو أولى بأمورهم و ناصرهم و معينهم في الدنيا و الآخرة و إن ماتوا و لا وارث لهم فهو وارثهم و عليه نفقتهم إن كانوا فقراء و يجب عليه قضاء ديونهم إن ماتوا و لا مال لهم من بيت مال المسلمين و كذا بعده أوصياؤه(ع)مواليهم بتلك المعاني
كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص بِاتِّفَاقِ الْمُخَالِفِ وَ الْمُؤَالِفِ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ.
. ثم بين(ع)أنهم أشرف من الموالي الصريح الذي ذكره الراوي لأنه على مقتضى قوله إذا أعتق والدي رجل أعرابي جلف يبول على عقبيه و لا يغسلهما للشقاق الذي فيهما و كان ذلك عادتهم و لذا أمرهم رسول الله ص بغسل رجليهم قبل الصلاة و قال ويل للأعقاب من النار فتوهموا أن ذلك في الوضوء
171
كما ذكره الجزري في النهاية أو هو كناية عن عدم احترازهم عن البول فيصل إلى أرجلهم رشاشته و لا يغسلونها و الأول أظهر فكان (1) هذا الرجل مولى صريحا للعرب و هو عندهم أشرف من العجم مع أن العجم مولى رسول الله ص بمقتضى الخبر الثاني فهو من نفس رسول الله ص بمقتضى الخبر الأول فكيف لا يكون أشرف منه و من مولاه.
ثم بين(ع)بوجه آخر أن العجم الذين كانوا في ذلك الزمان من شيعتهم و أصحابهم أفضل من العرب الذين يفتخرون هؤلاء بالانتساب بهم فإن الموالي أي أولاد فارس دخلوا في الإسلام رغبة و هم كانوا منافقين أظهروا الإسلام خوفا و رهبة فقوله فمن والى رسول الله ص أي دخل في الإسلام و لا مولى له و صار رسول الله مولاه و الجلف في أكثر النسخ بالجيم في القاموس الجلف بالكسر الرجل الجافي و في النهاية الجلف الأحمق و في بعض النسخ بالخاء المفتوحة و اللام الساكنة و هو الرديء من كل شيء.
2- مع، معاني الأخبار عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَثِ عَنِ الدِّهْقَانِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَخِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّمَا شِيعَتُنَا الْمَعَادِنُ وَ الْأَشْرَافُ وَ أَهْلُ الْبُيُوتَاتِ وَ مَنْ مَوْلِدُهُ طَيِّبٌ قَالَ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ تَفْسِيرِ ذَلِكَ فَقَالَ الْمَعَادِنُ مِنْ قُرَيْشٍ وَ الْأَشْرَافُ مِنَ الْعَرَبِ وَ أَهْلُ الْبُيُوتَاتِ مِنَ الْمَوَالِي وَ مَنْ مَوْلِدُهُ طَيِّبٌ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ (2).
بيان أهل السواد أهل العراق لأن أصلهم كانوا من العجم ثم اختلط العرب بهم بعد بناء الكوفة فلا يعدون من العرب و لا من العجم قال في المصباح العرب تسمي الأخضر الأسود لأنه يرى كذلك على بعد و منه سواد العراق لخضرة أشجاره و زروعه.
ع، علل الشرائع الْقَطَّانُ عَنِ السُّكَّرِيِّ عَنِ الْجَوْهَرِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ الصَّادِقَ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ(ع)يَقُولُ الْمُؤْمِنُ عَلَوِيٌّ لِأَنَّهُ عَلَا فِي الْمَعْرِفَةِ
____________
(1) جواب قوله: «إذا أعتق».
(2) معاني الأخبار: 158.
172
وَ الْمُؤْمِنُ هَاشِمِيٌّ لِأَنَّهُ هَشَمَ الضَّلَالَةَ وَ الْمُؤْمِنُ قُرَشِيٌّ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالشَّيْءِ الْمَأْخُوذِ عَنَّا وَ الْمُؤْمِنُ عَجَمِيٌّ لِأَنَّهُ اسْتَعْجَمَ عَلَيْهِ أَبْوَابَ الشَّرِّ وَ الْمُؤْمِنُ عَرَبِيٌّ لِأَنَّ نَبِيَّهُ ص عَرَبِيٌّ وَ كِتَابَهُ الْمُنْزَلَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وَ الْمُؤْمِنُ نَبَطِيٌّ لِأَنَّهُ اسْتَنْبَطَ الْعِلْمَ وَ الْمُؤْمِنُ مُهَاجِرِيٌّ لِأَنَّهُ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ وَ الْمُؤْمِنُ أَنْصَارِيٌّ لِأَنَّهُ نَصَرَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ أَهْلَ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ وَ الْمُؤْمِنُ مُجَاهِدٌ لِأَنَّهُ يُجَاهِدُ أَعْدَاءَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي دَوْلَةِ الْبَاطِلِ بِالتَّقِيَّةِ وَ فِي دَوْلَةِ الْحَقِّ بِالسَّيْفِ (1).
بيان كأن المقصود من هذه الرواية أن مناط الشرف و الفضل و الكرامة الإيمان و التقوى و العمل الصالح فإذا انضمت إليه سائر الجهات كانت أحسن و أشرف و إن افترقتا فصاحب الإيمان و التقوى أشرف و بالكرامة أحرى.
بل يمكن إثبات تلك الصفات له أيضا لأنه متصف بما هو مناط الشرف فيها فالمؤمن علوي لأن فضل العلوي من جهة الانتساب إلى علي(ع)من جهة النسب و فضله(ع)من جهة كماله في الإيمان و المعرفة و العلم و العمل فمن انتسب إليه(ع)بهذه الجهات كان انتسابه الروحاني إليه أقوى من الانتساب الجسماني من جهة النسب فقط فهو علوي لعلوه في المعرفة و انتسابه إليه من هذه الجهة.
و كذا الهاشمي لأن شرافة الانتساب إلى هاشم إما لشرفه أو لشرف الرسول ص فإن الانتساب إليه يستلزم قرابته فعلى الأول ففضل هاشم من جهة كونه من أوصياء إبراهيم(ع)و كسره للضلالة و البدع أقوى من إطعامه و كسره للثريد فالانتساب إليه من هذه الجهة أقوى و المؤمن منسوب إليه من تلك الجهة و أما على الثاني فظاهر بتقريب ما مر في العلوي.
قال الفيروزآبادي (2) الهشم كسر الشيء اليابس أو الأجوف أو كسر العظام و الرأس خاصة أو الوجه و الأنف أو كل شيء و هاشم أبو عبد المطلب
____________
(1) علل الشرائع ج 2 ص 152.
(2) القاموس ج 2 ص 190. و قد مر نقله فيما سبق.
173
و اسمه عمرو لأنه أول من ثرد الثريد و هشمه و هذا البيان بوجهه جاء في القرشي و قوله لأنه أقر بالشيء لرعاية المناسبة اللفظية لا لبيان جهة الاشتقاق و إن أمكن حمله على الاشتقاق الكبير.
قال في القاموس (1) قرشه يقرشه و يقرشه قطعه و جمعه من هاهنا و هاهنا و ضم بعضه إلى بعض و منه قريش لتجمعهم إلى الحرم أو لأنهم كانوا يتقرشون البياعات فيشترونها أو لأن النضر بن كنانة اجتمع في ثوبه يوما فقالوا تقرش أو لأنه جاء إلى قومه فقالوا كأنه جمل قريش أي شديد أو لأن قصيا كان يقال له القرشي أو لأنهم كانوا يفتشون الحاج فيسدون خلتها إلى أن قال و النسبة قرشي و قريشي.
و قال (2) العجم بالضم و بالتحريك خلاف العرب و الأعجم من لا يفصح كالاعجمي و الأخرس و العجمي من جنسه العجم و إن أفصح و أعجم فلان الكلام ذهب به إلى العجمة و استعجم سكت و القراءة لم يقدر عليها لغلبة النعاس.
و في النهاية كل من لا يقدر على الكلام فهو أعجم و مستعجم و منه الحديث فإذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه أي أرتج عليه فلم يقدر أن يقرأ كأنه صار عجمة انتهى. و الحاصل أنه لا يهتدي إلى الشر و لا يأتي منه إلا الخير فهو على بناء المجهول و يحتمل المعلوم و سيأتي الكلام في النبطي و سائر الفقرات ظاهرة مما مر.
و يحتمل أن يكون المعنى أن المؤمن لشرفه و كماله يمكن أن يطلق عليه كل من هذه الألفاظ بوجه حسن و إن كان قريبا مما مر أو المعنى أنه من أي هذه الأصناف كان فإطلاقه عليه بوجه حسن يتضمن مدحا عظيما و الأول أظهر.
4- فس، تفسير القمي وَ لَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (3)
____________
(1) المصدر ج 2: 283 و 284.
(2) المصدر ج 4: 147.
(3) الشعراء: 198.
174
قَالَ الصَّادِقُ(ع)لَوْ نُزِّلَ الْقُرْآنُ عَلَى الْعَجَمِ مَا آمَنَتْ بِهِ الْعَرَبُ وَ قَدْ نُزِّلَ عَلَى الْعَرَبِ فَآمَنَتْ بِهِ الْعَجَمُ فَهَذِهِ فَضِيلَةُ الْعَجَمِ.
5- فس، تفسير القمي عَنْ مُحَمَّدٍ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ السِّنْدِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَا ابْنَ قَيْسٍ وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (1) عَنَى أَبْنَاءَ الْمَوَالِي الْمُعْتَقِينَ.
6- ب، قرب الإسناد عَنِ ابْنِ طَرِيفٍ عَنِ ابْنِ عُلْوَانَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَوْ كَانَ الْعِلْمُ مَنُوطاً بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَتْهُ رِجَالٌ مِنْ فَارِسَ (2).
7- ب، قرب الإسناد بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ص فِي فَارِسَ ضَرَبْتُمُوهُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ وَ لَا تَنْقَضِي الدُّنْيَا حَتَّى يَضْرِبُوكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ (3).
8- ع، علل الشرائع عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ هَاشِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمَّادٍ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَا تَسُبُّوا قُرَيْشاً وَ لَا تُبْغِضُوا الْعَرَبَ وَ لَا تُذِلُّوا الْمَوَالِيَ وَ لَا تُسَاكِنُوا الْخُوزَ وَ لَا تُزَوِّجُوا إِلَيْهِمْ فَإِنَّ لَهُمْ عِرْقاً يَدْعُوهُمْ إِلَى غَيْرِ الْوَفَاءِ (4).
بيان الموالي المعتقون و أبناؤهم و من لحق بقبيلة و ليس منهم و كأن المراد في الأخبار العجم فإن أولاد الفرس غلب العرب على آبائهم فكأنهم أعتقوهم أو أنهم لإيمانهم ألحقوا بأئمتهم فصاروا موالي العرب و في القاموس (5) الخوز بالضم جيل من الناس و اسم لجميع بلاد خوزستان.
9- ع، علل الشرائع عَنِ ابْنِ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ مَعْرُوفٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَفْتَرِي عَلَى الرَّجُلِ
____________
(1) القتال: 38.
(2) قرب الإسناد: 52 ط حجرى.
(3) قرب الإسناد ص 52.
(4) علل الشرائع ج 2: 79.
(5) القاموس ج 2: 175.
175
مِنْ جَاهِلِيَّةِ الْعَرَبِ قَالَ يُضْرَبُ حَدّاً قُلْتُ حَدّاً قَالَ نَعَمْ إِنْ (1) يَدْخُلْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص (2).
بيان: كأنه محمول على ما إذا سرى شينه إليه ص كأجداده و جداته أو أقاربه القريبة كما يومئ إليه قوله إنه يدخل أي عيبه و عاره أو هو من الدخل بمعنى العيب و لو كان إن يدخل كما في بعض النسخ كان ما ذكرنا أظهر.
10- ع، علل الشرائع عَنِ ابْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ السَّعْدَآبَادِيِّ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْحَسَنِيِّ عَنْ حَرْبٍ عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهُ عَمْرٌو عَنْ ذَرِيحٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: أَصَابَ بَعِيراً لَنَا عِلَّةٌ وَ نَحْنُ فِي مَاءٍ لِبَنِي سُلَيْمٍ فَقَالَ الْغُلَامُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَا مَوْلَايَ أَنْحَرُهُ قَالَ لَا تَلَبَّثْ فَلَمَّا سِرْنَا أَرْبَعَةَ أَمْيَالٍ قَالَ يَا غُلَامُ انْزِلْ فَانْحَرْهُ وَ لَأَنْ تَأْكُلَهُ السِّبَاعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَأْكُلَهُ الْأَعْرَابُ (3).
11- مع، معاني الأخبار عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْكُوفِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْمِنْبَرَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَدْ ذَهَبَ عَنْكُمْ بِنَخْوَةِ الْجَاهِلِيَّةِ وَ تَفَاخُرِهَا بِآبَائِهَا أَلَا إِنَّكُمْ مِنْ آدَمَ وَ آدَمُ مِنْ طِينٍ وَ خَيْرُ عِبَادِ اللَّهِ عِنْدَهُ أَتْقَاهُمْ إِنَّ الْعَرَبِيَّةَ لَيْسَتْ بِأَبٍ وَالِدٍ وَ لَكِنَّهَا لِسَانٌ نَاطِقٌ فَمَنْ قَصَرَ بِهِ عَمَلُهُ (4) فَلَمْ يُبْلِغْهُ رِضْوَانَ اللَّهِ حَسَبَهُ أَلَا إِنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ إِحْنَةٍ فَهُوَ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (5).
بيان: إن العربية إلخ أي العربية الممدوحة إنما هي باللسان بأن
____________
(1) انه يدخل، خ ل.
(2) علل الشرائع ج 2 ص 79.
(3) علل الشرائع ج 2: 286.
(4) علمه و لم يبلغه خ ل.
(5) معاني الأخبار: 207.
176
يقر بالحق و يلحق بالرسول و أهل بيته و إن كان من العجم لا يكون آباؤه من العرب ثم بين(ع)أن الحسب لا ينفع بدون العمل تحت قدمي أي أبطلته لا يطلب به في الإسلام.
12- مع، معاني الأخبار عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ صَالِحِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى(ع)قَالَ قَالَ: النَّاسُ ثَلَاثَةٌ عَرَبِيٌّ وَ مَوْلًى وَ عِلْجٌ فَأَمَّا الْعَرَبُ فَنَحْنُ وَ أَمَّا الْمَوْلَى فَمَنْ وَالانَا وَ أَمَّا الْعِلْجُ فَمَنْ تَبَرَّأَ مِنَّا وَ نَاصَبَنَا (1).
بيان: في النهاية العلج الرجل من كفار العجم و غيرهم.
13- مع، معاني الأخبار بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ عَنْ ضُرَيْسِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ نَحْنُ قُرَيْشٌ وَ شِيعَتُنَا الْعَرَبُ وَ عَدُوُّنَا الْعَجَمُ (2).
بيان: و شيعتنا العرب أي العرب الممدوح من كان شيعتنا و إن كان عجما و العجم المذموم من كان عدونا و إن كان عربا.
مع، معاني الأخبار بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ سَلَمَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ خُثَيْمٍ عَنْ أَخِيهِ مَعْمَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)قَالَ: نَحْنُ الْعَرَبُ وَ شِيعَتُنَا مِنَّا سَائِرُ النَّاسِ هَمَجٌ أَوْ هَبَجٌ قَالَ قُلْتُ وَ مَا الْهَمَجُ قَالَ الذُّبَابُ فَقُلْتُ وَ مَا الْهَبَجُ قَالَ الْبَقُ (3).
بيان في القاموس الهمج محركة ذباب صغير كالبعوض يسقط على وجوه الغنم و الحمير و الهبج بهذا المعنى لم أجده في كتب اللغة قال في القاموس الهبج محركة كالورم في ضرع الناقة.
15- مع، معاني الأخبار عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ
____________
(1) معاني الأخبار: 403.
(2) المصدر: 403.
(3) المصدر: 404.
177
دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قُلْتُ لَهُ مَا يَزَالُ الرَّجُلُ مِمَّنْ يَنْتَحِلُ أَمْرَنَا يَقُولُ لِمَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ يَا نَبَطِيُّ قَالَ فَقَالَ نَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ النَّبَطُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ (1) إِنَّمَا هُمَا نَبَطَانِ مِنَ النَّبَطِ الْمَاءِ وَ الطِّينِ وَ لَيْسَ بِضَارِّهِ فِي ذُرِّيَّتِهِ شَيْءٌ فَقَوْمٌ اسْتَنْبَطُوا الْعِلْمَ فَنَحْنُ هُمْ (2).
بيان قال في المصباح النبط جيل من الناس كانوا ينزلون سواد العراق ثم استعمل في أخلاط الناس و عوامهم و الجمع أنباط كسبب و أسباب الواحد نباطي بزيادة ألف و النون تضم و تفتح قال الليث و رجل نبطي و منعه ابن الأعرابي و استنبطت الحكم استخرجته بالاجتهاد و أنبطته إنباطا مثله و أصله من استنبط الحافر الماء و أنبطه إنباطا إذا استخرجه بعلمه.
و في النهاية نبط الماء ينبط إذا نبع و أنبط الحفار بلغ الماء في البئر و الاستنباط الاستخراج و النبط و النبيط الماء يخرج من قعر البئر إذا احتفرت و في حديث عمر تمعدوا و لا تستنبطوا أي تشبهوا بمعد و لا تشبهوا بالنبط النبط و النبيط جيل معروف كانوا ينزلون بالبطايح بين العراقين و منه حديثه الآخر لا تنبطوا في المدائن أي لا تشبهوا بالنبط في سكناها و اتخاذها العقار و الملك.
و حديث ابن عباس نحن معاشر قريش من النبط من أهل كوثى (3) قيل لأن إبراهيم الخليل (صلوات الله عليه) ولد بها و كان النبط سكانها و منه حديث عمرو بن معديكرب سأله عمر عن سعد فقال أعرابي في حبوته نبطي في جبوته أراد أنه في جباية الخراج و عمارة الأرضين كالنبط حذقا بها و مهارة فيها لأنهم كانوا سكان العراق و أربابها.
____________
(1) من ذرّية آدم و إبراهيم انما هما نبطيان من أنبط الماء و الطين خ ل.
(2) معاني الأخبار ص 404.
(3) كوثى- بالضم- بلدة بالعراق قاله الفيروزآبادي.
178
و في حديث الشعبي أن رجلا قال لآخر يا نبطي قال لا حد عليه كلنا نبط يريد الجوار و الدار دون الولادة.
و في الصحاح (1) في كلام أيوب بن القرية أهل عمان عرب استنبطوا و أهل البحرين نبيط استعربوا.
و في القاموس النبط محركة أول ما يظهر من ماء البئر و أنبط الحافر انتهى إليها و غور المرء و جيل ينزلون بالبطايح بين العراقين كالنبيط و الأنباط و هو نبطي محركة و تنبط تشبه بهم أو تنسب إليهم و الكلام استخرجه و كل ما أظهر بعد خفاء فقد أنبط و استنبط مجهولين و استنبط الفقيه استخرج الفقه الباطن بفهمه و اجتهاده (2).
إذا عرفت هذا فاعلم أن الخبر يحتمل وجهين أحدهما أن المراد أنا أهل البيت و النبط جميعا من ذرية إبراهيم إما على الحقيقة أو على التأويل لأنه(ع)كان يساكنهم في ديارهم فلهم أيضا شرافة النسب ثم بين(ع)فضلهم من جهة اشتقاق اللفظ فقال النبط له اشتقاقان.
أحدهما من استنباط الماء و تعمير الأرض و هذا لا يضرهم إن لم يفعلوا مثل أفعالهم فإن فعل الآباء لا يضر الأبناء فهذا لا يصير سببا لذمهم كما يوهمه كلام عمر و ثانيهما استنباط العلم و الحكمة فنحن أنباط بهذا المعنى و شيعتنا الذين يستنبطون منا داخلون في ذلك كما قال سبحانه لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (3) و ثانيهما أن يكون المعنى أنا أهل بيت النبي ص و خلفاؤه و بذلك لنا الفضيلة على سائر الخلق و ليس لغيرنا فضل على النبط لأنهم أيضا من
____________
(1) الصحاح: 1162.
(2) القاموس ج 2 ص 387.
(3) النساء: 83.
179
ذرية إبراهيم.
ثم بين(ع)أن للنبطي بحسب الاشتقاق معنيين أحدهما مستخرج الماء من الطين و هذا لا يضرهم في شرافة نسبهم و الآخر استنباط العلم فنحن هم فلا يكون النبطي شتما لهم بل هو مدح لهم و على التقديرين ضمير ضاره عائد إلى إبراهيم(ع)و كذا ضمير ذريته و يحتمل عودهما إلى النبطي و عود الأول إلى النبطي و الثاني إلى إبراهيم(ع)و في بعض النسخ من ذرية آدم و إبراهيم و لا يختلف المعنى و يحتمل أن يكون المراد بالنبط من يقال له على وجه الذم نبطي أي الذين أسلموا بعد الكفر و الأسر و هم كانوا غالبا إما من قريش أو أهل الكتاب و هم من ذرية إبراهيم(ع)و يحتمل الخبر وجوها أخر تظهر مما ذكرنا للمتدبر.
16- مع، معاني الأخبار عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَخِي دَارِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ مَنْ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ فَهُوَ عَرَبِيٌّ وَ مَنْ دَخَلَ فِيهِ طَوْعاً أَفْضَلُ مِمَّنْ دَخَلَ فِيهِ كَرْهاً وَ الْمَوْلَى هُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ أَسِيراً مِنْ أَرْضِهِ وَ يُسْلِمُ فَذَلِكَ الْمَوْلَى (1).
17- مع، معاني الأخبار عَنْ مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ سَهْلٍ عَنِ ابْنِ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ نَافِعٍ عَنِ الْحُبَابِ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: مَنْ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ حُرّاً فَهُوَ عَرَبِيٌّ وَ مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ فَخَفَرَ فِي عَهْدِهِ فَهُوَ مَوْلَى رَسُولِ ص وَ مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ طَوْعاً فَهُوَ مُهَاجِرٌ (2).
بيان فهو عربي أي في حقيقته الشرعية أو في حكم وجوب الإكرام و الاحترام و من كان له عهد أي ذمة و أمان من مسلم فهو مولى رسول الله فإنه حكم بوجوب إمضاء عهده و أمانه فإذا خفر في عهده و نقض أمانه فقد نقض عهد مولى رسول الله.
____________
(1) معاني الأخبار: 404.
(2) معاني الأخبار: 405.
180
في القاموس خفره و به و عليه يخفر و يخفر خفرا أجاره و منعه و آمنه و خفر به خفرا و خفورا نقض عهده و غدره كأخفره (1) و قال المولى العبد و المعتق و المعتق و الجار و الحليف و المنعم و المنعم عليه فهو مهاجر أي في حكمه في الأجر و الحرمة.
18- ل، الخصال عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ صَالِحِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى(ع)قَالَ: النَّاسُ ثَلَاثَةٌ عَرَبِيٌّ وَ مَوْلًى وَ عِلْجٌ فَأَمَّا الْعَرَبُ فَنَحْنُ وَ أَمَّا الْمَوَالِي فَمَنْ وَالانَا وَ أَمَّا الْعِلْجُ فَمَنْ تَبَرَّأَ مِنَّا وَ نَاصَبَنَا (2).
19- مع، معاني الأخبار رُوِيَ أَنَّ الصَّادِقَ(ع)قَالَ: مَنْ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ فَهُوَ عَرَبِيٌّ وَ مَنْ دَخَلَ فِيهِ بَعْدَ مَا كَبِرَ فَهُوَ مُهَاجِرٌ وَ مَنْ سُبِيَ وَ أُعْتِقَ فَهُوَ مَوْلًى وَ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (3).
20- سن، المحاسن عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ جَرِيرٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)جَاءَنِي ابْنُ عَمِّكَ كَأَنَّهُ أَعْرَابِيٌّ مَجْنُونٌ عَلَيْهِ إِزَارٌ وَ طَيْلَسَانٌ وَ نَعْلَانِ فِي يَدِهِ فَقَالَ لِي إِنَّ قَوْماً يَقُولُونَ فِيكَ فَقُلْتُ أَ لَسْتَ عَرَبِيّاً قَالَ بَلَى فَقُلْتُ إِنَّ الْعَرَبَ لَا تُبْغِضُ عَلِيّاً ثُمَّ قُلْتُ لَهُ لَعَلَّكَ مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِالْحَوْضِ أَمَا وَ اللَّهِ لَئِنْ أَبْغَضْتَهُ ثُمَّ وَرَدْتَ عَلَيْهِ الْحَوْضَ لَتَمُوتَنَّ عَطَشاً (4).
بيان: يقولون فيك أي بالإمامة أو أقوالا.
21- شي، تفسير العياشي عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ
____________
(1) القاموس ج 2: 22.
(2) الخصال ج 1: 60.
(3) معاني الأخبار: 239.
(4) المحاسن: 89 و 90.
181
عَلَى الْكافِرِينَ (1) قَالَ الْمَوَالِي (2).
بيان: الموالي العجم.
22- كِتَابُ الْإِسْتِدْرَاكِ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا بْنِ شَيْبَانَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ نَحْنُ الْعَرَبُ وَ شِيعَتُنَا الْمَوَالِي وَ سَائِرُ النَّاسِ هَمَجٌ.
باب 10 لزوم البيعة و كيفيتها و ذم نكثها
الآيات النحل وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَ لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ وَ لا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَ لَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ إلى قوله تعالى وَ لا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَ تَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ لَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وَ لا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (3)
____________
(1) المائدة: 54.
(2) تفسير العيّاشيّ ج 1: 327.
(3) النحل: 91- 95.
182
الفتح إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (1) الممتحنة يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَ لا يَسْرِقْنَ وَ لا يَزْنِينَ وَ لا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَ لا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَ أَرْجُلِهِنَّ وَ لا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (2) تفسير وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ قال الطبرسي (3) (رحمه الله) قال ابن عباس الوعد من العهد و قال المفسرون العهد الذي يجب الوفاء به هو الذي يحسن فعله و عاهد الله ليفعلنه فإنه يصير واجبا عليه وَ لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ هذا نهي منه سبحانه عن حنث الأيمان و قوله بَعْدَ تَوْكِيدِها أي بعد عقدها و إبرامها و توثيقها باسم الله تعالى و قيل بعد تشديدها و تغليظها بالعزم و العقد على اليمين بخلاف لغو اليمين وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا أي حسيبا فيما عاهدتموه عليه و قيل كفيلا بالوفاء إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ من نقض العهد أو الوفاء به فإياكم أن تلقوه و قد نقضتم و هذه الآية نزلت في الذين بايعوا النبي ص على الإسلام فقال سبحانه للمسلمين الذين بايعوه لا يحملنكم قلة المسلمين و كثرة المشركين على نقض البيعة فإن الله حافظكم أي اثبتوا على ما عاهدتم عليه الرسول و أكدتموه بالأيمان انتهى.
وَ لا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها أي كالمرأة غزلت ثم نكثت غزلها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أي من بعد إحكام و فتل أَنْكاثاً جمع نكث بالكسر و هو ما ينكث فتله
____________
(1) الفتح: 10.
(2) الممتحنة: 12.
(3) مجمع البيان ج 6: 382.
183
وَ رَوَى عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (1) عَنِ الْبَاقِرِ(ع)الَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ يُقَالُ لَهَا رَيْطَةُ بِنْتُ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ كَانَتْ حَمْقَاءَ تَغْزِلُ الشَّعْرَ فَإِذَا غَزَلَتْهُ نَقَضَتْهُ ثُمَّ عَادَتْ فَغَزَلَتْهُ فَقَالَ اللَّهُ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها الْآيَةَ.
. قال إن الله تعالى أمر بالوفاء و نهى عن نقض العهد فضرب لهم مثلا تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أي دغلا و خيانة و مكرا و خديعة و ذلك لأنهم كانوا حين عهدهم يضمرون الخيانة و الناس يسكنون إلى عهدهم.
و الدخل أن يكون الباطن خلاف الظاهر و أصله أن يدخل في الشيء ما لم يكن منه أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ يعني لا تنقضوا العهد بسبب أن تكون جماعة و هم كفرة قريش أزيد عددا و أوفر مالا من أمة يعني جماعة المؤمنين إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ أي إنما يختبركم بكونكم أربى لينظر أ توفون بعهد الله أم تغترون بكثرة قريش و قوتهم و ثروتهم و قلة المؤمنين و ضعفهم و فقرهم وَ لَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وعيد و تحذير من مخالفة الرسول ص.
وَ لا تَتَّخِذُوا تصريح بالنهي عنه بعد التضمين تأكيدا و مبالغة في قبح المنهي عنه فَتَزِلَّ قَدَمٌ عن محجة الإسلام بَعْدَ ثُبُوتِها عليها أي فتضلوا عن الرشد بعد أن تكونوا على هدى يقال زل قدم فلان في أمر كذا إذا عدل عن الصواب و المراد أقدامهم و إنما وحد و نكر للدلالة على أن زلل قدم واحدة عظيم فكيف بأقدام كثيرة وَ تَذُوقُوا السُّوءَ في الدنيا بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي بصدودكم أو بصدكم غيركم عنها لأنهم لو نقضوا العهد و ارتدوا لاتخذ نقضها سنة يستن بها وَ لَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ في الآخرة
وَ فِي الْجَوَامِعِ، عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: نَزَلَتْ فِي وَلَايَةِ عَلِيٍّ وَ الْبَيْعَةِ لَهُ حِينَ قَالَ النَّبِيُّ ص سَلِّمُوا عَلَى عَلِيٍّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ.
. و أقول قد مر أن في قراءتهم(ع)أن تكون أئمة هي أزكى
____________
(1) تفسير القمّيّ: 365.
184
من أئمتكم (1).
إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ (2) لأنه المقصود بيعته يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ يعني يدك التي فوق أيديهم في حال بيعتهم إياك إنما هي بمنزلة يد الله لأنهم في الحقيقة يبايعون الله عز و جل ببيعتك فَمَنْ نَكَثَ أي نقض العهد فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ أي لا يعود ضرر نكثه إلا عليه وَ مَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ أي في مبايعته فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً هو الجنة.
وَ لا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَ (3) يريد البنات أو الأسقاط وَ لا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ في الجوامع كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها هذا ولدي منك كنى بالبهتان المفتري بين يديها و رجليها عن الولد الذي تلصقه بزوجها كذبا لأن بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين و فرجها الذي تلده به بين الرجلين وَ لا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ أي في حسنة تأمرهن بها فَبايِعْهُنَ بضمان الثواب على الوفاء بهذه الأشياء.
وَ فِي الْمَجْمَعِ، (4) رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ ص يُبَايِعُ النِّسَاءَ بِالْكَلَامِ بِهَذِهِ الْآيَةِ- أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَ مَا مَسَّتْ يَدٌ رَسُولَ اللَّهِ ص كَانَ إِذَا بَايَعَ النِّسَاءَ دَعَا بِقَدَحِ مَاءٍ فَغَمَسَ يَدَهُ فِيهِ ثُمَّ غَمَسْنَ أَيْدِيَهُنَّ فِيهِ وَ قِيلَ إِنَّهُ كَانَ يُبَايِعُهُنَّ مِنْ وَرَاءِ الثَّوْبِ عَنِ الشَّعْبِيِ
. 1- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بِإِسْنَادِهِ إِلَى الرَّيَّانِ بْنِ شَبِيبٍ أَنَّ الْمَأْمُونَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ الْبَيْعَةَ لِنَفْسِهِ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَ لِلرِّضَا(ع)بِوَلَايَةِ الْعَهْدِ وَ لِلْفَضْلِ بِالْوِزَارَةِ أَمَرَ بِثَلَاثَةِ كَرَاسِيَّ فَنُصِبَتْ لَهُمْ فَلَمَّا قَعَدُوا عَلَيْهَا أَذِنَ لِلنَّاسِ فَدَخَلُوا يُبَايِعُونَ فَكَانُوا يُصَفِّقُونَ بِأَيْمَانِهِمْ عَلَى أَيْمَانِ الثَّلَاثَةِ مِنْ أَعْلَى الْإِبْهَامِ إِلَى الْخِنْصِرِ وَ يَخْرُجُونَ حَتَّى
____________
(1) راجع ج 36 ص 81 و 148 من تاريخ أمير المؤمنين (عليه السلام) و تراه في تفسير العيّاشيّ ج 2: 268.
(2) الفتح: 10.
(3) الممتحنة: 12.
(4) مجمع البيان ج 9: 276.
185
بَايَعَ فِي آخِرِ النَّاسِ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ فَصَفَّقَ بِيَمِينِهِ مِنْ أَعْلَى الْخِنْصِرِ إِلَى أَعْلَى الْإِبْهَامِ فَتَبَسَّمَ أَبُو الْحَسَنِ(ع)فَقَالَ كُلُّ مَنْ بَايَعَنَا بَايَعَ بِفَسْخِ الْبَيْعَةِ غَيْرَ هَذَا الْفَتَى فَإِنَّهُ بَايَعَنَا بِعَقْدِهَا فَقَالَ الْمَأْمُونُ وَ مَا فَسْخُ الْبَيْعَةِ وَ مَا عَقْدُهَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ(ع)عَقْدُ الْبَيْعَةِ هُوَ مِنْ أَعْلَى الْخِنْصِرِ إِلَى أَعْلَى الْإِبْهَامِ وَ فَسْخُهَا مِنْ أَعْلَى الْإِبْهَامِ إِلَى أَعْلَى الْخِنْصِرِ قَالَ فَمَاجَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ وَ أَمَرَ الْمَأْمُونُ بِإِعَادَةِ النَّاسِ إِلَى الْبَيْعَةِ عَلَى مَا وَصَفَ أَبُو الْحَسَنِ(ع)فَقَالَ النَّاسُ كَيْفَ يَسْتَحِقُّ الْإِمَامَةَ مَنْ لَا يَعْرِفُ عَقْدَ الْبَيْعَةِ إِنَّ مَنْ عَلِمَ أَوْلَى بِهَا مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ فَحَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى مَا فَعَلَهُ مِنْ سَمِّهِ (1).
2- ل، الخصال عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَوَيْهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ كَرَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص ثَلَاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (2) رَجُلٌ بَايَعَ إِمَاماً لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا إِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا مَا يُرِيدُهُ وَفَى لَهُ وَ إِلَّا كَفَّ وَ رَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا كَذَا وَ كَذَا فَصَدَّقَهُ وَ أَخَذَهَا وَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا مَا قَالَ وَ رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ يَمْنَعُهُ ابْنَ السَّبِيلِ (3).
بيان لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ أي بما يسرهم أو بشيء أصلا فإن الملائكة يسألونهم أو هو كناية عن سخطه سبحانه عليهم وَ لا يُزَكِّيهِمْ أي لا يثني عليهم أو لا يقبل منهم عملا أو لا يطهرهم مما يوجب العذاب بالعفو و المغفرة.
3- سن، المحاسن عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَمْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَخِيهِ(ع)قَالَ: ثَلَاثٌ مُوبِقَاتٌ نَكْثُ الصَّفْقَةِ وَ تَرْكُ السُّنَّةِ وَ فِرَاقُ
____________
(1) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 238. الباب 59.
(2) اقتباس من قوله تعالى في البقرة: 174.
(3) الخصال ج 1: 53.
186
الْجَمَاعَةِ (1).
4- الدُّرَّةُ الْبَاهِرَةُ، قَالَ الرِّضَا(ع)لَا يَعْدَمُ الْمَرْءُ دَائِرَةَ السَّوْءِ مَعَ نَكْثِ الصَّفْقَةِ.
بيان: قال الراغب الدائرة في المكروه كما يقال دولة في المحبوب قال تعالى نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ (2) و قولُهُ يَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ (3) أي محيط به السوء إحاطة الدائرة فلا سبيل لهم إلى الانفكاك منه بوجه (4) و قال الجوهري صفقت له بالبيع و البيعة صفقا أي ضربت بيدي على يده و تصافق القوم عند البيعة (5).
5- شا، الإرشاد فِي بَيْعَةِ النَّاسِ لِلرِّضَا(ع)عِنْدَ الْمَأْمُونِ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ جَلَسَ الْمَأْمُونُ وَ وَضَعَ لِلرِّضَا(ع)وِسَادَتَيْنِ عَظيِمَتَيْنِ وَ أَجْلَسَ الرِّضَا(ع)عَلَيْهِمَا فِي الْخُضْرَةِ وَ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ وَ سَيْفٌ ثُمَّ أَمَرَ ابْنَهُ الْعَبَّاسَ أَنْ يُبَايِعَ لَهُ فِي أَوَّلِ النَّاسِ فَرَفَعَ الرِّضَا يَدَهُ فَتَلَقَّى بِهَا وَجْهَهُ وَ بِبَطْنِهَا وُجُوهَهُمْ فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ ابْسُطْ يَدَكَ لِلْبَيْعَةِ فَقَالَ الرِّضَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص هَكَذَا كَانَ يُبَايَعُ فَبَايَعَهُ النَّاسُ وَ يَدُهُ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (6).
6- ل، الخصال بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنِ الْبَاقِرِ(ع)فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ يَذْكُرُ فِيهِ أَحْكَامَ النِّسَاءِ قَالَ وَ لَا تُبَايِعَ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ الثِّيَابِ (7).
ثو، ثواب الأعمال بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ: إِنَّ فِي
____________
(1) المحاسن: 94.
(2) المائدة: 52.
(3) براءة: 98.
(4) المفردات في غريب القرآن: 174.
(5) الصحاح: 1057.
(6) الإرشاد: 291.
(7) الخصال ج 2: 141.
187
النَّارِ لَمَدِينَةً يُقَالُ لَهَا الْحَصِينَةُ أَ فَلَا تَسْأَلُونِّي مَا فِيهَا فَقِيلَ لَهُ وَ مَا فِيهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ فِيهَا أَيْدِي النَّاكِثِينَ (1).
8- كا، الكافي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْبَزَنْطِيِّ عَنْ أَبَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَكَّةَ بَايَعَ الرِّجَالُ ثُمَّ جَاءَتْهُ النِّسَاءُ يُبَايِعْنَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ إِلَى قَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (2) قَالَتْ هِنْدٌ أَمَّا الْوَلَدُ فَقَدْ رَبَّيْنَا صِغَاراً وَ قَتَلْتَهُمْ كِبَاراً وَ قَالَتْ أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَ كَانَتْ عِنْدَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ- يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا ذَلِكَ الْمَعْرُوفُ الَّذِي أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ لَا نَعْصِيَكَ فِيهِ قَالَ لَا تَلْطِمْنَ خَدّاً وَ لَا تَخْمِشْنَ وَجْهاً وَ لَا تَنْتِفْنَ شَعْراً وَ لَا تَشْقُقْنَ جَيْباً وَ لَا تُسَوِّدْنَ ثَوْباً وَ لَا تَدْعِينَ بِوَيْلٍ فَبَايَعَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ص عَلَى هَذَا فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُبَايِعُكَ قَالَ إِنَّنِي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ ثُمَّ أَخْرَجَهَا فَقَالَ أَدْخِلْنَ أَيْدِيَكُنَّ فِي هَذَا الْمَاءِ فَهِيَ الْبَيْعَةُ (3).
9- كا، الكافي بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْمُفَضَّلِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)كَيْفَ مَاسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ص النِّسَاءَ حِينَ بَايَعَهُنَّ قَالَ دَعَا بِمِرْكَنِهِ الَّذِي كَانَ يَتَوَضَّأُ فِيهِ فَصَبَّ فِيهِ مَاءً ثُمَّ غَمَسَ يَدَهُ فَكُلَّمَا بَايَعَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ قَالَ اغْمِسِي يَدَكِ فَتَغْمِسُ كَمَا غَمَسَ رَسُولُ اللَّهِ ص فَكَانَ هَذَا مُمَاسَحَتَهُ إِيَاهُنَ (4).
بيان: المركن كمنبر الإجانة.
10- كا، الكافي بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعْدَانَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَ تَدْرِي كَيْفَ
____________
(1) ثواب الأعمال: 227.
(2) الممتحنة: 13.
(3) الكافي ج 5 ص 527.
(4) الكافي ج 5 ص 526.
188
بَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ ص النِّسَاءَ قُلْتُ اللَّهُ أَعْلَمُ وَ ابْنُ رَسُولِهِ أَعْلَمُ قَالَ جَمَعَهُنَّ حَوْلَهُ ثُمَّ دَعَا بِتَوْرِ بِرَامٍ فَصَبَّ فِيهِ مَاءً نَضُوحاً ثُمَّ غَمَسَ يَدَهُ فِيهِ ثُمَّ قَالَ اسْمَعْنَ يَا هَؤُلَاءِ أُبَايِعُكُنَّ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَ لَا تَسْرِقْنَ وَ لَا تَزْنِينَ وَ لَا تَقْتُلْنَ أَوْلَادَكُنَّ وَ لَا تَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ تَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُنَّ وَ أَرْجُلِكُنَّ وَ لَا تَعْصِينَ بُعُولَتَكُنَّ فِي مَعْرُوفٍ أَقْرَرْتُنَّ قُلْنَ نَعَمْ فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنَ التَّوْرِ ثُمَّ قَالَ لَهُنَّ اغْمِسْنَ أَيْدِيَكُنَّ فَفَعَلْنَ فَكَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ص الطَّاهِرَةُ أَطْيَبَ مِنْ أَنْ يَمَسَّ بِهَا كَفَّ أُنْثَى لَيْسَتْ لَهُ بِمَحْرَمٍ (1).
بيان: في النهاية التور إناء من صفر أو حجارة كالإجانة و قد يتوضأ منه و قال البرمة بالضم القدر مطلقا و جمعها برام و هي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز و اليمن و النضوح كصبور طيب.
أقول قد مر تفسير الآيات و سائر الأخبار في النكث و كيفية البيعة في باب فتح مكة (2) و أبواب نكث طلحة و الزبير.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 256.
(2) راجع ج 21 ص 95- 99.
189
باب 11 آخر في أن المؤمن صنفان
كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ عَنِ ابْنِ سِنَانٍ عَنْ نُصَيْرٍ أَبِي الْحَكَمِ الْخَثْعَمِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنَانِ فَمُؤْمِنٌ صَدَقَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ وَفَى بِشَرْطِهِ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي لَا تُصِيبُهُ أَهْوَالُ الدُّنْيَا وَ لَا أَهْوَالُ الْآخِرَةِ وَ ذَلِكَ مِمَّنْ يَشْفَعُ وَ لَا يُشْفَعُ لَهُ وَ مُؤْمِنٌ كَخَامَةِ الزَّرْعِ تَعْوَجُّ أَحْيَاناً وَ تَقُومُ أَحْيَاناً فَذَلِكَ مِمَّنْ يُصِيبُهُ أَهْوَالُ الدُّنْيَا وَ أَهْوَالُ الْآخِرَةِ وَ ذَلِكَ مِمَّنْ يُشْفَعُ لَهُ وَ لَا يَشْفَعُ (2).
بيان قال الله سبحانه مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ قال البيضاوي من الثبات مع الرسول و المقاتلة لأعداء الدين من صدقني إذا قال لك الصدق فإن العاهد إذا وفى بعهده فقد صدق فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ أي نذره بأن قاتل حتى استشهد كحمزة و مصعب بن عمير و أنس بن النضر و النحب النذر استعير للموت لأنه كنذر لازم في رقبة كل حيوان وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ أي الشهادة وَ ما بَدَّلُوا العهد و لا غيروه تَبْدِيلًا أي شيئا من التبديل.
____________
(1) الأحزاب: 23.
(2) الكافي ج 2 ص 248.
190
و قال الطبرسي (رحمه الله) (1) فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ يعني حمزة بن عبد المطلب و جعفر بن أبي طالب وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ يعني علي بن أبي طالب ع.
وَ رُوِيَ فِي الْخِصَالِ (2) عَنِ الْبَاقِرِ(ع)فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لَقَدْ كُنْتُ عَاهَدْتُ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ أَنَا وَ عَمِّي حَمْزَةُ وَ أَخِي جَعْفَرٌ وَ ابْنُ عَمِّي عُبَيْدَةُ عَلَى أَمْرٍ وَفَيْنَا بِهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَ لِرَسُولِهِ فَتَقَدَّمَنِي أَصْحَابِي وَ تَخَلَّفْتُ بَعْدَهُمْ لِمَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِينَا- مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ الْآيَةَ حَمْزَةُ وَ جَعْفَرٌ وَ عُبَيْدَةُ وَ أَنَا وَ اللَّهِ الْمُنْتَظِرُ وَ مَا بَدَّلْتُ تَبْدِيلًا.
. فإذا عرفت ذلك فاعلم أنه(ع)استدل بهذه الآية على أن المؤمنين صنفان لأنه تعالى قال مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ فصنف منهم مؤمن صدق بعهد الله قيل الباء بمعنى في أي في عهد الله فقوله صدق كنصر بالتخفيف ففيه إشارة إلى أن في الآية أيضا الباء مقدرة أي صدقوا بما عاهدوا الله عليه و يمكن أن يقرأ صدق بالتشديد بيانا لحاصل معنى الآية أي صدقوا بعهد الله و ما وعدهم من الثواب و ما اشترط في الثواب من الإيمان و العمل الصالح و الأول أظهر و المراد بالعهد أصول الدين من الإقرار بالتوحيد و النبوة و الإمامة و المعاد و الوفاء بالشرط الإتيان بالمأمورات و الانتهاء عن المنهيات و قيل أراد بالعهد الميثاق بقوله أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ و بالشرط قوله تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ (3) و أقول يحتمل أن يكون المراد بهما ما مر
فِي كِتَابِ الْإِمَامَةِ عَنْهُ(ع)حَيْثُ قَالَ: إِنَّكُمْ لَا تَكُونُونَ صَالِحِينَ حَتَّى تَعْرِفُوا وَ لَا تَعْرِفُونَ حَتَّى تُصَدِّقُوا وَ لَا تُصَدِّقُونَ حَتَّى تُسَلِّمُوا أَبْوَاباً أَرْبَعَةً لَا يَصْلُحُ أَوَّلُهَا إِلَّا بِآخِرِهَا ضَلَّ أَصْحَابُ الثَّلَاثَةِ وَ
____________
(1) مجمع البيان ج 8 ص 349، و فيه: قال ابن عبّاس. من قضى نحبه حمزة بن عبد المطلب، و من قتل معه، و أنس بن نضر و أصحابه، و روى الحاكم أبو القاسم الحسكانى بالاسناد عن عمرو بن ثابت، عن أبي إسحاق عن عليّ (عليه السلام) قال: فينا نزلت رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ المنتظر. و ما بدلت تبديلا. نعم ما نقله (رحمه الله) انما يوجد في تفسير القمّيّ ص 527.
(2) الخصال ج 2: 21.
(3) النساء: 31.
191
تَاهُوا تَيْهاً بَعِيداً إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ إِلَّا الْعَمَلَ الصَّالِحَ وَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الْوَفَاءَ بِالشُّرُوطِ وَ الْعُهُودِ فَمَنْ وَفَى لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِشَرْطِهِ وَ اسْتَعْمَلَ مَا وَصَفَ فِي عَهْدِهِ نَالَ مَا عِنْدَهُ وَ اسْتَعْمَلَ عَهْدَهُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَخْبَرَ الْعِبَادَ بِطَرِيقِ الْهُدَى وَ شَرَعَ لَهُمْ فِيهَا الْمَنَارَ وَ أَخْبَرَهُمْ كَيْفَ يَسْلُكُونَ فَقَالَ وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى (1) وَ قَالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (2) إِلَى آخِرِ الْخَبَرِ.
فالشروط و العهود هي التوبة و الإيمان و الأعمال الصالحة و الاهتداء بالأئمة ع.
فذلك الذي لا تصيبه أهوال الدنيا و لا أهوال الآخرة قيل المراد بأهوال الدنيا القحط و الطاعون و أمثالهما في الحياة و ما يراه عند الموت من سكراته و أهواله و أهوال الآخرة ما بعد الموت إلى دخول الجنة و قيل المراد بأهوال الدنيا الهموم من فوات نعيمها لأن الدنيا و نعيمها لم تخطر بباله فكيف الهموم من فواتها أو المراد أعم منها و من عقوباتها و مكارهها و مصائبها لأنها عنده نعمة مرغوبة لا أهوال مكروهة أو لأنها لا تصيبه لأجل المعصية فلا ينافي إصابتها لرفع الدرجة و لا يخفى بعد تلك الوجوه.
و الأظهر عندي أن المراد بأهوال الدنيا ارتكاب الذنوب و المعاصي لأنها عنده من أعظم المصائب و الأهوال بقرينة ما سيأتي في الشق المقابل له و يحتمل أن يكون إطلاق الأهوال عليها على مجاز المشاكلة.
و ذلك ممن يشفع على بناء المعلوم أي يشفع للمؤمنين من المذنبين و لا يشفع له على بناء المجهول أي أنه لا يحتاج إلى الشفاعة لأنه من المقربين الذين لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ و لا يحزنون و إنما الشفاعة لأهل المعاصي.
كخامة الزرع قال في النهاية فيه مثل المؤمن مثل الخامة من الزرع تفيئها الرياح هي الطاقة الغضة اللينة من الزرع و ألفها منقلبة عن واو انتهى.
____________
(1) طه: 82.
(2) المائدة: 27.
192
و أشار(ع)إلى وجه الشبه بقوله يعوج أحيانا و المراد باعوجاجه ميله إلى الباطل و هو متاع الدنيا و الشهوات النفسانية و بقيامه استقامته على طريق الحق و مخالفته للأهواء و الوساوس الشيطانية و لا يشفع أي لا يؤذن له في الشفاعة.
كا، الكافي عَنِ الْعِدَّةِ عَنْ سَهْلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ الْقُمِّيِّ عَنْ خِضْرِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنَانِ مُؤْمِنٌ وَفَى لِلَّهِ بِشُرُوطِهِ الَّتِي اشْتَرَطَهَا عَلَيْهِ فَذَلِكَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً وَ ذَلِكَ مِمَّنْ يَشْفَعُ وَ لَا يُشْفَعُ لَهُ وَ ذَلِكَ مِمَّنْ لَا يُصِيبُهُ أَهْوَالُ الدُّنْيَا وَ لَا أَهْوَالُ الْآخِرَةِ وَ مُؤْمِنٌ زَلَّتْ بِهِ قَدَمٌ كَخَامَةِ الزَّرْعِ كَيْفَمَا كَفَتْهُ الرِّيحُ انْكَفَأَ وَ ذَلِكَ مَنْ تُصِيبُهُ أَهْوَالُ الدُّنْيَا وَ أَهْوَالُ الْآخِرَةِ وَ يُشْفَعُ لَهُ وَ هُوَ عَلَى خَيْرٍ (1).
بيان خضر بكسر الخاء و سكون الضاد أو بفتح الخاء و سكون الضاد صحح بهما في القاموس و غيره وفى لله بشروطه العهود داخلة تحت الشروط هنا فذلك مع النبيين إشارة إلى قوله تعالى وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (2) و هذا مبني على ما ورد في الأخبار الكثيرة أن الصديقين و الشهداء و الصالحين هم الأئمة(ع)و المراد بالمؤمن في المقسم هنا غيرهم من المؤمنين و قد مر
عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ قِرَاءَةِ هَذِهِ الْآيَةِ فَمِنَّا النَّبِيُّ وَ مِنَّا الصِّدِّيقُ وَ الشُّهَدَاءُ وَ الصَّالِحُونَ.
. و في تفسير علي بن إبراهيم (3) قال النَّبِيِّينَ رَسُولُ اللَّهِ وَ الصِّدِّيقِينَ عَلِيٌ وَ الشُّهَداءِ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ وَ الصَّالِحِينَ الْأَئِمَّةُ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً الْقَائِمُ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (صلوات الله عليهم).
____________
(1) الكافي ج 2: 248.
(2) النساء: 69.
(3) تفسير القمّيّ ص 131.
193
فلا يحتاج إلى ما قيل إن الظاهر أنه كان من النبيين لأن الصنف الأول إما نبي أو صديق أو شهيد أو صالح و الصنف الثاني يكون مع هؤلاء بشفاعتهم زلت به قدم كان الباء للتعدية أي أزلته قدم و إقدام على المعصية و قيل الباء للسببية أي زلت بسببه قدمه أي فعله عمدا من غير نسيان و إكراه و كيفما مركب من كيف للشرط نحو كيف تصنع أصنع و ما زائدة للتأكيد.
و في النهاية يقال كفأت الإناء و أكفأته إذا كببته و إذا أملته و في القاموس كفاه كمنعه صرفه و كبه و قلبه كأكفأه و اكتفاه و انكفأ رجع و لونه تغير (1).
3- كا، الكافي عَنِ الْعِدَّةِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنِ ابْنِ مِهْرَانَ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي مَرْيَمَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: قَامَ رَجُلٌ بِالْبَصْرَةِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنَا عَنِ الْإِخْوَانِ فَقَالَ الْإِخْوَانُ صِنْفَانِ إِخْوَانُ الثِّقَةِ وَ إِخْوَانُ الْمُكَاشَرَةِ فَأَمَّا إِخْوَانُ الثِّقَةِ فَهُمُ الْكَفُّ وَ الْجَنَاحُ وَ الْأَهْلُ وَ الْمَالُ فَإِذَا كُنْتَ مِنْ أَخِيكَ عَلَى حَدِّ الثِّقَةِ فَابْذُلْ لَهُ مَالَكَ وَ بَدَنَكَ وَ صَافِ مَنْ صَافَاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ وَ اكْتُمْ سِرَّهُ وَ عَيْبَهُ وَ أَظْهِرْ مِنْهُ الْحَسَنَ وَ اعْلَمْ أَيُّهَا السَّائِلُ أَنَّهُمْ أَقَلُّ مِنَ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ وَ أَمَّا إِخْوَانُ الْمُكَاشَرَةِ فَإِنَّكَ تُصِيبُ لَذَّتَكَ مِنْهُمْ فَلَا تَقْطَعَنَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَ لَا تَطْلُبَنَّ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ ضَمِيرِهِمْ وَ ابْذُلْ لَهُمْ مَا بَذَلُوا لَكَ مِنْ طَلَاقَةِ الْوَجْهِ وَ حَلَاوَةِ اللِّسَانِ (2).
بيان الإخوان صنفان المراد بالإخوان إما مطلق المؤمنين فإن المؤمنين إخوة أو المؤمنين الذين يصاحبهم و يعاشرهم و يظهرون له المودة و الأخوة
____________
(1) القاموس ج 1: 26.
(2) الكافي ج 2: 248.
194
أو الأعم من المؤمنين و غيرهم إذا كانوا كذلك و المراد بإخوان الثقة أهل الصلاح و الصدق و الأمانة الذين يثق بهم و يعتمد عليهم في الدين و عدم النفاق و موافقة ظاهرهم لباطنهم و بإخوان المكاشرة الذين ليسوا بتلك المثابة و لكن يعاشرهم لرفع الوحشة أو للمصلحة و التقية فيجالسهم و يضاحكهم و لا يعتمد عليهم و لكن ينتفع بمحض تلك المصاحبة منهم لإزالة الوحشة و دفع الضرر.
قال في النهاية فيه إنا لنكشر في وجوه أقوام الكشر ظهور الأسنان في الضحك و كاشره إذا ضحك في وجهه و باسطه و الاسم الكشرة كالعشرة.
فهم الكف الحمل على المبالغة و التشبيه أي هم بمنزلة كفك في إعانتك و كف الأذى عنك فينبغي أن تراعيه و تحفظه كما تحفظ كفك.
قال في المصباح قال الأزهري الكف الراحة مع الأصابع سميت بذلك لأنها تكف الأذى عن البدن و قال جناح الطائر بمنزلة اليد للإنسان و في القاموس الجناح اليد و العضد و الإبط و الجانب و نفس الشيء و الكنف و الناحية انتهى و أكثر المعاني مناسبة و العضد أظهر و الحمل كما سبق أي هم بمنزلة عضدك في إعانتك فراعهم كما تراعي عضدك و كذا الأهل و المال و يمكن أن يكون المراد بكونهم مالا أنهم أسباب لحصول المال عند الحاجة إليه.
فإذا كنت من أخيك أي بالنسبة إليه
كَقَوْلِ النَّبِيِ أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى.
على حد الثقة أي على مرتبة الثقة و الاعتماد أو على أول حد من حدودها و الثقة في الأخوة و الديانة و الاتصاف بصفات المؤمنين و كون باطنه موافقا لظاهره.
فابذل له مالك و بدنك بذل المال هو أن يعطيه من ماله عند حاجته إليه سأل أم لم يسأل و بذل البدن هو أن يخدمه و يدفع الأذى عنه قولا و فعلا و هما متفرعان على كونهم الكف و الجناح و الأهل و المال و صاف من صافاه
195
أي أخلص الود لمن أخلص له الود قال في المصباح صفا خلص من الكدر و أصفيته الوداد أخلصته و في القاموس صافاه صدقه الإخاء كأصفاه.
و عاد من عاداه أي في الدين أو الأعم إذا كان الأخ محقا و إنما أطلق لأن المؤمن الكامل لا يكون إلا محقا و يؤيد هاتين الفقرتين
مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي النَّهْجِ (1) أَنَّهُ قَالَ أَصْدِقَاؤُكَ ثَلَاثَةٌ وَ أَعْدَاؤُكَ ثَلَاثَةٌ فَأَصْدِقَاؤُكَ صَدِيقُكَ وَ صَدِيقُ صَدِيقِكَ وَ عَدُوُّ عَدُوِّكَ وَ أَعْدَاؤُكَ عَدُوُّكَ وَ عَدُوُّ صَدِيقِكَ وَ صَدِيقُ عَدُوِّكَ.
. و اكتم سره أي ما أمرك بإخفائه أو تعلم أن إظهاره يضره و عيبه أي إن كان له عيب نادرا أو ما يعيبه الناس عليه و لم يكن قبيحا واقعا كالفقر و الأمراض الخفية و أظهر منه الحسن بالتحريك أي ما هو حسن ممدوح عقلا و شرعا من الصفات و الأخلاق و الأعمال و يمكن أن يقرأ بالضم.
فإنك تصيب لذتك منهم أي تلتذ بحسن صحبتهم و مؤانستهم و تحصيل بعض المنافع الدنيوية منهم بل الأخروية أيضا أحيانا بمذاكرتهم و مفاوضتهم فلا تقطعن ذلك الحظ منهم بالاستيحاش عنهم و ترك مصاحبتهم فتصير وحيدا لندرة النوع الأول
كَمَا قَالَ(ع)فِي حَدِيثٍ آخَرَ زُهْدُكَ فِي رَاغِبٍ فِيكَ نُقْصَانُ حَظٍّ وَ رَغْبَتُكَ فِي زَاهِدٍ فِيكَ ذُلُّ نَفْسٍ.
و لا تطلبن ما وراء ذلك من ضميرهم أي ما يضمرون في أنفسهم فلعله يظهر لك منهم حسد و عداوة و نفاق فتترك مصاحبتهم فيفوتك ذلك الحظ منهم أو يظهر لك منهم سوء عقيدة و فساد رأي فتضطر إلى مفارقتهم لذلك أو المعنى لا تتوقع منهم موافقة ضميرهم لك و حبهم الواقعي و اكتف بالمعاشرة الظاهرة و إن علمت عدم موافقة قلبهم للسانهم كما يرشد إليه قوله(ع)و ابذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه أي تهلله و إظهار فرحه برؤيتك و تبسمه.
____________
(1) نهج البلاغة ج 2 ص 217 تحت الرقم 295 من الحكم و المواعظ.
196
في المصباح رجل طلق الوجه أي فرح ظاهر البشر و هو طليق الوجه قال أبو زيد متهلل بسام.
و في الحديث حث على حسن المعاشرة و الاكتفاء بظواهر أحوالهم و عدم تجسس ما في بواطنهم فإنه أقرب إلى هدايتهم و إرشادهم إلى الحق و تعليم الجهال و هداية أهل الضلال و أبعد من التضرر منهم و التنفر عنهم و الأخبار في حسن المعاشرة كثيرة لا سيما مع المدعين للتشيع و الإيمان وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ
باب 12 شدة ابتلاء المؤمن و علته و فضل البلاء
الآيات البقرة أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (1) آل عمران لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (2) الأنعام وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ
____________
(1) البقرة: 214.
(2) آل عمران: 188.
197
يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَ لكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (1) تفسير أَمْ حَسِبْتُمْ قال في المجمع (2) أي أ ظننتم و خلتم أيها المؤمنون أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ و لما تمتحنوا و تبتلوا بمثل ما امتحن الذين مضوا من قبلكم به فتصبروا كما صبروا و هذا استدعاء إلى الصبر و بعده الوعد بالنصر.
ثم ذكر سبحانه ما أصاب أولئك فقال مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ و المس و اللمس واحد و البأساء نقيض النعماء و الضراء نقيض السراء و قيل البأساء القتل و الضراء الفقر وَ زُلْزِلُوا أي حركوا بأنواع البلايا و قيل معناه هنا أزعجوا بالمخافة من العدو و ذلك لفرط الحيرة.
مَتى نَصْرُ اللَّهِ قيل هذا استعجال للموعود كما يفعله الممتحن و إنما قاله الرسول استبطاء للنصر و قيل إن معناه الدعاء لله بالنصر و لا يجوز أن يكون على جهة الاستبطاء لنصر الله لأن الرسول يعلم أن الله لا يؤخره عن الوقت الذي توجبه الحكمة ثم أخبر الله أنه ناصر لأوليائه فقال أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ و قيل إن هذا من كلامهم فإنهم قالوا عند الإياس مَتى نَصْرُ اللَّهِ ثم تفكروا و علموا أن الله منجز وعده فقالوا أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ و قيل إنه ذكر كلام الرسول و المؤمنين جملة و تفصيله و قال المؤمنون مَتى نَصْرُ اللَّهِ و قال الرسول أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ انتهى.
وَ أَقُولُ رُوِيَ فِي الْخَرَائِجِ عَنْ زَيْنِ الْعَابِدِينَ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ: فَمَا تَمُدُّونَ أَعْيُنَكُمْ لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ مِمَّنْ هُوَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ يُؤْخَذُ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَ رِجْلُهُ وَ يُصْلَبُ ثُمَّ تَلَا أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ الْآيَةَ.
____________
(1) الأنعام: 44- 46.
(2) مجمع البيان ج 2 ص 308، و فيه: معناه: بل أ ظننتم و خلتم إلخ.
198
وَ رُوِيَ فِي الْكَافِي عَنْ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقْرَأُ- وَ زُلْزِلُوا ثُمَّ زُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ.
و قال في المجمع (1) في قوله تعالى لَتُبْلَوُنَ أي لتوقع عليكم المحن و تلحقكم الشدائد فِي أَمْوالِكُمْ بذهابها و نقصانها وَ في أَنْفُسِكُمْ أيها المؤمنون بالقتل و المصائب و قيل بفرض الجهاد و غيره وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني اليهود و النصارى وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يعني كفار مكة و غيرهم أَذىً كَثِيراً من تكذيب النبي ص و من الكلام الذي يغمهم مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ أي مما بان رشده و صوابه و وجب على العاقل العزم عليه و قيل أي من محكم الأمور.
و قال في قوله تعالى (2) وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا أي رسلا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فخالفوهم فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ يريد بالفقر و البؤس و الأسقام و الأوجاع عن ابن عباس لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ معناه لكي يتضرعوا فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا معناه فهلا تضرعوا إذ جاءهم بأسنا وَ لكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ فأقاموا على كفرهم و لم تنجع فيهم العظة وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ بالوسوسة و الإغراء بالمعصية لما فيها من عاجل اللذة ما كانُوا يَعْمَلُونَ يعني أعمالهم.
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أي تركوا ما وعظوا به فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ أي كل نعمة و بركة من السماء و الأرض و المعنى أنه تعالى امتحنهم بالشدائد لكي يتضرعوا و يتوبوا فلما تركوا ذلك فتح عليهم أبواب النعم و التوسعة في الرزق ليرغبوا بذلك في نعيم الآخرة حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا من النعيم و اشتغلوا بالتلذذ و لم يروه نعمة من الله حتى يشكروه أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً أي مفاجاة من حيث لا يشعرون فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ أي آيسون من النجاة و الرحمة.
وَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ: إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي عَلَى الْمَعَاصِي فَذَلِكَ اسْتِدْرَاجٌ
____________
(1) مجمع البيان ج 2 ص 551 و الآية في آل عمران: 186.
(2) مجمع البيان ج 4: 301، و الآية في الانعام: 44.
199
مِنْهُ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ وَ نَحْوُهُ مَا رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ قَالَ يَا ابْنَ آدَمَ إِذَا رَأَيْتَ رَبَّكَ يُتَابِعُ عَلَيْكَ نِعَمَهُ فَاحْذَرْهُ.
انتهى (1).
و يظهر من الآيات أن البلايا و المصائب نعم من الله ليتعظوا و يتذكروا بها و يتركوا المعاصي
كَمَا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)(2) وَ لَوْ أَنَّ النَّاسَ حِينَ تَنْزِلُ بِهِمُ النِّقَمُ وَ تَزُولُ عَنْهُمُ النِّعَمُ فَزِعُوا إِلَى رَبِّهِمْ بِصِدْقٍ مِنْ نِيَّاتِهِمْ وَ وَلَهٍ مِنْ قُلُوبِهِمْ لَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَارِدٍ وَ أَصْلَحَ لَهُمْ كُلَّ فَاسِدٍ.
و تدل على أن تواتر النعم على العباد و عدم ابتلائهم بالبلايا استدراج منه سبحانه غالبا كما قال علي بن إبراهيم لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ يعني كي يتضرعوا فلما لم يتضرعوا فتح الله عليهم الدنيا و أغناهم لفعلهم الردي فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ أي آيسون و ذلك قول الله في مناجاته لموسى ع.
حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: كَانَ فِي مُنَاجَاةِ اللَّهِ تَعَالَى لِمُوسَى يَا مُوسَى إِذَا رَأَيْتَ الْفَقْرَ مُقْبِلًا فَقُلْ مَرْحَباً بِشِعَارِ الصَّالِحِينَ وَ إِذَا رَأَيْتَ الْغِنَى مُقْبِلًا فَقُلْ ذَنْبٌ عُجِّلَتْ عُقُوبَتُهُ فَمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى أَحَدٍ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا إِلَّا بِذَنْبٍ لِيُنْسِيَهُ ذَلِكَ الذَّنْبَ فَلَا يَتُوبَ فَيَكُونُ إِقْبَالُ الدُّنْيَا عَلَيْهِ عُقُوبَةً لِذُنُوبِهِ (3).
وَ رَوَى الْكَشِّيُ (4) وَ الْعَيَّاشِيُّ بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ أَبِي الْحَسَنِ صَاحِبِ الْعَسْكَرِ(ع)أَنَّ قَنْبَراً مَوْلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أُدْخِلَ عَلَى الْحَجَّاجِ فَقَالَ مَا الَّذِي كُنْتَ تَلِي مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ كُنْتُ أُوَضِّيهِ فَقَالَ لَهُ مَا كَانَ يَقُولُ إِذَا فَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ فَقَالَ كَانَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ إِلَى قَوْلِهِ
____________
(1) مجمع البيان ج 4: 302.
(2) نهج البلاغة ج 1: 353 تحت الرقم 176 من الخطب.
(3) أخرجه الديلميّ في إرشاد القلوب: 219، الباب 48، و تراه في الكافي ج 2 ص 263. راجع تفسير القمّيّ ذيل هذه الآية.
(4) رجال الكشّيّ: 70.
200
فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (1) فَقَالَ الْحَجَّاجُ أَظُنُّهُ كَانَ يَتَأَوَّلُهُ عَلَيْنَا قَالَ نَعَمْ (2)
. 1- كِتَابُ صِفَاتِ الشِّيعَةِ، لِلصَّدُوقِ (رحمه الله) بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: الْبَرَصُ شِبْهُ اللَّعْنَةِ لَا يَكُونُ فِينَا وَ لَا فِي ذُرِّيَّتِنَا وَ لَا فِي شِيعَتِنَا.
وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنْ لَمْ يُؤْمِنِ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْبَلَايَا فِي الدُّنْيَا وَ لَكِنْ آمَنَهُ مِنَ الْعَمَى فِي الْآخِرَةِ وَ مِنَ الشَّقَاءِ يَعْنِي عَمَى الْبَصَرِ (3).
2- نَوَادِرُ الرَّاوَنْدِيِّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيباً وَ سَيَعُودُ غَرِيباً كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ فَقِيلَ وَ مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ الَّذِينَ يَصْلُحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ إِنَّهُ لَا وَحْشَةَ وَ لَا غُرْبَةَ عَلَى مُؤْمِنٍ وَ مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَمُوتُ فِي غُرْبَتِهِ إِلَّا بَكَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ رَحْمَةً لَهُ حَيْثُ قَلَّتْ بَوَاكِيهِ وَ فُسِحَ لَهُ فِي قَبْرِهِ بِنُورٍ يَتَلَأْلَأُ مِنْ حَيْثُ دُفِنَ إِلَى مَسْقَطِ رَأْسِهِ.
3- كا، الكافي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ (4).
بيان: أشد الناس بلاء قيل المراد بالناس هنا الكمل من الأنبياء و الأوصياء و الأولياء فإنهم الناس حقيقة و سائر الناس نسناس كما ورد في الأخبار و البلاء ما يختبر و يمتحن به من خير أو شر و أكثر ما يأتي مطلقا الشر و ما أريد به الخير يأتي مقيدا كما قال تعالى بَلاءً حَسَناً (5) و أصله المحنة.
____________
(1) الأنعام: 45.
(2) تفسير العيّاشيّ ج 1: 359.
(3) صفات الشيعة: 180.
(4) الكافي ج 2: 252.
(5) الأنفال: 17.
201
و الله تعالى يبتلي عبده بالصنع الجميل ليمتحن شكره و بما يكره ليمتحن صبره يقال بلاه الله بخير أو شر يبلوه بلوا و أبلاه إبلاء و ابتلاه ابتلاء بمعنى امتحنه و الاسم البلاء مثل سلام و البلوى و البلية مثله.
و قال في النهاية فيه أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل أي الأشرف فالأشرف و الأعلى فالأعلى في الرتبة و المنزلة ثم يقال هذا أمثل من هذا أي أفضل و أدنى إلى الخير و أماثل الناس خيارهم انتهى.
ثم الذين يلونهم أي يقربون منهم و يكونون بعدهم في المصباح الولي مثل فلس القرب و في الفعل لغتان أكثرهما وليه يليه بكسرتين و الثانية من باب وعد و هي قليلة الاستعمال و جلست مما يليه أي يقاربه و قيل الولي حصول الثاني بعد الأول من غير فصل انتهى و المراد بهم الأوصياء ع.
4- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ نَاجِيَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ(ع)إِنَّ الْمُغِيرَةَ يَقُولُ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُبْتَلَى بِالْجُذَامِ وَ لَا بِالْبَرَصِ وَ لَا بِكَذَا وَ لَا بِكَذَا فَقَالَ إِنْ كَانَ لَغَافِلًا عَنْ صَاحِبِ يَاسِينَ إِنَّهُ كَانَ مُكَنَّعاً ثُمَّ رُدَّ أَصَابِعُهُ فَقَالَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى تَكْنِيعِهِ أَتَاهُمْ فَأَنْذَرَهُمْ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْغَدِ فَقَتَلُوهُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُبْتَلَى بِكُلِّ بَلِيَّةٍ وَ يَمُوتُ بِكُلِّ مِيتَةٍ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ نَفْسَهُ (1).
بيان المغيرة هو المغيرة بن سعيد و قد ذكر الكشي (2) أحاديث كثيرة في لعنه و قال العلامة (قدس سره) إنه كان يدعو إلى محمد بن عبد الله بن الحسن و قال (رحمه الله) في مناهج اليقين القائلون بإمامة الباقر(ع)اختلفوا بعد موته فالإمامية ساقوها إلى ولده الصادق(ع)و منهم من قال إنه لم يمت و منهم من ساقها إلى غير ولده فذهب بعضهم إلى أن الإمام بعد الباقر(ع)محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن و هم أصحاب المغيرة بن سعيد.
____________
(1) الكافي ج 2: 254.
(2) رجال الكشّيّ: 194- 198.
202
وَ رَوَى الْكَشِّيُ (1) عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ قَالَ يَوْماً لِأَصْحَابِهِ لَعَنَ اللَّهُ الْمُغِيرَةَ بْنَ سَعِيدٍ وَ لَعَنَ اللَّهُ يَهُودِيَّةً كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهَا يَتَعَلَّمُ مِنْهَا السِّحْرَ وَ الشُّعْبَذَةَ وَ الْمَخَارِيقَ إِنَّ الْمُغِيرَةَ كَذَبَ عَلَى أَبِي(ع)فَسَلَبَهُ اللَّهُ الْإِيمَانَ وَ إِنَّ قَوْماً كَذَبُوا عَلَيَّ مَا لَهُمْ أَذَاقَهُمُ اللَّهُ حَرَّ الْحَدِيدِ.
وَ رُوِيَ أَيْضاً عَنِ الرِّضَا(ع)(2) أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الْمُغِيرَةُ يَكْذِبُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فَأَذَاقَهُ اللَّهُ حَرَّ الْحَدِيدِ.
و قال في المواقف قال مغيرة بن سعيد العجلي الله جسم على صورة إنسان من نور على رأسه تاج و قلبه منبع الحكمة و لما أراد أن يخلق الخلق تكلم بالاسم الأعظم فطار فوقع تاجا على رأسه ثم إنه كتب على كفه أعمال العباد فغضب من المعاصي فعرق فحصل منه بحران أحدهما مالح مظلم و الآخر حلو نير ثم اطلع في البحر النير فأبصر فيه ظله فانتزعه فجعل منه الشمس و القمر و أفنى الباقي من الظل نفيا للشريك ثم خلق الخلق من البحرين فالكفار من المظلم و المؤمنين من النير.
ثم أرسل محمدا و الناس في ضلال و عرض الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ و هو أبو بكر بأمر عمر بشرط أن يجعل الخلافة بعده له و قوله تعالى كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ (3)
____________
(1) رجال الكشّيّ: 196.
(2) المصدر نفسه ص 194.
أقول و روى بإسناده الى هشام بن الحكم أنّه سمع أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: كان المغيرة بن سعيد يتعمد الكذب على أبى، و يأخذ كتب أصحابه- و كان أصحابه المستترون بأصحاب أبى يأخذون الكتب من أصحاب أبى فيدفعونها الى المغيرة-.
فكان يدس فيها الكفر و الزندقة، و يسندها الى أبى، ثمّ يدفعها الى أصحابه فيأمرهم أن يبثوها في الشيعة، فكلما كان في كتب أصحاب أبى من الغلو، فذاك مما دسه المغيرة ابن سعيد في كتبهم.
(3) الحشر: 16.
203
نزلت في أبي بكر و عمر.
و الإمام المنتظر هو زكريا بن محمد بن علي بن الحسين بن علي و هو حي في جبل حاجر إلى أن يؤمر بالخروج و قتل المغيرة فقال بعض أصحابه بانتظاره و بعضهم بانتظار زكريا انتهى.
و قيل هو المغيرة بن سعد و كان يلقب بالأبتر فنسبت إليه البترية من الزيدية و لم أدر من أين أخذه (1).
فقال إن كان لغافلا إن مخففة من المثقلة و صاحب ياسين هو حبيب النجار و إنذاره إشارة إلى قوله تعالى وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ (2) و هذه القرية هي أنطاكية في قول المفسرين إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ أي رسولين من رسلنا فَكَذَّبُوهُما أي الرسولين قال ابن عباس ضربوهما و سجنوهما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ أي فقوينا و شددنا ظهورهما برسول ثالث قيل كان اسم الرسولين شمعون و يوحنا و الثالث بولس و قال ابن عباس و كعب صادق و صدوق و الثالث سلوم و قيل إنهم رسل عيسى
____________
(1) قال الفيروزآبادي في القاموس ج 1 ص 366 في مادة «بتر»: و الابتر لقب المغيرة بن سعد و البترية- بالضم- من الزيدية تنسب إليه.
و لكن قال الكشّيّ في رجاله ص 202: البترية هم أصحاب كثير النواء و الحسن بن صالح بن يحيى [حى ظ]، و سالم بن أبي حفصة و الحكم بن عتيبة و سلمة بن كهيل و أبو المقدام ثابت الحداد، و هم الذين دعوا الى ولاية عليّ (عليه السلام) ثمّ خلطوها بولاية أبى بكر و عمر و يثبتون لهما امامتهما و يبغضون عثمان و طلحة و الزبير و عائشة، و يرون الخروج مع بطون ولد عليّ بن أبي طالب إلخ.
و انما قيل لهم البترية لان جماعة من الزيدية دخلوا على أبى جعفر الباقر (عليه السلام) و كان عنده زيد بن عليّ، فأظهروا عقائدهم و ما يقولون به، فقال لهم زيد: بترتم أمرنا بتركم اللّه.
(2) يس: 13. و ما بعدها ذيلها.
204
و هم الحواريون و إنما أضافهم إلى نفسه لأن عيسى(ع)أرسلهم بأمره فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ قالُوا يعني أهل القرية ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فلا تصلحون للرسالة كما لا نصلح نحن لها وَ ما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَ ما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ إلى قوله تعالى وَ جاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى و كان اسمه حبيب النجار عن ابن عباس و جماعة من المفسرين و كان قد آمن بالرسول عند ورودهم القرية و كان منزله عند أقصى باب من أبواب المدينة فلما بلغه أن قومه قد كذبوا الرسل و هموا بقتلهم جاء يعدو و يشتد قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ الذين أرسلهم الله إليكم و أقروا برسالتهم.
قالوا و إنما علم هو نبوتهم لأنهم لما دعوه قال أ تأخذون على ذلك أجرا قالوا لا و قيل إنه كان به زمانة أو جذام فابرءوه فآمن بهم عن ابن عباس اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَ هُمْ مُهْتَدُونَ وَ ما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَ لا يُنْقِذُونِ إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ فاسمعوا قولي و اقبلوه و قيل إنه خاطب بذلك الرسل أي فاسمعوا ذلك حتى تشهدوا لي به عند الله عن ابن مسعود.
قال ثم إن قومه لما سمعوا ذلك القول منه وطئوه بأرجلهم حتى مات فأدخله الله الجنة و هو حي فيها يرزق و هو قوله قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ و قيل رجموه حتى قتلوه و قيل إن القوم لما أرادوا أن يقتلوه رفعه الله إليه فهو في الجنة و لا يموت إلا بفناء الدنيا و هلاك الجنة عن الحسن و مجاهد و قالا إن الجنة التي دخلها يجوز هلاكها.
و قيل إنهم قتلوه إلا أن الله سبحانه أحياه و أدخله الجنة فلما دخلها قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ
205
وَ فِي تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ بِالْإِسْنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ: سُبَّاقُ الْأُمَمِ ثَلَاثَةٌ لَمْ يَكْفُرُوا بِاللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ- عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ صَاحِبُ يَاسِينَ وَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ فَهُمُ الصِّدِّيقُونَ وَ عَلِيٌّ أَفْضَلُهُمْ.
كل ذلك ذكره الطبرسي (1) (رحمه الله) في مجمع البيان و الأخبار الطويلة المشتملة على تلك القصة قد تقدمت في المجلد الخامس.
أنه كان مكنعا في أكثر النسخ بالنون المشددة المفتوحة و في بعضها بالتاء و في القاموس كنع كمنع كنوعا انقبض و انضم و أصابعه ضربها فأيبسها و كفرح يبس و تشنج و لزم و شيخ كنع ككتف شنج و الكنيع المكسور اليد و الأكنع الأشل و كمعظم و مجمل المقفع اليد أي متشنجها أو المقطوعها و كنع يده أشلها (2) و قال كتع كمنع انقبض و انضم و الأكتع من رجعت أصابعه إلى كفه و ظهرت رواجبه (3).
و أقول كأنه كان الجذام سببا لتكنيع أصابعه كما سيأتي تفسيره بالجذام أو كان هذا الداء أيضا مذكورا في الأدواء التي نفاها عن المؤمن أو الغرض بيان أن الابتلاء بالأدواء العظيمة الشنيعة لا ينافي كمال الإيمان و قيل كانت أصابعه سقطت من الجذام فأشار(ع)بضم أصابعه إلى كفه إلى ذلك.
ثم رد أصابعه هذا من كلام الراوي أي رد(ع)أصابعه إلى كفه إشارة إلى تكنيعه فقال كأني أنظر إلى تكنيعه أي أعلم ذلك و كيفيته بعين اليقين أتاهم أي حبيب فأنذرهم و خوفهم عقاب الله على ترك اتباع الرسل بما حكى الله تعالى عنه و ربما يتوهم التنافي بين هذا الخبر و بين
مَا وَرَدَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ إِذَا بَلَغَ الْمُؤْمِنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً آمَنَهُ اللَّهُ مِنَ الْأَدْوَاءِ الثَّلَاثَةِ الْبَرَصِ وَ الْجُذَامِ وَ الْجُنُونِ.
و يمكن أن يجاب بأنه محمول على الغالب فلا ينافي الابتلاء بعد
____________
(1) مجمع البيان ج 8 ص 417- 421.
(2) القاموس ج 3 ص 80.
(3) القاموس ج 3 ص 77.
206
الأربعين نادرا مع أنه يمكن أن يكون ابتلاء المؤمن قبل الأربعين و أيضا الخبر ليس بصريح في ابتلائه بالجذام.
و الميتة بالكسر للحال و الهيئة و يدل على أن قاتل نفسه ليس بمؤمن سواء قتلها بحربة أو بشرب السم أو بترك الأكل و الشرب أو ترك مداواة جراحة أو مرض علم نفعها أما لو أحرق العدو السفينة فألقى من فيها نفسه في البحر فمات فالظاهر أنه أيضا داخل في هذا الحكم خلافا لبعض العامة فإنه أخرجه منه لأنه فر من موت إلى موت و هو ضعيف و ربما يحمل على من استحل قتل نفسه و الظاهر أن المراد بالمؤمن الكامل.
كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ سِنَانٍ عَنْ عُثْمَانَ النَّوَّاءِ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَبْتَلِي الْمُؤْمِنَ بِكُلِّ بَلِيَّةٍ وَ يُمِيتُهُ بِكُلِّ مِيتَةٍ وَ لَا يَبْتَلِيهِ بِذَهَابِ عَقْلِهِ أَ مَا تَرَى أَيُّوبَ كَيْفَ سَلَّطَ اللَّهُ إِبْلِيسَ عَلَى مَالِهِ وَ عَلَى وُلْدِهِ وَ عَلَى أَهْلِهِ وَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ وَ لَمْ يُسَلِّطْ عَلَى عَقْلِهِ تُرِكَ لَهُ لِيُوَحِّدَ اللَّهَ بِهِ (1).
بيان و لا يبتليه بذهاب عقله لأن فائدة الابتلاء التصبر و التذكر و الرضا و نحوها و لا يتصور شيء من ذلك بذهاب العقل و فساد القلب و لا ينافي ذهاب العقل لا لغرض الابتلاء على أن الموضع هو المؤمن و المجنون لا يتصف بالإيمان كذا قيل لكن ظاهر الخبر أن المؤمن الكامل لا يبتلى بذلك و إن لم يطلق عليه في تلك الحال اسم الإيمان و كان بحكم المؤمن.
و يمكن أن يكون هذا غالبيا فإنا نرى كثيرا من صلحاء المؤمنين يبتلون في أواخر العمر بالخرافة و ذهاب العقل أو يخص بنوع منه و الوجه الأول لا يخلو من وجه و على كل شيء منه ظاهره تسلطه على جميع أعضائه و قواه سوى عقله و قد يؤول بتسلطه على بيته و أثاث بيته و أمثال ذلك و أحبائه و أصدقائه
____________
(1) الكافي ج 2 ص 256.
207
و قد سبق بسط القول في قصص أيوب(ع)و دفع الشبه الواردة فيها في المجلد الخامس فلا نعيدها حذرا من التكرار.
6- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)الْبَلَاءُ وَ مَا يَخُصُّ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ الْمُؤْمِنَ فَقَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً فِي الدُّنْيَا فَقَالَ النَّبِيُّونَ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ وَ يُبْتَلَى الْمُؤْمِنُ بَعْدُ عَلَى قَدْرِ إِيمَانِهِ وَ حُسْنِ أَعْمَالِهِ فَمَنْ صَحَّ إِيمَانُهُ وَ حَسُنَ عَمَلُهُ اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَ مَنْ سَخُفَ إِيمَانُهُ وَ ضَعُفَ عَمَلُهُ قَلَّ بَلَاؤُهُ (1).
محص، التمحيص عن عبد الرحمن مثله بيان السخف الخفة في العقل و غيره ذكره الجزري و الفعل ككرم و ضعف عمله أي بالكمية أو بالكيفية أو بهما.
7- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ زَيْدٍ الشَّحَّامِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ عَظِيمَ الْأَجْرِ لَمَعَ عَظِيمِ الْبَلَاءِ وَ مَا أَحَبَّ اللَّهُ قَوْماً إِلَّا ابْتَلَاهُمْ (2).
بيان: يدل على أن عظيم البلاء سبب للأجر العظيم و علامة لمحبة الرب الرحيم إذا كان في المؤمن الكريم.
8- كا، الكافي عَنِ الْعِدَّةِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ ابْنِ رِئَابٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عِبَاداً فِي الْأَرْضِ مِنْ خَالِصِ عِبَادِهِ مَا يُنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ تُحْفَةً إِلَى الْأَرْضِ إِلَّا صَرَفَهَا عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ وَ لَا بَلِيَّةً إِلَّا صَرَفَهَا إِلَيْهِمْ (3).
نبه، تنبيه الخاطر عن ابن رئاب و كرام بن عمرو عن أبي بصير مثله
____________
(1) الكافي ج 2 ص 252.
(2) الكافي ج 2 ص 252.
(3) المصدر ص 253.
208
بيان ما ينزل من السماء أي يقدر فيها تحفة أي من التحف الدنيوية و كذا البلية.
9- كا، الكافي عَنِ الْعِدَّةِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُلْوَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ قَالَ وَ عِنْدَهُ سَدِيرٌ إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْداً غَتَّهُ بِالْبَلَاءِ غَتّاً وَ إِنَّا وَ إِيَّاكُمْ يَا سَدِيرُ لَنُصْبِحُ بِهِ وَ نُمْسِي (1).
بيان غته أي غمسه و الباء بمعنى في و يحتمل القهر و الغم في النهاية فيه يغتهم الله في العذاب غتا أي يغمسهم فيه غمسا متتابعا و منه حديث الدعاء يا من لا يغته دعاء الداعين أي يغلبه و يقهره و في حديث الحوض يغت فيه ميزابان مدادهما من الجنة أي يدفقان فيه الماء دفقا دائما متتابعا و في القاموس غته بالأمر كده و في الماء غطه و فلانا غمه و خنقه (2) لنصبح به أي بالغت أو بالبلاء.
10- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَلَاءِ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْداً غَتَّهُ بِالْبَلَاءِ غَتّاً وَ ثَجَّهُ بِالْبَلَاءِ ثَجّاً فَإِذَا دَعَاهُ قَالَ لَبَّيْكَ عَبْدِي لَئِنْ عَجَّلْتُ لَكَ مَا سَأَلْتَ إِنِّي عَلَى ذَلِكَ لَقَادِرٌ وَ لَئِنِ ادَّخَرْتُ لَكَ فَمَا ادَّخَرْتُ لَكَ خَيْرٌ لَكَ (3).
جع، جامع الأخبار عنه(ع)مثله (4) بيان في القاموس ثج الماء سال و ثجه أساله و في النهاية فيه أفضل الحج العج الثج الثج سيلان دماء الهدي و الأضاحي يقال ثجه
____________
(1) المصدر ص 253.
(2) القاموس ج 1 ص 153.
(3) الكافي ج 2 ص 253.
(4) روى الصدوق في معاني الأخبار ص 223 بإسناده عن النخعيّ عن عمه عن إسماعيل بن مسلم، عن جعفر بن محمّد، عن آبائه، عن على (عليهم السلام) قال: نزل جبرئيل على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: يا محمد! مر أصحابك بالعج و الثج، فالعج رفع الأصوات بالتلبية، و الثج نحر البدن.
209
يثجه ثجا و منه فحلب فيه ثجا أي لبنا سائلا كثيرا و حديث المستحاضة إني أثجه ثجا انتهى.
و أقول ما في هذا الخبر يحتمل أن يكون على الحذف و الإيصال و الباء زائدة أي ثج عليه البلاء أو يكون تسييله كناية عن شدة ألمه و حزنه كأنه يذوب من البلاء و يسيل أو عن توجهه إلى جناب الحق سبحانه بالدعاء و التضرع لدفعه و قيل أي أسال دم قلبه بالبلاء.
و أقول في جامع الأخبار (1) و غيره بجه بالباء الموحدة و البج الشق و الطعن بالرمح.
فإذا دعاه أي لدفع البلاء أو لغيره من المطالب أيضا و في القاموس ألب أقام كلب و منه لبيك أي أنا مقيم على طاعتك إلبابا بعد إلباب و إجابة بعد إجابة أو معناه اتجاهي و قصدي لك من داري تلب داره أي تواجهها أو معناه محبتي لك من امرأة لبة محبة لزوجها أو معناه إخلاصي لك من حسب لباب خالص (2).
11- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ زَيْدٍ الزَّرَّادِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ عَظِيمَ الْبَلَاءِ يُكَافَأُ بِهِ عَظِيمُ الْجَزَاءِ فَإِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْداً ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِعَظِيمِ الْبَلَاءِ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ الرِّضَا وَ مَنْ سَخِطَ الْبَلَاءَ فَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ السَّخَطُ (3).
ل، الخصال عن أبيه عن محمد العطار عن سهل عن الحسن اللؤلؤي عن محمد بن سنان عن زيد الشحام عنه(ع)مثله (4)- محص، التمحيص عن الشحام مثله بيان يكافأ به على بناء المجهول أي يجازى أو يساوى في القاموس
____________
(1) جامع الأخبار: 134.
(2) القاموس ج 1 ص 126 و 127.
(3) الكافي ج 2 ص 253.
(4) الخصال ج 1 ص 12.
210
كافأه مكافأة و كفاء جازاه و فلانا ماثله و راقبه (1) و الحمد لله كفاء الواجب أي ما يكون مكافئا له.
فإذا أحب الله عبدا أي أراد أن يوصل الجزاء العظيم إليه و يرضى عنه و وجده أهلا لذلك ابتلاه بعظيم البلاء من الأمراض الجسمانية و المكاره الروحانية فمن رضي أي ببلائه و قضائه و الظاهر أن المراد بالموصول في الموضعين أعم من العبد المحبوب المتقدم فإن العبد المحبوب لله سبحانه لا يسخط قضاءه و يحتمل أن يكون المراد بالمحبة تعريضه للمثوبة سواء رضي أم لا فمن رضي فله عند الله الرضا أي يرضى الله عنه و من سخط القضاء فله عند الله السخط أي الغضب.
12- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ الْحُرِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّمَا يُبْتَلَى الْمُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا عَلَى قَدْرِ دِينِهِ أَوْ قَالَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ (2).
بيان أو قال الشك من الراوي و الحسب بالتحريك المقدار فمآل الروايتين واحد قال في المصباح قولهم يجزى المرء على حسب عمله أي على مقداره.
13- كا، الكافي عَنِ الْعِدَّةِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى الْحَضْرَمِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بُهْلُولِ بْنِ مُسْلِمٍ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُ بِمَنْزِلَةِ كِفَّةِ الْمِيزَانِ كُلَّمَا زِيدَ فِي إِيمَانِهِ زِيدَ فِي بَلَائِهِ (3).
بيان إنما المؤمن كان المعنى أن حال المؤمن في إيمانه و بلائه بمنزلة كفتي الميزان كما ورد الصلاة ميزان فمن وفى استوفى و قيل المعنى أن المؤمن ككفة الميزان في أنه كلما وضع فيه يوضع في الكفة الأخرى
____________
(1) القاموس ج 1 ص 26.
(2) الكافي ج 2 ص 253.
(3) الكافي ج 2 ص 254.
211
ما يوازنه عند الوزن فكلما زيد في المؤمن من الإيمان زيد في الكفة الأخرى و هو الكافر الذي بلاء المؤمن بسببه سواء كان من الإنس أو الجن فيزيد بلاؤه و أذاه للمؤمن بحسب زيادة إيمان المؤمن.
14- كا، الكافي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ الْمُؤْمِنُ لَا يَمْضِي عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً إِلَّا عَرَضَ لَهُ أَمْرٌ يَحْزُنُهُ يُذَكَّرُ بِهِ (1).
بيان: أمر يحزنه بالضم قال في المصباح حزن حزنا من باب تعب و الاسم الحزن بالضم فهو حزين و يتعدى في لغة قريش بالحركة يقال حزنني الأمر يحزنني من باب قتل قاله تغلب و الأزهري و في لغة تميم بالألف و مثل الأزهري باسم الفاعل و المفعول في اللغتين على بابهما و منع أبو زيد الماضي من الثلاثي فقال لا يقال حزنه و إنما يستعمل المضارع من الثلاثي فيقال يحزنه انتهى.
و قوله يذكر به على بناء المفعول من التفعيل كأنه سئل عن سبب عروض ذلك الأمر فقال يذكر به ذنوبه و التوبة منها لقوله سبحانه ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ (2) و ربه القادر على دفع ذلك عنه فيتضرع لذلك و يدعو الله لرفعه و سفالة الدنيا (3) و دناءتها لشيوع أمثال ذلك فيها فيزهد فيها و الآخرة و خلوص لذاتها عن الأحزان و الكدورات فيرغب إليها و لا يصلح القلب إصلاح الحزن شيء و قد قيل إن القلب الذي لا حزن فيه كالبيت الخراب.
15- كا، الكافي عَنِ الْعِدَّةِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ إِنَّ الْمُؤْمِنَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَبِأَفْضَلِ مَكَانٍ ثَلَاثاً إِنَّهُ لَيَبْتَلِيهِ بِالْبَلَاءِ ثُمَّ يَنْزِعُ نَفْسَهُ عُضْواً عُضْواً
____________
(1) المصدر 253.
(2) الشورى: 30.
(3) أي و يذكر سفالة الدنيا. و هكذا قوله: و الآخرة إلخ.
212
مِنْ جَسَدِهِ وَ هُوَ يَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ (1).
بيان: من الله أي بالنسبة إليه ثلاثا أي قال هذا الكلام ثلاث مرات نفسه عضوا عضوا أي روحه من بدنه بالتدريج و قيل أراد بقطع بدنه عضوا عضوا فكلما قطع منه عضو سلب الروح منه و قال بعضهم النفس بضم النون و الفاء جمع نفيس أي يقطع أعضاءه النفيسة بالجذام و لا يخفى ما فيه و الأول أظهر.
16- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَا يَبْلُغُهَا عَبْدٌ إِلَّا بِالابْتِلَاءِ فِي جَسَدِهِ (2).
بيان: يدل على أن بعض درجات الجنة يمكن البلوغ إليها بالعمل و السعي و بعضها لا يمكن الوصول إليها إلا بالابتلاء في الجسد فيمن الله تعالى على من أحب من عباده بالابتلاء ليصلوا إليها.
17- كا، الكافي عَنِ الْعِدَّةِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِي يَحْيَى الْحَنَّاطِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ: شَكَوْتُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)مَا أَلْقَى مِنَ الْأَوْجَاعِ وَ كَانَ مِسْقَاماً فَقَالَ لِي يَا عَبْدَ اللَّهِ لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا لَهُ مِنَ الْجَزَاءِ فِي الْمَصَائِبِ لَتَمَنَّى أَنَّهُ قُرِّضَ بِالْمَقَارِيضِ (3).
بيان: و كان مسقاما هذا كلام أبي يحيى و ضمير كان عائد إلى عبد الله و المسقام بالكسر الكثير السقم و المرض أنه قرض على بناء المفعول بالتخفيف أو بالتشديد للتكثير و المبالغة.
و في المصباح قرضت الشيء قرضا من باب ضرب قطعته بالمقراضين و المقراض أيضا بكسر الميم و الجمع مقاريض و لا يقال إذا جمع بينهما مقراض كما تقوله العامة و إنما يقال عند اجتماعهما قرضته قرضا من باب قطعته بالمقراضين
____________
(1) الكافي ج 2 ص 254.
(2) الكافي ج 2 ص 255.
(3) المصدر ج 2 ص 255.
213
و في الواحد قطعته بالمقراض.
كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ رِبَاطٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ إِنَّ أَهْلَ الْحَقِّ لَمْ يَزَالُوا مُنْذُ كَانُوا فِي شِدَّةٍ أَمَا إِنَّ ذَلِكَ إِلَى مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ وَ عَافِيَةٍ طَوِيلَةٍ (1).
نبه، تنبيه الخاطر عن ابن رباط مثله بيان منذ كانوا تامة و في شدة خبر لم يزالوا إلى مدة قليلة أي إلى انتهاء مدة قليلة هي العمر ينتهي إلى عافية طويلة في البرزخ و الآخرة و قيل إلى بمعنى مع.
19- كا، الكافي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُخْتَارِ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ حُمْرَانَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَيَتَعَاهَدُ الْمُؤْمِنَ بِالْبَلَاءِ كَمَا يَتَعَاهَدُ الرَّجُلُ أَهْلَهُ بِالْهَدِيَّةِ مِنَ الْغَيْبَةِ وَ يَحْمِيهِ الدُّنْيَا كَمَا يَحْمِي الطَّبِيبُ الْمَرِيضَ (2).
بيان: في القاموس تعهده و تعاهده تفقده و أحدث العهد به و قال حمى المريض ما يضره منعه إياه فاحتمى و تحمى امتنع.
و أقول وجه الشبه في الفقرتين في المشبه و إن كان أقوى لكن المشبه به عند الناس أظهر و أجلى.
كا، الكافي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْخَثْعَمِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بُهْلُولٍ الْعَبْدِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ لَمْ يُؤْمِنِ اللَّهُ الْمُؤْمِنَ مِنْ هَزَاهِزِ الدُّنْيَا وَ لَكِنَّهُ آمَنَهُ مِنَ الْعَمَى فِيهَا وَ الشَّقَاءِ فِي الْآخِرَةِ (3).
بيان: من هزاهز الدنيا أي الفتن و البلايا التي يهتز فيها الناس و العمى
____________
(1) الكافي ج 2 ص 255.
(2) المصدر ج 2 ص 255.
(3) المصدر نفسه.
214
عمى القلب الموجب للجهل بالله و التنفر عن الحق و البعد عن لوازم الإيمان و كل ذلك يوجب الشقاء و التعب في الآخرة.
كا، الكافي عَنِ الْعِدَّةِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ نُوحِ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْمُسْتَرِقِّ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)دُعِيَ النَّبِيُّ ص إِلَى طَعَامٍ فَلَمَّا دَخَلَ مَنْزِلَ الرَّجُلِ نَظَرَ إِلَى دَجَاجَةٍ فَوْقَ حَائِطٍ قَدْ بَاضَتْ فَتَقَعُ الْبَيْضَةُ عَلَى وَتِدٍ فِي حَائِطٍ فَثَبَتَتْ عَلَيْهِ وَ لَمْ تَسْقُطْ وَ لَمْ تَنْكَسِرْ فَتَعَجَّبَ النَّبِيُّ ص مِنْهَا فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ أَ عَجِبْتَ مِنْ هَذِهِ الْبَيْضَةِ فَوَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رُزِئْتُ شَيْئاً قَطُّ فَنَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ طَعَامِهِ شَيْئاً وَ قَالَ مَنْ لَمْ يُرْزَأْ فَمَا لِلَّهِ فِيهِ مِنْ حَاجَةٍ (1).
بيان فتقع أي فوقعت و استعمال المضارع في الماضي في أمثال هذه المواضع شائع ما رزئت شيئا أي ما نقصت في القاموس رزأه ماله كجعله و علمه رزءا بالضم أصاب منه شيئا كارتزأه ماله و رزأ الشيء نقصه و الرزيئة المصيبة و ما رزئته بالكسر ما نقصته (2).
و في النهاية في حديث سراقة فلم يرزءاني شيئا أي لم يأخذا مني شيئا يقال رزأته أرزأه و أصله النقص فقوله رزئت على بناء المجهول و مفعوله الثاني محذوف.
فما لله فيه من حاجة استعمال الحاجة في الله سبحانه مجاز و المراد أنه ليس من خلص المؤمنين و ممن أعده الله لهداية الخلق و لعبادته و معرفته فإن نظام العالم لما كان بوجود هؤلاء فكأنه محتاج إليهم في ذلك أو أنهم لما كانوا من حزب الله و عبدته حقيقة و أنصار دينه فكأنه سبحانه محتاج إليهم كما أن سائر الخلق محتاجون إلى مثل ذلك.
أو المراد حاجة الأنبياء و الأوصياء في ترويج الدين و نسب ذلك إلى ذاته
____________
(1) الكافي ج 2: 256.
(2) القاموس ج 1: 16.
215
تعظيما لهم كما ورد في قوله تعالى إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ (1) وَ ما ظَلَمُونا (2) و أمثالهما.
أو أنه تعالى لما طلب من عباده العبادات بالأوامر و غيرها كطلب ذي الحاجة ما يحتاج إليه فاستعملت الحاجة فيه مجازا أو سلب الحاجة كناية عن سلب اللطف به و ترك الإقبال عليه لأن اللطف و الإقبال منا لا زمان للحاجة فنفى الملزوم و أراد نفي اللازم و الوجوه متقاربة.
و إنما امتنع ص من طعامه لأن ما ذكره كان من صفات المستدرجين و من لا خير فيه لا خير في طعامه و المال الذي لم ينقص منه شيء ملعون كالبدن و قد
قَالَ ص مَلْعُونٌ كُلُّ مَالٍ لَا يُزَكَّى مَلْعُونٌ كُلُّ بَدَنٍ لَا يُزَكَّى (3).
مع أنه يمكن أن يكون علم ص من تقريره أنه لا يؤدي الحقوق الواجبة أيضا و أيضا لما كانت الخصلة التي ذكرها صاحب الطعام مرغوبة بالطبع لسائر الخلق أراد ص المبالغة في ذمها لئلا ترغب الصحابة فيها و ليعلموا أنها ليست من صفات المؤمنين.
22- كا، الكافي عَنِ الْعِدَّةِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَا حَاجَةَ لِلَّهِ فِيمَنْ لَيْسَ لَهُ فِي مَالِهِ وَ بَدَنِهِ نَصِيبٌ (4).
بيان: فيمن ليس له أي لله و إرجاعه إلى المؤمن كما زعم بعيد و الظاهر أن المراد بالنصيب النقص الذي وقع بقضاء الله و قدره في ماله أو بدنه بغير اختيار و يحتمل شموله للاختياري أيضا كأداء الحقوق المالية و إبلاء البدن بالطاعة.
23- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ عَلِيِ
____________
(1) القتال 7.
(2) البقرة: 57.
(3) سيأتي الحديث ص 219.
(4) الكافي ج 2 ص 256.
216
بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّهُ لَيَكُونُ لِلْعَبْدِ مَنْزِلَةٌ عِنْدَ اللَّهِ فَمَا يَنَالُهَا إِلَّا بِإِحْدَى الْخَصْلَتَيْنِ إِمَّا بِذَهَابِ مَالِهِ أَوْ بِبَلِيَّةٍ فِي جَسَدِهِ (1).
بيان: بذهاب ماله بكسر اللام و قد يقرأ بالفتح و على الأول يمكن أن يكون على المثال فيشمل ذهاب ولده و أهله و أقاربه و أشباه ذلك و المراد بالعبد المؤمن الخالص الذي يحبه الله.
24- كا، الكافي بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ مُثَنًّى الْحَنَّاطِ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَوْ لَا أَنْ يَجِدَ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنُ فِي قَلْبِهِ لَعَصَّبْتُ رَأْسَ الْكَافِرِ بِعِصَابَةِ حَدِيدٍ لَا يُصَدَّعُ رَأْسُهُ أَبَداً (2).
بيان: لو لا أن يجد عبدي المؤمن في قلبه كأن مفعول الوجدان محذوف أي شكا أو حزنا شديدا أو يكون الوجد بمعنى الغضب أو بمعنى الحزن فقوله في قلبه للتأكيد أي وجدا مؤثرا في قلبه باقيا فيه.
في المصباح وجدته أجده وجدانا بالكسر و وجدت عليه موجدة في الغضب و وجدت به في الحزن وجدا بالفتح انتهى.
و العصابة بالكسر ما يشد على الرأس و العمامة و العصب الطي الشديد و عصب رأسه بالعصابة و عصب أيضا بالتشديد أي شده بها و الصداع كغراب وجع الرأس يقال صدع على بناء المفعول من التفعيل و جوز في الشعر التخفيف و ذكر الرأس هنا على التجريد و العصب بالحديد كناية عن حفظه مما يؤلمه و يؤذيه.
و تخصيص الرأس لأن أكثر الأمراض العظيمة ينشأ منه و أكثر القوى فيه و ذكر الصداع لأنه أقل مراتب الآلام و الأوجاع و أخفها أي فكيف ما فوقه و يحتمل كون تخصيص الرأس لذلك.
و الحاصل أنه لو لا مخافة انكسار قلب المؤمن أو ضعف يقينه لما يراه على
____________
(1) الكافي ج 2 ص 257.
(2) المصدر ج 2 ص 257.
217
الكافر من العافية المستمرة لقويت الكافر و صححت جسمه حتى لا يرى وجعا و ألما في الدنيا أبدا.
و قيل تعصيب الرأس كناية عن وضع تاج السلطنة على رأسه و ذكر الحديد كناية عن شدة ملكه بحيث لا تحصل فيه ثلمة و لا يخفى بعده.
و فيه إشارة إلى قوله سبحانه لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً (1) قال الطبرسي (رحمه الله) أي لو لا أن يجتمع الناس على الكفر فيكونوا كلهم كفارا على دين واحد لميلهم إلى الدنيا و حرصهم عليها لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ فالسقف إذا كان من فضة فالحيطان من فضة وَ مَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ أي و جعلنا درجا و سلاليم من فضة لتلك السقف عليها يعلون و يصعدون.
وَ لِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَ سُرُراً عَلَيْها أي على تلك السرر يَتَّكِؤُنَ وَ زُخْرُفاً أي ذهبا أي و جعلنا لهم مع ذلك ذهبا و قيل الزخرف النقوش و قيل هو الفرش و متاع البيت و المعنى لأعطي الكافر في الدنيا غاية ما يتمناه فيها لقلتها و حقارتها عنده و لكنه سبحانه لم يفعل ذلك لما فيه من المفسدة وَ إِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ خاصة لهم (2).
25- كا، الكافي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عُثْمَانَ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ خَامَةِ الزَّرْعِ تُكْفِئُهَا الرِّيَاحُ كَذَا وَ كَذَا وَ كَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ تُكْفِئُهُ الْأَوْجَاعُ وَ الْأَمْرَاضُ وَ مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الْإِرْزَبَّةِ الْمُسْتَقِيمَةِ الَّتِي لَا يُصِيبُهَا شَيْءٌ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ فَيَقْصِفَهُ قَصْفاً (3).
بيان: قد مر معنى خامة الزرع في باب أن المؤمن صنفان (4) و الفرق
____________
(1) الزخرف: 33- 35.
(2) مجمع البيان ج 9 ص 47.
(3) الكافي ج 2 ص 257.
(4) راجع ص 191 فيما سبق.
218
بين التشبيه هنا و بين ما سبق حيث شبه هناك بعض المؤمنين بها و هاهنا جميعهم بها هو أنه شبه المعاصي هناك بالريح و هاهنا شبه البلايا و الأمراض بها تكفئها بالهمز أي تقلبها في القاموس كفأه كمنعه صرفه و كبه و قلبه كأكفأه (1) و قال الإرزبة و المرزبة مشددتان أو الأولى فقط عصية من حديد (2) و حتى في قوله حتى يأتيه الموت متعلق بالجار و المجرور في قوله كمثل الإرزبة و في المصباح قصفت العود قصفا فانقصفت مثل كسرته فانكسر لفظا و معنا.
وَ مِثْلُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ رَوَاهَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ: مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ الْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ تُكْفِئُهَا الرِّيَاحُ تَصْرِفُهَا مَرَّةً وَ تَعْدِلُهَا أُخْرَى حَتَّى يَأْتِيَهُ أَجَلُهُ وَ مَثَلُ الْمُنَافِقِ مَثَلُ الْأَرْزَةِ (3) الْمُجْذِيَةِ الَّتِي لَا يُصِيبُهَا شَيْءٌ حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مَثَلُ الْكَافِرِ.
قال عياض الخامة هي الزرع أول ما ينبت و معنى تكفئها بضم التاء تميلها الريح و تلقيها بالأرض كالمصروع ثم تقيمه يقوم على سوقه و معنى المجذية الثابتة يقال أجذى يجذي و الانجعاف الانقطاع يقال جعفت الرجل صرعته.
و قال محيي الدين الأرزة بالفتح و قال بعضهم هي الآرزة بالمد و كسر الراء على وزن فاعلة و أنكره أبو عبيد و قال أهل اللغة الآرزة بالمد الثابتة و هذا المعنى صحيح هاهنا فإنكار أبي عبيد إنكار الرواية لا إنكار اللغة.
و قال أبو عبيد شبه المؤمن بالخامة التي تميلها الريح لأنه يرزأ في نفسه و ماله و شبه الكافر بالأرزة لأنه لا يرزأ في شيء حتى يموت و إن رزئ لم يؤجر حتى يلقى الله بذنوب جمة.
26- كا، الكافي عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ
____________
(1) القاموس ج 1 ص 26.
(2) القاموس ج 1 ص 73.
(3) في نسخة الكمبانيّ «الارزبة» و هو تصحيف.
219
عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ص يَوْماً لِأَصْحَابِهِ مَلْعُونٌ كُلُّ مَالٍ لَا يُزَكَّى مَلْعُونٌ كُلُّ جَسَدٍ لَا يُزَكَّى وَ لَوْ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْماً مَرَّةً فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَّا زَكَاةُ الْمَالِ فَقَدْ عَرَفْنَاهَا فَمَا زَكَاةُ الْأَجْسَادِ فَقَالَ لَهُمْ أَنْ تُصَابَ بِآفَةٍ قَالَ فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُ فَلَمَّا رَآهُمْ قَدْ تَغَيَّرَتْ أَلْوَانُهُمْ قَالَ لَهُمْ هَلْ تَدْرُونَ مَا عَنَيْتُ بِقَوْلِي قَالُوا لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بَلَى الرَّجُلُ يُخْدَشُ الْخَدْشَةَ وَ يُنْكَبُ النَّكْبَةَ وَ يَعْثِرُ الْعَثْرَةَ وَ يَمْرَضُ الْمَرْضَةَ وَ يُشَاكُ الشَّوْكَةَ وَ مَا أَشْبَهَ هَذَا حَتَّى ذَكَرَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ اخْتِلَاجَ الْعَيْنِ (1).
بيان ملعون كل مال لا يزكى قال الشيخ البهائي برد الله مضجعه أي بعيد عن الخير و البركة يعني لا خير فيه لصاحبه و لا بركة و يجوز أن يراد ملعون صاحبه على حذف مضاف أي مطرود مبعد عن رحمة الله تعالى و قس عليه قوله ص ملعون كل جسد لا يزكى و ذكر الزكاة هنا من باب المشاكلة و يجوز أن يكون استعارة تبعية و وجه الشبه أن كلا منهما و إن كان نقصا بحسب الظاهر إلا أنه موجب لمزيد الخير و البركة في نفس الأمر.
فتغيرت وجوه الذين سمعوا ذلك لأنهم ظنوا أن مراده بالآفة العاهة و البلية الشديدة التي كثيرا ما يخلو عنهما الإنسان سنين عديدة فضلا عن أربعين يوما قال بلى أقول كأنه جواب عن سؤال مقدر كأن القوم قالوا ألا تفسر لنا قال بلى.
و صحف بعض الأفاضل فقرأ بلى الرجل مصدرا مضافا إلى الرجل أي خلقه كأن البلايا تبلي الجسد و تخلقها و يخدش صفة الرجل لأن اللام للعهد الذهني و لا يخفى ما فيه.
و قال الشيخ المتقدم ذكره (قدس سره) يخدش بالبناء للمفعول و كذا ينكب و الخدشة تفرق اتصال في الجلد من ظفر و نحوه سواء خرج منه الدم أو لا.
____________
(1) الكافي ج 2 ص 258.
220
و أقول النكبة أن يقع رجله على الحجارة و نحوها أو يسقط على وجهه أو أصابته بلية خفيفة من بلايا الدهر في القاموس النكب الطرح و نكب الإناء هراق ما فيه و الكنانة نثر ما فيها و الحجارة رجله لثمتها أو أصابتها فهو منكوب و نكب و به طرحه و النكبة بالفتح المصيبة و نكبه الدهر نكبا و نكبا بلغ منه أو أصابه بنكبة (1).
و في النهاية و قد نكب بالحرة أي نالته حجارتها و أصابته و منه النكبة و هي ما يصيب الإنسان من الحوادث و منه الحديث أنه نكبت إصبعه أي نالته الحجارة.
و يعثر العثرة في القاموس العثرة المرة من العثار في المشي و قال الشيخ (رحمه الله) المراد عثرة الرجل و يجوز أن يراد بها ما يعم عثرة اللسان أيضا لكنه بعيد.
و يشاك الشوكة يقال شاكته الشوكة تشوكه شاكة و شيكة إذا دخلت في جسده و انتصاب الشوكة بالمفعولية المطلقة كانتصاب الخدشة و النكبة و العثرة فإن قلت تلك مصادر بخلاف الشوكة فكيف يكون مفعولا مطلقا قلت قد يجيء المفعول المطلق غير مصدر إذا لابس المصدر بالآلية و نحوها نحو ضربته سوطا و إن أبيت فاجعل انتصابها بنزع الخافض أي يشاك بالشوكة.
أقول و في القاموس شاكته الشوكة دخلت في جسمه و شكته أنا أشوكه و أشكته أدخلتها في جسمه و شاك يشاك شاكة و شيكة بالكسر وقع في الشوك و الشوكة خالطها و ما أشاكه شوكة و لا شاكه بها ما أصابه بها انتهى (2) فعلى بعض الوجوه يمكن أن يكون الشوكة مفعولا ثانيا من غير تقدير.
و قال و ما أشبه هذا يحتمل أن يكون من كلام النبي ص و أن يكون من كلام الراوي.
____________
(1) القاموس ج 1 ص 134.
(2) القاموس ج 3 ص 309.
221
أقول الظاهر أنه من كلام الصادق(ع)إلى آخر الخبر و ضمير حديثه راجع إلى النبي ص و قال (قدس سره) عد ص اختلاج العين من الآفات لأن الاختلاج مرض من الأمراض و قد ذكره الأطباء و هو حركة سريعة متواترة غير عادية يعرض لجزء من البدن كالجلد و نحوه بسبب رطوبة غليظة لزجة تنحل فتصير ريحا بخاريا غليظا يعسر خروجه من المسام و تزاول الدافعة دفعه فتقع بينهما مدافعة و اضطراب.
27- كا، الكافي عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَ يُبْتَلَى الْمُؤْمِنُ بِالْجُذَامِ وَ الْبَرَصِ وَ أَشْبَاهِ هَذَا قَالَ فَقَالَ وَ هَلْ كُتِبَ الْبَلَاءُ إِلَّا عَلَى الْمُؤْمِنِ (1).
بيان: و هل كتب البلاء إلا على المؤمن أي غالبا.
28- كا، الكافي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَمَّنْ رَوَاهُ عَنِ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَكْرُمُ عَلَى اللَّهِ حَتَّى لَوْ سَأَلَهُ الْجَنَّةَ بِمَا فِيهَا أَعْطَاهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ مُلْكِهِ شَيْئاً وَ إِنَّ الْكَافِرَ لَيَهُونُ عَلَى اللَّهِ حَتَّى لَوْ سَأَلَهُ الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا لَأَعْطَاهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ مُلْكِهِ شَيْئاً وَ إِنَّ اللَّهَ لَيَتَعَاهَدُ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ بِالْبَلَاءِ كَمَا يَتَعَاهَدُ الْغَائِبُ أَهْلَهُ بِالطُّرَفِ وَ إِنَّهُ لَيَحْمِيهِ الدُّنْيَا كَمَا يَحْمِي الطَّبِيبُ الْمَرِيضَ (2).
بيان: كلمة لو في الموضعين شرطية امتناعية و أعطاه جزاؤه أي لو سأل المؤمن الجنة أعطاه لكنه لا يسأله ذلك لأنه يعلم عدم المصلحة في ذلك أو يحب الشركاء فيها و لا يطلب التفرد مع أنه يمكن أن يعطيه ما هو جنة بالفعل و يخلق أمثالها و أضعافها لغيره.
و أما الكافر فإنه أيضا لا يسأل جميع الدنيا لأنه لا يؤمن بالله و سعة قدرته بل يعد ذلك ممتنعا و قيل لأنه ممتنع أن يسأل الله لأنه سبحانه لا يدرك
____________
(1) الكافي ج 2 ص 258.
(2) المصدر ج 2 ص 258.
222
بالكنه و لا بالشخص بل معرفته منحصرة في أن يعرف بصفات الربوبية و الكافر لا يعرفه كذلك و إليه يشير قوله تعالى أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ (1) و انتقص يكون لازما و متعديا و المراد هنا الثاني في القاموس نقص لازم متعد و أنقصه و انتقصه و نقصه نقصه فانتقص (2) و قيل شيئا قائم مقام المفعول المطلق في الموضعين بمعنى انتقاصا و في المصباح الطرفة ما يستطرف أي يستملح و الجمع طرف مثل غرفة و غرف و في القاموس أطرف فلانا أعطاه ما لم يعطه أحد قبله و الاسم الطرفة بالضم.
29- كا، الكافي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ فِي كِتَابِ عَلِيٍّ(ع)إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلَاءً النَّبِيُّونَ ثُمَّ الْوَصِيُّونَ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ وَ إِنَّمَا يُبْتَلَى الْمُؤْمِنُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِ الْحَسَنَةِ فَمَنْ صَحَّ دِينُهُ وَ حَسُنَ عَمَلُهُ اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يَجْعَلِ الدُّنْيَا ثَوَاباً لِمُؤْمِنٍ وَ لَا عُقُوبَةً لِكَافِرٍ وَ مَنْ سَخُفَ دِينُهُ وَ ضَعُفَ عَمَلُهُ قَلَّ بَلَاؤُهُ وَ أَنَّ الْبَلَاءَ أَسْرَعُ إِلَى الْمُؤْمِنِ التَّقِيِّ مِنَ الْمَطَرِ إِلَى قَرَارِ الْأَرْضِ (3).
ع، علل الشرائع عن أبيه عن السعدآبادي عن البرقي عن ابن محبوب مثله (4)
جع، جامع الأخبار عَنِ النَّبِيِّ ص مِثْلَهُ (5) إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ وَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ إِلَى قَوْلِهِ لِكَافِرٍ فِي آخِرِ الْخَبَرِ وَ هُوَ أَنْسَبُ.
بيان و ذلك أن الله أقول دفع لما يتوهم من أن المؤمن لكرامته على الله كان ينبغي أن يكون بلاؤه أقل و المعنى أن المؤمن لما كان محل ثوابه الآخرة لأن الدنيا لفنائها و انقطاعها لا يصح أن يكون ثوابا له فينبغي
____________
(1) البقرة: 185.
(2) القاموس ج 2 ص 320.
(3) الكافي ج 2 ص 259.
(4) علل الشرائع ج 1 ص 42.
(5) جامع الأخبار ص 133.
223
أن لا يكون له في الدنيا إلا ما يوجب الثواب في الآخرة و كذا الكافر لما كانت عقوبته في الآخرة لأن الدنيا لانقطاعها لا تصلح أن تكون عقوبته فيها فلا يبتلى في الدنيا كثيرا بل إنما يكون ثوابه لو كان له عمل في الدنيا بدفع البلاء و السعة في النعماء.
و في القاموس القرار و القرارة ما قر فيه و المطمئن من الأرض (1) شبه(ع)البلاء النازل إلى المؤمن بالمطر النازل إلى الأرض و وجه الشبه متعدد و هو السرعة و الاستقرار بعد النزول و كثرة النفع و التسبب للحياة فإن البلاء للمؤمن سبب للحياة الأبدية و المطر سبب للحياة الأرضية.
30- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ هَذَا الَّذِي ظَهَرَ بِوَجْهِي يَزْعُمُ النَّاسُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْتَلِ بِهِ عَبْداً لَهُ فِيهِ حَاجَةٌ قَالَ فَقَالَ لِي لَقَدْ كَانَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ مُكَنَّعَ الْأَصَابِعِ فَكَانَ يَقُولُ هَكَذَا وَ يَمُدُّ يَدَيْهِ وَ يَقُولُ- يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (2) ثُمَّ قَالَ لِي إِذَا كَانَ الثُّلُثُ الْأَخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِهِ فَتَوَضَّأْ وَ قُمْ إِلَى صَلَاتِكَ الَّتِي تُصَلِّيهَا فَإِذَا كُنْتَ فِي السَّجْدَةِ الْأَخِيرَةِ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فَقُلْ وَ أَنْتَ سَاجِدٌ يَا عَلِيُّ يَا عَظِيمُ يَا رَحْمَانُ يَا رَحِيمُ يَا سَامِعَ الدَّعَوَاتِ يَا مُعْطِيَ الْخَيْرَاتِ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ وَ أَعْطِنِي مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ مَا أَنْتَ أَهْلُهُ وَ اصْرِفْ عَنِّي مِنْ شَرِّ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ مَا أَنْتَ أَهْلُهُ وَ أَذْهِبْ عَنِّي هَذَا الْوَجَعَ وَ تُسَمِّيهِ فَإِنَّهُ قَدْ غَاظَنِي وَ أَحْزَنَنِي وَ أَلِحَّ فِي الدُّعَاءِ قَالَ فَمَا وَصَلْتُ إِلَى الْكُوفَةِ حَتَّى أَذْهَبَ اللَّهُ بِهِ عَنِّي كُلَّهُ (3).
بيان الظاهر أن الآثار التي ظهرت بوجهه كان برصا و يحتمل الجذام و
____________
(1) القاموس ج 2: 115.
(2) يس: 13.
(3) الكافي ج 2 ص 259.
224
على الأول ذكر المؤمن لبيان أنه إذا جاز ابتلاء المؤمن بالجذام جاز ابتلاؤه بالبرص بطريق أولى لأن الجذام أشد و أخبث.
و أما ذكر مؤمن آل فرعون في هذا الخبر فلعله من اشتباه الرواة أو النساخ لأن الآية المذكورة إنما هي في قصة آل ياسين كما مر في هذا الباب أيضا (1) و ربما يوجه بوجهين أحدهما أن المراد بالفرعون هنا فرعون عيسى(ع)و هو الجبار الذي كان بالأنطاكية حين ورده رسل عيسى(ع)و الفرعون يطلق على كل جبار متكبر نعم شاع إطلاقه على ثلاثة فرعون الخليل و اسمه سنان و فرعون يوسف و اسمه الريان بن الوليد و فرعون موسى و اسمه الوليد بن مصعب و إضافته إلى آل فرعون عيسى بأدنى الملابسة و هو كونه فيهم و اشتغاله بإنذارهم أو باعتبار كونه منهم في نفس الأمر.
و ثانيهما كونهما واحدا و كان طويل العمر جدا و مع إدراكه زمان موسى أدرك زمان عيسى(ع)أيضا مع أنه كان بينهما على رواية ابن الجوزي في التنقيح ألف و ستمائة و اثنتان و ثلاثون سنة و كان اسمه حبيبا النجار و كان يلقب بمؤمن آل ياسين كما مر في الخبر و قال في القاموس خربيل كقنديل اسم مؤمن آل ياسين (2).
و قال علي بن إبراهيم (3) في قوله تعالى وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ (4) قال كتم إيمانه ستمائة سنة قال و كان مجذوما مكنعا و هو الذي قد وقعت أصابعه و كان يشير إلى قومه بيديه المكنوعتين و يقول يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (5) و في بعض النسخ مكتعا و هو الذي قد عقفت
____________
(1) تحت الرقم: 4.
(2) القاموس ج 3 ص 367.
(3) تفسير القمّيّ ص 585.
(4) المؤمن: 30.
(5) غافر: 38.
225
أصابعه و كان يسير بيديه المعقوفتين و يقول و العقف العطف و لا يخفى بعد الوجهين لا سيما الأخير فإنه ينافيه أخبار كثيرة دالة على تعدد المؤمنين.
و إذا كان الثلث كان تامة و قيل ناقصة و اسمه ضمير مستتر راجع إلى العالم أو نحوه و الثلث منصوب بالظرفية الزمانية بقرينة في أوله فإنه بدل الثلث و الظرف خبر كان و تسمية كلام الإمام(ع)اعترض بين الدعاء أي و تسمي الوجع بأن تقول مكان هذا الوجع هذا البرص و فيه إشعار بأن الدعاء لا يخص البرص.
و أحزنني و فيما سيأتي في كتاب الدعاء حزنني و كلاهما صحيح فيقال حزنه و أحزنه و الإلحاح المداومة و المبالغة بالتضرع و التكرار و الاستشفاع بالنبي ص و الأئمة (صلوات الله عليهم) و أشباه ذلك قال في المصباح ألح السحاب إلحاحا دام مطره و منه ألح الرجل على الشيء إذا أقبل عليه مواظبا.
31- ب، قرب الإسناد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَ يُبْتَلَى الْمُؤْمِنُ بِالْجُذَامِ وَ الْبَرَصِ وَ أَشْبَاهِ هَذَا قَالَ وَ هَلْ كُتِبَ الْبَلَاءُ إِلَّا عَلَى الْمُؤْمِنِ (1).
ل، الخصال عَنِ ابْنِ مَسْرُورٍ عَنِ ابْنِ بُطَّةَ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ إِلَى زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)فَقَالَ يَا زُرَارَةُ النَّاسُ فِي زَمَانِنَا عَلَى سِتِّ طَبَقَاتٍ أَسَدٍ وَ ذِئْبٍ وَ ثَعْلَبٍ وَ كَلْبٍ وَ خِنْزِيرٍ وَ شَاةٍ فَأَمَّا الْأَسَدُ فَمُلُوكُ الدُّنْيَا يُحِبُّ كُلُّ وَاحِدٍ أَنْ يَغْلِبَ وَ لَا يُغْلَبَ وَ أَمَّا الذِّئْبُ فَتُجَّارُكُمْ يَذُمُّونَ إِذَا اشْتَرَوْا وَ يَمْدَحُونَ إِذَا بَاعُوا وَ أَمَّا الثَّعْلَبُ فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ بِأَدْيَانِهِمْ وَ لَا يَكُونُ فِي قُلُوبِهِمْ مَا يَصِفُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَ أَمَّا الْكَلْبُ يَهِرُّ عَلَى النَّاسِ بِلِسَانِهِ وَ يَكْرَهُهُ النَّاسُ مِنْ شِرَّةِ لِسَانِهِ
____________
(1) قرب الإسناد ص 81.
226
وَ أَمَّا الْخِنْزِيرُ فَهَؤُلَاءِ الْمُخَنَّثُونَ وَ أَشْبَاهُهُمْ لَا يُدْعَوْنَ إِلَى فَاحِشَةٍ إِلَّا أَجَابُوا وَ أَمَّا الشَّاةُ فَالَّذِينَ تُجَرُّ شُعُورُهُمْ (1) وَ يُؤْكَلُ لُحُومُهُمْ وَ يُكْسَرُ عَظْمُهُمْ فَكَيْفَ تَصْنَعُ الشَّاةُ بَيْنَ أَسَدٍ وَ ذِئْبٍ وَ ثَعْلَبٍ وَ كَلْبٍ وَ خِنْزِيرٍ (2).
بيان: المراد بالشاة المؤمن المبتلى بهؤلاء و جر الشعر كناية عن الاستيلاء عليهم و جرهم إلى بيوت الظلمة للدعاوي الباطلة أو الاستخفاف بهم و في بعض النسخ بالزاي فهو بالمعنى الأخير و أكل لحومهم غيبتهم و كسر عظمهم ضربهم و شدة الجور عليهم.
33- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بِالْأَسَانِيدِ الثَّلَاثَةِ عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَا كَانَ وَ لَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مُؤْمِنٌ إِلَّا وَ لَهُ جَارٌ يُؤْذِيهِ (3).
صح، صحيفة الرضا (عليه السلام) عنه(ع)مثله (4).
34- ما، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ الْفَحَّامِ عَنِ الْمَنْصُورِيِّ عَنْ عَمِّ أَبِيهِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الثَّالِثِ عَنْ آبَائِهِ عَنِ الصَّادِقِ(ع)مِثْلَهُ (5) وَ فِيهِ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ.
35- ما، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ الْغَضَائِرِيِّ عَنْ هَارُونَ بْنِ مُوسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَمَّامٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَالِكِيِّ عَنِ الْيَقْطِينِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَنْ دَاوُدَ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْبَرْقِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَوْ لَا أَنِّي أَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ مَا تَرَكْتُ عَلَيْهِ خِرْقَةً يَتَوَارَى بِهَا وَ إِذَا كَمَلَتْ لَهُ الْإِيمَانُ ابْتَلَيْتُهُ بِضَعْفٍ فِي قُوَّتِهِ وَ قِلَّةٍ فِي رِزْقِهِ فَإِنْ هُوَ حَرِجَ أَعَدْتُ إِلَيْهِ فَإِنْ صَبَرَ بَاهَيْتُ بِهِ مَلَائِكَتِي
____________
(1) في المصدر المطبوع: تجز شعورهم بالزاى.
(2) الخصال ج 2 ص 165.
(3) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 33.
(4) صحيفة الرضا ص 32.
(5) أمالي الشيخ ج 1 ص 286.
227
أَلَا وَ قَدْ جَعَلْتُ عَلِيّاً عَلَماً لِلنَّاسِ فَمَنْ تَبِعَهُ كَانَ هَادِياً وَ مَنْ تَرَكَهُ كَانَ ضَالًّا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَ لَا يُبْغِضُهُ إِلَّا مُنَافِقٌ (1).
بيان: فإن هو حرج كفرح أي ضاق صدره و لم يصبر أعدت إليه أي ما أخذت منه الرزق أو القوة.
36- ما، الأمالي للشيخ الطوسي عَنْ عَلِيِّ بْنِ شِبْلٍ عَنْ ظَفَرِ بْنِ حُمْدُونٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْمُطَلِّبِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ التَّمِيمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبَانٍ عَنِ ابْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ وَ اللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي لَأُحِبُّكَ فِي السِّرِّ كَمَا أُحِبُّكَ فِي الْعَلَانِيَةِ قَالَ فَنَكَتَ بِعُودِهِ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ صَدَقْتَ إِنَّ طِينَتَنَا طِينَةٌ مَرْحُومَةٌ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَهَا يَوْمَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ فَلَا يَشِذَّ مِنْهَا شَاذٌّ وَ لَا يَدْخُلُ فِيهَا دَاخِلٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَمَا إِنَّهُ فَاتَّخِذْ لِلْفَقْرِ جِلْبَاباً (2) فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ الْفَاقَةُ إِلَى مُحِبِّيكَ أَسْرَعُ مِنَ السَّيْلِ مِنْ أَعْلَى الْوَادِي إِلَى أَسْفَلِهِ (3).
بيان: أما إنه كأنه سقط هنا شيء و فيه تقدير أي أما إنه إن كان كذلك فاتخذ و في البصائر أما فاتخذ
وَ فِي النِّهَايَةِ فِي حَدِيثِ عَلِيٍ مَنْ أَحَبَّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَلْيُعِدَّ لِلْفَقْرِ جِلْبَاباً.
أي ليزهد في الدنيا و ليصبر على الفقر و القلة و الجلباب الإزار و الرداء و قيل هو كالمقنعة تغطي به المرأة رأسها و ظهرها و صدرها و جمعه جلابيب كني به عن الصبر لأنه يستر الفقر كما يستر الجلباب البدن و قيل إنما كني بالجلباب عن اشتماله بالفقر أي فليلبس الفقر و يكون منه
____________
(1) أمالي الشيخ ج 1 ص 312.
(2) روى الصدوق في معاني الأخبار ص 182، بإسناده عن أحمد بن المبارك قال:
قال رجل لابى عبد اللّه (عليه السلام): حديث يروى أن رجلا قال لأمير المؤمنين (عليه السلام):
انى احبك فقال له: أعد للفقر جلبابا، فقال (عليه السلام): ليس هكذا: قال: انما قال له: أعددت لفاقتك جلبابا- يعنى يوم القيامة.
(3) أمالي الشيخ ج 2: 24.
228
على حالة تعمه و تشتمله لأن الغنى من أحوال أهل الدنيا و لا يتهيأ الجمع بين حب الدنيا و حب أهل البيت.
37- ع، علل الشرائع عَنِ ابْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنِ الْجَامُورَانِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: لَوْ أَنَّ مُؤْمِناً كَانَ فِي قُلَّةِ جَبَلٍ لَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ مَنْ يُؤْذِيهِ لِيَأْجُرَهُ عَلَى ذَلِكَ (1).
بيان: قلة الجبل بالضم أعلاه و المراد بالبعث التخلية و عدم الصرف.
38- ع، علل الشرائع عَنْ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَلَوِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكُوفِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ حُمْدُونٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ نُصَيْرٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَا زِلْتُ أَنَا وَ مَنْ كَانَ قَبْلِي مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الْمُؤْمِنِينَ مُبْتَلَيْنَ بِمَنْ يُؤْذِينَا وَ لَوْ كَانَ الْمُؤْمِنُ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ لَقَيَّضَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ مَنْ يُؤْذِيهِ لِيَأْجُرَهُ عَلَى ذَلِكَ.
وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مَا زِلْتُ مَظْلُوماً مُنْذُ وَلَدَتْنِي أُمِّي حَتَّى إِنْ كَانَ عَقِيلٌ لَيُصِيبُهُ رَمَدٌ فَيَقُولُ لَا تَذُرُّونِّي (2) حَتَّى تَذُرُّوا عَلِيّاً فَيَذُرُّونِّي وَ مَا بِي مِنْ رَمَدٍ (3).
39- ع، علل الشرائع عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)الصَّاعِقَةُ لَا تُصِيبُ الْمُؤْمِنَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ فَإِنَّا قَدْ رَأَيْنَا فُلَاناً يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَأَصَابَتْهُ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّهُ كَانَ يَرْمِي حَمَامَ الْحَرَمِ.
وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: الصَّاعِقَةُ تُصِيبُ الْمُؤْمِنَ وَ الْكَافِرَ وَ لَا تُصِيبُ ذَاكِراً (4).
____________
(1) علل الشرائع ج 1 ص 42.
(2) يقال: ذر الملح: نثره و فرقه و الدواء في العين: بذره.
(3) علل الشرائع ج 1 ص 42.
(4) علل الشرائع ج 2 ص 147.
229
بيان: إنه كان يرمي يدل على أن المراد بالمؤمن في أول الخبر المؤمن الكامل كما يدل عليه الرواية الآتية و يحتمل أن لا يكون من أصابته مؤمنا و لم ير(ع)المصلحة في إظهار ذلك فأسنده إلى بعض أعماله و الأول أظهر.
40- ع، علل الشرائع عَنِ ابْنِ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ ابْنِ رِئَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ إِنَّ مَلَكَيْنِ هَبَطَا مِنَ السَّمَاءِ فَالْتَقَيَا فِي الْهَوَاءِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ فِيمَا هَبَطْتَ قَالَ بَعَثَنِيَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى بَحْرِ إِيلٍ أَحْشُرُ سَمَكَةً إِلَى جَبَّارٍ مِنَ الْجَبَابِرَةِ اشْتَهَى عَلَيْهِ سَمَكَةً فِي ذَلِكَ الْبَحْرِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَحْشُرَ إِلَى الصَّيَّادِ سَمَكَ الْبَحْرِ حَتَّى يَأْخُذَهَا لَهُ لِيُبَلِّغَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ غَايَةَ مُنَاهُ فِي كُفْرِهِ فَفِيمَا بُعِثْتَ أَنْتَ قَالَ بَعَثَنِيَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي أَعْجَبَ مِنَ الَّذِي بَعَثَكَ فِيهِ بَعَثَنِي إِلَى عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْمَعْرُوفِ دُعَاؤُهُ وَ صَوْتُهُ فِي السَّمَاءِ لِأُكْفِئَ قِدْرَهُ الَّتِي طَبَخَهَا لِإِفْطَارِهِ لِيُبَلِّغَ اللَّهُ فِي الْمُؤْمِنِ الْغَايَةَ فِي اخْتِبَارِ إِيمَانِهِ (1).
توضيح كأن إيل اسم بحر و هو غير معروف في اللغة اشتهى عليه كذا في النسخ و يمكن إرجاع الضمير إلى الله أي سأل الله في ذلك و اعتمد عليه و هو لا ينافي كفره كدعاء فرعون أو إلى نفسه أي لنفسه أو ملزما على نفسه كناية عن الاهتمام بها و كأنه كان في علته كما سيأتي نقلا من تفسير الإمام و في القاموس كفأه كمنعه كبه و قلبه كأكفأه و قال القدر بالكسر معروف أنثى أو يؤنث.
41- ع، علل الشرائع عَنِ ابْنِ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُنْدَبٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ السِّمْطِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِعَبْدٍ خَيْراً فَأَذْنَبَ ذَنْباً تَبِعَهُ بِنَقِمَةٍ وَ يُذَكِّرُهُ الِاسْتِغْفَارَ وَ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِعَبْدٍ شَرّاً فَأَذْنَبَ ذَنْباً تَبِعَهُ بِنِعْمَةٍ لِيُنْسِيَهُ الِاسْتِغْفَارَ وَ يَتَمَادَى بِهِ وَ هُوَ
____________
(1) لم نظفر عليه.
230
قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (1) بِالنِّعَمِ عِنْدَ الْمَعَاصِي (2).
بيان: في القاموس استدرجه خدعه و أدناه و استدراج الله تعالى العبد أنه كلما جدد خطيئة جدد له نعمة و أنساه الاستغفار و أن يأخذه قليلا قليلا و لا يباغته (3).
42- ع، علل الشرائع عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَالِبٍ الْأَسَدِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً قَالَ عَنَى بِذَلِكَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ أَنْ يَكُونُوا عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ كُفَّاراً كُلُّهُمْ- لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَ مَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (4) وَ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ص لَحَزِنَ الْمُؤْمِنُونَ وَ غَمَّهُمْ ذَلِكَ وَ لَمْ يُنَاكِحُوهُمْ وَ لَمْ يُوَارِثُوهُمْ (5).
بيان لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً قال البيضاوي لو لا أن يرغبوا في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة و تنعم لحبهم الدنيا فيجتمعوا عليه وَ مَعارِجَ أي مصاعد جمع معرج عَلَيْها يَظْهَرُونَ أي يعلون لحقارة الدنيا وَ لِبُيُوتِهِمْ بدل من لِمَنْ بدل الاشتمال أو علة كقولك هيأت له ثوبا لقميصه.
43- ل، الخصال الْأَرْبَعُمِائَةِ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مَا مِنَ الشِّيعَةِ عَبْدٌ يُقَارِفُ أَمْراً نَهَيْنَاهُ عَنْهُ فَيَمُوتُ حَتَّى يُبْتَلَى بِبَلِيَّةٍ تُمَحَّصُ بِهَا ذُنُوبُهُ إِمَّا فِي مَالٍ وَ إِمَّا فِي وَلَدٍ وَ إِمَّا فِي نَفْسِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مَا لَهُ ذَنْبٌ وَ إِنَّهُ لَيَبْقَى عَلَيْهِ الشَّيْءُ مِنْ ذُنُوبِهِ فَيُشَدَّدُ بِهِ عَلَيْهِ عِنْدَ مَوْتِهِ (6).
____________
(1) الأعراف: 182، القلم: 44.
(2) علل الشرائع ج 2 ص 248.
(3) القاموس ج 1 ص 188. و فيه و أدناه كدرجه- بالتشديد- و أقلقه حتّى تركه يدرج على الأرض.
(4) الزخرف: 34.
(5) علل الشرائع ج 2 ص 276.
(6) الخصال ج 2 ص 169.
231
44- ص، قصص الأنبياء (عليهم السلام) بِالْإِسْنَادِ إِلَى الصَّدُوقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ يَرْفَعُهُ فَقَالَ: الْتَقَى مَلَكَانِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ أَيْنَ تُرِيدُ قَالَ بَعَثَنِي رَبِّي أَحْبِسُ السَّمَكَ فَإِنَّ فُلَانَ الْمَلِكَ اشْتَهَى سَمَكَةً فَأَمَرَ بِي أَنْ أَحْبِسَهُ لَهُ لِيُؤْخَذَ لَهُ الَّذِي يَشْتَهِي مِنْهُ فَأَنْتَ أَيْنَ تُرِيدُ قَالَ بَعَثَنِي رَبِّي إِلَى فُلَانٍ الْعَابِدِ فَإِنَّهُ قَدْ طَبَخَ قِدْراً وَ هُوَ صَائِمٌ فَأَرْسَلَنِي رَبِّي أُكْفِؤُهَا.
45- ص، قصص الأنبياء (عليهم السلام) بِالْإِسْنَادِ عَنِ الصَّدُوقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ: إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ.
46- ما، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْقَزْوِينِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَهْبَانَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الزَّعْفَرَانِيِّ عَنْ أَحْمَدَ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ مِثْلَهُ (1).
47- مص، مصباح الشريعة قَالَ الصَّادِقُ(ع)الْبَلَاءُ زَيْنُ الْمُؤْمِنِ وَ كَرَامَةٌ لِمَنْ عَقَلَ لِأَنَّ فِي مُبَاشَرَتِهِ وَ الصَّبْرِ عَلَيْهِ وَ الثَّبَاتِ عِنْدَهُ تَصْحِيحَ نِسْبَةِ الْإِيمَانِ قَالَ النَّبِيُّ ص نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً فَالْمُؤْمِنُ مِنَ الْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ وَ مَنْ ذَاقَ طَعْمَ الْبَلَاءِ تَحْتَ سِتْرِ حِفْظِ اللَّهِ لَهُ تَلَذُّذُهُ أَكْثَرُ مِنْ تَلَذُّذِهِ بِالنِّعْمَةِ وَ يَشْتَاقُ إِلَيْهِ إِذَا فَقَدَهُ لِأَنَّ تَحْتَ يَدِ الْبَلَاءِ وَ الْمِحْنَةِ أَنْوَارُ النِّعْمَةِ وَ تَحْتَ أَنْوَارِ النِّعْمَةِ نِيرَانُ الْبَلَاءِ وَ الْمِحْنَةِ وَ قَدْ يَنْجُو مِنَ الْبَلَاءِ كَثِيرٌ وَ يَهْلِكُ فِي النِّعْمَةِ كَثِيرٌ وَ مَا أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى مُحَمَّدٍ ص إِلَّا بَعْدَ ابْتِلَائِهِ وَ وَفَاءِ حَقِّ الْعُبُودِيَّةِ فِيهِ فَكَرَامَاتُ اللَّهِ فِي الْحَقِيقَةِ نِهَايَاتٌ بِدَايَاتُهَا الْبَلَاءُ وَ مَنْ خَرَجَ مِنْ سَبِيكَةِ الْبَلْوَى جُعِلَ سِرَاجَ الْمُؤْمِنِينَ وَ مُونِسَ الْمُقَرَّبِينَ وَ دَلِيلَ الْقَاصِدِينَ وَ لَا خَيْرَ فِي عَبْدٍ شَكَا مِنْ مِحْنَةٍ تَقَدَّمَهَا آلَافُ نِعْمَةٍ وَ اتَّبَعَهَا آلَافُ رَاحَةٍ وَ مَنْ لَا يَقْضِي حَقَّ الصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ حُرِمَ قَضَاءَ الشُّكْرِ فِي النَّعْمَاءِ كَذَلِكَ
____________
(1) أمالي الشيخ ج 2 ص 273.
232
مَنْ لَا يُؤَدِّي حَقَّ الشُّكْرِ فِي النَّعْمَاءِ يُحْرَمُ عَنْ قَضَاءِ الصَّبْرِ فِي الْبَلَاءِ وَ مَنْ حُرِمَهُمَا فَهُوَ مِنَ الْمَطْرُودِينَ.
وَ قَالَ أَيُّوبُ(ع)فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ قَدْ أَتَى عَلَيَّ سَبْعُونَ فِي الرَّخَاءِ حَتَّى أَتَى عَلَيَّ سَبْعُونَ فِي الْبَلَاءِ.
وَ قَالَ وَهْبٌ الْبَلَاءُ لِلْمُؤْمِنِ كَالشِّكَاكِ لِلدَّابَّةِ وَ الْعِقَالِ لِلْإِبِلِ.
وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)الصَّبْرُ مِنَ الْإِيمَانِ كَالرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ وَ رَأْسُ الصَّبْرِ الْبَلَاءُ وَ مَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (1).
بيان: و وفاء حق العبودية أي وفاؤه بما هو حق العبودية فيه أي في البلاء من الصبر و الشكر و الرضا بالقضاء الشكاك [الشكال ككتاب اسم للحبل الذي يشد به قوائم الدابة و العقال ككتاب أيضا ما يعقل به رجل البعير و المعنى أن البلايا تمنع المؤمن من ارتكاب الخطايا.
م، تفسير الإمام (عليه السلام) قَالَ الصَّادِقُ(ع)قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ تَمْحِيصَ ذُنُوبِ شِيعَتِنَا فِي الدُّنْيَا بِمِحْنَتِهِمْ لِتَسْلَمَ بِهَا طَاعَاتُهُمْ وَ يَسْتَحِقُّوا عَلَيْهَا ثَوَابَهَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِنَّا لَا نُجَازَى بِذُنُوبِنَا إِلَّا فِي الدُّنْيَا قَالَ نَعَمْ أَ مَا سَمِعْتَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ص الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَ جَنَّةُ الْكَافِرِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُطَهِّرُ شِيعَتَنَا مِنْ ذُنُوبِهِمْ فِي الدُّنْيَا بِمَا يَبْتَلِيهِمْ بِهِ مِنَ الْمِحَنِ وَ بِمَا يَغْفِرُهُ لَهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (2) حَتَّى إِذَا وَرَدُوا الْقِيَامَةَ تَوَفَّرَتْ عَلَيْهِمْ طَاعَاتُهُمْ وَ عِبَادَاتُهُمْ وَ إِنَّ أَعْدَاءَ آلِ مُحَمَّدٍ يُجَازِيهِمْ عَنْ طَاعَةٍ تَكُونُ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا وَ إِنْ كَانَ لَا وَزْنَ لَهَا لِأَنَّهُ لَا إِخْلَاصَ مَعَهَا وَ إِذَا وَافَوُا الْقِيَامَةَ حُمِلَتْ عَلَيْهِمْ ذُنُوبُهُمْ وَ بُغْضُهُمْ لِمُحَمَّدٍ وَ آلِهِ وَ خِيَارِ أَصْحَابِهِ فَقُذِفُوا فِي النَّارِ
____________
(1) مصباح الشريعة ص 61. الباب 90.
(2) الشورى: 30.
233
وَ لَقَدْ سَمِعْتُ مُحَمَّداً رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ إِنَّهُ كَانَ فِيمَا مَضَى قَبْلَكُمْ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا مُطِيعٌ لِلَّهِ مُؤْمِنٌ وَ الْآخَرُ كَافِرٌ بِهِ مُجَاهِرٌ بِعَدَاوَةِ أَوْلِيَائِهِ وَ مُوَالاةِ أَعْدَائِهِ وَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَلِكٌ عَظِيمٌ فِي قُطْرٍ مِنَ الْأَرْضِ فَمَرِضَ الْكَافِرُ فَاشْتَهَى سَمَكَةً فِي غَيْرِ أَوَانِهَا لِأَنَّ ذَلِكَ الصِّنْفَ مِنَ السَّمَكِ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي اللُّجَجِ بِحَيْثُ لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ فَآيَسَتْهُ الْأَطِبَّاءُ مِنْ نَفْسِهِ وَ قَالُوا اسْتَخْلِفْ فِي مُلْكِكَ مَنْ يَقُومُ بِهِ فَلَسْتَ بِأَخْلَدَ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ فَإِنَّ شِفَاءَكَ فِي هَذِهِ السَّمَكَةِ الَّتِي اشْتَهَيْتَهَا وَ لَا سَبِيلَ إِلَيْهَا فَبَعَثَ اللَّهُ مَلَكاً وَ أَمَرَهُ أَنْ يُزْعِجَ تِلْكَ السَّمَكَةَ إِلَى حَيْثُ يَسْهُلُ أَخْذُهَا فَأُخِذَتْ لَهُ تِلْكَ السَّمَكَةُ فَأَكَلَهَا وَ بَرَأَ مِنْ مَرَضِهِ وَ بَقِيَ فِي مُلْكِهِ سِنِينَ بَعْدَهَا ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ الْمَلِكَ الْمُؤْمِنَ مَرِضَ فِي وَقْتٍ كَانَ جِنْسُ ذَلِكَ السَّمَكِ بِعَيْنِهِ لَا يُفَارِقُ الشُّطُوطَ الَّتِي يَسْهُلُ أَخْذُهُ مِنْهَا مِثْلَ عِلَّةِ الْكَافِرِ فَاشْتَهَى تِلْكَ السَّمَكَةَ وَ وَصَفَهَا لَهُ الْأَطِبَّاءُ وَ قَالُوا طِبْ نَفْساً فَهَذَا أَوَانُهُ تُؤْخَذُ لَكَ فَتَأْكُلُ مِنْهَا وَ تَبْرَأُ فَبَعَثَ اللَّهُ ذَلِكَ الْمَلَكَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُزْعِجَ جِنْسَ تِلْكَ السَّمَكَةِ عَنِ الشُّطُوطِ إِلَى اللُّجَجِ لِئَلَّا يُقْدَرَ عَلَيْهِ فَلَمْ تُوجَدْ حَتَّى مَاتَ الْمُؤْمِنُ مِنْ شَهْوَتِهِ وَ بِعَدَمِ دَوَائِهِ فَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ وَ أَهْلُ ذَلِكَ الْبَلَدِ فِي الْأَرْضِ حَتَّى كَادُوا يُفْتَنُونَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَهَّلَ عَلَى الْكَافِرِ مَا لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهِ وَ عَسَّرَ عَلَى الْمُؤْمِنِ مَا كَانَ السَّبِيلُ إِلَيْهِ سَهْلًا فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مَلَائِكَةِ السَّمَاءِ وَ إِلَى نَبِيِّ ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي الْأَرْضِ إِنِّي أَنَا اللَّهُ الْكَرِيمُ الْمُتَفَضِّلُ الْقَادِرُ لَا يَضُرُّنِي مَا أُعْطِي وَ لَا يَنْقُصُنِي مَا أَمْنَعُ وَ لَا أَظْلِمُ أَحَداً مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِنَّمَا سَهَّلْتُ لَهُ أَخْذَ السَّمَكَةِ فِي غَيْرِ أَوَانِهَا لِيَكُونَ جَزَاءً عَلَى حَسَنَةٍ كَانَ عَمِلَهَا إِذْ كَانَ حَقّاً أَلَّا أُبْطِلَ لِأَحَدٍ حَسَنَةً حَتَّى يَرِدَ الْقِيَامَةَ وَ لَا حَسَنَةَ فِي صَحِيفَتِهِ وَ يَدْخُلَ النَّارَ بِكُفْرِهِ وَ مَنَعْتُ الْعَابِدَ ذَلِكَ السَّمَكَةَ بِعَيْنِهَا لِخَطِيئَةٍ كَانَتْ مِنْهُ فَأَرَدْتُ تَمْحِيصَهَا عَنْهُ بِمَنْعِ تِلْكَ الشَّهْوَةِ وَ إِعْدَامِ ذَلِكَ الدَّوَاءِ وَ لِيَأْتِيَنِي وَ لَا ذَنْبَ
234
عَلَيْهِ فَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ (1).
بيان فلست بأخلد من أصحاب القبور لعل المعنى أن الله لم يجعلك من الخالدين في الدنيا و أسباب موتك قد تسببت فلا بد من موتك أو المعنى أن بقاءك في الدنيا مع هذا المرض كحياة أصحاب القبور في الاستحالة العادية.
49- م، تفسير الإمام (عليه السلام) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص عَجَباً لِلْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ شِيعَةِ مُحَمَّدٍ وَ عَلِيٍّ(ع)أَنْ يُنْصَرَ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَعْدَائِهِ فَقَدْ جُمِعَ لَهُ خَيْرُ الدَّارَيْنِ وَ إِنِ امْتُحِنَ فِي الدُّنْيَا فَقَدِ ادُّخِرَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مَا لَا يَكُونُ لِمِحْنَتِهِ فِي الدُّنْيَا قَدْرٌ عِنْدَ إِضَافَتِهَا إِلَى نِعَمِ الْآخِرَةِ وَ كَذَلِكَ عَجَباً لِلْعَبْدِ الْمُخَالِفِ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ إِنْ خُذِلَ فِي الدُّنْيَا وَ غُلِبَ بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ جُمِعَ عَلَيْهِ عَذَابُ الدَّارَيْنِ وَ إِنْ أُمْهِلَ فِي الدُّنْيَا وَ أُخِّرَ عَنْهُ عَذَابُهَا كَانَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ عَجَائِبِ الْعَذَابِ وَ ضُرُوبِ الْعِقَابِ مَا يَوَدُّ لَوْ كَانَ فِي الدُّنْيَا مُسْلِماً وَ مَا لَا قَدْرَ لِنِعَمِ الدُّنْيَا الَّتِي كَانَتْ لَهُ عِنْدَ الْإِضَافَةِ إِلَى تِلْكَ الْبَلَايَا فَلَوْ أَنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ نَعِيماً فِي الدُّنْيَا وَ أَطْوَلَهُمْ فِيهَا عُمُراً مِنْ مُخَالِفِينَا غُمِسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي النَّارِ غَمْسَةً ثُمَّ سُئِلَ هَلْ لَقِيتَ نَعِيماً قَطُّ لَقَالَ لَا وَ لَوْ أَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَيْشاً فِي الدُّنْيَا وَ أَعْظَمَهُمْ بَلَاءً مِنْ مُوَافِقِينَا وَ شِيعَتِنَا غُمِسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْجَنَّةِ غَمْسَةً ثُمَّ سُئِلَ لَقِيتَ بُؤْساً قَطُّ لَقَالَ لَا فَمَا ظَنُّكُمْ بِنَعِيمٍ وَ بُؤْسٍ هَذِهِ صِفَتُهُمَا فَذَلِكَ النَّعِيمُ فَاطْلُبُوهُ وَ ذَلِكَ الْعَذَابُ فَاتَّقُوهُ.
50- جا، المَجالسُ لِلْمُفِيدِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ الْأَهْوَازِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ وَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُكَفِّرُهَا ابْتَلَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْحُزْنِ لِيُكَفِّرَ عَنْهُ ذُنُوبَهُ (2).
محص، التمحيص عن الحكم مثله.
____________
(1) تفسير الإمام ص 8 ذيل تفسير البسملة.
(2) مجالس المفيد ص 22 تحت الرقم: 3.
235
51- جا، المجالس للمفيد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ الْمُوسَوِيِّ عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْقُمِّيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ إِنْ كَانَ النَّبِيُّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَيُبْتَلَى بِالْجُوعِ حَتَّى يَمُوتَ جُوعاً وَ إِنْ كَانَ النَّبِيُّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَيُبْتَلَى بِالْعَطَشِ حَتَّى يَمُوتَ عَطَشاً وَ إِنْ كَانَ النَّبِيُّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَيُبْتَلَى بِالْعَرَاءِ حَتَّى يَمُوتَ عُرْيَاناً وَ إِنْ كَانَ النَّبِيُّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَيُبْتَلَى بِالسُّقْمِ وَ الْأَمْرَاضِ حَتَّى تُتْلِفَهُ وَ إِنْ كَانَ النَّبِيُّ لَيَأْتِي قَوْمَهُ فَيَقُومُ فِيهِمْ يَأْمُرُهُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَ يَدْعُوهُمْ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَ مَا مَعَهُ مَبِيتُ لَيْلَةٍ فَمَا يَتْرُكُونَهُ يَفْرُغُ مِنْ كَلَامِهِ وَ لَا يَسْتَمِعُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يَقْتُلُوهُ وَ إِنَّمَا يَبْتَلِي اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عِبَادَهُ عَلَى قَدْرِ مَنَازِلِهِمْ عِنْدَهُ (1).
52- جا، المجالس للمفيد عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ (2) عَنْ أَبِيهِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ فَرْقَدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ فِيمَا نَاجَى اللَّهُ بِهِ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ أَنْ يَا مُوسَى مَا خَلَقْتُ خَلْقاً هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ وَ إِنِّي إِنَّمَا ابْتَلَيْتُهُ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ وَ أَنَا أَعْلَمُ بِمَا يُصْلِحُ عَبْدِي فَلْيَصْبِرْ عَلَى بَلَائِي وَ لْيَشْكُرْ نَعْمَائِي وَ لْيَرْضَ بِقَضَائِي أَكْتُبْهُ فِي الصِّدِّيقِينَ عِنْدِي إِذَا عَمِلَ بِمَا يُرْضِينِي وَ أَطَاعَ أَمْرِي (3).
53- ضه، روضة الواعظين قَالَ الصَّادِقُ(ع)إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ وَ لَمْ يَجِدْ مَا يُكَفِّرُهَا بِهِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِالْحُزْنِ فِي الدُّنْيَا لِيُكَفِّرَهَا بِهِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ وَ إِلَّا فَعَذَّبَهُ فِي قَبْرِهِ لِيَلْقَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَ لَيْسَ شَيْءٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ ذُنُوبِهِ.
54- جع، جامع الأخبار قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ(ع)الْجَزَعُ عِنْدَ الْبَلَاءِ تَمَامُ الْمِحْنَةِ.
وَ قَالَ(ع)(4) إِنَّ الْبَلَاءَ لِلظَّالِمِ أَدَبٌ وَ لِلْمُؤْمِنِ امْتِحَانٌ وَ لِلْأَنْبِيَاءِ دَرَجَةٌ وَ لِلْأَوْلِيَاءِ كَرَامَةٌ.
____________
(1) مجالس المفيد ص 31 تحت الرقم: 5.
(2) هو أحمد بن محمّد بن الحسن بن الوليد.
(3) مجالس المفيد ص 63 تحت الرقم: 11.
(4) في المصدر: و قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).
236
وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص (1) مَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ وَ أُعْطِيَ فَشَكَرَ وَ ظَلَمَ فَغَفَرَ وَ ظَلَمَ فَاسْتَغْفَرَ قَالُوا مَا بَالُهُ قَالَ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ
وَ قَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ يَتَعَاهَدُ وَلِيَّهُ بِالْبَلَاءِ كَمَا يَتَعَاهَدُ الْمَرِيضَ أَهْلُهُ بِالدَّوَاءِ وَ إِنَّ اللَّهَ لَيَحْمِي عَبْدَهُ الدُّنْيَا كَمَا يُحْمَى الْمَرِيضُ الطَّعَامَ.
وَ رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ خَيْراً ابْتَلَاهُمْ.
وَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَا يَزَالُ الْبَلَاءُ فِي الْمُؤْمِنِ وَ الْمُؤْمِنَةِ فِي جَسَدِهِ وَ مَالِهِ وَ وُلْدِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَ مَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ.
وَ قَالَ(ع)لَيَوَدَّنَّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ جُلُودَهُمْ قُرِضَتْ بِالْمَقَارِيضِ لِمَا يَرَوْنَ مِنْ ثَوَابِ أَهْلِ الْبَلَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا دَاوُدُ قُلْ لِعِبَادِي يَا عِبَادِي مَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَائِي وَ لَمْ يَشْكُرْ نَعْمَائِي وَ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى بَلَائِي فَلْيَطْلُبْ رَبّاً سِوَائِي.
وَ قَالَ الْبَاقِرُ(ع)يَا بُنَيَّ مَنْ كَتَمَ بَلَاءً ابْتُلِيَ بِهِ مِنَ النَّاسِ وَ شَكَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ كَانَ حَقّاً عَلَى اللَّهِ أَنْ يُعَافِيَهُ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَاءِ قَالَ(ع)يُبْتَلَى الْمَرْءُ عَلَى قَدْرِ حُبِّهِ.
وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَا مِنْ عَبْدٍ أُرِيدُ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ إِلَّا ابْتَلَيْتُهُ فِي جَسَدِهِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَفَّارَةً لِذُنُوبِهِ وَ إِلَّا ضَيَّقْتُ عَلَيْهِ فِي رِزْقِهِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَفَّارَةً لِذُنُوبِهِ وَ إِلَّا شَدَّدْتُ عَلَيْهِ الْمَوْتَ حَتَّى يَأْتِيَنِي وَ لَا ذَنْبَ لَهُ ثُمَّ أُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ وَ مَا مِنْ عَبْدٍ أُرِيدُ أَنْ أُدْخِلَهُ النَّارَ إِلَّا صَحَّحْتُ جِسْمَهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ تَمَاماً لِطَلِبَتِهِ وَ إِلَّا آمَنْتُ [خَوْفَهُ لَهُ وَ عَنْ سُلْطَانِهِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ تَمَاماً لِطَلِبَتِهِ وَ إِلَّا هَوَّنْتُ عَلَيْهِ الْمَوْتَ حَتَّى يَأْتِيَنِي وَ لَا حَسَنَةَ لَهُ ثُمَّ أَدْخَلْتُهُ النَّارَ.
وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَيَتَعَاهَدُ الْمُؤْمِنَ بِالْبَلَاءِ إِمَّا بِمَرَضٍ فِي جَسَدِهِ أَوْ بِمُصِيبَةٍ فِي أَهْلٍ أَوْ مَالٍ أَوْ مُصِيبَةٍ مِنْ مَصَائِبِ الدُّنْيَا
____________
(1) في المصدر: و قال (عليه السلام).
237
لِيَأْجُرَهُ عَلَيْهَا.
وَ قَالَ(ع)مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَ هُوَ يُذَكَّرُ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْماً بِبَلَاءٍ إِمَّا فِي مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ أَوْ فِي نَفْسِهِ فَيُؤْجَرُ عَلَيْهِ أَوْ هَمٍّ لَا يَدْرِي مِنْ أَيْنَ هُوَ.
وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمَنْزِلَةً لَا يَبْلُغُهَا الْعَبْدُ إِلَّا بِبَلَاءٍ فِي جَسَدِهِ.
وَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: خَرَجَ مُوسَى(ع)فَمَرَّ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَذَهَبَ بِهِ حَتَّى خَرَجَ إِلَى الظَّهْرِ فَقَالَ لَهُ اجْلِسْ حَتَّى أَجِيئَكَ وَ خَطَّ عَلَيْهِ خَطَّةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ إِنِّي اسْتَوْدَعْتُكَ صَاحِبِي وَ أَنْتَ خَيْرُ مُسْتَوْدَعٍ ثُمَّ مَضَى فَنَاجَاهُ اللَّهُ بِمَا أَحَبَّ أَنْ يُنَاجِيَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ نَحْوَ صَاحِبِهِ فَإِذَا أَسَدٌ قَدْ وَثَبَ عَلَيْهِ فَشَقَّ بَطْنَهُ وَ فَرَثَ لَحْمَهُ وَ شَرِبَ دَمَهُ قُلْتُ وَ مَا فَرْثُ اللَّحْمِ قَالَ قَطْعُ أَوْصَالِهِ فَرَفَعَ مُوسَى رَأْسَهُ فَقَالَ يَا رَبِّ اسْتَوْدَعْتُكَ وَ أَنْتَ خَيْرُ مُسْتَوْدَعٍ فَسَلَّطْتَ عَلَيْهِ شَرَّ كِلَابِكَ فَشَقَّ بَطْنَهُ وَ فَرَثَ لَحْمَهُ وَ شَرِبَ دَمَهُ فَقِيلَ يَا مُوسَى إِنَّ صَاحِبَكَ كَانَتْ لَهُ مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَمْ يَكُنْ يَبْلُغُهَا إِلَّا بِمَا صَنَعْتُ بِهِ انْظُرْ وَ كَشَفَ لَهُ الْغِطَاءَ فَنَظَرَ مُوسَى فَإِذَا مَنْزِلٌ شَرِيفُ فَقَالَ رَبِّ رَضِيتُ.
وَ عَنِ الْكَاظِمِ(ع)قَالَ: لَنْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ حَتَّى تَعُدُّوا الْبَلَاءَ نِعْمَةً وَ الرَّخَاءَ مُصِيبَةً وَ ذَلِكَ أَنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ الْبَلَاءِ أَعْظَمُ مِنَ الْغَفْلَةِ عِنْدَ الرَّخَاءِ.
قَالَ النَّبِيُّ ص لَا تَكُونُ مُؤْمِناً حَتَّى تَعُدَّ الْبَلَاءَ نِعْمَةً وَ الرَّخَاءَ مِحْنَةً لِأَنَّ بَلَاءَ الدُّنْيَا نِعْمَةٌ فِي الْآخِرَةِ وَ رَخَاءَ الدُّنْيَا مِحْنَةٌ فِي الْآخِرَةِ.
وَ عَنْ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا قَارَفَ الذُّنُوبَ ابْتُلِيَ بِهَا بِالْفَقْرِ فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ كَفَّارَةٌ لِذُنُوبِهِ وَ إِلَّا ابْتُلِيَ بِالْمَرَضِ فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ كَفَّارَةٌ لِذُنُوبِهِ وَ إِلَّا ابْتُلِيَ بِالْخَوْفِ مِنَ السُّلْطَانِ يَطْلُبُهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَفَّارَةً لِذُنُوبِهِ وَ إِلَّا ضُيِّقَ عَلَيْهِ عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ حِينَ يَلْقَاهُ وَ مَا لَهُ مِنْ ذَنْبٍ يَدَّعِيهِ عَلَيْهِ فَيَأْمُرُ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَ إِنَّ الْكَافِرَ وَ الْمُنَافِقَ لَيُهَوَّنُ عَلَيْهِمَا خُرُوجُ أَنْفُسِهِمَا حَتَّى يَلْقَيَا اللَّهَ حِينَ
238
يَلْقَيَانِهِ وَ مَا لَهُمَا عِنْدَهُ مِنْ حَسَنَةٍ يَدَّعِيَانِهَا عَلَيْهِ فَيَأْمُرُ بِهِمَا إِلَى النَّارِ.
وَ عَنْهُ(ع)قَالَ: كُلَّمَا ازْدَادَ الْعَبْدُ إِيمَاناً ازْدَادَ ضِيقاً فِي مَعِيشَتِهِ (1).
بيان: في القاموس فرث الجلة يفرث و يفرث نثر ما فيها و كبده يفرثها ضربها و هو حي كفرثها تفريثا فانفرثت كبده انتثرت (2).
بشا، بشارة المصطفى عَنِ ابْنِ شَيْخِ الطَّائِفَةِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْمُفِيدِ عَنْ زَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَكَمِ الْكِنْدِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ صَبِيحٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْعَلَاءِ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كُنْتُ جَالِساً مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ(ع)إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ (عليه السلام) فَقَالَ الرَّجُلُ كَيْفَ أَنْتُمْ فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدٌ أَ وَ مَا آنَ لَكُمْ أَنْ تَعْلَمُوا كَيْفَ نَحْنُ إِنَّمَا مَثَلُنَا فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مَثَلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ يُذَبَّحُ أَبْنَاؤُهُمْ وَ تُسْتَحْيَا نِسَاؤُهُمْ أَلَا وَ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَنَا وَ يَسْتَحْيُونَ نِسَاءَنَا زَعَمَتِ الْعَرَبُ أَنَّ لَهُمْ فَضْلًا عَلَى الْعَجَمِ فَقَالَ الْعَجَمُ وَ بِمَا ذَاكَ؟ قَالُوا كَانَ مُحَمَّدٌ مِنَّا عَرَبِيٌّ قَالُوا لَهُمْ صَدَقْتُمْ وَ زَعَمَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ لَهَا فَضْلًا عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْعَرَبِ فَقَالَتْ لَهُمُ الْعَرَبُ مِنْ غَيْرِهِمْ وَ بِمَا ذَاكَ؟ قَالُوا كَانَ مُحَمَّدٌ قُرَشِيّاً قَالُوا لَهُمْ صَدَقْتُمْ فَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ صَدَقُوا فَلَنَا فَضْلٌ عَلَى النَّاسِ لِأَنَّا ذُرِّيَّةُ مُحَمَّدٍ وَ أَهْلُ بَيْتِهِ خَاصَّةً وَ عِتْرَتُهُ لَا يَشْرَكُنَا فِي ذَلِكَ غَيْرُنَا فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ وَ اللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ قَالَ فَاتَّخِذْ لِلْبَلَاءِ جِلْبَاباً فَوَ اللَّهِ إِنَّهُ لَأَسْرَعُ إِلَيْنَا وَ إِلَى شِيعَتِنَا مِنَ السَّيْلِ فِي الْوَادِي وَ بِنَا يُبْدَأُ الْبَلَاءُ ثُمَّ بِكُمْ وَ بِنَا يُبْدَأُ الرَّخَاءُ ثُمَّ بِكُمْ (3).
بيان: قال الجوهري آن أينك أي حان حينك و آن لك أن تفعل كذا يئين أينا عن أبي زيد أي حان مثل أنى لك و هو مقلوب منه (4).
56- جع، جامع الأخبار قَالَ النَّبِيُّ ص الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَ جَنَّةُ الْكَافِرِ وَ قَالَ
____________
(1) جامع الأخبار: 132، الباب 70.
(2) القاموس: ج 1 ص 172.
(3) بشارة المصطفى ص 107.
(4) الصحاح ص 2076.
239
لَوْ كَانَ الْمُؤْمِنُ فِي جُحْرِ فَأْرَةٍ لَقَيَّضَ اللَّهُ فِيهِ مَنْ يُؤْذِيهِ وَ قَالَ الْمُؤْمِنُ مُكَفَّرٌ.
وَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ: لَا يَكُونُ فِي الدُّنْيَا مُؤْمِنٌ إِلَّا وَ لَهُ جَارٌ يُؤْذِيهِ.
وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَا كَانَ وَ لَا يَكُونُ وَ لَا هُوَ كَائِنٌ- (1) نَبِيٌّ وَ لَا مُؤْمِنٌ إِلَّا وَ لَهُ قَرَابَةٌ يُؤْذِيهِ أَوْ جَارٌ يُؤْذِيهِ (2).
57- ختص، الإختصاص عَنْ رِبْعِيٍّ عَنِ الْفُضَيْلِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ إِنَّ الشَّيَاطِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَكْثَرُ مِنَ الزَّنَابِيرِ عَلَى اللَّحْمِ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ إِلَّا مَا دَفَعَ اللَّهُ (3).
بيان: كأنه(ع)أشار إلى جهة السماء.
58- ختص، الإختصاص عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَ أَوْلَادَ الْأَنْبِيَاءِ وَ أَتْبَاعَ الْأَنْبِيَاءِ خُصُّوا بِثَلَاثِ خِصَالٍ السُّقْمِ فِي الْأَبْدَانِ وَ خَوْفِ السُّلْطَانِ وَ الْفَقْرِ (4).
59- محص، التمحيص عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَمَّامٍ عَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ أَحْمَدَ وَ عَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ ابْنِ رِئَابٍ وَ كَرَّامٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ كَانَ عَلِيٌّ(ع)يَقُولُ إِنَّ الْبَلَاءَ أَسْرَعُ إِلَى شِيعَتِنَا مِنَ السَّيْلِ إِلَى قَرَارِ الْوَادِي (5).
60- محص، التمحيص عَنْ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: الْجُوعُ وَ الْخَوْفُ أَسْرَعُ إِلَى شِيعَتِنَا مِنْ رَكْضِ الْبَرَاذِينِ.
بيان: الركض تحريك الرجل و منه ارْكُضْ بِرِجْلِكَ (6) و الدفع
____________
(1) في المصدر: و ليس بكائن.
(2) جامع الأخبار: 150. الباب 87.
(3) الاختصاص ص 30.
(4) الاختصاص ص 213.
(5) كتاب التمحيص مخطوط.
(6) ص: 42.
240
و استحثاث الفرس للعدو و الهرب و العدو و ركض الفرس كعني فركض هو عدا فهو راكض و مركوض ذكره الفيروزآبادي (1).
محص، التمحيص عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)لَوْ أَنَّ مُؤْمِناً عَلَى لَوْحٍ فِي الْبَحْرِ لَقَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مُنَافِقاً يُؤْذِيهِ.
جع، جامع الأخبار عنه(ع)مثله (2).
62- محص، التمحيص عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)يَا زِيَادُ إِنَّ اللَّهَ يَتَعَهَّدُ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ بِالْبَلَاءِ كَمَا يَتَعَهَّدُ الْغَائِبُ أَهْلَهُ بِالْهَدِيَّةِ وَ يَحْمِيهِ الدُّنْيَا كَمَا يَحْمِي الطَّبِيبُ الْمَرِيضَ.
63- محص، التمحيص عَنْ زَيْدٍ الشَّحَّامِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: نِعْمَ جُرْعَةُ الْغَيْظِ لِمَنْ صَبَرَ عَلَيْهَا وَ إِنَّ عَظِيمَ الْأَجْرِ مَعَ عَظِيمِ الْبَلَاءِ وَ مَا أَحَبَّ اللَّهُ قَوْماً إِلَّا ابْتَلَاهُمْ.
64- محص، التمحيص عَنْ طَلْحَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْمُؤْمِنِينَ فِي دَارِ الدُّنْيَا غَرَضاً لِعَدُوِّهِمْ.
65- محص، التمحيص عَنِ الثُّمَالِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَا أَبَا حَمْزَةَ مَا كَانَ وَ لَنْ يَكُونَ مُؤْمِنٌ إِلَّا وَ لَهُ بَلَايَا أَرْبَعٌ إِمَّا يَكُونُ لَهُ جَارٌ يُؤْذِيهِ أَوْ مُنَافِقٌ يَقْفُو أَثَرَهُ أَوْ مُنَافِقٌ يَرَى قِتَالَهُ جِهَاداً أَوْ مُؤْمِنٌ يَحْسُدُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَا إِنَّهُ أَشَدُّ الْأَرْبَعَةِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَقُولُ فَيُصَدَّقُ عَلَيْهِ وَ يُقَالُ هَذَا رَجُلٌ مِنْ إِخْوَانِهِ فَمَا بَقَاءُ الْمُؤْمِنِ بَعْدَ هَذِهِ.
66- محص، التمحيص عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا لَهُ فِي الْمَصَائِبِ مِنَ الْأَجْرِ لَتَمَنَّى أَنْ يُقْرَضَ بِالْمَقَارِيضِ.
67- محص، التمحيص عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ(ع)يَقُولُ إِذَا أُضِيفَ الْبَلَاءُ إِلَى الْبَلَاءِ كَانَ مِنَ الْبَلَاءِ عَافِيَةٌ وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ إِنْ
____________
(1) القاموس ج 2 ص 332.
(2) جامع الأخبار ص 150 الباب: 87.
241
أَصَابَكُمْ تَمْحِيصٌ فَاصْبِرُوا فَإِنَّمَا يَبْتَلِي اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَ لَمْ يَزَلْ إِخْوَانُكُمْ قَلِيلًا أَلَا وَ إِنَّ أَقَلَّ أَهْلِ الْمَحْشَرِ الْمُؤْمِنُونَ.
بيان: كان من البلاء عافية لعل المعنى أن عند اشتداد البلاء و تواتره يرجى الفرج كما قال تعالى إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (1)
68- محص، التمحيص عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَ هُوَ يَذَّكَّرُ لِبَلَاءٍ يُصِيبُهُ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْماً أَوْ بِشَيْءٍ فِي مَالِهِ وَ وُلْدِهِ لِيَأْجُرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ أَوْ بِهَمٍّ لَا يَدْرِي مِنْ أَيْنَ هُوَ.
69- محص، التمحيص عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَحْمَسِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ اللَّهَ لَيَتَعَهَّدُ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ بِأَنْوَاعِ الْبَلَاءِ كَمَا يَتَعَهَّدُ أَهْلَ الْبَيْتِ سَيِّدُهُمْ بِطُرَفِ الطَّعَامِ.
توضيح الظاهر أن الأحمسي هو الحسين بن عثمان الثقة و أهل البيت بالنصب و سيدهم بالرفع و في القاموس الطريف القريب من الثمر و غيره.
70- محص، التمحيص عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَا أَفْلَتَ الْمُؤْمِنُ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْ ثَلَاثٍ وَ رُبَّمَا اجْتَمَعَتِ الثَّلَاثُ عَلَيْهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ فِي الدَّارِ مَنْ يُغْلِقُ عَلَيْهِ الْبَابَ يُؤْذِيهِ أَوْ جَارٌ يُؤْذِيهِ أَوْ شَيْءٌ فِي طَرِيقِهِ وَ حَوَائِجِهِ يُؤْذِيهِ وَ لَوْ أَنَّ مُؤْمِناً عَلَى قُلَّةِ جَبَلٍ لَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ شَيْطَاناً وَ يَجْعَلُ لَهُ مِنْ إِيمَانِهِ أُنْساً لَا يَسْتَوْحِشُ إِلَى أَحَدٍ.
71- محص، التمحيص عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ.
72- محص، التمحيص عَنْ سَدِيرٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ(ع)هَلْ يَبْتَلِي اللَّهُ الْمُؤْمِنَ فَقَالَ وَ هَلْ يُبْتَلَى إِلَّا الْمُؤْمِنُ حَتَّى إِنَّ صَاحِبَ يَاسِينَ- قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (2) كَانَ مُكَنَّعاً قُلْتُ وَ مَا الْمُكَنَّعُ قَالَ كَانَ بِهِ جُذَامٌ.
____________
(1) الانشراح: 5.
(2) يس: 130.
242
73- محص، التمحيص عَنْ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَ بِهِ وَجَعٌ فِي شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ لَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يَمُوتَ يَكُونُ ذَلِكَ كَفَّارَةً لِذُنُوبِهِ.
74- محص، التمحيص عَنِ الْأَحْمَسِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: لَا تَزَالُ الْغُمُومُ وَ الْهُمُومُ بِالْمُؤْمِنِ حَتَّى لَا تَدَعَ لَهُ ذَنْباً.
وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: لَا يَمْضِي عَلَى الْمُؤْمِنِ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً إِلَّا عَرَضَ لَهُ أَمْرٌ يَحْزُنُهُ يُذَكِّرُهُ رَبَّهُ.
75- محص، التمحيص عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ لَيَهْتَمُّ فِي الدُّنْيَا حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهَا وَ لَا ذَنْبَ لَهُ.
محص، التمحيص عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ قَالَ اللَّهُ لَوْ لَا أَنْ يَجِدَ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنُ فِي نَفْسِهِ لَعَصَّبْتُ الْمُنَافِقَ عِصَابَةً لَا يَجِدُ أَلَماً حَتَّى يَمُوتَ.
بيان: في النهاية في حديث الإيمان إني سائلك فلا تجد علي أي لا تغضب من سؤالي يقال وجد عليه يجد وجدا و موجدة.
77- محص، التمحيص عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَ جَنَّةُ الْكَافِرِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُرَوَّعُ فِيهَا وَ أَمَّا الْكَافِرُ فَيُمَتَّعُ فِيهَا.
بيان: الروع الفزع كالارتياع و التروع و الروعة الفزعة و راع أفزع كروع لازم متعد (1).
محص، التمحيص عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَكْرُمُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى إِنَّهُ لَوْ سَأَلَهُ الدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا أَعْطَاهُ إِيَّاهَا وَ لَمْ يَنْقُصَاهُ ذَلِكَ وَ لَوْ سَأَلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ شِبْراً حَرَمَهُ وَ إِنَّ اللَّهَ يَتَعَهَّدُ الْمُؤْمِنَ بِالْبَلَاءِ كَمَا يَتَعَهَّدُ الْغَائِبُ أَهْلَهُ بِالْهَدِيَّةِ وَ يَحْمِيهِ الدُّنْيَا كَمَا يَحْمِي الطَّبِيبُ الْمَرِيضَ.
بيان: الظاهر أنه سقط من صدر الخبر فقرات.
79- محص، التمحيص عَنْ أَبِي الْحَسَنِ(ع)قَالَ: الْمُؤْمِنُ بِعَرْضِ كُلِّ خَيْرٍ لَوْ قُطِعَ أَنْمُلَةً أَنْمُلَةً كَانَ خَيْراً لَهُ وَ لَوْ وُلِّيَ شَرْقَهَا وَ غَرْبَهَا كَانَ خَيْراً لَهُ.
____________
(1) القاموس ج 3 ص 32.
243
بيان: بعرض كل خير أي بمعرض كل خير و محل عروضه و ظهوره لو قطع أنملة أنملة في المصباح الأنملة من الأصابع العقدة و بعضهم يقول الأنامل رءوس الأصابع و الأنملة بفتح الهمزة و فتح الميم أكثر من ضمها و ابن قتيبة يجعل المضموم من لحن العوام و بعض المتأخرين من النحاة حكى تثليث الهمزة مع تثليث الميم فتصير تسع لغات.
و أقول كان المعنى قطع جميع بدنه بمقدار الأنملة و كون المراد قطع أنامل يديه و رجليه تدريجا بعيد.
80- محص، التمحيص عَنْ عِيسَى بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَذُودُ الْمُؤْمِنَ عَمَّا يَشْتَهِيهِ كَمَا يَذُودُ أَحَدُكُمُ الْغَرِيبَ عَنْ إِبِلِهِ لَيْسَ مِنْهَا.
بيان: في المصباح ذاد الراعي إبله عن الماء ذودا و ذيادا منعها.
81- محص، التمحيص عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ لَيَطْلُبُ الْإِمَارَةَ وَ التِّجَارَةَ حَتَّى إِذَا أَشْرَفَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا كَانَ يَهْوَى بَعَثَ اللَّهُ مَلَكاً وَ قَالَ لَهُ عُقْ عَبْدِي وَ صُدَّهُ عَنْ أَمْرٍ لَوِ اسْتَمْكَنَ مِنْهُ أُدْخَلَهُ النَّارَ فَيُقْبِلُ الْمَلَكُ فَيَصُدُّهُ بِلُطْفِ اللَّهِ فَيُصْبِحُ وَ هُوَ يَقُولُ لَقَدْ دُهِيتُ وَ مَنْ دَهَانِي فَعَلَ اللَّهُ بِهِ وَ فَعَلَ وَ مَا يَدْرِي أَنَّ اللَّهَ النَّاظِرُ لَهُ فِي ذَلِكَ وَ لَوْ ظَفِرَ بِهِ أَدْخَلَهُ النَّارَ.
بيان: في القاموس دهاه دهيا و دهاه أصابه بداهية و هي الأمر العظيم (1) و فعل الله به و فعل كناية عن شتم كثير و دعاء عليه بالسوء.
82- ما، الأمالي للشيخ الطوسي عَنْ جَمَاعَةٍ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الرَّزَّازِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ كَفَّتَيِ الْمِيزَانِ كُلَّمَا زِيدَ فِي إِيمَانِهِ زِيدَ فِي بَلَائِهِ لِيَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا خَطِيئَةَ لَهُ (2).
____________
(1) القاموس ج 4 ص 329، و فيه: دهاه دهيا و دهاه: نسبه الى الدهاء، أو عابه و تنقصه، أو أصابه بداهية إلخ.
(2) أمالي الشيخ ج 2 ص 244.
244
محص، التمحيص عن علي بن أبي حمزة عنه(ع)مثله (1)- جع، جامع الأخبار عنه(ع)مثله.
83- كِتَابُ الْإِمَامَةِ وَ التَّبْصِرَةِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص السُّقْمُ يَمْحُو الذُّنُوبَ وَ قَالَ ص سَاعَاتُ الْوَجَعِ يُذْهِبْنَ سَاعَاتِ الْخَطَايَا وَ قَالَ ص سَاعَاتُ الْهُمُومِ سَاعَاتُ الْكَفَّارَاتِ وَ لَا يَزَالُ الْهَمُّ بِالْمُؤْمِنِ حَتَّى يَدَعَهُ وَ مَا لَهُ مِنْ ذَنْبٍ.
84- كش، رجال الكشي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ عَنِ الْعَمْرَكِيِّ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ الْأَزْدِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمَّادٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَصَمِّ عَنْ ذَرِيحٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَ أَنَا وَجِعٌ ثَقِيلٌ فَقِيلَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَجِعٌ فَأَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)بِشَرَابٍ مَعَ الْغُلَامِ مُغَطًّى بِمِنْدِيلٍ فَنَاوَلَنِيهِ الْغُلَامُ وَ قَالَ لِي اشْرَبْهُ فَإِنَّهُ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ لَا أَرْجِعَ حَتَّى تَشْرَبَهُ فَتَنَاوَلْتُهُ فَإِذَا رَائِحَةُ الْمِسْكِ عَنْهُ وَ إِذَا شَرَابٌ طَيِّبُ الطَّعْمِ بَارِدٌ فَإِذَا شَرِبْتُهُ قَالَ لِيَ الْغُلَامُ يَقُولُ لَكَ إِذَا شَرِبْتَهُ فَتَعَالَ فَفَكَّرْتُ فِيمَا قَالَ لِي وَ لَا أَقْدِرُ عَلَى النُّهُوضِ قَبْلَ ذَلِكَ عَلَى رِجْلِي فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الشَّرَابُ فِي جَوْفِي فَكَأَنَّمَا نَشِطْتُ مِنْ عِقَالٍ فَأَتَيْتُ بَابَهُ فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَصَوَّتَ بِي صَحَّ الْجِسْمُ ادْخُلْ ادْخُلْ فَدَخَلْتُ وَ أَنَا بَاكٍ وَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَ قَبَّلْتُ يَدَيْهِ وَ رَأْسَهُ فَقَالَ لِي وَ مَا يُبْكِيكَ يَا مُحَمَّدُ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَبْكِي عَلَى اغْتِرَابِي وَ بُعْدِ الشُّقَّةِ وَ قِلَّةِ الْمَقْدُرَةِ عَلَى الْمُقَامِ عِنْدَكَ وَ النَّظَرِ إِلَيْكَ فَقَالَ أَمَّا قِلَّةُ الْمَقْدُرَةِ فَكَذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ أَوْلِيَاءَنَا وَ أَهْلَ مَوَدَّتِنَا وَ جَعَلَ الْبَلَاءَ إِلَيْهِمْ سَرِيعاً وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ الْغُرْبَةِ فَلَكَ بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أُسْوَةٌ بِأَرْضٍ نَاءٍ عَنَّا بِالْفُرَاتِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ بُعْدِ الشُّقَّةِ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ فِي هَذِهِ الدَّارِ غَرِيبٌ وَ فِي هَذَا الْخَلْقِ الْمَنْكُوسِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ
____________
(1) جامع الأخبار ص 134.
245
مِنْ حُبِّكَ قُرْبَنَا وَ النَّظَرَ إِلَيْنَا وَ أَنَّكَ لَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ فَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قَلْبِكَ وَ جَزَاؤُكَ عَلَيْهِ (1).
قب، المناقب لابن شهرآشوب مرسلا مثله (2)- ختص، الإختصاص عن عدة من أصحابه عن محمد بن جعفر المؤدب عن البرقي عن بعض أصحابنا عن الأصم عن مدلج مثله (3) بيان قيل له أي لأبي جعفر(ع)و في المناقب قيل لأبي جعفر(ع)و في النهاية في حديث السحر فكأنما أنشط من عقال أي حل و كثيرا ما يجيء في الرواية كأنما نشط من عقال و ليس بصحيح يقال نشطت العقدة إذا عقدتها و أنشطتها إذا حللتها و في القاموس الشقة بالضم و الكسر البعد و الناحية التي يقصدها المسافر و السفر البعيد و المشقة.
فلك بأبي عبد الله أي الحسين (صلوات الله عليه) أسوة أي اقتداء أي شابهته في الغربة و التفكر في حالة يسهل عليك غربتك و يكشف هذا الحزن عنك في القاموس الأسوة بالكسر و الضم القدوة و ما يأتسي به الحزين و أساه تأسية فتأسى عزاه فتعزى. (4)
و في هذا الخلق عطف على قوله و في هذه الدار أي بين هذا الخلق غريب و إنما وصفهم بالنكس لأنهم انخلعوا عن الإنسانية فصاروا كالبهائم و الأنعام أو انقلبوا عن حدود الإنسانية إلى حد البهيمية أو هم منكوسو القلوب لا تعي قلوبهم شيئا من الحق أو هو كناية عن الخيبة و الخسران أو شبه أسوأ حالاتهم الروحانية بأسوإ حالاتهم الجسمانية أو أنهم لما أعرضوا عن العروج على معارج الكمالات الروحانية و قصروا نظرهم على الشهوات الجسمانية
____________
(1) رجال الكشّيّ ص 150، تحت الرقم: 67.
(2) مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 181.
(3) الاختصاص ص 52.
(4) القاموس ج 4 ص 299.
246
فكأنهم انتكسوا و انقلبوا.
و في المناقب و في هذا الخلق منكوس أي يرونه كذلك أو بينهم بشر الأحوال لا يقدر على شيء كالمنكوس في القاموس نكسه قلبه على رأسه كنكسه و النكس بالكسر الضعيف و كمحدث الفرس لا يسمو برأسه و لا بهاديه إذا جرى ضعفا أو الذي لم يلحق الخيل و انتكس وقع على رأسه (1).
و في النهاية في حديث أبي هريرة تعس عبد الدنيا و انتكس أي انقلب على رأسه و هو دعاء عليه بالخيبة لأن من انتكس في أمره فقد خاب و خسر و في حديث ابن مسعود قيل له إن فلانا يقرأ القرآن منكوسا فقال ذلك منكوس القلب.
فالله يعلم ما في قلبك في المناقب فلك ما في قلبك و ما في رجال الكشي أظهر.
85- كِتَابُ الْمُؤْمِنِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فَجَاءَ جَمِيلٌ الْأَزْرَقُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ فَذَكَرُوا بَلَايَا لِلشِّيعَةِ وَ مَا يُصِيبُهُمْ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)إِنَّ أُنَاساً أَتَوْا عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ(ع)وَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ فَذَكَرُوا لَهُمَا نَحْوَ مَا ذَكَرْتُمُ قَالَ فَأَتَيَا الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ(ع)فَذَكَرَا لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ الْحُسَيْنُ(ع)وَ اللَّهِ الْبَلَاءُ وَ الْفَقْرُ وَ الْقَتْلُ أَسْرَعُ إِلَى مَنْ أَحَبَّنَا مِنْ رَكْضِ الْبَرَاذِينِ وَ مِنَ السَّيْلِ إِلَى صِمْرِهِ قُلْتُ وَ مَا الصِّمْرُ قَالَ مُنْتَهَاهُ وَ لَوْ لَا أَنْ تَكُونُوا كَذَلِكَ لَرَأَيْنَا أَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَّا.
بيان: في القاموس صمر الماء جرى من حدور في مستوى فسكن و هو جار و الصمر بالكسر مستقره (2).
86- الْمُؤْمِنُ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ إِنَّ الشَّيَاطِينَ أَكْثَرُ عَلَى الْمُؤْمِنِ مِنَ الزَّنَابِيرِ عَلَى اللَّحْمِ.
87- محص، التمحيص عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْداً نَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ أَتْحَفَهُ مِنْ ثَلَاثٍ بِوَاحِدَةٍ إِمَّا صُدَاعٍ وَ إِمَّا حُمًّى وَ إِمَّا رَمَدٍ.
____________
(1) القاموس ج 2 ص 256.
(2) القاموس ج 2: 72.
247
88- نهج، نهج البلاغة قَالَ(ع)وَ قَدْ تُوُفِّيَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيُّ (رحمه الله) بِالْكُوفَةِ مَرْجِعَهُ مَعَهُ مِنْ صِفِّينَ وَ كَانَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيْهِ لَوْ أَحَبَّنِي جَبَلٌ لَتَهَافَتَ.
قال السيد رضي الله عنه و معنى ذلك أن المحبة تغلظ عليه فتسرع المصائب إليه و لا يفعل ذلك إلا بالأتقياء الأبرار و المصطفين الأخيار
وَ هَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ(ع)مَنْ أَحَبَّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَلْيَسْتَعِدَّ لِلْفَقْرِ جِلْبَاباً.
و قد تؤول ذلك على معنى آخر ليس هذا موضع ذكره (1).
تبيان مرجعه منصوب على الظرفية و التهافت التساقط قطعة قطعة من هفت كضرب إذا سقط كذلك و قيل هفت أي تطاير لخفته و المراد تلاشي الأجزاء و تفرقها لعدم الطاقة و تغلظ في بعض النسخ على صيغة المجهول من باب التفعيل و في بعضها على صيغة المجرد المعلوم يقال غلظ الشيء ككرم ضد رق كما في النسخة و جاء كضرب و الاستعداد للشيء التهيؤ له.
و لفظ الرواية على ما ذكره ابن الأثير في النهاية أظهر
قَالَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ(ع)مَنْ أَحَبَّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَلْيُعِدَّ لِلْفَقْرِ جِلْبَاباً (2).
أي ليزهد في الدنيا و ليصبر على الفقر و العلة و الجلباب الإزار و الرداء و قيل هو كالمقنعة تغطي به المرأة رأسها و ظهرها و صدرها و جمعه جلابيب كني به عن الصبر لأنه يستر الفقر كما يستر الجلباب البدن.
و قيل إنما كني بالجلباب عن اشتماله بالفقر أي فليلبس إزار الفقر و يكون منه على حالة تعمه و تشمله لأن الغنى من أحوال أهل الدنيا و لا يتهيأ الجمع بين حب الدنيا و حب أهل البيت انتهى.
وَ قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (3) قَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ص قَالَ: لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ
____________
(1) نهج البلاغة ج 2 ص 168 تحت الرقم 111 من الحكم و المواعظ.
(2) قد مر في ذيل ص 227 حديث عن المعاني، يقول فيه الصادق (عليه السلام) أن أصل الحديث «من أحبنا فليعده للفقر جلبابا، فراجع.
(3) راجع شرح النهج ج 4 ص 289 ط مصر.
248
وَ لَا يُبْغِضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ.
وَ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ص قَالَ: إِنَّ الْبَلْوَى أَسْرَعُ إِلَى الْمُؤْمِنِ مِنَ الْمَاءِ إِلَى الْحَدُورِ.
هاتان المقدمتان يلزمهما نتيجة صادقة هي أنه(ع)لو أحبه جبل لتهافت و لعل هذا هو مراد الرضي رضي الله عنه بقوله معنى آخر ليس هذا موضع ذكره انتهى و فيه تأمل.
و قال ابن ميثم (1) الجلباب مستعار لتوطين النفس على الفقر و الصبر عليه و وجه الاستعارة كونهما ساترين للمستعد بهما من عوارض الفقر و ظهوره في سوء الخلق و ضيق الصدر و التحير الذي ربما أدى إلى الكفر كما يستر بالملحفة و لما كانت محبتهم(ع)بصدق يستلزم متابعتهم و الاستشعار بشعارهم و من شعارهم الفقر و رفض الدنيا و الصبر على ذلك وجب أن يكون كل محب مستشعرا للفقر و مستعدا له جلبابا من توطين النفس عليه و الصبر.
و قد ذكر ابن قتيبة هذا المعنى بعبارة أخرى فقال من أحبنا فليقتصر على التقلل من الدنيا و التقنع فيها قال و شبه الصبر على الفقر بالجلباب لأنه يستر الفقر كما يستر الجلباب البدن قال و يشهد بصحة هذا التأويل
مَا رُوِيَ أَنَّهُ رَأَى قَوْماً عَلَى بَابِهِ فَقَالَ يَا قَنْبَرُ مَنْ هَؤُلَاءِ فَقَالَ شِيعَتُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ مَا لِي لَا أَرَى فِيهِمْ سِيمَاءَ الشِّيعَةِ قَالَ وَ مَا سِيمَاءُ الشِّيعَةِ قَالَ خُمْصُ الْبُطُونِ مِنَ الطَّوَى يُبْسُ الشِّفَاهِ مِنَ الظَّمَاءِ عُمْشُ الْعُيُونِ مِنَ الْبُكَاءِ.
. و قال أبو عبيد إنه لم يرد الفقر في الدنيا أ لا ترى أن فيمن يحبهم مثل ما في سائر الناس من الغنى و إنما أراد الفقر يوم القيامة و أخرج الكلام مخرج الوعظ و النصيحة و الحث على الطاعات فكأنه أراد من أحبنا فليعد لفقره يوم القيامة ما يحسره من الثواب و التقرب إلى الله تعالى و الزلفة عنده.
قال و قال السيد المرتضى ره و الوجهان جميعا حسنان و إن كان قول ابن قتيبة أحسن فذلك معنى قول السيد رضي الله عنه و قد تؤول ذلك على معنى آخر انتهى كلام ابن ميثم.
____________
(1) شرح النهج لابن ميثم البحرانيّ ص 594.
249
و قال القطب الراوندي (رحمه الله) بعد ذكر المعنيين المحكيين عن ابن قتيبة و أبي عبيد و قال المرتضى فيه وجها ثالثا أي من أحبنا فليزم نفسه و ليقدها إلى الطاعات و ليذللها على الصبر عما كره منها فالفقر أن يحز أنف البعير فيلوى عليه حبل يذلل به الصعب يقال فقره إذا فعل به ذلك انتهى.
و لا يخفى أنه لو كان المراد الصبر على الفقر و ستره و الكف عن إظهار الحاجة إلى الناس و ذلك هو المعبر عنه بالجلباب كما أشير إليه أولا لا يقدح فيه ما ذكره أبو عبيد من أن فيمن يحبهم مثل ما في سائر الناس من الغنى لأن الأمر بالصبر و الستر حينئذ يتوجه إلى من ابتلاه الله بالفقر فالمراد أن من ابتلي من محبينا بالفقر فليصبر عليه و لا يكشفها و لا يستفاد منه فقد الغنى من الشيعة.
و أما الخبر الأول فقد قيل يحتمل أن تكون مفاده صعوبة حمل محبتهم الكاملة
فَيَكُونُ قَرِيباً مِنْ قَوْلِهِ(ع)إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لَا يَحْتَمِلُهُ إِلَّا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ أَوْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ أَوْ عَبْدٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ (1).
. فتهافت الجبل حينئذ لثقل هذا الحمل و شدة المهابة كقوله تعالى لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ (2) و قوله تعالى إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها (3) و الظاهر من المقام أنه ليس المراد بالمحبة ما في العوام و الأوساط بل ما يستلزم التشبه به(ع)على وجه كامل و الاقتداء التام به(ع)في الفضائل و محاسن الأعمال على قدر الطاقة و إن كانت درجته الرفيعة فوق إدراك الأفهام و أعلى من أن تناله الأوهام و حق للجبل أن يتهافت عن حمل مثل ذلك الحمل.
____________
(1) راجع الكافي ج 1 ص 401. بصائر الدرجات ص 20.
(2) الحشر: 21.
(3) الأحزاب: 73.
250
تتميم
في هذه الأحاديث الواردة من طرق الخاصة و العامة دلالة واضحة على أن الأنبياء و الأوصياء(ع)في الأمراض الحسية و البلايا الجسمية كغيرهم بل هم أولى بها من الغير تعظيما لأجرهم الذي يوجب التفاضل في الدرجات و لا يقدح ذلك في رتبتهم بل هو تثبيت لأمرهم و أنهم بشر إذ لو لم يصبهم ما أصاب سائر البشر مع ما يظهر في أيديهم من خرق العادة لقيل فيهم ما قالت النصارى في نبيهم.
و قد ورد هذا التأويل في الخبر و ابتلاؤهم تحفة لهم لرفع الدرجات التي لا يمكن الوصول إليها بشيء من العمل إلا ببلية كما أن بعض الدرجات لا يمكن الوصول إليها إلا بالشهادة فيمن الله سبحانه على من أحب من عباده بها تعظيما و تكريما له
كَمَا وَرَدَ فِي خَبَرِ شَهَادَةِ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ(ع)أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ص فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لَهُ يَا حُسَيْنُ لَكَ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَصِلُ إِلَيْهَا إِلَّا بِالشَّهَادَةِ.
. و استثنى أكثر العلماء ما هو نقص و منفر للخلق عنهم كالجنون و الجذام و البرص و حمل استعاذة النبي ص عنها على أنها تعليم للخلق.
و قال المحقق الطوسي (قدس سره) في التجريد فيما يجب كونه في كل نبي العصمة و كمال العقل و الذكاء و الفطنة و قوة الرأي و عدم السهو و كلما ينفر عنه الخلق من دناءة الآباء و عهر الأمهات و الفظاظة و الغلظة و الأبنة و شبهها و الأكل على الطريق و شبهه.
و قال العلامة في شرحه و أن يكون منزها عن الأمراض المنفرة نحو الأبنة و سلس الريح و الجذام و البرص لأن ذلك كله مما ينفر عنه فيكون منافيا للغرض من البعثة و ضم القوشجي سلس البول أيضا.
و قال القاضي عياض من علماء المخالفين في كتاب الشفاء قال الله تعالى
251
وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ (1) و قال مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَ أُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ (2) و قال وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ يَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ (3) و قال قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَ (4) فمحمد ص و سائر الأنبياء من البشر أرسلوا إلى البشر و لو لا ذلك لما أطاق الناس مقاومتهم و القبول عنهم و مخاطبتهم قال الله تعالى وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا (5) أي لما كان إلا في صورة البشر الذين يمكنكم مخالطتهم إذ لا تطيقون مقاومة الملك و مخاطبته و رؤيته إذا كان على صورته و قال لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا (6) أي لا يمكن في سنة الله إرسال الملك إلا لمن هو من جنسه أو من خص الله تعالى و اصطفاه و قواه على مقاومته كالأنبياء و الرسل.
فالأنبياء و الرسل وسائط بين الله و خلقه يبلغونهم أوامره و نواهيه و وعده و وعيده و يعرفونهم بما لم يعلموه من أمره و خلقه و جلاله و سلطانه و جبروته و ملكوته فظواهرهم و أجسادهم و بنيتهم متصفة بأوصاف البشر طارئ عليها ما يطرأ على البشر من الأعراض و الأسقام و الموت و الفناء و نعوت الإنسانية و أرواحهم و بواطنهم متصفة بأعلى من أوصاف البشر متعلقة بالملإ الأعلى متشبهة بصفات الملائكة سليمة من التغيير و الآفات و لا يلحقها غالبا عجز البشرية و لا ضعف الإنسانية.
____________
(1) آل عمران: 144.
(2) المائدة: 78.
(3) الفرقان: 20.
(4) الكهف: 11.
(5) الأنعام: 9.
(6) الإسراء: 95.
252
إذ لو كانت بواطنهم خالصة للبشرية كظواهرهم لما أطاقوا الأخذ عن الملائكة و رؤيتهم و مخاطبتهم كما لا يطيقه غيرهم من البشر و لو كانت أجسامهم و ظواهرهم متسمة بنعوت الملائكة و بخلاف صفات البشر لما أطاق البشر و من أرسلوا إليه مخاطبتهم كما تقدم من قول الله تعالى.
فجعلوا من جهة الأجسام و الظواهر مع البشر و من جهة الأرواح و البواطن مع الملائكة
- كَمَا قَالَ ص تَنَامُ عَيْنَايَ وَ لَا يَنَامُ قَلْبِي.
- وَ قَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَ يَسْقِينِي.
فبواطنهم منزهة عن الآفات مطهرة من النقائص و الاعتلالات.
و قال في موضع آخر قد قدمنا أنه ص و سائر الأنبياء و الرسل من البشر و أن جسمه و ظاهره خالص للبشر يجوز عليه من الآفات و التغييرات و الآلام و الأسقام و تجرع كأس الحمام ما يجوز على البشر هذا كله ليس بنقيصة فيه لأن الشيء إنما يسمى ناقصا بالإضافة إلى ما هو أتم منه و أكمل من نوعه و قد كتب الله على أهل هذه الدار فِيها تَحْيَوْنَ وَ فِيها تَمُوتُونَ وَ مِنْها تُخْرَجُونَ (1) و خلق جميع البشر بمدرجة الغير فقد مرض ص و اشتكى و أصابه الحر و القر و أدركه الجوع و العطش و لحقه الغضب و الضجر و ناله الإعياء و التعب و مسه الضعف و الكبر و سقط فجحش شقه و شجه الكفار و كسروا رباعيته و سقي السم و سحر و تداوى و احتجم و تعوذ ثم قضى نحبه فتوفي ص و لحق بالرفيق الأعلى و تخلص من دار الامتحان و البلوى.
و هذه سمات البشر التي لا محيص عنها و أصاب غيره من الأنبياء ما هو أعظم منها و قتلوا قتلا و رموا في النار و وشروا بالمياشير (2) و منهم من وقاه الله
____________
(1) الأعراف: 25.
(2) المياشير: المناشير: جمع ميشار بمعنى منشار.
253
ذلك في بعض الأوقات و منهم من عصمه كما عصم نبينا ص بعد من الناس.
فلئن لم يكف عن نبينا ربه تعالى يد ابن قميئة يوم أحد و لا حجبه عن عيون عداه عند دعوة أهل الطائف فلقد أخذ على عيون قريش عند خروجه إلى ثور و أمسك عنه سيف غورث و حجر أبي جهل و فرس سراقة و لئن لم يقه من سحر ابن الأعصم فلقد وقاه ما هو أعظم من سم اليهودية و كذا سائر أنبيائه مبتلى و معافى.
و ذلك من تمام حكمته ليظهر شرفهم في هذه المقامات و يبين أمرهم و يتم كلمته فيهم و ليحقق بامتحانهم بشريتهم و يرتفع الالتباس عن أهل الضعف فيهم لئلا يضلوا بما يظهر من العجائب على أيديهم ضلال النصارى بعيسى ابن مريم و ليكون في محنهم تسلية لأممهم و وفور لأجورهم عند ربهم تماما على الذي أحسن إليهم.
قال بعض المحققين و هذه الطواري و التغييرات المذكورة إنما يختص بأجسامهم البشرية المقصود بها مقاومة البشر و معاناة بني آدم لمشاكلة الجسم و أما بواطنهم فمنزهة غالبا عن ذلك معصومة منه متعلقة بالملإ الأعلى و الملائكة لأخذها عنهم تلقيها الوحي منهم
- وَ قَدْ قَالَ ص إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَ لَا يَنَامُ قَلْبِي.
وَ قَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِي.
وَ قَالَ: إِنِّي لَسْتُ أَنْسَى وَ لَكِنْ أَنْسَى لِيُسْتَنَّ بِي.
. فأخبر أن سره و باطنه و روحه بخلاف جسمه و ظاهره و أن الآفات التي تحل ظاهره من ضعف و جوع و نوم و سهر لا يحل منها شيء باطنه بخلاف غيره من البشر في حكم الباطن لأن غيره إذا نام استغرق النوم جسمه و قلبه و هو في نومه(ع)حاضر القلب كما هو في يقظته حتى إنه جاء في بعض الآثار أنه كان محروسا من الحدث في نومه لكون قلبه يقظان كما ذكرناه.
254
و كذلك غيره إذا جاع ضعف لذلك جسمه و حارت قوته و بطلت في الكلية حملته و هو(ع)قد أخبر أنه لا يعتريه ذلك و أنه بخلافهم بقوله لست كهيئتكم و كذلك أقول إنه في هذه الأحوال كلها من وصب و مرض و سحر و غضب لم يجر على باطنه ما يحل به و لا فاض منه على لسانه و جوارحه ما لا يليق به كما يعتري غيره من البشر.
تذييل
قال المحقق الطوسي (قدس الله روحه) في التجريد بعض الألم قبيح يصدر منا خاصة و بعضه حسن يصدر منه تعالى و منا و حسنه إما لاستحقاقه أو لاشتماله على النفع أو دفع الضرر الزائدين أو لكونه عاديا أو على وجه الدفع و يجوز في المستحق كونه عقابا و لا يكفي اللطف في ألم المكلف في الحسن و لا يشترط في الحسن اختيار المتألم بالفعل و العوض نفع مستحق خال عن تعظيم و إجلال و يستحق عليه تعالى بإنزال الآلام و تفويت المنافع لمصلحة الغير و إنزال الغموم سواء استندت إلى علم ضروري أو مكتسب أو ظن لا ما يستند إلى فعل العبد و أمر عباده بالمضار و إباحته أو تمكين غير العاقل بخلاف الإحراق عند الإلقاء في النار و القتل عند شهادة الزور و الانتصاف عليه تعالى واجب عقلا و سمعا فلا يجوز تمكين الظالم من الظلم من دون عوض في الحال يوازي ظلمه.
فإن كان المظلوم من أهل الجنة فرق الله أعواضه على الأوقات أو تفضل عليه بمثلها و إن كان من أهل العقاب أسقط بها جزءا من عقابه بحيث لا يظهر له التخفيف بأن يفرق الناقص على الأوقات و لا يجب دوامه لحسن الزائد بما يختار معه الألم و إن كان منقطعا و لا يجب حصوله في الدنيا لاحتمال مصلحة التأخير و الألم على القطع ممنوع مع أنه غير محل النزاع و لا يجب إشعار صاحبه بإيصاله عوضا و لا يتعين منافعه و لا يصح إسقاطه و العوض عليه تعالى يجب
255
تزايده إلى حد الرضا عند كل عاقل و علينا تجب مساواته.
و قال العلامة نور الله ضريحه في شرحه اعلم أنا قد بينا وجوب الألطاف و المصالح و هي ضربان مصالح في الدين و مصالح في الدنيا أعني المنافع الدنياوية و مصالح الدين إما مضار أو منافع و المضار منها آلام و أمراض و غيرهما كالآجال و الغلاء و المنافع الصحة و السعة في الرزق و الرخص.
و اختلف الناس في قبح الألم و حسنه فذهبت الثنوية إلى قبح جميع الآلام و ذهبت المجبرة إلى حسن جميعها من الله تعالى و ذهبت البكرية و أهل التناسخ و العدلية إلى حسن بعضها و قبح الباقي و اختلفوا في وجه الحسن إلى أن قال و قالت المعتزلة إنه يحسن عند شروط أحدها أن يكون مستحقا و ثانيها أن يكون نفع عظيم يوفى عليها و ثالثها أن يكون فيها دفع ضرر أعظم منها و رابعها أن يكون مفعولا على مجرى العادة كما يفعله الله تعالى بالحي إذا ألقيناه في النار و خامسها أن يكون مفعولا على سبيل الدفع عن النفس كما إذا آلمنا من يقصد قتلنا لأنا متى علمنا اشتمال الألم على أحد هذه الوجوه حكمنا بحسنه قطعا و شرط حسن الألم المبتدإ الذي يفعله الله تعالى كونه مشتملا على اللطف إما للمتألم أو لغيره لأن خلو الألم عن النفع الزائد الذي يختار المولم معه الألم يستلزم الظلم و خلوه عن اللطف يستلزم العبث و هما قبيحان و لذا أوجب أبو هاشم في أمراض الصبيان مع الأعواض الزائدة اشتمالها على اللطف لمكلف آخر و جوز المصنف كأبي الحسين البصري أن تقع الآلام في الكفار و الفساق عقابا للكافر و الفاسق و منع قاضي القضاة من ذلك و جزم بكون أمراضهم محنا لا عقوبات و ذهب المصنف كالقاضي و الشيخين إلى أنه لا يكفي اللطف في ألم المكلف في الحسن بل لا بد من عوض خلافا لجماعة اكتفوا باللطف و لو فرضنا اشتمال اللذة على اللطف الذي اشتمل عليه الألم هل يحسن منه تعالى فعل الألم بالحي
256
لأجل لطف الغير مع العوض الذي يختار المكلف لو عرض عليه قال أبو هاشم نعم و أبو الحسين منع ذلك و تبعه المصنف.
و لا يشترط في حسن الألم المفعول ابتداء من الله تعالى اختيار المتألم للعوض الزائد عليه بالفعل و قيد الخلو عن تعظيم و إجلال ليخرج به الثواب.
و الوجوه التي يستحق به العوض على الله تعالى أمور الأول إنزال الآلام بالعبد كالمرض و غيره.
الثاني تفويت المنافع إذا كانت منه تعالى لمصلحة الغير فلو أمات الله تعالى ابنا لزيد و كان في معلومه تعالى أنه لو عاش لا ينفع به زيد لاستحق عليه تعالى العوض عما فاته من منافع ولده و لو كان في معلومه تعالى عدم انتفاعه به لأنه يموت قبل الانتفاع منه لم يستحق منه عوضا لعدم تفويت المنفعة منه تعالى و لذلك لو أهلك ماله استحق العوض بذلك سواء أشعر بهلاك ماله أو لم يشعر لأن تفويت المنفعة كإنزال الألم و لو آلمه و لم يشعر به لاستحق العوض و كذا لو فوت عليه منفعة لم يشعر بها و عندي في هذا الوجه نظر.
الثالث إنزال الغموم بأن يفعل الله تعالى أسباب الغم أما الغم الحاصل من العبد نفسه فإنه لا عوض فيه عليه تعالى.
الرابع أمر الله تعالى عباده بإيلام الحيوان أو إباحته سواء كان الأمر للإيجاب أو للندب فإن العوض في ذلك كله على الله تعالى.
الخامس تمكين غير العاقل مثل سباع الوحش و سباع الطير و الهوام و قد اختلف أهل العدل هنا على أربعة أقوال فذهب بعضهم إلى أن العوض على الله تعالى مطلقا و يعزى إلى الجبائي و قال آخرون إن العوض على فاعل الألم عن أبي علي و قال آخرون لا عوض هنا على الله تعالى و لا على الحيوان.
و قال القاضي إن كان الحيوان ملجأ إلى الإيلام كان العوض عليه تعالى و إن لم يكن ملجأ كان العوض على الحيوان و إذا طرحنا صبيا في النار فاحترق فإن الفاعل للألم هو الله تعالى و العوض علينا و يحسن لأن فعل الألم واجب
257
في الحكمة من حيث إجراء العادة و الله قد منعنا من طرحه و نهانا عنه فصار الطارح كأنه الموصل إليه الألم فلهذا كان العوض علينا دونه تعالى و كذلك إذا شهد عند الإمام شاهدا زور بالقتل فإن العوض على الشهود و إن كان الله تعالى قد أوجب القتل و الإمام تولاه و ليس عليهما عوض لأنهما أوجبا بشهادتهما على الإمام إيصال الألم إليه من جهة الشرع فصار كأنهما فعلاه لأن قبول الشاهدين عادة شرعية يجب إجراؤها على قانونها كالعادات الحسية.
و اختلف أهل العدل في وجوب الانتصاف عليه تعالى فذهب قوم منهم إلى أن الانتصاف للمظلوم من الظالم واجب على الله تعالى عقلا لأنه هو المدبر لعباده فنظره نظر الوالد لولده و قال آخرون منهم إنه يجب سمعا و المصنف (رحمه الله) اختار وجوبه عقلا و سمعا و هل يجوز أن يمكن الله تعالى من الظلم من لا عوض له في الحال يوازي ظلمه فمنع منه المصنف (قدس سره).
و قد اختلف أهل العدل هنا فقال أبو هاشم و الكعبي إنه يجوز لكنهما اختلفا فقال الكعبي يجوز أن يخرج من الدنيا و لا عوض له يوازي ظلمه و قال إن الله تعالى يتفضل عليه بالعوض المستحق عليه و يدفعه إلى المظلوم و قال أبو هاشم لا يجوز بل يجب التقية لأن الانتصاف واجب و التفضل ليس بواجب و لا يجوز تعليق الواجب بالجائز.
و قال السيد المرتضى رضي الله عنه إن التقية تفضل أيضا فلا يجوز تعليق الانتصاف بها فلهذا وجب العوض في الحال و اختاره المصنف (رحمه الله) لما ذكرناه.
و اعلم أن المستحق للعوض إما أن يكون مستحقا للجنة أو للنار فإن كان مستحقا للجنة فإن قلنا إن العوض دائم فلا بحث و إن قلنا إنه منقطع توجه الإشكال بأن يقال لو أوصل العوض إليه ثم انقطع عنه حصل له الألم بانقطاعه.
و الجواب من وجهين الأول أنه يوصل إليه عوضه متفرقا على الأوقات بحيث لا يتبين له انقطاعه فلا يحصل له الألم الثاني أن يتفضل الله تعالى عليه
258
بعد انقطاعه بمثله دائما فلا يحصل له ألم و إن كان مستحقا للعقاب جعل الله عوضه جزءا من عقابه بمعنى أنه يسقط من عقابه بإزاء ما يستحقه من الأعواض إذ لا فرق في العقل بين إيصال النفع و دفع الضرر في الإيثار.
فإذا خفف عقابه و كانت آلامه عظيمة علم أن آلامه بعد إسقاط ذلك القدر من العقاب أشد و لا يظهر له أنه كان في راحة أو نقول إنه تعالى ينقص من آلامه ما يستحقه من أعواضه متفرقا على الأوقات بحيث لا تظهر له الخفة من قبل.
و اختلف في أنه هل يجب دوام العوض أم لا فقال الجبائي يجب دوامه و قال أبو هاشم لا يجب و اختاره المصنف (رحمه الله) و لا يجب إشعار مستحق العوض بتوفيره عوضا له بخلاف الثواب و حينئذ أمكن أن يوفره الله تعالى في الدنيا على بعض المعوضين غير المكلفين و أن ينتصف لبعضهم من بعض في الدنيا و لا تجب إعادتهم في الآخرة و العوض لا يجب إيصاله في منفعة معينة دون أخرى بل يصح توفيره بكل ما يحصل فيه شهوة المعوض بخلاف الثواب لأنه يجب أن يكون من جنس ما ألفه المكلف من ملاذه.
و لا يصح إسقاط العوض و لا هبته ممن وجب عليه في الدنيا و لا في الآخرة سواء كان العوض عليه تعالى أو علينا هذا قول أبي هاشم و القاضي و جزم أبو الحسين بصحة إسقاط العوض علينا إذا استحل الظالم من المظلوم و جعله في حل بخلاف العوض عليه تعالى فإنه لا يسقط لأن إسقاطه عنه تعالى عبث لعدم انتفاعه به.
ثم قال بعد إيراد دليل القاضي على عدم صحة الهبة مطلقا و الوجه عندي جواز ذلك لأنه حقه و في هبته نفع للموهوب و يمكن نقل هذا الحق إليه و على هذا لو كان العوض مستحقا عليه تعالى أمكن هبة مستحقه لغيره من العباد أما الثواب المستحق عليه تعالى فلا يصح منا هبته لغيرنا لأنه مستحق بالمدح فلا يصح نقله إلى من لا يستحقه.
259
ثم قال العوض الواجب عليه تعالى يجب أن يكون زائدا على الألم الحاصل بفعله أو بأمره أو بإباحته أو بتمكينه لغير العاقل زيادة تنتهي إلى حد الرضا من كل عاقل بذلك العوض في مقابلة ذلك الألم لو فعل به لأنه لو لا ذلك لزم الظلم أما مع مثل هذا العوض فإنه يصير كأنه لم يفعل.
و أما العوض علينا فإنه يجب مساواته لما فعله من الألم أو فوته من المنفعة لأن الزائد على ما يستحق عليه من الضمان يكون ظلما و لا يخرج ما فعلناه بالضمان عن كونه ظلما قبيحا فلا يلزم أن يبلغ الحد الذي شرطناه في الآلام الصادرة عنه تعالى.
انتهى ملخص ما ذكره (قدس سره) و إنما ذكرناها بطولها لتطلع على ما ذكره أصحابنا تبعا لأصحاب الاعتزال و أكثر دلائلهم على جل ما ذكر في غاية الاعتلال بل ينافي بعض ما ذكروه كثير من الآيات و الأخبار و نقلها و تحصيلها و شرحها و تفصيلها لا يناسب هذا الكتاب و الله أعلم بالصواب و سيأتي بعض القول إن شاء الله تعالى عن قريب.
باب 13 أن المؤمن مكفر
أقول سنورد إن شاء الله تعالى عدة أخبار في هذا المعنى في طي بابين من أبواب كتاب العشرة كما ستعرف و لنذكر هنا أيضا شطرا منها.
1- ع، علل الشرائع عَنِ ابْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ السَّعْدَآبَادِيِّ عَنِ الْبَرْقِيِّ بِإِسْنَادِهِ يَرْفَعُهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: الْمُؤْمِنُ مُكَفَّرٌ وَ ذَلِكَ أَنَّ مَعْرُوفَهُ يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَلَا يَنْتَشِرُ فِي النَّاسِ وَ الْكَافِرَ مَشْهُورٌ وَ ذَلِكَ أَنَّ مَعْرُوفَهُ لِلنَّاسِ يَنْتَشِرُ فِي النَّاسِ-
260
وَ لَا يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ (1).
2- ع، علل الشرائع عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص مُكَفَّراً لَا يُشْكَرُ مَعْرُوفُهُ وَ لَقَدْ كَانَ مَعْرُوفُهُ عَلَى الْقُرَشِيِّ وَ الْعَرَبِيِّ وَ الْعَجَمِيِّ وَ مَنْ كَانَ أَعْظَمَ مَعْرُوفاً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص عَلَى هَذَا الْخَلْقِ وَ كَذَلِكَ نَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ مُكَفَّرُونَ لَا يُشْكَرُ مَعْرُوفُنَا وَ خِيَارُ الْمُؤْمِنِينَ مُكَفَّرُونَ لَا يُشْكَرُ مَعْرُوفُهُمْ (2).
3- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ الْحَجَّالِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: الْمُؤْمِنُ مُكَفَّرٌ وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَ ذَلِكَ أَنَّ مَعْرُوفَهُ يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ فَلَا يُنْشَرُ فِي النَّاسِ وَ الْكَافِرُ مَشْكُورٌ (3).
بيان المؤمن مكفر على بناء المفعول من التفعيل أي لا يشكر الناس معروفه بقرينة تتمة الخبر و قد قال الفيروزآبادي المكفر كمعظم المجحود النعمة مع إحسانه و الموثق في الحديد و قال الجزري في النهاية فيه المؤمن مكفر أي مرزأ في نفسه و ماله لتكفر خطاياه انتهى و هذا الوجه لا يحتمل في هذه الأخبار.
و كأن المراد بالتعليل أن معروفه لما كان خالصا لله مقبولا عنده لا يرضى له بأن يثيبه في الدنيا فتكفر نعمته ليكمل ثوابه في الآخرة و الكافر لما لم يكن مستحقا لثواب الآخرة يثاب في الدنيا كعمل الشيطان.
و قيل هو مبني على أن المؤمن يخفي معروفه من الناس و لا يفعله رئاء و لا سمعة فيصعد إلى الله و لا ينتشر في الناس و الكافر يفعله علانية رياء و سمعة
____________
(1) علل الشرائع ج 2 ص 247.
(2) المصدر ج 2 ص 247.
(3) الكافي ج 2 ص 251.
261
فينتشر في الناس و لا يقبله الله و لا يصعد إليه.
و قيل المعنى أن معروفه الكثير الذي يدل عليه صيغة التفعيل لا يعلمه إلا الله و من علمه بالوحي من قبله تعالى لأن معروفه ليس من قبيل الدراهم و الدنانير بل من جملة معروفه حياة سائر الخلق و بقائهم بسببه و أمثال ذلك من النعم العظيمة المخفية.
و ربما يقال في وجه التعليل إن المؤمن يجعل معروفه في الضعفاء و الفقراء الذين ليس لهم وجه عند الناس و لا ذكر فلا يذكر ذلك في الخلق و الكافر يجعل معروفه في المشاهير و الشعراء و الذين يذكرونه في الناس فينتشر فيهم.
فإن قيل بعض تلك الوجوه ينافي ما سيأتي في باب الرئاء أن الله تعالى يظهر العمل الخالص و يكثره في أعين الناس و من أراد بعمله الناس يقلله الله في أعينهم قلنا يمكن حمل هذا على الغالب و ذاك على النادر أو هذا على المؤمن الخالص و ذاك على غيرهم أو هذا على العبادات المالية و ذاك على العبادات البدنية.
باب 14 علامات المؤمن و صفاته
الآيات الأنفال إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ (1) التوبة وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ يُطِيعُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ
____________
(1) الأنفال: 2- 4.
262
اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (1) يوسف وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ (2) المؤمنون قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَ الَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ وَ الَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ راعُونَ وَ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (3) القصص الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَ إِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَ قالُوا لَنا أَعْمالُنا وَ لَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (4) التنزيل إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَ سَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ هُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (5) حمعسق وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَ أَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ وَ إِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا
____________
(1) براءة 71.
(2) يوسف: 106.
(3) المؤمنون: 1- 11.
(4) القصص: 52- 55.
(5) السجدة: 15- 19.
263
لِرَبِّهِمْ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ أَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَ الَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (1) الفتح مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً (2) البينة وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكاةَ وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ إلى قوله إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (3) تفسير إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ (4) قيل أي الكاملون في الإيمان وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ أي فزعت لذكره استعظاما له و هيبة من جلاله زادَتْهُمْ إِيماناً ازدادوا بها يقينا و طمأنينة نفس وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي و إليه يفوضون أمورهم فيما يخافون و يرجون أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لأنهم حققوا إيمانهم بضم مكارم الأخلاق و محاسن أفعال الجوارح إليه لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي كرامة و علو منزلة وَ مَغْفِرَةٌ لما فرط منهم وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ أعد لهم في الجنة.
قال علي بن إبراهيم (5) نزلت في أمير المؤمنين(ع)و أبي ذر و سلمان
____________
(1) الشورى: 36- 40.
(2) الفتح: 29.
(3) البينة: 5- 8.
(4) الأنفال: 2.
(5) تفسير القمّيّ ص 236.
264
و المقداد.
أَوْلِياءُ بَعْضٍ (1) أي أحباؤهم و أنصارهم أو أولى بتولي أمورهم سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ السين مؤكدة للوقوع.
إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ (2) قيل بعبادة غيره أو باتخاذ الأحبار أربابا أو نسبة التبني إليه أو القول بالنور و الظلمة أو النظر إلى الأسباب و نحو ذلك و سيأتي تفسيرها في الأخبار أنها شرك طاعة أطاعوا فيها الشيطان أو الاستعانة أو التوسل بغيره تعالى و نحو ذلك.
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (3)
عَنِ الْبَاقِرِ(ع)أَنَّهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ هُمُ النُّجَبَاءُ (4).
. خاشِعُونَ قال علي بن إبراهيم غضك بصرك في صلاتك و إقبالك عليها و روي رمي البصر إلى الأرض و سيأتي تفسيرها في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى.
و فسر اللغو في بعض الأخبار بالغناء و الملاهي و في بعضها بكل قول ليس فيه ذكر و في بعضها بالاستماع إلى القصاص و في بعضها أن يتقول الرجل عليك بالباطل أو يأتيك بما ليس فيك فتعرض عنه فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ أي الكاملون في العدوان.
لِأَماناتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ أي لما يؤتمنون و يعاهدون من جهة الحق أو الخلق راعُونَ قائمون بحفظها و إصلاحها يُحافِظُونَ أي على أوقاتها و حدودها أُولئِكَ الجامعون لهذه هُمُ الْوارِثُونَ
وَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِيَّ نَزَلَتْ (5).
.
____________
(1) براءة: 71.
(2) يوسف 106.
(3) المؤمنون: 1.
(4) رواه الكليني في الكافي ج 1 ص 391 بإسناده عن كامل التمار عنه (عليه السلام).
(5) تفسير القمّيّ ص 445.
265
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ قيل نزلت في مؤمني أهل الكتاب آمَنَّا بِهِ أي بأنه كلام الله إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ لما رأوا ذكره في الكتب المتقدمة بِما صَبَرُوا
عَنِ الصَّادِقِ(ع)بِمَا صَبَرُوا عَلَى التَّقِيَّةِ وَ قَالَ الْحَسَنَةُ التَّقِيَّةُ وَ السَّيِّئَةُ الْإِذَاعَةُ.
و قال علي بن إبراهيم هم الأئمة(ع)قال و قوله وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أي يدفعون سيئة من أساء إليهم بحسناتهم.
يُنْفِقُونَ أي في سبيل الخير وَ إِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ تكرما و قال علي بن إبراهيم قال اللغو الكذب و اللهو و الغناء قال و هم الأئمة(ع)يعرضون عن ذلك كله وَ قالُوا أي للاغين سَلامٌ عَلَيْكُمْ قالوا ذلك متاركة لهم و توديعا لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ لا نطلب صحبتهم و لا نريدها.
إِذا ذُكِّرُوا بِها (1) أي وعظوا بها خَرُّوا سُجَّداً خوفا من عذاب الله وَ سَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ أي نزهوه عما لا يليق به كالعجز عن البعث حامدين له شكرا على ما وفقهم للإسلام و آتاهم الهدى وَ هُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ عن الإيمان و الطاعة تَتَجافى جُنُوبُهُمْ أي ترفع و تتنحى عَنِ الْمَضاجِعِ أي عن الفرش و مواضع النوم.
فِي الْمَجْمَعِ، (2) عَنِ الْبَاقِرِ وَ الصَّادِقِ(ع)هُمُ الْمُتَهَجِّدُونَ بِاللَّيْلِ الَّذِينَ يَقُومُونَ عَنْ فُرُشِهِمْ لِلصَّلَاةِ.
و يَدْعُونَ رَبَّهُمْ داعين إياه خَوْفاً من سخطه وَ طَمَعاً في رحمته مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ أي مما تقر به عيونهم.
وَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)مَا مِنْ عَمَلٍ حَسَنٍ يَعْمَلُهُ الْعَبْدُ إِلَّا وَ لَهُ ثَوَابٌ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا صَلَاةُ اللَّيْلِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يُبَيِّنْ ثَوَابَهَا لِعِظَمِ خَطَرِهِ (3).
فقال تَتَجافى جُنُوبُهُمْ إلى قوله يَعْمَلُونَ كَمَنْ كانَ فاسِقاً أي خارجا عن الإيمان لا يَسْتَوُونَ في الشرف و المثوبة
____________
(1) السجدة: 15.
(2) مجمع البيان ج 8: 331.
(3) رواه أيضا في المجمع ج 8 ص 331.
266
نُزُلًا النزل ما يعد للنازل من طعام و شراب و صلة.
وَ ما عِنْدَ اللَّهِ (1) أي ثواب الآخرة خَيْرٌ وَ أَبْقى لخلوص نفعه و دوامه وَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ أي قبلوا ما أمروا به وَ أَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ أي تشاور بينهم لا ينفردون برأي حتى يتشاوروا و يجتمعوا عليه و ذلك من فرط يقظتهم في الأمور قال علي بن إبراهيم (2) يشاورون الإمام فيما يحتاجون إليه من أمر دينهم.
هُمْ يَنْتَصِرُونَ أي ينتقمون ممن بغى عليهم من غير أن يعتدوا و قيل أي يتناصرون ينصر بعضهم بعضا و قيل جعل الله المؤمنين صنفين صنف يعفون و صنف ينتصرون (3) و قيل وصفهم بالشجاعة بعد وصفهم بسائر أمهات الفضائل و هو لا ينافي وصفهم بالغفران فإن الغفران ينبئ عن عجز المغفور و الانتصار يشعر بمقاومة الخصم و الحلم عن العاجز محمود و عن المتغلب مذموم لأنه إجراء و إغراء على البغي.
سَيِّئَةٌ مِثْلُها سمي الثانية سيئة للازدواج و لأنها تسوء من تنزل به و هذا منع عن التعدي في الانتصار فَمَنْ عَفا وَ أَصْلَحَ بينه و بين عدوه فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ عدة مبهمة تدل على عظم الموعود.
وَ رُوِيَ فِي الْمَجْمَعِ، (4) عَنِ النَّبِيِّ ص إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ مَنْ كَانَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ فَلْيَدْخُلِ الْجَنَّةَ فَيُقَالُ مَنْ ذَا الَّذِي أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ فَيُقَالُ الْعَافُونَ عَنِ النَّاسِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ... بِغَيْرِ حِسابٍ
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ أي المبتدءين بالسيئة و المتجاوزين في الانتقام.
____________
(1) الشورى: 36.
(2) تفسير القمّيّ ص 654.
(3) الزيادة من مجمع البيان للطبرسيّ: قال: و قيل جعل اللّه المؤمنين صنفين: صنف يعفون عمن ظلمهم و هم الذين ذكروا قبل هذه الآية و هو قوله «وَ إِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ» و صنف ينتصرون ممن ظلمهم و هم الذين ذكروا في هذه الآية.
(4) مجمع البيان ج 9 ص 34.
267
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ (1) جملة مبينة للمشهود به في قوله وَ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً أو استئناف مع معطوفه و ما بعدهما خبر وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ أي يغلظون على من خالف دينهم و يتراحمون فيما بينهم تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداًلأنهم مشتغلون بالصلاة في أكثر أوقاتهم يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً أي يطلبون الثواب و الرضا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ قيل يريد السمة التي تحدث في جباههم من كثرة الصلاة
وَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)هُوَ السَّهَرُ فِي الصَّلَاةِ.
أي أثره.
ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ أي صفتهم العجيبة الشأن المذكورة فيها أي أخبر الله تعالى في التوراة و الإنجيل بأن هذه صفتهم أَخْرَجَ شَطْأَهُ أي فراخه فَآزَرَهُ أي فقواه فَاسْتَغْلَظَ أي فصار من الدقة إلى الغلظ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ هو جمع ساق أي فاستوى على قصبه يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ بكثافته و قوته و غلظه و حسن منظره.
قيل هو مثل ضربه الله للصحابة قلوا في بدو الإسلام ثم كثروا و استحكموا فترقى أمرهم بحيث أعجب الناس لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ علة لتشبيههم بالزرع في ذكائه و استحكامه.
و في مجالس الصدوق أنها نزلت في أمير المؤمنين(ع)و الذين تحت لوائه في القيامة ينادون أن ربكم يقول لكم عندي مغفرة و أجر عظيم يعني الجنة.
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (2) أي لا يشركون به حُنَفاءَ أي مائلين عن العقائد الزائغة ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ أي دين الملة القيمة أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ أي الخليقة و في الأخبار أَنَّهُمْ عَلِيٌّ و شِيعَتُهُ (3) وَ رَضُوا عَنْهُ لأنه بلغهم أقصى أمانيهم ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ فإن الخشية ملاك الأمر و الباعث على كل خير.
____________
(1) الفتح: 29.
(2) البينة: 5.
(3) راجع سعد السعود: 108.
268
1- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ غَالِبٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ تَكُونَ فِيهِ ثَمَانُ خِصَالٍ وَقُوراً عِنْدَ الْهَزَاهِزِ صَبُوراً عِنْدَ الْبَلَاءِ شَكُوراً عِنْدَ الرَّخَاءِ قَانِعاً بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ لَا يَظْلِمُ الْأَعْدَاءَ وَ لَا يَتَحَامَلُ لِلْأَصْدِقَاءِ بَدَنُهُ مِنْهُ فِي تَعَبٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ إِنَّ الْعِلْمَ خَلِيلُ الْمُؤْمِنِ وَ الْحِلْمَ وَزِيرُهُ وَ الْعَقْلَ أَمِيرُ جُنُودِهِ وَ الرِّفْقَ أَخُوهُ وَ الْبِرَّ وَالِدُهُ (1).
كا، الكافي عن علي عن أبيه عن ابن محبوب عن جميل بن صالح عن عبد الله بن غالب عنه(ع)مثله (2)- ل، الخصال عن ابن المتوكل عن الحميري عن ابن عيسى عن ابن محبوب عن جميل عن عبد الله مثله (3)- ل، الخصال عن أبيه عن سعد عن ابن عيسى مثله (4)- محص، التمحيص عنه(ع)مثله بيان أقول ما في تلك الأسانيد من عبد الله أظهر من عبد الملك لأن عبد الملك غير مذكور في كتب الرجال و عبد الله بن غالب الأسدي الشاعر مذكور فيها ثقة و هو الذي
قَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ مَلَكاً يُلْقِي عَلَيْهِ الشِّعْرَ وَ أَنَا أَعْرِفُ ذَلِكَ الْمَلَكَ (5).
. في سائر الكتب و السند الثاني للكافي وقور و صبور و شكور و قانع بالرفع و الوقور فعول من الوقار بالفتح و هو الحلم و الرزانة و الهز
____________
(1) الكافي ج 2: 47.
(2) الكافي ج 2 ص 230.
(3) الخصال ج 2 ص 38.
(4) المصدر ج 2 ص 38 و فيه: و الصبر أمير جنوده.
(5) راجع رجال الكشّيّ: 288 تحت الرقم 176.
269
التحريك و الهزاهز الفتن التي يفتتن الناس بها أي لا يعرض له شك عند الفتن التي تصير سببا لشك الناس و كفرهم.
صبورا عند البلاء البلاء اسم لما يمتحن به من خير أو شر و كثر استعماله في الشر و هو المراد هنا و الصبر حبس النفس على الأمور الشاقة عليها و ترك الاعتراض على المقدر لها و عدم الشكاية و الجزع و هو من أعظم خصال الإيمان.
شكورا عند الرخاء الرخاء النعمة و الخصب و سعة العيش و الشكر الاعتراف بالنعمة ظاهرا و باطنا و معرفة المنعم و صرفها فيما أمر به و الشكور مبالغة فيه قانعا بما رزقه الله أي لا يبعثه الحرص على طلب الحرام و الشبهة و تضييع العمر في جمع ما لا يحتاج إليه.
لا يظلم الأعداء الغرض نفي الظلم مطلقا و إنما خص الأعداء بالذكر لأنهم مورد الظلم غالبا و لأنه يستلزم ترك ظلم غيرهم بالطريق الأولى.
و لا يتحامل للأصدقاء في القاموس تحامل في الأمر و به تكلفه على مشقة و عليه كلفه ما لا يطيق (1) فالكلام يحتمل وجوها الأول أنه لا يظلم الناس لأجل الأصدقاء.
الثاني أنه لا يتحمل الوزر لأجلهم كأن يشهد لهم بالزور أو يكتم الشهادة لرعايتهم أو يسعى لهم في حرام.
الثالث أن يراد به أنه لا يحمل على نفسه للأصدقاء ما لا يمكنه الخروج عنه.
بدنه منه في تعب لاشتغاله بالعبادات و إعراضه عن الرسوم و العادات و سعيه في إعانة المؤمنين و الناس منه في راحة لعدم تعرضه لهم و إعانته إياهم.
إن العلم استئناف و ليس من جملة العدد خليل المؤمن الخلة الصداقة و المحبة التي تخللت القلب فصارت خلاله أي في باطنه و الخليل الصديق
____________
(1) القاموس ج 3 ص 361.
270
فعيل بمعنى فاعل و إنما كان العلم خليل المؤمن لأنه لا ينتفع بخليل انتفاعه بالعلم في الدنيا و الآخرة فكما لا يفارق الخليل و لا يتجاوز عن مصلحته ينبغي أن لا يفارق العلم و لا يتجاوز عن مقتضاه (1).
و الحلم وزيره فإنه يعاونه في أمور دنياه و آخرته كمعاونة الوزير الناصح الملك و العقل أمير جنوده إذ جنوده في رفع وساوس الشيطان و صولاتهم الأعمال الصالحة و الأخلاق الحسنة و كلها تابعة للعقل كما مر بيانه في باب جنود العقل.
و في ثاني سندي الكافي و سائر الكتب و الصبر أمير جنوده و هو أيضا كذلك و الرفق أخوه أي اللين و اللطف و المداراة مع الصديق و العدو و تمشية الأمور بتدبير و تأمل بمنزلة الأخ له في أنه يصاحبه و لا يفارقه أو في إعانته و إيصال النفع إليه و البر أي الإحسان إلى الوالدين أو إلى جميع من يستحق البر والده أي بمنزلة والده في رعايته و اختياره على جميع الأمور أو في الانتفاع منه و كونه سببا لحياته المعنوية.
و في ثانية روايتي الكافي و اللين والده و الفرق بينه و بين الرفق إما بحمل الرفق على اللطف و الإحسان و هو أحد معانيه و اللين على ترك الخشونة أو بحمل الرفق على ترك العنف و اللين على شدة الرفق و كثرته أو الرفق على المعاملات و اللين على المعاشرات و سيأتي بعض القول فيهما (2).
كا، الكافي عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ يُونُسَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)قَالَ: الْمُؤْمِنُ يَصْمُتُ لِيَسْلَمَ وَ يَنْطِقُ لِيَغْنَمَ لَا يُحَدِّثُ أَمَانَتَهُ الْأَصْدِقَاءَ وَ لَا يَكْتُمُ شَهَادَتَهُ مِنَ الْبُعَدَاءِ وَ لَا يَعْمَلُ شَيْئاً مِنَ الْخَيْرِ رِئَاءً وَ لَا يَتْرُكُهُ حَيَاءً إِنْ زُكِّيَ خَافَ مِمَّا يَقُولُونَ وَ يَسْتَغْفِرُ
____________
(1) في نسخة الكمبانيّ طبع هناك ما جعلناه بين العلامتين بعد عشرة أسطر.
(2) ما بين العلامتين طبع في نسخة الكمبانيّ قبل ذلك و هو في غير محله كما لا يخفى.
271
اللَّهَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ لَا يَغُرُّهُ قَوْلُ مَنْ جَهِلَهُ وَ يَخَافُ إِحْصَاءَ مَا عَمِلَهُ (1).
بيان: ليغنم أي الفوائد الأخروية أو ليزيد علمه لا لإظهار الكمال و لا يكتم شهادته من البعداء أي من الأباعد عنه نسبا أو محبة فكيف الأقارب و في بعض النسخ من الأعداء خاف مما يقولون إن يصير سببا لغروره و عجبه لما لا يعلمون أي من ذنوبه. لا يغره قول من جهله أي لا يخدعه ثناء من جهل ذنوبه و عيوبه فيعجب بنفسه و يخاف إحصاء ما عمله أي إحصاء الله و الحفظة أو إحصاء نفسه و على الأخير يحتمل أن يكون منصوبا بنزع الخافض أي يخاف الله لإحصائه ما قد عمله و في المجالس كما سيأتي إحصاء من قد علمه.
3- كا، الكافي عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ بَعْضِ مَنْ رَوَاهُ رَفَعَهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: الْمُؤْمِنُ لَهُ قُوَّةٌ فِي دِينٍ وَ حَزْمٌ فِي لِينٍ وَ إِيمَانٌ فِي يَقِينٍ وَ حِرْصٌ فِي فِقْهٍ وَ نَشَاطٌ فِي هُدًى وَ بِرٌّ فِي اسْتِقَامَةٍ وَ عِلْمٌ فِي حِلْمٍ وَ كَيْسٌ فِي رِفْقٍ وَ سَخَاءٌ فِي حَقٍّ وَ قَصْدٌ فِي غِنًى وَ تَجَمُّلٌ فِي فَاقَةٍ وَ عَفْوٌ فِي قُدْرَةٍ وَ طَاعَةٌ لِلَّهِ فِي نَصِيحَةٍ وَ انْتِهَاءٌ فِي شَهْوَةٍ وَ وَرَعٌ فِي رَغْبَةٍ وَ حِرْصٌ فِي جِهَادٍ وَ صَلَاةٌ فِي شُغُلٍ وَ صَبْرٌ فِي شِدَّةٍ وَ فِي الْهَزَاهِزِ وَقُورٌ وَ فِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ وَ فِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ وَ لَا يَغْتَابُ وَ لَا يَتَكَبَّرُ وَ لَا يَقْطَعُ الرَّحِمَ وَ لَيْسَ بِوَاهِنٍ وَ لَا فَظٍّ وَ لَا غَلِيظٍ لَا يَسْبِقُهُ بَصَرُهُ وَ لَا يَفْضَحُهُ بَطْنُهُ وَ لَا يَغْلِبُهُ فَرْجُهُ وَ لَا يَحْسُدُ النَّاسَ يُعَيَّرُ وَ لَا يُعَيِّرُ وَ لَا يُسْرِفُ (2) يَنْصُرُ الْمَظْلُومَ وَ يَرْحَمُ الْمِسْكِينَ نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ لَا يَرْغَبُ فِي عِزِّ الدُّنْيَا وَ لَا يَجْزَعُ مِنْ ذُلِّهَا لِلنَّاسِ هَمٌّ قَدْ أَقْبَلُوا عَلَيْهِ وَ لَهُ هَمٌّ قَدْ شَغَلَهُ
____________
(1) الكافي ج 2 ص 231.
(2) و لا يحسد الناس بعز: و لا يقتر، و لا يسرف خ ل.
272
لَا يُرَى فِي حُكْمِهِ نَقْصٌ وَ لَا فِي رَأْيِهِ وَهْنٌ وَ لَا فِي دِينِهِ ضَيَاعٌ يُرْشِدُ مَنِ اسْتَشَارَهُ وَ يُسَاعِدُ مَنْ سَاعَدَهُ وَ يَكِيعُ عَنِ الْخَنَاءِ وَ الْجَهْلِ (1).
بيان المؤمن له قوة في دين قد عرفت أنه في بعض تلك الفقرات الظرف لغو و في بعضها مستقر و هو تفنن حسن و إن أمكن أن يكون في الجميع لغوا بتكلفات بعيدة لا حاجة إليها ففي هذه الفقرة الظاهر أن الظرف لغو و في للظرفية أي قوي في أمر الدين متصلب و حزم في لين أي مع لين فالظرف مستقر بأن يكون صفة أو حالا و يحتمل أن يكون لغوا أي هو في اللين صاحب حزم لكنه بعيد.
و قال بعض الأفاضل أي له ضبط و تيقظ في أموره الدينية و الدنيوية ممزوجا بلين الطبع و عدم الفظاظة و الخشونة مع معامليه و هو فضيلة العدل في المعاملة مع الخلق و قد تكون عن تواضع و قد تكون عن مهانة و ضعف نفس و الأول هو المطلوب و هو المقارن للحزم في الأمور و مصالح النفس و الثاني رذيلة لا يمكن معه الحزم لانفعال المهين عن كل حادث.
و بيان الظرفية على ثلاثة أوجه الأول أن الظرفية مجازية بتشبيه ملابسة الحزم للين الطبع في الاجتماع معه بملابسة المظروف للظرف فتكون لفظة في استعارة تبعية.
الثاني أن يعتبر تشبيه الهيئة المنتزعة من الحزم و اللين و مصاحبة أحدهما الآخر بالهيئة المنتزعة من المظروف و الظرف و مصاحبتهما فيكون الكلام استعارة تمثيلية لكنه لم يصرح من الألفاظ التي هي بإزاء المشبه به إلا بكلمة في فإن مدلولها هو العمدة في تلك الهيئة و ما عداه تبع له يلاحظ معه في ضمن ألفاظ منوية فلا تكون لفظة في استعارة بل هي على معناها الحقيقي.
الثالث أن تشبه اللين بما يكون محلا و ظرفا للشيء على طريقة الاستعارة بالكناية و تكون كلمة في قرينة و تخييلا.
____________
(1) الكافي ج 2 ص 231.
273
و إيمان في يقين أي مع يقين أي بلغ إيمانه حد اليقين في جميع العقائد أو في الثواب و العقاب أو في القضاء و القدر كما عرفت في باب اليقين و حرص في فقه أي هو حريص في معرفة مسائل الدين أو حريص في العبادة مع معرفته لمسائل الدين و نشاط في هدى أي ناشط راغب في العبادة مع اهتدائه إلى الحق و معرفته بأصول الدين كما مر في تفسير قوله تعالى لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى (1) و راغب في الاهتداء و ما يصير سببا لهدايته أو في هداية غيره.
و بر في استقامة أي مع الاستقامة في الدين كما قال تعالى الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا (2) أو المراد به الاستقامة في البر أي يضع البر في محله و موضعه و علم في حلم أي مع أناة و عفو أو مع عقل و كيس في رفق أي كياسة مع رفق بالخلق لا كالأكياس في أمور الدنيا يريدون التسلط على الخلق و إيذاءهم أو يستعمل الكياسة في الرفق فيرفق في محله و يخشن في موضعه.
و سخاء في حق أي سخاوته في الحقوق اللازمة لا في الأمور الباطلة كما ورد أَسْخَى النَّاسِ مَنْ أَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ أو مع رعاية الحق فيه بحيث لا ينتهي إلى الإسراف و التبذير و يؤكده قوله و قصد في غنى أي يقتصد بين الإسراف و التقتير في حال الغنى و الثروة أو مع استغنائه عن الخلق.
و تجمل في فاقة التجمل التزين و الفاقة الفقر و الحاجة أي يتزين في حال الفقر لتضمنه الشكاية من الله أو يظهر الغنى لذلك كما قال الجوهري التجمل تكلف الجميل و قد يقرأ بالحاء المهملة أي تحمل و صبر في الفقر.
في قدرة أي على الانتقام في نصيحة أي مع نصيحة لله أو لأئمة المسلمين أو للمؤمنين أو الأعم من الجميع و نصيحة الله إخلاص العمل له.
و في النهاية فيه إن الدين النصيحة لله و لرسوله و لكتابه و لأئمة
____________
(1) طه: 82.
(2) فصّلت: 33 الاحقاف 13.
274
المسلمين و عامتهم النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له و أصل النصح في اللغة الخلوص و معنى نصيحة الله صحة الاعتقاد في وحدانيته و إخلاص النية في عبادته و النصيحة لكتاب الله هو التصديق به و العمل بما فيه و نصيحة رسوله ص التصديق بنبوته و رسالته و الانقياد لما أمر به و نهى عنه و نصيحة الأئمة أن يطيعهم في الحق و نصيحة عامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم انتهى.
و انتهاء في شهوة أي يقبل نهي الله في حال شهوة المحرمات في الصحاح نهيته عن كذا فانتهى عنه و تناهى أي كف و ورع في رغبة أي يتورع عن الشبهات في حال الرغبة فيها فإن الورع يطلق غالبا في ترك الشبهات و قيل في الرغبة عنها و عدم الميل إليها و هو بعيد.
و حرص في جهاد الجهاد بالكسر و المجاهدة القتال مع العدو و يطلق على مجاهدة النفس أيضا و هو الجهاد الأكبر أي حرص في القتال أو في العبادة مع مجاهدة النفس و على الأول في بمعنى على و في بعض النسخ في اجتهاد و صلاة في شغل أي مع شغل القلب بها أو في حال اشتغاله بالأمور الدنيوية كما قال سبحانه رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ إِقامِ الصَّلاةِ (1)
وَ رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ قَالَ كَانُوا أَصْحَابَ تِجَارَةٍ فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ تَرَكُوا التِّجَارَةَ وَ انْطَلَقُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَ هُمْ أَعْظَمُ أَجْراً مِمَّنْ لَا يَتَّجِرُ (2).
. و قيل المراد ذكر الله في أشغاله و هو بعيد و في الهزاهز وقور عطف على قوله له قوة في دين و ليس بواهن أي في أمور الدين و لا فظ و لا غليظ الفظ الخشن الخلق في القول و الفعل و الغلظة غلظة القلب كما قال تعالى وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (3)
____________
(1) النور: 37.
(2) مجمع البيان ج 7: 145.
(3) آل عمران: 159.
275
في القاموس الفظ الغليظ الجانب السيئ الخلق القاسي الخشن الكلام انتهى (1) و المعنى أن قوته الغضبية قائمة على حد الاعتدال خرجت عن الوهن المتضمن للتفريط و الفضاضة الموجبة للإفراط.
و لا يسبقه بصره أي يملك بصره و لا ينظر إلى شيء إلا بعد علمه بأنه يحل له النظر إليه و لا يضره في الدنيا و الآخرة و لا يفضحه بطنه بأن يرتكب بسبب شهوات البطن ما يفضحه في الدنيا و الآخرة كالسرقة و الظلم و قيل بأن يحضر طعاما بغير طلب و لا يغلبه أي لا يغلب عقله فرجه أي شهوة فرجه فيوقعه في الزنا و اللواطة و أشباههما من المحرمات و الشبهات.
يعير بفتح الياء المشددة و لا يعير بكسر الياء أي يعيره الناس بسبب عدم التعارف و أمثاله و هو لا يعير أحدا.
و في بعض النسخ لا يحسد الناس بعز أي بسبب عزه و لا يقتر و لا يسرف و لعله أصوب و ما سيأتي برواية الخصال أظهر و العناء بالفتح و المد النصب و المشقة.
للناس هم أي فكر و مقصد من الدنيا و عزها و فخرها و مالها و له هم أي فكر و قصد من أمر الآخرة قد شغله عما أقبل الناس عليه لا يرى على بناء المفعول في حكمه أي بين الناس أو في حكمته و في الخصال في حله و لا في رأيه وهن أي هو صاحب عزم قوي و ليس رأيه ضعيفا واهنا و لا في دينه ضياع أي دينه قوي متين لا يضيع بالشكوك و الشبهات و لا بارتكاب السيئات.
و يساعد من ساعده أي يعاون من عاونه و حمله على طلب الإعانة بعيد من اللفظ و قيل المراد بمن ساعده جميع المؤمنين فإن كل مؤمن يساعد سائر المؤمنين بتصديق دينهم و موافقته لهم في الإيمان و يكيع كيبيع بالياء المثناة التحتانية و في بعض نسخ الخصال بالتاء المثناة الفوقانية و في بعضها بالنون
____________
(1) القاموس ج 2 ص 397.
276
و الكل متقاربة في المعنى قال في القاموس كعت عنه أكيع و أكاع كيعا إذا هبته و جبنت عنه و قال كنع عن الأمر كمنع هرب (1) و جبن و قال كتع كمنع هرب و في النهاية الخناء الفحش في القول و الجهل مقابل العلم أو السفاهة و السب.
4- كا، الكافي عَنِ الْعِدَّةِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا رَفَعَهُ عَنْ أَحَدِهِمَا(ع)قَالَ: مَرَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)بِمَجْلِسٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَإِذَا هُوَ بِقَوْمٍ بِيضٍ ثِيَابُهُمْ صَافِيَةٍ أَلْوَانُهُمْ كَثِيرٍ ضَحِكُهُمْ يُشِيرُونَ بِأَصَابِعِهِمْ إِلَى مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ ثُمَّ مَرَّ بِمَجْلِسٍ لِلْأَوْسِ وَ الْخَزْرَجِ فَإِذَا أَقْوَامٌ بَلِيَتْ مِنْهُمُ الْأَبْدَانُ وَ دَقَّتْ مِنْهُمُ الرِّقَابُ وَ اصْفَرَّتْ مِنْهُمُ الْأَلْوَانُ وَ قَدْ تَوَاضَعُوا بِالْكَلَامِ فَتَعَجَّبَ عَلِيٌّ(ع)مِنْ ذَلِكَ وَ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص فَقَالَ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي إِنِّي مَرَرْتُ بِمَجْلِسٍ لآِلِ فُلَانٍ ثُمَّ وَصَفَهُمْ وَ مَرَرْتُ بِمَجْلِسٍ لِلْأَوْسِ وَ الْخَزْرَجِ فَوَصَفَهُمْ ثُمَّ قَالَ وَ جَمِيعٌ مُؤْمِنُونَ فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ بِصِفَةِ الْمُؤْمِنِ فَنَكَسَ رَسُولُ اللَّهِ ص ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ عِشْرُونَ خَصْلَةً فِي الْمُؤْمِنِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ لَمْ يَكْمُلْ إِيمَانُهُ إِنَّ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ يَا عَلِيُّ الْحَاضِرُونَ الصَّلَاةَ وَ الْمُسَارِعُونَ إِلَى الزَّكَاةِ (2) وَ الْمُطْعِمُونَ الْمَسَاكِينَ الْمَاسِحُونَ رَأْسَ الْيَتِيمِ الْمُطَهِّرُونَ أَطْمَارَهُمْ الْمُتَّزِرُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ الَّذِينَ إِنْ حَدَّثُوا لَمْ يَكْذِبُوا وَ إِذَا وَعَدُوا لَمْ يُخْلِفُوا وَ إِذَا ائْتُمِنُوا لَمْ يَخُونُوا وَ إِذَا تَكَلَّمُوا صَدَقُوا رُهْبَانٌ بِاللَّيْلِ أُسُدٌ بِالنَّهَارِ صَائِمُونَ النَّهَارَ قَائِمُونَ اللَّيْلَ لَا يُؤْذُونَ جَاراً وَ لَا يَتَأَذَّى بِهِمْ جَارٌ الَّذِينَ مَشْيُهُمْ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنٌ وَ خُطَاهُمْ إِلَى بُيُوتِ الْأَرَامِلِ وَ عَلَى أَثَرِ الْجَنَائِزِ جَعَلَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ مِنَ الْمُتَّقِينَ (3).
لي، الأمالي للصدوق عَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ مَاجِيلَوَيْهِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ
____________
(1) القاموس ج 3 ص 80.
(2) زاد في أمالي الصدوق: و الحاجون لبيت اللّه الحرام. و الصائمون في شهر رمضان، و هو الصحيح.
(3) الكافي ج 2 ص 232.
277
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي الْجَارُودِ عَنِ ابْنِ طَرِيفٍ عَنِ ابْنِ نُبَاتَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَقُولُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص عَنْ صِفَةِ الْمُؤْمِنِ فَنَكَسَ ص رَأْسَهُ ثُمَّ رَفَعَهُ فَقَالَ فِي الْمُؤْمِنِينَ عِشْرُونَ خَصْلَةً فَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ لَمْ يَكْمُلْ إِيمَانُهُ يَا عَلِيُّ إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ هُمُ الْحَاضِرُونَ إِلَى آخِرِ الْخَبَرِ (1) وَ سَنُشِيرُ إِلَى بَعْضِ الِاخْتِلَافِ.
بيان: بيض بالكسر جمع أبيض و يحتمل فيه و في نظائره الجر و الرفع يشيرون بأصابعهم استهزاء و إشارة إلى عيوبهم و الأوس و الخزرج (2) قبيلتان من الأنصار بليت منهم الأبدان أي خلقت و نحفت لكثرة العبادة و الرياضة و دقت منهم الرقاب لنحافتهم و اصفرت منهم الألوان لكثرة سهرهم و صومهم و قد تواضعوا بالكلام الباء بمعنى في أي كانوا يتكلمون بالتواضع بعضهم لبعض أو تكلموا معه بالتواضع.
و في بعض النسخ تواصفوا بالصاد المهملة و الفاء أي كان يصف بعضهم لبعض بالكلام لا بالإشارة كما مر في الفرقة الأخرى أو لم يكن كلامهم لغوا بل كانوا يصفون ما سمعوا من الرسول ص و جميع مؤمنون أي ظاهرا و يحتمل الاستفهام بصفة المؤمن أي الواقعي و في القاموس الناكس المتطأطئ رأسه و نكس الرأس لعسر العمل بتلك الصفات و الاتصاف بها و تركها بعد السماع أسوأ لهم كما مر في حقوق الإخوان.
و قيل النكس كان للتأسف على أحوال قريش و التفكر فيما علم أنهم يفعلونه بأوصيائه و أهل بيته بعده الحاضرون الصلاة أي للإتيان بها جماعة إلى
____________
(1) أمالي الصدوق ص 326، المجلس: 81.
(2) هما بطنان عظيمان من الازد من القحطانية، و هم بنو أوس و بنو الخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة البهلول بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق ابن ثعلبة العنقاء بن مازن بن الازد.
كانوا في الجاهلية يعبدون مناة، و إذا حجوا وقفوا مع الناس، فإذا نفروا أتوا مناة و حلقوا رءوسهم عنده، و أقاموا عنده لا يرون لحجهم تماما الا بذلك.
278
الزكاة أي إلى أدائها عند أول وقت وجوبها.
و في المجالس بعد ذلك و الحاجون لبيت الله الحرام و الصائمون في شهر رمضان و هو أظهر لأن بهما يتم العدد و على ما في الكافي قد يتكلف بجعل خطاهم إلى الجنائز خصلتين و الدعاء آخر الخبر خصلة إشارة إلى التقوى.
الماسحون رأس اليتيم شفقة عليهم المطهرون أطمارهم أي ثيابهم البالية بالغسل أو بالتشمير و هما مرويان في قوله سبحانه وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ (1) قال الطبرسي (قدس سره) أي و ثيابك الملبوسة فطهرها من النجاسة للصلاة و قيل و ثيابك فقصر روي ذلك عن أبي عبد الله(ع)قال الزجاج لأن تقصير الثوب أبعد من النجاسة فإنه إذا انجر على الأرض لم يؤمن أن يصيبه ما ينجسه و قيل لا يكن لباسك من حرام
وَ رَوَى أَبُو بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)غَسْلُ الثِّيَابِ يُذْهِبُ الْهَمَّ وَ الْحُزْنَ وَ هُوَ طَهُورٌ لِلصَّلَاةِ وَ تَشْمِيرُ الثِّيَابِ طَهُورٌ لَهَا وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ أَيْ فَشَمِّرْ (2).
و في القاموس الطمر بالكسر الثوب الخلق أو الكساء البالي من غير الصوف و الجمع أطمار.
أقول و يمكن جعل هذا إشارة إلى خصلتين هما التطهير و الاكتفاء بلبس أخلاق الثياب فينفع في إتمام العدد على بعض الوجوه.
و في المجالس المطهرون أظفارهم و له وجه المتزرون على أوساطهم أي يشدون المئزر على وسطهم احتياطا لستر العورة فإنهم كانوا لا يلبسون السراويل أو المراد شد الوسط بالإزار كالمنطقة ليجمع الثياب و ما توهمه بعض الأصحاب من كراهة ذلك لم أر له مستندا و قيل هو كناية عن الاهتمام في العبادة في القاموس الإزار الملحفة و يؤنث كالمئزر و ائتزر به و تأزر و لا تقل اتزر و قد جاء في بعض الأحاديث و لعله من تحريف الرواة (3).
____________
(1) المدّثّر: 5.
(2) مجمع البيان ج 10: 385.
(3) القاموس ج 1 ص 363.
279
و في النهاية في حديث الاعتكاف كان إذا دخل العشر الأواخر أيقظ أهله و شد المئزر و المئزر الإزار و كني بشده عن اعتزال النساء و قيل أراد تشميره للعبادة يقال شددت لهذا الأمر مئزري أي تشمرت له و في الحديث كان يباشر بعض نسائه و هي مؤتزرة في حالة الحيض أي مشدودة الإزار و قد جاء في بعض الروايات و هي متزرة و هو خطأ لأن الهمزة لا تدغم في التاء.
و إن حدثوا لم يكذبوا فيه شائبة تكرار مع قوله و إن تكلموا صدقوا و يمكن حمل الأول على الحديث عن النبي و الأئمة(ع)و الثاني على سائر الكلام أو يقرأ حدثوا على بناء المجهول من التفعيل و لم يكذبوا على بناء المعلوم من التفعيل و يمكن عدهما خصلة واحدة للتأكيد على بعض الوجوه.
و إذا وعدوا لم يخلفوا على بناء الإفعال و المشهور بين الأصحاب استحباب الوفاء بالوعد و يظهر من الآية و بعض الأخبار الوجوب و لا يمكن الاستدلال بهذا الخبر على الوجوب لاشتماله على كثير من المستحبات و إذا ائتمنوا على مال أو عرض أو كلام لم يخونوا رهبان بالليل أي يمضون إلى الخلوات و يتضرعون رهبة من الله أو يتحملون مشقة السهر و العبادة كالرهبان و فسر الرهبانية في قوله تعالى وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها (1) بصلاة الليل.
قال الراغب الترهب التعبد و هو استعمال الرهبة و الرهبانية غلو في تحمل التعبد من فرط الرهبة قال تعالى وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها و الرهبان يكون واحدا و جمعا (2).
أسد بالنهار أي شجعان في الجهاد كالأسد في الصحاح الأسد جمعه أسود و أسد مقصور مثقل منه و أسد مخفف (3) قائمون بالليل الفرق بينه و بين رهبان بالليل أن الرهبان إشارة إلى التضرع و الرهبة أو التخلي
____________
(1) الحديد: 27.
(2) مفردات غريب القرآن ص 204.
(3) الصحاح: 438.
280
و الترهب و قيام الليل للصلاة لا يستلزم شيئا من ذلك و لا يتأذى بهم جار الفرق بينه و بين ما سبق أن المراد بالجار في الأول من آمنه و في الثاني جار الدار أو في الأول جار الدار و في الثاني من يجاوره في المجلس أو في الأول الإيذاء بلا واسطة و في الثاني تأذيه بسبب خدمه و أعوانه فالجار في الموضعين جار الدار.
مشيهم على الأرض هون إشارة إلى قوله سبحانه وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً (1) قال البيضاوي أي هينين أو مشيا هينا مصدر وصف به و المعنى أنهم يمشون بسكينة و تواضع إلى بيوت الأرامل للصدقة عليهن و إعانتهن و على إثر الجنائز كأن فيه إشعارا باستحباب المشي خلف الجنازة.
5- لي، الأمالي للصدوق عَنِ ابْنِ مُوسَى عَنِ الْأَسَدِيِّ عَنْ سَهْلٍ عَنْ مُبَارَكٍ مَوْلَى الرِّضَا عَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ: لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِناً حَتَّى يَكُونَ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ سُنَّةٌ مِنْ رَبِّهِ وَ سُنَّةٌ مِنْ نَبِيِّهِ وَ سُنَّةٌ مِنْ وَلِيِّهِ فَأَمَّا السُّنَّةُ مِنْ رَبِّهِ فَكِتْمَانُ سِرِّهِ قَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ (2) وَ أَمَّا السُّنَّةُ مِنْ نَبِيِّهِ فَمُدَارَاةُ النَّاسِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَمَرَ نَبِيَّهُ ص بِمُدَارَاةِ النَّاسِ فَقَالَ خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (3) وَ أَمَّا السُّنَّةُ مِنْ وَلِيِّهِ فَالصَّبْرُ فِي الْبَأْسَاءِ وَ الضَّرَّاءِ يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ (4) وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (5)
____________
(1) الفرقان: ص 63.
(2) الجن: 27.
(3) الأعراف: 199.
(4) البقرة: 177.
(5) أمالي الصدوق ص 198 المجلس 53.
281
ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) عن أبيه عن أحمد بن إدريس عن الأشعري عن سهل عن الحارث بن الدلهاث مولى الرضا عنه(ع)مثله (1).
8- كا، الكافي عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بُنْدَارَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَرْثِ عَنِ الدِّلْهَاثِ مَوْلَى الرِّضَا(ع)قَالَ سَمِعْتُ الرِّضَا(ع)يَقُولُ وَ ذَكَرَ مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ فَالصَّبْرُ فِي الْبَأْسَاءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْآيَةِ وَ لَيْسَ فِيهِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ أَيْضاً وَ كَأَنَّهُمَا سَقَطَا مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ (2).
بيان عالِمُ الْغَيْبِ قال الطبرسي (رحمه الله) أي هو عالم الغيب يعلم متى تكون القيامة فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً أي لا يطلع على الغيب أحدا من عباده ثم استثنى فقال إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ يعني الرسل فإنه يستدل على نبوتهم بأن يخبروا بالغيب ليكون آية معجزة لهم و معناه إلا من ارتضاه و اختاره للنبوة و الرسالة فإنه يطلعه على ما شاء من غيبه على حسب ما يراه من المصلحة انتهى (3).
- وَ قَدْ مَرَّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: كَانَ وَ اللَّهِ مُحَمَّدٌ مِمَّنِ ارْتَضَاهُ.
وَ فِي الْخَرَائِجِ، عَنِ الرِّضَا(ع)فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ قَالَ فَرَسُولُ اللَّهِ عِنْدَ اللَّهِ مُرْتَضَى وَ نَحْنُ وَرَثَةُ ذَلِكَ الرَّسُولِ الَّذِي أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ مِنْ غَيْبِهِ فَعَلَّمَنَا مَا كَانَ وَ مَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (4).
. و في تفسير علي بن إبراهيم إلا من ارتضى من رسول يعني عليا المرتضى من الرسول و هو منه (5).
ثم اعلم أن الاستشهاد بالآية الكريمة يدل على أن المراد بكتمان السر
____________
(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 1 ص 256.
(2) الكافي ج 2: 141.
(3) مجمع البيان ج 10 ص 374.
(4) مختار الخرائج و الجرائح ص 204 في حديث طويل.
(5) تفسير القمّيّ ص 699.
282
الكتمان عن غير أهله و عمن لا يكتمه.
خُذِ الْعَفْوَ قال في المجمع أي خذ يا محمد ما عفي من أموال الناس أي ما فضل من النفقة فكان رسول الله ص يأخذ الفضل من أموالهم ليس فيها شيء موقت ثم نزلت آية الزكاة فصار منسوخا بها و قيل معناه خذ العفو من أخلاق الناس و اقبل الميسور منها و معناه أنه أمره بالتساهل و ترك الاستقصاء في القضاء و الاقتضاء و هذا يكون في الحقوق الواجبة لله و للناس و في غيرها و قيل هو العفو في قبول العذر عن المعتذر و ترك المؤاخذة بالإساءة.
وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ يعني بالمعروف و هو كل ما حسن في العقل فعله أو في الشرع و لم يكن منكرا و لا قبيحا عند العقلاء و قيل بكل خصلة حميدة وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ معناه و أعرض عنهم عند قيام الحجة عليهم و الإياس من قبولهم و لا تقابلهم بالسفه صيانة لقدرك فإن مجاوبة السفيه تضع عن القدر.
و لا يقال هذه الآية منسوخة بآية القتال لأنها عامة خص عنها الكافر الذي يجب قتله بدليل (1) وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ (2) أقول الآية هكذا لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ الْكِتابِ وَ النَّبِيِّينَ وَ آتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ وَ السَّائِلِينَ وَ فِي الرِّقابِ وَ أَقامَ الصَّلاةَ وَ آتَى الزَّكاةَ وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ و الأكثر على أن نصب الصابرين على المدح و قال البيضاوي عن الأزهري البأساء في الأموال كالفقر و الضراء في الأنفس كالمرض وَ حِينَ الْبَأْسِ وقت مجاهدة العدو و يدل الخبر على أن هذه الآية نزلت في الأئمة(ع)فهم
____________
(1) مجمع البيان ج 4: 512.
(2) البقرة: 177.
283
الصادقون الذين أمر الله بالكون معهم حيث قال وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (1)
6- الشِّهَابُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ وَ الْفَاجِرُ خَبٌّ لَئِيمٌ.
الضوء، ضوء الشهاب رجل غر و غرير أي غير مجرب و جارية غرة و غريرة و غر أيضا بينة الغرارة و جمع الغر أغرار و الغرير أغراء و قد غر يغر بالكسر غرارة و الاسم الغرة يقال كان ذلك في غرارتي و حداثتي أي في غرتي و الغرة الغفلة و الغار الغافل و اغتره أتاه على غرة منه و اغتر بالشيء خدع به (2).
و الكرم الجود و إذا وصف الله بالكرم فهو عبارة عن الإحسان و الإنعام المترادف و إذا كان وصفا للآدمي فهو للأخلاق و الأفعال المحمودة فيه و الكرم كالحرية إلا أنه أكبر منها درجة و نقيض الكرم اللؤم و قد كرم الرجل فهو كريم و قوم كرام و كرماء و نسوة كرائم و يقال رجل كرم و امرأة كرم و نسوة كرم و قال فتنبو العين عن كرم عجاف (3) و الكرام كالكريم و الكرام فوق ذلك (4).
و الفجور الفسق و أصل ف ج ر الشق و منه الفجر الطالع و فجر الماء فكأن الفجور شق لباس الدين و أكثر ما يذكر في القرآن و الحديث يراد به الكافر.
____________
(1) براءة: 119.
(2) أخذه من صحاح الجوهريّ راجع ص 768.
(3) قيل: الشعر لمرداس بن أدية و قيل لسعيد الشيباني، و نسبه في اللسان الى أبى خالد القنانى و الأبيات هكذا:
لقد زاد الحياة الى حبا* * * بناتى انهن من الضعاف
مخافة أن يرين البؤس بعدى* * * و أن يشربن رنقا بعد صاف
و أن يعرين ان كسى الجواري* * * فتنبو العين عن كرم عجاف
و لو لا ذاك قد سومت مهرى* * * و في الرحمن للضعفاء كاف-
- الخ.
(4) راجع الصحاح: 2020.
284
و الخب الخداع الجربز (1) و قد خببت يا رجل تخب خبا بالكسر و قد خبب فلان فلانا أي خدعه و اللؤم الدناءة و الشح و أصله الهمز و قد لؤم لؤما و ملأمة و لآمة كقولك لئامة و يا ملأمان خلاف يا مكرمان.
فوصف ص المؤمن بالغفلة عما لا يعنيه و الإهمال لما ليس من شأنه و بالجود الذي هو تاج المفاخر و واسطة المآثر و عكس ذلك كله للكافر فوصفه بالجربزة و الخبث و الشيطنة و قرن بذلك اللؤم و الشح و جعله لا يبض حجره (2) و لا يورق شجره و هو وصف معناه الترغيب في خصال الخير و تجنب خصال الشر و فائدة الحديث الأمر بالتغافل عن بعض الأمور و ترك الاستقصاء فيها و المساهلة في المعاملة و النهي عن الخب و سوء المعاملة و الخداع و الاستهزاء و البخل بما في اليد و راوي الحديث أبو هريرة.
مزيد إيضاح قال في النهاية فيه المؤمن غر كريم و الفاجر خب لئيم غر أي ليس بذي نكر فهو ينخدع لانقياده و لينه و هو ضد الخب يقال فتى غر و فتاة غر و قد غررت تغر غرارة يريد أن المؤمن المعهود من طبعه الغرارة و قلة الفطنة للشر و ترك البحث عنه و ليس ذلك منه جهلا و لكنه كرم و حسن خلق.
و منه حديث الجنة يدخلني غرة الناس أي البله الذين لم يجربوا الأمور فهم قليلو الشر منقادون فإن من آثر الخمول و إصلاح نفسه و التزود لمعاده و نبذ أمور الدنيا فليس غرا فيما قصد له و لا مذموما بنوع من الذم و الخب بالفتح الخداع و هو الجربز الذي يسعى بين الناس بالفساد رجل خب و امرأة خبة و قد تكسر خاؤه و أما المصدر فبالكسر لا غير.
7- كا، الكافي عَنِ الْعِدَّةِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سُلَيْمَانَ الْجَعْفَرِيِّ عَنْ أَبِي
____________
(1) الخب- بالفتح و الكسر- و الجربز- بالضم- الخب الخبيث معرب كربز و المصدر الجربزة قاله الفيروزآبادي، و قال في برهان قاطع: كربز بضم الأول و الثالث هو قثاء الحمار.
(2) أي لا ينال خيره.
285
الْحَسَنِ الرِّضَا عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ: رَفَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص قَوْمٌ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ فَقَالَ ص مَنِ الْقَوْمُ فَقَالُوا مُؤْمِنُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَ مَا بَلَغَ مِنْ إِيمَانِكُمْ قَالُوا الصَّبْرُ عِنْدَ الْبَلَاءِ وَ الشُّكْرُ عِنْدَ الرَّخَاءِ وَ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص حُلَمَاءُ (1) عُلَمَاءُ كَادُوا مِنَ الْفِقْهِ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ إِنْ كُنْتُمْ كَمَا تَصِفُونَ فَلَا تَبْنُوا مَا لَا تَسْكُنُونَ وَ لَا تَجْمَعُوا مَا لَا تَأْكُلُونَ وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (2).
بيان: رفع إلى رسول الله ص كمنع على بناء المعلوم أي أسرعوا إليه أو على بناء المجهول أي ظهروا فإن الرفع ملزوم للظهور قال في المصباح رفعته أذعته و منه رفعت على العامل رفيعة و رفع البعير في سيره أسرع و رفعته أسرعت به يتعدى و لا يتعدى انتهى.
و قال الكرماني في شرح البخاري فيه فرفعت لنا صخرة أي ظهرت لأبصارنا و فيه فرفع لي البيت المعمور أي قرب و كشف انتهى و يمكن أن يقرأ بالدال و لكن قد عرفت أنه لا حاجة إليه قال في المصباح رفعت إلى كذا بالبناء للمفعول انتهيت إليه.
من القوم أي من أي صنف من الناس أنتم فقالوا مؤمنون أي نحن مؤمنون و ما بلغ من إيمانكم من تبعيضية أي بأي حد بلغ بعض إيمانكم أي اذكروا بعض شرائط الإيمان منكم بأي حد بلغ أو زائدة أو سببية أي ما بلغكم و وصل إليكم بسبب إيمانكم أو البلوغ بمعنى الكمال و من للتبعيض أي ما كمل من صفات إيمانكم.
حلماء أي هم حلماء من الحلم بالكسر بمعنى العقل أو عدم المبادرة عند الغضب ما لا تسكنون أي ما يزيد على ما اضطررتم إليه من المسكن و كذا لا تجمعوا ما لم تدعكم الضرورة للأكل إليه و يمكن تعميم الأكل بحيث
____________
(1) حكماء خ ل.
(2) الكافي ج 2 ص 48.
286
يشمل سائر ما يحتاجون إليه كقوله تعالى وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ (1) وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ (2) أو خصهما بالذكر لأنهما عمدة مطالب الراغبين في الدنيا و اتقوا الله إلخ لما كانت تلك الصفات تقتضي الزهد في الدنيا و التقوى حثهم في تلك الفقرات عليهما.
8- كا، الكافي عَنِ الْعِدَّةِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنِ ابْنِ بَزِيعٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُذَافِرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ص فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ إِذْ لَقِيَهُ رَكْبٌ فَقَالُوا السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ مَا أَنْتُمْ فَقَالُوا نَحْنُ مُؤْمِنُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ فَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكُمْ قَالُوا الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَ التَّفْوِيضُ إِلَى اللَّهِ وَ التَّسْلِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهُ عُلَمَاءُ حُكَمَاءُ كَادُوا أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْحِكْمَةِ أَنْبِيَاءَ فَإِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَلَا تَبْنُوا مَا لَا تَسْكُنُونَ وَ لَا تَجْمَعُوا مَا لَا تَأْكُلُونَ وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (3).
يد، (4) التوحيد مع، معاني الأخبار عَنِ ابْنِ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنِ ابْنِ بَزِيعٍ مِثْلَهُ إِلَّا فِي تَقْدِيمِ التَّسْلِيمِ عَلَى التَّفْوِيضِ (5).
- ل، الخصال عن أبيه عن سعد عن ابن أبي الخطاب مثله (6)- مشكاة الأنوار، نقلا من كتاب المحاسن (7) مثله توضيح بينا رسول الله بينا هي بين الظرفية أشبعت فتحتها
____________
(1) اقتباس من قوله تعالى: وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ: أسرى: 34 و الانعام: 152.
(2) البقرة: 188.
(3) الكافي ج 2: 52.
(4) التوحيد: 379.
(5) معاني الأخبار: 187.
(6) الخصال ج 2 ص 71.
(7) راجع المحاسن ص 226.
287
فصارت ألفا و يقع بعدها حينئذ إذ الفجائية غالبا و عاملها محذوف يفسره الفعل الواقع بعد إذ عند بعض و بعضهم يجعلها خبرا عن مصدر مسبوك من الفعل أي بين أوقات سفره لقاء الركب و قد يقع بعدها إذا الفجائية أيضا و الركب جمع راكب كصحب و صاحب.
فقال ما أنتم أي أي صنف أنتم من الناس قيل كما أن ما تكون سؤالا عن حقيقة الشيء تكون سؤالا عن خواصه و آثاره المترتبة عليه و هو المراد هنا فلذلك أجابوا بها فقالوا نحن مؤمنون انتهى.
و قال الراغب في معاني ما الثالث الاستفهام و يسأل به عن جنس ذات الشيء و نوعه و عن جنس صفات الشيء و نوعها و قد يسأل به عن الأشخاص و الأعيان في غير الناطقين انتهى (1).
فما حقيقة إيمانكم لما كانت للإيمان حقائق مختلفة و درجات متفاوتة سألهم ص عن حقيقة الإيمان الذي يدعونه فأجابوا بلوازمه و آثاره ليظهر حقيقة ما ادعوه أو المراد بالحقيقة ما يحقه و يثبته أي الإيمان أمر قلبي إنما يثبت بآثاره فما ظهر من آثار إيمانكم ليدل على ثبوته في قلوبكم و المعنى الأول أنسب بما مر من مضمون هذا الخبر حيث قال و ما بلغ من إيمانكم فإن الظاهر اتحاد الواقعة و التفويض إلى الله هنا التوكل عليه في جميع الأمور.
9- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْكَانَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ص- حَارِثَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيَّ فَقَالَ لَهُ كَيْفَ أَنْتَ يَا حَارِثَةَ بْنَ مَالِكٍ النُّعْمَانِيَّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مُؤْمِنٌ حَقّاً فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ص لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ فَمَا حَقِيقَةُ قَوْلِكَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا فَأَسْهَرَتْ لَيْلِي وَ أَظْمَأَتْ هَوَاجِرِي وَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي وَ قَدْ وُضِعَ لِلْحِسَابِ وَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِي الْجَنَّةِ وَ كَأَنِّي أَسْمَعُ عُوَاءَ أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ
____________
(1) مفردات غريب القرآن ص 479.
288
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص عَبْدٌ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ أَبْصَرْتَ فَاثْبُتْ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ يَرْزُقَنِي الشَّهَادَةَ مَعَكَ فَقَالَ اللَّهُمَّ ارْزُقْ حَارِثَةَ الشَّهَادَةَ فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا أَيَّاماً حَتَّى بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ص بِسَرِيَّةٍ فَبَعَثَهُ فِيهَا فَقَاتَلَ فَقَتَلَ تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً ثُمَّ قُتِلَ.
وَ فِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: اسْتُشْهِدَ مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)بَعْدَ تِسْعَةِ نَفَرٍ وَ كَانَ هُوَ الْعَاشِرَ (1).
تبيين مؤمن حقا قوله حقا مصدر مؤكد كقولهم هذا عبد الله حقا و الحاصل أني مؤمن حق الإيمان و كما ينبغي أن يكون المؤمن فأسهرت ليلي على صيغة الغيبة بإرجاع الضمير إلى النفس أو على صيغة التكلم و كذا الفقرة التالية تحتمل الوجهين.
و يقال تزاوروا أي زار بعضهم بعضا و قال في النهاية في حديث حارثة كأني أسمع عواء أهل النار أي صياحهم و العواء صوت السباع و كأنه بالذئب و الكلب أخص و في القاموس عوى يعوي عيا و عواء بالضم لوى خطمه ثم صوت أو مد صوته و لم يفصح و قال السرية من خمسة أنفس إلى ثلاث مائة أو أربعمائة و في الصحاح السرية قطعة من الجيش و قوله و في رواية القاسم بن بريد يحتمل الإرسال أو يكون الراوي عنه ابن سنان.
ثم اعلم أن هاتين الروايتين تدلان على أن حارثة استشهد في زمن الرسول ص و قال بعضهم و ينافيه ما ذكر الشيخ في رجاله حيث قال حارثة بن النعمان الأنصاري كنيته أبو عبد الله شهد بدرا و أحدا و ما بعدهما من المشاهد و ذكر هو أنه رأى جبرئيل دفعتين على صورة دحية الكلبي أولهما حين خرج رسول الله ص إلى بني قريظة و الثاني حين رجع من حنين و شهد مع أمير المؤمنين القتال و توفي في زمن معاوية انتهى.
و هو خطأ لأن المذكور في الخبر حارثة بن مالك و جده النعمان و ما
____________
(1) الكافي ج 2 ص 54. و تراه في المحاسن ص 246 و 250.
289
ذكره الشيخ حارثة بن النعمان و هو غيره نعم ما سيأتي من ذهاب بصره ينافي ذلك في الجملة و يمكن توجيهه بتكلف و العجب أن هذا الحديث مذكور في كتب العامة أيضا كما يظهر من النهاية و هذا الرجل غير مذكور في رجالهم و كأنه لعدم الرواية عنه كما أن أصحابنا أيضا لم يذكروه لذلك.
10- ل، الخصال عَنِ ابْنِ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: ذَكَرَ رَجُلٌ الْمُؤْمِنَ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقَالَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُ الَّذِي إِذَا سَخِطَ لَمْ يُخْرِجْهُ سَخَطُهُ مِنَ الْحَقِّ وَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي إِذَا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضَاهُ فِي بَاطِلٍ وَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي إِذَا قَدَرَ لَمْ يَتَعَاطَ مَا لَيْسَ لَهُ (1).
ل، الخصال عَنِ الطَّالَقَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ عَنْ صَالِحٍ الْكِنَانِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيِّ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ مُعَاذٍ عَنِ الْبَاقِرِ(ع)فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّ فِيهِ لَمْ يَتَنَاوَلْ مَا لَيْسَ لَهُ (2).
لي، الأمالي للصدوق ابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِنَّ لِأَهْلِ الدِّينِ عَلَامَاتٍ يُعْرَفُونَ بِهَا صِدْقُ الْحَدِيثِ وَ أَدَاءُ الْأَمَانَةِ وَ الْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ وَ صِلَةُ الرَّحِمِ وَ رَحْمَةُ الضُّعَفَاءِ وَ قِلَّةُ الْمُؤَاتَاةِ لِلنِّسَاءِ وَ بَذْلُ الْمَعْرُوفِ وَ حُسْنُ الْخُلُقِ وَ سَعَةُ الْخُلُقِ (3) وَ اتِّبَاعُ الْعِلْمِ وَ مَا يُقَرِّبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ طُوبى لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ وَ طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ أَصْلُهَا فِي دَارِ النَّبِيِّ وَ لَيْسَ مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَ فِي دَارِهِ غُصْنٌ مِنْهَا لَا تَخْطُرُ عَلَى قَلْبِهِ شَهْوَةُ شَيْءٍ إِلَّا أَتَاهُ بِهِ ذَلِكَ الْغُصْنُ وَ لَوْ أَنَّ رَاكِباً مُجِدّاً صَارَ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ مَا خَرَجَ مِنْهَا وَ لَوْ طَارَ مِنْ أَسْفَلِهَا غُرَابٌ مَا بَلَغَ أَعْلَاهَا حَتَّى يَسْقُطَ هَرِماً أَلَا فِي هَذَا فَارْغَبُوا
____________
(1) الخصال ج 1 ص 52. و فيه «ما ليس له بنفسه».
(2) الخصال: ج 1 ص 51.
(3) وسعة الحلم خ ل.
290
إِنَّ الْمُؤْمِنَ نَفْسُهُ مِنْهُ فِي شُغُلٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ إِذَا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ افْتَرَشَ وَجْهَهُ وَ سَجَدَ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِمَكَارِمِ بَدَنِهِ يُنَاجِي الَّذِي خَلَقَهُ فِي فَكَاكِ رَقَبَتِهِ أَلَا هَكَذَا فَكُونُوا (1).
ل، الخصال الْمُظَفَّرُ الْعَلَوِيُّ عَنِ ابْنِ الْعَيَّاشِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ سِنَانٍ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَقُولُ إِنَّ لِأَهْلِ التَّقْوَى عَلَامَاتٍ وَ سَاقَ الْحَدِيثَ كَمَا مَرَّ إِلَّا أَنَّ فِيهِ وَ الْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ وَ قِلَّةُ الْفَخْرِ وَ الْبُخْلِ وَ صِلَةُ الْأَرْحَامِ وَ فِيهِ لَا يَنْوِي فِي قَلْبِهِ شَيْئاً إِلَّا أَتَاهُ وَ فِيهِ وَ لَوْ أَنَّ غُرَاباً طَارَ مِنْ أَصْلِهَا مَا بَلَغَ أَعْلَاهَا حَتَّى يَبْيَاضَّ هَرَماً (2).
مِشْكَاةُ الْأَنْوَارِ، نَقْلًا مِنْ كِتَابِ الْمَحَاسِنِ إِلَى قَوْلِهِ طُوبى لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ
بيان: في النهاية فيه خير النساء المؤاتية لزوجها المؤاتاة حسن المطاوعة و الموافقة و أصله الهمز فخفف و كثر حتى صار يقال بالواو الخالصة و ليس بالوجه و بذل المعروف أي الإحسان بالمال أو غيره في ظلها أي تحت أغصانها فإنه ليس في الجنة ظل بل كلها ظل ممدود كما قيل و لذا قال في النهاية إن في الجنة شجرة يصير الراكب في ظلها مائة عام أي في ذراها و ناحيتها قوله غراب إنما خص به لأنه أطول الطيور أعمارا و في القاموس ابيض و ابياض ضد اسود و اسواد و ابيضاض الغراب عند غاية كبره و سيأتي شرحه مبسوطا في باب جوامع المكارم إن شاء الله.
13- لي، الأمالي للصدوق الطَّالَقَانِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ دُبَيْسٍ الْمُفَسِّرِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْبُهْلُولِ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ هُرْمُزَ دِيَارِ الطَّبَرِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ شُجَاعٍ الْبَلْخِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ كَادِحِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ مَا الَّذِي أَخْفَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مِنَ الْجَنَّةِ وَ قَدْ أَخْبَرَ
____________
(1) أمالي الصدوق.
(2) الخصال ج 2 ص 87.
291
عَنْ أَزْوَاجِهَا وَ عَنْ خَدَمِهَا وَ طِيبِهَا وَ شَرَابِهَا وَ ثَمَرِهَا وَ مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مِنْ أَمْرِهَا وَ أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هِيَ جَنَّةُ عَدْنٍ خَلَقَهَا اللَّهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ أَطْبَقَ عَلَيْهَا فَلَمْ يَرَهَا مَخْلُوقٌ مِنْ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ حَتَّى يَدْخُلَهَا أَهْلُهَا قَالَ لَهَا عَزَّ وَ جَلَّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكَلَّمِي فَقَالَتْ طُوبَى لِلْمُؤْمِنِينَ قَالَ جَلَّ جَلَالُهُ طُوبَى لِلْمُؤْمِنِينَ وَ طُوبَى لَكِ.
قَالَ مُقَاتِلٌ قَالَ الضَّحَّاكُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ص أَلَا مَنْ كَانَ فِيهِ سِتُّ خِصَالٍ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ مَنْ صَدَقَ حَدِيثُهُ وَ أَنْجَزَ مَوْعُودَهُ وَ أَدَّى أَمَانَتَهُ وَ بَرَّ وَالِدَيْهِ وَ وَصَلَ رَحِمَهُ وَ اسْتَغْفَرَ مِنْ ذَنْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ (1).
بيان: كأن سؤاله عن قوله سبحانه فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ (2) قوله ص من صدق على بناء التفعيل أي جعل حديثه صادقا أو على بناء المجرد فحديثه مرفوع أمانته أي الأمانة التي عنده من الناس.
14- لي، الأمالي للصدوق عَنِ ابْنِ مَسْرُورٍ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ عَنْ عَمِّهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنِ الثُّمَالِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (صلوات الله عليه) قَالَ: الْمُؤْمِنُ خَلَطَ عِلْمَهُ بِالْحِلْمِ يَجْلِسُ لِيَعْلَمَ وَ يُنْصِتُ لِيَسْلَمَ وَ يَنْطِقُ لِيَفْهَمَ لَا يُحَدِّثُ أَمَانَتَهُ الْأَصْدِقَاءَ وَ لَا يَكْتُمُ شَهَادَتَهُ الْأَعْدَاءَ وَ لَا يَفْعَلُ شَيْئاً مِنَ الْحَقِّ رِيَاءً وَ لَا يَتْرُكُهُ حَيَاءً إِنْ زُكِّيَ خَافَ مَا يَقُولُونَ وَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِمَّا لَا يَعْلَمُونَ لَا يَغُرُّهُ قَوْلُ مَنْ جَهِلَهُ وَ يَخْشَى إِحْصَاءَ مَنْ قَدْ عَلِمَهُ وَ الْمُنَافِقُ يَنْهَى وَ لَا يَنْتَهِي وَ يَأْمُرُ بِمَا لَا يَأْتِي إِذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ اعْتَرَضَ وَ إِذَا رَكَعَ رَبَضَ وَ إِذَا سَجَدَ نَقَرَ وَ إِذَا جَلَسَ شَغَرَ يُمْسِي وَ هَمُّهُ الطَّعَامُ وَ هُوَ مُفْطِرٌ وَ يُصْبِحُ وَ هَمُّهُ النَّوْمُ وَ لَمْ يَسْهَرْ إِنْ حَدَّثَكَ كَذَبَكَ وَ إِنْ وَعَدَكَ أَخْلَفَكَ وَ إِنِ ائْتَمَنْتَهُ
____________
(1) أمالي الصدوق: 164 ط قم المجلس 46 تحت الرقم: 9.
(2) السجدة: 17.
292
خَانَكَ وَ إِنْ خَالَفْتَهُ اغْتَابَكَ (1).
كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنِ الثُّمَالِيِ مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ وَ يَخْشَى إِحْصَاءَ مَا قَدْ عَمِلَهُ (2).
بيان خلط علمه في الكافي عمله بتقديم الميم و ما هنا أوفق بسائر الأخبار و أظهر إذ العلم بلا عمل يصير غالبا سببا للتكبر و الترفع و السفاهة و ترك الحلم يجلس ليعلم أي يختار مجلسا يحصل فيه التعلم و إنما يجلس له لا للأغراض الفاسدة ليسلم أي من مفاسد الكلام و ينطق ليفهم أي إنما ينطق في تلك المجالس ليفهم ما أفاده العالم إن لم يفهمه لا للمجادلة و إظهار الفضل لا يحدث أمانته أي السر أو المال الذي ائتمن عليه أو أسرار أموره التي يخشى عليه الضرر فإطلاق الأمانة باعتبار أنه يجعله أمانة عند من يحدثه الأصدقاء فكيف الأعداء.
و لا يكتم أي لو كان عنده شهادة لعدو لا تحمله عداوته على أن لا يقول له أنا شاهد لك أو لا يكتمه إذا استشهده فالمراد للأعداء شيئا من الحق أي العبادات الحقة ليراه الناس و فيه إشعار بأنه لا يفعل غير الحق و لا يأتي ببدعة و لا يتركه أي الحق حياء لأنه لا حياء في الحق كما قال الله تعالى وَ اللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ (3) إن زكي أي أثني عليه و مدح بما يفعله خاف ما يقولون و في الكافي مما يقولون أي خاف أن يكون قولهم سببا لإعجابه بنفسه و عمله فيضيع عمله أو يكونوا كاذبين و رضي بكذبهم فيعاقب على ذلك مع أنه لا ينفع تزكيتهم كما قال تعالى فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ (4) بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ (5)
____________
(1) أمالي الصدوق: 295 ط قم المجلس 74.
(2) ترى شطره الأول في الكافي ج 2 ص 231. باب المؤمن و علاماته تحت الرقم 3، و شطره الثاني ص 396 باب صفة النفاق و المنافق تحت الرقم 3 أيضا.
(3) الأحزاب: 53.
(4) النجم: 32.
(5) النساء: 49.
293
مما لا يعلمون أي عيوبه و معاصيه التي صار عدم علمهم بها سببا لتزكيتهم لا يغره تأكيد لما سبق أو استئناف بياني و كذا الفقرة الآتية على اللف و النشر المرتب أي لا يغتر بتزكية من لا يطلع على عيوبه الخفية فيعجب بقولهم.
إحصاء من قد علمه أي الرب أو الأعم منه و من النبي و الأئمة(ع)و الملائكة الكاتبين و في الكافي ما قد علمه فيكون إضافة إلى المفعول أي إحصاء ما تقدم ذكر أعماله و سيأتي شرح تتمة الخبر في باب صفات المنافق إن شاء الله.
15- ل، الخصال عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النَّضْرِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ عَنْ صَالِحِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَبْدِ بْنِ مَيْمُونٍ السَّكُونِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْنٍ الْأَزْدِيِّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنِ الطَّاوُسِ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ(ع)يَقُولُ عَلَامَاتُ الْمُؤْمِنِ خَمْسٌ قُلْتُ وَ مَا هُنَّ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ الْوَرَعُ فِي الْخَلْوَةِ وَ الصَّدَقَةُ فِي الْقِلَّةِ وَ الصَّبْرُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ وَ الْحِلْمُ عِنْدَ الْغَضَبِ وَ الصِّدْقُ عِنْدَ الْخَوْفِ (1).
الدرة الباهرة، عنه(ع)مثله بيان عند الخوف كأنه محمول على خوف لم يصل إلى حد وجوب التقية.
16- ل، الخصال عَنِ ابْنِ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ غَيْرِهِ بِإِسْنَادِهِ رَفَعَاهُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ قَالَ: الْمُؤْمِنُ مَنْ طَابَ مَكْسَبُهُ وَ حَسُنَتْ خَلِيقَتُهُ وَ صَحَّتْ سَرِيرَتُهُ وَ أَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ وَ أَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ كَلَامِهِ وَ كَفَى النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ وَ أَنْصَفَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ (2).
- كا، الكافي عَنِ الْعِدَّةِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ مُنْذِرِ بْنِ جَيْفَرٍ عَنْ آدَمَ أَبِي الْحَسَنِ اللُّؤْلُؤِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّ فِيهِ وَ كَفَى النَّاسَ شَرَّهُ (3).
____________
(1) الخصال ج 2 ص 129.
(2) الخصال ج 2 ص 7.
(3) الكافي ج 2 ص 234.
294
بيان في رجال الشيخ آدم أبو الحسين من طاب مكسبه أي يكون ما يكتسبه من المال حلالا و في القاموس فلان طيب المكسب و المكسب أي طيب الكسب خليقته أي طبيعته بالتخلي عن الرذائل أو التحلي بالفضائل سريرته أي نيته أو بواطن أمره بأن لا يكون باطنه خلاف ظاهره أو قلبه بصحة عقائده و نياته و في القاموس السريرة ما يكتم.
و أنفق الفضل من ماله أي أنفق ما يفضل عن نفقة نفسه و عياله في سبيل الله و الفضل من كلامه ما لا نفع فيه لآخرته و كفى الناس شره بأن يكف عنهم ضره و أنصف الناس من نفسه بأن يحكم لهم عليها و يحب لهم ما يحب لها و يكره لهم ما يكره لها.
17- ل، الخصال فِي وَصِيَّةِ النَّبِيِّ ص إِلَى عَلِيٍّ(ع)يَا عَلِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلْمُؤْمِنِ ثَمَانُ خِصَالٍ وَقَارٌ عِنْدَ الْهَزَاهِزِ وَ صَبْرٌ عِنْدَ الْبَلَاءِ وَ شُكْرٌ عِنْدَ الرَّخَاءِ وَ قُنُوعٌ بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ لَا يَظْلِمُ الْأَعْدَاءَ وَ لَا يَتَحَامَلُ لِلْأَصْدِقَاءِ بَدَنُهُ مِنْهُ فِي تَعَبٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ (1).
18- ل، الخصال عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ وَ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ مَعاً عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الْحُلْوَانِيِّ أَوْ عَنْ رَجُلٍ عَنْهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: صِفَةُ الْمُؤْمِنِ قُوَّةٌ فِي دِينٍ وَ حَزْمٌ فِي لِينٍ وَ إِيمَانٌ فِي يَقِينٍ وَ حِرْصٌ فِي فِقْهٍ وَ نَشَاطٌ فِي هُدًى وَ بِرٌّ فِي اسْتِقَامَةٍ وَ إِغْمَاضٌ عِنْدَ شَهْوَةٍ وَ عِلْمٌ فِي حِلْمٍ وَ شُكْرٌ فِي رِفْقٍ وَ سَخَاءٌ فِي حَقٍّ وَ قَصْدٌ فِي غِنًى وَ تَجَمُّلٌ فِي فَاقَةٍ وَ عَفْوٌ فِي قُدْرَةٍ وَ طَاعَةٌ فِي نَصِيحَةٍ وَ وَرَعٌ فِي رَغْبَةٍ وَ حِرْصٌ فِي جِهَادٍ وَ صَلَاةٌ فِي شُغُلٍ وَ صَبْرٌ فِي شِدَّةٍ وَ فِي الْهَزَاهِزِ وَقُورٌ وَ فِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ وَ فِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ لَا يَغْتَابُ وَ لَا يَتَكَبَّرُ وَ لَا يَبْغِي وَ إِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ وَ لَا يَقْطَعُ الرَّحِمَ وَ لَيْسَ بِوَاهِنٍ وَ لَا فَظٍّ غَلِيظٍ وَ لَا يَسْبِقُهُ بَصَرُهُ وَ لَا يَفْضَحُهُ بَطْنُهُ وَ لَا يَغْلِبُهُ فَرْجُهُ وَ لَا يَحْسُدُ النَّاسَ وَ لَا يَقْتُرُ وَ لَا يُبَذِّرُ وَ لَا يُسْرِفُ بَلْ يَقْتَصِدُ يَنْصُرُ الْمَظْلُومَ وَ يَرْحَمُ الْمَسَاكِينَ
____________
(1) الخصال ج 2 ص 38.
295
نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ لَا يَرْغَبُ فِي عِزِّ الدُّنْيَا وَ لَا يَجْزَعُ مِنَ الْمَهَانَةِ لِلنَّاسِ هَمٌّ قَدْ أَقْبَلُوا عَلَيْهِ وَ لَهُ هَمٌّ قَدْ شَغَلَهُ لَا يُرَى فِي حِلْمِهِ نَقْصٌ وَ لَا فِي رَأْيِهِ وَهْنٌ وَ لَا فِي دِينِهِ ضَيَاعٌ يُرْشِدُ مَنِ اسْتَشَارَهُ وَ يُسَاعِدُ مَنْ سَاعَدَهُ وَ يَكِيعُ عَنِ الْبَاطِلِ وَ الْخَنَاءِ وَ الْجَهْلِ فَهَذِهِ صِفَةُ الْمُؤْمِنِ (1).
بيان: قد مر شرحه برواية الكليني (2) و إنما أعدناه للاختلاف الكثير بينهما و شكر أي لله بالطاعة مع رفق فيها و عدم المبالغة فيها بحيث يتضجر و يضعف عنها أو مع رفق بالخلق و يحتمل أن يكون المراد شكر الخلق و فيما مر و كيس.
19- ما، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ الْمُفِيدِ عَنِ ابْنِ قُولَوَيْهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي وَلَّادٍ الْحَنَّاطِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَمُلَ إِيمَانُهُ وَ إِنْ كَانَ مِنْ قَرْنِهِ إِلَى قَدَمِهِ ذُنُوبٌ لَمْ يَنْقُصْهُ ذَلِكَ وَ هِيَ الصِّدْقُ وَ أَدَاءُ الْأَمَانَةِ وَ الْحَيَاءُ وَ حُسْنُ الْخُلُقِ (3).
محص، التمحيص عن أمير المؤمنين(ع)عن النبي ص مثله- كا، الكافي عن محمد بن يحيى عن ابن عيسى مثله (4) بيان أربع مبتدأ أي خصال أربع و الموصول بصلته خبره و إن كان من قرنه مبالغة في الكثرة أو كناية عن صدورها من كل جارحة من جوارحه و يمكن حملها على الصغائر فإن صدور الكبائر الكثيرة من صاحب تلك الخصال بعيد و يحتمل أن يكون المراد أنه يوفق للتوبة و هذه الخصال تدعوه إليها فإن كلا منها يمنع كثيرا من الذنوب كما لا يخفى.
____________
(1) الخصال ج 2: 131.
(2) تحت الرقم 3 ص 271.
(3) أمالي الشيخ ج 1 ص 43.
(4) الكافي ج 2: 98.
296
20- ما، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ الْمُفِيدِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْخَزَّازِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)قَالَ كَانَ أَبِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع)يَقُولُ أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَمَلَ إِيمَانُهُ وَ مُحِّصَتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ وَ لَقِيَ رَبَّهُ وَ هُوَ عَنْهُ رَاضٍ مَنْ وَفَى لِلَّهِ بِمَا جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ لِلنَّاسِ وَ صَدَقَ لِسَانُهُ مَعَ النَّاسِ وَ اسْتَحْيَا مِنْ كُلِّ قَبِيحٍ عِنْدَ اللَّهِ وَ عِنْدَ النَّاسِ وَ حَسُنَ خُلُقُهُ مَعَ أَهْلِهِ (1).
سن، المحاسن عن أبيه عن ابن محبوب مثله (2) بيان في النهاية أصل المحص التخليص و منه تمحيص الذنوب أي إزالتها بما جعل على نفسه للناس أي بالنذر أو العهد أو اليمين كما يومئ إليه قوله وفى لله و يحتمل التعميم لأن الوفاء بالعهد إن لم يكن واجبا فلا ريب في رجحانه و عند الناس أي إذا لم يكن مستحسنا عند الله أو المراد بالناس كملهم مع أهله التخصيص لأنه أفضل و أهم.
21- ما، الأمالي للشيخ الطوسي الْمُفِيدُ عَنِ الْجِعَابِيِّ عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ طَاهِرِ بْنِ مِدْرَارٍ عَنْ رَزِينِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ(ع)يَقُولُ لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِناً حَتَّى يَكُونَ كَامِلَ الْعَقْلِ وَ لَا يَكُونُ كَامِلَ الْعَقْلِ حَتَّى يَكُونَ فِيهِ عَشْرُ خِصَالٍ الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ وَ الشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ يَسْتَقِلُّ كَثِيرَ الْخَيْرِ مِنْ نَفْسِهِ وَ يَسْتَكْثِرُ قَلِيلَ الْخَيْرِ مِنْ غَيْرِهِ وَ يَسْتَكْثِرُ قَلِيلَ الشَّرِّ مِنْ نَفْسِهِ وَ يَسْتَقِلُّ كَثِيرَ الشَّرِّ مِنْ غَيْرِهِ لَا يَتَبَرَّمُ بِطَلَبِ الْحَوَائِجِ قِبَلَهُ وَ لَا يَسْأَمُ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ عُمُرَهُ الذُّلُّ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعِزِّ وَ الْفَقْرُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْغِنَى حَسْبُهُ مِنَ الدُّنْيَا قُوتٌ وَ الْعَاشِرَةُ وَ مَا الْعَاشِرَةُ لَا يَلْقَى أَحَداً إِلَّا قَالَ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي وَ أَتْقَى إِنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ رَجُلٌ خَيْرٌ مِنْهُ وَ أَتْقَى وَ آخَرُ شَرٌّ مِنْهُ وَ أَدْنَى فَإِذَا لَقِيَ
____________
(1) أمالي الشيخ ج 1 ص 71.
(2) المحاسن ص 8.
297
الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَ أَتْقَى تَوَاضَعَ لَهُ لِيَلْحَقَ بِهِ وَ إِذَا لَقِيَ الَّذِي هُوَ شَرٌّ مِنْهُ وَ أَدْنَى قَالَ لَعَلَّ شَرَّ هَذَا ظَاهِرٌ وَ خَيْرَهُ بَاطِنٌ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ عَلَا وَ سَادَ أَهْلَ زَمَانِهِ (1).
بيان: في القاموس البرم محركة السأمة و الضجر و أبرمه فبرم كفرح و تبرم أمله فمل قبله بكسر القاف و فتح الباء أي عنده الذل أحب إليه من العز لعل المعنى أن ذله عند نفسه أحب إليه من العز و التكبر أو يحب الذل إذا علم أن العز يصير سببا لفساده و بغيه أو إذا أذله الله يرضى بذلك و يكون أحب إليه لقلة مفاسده كما هو الظاهر من الفقرة التي بعدها لئلا ينافي ما ورد من أنه تعالى لا يرضى بذل المؤمن و لم يدع إليه أن يذل نفسه حسبه من الدنيا قوت أي يكتفي بالقوت و لا يطلب أكثر منه.
و اعلم أن الخصال المذكورة اثنتا عشرة فلا يوافق العدد المذكور أولا و يمكن توجيهه بوجوه الأول عد استقلال الخير من نفسه و استكثاره من غيره واحدا لتلازمهما غالبا و كذا عد القرينتين بعدهما واحدا لذلك.
الثاني عد تقليل الخير من نفسه و تكثير الشر منها واحدا لقربهما و تلازمهما و كذا تقليل الشر و تكثير الخير من الغير.
الثالث عد كون الخير مأمولا منه و الشر مأمونا واحدا للتلازم غالبا و جعل الاكتفاء بالقوت من تتمة الفقرة السابقة لا خصلة أخرى.
الرابع عد قوله الذل إلى قوله قوت خصلة واحدة لتقارب الجميع و لكل وجه و إن كان لا يخلو شيء منها من تكلف و ساد أهل زمانه أي صار سيدهم و أشرفهم حسبا و كرامة.
22- جا، (2) المجالس للمفيد ما، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ الْمُفِيدِ عَنِ ابْنِ قُولَوَيْهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْقَمَّاطِ عَنِ الْمُفَضَّلِ قَالَ سَمِعْتُ
____________
(1) أمالي الشيخ الطوسيّ ج 1 ص 152.
(2) مجالس المفيد ص 219. المجلس 42.
298
أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ لَا يَكْمُلُ إِيمَانُ الْعَبْدِ حَتَّى يَكُونَ فِيهِ أَرْبَعُ خِصَالٍ يُحَسِّنُ خُلُقَهُ وَ يَسْتَخِفُّ نَفْسَهُ (1) وَ يُمْسِكُ الْفَضْلَ مِنْ قَوْلِهِ وَ يُخْرِجُ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ (2).
سن، المحاسن عن أبيه عن أبي سعيد القماط مثله (3).
ما، الأمالي للشيخ الطوسي عَنْ جَمَاعَةٍ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَلَوِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليهم) قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ الْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ وَ الْفَاجِرُ خَبٌّ لَئِيمٌ وَ خَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ كَانَ مَأْلَفَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَ لَا يُؤْلَفُ قَالَ وَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ شِرَارُ النَّاسِ مَنْ يُبْغِضُ الْمُؤْمِنِينَ وَ تُبْغِضُهُ قُلُوبُهُمْ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ الْبَاغُونَ لِلْبِرَاءِ الْعَيْبَ أُولَئِكَ لا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ ثُمَّ تَلَا ص هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَ بِالْمُؤْمِنِينَ (4)- أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ (5)
بيان: مألفة أي محلا لألفتهم يألفون به أو يألفهم أيضا قال في المصباح المألف الموضع الذي يألفه الإنسان و ألفته من باب علمت أنست به و أحببته و الاسم الألفة بالضم و الألفة أيضا اسم من الائتلاف و هو الالتيام و الاجتماع و النميمة نقل الحديث من قوم إلى قوم على جهة الإفساد و الشر.
الباغون أي الطالبون للبراء من العيوب العيب لا يَنْظُرُ الله إِلَيْهِمْ كناية من عدم اللطف أو المعنى لا ينظر الله إليهم نظر رحمة وَ لا يُزَكِّيهِمْ أي لا يثني عليهم و لا يقبل أعمالهم أو لا ينمي أعمالهم و الاستشهاد بالآية لدلالتها على
____________
(1) في الأمالي و يسخو نفسه.
(2) أمالي الطوسيّ ج 1 ص 235.
(3) المحاسن ص 8.
(4) الأنفال: 62. و الآية التي بعدها في الأنفال: 63.
(5) أمالي الطوسيّ ج 2 ص 78.
299
حسن التأليف بين قلوب المؤمنين و التزاما على قبح التفريق بينهم.
24- ع، علل الشرائع عَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ هَارُونَ عَنِ ابْنِ صَدَقَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ: قِيلَ لَهُ مَا بَالُ الْمُؤْمِنِ أَحَدُّ شَيْءٍ قَالَ لِأَنَّ عِزَّ الْقُرْآنِ فِي قَلْبِهِ وَ مَحْضَ الْإِيمَانِ فِي صَدْرِهِ وَ هُوَ بَعْدُ مُطِيعٌ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ مُصَدِّقٌ قِيلَ فَمَا بَالُ الْمُؤْمِنِ قَدْ يَكُونُ أَشَحَّ شَيْءٍ قَالَ لِأَنَّهُ يَكْسِبُ الرِّزْقَ مِنْ حِلِّهِ وَ مَطْلَبُ الْحَلَالِ عَزِيزٌ فَلَا يُحِبُّ أَنْ يُفَارِقَهُ لِشِدَّةِ مَا يَعْلَمُ مِنْ عُسْرِ مَطْلَبِهِ وَ إِنْ هُوَ سَخَتْ نَفْسُهُ لَمْ يَضَعْهُ إِلَّا فِي مَوْضِعِهِ قِيلَ لَهُ فَمَا بَالُ الْمُؤْمِنِ قَدْ يَكُونُ أَنْكَحَ شَيْءٍ قَالَ لِحِفْظِهِ فَرْجَهُ مِنْ فُرُوجِ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ وَ لَكِنْ لَا تَمِيلُ بِهِ شَهْوَتُهُ هَكَذَا وَ لَا هَكَذَا فَإِذَا ظَفِرَ بِالْحَلَالِ اكْتَفَى بِهِ وَ اسْتَغْنَى بِهِ عَنْ غَيْرِهِ قَالَ ص إِنَّ قُوَّةَ الْمُؤْمِنِ فِي قَلْبِهِ أَ لَا تَرَوْنَ أَنَّهُ قَدْ تَجِدُونَهُ ضَعِيفَ الْبَدَنِ نَحِيفَ الْجِسْمِ وَ هُوَ يَقُومُ اللَّيْلَ وَ يَصُومُ النَّهَارَ وَ قَالَ الْمُؤْمِنُ أَشَدُّ فِي دِينِهِ مِنَ الْجِبَالِ الرَّاسِيَةِ وَ ذَلِكَ أَنَّ الْجَبَلَ قَدْ يُنْحَتُ مِنْهُ وَ الْمُؤْمِنُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى أَنْ يَنْحَتَ مِنْ دِينِهِ شَيْئاً وَ ذَلِكَ لِضَنِّهِ بِدِينِهِ وَ شُحِّهِ عَلَيْهِ (1).
بيان: لأن عز القرآن في قلبه أي حدته إنما هي في الدين لتنمره في ذات الله و عدم المداهنة في دين الله.
25- مع، معاني الأخبار عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ مُوسَى بْنِ الْقَاسِمِ الْعِجْلِيِّ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَوْماً حَارِثَةَ بْنَ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ لَهُ كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثَةُ قَالَ أَصْبَحْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مُؤْمِناً حَقّاً قَالَ إِنَّ لِكُلِّ إِيمَانٍ حَقِيقَةً فَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكَ قَالَ عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا وَ أَسْهَرَتْ لَيْلِي وَ أَظْمَأَتْ نَهَارِي فَكَأَنِّي بَعَرْشِ رَبِّي وَ قَدْ قَرُبَ لِلْحِسَابِ وَ كَأَنِّي بِأَهْلِ الْجَنَّةِ فِيهَا يَتَزَاوَرُونَ وَ أَهْلِ النَّارِ فِيهَا يُعَذَّبُونَ
____________
(1) علل الشرائع ج 2 ص 244.
300
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَنْتَ مُؤْمِنٌ نَوَّرَ اللَّهُ الْإِيمَانَ فِي قَلْبِكَ فَاثْبُتْ ثَبَّتَكَ اللَّهُ فَقَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنَا عَلَى نَفْسِي مِنْ شَيْءٍ أَخْوَفَ مِنِّي عَلَيْهَا مِنْ بَصَرِي فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ص فَذَهَبَ بَصَرُهُ (1).
26- مع، معاني الأخبار عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ حَرْبِ بْنِ الْحَسَنِ الطَّحَّانِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: لَا يَبْلُغُ أَحَدُكُمْ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَكُونَ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ الْمَوْتُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْحَيَاةِ وَ الْفَقْرُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْغِنَى وَ الْمَرَضُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الصِّحَّةِ قُلْنَا وَ مَنْ يَكُونُ كَذَلِكَ قَالَ كُلُّكُمْ ثُمَّ قَالَ أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَى أَحَدِكُمْ يَمُوتُ فِي حُبِّنَا أَوْ يَعِيشُ فِي بُغْضِنَا فَقُلْتُ نَمُوتُ وَ اللَّهِ فِي حُبِّكُمْ أَحَبُّ إِلَيْنَا قَالَ وَ كَذَلِكَ الْفَقْرُ وَ الْغِنَى وَ الْمَرَضُ وَ الصِّحَّةُ قُلْتُ إِي وَ اللَّهِ (2).
27- سن، المحاسن عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَيْفٍ عَنْ أَخِيهِ عَلِيٍّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ: لَا يَسْتَكْمِلُ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَكُونَ فِيهِ خِصَالٌ ثَلَاثٌ التَّفَقُّهُ فِي الدِّينِ وَ حُسْنُ التَّقْدِيرِ فِي الْمَعِيشَةِ وَ الصَّبْرُ عَلَى الرَّزَايَا (3).
28- سن، المحاسن عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص ثَلَاثُ خِصَالٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ يَسْتَكْمِلُ خِصَالَ الْإِيمَانِ الَّذِي إِذَا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضَاهُ فِي بَاطِلٍ وَ إِذَا غَضِبَ لَمْ يُخْرِجْهُ غَضَبُهُ مِنَ الْحَقِّ وَ إِذَا قَدَرَ لَمْ يَتَعَاطَ مَا لَيْسَ لَهُ (4).
كا، الكافي عن العدة عن البرقي مثله (5)
____________
(1) معاني الأخبار ص 187.
(2) معاني الأخبار ص 189.
(3) المحاسن ص 5.
(4) المحاسن: 6.
(5) الكافي ج 2 ص 239.
301
- ل، الخصال عن أبيه عن محمد بن علي بن الصلت عن البرقي عن ابن فضال عن عاصم عن الثمالي عن عبد الله بن الحسن عن أمه فاطمة بنت الحسين بن علي عن أبيها (1) مثله بيان الظاهر أن فيه إرسالا لأن فاطمة بنت الحسين(ع)لم تعهد روايتها عن النبي ص بل لم تلقه و كأنه كان عن فاطمة بنت الحسين عن الحسين كما في الخصال.
يستكمل أي لا تحصل هذه الأخلاق في مؤمن إلا و قد حصلت فيه سائر الخصال لأنها أشقها و أشدها و أيضا أنها مستلزمة للعدل و هو التوسط بين الإفراط و التفريط و هو معيار جميع الكمالات و في القاموس التعاطي التناول و تناول ما لا يحق و التنازع في الأخذ و ركوب الأمر انتهى (2) أي بعد القدرة لا يأخذ أو لا يرتكب ما ليس له.
29- سن، المحاسن رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سِتَّةٌ لَا تَكُونُ فِي مُؤْمِنٍ قِيلَ وَ مَا هِيَ قَالَ الْعُسْرُ وَ النَّكَدُ وَ اللَّجَاجَةُ وَ الْكَذِبُ وَ الْحَسَدُ وَ الْبَغْيُ وَ قَالَ لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ مُحَارِباً (3).
بيان: العسر الشدة في المعاملات و عدم السهولة و النكد العسر و الخشونة في المعاشرات و قلة العطاء و البخل و هو أظهر في القاموس نكد عيشهم كفرح اشتد و عسر و البئر قل ماؤها و نكد فلانا كنصر منعه ما سأله أو لم يعطه إلا أقله و النكد بالضم قلة العطاء و يفتح و اللجاجة الخصومة.
قوله محاربا أي بغير حق و في بعض النسخ مجازفا و الجزاف معرب گزاف و هو بيع الشيء لا يعلم كيله و لا وزنه و المجازفة في البيع المساهلة فيه قال في المصباح يقال لمن يرسل كلامه إرسالا من غير قانون جازف في كلامه
____________
(1) الخصال ج 1 ص 52.
(2) القاموس ج 4 ص 364.
(3) المحاسن: 158 و فيه: مجازفا.
302
فأقيم نهج الصواب مقام الكيل و الوزن انتهى.
و أقول كأنه المراد هنا و في بعض النسخ بالحاء و الراء المهملتين و المجارف بفتح الراء المحروم المحدود الذي سد عليه أبواب الرزق و في كونه منافيا للإيمان الكامل إشكال إلا أن يكون مبنيا على الغالب.
30- سن، المحاسن عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَمَّادٍ الْكُوفِيِّ عَنْ مُيَسِّرِ بْنِ سَعِيدٍ الْقَصِيرِ الْجَوْهَرِيِّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: يُعْرَفُ مَنْ يَصِفُ الْحَقَّ بِثَلَاثِ خِصَالٍ يُنْظَرُ إِلَى أَصْحَابِهِ مَنْ هُمْ وَ إِلَى صَلَاتِهِ كَيْفَ هِيَ وَ فِي أَيِّ وَقْتٍ يُصَلِّيهَا فَإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ نُظِرَ أَيْنَ يَضَعُ مَالَهُ (1).
31- سن، المحاسن عَنْ فَضَالَةَ عَنْ أَبَانٍ الْأَحْمَرِ عَنِ ابْنِ سَيَابَةَ عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَ لَا أُنَبِّئُكُمْ بِالْمُؤْمِنِ الْمُؤْمِنُ مَنِ ائْتَمَنَهُ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَ أُمُورِهِمْ وَ الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَ يَدِهِ وَ الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ فَتَرَكَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ (2).
32- شا، الإرشاد رُوِيَ عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ صُوحَانَ الْعَبْدِيِّ قَالَ: صَلَّى بِنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)ذَاتَ يَوْمٍ صَلَاةَ الصُّبْحِ فَلَمَّا سَلَّمَ أَقْبَلَ عَلَى الْقِبْلَةِ بِوَجْهِهِ يَذْكُرُ اللَّهَ لَا يَلْتَفِتُ يَمِيناً وَ لَا شِمَالًا حَتَّى صَارَتِ الشَّمْسُ عَلَى حَائِطِ مَسْجِدِكُمْ هَذَا يَعْنِي جَامِعَ الْكُوفَةِ قِيسَ رُمْحٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ(ع)فَقَالَ لَقَدْ عَهِدْتُ أَقْوَاماً عَلَى عَهْدِ خَلِيلِي رَسُولِ اللَّهِ ص وَ إِنَّهُمْ لَيُرَاوِحُونَ فِي هَذَا اللَّيْلِ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وَ رُكَبِهِمْ فَإِذَا أَصْبَحُوا أَصْبَحُوا شُعْثاً غُبْراً بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ شِبْهُ رُكَبِ الْمِعْزَى فَإِذَا ذَكَرُوا الْمَوْتَ مَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرَةُ فِي الرِّيحِ ثُمَّ انْهَمَلَتْ عُيُونُهُمْ حَتَّى تُبَلَّ ثِيَابَهُمْ ثُمَّ نَهَضَ(ع)وَ هُوَ يَقُولُ كَأَنَّمَا الْقَوْمُ بَاتُوا غَافِلِينَ (3).
____________
(1) المحاسن ص 254.
(2) المحاسن ص 285.
(3) الإرشاد ص 114.
303
بيان: في القاموس قيس رمح بالكسر و قاسه قدره (1).
قب، المناقب لابن شهرآشوب قَالَ الْبَاقِرُ(ع)إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْطَى الْمُؤْمِنَ الْبَدَنَ الصَّحِيحَ وَ اللِّسَانَ الْفَصِيحَ وَ الْقَلْبَ الصَّرِيحَ وَ كَلَّفَ كُلَّ عُضْوٍ مِنْهَا طَاعَةً لِذَاتِهِ وَ لِنَبِيِّهِ وَ لِخُلَفَائِهِ فَمِنَ الْبَدَنِ الْخِدْمَةُ لَهُ وَ لَهُمْ وَ مِنَ اللِّسَانِ الشَّهَادَةُ بِهِ وَ بِهِمْ وَ مِنَ الْقَلْبِ الطُّمَأْنِينَةُ بِذِكْرِهِ وَ بِذِكْرِهِمْ فَمَنْ شَهِدَ بِاللِّسَانِ وَ اطْمَأَنَّ بِالْجَنَانِ وَ خَدَمَ بِالْأَرْكَانِ أَنْزَلَهُ اللَّهُ الْجِنَانَ (2).
بيان: البدن الصحيح كأن المعنى الصحة من الذنوب و العيوب المعنوية أو الصحة من الآفات التي تورث الشين فيكون مختصا بالأنبياء و الأئمة(ع)و الصريح الخالص من كل شيء و المراد به هنا الخالص من الغل و الحسد و الشك و الشبهة.
كِتَابُ صِفَاتِ الشِّيعَةِ، لِلصَّدُوقِ (رحمه الله) عَنِ ابْنِ مَسْرُورٍ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ عَنْ عَمِّهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)أَنَّهُ قَالَ: لَا دِينَ لِمَنْ لَا تَقِيَّةَ لَهُ وَ لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا وَرَعَ لَهُ.
وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ صَفْوَانَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّمَا الْمُؤْمِنُ الَّذِي إِذَا غَضِبَ لَمْ يُخْرِجْهُ غَضَبُهُ مِنْ حَقٍّ وَ الَّذِي إِذَا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضَاهُ فِي بَاطِلٍ وَ الَّذِي إِذَا قَدَرَ لَمْ يَأْخُذْ أَكْثَرَ مِنْ مَالِهِ (3).
وَ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ سَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ وَ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ.
وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ حَبِيبٍ الْوَاسِطِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: مَا أَقْبَحَ بِالْمُؤْمِنِ أَنْ تَكُونَ لَهُ رَقَبَةٌ تُذِلُّهُ.
وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ أَشَدُّ
____________
(1) القاموس ج 2 ص 244.
(2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 180.
(3) مما له خ.
304
مِنْ زُبَرِ الْحَدِيدِ إِنَّ زُبَرَ الْحَدِيدِ إِذَا دَخَلَ النَّارَ تَغَيَّرَ وَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَوْ قُتِلَ ثُمَّ نُشِرَ ثُمَّ قُتِلَ لَمْ يَتَغَيَّرْ قَلْبُهُ (1).
بيان: في القاموس الزبرة بالضم القطعة من الحديد و الجمع زبر و زبر لم يتغير قلبه أي عقائده التي في قلبه.
35- صِفَاتُ الشِّيعَةِ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْمُفَضَّلِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ لَا يَدْخُلُ فِيهِمْ دَاخِلٌ وَ لَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ خَارِجٌ مَثَلُهُمْ وَ اللَّهِ مَثَلُ الرَّأْسِ فِي الْجَسَدِ وَ مَثَلُ الْأَصَابِعِ فِي الْكَفِّ فَمَنْ رَأَيْتُمْ يُخَالِفُ ذَلِكَ فَاشْهَدُوا عَلَيْهِ بَتَاتاً أَنَّهُ مُنَافِقٌ (2).
بيان: مثلهم أي ينبغي أن يكون منزلة كل مؤمن من سائر المؤمنين منزلة الرأس من الجسد في التواصل و التعاون و اهتمام المؤمنين بهم بعضهم بتاتا أي بتا و قطعا.
36- صِفَاتُ الشِّيعَةِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الدَّيْلَمِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: الشِّتَاءُ رَبِيعُ الْمُؤْمِنِ يَطُولُ فِيهِ لَيْلُهُ فَيَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى قِيَامِهِ.
وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ غَزْوَانَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)الْمُؤْمِنُ لَا يَكُونُ مُحَارَفاً (3).
وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ صَالِحِ بْنِ هَيْثَمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ اسْتَكْمَلَ خِصَالَ الْإِيمَانِ مَنْ صَبَرَ عَلَى الظُّلْمِ وَ كَظَمَ غَيْظَهُ وَ احْتَسَبَ وَ عَفَا كَانَ مِمَّنْ يُدْخِلُهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَ شُفِّعَ فِي مِثْلِ رَبِيعَةَ وَ مُضَرَ.
وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ حَتَّى تَكُونُوا مُؤْتَمَنِينَ وَ حَتَّى تَعُدُّوا نِعْمَةَ الرَّخَاءِ مُصِيبَةً وَ ذَلِكَ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى الْبَلَاءِ أَفْضَلُ مِنَ الْعَافِيَةِ عِنْدَ الرَّخَاءِ.
____________
(1) صفات الشيعة ص 179.
(2) صفات الشيعة ص 179.
(3) مجازفا خ ل.
305
وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ مَنْ يَخَافُهُ كُلُّ شَيْءٍ وَ ذَلِكَ أَنَّهُ عَزِيزٌ فِي دِينِ اللَّهِ وَ لَا يَخَافُ مِنْ شَيْءٍ وَ هُوَ عَلَامَةُ كُلِّ مُؤْمِنٍ.
وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ صَفْوَانَ الْجَمَّالِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَخْشَعُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ ثُمَّ قَالَ إِذَا كَانَ مُخْلِصاً لِلَّهِ قَلْبَهُ أَخَافَ اللَّهُ مِنْهُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى هَوَامَّ الْأَرْضِ وَ سِبَاعَهَا وَ طَيْرَ السَّمَاءِ (1).
37- نهج، نهج البلاغة قَالَ(ع)الْمُؤْمِنُ بِشْرُهُ فِي وَجْهِهِ وَ حُزْنُهُ فِي قَلْبِهِ أَوْسَعُ شَيْءٍ صَدْراً وَ أَذَلُّ شَيْءٍ نَفْساً يَكْرَهُ الرِّفْعَةَ وَ يَشْنَأُ السُّمْعَةَ طَوِيلٌ غَمُّهُ بَعِيدٌ هَمُّهُ كَثِيرٌ صَمْتُهُ مَشْغُولٌ وَقْتُهُ شَكُورٌ صَبُورٌ مَغْمُورٌ بِفِكْرَتِهِ ضَنِينٌ بِخَلَّتِهِ سَهْلُ الْخَلِيقَةِ لَيِّنُ الْعَرِيكَةِ نَفْسُهُ أَصْلَبُ مِنَ الصَّلْدِ وَ هُوَ أَذَلُّ مِنَ الْعَبْدِ (2).
توضيح البشر بالكسر الطلاقة و كتمان الحزن من الشكر و لا يختص بحزن الآخرة كما قيل و سعة صدره كناية عن قوة حلمه و شدة تحمله للمشاق و ذلة نفسه للتواضع و النظر إلى عظمة الله و استحقار العمل.
يكره الرفعة أي الشرف و العلو في الدنيا و يشنأ كيمنع و يسمع يبغض السمعة أي إسماع العمل الناس أو فعله لذلك و طول الغم لذكر الموت و الآخرة و عدم العلم بالعاقبة بعيد همه أي حزنه تأكيدا أو الهم بمعنى القصد و العزم أي همته عالية مصروفة إلى الأمور الباقية مشغول وقته أي مستغرق في العبادة و الذكر و التفكر في آيات الله و تحصيل العلم و بذله و نحو ذلك و الحاصل أنه لا يضيع العمر.
مغمور بفكرته يقال عمره الماء كنصر أي غطاه و الفكر و الفكرة إعمال النظر و المراد به التفكر في آلاء الله و عبره و علوم الله و حكمه.
ضنين بخلته الضنة البخل و الخلة بالضم الصداقة و المحبة التي تخللت القلب فصارت خلاله أي في باطنه كما في النهاية و في المصباح الخلة بالفتح الصداقة
____________
(1) صفات الشيعة ص 179- 181.
(2) نهج البلاغة ج 2 224 تحت الرقم 333 من الحكم.
306
و الضم لغة و بالفتح الفقر و الحاجة. فالفقرة تحتمل وجوها الأول أنه ضنين بخلته لترصده مواقع الخلة و أهلها الذين هم إخوان الصدق في الله و هم قليلون.
الثاني أن يكون المراد أنه إذا خال أحدا أي صادقه ضن أن يضيع خلته أو يهمل خليله فالمراد استحكام مودته.
الثالث أن يكون بفتح الخاء كما روي أي إذا عرضت له حاجة ضن بها أن يسأل أحدا فيها و يظهرها.
و الخليقة الطبيعة و سهولتها خلوها عن الفظاظة و الخشونة و العريكة النفس و الطبيعة يقال فلان لين العريكة إذا كان مطاوعا منقادا قليل الخلاف و النفور منكسر النخوة و حجر صلد بالفتح أي صلب أملس و صلابته لثباته في طاعة الله و إمضاء أموره و شجاعته و حميته أو شدة إيمانه و يقينه و عدم تزلزله في الفتن و ذلته تواضعه.
الْمَجَازَاتُ النَّبَوِيَّةُ، قَوْلُهُ(ع)مِنْ جُمْلَةِ كَلَامٍ الْعِلْمُ خَلِيلُ الْمُؤْمِنِ وَ الْحِلْمُ وَزِيرُهُ وَ الْعَقْلُ دَلِيلُهُ وَ الْعَمَلُ قَيِّمُهُ وَ اللِّينُ أَخُوهُ وَ الرِّفْقُ وَالِدُهُ وَ الصَّبْرُ أَمِيرُ جُنُودِهِ (1).
الشِّهَابُ، عَنْهُ ص مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّ فِيهِ وَ الْعَمَلُ قَائِدُهُ وَ الْبِرُّ أَخُوهُ.
قال السيد رضي الله عنه هذه الألفاظ كلها مستعارة منها فالمراد بقوله(ع)العلم خليل المؤمن أنه يأنس به من الوحشة كما يسكن الحميم إلى حميمه و المراد بقوله(ع)و الحلم وزيره أنه يقوى به على الأمور و يوازره على كظم المكروه و المراد بقوله(ع)و العقل دليله أنه بالعقل يهتدي في ظلم المشكلات و ينجو من مضايق الغمرات فهو كالدليل الذي يرشد في المضال و يجنب عن المزال.
____________
(1) المجازات النبويّة ص 123.
307
و المراد بقوله(ع)و العمل قيمه أن العمل يثقف ميله و يقوم زلله و يسد خلله فهو كالقيم الذي يأتي بمصالح ما يقوم عليه و مراشد ما يوكل إليه و المراد بقوله(ع)و اللين أخوه أن اللين يفيده مواخاة الإخوان و مخالصتهم و يحفظ عليه صفاءهم و مودتهم فجعله(ع)أخاه من حيث كان سببا لاجتلاب الإخوان إليه و حفظ المودات عليه.
و المراد بقوله(ع)و الرفق والده كالمراد بقوله و اللين أخوه لأن الرفق يقبل إليه بالقلوب و يظأر عليه كوامن الصدور فيصير كل أحد في الحنو عليه و الميل إليه كالوالد الرءوف و الحدب العطوف (1).
و المراد بقوله(ع)و الصبر أمير جنوده أن الصبر ملاك أمره و شداد أزره و به يبلغ الآداب و يدرك المحاب فهو كأمير جنده الذي يقوى به على أعدائه و يصل به إلى أغراضه و طلباته و قد يجوز أن يكون المراد أن الصبر رأس خلاله و رئيس خصاله فهو متقدم عليها و كالأمير لسائرها كما أن الأمير متقدم على رعيته و سائس على من في طبقته.
39- الشِّهَابُ، قَالَ ص الْمُؤْمِنُ يَسِيرُ الْمَئُونَةِ.
الضوء، ضوء الشهاب هذا إخبار معناه الأمر أمر رسول الله ص المؤمن أن يكون يسير المئونة قانعا بالموجود صابرا عن المفقود شاكرا ذاكرا لا طامح البصر إلى زبرج الدنيا و لا جشعا تواقا إلى العليا منكسر القلب ذليل النفس للرب تكفيه الكسرة و ترويه الشربة و يواريه الجرد و يلفحه الحر و ينفحه البرد كما وصفه أمير المؤمنين(ع)هُوَ مِنْ نَفْسِهِ فِي تَعَبٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ و فائدة الحديث الحث على التخفف من الدنيا و الابتذال فيها و راويه أبو هريرة.
أقول الجرد بالفتح الخلق البالي و لفح النار بحرها أحرقت و نفحت الريح هبت.
40- الشِّهَابُ، قَالَ ص الْمُؤْمِنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ حَذِرٌ.
____________
(1) الحدب ككتف: العطوف، فذكر العطوف بعده تأكيد.
308
الضوء، ضوء الشهاب الكياسة ضد الحمق و الكيس الظريف يقال هو كيس مكيس و ينسب إلى أمير المؤمنين(ع)أنه قال
أ ما تراني كيسا مكيسا.* * * بنيت بعد نافع مخيسا (1).
و مخيس اسم سجن بناه أمير المؤمنين(ع)بالعراق و كان بنى قبله نافعا و حرقه لصوص حبسوا فيه و كان مبنيا من القصب فبنى مخيسا بالجص و الآجر و يقال مخيس أي ذليل و مخيس أي موضع التذليل و قد كاس الغلام يكيس كيسا و كياسة و تكيس تظرف و كايسته فكسته أي غلبته.
و الفطنة كالفهم و رجل فطن و قد فطن فطنة و فطانة و فطانية و الحذر احتراز عن مخيف يقال حذر حذرا و حذرته و حذار أي احذر و الحذر التحرز مثل الحذر و رجل حذر و حذر أي متيقظ متحرز و الجمع حذرين و حذاري.
و هذا الحديث أيضا ظاهره إخبار و معناه أمر يأمر رسول الله ص الرجل المؤمن أن يكون كيسا ظريفا ضابطا أمر دينه و دنياه فطنا غير غافل عما سيدهمه متحرزا غاية التحرز.
و قال الحسن المؤمن فطن هدم دنياه و بنى بها آخرته و لم يهدم آخرته و يبني بها دنياه.
و قال علي بن بكار ذهب الأخيار فلم يبق إلا من يؤثر الدرهمين على دينه.
و قال يحيى بن معاذ الدرهم عقرب فإن لم تحسن رقيتها فلا تأخذه فإنها إن لذعتك قتلتك بسمها قيل و ما رقيتها قال أخذها من حلها و وضعها في حلها.
____________
(1) ذكره الجوهريّ: 923 و 969، و نسبه الى الراجز، و ذكره الفيروزآبادي ج 2 ص 213، قال: المخيس- كمعظم و محدث- السجن، و سجن بناه على رضى اللّه تعالى عنه و كان أولا جعله من قصب و سماه نافعا فنقبه اللصوص فقال:
أ ما ترانى كيسا مكيسا* * * بنيت بعد نافع مخيسا
بابا حصينا و أمينا كيسا
309
و إنما شرط ص هذه الخلال للمؤمن لأن فيها جوامع الخير يكون كيسا نظارا في الدلائل الموصلة إلى العلم فطنا فهما عالما بما يأتي و يذر حذرا متحرزا مع ذلك كله لأن المؤمن منزله بين الخوف و الرجاء.
و فائدة الحديث الحث على التنبه و التقيظ و قلة الركون إلى الدنيا الخداعة المكاره و راوي الحديث أنس بن مالك.
41- الشِّهَابُ، قَالَ ص الْمُؤْمِنُ إِلْفٌ مَأْلُوفٌ.
الضوء، ضوء الشهاب الإلف اجتماع مع التيام يقال ألفت بين القوم و ألفت الموضع آلفه ألفا و آلفنيه زيد فأنا آلف و آلفت الموضع أولفه إيلافا و آلفته أؤالفه مؤالفة و إلافا على أفعل و فاعل (1) و التأليف جمع أجزاء متفرقة على ترتيب يقدم فيه المقدم و يؤخر المؤخر و أوالف الطير التي ألفت الدور.
فيقول(ع)إن المؤمن ينبغي أن يكون آلفا مستأنسا بالخلق مستأنسا به غير نافر منفر و لا منفور منه يخف إلى حاجات أخيه المؤمن غير رافع نفسه عنه يغفر زلته و يقبل عثرته و لا يحسد و لا يحقد عليه موافقا غير منافق محالفا غير مخالف مناصحا غير مفاضح.
و فائدة الحديث الحث على الإلف و حسن المصادقة و راوي الحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
42- الشِّهَابُ، قَالَ ص الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَ أَمْوَالِهِمْ.
الضوء، ضوء الشهاب الأمن طمأنينة النفس و زوال الخوف و الأمن و الأمانة و الإيمان و الأمنة قريب من قريب و الله تعالى مؤمن لأنه آمن عباده من ظلمه إياهم و رجل أمنة و أمنة (2) يثق بكل أحد.
____________
(1) و عبارة الجوهريّ في الصحاح: 1332: فصار صورة أفعل و فاعل في الماضى واحدا.
(2) الأول بالتحريك و الثاني كهمزة.
310
و هذا الحديث أيضا ظاهره إخبار و هو في معنى الأمر أي ينبغي أن يكون المؤمن موثوقا به مأمون الجانب نقيا من المعايب غير خائن في نفس أو مال و لا مخفر ذمة و لا ناقض عهد و لا ناكث عقد.
و فائدة الحديث الحث على الديانة و الأمانة و الصيانة و اتباع الأحسن في المعاملة و إيثار الصدق و المجاملة و راويا الحديث أنس بن مالك و فضالة بن عبيد.
43- ين، كتاب حسين بن سعيد و النوادر عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ مَرْوَانَ وَ الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُخْتَارِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِيَّاكُمْ وَ مَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُسِيءُ وَ لَا يَعْتَذِرُ وَ الْمُنَافِقُ يُسِيءُ كُلَّ يَوْمٍ وَ يَعْتَذِرُ مِنْهُ (1).
44- محص، التمحيص عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: الْمُؤْمِنُ لَا يَغْلِبُهُ فَرْجُهُ وَ لَا يَفْضَحُهُ بَطْنُهُ.
45- محص، التمحيص رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ: لَا يَكْمُلُ الْمُؤْمِنُ إِيمَانُهُ حَتَّى يَحْتَوِيَ عَلَى مِائَةٍ وَ ثَلَاثِ خِصَالٍ فِعْلٍ وَ عَمَلٍ وَ نِيَّةٍ وَ بَاطِنٍ وَ ظَاهِرٍ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَا رَسُولَ اللَّهِ ص مَا الْمِائَةُ وَ ثَلَاثُ خِصَالٍ فَقَالَ يَا عَلِيُّ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ جَوَّالَ الْفِكْرِ جَوْهَرِيَّ الذِّكْرِ (2) كَثِيراً عِلْمُهُ عَظِيماً حِلْمُهُ جَمِيلَ الْمُنَازَعَةِ كَرِيمَ الْمُرَاجَعَةِ أَوْسَعَ النَّاسِ صَدْراً وَ أَذَلَّهُمْ نَفْساً ضِحْكُهُ تَبَسُّماً وَ اجْتِمَاعُهُ تَعَلُّماً مُذَكِّرَ الْغَافِلِ مُعَلِّمَ الْجَاهِلِ لَا يُؤْذِي مَنْ يُؤْذِيهِ وَ لَا يَخُوضُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ وَ لَا يَشْمَتُ بِمُصِيبَةٍ وَ لَا يَذْكُرُ أَحَداً بِغِيبَةٍ بَرِيئاً مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَاقِفاً عِنْدَ الشُّبُهَاتِ كَثِيرَ الْعَطَاءِ قَلِيلَ الْأَذَى عَوْناً لِلْغَرِيبِ وَ أَباً لِلْيَتِيمِ بِشْرُهُ فِي وَجْهِهِ وَ حُزْنُهُ فِي قَلْبِهِ مُتَبَشِّراً بِفَقْرِهِ أَحْلَى مِنَ الشَّهْدِ وَ أَصْلَدَ مِنَ الصَّلْدِ لَا يَكْشِفُ سِرّاً وَ لَا يَهْتِكُ سِتْراً لَطِيفَ
____________
(1) هذه المصادر كلها مخطوط.
(2) جهورى الذكر، خ ل.
311
الْحَرَكَاتِ حُلْوَ الْمُشَاهَدَةِ كَثِيرَ الْعِبَادَةِ حَسَنَ الْوَقَارِ لَيِّنَ الْجَانِبِ طَوِيلَ الصَّمْتِ حَلِيماً إِذَا جُهِلَ عَلَيْهِ صَبُوراً عَلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ يُبَجِّلُ الْكَبِيرَ وَ يَرْحَمُ الصَّغِيرَ أَمِيناً عَلَى الْأَمَانَاتِ بَعِيداً مِنَ الْخِيَانَاتِ إِلْفُهُ التُّقَى وَ حِلْفُهُ الْحَيَاءُ كَثِيرَ الْحَذَرِ قَلِيلَ الزَّلَلِ حَرَكَاتُهُ أَدَبٌ وَ كَلَامُهُ عَجَبٌ مُقِيلَ الْعَثْرَةِ وَ لَا يَتَتَبَّعُ الْعَوْرَةَ وَقُوراً صَبُوراً رَضِيّاً شَكُوراً قَلِيلَ الْكَلَامِ صَدُوقَ اللِّسَانِ بَرّاً مَصُوناً حَلِيماً رَفِيقاً عَفِيفاً شَرِيفاً لَا لَعَّانٌ وَ لَا كَذَّابٌ وَ لَا مُغْتَابٌ وَ لَا سَبَّابٌ وَ لَا حَسُودٌ وَ لَا بَخِيلٌ هَشَّاشاً بَشَّاشاً لَا حَسَّاسٌ وَ لَا جَسَّاسٌ يَطْلُبُ مِنَ الْأُمُورِ أَعْلَاهَا وَ مِنَ الْأَخْلَاقِ أَسْنَاهَا مَشْمُولًا بِحِفْظِ اللَّهِ مُؤَيَّداً بِتَوْفِيقِ اللَّهِ ذَا قُوَّةٍ فِي لِينٍ وَ عَزْمَةٍ فِي يَقِينٍ لَا يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ وَ لَا يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ صَبُوراً فِي الشَّدَائِدِ لَا يَجُورُ وَ لَا يَعْتَدِي وَ لَا يَأْتِي بِمَا يَشْتَهِي الْفَقْرُ شِعَارُهُ وَ الصَّبْرُ دِثَارُهُ قَلِيلَ الْمَئُونَةِ كَثِيرَ الْمَعُونَةِ كَثِيرَ الصِّيَامِ طَوِيلَ الْقِيَامِ قَلِيلَ الْمَنَامِ قَلْبُهُ تَقِيٌّ وَ عَمَلُهُ زَكِيٌّ إِذَا قَدَرَ عَفَا وَ إِذَا وَعَدَ وَفَى يَصُومُ رَغْباً وَ يُصَلِّي رَهْباً وَ يُحْسِنُ فِي عَمَلِهِ كَأَنَّهُ نَاظِرٌ إِلَيْهِ غَضَّ الطَّرْفِ سَخِيَّ الْكَفِّ لَا يَرُدُّ سَائِلًا وَ لَا يَبْخَلُ بِنَائِلٍ مُتَوَاصِلًا إِلَى الْإِخْوَانِ مُتَرَادِفاً لِلْإِحْسَانِ يَزِنُ كَلَامَهُ وَ يُخْرِسُ لِسَانَهُ لَا يَغْرَقُ فِي بُغْضِهِ وَ لَا يَهْلِكُ فِي حُبِّهِ وَ لَا يَقْبَلُ الْبَاطِلَ مِنْ صَدِيقِهِ وَ لَا يَرُدُّ الْحَقَّ عَلَى عَدُوِّهِ وَ لَا يَتَعَلَّمُ إِلَّا لِيَعْلَمَ وَ لَا يَعْلَمُ إِلَّا لِيَعْمَلَ قَلِيلًا حِقْدُهُ كَثِيراً شُكْرُهُ يَطْلُبُ النَّهَارَ مَعِيشَتَهُ وَ يَبْكِي اللَّيْلَ عَلَى خَطِيئَتِهِ إِنْ سَلَكَ مَعَ أَهْلِ الدُّنْيَا كَانَ أَكْيَسَهُمْ وَ إِنْ سَلَكَ مَعَ أَهْلِ الْآخِرَةِ كَانَ أَوْرَعَهُمْ لَا يَرْضَى فِي كَسْبِهِ بِشُبْهَةٍ وَ لَا يَعْمَلُ فِي دِينِهِ بِرُخْصَةٍ يَعْطِفُ عَلَى أَخِيهِ بِزَلَّتِهِ وَ يَرْعَى مَا مَضَى مِنْ قَدِيمِ صُحْبَتِهِ (1).
____________
(1) التمحيص مخطوط.
312
بيان جوال الفكر أي فكره في الحركة دائما جهوري الذكر في القاموس كلام جهوري أي عال أي يعلن ذكر الله أو ذكره عال في الناس و في بعض النسخ جوهري و كأنه كناية عن خلوص ذكره و نفاسته و الظاهر أنه تصحيف.
و في القاموس الصلد و يكسر الصلب الأملس و صلدت الأرض صلبت و التبجيل التعظيم و الإلف بالكسر من تألفه و يألفك و الحلف بالكسر الصديق يحلف لصاحبه أن لا يغدر به مصونا أي عرضه أو عن الخطاء.
و في القاموس الحس الحيلة (1) و القتل و الاستئصال و بالكسر الصوت و الحاسوس الجاسوس و حسست به بالكسر أيقنت و أحسست ظننت و وجدت و أبصرت و التحسس الاستماع لحديث القوم و طلب خبرهم في الخير.
و قال (2) الجس تفحص الأخبار كالتجسس و منه الجاسوس و لا تجسسوا أي خذوا ما ظهر و دعوا ما ستر الله عز و جل أو لا تفحصوا عن بواطن الأمور أو لا تبحثوا عن العورات انتهى.
____________
(1) قال في القاموس ج 2 ص 206 ط مصر: الحس: الجلبة، و قال المحشى في هامشه: هكذا في النسخ و صوابه: الجبلة و هو عن ابن الاعرابى كما نقله الصاغانى و صاحب اللسان، كذا قال الشارح، و لا وجه لهذا التصويب فان المجد مطلع.
و قال الشرتونى في أقرب الموارد ج 1 ص 191: الحس بالفتح مصدر و- الحيلة تقول: أحسست منه حسا أي حيلة، و نقل في الذيل ص 133 عن اللسان أن الحس بمعنى الجلبة.
أقول: و الظاهر أن «حيلة» و «جلبة» كليهما تصحيف و الصحيح كما صوبه ابن الاعرابى الجبلة- كالابلة- و هي السنة المجدبة كالحس- بالكسر- و الحسوس.
(2) القاموس ج 2 ص 204.
313
و الحاصل أن الحساس و الجساس متقاربان في المعنى و كأن الأول إعمال الظنون في الناس و الثاني تجسس أحوالهم و يحتمل الأول بعض المعاني المتقدمة كما لا يخفى.
مشمولا بحفظ الله من شر الشياطين رغبا في الثواب رهبا من العقاب كأنه ناظر إليه أي يشاهده بعين اليقين و يحتمل إرجاع الضمير إلى الله بقرينة المقام كقوله ص الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه أو المعنى كأنه جعل ناظرا على نفسه.
يزن كلامه أي يتفكر فيه هل له قدر في ميزان الأجر و القبول فيتكلم به و إلا فيتركه لا يغرق في بغضه من الإغراق و هو المبالغة أو كيفرح كناية عن الهلاك فكلمة في سببية و العدد المذكور في التفصيل أكثر مما ذكر أولا لتكرار بعضها معنى.
46- نَوَادِرُ الرَّاوَنْدِيِّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِحَارِثِ بْنِ مَالِكٍ كَيْفَ أَصْبَحْتَ فَقَالَ أَصْبَحْتُ وَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِكُلِّ مُؤْمِنٍ حَقِيقَةٌ فَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكَ قَالَ أَسْهَرْتُ لَيْلِي وَ أَنْفَقْتُ مَالِي وَ عَزَفْتُ عَنِ الدُّنْيَا وَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي جَلَّ جَلَالُهُ وَ قَدْ أُبْرِزَ لِلْحِسَابِ وَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ وَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ يَتَعَاوَوْنَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص هَذَا عَبْدٌ قَدْ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ قَدْ أَبْصَرْتَ فَالْزَمْ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ لِي بِالشَّهَادَةِ فَدَعَا لَهُ فَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ الثَّامِنِ.
47- ما، الأمالي للشيخ الطوسي جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الثَّالِثِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)الْمُؤْمِنُ لَا يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ وَ لَا يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ وَ إِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ هُوَ الْمُنْتَصِرَ لَهُ (1).
____________
(1) أمالي الطوسيّ ج 2 ص 193.
314
48- دَعَوَاتُ الرَّاوَنْدِيِّ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)الْمُؤْمِنُ صَبُورٌ فِي الشَّدَائِدِ وَقُورٌ فِي الزَّلَازِلِ قَنُوعٌ بِمَا أُوتِيَ لَا يَعْظُمُ عَلَيْهِ الْمَصَائِبُ وَ لَا يَحِيفُ عَلَى مُبْغِضٍ وَ لَا يَأْثَمُ فِي مُحِبٍّ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ وَ النَّفْسُ مِنْهُ فِي شِدَّةٍ.
49- نهج، نهج البلاغة قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)كَانَ لِي فِيمَا مَضَى أَخٌ فِي اللَّهِ وَ كَانَ يُعْظِمُهُ فِي عَيْنِي صِغَرُ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ وَ كَانَ خَارِجاً مِنْ سُلْطَانِ بَطْنِهِ فَلَا يَشْتَهِي مَا لَا يَجِدُ وَ لَا يُكْثِرُ إِذَا وَجَدَ وَ كَانَ أَكْثَرَ دَهْرِهِ صَامِتاً فَإِنْ قَالَ بَذَّ الْقَائِلِينَ وَ نَقَعَ غَلِيلَ السَّائِلِينَ وَ كَانَ ضَعِيفاً مُسْتَضْعَفاً فَإِذَا جَاءَ الْجِدُّ فَهُوَ لَيْثُ غَادٍ (1) وَ صِلُّ وَادٍ لَا يُدْلِي بِحُجَّةٍ حَتَّى يَأْتِيَ قَاضِياً وَ كَانَ لَا يَلُومُ أَحَداً عَلَى مَا لَا يَجِدُ الْعُذْرَ فِي مِثْلِهِ حَتَّى يَسْمَعَ اعْتِذَارَهُ وَ كَانَ لَا يَشْكُو وَجَعاً إِلَّا عِنْدَ بُرْئِهِ وَ كَانَ يَقُولُ مَا يَفْعَلُ وَ لَا يَقُولُ مَا لَا يَفْعَلُ وَ كَانَ إِنْ غُلِبَ عَلَى الْكَلَامِ لَمْ يُغْلَبْ عَلَى السُّكُوتِ وَ كَانَ عَلَى مَا يَسْمَعُ (2) أَحْرَصَ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَتَكَلَّمَ وَ كَانَ إِذَا بَدَهَهُ أَمْرَانِ نَظَرَ أَيُّهُمَا أَقْرَبُ إِلَى الْهَوَى فَخَالَفَهُ فَعَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْخَلَائِقِ فَالْزَمُوهَا وَ تَنَافَسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوهَا فَاعْلَمُوا أَنَّ أَخْذَ الْقَلِيلِ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِ الْكَثِيرِ (3).
وَ قَالَ(ع)لَا يُصَدَّقُ 9 إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَكُونَ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَوْثَقَ مِنْهُ بِمَا فِي يَدِهِ (4).
وَ قَالَ(ع)عَلَامَةُ الْإِيمَانِ أَنْ تُؤْثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ وَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي حَدِيثِكَ فَضْلٌ عَنْ عِلْمِكَ وَ أَنْ تَتَّقِيَ اللَّهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ (5).
____________
(1) ليث غاب خ ل.
(2) على أن يسمع خ ل.
(3) نهج البلاغة ج 2 ص 214 تحت الرقم 289 من الحكم.
(4) نهج البلاغة ج 2 ص 219، تحت الرقم 310 من الحكم.
(5) نهج البلاغة ج 2 ص 251، تحت الرقم 458 من الحكم.
315
50- نهج، نهج البلاغة رُوِيَ أَنَّ صَاحِباً لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)(1) يُقَالُ لَهُ هَمَّامٌ كَانَ رَجُلًا عَابِداً فَقَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صِفْ لِيَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ فَتَثَاقَلَ عَنْ جَوَابِهِ ثُمَّ قَالَ(ع)يَا هَمَّامُ اتَّقِ اللَّهَ وَ أَحْسِنْ فَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ فَلَمْ يَقْنَعْ هَمَّامٌ بِذَلِكَ الْقَوْلِ حَتَّى عَزَمَ عَلَيْهِ قَالَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ص ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ لِأَنَّهُ لَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ وَ لَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ وَ وَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ وَ مَلْبَسُهُمُ الِاقْتِصَادُ وَ مَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ وَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلَاءِ كَالَّذِي نُزِّلَتْ فِي الرَّخَاءِ لَوْ لَا الْأَجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ وَ خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ فَهُمْ وَ الْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ وَ هُمْ وَ النَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ وَ شُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ أَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ وَ حَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ وَ أَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ أَرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا وَ أَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ تَالِينَ لِأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهُ تَرْتِيلًا يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَ يَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً وَ تَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً وَ ظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ وَ إِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ وَ ظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَ شَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ
____________
(1) رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 226 باب المؤمن و علاماته و صفاته مع اختلاف.
316
فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِمْ وَ أَكُفِّهِمْ وَ رُكَبِهِمْ وَ أَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ يَطْلُبُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَكَاكَ رِقَابِهِمْ وَ أَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى وَ مَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ وَ يَقُولُ قَدْ خُولِطُوا وَ لَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ لَا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِيلَ وَ لَا يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ فَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ وَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ وَ إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي وَ رَبِّي أَعْلَمُ مِنِّي بِنَفْسِي اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ وَ اجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ وَ اغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ فَمِنْ عَلَامَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِي دِينٍ وَ حَزْماً فِي لِينٍ وَ إِيمَاناً فِي يَقِينٍ وَ حِرْصاً فِي عِلْمٍ وَ عِلْماً فِي حِلْمٍ وَ قَصْداً فِي غِنًى وَ خُشُوعاً فِي عِبَادَةٍ وَ تَجَمُّلًا فِي فَاقَةٍ وَ صَبْراً فِي شِدَّةٍ وَ طَلَباً فِي حَلَالٍ وَ نَشَاطاً فِي هُدًى وَ تَحَرُّجاً عَنْ طَمَعٍ يَعْمَلُ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَ هُوَ عَلَى وَجَلٍ يُمْسِي وَ هَمُّهُ الشُّكْرُ وَ يُصْبِحُ وَ هَمُّهُ الذِّكْرُ يَبِيتُ حَذِراً وَ يُصْبِحُ فَرِحاً حَذِراً لِمَا حُذِّرَ مِنَ الْغَفْلَةِ وَ فَرِحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَ الرَّحْمَةِ إِنِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيمَا تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِيمَا تُحِبُّ قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيمَا لَا يَزُولُ وَ زَهَادَتُهُ فِيمَا لَا يَبْقَى يَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ وَ الْقَوْلَ بِالْعَمَلِ تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ قَلِيلًا زَلَلُهُ خَاشِعاً قَلْبُهُ قَانِعَةً نَفْسُهُ مَنْزُوراً أَكْلُهُ سَهْلًا أَمْرُهُ حَرِيزاً دِينُهُ مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ مَكْظُوماً غَيْظُهُ الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ وَ الشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ إِنْ كَانَ فِي الْغَافِلِينَ كُتِبَ فِي الذَّاكِرِينَ وَ إِنْ كَانَ فِي الذَّاكِرِينَ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَ يُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ وَ يَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ بَعِيداً فُحْشُهُ لَيِّناً قَوْلُهُ غَائِباً مُنْكَرُهُ حَاضِراً مَعْرُوفُهُ مُقْبِلًا خَيْرُهُ مُدْبِراً شَرُّهُ فِي الزَّلَازِلِ وَقُورٌ وَ فِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ وَ فِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ لَا يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ وَ لَا يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ لَا يُضِيعُ مَا
317
اسْتُحْفِظَ وَ لَا يَنْسَى مَا ذُكِّرَ وَ لَا يُنَابِزُ بِالْأَلْقَابِ وَ لَا يُضَارُّ بِالْجَارِ وَ لَا يَشْمَتُ بِالْمَصَائِبِ وَ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَاطِلِ وَ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ إِنْ صَمَتَ لَمْ يَغُمَّهُ صَمْتُهُ وَ إِنْ ضَحِكَ لَمْ يَعْلُ صَوْتُهُ وَ إِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَقِمُ لَهُ نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ أَتْعَبَ نَفْسَهُ لِآخِرَتِهِ وَ أَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ وَ نَزَاهَةٌ وَ دُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينٌ وَ رَحْمَةٌ لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْرٍ وَ عَظَمَةٍ وَ لَا دُنُوُّهُ بِمَكْرٍ وَ خَدِيعَةٍ قَالَ فَصَعِقَ هَمَّامٌ صَعْقَةً كَانَتْ نَفْسُهُ فِيهَا فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ الْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ فَمَا بَالُكَ أَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ(ع)وَيْحَكَ إِنَّ لِكُلِّ أَجَلٍ وَقْتاً لَا يَعْدُوهُ وَ سَبَباً لَا يَتَجَاوَزُهُ فَمَهْلًا لَا تَعُدْ لِمِثْلِهَا فَإِنَّمَا نَفَثَ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِكَ (1).
تبيين قال الكيدري الهمام البعيد الهمة و كان السائل كاسمه و قال ابن أبي الحديد (2) همام هو همام بن شريح بن يزيد بن مرة و كان من شيعة أمير المؤمنين(ع)و أوليائه و كان ناسكا عابدا و تثاقله عن جوابه لأنه علم أن المصلحة في تأخير الجواب و كأنه حضر المجلس من لا يحب(ع)أن يجيب و هو حاضر و لعله بتثاقله(ع)يشتد شوق همام إلى سماع الموعظة و لعله من باب تأخير البيان إلى وقت الحاجة لا عن وقت الحاجة.
و قال ابن ميثم (3) تثاقله(ع)لخوفه على همام كما يدل عليه قوله(ع)أما و الله لقد كنت أخافها عليه و أقول هذا أظهر.
اتق الله و أحسن أي ليس عليك أن تعرف صفات المتقين على التفصيل و لعل الأصلح لك القناعة بما تعرفه مجملا من صفاتهم و مراعاة التقوى و الإحسان و كأن المراد بالتقوى الاجتناب عما نهى الله عنه و بالإحسان فعل ما أمر الله به
____________
(1) نهج البلاغة ج 1 ص 419 ط عبده مصر، تحت الرقم 191 من الخطب.
(2) شرح النهج لابن أبي الحديد ط مصر ج 2 ص 547.
(3) شرح النهج لابن ميثم ص 364.
318
فالكلمة جامعة لصفات المتقين و فضائلهم.
حتى عزم عليه عزمت على فلان أقسمت عليه و عزمت على الأمر أي قطعت عليه و أردت فعله حتما فالضمير في عليه يحتمل عوده إليه(ع)و إلى ما سأله من الوصف على التفصيل و الأول أظهر و رواية الصدوق تعينه (1).
و التعرض للغناء و الأمن (2) لدفع توهم أن مدح المتقين و الترغيب في الطاعة و التخويف من المعصية لانتفاعه سبحانه و دفع المضرة عنه و ليس المعنى أن أفعال الله سبحانه ليست معللة بالأغراض كما زعمه الحكماء بل إشارة إلى ما ذكره المتكلمون من أن الغرض لا يعود إليه سبحانه بل إلى العباد لأنه أراد أن يثيبهم في الآخرة و الثواب هو النفع المقارن للتعظيم و الإجلال و فعله لمن لا يستحق أصلا قبيح عقلا فلذا كلفهم و بعث إليهم الرسل و وعدهم و أوعدهم و عرضهم للمثوبات الدائمة الجليلة و تفصيل ذلك في كتب الكلام.
و المعايش بالياء جمع معيشة و هي ما يعاش به أو فيه و ما يكون به الحياة قال الله تعالى نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا (3) و مواضع الخلق مراتبهم قال الله تعالى وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ (4) و هي إشارة إلى الدرجات الدنيوية كالغناء و الفقر و الصحة و المرض أو الدينية لاختلاف استعداداتهم و قابلياتهم في العلم و العمل أو الأعم منهما و هو أظهر و التفريع يؤيد الأخيرين.
منطقهم الصواب المنطق النطق أي لا يقولون إلا حقا و يحترزون عن الكذب و الفحش و الغيبة و سائر الأقاويل الباطلة و قيل أي لا يتكلمون إلا في مقام التكلم كذكر الله تعالى و إظهار حق و إبطال باطل و كأن الابتداء
____________
(1) حيث قال: فقال همام: يا أمير المؤمنين أسألك بالذى أكرمك بما خصك إلخ و الرواية في الأمالي ص 340 المجلس: 84 كما سيأتى.
(2) يعني في قوله (عليه السلام): خلقهم غنيا عن طاعتهم آمنا من معصيتهم إلخ.
(3) الزخرف: 32.
(4) الزخرف: 32.
319
بالمنطق لكون النفع و الضرر في القول أكثر في الأغلب من أعمال سائر الجوارح.
و الملبس بفتح الباء ما يلبس و الاقتصاد التوسط بين طرفي الإفراط و التفريط و المعنى أنهم لا يلبسون ما يلحقهم بدرجة المترفين و لا ما يلحقهم بأهل الخسة و الدناءة أو يصير سببا لشهرتهم بالزهد كما هو دأب المتصوفين أو المعنى أن الاقتصاد في الأقوال و الأفعال صار شعارا لهم محيطا بهم كاللباس للإنسان كما مر.
و مشيهم التواضع أي لا يمشون مشي المختالين و المتكبرين كما قال عز و جل وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً (1) الآية أو المراد أن سيرتهم و سلوكهم بين الخلق أو في سبيل الله بالتواضع و التذلل غضوا أبصارهم غض فلان طرفه كمد أي خفضه و كذلك غض من صوته و كل شيء كففته فقد غضضته.
و وقفت كضربت أي دمت قائما و وقفته أنا وقفا أي فعلت به ما وقف و وقفت الرجل عن الشيء وقفا أي منعته عنه و وقفت الدار وقفا أي حبستها في سبيل الله و المراد الاقتصار على استماع العلم النافع و فيه إيماء إلى ذم الإصغاء إلى القصص الكاذبة بل و كثير من الصادقة كما سيأتي إن شاء الله.
و الرخاء بالفتح سعة العيش قال القطب الراوندي (رحمه الله) يعني أن المتقين يتعبون أبدانهم في الطاعات فيطيبون نفسا بتلك المشقة التي يحتملونها مثل طيب قلب الذي نزلت نفسه في الرخاء و لا بد من تقدير مضاف لأن تشبيه الجمع بالواحد لا يصح أي كل واحد منهم إذا نزل في البلاء يكون كالرجل الذي نزلت نفسه في الرخاء و نحوه قوله تعالى مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ (2) قال و يجوز أن يكون الذي بمعنى ما المصدرية كقوله تعالى وَ خُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا (3) أي نزوله في البلاء كنزوله في الرخاء
____________
(1) الإسراء: 37.
(2) البقرة: 171.
(3) براءة: 70.
320
و قال ابن ميثم يحتمل أن يكون المراد بالذي الذين فحذف النون كما في قوله تعالى و خُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا و قال ابن أبي الحديد (1) موضع كالذي نصب لأنه صفة مصدر محذوف و المراد كالنزول الذي و قد حذف العائد إليه و هو الهاء في نزلته كقولك ضربت الذي ضربت أي ضربت الذي ضربته و تقدير الكلام نزلت أنفسهم منهم في حال البلاء نزولا كالنزول الذي نزلته منهم في حال الرخاء.
و قال الكيدري (قدس سره) نزلت أنفسهم إلخ لأنهم كسروا سورة الشهوة البهيمية و طيبوا عن أنفسهم نفسا و وقفوا أشباحهم و أرواحهم على مرضاة الله و حبسوها في سبيله فلا مطمح لهم إلى ما فيه نصيب أنفسهم بل جل عنايتهم مصروفة إلى تحصيل ما خلقوا لأجله من إعداد زاد المعاد و الإقبال بكل الوجوه على عبادة رب العباد و التفاتهم إلى الأبدان يكون على طريق الطبع كالتفات سالك البادية للحج الحقيقي إلى رعي الجمل و علموا يقينا أن ما أصابهم من الكد في الطريق و إن كان عظيما فإنه كلا شيء في جنب ما يصلون به إليه من لقاء المحبوب و نيل المطلوب فالمحن عندهم كالملح و البلية كالنعم.
و قوله كالذي نظير قوله تعالى وَ خُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا (2) و بيت الحماسة عسى الأيام أن يرجعن يوما كالذي كانوا أي نزلت في البلاء كالنزول الذي نزلت في الرخاء انتهى.
و المراد بالبلاء المرض و الضيق و نحوهما أو الأعم من احتمال المشقة أيضا و ليس مخصوصا به و طيب قلوبهم للرضا بقضاء الله كما في المجالس (3) فصغر ما دونه في أعينهم في اختلاف التعبير دلالة على أن الخالق تمكن في قلوبهم بخلاف ما دونه فلم يتجاوز أعينهم.
____________
(1) راجع ج 2: ص 548- 549. ط مصر.
(2) براءة: 70.
(3) حيث قال: نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت منهم في الرخاء، رضى منهم عن اللّه بالقضاء.
321
فهم و الجنة قال الراوندي (رحمه الله) الواو بمعنى مع و قال ابن أبي الحديد بنصب الجنة و قد روي بالرفع على أنه معطوف على هم و الأول أحسن و قوله كمن قد رآها و قوله فهم فيها منعمون إما كلاهما لقوة الإيمان و اليقين أو لشدة الخوف و الرجاء أو الرؤية إشارة إلى قوة اليقين و التنعم و العذاب أي شدة الرجاء و الخوف و هما أيضا من فروع اليقين و اختار الوالد (قدس سره) الأخير و قال الكيدري أي حصل لهم من العلوم اليقينية ما يجري مجرى الضرورية كما قال(ع)لَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ يَقِيناً و روي و الجنة بالنصب فيكون الواو بمعنى مع و يكون خبر المبتدإ الكاف في كمن رآها.
قلوبهم محزونة حزن قلوبهم للخوف من العقاب لاحتمال التقصير و عدم شرائط القبول كما قال عز و جل وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (1) و الأمن من شرورهم لأنهم لا يهمون بظلم أحد كما ورد في الخبر الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَ يَدِهِ و قيل لأن أفعالهم حسنة في الواقع و إن كانت سيئة في الظاهر و هو بعيد.
نحيفة أي مهزولة لكثرة الصيام و السهر و الرياضات أو للخوف أو لهما و خفة حاجاتهم لقلة الرغبة في الدنيا و ترك اتباع الهوى و قصر الأمل و قناعتهم بما رزقهم الله.
و العفة كف النفس عن المحرمات بل عن الشبهات و المكروهات أيضا و جملة أعقبتهم صفة للأيام و تجارة عطف بيان للراحة أو بدل منه أو منصوب على المدح أو على الحال أو على تقدير فعل أي اتجروا تجارة.
قال الراوندي (رحمه الله) نصب المصدر مع حذف فعله كثير في الكلام و ربح الرجل في تجارته كعلم و يسند إلى التجارة مجازا قال تعالى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ (2) و قال الأزهري ربح الرجل في تجارته أي صادف سوقا ذات ربح و أربحت
____________
(1) المؤمنون: 60.
(2) البقرة: 16.
322
الرجل أرباحا أعطيته ربحا فالتجارة المربحة كأنها تعطي ربحا أو هي الرابحة من أفعل بمعنى فعل.
و قال الكيدري تجارة انتصابه على المصدر من معنى الكلام السابق لأن مضمون قوله صبروا أياما إلخ يدل على أنهم اتجروا بذلك أو يكون منصوبا بفعل مضمر يفسره ما بعده أي يسر لهم ربهم تجارة أو على المدح أو التخصيص أي أعني تجارة أو أخص تجارة و جعلها بدلا من راحة على ما زعم صاحب المنهاج ليس بالقوي لأن التجارة المربحة ليست بنفس الراحة و إنما صبرهم المستعقب لتلك الراحة هي التجارة انتهى.
أرادتهم الدنيا أي أقبلت إليهم من الوجوه المذمومة أو مطلقا و تمكنوا من تحصيلها بكسب المال و الجاه فلم يقبلوها و لم يسعوا في تحصيلها و قيل و يحتمل أن يراد أهل الدنيا و أسره كضربه أي شده و حبسه و الفدية زخارف الدنيا و ملاذها التي سلموها إلى الدنيا بالترك و الإعراض عنها.
أقول و نقل الكيدري (قدس سره) رواية تمثل الدنيا لأمير المؤمنين(ع)و إعراضه عنها كما سننقلها عنه في باب ذم الدنيا ثم قال فهذا معنى قوله(ع)أرادتهم الدنيا و لم يريدوها و إذا تدبرت الخلال المذكورة في هذه الخطبة وجدت أمير المؤمنين(ع)هو الموصوف بها كلها و قد أوردت هذه الأبيات و أمثالها في أنوار العقول من أشعار وصي الرسول.
فأما أسرها إياهم فلأن أرواح الأولياء قدسية و مقامها في العالم الجسد أي على خلاف مقتضى طبيعتها فهي غريبة في هذا العالم و صغوها بالكلية إلى عالمها فهي أسيرة هنا من حيث الغربة و عدم الملاءمة فدائما يستعد و يتهيأ للسفر الحقيقي و يزيل المثبطات و يرفعها من البين و ذلك فداؤها.
أما الليل في بعض النسخ بالنصب على حذف حرف الجر أي أما حالهم في الليل فالمقصود تفصيل حالهم في الليل و النهار و في بعض النسخ بالرفع فالغرض تفصيل حال ليلهم و نهارهم و الصف ترتيب الجمع على صف و صف القدمين
323
وضعهما في الصلاة بحيث يتحاذى الإبهامان و يتساوى البعد بين الصدر و العقب.
و في بعض النسخ تالون مكان تالين يرتلونه أي القرآن و روي يرتلونها فالضمير لأجزاء القرآن وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا أي أحسن تأليفه
وَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ حِفْظُ الْوُقُوفِ وَ أَدَاءُ الْحُرُوفِ.
و هو جامع لما يعتبره القراء.
و الحزن الهم و حزنه الأمر كنصر أي جعله حزينا و حزن كعلم أي صار حزينا و حزنه تحزينا جعل فيه حزنا و في أكثر النسخ على التفعيل و في بعضها كينصرون و تحزين النفوس بآيات الوعيد ظاهر و أما آيات الوعد فللخوف من الحرمان و عدم الاستعداد.
و ثار الغبار إذا سطع و هاج و ثار القطا إذا نهضت من موضعها و أثار الغبار و استثاره هيجه و لعل المراد بالدواء العلم و بالداء الجهل و استثارة العلم بالتدبر و التذكر قال في النهاية في الحديث أثيروا القرآن فإن فيه علم الأولين و الآخرين و يحتمل أن يراد استثارة العلم الكامنة في النفس على حسب الاستعداد و الكمال بالتدبر و التفكر و التذكر.
و قال الوالد (قدس سره) المراد أنهم يداوون بآيات الخوف داء الرجاء الغالب الذي كاد أن يبلغ حد الاغترار و الأمن لمكر الله و بآيات الرجاء داء الخوف إذا قرب من القنوط و بما يستكمل اليقين داء الشبهة و بالعبر داء القسوة و بما ينفر عن الدنيا و الميل إليها داء الرغبة فيها و نحو ذلك.
و ركن إلى الشيء كنصر كما في النسخ و كعلم أيضا أي مال و سكن و التطلع إلى الشيء الاستشراف له و الانتظار لوروده و نصب الشيء رفعه و أن يستقبل به شيء و الكلمة منصوبة على الظرفية أي ظنوا أنها فيما نصب بين أيديهم و في بعض النسخ مرفوعة على أنها خبر أن.
و قال الكيدري و تطلعت نفوسهم إليها أي كادت تطلع شموس نفوسهم من أفق عوالم أبدانهم فتصعد إلى العالم العلوي شوقا إلى ما وعدوا به في تلك
324
الآيات من أخائر الذخائر و عظائم الكرائم و انتصاب نصب أعينهم على الظرف أي في موضع يقابل أعينهم و يجوز فيه الرفع.
و قال الراوندي (رحمه الله) الظن هنا بمعنى اليقين قال تعالى أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (1) أي أيقنوا أن الجنة معدة لهم بين أيديهم و قال ابن أبي الحديد و يمكن أن يكون على حقيقته.
و صغي إليه كرضي أي مال و أصغى سمعه إليه أي أماله و زفير النار صوت توقدها و الزفير أيضا إخراج النفس بعد مدة فالمراد زفير أهل جهنم و الشهيق تردد البكاء في الصدر مع سماع الصوت من الحلق و شهيق الحمار صوته و كونهما في أصول الآذان كناية عن تمكنها في الآذان.
حانون أوساطهم حنى ظهره يحنيه و يحنوه أي عطفه فانحنى و حنوهم على أوساطهم وصف لحال ركوعهم و الافتراش البسط على الأرض و هو وصف لحال سجودهم.
قال الكيدري فهم حانون أي منعطفون للركوع و حنى قد جاء متعديا و لازما و تعديته أكثر فيكون تقديره حانون ظهورهم على أوساطهم.
يطلبون إلى الله أي يسألونه راغبين و متوجهين إليه و فك الرقبة كمد أي أعتقها و الأسير خلصه و أما النهار بالنصب و الرفع كما تقدم قال الكيدري أما النهار انتصابه على الظرفية و تعلقه بما بعده من الصفات كحلماء و غيره و حلماء خبر مبتدإ محذوف أي فهم حلماء في النهار و يجوز فيه الرفع على تقدير أما النهار فهم حلماء فيه فيكون مبتدأ و الجملة بعده خبره و فيها ضمير مقدر يعود إليه و الحلماء ذوو الأناة أو العقلاء و بري السهم يبريه أي نحته و القداح جمع قدح بالكسر فيهما و هو السهم قبل أن يراش و ينصل و هو كناية عن نحافة البدن و ضعف الجسد أو زوال الآمال و المطالب الدنيوية.
و خولط فلان في عقله إذا اختل عقله و صار مجنونا و خالطه أي مازجه
____________
(1) المطففين: 4.
325
و قال الراوندي و غيره المعنى يظن الناظر بهم الجنون و ما بهم من جنة بل مازج قلوبهم أمر عظيم و هو الخوف فتولهوا لأجله و قيل و لقد خالطهم أي صار سببا لجنونهم الذي يظنه الناظر أمر عظيم هو الخوف.
و قال الكيدري قد براهم الخوف أي أنضاهم و أنحفهم خولطوا أي خالط عقولهم جنون.
و الاستكثار عد الشيء كثيرا و اتهمت فلانا أي ظننت فيه ما نسب إليه و اتهمته في قوله أي شككت في صدقه و الاسم التهمة كرطبة و السكون لغة و أصل التاء واو و المراد أنهم يظنون بأنفسهم التقصير أو الميل إلى الدنيا أو عدم الإخلاص في النية أو الأعم أو يشكون في شأنها و نياتها و يخافون أن يكون مقصودها في العبادات الرئاء و السمعة و أن تجرها العبادة إلى العجب فلا يعتمدون عليها.
و الإشفاق الخوف و إشفاقهم من السيئات و إن تابوا منها لاحتمال عدم قبول توبتهم و من الحسنات لاحتمال عدم القبول لاختلال بعض الشرائط و شوب النية أو للأعمال السيئة و قد قال الله عز و جل إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (1) إذا زكي أحدهم التزكية المدح و خوفهم من الوقوع في العجب و الاتكال على العمل و سؤال عدم المؤاخذة لذلك و يحتمل أن يكون كناية عن عدم الرضا بما يقولون و التبري من التزكية و ظن البراءة بالنفس فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم الله.
و اجعلني أفضل مما يظنون أي وفقني لدرجة فوق ما يظنون بي من حسن العمل و القبول.
و قال ابن أبي الحديد قد قاله لقوم مر عليهم و هم مختلفون في أمره فمنهم الحامد له و منهم الذام فقال(ع)اللهم إن كان ما يقوله الذامون
____________
(1) المائدة: 27.
326
حقا فلا تؤاخذني به و إن كان ما يقوله الحامدون حقا فاجعلني أفضل مما يظنون فمن علامة أحدهم أنك ترى له في بعض النسخ لهم فالضمير راجع إلى معنى أحدهم و القوة في الدين أن لا يتطرق إلى الإيمان الشك و الشبهات و إلى الأعمال الوساوس و الخطرات أو أن لا يدرك العزم في الأمور الدينية ونى و لا فتور للوم و غيره قال تعالى يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ (1) و الحزم بالفتح ضبط الأمر و الأخذ فيه بالثقة و الحذر من فواته و كأن المعنى أنه لا يصير حزمه سببا لخشونته بل مع الحزم يداري الخلق و يلاينهم.
و القصد التوسط بين طرفي الإفراط و التفريط و ترك الإسراف و التقتير أي يقتصد في حال الغنى أو في تحصيل الغنى أو في الإنفاق مع غنى النفس و التجمل التزين و تكلف الجميل و إظهاره و التجمل في الفاقة سلوك مسلك الأغنياء و المتجملين في حال الفقر و ذلك بترك الشكوى إلى الخلق و الابتهاج بما أعطى الله و إظهار الغنى عن الخلق أو التجمل و التزين في الفاقة بما أمكن و عدم إظهار الفاقة للناس إلا ما لا يمكن ستره أو زائدا على ما هو الواقع كالفقراء الطامعين فيما في أيدي الناس.
و الصبر في الشدة الصبر على شدة الفقر أو العبادة أو المصائب أو الأعم و الطلب في الحلال الكسب من غير الطرق التي نهي عنها و النشاط بالفتح طيب النفس للعمل و غيره و الهدى الرشاد و الدلالة أي ينشط لهداية الناس أو لاهتدائه في نفسه و التحرج التأثم و المعنى جعل الطمع حرجا و عده إثما و عيبا.
و قال ابن أبي الحديد حرف الجر في بعض هذه المواضع يتعلق بالظاهر
____________
(1) المائدة: 54.
327
فيكون موضعه نصبا بالمفعولية و في بعضها يتعلق بمحذوف فيكون موضعه أيضا نصبا على الصفة ففي قوله في دين يتعلق بالظاهر أي قوة يقال فلان قوي في كذا و على كذا و في لين يتعلق بمحذوف أي حزما كائنا في لين و في يقين و في علم يتعلق بالظاهر و في بمعنى على كقوله تعالى وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ (1) و في غنى يتعلق بمحذوف و في عبادة يحتمل الأمرين و في فاقة بمحذوف و في شدة يحتمل الأمرين و في حلال يتعلق بالظاهر و في بمعنى اللام و في هدى يحتملهما و عن طمع بالظاهر.
و الوجل الخوف و خوفهم من التقصير في العمل كما أو كيفا أو من عذاب الله إشارة إلى قوله سبحانه يُؤْتُونَ ما آتَوْا الآية (2) و الهم أول العزم و ما قصده الإنسان و أضمره في نفسه و كأن تخصيص الشكر بالمساء لأن الرزق و إفاضة النعم و الفوز بالمكاسب يكون في اليوم غالبا و تخصيص الذكر بالصباح لأن الشواغل عن الذكر في اليوم أكثر و كل يوم كأنه وقت استئناف العمل.
و الحذر و الفرح ككتف صفتان من الحذر و الفرح بالتحريك و المراد بالفضل و الرحمة التوفيق و الهداية أو ما يشمل النعم الدنيوية و هذا الفرح يعود إلى الشكر و قال بعض الشارحين ليس المقصود تخصيص البيات بالحذر و الصباح بالفرح بل كما يقول أحدنا يمسي و يصبح حذرا فرحا و كذلك تخصيص الشكر بالمساء و الذكر بالصباح و يحتمل أن لا يكون مقصودا.
و الصعب نقيض الذلول و استصعبت على فلان دابته أي صعبت و استصعبت عليه نفسه أي لم تطعه في العبادات المكروهة للنفس و ترك المعاصي لأن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم الله.
____________
(1) طه: 71.
(2) المؤمنون: 60.
328
و لم يعطها سؤلها فيما تحب أي لم يطاوع النفس فيما تريده من هذا الأمر الذي استصعبت عليه أو في غيره من اللذات لتنقاد و تترك الاستصعاب إذ إطاعة النفس في لذاتها توجب طغيانها و قوتها في الباطل و بعدها عن الله و لذا ترى القوة على العبادة في المرتاضين و من أنحلتهم العبادة أكثر منها في الأقوياء و المترفين بالنعم.
و قرت عين فلان و أقر الله عينه كفر و عض أي سر و فرح و معناه أبرد الله دمعة عينه لأن دمعة الفرح و السرور باردة و دمعة الحزن حارة و قيل معنى أقر الله عينك بلغك أمنيتك حتى ترضى نفسك و تسكن عينك فلا تستشرف إلى غيره و قيل معناه أبرد الله عينك بأن ينقطع بكاؤها و قرة عين كل أحد مأموله و منتهى رضاه.
و ما لا يزول ما عند الله و الدار الآخرة و ما لا يبقى الدنيا و زخارفها يمزج الحلم بالعلم أي يحلم للعلم بفضله لا لضعف النفس و عدم المبالاة بما قيل له أو فعل به أو لا يطيش في المحاورات و المباحثات مع أنه يقول عن علم و قيل المراد بالحلم العقل أي يتعلم عن تفكر و تدبر و لا يعتمد على الظنون و الآراء الواهية أو يتفكر فيما علم و يحفظه حتى يتمكن في قلبه و القول بالعمل أي إذا أمر الناس بمعروف أو نهاهم عن منكر عمل به أو يفي بالوعد أو يقرن الإيمان بالأعمال الصالحة أو يجمع بين القول الجميل و الفعل الحسن.
و النزر و المنزور القليل و الأكل كعنق الحظ من الدنيا و في بعض النسخ أكله بالفتح أي لا يمتلئ من الطعام لأنه من أسباب الكسل عن العبادة و كثرة النوم و الحرز الموضع الحصين و حرز حريز كحصن حصين و حرزه كنصره حفظه و المراد عدم إهماله في أمر دينه و عدم تطرق الخلل إليه و المأمول المرجو.
إن كان في الغافلين لعل الغرض من القرينتين أنه لا يزال ذاكرا لله سواء كان مع الغافلين أو مع الذاكرين أما إذا كان في الغافلين فيذكر الله
329
بقلبه أو بلسانه أيضا فيصير سببا لذكرهم أيضا فيكتب أنه في الذاكرين.
و قوله(ع)لم يكتب من الغافلين كأنه تفنن في العبارة أو المعنى أنه ليس ذكره بمحض اللسان ليكتب من الغافلين بل قلبه أيضا مشغول بذكره تعالى.
و الغالب في الصلة و القطع الاستعمال في الرحم و قد يستعملان في الأعم أيضا.
و بعيدا عود إلى السياق السابق و الجمل معترضة أو حال عن فاعل يصل و قد يعبر بالبعد عن العدم و كذلك الغيبة و الحضور و الإقبال و الإدبار و يحتمل القلة فإن التقوى غير العصمة و يمكن أن يراد بالإقبال الازدياد و بالإدبار الانتقاص أي لا يزال يسعى فيزداد خيره و ينتقص شره.
و قال الوالد (رحمه الله) يمكن أن يراد بالمعروف و المنكر الإحسان و الإساءة إلى الخلق.
و الزلازل الشدائد و الوقور فعول من الوقار بالفتح و هو الحلم و الرزانة و الرخاء سعة العيش و الحيف الجور و الظلم و المراد بالإثم الميل عن الحق و الغرض أنه لا يترك الحق للعداوة و المحبة إذا كان حاكما أو لا يجور على العدو و لا يساعد المحب بما يخرج عن الحق.
لا يضيع ما استحفظ أي ما أودع عنده من الأموال و الأسرار و التضييع في الأول بالخيانة و التفريط و في الثانية بالإذاعة و الإفشاء و يحتمل شموله لما استحفظه الله من دينه و كتابه و لا ينسى ما ذكر أي ما أمر بتذكره من آيات الله و عبره و أمثاله أو الأعم منها و من أحكام الله و الموت و المصير إلى الله و أهوال الآخرة.
و النبز بالتحريك اللقب قيل و كثر فيما كان ذما و المنابزة و التنابز التعاير و التداعي بالألقاب و المضارة الإضرار و الجار المجاور في السكنى و من آجرته من أن يظلم و شمت كفرح شماتة بالفتح أي فرح ببلية العدو لا يدخل في الباطل أي في مجالس الفسق و اللهو و الفساد أو المراد عدم ارتكاب الباطل و كذا
330
الخروج من الحق أي من مجالسه أو عدم ترك الحق.
لم يغمه صمته لعلمه بمفاسد الكلام و عدم التذاذه بالباطل من القول أو لاشتغال قلبه حين الصمت بذكر الله لم يعل صوته أي لا يشتد صوته أو يكتفي بالتبسم إذ الخروج عنه يكون غالبا بالضحك بالصوت العالي و الواسطة نادرة و أراح الناس لاشتغاله بنفسه و الزهد خلاف الرغبة و كثيرا ما يستعمل في عدم الرغبة في الدنيا و النزاهة بالفتح التباعد عن كل قدر و مكروه و إنما كان تباعده زهدا و نزاهة لأنه إنما يرغب عن أهل الدنيا و أهل الباطل و قيل نزاهة عن تدنس العرض.
و الخديعة ككريهة الاسم من خدعه أي ختله و أراد به المكروه من حيث لا يعلم و صعق كسمع أي غشي عليه من صوت شديد سمعه أو من غيره و ربما مات منه كانت نفسه فيها أي مات بها و يحتمل أن يراد بالصعقة الصيحة كما هو الغالب في هذا المقام و يراد بكون نفسه فيها خروج روحه بخروجها و ويح كلمة رحمة و يستعمل في التعجب كما مر مرارا و التلطف في مثل هذا المقام من قبيل الإحسان إلى من أساء و قد مر الكلام في هذا المقام و في بعض ما تقدم في شرح رواية الكافي (1) فلا نعيده.
و أقول روي في تحف العقول أيضا مثله (2).
و أقول لما سلك قدوة المحققين ابن ميثم البحراني في شرح هذا الحديث مسلكا آخر أردت إيراده ليطلع الناظر في كتابنا على أكثر ما قيل في ذلك فأوردته.
قال (قدس سره) وصف(ع)المتقين بالوصف المجمل فقال فالمتقون فيها هم أهل الفضائل أي الذين استجمعوا الفضائل المتعلقة بإصلاح قوتي العلم و العمل ثم شرع في تفصيل تلك الفضائل و نسقها.
فالأولى الصواب في القول و هو فضيلة العدل المتعلقة باللسان و حاصله
____________
(1) بل سيجيء في آخر الباب.
(2) تحف العقول: 154- 158 ط اسلامية.
331
أن لا يسكت عما ينبغي أن يقال فيكون مفرطا و لا يقول ما ينبغي أن يسكت عنه فيكون مفرطا بل يضع كلا من الكلام في موضعه اللائق به و هو أخص من الصدق لجواز أن يصدق الإنسان فيما لا ينبغي من القول.
الثانية و ملبسهم الاقتصاد و هو فضيلة العدل في الملبوس فلا يلبس ما يلحقه بدرجة المترفين و لا يلحقه بأهل الخسة و الدناءة مما يخرج به عن عرف الزاهدين في الدنيا.
الثالثة مشي التواضع و التواضع ملكة تحت العفة يعود إلى العدل بين رذيلتي المهانة و الكبر و مشي التواضع مستلزم للسكون و الوقار.
الرابعة غض الأبصار عما حرم الله و هو ثمرة العفة.
الخامسة وقوفهم أسماعهم على سماع العلم النافع و هو فضيلة العدل في قوة السمع و العلوم النافعة ما هو كمال القوة النظرية من العلم الإلهي و ما يناسبه و ما هو كمال للقوة العملية و هي الحكمة العملية.
السادسة نزول أنفسهم منهم في البلاء كنزولها في الرخاء أي لا تقنط من بلاء ينزل بها و لا تبطر برخاء يصيبها بل مقامها في الحالين مقام الشكر و الذي صفة مصدر محذوف و الضمير العائد إليه محذوف أيضا و التقدير نزلت كالنزول الذي نزلته في الرخاء و يحتمل أن يكون المراد بالذي الذين فحذف النون كما في قوله تعالى كَالَّذِي خاضُوا (1) و يكون المقصود تشبيههم حال نزول أنفسهم منهم في البلاء بالذي نزلت أنفسهم منهم في الرخاء و المعنى واحد.
السابعة غلبة الشوق إلى ثواب الله و الخوف من عقابه على نفوسهم إلى غاية أن أرواحهم لا تستقر في أجسادهم من ذلك لو لا الآجال التي كتبت لهم و هذا الشوق و الخوف إذا بلغ إلى حد الملكة فإنه يستلزم دوام الجد في العمل و الإعراض عن الدنيا و مبدؤهما تصور عظمة الخالق و بقدر ذلك يكون تصور عظمة وعده و وعيده و بحسب قوة ذلك التصور يكون قوة الخوف و الرجاء
____________
(1) براءة: 70.
332
و هما بابان عظيمان للجنة.
الثامنة عظم الخالق في أنفسهم و ذلك بحسب الجواذب الإلهية إلى الاستغراق في محبته و معرفته و بحسب تفاوت تصور عظمته تعالى يكون تصورهم لأصغرية ما دونه و نسبته إليه في أعين بصائرهم.
و قوله فهم و الجنة كمن قد رآها إلى قوله معذبون إشارة إلى أن العارف و إن كان في الدنيا بجسده فهو في مشاهدته بعين بصيرته لأحوال الجنة و سعادتها و أحوال النار و شقاوتها كالذين شاهدوا الجنة بعين حسهم و تنعموا فيها و كالذين شاهدوا النار و عذبوا فيها و هي مرتبة عين اليقين فبحسب هذه المرتبة كانت شدة شوقهم إلى الجنة و شدة خوفهم من النار التاسعة حزن قلوبهم و ذلك ثمرة الخوف الغالب.
العاشرة كونهم مأموني الشرور و ذلك أن مبدأ الشرور محبة الدنيا و أباطيلها و العارفون بمعزل عن ذلك.
الحادية عشر نحافة أجسادهم و مبدأ ذلك كثرة الصيام و السهر و جشوبة المطعم و خشونة الملبس و هجر الملاذ الدنيوية.
الثانية عشر خفة حاجاتهم و ذلك لاقتصارهم من حوائج الدنيا على القدر الضروري من ملبس و مأكل و لا أخف من هذه الحاجة.
الثالثة عشر عفة أنفسهم و ملكة العفة فضيلة القوة الشهوية و هي الوسط بين رذيلتي خمود الشهوة و الفجور.
الرابعة عشر الصبر على المكاره أيام حياتهم من ترك الملاذ الدنيوية و احتمال أذى الخلق و قد عرفت أن الصبر مقاومة النفس الأمارة بالسوء لئلا ينقاد إلى قبائح اللذات و إنما ذكر قصر مدة الصبر و استعقابه للراحة الطويلة ترغيبا فيه و تلك الراحة بالسعادة في الجنة كما قال تعالى وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً (1) الآية و قوله تجارة مربحة استعار لفظ التجارة لأعمالهم الصالحة
____________
(1) الإنسان: 12.
333
و امتثال أوامر الله و وجه المشابهة كونهم متعوضين بمتاع الدنيا و بحركاتهم في العبادة متاع الآخرة و رشح بلفظ الربح لأفضلية متاع الآخرة و زيادته في النفاسة على ما تركوه و ظاهر أن ذلك بتيسير الله لأسبابه و إعدادهم له بالجواذب الإلهية.
الخامسة عشر عدم إرادتهم للدنيا مع إرادتها لهم و هو إشارة إلى الزهد الحقيقي و هو ملكة تحت العفة و كنى بإرادتها لهم عن كونهم أهلا لأن يكونوا فيها رءوسا و أشرافا كقضاة و وزراء و نحو ذلك و كونها بمعرض أن تصل إليهم لو أرادوها و يحتمل أن يريد أرادهم أهل الدنيا فحذف المضاف.
السادسة عشر افتداء من أسرته لنفسه منها و هو إشارة إلى من تركها و زهد فيها بعد الانهماك فيها و الاستمتاع بها ففك بذلك الترك و الإعراض و التمرن على طاعة الله أغلال الهيئات الردية المتلبسة منها عن عنقه و لفظ الأسر استعارة في تمكن تلك الهيئات من نفوسهم و لفظ الفدية استعارة لتبديل ذلك الاستمتاع بها بالإعراض عنها و المواظبة على طاعة الله و إنما عطف بالواو في قوله و لم يريدوها و بالفاء في قوله ففدوا لأن زهد الإنسان في الدنيا كما يكون متأخرا عن إقبالها عليه كذلك قد يكون متقدما عليه لقوله ص وَ مَنْ جَعَلَ الْآخِرَةَ أَكْبَرَ هَمِّهِ جَمَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ هَمَّهُ وَ أَتَتْهُ الدُّنْيَا وَ هِيَ رَاغِمَةٌ فلم يحسن العطف هنا بالفاء و أما الفدية فلما لم يكن إلا بعد الأسر لا جرم عطفها بالفاء.
السابعة عشر كونهم صافين أقدامهم بالليل يتلون القرآن و يرتلونه إلى قوله آذانهم و ذلك إشارة إلى تطويع نفوسهم الأمارة بالسوء بالعبادات و شرح لكيفية استيثارهم للقرآن العزيز في تلاوته و غاية ترتيلهم له بفهم مقاصده و تحزينهم لأنفسهم به عند ذكر الوعيدات من جملة استيثارهم لدواء دائهم و لما كان داؤهم هو الجهل و سائر الرذائل العملية كان دواء الجهل بالعلم و دواء كل رذيلة الحصول على الفضيلة المضادة لها فهم بتلاوة القرآن يستثيرون بالتحزين الخوف عن وعيد الله المضاد للانهماك في الدنيا و داؤه العلم الذي هو دواء الجهل و كذلك كل فضيلة حث القرآن عليها فهي دواء لما يضادها من الرذائل و باقي الكلام شرح
334
لكيفية التحزين و التشويق.
و قوله فهم حانون على أوساطهم ذكر لكيفية ركوعهم و قوله مفترشون لجباههم إلى قوله أقدامهم إشارة إلى كيفية سجودهم و ذكر الأعظم السبعة و قوله يطلبون إلى قوله رقابهم إشارة إلى غايتهم من عبادتهم تلك.
الثامنة عشر من صفاتهم بالنهار كونهم حكماء و أراد الحكمة الشرعية و ما فيها من كمال القوة العلمية و العملية لكونها المتعارفة بين الصحابة و التابعين و روي حلماء و الحلم فضيلة تحت ملكة الشجاعة هي الوسط بين رذيلتي المهانة و الإفراط في الغضب و إنما خص الليل بالصلاة لكونها أولى بها من النهار.
التاسعة عشر كونهم علماء و أراد كمال القوة النظرية بالعلم النظري و هو معرفة الصانع و صفاته.
العشرون كونهم أبرارا و البر يعود إلى العفيف لمقابلته الفاجر.
الحادية و العشرون كونهم أتقياء و المراد بالتقوى هاهنا الخوف من الله و قد مر ذكر العفة و الخوف و إنما كررهما هنا في عداد صفاتهم بالنهار و ذكرها هناك في صفاتهم المطلقة و قوله و قد براهم الخوف إلى قوله عظيم شرح لفعل الخوف الغالب بهم و إنما يفعل الخوف ذلك لاشتغال النفس المدبرة للبدن به عن النظر في صلاح البدن و وقوف القوة الشهوية و الغاذية عن أداء بدل ما يتحلل و شبه بري الخوف لهم ببري القداح و وجه التشبيه شدة النحافة و يتبع ذلك تغير السحنات (1) و الضعف عن الانفعالات النفسانية من الخوف و الحزن حتى يحسبهم الناظر مرضى و إن لم يكن بهم مرض.
و يقول قد خولطوا و ذلك إشارة إلى ما يعرض لبعض العارفين عند اتصال نفسه بالملإ الأعلى و اشتغالها عن تدبير البدن و ضبط حركاته أن يتكلم بكلام خارج عن المتعارف يستبشع بين أهل الشريعة الظاهرة فينسب ذلك منه إلى الاختلاط
____________
(1) السحنة- بالتحريك- الهيئة و اللون، و لين البشرة و النعمة.
335
و الجنون و تارة إلى الكفر و الخروج عن الدين و قوله و لقد خالطهم أمر عظيم هو اشتغال أسرارهم بملاحظة جلال الله و مطالعة أنوار الملإ الأعلى.
الثانية و العشرون كونهم لا يرضون من أعمالهم القليل إلى قوله الكبير و ذلك لتصورهم شرف غايتهم المقصودة بأعمالهم و قوله فهم لأنفسهم متهمون إلى قوله ما لا يعلمون فتهمتهم لأنفسهم و خوفهم من أعمالهم يعود إلى شكهم فيما يحكم به أوهامهم من حسن عبادتهم و كونها مقبولة أو واقعة على الوجه المطلوب الموصل إلى الله تعالى فإن هذا الوهم يكون مبدأ للعجب بالعبادة و التقاصر عن الازدياد عن العمل و التشكك في ذلك و تهمة النفس بانقيادها في ذلك الحكم للنفس الأمارة يستلزم خوفها أن يكون تلك الأعمال قاصرة عن الوجه المطلوب و غير واقعة عليه و ذلك باعث على العمل و كاسر للعجب به و قد عرفت أن العجب من المهلكات
كَمَا قَالَ(ع)ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ شُحٌّ مُطَاعٌ وَ هَوًى مُتَّبَعٌ وَ إِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ.
. و كذلك خوفهم من تزكية الناس لهم هو الدواء لما ينشأ من تلك التزكية من الكبر و العجب بما يزكون به فيكون جواب أحدهم عند تزكيته أني أعلم بنفسي من غيري إلى آخره.
ثم شرع(ع)بعد ذلك في علاماتهم التي بجملتها يعرف أحدهم و الصفات السابقة و إن كان كثير منها مما يخص أحدهم و يعرف به إلا أن بعضها قد يدخله الرياء فلا يدل على التقوى الحقة فجمعها هاهنا و نسقها.
فالأولى القوة في الدين و ذلك أن يقاوم في دينه الوسواس الخناس و لا يدخل فيه خداع الناس و هذا إنما يكون في الدين العالم.
الثانية الحزم في الأمور الدنيوية و الدينية و التثبت فيها ممزوجا باللين للخلق و عدم الفضاضة عليهم كما في المثل لا تكن حلوا فتسترط و لا مرا فتلفظ (1)
____________
(1) ذكره الجوهريّ في «سرط» (الصحاح ص 1130) و لفظه: لا تكن حلوا فتسترط و لا مرا فتعقى» و تعقى بمعنى تلفظ من قولهم: أعقيت الشيء: إذا أزلته من فيك لمرارته كما يقال: أشكيت الرجل: إذا أزلته عما يشكوه.
و هكذا ذكره الميداني في مجمع الامثال تحت الرقم 3604 ج 2 ص 232: و قال:
الاستراط: الابتلاع، و الاعقاء: أن تشتد مرارة الشيء حتّى يلفظ لمرارته و بعضهم يروى «فتعقى» بوزن فتسترط و الصواب كسر القاف: يقال: أعقى الشيء، و المعنى لا تتجاوز الحد في المرارة فترمى، و لا في الحلاء فتبلع، أي كن متوسطا.
336
و هي فضيلة العدل في المعاملة مع الخلق و قد علمت أن اللين قد يكون للتواضع المطلوب بقوله وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (1) و قد يكون من مهانة و ضعف يقين و الأول هو المطلوب و هو المقارن للحزم في الدين و مصالح النفس و الثاني رذيلة و لا يمكن معه الحزم لانفعال المهين عن كل جاذب.
الثالثة الإيمان في اليقين و لما كان الإيمان عبارة عن التصديق بالصانع و بما وردت به الشريعة و كان ذلك التصديق قابلا للشدة و الضعف فتارة يكون عن التقليد و هو الاعتقاد المطابق لا لموجب و تارة يكون عن العلم و هو الاعتقاد المطابق لموجب هو الدليل و تارة عن العلم به مع العلم بأنه لا يكون إلا كذلك و هو علم اليقين و محققو السالكين لا يقفون عند هذه المرتبة بل يطلبون بعين اليقين بالمشاهدة بعد طرح حجب الدنيا و الإعراض عنها أراد أن علمهم علم اليقين لا يتطرق إليه احتمال.
الرابعة الحرص في العلم و الازدياد منه.
الخامسة مزج العلم و هو فضيلة القوة الملكية بالحلم و هو من فضائل القوة السبعية.
السادسة القصد في الغنى و هو فضيلة العدل في استعمال متاع الدنيا و حذف الفضول عن قدر الضرورة.
السابعة الخشوع في العبادة و هو من ثمرة الفكر في جلال المعبود و ملاحظة عظمته الذي هو روح العبادة.
____________
(1) الشعراء: 115.
337
الثامنة التجمل في الفاقة و ذلك بترك الشكوى إلى الخلق و الطلب منهم و إظهار الغنى عنهم و ينشأ عن القناعة و الرضا و علو الهمة و يعين على ذلك ملاحظة الوعد العاجل و ما أعد للمتقين.
التاسعة و كذلك الصبر في الشدة.
العاشرة الطلب في الحلال و ينشأ عن العفة.
الحادية عشر النشاط في الهدى و سلوك سبيل الله و ينشأ عن قوة الاعتقاد فيما وعد المتقون و تصور شرف الغاية.
الثانية عشر عمل الصالحات على وجل أي من أن يكون على غير الوجه اللائق فلا يقبل كما روي عن زين العابدين(ع)أنه كان في التلبية و هو على راحلته و خر مغشيا عليه فلما أفاق قيل له في ذلك فقال خَشْيَةَ أَنْ يَقُولَ لِي لَا لَبَّيْكَ وَ لَا سَعْدَيْكَ.
الثالثة عشر أن يكون همهم عند المساء الشكر على ما رزقوا بالنهار و ما لم يرزقوا و يصبحوا و همهم الذكر لله ليذكرهم الله فيرزقهم من الكمالات النفسانية و البدنية كما قال تعالى فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ (1) الرابعة عشر أن يبيت حذرا و يصبح فرحا و قوله حذرا إلى قوله الرحمة تفسير للمحذور و ما به الفرح و ليس مقصوده تخصيص البيات بالحذر و الصباح بالفرح بل كما يقول أحدنا يمسي فلان و يصبح حذرا فرحا و كذلك تخصيصه الشكر بالمساء و الذكر بالصباح يحتمل أن لا يكون مقصودا.
الخامسة عشر إن استصعبت إلى قوله تحب إشارة إلى مقاومته لنفسه الأمارة بالسوء عند استصعابها عليه و قهره لها على ما تكره و عدم متابعته لها في ميولها الطبيعية و محابها.
السادسة عشر أن يرى قرة عينه فيما لا يزول أي من الكمالات النفسانية الباقية كالعلم و الحكمة و مكارم الأخلاق المستلزمة للذات الباقية و السعادة
____________
(1) البقرة: 152.
338
الدائمية و قرة عينه كناية عن لذته و ابتهاجه لاستلزامهما لقرار العين و بردها برؤية المطلوب و زهادته فيما لا يبقى من متاع الدنيا السابعة عشر أن يمزج العلم بالحلم فلا يجهل و يطيش و القول بالعمل فلا يقول ما لا يفعل فلا يأمر بمعروف فيقف دونه و لا ينهى عن منكر ثم يفعله و لا يعد فيخلف فيدخل في مقت الله كما قال تعالى كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (1) الثامنة عشر قصر أمله و قربه و ذلك لكثرة ذكر الموت و الوصول إلى الله.
التاسعة عشر قلة زلله و قد عرفت أن زلل العارفين يكون من باب ترك الأولى لأن صدور الخيرات عنهم صار ملكة و الجواذب فيهم إلى الزلل و الخطيئات نادرة تكون لضرورة منهم أو سهو و لا شك في قلته.
العشرون خشوع قلبه عن تصور عظمة المعبود.
الحادية و العشرون قناعة نفسه و ينشأ عن ملاحظة حكمة الله في قدرته و قسمته الأرزاق و يعين عليها تصور فوائدها الحاضرة و غايتها في الآخرة.
الثانية و العشرون قلة أكله و ذلك لما يتصور في البطنة من ذهاب الفطنة و زوال الرقة و حدوث القسوة و الكسل عن العمل.
الثالثة و العشرون سهولة أمره أي لا يتكلف لأحد و لا يكلف أحدا.
الرابعة و العشرون حرز دينه فلا يهمل منه شيئا و لا يطرق إليه خللا.
الخامسة و العشرون موت شهوته و لفظ الموت مستعار لخمود شهوته عما حرم عليه و يعود إلى العفة.
السادسة و العشرون كظم غيظه و هو من فضائل القوة الغضبية.
السابعة و العشرون كونه مأمول الخير و ذلك لأكثرية خيريته مأمون الشرور و ذلك لعلم الخلق بعدم قصده للشرور.
الثامنة و العشرون قوله إن كان من الغافلين إلى قوله الغافلين أي إن رآه
____________
(1) الصف: 3.
339
الناس في أعداد الغافلين عن ذكر الله لتركه الذكر باللسان كتب عند الله من الذاكرين لاشتغال قلبه بالذكر و إن تركه بلسانه و إن كان من الذاكرين بلسانه بينهم فظاهر أنه لا يكتب من الغافلين و لذكر الله ممادح كثيرة و هو باب عظيم من أبواب الجنة و الاتصال بجناب الله و قد أشرنا إلى فضيلته و أسراره.
التاسعة و العشرون عفوه عمن ظلمه و العفو فضيلة تحت الشجاعة و خص من ظلمه ليتحقق عفوه مع قوة الداعي إلى الانتقام.
الثلاثون و يعطي من حرمه و هي فضيلة تحت السخاء.
الحادية و الثلاثون و يصل من قطعه و المواصلة فضيلة تحت العفة.
الثانية و الثلاثون بعد فحشه و أراد ببعد الفحش عنه أنه قلما يخرج في أقواله إلى ما لا ينبغي.
الثالثة و الثلاثون لينه في القول عند محاورات الناس و وعظهم و معاملتهم و هو من أجزاء التواضع.
الرابعة و الثلاثون غيبة منكره و حضور معروفه و ذلك للزومه حدود الله.
الخامسة و الثلاثون إقبال خيره و إدبار شره و هو كقوله الخير منه مأمول و الشر منه مأمون و يحتمل بإقبال خيره أخذه في الازدياد من الطاعة و تشميره فيها و بقدر ذلك يكون إدباره عن الشر لأن من استقبل أمرا و سعى فيه بعد عما يضاده و أدبر عنه.
السادسة و الثلاثون وقاره في الزلازل و كنى بها عن الأمور العظام و الفتن الكبار المستلزمة لاضطراب القلوب و أحوال الناس و الوقار ملكة تحت الشجاعة.
السابعة و الثلاثون كثرة صبره في المكاره و ذلك عن ثباته و علو همته عن أحوال الدنيا.
الثامنة و الثلاثون كثرة شكره في الرخاء و ذلك لمحبته المنعم الأول جلت قدرته فيزداد شكره في رخائه و إن قل.
التاسعة و الثلاثون كونه لا يحيف على من يبغض و هو سلب للحيف و الظلم
340
مع قيام الداعي إليهما و هو البغض لمن يتمكن من حيفه و ظلمه.
الأربعون كونه لا يأثم فيمن يحب و هو سلب لرذيلة الفجور عنه باتباع الهوى فيمن يحب إما بإعطائه ما لا يستحق أو دفع ما يستحق عليه عنه كما يفعله قضاة السوء و أمراء الجور فالمتقي لا يأثم بشيء من ذلك مع قيام الداعي إليه و هو المحبة لمن يحبه بل يكون على فضيلة العدل في الكل على السواء.
الحادية و الأربعون اعترافه بالحق قبل أن يشهد عليه و ذلك لتحرزه في دينه من الكذب إذ الشهادة إنما يحتاج إليها مع إنكار الحق و ذلك كذب.
الثانية و الأربعون كونه لا يضيع أماناته و لا يفرط فيما استحفظه الله من دينه و كتابه و ذلك لورعه و لزوم حدود الله.
الثالثة و الأربعون و لا ينسى ما ذكر من آيات الله و عبره و أمثاله و لا يترك العمل بها و ذلك لمداومة ملاحظتها و كثرة إخطارها بباله و العمل بها لعنايته المطلوبة منه.
الرابعة و الأربعون و لا ينابز بالألقاب و ذلك لملاحظته النهي في الذكر الحكيم وَ لا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ (1) و لسر ذلك النهي و هو كون ذلك مستلزما لإثارة الفتن و التباغض بين الناس و الفرقة المضادة لمطلوب الشارع.
الخامسة و الأربعون و لا يضار بالجار لملاحظة وصية الله تعالى به وَ الْجارِ ذِي الْقُرْبى وَ الْجارِ الْجُنُبِ (2) و وصية رسول الله ص في المرفوع إليه أوصاني ربي بالجار حتى ظننت أنه يورثه و لغاية ذلك و هي الألفة و الاتحاد في الدين.
السادسة و الأربعون و لا يشمت بالمصائب و ذلك لعلمه بأسرار القدر و ملاحظته لأسباب المصائب و أنه في معرض أن تصيبه فيتصور أمثالها في نفسه فلا يفرح بنزولها على غيره.
السابعة و الأربعون أنه لا يدخل في الباطل و لا يخرج عن الحق أي لا يدخل
____________
(1) الحجرات: 11.
(2) النساء: 36.
341
فيما يبعد عن الله تعالى من باطل الدنيا و لا يخرج عما يقرب إليه من مطالبه الحقة و ذلك لتصور شرف غايته.
الثامنة و الأربعون كونه لا يغمه صمته لوضعه كلا من الصمت و الكلام في موضعه و إنما يستلزم الغم الصمت عما ينبغي من القول و هو صمت في غير موضعه.
التاسعة و الأربعون كونه لا يعلو ضحكه و ذلك لغلبة ذكر الموت و ما بعده على قلبه و مما نقل من صفات الرسول ص كان أكثر ضحكه التبسم و قد يفتر أحيانا و لم يكن من أهل القهقهة و الكركرة و هما كيفيتان للضحك.
الخمسون صبره في البغي عليه إلى غاية انتقام الله له و ذلك منه نظرا إلى ثمرة الصبر إلى الوعد الكريم ذلِكَ وَ مَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ (1) الآية و قوله وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (2) الحادية و الخمسون كون نفسه منه في عناء أي نفسه الأمارة بالسوء لمقاومته لها و قهرها و مراقبته إياها و الناس من أذاه في راحة لذلك.
الثانية و الخمسون كون بعده عمن تباعد عنه لزهده فيما في أيدي الناس و نزاهته عنه لا عن كبر و تعظم عليهم و كذلك دنوه ممن دنا منه عن لين و رحمة منه لهم لا لمكر بهم و خديعة لهم عن بعض المطالب كما هو عادة الخبيث المكار و هذه الصفات و العلامات قد يتداخل بعضها و لكن تورد بعبارة أخرى أو تذكر مفردة ثم تذكر ثانيا مركبة مع غيرها (3).
51- لي، الأمالي للصدوق ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ الْهَاشِمِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ: قَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يُقَالُ لَهُ هَمَّامٌ وَ كَانَ عَابِداً فَقَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صِفْ لِيَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ فَتَثَاقَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه) عَنْ جَوَابِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ وَيْحَكَ يَا هَمَّامُ اتَّقِ اللَّهَ وَ أَحْسِنْ فَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا
____________
(1) الحجّ: 60.
(2) النحل: 126.
(3) شرح النهج لابن ميثم البحرانيّ ص 364- 369.
342
وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ فَقَالَ هَمَّامٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَكْرَمَكَ بِمَا خَصَّكَ بِهِ وَ حَبَاكَ وَ فَضَّلَكَ بِمَا آتَاكَ وَ أَعْطَاكَ لَمَّا وَصَفْتَهُمْ لِي فَقَامَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه) قَائِماً عَلَى قَدَمَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ وَ آلِهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْخَلْقَ حَيْثُ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً لِمَعْصِيَتِهِمْ لِأَنَّهُ لَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ مِنْهُمْ وَ لَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ مِنْهُمْ وَ قَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ وَ وَضَعَهُمْ فِي الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ وَ إِنَّمَا أَهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ وَ حَوَّاءَ(ع)مِنَ الْجَنَّةِ عُقُوبَةً لِمَا صَنَعَا حَيْثُ نَهَاهُمَا فَخَالَفَاهُ وَ أَمَرَهُمَا فَعَصَيَاهُ فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ وَ مَلْبَسُهُمُ الِاقْتِصَادُ وَ مَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ خَشَعُوا لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِالطَّاعَةِ فَتَهَبَّوْا (1) فَهُمْ غَاضُّونَ أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَاقِفِينَ أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلَاءِ كَالَّتِي نُزِّلَتْ مِنْهُمْ فِي الرَّخَاءِ رِضاً مِنْهُمْ عَنِ اللَّهِ بِالْقَضَاءِ وَ لَوْ لَا الْآجَالُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ وَ خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ وَ وُضِعَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ فَهُمْ وَ الْجَنَّةُ كَمَنْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُتَّكِئُونَ وَ هُمْ وَ الدَّارُ كَمَنْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ وَ شُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ وَ أَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ وَ حَوَائِجُهُمْ خَفِيفَةٌ وَ أَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ وَ مَئُونَتُهُمْ مِنَ الدُّنْيَا عَظِيمَةٌ صَبَرُوا أَيَّاماً قِصَاراً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبٌّ كَرِيمٌ أَرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا وَ طَلَبَتْهُمْ فَأَعْجَزُوهَا أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ تَالِينَ لِأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهُ تَرْتِيلًا يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَ يَسْتَتِرُونَ بِهِ (2) وَ يَهِيجُ أَحْزَانُهُمْ بُكَاءً عَلَى ذُنُوبِهِمْ وَ وَجَعِ كُلُومِ جِرَاحِهِمْ وَ إِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ وَ أَبْصَارَهُمْ فَاقْشَعَرَّتْ مِنْهَا
____________
(1) فبهتوا خ ل.
(2) فيستنيرون خ ل، فيستثيرون خ ل، فيستبشرون خ ل.
343
جُلُودُهُمْ وَ وَجِلَتِ مِنْهَا قُلُوبُهُمْ فَظَنُّوا أَنَّ صَهِيلَ جَهَنَّمَ وَ زَفِيرَهَا وَ شَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ وَ إِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً وَ تَطَلَّعَتْ أَنْفُسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً وَ ظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ جَاثِينَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ يُمَجِّدُونَ جَبَّاراً عَظِيماً مُفْتَرِشِينَ جِبَاهَهُمْ وَ أَكُفَّهُمْ وَ رُكَبَهُمْ وَ أَطْرَافَ أَقْدَامِهِمْ تَجْرِي دُمُوعُهُمْ عَلَى خُدُودِهِمْ يَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ أَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ بَرَرَةٌ أَتْقِيَاءُ قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ فَهُمْ أَمْثَالُ الْقِدَاحِ يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى وَ مَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ يَقُولُ قَدْ خُولِطُوا فَقَدْ خَالَطَ الْقَوْمَ أَمْرٌ عَظِيمٌ إِذَا فَكَّرُوا فِي عَظَمَةِ اللَّهِ وَ شِدَّةِ سُلْطَانِهِ مَعَ مَا يُخَالِطُهُمْ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَ أَهْوَالِ الْقِيَامَةِ فَزَّعَ ذَلِكَ قُلُوبَهُمْ فَطَاشَتْ حُلُومُهُمْ وَ ذَهَلَتْ عُقُولُهُمْ فَإِذَا اسْتَقَامُوا (1) بَادَرُوا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِالْأَعْمَالِ الزَّكِيَّةِ لَا يَرْضَوْنَ لِلَّهِ بِالْقَلِيلِ وَ لَا يَسْتَكْثِرُونَ لَهُ الْجَزِيلَ فَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ وَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ إِنْ زُكِّيَ أَحَدُهُمْ خَافَ مَا يَقُولُونَ وَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِمَّا لَا يَعْلَمُونَ وَ قَالَ أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي وَ رَبِّي أَعْلَمُ مِنِّي بِنَفْسِي اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ وَ اجْعَلْنِي خَيْراً مِمَّا يَظُنُّونَ وَ اغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ فَإِنَّكَ عَلَامُ الْغُيُوبِ وَ سَاتِرُ الْعُيُوبِ وَ مِنْ عَلَامَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِي دِينٍ وَ حَزْماً فِي لِينٍ وَ إِيمَاناً فِي يَقِينٍ وَ حِرْصاً عَلَى الْعِلْمِ وَ فَهْماً فِي فِقْهٍ وَ عِلْماً فِي حِلْمٍ وَ كَسْباً فِي رِفْقٍ وَ شَفَقَةً فِي نَفَقَةٍ وَ قَصْداً فِي غِنًى وَ خُشُوعاً فِي عِبَادَةٍ وَ تَجَمُّلًا فِي فَاقَةٍ وَ صَبْراً فِي شِدَّةٍ وَ رَحْمَةً لِلْمَجْهُودِ وَ إِعْطَاءً فِي حَقٍّ وَ رِفْقاً فِي كَسْبٍ وَ طَلَباً لِلْحَلَالِ وَ نَشَاطاً فِي الْهُدَى وَ تَحَرُّجاً عَنِ الطَّمَعِ وَ بِرّاً فِي اسْتِقَامَةٍ وَ إِغْمَاضاً عِنْدَ شَهْوَةٍ: لَا يَغُرُّهُ ثَنَاءُ مَنْ جَهِلَهُ وَ لَا يَدَعُ إِحْصَاءَ مَا عَلِمَهُ مُسْتَبْطِئاً لِنَفْسِهِ فِي الْعَمَلِ يَعْمَلُ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَ هُوَ عَلَى وَجَلٍ يُمْسِي وَ هَمُّهُ الشُّكْرُ وَ يُصْبِحُ وَ شُغْلُهُ
____________
(1) استفاقوا خ ل.
344
الذِّكْرُ يَبِيتُ حَذِراً وَ يُصْبِحُ فَرِحاً حَذِراً لِمَا حُذِّرَ مِنَ الْغَفْلَةِ فَرِحاً لِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَ الرَّحْمَةِ إِنِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ لَمْ يُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِيمَا فِيهِ مَضَرَّتُهُ فَفَرَحُهُ فِيمَا يُخَلَّدُ وَ يَدُومُ وَ قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيمَا لَا يَزُولُ وَ رَغْبَتُهُ فِيمَا يَبْقَى وَ زَهَادَتُهُ فِيمَا يَفْنَى يَمْزُجُ الْعِلْمَ بِالْحِلْمِ وَ يَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعَقْلِ تَرَاهُ بَعِيداً كَسَلُهُ دَائِماً نَشَاطُهُ قَرِيباً أَمَلُهُ قَلِيلًا زَلَلُهُ مُتَوَقِّعاً أَجَلَهُ خَاشِعاً قَلْبُهُ ذَاكِراً رَبَّهُ خَائِفاً ذَنْبَهُ قَانِعَةً نَفْسُهُ مُتَغَيِّباً جَهْلُهُ سَهْلًا أَمْرُهُ حَرِيزاً لِدِينِهِ مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ كَاظِماً غَيْظَهُ صَافِياً خُلُقُهُ آمِناً مِنْهُ جَارُهُ ضَعِيفاً كِبْرُهُ مَتِيناً صَبْرُهُ كَثِيراً ذِكْرُهُ مُحْكَماً أَمْرُهُ لَا يُحَدِّثُ بِمَا يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ الْأَصْدِقَاءَ وَ لَا يَكْتُمُ شَهَادَتَهُ الْأَعْدَاءَ وَ لَا يَعْمَلُ شَيْئاً مِنَ الْحَقِّ رِئَاءً وَ لَا يَتْرُكُهُ حَيَاءً الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ وَ الشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ إِنْ كَانَ مِنَ الْغَافِلِينَ (1) كُتِبَ مِنَ الذَّاكِرِينَ وَ إِنْ كَانَ مِنَ الذَّاكِرِينَ (2) لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَ يُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ وَ يَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ وَ لَا يَعْزُبُ حِلْمُهُ وَ لَا يَعْجَلُ فِيمَا يُرِيبُهُ وَ يَصْفَحُ عَمَّا قَدْ تَبَيَّنَ لَهُ بَعِيداً جَهْلُهُ لَيِّناً قَوْلُهُ غَائِباً مَكْرُهُ قَرِيباً مَعْرُوفُهُ صَادِقاً قَوْلُهُ حَسَناً فِعْلُهُ مُقْبِلًا خَيْرُهُ مُدْبِراً شَرُّهُ فَهُوَ فِي الزَّلَازِلِ وَقُورٌ وَ فِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ وَ فِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ وَ لَا يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ وَ لَا يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ وَ لَا يَدَّعِي مَا لَيْسَ لَهُ وَ لَا يَجْحَدُ حَقّاً عَلَيْهِ يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ لَا يُضِيعُ مَا اسْتُحْفِظَ وَ لَا يَتَنَابَزُ بِالْأَلْقَابِ لَا يَبْغِي عَلَى أَحَدٍ وَ لَا يَهُمُّ بِالْحَسَدِ وَ لَا يُضِرُّ بِالْجَارِ وَ لَا يَشْمَتُ بِالْمَصَائِبِ سَرِيعٌ لِلصَّوَابِ مُؤَدٍّ لِلْأَمَانَاتِ بَطِيءٌ عَنِ الْمُنْكَرَاتِ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ لَا يَدْخُلُ فِي الْأُمُورِ بِجَهْلٍ وَ لَا يَخْرُجُ عَنِ الْحَقِّ بِعَجْزٍ إِنْ صَمَتَ لَمْ يَغُمَّهُ الصَّمْتُ وَ إِنْ نَطَقَ لَمْ يَقُلْ خَطَأً وَ إِنْ ضَحِكَ لَمْ يَعْدُ صَوْتُهُ سَمْعَهُ قَانِعاً بِالَّذِي قُدِّرَ لَهُ لَا يَجْمَحُ بِهِ الْغَيْظُ وَ لَا يَغْلِبُهُ الْهَوَى وَ لَا يَقْهَرُهُ الشُّحُ
____________
(1) في الغافلين خ.
(2) في الذاكرين خ.
345
وَ لَا يَطْمَعُ فِيمَا لَيْسَ لَهُ يُخَالِطُ النَّاسَ لِيَعْلَمَ وَ يَصْمُتُ لِيَسْلَمَ وَ يَسْأَلُ لِيَفْهَمَ وَ يَبْحَثُ لِيَعْلَمَ لَا يُنْصِتُ لِلْخَيْرِ لِيَفْخَرَ بِهِ وَ لَا يَتَكَلَّمُ بِهِ لِيَتَجَبَّرَ عَلَى مَنْ سِوَاهُ إِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَقِمُ لَهُ نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ أَتْعَبَ نَفْسَهُ لِآخِرَتِهِ وَ أَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ بُعْدُ مَنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ بِغَضٍّ وَ نَزَاهَةٍ وَ دُنُوُّ مَنْ دَنَا مِنْهُ لِينٌ وَ رَحْمَةٌ (1) فَلَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْرٍ وَ لَا عَظَمَةٍ وَ لَا دُنُوُّهُ لِخَدِيعَةٍ وَ لَا خِلَابَةٍ بَلْ يَقْتَدِي بِمَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ فَهُوَ إِمَامٌ لِمَنْ خَلْفَهُ مِنْ أَهْلِ الْبِرِّ قَالَ فَصَعِقَ هَمَّامٌ صَعْقَةً كَانَتْ نَفْسُهُ فِيهَا فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ وَ أَمَرَ بِهِ فَجُهِّزَ وَ صَلَّى عَلَيْهِ وَ قَالَ هَكَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ الْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا فَقَالَ قَائِلٌ فَمَا بَالُكَ أَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ وَيْلَكَ إِنَّ لِكُلٍّ أَجَلًا لَنْ يَعْدُوَهُ وَ سَبَباً لَا يُجَاوِزُهُ فَمَهْلًا لَا تَعُدْ فَإِنَّهُ إِنَّمَا نَفَثَ هَذَا الْقَوْلَ عَلَى لِسَانِكَ الشَّيْطَانُ (2).
كتاب سليم بن قيس، مثله توضيح إنما كررنا ذكر هذه الخطبة الشريفة لئلا يفوت عن الناظر في الكتاب الفوائد التي اختصت كل رواية بها مع أنها المسك كلما كررته يتضوع.
بما خصك به من قرابة الرسول ص و الاختصاص به و حباك أي أعطاك من الوصاية و الخلافة بما آتاك من السوابق و المناقب و أعطاك من العلم و القرب و مكارم الأخلاق و يحتمل التعميم و التأكيد.
و لما إيجابية أي أسألك في جميع الأحوال إلا حال الوصف و هو حصول المطلوب و قد مر الكلام في تأويل معصية آدم و حواء(ع)و ذكرها لبيان
____________
(1) بعده عمن تباعد عنه زهد و نزاهة، و دنوه ممن دنا منه لين و رحمة، خ ل.
(2) أمالي الصدوق ص 340 المجلس: 84.
346
فضيلة التقوى و ذم خلافها و بيان سبب حصول بني آدم في الدنيا و احتياجهم إلى المعايش و اختلافهم في المنازل الدينية و المراتب الدنيوية و حصول الشهوات فيهم و ترقيهم في الكمالات لذلك.
فتهبوا أي نفضوا أيديهم عن الدنيا و تفرغوا للآخرة في النهاية يقال جاء يتهبى إذا جاء فارغا ينفض يديه.
و يحتمل أن يكون من هب فقلب الثاني (1) أي انتبهوا من نوم الغفلة و أسرعوا في الطاعة أو بليت أبدانهم لكثرة العبادة في القاموس الهب الانتباه من النوم و نشاط كل سائر و سرعته و تهبب الثوب بلي و في بعض النسخ فبهتوا أي تحيروا في ملاحظة عظمة الله سبحانه أو يحسبهم الناس كذلك كما سيأتي.
و وضع ما دونه على بناء المفعول أي ذل و حط قدره أو على بناء المعلوم ككرم يقال في حسبه ضعة أي انحطاط و لؤم و خسة و قد وضع ككرم و وضعه غيره كذا في القاموس و في بعض النسخ و صغر و مئونتهم من الدنيا عظيمة المئونة الثقل و القوت و التعب و الشدة.
قال الجوهري (2) المئونة يهمز و لا يهمز و هي فعولة و قال الفراء هي مفعلة من الأين و هو التعب و الشدة و يقال هو مفعلة من الأون و هو الخرج و العدل لأنه ثقل على الإنسان قال الخليل و لو كان مفعلة لكان مئينة مثل معيشة و عند الأخفش يجوز أن تكون مفعلة انتهى.
و أقول تحتمل هذه الفقرة وجوها الأول أن يكون المعنى أن تعبهم و مشقتهم بسبب ترك الدنيا و مجاهدة النفس في الإعراض عنها عظيمة.
الثاني أن يكون المعنى أن الرزق مضيق عليهم لإعراضهم عن الحرام و الشبهة و مكسب الحلال قليل مع أن أولياء الله غالبا مبتلون بالفقر فالعظيمة
____________
(1) فان القياس كان أن يقال: فتهببوا.
(2) الصحاح: 2198.
347
بمعنى الشدة أو المئونة بمعنى التعب.
الثالث أن يراد أن ما يحصل لهم من القوت في الدنيا يعدونه عظيما و يشكرونه و إن كان قليلا.
الرابع أنهم لكثرة توسعهم على العيال و ذوي الأرحام و الفقراء مئونتهم كثيرة.
الخامس أن يكون المعنى أن بليتهم بسبب معاشرة الخلق و كثرة الأعادي و قلة من يؤنسهم و يوافقهم في الطريقة عظيمة.
السادس ما ذكره الوالد (قدس سره) أن المراد بمؤنتهم ما يكسبونه لزاد الآخرة من الطاعات و القربات و الصدقات أي يأخذون حظا عظيما من الدنيا للآخرة.
و يحتمل وجوها أخر و كأنه لخفاء معناها أسقطها في النهج و فيما سيأتي في باب صفات الشيعة و معونتهم في الإسلام عظيمة و هو أظهر.
و طلبتهم فأعجزوها أي عن أن تصل إليهم و تدركهم و يستترون به أي يخفونه عن الناس خوفا من الرئاء و في بعض النسخ و يستبشرون به أي يفرحون بالحزن أو بالتلاوة شكرا لما وفقهم الله لذلك و يهيج أحزانهم كأنه على بناء التفعيل و بكاء فاعله و أحزانهم مفعوله و وجع عطف على بكاء أو على بناء المجرد و أحزانهم فاعله و بكاء منصوب على العلة و وجع عطف على ذنوبهم و الكلوم كعلوم جمع الكلام بالفتح و هو الجرح و الجراح جمع جراحة بالكسر فيهما و الإضافة للتأكيد أو الجراح مصدر أي الجراحات التي حدثت من جراحاتهم لأنفسهم بالذنوب و المعاصي.
و في النهاية فيه ملأ الله مسامعه هي جمع مسمع و هو آلة السمع أو جمع سمع على غير قياس كمشابه و ملامح و المسمع بالفتح خرقها انتهى و أبصارهم بالنصب عطف على مسامع أي أبصار قلوبهم أو بالجر عطفا على قلوبهم فالأبصار بمعنى البصائر و الصهيل صوت الفرس شبه به صوت توقد النار لرفعته و شدته.
348
جاثين على أوساطهم الغالب في الجثو أن يطلق على الجلوس على الركبتين و قد يطلق على القيام على أطراف الأصابع و المراد هنا إما الجلوس على وجه الخضوع و النسبة إلى الأوساط على المجاز أو القيام كذلك أو الركوع بتضمين معنى الانحناء في القاموس جثا كدعا و رمى جثوا و جثيا بضمهما جلس على ركبتيه أو قام على أطراف أصابعه و أجثاه غيره و هو جاث و في بعض نسخ حانين كما في سائر الروايات و هو أظهر.
و في القاموس مجده عظمه و أثنى عليه و قال جأر كمنع جأرا و جؤارا رفع صوته بالدعاء و تضرع و استغاث فزع على بناء التفعيل و الإشارة إلى التفكر طاشت أي اضطربت و تحيرت في القاموس الطيش النزق و الخفة طاش يطيش طيشا و ذهاب العقل و جواز السهم الهدف و قال الحلم بالكسر الأناة و العقل و الجمع أحلام و حلوم.
فإذا استقاموا أي استقامت أحوالهم و ذهبت عنهم تلك الدهشة و في بعض النسخ استفاقوا و هو أنسب في القاموس أفاق من مرضه رجعت الصحة إليه أو رجع إلى الصحة كاستفاق.
بالأعمال الزكية أي الطاهرة من الرياء و ما يفسد العمل أو النامية و الجزيل الكثير و العظيم و فهما في فقه الفقه بالكسر العلم بالشيء و الفهم له و الفطنة و غلب على علم الدين لشرفه ذكره الفيروزآبادي فالمعنى أن له فهما في علوم الدين أو يفهم ما يتفقه و لا يكتفي بظاهر التعلم و كسبا في رفق أي يكسب المال و لا يبالغ فيه و هو الإجمال في الطلب و يحتمل كسب العلم أيضا فالرفق عدم المجادلة و السفاهة و شفقة في نفقة الشفقة المبالغة في النصح و الخوف فالمعنى أن له شفقة على المؤمنين مع الإنفاق عليهم أو أنه يخاف في النفقة أن تكون إسرافا أو يكون مكسبها حراما.
و في النهاية يقال جهد الرجل فهو مجهود إذا وجد مشقة و جهد الناس فهم مجهودون إذا أجدبوا و رفقا في كسب كأنه تأكيد مع تفنن في العبارة أو في
349
الأول المقصود بالذات الكسب و في الثاني الرفق أو في الأول المراد كسب العلم و في الثاني كسب المال أو الرفق في أحدهما اللطف مع المعاملين و في الآخر عدم المبالغة في الطلب و لا يبعد أن يكون كسبا في الأول تصحيف كيسا كما سيأتي.
و برا في استقامة أي مع استقامة في الدين أو من غير تقتير و تبذير أو مداوما عليه أو يضعه في مواضعه و البر إما بر الوالدين أو الأعم و الأخير أظهر و إغماضا عند شهوة أي يغمض عينه عن الحرام مع شهوته للنظر و يحتمل أن يكون الإغماض كناية عن الترك لما سيأتي في بعض انتهاء مكانه.
ما علمه أي من سيئاته بل يحصيها و يعدها على نفسه و في بعض النسخ إحصاء علمه مستبطئا لنفسه أي يعدها بطيئة عن الأعمال الصالحة مقصرة فيها و يمزج الحلم بالعقل أي يحلم فيما يحكم العقل بحسنه فيه الأصدقاء فكيف الأعداء الأعداء فكيف الأصدقاء (1) و لا يتركه حياء لأنه لا حياء في الحق و في القاموس العزوب الغيبة يعزب و يعزب و الذهاب و لا يعجل فيما يريبه أي لا يعجل في أمر له شك في أنه يجوز له الدخول فيه أم لا حتى يستيقن ذلك أو إذا شك في صدور خيانة أو ضرر عن غيره لا يعجل في انتقامه حتى يتيقن ذلك و هذا أنسب بما بعده.
قال في النهاية الريب الشك و قيل هو الشك مع التهمة يقال رابني الشيء و أرابني بمعنى شككني و قيل أرابني في كذا أي شككني و أوهمني الريبة فيه فإذا استيقنته قلت رابني بغير ألف و منه الحديث دع ما يريبك إلى ما لا يريبك يروى بفتح الياء و ضمها.
و يصفح عما قد تبين له أي من إساءة الناس و ضررهم و في القاموس
____________
(1) يعني أنه «لا يحدث بما يؤتمن عليه الاصدقاء» فكيف الاعداء «و لا يكتم شهادته الاعداء» فكيف الاصدقاء.
350
بغى عليه يبغي بغيا علا و ظلم و عدل عن الحق و استطال بعجزه أي بضعف النية و فتور العزم.
و في القاموس جمح الفرس كمنع اعتز فارسه و غلبه ليسلم أي من شرور اللسان أو شرور الناس و البحث التفتيش و المراد أن إعادته السؤال لحسن الفهم و مزيد العلم لا للمراء و إظهار الفضل.
بعد من تباعد إضافة إلى المفعول و كذا دنو من دنا منه.
52- نهج، نهج البلاغة قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فِي بَعْضِ خُطَبِهِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ وَ طُوبَى لِمَنْ لَزِمَ بَيْتَهُ وَ أَكَلَ قُوتَهُ وَ اشْتَغَلَ بِطَاعَةِ رَبِّهِ وَ بَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ فَكَانَ مِنْ نَفْسِهِ فِي شُغُلٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ (1).
بيان: لمن لزم بيته أي لم يخرج منه لتهييج شر و ليس المراد ترك الخروج لطلب الرزق أو للعبادة كالجهاد و عيادة المرضى و تشييع الجنائز و قضاء حوائج المؤمنين و نحوها أو هو مختص ببعض أزمنة الفتن و أكل قوته أي اكتفى بما قدر الله له من قوته و لم يطلب أكثر من ذلك و لم يشترك في قوت غيره.
53- كا، الكافي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَةٌ وَ سَاءَتْهُ سَيِّئَةٌ فَهُوَ مُؤْمِنٌ (2).
بيان: حسنة أي حسنة نفسه أو أعم من أن يكون من نفسه أو من غيره و يؤيد الأول أن في بعض النسخ حسنته و سيئته كما سيأتي و السرور بالحسنة لا يستلزم العجب فإنه يمكن أن يكون عند نفسه مقصرا في الطاعة لكن يسر بأن لم يتركها رأسا و كان هذا أولى منازل الإيمان مع أن السرور الواقعي بالحسنة يستلزم السعي في الإتيان بكل حسنة و المساءة الواقعية بالسيئة تستلزم التنفر من كل سيئة و الاهتمام بتركها و هذان من كمال الإيمان.
54- كِتَابُ زَيْدٍ الزَّرَّادِ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)نَخْشَى أَنْ
____________
(1) نهج البلاغة ج 1 ص 353 الخطبة ص 174.
(2) الكافي ج 2 ص 232.
351
لَا نَكُونَ مُؤْمِنِينَ قَالَ وَ لِمَ ذَاكَ فَقُلْتُ وَ ذَلِكَ أَنَّا لَا نَجِدُ فِينَا مَنْ يَكُونُ أَخُوهُ عِنْدَهُ آثَرَ مِنْ دِرْهَمِهِ وَ دِينَارِهِ وَ نَجِدُ الدِّينَارَ وَ الدِّرْهَمَ آثَرَ عِنْدَنَا مِنْ أَخٍ قَدْ جَمَعَ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُ مُوَالاةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ كَلَّا إِنَّكُمْ مُؤْمِنُونَ وَ لَكِنْ لَا تُكْمِلُونَ إِيمَانَكُمْ حَتَّى يَخْرُجَ قَائِمُنَا فَعِنْدَهَا يَجْمَعُ اللَّهُ أَحْلَامَكُمْ فَتَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ كَامِلِينَ وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ مُؤْمِنُونَ كَامِلُونَ إِذاً لَرَفَعَنَا اللَّهُ إِلَيْهِ وَ أَنْكَرْتُمُ الْأَرْضَ وَ أَنْكَرْتُمُ السَّمَاءَ بَلْ وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ فِي الْأَرْضِ فِي أَطْرَافِهَا مُؤْمِنِينَ مَا قَدْرُ الدُّنْيَا كُلِّهَا عِنْدَهُمْ تَعْدِلُ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ وَ لَوْ أَنَّ الدُّنْيَا بِجَمِيعِ مَا فِيهَا وَ عَلَيْهَا ذَهَبَةٌ حَمْرَاءُ عَلَى عُنُقِ أَحَدِهِمْ ثُمَّ سَقَطَ عَنْ عُنُقِهِ مَا شَعَرَ بِهَا أَيُّ شَيْءٍ كَانَ عَلَى عُنُقِهِ وَ لَا أَيُّ شَيْءٍ سَقَطَ مِنْهَا لِهَوَانِهَا عَلَيْهِمْ فَهُمُ الْخَفِيُّ عَيْشُهُمْ الْمُنْتَقِلَةُ دِيَارُهُمْ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ الْخَمِيصَةُ بُطُونُهُمْ مِنَ الصِّيَامِ الذُّبْلَةُ شِفَاهُهُمْ مِنَ التَّسْبِيحِ الْعُمْشُ الْعُيُونِ مِنَ الْبُكَاءِ الصُّفْرُ الْوُجُوهُ مِنَ السَّهَرِ فَذَلِكَ سِيمَاهُمْ مَثَلًا ضَرَبَهُ اللَّهُ فِي الْإِنْجِيلِ لَهُمْ وَ فِي التَّوْرَاةِ وَ الْفُرْقَانِ وَ الزَّبُورِ وَ الصُّحُفِ الْأُولَى وَصَفَهُمْ فَقَالَ سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ (1) عَنَى بِذَلِكَ صُفْرَةَ وُجُوهِهِمْ مِنْ سَهَرِ اللَّيْلِ هُمُ الْبَرَرَةُ بِالْإِخْوَانِ فِي حَالِ الْعُسْرِ وَ الْيُسْرِ الْمُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي حَالِ الْعُسْرِ كَذَلِكَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ فَقَالَ وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (2) فَازُوا وَ اللَّهِ وَ أَفْلَحُوا إِنْ رَأَوْا مُؤْمِناً أَكْرَمُوهُ وَ إِنْ رَأَوْا مُنَافِقاً هَجَرُوهُ إِذَا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ اتَّخَذُوا أَرْضَ اللَّهِ فِرَاشاً وَ التُّرَابَ وِسَاداً وَ اسْتَقْبَلُوا بِجِبَاهِهِمُ الْأَرْضَ يَتَضَرَّعُونَ إِلَى رَبِّهِمْ فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ مِنَ النَّارِ فَإِذَا أَصْبَحُوا اخْتَلَطُوا بِالنَّاسِ لَا يُشَارُ إِلَيْهِمْ بِالْأَصَابِعِ
____________
(1) الفتح: 29.
(2) الحشر: 9.
352
تَنَكَّبُوا الطُّرُقَ وَ اتَّخَذُوا الْمَاءَ طِيباً وَ طَهُوراً أَنْفُسُهُمْ مَتْعُوبَةٌ وَ أَبْدَانُهُمْ مَكْدُودَةٌ وَ النَّاسُ مِنْهُمْ فِي رَاحَةٍ فَهُمْ عِنْدَ النَّاسِ شِرَارُ الْخَلْقِ وَ عِنْدَ اللَّهِ خِيَارُ الْخَلْقِ إِنْ حَدَّثُوا لَمْ يُصَدَّقُوا وَ إِنْ خَطَبُوا لَمْ يُزَوَّجُوا وَ إِنْ شَهِدُوا لَمْ يُعْرَفُوا وَ إِنْ غَابُوا لَمْ يُفْقَدُوا قُلُوبُهُمْ خَائِفَةٌ وَجِلَةٌ مِنَ اللَّهِ أَلْسِنَتُهُمْ مَسْجُونَةٌ وَ صُدُورُهُمْ وِعَاءٌ لِسِرِّ اللَّهِ إِنْ وَجَدُوا لَهُ أَهْلًا نَبَذُوهُ إِلَيْهِ نَبْذاً وَ إِنْ لَمْ يَجِدُوا لَهُ أَهْلًا أَلْقَوْا عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ أَقْفَالًا غَيَّبُوا مَفَاتِيحَهَا وَ جَعَلُوا عَلَى أَفْوَاهِهِمْ أَوْكِيَةً صُلَّبٌ صِلَابٌ أَصْلَبُ مِنَ الْجِبَالِ لَا يُنْحَتُ مِنْهُمْ شَيْءٌ خُزَّانُ الْعِلْمِ وَ مَعْدِنُ الْحِكْمَةِ وَ تُبَّاعُ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ أَكْيَاسٌ يَحْسَبُهُمُ الْمُنَافِقُ خُرْساً عُمْياً بُلْهاً وَ مَا بِالْقَوْمِ مِنْ خَرَسٍ وَ لَا عَمًى وَ لَا بَلَهٍ إِنَّهُمْ لَأَكْيَاسٌ فُصَحَاءُ عُلَمَاءُ حُلَمَاءُ حُكَمَاءُ أَتْقِيَاءُ بَرَرَةٌ صَفْوَةُ اللَّهِ أَسْكَتَهُمُ الْخَشْيَةُ لِلَّهِ وَ أَعْيَتْهُمْ أَلْسِنَتُهُمْ خَوْفاً مِنَ اللَّهِ وَ كِتْمَاناً لِسِرِّهِ وَا شَوْقَاهْ إِلَى مُجَالَسَتِهِمْ وَ مُحَادَثَتِهِمْ يَا كَرْبَاهْ لِفَقْدِهِمْ وَ يَا كَشْفَ كَرْبَاهْ لِمُجَالَسَتِهِمْ اطْلُبُوهُمْ فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ اقْتَبَسْتُمْ مِنْ نُورِهِمْ اهْتَدَيْتُمْ وَ فُزْتُمْ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ هُمْ أَعَزُّ فِي النَّاسِ مِنَ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ حِلْيَتُهُمْ طُولُ السُّكُوتِ وَ كِتْمَانُ السِّرِّ وَ الصَّلَاةُ وَ الزَّكَاةُ وَ الْحَجُّ وَ الصَّوْمُ وَ الْمُوَاسَاةُ لِلْإِخْوَانِ فِي حَالِ الْيُسْرِ وَ الْعُسْرِ فَذَلِكَ حِلْيَتُهُمْ وَ مَحَبَّتُهُمْ يَا طُوبى لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ هُمْ وَارِثُو الْفِرْدَوْسِ خَالِدِينَ فِيهَا وَ مَثَلُهُمْ فِي أَهْلِ الْجِنَانِ مَثَلُ الْفِرْدَوْسِ فِي الْجِنَانِ وَ هُمُ الْمَطْلُوبُونَ فِي النَّارِ الْمَحْبُورُونَ فِي الْجِنَانِ فَذَلِكَ قَوْلُ أَهْلِ النَّارِ ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (1) فَهُمْ أَشْرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَهُمْ فَيَرْفَعُ اللَّهُ مَنَازِلَهُمْ حَتَّى يَرَوْنَهُمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ حَسْرَةً لَهُمْ فِي النَّارِ فَيَقُولُونَ يا لَيْتَنا نُرَدُّ (2) فَنَكُونَ مِثْلَهُمْ فَلَقَدْ كَانُوا هُمُ الْأَخْيَارَ وَ كُنَّا نَحْنُ الْأَشْرَارَ فَذَلِكَ حَسْرَةٌ لِأَهْلِ النَّارِ.
بيان: إنكار الأرض و السماء أن يشاهدوا فيهما آثارا غريبة لم يروا فيهما
____________
(1) ص: 62.
(2) الأنعام: 27.
353
قبل ذلك فهم الخفي عيشهم أي يعيشون مختفين من الناس للخوف منهم أو لعدم موافقة طريقتهم لهم و كذا الانتقال من أرض إلى أخرى لذلك تنكبوا الطرق أي عدلوا عن الطرق العامرة لئلا يعرفهم الناس أو عن طرقهم و مسالكهم و أطوارهم و اتخذوا الماء أي اكتفوا بالماء لتطييب أبدانهم بالغسل و الغسل من غير استعمال للطيب متعوبة أي يتعبونها في الطاعات و ترك الشهوات مكدودة أي يحملون أبدانهم على الكد و المبالغة في الطاعات و تحمل الشدائد في القاموس الكد الشدة و الإلحاح في الطلب و كده و اكتده طلب منه الكد لم يصدقوا على بناء المفعول من التفعيل أي لا يصدقهم الناس لسوء ظنهم بهم و حقارتهم في أعينهم لم يفتقدوا أي لا يطلبهم الناس عند غيبتهم لعدم معرفتهم أو لعدم الاعتناء بشأنهم و في بعض النسخ لم يفقدوا و الأول أظهر.
في القاموس تفقده طلبه عند غيبته و مات غير فقيد و لا حميد و غير مفقود غير مكترث لفقدانه.
مسجونة أي محبوسة كناية عن قلة الكلام غيبوا مفاتيحها كناية عن امتناعهم عن إفشاء الأسرار جدا كأن عليها أقفالا كثيرة لم تحضر مفاتيحها فيكلفوا فتحها ثم أكد(ع)ذلك بقوله و جعلوا على أفواههم أوكية و الأوكية جمع الوكاء بالكسر و هو الخيط الذي يشد به رأس الكيس و نحوه شبه أفواههم بكيس أو قربة شد رأسها فلا يخرج منها شيء قال في النهاية الوكاء الخيط الذي يشد به الصرة و الكيس و غيرهما فيه أنه كان يوكي بين الصفا و المروة سعيا أي لا يتكلم كأنه أوكى فاه فلم ينطق.
صلب بضمتين أو كسكر جمع الصلب و كذا الصلاب بالكسر تأكيدا أي هم في غاية الصلابة في الدين لا ينحت أي لا يبري و لا ينقص من دينهم شيء قال تعالى وَ تَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً (1) يحسبهم المنافق خرسا بالضم جمع أخرس لقلة كلامهم في الباطل و حفظهم
____________
(1) الشعراء: 149.
354
للأسرار عميا لقلة نظرهم إلى المحرمات و إلى الدنيا و زينتها و تغافلهم عما يرون من أهلها و البله بالضم جمع الأبله و هو الذي لا عقل له و أعيتهم ألسنتهم كأن المعنى أن ألسنتهم لا تطاوعهم في الكلام للخوف فكأنها أعيتهم.
55- كا، الكافي عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ صَفْوَانَ الْجَمَّالِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّمَا الْمُؤْمِنُ الَّذِي إِذَا غَضِبَ لَمْ يُخْرِجْهُ غَضَبُهُ مِنْ حَقٍّ وَ إِذَا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضَاهُ فِي بَاطِلٍ وَ إِذَا قَدَرَ لَمْ يَأْخُذْ أَكْثَرَ مِمَّا لَهُ (1).
بيان: لم يخرجه غضبه من حق بأن يحكم على من غضب عليه بغير حق أو يظلمه أو يكتم شهادة له عنده و إذا رضي أي عن أحد لم يدخله رضاه عنه في باطل بأن يشهد زورا أو يحكم له باطلا أو يحميه في أن لا يعطي الحق اللازم عليه و أشباه ذلك و قوله مما له في بعض النسخ بوصل من بما فاللام مفتوحة و في بعضها بالفصل فاللام مكسورة.
56- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)يَا سُلَيْمَانُ أَ تَدْرِي مَنِ الْمُسْلِمُ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَنْتَ أَعْلَمُ قَالَ الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَ يَدِهِ ثُمَّ قَالَ وَ تَدْرِي مَنِ الْمُؤْمِنُ قَالَ قُلْتُ أَنْتَ أَعْلَمُ قَالَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ مَنِ ائْتَمَنَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ وَ الْمُسْلِمُ حَرَامٌ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَظْلِمَهُ أَوْ يَخْذُلَهُ أَوْ يَدْفَعَهُ دَفْعَةً تُعَنِّتُهُ (2).
توضيح المسلم أي المسلم الكامل الذي يحق أن يسمى مسلما و كذا المؤمن و قيل الغرض بيان المناسبة بين المعنى اللغوي و الاصطلاحي و يكفي لذلك اتصاف كمل أفراد كل منهما بما ذكر و لا يخذله أي لا يترك نصرته مع القدرة عليها أو يدفعه دفعة تعنته أي إذا لم يقدر على نصرته يجب عليه أن يعتذر منه و يرده برد جميل و لا يدفعه دفعة تلقيه تلك في العنت و المشقة و يحتمل أن يكون كناية عن مطلق الضرر الفاحش و قيل يدفعه عن خير و يرده إلى شر يوجب عنته.
____________
(1) الكافي ج 2: 233.
(2) الكافي ج 2 ص 234.
355
و في المصباح دفعته دفعا نحيته و دافعته عن حقه ماطلته و الدفعة بالفتح المرة و بالضم اسم لما يدفع بمرة و في القاموس العنت محركة الفساد و الإثم و الهلاك و دخول المشقة على الإنسان و أعنته غيره و لقاء الشدة و الزنا و الوهي و الانكسار و اكتساب المأثم و عنته تعنيتا شدد عليه و ألزمه ما يصعب عليه أداؤه (1).
57- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُ الَّذِي إِذَا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضَاهُ فِي إِثْمٍ وَ لَا بَاطِلٍ وَ إِذَا سَخِطَ لَمْ يُخْرِجْهُ سَخَطُهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ وَ الَّذِي إِذَا قَدَرَ لَمْ يُخْرِجْهُ قُدْرَتُهُ إِلَى التَّعَدِّي إِلَى مَا لَيْسَ لَهُ بِحَقٍ (2).
ل، الخصال عن ابن المتوكل عن الحميري عن ابن عيسى عن ابن محبوب مثله (3) بيان المراد بالباطل ما لا فائدة فيه إلى ما ليس له بحق أي يأخذ زائدا عن حقه.
58- كا، الكافي عَنِ الْعِدَّةِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ رَفَعَهُ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ هَيْنُونَ لَيْنُونَ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ إِنْ قِيدَ انْقَادَ وَ إِنْ أُنِيخَ عَلَى صَخْرَةٍ اسْتَنَاخَ (4).
تبيين أبو البختري وهب بن وهب القرشي عامي ضعيف و هو راوي الصادق(ع)و تزوج بأمه فالظاهر كون ضمير سمعته راجعا إلى الصادق(ع)فالمراد بالرفع نسبة الحديث إليه(ع)و يحتمل أن يكون الرفع إلى أمير المؤمنين(ع)و ضمير سمعته للرسول ص فإن دأب هذا الراوي لكونه عاميا رفع الحديث
____________
(1) القاموس ج 1 ص 153.
(2) الكافي ج 2 ص 234.
(3) الخصال ج 1 ص 52.
(4) الكافي ج 2 ص 234.
356
يقول عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن علي(ع)و يؤيده أن الحديث نبوي روته العامة أيضا عنه ص.
قال في النهاية فيه المسلمون هينون لينون هما تخفيف الهين و اللين قال ابن الأعرابي العرب تمدح بالهين و اللين مخففين و تذم بهما مثقلين و هين فيعل من الهون و هي السكينة و الوقار و السهولة فعينه واو و شيء هين و هين أي سهل.
و قال في أنف فيه المؤمنون هينون لينون كالجمل الأنف أي المأنوف و هو الذي عقر الخشاش أنفه فهو لا يمتنع على قائده للوجع الذي به و قيل الأنف الذلول يقال أنف البعير يأنف أنفا فهو أنف إذا اشتكى أنفه من الخشاش و كان الأصل أن يقال مأنوف لأنه مفعول به كما يقال مصدور و مبطون للذي يشتكي صدره و بطنه و إنما جاء هذا شاذا و يروى كالجمل الآنف بالمد و هو بمعناه انتهى.
إن قيد صفة للمشبه به أو المشبه و إن أنيخ على صخرة كناية عن نهاية انقياده في الأمور المشروعة و عدم استصعابه فيها قال الجوهري أنخت الجمل فاستناخ أبركته فبرك انتهى.
و قيل إنما شبه بالجمل لا بالناقة إشارة إلى أن المؤمن قادر على الامتناع و لكن له مانع عظيم من الإيمان و أحكامه تمنعه عن ذلك.
أقول و في بعض النسخ الألف باللام من الألفة و الأول أظهر.
وَ أَقُولُ رُوِيَ فِي شِهَابِ الْأَخْبَارِ عَنِ النَّبِيِّ ص الْمُؤْمِنُونَ هَيْنُونَ لَيْنُونَ.
و قال في الضوء الهون السكينة و الوقار قال تعالى يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً (1) و الهون مصدر هان عليه الشيء و شيء هين على فيعل أي سهل و هين مخفف منه و الجمع أهوناء و قوم هينون لينون و الهون بالضم الهوان و يقال خذ أمرك بالهون و الهوينا أي بالرفق و اللين و الهوينا تصغير الهونى و الهونى تأنيث الأهون كالكبرى تأنيث الأكبر.
____________
(1) الفرقان: 63.
357
و قال ابن الأعرابي تمدح بالهين و اللين مخففا و تذم بالهين و اللين مثقلا و قال غيره هما جميعا واحد و الأصل التثقيل و تركيب ه و ن في كلام العرب على وجهين أحدهما تذلل الإنسان في نفسه بما لا غضاضة فيه و هو مما يمدح فيه كما قال يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً و الآخر أن يكون من التسخير و الإذلال و الإهانة كقوله تعالى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ (1) و لا يبعد أن يكون الهاوون من هذا لأنه يهون به الصلاب الشداد و هو عربي صحيح و لا يجوز هاون.
فوصف(ع)المؤمنين بأنهم هينون لينون و المعنى أمر يأمرهم بالهون و لين الجانب و دماثة الأخلاق و سكون الريح و الهدوء و خفض الجناح و تمام الحديث مثل الجمل الأنف إن قدته انقاد و إن أنخته استناخ و الأنف البعير الذي يشتكي أنفه يقال أنف البعير فهو أنف مثل تعب فهو تعب و قيل الأنف المأنوف الذي عقر الخشاش أنفه فهو لا يمتنع على قائده لما يجده من الوجع و قيل الأنف الذلول و أنخت الجمل فاستناخ أي أبركته فبرك.
وَ قَالَ(ع)حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى الْهَيْنِ اللَّيْنِ السَّهْلِ الْقَرِيبِ.
و قال سعيد بن عبد الرحمن الزبيدي يعجبني من القراء كل سهل طلق مضحاك فأما من تلقاه ببشر و يلقاك بعبوس يمن عليك بعمله فلا كثر الله في المسلمين مثله.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ مِنَ الصَّدَقَةِ أَنْ تُسَلِّمَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهٍ طَلِيقٍ.
و فائدة الحديث الحث على الأخلاق الحسنة و الأخذ بالجميل و راوي الحديث ابن عمر.
60- كا، الكافي عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: ثَلَاثَةٌ مِنْ عَلَامَاتِ الْمُؤْمِنِ الْعِلْمُ بِاللَّهِ وَ مَنْ يُحِبُّ وَ مَنْ يَكْرَهُ (2).
____________
(1) فصّلت: 17.
(2) الكافي ج 2 ص 235.
358
بيان: العلم بالله أي بالربوبية و صفاته الكمالية فيؤمن به و من يحب أي يحبه الله من النبي و الأئمة(ع)و أتباعهم فيواليهم و يتابعهم أو من يحبه المؤمن و يلزمه محبته و من يكره أي يكرهه الله فيبغضه و لا يواليه أو من يجب أن يكرهه.
و ربما يقرأ الفعلان على بناء المجهول و هذه الثلاثة أصل الإيمان و عمدته.
61- كا، الكافي عَنِ الْعِدَّةِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أُورَمَةَ عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ الْأَعْجَمِيِّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: الْمُؤْمِنُ حَلِيمٌ لَا يَجْهَلُ وَ إِنْ جُهِلَ عَلَيْهِ يَحْلُمُ وَ لَا يَظْلِمُ وَ إِنْ ظُلِمَ غَفَرَ وَ لَا يَبْخَلُ وَ إِنْ بُخِلَ عَلَيْهِ صَبَرَ (1).
بيان: لا يبخل في بعض النسخ بالنون و الجيم (2) و هو الطعن و الشق و نجل الناس شارهم و تناجلوا تنازعوا أي إن طعنه أحد و سفه عليه صبر و لم يقابله بمثله.
62- كا، الكافي عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي كَهْمَشٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَ لَا أُنَبِّئُكُمْ بِالْمُؤْمِنِ مَنِ ائْتَمَنَهُ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَ أَمْوَالِهِمْ أَ لَا أُنَبِّئُكُمْ بِالْمُسْلِمِ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَ يَدِهِ وَ الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ وَ تَرَكَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَ الْمُؤْمِنُ حَرَامٌ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَظْلِمَهُ أَوْ يَخْذُلَهُ أَوْ يَغْتَابَهُ أَوْ يَدْفَعَهُ دَفْعَةً (3).
بيان المهاجر من هجر السيئات أي ليس المهاجر الذي مدحه الله مقصورا على من هاجر من مكة إلى المدينة قبل الفتح أو هاجر من البدو إلى المدينة أو هاجر من بلاد الكفر عند خوف الجور و الفساد و عدم التمكن من إظهار شعائر الإسلام كما قيل في قوله تعالى يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ
____________
(1) المصدر ج 2 ص 235.
(2) أي «لا ينجل».
(3) المصدر نفسه.
359
فَاعْبُدُونِ (1) و هذه هي المعاني المشهورة له بل يشمل من هجر السيئات لأن فضل الهجرة بالمعاني المذكورة إنما هو للبعد عن الكفر و المعاصي و لذا لا فضل لمن هجر منافقا أو كافرا كالمنافقين الغاصبين لحقوق أئمة الدين فإنه لا فضل لهم و لا يعدون من المهاجرين فمن هجر الكفر و السيئات و الجهل و الضلال مشاركون معهم في الفضل و الكمال.
و يحتمل أن يكون المراد أن المهاجرين بالمعاني المذكورة إنما يستحقون هذا الاسم إذا هجروا السيئات على سياق سائر الفقرات.
قال في النهاية الهجرة في الأصل اسم من الهجر ضد الوصل و قد هجره هجرا و هجرانا ثم غلب على الخروج من أرض إلى أرض و ترك الأولى للثانية يقال منه هاجر مهاجرة و الهجرة هجرتان إحداهما التي وعد الله عليها الجنة في قوله إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ (2) فكان الرجل يأتي النبي ص و يدع أهله و ماله لا يرجع في شيء منه و ينقطع بنفسه إلى مهاجره فلما فتحت مكة صارت دار إسلام كالمدينة و انقطعت الهجرة و الهجرة الثانية من هاجر من الأعراب و غزا مع المسلمين و لم يفعل كما فعل أصحاب الهجرة الأولى فهو مهاجر و ليس بداخل في فضل من هاجر تلك الهجرة و هو المراد بقوله لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة فهذا وجه الجمع بين الحديثين و فيه هاجروا و لا تهجروا أي أخلصوا الهجرة لله و لا تتشبهوا بالمهاجرين على غير صحة منكم انتهى.
و قال الراغب (3) المهاجرة في الأصل مصارمة الغير و متاركته من قوله وَ الَّذِينَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا (4) و أمثاله فالظاهر منه الخروج من دار الكفر إلى
____________
(1) العنكبوت: 56.
(2) براءة: 111.
(3) مفردات غريب القرآن ص 537.
(4) البقرة: 218.
360
دار الإيمان كما هاجر من مكة إلى المدينة و قيل يقتضي ذلك ترك الشهوات و الأخلاق الذميمة و الخطايا و قوله إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي (1) أي تارك لقومي و ذاهب إليه و كذا المجاهدة تقتضي مع مجاهدة العدى مجاهدة النفس
كَمَا رُوِيَ فِي الْخَبَرِ رَجَعْتُمْ مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ وَ هُوَ مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ
. كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ السِّنْدِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)قَالَ: صَلَّى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)الْفَجْرَ ثُمَّ لَمْ يَزَلْ فِي مَوْضِعِهِ حَتَّى صَارَتِ الشَّمْسُ عَلَى قِيدِ رُمْحٍ وَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَقَالَ وَ اللَّهِ لَقَدْ أَدْرَكْتُ أَقْوَاماً يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَ قِياماً يُخَالِفُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وَ رُكَبِهِمْ كَأَنَّ زَفِيرَ النَّارِ فِي آذَانِهِمْ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ عِنْدَهُمْ مَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ كَأَنَّمَا الْقَوْمُ بَاتُوا غَافِلِينَ قَالَ ثُمَّ قَامَ فَمَا رُئِيَ ضَاحِكاً حَتَّى قُبِضَ(ع)(2).
بيان القيد بالكسر القدر في النهاية يقال بيني و بينه قيد رمح و قاد رمح أي قدر رمح يخالفون بين جباههم و ركبهم أي يضعون جباههم على التراب خلف ركبهم يأتون بأحدهما عقيب الآخر و هو قريب من المراوحة التي وردت في غيره و قيل أي يجعلون التفاوت بين جلوسهم و سجودهم فكان سجودهم أطول من جلوسهم.
ثم اعلم أن الركب يحتمل أن يكون المراد به الجلوس كما فهمه الأكثر أو الركوع لوضع اليد عليه أو القيام لكون الاعتماد عليه و الأخير أوفق بما مر كأن زفير النار في آذانهم إشارة إلى سبب تمرنهم بالطاعات و إحياء الليالي بالعبادات و هو كون علمهم بأحوال الجنة و النار في مرتبة عين اليقين و الزفير صوت توقد النار.
مادوا أي اضطربوا و تحركوا و اقشعروا من الخوف و هو تلميح إلى
____________
(1) العنكبوت: 26.
(2) الكافي ج 2 ص 236.
361
قوله سبحانه إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ (1) في القاموس ماد يميد ميدا و ميدانا تحرك و السراب اضطرب كأنما القوم كأن المراد بالقوم الجماعة الحاضرون أو أهل زمانه في هذا الوقت أي لعدم اهتمامهم في أمور الآخرة و اشتغالهم بالدنيا كأنهم باتوا غافلين و في بعض النسخ ماتوا أي كأنهم بسبب غفلتهم أموات غير أحياء و يحتمل أن يكون المراد بالقوم الذين ذكر أوصافهم أي كانوا إذا ذكر الله عندهم مادوا من الخوف كأنهم باتوا غافلين و لم يعبدوا الله في الليل و يؤيد الأول ما سيأتي في رواية المفيد.
64- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي وَلَّادٍ الْحَنَّاطِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع)يَقُولُ إِنَّ الْمَعْرِفَةَ بِكَمَالِ دِينِ الْمُسْلِمِ تَرْكُهُ الْكَلَامَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ وَ قِلَّةُ مِرَائِهِ وَ حِلْمُهُ وَ صَبْرُهُ وَ حُسْنُ خُلُقِهِ (2).
توضيح إن المعرفة أي سبب المعرفة و ما يوجبها أو الحمل على المبالغة في السببية فيما لا يعنيه أي فيما لا يهمه و لا ينفعه و قلة مرائه أي مجادلته في المسائل الدينية و غيرها و قيل هو المجادلة و الاعتراض على كلام الغير من غير غرض ديني و حلمه أي تحمله و صبره على ما يصيبه من الغير أو عقله و صبره عند البلاء.
كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)قَالَ: مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِ الْإِنْفَاقُ عَلَى قَدْرِ الْإِقْتَارِ وَ التَّوَسُّعُ عَلَى قَدْرِ التَّوَسُّعِ وَ إِنْصَافُ النَّاسِ وَ ابْتِدَاؤُهُ إِيَّاهُمْ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِمْ (3).
بيان: الإنفاق على قدر الإقتار أي الإنفاق بالتقتير على قدر الإقتار من
____________
(1) الأنفال: 2.
(2) الكافي ج 2 ص 240.
(3) الكافي ج 2: 241.
362
الله و الحاصل أنه يقتر على أهله و عياله بقدر ما قتر الله عليه و يوسع عليهم بقدر ما وسع الله عليه و قيل الإنفاق هنا الافتقار كما في القاموس قال أنفق افتقر أي يعامل معاملة الفقراء.
كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: الْمُؤْمِنُ أَصْلَبُ مِنَ الْجَبَلِ تَسْتَقِلُّ مِنْهُ وَ الْمُؤْمِنُ لَا يُسْتَقَلُّ مِنْ دِينِهِ شَيْءٌ (1).
بيان: الجبل يستقل منه من القلة أي ينقص و يؤخذ منه بعضه بالفأس و المعول و نحوهما و المؤمن لا ينقص من دينه شيء بالشكوك و الشبهات.
كا، الكافي عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ صَالِحِ بْنِ السِّنْدِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: الْمُؤْمِنُ حَسَنُ الْمَعُونَةِ خَفِيفُ الْمَئُونَةِ جَيِّدُ التَّدْبِيرِ لِمَعِيشَتِهِ لَا يُلْسَعُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ (2).
بيان في المصباح العون الظهير على الأمر و استعان به فأعانه و قد يتعدى بنفسه فيقال استعانه و الاسم المعونة و المعانة أيضا بالفتح و وزن المعونة مفعلة بضم العين و بعضهم يجعل الميم أصلية و يقول هي مأخوذة من الماعون و يقول هي فعولة و المئونة الثقل و في القاموس القوت و الحاصل أنه يعين الناس كثيرا و يكتفي لنفسه بقليل من القوت و اللباس و أشباههما.
و في القاموس المعيشة التي تعيش بها من المطعم و المشرب و ما يكون به الحياة و ما يعاش به أو فيه و الجمع معايش.
و في النهاية فيه لا يلسع المؤمن من جحر مرتين و في رواية لا يلدغ اللسع و اللدغ سواء و الجحر ثقب الحية و هو استعارة هاهنا أي لا يدهى المؤمن من جهة واحدة مرتين فإنه بالأولى يعتبر و قال الخطابي يروى بضم العين و كسرها فالضم على وجه الخبر و معناه أن المؤمن هو الكيس الحازم الذي لا يؤتى
____________
(1) المصدر ج 2 ص 241.
(2) المصدر نفسه.
363
من جهة الغفلة فيخدع مرة بعد مرة و هو لا يفطن لذلك و لا يشعر به و المراد به الخداع في أمر الدين لا أمر الدنيا و أما الكسر فعلى وجه النهي أي لا يخدعن المؤمن و لا يؤتين من ناحية الغفلة فيقع في مكروه أو شر و هو لا يشعر به و ليكن فطنا حذرا و هذا التأويل يصلح أن يكون لأمر الدين و الدنيا معا انتهى.
و أقول روى مسلم في صحيحه مثل هذا الخبر (1) و ذكر في إكمال الإكمال هذين الوجهين اللذين ذكرهما في النهاية ثم قال و ذكر عياض هذين الوجهين و رجح الخبر بأن سبب قوله ص هذا أن أبا عزة الشاعر أخا مصعب بن عمير كان أسر يوم بدر فسأل النبي ص أن يمن عليه ففعل و عاهده أن لا يحرض عليه و لا يهجوه فلما لحق بأهله عاد إلى ما كان عليه فأسر يوم أحد فسأله أيضا أن يمن عليه فقال النبي ص هذا الكلام البليغ الجامع الذي لم يسبق إليه و فيه تنبيه عظيم على أنه إذا رأى الأذى من جهة لا يعود إليها ثانية (2).
و قال الآبي رجح الخطابي النهي بعد ذكر الوجهين و كأنه لم يبلغه أي الخطابي سبب قوله ص هذا الكلام و لو بلغه لم يحمله على النهي.
و أجاب الطيبي بأنه و إن بلغه السبب فلا يبعد النهي بل هو أولى من الخبر و ذلك أنه ص لما دعته نفسه الزكية الكريمة إلى الحلم و الصفح جرد
____________
(1) أخرجه في مشكاة المصابيح: 429، و قال متفق عليه.
(2) قال ابن هشام في السيرة ج 2 ص 104 قال أبو عبيدة: و أخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في جهة ذلك- يعنى حمراء الأسد- قبل رجوعه الى المدينة معاوية بن المغيرة بن أبي العاص ابن أميّة بن عبد شمس و هو جد عبد الملك بن مروان أبو أمه عائشة بنت معاوية، و أبا عزة الجمحى، و كان رسول اللّه «ص» أسره ببدر ثمّ من عليه.
فقال: يا رسول اللّه أقلنى! فقال رسول اللّه «ص»: و اللّه لا تمسح عارضيك بمكّة بعدها و تقول: خدعت محمّدا مرتين، اضرب عنقه يا زبير فضرب عنقه.
قال ابن هشام: و بلغني عن سعيد بن المسيب أنّه قال: قال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ان المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت، فضرب عنقه.
364
من نفسه مؤمنا حازما فطنا و نهاه أن ينخدع لهذا المتمرد الخائن و كان مقام الغضب لله تعالى فأبى إلا الانتقام من أعداء الله لأن الانتقام منهم مطلوب و التجريد أحد ألقاب البديع و محسناته.
و بيان أنه أولى أنه إذا حمل على الخبر تفوت دلالة الحديث على طلبه الانتقام.
ل، الخصال عَنِ ابْنِ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُعَيْبٍ عَنِ الْجَازِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ: لَا يُؤْمَنُ رَجُلٌ فِيهِ الشُّحُّ وَ الْحَسَدُ وَ الْجُبْنُ وَ لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَاناً وَ لَا حَرِيصاً وَ لَا شَحِيحاً (1).
صفات الشيعة، للصدوق بإسناده عنه(ع)مثله (2).
69- ل، الخصال عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَطَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: ثَلَاثُ خِصَالٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ اسْتَكْمَلَ خِصَالَ الْإِيمَانِ مَنْ صَبَرَ عَلَى الظُّلْمِ وَ كَظَمَ غَيْظَهُ وَ احْتَسَبَ وَ عَفَا وَ غَفَرَ كَانَ مِمَّنْ يُدْخِلُهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَ يُشَفِّعُهُ فِي مِثْلِ رَبِيعَةَ وَ مُضَرَ (3).
بيان: كأن قوله و احتسب تتمة للخصلة الثانية أو تمهيد للثالثة و الاحتساب طلب الأجر و كون فعله مقرونا بالقربة و يحتمل أن يكون هو الخصلة الثانية و قوله و كظم غيظه تتمة للأولى فالمراد بالاحتساب المبادرة إلى الأعمال الصالحة.
قال في النهاية فيه من صام رمضان إيمانا و احتسابا أي طلبا لوجه الله و ثوابه و الاحتساب من الحسب كالاعتداد من العد و إنما قيل لمن ينوي وجه الله احتسبه لأن له حينئذ أن يعتد عمله فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتد به و الاحتساب
____________
(1) الخصال ج 1 ص 41.
(2) صفات الشيعة ص 182.
(3) الخصال ج 1 ص 51.
365
في الأعمال الصالحات و عند المكروهات هو البدار إلى طلب الأجر و تحصيله بالتسليم و الصبر أو باستعمال أنواع البر و القيام بها على الوجه المرسوم فيها طلبا للثواب المرجو منها انتهى. و ربيعة و مضر قبيلتان عظيمتان (1).
70- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاهِرٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ يَحْيَى عَنْ قُثَمَ أَبِي قَتَادَةَ الْحَرَّانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قَامَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ هَمَّامٌ وَ كَانَ عَابِداً نَاسِكاً مُجْتَهِداً إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ هُوَ يَخْطُبُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صِفْ لَنَا صِفَةَ الْمُؤْمِنِ كَأَنَّنَا نَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ يَا هَمَّامُ الْمُؤْمِنُ هُوَ الْكَيِّسُ الْفَطِنُ بِشْرُهُ فِي وَجْهِهِ وَ حُزْنُهُ فِي قَلْبِهِ أَوْسَعُ شَيْءٍ صَدْراً وَ أَذَلُّ شَيْءٍ نَفْساً زَاجِرٌ عَنْ كُلِّ فَانٍ حَاضٌّ عَلَى كُلِّ حَسَنٍ لَا حَقُودٌ وَ لَا حَسُودٌ وَ لَا وَثَّابٌ وَ لَا سَبَّابٌ وَ لَا عَيَّابٌ وَ لَا مُغْتَابٌ يَكْرَهُ الرِّفْعَةَ وَ يَشْنَأُ السُّمْعَةَ طَوِيلُ الْغَمِّ بَعِيدُ الْهَمِّ كَثِيرُ الصَّمْتِ وَقُورٌ ذَكُورٌ صَبُورٌ شَكُورٌ مَغْمُومٌ بِفِكْرِهِ مَسْرُورٌ بِفَقْرِهِ سَهْلُ الْخَلِيقَةِ لَيِّنُ الْعَرِيكَةِ رَصِينُ الْوَفَا قَلِيلُ الْأَذَى لَا مُتَأَفِّكٌ وَ لَا مُتَهَتِّكٌ إِنْ ضَحِكَ لَمْ يَخْرَقْ وَ إِنْ غَضِبَ لَمْ يَنْزَقْ ضِحْكُهُ تَبَسُّمٌ وَ اسْتِفْهَامُهُ تَعَلُّمٌ وَ مُرَاجَعَتُهُ تَفَهُّمٌ كَثِيرٌ عِلْمُهُ عَظِيمٌ حِلْمُهُ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَا يَنْجَلُ وَ لَا يَعْجَلُ وَ لَا يَضْجَرُ وَ لَا يَبْطَرُ وَ لَا يَحِيفُ فِي حُكْمِهِ وَ لَا يَجُورُ فِي عِلْمِهِ نَفْسُهُ أَصْلَبُ مِنَ الصَّلْدِ وَ مُكَادَحَتُهُ أَحْلَى مِنَ الشَّهْدِ لَا جَشِعٌ وَ لَا هَلِعٌ وَ لَا عَنِفٌ وَ لَا صَلِفٌ وَ لَا مُتَكَلِّفٌ وَ لَا مُتَعَمِّقٌ جَمِيلُ الْمُنَازَعَةِ كَرِيمُ الْمُرَاجَعَةِ عَدْلٌ إِنْ غَضِبَ رَفِيقٌ إِنْ طَلَبَ لَا يَتَهَوَّرُ وَ لَا يَتَهَتَّكُ وَ لَا يَتَجَبَّرُ خَالِصُ الْوُدِّ وَثِيقُ الْعَهْدِ وَفِيُّ الْعَقْدِ شَفِيقٌ وَصُولٌ حَلِيمٌ حَمُولٌ قَلِيلُ الْفُضُولِ رَاضٍ عَنِ اللَّهِ
____________
(1) هما ربيعة و مضر ابنا نزار بن معد بن عدنان بطنان عظيمان فيهما قبائل عظام و بطون و أفخاذ يضرب المثل بهما للكثرة قال ابن عبد البر في الانباء: 96: أن العرب و جميع أهل العلم بالنسب أجمعوا على أن اللباب و الصريح من ولد إسماعيل بن إبراهيم (عليهما السلام) ربيعة و مضر ابنا نزار بن معد بن عدنان، لا خلاف في ذلك.
366
عَزَّ وَ جَلَّ مُخَالِفٌ لِهَوَاهُ لَا يَغْلُظُ عَلَى مَنْ دُونَهُ وَ لَا يَخُوضُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ نَاصِرٌ لِلدِّينِ مُحَامٍ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ كَهْفٌ لِلْمُسْلِمِينَ لَا يَخْرِقُ الثَّنَاءُ سَمْعَهُ وَ لَا يَنْكِي الطَّمَعُ قَلْبَهُ وَ لَا يَصْرِفُ اللَّعِبُ حُكْمَهُ وَ لَا يُطْلِعُ الْجَاهِلَ عِلْمَهُ قَوَّالٌ عَمَّالٌ عَالِمٌ حَازِمٌ لَا بِفَحَّاشٍ وَ لَا بِطَيَّاشٍ وَصُولٌ فِي غَيْرِ عُنْفٍ بَذُولٌ فِي غَيْرِ سَرَفٍ وَ لَا بِخَتَّالٍ وَ لَا بِغَدَّارٍ وَ لَا يَقْتَفِي أَثَراً وَ لَا يُخِيفُ بَشَراً رَفِيقٌ بِالْخَلْقِ سَاعٍ فِي الْأَرْضِ عَوْنٌ لِلضَّعِيفِ غَوْثٌ لِلْمَلْهُوفِ لَا يَهْتِكُ سِتْراً وَ لَا يَكْشِفُ سِرّاً كَثِيرُ الْبَلْوَى قَلِيلُ الشَّكْوَى إِنْ رَأَى خَيْراً ذَكَرَهُ وَ إِنْ عَايَنَ شَرّاً سَتَرَهُ يَسْتُرُ الْعَيْبَ وَ يَحْفَظُ الْغَيْبَ وَ يُقِيلُ الْعَثْرَةَ وَ يَغْفِرُ الزَّلَّةَ لَا يَطَّلِعُ عَلَى نُصْحٍ فَيَذَرَهُ وَ لَا يَدَعُ جُنْحَ حَيْفٍ فَيُصْلِحَهُ أَمِينٌ رَصِينٌ تَقِيٌّ نَقِيٌّ زَكِيٌّ رَضِيٌّ يَقْبَلُ الْعُذْرَ وَ يُجْمِلُ الذِّكْرَ وَ يُحْسِنُ بِالنَّاسِ الظَّنَّ وَ يَتَّهِمُ عَلَى الْغَيْبِ نَفْسَهُ يُحِبُّ فِي اللَّهِ بِفِقْهٍ وَ عِلْمٍ وَ يَقْطَعُ فِي اللَّهِ بِحَزْمٍ وَ عَزْمٍ لَا يَخْرَقُ بِهِ فَرَحٌ وَ لَا يَطِيشُ بِهِ مَرَحٌ مُذَكِّرٌ لِلْعَالِمِ مُعَلِّمٌ لِلْجَاهِلِ لَا يُتَوَقَّعُ لَهُ بَائِقَةٌ وَ لَا يُخَافُ لَهُ غَائِلَةٌ كُلُّ سَعْيٍ أَخْلَصُ عِنْدَهُ مِنْ سَعْيِهِ وَ كُلُّ نَفْسٍ أَصْلَحُ عِنْدَهُ مِنْ نَفْسِهِ عَالِمٌ بِعَيْبِهِ شَاغِلٌ بِغَمِّهِ لَا يَثِقُ بِغَيْرِ رَبِّهِ قَرِيبٌ وَحِيدٌ حَزِينٌ يُحِبُّ فِي اللَّهِ وَ يُجَاهِدُ فِي اللَّهِ لِيَتَّبِعَ رِضَاهُ وَ لَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ بِنَفْسِهِ وَ لَا يُوَالِي فِي سَخَطِ رَبِّهِ مُجَالِسٌ لِأَهْلِ الْفَقْرِ مُصَادِقٌ لِأَهْلِ الصِّدْقِ مُؤَازِرٌ لِأَهْلِ الْحَقِّ عَوْنٌ لِلْغَرِيبِ أَبٌ لِلْيَتِيمِ بَعْلٌ لِلْأَرْمَلَةِ حَفِيٌّ بِأَهْلِ الْمَسْكَنَةِ مَرْجُوٌّ لِكُلِّ كَرِيهَةٍ مَأْمُولٌ لِكُلِّ شِدَّةٍ هَشَّاشٌ بَشَّاشٌ لَا بِعَبَّاسٍ وَ لَا بِجَسَّاسٍ صَلِيبٌ كَظَّامٌ بَسَّامٌ دَقِيقُ النَّظَرِ عَظِيمُ الْحَذَرِ (1) لَا يَبْخَلُ وَ إِنْ بُخِلَ عَلَيْهِ صَبَرَ عَقَلَ فَاسْتَحْيَا وَ قَنِعَ فَاسْتَغْنَى حَيَاؤُهُ يَعْلُو شَهْوَتَهُ وَ وُدُّهُ يَعْلُو حَسَدَهُ وَ عَفْوُهُ يَعْلُو حِقْدَهُ لَا يَنْطِقُ بِغَيْرِ صَوَابٍ وَ لَا يَلْبَسُ إِلَّا الِاقْتِصَادَ مَشْيُهُ التَّوَاضُعُ خَاضِعٌ لِرَبِّهِ بِطَاعَتِهِ رَاضٍ عَنْهُ فِي كُلِّ حَالاتِهِ نِيَّتُهُ خَالِصَةٌ أَعْمَالُهُ لَيْسَ فِيهَا غِشٌّ وَ لَا خَدِيعَةٌ نَظَرُهُ عِبْرَةٌ وَ سُكُوتُهُ فِكْرَةٌ وَ كَلَامُهُ حِكْمَةٌ مُنَاصِحاً مُتَبَاذِلًا مُتَوَاخِياً نَاصِحٌ فِي
____________
(1) لا يجهل و ان جهل عليه يحلم خ.
367
السِّرِّ وَ الْعَلَانِيَةِ لَا يَهْجُرُ أَخَاهُ وَ لَا يَغْتَابُهُ وَ لَا يَمْكُرُ بِهِ وَ لَا يَأْسَفُ عَلَى مَا فَاتَهُ وَ لَا يَحْزَنُ عَلَى مَا أَصَابَهُ وَ لَا يَرْجُو مَا لَا يَجُوزُ لَهُ الرَّجَاءُ وَ لَا يَفْشَلُ فِي الشِّدَّةِ وَ لَا يَبْطَرُ فِي الرَّخَاءِ يَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ وَ الْعَقْلَ بِالصَّبْرِ تَرَاهُ بَعِيداً كَسَلُهُ دَائِماً نَشَاطُهُ قَرِيباً أَمَلُهُ قَلِيلًا زَلَلُهُ مُتَوَقِّعاً لِأَجَلِهِ خَاشِعاً قَلْبُهُ ذَاكِراً رَبَّهُ قَانِعَةً نَفْسُهُ مَنْفِيّاً جَهْلُهُ سَهْلًا أَمْرُهُ حَزِيناً لِذَنْبِهِ مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ كَظُوماً غَيْظَهُ صَافِياً خُلُقُهُ آمِناً مِنْهُ جَارُهُ ضَعِيفاً كِبْرُهُ قَانِعاً بِالَّذِي قُدِّرَ لَهُ مَتِيناً صَبْرُهُ مُحْكَماً أَمْرُهُ كَثِيراً ذِكْرُهُ يُخَالِطُ النَّاسَ لِيَعْلَمَ وَ يَصْمُتُ لِيَسْلَمَ وَ يَسْأَلُ لِيَفْهَمَ وَ يَتَّجِرُ لِيَغْنَمَ لَا يُنْصِتُ لِلْخَيْرِ لِيَفْخَرَ بِهِ (1) وَ لَا يَتَكَلَّمُ لِيَتَجَبَّرَ بِهِ عَلَى مَنْ سِوَاهُ نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ أَتْعَبَ نَفْسَهُ لآِخِرَتِهِ فَأَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ إِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ الَّذِي يَنْتَصِرُ لَهُ بُعْدُهُ مِمَّنْ تَبَاعَدَ مِنْهُ بُغْضٌ وَ نَزَاهَةٌ وَ دُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينٌ وَ رَحْمَةٌ لَيْسَ تَبَاعُدُهُ تَكَبُّراً وَ لَا عَظَمَةً وَ لَا دُنُوُّهُ خَدِيعَةً وَ لَا خِلَابَةً بَلْ يَقْتَدِي بِمَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ فَهُوَ إِمَامٌ لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَهْلِ الْبِرِّ قَالَ فَصَاحَ هَمَّامٌ صَيْحَةً ثُمَّ وَقَعَ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ وَ قَالَ هَكَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ الْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ فَمَا بَالُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- فَقَالَ إِنَّ لِكُلٍّ أَجَلًا لَنْ يَعْدُوَهُ وَ سَبَباً لَا يُجَاوِزُهُ فَمَهْلًا لَا تُعِدْ فَإِنَّمَا نَفَثَ عَلَى لِسَانِكَ شَيْطَانٌ (2).
بيان سيأتي (3) رواية همام نقلا عن نهج البلاغة و مجالس الصدوق باختلاف كثير و فيه أنه قال صف لي المتقين و يمكن أن يكون سأل عن صفات المؤمنين
____________
(1) لا ينصب للخير ليفجر به. خ.
(2) الكافي ج 2 ص 226- 330.
(3) بل قد مر تحت الرقم 50 و الظاهر أن المصنّف (رضوان اللّه عليه) بعد ما أخرج حديث الكافي هذا و فسر لغاته و مضامينه، أراد أن يلحق حديث الهمام من النهج و الأمالي بعد ذلك مع ما كتب (رحمه الله) في تفسير لغاته فاشتبه على النسّاخ و ألحقوه قبل ذلك، فلا يخلو الباب عن تكرار.
368
و المتقين معا فاكتفي في بعض الروايات بذكر الأولى و في بعضها بذكر الثانية.
و همام بفتح الهاء و تشديد الميم و في القاموس الهمام كغراب الملك العظيم الهمة و السيد الشجاع السخي و كشداد بن الحارث و ابن زيد و ابن مالك صحابيون.
و ما ذكر في الروايتين من تثاقله(ع)في الجواب أنسب بقوله(ع)في آخر الخبر لقد كنت أخافها عليه و في القاموس النسك مثلثة و بضمتين العبادة و كل حق لله عز و جل و قيل المراد هنا المواظب على العبادة و المجتهد المبالغ في العبادة في القاموس جهد كمنع جد كاجتهد و قال الكيس خلاف الحمق و قال الفطنة بالكسر الحذق.
و أقول الكيس كسيد و الفطن بفتح الفاء و كسر الطاء و تعريف الخبر باللام و توسيط الضمير للحصر و التأكيد كأن الفرق بينهما أن الكياسة ما كان خلقة و الفطنة ما يحصل بالتجارب أو الأول ما كان في الكليات و الثاني ما كان في الجزئيات و يحتمل التأكيد.
و في القاموس البشر بالكسر الطلاقة أوسع شيء صدرا كناية عن كثرة العلم أو وفور الحلم و أذل شيء نفسا أي لا يترفع و لا يطلب الرفعة و يتواضع للناس و يرى نفسه أخس من كل أحد و قيل أي صارت نفسه الأمارة ذليلة لروحه المقدسة و صارت مخالفته للنفس شعاره فعلى الثاني من الذل بالكسر و هو السهولة و الانقياد و على الأول من الذل بالضم بمعنى المضلة و الهوان.
زاجرا أي نفسه أو غيره أو الأعم منهما عن كل فان أي عن جميع الأمور الدنيوية فإنها في معرض الفناء و الحض الترغيب و التحريص و هذا أيضا يحتمل النفس و الغير و الأعم و الحقد إمساك العداوة و البغض في القلب و الحقود الكثير الحقد و قيل لا للمبالغة في النفي لا لنفي المبالغة كما قيل في قوله
369
تعالى وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (1) فلا يلزم ثبوت أصل الفعل و كذا في البواقي و يحتمل أن يكون إشارة إلى أن النادر منها لا ينافي الإيمان.
و لا وثاب أي لا يثب في وجوه الناس بالمنازعة و المعارضة و في القاموس رفع ككرم رفعة بالكسر شرف و علا قدره و قال شنأه كمنعه و سمعه شنأ و يثلث و شنأة و شنآنا أبغضه و قال الجوهري تقول فعله رئاء و سمعة أي ليراه الناس و يسمعوا به طويل الغم أي لما يستقبله من سكرات الموت و أحوال القبر و أهوال الآخرة بعيد الهم إما تأكيد للفقرة السابقة فإن الغم و الهم متقاربان أي يهتم للأمور البعيدة عنه من أمور الآخرة أو المراد بالهم القصد أي هو عالي الهمة لا يرضى بالدون من الدنيا الفانية أو لا يرضى من السعادات الباقية و الكمالات النفسانية بأدانيها بل يطلب معاليها و قيل أي يتفكر في العواقب في القاموس الهم الحزن و الجمع هموم و ما هم به في نفسه و الهمة بالكسر و يفتح ما هم به من أمر ليفعل.
كثير الصمت أي عما لا يعنيه وقور أي ذو وقار و رزانة لا يستعجل في الأمور و لا يبادر في الغضب و لا تجره الشهوات إلى ما لا ينبغي فعله في القاموس الوقار كسحاب الرزانة و رجل وقار و وقور و وقر كندس (2) ذكور كثير الذكر لله و لما ينفعه في الآخرة صبور عند البلاء شكور عند الرخاء.
مغموم بفكره أي بسبب فكره في أمور الآخرة مسرور بفقره لعلمه بقلة خطره و يسر الحساب في الآخرة و قلة تكاليف الله فيه سهل الخليقة أي ليس في طبعه خشونة و غلظة و قيل أي سريع الانقياد للحق و في القاموس الخليقة الطبيعة قال الله تعالى وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (3) لين العريكة هي قريبة من الفقرة السابقة مؤكدة لها في القاموس العريكة كسفينة النفس و رجل لين العريكة سلس الخلق منكسر النخوة و في النهاية في صفته
____________
(1) ق: 29.
(2) القاموس ج 2 ص 156.
(3) آل عمران: 159.
370
ص أصدق الناس لهجة و ألينهم عريكة العريكة الطبيعة يقال فلان لين العريكة إذا كان سلسا مطاوعا منقادا قليل الخلاف و النفور.
رصين الوقار بالراء و الصاد المهملتين و ما في بعض نسخ الكافي بالضاد المعجمة تصحيف أي محكم الوفاء بعهود الله و عهود الخلق في القاموس رصنه أكمله و أرصنه أحكمه و قد رصن ككرم و كأمير المحكم الثابت و الحفي بحاجة صاحبه قليل الأذى إنما ذكر القلة و لم ينف الأذى رأسا لأن الإيذاء قد يكون حسنا بل واجبا كما في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و جهاد الكفار و قيل إنما قال ذلك لأنه يؤذي نفسه و لا يخفى بعده لا متأفك كأنه مبالغة في الإفك بمعنى الكذب أي لا يكذب كثيرا أو المعنى لا يكذب على الناس و في بعض النسخ لا مستأفك أي لا يكذب على الناس فيكذبوا عليه فكأنه طلب منهم الإفك و قيل المتأفك من لا يبالي أن ينسب إليه الإفك و لا متهتك أي ليس قليل الحياء لا يبالي أن يهتك ستره أو لا يهتك ستر الناس في القاموس هتك الستر و غيره يهتكه فانهتك و تهتك جذبه فقطعه من موضعه أو شق منه جزءا فبدا ما وراءه و رجل منهتك و متهتك و مستهتك لا يبالي أن يهتك ستره.
إن ضحك لم يخرق أي لا يبالغ فيه حتى ينتهي إلى الخرق و السفه بل يقتصر على التبسم كما سيأتي في القاموس الخرق بالضم و بالتحريك ضد الرفق و أن لا يحسن الرجل العمل و التصرف في الأمور و الحمق و قيل هو من الخرق بمعنى الشق أي لم يشق فاه و لم يفتحه كثيرا.
و إن غضب لم ينزق في القاموس نزق الفرس كسمع و نصر و ضرب نزقا و نزوقا نزا أو تقدم خفة و وثب و أنزقه و نزقه غيره و كفرح و ضرب طاش و خف عند الغضب ضحكه تبسم في القاموس بسم يبسم بسما و ابتسم و تبسم و هو أقل الضحك و أحسنه و في المصباح بسم بسما من باب ضرب ضحك قليلا من غير صوت و ابتسم و تبسم كذلك.
و استفهامه تعلم أي للتعلم لا لإظهار العلم و مراجعته أي معاودته في السؤال
371
تفهم أي لطلب الفهم لا للمجادلة كثير الرحمة أي ترحمه على العباد كثير لا يبخل بالباء الموحدة ثم الخاء المعجمة كيعلم و يكرم و ربما يقرأ بالنون ثم الجيم من النجل و هو الرمي بالشيء أي لا يرمي بالكلام من غير روية و هو تصحيف (1).
و لا يعجل أي في الكلام و العمل و لا يضجر في القاموس ضجر منه و به كفرح و تضجر تبرم و في الصحاح الضجر القلق من الغم و قال البطر الأشر و هو شدة المرح و قد بطر بالكسر يبطر و البطر أيضا الحيرة و الدهش و في القاموس البطر محركة النشاط و الأشر و قلة احتمال النعمة و الدهش و الحيرة و الطغيان بالنعمة و كراهة الشيء من غير أن يستحق الكراهة فعل الكل كفرح و قال الحيف الجور و الظلم.
و لا يجور في علمه أي لا يظلم أحدا بسبب علمه أو لا يظهر خلاف ما يعلم و ربما يقرأ يجوز بالزاي أي لا يتجاوز عن العلم الضروري إلى غيره نفسه أصلب من الصلد أي من الحجر الصلب كناية عن شدة تحمله للمشاق أو عن عدم عدوله عن الحق و تزلزله فيه بالشبهات و عدم ميله إلى الدنيا بالشهوات و في القاموس الصلد و يكسر الصلب الأملس.
و مكادحته أحلى من الشهد في القاموس كدح في العمل كمنع سعى و عمل لنفسه خيرا أو شرا و كد و وجهه خدش أو عمل به ما يشينه ككدحه أو أفسده و لعياله كسب كاكتدح و في الصحاح الكدح العمل و السعي و الخدش و الكسب يقال هو يكدح في كذا أي يكد و قوله تعالى إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً (2) أي تسعى انتهى و الشهد العسل و قيل المكادحة هنا المنازعة أي منازعته لرفعة فيها أحلى من العسل و كأنه أخذه من الكدح بمعنى الخدش و العض استعير هنا لمطلق المنازعة في النهاية كل أثر من خدش أو عض فهو كدح.
و أقول يحتمل أن يكون المعنى أن سعيه في تحصيل المعيشة و الأمور الدنيوية لمساهلته فيها حسن لطيف و قيل الكدح الكد و السعي و حلاوة مكادحته
____________
(1) لكنه الانسب بالسجع.
(2) الانشقاق: 6.
372
لحلاوة ثمرتها فإن التعب في سبيل المحبوب راحة.
لا جشع في القاموس الجشع محركة أشد الحرص و أسوؤه و أن تأخذ نصيبك و تطمع في نصيب غيرك و قد جشع كفرح فهو جشع و قال الهلع محركة أفحش الجزع و كصرد الحريص و الهلوع من يجزع و يفزع من الشر و يحرص و يشح على المال أو الضجور لا يصبر على المصائب و قال العنف مثلثة العين ضد الرفق و قال الصلف بالتحريك قلة نماء الطعام و بركته و أن لا تحظى المرأة عند زوجها و التكلم بما يكرهه صاحبك و التمدح بما ليس عندك أو مجاوزة قدر الظرف و الادعاء فوق ذلك تكبرا و هو صلف ككتف و أقول أكثر المعاني مناسبة.
و قال المتكلف العريض لما لا يعنيه و نحوه قال الجوهري و قال تكلفت الشيء تجشمته أي ارتكبته على مشقة و لا متعمق أي لا يتعمق و لا يبالغ في الأمور الدنيوية و قيل لا يطول الكلام و لا يسعى في تحسينه لإظهار الكمال قال في القاموس عمق النظر في الأمور بالغ و تعمق في كلامه تنطع و قال تنطع في الكلام تعمق و غالى و تأنق و يحتمل أن يكون المراد عدم التعمق في المعارف الإلهية فإنه أيضا ممنوع لقصور العقول عن الوصول إليها لما مر في كتاب التوحيد بسند صحيح قال سئل علي بن الحسين عن التوحيد فقال إن الله عز و جل علم أنه يكون في آخر الزمان أقوام متعمقون فأنزل الله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ و الآيات من سورة الحديد إلى قوله عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ فمن رام وراء ذلك فقد هلك (1).
جميل المنازعة أي إن احتاج إلى منازعة يأتي بها على أحسن الوجوه كريم المراجعة قد مر أن مراجعته في السؤال تفهم و هنا يصفها بالكرم أي يأتي بها في غاية الملاينة و حسن الأدب و قيل المراد بالمراجعة هنا الرجوع عن الذنب أو السهو أو الخطاء عدل إن غضب أي لا يصير غضبه سببا لجوره على من غضب عليه رفيق إن طلب أي إن طلب شيئا من أحد يطلبه برفق سواء كان له عنده حق أم لا و يمكن أن يقرأ على بناء المجهول أي إن طلب أحد رفاقته يصاحبه
____________
(1) راجع ج 3 ص 263 و 264 من هذه الطبعة.
373
برفق أو إن طلب أحد منه حقه يجيبه برفق.
لا يتهور التهور الإفراط في الشجاعة و هو مذموم قال في القاموس تهور الرجل وقع في الأمر بقلة مبالاة و لا يتهتك قد مر ذلك فهو تأكيد أو المراد هنا هتك ستر الغير فيكون تأسيسا لكن لا يساعده اللغة كما عرفت و لا يتجبر أي لا يتكبر على الغير أو لا يعد نفسه كبيرا خالص الود أي محبته خالصة لله أو مخصوصة بالله أو محبته خالصة لكل من يوده غير مخلوطة بالخديعة و النفاق و كأن هذا أظهر وثيق العهد أي عهده مع الله و مع الخلق محكم.
وفي العقد أي يفي بما يصدر عنه من العقود الشرعية كما قال سبحانه أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1) على بعض الوجوه قال في مجمع البيان اختلف في هذه العقود على أقوال أحدها أن المراد بها العهود التي كان أهل الجاهلية عاهد بعضهم بعضا فيها على النصرة و المؤازرة و المظاهرة على من حاول ظلمهم أو بغاهم سوءا و ذلك هو معنى الحلف.
و ثانيها أنها العهود التي أخذ الله سبحانه على عباده بالإيمان به و الطاعة فيما أحل لهم أو حرم عليهم.
و ثالثها أن المراد بها العقود التي يتعاقدها الناس بينهم و يعقدها المرء على نفسه كعقد الأيمان و عقد النكاح و عقد العهد و عقد البيع و عقد الحلف.
و رابعها أن ذلك أمر من الله سبحانه لأهل الكتاب بالوفاء بما أخذ به ميثاقهم من العمل بما في كتبهم من تصديق نبينا ص و ما جاء به من عند الله و أقوى هذه الأقوال عن ابن عباس أن المراد بها عقود الله التي أوجبها على العباد في الحلال و الحرام و الفرائض و الحدود و يدخل في ذلك جميع الأقوال الأخر فيجب الوفاء بجميع ذلك إلا ما كان عقدا في المعاونة على أمر قبيح انتهى (2).
____________
(1) المائدة: 1.
(2) مجمع البيان ج 3 ص 151 و 152.
374
و العلماء مدارهم في الاستدلال على لزوم العقود بهذه الآية و قد يحمل العقد في هذا الخبر على الاعتقاد.
و في القاموس الشفق حرص الناصح على صلاح المنصوح و هو مشفق و شفيق و حاصله أنه ناصح و مشفق على المؤمنين و قيل خائف من الله و الأول أظهر وصول للرحم أو الأعم منهم و من سائر المؤمنين و الحلم الأناة و العقل كما في القاموس و قال الراغب الحلم ضبط النفس و الطبع عن هيجان الغضب و جمعه أحلام قال الله تعالى أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا قيل معناه عقولهم و ليس الحلم في الحقيقة هو العقل لكن فسروه بذلك لكونه من مسببات العقل (1).
خمول في أكثر النسخ بالخاء المعجمة و في بعضها بالحاء المهملة فعلى الأول المعنى أنه خامل الذكر غير مشهور بين الناس و كأنه محمول على أنه لا يحب الشهرة و لا يسعى فيها لا أن الشهرة مطلقا مذمومة في القاموس خمل ذكره و صوته خمولا خفي و أخمله الله فهو خامل ساقط لا نباهة له و على الثاني إما المراد به الحلم تأكيدا أو المراد بالحليم العاقل أو أنه يتحمل المشاق للمؤمنين و الأول أظهر في القاموس حمل عنه حلم فهو حمول ذو حلم.
قليل الفضول الفضول جمع الفضل و هي الزوائد من القول و الفعل في القاموس الفضل ضد النقص و الجمع فضول و الفضولي بالضم المشتغل بما لا يعنيه مخالف لهواه أي لما تشتهيه نفسه مخالفا للحق قال الراغب (2) الهوى ميل النفس إلى الشهوة و يقال ذلك للنفس المائلة إلى الشهوة و قيل سمي بذلك لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية و في الآخرة إلى الهاوية و قد عظم الله ذم اتباع الهوى فقال أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ (3) و قال وَ لا تَتَّبِعِ
____________
(1) مفردات غريب القرآن ص 129.
(2) المفردات ص 548.
(3) الجاثية: 23.
375
الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (1) وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (2) وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ (3) و قال وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (4) وَ لا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ (5) وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ (6) انتهى.
لا يغلظ على بناء الإفعال يقال أغلظ له في القول أي خشن أو على بناء التفعيل أو على بناء المجرد ككرم قال في المصباح غلظ الرجل اشتد فهو غليظ و فيه غلظة أي غير لين و لا سلس و أغلظ له في القول إغلاظا و غلظت عليه في اليمين تغليظا شددت عليه و أكدت.
على من دونه دينا أو دنيا أو الأعم و لا يخوض أي لا يدخل فيما لا يعنيه أي لا يهمه في القاموس عناه الأمر يعنيه و يعنوه عناية و عناية أهمه و اعتنى به اهتم ناصر للدين أصوله و فروعه قولا و فعلا محام عن المؤمنين أي يدفع الضرر عنهم في القاموس حاميت عنه محاماة و حماء منعت عنه كهف للمسلمين في القاموس الكهف الوزر و الملجأ لا يخرق الثناء سمعته كأن المراد بالخرق الشق و عدمه كناية عن عدم التأثير فيه كأنه لم يسمعه و ما قيل من أنه على بناء الإفعال أي لا يصير سمعه ذا خرق و حمق فلا يخفى بعده.
و لا ينكي الطمع قلبه أي لا يؤثر في قلبه و لا يستقر فيه و فيه إشعار بأن الطمع يورث جراحة القلب جراحة لا تبرأ في القاموس نكأ القرحة كمنع قشرها قبل أن تبرأ فنديت و قال في المعتل نكى العدو و فيه نكاية قتل و جرح و القرحة نكأها
____________
(1) ص: 26.
(2) الكهف: 28.
(3) الجاثية: 18.
(4) البقرة: 120.
(5) المائدة: 77.
(6) القصص: 50.
376
أقول فهنا يمكن أن يقرأ مهموزا و غير مهموز. و لا يصرف اللعب حكمه أي حكمته و المعنى لا يلتفت إلى اللعب لحكمته كما قال تعالى وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً (1) أو المعنى أن الأمور الدنيوية لا تصير سببا لتغيير حكمه كما قال تعالى وَ ما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَ لَعِبٌ (2) و لا يطلع الجاهل علمه لا يطلع على بناء الإفعال و المراد بالجاهل المخالفون أي يتقي منهم أو ضعفاء العقول فالمراد بالعلم ما لا يستطيعون فهمه كما مر قوال أي كثير القول لما يحسن قوله عمال كثير الفعل و العمل بما يقوله عالم قيل هو ناظر إلى قوله قوال و حازم ناظر إلى قوله عمال و الحزم رعاية العواقب و في القاموس الحزم ضبط الأمر و الأخذ فيه بالثقة لا بفحاش في القاموس الفحش عدوان الجواب و قال الراغب الفحش و الفحشاء و الفاحشة ما عظم قبحه من الأفعال و الأقوال.
و في القاموس الطيش النزق و الخفة طاش يطيش فهو طائش و طياش و ذهاب العقل و الطياش من لا يقصد وجها واحدا.
وصول في غير عنف كأن في بمعنى مع أي يعاشر الأرحام و المؤمنين و يحسن إليهم بحيث لا يصير سببا للثقل عليهم أو وصله دائم غير مشوب بعنف أو يصلهم بالمال و لا يعنف عليهم عند العطاء و لا يؤذيهم بالقول و الفعل.
بذول في غير سرف أي يبذل المال مع غير إسراف و لا بختار و في بعض النسخ و لا بختال في القاموس الختر الغدر و الخديعة أو أقبح الغدر و هو خاتر و ختار و قال ختله يختله و يختله ختلا و ختلانا خدعه و الذئب الصيد تخفى له فهو خاتل و ختول و خاتله خادعه و تخاتلوا تخادعوا لا يقتفي أثرا أي لا يتبع عيوب الناس أو لا يتبع أثر من لا يعلم حقيقة.
____________
(1) الفرقان: 72.
(2) العنكبوت: 64.
377
و لا يحيف بشرا بالحاء المهملة و في بعض النسخ بالمعجمة فعلى الأول هو من الحيف الجور و الظلم و على الثاني من الإخافة ساع في الأرض أي لقضاء حوائج المؤمنين و عيادة مرضاهم و شهود جنائزهم و هدايتهم و إرشادهم.
و الغوث اسم من الإغاثة و هي النصرة و أغاثهم الله برحمته كشف الله شدتهم و في القاموس لهف كفرح حزن و تحسر كتلهف عليه و الملهوف و اللهيف و اللهفان و اللاهف المظلوم المضطر يستغيث و يتحسر انتهى.
و هتك الستر إفشاء العيوب و لا يكشف سرا أي سر نفسه أو سر غيره أو الأعم و الشكوى الشكاية إن رأى خيرا بالنسبة إليه أو مطلقا ذكره عند الناس و إن عاين شرا بالنسبة إليه أو مطلقا ستره عن الناس و حفظ الغيب أن يكون في غيبة أخيه مراعيا لحرمته كرعايته عند حضوره.
و يقيل العثرة أصل الإقالة هو أن يبيع الإنسان من آخر شيئا فيندم المشتري فيستقيل البائع أي يطلب عنه فسخ البيع فيقيله أي يقبل ذلك منه فيتركه ثم يستعمل ذلك في أن يفعل أحد بغيره ما يستحق تأديبا أو ضررا فيعتذر منه و يطلب العفو فيعفو عنه كأنه وقع بينهما معاوضة فتتاركا و منه قولهم أقال الله عثرته.
و غفر الزلة أيضا قريب من ذلك يقال أرض مزلة تزل فيه الأقدام و زل في منطقه أو فعله يزل من باب ضرب زلة أخطأ و يمكن أن تكون الثانية تأكيدا أو تكون إحداهما محمولة على ما يفعل به و الأخرى على الخطاء الذي صدر منه من غير أن يصل ضرره إليه أو تكون إحداهما محمولة على العمد و الأخرى على الخطإ أو إحداهما على القول و الأخرى على الفعل أو إحداهما على نقض العهد و الوعد و الأخرى على غيره.
لا يطلع على نصح فيذره لا يطلع بالتشديد على بناء الافتعال أي إذا اطلع على نصح لأخيه لا يتركه بل يذكره له و لا يدع جنح حيف فيصلحه في القاموس الجنح بالكسر الجانب و الكنف و الناحية و من الليل الطائفة منه و يضم و قال الحيف الجور و الظلم و الحاصل أنه لا يدع شيئا من الظلم يقع منه أو من غيره على
378
أحد بل يصلحه أو لا يصدر منه شيء من الظلم فيحتاج إلى أن يصلحه و في بعض النسخ جنف بالجيم و النون و هو محركة الميل و الجور.
أمين يأتمنه الناس على مالهم و عرضهم رصين بالصاد المهملة و تقدم و في بعض النسخ بالضاد المعجمة و في القاموس المرضون شبه المنضود من حجارة و نحوها يضم بعضها إلى بعض في بناء و غيره تقي عن المعاصي نقي عن ذمائم الأخلاق أو مختار يقال انتقاه أي اختاره زكي أي طاهر من العيوب أو تام في الكمالات أو صالح في القاموس زكا يزكو زكاء نما كأزكى و زكاه الله و أزكاه و الرجل صلح و تنعم فهو زكي من أزكياء و في بعض النسخ بالذال أي يدرك المطالب العلية من المبادي الخفية بسهولة رضي أي راض عن الله و عن الخلق أو مرضي عندهما كما قال تعالى وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (1) أي مرضيا عندك قولا و فعلا.
و يجمل الذكر على بناء الإفعال أي يذكرهم بالجميل و يتهم على العيب نفسه بالعين المهملة و في بعض النسخ بالمعجمة أي يتهم نفسه غائبا عن الناس لا كالمرائي الذي يظهر ذلك عند الناس و ليس كذلك أو يتهم نفسه على ما يغيب عن الناس من عيوبه الباطنة الخفية.
يحب في الله بفقه و علم أي يحب في الله و لله من يعلم أنه محبوب لله و يلزم محبته لا كالجهال الذين يحبون أعداء الله لزعمهم أنهم أولياء الله كالمخالفين و يقطع في الله بحزم و عزم أي يقطع من أعداء الله بحزم و رعاية للعاقبة فإنه قد تلزم مواصلتهم ظاهرا للتقية و هو عازم على قطعهم لا كمن يصل يوما و يقطع يوما.
لا يخرق به فرح يخرق كيحسن و الباء للتعدية أي لا يصير الفرح سببا لخرقه و سفهه قال في المصباح الفرح يستعمل في معان أحدها الأشر و البطر و عليه قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (2) و الثاني الرضا و عليه قوله تعالى
____________
(1) مريم: 7.
(2) القصص: 76.
379
كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (1) و الثالث السرور و عليه قوله تعالى فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ (2) و يقال فرح بشجاعته و بنعمة الله عليه و بمصيبة عدوه فهذا الفرح لذة القلب بنيل ما يشتهي.
و لا يطيش به مرح أي لا يصير شدة فرحه سببا لنزقه و خفته و ذهاب عقله أو عدوله عن الحق و ميله إلى الباطل في القاموس الطيش جواز السهم الهدف و أطاشه أماله عن الهدف و قال مرح كفرح أشر و بطر و اختال و نشط و تبختر و قال الجوهري المرح شدة الفرح و النشاط.
مذكر العالم الآخرة أو مسائل الدين لا يتوقع له بائقة أي لا يخاف أن يصدر منه داهية و شر في القاموس توقع الأمر انتظر كونه و قال البائقة الداهية و باق جاء بالشر و الخصومات و قال الجوهري فلان قليل الغائلة و المغالة أي الشر الكسائي الغوائل الدواهي.
كل سعي أخلص عنده من سعيه أي لحسن ظنه بالناس و اتهامه لنفسه سعي كل أحد في الطاعات أخلص عنده من سعيه و قريب منه الفقرة التالية و قوله عالم بعيبه كالدليل عليها شاغل بغمه أي غمه لآخرته شغله عن أن يلتفت إلى عيوب الناس أو إلى الدنيا و لذاتها.
قريب في أكثر النسخ بالقاف أي قريب من الله أو قريب عن الناس لا يتكبر عليهم أو من فهم المسائل و الاطلاع على الأسرار قال في النهاية فيه اتقوا قراب المؤمن فإنه ينظر بنور الله و روي قرابة المؤمن يعني فراسته و ظنه الذي هو قريب من العلم و التحقق لصدق حدسه و إصابته انتهى.
و أقول كونه مأخوذا منه ليس بقريب و الأظهر غريب بالغين كما في بعض النسخ أي لا يجد مثله فهو بين الناس غريب و لذا يعيش فردا لا يأنس بأحد قال في النهاية فيه إن الإسلام بدا غريبا و سيعود كما بدا فطوبى للغرباء أي أنه كان
____________
(1) الروم: 32.
(2) آل عمران: 170.
380
في أول أمره كالغريب الوحيد الذي لا أهل له عنده لقلة المسلمين يومئذ و سيعود غريبا كما كان أي يقل المسلمون في آخر الزمان فيصيرون كالغرباء فطوبى للغرباء أي الجنة لأولئك المسلمين الذين كانوا في أول الإسلام و يكونون في آخره و إنما خصهم بها لصبرهم على أذى الكفار أولا و آخرا و لزومهم دين الإسلام انتهى.
وحيد أي يصبر على الوحدة أو فريد لا مثل له حزين لضلالة الناس و قلة أهل الحق لا ينتقم لنفسه بنفسه بل يصبر حتى ينتقم الله له في الدنيا أو في الآخرة و لا يوالي في سخط ربه أي ليس موالاته لمعاصي الله و في القاموس الصداقة المحبة و المصادقة و الصداق المخالة كالتصادق و الموازرة و المعاونة.
عون أي معاون للغريب النائي عن بلده أو للقرباء من أهل الحق كما ورد أن المؤمن غريب أب لليتيم أي كالأب له و كذا البعل و في الصحاح الأرملة المرأة التي لا زوج لها و في القاموس امرأة رملة محتاجة أو مسكينة و الجمع أرامل و أراملة و الأرمل العزب و هي بهاء أو لا يقال للعزبة الموسرة أرملة.
حفي بأهل المسكنة قال الراغب الحفي البر اللطيف في قوله عز ذكره إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (1) و يقال حفيت بفلان و تحفيت به إذا عنيت بإكرامه و الحفي العالم بالشيء.
مرجو لكل كريهة أي يرجى لرفع كل كريهة و يأمله الناس لدفع كل شدة و لو بالدعاء إن لم تمكنه الإعانة الظاهرة و في القاموس الكريهة الحرب أو الشدة في الحرب و النازلة و قيل المرجو أقرب إلى الوقوع من المأمول.
هشاش بشاش قال الجوهري الهشاشة الارتياح و الخفة للمعروف و قد هششت بفلان بالكسر أهش هشاشة إذا خففت إليه و ارتحت له و رجل هش بش و قال البشاشة طلاقة الوجه و رجل هش بش أي طلق الوجه لا بعباس أي كثير العبوس و لا بجساس أي لا كثير التجسس لعيوب الناس
____________
(1) مريم: 47 راجع المفردات: 125.
381
صليب أي متصلب شديد في أمور الدين كظام يكظم الغيظ كثيرا يقال كظم غيظه أي رده و حبسه بسام أي كثير التبسم دقيق النظر أي نافذ الفكر في دقائق الأمور عظيم الحذر عن الدنيا و مهالكها و فتنها لا يبخل بمنع حقوق الناس واجباتها و مندوباتها و إن بخل عليه بمنع حقوقه صبر.
عقل أي فهم قبح المعاصي فاستحيا من ارتكابها أو عقل أن الله مطلع عليه في جميع أحواله فاستحيا من أن يعصيه و قنع بما أعطاه الله فاستغنى عن الطلب من المخلوقين حياؤه من الله و من الخلق يعلو شهوته فيمنعه عن اتباع الشهوات النفسانية و وده للمؤمنين يعلو حسده أي يمنعه عن أن يحسدهم على ما أعطاهم الله و عفوه عن زلات إخوانه و ما أصابه منهم من الأذى يعلو حقده عليهم.
و لا يلبس إلا الاقتصاد أي يقتصد و يتوسط في لباسه فلا يلبس ما يلحقه بدرجة المسرفين و المترفين و لا ما يلحقه بأهل الخسة و الدناءة فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه أو يصير سببا لشهرتهم بالزهد كما هو دأب المتصوفة و يحتمل أن يكون المراد جعله الاقتصاد في جميع أموره شعارا و دثارا على الاستعارة.
و مشيه التواضع أي لا يختال في مشيه و قيل هو العدل بين رذيلتي المهانة و الكبر.
و أقول يحتمل أن يكون المراد مسلكه و طريقته التواضع.
بطاعته أي بأن يطيعه أو بسبب طاعته في كل حالاته أي من الشدة و الرخاء و النعمة و البلاء خالصة أي لله سبحانه ليس فيها غش لله أو للخلق أو الأعم في القاموس غشه لم يمحضه النصح أو أظهر له خلاف ما أضمر و الغش بالكسر الاسم منه.
نظره إلى المخلوقات عبرة و استدلال على وجود الخالق و علمه و قدرته و لطفه و حكمته و إلى الدنيا عبرة بفنائها و انقضائها و سكوته فكرة أي تفكر في عظمة الله و قدرته و فناء الدنيا و عواقب أموره و الحمل في تلك الفقرات للمبالغة
382
في السببية فإن النظر سبب للعبرة و السكوت سبب للفكرة مناصحا نصبه و أختيه على الحال مما أضيف إليه المبتدأ على القول بجوازه و قيل نصبها على الاختصاص أي ينصح أخاه و يقبل منه النصح متباذلا أي يبذل أخاه من المال و العلم و يقبل منه متواخيا أي يواخي مع خلص المؤمنين لله و في الله.
ناصحا في السر و العلانية أي ينصح في السر إن اقتضته المصلحة و في العلانية إن اقتضته الحكمة أو المراد بالسر القلب و بالعلانية اللسان إشارة إلى أن نصحه غير مشوب بالخدعة.
لا يهجر أخاه الهجر ضد الوصل أي لا يترك صحبته و لا يأسف على ما فاته أي من النعم في القاموس الأسف محركة أشد الحزن أسف كفرح و عليه غضب و لا يحزن على ما أصابه أي من البلاء و لا يرجو ما لا يجوز له الرجاء كان يرجو البقاء في الدنيا أو درجة الأنبياء و الأوصياء أو الأمور الدنيوية كالمناصب الباطلة.
و لا يفشل في الشدة أي لا يكسل في العبادة في حال الشدة أو لا يضطرب و لا يجبن فيها بل يصبر أو يقدم على دفعها بالجهاد و نحوه في القاموس فشل كفرح فهو فشل كسل و ضعف و تراخى و جبن يمزج العلم بالحلم أي بالعفو و كظم الغيظ أو العقل و الأول أظهر لأن العلم يصير غالبا سببا للتكبر و الترفع و ترك الحلم و المزج الخلط و الفعل كنصر و العقل بالصبر أي مع وفور عقله يصبر على جهل الجهال أو يصبر على المصائب لقوة عقله و قيل أي مع عقله و فهمه أحوال الخلائق يصبر عليها.
تراه بعيدا كسله أي في العبادات دائما نشاطه أي رغبته في الطاعات في القاموس نشط كسمع نشاطا طابت نفسه للعمل و غيره قريبا أمله أي لا يأمل ما يبعد حصوله من أمور الدنيا أو لا يأمل ما يتوقف حصوله على عمر طويل بل يعد موته قريبا و الحاصل أنه ليس له طول الأمل أو لا يؤخر ما يريده من الطاعة و لا يسوف فيها قليلا زلله لتيقظه و أخذه بالحائطة لدينه متوقعا لأجله أي
383
منتظرا له يعده قريبا منه خاشعا قلبه أي خاضعا منقادا لأمر الله متذكرا له خائفا منه سبحانه قانعة نفسه بما أعطاه ربه منفيا جهله لوفور علمه سهلا أمره أي هو خفيف المئونة أو يصفح عن السفهاء و لا يصر على الانتقام منهم و قيل أي لا يتكلف لأحد و لا يكلف أحدا.
ميتة شهوته أي هو عفيف النفس صافيا خلقه عن الغلظ و الخشونة محكما أمره أي أمر دينه أو الأعم ليسلم أي من آفات اللسان و يتجر ليغنم أي ليحصل الغنيمة و الربح لا للفخر و الحرص على جمع الأموال و الذخيرة أو المراد بالغنيمة الفوائد الأخروية أي يتجر لينفق ما يحصل له في سبيل الله فتحصل له الغنائم الأخروية كذا أفاده الوالد (رحمه الله) أو المراد بالتجارة أيضا التجارة الأخروية كما قال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (1) لا ينصت للخير ليفخر به أي لا يسكت مستمعا لقول الخير لينقله في مجلس آخر فيفخر به في القاموس نصت ينصت و أنصت و انتصت سكت و أنصته و له سكت له و استمع لحديثه و أنصته أسكته و في بعض النسخ لا ينصب للخير ليفجر به أي لا يقبل المنصب الشرعي ليفجر به و يحكم بالفجور و يرتشي و يقضي بالباطل و لا يتكلم أي بالخير.
نفسه منه في عناء لرياضتها في الطاعات و الناس منه في راحة و فسر هذا بقوله أتعب نفسه لآخرته فأراح الناس من نفسه لأن شغله بأمر نفسه يشغله عن التعرض لغيره و ربما يفرق بين الفقرات بأن المراد بالفقرتين الأوليين أن نفسه الأمارة منه في عناء و تعب لمنعها عن هواها و زجرها عن مشتهاها فصار الناس منه في راحة لأن المداومة على الطاعات و الرياضات تصير النفس سليمة حليمة غير مائلة إلى المعارضات الذي ينتصر له أي ينتقم له.
____________
(1) الصف: 11.
384
بعده ممن تباعد منه بغض و نزاهة أي إنما يبعد عن الكفار و الفساق للبغض في الله و النزاهة و البعد عن أعمالهم و أفعالهم و النزاهة بالفتح التباعد عن كل قذر و مكروه و دنوه ممن دنا منه من المؤمنين لين و رحمة أي ملاينة و ملاطفة و ترحم و لا عظمة أي تجبرا و عد النفس عظيما و قيل المراد بها العظمة الواقعية و في القاموس خلبه كنصره خلبا و خلابا و خلابة بكسرهما خدعه بل يقتدي أي في هذا البعد و الدنو.
أقول هذه الصفات قد يتداخل بعضها في بعض و لكن تورد بعبارة أخرى أو تذكر مفردة ثم تذكر ثانية مركبة مع غيرها و هذا النوع من التكرار في الخطب و المواعظ مطلوب لمزيد التذكار.
ثم وقع مغشيا عليه كأن المراد به أنه مات من غشيته كما سيأتي (1) في رواية النهج هكذا تصنع المواعظ البالغة هكذا في محل النصب نائب للمفعول المطلق لقوله تصنع و التقديم للحصر و المشار إليه نوع من التأثير صار في همام سبب موته بأهلها أي بمن تؤثر فيه و يتدبرها و يفهمها كما ينبغي.
فما بالك يا أمير المؤمنين أي ما حالك حيث لم يفعل العلم بتلك الصفات أو ذكرها أو سماعك من الرسول ص ما فعل بهمام أو لم أتيت بتلك الموعظة مع خوفك عليه فعلى الأول الجواب يحتمل وجوها الأول أن المشار إليه بهكذا التأثير الكامل و صيرورته في همام سبب موته لضعف نفسه و قلة حوصلته و عدم اتصافه ببعض تلك الصفات لا يستلزم صيرورته سببا للموت في كل أحد لا سيما فيه (صلوات الله عليه).
الثاني ما ذكره بعض المحققين و هو أنه أجابه(ع)بالإشارة إلى السبب البعيد و هو الأجل المحتوم به القضاء الإلهي و هو جواب مقنع للسامع مع أنه حق و صدق و أما السبب القريب الفرق بينه و بين همام و نحوه لقوة نفسه القدسية على قبول الواردات الإلهية و تعوده بها و بلوغ رياضته حد السكينة عند ورود أكثرها و ضعف
____________
(1) بل مر تحت الرقم 50 ص 271.
385
نفس همام عما ورد عليه من خوف الله و رجائه و أيضا فإنه(ع)كان متصفا بهذه الصفات لم يفقدها حتى يتحسر على فقدها.
قيل و لم يجب(ع)بمثل هذا الجواب لاستلزامه تفضيل نفسه أو لقصور فهم السائل و هذا قريب من الأول لكن الأول أظهر لأنه(ع)أشار إلى الفرق إجمالا بأن الآجال منوطة بالأسباب و الأسباب في المواد مختلفة فيمكن أن يؤثر في بعض المواد و لا يؤثر في بعضها.
الثالث أن يكون المعنى أن قولنا هكذا تصنع المواعظ على تقدير كون هكذا إشارة إلى الموت ليس كليا بل المراد أنه قد تصنع ذلك إذا صادف قلة ظرف سامعه أو غير ذلك و ليس سببا مستقلا للموت بالنسبة إلى أهلها فإن لكل أحد أجلا منوطا بأسباب و دواعي و مصالح و الوجوه الثلاثة متقاربة.
و قيل يمكن أن يكون كلام السائل مبنيا على أن هكذا إشارة إلى الإماتة و حاصل الجواب حينئذ التنبيه على بطلان هذا التوهم و أن المشار إليه التأثير الكامل كما مر.
و على الثاني حاصل الجواب أني لم أكن أعلم أنه يفعل به ما فعل و الخوف يحصل بمحض الاحتمال و محض الاحتمال لا يكفي لترك بيان ما أمر الله ببيانه كما قال ابن ميثم.
إن قيل كيف جاز منه(ع)أن يجيبه مع غلبة ظنه بهلاكه و هو كالطبيب يعطي كلا من المرضى بحسب احتمال طبيعته من الدواء قلت إنه لم يكن يغلب على ظنه إلا الصعقة عن الوجد الشديد فأما أن تلك الصعقة فيها موته فلم يكن مظنونا له انتهى.
أقول و يحتمل أن يكون المراد أن هذا كان أجلا مقدرا له و لا يمكن الفرار من الأجل المقدر بترك ما أمر الله به كما قال تعالى قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ (1) على بعض التفاسير
____________
(1) آل عمران: 154.
386
و يمكن أن يجوز له(ع)ذلك مع العلم بموته لعهد من الرسول ص فيشبه قصة الغلام و صاحب موسى ع.
و سببا لا يجاوزه الضمير راجع إلى السبب و قال الجوهري المهل بالتحريك التؤدة و أمهله أنظره و تمهل في أمره أي اتأد و قولهم مهلا يا رجل و كذلك للاثنين و الجمع و المؤنث و هي موحدة بمعنى أمهل (1) و قال النفث شبيه بالنفخ و هو أقل من التفل.
أقول و ربما يتوهم التنافي بين ما تضمن هذا الخبر من صيحة همام عند سماع الموعظة و بين ما سيأتي في كتاب القرآن من ذم أبي جعفر(ع)قوما إذا ذكروا شيئا من القرآن أو حدثوا به صعق أحدهم (2) و يمكن أن يجاب بأن عروض ذلك نادرا لا ينافي ذمه(ع)قوما كان دأبهم ذلك و كانوا متعمدين لفعله رئاء و سمعة كالصوفية.
____________
(1) الصحاح ص 1822.
(2) تراه في الكافي ج 2 ص 616 باب فيمن يظهر الغشية عند قراءة القرآن.
387
كلمة المحقّق
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله محمّد و آله أمناء الله.
و بعد: فمن سعادتي الخالدة- و الشكر لواهبها و منعمها- أن وفّقني الله العزيز لخدمة الدين القويم و الخوض في تراثه الذهبيّ القيّم تحقيقاً لآثار الوحي و الرسالة و تصحيحها و تبريزها بصورة تناسب أدنى شأنها و شأنها أن تكتب بالتبر على ألواح الزبرجد.
و في مقدّمتها هذا الموسوعة الكبرى بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار الباحث عن المعارف الإسلاميّة الدائرة بين المسلمين فلله المنّ و الشكر على توفيقه لذلك.
و هذا الجزء الذي نقدّمها إلى القرّاء الكرام هو الجزء الأوّل من المجلّد الخامس عشر في بيان الإسلام و الإيمان و شرائطهما و صفات المؤمنين و المتّقين من مكارم الاخلاق و محاسن الأعراق و بيان معاني الكفر و النفاق و موجباتها و علائم الكفار و المنافقين و مقابح خصالهم و مذامّ خلالهم إلى غير ذلك من المباحث النافعة الكثيرة التي ستمرّ عليكم في طيّ أجزائها.
و قد اعتمدنا في تصحيح أحاديثها و تحقيقها على النسخة المصحّحة المشهورة بكمبانيّ بعد تخريج أحاديثه من المصادر و تعيين موضع النصّ منها إلّا في المصادر المخطوطة.
نرجو من الله العزيز أن يوفّقنا لإتمام ذلك و يعيننا في إخراج سائر أجزائه متواليا متواترا و أن يعصمنا عن الزلل و الخطاء إنّه وليّ العصمة و التوفيق.
محمد الباقر البهبودى
388
[كلمة المصحّح]
بسمه تعالى
إلى هنا انتهى الجزء الأول من المجلّد الخامس عشر و هو الجزء الرابع و الستّون حسب تجزئتنا يحتوي على أربعة عشر باباً
و لقد بذلنا الجهد في تصحيحنا فخرج بعون الله و مشيّته نقيّا من الأغلاط إلّا نزرا زهيدا زاغ منه البصر و حسر عنه النظر الّلهمّ ما بنا من نعمة فمنك وحدك لا شريك لك فوفّقنا لأقرب من هذا رشداً.
السيّد إبراهيم الميانجي محمّد الباقر البهبودى
389
فهرس ما في هذا الجزء من الأبواب
عناوين الأبواب/ رقم الصفحة
أبواب الإيمان و الإسلام و التشيّع و معانيها و فضلها و صفاتها
1- باب فضل الإيمان و جمل شرائطه 73- 2
2- باب أنّ المؤمن ينظر بنور اللّه و أن اللّه خلقه من نوره 79- 73
3- باب طينة المؤمن و خروجه من الكافر و بالعكس و بعض أخبار الميثاق زائدا على ما تقدّم في كتاب التوحيد و العدل 129- 77
4- باب فطرة اللّه سبحانه و صبغته 142- 130
5- باب فيما يدفع اللّه بالمؤمن 144- 143
6- باب حقوق المؤمن على اللّه عزّ و جلّ و ما ضمن اللّه تعالى له 146- 145
7- باب الرضا بموهبة الإيمان و أنّه من أعظم النعم و ما أخذ اللّه على المؤمن من الصبر على ما يلحقه من الأذى 157- 147
8- باب قلّة عدد المؤمنين و أنه ينبغي أن لا يستوحشوا لقلتهم و أنس المؤمنين بعضهم ببعض 169- 157
9- باب أصناف الناس في الإيمان 181- 169
10- باب لزوم البيعة و كيفيّتها و ذم نكثها 188- 181
11- باب آخر في أنّ المؤمن صنفان 196- 189
12- باب شدّة ابتلاء المؤمن و علّته و فضل البلاء 259- 196
13- باب أنّ المؤمن مكفّر 261- 259
14- باب علامات المؤمن و صفاته 386- 261
391
(رموز الكتاب)
ب: لقرب الإسناد.
بشا: لبشارة المصطفى.
تم: لفلاح السائل.
ثو: لثواب الأعمال.
ج: للإحتجاج.
جا: لمجالس المفيد.
جش: لفهرست النجاشيّ.
جع: لجامع الأخبار.
جم: لجمال الأسبوع.
جُنة: للجُنة.
حة: لفرحة الغريّ.
ختص: لكتاب الإختصاص.
خص: لمنتخب البصائر.
د: للعَدَد.
سر: للسرائر.
سن: للمحاسن.
شا: للإرشاد.
شف: لكشف اليقين.
شي: لتفسير العياشيّ
ص: لقصص الأنبياء.
صا: للإستبصار.
صبا: لمصباح الزائر.
صح: لصحيفة الرضا (ع).
ضا: لفقه الرضا (ع).
ضوء: لضوء الشهاب.
ضه: لروضة الواعظين.
ط: للصراط المستقيم.
طا: لأمان الأخطار.
طب: لطبّ الأئمة.
ع: لعلل الشرائع.
عا: لدعائم الإسلام.
عد: للعقائد.
عدة: للعُدة.
عم: لإعلام الورى.
عين: للعيون و المحاسن.
غر: للغرر و الدرر.
غط: لغيبة الشيخ.
غو: لغوالي اللئالي.
ف: لتحف العقول.
فتح: لفتح الأبواب.
فر: لتفسير فرات بن إبراهيم.
فس: لتفسير عليّ بن إبراهيم.
فض: لكتاب الروضة.
ق: للكتاب العتيق الغرويّ
قب: لمناقب ابن شهر آشوب.
قبس: لقبس المصباح.
قضا: لقضاء الحقوق.
قل: لإقبال الأعمال.
قية: للدُروع.
ك: لإكمال الدين.
كا: للكافي.
كش: لرجال الكشيّ.
كشف: لكشف الغمّة.
كف: لمصباح الكفعميّ.
كنز: لكنز جامع الفوائد و تأويل الآيات الظاهرة معا.
ل: للخصال.
لد: للبلد الأمين.
لى: لأمالي الصدوق.
م: لتفسير الإمام العسكريّ (ع).
ما: لأمالي الطوسيّ.
محص: للتمحيص.
مد: للعُمدة.
مص: لمصباح الشريعة.
مصبا: للمصباحين.
مع: لمعاني الأخبار.
مكا: لمكارم الأخلاق.
مل: لكامل الزيارة.
منها: للمنهاج.
مهج: لمهج الدعوات.
ن: لعيون أخبار الرضا (ع).
نبه: لتنبيه الخاطر.
نجم: لكتاب النجوم.
نص: للكفاية.
نهج: لنهج البلاغة.
نى: لغيبة النعمانيّ.
هد: للهداية.
يب: للتهذيب.
يج: للخرائج.
يد: للتوحيد.
ير: لبصائر الدرجات.
يف: للطرائف.
يل: للفضائل.
ين: لكتابي الحسين بن سعيد او لكتابه و النوادر.
يه: لمن لا يحضره الفقيه.
