1

كتاب الروضة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ و الصلاة و السلام على خير خلقه و خليفته في خليقته محمد و آله الطاهرين أما بعد فهذا هو المجلد السابع عشر من كتاب بحار الأنوار تأليف المولى الأستاد الاستناد مولانا محمد باقر بن محمد تقي المجلسي (قدس الله روحهما و نور ضريحهما) (1) و هذا هو كتاب الروضة منه و هو يحتوي على المواعظ و الحكم و الخطب و أمثالها المأثورة عن الله تعالى و الرسول ص و السادة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين و عن أتباعهم(ع)و ما شاكل ذلك.

أبواب المواعظ و الحكم‏

باب 1 مواعظ الله عز و جل في القرآن المجيد

الآيات النساء وَ لَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ إِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ كانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً وَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ وَكِيلًا- إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا

____________

(1) قال المولى المتبحر النحرير الحاجّ الميرزا حسين النوريّ نور اللّه ضريحه: ان المجلد السابع عشر من كتاب بحار الأنوار من المجلدات التي لم تخرج في حياة مصنفها (العلّامة المجلسيّ) الى البياض و انما أخرجه بعد وفاته تلميذه العالم الأجل و النحرير الأكمل الميرزا عبد اللّه الافندى (رحمه الله).

2

النَّاسُ وَ يَأْتِ بِآخَرِينَ وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ ذلِكَ قَدِيراً- مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ كانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (1) الأنعام‏ قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى‏ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَ يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ‏ (2) و قال سبحانه‏ وَ رَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ- إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ- قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى‏ مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ- مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ‏ (3) الأعراف‏ وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ‏ (4)- فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ‏

____________

(1) قوله تعالى‏ «إِنْ تَكْفُرُوا» أى تجحدوا وصيته. و قوله: «حَمِيداً» أى مستوجبا للحمد. قوله‏ «يُذْهِبْكُمْ» أى يهلككم. أصله ان يشأ اذهابكم يذهبكم. قوله: «عَلى‏ ذلِكَ قَدِيراً»، يعنى قادرا على الافناء و الايجاد.

(2) قوله تعالى: «أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً» لبست عليه الامر إذا خلطت بعضه ببعض أي يخلطكم فرقا مختلفين. و قوله: «يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ» أى يقتل بعضكم بعضا حتّى يفنى الكل. قوله: «نُصَرِّفُ الْآياتِ» أى نظهر الآيات و نكررها مرة بعد اخرى حتّى يزول الشبه لكى يعلموا الحق.

(3) قوله: «وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ» أى لستم بمعجزين اللّه عن الإتيان بالبعث و العقاب.

و قوله: «عَلى‏ مَكانَتِكُمْ» أى على قدر منزلتكم و تمكنكم من الدنيا و معناه اثبتوا على الكفر.

و قوله: «مَنْ تَكُونُ» مفعول «تعلمون» و قرأ حمزة و الكسائى «يكون» بالباء لان تأنيث العاقبة ليس بحقيقي.

(4) قوله تعالى‏ «بَياتاً» أى بائتين في الليل و هو مصدر وقع موقع الحال و قوله:

«أَوْ هُمْ قائِلُونَ‏ عطف على‏ «بَياتاً» أى وقت القيلولة و هي نصف النهار. و حذفت واو الحال استثقالا لاجتماع الواوين. و قوله: «دَعْواهُمْ» أى دعاؤهم او استغاثتهم.

3

التوبة وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ سَتُرَدُّونَ إِلى‏ عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏ (1) يونس‏ وَ لَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَ ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ- ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ‏ و قال تعالى‏ وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلى‏ دارِ السَّلامِ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ إلى قوله تعالى‏ وَ إِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى‏ ما يَفْعَلُونَ- وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ‏ إلى قوله تعالى‏ قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ- أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَ قَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ‏ إلى قوله‏ وَ ما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَ ما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَ لا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَ ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ وَ لا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ‏ (2) و قال تعالى‏ وَ يُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ‏ هود ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى‏ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَ حَصِيدٌ- وَ ما ظَلَمْناهُمْ وَ لكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَ ما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ- وَ كَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى‏ وَ هِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ- إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ- وَ ما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ- يَوْمَ‏

____________

(1) قوله تعالى: «فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» أى فيخبركم بما فعلتم و يجازيكم عليه.

(2) قوله تعالى: «إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ» أى تدخلون فيه و الإفاضة الدخول في العمل على جهة الانصباب إليه. و العزوب الذهاب عن المعلوم و ضده حضور المعنى للنفس و المعنى ما تغيب عن علم ربك من مثقال ذرة أي وزن نملة صغيرة.

4

يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ- فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ- خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ- وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ إلى قوله تعالى‏ وَ إِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ- فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَ مَنْ تابَ مَعَكَ وَ لا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (1) الرعد قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَ لا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى‏ وَ الْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَ النُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ- أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَ الْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَ أَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى‏ وَ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ

____________

(1) قوله تعالى‏ «مِنْها قائِمٌ» أى باق كالزرع المحصود عافى الاثر. و قوله‏ «تَتْبِيبٍ» أى غير تخسير و قوله‏ «وَ ما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ» أى و ما نؤخر اليوم الا لانتهاء مدة معدودة متناهية على حذف المضاف و إرادة مدة التأجيل كلها بالاجل لا منتهاها فانه غير معدود.

قوله: «زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ» الزفير اخراج النفس و الشهيق رده و المراد شدة حالهم و كربهم و تشبيه صراخهم بصوت الحمير. لان الزفير و الشهيق أول نهاقه و آخره.

قوله: «ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ» ليس المراد السماء و الأرض بعينها بل المراد التبعيد فان للعرب الفاظا للتبعيد في معنى التأييد يقولون لافعل ذلك ما اختلف الليل و النهار و ما دامت السموات و الأرض و ما تنبت النبت ظنا منهم أن هذه الأشياء لا يتغير و يريدون بذلك التأييد، فخاطبهم سبحانه بالمتعارف من كلامهم على قدر عقولهم. و قوله‏ «عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ» أى غير مقطوع و لا ممنوع.

5

الْحِسابِ وَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمِهادُ- أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى‏ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ‏ (1) إبراهيم‏ وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى‏ بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ و قال تعالى‏ قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُؤَخِّرَكُمْ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى‏ و قال تعالى‏ أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ- وَ ما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ و قال تعالى‏ وَ لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ- مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ وَ أَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى‏ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَ نَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَ وَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ- وَ سَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَ تَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَ ضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ وَ قَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَ عِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَ إِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ‏ (2)

____________

(1) قوله تعالى: «رابِياً» أن طافيا عاليا فوق الماء. و قوله، «جُفاءً» أى يجفى به أي يرمى به السيل و الفلز المذاب.

(2) قوله تعالى: «تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ» أى تفتح و لا تغمض. و قوله: «مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ» أى مسرعين رافعى رءوسهم. و الاهطاع الاسراع، و الاقناع رفع الرأس. و قوله:

«لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ» أى لا يرجع اليهم أعينهم و لا يطبقونها و لا يغمضونها. قوله‏ «هَواءٌ» أى خالية من العقل لفزعهم. قوله: «وَ قَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَ عِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ» أى مكروا بالأنبياء قبلك ما امكنهم من المكر كما مكروا بك فعصمهم اللّه من مكرهم كما عصمك. «وَ عِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ» أى جزاء مكرهم بحذف المضاف. و قوله: «مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ»أصله مخلف رسله وعده تقدم المفعول الثاني ايذانا بان اللّه لا يخلف الوعد أصلا، و إذا لم يخلف رسله وعده أحدا كيف يخلف رسله.

6

النحل‏ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ- فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ‏ و قال تعالى‏ تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى‏ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ (1) الأسرى‏ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى‏ سَبِيلًا (2) مريم‏ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَ عَدَّهُمْ عَدًّا- وَ كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً إلى قوله تعالى‏ وَ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (3) الأنبياء وَ كَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَ أَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ- لا تَرْكُضُوا وَ ارْجِعُوا إِلى‏ ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَ مَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ- قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ- فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ‏ إلى قوله تعالى‏ وَ لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ- قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ- أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَ لا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ- بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَ آباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَ فَهُمُ‏

____________

(1) قوله: «فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ» عبر باليوم عن زمان الدنيا أو يوم القيامة على أنه حكاية حال ماضية كما قاله البيضاوى.

(2) الشاكلة الطبيعة و الخلقة أو الطريقة و المذهب أي كل واحد من المؤمن و الكافر يعمل على طبيعته و خلقته التي تخلق بها. و قيل على طريقته و سنته التي اعتادها.

(3) قوله تعالى: «هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ» أى هل تشعر باحد منهم و تراه. و قوله:

«رِكْزاً» الركز الصوت الخفى و أصل التركيب هو الخفاء و منه ركز الرمح إذا غيب طرفه في الأرض و الركاز المال المدفون.

7

الْغالِبُونَ‏ (1) الحج‏ يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْ‏ءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَ تَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَ تَرَى النَّاسَ سُكارى‏ وَ ما هُمْ بِسُكارى‏ وَ لكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ و قال تعالى‏ أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَ كَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَ مَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ- هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ- يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَ الْجُلُودُ وَ لَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ- كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ- إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ‏

____________

(1) قوله تعالى: «وَ كَمْ قَصَمْنا» أى كم أهلكنا. و القصم- بالفتح-: الكسر، يقال: هو قاصم الجبابرة. و قال البيضاوى هذه الآية واردة عن غضب عظيم لان القصم كسر يبين تلائم الاجزاء بخلاف الفصم فانه كسر بلا ابانة و قوله تعالى: «يَرْكُضُونَ» أى يهربون سراعا و الركض العدو بشدة الوطى. و قوله‏ «لا تَرْكُضُوا» على إرادة القول أي قيل لهم استهزاء لا تركضوا و قوله: «ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ» الترفة النعمة و الترف النعم. و قوله: «حَصِيداً خامِدِينَ» أى مثل الحصيد و هو البنت المحصود و لذلك لم يجمع. و «خامِدِينَ» اى ميتين من خمدت النار.

قوله: «وَ حاقَ بِهِمْ»* اى حال بهم وبال استهزائهم و سخريتهم و الفرق بين السخرية و الهزء أن في السخرية معنى طلب الذلة لان التسخير التذليل، و اما الهزء فيقتضى طلب صغر القدر بما يظهر في القول. قوله: «مَنْ يَكْلَؤُكُمْ» اى يحفظكم و الكلاءة الحفظ.

و قوله: «مِنَ الرَّحْمنِ» اى من بأس الرحمن. و قوله: «مُعْرِضُونَ» اى لا يخطرون ببالهم فضلا ان يخافوا بأسه حتّى إذا كلئوا منه عرفوا الكالئ و صلحوا للسؤال. و قوله: «وَ لا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ» قال ابن قتيبة اي لا يجيرهم منا أحد لان المجير صاحب الجار. تقول صحبك اللّه اي حفظك اللّه و اجارك.

8

أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤاً وَ لِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ- وَ هُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَ هُدُوا إِلى‏ صِراطِ الْحَمِيدِ و قال تعالى‏ وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ عادٌ وَ ثَمُودُ وَ قَوْمُ إِبْراهِيمَ وَ قَوْمُ لُوطٍ وَ أَصْحابُ مَدْيَنَ وَ كُذِّبَ مُوسى‏ فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ- فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَ هِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى‏ عُرُوشِها وَ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَ قَصْرٍ مَشِيدٍ إلى قوله تعالى‏ وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَ هِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (1) المؤمنون‏ حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ- لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ- فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَ لا يَتَساءَلُونَ- فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ- وَ مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ‏

____________

(1) قوله تعالى: «تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ» اى تنسأ و الذهول الذهاب عن الشي‏ء دهشا و حيرة. و قوله: «تَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها» اى لو كان ثمّ مرضعة لذهلت او حامل لوضعت و ان لم يكن هناك حامل و لا مرضعة و المراد شدة هول القيامة. و قوله: «هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ» اى فوجان مختصمان و الخصم يستوى فيه المذكر و المؤنث و الواحد و الجمع و لذلك قال: «اخْتَصَمُوا» لانهما جمعان و ليسا برجلين. قوله: «قُطِّعَتْ» اى قدرت على مقادير جثتهم ثياب. و قوله: «يُصْهَرُ بِهِ» الصهر الاذابة اي يذاب و ينضج بذلك الحميم ما في بطونهم من الاحشاء و يذاب به الجلود. قوله: «وَ لَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ» جمع مقمع اي سياط يجلدون بها.

و قوله‏ «ذُوقُوا» أى قيل لهم ذوقوا بحذف القول. قوله‏ «مِنْ أَساوِرَ» جمع اسورة و هي جمع سوار. و هو صفة مفعول محذوف. قوله‏ «فَأَمْلَيْتُ» اى فأمهلت يقال: أملى اللّه لفلان في العمر اذا أخر عنه أجله. قوله‏ «فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ» أى انكارى عليهم بتغيير النعمة محنة و الحياة هلاكا و العمارة خرابا. قوله‏ «خاوِيَةٌ عَلى‏ عُرُوشِها» أى ساقطة حيطانها على سقوفها بان تعطلت بنيانها فخرت سقوفها ثمّ تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقف. «خاوِيَةٌ» بمعنى خالية أى خالية مع بقاء عروشها و سلامتها فيكون الجار متعلقة بخاوية.

9

فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ‏ (1) النور أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَ يَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ (2) النمل‏ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَ لَهُ كُلُّ شَيْ‏ءٍ وَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ- وَ أَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى‏ فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ- وَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏ القصص‏ وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى‏ بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏ إلى قوله‏ وَ لكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ (3) الروم‏ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ- فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ- مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَ مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ‏ إلى‏

____________

(1) قوله تعالى‏ «وَ مِنْ وَرائِهِمْ» الوراء هنا بمعنى الامام كقوله تعالى‏ «وَ كانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ» و قوله‏ «بَرْزَخٌ» البرزخ الحاجز بين الشيئين. قوله‏ «فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ» اى لا يتواصلون بالأنساب و لا يتعاطفون بها مع معرفة بعضهم بعضا.

(2) قوله‏ «ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ» أى من الخيرات و المعاصى و الايمان و النفاق. و «يوم» منصوب بالعطف على محذوف هو ظرف زمان و التقدير ما أنتم تثبتون عليه الآن و يوم يرجعون، خرج من الخطاب الى الغيبة.

(3) قوله تعالى‏ «بَصائِرَ لِلنَّاسِ» البصائر الحجج و البراهين للناس و العبر يبصرون بها و هي بدل من التوراة. و البصائر جمع البصيرة و هي نور القلب. قوله‏ «فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ» العمر بضمتين: الحياة كما في القاموس اي فطال عليهم مدة انقطاع الوحى فاندرست الشرائع فأوحينا اليك خبر موسى و غيره. فالمستدرك الوحى إليه فحذف و اقيم سببه مقامه.

10

قوله‏ وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى‏ قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ‏ (1) التنزيل‏ أَ وَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَ فَلا يَسْمَعُونَ‏ (2) سبأ أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى‏ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ‏ و قال تعالى‏ وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ ما يَشْتَهُونَ- كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ‏ (3) فاطر يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَ اللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ- إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ- وَ ما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ إلى قوله‏ أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً (4) يس‏ يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ- وَ إِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ‏ و قال تعالى‏ وَ لَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى‏ أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ‏

____________

(1) قوله‏ «فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَ كانَ حَقًّا- الآية» أي فانتقمنا من المذنبين و دفعنا العذاب عن المؤمنين و كان واجبا علينا نصرهم.

(2) قوله تعالى‏ «يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ» يعنى يمرون أهل مكّة في متاجرهم على ديارهم و قوله‏ «أَ فَلا يَسْمَعُونَ» أى سماع تدبر.

(3) قوله تعالى‏ «كِسَفاً» الكسفة: القطعة من الشي‏ء. قوله «منيب» أي راجع الى ربه فانه يكون كثير التأمل في أمره و قوله‏ «فِي شَكٍّ مُرِيبٍ» اى في شك مشكك كما قالوا عجب عجيب.

(4) قوله‏ «لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ» أى لم يكن اللّه يفوته شي‏ء قوله‏ «مِنْ شَيْ‏ءٍ» فاعل ليعجزه و «من» مزيدة.

11

وَ لَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى‏ مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَ لا يَرْجِعُونَ‏ (1) الزمر قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ وَ أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ- قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ- قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي- فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ- لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَ مِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ- وَ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَ أَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى‏ فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ- لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ و قال تعالى‏ أَ فَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ قِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ- كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ‏ و قال تعالى‏ وَ لَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ بَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ- وَ بَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ‏ (2) المؤمن‏ أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَ آثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَ ما كانَ لَهُمْ مِنَ‏

____________

(1) قوله‏ «وَ إِنْ كُلٌّ لَمَّا» ان مخففة من الثقلية و اللام هي الفارقة. و «ما» مزيدة للتأكيد و «كل» أصله كلهم. و معناه ان الأمم كلهم يوم القيامة يحضرون فيقفون على ما عملوه في الدنيا.

و قوله‏ «لَطَمَسْنا» الطمس محو الشي‏ء حتّى يذهب أثره. قوله‏ «فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ» انتصاب الصراط بنزع الخافض أي الى الطريق. قوله‏ «مُضِيًّا وَ لا يَرْجِعُونَ» أى لم يقدروا على ذهاب و لا مجى‏ء.

(2) قوله تعالى‏ «إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ» «الذين» خبر «ان» و قوله‏ «لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ» الظلل جمع الظلة و هي السترة العالية و هذا شرح لخسرانهم. و الانقاذ: الانجاء.

12

اللَّهِ مِنْ واقٍ- ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ‏ و قال تعالى‏ يا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَ تَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ- تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَ أُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَ أَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ- لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَ لا فِي الْآخِرَةِ وَ أَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَ أَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ- فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ- فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَ حاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ‏ (1) حم عسق‏ وَ تَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى‏ مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ- وَ تَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَ قالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ- وَ ما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ- اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَ ما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (2) الزخرف‏ وَ كَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ- وَ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ- فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَ مَضى‏ مَثَلُ الْأَوَّلِينَ‏ إلى قوله‏

____________

(1) قوله تعالى‏ «تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ» بدل أو بيان فيه تعليل و الدعاء كالهداية في التعدية بالى و اللام. و قوله‏ «ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ» أى بربوبيته علم و المراد نفى المعلوم و الاشعار بأن الالوهية لا بدّ لها من برهان.

(2) قوله تعالى‏ «وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ» أى من يخليه اللّه و ضلاله ليس له معين من بعد خذلان اللّه. و قوله‏ «هَلْ إِلى‏ مَرَدٍّ» أى رجوع و ردّ الى الدنيا. و قوله‏ «وَ تَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها» أى على النار و يدلّ عليها العذاب. و قوله‏ «مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ» أى ضعيف النظر مسارقة و «من» ابتدائية أو بمعنى الباء. و ذلك لما عليهم من الهوان يسارقون النظر الى النار خوفا منها.

13

تعالى‏ وَ كَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى‏ أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى‏ آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ- قالَ أَ وَ لَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى‏ مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ- فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ‏ (1) الدخان‏ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ- وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ- كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ- فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ وَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ‏ (2) الأحقاف‏ وَ لَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَ جَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَ أَبْصاراً وَ أَفْئِدَةً فَما أَغْنى‏ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَ لا أَبْصارُهُمْ وَ لا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ‏ (3) ق‏ وَ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ- إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى‏ لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ (4)

____________

(1) قوله تعالى‏ «أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَ مَضى‏ مَثَلُ الْأَوَّلِينَ» البطش الاخذ الشديد و «مضى» أى و سلف في القرآن قصصهم العجيبة. و قوله‏ «مُتْرَفُوها» هم المتنعمون الذين آثروا الترفة على طلب الحجة يريد الرؤساء، و تخسيس المترفين اشعار بان التنعم و حبّ البطالة صرفهم عن النظر الى التقليد.

(2) قوله تعالى‏ «وَ نَعْمَةٍ» قال في القاموس النعمة بالكسر الدعة و المال و الاسم النعمة بالفتح. و قوله‏ «مُنْظَرِينَ» أى مهملين الى وقت آخر.

(3) قوله تعالى‏ «وَ لَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ» «ان» نافية بمعنى «ما» النافية، و هو أى «ان» فى النفي مع «ما» الموصولة بمعنى الذي أحسن في اللفظ من «ما» النافية.

(4) قوله تعالى‏ «بَطْشاً» أى قوة. و قوله‏ «فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ» أى فتحوا المسالك في البلاد لشدة بطشهم. و قوله‏ «هَلْ مِنْ مَحِيصٍ» أى هل وجدوا مفرا من الموت. و في القاموس محص منى أي هرب. و قوله: «لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ» أى عقل يتفكر و يتدبر. و قوله: «أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ» أى أصغى لاستماعه. و قوله‏ «هُوَ شَهِيدٌ» أى شاهد بصدقه فيتعظ بظواهره و ينزجر بزواجره.

14

الواقعة نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَ ما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى‏ أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَ نُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ‏ (1) التغابن‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ- يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَ ما تُعْلِنُونَ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ- أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ- ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَ تَوَلَّوْا وَ اسْتَغْنَى اللَّهُ وَ اللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (2) الطلاق‏ وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَ رُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَ عَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً- فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَ كانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً- أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ‏ (3) الملك‏ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ قِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ- قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَ مَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ- قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ‏

____________

(1) قوله تعالى: «وَ ما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ» أى لا يسبقنا أحد فيهرب من الموت أو لا يسبقنا أحد منكم على ما قدرنا له من الموت حتّى يزيد في مقدار حياته، أو لا يسبقنا خالق و لا مقدر في الخلق و التقدير و فعلنا ما فعلنا و لم يكن لما فعلناه مثال و انا لقادرون. و قوله: «عَلى‏ أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ» أى لسنا بعاجزين على خلقكم و بعثكم ثانيا، او على ان نبدل منكم اشباهكم فنخلق بدلكم. و قوله: «نُنْشِئَكُمْ» أى نوجدكم بعد أن نفنيكم و قوله‏ «فِي ما لا تَعْلَمُونَ» أى في نشأة لا تعلمون كيفيتها.

(2) قوله تعالى‏ «فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ» أى ضرر كفرهم في الدنيا و أصل الوبال الثقل.

و النكر هو عذاب الاستيصال. و قوله: «فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً» أى بالاستقصاء و المناقشة.

(3) قوله تعالى: «عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها» أى عتوا على اللّه و رسله و جاوزوا الحد في المخالفة.

15

مُبِينٍ- قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ‏ (1) المعارج‏ أَ يَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ- كَلَّا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ- فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَ الْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ- عَلى‏ أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَ ما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ- فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَ يَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ- يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى‏ نُصُبٍ يُوفِضُونَ خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ‏ (2) القيامة وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ- إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ- وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ- كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ- وَ قِيلَ مَنْ راقٍ- وَ ظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ- وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ- إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ- فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلَّى- وَ لكِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى- ثُمَّ ذَهَبَ إِلى‏ أَهْلِهِ يَتَمَطَّى- أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏- ثُمَّ أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏ أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً- أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى‏- ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى- فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى‏ أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى‏ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى‏ (3)

____________

(1) قوله تعالى‏ «سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا» أى بان عليها الكأبة و الحزن و ساءتها رؤية العذاب. و قوله: «تَدَّعُونَ» أى تطلبون و تستعجلون به، تفتعلون من الدعاء. أو به تدعون، أو بسببه تدعون أن لا بعث فهو من الدعوى. قوله: «غَوْراً» بمعنى غائرا مصدر وصف به و قوله: «بِماءٍ مَعِينٍ» أى جار، أو ظاهر سهل التناول.

(2) قوله تعالى‏ «فَلا أُقْسِمُ» «لا» مزيدة للتأكيد و المراد بالمشارق: قيل للشمش ثلاثمائة و ستون مشرقا و ثلاثمائة و ستون مغربا، في كل يوم له مشرق و مغرب. و قوله: «فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا» أى اتركهم في باطلهم. قوله: «مِنَ الْأَجْداثِ» أى من القبور. قوله: «سِراعاً» أى مسرعين. قوله‏ «كَأَنَّهُمْ إِلى‏ نُصُبٍ» أى الى منصوبات للعبادة او أعلام. «يوفضون» أي يسرعون. قوله: «تَرْهَقُهُمْ» أى تغشاهم.

(3) قوله تعالى: «ناضِرَةٌ» أى حسنة مضيئة مشرقة «إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ» أى ينتظر ثواب ربها. ورد في الحديث «ينتهى اولياء اللّه بعد ما يفرغ من الحساب الى نهر يسمى الحيوان.

16

المرسلات‏ أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ- ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ- كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ- وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏ (1) النبأ إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً- يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَ يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (2) عبس‏ فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ- يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ- وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ وَ صاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ- لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ- وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ- وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ- تَرْهَقُها قَتَرَةٌ- أُولئِكَ هُمُ‏

____________

فيغتسلون فيه و يشربون منه فتبيض وجوههم اشراقا فيذهب عنهم كل قذى و وعث ثمّ يؤمرون بدخول الجنة فمن هذا المقام ينظرون الى ربهم كيف يثيبهم قال فذلك قوله تعالى‏ «إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ» و انما يعنى بالنظر إليه النظر الى ثوابه تبارك و تعالى و قال: و الناظرة في بعض اللغة هى المنتظرة أ لم تسمع الى قوله: «فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ» أى منتظرة.

و قوله: «وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ» أى كالحة شديدة العبوس. «تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ» أى تتوقع أرباب تلك الوجوه أو توقن أن يفعل بها داهية عظيمة تكسر قفار الظهر. و قوله:

«إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ» أى إذا بلغت النفس الترقوة (گلوگاه). و قوله: «وَ قِيلَ مَنْ راقٍ» أى يقال له:

من يرقيك ممّا بك؟ يعنى هل من طبيب؟

و قوله: «وَ ظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ» أى أيقن أن الذي نزل به فراق الدنيا و محابها و علم بمفارقة الاحبة. قوله: «وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ» أى التوت شدة فراق الدنيا بشدة خوف الآخرة، أو التوت احدى ساقيه بالاخرى عند الموت. و المساق المصير. و قوله: «يَتَمَطَّى» أى يتبختر افتخارا في مشيته اعجابا بنفسه. قوله: «أَوْلى‏ لَكَ» كلمة وعيد و تهديد أي بعدا لك من خير الدنيا و بعدا لك من خير الآخرة. و قيل معناه: الذم أولى لك من تركه.

و قوله: «سُدىً» أى مهملا لا يحاسب و لا يسأل و لا يعاقب.

(1) قوله تعالى: «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» الويل في الأصل مصدر منصوب باضمار فعله عدل به الى الرفع للدلالة على ثبات الهلاك للمدعو عليه و «يومئذ» ظرفه أو صفته.

(2) قوله: «يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً» أى في الدنيا فلم أخلق و لم أكلف، أو في هذا اليوم فلم أبعث لم و انشر.

17

الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (1) الإنفطار إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ- وَ إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ- يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ‏ (2) المطففين‏ أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ- لِيَوْمٍ عَظِيمٍ- يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ‏ الغاشية هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ- وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ- عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى‏ ناراً حامِيَةً- تُسْقى‏ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ- لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ- لا يُسْمِنُ وَ لا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ- وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ- لِسَعْيِها راضِيَةٌ- فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ- لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً- فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ- فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ- وَ أَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ وَ نَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ- وَ زَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (3)

____________

(1) قوله تعالى‏ «فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ» أى النفحة وصفت بها مجازا لان الناس يصخون لها. و قوله: «شَأْنٌ يُغْنِيهِ» أى يشغله عن غيره. قوله: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ» أى مضيئة بما ترى من النعم. و «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ» أى عليها غبار و كدورة و «تَرْهَقُها قَتَرَةٌ» أى يغشيها سواد و ظلمة.

(2) قوله تعالى: «يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ» أى يدخلونها و يقاسون حرها و يلزمونها بكونهم فيها. و يوم الدين اي يوم الجزاء و الحساب.

(3) قوله تعالى: «الْغاشِيَةِ» يعنى القيامة لأنّها تغشى الخلائق باهوالها. قوله:

«ناصِبَةٌ» اى عملت و نصبت في اعمال لا يعنيها او نصب و تعب بالسلاسل و الاغلال. قوله:

«آنِيَةٍ» اى شديدة الحرارة بلغت إناها في الحر، قوله‏ «حامِيَةً» اى متناهية في الحر.

«الضريع» هو نوع من الشوك لا ترعاه دابة لخبثه، أمرّ من الصبر و أنتن من الجيفة و أشد حرا من النار، سماه اللّه تعالى الضريع كما في الرواية. قوله‏ «ناعِمَةٌ» اى ذاب بهجة او متنعمة. و قوله: «لاغِيَةً» أى الهزل و الكذب. و قوله: «وَ نَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ» أى وسائد مرتبة بعضها بجنب بعض يستند إليها. و «أَكْوابٌ» جمع كوب أي اقداح لا عرى لها. قوله: «وَ زَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ» أى بسط فاخرة مبسوطة لها خمل.

18

باب 2 مواعظ الله عز و جل في سائر الكتب السماوي و في الحديث القدسي و في مواعظ جبرئيل ع‏

1 ن‏ (1)، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) تَمِيمٌ الْقُرَشِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ الْهَرَوِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرِّضَا(ع)يَقُولُ‏ أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ- إِذَا أَصْبَحْتَ فَأَوَّلُ شَيْ‏ءٍ يَسْتَقْبِلُكَ فَكُلْهُ- وَ الثَّانِي فَاكْتُمْهُ وَ الثَّالِثُ فَاقْبَلْهُ- وَ الرَّابِعُ فَلَا تُؤْيِسْهُ وَ الْخَامِسُ فَاهْرَبْ مِنْهُ- قَالَ فَلَمَّا أَصْبَحَ مَضَى فَاسْتَقْبَلَهُ جَبَلٌ أَسْوَدُ عَظِيمٌ- فَوَقَفَ وَ قَالَ أَمَرَنِي رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ آكُلَ هَذَا وَ بَقِيَ مُتَحَيِّراً- ثُمَّ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ- فَقَالَ رَبِّي جَلَّ جَلَالُهُ لَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِمَا أُطِيقُ- فَمَشَى إِلَيْهِ لِيَأْكُلَهُ- فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ صَغُرَ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ- فَوَجَدَهُ لُقْمَةً فَأَكَلَهَا فَوَجَدَهَا أَطْيَبَ شَيْ‏ءٍ أَكَلَهُ- ثُمَّ مَضَى فَوَجَدَ طَسْتاً مِنْ ذَهَبٍ- فَقَالَ أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أَكْتُمَ هَذَا- فَحَفَرَ لَهُ حُفْرَةً وَ جَعَلَهُ فِيهِ وَ أَلْقَى عَلَيْهِ التُّرَابَ- ثُمَّ مَضَى فَالْتَفَتَ فَإِذَا الطَّسْتُ قَدْ ظَهَرَ- فَقَالَ قَدْ فَعَلْتُ مَا أَمَرَنِي رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ فَمَضَى فَإِذَا هُوَ بِطَيْرٍ وَ خَلْفَهُ بَازِيٌّ فَطَافَ الطَّيْرُ حَوْلَهُ- فَقَالَ أَمَرَنِي رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ أَقْبَلَ هَذَا فَفَتَحَ كُمَّهُ فَدَخَلَ الطَّيْرُ فِيهِ- فَقَالَ لَهُ الْبَازِي أَخَذْتَ صَيْدِي وَ أَنَا خَلْفَهُ مُنْذُ أَيَّامٍ- فَقَالَ إِنَّ رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ أَمَرَنِي أَنْ لَا أُويِسَ هَذَا- فَقَطَعَ مِنْ فَخِذِهِ قِطْعَةً فَأَلْقَاهَا إِلَيْهِ ثُمَّ مَضَى- فَلَمَّا مَضَى فَإِذَا هُوَ بِلَحْمِ مَيْتَةٍ مُنْتِنٍ مَدُودٍ- فَقَالَ أَمَرَنِي رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ أَهْرُبَ مِنْ هَذَا- فَهَرَبَ مِنْهُ وَ رَجَعَ وَ رَأَى فِي الْمَنَامِ- كَأَنَّهُ قَدْ قِيلَ لَهُ إِنَّكَ قَدْ فَعَلْتَ مَا أُمِرْتَ بِهِ فَهَلْ تَدْرِي مَا ذَا كَانَ- قَالَ لَا قِيلَ لَهُ أَمَّا الْجَبَلُ فَهُوَ الْغَضَبُ- إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا غَضِبَ لَمْ يَرَ نَفْسَهُ وَ جَهِلَ قَدْرَهُ مِنْ عِظَمِ الْغَضَبِ- فَإِذَا حَفِظَ نَفْسَهُ وَ عَرَفَ قَدْرَهُ وَ سَكَنَ غَضَبُهُ- كَانَتْ عَاقِبَتُهُ كَاللُّقْمَةِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي أَكَلَهَا

____________

(1) عيون أخبار الرضا «ع» ص 152.

19

وَ أَمَّا الطَّسْتُ فَهُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ إِذَا كَتَمَهُ الْعَبْدُ وَ أَخْفَاهُ- أَبَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَّا أَنْ يُظْهِرَهُ لِيُزَيِّنَهُ بِهِ- مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ مِنْ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَ أَمَّا الطَّيْرُ- فَهُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يَأْتِيكَ بِنَصِيحَةٍ فَاقْبَلْهُ وَ اقْبَلْ نَصِيحَتَهُ وَ أَمَّا الْبَازِي فَهُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يَأْتِيكَ فِي حَاجَةٍ فَلَا تُؤْيِسْهُ وَ أَمَّا اللَّحْمُ الْمُنْتِنُ فَهِيَ الْغِيبَةُ فَاهْرُبْ مِنْهَا.

2 ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بِالْأَسَانِيدِ الثَّلَاثَةِ (1) عَنِ الرِّضَا(ع)أَنَّ أَبَاهُ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَا ابْنَ آدَمَ مَا تُنْصِفُنِي- أَتَحَبَّبُ إِلَيْكَ بِالنِّعَمِ وَ تَتَمَقَّتُ إِلَيَّ بِالْمَعَاصِي- خَيْرِي عَلَيْكَ مُنْزَلٌ وَ شَرُّكَ إِلَيَّ صَاعِدٌ- وَ لَا يَزَالُ مَلَكٌ كَرِيمٌ- يَأْتِينِي عَنْكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ بِعَمَلٍ قَبِيحٍ- يَا ابْنَ آدَمَ- لَوْ سَمِعْتَ وَصْفَكَ مِنْ غَيْرِكَ وَ أَنْتَ لَا تَعْلَمُ مَنِ الْمَوْصُوفُ- لَسَارَعْتَ إِلَى مَقْتِهِ.

- ما (2)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ الْمُفِيدِ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّيَّاتِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْرَوَيْهِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنِ الرِّضَا(ع)عَنْ آبَائِهِ(ع)عَنِ النَّبِيِّ ص مِثْلَهُ وَ فِيهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ بِعَمَلٍ غَيْرِ صَالِحٍ‏

. 3- مع، معاني الأخبار ل، الخصال لي‏ (3)، الأمالي للصدوق مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْأَسَدِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ وَ الْحَسَنِ بْنِ عُرْوَةَ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْوَهْبِيِ‏ (4) جَمِيعاً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ زَافِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَ جَبْرَئِيلُ(ع)إِلَى النَّبِيِّ ص يَا مُحَمَّدُ عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ- وَ أَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ‏

____________

(1) العيون ص 197 و راجع في بيان المراد بالأسانيد الثلاثة المجلد الأول ص 51 باب تلخيص المصادر.

(2) الأمالي ج 1 ص 126 و 281 و ج 2 ص 183.

(3) معاني الأخبار ص 178. الخصال ج 1 ص 7. الأمالي المجلس الحادي و الأربعون ص 141.

(4) في بعض النسخ «الدهنى».

20

وَ اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ‏ (1)- وَ اعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ- وَ عِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ.

4- مع‏ (2)، معاني الأخبار عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ: جَاءَ جَبْرَئِيلُ(ع)إِلَى النَّبِيِّ ص فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ بِهَدِيَّةٍ- لَمْ يُعْطِهَا أَحَداً قَبْلَكَ- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص قُلْتُ وَ مَا هِيَ قَالَ الصَّبْرُ وَ أَحْسَنُ مِنْهُ- قُلْتُ وَ مَا هُوَ قَالَ الرِّضَا وَ أَحْسَنُ مِنْهُ قُلْتُ وَ مَا هُوَ قَالَ الزُّهْدُ وَ أَحْسَنُ مِنْهُ- قُلْتُ وَ مَا هُوَ قَالَ الْإِخْلَاصُ وَ أَحْسَنُ مِنْهُ- قُلْتُ وَ مَا هُوَ قَالَ الْيَقِينُ وَ أَحْسَنُ مِنْهُ- قُلْتُ وَ مَا هُوَ- قَالَ جَبْرَئِيلُ إِنَّ مَدْرَجَةَ ذَلِكَ التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- فَقُلْتُ وَ مَا التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَالَ الْعِلْمُ بِأَنَّ الْمَخْلُوقَ لَا يَضُرُّ- وَ لَا يَنْفَعُ وَ لَا يُعْطِي وَ لَا يَمْنَعُ- وَ اسْتِعْمَالُ الْيَأْسِ مِنَ الْخَلْقِ- فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ كَذَلِكَ لَمْ يَعْمَلْ لِأَحَدٍ سِوَى اللَّهِ- وَ لَمْ يَرْجُ وَ لَمْ يَخَفْ سِوَى اللَّهِ- وَ لَمْ يَطْمَعْ فِي أَحَدٍ سِوَى اللَّهِ فَهَذَا هُوَ التَّوَكُّلُ قَالَ قُلْتُ يَا جَبْرَئِيلُ فَمَا تَفْسِيرُ الصَّبْرِ- قَالَ تَصْبِرُ فِي الضَّرَّاءِ كَمَا تَصْبِرُ فِي السَّرَّاءِ- وَ فِي الْفَاقَةِ كَمَا تَصْبِرُ فِي الْغِنَى وَ فِي الْبَلَاءِ كَمَا تَصْبِرُ فِي الْعَافِيَةِ- فَلَا يَشْكُو حَالَهُ عِنْدَ الْخَلْقِ بِمَا يُصِيبُ مِنَ الْبَلَاءِ- قُلْتُ فَمَا تَفْسِيرُ الْقَنَاعَةِ قَالَ يَقْنَعُ بِمَا يُصِيبُ مِنَ الدُّنْيَا- يَقْنَعُ بِالْقَلِيلِ وَ يَشْكُرُ الْيَسِيرَ- قُلْتُ فَمَا تَفْسِيرُ الرِّضَا- قَالَ الرَّاضِي لَا يَسْخَطُ عَلَى سَيِّدِهِ أَصَابَ الدُّنْيَا أَمْ لَا- وَ لَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ بِالْيَسِيرِ مِنَ الْعَمَلِ- قُلْتُ يَا جَبْرَئِيلُ فَمَا تَفْسِيرُ الزُّهْدِ- قَالَ الزَّاهِدُ يُحِبُّ مَنْ يُحِبُّ خَالِقَهُ وَ يُبْغِضُ مَنْ يُبْغِضُ خَالِقَهُ- وَ يَتَحَرَّجُ‏ (3) مِنْ حَلَالِ الدُّنْيَا وَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَى حَرَامِهَا- فَإِنَّ حَلَالَهَا حِسَابٌ وَ حَرَامَهَا عِقَابٌ- وَ يَرْحَمُ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا يَرْحَمُ نَفْسَهُ- وَ يَتَحَرَّجُ مِنَ الْكَلَامِ‏

____________

(1) إلى هنا رواه الشيخ في أماليه ج 2 ص 203 من حديث جعفر بن محمّد عن آبائه عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).

(2) معاني الأخبار ص 260.

(3) التحرج، التجنب.

21

كَمَا يَتَحَرَّجُ مِنَ الْمَيْتَةِ الَّتِي قَدِ اشْتَدَّ نَتْنُهَا- وَ يَتَحَرَّجُ عَنْ حُطَامِ الدُّنْيَا (1) وَ زِينَتِهَا كَمَا يَتَجَنَّبُ النَّارَ أَنْ تَغْشَاهُ- وَ يَقْصُرُ أَمَلَهُ وَ كَانَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أَجَلُهُ- قُلْتُ يَا جَبْرَئِيلُ فَمَا تَفْسِيرُ الْإِخْلَاصِ- قَالَ الْمُخْلِصُ الَّذِي لَا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئاً حَتَّى يَجِدَ- وَ إِذَا وَجَدَ رَضِيَ وَ إِذَا بَقِيَ عِنْدَهُ شَيْ‏ءٌ أَعْطَاهُ فِي اللَّهِ- فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَسْأَلِ الْمَخْلُوقَ فَقَدْ أَقَرَّ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِالْعُبُودِيَّةِ- وَ إِذَا وَجَدَ فَرَضِيَ فَهُوَ عَنِ اللَّهِ رَاضٍ- وَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَنْهُ رَاضٍ- وَ إِذَا أَعْطَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فَهُوَ عَلَى حَدِّ الثِّقَةِ بِرَبِّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- قُلْتُ فَمَا تَفْسِيرُ الْيَقِينِ- قَالَ الْمُوقِنُ يَعْمَلُ لِلَّهِ كَأَنَّهُ يَرَاهُ- فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَرَى اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ يَرَاهُ- وَ أَنْ يَعْلَمَ يَقِيناً أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِيهِ- وَ أَنَّ مَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ- وَ هَذَا كُلُّهُ أَغْصَانُ التَّوَكُّلِ وَ مَدْرَجَةُ الزُّهْدِ.

5- ل‏ (2)، الخصال عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ الْكُمَيْدَانِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبَلَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِجَبْرَئِيلَ(ع)عِظْنِي- فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ- وَ أَحْبِبْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ وَ اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مُلَاقِيهِ- شَرَفُ الْمُؤْمِنِ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ وَ عِزُّهُ كَفُّهُ عَنْ أَعْرَاضِ النَّاسِ.

6- عَنْ كِتَابِ إِرْشَادِ الْقُلُوبِ لِلدَّيْلَمِيِ‏ (3)، رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّ النَّبِيَّ ص سَأَلَ رَبَّهُ سُبْحَانَهُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ- فَقَالَ يَا رَبِّ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- لَيْسَ شَيْ‏ءٌ عِنْدِي أَفْضَلَ مِنَ التَّوَكُّلِ عَلَيَّ وَ الرِّضَا بِمَا قَسَمْتُ يَا مُحَمَّدُ وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ- وَ وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَعَاطِفِينَ فِيَّ- وَ وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَوَاصِلِينَ فِيَّ- وَ وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيَّ- وَ لَيْسَ لِمَحَبَّتِي عَلَمٌ‏ (4) وَ لَا غَايَةٌ وَ لَا نِهَايَةٌ- وَ كُلَّمَا رَفَعْتُ لَهُمْ عَلَماً وَضَعْتُ لَهُمْ عَلَماً- أُولَئِكَ الَّذِينَ نَظَرُوا إِلَى‏

____________

(1) الحطام الفتاة و ما يحطم من عيدان الزرع إذا يبس. و المال القليل.

(2) الخصال ج 1 ص 7.

(3) الباب الرابع و الخمسون هكذا بدون ذكر السند.

(4) بفتحتين كناية عن عدم المحدودية.

22

الْمَخْلُوقِينَ بِنَظَرِي إِلَيْهِمْ- وَ لَا يَرْفَعُوا الْحَوَائِجَ إِلَى الْخَلْقِ- بُطُونُهُمْ خَفِيفَةٌ مِنْ أَكْلِ الْحَلَالِ- نَعِيمُهُمْ فِي الدُّنْيَا ذِكْرِي وَ مَحَبَّتِي وَ رِضَايَ عَنْهُمْ- يَا أَحْمَدُ إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَكُونَ أَوْرَعَ النَّاسِ- فَازْهَدْ فِي الدُّنْيَا وَ ارْغَبْ فِي الْآخِرَةِ فَقَالَ يَا إِلَهِي كَيْفَ أَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا وَ أَرْغَبُ فِي الْآخِرَةِ- قَالَ خُذْ مِنَ الدُّنْيَا خِفّاً (1) مِنَ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ وَ اللِّبَاسِ- وَ لَا تَدَّخِرْ لِغَدٍ وَ دُمْ عَلَى ذِكْرِي- فَقَالَ يَا رَبِّ وَ كَيْفَ أَدُومُ عَلَى ذِكْرِكَ- فَقَالَ بِالْخَلْوَةِ عَنِ النَّاسِ وَ بُغْضِكَ الْحُلْوَ وَ الْحَامِضَ- وَ فَرَاغِ بَطْنِكَ وَ بَيْتِكَ مِنَ الدُّنْيَا- يَا أَحْمَدُ فَاحْذَرْ أَنْ تَكُونَ مِثْلَ الصَّبِيِّ- إِذَا نَظَرَ إِلَى الْأَخْضَرِ وَ الْأَصْفَرِ أَحَبَّهُ وَ إِذَا أُعْطِيَ شَيْئاً مِنَ الْحُلْوِ وَ الْحَامِضِ اغْتَرَّ بِهِ- فَقَالَ يَا رَبِّ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ أَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْكَ- قَالَ اجْعَلْ لَيْلَكَ نَهَاراً وَ نَهَارَكَ لَيْلًا- قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ ذَلِكَ قَالَ اجْعَلْ نَوْمَكَ صَلَاةً وَ طَعَامَكَ الْجُوعَ- يَا أَحْمَدُ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ- ضَمِنَ لِي بِأَرْبَعِ خِصَالٍ إِلَّا أَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ يَطْوِي لِسَانَهُ فَلَا يَفْتَحُهُ إِلَّا بِمَا يَعْنِيهِ- وَ يَحْفَظُ قَلْبَهُ مِنَ الْوَسْوَاسِ- وَ يَحْفَظُ عِلْمِي وَ نَظَرِي إِلَيْهِ وَ تَكُونُ قُرَّةُ عَيْنِهِ الْجُوعَ- يَا أَحْمَدُ- لَوْ (2) ذُقْتَ حَلَاوَةَ الْجُوعِ وَ الصَّمْتِ وَ الْخَلْوَةِ وَ مَا وَرِثُوا مِنْهَا- قَالَ يَا رَبِّ مَا مِيرَاثُ الْجُوعِ قَالَ الحِكْمَةُ وَ حِفْظُ الْقَلْبِ- وَ التَّقَرُّبُ إِلَيَّ وَ الْحُزْنُ الدَّائِمُ- وَ خِفَّةُ الْمَئُونَةِ بَيْنَ النَّاسِ وَ قَوْلُ الْحَقِّ- وَ لَا يُبَالِي عَاشَ بِيُسْرٍ أَوْ بِعُسْرٍ- يَا أَحْمَدُ هَلْ تَدْرِي بِأَيِّ وَقْتٍ يَتَقَرَّبُ الْعَبْدُ إِلَى اللَّهِ- قَالَ لَا يَا رَبِّ- قَالَ إِذَا كَانَ جَائِعاً أَوْ سَاجِداً- يَا أَحْمَدُ عَجِبْتُ مِنْ ثَلَاثَةِ عَبِيدٍ- عَبْدٌ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ- وَ هُوَ يَعْلَمُ إِلَى مَنْ يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَ قُدَّامَ مَنْ هُوَ وَ هُوَ يَنْعُسُ‏ (3)- وَ عَجِبْتُ مِنْ عَبْدٍ لَهُ قُوتُ يَوْمٍ مِنَ الْحَشِيشِ أَوْ غَيْرِهِ وَ هُوَ يَهْتَمُّ لِغَدٍ- وَ عَجِبْتُ مِنْ عَبْدٍ لَا يَدْرِي أَنِّي رَاضٍ عَنْهُ أَمْ سَاخِطٌ عَلَيْهِ وَ هُوَ يَضْحَكُ‏

____________

(1) بكسر الخاء من الخفيف.

(2) للتمنى.

(3) النعاس أول النوم و هو الحالة التي يحتاج الإنسان فيها الى النوم.

23

يَا أَحْمَدُ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ قَصْراً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ فَوْقَ لُؤْلُؤَةٍ- وَ دُرَّةٍ فَوْقَ دُرَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَصْمٌ وَ لَا وَصْلٌ فِيهَا الْخَوَاصُّ- أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً وَ أُكَلِّمُهُمْ- كُلَّمَا نَظَرْتُ إِلَيْهِمْ أَزِيدُ فِي مُلْكِهِمْ سَبْعِينَ ضِعْفاً- وَ إِذَا تَلَذَّذَ أَهْلُ الْجَنَّةِ بِالطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ تَلَذَّذُوا بِكَلَامِي وَ ذِكْرِي وَ حَدِيثِي- قَالَ يَا رَبِّ مَا عَلَامَاتُ أُولَئِكَ قَالَ هُمْ فِي الدُّنْيَا مَسْجُونُونَ- قَدْ سَجَنُوا أَلْسِنَتَهُمْ مِنْ فُضُولِ الْكَلَامِ وَ بُطُونَهُمْ مِنْ فُضُولِ الطَّعَامِ- يَا أَحْمَدُ- إِنَّ الْمَحَبَّةَ لِلَّهِ هِيَ الْمَحَبَّةُ لِلْفُقَرَاءِ وَ التَّقَرُّبُ إِلَيْهِمْ- قَالَ يَا رَبِّ وَ مَنِ الْفُقَرَاءُ- قَالَ الَّذِينَ رَضُوا بِالْقَلِيلِ وَ صَبَرُوا عَلَى الْجُوعِ- وَ شَكَرُوا عَلَى الرَّخَاءِ وَ لَمْ يَشْكُوا جُوعَهُمْ وَ لَا ظَمَأَهُمْ- وَ لَمْ يَكْذِبُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَ لَمْ يَغْضَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ وَ لَمْ يَغْتَمُّوا عَلَى مَا فَاتَهُمْ وَ لَمْ يَفْرَحُوا بِمَا آتَاهُمْ- يَا أَحْمَدُ مَحَبَّتِي مَحَبَّةٌ لِلْفُقَرَاءِ- فَادْنُ الْفُقَرَاءَ وَ قَرِّبْ مَجْلِسَهُمْ مِنْكَ- وَ بَعِّدِ الْأَغْنِيَاءَ وَ بَعِّدْ مَجْلِسَهُمْ مِنْكَ- فَإِنَّ الْفُقَرَاءَ أَحِبَّائِي- يَا أَحْمَدُ لَا تَتَزَيَّنُ بِلِينِ اللِّبَاسِ- وَ طِيبِ الطَّعَامِ وَ لَينِ الْوَطَاءِ- فَإِنَّ النَّفْسَ مَأْوَى كُلِّ شَرٍّ وَ هِيَ رَفِيقُ كُلِّ سُوءٍ- تَجُرُّهَا إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَ تَجُرُّكَ إِلَى مَعْصِيَتِهِ وَ تُخَالِفُكَ فِي طَاعَتِهِ وَ تُطِيعُكَ فِيمَا تَكْرَهُ- وَ تَطْغَى إِذَا شَبِعَتْ وَ تَشْكُو إِذَا جَاعَتْ- وَ تَغْضَبُ إِذَا افْتَقَرَتْ وَ تَتَكَبَّرُ إِذَا اسْتَغْنَتْ- وَ تَنْسَى إِذَا كَبِرَتْ وَ تَغْفُلُ إِذَا أَمِنَتْ وَ هِيَ قَرِينَةُ الشَّيْطَانِ- وَ مَثَلُ النَّفْسِ كَمَثَلِ النَّعَامَةِ تَأْكُلُ الْكَثِيرَ- وَ إِذَا حُمِلَ عَلَيْهَا لَا تَطِيرُ- وَ مَثَلُ الدِّفْلَى‏ (1) لَوْنُهُ حَسَنٌ وَ طَعْمُهُ مُرٌّ- يَا أَحْمَدُ أَبْغِضِ الدُّنْيَا وَ أَهْلَهَا وَ أَحِبَّ الْآخِرَةَ وَ أَهْلَهَا- قَالَ يَا رَبِّ وَ مَنْ أَهْلُ الدُّنْيَا وَ مَنْ أَهْلُ الْآخِرَةِ- قَالَ أَهْلُ الدُّنْيَا مَنْ كَثُرَ أَكْلُهُ وَ ضِحْكُهُ وَ نَوْمُهُ وَ غَضَبُهُ قَلِيلُ الرِّضَا لَا يَعْتَذِرُ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ- وَ لَا يَقْبَلُ مَعْذِرَةَ مَنِ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ- كَسْلَانُ عِنْدَ الطَّاعَةِ شُجَاعٌ عِنْدَ الْمَعْصِيَةِ- أَمَلُهُ بَعِيدٌ وَ أَجَلُهُ قَرِيبٌ لَا يُحَاسِبُ نَفْسَهُ- قَلِيلُ الْمَنْفَعَةِ كَثِيرُ الْكَلَامِ قَلِيلُ الْخَوْفِ- كَثِيرُ الْفَرَحِ عِنْدَ الطَّعَامِ- وَ إِنَّ أَهْلَ الدُّنْيَا

____________

(1) بكسر الدال و سكون الفاء و الف مقصورة نبت زهره كالورد الأحمر. يقال له بالفارسية (خرزهرة) ورقها كورق الخلاف مر الطعم محلل نافع من الحكة و الجرب.

24

لَا يَشْكُرُونَ عِنْدَ الرَّخَاءِ وَ لَا يَصْبِرُونَ عِنْدَ الْبَلَاءِ- كَثِيرُ النَّاسِ عِنْدَهُمْ قَلِيلٌ- يَحْمَدُونَ أَنْفُسَهُمْ بِمَا لَا يَفْعَلُونَ وَ يَدْعُونَ بِمَا لَيْسَ لَهُمْ- وَ يَتَكَلَّمُونَ بِمَا يَتَمَنَّوْنَ وَ يَذْكُرُونَ مَسَاوِيَ النَّاسِ- وَ يُخْفُونَ حَسَنَاتِهِمْ قَالَ يَا رَبِّ هَلْ يَكُونُ سِوَى هَذَا الْعَيْبِ فِي أَهْلِ الدُّنْيَا- قَالَ يَا أَحْمَدُ إِنَّ عَيْبَ أَهْلِ الدُّنْيَا كَثِيرٌ فِيهِمُ الْجَهْلُ وَ الْحُمْقُ- لَا يَتَوَاضَعُونَ لِمَنْ يَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ وَ هُمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ عُقَلَاءُ وَ عِنْدَ الْعَارِفِينَ حَمْقَاءُ: يَا أَحْمَدُ إِنَّ أَهْلَ الْخَيْرِ وَ أَهْلَ الْآخِرَةِ رَقِيقَةٌ وُجُوهُهُمْ- كَثِيرٌ حَيَاؤُهُمْ قَلِيلٌ حُمْقُهُمْ- كَثِيرٌ نَفْعُهُمْ قَلِيلٌ مَكْرُهُمْ- النَّاسُ مِنْهُمْ فِي رَاحَةٍ وَ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي تَعَبٍ كَلَامُهُمْ مَوْزُونٌ مُحَاسِبِينَ لِأَنْفُسِهِمْ مُتْعِبِينَ لَهَا- تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَ لَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ أَعْيُنُهُمْ بَاكِيَةٌ وَ قُلُوبُهُمْ ذَاكِرَةٌ- إِذَا كُتِبَ النَّاسُ مِنَ الْغَافِلِينَ كُتِبُوا مِنَ الذَّاكِرِينَ فِي أَوَّلِ النِّعْمَةِ يَحْمَدُونَ وَ فِي آخِرِهَا يَشْكُرُونَ- دُعَاؤُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَرْفُوعٌ وَ كَلَامُهُمْ مَسْمُوعٌ- تَفْرَحُ الْمَلَائِكَةُ بِهِمْ يَدُورُ دُعَاؤُهُمْ تَحْتَ الْحُجُبِ- يُحِبُّ الرَّبُّ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَهُمْ كَمَا تُحِبُّ الْوَالِدَةُ وَلَدَهَا- وَ لَا يَشْغَلُهُمْ عَنِ اللَّهِ شَيْ‏ءٌ طَرْفَةَ عَيْنٍ- وَ لَا يُرِيدُونَ كَثْرَةَ الطَّعَامِ- وَ لَا كَثْرَةَ الْكَلَامِ وَ لَا كَثْرَةَ اللِّبَاسِ- النَّاسُ عِنْدَهُمْ مَوْتَى وَ اللَّهُ عِنْدَهُمْ حَيٌّ قَيُّومٌ كَرِيمٌ- يَدْعُونَ الْمُدْبِرِينَ كَرَماً وَ يُرِيدُونَ الْمُقْبِلِينَ تَلَطُّفاً قَدْ صَارَتِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةُ عِنْدَهُمْ وَاحِدَةً- يَمُوتُ النَّاسُ مَرَّةً وَ يَمُوتُ أَحَدُهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً- مِنْ مُجَاهَدَةِ أَنْفُسِهِمْ وَ مُخَالَفَةِ هَوَاهُمْ- وَ الشَّيْطَانُ الَّذِي يَجْرِي فِي عُرُوقِهِمْ- وَ لَوْ تَحَرَّكَتْ رِيحٌ لَزَعْزَعَتْهُمْ- وَ إِنْ قَامُوا بَيْنَ يَدَيَ‏ كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ‏ (1)- لَا أَرَى فِي قَلْبِهِمْ شُغُلًا لِمَخْلُوقٍ- فَوَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَأُحْيِيَنَّهُمْ حَيَاةً طَيِّبَةً- إِذَا فَارَقَتْ أَرْوَاحُهُمْ مِنْ جَسَدِهِمْ- لَا أُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مَلَكَ الْمَوْتِ وَ لَا يَلِي قَبْضَ رُوحِهِمْ غَيْرِي- وَ لَأَفْتَحَنَّ لِرُوحِهِمْ أَبْوَابَ السَّمَاءِ كُلَّهَا- وَ لَأَرْفَعَنَّ الْحُجُبَ كُلَّهَا دُونِي- وَ لَآمُرَنَّ الْجِنَانَ فَلْتُزَيَّنَنَّ وَ الْحُورَ الْعِينَ فَلْتُزَفَّنَ‏ (2)- وَ الْمَلَائِكَةَ فَلْتُصَلِّيَنَ‏

____________

(1) أي مزلق بعضه الى بعض ثابت، من الرص و هو اتصال بعض البناء ببعض.

(2) زففت العروس الى زوجها أزف- بالضم- زفا و زفافا، و أزففتها أي أهديتها الى زوجها.

25

وَ الْأَشْجَارَ فَلْتُثْمِرَنَّ- وَ ثِمَارَ الْجَنَّةِ فَلْتُدْلِيَنَ‏ (1)- وَ لَآمُرَنَّ رِيحاً مِنَ الرِّيَاحِ الَّتِي تَحْتَ الْعَرْشِ- فَلْتَحْمِلَنَّ جِبَالًا مِنَ الْكَافُورِ وَ الْمِسْكِ الْأَذْفَرِ- فَلْتَصِيرَنَّ وَقُوداً مِنْ غَيْرِ النَّارِ فَلْتَدْخُلَنَّ بِهِ- وَ لَا يَكُونُ بَيْنِي وَ بَيْنَ رُوحِهِ سِتْرٌ- فَأَقُولُ لَهُ عِنْدَ قَبْضِ رُوحِهِ مَرْحَباً وَ أَهْلًا بِقُدُومِكَ عَلَيَّ- اصْعَدْ بِالْكَرَامَةِ وَ الْبُشْرَى وَ الرَّحْمَةِ وَ الرِّضْوَانِ- وَ جَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ‏- فَلَوْ رَأَيْتَ الْمَلَائِكَةَ كَيْفَ يَأْخُذُ بِهَا وَاحِدٌ وَ يُعْطِيهَا الْآخَرُ- يَا أَحْمَدُ- إِنَّ أَهْلَ الْآخِرَةِ لَا يَهْنَؤُهُمُ الطَّعَامُ مُنْذُ عَرَفُوا رَبَّهُمْ- وَ لَا يَشْغَلُهُمْ مُصِيبَةٌ مُنْذُ عَرَفُوا سَيِّئَاتِهِمْ- يَبْكُونَ عَلَى خَطَايَاهُمْ يَتْعَبُونَ أَنْفُسَهُمْ وَ لَا يُرِيحُونَهَا- وَ إِنَّ رَاحَةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْمَوْتِ وَ الْآخِرَةُ مُسْتَرَاحُ الْعَابِدِينَ- مُونِسُهُمْ دُمُوعُهُمُ الَّتِي تَفِيضُ عَلَى خُدُودِهِمْ- وَ جُلُوسُهُمْ مَعَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ عَنْ أَيْمَانِهِمْ وَ عَنْ شَمَائِلِهِمْ- وَ مُنَاجَاتُهُمْ مَعَ الْجَلِيلِ الَّذِي فَوْقَ عَرْشِهِ- وَ إِنَّ أَهْلَ الْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ فِي أَجْوَافِهِمْ قَدْ قَرِحَتْ‏ (2) يَقُولُونَ مَتَى نَسْتَرِيحُ مِنْ دَارِ الْفَنَاءِ إِلَى دَارِ الْبَقَاءِ- يَا أَحْمَدُ- هَلْ تَعْرِفُ مَا لِلزَّاهِدِينَ عِنْدِي فِي الْآخِرَةِ قَالَ لَا يَا رَبِّ- قَالَ يُبْعَثُ الْخَلْقُ وَ يُنَاقَشُونَ بِالْحِسَابِ وَ هُمْ مِنْ ذَلِكَ آمِنُونَ- إِنَّ أَدْنَى مَا أُعْطِي لِلزَّاهِدِينَ فِي الْآخِرَةِ- أَنْ أُعْطِيَهُمْ مَفَاتِيحَ الْجِنَانِ كُلَّهَا- حَتَّى يَفْتَحُوا أَيَّ بَابٍ شَاءُوا وَ لَا أَحْجُبُ عَنْهُمْ وَجْهِي- وَ لَأُنْعِمَنَّهُمْ بِأَلْوَانِ التَّلَذُّذِ مِنْ كَلَامِي- وَ لَأُجْلِسَنَّهُمْ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ- وَ أُذَكِّرَنَّهُمْ مَا صَنَعُوا وَ تَعِبُوا فِي دَارِ الدُّنْيَا- وَ أَفْتَحُ لَهُمْ أَرْبَعَةَ أَبْوَابٍ- بَابٌ تَدْخُلُ عَلَيْهِمُ الْهَدَايَا مِنْهُ بُكْرَةً وَ عَشِيّاً مِنْ عِنْدِي- وَ بَابٌ يَنْظُرُونَ مِنْهُ إِلَيَّ كَيْفَ شَاءُوا بِلَا صُعُوبَةٍ- وَ بَابٌ يَطَّلِعُونَ مِنْهُ إِلَى النَّارِ- فَيَنْظُرُونَ مِنْهُ إِلَى الظَّالِمِينَ كَيْفَ يُعَذَّبُونَ وَ بَابٌ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ الْوَصَائِفُ‏ (3) وَ الْحُورُ الْعِينُ- قَالَ يَا رَبِّ مَنْ هَؤُلَاءِ الزَّاهِدُونَ الَّذِينَ وَصَفْتَهُمْ- قَالَ الزَّاهِدُ هُوَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ بَيْتٌ يَخْرَبُ فَيَغْتَمَّ بِخَرَابِهِ- وَ لَا لَهُ‏

____________

(1) أي فلترسلن و تنزلن.

(2) أي جرحت من الحزن و الهم بالآخرة.

(3) الوصائف جمع الوصيفة و هي الخادمة.

26

وَلَدٌ يَمُوتُ فَيَحْزَنَ لِمَوْتِهِ- وَ لَا لَهُ شَيْ‏ءٌ يَذْهَبُ فَيَحْزَنَ لِذَهَابِهِ- وَ لَا يَعْرِفُهُ إِنْسَانٌ لِيَشْغَلَهُ عَنِ اللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ- وَ لَا لَهُ فَضْلُ طَعَامٍ لِيُسْأَلَ عَنْهُ وَ لَا لَهُ ثَوْبٌ لَيِّنٌ- يَا أَحْمَدُ وُجُوهُ الزَّاهِدِينَ مُصْفَرَّةٌ مِنْ تَعَبِ اللَّيْلِ وَ صَوْمِ النَّهَارِ- وَ أَلْسِنَتُهُمْ كِلَالٌ إِلَّا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى- قُلُوبُهُمْ فِي صُدُورِهُمْ مَطْعُونَةٌ مِنْ كَثْرَةِ مَا يُخَالِفُونَ أَهْوَاءَهُمْ قَدْ ضَمَّرُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ كَثْرَةِ صَمْتِهِمْ‏ (1)- قَدْ أُعْطُوا الْمَجْهُودَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ- لَا مِنْ خَوْفِ نَارٍ وَ لَا مِنْ شَوْقِ جَنَّةٍ- وَ لَكِنْ يَنْظُرُونَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ- فَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى أَهْلٌ لِلْعِبَادَةِ- كَأَنَّمَا يَنْظُرُونَ إِلَى مَنْ فَوْقَهَا- قَالَ يَا رَبِّ هَلْ تُعْطِي لِأَحَدٍ مِنْ أُمَّتِي هَذَا- قَالَ يَا أَحْمَدُ هَذِهِ دَرَجَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَ الصِّدِّيقِينَ مِنْ أُمَّتِكَ وَ أُمَّةِ غَيْرِكَ وَ أَقْوَامٌ مِنَ الشُّهَدَاءِ- قَالَ يَا رَبِّ أَيُّ الزُّهَّادِ أَكْثَرُ- زُهَّادُ أُمَّتِي أَمْ زُهَّادُ بَنِي إِسْرَائِيلَ- قَالَ إِنَّ زُهَّادَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي زُهَّادِ أُمَّتِكَ- كَشَعْرَةٍ سَوْدَاءَ فِي بَقَرَةٍ بَيْضَاءَ- فَقَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَ عَدَدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرُ مِنْ أُمَّتِي- قَالَ لِأَنَّهُمْ شَكُّوا بَعْدَ الْيَقِينِ وَ جَحَدُوا بَعْدَ الْإِقْرَارِ- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص فَحَمِدْتُ اللَّهَ لِلزَّاهِدِينَ كَثِيراً وَ شَكَرْتُهُ- وَ دَعَوْتُ لَهُمْ فَقُلْتُ اللَّهُمَّ احْفَظْهُمْ وَ ارْحَمْهُمْ- وَ احْفَظْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَيْتَ لَهُمْ- اللَّهُمَّ ارْزُقْهُمْ إِيمَانَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَكٌّ وَ زَيْغٌ- وَ وَرَعاً لَيْسَ بَعْدَهُ رَغْبَةٌ وَ خَوْفاً لَيْسَ بَعْدَهُ غَفْلَةٌ- وَ عِلْماً لَيْسَ بَعْدَهُ جَهْلٌ وَ عَقْلًا لَيْسَ بَعْدَهُ حُمْقٌ وَ قُرْباً لَيْسَ بَعْدَهُ بُعْدٌ وَ خُشُوعاً لَيْسَ بَعْدَهُ قَسَاوَةٌ- وَ ذِكْراً لَيْسَ بَعْدَهُ نِسْيَانٌ وَ كَرَماً لَيْسَ بَعْدَهُ هَوَانٌ- وَ صَبْراً لَيْسَ بَعْدَهُ ضَجَرٌ وَ حِلْماً لَيْسَ بَعْدَهُ عَجَلَةٌ- وَ امْلَأْ قُلُوبَهُمْ حَيَاءً مِنْكَ حَتَّى يَسْتَحْيُوا مِنْكَ كُلَّ وَقْتٍ- وَ تُبَصِّرُهُمْ بِآفَاتِ الدُّنْيَا وَ آفَاتِ أَنْفُسِهِمْ وَ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ- فَإِنَّكَ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ- يَا أَحْمَدُ عَلَيْكَ بِالْوَرَعِ فَإِنَّ الْوَرَعَ رَأْسُ الدِّينِ وَ وَسَطُ الدِّينِ وَ آخِرُ الدِّينِ إِنَّ الْوَرَعَ يُقَرِّبُ الْعَبْدَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى- يَا أَحْمَدُ إِنَّ الْوَرَعَ كَالشُّنُوفِ‏ (2) بَيْنَ الْحُلِيِّ وَ الْخُبْزِ بَيْنَ الطَّعَامِ- إِنَّ الْوَرَعَ‏

____________

(1) ضمر: هزل و دق و قل لحمه.

(2) جمع الشنف: ما علق في الاذن او اعلاها من الحلى.

27

رَأْسُ الْإِيمَانِ وَ عِمَادُ الدِّينِ- إِنَّ الْوَرَعَ مَثَلُهُ كَمَثَلِ السَّفِينَةِ- كَمَا أَنَّ فِي الْبَحْرِ لَا يَنْجُو إِلَّا مَنْ كَانَ فِيهَا كَذَلِكَ لَا يَنْجُو الزَّاهِدُونَ إِلَّا بِالْوَرَعِ- يَا أَحْمَدُ مَا عَرَفَنِي عَبْدٌ وَ خَشَعَ لِي إِلَّا وَ خَشَعْتُ لَهُ- يَا أَحْمَدُ الْوَرَعُ يَفْتَحُ عَلَى الْعَبْدِ أَبْوَابَ الْعِبَادَةِ- فَتَكَرَّمَ بِهِ عِنْدَ الْخَلْقِ وَ يَصِلُ بِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- يَا أَحْمَدُ عَلَيْكَ بِالصَّمْتِ- فَإِنَّ أَعْمَرَ الْقُلُوبِ قُلُوبُ الصَّالِحِينَ وَ الصَّامِتِينَ- وَ إِنَّ أَخْرَبَ الْقُلُوبِ قُلُوبُ الْمُتَكَلِّمِينَ بِمَا لَا يَعْنِيهِمْ- يَا أَحْمَدُ إِنَّ الْعِبَادَةَ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ تِسْعَةٌ مِنْهَا طَلَبُ الْحَلَالِ- فَإِذَا طَيَّبْتَ مَطْعَمَكَ وَ مَشْرَبَكَ فَأَنْتَ فِي حِفْظِي وَ كَنَفِي- قَالَ يَا رَبِّ مَا أَوَّلُ الْعِبَادَةِ- قَالَ أَوَّلُ الْعِبَادَةِ الصَّمْتُ وَ الصَّوْمُ- قَالَ يَا رَبِّ وَ مَا مِيرَاثُ الصَّوْمِ- قَالَ الصَّوْمُ يُورِثُ الحِكْمَةَ وَ الحِكْمَةُ تُورِثُ الْمَعْرِفَةَ وَ الْمَعْرِفَةُ تُورِثُ الْيَقِينَ- فَإِذَا اسْتَيْقَنَ الْعَبْدُ لَا يُبَالِي كَيْفَ أَصْبَحَ بِعُسْرٍ أَمْ بِيُسْرٍ- وَ إِذَا كَانَ الْعَبْدُ فِي حَالَةِ الْمَوْتِ يَقُومُ عَلَى رَأْسِهِ مَلَائِكَةٌ بِيَدِ كُلِّ مَلَكٍ كَأْسٌ مِنْ مَاءِ الْكَوْثَرِ وَ كَأْسٌ مِنَ الْخَمْرِ- يَسْقُونَ رُوحَهُ حَتَّى تَذْهَبَ سَكْرَتُهُ وَ مَرَارَتُهُ- وَ يُبَشِّرُونَهُ بِالْبِشَارَةِ الْعُظْمَى وَ يَقُولُونَ لَهُ طِبْتَ وَ طَابَ مَثْوَاكَ‏ (1)- إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ الْحَبِيبِ الْقَرِيبِ- فَتَطِيرُ الرُّوحُ مِنْ أَيْدِي الْمَلَائِكَةِ- فَتَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ وَ لَا يَبْقَى حِجَابٌ وَ لَا سِتْرٌ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهَا مُشْتَاقٌ- وَ تَجْلِسُ عَلَى عَيْنٍ عِنْدَ الْعَرْشِ- ثُمَّ يُقَالُ لَهَا كَيْفَ تَرَكْتِ الدُّنْيَا- فَتَقُولُ إِلَهِي وَ عِزَّتِكَ وَ جَلَالِكَ لَا عِلْمَ لِي بِالدُّنْيَا- أَنَا مُنْذُ خَلَقْتَنِي خَائِفَةٌ مِنْكَ- فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى صَدَقْتَ عَبْدِي- كُنْتَ بِجَسَدِكَ فِي الدُّنْيَا وَ رُوحُكَ مَعِي- فَأَنْتَ بِعَيْنِي سِرُّكَ وَ عَلَانِيَتُكَ- سَلْ أُعْطِكَ وَ تَمَنَّ عَلَيَّ فَأُكْرِمْكَ- هَذِهِ جَنَّتِي فَتَجَنَّحْ فِيهَا وَ هَذَا جِوَارِي فَاسْكُنْهُ- فَتَقُولُ الرُّوحُ إِلَهِي عَرَّفْتَنِي نَفْسَكَ- فَاسْتَغْنَيْتُ بِهَا عَنْ جَمِيعِ خَلْقِكَ وَ عِزَّتِكَ وَ جَلَالِكَ لَوْ كَانَ رِضَاكَ فِي أَنْ أُقْطَعَ إِرْباً إِرْباً- وَ أُقْتَلَ سَبْعِينَ قَتْلَةً بِأَشَدِّ مَا يُقْتَلُ بِهِ النَّاسُ- لَكَانَ رِضَاكَ أَحَبَّ إِلَيَّ- إِلَهِي كَيْفَ أُعْجَبُ بِنَفْسِي وَ أَنَا ذَلِيلٌ إِنْ لَمْ‏

____________

(1) المثوى: المنزل و المكان.

28

تُكْرِمْنِي- وَ أَنَا مَغْلُوبٌ إِنْ لَمْ تَنْصُرْنِي وَ أَنَا ضَعِيفٌ إِنْ لَمْ تُقَوِّنِي- وَ أَنَا مَيِّتٌ إِنْ لَمْ تُحْيِنِي بِذِكْرِكَ- وَ لَوْ لَا سَتْرُكَ لَافْتَضَحْتُ أَوَّلَ مَرَّةٍ عَصَيْتُكَ- إِلَهِي كَيْفَ لَا أَطْلُبُ رِضَاكَ وَ قَدْ أَكْمَلْتَ عَقْلِي- حَتَّى عَرَفْتُكَ وَ عَرَفْتُ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ- وَ الْأَمْرَ مِنَ النَّهْيِ وَ الْعِلْمَ مِنَ الْجَهْلِ وَ النُّورَ مِنَ الظُّلْمَةِ- فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَا أَحْجُبُ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ- كَذَلِكَ أَفْعَلُ بِأَحِبَّائِي- يَا أَحْمَدُ هَلْ تَدْرِي أَيُّ عَيْشٍ أَهْنَأُ وَ أَيُّ حَيَاةٍ أَبْقَى- قَالَ اللَّهُمَّ لَا- قَالَ أَمَّا الْعَيْشُ الْهَنِي‏ءُ (1) فَهُوَ الَّذِي لَا يَفْتُرُ صَاحِبُهُ‏ (2) عَنْ ذِكْرِي- وَ لَا يَنْسَى نِعْمَتِي وَ لَا يَجْهَلُ حَقِّي- يَطْلُبُ رِضَايَ فِي لَيْلِهِ وَ نَهَارِهِ- وَ أَمَّا الْحَيَاةُ الْبَاقِيَةُ فَهِيَ الَّتِي يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ حَتَّى تَهُونَ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَ تَصْغُرَ فِي عَيْنِهِ وَ تَعْظُمَ الْآخِرَةُ عِنْدَهُ- وَ يُؤْثِرَ هَوَايَ عَلَى هَوَاهُ وَ يَبْتَغِيَ مَرْضَاتِي- وَ يُعَظِّمَ حَقَّ عَظَمَتِي وَ يَذْكُرَ عِلْمِي بِهِ- وَ يُرَاقِبَنِي بِاللَّيْلِ وَ النَّهَارِ عِنْدَ كُلِّ سَيِّئَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ- وَ يُنَقِّيَ قَلْبَهُ عَنْ كُلِّ مَا أَكْرَهُ- وَ يُبْغِضَ الشَّيْطَانَ وَ وَسَاوِسَهُ وَ لَا يَجْعَلَ لِإِبْلِيسَ عَلَى قَلْبِهِ سُلْطَاناً وَ سَبِيلًا- فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ أَسْكَنْتُ قَلْبَهُ حُبّاً- حَتَّى أَجْعَلَ قَلْبَهُ لِي وَ فَرَاغَهُ وَ اشْتِغَالَهُ وَ هَمَّهُ وَ حَدِيثَهُ- مِنَ النِّعْمَةِ الَّتِي أَنْعَمْتُ بِهَا عَلَى أَهْلِ مَحَبَّتِي مِنْ خَلْقِي- وَ أَفْتَحُ عَيْنَ قَلْبِهِ وَ سَمْعِهِ- حَتَّى يَسْمَعَ بِقَلْبِهِ وَ يَنْظُرَ بِقَلْبِهِ إِلَى جَلَالِي وَ عَظَمَتِي- وَ أُضِيقُ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَ أُبْغِضُ الدُّنْيَا وَ أُبْغِضُ إِلَيْهِ مَا فِيهَا مِنَ اللَّذَّاتِ- وَ أُحَذِّرُهُ مِنَ الدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا- كَمَا يُحَذِّرُ الرَّاعِي غَنَمَهُ مِنْ مَرَاتِعِ الْهَلَكَةِ- فَإِذَا كَانَ هَكَذَا يَفِرُّ مِنَ النَّاسِ فِرَاراً- وَ يَنْقُلُ مِنْ دَارِ الْفَنَاءِ إِلَى دَارِ الْبَقَاءِ- وَ مِنْ دَارِ الشَّيْطَانِ إِلَى دَارِ الرَّحْمَنِ- يَا أَحْمَدُ وَ لَأُزَيِّنَنَّهُ بِالْهَيْبَةِ وَ الْعَظَمَةِ- فَهَذَا هُوَ الْعَيْشُ الْهَنِي‏ءُ وَ الْحَيَاةُ الْبَاقِيَةُ وَ هَذَا مَقَامُ الرَّاضِينَ- فَمَنْ عَمِلَ بِرِضَايَ أُلْزِمُهُ ثَلَاثَ خِصَالٍ- أُعَرِّفُهُ شُكْراً لَا يُخَالِطُهُ الْجَهْلُ وَ ذِكْراً لَا يُخَالِطُهُ النِّسْيَانُ- وَ مَحَبَّةً لَا يُؤْثِرُ عَلَى مَحَبَّتِي مَحَبَّةَ الْمَخْلُوقِينَ فَإِذَا أَحَبَّنِي أَحْبَبْتُهُ وَ أَفْتَحُ عَيْنَ قَلْبِهِ إِلَى جَلَالِي- وَ لَا أُخْفِي عَلَيْهِ خَاصَّةَ خَلْقِي‏

____________

(1) الهني‏ء: السائغ و ما أتاك بلا مشقة.

(2) أي لا يمل و لا يكسل و لا يضعف.

29

وَ أُنَاجِيهِ فِي ظُلَمِ اللَّيْلِ وَ نُورِ النَّهَارِ- حَتَّى يَنْقَطِعَ حَدِيثُهُ مَعَ الْمَخْلُوقِينَ‏ (1) وَ مُجَالَسَتُهُ مَعَهُمْ- وَ أُسْمِعُهُ كَلَامِي وَ كَلَامَ مَلَائِكَتِي- وَ أُعَرِّفُهُ السِّرَّ الَّذِي سَتَرْتُهُ عَنْ خَلْقِي- وَ أُلْبِسُهُ الْحَيَاءَ حَتَّى يَسْتَحْيِيَ مِنْهُ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ- وَ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَغْفُوراً لَهُ- وَ أَجْعَلُ قَلْبَهُ وَاعِياً وَ بَصِيراً- وَ لَا أُخْفِي عَلَيْهِ شَيْئاً مِنْ جَنَّةٍ وَ لَا نَارٍ- وَ أُعَرِّفُهُ مَا يَمُرُّ عَلَى النَّاسِ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ- مِنَ الْهَوْلِ وَ الشِّدَّةِ- وَ مَا أُحَاسِبُ الْأَغْنِيَاءَ وَ الْفُقَرَاءَ وَ الْجُهَّالَ وَ الْعُلَمَاءَ وَ أُنَوِّمُهُ فِي قَبْرِهِ وَ أُنْزِلُ عَلَيْهِ مُنْكَراً وَ نَكِيراً حَتَّى يَسْأَلَاهُ- وَ لَا يَرَى غَمْرَةَ الْمَوْتِ وَ ظُلْمَةَ الْقَبْرِ وَ اللَّحْدِ وَ هَوْلَ الْمُطَّلَعِ‏ (2)- ثُمَّ أَنْصِبُ لَهُ مِيزَانَهُ وَ أَنْشُرُ دِيوَانَهُ- ثُمَّ أَضَعُ كِتَابَهُ فِي يَمِينِهِ فَيَقْرَؤُهُ مَنْشُوراً- ثُمَّ لَا أَجْعَلُ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ تَرْجُمَاناً فَهَذِهِ صِفَاتُ الْمُحِبِّينَ- يَا أَحْمَدُ اجْعَلْ هَمَّكَ هَمّاً وَاحِداً فَاجْعَلْ لِسَانَكَ لِسَاناً وَاحِداً- وَ اجْعَلْ بَدَنَكَ حَيّاً لَا تَغْفُلُ عَنِّي- مَنْ يَغْفُلُ عَنِّي لَا أُبَالِي بِأَيِّ وَادٍ هَلَكَ- يَا أَحْمَدُ اسْتَعْمِلْ عَقْلَكَ قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ- فَمَنِ اسْتَعْمَلَ عَقْلَهُ لَا يُخْطِئُ وَ لَا يَطْغَى- يَا أَحْمَدُ أَ لَمْ تَدْرِ لِأَيِّ شَيْ‏ءٍ فَضَّلْتُكَ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ- قَالَ اللَّهُمَّ لَا قَالَ بِالْيَقِينِ وَ حُسْنِ الْخُلُقِ وَ سَخَاوَةِ النَّفْسِ وَ رَحْمَةِ الْخَلْقِ- وَ كَذَلِكَ أَوْتَادُ الْأَرْضِ لَمْ يَكُونُوا أَوْتَاداً إِلَّا بِهَذَا- يَا أَحْمَدُ- إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَجَاعَ بَطْنَهُ وَ حَفِظَ لِسَانَهُ عَلَّمْتُهُ الحِكْمَةَ- وَ إِنْ كَانَ كَافِراً تَكُونُ حِكْمَتُهُ حُجَّةً عَلَيْهِ وَ وَبَالًا- وَ إِنْ كَانَ مُؤْمِناً تَكُونُ حِكْمَتُهُ لَهُ نُوراً وَ بُرْهَاناً وَ شِفَاءً وَ رَحْمَةً- فَيَعْلَمُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ وَ يُبْصِرُ مَا لَمْ يَكُنْ يُبْصِرُ- فَأَوَّلُ مَا أُبَصِّرُهُ عُيُوبُ نَفْسِهِ حَتَّى يَشْتَغِلَ عَنْ عُيُوبِ غَيْرِهِ- وَ أُبَصِّرُهُ دَقَائِقَ الْعِلْمِ حَتَّى لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ- يَا أَحْمَدُ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ مِنَ الْعِبَادَةِ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنَ الصَّمْتِ وَ الصَّوْمِ- فَمَنْ صَامَ وَ لَمْ يَحْفَظْ لِسَانَهُ- كَانَ كَمَنْ قَامَ وَ لَمْ يَقْرَأْ فِي صَلَاتِهِ- فَأُعْطِيهِ أَجْرَ الْقِيَامِ وَ لَمْ أُعْطِهِ أَجْرَ الْعَابِدِينَ‏

____________

(1) في بعض النسخ «من المخلوقين».

(2) المطلع بشد الطاء المهملة و فتح اللام: المكان المشرف الذي يطلع منه.

30

يَا أَحْمَدُ هَلْ تَدْرِي مَتَى تَكُونُ الْعَبْدُ عَابِداً قَالَ لَا يَا رَبِّ- قَالَ إِذَا اجْتَمَعَ فِيهِ سَبْعُ خِصَالٍ- وَرَعٌ يَحْجُزُهُ عَنِ الْمَحَارِمِ وَ صَمْتٌ يَكُفُّهُ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ- وَ خَوْفٌ يَزْدَادُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ بُكَائِهِ- وَ حَيَاءٌ يَسْتَحْيِي مِنِّي فِي الْخَلَاءِ وَ أَكْلُ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَ يُبْغِضُ الدُّنْيَا لِبُغْضِي لَهَا وَ يُحِبُّ الْأَخْيَارَ لِحُبِّي إِيَّاهُمْ- يَا أَحْمَدُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ قَالَ أُحِبُّ اللَّهَ أَحَبَّنِي حَتَّى يَأْخُذَ قُوتاً- وَ يَلْبَسَ دُوناً وَ يَنَامَ سُجُوداً وَ يُطِيلَ قِيَاماً وَ يَلْزَمَ صَمْتاً- وَ يَتَوَكَّلَ عَلَيَّ وَ يَبْكِيَ كَثِيراً وَ يُقِلَّ ضِحْكاً وَ يُخَالِفَ هَوَاهُ- وَ يَتَّخِذَ الْمَسْجِدَ بَيْتاً وَ الْعِلْمَ صَاحِباً وَ الزُّهْدَ جَلِيساً- وَ الْعُلَمَاءَ أَحِبَّاءَ وَ الْفُقَرَاءَ رُفَقَاءَ- وَ يَطْلُبَ رِضَايَ وَ يَفِرَّ مِنَ الْعَاصِينَ فِرَاراً- وَ يَشْغَلَ بِذِكْرِي اشْتِغَالًا وَ يُكْثِرَ التَّسْبِيحَ دَائِماً- وَ يَكُونَ بِالْوَعْدِ صَادِقاً وَ بِالْعَهْدِ وَافِياً- وَ يَكُونَ قَلْبُهُ طَاهِراً وَ فِي الصَّلَاةِ زَاكِياً- وَ فِي الْفَرَائِضِ مُجْتَهِداً وَ فِيمَا عِنْدِي فِي الثَّوَابِ رَاغِباً- وَ مِنْ عَذَابِي رَاهِباً وَ لِأَحِبَّائِي قَرِيناً وَ جَلِيساً- يَا أَحْمَدُ لَوْ صَلَّى الْعَبْدُ صَلَاةَ أَهْلِ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ- وَ يَصُومُ صِيَامَ أَهْلِ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ- وَ يَطْوِي مِنَ الطَّعَامِ مِثْلَ الْمَلَائِكَةِ وَ لَبِسَ لِبَاسَ الْعَارِي- ثُمَّ أَرَى فِي قَلْبِهِ مِنْ حُبِّ الدُّنْيَا ذَرَّةً- أَوْ سَعَتِهَا أَوْ رِئَاسَتِهَا أَوْ حُلِيِّهَا أَوْ زِينَتِهَا- لَا يُجَاوِرُنِي فِي دَارِي وَ لَأَنْزِعَنَّ مِنْ قَلْبِهِ مَحَبَّتِي- وَ عَلَيْكَ سَلَامِي وَ رَحْمَتِي‏ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏

أقول و رأيت في بعض الكتب لهذا الحديث سندا هكذا قال الإمام أبو عبد الله محمد بن علي البلخي عن أحمد بن إسماعيل الجوهري عن أبي محمد علي بن مظفر بن إلياس العبدي عن أبي نصر أحمد بن عبد الله الواعظ عن أبي الغنائم عن أبي الحسن عبد الله بن الواحد بن محمد بن عقيل عن أبي إسحاق إبراهيم بن حاتم الزاهد بالشام عن إبراهيم بن محمد عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبي عبد الله عبد الحميد بن أحمد بن سعيد عن أبي بشر عن الحسن بن علي المقري عن أبي مسلم محمد بن الحسن المقري عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب(ع)قال‏ هذا ما سئل رسول الله ص ربه ليلة المعراج- و ذكر نحوه إلى آخر الخبر

31

- و وجدت في نسخة قديمة أخرى‏ (1) قال الشيخ أبو عمرو عثمان بن محمد البلخي أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسماعيل الجوهري قال حدثنا أبو علي المطر بن إلياس بن سعد بن سليمان‏ (2) قال أخبرنا أبو نصر أحمد بن عبد الله بن إسحاق الواعظ قال أخبرنا أبو الغنائم الحسن بن حماد المقري قراءة بأهواز في آخر شهر رمضان سنة ثلاث و أربعين و أربعمائة قال أخبرنا أبو مسلم محمد بن الحسن المقري قراءة عليه من أصله قال حدثنا عبد الواحد بن محمد بن عقيل قال أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن حاتم الزاهد بالشام قال حدثنا إبراهيم بن محمد بن أحمد قال حدثنا إسحاق بن بشر عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب(ع)و ذكر نحوه.

7- كا (3)، الكافي عَلِيٌّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى رَفَعَهُ قَالَ: إِنَّ مُوسَى(ع)نَاجَاهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- فَقَالَ لَهُ فِي مُنَاجَاتِهِ يَا مُوسَى- لَا يَطُولُ فِي الدُّنْيَا أَمَلُكَ فَيَقْسُوَ لِذَلِكَ قَلْبُكَ- وَ قَاسِي الْقَلْبِ مِنِّي بَعِيدٌ- يَا مُوسَى كُنْ كَمَسَرَّتِي فِيكَ‏ (4) فَإِنَّ مَسَرَّتِي أَنْ أُطَاعَ فَلَا أُعْصَى- وَ أَمِتْ قَلْبَكَ بِالْخَشْيَةِ- وَ كُنْ خَلَقَ الثِّيَابِ‏ (5)جَدِيدَ الْقَلْبِ تُخْفَى عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَ تُعْرَفُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ- حِلْسَ الْبُيُوتِ‏ (6) مِصْبَاحَ اللَّيْلِ وَ اقْنُتْ بَيْنَ يَدَيَّ قُنُوتَ الصَّابِرِينَ- وَ صِحْ إِلَيَّ مِنْ كَثْرَةِ الذُّنُوبِ صِيَاحَ الْمُذْنِبِ الْهَارِبِ مِنْ عَدُوِّهِ- وَ اسْتَعِنْ بِي عَلَى ذَلِكَ فَإِنِّي نِعْمَ الْعَوْنُ وَ نِعْمَ الْمُسْتَعَانُ‏

____________

(1) طبعت هذه الرسالة مع تحف العقول سنة 1297 ه. و السندان فيهما تصحيف و تحريف و لا يسعنى تصحيحهما.

(2) كذا.

(3) روضة الكافي ص 42.

(4) هذا تشبيه للمبالغة و حاصله كن على حال اكون مسرورا بفعالك فكانك تكون مسرورا.

(5) الخلق- ككتف- البالى.

(6) الحلس: بساط يبسط في البيت.

32

يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ فَوْقَ الْعِبَادِ- وَ الْعِبَادُ دُونِي وَ كُلٌّ لِي دَاخِرُونَ‏ (1)- فَاتَّهِمْ نَفْسَكَ عَلَى نَفْسِكَ- وَ لَا تَأْتَمِنْ وَلَدَكَ عَلَى دِينِكَ- إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَلَدُكَ مِثْلَكَ يُحِبُّ الصَّالِحِينَ- يَا مُوسَى اغْسِلْ وَ اغْتَسِلْ وَ اقْتَرِبْ مِنْ عِبَادِيَ الصَّالِحِينَ- يَا مُوسَى كُنْ إِمَامَهُمْ فِي صَلَاتِهِمْ وَ إِمَامَهُمْ فِيمَا يَتَشَاجَرُونَ‏ (2)- وَ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلْتُ عَلَيْكَ- فَقَدْ أَنْزَلْتُهُ حُكْماً بَيِّناً وَ بُرْهَاناً نَيِّراً- وَ نُوراً يَنْطِقُ بِمَا كَانَ فِي الْأَوَّلِينَ- وَ بِمَا هُوَ كَائِنٌ فِي الْآخِرِينَ- أُوصِيكَ يَا مُوسَى وَصِيَّةَ الشَّفِيقِ- الْمُشْفِقِ بِابْنِ الْبَتُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ- صَاحِبِ الْأَتَانِ وَ الْبُرْنُسِ وَ الزَّيْتِ وَ الزَّيْتُونِ وَ الْمِحْرَابِ‏ (3)- وَ مِنْ بَعْدِهِ بِصَاحِبِ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ الطَّيِّبِ الطَّاهِرِ الْمُطَهَّرِ- فَمَثَلُهُ فِي كِتَابِكَ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ مُهَيْمِنٌ عَلَى الْكُتُبِ كُلِّهَا (4)- وَ أَنَّهُ رَاكِعٌ سَاجِدٌ رَاغِبٌ رَاهِبٌ- إِخْوَانُهُ الْمَسَاكِينُ وَ أَنْصَارُهُ قَوْمٌ آخَرُونَ‏ (5)- وَ يَكُونُ فِي زَمَانِهِ أَزْلٌ وَ زِلْزَالٌ‏ (6) وَ قَتْلٌ وَ قِلَّةٌ مِنَ الْمَالِ- اسْمُهُ أَحْمَدُ مُحَمَّدٌ الْأَمِينُ مِنَ الْبَاقِينَ- مِنْ ثُلَّةِ الْأَوَّلِينَ الْمَاضِينَ‏ (7)- يُؤْمِنُ بِالْكُتُبِ كُلِّهَا

____________

(1) ساغرون عاجزون.

(2) التشاجر: التنازع و التخاصم.

(3) الاتان- بالفتح- الحمارة. و البرنس- بضم الباء و النون-: قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام. و المراد بالزيتون و الزيت: الثمرة المعروفة و دهنها لانه «ص» كان يأكلهما. او نزلتا له في المائدة من السماء، أو المراد بالزيتون مسجد دمشق او جبال الشام كما ذكره الفيروزآبادي اي اعطاه اللّه بلاد الشام. و بالزيت الدهن الذي روى انه كان في بني إسرائيل و كان غليانها من علامات النبوّة و المحراب لزومه و كثرة العبادة فيه (كما في المرآة).

(4) المهيمن هنا المشاهد و المؤتمن.

(5) أي ليسوا من قومه و عشيرته.

(6) الثلة الجماعة من الناس اي انه من سلالة اشارف الأنبياء.

(7) الازل- بشد اللام-: الضيق و الشدة.

33

وَ يُصَدِّقُ جَمِيعَ الْمُرْسَلِينَ وَ يَشْهَدُ بِالْإِخْلَاصِ لِجَمِيعِ النَّبِيِّينَ- أُمَّتُهُ مَرْحُومَةٌ مُبَارَكَةٌ مَا بَقُوا فِي الدِّينِ عَلَى حَقَائِقِهِ- لَهُمْ سَاعَاتٌ مُوَقَّتَاتٌ- يُؤَدُّونَ فِيهَا الصَّلَوَاتِ أَدَاءَ الْعَبْدِ إِلَى سَيِّدِهِ نَافِلَتَهُ- فَبِهِ فَصَدِّقْ وَ مَنَاهِجَهُ فَاتَّبِعْ فَإِنَّهُ أَخُوكَ- يَا مُوسَى إِنَّهُ أُمِّيٌّ وَ هُوَ عَبْدٌ صِدْقٌ- مُبَارَكٌ لَهُ فِيمَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَ يُبَارَكُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ كَانَ فِي عِلْمِي وَ كَذَلِكَ خَلَقْتُهُ- بِهِ أَفْتَحُ‏ (1) السَّاعَةَ وَ بِأُمَّتِهِ أَخْتِمُ مَفَاتِيحَ الدُّنْيَا- فَمُرْ ظَلَمَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ لَا يَدْرُسُوا اسْمَهُ- وَ لَا يَخْذُلُوهُ وَ إِنَّهُمْ لَفَاعِلُونَ- وَ حُبُّهُ لِي حَسَنَةٌ- فَأَنَا مَعَهُ وَ أَنَا مِنْ حِزْبِهِ‏ (2) وَ هُوَ مِنْ حِزْبِي وَ حِزْبُهُمُ الْغَالِبُونَ- فَتَمَّتْ كَلِمَاتِي لَأُظْهِرَنَّ دِينَهُ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا- وَ لَأُعْبَدَنَّ بِكُلِّ مَكَانٍ- وَ لَأُنْزِلَنَّ عَلَيْهِ قُرْآناً فُرْقَاناً- شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ مِنْ نَفْثِ الشَّيْطَانِ- فَصَلِّ عَلَيْهِ يَا ابْنَ عِمْرَانَ فَإِنِّي أُصَلِّي عَلَيْهِ وَ مَلَائِكَتِي- يَا مُوسَى أَنْتَ عَبْدِي وَ أَنَا إِلَهُكَ- لَا تَسْتَذِلَّ الْحَقِيرَ الْفَقِيرَ وَ لَا تَغْبِطِ الْغَنِيَّ بِشَيْ‏ءٍ يَسِيرٍ- وَ كُنْ عِنْدَ ذِكْرِي خَاشِعاً وَ عِنْدَ تِلَاوَتِهِ بِرَحْمَتِي طَامِعاً- وَ أَسْمِعْنِي لَذَاذَةَ التَّوْرَاةِ بِصَوْتٍ خَاشِعٍ حَزِينٍ- اطْمَئِنَّ عِنْدَ ذِكْرِي وَ ذَكِّرْ بِي مَنْ يَطْمَئِنُّ إِلَيَّ- وَ اعْبُدْنِي وَ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً- وَ تَحَرَّ مَسَرَّتِي‏ (3) إِنِّي أَنَا السَّيِّدُ الْكَبِيرُ- إِنِّي خَلَقْتُكَ مِنْ نُطْفَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ- (4) مِنْ طِينَةٍ أَخْرَجْتُهَا مِنْ أَرْضٍ ذَلِيلَةٍ مَمْشُوجَةٍ- (5) فَكَانَتْ بَشَراً فَأَنَا صَانِعُهَا خَلْقاً- فَتَبَارَكَ وَجْهِي وَ تَقَدَّسَ صُنْعِي‏ (6) لَيْسَ كَمِثْلِي شَيْ‏ءٌ

____________

(1) الباء للملابسة و الغرض اتصال امته و دولته و نبوّته بقيام الساعة.

(2) أي انصره و اعينه.

(3) التحرّي: الطلب اي اطلب ما يوجب رضاى عنك.

(4) المهين: الحقير و القليل و الضعيف.

(5) أي مخطوطة من أنواع، و المراد انى خلقتك من نطفة و أصل تلك النطفة حصل من شخص خلقته من طينة الأرض و هو آدم (عليه السلام) و اخذت طينته من جميع وجه الأرض المشتملة على الوان و أنواع مختلفة (كذا في المرآة).

(6) في بعض النسخ من المصدر «صنيعى».

34

وَ أَنَا الْحَيُّ الدَّائِمُ الَّذِي لَا أَزُولُ- يَا مُوسَى كُنْ إِذَا دَعَوْتَنِي خَائِفاً مُشْفِقاً وَجِلًا- عَفِّرْ وَجْهَكَ لِي فِي التُّرَابِ وَ اسْجُدْ لِي بِمَكَارِمِ بَدَنِكَ- وَ اقْنُتْ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْقِيَامِ- وَ نَاجِنِي حِينَ تُنَاجِينِي بِخَشْيَةٍ مِنْ قَلْبٍ وَجِلٍ- وَ أَحْيِ بِتَوْرَاتِي أَيَّامَ الْحَيَاةِ- وَ عَلِّمِ الْجُهَّالَ مَحَامِدِي وَ ذَكِّرْهُمْ آلَائِي وَ نِعْمَتِي- وَ قُلْ لَهُمْ لَا يَتَمَادَوْنَ فِي غَيِّ مَا هُمْ فِيهِ فَإِنَّ أَخْذِي أَلِيمٌ شَدِيدٌ- يَا مُوسَى إِذَا انْقَطَعَ حَبْلُكَ مِنِّي لَمْ يَتَّصِلْ بِحَبْلِ غَيْرِي- فَاعْبُدْنِي وَ قُمْ بَيْنَ يَدَيَّ مَقَامَ الْعَبْدِ الْحَقِيرِ الْفَقِيرِ- ذُمَّ نَفْسَكَ فَهِيَ أَوْلَى بِالذَّمِّ- وَ لَا تَتَطَاوَلْ بِكِتَابِي عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ- فَكَفَى بِهَذَا وَاعِظاً لِقَلْبِكَ وَ مُنِيراً- وَ هُوَ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَ تَعَالَى- يَا مُوسَى مَتَى مَا دَعَوْتَنِي وَ رَجَوْتَنِي- وَ إِنِّي سَأَغْفِرُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ- السَّمَاءُ تُسَبِّحُ لِي وَجَلًا وَ الْمَلَائِكَةُ مِنْ مَخَافَتِي مُشْفِقُونَ- وَ الْأَرْضُ تُسَبِّحُ لِي طَمَعاً وَ كُلُّ الْخَلْقِ يُسَبِّحُونَ لِي دَاخِرِينَ‏ (1)- ثُمَّ عَلَيْكَ بِالصَّلَاةِ الصَّلَاةِ- فَإِنَّهَا مِنِّي بِمَكَانٍ وَ لَهَا عِنْدِي عَهْدٌ وَثِيقٌ- وَ أَلْحِقْ بِهَا مَا هُوَ مِنْهَا زَكَاةَ الْقُرْبَانِ- مِنْ طَيِّبِ الْمَالِ وَ الطَّعَامِ- فَإِنِّي لَا أَقْبَلُ إِلَّا الطَّيِّبَ- يُرَادُ بِهِ وَجْهِي- وَ اقْرُنْ مَعَ ذَلِكَ صِلَةَ الْأَرْحَامِ- فَإِنِّي أَنَا اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ- وَ الرَّحِمُ أَنَا خَلَقْتُهَا فَضْلًا مِنْ رَحْمَتِي لِيَتَعَاطَفَ بِهَا الْعِبَادُ- وَ لَهَا عِنْدِي سُلْطَانٌ فِي مَعَادِ الْآخِرَةِ- وَ أَنَا قَاطِعُ مَنْ قَطَعَهَا وَ وَاصِلُ مَنْ وَصَلَهَا- وَ كَذَلِكَ أَفْعَلُ بِمَنْ ضَيَّعَ أَمْرِي- يَا مُوسَى أَكْرِمِ السَّائِلَ إِذَا أَتَاكَ بِرَدٍّ جَمِيلٍ أَوْ إِعْطَاءٍ يَسِيرٍ- فَإِنَّهُ يَأْتِيكَ مَنْ لَيْسَ بِإِنْسٍ وَ لَا جَانٍّ- مَلَائِكَةُ الرَّحْمَنِ يَبْلُونَكَ كَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ فِيمَا أَوْلَيْتُكَ وَ كَيْفَ مُوَاسَاتُكَ فِيمَا خَوَّلْتُكَ‏ (2)- وَ اخْشَعْ لِي بِالتَّضَرُّعِ وَ اهْتِفْ لِي بِوَلْوَلَةِ الْكِتَابِ‏ (3)- وَ اعْلَمْ أَنِّي أَدْعُوكَ دُعَاءَ السَّيِّدِ مَمْلُوكَهُ- لِيَبْلُغَ بِهِ شَرَفَ الْمَنَازِلِ- وَ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِي عَلَيْكَ وَ عَلَى آبَائِكَ الْأَوَّلِينَ‏

____________

(1) في بعض النسخ «داخرين» و هو حال عن الضمير في «يسبحون».

(2) التخويل: التمليك.

(3) الولولة: صوت متتابع بالويل و الاستغاثة.

35

يَا مُوسَى لَا تَنْسَنِي عَلَى كُلِّ حَالٍ وَ لَا تَفْرَحْ بِكَثْرَةِ الْمَالِ- فَإِنَّ نِسْيَانِي يُقْسِي الْقُلُوبَ وَ مَعَ كَثْرَةِ الْمَالِ كَثْرَةُ الذُّنُوبِ- الْأَرْضُ مُطِيعَةٌ وَ السَّمَاءُ مُطِيعَةٌ وَ الْبِحَارُ مُطِيعَةٌ- وَ عِصْيَانِي شَقَاءُ الثَّقَلَيْنِ- وَ أَنَا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ رَحْمَانُ كُلِّ زَمَانٍ آتِي بِالشِّدَّةِ بَعْدَ الرَّخَاءِ وَ بِالرَّخَاءِ بَعْدَ الشِّدَّةِ- وَ بِالْمُلُوكِ بَعْدَ الْمُلُوكِ- وَ مُلْكِي قَائِمٌ دَائِمٌ لَا يَزُولُ- وَ لَا يَخْفَى عَلَيَّ شَيْ‏ءٌ فِي الْأَرْضِ وَ لَا فِي السَّمَاءِ- وَ كَيْفَ يَخْفَى عَلَيَّ مَا مِنِّي مُبْتَدَؤُهُ- وَ كَيْفَ لَا يَكُونُ هَمُّكَ فِيمَا عِنْدِي وَ إِلَيَّ تَرْجِعُ لَا مَحَالَةَ- يَا مُوسَى اجْعَلْنِي حِرْزَكَ- وَ ضَعْ عِنْدِي كَنْزَكَ مِنَ الصَّالِحَاتِ- وَ خَفْنِي وَ لَا تَخَفْ غَيْرِي إِلَيَّ الْمَصِيرُ- يَا مُوسَى ارْحَمْ مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْكَ فِي الْخَلْقِ- وَ لَا تَحْسُدْ مَنْ هُوَ فَوْقَكَ- فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ- يَا مُوسَى إِنَّ ابْنَيْ آدَمَ تَوَاضَعَا فِي مَنْزِلَةٍ- لِيَنَالا بِهَا مِنْ فَضْلِي وَ رَحْمَتِي- فَقَرَّبَا قُرْبَاناً وَ لَا أَقْبَلُ إِلَّا مِنَ الْمُتَّقِينَ- فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَدْ عَلِمْتَ- فَكَيْفَ تَثِقُ بِالصَّاحِبِ بَعْدَ الْأَخِ وَ الْوَزِيرِ- يَا مُوسَى ضَعِ الْكِبْرَ وَ دَعِ الْفَخْرَ- وَ اذْكُرْ أَنَّكَ سَاكِنُ الْقَبْرِ فَلْيَمْنَعْكَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهَوَاتِ- يَا مُوسَى عَجِّلِ التَّوْبَةَ وَ أَخِّرِ الذَّنْبَ- وَ تَأَنَّ فِي الْمَكْثِ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الصَّلَاةِ وَ لَا تَرْجُ غَيْرِي- اتَّخِذْنِي جُنَّةً لِلشَّدَائِدِ وَ حِصْناً لِمُلِمَّاتِ الْأُمُورِ- يَا مُوسَى كَيْفَ تَخْشَعُ لِي خَلِيقَةً لَا تَعْرِفُ فَضْلِي عَلَيْهَا- وَ كَيْفَ تَعْرِفُ فَضْلِي عَلَيْهَا وَ هِيَ لَا تَنْظُرُ فِيهِ- وَ كَيْفَ تَنْظُرُ فِيهِ وَ هِيَ لَا تُؤْمِنُ بِهِ- وَ كَيْفَ تُؤْمِنُ بِهِ وَ هِيَ لَا تَرْجُو ثَوَاباً- وَ كَيْفَ تَرْجُو ثَوَاباً وَ هِيَ قَدْ قَنِعَتْ بِالدُّنْيَا وَ اتَّخَذَتْهَا مَأْوًى- وَ رَكَنَتْ إِلَيْهَا رُكُونَ الظَّالِمِينَ- (1)

____________

(1) حاصله الركون الى الدنيا و الميل إليها و اتخاذها وطنا و مأوى ينافى الخشوع للّه اذ الركون ملزوم بعدم رجاء الآخرة لان من يرجو لقاء اللّه يحقر الدنيا في عينه و من يؤمن باللّه يرجو لقاءه.

36

يَا مُوسَى نَافِسْ فِي الْخَيْرِ أَهْلَهُ‏ (1) فَإِنَّ الْخَيْرَ كَاسْمِهِ- وَ دَعِ الشَّرَّ لِكُلِّ مَفْتُونٍ- يَا مُوسَى اجْعَلْ لِسَانَكَ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِكَ تَسْلَمْ- (2) وَ أَكْثِرْ ذِكْرِي بِاللَّيْلِ وَ النَّهَارِ تَغْنَمْ- وَ لَا تَتَّبِعِ الْخَطَايَا فَتَنْدَمَ فَإِنَّ الْخَطَايَا مَوْعِدُهَا النَّارُ- يَا مُوسَى أَطِبِ الْكَلَامَ لِأَهْلِ التَّرْكِ لِلذُّنُوبِ وَ كُنْ لَهُمْ جَلِيساً- وَ اتَّخِذْهُمْ لِغَيْبِكَ إِخْوَاناً وَ جِدَّ مَعَهُمْ يَجِدُّونَ مَعَكَ‏ (3)- يَا مُوسَى الْمَوْتُ لَاقِيكَ لَا مَحَالَةَ- فَتَزَوَّدْ زَادَ مَنْ هُوَ عَلَى مَا يَتَزَوَّدُ وَارِدٌ- يَا مُوسَى مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهِي فَكَثِيرٌ قَلِيلُهُ- وَ مَا أُرِيدَ بِهِ غَيْرِي فَقَلِيلٌ كَثِيرُهُ وَ إِنَّ أَصْلَحَ أَيَّامِكَ الَّذِي هُوَ أَمَامَكَ- فَانْظُرْ أَيُّ يَوْمٍ هُوَ فَأَعِدَّ لَهُ الْجَوَابَ- فَإِنَّكَ مَوْقُوفٌ بِهِ وَ مَسْئُولٌ- وَ خُذْ مَوْعِظَتَكَ مِنَ الدَّهْرِ وَ أَهْلِهِ- فَإِنَّ الدَّهْرَ طَوِيلُهُ قَصِيرٌ وَ قَصِيرُهُ طَوِيلٌ وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فَانٍ- فَاعْمَلْ كَأَنَّكَ تَرَى ثَوَابَ عَمَلِكَ- لِكَيْ يَكُونَ أَطْمَعَ لَكَ فِي الْآخِرَةِ لَا مَحَالَةَ- فَإِنَّ مَا بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا كَمَا وَلَّى مِنْهَا- وَ كُلُّ عَامِلٍ يَعْمَلُ عَلَى بَصِيرَةٍ وَ مِثَالٍ- فَكُنْ مُرْتَاداً لِنَفْسِكَ‏ (4) يَا ابْنَ عِمْرَانَ- لَعَلَّكَ تَفُوزُ غَداً يَوْمَ السُّؤَالِ- فَهُنَالِكَ‏ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ‏- يَا مُوسَى- أَلْقِ كَفَّيْكَ ذُلًّا بَيْنَ يَدَيَّ كَفِعْلِ الْعَبْدِ الْمُسْتَصْرِخِ إِلَى سَيِّدِهِ- فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ رُحِمْتَ وَ أَنَا أَكْرَمُ الْقَادِرِينَ- يَا مُوسَى سَلْنِي مِنْ فَضْلِي وَ رَحْمَتِي- فَإِنَّهُمَا بِيَدِي لَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ غَيْرِي- وَ انْظُرْ حِينَ تَسْأَلُنِي كَيْفَ رَغْبَتُكَ فِيمَا عِنْدِي- لِكُلِّ عَامِلٍ جَزَاءٌ وَ قَدْ يُجْزَى الْكَفُورُ بِمَا سَعَى- يَا مُوسَى طِبْ نَفْساً عَنِ الدُّنْيَا وَ انْطَوِ (5) عَنْهَا- فَإِنَّهَا لَيْسَتْ لَكَ وَ لَسْتَ لَهَا مَا لَكَ وَ لِدَارِ الظَّالِمِينَ إِلَّا الْعَامِلَ فِيهَا بِالْخَيْرِ- فَإِنَّهَا لَهُ نِعْمَ الدَّارُ

____________

(1) أي بالغ في الخير و زد عليه.

(2) يعني إذا أردت الكلام فابدأ باستعمال قلبك و عقلك.

(3) في بعض النسخ «وجد معهم يجودون معك».

(4) الارتياد: الطلب.

(5) يعني اتركها و ارغب عنها.

37

يَا مُوسَى مَا آمُرُكَ بِهِ فَاسْمَعْ وَ مَهْمَا أَرَاهُ فَاصْنَعْ‏ (1)- خُذْ حَقَائِقَ التَّوْرَاةِ إِلَى صَدْرِكَ- وَ تَيَقَّظْ بِهَا فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ- وَ لَا تُمَكِّنْ أَبْنَاءَ الدُّنْيَا مِنْ صَدْرِكَ- فَيَجْعَلُونَهُ وَكْراً كَوَكْرِ الطَّيْرِ (2)- يَا مُوسَى أَبْنَاءُ الدُّنْيَا وَ أَهْلُهَا فِتَنٌ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ- فَكُلٌّ مُزَيَّنٌ لَهُ مَا هُوَ فِيهِ- وَ الْمُؤْمِنُ مَنْ زُيِّنَتْ لَهُ الْآخِرَةُ- فَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا مَا يَفْتُرُ- قَدْ حَالَتْ شَهْوَتُهَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ لَذَّةِ الْعَيْشِ- فَادَّلَجَتْهُ بِالْأَسْحَارِ (3) كَفِعْلِ الرَّاكِبِ السَّائِقِ إِلَى غَايَتِهِ- يَظَلُّ كَئِيباً وَ يُمْسِي حَزِيناً (4)- وَ طُوبَى لَهُ لَوْ قَدْ كُشِفَ الْغِطَاءُ مَا ذَا يُعَايِنُ مِنَ السُّرُورِ- يَا مُوسَى الدُّنْيَا نُطْفَةٌ (5) لَيْسَتْ بِثَوَابٍ لِلْمُؤْمِنِ وَ لَا نَقِمَةٍ مِنْ فَاجِرٍ- فَالْوَيْلُ الطَّوِيلُ لِمَنْ بَاعَ ثَوَابَ مَعَادِهِ بِلَعْقَةٍ لَمْ تَبْقَ- وَ بِلَعْسَةٍ لَمْ تَدُمْ‏ (6)- وَ كَذَلِكَ فَكُنْ‏

____________

(1) أي كل وقت أرى و اعلم ما آمرك حسنا فافعل فيه أي افعل الاوامر في أوقاتها التي أمرتك بادائها فيها.

(2) الوكر و الوكرة: عش الطائر.

(3) قال المصنّف في المرآة: الادلاج: السير بالليل و ظاهر العبارة أنّه استعمل هنا متعديا بمعنى التسيير بالليل و لم يأت فيما عندنا من كتب اللغة قال الفيروزآبادي: الدلج- محركة- و الدلجة- بالضم و الفتح-: السير من اول الليل و قد ادلجوا، فان ساروا من آخره فادلجوا- بالتشديد. انتهى. و يمكن أن يكون على الحذف و الايصال اي ادلجت الشهوة معه و سيرته بالاسحار كالراكب الذي سائق قرينه الى الغاية التي يتسابقان إليها و الغاية هنا الجنة و الفوز بالكرامة و القرب و الحب و الوصال او الموت و هو اظهر.

(4) الكأبة: الغم و سوء الحال و الانكسار من الحزن و المعنى انه يكون في نهاره مغموما و في ليله محزونا لطلب الآخرة و لكن لو كشف الغطاء حتّى يرى ما له في الآخرة يحصل له السرور و ما لا يخفى.

(5) النطفة: ما يبقى في الدلو أو القربة من الماء كنى بها عن قلتها.

(6) اللعقة القليل ممّا يلعق. و اللعس- بالفتح-: العض و المراد هنا ما يقطعه باسنانه و في بعض نسخ المصدر «بلعقة لم تبق و بلعبة لم تدم».

38

كَمَا أَمَرْتُكَ وَ كُلُّ أَمْرِي رَشَادٌ- يَا مُوسَى إِذَا رَأَيْتَ الْغِنَى مُقْبِلًا فَقُلْ ذَنْبٌ عُجِّلَتْ إِلَى عُقُوبَتِهِ- وَ إِذَا رَأَيْتَ الْفَقْرَ مُقْبِلًا فَقُلْ مَرْحَباً بِشِعَارِ الصَّالِحِينَ- وَ لَا تَكُنْ جَبَّاراً ظَلُوماً وَ لَا تَكُنْ لِلظَّالِمِينَ قَرِيناً- يَا مُوسَى مَا عُمُرٌ وَ إِنْ طَالَ يُذَمُّ آخِرُهُ- وَ مَا ضَرَّكَ مَا زُوِيَ عَنْكَ إِذَا حُمِدَتْ مَغَبَّتُهُ‏ (1)- يَا مُوسَى صَرَخَ الْكِتَابُ إِلَيْكَ صُرَاخاً (2) بِمَا أَنْتَ إِلَيْهِ صَائِرٌ- فَكَيْفَ تَرْقُدُ عَلَى هَذَا الْعُيُونُ- أَمْ كَيْفَ يَجِدُ قَوْمٌ لَذَّةَ الْعَيْشِ لَوْ لَا التَّمَادِي فِي الْغَفْلَةِ- وَ الِاتِّبَاعُ لِلشِّقْوَةِ وَ التَّتَابُعُ لِلشَّهْوَةِ- وَ مِنْ دُونِ هَذَا يَجْزَعُ الصِّدِّيقُونَ- يَا مُوسَى مُرْ عِبَادِي يَدْعُونِي عَلَى مَا كَانَ- بَعْدَ أَنْ يُقِرُّوا لِي أَنِّي أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ مُجِيبُ الْمُضْطَرِّينَ- وَ أُبَدِّلُ الزَّمَانَ وَ آتِي بِالرَّخَاءِ- وَ أَشْكُرُ الْيَسِيرَ وَ أُثِيبُ الْكَثِيرَ وَ أُغْنِي الْفَقِيرَ- وَ أَنَا الدَّائِمُ الْعَزِيزُ الْقَدِيرُ- فَمَنْ لَجَأَ إِلَيْكَ وَ انْضَوَى‏ (3) إِلَيْكَ مِنَ الْخَاطِئِينَ- فَقُلْ أَهْلًا وَ سَهْلًا يَا رَحْبَ الْفِنَاءِ (4) بِفِنَاءِ رَبِّ الْعَالَمِينَ- وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ كُنْ لَهُمْ كَأَحَدِهِمْ- وَ لَا تَسْتَطِلْ عَلَيْهِمْ بِمَا أَنَا أَعْطَيْتُكَ فَضْلَهُ- وَ قُلْ لَهُمْ فَلْيَسْأَلُونِي مِنْ فَضْلِي وَ رَحْمَتِي- فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ غَيْرِي وَ أَنَا ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ- طُوبَى لَكَ يَا

____________

(1) زوى عنك أي بعد عنك. و المغبة: العاقبة.

(2) في بعض نسخ المصدر «صرح الكتاب صراحا» و ما في المتن أصوب.

(3) انضوى إليه: انضم، و في بعض النسخ «و انطوى».

(4) الرحب- بالضم-: السعة. و بالفتح-: الواسع. قيل: لعل المراد ان من لجأ اليك يا موسى من عبادى الخاطئين لتستغفر له و تدخل باستشفاعك في زمرة الساكنين في جوار قبولى فلا ترد مسألته فان رحمتى قد سبقت غضبى، فقل له: أهلا و سهلا و مرحبا، فانك رحب الفناء بسبب كونك في فناء قبولى و رحمتى الواسعة، فآمنه من سخطى و اسكنه باستغفارك و شفاعتك المقبولة في فناء فضلى و مغفرتى. كذا وجدته في هامش بعض النسخ المخطوطة من الكافي و قد يقرأ في بعض نسخ الحديث «يا رحب الفناء نزلت بفناء» و الظاهر هو الأصحّ.

39

مُوسَى كَهْفُ الْخَاطِئِينَ- وَ جَلِيسُ الْمُضْطَرِّينَ وَ مُسْتَغْفَرٌ لِلْمُذْنِبِينَ- إِنَّكَ مِنِّي بِالْمَكَانِ الرَّضِيِّ- فَادْعُنِي بِالْقَلْبِ النَّقِيِّ وَ اللِّسَانِ الصَّادِقِ- وَ كُنْ كَمَا أَمَرْتُكَ أَطِعْ أَمْرِي وَ لَا تَسْتَطِلْ عَلَى عِبَادِي بِمَا لَيْسَ مِنْكَ مُبْتَدَؤُهُ- وَ تَقَرَّبْ إِلَيَّ فَإِنِّي مِنْكَ قَرِيبٌ- فَإِنِّي لَمْ أَسْأَلْكَ مَا يُؤْذِيكَ ثِقَلُهُ وَ لَا حَمْلُهُ- إِنَّمَا سَأَلْتُكَ أَنْ تَدْعُوَنِي فَأُجِيبَكَ وَ أَنْ تَسْأَلَنِي فَأُعْطِيَكَ- وَ أَنْ تَتَقَرَّبَ إِلَيَّ بِمَا مِنِّي أَخَذْتَ تَأْوِيلَهُ وَ عَلَيَّ تَمَامُ تَنْزِيلِهِ- يَا مُوسَى انْظُرْ إِلَى الْأَرْضِ فَإِنَّهَا عَنْ قَرِيبٍ قَبْرُكَ- وَ ارْفَعْ عَيْنَيْكَ إِلَى السَّمَاءِ فَإِنَّ فَوْقَكَ فِيهَا مَلِكاً عَظِيماً- وَ ابْكِ عَلَى نَفْسِكَ مَا دُمْتَ فِي الدُّنْيَا- وَ تَخَوَّفِ الْعَطَبَ‏ (1) وَ الْمَهَالِكَ- وَ لَا تَغُرَّنَّكَ زِينَةُ الدُّنْيَا وَ زَهْرَتُهَا- وَ لَا تَرْضَ بِالظُّلْمِ وَ لَا تَكُنْ ظَالِماً- فَإِنِّي لِلظَّالِمِ رَصِيدٌ حَتَّى أُدِيلَ مِنْهُ الْمَظْلُومَ- يَا مُوسَى- إِنَّ الْحَسَنَةَ عَشَرَةُ أَضْعَافٍ وَ مِنَ السَّيِّئَةِ الْوَاحِدَةِ الْهَلَاكُ- وَ لَا تُشْرِكْ بِي لَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تُشْرِكَ بِي- قَارِبْ وَ سَدِّدْ (2) وَ ادْعُ دُعَاءَ الطَّامِعِ الرَّاغِبِ فِيمَا عِنْدِي- النَّادِمِ عَلَى مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ- فَإِنَّ سَوَادَ اللَّيْلِ يَمْحُوهُ النَّهَارُ- وَ كَذَلِكَ السَّيِّئَةُ تَمْحُوهَا الْحَسَنَةُ- وَ عَشْوَةُ اللَّيْلِ‏ (3) تَأْتِي عَلَى ضَوْءِ النَّهَارِ- وَ كَذَلِكَ السَّيِّئَةُ تَأْتِي عَلَى الْحَسَنَةِ الْجَلِيلَةِ فَتُسَوِّدُهَا.

8- قَالَ السَّيِّدُ (4) (قدس الله روحه) فِي كِتَابِ سَعْدِ السُّعُودِ (5) رَأَيْتُ فِي الزَّبُورِ فِي السُّورَةِ الثَّالِثَةِ وَ الثَّلَاثِينَ- ثِيَابُ الْعَاصِي ثِقَالٌ عَلَى الْأَبْدَانِ وَ وَسَخٌ عَلَى الْوَجْهِ- وَ وَسَخُ الْأَبْدَانِ يَنْقَطِعُ بِالْمَاءِ- وَ وَسَخُ الذُّنُوبِ لَا يَنْقَطِعُ إِلَّا بِالْمَغْفِرَةِ- طُوبَى لِلَّذِينَ كَانَ بَاطِنُهُمْ أَحْسَنَ مِنْ ظَاهِرِهِمْ- وَ مَنْ كَانَتْ لَهُ وَدَائِعُ فَرِحَ بِهَا يَوْمَ الْآزِفَةِ- وَ مَنْ عَمِلَ‏

____________

(1) العطب- بالتحريك-: الهلاك.

(2) قال في النهاية و فيه «قاربوا و سددوا» أي اقتصدوا في الأمور كلها و اتركوا العلو فيها و التقصير. يقال قارب فلان في الأمور إذا اقتصد، و قال في السين و الدال:

قاربوا و سددوا أي اطلبوا باعمالكم السداد و الاستقامة و هو القصد في الامر و العدل فيه.

(3) عشوة الليل: ظلمته.

(4) يعني ابن طاوس.

(5) المصدر ص 50.

40

بِالْمَعَاصِي وَ أَسَرَّهَا مِنَ الْمَخْلُوقِينَ- لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إِسْرَارِهَا مِنِّي- قَدْ أَوْفَيْتُكُمْ مَا وَعَدْتُكُمْ مِنْ طَيِّبَاتِ الرِّزْقِ وَ نَبَاتِ الْبَرِّ وَ طَيْرِ السَّمَاءِ وَ مِنْ جَمِيعِ الثَّمَرَاتِ- وَ رَزَقْتُكُمْ مَا لَمْ تَحْتَسِبُوا- وَ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى الذُّنُوبِ- مَعْشَرَ الصُّوَّامِ بَشِّرِ الصَّائِمِينَ بِمَرْتِبَةِ الْفَائِزِينَ- وَ قَدْ أَنْزَلْتُ عَلَى أَهْلِ التَّوْرَاةِ بِمَا أَنْزَلْتُ عَلَيْكُمْ دَاوُدُ- سَوْفَ تُحَرَّفُ كُتُبِي وَ يُفْتَرَى عَلَيَّ كَذِباً- فَمَنْ صَدَّقَ بِكُتُبِي وَ رُسُلِي فَقَدْ أَنْجَحَ وَ أَفْلَحَ- وَ أَنَا الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ- وَ فِي السُّورَةِ السَّابِعَةِ وَ السِّتِّينَ- ابْنَ آدَمَ جَعَلْتُ لَكُمُ الدُّنْيَا دَلَائِلَ عَلَى الْآخِرَةِ وَ إِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ يَسْتَأْجِرُ الرَّجُلَ- فَيَطْلُبُ حِسَابَهُ فَتُرْعَدُ فَرَائِصُهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَ لَيْسَ يَخَافُ عُقُوبَةَ النَّارِ- وَ أَنْتُمْ مُكْثِرُونَ التَّمَرُّدَ وَ تَجْعَلُونَ الْمَعَاصِيَ فِي الظُّلَمِ الدُّجَى إِنَّ الظَّلَامَ لَا يَسْتُرُكُمْ عَلَيَّ- بَلِ اسْتَخْفَيْتُمْ عَلَى الْآدَمِيِّينَ وَ تَهَاوَنْتُمْ بِي- وَ لَوْ أَمَرْتُ فَطَرَاتِ الْأَرْضِ تَبْتَلِعُكُمْ فَتَجْعَلُكُمْ نَكَالًا (1)- وَ لَكِنْ جُدْتُ عَلَيْكُمْ بِالْإِحْسَانِ- فَإِنِ اسْتَغْفَرْتُمُونِي تَجِدُونِي غَفَّاراً- فَإِنْ تَعْصُونِي اتِّكَالًا عَلَى رَحْمَتِي- فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يُتَّقَى مَنْ يُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ- سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ وَ فِي الثَّامِنَةِ وَ السِّتِّينَ- ابْنَ آدَمَ لَمَّا رَزَقْتُكُمُ اللِّسَانَ- وَ أَطْلَقْتُ لَكُمُ الْأَوْصَالَ‏ (2) وَ رَزَقْتُكُمُ الْأَمْوَالَ- جَعَلْتُمُ الْأَوْصَالَ كُلَّهَا عَوْناً عَلَى الْمَعَاصِي- كَأَنَّكُمْ بِي تَغْتَرُّونَ وَ بِعُقُوبَتِي تَتَلَاعَبُونَ- وَ مَنْ أَجْرَمَ الذُّنُوبَ وَ أَعْجَبَهُ حُسْنُهُ- فَلْيَنْظُرِ الْأَرْضَ كَيْفَ لَعِبَتْ بِالْوُجُوهِ فِي الْقُبُورِ- وَ تَجْعَلُهَا رَمِيماً- إِنَّمَا الْجَمَالُ جَمَالُ مَنْ عُوفِيَ مِنَ النَّارِ- وَ إِذَا فَرَغْتُمْ مِنَ الْمَعَاصِي رَجَعْتُمْ إِلَيَّ أَ حَسِبْتُمْ أَنِّي خَلَقْتُكُمْ عَبَثاً- إِنِّي إِنَّمَا جَعَلْتُ الدُّنْيَا رَدِيفَ الْآخِرَةِ- فَسَدِّدُوا وَ قَارِبُوا- وَ اذْكُرُوا رَحْلَةَ الدُّنْيَا وَ ارْجُوا ثَوَابِي وَ خَافُوا عِقَابِي- وَ اذْكُرُوا صَوْلَةَ الزَّبَانِيَةِ وَ ضِيقَ الْمَسْلَكِ فِي النَّارِ- وَ غَمَّ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ وَ بَرْدَ الزَّمْهَرِيرِ- ازْجُرُوا أَنْفُسَكُمْ حَتَّى تَنْزَجِرَ- وَ أَرْضُوهَا بِالْيَسِيرِ مِنَ الْعَمَلِ- سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ

____________

(1) الفطر: الشق. و النكال العذاب و اسم ما يجعل عبرة للغير.

(2) الاوصال: الأعضاء.

41

وَ فِي الْحَادِيَةِ وَ السَّبْعِينَ- طَلَبُ الثَّوَابِ بِالْمُخَادَعَةِ يُورِثُ الْحِرْمَانَ- وَ حُسْنُ الْعَمَلِ يُقَرِّبُ مِنِّي- أَ رَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَحْضَرَ سَيْفاً لَا نَصْلَ لَهُ- أَوْ قَوْساً لَا سَهْمَ لَهُ أَ كَانَ يَرْدَعُ عَدُوَّهُ- وَ كَذَلِكَ التَّوْحِيدُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْعَمَلِ- وَ إِطْعَامِ الطَّعَامِ لِرِضَايَ- سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ- وَ فِي الرَّابِعَةِ وَ الثَّمَانِينَ- مُولِجُ اللَّيْلِ فِي النَّهَارِ وَ مُغَيِّبُ النُّورِ فِي الظُّلْمَةِ- وَ مُذِلُّ الْعَزِيزِ وَ مُعِزُّ الذَّلِيلِ- وَ أَنَا الْمَلِكُ الْأَعْلَى- مَعْشَرَ الصِّدِّيقِينَ كَيْفَ مُسَاعَدَتُكُمْ أَنْفُسَكُمْ عَلَى الضَّحِكِ- وَ أَيَّامُكُمْ تَفْنَى وَ الْمَوْتُ بِكُمْ نَازِلٌ- وَ تَمُوتُونَ وَ تَرْعَى الدُّودُ فِي أَجْسَادِكُمْ وَ تَنْسَاكُمُ الْأَهْلُونَ وَ الْأَقْرِبَاءُ- سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ- وَ فِي الْمِائَةِ- مَنْ فَزَّعَ نَفْسَهُ بِالْمَوْتِ هَانَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا- وَ مَنْ أَكْثَرَ الْهَمَّ وَ الْأَبَاطِيلَ اقْتَحَمَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ- إِنَّ اللَّهَ لَا يَدَعُ شَابّاً لِشَبَابِهِ وَ لَا شَيْخاً لِكِبَرِهِ- إِذَا قَرُبَتْ آجَالُكُمْ تَوَفَّتْكُمْ رُسُلِي‏ وَ هُمْ لا يُفَرِّطُونَ‏- فَالْوَيْلُ لِمَنْ تَوَفَّتْهُ رُسُلِي وَ هُوَ عَلَى الْفَوَاحِشِ لَمْ يَدَعْهَا- وَ الْوَيْلُ كُلُّ الْوَيْلِ لِمَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَاتِ الْمَخْلُوقِينَ- وَ الْوَيْلُ كُلُّ الْوَيْلِ لِمَنْ كَانَ لِأَحَدٍ قِبَلَهُ تَبِعَةُ خَرْدَلَةٍ- حَتَّى يُؤَدِّيَهَا مِنْ حَسَنَاتِهِ- وَ اللَّيْلِ إِذَا أَظْلَمَ وَ الصُّبْحِ إِذَا اسْتَنَارَ (1)- وَ السَّمَاءِ الرَّفِيعَةِ وَ السَّحَابِ الْمُسَخَّرِ- لَيُخْرَجَنَّ الْمَظَالِمُ وَ لَتُؤَدَّى كَائِنَةً مَا كَانَتْ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ- أَوْ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمَظْلُومِ تُجْعَلُ عَلَى سَيِّئَاتِكُمْ وَ السَّعِيدُ مَنْ أَخَذَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ- وَ انْصَرَفَ إِلَى أَهْلِهِ مُضِي‏ءَ الْوَجْهِ- وَ الشَّقِيُّ مَنْ أَخَذَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ وَ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ- وَ انْصَرَفَ إِلَى أَهْلِهِ بَاسِرَ الْوَجْهِ بَسْراً- قَدْ شَحَبَ لَوْنُهُ وَ وَرِمَتْ قَدَمَاهُ- وَ خَرَجَ لِسَانُهُ دَالِعاً عَلَى صَدْرِهِ‏ (2) وَ غَلُظَ شَعْرُهُ- فَصَارَ فِي النَّارِ

____________

(1) في المصدر «و النهار إذا أبار» بدل «و الصبح إذا استنار».

(2) بسر يبسر بسرا و بسورا من باب قعد اي عبس وجهه فهو باسر و منه قوله تعالى‏ «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ» و قوله‏ «ثُمَّ عَبَسَ وَ بَسَرَ» و شحب لونه أي تغير من جوع أو مرض و نحوهما و دلع لسانه أي خرج من فمه. و قوله «دالعا لسانه على صدره» أي خارجا لسانه متدليا على صدره.

42

مَحْسُوراً مُبَعَّداً مَدْحُوراً (1)- وَ صَارَتْ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وَ سُوءُ الْحِسَابِ- وَ أَنَا الْقَادِرُ الْقَاهِرُ الَّذِي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ- وَ أَعْلَمُ‏ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَ ما تُخْفِي الصُّدُورُ- وَ أَنَا السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏

9- مِنْ خَطِّ الشَّهِيدِ (رحمه الله)قِيلَ فِي التَّوْرَاةِ- قُلْ لِصَاحِبِ الْمَالِ الْكَثِيرِ لَا يَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ مَالِهِ وَ غِنَاهُ- فَإِنِ اغْتَرَّ فَلْيُطْعِمِ الْخَلْقَ غَدَاءً وَ عِشَاءً- وَ قُلْ لِصَاحِبِ الْعِلْمِ لَا يَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ عِلْمِهِ- فَإِنِ اغْتَرَّ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مَتَى يَمُوتُ- وَ قُلْ لِصَاحِبِ الْعَضُدِ الْقَوِيِّ لَا يَغْتَرَّ بِقُوَّتِهِ فَإِنِ اغْتَرَّ بِقُوَّتِهِ فَلْيَدْفَعِ الْمَوْتَ عَنْ نَفْسِهِ.

10 عُدَّةُ الدَّاعِي‏ (2)، رَوَى الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ إِلَى دَاوُدَ(ع) يَا دَاوُدُ مَنْ أَحَبَّ حَبِيباً صَدَّقَ قَوْلَهُ- وَ مَنْ رَضِيَ بِحَبِيبٍ رَضِيَ فِعْلَهُ- وَ مَنْ وَثِقَ بِحَبِيبٍ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ- وَ مَنِ اشْتَاقَ إِلَى حَبِيبٍ جَدَّ فِي السَّيْرِ إِلَيْهِ- يَا دَاوُدُ ذِكْرِي لِلذَّاكِرِينَ وَ جَنَّتِي لِلْمُطِيعِينَ- وَ حُبِّي لِلْمُشْتَاقِينَ وَ أَنَا خَاصَّةً لِلْمُحِبِّينَ- وَ قَالَ سُبْحَانَهُ أَهْلُ طَاعَتِي فِي ضِيَافَتِي- وَ أَهْلُ شُكْرِي فِي زِيَادَتِي وَ أَهْلُ ذِكْرِي فِي نِعْمَتِي- وَ أَهْلُ مَعْصِيَتِي لَا أُويِسُهُمْ مِنْ رَحْمَتِي- إِنْ تَابُوا فَأَنَا حَبِيبُهُمْ وَ إِنْ دَعَوْا فَأَنَا مُجِيبُهُمْ- وَ إِنْ مَرِضُوا فَأَنَا طَبِيبُهُمْ- أُدَاوِيهِمْ بِالْمِحَنِ وَ الْمَصَائِبِ- لِأُطَهِّرَهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ وَ الْمَعَايِبِ.

أعلام الدين، للديلمي‏ مثله.

11- وَ فِيهِ‏ (3)، قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ يَا مُوسَى مَنْ أَحَبَّنِي لَمْ يَنْسَنِي- وَ مَنْ رَجَا مَعْرُوفِي أَلَحَّ فِي مَسْأَلَتِي- يَا مُوسَى إِنِّي لَسْتُ بِغَافِلٍ عَنْ خَلْقِي- وَ لَكِنْ أُحِبُّ أَنْ يَسْمَعَ مَلَائِكَتِي ضَجِيجَ الدُّعَاءِ مِنْ عِبَادِي- وَ تَرَى حَفَظَتِي تَقَرُّبَ بَنِي آدَمَ إِلَيَّ- بِمَا أَنَا مُقَوِّيهِمْ عَلَيْهِ وَ مُسَبِّبُهُ لَهُمْ- يَا مُوسَى- قُلْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تُبْطِرَنَّكُمُ النِّعْمَةُ (4) فَيُعَاجِلَكُمُ السَّلْبُ- وَ لَا تَغْفُلُوا عَنِ الشُّكْرِ فَيُقَارِعَكُمُ الذُّلُّ- وَ أَلِحُّوا

____________

(1) المحسور الممنوع يعنى درمانده و افسوس خورده. و المدحور المطرود:

رانده‏شده.

(2) المصدر ص 186.

(3) المصدر ص 143.

(4) البطر: الدهش عند هجوم النعمة.

43

فِي الدُّعَاءِ تَشْمَلْكُمُ الرَّحْمَةُ بِالْإِجَابَةِ- وَ تَهْنِئْكُمُ الْعَافِيَةُ.

12- وَ رُوِيَ‏ (1) فِي زَبُورِ دَاوُدَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ابْنَ آدَمَ تَسْأَلُنِي فَأَمْنَعُكَ لِعِلْمِي بِمَا يَنْفَعُكَ- ثُمَّ تُلِحُّ عَلَيَّ بِالْمَسْأَلَةِ فَأُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَ- فَتَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى مَعْصِيَتِي- فَأَهُمُّ بِهَتْكِ سِتْرِكَ فَتَدْعُونِي فَأَسْتُرُ عَلَيْكَ- فَكَمْ مِنْ جَمِيلٍ أَصْنَعُ مَعَكَ وَ كَمْ قُبْحٍ تَصْنَعُ مَعِي- يُوشِكُ أَنْ أَغْضَبَ عَلَيْكَ غَضْبَةً لَا أَرْضَى بَعْدَهَا أَبَداً- وَ مِنَ الْإِنْجِيلِ ألا [لَا تَدِينُوا وَ أَنْتُمْ خطاء [خُطَاةٌ- فَيُدَانَ مِنْكُمْ بِالْعَذَابِ- لَا تَحْكُمُوا بِالْجَوْرِ فَيُحْكَمَ عَلَيْكُمْ بِالْعَذَابِ- بِالْمِكْيَالِ الَّذِي تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ- وَ بِالْحُكْمِ الَّذِي تَحْكُمُونَ يُحْكَمُ عَلَيْكُمْ- وَ مِنَ الْإِنْجِيلِ أَيْضاً- احْذَرُوا الْكَذَّابَةَ الَّذِينَ يَأْتُونَكُمْ بِلِبَاسِ الْحُمْلَانِ- فَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ‏ (2)- لَا يُمْكِنُ الشَّجَرَةَ الطَّيِّبَةَ أَنْ تُثْمِرَ ثِمَاراً رَدِيَّةً- وَ لَا الشَّجَرَةَ الرَّدِيَّةَ أَنْ تُثْمِرَ ثِمَاراً صَالِحَةً.

13- ختص‏ (3)، الإختصاص عَنْ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: فِي التَّوْرَاةِ أَرْبَعٌ مَكْتُوبَاتٌ وَ أَرْبَعٌ إِلَى جَانِبِهِنَّ- مَنْ أَصْبَحَ عَلَى الدُّنْيَا حَزِيناً أَصْبَحَ عَلَى رَبِّهِ سَاخِطاً وَ مَنْ شَكَا مُصِيبَةً نَزَلَتْ بِهِ فَإِنَّمَا يَشْكُو رَبَّهُ- وَ مَنْ أَتَى غَنِيّاً فَتَضَعْضَعَ لَهُ لِشَيْ‏ءٍ يُصِيبُهُ مِنْهُ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ- وَ مَنْ دَخَلَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ النَّارَ مِمَّنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ- هُوَ مِمَّنْ يَتَّخِذُ آياتِ اللَّهِ هُزُواً- وَ الْأَرْبَعَةُ إِلَى جَانِبِهِنَّ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ- وَ مَنْ مَلَكَ اسْتَأْثَرَ وَ مَنْ لَمْ يَسْتَشِرْ يَنْدَمْ- وَ الْفَقْرُ هُوَ الْمَوْتُ الْأَكْبَرُ.

14- ين‏ (4)، كتاب حسين بن سعيد و النوادر مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عِمْرَانَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ‏

____________

(1) عدّة الداعي ص 152.

(2) كذا.

(3) الاختصاص ص 226. و سيأتي في باب مواعظ الصادق (عليه السلام) عن أمالي الشيخ ج 1 ص 233 بإسناده عن رفاعة مثله.

(4) هذا رمز الى كتابى الحسين بن سعيد الأهوازى أو كتابه و النوادر و كلها مخطوط و الخبر رواه الصدوق- (رحمه الله)- في المجلس التاسع و الثمانين من اماليه و في معافى الاخبار و علل الشرائع و من لا يحضره الفقيه. و رواه البرقي أيضا في المحاسن.

44

سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ‏ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَوْحَى إِلَى آدَمَ- أَنِّي جَامِعٌ لَكَ الْكَلَامَ كُلَّهُ فِي أَرْبَعِ كَلِمٍ- قَالَ يَا رَبِّ وَ مَا هُنَّ- فَقَالَ وَاحِدَةٌ لِي وَ وَاحِدَةٌ لَكَ- وَ وَاحِدَةٌ فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَكَ- وَ وَاحِدَةٌ فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ النَّاسِ- قَالَ يَا رَبِّ بَيِّنْهُنَّ لِي حَتَّى أَعْمَلَ بِهِنَّ- قَالَ أَمَّا الَّتِي لِي فَتَعْبُدُنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئاً- وَ أَمَّا الَّتِي لَكَ فَأَجْزِيكَ بِعَمَلِكَ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ- وَ أَمَّا الَّتِي بَيْنِي وَ بَيْنَكَ فَعَلَيْكَ الدُّعَاءُ وَ عَلَيَّ الْإِجَابَةُ وَ أَمَّا الَّتِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَ النَّاسِ فَتَرْضَى لِلنَّاسِ مَا تَرْضَى لِنَفْسِكَ.

15 كَنْزُ الْكَرَاجُكِيِ‏ (1)، رُوِيَ‏ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَا ابْنَ آدَمَ- فِي كُلِّ يَوْمٍ يُؤْتَى رِزْقُكَ وَ أَنْتَ تَحْزَنُ- وَ يَنْقُصُ مِنْ عُمُرِكَ وَ أَنْتَ لَا تَحْزَنُ- تَطْلُبُ مَا يُطْغِيكَ وَ عِنْدَكَ مَا يَكْفِيكَ.

باب 3 ما أوصى رسول الله ص إلى أمير المؤمنين ع‏

1- ل‏ (2)، الخصال عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَرَّارٍ (3) عَنْ يُونُسَ يَرْفَعُهُ‏

إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: كَانَ فِيمَا أَوْصَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ص عَلِيّاً(ع)

يَا عَلِيُّ أَنْهَاكَ عَنْ ثَلَاثِ خِصَالٍ عِظَامٍ- الْحَسَدِ وَ الْحِرْصِ وَ الْكَذِبِ‏

يَا عَلِيُّ سَيِّدُ الْأَعْمَالِ ثَلَاثُ خِصَالٍ- إِنْصَافُكَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ وَ مُوَاسَاتُكَ الْأَخَ فِي اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ ذِكْرُكَ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَلَى كُلِّ حَالٍ‏

____________

(1) المصدر ص 140.

(2) الخصال ج 1 ص 62.

(3) يعني إسماعيل بن مرار.

45

يَا عَلِيُّ ثَلَاثٌ فَرَحَاتٌ لِلْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا- لِقَاءُ الْإِخْوَانِ وَ الْإِفْطَارُ مِنَ الصِّيَامِ وَ التَّهَجُّدُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ‏

يَا عَلِيُّ ثَلَاثٌ مَنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ لَمْ يَقُمْ لَهُ عَمَلٌ- وَرَعٌ يَحْجُزُهُ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ خُلُقٌ يُدَارِي بِهِ النَّاسَ وَ حِلْمٌ يَرُدُّ بِهِ جَهْلَ الْجَاهِلِ‏

يَا عَلِيُّ ثَلَاثُ خِصَالٍ مِنْ حَقَائِقِ الْإِيمَانِ- الْإِنْفَاقُ فِي الْإِقْتَارِ (1)- وَ إِنْصَافُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِكَ وَ بَذْلُ الْعِلْمِ لِلْمُتَعَلِّمِ‏

يَا عَلِيُّ ثَلَاثُ خِصَالٍ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ- تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ وَ تَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ وَ تَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ.

2- ل‏ (2)، الخصال مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الشَّاهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ الْخَالِدِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الصَّالِحِ التَّمِيمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ لَهُ‏

يَا عَلِيُّ- ثَلَاثٌ مَنْ لَقِيَ اللَّهَ بِهِنَّ فَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ النَّاسِ- مَنْ أَتَى اللَّهَ بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ- وَ مَنْ وَرِعَ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَهُوَ مِنْ أَوْرَعِ النَّاسِ- وَ مَنْ قَنِعَ بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ فَهُوَ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ‏

يَا عَلِيُّ ثَلَاثٌ لَا تُطِيقُهَا هَذِهِ الْأُمَّةُ- الْمُوَاسَاةُ لِلْأَخِ فِي مَالِهِ وَ إِنْصَافُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِهِ- وَ ذِكْرُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ- وَ لَيْسَ هُوَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ- وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اللَّهُ أَكْبَرُ- وَ لَكِنْ إِذَا وَرَدَ عَلَى مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ- خَافَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ عِنْدَهُ وَ تَرَكَهُ‏

يَا عَلِيُّ ثَلَاثَةٌ يُتَخَوَّفُ مِنْهُنَّ الْجُنُونُ- التَّغَوُّطُ بَيْنَ الْقُبُورِ وَ الْمَشْيُ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ- وَ الرَّجُلُ يَنَامُ وَحْدَهُ‏

يَا عَلِيُّ ثَلَاثٌ مُجَالَسَتُهُمْ تُمِيتُ الْقَلْبَ- مُجَالَسَةُ الْأَنْذَالِ‏ (3) وَ مُجَالَسَةُ الْأَغْنِيَاءِ

____________

(1) الاقتار الضيق في المعيشة.

(2) الخصال ج 2 ص 62.

(3) الانذال جمع نذل بسكون الذال المعجمة و هو الساقط في الدين او الحسب و من كان خسيسا. و في بعض النسخ «الارذال».

46

وَ الْحَدِيثُ مَعَ النِّسَاءِ

يَا عَلِيُّ ثَلَاثَةٌ يَزِدْنَ فِي الْحِفْظِ وَ يُذْهِبْنَ السُّقْمَ- اللُّبَانُ‏ (1) وَ السِّوَاكُ وَ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ‏

يَا عَلِيُّ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَسْوَاسِ- أَكْلُ الطِّينِ وَ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ بِالْأَسْنَانِ وَ أَكْلُ اللِّحْيَةِ

يَا عَلِيُّ أَنْهَاكَ مِنْ ثَلَاثِ خِصَالٍ- الْحَسَدِ وَ الْحِرْصِ وَ الْكِبْرِيَاءِ

يَا عَلِيُّ ثَلَاثٌ يُقْسِينَ الْقَلْبَ- اسْتِمَاعُ اللَّهْوِ وَ طَلَبُ الصَّيْدِ وَ إِتْيَانُ بَابِ السُّلْطَانِ‏

يَا عَلِيُّ الْعَيْشُ فِي ثَلَاثَةٍ- دَارٍ قَوْرَاءَ (2) وَ جَارِيَةٍ حَسْنَاءَ وَ فَرَسٍ قَبَّاءَ.

قال مصنف هذا الكتاب رضي الله عنه‏ (3) الفرس القباء الضامر البطن يقال فرس أقب و قباء لأن الفرس يذكر و يؤنث و يقال للأنثى قباء لا غير.

3- مكا (4)، مكارم الأخلاق عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ع‏

عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ:

يَا عَلِيُّ أُوصِيكَ بِوَصِيَّةٍ فَاحْفَظْهَا- فَلَا تَزَالُ بِخَيْرٍ مَا حَفِظْتَ وَصِيَّتِي-

يَا عَلِيُّ مَنْ كَظَمَ غَيْظاً وَ هُوَ يَقْدِرُ عَلَى إِمْضَائِهِ- أَعْقَبَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْناً وَ إِيمَاناً يَجِدُ طَعْمَهُ‏

يَا عَلِيُّ مَنْ لَمْ يُحْسِنْ وَصِيَّتَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ كَانَ نَقْصاً فِي مُرُوَّتِهِ- وَ لَمْ يَمْلِكِ الشَّفَاعَةَ-

يَا عَلِيُّ أَفْضَلُ الْجِهَادِ مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهُمُّ بِظُلْمِ أَحَدٍ-

يَا عَلِيُّ مَنْ خَافَ النَّاسُ لِسَانَهُ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ

يَا عَلِيُّ شَرُّ النَّاسِ مَنْ أَكْرَمَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ‏

يَا عَلِيُّ شَرُّ النَّاسِ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ- وَ شَرٌّ مِنْ ذَلِكَ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ‏

____________

(1) هو ما يقال له بالفارسية (كندر).

(2) بفتح القاف ممدودا كحمراء: الواسعة.

(3) يعني الصدوق نفسه.

(4) مكارم الأخلاق: ص 500.

47

يَا عَلِيُّ مَنْ لَمْ يَقْبَلِ الْعُذْرَ مِنْ مُتَنَصِّلٍ‏ (1) صَادِقاً كَانَ أَوْ كَاذِباً- لَمْ يَنَلْ شَفَاعَتِي‏

يَا عَلِيُّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَحَبَّ الْكَذِبَ فِي الصَّلَاحِ- وَ أَبْغَضَ الصِّدْقَ فِي الْفَسَادِ

يَا عَلِيُّ مَنْ تَرَكَ الْخَيْرَ لِغَيْرِ اللَّهِ سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ- فَقَالَ عَلِيٌّ لِغَيْرِ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ وَ اللَّهِ- مَنْ تَرَكَهَا صِيَانَةً لِنَفْسِهِ يَشْكُرُهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ-

يَا عَلِيُّ شَارِبُ الْخَمْرِ كَعَابِدِ وَثَنٍ-

يَا عَلِيُّ شَارِبُ الْخَمْرِ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ صَلَاتَهُ أَرْبَعِينَ يَوْماً- فَإِنْ مَاتَ فِي الْأَرْبَعِينَ مَاتَ كَافِراً

يَا عَلِيُّ كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ- وَ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَالْجُرْعَةُ مِنْهُ حَرَامٌ‏

يَا عَلِيُّ جُعِلَتِ الذُّنُوبُ كُلُّهَا فِي بَيْتٍ- وَ جُعِلَ مِفْتَاحُهَا شُرْبَ الْخَمْرِ

يَا عَلِيُّ تَأْتِي عَلَى شَارِبِ الْخَمْرِ سَاعَةٌ لَا يَعْرِفُ فِيهَا رَبَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ-

يَا عَلِيُّ إِنَّ إِزَالَةَ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي أَهْوَنُ- مِنْ إِزَالَةِ مُلْكٍ مُؤَجَّلٍ لَمْ تنقص [تَنْقَضِ أَيَّامُهُ-

يَا عَلِيُّ مَنْ لَمْ تَنْتَفِعْ بِدِينِهِ وَ دُنْيَاهُ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي مُجَالَسَتِهِ- وَ مَنْ لَمْ يُوجِبْ لَكَ فَلَا تُوجِبْ لَهُ وَ لَا كَرَامَةَ (2)-

يَا عَلِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْمُؤْمِنِ ثَمَانُ خِصَالٍ- وَقَارٌ عِنْدَ الْهَزَاهِزِ (3) وَ صَبْرٌ عِنْدَ الْبَلَاءِ- وَ شُكْرٌ عِنْدَ الرَّخَاءِ وَ قُنُوعٌ بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ لَا يَظْلِمُ الْأَعْدَاءَ وَ لَا يَتَحَامَلُ عَلَى الْأَصْدِقَاءِ (4)- بَدَنُهُ مِنْهُ فِي تَعَبٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ-

يَا عَلِيُّ أَرْبَعَةٌ لَا تُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ- إِمَامٌ عَادِلٌ وَ وَالِدٌ لِوَلَدِهِ- وَ الرَّجُلُ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ وَ الْمَظْلُومُ- يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ- وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَأَنْتَصِرَنَّ لَكَ وَ لَوْ بَعْدَ حِينٍ-

يَا عَلِيُّ ثَمَانِيَةٌ إِنْ أُهِينُوا فَلَا يَلُومُوا إِلَّا أَنْفُسَهُمْ- الذَّاهِبُ إِلَى مَائِدَةٍ لَمْ‏

____________

(1) تنصل الى فلان من الجناية خرج و تبرأ عنده منها. و تنصل من كذا: خرج و تنصل الشي‏ء: أخرجه و تنصل فلان من ذنبه تبرأ منه.

(2) أوجب لفلان حقه: راعاه.

(3) الهزاهز: الفتن التي تهز الناس من الشدائد و الحروب.

(4) تحامل على فلان: جار و لم يعدل و كلفه ما لا يطيق. و الاصدقاء جمع صديق.

48

يُدْعَ إِلَيْهَا- وَ الْمُتَأَمِّرُ (1) عَلَى رَبِّ الْبَيْتِ- وَ طَالِبُ الْخَيْرِ مِنْ أَعْدَائِهِ- وَ طَالِبُ الْفَضْلِ مِنَ اللِّئَامِ- وَ الدَّاخِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي سِرٍّ لَمْ يُدْخِلَاهُ فِيهِ- وَ الْمُسْتَخِفُّ بِالسُّلْطَانِ- وَ الْجَالِسُ فِي مَجْلِسٍ لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ- وَ الْمُقْبِلُ بِالْحَدِيثِ عَلَى مَنْ لَا يَسْمَعُ مِنْهُ-

يَا عَلِيُّ حَرَّمَ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى كُلِّ فَاحِشٍ بَذِيٍ‏ (2)- لَا يُبَالِي مَا قَالَ وَ لَا مَا قِيلَ لَهُ-

يَا عَلِيُّ طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَ حَسُنَ عَمَلُهُ‏

يَا عَلِيُّ لَا تَمْزَحْ فَيَذْهَبَ بَهَاؤُكَ وَ لَا تَكْذِبْ فَيَذْهَبَ نُورُكَ- وَ إِيَّاكَ وَ خَصْلَتَيْنِ الضَّجْرَةَ وَ الْكَسَلَ- فَإِنَّكَ إِنْ ضَجِرْتَ لَمْ تَصْبِرْ عَلَى حَقٍّ وَ إِنْ كَسِلْتَ لَمْ تُؤَدِّ حَقّاً

يَا عَلِيُّ لِكُلِّ ذَنْبٍ تَوْبَةٌ إِلَّا سُوءَ الْخُلُقِ- فَإِنَّ صَاحِبَهُ كُلَّمَا خَرَجَ مِنْ ذَنْبٍ دَخَلَ فِي ذَنْبٍ-

يَا عَلِيُّ أَرْبَعَةٌ أَسْرَعُ شَيْ‏ءٍ عُقُوبَةً- رَجُلٌ أَحْسَنْتَ إِلَيْهِ فَكَافَأَكَ بِالْإِحْسَانِ إِسَاءَةً وَ رَجُلٌ لَا تَبْغِي عَلَيْهِ وَ هُوَ يَبْغِي عَلَيْكَ- وَ رَجُلٌ عَاهَدْتَهُ عَلَى أَمْرٍ فَوَفَيْتَ لَهُ وَ غَدَرَ بِكَ وَ رَجُلٌ وَصَلَ قَرَابَتَهُ فَقَطَعُوهُ‏

يَا عَلِيُّ مَنِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الضَّجَرُ رَحَلَتْ عَنْهُ الرَّاحَةُ-

يَا عَلِيُّ اثْنَتَا عَشْرَةَ خَصْلَةً- يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَعَلَّمَهَا عَلَى الْمَائِدَةِ- أَرْبَعٌ مِنْهَا فَرِيضَةٌ وَ أَرْبَعٌ مِنْهَا سُنَّةٌ وَ أَرْبَعٌ مِنْهَا أَدَبٌ- فَأَمَّا الْفَرِيضَةُ فَالْمَعْرِفَةُ بِمَا يَأْكُلُ وَ التَّسْمِيَةُ وَ الشُّكْرُ وَ الرِّضَا- وَ أَمَّا السُّنَّةُ فَالْجُلُوسُ عَلَى الرِّجْلِ الْيُسْرَى- وَ الْأَكْلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ وَ أَنْ يَأْكُلَ مِمَّا يَلِيهِ وَ مَصُّ الْأَصَابِعِ- وَ أَمَّا الْأَدَبُ فَتَصْغِيرُ اللُّقْمَةِ وَ الْمَضْغُ الشَّدِيدُ- وَ قِلَّةُ النَّظَرِ فِي وُجُوهِ النَّاسِ وَ غَسْلُ الْيَدَيْنِ-

يَا عَلِيُّ خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْجَنَّةَ مِنْ لَبِنَتَيْنِ- لَبِنَةٍ مِنْ ذَهَبٍ وَ لَبِنَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ جَعَلَ حِيطَانَهَا الْيَاقُوتَ وَ سَقْفَهَا الزَّبَرْجَدَ- وَ حَصَاهَا اللُّؤْلُؤَ وَ تُرَابَهَا الزَّعْفَرَانَ وَ الْمِسْكَ الْأَذْفَرَ (3)- ثُمَّ قَالَ لَهَا تَكَلَّمِي فَقَالَتْ‏ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ‏- قَدْ

____________

(1) تأمر عليه: تسلط و تحكم عليه.

(2) البذى على فعيل: الكلام القبيح. و الذي تكلم بالفحش.

(3) ذفر المسك- من باب علم- ظهر رائحته و اشتدت فهو أذفر.

49

سَعِدَ مَنْ يَدْخُلُنِي- قَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَا يَدْخُلُهَا مُدْمِنُ خَمْرٍ (1) وَ لَا نَمَّامٌ وَ لَا شُرْطِيُ‏ (2)- وَ لَا مُخَنَّثٌ وَ لَا نَبَّاشٌ- وَ لَا عَشَّارٌ وَ لَا قَاطِعُ رَحِمٍ وَ لَا قَدَرِيٌّ-

يَا عَلِيُّ كَفَرَ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَشَرَةٌ- الْقَتَّاتُ‏ (3) وَ السَّاحِرُ وَ الدَّيُّوثُ- وَ نَاكِحُ الْمَرْأَةِ حَرَاماً فِي دُبُرِهَا- وَ نَاكِحُ الْبَهِيمَةِ وَ مَنْ نَكَحَ ذَاتَ مَحْرَمٍ- وَ السَّاعِي فِي الْفِتْنَةِ وَ بَائِعُ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ- وَ مَانِعُ الزَّكَاةِ وَ مَنْ وَجَدَ سَعَةً فَمَاتَ وَ لَمْ يَحُجَّ-

يَا عَلِيُّ لَا وَلِيمَةَ إِلَّا فِي خَمْسٍ- فِي عُرْسٍ أَوْ خُرْسٍ أَوْ عِذَارٍ أَوْ وِكَارٍ أَوْ رِكَازٍ (4)- فَالْعُرْسُ التَّزْوِيجُ وَ الْخُرْسُ النِّفَاسُ بِالْوَلَدِ- وَ الْعِذَارُ الْخِتَانُ وَ الْوِكَارُ فِي شِرَى الدَّارِ- وَ الرِّكَازُ الرَّجُلُ يَقْدَمُ مِنْ مَكَّةَ

يَا عَلِيُّ لَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ ظَاعِناً (5) إِلَّا فِي ثَلَاثٍ- مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ أَوْ تَزَوُّدٍ لِمَعَادٍ أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ‏

يَا عَلِيُّ ثَلَاثَةٌ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ وَ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ وَ تَحْلُمَ عَمَّنْ جَهِلَ عَلَيْكَ-

يَا عَلِيُّ بَادِرْ بِأَرْبَعٍ قَبْلَ أَرْبَعٍ- شَبَابِكَ قَبْلَ هَرَمِكَ وَ صِحَّتِكَ قَبْلَ سُقْمِكَ‏

____________

(1) أدمن الخمر أي أدام شربها. و مدمن الخمر المداوم شربها.

(2) الشرطى: منسوب الى الشرطة- كغرفة-: عون السلطان و الوالى. و قيل الطائفة من خيار أعوان الولاة و رؤساء الضابطة و رجالها، سموا بذلك لانهم اعلموا انفسهم بعلامات يعرفون بها. و انما لم يدخلوا الجنة لجورهم على الناس و ظلمهم غالبا.

(3) القتات: النمام. و في المصدر «القتال» و هو تصحيف.

(4) الخرس- بالضم- و الخراس- بالكسر- طعام الولادة. و الخرسة- بالضم طعام النفساء نفسها. و العذار- بالكسر- طعام الختان او البناء، و عذر الغلام عذرا- من باب ضرب- ختنه. و الوكار: الذي يدعى إليه الناس عند بناء الدار أو شرائها، و الوكرة طعام يعمل عند الفراق من البناء. كذا في كتب اللغة و الركاز: الغنيمة.

(5) أي راحلا.

50

وَ غِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ وَ حَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ-

يَا عَلِيُّ كَرِهَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِأُمَّتِي الْعَبَثَ فِي الصَّلَاةِ- وَ الْمَنَّ فِي الصَّدَقَةِ وَ إِتْيَانَ الْمَسَاجِدِ جُنُباً- وَ الضَّحِكَ بَيْنَ الْقُبُورِ وَ التَّطَلُّعَ فِي الدُّورِ- وَ النَّظَرَ إِلَى فُرُوجِ النِّسَاءِ لِأَنَّهُ يُورِثُ الْعَمَى- وَ كَرِهَ الْكَلَامَ عِنْدَ الْجِمَاعِ لِأَنَّهُ يُورِثُ الْخَرَسَ وَ كَرِهَ النَّوْمَ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ لِأَنَّهُ يَحْرِمُ الرِّزْقَ- وَ كَرِهَ الْغُسْلَ تَحْتَ السَّمَاءِ إِلَّا بِمِئْزَرٍ- وَ كَرِهَ دُخُولَ الْأَنْهَارِ إِلَّا بِمِئْزَرٍ- فَإِنَّ فِيهَا سُكَّاناً مِنَ الْمَلَائِكَةِ- وَ كَرِهَ دُخُولَ الْحَمَّامِ إِلَّا بِمِئْزَرٍ- وَ كَرِهَ الْكَلَامَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَ الْإِقَامَةِ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ وَ كَرِهَ رُكُوبَ الْبَحْرِ فِي وَقْتِ هَيَجَانِهِ- وَ كَرِهَ النَّوْمَ فَوْقَ سَطْحٍ لَيْسَ بِمُحَجَّرٍ- وَ قَالَ مَنْ نَامَ عَلَى سَطْحٍ غَيْرِ مُحَجَّرٍ- فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ- وَ كَرِهَ أَنْ يَنَامَ الرَّجُلُ فِي بَيْتٍ وَحْدَهُ- وَ كَرِهَ أَنْ يَغْشَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَ هِيَ حَائِضٌ- فَإِنْ فَعَلَ وَ خَرَجَ الْوَلَدُ مَجْذُوماً أَوْ بِهِ بَرَصٌ- فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ- وَ كَرِهَ أَنْ يُكَلِّمَ الرَّجُلُ مَجْذُوماً- إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ قَدْرُ ذِرَاعٍ- وَ قَالَ(ع)فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ وَ كَرِهَ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ وَ قَدِ احْتَلَمَ- حَتَّى يَغْتَسِلَ مِنَ الِاحْتِلَامِ- فَإِنْ فَعَلَ وَ خَرَجَ الْوَلَدُ مَجْنُوناً فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ- وَ كَرِهَ الْبَوْلَ عَلَى شَطِّ نَهَرٍ جَارٍ (1)- وَ كَرِهَ أَنْ يُحْدِثَ الرَّجُلُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ أَوْ نَخْلَةٍ قَدْ أَثْمَرَتْ- وَ كَرِهَ أَنْ يَتَنَعَّلَ الرَّجُلُ وَ هُوَ قَائِمٌ- وَ كَرِهَ أَنْ يَدْخُلَ الرَّجُلُ بَيْتاً مُظْلِماً إِلَّا مَعَ السِّرَاجِ-

يَا عَلِيُّ آفَةُ الْحَسَبِ الِافْتِخَارُ

يَا عَلِيُّ مَنْ خَافَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَافَ مِنْهُ كُلُّ شَيْ‏ءٍ- وَ مَنْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ أَخَافَهُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ-

يَا عَلِيُّ ثَمَانِيَةٌ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمُ الصَّلَاةُ- الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَوَالِيهِ وَ النَّاشِزُ وَ زَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ- وَ مَانِعُ الزَّكَاةِ وَ تَارِكُ الْوُضُوءِ- وَ الْجَارِيَةُ الْمُدْرِكَةُ تُصَلِّي بِغَيْرِ خِمَارٍ- وَ إِمَامُ قَوْمٍ يُصَلِّي بِهِمْ وَ هُمْ لَهُ كَارِهُونَ- وَ السَّكْرَانُ وَ الزِّبِّينُ‏ (2)

____________

(1) أي جانبه حال جريانه.

(2) الزبين- كسكين- مدافع الاخبثين أي البول و الغائط او ممسكهما على كره.

51

وَ هُوَ الَّذِي يُدَافِعُ الْبَوْلَ وَ الْغَائِطَ-

يَا عَلِيُّ أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ- مَنْ آوَى الْيَتِيمَ وَ رَحِمَ الضَّعِيفَ- وَ أَشْفَقَ عَلَى وَالِدَيْهِ وَ رَفَقَ بِمَمْلُوكِهِ-

يَا عَلِيُّ ثَلَاثٌ مَنْ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِنَّ فَهُوَ أَفْضَلُ النَّاسِ- مَنْ أَتَى اللَّهَ بِمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ- وَ مَنْ وَرِعَ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَهُوَ مِنْ أَوْرَعِ النَّاسِ وَ مَنْ قَنِعَ بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ فَهُوَ أَغْنَى النَّاسِ‏

يَا عَلِيُّ ثَلَاثٌ لَا يُطِيقُهَا أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ- الْمُوَاسَاةُ لِلْأَخِ فِي مَالِهِ وَ إِنْصَافُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِهِ- وَ ذِكْرُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَ لَيْسَ هُوَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اللَّهُ أَكْبَرُ- وَ لَكِنْ إِذَا وَرَدَ عَلَى مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ- خَافَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ عِنْدَهُ وَ تَرَكَهُ-

يَا عَلِيُّ ثَلَاثَةٌ وَ إِنْ أَنْصَفْتَهُمْ ظَلَمُوكَ- السَّفِلَةُ وَ أَهْلُكَ وَ خَادِمُكَ- وَ ثَلَاثَةٌ لَا يَنْتَصِفُونَ مِنْ ثَلَاثَةٍ حُرٌّ مِنْ عَبْدِهِ وَ عَالِمٌ مِنْ جَاهِلٍ وَ قَوِيٌّ مِنْ ضَعِيفٍ-

يَا عَلِيُّ سَبْعَةٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ- وَ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ مُفَتَّحَةٌ لَهُ- مَنْ أَسْبَغَ وُضُوءَهُ وَ أَحْسَنَ صَلَاتَهُ وَ أَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ- وَ كَفَّ غَضَبَهُ وَ سَجَنَ لِسَانَهُ- وَ اسْتَغْفَرَ لِذَنْبِهِ- وَ أَدَّى النَّصِيحَةَ لِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّهِ-

يَا عَلِيُّ لَعَنَ اللَّهُ ثَلَاثَةً آكِلَ زَادِهِ وَحْدَهُ- وَ رَاكِبَ الْفَلَاةِ وَحْدَهُ وَ النَّائِمَ فِي بَيْتٍ وَحْدَهُ‏

يَا عَلِيُّ ثَلَاثَةٌ يُتَخَوَّفُ مِنْهُنَّ الْجُنُونُ- التَّغَوُّطُ بَيْنَ الْقُبُورِ وَ الْمَشْيُ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ- وَ الرَّجُلُ يَنَامُ وَحْدَهُ‏

يَا عَلِيُّ ثَلَاثَةٌ يَحْسُنُ فِيهِنَّ الْكَذِبُ‏ (1)- الْمَكِيدَةُ فِي الْحَرْبِ وَ عِدَتُكَ زَوْجَتَكَ‏

____________

(1) لا يخفى أن الكذب حرام و فعله من المعاصى كسائر المحرمات و لا فرق بينه و بينها و لكن إذا دار الامر بينه و بين الأهمّ منه فليقدم الأهمّ حينئذ مهما كان لان العقل مستقل بوجوب الأهمّ عند التزاحم كما إذا دار الامر بانقاذ غريق الى ارتكاب حرام مثلا و تزاحم الامر بينه و بين واجب آخر فليقدم الأهمّ منهما و قد دلت عليه الأدلة الأربعة. و الموارد الثلاث من هذه الموارد.

52

وَ الْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ- وَ ثَلَاثَةٌ مُجَالَسَتُهُمْ تُمِيتُ الْقَلْبَ- مُجَالَسَةُ الْأَنْذَالِ وَ مُجَالَسَةُ الْأَغْنِيَاءِ- وَ الْحَدِيثُ مَعَ النِّسَاءِ-

يَا عَلِيُّ ثَلَاثَةٌ مِنْ حَقَائِقِ الْإِيمَانِ- الْإِنْفَاقُ مِنَ الْإِقْتَارِ وَ إِنْصَافُكَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ- وَ بَذْلُ الْعِلْمِ لِلْمُتَعَلِّمِ‏

يَا عَلِيُّ ثَلَاثٌ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ لَمْ يَتِمَّ عَمَلُهُ- وَرَعٌ يَحْجُزُهُ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ خُلُقٌ يُدَارِي بِهِ النَّاسَ وَ حِلْمٌ يَرُدُّ بِهِ جَهْلَ الْجَاهِلِ‏

يَا عَلِيُّ ثَلَاثٌ فَرَحَاتٌ لِلْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا- لِقَاءُ الْإِخْوَانِ وَ تَفْطِيرُ الصَّائِمِ وَ التَّهَجُّدُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ‏

يَا عَلِيُّ أَنْهَاكَ عَنْ ثَلَاثِ خِصَالٍ- الْحَسَدِ وَ الْحِرْصِ وَ الْكِبْرِ-

يَا عَلِيُّ أَرْبَعُ خِصَالٍ مِنَ الشَّقَاءِ- جُمُودُ الْعَيْنِ وَ قَسَاوَةُ الْقَلْبِ وَ بُعْدُ الْأَمَلِ وَ حُبُّ الْبَقَاءِ:

يَا عَلِيُّ ثَلَاثٌ دَرَجَاتٌ وَ ثَلَاثٌ كَفَّارَاتٌ- وَ ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ وَ ثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ فَأَمَّا الدَّرَجَاتُ فَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي السَّبَرَاتِ‏ (1)- وَ انْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ- وَ الْمَشْيُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهَارِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ- فَأَمَّا الْكَفَّارَاتُ فَإِفْشَاءُ السَّلَامِ وَ إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَ التَّهَجُّدُ بِاللَّيْلِ وَ النَّاسُ نِيَامٌ- فَأَمَّا الْمُهْلِكَاتُ فَشُحٌّ مُطَاعٌ- وَ هَوًى مُتَّبَعٌ وَ إِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ- وَ أَمَّا الْمُنْجِيَاتُ فَخَوْفُ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَ الْعَلَانِيَةِ- وَ الْقَصْدُ فِي الْغِنَى وَ الْفَقْرِ- وَ كَلِمَةُ الْعَدْلِ فِي الرِّضَا وَ السَّخَطِ-

يَا عَلِيُّ لَا رَضَاعَ بَعْدَ فِطَامٍ وَ لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ-

يَا عَلِيُّ سِرْ سَنَتَيْنِ بَرَّ وَالِدَيْكَ- سِرْ سَنَةً صِلْ رَحِمَكَ سِرْ مِيلًا عُدْ مَرِيضاً- سِرْ مِيلَيْنِ شَيِّعْ جَنَازَةً سِرْ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ أَجِبْ دَعْوَةً- سِرْ أَرْبَعَةَ أَمْيَالٍ زُرْ أَخاً فِي اللَّهِ سِرْ خَمْسَةَ أَمْيَالٍ أَغِثِ الْمَلْهُوفَ- سِرْ سِتَّةَ أَمْيَالٍ انْصُرِ الْمَظْلُومَ وَ عَلَيْكَ بِالاسْتِغْفَارِ

____________

(1) السبرات جمع سبرة- بالفتح- شدة البرد. و قيل الغداة الباردة. و في بعض نسخ المصدر «الشتوات».

53

يَا عَلِيُّ لِلْمُؤْمِنِ ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ- الصَّلَاةُ وَ الزَّكَاةُ وَ الصِّيَامُ- وَ لِلْمُتَكَلِّفِ ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ- يَتَمَلَّقُ إِذَا حَضَرَ وَ يَغْتَابُ إِذَا غَابَ وَ يَشْمَتُ بِالْمُصِيبَةِ- وَ لِلظَّالِمِ ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ- يَقْهَرُ مَنْ دُونَهُ بِالْغَلَبَةِ وَ مَنْ فَوْقَهُ بِالْمَعْصِيَةِ- وَ يُظَاهِرُ الظَّلَمَةَ- وَ لِلْمُرَائِي ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ- يَنْشَطُ إِذَا كَانَ عِنْدَ النَّاسِ وَ يَكْسَلُ إِذَا كَانَ وَحْدَهُ- وَ يُحِبُّ أَنْ يُحْمَدَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ- وَ لِلْمُنَافِقِ ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ- وَ إِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَ إِذَا ائْتُمِنَ خَانَ-

يَا عَلِيُّ تِسْعَةُ أَشْيَاءَ تُورِثُ النِّسْيَانَ- أَكْلُ التُّفَّاحِ الْحَامِضِ وَ أَكْلُ الْكُزْبُرَةِ (1)- وَ الْجُبُنِّ وَ سُؤْرِ الْفَأْرَةِ وَ قِرَاءَةُ كِتَابَةِ الْقُبُورِ- وَ الْمَشْيُ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ وَ طَرْحُ الْقَمْلَةِ- وَ الْحِجَامَةُ فِي النُّقْرَةِ (2) وَ الْبَوْلُ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ-

يَا عَلِيُّ الْعَيْشُ فِي ثَلَاثَةٍ- دَارٌ قَوْرَاءُ وَ جَارِيَةٌ حَسْنَاءُ وَ فَرَسٌ قَبَّاءُ

يَا عَلِيُّ وَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ الْمُتَوَاضِعَ فِي قَعْرِ بِئْرٍ- لَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ رِيحاً- يَرْفَعُهُ فَوْقَ الْأَخْيَارِ فِي دَوْلَةِ الْأَشْرَارِ

يَا عَلِيُّ مَنِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ- وَ مَنْ مَنَعَ أَجِيراً أَجْرَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ- وَ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثاً أَوْ آوَى مُحْدِثاً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ- فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَا ذَلِكَ الْحَدَثُ قَالَ الْقَتْلُ-

يَا عَلِيُّ الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَ دِمَائِهِمْ- وَ الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ يَدِهِ وَ لِسَانِهِ- وَ الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ‏

يَا عَلِيُّ أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَ الْبُغْضُ فِي اللَّهِ-

يَا عَلِيُّ مَنْ أَطَاعَ امْرَأَتَهُ أَكَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ- فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)وَ مَا تِلْكَ الطَّاعَةُ قَالَ- يَأْذَنُ فِي الذَّهَابِ إِلَى الْحَمَّامَاتِ وَ الْعُرُسَاتِ وَ النَّائِحَاتِ وَ لُبْسِ ثِيَابِ الرِّقَاقِ-

يَا عَلِيُّ- إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَدْ أَذْهَبَ بِالْإِسْلَامِ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيَّةِ- وَ تَفَاخُرَهُمْ‏

____________

(1) يعني گشنيز.

(2) النقرة: ثقب في القفاء، و ثقب في وسط الورك.

54

بِآبَائِهِمْ- أَلَا وَ إِنَّ النَّاسَ مِنْ آدَمَ وَ آدَمُ مِنْ تُرَابٍ- وَ أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ-

يَا عَلِيُّ مِنَ السُّحْتِ ثَمَنُ الْمَيْتَةِ- وَ ثَمَنُ الْكَلْبِ وَ ثَمَنُ الْخَمْرِ وَ مَهْرُ الزَّانِيَةِ وَ الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ وَ أَجْرُ الْكَاهِنِ‏

يَا عَلِيُّ مَنْ تَعَلَّمَ عِلْماً لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ- أَوْ يُجَادِلَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى نَفْسِهِ- فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ-

يَا عَلِيُّ إِذَا مَاتَ الْعَبْدُ قَالَ النَّاسُ مَا خَلَّفَ- وَ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ مَا قَدَّمَ‏

يَا عَلِيُّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَ جَنَّةُ الْكَافِرِ

يَا عَلِيُّ مَوْتُ الْفَجْأَةِ رَاحَةُ الْمُؤْمِنِ وَ حَسْرَةُ الْكَافِرِ

يَا عَلِيُّ أَوْحَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى إِلَى الدُّنْيَا- اخْدُمِي مَنْ خَدَمَنِي وَ أَتْعِبِي مَنْ خَدَمَكِ‏

يَا عَلِيُّ إِنَّ الدُّنْيَا لَوْ عَدَلَتْ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ- لَمَا سَقَى الْكَافِرَ مِنْهَا شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ-

يَا عَلِيُّ مَا أَحَدٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ- إِلَّا وَ هُوَ يَتَمَنَّى يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُ لَمْ يُعْطَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا قُوتاً-

يَا عَلِيُّ شَرُّ النَّاسِ مَنِ اتَّهَمَ اللَّهَ فِي قَضَائِهِ‏

يَا عَلِيُّ أَنِينُ الْمُؤْمِنِ الْمَرِيضِ تَسْبِيحٌ وَ صِيَاحُهُ تَهْلِيلٌ- وَ نَوْمُهُ عَلَى الْفِرَاشِ عِبَادَةٌ وَ تَقَلُّبُهُ مِنْ جَنْبٍ إِلَى جَنْبٍ جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ- فَإِنْ عُوفِيَ يَمْشِي فِي النَّاسِ وَ مَا عَلَيْهِ مِنْ ذَنْبٍ-

يَا عَلِيُّ لَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ- وَ لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ لَأَجَبْتُ-

يَا عَلِيُّ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ جُمُعَةٌ وَ لَا جَمَاعَةٌ وَ لَا إِقَامَةٌ- وَ لَا عِيَادَةُ مَرِيضٍ وَ لَا اتِّبَاعُ جَنَازَةٍ- وَ لَا هَرْوَلَةٌ بَيْنَ الصَّفَا وَ الْمَرْوَةِ- وَ لَا اسْتِلَامُ الْحَجَرِ وَ لَا حَلْقٌ- وَ لَا تَوَلِّي الْقَضَاءِ وَ لَا أَنْ تُسْتَشَارَ- وَ لَا تَذْبَحَ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ- وَ لَا تَجْهَرَ بِالتَّلْبِيَةِ وَ لَا تُقِيمَ عِنْدَ قَبْرٍ- وَ لَا تَسْمَعَ الْخُطْبَةَ وَ لَا تَتَوَلَّى التَّزْوِيجَ- وَ لَا تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ- فَإِنْ خَرَجَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَعَنَهَا اللَّهُ وَ جَبْرَئِيلُ وَ مِيكَائِيلُ- وَ لَا تُعْطِيَ مِنْ بَيْتِ‏

55

زَوْجِهَا شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِهِ- وَ لَا تَبِيتَ وَ زَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ وَ إِنْ كَانَ ظَالِماً لَهَا-

يَا عَلِيُّ الْإِسْلَامُ عُرْيَانٌ وَ لِبَاسُهُ الْحَيَاءُ- وَ زِينَتُهُ الْوَفَاءُ وَ مُرُوَّتُهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَ عِمَادُهُ الْوَرَعُ- وَ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ أَسَاسٌ وَ أَسَاسُ الْإِسْلَامِ حُبُّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ-

يَا عَلِيُّ سُوءُ الْخُلُقِ شُؤْمٌ وَ طَاعَةُ الْمَرْأَةِ نَدَامَةٌ

يَا عَلِيُّ إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْ‏ءٍ فَفِي لِسَانِ الْمَرْأَةِ

يَا عَلِيُّ نَجَا الْمُخِفُّونَ وَ هَلَكَ الْمُثْقِلُونَ-

يَا عَلِيُّ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ-

يَا عَلِيُّ ثَلَاثَةٌ يَزِدْنَ فِي الْحِفْظِ وَ يُذْهِبْنَ الْبَلْغَمَ- اللُّبَانُ وَ السِّوَاكُ وَ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ‏

يَا عَلِيُّ السِّوَاكُ مِنَ السُّنَّةِ وَ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ وَ يَجْلُو الْبَصَرَ- وَ يُرْضِي الرَّحْمَنَ وَ يُبَيِّضُ الْأَسْنَانَ وَ يَذْهَبُ بِالْبَخَرِ (1)- وَ يَشُدُّ اللِّثَةَ وَ يُشَهِّي الطَّعَامَ وَ يَذْهَبُ بِالْبَلْغَمِ- وَ يَزِيدُ فِي الْحِفْظِ وَ يُضَاعِفُ الْحَسَنَاتِ وَ تَفْرَحُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ-

يَا عَلِيُّ النَّوْمُ أَرْبَعَةٌ- نَوْمُ الْأَنْبِيَاءِ(ع)عَلَى أَقْفِيَتِهِمْ- وَ نَوْمُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَيْمَانِهِمْ- وَ نَوْمُ الْكُفَّارِ وَ الْمُنَافِقِينَ عَلَى أَيْسَارِهِمْ- وَ نَوْمُ الشَّيَاطِينِ عَلَى وُجُوهِهِمْ-

يَا عَلِيُّ مَا بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ نَبِيّاً إِلَّا وَ جَعَلَ ذُرِّيَّتَهُ مِنْ صُلْبِهِ- وَ جَعَلَ ذُرِّيَّتِي مِنْ صُلْبِكَ وَ لَوْلَاكَ مَا كَانَتْ لِي ذُرِّيَّةٌ-

يَا عَلِيُّ أَرْبَعَةٌ مِنْ قَوَاصِمِ الظَّهْرِ- إِمَامٌ يَعْصِي اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ يُطَاعُ أَمْرُهُ وَ زَوْجَةٌ يَحْفَظُهَا زَوْجُهَا وَ هِيَ تَخُونُهُ- وَ فَقْرٌ لَا يَجِدُ صَاحِبُهُ مُدَاوِياً- وَ جَارُ سَوْءٍ فِي دَارِ مُقَامٍ-

يَا عَلِيُّ إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ سَنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خَمْسَ سُنَنٍ- أَجْرَاهَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الْإِسْلَامِ- حَرَّمَ نِسَاءَ الْآبَاءِ عَلَى الْأَبْنَاءِ- فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ (2)- وَ وَجَدَ كَنْزاً فَأَخْرَجَ مِنْهُ الْخُمُسَ وَ تَصَدَّقَ بِهِ- فَأَنْزَلَ اللَّهُ‏

____________

(1) البخر- بالتحريك-: الريح المنتن في الغم.

(2) النساء: 26.

56

تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ‏ الْآيَةَ (1)- وَ لَمَّا حَفَرَ زَمْزَمَ سَمَّاهَا سِقَايَةَ الْحَاجِّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَ عِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ- كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ الْآيَةَ (2)- وَ سَنَّ فِي الْقَتْلِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ- فَأَجْرَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ- وَ لَمْ يَكُنْ لِلطَّوَافِ عَدَدٌ عِنْدَ قُرَيْشٍ فَسَنَّ لَهُمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ- فَأَجْرَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ-

يَا عَلِيُّ إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ كَانَ لَا يَسْتَقْسِمُ بِالْأَزْلَامِ- وَ لَا يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَ لَا يَأْكُلُ مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ- وَ يَقُولُ أَنَا عَلَى دِينِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ(ع)

يَا عَلِيُّ أَعْجَبُ النَّاسِ إِيمَاناً وَ أَعْظَمُهُمْ يَقِيناً- قَوْمٌ يَكُونُونَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ لَمْ يَلْحَقُوا النَّبِيَّ- وَ حُجِبَ عَنْهُمُ الْحُجَّةُ فَآمَنُوا بِسَوَادٍ عَلَى بَيَاضٍ‏

يَا عَلِيُّ ثَلَاثٌ يُقْسِينَ الْقَلْبَ- اسْتِمَاعُ اللَّهْوِ وَ طَلَبُ الصَّيْدِ وَ إِتْيَانُ بَابِ السُّلْطَانِ-

يَا عَلِيُّ لَا تُصَلِّ فِي جِلْدِ مَا لَا تَشْرَبُ لَبَنَهُ وَ لَا تَأْكُلُ لَحْمَهُ- وَ لَا تُصَلِّ فِي ذَاتِ الْجَيْشِ وَ لَا فِي ذَاتِ الصَّلَاصِلِ وَ لَا فِي ضَجْنَانَ‏ (3)-

يَا عَلِيُّ كُلْ مِنَ الْبَيْضِ مَا اخْتَلَفَ طَرَفَاهُ- وَ مِنَ السَّمَكِ مَا كَانَ لَهُ قُشُورٌ وَ مِنَ الطَّيْرِ مَا دَفَّ وَ اتْرُكْ مِنْهُ مَا صَفَ‏ (4)- وَ كُلْ مِنْ طَيْرِ الْمَاءِ مَا كَانَتْ لَهُ قَانِصَةٌ أَوْ صِيصِيَةٌ (5)

____________

(1) الأنفال: 42.

(2) التوبة: 19.

(3) ذات الجيش: واد قرب المدينة قيل بينها و بين ميقات أهل المدينة ميل واحد.

و ذات الصلاصل: اسم موضع في طريق مكّة. و ضجنان- كسكران-: جبل قرب مكّة.

و النهى تنزيهى يحمل على الكراهة.

(4) دف الطائر: حرك جناحيه كالحمام. وصف الطائر جناحيه: بسطهما و لم يحركهما.

(5) القانصة واحدة قوانص الطير- كفاصلة و فواصل- و قد اختلفوا فيها فقيل هى للطير بمنزلة المصارين لغيرها و هذا القول ضعيف جدا لان المصارين هي الامعاء، و قد ورد في الخبر «كل من طير البر ما كانت له حوصلة و من طير الماء ما كانت له قانصة» كقانصة الحمام-.

57

يَا عَلِيُّ كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَ مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ فَحَرَامٌ أَكْلُهُ‏

يَا عَلِيُّ لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَ لَا كَثَرٍ (1)-

يَا عَلِيُّ لَيْسَ عَلَى زَانٍ عُقْرٌ (2) وَ لَا حَدَّ فِي التَّعْرِيضِ وَ لَا شَفَاعَةَ فِي حَدٍّ وَ لَا يَمِينَ فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ وَ لَا يَمِينَ لِوَلَدٍ مَعَ وَالِدِهِ- وَ لَا لِامْرَأَةٍ مَعَ زَوْجِهَا وَ لَا لِلْعَبْدِ مَعَ مَوْلَاهُ- وَ لَا صَمْتَ يَوْماً إِلَى اللَّيْلِ وَ لَا وِصَالَ فِي صِيَامٍ- وَ لَا تَعَرُّبَ بَعْدَ هِجْرَةٍ-

يَا عَلِيُّ لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ‏

يَا عَلِيُّ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ دُعَاءَ قَلْبٍ سَاهٍ‏

يَا عَلِيُّ نَوْمُ الْعَالِمِ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ الْعَابِدِ الْجَاهِلِ‏

يَا عَلِيُّ رَكْعَتَانِ يُصَلِّيهِمَا الْعَالِمُ- أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ رَكْعَةٍ يُصَلِّيهَا الْعَابِدُ

يَا عَلِيُّ لَا تَصُومُ الْمَرْأَةُ تَطَوُّعاً إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا- وَ لَا يَصُومُ الْعَبْدُ تَطَوُّعاً إِلَّا

____________

لا معدة كمعدة الإنسان و المعى موجود في الطيور كلها و قيل هي الحوصلة و قيل هي بمنزلة معدة للإنسان و هذان القولان معناهما واحد، لان الحوصلة للطيور بمنزلة المعدة للإنسان و هي التي يجتمع فيها كل ما تنقر من الحب و غيره ثمّ ينحدر الى معى، و قيل: هى اللحمة الغليظة جدا التي يجتمع فيها كل ما تنقر من الحصى الصغار بعد ما انحدر من الحوصلة يقال لها بالفارسية سنگدان و هذا القول هو الصواب كما يظهر من الحديث (كذا في المعيار) و الصيصية هي الشوكة التي في رجل الطير في موضع العقب و هي الاصبع الزائد في باطن رجل الطائر بمنزلة الإبهام من بني آدم لأنّها شوكته.

(1) الثمر- بفتح المثلثة و الميم- الرطب ما دام في رأس النخلة. و لا قطع أي في سرقته، قال العلقمى: قال: شيخنا قال: الخطابى تأوله الشافعى على ما كان معلقا في النخل قبل أن يجد و يحرز و قوله «و لا كثر» بفتح الكاف و المثلثة جمار النخل قال:

في النهاية هو شحمه الذي في وسط النخلة. قال المناوى و تمامه «إلا ما آواه الجرين» فبين الحالة التي فيها القطع و هو كون المال في حرز (السراج المنير في شرح الجامع الصغير).

(2) العقر- بالضم- صداق المرأة.

58

بِإِذْنِ مَوْلَاهُ- وَ لَا يَصُومُ الضَّيْفُ تَطَوُّعاً إِلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ‏

يَا عَلِيُّ صَوْمُ يَوْمِ الْفِطْرِ وَ صَوْمُ يَوْمِ الْأَضْحَى حَرَامٌ- وَ صَوْمُ الْوِصَالِ حَرَامٌ وَ صَوْمُ الصَّمْتِ حَرَامٌ- وَ صَوْمُ نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ حَرَامٌ وَ صَوْمُ الدَّهْرِ حَرَامٌ-

يَا عَلِيُّ فِي الزِّنَاءِ سِتُّ خِصَالٍ- ثَلَاثٌ مِنْهَا فِي الدُّنْيَا وَ ثَلَاثٌ مِنْهَا فِي الْآخِرَةِ أَمَّا الَّتِي فِي الدُّنْيَا فَيَذْهَبُ بِالْبَهَاءِ- وَ يُعَجِّلُ الْفَنَاءَ وَ يَقْطَعُ الرِّزْقَ- وَ أَمَّا الَّتِي فِي الْآخِرَةِ فَسُوءُ الْحِسَابِ- وَ سَخَطُ الرَّحْمَنِ وَ الْخُلُودُ فِي النَّارِ-

يَا عَلِيُّ الرِّبَا سَبْعُونَ جُزْءاً- فَأَيْسَرُهُ مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ فِي بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ‏

يَا عَلِيُّ دِرْهَمٌ رِبًا أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ سَبْعِينَ زَنْيَةً- كُلُّهَا بِذَاتِ مَحْرَمٍ-

يَا عَلِيُّ مَنْ مَنَعَ قِيرَاطاً مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ- فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَ لَا مُسْلِمٍ وَ لَا كَرَامَةَ

يَا عَلِيُّ تَارِكُ الصَّلَاةِ يَسْأَلُ الرَّجْعَةَ إِلَى الدُّنْيَا- وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى‏ حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ- قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ‏ الْآيَةَ (1)-

يَا عَلِيُّ تَارِكُ الْحَجِّ وَ هُوَ يَسْتَطِيعُ كَافِرٌ- قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا- وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ‏ (2)-

يَا عَلِيُّ مَنْ سَوَّفَ الْحَجَّ حَتَّى يَمُوتَ- بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَهُودِيّاً أَوْ نَصْرَانِيّاً-

يَا عَلِيُّ الصَّدَقَةُ تَرُدُّ الْقَضَاءَ الَّذِي قَدْ أُبْرِمَ إِبْرَاماً-

يَا عَلِيُّ صِلَةُ الرَّحِمِ يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ-

يَا عَلِيُّ افْتَتِحْ بِالْمِلْحِ وَ اخْتِمْ بِالْمِلْحِ- فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنِ اثْنَيْنِ وَ سَبْعِينَ دَاءً (3)-

يَا عَلِيُّ لَوْ قَدِمْتُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ- لَشَفَعْتُ فِي أَبِي وَ أُمِّي وَ عَمِّي وَ أَخٍ كَانَ لِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ

خ 1- 58] (*) يَا عَلِيُّ لَا صَدَقَةَ وَ ذُو رَحِمٍ مُحْتَاجٌ-

يَا عَلِيُّ- دِرْهَمٌ فِي الْخِضَابِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ يُنْفَقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ- وَ فِيهِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ خَصْلَةً يَطْرُدُ الرِّيحَ مِنَ الْأُذُنَيْنِ وَ يَجْلُو الْبَصَرَ- وَ يُلَيِّنُ الْخَيَاشِيمَ وَ يُطَيِّبُ النَّكْهَةَ وَ يَشُدُّ اللِّثَةَ وَ يَذْهَبُ بِالصُّنَانِ‏ (1) وَ يُقِلُّ وَسْوَسَةَ الشَّيْطَانِ- وَ تَفْرَحُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ وَ يَسْتَبْشِرُ بِهِ الْمُؤْمِنَ وَ يَغِيظُ بِهِ الْكَافِرَ- وَ هُوَ زِينَةٌ وَ طِيبٌ- وَ يَسْتَحْيِي مِنْهُ مُنْكَرٌ وَ نَكِيرٌ وَ هُوَ بَرَاءَةٌ لَهُ فِي قَبْرِهِ-

يَا عَلِيُّ لَا خَيْرَ فِي قَوْلٍ إِلَّا مَعَ الْفِعْلِ- وَ لَا فِي مَنْظَرٍ إِلَّا مَعَ الْمَخْبَرِ (2) وَ لَا فِي الْمَالِ إِلَّا مَعَ الْجُودِ- وَ لَا فِي الصِّدْقِ إِلَّا مَعَ الْوَفَاءِ وَ لَا فِي الْعِفَّةِ إِلَّا مَعَ الْوَرَعِ- وَ لَا فِي الصَّدَقَةِ إِلَّا مَعَ النِّيَّةِ وَ لَا فِي الْحَيَاةِ إِلَّا مَعَ الصِّحَّةِ- وَ لَا فِي الْوَطَنِ إِلَّا مَعَ الْأَمْنِ وَ السُّرُورِ-

يَا عَلِيُّ حُرِّمَ مِنَ الشَّاةِ سَبْعَةُ أَشْيَاءَ- الدَّمُ وَ الْمَذَاكِيرُ وَ الْمَثَانَةُ- وَ النُّخَاعُ وَ الْغُدَدُ وَ الطِّحَالُ وَ الْمَرَارَةُ-

يَا عَلِيُّ لَا تُمَاكِسْ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ- فِي شِرَاءِ الْأُضْحِيَّةِ- وَ الْكَفَنِ وَ النَّسَمَةِ وَ الْكِرَى إِلَى مَكَّةَ يَا عَلِيُّ أَ لَا أُخْبِرُكَ بِأَشْبَهِكُمْ بِي خُلُقاً قَالَ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ- قَالَ أَحْسَنُكُمْ خُلُقاً أَعْظَمُكُمْ حِلْماً- وَ أَبَرُّكُمْ بِقَرَابَتِهِ وَ أَشَدُّكُمْ مِنْ نَفْسِهِ إِنْصَافاً-

يَا عَلِيُّ أَمَانٌ لِأُمَّتِي مِنَ الْغَرَقِ إِذَا هُمْ رَكِبُوا السُّفُنَ- فَقَرَءُوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ- وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ- وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَ تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏ (3)- بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَ مُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ‏ (4)-

يَا عَلِيُّ- أَمَانٌ لِأُمَّتِي مِنَ السَّرَقِ‏ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ- أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ (5)

يَا عَلِيُّ أَمَانٌ لِأُمَّتِي مِنَ الْهَدْمِ- إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ- إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (6)

خ 2- 58] يَا عَلِيُّ أَمَانٌ لِأُمَّتِي مِنَ الْهَمِّ- لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- لَا مَلْجَأَ وَ لَا مَنْجَى مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ-

يَا عَلِيُّ أَمَانٌ لِأُمَّتِي مِنَ الْحَرَقِ- إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ‏ (1)- وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ‏ (2)-

يَا عَلِيُّ مَنْ خَافَ السِّبَاعَ فَلْيَقْرَأْ لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ‏- إِلَى آخِرِ السُّورَةِ (3)-

يَا عَلِيُّ وَ مَنِ اسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ دَابَّتُهُ فَلْيَقْرَأْ فِي أُذُنِهَا الْيُمْنَى- وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً- وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ‏ (4)-

يَا عَلِيُّ مَنْ خَافَ سَاحِراً أَوْ شَيْطَاناً فَلْيَقْرَأْ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ‏ الْآيَةَ (5)-

يَا عَلِيُّ مَنْ كَانَ فِي بَطْنِهِ مَاءٌ أَصْفَرُ (6)- فَلْيَكْتُبْ عَلَى بَطْنِهِ آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَ يَشْرَبُهُ فَإِنَّهُ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

يَا عَلِيُّ حَقُّ الْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ أَنْ يُحَسِّنَ اسْمَهُ وَ أَدَبَهُ- وَ يَضَعَهُ مَوْضِعاً صَالِحاً وَ حَقُّ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ أَنْ لَا يُسَمِّيَهُ بِاسْمِهِ- وَ لَا يَمْشِيَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ لَا يَجْلِسَ أَمَامَهُ- وَ لَا يَدْخُلَ مَعَهُ الْحَمَّامَ-

يَا عَلِيُّ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَسْوَاسِ- أَكْلُ الطِّينِ وَ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ بِالْأَسْنَانِ وَ أَكْلُ اللِّحْيَةِ-

يَا عَلِيُّ لَعَنَ اللَّهُ وَالِدَيْنِ حَمَلَا وَلَدَهُمَا عَلَى عُقُوقِهِمَا-

يَا عَلِيُّ- يَلْزَمُ الْوَالِدَيْنِ مِنْ وَلَدِهِمَا مَا يَلْزَمُ لَهُمَا مِنْ عُقُوقِهِمَا

يَا عَلِيُّ رَحِمَ اللَّهُ وَالِدَيْنِ حَمَلَا وَلَدَهُمَا عَلَى بِرِّهِمَا-

يَا عَلِيُّ مَنْ أَحْزَنَ وَالِدَيْهِ فَقَدْ عَقَّهُمَا-

يَا عَلِيُّ مَنِ اغْتِيبَ عِنْدَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ- فَاسْتَطَاعَ نَصْرَهُ فَلَمْ يَنْصُرْهُ- خَذَلَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ-

يَا عَلِيُّ مَنْ كَفَى يَتِيماً فِي نَفَقَةٍ بِمَالِهِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ- وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ الْبَتَّةَ-

يَا عَلِيُّ مَنْ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ يَتِيمٍ تَرَحُّماً لَهُ- أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِكُلِّ شَعْرَةٍ نُوراً يَوْمَ الْقِيَامَةِ

____________

(1) المؤمنون: 101.

(2) آل عمران: 91- 92.

(3) الامر ارشادى و ذلك لانه كان منشأ أكثر الأمراض من الطعام و هضمه في المعدة و الملح قبل الطعام و بعده يؤثر في المعدة خشونة موجبة لهضم الطعام بسهولة فهذا تأثير طبيعي موجب لحفظ البدن من الأمراض الكثيرة.

(*) سقطت هنا خمسة أسطر و تأتي بعد قوله يوم القيامة صدر ص 61.

(1) النكهة ريح الفم، و الصنان رائحة معاطن الجسد إذا تغيرت و هي من أصن اللحم إذا انتن، و الصنان ذفر الابط و النتن عموما.

(2) في بعض النسخ «فى نظر إلّا مع الخبرة».

(3) الزمر: 67.

(4) هود: 43.

(5) الإسراء: 110 و 111.

(6) فاطر: 39.

(1) الأعراف: 196.

(2) الأنعام: 91.

(3) التوبة: 128.

(4) آل عمران: 78.

(5) يونس: 3.

(6) ماء اصفر: صفرائيست كه بطريق ادرار دفع شود (بحر الجواهر).

59

يَا عَلِيُّ أَنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ‏ (1) أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ‏

يَا عَلِيُّ الْعَقْلُ مَا اكْتُسِبَ بِهِ الْجَنَّةُ وَ طُلِبَ بِهِ رِضَا الرَّحْمَنِ‏

يَا عَلِيُّ إِنَّ أَوَّلَ خَلْقٍ خَلَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْعَقْلُ- فَقَالَ لَهُ أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ- وَ قَالَ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي مَا خَلَقْتُ خَلْقاً هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ- بِكَ آخُذُ وَ بِكَ أُعْطِي وَ بِكَ أُثِيبُ وَ بِكَ أُعَاقِبُ‏ (2)-

يَا عَلِيُّ لَا فَقْرَ أَشَدُّ مِنَ الْجَهْلِ وَ لَا مَالَ أَعْوَدُ مِنَ الْعَقْلِ- وَ لَا وَحْدَةَ أَوْحَشُ مِنَ الْعُجْبِ وَ لَا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ- وَ لَا وَرَعَ كَالْكَفِّ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ وَ عَمَّا لَا يَلِيقُ- وَ لَا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ وَ لَا عِبَادَةَ مِثْلُ التَّفَكُّرِ-

يَا عَلِيُّ آفَةُ الْحَدِيثِ الْكَذِبُ- وَ آفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ وَ آفَةُ الْعِبَادَةِ الْفَتْرَةُ- وَ آفَةُ الْجَمَالِ الْخُيَلَاءُ وَ آفَةُ الْحِلْمِ الْحَسَدُ-

يَا عَلِيُّ أَرْبَعَةٌ يَذْهَبْنَ ضَيَاعاً (3)- الْأَكْلُ عَلَى الشِّبَعِ وَ السِّرَاجُ فِي الْقَمَرِ وَ الزَّرْعُ فِي السَّبَخَةِ (4) وَ الصَّنِيعَةُ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهَا

يَا عَلِيُّ مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ عَلَيَّ فَقَدْ أَخْطَأَ طَرِيقَ الْجَنَّةِ

يَا عَلِيُّ إِيَّاكَ وَ نَقْرَةَ الْغُرَابِ وَ فَرِيسَةَ الْأَسَدِ (5)

يَا عَلِيُّ لَأَنْ أُدْخِلَ يَدِي فِي فَمِ التِّنِّينِ‏ (6) إِلَى الْمِرْفَقِ- أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَسْأَلَ مَنْ لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ‏

____________

(1) يعني بهما إسماعيل (عليه السلام) و عبد اللّه أباه (صلّى اللّه عليه و آله) و إشارة الى قول إبراهيم (ع) «وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ»

(2) يعني أن العقل هو موجب الاختيار و هو ملاك التكليف فافهم.

(3) أي مهملا ضائعا.

(4) السبخة: ارض ذات نز و ملح. يعنى شوره زار. و الصنيعة: الاحسان.

(5) فريسة الأسد هو ما يفترسه يعنى احذر منهما.

(6) التنين- كسكين-: الحية العظيمة. و قيل انه أشر من الكوسج، في فمه انياب مثل اسنة الرماح، احمر العينين براق، طويل كالنخلة، واسع الفم و الجوف، يبلع كثيرا من الحيوان.

60

يَا عَلِيُّ إِنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الْقَاتِلُ غَيْرَ قَاتِلِهِ- وَ الضَّارِبُ غَيْرَ ضَارِبِهِ- وَ مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ-

يَا عَلِيُّ- تَخَتَّمْ بِالْيَمِينِ فَإِنَّهُ فَضِيلَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لِلْمُقَرَّبِينَ- قَالَ بِمَ أَتَخَتَّمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بِالْعَقِيقِ الْأَحْمَرِ- فَإِنَّهُ أَوَّلُ جَبَلٍ أَقَرَّ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَ لِي بِالنُّبُوَّةِ وَ لَكَ بِالْوَصِيَّةِ وَ لِوُلْدِكَ بِالْإِمَامَةِ- وَ لِشِيعَتِكَ بِالْجَنَّةِ وَ لِأَعْدَائِكَ بِالنَّارِ-

يَا عَلِيُّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَشْرَفَ عَلَى الدُّنْيَا- فَاخْتَارَنِي مِنْهَا عَلَى رِجَالِ الْعَالَمِينَ ثُمَّ اطَّلَعَ الثَّانِيَةَ فَاخْتَارَكَ عَلَى رِجَالِ الْعَالَمِينَ- ثُمَّ اطَّلَعَ الثَّالِثَةَ- فَاخْتَارَ الْأَئِمَّةَ مِنْ وُلْدِكَ عَلَى رِجَالِ الْعَالَمِينَ- ثُمَّ اطَّلَعَ الرَّابِعَةَ فَاخْتَارَ فَاطِمَةَ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ-

يَا عَلِيُّ إِنِّي رَأَيْتُ اسْمَكَ مَقْرُوناً بِاسْمِي فِي أَرْبَعَةِ مَوَاطِنَ- فَآنَسْتُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ إِنِّي لَمَّا بَلَغْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فِي مِعْرَاجِي إِلَى السَّمَاءِ- وَجَدْتُ عَلَى صَخْرَتِهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ أَيَّدْتُهُ بِوَزِيرِهِ وَ نَصَرْتُهُ بِوَزِيرِهِ- فَقُلْتُ لِجَبْرَئِيلَ مَنْ وَزِيرِي فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ- فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى- وَجَدْتُ مَكْتُوباً عَلَيْهَا إِنِّي‏ أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي- مُحَمَّدٌ صَفْوَتِي مِنْ خَلْقِي أَيَّدْتُهُ بِوَزِيرِهِ وَ نَصَرْتُهُ بِوَزِيرِهِ- فَقُلْتُ لِجَبْرَئِيلَ(ع)مَنْ وَزِيرِي فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ- فَلَمَّا جَاوَزْتُ السِّدْرَةَ- انْتَهَيْتُ إِلَى عَرْشِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ جَلَالُهُ- فَوَجَدْتُ مَكْتُوباً عَلَى قَوَائِمِهِ‏ أَنَا اللَّهُ- لا إِلهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي- مُحَمَّدٌ حَبِيبِي أَيَّدْتُهُ بِوَزِيرِهِ وَ نَصَرْتُهُ بِوَزِيرِهِ-

يَا عَلِيُّ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَعْطَانِي فِيكَ سَبْعَ خِصَالٍ- أَنْتَ أَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ مَعِي- وَ أَنْتَ أَوَّلُ مَنْ يَقِفُ عَلَى الصِّرَاطِ مَعِي- وَ أَنْتَ أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى إِذَا كُسِيتُ وَ يَحْيَا إِذَا حُيِيتُ- وَ أَنْتَ أَوَّلُ مَنْ يَسْكُنُ مَعِي عِلِّيِّينَ- وَ أَنْتَ أَوَّلُ مَنْ يَشْرَبُ مَعِي مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ- الَّذِي‏ خِتامُهُ مِسْكٌ‏

ثُمَّ قَالَ ص لِسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ- يَا سَلْمَانُ إِنَّ لَكَ فِي عِلَّتِكَ إِذَا اعْتَلَلْتَ ثَلَاثَ خِصَالٍ- أَنْتَ مِنَ اللَّهِ بِذِكْرٍ وَ دُعَاؤُكَ فِيهَا مُسْتَجَابٌ- وَ لَا تَدَعُ الْعِلَّةُ عَلَيْكَ ذَنْباً إِلَّا حَطَّتْهُ- مَتَّعَكَ اللَّهُ بِالْعَافِيَةِ إِلَى انْقِضَاءِ أَجَلِكَ-

ثُمَّ قَالَ ص لِأَبِي ذَرٍّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ- إِيَّاكَ وَ السُّؤَالَ فَإِنَّهُ ذُلٌّ حَاضِرٌ

61

وَ فَقْرٌ تَتَعَجَّلُهُ- وَ فِيهِ حِسَابٌ طَوِيلٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

يَا أَبَا ذَرٍّ تَعِيشُ وَحْدَكَ- وَ تَمُوتُ وَحْدَكَ وَ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَحْدَكَ- وَ يَسْعَدُ بِكَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ- يَتَوَلَّوْنَ غُسْلَكَ وَ تَجْهِيزَكَ وَ دَفْنَكَ يَا أَبَا ذَرٍّ لَا تَسْأَلْ بِكَفِّكَ فَإِنْ أَتَاكَ شَيْ‏ءٌ فَاقْبَلْهُ ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ أَ لَا أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمْ- قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ- الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ الْبَاغُونَ لِلْبُرَآءِ الْعَيْبَ.

4- ف‏ (1)، تحف العقول‏ وَصِيَّتُهُ ص لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع‏

يَا عَلِيُّ- إِنَّ مِنَ الْيَقِينِ أَنْ لَا تُرْضِيَ أَحَداً بِسَخَطِ اللَّهِ- وَ لَا تَحْمَدَ أَحَداً بِمَا آتَاكَ اللَّهُ- وَ لَا تَذُمَّ أَحَداً عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ- فَإِنَّ الرِّزْقَ لَا يَجُرُّهُ حِرْصُ حَرِيصٍ وَ لَا تَصْرِفُهُ كَرَاهَةُ كَارِهٍ إِنَّ اللَّهَ بِحُكْمِهِ وَ فَضْلِهِ- جَعَلَ الرَّوْحَ وَ الْفَرَحَ فِي الْيَقِينِ وَ الرِّضَا- وَ جَعَلَ الْهَمَّ وَ الْحَزَنَ فِي الشَّكِّ وَ السَّخَطِ-

يَا عَلِيُّ إِنَّهُ لَا فَقْرَ أَشَدُّ مِنَ الْجَهْلِ وَ لَا مَالَ أَعْوَدُ مِنَ الْعَقْلِ‏ (2)- وَ لَا وَحْدَةَ أَوْحَشُ مِنَ الْعُجْبِ وَ لَا مُظَاهَرَةَ (3) أَحْسَنُ مِنَ الْمُشَاوَرَةِ- وَ لَا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ وَ لَا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ- وَ لَا عِبَادَةَ كَالتَّفَكُّرِ-

يَا عَلِيُّ آفَةُ الْحَدِيثِ الْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ وَ آفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ- وَ آفَةُ الْعِبَادَةِ الْفَتْرَةُ (4) وَ آفَةُ السَّمَاحَةِ الْمَنُ‏ (5)- وَ آفَةُ الشَّجَاعَةِ الْبَغْيُ وَ آفَةُ الْجَمَالِ الْخُيَلَاءُ- وَ آفَةُ الْحَسَبِ الْفَخْرُ-

يَا عَلِيُّ عَلَيْكَ بِالصِّدْقِ وَ لَا تَخْرُجْ مِنْ فِيكَ كَذِبَةٌ أَبَداً- وَ لَا تَجْتَرِيَنَّ عَلَى خِيَانَةٍ أَبَداً- وَ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ كَأَنَّكَ تَرَاهُ- وَ ابْذُلْ مَالَكَ وَ نَفْسَكَ دُونَ دِينِكَ- وَ عَلَيْكَ بِمَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ فَارْكَبْهَا- وَ عَلَيْكَ بِمَسَاوِي الْأَخْلَاقِ فَاجْتَنِبْهَا

____________

(1) تحف العقول ص 6.

(2) الاعود: الانفع.

(3) المظاهرة: المعاونة.

(4) الفترة: الضعف و انكسار.

(5) السماحة: الجود.

62

يَا عَلِيُّ أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ- مَنْ أَتَى اللَّهَ بِمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ- وَ مَنْ وَرِعَ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَهُوَ مِنْ أَوْرَعِ النَّاسِ- وَ مَنْ قَنِعَ بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ فَهُوَ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ-

يَا عَلِيُّ ثَلَاثٌ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ- تَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ وَ تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ وَ تَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ-

يَا عَلِيُّ ثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ تَكُفُّ لِسَانَكَ- وَ تَبْكِي عَلَى خَطِيئَتِكَ وَ يَسَعُكَ بَيْتُكَ‏

يَا عَلِيُّ سَيِّدُ الْأَعْمَالِ ثَلَاثُ خِصَالٍ- إِنْصَافُكَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ وَ مُسَاوَاةُ الْأَخِ فِي اللَّهِ- وَ ذِكْرُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ-

يَا عَلِيُّ ثَلَاثَةٌ مِنْ حُلَلِ اللَّهِ- رَجُلٌ زَارَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ فِي اللَّهِ فَهُوَ زَوْرُ اللَّهِ- وَ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكْرِمَ زَوْرَهُ‏ (1) وَ يُعْطِيَهُ مَا سَأَلَ- وَ رَجُلٌ صَلَّى ثُمَّ عَقَّبَ إِلَى الصَّلَاةِ الْأُخْرَى فَهُوَ ضَيْفُ اللَّهِ- وَ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكْرِمَ ضَيْفَهُ- وَ الْحَاجُّ وَ الْمُعْتَمِرُ فَهُمَا وَفْدُ اللَّهِ- وَ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكْرِمَ وَفْدَهُ‏ (2)-

يَا عَلِيُّ ثَلَاثٌ ثَوَابُهُنَّ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- الْحَجُّ يَنْفِي الْفَقْرَ وَ الصَّدَقَةُ تَدْفَعُ الْبَلِيَّةَ- وَ صِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ-

يَا عَلِيُّ ثَلَاثٌ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ لَمْ يَقُمْ لَهُ عَمَلٌ- وَرَعٌ يَحْجُزُهُ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ وَ عِلْمٌ يَرُدُّ بِهِ جَهْلَ السَّفِيهِ وَ عَقْلٌ يُدَارِي بِهِ النَّاسَ-

يَا عَلِيُّ ثَلَاثَةٌ تَحْتَ ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَحَبَّ لِأَخِيهِ مَا أَحَبَّ لِنَفْسِهِ- وَ رَجُلٌ بَلَغَهُ أَمْرٌ فَلَمْ يُقْدِمْ فِيهِ وَ لَمْ يَتَأَخَّرْ- حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ لِلَّهِ رِضًا أَوْ سَخَطٌ- وَ رَجُلٌ لَمْ يَعِبْ أَخَاهُ بِعَيْبٍ حَتَّى يُصْلِحَ ذَلِكَ الْعَيْبَ عَنْ نَفْسِهِ- فَإِنَّهُ كُلَّمَا أَصْلَحَ مِنْ نَفْسِهِ عَيْباً بَدَا لَهُ مِنْهَا آخَرُ- وَ كَفَى بِالْمَرْءِ فِي نَفْسِهِ شُغُلًا-

يَا عَلِيُّ ثَلَاثٌ مِنْ أَبْوَابِ الْبِرِّ- سَخَاءُ النَّفْسِ وَ طِيبُ الْكَلَامِ وَ الصَّبْرُ عَلَى الْأَذَى-

يَا عَلِيُّ فِي التَّوْرَاةِ أَرْبَعٌ إِلَى جَنْبِهِنَّ أَرْبَعٌ- مَنْ أَصْبَحَ عَلَى الدُّنْيَا حَرِيصاً

____________

(1) أي زائره و قاصده.

(2) الوفد: الضيف الوارد.

63

أَصْبَحَ وَ هُوَ عَلَى اللَّهِ سَاخِطٌ- وَ مَنْ أَصْبَحَ يَشْكُو مُصِيبَةً نَزَلَتْ بِهِ فَإِنَّمَا يَشْكُو رَبَّهُ- وَ مَنْ أَتَى غَنِيّاً فَتَضَعْضَعَ‏ (1) لَهُ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ- وَ مَنْ دَخَلَ النَّارَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ- فَهُوَ مَنِ اتَّخَذَ آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَ لَعِباً-

أَرْبَعٌ إِلَى جَنْبِهِنَّ أَرْبَعٌ- مَنْ مَلَكَ اسْتَأْثَرَ وَ مَنْ لَمْ يَسْتَشِرْ يَنْدَمْ- كَمَا تَدِينُ تُدَانُ وَ الْفَقْرُ الْمَوْتُ الْأَكْبَرُ- فَقِيلَ لَهُ الْفَقْرُ مِنَ الدِّينَارِ وَ الدِّرْهَمِ- فَقَالَ الْفَقْرُ مِنَ الدِّينِ-

يَا عَلِيُّ كُلُّ عَيْنٍ بَاكِيَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَعْيُنٍ- عَيْنٌ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏ (2) وَ عَيْنٌ غُضَّتْ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ وَ عَيْنٌ فَاضَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ‏ (3)

يَا عَلِيُّ طُوبَى لِصُورَةٍ نَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهَا تَبْكِي عَلَى ذَنْبٍ- لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ الذَّنْبِ أَحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ-

يَا عَلِيُّ ثَلَاثٌ مُوبِقَاتٌ وَ ثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ- فَأَمَّا الْمُوبِقَاتُ فَهَوًى مُتَّبَعٌ وَ شُحٌّ مُطَاعٌ- وَ إِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ- وَ أَمَّا الْمُنْجِيَاتُ فَالْعَدْلُ فِي الرِّضَا وَ الْغَضَبِ- وَ الْقَصْدُ فِي الْغِنَى وَ الْفَقْرِ- وَ خَوْفُ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَ الْعَلَانِيَةِ كَأَنَّكَ تَرَاهُ- فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ-

يَا عَلِيُّ ثَلَاثٌ يَحْسُنُ فِيهِنَّ الْكَذِبُ- الْمَكِيدَةُ فِي الْحَرْبِ وَ عِدَتُكَ زَوْجَتَكَ وَ الْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ-

يَا عَلِيُّ ثَلَاثٌ يَقْبُحُ فِيهِنَّ الصِّدْقُ- النَّمِيمَةُ وَ إِخْبَارُ الرَّجُلِ عَنْ أَهْلِهِ بِمَا يَكْرَهُ وَ تَكْذِيبُكَ الرَّجُلَ عَنِ الْخَيْرِ (4)-

يَا عَلِيُّ أَرْبَعٌ يَذْهَبْنَ ضَلَالًا- الْأَكْلُ بَعْدَ الشِّبَعِ وَ السِّرَاجُ فِي الْقَمَرِ- وَ الزَّرْعُ فِي الْأَرْضِ السَّبِخَةِ وَ الصَّنِيعَةُ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهَا-

يَا عَلِيُّ أَرْبَعٌ أَسْرَعُ شَيْ‏ءٍ عُقُوبَةً- رَجُلٌ أَحْسَنْتَ إِلَيْهِ فَكَافَأَكَ بِالْإِحْسَانِ إِسَاءَةً

____________

(1) تضعضع له أي ذل و خضع، و انما ذلك إذا كان خضوعه له لغناه.

(2) سهر- كفرح- أى بات و لم ينم ليلا أي تركت النوم زائدا عن العادة.

(3) أي سال دمعها بكثرة.

(4) في المصدر «و تكذيبك الرجل عن الخير».

64

وَ رَجُلٌ لَا تَبْغِي عَلَيْهِ وَ هُوَ يَبْغِي عَلَيْكَ- وَ رَجُلٌ عَاقَدْتَهُ عَلَى أَمْرٍ- فَمِنْ أَمْرِكَ الْوَفَاءُ لَهُ وَ مِنْ أَمْرِهِ الْغَدْرُ بِكَ- وَ رَجُلٌ تَصِلُ رَحِمَهُ وَ يَقْطَعُهَا-

يَا عَلِيُّ أَرْبَعٌ مَنْ يَكُنْ فِيهِ كَمَلَ إِسْلَامُهُ- الصِّدْقُ وَ الشُّكْرُ وَ الْحَيَاءُ وَ حُسْنُ الْخُلُقِ‏

يَا عَلِيُّ قِلَّةُ طَلَبِ الْحَوَائِجِ مِنَ النَّاسِ هُوَ الْغِنَى الْحَاضِرُ- وَ كَثْرَةُ الْحَوَائِجِ إِلَى النَّاسِ مَذَلَّةٌ وَ هُوَ الْفَقْرُ الْحَاضِرُ.

5- ف‏ (1)، تحف العقول‏ يَا عَلِيُّ إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ ثَلَاثَ عَلَامَاتٍ- الصِّيَامُ وَ الصَّلَاةُ وَ الزَّكَاةُ وَ إِنَّ لِلْمُتَكَلِّفِ مِنَ الرِّجَالِ ثَلَاثَ عَلَامَاتٍ- يَتَمَلَّقُ إِذَا شَهِدَ وَ يَغْتَابُ إِذَا غَابَ وَ يَشْمَتُ بِالْمُصِيبَةِ- وَ لِلظَّالِمِ ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ- يَقْهَرُ مَنْ دُونَهُ بِالْغَلَبَةِ وَ مَنْ فَوْقَهُ بِالْمَعْصِيَةِ- وَ يُظَاهِرُ الظَّلَمَةَ وَ لِلْمُرَائِي ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ يَنْشَطُ إِذَا كَانَ عِنْدَ النَّاسِ- وَ يَكْسَلُ إِذَا كَانَ وَحْدَهُ وَ يُحِبُّ أَنْ يُحْمَدَ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ- وَ لِلْمُنَافِقِ ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ- إِنْ حَدَّثَ كَذَبَ وَ إِنِ اؤْتُمِنَ خَانَ وَ إِنْ وَعَدَ أَخْلَفَ- وَ لِلْكَسْلَانِ ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ- يَتَوَانَى حَتَّى يُفَرِّطَ وَ يُفَرِّطُ حَتَّى يُضَيِّعَ وَ يُضَيِّعُ حَتَّى يَأْثَمَ- وَ لَيْسَ يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ شَاخِصاً إِلَّا فِي ثَلَاثٍ مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ أَوْ خُطْوَةٍ لِمَعَادٍ أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ-

يَا عَلِيُّ إِنَّهُ لَا فَقْرَ أَشَدُّ مِنَ الْجَهْلِ- وَ لَا مَالَ أَعْوَدُ مِنَ الْعَقْلِ وَ لَا وَحْدَةَ أَوْحَشُ مِنَ الْعُجْبِ- وَ لَا عَمَلَ كَالتَّدْبِيرِ وَ لَا وَرَعَ كَالْكَفِّ وَ لَا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ- إِنَّ الْكَذِبَ آفَةُ الْحَدِيثِ- وَ آفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ وَ آفَةُ السَّمَاحَةِ الْمَنُّ-

يَا عَلِيُّ إِذَا رَأَيْتَ الْهِلَالَ‏ (2) فَكَبِّرْ ثَلَاثاً- وَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَنِي وَ خَلَقَكَ وَ قَدَّرَكَ مَنَازِلَ وَ جَعَلَكَ آيَةً لِلْعَالَمِينَ‏

____________

(1) التحف ص 10.

(2) الهلال: غرة القمر او لليلتين أو إلى ثلاث أو الى سبع. قال: شيخنا البهائى (قده): يمتد وقت قراءة الدعاء بامتداد وقت التسمية هلالا، و الأولى عدم تأخيره عن الليلة الأولى عملا بالمتيقن المتفق عليه لغة و عرفا، فان لم يتيسر فعن الليلة الثانية لقول أكثر أهل اللغة بالامتداد إليها، فان فاتك فعن الثالثة لقول كثير منهم بانها آخر لياله.

65

يَا عَلِيُّ إِذَا نَظَرْتَ فِي مِرْآةٍ فَكَبِّرْ ثَلَاثاً- وَ قُلِ اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي-

يَا عَلِيُّ- إِذَا هَالَكَ أَمْرٌ- فَقُلِ اللَّهُمَّ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ إِلَّا فَرَّجْتَ عَنِّي قَالَ عَلِيٌّ(ع)قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ- فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ‏ مَا هَذِهِ الْكَلِمَاتُ‏

قَالَ‏

يَا عَلِيُّ إِنَّ اللَّهَ أَهْبَطَ آدَمَ بِالْهِنْدِ- وَ أَهْبَطَ حَوَّاءَ بِجُدَّةَ وَ الْحَيَّةَ بِأَصْفَهَانَ وَ إِبْلِيسَ بِمِيسَانَ‏ (1)- وَ لَمْ يَكُنْ فِي الْجَنَّةِ شَيْ‏ءٌ أَحْسَنَ مِنَ الْحَيَّةِ وَ الطَّاوُسِ- وَ كَانَ لِلْحَيَّةِ قَوَائِمُ كَقَوَائِمِ الْبَعِيرِ- فَدَخَلَ إِبْلِيسُ جَوْفَهَا فَغَرَّ آدَمَ وَ خَدَعَهُ- فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَى الْحَيَّةِ وَ أَلْقَى عَنْهَا قَوَائِمَهُمَا- وَ قَالَ جَعَلْتُ رِزْقَكِ التُّرَابَ وَ جَعَلْتُ تَمْشِينَ عَلَى بَطْنِكِ- لَا رَحِمَ اللَّهُ مَنْ رَحِمَكِ- وَ غَضِبَ عَلَى الطَّاوُسِ لِأَنَّهُ كَانَ دَلَّ إِبْلِيسَ عَلَى الشَّجَرَةِ- فَمَسَخَ مِنْهُ صَوْتَهُ وَ رِجْلَيْهِ-

فَمَكَثَ آدَمُ بِالْهِنْدِ مِائَةَ سَنَةٍ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ- وَاضِعاً يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ يَبْكِي عَلَى خَطِيئَتِهِ- فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ جَبْرَئِيلَ- فَقَالَ يَا آدَمُ الرَّبُّ عَزَّ وَ جَلَّ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ- وَ يَقُولُ يَا آدَمُ أَ لَمْ أَخْلُقْكَ بِيَدِي- أَ لَمْ أَنْفُخْ فِيكَ مِنْ رُوحِي‏

أَ لَمْ أُسْجِدْ لَكَ مَلَائِكَتِي- أَ لَمْ أُزَوِّجْكَ حَوَّاءَ أَمَتِي أَ لَمْ أُسْكِنْكَ جَنَّتِي- فَمَا هَذَا الْبُكَاءُ يَا آدَمُ- تَتَكَلَّمُ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ فَإِنَّ اللَّهَ قَابِلٌ تَوْبَتَكَ- قُلْ سُبْحَانَكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ- عَمِلْتُ سُوءاً وَ ظَلَمْتُ نَفْسِي فَتُبْ عَلَيَّ- إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ-

يَا عَلِيُّ- إِذَا رَأَيْتَ حَيَّةً فِي رَحْلِكَ فَلَا تَقْتُلْهَا حَتَّى تَخْرُجَ عَلَيْهَا ثَلَاثاً- فَإِنْ رَأَيْتَهَا الرَّابِعَةَ فَاقْتُلْهَا فَإِنَّهَا كَافِرَةٌ-

يَا عَلِيُّ إِذَا رَأَيْتَ حَيَّةً فِي طَرِيقٍ فَاقْتُلْهَا- فَإِنِّي قَدِ اشْتَرَطْتُ عَلَى الْجِنِّ أَلَّا يَظْهَرُوا فِي صُورَةِ الْحَيَّاتِ-

يَا عَلِيُّ أَرْبَعُ خِصَالٍ مِنَ الشَّقَاءِ- جُمُودُ الْعَيْنِ وَ قَسَاوَةُ الْقَلْبِ- وَ بُعْدُ الْأَمَلِ وَ حُبُّ الدُّنْيَا مِنَ الشَّقَاءِ-

يَا عَلِيُّ إِذَا أُثْنِيَ عَلَيْكَ فِي وَجْهِكَ- فَقُلِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي خَيْراً مِمَّا يَظُنُّونَ‏

____________

(1) ميسان كورة معروفة بين البصرة و واسط و النسبة ميسانى- كما في القاموس و لعلّ ذكر هذه المواضع كناية عن بعد المسافة بينها.

66

وَ اغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ وَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ-

يَا عَلِيُّ إِذَا جَامَعْتَ فَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ- اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَ جَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنِي- فَإِنْ قَضَى أَنْ يَكُونَ بَيْنَكُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَداً

يَا عَلِيُّ ابْدَأْ بِالْمِلْحِ وَ اخْتِمْ- فَإِنَّ الْمِلْحَ شِفَاءٌ مِنْ سَبْعِينَ دَاءً- أَوَّلُهَا الْجُنُونُ وَ الْجُذَامُ وَ الْبَرَصُ-

يَا عَلِيُّ ادَّهِنْ بِالزَّيْتِ- فَإِنَّ مَنِ ادَّهَنَ بِالزَّيْتِ لَمْ يَقْرَبْهُ الشَّيْطَانُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً

يَا عَلِيُّ لَا تُجَامِعْ أَهْلَكَ لَيْلَةَ النِّصْفِ وَ لَا لَيْلَةَ الْهِلَالِ- أَ مَا رَأَيْتَ الْمَجْنُونَ يُصْرَعُ فِي لَيْلَةِ الْهِلَالِ- وَ لَيْلَةِ النِّصْفِ كَثِيراً (1)-

يَا عَلِيُّ إِذَا وُلِدَ لَكَ غُلَامٌ أَوْ جَارِيَةٌ- فَأَذِّنْ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى وَ أَقِمْ فِي الْيُسْرَى- فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ الشَّيْطَانُ أَبَداً

يَا عَلِيُّ أَ لَا أُنَبِّئُكَ بِشَرِّ النَّاسِ- قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ- قَالَ مَنْ لَا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَ لَا يُقِيلُ الْعَثْرَةَ- أَ لَا أُنَبِّئُكَ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ- قَالَ مَنْ لَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ وَ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ.

6- ف‏ (2)، تحف العقول‏ يَا عَلِيُّ إِيَّاكَ وَ دُخُولَ الْحَمَّامِ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ- فَإِنَّ مَنْ دَخَلَ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ- مَلْعُونٌ النَّاظِرُ وَ الْمَنْظُورُ إِلَيْهِ-

يَا عَلِيُّ لَا تَتَخَتَّمْ فِي السَّبَّابَةِ وَ الْوُسْطَى- فَإِنَّهُ كَانَ يَتَخَتَّمُ قَوْمُ لُوطٍ فِيهِمَا وَ لَا تُعَرِّ الْخِنْصِرَ- (3)

____________

(1) لما كان القمر يؤثر في الكرة الارضية تأثيرا طبيعيا موجبا لبروز آثار في المواد الارضية فيمكن أن يؤثر في المزاج أيضا على نحو يظهر آثاره في الاولاد و الاعقاب.

(2) التحف ص 13.

(3) نهيه (صلّى اللّه عليه و آله) لاجل التشبه و هذا العنوان أحد موجبات الحرمة في الإسلام، فكل عمل كان مثل ذلك فهو حرام ما دام هذا العنوان صادقا عليه و إذا لم يصدق عليه لم يكن من هذه الجهة حرام كما سئل عن عليّ (عليه السلام) عن قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «غيروا الشيب و لا تشبهوا باليهود» فقال (عليه السلام): «انما قال (صلّى اللّه عليه و آله) ذلك و الدين قل فالآن قد اتسع نطاقه و ضرب بجرانه فامرؤ و ما اختار». و الحاصل التشبه في المختصات المذهبية متعمدا حرام.

67

يَا عَلِيُّ إِنَّ اللَّهَ يُعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي- فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ- يَقُولُ يَا مَلَائِكَتِي- عَبْدِي هَذَا قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرِي- اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ-

يَا عَلِيُّ إِيَّاكَ وَ الْكَذِبَ- فَإِنَّ الْكَذِبَ يُسَوِّدُ الْوَجْهَ ثُمَّ يُكْتَبُ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّاباً وَ إِنَّ الصِّدْقَ يُبَيِّضُ الْوَجْهَ وَ يُكْتَبُ عِنْدَ اللَّهِ صَادِقاً- وَ اعْلَمْ أَنَّ الصِّدْقَ مُبَارَكٌ وَ الْكَذِبَ مَشْئُومٌ-

يَا عَلِيُّ احْذَرِ الْغِيبَةَ وَ النَّمِيمَةَ- فَإِنَّ الْغِيبَةَ تُفَطِّرُ وَ النَّمِيمَةَ تُوجِبُ عَذَابَ الْقَبْرِ-

يَا عَلِيُّ لَا تَحْلِفْ بِاللَّهِ كَاذِباً وَ لَا صَادِقاً مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ- وَ لَا تَجْعَلِ اللَّهَ عُرْضَةً لِيَمِينِكَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْحَمُ وَ لَا يَرْعَى مَنْ حَلَفَ بِاسْمِهِ كَاذِباً

يَا عَلِيُّ لَا تَهْتَمَّ لِرِزْقِ غَدٍ فَإِنَّ كُلَّ غَدٍ يَأْتِي بِرِزْقِهِ-

يَا عَلِيُّ إِيَّاكَ وَ اللَّجَاجَةَ فَإِنَّ أَوَّلَهَا جَهْلٌ وَ آخِرَهَا نَدَامَةٌ-

يَا عَلِيُّ عَلَيْكَ بِالسِّوَاكِ فَإِنَّ السِّوَاكَ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ- وَ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ وَ مَجْلَاةٌ لِلْعَيْنِ- وَ الْخِلَالُ يُحَبِّبُكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ- فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى بِرِيحِ فَمِ مَنْ لَا يَتَخَلَّلُ بَعْدَ الطَّعَامِ-

يَا عَلِيُّ لَا تَغْضَبْ فَإِذَا غَضِبْتَ فَاقْعُدْ- وَ تَفَكَّرْ فِي قُدْرَةِ الرَّبِّ عَلَى الْعِبَادِ وَ حِلْمِهِ عَنْهُمْ- وَ إِذَا قِيلَ لَكَ اتَّقِ اللَّهَ فَانْبِذْ غَضَبَكَ وَ رَاجِعْ حِلْمَكَ‏

يَا عَلِيُّ احْتَسِبْ بِمَا تُنْفِقُ عَلَى نَفْسِكَ تَجِدْهُ عِنْدَ اللَّهِ مَذْخُوراً-

يَا عَلِيُّ أَحْسِنْ خُلُقَكَ مَعَ أَهْلِكَ وَ جِيرَانِكَ- وَ مَنْ تُعَاشِرُ وَ تُصَاحِبُ مِنَ النَّاسِ تُكْتَبْ عِنْدَ اللَّهِ فِي الدَّرَجَاتِ الْعُلَى‏

يَا عَلِيُّ مَا كَرِهْتَهُ لِنَفْسِكَ فَاكْرَهْ لِغَيْرِكَ- وَ مَا أَحْبَبْتَهُ لِنَفْسِكَ فَأَحِبَّهُ لِأَخِيكَ تَكُنْ عَادِلًا فِي حُكْمِكَ مُقْسِطاً فِي عَدْلِكَ- مُحَبّاً (1) فِي أَهْلِ السَّمَاءِ مَوْدُوداً (2) فِي صُدُورِ أَهْلِ الْأَرْضِ- احْفَظْ وَصِيَّتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

____________

(1) في بعض النسخ «محببا».

(2) مودودا من الود أي محبوبا.

68

7- سن‏ (1)، المحاسن أَبِيهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ السَّرِيِّ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ آبَائِهِ ع‏

عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ لِعَلِيٍّ(ع)

يَا عَلِيُّ أُوصِيكَ بِوَصِيَّةٍ فَاحْفَظْهَا عَنِّي- فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِ- فَكَانَ فِي وَصِيَّتِهِ أَنْ قَالَ- إِنَّ الْيَقِينَ أَنْ لَا تُرْضِيَ أَحَداً بِسَخَطِ اللَّهِ- وَ لَا تَحْمَدَ أَحَداً عَلَى مَا آتَاكَ اللَّهُ- وَ لَا تَذُمَّ أَحَداً عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ- فَإِنَّ الرِّزْقَ لَا يَجُرُّهُ حِرْصُ حَرِيصٍ وَ لَا يَصْرِفُهُ كَرَاهِيَةُ كَارِهٍ- إِنَّ اللَّهَ بِحُكْمِهِ وَ فَضْلِهِ جَعَلَ الرَّوْحَ وَ الْفَرَحَ فِي الْيَقِينِ وَ الرِّضَا- وَ جَعَلَ الْهَمَّ وَ الْحَزَنَ فِي الشَّكِّ وَ السَّخَطِ-

يَا عَلِيُّ إِنَّهُ لَا فَقْرَ أَشَدُّ مِنَ الْجَهْلِ- وَ لَا مَالَ أَعْوَدُ مِنَ الْعَقْلِ وَ لَا وَحْدَةَ أَوْحَشُ مِنَ الْعُجْبِ- وَ لَا مُظَاهَرَةَ أَوْثَقُ مِنَ الْمُشَاوَرَةِ- وَ لَا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ وَ لَا وَرَعَ كَالْكَفِّ- وَ لَا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ وَ لَا عِبَادَةَ كَالتَّفَكُّرِ-

يَا عَلِيُّ آفَةُ الْحَدِيثِ الْكَذِبُ- وَ آفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ وَ آفَةُ الْعِبَادَةِ الْفَتْرَةُ- وَ آفَةُ الظَّرْفِ الصَّلَفُ‏ (2) وَ آفَةُ السَّمَاحَةِ الْمَنُّ- وَ آفَةُ الشَّجَاعَةِ الْبَغْيُ وَ آفَةُ الْجَمَالِ الْخُيَلَاءُ- وَ آفَةُ الْحَسَبِ الْفَخْرُ-

يَا عَلِيُّ إِنَّكَ لَا تَزَالُ بِخَيْرٍ مَا حَفِظْتَ وَصِيَّتِي- أَنْتَ مَعَ الْحَقِّ وَ الْحَقُّ مَعَكَ.

8- كا (3)، الكافي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ‏ كَانَ فِي وَصِيَّةِ النَّبِيِّ ص لِعَلِيٍّ(ع)أَنْ قَالَ-

يَا عَلِيُّ أُوصِيكَ فِي نَفْسِكَ بِخِصَالٍ فَاحْفَظْهَا عَنِّي- ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ أَعِنْهُ‏

____________

(1) المحاسن ص 16 و 17.

(2) الظرف- بفتح الظاء المعجمة و كسر الراء ككتف- أى البليغ و الصلف- بفتح الصاد و اللام- هو الغلوّ في الظرف و الزيادة على المقدار مع تكبر. قال المناوى: الصلف- بالتحريك- مجاوزة القدر، يعنى عاهة براعة اللسان و ذكاء الجنان التطاول على الاقران و التمدح بما ليس في الإنسان، و المراد ان الظرف من الصفات الحسنة لكن له آفة رديئة كثيرا ما تعرض له فإذا عرضت له أفسدته فليحذر ذو الظرافة تلك الآفة.

(3) روضة الكافي ص 79.

69

أَمَّا الْأُولَى فَالصِّدْقُ وَ لَا تَخْرُجَنَّ مِنْ فِيكَ كَذِبَةٌ أَبَداً- وَ الثَّانِيَةُ الْوَرَعُ وَ لَا تَجْتَرِي عَلَى خِيَانَةٍ أَبَداً- وَ الثَّالِثَةُ الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ كَأَنَّكَ تَرَاهُ- وَ الرَّابِعَةُ كَثْرَةُ الْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ- يُبْنَى لَكَ بِكُلِّ دَمْعَةٍ أَلْفُ بَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ- وَ الْخَامِسَةُ بَذْلُكَ مَالَكَ وَ دَمَكَ دُونَ دِينِكَ- وَ السَّادِسَةُ الْأَخْذُ بِسُنَّتِي فِي صَلَاتِي وَ صَوْمِي وَ صَدَقَتِي- أَمَّا الصَّلَاةُ فَالْخَمْسُونَ رَكْعَةً- وَ أَمَّا الصِّيَامُ فَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي الشَّهْرِ- الْخَمِيسُ فِي أَوَّلِهِ وَ الْأَرْبِعَاءُ فِي وَسَطِهِ وَ الْخَمِيسُ فِي آخِرِهِ- وَ أَمَّا الصَّدَقَةُ فَجُهْدَكَ حَتَّى تَقُولَ قَدْ أَسْرَفْتُ وَ لَمْ تُسْرِفْ- وَ عَلَيْكَ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ- وَ عَلَيْكَ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ وَ عَلَيْكَ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ‏ (1)- وَ عَلَيْكَ بِصَلَاةِ الزَّوَالِ وَ عَلَيْكَ بِصَلَاةِ الزَّوَالِ- وَ عَلَيْكَ بِصَلَاةِ الزَّوَالِ وَ عَلَيْكَ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ عَلَى كُلِّ حَالٍ- وَ عَلَيْكَ بِرَفْعِ يَدَيْكَ فِي صَلَاتِكَ وَ تَقْلِيبِهِمَا وَ عَلَيْكَ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ- وَ عَلَيْكَ بِمَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ فَارْكَبْهَا- وَ مَسَاوِي الْأَخْلَاقِ فَاجْتَنِبْهَا- فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَلَا تَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَكَ.

ين‏ (2)، كتاب حسين بن سعيد و النوادر ابن علوان عن عمرو بن ثابت عن جعفر عن أبي جعفر(ع)قال‏ قال رسول الله ص لعلي و ذكر نحوه- و وجدته منقولا من خط الشهيد ره نقلا من كتاب الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير عن معاوية بن عمار مثله.

9- ما (3)، الأمالي للشيخ الطوسي جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ الْفَضْلِ الْأَشْعَرِيِ‏

عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ(ع)أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص بَعَثَ عَلِيّاً(ع)إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ لَهُ وَ هُوَ يُوصِيهِ-

يَا عَلِيُّ أُوصِيكَ بِالدُّعَاءِ فَإِنَّهُ مَعَ الْإِجَابَةِ- وَ بِالشُّكْرِ فَإِنَّ مَعَهُ الْمَزِيدَ- وَ أَنْهَاكَ مِنْ أَنْ تَخْفِرَ عَهْداً (4) وَ تُعِينَ عَلَيْهِ- وَ أَنْهَاكَ عَنِ الْمَكْرِ فَإِنَّهُ‏ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ‏- وَ أَنْهَاكَ عَنِ الْبَغْيِ فَإِنَّهُ مَنْ‏ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ‏.

____________

(1) بين القوسين ليس في المصدر.

(2) مخطوط.

(3) الأمالي ج 2 ص 210.

(4) أخفره نقض عهده.

70

باب 4 ما أوصى به رسول الله ص إلى أبي ذر (رحمه الله)

1- مع‏ (1)، معاني الأخبار ل، الخصال عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسْوَارِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ السِّجْزِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَفْصٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْبَصْرِيِّ عَنِ ابْنِ جَرِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِ‏ (2)

عَنْ أَبِي ذَرٍّ (رحمه الله) قَالَ: دَخَلْتُ يَوْماً عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص وَ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ جَالِسٌ وَحْدَهُ- فَاغْتَنَمْتُ خَلْوَتَهُ فَقَالَ لِي يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ لِلْمَسْجِدِ تَحِيَّةً- قُلْتُ وَ مَا تَحِيَّتُهُ قَالَ رَكْعَتَانِ تَرْكَعُهُمَا- فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ أَمَرْتَنِي بِالصَّلَاةِ فَمَا الصَّلَاةُ- قَالَ خَيْرُ مَوْضُوعٍ فَمَنْ شَاءَ أَقَلَّ وَ مَنْ شَاءَ أَكْثَرَ- قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- فَقَالَ إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَ جِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ- قُلْتُ أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْمَلُ إِيمَاناً قَالَ أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً- قُلْتُ وَ أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ- قَالَ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَ يَدِهِ- قُلْتُ وَ أَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ قَالَ مَنْ هَجَرَ السُّوءَ- قُلْتُ فَأَيُّ اللَّيْلِ أَفْضَلُ قَالَ جَوْفُ اللَّيْلِ الْغَابِرِ- قُلْتُ فَأَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ قَالَ طُولُ الْقُنُوتِ- قُلْتُ فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ قَالَ جُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ إِلَى فَقِيرٍ فِي سِرٍّ (3)- قُلْتُ مَا الصَّوْمُ قَالَ فَرْضٌ‏

____________

(1) معاني الأخبار ص 332، الخصال ج 2 ص 103 و 104.

(2) في الخصال عتبة بن عميد الليثى و هو تصحيف.

(3) في الخصال «الى فقير ذى سن». و الجهد: الطاقة، و أقل الرجل صار الى القلة و هي الفقر و الهمزة للصيرورة و ربما يعبر بالقلة عن العدم فيقال قليل الخير أي لا يكاد يفعله.

71

مَجْزِيٌّ وَ عِنْدَ اللَّهِ أَضْعَافٌ كَثِيرَةٌ- قُلْتُ فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ- قَالَ أَغْلَاهَا ثَمَناً وَ أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا- قُلْتُ فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ- قَالَ مَنْ عُقِرَ جَوَادُهُ وَ أُهَرِيقَ دَمُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ- قُلْتُ فَأَيُّ آيَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَيْكَ أَعْظَمُ قَالَ آيَةُ الْكُرْسِيِّ ثُمَّ قَالَ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ فِي الْكُرْسِيِّ- إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ- وَ فَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى تِلْكَ الْحَلْقَةِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمِ النَّبِيُّونَ- قَالَ مِائَةُ أَلْفٍ وَ أَرْبَعَةٌ وَ عِشْرُونَ أَلْفَ نَبِيٍّ قُلْتُ كَمِ الْمُرْسَلُونَ مِنْهُمْ قَالَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ جَمَّاءَ غَفِيرَاءَ (1)- قُلْتُ مَنْ كَانَ أَوَّلُ الْأَنْبِيَاءِ قَالَ آدَمُ- قُلْتُ وَ كَانَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مُرْسَلًا- قَالَ نَعَمْ خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ وَ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ-

ثُمَّ قَالَ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سُرْيَانِيُّونَ- آدَمُ وَ شَيْثٌ- وَ أَخْنُوخُ وَ هُوَ إِدْرِيسُ(ع)وَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَمِ وَ نُوحٌ(ع) وَ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْعَرَبِ هُودٌ وَ صَالِحٌ وَ شُعَيْبٌ وَ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ- وَ أَوَّلُ نَبِيٍّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُوسَى وَ آخِرُهُمْ عِيسَى- بَيْنَهُمَا سِتُّمِائَةِ نَبِيٍّ-

قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ- كَمْ أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ قَالَ مِائَةَ كِتَابٍ وَ أَرْبَعَةَ كُتُبٍ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى شَيْثٍ خَمْسِينَ صَحِيفَةً- وَ عَلَى إِدْرِيسَ ثَلَاثِينَ صَحِيفَةً وَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عِشْرِينَ صَحِيفَةً- وَ أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ الزَّبُورَ وَ الْفُرْقَانَ- قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا كَانَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ- قَالَ كَانَتْ أَمْثَالًا كُلُّهَا- وَ كَانَ فِيهَا أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمُبْتَلَى الْمَغْرُورُ إِنِّي لَمْ أَبْعَثْكَ لِتَجْمَعَ الدُّنْيَا بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ- وَ لَكِنْ بَعَثْتُكَ لِتَرُدَّ عَنِّي دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنِّي لَا أَرُدُّهَا وَ إِنْ كَانَتْ مِنْ كَافِرٍ- وَ عَلَى الْعَاقِلِ مَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوباً عَلَى عَقْلِهِ- أَنْ يَكُونَ لَهُ أَرْبَعُ سَاعَاتٍ- سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ سَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ- وَ سَاعَةٌ

____________

(1) قال الجوهريّ: جاءوا جماء غفيراء- ممدودا- و الجماء الغفير، و جم الغفير و جماء الغفير أي جاءوا بجماعتهم و لم يتخلف منهم أحد و كانت فيهم كثرة، و قال: الجماء الغفير اسم و ليس بفعل الا أنّه تنصب المصادر التي هي في معناه كقولك جاءونى جميعا و قاطبة وطرا و كافة، و ادخلوا فيه الالف و اللام كما ادخلوا في قولهم أوردها العراك أي أوردها عراكا.

72

يَتَفَكَّرُ فِيمَا صَنَعَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ- وَ سَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا بِحَظِّ نَفْسِهِ مِنَ الْحَلَالِ- فَإِنَّ هَذِهِ السَّاعَةَ عَوْنٌ لِتِلْكَ السَّاعَاتِ- وَ اسْتِجْمَامٌ لِلْقُلُوبِ وَ تَوْزِيعٌ لَهَا (1)- وَ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيراً بِزَمَانِهِ- مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ حَافِظاً لِلِسَانِهِ- فَإِنَّ مَنْ حَسَبَ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ- وَ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ طَالِباً (2) لِثَلَاثٍ- مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ أَوْ تَزَوُّدٍ لِمَعَادٍ أَوْ تَلَذُّذٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ-

قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا كَانَتْ صُحُفُ مُوسَى- قَالَ كَانَتْ عِبَراً كُلُّهَا- وَ فِيهَا عَجَبٌ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ- وَ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالنَّارِ لِمَ يَضْحَكُ- وَ لِمَنْ يَرَى الدُّنْيَا وَ تَقَلُّبَهَا بِأَهْلِهَا لِمَ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا- وَ لِمَنْ يُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ كَيْفَ يَنْصَبُ‏ (3)- وَ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْحِسَابِ لِمَ لَا يَعْمَلُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ- هَلْ فِي أَيْدِينَا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ شَيْ‏ءٌ- مِمَّا كَانَ فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَ مُوسَى- قَالَ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ اقْرَأْ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى- وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا- وَ الْآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏- إِنَّ هذا (4) لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى‏ صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏ (5)-

قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي- قَالَ أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهُ رَأْسُ الْأَمْرِ كُلِّهِ قُلْتُ زِدْنِي قَالَ عَلَيْكَ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَ ذِكْرِ اللَّهِ كَثِيراً- فَإِنَّهُ ذِكْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ وَ نُورٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ- قُلْتُ زِدْنِي- قَالَ الصَّمْتُ فَإِنَّهُ مَطْرَدَةٌ لِلشَّيَاطِينِ وَ عَوْنٌ لَكَ عَلَى أَمْرِ دِينِكَ-

قُلْتُ زِدْنِي قَالَ إِيَّاكَ وَ كَثْرَةَ الضَّحِكِ- فَإِنَّهُ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَ يَذْهَبُ بِنُورِ الْوَجْهِ- قُلْتُ زِدْنِي قَالَ انْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ تَحْتَكَ- وَ لَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكَ- فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرِي نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكَ- قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي- قَالَ‏

____________

(1) الاستجمام التفريح، يقال: لاستجم قلبى بشي‏ء من اللهو أي أنى لاجعل قلبى يتفكه بشي‏ء من اللهو. و قوله «و توزيع لها» كذا في الخصال و في المعاني «و تفريغ لها».

(2) كذا.

(3) أي يتعب نفسه بالجد و الجهد و في بعض نسخ المعاني «لم يغضب» و لعله الأصحّ.

(4) يعني ذكر هذه الاربع آيات.

(5) الأعلى: 14- 19.

73

صِلْ قَرَابَتَكَ وَ إِنْ قَطَعُوكَ- قُلْتُ زِدْنِي قَالَ أَجِبِ الْمَسَاكِينَ وَ مُجَالَسَتَهُمْ- قُلْتُ زِدْنِي قَالَ قُلِ الْحَقَّ وَ إِنْ كَانَ مُرّاً- قُلْتُ زِدْنِي قَالَ لَا تَخَفْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ قُلْتُ زِدْنِي قَالَ لِيَحْجُزْكَ عَنِ النَّاسِ مَا تَعْلَمُ مِنْ نَفْسِكَ- وَ لَا تَجِدُ عَلَيْهِمْ‏ (1) فِيمَا تَأْتِي ثُمَّ قَالَ كَفَى بِالْمَرْءِ عَيْباً أَنْ يَكُونَ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ- يَعْرِفُ مِنَ النَّاسِ مَا يَجْهَلُ مِنْ نَفْسِهِ- وَ يَسْتَحْيِي لَهُمْ مِمَّا هُوَ فِيهِ وَ يُؤْذِي جَلِيسَهُ بِمَا لَا يَعْنِيهِ ثُمَّ قَالَ ص‏

يَا أَبَا ذَرٍّ لَا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ- وَ لَا وَرَعَ كَالْكَفِّ وَ لَا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ.

ما (2)، الأمالي للشيخ الطوسي مرسلا مثله أقول- و رواه الشيخ جعفر بن أحمد القمي في كتاب الغايات مرسلا مثلهما أيضا و لكن إلى قوله ص و فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة و قال اختصرناه و أخذنا منه موضع الحاجة.

2- ل‏ (3)، الخصال عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُودٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ الْفَقِيهِ وَ إِسْمَاعِيلَ وَ الْمَكِّيِّ وَ حَمْدَانَ جَمِيعاً عَنِ الْمَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ أَعْيَنَ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ الْفَضْلِ الْبَلْخِيِّ عَنْ مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ وَ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ‏

عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَوْصَانِي رَسُولُ اللَّهِ ص بِسَبْعٍ- أَوْصَانِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي وَ لَا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي وَ أَوْصَانِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَ الدُّنُوِّ مِنْهُمْ- وَ أَوْصَانِي أَنْ أَقُولَ الْحَقَّ وَ إِنْ كَانَ مُرّاً وَ أَوْصَانِي أَنْ أَصِلَ رَحِمِي وَ إِنْ أَدْبَرَتْ- وَ أَوْصَانِي أَنْ لَا أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ وَ أَوْصَانِي أَنْ أَسْتَكْثِرَ مِنْ قَوْلِ- لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ- فَإِنَّهَا مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ.

3- مِنْ كِتَابِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ‏ (4)، يَقُولُ مَوْلَايَ أَبِي طَوَّلَ اللَّهُ عُمُرَهُ الْفَضْلُ‏

____________

(1) أي لا تغضب.

(2) الأمالي ج 2 ص 138.

(3) الخصال ج 2 ص 3.

(4) المصدر ص 537.

74

بْنُ الْحَسَنِ هَذِهِ الْأَوْرَاقُ مِنْ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ص لِأَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ الَّتِي أَخْبَرَنِي بِهَا الشَّيْخُ الْمُفِيدُ أَبُو الْوَفَاءُ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِي الرَّازِيُّ وَ الشَّيْخُ الْأَجَلُّ الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ بَابَوَيْهِ (رحمه الله) إِجَازَةً قَالا أَمْلَى عَلَيْنَا الشَّيْخُ الْأَجَلُّ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الطُّوسِيُّ وَ أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ الشَّيْخُ الْعَالِمُ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَتْحِ الْوَاعِظُ الْجُرْجَانِيُّ فِي مَشْهَدِ الرِّضَا(ع)قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي الشَّيْخُ أَبُو جَعْفَرٍ (رحمه الله) قَالَ أَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ رَجَاءُ بْنُ يَحْيَى الْعَبَرْتَائِيُّ الْكَاتِبُ‏ (1) سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَ ثَلَاثِمِائَةٍ وَ فِيهَا مَاتَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَمُّونٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَصَمُّ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْهُنَائِيِ‏ (2) قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ قَالَ: قَدِمْتُ الرَّبَذَةَ- فَدَخَلْتُ عَلَى أَبِي ذَرٍّ جُنْدَبِ بْنِ جُنَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-

فَحَدَّثَنِي أَبُو ذَرٍّ قَالَ- دَخَلْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فِي صَدْرِ نَهَارِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص فِي مَسْجِدِهِ- فَلَمْ أَرَ فِي الْمَسْجِدِ أَحَداً مِنَ النَّاسِ إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ ص وَ عَلِيٌّ إِلَى جَانِبِهِ جَالِسٌ- فَاغْتَنَمْتُ خَلْوَةَ الْمَسْجِدِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ- بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي أَوْصِنِي بِوَصِيَّةٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا- فَقَالَ نَعَمْ وَ أَكْرِمْ بِكَ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ- وَ إِنِّي مُوصِيكَ بِوَصِيَّةٍ فَاحْفَظْهَا- فَإِنَّهَا جَامِعَةٌ لِطُرُقِ الْخَيْرِ وَ سُبُلِهِ- فَإِنَّكَ إِنْ حَفِظْتَهَا كَانَ لَكَ بِهَا كِفْلَانِ-

يَا أَبَا ذَرٍّ اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ- فَإِنْ كُنْتَ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ- وَ اعْلَمْ أَنَّ أَوَّلَ عِبَادَةِ اللَّهِ الْمَعْرِفَةُ بِهِ- فَهُوَ الْأَوَّلُ قَبْلَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ فَلَا شَيْ‏ءَ قَبْلَهُ- وَ الْفَرْدُ فَلَا ثَانِيَ لَهُ وَ الْبَاقِي لَا إِلَى غَايَةٍ- فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَا فِيهِمَا وَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ شَيْ‏ءٍ- وَ هُوَ اللَّهُ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ- ثُمَّ الْإِيمَانُ بِي- وَ الْإِقْرَارُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَنِي إِلَى كَافَّةِ النَّاسِ- بَشِيراً وَ نَذِيراً وَ داعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِيراً- ثُمَّ حُبُّ أَهْلِ بَيْتِيَ‏

____________

(1) سيأتي ضبط العبرتائي بعد تمام الحديث.

(2) الهنائى- بضم الهاء و نون و مد- كما في التقريب.

75

الَّذِينَ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ- وَ طَهَّرَهُمْ تَطْهِيراً-

وَ اعْلَمْ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ- أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَ أَهْلَ بَيْتِي فِي أُمَّتِي كَسَفِينَةِ نُوحٍ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَ مَنْ رَغِبَ عَنْهَا غَرِقَ- وَ مِثْلِ بَابِ حِطَّةٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً-

يَا أَبَا ذَرٍّ- احْفَظْ مَا أُوصِيكَ بِهِ تَكُنْ سَعِيداً فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ

يَا أَبَا ذَرٍّ- نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَ الْفَرَاغُ-

يَا أَبَا ذَرٍّ اغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ- شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ وَ صِحَّتَكَ قَبْلَ سُقْمِكَ وَ غِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ وَ فَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ وَ حَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ-

يَا أَبَا ذَرٍّ- إِيَّاكَ وَ التَّسْوِيفَ بِأَمَلِكَ فَإِنَّكَ بِيَوْمِكَ وَ لَسْتَ بِمَا بَعْدَهُ- فَإِنْ يَكُنْ غَدٌ لَكَ فَكُنْ فِي الْغَدِ كَمَا كُنْتَ فِي الْيَوْمِ- وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ غَدٌ لَكَ لَمْ تَنْدَمْ عَلَى مَا فَرَّطْتَ فِي الْيَوْمِ-

يَا أَبَا ذَرٍّ- كَمْ مِنْ مُسْتَقْبِلٍ يَوْماً لَا يَسْتَكْمِلُهُ وَ مُنْتَظِرٍ غَداً لَا يَبْلُغُهُ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ لَوْ نَظَرْتَ إِلَى الْأَجَلِ وَ مَصِيرِهِ- لَأَبْغَضْتَ‏ (1) الْأَمَلَ وَ غُرُورَهُ-

يَا أَبَا ذَرٍّ كُنْ كَأَنَّكَ فِي الدُّنْيَا غَرِيبٌ أَوْ كَعَابِرِ سَبِيلٍ- وَ عُدَّ نَفْسَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ-

يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْمَسَاءِ- وَ إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالصَّبَاحِ- وَ خُذْ مِنْ صِحَّتِكَ قَبْلَ سُقْمِكَ وَ حَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ- فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا اسْمُكَ غَداً-

يَا أَبَا ذَرٍّ إِيَّاكَ أَنْ تُدْرِكَكَ الصَّرْعَةُ عِنْدَ الْعَثْرَةِ- فَلَا تُقَالَ الْعَثْرَةُ (2) وَ لَا تُمَكَّنَ مِنَ الرَّجْعَةِ- وَ لَا يَحْمَدَكَ مَنْ خَلَّفْتَ بِمَا تَرَكْتَ- وَ لَا يَعْذِرَكَ مَنْ تَقْدَمُ عَلَيْهِ‏

____________

(1) في بعض نسخ المصدر «لانقصت الامل».

(2) العثرة الزلة و الخطيئة. و الاقالة: فسخ البيع، و تقايلا إذا فسخا. و الصرعة- بكسر الصاد- المرة من الصرع.

76

بِمَا اشْتَغَلْتَ بِهِ‏ (1)-

يَا أَبَا ذَرٍّ كُنْ عَلَى عُمُرِكَ أَشَحَّ مِنْكَ عَلَى دِرْهَمِكَ وَ دِينَارِكَ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ هَلْ يَنْتَظِرُ أَحَدٌ إِلَّا غِنًى مُطْغِياً- أَوْ فَقْراً مُنْسِياً أَوْ مَرَضاً مُفْسِداً أَوْ هَرَماً مُفْنِداً (2) أَوْ مَوْتاً مُجْهِزاً- أَوِ الدَّجَّالَ فَإِنَّهُ شَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ- أَوِ السَّاعَةَ فَ السَّاعَةُ أَدْهى‏ وَ أَمَرُّ-

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَا يُنْتَفَعُ بِعِلْمِهِ وَ مَنْ طَلَبَ عِلْماً لِيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ- لَمْ يَجِدْ رِيحَ الْجَنَّةِ

يَا أَبَا ذَرٍّ مَنِ ابْتَغَى الْعِلْمَ لِيَخْدَعَ بِهِ النَّاسَ- لَمْ يَجِدْ رِيحَ الْجَنَّةِ

يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا سُئِلْتَ عَنْ عِلْمٍ لَا تَعْلَمُهُ- فَقُلْ لَا أَعْلَمُهُ تَنْجُ مِنْ تَبِعَتِهِ- وَ لَا تُفْتِ بِمَا لَا عِلْمَ لَكَ بِهِ- تَنْجُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

يَا أَبَا ذَرٍّ يَطَّلِعُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ- فَيَقُولُونَ مَا أَدْخَلَكُمُ النَّارَ- وَ قَدْ دَخَلْنَا الْجَنَّةَ لِفَضْلِ تَأْدِيبِكُمْ وَ تَعْلِيمِكُمْ- فَيَقُولُونَ إِنَّا كُنَّا نَأْمُرُ بِالْخَيْرِ وَ لَا نَفْعَلُهُ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ- إِنَّ حُقُوقَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَقُومَ بِهَا الْعِبَادُ- وَ إِنَّ نِعَمَ اللَّهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصِيَهَا الْعِبَادُ- وَ لَكِنْ أَمْسُوا وَ أَصْبِحُوا تَائِبِينَ-

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكُمْ فِي مَمَرِّ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ- فِي آجَالٍ مَنْقُوصَةٍ وَ أَعْمَالٍ مَحْفُوظَةٍ وَ الْمَوْتُ يَأْتِي بَغْتَةً- وَ مَنْ يَزْرَعْ خَيْراً يُوشِكْ أَنْ يَحْصُدَ خَيْراً- وَ مَنْ يَزْرَعْ شَرّاً يُوشِكْ أَنْ يَحْصُدَ نَدَامَةً- وَ لِكُلِّ زَارِعٍ مِثْلُ مَا زَرَعَ-

يَا أَبَا ذَرٍّ لَا يُسْبَقُ بَطِي‏ءٌ بِحَظِّهِ- وَ لَا يُدْرِكُ حَرِيصٌ مَا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ- وَ مَنْ أُعْطِيَ خَيْراً

____________

(1) يعني واظب نفسك أن لا يدركك الموت حين غفلتك و اشتغالك بالدنيا فلا تتمكن من الاقالة و الرجعة و وارثك لا يحمدك بما تركت له. و لا يقبل اللّه العذر منك باشتغالك بأمور الدنيا.

(2) يقال: فند من باب- علم- خرف و ضعف عقله، و في المصدر «مقعدا»، و قوله «مجهزا» أجهز على الجريح شد عليه و اتم قتله، و جهز الميت اعد ما يلزمه.

77

فَإِنَّ اللَّهَ أَعْطَاهُ- وَ مَنْ وُقِيَ شَرّاً فَإِنَّ اللَّهَ وَقَاهُ-

يَا أَبَا ذَرٍّ- الْمُتَّقُونَ سَادَةٌ وَ الْفُقَهَاءُ قَادَةٌ وَ مُجَالَسَتُهُمْ زِيَادَةٌ- إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَرَى ذَنْبَهُ كَأَنَّهُ تَحْتَ صَخْرَةٍ يَخَافُ أَنْ تَقَعَ عَلَيْهِ- وَ إِنَّ الْكَافِرَ لَيَرَى ذَنْبَهُ كَأَنَّهُ ذُبَابٌ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ-

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْراً- جَعَلَ ذُنُوبَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مُمَثَّلَةً وَ الْإِثْمَ عَلَيْهِ ثَقِيلًا وَبِيلًا- (1) وَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ شَرّاً أَنْسَاهُ ذُنُوبَهُ-

يَا أَبَا ذَرٍّ لَا تَنْظُرْ إِلَى صِغَرِ الْخَطِيئَةِ- وَ لَكِنِ انْظُرْ إِلَى مَنْ عَصَيْتَ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ- إِنَّ نَفْسَ الْمُؤْمِنِ أَشَدُّ ارْتِكَاضاً مِنَ الْخَطِيئَةِ مِنَ الْعُصْفُورِ- حِينَ يُقْذَفُ بِهِ فِي شَرِكِهِ‏ (2)-

يَا أَبَا ذَرٍّ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ فِعْلَهُ فَذَاكَ الَّذِي أَصَابَ حَظَّهُ- وَ مَنْ خَالَفَ قَوْلُهُ فِعْلَهُ فَإِنَّمَا يُوَبِّخُ نَفْسَهُ‏ (3)

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ رِزْقَهُ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ دَعْ مَا لَسْتَ مِنْهُ فِي شَيْ‏ءٍ وَ لَا تَنْطِقْ فِيمَا لَا يَعْنِيكَ- وَ اخْزُنْ لِسَانَكَ كَمَا تَخْزُنُ وَرِقَكَ-

يَا أَبَا ذَرٍّ- إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَيُدْخِلُ قَوْماً الْجَنَّةَ فَيُعْطِيهِمْ حَتَّى يَمَلُّوا- وَ فَوْقَهُمْ قَوْمٌ فِي الدَّرَجَاتِ الْعُلَى- فَإِذَا نَظَرُوا إِلَيْهِمْ عَرَفُوهُمْ- فَيَقُولُونَ رَبَّنَا إِخْوَانُنَا كُنَّا مَعَهُمْ فِي الدُّنْيَا- فَبِمَ فَضَّلْتَهُمْ عَلَيْنَا- فَيُقَالُ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ- إِنَّهُمْ كَانُوا يَجُوعُونَ حِينَ تَشْبَعُونَ- وَ يَظْمَئُونَ حِينَ تَرْوَوْنَ وَ يَقُومُونَ حِينَ تَنَامُونَ- وَ يَشْخَصُونَ حِينَ تَحْفَظُونَ-

يَا أَبَا ذَرٍّ جَعَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قُرَّةَ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ- وَ حَبَّبَ إِلَيَّ الصَّلَاةَ- كَمَا حَبَّبَ إِلَى الْجَائِعِ الطَّعَامَ وَ إِلَى الظَّمْآنِ الْمَاءَ- وَ إِنَّ الْجَائِعَ إِذَا أَكَلَ شَبِعَ وَ إِنَ‏

____________

(1) الوبيل الوخيم وزنا و معنى.

(2) الارتكاض: الاضطراب، و ارتكض الرجل في أمره تقلب فيه و حاوله. و الشرك- محركة- حبالة الصيد.

(3) أي عابها و لامها.

78

الظَّمْآنَ إِذَا شَرِبَ رَوِيَ- وَ أَنَا لَا أَشْبَعُ مِنَ الصَّلَاةِ-

يَا أَبَا ذَرٍّ أَيُّمَا رَجُلٍ تَطَوَّعَ فِي يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ- اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً سِوَى الْمَكْتُوبَةِ- كَانَ لَهُ حَقّاً وَاجِباً بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ-

يَا أَبَا ذَرٍّ مَا دُمْتَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّكَ تَقْرَعُ بَابَ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ- وَ مَنْ يُكْثِرْ قَرْعَ بَابِ الْمَلِكِ يُفْتَحْ لَهُ:

يَا أَبَا ذَرٍّ مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَقُومُ مُصَلِّياً- إِلَّا تَنَاثَرَ عَلَيْهِ الْبِرُّ مَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْعَرْشِ وَ وُكِّلَ بِهِ مَلَكٌ يُنَادِي يَا ابْنَ آدَمَ- لَوْ تَعْلَمُ مَا لَكَ فِي الصَّلَاةِ وَ مَنْ تُنَاجِي مَا انْفَتَلْتَ‏ (1)

يَا أَبَا ذَرٍّ طُوبَى لِأَصْحَابِ الْأَلْوِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُونَهَا فَيَسْبِقُونَ النَّاسَ إِلَى الْجَنَّةِ- أَلَا وَ هُمُ السَّابِقُونَ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالْأَسْحَارِ وَ غَيْرِ الْأَسْحَارِ-

يَا أَبَا ذَرٍّ الصَّلَاةُ عِمَادُ الدِّينِ وَ اللِّسَانُ أَكْبَرُ- وَ الصَّدَقَةُ تَمْحُو الْخَطِيئَةَ وَ اللِّسَانُ أَكْبَرُ- وَ الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ وَ اللِّسَانُ أَكْبَرُ- وَ الْجِهَادُ نَبَاهَةٌ وَ اللِّسَانُ‏ (2) أَكْبَرُ-

يَا أَبَا ذَرٍّ الدَّرَجَةُ فِي الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ- وَ إِنَّ الْعَبْدَ لَيَرْفَعُ بَصَرَهُ فَيَلْمَعُ لَهُ نُورٌ يَكَادُ- يَخْطَفُ بَصَرَهُ- فَيَفْزَعُ لِذَلِكَ فَيَقُولُ مَا هَذَا- فَيُقَالُ هَذَا نُورُ أَخِيكَ- فَيَقُولُ أَخِي فُلَانٌ كُنَّا نَعْمَلُ جَمِيعاً فِي الدُّنْيَا- وَ قَدْ فُضِّلَ عَلَيَّ هَكَذَا- فَيُقَالُ لَهُ إِنَّهُ كَانَ أَفْضَلَ مِنْكَ عَمَلًا- ثُمَّ يُجْعَلُ فِي قَلْبِهِ الرِّضَا حَتَّى يَرْضَى-

يَا أَبَا ذَرٍّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَ جَنَّةُ الْكَافِرِ- وَ مَا أَصْبَحَ فِيهَا مُؤْمِنٌ إِلَّا حَزِيناً فَكَيْفَ لَا يَحْزَنُ الْمُؤْمِنُ وَ قَدْ أَوْعَدَهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ- أَنَّهُ وَارِدُ جَهَنَّمَ وَ لَمْ يُعِدْهُ أَنَّهُ صَادِرٌ عَنْهَا (3)- وَ لَيَلْقَيَنَّ أَمْرَاضاً وَ مُصِيبَاتٍ وَ أُمُوراً تَغِيظُهُ- وَ لَيُظْلَمَنَّ فَلَا يُنْتَصَرُ- يَبْتَغِي ثَوَاباً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى- فَمَا يَزَالُ فِيهَا حَزِيناً حَتَّى يُفَارِقَهَا- فَإِذَا فَارَقَهَا أَفْضَى إِلَى الرَّاحَةِ وَ الْكَرَامَةِ

____________

(1) انفتل أي انصرف.

(2) النباهة الفتنة و الشرف و ضد الخمول.

(3) أشار الى قوله تعالى في سورة مريم 72 و 73: «وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى‏ رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا. ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا- الآية».

79

يَا أَبَا ذَرٍّ مَا عُبِدَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى مِثْلِ طُولِ الْحُزْنِ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ مَنْ أُوتِيَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَا يُبْكِيهِ- لَحَقِيقٌ أَنْ يَكُونَ قَدْ أُوتِيَ عِلْمَ مَا لَا يَنْفَعُهُ- لِأَنَّ اللَّهَ نَعَتَ الْعُلَمَاءَ فَقَالَ جَلَّ وَ عَزَّ- إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى‏ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً- وَ يَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا وَ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَ يَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (1)-

يَا أَبَا ذَرٍّ مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَبْكِيَ فَلْيَبْكِ- وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُشْعِرْ قَلْبَهُ الْحُزْنَ وَ لْيَتَبَاكَ- إِنَّ الْقَلْبَ الْقَاسِيَ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَ لَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ-

يَا أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدٍ خَوْفَيْنِ- وَ لَا أَجْمَعُ لَهُ أَمْنَيْنِ فَإِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ إِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا آمَنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ الْعَبْدَ لَيُعْرَضُ عَلَيْهِ ذُنُوبُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ أَمَا إِنِّي كُنْتُ مُشْفِقاً فَيُغْفَرُ لَهُ-

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الْحَسَنَةَ فَيَتَّكِلُ عَلَيْهَا- وَ يَعْمَلُ الْمُحَقَّرَاتِ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهَ وَ هُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ- وَ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ السَّيِّئَةَ فَيَفْرَقُ‏ (2) مِنْهَا- فَيَأْتِي اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ الْعَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ- فَقُلْتُ وَ كَيْفَ ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ- قَالَ يَكُونُ ذَلِكَ الذَّنْبُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ تَائِباً مِنْهُ- فَارّاً إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ

يَا أَبَا ذَرٍّ الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَ عَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ- وَ الْعَاجِزُ مَنِ اتَّبَعَ نَفْسَهُ وَ هَوَاهَا وَ تَمَنَّى عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الْأَمَانِيَّ-

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ أَوَّلَ شَيْ‏ءٍ يُرْفَعُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْأَمَانَةُ وَ الْخُشُوعُ- حَتَّى لَا تَكَادَ تَرَى خَاشِعاً-

يَا أَبَا ذَرٍّ وَ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ- لَوْ أَنَّ الدُّنْيَا كَانَتْ تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ

____________

(1) الإسراء: 108- 109.

(2) أي يدهش و يخاف و يضطرب.

80

أَوْ ذُبَابٍ- مَا سَقَى الْكَافِرَ مِنْهَا شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ-

يَا أَبَا ذَرٍّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ- مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا مَنِ ابْتَغَى بِهِ وَجْهَ اللَّهِ- وَ مَا مِنْ شَيْ‏ءٍ أَبْغَضَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الدُّنْيَا- خَلَقَهَا ثُمَّ عَرَضَهَا- فَلَمْ يَنْظُرْ إِلَيْهَا وَ لَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ- وَ مَا مِنْ شَيْ‏ءٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ- وَ تَرْكِ مَا أَمَرَ بِتَرْكِهِ-

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى أَخِي عِيسَى(ع) يَا عِيسَى لَا تُحِبَّ الدُّنْيَا فَإِنِّي لَسْتُ أُحِبُّهَا- وَ أَحِبَّ الْآخِرَةَ فَإِنَّمَا هِيَ دَارُ الْمَعَادِ-

يَا أَبَا ذَرٍّ- إِنَّ جَبْرَئِيلَ أَتَانِي بِخَزَائِنِ الدُّنْيَا عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ- فَقَالَ لِي يَا مُحَمَّدُ هَذِهِ خَزَائِنُ الدُّنْيَا وَ لَا يَنْقُصُكَ مِنْ حَظِّكَ عِنْدَ رَبِّكَ- فَقُلْتُ يَا حَبِيبِي جَبْرَئِيلُ لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا- إِذَا شَبِعْتُ شَكَرْتُ رَبِّي وَ إِذَا جُعْتُ سَأَلْتُهُ-

يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِعَبْدٍ خَيْراً فَقَّهَهُ فِي الدِّينِ- وَ زَهَّدَهُ فِي الدُّنْيَا وَ بَصَّرَهُ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ- مَا زَهِدَ عَبْدٌ فِي الدُّنْيَا إِلَّا أَنْبَتَ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فِي قَلْبِهِ- وَ أَنْطَقَ بِهَا لِسَانَهُ وَ يُبَصِّرُهُ عُيُوبَ الدُّنْيَا وَ دَاءَهَا وَ دَوَاءَهَا- وَ أَخْرَجَهُ مِنْهَا سَالِماً إِلَى دَارِ السَّلَامِ-

يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا رَأَيْتَ أَخَاكَ قَدْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا فَاسْتَمِعْ مِنْهُ- فَإِنَّهُ يُلْقِي الْحِكْمَةَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَزْهَدُ النَّاسِ- قَالَ مَنْ لَمْ يَنْسَ الْمَقَابِرَ وَ الْبِلَى وَ تَرَكَ فَضْلَ زِينَةِ الدُّنْيَا- وَ آثَرَ مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى- وَ لَمْ يَعُدَّ غَداً مِنْ أَيَّامِهِ وَ عَدَّ نَفْسَهُ فِي الْمَوْتَى-

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يُوحِ إِلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ الْمَالَ- وَ لَكِنْ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ‏ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ- وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ‏-

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنِّي أَلْبَسُ الْغَلِيظَ وَ أَجْلِسُ عَلَى الْأَرْضِ- وَ أَلْعَقُ أَصَابِعِي وَ أَرْكَبُ الْحِمَارَ بِغَيْرِ سَرْجٍ وَ أُرْدِفُ خَلْفِي- فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي‏

يَا أَبَا ذَرٍّ حُبُّ الْمَالِ وَ الشَّرَفِ أَذْهَبُ لِدِينِ الرَّجُلِ- مِنْ ذِئْبَيْنِ ضَارِيَيْنِ فِي زِرْبِ‏

81

الْغَنَمِ‏ (1)- فَأَغَارَا فِيهَا حَتَّى أَصْبَحَا فَمَا ذَا أَبْقَيَا مِنْهَا-

قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ- الْخَائِفُونَ الْخَائِضُونَ الْمُتَوَاضِعُونَ الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيراً- أَ هُمْ يَسْبِقُونَ النَّاسَ إِلَى الْجَنَّةِ- فَقَالَ لَا- وَ لَكِنْ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ يَتَخَطَّوْنَ رِقَابَ النَّاسِ- فَيَقُولُ لَهُمْ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ كَمَا أَنْتُمْ حَتَّى‏ (2) تُحَاسَبُوا- فَيَقُولُونَ بِمَ نُحَاسَبُ فَوَ اللَّهِ مَا مَلَكْنَا فَنَجُودَ وَ نَعْدِلَ- وَ لَا أُفِيضَ عَلَيْنَا فَنَقْبِضَ وَ نَبْسُطَ- وَ لَكُنَّا عَبَدْنَا رَبَّنَا حَتَّى دَعَانَا فَأَجَبْنَا-

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ الدُّنْيَا مَشْغَلَةٌ لِلْقُلُوبِ وَ الْأَبْدَانِ- وَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى سَائِلُنَا عَمَّا نَعَّمَنَا فِي حَلَالِهِ- فَكَيْفَ بِمَا نَعَّمَنَا فِي حَرَامِهِ-

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنِّي قَدْ دَعَوْتُ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ- أَنْ يَجْعَلَ رِزْقَ مَنْ يُحِبُّنِي الْكَفَافَ- وَ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ يُبْغِضُنِي كَثْرَةَ الْمَالِ وَ الْوَلَدِ-

يَا أَبَا ذَرٍّ طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا الرَّاغِبِينَ فِي الْآخِرَةِ- الَّذِينَ اتَّخَذُوا أَرْضَ اللَّهِ بِسَاطاً- وَ تُرَابَهَا فِرَاشاً وَ مَاءَهَا طِيباً- وَ اتَّخَذُوا كِتَابَ اللَّهِ شِعَاراً وَ دُعَاءَهُ دِثَاراً يَقْرِضُونَ الدُّنْيَا قَرْضاً-

يَا أَبَا ذَرٍّ حَرْثُ الْآخِرَةِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ- وَ حَرْثُ الدُّنْيَا الْمَالُ وَ الْبَنُونَ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ رَبِّي أَخْبَرَنِي- فَقَالَ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي مَا أَدْرَكَ الْعَابِدُونَ دَرْكَ الْبُكَاءِ- وَ إِنِّي لَأَبْنِي لَهُمْ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى قَصْراً- لَا يُشَارِكُهُمْ فِيهِ أَحَدٌ-

قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ- قَالَ أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْراً وَ أَحْسَنُهُمْ لَهُ اسْتِعْدَاداً-

يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا دَخَلَ النُّورُ الْقَلْبَ انْفَسَحَ الْقَلْبُ وَ اسْتَوْسَعَ- قُلْتُ فَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ- قَالَ الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ وَ التَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ وَ الِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ اتَّقِ اللَّهَ- وَ لَا تُرِي النَّاسَ أَنَّكَ تَخْشَى اللَّهَ فَيُكْرِمُوكَ وَ قَلْبُكَ فَاجِرٌ

____________

(1) الزرب موضع المواشى.

(2) أي قفوا مكانكم و لا تبرحوا.

82

يَا أَبَا ذَرٍّ لِيَكُنْ لَكَ فِي كُلِّ شَيْ‏ءٍ نِيَّةٌ حَتَّى فِي النَّوْمِ وَ الْأَكْلِ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ لِيَعْظُمْ جَلَالُ اللَّهِ فِي صَدْرِكَ- فَلَا تَذْكُرْهُ كَمَا يَذْكُرُهُ الْجَاهِلُ عِنْدَ الْكَلْبِ اللَّهُمَّ أَخْزِهِ- وَ عِنْدَ الْخِنْزِيرِ اللَّهُمَّ أَخْزِهِ-

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً قِيَاماً مِنْ خِيفَتِهِ- مَا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ حَتَّى يُنْفَخَ فِي الصُّورِ النَّفْخَةُ الْآخِرَةُ- فَيَقُولُونَ جَمِيعاً سُبْحَانَكَ وَ بِحَمْدِكَ- مَا عَبَدْنَاكَ كَمَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تُعْبَدَ-

يَا أَبَا ذَرٍّ وَ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَمَلُ سَبْعِينَ نَبِيّاً- لَاسْتَقَلَّ عَمَلَهُ مِنْ شِدَّةِ مَا يَرَى يَوْمَئِذٍ وَ لَوْ أَنَّ دَلْواً صُبَّتْ مِنْ غِسْلِينٍ فِي مَطْلَعِ الشَّمْسِ- لَغَلَتْ مِنْهُ جَمَاجِمُ مِنْ مَغْرِبِهَا- وَ لَوْ زَفَرَتْ جَهَنَّمُ زَفْرَةً- لَمْ يَبْقَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَ لَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إِلَّا خَرَّ جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيْهِ‏ (1) يَقُولُ رَبِّ نَفْسِي نَفْسِي حَتَّى يَنْسَى إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ(ع) يَقُولُ يَا رَبِّ أَنَا خَلِيلُكَ إِبْرَاهِيمُ فَلَا تُنْسِنِي-

يَا أَبَا ذَرٍّ لَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ- اطَّلَعَتْ مِنْ سَمَاءِ الدُّنْيَا فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ- لَأَضَاءَتْ لَهَا الْأَرْضُ أَفْضَلَ مِمَّا يُضِيئُهَا الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ- وَ لَوَجَدَ رِيحَ نَشْرِهَا جَمِيعُ أَهْلِ الْأَرْضِ- وَ لَوْ أَنَّ ثَوْباً مِنْ ثِيَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ نُشِرَ الْيَوْمَ فِي الدُّنْيَا- لَصَعِقَ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَ مَا حَمَلَتْهُ أَبْصَارُهُمْ-

يَا أَبَا ذَرٍّ- اخْفِضْ صَوْتَكَ عِنْدَ الْجَنَائِزِ وَ عِنْدَ الْقِتَالِ وَ عِنْدَ الْقُرْآنِ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا تَبِعْتَ جَنَازَةً- فَلْيَكُنْ عَقْلُكَ فِيهَا مَشْغُولًا بِالتَّفَكُّرِ وَ الْخُشُوعِ- وَ اعْلَمْ أَنَّكَ لَاحِقٌ بِهِ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ شَيْ‏ءٍ إِذَا فَسَدَ فَالْمِلْحُ دَوَاؤُهُ- فَإِذَا فَسَدَ الْمِلْحُ فَلَيْسَ لَهُ دَوَاءٌ وَ اعْلَمْ أَنَّ فِيكُمْ خُلُقَيْنِ- الضَّحِكَ مِنْ غَيْرِ عَجَبٍ وَ الْكَسَلَ مِنْ غَيْرِ سَهْوٍ-

يَا أَبَا ذَرٍّ رَكْعَتَانِ مُقْتَصَدَتَانِ فِي تَفَكُّرٍ- خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ وَ الْقَلْبُ سَاهٍ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ الْحَقُّ ثَقِيلٌ مُرٌّ وَ الْبَاطِلُ خَفِيفٌ حُلْوٌ- وَ رُبَّ شَهْوَةِ سَاعَةٍ تُورِثُ حُزْناً

____________

(1) جثى على ركبتيه أي جلس عليها أو قام على اطراف أصابعه يعنى به‏زانو در آمد.

83

طَوِيلًا (1)-

يَا أَبَا ذَرٍّ لَا يَفْقَهُ الرَّجُلُ كُلَّ الْفِقْهِ- حَتَّى يَرَى النَّاسَ فِي جَنْبِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَمْثَالَ الْأَبَاعِرِ (2)- ثُمَّ يَرْجِعَ إِلَى نَفْسِهِ فَيَكُونَ هُوَ أَحْقَرَ حَاقِرٍ لَهَا-

يَا أَبَا ذَرٍّ لَا تُصِيبُ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ- حَتَّى تَرَى النَّاسَ كُلَّهُمْ حَمْقَاءَ فِي دِينِهِمْ عُقَلَاءَ فِي دُنْيَاهُمْ-

يَا أَبَا ذَرٍّ حَاسِبْ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبَ- فَهُوَ أَهْوَنُ لِحِسَابِكَ غَداً- وَ زِنْ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ تُوزَنَ- وَ تَجَهَّزْ لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ يَوْمَ تُعْرَضُ لَا تَخْفَى عَلَى اللَّهِ خَافِيَةٌ-

يَا أَبَا ذَرٍّ اسْتَحْيِ مِنَ اللَّهِ- فَإِنِّي وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ- لَأُظِلُّ حِينَ‏ (3) أَذْهَبُ إِلَى الْغَائِطِ مُتَقَنِّعاً بِثَوْبِي- أَسْتَحِي مِنَ الْمَلَكَيْنِ اللَّذَيْنِ مَعِي‏

يَا أَبَا ذَرٍّ أَ تُحِبُّ أَنْ تَدْخُلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ نَعَمْ فِدَاكَ أَبِي- قَالَ فَاقْصِرْ مِنَ الْأَمَلِ وَ اجْعَلِ الْمَوْتَ نُصْبَ عَيْنَيْكَ- وَ اسْتَحِ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ- قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّنَا نَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ- قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ الْحَيَاءَ- وَ لَكِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ اللَّهِ أَنْ لَا تَنْسَى الْمَقَابِرَ وَ الْبِلَى- وَ الْجَوْفَ وَ مَا وَعَى وَ الرَّأْسَ وَ مَنْ حَوَى- وَ مَنْ أَرَادَ كَرَامَةَ الْآخِرَةِ فَلْيَدَعْ زِينَةَ الدُّنْيَا- فَإِذَا كُنْتَ كَذَلِكَ أَصَبْتَ وَلَايَةَ اللَّهِ-

يَا أَبَا ذَرٍّ يَكْفِي مِنَ الدُّعَاءِ مَعَ الْبِرِّ مَا يَكْفِي الطَّعَامَ مِنَ الْمِلْحِ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ- مَثَلُ الَّذِي يَدْعُو بِغَيْرِ عَمَلٍ كَمَثَلِ الَّذِي يَرْمِي بِغَيْرِ وَتَرٍ

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بِصَلَاحِ الْعَبْدِ وُلْدَهُ وَ وُلْدَ وُلْدِهِ- وَ يَحْفَظُهُ فِي دُوَيْرَتِهِ وَ الدُّورَ حَوْلَهُ مَا دَامَ فِيهِمْ-

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ رَبَّكَ عَزَّ وَ جَلَّ يُبَاهِي الْمَلَائِكَةَ بِثَلَاثَةِ نَفَرٍ- رَجُلٍ فِي أَرْضٍ قَفْرٍ فَيُؤَذِّنُ ثُمَّ يُقِيمُ ثُمَّ يُصَلِّي- فَيَقُولُ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ- انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي يُصَلِّي وَ لَا يَرَاهُ‏

____________

(1) في المصدر «توجب حزنا طويلا».

(2) الاباعر و الابعرة: جمع بعير: الجمل البازل او الجذع للذكر و الأنثى و يطلق أيضا على كل ما يحمل.

(3) في المصدر «لا أزال».

84

غَيْرِي- فَيَنْزِلُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ وَرَاءَهُ- وَ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ إِلَى الْغَدِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ- وَ رَجُلٍ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَحْدَهُ فَسَجَدَ وَ نَامَ وَ هُوَ سَاجِدٌ- فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي- رُوحُهُ عِنْدِي وَ جَسَدُهُ سَاجِدٌ- وَ رَجُلٍ فِي زَحْفٍ فَرَّ أَصْحَابُهُ وَ ثَبَتَ هُوَ وَ يُقَاتِلُ حَتَّى يُقْتَلَ-

يَا أَبَا ذَرٍّ مَا مِنْ رَجُلٍ يَجْعَلُ جَبْهَتَهُ فِي بُقْعَةٍ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ- إِلَّا شَهِدَتْ لَهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ مَا مِنْ مَنْزِلٍ يَنْزِلُهُ قَوْمٌ- إِلَّا وَ أَصْبَحَ ذَلِكَ الْمَنْزِلُ يُصَلِّي عَلَيْهِمْ أَوْ يَلْعَنُهُمْ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ مَا مِنْ صَبَاحٍ وَ لَا رَوَاحٍ- إِلَّا وَ بِقَاعُ الْأَرْضِ تُنَادِي بَعْضُهَا بَعْضاً- يَا جَارُ هَلْ مَرَّ بِكِ ذَاكِرٌ لِلَّهِ تَعَالَى- أَوْ عَبْدٌ وَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَيْكِ سَاجِداً لِلَّهِ- فَمِنْ قَائِلَةٍ لَا وَ مِنْ قَائِلَةٍ نَعَمْ- فَإِذَا قَالَتْ نَعَمْ اهْتَزَّتْ وَ انْشَرَحَتْ- وَ تَرَى أَنَّ لَهَا الْفَضْلَ عَلَى جَارَتِهَا

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمَّا خَلَقَ الْأَرْضَ- وَ خَلَقَ مَا فِيهَا مِنَ الشَّجَرِ- لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ شَجَرَةٌ يَأْتِيهَا بَنُو آدَمَ- إِلَّا أَصَابُوا مِنْهَا مَنْفَعَةً- فَلَمْ تَزَلِ الْأَرْضُ وَ الشَّجَرُ كَذَلِكَ حَتَّى تَتَكَلَّمَ فَجَرَةُ بَنِي آدَمَ- بِالْكَلِمَةِ الْعَظِيمَةِ- قَوْلِهِمْ‏ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً فَلَمَّا قَالُوهَا اقْشَعَرَّتِ الْأَرْضُ وَ ذَهَبَتْ مَنْفَعَةُ الْأَشْجَارِ:

يَا أَبَا ذَرٍّ- إِنَّ الْأَرْضَ لَتَبْكِي عَلَى الْمُؤْمِنِ إِذَا مَاتَ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً

يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا كَانَ الْعَبْدُ فِي أَرْضٍ قِيٍّ يَعْنِي قَفْرٍ- فَتَوَضَّأَ أَوْ تَيَمَّمَ ثُمَّ أَذَّنَ وَ أَقَامَ وَ صَلَّى أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْمَلَائِكَةَ فَصَفُّوا خَلْفَهُ صَفّاً- لَا يُرَى طَرَفَاهُ يَرْكَعُونَ بِرُكُوعِهِ وَ يَسْجُدُونَ بِسُجُودِهِ وَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَائِهِ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ- مَنْ أَقَامَ وَ لَمْ يُؤَذِّنْ لَمْ يُصَلِّ مَعَهُ إِلَّا مَلَكَاهُ اللَّذَانِ مَعَهُ-

يَا أَبَا ذَرٍّ مَا مِنْ شَابٍّ يَدَعُ لِلَّهِ الدُّنْيَا وَ لَهْوَهَا- وَ أَهْرَمَ شَبَابَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ- إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ أَجْرَ اثْنَيْنِ وَ سَبْعِينَ صِدِّيقاً-

يَا أَبَا ذَرٍّ الذَّاكِرُ فِي الْغَافِلِينَ كَالْمُقَاتِلِ فِي الْفَارِّينَ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ الْجَلِيسُ الصَّالِحُ خَيْرٌ مِنَ الْوَحْدَةِ- وَ الْوَحْدَةُ خَيْرٌ مِنْ جَلِيسِ السَّوْءِ وَ إِمْلَاءُ الْخَيْرِ خَيْرٌ مِنَ السُّكُوتِ- وَ السُّكُوتُ خَيْرٌ مِنْ إِمْلَاءِ الشَّرِّ

يَا أَبَا ذَرٍّ لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِناً- وَ لَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ وَ لَا تَأْكُلْ طَعَامَ‏

85

الْفَاسِقِينَ-

يَا أَبَا ذَرٍّ أَطْعِمْ طَعَامَكَ مَنْ تُحِبُّهُ فِي اللَّهِ- وَ كُلْ طَعَامَ مَنْ يُحِبُّكَ فِي اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ عِنْدَ لِسَانِ كُلِّ قَائِلٍ- فَلْيَتَّقِ اللَّهَ امْرُؤٌ وَ لْيَعْلَمْ مَا يَقُولُ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ اتْرُكْ فُضُولَ الْكَلَامِ- وَ حَسْبُكَ مِنَ الْكَلَامِ مَا تَبْلُغُ بِهِ حَاجَتَكَ-

يَا أَبَا ذَرٍّ كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِباً أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا يَسْمَعُ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ مَا مِنْ شَيْ‏ءٍ أَحَقَّ بِطُولِ السِّجْنِ مِنَ اللِّسَانِ-

يَا أَبَا ذَرٍّ- إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ تَعَالَى إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ- وَ إِكْرَامَ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ الْعَامِلِينَ وَ إِكْرَامَ السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ

يَا أَبَا ذَرٍّ مَا عَمِلَ مَنْ لَمْ يَحْفَظْ لِسَانَهُ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ لَا تَكُنْ عَيَّاباً وَ لَا مَدَّاحاً وَ لَا طَعَّاناً وَ لَا مُمَارِياً-

يَا أَبَا ذَرٍّ لَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَزْدَادُ مِنَ اللَّهِ بُعْداً مَا سَاءَ خُلُقُهُ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ- وَ كُلُّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ-

يَا أَبَا ذَرٍّ مَنْ أَجَابَ دَاعِيَ اللَّهِ وَ أَحْسَنَ عِمَارَةَ مَسَاجِدِ اللَّهِ- كَانَ ثَوَابُهُ مِنَ اللَّهِ الْجَنَّةَ-

فَقُلْتُ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تُعْمَرُ مَسَاجِدُ اللَّهِ- قَالَ لَا تُرْفَعُ فِيهَا الْأَصْوَاتُ وَ لَا يُخَاضُ فِيهَا بِالْبَاطِلِ- وَ لَا يشتر [يُشْتَرَى فِيهَا وَ لَا يُبَاعُ وَ اتْرُكِ اللَّغْوَ مَا دُمْتَ فِيهَا فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَلَا تَلُومَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا نَفْسَكَ-

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِيكَ مَا دُمْتَ جَالِساً فِي الْمَسْجِدِ- بِكُلِّ نَفَسٍ تَنَفَّسْتَ دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ وَ تُصَلِّي عَلَيْكَ الْمَلَائِكَةُ- وَ تُكْتَبُ لَكَ بِكُلِّ نَفَسٍ تَنَفَّسْتَ فِيهِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ- وَ تُمْحَى عَنْكَ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ-

يَا أَبَا ذَرٍّ أَ تَعْلَمُ فِي أَيِّ شَيْ‏ءٍ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ- اصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏ (1) قُلْتُ لَا أَدْرِي فِدَاكَ أَبِي وَ أُمِّي- قَالَ فِي انْتِظَارِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الصَّلَاةِ

____________

(1) آل عمران: 200.

86

يَا أَبَا ذَرٍّ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكَارِهِ مِنَ الْكَفَّارَاتِ- وَ كَثْرَةُ الِاخْتِلَافِ إِلَى الْمَسَاجِدِ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ-

يَا أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- إِنَّ أَحَبَّ الْعِبَادِ إِلَيَّ الْمُتَحَابُّونَ مِنْ أَجْلِي الْمُتَعَلِّقَةُ قُلُوبُهُمْ بِالْمَسَاجِدِ وَ الْمُسْتَغْفِرُونَ بِالْأَسْحَارِ- أُولَئِكَ إِذَا أَرَدْتُ بِأَهْلِ الْأَرْضِ عُقُوبَةً- ذَكَرْتُهُمْ فَصَرَفْتُ الْعُقُوبَةَ عَنْهُمْ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ كُلُّ جُلُوسٍ فِي الْمَسْجِدِ لَغْوٌ إِلَّا ثَلَاثَةً- قِرَاءَةُ مُصَلٍّ أَوْ ذِكْرُ اللَّهِ أَوْ سَائِلٌ عَنْ عِلْمٍ-

يَا أَبَا ذَرٍّ كُنْ بِالْعَمَلِ بِالتَّقْوَى أَشَدَّ اهْتِمَاماً مِنْكَ بِالْعَمَلِ- فَإِنَّهُ لَا يَقِلُّ عَمَلٌ بِالتَّقْوَى وَ كَيْفَ يَقِلُّ عَمَلٌ يَتَقَبَّلُ- يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ‏ (1)-

يَا أَبَا ذَرٍّ لَا يَكُونُ الرَّجُلُ مِنَ الْمُتَّقِينَ- حَتَّى يُحَاسِبَ نَفْسَهُ- أَشَدَّ مِنْ مُحَاسَبَةِ الشَّرِيكِ شَرِيكَهُ- فَيَعْلَمَ مِنْ أَيْنَ مَطْعَمُهُ وَ مِنْ أَيْنَ مَشْرَبُهُ وَ مِنْ أَيْنَ مَلْبَسُهُ- أَ مِنْ حِلٍّ ذَلِكَ أَمْ مِنْ حَرَامٍ-

يَا أَبَا ذَرٍّ مَنْ لَمْ يُبَالِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَ الْمَالَ- لَمْ يُبَالِ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ أَيْنَ أَدْخَلَهُ النَّارَ

يَا أَبَا ذَرٍّ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَكْرَمَ النَّاسِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ-

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَى اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَكْثَرُكُمْ ذِكْراً لَهُ- وَ أَكْرَمُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَتْقَاكُمْ لَهُ- وَ أَنْجَاكُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَشَدُّكُمْ لَهُ خَوْفاً-

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ مِنَ الشَّيْ‏ءِ- الَّذِي لَا يُتَّقَى مِنْهُ خَوْفاً مِنَ الدُّخُولِ فِي الشُّبْهَةِ

يَا أَبَا ذَرٍّ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهَ- وَ إِنْ قَلَّتْ صَلَاتُهُ وَ صِيَامُهُ وَ تِلَاوَتُهُ لِلْقُرْآنِ-

يَا أَبَا ذَرٍّ أَصْلُ الدِّينِ الْوَرَعُ وَ رَأْسُهُ الطَّاعَةُ

يَا أَبَا ذَرٍّ كُنْ وَرِعاً تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ وَ خَيْرُ دِينِكُمُ الْوَرَعُ‏

____________

(1) المائدة: 30.

87

يَا أَبَا ذَرٍّ فَضْلُ الْعِلْمِ خَيْرٌ مِنْ فَضْلِ الْعِبَادَةِ- وَ اعْلَمْ أَنَّكُمْ لَوْ صَلَّيْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالْحَنَايَا (1)- وَ صُمْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالْأَوْتَارِ مَا يَنْفَعُكُمْ ذَلِكَ إِلَّا بِوَرَعٍ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ- إِنَّ أَهْلَ الْوَرَعِ وَ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ حَقّاً-

يَا أَبَا ذَرٍّ مَنْ لَمْ يَأْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِثَلَاثٍ فَقَدْ خَسِرَ- قُلْتُ وَ مَا الثَّلَاثُ فِدَاكَ أَبِي وَ أُمِّي- قَالَ وَرَعٌ يَحْجُزُهُ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِ- وَ حِلْمٌ يَرُدُّ بِهِ جَهْلَ السَّفِيهِ وَ خُلُقٌ يُدَارِي بِهِ النَّاسَ-

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ- وَ إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَكُونَ أَكْرَمَ النَّاسِ فَاتَّقِ اللَّهَ- وَ إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَكُونَ أَغْنَى النَّاسِ- فَكُنْ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَوْثَقَ مِنْكَ بِمَا فِي يَدَيْكَ-

يَا أَبَا ذَرٍّ لَوْ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ أَخَذُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ لَكَفَتْهُمْ- وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ- وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ‏ (2)-

يَا أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ- وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَا يُؤْثِرُ عَبْدِيَ هَوَايَ عَلَى هَوَاهُ إِلَّا جَعَلْتُ غِنَاهُ فِي نَفْسِهِ وَ هُمُومَهُ فِي آخِرَتِهِ- وَ ضَمَّنْتُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ رِزْقَهُ وَ كَفَفْتُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ‏ (3)- وَ كُنْتُ لَهُ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَةِ كُلِّ تَاجِرٍ-

يَا أَبَا ذَرٍّ لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ فَرَّ مِنْ رِزْقِهِ كَمَا يَفِرُّ مِنَ الْمَوْتِ- لَأَدْرَكَهُ رِزْقُهُ كَمَا يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ أَ لَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِنَّ- قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ- قَالَ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ- تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ- وَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ إِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ- فَقَدْ جَرَى الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ- فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَهَدُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْ‏ءٍ لَمْ‏

____________

(1) الحنايا جمع حنية ما كان منحنيا كالقوس.

(2) الطلاق: 32.

(3) و قد يقرأ في بعض النسخ «كففت عنه ضيقه».

88

يُكْتَبْ لَكَ- مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ- وَ لَوْ جَهَدُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْ‏ءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ- مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ- فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِالرِّضَا فِي الْيَقِينِ فَافْعَلْ- وَ إِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَإِنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْراً كَثِيراً- وَ إِنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ وَ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ- وَ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً-

يَا أَبَا ذَرٍّ اسْتَغْنِ بِغِنَى اللَّهِ يُغْنِكَ اللَّهُ- فَقُلْتُ وَ مَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ غَدَاءَةُ يَوْمٍ وَ عَشَاءَةُ لَيْلَةٍ- فَمَنْ قَنِعَ بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ فَهُوَ أَغْنَى النَّاسِ-

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ- إِنِّي لَسْتُ كَلَامَ الْحَكِيمِ أَتَقَبَّلُ وَ لَكِنْ هَمَّهُ وَ هَوَاهُ- فَإِنْ كَانَ هَمُّهُ وَ هَوَاهُ فِيمَا أُحِبُّ وَ أَرْضَى- جَعَلْتُ صَمْتَهُ حَمْداً لِي وَ ذِكْراً وَ وَقَاراً وَ إِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ-

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ- وَ لَا إِلَى أَمْوَالِكُمْ‏ (1) وَ لَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَ أَعْمَالِكُمْ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ التَّقْوَى هَاهُنَا التَّقْوَى هَاهُنَا وَ أَشَارَ إِلَى صَدْرِهِ-

يَا أَبَا ذَرٍّ أَرْبَعٌ لَا يُصِيبُهُنَّ إِلَّا مُؤْمِنٌ- الصَّمْتُ وَ هُوَ أَوَّلُ الْعِبَادَةِ وَ التَّوَاضُعُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ- وَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ حَالٍ- وَ قِلَّةُ الشَّيْ‏ءِ يَعْنِي قِلَّةَ الْمَالِ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ هُمَّ بِالْحَسَنَةِ وَ إِنْ لَمْ تَعْمَلْهَا لِكَيْلَا تُكْتَبَ مِنَ الْغَافِلِينَ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ مَنْ مَلَكَ مَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ وَ بَيْنَ لَحْيَيْهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ- قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنُؤْخَذُ بِمَا يَنْطِقُ بِهِ أَلْسِنَتُنَا- قَالَ‏

يَا بَا ذَرٍّ- وَ هَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ- إِنَّكَ لَا تَزَالُ سَالِماً مَا سَكَتَّ- فَإِذَا تَكَلَّمْتَ كُتِبَ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ-

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ الرَّجُلَ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ فِي الْمَجْلِسِ لِيُضْحِكَهُمْ بِهَا- فَيَهْوِي فِي جَهَنَّمَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ- وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ- مَنْ صَمَتَ نَجَا فَعَلَيْكَ بِالصِّدْقِ وَ لَا تَخْرُجَنَّ مِنْ فِيكَ كَذِبَةٌ أَبَداً- قُلْتُ‏

____________

(1) في بعض النسخ «أقوالكم».

89

يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَوْبَةُ الرَّجُلِ الَّذِي يَكْذِبُ مُتَعَمِّداً- فَقَالَ الِاسْتِغْفَارُ وَ صَلَوَاتُ الْخَمْسِ تَغْسِلُ ذَلِكَ-

يَا أَبَا ذَرٍّ إِيَّاكَ وَ الْغِيبَةَ فَإِنَّ الْغِيبَةَ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا- قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ لِمَ ذَاكَ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي- قَالَ لِأَنَّ الرَّجُلَ يَزْنِي فَيَتُوبُ إِلَى اللَّهِ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ- وَ الْغِيبَةُ لَا تُغْفَرُ حَتَّى يَغْفِرَهَا صَاحِبُهَا-

يَا أَبَا ذَرٍّ سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَ قِتَالُهُ كُفْرٌ- وَ أَكْلُ لَحْمِهِ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ وَ حُرْمَةُ مَالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ- قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَا الْغِيبَةُ- قَالَ ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ- قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ ذَاكَ الَّذِي يُذْكَرُ بِهِ- قَالَ اعْلَمْ أَنَّكَ إِذَا ذَكَرْتَهُ بِمَا هُوَ فِيهِ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وَ إِذَا ذَكَرْتَهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ-

يَا أَبَا ذَرٍّ مَنْ ذَبَّ عَنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ الْغِيبَةَ- كَانَ حَقّاً عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يُعْتِقَهُ مِنَ النَّارِ

يَا أَبَا ذَرٍّ مَنِ اغْتِيبَ عِنْدَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ- وَ هُوَ يَسْتَطِيعُ نَصْرَهُ فَنَصَرَهُ- نَصَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- فَإِنْ خَذَلَهُ وَ هُوَ يَسْتَطِيعُ نَصْرَهُ خَذَلَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ-

يَا أَبَا ذَرٍّ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ- قُلْتُ وَ مَا الْقَتَّاتُ قَالَ النَّمَّامُ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ صَاحِبُ النَّمِيمَةِ لَا يَسْتَرِيحُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الْآخِرَةِ

يَا أَبَا ذَرٍّ مَنْ كَانَ ذَا وَجْهَيْنِ وَ لِسَانَيْنِ فِي الدُّنْيَا- فَهُوَ ذُو لِسَانَيْنِ فِي النَّارِ-

يَا أَبَا ذَرٍّ الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ وَ إِفْشَاءُ سِرِّ أَخِيكَ خِيَانَةٌ- فَاجْتَنِبْ ذَلِكَ وَ اجْتَنِبْ مَجْلِسَ الْعَشِيرَةِ-

يَا أَبَا ذَرٍّ تُعْرَضُ أَعْمَالُ أَهْلِ الدُّنْيَا عَلَى اللَّهِ- مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ فِي يَوْمَيْنِ الْإِثْنَيْنِ وَ الْخَمِيسِ- فَيَغْفِرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلَّا عَبْداً كَانَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ (1) فَقَالَ اتْرُكُوا عَمَلَ هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا

يَا أَبَا ذَرٍّ إِيَّاكَ وَ هِجْرَانَ أَخِيكَ فَإِنَّ الْعَمَلَ لَا يُتَقَبَّلُ مِنَ الْهِجْرَانِ‏

____________

(1) الشحناء: العداوة امتلئت منها النفس.

90

يَا أَبَا ذَرٍّ أَنْهَاكَ عَنِ الْهِجْرَانِ- وَ إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلَا تَهْجُرْهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَمَلًا- فَمَنْ مَاتَ فِيهَا مُهَاجِراً لِأَخِيهِ كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ-

يَا أَبَا ذَرٍّ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَاماً (1)- فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ- يَا أَبَا ذَرٍّ مَنْ مَاتَ وَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ- لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ قَبْلَ ذَلِكَ- فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَيُعْجِبُنِي الْجَمَالُ- حَتَّى وَدِدْتُ أَنَّ عِلَاقَةَ سَوْطِي وَ قِبَالَ نَعْلِي حَسَنٌ- فَهَلْ يُرْهَبُ عَلَى ذَلِكَ- قَالَ كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ قَالَ أَجِدُهُ عَارِفاً لِلْحَقِّ مُطْمَئِنّاً إِلَيْهِ- قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ بِالْكِبْرِ- وَ لَكِنَّ الْكِبْرَ أَنْ تَتْرُكَ الْحَقَّ وَ تَتَجَاوَزَهُ إِلَى غَيْرِهِ- وَ تَنْظُرَ إِلَى النَّاسِ وَ لَا تَرَى أَنَّ أَحَداً عِرْضُهُ كَعِرْضِكَ وَ لَا دَمُهُ كَدَمِكَ-

يَا أَبَا ذَرٍّ أَكْثَرُ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ الْمُسْتَكْبِرُونَ- فَقَالَ رَجُلٌ وَ هَلْ يَنْجُو مِنَ الْكِبْرِ أَحَدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ- قَالَ نَعَمْ مَنْ لَبِسَ الصُّوفَ وَ رَكِبَ الْحِمَارَ- وَ حَلَبَ الْعَنْزَ (2) وَ جَالَسَ الْمَسَاكِينَ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ مَنْ حَمَلَ بِضَاعَتَهُ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الْكِبْرِ- يَعْنِي مَا يَشْتَرِي مِنَ السُّوقِ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ- لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

يَا أَبَا ذَرٍّ إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ- وَ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ كَعْبَيْهِ-

يَا أَبَا ذَرٍّ- مَنْ رَفَعَ ذَيْلَهُ وَ خَصَفَ نَعْلَهُ وَ عَفَّرَ وَجْهَهُ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الْكِبْرِ

يَا أَبَا ذَرٍّ- مَنْ كَانَ لَهُ قَمِيصَانِ فَلْيَلْبَسْ أَحَدَهُمَا وَ لْيُلْبِسِ الْآخَرَ أَخَاهُ‏

يَا أَبَا ذَرٍّ- سَيَكُونُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي يُولَدُونَ فِي النَّعِيمِ وَ يُغَذَّوْنَ بِهِ- هِمَّتُهُمْ أَلْوَانُ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ وَ يُمْدَحُونَ بِالْقَوْلِ- أُولَئِكَ شِرَارُ أُمَّتِي‏

يَا أَبَا ذَرٍّ- مَنْ تَرَكَ لُبْسَ الْجَمَالِ وَ هُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ تَوَاضُعاً لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- فَقَدْ كَسَاهُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ-

يَا أَبَا ذَرٍّ طُوبَى لِمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي غَيْرِ مَنْقَصَةٍ- وَ أَذَلَّ نَفْسَهُ فِي غَيْرِ مَسْكَنَةٍ وَ أَنْفَقَ مَالًا جَمَعَهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ- وَ رَحِمَ أَهْلَ الذُّلِّ وَ الْمَسْكَنَةِ وَ خَالَطَ أَهْلَ الْفِقْهِ وَ الْحِكْمَةِ

____________

(1) مثل بين يديه مثولا: انتصب قائما.

(2) في المصدر «حلب الشاة».

91

طُوبَى لِمَنْ صَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ- وَ حَسُنَتْ عَلَانِيَتُهُ وَ عَزَلَ عَنِ النَّاسِ شَرَّهُ- طُوبَى لِمَنْ عَمِلَ بِعِلْمِهِ وَ أَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ- وَ أَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ قَوْلِهِ-

يَا أَبَا ذَرٍّ الْبَسِ الْخَشِنَ مِنَ اللِّبَاسِ- وَ الصَّفِيقَ مِنَ الثِّيَابِ‏ (1) لِئَلَّا يَجِدَ الْفَخْرُ فِيكَ مَسْلَكاً

يَا أَبَا ذَرٍّ- يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ يَلْبَسُونَ الصُّوفَ فِي صَيْفِهِمْ وَ شِتَائِهِمْ- يَرَوْنَ أَنَّ لَهُمُ الْفَضْلَ بِذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِمْ- أُولَئِكَ تَلْعَنُهُمْ مَلَائِكَةُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ-

يَا أَبَا ذَرٍّ أَ لَا أُخْبِرُكَ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ- قَالَ كُلُّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ بِهِ‏ (2)- لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ.

أقول وجدت في بعض نسخ الأمالي و كانت مصحّحة قديمة أملى علينا الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن (قدس الله روحه) يوم الجمعة الرابع من المحرم سنة سبع و خمسين و أربعمائة قال أخبرنا جماعة عن أبي المفضل‏ و ساق الحديث إلى آخره- و رواه الشيخ في أماليه‏ (3) عن جماعة عن أبي المفضل قال حدثنا رجاء بن يحيى أبو الحسين العبرتائي الكاتب‏ (4) سنة أربع عشرة و ثلاثمائة و فيها مات عن محمد بن الحسن بن شمون عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم عن الفضيل بن يسار عن وهب بن عبد الله بن أبي ذبى الهنائي عن أبي الحرب بن أبي الأسود الدؤلي‏ مثله- و رواه الورام في جامعه‏ (5) أيضا.

____________

(1) ثوب صفيق: كثيف نسجه.

(2) أي لا يلتفت إليه و لا يعتد به. و الطمر- بالكسر- الثوب الخلق.

(3) الأمالي ج 2 ص 138.

(4) العبرتائى بالعين المهملة المفتوحة و الباء الموحدة و الراء المهملة و التاء المثناة فوق. و الكاتب كذا في (جش و صه) بخط المصنّف و في هامش جامع الرواة قال و في نسخة من «صه» للشهيد الثاني «كايب بن يحيى» و ضبطه بالباء بعد الياء.

(5) تنبيه الخواطر ج 2 ص 51.

92

باب 5 وصية النبي ص إلى عبد الله بن مسعود

1- مكا (1)، مكارم الأخلاق‏

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ (2) قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَ خَمْسَةُ رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِنَا يَوْماً عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص وَ قَدْ أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ وَ لَمْ يَكُنْ ذُقْنَا مُنْذُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ إِلَّا الْمَاءَ وَ اللَّبَنَ وَ وَرَقَ الشَّجَرِ- قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَى مَتَى نَحْنُ عَلَى هَذِهِ الْمَجَاعَةِ الشَّدِيدَةِ- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَا تَزَالُونَ فِيهَا مَا عِشْتُمْ- فَأَحْدِثُوا لِلَّهِ شُكْراً فَإِنِّي قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيَّ- وَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلِي- فَمَا وَجَدْتُ مَنْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا الصَّابِرُونَ-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى- إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ‏ (3) أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا (4)- إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ‏ (5)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى- وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً (6)- أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا (7)- يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى‏ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ- مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ (8)- وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ‏

____________

(1) مكارم الأخلاق ص 519.

(2) عبد اللّه بن مسعود من أصحاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بجله و أطراه قوم و جرحه آخرون.

(3) الزمر: 14. و قوله‏ «بِغَيْرِ حِسابٍ» أى لا يهتدى إليه حساب الحساب.

(4) الفرقان: 75. و الغرفة أعلى درجات الجنة و ذلك بما صبروا من المشاق.

(5) المؤمنون: 113.

(6) الدهر: 12. اى بما صبروا على أداء الواجبات و اجتناب المحرمات «جنة» أى بستانا و «حريرا» يلبسونه.

(7) القصص: 54.

(8) البقرة: 213. قوله «لما» اصله «لم» و زيدت «ما» و فيها توقع. و البأساء: الفقر و الضراء: الوجع.

93

بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ- وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ‏ (1) قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنِ الصَّابِرُونَ- قَالَ ص الَّذِينَ يَصْبِرُونَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ- وَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ الَّذِينَ كَسَبُوا طَيِّباً- وَ أَنْفَقُوا قَصْداً وَ قَدَّمُوا فَضْلًا فَأَفْلَحُوا وَ أَنْجَحُوا-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ عَلَيْهِمُ الْخُشُوعُ وَ الْوَقَارُ وَ السَّكِينَةُ- وَ التَّفَكُّرُ وَ اللِّينُ وَ الْعَدْلُ وَ التَّعْلِيمُ- وَ الِاعْتِبَارُ وَ التَّدْبِيرُ وَ التَّقْوَى وَ الْإِحْسَانُ- وَ التَّحَرُّجُ‏ (2) وَ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَ الْبُغْضُ فِي اللَّهِ- وَ أَدَاءُ الْأَمَانَةِ وَ الْعَدْلُ فِي الْحُكْمِ وَ إِقَامَةُ الشَّهَادَةِ- وَ مُعَاوَنَةُ أَهْلِ الْحَقِّ وَ الْبَغِيَّةُ عَلَى الْمُسِي‏ءِ (3) وَ الْعَفْوُ لِمَنْ ظَلَمَ-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ إِذَا ابْتُلُوا صَبَرُوا- وَ إِذَا أُعْطُوا شَكَرُوا وَ إِذَا حَكَمُوا عَدَلُوا وَ إِذَا قَالُوا صَدَقُوا وَ إِذَا عَاهَدُوا وَفَوْا- وَ إِذَا أَسَاءُوا اسْتَغْفَرُوا وَ إِذَا أَحْسَنُوا اسْتَبْشَرُوا وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً- وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً- وَ الَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَ قِياماً وَ يَقُولُونَ لِلنَّاسِ حُسْناً-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ وَ الَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ هُمُ الْفَائِزُونَ‏

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ- فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ- فَهُوَ عَلى‏ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ‏- فَإِنَّ النُّورَ إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ انْشَرَحَ وَ انْفَسَحَ- فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ عَلَامَةٍ قَالَ نَعَمْ التَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ- وَ الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ- وَ الِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ الْفَوْتِ- فَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا قَصُرَ أَمَلُهُ فِيهَا وَ تَرَكَهَا لِأَهْلِهَا-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى‏ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (4)- يَعْنِي أَيُّكُمْ أَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا- إِنَّهَا دَارُ الْغُرُورِ وَ دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ وَ لَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ- إِنَ‏

____________

(1) البقرة: 155.

(2) التحرج: التجنب.

(3) بغى يبغى بغاء- بضم الباء و بغيا- بفتحها- و بغى و بغية- بالضم- و بغية بالكسر- عليه تعدى و جنى و استطال عليه و ظلمه.

(4) هود: 7. الملك: 2.

94

أَحْمَقَ النَّاسِ مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ- كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا- ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ (1)- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏ وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (2) يَعْنِي الزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا-

وَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُوسَى يَا مُوسَى إِنَّهُ لَنْ يَتَزَيَّنَ الْمُتَزَيِّنُونَ بِزِينَةٍ أَزْيَنَ فِي عَيْنَيَّ مِثْلَ الزُّهْدِ- يَا مُوسَى إِذَا رَأَيْتَ الْفَقْرَ مُقْبِلًا فَقُلْ مَرْحَباً بِشِعَارِ الصَّالِحِينَ- وَ إِذَا رَأَيْتَ الْغِنَى مُقْبِلًا فَقُلْ ذَنْبٌ عُجِّلَتْ عُقُوبَتُهُ-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى- وَ لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً- لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَ مَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ- وَ لِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَ سُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ- وَ زُخْرُفاً وَ إِنْ كُلُّ ذلِكَ- لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ‏ (3)- وَ قَوْلُهُ‏ مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً- وَ مَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَ سَعى‏ لَها سَعْيَها وَ هُوَ مُؤْمِنٌ- فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (4)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ مَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَارَعَ فِي الْخَيْرَاتِ- وَ مَنْ خَافَ النَّارَ تَرَكَ الشَّهَوَاتِ- وَ مَنْ تَرَقَّبَ الْمَوْتَ أَعْرَضَ عَنِ اللَّذَّاتِ- وَ مَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا هَانَتْ عَلَيْهِ الْمُصِيبَاتُ-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ قَوْلُهُ تَعَالَى- زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِينَ وَ الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ- وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ الْآيَةَ (5)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مُوسَى بِالْكَلَامِ وَ الْمُنَاجَاةِ- حِينَ تُرَى خُضْرَةُ الْبَقْلِ مِنْ بَطْنِهِ مِنْ هُزَالِهِ‏ (6)- وَ مَا سَأَلَ مُوسَى حِينَ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ إِلَّا طَعَاماً

____________

(1) الحديد: 19.

(2) مريم: 13.

(3) الزخرف: 32- 34.

(4) الإسراء: 19 و 20.

(5) آل عمران: 12.

(6) الهزال: قلة اللحم و الشحم، نقيض السمن.

95

يَأْكُلُهُ مِنْ جُوعٍ-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ إِنْ شِئْتَ نَبَّأْتُكَ بِأَمْرِ نُوحٍ نَبِيِّ اللَّهِ(ع) أَنَّهُ عَاشَ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً يَدْعُو إِلَى اللَّهِ- فَكَانَ إِذَا أَصْبَحَ قَالَ لَا أُمْسِي وَ إِذَا أَمْسَى- قَالَ لَا أُصْبِحُ فَكَانَ لِبَاسُهُ الشَّعْرَ وَ طَعَامُهُ الشَّعِيرَ- وَ إِنْ شِئْتَ نَبَّأْتُكَ بِأَمْرِ دَاوُدَ(ع)خَلِيفَةِ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ وَ كَانَ لِبَاسُهُ الشَّعْرَ وَ طَعَامُهُ الشَّعِيرَ- وَ إِنْ شِئْتَ نَبَّأْتُكَ بِأَمْرِ سُلَيْمَانَ(ع)مَعَ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْمُلْكِ- كَانَ يَأْكُلُ الشَّعِيرَ وَ يُطْعِمُ النَّاسَ الْحُوَّارَى‏ (1)- وَ كَانَ لِبَاسُهُ الشَّعْرَ وَ كَانَ إِذَا جَنَّهُ اللَّيْلُ شَدَّ يَدَهُ إِلَى عُنُقِهِ- فَلَا يَزَالُ قَائِماً يُصَلِّي حَتَّى يُصْبِحَ- وَ إِنْ شِئْتَ نَبَّأْتُكَ بِأَمْرِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ(ع) كَانَ لِبَاسُهُ الصُّوفَ وَ طَعَامُهُ الشَّعِيرَ- وَ إِنْ شِئْتَ نَبَّأْتُكَ بِأَمْرِ يَحْيَى(ع)كَانَ لِبَاسُهُ اللِّيفَ- وَ كَانَ يَأْكُلُ وَرَقَ الشَّجَرِ- وَ إِنْ شِئْتَ نَبَّأْتُكَ بِأَمْرِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ(ع)وَ هُوَ الْعَجَبُ- كَانَ يَقُولُ إِدَامِيَ الْجُوعُ وَ شِعَارِيَ الْخَوْفُ وَ لِبَاسِيَ الصُّوفُ- وَ دَابَّتِي رِجْلَايَ وَ سِرَاجِي بِاللَّيْلِ الْقَمَرُ- وَ صَلَايَ‏ (2) فِي الشِّتَاءِ مَشَارِقُ الشَّمْسِ- وَ فَاكِهَتِي وَ رَيْحَانَتِي بُقُولُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ الْوُحُوشُ وَ الْأَنْعَامُ- وَ أَبِيتُ وَ لَيْسَ لِي شَيْ‏ءٌ وَ أُصْبِحُ وَ لَيْسَ لِي شَيْ‏ءٌ- وَ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ أَغْنَى مِنِّي-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ كُلُّ هَذَا مِنْهُمْ يُبْغِضُونَ مَا أَبْغَضَ اللَّهُ- وَ يُصَغِّرُونَ مَا صَغَّرَ اللَّهُ وَ يُزْهِدُونَ مَا أَزْهَدَ اللَّهُ- وَ قَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ فَقَالَ لِنُوحٍ- إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (3)- وَ قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ‏ اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا (4)- وَ قَالَ لِدَاوُدَ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ‏ (5)- وَ قَالَ لِمُوسَى‏ وَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى‏ تَكْلِيماً (6)- وَ قَالَ أَيْضاً لِمُوسَى(ع)وَ قَرَّبْناهُ نَجِيًّا (7)- وَ قَالَ لِيَحْيَى(ع)وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ‏

____________

(1) الحوارى- بالضم و تشديد الواو المفتوحة: الدقيق الابيض.

(2) في المصدر «اصطلائى في الشتاء» و صلى بالنار و اصطلى استدفأ بها.

(3) الإسراء: 3.

(4) النساء: 124.

(5) ص: 25.

(6) النساء: 164.

(7) مريم: 53.

96

صَبِيًّا (1)- وَ قَالَ لِعِيسَى(ع)يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ- اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَ عَلى‏ والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَ كَهْلًا- إِلَى قَوْلِهِ‏ وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي‏ (2)- وَ قَالَ‏ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ- وَ يَدْعُونَنا رَغَباً وَ رَهَباً وَ كانُوا لَنا خاشِعِينَ‏ (3) يَا ابْنَ مَسْعُودٍ كُلُّ ذَلِكَ لِمَا خَوَّفَهُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ قَوْلِهِ- وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ- لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ‏ (4)- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏ وَ جِي‏ءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ الشُّهَداءِ- وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ‏ (5)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ النَّارُ لِمَنْ رَكِبَ مُحَرَّماً وَ الْجَنَّةُ لِمَنْ تَرَكَ الْحَلَالَ- فَعَلَيْكَ بِالزُّهْدِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُبَاهِي اللَّهُ بِهِ الْمَلَائِكَةَ- وَ بِهِ يُقْبِلُ اللَّهُ عَلَيْكَ بِوَجْهِهِ- وَ يُصَلِّي عَلَيْكَ الْجَبَّارُ-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ- سَيَأْتِي مِنْ بَعْدِي أَقْوَامٌ يَأْكُلُونَ طَيِّبَ الطَّعَامِ وَ أَلْوَانَهَا- وَ يَرْكَبُونَ الدَّوَابَّ وَ يَتَزَيَّنُونَ بِزِينَةِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا- وَ يَتَبَرَّجُونَ تَبَرُّجَ النِّسَاءِ وَ زِيُّهُنَّ مِثْلُ زِيِّ الْمُلُوكِ الْجَبَابِرَةِ- وَ هُمْ مُنَافِقُو هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ- شَارِبُونَ بِالْقَهَوَاتِ لَاعِبُونَ بِالْكِعَابِ‏ (6) رَاكِبُونَ الشَّهَوَاتِ- تَارِكُونَ الْجَمَاعَاتِ رَاقِدُونَ عَنِ الْعَتَمَاتِ‏ (7) مُفْرِطُونَ فِي الْعَدَوَاتِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى- فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ- وَ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (8)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ مَثَلُهُمْ مَثَلُ الدِّفْلَى‏ (9) زَهْرَتُهَا حَسَنَةٌ وَ طَعْمُهَا مُرٌّ- كَلَامُهُمُ الْحِكْمَةُ

____________

(1) مريم: 13.

(2) المائدة: 109.

(3) الأنبياء: 90.

(4) الحجر: 43 و 44.

(5) الزمر: 69.

(6) القهوات جمع قهوة و المراد بها هنا الخمر ظاهرا و الكعاب بالكسر خصوص النرد، و في بعض النسخ «شاربوا القهوات».

(7) يعني لم يصلوا العتمة و ينامون عنها.

(8) مريم: 6.

(9) مرّ معناه سابقا أنّه بالفارسية خرزهرة.

97

وَ أَعْمَالُهُمْ دَاءٌ لَا يَقْبَلُ الدَّوَاءَ- أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى‏ قُلُوبٍ أَقْفالُها-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ مَا يُغْنِي مَنْ يَتَنَعَّمُ فِي الدُّنْيَا إِذَا أُخْلِدَ فِي النَّارِ- يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ‏- يَبْنُونَ الدُّورَ وَ يُشَيِّدُونَ الْقُصُورَ وَ يُزَخْرِفُونَ الْمَسَاجِدَ- وَ لَيْسَتْ هِمَّتُهُمْ إِلَّا الدُّنْيَا- عَاكِفُونَ عَلَيْهَا مُعْتَمِدُونَ فِيهَا آلِهَتُهُمْ بُطُونُهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏ وَ تَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ- وَ إِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ‏ (1)- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى- أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ- وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى‏ عِلْمٍ وَ خَتَمَ عَلى‏ سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ‏- إِلَى قَوْلِهِ‏ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ‏ (2)- وَ مَا هُوَ إِلَّا مُنَافِقٌ جَعَلَ دِينَهُ هَوَاهُ- وَ إِلَهَهُ بَطْنَهُ كُلَّمَا اشْتَهَى مِنَ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْهُ- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏ وَ فَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا- وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ‏ (3)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ مَحَارِيبُهُمْ‏ (4) نِسَاؤُهُمْ- وَ شَرَفُهُمُ الدَّرَاهِمُ وَ الدَّنَانِيرُ وَ هِمَّتُهُمْ بُطُونُهُمْ أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْأَشْرَارِ الْفِتْنَةُ مَعَهُمْ وَ إِلَيْهِمْ يَعُودُ-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى‏ أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ- ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ- ما أَغْنى‏ عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ‏ (5)

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ أَجْسَادُهُمْ لَا تَشْبَعُ وَ قُلُوبُهُمْ لَا تَخْشَعُ-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ الْإِسْلَامُ بَدَأَ غَرِيباً وَ سَيَعُودُ غَرِيباً كَمَا بَدَأَ- فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ الزَّمَانَ مِنْ أَعْقَابِكُمْ فَلَا تُسَلِّمُوا فِي نَادِيهِمْ- وَ لَا تُشَيِّعُوا جَنَائِزَهُمْ- وَ لَا تَعُودُوا مَرْضَاهُمْ- فَإِنَّهُمْ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِكُمْ وَ يُظْهِرُونَ بِدَعْوَاكُمْ- وَ يُخَالِفُونَ أَفْعَالَكُمْ فَيَمُوتُونَ عَلَى غَيْرِ مِلَّتِكُمْ- أُولَئِكَ لَيْسُوا مِنِّي وَ لَا أَنَا مِنْهُمْ- فَلَا تَخَافَنَّ أَحَداً غَيْرَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ- أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ (6)

____________

(1) الشعراء: 129- 131.

(2) الجاثية: 22.

(3) الرعد: 26.

(4) المحاريب: جمع محراب.

(5) الشعراء: 205- 207.

(6) النساء: 78.

98

وَ يَقُولُ‏ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا- انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ‏ إِلَى قَوْلِهِ‏ وَ غَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ- فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ- وَ لا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (1)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ مِنِّي- وَ مِنْ جَمِيعِ الْمُرْسَلِينَ وَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَ عَلَيْهِمْ غَضَبُ اللَّهِ وَ سُوءُ الْحِسَابِ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- وَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ‏- إِلَى قَوْلِهِ‏ وَ لكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ‏ (2)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ أُولَئِكَ يُظْهِرُونَ الْحِرْصَ الْفَاحِشَ- وَ الْحَسَدَ الظَّاهِرَ وَ يَقْطَعُونَ الْأَرْحَامَ وَ يَزْهَدُونَ فِي الْخَيْرِ- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ- أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (3)- وَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى- مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها- كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً (4)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ- الصَّابِرُ عَلَى دِينِهِ مِثْلُ الْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرَةِ بِكَفِّهِ- يَقُولُ لِذَلِكَ الزَّمَانِ- إِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ ذِئْباً وَ إِلَّا أَكَلَتْهُ الذِّئْبُ‏ (5):

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ عُلَمَاؤُهُمْ وَ فُقَهَاؤُهُمْ خَوَنَةٌ فَجَرَةٌ- أَلَا إِنَّهُمْ أَشْرَارُ خَلْقِ اللَّهِ وَ كَذَلِكَ أَتْبَاعُهُمْ- وَ مَنْ يَأْتِيهِمْ وَ يَأْخُذُ مِنْهُمْ وَ يُحِبُّهُمْ- وَ يُجَالِسُهُمْ وَ يُشَاوِرُهُمْ أَشْرَارُ خَلْقِ اللَّهِ- يُدْخِلُهُمْ نَارَ جَهَنَّمَ‏ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ‏- (6) وَ نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى‏ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَ بُكْماً وَ صُمًّا- مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً (7) كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ‏

____________

(1) الحديد: 14 و 15.

(2) المائدة: 82- 84.

(3) الرعد: 25.

(4) الجمعة: 5.

(5) كذا.

(6) البقرة: 17.

(7) الإسراء: 97: و الخبوت: سكون النار.

99

بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ‏ (1)- وَ إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَ هِيَ تَفُورُ- تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ (2)- كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها- وَ قِيلَ لَهُمْ‏ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ‏ (3)- لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَ هُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ‏ (4) يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ عَلَى دِينِي وَ سُنَّتِي وَ مِنْهَاجِي وَ شَرَائِعِي- إِنَّهُمْ مِنِّي بِرَاءٌ وَ أَنَا مِنْهُمْ بَرِي‏ءٌ-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ لَا تُجَالِسُوهُمْ فِي الْمَلَإِ- وَ لَا تُبَايِعُوهُمْ فِي الْأَسْوَاقِ وَ لَا تَهْدُوهُمُ الطَّرِيقَ وَ لَا تَسْقُوهُمُ الْمَاءَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏ مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها- نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَ هُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ‏ الْآيَةَ (5)- يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى- مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ‏ (6)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ مَا بَلْوَى أُمَّتِي بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةُ وَ الْبَغْضَاءُ وَ الْجِدَالُ- أُولَئِكَ أَذِلَّاءُ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي دُنْيَاهُمْ- وَ الَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَيَخْسِفَنَّ اللَّهُ بِهِمْ- وَ يَمْسَخُهُمْ قِرَدَةً وَ خَنَازِيرَ قَالَ فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ وَ بَكَيْنَا لِبُكَائِهِ وَ قُلْنَا- يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُبْكِيكَ قَالَ رَحْمَةً لِلْأَشْقِيَاءِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى- وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ‏ (7) يَعْنِي الْعُلَمَاءَ وَ الْفُقَهَاءَ-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ يُرِيدُ بِهِ الدُّنْيَا- وَ آثَرَ عَلَيْهِ حُبَّ الدُّنْيَا وَ زِينَتَهَا اسْتَوْجَبَ سَخَطَ اللَّهِ عَلَيْهِ- وَ كَانَ‏ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ مَعَ الْيَهُودِ وَ النَّصَارَى- الَّذِينَ نَبَذُوا كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى- فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ‏ (8)

____________

(1) النساء: 55 و قوله تعالى‏ «نَضِجَتْ» أى احترقت.

(2) الملك: 6 و 7 و الشهيق: الصوت المنكر كصوت الحمار. و هي تفور أي تغلى.

«تكاد تميز» أي تتقطع.

(3) الحجّ: 22.

(4) الأنبياء: 100 و قوله‏ «زَفِيرٌ» صوت كصوت الحمار و المراد شدة تنفسهم.

(5) هود: 15.

(6) الشورى: 19.

(7) السبأ: 50.

(8) البقرة: 84.

100

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ لِلدُّنْيَا وَ زِيْنَتَهَا- حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَ لَمْ يَعْمَلْ بِمَا فِيهِ- حَشَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى- وَ مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ رِيَاءً وَ سُمْعَةً يُرِيدُ بِهِ الدُّنْيَا- نَزَعَ اللَّهُ بَرَكَتَهُ وَ ضَيَّقَ عَلَيْهِ مَعِيشَتَهُ- وَ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ وَ مَنْ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ فَقَدْ هَلَكَ- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً- وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (1)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ فَلْيَكُنْ جُلَسَاؤُكَ الْأَبْرَارَ- وَ إِخْوَانُكَ الْأَتْقِيَاءَ وَ الزُّهَّادَ- لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ‏ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ‏ (2)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ- اعْلَمْ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْمَعْرُوفَ مُنْكَراً وَ الْمُنْكَرَ مَعْرُوفاً- فَفِي ذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ- فَلَا يَكُونُ فِيهِمُ الشَّاهِدُ بِالْحَقِّ وَ لَا الْقَوَّامُونَ بِالْقِسْطِ- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏ كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ- وَ لَوْ عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ‏ (3)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ يَتَفَاضَلُونَ بِأَحْسَابِهِمْ وَ أَمْوَالِهِمْ- يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى‏ وَ ما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى‏- إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى‏- وَ لَسَوْفَ يَرْضى‏ (4)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ عَلَيْكَ بِخَشْيَةِ اللَّهِ وَ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ- فَإِنَّهُ يَقُولُ‏ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى‏ وَ أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (5)- وَ يَقُولُ‏ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ‏ (6)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ دَعْ عَنْكَ مَا لَا يَعْنِيكَ- وَ عَلَيْكَ بِمَا يُغْنِيكَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ‏ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ‏ (7)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ إِيَّاكَ أَنْ تَدَعَ طَاعَةً وَ تَقْصِدَ مَعْصِيَةً شَفَقَةً عَلَى أَهْلِكَ- لِأَنَّ اللَّهَ‏

____________

(1) الكهف: 110.

(2) الزخرف: 67. و الاخلاء: الاحباء.

(3) النساء: 134. قوامين أي دائمين على القيام بالعدل.

(4) الليل: 19- 21.

(5) المدّثّر: 55.

(6) البينة: 8.

(7) عبس: 37.

101

تَعَالَى يَقُولُ- يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ- وَ اخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَ لا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً- إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا- وَ لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (1)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ احْذَرِ الدُّنْيَا وَ لَذَّاتِهَا وَ شَهَوَاتِهَا- وَ زِينَتَهَا وَ أَكْلَ الْحَرَامِ وَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ- وَ الْمَرَاكِبَ وَ النِّسَاءَ وَ الْبَنِينَ وَ الْقَنَاطِيرَ الْمُقَنْطَرَةَ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ- ... وَ الْأَنْعَامَ وَ الْحَرْثَ‏ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا- وَ اللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ- قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ- جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها- وَ أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (2)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ لَا تَغْتَرَّنَّ بِاللَّهِ- وَ لَا تَغْتَرَّنَّ بِصَلَاتِكَ وَ عَمَلِكَ وَ بِرِّكَ وَ عِبَادَتِكَ‏

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ إِذَا تَلَوْتَ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى- فَأَتَيْتَ عَلَى آيَةٍ فِيهَا أَمْرٌ وَ نَهْيٌ- فَرَدِّدْهَا نَظَراً وَ اعْتِبَاراً فِيهَا- وَ لَا تَسْهُ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّ نَهْيَهُ يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْمَعَاصِي- وَ أَمْرَهُ يَدُلُّ عَلَى عَمَلِ الْبِرِّ وَ الصَّلَاحِ- فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ‏ فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَ وُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ‏ (3)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ لَا تُحَقِّرَنَّ ذَنْباً وَ لَا تُصَغِّرَنَّهُ وَ اجْتَنِبِ الْكَبَائِرَ- فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا نَظَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى ذُنُوبِهِ- دَمَعَتْ عَيْنَاهُ قَيْحاً وَ دَماً- يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى‏ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً- وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً (4)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ إِذَا قِيلَ لَكَ اتَّقِ اللَّهَ فَلَا تَغْضَبْ- فَإِنَّهُ يَقُولُ‏ وَ إِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ‏ (5)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ قَصِّرْ أَمَلَكَ فَإِذَا أَصْبَحْتَ- فَقُلْ إِنِّي لَا أُمْسِي وَ إِذَا أَمْسَيْتَ فَقُلْ إِنِّي لَا أُصْبِحُ- وَ اعْزِمْ عَلَى مُفَارَقَةِ الدُّنْيَا وَ أَحِبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَ لَا تَكْرَهْ لِقَاءَهُ- فَإِنَّ اللَّهَ‏

____________

(1) لقمان: 32 و 33. و الغرور بفتح الغين و المراد به الشيطان.

(2) مأخوذة من آل عمران: 12 و 13.

(3) آل عمران: 24.

(4) آل عمران: 28.

(5) البقرة: 202.

102

يُحِبُّ لِقَاءَ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَهُ وَ يَكْرَهُ لِقَاءَ مَنْ يَكْرَهُ لِقَاءَهُ-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ لَا تَغْرِسِ الْأَشْجَارَ- وَ لَا تجري [تُجْرِ الْأَنْهَارَ (1) وَ لَا تُزَخْرِفِ الْبُنْيَانَ وَ لَا تَتَّخِذِ الْحِيطَانَ وَ الْبُسْتَانَ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ‏ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (2)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ وَ الَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ- لَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ يُسَمُّونَهُ النَّبِيذَ عَلَيْهِمْ‏ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ‏- أَنَا مِنْهُمْ بَرِي‏ءٌ وَ هُمْ مِنِّي بُرَآءُ-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ الزَّانِي بِأُمِّهِ أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ- مِمَّنْ يُدْخِلُ فِي مَالِهِ مِنَ الرِّبَا مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ- وَ مَنْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيراً- فَهُوَ أَشَدُّ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ آكِلِ الرِّبَا لِأَنَّهُ مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ- أُولَئِكَ يَظْلِمُونَ الْأَبْرَارَ وَ يُصَدِّقُونَ الْفُجَّارَ وَ الْفَسَقَةَ- الْحَقُّ عِنْدَهُمْ بَاطِلٌ وَ الْبَاطِلُ عِنْدَهُمْ حَقٌّ- هَذَا كُلُّهُ لِلدُّنْيَا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ- وَ لَكِنْ‏ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ- فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ‏- رَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَ اطْمَأَنُّوا بِها- وَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ- أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ‏-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ رَدَّ عَنْ ذِكْرِي وَ ذِكْرِ الْآخِرَةِ (3)- نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ- وَ إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ- حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ- يا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ‏ (4)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ إِنَّهُمْ لَيَعِيبُونَ عَلَى مَنْ يَقْتَدِي بِسُنَّتِي فَرَائِضَ اللَّهِ- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي- وَ كُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ- إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ‏ (5)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ احْذَرْ سُكْرَ الْخَطِيئَةِ- فَإِنَّ لِلْخَطِيئَةِ سُكْراً كَسُكْرِ الشَّرَابِ- بَلْ هِيَ‏

____________

(1) أي لإكثار الثروة لا مطلقا.

(2) التكاثر: 1.

(3) كذا و في المصدر «وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ‏- الآية» أي و من يعرض عن القرآن.

(4) الزخرف 35- 37. و قوله‏ «نُقَيِّضْ» أى نهيئ، و قيض اللّه فلانا لفلان أي أتاحه.

(5) المؤمنون 112 و 113.

103

أَشَدُّ سُكْراً مِنْهُ- يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى‏ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ‏ (1)- وَ يَقُولُ‏ إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها- لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا- وَ إِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً (2)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَنْ فِيهَا- مَلْعُونٌ مَنْ طَلَبَهَا وَ أَحَبَّهَا وَ نَصَبَ لَهَا وَ تَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى‏ كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ- وَ يَبْقى‏ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ‏ (3)- وَ قَوْلُهُ‏ كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏ (4)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ إِذَا عَمِلْتَ عَمَلًا فَاعْمَلْ لِلَّهِ خَالِصاً- لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ مِنْ عِبَادِهِ الْأَعْمَالَ إِلَّا مَا كَانَ خَالِصاً- فَإِنَّهُ يَقُولُ‏ وَ ما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى‏- إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى‏- وَ لَسَوْفَ يَرْضى‏ (5)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ دَعْ نَعِيمَ الدُّنْيَا وَ أَكْلَهَا وَ حَلَاوَتَهَا- وَ حَارَّهَا وَ بَارِدَهَا وَ لَيِّنَهَا وَ طَيِّبَهَا- وَ أَلْزِمْ نَفْسَكَ الصَّبْرَ عَنْهَا فَإِنَّكَ مَسْئُولٌ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏ ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ‏ (6)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ فَلَا تُلْهِيَنَّكَ الدُّنْيَا وَ شَهَوَاتُهَا- فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ‏ أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ‏ (7)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ إِذَا عَمِلْتَ عَمَلًا مِنَ الْبِرِّ وَ أَنْتَ تُرِيدُ بِذَلِكَ غَيْرَ اللَّهِ- فَلَا تَرْجُ بِذَلِكَ مِنْهُ ثَوَاباً فَإِنَّهُ يَقُولُ- فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (8)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ إِذَا مَدَحَكَ النَّاسُ- فَقَالُوا إِنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَ أَنْتَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ- فَلَا تَفْرَحْ بِذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ- لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا- فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ (9)

____________

(1) البقرة: 17.

(2) الكهف: 6 و 7.

(3) الرحمن 26 و 27.

(4) القصص: 88.

(5) الليل: 19- 21.

(6) التكاثر: 8.

(7) المؤمنون: 115.

(8) الكهف: 105.

(9) آل عمران: 185. و المفازة: المنجاة أي فائزين بالنجاة.

104

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ أَكْثِرْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَ الْبِرِّ- فَإِنَّ الْمُحْسِنَ وَ الْمُسِي‏ءَ يَنْدَمَانِ يَقُولُ الْمُحْسِنُ- يَا لَيْتَنِي ازْدَدْتُ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَ يَقُولُ الْمُسِي‏ءُ قَصَّرْتُ- وَ تَصْدِيقُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى‏ وَ لا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (1)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ لَا تُقَدِّمِ الذَّنْبَ وَ لَا تُؤَخِّرِ التَّوْبَةَ- وَ لَكِنْ قَدِّمِ التَّوْبَةَ وَ أَخِّرِ الذَّنْبَ- فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ‏ بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ‏ (2)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ إِيَّاكَ أَنْ تَسُنَّ سُنَّةً بِدْعَةً- فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَنَّ سُنَّةَ سَيِّئَةً لَحِقَهُ وِزْرُهَا وَ وِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏ وَ نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَ آثارَهُمْ‏ (3)- وَ قَالَ سُبْحَانَهُ‏ يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَ أَخَّرَ (4)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ لَا تَرْكَنْ إِلَى الدُّنْيَا- وَ لَا تَطْمَئِنَّ إِلَيْهَا فَسَتُفَارِقُهَا عَنْ قَلِيلٍ- فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ- فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ‏ وَ زُرُوعٍ وَ نَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ‏ (5)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ- اذْكُرِ الْقُرُونَ الْمَاضِيَةَ وَ الْمُلُوكَ الْجَبَابِرَةَ الَّذِينَ مَضَوْا- فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ‏ وَ عاداً وَ ثَمُودَ وَ أَصْحابَ الرَّسِّ وَ قُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً (6)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ انْظُرْ أَنْ تَدَعَ الذَّنْبَ‏ (7) سِرّاً وَ عَلَانِيَةً- صَغِيراً وَ كَبِيراً- فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَيْثُ مَا كُنْتَ يَرَاكَ وَ هُوَ مَعَكَ فَاجْتَنِبْهَا (8)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ اتَّقِ اللَّهَ فِي السِّرِّ وَ الْعَلَانِيَةِ وَ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ- وَ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ فَإِنَّهُ يَقُولُ- ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ- وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ- وَ لا أَدْنى‏ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا (9)

____________

(1) القيامة: 2.

(2) القيامة: 5.

(3) يس: 11.

(4) القيامة: 13.

(5) مضمون مأخوذ من الآيات الواردة في سورة الشعراء: 147 و 148 و سورة الدخان آية 24 و 25 لا لفظها و هذا من سهو الرواة و اعتمادهم على حافظتهم.

(6) الفرقان: 38.

(7) في المصدر «اياك و الذنب» و في بعض نسخه مثل ما في المتن.

(8) في المصدر و «هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ».

(9) المجادلة: 8.

105

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ اتَّخِذِ الشَّيْطَانَ عَدُوّاً- فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ‏ إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا (1)- وَ يَقُولُ عَنْ إِبْلِيسَ‏ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ- وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ‏ (2)- وَ يَقُولُ‏ فَالْحَقُّ وَ الْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ- وَ مِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ‏ (3)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ فَانْظُرْ أَنْ لَا تَأْكُلَ الْحَرَامَ- وَ لَا تَلْبَسَ الْحَرَامَ وَ لَا تَأْخُذَ مِنَ الْحَرَامِ وَ لَا تَعْصِ اللَّهَ- لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِإِبْلِيسَ‏ وَ اسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ- وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ وَ شارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ- وَ عِدْهُمْ وَ ما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً (4)- وَ قَالَ‏ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا- وَ لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ لَا تَقْرَبَنَّ مِنَ الْحَرَامِ مِنَ الْمَالِ وَ النِّسَاءِ (6)- فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ‏ وَ لِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ‏ (7)- وَ لَا تُؤْثِرَنَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ بِاللَّذَّاتِ وَ الشَّهَوَاتِ- فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ- فَأَمَّا مَنْ طَغى‏ وَ آثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى‏ (8)- يَعْنِي الدُّنْيَا الْمَلْعُونَةَ وَ الْمَلْعُونُ مَا فِيهَا إِلَّا مَا كَانَ لِلَّهِ-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ- لَا تَخُونَنَّ أَحَداً فِي مَالٍ يَضَعُهُ عِنْدَكَ أَوْ أَمَانَةٍ ائْتَمَنَكَ عَلَيْهَا- فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ- إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها (9)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ لَا تَتَكَلَّمْ إِلَّا بِالْعِلْمِ بِشَيْ‏ءٍ سَمِعْتَهُ وَ رَأَيْتَهُ- فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ‏ وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ- إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ‏

____________

(1) فاطر: 6.

(2) الأعراف: 16.

(3) ص: 85.

(4) الإسراء: 66.

(5) لقمان: 33، و فاطر: 5.

(6) في المصدر «يا ابن مسعود خف اللّه في السر و العلانية» مكان «لا تقربن إلخ».

(7) الرحمن: 46.

(8) النازعات: 37- 39.

(9) النساء: 58.

106

مَسْؤُلًا (1)- وَ قَالَ‏ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَ يُسْئَلُونَ‏ (2)- وَ قَالَ‏ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ- ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (3)- وَ قَالَ‏ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (4)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ لَا تَهْتَمَّنَّ لِلرِّزْقِ- فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ‏ وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها (5)- وَ قَالَ‏ وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ‏ (6)- وَ قَالَ‏ وَ إِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ- وَ إِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (7)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ وَ الَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبِيّاً- إِنَّ مَنْ يَدَعُ الدُّنْيَا وَ يُقْبِلُ عَلَى تِجَارَةِ الْآخِرَةِ- فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَتَّجِرُ لَهُ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ- وَ يُرْبِحُ اللَّهُ تِجَارَتَهُ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى- رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ- وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصارُ (8)

قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ- بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ لِي بِتِجَارَةِ الْآخِرَةِ فَقَالَ لَا تُرِيحَنَّ لِسَانَكَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ ذَلِكَ أَنْ تَقُولَ- سُبْحَانَ اللَّهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اللَّهُ أَكْبَرُ- فَهَذِهِ التِّجَارَةُ الْمُرْبِحَةُ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى- يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ- لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ‏ (9)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ كُلَّمَا أَبْصَرْتَهُ بِعَيْنِكَ وَ اسْتَحْلَاهُ قَلْبُكَ فَاجْعَلْهُ لِلَّهِ- فَذَلِكَ تِجَارَةُ الْآخِرَةِ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ- ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ‏ (10)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ وَ إِذَا تَكَلَّمْتَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ- وَ لَمْ تَعْرِفْ حَقَّهَا فَإِنَّهُ مَرْدُودٌ عَلَيْكَ وَ لَا يَزَالُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَرُدُّ غَضَبَ اللَّهِ عَنِ الْعِبَادِ- حَتَّى إِذَا لَمْ يُبَالُوا مَا يَنْقُصُ‏

____________

(1) الإسراء: 36.

(2) الزخرف: 18.

(3) ق: 16 و 17.

(4) ق: 15.

(5) هود: 6.

(6) الذاريات: 22.

(7) الأنعام: 17.

(8) النور: 37.

(9) فاطر: 29 و 30.

(10) النحل: 98.

107

مِنْ دِينِهِمْ بَعْدَ إِذْ سَلِمَتْ دُنْيَاهُمْ- يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى كَذَبْتُمْ كَذَبْتُمْ لَسْتُمْ بِهَا بِصَادِقِينَ- فَإِنَّهُ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى‏ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ‏ (1)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ أَحِبَّ الصَّالِحِينَ فَإِنَّ الْمَرْءَ مَعَ مَنْ أَحَبَّهُ- فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى أَعْمَالِ الْبِرِّ فَأَحِبَّ الْعُلَمَاءَ- فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ‏ وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ- فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ- مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ- وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (2)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ إِيَّاكَ أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ- وَ إِنْ نُشِرْتَ بِالْمِنْشَارِ أَوْ قُطِعْتَ أَوْ صُلِبْتَ أَوْ أُحْرِقْتَ بِالنَّارِ- يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى‏ وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ- أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ‏ (3)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ اصْبِرْ مَعَ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ- وَ يُسَبِّحُونَهُ وَ يُهَلِّلُونَهُ- وَ يَحْمَدُونَ وَ يَعْمَلُونَ بِطَاعَتِهِ وَ يَدْعُونَهُ بُكْرَةً وَ عَشِيّاً- فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ‏ وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ- يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَ لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ‏ (4)- ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ- وَ ما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ‏ (5)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ لَا تَخْتَارَنَّ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ شَيْئاً- فَإِنَّهُ يَقُولُ‏ وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ (6)- وَ يَقُولُ‏ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ‏ (7)- وَ يَقُولُ‏ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي- فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ‏ (8)- وَ يَقُولُ‏ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ‏ (9)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ عَلَيْكَ بِالسَّكِينَةِ وَ الْوَقَارِ- وَ كُنْ سَهْلًا لَيِّناً عَفِيفاً مُسْلِماً تَقِيّاً نَقِيّاً بَارّاً طَاهِراً مُطَهَّراً صَادِقاً خَالِصاً سَلِيماً صَحِيحاً- لَبِيباً صَالِحاً صَبُوراً شَكُوراً مُؤْمِناً وَرِعاً

____________

(1) فاطر: 11. و ما بين القوسين ليس في المصدر.

(2) النساء: 69.

(3) الحديد: 18.

(4) الكهف: 27.

(5) الأنعام: 52.

(6) العنكبوت: 44.

(7) البقرة: 152.

(8) البقرة: 186.

(9) المؤمن: 60.

108

عَابِداً زَاهِداً رَحِيماً عَالِماً فَقِيهاً- يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى‏ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ‏ (1) وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً- وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً وَ الَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَ قِياماً (2)- وَ يَقُولُونَ لِلنَّاسِ حُسْناً- وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً- وَ الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَ عُمْياناً وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَ ذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ- وَ اجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا- وَ يُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَ سَلاماً- خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَ مُقاماً (3)-

وَ يَقُولُ اللَّهُ‏ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ- الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ- وَ الَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ- وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ- إِلَّا عَلى‏ أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ- فَمَنِ ابْتَغى‏ وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ- وَ الَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ راعُونَ- وَ الَّذِينَ هُمْ عَلى‏ صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ- أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ- الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ‏ (4) يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى‏ أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ‏ (5)- وَ قَالَ‏ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ‏- إِلَى قَوْلِهِ‏ أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا- لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ‏ (6)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ لَا تَحْمِلَنَّكَ الشَّفَقَةُ عَلَى أَهْلِكَ- وَ وُلْدِكَ عَلَى الدُّخُولِ فِي الْمَعَاصِي وَ الْحَرَامِ- فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ- يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ‏ (7)- وَ عَلَيْكَ بِذِكْرِ اللَّهِ وَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ- فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ- وَ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَ خَيْرٌ أَمَلًا (8)

____________

(1) هود: 77، و الاواه: كثير التأسف، و المنيب: الراجع إلى اللّه تعالى.

(2) الفرقان: 64 و 65.

(3) الفرقان: 72 الى 76.

(4) المؤمنون: 1 الى 12.

(5) المعارج: 35.

(6) الأنفال: 2- 6.

(7) الشعراء: 88 و 89.

(8) الكهف: 44.

109

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ لَا تَكُونَنَّ مِمَّنْ يَهْدِي النَّاسَ إِلَى الْخَيْرِ- وَ يَأْمُرُهُمْ بِالْخَيْرِ وَ هُوَ غَافِلٌ عَنْهُ- يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى‏ أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ‏ (1)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ عَلَيْكَ بِحِفْظِ لِسَانِكَ- فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ‏ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى‏ أَفْواهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ‏ (2)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ عَلَيْكَ بِالسَّرَائِرِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ- يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ- فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَ لا ناصِرٍ (3)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ احْذَرِ يَوْماً تُنْشَرُ فِيهِ الصَّحَائِفُ وَ تَظْهَرُ فِيهِ الْفَضَائِحُ- فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ‏ وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ- فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَ إِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها- وَ كَفى‏ بِنا حاسِبِينَ‏ (4)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ اخْشَ اللَّهَ تَعَالَى بِالْغَيْبِ كَأَنَّكَ تَرَاهُ- فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ- يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى‏ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَ جاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ- ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (5)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ أَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ وَ انْصَحِ الْأُمَّةَ وَ ارْحَمْهُمْ- فَإِذَا كُنْتَ كَذَلِكَ وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ بَلْدَةٍ وَ أَنْتَ فِيهَا- وَ أَرَادَ أَنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابَ نَظَرَ إِلَيْكَ فَرَحِمَهُمْ بِكَ- يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى- وَ ما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى‏ بِظُلْمٍ وَ أَهْلُها مُصْلِحُونَ‏ (6)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ- إِيَّاكَ أَنْ تُظْهِرَ مِنْ نَفْسِكَ الْخُشُوعَ وَ التَّوَاضُعَ لِلْآدَمِيِّينَ- وَ أَنْتَ فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ رَبِّكَ مُصِرٌّ عَلَى الْمَعَاصِي وَ الذُّنُوبِ- يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى‏ يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَ ما تُخْفِي الصُّدُورُ (7)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ فَلَا تَكُنْ مِمَّنْ يُشَدِّدُ عَلَى النَّاسِ- وَ يُخَفِّفُ عَلَى نَفْسِهِ يَقُولُ اللَّهُ‏

____________

(1) البقرة: 41.

(2) يس: 65.

(3) الطارق: 9 و 10.

(4) الأنبياء: 48.

(5) ق: 32 و 33.

(6) هود: 119.

(7) المؤمن: 19.

110

تَعَالَى‏ لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ‏ (1)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ إِذَا عَمِلْتَ عَمَلًا فَاعْمَلْ بِعِلْمٍ وَ عَقْلٍ- وَ إِيَّاكَ وَ أَنْ تَعْمَلَ عَمَلًا بِغَيْرِ تَدْبِيرٍ وَ عِلْمٍ- فَإِنَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ يَقُولُ- وَ لا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً (2)-

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ عَلَيْكَ بِالصِّدْقِ وَ لَا تَخْرُجَنَّ مِنْ فِيكَ كَذِبَةٌ أَبَداً- وَ أَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ وَ أَحْسِنْ- وَ ادْعُ النَّاسَ إِلَى الْإِحْسَانِ- وَ صِلْ رَحِمَكَ وَ لَا تَمْكُرِ النَّاسَ- وَ أَوْفِ النَّاسَ بِمَا عَاهَدْتَهُمْ- فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ- إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ- وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ وَ يَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ- يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏ (3)- تَمَّتِ الْمَوْعِظَةُ وَ بِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

باب 6 جوامع وصايا رسول الله ص و مواعظه و حكمه‏

1- مع، معاني الأخبار ل، الخصال لي‏ (4)، الأمالي للصدوق الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْعَسْكَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ دُرَيْدٍ عَنْ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْعُتْبِيِّ يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ وَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الْبَصْرِيُّ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى الْمِنْقَرِيِّ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ‏ (5) عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ‏ وَفَدْتُ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ إِلَى النَّبِيِّ ص فَدَخَلْتُ وَ عِنْدَهُ الصَّلْصَالُ بْنُ الدَّلَهْمَشِ- فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ عِظْنَا مَوْعِظَةً

____________

(1) الصف: 2.

(2) النحل: 94.

(3) النحل: 92.

(4) المعاني ص 232. الخصال ج 1 ص 56. الأمالي المجلس الأول ص 3.

(5) في المعاني «العلاء بن فضيل». و في الأمالي «العلاء بن محمّد بن الفضل». و في الخصال «العلاء بن الفضل».

111

نَنْتَفِعُ بِهَا- فَإِنَّا قَوْمٌ نَعِيرُ (1) فِي الْبَرِّيَّةِ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَا قَيْسُ- إِنَّ مَعَ الْعِزِّ ذُلًّا وَ إِنَّ مَعَ الْحَيَاةِ مَوْتاً- وَ إِنَّ مَعَ الدُّنْيَا آخِرَةً- وَ إِنَّ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ حَسِيباً وَ عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ رَقِيباً- وَ إِنَّ لِكُلِّ حَسَنَةٍ ثَوَاباً وَ لِكُلِّ سَيِّئَةٍ عِقَاباً- وَ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاباً وَ إِنَّهُ لَا بُدَّ لَكَ يَا قَيْسُ مِنْ قَرِينٍ يُدْفَنُ مَعَكَ وَ هُوَ حَيٌّ- وَ تُدْفَنُ مَعَهُ وَ أَنْتَ مَيِّتٌ فَإِنْ كَانَ كَرِيماً أَكْرَمَكَ- وَ إِنْ كَانَ لَئِيماً أَسْلَمَكَ ثُمَّ لَا يُحْشَرُ إِلَّا مَعَكَ- وَ لَا تُبْعَثُ إِلَّا مَعَهُ- وَ لَا تُسْأَلُ إِلَّا عَنْهُ فَلَا تَجْعَلْهُ إِلَّا صَالِحاً- فَإِنَّهُ إِنْ صَلَحَ آنَسْتَ بِهِ وَ إِنْ فَسَدَ لَا تَسْتَوْحِشُ إِلَّا مِنْهُ وَ هُوَ فِعْلُكَ- فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ- أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ- فِي أَبْيَاتٍ مِنَ الشِّعْرِ- نَفْخَرُ بِهِ عَلَى مَنْ يَلِينَا مِنَ الْعَرَبِ وَ نَدَّخِرُهُ- فَأَمَرَ النَّبِيُّ ص مَنْ يَأْتِيهِ بِحَسَّانَ- قَالَ قَيْسٌ فَأَقْبَلْتُ أُفَكِّرُ فِيمَا أَشْبَهَ هَذِهِ الْعِظَةَ مِنَ الشِّعْرِ- فَاسْتَتَبَ‏ (2) لِيَ الْقَوْلُ قَبْلَ مَجِي‏ءِ حَسَّانَ- فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ حَضَرَتْنِي أَبْيَاتٌ أَحْسَبُهَا تُوَافِقُ مَا تُرِيدُ- فَقَالَ النَّبِيُّ ص قُلْ يَا قَيْسُ فَقُلْتُ‏

تَخَيَّرْ خَلِيطاً (3)مِنْ فِعَالِكَ إِنَّمَا* * * -قَرِينُ الْفَتَى فِي الْقَبْرِ مَا كَانَ يَفْعَلُ-

وَ لَا بُدَّ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ أَنْ تُعِدَّهُ* * * -لِيَوْمٍ يُنَادَى الْمَرْءُ فِيهِ فَيُقْبِلُ-

فَإِنْ كُنْتَ مَشْغُولًا بِشَيْ‏ءٍ فَلَا تَكُنْ* * * -بِغَيْرِ الَّذِي يَرْضَى بِهِ اللَّهُ تُشْغَلُ-

فَلَنْ يَصْحَبَ الْإِنْسَانُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ* * * -وَ مِنْ قَبْلِهِ إِلَّا الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ-

أَلَا إِنَّمَا الْإِنْسَانُ ضَيْفٌ لِأَهْلِهِ* * * -يُقِيمُ قَلِيلًا بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَرْحَلُ‏

2- لي‏ (4)، الأمالي للصدوق السِّنَانِيُّ عَنِ الْأَسَدِيِّ عَنِ النَّخَعِيِّ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ عَنِ ابْنِ ظَبْيَانَ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)أَنَّهُ قَالَ:

____________

(1) أي نذهب و نجي‏ء و نردد في البرية اي الصحراء. و في بعض النسخ «نعبر».

(2) أي استقام، و في بعض النسخ «استبان» أي ظهر.

(3) في المعاني «قرينا» مكان «خليطا».

(4) الأمالي المجلس السادس ص 14. و المراد بالسنانى: محمّد بن أحمد.

و بالاسدى: محمّد بن أبي عبد اللّه الكوفيّ.

112

الِاشْتِهَارُ بِالْعِبَادَةِ رِيبَةٌ- إِنَّ أَبِي حَدَّثَنِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ- عَنْ عَلِيٍّ(ع)أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ- أَعْبَدُ النَّاسِ مَنْ أَقَامَ الْفَرَائِضَ- وَ أَسْخَى النَّاسِ مَنْ أَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ وَ أَزْهَدُ النَّاسِ مَنِ اجْتَنَبَ الْحَرَامَ وَ أَتْقَى النَّاسِ مَنْ قَالَ الْحَقَّ فِيمَا لَهُ وَ عَلَيْهِ- وَ أَعْدَلُ النَّاسِ مَنْ رَضِيَ لِلنَّاسِ مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ- وَ كَرِهَ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ- وَ أَكْيَسُ النَّاسِ مَنْ كَانَ أَشَدَّ ذِكْراً لِلْمَوْتِ- وَ أَغْبَطُ النَّاسِ مَنْ كَانَ تَحْتَ التُّرَابِ قَدْ أَمِنَ الْعِقَابَ يَرْجُو الثَّوَابَ- وَ أَغْفَلُ النَّاسِ مَنْ لَمْ يَتَّعِظْ بِتَغَيُّرِ الدُّنْيَا مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ- وَ أَعْظَمُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا خَطَراً مَنْ لَمْ يَجْعَلْ لِلدُّنْيَا- عِنْدَهُ خَطَراً- وَ أَعْلَمُ النَّاسِ مَنْ جَمَعَ عِلْمَ النَّاسِ إِلَى عِلْمِهِ- وَ أَشْجَعُ النَّاسِ مَنْ غَلَبَ هَوَاهُ- وَ أَكْثَرُ النَّاسِ قِيمَةً أَكْثَرُهُمْ عِلْماً- وَ أَقَلُّ النَّاسِ قِيمَةً أَقَلُّهُمْ عِلْماً- وَ أَقَلُّ النَّاسِ لَذَّةً الْحَسُودُ- وَ أَقَلُّ النَّاسِ رَاحَةً الْبَخِيلُ- وَ أَبْخَلُ النَّاسِ مَنْ بَخِلَ بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِ- وَ أَوْلَى النَّاسِ بِالْحَقِّ أَعْلَمُهُمْ بِهِ- وَ أَقَلُّ النَّاسِ حُرْمَةً الْفَاسِقُ- وَ أَقَلُّ النَّاسِ وَفَاءً الْمُلُوكُ- وَ أَقَلُّ النَّاسِ صَدِيقاً الْمَلِكُ- وَ أَفْقَرُ النَّاسِ الطَّامِعُ- وَ أَغْنَى النَّاسِ مَنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحِرْصِ أَسِيراً- وَ أَفْضَلُ النَّاسِ إِيمَاناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً- وَ أَكْرَمُ النَّاسِ أَتْقَاهُمْ- وَ أَعْظَمُ النَّاسِ قَدْراً مَنْ تَرَكَ مَا لَا يَعْنِيهِ- وَ أَوْرَعُ النَّاسِ مَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَ إِنْ كَانَ مُحِقّاً- وَ أَقَلُّ النَّاسِ مُرُوَّةً مَنْ كَانَ كَاذِباً- وَ أَشْقَى النَّاسِ الْمُلُوكُ- وَ أَمْقَتُ النَّاسِ الْمُتَكَبِّرُ- وَ أَشَدُّ النَّاسِ اجْتِهَاداً مَنْ تَرَكَ الذُّنُوبَ- وَ أَحْلَمُ النَّاسِ مَنْ فَرَّ مِنْ جُهَّالِ النَّاسِ- وَ أَسْعَدُ النَّاسِ مَنْ خَالَطَ كِرَامَ النَّاسِ- وَ أَعْقَلُ النَّاسِ أَشَدُّهُمْ مُدَارَاةً لِلنَّاسِ- وَ أَوْلَى النَّاسِ بِالتُّهَمَةِ مَنْ جَالَسَ أَهْلَ التُّهَمَةِ- وَ أَعْتَى النَّاسِ مَنْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ أَوْ ضَرَبَ غَيْرَ ضَارِبِهِ- وَ أَوْلَى النَّاسِ بِالْعَفْوِ أَقْدَرُهُمْ عَلَى الْعُقُوبَةِ وَ أَحَقُّ النَّاسِ بِالذَّنْبِ السَّفِيهُ الْمُغْتَابُ- وَ أَذَلُّ النَّاسِ مَنْ أَهَانَ النَّاسَ- وَ أَحْزَمُ النَّاسِ أَكْظَمُهُمْ لِلْغَيْظِ- وَ أَصْلَحُ النَّاسِ أَصْلَحُهُمْ لِلنَّاسِ وَ خَيْرُ النَّاسِ مَنِ انْتَفَعَ بِهِ النَّاسُ.

كِتَابُ الْغَايَاتِ‏ (1)، رُوِيَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: الِاشْتِهَارُ بِالْعِبَادَةِ إِلَى آخِرِهِ‏

____________

(1) تأليف أبى محمّد جعفر بن أحمد بن على القمّيّ نزيل الرى مخطوط.

113

- مع‏ (1)، معاني الأخبار عن ابن الوليد عن الصفار عن أيوب بن نوح عن أبيه عن ابن أبي عمير عن سيف بن عميرة عن أبي حمزة الثمالي عن الصادق(ع)مثله- كنز الكراجكي‏ (2)، مرسلا مثله.

3- لي‏ (3)، الأمالي للصدوق عَنِ ابْنِ نَاتَانَةَ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ الْهَاشِمِيِّ عَنِ الصَّادِقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَ حَسُنَ عَمَلُهُ- فَحَسُنَ مُنْقَلَبُهُ إِذْ رَضِيَ عَنْهُ رَبُّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ وَيْلٌ لِمَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَ سَاءَ عَمَلُهُ- فَسَاءَ مُنْقَلَبُهُ إِذْ سَخِطَ عَلَيْهِ رَبُّهُ عَزَّ وَ جَلَّ.

4- لي‏ (4)، الأمالي للصدوق عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ غِيَاثِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الصَّادِقِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِمْ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ أَحْسَنَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا مَضَى مِنْ ذَنْبِهِ وَ مَنْ أَسَاءَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَ الْآخِرِ.

5- لي‏ (5)، الأمالي للصدوق عَنِ الطَّالَقَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ بُهْلُولٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ الصُّدَائِيِ‏ (6) عَنْ أَبِي شَيْبَةَ الْجَوْهَرِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص تَقْبَلُوا لِي بِسِتٍّ أَتَقَبَّلُ لَكُمْ بِالْجَنَّةِ إِذَا حَدَّثْتُمْ فَلَا تَكْذِبُوا- وَ إِذَا وَعَدْتُمْ فَلَا تُخْلِفُوا- وَ إِذَا ائْتَمَنْتُمْ فَلَا تَخُونُوا- وَ غُضُّوا أَبْصَارَكُمْ وَ احْفَظُوا فُرُوجَكُمْ وَ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ‏ وَ أَلْسِنَتَكُمْ.

____________

(1) معاني الأخبار ص 195.

(2) كنز الفوائد ص 138.

(3) الأمالي المجلس الثالث عشر ص 35 و المراد با بن ناتانة الحسين بن إبراهيم.

(4) الأمالي المجلس الثالث عشر ص 35. و المراد بابن إدريس الحسين بن أحمد.

(5) المصدر المجلس العشرون ص 55. و المراد بالطالقانى محمّد بن إبراهيم بن إسحاق.

(6) في المصدر «الصيداوى».

114

6- لي‏ (1)، الأمالي للصدوق عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)قَالَ: سَمِعْتُ جَدِّي رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ لِي- اعْمَلْ بِفَرَائِضِ اللَّهِ تَكُنْ أَتْقَى النَّاسِ- وَ ارْضَ بِقِسْمِ اللَّهِ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ- وَ كُفَّ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ تَكُنْ أَوْرَعَ النَّاسِ- وَ أَحْسِنْ مُجَاوَرَةَ مَنْ جَاوَرَكَ تَكُنْ مُؤْمِناً- وَ أَحْسِنْ مُصَاحَبَةَ مَنْ صَاحَبَكَ تَكُنْ مُسْلِماً.

7- ل، الخصال لي‏ (2)، الأمالي للصدوق عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَسَدِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْوَهْبِيِّ وَ أَحْمَدَ بْنِ عُمَيْرٍ وَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ قَالُوا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَانِئِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ عَمِّهِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ أَصْبَحَ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ آمِناً فِي سَرْبِهِ- عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا (3)- يَا ابْنَ جُعْشُمٍ يَكْفِيكَ مِنْهَا مَا سَدَّ جَوْعَتَكَ وَ وَارَى عَوْرَتَكَ- فَإِنْ يَكُنْ بَيْتٌ يَكُنُّكَ فَذَاكَ- وَ إِنْ تَكُنْ دَابَّةٌ تَرْكَبُهَا فَبَخْ بَخْ- وَ إِلَّا فَالْخُبْزُ وَ مَاءُ الْجَرِّ- وَ مَا بَعْدَ ذَلِكَ حِسَابٌ عَلَيْكَ أَوْ عَذَابٌ.

8- لي‏ (4)، الأمالي للصدوق عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَفْوَانَ عَنِ الْكِنَانِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِلصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع) أَخْبِرْنِي عَنْ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُ مَنْ هُوَ أَسْأَلُ اللَّهَ الْإِيمَانَ وَ التَّقْوَى- وَ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ عَاقِبَةِ الْأُمُورِ- إِنَّ أَشْرَفَ الْحَدِيثِ ذِكْرُ اللَّهِ- وَ رَأْسَ الْحِكْمَةِ طَاعَتُهُ- وَ أَصْدَقَ الْقَوْلِ وَ أَبْلَغَ الْمَوْعِظَةِ وَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ كِتَابُ اللَّهِ- وَ أَوْثَقَ الْعُرَى الْإِيمَانُ بِاللَّهِ- وَ خَيْرَ الْمِلَلِ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ- وَ أَحْسَنَ السُّنَنِ سُنَّةُ الْأَنْبِيَاءِ- وَ أَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ص وَ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى- وَ خَيْرَ الْعِلْمِ مَا نَفَعَ- وَ خَيْرَ الْهُدَى مَا اتُّبِعَ وَ خَيْرَ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ- وَ خَيْرَ مَا أُلْقِيَ فِي الْقَلْبِ الْيَقِينُ- وَ زِينَةَ الْحَدِيثِ الصِّدْقُ‏

____________

(1) المصدر المجلس السادس و الثلاثون ص 121.

(2) الخصال ج 1 ص 77. و الأمالي المجلس الحادي و الستون ص 232.

(3) السرب- بكسر السين- النفس و بفتحها المسلك. و بفتحتين: البيت. و قوله «حيزت»- بكسر المهملة و الزاى المعجمة- (له الدنيا) أي ضمت و جمعت.

(4) المجلس الرابع و السبعون ص 292.

115

وَ زِينَةَ الْعِلْمِ الْإِحْسَانُ- وَ أَشْرَفَ الْمَوْتِ قَتْلُ الشَّهَادَةِ- وَ خَيْرَ الْأُمُورِ خَيْرُهَا عَاقِبَةً- وَ مَا قَلَّ وَ كَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَ أَلْهَى- وَ الشَّقِيَّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ- وَ السَّعِيدَ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ- وَ أَكْيَسَ الْكَيْسِ التُّقَى- وَ أَحْمَقَ الْحُمْقِ الْفُجُورُ- وَ شَرَّ الرِّوَايَةِ رِوَايَةُ الْكَذِبِ وَ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا- وَ شَرَّ الْعَمَى عَمَى الْقَلْبِ- وَ شَرَّ النَّدَامَةِ نَدَامَةُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ أَعْظَمَ الْمُخْطِئِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لِسَانُ كَذَّابٍ- وَ شَرَّ الْكَسْبِ كَسْبُ الرِّبَا- وَ شَرَّ الْمَأْكَلِ أَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ظُلْماً- وَ أَحْسَنَ زِينَةِ الرَّجُلِ السَّكِينَةُ مَعَ الْإِيمَانِ- وَ مَنْ يَبْتَغِ السُّمْعَةَ يُسَمِّعِ اللَّهُ بِهِ- وَ مَنْ يَعْرِفِ الْبَلَاءَ يَصْبِرْ عَلَيْهِ- وَ مَنْ لَا يَعْرِفْهُ يُنْكِرْهُ وَ الرَّيْبُ كُفْرٌ- وَ مَنْ يَسْتَكْبِرْ يَضَعْهُ اللَّهُ- وَ مَنْ يُطِعِ الشَّيْطَانَ يَعْصِ اللَّهَ- وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ يُعَذِّبْهُ اللَّهُ- وَ مَنْ يَشْكُرِ اللَّهَ يَزِدْهُ اللَّهُ- وَ مَنْ يَصْبِرْ عَلَى الرَّزِيَّةِ يُغِثْهُ اللَّهُ- وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَحَسْبُهُ اللَّهُ- لَا تُسْخِطُوا اللَّهَ بِرِضَا أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ- وَ لَا تَتَقَرَّبُوا إِلَى أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ بِتَبَاعُدٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- فَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ شَيْ‏ءٌ يُعْطِيهِ بِهِ خَيْراً- أَوْ يَصْرِفُهُ بِهِ عَنْهُ السُّوءَ إِلَّا بِطَاعَتِهِ وَ ابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ- إِنَّ طَاعَةَ اللَّهِ نَجَاحُ كُلِّ خَيْرٍ يُبْتَغَى- وَ نَجَاةٌ مِنْ كُلِّ شَرٍّ يُتَّقَى- وَ إِنَّ اللَّهَ يَعْصِمُ مَنْ أَطَاعَهُ وَ لَا يَعْتَصِمُ مِنْهُ مَنْ عَصَاهُ- وَ لَا يَجِدُ الْهَارِبُ مِنَ اللَّهِ مَهْرَباً- فَإِنَّ أَمْرَ اللَّهِ نَازِلٌ بِإِذْلَالِهِ- وَ لَوْ كَرِهَ الْخَلَائِقُ وَ كُلُّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ- مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَ مَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ- تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏- وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ- وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ‏- قَالَ فَقَالَ لِيَ الصَّادِقُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ(ع)هَذَا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ص

ين‏ (1)، كتاب حسين بن سعيد و النوادر عَنِ الْجَوْهَرِيِّ وَ فَضَالَةَ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ سَيَابَةَ قَالَ سَمِعْتُ كَلَاماً يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ: السَّعِيدُ مَنْ سَعِدَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَ ذَكَرَ نَحْوَهُ إِلَى آخِرِ الْخَبَرِ.

9- لي‏ (2)، الأمالي للصدوق عَنِ ابْنِ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ هَاشِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ عَنِ الصَّادِقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ‏

____________

(1) كتاب الحسين بن سعيد الأهوازى مخطوط.

(2) الأمالي المجلس التسعون ص 366.

116

حَقَّ الْحَيَاءِ- قَالُوا وَ مَا نَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ- قَالَ فَإِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ فَلَا يَبِيتَنَّ أَحَدُكُمْ- إِلَّا وَ أَجَلُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ- وَ لْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَ مَا حَوَى وَ الْبَطْنَ وَ مَا وَعَى- وَ لْيَذْكُرِ الْقَبْرَ وَ الْبِلَى- وَ مَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ فَلْيَدَعْ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.

14- ب‏ (1)، قرب الإسناد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ‏ مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّ فِيهِ حَوَى مَكَانَ وَعَى- وَ وَعَى مَكَانَ حَوَى.

10- فس‏ (2)، تفسير القمي عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِعَلِيٍّ(ع)يَا عَلِيُّ- مَا مِنْ دَارٍ فِيهَا فَرْحَةٌ إِلَّا يَتْبَعُهَا تَرْحَةٌ (3) وَ مَا مِنْ هَمٍّ إِلَّا وَ لَهُ فَرَحٌ إِلَّا هَمَّ أَهْلِ النَّارِ- فَإِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأَتْبِعْهَا بِحَسَنَةٍ تَمْحُهَا سَرِيعاً- وَ عَلَيْكَ بِصَنَائِعِ الْخَيْرِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مَصَارِعَ السَّوْءِ.

قال المفسر و إنما قال رسول الله ص لأمير المؤمنين(ع)على حد التأديب للناس لا بأن لأمير المؤمنين(ع)سيئات عملها.

11- فس‏ (4)، تفسير القمي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ- لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى‏ ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ- وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ‏- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ لَمْ يَتَعَزَّ بِعَزَاءِ اللَّهِ تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ عَلَى الدُّنْيَا حَسَرَاتٍ- وَ مَنْ رَمَى بِبَصَرِهِ إِلَى مَا فِي يَدِ غَيْرِهِ- كَثُرَ هَمُّهُ وَ لَمْ يُشْفَ غَيْظُهُ- وَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ نِعْمَةً إِلَّا فِي مَطْعَمٍ أَوْ فِي مَلْبَسٍ- فَقَدْ قَصَرَ عَمَلُهُ وَ دَنَا عَذَابُهُ- وَ مَنْ أَصْبَحَ عَلَى الدُّنْيَا حَزِيناً أَصْبَحَ عَلَى اللَّهِ سَاخِطاً وَ مَنْ شَكَا مُصِيبَةً نَزَلَتْ بِهِ فَإِنَّمَا يَشْكُو رَبَّهُ- وَ مَنْ دَخَلَ النَّارَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِمَّنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ- فَهُوَ مِمَّنْ يَتَّخِذُ آياتِ اللَّهِ هُزُواً- وَ مَنْ أَتَى ذَا مَيْسَرَةٍ فَيَتَخَشَّعُ لَهُ طَلَباً لِمَا فِي يَدَيْهِ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ- ثُمَّ قَالَ وَ لَا تَعْجَلْ- وَ لَيْسَ يَكُونُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ مِنَ الرَّجُلِ‏

____________

(1) قرب الإسناد ص 13.

(2) تفسير عليّ بن إبراهيم سورة الرعد ص 341.

(3) الترح: الحزن و الهم.

(4) المصدر سورة الحجر آية 89 ص 356.

117

الرِّفْقَ فَيُبَجِّلَهُ‏ (1) وَ يُوَقِّرَهُ- فَقَدْ يَجِبُ ذَلِكَ لَهُ عَلَيْهِ- وَ لَكِنْ يُرِيهِ أَنَّهُ يُرِيدُ بِتَخَشُّعِهِ مَا عِنْدَ اللَّهِ- وَ يُرِيدُ أَنْ يَخْتِلَهُ عَمَّا فِي يَدَيْهِ‏ (2).

12- ل‏ (3)، الخصال عَنِ ابْنِ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ هَاشِمٍ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنِ الصَّادِقِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص غَرِيبَتَانِ فَاحْتَمِلُوهَا- كَلِمَةُ حُكْمٍ مِنْ سَفِيهٍ فَاقْبَلُوهَا وَ كَلِمَةُ سَفَهٍ مِنْ حَكِيمٍ فَاغْفِرُوهَا.

13- ل‏ (4)، الخصال عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَسَدِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي عَلِيٍّ اللَّهَبِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْهَوَى وَ طُولُ الْأَمَلِ- أَمَّا الْهَوَى فَإِنَّهُ يَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ- وَ أَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الْآخِرَةَ- وَ هَذِهِ الدُّنْيَا قَدِ ارْتَحَلَتْ مُدْبِرَةً- وَ هَذِهِ الْآخِرَةُ قَدِ ارْتَحَلَتْ مُقْبِلَةً- وَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَنُونَ فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ- وَ لَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا فَافْعَلُوا- فَإِنَّكُمُ الْيَوْمَ فِي دَارِ عَمَلٍ وَ لَا حِسَابَ- وَ أَنْتُمْ غَداً فِي دَارِ حِسَابٍ وَ لَا عَمَلَ.

ل‏ (5)، الخصال ابن بندار عن أبي العباس الحمادي عن أحمد بن محمد الشافعي عن عمه إبراهيم محمد عن علي بن أبي علي اللهبي عن ابن المنكدر عن جابر مثله.

14- ل‏ (6)، الخصال الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْعَسْكَرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ

____________

(1) التبجيل: التعظيم.

(2) ختله أي خدعه و ما كره. و معنى قوله «فقد يجب ذلك له عليه» أي قد يكون يجب تعظيم بعض مسئولين على السائل و «ذلك» اشارة الى التبجيل و التوقير و الضمير في «له» راجع الى المسئول و في «عليه» الى السائل.

(3) الخصال ج 1 ص 19.

(4) المصدر ج 1 ص 27.

(5) الخصال ج 1 ص 27.

(6) المصدر ج 2 ص 84.

118

الْكَرِيمِ عَنِ ابْنِ عَوْفٍ عَنْ مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَلْخِيِّ عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ‏ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص فِي أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ- فَعَرَفَ أَنَّهُ الْوَدَاعُ فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ الْعَضْبَاءَ- فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ- ثُمَّ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ هَدَرٌ- وَ أَوَّلُ دَمٍ هُدِرَ دَمُ الْحَارِثِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ- كَانَ مُسْتَرْضِعاً فِي هُذَيْلٍ فَقَتَلَهُ بَنُو اللَّيْثِ- أَوْ قَالَ كَانَ مُسْتَرْضِعاً فِي بَنِي لَيْثٍ فَقَتَلَهُ هُذَيْلٌ‏ (1)- وَ كُلُّ رِبًا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَمَوْضُوعٌ وَ أَوَّلُ رِبًا وُضِعَ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ‏ (2)- أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ- فَهُوَ الْيَوْمَ كَهَيْئَةِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ- وَ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ- يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ- مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ‏- رَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَ شَعْبَانَ- وَ ذُو الْقَعْدَةِ وَ ذُو الْحِجَّةِ وَ الْمُحَرَّمُ- فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ‏- فَإِنَّ النَّسِي‏ءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا- يُحِلُّونَهُ عاماً وَ يُحَرِّمُونَهُ عاماً- لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ‏- فَكَانُوا يُحَرِّمُونَ الْمُحَرَّمَ عَاماً وَ يَسْتَحِلُّونَ صَفَرَ وَ يُحَرِّمُونَ صَفَرَ عَاماً وَ يَسْتَحِلُّونَ الْمُحَرَّمَ- أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ آخِرَ الْأَبَدِ- وَ رَضِيَ مِنْكُمْ بِمُحَقَّرَاتِ الْأَعْمَالِ- أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ- فَلْيُؤَدِّهَا إِلَى مَنِ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا- أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ النِّسَاءَ عِنْدَكُمْ عَوَارٍ- لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ ضَرّاً وَ لَا نَفْعاً- أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَ اسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ- فَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ حَقٌّ وَ لَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقٌّ- وَ مِنْ حَقِّكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ وَ لَا يَعْصِيَنَّكُمْ فِي مَعْرُوفٍ فَإِذَا فَعَلْنَ ذَلِكَ فَلَهُنَ‏ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ‏- وَ لَا تَضْرِبُوهُنَّ- أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي‏

____________

(1) كان ابن ربيعة مسترضعا في بنى سعد فقتله بنو هذيل في الجاهلية. و الترديد و الوهم من الراوي.

(2) انما بدأ (صلّى اللّه عليه و آله) بابطال الربا و الدم من أهله و اقربائه ليعلم أنّه ليس في الدين محاباة.

119

قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا- كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَاعْتَصِمُوا بِهِ- يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا قَالُوا يَوْمٌ حَرَامٌ- ثُمَّ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا قَالُوا شَهْرٌ حَرَامٌ- ثُمَّ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا قَالُوا بَلَدٌ حَرَامٌ- قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ- وَ أَمْوَالَكُمْ وَ أَعْرَاضَكُمْ- كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا- فِي بَلَدِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَهُ- أَلَا فَلْيُبَلِّغْ شَاهِدُكُمْ غَائِبَكُمْ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَ لَا أُمَّةَ بَعْدَكُمْ- ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى إِنَّهُ لَيُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ- ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ أَنِّي قَدْ بَلَّغْتُ.

15- ب‏ (1)، قرب الإسناد ابْنُ ظَرِيفٍ عَنِ ابْنِ عُلْوَانَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص قِلَّةُ الْعِيَالِ أَحَدُ الْيَسَارَيْنِ.

وَ قَالَ ص إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يُنْزِلُ الْمَعُونَةَ عَلَى قَدْرِ الْمَئُونَةِ- وَ يُنْزِلُ الصَّبْرَ عَلَى قَدْرِ قِلَّةِ الْيَسَارِ (2).

وَ قَالَ ص الْأَمَانَةُ تَجْلِبُ الْغِنَى وَ الْخِيَانَةُ تَجْلِبُ الْفَقْرَ.

16- ب‏ (3)، قرب الإسناد عَلِيٌّ عَنْ أَخِيهِ قَالَ: ابْتَدَرَ النَّاسُ إِلَى قِرَابِ سَيْفِ‏ (4) رَسُولِ اللَّهِ ص بَعْدَ مَوْتِهِ- فَإِذَا صَحِيفَةٌ صَغِيرَةٌ وَجَدُوا فِيهَا مَنْ آوَى مُحْدِثاً فَهُوَ كَافِرٌ- وَ مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ- وَ أَعْتَى النَّاسِ‏ (5) عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَنْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ- أَوْ ضَرَبَ غَيْرَ ضَارِبِهِ.

17- ب‏ (6)، قرب الإسناد ابْنُ ظَرِيفٍ عَنِ ابْنِ عُلْوَانَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ:

____________

(1) قرب الإسناد ص 55 و المراد بابن ظريف- بالظاء المعجمة- الحسن بن ظريف بن ناصح ثقة (صه. حش).

(2) في المصدر «على قدر شدة البلاء».

(3) المصدر ص 112.

(4) ابتدر القوم أمرا: بادر بعضهم بعضا إليه أيهم يسبق إليه أي اسرعوا. و قراب السيف: جفنه و هو وعاء يكون فيه السيف بغمده و حمالته.

(5) عتى- كدعى- و المصدر عتو- كسمو- استكبر و جاوز الحد، فهو عات و الجمع عتاة كداع و دعاة.

(6) المصدر ص 50 و المراد بابن علوان الحسين بن علوان الكلبى عامى له كتاب (ست، صه، جش).

120

وُجِدَ فِي غِمْدِ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ص صَحِيفَةٌ مَخْتُومَةٌ فَفَتَحُوهَا- فَوَجَدُوا فِيهَا مِنْ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ الْقَاتِلُ غَيْرَ قَاتِلِهِ- وَ الضَّارِبُ غَيْرَ ضَارِبِهِ- وَ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثاً (1) أَوْ آوَى مُحْدِثاً- فَعَلَيْهِ‏ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ‏- لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفاً وَ لَا عَدْلًا- وَ مَنْ تَوَلَّى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ص

18- ن‏ (2)، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بِالْأَسَانِيدِ الثَّلَاثَةِ عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص اخْتَارُوا الْجَنَّةَ عَلَى النَّارِ وَ لَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ- فَتُقْذَفُوا فِي النَّارِ مُنَكَّسِينَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً.

19- ب‏ (3)، قرب الإسناد هَارُونُ عَنِ ابْنِ زِيَادٍ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ: ثَلَاثَةٌ هُنَّ أُمُّ الْفَوَاقِرِ (4)- سُلْطَانٌ إِنْ أَحْسَنْتَ إِلَيْهِ لَمْ يَشْكُرْ وَ إِنْ أَسَأْتَ إِلَيْهِ لَمْ يَغْفِرْ- وَ جَارٌ عَيْنُهُ تَرْعَاكَ وَ قَلْبُهُ تَبْغَاكَ- إِنْ رَأَى حَسَنَةً دَفَنَهَا وَ لَمْ يُفْشِهَا وَ إِنْ رَأَى سَيِّئَةً أَظْهَرَهَا وَ أَذَاعَهَا- وَ زَوْجَةٌ إِنْ شَهِدْتَ لَمْ تَقَرَّ عَيْنُكَ بِهَا وَ إِنْ غِبْتَ لَمْ تَطْمَئِنَّ إِلَيْهَا.

20- ما (5)، الأمالي للشيخ الطوسي الْمُفِيدُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُسَيْنٍ الْخَلَّالِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ زُفَرَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَشْرَسَ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ أَيُّوبَ السِّجِسْتَانِيِّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ أَسَرَّ مَا يُرْضِي اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَظْهَرَ اللَّهُ لَهُ مَا يَسُرُّهُ- وَ مَنْ أَسَرَّ مَا يُسْخِطُ اللَّهَ تَعَالَى أَظْهَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مَا يَحْزُنُهُ- وَ مَنْ كَسَبَ مَالًا مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ أَفْقَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ- وَ مَنْ سَعَى فِي رِضْوَانِ اللَّهِ أَرْضَاهُ اللَّهُ- وَ مَنْ أَذَلَّ مُؤْمِناً أَذَلَّهُ اللَّهُ- وَ مَنْ عَادَ مَرِيضاً فَإِنَّهُ يَخُوضُ فِي‏

____________

(1) أي ابتدع بدعة.

(2) عيون أخبار الرضا (ع) ص 200.

(3) قرب الإسناد ص 40 و المراد بابن زياد مسعدة بن زياد الكوفيّ الربعى ثقة عين روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (صه. جش). له كتاب عنه هارون بن مسلم (ست).

(4) الفواقر جمع الفاقرة و هي الداهية.

(5) الأمالي ج 1 ص 185.

121

الرَّحْمَةِ- وَ أَوْمَأَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِلَى حَقْوَيْهِ- فَإِذَا جَلَسَ عِنْدَ الْمَرِيضِ غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ وَ مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ يَطْلُبُ عِلْماً- شَيَّعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ- وَ مَنْ كَظَمَ غَيْظاً مَلَأَ اللَّهُ جَوْفَهُ إِيمَاناً- وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ مُحَرَّمٍ أَبْدَلَهُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَةً تَسُرُّهُ- وَ مَنْ عَفَا مِنْ مَظْلِمَةٍ أَبْدَلَهُ اللَّهُ بِهَا عِزّاً فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- وَ مَنْ بَنَى مَسْجِداً وَ لَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ (1) بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ- وَ مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً فَهِيَ فِدَاءٌ عَنِ النَّارِ- كُلُّ عُضْوٍ مِنْهَا فِدَاءُ عُضْوٍ مِنْهُ- وَ مَنْ أَعْطَى دِرْهَماً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ سَبْعَمِائَةِ حَسَنَةٍ- وَ مَنْ أَمَاطَ (2) عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ مَا يُؤْذِيهِمْ- كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ قِرَاءَةِ أَرْبَعِمِائَةِ آيَةٍ- كُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا بِعَشْرِ حَسَنَاتٍ- وَ مَنْ لَقِيَ عَشَرَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ- كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عِتْقَ رَقَبَةٍ وَ مَنْ أَطْعَمَ مُؤْمِناً لُقْمَةً أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ- وَ مَنْ سَقَاهُ شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ- وَ مَنْ كَسَاهُ ثَوْباً كَسَاهُ اللَّهُ مِنَ الْإِسْتَبْرَقِ وَ الْحَرِيرِ- وَ صَلَّى عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ مَا بَقِيَ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ سِلْكٌ‏ (3).

21- ما (4)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ الْمُفِيدِ عَنِ الْمُظَفَّرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَلْخِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَمَّامٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ حَنَانٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَلْمَانَ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)عَنْ جَدِّهِ(ع)قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ‏ اعْمَلْ بِفَرَائِضِ اللَّهِ تَكُنْ مِنْ أَتْقَى النَّاسِ- وَ ارْضَ بِقِسْمِ اللَّهِ تَكُنْ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ- وَ كُفَّ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ تَكُنْ أَوْرَعَ النَّاسِ- وَ أَحْسِنْ مُجَاوَرَةَ مَنْ يُجَاوِرُكَ تَكُنْ مُؤْمِناً- وَ أَحْسِنْ مُصَاحَبَةَ مَنْ صَاحَبَكَ تَكُنْ مُسْلِماً.

22- ما (5)، الأمالي للشيخ الطوسي الْمُفِيدُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص الدُّنْيَا دُوَلٌ فَمَا كَانَ لَكَ مِنْهَا

____________

(1) المفحص: الموضع الذي تفحص القطاة أي تكشف التراب عنه لتبيض فيه.

(2) أماط الاذى عن الطريق: أى أبعده.

(3) السلك: الخيط.

(4) الأمالي ج 1 ص 120.

(5) المصدر ج 1 ص 229.

122

أَتَاكَ عَلَى ضَعْفِكَ- وَ مَا كَانَ عَلَيْكَ- لَمْ تَدْفَعْهُ بِقُوَّتِكَ- وَ مَنِ انْقَطَعَ رَجَاهُ مِمَّا فَاتَ اسْتَرَاحَ بَدَنُهُ- وَ مَنْ رَضِيَ بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ قَرَّتْ عَيْنُهُ.

23- ما (1)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ ابْنِ الصَّلْتِ عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ هَارُونَ بْنِ عِيسَى عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرِّضَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ الْبَاقِرِ(ع)عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ‏ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ فِي خُطْبَتِهِ- إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَ خَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ص وَ شَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا- وَ كُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَ كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ- وَ كَانَ إِذَا خَطَبَ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ أَمَّا بَعْدُ- فَإِذَا ذَكَرَ السَّاعَةَ اشْتَدَّ صَوْتُهُ وَ احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ- ثُمَّ يَقُولُ صَبَّحَتْكُمُ السَّاعَةُ أَوْ مَسَّتْكُمْ‏ (2) ثُمَّ يَقُولُ بُعِثْتُ أَنَا وَ السَّاعَةُ كَهَذِهِ مِنْ هَذِهِ وَ يُشِيرُ بِإِصْبَعَيْهِ.

24- ما (3)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ ابْنِ الْحَمَّامِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْقَطَّانِ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ النَّحْوِيِّ عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ مُطَهَّرٍ عَنْ مُوسَى بْنِ خَلَفٍ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ وَ كَأَنَّكَ عابري [عَابِرُ سَبِيلٍ- وَ عُدَّ نَفْسَكَ فِي أَصْحَابِ الْقُبُورِ- قَالَ قَالَ مُجَاهِدٌ وَ قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ- وَ أَنْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ أَنْ تُصْبِحَ- وَ إِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ أَنْ تُمْسِيَ- وَ خُذْ مِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ وَ مِنْ صِحَّتِكَ لِسُقْمِكَ- فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا اسْمُكَ غَداً.

ما (4)، الأمالي للشيخ الطوسي عن ابن حمويه عن أبي الحسين عن أبي خليفة عن الحجبي عن حماد بن زيد عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر مثله.

25- ما (5)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنْ جَمَاعَةٍ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَابُورَ

____________

(1) المصدر ج 1 ص 347.

(2) يقال صبحهم- بالتخفيف و التشديد- أى أتاهم صباحا.

(3) المصدر ج 1 ص 390.

(4) المصدر ج 2 ص 16.

(5) المصدر ج 2 ص 87.

123

عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُحَمَّدٍ الرَّقِّيِّ عَنْ سَلَّامِ بْنِ رَزِينٍ عَنْ إِسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ الْكُوفِيِّ عَنْ جَدِّهِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ حَارِثٍ الْهَمْدَانِيِّ عَنْ عَلِيٍّ(ع)عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ قَادَةٌ وَ الْفُقَهَاءُ سَادَةٌ وَ مُجَالَسَتُهُمْ زِيَادَةٌ- وَ أَنْتُمْ فِي مَمَرِّ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ- فِي آجَالٍ مَنْقُوصَةٍ وَ أَعْمَالٍ مَحْفُوظَةٍ- وَ الْمَوْتُ يَأْتِيكُمْ بَغْتَةً- فَمَنْ يَزْرَعْ خَيْراً يَحْصُدْ غِبْطَةً وَ مَنْ يَزْرَعْ شَرّاً يَحْصُدْ نَدَامَةً.

26- ما (1)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنْ جَمَاعَةٍ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الرَّزَّازِ عَنْ جَدِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ الصَّيْرَفِيِّ عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ص يَا رَسُولَ اللَّهِ- عَلِّمْنِي عَمَلًا صَالِحاً لَا يُحَالُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجَنَّةِ- قَالَ لَا تَغْضَبْ وَ لَا تَسْأَلْ شَيْئاً- وَ ارْضَ لِلنَّاسِ مَا تَرْضَى لِنَفْسِكَ- فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي- قَالَ إِذَا صَلَّيْتَ الْعَصْرَ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ سَبْعاً وَ سَبْعِينَ مَرَّةً- تَحُطُّ عَنْكَ عَمَلَ سَبْعٍ وَ سَبْعِينَ سَيِّئَةً- قَالَ مَا لِي سَبْعٌ وَ سَبْعُونَ سَيِّئَةً- فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ص فَاجْعَلْهَا لَكَ وَ لِأَبِيكَ- قَالَ مَا لِي وَ لِأَبِي سَبْعٌ وَ سَبْعُونَ سَيِّئَةً- فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ص اجْعَلْهَا لَكَ وَ لِأَبِيكَ وَ لِأُمِّكَ- قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِي وَ لِأَبِي وَ أُمِّي سَبْعٌ وَ سَبْعُونَ سَيِّئَةً قَالَ اجْعَلْهَا لَكَ وَ لِأَبِيكَ وَ أُمِّكَ وَ لِقَرَابَتِكَ.

27- ما (2)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنْ جَمَاعَةٍ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سَهْلٍ الْعَاقُولِيِّ عَنْ مُوسَى بْنِ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مُعَمَّرِ بْنِ خَلَّادٍ عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ: جَاءَ أَبُو أَيُّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي وَ أَقْلِلْ لَعَلِّي أَنْ أَحْفَظَ- قَالَ أُوصِيكَ بِخَمْسٍ- بِالْيَأْسِ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ فَإِنَّهُ الْغِنَى- وَ إِيَّاكَ وَ الطَّمَعَ فَإِنَّهُ الْفَقْرُ الْحَاضِرُ- وَ صَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ وَ إِيَّاكَ وَ مَا تَعْتَذِرُ مِنْهُ وَ أَحِبَّ لِأَخِيكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ.

28- ما (3)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنْ جَمَاعَةٍ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ

____________

(1) المصدر ج 2 ص 121.

(2) المصدر ج 2 ص 122.

(3) المصدر ج 2 ص 125.

124

بْنِ شُعْبَةَ عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنِ الْبَاقِرِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص مَنْ كَثُرَ هَمُّهُ سَقِمَ بَدَنُهُ- وَ مَنْ سَاءَ خُلُقُهُ عَذَّبَ نَفْسَهُ- وَ مَنْ لَاحَى الرِّجَالَ سَقَطَتْ مُرُوَّتُهُ وَ ذَهَبَتْ كَرَامَتُهُ- ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَمْ يَزَلْ جَبْرَئِيلُ(ع)يَنْهَانِي عَنْ مُلَاحَاةِ الرِّجَالِ- كَمَا يَنْهَانِي عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ وَ عِبَادَةِ أَوْثَانٍ.

29- ل‏ (1)، الخصال عَنِ الْعَطَّارِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ أَسْرَعَ الْخَيْرِ ثَوَاباً الْبِرُّ- وَ إِنَّ أَسْرَعَ الشَّرِّ عِقَاباً الْبَغْيُ- وَ كَفَى بِالْمَرْءِ عَيْباً أَنْ يَنْظُرَ مِنَ النَّاسِ إِلَى مَا يَعْمَى عَنْهُ مِنْ نَفْسِهِ- وَ يُعَيِّرَ النَّاسَ بِمَا لَا يَسْتَطِيعُ تَرْكَهُ- وَ يُؤْذِيَ جَلِيسَهُ بِمَا لَا يَعْنِيهِ.

30- مع‏ (2)، معاني الأخبار عَنِ الْوَرَّاقِ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَعْرُوفٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَهْزِيَارَ عَنْ أَخِيهِ عَلِيٍّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ جَمِيلِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَكْرَمَ النَّاسِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَتْقَى النَّاسِ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ- وَ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَغْنَى النَّاسِ فَلْيَكُنْ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَوْثَقَ مِنْهُ بِمَا فِي يَدِهِ ثُمَّ قَالَ(ع)أَ لَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ- قَالَ مَنْ أَبْغَضَ النَّاسَ وَ أَبْغَضَهُ النَّاسُ- ثُمَّ قَالَ أَ لَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ هَذَا قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ- قَالَ الَّذِي لَا يُقِيلُ عَثْرَةً وَ لَا يَقْبَلُ مَعْذِرَةً وَ لَا يَغْفِرُ ذَنْباً- قَالَ أَ لَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ هَذَا قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ- قَالَ الَّذِي لَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ وَ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ وَ إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ(ع)قَامَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ- فَقَالَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تُحَدِّثُوا

____________

(1) الخصال ج 1 ص 54.

(2) معاني الأخبار ص 196 تحت رقم 2.

125

بِالْحِكْمَةِ الْجُهَّالَ- فَتَظْلِمُوهَا وَ لَا تَمْنَعُوهَا أَهْلَهَا فَتَظْلِمُوهُمْ- وَ لَا تُعِينُوا الظَّالِمَ عَلَى ظُلْمِهِ فَيَبْطُلَ فَضْلُكُمْ- الْأُمُورُ ثَلَاثَةٌ أَمْرٌ تَبَيَّنَ لَكَ رُشْدُهُ فَاتَّبِعْهُ- وَ أَمْرٌ تَبَيَّنَ لَكَ غَيُّهُ فَاجْتَنِبْهُ وَ أَمْرٌ اخْتُلِفَ فِيهِ فَرُدَّهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ.

31- مع‏ (1)، معاني الأخبار عَنِ ابْنِ الْوَلِيدِ عَنِ ابْنِ أَبَانٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ فَضَالَةَ عَنْ أَبَانٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)وُجِدَ فِي ذُؤَابَةِ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ص صَحِيفَةٌ- فَإِذَا فِيهَا مَكْتُوبٌ‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏- إِنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ- وَ مَنْ ضَرَبَ غَيْرَ ضَارِبِهِ- وَ مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ- فَهُوَ كَافِرٌ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مُحَمَّدٍ ص وَ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثاً أَوْ آوَى مُحْدِثاً- لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفاً وَ لَا عَدْلًا- قَالَ ثُمَّ قَالَ تَدْرِي مَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ- قُلْتُ مَا يَعْنِي بِهِ قَالَ يَعْنِي أَهْلَ الدِّينِ.

و الصرف التوبة في قول أبي جعفر(ع)و العدل الفداء في قول أبي عبد الله(ع)

32- ف‏ (2)، تحف العقول قَالَ النَّبِيُّ ص مَا لِي أَرَى حُبَّ الدُّنْيَا قَدْ غَلَبَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ- حَتَّى كَأَنَّ الْمَوْتَ فِي هَذَا الدُّنْيَا عَلَى غَيْرِهِمْ كُتِبَ- وَ كَأَنَّ الْحَقَّ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا عَلَى غَيْرِهِمْ وَجَبَ- وَ حَتَّى كَأَنَّ مَا يَسْمَعُونَ مِنْ خَبَرِ الْأَمْوَاتِ قَبْلَهُمْ عِنْدَهُمْ- كَسَبِيلِ قَوْمٍ سَفْرٍ عَمَّا قَلِيلٍ إِلَيْهِمْ رَاجِعُونَ‏ (3)- تُبَوِّءُونَهُمْ أَجْدَاثَهُمْ وَ تَأْكُلُونَ تُرَاثَهُمْ- وَ أَنْتُمْ مُخَلَّدُونَ بَعْدَهُمْ- هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ أَ مَا يَتَّعِظُ آخِرُهُمْ بِأَوَّلِهِمْ- لَقَدْ جَهِلُوا وَ نَسُوا كُلَّ مَوْعِظَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ- وَ أَمِنُوا شَرَّ كُلِّ عَاقِبَةِ سَوْءٍ- وَ لَمْ يَخَافُوا نُزُولَ فَادِحَةٍ (4) وَ لَا بَوَائِقَ كُلِّ حَادِثَةٍ

____________

(1) معاني الأخبار ص 379 تحت رقم 3.

(2) التحف ص 29.

(3) يعني أنهم إذا سمعوا بموت فلان مثلا يظنون أنّه قد سافر الى مكان في الأرض ثمّ يرجع اليهم ثانيا بعد مضى أيّام. و قوله «تبوءونهم اجداثهم» فى الكافي «بيوتهم اجداثهم» و سيأتى تفسيره.

(4) الفادحة: النازلة و الفادح الصعب المثقل. و البوائق جمع البائقة و هي الداهية و الشر.

126

طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ خَوْفُ اللَّهِ عَنْ خَوْفِ النَّاسِ طُوبَى لِمَنْ طَابَ كَسْبُهُ وَ صَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ- وَ حَسُنَتْ عَلَانِيَتُهُ وَ اسْتَقَامَتْ خَلِيقَتُهُ طُوبَى لِمَنْ أَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ وَ أَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ قَوْلِهِ طُوبَى لِمَنْ مَنَعَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ إِخْوَانِهِ طُوبَى لِمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ- وَ زَهِدَ فِيمَا أُحِلَّ لَهُ مِنْ غَيْرِ رَغْبَةٍ عَنْ سُنَّتِي وَ رَفَضَ زَهْرَةَ الدُّنْيَا (1) مِنْ غَيْرِ تَحَوُّلٍ عَنْ سُنَّتِي- وَ اتَّبَعَ الْأَخْيَارَ مِنْ عِتْرَتِي مِنْ بَعْدِي- وَ خَالَطَ أَهْلَ الْفِقْهِ وَ الْحِكْمَةِ وَ رَحِمَ أَهْلَ الْمَسْكَنَةِ طُوبَى لِمَنِ اكْتَسَبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَالًا مِنْ غَيْرِ معصيته [مَعْصِيَةٍ- وَ أَنْفَقَهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ وَ عَادَ بِهِ عَلَى أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ (2) وَ جَانَبَ أَهْلَ الْخُيَلَاءِ- وَ التَّفَاخُرِ وَ الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا- الْمُبْتَدِعِينَ خِلَافَ سُنَّتِي‏ (3) الْعَامِلِينَ بِغَيْرِ سِيرَتِي طُوبَى لِمَنْ حَسُنَ مَعَ النَّاسِ خُلُقُهُ- وَ بَذَلَ لَهُمْ مَعُونَتَهُ وَ عَدَلَ عَنْهُمْ شَرَّهُ.

33- ف‏ (4)، تحف العقول‏ وَصِيَّتُهُ ص لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ‏ (5) لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ يَا مُعَاذُ

____________

(1) المراد بها بهجتها و غضارتها.

(2) يعني صرفه فيهم.

(3) المبتدع صاحب البدعة.

(4) المصدر ص 25.

(5) معاذ بن جبل بضم الميم انصارى خزرجي، يكنى أبا عبد الرحمن، أسلم و هو ابن ثمان عشرة سنة، و شهد ليلة العقبة مع السبعين- من أهل يثرب (المدينة)- و شهد مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) المشاهد، و بعثه (ص) الى اليمن بعد غزوة تبوك، في سنة العاشر، و عاش الى أن توفى في طاعون عمواس بناحية الاردن سنة ثمان عشرة في خلافة عمر. و لما بعثه (ص) الى اليمن شيعه (ص) و من كان معه من المهاجرين و الأنصار- و معاذ راكب، و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يمشى الى جنبه، و يوصيه. فقال معاذ يا رسول اللّه: أنا راكب و أنت تمشى ألا انزل فامشى معك و مع أصحابك؟ فقال: يا معاذ انما أحتسب خطاى هذه في سبيل اللّه.

ثمّ أوصاه بوصايا- ذكرها الفريقين مشروحا و موجزا في كتبهم- ثم التفت (ص)، فاقبل بوجهه نحو المدينة، فقال: ان أولى الناس بى المتقون من كانوا و حيث كانوا.

127

عَلِّمْهُمْ كِتَابَ اللَّهِ- وَ أَحْسِنْ أَدَبَهُمْ عَلَى الْأَخْلَاقِ الصَّالِحَةِ- وَ أَنْزِلِ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ خَيْرَهُمْ وَ شَرَّهُمْ‏ (1)- وَ أَنْفِذْ فِيهِمْ أَمْرَ اللَّهِ وَ لَا تُحَاشِ فِي أَمْرِهِ وَ لَا مَالِهِ أَحَداً (2)- فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِوَلَايَتِكَ وَ لَا مَالِكَ- وَ أَدِّ إِلَيْهِمُ الْأَمَانَةَ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَ كَثِيرٍ- وَ عَلَيْكَ بِالرِّفْقِ وَ الْعَفْوِ فِي غَيْرِ تَرْكٍ لِلْحَقِّ- (3) يَقُولُ الْجَاهِلُ قَدْ تَرَكْتُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ- وَ اعْتَذِرْ إِلَى أَهْلِ عَمَلِكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ خَشِيتَ أَنْ يَقَعَ إِلَيْكَ مِنْهُ عَيْبٌ‏ (4) حَتَّى يَعْذِرُوكَ- وَ أَمِتْ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ إِلَّا مَا سَنَّهُ الْإِسْلَامُ- وَ أَظْهِرْ أَمْرَ الْإِسْلَامِ كُلَّهُ صَغِيرَهُ وَ كَبِيرَهُ- وَ لْيَكُنْ أَكْثَرُ هَمِّكَ الصَّلَاةَ- فَإِنَّهَا رَأْسُ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِالدِّينِ- وَ ذَكِّرِ النَّاسَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ اتَّبِعِ الْمَوْعِظَةَ فَإِنَّهُ أَقْوَى لَهُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا يُحِبُّ اللَّهُ- ثُمَّ بُثَّ فِيهِمُ الْمُعَلِّمِينَ وَ اعْبُدِ اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تَرْجِعُ- وَ لَا تَخَفْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ وَ أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ صِدْقِ الْحَدِيثِ- وَ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَ تَرْكِ الْخِيَانَةِ- وَ لِينِ الْكَلَامِ وَ بَذْلِ السَّلَامِ وَ حِفْظِ الْجَارِ- وَ رَحْمَةِ الْيَتِيمِ وَ حُسْنِ الْعَمَلِ وَ قَصْرِ الْأَمَلِ- وَ حُبِّ الْآخِرَةِ وَ الْجَزَعِ مِنَ الْحِسَابِ وَ لُزُومِ الْإِيمَانِ- وَ الْفِقْهِ فِي الْقُرْآنِ وَ كَظْمِ الْغَيْظِ وَ خَفْضِ الْجَنَاحِ‏ (5)- وَ إِيَّاكَ أَنْ تَشْتِمَ مُسْلِماً أَوْ تُطِيعَ آثِماً أَوْ تَعْصِيَ إِمَاماً عَادِلًا- أَوْ تُكَذِّبَ صَادِقاً أَوْ تُصَدِّقَ كَاذِباً- وَ اذْكُرْ رَبَّكَ عِنْدَ كُلِّ شَجَرٍ وَ حَجَرٍ- وَ أَحْدِثْ لِكُلِّ ذَنْبٍ تَوْبَةً السِّرَّ بِالسِّرِّ وَ الْعَلَانِيَةَ بِالْعَلَانِيَةِ يَا مُعَاذُ لَوْ لَا أَنَّنِي أَرَى أَلَّا نَلْتَقِيَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ- لَقَصَّرْتُ فِي الْوَصِيَّةِ- وَ لَكِنَّنِي‏

____________

(1) أي أنزل الناس منازلهم على قدرهم و شئونهم من الخير و شر.

(2) لا تحاش من حاش يحاش أي نزه و المراد أنك لا تكترث بما تفعله و لا تخاف من أحد و لا تستوحش منهم.

(3) في بعض النسخ «من غير ترك للحق».

(4) يعني أن في كل أمر خشيت أن يسرع إليك عيب منه تقدم العذر قبل أن يعذروك.

(5) الخفض: الغض و الاخفاء و أيضا خفض ضد رفع و بمعنى اللين و السهل، و الجناح ما يطير به الطائر و خفض الجناح كناية عن التواضع.

128

أَرَى أَنْ لَا نَلْتَقِيَ أَبَداً (1)- ثُمَّ اعْلَمْ يَا مُعَاذُ- أَنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ مَنْ يَلْقَانِي عَلَى مِثْلِ الْحَالِ الَّتِي فَارَقَنِي عَلَيْهَا (2).

34- ف‏ (3)، تحف العقول مِنْ كَلَامِهِ ص إِنَّ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ شَرَفاً- وَ إِنَّ شَرَفَ الْمَجَالِسِ مَا اسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ- مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَعَزَّ النَّاسِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ- وَ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ- وَ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَغْنَى النَّاسِ- فَلْيَكُنْ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ أَوْثَقَ مِنْهُ بِمَا فِي يَدِهِ ثُمَّ قَالَ أَ لَا أُنَبِّئُكُمْ بِشِرَارِ النَّاسِ- قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ- قَالَ مَنْ نَزَلَ وَحْدَهُ وَ مَنَعَ رِفْدَهُ‏ (4) وَ جَلَدَ عَبْدَهُ- ثُمَّ قَالَ أَ لَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ- قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ- قَالَ مَنْ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ وَ لَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ- ثُمَّ قَالَ أَ لَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ- قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ- قَالَ مَنْ لَا يُقِيلُ عَثْرَةً وَ لَا يَقْبَلُ مَعْذِرَةً- ثُمَّ قَالَ أَ لَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ- قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ- قَالَ مَنْ يُبْغِضُ النَّاسَ وَ يُبْغِضُونَهُ إِنَّ عِيسَى(ع)قَامَ خَطِيباً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ- فَقَالَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ- لَا تَكَلَّمُوا بِالْحِكْمَةِ عِنْدَ الْجُهَّالِ فَتَظْلِمُوهَا- وَ لَا تَمْنَعُوهَا أَهْلَهَا فَتَظْلِمُوهُمْ- وَ لَا تَظْلِمُوا وَ لَا تُكَافِئُوا

____________

(1) هذا البيان تصريح بموته (ص) و أن معاذا لن يراه بعد اليوم و مقامه هذا، فانه (صلّى اللّه عليه و آله) و دعه و انصرف و سار معاذ الى اليمن حتّى أتى صنعاء اليمن فمكث أربعة عشر شهرا ثمّ رجع الى المدينة فلما دخلها فقد مات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

(2) لعل في هذا البيان إشارة الى معاذ بانك لو تلقانى يوم القيامة على مثل هذه الحال و لم تتغير حالك في مستقبل الزمان و لم تنحرف عن طريقى بعد وفاتى تكون محبوبا عندي و لكن قيل في حقه: انه من أصحاب الصحيفة و هم الذين كتبوا صحيفة و اشترطوا على أن يزيلوا الإمامة عن عليّ (عليه السلام). و ممن قوى خلافة أبى بكر.

(3) التحف ص 27.

(4) الرفد بالكسر: العطاء و الصلة و هو اسم من رفده رفدا من باب ضرب أي أعطاه و أعانه. و الظاهر أنّه أعمّ من منع الحقوق الواجبة و المستحبة.

129

ظَالِماً فَيَبْطُلَ‏ (1) فَضْلُكُمْ- يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْأُمُورُ ثَلَاثَةٌ- أَمْرٌ بَيِّنٌ رُشْدُهُ فَاتَّبِعُوهُ- وَ أَمْرٌ بَيِّنٌ غَيُّهُ فَاجْتَنِبُوهُ- وَ أَمْرٌ اخْتُلِفَ فِيهِ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ- أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ لَكُمْ مَعَالِمَ فَانْتَهُوا إِلَى مَعَالِمِكُمْ- وَ إِنَّ لَكُمْ نِهَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ- إِنَّ الْمُؤْمِنَ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ أَجَلٌ قَدْ مَضَى لَا يَدْرِي مَا اللَّهُ صَانِعٌ فِيهِ- وَ بَيْنَ أَجَلٍ قَدْ بَقِيَ لَا يَدْرِي مَا اللَّهُ قَاضٍ فِيهِ فَلْيَأْخُذِ الْعَبْدُ لِنَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ وَ مِنْ دُنْيَاهُ لِآخِرَتِهِ- وَ مِنَ الشَّيْبَةِ قَبْلَ الْكِبَرِ وَ مِنَ الْحَيَاةِ قَبْلَ الْمَوْتِ- وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ مُسْتَعْتَبٍ‏ (2)- وَ مَا بَعْدَ الدُّنْيَا دَارٌ إِلَّا الْجَنَّةُ وَ النَّارُ.

35- سن‏ (3)، المحاسن عَنْ أَبِيهِ عَنْ يُونُسَ عَنْ عَمْرِو بْنِ جُمَيْعٍ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ ره‏ أَوْصَانِي خَلِيلِي بِسَبْعَةِ خِصَالٍ لَا أَدَعُهُنَّ عَلَى كُلِّ حَالٍ- أَوْصَانِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي وَ لَا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي- وَ أَنْ أُحِبَّ الْفُقَرَاءَ وَ أَدْنُوَ مِنْهُمْ وَ أَنْ أَقُولَ الْحَقَّ وَ إِنْ كَانَ مُرّاً- وَ أَنْ أَصِلَ رَحِمِي وَ إِنْ كَانَتْ مُدْبِرَةً- وَ لَا أَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئاً وَ أَوْصَانِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ- لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ- فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ.

36- سن‏ (4)، المحاسن عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ص رَجُلٌ فَقَالَ عَلِّمْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ- فَقَالَ عَلَيْكَ بِالْيَأْسِ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ فَإِنَّهُ الْغِنَى الْحَاضِرُ- قَالَ زِدْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ- قَالَ‏

____________

(1) كافا الرجل على ما كان منه جازاه. كافا فلانا راقبه و قابله، صار نظيرا له و ساواه.

(2) المستعتب: طلب العتبى أي الاسترضاء و المراد أن بعد الموت لا يكون ما يوجب الرضا لان زمان الاعمال قد انقضى و ختم ديوانها و لعلّ أصل العتبى الرضا و الفرح من الرجوع عن الذنب و الاساءة و هذا المعنى لا يمكن الوصول إليه الا في دار الدنيا، و قبل الموت فليس بعد الموت من استرضاء بهذا المعنى.

(3) المحاسن ص 11 باب 7.

(4) المحاسن ص 16 باب 10.

130

إِيَّاكَ وَ الطَّمَعَ فَإِنَّهُ الْفَقْرُ الْحَاضِرُ- قَالَ زِدْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ- قَالَ إِذَا هَمَمْتَ بِأَمْرٍ فَتَدَبَّرْ عَاقِبَتَهُ- فَإِنْ يَكُ خَيْراً وَ رُشْداً فَاتَّبِعْهُ وَ إِنْ يَكُ غَيّاً فَدَعْهُ.

37- سن‏ (1)، المحاسن عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّضْرِ عَنْ يَحْيَى الْحَلَبِيِّ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ‏ إِنَّ عَلِيّاً(ع)وَجَدَ كِتَاباً فِي قِرَابِ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ص مِثْلَ الْإِصْبَعِ فِيهِ- إِنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ الْقَاتِلُ غَيْرَ قَاتِلِهِ- وَ الضَّارِبُ غَيْرَ ضَارِبِهِ- وَ مَنْ وَالَى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ص وَ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثاً أَوْ آوَى مُحْدِثاً- فَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفاً وَ لَا عَدْلًا- وَ لَا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَشْفَعَ فِي حَدٍّ.

38- جا (2)، المجالس للمفيد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ التَّمِيمِيِّ عَنْ هِشَامِ بْنِ يُونُسَ النَّهْشَلِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْلَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَارِثٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص عَجَبٌ لِغَافِلٍ وَ لَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ- وَ عَجَبٌ لِطَالِبِ الدُّنْيَا وَ الْمَوْتُ يَطْلُبُهُ- وَ عَجَبٌ لِضَاحِكٍ مِلْ‏ءَ فِيهِ وَ هُوَ لَا يَدْرِي أَ رَضِيَ اللَّهُ أَمْ سَخِطَ لَهُ.

39- جا (3)، المجالس للمفيد عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ مَعْرُوفٍ عَنِ ابْنِ مَهْزِيَارَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ يُونُسَ عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْقَمَّاطِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَوْمَ مِنًى- فَقَالَ نَضَّرَ اللَّهُ‏ (4) عَبْداً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا- وَ بَلَّغَهَا مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا- فَكَمْ مِنْ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ وَ كَمْ حَامِلُ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ- ثَلَاثَةٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهَا قَلْبُ عَبْدٍ مُسْلِمٍ‏ (5)- إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ- وَ النَّصِيحَةُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَ اللُّزُومُ لِجَمَاعَتِهِمْ- فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ مُحِيطَةٌ مِنْ وَرَائِهِمُ- الْمُسْلِمُونَ‏

____________

(1) المحاسن ص 17 باب 10.

(2) مجالس المفيد ص 45.

(3) المصدر ص 110.

(4) في النهاية: نضره و نضره و أنضره أي نعمه و يروى بالتخفيف و التشديد من النضارة و هي في الأصل حسن الوجه و البريق و انما أراد حسن خلقه و قدره.

(5) الغل الخيانة و الحقد.

131

إِخْوَةٌ تَتَكَافَى دِمَاؤُهُمْ- وَ هُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ‏ (1).

14- 40- كشف‏ (2)، كشف الغمة مِنْ كِتَابِ الْحَافِظِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ قَالَ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ‏ كَانَتْ خُطْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ ص يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَحْمَدُ اللَّهَ وَ يُثْنِي عَلَيْهِ- ثُمَّ يَقُولُ أَثَرَ ذَلِكَ وَ قَدْ عَلَا صَوْتُهُ- وَ اشْتَدَّ غَضَبُهُ وَ احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ- صَبَّحَكُمْ أَوْ مَسَّاكُمْ- ثُمَّ يَقُولُ بُعِثْتُ وَ السَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ- ثُمَّ أَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَ الْوُسْطَى الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ- ثُمَّ يَقُولُ إِنَّ أَفْضَلَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ خَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ- وَ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ- فَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ وَ مَنْ تَرَكَ دَيْناً أَوْ ضَيَاعاً فَإِلَيَ‏ (3).

41- جع‏ (4)، جامع الأخبار قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْعَفَافُ زِينَةُ الْبَلَاءِ وَ التَّوَاضُعُ زِينَةُ الْحَسَبِ- وَ الْفَصَاحَةُ زِينَةُ الْكَلَامِ وَ الْعَدْلُ زِينَةُ الْإِيمَانِ- وَ السَّكِينَةُ زِينَةُ الْعِبَادَةِ وَ الْحِفْظُ زِينَةُ الرِّوَايَةِ- وَ حِفْظُ الْحِجَاجِ زِينَةُ الْعِلْمِ وَ حُسْنُ الْأَدَبِ زِينَةُ الْعَقْلِ- وَ بَسْطُ الْوَجْهِ زِينَةُ الْحِلْمِ وَ الْإِيثَارُ زِينَةُ الزُّهْدِ- وَ بَذْلُ الْمَوْجُودِ زِينَةُ الْيَقِينِ وَ التَّقَلُّلُ زِينَةُ الْقَنَاعَةِ- وَ تَرْكُ الْمَنِّ زِينَةُ الْمَعْرُوفِ وَ الْخُشُوعُ زِينَةُ الصَّلَاةِ- وَ تَرْكُ مَا لَا يَعْنِي زِينَةُ الْوَرَعِ.

14- 42- كا (5)، الكافي عَنِ الْعِدَّةِ عَنْ سَهْلٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ السَّرِيِّ عَنْ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ‏ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص مَرَّ بِنَا ذَاتَ يَوْمٍ وَ نَحْنُ فِي نَادِينَا وَ هُوَ عَلَى نَاقَتِهِ- وَ ذَلِكَ حِينَ رَجَعَ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ‏

____________

(1) سئل الصادق (عليه السلام) عن معناه فقال (عليه السلام): لو أن جيشا من المسلمين حاصروا قوما من المشركين فأشرف رجل منهم فقال: أعطونى الأمان حتّى القى صاحبكم أناظره فأعطاهم أدناهم الأمان وجب على أفضلهم الوفاء به (مجمع البحرين).

(2) كشف الغمّة ج 2 ص 375.

(3) كذا.

(4) جامع الأخبار ص 143 الفصل التاسع و السبعون.

(5) الكافي ج 8 ص 168 تحت رقم 190.

132

فَوَقَفَ عَلَيْنَا فَسَلَّمَ وَ رَدَدْنَا (عليه السلام)- ثُمَّ قَالَ مَا لِي أَرَى حُبَّ الدُّنْيَا قَدْ غَلَبَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ- حَتَّى كَأَنَّ الْمَوْتَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا عَلَى غَيْرِهِمْ كُتِبَ- وَ كَأَنَّ الْحَقَّ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا عَلَى غَيْرِهِمْ وَجَبَ- وَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَسْمَعُوا وَ يَرَوْا مِنْ خَبَرِ الْأَمْوَاتِ قَبْلَهُمْ سَبِيلُهُمْ سَبِيلُ قَوْمٍ سَفْرٍ (1) عَمَّا قَلِيلٍ إِلَيْهِمْ رَاجِعُونَ- بُيُوتُهُمْ أَجْدَاثُهُمْ وَ يَأْكُلُونَ تُرَاثَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُخَلَّدُونَ بَعْدَهُمْ‏ (2)- هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ أَ مَا يَتَّعِظُ آخِرُهُمْ بِأَوَّلِهِمْ- لَقَدْ جَهِلُوا وَ نَسُوا كُلَّ وَعْظٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ- وَ أَمِنُوا شَرَّ كُلِّ عَاقِبَةِ سَوْءٍ- وَ لَمْ يَخَافُوا نُزُولَ فَادِحَةٍ وَ بَوَائِقَ حَادِثَةٍ (3) طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ خَوْفُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَنْ خَوْفِ النَّاسِ طُوبَى لِمَنْ مَنَعَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ إِخْوَانِهِ طُوبَى لِمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ- وَ زَهِدَ فِيمَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ مِنْ غَيْرِ رَغْبَةٍ عَنْ سِيرَتِي- وَ رَفَضَ زَهْرَةَ الدُّنْيَا مِنْ غَيْرِ تَحَوُّلٍ عَنْ سُنَّتِي- وَ اتَّبَعَ الْأَخْيَارَ مِنْ عِتْرَتِي مِنْ بَعْدِي- وَ جَانَبَ أَهْلَ الْخُيَلَاءِ وَ التَّفَاخُرِ وَ الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا- الْمُبْتَدِعِينَ خِلَافَ سُنَّتِي الْعَامِلِينَ بِغَيْرِ سِيرَتِي‏

____________

(1) السفر جمع مسافر فيحتمل ارجاع الضمير في قوله: «سبيلهم» الى الاحياء و في قوله: «اليهم» الى الأموات أي هؤلاء الاحياء مسافرون يقطعون منازل اعمارهم من السنين و الشهور حتّى يلحقوا بهؤلاء الأموات و يحتمل العكس في ارجاع الضميرين فالمراد أن سبيل هؤلاء الأموات عند هؤلاء الاحياء لعدم اتعاظهم بموتهم و عدم مبالاتهم سبيل قوم كانوا ذهبوا الى سفر و عن قريب يرجعون اليهم و يؤيده ما في النهج و تفسير القمّيّ «و كان الذي نرى من الأموات سفر عما قليل الينا راجعون».

(2) الاجداث جمع الجدث و هو القبر أي يرون أن بيوت هؤلاء الأموات اجداثهم و مع ذلك يأكلون تراثهم أو يريدون أن تراث هؤلاء قد زالت عنهم و بقى في ايديهم و مع ذلك لا يتعظون و يظنون أنهم مخلدون بعدهم. و التراث: ما يخلفه الرجل لورثته. و الظاهر أنّه وقع في نسخ الكتاب تصحيف و الاصوب ما في النهج «نبوؤهم اجداثهم و نأكل تراثهم» و في التفسير «ننزلهم اجداثهم».

(3) الفادحة النازلة.

133

طُوبَى لِمَنِ اكْتَسَبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَالًا مِنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ- فَأَنْفَقَهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ وَ عَادَ بِهِ عَلَى أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ طُوبَى لِمَنْ حَسُنَ مَعَ النَّاسِ خُلُقُهُ- وَ بَذَلَ لَهُمْ مَعُونَتَهُ وَ عَدَلَ عَنْهُمْ شَرَّهُ طُوبَى لِمَنْ أَنْفَقَ الْقَصْدَ وَ بَذَلَ الْفَضْلَ- وَ أَمْسَكَ قَوْلَهُ عَنِ الْفُضُولِ وَ قَبِيحِ الْفِعْلِ.

43- ختص‏ (1)، الإختصاص‏ خَطَبَ النَّبِيُّ ص لَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى تَبُوكَ بِثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ- أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ- وَ أَوْثَقُ الْعُرَى كَلِمَةُ التَّقْوَى- وَ خَيْرُ الْمِلَلِ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ- وَ خَيْرُ السُّنَنِ سُنَّةُ مُحَمَّدٍ ص وَ أَشْرَفُ الْحَدِيثِ ذِكْرُ اللَّهِ- وَ أَحْسَنُ الْقَصَصِ الْقُرْآنُ- وَ خَيْرُ الْأُمُورِ عَزَائِمُهَا- وَ شَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا- وَ أَحْسَنُ الْهَدْيِ هَدْيُ الْأَنْبِيَاءِ- وَ أَشْرَفُ الْقَتْلِ قَتْلُ الشُّهَدَاءِ- وَ أَعْمَى الْهَدْيِ الضَّلَالَةُ بَعْدَ الْهُدَى- وَ خَيْرُ الْأَعْمَالِ مَا نَفَعَ- وَ خَيْرُ الْهَدْيِ مَا اتُّبِعَ- وَ شَرُّ الْعَمَى عَمَى الْقَلْبِ- وَ الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى- وَ مَا قَلَّ وَ كَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَ أَلْهَى وَ شَرُّ الْمَعْذِرَةِ حِينَ يَحْضُرُ الْمَوْتُ- وَ شَرُّ النَّدَامَةِ نَدَامَةُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ- وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَأْتِي الْجُمُعَةَ إِلَّا نَذْراً- وَ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَذْكُرُ اللَّهَ إِلَّا هَجْراً- وَ مِنْ أَعْظَمِ الْخَطَايَا اللِّسَانُ الْكَذُوبُ- وَ خَيْرُ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ وَ خَيْرُ الزَّادِ التَّقْوَى- وَ رَأْسُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ اللَّهِ وَ خَيْرُ مَا أُلْقِيَ فِي الْقَلْبِ الْيَقِينُ وَ الِارْتِيَابُ مِنَ الْكُفْرِ- وَ النِّيَاحَةُ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَ الْغُلُولُ مِنْ جَمْرِ جَهَنَّمَ- وَ السُّكْرُ جَمْرٌ مِنَ النَّارِ وَ الشِّعْرُ مِنْ إِبْلِيسَ- وَ الْخَمْرُ جِمَاعُ الْآثَامِ- وَ النِّسَاءُ حِبَالاتُ إِبْلِيسَ- وَ الشَّبَابُ شُعْبَةٌ مِنَ الْجُنُونِ- وَ شَرُّ الْمَكَاسِبِ كَسْبُ الرِّبَا وَ شَرُّ الْمَأْكَلِ أَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ- وَ السَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ وَ الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ- وَ إِنَّمَا يَصِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى مَوْضِعِ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ وَ الْأَمْرُ إِلَى آخِرِهِ وَ مِلَاكُ الْعَمَلِ خَوَاتِيمُهُ وَ أَرْبَى الرِّبَا الْكَذِبُ- وَ كُلُّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ- وَ سِبَابُ الْمُؤْمِنِ فُسُوقٌ وَ قِتَالُ الْمُؤْمِنِ كُفْرٌ- وَ أَكْلُ لَحْمِهِ مَعْصِيَةٌ وَ حُرْمَةُ مَالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ- وَ مَنْ يَتَأَلَّ عَلَى اللَّهِ يُكْذِبْهُ- وَ مَنْ يَعْفُ يعفو [يَعْفُ اللَّهُ عَنْهُ وَ مَنْ كَظَمَ الْغَيْظَ يَأْجُرْهُ اللَّهُ- وَ مَنْ يَصْبِرْ عَلَى الرَّزِيَّةِ يُعَوِّضْهُ اللَّهُ- وَ مَنْ يَتَّبِعِ السُّمْعَةَ يُسَمِّعِ اللَّهُ بِهِ وَ مَنْ يَصَمَّ بَصَّرَهُ- وَ مَنْ‏

____________

(1) الاختصاص ص 342.

134

يَعْصِ اللَّهَ يُعَذِّبْهُ اللَّهُ- اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَ لِأُمَّتِي- اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَ لِأُمَّتِي أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَ لَكُمْ.

44- ين‏ (1)، كتاب حسين بن سعيد و النوادر عَنِ ابْنِ عُلْوَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ: اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي- قَالَ أُوصِيكَ أَنْ لَا تُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئاً- وَ إِنْ قُطِعْتَ وَ حُرِّقْتَ بِالنَّارِ- وَ لَا تَنْهَرْ وَالِدَيْكَ وَ إِنْ أَمَرَاكَ عَلَى أَنْ تُخْرِجَ مِنْ دُنْيَاكَ فَاخْرُجْ مِنْهَا- وَ لَا تَسُبَّ النَّاسَ وَ إِذَا لَقِيتَ أَخَاكَ الْمُسْلِمَ فَالْقِهِ بِبِشْرٍ حَسَنٍ- وَ صُبَّ لَهُ مِنْ فَضْلِ دَلْوِكَ- أَبْلِغْ مَنْ لَقِيتَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَنِّي السَّلَامَ- وَ ادْعُ النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ- وَ اعْلَمْ أَنَّ لَكَ بِكُلِّ مَنْ أَجَابَكَ عِتْقَ رَقَبَةٍ مِنْ وُلْدِ يَعْقُوبَ- وَ اعْلَمْ أَنَّ الصُّغَيْرَاءَ عَلَيْهِمْ حَرَامٌ يَعْنِي النَّبِيذَ وَ هُوَ الْخَمْرُ- وَ كُلُّ مُسْكِرٍ عَلَيْهِمْ حَرَامٌ.

45- ين‏ (2)، كتاب حسين بن سعيد و النوادر عَنِ ابْنِ أَبِي الْبِلَادِ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ص فَأَخَذَ بِغَرْزِ رَاحِلَتِهِ وَ هُوَ يُرِيدُ بَعْضَ غَزَوَاتِهِ- فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي عَمَلًا أَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ- فَقَالَ مَا أَحْبَبْتَ أَنْ يَأْتِيَهُ النَّاسُ إِلَيْكَ فَأْتِهِ إِلَيْهِمْ- وَ مَا كَرِهْتَ أَنْ يَأْتِيَهُ إِلَيْكَ فَلَا تَأْتِهِ إِلَيْهِمْ- خَلِّ سَبِيلَ الرَّاحِلَةِ.

46 نَوَادِرُ الرَّاوَنْدِيِ‏ (3)، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ عَلِيٌ‏ خَطَبَ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ص فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ فِي زَمَانِ هُدْنَةٍ وَ أَنْتُمْ عَلَى ظَهْرِ سَفَرٍ وَ السَّيْرُ بِكُمْ سَرِيعٌ- فَقَدْ رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ يُبْلِيَانِ كُلَّ جَدِيدٍ- وَ يُقَرِّبَانِ كُلَّ بَعِيدٍ وَ يَأْتِيَانِ بِكُلِّ وَعْدٍ وَ وَعِيدٍ- فَأَعِدُّوا الْجَهَازَ لِبُعْدِ الْمَجَازِ- فَقَامَ مِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ فَقَالَ- يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَأْمُرُنَا نَعْمَلُ فَقَالَ إِنَّهَا دَارُ بَلَاءٍ وَ ابْتِلَاءٍ وَ انْقِطَاعٍ وَ فَنَاءٍ- فَإِذَا الْتَبَسَتْ عَلَيْكُمُ الْأُمُورُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ- فَعَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وَ مَاحِلٌ مُصَدَّقٌ- مَنْ جَعَلَهُ أَمَامَهُ قَادَهُ إِلَى الْجَنَّةِ- وَ مَنْ جَعَلَهُ خَلْفَهُ سَاقَهُ إِلَى النَّارِ- وَ مَنْ جَعَلَهُ الدَّلِيلَ يَدُلُّهُ عَلَى السَّبِيلِ‏

____________

(1) مخطوط.

(2) مخطوط.

(3) المصدر ص 21 و 22.

135

وَ هُوَ كِتَابُ تَفْصِيلٍ وَ بَيَانُ تَحْصِيلٍ هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ- وَ لَهُ ظَهْرٌ وَ بَطْنٌ وَ ظَاهِرُهُ حُكْمُ اللَّهِ وَ بَاطِنُهُ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى- فَظَاهِرُهُ وَثِيقٌ وَ بَاطِنُهُ عَمِيقٌ- لَهُ نُجُومٌ وَ عَلَى نُجُومِهِ نُجُومٌ‏ (1) لَا تُحْصَى عَجَائِبُهُ وَ لَا تُبْلَى غَرَائِبُهُ- فِيهِ مَصَابِيحُ الْهُدَى وَ مَنَارُ الْحِكْمَةِ- وَ دَلِيلٌ عَلَى الْمَعْرِفَةِ لِمَنْ عَرَفَ النَّصَفَةَ- فَلْيَرِعْ رَجُلٌ بَصَرُهُ وَ لْيَبْلُغِ النَّصَفَةَ نَظَرُهُ يَنْجُو مِنْ عَطَبٍ وَ يَتَخَلَّصُ مِنْ نَشَبٍ- فَإِنَّ التَّفَكُّرَ حَيَاةُ قَلْبِ الْبَصِيرِ- كَمَا يَمْشِي الْمُسْتَنِيرُ فِي الظُّلُمَاتِ- وَ النُّورُ يُحْسِنُ التَّخَلُّصَ وَ يُقِلُّ التَّرَبُّصَ‏ (2).

47- وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ(ع)خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ص فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ الْمَوْتَةَ الْمَوْتَةَ- الْوَحِيَّةَ الْوَحِيَّةَ (3) لَا تَرُدُّهَا سَعَادَةٌ أَوْ شَقَاوَةٌ- جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ بِالرَّوْحِ وَ الرَّاحَةِ لِأَهْلِ دَارِ الْحَيَوَانِ- الَّذِي كَانَ لَهَا سَعْيُهُمْ- وَ فِيهَا جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ بِالْوَيْلِ وَ الْحَسْرَةِ- وَ الْكَرَّةِ الْخَاسِرَةِ لِأَهْلِ دَارِ الْغُرُورِ- الَّذِينَ كَانَ لَهَا سَعْيُهُمْ وَ فِيهَا رَغْبَتُهُمْ بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ لَهُ وَجْهَانِ يُقْبِلُ بِوَجْهٍ وَ يُدْبِرُ بِوَجْهٍ- إِنْ أُوتِيَ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ خَيْراً حَسَدَهُ وَ إِنِ ابْتُلِيَ خَذَلَهُ- بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ ثُمَّ يَعُودُ جِيفَةً- لَا يَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِهِ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ- بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ خُلِقَ لِلْعِبَادَةِ- فَأَلْهَتْهُ الْعَاجِلَةُ عَنِ الْآجِلَةِ (4)- فَازَ بِالرَّغْبَةِ الْعَاجِلَةِ عَنِ الْآجِلَةِ وَ شَقِيَ بِالْعَاقِبَةِ- بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَجَبَّرَ وَ اخْتَالَ وَ نَسِيَ الْكَبِيرَ الْمُتَعَالِ بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ عَتَا وَ بَغَى وَ نَسِيَ الْجَبَّارَ الْأَعْلَى- بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ لَهُ هَوًى يُضِلُّهُ وَ نَفْسٌ تُذِلُّهُ- بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ لَهُ طَمَعٌ يَقُودُهُ إِلَى طَبَعٍ.

48- ما (5)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُبْدُونٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ

____________

(1) في المصدر «له تخوم و على تخومه تخوم».

(2) كذا في المصدر.

(3) كذا و الوحى الوحى. مقصورا-: أى البدار البدار، السرعة السرعة، العجلة العجلة، و شي‏ء و حىّ: مسرع، فعيل بمعنى فاعل و منه موت و حىّ أي سريع و ذكاة و حية بهاء: سريعة. و توحى على تفعل: أسرع.

(4) أي شغلته و صرفته حبّ الدنيا عن الآخرة أو الموت.

(5) الأمالي ج 2 ص 287.

136

قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ‏ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ص يُرِيدُ حَاجَةً- فَإِذَا هُوَ بِالْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ- قَالَ فَقَالَ احْمِلُوا هَذَا الْغُلَامَ خَلْفِي- فَاعْتَنَقَ رَسُولُ اللَّهِ ص مِنْ خَلْفِهِ عَلَى الْغُلَامِ- ثُمَّ قَالَ يَا غُلَامُ خَفِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ- يَا غُلَامُ خَفِ اللَّهَ يَكْفِكَ مَا سِوَاهُ وَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَ إِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ- وَ لَوْ أَنَّ جَمِيعَ الْخَلَائِقِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَصْرِفُوا عَنْكَ شَيْئاً- قَدْ قُدِّرَ لَكَ لَمْ يَسْتَطِيعُوا- وَ لَوْ أَنَّ جَمِيعَ الْخَلَائِقِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَصْرِفُوا إِلَيْكَ شَيْئاً- لَمْ يُقَدَّرْ لَكَ لَمْ يَسْتَطِيعُوا- وَ اعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ وَ أَنَّ الْفَرَحَ مَعَ الْكَرْبِ وَ أَنَّ الْيُسْرَ مَعَ الْعُسْرِ- وَ كُلُّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ- إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ- وَ لَوْ أَنَّ قُلُوبَ عِبَادِي اجْتَمَعَتْ عَلَى قَلْبِ أَشْقَى عَبْدٍ لِي- مَا نَقَصَنِي ذَلِكَ مِنْ سُلْطَانِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ- وَ لَوْ أَنَّ قُلُوبَ عِبَادِي اجْتَمَعَتْ عَلَى قَلْبِ أَسْعَدِ عَبْدٍ لِي- مَا زَادَ ذَلِكَ فِي سُلْطَانِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ- وَ لَوْ أَنِّي أَعْطَيْتُ كُلَّ عَبْدٍ مَا سَأَلَنِي مَا كَانَ ذَلِكَ- إِلَّا مِثْلَ إِبْرَةٍ جَاءَهَا عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي فَغَمَسَهَا فِي الْبَحْرِ- وَ ذَلِكَ أَنَّ عَطَائِي كَلَامٌ وَ عِدَتِي كَلَامٌ وَ إِنَّمَا أَقُولُ لِشَيْ‏ءٍ كُنْ فَيَكُونُ.

49- كِتَابُ الْإِمَامَةِ وَ التَّبْصِرَةِ (1)، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص السَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ.

____________

(1) قال المؤلّف- (رحمه الله)- في المجلد الأول ص 7 في بيان الأصول و الكتب المأخوذ منها: «كتاب الإمامة و التبصرة من الحيرة للشيخ الأجل أبى الحسن عليّ بن الحسين ابن موسى بن بابويه والد الصدوق- طيب اللّه تربتهما- و أصل آخر منه أو من غيره من القدماء المعاصرين له. و يظهر من بعض القرائن أنّه تأليف الشيخ الثقة الجليل هارون بن موسى التعلكبرى- (رحمه الله)-» انتهى.

أقول: و قال المولى الأستاذ الشيخ آغا بزرگ في الذريعة ج 2 ص 342 ما حاصله هذا الكتاب لبعض قدماء الاصحاب المعاصرين للشيخ الصدوق و لا يمكن أن يكون من تأليفات على بن بابويه لانه يروى مؤلّفه فيه عن أبي محمّد هارون بن موسى التلعكبرى المتوفى سنة 385 و أيضا عن أبي المفضل الشيباني المتوفّى سنة 387. و عن الحسن بن حمزة العلوى.

137

باب 7 ما جمع من مفردات كلمات الرسول ص و جوامع كلمه‏

أقول: قد أورد القاضي القضاعي من العامة شطرا من كلماته ص في كتاب الشهاب ثم جمع بينها و بين كلمات علي(ع)الشيخ أبو السعادات أسعد بن عبد القاهر الأصفهاني من أصحابنا في كتاب مجمع البحرين و مطلع السعادتين أيضا و أوردها أيضا جماعة أخرى أيضا من الخاصة و العامة في مطاوي الكتب المؤلفة في ذكر جوامع كلماتهما و كلمات سائر السادة المعصومين كما سيجي‏ء الإشارة إليه في باب ما جمع من جوامع كلم أمير المؤمنين(ع)

1- ف‏ (1)، تحف العقول قَالَ النَّبِيُّ ص كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظاً وَ كَفَى بِالتُّقَى غِنًى- وَ كَفَى بِالْعِبَادَةِ شُغُلًا- وَ كَفَى بِالْقِيَامَةِ مَوْئِلًا (2) وَ بِاللَّهِ مُجَازِياً.

2- وَ قَالَ ص خَصْلَتَانِ لَيْسَ فَوْقَهُمَا مِنَ الْبِرِّ شَيْ‏ءٌ- الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَ النَّفْعُ لِعِبَادِ اللَّهِ- وَ خَصْلَتَانِ لَيْسَ فَوْقَهُمَا مِنَ الشَّرِّ شَيْ‏ءٌ- الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَ الضَّرُّ لِعِبَادِ اللَّهِ.

3 وَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ أَوْصِنِي بِشَيْ‏ءٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ فَقَالَ أَكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ‏

____________

و عن سهل بن أحمد الديباجى المتوفى بعد سنة 370. و عن أحمد بن على الراوي عن محمّد بن الحسن بن الوليد الذي توفّي سنة 343 فكيف يكون من يروى عن هؤلاء المشايخ المتأخرين هو والد الصدوق الذي توفّي سنة 329 فان رواية المتقدم عصرا عن المتأخر و ان وقعت في رواياتنا لكن المقام ليس منها بشهادة أن الشيخ الصدوق مع اكثاره في الرواية عن والده في جميع مؤلّفاته لم يذكر رواية واحدة عن أحد من هؤلاء المشايخ الذين مر ذكرهم ممن يروى مؤلف الإمامة و التبصرة عنهم غالبا فيه.

(1) التحف ص 35.

(2) الموئل: الملجأ من وأل إليه وألا و وءولا: إذا رجع إليه و طلب النجاة منه.

138

يُسَلِّكَ عَنِ الدُّنْيَا (1)- وَ عَلَيْكَ بِالشُّكْرِ يَزِيدُ فِي النِّعْمَةِ- وَ أَكْثِرْ مِنَ الدُّعَاءِ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَتَى يُسْتَجَابُ لَكَ- وَ إِيَّاكَ وَ الْبَغْيَ- فَإِنَّ اللَّهَ قَضَى أَنَّهُ‏ مَنْ‏ ... بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ‏ (2)- وَ قَالَ‏ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ‏ (3)- وَ إِيَّاكَ وَ الْمَكْرَ- فَإِنَّ اللَّهَ قَضَى‏ وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ‏ (4).

4 وَ قَالَ ص تُحْرَصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ تَكُونُ حَسْرَةً وَ نَدَامَةً- فَنِعْمَتِ الْمُرْضِعَةُ وَ بِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ (5).

5- وَ قَالَ ص لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ أَسْدَوْا أَمْرَهُمْ إِلَى امْرَأَةٍ (6).

6 وَ قِيلَ لَهُ(ع)أَيُّ الْأَصْحَابِ أَفْضَلُ- قَالَ إِذَا ذُكِرْتَ أَعَانَكَ وَ إِذَا نُسِيتَ ذَكَرَكَ.

7 وَ قِيلَ أَيُّ النَّاسِ شَرٌّ قَالَ ص الْعُلَمَاءُ إِذَا فَسَدُوا.

8 وَ قَالَ ص أَوْصَانِي رَبِّي بِتِسْعٍ- أَوْصَانِي بِالْإِخْلَاصِ فِي السِّرِّ وَ الْعَلَانِيَةِ وَ الْعَدْلِ فِي الرِّضَا وَ الْغَضَبِ وَ الْقَصْدِ فِي الْفَقْرِ وَ الْغِنَى- وَ أَنْ أَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي وَ أُعْطِيَ‏

____________

(1) أي ينتزعك منها.

(2) مضمونها في سورة الحجّ: 60.

(3) يونس: 23.

(4) فاطر: 24.

(5) الفطم: القطع و فصل الولد عن الرضاع. و لعلّ المراد فنعمت الامارة التي أرضعت الناس بلبنها و استفادوا منها. و بئست الامارة التي فطمت الناس عن ارضاعها. و لم يستفادوا منها. و قال في النهاية: ضرب المرضعة مثلا للامارة و ما توصله الى صاحبها من المنافع، و ضرب الفاطمة مثلا للموت الذي يهدم عليه لذاته.

(6) في بعض نسخ المصدر «اسندوا» و المعنى واحد. و المراد بالامر الولاية و ذلك لنقصها و عجزها لان الوالى مأمور بالبروز للقيام بشأن الرعية و المرأة عورة لا تصلح لذلك فلا يصحّ أن تتولى الامارة و لا القضاء و ان ادعت القدرة على ذلك فنفس تلك الادعاء دليل على عدم قابليتها.

139

مَنْ حَرَمَنِي وَ أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي- وَ أَنْ يَكُونَ صَمْتِي فِكْراً- وَ مَنْطِقِي ذِكْراً وَ نَظَرِي عَبَراً (1).

9- وَ قَالَ ص قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ‏ (2).

10- وَ قَالَ ص إِذَا سَادَ الْقَوْمَ فَاسِقُهُمْ وَ كَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَذَلَّهُمْ- وَ أُكْرِمَ الرَّجُلُ الْفَاسِقُ فَلْيَنْتَظِرِ الْبَلَاءَ.

11 وَ قَالَ ص سُرْعَةُ الْمَشْيِ يَذْهَبُ بِبَهَاءِ الْمُؤْمِنِ.

12- وَ قَالَ ص لَا يَزُولُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ فِي تُهَمَةِ مَنْ هُوَ بَرِي‏ءٌ- حَتَّى يَكُونَ أَعْظَمَ جُرْماً مِنَ السَّارِقِ‏ (3).

13- وَ قَالَ ص إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْجَوَادَ فِي حَقِّهِ.

14- وَ قَالَ ص إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ وَ أَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ‏ (4)- وَ أَمْرُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ فَظَهْرُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا- وَ إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ وَ أَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلَاءَكُمْ- وَ أُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا.

15- وَ قَالَ ص مَنْ أَصْبَحَ وَ أَمْسَى وَ عِنْدَهُ ثَلَاثٌ فَقَدْ تَمَّتْ عَلَيْهِ النِّعْمَةُ فِي الدُّنْيَا مَنْ أَصْبَحَ وَ أَمْسَى مُعَافًى فِي بَدَنِهِ آمِناً فِي سَرْبِهِ‏ (5) عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ- فَإِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ‏

____________

(1) العبر جمع العبرة و هي الاعتبار و الموعظة.

(2) قد كره كتابة الحديث جمع في الصدر الأول منهم ابن عبّاس- رضي اللّه عنه و استدلوا بقوله (صلّى اللّه عليه و آله) «لا تكتبوا عنى شيئا غير القرآن» كما رواه مسلم لكن هذه الرواية على فرض صحتها لا تنافى قوله «قيدوا العلم بالكتاب» لان النهى فيها خاصّ بوقت نزول القرآن و ذلك لخوف أن يشتبه بالقرآن لانه نزل نجوما و لعلّ النهى مقدم و الاذن ناسخ عند أمن اللبس. و بعض المتأخرين من العامّة كره كتابة العلم و علل بان الإنسان ربما يتكل عليها فلا يحفظ شيئا في ذهنه، و هذا التعليل عليل جدا.

(3) يعني من سرق ماله قد يتهم زيدا و عمرا و من هو بري‏ء حتّى صار جرمه أعظم من السارق.

(4) السمحاء جمع السامح و هو الجواد.

(5) السرب بفتح السين و سكون الراء و الباء الموحدة الوجهة و الطريق و الطريقة يقال فلان آمن في سربه أي مطمئن في طريقته و مذهبه و قيل أي في نفسه.

140

الرَّابِعَةُ- فَقَدْ تَمَّتْ عَلَيْهِ النِّعْمَةُ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- وَ هُوَ الْإِيمَانُ.

16- وَ قَالَ ص ارْحَمُوا عَزِيزاً ذَلَّ وَ غَنِيّاً افْتَقَرَ- وَ عَالِماً ضَاعَ فِي زَمَانِ جُهَّالٍ.

17- وَ قَالَ ص خَلَّتَانِ‏ (1) كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِيهِمَا مَفْتُونٌ الصِّحَّةُ وَ الْفَرَاغُ.

18- وَ قَالَ ص جُبِلَتِ الْقُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا- وَ بُغْضِ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهَا.

19- وَ قَالَ ص إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا أَنْ نُكَلِّمَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ.

20- وَ قَالَ ص مَلْعُونٌ مَنْ أَلْقَى كَلَّهُ عَلَى النَّاسِ‏ (2).

21- وَ قَالَ ص الْعِبَادَةُ سَبْعَةُ أَجْزَاءٍ أَفْضَلُهَا طَلَبُ الْحَلَالِ.

22- وَ قَالَ ص إِنَّ اللَّهَ لَا يُطَاعُ جَبْراً وَ لَا يُعْصَى مَغْلُوباً- وَ لَمْ يُهْمِلِ الْعِبَادَ مِنَ الْمَمْلَكَةِ- وَ لَكِنَّهُ الْقَادِرُ عَلَى مَا أَقْدَرَهُمْ عَلَيْهِ- وَ الْمَالِكُ لِمَا مَلَّكَهُمْ إِيَّاهُ- فَإِنَّ الْعِبَادَ إِنِ اسْتَمَرُّوا (3) بِطَاعَةِ اللَّهِ- لَمْ يَكُنْ مِنْهَا مَانِعٌ وَ لَا عَنْهَا صَادٌّ- وَ إِنْ عَمِلُوا بِمَعْصِيَةٍ فَشَاءَ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَهَا فَعَلَ- وَ لَيْسَ مَنْ إِنْ شَاءَ أَنْ يَحُولَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ شَيْ‏ءٍ فَعَلَ وَ لَمْ يَفْعَلْهُ- فَأَتَاهُ الَّذِي فَعَلَهُ كَانَ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَهُ فِيهِ‏ (4).

23 وَ قَالَ ص لِابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ وَ هُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ- لَوْ لَا أَنَّ الْمَاضِيَ فَرَطُ الْبَاقِي وَ أَنَّ الْآخِرَ لَاحِقٌ بِالْأَوَّلِ‏ (5)- لَحَزِنَّا عَلَيْكَ يَا إِبْرَاهِيمُ ثُمَّ دَمَعَتْ عَيْنُهُ- وَ قَالَ تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَ يَحْزَنُ الْقَلْبُ- وَ لَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى الرَّبُّ- وَ إِنَّا بِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ.

____________

(1) الخلة- بالفتح- الخصلة.

(2) الكل: الثقل و العيال و المئونة.

(3) في بعض نسخ المصدر «ائتمروا» بدون الشرطية و الايتمار الامتثال.

(4) توضيح ذلك أن مجرد القدرة على الحيلولة بين العبد و فعله لا يدلّ على كونه تعالى فاعله اذ القدرة على المنع غير المنع و لا يوجب اسناد الفعل إليه سبحانه.

(5) الفرط- بفتحتين- السابق الوارد من القوم ليهيئ لهم الدلاء و الارشاء و الحياض و يستقى و هو فعل بمعنى فاعل مثل تبع بمعنى تابع و منه قوله (صلّى اللّه عليه و آله) «أنا فرطكم على الحوض» أي متقدمكم و سابقكم إليه.

141

24- وَ قَالَ ص الْجَمَالُ فِي اللِّسَانِ.

25- وَ قَالَ ص لَا يُقْبَضُ الْعِلْمُ انْتِزَاعاً مِنَ النَّاسِ وَ لَكِنَّهُ يُقْبَضُ الْعُلَمَاءُ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا- اسْتَفْتَوْا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَ أَضَلُّوا.

26- وَ قَالَ ص أَفْضَلُ جِهَادِ أُمَّتِي انْتِظَارُ الْفَرَجِ‏ (1).

27- وَ قَالَ ص مُرُوَّتُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ الْعَفْوُ عَمَّنْ ظَلَمَنَا وَ إِعْطَاءُ مَنْ حَرَمَنَا.

28- وَ قَالَ ص أَغْبَطُ أَوْلِيَائِي عِنْدِي مِنْ أُمَّتِي رَجُلٌ خَفِيفُ الْحَالِ‏ (2) ذُو حَظٍّ مِنْ صَلَاةٍ (3) أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ فِي الْغَيْبِ- وَ كَانَ غَامِضاً فِي النَّاسِ‏ (4) وَ كَانَ رِزْقُهُ كَفَافاً فَصَبَرَ عَلَيْهِ إِنْ مَاتَ قَلَّ تُرَاثُهُ وَ قَلَّ بَوَاكِيهِ‏ (5).

____________

(1) أي الترقب و التهيؤ له بحيث يصدق عليه اسم المنتظر و ليس معناه ترك السعى و العمل لانه ينافى معنى الجهاد.

(2) الغبطة: حسن الحال و المسرة و أصله من غبطه غبطا إذا عظم نعمة في عينه و تمنى مثل حاله من غير أن يريد زوالها عنه، و رجل خفيف الحال يعنى قليل المال و الحظ من الدنيا. و الأصحّ «خفيف الحاذ» بالذال المعجمة أي خفيف الظهر من العيال كما ذكره اللغويون لكن في جميع النسخ «الحال» و لعله تصحيف كما أن في بعض النسخ من المصدر «حفيف الحال» بالحاء المهملة و هو أيضا بمعنى قليل المال و المعيشة.

(3) في بعض النسخ «ذو حظ من صلاح».

(4) و الغامض الضعيف و الحقير و أصله المبهم و المخفى، يقال نسب غامض أي لا يعرف و غامضا في الناس يعنى من كان خفيا عنهم لا يعرف سوى اللّه تعالى و مغمورا غير مشهور.

(5) في المصدر «فصبر عليه و مات- «الخ» و التراث ما تخلفه الرجل لورثته من الميراث و هو مصدر و التاء فيه بدل من الواو و البواكى جمع باكية، و قلة بواكيه لقلة عيالاته. و للّه در من نظم الحديث فقال:

أخص الناس بالايمان عبد* * * خفيف الحاذ مسكنه القفار

له في الليل حظ من صلاة* * * و من صوم إذا طلع النهار

142

29- وَ قَالَ ص مَا أَصَابَ الْمُؤْمِنَ مِنْ نَصَبٍ وَ لَا وَصَبٍ‏ (1) وَ لَا حُزْنٍ- حَتَّى الْهَمِّ يُهِمُّهُ إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهِ عَنْهُ مِنْ سَيِّئَاتِهِ.

30- وَ قَالَ ص مَنْ أَكَلَ مَا يَشْتَهِي وَ لَبِسَ مَا يَشْتَهِي وَ رَكِبَ مَا يَشْتَهِي- لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ حَتَّى يَنْزِعَ أَوْ يَتْرُكَ.

31- وَ قَالَ ص مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ السُّنْبُلَةِ- تَخِرُّ مَرَّةً وَ تَسْتَقِيمُ مَرَّةً (2) وَ مَثَلُ الْكَافِرِ مَثَلُ الْأَرْزَةِ لَا يَزَالُ مُسْتَقِيماً لَا يُشْعِرُ- وَ سُئِلَ ص مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً فِي الدُّنْيَا فَقَالَ النَّبِيُّونَ ثُمَّ الْأَمَاثِلُ فَالْأَمَاثِلُ- وَ يُبْتَلَى الْمُؤْمِنُ عَلَى قَدْرِ إِيمَانِهِ وَ حُسْنِ عَمَلِهِ‏ (3) فَمَنْ صَحَّ إِيمَانُهُ وَ حَسُنَ عَمَلُهُ اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ- وَ مَنْ سَخُفَ إِيمَانُهُ وَ ضَعُفَ عَمَلُهُ قَلَّ بَلَاؤُهُ‏ (4).

32- وَ قَالَ ص لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلَ جَنَاحِ بَعُوضَةٍ- مَا أَعْطَى‏

____________

و قوت النفس يأتي من كفاف‏* * * و كان له على ذاك اصطبار

و فيه عفة و به خمول‏* * * اليه بالاصابع لا يشار

فذاك قد نجا من كل شر* * * و لم تمسسه يوم البعث نار

و قل الباكيات عليه لما* * * قضى نحبا و ليس له يسار

(1) النصب:- محركة- التعب. و الوصب- محركة- أيضا المرض و الوجع.

(2) السنبلة واحدة السنبل من الزرع ما كان في اعلا سوقه. و الخر السقوط من علو الى سفل. و الأرز شجر عظيم صلب كشجر الصنوبر. شجرة آرزة أي ثابتة و لعلّ المراد به قلب المؤمن و الكافر؛ فان قلب المؤمن لرقته يتقلب أحواله مرة يسهل و مرة يصعب، بخلاف قلب الكافر فانه لا يزال يصعب و هي كالحجارة بل أشدّ قسوة.

(3) البلاء ما يختبر و يمتحن به من خير او شر و أكثر ما يأتي مطلقا الشر و ما أريد به الخير يأتي مقيدا كما قال تعالى‏ «بَلاءً حَسَناً» و أصله المحسنة و اللّه تعالى يبتلى عبده بالصنع الجميل ليمتحن شكره و بما يكره ليمتحن به صبره. و في النهاية «فيه أشدّ الناس بلاء الأنبياء ثمّ الامثل فالامثل» أي الأشرف فالاشرف و الأعلى فالاعلى في الرتبة و المنزلة. و الاماثل جمع الامثل.

و أماثل القوم خيارهم» انتهى.

(4) سخف- كقرب- نقص و ضعف.

143

كَافِراً وَ لَا مُنَافِقاً مِنْهَا شَيْئاً.

33- وَ قَالَ ص الدُّنْيَا دُوَلٌ‏ (1) فَمَا كَانَ لَكَ أَتَاكَ عَلَى ضَعْفِكَ- وَ مَا كَانَ مِنْهَا عَلَيْكَ لَمْ تَدْفَعْهُ بِقُوَّتِكَ- وَ مَنِ انْقَطَعَ رَجَاؤُهُ مِمَّا فَاتَ اسْتَرَاحَ بَدَنُهُ- وَ مَنْ رَضِيَ بِمَا قَسَمَهُ اللَّهُ قَرَّتْ عَيْنُهُ.

34 وَ قَالَ ص إِنَّهُ وَ اللَّهِ مَا مِنْ عَمَلٍ يُقَرِّبُكُمْ مِنَ النَّارِ- إِلَّا وَ قَدْ نَبَّأْتُكُمْ بِهِ وَ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ- وَ مَا مِنْ عَمَلٍ يُقَرِّبُكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ- إِلَّا وَ قَدْ نَبَّأْتُكُمْ بِهِ وَ أَمَرْتُكُمْ‏ (2) بِهِ- فَإِنَّ الرُّوحَ الْأَمِينَ نَفَثَ فِي رُوعِي- أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ- وَ لَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ شَيْ‏ءٍ مِنَ الرِّزْقِ- أَنْ يَطْلُبُوا مَا عِنْدَ اللَّهِ بِمَعَاصِيهِ فَإِنَّهُ لَا يُنَالُ مَا عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا بِطَاعَتِهِ‏ (3).

35- وَ قَالَ ص صَوْتَانِ يُبْغِضُهُمَا اللَّهُ إِعْوَالٌ عِنْدَ مُصِيبَةٍ وَ مِزْمَارٌ عِنْدَ نِعْمَةٍ (4).

36- وَ قَالَ ص عَلَامَةُ رِضَا اللَّهِ عَنْ خَلْقِهِ رُخْصُ أَسْعَارِهِمْ وَ عَدْلُ سُلْطَانِهِمْ‏

____________

(1) الدول: جمع الدولة و هي ما يتداول من المال و الغلبة. و الدنيا دول يعنى لا ثبات لها و لا قرار، بل تتغير فتكون مرة لهذا و مرة لذاك.

(2) منقول في الكافي ج 2- 74 بلفظ أفصح.

(3) النفث: الالقاء و الالهام. و الروع بالفتح فالسكون: الفزع و بالضم موضع الفزع أعنى القلب فالمعنى في الحقيقة واحد الا أن الروع بالفتح اسم للحدث أي الفزع و بالضم اسم للذات أي القلب المفزع. و روح الأمين لقب جبرئيل (عليه السلام) لانه يوحى و ينفث في القلب المفزع فيطمئنه و يأمنه من الفزع و الاضطراب. و يستفاد منه أن الإنسان و ان بلغ أقصى مراتب الكمال و قد يعرض عليه ما يفزعه. و قيل: أول موضع قال فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذلك كان في احدى غزواته لما رأى أصحابه يسرعون الى جمع الغنائم قال «ص» ذلك. و الاجمال في الطلب ترك المبالغة فيه.

(4) العول و العولة بالفتح فالسكون و الاعوال: رفع الصوت بالبكاء. و المزمار:

ما يترنم به من الاناشيد. و الآلة التي يزمر فيها.

144

وَ عَلَامَةُ غَضَبِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ جَوْرُ سُلْطَانِهِمْ وَ غَلَاءُ أَسْعَارِهِمْ‏ (1).

37- وَ قَالَ ص أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ فِي نُورِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ- مَنْ كَانَ عِصْمَةُ أَمْرِهِ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ- وَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ- وَ مَنْ إِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ قَالَ‏ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏- وَ مَنْ إِذَا أَصَابَ خَيْراً قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ- وَ مَنْ إِذَا أَصَابَ خَطِيئَةً قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَ أَتُوبُ إِلَيْهِ.

38- وَ قَالَ ص مَنْ أُعْطِيَ أَرْبَعاً لَمْ يُحْرَمْ أَرْبَعاً- مَنْ أُعْطِيَ الِاسْتِغْفَارَ لَمْ يُحْرَمِ الْمَغْفِرَةَ- وَ مَنْ أُعْطِيَ الشُّكْرَ لَمْ يُحْرَمِ الزِّيَادَةَ- وَ مَنْ أُعْطِيَ التَّوْبَةَ لَمْ يُحْرَمِ الْقَبُولَ- وَ مَنْ أُعْطِيَ الدُّعَاءَ لَمْ يُحْرَمِ الْإِجَابَةَ.

39- وَ قَالَ ص الْعِلْمُ خَزَائِنُ وَ مَفَاتِيحُهُ السُّؤَالُ- فَاسْأَلُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ فَإِنَّهُ يُؤْجَرُ أَرْبَعَةٌ- السَّائِلُ وَ الْمُتَكَلِّمُ وَ الْمُسْتَمِعُ وَ الْمُحِبُّ لَهُمْ.

40- وَ قَالَ ص سَائِلُوا الْعُلَمَاءَ وَ خَاطِبُوا الْحُكَمَاءَ وَ جَالِسُوا الْفُقَرَاءَ.

41- وَ قَالَ ص فَضْلُ الْعِلْمِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ فَضْلِ الْعِبَادَةِ- وَ أَفْضَلُ دِينِكُمُ الْوَرَعُ.

42- وَ قَالَ ص مَنْ أَفْتَى النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَعَنَهُ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ.

43- وَ قَالَ ص إِنَّ عَظِيمَ الْبَلَاءِ يُكَافَأُ بِهِ عَظِيمُ الْجَزَاءِ- فَإِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْداً ابْتَلَاهُ- فَمَنْ رَضِيَ قَلْبُهُ فَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ الرِّضَا وَ مَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ (2).

44 وَ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي- فَقَالَ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئاً وَ إِنْ حُرِّقْتَ بِالنَّارِ وَ إِنْ عُذِّبْتَ- إِلَّا وَ قَلْبُكَ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ- وَ وَالِدَيْكَ فَأَطْعِمْهُمَا وَ

____________

(1) الرخص: ضد الغلاء و أصله السهل و اليسر. و الاسعار جمع السعر- بالكسر و هو الثمن.

(2) «يكافئ به» على بناء المفعول أي يجازى أو يساوى. فى القاموس: كافاه مكافأة و كفاء: جازاه، و فلانا ماثله و وافيه. «فاذا أحبّ اللّه عبدا» أي أراد أن يوصل الجزاء العظيم إليه و يرضى عنه و وجده أهلا لذلك ابتلاه بعظيم البلاء من الأمراض الجسمانية و المكاره الروحانية.

145

بَرَّهُمَا حَيَّيْنِ أَوْ مَيِّتَيْنِ- فَإِنْ أَمَرَاكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكَ وَ مَالِكَ فَافْعَلْ- فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ- وَ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ فَلَا تَدَعْهَا مُتَعَمِّداً- فَإِنَّهُ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً فَرِيضَةً مُتَعَمِّداً فَإِنَّ ذِمَّةَ اللَّهِ مِنْهُ بَرِيئَةٌ- وَ إِيَّاكَ وَ شُرْبَ الْخَمْرِ وَ كُلَّ مُسْكِرٍ فَإِنَّهُمَا مِفْتَاحَا كُلِّ شَرٍّ.

45 وَ أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو أُمَيَّةَ- فَقَالَ لَهُ إِلَى مَا تَدْعُو النَّاسَ يَا مُحَمَّدُ- فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ص أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى‏ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي‏- وَ أَدْعُو لي [إِلَى مَنْ إِذَا أَصَابَكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَهُ عَنْكَ- وَ إِنِ اسْتَعَنْتَ بِهِ وَ أَنْتَ مَكْرُوبٌ أَعَانَكَ- وَ إِنْ سَأَلْتَهُ وَ أَنْتَ مُقِلٌّ أَغْنَاكَ- فَقَالَ أَوْصِنِي يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ لَا تَغْضَبْ- قَالَ زِدْنِي قَالَ ارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَى لَهُمْ بِهِ مِنْ نَفْسِكَ- فَقَالَ زِدْنِي فَقَالَ لَا تَسُبَّ النَّاسَ فَتَكْتَسِبَ الْعَدَاوَةَ مِنْهُمْ- قَالَ زِدْنِي قَالَ لَا تَزْهَدْ فِي الْمَعْرُوفِ عِنْدَ أَهْلِهِ- قَالَ زِدْنِي قَالَ تحب [تَحَبَّبْ إِلَى النَّاسِ يُحِبُّوكَ وَ الْقَ أَخَاكَ بِوَجْهٍ مُنْبَسِطٍ- وَ لَا تَضْجَرْ فَيَمْنَعَكَ الضَّجَرُ حَظَّكَ مِنَ الْآخِرَةِ وَ الدُّنْيَا- وَ اتَّزِرْ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ وَ إِيَّاكَ وَ إِسْبَالَ الْإِزَارِ (1) وَ الْقَمِيصِ- فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمَخِيلَةِ وَ اللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ.

46 وَ قَالَ ص إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الشَّيْخَ الزان [الزَّانِيَ- وَ الْغَنِيَّ الظَّلُومَ وَ الْفَقِيرَ الْمُخْتَالَ وَ السَّائِلَ الْمُلْحِفَ- وَ يُحْبِطُ أَجْرَ الْمُعْطِي الْمَنَّانِ وَ يَمْقُتُ الْبَذَخَ الْجَرِي‏ءَ الْكَذَّابَ‏ (2).

47- وَ قَالَ ص مَنْ تَفَاقَرَ افْتَقَرَ.

48- وَ قَالَ ص مُدَارَاةُ النَّاسِ نِصْفُ الْإِيمَانِ وَ الرِّفْقُ بِهِمْ نِصْفُ الْعَيْشِ.

49- وَ قَالَ ص رَأْسُ الْعَقْلِ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ- مُدَارَاةُ النَّاسِ فِي غَيْرِ تَرْكِ حَقٍّ وَ مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ خِفَّةُ لِحْيَتِهِ.

50- وَ قَالَ ص مَا نُهِيتُ عَنْ شَيْ‏ءٍ بَعْدَ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ- مَا نُهِيتُ عَنْ مُلَاحَاةِ الرِّجَالِ‏ (3).

____________

(1) يقال: أسبل ازاره إذا أرخاه و أسدله. و المخيلة: الكبر.

(2) المختال: المتكبر. و الملحف: الملح في السؤال. و البذخ: الفخر و الكبر.

و الجرى على وزن فعيل من جرأ- ككرم- جراءة و جرأة فهو جرى. و المعنى لا يبالى ما قال أو ما قيل فيه.

(3) الملاحاة: المنازعة و المخاصمة و المجادلة. و منه «من لاحاك فقد عاداك».

146

51- وَ قَالَ ص لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّ مُسْلِماً أَوْ ضَرَّهُ أَوْ مَاكَرَهُ.

52 وَ قَامَ ص فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ فَقَالَ نَضَّرَ اللَّهُ عَبْداً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَ بَلَّغَهَا مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا- فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ- وَ رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى غَيْرِ فَقِيهٍ- ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِمْ قَلْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ‏ (1)- إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ- وَ النَّصِيحَةُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَ لُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ- الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ- وَ هُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ‏ (2).

53- وَ قَالَ ص إِذَا بَايَعَ الْمُسْلِمُ الذِّمِّيَّ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ خِرْ لِي وَ لَهُ‏ (3).

54- وَ قَالَ ص رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً قَالَ خَيْراً فَغَنِمَ أَوْ سَكَتَ عَنْ سُوءٍ فَسَلِمَ.

55- وَ قَالَ ص ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ اسْتَكْمَلَ خِصَالَ الْإِيمَانِ- الَّذِي إِذَا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضَاهُ فِي بَاطِلٍ- وَ إِذَا غَضِبَ لَمْ يُخْرِجْهُ الْغَضَبُ مِنَ الْحَقِّ- وَ إِذَا قَدَرَ لَمْ يَتَعَاطَ مَا لَيْسَ لَهُ‏ (4).

56- وَ قَالَ ص مَنْ بَلَغَ حَدّاً فِي غَيْرِ حَدٍّ فَهُوَ مِنَ الْمُعْتَدِينَ‏ (5).

57- وَ قَالَ ص قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي صَلَاةٍ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ وَ ذِكْرُ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ- وَ الصَّدَقَةُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ وَ الصَّوْمُ حَسَنَةٌ- ثُمَّ قَالَ لَا قَوْلَ إِلَّا بِعَمَلٍ وَ لَا قَوْلَ وَ لَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ- وَ لَا قَوْلَ وَ لَا عَمَلَ وَ لَا نِيَّةَ إِلَّا بِإِصَابَةِ السُّنَّةِ.

____________

(1) الغل- بالكسر- الحقد، و الغل- بالضم- طوق من حديد يجعل في العنق.

و غل غلولا من باب قعد خان في المغنم.

(2) تقدم معناه.

(3) يقال: خر لي و اختر لي أي اجعل أمرى خيرا و ألهمنى فعله و اختر لي الاصلح.

(مجمع البحرين).

(4) لم يتعاط أي لم يأخذ و لم يتناول، و هذا الحديث أيضا مرويّ في الكافي في باب المؤمن و صفاته- ج 2 ص 239-.

(5) أي من توجه عليه التعزير فعلى الحاكم أن لا يبلغ به الحد، بل ينقص على أقل حدود المعزر فإذا بلغ به الحدّ فهو من المعتدين و في بعض نسخ المصدر «غير حق» و الظاهر أنه تصحيف.

147

58- وَ قَالَ ص الْأَنَاةُ مِنَ اللَّهِ وَ الْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ‏ (1).

59- وَ قَالَ ص إِنَّ مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ (2) أَوْ يُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ يَصْرِفَ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ لِيُعَظِّمُوهُ- فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ- فَإِنَّ الرِّئَاسَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِلَّهِ وَ لِأَهْلِهَا- وَ مَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهُ اللَّهُ فِيهِ مَقَّتَهُ اللَّهُ- وَ مَنْ دَعَا إِلَى نَفْسِهِ فَقَالَ أَنَا رَئِيسُكُمْ‏ (3) وَ لَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ- لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ حَتَّى يَرْجِعَ عَمَّا قَالَ- وَ يَتُوبَ إِلَى اللَّهِ مِمَّا ادَّعَى.

60- وَ قَالَ ص قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ- تَحَبَّبُوا إِلَى اللَّهِ وَ تَقَرَّبُوا إِلَيْهِ- قَالُوا يَا رُوحَ اللَّهِ بِمَا ذَا نَتَحَبَّبُ إِلَى اللَّهِ وَ نَتَقَرَّبُ- قَالَ بِبُغْضِ أَهْلِ الْمَعَاصِي وَ الْتَمِسُوا رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِهِمْ- قَالُوا يَا رُوحَ اللَّهِ فَمَنْ نُجَالِسُ إِذًا- قَالَ مَنْ يُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ رُؤْيَتُهُ وَ يَزِيدُ فِي عَمَلِكِمْ مَنْطِقُهُ- وَ يُرَغِّبُكُمْ فِي الْآخِرَةِ عَمَلُهُ.

61- وَ قَالَ ص أَبْعَدُكُمْ بِي شَبَهاً الْبَخِيلُ الْبَذِيُّ الْفَاحِشُ‏ (4).

62- وَ قَالَ ص سُوءُ الْخُلُقِ شُؤْمٌ.

63- وَ قَالَ ص إِذْ رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ لَا يُبَالِي مَا قَالَ أَوْ مَا قِيلَ فِيهِ- فَإِنَّهُ لِبَغِيَّةٍ أَوْ شَيْطَانٍ‏ (5).

64- وَ قَالَ ص إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْجَنَّةَ عَلَى كُلِّ فَاحِشٍ بَذِيٍّ- قَلِيلِ الْحَيَاءِ

____________

(1) الاناة- كقناة-: الوقار و الحلم.

(2) أي ليجادل و يخاصم، من المراء.

(3) في بعض نسخ المصدر «أنا وليكم».

(4) البذى على فعيل: الذي تكلم بالفحش. و البذاء: الكلام القبيح.

(5) في بعض نسخ المصدر «لبغى». و في بعض الكتب «لغية» و اللام للملكية المجازية و هي بكسر المعجمة و تشديد الياء المفتوحة المثناة من تحت: الضلال، يقال: إنّه ولد غية أى ولد زنا، و الغيى كالغنى: الدنى الساقط عن الاعتبار. و لعلّ ما في المتن تصحيف هنا و ما يأتي.

148

لَا يُبَالِي مَا قَالَ وَ مَا قِيلَ فِيهِ- أَمَا إِنَّهُ إِنْ تَنْسُبْهُ‏ (1) لَمْ تَجِدْهُ إِلَّا لِبَغْيٍ أَوْ شِرْكِ شَيْطَانٍ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ فِي النَّاسِ شَيَاطِينُ قَالَ- نَعَمْ أَ وَ مَا تَقْرَأُ قَوْلَ اللَّهِ‏ وَ شارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ (2).

65- وَ قَالَ ص مَنْ تَنْفَعْهُ يَنْفَعْكَ وَ مَنْ لَا يُعِدَّ الصَّبْرَ لِنَوَائِبِ الدَّهْرِ يَعْجِزْ وَ مَنْ قَرَضَ النَّاسَ قَرَضُوهُ وَ مَنْ تَرَكَهُمْ لَمْ يَتْرُكُوهُ‏ (3)- قِيلَ فَأَصْنَعُ مَا ذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ- قَالَ أَقْرِضْهُمْ مِنْ عِرْضِكَ لِيَوْمِ فَقْرِكَ‏ (4).

66- وَ قَالَ ص أَ لَا أَدُلُّكُمْ عَلَى خَيْرِ أَخْلَاقِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- تَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ وَ تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ وَ تَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ-.

67 وَ خَرَجَ ص يَوْماً وَ قَوْمٌ يُدَحْرِجُونَ حَجَراً- فَقَالَ أَشَدُّكُمْ مَنْ مَلَكَ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ- وَ أَحْمَلُكُمْ مَنْ عَفَا بَعْدَ الْمَقْدُرَةِ (5).

68- وَ قَالَ ص قَالَ اللَّهُ هَذَا دِينٌ أَرْتَضِيهِ لِنَفْسِي- وَ لَنْ يُصْلِحَهُ إِلَّا السَّخَاءُ وَ حُسْنُ الْخُلُقِ- فَأَكْرِمُوهُ بِهِمَا مَا صَحِبْتُمُوهُ.

69- وَ قَالَ ص أَفْضَلُكُمْ إِيمَاناً أَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقاً.

70- وَ قَالَ ص حُسْنُ الْخُلُقِ يَبْلُغُ بِصَاحِبِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ- فَقِيلَ لَهُ مَا أَفْضَلُ مَا أُعْطِيَ الْعَبْدُ قَالَ حُسْنُ الْخُلُقِ.

71- وَ قَالَ ص حُسْنُ الْخُلُقِ يُثْبِتُ الْمَوَدَّةَ.

72 وَ قَالَ ص حُسْنُ الْبِشْرِ يَذْهَبُ بِالسَّخِيمَةِ (6).

____________

(1) في بعض نسخ المصدر «ان تبينه».

(2) سورة الإسراء آية 66.

(3) قرض فلانا: مدحه أو ذمه. و أقرضه أي أعطاه قرضا.

(4) العرض بالفتح: المتاع يقال: اشتريت المتاع بعرض أي بمتاع مثله.

(5) يقال: دحى الحجر بيده أي رمى به. و في بعض نسخ المصدر «يدحرجون».

و أحمله أي أعانه و يمكن أن يقرأ «أحلمكم» بتقديم اللام.

(6) السخيمة: الضغينة و الحقد الموجدة في النفس من السخمة و هي السواد.

149

73- وَ قَالَ ص خِيَارُكُمْ أَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقاً الَّذِينَ يَأْلِفُونَ وَ يُؤْلَفُونَ.

74- وَ قَالَ ص الْأَيْدِي ثَلَاثَةٌ سَائِلَةٌ وَ مُنْفِقَةٌ وَ مُمْسِكَةٌ- وَ خَيْرُ الْأَيْدِي الْمُنْفِقَةُ.

75- وَ قَالَ ص الْحَيَاءُ حَيَاءَانِ حَيَاءُ عَقْلٍ وَ حَيَاءُ حُمْقٍ- فَحَيَاءُ الْعَقْلِ الْعِلْمُ وَ حَيَاءُ الْحُمْقِ الْجَهْلُ.

76 وَ قَالَ ص مَنْ أَلْقَى جِلْبَابَ الْحَيَاءِ لَا غِيبَةَ لَهُ.

77- وَ قَالَ ص مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَفِ إِذَا وَعَدَ.

78- وَ قَالَ ص الْأَمَانَةُ تَجْلِبُ الرِّزْقَ وَ الْخِيَانَةُ تَجْلِبُ الْفَقْرَ.

79- وَ قَالَ ص نَظَرُ الْوَلَدِ إِلَى وَالِدَيْهِ حُبّاً لَهُمَا عِبَادَةٌ.

80- وَ قَالَ ص جَهْدُ الْبَلَاءِ أَنْ يُقَدَّمَ الرَّجُلُ فَتُضْرَبَ رَقَبَتُهُ صَبْراً- (1) وَ الْأَسِيرُ مَا دَامَ فِي وَثَاقِ الْعَدُوِّ- وَ الرَّجُلُ يَجِدُ عَلَى بَطْنِ امْرَأَتِهِ رَجُلًا.

81- وَ قَالَ ص الْعِلْمُ خَدِينُ الْمُؤْمِنِ وَ الْحِلْمُ وَزِيرُهُ- وَ الْعَقْلُ دَلِيلُهُ وَ الصَّبْرُ أَمِيرُ جُنُودِهِ- وَ الرِّفْقُ وَالِدُهُ وَ الْبَرُّ أَخُوهُ- وَ النَّسَبُ آدَمُ وَ الْحَسَبُ التَّقْوَى- وَ الْمُرُوَّةُ إِصْلَاحُ الْمَالِ‏ (2).

82 وَ جَاءَهُ رَجُلٌ بِلَبَنٍ وَ عَسَلٍ لِيَشْرَبَهُ- فَقَالَ ص شَرَابَانِ يُكْتَفَى بِأَحَدِهِمَا عَنْ صَاحِبِهِ- أَشْرَبُهُ وَ لَا أُحَرِّمُهُ وَ لَكِنِّي أَتَوَاضَعُ لِلَّهِ- فَإِنَّهُ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ وَ مَنْ تَكَبَّرَ يَضَعُهُ اللَّهُ- وَ مَنِ اقْتَصَدَ فِي مَعِيشَتِهِ رَزَقَهُ اللَّهُ- وَ مَنْ بَذَّرَ حَرَمَهُ اللَّهُ‏ (3) وَ مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ اللَّهِ آجَرَهُ اللَّهُ.

____________

(1) الجهد: المشقة و الصبر أصله الحبس. يقال: قتل صبرا أي حبس على القتل او قتل مكتوفا مغلولا لا يمكنه أن يدافع.

(2) الخدين. الصديق و الرفيق من خادنه أي صادقه و صاحبه. يعنى ان من نسبه ينتهى الى آدم و آدم من طين، فلا يفتخر به. و المروة أصله المروءة فتقلب الهمزة واوا و تدغم و المعنى كمال الرجولية. و نقل عن الشهيد (ره) في الدروس أنّه قال: «المروءة تنزيه النفس عن الدناءة التي لا يليق بها».

(3) بذر من التبذير و هو تفريق المال في غير القصد.

150

83- وَ قَالَ ص أَقْرَبُكُمْ مِنِّي غَداً فِي الْمَوْقِفِ أَصْدَقُكُمْ لِلْحَدِيثِ- وَ آدَاكُمْ لِلْأَمَانَةِ وَ أَوْفَاكُمْ بِالْعَهْدِ- وَ أَحْسَنُكُمْ خُلُقاً وَ أَقْرَبُكُمْ مِنَ النَّاسِ.

84- وَ قَالَ ص إِذَا مُدِحَ الْفَاجِرُ اهْتَزَّ الْعَرْشُ وَ غَضِبَ الرَّبُّ.

85 وَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مَا الْحَزْمُ- قَالَ ص تُشَاوِرُ امْرَأً ذَا رَأْيٍ ثُمَّ تُطِيعُهُ.

86- وَ قَالَ ص يَوْماً أَيُّهَا النَّاسُ مَا الرَّقُوبُ فِيكُمْ- قَالُوا الرَّجُلُ يَمُوتُ وَ لَمْ يَتْرُكْ وَلَداً (1)- فَقَالَ بَلِ الرَّقُوبُ حَقُّ الرَّقُوبِ- رَجُلٌ مَاتَ وَ لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وُلْدِهِ أَحَداً يَحْتَسِبُهُ عِنْدَ اللَّهِ وَ إِنْ كَانُوا كَثِيراً بَعْدَهُ- ثُمَّ قَالَ مَا الصُّعْلُوكُ فِيكُمْ- قَالُوا الرَّجُلُ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ- فَقَالَ بَلِ الصُّعْلُوكُ حَقُّ الصُّعْلُوكِ مَنْ لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ مَالِهِ شَيْئاً- يَحْتَسِبُهُ عِنْدَ اللَّهِ وَ إِنْ كَانَ كَثِيراً مِنْ بَعْدِهِ- ثُمَّ قَالَ مَا الصُّرَعَةُ فِيكُمْ- قَالُوا الشَّدِيدُ الْقَوِيُّ الَّذِي لَا يُوضَعُ جَنْبُهُ- فَقَالَ بَلِ الصُّرَعَةُ حَقُّ الصُّرَعَةِ رَجُلٌ وَكَزَ الشَّيْطَانُ فِي قَلْبِهِ وَ اشْتَدَّ غَضَبُهُ وَ ظَهَرَ دَمُهُ- ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهَ فَصَرَعَ بِحِلْمِهِ غَضَبَهُ.

14- وَ قَالَ ص مَنْ عَمِلَ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ كَانَ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ.

88- وَ قَالَ ص الْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ انْتِظَاراً لِلصَّلَاةِ عِبَادَةٌ مَا لَمْ يُحْدِثْ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَا يُحْدِثُ قَالَ ص الِاغْتِيَابُ.

89- وَ قَالَ ص الصَّائِمُ فِي عِبَادَةٍ وَ إِنْ كَانَ نَائِماً عَلَى فِرَاشِهِ- مَا لَمْ يَغْتَبْ مُسْلِماً.

90- وَ قَالَ ص مَنْ أَذَاعَ فَاحِشَةً (2) كَانَ كَمُبْدِئِهَا- وَ مَنْ عَيَّرَ مُؤْمِناً بِشَيْ‏ءٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَرْكَبَهُ.

91- وَ قَالَ ص ثَلَاثَةٌ وَ إِنْ لَمْ تَظْلِمْهُمْ ظَلَمُوكَ- السَّفِلَةُ وَ زَوْجَتُكَ وَ خَادِمُكَ‏ (3).

____________

(1) الرقوب وزان رسول الذي يراقب، من الرقبة بمعنى الانتظار و المرأة التي تراقب موت زوجها او ولدها فترثه. و الصعلوك: الفقير. و الصرعة بضم الأول و فتح الثاني و الثالث: الذي يصرع الناس و بالغ في الصرع، من صرعه أي طرحه على الأرض. و الوكز:

الركز. يقال: وكزه في الأرض أي ركزه و غرزه فيه.

(2) الإذاعة: الانتشار.

(3) أي و لو لم تظلمهم أنت لكن ظلموك لدناءة أخلاقهم و نقصان عقولهم.

151

92- وَ قَالَ ص أَرْبَعٌ مِنْ عَلَامَاتِ الشَّقَاءِ- جُمُودُ الْعَيْنِ وَ قَسْوَةُ الْقَلْبِ وَ شِدَّةُ الْحِرْصِ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا وَ الْإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ.

93 وَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ أَوْصِنِي- فَقَالَ ص لَا تَغْضَبْ ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَا تَغْضَبْ- ثُمَّ قَالَ لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ- إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ.

94 وَ قَالَ ص إِنَّ أَكْمَلَ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَاناً أَحْسَنُهُمْ أَخْلَاقاً.

95 وَ قَالَ ص مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْ‏ءٍ إِلَّا زَانَهُ- وَ لَا كَانَ الْخُرْقُ فِي شَيْ‏ءٍ إِلَّا شَانَهُ‏ (1).

96 وَ قَالَ ص الْكِسْوَةُ تُظْهِرُ الْغِنَى- وَ الْإِحْسَانُ إِلَى الْخَادِمِ يُكْبِتُ الْعَدُوَّ.

97- وَ قَالَ ص أُمِرْتُ بِمُدَارَاةِ النَّاسِ كَمَا أُمِرْتُ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ.

98 وَ قَالَ ص اسْتَعِينُوا عَلَى أُمُورِكُمْ بِالْكِتْمَانِ- فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ.

99- وَ قَالَ ص الْإِيمَانُ نِصْفَانِ نِصْفٌ فِي الصَّبْرِ وَ نِصْفٌ فِي الشُّكْرِ.

100 وَ قَالَ ص حُسْنُ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ.

101 وَ قَالَ ص الْأَكْلُ فِي السُّوقِ دَنَاءَةٌ.

102 وَ قَالَ ص الْحَوَائِجُ إِلَى اللَّهِ وَ أَسْبَابُهَا فَاطْلُبُوهَا إِلَى اللَّهِ بِهِمْ- فَمَنْ أَعْطَاكُمُوهَا فَخُذُوهَا عَنِ اللَّهِ بِصَبْرٍ.

103 وَ قَالَ ص عَجَباً لِلْمُؤْمِنِ لَا يَقْضِي اللَّهُ عَلَيْهِ قَضَاءً- إِلَّا كَانَ خَيْراً لَهُ سَرَّهُ أَوْ سَاءَهُ- إِنِ ابْتَلَاهُ كَانَ كَفَّارَةً لِذَنْبِهِ- وَ إِنْ أَعْطَاهُ وَ أَكْرَمَهُ كَانَ قَدْ حَبَاهُ‏ (2).

104 وَ قَالَ ص مَنْ أَصْبَحَ وَ أَمْسَى وَ الْآخِرَةُ أَكْبَرُ هَمِّهِ- جَعَلَ اللَّهُ الْغِنَى فِي قَلْبِهِ وَ جَمَعَ لَهُ أَمْرَهُ- وَ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَكْمِلَ رِزْقَهُ- وَ مَنْ أَصْبَحَ وَ أَمْسَى‏

____________

(1) الخرق بضم الخاء المعجمة: ضد الرفق. و في الحديث «الخرق شؤم و الرفق يمن» من خرقه خرقا من باب تعب إذا فعله فلم يرفق به فهو أخرق و الأنثى خرقاء و الاسم، الخرق بالضم فالسكون.

(2) حباه اي اعطاه.

152

وَ الدُّنْيَا أَكْبَرُ هَمِّهِ- جَعَلَ اللَّهُ الْفَقْرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَ شَتَّتَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ- وَ لَمْ يَنَلْ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُسِّمَ لَهُ.

105 وَ قَالَ لِرَجُلٍ سَأَلَهُ عَنْ جَمَاعَةِ أُمَّتِهِ- فَقَالَ جَمَاعَةُ أُمَّتِي أَهْلُ الْحَقِّ وَ إِنْ قَلُّوا (1).

106 وَ قَالَ ص مَنْ وَعَدَهُ اللَّهُ عَلَى عَمَلٍ ثَوَاباً فَهُوَ مُنْجِزٌ لَهُ- وَ مَنْ أَوْعَدَهُ عَلَى عَمَلٍ عِقَاباً فَهُوَ فِيهِ بِالْخِيَارِ.

107 وَ قَالَ ص أَ لَا أُخْبِرُكُمْ بِأَشْبَهِكُمْ بِي أَخْلَاقاً قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ أَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقاً- وَ أَعْظَمُكُمْ حِلْماً وَ أَبَرُّكُمْ بِقَرَابَتِهِ- وَ أَشَدُّكُمْ إِنْصَافاً مِنْ نَفْسِهِ فِي الْغَضَبِ وَ الرِّضَا.

108 وَ قَالَ ص الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّائِمِ الصَّامِتِ‏ (2).

109 وَ قَالَ: وُدُّ الْمُؤْمِنِ فِي اللَّهِ مِنْ أَعْظَمِ شُعَبِ الْإِيمَانِ- وَ مَنْ أَحَبَّ فِي اللَّهِ وَ أَبْغَضَ فِي اللَّهِ وَ أَعْطَى فِي اللَّهِ وَ مَنَعَ فِي اللَّهِ فَهُوَ مِنْ أَصْفِيَاءِ اللَّهِ.

110 وَ قَالَ ص أَحَبُّ عِبَادِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ- أَنْفَعُهُمْ لِعِبَادِهِ وَ أَقْوَمُهُمْ بِحَقِّهِ- الَّذِينَ يُحَبِّبُ إِلَيْهِمُ الْمَعْرُوفَ وَ فِعَالَهُ.

111 وَ قَالَ ص مَنْ أَتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفاً فَكَافِئُوهُ‏ (3)- وَ إِنْ لَمْ تَجِدُوا فَأَثْنُوا فَإِنَّ الثَّنَاءَ جَزَاءٌ.

112 وَ قَالَ ص مَنْ حُرِمَ الرِّفْقَ فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ.

113 وَ قَالَ ص لَا تُمَارِ أَخَاكَ‏ (4) وَ لَا تُمَازِحْهُ وَ لَا تَعِدْهُ فَتُخْلِفَهُ.

114 وَ قَالَ ص الْحُرُمَاتُ الَّتِي تَلْزَمُ كُلَّ مُؤْمِنٍ رِعَايَتُهَا وَ الْوَفَاءُ بِهَا- حُرْمَةُ الدِّينِ وَ حُرْمَةُ الْأَدَبِ وَ حُرْمَةُ الطَّعَامِ.

____________

(1) السؤال عن كمية الجماعة.

(2) يقال: رجل طاعم اي حسن الحال في المطعم. و المراد به هنا المفطر.

(3) فكافئوه اي جازوه من كافأ الرجل مكافأة بمعنى جازاه.

(4) المراء: الجدال.

153

115 وَ قَالَ ص الْمُؤْمِنُ دَعِبٌ لَعِبٌ وَ الْمُنَافِقُ قَطِبٌ وَ غَضِبٌ‏ (1).

116 وَ قَالَ ص نِعْمَ الْعَوْنُ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ الْغِنَى.

117 وَ قَالَ ص أَعْجَلُ الشَّرِّ عُقُوبَةً الْبَغْيُ.

118 وَ قَالَ ص الْهَدِيَّةُ عَلَى ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ- هَدِيَّةُ الْمُكَافَاةِ وَ هَدِيَّةُ مُصَانَعَةٍ وَ هَدِيَّةٌ لِلَّهِ.

119 وَ قَالَ ص طُوبَى لِمَنْ تَرَكَ شَهْوَةً حَاضِرَةً لِمَوْعُودٍ لَمْ يَرَهُ.

120 وَ قَالَ ص مَنْ عَدَّ غَداً مِنْ أَجَلِهِ‏ (2) فَقَدْ أَسَاءَ صُحْبَةَ الْمَوْتِ.

121 وَ قَالَ ص كَيْفَ بِكُمْ إِذَا فَسَدَ نِسَاؤُكُمْ وَ فَسَقَ شُبَّانُكُمْ‏ (3)- وَ لَمْ تَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ لَمْ تَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ- قِيلَ لَهُ وَ يَكُونُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ وَ شَرٌّ مِنْ ذَلِكَ- وَ كَيْفَ بِكُمْ إِذَا أَمَرْتُمْ بالمعروف [بِالْمُنْكَرِ وَ نَهَيْتُمْ عَنِ المنكر [الْمَعْرُوفِ- قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ يَكُونُ ذَلِكَ قَالَ نَعَمْ وَ شَرٌّ مِنْ ذَلِكَ- وَ كَيْفَ بِكُمْ إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَعْرُوفَ مُنْكَراً وَ الْمُنْكَرَ مَعْرُوفاً.

122 وَ قَالَ ص إِذَا تَطَيَّرْتَ فَامْضِ وَ إِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تَقْضِ- وَ إِذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ.

123 وَ قَالَ ص رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعٌ الْخَطَاءُ وَ النِّسْيَانُ‏ (4) وَ مَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ‏

____________

(1) الدعب- ككتف- اللاعب و الممازح. و القطب أيضا- ككتف- العبوس و الذي زوى ما بين عينيه و كلح.

(2) من أجله اي من عمره.

(3) في بعض نسخ المصدر «شبابكم» و في اللغة: الشباب بالفتح و التخفيف و الشبان بالضم و التشديد: جمع الشاب.

(4) قيل الخطأ و النسيان مرفوع إثمهما لا حكمهما اذ حكمهما من الضمان لا يرتفع. و قوله «و ما اكرهوا عليه» يستثنى منه القتل، و فيه نظر، و المسألة معنونة في كتب أصول الفقه مبحث أصل البراءة مشروحة. و الطيرة بكسر الطاء، و فتح الياء و سكونها-: ما يتشأم به من الفأل الردى. اصله من الطير، لان أكثر تشأم العرب كان به خصوصا الغراب و كان ذلك يصدهم عن مقاصدهم فنفاه الشرع حتّى روى ان الطيرة شرك و انما يذهبه التوكل.

154

وَ مَا لَا يَعْلَمُونَ وَ مَا لَا يُطِيقُونَ وَ مَا اضْطُرُّوا إِلَيْهِ- وَ الْحَسَدُ وَ الطِّيَرَةُ- وَ التَّفَكُّرُ فِي الْوَسْوَسَةِ فِي الْخَلْقِ مَا لَمْ يَنْطِقْ بِشَفَةٍ وَ لَا لِسَانٍ.

124 وَ قَالَ ص لَا يَحْزَنُ أَحَدُكُمْ أَنْ تُرْفَعَ عَنْهُ الرُّؤْيَا- فَإِنَّهُ إِذَا رَسَخَ فِي الْعِلْمِ رُفِعَتْ عَنْهُ الرُّؤْيَا.

125 وَ قَالَ ص صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي إِذَا صَلَحَا صَلَحَتْ أُمَّتِي- وَ إِذَا فَسَدَا فَسَدَتْ أُمَّتِي- قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَنْ هُمْ قَالَ الْفُقَهَاءُ وَ الْأُمَرَاءُ.

126 وَ قَالَ ص أَكْمَلُ النَّاسِ عَقْلًا أَخْوَفُهُمْ لِلَّهِ وَ أَطْوَعُهُمْ لَهُ- وَ أَنْقَصُ النَّاسِ عَقْلًا أَخْوَفُهُمْ لِلسُّلْطَانِ وَ أَطْوَعُهُمْ لَهُ.

____________

و المراد برفع المؤاخذة عن الحسد هو ما لم يظهره الحاسد كما ورد في الاخبار «ان المؤمن لا يظهر الحسد»، فالظاهر ان جملة «ما لم ينطق بشفة و لا لسان» قيد للثلاثة الأخيرة و يؤيده ما في الكافي ج 2 ص 463 «قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «وضع عن امتى تسع خصال: الخطاء و النسيان و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما اضطروا إليه و ما استكرهوا عليه و الطيرة و الوسوسة في التفكر في الخلق و الحسد ما لم يظهر بلسان أو يد». و يحتمل ان يكون المراد بالتفكر في الوسوسة التفكر فيما يوسوس الشيطان في النفس من أحوال المخلوقين و سوء الظنّ به في أعمالهم و أحوالهم.

و يمكن أن يكون فيه تقديم و تأخير من النسّاخ و الصحيح: «و الوسوسة في التفكر في الخلق» كما في الكافي و كما قيل: «وسوسة الشيطان للإنسان عند تفكره في أمر الخلقة» و روى «ثلاث لم يسلم منها أحد: الطيرة و الحسد و الظنّ». الخبر». و أعلم ان هذه الموارد لا بدّ أن تكون في صورة التي لا يستقل العقل بقبحها كما إذا كان مقدماتها حصلت بيد المكلف و تكون من قبله، حتى تكون رفعها منة على الأمة.

و نظيرها قوله تعالى في آخر سورة البقرة «رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ‏- الآية» و تفصيلها تطلب في مبحث أصل البراءة من كتب أصول الفقه.

155

127 وَ قَالَ ص ثَلَاثَةٌ مُجَالَسَتُهُمْ تُمِيتُ الْقَلْبَ- الْجُلُوسُ مَعَ الْأَنْذَالِ‏ (1) وَ الْحَدِيثُ مَعَ النِّسَاءِ- وَ الْجُلُوسُ مَعَ الْأَغْنِيَاءِ.

128 وَ قَالَ ص إِذَا غَضِبَ اللَّهُ عَلَى أُمَّةٍ لَمْ يَنْزِلِ الْعَذَابَ عَلَيْهِمْ- غَلَتْ أَسْعَارُهَا وَ قَصُرَتْ أَعْمَارُهَا وَ لَمْ تَرْبَحْ تِجَارَتُهَا- وَ لَمْ تَزْكُ ثِمَارُهَا وَ لَمْ تَغْزُرْ أَنْهَارُهَا (2)- وَ حُبِسَ عَنْهَا أَمْطَارُهَا وَ سُلِّطَ عَلَيْهَا أَشْرَارُهَا.

129 وَ قَالَ ص إِذَا كَثُرَ الزِّنَى بَعْدِي كَثُرَ مَوْتُ الْفَجْأَةِ (3)- وَ إِذَا طُفِّفَ الْمِكْيَالُ أَخَذَهُمُ اللَّهُ بِالسِّنِينَ وَ النَّقْصِ- وَ إِذَا مَنَعُوا الزَّكَاةَ مَنَعَتِ الْأَرْضُ بَرَكَاتِهَا- مِنَ الزَّرْعِ وَ الثِّمَارِ وَ الْمَعَادِنِ- وَ إِذَا جَارُوا فِي الْحُكْمِ تَعَاوَنُوا عَلَى الظُّلْمِ وَ الْعُدْوَانِ- وَ إِذَا نَقَضُوا الْعُهُودَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ- وَ إِذَا قَطَّعُوا الْأَرْحَامَ جُعِلَتِ الْأَمْوَالُ فِي أَيْدِي الْأَشْرَارِ وَ إِذَا لَمْ يَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ لَمْ يَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ- وَ لَمْ يَتَّبِعُوا الْأَخْيَارَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي- سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَشْرَارَهُمْ- فَيَدْعُو عِنْدَ ذَلِكَ خِيَارُهُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ-.

130- وَ لَمَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ‏ وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى‏ ما مَتَّعْنا بِهِ- أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ (4) قَالَ- مَنْ لَمْ يَتَعَزَّ بِعَزَاءِ اللَّهِ انْقَطَعَتْ نَفْسُهُ حَسَرَاتٍ عَلَى‏

____________

(1) الانذال- جمع النذل. و النذل: الخسيس و المحتقر في جميع احواله. و في بعض النسخ هكذا «قال (صلّى اللّه عليه و آله): ثلاثة مجالستهم تميت القلب: الجلوس مع الأغنياء و الجلوس مع الانذال، و الحديث مع النساء». و رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 141 كما في المتن.

(2) غزر الماء- بالضم- اى كثر.

(3) الفجأة مصدر اي ما فاجأك يعنى ما جاءك بغتة من غير أن تشعر به. الطفيف:

النقصان و القليل و الخسيس. و السنين: الجدب و القحط و قلة الامطار و المياه. و المراد بالنقص نقص ريع الأرض من الحبوب و الثمرات قال اللّه تعالى في سورة الأعراف- 127 «وَ لَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَ نَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ»

(4) سورة طه: 131.

156

الدُّنْيَا (1)- وَ مَنْ مَدَّ عَيْنَيْهِ إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ مِنْ دُنْيَاهُمْ طَالَ حُزْنُهُ- وَ مَنْ سَخِطَ مَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ مِنْ رِزْقِهِ وَ تَنَغَّصَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ‏ (2)- وَ لَمْ يَرَ أَنَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ نِعْمَةً إِلَّا فِي مَطْعَمٍ أَوْ مَشْرَبٍ- فَقَدْ جَهِلَ وَ كَفَرَ نِعَمَ اللَّهِ وَ ضَلَّ سَعْيُهُ وَ دَنَا مِنْهُ عَذَابُهُ-.

131 وَ قَالَ ص لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ مُسْلِماً فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَا الْإِسْلَامُ- فَقَالَ الْإِسْلَامُ عُرْيَانٌ وَ لِبَاسُهُ التَّقْوَى وَ شِعَارُهُ الْهُدَى‏ (3) وَ دِثَارُهُ الْحَيَاءُ- وَ مِلَاكُهُ الْوَرَعُ وَ كَمَالُهُ الدِّينُ وَ ثَمَرَتُهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ- وَ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ أَسَاسٌ وَ أَسَاسُ الْإِسْلَامِ حُبُّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ‏ (4).

132 وَ قَالَ ص مَنْ طَلَبَ رِضَا مَخْلُوقٍ بِسَخَطِ الْخَالِقِ- سَلَّطَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْمَخْلُوقَ.

133 وَ قَالَ ص إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ عَبِيداً مِنْ خَلْقِهِ لِحَوَائِجِ النَّاسِ- يَرْغَبُونَ فِي الْمَعْرُوفِ وَ يَعُدُّونَ الْجُودَ مَجْداً- وَ اللَّهُ يُحِبُّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ.

____________

(1) المراد ان من لم يصبر و لم يتسل نفسه بما عند اللّه من الاجور و الدرجات الرفيعة و غير ذلك انقطعت نفسه حسرة على الدنيا و ما فيها.

(2) يقال: تنغص عليه عيشه اي تكدر. و انغص: منع نصيبه، من نغص اي لم يتم له مراده و عيشه.

(3) الشعار- بالكسر-: ما يلي شعر الجسد. و الدثار- بالكسر- ما يتدثر به الإنسان من كساء او غيره فالشعار تحت الدثار و الدثار فوق الشعار. و الهدى- بالضم-: الرشاد.

(4) يعني بيت النبوّة و ذلك لطهارة نفوسهم و حياتهم، قال اللّه عزّ و جلّ في سورة الأحزاب‏ «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» ذلك البيت أسسه اللّه تعالى و جعل اهله طاهرا مطهرا معصوما معيارا ليكونوا الميزان و المقتدى لمجتمع العالم الإسلامي فيجب على المسلمين حبهم و الاقتداء بهم حتّى ينالوا السعادة و الكمال في الدنيا و الآخرة و لا يبعد شمولها لغيرهم ممن اتصفوا بصفاتهم و اخلاقهم على حسب درجات ايمانهم كقول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لسلمان الفارسيّ: «سلمان منا أهل البيت». قال اللّه العزيز في سورة إبراهيم نقلا عن قوله: «فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي».

157

134 وَ قَالَ ص إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً يَفْزَعُ إِلَيْهِمُ النَّاسُ فِي حَوَائِجِهِمْ- أُولَئِكَ هُمُ الْآمِنُونَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

135 وَ قَالَ ص إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْخُذُ بِأَدَبِ اللَّهِ- إِذَا أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ اتَّسَعَ وَ إِذَا أَمْسَكَ عَنْهُ أَمْسَكَ.

136 وَ قَالَ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ- لَا يُبَالِي الرَّجُلُ مَا تَلِفَ مِنْ دِينِهِ إِذَا سَلِمَتْ لَهُ دُنْيَاهُ.

137 وَ قَالَ ص إِنَّ اللَّهَ جَبَلَ قُلُوبَ عِبَادِهِ- عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا وَ بُغْضِ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهَا.

138 وَ قَالَ ص إِذَا فَعَلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً حَلَّ بِهَا الْبَلَاءُ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هُنَّ- قَالَ إِذَا أَخَذُوا الْمَغْنَمَ دُوَلًا (1)- وَ الْأَمَانَةَ مَغْنَماً وَ الزَّكَاةَ مَغْرَماً- وَ أَطَاعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وَ عَقَّ أُمَّهُ وَ بَرَّ صَدِيقَهُ وَ جَفَا أَبَاهُ- وَ ارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ فِي الْمَسَاجِدِ وَ أُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ شَرِّهِ- وَ كَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ وَ إِذَا لُبِسَ الْحَرِيرُ وَ شُرِبَتِ الْخَمْرُ- وَ اتُّخِذَ الْقِيَانُ وَ الْمَعَازِفُ‏ (2)- وَ لَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا- فَلْيَرْقُبُوا بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَ خِصَالٍ- رِيحاً حَمْرَاءَ وَ مَسْخاً وَ فَسْخاً.

139 وَ قَالَ ص الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَ جَنَّةُ الْكَافِرِ.

140 وَ قَالَ ص يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَكُونُ النَّاسُ فِيهِ ذِئَاباً- فَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذِئْباً أَكَلَتْهُ الذِّئَابُ.

141 وَ قَالَ ص أَقَلُّ مَا يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَخٌ يُوثَقُ بِهِ أَوْ دِرْهَمٌ مِنْ حَلَالٍ‏ (3).

____________

(1) في بعض النسخ «إذا اكلوا» و المغنم الغنيمة. و الدول جمع دولة و هو ما يتداول فيكون مرة لهذا و مرة لذاك، فتطلق على المال.

(2) القيان- جمع القينة-: المغنية. و المعازف جمع معزف: و هي من آلات الطرب كالطنبور و العود و نحوه من عزف بمعنى صوت و غنى.

(3) أي لا يكون في آخر الزمان شي‏ء أقل منهما.

158

142 وَ قَالَ ص احْتَرِسُوا مِنَ النَّاسِ بِسُوءِ الظَّنِ‏ (1).

143 وَ قَالَ ص إِنَّمَا يُدْرَكُ الْخَيْرُ كُلُّهُ بِالْعَقْلِ وَ لَا دِينَ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ.

144- وَ أَثْنَى قَوْمٌ بِحَضْرَتِهِ عَلَى رَجُلٍ حَتَّى ذَكَرُوا جَمِيعَ خِصَالِ الْخَيْرِ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص كَيْفَ عَقْلُ الرَّجُلِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ- نُخْبِرُكَ عَنْهُ بِاجْتِهَادِهِ فِي الْعِبَادَةِ وَ أَصْنَافِ الْخَيْرِ- تَسْأَلُنَا (2) عَنْ عَقْلِهِ- فَقَالَ(ع)إِنَّ الْأَحْمَقَ يُصِيبُ بِحُمْقِهِ أَعْظَمَ مِنْ فُجُورِ الْفَاجِرِ- وَ إِنَّمَا يَرْتَفِعُ الْعِبَادُ غَداً فِي الدَّرَجَاتِ- وَ يَنَالُونَ الزُّلْفَى مِنْ رَبِّهِمْ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ.

145 وَ قَالَ: قَسَمَ اللَّهُ الْعَقْلَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ فَمَنْ كُنَّ فِيهِ كَمَلَ عَقْلُهُ- وَ مَنْ لَمْ تَكُنَّ فِيهِ فَلَا عَقَلَ لَهُ- حُسْنُ الْمَعْرِفَةِ لِلَّهِ وَ حُسْنُ الطَّاعَةِ لِلَّهِ- وَ حُسْنُ الصَّبْرِ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ-.

146- وَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ رَجُلٌ نَصْرَانِيٌّ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ- وَ كَانَ فِيهِ بَيَانٌ وَ لَهُ وَقَارٌ وَ هَيْبَةٌ- فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَعْقَلَ هَذَا النَّصْرَانِيَّ- فَزَجَرَ الْقَائِلَ وَ قَالَ مَهْ إِنَّ الْعَاقِلَ مَنْ وَحَّدَ اللَّهَ وَ عَمِلَ بِطَاعَتِهِ‏ (3).

147 وَ قَالَ ص الْعِلْمُ خَلِيلُ الْمُؤْمِنِ وَ الْحِلْمُ وَزِيرُهُ- وَ الْعَقْلُ دَلِيلُهُ وَ الْعَمَلُ قَيِّمُهُ- وَ الصَّبْرُ أَمِيرُ جُنُودِهِ وَ الرِّفْقُ وَالِدُهُ وَ الْبِرُّ أَخُوهُ- وَ النَّسَبُ آدَمُ وَ الْحَسَبُ التَّقْوَى- وَ الْمُرُوَّةُ إِصْلَاحُ الْمَالِ.

148 وَ قَالَ ص مَنْ تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ يَدٌ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ أَنْ يُكَافِئَ- فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَالثَّنَاءُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ كَفَرَ النِّعْمَةَ.

149 وَ قَالَ ص تَصَافَحُوا فَإِنَّ التَّصَافُحَ يُذْهِبُ السَّخِيمَةَ (4).

150 وَ قَالَ ص يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى كُلِّ خَصْلَةٍ- وَ لَا يُطْبَعُ عَلَى الْكَذِبِ وَ لَا عَلَى الْخِيَانَةِ.

____________

(1) الاحتراس و التحرس: التحفظ من حرسه حرسا اي حفظه.

(2) في بعض نسخ المصدر «تسأله».

(3) «مه» بالفتح- اسم فعل بمعنى انكفف.

(4) التصافح: المصافحة. و السخيمة: الضغينة و الحقد.

159

151 وَ قَالَ ص إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْماً وَ رُوِيَ حِكْمَةً- وَ إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْراً.

152- وَ قَالَ ص لِأَبِي ذَرٍّ- أَيُّ عُرَى الْإِيمَانِ أَوْثَقُ- قَالَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ فَقَالَ الْمُوَالاةُ فِي اللَّهِ وَ الْمُعَادَةُ فِي اللَّهِ وَ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَ الْبُغْضُ فِي اللَّهِ.

153 وَ قَالَ ص مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَتُهُ اللَّهَ‏ (1)- وَ رِضَاهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ وَ مِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ‏ (2) تَرْكُهُ اسْتِخَارَةَ اللَّهِ وَ سَخَطُهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ.

154 وَ قَالَ ص النَّدَمُ تَوْبَةٌ.

155 وَ قَالَ ص مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ حَرَامَهُ.

156 وَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ أَوْصِنِي فَقَالَ لَهُ احْفَظْ لِسَانَكَ- ثُمَّ قَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي قَالَ احْفَظْ لِسَانَكَ- ثُمَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي فَقَالَ وَيْحَكَ- وَ هَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ‏ (3).

157 وَ قَالَ ص صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السَّوْءِ- وَ الصَّدَقَةُ الْخَفِيَّةُ تُطْفِئُ غَضَبَ اللَّهِ- وَ صِلَةُ الرَّحِمِ زِيَادَةٌ فِي الْعُمُرِ وَ كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ- وَ أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الْآخِرَةِ- وَ أَهْلُ الْمُنْكَرِ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ الْمُنْكَرِ فِي الْآخِرَةِ- وَ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَهْلُ الْمَعْرُوفِ.

158 وَ قَالَ ص إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدِهِ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ- وَ يُبْغِضُ الْبُؤْسَ وَ التَّبَؤُّسَ‏ (4).

____________

(1) في بعض نسخ المصدر «استخارة اللّه».

(2) الشقوة: الشقاوة. و السخط: ضد الرضا. و سخط عليه اي غضب عليه.

(3) يقال: كب على وجهه: اي صرعه و قلبه. و المناخر جمع المنخر بفتح الميم و الخاء: و هو الانف من نخر- بالفتح- اى مد الصوت و النفس في خياشيمه. و الحصائد جمع الحصد و الحصيد و الحصيدة-: من حصد الزرع اي قطع و حصائد السنتهم: ما يقولونه من الكلام في حقّ الغير، لانه حصد به.

(4) تباءس أي تفاقر و أرى تخشع الفقراء اخباتا و تضرعا.

160

159 وَ قَالَ ص حُسْنُ الْمَسْأَلَةِ نِصْفُ الْعِلْمِ وَ الرِّفْقُ نِصْفُ الْعَيْشِ.

160 وَ قَالَ ص يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَ تَشِبُّ مِنْهُ اثْنَتَانِ الْحِرْصُ وَ الْأَمَلُ‏ (1).

161 وَ قَالَ ص الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ.

162 وَ قَالَ ص إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ لَمْ تَزُلْ قَدَمَا عَبْدٍ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ- عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ وَ عَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ- وَ عَمَّا اكْتَسَبَهُ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَ فِيمَ أَنْفَقَهُ- وَ عَنْ حُبِّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ‏ (2).

163 وَ قَالَ ص مَنْ عَامَلَ النَّاسَ فَلَمْ يَظْلِمْهُمْ وَ حَدَّثَهُمْ فَلَمْ يَكْذِبْهُمْ- وَ وَعَدَهُمْ فَلَمْ يُخْلِفْهُمْ فَهُوَ مِمَّنْ كَمَلَتْ مُرُوَّتُهُ- (3) وَ ظَهَرَتْ عَدَالَتُهُ وَ وَجَبَتْ أُخُوَّتُهُ‏ (4) وَ حَرُمَتْ غِيبَتُهُ.

164 وَ قَالَ ص الْمُؤْمِنُ حَرَامٌ كُلُّهُ عِرْضُهُ وَ مَالُهُ وَ دَمُهُ.

165 وَ قَالَ ص صِلُوا أَرْحَامَكُمْ وَ لَوْ بِالسَّلَامِ.

166 وَ قَالَ ص الْإِيمَانُ عَقْدٌ بِالْقَلْبِ وَ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَ عَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ.

167 وَ قَالَ ص لَيْسَ الْغِنَى مِنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ‏ (5) وَ لَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ.

168 وَ قَالَ ص تَرْكُ الشَّرِّ صَدَقَةٌ.

169 وَ قَالَ ص أَرْبَعَةٌ تَلْزَمُ كُلَّ ذِي حِجًى وَ عَقْلٍ‏ (6) مِنْ أُمَّتِي- قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هُنَّ- قَالَ اسْتِمَاعُ الْعِلْمِ وَ حِفْظُهُ وَ نَشْرُهُ وَ الْعَمَلُ بِهِ.

170 وَ قَالَ ص إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْراً وَ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا- وَ مِنَ الْقَوْلِ عِيّاً (7).

____________

(1) يعني: ان ابن آدم إذا كبر و ضعفت غرائزه و خلقته قوى فيه الحرص و الامل.

(2) السؤال عى المحبة لأنّها أساس الإسلام و الدين. و قد مضى بيانه.

(3) المروة أصله المروءة. تقلب الهمزة واوا و تدغم.

(4) «و وجبت أخوته» فى المصدر «وجب أجره» و لعلّ ما في المتن هو الصواب.

(5) العرض- محركة- المتاع و حطام الدنيا.

(6) الحجى بالكسر و القصر: العقل و الفطنة. و أصله الستر.

(7) عيى في المنطق: حصر. و عيا تعيية الرجل: أتى بكلام لا يهتدى إليه. و قيل:.

161

171 وَ قَالَ ص السُّنَّةُ سُنَّتَانِ- سُنَّةٌ فِي فَرِيضَةٍ الْأَخْذُ بَعْدِي بِهَا هُدًى وَ تَرْكُهَا ضَلَالَةٌ- وَ سُنَّةٌ فِي غَيْرِ فَرِيضَةٍ الْأَخْذُ بِهَا فَضِيلَةٌ وَ تَرْكُهَا غَيْرُ خَطِيئَةٍ.

172 وَ قَالَ ص مَنْ أَرْضَى سُلْطَاناً بِمَا يُسْخِطُ اللَّهَ خَرَجَ مِنْ دِينِ اللَّهِ.

173 وَ قَالَ ص خَيْرٌ مِنَ الْخَيْرِ مُعْطِيهِ وَ شَرٌّ مِنَ الشَّرِّ فَاعِلُهُ.

174 وَ قَالَ ص مَنْ نَقَلَهُ اللَّهُ مِنْ ذُلِّ الْمَعَاصِي إِلَى عِزِّ الطَّاعَةِ أَغْنَاهُ بِلَا مَالٍ- وَ أَعَزَّهُ بِلَا عَشِيرَةٍ وَ آنَسَهُ بِلَا أَنِيسٍ- وَ مَنْ خَافَ اللَّهَ أَخَافَ مِنْهُ كُلَّ شَيْ‏ءٍ- وَ مَنْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ أَخَافَهُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ- وَ مَنْ رَضِيَ مِنَ اللَّهِ بِالْيَسِيرِ مِنَ الرِّزْقِ- رَضِيَ اللَّهُ مِنْهُ بِالْيَسِيرِ مِنَ الْعَمَلِ- وَ مَنْ لَمْ يَسْتَحْيِ مِنْ طَلَبِ الْحَلَالِ مِنَ الْمَعِيشَةِ- خَفَّتْ مَئُونَتُهُ وَ رَخِيَ بَالُهُ وَ نُعِّمَ عِيَالُهُ- وَ مَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا أَثْبَتَ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فِي قَلْبِهِ- وَ أَنْطَقَ بِهَا لِسَانَهُ وَ بَصَّرَهُ عُيُوبَ الدُّنْيَا دَاءَهَا وَ دَوَاءَهَا- وَ أَخْرَجَهُ مِنَ الدُّنْيَا سَالِماً إِلَى دَارِ الْقَرَارِ.

175 وَ قَالَ ص أَقِيلُوا ذَوِي الْهَنَاتِ عَثَرَاتِهِمْ‏ (1).

176 وَ قَالَ ص الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا قَصْرُ الْأَمَلِ وَ شُكْرُ كُلِّ نِعْمَةٍ- وَ الْوَرَعُ عَنْ كُلِّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ.

177 وَ قَالَ ص لَا تَعْمَلْ شَيْئاً مِنَ الْخَيْرِ رِيَاءً وَ لَا تَدَعْهُ حَيَاءً.

178 وَ قَالَ ص إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي ثَلَاثاً- شُحّاً مُطَاعاً وَ هَوًى مُتَّبَعاً وَ إِمَاماً ضَالًّا.

179 وَ قَالَ ص مَنْ كَثُرَ هَمُّهُ سَقِمَ بَدَنُهُ وَ مَنْ سَاءَ خُلُقُهُ عَذَّبَ نَفْسَهُ- وَ مَنْ لَاحَى الرِّجَالَ ذَهَبَتْ مُرُوَّتُهُ وَ كَرَامَتُهُ.

180 وَ قَالَ ص أَلَا إِنَّ شَرَّ أُمَّتِي الَّذِينَ يُكْرَمُونَ مَخَافَةَ شَرِّهِمْ- أَلَا

____________

العى: التحير في الكلام و بالفتح العجز و عدم الاهتداء بوجه مراده. و في بعض نسخ المصدر «غيا» بالغين المعجمة مصدر من باب ضرب أي ضل و خاب و هلك، و الغية بالفتح و الكسر: الضلال.

(1) الهناة: الداهية و هي المصيبة و جمعها هنوات. و العثرات جمع العثرة: و هى السقطة و الزلة و الخطيئة و المعنى: تجاوزوا و تصفحوا عن زلات صاحب المصيبة.

162

وَ مَنْ أَكْرَمَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ فَلَيْسَ مِنِّي.

181 وَ قَالَ ص مَنْ أَصْبَحَ مِنْ أُمَّتِي وَ هِمَّتُهُ غَيْرُ اللَّهِ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ- وَ مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأُمُورِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ- وَ مَنْ أَقَرَّ بِالذُّلِّ طَائِعاً فَلَيْسَ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ‏ (1).

182- وَ كَتَبَ ص إِلَى مُعَاذٍ يُعَزِّيهِ بِابْنِهِ‏ (2) مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ- سَلَامٌ عَلَيْكَ فَإِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ- أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي جَزَعُكَ عَلَى وَلَدِكَ الَّذِي قَضَى اللَّهُ عَلَيْهِ- وَ إِنَّمَا كَانَ ابْنُكَ مِنْ مَوَاهِبِ اللَّهِ الْهَنِيئَةِ (3)- وَ عَوَارِيهِ الْمُسْتَوْدَعَةِ عِنْدَكَ- فَمَتَّعَكَ اللَّهُ بِهِ إِلَى أَجَلٍ وَ قَبَضَهُ لِوَقْتِ الْمَعْلُومِ- فَ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏- لَا يَحْبِطَنَّ جَزَعُكَ أَجْرَكَ- وَ لَوْ قَدِمْتَ عَلَى ثَوَابِ مُصِيبَتِكَ- لَعَلِمْتَ أَنَّ الْمُصِيبَةَ قَدْ قَصُرَتْ لِعَظِيمِ مَا أَعَدَّ اللَّهُ عَلَيْهَا- مِنَ الثَّوَابِ لِأَهْلِ التَّسْلِيمِ وَ الصَّبْرِ- وَ اعْلَمْ أَنَّ الْجَزَعَ لَا يَرُدُّ مَيِّتاً وَ لَا يَدْفَعُ قَدَراً- فَأَحْسِنِ الْعَزَاءَ وَ تَنَجَّزِ الْمَوْعُودَ- فَلَا يَذْهَبَنَّ أَسَفُكَ عَلَى‏

____________

(1) قال السبط الشهيد المفدى سيد الشهداء الحسين بن على صلوات اللّه و سلامه عليهما في خطبته يوم عاشوراء اذ عرض عليه و أصحابه الأمان فأنف من الذل: «ألا و ان الدعى ابن الدعى قد ركز بين اثنتين بين الذلة و السلة، هيهات منا الذلة، يأبى اللّه ذلك لنا و رسوله و المؤمنون، و حجور طابت و طهرت و أنوف حمية و نفوس أبيه من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام ألا و انى زاحف بهذه الاسرة و مقلل من هذه الكثرة مع قلة العدد و خذلة الناصر» و لنعم ما قال الحميري:

طعمت أن تسومه الضيم قوم‏* * * و أبى اللّه و الحسام الصنيع‏

كيف يلوى على الدنية جيدا* * * لسوى اللّه ما لواه الخضوع‏

فأبى أن يعيش الا عزيزا* * * أو تجلى الكفاح و هو صريع‏

فتلقى الجموع فردا و لكن‏* * * كل عضو في الروع منه جموع‏

زوج السيف بالنفوس و لكن‏* * * مهرها الموت و الخضاب النجيع‏

(2) التعزية: التسلية من عزى يعزى من باب تعب: صبر على ما نابه و التعزى: التصبر و التسلى عند المصيبة و شعاره أن يقول: «إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» و العزاء ممدودا: الصبر و التعزى يجيى‏ء بمعنى النسبة من تعزى الى فلان أي نسبه إليه.

(3) المواهب جمع الموهبة: العطية، الشي‏ء الموهوب. و الهنيئة: ما تيسر من غير مشقة.

163

مَا لَازِمٌ لَكَ- وَ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ نَازِلٌ بِقَدَرِهِ وَ السَّلَامُ عَلَيْكَ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ.

183 وَ قَالَ ص مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ كَثْرَةُ الْقُرَّاءِ- وَ قِلَّةُ الْفُقَهَاءِ وَ كَثْرَةُ الْأُمَرَاءِ وَ قِلَّةُ الْأُمَنَاءِ- وَ كَثْرَةُ الْمَطَرِ وَ قِلَّةُ النَّبَاتِ.

184 وَ قَالَ ص أَبْلِغُونِي حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغِي حَاجَتَهُ- فَإِنَّهُ مَنْ أَبْلَغَ سُلْطَاناً حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغَهَا- ثَبَّتَ اللَّهُ قَدَمَيْهِ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (1).

185 وَ قَالَ ص غَرِيبَتَانِ كَلِمَةُ حُكْمٍ مِنْ سَفِيهٍ فَاقْبَلُوهَا- وَ كَلِمَةُ سَيِّئَةٍ مِنْ حَكِيمٍ فَاغْفِرُوهَا.

186 وَ قَالَ ص لِلْكَسْلَانِ ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ- يَتَوَانَى حَتَّى يُفَرِّطَ وَ يُفَرِّطُ حَتَّى يُضَيِّعَ وَ يُضَيِّعُ حَتَّى يَأْثَمَ.

187 وَ قَالَ ص مَنْ لَمْ يَسْتَحْيِ مِنَ الْحَلَالِ نَفَعَ نَفْسَهُ- وَ خَفَّتْ مَئُونَتُهُ وَ نَفَى عَنْهُ الْكِبْرَ- وَ مَنْ رَضِيَ مِنَ اللَّهِ بِالْيَسِيرِ مِنَ الرِّزْقِ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالْقَلِيلِ مِنَ الْعَمَلِ وَ مَنْ يَرْغَبُ فِي الدُّنْيَا فَطَالَ فِيهَا أَمَلُهُ- أَعْمَى اللَّهُ قَلْبَهُ عَلَى قَدْرِ رَغْبَتِهِ فِيهَا- وَ مَنْ زَهِدَ فِيهَا فَقَصَّرَ فِيهَا أَمَلَهُ- أَعْطَاهُ اللَّهُ عِلْماً بِغَيْرِ تَعَلُّمٍ وَ هُدًى بِغَيْرِ هِدَايَةٍ- وَ أَذْهَبَ عَنْهُ الْعَمَى‏ (2) وَ جَعَلَهُ بَصِيراً- أَلَا إِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي أَقْوَامٌ- لَا يَسْتَقِيمُ لَهُمُ الْمُلْكُ إِلَّا بِالْقَتْلِ وَ التَّجَبُّرِ وَ لَا يَسْتَقِيمُ لَهُمُ الْغِنَى إِلَّا بِالْبُخْلِ- وَ لَا تَسْتَقِيمُ لَهُمُ الْمَحَبَّةُ فِي النَّاسِ إِلَّا بِاتِّبَاعِ الْهَوَى وَ التَيْسِيرِ فِي الدِّينِ‏ (3)- أَلَا فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ فَصَبَرَ عَلَى الْفَقْرِ وَ هُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْغِنَى- وَ صَبَرَ عَلَى الذُّلِّ وَ هُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْعِزِّ- وَ صَبَرَ عَلَى الْبَغْضَاءِ فِي النَّاسِ وَ هُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْمَحَبَّةِ- لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ إِلَّا وَجْهَ اللَّهِ وَ الدَّارَ الْآخِرَةَ- أَعْطَاهُ اللَّهُ ثَوَابَ خَمْسِينَ صِدِّيقاً.

____________

(1) سيأتي في كتاب عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) للاشتر لما ولاه مصر: «قال: و تفقد أمور من لا يصل إليك منهم ممن تقتحمه العيون و تحقره الرجال، ففرغ لاولئك ثقتك من أهل الخشية و التواضع فليرفع إليك أمورهم، ثمّ اعمل فيهم بالاعذار إلى اللّه يوم تلقاه فان هؤلاء من بين الرعية أحوج الى الإنصاف من غيرهم؛ و كل فأعذر إلى اللّه في تأدية حقه إليه».

(2) في بعض نسخ المصدر «فأذهب عنه».

(3) أي المسامحة و المماطلة في أمر الدين.

164

188 وَ قَالَ ص إِيَّاكُمْ وَ تَخَشُّعَ النِّفَاقِ- وَ هُوَ أَنْ يُرَى الْجَسَدُ خَاشِعاً وَ الْقَلْبُ لَيْسَ بِخَاشِعٍ.

189 وَ قَالَ ص الْمُحْسِنُ الْمَذْمُومُ مَرْحُومٌ.

190 وَ قَالَ ص اقْبَلُوا الْكَرَامَةَ وَ أَفْضَلُ الْكَرَامَةِ الطِّيبُ- أَخَفُّهُ مَحْمِلًا وَ أَطْيَبُهُ رِيحاً.

191 وَ قَالَ ص إِنَّمَا تَكُونُ الصَّنِيعَةُ (1) إِلَى ذِي دِينٍ أَوْ ذِي حَسَبٍ- وَ جِهَادُ الضُّعَفَاءِ الْحَجُّ- وَ جِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّلِ لِزَوْجِهَا- وَ التَّوَدُّدُ نِصْفُ الدِّينِ- وَ مَا عَالَ امْرُؤٌ قَطُّ عَلَى اقْتِصَادٍ (2) وَ اسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بِالصَّدَقَةِ- أَبَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ رِزْقَ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ حَيْثُ يَحْتَسِبُونَ.

192 وَ قَالَ ص لَا يَبْلُغُ عَبْدٌ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ- حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَراً لِمَا بِهِ الْبَأْسُ.

2- غو (3)، غوالي اللئالي قَالَ النَّبِيُّ ص إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْراً جَعَلَ لَهُ وَزِيراً صَالِحاً إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ وَ إِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ- سِيرُوا سَيْرَ أَضْعَفِكُمْ- الْفِرَارُ مِمَّا لَا يُطَاقُ- مَنِ اسْتَوَى يَوْمَاهُ فَهُوَ مَغْبُونٌ- الدُّنْيَا دَارُ مِحْنَةٍ الدُّنْيَا سَاعَةٌ فَاجْعَلُوهَا طَاعَةً- مَعَ كُلِّ فَرْحَةٍ تَرْحَةٌ (4)- اسْتَعِينُوا عَلَى الْحَوَائِجِ بِالْكِتْمَانِ لَهَا- لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ سَنَامٌ‏ (5) وَ سَنَامُ الْقُرْآنِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ- مَنْ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى ذُلِّ التَّعَلُّمِ سَاعَةً بَقِيَ فِي ذُلِّ الْجَهْلِ أَبَداً- مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَ أَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا- اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ (6) ابْدَأْ بِنَفْسِكَ- شَرُّ النَّاسِ مَنْ أَكَلَ وَحْدَهُ‏

____________

(1) الصنيعة: الاحسان. و جمعها الصنائع.

(2) عال أي افتقر. و في بعض النسخ «و استزادوا الرزق».

(3) العوالى اللئالى لابن أبي جمهور مخطوط.

(4) الترح ضد الفرح و ترح ترحا أي حزن. و معنى الحديث أن مع كل سرور حزن يعقبه حتّى كأنّه معه أي المشيئة الإلهيّة جرت بذلك لئلا تسكن نفوس العقلاء الى نعيمها.

(5) سنام كل شي‏ء أعلاه.

(6) أي تزاورهم و ترددهم و ضيافتهم كما في قوله تعالى‏ «وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ»* أى مجي‏ء كل واحد عقيب الآخر. و كما في قوله «و مختلف الملائكة» أي محل نزولهم و صعودهم.

165

وَ مَنَعَ رِفْدَهُ وَ جَلَدَ عَبْدَهُ- إِذَا تَغَيَّرَ السُّلْطَانُ تَغَيَّرَ الزَّمَانُ- إِذَا كَانَ الدَّاءُ مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ بَطَلَ هُنَاكَ الدَّوَاءُ- الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ- فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَ مَا تَنَاكَرَ اخْتَلَفَ- السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ- اجْتَنِبْ خَمْساً الْحَسَدَ وَ الطِيَرَةَ- وَ الْبَغْيَ وَ سُوءَ الظَّنِّ وَ النَّمِيمَةَ- أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي مَنْ فُتِحَ لَهُ بَابُ خَيْرٍ فَلْيَنْتَهِزْهُ- فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَتَى يُغْلَقُ عَنْهُ- الْأُمُورُ بِتَمَامِهَا وَ الْأَعْمَالُ بِخَوَاتِمِهَا- شَاوِرُوهُنَّ وَ خَالِفُوهُنَّ- حُبُّكَ لِلشَّيْ‏ءِ يُعْمِي وَ يُصِمُّ- الْمَرْأَةُ كَالضِّلْعِ الْعَوْجَاءِ- بُلُّوا أَرْحَامَكُمْ وَ لَوْ بِالسَّلَامِ‏ (1)- الْفِرَارُ فِي وَقْتِهِ ظَفَرٌ- الشَّبَابُ شُعْبَةٌ مِنَ الْجُنُونِ- لَا خَيْرَ فِي السَّرَفِ وَ لَا سَرَفَ فِي الْخَيْرِ- إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ- رَأْسُ الْعَقْلِ بَعْدَ الْإِيمَانِ التَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ- الْمَقْدُورُ كَائِنٌ وَ الْهَمُّ فَاضِلٌ- الصَّدَقَةُ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ وَ تَسْتَنْزِلُ الرِّزْقَ- وَ تَقِي مَصَارِعَ السَّوْءِ وَ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ- تَرْكُ الْفُرَصِ غُصَصٌ- الْفُرَصُ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ- أَضْيَقُ الْأَمْرِ أَدْنَاهُ مِنَ الْفَرَجِ- حُسْنُ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ- مَنْ تَعَلَّمْتَ مِنْهُ حَرْفاً صِرْتَ لَهُ عَبْداً- الظَّفَرُ الْجَزْمُ وَ الْحَزْمُ- إِذَا جَاءَ الْقَضَاءُ ضَاقَ الْفَضَاءُ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ- طَالِبُ الْعِلْمِ مَحْفُوفٌ بِعِنَايَةِ اللَّهِ- النَّدَمُ تَوْبَةٌ- الْحَاسِدُ مُغْتَاظٌ عَلَى مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ- الْحَزْمُ بِإِجَالَةِ الرَّأْيِ وَ الرَّأْيُ بِتَحْصِينِ الْأَسْرَارِ- أَعْقَلُ النَّاسِ مُحْسِنٌ خَائِفٌ وَ أَجْهَلُهُمْ مُسِي‏ءٌ آمِنٌ- طَالِبُ الْعِلْمِ لَا يَمُوتُ أَوْ يُمَتَّعَ جِدُّهُ بِقَدْرِ كَدِّهِ الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ- الْكَعْبَةُ تُزَارُ وَ لَا تَزُورُ- السُّكُوتُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِدْعَةٌ السُّلْطَانُ ظِلُّ اللَّهِ يَأْوِي إِلَيْهِ كُلُّ مَظْلُومٍ‏ (2)- الْعَدْلُ جُنَّةٌ وَاقِيَةٌ وَ جُنَّةٌ بَاقِيَةٌ- أَصْلِحْ وَزِيرَكَ فَإِنَّهُ الَّذِي يَقُودُكَ إِلَى الْجَنَّةِ وَ النَّارِ- الْجَاهُ أَحَدُ الرِّفْدَيْنِ وَ الْآخَرُ الْمَالُ الْأُمُورُ مَرْهُونَةٌ بِأَوْقَاتِهَا- الْهَدِيَّةُ تُذْهِبُ السَّخِيمَةَ- تَصَافَحُوا فَإِنَّهُ يَذْهَبُ بِالْغِلِ‏

____________

(1) أي صلوا فشبه الرحم المقطوع الوصلة بأرض منقطع عنها الغيث. و قال العلقمى أى ندوها بصلتها. و ذلك لانهم يطلقون النداوة على الصلة كما يطلقون اليبس على القطيعة لانهم لما رأوا بعض الأشياء تتصل و تختلط بالنداوة و يحصل منها التجافى و التفرق باليبس استعاروا البلل للوصل و اليبس للقطيعة. فذكر البلل تخييل.

(2) أخرجه البيهقيّ في شعب الايمان بسند ضعيف عن عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب.

166

الْهَدِيَّةُ تُورِثُ الْمَوَدَّةَ وَ تَجْدُرُ الْأُخُوَّةَ (1) وَ تُذْهِبُ الضَّغِينَةَ- وَ تَهَادَوْا تَحَابُّوا- نِعْمَ الشَّيْ‏ءُ الْهَدِيَّةُ أَمَامَ الْحَاجَةِ- اهْدِ لِمَنْ يَهْدِيكَ- الْهَدِيَّةُ تَفْتَحُ الْبَابَ الْمُصْمَتَ- نِعْمَ مِفْتَاحُ الْحَاجَةِ الْهَدِيَّةُ- الْمَرْءُ مَخْبُوٌّ تَحْتَ لِسَانِهِ‏ (2)- مَا يُصْلِحُ لِلْمَوْلَى فَعَلَى الْعَبْدِ حَرَامٌ- الْهَدَايَا رِزْقُ اللَّهِ مَنْ أُهْدِيَ إِلَيْهِ شَيْ‏ءٌ فَلْيَقْبَلْهُ- إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ الْأَبْدَانُ- فَاهْدُوا إِلَيْهَا طَرَائِفَ الْحِكَمِ.

- فِي حَدِيثِ الْقُدْسِيِ‏ يَا دَاوُدُ فَرِّغْ لِي بَيْتاً أَسْكُنْهُ- إِنَّ لِلَّهِ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ أَلَا فَتَرَصَّدُوا لَهَا- السَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ- مَنْ نَظَرَ فِي الْعَوَاقِبِ سَلِمَ فِي النَّوَائِبِ لَا مَنْعَ وَ لَا إِسْرَافَ وَ لَا بُخْلَ وَ لَا إِتْلَافَ- خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا- مَا الْعِلْمُ إِلَّا مَا حَوَاهُ الصَّدْرُ- الدُّنْيَا دَارُ بَلِيَّةٍ- تَعَمَّمُوا تُزَادُوا حِلْماً- الْعِمَامَةُ مِنَ الْمُرُوَّةِ- هَذَانِ مُحَرَّمَانِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي يَعْنِي الذَّهَبَ وَ الْحَرِيرَ.

3 الدُّرَّةُ الْبَاهِرَةُ مِنَ الْأَصْدَافِ الطَّاهِرَةِ (3)، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْعِلْمُ وَدِيعَةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَ الْعُلَمَاءُ أُمَنَاؤُهُ عَلَيْهِ- فَمَنْ عَمِلَ بِعِلْمِهِ أَدَّى أَمَانَتَهُ- وَ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ كُتِبَ فِي دِيوَانِ اللَّهِ مِنَ الْخَائِنِينَ.

- قَالَ ص إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ فَسَعُوهُمْ بِأَخْلَاقِكُمْ.

- وَ قَالَ ص تَفَرَّغُوا مِنْ هُمُومِ الدُّنْيَا مَا اسْتَطَعْتُمْ- فَإِنَّهُ مَنْ أَقْبَلَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِقَلْبِهِ- جَعَلَ اللَّهُ قُلُوبَ الْعِبَادِ مُنْقَادَةً إِلَيْهِ بِالْوُدِّ وَ الرَّحْمَةِ- وَ كَانَ اللَّهُ إِلَيْهِ بِكُلِّ خَيْرٍ أَسْرَعَ.

- وَ قَالَ ص لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ وَ لَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا الْبِرُّ- وَ إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّهَبِ يُصِيبُهُ.

وَ 14 قَالَ ص حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ.

- وَ قَالَ ص لَا خَيْرَ لَكَ فِي صُحْبَةِ مَنْ لَا يَرَى لَكَ مِثْلَ الَّذِي يَرَى لِنَفْسِهِ.

____________

(1) أي حوطها و حجزها. و الضغينة: الحقد و الشحناء.

(2) من خبأ يخبأ أي مستور.

(3) قال المؤلّف في ج 1 ص 10 أنّه للشيخ العلامة الشهيد محمّد بن مكى (ره).

167

- 4- أَقُولُ وَجَدْتُ بِخَطِّ الشَّيْخِ الْجَلِيلِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْجُبَعِيِّ (رحمه الله) هَذِهِ أَحَادِيثُ مَحْذُوفَةُ الْأَسْنَادِ كَتَبَهَا الشَّيْخُ ابْنُ مَكِّيٍّ (رحمه الله) مِنْ خَطِّ سَدِيدِ الدِّينِ بْنِ مُطَهَّرٍ (رحمه الله) وَ أَجَازَهَا لَهُ شَيْخُهُ السَّيِّدُ الْمُرْتَضَى النَّقِيبُ الْمُعَظَّمُ النَّسَّابَةُ الْعَلَّامَةُ مَفْخَرُ الْعِتْرَةِ الطَّاهِرَةِ تَاجُ الْمِلَّةِ وَ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ السَّيِّدِ الْعَلَّامَةِ النَّقِيبِ الزَّاهِدِ جَلَالِ الدِّينِ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَاسِمِ ابْنِ السَّيِّدِ النَّقِيبِ فَخْرِ الدِّينِ أَبِي الْقَاسِمِ الْحُسَيْنِ ابْنِ السَّيِّدِ نَقِيبٍ جَلَالِ الدِّينِ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ الْحَسَنِ بْنِ رَضِيِّ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَلِيِّ الدِّينِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحْسِنِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْقَصْرِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْخَطِيبِ بِالْكُوفَةِ ابْنِ عَلِيٍّ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ الْمُعَيَّةِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الدِّيبَاجِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْعُمَرِ بْنِ الْحَسَنِ الْمُثَنَّى ابْنِ الْإِمَامِ السِّبْطِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)عَنْ شُيُوخِهِ الثِّقَاتِ وَ هُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ارْحَمْ مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكَ مَنْ فِي السَّمَاءِ.

* * * قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص الصَّوْمُ جُنَّةٌ.

- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص اكْفُلُوا لِي بِسِتٍّ أَكْفُلْ لَكُمْ بِالْجَنَّةِ- إِذَا حَدَّثَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَكْذِبْ- وَ إِذَا ائْتُمِنَ فَلَا يَخُنْ وَ إِذَا وَعَدَ فَلَا يَخْلُفْ- غُضُّوا أَبْصَارَكُمْ وَ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَ احْفَظُوا فُرُوجَكُمْ.

قَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِي تَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيَّ فِي الْمَنَامِ فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ سَنَةٍ فَقُلْتُ لَهُ يَا مُعَلِّمُ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ- فَقَالَ يَا أَحْمَدُ جِئْتُ مِنْ بَابِ الصَّغِيرِ فَلَقِيتُ وَسْقَ شِيحٍ‏ (1)- فَأَخَذْتُ مِنْهُ عُوداً مَا أَدْرِي تَخَلَّلْتُ بِهِ أَوْ رَمَيْتُ بِهِ- فَأَنَا فِي حِسَابِهِ مُنْذُ سَنَةٍ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ- تَمَّ الْخَبَرُ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ و بخطه أيضا ما صورته و على هذه الأحاديث خط السيد تاج الدين بن‏

____________

(1) الوسق وقر النخلة، و الشيح بالحاء المهملة: نبات أنواعه كثيرة كله طيب الرائحة.

168

معية (رحمه الله) ما صورته سمع هذه الأحاديث من لفظ مولانا الشيخ الإمام العالم الفاضل العامل الزاهد الورع مفخر العلماء سلالة الفضلاء شمس الملة و الحق و الدين محمد بن مكي أدام الله فضائله في يوم السبت حادي عشر شوال من سنة أربع و خمسين و سبعمائة و أجزت له روايتها عني بالسند المتقدم و غيره من طرقي مشايخ الحلة الذين رووها إلى آخر ما سيأتي في آخر مجلدات الكتاب.

و بخطه أيضا في أول هذه الأحاديث إجازة أخرى من السيد تاج الدين أبي عبد الله مفخر العلماء و الفضلاء شمس الحق و الدين صحيح و كتبه محمد بن معية في حادي عشر شوال سنة أربع و خمسين و سبعمائة و الحمد لله وحده و صلى الله على محمد و آله و سلم.

- و بخطه نقلا من خط الشهيد رحمهما الله عَنِ النَّبِيِّ ص إِنَّ أَعْمَى الْعَمَى الضَّلَالَةُ بَعْدَ الْهُدَى- خَيْرُ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ- مَنْ يَعْصِ اللَّهَ يُعَذِّبْهُ- عَفْوُ الْمُلُوكِ بَقَاءُ الْمُلْكِ- لَا يَجْنِي عَلَى الْمَرْءِ إِلَّا يَدُهُ وَ لِسَانُهُ- صُحْبَةُ عِشْرِينَ سَنَةً قَرَابَةٌ- خَيْرُ الرِّزْقِ مَا يَكْفِي- الصِّحَّةُ وَ الْفَرَاغُ نِعْمَتَانِ مَكْفُورَتَانِ‏

. 5 دَعَوَاتُ الرَّاوَنْدِيِ‏ (1)، قَالَ أَسْوَدُ بْنُ أَصْرَمَ‏ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي فَقَالَ أَ تَمْلِكُ يَدَكَ قُلْتُ نَعَمْ- قَالَ فَتَمْلِكُ لِسَانَكَ قُلْتُ نَعَمْ- قَالَ ص فَلَا تَبْسُطْ يَدَكَ إِلَّا إِلَى خَيْرٍ- وَ لَا تَقُلْ بِلِسَانِكَ إِلَّا مَعْرُوفاً.

6 كَنْزُ الْكَرَاجُكِيِ‏ (2)، قَالَ النَّبِيُّ ص مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَةٌ وَ سَاءَتْهُ سَيِّئَةٌ فَهُوَ مُؤْمِنٌ- لَا خَيْرَ فِي عَيْشٍ إِلَّا لِرَجُلَيْنِ عَالِمٍ مُطَاعٍ وَ مُسْتَمِعٍ وَاعٍ- كَفَى بِالنَّفْسِ غِنًى وَ بِالْعِبَادَةِ شُغُلًا- لَا تَنْظُرُوا إِلَى صِغَرِ الذَّنْبِ وَ لَكِنِ انْظُرُوا إِلَى مَنِ اجْتَرَأْتُمْ.

- قَالَ ص آفَةُ الْحَدِيثِ الْكَذِبُ وَ آفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ- وَ آفَةُ الْعِبَادَةِ الْفَتْرَةُ وَ آفَةُ الظَّرْفِ الصَّلَفُ‏ (3)- لَا حَسَبَ إِلَّا بِتَوَاضُعٍ وَ لَا كَرَمَ إِلَّا بِتَقْوَى- وَ لَا عَمَلَ‏

____________

(1) مخطوط.

(2) المصدر ص 13.

(3) تقدم معناه ص 68.

169

إِلَّا بِنِيَّةٍ وَ لَا عِبَادَةَ إِلَّا بِيَقِينٍ.

- وَ قَالَ ص (1) مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ أَعَزَّ النَّاسِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ.

- وَ قَالَ ص مَنْ خَافَ اللَّهَ سَخَتْ نَفْسُهُ الدُّنْيَا- وَ مَنْ رَضِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِمَا يَكْفِيهِ كَانَ أَيْسَرُ مَا فِيهَا يَكْفِيهِ.

- وَ قَالَ ص الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ- وَ اللَّهُ مُسْتَعْمِلُكُمْ فِيهَا فَانْظُرُوا كَيْفَ تَعْمَلُونَ.

- وَ قَالَ ص مَنْ تَرَكَ مَعْصِيَةَ اللَّهِ مَخَافَةً مِنَ اللَّهِ أَرْضَاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ مَنْ مَشَى مَعَ ظَالِمٍ لِيُعِينَهُ وَ هُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ ظَالِمٌ- فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْإِيمَانِ.

- وَ قَالَ ص دَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يُرِيبُكَ- فَإِنَّكَ لَنْ تَجِدَ فَقْدَ شَيْ‏ءٍ تَرَكْتَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ.

وَ قَالَ ص بَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ لِمَنْ أَرَادَهَا- فَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً (2).

وَ قَالَ ص بَادِرُوا بِعَمَلِ الْخَيْرِ قَبْلَ أَنْ تُشْغَلُوا عَنْهُ- وَ احْذَرُوا الذُّنُوبَ- فَإِنَّ الْعَبْدَ يُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُحْبَسُ عَنْهُ الرِّزْقُ.

7- وَ مِنْهُ‏ (3)، قَالَ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ص فِي الْخِصَالِ مِنْ وَاحِدَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص أَنَّهُ قَالَ: خَصْلَةٌ مَنْ لَزِمَهَا أَطَاعَتْهُ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةُ- وَ رَبِحَ الْفَوْزَ فِي الْجَنَّةِ- قِيلَ وَ مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ التَّقْوَى- مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ أَعَزَّ النَّاسِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ- ثُمَّ تَلَا وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً- وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ‏ (4).

- وَ قَالَ ص الْمُؤْمِنُ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ- بَيْنَ أَجَلٍ قَدْ مَضَى لَا يَدْرِي مَا اللَّهُ صَانِعٌ فِيهِ وَ بَيْنَ أَجَلٍ قَدْ بَقِيَ مَا اللَّهُ قَاضٍ فِيهِ.

- وَ قَالَ ص مَنْ وُقِيَ شَرَّ ثَلَاثٍ فَقَدْ وُقِيَ الشَّرَّ كُلَّهُ- لَقْلَقِهِ وَ قَبْقَبِهِ وَ ذَبْذَبِهِ.

____________

(1) المصدر ص 164.

(2) أي خالصا للّه لا شوب فيه.

(3) المصدر ص 184.

(4) الطلاق: 2 و 3.

170

فَلَقْلَقُهُ لِسَانُهُ وَ قَبْقَبُهُ بَطْنُهُ وَ ذَبْذَبُهُ فَرْجُهُ.

- وَ قَالَ ص أَرْبَعُ خِصَالٍ مِنَ الشَّقَاءِ- جُمُودُ الْعَيْنِ وَ قَسَاوَةُ الْقَلْبِ- وَ الْإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ وَ الْحِرْصُ عَلَى الدُّنْيَا.

- وَ قَالَ ص خَمْسٌ لَا يَجْتَمِعْنَ إِلَّا فِي مُؤْمِنٍ حَقّاً- يُوجِبُ اللَّهُ لَهُ بِهِنَّ الْجَنَّةَ النُّورُ فِي الْقَلْبِ وَ الْفِقْهُ فِي الْإِسْلَامِ وَ الْوَرَعُ- وَ الْمَوَدَّةُ فِي النَّاسِ وَ حُسْنُ السَّمْتِ فِي الْوَجْهِ.

- وَ قَالَ ص اضْمَنُوا لِي سِتّاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ- اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ وَ أَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ- وَ أَدُّوا إِذَا ائْتُمِنْتُمْ وَ احْفَظُوا فُرُوجَكُمْ- وَ غُضُّوا أَبْصَارَكُمْ وَ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ‏

- وَ قَالَ ص أَوْصَانِي رَبِّي بِسَبْعٍ- أَوْصَانِي بِالْإِخْلَاصِ فِي السِّرِّ وَ الْعَلَانِيَةِ- وَ أَنْ أَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي وَ أُعْطِيَ مَنْ حَرَمَنِي وَ أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي- وَ أَنْ يَكُونَ صَمْتِي فِكْراً وَ نَظَرِي عَبَراً وَ حُفِظَ عَنْهُ ص ثَمَانٌ- قَالَ أَ لَا أُخْبِرُكُمْ بِأَشْبَهِكُمْ بِي خُلُقاً- قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ- قَالَ أَحْسَنُكُمْ خُلُقاً وَ أَعْظَمُكُمْ حِلْماً- وَ أَبَرُّكُمْ بِقَرَابَتِهِ وَ أَشَدُّكُمْ حُبّاً لِإِخْوَانِهِ فِي دِينِهِ- وَ أَصْبَرُكُمْ عَلَى الْحَقِّ وَ أَكْظَمُكُمْ لِلْغَيْظِ وَ أَحْسَنُكُمْ عَفْواً- وَ أَشَدُّكُمْ مِنْ نَفْسِهِ إِنْصَافاً.

- وَ قَالَ ص الْكَبَائِرُ تِسْعٌ أَعْظَمُهُنَّ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ قَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ وَ أَكْلُ الرِّبَا وَ أَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَ قَذْفُ الْمُحْصَنَةِ وَ الْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ- وَ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَ اسْتِحْلَالُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَ السِّحْرُ- فَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ هُوَ بَرِي‏ءٌ مِنْهُنَّ- كَانَ مَعِي فِي جَنَّةٍ مَصَارِيعُهَا مِنْ ذَهَبٍ‏ (1).

- وَ قَالَ ص الْإِيمَانُ فِي عَشَرَةٍ الْمَعْرِفَةِ وَ الطَّاعَةِ- وَ الْعِلْمِ وَ الْعَمَلِ وَ الْوَرَعِ وَ الِاجْتِهَادِ- وَ الصَّبْرِ وَ الْيَقِينِ وَ الرِّضَا- وَ التَّسْلِيمِ فَأَيَّهَا فَقَدَ صَاحِبُهُ بَطَلَ نِظَامُهُ.

____________

(1) المصاريع جمع المصراع و هو احدى عضادتى الباب.

171

وَ عَنِ النَّبِيِّ ص (1) قَالَ صِلْ مَنْ قَطَعَكَ وَ أَحْسِنْ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ.

- وَ قَالَ ص قُلِ الْحَقَّ وَ لَوْ عَلَى نَفْسِكَ.

وَ قَالَ ص اعْتَبِرُوا فَقَدْ خَلَتِ الْمَثُلَاتُ‏ (2) فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ.

وَ قَالَ ص كُنْ لِلْيَتِيمِ كَالْأَبِ الرَّحِيمِ- وَ اعْلَمْ أَنَّكَ تَزْرَعُ كَذَلِكَ تَحْصُدُ.

- وَ قَالَ ص اذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ هَمِّكَ إِذَا هَمَمْتَ- وَ عِنْدَ لِسَانِكَ إِذَا حَكَمْتَ وَ عِنْدَ يَدِكَ إِذَا قَسَمْتَ.

وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص (3) أَحْسِنُوا مُجَاوَرَةَ النِّعَمِ لَا تَمَلُّوهَا (4) وَ لَا تُنَفِّرُوهَا- فَإِنَّهَا قَلَّ مَا نَفَرَتْ مِنْ قَوْمٍ فَعَادَتْ إِلَيْهِمْ.

- وَ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ‏ مَنْ قَالَ قَبَّحَ اللَّهُ الدُّنْيَا- قَالَتِ الدُّنْيَا قَبَّحَ اللَّهُ أَعْصَانَا لِلرَّبِّ.

- وَ قَالَ ص مَنْ عَفَّ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ كَانَ عَابِداً- وَ مَنْ رَضِيَ بِقَسْمِ اللَّهِ كَانَ غَنِيّاً- وَ مَنْ أَحْسَنَ مُجَاوَرَةَ مَنْ جَاوَرَهُ كَانَ مُسْلِماً- وَ مَنْ صَاحَبَ النَّاسَ بِالَّذِي يجب [يُحِبُّ أَنْ يُصَاحِبُوهُ كَانَ عَدْلًا.

- وَ قَالَ عَلَيْهِ وَ آلِهِ السَّلَامُ‏ مَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ- وَ مَنْ أَشْفَقَ‏ (5) مِنَ النَّارِ رَجَعَ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ- وَ مَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا هَانَتْ عَلَيْهِ الْمُصِيبَاتُ- وَ مَنِ ارْتَقَبَ الْمَوْتَ سَارَعَ فِي الْخَيْرَاتِ.

- وَ قَالَ عَلَيْهِ وَ آلِهِ السَّلَامُ‏ اجْتَهِدُوا فِي الْعَمَلِ- فَإِنْ قَصُرَ بِكُمُ الضَّعْفُ فَكُفُّوا عَنِ الْمَعَاصِي.

____________

(1) المصدر ص 194 و فيه زيادة اختار المصنّف بعضه.

(2) المثلات الدواهى و العقوبات.

(3) المصدر ص 271.

(4) النعم المجاورة أي الحاصلة و قوله «لا تملوها» أي لا تزجروها و لا تزيلوها لانها اذا زالت قل أن تعود.

(5) الاشفاق: الخوف.

172

8 أَعْلَامُ الدِّينِ‏ (1)، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَا عَيْشَ إِلَّا لِرَجُلَيْنِ عَالِمٌ نَاطِقٌ وَ مُتَعَلِّمٌ وَاعٍ.

- وَ قَالَ ص إِنَّ لِلْقُلُوبِ صَدَأٌ كَصَدَإِ النُّحَاسِ‏ (2)- فَاجْلُوهَا بِالاسْتِغْفَارِ وَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ.

- وَ قَالَ ص الزُّهْدُ لَيْسَ بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ- وَ لَكِنْ أَنْ يَكُونَ بِمَا فِي يَدَيِ اللَّهِ أَوْثَقُ مِنْهُ بِمَا فِي يَدَيْهِ.

- وَ قَالَ ص خَصْلَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ- الْبُخْلُ وَ سُوءُ الظَّنِّ بِالرِّزْقِ.

- وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ أَكْثَرَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً- وَ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً وَ رَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ.

- وَ قَالَ ص كَلِمَةُ الْحِكْمَةِ يَسْمَعُهَا الْمُؤْمِنُ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ.

- وَ قَالَ ص صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السَّوْءِ- وَ صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ- وَ صِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ وَ تَدْفَعُ مِيتَةَ السَّوْءِ- وَ تَنْفِي الْفَقْرَ وَ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ وَ مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ وَ بَسَطَ رِضَاهُ وَ بَذَلَ مَعْرُوفَهُ- وَ وَصَلَ رَحِمَهُ- وَ أَدَّى أَمَانَتَهُ أَدْخَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي النُّورِ الْأَعْظَمِ- وَ مَنْ لَمْ يَتَعَزَّ بِعَزَاءِ اللَّهِ تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ حَسَرَاتٍ- وَ مَنْ لَمْ يَرَ أَنَّ لِلَّهِ عِنْدَهُ نِعْمَةً إِلَّا فِي مَطْعَمٍ وَ مَشْرَبٍ- قَلَّ عَمَلُهُ وَ كَبُرَ جَهْلُهُ- وَ مَنْ نَظَرَ إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ طَالَ حُزْنُهُ وَ دَامَ أَسَفُهُ.

- وَ قَالَ ص حُسْنُ الْخُلُقِ وَ صِلَةُ الْأَرْحَامِ وَ بِرُّ الْقَرَابَةِ تَزِيدُ فِي الْأَعْمَارِ- وَ تَعْمُرُ الدِّيَارَ وَ لَوْ كَانَ الْقَوْمُ فُجَّاراً.

- وَ قَالَ ص إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْأَتْقِيَاءَ الْأَخْفِيَاءَ- الَّذِينَ إِذَا حَضَرُوا لَمْ يُعْرَفُوا وَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْقَدُوا- قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى مُنْجَوْنَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ.

____________

(1) تأليف أبى محمّد الحسن بن أبي الحسن محمّد الديلميّ صاحب إرشاد القلوب مخطوط.

(2) الصدأ- بفتح الصاد المهملة و الدال و الهمز- مادة لونها يأخذ من الحمرة، و الشقرة تتكون على وجه الحديد و نحوه بسبب رطوبة الهواء.

173

وَ قَالَ ص الْوَحْدَةُ مِنْ قَرِينِ السَّوْءِ- وَ الْحَزْمُ أَنْ تَسْتَشِيرَ ذَا الرَّأْيِ وَ تُطِيعَ أَمْرَهُ.

- وَ قَالَ ص جَامِلُوا الْأَشْرَارَ بِأَخْلَاقِهِمْ تَسْلَمُوا مِنْ غَوَائِلِهِمْ- وَ بَايِنُوهُمْ بِأَعْمَالِكُمْ كَيْلَا تَكُونُوا مِنْهُمْ.

- وَ قَالَ ص لَوْ أَنَّ الْمُؤْمِنَ أَقْوَمُ مِنْ قِدْحٍ لَكَانَ لَهُ مِنَ النَّاسِ غَامِزٌ (1)- وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ فَسَعُوهُمْ بِأَخْلَاقِكُمْ.

- وَ قَالَ ص مَا مِنْ أَحَدٍ وَلِيَ شَيْئاً مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَأَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْراً- إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ وَزِيراً صَالِحاً إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ- وَ إِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ وَ إِنْ هَمَّ بِشَرٍّ كَفَّهُ وَ زَجَرَهُ.

وَ قَالَ ص إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْبَخِيلَ فِي حَيَاتِهِ السَّخِيَّ عِنْدَ وَفَاتِهِ.

- وَ قَالَ ص ادْعُوا اللَّهَ وَ أَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ- وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ.

- وَ قَالَ ص الْأَمَلُ رَحْمَةٌ لِأُمَّتِي- وَ لَوْ لَا الْأَمَلُ مَا رَضَعَتْ وَالِدَةٌ وَلَدَهَا وَ لَا غَرَسَ غَارِسٌ شَجَراً.

- وَ قَالَ ص إِذَا أَشَارَ عَلَيْكَ الْعَاقِلُ النَّاصِحُ فَاقْبَلْ- وَ إِيَّاكَ وَ الْخِلَافَ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ فِيهِ الْهَلَاكَ وَ عَادَ ص رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ- فَقَالَ جَعَلَ اللَّهُ مَا مَضَى كَفَّارَةً وَ أَجْراً- وَ مَا بَقِيَ عَافِيَةً وَ شُكْراً.

- وَ قَالَ ص خُلُقَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ الشُّحُّ وَ سُوءُ الْخُلُقِ.

- وَ قَالَ ص وَيْلٌ لِلَّذِينَ يَجْتَلِبُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ- يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الضَّأْنِ مِنْ لِينِ أَلْسِنَتِهِمْ- كَلَامُهُمْ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئَابِ- يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَ بِي يَغْتَرُّونَ أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِءُونَ- فَوَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَأَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً- تَذَرُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَانَ-.

وَ كَتَبَ ص إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ يُعَزِّيهِ- أَمَّا بَعْدُ فَعَظَّمَ اللَّهُ جَلَّ اسْمُهُ لَكَ الْأَجْرَ- وَ أَلْهَمَكَ الصَّبْرَ وَ رَزَقَنَا وَ إِيَّاكَ الشُّكْرَ- إِنَّ أَنْفُسَنَا وَ أَمْوَالَنَا وَ أَهَالِيَنَا مَوَاهِبُ اللَّهِ الْهَنِيئَةُ وَ عَوَارِيهِ الْمُسْتَرِدَّةُ بِهَا إِلَى أَجَلٍ مَعْدُودٍ- وَ يَقْبِضُهَا لِوَقْتٍ مَعْلُومٍ- وَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا

____________

(1) كذا.

174

الشُّكْرَ إِذَا أَعْطَى وَ الصَّبْرَ إِذَا ابْتَلَى- وَ قَدْ كَانَ ابْنُكَ مِنْ مَوَاهِبِ اللَّهِ تَعَالَى فِي غِبْطَةٍ وَ سُرُورٍ- وَ قَبَضَهُ مِنْكَ بِأَجْرٍ مَذْخُورٍ- إِنْ صَبَرْتَ وَ احْتَسَبْتَ فَلَا تَجْزَعَنَّ أَنْ تُحْبِطَ جَزَعُكَ أَجْرَكَ- وَ أَنْ تَنْدَمَ غَداً عَلَى ثَوَابِ مُصِيبَتِكَ- فَإِنَّكَ لَوْ قَدِمْتَ عَلَى ثَوَابِهَا عَلِمْتَ أَنَّ الْمُصِيبَةَ قَدْ قَصُرَتْ عَنْهَا- وَ اعْلَمْ أَنَّ الْجَزَعَ لَا يَرُدُّ فَائِتاً وَ لَا يَدْفَعُ حُسْنَ قَضَاءٍ- فَلْيَذْهَبْ أَسَفُكَ مَا هُوَ نَازِلٌ بِكَ مَكَانَ ابْنِكَ وَ السَّلَامُ.

- 9- كِتَابُ الْإِمَامَةِ وَ التَّبْصِرَةِ (1)، عَنْ هَارُونَ بْنِ مُوسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنِ الصَّادِقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ(ع)عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ: الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ.

- وَ مِنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ النَّبِيِّ ص شَرُّ الرِّوَايَةِ رِوَايَةُ الْكَذِبِ وَ شَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا- وَ شَرُّ الْعَمَى عَمَى الْقَلْبِ وَ شَرُّ النَّدَامَةِ نَدَامَةُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ- وَ شَرُّ الْكَسْبِ كَسْبُ الرِّبَا وَ شَرُّ الْمَأْكَلِ أَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ظُلْماً.

- وَ مِنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ ص الشَّبَابُ شُعْبَةٌ مِنَ الْجُنُونِ.

- وَ مِنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ ص الشَّيْخُ شَابٌّ عَلَى حُبِّ أَنِيسٍ وَ طُولِ حَيَاةٍ وَ كَثْرَةِ مَالٍ.

وَ مِنْهُ عَنِ الْحَسَنِ الْحَمْزَةِ الْعَلَوِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ هَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنِ الصَّادِقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص صَدِيقُ كُلِّ امْرِئٍ عَقْلُهُ وَ عَدُوُّهُ جَهْلُهُ.

- وَ قَالَ ص صَدِيقُ عَدُوِّ عَلِيٍّ عَدُوُّ عَلِيٍّ.

وَ مِنْهُ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْعِلْمُ رَائِدٌ وَ الْعَقْلُ سَائِقٌ وَ النَّفْسُ حَرُونٌ‏ (2).

____________

(1) مخطوط.

(2) الحرون- بفتح الحاء المهملة-: الفرس الذي لا ينقاد و إذا اشتد به الجرى وقف. و الرائد: رسول الذي يرسله القوم لينظر لهم مكانا ينزلون فيه. و السائق فاعل من ساقه يسوقه فهو سائق. و معنى الكلام واضح.

175

- وَ مِنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ ص الْعَقْلُ هَدِيَّةٌ (1).

وَ مِنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ ص عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ- وَ أَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ وَ اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مُلَاقِيهِ.

- وَ مِنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ الْعِلْمُ رَأْسُ الْخَيْرِ كُلِّهِ وَ الْجَهْلُ رَأْسُ الشَّرِّ كُلِّهِ.

- وَ مِنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَلِّمُوا وَ لَا تُعَنِّفُوا فَإِنَّ الْمُعَلِّمَ الْعَالِمَ خَيْرٌ مِنَ الْمُعَنِّفِ‏ (2).

وَ مِنْهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص غَرِيبَتَانِ غَرِيبَةٌ كَلِمَةُ حُكْمٍ مِنْ سَفِيهٍ فَاقْبَلُوهَا- وَ كَلِمَةُ سَفَهٍ مِنْ حَكِيمٍ فَاغْفِرُوهَا.

10 أَعْلَامُ الدِّينِ، لِلدَّيْلَمِيِّ أَرْبَعُونَ حَدِيثاً رَوَاهَا ابْنُ وَدْعَانَ بِحَذْفِ الْإِسْنَادِ الْأَوَّلُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ص عَلَى نَاقَتِهِ الْعَضْبَاءِ- فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ كَأَنَّ الْمَوْتَ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا كُتِبَ- وَ كَأَنَّ الْحَقَّ عَلَى غَيْرِنَا وَجَبَ- وَ كَأَنَّ مَا نَسْمَعُ مِنَ الْأَمْوَاتِ سَفْرٌ عَمَّا قَلِيلٍ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ- نُبَوِّئُهُمْ أَجْدَاثَهُمْ وَ نَأْكُلُ تُرَاثَهُمْ كَأَنَّا مُخَلَّدُونَ بَعْدَهُمْ- قَدْ نَسِينَا كُلَّ وَاعِظَةٍ وَ أَمِنَّا كُلَّ جَائِحَةٍ (3)- طُوبَى لِمَنْ أَنْفَقَ مَا اكْتَسَبَهُ مِنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ- وَ جَالَسَ أَهْلَ الْفِقْهِ وَ الْحِكْمَةِ وَ خَالَطَ أَهْلَ الذِّلَّةِ وَ الْمَسْكَنَةِ- طُوبَى لِمَنْ ذَلَّتْ نَفْسُهُ وَ حَسُنَتْ خَلِيقَتُهُ- وَ صَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ- وَ عُزِلَ عَنِ النَّاسِ شَرُّهُ- طُوبَى لِمَنْ أَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ وَ أَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ قَوْلِهِ- وَ وَسِعَتْهُ السُّنَّةُ وَ لَمْ تَشْتَهِرْهُ الْبِدْعَةُ (4).

- الثَّانِي عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيَّ يَقُولُ‏ قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص فِي وَفْدٍ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ- فَقَالَ لِي اغْتَسِلْ بِمَاءٍ وَ سِدْرٍ

____________

(1) كذا.

(2) العنف ضد الرفق و العتاب أي لا تشددوا بل ارفقوا بهم.

(3) الجائحة: الآفة.

(4) رواه الديلميّ في الفردوس من حديث أنس بن مالك بسند حسن هكذا «وسعته السنة و لم يعد عنها الى البدعة».

176

فَفَعَلْتُ ثُمَّ عُدْتُ إِلَيْهِ- وَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِظْنَا عِظَةً نَنْتَفِعْ بِهَا- فَقَالَ يَا قَيْسُ إِنَّ مَعَ الْعِزِّ ذُلًّا وَ إِنَّ مَعَ الْحَيَاةِ مَوْتاً- وَ إِنَّ مَعَ الدُّنْيَا آخِرَةً وَ إِنَّ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ حَسِيباً- وَ عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ رَقِيباً- وَ إِنَّ لِكُلِّ حَسَنَةٍ- ثَوَاباً وَ لِكُلِّ سَيِّئَةٍ عِقَاباً- وَ إِنَّ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاباً- وَ إِنَّهُ يَا قَيْسُ لَا بُدَّ لَكَ مِنْ قَرِينٍ يُدْفَنُ مَعَكَ وَ هُوَ حَيٌّ- وَ تُدْفَنُ مَعَهُ وَ أَنْتَ مَيِّتٌ- فَإِنْ كَانَ كَرِيماً أَكْرَمَكَ وَ إِنْ كَانَ لَئِيماً أَسْلَمَكَ- لَا يُحْشَرُ إِلَّا مَعَكَ وَ لَا تُحْشَرُ إِلَّا مَعَهُ- وَ لَا تُسْأَلُ إِلَّا عَنْهُ وَ لَا تُبْعَثُ إِلَّا مَعَهُ- فَلَا تَجْعَلْهُ إِلَّا صَالِحاً فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صَالِحاً لَمْ تَأْنَسْ إِلَّا بِهِ- وَ إِنْ كَانَ فَاحِشاً لَا تَسْتَوْحِشْ إِلَّا مِنْهُ وَ هُوَ عَمَلُكَ فَقَالَ قَيْسٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ- لَوْ نُظِمَ هَذَا شعر [شِعْراً لَافْتَخَرْتُ بِهِ عَلَى مَنْ يَلِينَا مِنَ الْعَرَبِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يُقَالُ لَهُ الصَّلْصَالُ- قَدْ حَضَرَ فِيهِ شَيْ‏ءٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ- أَ فَتَأْذَنُ لِي بِإِنْشَادِهِ فَقَالَ نَعَمْ- فَأَنْشَأَ يَقُولُ‏

تَخَيَّرْ قَرِيناً مِنْ فِعَالِكَ إِنَّمَا* * * -قَرِينُ الْفَتَى فِي الْقَبْرِ مَا كَانَ يَفْعَلُ-

فَلَا بُدَّ لِلْإِنْسَانِ مِنْ أَنْ يُعِدَّهُ* * * -لِيَوْمٍ يُنَادَى الْمَرْءُ فِيهِ فَيُقْبِلُ-

فَإِنْ كُنْتَ مَشْغُولًا بِشَيْ‏ءٍ فَلَا تَكُنْ* * * -بِغَيْرِ الَّذِي يَرْضَى بِهِ اللَّهُ تُشْغَلُ-

فَمَا يَصْحَبُ الْإِنْسَانَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ* * * -وَ مِنْ قَبْلِهِ إِلَّا الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ-

أَلَا إِنَّمَا الْإِنْسَانُ ضَيْفٌ لِأَهْلِهِ* * * -يُقِيمُ قَلِيلًا عِنْدَهُمْ ثُمَّ يَرْحَلُ‏

.

- الثَّالِثُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ص يَوْمَ جُمُعَةٍ- فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسِ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا- وَ بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ أَنْ تَشْتَغِلُوا- وَ أَصْلِحُوا الَّذِي بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ رَبِّكُمْ تَسْعَدُوا- وَ أَكْثِرُوا مِنَ الصَّدَقَةِ تُرْزَقُوا- وَ أْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ تُحْصَنُوا وَ انْتَهُوا عَنِ الْمُنْكَرِ تُنْصَرُوا- يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَكْيَسَكُمْ أَكْثَرُكُمْ ذِكْراً لِلْمَوْتِ- وَ إِنَّ أَحْزَمَكُمْ أَحْسَنُكُمْ اسْتِعْدَاداً لَهُ- أَلَا وَ إِنَّ مِنْ عَلَامَاتِ الْعَقْلِ التَّجَافِيَ عَنْ دَارِ الْغُرُورِ- وَ الْإِنَابَةَ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ- وَ التَّزَوُّدَ لِسُكْنَى الْقُبُورِ وَ التَّأَهُّبَ لِيَوْمِ النُّشُورِ (1).

____________

(1) التأهب: التهيؤ و الاستعداد.

177

الرَّابِعُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ- أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ لَكُمْ مَعَالِمَ فَانْتَهُوا إِلَى مَعَالِمِكُمْ- وَ إِنَّ لَكُمْ نِهَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ إِنَّ الْمُؤْمِنَ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ- يَوْمَ قَدْ مَضَى لَا يَدْرِي مَا اللَّهُ قَاضٍ فِيهِ- وَ يَوْمَ قَدْ بَقِيَ لَا يَدْرِي مَا اللَّهُ صَانِعٌ- بِهِ فَلْيَأْخُذِ الْعَبْدُ لِنَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ- وَ مِنْ دُنْيَاهُ لِآخِرَتِهِ وَ مِنْ شَبَابِهِ لِهَرَمِهِ وَ مِنْ صِحَّتِهِ لِسُقْمِهِ وَ مِنْ حَيَاتِهِ لِوَفَاتِهِ- فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وَ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ مُسْتَعْتَبٍ‏ (1)- وَ لَا بَعْدَ الدُّنْيَا مِنْ دَارٍ إِلَّا الْجَنَّةَ أَوِ النَّارَ.

- الْخَامِسُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ص قَالَ فِي خُطْبَتِهِ لَا عَيْشَ إِلَّا لِعَالِمٍ نَاطِقٍ أَوْ مُسْتَمِعٍ وَاعٍ- أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ فِي زَمَانِ هُدْنَةٍ وَ إِنَّ السَّيْرَ بِكُمْ سَرِيعٌ- وَ قَدْ رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ كَيْفَ يُبْلِيَانِ كُلَّ جَدِيدٍ- وَ يُقَرِّبَانِ كُلَّ بَعِيدٍ وَ يَأْتِيَانِ- بِكُلِّ مَوْعُودٍ- فَقَالَ لَهُ الْمِقْدَادُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَ مَا الْهُدْنَةُ- فَقَالَ دَارُ بَلَاءٍ وَ انْقِطَاعٍ- فَإِذَا الْتَبَسَتْ عَلَيْكُمُ الْأُمُورُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ- فَعَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وَ صَادِقٌ مُصَدَّقٌ- وَ مَنْ جَعَلَهُ أَمَامَهُ قَادَهُ إِلَى الْجَنَّةِ- وَ مَنْ جَعَلَهُ خَلْفَهُ سَاقَهُ إِلَى النَّارِ- وَ هُوَ أَوْضَحُ دَلِيلٍ إِلَى خَيْرِ سَبِيلٍ- مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ وَ مَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ وَ مَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ.

- السَّادِسُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَا يَكْمُلُ عَبْدٌ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ حَتَّى يَكُونَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ- التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ وَ التَّفْوِيضُ إِلَى اللَّهِ وَ التَّسْلِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ- وَ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَ الصَّبْرُ عَلَى بَلَاءِ اللَّهِ- إِنَّهُ مَنْ أَحَبَّ فِي اللَّهِ وَ أَبْغَضَ فِي اللَّهِ وَ أَعْطَى لِلَّهِ- وَ مَنَعَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ.

- السَّابِعُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ- أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الْعَبْدَ لَا يُكْتَبُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ- حَتَّى يَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ يَدِهِ وَ لِسَانِهِ- وَ لَا يَنَالُ دَرَجَةَ الْمُؤْمِنِينَ- حَتَّى يَأْمَنَ أَخُوهُ بَوَائِقَهُ- وَ جَارُهُ بَوَادِرَهُ‏ (2)- وَ لَا يُعَدُّ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى‏

____________

(1) استعتبه أي طلب منه العتبى أي استرضاه، يعنى ليس بعد الموت من استرضاء.

(2) البوائق جمع بائقة و هي الداهية و الشر و الغائلة، و البوادر جمع بادرة و هى الغضب و الحدة.

178

يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ- حَذَراً عَمَّا بِهِ الْبَأْسُ- إِنَّهُ مَنْ خَافَ الْبَيَاتَ أَدْلَجَ وَ مَنْ أَدْلَجَ‏ (1) الْمَسِيرَ وَصَلَ- وَ إِنَّمَا تَعْرِفُونَ عَوَاقِبَ أَعْمَالِكُمْ لَوْ قَدْ طُوِيَتْ صَحَائِفُ آجَالِكُمْ- أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ نِيَّةَ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ- وَ نِيَّةُ الْفَاسِقِ شَرٌّ مِنْ عَمَلِهِ.

- الثَّامِنُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنِ انْقَطَعَ إِلَى اللَّهِ كَفَاهُ كُلَّ مَئُونَةٍ- وَ مَنِ انْقَطَعَ إِلَى الدُّنْيَا وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَيْهَا- وَ مَنْ حَاوَلَ أَمْراً بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ كَانَ أَبْعَدَ لَهُ مِمَّا رَجَا- وَ أَقْرَبَ مِمَّا اتَّقَى- وَ مَنْ طَلَبَ مَحَامِدَ النَّاسِ بِمَعَاصِي اللَّهِ عَادَ حَامِدُهُ مِنْهُمْ ذَامّاً- وَ مَنْ أَرْضَى النَّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ- وَ مَنْ أَرْضَى اللَّهَ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ شَرَّهُمْ- وَ مَنْ أَحْسَنَ مَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ اللَّهِ- كَفَاهُ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ النَّاسِ- وَ مَنْ أَحْسَنَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللَّهُ عَلَانِيَتَهُ- وَ مَنْ عَمِلَ لِآخِرَتِهِ كَفَى اللَّهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ.

- التَّاسِعُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً تَكَلَّمَ فَغَنِمَ أَوْ سَكَتَ فَسَلِمَ- إِنَّ اللِّسَانَ أَمْلَكُ شَيْ‏ءٍ لِلْإِنْسَانِ- أَلَا وَ إِنَّ كَلَامَ الْعَبْدِ كُلَّهُ عَلَيْهِ إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى- أَوْ أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ أَوْ إِصْلَاحٌ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ- فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَ نُؤَاخَذُ بِمَا نَتَكَلَّمُ- فَقَالَ وَ هَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ- فَمَنْ أَرَادَ السَّلَامَةَ فَلْيَحْفَظْ مَا جَرَى بِهِ لِسَانُهُ وَ لْيَحْرُسْ مَا انْطَوَى عَلَيْهِ جِنَانُهُ- وَ لِيُحْسِنْ عَمَلَهُ وَ لْيُقَصِّرْ أَمَلَهُ- ثُمَّ لَمْ يَمْضِ إِلَّا أَيَّامٌ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ- لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ- أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ‏ (2).

- الْعَاشِرُ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَا تَسُبُّوا الدُّنْيَا فَنِعْمَتْ مَطِيَّةُ الْمُؤْمِنِ- فَعَلَيْهَا يَبْلُغُ الْخَيْرَ وَ بِهَا يَنْجُو مِنَ الشَّرِّ- إِنَّهُ إِذَا قَالَ الْعَبْدُ لَعَنَ اللَّهُ الدُّنْيَا- قَالَتِ الدُّنْيَا لَعَنَ اللَّهُ أَعْصَانَا لِرَبِّهِ-.

فَأَخَذَ الشَّرِيفُ الرَّضِيُّ بِهَذَا الْمَعْنَى فَنَظَمَهُ بَيْتاً

يَقُولُونَ الزَّمَانُ بِهِ فَسَادٌ* * * -فَهُمْ فَسَدُوا وَ مَا فَسَدَ الزَّمَانُ‏

.

____________

(1) الادلاج السير إلى آخر الليل.

(2) النساء: 114.

179

- الْحَادِيَ عَشَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَرَى جَزَاءَ مَا قَدَّمَ وَ قِلَّةَ غَنَاءِ مَا خَلَّفَ‏ (1)- وَ لَعَلَّهُ مِنْ حَقٍّ مَنَعَهُ وَ مِنْ بَاطِلٍ جَمَعَهُ.

- الثَّانِيَ عَشَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الرِّزْقَ مَقْسُومٌ لَنْ يَعْدُوَ امْرُؤٌ مَا قُسِمَ لَهُ- فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ- وَ إِنَّ الْعُمُرَ مَحْدُودٌ لَنْ يَتَجَاوَزَ أَحَدٌ مَا قُدِّرَ لَهُ- فَبَادِرُوا قَبْلَ نَفَادِ الْأَجَلِ وَ الْأَعْمَالِ الْمُحْصَاةِ.

- الثَّالِثَ عَشَرَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ فِي بَعْضِ خُطَبِهِ أَوْ مَوَاعِظِهِ- أَ مَا رَأَيْتُمُ الْمَأْخُوذِينَ عَلَى الْعِزَّةِ- وَ الْمُزْعِجِينَ بَعْدَ الطُّمَأْنِينَةِ الَّذِينَ أَقَامُوا عَلَى الشُّبُهَاتِ- وَ جَنَحُوا إِلَى الشَّهَوَاتِ حَتَّى أَتَتْهُمْ رُسُلُ رَبِّهِمْ- فَلَا مَا كَانُوا أَمَلُوا أَدْرَكُوا وَ لَا إِلَى مَا فَاتَهُمْ رَجَعُوا- قَدِمُوا عَلَى مَا عَمِلُوا وَ نَدِمُوا عَلَى مَا خَلَّفُوا- وَ لَنْ يُغْنِيَ النَّدَمُ وَ قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ- فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً قَدَّمَ خَيْراً وَ أَنْفَقَ قَصْداً وَ قَالَ صِدْقاً- وَ مَلَكَ دَوَاعِيَ شَهْوَتِهِ وَ لَمْ تَمْلِكْهُ وَ عَصَىَ أَمْرَ نَفْسِهِ فَلَمْ تَمْلِكْهُ.

الرَّابِعَ عَشَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَيُّهَا النَّاسُ لَا تُعْطُوا الْحِكْمَةَ غَيْرَ أَهْلِهَا فَتَظْلِمُوهَا- وَ لَا تَمْنَعُوهَا أَهْلَهَا فَتَظْلِمُوهُمْ- وَ لَا تُعَاقِبُوا ظَالِماً فَيَبْطُلَ فَضْلُكُمْ- وَ لَا تُرَاءُوا النَّاسَ فَيَحْبَطَ عَمَلُكُمْ- وَ لَا تَمْنَعُوا الْمَوْجُودَ فَيَقِلَّ خَيْرُكُمْ- أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الْأَشْيَاءَ ثَلَاثَةٌ- أَمْرٌ اسْتَبَانَ رُشْدُهُ فَاتَّبِعُوهُ وَ أَمْرٌ اسْتَبَانَ غَيُّهُ فَاجْتَنِبُوهُ- وَ أَمْرٌ اخْتُلِفَ عَلَيْكُمْ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ- أَيُّهَا النَّاسُ أَ لَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَمْرَيْنِ- خَفِيفٌ مَئُونَتُهُمَا عَظِيمٌ أَجْرُهُمَا لَمْ يُلْقَ اللَّهُ بِمِثْلِهِمَا- طُولِ الصَّمْتِ وَ حُسْنِ الْخُلُقِ.

- الْخَامِسَ عَشَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ص خُطْبَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ- وَ وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ‏ (2)- فَكَانَ مِمَّا ضُبِطَتْ مِنْهَا أَيُّهَا النَّاسُ- إِنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ عَبْداً مَنْ تَوَاضَعَ عَنْ رِفْعَةٍ- وَ زَهِدَ عَنْ رَغْبَةٍ وَ أَنْصَفَ عَنْ قُوَّةٍ وَ حَلُمَ عَنْ قُدْرَةٍ أَلَا وَ إِنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ عَبْدٌ أَخَذَ فِي الدُّنْيَا الْكَفَافَ- وَ صَاحَبَ فِيهَا الْعَفَافَ وَ تَزَوَّدَ لِلرَّحِيلِ وَ تَأَهَّبَ لِلْمَسِيرِ- أَلَا وَ إِنَّ أَعْقَلَ النَّاسِ عَبْدٌ عَرَفَ رَبَّهُ فَأَطَاعَهُ- وَ عَرَفَ عَدُوَّهُ فَعَصَاهُ وَ عَرَفَ دَارَ إِقَامَتِهِ فَأَصْلَحَهَا- وَ عَرَفَ سُرْعَةَ رَحِيلِهِ فَتَزَوَّدَ لَهَا- أَلَا وَ إِنَ‏

____________

(1) كذا.

(2) ذرفت أي سالت. و وجلت أي خافت.

180

خَيْرَ الزَّادِ مَا صَحِبَهُ التَّقْوَى- وَ خَيْرَ الْعَمَلِ مَا تَقَدَّمَتْهُ النِّيَّةُ- وَ أَعْلَى النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ أَخْوَفُهُمْ مِنْهُ.

السَّادِسَ عَشَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّمَا يُؤْتَى النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ إِحْدَى مِنْ ثَلَاثٍ- إِمَّا مِنْ شُبْهَةٍ فِي الدِّينِ ارْتَكَبُوهَا- أَوْ شَهْوَةٍ لِلَذَّةٍ آثَرُوهَا أَوْ عَصَبِيَّةٍ لحمة [لِحَمِيَّةٍ أَعْمَلُوهَا- فَإِذَا لَاحَتْ‏ (1) لَكُمْ شُبْهَةٌ فِي الدِّينِ فَاجْلُوهَا بِالْيَقِينِ- وَ إِذَا عَرَضَتْ لَكُمْ شَهْوَةٌ فَاقْمَعُوهَا بِالزُّهْدِ- وَ إِذَا عَنَتْ لَكُمْ غَضْبَةٌ فَأَدُّوهَا بِالْعَفْوِ- إِنَّهُ يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ أَجْرٌ فَلْيَقُمْ فَلَا يَقُومُ إِلَّا الْعَافُونَ- أَ لَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَهُ تَعَالَى‏ فَمَنْ عَفا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ‏ (2)

- السَّابِعَ عَشَرَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا ابْنَ آدَمَ- تُؤْتَى كُلَّ يَوْمٍ بِرِزْقِكَ وَ أَنْتَ تَحْزَنُ- وَ يَنْقُصُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عُمُرِكَ وَ أَنْتَ تَفْرَحُ- أَنْتَ فِيمَا يَكْفِيكَ وَ تَطْلُبُ مَا يُطْغِيكَ- لَا بِقَلِيلٍ تَقْنَعُ وَ لَا مِنْ كَثِيرٍ تَشْبَعُ.

- الثَّامِنَ عَشَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ص جَالِسٌ إِذَا رَأَيْنَاهُ ضَاحِكاً حَتَّى بَدَتْ ثَنَايَاهُ- فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّا ضَحِكْتَ- فَقَالَ رَجُلَانِ مِنْ أُمَّتِي جِيئَا بَيْنَ يَدَيْ رَبِّي- فَقَالَ أَحَدُهُمَا يَا رَبِّ خُذْ لِي بِمَظْلِمَتِي مِنْ آخَرَ- فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَعْطِ أَخَاكَ مَظْلِمَتَهُ- فَقَالَ يَا رَبِّ لَمْ يَبْقَ مِنْ حَسَنَاتِي شَيْ‏ءٌ- فَقَالَ يَا رَبِّ فَلْيَحْمِلْ مِنْ أَوْزَارِي- ثُمَّ فَاضَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ص وَ قَالَ- إِنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ- لَيَوْمٌ تَحْتَاجُ النَّاسُ فِيهِ إِلَى مَنْ يَحْمِلُ عَنْهُمْ أَوْزَارَهُمْ- ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلطَّالِبِ بِحَقِّهِ- ارْفَعْ بَصَرَكَ إِلَى الْجَنَّةِ فَانْظُرْ مَا ذَا تَرَى- فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَرَأَى مَا أَعْجَبَهُ مِنَ الْخَيْرِ وَ النِّعْمَةِ- فَقَالَ يَا رَبِّ لِمَنْ هَذَا فَقَالَ لِمَنْ أَعْطَانِي ثَمَنَهُ- فَقَالَ يَا رَبِّ وَ مَنْ يَمْلِكُ ثَمَنَ ذَلِكَ فَقَالَ أَنْتَ- فَقَالَ كَيْفَ بِذَلِكَ فَقَالَ بِعَفْوِكَ عَنْ أَخِيكَ- فَقَالَ قَدْ عَفَوْتُ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَخُذْ بِيَدِ أَخِيكَ فَادْخُلَا الْجَنَّةَ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ‏.

____________

(1) أي ظهرت و بدت.

(2) الشورى: 40.

181

- التَّاسِعَ عَشَرَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ- مَنْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ‏ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ‏- فَقَالَ الَّذِينَ نَظَرُوا إِلَى بَاطِنِ الدُّنْيَا- حِينَ نَظَرَ النَّاسُ إِلَى ظَاهِرِهَا- فَاهْتَمُّوا بِآجِلِهَا حِينَ اهْتَمَّ النَّاسُ بِعَاجِلِهَا- فَأَمَاتُوا مِنْهَا مَا خَشُوا أَنْ يُمِيتَهُمْ- وَ تَرَكُوا مِنْهَا مَا عَلِمُوا أَنْ سَيَتْرُكَهُمْ- فَمَا عَرَضَ لَهُمْ مِنْهَا عَارِضٌ إِلَّا رَفَضُوهُ- وَ لَا خَادَعَهُمْ مِنْ رِفْعَتِهَا خَادِعٌ إِلَّا وَضَعُوهُ- خُلِقَتِ الدُّنْيَا عِنْدَهُمْ فَمَا يُجَدِّدُونَهَا- وَ خَرِبَتْ بَيْنَهُمْ فَمَا يَعْمُرُونَهَا- وَ مَاتَتْ فِي صُدُورِهِمْ فَمَا يُحِبُّونَها- بَلْ يَهْدِمُونَهَا فَيَبْنُونَ بِهَا آخِرَتَهُمْ- وَ يَبِيعُونَهَا فَيَشْتَرُونَ بِهَا مَا يَبْقَى لَهُمْ- نَظَرُوا إِلَى أَهْلِهَا صَرْعَى قَدْ حَلَّتْ بِهِمُ الْمَثُلَاثُ- فَمَا يَرَوْنَ أَمَاناً دُونَ مَا يَرْجُونَ- وَ لَا خَوْفاً دُونَ مَا يَحْذَرُونَ.

- الْعِشْرُونَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ‏ إِنَّمَا أَنْتُمْ خَلَفُ مَاضِينَ وَ بَقِيَّةُ مُتَقَدِّمِينَ- كَانُوا أَكْبَرَ مِنْكُمْ بَسْطَةً وَ أَعْظَمَ سَطْوَةً- فَأُزْعِجُوا عَنْهَا أَسْكَنَ مَا كَانُوا إِلَيْهَا- وَ غَدَرَتْ بِهِمْ وَ أُخْرِجُوا مِنْهَا أَوْثَقَ مَا كَانُوا بِهَا- فَلَمْ يَمْنَعْهُمْ قُوَّةُ عَشِيرَةٍ وَ لَا قُبِلَ مِنْهُمْ بَذْلُ فِدْيَةٍ- فَأَرْحِلُوا أَنْفُسَكُمْ بِزَادٍ مُبْلِغٍ قَبْلَ أَنْ تُؤْخَذُوا عَلَى فَجْأَةٍ- وَ قَدْ غَفَلْتُمْ عَنِ الِاسْتِعْدَادِ.

الْحَادِي وَ الْعِشْرُونَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ص كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ وَ عَابِرُ سَبِيلٍ- وَ اعْدُدْ نَفْسَكَ فِي الْمَوْتَى- وَ إِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْمَسَاءِ- وَ إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالصَّبَاحِ- وَ خُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِسُقْمِكَ- وَ مِنْ شَبَابِكَ لِهَرَمِكَ وَ مِنْ حَيَاتِكَ لِوَفَاتِكَ- فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا اسْمُكَ غَداً.

- الثَّانِي وَ الْعِشْرُونَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص فِي بَعْضِ خُطَبِهِ أَوْ مَوَاعِظِهِ- أَيُّهَا النَّاسُ لَا يَشْغَلَنَّكُمْ دُنْيَاكُمْ عَنْ آخِرَتِكُمْ- فَلَا تُؤْثِرُوا هَوَاكُمْ عَلَى طَاعَةِ رَبِّكُمْ- وَ لَا تَجْعَلُوا أَيْمَانَكُمْ ذَرِيعَةً إِلَى مَعَاصِيكُمْ- وَ حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا- وَ مَهِّدُوا لَهَا قَبْلَ أَنْ تُعَذَّبُوا- وَ تَزَوَّدُوا لِلرَّحِيلِ قَبْلَ أَنْ تُزْعَجُوا- فَإِنَّهَا مَوْقِفُ عَدْلٍ وَ اقْتِضَاءِ حَقٍّ وَ سُؤَالٍ عَنْ وَاجِبٍ- وَ قَدْ أَبْلَغَ فِي الْإِعْذَارِ مَنْ تَقَدَّمَ بِالْإِنْذَارِ.

182

- الثَّالِثُ وَ الْعِشْرُونَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ أُحُدٍ- وَ النَّاسُ يُحْدِقُونَ بِهِ وَ قَدْ أَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى طَلْحَةَ- أَيُّهَا النَّاسُ أَقْبِلُوا عَلَى مَا كُلِّفْتُمُوهُ مِنْ إِصْلَاحِ آخِرَتِكُمْ- وَ أَعْرِضُوا عَمَّا ضَمِنَ لَكُمْ مِنْ دُنْيَاكُمْ- وَ لَا تَسْتَعْمِلُوا جوارحا [جَوَارِحَ غُذِّيَتْ بِنِعْمَتِهِ فِي التَّعَرُّضِ لِسَخَطِهِ بِنَقِمَتِهِ- وَ اجْعَلُوا شُغُلَكُمْ فِي الْتِمَاسِ مَغْفِرَتِهِ- وَ اصْرِفُوا هِمَّتَكُمْ بِالتَّقَرُّبِ إِلَى طَاعَتِهِ- إِنَّهُ مَنْ بَدَأَ بِنَصِيبِهِ مِنَ الدُّنْيَا فَإِنَّهُ نَصِيبُهُ مِنَ الْآخِرَةِ وَ لَمْ يُدْرِكْ مِنْهَا مَا يُرِيدُ- وَ مَنْ بَدَأَ بِنَصِيبِهِ مِنَ الْآخِرَةِ وَصَلَ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا.

الرَّابِعُ وَ الْعِشْرُونَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِيَّاكُمْ وَ فُضُولَ المَطْعَمِ فَإِنَّهُ يَسُمُّ الْقَلْبَ بِالْقَسْوَةِ (1)- وَ يُبْطِئُ بِالْجَوَارِحِ عَنِ الطَّاعَةِ- وَ يَصُمُّ الْهِمَمَ عَنْ سَمَاعِ الْمَوْعِظَةِ- وَ إِيَّاكُمْ وَ فُضُولَ النَّظَرِ فَإِنَّهُ يَبْدُرُ الْهَوَى‏ (2) وَ يُوَلِّدُ الْغَفْلَةَ وَ إِيَّاكُمْ وَ اسْتِشْعَارَ الطَّمَعِ فَإِنَّهُ يَشُوبُ الْقَلْبَ شِدَّةَ الْحِرْصِ- وَ يَخْتِمُ عَلَى الْقُلُوبِ بِطَابَعِ حُبِّ الدُّنْيَا- وَ هُوَ مِفْتَاحُ كُلِّ سَيِّئَةٍ وَ رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ- وَ سَبَبُ إِحْبَاطِ كُلِّ حَسَنَةٍ.

الْخَامِسُ وَ الْعِشْرُونَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ‏ إِنَّمَا هُوَ خَيْرٌ يُرْجَى أَوْ شَرٌّ يُتَّقَى- أَوْ بَاطِلٌ عَرَفَ فَاجْتَنَبَ أَوْ حَقٌّ يَتَعَيَّنُ فَطَلَبَ- وَ آخِرَةٌ أَظَلَّ إِقْبَالُهَا فَسَعَى لَهَا- وَ دُنْيَا عَرَفَ نَفَادَهَا فَأَعْرَضَ عَنْهَا- وَ كَيْفَ يَعْمَلُ لِلْآخِرَةِ مَنْ لَا يَنْقَطِعُ مِنَ الدُّنْيَا رَغْبَتُهُ- وَ لَا تَنْقَضِي فِيهَا شَهْوَتُهُ- إِنَّ الْعَجَبَ كُلَّ الْعَجَبِ لِمَنْ صَدَّقَ بِدَارِ الْبَقَاءِ- وَ هُوَ يَسْعَى لِدَارِ الْفَنَاءِ- وَ عَرَفَ أَنَّ رِضَا اللَّهِ فِي طَاعَتِهِ وَ هُوَ يَسْعَى فِي مُخَالَفَتِهِ.

السَّادِسُ وَ الْعِشْرُونَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ‏ حَلُّوا أَنْفُسَكُمُ الطَّاعَةَ وَ أَلْبِسُوهَا قِنَاعَ الْمُخَالَفَةِ- (3) فَاجْعَلُوا آخِرَتَكُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَ سَعْيَكُمْ لِمُسْتَقَرِّكُمْ- وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ عَنْ قَلِيلٍ رَاحِلُونَ وَ إِلَى اللَّهِ صَائِرُونَ- وَ لَا

____________

(1) وسمه يسمه وسمة: أى كواه و أثر فيه و جعل له علامة يعرف بها.

(2) بدر يبدر بدورا الشي‏ء: عاجله و سبقه.

(3) القناع: ما تغطى به المرأة رأسها.

183

يُغْنِي عَنْكُمْ هُنَالِكَ إِلَّا صَالِحُ عَمَلٍ قَدَّمْتُمُوهُ- وَ حُسْنُ ثَوَابٍ أَحْرَزْتُمُوهُ- فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا تَقْدَمُونَ عَلَى مَا قَدَّمْتُمْ وَ تُجَازُونَ عَلَى مَا أَسْلَفْتُمْ- فَلَا تَخْدَعَنَّكُمْ زَخَارِفُ دُنْيَا دَنِيَّةٍ عَنْ مَرَاتِبِ جَنَّاتٍ عَلِيَّةٍ- فَكَانَ قَدِ انْكَشَفَ الْقِنَاعُ وَ ارْتَفَعَ الِارْتِيَابُ- وَ لَاقَى كُلُّ امْرِئٍ مُسْتَقَرَّهُ وَ عَرَفَ مَثْوَاهُ وَ مُنْقَلَبَهُ‏ (1).

السَّابِعُ وَ الْعِشْرُونَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص فِي خُطْبَتِهِ- لَا تَكُونُوا مِمَّنْ خَدَعَتْهُ الْعَاجِلَةُ- وَ غَرَّتْهُ الْأُمْنِيَّةُ فَاسْتَهْوَتْهُ الْخُدْعَةُ- فَرَكَنَ إِلَى دَارِ سَوْءٍ سَرِيعَةِ الزَّوَالِ وَشِيكَةِ الِانْتِقَالِ‏ (2)- إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ فِي جَنْبِ مَا مَضَى- إِلَّا كَإِنَاخَةِ رَاكِبٍ أَوْ صَرِّ حَالِبٍ‏ (3)- فَعَلَى مَا تَعْرُجُونَ وَ مَا ذَا تَنْتَظِرُونَ- فَكَأَنَّكُمْ وَ اللَّهِ وَ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ- وَ مَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ مِنَ الْآخِرَةِ لَمْ يَزَلْ- فَخُذُوا أُهْبَةً (4) لَا زَوَالَ لِنَقْلِهِ- وَ أَعِدُّوا الزَّادَ لِقُرْبِ الرِّحْلَةِ- وَ اعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ امْرِئٍ عَلَى مَا قَدَّمَ قَادِمٌ وَ عَلَى مَا خَلَّفَ نَادِمٌ.

- الثَّامِنُ وَ الْعِشْرُونَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ‏ أَيُّهَا النَّاسُ بَسْطُ الْأَمَلِ مُتَقَدِّمٌ حُلُولَ الْأَجَلِ- وَ الْمَعَادُ مِضْمَارُ الْعَمَلِ- فَمُغْتَبِطٌ بِمَا احْتَقَبَ غَانِمٌ وَ مُتَيَسِّرٌ بِمَا فَاتَهُ نَادِمٌ‏ (5)- أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الطَّمَعَ فَقْرٌ وَ الْيَأْسَ غِنًى وَ الْقَنَاعَةُ رَاحَةٌ وَ الْعُزْلَةُ عِبَادَةٌ- وَ الْعَمَلُ كَنْزٌ وَ الدُّنْيَا مَعْدِنٌ- وَ اللَّهِ مَا يُسَاوِي مَا مَضَى‏

____________

(1) أي محل قراره و ما انقلب إليه.

(2) الوشيك: السريع.

(3) أناخ فلان بالمكان: أقام به. و صر بالناقة: شد ضرعها بالصرار لئلا يرضع ولدها. و الحالب هو الذي يحلب الناقة أو الشاة أي أخرج ما في ضرعها من اللبن.

(4) الاهبة- بضم الهمزة و سكون الهاء و الباء الموحدة-: العدة يقال أخذ للسفر اهبته أي عدته.

(5) المغتبط: المسرور، و احتقب الشي‏ء جمعه، و غانم فاعل من غنم يغنم. و المتيسر هو الذي يمكنه أن يفعل ما يشاء من الخيرات.

184

مِنْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ بِأَهْدَابِ بُرْدِي هَذَا (1)- وَ لَمَا بَقِيَ مِنْهَا أَشْبَهُ بِمَا مَضَى مِنَ الْمَاءِ بِالْمَاءِ- وَ كُلٌّ إِلَى بَقَاءٍ وَشِيكٍ وَ زَوَالٍ قَرِيبٍ- فَبَادِرُوا الْعَمَلَ وَ أَنْتُمْ فِي مَهَلِ الْأَنْفَاسِ- وَ جِدَةِ الْأَحْلَاسِ‏ (2) قَبْلَ أَنْ تَأْخُذُوا بِالْكَظْمِ‏ (3)- فَلَا يَنْفَعَ النَّدَمُ.

التَّاسِعُ وَ الْعِشْرُونَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ‏ يَكُونُ أُمَّتِي فِي الدُّنْيَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَطْبَاقٍ- أَمَّا الطَّبَقُ الْأَوَّلُ فَلَا يُحِبُّونَ جَمْعَ الْمَالِ وَ ادِّخَارَهُ- وَ لَا يَسْعَوْنَ فِي اقْتِنَائِهِ وَ احْتِكَارِهِ- وَ إِنَّمَا رِضَاهُمْ مِنَ الدُّنْيَا سَدُّ جَوْعَةٍ وَ سَتْرُ عَوْرَةٍ- وَ غِنَاهُمْ فِيهَا مَا بَلَغَ بِهِمُ الْآخِرَةُ- فَأُولَئِكَ الْآمِنُونَ الَّذِينَ‏ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ‏- وَ أَمَّا الطَّبَقُ الثَّانِي- فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ جَمْعَ الْمَالِ مِنْ أَطْيَبِ وُجُوهِهِ وَ أَحْسَنِ سَبِيلِهِ- يَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَهُمْ وَ يَبَرُّونَ بِهِ إِخْوَانَهُمْ- وَ يُوَاسُونَ بِهِ فُقَرَاءَهُمْ- وَ لَعَضُّ أَحَدِهِمْ عَلَى الرَّضِيفِ‏ (4)- أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكْتَسِبَ دِرْهَماً مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ- أَوْ يَمْنَعَهُ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَازِناً إِلَى حِينِ مَوْتِهِ- فَأُولَئِكَ الَّذِينَ إِنْ نُوقِشُوا (5) عُذِّبُوا وَ إِنْ عُفِيَ عَنْهُمْ سَلِمُوا- وَ أَمَّا الطَّبَقُ الثَّالِثُ فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ جَمْعَ الْمَالِ مِمَّا حَلَّ وَ حَرُمَ- وَ مَنْعَهُ مِمَّا افْتُرِضَ وَ وَجَبَ- إِنْ أَنْفَقُوهُ أَنْفَقُوهُ إِسْرَافاً وَ بِدَاراً (6)- وَ إِنْ أَمْسَكُوهُ أَمْسَكُوهُ بُخْلًا وَ

____________

(1) الاهداب جمع هدب و هو خمل الثوب و طرته.

(2) جدة الثوب- بكسر الجيم و شد الدال- كونه جديدا. و الاحلاس- بالحاء المهملة- جمع حلس- بكسر الحاء- و هو ما يوضع على ظهر الدابّة تحت السرج، و الرحل الذي يبسط في البيت على الأرض تحت حر الثياب و المتاع.

(3) الكظم- محركة-: مخرج النفس.

(4) عض الشي‏ء: أمسكه بأسنانه، و الرضيف بالراء المهملة و الضاد المعجمة الحجارة المحماة.

(5) ناقشه الحساب و في الحساب: استقصى في حسابه. و المناقشة التشدد في المحاسبة.

(6) بدارا أي سراعا.

185

احْتِكَاراً- أُولَئِكَ الَّذِينَ مَلَكَتِ الدُّنْيَا زِمَامَ قُلُوبِهِمْ- حَتَّى أَوْرَدَتْهُمُ النَّارَ بِذُنُوبِهِمْ.

الثَّلَاثُونَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ مِنْ ضَعْفِ الْيَقِينِ أَنْ تُرْضِيَ النَّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ تَعَالَى- وَ أَنْ تَحْمَدَهُمْ عَلَى رِزْقِ اللَّهِ تَعَالَى- وَ أَنْ تَذُمَّهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ- إِنَّ رِزْقَ اللَّهِ لَا يَجُرُّهُ حِرْصُ حَرِيصٍ- وَ لَا يَرُدُّهُ كَرَاهَةُ كَارِهٍ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ اسْمُهُ بِحِكْمَتِهِ- جَعَلَ الرَّوْحَ وَ الْفَرَحَ فِي الرِّضَا وَ الْيَقِينِ- وَ جَعَلَ الْهَمَّ وَ الْحُزْنَ فِي الشَّكِّ وَ السَّخَطِ- إِنَّكَ إِنْ تَدَعُ شَيْئاً لِلَّهِ إِلَّا أَتَاكَ اللَّهُ خَيْراً مِنْهُ- وَ إِنْ تَأْتِي شَيْئاً تَقَرُّباً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى- إِلَّا أَجْزَلَ اللَّهُ لَكَ الثَّوَابَ عَنْهُ- فَاجْعَلُوا هِمَّتَكُمُ الْآخِرَةَ لَا يَنْفَدُ فِيهَا ثَوَابُ الْمَرْضِيِّ عَنْهُ- وَ لَا يَنْقَطِعُ فِيهَا عِقَابُ الْمَسْخُوطِ عَلَيْهِ.

الْحَادِي وَ الثَّلَاثُونَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَيْسَ شَيْ‏ءٌ تُبَاعِدُكُمْ مِنَ النَّارِ إِلَّا وَ قَدْ ذَكَرْتُهُ لَكُمْ- وَ لَا شَيْ‏ءٌ يُقَرِّبُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا وَ قَدْ دَلَلْتُكُمْ عَلَيْهِ- إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي- أَنَّهُ لَنْ يَمُوتَ عَبْدٌ مِنْكُمْ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ رِزْقَهُ فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ- فَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ- عَلَى أَنْ تَطْلُبُوا شَيْئاً مِنْ فَضْلِ اللَّهِ بِمَعْصِيَتِهِ فَإِنَّهُ لَنْ يُنَالَ مَا عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا بِطَاعَتِهِ- أَلَا وَ إِنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ رِزْقاً هُوَ يَأْتِيهِ لَا مَحَالَةَ- فَمَنْ رَضِيَ بِهِ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَ وَسِعَهُ- وَ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ وَ لَمْ يَسَعْهُ- إِنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ الرَّجُلَ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجَلُهُ.

الثَّانِي وَ الثَّلَاثُونَ عَنْ عِيسَى بْنِ عُمَرَ عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ فِي خُطْبَةِ أَحَدِ الْعِيدَيْنِ- الدُّنْيَا دَارُ بَلَاءٍ وَ مَنْزِلُ بُلْغَةٍ وَ عَنَاءٍ (1)- قَدْ نُزِعَتْ عَنْهَا نُفُوسُ السُّعَدَاءِ- وَ انْتُزِعَتْ بِالْكَرَّةِ مِنْ أَيْدِي الْأَشْقِيَاءِ- فَأَسْعَدُ النَّاسِ بِهَا أَرْغَبُهُمْ عَنْهَا وَ أَشْغَلُهُمْ بِهَا أَرْغَبُهُمْ فِيهَا- فَهِيَ الْغَاشَّةُ لِمَنِ اسْتَنْصَحَهَا (2) وَ الْمُغْوِيَةُ لِمَنْ أَطَاعَهَا- وَ الْخَاتِرَةُ لِمَنِ انْقَادَ إِلَيْهَا (3) وَ الْفَائِزُ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهَا- وَ الْهَالِكُ مَنْ هَوَى فِيهَا- طُوبَى لِعَبْدٍ

____________

(1) البلغة و البلاغ: ما يكفى من العيش و لا يفضل. و العناء: التعب.

(2) الغاش فاعل من غشه يغشه، و استنصحه اي عده نصيحا.

(3) الخاتر: الغادر.

186

اتَّقَى مِنْهَا رَبَّهُ وَ قَدَّمَ تَوْبَتَهُ- وَ غَلَبَ شَهْوَتَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُلْقِيَهُ الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَةِ فَيُصْبِحَ فِي بَطْنٍ مُوحِشَةٍ غَبْرَاءَ مُدْلَهِمَّةٍ ظَلْمَاءَ (1)- لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَزِيدَ فِي حَسَنَتِهِ وَ لَا يَنْقُصَ مِنْ سَيِّئَتِهِ- ثُمَّ يُنْشَرُ فَيُحْشَرُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ يَدُومُ نَعِيمُهَا- أَوْ إِلَى النَّارِ لَا يَنْفَدُ عَذَابُهَا.

- الثَّالِثُ وَ الثَّلَاثُونَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ‏ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ شَمِّرُوا فَإِنَّ الْأَمْرَ جَدٌّ- وَ تَأَهَّبُوا فَإِنَّ الرَّحِيلَ قَرِيبٌ- وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ السَّفَرَ بَعِيدٌ- وَ خَفِّفُوا أَثْقَالَكُمْ فَإِنَّ وَرَاءَكُمْ عَقَبَةً كَئُوداً (2)- وَ لَا يَقْطَعُهَا إِلَّا الْمُخِفُّونَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ أُمُوراً شِدَاداً وَ أَهْوَالًا عِظَاماً- وَ زَمَاناً صَعْباً يَتَمَلَّكُ فِيهِ الظَّلَمَةُ وَ يَتَصَدَّرُ فِيهِ الْفَسَقَةُ- وَ يُضَامُ فِيهِ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ- وَ يَضْطَهِدُ (3) فِيهِ النَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ- فَأَعِدُّوا لِذَلِكَ الْإِيمَانَ وَ عَضُّوا عَلَيْهِ بِالنَّوَاجِذِ (4)- وَ الْجَئُوا إِلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ- وَ أَكْرِهُوا عَلَيْهِ النُّفُوسَ تُفْضُوا إِلَى النَّعِيمِ الدَّائِمِ‏ (5).

- الرَّابِعُ وَ الثَّلَاثُونَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ لِرَجُلٍ يَعِظُهُ- ارْغَبْ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ يُحِبَّكَ اللَّهُ- وَ ازْهَدْ مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ إِنَّ الزَّاهِدَ فِي الدُّنْيَا يُرِيحُ- وَ يُرِيحُ قَلْبُهُ وَ بَدَنُهُ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- وَ الرَّاغِبُ فِيهَا يَتْعَبُ قَلْبُهُ وَ بَدَنُهُ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- لَيَجِيئَنَّ أَقْوَامٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُمْ حَسَنَاتٌ كَأَمْثَالِ الْجِبَالِ- فَيَأْمُرُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ- فَقِيلَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَ مُصَلُّونَ كَانُوا قَالَ نَعَمْ- كَانُوا يُصَلُّونَ وَ يَصُومُونَ وَ يَأْخُذُونَ وَهْناً مِنَ اللَّيْلِ- لَكِنَّهُمْ إِذَا لَاحَ لَهُمْ شَيْ‏ءٌ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَثَبُوا عَلَيْهِ.

____________

(1) ادلهم الليل أي أظلم و اشتد سواده.

(2) كئود و كأداء: صعبة شاقة المصعد.

(3) ضامه يضيمه ضيما قهره و ظلمه. و ضهده و أضهد به و اضطهده: قهره و جار عليه و أذاه و اضطره و حبسه بسبب المذهب أو الدين.

(4) النواجذ جمع الناجذ و هو أقصى الأضراس.

(5) أفضى إليه اي وصل و انتهى به إليه.

187

الْخَامِسُ وَ الثَّلَاثُونَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ‏ أَيُّهَا النَّاسُ هَذِهِ دَارُ تَرَحٍ لَا دَارُ فَرَحٍ‏ (1)- وَ دَارُ الْتِوَاءٍ (2) لَا دَارُ اسْتِوَاءٍ- فَمَنْ عَرَفَهَا لَمْ يَفْرَحْ لِرَجَاءٍ وَ لَمْ يَحْزَنْ لِشَقَاءٍ- أَلَا وَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الدُّنْيَا دَارَ بَلْوَى وَ الْآخِرَةَ دَارَ عُقْبَى- فَجَعَلَ بَلْوَى الدُّنْيَا لِثَوَابِ الْآخِرَةِ سَبَباً- وَ ثَوَابَ الْآخِرَةِ مِنْ بَلْوَى الدُّنْيَا عِوَضاً- فَيَأْخُذُ لِيُعْطِيَ وَ يَبْتَلِي لِيَجْزِيَ- وَ إِنَّهَا لَسَرِيعَةُ الذَّهَابِ وَ وَشِيكَةُ الِانْقِلَابِ فَاحْذَرُوا حَلَاوَةَ رَضَاعِهَا لِمَرَارَةِ فِطَامِهَا (3)- وَ اهْجُرُوا لَذِيذَ عَاجِلِهَا لِكُرْبَةِ آجِلِهَا وَ لَا تَسْعَوْا فِي عُمَارَةٍ قَدْ قَضَى اللَّهُ خَرَابَهَا- وَ لَا تُوَاصِلُوهَا وَ قَدْ أَرَادَ اللَّهُ مِنْكُمْ اجْتِنَابَهَا فَتَكُونُوا لِسَخَطِهِ مُتَعَرِّضِينَ وَ لِعُقُوبَتِهِ مُسْتَحِقِّينَ.

السَّادِسُ وَ الثَّلَاثُونَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ‏ أَيُّهَا النَّاسُ‏ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ‏ وَ اسْعَوْا فِي مَرْضَاتِهِ- وَ أَيْقِنُوا مِنَ الدُّنْيَا بِالْفَنَاءِ وَ مِنَ الْآخِرَةِ بِالْبَقَاءِ- وَ اعْمَلُوا لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ- فَكَأَنَّكُمْ بِالدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ وَ بِالْآخِرَةِ لَمْ تَزَلْ- أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مَنْ فِي الدُّنْيَا ضَيْفٌ وَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ عَارِيَّةٌ وَ إِنَّ الضَّيْفَ مُرْتَحِلٌ وَ الْعَارِيَّةَ مَرْدُودَةٌ- أَلَا وَ إِنَّ الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ يَأْكُلُ مِنْهُ الْبَرُّ وَ الْفَاجِرُ- وَ الْآخِرَةَ وَعْدٌ صَادِقٌ يَحْكُمُ فِيهَا مَلِكٌ عَادِلٌ قَادِرٌ- فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً يَنْظُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَهَّدَ لِرَمْسِهِ‏ (4) مَا دَامَ رَسَنَهُ مُرْخِياً وَ حَبْلَهُ عَلَى غَارِبِهِ مُلْقِياً- قَبْلَ أَنْ يَنْفَدَ أَجَلُهُ وَ يَنْقَطِعَ عَمَلُهُ.

- السَّابِعُ وَ الثَّلَاثُونَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِرَجُلٍ وَ هُوَ يُوصِيهِ- أَقْلِلْ مِنَ الشَّهَوَاتِ يُسَهَّلْ عَلَيْكَ الْفَقْرُ- وَ أَقْلِلْ مِنَ الذُّنُوبِ يُسَهَّلْ عَلَيْكَ الْمَوْتُ- وَ قَدِّمْ مَالَكَ أَمَامَكَ يَسُرَّكَ اللَّحَاقُ بِهِ- وَ اقْنَعْ بِمَا أُوتِيتَهُ يَخِفَّ عَلَيْكَ الْحِسَابُ وَ لَا تَتَشَاغَلْ عَمَّا فُرِضَ عَلَيْكَ بِمَا قَدْ ضُمِنَ لَكَ- فَإِنَّهُ لَيْسَ بِفَائِتِكَ مَا قَدْ قُسِمَ لَكَ‏

____________

(1) الترح ضد الفرح.

(2) من- لوى يلوى ليا-: الحبل فتله و ثناه. و التوى التواء مطاوع لوى.

(3) الفطام انقطاع الرضاع و فصل الولد عنه.

(4) الرمس مصدر بمعنى القبر مستويا لا يعلو عن وجه الأرض.

188

وَ لَسْتَ بِلَاحِقٍ مَا قَدْ زُوِيَ عَنْكَ فَلَا تَكُ جَاهِداً فِيمَا أنصح [أَصْبَحَ نَافِداً (1)- وَ اسْعَ لِمُلْكٍ لَا زَوَالَ لَهُ فِي مَنْزِلٍ لَا انْتِقَالَ عَنْهُ.

- الثَّامِنُ وَ الثَّلَاثُونَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ‏ إِنَّهُ مَا سَكَنَ حُبُّ الدُّنْيَا قَلْبَ عَبْدٍ إِلَّا الْتَاطَ (2) فِيهَا بِثَلَاثٍ- شُغُلٍ لَا يَنْفَدُ عَنَاؤُهُ وَ فَقْرٍ لَا يُدْرَكُ غِنَاهُ- وَ أَمَلٍ لَا يُنَالُ مُنْتَهَاهُ- أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةَ طَالِبَتَانِ وَ مَطْلُوبَتَانِ فَطَالِبُ الْآخِرَةِ تَطْلُبُهُ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَكْمِلَ رِزْقَهُ- وَ طَالِبُ الدُّنْيَا تَطْلُبُهُ الْآخِرَةُ حَتَّى يَأْخُذَهُ الْمَوْتُ بَغْتَةً- أَلَا وَ إِنَّ السَّعِيدَ مَنِ اخْتَارَ بَاقِيَةً يَدُومُ نَعِيمُهَا عَلَى فَانِيَةٍ- لَا يَنْفَدُ عَذَابُهَا وَ قَدَّمَ لِمَا تَقْدَمُ عَلَيْهِ مِمَّا هُوَ فِي يَدَيْهِ- قَبْلَ أَنْ يُخَلِّفَهُ- لِمَنْ يَسْعَدُ بِإِنْفَاقِهِ وَ قَدْ شَقِيَ هُوَ بِجَمْعِهِ.

التَّاسِعُ وَ الثَّلَاثُونَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا قَدِ ارْتَحَلَتْ مُدْبِرَةً وَ الْآخِرَةَ قَدِ احْتَمَلَتْ مُقْبِلَةً- أَلَا وَ إِنَّكُمْ فِي يَوْمِ عَمَلٍ لَا حِسَابَ فِيهِ وَ يُوشِكُ أَنْ تَكُونُوا فِي يَوْمِ حِسَابٍ لَيْسَ فِيهِ عَمَلٌ- وَ إِنَّ اللَّهَ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَ يُبْغِضُ- وَ لَا يُعْطِي الْآخِرَةَ إِلَّا لِمَنْ يُحِبُّ- وَ إِنَّ لِلدُّنْيَا أَبْنَاءً وَ لِلْآخِرَةِ أَبْنَاءً- فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ- وَ لَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا- إِنَّ شَرَّ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمُ اتِّبَاعُ الْهَوَى وَ طُولُ الْأَمَلِ- فَاتِّبَاعُ الْهَوَى يَصْرِفُ قُلُوبَكُمْ عَنِ الْحَقِّ- وَ طُولُ الْأَمَلِ يَصْرِفُ هِمَمَكُمْ إِلَى الدُّنْيَا- وَ مَا بَعْدَهُمَا لِأَحَدٍ مِنْ خَيْرٍ يُرْجَاهُ فِي دُنْيَا وَ لَا آخِرَةٍ.

- الْأَرْبَعُونَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَا مِنْ بَيْتٍ إِلَّا وَ مَلَكُ الْمَوْتِ يَقِفُ عَلَى بَابِهِ- كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ- فَإِذَا وَجَدَ الْإِنْسَانَ قَدْ نَفِدَ أَجَلُهُ وَ انْقَطَعَ أُكُلُهُ- أَلْقَى عَلَيْهِ الْمَوْتَ فَغَشِيَتْهُ كُرُبَاتُهُ وَ غَمَرَتْهُ غَمَرَاتُهُ- فَمِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ النَّاشِرَةُ شَعْرَهَا- وَ الضَّارِبَةُ وَجْهَهَا الصَّارِخَةُ بِوَيْلِهَا الْبَاكِيَةُ بِشَجْوِهَا- (3)

____________

(1) كذا. و لعله «أصبح نافدا» فصحف. و المعنى ظاهر.

(2) التاط بقلبي أي لصق به و أحببته.

(3) أي بحزنها و غصتها و هيجانها.

189

فَيَقُولُ مَلَكُ الْمَوْتِ وَيْلَكُمْ مِمَّ الْجَزَعُ وَ فِيمَ الْفَزَعُ- وَ اللَّهِ مَا أَذْهَبْتُ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ مَالًا وَ لَا قَرَّبْتُ لَهُ أَجَلًا وَ لَا أَتَيْتُهُ حَتَّى أُمِرْتُ- وَ لَا قَبَضْتُ رُوحَهُ حَتَّى اسْتَأْمَرْتُ وَ إِنَّ لِي إِلَيْكُمْ عَوْدَةً ثُمَّ عَوْدَةً- حَتَّى لَا أَبْقَى مِنْكُمْ أَحَداً- ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَرَوْنَ مَكَانَهُ وَ يَسْمَعُونَ كَلَامَهُ- لَذَهِلُوا عَنْ مَيِّتِهِمْ وَ بَكَوْا عَلَى نُفُوسِهِمْ- حَتَّى إِذَا حُمِلَ الْمَيِّتُ عَلَى نَعْشِهِ رَفْرَفَ رُوحُهُ فَوْقَ النَّعْشِ- وَ هُوَ يُنَادِي يَا أَهْلِي وَ وُلْدِي- لَا تَلْعَبَنَّ بِكُمُ الدُّنْيَا كَمَا لَعِبَتْ بِي- جَمَعْتُهُ مِنْ حِلِّهِ وَ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ وَ خَلَّفْتُهُ لِغَيْرِي- وَ الْمَهْنَأُ لَهُ وَ التَّبِعَاتُ عَلَيَّ فَاحْذَرُوا مِنْ مِثْلِ مَا نَزَلَ.

11- رَوَى الشَّهِيدُ الثَّانِي (قدس الله روحه) فِي كِتَابِ الْغِيبَةِ (1) بِإِسْنَادِهِ عَنْ شَيْخِ الطَّائِفَةِ عَنِ الْمُفِيدِ عَنِ ابْنِ قُولَوَيْهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ النَّوْفَلِيِّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ(ع) فَإِذَا بِمَوْلًى لِعَبْدِ اللَّهِ النَّجَاشِيِّ قَدْ وَرَدَ عَلَيْهِ- فَسَلَّمَ وَ أَوْصَلَ إِلَيْهِ كِتَابَهُ فَفَضَّهُ وَ قَرَأَهُ- إِذَا أَوَّلُ سَطْرٍ فِيهِ‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏- أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَ سَيِّدِي وَ جَعَلَنِي مِنْ كُلِّ سُوءٍ فِدَاءَهُ- وَ لَا أَرَانِي فِيهِ مَكْرُوهاً- فَإِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَ الْقَادِرُ عَلَيْهِ- اعْلَمْ سَيِّدِي وَ مَوْلَايَ- إِلَى أَنْ قَالَ إِنِّي بُلِيتُ بِوِلَايَةِ الْأَهْوَازِ- فَإِنْ رَأَى سَيِّدِي وَ مَوْلَايَ أَنْ يَحُدَّ لِي حَدّاً أَوْ يُمَثِّلَ لِي مِثَالًا- لِأَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَى مَا يُقَرِّبُنِي إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ إِلَى رَسُولِهِ- وَ يُلَخِّصَ لِي فِي كِتَابِهِ مَا يَرَى لِيَ الْعَمَلَ بِهِ- وَ فِيمَا أَبْذُلُهُ وَ أَبْتَذِلُهُ- وَ أَيْنَ أَضَعُ زَكَاتِي وَ فِيمَنْ أَصْرِفُهَا وَ بِمَنْ آنَسُ وَ إِلَى مَنْ أَسْتَرِيحُ وَ بِمَنْ أَثِقُ وَ آمَنُ وَ أَلْجَأُ إِلَيْهِ بِسِرِّي- فَعَسَى أَنْ يُخَلِّصَنِي اللَّهُ بِهِدَايَتِكَ- فَإِنَّكَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَ أَمِينُهُ فِي بِلَادِهِ- لَا زَالَتْ نِعْمَتُهُ عَلَيْكَ- قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ فَأَجَابَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏- جَامَلَكَ اللَّهُ بِصُنْعِهِ وَ لَطَفَ بِكَ بِمَنِّهِ- وَ كَلَأَكَ بِرِعَايَتِهِ فَإِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ- أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ جَاءَ إِلَيَّ رَسُولُكَ بِكِتَابِكَ- فَقَرَأْتُهُ وَ فَهِمْتُ جَمِيعَ مَا ذَكَرْتَهُ وَ سَأَلْتَ عَنْهُ- وَ زَعَمْتَ أَنَّكَ بُلِيتَ بِوِلَايَةِ الْأَهْوَازِ فَسَرَّنِي ذَلِكَ وَ سَاءَنِي- وَ سَأُخْبِرُكَ بِمَا سَاءَنِي مِنْ ذَلِكَ وَ مَا سَرَّنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ- فَأَمَّا سُرُورِي بِوِلَايَتِكَ فَقُلْتُ- عَسَى أَنْ يُغِيثَ‏

____________

(1) المطبوع مع كشف الفوائد ص 264.

190

اللَّهُ بِكَ مَلْهُوفاً خَائِفاً مِنْ أَوْلِيَاءِ آلِ مُحَمَّدٍ ص وَ يُعِزَّ بِكَ ذَلِيلَهُمْ وَ يَكْسُوَ بِكَ عَارِيَهُمْ وَ يُقَوِّيَ بِكَ ضَعِيفَهُمْ وَ يُطْفِيَ بِكَ نَارَ الْمُخَالِفِينَ عَنْهُمْ- وَ أَمَّا الَّذِي سَاءَنِي مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ أَدْنَى مَا أَخَافُ عَلَيْكَ أَنْ تَعْثُرَ بِوَلِيٍّ لَنَا- فَلَا تَشَمَّ حَظِيرَةَ الْقُدْسِ- فَإِنِّي مُلَخِّصٌ لَكَ جَمِيعَ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ- إِنْ أَنْتَ عَمِلْتَ بِهِ وَ لَمْ تُجَاوِزْهُ رَجَوْتُ أَنْ تَسْلَمَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- أَخْبَرَنِي يَا عَبْدَ اللَّهِ أَبِي عَنْ آبَائِهِ- عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص أَنَّهُ قَالَ مَنِ اسْتَشَارَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ فَلَمْ يَمْحَضْهُ النَّصِيحَةَ- سَلَبَهُ اللَّهُ لُبَّهُ- وَ اعْلَمْ أَنِّي سَأُشِيرُ عَلَيْكَ بِرَأْيٍ- إِنْ أَنْتَ عَمِلْتَ بِهِ تَخَلَّصْتَ مِمَّا أَنْتَ مُتَخَوِّفُهُ- وَ اعْلَمْ أَنَّ خَلَاصَكَ مِمَّا بِكَ مِنْ حَقْنِ الدِّمَاءِ- وَ كَفِّ الْأَذَى عَنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَ الرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ- وَ التَّأَنِّي وَ حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ لِينٍ فِي غَيْرِ ضَعْفٍ- وَ شِدَّةٍ فِي غَيْرِ عُنْفٍ وَ مُدَارَاةِ صَاحِبِكَ وَ مَنْ يَرِدُ عَلَيْكَ مِنْ رُسُلِهِ- وَ ارْتُقْ فَتْقَ رَعِيَّتِكَ- (1) بِأَنْ تُوَفِّقَهُمْ عَلَى مَا وَافَقَ الْحَقَّ وَ الْعَدْلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِيَّاكَ وَ السُّعَاةَ وَ أَهْلَ النَّمَائِمِ- فَلَا يَلْتَزِقَنَّ بِكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ- وَ لَا يَرَاكَ اللَّهُ يَوْماً وَ لَا لَيْلَةً وَ أَنْتَ تَقْبَلُ مِنْهُمْ صَرْفاً وَ لَا عَدْلًا- فَيَسْخَطَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَ يَهْتِكَ سِتْرَكَ وَ احْذَرْ مَكْرَ خُوزِ الْأَهْوَازِ (2)- فَإِنَّ أَبِي أَخْبَرَنِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع) أَنَّهُ قَالَ الْإِيمَانُ لَا يَثْبُتُ فِي قَلْبِ يَهُودِيٍّ وَ لَا خُوزِيٍّ أَبَداً- فَأَمَّا مَنْ تَأْنَسُ بِهِ وَ تَسْتَرِيحُ إِلَيْهِ- وَ تُلْجِئُ أُمُورَكَ إِلَيْهِ- فَذَلِكَ الرَّجُلُ الْمُمْتَحَنُ الْمُسْتَبْصِرُ الْأَمِينُ- الْمُوَافِقُ لَكَ عَلَى دِينِكَ وَ مَيِّزْ أَعْوَانَكَ‏ (3) وَ جَرِّبِ الْفَرِيقَيْنِ- فَإِنْ رَأَيْتَ هُنَاكَ رُشْداً فَشَأْنَكَ وَ إِيَّاهُ وَ إِيَّاكَ أَنْ تُعْطِيَ دِرْهَماً أَوْ تَخْلَعَ ثَوْباً- أَوْ تَحْمِلَ عَلَى دَابَّةٍ فِي غَيْرِ ذَاتِ اللَّهِ لِشَاعِرٍ أَوْ مُضْحِكٍ- أَوْ مُتَمَزِّحٍ إِلَّا أَعْطَيْتَ مِثْلَهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ- وَ لْتَكُنْ جَوَائِزُكَ وَ عَطَايَاكَ وَ خِلَعُكَ‏

____________

(1) الرتق ضد الفتق أي أصلح ذات بينهم.

(2) الخوز بالمعجمتين و ضم أولهما جيل من الناس و اسم لجميع بلاد خوزستان.

(3) أي اجعل لهم علامة يعرفون بها و على هذا فمعنى «جرب الفريقين» أي جرب من تأنس و اعوانك و يمكن أن يراد بتمييز الاعوان تشخيص العدو و الصديق منهم فيكون التجربة متعلقة بهما.

191

لِلْقُوَّادِ وَ الرُّسُلِ- وَ الْأَخْبَارِ وَ أَصْحَابِ الرَّسَائِلِ وَ أَصْحَابِ الشُّرَطِ وَ الْأَخْمَاسِ- وَ مَا أَرَدْتَ أَنْ تَصْرِفَهُ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ وَ النَّجَاحِ- وَ الْعِتْقِ وَ الصَّدَقَةِ وَ الْحَجِّ وَ الْمَشْرَبِ وَ الْكِسْوَةِ الَّتِي تُصَلِّي فِيهَا وَ تَصِلُ بِهَا- وَ الْهَدِيَّةِ الَّتِي تُهْدِيهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ إِلَى رَسُولِهِ ص مِنْ أَطْيَبِ مَكْسَبِكَ وَ مِنْ طُرُقِ الْهَدَايَا- يَا عَبْدَ اللَّهِ اجْهَدْ أَنْ لَا تَكْنِزَ ذَهَباً وَ لَا فِضَّةً- فَتَكُونَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْآيَةِ- وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ- فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ- يَوْمَ يُحْمى‏ عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ- فَتُكْوى‏ بِها جِباهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ‏ (1) وَ لَا تَسْتَصْغِرَنَّ شَيْئاً مِنْ حُلْوٍ أَوْ مِنْ فَضْلِ طَعَامٍ- تَصْرِفُهُ فِي بُطُونٍ خَالِيَةٍ تُسَكِّنُ بِهَا غَضَبَ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- وَ اعْلَمْ أَنِّي سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ آبَائِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع) أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ص يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ يَوْماً- مَا آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ مَنْ بَاتَ شَبْعَاناً وَ جَارُهُ جَائِعٌ- فَقُلْنَا هَلَكْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ- فَقَالَ مِنْ فَضْلِ طَعَامِكُمْ وَ مِنْ فَضْلِ تَمْرِكُمْ وَ وَرِقِكُمْ- وَ خَلَقِكُمْ وَ خِرَقِكُمْ‏ (2) تُطْفِئُونَ بِهَا غَضَبَ الرَّبِّ- وَ سَأُنَبِّئُكَ بِهَوَانِ الدُّنْيَا وَ هَوَانِ زُخْرُفِهَا- عَلَى مَنْ مَضَى مِنَ السَّلَفِ وَ التَّابِعِينَ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ زُهْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فِي الدُّنْيَا- وَ طَلَاقِهِ لَهَا (3) إِلَى أَنْ قَالَ وَ قَدْ وَجَّهْتُ إِلَيْكَ بِمَكَارِمِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- عَنِ الصَّادِقِ الْمُصَدَّقِ رَسُولِ اللَّهِ ص فَإِنْ أَنْتَ عَمِلْتَ بِمَا نَصَحْتُ لَكَ فِي كِتَابِي- ثُمَّ كَانَتْ عَلَيْكَ مِنَ الذُّنُوبِ وَ الْخَطَايَا- كَمِثْلِ أَوْزَانِ الْجِبَالِ وَ أَمْوَاجِ الْبِحَارِ- رَجَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَتَجَافَى عَنْكَ جَلَّ وَ عَزَّ بِقُدْرَتِهِ يَا عَبْدَ اللَّهِ إِيَّاكَ أَنْ تُخِيفَ مُؤْمِناً- فَإِنَّ أَبِي مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ حَدَّثَنِي عَنْ أَبِيهِ- عَنْ جَدِّهِ‏

____________

(1) التوبة: 35 و 36.

(2) قوله «فقلنا هلكنا» أي هلكنا بما قلت أو نحن نشبع و جيراننا يبيتون جياعا و ليس عندنا ما يشبعهم فقال (صلّى اللّه عليه و آله): «من فضل طعامكم» أي انفقوا طعامكم و فضل ثيابكم و ان كان خلقا باليا خرقا، تسكن به غضب ربكم.

(3) كما يأتي عن قريب عن كتاب الأربعين في قضاء حقوق المؤمنين.

192

عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ- مَنْ نَظَرَ إِلَى مُؤْمِنٍ نَظْرَةً لِيُخِيفَهُ بِهَا أَخَافَهُ اللَّهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ- وَ حَشَرَهُ فِي صُورَةِ الذَّرِّ لَحْمَهُ وَ جَسَدَهُ- وَ جَمِيعَ أَعْضَائِهِ حَتَّى يُورِدَهُ مَوْرِدَهُ وَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع) عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ مَنْ أَغَاثَ لَهْفَاناً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ- أَغَاثَهُ اللَّهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ- وَ آمَنَهُ يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ وَ آمَنَهُ مِنْ سُوءِ الْمُنْقَلَبِ- وَ مَنْ قَضَى لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ حَاجَةً- قَضَى اللَّهُ لَهُ حَوَائِجَ كَثِيرَةً إِحْدَاهَا الْجَنَّةُ- وَ مَنْ كَسَا أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عُرْيٍ- كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ سُنْدُسِ الْجَنَّةِ وَ إِسْتَبْرَقِهَا وَ حَرِيرِهَا- وَ لَمْ يَزَلْ يَخُوضُ فِي رِضْوَانِ اللَّهِ مَا دَامَ عَلَى الْمَكْسُوِّ مِنْهُ سِلْكٌ وَ مَنْ أَطْعَمَ أَخَاهُ مِنْ جُوعٍ- أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ طَيِّبَاتِ الْجَنَّةِ- وَ مَنْ سَقَاهُ مِنْ ظَمَإٍ سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ رَيَّةً- وَ مَنْ أَخْدَمَ أَخَاهُ أَخْدَمَهُ اللَّهُ مِنَ الْوِلْدَانِ الْمُخَلَّدِينَ- وَ أَسْكَنَهُ مَعَ أَوْلِيَائِهِ الطَّاهِرِينَ- وَ مَنْ حَمَلَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ عَلَى رَاحِلَةٍ- حَمَلَهُ اللَّهُ عَلَى نَاقَةٍ مِنْ نُوقِ الْجَنَّةِ- وَ بَاهَى بِهِ الْمَلَائِكَةَ الْمُقَرَّبِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ مَنْ زَوَّجَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ امْرَأَةً يَأْنَسُ بِهَا- وَ تَشُدُّ عَضُدَهُ وَ يَسْتَرِيحُ إِلَيْهَا- زَوَّجَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ- وَ آنَسَهُ بِمَنْ أَحَبَّهُ مِنَ الصِّدِّيقِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ إِخْوَانِهِ- وَ آنَسَهُمْ بِهِ- وَ مَنْ أَعَانَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ عَلَى سُلْطَانٍ جَائِرٍ- أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَى إِجَازَةِ الصِّرَاطِ عِنْدَ زَلَّةِ الْأَقْدَامِ- وَ مَنْ زَارَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ إِلَى مَنْزِلِهِ لَا حَاجَةَ مِنْهُ إِلَيْهِ- كُتِبَ مِنْ زُوَّارِ اللَّهِ- وَ كَانَ حَقِيقاً عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكْرِمَ زَائِرَهُ- يَا عَبْدَ اللَّهِ وَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع) أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ص وَ هُوَ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ يَوْماً- مَعَاشِرَ النَّاسِ إِنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَ لَمْ يُؤْمِنْ بِقَلْبِهِ- فَلَا تَتَبَّعُوا عَثَرَاتِ الْمُؤْمِنِينَ- فَإِنَّهُ مَنِ اتَّبَّعَ عَثْرَةَ مُؤْمِنٍ اتَّبَّعَ اللَّهُ عَثَرَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ فَضَحَهُ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ- وَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)أَنَّهُ قَالَ- أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الْمُؤْمِنِ أَنْ لَا يُصَدَّقَ فِي مَقَالَتِهِ- وَ لَا يَنْتَصِفَ مِنْ عَدُوِّهِ- وَ عَلَى أَنْ لَا يَشْفِيَ غَيْظَهُ إِلَّا بِفَضِيحَةِ نَفْسِهِ لِأَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مُلْجَمٌ- وَ ذَلِكَ لِغَايَةٍ قَصِيرَةٍ وَ رَاحَةٍ طَوِيلَةٍ- وَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الْمُؤْمِنِ عَلَى‏

193

أَشْيَاءَ- أَيْسَرُهَا عَلَيْهِ مُؤْمِنٌ مِثْلُهُ يَقُولُ بِمَقَالَتِهِ يَبْغِيهِ وَ يَحْسُدُهُ- وَ الشَّيْطَانُ يُغْوِيهِ وَ يُضِلُّهُ وَ السُّلْطَانُ يَقْفُو أَثَرَهُ وَ يَتَّبَّعُ عَثَرَاتِهِ- وَ كَافِرٌ بِاللَّهِ الَّذِي هُوَ مُؤْمِنٌ بِهِ يَرَى سَفْكَ دَمِهِ دِيناً- وَ إِبَاحَةَ حَرِيمِهِ غُنْماً فَمَا بَقَاءُ الْمُؤْمِنِ بَعْدَ هَذَا- يَا عَبْدَ اللَّهِ وَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع) عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ نَزَلَ عَلَيَّ جَبْرَئِيلُ- فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ- وَ يَقُولُ اشْتَقَقْتُ لِلْمُؤْمِنِ اسْماً مِنْ أَسْمَائِي- سَمَّيْتُهُ مُؤْمِناً فَالْمُؤْمِنُ مِنِّي وَ أَنَا مِنْهُ- وَ مَنِ اسْتَهَانَ مُؤْمِناً فَقَدِ اسْتَقْبَلَنِي بِالْمُحَارَبَةِ- يَا عَبْدَ اللَّهِ وَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع) عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ يَوْماً- يَا عَلِيُّ لَا تُنَاظِرْ رَجُلًا حَتَّى تَنْظُرَ إِلَى سَرِيرَتِهِ- فَإِنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ حَسَنَةً فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يَكُنْ لِيَخْذُلَ وَلِيَّهُ- وَ إِنْ يَكُنْ سَرِيرَتُهُ رَدِيَّةً فَقَدْ يَكْفِيهِ مَسَاوِيهِ- فَلَوْ جَهَدْتَ أَنْ تَعْمَلَ بِهِ أَكْثَرَ مِمَّا عَمِلَ فِي مَعَاصِي اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ- يَا عَبْدَ اللَّهِ وَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع) عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ أَدْنَى الْكُفْرِ أَنْ يَسْمَعَ الرَّجُلُ مِنْ أَخِيهِ الْكَلِمَةَ- فَيَحْفَظَهَا عَلَيْهِ يُرِيدُ أَنْ يَفْضَحَهُ بِهَا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ‏ (1)- يَا عَبْدَ اللَّهِ وَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع) قَالَ مَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا رَأَتْ عَيْنَاهُ وَ سَمِعَتْ أُذُنَاهُ- مَا يَشِينُهُ وَ يَهْدِمُ مُرُوَّتَهُ- فَهُوَ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا- لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ (2)- يَا عَبْدَ اللَّهِ وَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ- مَنْ رَوَى عَنْ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ رِوَايَةً- يُرِيدُ بِهَا هَدْمَ مُرُوَّتِهِ- وَ ثَلْبَهُ- أَوْبَقَهُ اللَّهُ بِخَطِيئَةٍ (3) حَتَّى يَأْتِيَ بِمَخْرَجٍ مِمَّا قَالَ وَ لَنْ يَأْتِيَ بِالْمَخْرَجِ مِنْهُ أَبَداً- وَ مَنْ أَدْخَلَ عَلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ سُرُوراً- فَقَدْ أَدْخَلَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ‏

____________

(1) أي لا نصيب لهم في الآخرة.

(2) النور: 19.

(3) ثلبه أي عابه و لامه و اغتابه أو سبه. و أوبقه أي أهلكه، ذلّله. و في بعض النسخ «بخطبه» و الخطب الامر العظيم المكروه.

194

رَسُولِ اللَّهِ سُرُوراً- وَ مَنْ أَدْخَلَ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ سُرُوراً- فَقَدْ أَدْخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص سُرُوراً- وَ مَنْ أَدْخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص سُرُوراً فَقَدْ سَرَّ اللَّهَ- وَ مَنْ سَرَّ اللَّهَ فَحَقِيقٌ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ جَنَّتَهُ ثُمَّ إِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ إِيثَارِ طَاعَتِهِ وَ الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ- فَإِنَّهُ مَنِ اعْتَصَمَ بِحَبْلِ اللَّهِ‏ فَقَدْ هُدِيَ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏- فَاتَّقِ اللَّهَ وَ لَا تُؤْثِرْ أَحَداً عَلَى رِضَاهُ وَ هَوَاهُ- فَإِنَّهُ وَصِيَّةُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى خَلْقِهِ- لَا يَقْبَلُ مِنْهُمْ غَيْرَهَا وَ لَا يُعَظِّمُ سِوَاهَا- وَ اعْلَمْ أَنَّ الْخَلَائِقَ لَمْ يُوَكَّلُوا بِشَيْ‏ءٍ أَعْظَمَ مِنَ التَّقْوَى- فَإِنَّهُ وَصِيَّتُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ- فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تَنَالَ مِنَ الدُّنْيَا شَيْئاً تُسْأَلُ عَنْهُ غَداً فَافْعَلْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ- فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُ الصَّادِقِ(ع)إِلَى النَّجَاشِيِّ نَظَرَ فِيهِ- وَ قَالَ صَدَقَ وَ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَوْلَايَ- فَمَا عَمِلَ أَحَدٌ بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ إِلَّا نَجَا- فَلَمْ يَزَلْ عَبْدُ اللَّهِ يَعْمَلُ بِهِ أَيَّامَ حَيَاتِهِ.

12- كِتَابُ الْأَرْبَعِينِ‏ (1)، فِي قَضَاءِ حُقُوقِ الْمُؤْمِنِينَ لِابْنِ أَخِ السَّيِّدِ عِزِّ الدِّينِ أَبِي الْمَكَارِمِ حَمْزَةَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زُهْرَةَ الْحُسَيْنِيِّ عَنِ الشَّرِيفِ أَبِي الْحَارِثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحُسَيْنِيِّ عَنِ الْفَقِيهِ قُطْبِ الدِّينِ سَعِيدِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ الرَّاوَنْدِيِّ عَنِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحْسِنٍ الْحَلَبِيِّ عَنِ الشَّيْخِ الْفَقِيهِ أَبِي الْفَتْحِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْكَرَاجُكِيِّ قَالَ وَ أَخْبَرَنِي الشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو الْفَضْلِ شَاذَانُ بْنُ جَبْرَئِيلَ الْقُمِّيُّ عَنِ الشَّيْخَيْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ وَ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الطَّرَابُلُسِيِّ عَنِ الْقَاضِي عَبْدِ الْعَزِيزِ أَبِي كَامِلٍ الطَّرَابُلُسِيِّ عَنِ الْكَرَاجُكِيِّ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمُفِيدِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُولَوَيْهِ عَنْ أَبِيهِ‏ مِثْلَهُ وَ فِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَ هَوَانِ زُخْرُفِهَا عَلَى مَنْ مَضَى مِنَ السَّلَفِ وَ التَّابِعِينَ- فَقَدْ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ- لَمَّا تَجَهَّزَ الْحُسَيْنُ(ع)إِلَى الْكُوفَةِ فَأَتَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ- فَنَاشَدَهُ اللَّهَ وَ الرَّحِمَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولَ بِالطَّفِّ فَقَالَ أَنَا أَعْرَفُ بِمَصْرَعِي مِنْكَ- وَ مَا كَدِّي مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا فِرَاقَهَا- أَ لَا أُخْبِرُكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ بِحَدِيثِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ الدُّنْيَا- فَقَالَ بَلَى لَعَمْرِي إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ تُحَدِّثَنِي بِأَمْرِهَا

____________

(1) مخطوط ظاهرا.

195

فَقَالَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع) سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنَ(ع)يَقُولُ حَدَّثَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع) قَالَ إِنِّي كُنْتُ بِفَدَكَ فِي بَعْضِ حِيطَانِهَا وَ قَدْ صَارَتْ لِفَاطِمَةَ(ع) قَالَ فَإِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ قَدْ هَجَمَتْ عَلَيَّ- وَ فِي يَدِي مِسْحَاةٌ وَ أَنَا أَعْمَلُ بِهَا- فَلَمَّا نَظَرْتُ إِلَيْهَا طَارَ قَلْبِي مِمَّا تَدَاخَلَنِي مِنْ جَمَالِهَا- فَشَبَّهْتُهَا بِبُثَيْنَةَ بِنْتِ عَامِرٍ الْجُمَحِيِّ- وَ كَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ نِسَاءِ قُرَيْشٍ- فَقَالَتْ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ هَلْ لَكَ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِي- فَأُغْنِيَكَ عَنْ هَذِهِ الْمِسْحَاةِ وَ أَدُلَّكَ عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ- فَيَكُونَ لَكَ الْمُلْكُ مَا بَقِيتَ وَ لِعَقِبِكَ مِنْ بَعْدِكَ- فَقَالَ لَهَا(ع)مَنْ أَنْتِ حَتَّى أَخْطُبَكِ مِنْ أَهْلِكِ قَالَتْ أَنَا الدُّنْيَا- قَالَ قُلْتُ لَهَا فَارْجِعِي وَ اطْلُبِي زَوْجاً غَيْرِي فَلَسْتِ مِنْ شَأْنِي- وَ أَقْبَلْتُ عَلَى مِسْحَاتِي وَ أَنْشَأْتُ أَقُولُ‏

لَقَدْ خَابَ مَنْ غَرَّتْهُ دُنْيَا دَنِيَّةٌ* * * -وَ مَا هِيَ أَنْ غَرَّتْ قُرُوناً بِطَائِلٍ-

أَتَتْنَا عَلَى زِيِّ الْعَزِيزِ بُثَيْنَةَ* * * -وَ زِينَتُهَا فِي مِثْلِ تِلْكَ الشَّمَائِلِ-

فَقُلْتُ لَهَا غُرِّي سِوَايَ فَإِنَّنِي* * * -عَزُوفٌ عَنِ الدُّنْيَا وَ لَسْتُ بِجَاهِلٍ-

وَ مَا أَنَا وَ الدُّنْيَا فَإِنَّ مُحَمَّداً* * * -أَحَلَّ صَرِيعاً بَيْنَ تِلْكَ الْجَنَادِلِ‏ (1)-

وَ هَبْهَا أَتَتْنَا بِالْكُنُوزِ وَ دُرِّهَا* * * -وَ أَمْوَالِ قَارُونَ وَ مُلْكِ الْقَبَائِلِ-

أَ لَيْسَ جَمِيعاً لِلْفَنَاءِ مَصِيرُنَا* * * -وَ يُطْلَبُ مِنْ خُزَّانِهَا بِالطَّوَائِلِ‏ (2)-

فَغُرِّي سِوَايَ إِنَّنِي غَيْرُ رَاغِبٍ* * * -بِمَا فِيكِ مِنْ عِزٍّ وَ مُلْكٍ وَ نَائِلٍ-

فَقَدْ قَنِعَتْ نَفْسِي بِمَا قَدْ رُزِقَتْهُ* * * -فَشَأْنَكِ يَا دُنْيَا وَ أَهْلَ الْغَوَائِلِ-

فَإِنِّي أَخَافُ اللَّهَ يَوْمَ لِقَائِهِ* * * -وَ أَخْشَى عَذَاباً (3) دَائِماً غَيْرَ زَائِلٍ‏

فَخَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا وَ لَيْسَ فِي عُنُقِهِ تَبِعَةٌ لِأَحَدٍ- حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ مَحْمُوداً غَيْرَ مَلُومٍ وَ لَا مَذْمُومٍ ثُمَّ اقْتَدَتْ بِهِ الْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِ بِمَا قَدْ بَلَغَكُمْ- لَمْ يَخْلِطُوا بِشَيْ‏ءٍ مِنْ بَوَائِقِهَا (عليهم السلام) أَجْمَعِينَ- وَ أَحْسَنَ مَثْوَاهُمْ‏

.

____________

(1) في بعض نسخ الحديث «رهين بقفر بين تلك الجنادل» و الجنادل: الصخور.

(2) جمع طائلة و هي العداوة.

(3) في بعض نسخ الحديث «عتابا».

196

باب 8 وصية أمير المؤمنين إلى الحسن بن علي(ع)و إلى محمد بن الحنفية

1- قَالَ السَّيِّدُ بْنُ طَاوُسٍ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا (1) وَ قَدْ وَقَعَ فِي خَاطِرِي أَنْ أَخْتِمَ هَذَا الْكِتَابَ بِوَصِيَّةِ أَبِيكَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)الَّذِي‏ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ‏ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ إِلَى وَلَدِهِ الْعَزِيزِ عَلَيْهِ وَ رِسَالَتِهِ إِلَى الشِّيعَةِ وَ ذَكَرَ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ وَ رِسَالَتَهُ فِي ذِكْرِ الْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِهِ وَ رَأَيْتُ أَنْ يَكُونَ رِوَايَةُ الرِّسَالَةِ إِلَى وُلْدِهِ بِطَرِيقِ الْمُخَالِفِينَ وَ الْمُؤَالِفِينَ فَهُوَ أَجْمَعُ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَ الدِّينِ- فَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْعَسْكَرِيُّ فِي كِتَابِ الزَّوَاجِرِ وَ الْمَوَاعِظِ فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْهُ مِنْ نُسْخَةٍ تَارِيخُهَا ذُو الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَ سَبْعِينَ وَ أَرْبَعِمِائَةٍ مَا هَذَا لَفْظُهُ‏ وَصِيَّةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)لِوُلْدِهِ وَ لَوْ كَانَ مِنَ الْحِكْمَةِ مَا يَجِبُ أَنْ يُكْتَبَ بِالذَّهَبِ لَكَانَتْ هَذِهِ- وَ حَدَّثَنِي بِهَا جَمَاعَةٌ فَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ الْآدَمِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِمٍ الْمُكَتِّبُ يَحْيَى بْنُ حَاتِمِ بْنِ عِكْرِمَةَ قَالَ حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بِأَنْطَاكِيَةَ قَالَ حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: لَمَّا انْصَرَفَ عَلِيٌّ(ع)مِنْ صِفِّينَ إِلَى قِنَّسْرِينَ كَتَبَ بِهِ إِلَى ابْنِهِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)مِنَ الْوَالِدِ الْفَانِي الْمُقِرِّ لِلزَّمَانِ إِلَى آخِرِهِ- وَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الرَّبِيعِ النَّهْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا كَادِحُ بْنُ رَحْمَةَ الزَّاهِدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا صَبَّاحُ بْنُ يَحْيَى الْمُزَنِيُّ وَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْكُوفِيُّ الْكَاتِبُ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ هَارُونَ بْنِ زِيَادٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ عَنْ‏

____________

(1) كشف المحجة لثمرة المهجة الفصل الرابع و الخمسون و المائة ص 157. «ط» النجف الأشرف.

197

أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ(ع)أَنَّ عَلِيّاً(ع)كَتَبَ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع) وَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَنْبَسَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي الْمِقْدَامِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)قَالَ: كَتَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع) وَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَاهِرٍ الرَّازِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاهِرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ: كَتَبَ عَلِيٌّ(ع)إِلَى ابْنِهِ الْحَسَنِ(ع)كُلُّ هَؤُلَاءِ حَدَّثُونَا أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)كَتَبَ بِهَذِهِ الرِّسَالَةِ إِلَى الْحَسَنِ(ع) وَ أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ فَضَّالٍ الْقَاضِي قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ وَ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَسَنِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدَلٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ ظَرِيفِ بْنِ نَاصِحٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُلْوَانَ عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ الْمُجَاشِعِيِّ قَالَ: كَتَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِلَى ابْنِهِ مُحَمَّدٍ كَذَا وَ اعْلَمْ يَا وَلَدِي مُحَمَّدُ ضَاعَفَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ عِنَايَتَهُ بِكَ وَ رِعَايَتَهُ لَكَ- أَنْ قَدْ رَوَى الشَّيْخُ الْمُتَّفَقُ عَلَى ثِقَتِهِ وَ أَمَانَتِهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيُّ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ بِرَحْمَتِهِ رِسَالَةَ مَوْلَانَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِلَى جَدِّكَ الْحَسَنِ وَلَدِهِ سَلَامُ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ عَلَيْهِمَا- وَ رَوَى رِسَالَةً أُخْرَى مُخْتَصَرَةً عَنْ مَوْلَانَا عَلِيٍّ(ع)إِلَى وَلَدِهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ رِضْوَانُ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ عَلَيْهِ وَ ذَكَرَ الرِّسَالَتَيْنِ فِي كِتَابِ الرَّسَائِلِ وَ وَجَدْنَا نُسْخَةً عَتِيقَةً يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ كِتَابَتُهَا فِي زَمَنِ حَيَاةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ ره وَ هَذَا الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ره كَانَ حَيَاتُهُ فِي زَمَنِ وُكَلَاءِ مَوْلَانَا الْمَهْدِيِّ(ع)عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الْعَمْرِيِّ وَ وَلَدِهِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدٍ وَ أَبِي الْقَاسِمِ الْحُسَيْنِ بْنِ رَوْحٍ وَ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّمُرِيِّ وَ تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَبْلَ وَفَاةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ السَّمُرِيِّ لِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّمُرِيَّ تُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ تِسْعٍ وَ عِشْرِينَ وَ ثَلَاثِمِائَةٍ وَ هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيُّ تُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَ عِشْرِينَ وَ ثَلَاثِمِائَةٍ فَتَصَانِيفُ هَذَا الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ وَ رِوَايَاتِهِ فِي زَمَنِ الْوُكَلَاءِ الْمَذْكُورِينَ يَجِدُ طَرِيقاً إِلَى تَحْقِيقِ مَنْقُولَاتِهِ وَ تَصْدِيقِ مُصَنَّفَاتِهِ وَ رَأَيْتُ يَا وَلَدِي بَيْنَ رِوَايَةِ حَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَسْكَرِيِّ مُصَنِّفِ كِتَابِ الزَّوَاجِرِ وَ الْمَوَاعِظِ

198

الَّذِي قَدَّمْنَاهُ وَ بَيْنَ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ فِي رِسَالَةِ أَبِيكَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِلَى وَلَدِهِ تَفَاوُتاً فَنَحْنُ نُورِدُهَا بِرِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيِّ فَهُوَ أَجْمَلُ وَ أَفْضَلُ فِيمَا قَصَدْنَاهُ فَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيُّ فِي كِتَابِ الرَّسَائِلِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ عَنْبَسَةَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ الْأَسَدِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْمِقْدَامِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مِنْ صِفِّينَ كَتَبَ إِلَى ابْنِهِ الْحَسَنِ- عَلَيْهِ وَ عَلَى جَدِّهِ وَ أَبِيهِ وَ أُمِّهِ وَ أَخِيهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ مِنَ الْوَالِدِ الْفَانِ- الْمُقِرِّ لِلزَّمَانِ‏ (1) الْمُدْبِرِ الْعُمُرِ الْمُسْتَسْلِمِ لِلدَّهْرِ (2) الذَّامِّ لِلدُّنْيَا- السَّاكِنِ مَسَاكِنَ الْمَوْتَى- الظَّاعِنِ عَنْهَا غَداً (3) إِلَى الْوَلَدِ الْمُؤَمِّلِ مَا لَا يُدْرِكُ‏ (4)- السَّالِكِ سَبِيلَ مَنْ قَدْ هَلَكَ- غَرَضِ الْأَسْقَامِ وَ رَهِينَةِ الْأَيَّامِ- وَ رَمِيَّةِ الْمَصَائِبِ‏ (5) وَ عَبْدِ الدُّنْيَا وَ تَاجِرِ الْغُرُورِ- وَ غَرِيمِ الْمَنَايَا (6) وَ أَسِيرِ الْمَوْتِ‏

____________

(1) حذفت الياء هاهنا للازدواج بين الفان و الزمان. و قوله «المقر للزمان» أي المقر له بالغلبة و القهر، المعترف بالعجز في يد تصرفاته كانه قدره خصما ذا بأس. و قوله «المدبر العمر» لانه (عليه السلام) حين ذاك مضى من عمره أزيد من ستين سنة و لم يبق من عمره (عليه السلام) الا أقل قليل.

(2) عبارة اخرى عن قوله «المقر للزمان» و هو آكد منه. لانه قد يقر الإنسان لخصمه و لا يستسلم.

(3) يريد (عليه السلام) قرب الرحيل، و الظاعن: الراحل.

(4) أي يؤمل البقاء في الدنيا و هو ممّا لا يدركه أحد من أبناء آدم و غيره من موجودات هذا العالم.

(5) الرهينة: المرهونة أي أنّه في قبضتها و حكمها: و الرمية في الأصل اسم للصيد و يجوز أن يكون اسما لما يرمى و ما أصابه السهم. و لهذا الحق به الهاء كالذبيحة و الإنسان كالهدف لافات الدنيا و لا محالة يدركه الموت.

(6) قال ابن أبي الحديد قوله «عبد الدنيا و تاجر الغرور و غريم المنايا» لان الإنسان طوع شهواته فهو عبد الدنيا، و حركاته فيها مبنية على غرور لا أصل له، فهو تاجر الغرور لا محالة، و لما كانت المنايا (أى الموت و الهلاك) تطالبه بالرحيل عن هذه الدار كانت غريما له يقتضيه ما لا بدّ له من أدائه. انتهى.

199

وَ حَلِيفِ الْهُمُومِ وَ قَرِينِ الْأَحْزَانِ- وَ رَصِيدِ الْآفَاتِ وَ صَرِيعِ الشَّهَوَاتِ‏ (1) وَ خَلِيفَةِ الْأَمْوَاتِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ فِيمَا تَبَيَّنْتُ مِنْ إِدْبَارِ الدُّنْيَا عَنِّي- وَ جُمُوحِ الدَّهْرِ عَلَيَّ وَ إِقْبَالِ الْآخِرَةِ إِلَيَّ- مَا يَزَعُنِي عَنْ ذِكْرِ مَنْ سِوَايَ‏ (2) وَ الِاهْتِمَامِ بِمَا وَرَائِي- غَيْرَ أَنِّي حَيْثُ تَفَرَّدَ بِي دُونَ هَمِّ النَّاسِ هَمُّ نَفْسِي- فَصَدَفَنِي رَأْيِي وَ صَرَفَنِي عَنْ هَوَايَ- وَ صَرَّحَ لِي مَحْضُ أَمْرِي فَأَفْضَى بِي إِلَى جِدٍّ لَا يُرَى مَعَهُ لَعِبٌ- وَ صِدْقٍ لَا يَشُوبُهُ كَذِبٌ‏ (3) وَجَدْتُكَ بَعْضِي بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي‏ (4)- حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي- وَ حَتَّى كَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي- فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِي مَا يَعْنِينِي عَنْ أَمْرِ نَفْسِي‏ (5) فَكَتَبْتُ إِلَيْكَ كِتَابِي- هَذَا مُسْتَظْهِراً بِهِ إِنْ أَنَا بَقِيتُ لَكَ أَوْ فَنِيتُ‏ (6)- فَأُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ يَا بُنَيَّ وَ لُزُومِ أَمْرِهِ- وَ عِمَارَةِ قَلْبِكَ بِذِكْرِهِ وَ الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ- وَ أَيُّ سَبَبٍ أَوْثَقُ مِنْ سَبَبٍ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ- إِنْ أَخَذْتَ بِهِ فَأَحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ وَ أَمِتْهُ بِالزُّهْدِ- وَ قَوِّهِ بِالْيَقِينِ وَ نَوِّرْهُ بِالْحِكْمَةِ- وَ ذَلِّلْهُ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وَ قَرِّرْهُ بِالْفَنَاءِ (7)- وَ أَسْكِنْهُ بِالْخَشْيَةِ وَ أَشْعِرْهُ بِالصَّبْرِ- وَ بَصِّرْهُ فَجَائِعَ الدُّنْيَا (8) وَ حَذِّرْهُ صَوْلَةَ

____________

(1) الحليف المحالف، و الحلف- بالكسر و بالفتح-: المعاقدة و المعاهدة على التعاضد و التساعد. و الرصيد: الرقيب و الذي يرصد. و الصريح: الطريح.

(2) جمح الفرس إذا غلب على صاحبه فلم يملكه. و يزعنى أي يمنعنى و يصدنى. و لفظة «ما» مفعول «تبينت».

(3) صدفه: صرفه و الضمير للرأى، و المحض: الخالص، و أفضى أي انتهى. و الشوب المزج و الخلط.

(4) اذ كان هو الخليفة له و القائم مقامه و وارث علمه و فضائله.

(5) عنانى اي أهمنى من أمرك ما أهمنى من أمر نفسى.

(6) كتب (عليه السلام) إليه هذه الوصية ليكون له ظهرا و مستندا يرجع الى العمل بها في حالتي بقائه و فنائه عنه.

(7) أي اطلب منه الإقرار بالفناء.

(8) الفجائع جمع الفجيعة و هي المصيبة تفزع بحلولها.

200

الدَّهْرِ- وَ فُحْشَ تَقَلُّبِهِ وَ تَقَلُّبَ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامِ‏ (1)- وَ اعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْمَاضِينَ- وَ ذَكِّرْهُ بِمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الْأَوَّلِينَ- وَ سِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَ اعْتَبِرْ آثَارَهُمْ- وَ انْظُرْ مَا فَعَلُوا وَ أَيْنَ حَلُّوا وَ نَزَلُوا وَ عَمَّنِ انْتَقَلُوا- فَإِنَّكَ تَجِدُهُمْ قَدِ انْتَقَلُوا عَنِ الْأَحِبَّةِ- وَ حَلُّوا دَارَ الْغُرْبَةِ وَ كَأَنَّكَ عَنْ قَلِيلٍ قَدْ صِرْتَ كَأَحَدِهِمْ- فَأَصْلِحْ مَثْوَاكَ وَ لَا تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيَاكَ- وَ دَعِ الْقَوْلَ فِيمَا لَا تَعْرِفُ وَ النَّظَرَ فِيمَا لَا تُكَلَّفُ- وَ أَمْسِكْ عَنْ طَرِيقٍ إِذَا خِفْتَ ضَلَالَتَهُ- فَإِنَّ الْكَفَّ عِنْدَ حَيْرَةِ الضَّلَالَةِ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ الْأَهْوَالِ- وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ وَ أَنْكِرِ الْمُنْكَرَ بِلِسَانِكَ وَ يَدِكَ- وَ بَايِنْ مَنْ فَعَلَهُ بِجُهْدِكَ وَ جَاهِدْ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ- وَ لَا تَأْخُذْكَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ- وَ خُضِ الْغَمَرَاتِ إِلَى الْحَقِّ حَيْثُ كَانَ- وَ تَفَقَّهْ فِي الدِّينِ وَ عَوِّدْ نَفْسَكَ التَّصَبُّرَ عَلَى الْمَكْرُوهِ‏ (2) فَنِعْمَ الْخُلُقُ الصَّبْرُ- وَ أَلْجِئْ نَفْسَكَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا إِلَى إِلَهِكَ فَإِنَّكَ تُلْجِئُهَا إِلَى كَهْفٍ حَرِيزٍ (3) وَ مَانِعٍ عَزِيزٍ- وَ أَخْلِصْ فِي الْمَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ- فَإِنَّ بِيَدِهِ الْعَطَاءَ وَ الْحِرْمَانَ- وَ أَكْثِرِ الِاسْتِخَارَةَ (4) وَ تَفَهَّمْ وَصِيَّتِي وَ لَا تَذْهَبَنَّ عَنْكَ صَفْحاً- فَإِنَّ خَيْرَ الْقَوْلِ مَا نَفَعَ‏ (5)- وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ- وَ لَا يُنْتَفَعُ بِعِلْمٍ لَا يَحِقُّ تَعَلُّمُهُ يَا بُنَيَّ إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُكَ قَدْ بَلَغْتَ سِنّاً- وَ رَأَيْتُنِي أَزْدَادُ وَهْناً بَادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِلَيْكَ لِخِصَالٍ- مِنْهَا أَنْ يَعْجَلَ بِي أَجَلِي دُونَ أَنْ أُفْضِيَ إِلَيْكَ- بِمَا فِي نَفْسِي أَوْ أَنْقُصَ فِي رَأْيِي كَمَا نَقَصْتُ فِي جِسْمِي- أَوْ أَنْ يَسْبِقَنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ الْهَوَى وَ فِتَنِ الدُّنْيَا وَ تَكُونَ كَالصَّعْبِ النَّفُورِ (6)- وَ إِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالْأَرْضِ الْخَالِيَةِ- مَا أُلْقِيَ فِيهَا

____________

(1) الصولة: السطوة و القدرة. و الفحش بمعنى الزيادة و الكثرة.

(2) التصبر: تكلف الصبر.

(3) الكهف: الملجأ. و الحريز: الحصين.

(4) المراد بالاستخارة هنا: اجالة الرأى في الامر قبل فعله لاختيار أفضل الوجوه.

أو طلب الخير من اللّه تعالى. لا ما هو المشهور اليوم و يفعله أكثر المقدسين بالسبحة و المصحف.

(5) الصفح: الاعراض.

(6) إشارة الى أن الصبى إذا لم يؤدب الآداب في حداثة سنه و لم ترض قواه لمطاوعة العقل و موافقته ربما تميل به القوى الحيوانية الى مشتهياتها و تصرفه عن وجه الصواب و ما ينبغي له، فيكون حينئذ كالصعب النفور من الإبل، و وجه التشبيه أنّه يعسر حمله على الحق و جذبه إليه كما يعسر قود الجمل الصعب النفور و تصريفه بحسب المنفعة. «ابن ميثم».

201

مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا قَبِلَتْهُ- فَبَادِرْ بِالْأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ وَ يَشْتَغِلَ لُبُّكَ- وَ تَسْتَقْبِلَ بِجِدِّ رَأْيِكَ مِنَ الْأَمْرِ- مَا قَدْ كَفَاكَ أَهْلُ التَّجَارِبِ بُغْيَتَهُ وَ تَجْرِبَتَهُ‏ (1)- فَتَكُونَ قَدْ كُفِيتَ مَئُونَةَ الطَّلَبِ- وَ عُوفِيتَ مِنْ عِلَاجِ التَّجْرِبَةِ- فَأَتَاكَ مِنْ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَأْتِيهِ- وَ اسْتَبَانَ لَكَ مِنْهَا مَا رُبَّمَا أَظْلَمَ عَلَيْنَا فِيهِ‏ (2) يَا بُنَيَّ إِنِّي وَ إِنْ لَمْ أَكُنْ قَدْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي- فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَارِهِمْ وَ فَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ- وَ سِرْتُ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ- بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ- قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ- فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ- وَ نَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ- وَ اسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ نَخِيلَهُ- وَ تَوَخَّيْتُ لَكَ جَمِيلَهُ‏ (3) وَ صَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ- وَ رَأَيْتُ حَيْثُ عَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِي الْوَالِدَ الشَّفِيقَ- وَ أَجْمَعْتُ عَلَيْهِ‏ (4) مِنْ أَدَبِكَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ- وَ أَنْتَ مُقْبِلُ الْعُمُرِ مُقْبِلُ الدَّهْرِ- ذُو نِيَّةٍ سَلِيمَةٍ وَ نَفْسٍ صَافِيَةٍ- وَ أَنْ أَبْتَدِئَكَ بِتَعْلِيمِ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ تَأْوِيلِهِ- وَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَ أَحْكَامِهِ وَ حَلَالِهِ وَ حَرَامِهِ لَا أُجَاوِزُ بِكَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ- ثُمَّ أَشْفَقْتُ أَنْ يَلْتَبِسَ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أَهْوَائِهِمْ وَ آرَائِهِمْ- مِثْلَ الَّذِي الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ- وَ كَانَ إِحْكَامُ ذَلِكَ لَكَ عَلَى مَا كَرِهْتُ مِنْ تَنْبِيهِكَ لَهُ- أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِكَ إِلَى أَمْرٍ لَا آمَنُ عَلَيْكَ فِيهِ الْهَلَكَةَ (5)- وَ رَجَوْتُ أَنْ يُوَفِّقَكَ اللَّهُ فِيهِ لِرُشْدِكَ‏

____________

(1) و ذلك ليكون جد رأيك أي محققه و ثابته مستعدا لقبول الحقائق التي وقف عليها أهل التجارب و كفوك طلبها. و البغية- بالكسر-: الطلب.

(2) استبان أي ظهر و وضح و ذلك لان العقل حفظ التجارب و إذا ضم رأيه الى آرائهم ربما يظهر له ما لم يكن ظهر لهم.

(3) النخيل: المختار المصفى و في بعض النسخ «جليله». و توخيت أي تحريت.

(4) أجمعت أي عزمت، و هو عطف على «يعنى» و «أن يكون» فى محل النصب على أنه مفعول أول لرأيت و يكون هنا تامّة. و الواو في قوله «و أنت» للحال.

(5) أي أنك و أن كنت تكره أن ينبهك أحد لما ذكرت لك فانى اعد إتقان التنبيه على كراهتك له أحبّ الى من اسلامك أي القائك الى أمر تخشى عليك فيه الهلكة.

202

وَ أَنْ يَهْدِيَكَ لِقَصْدِكَ- فَعَهِدْتُ إِلَيْكَ وَصِيَّتِي بِهَذِهِ وَ اعْلَمْ مَعَ ذَلِكَ يَا بُنَيَّ- أَنَّ أَحَبَّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِهِ مِنْ وَصِيَّتِي إِلَيْكَ تَقْوَى اللَّهِ وَ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ- وَ الْأَخْذُ بِمَا مَضَى عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ مِنْ آبَائِكَ- وَ الصَّالِحُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ- فَإِنَّهُمْ لَنْ يَدَعُوا أَنْ يَنْظُرُوا لِأَنْفُسِهِمْ كَمَا أَنْتَ نَاظِرٌ- وَ فَكَّرُوا كَمَا أَنْتَ مُفَكِّرٌ- ثُمَّ رَدَّهُمْ آخِرُ ذَلِكَ إِلَى الْأَخْذِ بِمَا عَرَفُوا- وَ الْإِمْسَاكِ عَمَّا لَمْ يُكَلَّفُوا فَإِنْ أَبَتْ نَفْسُكَ عَنْ أَنْ تَقْبَلَ ذَلِكَ دُونَ أَنْ تَعْلَمَ- كَمَا عَلِمُوا فَلْيَكُنْ طَلَبُكَ لِذَلِكَ بِتَفَهُّمٍ وَ تَعَلُّمٍ- لَا بِتَوَرُّطِ الشُّبُهَاتِ وَ عُلُوِّ الْخُصُومَاتِ- وَ ابْدَأْ قَبْلَ نَظَرِكَ فِي ذَلِكَ بِالاسْتِعَانَةِ بِإِلَهِكَ عَلَيْهِ وَ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ- وَ فِي تَوْفِيقِكَ وَ نَبْذِ كُلِّ شَائِبَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَيْكَ كُلَّ شُبْهَةٍ- أَوْ أَسْلَمَتْكَ إِلَى ضَلَالَةٍ فَإِنْ أَيْقَنْتَ أَنْ قَدْ صَفَا لَكَ قبلك [قَلْبُكَ فَخَشَعَ- وَ تَمَّ رَأْيُكَ فَاجْتَمَعَ وَ كَانَ هَمُّكَ فِي ذَلِكَ هَمّاً وَاحِداً- فَانْظُرْ فِيمَا فَسَّرْتُ لَكَ- وَ إِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ لَكَ رَأْيُكَ عَلَى مَا تُحِبُّ مِنْ نَفْسِكَ وَ فَرَاغِ نَظَرِكَ وَ فِكْرِكَ- فَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّمَا تَخْبِطُ خَبْطَ الْعَشْوَاءِ (1) وَ تَتَوَرَّطُ الظَّلْمَاءَ (2)- وَ لَيْسَ طَالِبُ الدِّينِ مَنْ خَبَطَ وَ لَا خَلَطَ- وَ الْإِمْسَاكُ عِنْدَ ذَلِكَ أَمْثَلُ‏ (3)- وَ إِنَّ أَوَّلَ مَا أَبْدَؤُكَ بِهِ فِي ذَلِكَ- وَ آخِرَهُ أَنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ إِلَهِي وَ إِلَهَ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ- وَ رَبِّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ- وَ كَمَا يَجِبُ وَ يَنْبَغِي لَهُ وَ نَسْأَلُهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ ص وَ عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ بِجَمِيعِ صَلَاةِ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ- وَ أَنْ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْنَا بِمَا وَفَّقَنَا لَهُ مِنْ مَسْأَلَتِهِ بِالاسْتِجَابَةِ لَنَا- فَإِنَّ بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ- يَا بُنَيَّ قَدْ أَنْبَأْتُكَ عَنِ الدُّنْيَا وَ حَالِهَا وَ انْتِقَالِهَا- وَ زَوَالِهَا بِأَهْلِهَا- وَ أَنْبَأْتُكَ عَنِ الْآخِرَةِ وَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ فِيهَا لِأَهْلِهَا- وَ ضَرَبْتُ لَكَ أَمْثَالًا لِتَعْتَبِرَ وَ تَحْذُوَ عَلَيْهَا الْأَمْثَالَ‏

____________

(1) العشواء: ضعيفة البصر أي تخبط خبط الناقة العشواء لا تأمن أن تسقط فيما لا خلاص منه، و اشعار لفظ الخبط له باعتبار أنّه طالب للعلم من غير استكمال شرائط الطلب و على غير وجهه فهو متعسف، سالك على غير طريق المطلوب كالناقة العشواء.

(2) أي تدخل في الورطة و هي الهلكة.

(3) لان كف النفس عن الخبط و الخلط في أمر الدين أقرب الى الخير و أفضل.

203

إِنَّمَا مَثَلُ مَنْ أَبْصَرَ الدُّنْيَا كَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ نَبَا بِهِمْ مَنْزِلُ جَدْبٍ- فَأَمُّوا مَنْزِلًا خَصِيباً فَاحْتَمَلُوا وَعْثَاءَ الطَّرِيقِ‏ (1) وَ فِرَاقَ الصَّدِيقِ- وَ خُشُونَةَ السَّفَرِ فِي الطَّعَامِ وَ الْمَنَامِ لِيَأْتُوا سَعَةَ دَارِهِمْ وَ مَنْزِلَ قَرَارِهِمْ- فَلَيْسَ يَجِدُونَ لِشَيْ‏ءٍ مِنْ ذَلِكَ أَلَماً وَ لَا يَرَوْنَ لِنَفَقَتِهِ معزما [مَغْرَماً- وَ لَا شَيْ‏ءَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِمَّا يُقَرِّبُهُمْ مِنْ مَنْزِلِهِمْ- وَ مَثَلُ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا كَقَوْمٍ كَانُوا فِي مَنْزِلٍ خَصِيبٍ- فَنَبَا بِهِمْ إِلَى مَنْزِلٍ جَدْبٍ فَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِمْ- وَ لَا أَهْوَلَ لَدَيْهِمْ مِنْ مُفَارَقَةِ مَا هُمْ فِيهِ إِلَى مَا يَهْجُمُونَ عَلَيْهِ- وَ يَصِيرُونَ إِلَيْهِ- ثُمَّ فَزَّعْتُكَ بِأَنْوَاعِ الْجَهَالاتِ لِئَلَّا تَعُدَّ نَفْسَكَ عَالِماً- فَإِنَّ الْعَالِمَ مَنْ عَرَفَ أَنَّ مَا يَعْلَمُ فِيمَا لَا يَعْلَمُ قَلِيلٌ- فَعَدَّ نَفْسَهُ بِذَلِكَ جَاهِلًا- وَ ازْدَادَ بِمَا عَرَفَ مِنْ ذَلِكَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ اجْتِهَاداً- فَمَا يَزَالُ لِلْعِلْمِ طَالِباً وَ فِيهِ رَاغِباً وَ لَهُ مُسْتَفِيداً- وَ لِأَهْلِهِ خَاشِعاً وَ لِرَأْيِهِ مُتَّهِماً- وَ لِلصَّمْتِ لَازِماً وَ لِلْخَطَإِ جَاحِداً وَ مِنْهُ مُسْتَحْيِياً- وَ إِنْ وَرَدَ عَلَيْهِ مَا لَا يَعْرِفُ لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ- لِمَا قَدْ قَدَّرَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ الْجَهَالَةِ- وَ إِنَّ الْجَاهِلَ مَنْ عَدَّ نَفْسَهُ بِمَا جَهِلَ- مِنْ مَعْرِفَةِ الْعِلْمِ عَالِماً وَ بِرَأْيِهِ مُكْتَفِياً فَمَا يَزَالُ مِنَ الْعُلَمَاءِ مُبَاعِداً- وَ عَلَيْهِمْ زَارِياً وَ لِمَنْ خَالَفَهُ مُخَطِّياً- وَ لِمَا لَمْ يَعْرِفْ مِنَ الْأُمُورِ مُضَلِّلًا- وَ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَمْرِ مَا لَا يَعْرِفُهُ أَنْكَرَهُ وَ كَذَّبَ بِهِ- وَ قَالَ بِجَهَالَتِهِ مَا أَعْرِفُ هَذَا وَ مَا أَرَاهُ كَانَ- وَ مَا أَظُنُّ أَنْ يَكُونَ وَ أَنَّى كَانَ- وَ لَا أَعْرِفُ ذَلِكَ لِثِقَتِهِ بِرَأْيِهِ وَ قِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِجَهَالَتِهِ- فَمَا يَنْفَكُّ مِمَّا يَرَى فِيمَا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ رَأْيُهُ- وَ مِمَّا لَا يَعْرِفُ لِلْجَهْلِ مُسْتَفِيداً وَ لِلْحَقِّ مُنْكِراً- وَ فِي اللَّجَاجَةِ مُتَجَرِّياً وَ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ مُسْتَكْبِراً- يَا بُنَيَّ تَفَهَّمْ وَصِيَّتِي- وَ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ غَيْرِكَ- وَ أَحِبَّ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَ اكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا- لَا تَظْلِمْ كَمَا لَا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ- وَ أَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ- وَ اسْتَقْبِحْ لِنَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُهُ مِنْ غَيْرِكَ- وَ ارْضَ مِنَ النَّاسِ مَا تَرْضَى لَهُمْ مِنْكَ وَ لَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ- بَلْ لَا تَقُلْ كُلَّ مَا عَلِمْتَ مِمَّا لَا تُحِبُّ أَنْ‏

____________

(1) نبا الشي‏ء: بعد و تأخر. و الجدب ضد الخصب. و جدب المكان أي انقطع عنه المطر. و الخصب- بالكسر-: كثرة العشب و رجل خصيب كثير الخير. و وعثاء السفر:

مشقته. و في بعض النسخ «جديب».

204

يُقَالَ لَكَ- وَ اعْلَمْ أَنَّ الْإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ‏ (1) وَ آفَةُ الْأَلْبَابِ- وَ إِذَا هُدِيتَ لِقَصْدِكَ فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ وَ أَسْعَى فِي كَدْحِكَ- وَ لَا تَكُنْ خَازِناً لِغَيْرِكَ- وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ أَمَامَكَ طَرِيقاً ذَا مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ- وَ أَهْوَالٍ شَدِيدَةٍ وَ أَنَّهُ لَا غِنَى بِكَ عَنْ حُسْنِ الِارْتِيَادِ- وَ قَدْرِ بَلَاغِكَ مِنَ الزَّادِ (2) مَعَ خِفَّةِ الظَّهْرِ- فَلَا تَحْمِلَنَّ عَلَى ظَهْرِكَ فَوْقَ بَلَاغِكَ- فَيَكُونَ ثَقِيلًا وَ وَبَالًا عَلَيْكَ- وَ إِذَا وَجَدْتَ مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ مَنْ يَحْمِلُ لَكَ زَادَكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ- فَيُوَافِيكَ بِهِ غَداً حَيْثُ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَاغْتَنِمْهُ- وَ اغْتَنِمْ مَنِ اسْتَقْرَضَكَ فِي حَالِ غِنَاكَ- وَ جَعَلَ قَضَاءَهُ لَكَ فِي يَوْمِ عُسْرَتِكَ وَ حَمِّلْهُ إِيَّاهُ- وَ أَكْثِرْ مِنْ تَزْوِيدِهِ وَ أَنْتَ قَادِرٌ عَلَيْهِ فَلَعَلَّكَ تَطْلُبُهُ فَلَا تَجِدُهُ- وَ اعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ عَقَبَةً كَئُوداً (3) لَا مَحَالَةَ- أَنَّ مَهْبِطَهَا بِكَ عَلَى جَنَّةٍ أَوْ نَارٍ- فَارْتَدْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ نُزُولِكَ وَ اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ مَلَكُوتِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- قَدْ أَذِنَ لِدُعَائِكَ وَ تَكَفَّلَ لِإِجَابَتِكَ- وَ أَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ لِيُعْطِيَكَ وَ هُوَ رَحِيمٌ كَرِيمٌ- لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ مَنْ يَحْجُبْكَ عَنْهُ- وَ لَمْ يُلْجِئْكَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكَ إِلَيْهِ- وَ لَمْ يَمْنَعْكَ أَنْ أَسَأْتَ مِنَ التَّوْبَةِ وَ لَمْ يُعَيِّرْكَ بِالْإِنَابَةِ- وَ لَمْ يُعَاجِلْكَ بِالنِّقْمَةِ- وَ لَمْ يَفْضَحْكَ حَيْثُ تَعَرَّضْتَ لِلْفَضِيحَةِ وَ لَمْ يُنَاقِشْكَ بِالْجَرِيمَةِ- وَ لَمْ يُؤْيِسْكَ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ لَمْ يُشَدِّدْ عَلَيْكَ فِي التَّوْبَةِ- فَجَعَلَ تَوْبَتَكَ التَّوَرُّعَ عَنِ الذَّنْبِ- وَ حَسَبَ سَيِّئَتَكَ وَاحِدَةً وَ حَسَنَتَكَ عَشْراً- وَ فَتَحَ لَكَ بَابَ الْمَتَابِ وَ الِاسْتِعْتَابِ- فَمَتَى شِئْتَ سَمِعَ نِدَاكَ وَ نَجْوَاكَ فَأَفْضَيْتَ إِلَيْهِ بِحَاجَتِكَ- وَ أَبْثَثْتَهُ ذَاتَ نَفْسِكَ‏ (4) وَ شَكَوْتَ إِلَيْهِ هُمُومَكَ- وَ اسْتَعَنْتَهُ عَلَى أُمُورِكَ- ثُمَّ جَعَلَ فِي يَدِكَ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِهِ بِمَا أَذِنَ فِيهِ مِنْ مَسْأَلَتِهِ- فَمَتَى شِئْتَ اسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعَاءِ أَبْوَابَ خَزَائِنِهِ- فَأَلْحِحْ‏

____________

(1) الإعجاب: استحسان ما يصدر عن النفس.

(2) الارتياد: الطلب أصله واوى من راد يرود، و حسن الارتياد: اتيانه من وجهه و البلاغ- بالفتح- الكفاية اي ما يكفى من العيش و لا يفضل.

(3) الكئود: صعبة شاقة المصعد.

(4) أفضيت: ألقيت و أبلغت إليه. و أبث فلانا الخير: اطلعه عليه.

205

عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ يَفْتَحْ لَكَ أَبْوَابَ الرَّحْمَةِ- لَا يُقَنِّطُكَ إِنْ أَبْطَأَتْ عَلَيْكَ الْإِجَابَةُ- فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ الْمَسْأَلَةِ- وَ رُبَّمَا أُخِّرَتْ عَنْكَ الْإِجَابَةُ لِيَكُونَ أَطْوَلَ لِلْمَسْأَلَةِ وَ أَجْزَلَ لِلْعَطِيَّةِ- رُبَّمَا سَأَلْتَ الشَّيْ‏ءَ فَلَمْ تُؤْتَاهُ وَ أُوتِيتَ خَيْراً مِنْهُ- عَاجِلًا أَوْ آجِلًا أَوْ صِرْتَ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ- فَلَرُبَّ أَمْرٍ قَدْ طَلَبْتَهُ وَ فِيهِ هَلَاكُ دِينِكَ وَ دُنْيَاكَ لَوْ أُوتِيتَهُ- وَ لْتَكُنْ مَسْأَلَتُكَ فِيمَا يَعْنِيكَ مِمَّا يَبْقَى لَكَ جَمَالُهُ- وَ يُنْفَى عَنْكَ وَبَالُهُ- وَ الْمَالُ لَا يَبْقَى لَكَ وَ لَا تَبْقَى لَهُ- فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ تَرَى عَاقِبَةَ أَمْرِكَ حَسَناً أَوْ سَيِّئاً- أَوْ يَعْفُوَ الْعَفُوُّ الْكَرِيمُ- وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّكَ إِنَّمَا خُلِقْتَ لِلْآخِرَةِ لَا لِلدُّنْيَا- وَ لِلْفَنَاءِ لَا لِلْبَقَاءِ وَ لِلْمَوْتِ لَا لِلْحَيَاةِ- وَ أَنَّكَ فِي مَنْزِلِ قُلْعَةٍ وَ دَارِ بُلْغَةٍ (1) وَ طَرِيقٍ إِلَى الْآخِرَةِ- وَ أَنَّكَ طَرِيدُ الْمَوْتِ الَّذِي لَا يَنْجُو هَارِبُهُ- وَ لَا بُدَّ أَنَّهُ مُدْرِكُكَ يَوْماً- فَكُنْ مِنْهُ عَلَى حَذَرِ أَنْ يُدْرِكَكَ عَلَى حَالٍ سَيِّئَةٍ- قَدْ كُنْتَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ مِنْهَا بِالتَّوْبَةِ فَيَحُولَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ ذَلِكَ- فَإِذَا أَنْتَ قَدْ أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ- يَا بُنَيَّ أَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَ ذِكْرِ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ- وَ تُفْضِي بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَيْهِ وَ اجْعَلْهُ أَمَامَكَ- حَيْثُ تَرَاهُ حَتَّى يَأْتِيَكَ- وَ قَدْ أَخَذْتَ مِنْهُ حِذْرَكَ وَ شَدَدْتَ لَهُ أَزْرَكَ- وَ لَا يَأْتِيَكَ بَغْتَةً فَيَبْهَرَكَ‏ (2) وَ لَا يَأْخُذَكَ عَلَى غِرَّتِكَ- وَ أَكْثِرْ ذِكْرَ الْآخِرَةِ وَ مَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ وَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ- فَإِنَّ ذَلِكَ يُزَهِّدُكَ فِي الدُّنْيَا وَ يُصَغِّرُهَا عِنْدَكَ وَ إِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِمَا تَرَى مِنْ إِخْلَادِ أَهْلِهَا وَ تَكَالُبِهِمْ عَلَيْهَا (3)- وَ قَدْ نَبَّأَكَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ عَنْهَا وَ نَعَتْ إِلَيْكَ نَفْسَهَا- وَ تَكَشَّفَتْ لَكَ عَنْ مَسَاوِيهَا- فَإِنَّمَا أَهْلُهَا كِلَابٌ عَاوِيَةٌ وَ سِبَاعٌ ضَارِيَةٌ يَهِرُّ بَعْضُهَا بَعْضاً (4)- وَ يَأْكُلُ عَزِيزُهَا ذَلِيلَهَا- وَ يَقْهَرُ كَبِيرُهَا صَغِيرَهَا

____________

(1) القلعة- بالضم فالسكون- أى لا يصلح للاستيطان و الإقامة، يقال منزل قلعة أى لا يملك لنازله. و يقلع عنه و لا يدرى متى ينتقل عنه. و البلغة: ما يبلغ به من العيش و المراد أنّها دار تؤخذ فيها الكفاية للآخرة.

(2) أي يغلبك.

(3) التكالب: التواثب أي شدة حرصهم عليها.

(4) ضارية أي مولعة بالافتراس: و يهر أي يكره أن ينظر بعضها بعضا و يمقت.

206

وَ كَثِيرُهَا قَلِيلَهَا- نَعَمٌ مُعَقَّلَةٌ وَ أُخْرَى مُهْمَلَةٌ- قَدْ أَضَلَّتْ عُقُولَهَا (1)- وَ رَكِبَتْ مَجْهُولَهَا سُرُوحُ عَاهَةٍ فِي دَارٍ وَعْثٍ‏ (2) لَيْسَ لَهَا رَاعٍ يُقِيمُهَا- أَلْعَبَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَعِبُوا بِهَا- وَ نَسُوا مَا وَرَاءَهَا رُوَيْداً حَتَّى يُسْفِرَ الظَّلَامُ‏ (3)- كَأَنْ وَ رَبِّ الْكَعْبَةِ يُوشِكُ مَنْ أَسْرَعَ أَنْ يَلْحَقَ- وَ اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ (4)- فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ وَ إِنْ كَانَ لَا يَسِيرُ أَبَى اللَّهُ إِلَّا خَرَابَ الدُّنْيَا وَ عِمَارَةَ الْآخِرَةِ يَا بُنَيَّ فَإِنْ تَزْهَدْ فِيمَا زَهَّدْتُكَ فِيهِ- وَ تَعْزِفْ نَفْسَكَ عَنْهَا (5) فَهِيَ أَهْلُ ذَلِكَ وَ إِنْ كُنْتَ غَيْرَ قَابِلٍ نَصِيحَتِي إِيَّاكَ فِيهَا- فَاعْلَمْ يَقِيناً أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ وَ لَا تَعْدُوَ أَجَلَكَ فَإِنَّكَ فِي سَبِيلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ فَخَفِّضْ‏ (6) فِي الطَّلَبِ- وَ أَجْمِلْ فِي الْمُكْتَسَبِ فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَبٍ قَدْ جَرَّ إِلَى حَرَبٍ‏ (7)- وَ لَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ بِنَاجٍ وَ كُلُّ مُجْمِلٍ بِمُحْتَاجٍ- وَ أَكْرِمْ‏

____________

(1) النعم- محركة-: الإبل أي أهلها على قسمين، قسم كإبل منعها عن الشر عقالها و هم الضعفاء و أخرى مهملة تأتي من السوء ما تشاء و هم الاقوياء، و «معلقة» من العقال و عقل البعير شد وظيفه الى ذراعه. و قوله «أضلت عقولها» أي اضاعت عقولها و ركبت طريقها المجهول لها.

(2) السروح- بالضم- جمع سرح- بفتح السين و سكون الراء-: المال السائم من الإبل و نحوها الماشية. و العاهة: الآفة. و الوعث: الطريق العسر يصعب السير فيه.

(3) رويدا مصدر أرود، مصغرا تصغير الترخيم: مهلا. و يسفر أي يكشف و المعنى عن قريب يكشف ظلام الجهل عما خفى من الحقيقة بحلول الموت.

(4) المطية: الدابّة التي تركب.

(5) أي تزهد نفسك عنها و لا تشتهيها.

(6) أي فسهل من الخفض بمعنى السهل.

(7) الحرب- محركة-: سلب المال؛ من حرب الرجل: سلبه ماله و تركه بلا شي‏ء. و أيضا بمعنى الهلاك و الويل.

207

نَفْسَكَ عَنْ دَنِيَّةٍ وَ إِنْ سَاقَتْكَ إِلَى الرَّغَائِبِ‏ (1)- فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْذُلُ شَيْئاً مِنْ دِينِكَ وَ عِرْضِكَ بِثَمَنٍ وَ إِنْ جَلَّ- وَ مِنْ خَيْرِ حَظِّ امْرِئٍ قَرِينٌ صَالِحٌ- فَقَارِنْ أَهْلَ الْخَيْرِ تَكُنْ مِنْهُمْ- وَ بَايِنْ أَهْلَ الشَّرِّ تَبِنْ عَنْهُمْ- لَا يَغْلِبَنَّ عَلَيْكَ سُوءُ الظَّنِّ- فَإِنَّهُ لَا يَدَعُ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ صَدِيقٍ صَفْحاً (2) بِئْسَ الطَّعَامُ الْحَرَامُ- وَ ظُلْمُ الضَّعِيفِ أَفْحَشُ الظُّلْمِ وَ الْفَاحِشَةُ كَاسْمِهَا- وَ التَّصَبُّرُ عَلَى الْمَكْرُوهِ يَعْصِمُ الْقَلْبَ- وَ إِذَا كَانَ الرِّفْقُ خُرْقاً كَانَ الْخُرْقُ رِفْقاً- (3) وَ رُبَّمَا كَانَ الدَّاءُ دَوَاءً- وَ رُبَّمَا نَصَحَ غَيْرُ النَّاصِحِ- وَ غَشَّ الْمُسْتَنْصَحُ‏ (4) وَ إِيَّاكَ وَ الِاتِّكَالَ عَلَى الْمُنَى- فَإِنَّهَا بَضَائِعُ النَّوْكَى‏ (5) وَ مَطْلٌ عَنِ الْآخِرَةِ وَ الدُّنْيَا (6)- زك [ذَكِّ قَلْبَكَ بِالْأَدَبِ كَمَا يُذَكَّى النَّارُ بِالْحَطَبِ- وَ لَا تَكُنْ كَحَاطِبِ اللَّيْلِ وَ غُثَاءِ السَّيْلِ- (7)

____________

(1) الدنية مؤنث الدنى: الساقط الضعيف و الخصلة المذمومة و النقيصة. و المراد أن طلب المال لصيانة النفس و حفظه فلو أتعبت و بذلت نفسك لتحصيل المال فقد ضيعت ما هو المقصود منه فلا عوض لما ضيع. و الرغائب: جمع الرغيبة و هي الامر المرغوب فيه و العطاء الكثير. و قوله «فانك لن تعتاض» أي لن تجد عوضا عما تبذل.

(2) الصفح الاعراض.

(3) الخرق- بضم الخاء و سكون الراء- و بالتحريك ضد الرفق؛ و العنف يعنى إذا كان العنف في مقام يلزمه لمصلحة كمقام التأديب و اجراء الحدود يكون ابداله بالرفق عنفا و يكون العنف في هذا المقام من الرفق. فلا يجوز وضع كل منهما موضع الآخر.

(4) المستنصح: المطلوب منه النصح.

(5) المنى جمع المنية- بالضم فالسكون-: ما يتمناه الإنسان لنفسه و يعلل نفسه باحتمال الوصول إليه. و البضائع جمع بضاعة و هي من المال ما اعد للتجارة. و النوكى- كسكرى جمع الانوك أي الاحمق و أيضا المقهور و المغلوب و المراد هنا الضعيف النفس في الرأى و العمل.

(6) المطل: التسويف و التعويق و في المصدر «و تثبط في الآخرة و الدنيا» و في التحف «و تثبط عن الآخرة و الدنيا» و لعله هو الصواب و التثبط: أيضا التعويق.

(7) الحاطب الذي يجمع الحطب. و إذا كان ذلك في ظلمة الليل خلط الحابل بالنابل و هو مثل يضرب لمن خلط في كلامه. و الغثاء بالغين المعجمة و الثاء المثلثة- الزبد و البالى من ورق الشجر المخالط زبد السيل.

208

وَ كُفْرُ النِّعْمَةِ لُؤْمٌ وَ صُحْبَةُ الْجَاهِلِ شُؤْمٌ- وَ الْعَقْلُ حِفْظُ التَّجَارِبِ وَ خَيْرُ مَا جَرَّبْتَ مَا وَعَظَكَ- وَ مِنَ الْكَرَمِ لِينُ الشِّيَمِ‏ (1) بَادِرِ الْفُرْصَةَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ غُصَّةً- وَ مِنَ الْحَزْمِ الْعَزْمُ- وَ مِنْ سَبَبِ الْحِرْمَانِ التَّوَانِي- لَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ يُصِيبُ وَ لَا كُلُّ رَاكِبٍ يَئُوبُ‏ (2) وَ مِنَ الْفَسَادِ إِضَاعَةُ الزَّادِ- لِكُلِّ امْرِئٍ عَاقِبَةٌ رُبَّ مَصِيرٍ بِمَا تَصِيرُ (3) وَ لَا خَيْرَ فِي مُعِينٍ مَهِينٍ- وَ لَا تَبِيتَنَّ مِنْ أَمْرٍ عَلَى عُذْرٍ (4) مَنْ حَلُمَ سَادَ وَ مَنْ تَفَهَّمَ ازْدَادَ- وَ لِقَاءُ أَهْلِ الْخَيْرِ عِمَارَةُ الْقَلْبِ- سَاهِلِ الدَّهْرَ مَا ذَلَّ لَكَ قُعُودُهُ- (5) وَ إِيَّاكَ أَنْ تَطِيحَ بِكَ مَطِيَّةُ اللَّجَاجِ‏ (6)- وَ إِنْ قَارَفْتَ سَيِّئَةً فَعَجِّلْ مَحْوَهَا بِالتَّوْبَةِ وَ لَا تَخُنْ مَنِ ائْتَمَنَكَ وَ إِنْ خَانَكَ- وَ لَا تُذِعْ سِرَّهُ وَ إِنْ أَذَاعَ سِرَّكَ- وَ لَا تُخَاطِرْ بِشَيْ‏ءٍ رَجَاءَ أَكْثَرَ مِنْهُ- وَ اطْلُبْ فَإِنَّهُ يَأْتِيكَ مَا قُسِمَ لَكَ وَ التَّاجِرُ مُخَاطِرٌ- وَ خُذْ بِالْفَضْلِ وَ أَحْسِنِ الْبَذْلَ وَ قُلْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَ أَيُّ كَلِمَةِ حُكْمٍ‏ (7) جَامِعَةٍ أَنْ تُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ- وَ تَكْرَهَ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لَهَا- إِنَّكَ قَلَّمَا تَسْلَمُ مِمَّنْ تَسَرَّعْتَ إِلَيْهِ- أَوْ تَنْدَمُ إِذَا فَضَلْتَ عَلَيْهِ- وَ اعْلَمْ أَنَّ مِنَ‏

____________

(1) الشيم- بالكسر فالفتح- جمع شيمة و هي الخلق و الطبيعة و المراد الأخلاق الحسنة.

(2) آب يئوب من السفر: رجع.

(3) في التحف «رب يسير أنمى من كثير».

(4) و كذا في النهج، و في التحف «و لا تبيتن من أمر على غرر» و الغرر بالتحريك المغرور به.

(5) القعود- بالفتح-: من الإبل ما يقتعده الراعي في كل حاجة أي يتخذ مركبا و يقال للابل: الفصيل من قياده.

(6) أطاحه: أهلكه و أذهبه، و في التحف «أن تجمع بك». يقال جمحت المطية:

تغلب على راكبه و ذهب به و جمحت به أي طرحت به و حمله على ركوب المهالك. و اللجاج- بالفتح-: الخصومة. أى انى احذرك من أن تغلبك الخصومات فلا تملك نفسك من الوقوع في مضارها.

(7) و كذا في التحف، و في المصدر «و أحسن كلمة حكم».

209

الْكَرَمِ الْوَفَاءَ بِالذِّمَمِ- وَ الصُّدُودُ آيَةُ الْمَقْتِ‏ (1) وَ كَثْرَةُ الْعِلَلِ آيَةُ الْبُخْلِ- وَ لَبَعْضُ إِمْسَاكِكَ عَلَى أَخِيكَ مَعَ لُطْفٍ خَيْرٌ مِنْ بَذْلٍ مَعَ جَنَفٍ‏ (2)- وَ مِنَ الْكَرَمِ صِلَةُ الرَّحِمِ وَ مَنْ يَثِقُ بِكَ أَوْ يَرْجُو صِلَتَكَ إِذَا قَطَعْتَ قَرَابَتَكَ‏ (3)- التَّجَرُّمُ وَجْهُ الْقَطِيعَةِ- احْمِلْ نَفْسَكَ مِنْ أَخِيكَ عِنْدَ صَرْمِهِ إِيَّاكَ عَلَى الصِّلَةِ (4)- وَ عِنْدَ صُدُورِهِ عَلَى لُطْفِ الْمَسْأَلَةِ- وَ عِنْدَ جُمُودِهِ عَلَى الْبَذْلِ‏ (5) وَ عِنْدَ تَبَاعُدِهِ عَلَى الدُّنُوِّ- وَ عِنْدَ شِدَّتِهِ عَلَى اللِّينِ- وَ عِنْدَ تَجَرُّمِهِ‏ (6) عَلَى الْإِعْذَارِ- حَتَّى كَأَنَّكَ لَهُ عَبْدٌ وَ كَأَنَّهُ ذُو النِّعْمَةِ عَلَيْكَ- وَ إِيَّاكَ أَنْ تَصْنَعَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ- أَوْ تَفْعَلَهُ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ وَ لَا تَتَّخِذَنَّ عَدُوَّ صَدِيقِكَ صَدِيقاً فَتُعَادِيَ صَدِيقَكَ- وَ لَا تَعْمَلْ بِالْخَدِيعَةِ فَإِنَّهُ خُلُقٌ لَئِيمٌ- وَ امْحَضْ أَخَاكَ النَّصِيحَةَ- حَسَنَةً كَانَتْ أَوْ قَبِيحَةً وَ سَاعِدْهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ- وَ زُلْ مَعَهُ حَيْثُ زَالَ- وَ لَا تَطْلُبَنَّ مُجَازَاةَ أَخِيكَ وَ إِنْ حَثَا التُّرَابَ بِفِيكَ‏ (7)- وَ جُدْ عَلَى عَدُوِّكَ بِالْفَضْلِ فَإِنَّهُ أَحْرَى لِلظَّفَرِ- وَ تَسْلَمُ مِنَ الدُّنْيَا بِحُسْنِ الْخُلُقِ وَ تَجَرُّعِ الْغَيْظِ- فَإِنِّي لَمْ أَرَ جُرْعَةً أَحْلَى مِنْهَا عَاقِبَةً وَ لَا أَلَذَّ مِنْهَا مَغَبَّةً (8)- وَ لَا تَصْرِمْ أَخَاكَ عَلَى ارْتِيَابٍ وَ لَا تَقْطَعْهُ‏

____________

(1) الذمم- بكسر الأول و فتح الثاني-: جمع الذمّة: العهد و الأمان و الضمان، و الصدود الاعراض و الميل عن الشي‏ء. و المقت شدة البغض.

(2) الجنف: الجور؛ و ربما كان الامساك مع حسن الخلق خير من البذل مع الجور قال اللّه تعالى في سورة البقرة: 265 «قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَ مَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً»

(3) يعني بعد اذ أنت قطعت رحمك فمن ذا الذي يثق بك أو يرجو صلتك؟. و قوله «و التجرم وجه القطيعة» لان التجرم اتيان الجرم أو حصوله مرة بعد مرة و ذلك موجب للقطيعة.

(4) الصرم- بالضم او الفتح- القطيعة. و قوله «على الصلة» متعلق باحمل نفسك أي ألزم نفسك بصلة صديقك إذا قطعك و هكذا بعده.

(5) المراد بالجمود: البخل.

(6) التجرم: تفعل من باب جرم بمعنى حصول الجرم مرة بعد مرة.

(7) حثا التراب أي صبه.

(8) المغبة- بشد الباء الموحدة-: العاقبة. أى لكظم الغيظ لذة تجدها النفس عند الافاقة منه، و هي ألذ و أحلى من لذة الانتقام و هي الخلاص من الضرر المعقب لفعل الغضب.

210

دُونَ اسْتِعْتَابٍ‏ (1)- وَ لِنْ لِمَنْ غَالَظَكَ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَلِينَ لَكَ مَا أَقْبَحَ الْقَطِيعَةَ بَعْدَ الصِّلَةِ وَ الْجَفَاءَ بَعْدَ الْإِخَاءِ- وَ الْعَدَاوَةَ بَعْدَ الْمَوَدَّةِ وَ الْخِيَانَةَ لِمَنِ ائْتَمَنَكَ وَ الْغَدْرَ بِمَنِ اسْتَأْمَنَ إِلَيْكَ- وَ إِنْ أَرَدْتَ قَطِيعَةَ أَخِيكَ فَاسْتَبْقِ لَهُ مِنْ نَفْسِكَ- بَقِيَّةً يَرْجِعُ إِلَيْهَا إِنْ بَدَا لَهُ وَ لَكَ يَوْماً مَا (2)- وَ مَنْ ظَنَّ لَكَ خَيْراً فَصَدِّقْ ظَنَّهُ‏ (3)- وَ لَا تُضِيعَنَّ حَقَّ أَخِيكَ اتِّكَالًا عَلَى مَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ- فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ بِأَخٍ مَنْ أَضَعْتَ حَقَّهُ- وَ لَا يَكُنْ أَهْلُكَ أَشْقَى النَّاسِ بِكَ- وَ لَا تَرْغَبَنَّ فِي مَنْ زَهِدَ فِيكَ- وَ لَا يَكُونَنَّ أَخُوكَ أَقْوَى عَلَى قَطِيعَتِكَ مِنْكَ عَلَى صِلَتِهِ‏ (4)- وَ لَا تَكُونَنَّ عَلَى الْإِسَاءَةِ أَقْوَى مِنْكَ عَلَى الْإِحْسَانِ- وَ لَا عَلَى الْبُخْلِ أَقْوَى مِنْكَ عَلَى الْبَذْلِ- وَ لَا عَلَى التَّقْصِيرِ أَقْوَى مِنْكَ عَلَى الْفَضْلِ- وَ لَا يَكْبُرَنَّ عَلَيْكَ ظُلْمُ مَنْ ظَلَمَكَ وَ إِنَّمَا يَسْعَى فِي مَضَرَّتِهِ وَ نَفْعِكَ- وَ لَيْسَ جَزَاءُ مَنْ سَرَّكَ أَنْ تَسُوءَهُ- وَ الرِّزْقُ رِزْقَانِ رِزْقٌ تَطْلُبُهُ- وَ رِزْقٌ يَطْلُبُكَ فَإِنْ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ‏ (5): وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ الدَّهْرَ ذُو صُرُوفٍ‏ (6) فَلَا تَكُنْ مِمَّنْ يَشْتَدُّ لَائِمَتُهُ- وَ يَقِلُّ عِنْدَ النَّاسِ عُذْرُهُ- مَا أَقْبَحَ الْخُضُوعَ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَ الْجَفَاءَ عِنْدَ الْغِنَى- إِنَّمَا لَكَ مِنْ دُنْيَاكَ مَا

____________

(1) الارتياب: الاتهام و الشك: و الاستعتاب: طلب العتبى أي الاسترضاء.

(2) أي بقية من الصلة يسهل لك معها الرجوع إليه «ان بدا له» أي ظهر له حسن العودة يوما ما.

(3) أي بلزوم الخير الذي ظنّ بك.

(4) أمر (عليه السلام) بلزوم حفظ الصداقة. يعنى إذا أتى أخوك بالقطيعة فقابلها أنت بالصلة حتّى تغلبه و لا يكونن هو أقدر على ما يوجب القطيعة منك على ما يوجب الصلة، و هكذا بعده.

(5) الرزق الطالب ما هو المقدر للإنسان فان لم يأته أتاه و اما المطلوب ما كان مبدؤه الحرص.

(6) صرف الدهر و صروفه: نوائبه و حدثانه يعنى أن الدهر بحقيقته متغير و متبدل و متزلزل لا يثبت بحال و لا يدوم على وجه و قد اذن بفراقه و نادت بتغيره و نعت نفسه و أهله فلا يجوز ان تشتد ذمه و لومه. و اللائمة: اللوم و الذم.

211

أَصْلَحْتَ بِهِ مَثْوَاكَ- فَأَنْفِقْ فِي حَقٍّ وَ لَا تَكُنْ خَازِناً لِغَيْرِكَ- وَ إِنْ كُنْتَ جَارِعاً عَلَى مَا تَفَلَّتَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ‏ (1)- فَاجْزَعْ عَلَى كُلِّ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْكَ- وَ اسْتَدْلِلْ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ بِمَا كَانَ فَإِنَّمَا الْأُمُورُ أَشْبَاهٌ- وَ لَا تَكْفُرْ ذَا نِعْمَةٍ فَإِنَّ كُفْرَ النِّعْمَةِ مِنْ أَلْأَمِ الْكُفْرِ- وَ اقْبَلِ الْعُذْرَ وَ لَا تَكُونَنَّ مِمَّنْ لَا يَنْتَفِعُ مِنَ الْعِظَةِ إِلَّا بِمَا لَزِمَهُ إِزَالَتُهُ- فَإِنَّ الْعَاقِلَ يَتَّعِظُ بِالْأَدَبِ- وَ الْبَهَائِمَ لَا يَتَّعِظُ إِلَّا بِالضَّرْبِ- اعْرِفِ الْحَقَّ لِمَنْ عَرَفَهُ لَكَ رَفِيعاً كَانَ أَوْ وَضِيعاً- وَ اطْرَحْ عَنْكَ وَارِدَاتِ الْهُمُومِ بِعَزَائِمِ الصَّبْرِ- وَ حُسْنِ الْيَقِينِ‏ (2) مَنْ تَرَكَ الْقَصْدَ جَارَ- وَ نِعْمَ حَظُّ الْمَرْءِ الْقُنُوعُ- وَ مِنْ شَرِّ مَا صَحِبَ الْمَرْءَ الْحَسَدُ- وَ فِي الْقُنُوطِ التَّفْرِيطُ وَ الشُّحُّ يَجْلِبُ الْمَلَامَةَ- وَ الصَّاحِبُ مُنَاسِبٌ‏ (3) وَ الصَّدِيقُ مَنْ صَدَقَ غَيْبُهُ‏ (4)- وَ الْهَوَى شَرِيكُ الْعَمَى‏ (5) وَ مِنَ التَّوْفِيقِ الْوُقُوفُ عِنْدَ الْحَيْرَةِ- وَ نِعْمَ طَارِدُ الْهُمُومِ الْيَقِينُ- وَ عَاقِبَةُ الْكَذِبِ النَّدَمُ وَ فِي الصِّدْقِ السَّلَامَةُ- وَ رُبَّ بَعِيدٍ أَقْرَبُ مِنْ قَرِيبٍ- وَ الْغَرِيبُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبِيبٌ- لَا يُعْدِمْكَ مِنْ شَفِيقٍ سُوءُ الظَّنِّ- وَ مَنْ حُمَّ ظَمِئَ‏ (6) وَ مَنْ تَعَدَّى الْحَقَّ ضَاقَ مَذْهَبُهُ- وَ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَدْرِهِ كَانَ أَبْقَى لَهُ- نِعْمَ الْخُلُقُ التَّكَرُّمُ‏ (7) وَ أَلْأَمُ اللُّؤْمِ الْبَغْيُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ- وَ الْحَيَاءُ سَبَبٌ إِلَى كُلِّ جَمِيلٍ- وَ أَوْثَقُ الْعُرَى التَّقْوَى- وَ أَوْثَقُ سَبَبٍ أَخَذْتَ بِهِ سَبَبٌ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ‏

____________

(1) أي ما تملص و تخلص من اليد فلم يمكن أن يحفظه. و المراد لا تجزع على ما فاتك فان الجزع على ما لم تصله، فالثانى لا يجوز لانه لا يحصر فينال فالجزع عليه مذموم فكذا الأول.

(2) العزائم جمع العزيمة و هي ما جزمت بها و لزمتها من الإرادة المؤكدة الراسخة.

(3) ينبغي أن يكون الصاحب كالنسيب المشفق و يراعى في المصاحب ما يراعى في قرابة النسب.

(4) أي من حفظ لك حقك في ظهر الغيب.

(5) يعني في كونهما موجبين للضلال و عدم الاهتداء معهما الى ما ينبغي من المصلحة.

و في بعض نسخ الحديث «و الهوى شريك العناء» و العناء الشقاء و التعب.

(6) حم الرجل: أصابته الحمى و ظمئ أي عطش. و في بعض نسخ الحديث «من حمى طنى» يعنى من منع نفسه عما يضرّه نال العافية.

(7) التكرم تكلف الكرم، و تكرم عنه: تنزّه.

212

سَرَّكَ مَنْ أَعْتَبَكَ‏ (1)- وَ الْإِفْرَاطُ فِي الْمَلَامَةِ يَشُبُّ نِيرَانَ اللَّجَاجَةِ- كَمْ مِنْ دَنِفٍ قَدْ نَجَا (2) وَ صَحِيحٍ قَدْ هَوَى- وَ قَدْ يَكُونُ الْيَأْسُ إِدْرَاكاً إِذَا كَانَ الطَّمَعُ هَلَاكاً- (3) وَ لَيْسَ كُلُّ عَوْرَةٍ تَظْهَرُ وَ لَا كُلُّ فَرِيضَةٍ تُصَابُ- وَ رُبَّمَا أَخْطَأَ الْبَصِيرُ قَصْدَهُ وَ أَصَابَ الْأَعْمَى رُشْدَهُ وَ لَيْسَ كُلُّ مَنْ طَلَبَ وَجَدَ- وَ لَا كُلُّ مَنْ تُوُفِّيَ نَجَا- أَخِّرِ الشَّرَّ فَإِنَّكَ إِذَا شِئْتَ تَعَجَّلْتَهُ وَ أَحْسِنْ إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ- وَ احْتَمِلْ أَخَاكَ عَلَى مَا فِيهِ- وَ لَا تَكْثُرِ الْعِتَابَ فَإِنَّهُ يُورِثُ الضَّغِينَةَ (4) وَ اسْتَعْتِبْ مَنْ رَجَوْتَ عُتْبَاهُ- وَ قَطِيعَةُ الْجَاهِلِ تَعْدِلُ صِلَةَ الْعَاقِلِ- وَ مِنَ الْكَرَمِ مَنْعُ الْحَزْمِ- وَ مَنْ كَابَرَ الزَّمَانَ عَطِبَ‏ (5) وَ مَنْ يُنْتَقَمُ عَلَيْهِ غَضِبَ- مَا أَقْرَبَ النَّقِمَةَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ وَ أَخْلَقُ بِمَنْ غَدَرَ أَنْ لَا يُوفَى لَهُ- زَلَّةُ الْمُتَوَقِّي أَشَدُّ زَلَّةٍ- وَ عِلَّةُ الْكَذِبِ أَقْبَحُ عِلَّةٍ- وَ الْفَسَادُ يُبِيرُ الْكَثِيرَ (6) وَ الِاقْتِصَادُ يُنْمِي الْيَسِيرَ- وَ الْقِلَّةُ ذِلَّةٌ وَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ مِنْ أَكْرَمِ الطِّبَاعِ- وَ الْمَخَافَةُ شَرٌّ يُخَافُ وَ الزَّلَلُ مَعَ الْعَجَلِ- وَ لَا خَيْرَ فِي لَذَّةٍ تُعْقِبُ نَدَماً الْعَاقِلُ مَنْ وَعَظَتْهُ التَّجَارِبُ- وَ رَسُولُكَ تَرْجُمَانُ عَقْلِكَ وَ الْهُدَى يَجْلُو الْعَمَى- وَ لَيْسَ مَعَ الْخِلَافِ ائْتِلَافٌ- مَنْ خَيَّرَ خَوَّاناً فَقَدْ خَانَ- لَنْ يَهْلِكَ مَنِ اقْتَصَدَ وَ لَنْ يَفْتَقِرَ مَنْ زَهِدَ- يُنْبِئُ‏

____________

(1) اعتبه: أعطاه العتبى و أرضاه أي ما ترك ما كان يغضب عليه من أجله و رجع الى ما أرضاه عنه بعد اسخاطه إيّاه عليه و حقيقته ازال عنه عتبه و الهمزة فيه همزة السلب كما في أشكاه و الاسم العتبى. و قوله «شرك» فى بعض نسخ الحديث «منك» بشد النون.

(2) الدنف- محركة-: المرض اللازم. و المريض الذي لزمه المرض بلفظ واحد في الجميع. يقال: رجل دنف و امرأة دنف و هما دنف- مذكرا و مؤنثا- و هم و هن دنف مصدر وصف به. و الدنف- ككتف-: من لازمه المرض و الجمع ادناف.

(3) يعني إذا كان الطمع في الشي‏ء هلاكا كان اليأس من ذلك الشي‏ء ادراكا للنجاة.

(4) الضغينة: الحقد.

(5) عطب الرجل- كفرح- يعطب عطبا: هلك.

(6) أباره أهلكه.

213

عَنِ امْرِئٍ دَخِيلُهُ‏ (1)- رُبَّ بَاحِثٍ عَنْ حَتْفِهِ‏ (2) لَا يَشُوبَنَّ بِثِقَةٍ رَجَاءً (3)- وَ مَا كُلُّ مَا يُخْشَى يَضُرُّ- وَ لَرُبَّ هَزْلٍ قَدْ عَادَ جِدّاً- مَنْ أَمِنَ الزَّمَانَ خَانَهُ- وَ مَنْ تَعَظَّمَ عَلَيْهِ أَهَانَهُ وَ مَنْ تَرَغَّمَ عَلَيْهِ أَرْغَمَهُ- وَ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ أَسْلَمَهُ وَ لَيْسَ كُلُّ مَنْ رَمَى أَصَابَ- وَ إِذَا تَغَيَّرَ السُّلْطَانُ تَغَيَّرَ الزَّمَانُ- خَيْرُ أَهْلِكَ مَنْ كَفَاكَ- الْمِزَاحُ تُورِثُ الضَّغَائِنَ- أَعْذَرَ مَنِ اجْتَهَدَ وَ رُبَّمَا أَكْدَى الْحَرِيصُ‏ (4) رَأْسُ الدِّينِ صِحَّةُ الْيَقِينِ- تَمَامُ الْإِخْلَاصِ تَجَنُّبُ الْمَعَاصِي- خَيْرُ الْمَقَالِ مَا صَدَّقَهُ الْفِعَالُ- السَّلَامَةُ مَعَ الِاسْتِقَامَةِ وَ الدُّعَاءُ مِفْتَاحُ الرَّحْمَةِ- سَلْ عَنِ الرَّفِيقِ قَبْلَ الطَّرِيقِ وَ عَنِ الْجَارِ قَبْلَ الدَّارِ- وَ كُنْ عَنِ الدُّنْيَا عَلَى قُلْعَةٍ (5)- احْمِلْ مَنْ أَدَلَّ عَلَيْكَ‏ (6) وَ اقْبَلْ عُذْرَ مَنِ اعْتَذَرَ إِلَيْكَ- وَ خُذِ الْعَفْوَ مِنَ النَّاسِ وَ لَا تَبْلُغْ مِنْ أَحَدٍ مَكْرُوهاً (7)- وَ أَطِعْ أَخَاكَ وَ إِنْ عَصَاكَ- وَ صِلْهُ وَ إِنْ جَفَاكَ وَ عَوِّدْ نَفْسَكَ السَّمَاحَ‏ (8)- وَ تَخَيَّرْ لَهَا مِنْ كُلِّ خُلُقٍ أَحْسَنَهُ فَإِنَّ الْخَيْرَ عَادَةٌ- وَ إِيَّاكَ أَنْ تُكْثِرَ مِنَ الْكَلَامِ هَذَراً وَ أَنْ تَكُونَ مُضْحِكاً- وَ إِنْ حَكَيْتَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِكَ وَ أَنْصِفْ مِنْ نَفْسِكَ- وَ إِيَّاكَ وَ مُشَاوَرَةَ النِّسَاءِ فَإِنَّ رَأْيَهُنَّ إِلَى الْأَفْنِ- وَ عَزْمَهُنَّ إِلَى الْوَهْنِ‏ (9)- وَ اكْفُفْ عَلَيْهِنَّ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ بِحِجَابِكَ إِيَّاهُنَّ- فَإِنَّ شِدَّةَ الْحِجَابِ خَيْرٌ لَكَ‏

____________

(1) الدخيل من دخل في قوم و انتسب اليهم و ليس منهم. و دخيل الرجل داخلته و دخيلة المرء: باطنه و ضميره.

(2) الباحث الحافر. و الحتف: الموت أي كم من حافر قبره بيده. يضرب لمن يطلب ما يؤدى أي هلاكه.

(3) في بعض نسخ الحديث و التحف «لا تشترين بثقة رجاء».

(4) أكدى الرجل أي لم يظفر بحاجته.

(5) أي على رحلة و عدم سكونك للتوطن.

(6) أدل عليه وثق بمحبته فأفرط عليه، و اجترأ عليه و المراد هنا المعنى الثاني.

(7) في التحف «و لا تبلغ الى أحد مكروهه».

(8) أي صير نفسك معتادة بالسماحة و الجود.

(9) الافن- بالتحريك-: ضعف الرأى. و الوهن: الضعف.

214

وَ لَهُنَّ مِنَ الِارْتِيَابِ- وَ لَيْسَ خُرُوجُهُنَّ بِأَشَدَّ مِنْ دُخُولِ مَنْ لَا يُوثَقُ بِهِ عَلَيْهِنَ‏ (1)- وَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَعْرِفْنَ غَيْرَكَ مِنَ الرِّجَالِ فَافْعَلْ- وَ لَا تُمَلِّكِ الْمَرْأَةَ مِنَ الْأَمْرِ مَا جَاوَزَ نَفْسَهَا- فَإِنَّ ذَلِكَ أَنْعَمُ لِحَالِهَا وَ أَرْخَى لِبَالِهَا وَ أَدْوَمُ لِجَمَالِهَا- فَإِنَّ الْمَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ وَ لَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ- وَ لَا تَعْدُ بِكَرَامَتِهَا نَفْسَهَا (2)- وَ لَا تُعْطِيهَا أَنْ تَشْفَعَ لِغَيْرِهَا فَيَمِيلَ مَنْ شَفَعَتْ لَهُ عَلَيْكَ مَعَهَا- وَ لَا تُطِلِ الْخَلْوَةَ مَعَ النِّسَاءِ فَيَمْلَلْنَكَ وَ تمللهن [تَمَلَّهُنَ‏ (3)- وَ اسْتَبْقِ مِنْ نَفْسِكَ بَقِيَّةً فَإِنَّ إِمْسَاكَكَ عَنْهُنَّ- وَ هُنَّ تَرَيْنَ أَنَّكَ ذُو اقْتِدَارٍ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَعْثُرْنَ مِنْكَ عَلَى انْكِسَارٍ (4)- وَ إِيَّاكَ وَ التَّغَايُرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْغَيْرَةِ (5)- فَإِنَّ ذَلِكَ يَدْعُو الصَّحِيحَةَ مِنْهُنَّ إِلَى السُّقْمِ وَ لَكِنْ أَحْكِمْ أَمْرَهُنَّ فَإِنْ رَأَيْتَ عَيْباً- فَعَجِّلِ النَّكِيرَ عَلَى الْكَبِيرِ وَ الصَّغِيرِ- وَ إِيَّاكَ أَنْ تُعَاتِبَ فَيَعْظُمَ الذَّنْبُ وَ يَهُونَ الْعَتْبُ- وَ لَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَ قَدْ جَعَلَكَ اللَّهُ حُرّاً- وَ مَا خَيْرٌ بِخَيْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِشَرٍّ وَ يُسْرٌ لَا يُنَالُ إِلَّا بِعُسْرٍ (6)- وَ إِيَّاكَ أَنْ تُوجِفَ بِكَ مَطَايَا الطَّمَعِ‏ (7)- وَ إِنِ‏

____________

(1) أي ادخال من لا يوثق به عليهن اما مساو لخروجهن في المفسدة أو أشدّ و كل ما كان كذلك لا يجوز الرخصة فيه، و انما كان أشدّ في بعض الصور لان دخول من لا يوثق به عليهن أمكن لخلوته بهن و الحديث معهن فيها يزاد من الفساد.

(2) أي لا تكرمها بكرامة تتعدى صلاحها أو لا تجاوز باكرامها نفسها فتكرم غيرها بشفاعتها.

(3) أين هذه الوصية من حال الذين يصرفون النساء في مصالح الأمة و يعدون أنفسهم- على ما يلهجون بها-: المصلح و يرفعون الأصوات بانتصار المرأة و مطالبة حقها في الشئون الاجتماعية و يزعمون أن العفاف اهتضام المرأة و صيانتها عن الفساد تضييع حقها و يقولون كلمة حقّ أرادوا بها الباطل، فأوقدوا نيران الشهوات و أفسدوا الأمة. و إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا انما نحن مصلحون ألا انهم هم المفسدون و لكن لا يشعرون.

(4) عثر يعثر عثورا على السر و غيره: اطلع عليه.

(5) التغاير: اظهار الغيرة على المرأة بسوء الظنّ في حالها من غير موجب.

(6) أي ان الخير الذي لا ينال الا بشر لا يكون خيرا بل يكون شرا لان طريقه شر فكيف يكون خيرا. و هكذا ما لا ينال الا بعسر لا يكون يسرا. و قيل: ان العسر الذي يخشاه الإنسان هو ما يضطره لرذيل الفعال فهو يسعى كل جهده ليتحامى الوقوع فيه فان جعل الرذائل وسيلة لكسب اليسر اي السعة فقد وقع أول الامر فيما يهرب منه فما الفائدة في يسره و هو لا يحميه من النقيصة.

(7) توجف أي تسرع سيرا سريعا. و المطايا جمع المطية و هي الدابّة التي تركب.

و المناهل جمع منهل: موضع الشرب على الطريق و ما ترده إبل و نحوها للشرب.

215

اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ ذُو نِعْمَةٍ فَافْعَلْ- فَإِنَّكَ مُدْرِكٌ قَسْمَكَ وَ آخِذٌ سَهْمَكَ وَ إِنَّ الْيَسِيرَ مِنَ اللَّهِ أَكْرَمُ وَ أَعْظَمُ مِنَ الْكَثِيرِ مِنْ خَلْقِهِ- وَ إِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُ- فَإِنْ نَظَرْتَ فَ لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى‏ فِيمَا تَطْلُبُ مِنَ الْمُلُوكِ- وَ مَنْ دُونَهُمْ مِنَ السِّفْلَةِ- لَعَرَفْتَ أَنَّ لَكَ فِي يَسِيرِ مَا تُصِيبُ مِنَ الْمُلُوكِ افْتِخَاراً- وَ أَنَّ عَلَيْكَ فِي كَثِيرِ مَا تَطْلُبُ مِنَ الدُّنَاةِ عَاراً (1)- إِنَّكَ لَيْسَ بَائِعاً شَيْئاً مِنْ دِينِكَ وَ عِرْضِكَ بِثَمَنٍ- وَ الْمَغْبُونُ مَنْ غَبَنَ نَفْسَهُ مِنَ اللَّهِ- فَخُذْ مِنَ الدُّنْيَا مَا آتَاكَ وَ تَوَلَّ عَمَّا تَوَلَّى عَنْكَ- فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَأَجْمِلْ فِي الطَّلَبِ- وَ إِيَّاكَ وَ مُقَارَبَةَ مَنْ رَهِبْتَهُ عَلَى دِينِكَ وَ عِرْضِكَ- وَ بَاعِدِ السُّلْطَانَ لِتَأْمَنَ خُدَعَ الشَّيْطَانِ- وَ تَقُولُ مَتَى أَرَى مَا أُنْكِرُ نَزَعْتُ- فَإِنَّهُ هَكَذَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ- إِنَّ أَهْلَ الْقِبْلَةِ قَدْ أَيْقَنُوا بِالْمَعَادِ- فَلَوْ سُمْتَ بَعْضَهُمْ بِبَيْعِ آخِرَتِهِ بِالدُّنْيَا لَمْ تَطِبْ بِذَلِكَ نَفْساً (2)- وَ قَدْ يَتَخَيَّلُهُ الشَّيْطَانُ بِخَدْعِهِ وَ مَكْرِهِ- حَتَّى يُوَرِّطَهُ فِي هَلَكَةٍ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا (3) يَسِيرٍ حَقِيرٍ- وَ يَنْقُلَهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَى شَيْ‏ءٍ حَتَّى يُؤْيِسَهُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ- وَ يُدْخِلَهُ فِي الْقُنُوطِ فَيَجِدُ الرَّاحَةَ إِلَى مَا خَالَفَ الْإِسْلَامَ وَ أَحْكَامَهُ- فَإِنْ نَفْسُكَ أَبَتْ إِلَّا حُبَّ الدُّنْيَا وَ قُرْبَ السُّلْطَانِ- فَخَالَفَتْكَ إِلَى مَا نَهَيْتُكَ عَنْهُ مِمَّا فِيهِ رُشْدُكَ- فَامْلِكْ عَلَيْهِ لِسَانَكَ فَإِنَّهُ لَا ثِقَةَ لِلْمُلُوكِ عِنْدَ الْغَضَبِ- فَلَا تَسْأَلْ عَنْ أَخْبَارِهِمْ وَ لَا تَنْطِقْ بِأَسْرَارِهِمْ وَ لَا تَدْخُلْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَ فِي الصَّمْتِ السَّلَامَةُ مِنَ النَّدَامَةِ- وَ تَلَافِيكَ مَا فَرَطَ مِنْ صَمْتِكَ- أَيْسَرُ مِنْ إِدْرَاكِ فَائِدَةِ مَا فَاتَ مِنْ مَنْطِقِكَ- وَ حِفْظُ مَا فِي الْوِعَاءِ بِشَدِّ الْوِكَاءِ- وَ حِفْظُ مَا فِي يَدَيْكَ أَحَبُ‏

____________

(1) الدناءة: جمع دان او الدنى و هو الخسيس.

(2) أي فلو عرضت للبيع من سام السلعة يسوم أي عرضها و ذكر ثمنها. و المعنى أنك لو عرضت ببعضهم بأن يبيع آخرته بالدنيا لم ترض بذلك و لم تطب نفسا بهذه التجارة.

(3) حتى يورطه اي يلقيه في الورطة و يوقعه في المهلكة. «بعرض الدنيا» أي بحطام الدنيا و متاعها. يعنى أن الشيطان ما زال يسول له بشي‏ء حقير من متاع الدنيا حتّى يئس من رحمة اللّه و يخرجه منها فينجر الامر في متابعته الى ما خالف الإسلام.

216

إِلَيْكَ مِنْ طَلَبِ مَا فِي يَدِ غَيْرِكَ‏ (1)- وَ لَا تُحَدِّثْ إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ (2) فَتَكُونَ كَذَّاباً وَ الْكَذِبُ ذُلٌّ- وَ حُسْنُ التَّدْبِيرِ مَعَ الْكَفَافِ أَكْفَى لَكَ مِنَ الْكَثِيرِ مَعَ الْإِسْرَافِ- وَ حُسْنُ الْيَأْسِ خَيْرٌ مِنَ الطَّلَبِ إِلَى النَّاسِ- وَ الْعِفَّةُ مَعَ الْحِرْفَةِ خَيْرٌ مِنْ سُرُورٍ مَعَ فُجُورٍ- وَ الْمَرْءُ أَحْفَظُ سره [لِسِرِّهِ وَ رُبَّ سَاعٍ فِيمَا يَضُرُّهُ- مَنْ أَكْثَرَ هَجَرَ (3) وَ مَنْ تَفَكَّرَ أَبْصَرَ وَ أَحْسَنُ الْمَمَالِيكِ الْأَدَبُ- وَ أَقْلِلِ الْغَضَبَ وَ لَا تُكْثِرِ الْعَتْبَ فِي غَيْرِ ذَنْبٍ- فَإِذَا اسْتَحَقَّ أَحَدٌ مِنْكَ ذَنْباً- فَإِنَّ الْعَفْوَ مَعَ الْعَدْلِ أَشَدُّ مِنَ الضَّرْبِ لِمَنْ كَانَ لَهُ عَقْلٌ- وَ لَا تُمْسِكْ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ وَ خَفِ الْقِصَاصَ- وَ اجْعَلْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ عَمَلًا يَأْخُذُ مِنْهُ- فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ لَا يَتَوَاكَلُوا (4) وَ أَكْرِمْ عَشِيرَتَكَ- فَإِنَّهُمْ جَنَاحُكَ الَّذِي بِهِ تَطِيرُ- وَ أَصْلُكَ الَّذِي إِلَيْهِ تَصِيرُ- وَ أَنَّكَ بِهِمْ تَصُولُ‏ (5) وَ بِهِمْ تَطُولُ اللَّذَّةُ عِنْدَ الشِّدَّةِ- وَ أَكْرِمْ كَرِيمَهُمْ وَ عُدْ سَقِيمَهُمْ‏ (6) وَ أَشْرِكْهُمْ فِي أُمُورِهِمْ وَ تَيَسَّرْ عِنْدَ مَعْسُورِهِمْ- وَ اسْتَعِنْ بِاللَّهِ عَلَى أُمُورِكَ فَإِنَّهُ أَكْفَى مُعِينٍ- وَ اسْتَوْدَعَ اللَّهَ دِينَكَ وَ دُنْيَاكَ وَ اسْأَلْهُ خَيْرَ الْقَضَاءِ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ.

أقول: إن الشيخ الحسن بن علي بن شعبة قد ذكر هذا الخبر في كتاب تحف العقول‏ (7) لكن باختلاف كثير فأردت أن أورده بهذه الرواية أيضا لأنه المسك‏

____________

(1) التلافى التدارك لاصلاح ما فسد أو كاد. و الفرط: القصر و المراد أن سابق الكلام لا يدرك فيسترجع بخلاف مقصر السكوت فسهل تداركه، و الماء يحفظ في القربة بشد وكائها أى رباطها فكذلك اللسان. و فيه تنبيه على وجوب ترجيح الصمت على كثرة الكلام و ذلك لان الكلام يسمع و ينقل فلا يستطاع اعادته صمتا.

(2) أي لا تقل الا عن صدق و ثقة، أول لا تحدث الا عمن تثق به.

(3) الهجر: الهذيان.

(4) كذا و في التحف «و اجعل لكل امرئ منهم عملا تأخذه به، فانه أحرى أن لا يتواكلوا» و مثله في النهج. و التواكل أن يتكل بعضهم على بعض.

(5) الصولة: السطوة و القدرة أي بهم تسطو و تغلب على الغير. و في النهج «يدك التي بها تصول».

(6) من عاد المريض يعوده عيادة أي زاره.

(7) التحف ص 68.

217

كلما كررته يتضوع.

2- مِنَ الْوَالِدِ الْفَانِ الْمُقِرِّ لِلزَّمَانِ- الْمُدْبِرِ الْعُمُرِ الْمُسْتَسْلِمِ لِلدَّهْرِ- الذَّامِّ لِلدُّنْيَا السَّاكِنِ مَسَاكِنَ الْمَوْتَى- الظَّاعِنِ عَنْهَا إِلَيْهِمْ غَداً إِلَى الْمَوْلُودِ الْمُؤَمِّلِ مَا لَا يُدْرِكُ السَّالِكِ سَبِيلَ مَنْ قَدْ هَلَكَ- غَرَضِ الْأَسْقَامِ وَ رَهِينَةِ الْأَيَّامِ وَ رَمِيَّةِ الْمَصَائِبِ- وَ عَبْدِ الدُّنْيَا وَ تَاجِرِ الْغُرُورِ وَ غَرِيمِ الْمَنَايَا- وَ أَسِيرِ الْمَوْتِ وَ حَلِيفِ الْهُمُومِ وَ قَرِينِ الْأَحْزَانِ- وَ نُصُبِ الْآفَاتِ وَ صَرِيعِ الشَّهَوَاتِ وَ خَلِيفَةِ الْأَمْوَاتِ- أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ فِيمَا تَبَيَّنْتُ مِنْ إِدْبَارِ الدُّنْيَا عَنِّي- وَ جُمُوحِ الدَّهْرِ عَلَيَّ وَ إِقْبَالِ الْآخِرَةِ إِلَيَّ- مَا يَزَعُنِي عَنْ ذِكْرِ مَنْ سِوَايَ وَ الِاهْتِمَامِ بِمَا وَرَائِي- غَيْرَ أَنَّهُ حَيْثُ تَفَرَّدَ بِي دُونَ هُمُومِ النَّاسِ هَمُّ نَفْسِي- فَصَدَفَنِي رَأْيِي وَ صَرَفَنِي هَوَايَ- وَ صَرَّحَ لِي مَحْضُ أَمْرِي- فَأَفْضَى بِي إِلَى جِدٍّ لَا يَكُونُ فِيهِ لَعِبٌ- وَ صِدْقٍ لَا يَشُوبُهُ كَذِبٌ- وَ وَجَدْتُكَ بَعْضِي بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي- وَ كَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي- فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِينِي مِنْ أَمْرِ نَفْسِي- فَكَتَبْتُ إِلَيْكَ كِتَابِي هَذَا مُسْتَظْهِراً بِهِ- إِنْ أَنَا بَقِيتُ لَكَ أَوْ فَنِيتُ‏ (1)- فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ أَيْ بُنَيَّ- وَ لُزُومِ أَمْرِهِ وَ عِمَارَةِ قَلْبِكَ بِذِكْرِهِ وَ الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ- وَ أَيُّ سَبَبٍ أَوْثَقُ مِنْ سَبَبٍ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ إِنْ أَنْتَ أَخَذْتَ بِهِ- أَحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ وَ مَوْتَهُ بِالزُّهْدِ وَ قَوِّهِ بِالْيَقِينِ- وَ ذَلِّلْهُ بِالْمَوْتِ‏ (2) وَ قَرِّرْهُ بِالْفَنَاءِ وَ بَصِّرْهُ فَجَائِعَ الدُّنْيَا- وَ حَذِّرْهُ صَوْلَةَ الدَّهْرِ وَ فُحْشَ تَقَلُّبِ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامِ- وَ اعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْمَاضِينَ- وَ ذَكِّرْهُ بِمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ وَ سِرْ فِي بِلَادِهِمْ وَ آثَارِهِمْ وَ انْظُرْ مَا فَعَلُوا وَ أَيْنَ حَلُّوا وَ عَمَّنْ انْتَقَلُوا- فَإِنَّكَ تَجِدُهُمُ انْتَقَلُوا عَنِ الْأَحِبَّةِ- وَ حَلُّوا دَارَ الْغُرْبَةِ وَ نَادِ فِي دِيَارِهِمْ- أَيَّتُهَا الدِّيَارُ الْخَالِيَةُ أَيْنَ أَهْلُكِ- ثُمَّ قِفْ عَلَى قُبُورِهِمْ فَقُلْ- أَيَّتُهَا الْأَجْسَادُ الْبَالِيَةُ وَ الْأَعْضَاءُ الْمُتَفَرِّقَةُ- كَيْفَ وَجَدْتُمُ الدَّارَ الَّتِي أَنْتُمْ بِهَا- أَيْ بُنَيَّ وَ كَأَنَّكَ عَنْ قَلِيلٍ قَدْ صِرْتَ كَأَحَدِهِمْ فَأَصْلِحْ مَثْوَاكَ- وَ لَا تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيَاكَ- وَ دَعِ الْقَوْلَ‏

____________

(1) تقدم تفسير جملات الحديث في ما نقل عن كتاب كشف المحجة.

(2) في النهج «و أمته بالزهادة و قوه باليقين و نوره بالحكمة و ذلّله بذكر الموت».

218

فِيمَا لَا تَعْرِفُ وَ الْخِطَابَ فِيمَا لَا تُكَلَّفُ- وَ أَمْسِكْ عَنْ طَرِيقٍ إِذَا خِفْتَ ضَلَالَهُ- فَإِنَّ الْكَفَّ عَنْ حَيْرَةِ الضَّلَالَةِ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ الْأَهْوَالِ- وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ- وَ أَنْكِرِ الْمُنْكَرَ بِلِسَانِكَ وَ يَدِكَ وَ بَايِنْ مَنْ فَعَلَهُ بِجُهْدِكَ- وَ جَاهِدْ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ وَ لَا تَأْخُذْكَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ- وَ خُضِ الْغَمَرَاتِ إِلَى الْحَقِّ حَيْثُ كَانَ‏ (1)- وَ تَفَقَّهْ فِي الدِّينِ وَ عَوِّدْ نَفْسَكَ التَّصَبُّرَ (2)- وَ أَلْجِئْ نَفْسَكَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا إِلَى إِلَهِكَ- فَإِنَّكَ تُلْجِئُهَا إِلَى كَهْفٍ حَرِيزٍ- وَ مَانِعٍ عَزِيزٍ وَ أَخْلِصْ فِي الْمَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ- فَإِنَّ بِيَدِهِ الْعَطَاءَ وَ الْحِرْمَانَ وَ أَكْثِرِ الِاسْتِخَارَةَ- وَ تَفَهَّمْ وَصِيَّتِي وَ لَا تَذْهَبَنَّ عَنْهَا صَفْحاً (3)- فَإِنَّ خَيْرَ الْقَوْلِ مَا نَفَعَ- وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَ لَا يُنْتَفَعُ بِعِلْمٍ حَتَّى لَا يُقَالَ بِهِ‏ (4): أَيْ بُنَيَّ إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُكَ قَدْ بَلَغْتَ سِنّاً (5) وَ رَأَيْتُنِي أَزْدَادُ وَهْناً- بَادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِيَّاكَ خِصَالًا مِنْهُنَّ مَخَافَةَ أَنْ يَعْجَلَ بِي أَجَلِي‏ (6)- دُونَ أَنْ أُفْضِيَ إِلَيْكَ بِمَا فِي نَفْسِي أَوْ أُنْقَصَ فِي رَأْيِي- كَمَا نُقِصْتُ فِي جِسْمِي- أَوْ يَسْبِقَنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ الْهَوَى وَ فِتَنِ الدُّنْيَا- فَتَكُونَ كَالصَّعْبِ النَّفُورِ- وَ إِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالْأَرْضِ الْخَالِيَةِ- مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْ‏ءٍ قَبِلَتْهُ فَبَادَرْتُكَ بِالْأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ- وَ يَشْغَلَ لُبُّكَ لِتَسْتَقْبِلَ بِجِدِّ رَأْيِكَ مِنَ الْأَمْرِ مَا قَدْ كَفَاكَ أَهْلُ التَّجَارِبِ بُغْيَتَهُ وَ تَجْرِبَتَهُ‏ (7)- فَتَكُونَ قَدْ كُفِيتَ مَئُونَةَ الطَّلَبِ- وَ عُوفِيتَ‏

____________

(1) في بعض نسخ الحديث «للحق» مكان «بالموت». الغمرات: الشدائد.

(2) في النهج «و عود نفسك التصبر على المكروه و نعم الخلق التبصر». و التصبر تكلف الصبر.

(3) الصفح: الاعراض. و في بعض النسخ «لا تذهبن منك صفحا».

(4) في النهج «و لا ينتفع بعلم لا يحق تعلمه». و ذلك تنبيه على أن من العلوم ما لا خير فيه و هي التي نهت الشريعة عن تعلمها كالسحر و الكهانة و النجوم و النير نجات و نحوها.

(5) في النهج «انى لما رأيتني قد بلغت سنا».

(6) في النهج «بادرت بوصيتي إليك و أوردت خصالا منها قبل أن يعجل بى أجلى».

(7) و ذلك ليكون جد رأيك أي محققه و ثابته مستعدا لقبول الحقائق التي وقف عليها أهل التحارب و كفوك طلبها. و البغية بالكسر: الطلب. و في بعض النسخ «تعقله و تجربته».

219

مِنْ عِلَاجِ التَّجْرِبَةِ فَأَتَاكَ مِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ كُنَّا نَأْتِيهِ- وَ اسْتَبَانَ لَكَ مِنْهُ مَا رُبَّمَا أَظْلَمَ عَلَيْنَا فِيهِ- أَيْ بُنَيَّ وَ إِنِّي وَ إِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي- فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ وَ فَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ وَ سِرْتُ فِي آثَارِهِمْ- حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ- بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ- قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ- فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ وَ نَفْعَهُ مِنْ ضَرِّهِ- فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ نَخِيلَهُ وَ تَوَخَّيْتُ لَكَ جَمِيلَهُ- وَ صَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ- وَ رَأَيْتُ حَيْثُ عَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِي الْوَالِدَ الشَّفِيقَ- وَ أَجْمَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَبِكَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ- وَ أَنْتَ مُقْبِلٌ بَيْنَ ذِي النَّقِيَّةِ وَ النِّيَّةِ- وَ أَنْ أَبْدَأَكَ بِتَعْلِيمِ كِتَابِ اللَّهِ‏ (1) وَ تَأْوِيلِهِ- وَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَ أَحْكَامِهِ وَ حَلَالِهِ وَ حَرَامِهِ- لَا أُجَاوِزُ ذَلِكَ بِكَ إِلَى غَيْرِهِ- ثُمَّ أَشْفَقْتُ أَنْ يَلْبِسَكَ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ [مِنْ أَهْوَائِهِمْ- مِثْلَ الَّذِي لَبَسَهُمْ‏ (2)- وَ كَانَ إِحْكَامُ ذَلِكَ لَكَ عَلَى مَا كَرِهْتُ مِنْ تَنْبِيهِكَ لَهُ- أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِكَ إِلَى أَمْرٍ لَا آمَنُ عَلَيْكَ فِيهِ الْهَلَكَةَ- وَ رَجَوْتُ أَنْ يُوَفِّقَكَ اللَّهُ فِيهِ لِرُشْدِكَ- وَ أَنْ يَهْدِيَكَ لِقَصْدِكَ فَعَهِدْتُ إِلَيْكَ وَصِيَّتِي هَذِهِ- وَ اعْلَمْ مَعَ ذَلِكَ‏ (3) أَيْ بُنَيَّ- أَنَّ أَحَبَّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِهِ إِلَيَّ مِنْ وَصِيَّتِي تَقْوَى اللَّهِ- وَ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا افْتَرَضَ عَلَيْكَ- وَ الْأَخْذُ بِمَا مَضَى عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ مِنْ آبَائِكَ- وَ الصَّالِحُونَ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِكَ- فَإِنَّهُمْ لَمْ يَدَعُوا أَنْ يَنْظُرُوا لِأَنْفُسِهِمْ كَمَا أَنْتَ نَاظِرٌ- وَ فَكَّرُوا كَمَا أَنْتَ مُفَكِّرٌ ثُمَّ رَدَّهُمْ آخِرُ ذَلِكَ إِلَى الْأَخْذِ بِمَا عَرَفُوا- وَ الْإِمْسَاكِ عَمَّا لَمْ يُكَلَّفُوا فَإِنْ أَبَتْ نَفْسُكَ أَنْ تَقْبَلَ ذَلِكَ دُونَ أَنْ تَعْلَمَ كَمَا كَانُوا عَلِمُوا- فَلْيَكُنْ طَلَبُكَ ذَلِكَ بِتَفَهُّمٍ وَ تَعَلُّمٍ لَا بِتَوَرُّطِ الشُّبُهَاتِ- وَ عُلُوِّ الْخُصُومَاتِ- وَ ابْدَأْ قَبْلَ نَظَرِكَ فِي ذَلِكَ بِالاسْتِعَانَةِ بِإِلَهِكَ عَلَيْهِ- وَ الرَّغْبَةِ

____________

(1) في النهج «و أنت مقبل العمر، مقتبل الدهر، ذو نية سليمة و نفس صافية و أن أبتدئك بتعليم كتاب اللّه». و في بعض نسخ الكتاب «ذى الفئة».

(2) في النهج «أن يلتبس عليك ما اختلف الناس فيه من أهوائهم و آرائهم مثل الذي التبس عليهم».

(3) في المصدر و أحكم مع ذلك.

220

إِلَيْهِ فِي تَوْفِيقِكَ- وَ تَرْكِ كُلِّ شَائِبَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَيْكَ شُبْهَةً (1) وَ أَسْلَمَتْكَ إِلَى ضَلَالَةٍ- وَ إِذَا أَنْتَ أَيْقَنْتَ أَنْ قَدْ صَفَا لَكَ قَلْبُكَ فَخَشَعَ- وَ تَمَّ رَأْيُكَ فَاجْتَمَعَ وَ كَانَ هَمُّكَ فِي ذَلِكَ هَمّاً وَاحِداً- فَانْظُرْ فِيمَا فَسَّرْتُ لَكَ- وَ إِنْ أَنْتَ لَمْ يَجْتَمِعْ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْ نَفْسِكَ- مِنْ فَرَاغِ فِكْرِكَ وَ نَظَرِكَ- فَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّمَا تَخْبِطُ خَبْطَ الْعَشْوَاءِ- وَ لَيْسَ طَالِبُ الدِّينِ مَنْ خَبَطَ وَ لَا خَلَطَ وَ الْإِمْسَاكُ عِنْدَ ذَلِكَ أَمْثَلُ- وَ إِنَّ أَوَّلَ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ وَ آخِرَهُ- أَنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ إِلَهِي وَ إِلَهَكَ وَ إِلَهَ آبَائِكَ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ- وَ رَبِّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ- وَ كَمَا هُوَ أَهْلُهُ وَ كَمَا يُحِبُّ- وَ يَنْبَغِي وَ نَسْأَلُهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَنَّا عَلَى نَبِيِّنَا ص وَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَ عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَ رُسُلِهِ- بِصَلَاةِ جَمِيعِ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ- وَ أَنْ يُتِمَّ نِعَمَهُ عَلَيْنَا فِيمَا وَفَّقَنَا لَهُ مِنْ مَسْأَلَتِهِ بِالْإِجَابَةِ لَنَا- فَإِنَّ بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ- فَتَفَهَّمْ أَيْ بُنَيَّ وَصِيَّتِي- وَ اعْلَمْ أَنَّ مَالِكَ الْمَوْتِ هُوَ مَالِكُ الْحَيَاةِ- وَ أَنَّ الْخَالِقَ هُوَ الْمُمِيتُ- وَ أَنَّ الْمُفْنِيَ هُوَ الْمُعِيدُ وَ أَنَّ الْمُبْتَلِيَ هُوَ الْمُعَافِي- وَ أَنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ لِتَسْتَقِيمَ- إِلَّا عَلَى مَا خَلَقَهَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَلَيْهِ- مِنَ النَّعْمَاءِ وَ الِابْتِلَاءِ وَ الْجَزَاءِ فِي الْمَعَادِ أَوْ مَا شَاءَ مِمَّا لَا نَعْلَمُ- فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْ‏ءٌ مِنْ ذَلِكَ فَاحْمِلْهُ عَلَى جَهَالَتِكَ بِهِ- وَ أَنَّكَ أَوَّلَ مَا خُلِقْتَ خُلِقْتَ جَاهِلًا- ثُمَّ عُلِّمْتَ وَ مَا أَكْثَرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ الْأَمْرِ- وَ يَتَحَيَّرُ فِيهِ رَأْيُكَ وَ يَضِلُّ فِيهِ بَصَرُكَ ثُمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ- فَاعْتَصِمْ بِالَّذِي خَلَقَكَ وَ رَزَقَكَ وَ سَوَّاكَ- فَلْيَكُنْ لَهُ تَعَمُّدُكَ‏ (2) وَ إِلَيْهِ رَغْبَتُكَ وَ مِنْهُ شَفَقَتُكَ- وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ أَحَداً لَمْ يُنْبِئْ عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- كَمَا أَنْبَأَ عَنْهُ نَبِيُّنَا ص فَارْضَ بِهِ رَائِداً (3)- وَ إِلَى النَّجَاةِ قَائِداً- فَإِنِّي لَمْ آلُكَ نَصِيحَةً- (4)

____________

(1) في النهج «أولجتك في شبهة أو أسلمتك الى ضلالة».

(2) في النهج «له تعبدك».

(3) الرائد: هو الذي يذهب لطلب المنزل لصاحبه أو من ترسله في طلب الكلاء ليتعرف موقعه و الرسول قد عرف عن اللّه و أخبرنا بمرضاته، فهو رائد سعادتنا.

(4) أي لم اقصر في نصيحتك.

221

وَ إِنَّكَ لَمْ تَبْلُغْ فِي النَّظَرِ لِنَفْسِكَ وَ إِنِ اجْتَهَدْتَ مَبْلَغَ نَظَرِي لَكَ- وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكٌ لَأَتَتْكَ رُسُلُهُ- وَ لَرَأَيْتَ آثَارَ مُلْكِهِ وَ سُلْطَانِهِ- وَ لَعَرَفْتَ صِفَتَهُ وَ فِعَالَهُ وَ لَكِنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ- لَا يُضَادُّهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ وَ لَا يُحَاجُّهُ وَ أَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ- وَ أَنَّهُ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَثْبُتَ لِرُبُوبِيَّتِهِ بِالْإِحَاطَةِ قَلْبٌ أَوْ بَصَرٌ (1)- وَ إِذَا أَنْتَ عَرَفْتَ ذَلِكَ فَافْعَلْ- كَمَا يَنْبَغِي لِمِثْلِكَ فِي صِغَرِ خَطَرِكَ وَ قِلَّةِ مَقْدُرَتِكَ- وَ عِظَمِ حَاجَتِكَ إِلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَهُ- فِي طَلَبِ طَاعَتِهِ وَ الرَّهْبَةِ لَهُ وَ الشَّفَقَةِ مِنْ سُخْطِهِ- فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْكَ إِلَّا بِحَسَنٍ وَ لَمْ يَنْهَكَ إِلَّا عَنْ قَبِيحٍ- أَيْ بُنَيَّ إِنِّي قَدْ أَنْبَأْتُكَ عَنِ الدُّنْيَا وَ حَالِهَا- وَ زَوَالِهَا وَ انْتِقَالِهَا بِأَهْلِهَا- وَ أَنْبَأْتُكَ عَنِ الْآخِرَةِ وَ مَا أُعِدَّ لِأَهْلِهَا فِيهَا- وَ ضَرَبْتُ لَكَ فِيهَا الْأَمْثَالَ- إِنَّمَا مَثَلُ مَنْ أَبْصَرَ الدُّنْيَا كَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ نَبَا بِهِمْ مَنْزِلٌ جَدْبٌ- فَأَمُّوا مَنْزِلًا خَصِيباً وَ جَنَاباً مَرِيعاً- فَاحْتَمَلُوا وَعْثَاءَ الطَّرِيقِ‏ (2)- وَ فِرَاقَ الصَّدِيقِ وَ خُشُونَةَ السَّفَرِ فِي الطَّعَامِ وَ الْمَنَامِ‏ (3)- لِيَأْتُوا سَعَةَ دَارِهِمْ وَ مَنْزِلَ قَرَارِهِمْ- فَلَيْسَ يَجِدُونَ لِشَيْ‏ءٍ مِنْ ذَلِكَ أَلَماً- وَ لَا يَرَوْنَ نَفَقَتَهُ مَغْرَماً- وَ لَا شَيْئاً أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِمَّا قَرَّبَهُمْ مِنْ مَنْزِلِهِمْ- وَ مَثَلُ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانُوا بِمَنْزِلٍ خِصْبٍ- فَنَبَا بِهِمْ إِلَى مَنْزِلٍ جَدْبٍ فَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِمْ- وَ لَا أَهْوَلَ لَدَيْهِمْ مِنْ مُفَارَقَةِ مَا هُمْ فِيهِ إِلَى مَا يَهْجُمُونَ عَلَيْهِ‏ (4)- وَ يَصِيرُونَ إِلَيْهِ- وَ قَرَعْتُكَ بِأَنْوَاعِ الْجَهَالاتِ لِئَلَّا تَعُدَّ نَفْسَكَ عَالِماً- فَإِنْ وَرَدَ عَلَيْكَ شَيْ‏ءٌ لَا تَعْرِفُهُ أَكْبَرْتَ ذَلِكَ- فَإِنَّ الْعَالِمَ مَنْ عَرَفَ أَنَّ مَا يَعْلَمُ فِيمَا لَا يَعْلَمُ قَلِيلٌ- فَعَدَّ نَفْسَهُ بِذَلِكَ جَاهِلًا- فَازْدَادَ بِمَا عَرَفَ مِنْ ذَلِكَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ اجْتِهَاداً- فَمَا يَزَالُ لِلْعِلْمِ طَالِباً وَ فِيهِ رَاغِباً وَ لَهُ مُسْتَفِيداً- وَ لِأَهْلِهِ خَاشِعاً وَ لِرَأْيِهِ مُتَّهِماً (5) وَ لِلصَّمْتِ لَازِماً- وَ لِلْخَطَإِ حَاذِراً وَ مِنْهُ مُسْتَحْيِياً

____________

(1) كذا و في النهج «من أن يثبت ربوبيته باحاطة قلب أو بصر».

(2) الجناب: الناحية. و الريع: كثير العشب. و وعثاء الطريق: مشقته.

(3) في النهج «خشونة السفر و جشوبة المطعم» و الجشوبة بضم الجيم: الغلظ أو كون الطعام بلا أدم.

(4) هجم عليه أي انتهى إليه بغتة.

(5) في المصدر «و لاهله خاشعا مهتما».

222

وَ إِنْ وَرَدَ عَلَيْهِ مَا لَا يَعْرِفُ لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ- لِمَا قَرَّرَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ الْجَهَالَةِ- وَ إِنَّ الْجَاهِلَ مَنْ عَدَّ نَفْسَهُ بِمَا جَهِلَ مِنْ مَعْرِفَةِ الْعِلْمِ عَالِماً- وَ بِرَأْيِهِ مُكْتَفِياً فَمَا يَزَالُ لِلْعُلَمَاءِ مُبَاعِداً- وَ عَلَيْهِمْ زَارِياً وَ لِمَنْ خَالَفَهُ مُخَطِّئاً- وَ لِمَا لَمْ يَعْرِفْ مِنَ الْأُمُورِ مُضَلِّلًا- فَإِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ مِنَ الْأُمُورِ مَا لَمْ يَعْرِفْهُ أَنْكَرَهُ وَ كَذَّبَ بِهِ- وَ قَالَ بِجَهَالَتِهِ مَا أَعْرِفُ هَذَا وَ مَا أَرَاهُ كَانَ- وَ مَا أَظُنُّ أَنْ يَكُونَ وَ أَنَّى كَانَ- وَ ذَلِكَ لِثِقَتِهِ بِرَأْيِهِ وَ قِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِجَهَالَتِهِ- فَمَا يَنْفَكُّ بِمَا يَرَى مِمَّا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ رَأْيَهُ- مِمَّا لَا يَعْرِفُ لِلْجَهْلِ مُسْتَفِيداً- وَ لِلْحَقِّ مُنْكِراً- وَ فِي الْجَهَالَةِ مُتَحَيِّراً وَ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ مُسْتَكْبِراً- أَيْ بُنَيَّ تَفَهَّمْ وَصِيَّتِي- وَ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ غَيْرِكَ- فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ- وَ اكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ- وَ لَا تَظْلِمْ كَمَا لَا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ وَ أَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ- وَ اسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُ مِنْ غَيْرِكَ- وَ ارْضَ مِنَ النَّاسِ لَكَ مَا تَرْضَى بِهِ لَهُمْ مِنْكَ- وَ لَا تَقُلْ بِمَا لَا تَعْلَمُ بَلْ لَا تَقُلْ كُلَّ مَا تَعْلَمُ- وَ لَا تَقُلْ مَا لَا تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ- وَ اعْلَمْ أَنَّ الْإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ وَ آفَةُ الْأَلْبَابِ- فَإِذَا أَنْتَ هُدِيتَ لِقَصْدِكَ فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ وَ اعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ طَرِيقاً ذَا مَشَقَّةٍ بَعِيدَةٍ وَ أَهْوَالٍ شَدِيدَةٍ- وَ أَنَّهُ- لَا غِنَى بِكَ فِيهِ عَنْ حُسْنِ ارْتِيَادٍ (1)- وَ قَدْرِ بَلَاغِكَ مِنَ الزَّادِ (2) وَ خِفَّةِ الظَّهْرِ- فَلَا تَحْمِلَنَّ عَلَى ظَهْرِكَ فَوْقَ بَلَاغِكَ- فَيَكُونَ ثِقْلًا وَ وَبَالًا عَلَيْكَ- وَ إِذَا وَجَدْتَ مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ مَنْ يَحْمِلُ لَكَ زَادَكَ- فَيُوَافِيكَ بِهِ حَيْثُ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَاغْتَنِمْهُ- وَ اغْتَنِمْ مَنِ اسْتَقْرَضَكَ‏ (3)

____________

(1) الارتياد: الطلب أصله واوى من راد يرود و حسن الارتياد: اتيانه من وجهه.

(2) البلاغ بالفتح: الكفاية أي ما يكفى من العيش و لا يفضل.

(3) في قوله: «من استقرضك إلخ» حث على الصدقة و المراد انك إذا أنفقت المال على الفقراء و أهل الحاجة كان أجر ذلك و ثوابه ذخيرة لك تنالها في القيامة فكانهم حملوا عنك زادك و يؤدونه إليك وقت الحاجة.

223

فِي حَالِ غِنَاكَ- وَ اجْعَلْ وَقْتَ قَضَائِكَ فِي يَوْمِ عُسْرَتِكَ‏ (1) وَ اعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ عَقَبَةً كَئُوداً- لَا مَحَالَةَ مُهْبِطاً بِكَ عَلَى جَنَّةٍ أَوْ عَلَى نَارٍ- الْمُخِفُّ فِيهَا أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْمُثْقِلِ فَارْتَدْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ نُزُولِكَ‏ (2)- وَ اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- قَدْ أَذِنَ بِدُعَائِكَ وَ تَكَفَّلَ بِإِجَابَتِكَ- وَ أَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ لِيُعْطِيَكَ وَ هُوَ رَحِيمٌ- لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ تَرْجُمَاناً- وَ لَمْ يَحْجُبْكَ عَنْهُ- وَ لَمْ يُلْجِئْكَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ إِلَيْهِ لَكَ- وَ لَمْ يَمْنَعْكَ إنْ أَسَأْتَ التَّوْبَةَ (3) وَ لَمْ يُعَيِّرْكَ بِالْإِنَابَةِ- وَ لَمْ يُعَاجِلْكَ بِالنَّقِمَةِ- وَ لَمْ يَفْضَحْكَ حَيْثُ تَعَرَّضْتَ لِلْفَضِيحَةِ- وَ لَمْ يُنَاقِشْكَ بِالْجَرِيمَةِ وَ لَمْ يُؤْيِسْكَ مِنَ الرَّحْمَةِ- وَ لَمْ يُشَدِّدْ عَلَيْكَ فِي التَّوْبَةِ فَجَعَلَ النُّزُوعَ عَنِ الذَّنْبِ حَسَنَةً (4)- وَ حَسَبَ سَيِّئَتَكَ وَاحِدَةً وَ حَسَبَ حَسَنَتَكَ عَشْراً- وَ فَتَحَ لَكَ بَابَ الْمَتَابِ وَ الِاسْتِئْنَافِ‏ (5) فَمَتَى شِئْتَ سَمِعَ نِدَاءَكَ وَ نَجْوَاكَ- فَأَفْضَيْتَ إِلَيْهِ بِحَاجَتِكَ وَ أَنْبَأْتَهُ عَنْ ذَاتِ نَفْسِكَ- وَ شَكَوْتَ إِلَيْهِ هُمُومَكَ وَ اسْتَعَنْتَهُ عَلَى أُمُورِكَ- وَ نَاجَيْتَهُ بِمَا تَسْتَخْفِي بِهِ مِنَ الْخَلْقِ مِنْ سِرِّكَ‏ (6)- ثُمَّ جَعَلَ بِيَدِكَ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِهِ- فَأَلْحِحْ فِي الْمَسْأَلَةِ يَفْتَحْ لَكَ بَابَ الرَّحْمَةِ- بِمَا أَذِنَ لَكَ فِيهِ مِنْ مَسْأَلَتِهِ‏

____________

(1) كذا و في النهج «و اغتنم من استقرضك في حال غناك ليجعل قضائه لك في يوم عسرتك».

(2) فارتد لنفسك أصله من راد يرود إذا طلب و تفقد و تهيأ مكانا لينزل إليها و المراد ابعث رائدا من قبلك من الاعمال الصالحة توقفك الثقة به على جودة المنزل. و في النهج «و لم يمنعك ان أسأت من التوبة». و الانابة الرجوع إلى اللّه.

(3) التوبة مفعول لقوله (عليه السلام) «و لم يمنعك».

(4) النزوع: الرجوع و الكف.

(5) المتاب: التوبة. و الاستئناف: الاخذ في الشي‏ء و ابتداؤه. و في بعض النسخ «استيتاب».

(6) المناجاة: المكالمة سرا.

224

فَمَتَى شِئْتَ اسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعَاءِ أَبْوَابَ خَزَائِنِهِ- فَأَلْحِحْ‏ (1) وَ لَا يُقَنِّطْكَ إِنْ أَبْطَأَتْ عَنْكَ الْإِجَابَةُ- فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ الْمَسْأَلَةِ- وَ رُبَّمَا أُخِّرَتْ عَنْكَ الْإِجَابَةُ لِيَكُونَ أَطْوَلَ لِلْمَسْأَلَةِ وَ أَجْزَلَ لِلْعَطِيَّةِ- وَ رُبَّمَا سَأَلْتَ الشَّيْ‏ءَ فَلَمْ تُؤْتَهُ وَ أُوتِيتَ خَيْراً مِنْهُ عَاجِلًا وَ آجِلًا- أَوْ صُرِفَ عَنْكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ- فَلَرُبَّ أَمْرٍ قَدْ طَلَبْتَهُ فِيهِ هَلَاكُ دِينِكَ لَوْ أُوتِيتَهُ- وَ لْتَكُنْ مَسْأَلَتُكَ فِيمَا يَعْنِيكَ مِمَّا يَبْقَى لَكَ جَمَالُهُ- أَوْ يُنْفَى عَنْكَ وَبَالُهُ وَ الْمَالُ لَا يَبْقَى لَكَ وَ لَا تَبْقَى لَهُ- فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ تَرَى عَاقِبَةَ أَمْرِكَ حَسَناً أَوْ سَيِّئاً- أَوْ يَعْفُوَ الْعَفُوُّ الْكَرِيمُ وَ اعْلَمْ أَنَّكَ خُلِقْتَ لِلْآخِرَةِ لَا لِلدُّنْيَا- وَ لِلْفَنَاءِ لَا لِلْبَقَاءِ وَ لِلْمَوْتِ لَا لِلْحَيَاةِ وَ أَنَّكَ فِي مَنْزِلِ قُلْعَةٍ وَ دَارِ بُلْغَةٍ وَ طَرِيقٍ إِلَى الْآخِرَةِ- أَنَّكَ طَرِيدُ الْمَوْتِ الَّذِي لَا يَنْجُو مِنْهُ هَارِبُهُ- وَ لَا بُدَّ أَنَّهُ يُدْرِكُكَ يَوْماً- فَكُنْ مِنْهُ عَلَى حَذَرِ أَنْ يُدْرِكَكَ عَلَى حَالٍ سَيِّئَةٍ- قَدْ كُنْتَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ فِيهَا بِالتَّوْبَةِ- فَتَحُولَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ ذَلِكَ- فَإِذَا أَنْتَ قَدْ أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ- أَيْ بُنَيَّ أَكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ وَ ذِكْرَ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ- وَ تُفْضِي بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَيْهِ- وَ اجْعَلْهُ أَمَامَكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ وَ قَدْ أَخَذْتَ مِنْهُ حِذْرَكَ- (2) وَ لَا يَأْخُذْكَ عَلَى غِرَّتِكَ- وَ أَكْثِرْ ذِكْرَ الْآخِرَةِ وَ مَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ وَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ- فَإِنَّ ذَلِكَ يُزَهِّدُكَ فِي الدُّنْيَا وَ يُصَغِّرُهَا عِنْدَكَ- وَ قَدْ نَبَّأَكَ اللَّهُ عَنْهَا وَ نَعَتَتْ لَكَ نَفْسَهَا (3) وَ كَشَفَتْ عَنْ مَسَاوِيهَا- فَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِمَا تَرَى مِنْ إِخْلَادِ أَهْلِهَا إِلَيْهَا- وَ تَكَالُبِهِمْ عَلَيْهَا (4) وَ إِنَّمَا أَهْلُهَا كِلَابٌ عَاوِيَةٌ

____________

(1) يقال: ألح في السؤال: ألحف فيه و أقبل عليه مواظبا.

(2) الحذر- بالكسر-: الاحتراز و الاحتراس. و الغرة- بالكسر فالتشديد-، الغفلة.

(3) النعى: الاخبار بالموت و المراد أن الدنيا تخبر بحالها من التغير و التحول عن فنائها.

(4) التكالب، التواثب و تكالبهم عليها أي شدة حرصهم عليها.

225

وَ سِبَاعٌ ضَارِيَةٌ- يَهِرُّ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ‏ (1)- يَأْكُلُ عَزِيزُهَا ذَلِيلَهَا وَ كَبِيرُهَا صَغِيرَهَا قَدْ أَضَلَّتْ أَهْلَهَا عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ- وَ سَلَكَتْ بِهِمْ طَرِيقَ الْعَمَى‏ (2) وَ أَخَذَتْ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْ مَنْهَجِ الصَّوَابِ- فَتَاهُوا فِي حَيْرَتِهَا (3) وَ غَرِقُوا فِي فِتْنَتِهَا- وَ اتَّخَذُوهَا رَبّاً فَلَعِبَتْ بِهِمْ- وَ لَعِبُوا بِهَا وَ نَسُوا مَا وَرَاءَهَا- فَإِيَّاكَ يَا بُنَيَّ أَنْ تَكُونَ قَدْ شَانَتْهُ كَثْرَةُ عُيُوبِهَا (4)- نَعَمٌ مُعَقَّلَةٌ وَ أُخْرَى مُهْمَلَةٌ قَدْ أَضَلَّتْ عُقُولَهَا- وَ رَكِبَتْ مَجْهُولَهَا سُرُوحُ عَاهَةٍ بِوَادٍ وَعْثٍ- لَيْسَ لَهَا رَاعٍ يُقِيمُهَا- رُوَيْداً حَتَّى يُسْفِرَ الظَّلَامُ- كَأَنْ قَدْ وَرَدَتِ الظَّعِينَةُ (5) يُوشِكُ مَنْ أَسْرَعَ أَنْ يَئُوبَ وَ اعْلَمْ أَنَّ مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ- فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ وَ إِنْ كَانَ لَا يَسِيرُ (6) أَبَى اللَّهُ إِلَّا خَرَابَ الدُّنْيَا وَ عِمَارَةَ الْآخِرَةِ أَيْ بُنَيَّ فَإِنْ تَزْهَدْ فِيمَا زَهَّدَكَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الدُّنْيَا- وَ تَعْزِفْ نَفْسَكَ عَنْهَا فَهِيَ أَهْلُ ذَلِكَ- وَ إِنْ كُنْتَ غَيْرَ قَابِلٍ نَصِيحَتِي إِيَّاكَ فِيهَا- فَاعْلَمْ يَقِيناً أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ وَ لَنْ تَعْدُوَ أَجَلَكَ وَ أَنَّكَ فِي سَبِيلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ- فَاخْفِضْ فِي الطَّلَبِ‏ (7) وَ أَجْمِلْ فِي‏

____________

(1) الضاربة: المولعة بالافتراس. يهر أي يكره أن ينظر بعضها بعضا و يمقت.

(2) العمى و العماءة: الغواية.

(3) فتاهوا أي ضلوا الطريق. و الحيرة: التحير و التردد.

(4) الشين: ضد الزين. أى اياك أن تكون الذي شانته كثرة عيوب الدنيا. و عقل البعير بالتشديد شد وظيفه الى ذراعه. و النعم- محركة-: الإبل أي أهلها على قسمين قسم كإبل منعها عن الشر عقالها و هم الضعفاء و أخرى مهملة تأتي من السوء ما تشاء و هم الاقوياء.

(5) الظعينة: الهودج. عبر به (عليه السلام) عن المسافرين في طريق الدنيا الى الآخرة كأن حالهم أن وردوا على غاية سيرهم. و قوله: «يئوب» أي يرجع.

(6) و في بعض النسخ «و ان كان واقعا لا يسير».

(7) فاخفض أي و ارفق من الخفض بمعنى السهل. و أجمل فيما تكتسب أي اسع سعيا جميلا لا بحرص و لا بطمع.

226

الْمُكْتَسَبِ- فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَبٍ قَدْ جَرَّ إِلَى حَرَبٍ- وَ لَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ بِنَاجٍ وَ كُلُّ مُجْمِلٍ بِمُحْتَاجٍ- وَ أَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّةٍ- وَ إِنْ سَاقَتْكَ إِلَى رَغْبَةٍ- فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضاً- وَ لَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَ قَدْ جَعَلَكَ اللَّهُ حُرّاً- وَ مَا خَيْرُ خَيْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِشَرٍّ وَ يُسْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِعُسْرٍ: وَ إِيَّاكَ أَنْ تُوجِفَ بِكَ مَطَايَا الطَّمَعِ- فَتُورِدَكَ مَنَاهِلَ الْهَلَكَةِ- وَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ ذُو نِعْمَةٍ فَافْعَلْ- فَإِنَّكَ مُدْرِكٌ قَسْمَكَ وَ آخِذٌ سَهْمَكَ وَ إِنَّ الْيَسِيرَ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- أَكْثَرُ وَ أَعْظَمُ مِنَ الْكَثِيرِ مِنْ خَلْقِهِ- وَ إِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُ وَ لَوْ نَظَرْتَ‏ وَ لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى‏- فِيمَا تَطْلُبُ مِنَ الْمُلُوكِ وَ مَنْ دُونَهُمْ مِنَ السَّفِلَةِ لَعَرَفْتَ أَنَّ لَكَ فِي يَسِيرِ مَا تُصِيبُ مِنَ الْمُلُوكِ افْتِخَاراً- وَ أَنَّ عَلَيْكَ فِي كَثِيرِ مَا تُصِيبُ مِنَ الدُّنَاةِ عَاراً- فَاقْتَصِدْ فِي أَمْرِكَ تُحْمَدْ مَغَبَّةُ عِلْمِكَ‏ (1)- إِنَّكَ لَسْتَ بَائِعاً شَيْئاً مِنْ دِينِكَ وَ عِرْضِكَ بِثَمَنٍ- وَ الْمَغْبُونُ مَنْ غُبِنَ نَصِيبَهُ مِنَ اللَّهِ- فَخُذْ مِنَ الدُّنْيَا مَا أَتَاكَ وَ اتْرُكْ مَا تَوَلَّى- فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَأَجْمِلْ فِي الطَّلَبِ وَ إِيَّاكَ وَ مُقَارَنَةَ مَنْ رَهِبْتَهُ عَلَى دِينِكَ وَ بَاعِدِ السُّلْطَانَ- وَ لَا تَأْمَنْ خَدْعَ الشَّيْطَانِ‏ (2) وَ تَقُولُ مَتَى أَرَى مَا أُنْكِرُ نَزَعْتُ- فَإِنَّهُ كَذَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ- وَ قَدْ أَيْقَنُوا بِالْمَعَادِ- فَلَوْ سُمْتَ بَعْضَهُمْ بَيْعَ آخِرَتِهِ بِالدُّنْيَا لَمْ يَطِبْ بِذَلِكَ نَفْساً- ثُمَّ قَدْ يَتَخَيَّلُهُ الشَّيْطَانُ بِخَدْعِهِ وَ مَكْرِهِ- حَتَّى يُوَرِّطَهُ فِي هَلَكَتِهِ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا حَقِيرٍ وَ يَنْقُلُهُ مِنْ شَرٍّ إِلَى شَرٍّ حَتَّى يُؤْيِسَهُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ- وَ يُدْخِلَهُ فِي الْقُنُوطِ- فَيَجِدَ الْوَجْهَ إِلَى مَا خَالَفَ الْإِسْلَامَ وَ أَحْكَامَهُ- فَإِنْ أَبَتْ نَفْسُكَ إِلَّا حُبَّ الدُّنْيَا وَ قُرْبَ السُّلْطَانِ فَخَالَفْتَ مَا نَهَيْتُكَ عَنْهُ بِمَا فِيهِ رُشْدُكَ- فَامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ فَإِنَّهُ لَا بَقِيَّةَ لِلْمُلُوكِ عِنْدَ الْغَضَبِ- وَ لَا تَسْأَلْ عَنْ أَخْبَارِهِمْ وَ لَا تَنْطِقْ عِنْدَ أَسْرَارِهِمْ- وَ لَا تَدْخُلْ فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُمْ وَ فِي الصَّمْتِ السَّلَامَةُ مِنَ النَّدَامَةِ- وَ تَلَافِيكَ مَا فَرَطَ مِنْ صَمْتِكَ أَيْسَرُ مِنْ إِدْرَاكِكَ‏

____________

(1) كذا و المغبة: عاقبة الشي‏ء.

(2) كذا. و الخدع- بضمتين- جمع الخدوع و هو الكثير الخداع.

227

مَا فَاتَ مِنْ مَنْطِقِكَ- وَ حِفْظُ مَا فِي الْوِعَاءِ بِشَدِّ الْوِكَاءِ- وَ حِفْظُ مَا فِي يَدَيْكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ طَلَبِ مَا فِي يَدِ غَيْرِكَ- وَ لَا تُحَدِّثْ إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ فَتَكُونَ كَاذِباً وَ الْكَذِبُ ذُلٌّ- وَ حُسْنُ التَّدْبِيرِ مَعَ الْكَفَافِ أَكْفَى لَكَ مِنَ الْكَثِيرِ مَعَ الْإِسْرَافِ- وَ حُسْنُ الْيَأْسِ‏ (1) خَيْرٌ مِنَ الطَّلَبِ إِلَى النَّاسِ- وَ الْعِفَّةُ مَعَ الْحِرْفَةِ خَيْرٌ مِنْ سُرُورٍ مَعَ فُجُورٍ (2)- وَ الْمَرْءُ أَحْفَظُ سِرِّهِ‏ (3) وَ رُبَّ سَاعٍ فِيمَا يَضُرُّهُ‏ (4) مَنْ أَكْثَرَ أَهْجَرَ (5) وَ مَنْ تَفَكَّرَ أَبْصَرَ- وَ مِنْ خَيْرِ حَظِّ امْرِئٍ قَرِينٌ صَالِحٌ- فَقَارِنْ أَهْلَ الْخَيْرِ تَكُنْ مِنْهُمْ- وَ بَايِنْ أَهْلَ الشَّرِّ تَبِنْ عَنْهُمْ- وَ لَا يَغْلِبَنَّ عَلَيْكَ سُوءُ الظَّنِّ- فَإِنَّهُ لَا يَدَعُ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ خَلِيلٍ صُلْحاً- وَ قَدْ يُقَالُ مِنَ الْحَزْمِ سُوءُ الظَّنِّ بِئْسَ الطَّعَامُ الْحَرَامُ- وَ ظُلْمُ الضَّعِيفِ أَفْحَشُ الظُّلْمِ- وَ الْفَاحِشَةُ كَاسْمِهَا وَ التَّصَبُّرُ عَلَى الْمَكْرُوهِ يَعْصِمُ الْقَلْبَ‏ (6)- وَ إِنْ كَانَ الرِّفْقُ خُرْقاً كَانَ الْخُرْقُ رِفْقاً- وَ رُبَّمَا كَانَ الدَّوَاءُ دَاءً وَ الدَّاءُ دَوَاءً- وَ رُبَّمَا نَصَحَ غَيْرُ النَّاصِحِ وَ غَشَّ الْمُسْتَنْصَحُ- وَ إِيَّاكَ وَ الِاتِّكَالَ عَلَى الْمُنَى فَإِنَّهَا بَضَائِعُ النَّوْكَى وَ تَثَبُّطٌ عَنْ خَيْرِ الْآخِرَةِ وَ الدُّنْيَا- زك [ذَكِّ قَلْبَكَ بِالْأَدَبِ كَمَا تُذَكَّى النَّارُ بِالْحَطَبِ- وَ لَا تَكُنْ كَحَاطِبِ اللَّيْلِ وَعْثَاءَ السَّبِيلِ‏ (7)- وَ كُفْرُ

____________

(1) و في النهج «مرارة اليأس».

(2) و في النهج «و الحرفة مع العفة خير من الغنى مع الفجور».

(3) أي الأولى أن لا تبوح بسرك الى أحد فانت احفظ من غيرك فان أذعته انتشر فلم تلم الا نفسك لانك كنت عاجزا عن حفظ سر نفسك فغيرك أعجز.

اذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه‏* * * فصدر الذي يستودع السر أضيق.

(4) ربما كان الإنسان يسعى فيما يضرّه لجهله أو سوء قصده.

(5) يقال: فلان أهجر في منطقه أي تكلم بالهذيان، و كثير الكلام لا يخلو من الاهجار و هجر في مرضه هذى.

(6) في المصدر «نقص للقلب».

(7) يقال: «هو حاطب ليل» أي يخلط في كلامه. و الوعثاء: التعب و المشقة. و في كشف المحجة «و غثاء السيل» و هو الصواب.

228

النِّعْمَةِ لُؤْمٌ وَ صُحْبَةُ الْجَاهِلِ شُؤْمٌ- وَ الْعَقْلُ حِفْظُ التَّجَارِبِ- وَ خَيْرُ مَا جَرَّبْتَ مَا وَعَظَكَ وَ مِنَ الْكَرَمِ لِينُ الشِّيَمِ بَادِرِ الْفُرْصَةَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ غُصَّةً- مِنَ الْحَزْمِ الْعَزْمُ- وَ مِنْ سَبَبِ الْحِرْمَانِ التَّوَانِي لَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ يُصِيبُ- وَ لَا كُلُّ رَاكِبٍ يَئُوبُ وَ مِنَ الْفَسَادِ إِضَاعَةُ الزَّادِ- وَ لِكُلِّ أَمْرٍ عَاقِبَةٌ- رُبَّ يَسِيرٍ أَنْمَى مِنْ كَثِيرٍ- سَوْفَ يَأْتِيكَ مَا قُدِّرَ لَكَ التَّاجِرُ مُخَاطِرٌ (1) وَ لَا خَيْرَ فِي مُعِينٍ مَهِينٍ- لَا تَبِيتَنَّ مِنْ أَمْرٍ عَلَى غَرَرٍ (2) مَنْ حَكَمَ سَادَ- وَ مَنْ تَفَهَّمَ ازْدَادَ- وَ لِقَاءُ أَهْلِ الْخَيْرِ عِمَارَةُ الْقُلُوبِ- سَاهِلِ الدَّهْرَ مَا ذَلَّ لَكَ قَعُودُهُ- وَ إِيَّاكَ أَنْ تَجْمَحَ بِكَ مَطِيَّةُ اللَّجَاجِ- وَ إِنْ قَارَفْتَ سَيِّئَةً فَعَجِّلْ مَحْوَهَا بِالتَّوْبَةِ- وَ لَا تَخُنْ مَنِ ائْتَمَنَكَ وَ إِنْ خَانَكَ- وَ لَا تُذِعْ سِرَّهُ وَ إِنْ أَذَاعَهُ- وَ لَا تُخَاطِرْ بِشَيْ‏ءٍ رَجَاءَ أَكْثَرَ مِنْهُ وَ اطْلُبْ فَإِنَّهُ يَأْتِيكَ مَا قُسِمَ لَكَ- خُذْ بِالْفَضْلِ وَ أَحْسِنِ الْبَذْلَ وَ قُلْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَ أَيُّ كَلِمَةِ حُكْمٍ جَامِعَةٍ أَنْ تُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ- وَ تَكْرَهَ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لَهَا- إِنَّكَ قَلَّ مَا تَسْلَمُ مِمَّنْ تَسَرَّعْتَ إِلَيْهِ أَوْ تَنْدَمَ أَنْ تَتَفَضَّلَ عَلَيْهِ- وَ اعْلَمْ أَنَّ مِنَ الْكَرَمِ الْوَفَاءَ بِالذِّمَمِ- وَ الدَّفْعَ عَنِ الْحَرَمِ‏ (3) وَ الصُّدُودُ آيَةُ الْمَقْتِ- وَ كَثْرَةُ الْعِلَلِ آيَةُ الْبُخْلِ- وَ لَبَعْضُ إِمْسَاكِكَ عَنْ أَخِيكَ مَعَ لُطْفٍ خَيْرٌ مِنْ بَذْلٍ مَعَ جَنَفٍ- وَ مِنَ التَّكَرُّمِ صِلَةُ الرَّحِمِ وَ مَنْ يَرْجُوكَ- أَوْ يَثِقُ بِصِلَتِكَ إِذَا قَطَعْتَ قَرَابَتَكَ‏ (4)- وَ التَّحْرِيمُ وَجْهُ الْقَطِيعَةِ- احْمِلْ نَفْسَكَ مَعَ أَخِيكَ عِنْدَ صَرْمِهِ عَلَى الصِّلَةِ وَ عِنْدَ صُدُودِهِ عَلَى اللُّطْفِ وَ الْمَسْأَلَةِ- وَ عِنْدَ جُمُودِهِ عَلَى الْبَذْلِ وَ عِنْدَ تَبَاعُدِهِ عَلَى الدُّنُوِّ

____________

(1) أي بنفسه و ماله. و المهين اما بضم الميم بمعنى فاعل الاهانة و لا يصلح لان يكون معينا فيفسد ما يصلح، أو بفتحها بمعنى الحقير فانه أيضا لا يصلح لضعف قدرته. و في النهج بعد هذا الكلام «و لا في صديق ظنين» و الظنين- بالظاء: المتهم:- و بالضاد-: البخيل.

(2) الغرر- بالتحريك- المغرور به. و في النهج «و لا تبين من أمر على عذر».

(3) الحرم- بضمتين-: جمع الحريم: ما يدافع عنه و يحميه.

(4) قوله (عليه السلام) و من يرجوك استفهام، أو عطف على قوله: «الرحم» يعنى صلة من يرجوك إلخ. و التحريم من الصلة سبب لقطع القرابة.

229

وَ عِنْدَ شِدَّتِهِ عَلَى اللِّينِ وَ عِنْدَ جُرْمِهِ عَلَى الِاعْتِذَارِ- حَتَّى كَأَنَّكَ لَهُ عَبْدٌ وَ كَأَنَّهُ ذُو نِعْمَةٍ عَلَيْكَ- وَ إِيَّاكَ أَنْ تَضَعَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ- وَ أَنْ تَفْعَلَهُ بِغَيْرِ أَهْلِهِ لَا تَتَّخِذَنَّ عَدُوَّ صَدِيقِكَ صَدِيقاً فَتُعَادِيَ صَدِيقَكَ- وَ لَا تَعْمَلْ بِالْخَدِيعَةِ فَإِنَّهَا خُلُقُ اللَّئِيمِ- وَ امْحَضْ أَخَاكَ النَّصِيحَةَ حَسَنَةً كَانَتْ أَوْ قَبِيحَةً- وَ سَاعِدْهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَ زُلْ مَعَهُ حَيْثُ زَالَ- وَ لَا تَطْلُبَنَّ مُجَازَاةَ أَخِيكَ وَ لَوْ حَثَا التُّرَابَ بِفِيكَ- وَ خُذْ عَلَى عَدُوِّكَ بِالْفَضْلِ- فَإِنَّهُ أَحْرَى لِلظَّفَرِ (1) وَ تَسْلَمُ مِنَ النَّاسِ بِحُسْنِ الْخُلُقِ- وَ تَجَرُّعِ الْغَيْظِ- فَإِنِّي لَمْ أَرَ جُرْعَةً أَحْلَى مِنْهَا عَاقِبَةً وَ لَا أَلَذَّ مَغَبَّةً- وَ لَا تَصْرِمْ أَخَاكَ عَلَى ارْتِيَابٍ وَ لَا تَقْطَعْهُ دُونَ اسْتِعْتَابٍ- وَ لِنْ لِمَنْ غَالَظَكَ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَلِينَ لَكَ- مَا أَقْبَحَ الْقَطِيعَةَ بَعْدَ الصِّلَةِ- وَ الْجَفَاءَ بَعْدَ الْإِخَاءِ وَ الْعَدَاوَةَ بَعْدَ الْمَوَدَّةِ- وَ الْخِيَانَةَ لِمَنِ ائْتَمَنَكَ وَ خُلْفَ الظَّنِّ لِمَنِ ارْتَجَاكَ- وَ الْغَدْرَ بِمَنِ اسْتَأْمَنَ إِلَيْكَ- فَإِنْ أَنْتَ غَلَبَتْكَ قَطِيعَةُ أَخِيكَ- فَاسْتَبْقِ لَهَا مِنْ نَفْسِكَ بَقِيَّةً تَرْجِعُ إِلَيْهَا إِنْ بَدَا ذَلِكَ لَهُ يَوْماً- وَ مَنْ ظَنَّ بِكَ خَيْراً فَصَدِّقْ ظَنَّهُ- وَ لَا تُضِيعَنَّ حَقَّ أَخِيكَ اتِّكَالًا عَلَى مَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ- فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ بِأَخٍ مَنْ أَضَعْتَ حَقَّهُ- وَ لَا يَكُنْ أَهْلُكَ أَشْقَى الْخَلْقِ بِكَ- وَ لَا تَرْغَبَنَّ فِيمَنْ زَهِدَ فِيكَ- وَ لَا تَزْهَدَنَّ فِيمَنْ رَغِبَ لَكَ إِذَا كَانَ لِلْخُلْطَةِ مَوْضِعاً- وَ لَا يَكُونَنَّ أَخُوكَ أَقْوَى عَلَى قَطِيعَتِكَ مِنْكَ عَلَى صِلَتِهِ- وَ لَا يَكُونَنَّ عَلَى الْإِسَاءَةِ أَقْوَى مِنْكَ عَلَى الْإِحْسَانِ- وَ لَا عَلَى الْبُخْلِ أَقْوَى مِنْكَ عَلَى الْبَذْلِ- وَ لَا عَلَى التَّقْصِيرِ أَقْوَى مِنْكَ عَلَى الْفَضْلِ- وَ لَا يَكْبُرَنَّ عَلَيْكَ ظُلْمُ مَنْ ظَلَمَكَ- فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَسْعَى فِي مَضَرَّتِهِ وَ نَفْعِكَ وَ لَيْسَ جَزَاءُ مَنْ سَرَّكَ أَنْ تَسُوءَهُ- وَ الرِّزْقُ رِزْقَانِ رِزْقٌ تَطْلُبُهُ وَ رِزْقٌ يَطْلُبُكَ- فَإِنْ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ وَ اعْلَمْ أَيْ بُنَيَّ أَنَّ الدَّهْرَ ذُو صُرُوفٍ- فَلَا تَكُونَنَّ مِمَّنْ تَشْتَدُّ لَائِمَتُهُ- وَ يَقِلُّ عِنْدَ النَّاسِ عُذْرُهُ- مَا أَقْبَحَ الْخُضُوعَ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَ الْجَفَاءَ عِنْدَ الْغِنَى- إِنَّمَا لَكَ مِنْ دُنْيَاكَ مَا أَصْلَحْتَ بِهِ مَثْوَاكَ‏ (2)- فَأَنْفِقْ فِي حَقٍّ وَ لَا تَكُنْ خَازِناً لِغَيْرِكَ- وَ إِنْ كُنْتَ جَازِعاً

____________

(1) في النهج «فانه أحلى الظفرين» أي ظفر الانتقام و ظفر التملك بالاحسان.

(2) المثوى: المقام، أي حظك من الدنيا ما أصلحت به منزلتك من الكرامة في الدنيا و الآخرة.

230

عَلَى مَا تَفَلَّتَ مِنْ يَدَيْكَ فَاجْزَعْ عَلَى كُلِّ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْكَ- وَ اسْتَدْلِلْ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ بِمَا كَانَ- فَإِنَّمَا الْأُمُورُ أَشْبَاهٌ وَ لَا تَكْفُرَنَّ ذَا نِعْمَةٍ- فَإِنَّ كُفْرَ النِّعْمَةِ مِنْ أَلْأَمِ الْكُفْرِ وَ اقْبَلِ الْعُذْرَ- وَ لَا تَكُونَنَّ مِمَّنْ لَا يَنْتَفِعُ مِنَ الْعِظَةِ إِلَّا بِمَا لَزِمَهُ- (1) فَإِنَّ الْعَاقِلَ يَنْتَفِعُ بِالْأَدَبِ- وَ الْبَهَائِمُ لَا تَتَّعِظُ إِلَّا بِالضَّرْبِ- اعْرِفِ الْحَقَّ لِمَنْ عَرَفَهُ لَكَ رَفِيعاً كَانَ أَوْ وَضِيعاً- وَ اطْرَحْ عَنْكَ وَارِدَاتِ الْهُمُومِ بِعَزَائِمِ الصَّبْرِ وَ حُسْنِ الْيَقِينِ مَنْ تَرَكَ الْقَصْدَ جَارَ وَ نِعْمَ حَظُّ الْمَرْءِ الْقَنَاعَةُ- وَ مِنْ شَرِّ مَا صَحِبَ الْمَرْءُ الْحَسَدُ- وَ فِي الْقُنُوطِ التَّفْرِيطُ وَ الشُّحُّ يَجْلِبُ الْمَلَامَةَ- وَ الصَّاحِبُ مُنَاسِبٌ وَ الصَّدِيقُ مَنْ صَدَقَ غَيْبُهُ- وَ الْهَوَى شَرِيكُ الْعَمَى- وَ مِنَ التَّوْفِيقِ الْوُقُوفُ عِنْدَ الْحَيْرَةِ- وَ نِعْمَ طَارِدُ الْهَمِّ الْيَقِينُ- وَ عَاقِبَةُ الْكَذِبِ الذَّمُّ وَ فِي الصِّدْقِ السَّلَامَةُ- وَ عَاقِبَةُ الْكَذِبِ شَرُّ عَاقِبَةٍ- رُبَّ بَعِيدٍ أَقْرَبُ مِنْ قَرِيبٍ وَ قَرِيبٍ أَبْعَدُ مِنْ بَعِيدٍ- وَ الْغَرِيبُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبِيبٌ لَا يُعْدِمْكَ مِنْ حَبِيبٍ سُوءُ ظَنٍّ- وَ مَنْ حَمَى طَنَى‏ (2) وَ مَنْ تَعَدَّى الْحَقَّ ضَاقَ مَذْهَبُهُ وَ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَدْرِهِ كَانَ أَبْقَى لَهُ- نِعْمَ الْخُلُقُ التَّكَرُّمُ وَ أَلْأَمُ اللُّؤْمِ الْبَغْيُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ- وَ الْحَيَاءُ سَبَبٌ إِلَى كُلِّ جَمِيلٍ وَ أَوْثَقُ الْعُرَى التَّقْوَى- وَ أَوْثَقُ سَبَبٍ أَخَذْتَ بِهِ سَبَبٌ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ- وَ مَنَّكَ مَنْ أَعْتَبَكَ‏ (3)- وَ الْإِفْرَاطُ فِي الْمَلَامَةِ تَشُبُّ نِيرَانَ اللَّجَاجِ- وَ كَمْ مِنْ دَنِفٍ قَدْ نَجَا (4) وَ صَحِيحٍ قَدْ هَوَى- فَقَدْ يَكُونُ الْيَأْسُ إِدْرَاكاً إِذَا كَانَ الطَّمَعُ هَلَاكاً- وَ لَيْسَ كُلُّ عَوْرَةٍ تَظْهَرُ وَ لَا كُلُّ فَرِيضَةٍ تُصَابُ- وَ رُبَّمَا أَخْطَأَ الْبَصِيرُ قَصْدَهُ وَ أَصَابَ الْأَعْمَى رُشْدَهُ- لَيْسَ كُلُّ مَنْ طَلَبَ وَجَدَ وَ لَا كُلُّ مَنْ تَوَقَّى‏

____________

(1) و في النهج «ممن لا تنفعه العظة الا إذا بالغت في إيلامه».

(2) حمى الشي‏ء يحميه حميا و حمى و حماية: منعه و دفعه عنه و حمى القوم حماية:

قام بنصرهم و المريض: ما يضرّه. و طنى اللديغ من لدغ العقرب: عوفى. و طنى فلانا: عالجه من طناه و المعنى من منع نفسه عما يضرّه نال العافية.

(3) و لعلّ المعنى: منّ عليك من استرضاك و يؤيده ما في بعض نسخ الحديث: «سرك من أعتبك».

(4) الدنف- محركة- المريض الذي طال به المرض.

231

نَجَا (1)- أَخِّرِ الشَّرَّ فَإِنَّكَ إِذَا شِئْتَ تَعَجَّلْتَهُ‏ (2)- وَ أَحْسِنْ إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ وَ احْتَمِلْ أَخَاكَ عَلَى مَا فِيهِ- وَ لَا تُكْثِرِ الْعِتَابَ فَإِنَّهُ يُورِثُ الضَّغِينَةَ- وَ يَجُرُّ إِلَى الْبِغْضَةِ (3) وَ اسْتَعْتِبْ مَنْ رَجَوْتَ إِعْتَابَهُ- وَ قَطِيعَةُ الْجَاهِلِ تَعْدِلُ صِلَةَ الْعَاقِلِ- وَ مِنَ الْكَرَمِ مَنْعُ الْحَزْمِ‏ (4)- مَنْ كَابَرَ الزَّمَانَ عَطِبَ وَ مَنْ يُنْقَمْ عَلَيْهِ غَضِبَ‏ (5)- مَا أَقْرَبَ النَّقِمَةَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ- وَ أَخْلَقُ بِمَنْ غَدَرَ أَلَّا يُوفَى لَهُ‏ (6) زَلَّةُ الْمُتَوَقِّي أَشَدُّ زَلَّةٍ وَ عِلَّةُ الْكَذِبِ أَقْبَحُ عِلَّةٍ- وَ الْفَسَادُ يُبِيرُ الْكَثِيرَ وَ الِاقْتِصَادُ يُثْمِرُ الْيَسِيرَ (7) وَ الْقِلَّةُ ذِلَّةٌ- وَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ مِنْ كَرَمِ الطَّبِيعَةِ- وَ الزَّلَلُ مَعَ الْعَجَلِ وَ لَا خَيْرَ فِي لَذَّةٍ تُعْقِبُ نَدَماً- وَ الْعَاقِلُ مَنْ وَعَظَتْهُ التَّجَارِبُ- وَ الْهُدَى يَجْلُو الْعَمَى وَ لِسَانُكَ تَرْجُمَانُ عَقْلِكَ- لَيْسَ مَعَ الِاخْتِلَافِ ائْتِلَافٌ- مِنْ حُسْنِ الْجِوَارِ تَفَقُّدُ الْجَارِ- لَنْ يَهْلِكَ مَنِ اقْتَصَدَ وَ لَنْ يَفْتَقِرَ مَنْ زَهِدَ- بَيَّنَ عَنِ امْرِئٍ دَخِيلُهُ- رُبَّ بَاحِثٍ عَنْ حَتْفِهِ‏ (8) لَا تَشْتَرِيَنَّ بِثِقَةٍ رَجَاءً- مَا كُلُّ مَا يُخْشَى يَضُرُّ- رُبَّ هَزْلٍ عَادَ جِدّاً (9) مَنْ أَمِنَ الزَّمَانَ خَانَهُ- وَ مَنْ تَعَظَّمَ عَلَيْهِ أَهَانَهُ‏ (10) وَ مَنْ تَرَغَّمَ عَلَيْهِ أَرْغَمَهُ- وَ مَنْ لَجَأَ

____________

(1) توقى اي تجنب و حذر و خاف.

(2) قيل: لان فرص الشر لا تنقضى لكثرة طرقه و طريق الخير واحد و هو الحق.

(3) البغضة- بالكسر-: شدة البغض.

(4) الحزم: ضبط الامر و احكامه و الحذر من فواته و الاخذ فيه بالثقة و هنا بمعنى الشدة و الغلظة.

(5) عطب الرجل- كفرح- يعطب عطبا: هلك و في بعض النسخ «من تنقم عليه غضب».

(6) الاخلق: الاجدر. يقال: هو خليق به أي جدير.

(7) في بعض نسخ الكتاب «يدبر الكثير». و في بعض نسخ الحديث «يبيد الكثير و الاقتصاد ينمى اليسير».

(8) بحث في الأرض: حفرها. و الحتف: الموت. و في المثل «كالباحث عن حتفه بظلفه» يضرب لمن يطلب ما يؤدى الى تلف النفس. و في بعض نسخ الحديث «لا تشوبن».

(9) هزل في كلامه هزلا- كضرب-: مزح و هو ضد الجد.

(10) تنبيه على وجوب الحذر من الزمان و دوام ملاحظة تغيراته و الاستعداد لحوادثه قبل نزولها و استعار لفظ الخيانة باعتبار تغيره عند الغفلة عنه و الامن فيه فهو في ذلك كالصديق الخائن.

232

إِلَيْهِ أَسْلَمَهُ- وَ لَيْسَ كُلُّ مَنْ رَمَى أَصَابَ‏ (1)- إِذَا تَغَيَّرَ السُّلْطَانُ تَغَيَّرَ الزَّمَانُ‏ (2) وَ خَيْرُ أَهْلِكَ مَنْ كَفَاكَ- وَ الْمِزَاحُ يُورِثُ الضَّغَائِنَ- وَ رُبَّمَا أَكْدَى الْحَرِيصُ‏ (3) رَأْسُ الدِّينِ صِحَّةُ الْيَقِينِ- وَ تَمَامُ الْإِخْلَاصِ تَجَنُّبُكَ الْمَعَاصِيَ- وَ خَيْرُ الْمَقَالِ مَا صَدَّقَهُ الْفِعَالُ- وَ السَّلَامَةُ مَعَ الِاسْتِقَامَةِ وَ الدُّعَاءُ مِفْتَاحُ الرَّحْمَةِ- سَلْ عَنِ الرَّفِيقِ قَبْلَ الطَّرِيقِ وَ عَنِ- الْجَارِ قَبْلَ الدَّارِ- وَ كُنْ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى قُلْعَةٍ- احْمِلْ لِمَنْ أَدَلَّ عَلَيْكَ- وَ اقْبَلْ عُذْرَ مَنِ اعْتَذَرَ إِلَيْكَ- وَ خُذِ الْعَفْوَ مِنَ النَّاسِ وَ لَا تُبْلِغْ إِلَى أَحَدٍ مَكْرُوهَهُ- أَطِعْ أَخَاكَ وَ إِنْ عَصَاكَ وَ صِلْهُ وَ إِنْ جَفَاكَ- وَ عَوِّدْ نَفْسَكَ السَّمَاحَ- وَ تَخَيَّرْ لَهَا مِنْ كُلِّ خُلُقٍ أَحْسَنَهُ فَإِنَّ الْخَيْرَ عَادَةٌ- وَ إِيَّاكَ أَنْ تَذْكُرَ مِنَ الْكَلَامِ قَذِراً (4) أَوْ تَكُونَ مُضْحِكاً- وَ إِنْ حَكَيْتَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِكَ‏ (5) وَ أَنْصِفْ مِنْ نَفْسِكَ قَبْلَ أَنْ يُنْتَصَفَ مِنْكَ‏ (6)- وَ إِيَّاكَ وَ مُشَاوَرَةَ النِّسَاءِ فَإِنَّ رَأْيَهُنَّ إِلَى أَفْنٍ‏ (7) وَ عَزْمَهُنَّ إِلَى وَهْنٍ- وَ اكْفُفْ عَلَيْهِنَّ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ بِحَجْبِكَ إِيَاهُنَّ- فَإِنَّ شِدَّةَ الْحِجَابِ خَيْرٌ لَكَ وَ لَهُنَّ وَ لَيْسَ خُرُوجُهُنَّ بِأَشَدَّ مِنْ إِدْخَالِكَ مَنْ لَا يُوثَقُ بِهِ عَلَيْهِنَّ- وَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ‏

____________

(1) تنبيه على ما ينبغي من ترك الاسف على ما يفوت من المطالب و التسلى بمن أخطأ في طلبه و إليه أشار أبو الطيب:

ما كل من طلب المعالى نافذا* * * فيها و لا كل الرجال فحول‏

(2) تنبيه على أن تغير السلطان في رأيه و نيته و فعله في رعيته من العدل الى الجور يستلزم تغير الزمان عليهم اذ يغير من الاعداد للعدل الى الاعداد للجور.

(3) يقال: أكدى الرجل أي لم يظفر بحاجته.

(4) القذر: الوسخ، و في بعض نسخ الحديث «هذرا» مكان «قذرا» و هذر في كلامه:

خلط و تكلم بما لا ينبغي.

(5) ذلك لاستلزامه الهوان و قلة الهيبة في النفوس.

(6) أي عامل الناس بالانصاف قبل أن يطلبوا منك النصف.

(7) الافن- بالتحريك-: ضعف الرأى. و الوهن: الضعف.

233

لَا يَعْرِفْنَ غَيْرَكَ فَافْعَلْ- وَ لَا تُمَلِّكِ الْمَرْأَةَ مِنْ أَمْرِهَا مَا جَاوَزَ نَفْسَهَا- فَإِنَّ ذَلِكَ أَنْعَمُ لِحَالِهَا وَ أَرْخَى لِبَالِهَا- وَ أَدْوَمُ لِجَمَالِهَا فَإِنَّ الْمَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ- وَ لَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ وَ لَا تَعْدُ بِكَرَامَتِهَا نَفْسَهَا- وَ لَا تُطْمِعْهَا أَنْ تَشْفَعَ لِغَيْرِهَا فَتَمِيلَ مُغْضَبَةً عَلَيْكَ مَعَهَا- وَ لَا تُطِلِ الْخَلْوَةَ مَعَ النِّسَاءِ فَيَمْلِكْنَكَ‏ (1) أَوْ تَمَلَّهُنَّ- وَ اسْتَبْقِ مِنْ نَفْسِكَ بَقِيَّةً مِنْ إِمْسَاكِكَ عَنْهُنَّ وَ هُنَّ يَرَيْنَ أَنَّكَ ذُو اقْتِدَارٍ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَظْهَرْنَ مِنْكَ عَلَى انْتِشَارٍ- وَ إِيَّاكَ وَ التَّغَايُرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ غَيْرَةٍ- فَإِنَّ ذَلِكَ يَدْعُو الصَّحِيحَةَ مِنْهُنَّ إِلَى السُّقْمِ- وَ لَكِنْ أَحْكِمْ أَمْرَهُنَّ فَإِنْ رَأَيْتَ ذَنْباً فَعَاجِلِ النَّكِيرَ عَلَى الْكَبِيرِ وَ الصَّغِيرِ- وَ إِيَّاكَ أَنْ تُعَاقِبَ فَتُعْظِمَ الذَّنْبَ وَ تُهَوِّنَ الْعَتْبَ- وَ أَحْسِنْ لِلْمَمَالِيكِ الْأَدَبَ- وَ أَقْلِلِ الْغَضَبَ وَ لَا تُكْثِرِ الْعَتْبَ فِي غَيْرِ ذَنْبٍ فَإِذَا اسْتَحَقَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ ذَنْباً- فَأَحْسِنِ الْعَدْلَ فَإِنَّ الْعَدْلَ مَعَ الْعَفْوِ أَشَدُّ مِنَ الضَّرْبِ لِمَنْ كَانَ لَهُ عَقْلٌ- وَ التَّمَسُّكُ بِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ أَوْجَبُ الْقِصَاصِ‏ (2)- وَ اجْعَلْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ عَمَلًا تَأْخُذُهُ بِهِ- فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ لَا يَتَوَاكَلُوا- وَ أَكْرِمْ عَشِيرَتَكَ- فَإِنَّهُمْ جَنَاحُكَ الَّذِي بِهِ تَطِيرُ وَ أَصْلُكَ الَّذِي إِلَيْهِ تَصِيرُ- وَ بِهِمْ تَصُولُ وَ هُمُ الْعُدَّةُ عِنْدَ الشِّدَّةِ (3)- فَأَكْرِمْ كَرِيمَهُمْ وَ عُدْ سَقِيمَهُمْ- وَ أَشْرِكْهُمْ فِي أُمُورِهِمْ وَ تَيَسَّرْ عِنْدَ مَعْسُورٍ لَهُمْ- وَ اسْتَعِنْ بِاللَّهِ عَلَى أُمُورِكَ فَإِنَّهُ أَكْفَى مُعِينٍ اسْتَوْدِعِ اللَّهَ دِينَكَ وَ دُنْيَاكَ- وَ اسْأَلْهُ خَيْرَ الْقَضَاءِ لَكَ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- وَ السَّلَامُ عَلَيْكَ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ.

جش‏ (4)، الفهرست للنجاشي‏ الْأَصْبَغُ بْنُ نُبَاتَةَ الْمُجَاشِعِيُّ كَانَ مِنْ خَاصَّةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع) وَ عُمِّرَ بَعْدَهُ- رَوَى عَنْهُ عَهْدَ الْأَشْتَرِ وَ وَصِيَّتَهُ إِلَى مُحَمَّدٍ ابْنِهِ- أَخْبَرَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَدِيبُ عَنْ أَبِي بِكْرٍ الدُّورِيِّ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الثَّلْجِ- عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَسَنِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدَلٍ- عَنِ الْحَسَنِ بْنِ ظَرِيفٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُلْوَانَ- عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ بِالْوَصِيَّةِ.

____________

(1) في بعض النسخ «فيملنك».

(2) في الكشف «و خف القصاص».

(3) العدة- بالضم- الاستعداد و بالكسر: الجماعة.

(4) رجال النجاشيّ ص 7.

234

بيان قوله(ع)(1).

د (2)، العدد القوية مِنْ وَصِيَّةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لِوَلَدِهِ الْحَسَنِ(ع) كَيْفَ وَ أَنَّى بِكَ يَا بُنَيَّ إِذَا صِرْتَ فِي قَوْمٍ صَبِيُّهُمْ غَاوٍ وَ شَابُّهُمْ فَاتِكٌ- وَ شَيْخُهُمْ لَا يَأْمُرُ بِمَعْرُوفٍ وَ لَا يَنْهَى عَنْ مُنْكَرٍ- وَ عَالِمُهُمْ خَبٌّ مَوَّاهٌ‏ (3) مُسْتَحْوِذٌ عَلَيْهِ هَوَاهُ- مُتَمَسِّكٌ بِعَاجِلِ دُنْيَاهُ أَشَدُّهُمْ عَلَيْكَ إِقْبَالًا يَرْصُدُكَ بِالْغَوَائِلِ- وَ يَطْلُبُ الْحِيلَةَ بِالتَّمَنِّي وَ يَطْلُبُ الدُّنْيَا بِالاجْتِهَادِ- خَوْفُهُمْ آجِلٌ وَ رَجَاؤُهُمْ عَاجِلٌ- لَا يَهَابُونَ إِلَّا مَنْ يَخَافُونَ لِسَانَهُ وَ لَا يُكْرِمُونَ إِلَّا مَنْ يَرْجُونَ نَوَالَهُ- دِينُهُمُ الرِّبَا كُلُّ حَقٍّ عِنْدَهُمْ مَهْجُورٌ- يُحِبُّونَ مَنْ غَشَّهُمْ وَ يَمَلُّونَ مَنْ دَاهَنَهُمْ- قُلُوبُهُمْ خَاوِيَةٌ لَا يَسْمَعُونَ دُعَاءً- وَ لَا يُجِيبُونَ سَائِلًا قَدِ اسْتَوْلَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ الْغَفْلَةِ- إِنْ تَرَكْتَهُمْ لَمْ يَتْرُكُوكَ- وَ إِنْ تَابَعْتَهُمْ اغْتَالُوكَ إِخْوَانُ الظَّاهِرِ وَ أَعْدَاءُ السَّرَائِرِ- يَتَصَاحَبُونَ عَلَى غَيْرِ تَقْوَى- فَإِذَا افْتَرَقُوا ذَمَّ بَعْضُهُمْ بَعْضاً- تَمُوتُ فِيهِمُ السُّنَنُ وَ تَحْيَا فِيهِمُ الْبِدَعُ- فَأَحْمَقُ النَّاسِ مَنْ أَسِفَ عَلَى فَقْدِهِمْ أَوْ سُرَّ بِكَثْرَتِهِمْ- فَكُنْ عِنْدَ ذَلِكَ يَا بُنَيَّ كَابْنِ اللَّبُونِ لَا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ- وَ لَا وَبَرٌ فَيُسْلَبَ وَ لَا ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ فَمَا طِلَابُكَ لِقَوْمٍ إِنْ كُنْتَ عَالِماً عَابُوكَ- وَ إِنْ كُنْتَ جَاهِلًا لَمْ يُرْشِدُوكَ- وَ إِنْ طَلَبْتَ الْعِلْمَ قَالُوا مُتَكَلِّفٌ مُتَعَمِّقٌ- وَ إِنْ تَرَكْتَ طَلَبَ الْعِلْمِ قَالُوا عَاجِزٌ غَبِيٌ‏ (4)- وَ إِنْ تَحَقَّقْتَ لِعِبَادَةِ رَبِّكَ قَالُوا مُتَصَنِّعٌ مُرَاءٍ- وَ إِنْ لَزِمْتَ الصَّمْتَ قَالُوا أَلْكَنُ- وَ إِنْ نَطَقْتَ قَالُوا مِهْذَارٌ- وَ إِنْ أَنْفَقْتَ قَالُوا مُسْرِفٌ- وَ إِنِ اقْتَصَدْتَ قَالُوا بَخِيلٌ- وَ إِنِ احْتَجْتَ إِلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ صَارَمُوكَ‏ (5) وَ ذَمُّوكَ- وَ إِنْ لَمْ تَعْتَدَّ بِهِمْ كَفَّرُوكَ- فَهَذِهِ صِفَةُ أَهْلِ زَمَانِكَ‏

____________

(1) كان هنا بياض مقدار نصف الصفحة.

(2) العدد القوية لدفع المخاوف اليومية تأليف الشيخ الفقيه رضيّ الدين عليّ بن يوسف ابن المطهّر الحلّيّ. مخطوط.

(3) الخب- بتشديد الباء الموحدة-: الخداع. و موه الخبر: زوره عليه و زخرفه و لبسه او بلغه خلاف ما هو.

(4) الغبى ضد الذكى.

(5) أي قاطعوك. و الصرم القطع.

235

فَأَصْغَاكَ‏ (1) مَنْ فَرَغَ عَنْ جَوْرِهِمْ- وَ أَمِنَ مِنَ الطَّمَعِ فِيهِمْ فَهُوَ مُقْبِلٌ عَلَى شَأْنِهِ- مُدَارٍ لِأَهْلِ زَمَانِهِ وَ مِنْ صِفَةِ الْعَالِمِ أَنْ لَا يَعِظَ إِلَّا مَنْ يَقْبَلُ عِظَتَهُ- وَ لَا يَنْصَحَ مُعْجَباً بِرَأْيِهِ- وَ لَا يُخْبِرَ بِمَا يَخَافُ إِذَاعَتَهُ- وَ لَا تُودِعْ سِرَّكَ إِلَّا عِنْدَ كُلِّ ثِقَةٍ- وَ لَا تَلْفِظْ إِلَّا بِمَا يَتَعَارَفُونَ بِهِ النَّاسُ- وَ لَا تُخَالِطْهُمْ إِلَّا بِمَا يَفْعَلُونَ- فَاحْذَرْ كُلَّ الْحَذَرِ وَ كُنْ فَرْداً وَحِيداً- وَ اعْلَمْ أَنَّ مَنْ نَظَرَ فِي عَيْبِ نَفْسِهِ شُغِلَ عَنْ عَيْبِ غَيْرِهِ- وَ مَنْ كَابَدَ الْأُمُورَ عَطِبَ وَ مَنِ اقْتَحَمَ اللُّجَجَ غَرِقَ- وَ مَنْ أُعْجِبَ بِرَأْيِهِ ضَلَّ- وَ مَنِ اسْتَغْنَى بِعَقْلِهِ زَلَّ- وَ مَنْ تَكَبَّرَ عَلَى النَّاسِ ذَلَّ- وَ مَنْ مَزَحَ اسْتُخِفَّ بِهِ وَ مَنْ كَثَّرَ مِنْ شَيْ‏ءٍ عُرِفَ بِهِ- وَ مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ خَطَاؤُهُ وَ مَنْ كَثُرَ خَطَاؤُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ- وَ مَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ- وَ مَنْ قَلَّ وَرَعُهُ قَلَّ دِينُهُ- وَ مَنْ قَلَّ دِينُهُ مَاتَ قَلْبُهُ- وَ مَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النَّارَ- قِيلَ وَقَفَ رَجُلٌ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)فَقَالَ- يَا ابْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِالَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْكَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ- الَّتِي مَا نِلْتَهَا مِنْهُ بِشَفِيعٍ مِنْكَ إِلَيْهِ- بَلْ إِنْعَاماً مِنْهُ عَلَيْكَ إِلَّا مَا أَنْصَفْتَنِي مِنْ خَصْمِي فَإِنَّهُ غَشُومٌ ظَلُومٌ- لَا يُوَقِّرُ الشَّيْخَ الْكَبِيرَ وَ لَا يَرْحَمُ الطِّفْلَ الصَّغِيرَ وَ كَانَ مُتَّكِئاً فَاسْتَوَى جَالِساً وَ قَالَ لَهُ- مَنْ خَصْمُكَ حَتَّى أَنْتَصِفَ لَكَ مِنْهُ فَقَالَ لَهُ الْفَقْرُ فَأَطْرَقَ(ع)سَاعَةً ثُمَّ رَفَعَ إِلَى خَادِمِهِ- وَ قَالَ أَحْضِرْ مَا عِنْدَكَ مِنْ مَوْجُودٍ فَأَحْضَرَ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ- فَقَالَ ادْفَعْهَا إِلَيْهِ- ثُمَّ قَالَ لَهُ بِحَقِّ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الَّتِي أَقْسَمْتَ بِهَا عَلَيَّ- مَتَى أَتَاكَ خَصْمُكَ جَائِراً إِلَّا مَا أَتَيْتَنِي مِنْهُ مُتَظَلِّماً.

بيان‏ (2).

____________

(1) كذا.

(2) كان هنا بياض مقدار صفحة.

236

باب 9 وصية أمير المؤمنين صلوات الله عليه للحسين صلى الله عليه‏

1- ف‏ (1)، تحف العقول‏ يَا بُنَيَّ أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي الْغِنَى وَ الْفَقْرِ- وَ كَلِمَةِ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَ الْغَضَبِ- وَ الْقَصْدِ فِي الْغِنَى وَ الْفَقْرِ- وَ بِالْعَدْلِ عَلَى الصَّدِيقِ وَ الْعَدُوِّ- وَ بِالْعَمَلِ فِي النَّشَاطِ وَ الْكَسَلِ- وَ الرِّضَا عَنِ اللَّهِ فِي الشِّدَّةِ وَ الرَّخَاءِ- أَيْ بُنَيَّ مَا شَرٌّ بَعْدَهُ الْجَنَّةُ بِشَرٍّ- وَ لَا خَيْرٌ بَعْدَهُ النَّارُ بِخَيْرٍ- وَ كُلُّ نَعِيمٍ دُونَ الْجَنَّةِ مَحْقُورٌ- وَ كُلُّ بَلَاءٍ دُونَ النَّارِ عَافِيَةٌ- وَ اعْلَمْ أَيْ بُنَيَّ أَنَّهُ مَنْ أَبْصَرَ عَيْبَ نَفْسِهِ شُغِلَ عَنْ عَيْبِ غَيْرِهِ- وَ مَنْ تَعَرَّى مِنْ لِبَاسِ التَّقْوَى لَمْ يُسْتَتَرْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ اللِّبَاسِ- وَ مَنْ رَضِيَ بِقَسْمِ اللَّهِ لَمْ يَحْزَنْ عَلَى مَا فَاتَهُ وَ مَنْ سَلَّ سَيْفَ الْبَغْيِ قُتِلَ بِهِ- وَ مَنْ حَفَرَ بِئْراً لِأَخِيهِ وَقَعَ فِيهَا- وَ مَنْ هَتَكَ حِجَابَ غَيْرِهِ انْكَشَفَتْ عَوْرَاتُ بَيْتِهِ‏ (2)- وَ مَنْ نَسِيَ خَطِيئَتَهُ اسْتَعْظَمَ خَطِيئَةَ غَيْرِهِ- وَ مَنْ كَابَدَ الْأُمُورَ عَطِبَ‏ (3) وَ مَنِ اقْتَحَمَ الْغَمَرَاتِ غَرِقَ- وَ مَنْ أُعْجِبَ بِرَأْيِهِ ضَلَّ وَ مَنِ اسْتَغْنَى بِعَقْلِهِ زَلَّ- وَ مَنْ تَكَبَّرَ عَلَى النَّاسِ ذَلَّ وَ مَنْ خَالَطَ الْعُلَمَاءَ وُقِّرَ- وَ مَنْ خَالَطَ الْأَنْذَالَ حُقِّرَ (4)- وَ مَنْ سَفِهَ عَلَى النَّاسِ شُتِمَ‏ (5)- وَ مَنْ دَخَلَ مَدَاخِلَ السَّوْءِ اتُّهِمَ- وَ مَنْ مَزَحَ‏

____________

(1) تحف العقول ص 88.

(2) في بعض النسخ «عوراته».

(3) كابدها: أى قاساها و تحمل المشاق في فعلها بلا اعداد أسبابها. و عطب أي هلك و الغمرات الشدائد. و في النهج «و من اقتحم اللجج عرق».

(4) الانذال- جمع النذل-: الخسيس من الناس، المحتقر في جميع أحواله و المراد بهم ذوى الأخلاق الدنية.

(5) يعني و من عابهم شتم و سب بهم.

237

اسْتُخِفَّ بِهِ- وَ مَنْ أَكْثَرَ مِنْ شَيْ‏ءٍ عُرِفَ بِهِ وَ مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ خَطَاؤُهُ- وَ مَنْ كَثُرَ خَطَاؤُهُ‏ (1) قَلَّ حَيَاؤُهُ وَ مَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ- وَ مَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ وَ مَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النَّارَ- أَيْ بُنَيَّ مَنْ نَظَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ- وَ رَضِيَ لِنَفْسِهِ بِهَا فَذَاكَ الْأَحْمَقُ بِعَيْنِهِ- وَ مَنْ تَفَكَّرَ اعْتَبَرَ وَ مَنِ اعْتَبَرَ اعْتَزَلَ وَ مَنِ اعْتَزَلَ سَلِمَ- وَ مَنْ تَرَكَ الشَّهَوَاتِ كَانَ حُرّاً- وَ مَنْ تَرَكَ الْحَسَدَ كَانَتْ لَهُ الْمَحَبَّةُ عِنْدَ النَّاسِ- أَيْ بُنَيَّ عِزُّ الْمُؤْمِنِ غِنَاهُ عَنِ النَّاسِ- وَ الْقَنَاعَةُ مَالٌ لَا يَنْفَدُ- وَ مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ رَضِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ- وَ مَنْ عَلِمَ أَنَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَنْفَعُهُ أَيْ بُنَيَّ الْعَجَبُ مِمَّنْ يَخَافُ الْعِقَابَ فَلَمْ يَكُفَّ- وَ رَجَا الثَّوَابَ فَلَمْ يَتُبْ وَ يَعْمَلْ- أَيْ بُنَيَّ الْفِكْرَةُ تُورِثُ نُوراً وَ الْغَفْلَةُ ظُلْمَةٌ- وَ الْجِدَالَةُ ضَلَالَةٌ وَ السَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ- وَ الْأَدَبُ خَيْرُ مِيرَاثٍ- وَ حُسْنُ الْخُلُقِ خَيْرُ قَرِينٍ- لَيْسَ مَعَ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ نَمَاءٌ وَ لَا مَعَ الْفُجُورِ غِنًى- أَيْ بُنَيَّ الْعَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ- تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي الصَّمْتِ إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ- وَ وَاحِدٌ فِي تَرْكِ مُجَالَسَةِ السُّفَهَاءِ أَيْ بُنَيَّ مَنْ تَزَيَّا (2) بِمَعَاصِي اللَّهِ فِي الْمَجَالِسِ أَوْرَثَهُ اللَّهُ ذُلًّا- وَ مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ عَلِمَ يَا بُنَيَّ رَأْسُ الْعِلْمِ الرِّفْقُ وَ آفَتُهُ الْخُرْقُ‏ (3)- وَ مِنْ كُنُوزِ الْإِيمَانِ الصَّبْرُ عَلَى الْمَصَائِبِ- وَ الْعَفَافُ زِينَةُ الْفَقْرِ وَ الشُّكْرُ زِينَةُ الْغِنَى- كَثْرَةُ الزِّيَارَةِ تُورِثُ الْمَلَالَةَ

____________

(1) و في بعض نسخ الحديث [خطؤه‏] فى الموضعين و المعنى واحد.

(2) تزيا: أى صار ذا زى.

(3) الخرق: الشدة، ضد الرفق.

238

وَ الطُّمَأْنِينَةُ قَبْلَ الْخِبْرَةِ ضِدُّ الْحَزْمِ‏ (1)- وَ إِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ عَقْلِهِ أَيْ بُنَيَّ كَمْ نَظْرَةٍ جَلَبَتْ حَسْرَةً- وَ كَمْ مِنْ كَلِمَةٍ سَلَبَتْ نِعْمَةً- أَيْ بُنَيَّ لَا شَرَفَ أَعْلَى مِنَ الْإِسْلَامِ- وَ لَا كَرَمَ أَعَزُّ مِنَ التَّقْوَى- وَ لَا مَعْقِلَ أَحْرَزُ مِنَ الْوَرَعِ‏ (2) وَ لَا شَفِيعَ أَنْجَحُ مِنَ التَّوْبَةِ- وَ لَا لِبَاسَ أَجْمَلُ مِنَ الْعَافِيَةِ- وَ لَا مَالَ أَذْهَبُ بِالْفَاقَةِ مِنَ الرِّضَا بِالْقُوتِ- وَ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى بُلْغَةِ الْكَفَافِ تَعَجَّلَ الرَّاحَةَ وَ تَبَوَّأَ خَفْضَ الدَّعَةِ- (3) أَيْ بُنَيَّ الْحِرْصُ مِفْتَاحُ التَّعَبِ وَ مَطِيَّةُ النَّصَبِ‏ (4)- وَ دَاعٍ إِلَى التَّقَحُّمِ فِي الذُّنُوبِ- وَ الشَّرَهُ جَامِعٌ لِمَسَاوِي الْعُيُوبِ‏ (5)- وَ كَفَاكَ تَأْدِيباً لِنَفْسِكَ مَا كَرِهْتَهُ مِنْ غَيْرِكَ لِأَخِيكَ عَلَيْكَ مِثْلُ الَّذِي لَكَ عَلَيْهِ- وَ مَنْ تَوَرَّطَ فِي الْأُمُورِ بِغَيْرِ نَظَرٍ فِي الْعَوَاقِبِ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلنَّوَائِبِ- التَّدْبِيرُ قَبْلَ الْعَمَلِ يُؤْمِنُكَ النَّدَمَ- مَنِ اسْتَقْبَلَ وُجُوهَ الْآرَاءِ عَرَفَ مَوَاقِعَ الْخَطَاءِ- الصَّبْرُ جُنَّةٌ مِنَ الْفَاقَةِ الْبُخْلُ جِلْبَابُ الْمَسْكَنَةِ- الْحِرْصُ عَلَامَةُ الْفَقْرِ- وَصُولٌ مُعْدِمٌ خَيْرٌ مِنْ جَافٍ مُكْثِرٍ (6)- لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ قُوتٌ وَ ابْنُ آدَمَ‏

____________

(1) الطمأنينة اسم من الاطمينان: توطين النفس و تسكينها. و الخبرة: العلم بالشي‏ء و الحزم: ضبط الامر و احكامه و الاخذ فيه بالثقة.

(2) المعقل: الحصن و الملجأ. و الورع امنع الحصون و احرزها عن وساوس الشيطان و عن عذاب اللّه. و النجاح: الظفر و الفوز اي لا يظفر الإنسان بشفاعة شفيع بالنجاة من سخط اللّه و عذابه مثل ما يظفر بالتوبة.

(3) البلغة- بالضم-: ما يكتفى به من القوت و لا فضل فيه. و الكفاف- بفتح الكاف-:

ما كفى عن الناس من الرزق و اغنى. و الخفض: لين العيش و سعته. و الدعة- بالتحريك-:

الراحة و الإضافة للمبالغة: أى تمكن و استقر في متسع الراحة.

(4) النصب- بالتحريك-: أشدّ التعب.

(5) الشره- بكسر الشين و شد الراء-: الحرص و الغضب و الطيش و العطب و قد يطلق على الشر أيضا، و في بعض النسخ بدون التاء.

(6) الوصول- بفتح الواو-: الكثير الاعطاء. و المعدم: الفقير. و الجاف: فاعل من جفا يجفو جفاء المعرض و السيئ الخلق. و المكثر: الذي كثر ماله، يعنى من يصل الى الناس بحسن الخلق و المودة مع فقره خير ممن يكثر في العطاء و هو جاف أي سيئ الخلق.

239

قُوتُ الْمَوْتِ- أَيْ بُنَيَّ لَا تُؤْيِسْ مُذْنِباً- فَكَمْ مِنْ عَاكِفٍ عَلَى ذَنْبِهِ خُتِمَ لَهُ بِخَيْرٍ- وَ كَمْ مِنْ مُقْبِلٍ عَلَى عَمَلِهِ مُفْسِدٌ فِي آخِرِ عُمُرِهِ- صَائِرٌ إِلَى النَّارِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهَا- أَيْ بُنَيَّ كَمْ مِنْ عَاصٍ نَجَا وَ كَمْ مِنْ عَامِلٍ هَوَى- وَ مَنْ تَحَرَّى الصِّدْقَ خَفَّتْ عَلَيْهِ الْمُؤَنُ‏ (1) فِي خِلَافِ النَّفْسِ رُشْدُهَا- السَّاعَاتُ تَنْقُصُ الْأَعْمَارَ وَيْلٌ لِلْبَاغِينَ مِنْ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ- وَ عَالِمِ ضَمِيرِ الْمُضْمِرِينَ- يَا بُنَيَّ بِئْسَ الزَّادُ إِلَى الْمَعَادِ الْعُدْوَانُ عَلَى الْعِبَادِ- فِي كُلِّ جُرْعَةٍ شَرَقٌ وَ فِي كُلِّ أُكْلَةٍ غَصَصٌ‏ (2) لَنْ تُنَالَ نِعْمَةٌ إِلَّا بِفِرَاقِ أُخْرَى- مَا أَقْرَبَ الرَّاحَةَ مِنَ النَّصَبِ- وَ الْبُؤْسَ مِنَ النَّعِيمِ وَ الْمَوْتَ مِنَ الْحَيَاةِ وَ السُّقْمَ مِنَ الصِّحَّةِ فَطُوبَى لِمَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ عَمَلَهُ وَ عِلْمَهُ وَ حُبَّهُ وَ بُغْضَهُ- وَ أَخْذَهُ وَ تَرْكَهُ وَ كَلَامَهُ وَ صَمْتَهُ وَ فِعْلَهُ وَ قَوْلَهُ- وَ بَخْ بَخْ‏ (3) لِعَالِمٍ عَمِلَ فَجَدَّ- وَ خَافَ الْبَيَاتَ فَأَعَدَّ وَ اسْتَعَدَّ- إِنْ سُئِلَ نَصَحَ وَ إِنْ تُرِكَ صَمَتَ- كَلَامُهُ صَوَابٌ وَ سُكُوتُهُ مِنْ غَيْرِ عِيٍّ جَوَابٌ‏ (4)- وَ الْوَيْلُ كُلُّ الْوَيْلِ لِمَنْ بُلِيَ بِحِرْمَانٍ وَ خِذْلَانٍ وَ عِصْيَانٍ- فَاسْتَحْسَنَ لِنَفْسِهِ مَا يَكْرَهُهُ مِنْ غَيْرِهِ- وَ أَزْرَى عَلَى النَّاسِ بِمِثْلِ مَا يَأْتِي- (5) وَ اعْلَمْ أَيْ بُنَيَّ أَنَّهُ مَنْ لَانَتْ كَلِمَتُهُ وَجَبَتْ مَحَبَّتُهُ- وَفَّقَكَ اللَّهُ لِرُشْدِهِ وَ جَعَلَكَ مِنْ أَهْلِ طَاعَتِهِ بِقُدْرَتِهِ إِنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ.

بيان‏ (6).

____________

(1) التحرّي: القصد و الاجتهاد في الطلب. و المؤن- بضم الميم و فتح الهمزة-:

جمع المئونة و هي القوت أو الشدة و الثقل.

(2) الشرق: الغصة و هي اعتراض الشي‏ء في الحلق و عدم اساغته و يطلق الأول في المشروبات و الثاني في المأكولات.

(3) «بخ» اسم فعل للمدح و اظهار الرضى بالشي‏ء و يكرر للمبالغة، فيقال: بخ بخ بالكسر و التنوين.

(4) العى: العجز عن الكلام.

(5) أزرى عليه عمله. أى عاتبه و عابه عليه.

(6) كان هنا بياض مقدار نصف صفحة.

240

باب 10 عهد أمير المؤمنين(ع)إلى الأشتر ره حين ولاه مصر

1- ف‏ (1)، تحف العقول‏ هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ- مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ حِينَ وَلَّاهُ مِصْرَ- جِبَايَةَ خَرَاجِهَا وَ مُجَاهَدَةَ عَدُوِّهَا- وَ اسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا وَ عِمَارَةَ بِلَادِهَا (2) أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ إِيثَارِ طَاعَتِهِ- مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ وَ سُنَنِهِ الَّتِي لَا يَسْعَدُ أَحَدٌ إِلَّا بِاتِّبَاعِهَا- وَ لَا يَشْقَى إِلَّا مَعَ جُحُودِهَا وَ إِضَاعَتِهَا- وَ أَنْ يَنْصُرَ اللَّهَ بِيَدِهِ وَ قَلْبِهِ وَ لِسَانِهِ- فَإِنَّهُ قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ إِنَّهُ‏ قَوِيٌّ عَزِيزٌ- وَ أَمَرَهُ أَنْ يَكْسِرَ مِنْ نَفْسِهِ عِنْدَ الشَّهَوَاتِ- فَإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي- إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ‏- وَ أَنْ يَعْتَمِدَ كِتَابَ اللَّهِ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ- فَإِنَّ فِيهِ تِبْيَانَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏- وَ أَنْ يَتَحَرَّى رِضَا اللَّهِ وَ لَا يَتَعَرَّضَ لِسَخَطِهِ- وَ لَا يُصِرَّ عَلَى مَعْصِيَتِهِ فَإِنَّهُ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ- ثُمَّ اعْلَمْ يَا مَالِكُ أَنِّي قَدْ وَجَّهْتُكَ إِلَى بِلَادٍ- قَدْ جَرَتْ عَلَيْهَا دُوَلٌ قَبْلَكَ مِنْ عَدْلٍ وَ جَوْرٍ- وَ إِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ- فِي مِثْلِ مَا كُنْتَ تَنْظُرُ فِيهِ مِنْ أُمُورِ الْوُلَاةِ قَبْلَكَ وَ يَقُولُونَ فِيكَ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِيهِمْ- وَ إِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحِينَ- بِمَا يُجْرِي اللَّهُ لَهُمْ عَلَى أَلْسُنِ عِبَادِهِ- فَلْيَكُنْ أَحَبَّ الذَّخَائِرِ إِلَيْكَ ذَخِيرَةُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ- بِالْقَصْدِ

____________

(1) تحف العقول ص 126.

(2) مختار هذا العهد منقول في النهج مع اختلاف يسير. و الأشتر هو مالك بن الحارث الأشتر النخعيّ من اليمن كان من أكابر أصحابه (عليه السلام) ذا النجدة و الشجاعة روى أن الطرماح لما دخل على معاوية قال له: قل لابن أبي طالب: انى جمعت العساكر بعدد حبّ جاورس الكوفة و ها أنا قاصده فقال له الطرماح: ان لعلى (عليه السلام) ديكا أشتر يلتقط جميع ذلك. فانكسر من قوله معاوية.

241

فِيمَا تَجْمَعُ وَ مَا تَرْعَى بِهِ رَعِيَّتَكَ- فَامْلِكْ هَوَاكَ وَ لْتَسْخَ بِنَفْسِكَ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَكَ- فَإِنَّ سَخَاءَ النَّفْسِ الْإِنْصَافُ مِنْهَا فِيمَا أَحْبَبْتَ وَ كَرِهْتَ‏ (1)- وَ أَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ وَ الْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَ اللُّطْفَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ- وَ لَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ‏ (2) فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وَ إِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ- تَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ‏ (3) وَ تَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ- وَ يُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ وَ الْخَطَإِ- فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَ صَفْحِكَ مِثْلَ الَّذِي تُحِبُّ أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّهُ مِنْ عَفْوِهِ- فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ وَ وَالِي الْأَمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ وَ اللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ بِمَا عَرَّفَكَ مِنْ كِتَابِهِ وَ بَصَّرَكَ مِنْ سُنَنِ نَبِيِّهِ ص عَلَيْكَ بِمَا كَتَبْنَا لَكَ فِي عَهِدْنَا هَذَا- لَا تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللَّهِ- فَإِنَّهُ لَا يَدَيْ لَكَ بِنَقِمَتِهِ- (4) وَ لَا غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِهِ وَ رَحْمَتِهِ- فَلَا تَنْدَمَنَّ عَلَى عَفْوٍ وَ لَا تَبْجَحَنَّ بِعُقُوبَةٍ (5)- وَ لَا تُسْرِعَنَّ إِلَى بَادِرَةٍ وَجَدْتَ عَنْهَا مَنْدُوحَةً- وَ لَا تَقُولَنَّ إِنِّي مُؤَمَّرٌ آمُرُ فَأُطَاعُ‏ (6)- فَإِنَّ ذَلِكَ إِدْغَالٌ فِي الْقَلْبِ وَ مَنْهَكَةٌ لِلدِّينِ وَ تَقَرُّبٌ مِنَ الْفِتَنِ- فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ- وَ إِذَا أَعْجَبَكَ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ سُلْطَانِكَ فَحَدَثَتْ لَكَ بِهِ أُبَّهَةٌ أَوْ مَخِيلَةٌ (7)- فَانْظُرْ إِلَى عِظَمِ‏

____________

(1) في المصدر «و شحّ بنفسك عما لا يحل لك فان الشحّ الإنصاف منها فيما احببت و كرهت» و كذا في النهج.

(2) الضارى من الكلاب: ما لهج بالصيد و تعوده أكله و أولع به أي السباع كالاسد و النمر.

(3) تفرط: تسبق. و الزلل: الخطأ. و أراد بالعلل الأمور الصارفة لهم عما ينبغي من اجراء أوامر الوالى على وجوهها.

(4) يعني لا تخالف أمر اللّه بالظلم و الجور فليس لك يد أن تدفع نقمته.

(5) بجح كفرح لفظا و معنى.

(6) الباردة: حدة الغضب. و المندوحة: السعة و الفسحة. و المؤمر- كمعظم-: المسلط.

و الادغال: الافساد. و النهك: الضعف و نهكه أضعفه.

(7) الابهة- بضم الهمزة و فتح الباء مشددة و سكونها-: العظمة و الكبرياء.

و المخيلة: الكبر و العجب.

242

مُلْكِ اللَّهِ فَوْقَكَ- وَ قُدْرَتِهِ مِنْكَ عَلَى مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِكَ- فَإِنَّ ذَلِكَ يُطَامِنُ إِلَيْكَ مِنْ طِمَاحِكَ‏ (1)- وَ يَكُفُّ عَنْكَ مِنْ غَرْبِكَ وَ يَفِي‏ءُ إِلَيْكَ مَا عَزَبَ مِنْ عَقْلِكَ- وَ إِيَّاكَ وَ مُسَامَاتَهُ فِي عَظَمَتِهِ‏ (2) أَوِ التَّشَبُّهَ بِهِ فِي جَبَرُوتِهِ- فَإِنَّ اللَّهَ يُذِلُّ كُلَّ جَبَّارٍ وَ يُهِينُ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ- أَنْصِفِ اللَّهَ وَ أَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ وَ مِنْ خَاصَّتِكَ- وَ مِنْ أَهْلِكَ وَ مَنْ لَكَ فِيهِ هَوًى مِنْ رَعِيَّتِكَ- فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَفْعَلْ تَظْلِمْ- وَ مَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللَّهِ كَانَ اللَّهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ- وَ مَنْ خَاصَمَهُ اللَّهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ‏ (3)- وَ كَانَ لِلَّهِ حَرْباً حَتَّى يَنْزِعَ وَ يَتُوبَ وَ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةٍ وَ تَعْجِيلِ- نَقِمَةٍ مِنْ إِقَامَةٍ عَلَى ظُلْمٍ- فَإِنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِينَ وَ هُوَ لِلظَّالِمِينَ بِمِرْصَادٍ- وَ مَنْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهُوَ رَهِينُ هَلَاكٍ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- وَ لْيَكُنْ أَحَبُّ الْأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطَهَا فِي الْحَقِّ- وَ أَعَمَّهَا فِي الْعَدْلِ وَ أَجْمَعَهَا (4) لِلرَّعِيَّةِ- فَإِنَّ سَخَطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَا الْخَاصَّةِ (5)- وَ إِنَّ سَخَطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَا الْعَامَّةِ- وَ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِي مَئُونَةً فِي الرَّخَاءِ- وَ أَقَلَّ لَهُ مَعُونَةً فِي الْبَلَاءِ- وَ أَكْرَهَ لِلْإِنْصَافِ وَ أَسْأَلَ بِالْإِلْحَافِ‏ (6)- وَ أَقَلَّ شُكْراً عِنْدَ الْإِعْطَاءِ وَ أَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ الْمَنْعِ وَ أَكْرَهَ لِلْإِنْصَافِ- وَ أَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الْأُمُورِ مِنَ الْخَاصَّةِ

____________

(1) يطامن أي يخفض و يسكن. و الطماح: الفخر و النشوز و الجماح. و ارتفاع البصر و الغرب: الحدة. و يفى‏ء: يرجع ما غاب عن عقلك.

(2) المساماة: المفاخرة و المباراة في السمو أي العلو.

(3) أدحض: أبطل. و حربا أي محاربا. و ينزع أي يقلع عن ظلمه. و أدعى: أى أشدّ دعوة.

(4) في النهج «أجمعها لرضى الرعية».

(5) يجحف أي يذهب برضى الخاصّة.

(6) الالحاف: الالحاح و الشدة في السؤال.

243

وَ إِنَّمَا عَمُودُ الدِّينِ وَ جِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ- وَ الْعُدَّةُ لِلْأَعْدَاءِ أَهْلُ الْعَامَّةِ مِنَ الْأُمَّةِ- فَلْيَكُنْ لَهُمْ صِغْوُكَ‏ (1) وَ اعْمِدْ لِأَعَمِّ الْأُمُورِ مَنْفَعَةً وَ خَيْرِهَا عَاقِبَةً- وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏ وَ لْيَكُنْ أَبْعَدُ رَعِيَّتِكَ مِنْكَ وَ أَشْنَؤُهُمْ عِنْدَكَ أَطْلَبَهُمْ لِعُيُوبِ النَّاسِ- فَإِنَّ فِي النَّاسِ عُيُوباً الْوَالِي أَحَقُّ مَنْ سَتَرَهَا- فَلَا تَكْشِفَنَّ مَا غَابَ عَنْكَ- وَ اسْتُرِ الْعَوْرَةَ مَا اسْتَطَعْتَ- يَسْتُرِ اللَّهُ مِنْكَ مَا تُحِبُّ سَتْرَهُ مِنْ رَعِيَّتِكَ- وَ أَطْلِقْ عَنِ النَّاسِ عَقْدَ كُلِّ حِقْدٍ (2)- وَ اقْطَعْ عَنْكَ سَبَبَ كُلِّ وِتْرٍ- وَ اقْبَلِ الْعُذْرَ وَ ادْرَأِ الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ- وَ تَغَابَ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَصِحُّ لَكَ وَ لَا تَسْتُرْ شُبْهَةً (3)- وَ لَا تَعْجَلَنَّ إِلَى تَصْدِيقِ سَاعٍ- فَإِنَّ السَّاعِيَ غَاشٌّ وَ إِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِينَ- (4) لَا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلًا- يَخْذُلُكَ عَنِ الْفَضْلِ وَ يَعِدُكَ الْفَقْرَ (5)- وَ لَا جَبَاناً يُضْعِفُ عَلَيْكَ الْأُمُورَ- وَ لَا حَرِيصاً يُزَيِّنُ لَكَ الشَّرَهَ بِالْجَوْرِ- فَإِنَّ الْبُخْلَ وَ الْجَوْرَ وَ الْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى- يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ كُمُونُهَا فِي الْأَشْرَارِ (6)- أَيْقِنْ أَنَّ شَرَّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ لِلْأَشْرَارِ وَزِيراً- وَ مَنْ شَرِكَهُمْ فِي الْآثَامِ وَ قَامَ بِأُمُورِهِمْ فِي عِبَادِ اللَّهِ فَلَا يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً- تُشْرِكُهُمْ فِي أَمَانَتِكَ‏ (7) كَمَا شَرِكُوا فِي سُلْطَانِ غَيْرِكَ- فَأَرْدَوْهُمْ‏

____________

(1) الصفو: الميل. و في بعض النسخ «صفوك».

(2) أي احلل عقد الاحقاد من قلوب الناس بحسن السيرة مع الناس. و الوتر- بالكسر-:

العداوة أي اقطع عنك أسباب العداوات بترك الاساءة الى الرعية.

(3) كذا. و ليست هذه الجملة في المصدر.

(4) الساعى: النمام بمعايب الناس. و الغاش: الخائن.

(5) في النهج «يعدل بك عن الفضل و الفضل» هنا الاحسان بالبذل و الجود. و يعدك أى يخوفك. و الشره- بالتحريك: أشدّ الحرص. و في النهج «يضعفك عن الأمور» بمعنى تحملك عن الضعف.

(6) أي يجتمع كلها فيهم سوء الظنّ بكرم اللّه و فضله. و في بعض النسخ «كونها في الاشرار»، و في النهج «فان البخل و الجبن و الحرص».

(7) البطانة- بالكسر-: الخاصّة، من بطانة الثوب خلاف ظهارته.

244

وَ أَوْرَدُوهُمْ مَصَارِعَ السَّوْءِ- وَ لَا يُعْجِبَنَّكَ شَاهِدُ مَا يُحْضِرُونَكَ- بِهِ فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الْأَثَمَةِ وَ إِخْوَانُ الظَّلَمَةِ- وَ عُبَابُ كُلِّ طَمَعٍ وَ دَغَلٍ‏ (1)- وَ أَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الْخَلَفِ مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَ نَفَاذِهِمْ- مِمَّنْ قَدْ تَصَفَّحَ الْأُمُورُ فَعَرَفَ مَسَاوِيَهَا بِمَا جَرَى عَلَيْهِ مِنْهَا (2)- فَأُولَئِكَ أَخَفُّ عَلَيْكَ مَئُونَةً وَ أَحْسَنُ لَكَ مَعُونَةً- وَ أَحْنَى عَلَيْكَ عَطْفاً (3) وَ أَقَلُّ لِغَيْرِكَ إِلْفاً لَمْ يُعَاوِنْ ظَالِماً عَلَى ظُلْمِهِ وَ لَا آثِماً عَلَى إِثْمِهِ- وَ لَمْ يَكُنْ مَعَ غَيْرِكَ لَهُ سِيرَةٌ أَجْحَفَتْ بِالْمُسْلِمِينَ وَ الْمُعَاهِدِينَ‏ (4)- فَاتَّخِذْ أُولَئِكَ خَاصَّةً لِخَلْوَتِكَ وَ مَلَائِكَ- ثُمَّ لْيَكُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَكَ أَقْوَلَهُمْ بِمُرِّ الْحَقِّ- (5) وَ أَحْوَطَهُمْ عَلَى الضُّعَفَاءِ بِالْإِنْصَافِ- وَ أَقَلَّهُمْ لَكَ مُنَاظَرَةً (6) فِيمَا يَكُونُ مِنْكَ- مِمَّا كَرِهَ اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ وَاقِعاً- ذَلِكَ مِنْ هَوَاكَ حَيْثُ وَقَعَ- فَإِنَّهُمْ يَقِفُونَكَ عَلَى الْحَقِ‏ (7) وَ يُبَصِّرُونَكَ مَا يَعُودُ عَلَيْكَ نَفْعُهُ- وَ الْصَقْ بِأَهْلِ الْوَرَعِ وَ الصِّدْقِ وَ ذَوِي الْعُقُولِ وَ الْأَحْسَابِ- ثُمَّ رُضْهُمْ عَلَى أَنْ لَا يُطْرُوكَ‏ (8) وَ لَا يَبْجَحُوكَ بِبَاطِلٍ لَمْ تَفْعَلْهُ‏

____________

(1) الاثمة: جمع آثم، كظلمة: جمع ظالم. و العباب- بضم العين-: معظم السيل و عباب البحر: موجه.

(2) تصفح: تأمل و نظر مليا. و المساوى: جمع مساءة و هي القبيح. و في النهج «و أنت واجد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم و نفاذهم و ليس عليه مثل آصارهم و أوزارهم ممن لم يعاون ظالما على ظلمه و لا آثما على اثمه».

(3) أحنى عليك: أى أشفق، و «عطفا» مصدر جي‏ء به من غير لحظ فعله. و الالف- بالكسر-: الالفة و المحبة.

(4) اجحف بهم. استأصلهم و أهلكهم. و في النهج بعده: «فاتخذ أولئك خاصّة لخلواتك و حفلاتك» و المعاهدين: أهل الكتاب.

(5) أي ليكن أفضلهم لديك أكثرهم قولا بالحق المر.

(6) و في النهج «مساعدة» و قوله: «فيما يكون منك» أي يقع و يصدر.

(7) أي لا يساعدك على ما كره اللّه حال كونه نازلا من ميلك إليه. و من قوله (عليه السلام) «ثم ليكن» إلى هنا تنبيه على من ينبغي أن يتخذ عونا و وزيرا، و ميزه باوصاف أخص.

(8) رضهم أي عودهم على أن لا يطروك أي يزيدوا في مدحك من أطرى اطراء:

أحسن الثناء و بالغ في المدح. و لا يبجحوك أي و لا يفرحوك بنسبة عمل إليك. قوله: «تدنى» أى تقرب. و الزهو: العجب. و الغرة- بالكسر-: الحمية و الانفة. و هذا كله أمر بأن يلازم أهل الورع و الصدق منهم ثمّ أن يروضهم و يؤدبهم بالنهى عن الاطراء له أو يوجبوا له سرورا بقول باطل ينسبونه فيه الى فعل لا يفعله.

245

فَإِنَّ كَثْرَةَ الْإِطْرَاءِ تُحْدِثُ الزَّهْوَ وَ تُدْنِي مِنَ الْغِرَّةِ- وَ الْإِقْرَارُ بِذَلِكَ يُوجِبُ الْمَقْتَ مِنَ اللَّهِ- لَا يَكُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَ الْمُسِي‏ءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ- فَإِنَّ فِي ذَلِكَ تَزْهِيدٌ لِأَهْلِ الْإِحْسَانِ فِي الْإِحْسَانِ- وَ تَدْرِيبٌ لِأَهْلِ الْإِسَاءَةِ- فَأَلْزِمْ كُلًّا مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ‏ (1) أَدَباً مِنْكَ- يَنْفَعْكَ اللَّهُ بِهِ وَ تَنْفَعْ بِهِ أَعْوَانُكَ- ثُمَّ اعْلَمْ- أَنَّهُ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ بِأَدْعَى لِحُسْنِ ظَنِّ وَالٍ بِرَعِيَّتِهِ مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ- وَ تَخْفِيفِهِ الْمَئُونَاتِ عَلَيْهِمْ- وَ قِلَّةِ اسْتِكْرَاهِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى مَا لَيْسَ لَهُ قِبَلَهُمْ- فَلْيَكُنْ فِي ذَلِكَ أَمْرٌ يَجْتَمِعُ لَكَ بِهِ حُسْنُ ظَنِّكَ بِرَعِيَّتِكَ- فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ يَقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً طَوِيلًا- وَ إِنَّ أَحَقَّ مَنْ حَسُنَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ حَسُنَ بَلَاؤُكَ عِنْدَهُ- (2) وَ أَحَقَّ مَنْ سَاءَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ سَاءَ بَلَاؤُكَ عِنْدَهُ- فَاعْرِفْ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ لَكَ- وَ عَلَيْكَ لِتَزِدْكَ بَصِيرَةً فِي حُسْنِ الصُّنْعِ- وَ اسْتِكْثَارِ حُسْنِ الْبَلَاءِ عِنْدَ الْعَامَّةِ- مَعَ مَا يُوجِبُ اللَّهُ بِهَا لَكَ فِي الْمَعَادِ وَ لَا تَنْقُضْ سُنَّةً صَالِحَةً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هَذِهِ الْأُمَّةِ- وَ اجْتَمَعَتْ بِهَا الْأُلْفَةُ وَ صَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ- وَ لَا تُحْدِثَنَّ سُنَّةً تَضُرُّ بِشَيْ‏ءٍ مِمَّا مَضَى مِنْ تِلْكَ السُّنَنِ- فَيَكُونَ الْأَجْرُ لِمَنْ سَنَّهَا وَ الْوِزْرُ عَلَيْكَ بِمَا نَقَضْتَ مِنْهَا وَ أَكْثِرْ مُدَارَسَةَ الْعُلَمَاءِ وَ مُثَافَنَةَ الْحُكَمَاءِ (3)- فِي تَثْبِيتِ مَا صَلَحَ عَلَيْهِ أَهْلُ بِلَادِكَ وَ إِقَامَةِ مَا اسْتَقَامَ بِهِ النَّاسُ مِنْ قَبْلِكَ- فَإِنَّ ذَلِكَ يَحِقُّ الْحَقَّ وَ يَدْفَعُ الْبَاطِلَ- وَ يُكْتَفَى بِهِ دَلِيلًا وَ مِثَالًا- لِأَنَّ السُّنَنَ الصَّالِحَةَ هِيَ السَّبِيلُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ‏

____________

(1) التدريب: الاعتياد و التجرى. و قوله: «و ما ألزم نفسه» فى مقابلة الاحسان أو الاساءة بمثلها.

(2) أي اختبارك عنده.

(3) المثافنة: المجالسة و الملازمة. و في بعض نسخ النهج «و منافثة» أي المحادثة.

246

ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لَا يَصْلُحُ بعضا [بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ- وَ لَا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ فَمِنْهَا جُنُودُ اللَّهِ وَ مِنْهَا كُتَّابُ الْعَامَّةِ وَ الْخَاصَّةِ- وَ مِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْلِ وَ مِنْهَا عُمَّالُ الْإِنْصَافِ وَ الرِّفْقِ- وَ مِنْهَا أَهْلُ الْجِزْيَةِ وَ الْخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَ مُسْلِمَةِ النَّاسِ‏ (1) وَ مِنْهَا التُّجَّارُ وَ أَهْلُ الصِّنَاعَاتِ- وَ مِنْهَا طبقة [الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ وَ الْمَسْكَنَةِ وَ كُلًّا قَدْ سَمَّى اللَّهُ سَهْمَهُ- وَ وَضَعَ عَلَى حَدِّ فَرِيضَتِهِ فِي كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ص وَ عَهْدٌ عِنْدَنَا مَحْفُوظٌ (2)- فَالْجُنُودُ بِإِذْنِ اللَّهِ حُصُونُ الرَّعِيَّةِ- وَ زَيْنُ الْوُلَاةِ وَ عِزُّ الدِّينِ وَ سَبِيلُ الْأَمْنِ وَ الْخَفْضِ‏ (3)- وَ لَيْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِهِمْ- ثُمَّ لَا قِوَامَ لِلْجُنُودِ إِلَّا بِمَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ- الَّذِي يَصِلُونَ بِهِ إِلَى جِهَادِ عَدُوِّهِمْ- وَ يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ وَ يَكُونُ مِنْ وَرَاءِ حَاجَاتِهِمْ- ثُمَّ لَا بَقَاءَ لِهَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ إِلَّا بِالصِّنْفِ الثَّالِثِ- مِنَ الْقُضَاةِ وَ الْعُمَّالِ وَ الْكُتَّابِ لِمَا يُحْكِمُونَ مِنَ الْأُمُورِ- وَ يُظْهِرُونَ مِنَ الْإِنْصَافِ وَ يَجْمَعُونَ مِنَ الْمَنَافِعِ وَ يُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ مِنْ خَوَاصِّ الْأُمُورِ وَ عَوَامِّهَا- وَ لَا قِوَامَ لَهُمْ جَمِيعاً إِلَّا بِالتُّجَّارِ- وَ ذَوِي الصِّنَاعَاتِ فِيمَا يَجْمَعُونَ مِنْ مَرَافِقِهِمْ‏ (4)- وَ يُقِيمُونَ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ وَ يَكْفُونَهُمْ مِنَ التَّرَفُّقِ بِأَيْدِيهِمْ- مِمَّا لَا يَبْلُغُهُ رِفْقُ غَيْرِهِمْ‏

____________

(1) «مسلمة الناس» قال بعض شراح النهج: هذا تفصيل لاهل الخراج و يجوز أن يكون تفسيرا لاهل الجزية و الخراج معا لان للامام أن يقبل أهل الخراج من سائر المسلمين و أهل الذمّة.

(2) أراد بالسهم الذي سماه اللّه الاستحقاق لكل من ذوى الاستحقاق في كتابه اجمالا من الصدقات كالفقراء و المساكين و عمال الخراج و الصدقة و فصله في سنة نبيه (صلّى اللّه عليه و آله)، و حدّه الذي وضع اللّه عليه عهدا منه الى أهل بيت نبيه هو مرتبته و منزلته من أهل المدينة الذين لا يقوم الا بهم فان للجندى منزلة و حدا محدودا و كذلك العمّال و الكتاب و القضاة و غيرهم فان لكل منهم حدا يقف عنده و فريضة يلزمها عليها عهد من اللّه محفوظ عند نبيه و أهل بيته (عليهم السلام).

(3) يعني الراحة و السعة و العيش.

(4) المرافق: المنافع.

247

ثُمَّ الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَ الْمَسْكَنَةِ- الَّذِينَ يَحِقُّ رِفْدُهُمْ‏ (1)- وَ فِي فَيْ‏ءِ اللَّهِ لِكُلٍّ سَعَةٌ- وَ لِكُلٍّ عَلَى الْوَالِي حَقٌّ بِقَدْرِ [مَا يُصْلِحُهُ- وَ لَيْسَ يَخْرُجُ الْوَالِي مِنْ حَقِيقَةِ مَا أَلْزَمَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ- إِلَّا بِالاهْتِمَامِ وَ الِاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ- وَ تَوْطِينِ نَفْسِكَ عَلَى لُزُومِ الْحَقِّ وَ الصَّبْرِ- فِيمَا خَفَّ عَلَيْهِ وَ ثَقُلَ- فَوَلِّ مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ فِي نَفْسِكَ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِإِمَامِكَ- وَ أَنْقَاهُمْ جَيْباً (2) وَ أَفْضَلَهُمْ حِلْماً وَ أَجْمَعَهُمْ عِلْماً وَ سِيَاسَةً- مِمَّنْ يُبْطِئُ عَنِ الْغَضَبِ وَ يُسْرِعُ إِلَى الْعُذْرِ- وَ يَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ وَ يَنْبُو عَلَى الْأَقْوِيَاءِ (3)- مِمَّنْ لَا يُثِيرُهُ الْعُنْفُ وَ لَا يَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ- ثُمَّ الْصَقْ بِذَوِي الْأَحْسَابِ- وَ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَ السَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ- ثُمَّ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَ الشَّجَاعَةِ وَ السَّخَاءِ وَ السَّمَاحَةِ- فَإِنَّهُمْ جِمَاعٌ مِنَ الْكَرَمِ‏ (4) وَ شُعَبٌ مِنَ العُرْفِ- يُهْدَوْنَ إِلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ وَ الْإِيمَانِ بِقَدَرِهِ- ثُمَّ تَفَقَّدْ أُمُورَهُمْ بِمَا يَتَفَقَّدُ الْوَالِدُ مِنْ وَلَدِهِ- وَ لَا يَتَفَاقَمَنَّ فِي نَفْسِكَ شَيْ‏ءٌ قَوَّيْتَهُمْ بِهِ‏ (5)- وَ لَا تَحْقِرَنَّ لُطْفاً تَعَاهَدْتَهُمْ بِهِ وَ إِنْ قَلَّ- فَإِنَّهُ دَاعِيَةٌ لَهُمْ إِلَى بَذْلِ النَّصِيحَةِ وَ حُسْنِ الظَّنِّ بِكَ- فَلَا تَدَعْ تَفَقُّدَ لَطِيفِ أُمُورِهِمْ اتِّكَالًا عَلَى جَسِيمِهَا- فَإِنَّ لِلْيَسِيرِ مِنْ لُطْفِكَ مَوْضِعاً يَنْتَفِعُونَ بِهِ وَ لِلْجَسِيمِ مَوْقِعاً لَا يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ‏

____________

(1) الرفد: العطاء و المعونة.

(2) الجيب من القميص: طوقه. و أيضا: الصدر و القلب، يقال: فلان نقى الجيب أى أمين الصدر و القلب. و أيضا: الأمين، يقال: رجل ناصح الجيب أي أمين لا غش فيه و قد يقرأ في بعض النسخ «اتقاهم».

(3) النبو: العلو و الارتفاع و ينبو أي يشتد و يعلو عليهم ليكف أيديهم عن الظلم.

و العنف- مثلثة العين-: الشدة و المشقة، ضد الرفق. و يحتمل أن يكون بمعنى اللوم كما جاء في اللغة أيضا.

(4) أي مجموع منه. و العرف: المعروف. و مراده (عليه السلام) شرح أوصاف الذين يؤخذ منهم الجند و يكون منهم رؤساؤه.

(5) تفاقم الامر: عظم أي لا تعد ما قويتهم به عظيما و لا ما تلطفك حقيرا بل لكل موضع و موقع.

248

وَ لْيَكُنْ آثَرُ رُءُوسِ جُنُودِكَ مَنْ وَاسَاهُمْ فِي مَعُونَتِهِ- وَ أَفْضَلَ عَلَيْهِمْ فِي بَذْلِهِ مِمَّنْ يَسَعُهُمْ- وَ يَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنَ الْخُلُوفِ مِنْ أَهْلِهِمْ‏ (1)- حَتَّى يَكُونَ هَمُّهُمْ هَمّاً وَاحِداً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ- ثُمَّ وَاتِرْ أَعْلَامَهُمْ‏ (2) ذَاتَ نَفْسِكَ فِي إِيثَارِهِمْ- وَ التَّكْرِمَةِ لَهُمْ وَ الْإِرْصَادِ بِالتَّوْسِعَةِ- وَ حَقِّقْ ذَلِكَ بِحُسْنِ الْفِعَالِ وَ الْأَثَرِ وَ الْعَطْفِ- فَإِنَّ عَطْفَكَ عَلَيْهِمْ يَعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَيْكَ- وَ إِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ الْعُيُونِ لِلْوُلَاةِ- اسْتِفَاضَةُ الْعَدْلِ فِي الْبِلَادِ (3) وَ ظُهُورُ مَوَدَّةِ الرَّعِيَّةِ- لِأَنَّهُ لَا يُظْهِرُ مَوَدَّتَهُمْ إِلَّا سَلَامَةُ صُدُورِهِمْ- وَ لَا تَصِحُّ نَصِيحَتُهُمْ إِلَّا بِحَوْطَتِهِمْ عَلَى وُلَاةِ أُمُورِهِمْ‏ (4)- وَ قِلَّةِ اسْتِثْقَالِ دَوْلَتِهِمْ وَ تَرْكِ اسْتِبْطَاءِ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ‏ (5)- ثُمَّ لَا تَكِلَنَّ جُنُودَكَ إِلَى مَغْنَمٍ وَزَّعْتَهُ بَيْنَهُمْ- بَلْ أَحْدِثْ لَهُمْ مَعَ كُلِّ مَغْنَمٍ بَدَلًا مِمَّا سِوَاهُ- مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ تَسْتَنْصِرُ بِهِمْ بِهِ- وَ يَكُونُ دَاعِيَةً لَهُمْ إِلَى الْعَوْدَةِ لِنَصْرِ اللَّهِ وَ لِدِينِهِ- وَ اخْصُصْ أَهْلَ النَّجْدَةِ (6) فِي أَمَلِهِمْ إِلَى مُنْتَهَى غَايَةِ آمَالِكَ- مِنَ النَّصِيحَةِ بِالْبَذْلِ وَ حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ- وَ لَطِيفِ التَّعَهُّدِ لَهُمْ رَجُلًا رَجُلًا- وَ مَا أَبْلَى فِي كُلِّ مَشْهَدٍ- فَإِنَّ كَثْرَةَ الذِّكْرِ

____________

(1) آثر أي أكرم و أفضل و أعلى منزلة. من واساهم أي ساعدهم و عاونهم. و أفضل عليهم أي أفاض و أحسن اليهم، فلا يقتر عليهم في الفرض و لا ينقص منهم شيئا و يجعل البذل شاملا لمن تركوهم في الديار. و الخلوف- بضمتين جمع خلف بفتح فسكون-: من يخلف في الديار من النساء و العجزة.

(2) واتر: أمر من المواترة و هي ارسال الكتب بعضها أثر بعض. و الاعلام: الاطلاع و يحتمل أن يكون و آثر بالثاء: أمر من المفاعلة أي أكرم و فضل. و الاعلام: جمع علم:

سيّد القوم و رئيسهم.

(3) الاستفاضة: الانتشار و الاتساع. و في النهج «الاستقامة».

(4) الحوطة: الحيطة: مصدر حاطه بمعنى حفظه و تعهده أي بحفظهم على ولاتهم و حرصهم على بقائهم.

(5) استثقل الشي‏ء: عده أو وجده ثقيلا. و استبطأ الشي‏ء: عده أو وجده بطيئا، فيعدون زمنهم قصيرا.

(6) النجدة: الشدة و البأس و الشجاعة. و الناكل: الجبان الضعيف و المراد هنا المتأخر القاعد.

249

مِنْكَ لِحُسْنِ فِعَالِهِمْ تَهُزُّ الشُّجَاعَ- وَ تُحَرِّضُ النَّاكِلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- ثُمَّ لَا تَدَعْ أَنْ يَكُونَ لَكَ عَلَيْهِمْ عُيُونٌ‏ (1) مِنْ أَهْلِ الْأَمَانَةِ- وَ الْقَوْلِ بِالْحَقِّ عِنْدَ النَّاسِ- فَيُثْبِتُونَ بَلَاءَ كُلِّ ذِي بَلَاءٍ مِنْهُمْ لِيَثِقَ أُولَئِكَ بِعِلْمِكَ بِبَلَائِهِمْ- ثُمَّ اعْرِفْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا أَبْلَى- وَ لَا تَضُمَّنَّ بَلَاءَ امْرِئٍ إِلَى غَيْرِهِ- وَ لَا تُقَصِّرَنَّ بِهِ دُونَ غَايَةِ بَلَائِهِ‏ (2)- وَ كَافِ كُلًّا مِنْهُمْ بِمَا كَانَ مِنْهُ وَ اخْصُصْهُ مِنْكَ بِهَزِّهِ- وَ لَا يَدْعُوَنَّكَ شَرَفُ امْرِئٍ إِلَى أَنْ تُعَظِّمَ مِنْ بَلَائِهِ مَا كَانَ صَغِيراً- وَ لَا ضَعَةُ امْرِئٍ‏ (3) عَلَى أَنْ تُصَغِّرَ مِنْ بَلَائِهِ مَا كَانَ عَظِيماً- وَ لَا يُفْسِدَنَّ امْرَأً عِنْدَكَ عِلَّةٌ إِنْ عُرِضَتْ لَهُ- (4) وَ لَا نَبْوَةُ حَدِيثٍ لَهُ قَدْ كَانَ لَهُ فِيهَا حُسْنُ بَلَاءٍ- فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ‏ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏- وَ إِنِ اسْتُشْهِدَ أَحَدٌ مِنْ جُنُودِكَ وَ أَهْلُ النِّكَايَةِ فِي عَدُوِّكَ- فَاخْلُفْهُ فِي عِيَالِهِ بِمَا يَخْلُفُ بِهِ الْوَصِيُّ الشَّفِيقُ الْمُوَثَّقُ بِهِ- حَتَّى لَا يُرَى عَلَيْهِمْ أَثَرُ فَقْدِهِ- فَإِنَّ ذَلِكَ يَعْطِفُ عَلَيْكَ قُلُوبَ شِيعَتِكَ وَ يَسْتَشْعِرُونَ بِهِ طَاعَتَكَ- وَ يَسْلَسُونَ لِرُكُوبِ مَعَارِيضِ التَّلَفِ الشَّدِيدِ فِي وَلَايَتِكَ‏ (5) وَ قَدْ كَانَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص سُنَنٌ فِي الْمُشْرِكِينَ وَ مِنَّا بَعْدَهُ سُنَنٌ- قَدْ جَرَتْ بِهَا سُنَنٌ وَ أَمْثَالٌ فِي الظَّالِمِينَ- وَ مَنْ تَوَجَّهَ قِبْلَتَنَا وَ تُسَمَّى بِدِينِنَا- وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ لِقَوْمٍ أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ- وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ- فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ- إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ- ذلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلًا (6)- وَ قَالَ‏ وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى‏ أُولِي الْأَمْرِ

____________

(1) العين: الرقيب و الناظر و الجاسوس.

(2) لا تضم عمل امرئ الى غيره و لا تقصر به في الجزاء دون ما يبلغ منتهى عمله. و الهز التشويق.

(3) الضعة: من مصادر وضع- كشرف-: صار وضيعا أي دنيا.

(4) أي لا تفسدن عندك أحدا علة تعرض له. و نبوة الزمان: خطبه و جفوته.

(5) يسلسون: ينقادون و يسهل عليهم.

(6) سورة النساء: 62.

250

مِنْهُمْ- لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ- وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ- لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا (1)- فَالرَّدُّ إِلَى اللَّهِ الْأَخْذُ بِمُحْكَمِ كِتَابِهِ‏ (2)- وَ الرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ الْأَخْذُ بِسُنَّتِهِ الْجَامِعَةِ غَيْرِ الْمُتَفَرِّقَةِ (3)- وَ نَحْنُ أَهْلُ رَسُولِ اللَّهِ الَّذِينَ نَسْتَنْبِطُ الْمُحْكَمَ مِنْ كِتَابِهِ وَ نُمَيِّزُ الْمُتَشَابِهَ مِنْهُ وَ نَعْرِفُ النَّاسِخَ مِمَّا نَسَخَ اللَّهُ- وَ وَضَعَ إِصْرَهُ‏ (4) فَسِرْ فِي عَدُوِّكَ بِمِثْلِ مَا شَاهَدْتَ مِنَّا فِي مِثْلِهِمْ مِنَ الْأَعْدَاءِ- وَ وَاتِرْ إِلَيْنَا الْكُتُبَ بِالْإِخْبَارِ- بِكُلِّ حَدَثٍ يَأْتِكَ مِنَّا أَمْرٌ عَامٌ‏ (5) وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ‏ ثُمَّ انْظُرْ فِي أَمْرِ الْأَحْكَامِ بَيْنَ النَّاسِ بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ- فَإِنَّ الْحُكْمَ فِي إِنْصَافِ الْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ- وَ الْأَخْذِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ- وَ إِقَامَةِ حُدُودِ اللَّهِ عَلَى سُنَّتِهَا وَ مِنْهَاجِهَا مِمَّا يُصْلِحُ عِبَادَ اللَّهِ وَ بِلَادَهُ- فَاخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ- وَ أَنْفَسَهُمْ لِلْعِلْمِ وَ الْحِلْمِ وَ الْوَرَعِ وَ السَّخَاءِ- مِمَّنْ لَا تَضِيقُ بِهِ الْأُمُورُ وَ لَا تُمَحِّكُهُ الْخُصُومُ‏ (6)- وَ لَا يَتَمَادَى فِي إِثْبَاتِ الزَّلَّةِ- وَ لَا يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْ‏ءِ (7) إِلَى الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ- وَ لَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ‏

____________

(1) سورة النساء: 85.

(2) محكم الكتاب: نصه الصريح.

(3) أي الاخذ بما أجمع عليه ممّا لا يختلف في نسبته إليه، فلا يكون ممّا افترق به الآراء في نسبته إليه.

(4) الاصر: الثقل أي ثقل التكليف كما قال اللّه تعالى في سورة الأعراف: 156:

«وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ»

(5) واتر: أمر من المواترة. و الحدث- بفتحتين-: الحادثة أي الامر الحادث.

(6) لا تمحكه: لا تغضبه- من محك الرجل: نازع في الكلام و تمادى في اللجاجة عند المساومة- أى و لا تحمله مخاصمة الخصوم عند اللجاجة على رأيه. و الزلة:

السقطة و الخطيئة.

(7) حصر: ضاق صدره أي إذا عرف الحق لا يضيق صدره من الرجوع إليه. و في بعض النسخ «فى انبات الزلة و لا يحصر من العى».

251

عَلَى طَمَعٍ‏ (1)- وَ لَا يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهْمٍ دُونَ أَقْصَاهُ‏ (2)- وَ أَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ وَ آخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ- وَ أَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَةِ الْخُصُومِ‏ (3)- وَ أَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشُّفِ الْأُمُورِ- وَ أَصْرَمَهُمْ‏ (4) عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُكْمِ- مِمَّنْ لَا يَزْدَهِيهِ إِطْرَاءٌ (5) وَ لَا يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاقٌ وَ لَا يُصْغِي لِلتَّبْلِيغِ- فَوَلِّ قَضَاءَكَ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ وَ هُمْ قَلِيلٌ- ثُمَّ أَكْثِرْ تَعَهُّدَ قَضَائِهِ- (6) وَ افْتَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزِيحُ عِلَّتَهُ‏ (7) وَ يَسْتَعِينُ بِهِ- وَ تَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ- وَ أَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لَا يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ- لِيَأْمَنَ بِذَلِكَ اغْتِيَالَ الرِّجَالِ إِيَّاهُ عِنْدَكَ- وَ أَحْسِنْ تَوْقِيرَهُ فِي صُحْبَتِكَ وَ قَرِّبْهُ فِي مَجْلِسِكَ- وَ أَمْضِ قَضَاءَهُ وَ أَنْفِذْ حُكْمَهُ وَ اشْدُدْ عَضُدَهُ- وَ اجْعَلْ أَعْوَانَهُ خِيَارَ مَنْ تَرْضَى مِنْ نُظَرَائِهِ- مِنَ الْفُقَهَاءِ وَ أَهْلِ الْوَرَعِ- وَ النَّصِيحَةِ لِلَّهِ وَ لِعِبَادِ اللَّهِ لِيُنَاظِرَهُمْ فِيمَا شُبِّهَ عَلَيْهِ- وَ يَلْطُفَ عَلَيْهِمْ لِعِلْمِ مَا غَابَ عَنْهُ- وَ يَكُونُونَ شُهَدَاءَ عَلَى قَضَائِهِ بَيْنَ النَّاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- ثُمَّ حَمَلَةُ الْأَخْبَارِ لِأَطْرَافِكَ- قُضَاةٌ تَجْتَهِدُ فِيهِمْ نَفْسُهُ‏ (8)- لَا يَخْتَلِفُونَ وَ لَا يَتَدَابَرُونَ فِي حُكْمِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ص فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْحُكْمِ إِضَاعَةٌ لِلْعَدْلِ وَ غِرَّةٌ فِي الدِّينِ‏ (9) وَ سَبَبٌ مِنَ الْفُرْقَةِ- وَ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ مَا يَأْتُونَ وَ مَا يُنْفِقُونَ- وَ أَمَرَ

____________

(1) الاشراف على الشي‏ء: الاطلاع عليه من فوق.

(2) أي ينبغي له التأمل في الحكم فلا يكتفى بما يبدو له باول فهم.

(3) التبرم: الضجر. و الملل.

(4) و أصرمهم: أقطعهم للخصومة عند وضوح الحكم.

(5) لا يزدهيه: افتعال من الزهو: العجب و الفخر. و الاطراء: المبالغة في المدح أى لا تحمله على الكبر و العجب و لا يستخفه زيادة الثناء عليه. و في النهج «و لا يستميله اغراء».

(6) تعهد: تفقد و تحفظ.

(7) يزيح: يبعد و يزول و في النهج «يزيل». أى وسع له حتّى يكون ما يأخذه كافيا لمعيشته.

(8) كذا. و في بعض النسخ «حملة الاختيار» و في بعضها «حمل الاختيار». و لعل الصحيح «ثم اختيار حملة الاخبار لاطرافك قضاة تجتهد فيه نفوسهم».

(9) الغرة- بالكسر-: الغفلة.

252

بِرَدِّ مَا لَا يَعْلَمُونَ- إِلَى مَنِ اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ عِلْمَ كِتَابِهِ وَ اسْتَحْفَظَهُ الْحُكْمَ فِيهِ- فَإِنَّمَا اخْتِلَافُ الْقُضَاةِ فِي دُخُولِ الْبَغْيِ بَيْنَهُمْ- وَ اكْتِفَاءِ كُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ بِرَأْيِهِ دُونَ مَنْ فَرَضَ اللَّهُ وَلَايَتَهُ- وَ لَيْسَ يَصْلُحُ الدِّينُ وَ لَا أَهْلُ الدِّينِ عَلَى ذَلِكَ- وَ لَكِنْ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا عِنْدَهُ مِنَ الْأَثَرِ وَ السُّنَّةِ- فَإِذَا أَعْيَاهُ ذَلِكَ‏ (1) رَدَّ الْحُكْمَ إِلَى أَهْلِهِ فَإِنْ غَابَ أَهْلُهُ عَنْهُ نَاظَرَ غَيْرَهُ مِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ- لَيْسَ لَهُ تُرْكُ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ- وَ لَيْسَ لِقَاضِيَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ أَنْ يُقِيمَا عَلَى اخْتِلَافٍ فِي الْحُكْمِ- دُونَ مَا رُفِعَ ذَلِكَ إِلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ فِيكُمْ- فَيَكُونُ هُوَ الْحَاكِمَ بِمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ- ثُمَّ يَجْتَمِعَانِ عَلَى حُكْمِهِ فِيمَا وَافَقَهُمَا أَوْ خَالَفَهُمَا- فَانْظُرْ فِي ذَلِكَ نَظَراً بَلِيغاً- فَإِنَّ هَذَا الدِّينَ قَدْ كَانَ أَسِيراً بِأَيْدِي الْأَشْرَارِ يُعْمَلُ فِيهِ بِالْهَوَى وَ تُطْلَبُ بِهِ الدُّنْيَا- وَ اكْتُبْ إِلَى قُضَاةِ بُلْدَانِكَ- فَلْيَرْفَعُوا إِلَيْكَ كُلَّ حُكْمٍ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى حُقُوقِهِ- ثُمَّ تَصَفَّحْ تِلْكَ الْأَحْكَامَ فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ وَ سُنَّةَ نَبِيِّهِ- وَ الْأَثَرَ مِنْ إِمَامِكَ فَأَمْضِهِ وَ احْمِلْهُمْ عَلَيْهِ- وَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ فَاجْمَعْ لَهُ الْفُقَهَاءَ بِحَضْرَتِكَ فَنَاظِرْهُمْ فِيهِ- ثُمَّ أَمْضِ مَا يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أَقَاوِيلُ الْفُقَهَاءِ بِحَضْرَتِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ كُلَّ أَمْرٍ اخْتَلَفَ فِيهِ الرَّعِيَّةُ مَرْدُودٌ إِلَى حُكْمِ الْإِمَامِ- وَ عَلَى الْإِمَامِ الِاسْتِعَانَةُ بِاللَّهِ وَ الِاجْتِهَادُ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ- وَ جَبْرُ الرَّعِيَّةِ عَلَى أَمْرِهِ وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏- ثُمَّ انْظُرْ إِلَى أُمُورِ عُمَّالِكَ وَ اسْتَعْمِلْهُمْ اخْتِبَاراً- وَ لَا تُوَلِّهِمْ أُمُورَكَ مُحَابَاةً (2) وَ أَثَرَةً- فَإِنَّ الْمُحَابَاةَ وَ الْأَثَرَةَ جِمَاعُ الْجَوْرِ وَ الْخِيَانَةِ- وَ إِدْخَالُ الضَّرُورَةِ عَلَى النَّاسِ وَ لَيْسَتْ تَصْلُحُ الْأُمُورُ بِالْإِدْغَالِ‏ (3)- فَاصْطَفِ لِوِلَايَةِ أَعْمَالِكَ أَهْلَ الْوَرَعِ وَ الْعِلْمِ وَ السِّيَاسَةِ- وَ تَوَخَّ مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَةِ وَ الْحَيَاءِ- مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَ الْقِدَمِ فِي الْإِسْلَامِ- فَإِنَّهُمْ أَكْرَمُ أَخْلَاقاً وَ أَصَحُّ أَعْرَاضاً- وَ أَقَلُّ فِي الْمَطَامِعِ إِشْرَافاً

____________

(1) أعياه: أعجزه و لم يهتد لوجه مراده.

(2) «محاباة» أي اختصاصا و ميلا. و الاثرة- بالتحريك-: اختصاص المرء نفسه بأحسن الشي‏ء دون غيره و يعمل كيف يشاء، يعنى استعمل عمالك بالاختبار و الامتحان لا اختصاصا و استبدادا.

(3) الادغال: الافساد و ادخال في الامر بما يخالفه و يفسده.

253

وَ أَبْلَغُ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ نَظَراً مِنْ غَيْرِهِمْ- فَلْيَكُونُوا أَعْوَانَكَ عَلَى مَا تَقَلَّدْتَ ثُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِمْ فِي الْعَمَالاتِ وَ وَسِّعْ عَلَيْهِمْ فِي الْأَرْزَاقِ- فَإِنَّ فِي ذَلِكَ قُوَّةً لَهُمْ عَلَى اسْتِصْلَاحِ أَنْفُسِهِمْ- وَ غِنًى لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ وَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ- إِنْ خَالَفُوا أَمْرَكَ أَوْ ثَلَمُوا أَمَانَتَكَ‏ (1) ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ وَ ابْعَثِ الْعُيُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَ الْوَفَاءِ- فَإِنَّ تَعَهُّدَكَ فِي السِّرِّ أُمُورَهُمْ حَدْوَةٌ لَهُمْ‏ (2)- عَلَى اسْتِعْمَالِ الْأَمَانَةِ وَ الرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ- وَ تَحَفَّظْ مِنَ الْأَعْوَانِ- فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَى خِيَانَةٍ- اجْتَمَعَتْ بِهَا أَخْبَارُ عُيُونِكَ اكْتَفَيْتَ بِذَلِكَ شَاهِداً- فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ وَ أَخَذْتَهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ عَمَلِهِ- ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمَذَلَّةِ فَوَسَمْتَهُ بِالْخِيَانَةِ وَ قَلَّدْتَهُ عَارَ التُّهَمَةِ- وَ تَفَقَّدْ مَا يُصْلِحُ أَهْلَ الْخَرَاجِ‏ (3)- فَإِنَّ فِي صَلَاحِهِ وَ صَلَاحِهِمْ صَلَاحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ وَ لَا صَلَاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلَّا بِهِمْ- لِأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عِيَالٌ عَلَى الْخَرَاجِ وَ أَهْلِهِ- فَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ- أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلَابِ الْخَرَاجِ- فَإِنَّ الْجَلْبَ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالْعِمَارَةِ- وَ مَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلَادَ وَ أَهْلَكَ الْعِبَادَ- وَ لَمْ يَسْتَقِمْ لَهُ أَمْرُهُ إِلَّا قَلِيلًا- فَاجْمَعْ إِلَيْكَ أَهْلَ الْخَرَاجِ مِنْ كُلِّ بُلْدَانِكَ- وَ مُرْهُمْ فَلْيُعْلِمُوكَ حَالَ بِلَادِهِمْ- وَ مَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ وَ رَخَاءُ جِبَايَتِهِمْ‏ (4)- ثُمَّ سَلْ عَمَّا يَرْفَعُ إِلَيْكَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِهِ مِنْ غِيْرِهِمْ- فَإِنْ كَانُوا شَكَوْا ثِقْلًا (5) أَوْ عِلَّةً مِنِ انْقِطَاعِ شِرْبٍ- أَوْ إِحَالَةِ أَرْضٍ اغْتَمَرَهَا

____________

(1) أي نقصوا و خانوا في أدائها و أحدثوا فيها.

(2) الحدوة: السوق و الحث.

(3) في النهج «و تفقد أمر الخراج بما يصلح أهله».

(4) الجبابة: الخراج.

(5) أي من الخراج أو علة اخرى كانقطاع الشرب (بالكسر أي النصيب من الماء) أو احالة أرض يعنى تغييرها عما كانت عليه من الاستواء لاجل الاغتمار أي الانغماس في الماء بالغرق فلم ينجب زرعها و لا أثمر نخلها. و قوله: «أو أجحف بهم» أي ذهب بمادة الغذاء من الأرض فلم تنبت.

254

غَرَقٌ أَوْ أَجْحَفَ بِهِمُ الْعَطَشُ- أَوْ آفَةٌ خَفَّفْتَ عَنْهُمْ مَا تَرْجُو أَنْ يُصْلِحَ اللَّهُ بِهِ أَمْرَهُمْ وَ إِنْ سَأَلُوا مَعُونَةً عَلَى إِصْلَاحِ مَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ بِأَمْوَالِهِمْ- فَاكْفِهِمْ مَئُونَتَهُ- فَإِنَّ [فِي عَاقِبَةِ كِفَايَتِكَ إِيَّاهُمْ صَلَاحاً- فَلَا يَثْقُلَنَّ عَلَيْكَ شَيْ‏ءٌ خَفَّفْتَ بِهِ عَنْهُمُ الْمَئُونَاتِ- فَإِنَّهُ ذُخْرٌ يَعُودُونَ بِهِ عَلَيْكَ لِعِمَارَةِ بِلَادِكَ وَ تَزْيِينِ وِلَايَتِكَ- مَعَ اقْتِنَائِكَ مَوَدَّتَهُمْ وَ حُسْنَ نِيَّاتِهِمْ‏ (1)- وَ اسْتَفَاضَةِ الْخَيْرِ وَ مَا يُسَهِّلُ اللَّهُ بِهِ مِنْ جَلْبِهِمْ‏ (2)- فَإِنَّ الْخَرَاجَ لَا يُسْتَخْرَجُ بِالْكَدِّ وَ الْإِتْعَابِ- مَعَ أَنَّهَا عَقْدٌ تُعْتَمَدُ عَلَيْهَا إِنْ حَدَثَ حَدَثٌ- كُنْتَ عَلَيْهِمْ مُعْتَمِداً لِفَضْلِ قُوَّتِهِمْ بِمَا ذَخَرْتَ عَنْهُمْ مِنَ الحمام‏ (3) [الْجَمَامِ- وَ الثِّقَةِ مِنْهُمْ بِمَا عَوَّدْتَهُمْ مِنْ عَدْلِكَ وَ رِفْقِكَ- وَ مَعْرِفَتِهِمْ بِعُذْرِكَ فِيمَا حَدَثَ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي اتَّكَلْتَ بِهِ عَلَيْهِمْ- فَاحْتَمَلُوهُ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ- فَإِنَّ الْعُمْرَانَ مُحْتَمِلٌ مَا حَمَّلْتَهُ- وَ إِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ الْأَرْضِ لِإِعْوَازِ (4) أَهْلِهَا- وَ إِنَّمَا يُعْوِزُ أَهْلُهَا لِإِسْرِافِ الْوُلَاةِ (5) وَ سُوءِ ظَنِّهِمْ بِالْبَقَاءِ- وَ قِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ فَاعْمَلْ فِيمَا وُلِّيتَ عَمَلَ مَنْ يُحِبُّ أَنْ يَدِّخِرَ حُسْنَ الثَّنَاءِ- مِنَ الرَّعِيَّةِ وَ الْمَثُوبَةِ مِنَ اللَّهِ وَ الرِّضَا مِنَ الْإِمَامِ- وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏: ثُمَّ انْظُرْ فِي حَالِ كُتَّابِكَ- فَاعْرِفْ حَالَ كُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ فِيمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْهُمْ فَاجْعَلْ لَهُمْ مَنَازِلَ وَ رُتَباً- فَوَلِّ عَلَى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ- وَ اخْصُصْ رَسَائِلَكَ الَّتِي تُدْخِلُ فِيهَا مَكِيدَتَكَ وَ أَسْرَارَكَ بِأَجْمَعِهِمْ‏ (6)- لِوُجُوهِ صَالِحِ الْأَدَبِ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْمُنَاظَرَةِ فِي‏

____________

(1) في بعض النسخ «نيتهم». و في النهج «مع استجلابك حسن ثنائهم و تبجحك باستفاضة العدل فيهم معتمدا فضل قوتهم بما ذخرت عندهم».

(2) في بعض النسخ «حلبهم».

(3) كذا و في بعض النسخ «الجمام» و في النهج «من اجمامك» و الجمام: الراحة.

(4) فان العمران ما دام قائما فكل ما حملت أهله سهل عليهم أن يحملوه. و الاعواز:

الفقر و الحاجة.

(5) في النهج «لاشراف أنفس الولاة على الجمع». أى لتطلع أنفسهم الى جمع المال.

(6) باجمعهم متعلق باخصص، أي ما يكون من رسائلك حاويا لشي‏ء من المكائد و الاسرار فاخصصه بمن كان ذا أخلاق و صلاح و رأى و نصيحة و ذهن و غير ذلك من الأوصاف المذكورة. و طوى الحديث: كتمه. و طوى كشحا عنه أي أعرض عنه و قاطعه. و بطر الرجل يبطر بطرا- محركة- اذا دهش و تحير في الحق. و بالامر ثقل به. و بطره النعمة: أدهشه.

255

جَلَائِلِ الْأُمُورِ- مِنْ ذَوِي الرَّأْيِ وَ النَّصِيحَةِ وَ الذِّهْنِ- أَطْوَاهُمْ عَنْكَ لِمَكْنُونِ الْأَسْرَارِ كَشْحاً- مِمَّنْ لَا تُبْطِرُهُ الْكَرَامَةُ وَ لَا تَمْحَقُ بِهِ الدَّالَّةُ- (1) فَيَجْتَرِئَ بِهَا عَلَيْكَ فِي خَلَاءٍ أَوْ يَلْتَمِسَ إِظْهَارَهَا فِي مَلَإٍ- وَ لَا تَقْصُرُ بِهِ الْغَفْلَةُ (2) عَنْ إِيرَادِ كُتُبِ الْأَطْرَافِ عَلَيْكَ- وَ إِصْدَارِ جَوَابَاتِكَ عَلَى الصَّوَابِ عَنْكَ- وَ فِيمَا يَأْخُذُ لَكَ وَ يُعْطِي مِنْكَ- وَ لَا يُضْعِفُ عَقْداً اعْتَقَدَهُ لَكَ- وَ لَا يَعْجِزُ عَنْ إِطْلَاقِ مَا عُقِدَ عَلَيْكَ- وَ لَا يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفْسِهِ فِي الْأُمُورِ فَإِنَّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بِقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ- وَ وَلِّ مَا دُونَ ذَلِكَ مِنْ رَسَائِلِكَ وَ جَمَاعَاتِ كُتُبِ خَرْجِكَ- وَ دَوَاوِينِ جُنُودِكَ قَوْماً تَجْتَهِدُ نَفْسَكَ فِي اخْتِيَارِهِمْ- فَإِنَّهَا رُءُوسُ أَمْرِكَ أَجْمَعُهَا لِنَفْعِكَ وَ أَعَمُّهَا لِنَفْعِ رَعِيَّتِكَ ثُمَّ لَا يَكُنِ اخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِكَ وَ اسْتِنَامَتِكَ‏ (3)- وَ حُسْنِ الظَّنِّ بِهِمْ- فَإِنَّ الرِّجَالَ يَعْرِفُونَ فِرَاسَاتِ الْوُلَاةِ بِتَضَرُّعِهِمْ وَ خِدْمَتِهِمْ‏ (4)- وَ لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ النَّصِيحَةِ وَ الْأَمَانَةِ شَيْ‏ءٌ- وَ لَكِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِمَا وُلُّوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَكَ- فَاعْمِدْ لِأَحْسَنِهِمْ كَانَ فِي الْعَامَّةِ أَثَراً وَ أَعْرَفِهِمْ فِيهَا بِالنُّبْلِ وَ الْأَمَانَةِ (5)- فَإِنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى نَصِيحَتِكَ لِلَّهِ وَ لِمَنْ وُلِّيتَ أَمْرَهُ- ثُمَّ مُرْهُمْ بِحُسْنِ الْوَلَايَةِ وَ لِينِ الْكَلِمَةِ- وَ اجْعَلْ لِرَأْسِ كُلِّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِكَ رَأْساً مِنْهُمْ- لَا يَقْهَرُهُ كَبِيرُهَا (6) وَ لَا يَتَشَتَّتُ عَلَيْهِ كَثِيرُهَا- ثُمَّ تَفَقَّدْ مَا غَابَ عَنْكَ مِنْ حَالاتِهِمْ- وَ أُمُورِ مَنْ يَرِدُ عَلَيْكَ رُسُلُهُ وَ ذَوِي الْحَاجَةِ- وَ كَيْفَ وَلَايَتُهُمْ وَ قَبُولُهُمْ وَلِيَّهُمْ‏

____________

(1) الدالة: الجرأة.

(2) أي و لا تكون غفلته موجبة لتقصيره في اطلاعك على ما يرد من أعمالك و لا في اصدار الأجوبة عنه على وجه الصواب.

(3) الفراسة- بالكسر-: حسن النظر في الأمور. و الاستنامة. السكون و الاستيناس أى لا يكون انتخاب الكتاب تابعا لميلك الخاص.

(4) و في النهج «بتصنعهم و حسن خدمتهم».

(5) النبل- بالضم-. الذكاء و: النجابة و الفضل.

(6) أي لا يقهره عظيم تلك الاعمال و لا يخرج عن ضبطه كثيرها.

256

وَ حُجَّتَهُمْ‏ (1)- فَإِنَّ التَّبَرُّمَ وَ الْعِزَّ وَ النَّخْوَةَ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْكُتَّابِ- إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ وَ لَيْسَ لِلنَّاسِ بُدٌّ مِنْ طَلَبِ حَاجَاتِهِمْ- وَ مَهْمَا كَانَ فِي كُتَّابِكَ مِنْ عَيْبٍ فَتَغَابَيْتَ عَنْهُ أُلْزِمْتَهُ‏ (2)- أَوْ فَضْلٍ نُسِبَ إِلَيْكَ مَعَ مَا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ الثَّوَابِ- ثُمَّ التُّجَّارَ وَ ذَوِي الصِّنَاعَاتِ فَاسْتَوْصِ وَ أَوْصِ بِهِمْ خَيْراً- الْمُقِيمِ مِنْهُمْ وَ الْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ‏ (3) وَ الْمُتَرَفِّقِ بِيَدِهِ- فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ لِلْمَنَافِعِ وَ جُلَّابُهَا فِي الْبِلَادِ- فِي بَرِّكَ وَ بَحْرِكَ وَ سَهْلِكَ وَ جَبَلِكَ- وَ حَيْثُ لَا يَلْتَئِمُ النَّاسُ لِمَوَاضِعِهَا (4)- وَ لَا يَجْتَرِءُونَ عَلَيْهَا مِنْ بِلَادِ أَعْدَائِكَ- مِنْ أَهْلِ الصِّنَاعَاتِ الَّتِي أَجْرَى اللَّهُ الرِّفْقَ مِنْهَا عَلَى أَيْدِيهِمْ- فَاحْفَظْ حُرْمَتَهُمْ وَ آمِنْ سُبُلَهُمْ وَ خُذْ لَهُمْ بِحُقُوقِهِمْ- فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ لَا يُخَافُ بَائِقَتُهُ‏ (5) وَ صُلْحٌ لَا تُحْذَرُ غَائِلَتُهُ- أَحَبُّ الْأُمُورِ إِلَيْهِمْ أَجْمَعُهَا لِلْأَمْنِ- وَ أَجْمَعُهَا لِلسُّلْطَانِ فَتَفَقَّدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِكَ وَ فِي حَوَاشِي بِلَادِكَ- وَ اعْلَمْ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ ضَيْقاً فَاحِشاً (6)- وَ شُحّاً قَبِيحاً وَ احْتِكَاراً لِلْمَنَافِعِ- وَ تَحَكُّماً فِي الْبِيَاعَاتِ وَ ذَلِكَ بَابُ مَضَرَّةٍ لِلْعَامَّةِ- وَ عَيْبٌ عَلَى الْوِلَايَةِ- فَامْنَعِ الِاحْتِكَارَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص نَهَى عَنْهُ- وَ لْيَكُنِ الْبَيْعُ وَ الشِّرَاءُ بَيْعاً سَمْحاً (7) بِمَوَازِينِ عَدْلٍ- وَ أَسْعَارٍ لَا تُجْحِفُ بِالْفَرِيقَيْنِ مَعَ الْبَائِعِ‏

____________

(1) في بعض النسخ «و قبولهم و لينهم و حجتهم». و التبرم: التضجر.

(2) تغابيت أي تغافلت عن عيب في كتابك يكون ذلك العيب لاصقابك.

(3) المضطرب بماله: المتردد بأمواله في الاطراف و البلدان. و المترفق بيده: المكتسب به و أصله ما به يتم الانتفاع كالادوات. و الجلاب: الذي يحلب الأرزاق و المتاع الى البلدان.

(4) يلتئم: يجتمع و ينضم أي بحيث لا يمكن اجتماع الناس في مواضع تلك المرافق و لا يجترئون أي و لا يكون لهم الجرأة على الاقدام من تلك الامكنة من بلاد الاعداء. و الرفق- بالفتح-: النفع.

(5) البائقة: الداهية و الشر. و الغائلة: الفتنة و الفساد و الشر. أى فان التجار و الصناع مسالمون و لا تخشى منهم فتنة و لا داهية.

(6) الضيق: عسر المعاملة. البياعات: جمع بياعة: ما يباع.

(7) السمحة: السهلة التي لا ضيق فيها و بيع السماح: ما كان فيه تساهل في بخس الثمن و في الخبر «السماح رباح» أي المساهلة في الأشياء تربح صاحبها.

257

وَ الْمُبْتَاعِ‏ (1)- فَمَنْ قَارَفَ حُكْرَةً بَعْدَ نَهْيِكَ فَنَكِّلْ وَ عَاقِبْ فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ- فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص فَعَلَ ذَلِكَ- ثُمَّ اللَّهَ اللَّهَ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لَا حِيلَةَ لَهُمْ- وَ الْمَسَاكِينِ وَ الْمُحْتَاجِينَ وَ ذَوِي الْبُؤْسِ وَ الْزَمْنَى‏ (2)- فَإِنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً وَ مُعْتَرّاً (3)- فَاحْفَظِ اللَّهَ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهَا- وَ اجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ غَلَّاتِ صَوَافِي الْإِسْلَامِ‏ (4) فِي كُلِّ بَلَدٍ- فَإِنَّ لِلْأَقْصَى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي لِلْأَدْنَى- وَ كُلًّا قَدِ اسْتُرْعِيتَ حَقَّهُ فَلَا يَشْغَلَنَّكَ عَنْهُمْ نَظَرٌ (5)- فَإِنَّكَ لَا تُعْذَرُ بِتَضْيِيعِ الصَّغِيرِ لِإِحْكَامِكَ الْكَبِيرَ الْمُهِمَ‏ (6)- فَلَا تُشْخِصْ هَمَّكَ عَنْهُمْ- وَ لَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لَهُمْ وَ تَوَاضَعْ لِلَّهِ يَرْفَعْكَ اللَّهُ‏ (7)- وَ اخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلضُّعَفَاءِ وَ أَرِبِهِمْ‏ (8) إِلَى ذَلِكَ مِنْكَ حَاجَةً- وَ تَفَقَّدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا لَا يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْهُمْ مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ الْعُيُونُ‏ (9)- وَ تَحْقِرُهُ الرِّجَالُ- فَفَرِّغْ لِأُولَئِكَ ثِقَتَكَ‏ (10) مِنْ أَهْلِ الْخَشْيَةِ وَ التَّوَاضُعِ‏

____________

(1) المبتاع: المشترى. و قارف: أى فعل و قارب و خالط. و الحكرة- بالضم-:

اسم من الاحتكار.

(2) البؤس- بضم الباء- و في النهج «البؤسى»- كصغرى-: شدة الفقر. و الزمنى بالفتح جمع زمن- ككتف-: المصاب بالزمانة- بالفتح- و هي العاهة و تعطيل القوى و عدم بعض الأعضاء.

(3) القانع- من قنع بالكسر كعلم-. إذا رضى بما معه و ما قسم له. و من قنع بالفتح كمنع إذا سأل و خضع. و المعتر- بتشديد الراء؛ المتعرض للعطاء من غير أن يسأل.

(4) الصوافى. جمع صافية: الأرض التي جلا عنها أهلها أو ماتوا و لا وارث لهم. و صوافى الإسلام هي ارض الغنيمة. و غلات: جمع غلة و هي الدخل الذي يحصل من الزرع. و التمر و اللبن و الاجارة و البناء و نحو ذلك و غلات صوافى الإسلام: ثمراتها.

(5) في النهج «بطر».

(6) في بعض النسخ «الكثير المهم». «فلا تشخص» أي لا تصرف اهتمامك عن ملاحظة شئونهم.

(7) و الصعر: الميل في الخد اعجابا و كبرا أي لا تعرض بوجهك عنهم.

(8) كذا. و في نسخة «ارئهم».

(9) تقتحمه العيون: تكره أن تنظر إليه احتقارا.

(10) «ففرغ» أي فاجعل للتفحص عنهم و عن حالهم أشخاصا ممن تثق بهم يتفرغون أنفسهم لمعرفة أحوالهم و يبذلون جهدهم فيهم.

258

فَلْيَرْفَعْ إِلَيْكَ أُمُورَهُمْ- ثُمَّ اعْمَلْ فِيهِمْ بِالْإِعْذَارِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ تَلْقَاهُ- فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَحْوَجُ إِلَى الْإِنْصَافِ مِنْ غَيْرِهِمْ- وَ كُلٌّ فَأَعْذِرْ إِلَى اللَّهِ فِي تَأْدِيَةِ حَقِّهِ إِلَيْهِ- وَ تَعَهَّدْ أَهْلَ الْيُتْمِ وَ الزَّمَانَةِ وَ الرِّقَّةِ فِي السِّنِّ- مِمَّنْ لَا حِيلَةَ لَهُ وَ لَا يَنْصِبُ لِلْمَسْأَلَةِ نَفْسَهُ فَأَجْرِ لَهُمْ أَرْزَاقاً فَإِنَّهُمْ عِبَادُ اللَّهِ فَتَقَرَّبْ إِلَى اللَّهِ بِتَخَلُّصِهِمْ- وَ ضَعْهُمْ مَوَاضِعَهُمْ فِي أَقْوَاتِهِمْ وَ حُقُوقِهِمْ- فَإِنَّ الْأَعْمَالَ تَخْلُصُ بِصِدْقِ النِّيَّاتِ- ثُمَّ إِنَّهُ لَا تَسْكُنُ نُفُوسُ النَّاسِ أَوْ بَعْضِهِمْ- إِلَى أَنَّكَ قَدْ قَضَيْتَ حُقُوقَهُمْ بِظَهْرِ الْغَيْبِ دُونَ مُشَافَهَتِكَ بِالْحَاجَاتِ‏ (1)- وَ ذَلِكَ عَلَى الْوُلَاةِ ثَقِيلٌ وَ الْحَقُّ كُلُّهُ ثَقِيلٌ- وَ قَدْ يُخَفِّفُهُ اللَّهُ عَلَى أَقْوَامٍ طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ (2) فَصَبَرُوا نُفُوسَهُمْ وَ وَثِقُوا بِصِدْقِ مَوْعُودِ اللَّهِ لِمَنْ صَبَرَ- وَ احْتَسَبَ فَكُنْ مِنْهُمْ وَ اسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَ اجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً- تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ وَ ذِهْنَكَ مِنْ كُلِّ شُغُلٍ ثُمَّ تَأْذَنُ لَهُمْ عَلَيْكَ- وَ تَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً تَتَوَاضَعُ فِيهِ لِلَّهِ الَّذِي رَفَعَكَ- وَ تُقْعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَ أَعْوَانَكَ‏ (3) مِنْ أَحْرَاسِكَ- وَ شُرَطِكَ تَخْفِضُ لَهُمْ فِي مَجْلِسِكَ ذَلِكَ جَنَاحَكَ- وَ تُلِينُ لَهُمْ كَنَفَكَ‏ (4) فِي مُرَاجَعَتَكِ وَ وَجْهِكَ- حَتَّى يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَعْتِعٍ‏ (5)- فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ- لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لَا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ- ثُمَّ احْتَمِلِ الْخُرْقَ مِنْهُمْ وَ الْعِيَ‏ (6)- وَ نَحِّ عَنْكَ الضِّيقَ‏

____________

(1) المشافهة: المخاطبة بالشفه أي من فيه الى فيه و المراد حضورهم.

(2) في بعض النسخ «العافية».

(3) تأمر بأن يقعد عنهم و لا يتعرض لهم. و الاحراس: جمع حارس و هو من يحرس الحاكم من وصول المكروه إليه. أى أعوان الحاكم. و الشرط- بضم ففتح-: جمع شرطة- بضم فسكون- و هم طائفة من أعوان الولاة و سموا بذلك لانهم اعلموا أنفسهم بالعلامات يعرفون بها. و هم المعروفون الآن بالضابطة.

(4) الكنف- بالتحريك- الجانب، الظل.

(5) التعتعة في الكلام: التردد فيه من عى أو عجز و المراد غير خائف منك و من أعوانك و في النهج «غير متتعتع» فى الموضعين و لعله أصح.

(6) الخرق- بالضم-: العنف. و العى- بالكسر-: العجز عن النطق أي اطق و اصبر. لا تضجر من هذا و لا تغضب لذاك.

259

وَ الْأَنَفَ‏ (1)- يَبْسُطِ اللَّهُ عَلَيْكَ أَكْنَافَ رَحْمَتِهِ‏ (2)- وَ يُوجِبْ لَكَ ثَوَابَ أَهْلِ طَاعَتِهِ- فَأَعْطِ مَا أَعْطَيْتَ هَنِيئاً (3)- وَ امْنَعْ فِي إِجْمَالٍ وَ إِعْذَارٍ وَ تَوَاضَعْ هُنَاكَ- فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَاضِعِينَ وَ لْيَكُنْ أَكْرَمُ أَعْوَانِكَ عَلَيْكَ أَلْيَنَهُمْ جَانِباً- وَ أَحْسَنَهُمْ مُرَاجَعَةً وَ أَلْطَفَهُمْ بِالضُّعَفَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- ثُمَّ إِنَّ أُمُوراً مِنْ أُمُورِكَ لَا بُدَّ لَكَ مِنْ مُبَاشَرَتِهَا- مِنْهَا إِجَابَةُ عُمَّالِكَ مَا يَعْيَا عَنْهُ كُتَّابُكَ‏ (4)- وَ مِنْهَا إِصْدَارُ حَاجَاتِ النَّاسِ فِي قَصَصِهِمْ- وَ مِنْهَا مَعْرِفَةُ مَا يَصِلُ إِلَى الْكُتَّابِ وَ الْخُزَّانِ مِمَّا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ- فَلَا تَتَوَانَ فِيمَا هُنَالِكَ وَ لَا تَغْتَنِمْ تَأْخِيرَهُ وَ اجْعَلْ لِكُلِّ أَمْرٍ مِنْهَا مَنْ يُنَاظِرُ فِيهِ وُلَاتَهُ- بِتَفْرِيغٍ لِقَلْبِكَ وَ هَمِّكَ- فَكُلَّمَا أَمْضَيْتَ أَمْراً فَأَمْضِهِ بَعْدَ التَّرْوِيَةِ (5)- وَ مُرَاجَعَةِ نَفْسِكَ وَ مُشَاوَرَةِ وَلِيِّ ذَلِكَ- بِغَيْرِ احْتِشَامٍ وَ لَا رَأْيٍ‏ (6) يَكْسِبُ بِهِ عَلَيْكَ نَقِيضَهُ ثُمَّ أَمْضِ لِكُلِّ يَوْمٍ علمه [عَمَلَهُ فَإِنَّ لِكُلِّ يَوْمٍ مَا فِيهِ- وَ اجْعَلْ لِنَفْسِكَ فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ أَفْضَلَ تِلْكَ الْمَوَاقِيتِ- وَ أَجْزَلَ تِلْكَ الْأَقْسَامِ‏ (7) وَ إِنْ كَانَتْ كُلُّهَا لِلَّهِ إِذَا صَحَّتْ فِيهَا النِّيَّةُ (8)- وَ سَلِمَتْ مِنْهَا الرَّعِيَّةُ- وَ لْيَكُنْ فِي خَاصِّ مَا تُخْلِصُ لِلَّهِ بِهِ دِينَكَ- إِقَامَةُ فَرَائِضِهِ الَّتِي هِيَ لَهُ خَاصَّةً- فَأَعْطِ اللَّهَ مِنْ بَدَنِكَ فِي لَيْلِكَ وَ نَهَارِكَ مَا يَجِبُ- فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ النَّافِلَةَ لِنَبِيِّهِ خَاصَّةً دُونَ خَلْقِهِ فَقَالَ- وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ- عَسى‏

____________

(1) المراد بالضيق: ضيق الصدر من هم أو سوء خلق. و الانف- بالتحريك-: الاستكبار و الترفع. أى بعد عن نفسك هذا و ذلك.

(2) الاكناف: الاطراف.

(3) هنيئا: سهلا لينا أي لا تخشنه و إذا منعت فامنع بلطف و عذر.

(4) أي يعجز عنه.

(5) التروية: النظر في الامر و التفكر فيه.

(6) الاحتشام من الحشمة- بالكسر-: الاستحياء و الانقباض و الغضب.

(7) أجزل: أعظم.

(8) في النهج «إذا صلحت».

260

أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (1)- فَذَلِكَ أَمْرٌ اخْتَصَّ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ وَ أَكْرَمَهُ بِهِ- لَيْسَ لِأَحَدٍ سِوَاهُ وَ هُوَ لِمَنْ سِوَاهُ تَطَوُّعٌ- فَإِنَّهُ يَقُولُ‏ وَ مَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ‏ (2)- فَوَفِّرْ مَا تَقَرَّبْتَ بِهِ إِلَى اللَّهِ وَ كَرَمِهِ- وَ أَدِّ فَرَائِضَهُ إِلَى اللَّهِ كَامِلًا غَيْرَ مَثْلُوبٍ وَ لَا مَنْقُوصٍ‏ (3)- بَالِغاً ذَلِكَ مِنْ بَدَنِكَ مَا بَلَغَ- فَإِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ بِالنَّاسِ فَلَا تُطَوِّلَنَّ وَ لَا تَكُونَنَّ مُنَفِّراً وَ لَا مُضَيِّعاً (4)- فَإِنَّ فِي النَّاسِ مَنْ بِهِ الْعِلَّةُ وَ لَهُ الْحَاجَةُ- وَ قَدْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص حِينَ وَجَّهَنِي إِلَى الْيَمَنِ كَيْفَ أُصَلِّي بِهِمْ- فَقَالَ صَلِّ بِهِمْ كَصَلَاةِ أَضْعَفِهِمْ وَ كُنْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً وَ بَعْدَ هَذَا (5) فَلَا تُطَوِّلَنَّ احْتِجَابَكَ عَنْ رَعِيَّتِكَ- فَإِنَّ احْتِجَابَ الْوُلَاةِ عَنِ الرَّعِيَّةِ شُعْبَةٌ مِنَ الضِّيقِ- وَ قِلَّةُ عِلْمٍ بِالْأُمُورِ وَ الِاحْتِجَابُ يَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا احْتَجَبُوا دُونَهُ- فَيَصْغُرُ عِنْدَهُمُ الْكَبِيرُ وَ يَعْظُمُ الصَّغِيرُ- وَ يَقْبُحُ الْحَسَنُ وَ يَحْسُنُ الْقَبِيحُ- وَ يُشَابُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ‏ (6)- وَ إِنَّمَا الْوَالِي بَشَرٌ لَا يَعْرِفُ مَا تَوَارَى عَنْهُ النَّاسُ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ- وَ لَيْسَتْ عَلَى الْقَوْلِ سِمَاتٌ‏ (7) يُعْرَفُ بِهَا الصِّدْقُ مِنَ الْكَذِبِ- فَتَحَصَّنْ مِنَ الْإِدْخَالِ فِي الْحُقُوقِ بِلِينِ الْحِجَابِ‏ (8)- فَإِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ- إِمَّا امْرُؤٌ سَخَتْ نَفْسُكَ بِالْبَذْلِ فِي الْحَقِّ فَفِيمَ احْتِجَابُكَ- مِنْ وَاجِبِ حَقٍّ تُعْطِيهِ أَوْ خُلُقٍ كَرِيمٍ تُسْدِيهِ- وَ إِمَّا مُبْتَلًى‏

____________

(1) سورة الإسراء: 81.

(2) سورة البقرة: 153. و في النهج [و وف ما تقربت‏].

(3) المثلوب: المعيوب. و في النهج «المثلوم» أي المخدوش. و بالغا أي و ان بلغ من اتعاب بدنك أي مبلغ.

(4) أي بالتطول و التنقص. و المطلوب المتوسط.

(5) و في النهج «و أمّا بعد».

(6) يشاب: يخلط.

(7) سمات: جمع سمة- بكسر السين-: العلامة. و في النهج «و ليست على الحق سمات تعرف بها ضروب الصدق من الكذب».

(8) الادخال في الحقوق: الافساد فيها. و من المحتمل «الادغال في الحقوق».

261

بِالْمَنْعِ فَمَا أَسْرَعَ كَفَّ النَّاسِ عَنْ مَسْأَلَتِكَ- إِذَا أَيِسُوا مِنْ بَذْلِكَ- مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ حَاجَاتِ النَّاسِ إِلَيْكَ مَا لَا مَئُونَةَ عَلَيْكَ فِيهِ- مِنْ شِكَايَةِ مَظْلِمَةٍ أَوْ طَلَبِ إِنْصَافٍ- فَانْتَفِعْ بِمَا وَصَفْتُ لَكَ وَ اقْتَصِرْ فِيهِ عَلَى حَظِّكَ وَ رُشْدِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- ثُمَّ إِنَّ لِلْمُلُوكِ خَاصَّةً- وَ بِطَانَةً فِيهِمُ اسْتِئْثَارٌ وَ تَطَاوُلٌ وَ قِلَّةُ إِنْصَافٍ‏ (1)- فَاحْسِمْ مَادَّةَ أُولَئِكَ بِقَطْعِ أَسْبَابِ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ- وَ لَا تَقْطَعَنَّ لِأَحَدٍ مِنْ حَشَمِكَ وَ لَا حَامَّتِكَ قَطِيعَةً (2)- وَ لَا تَعْتَمِدَنَّ فِي اعْتِقَادِ عُقْدَةٍ تَضُرُّ بِمَنْ يَلِيهَا مِنَ النَّاسِ- فِي شِرْبٍ أَوْ عَمَلٍ مُشْتَرَكٍ يَحْمِلُونَ مَئُونَتَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ- فَيَكُونَ مَهْنَأُ ذَلِكَ لَهُمْ دُونَكَ وَ عَيْبُهُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ (3) عَلَيْكَ بِالْعَدْلِ فِي حُكْمِكَ إِذَا انْتَهَتِ الْأُمُورُ إِلَيْكَ- وَ أَلْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِيبِ وَ الْبَعِيدِ- وَ كُنْ فِي ذَلِكَ صَابِراً مُحْتَسِباً- وَ افْعَلْ ذَلِكَ بِقَرَابَتِكَ حَيْثُ وَقَعَ وَ ابْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ مِنْهُ‏ (4) فَإِنَّ مَغَبَّةَ ذَلِكَ مَحْمُودَةٌ- وَ إِنْ ظَنَّتِ الرَّعِيَّةُ بِكَ حَيْفاً فَأَصْحِرْ لَهُمْ بِعُذْرِكَ‏ (5)- وَ اعْدِلْ عَنْكَ ظُنُونَهُمْ‏

____________

(1) الاستئثار: تقديم النفس على الغير. و التطاول: الترفع و التكبر.

(2) الحسم: القطع. و الحشم- محركة-: الخدم. و في النهج «حاشيتك». و الحامة الخاصّة. و القطيعة- من الاقطاع-: المنحة من الأرض.

(3) العقدة: الولاية على البلد، و ما يمسك الشي‏ء و يوثقه؛ و موضع العقد و هو ما عقد عليه و الضيعة؛ و العقار الذي اعتقده صاحبه ملكا؛ و البيعة المعقودة لهم، و المكان الكثير الشجر أو النخل و الكلاء الكافي للابل. و في النهج هكذا «و لا تقطعن لاحد من حاشيتك و حامتك قطيعة و لا يطمعن منك في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس». و المهنأ؛ ما يأتيك بلا مشقة و المنفعة الهنيئة.

(4) في النهج «واقعا ذلك من قرابتك و خاصتك حيث وقع و ابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه». و المغبة: العاقبة.

(5) الحيف: الظلم. و الاصحار: الابراز و الاظهار. أى إذا فعلت فعلا و ظنت الرعية أنه ظلم فأبرز لهم عذرك و بينه. و عدل عنه: نحاه عنه.

262

بِأَصْحَارِكَ- فَإِنَّ تِلْكَ رِيَاضَةٌ مِنْكَ لِنَفْسِكَ- وَ رِفْقٌ مِنْكَ بِرَعِيَّتِكَ- وَ إِعْذَارٌ تَبْلُغُ فِيهِ حَاجَتَكَ مِنْ تَقْوِيمِهِمْ عَلَى الْحَقِّ فِي خَفْضٍ وَ إِجْمَالٍ‏ (1)- لَا تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّكَ فِيهِ رِضًا (2)- فَإِنَّ فِي الصُّلْحِ دَعَةً لِجُنُودِكَ وَ رَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ- وَ أَمْناً لِبِلَادِكَ- وَ لَكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ (3) مِنْ مُقَارَبَةِ عَدُوِّكَ فِي طَلَبِ الصُّلْحِ- فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ- فَخُذْ بِالْحَزْمِ وَ تَحَصَّنْ كُلَّ مَخُوفٍ تُؤْتَى مِنْهُ- وَ بِاللَّهِ الثِّقَةُ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ- وَ إِنْ لَجَّتْ بَيْنَكَ‏ (4) وَ بَيْنَ عَدُوِّكَ قَضِيَّةٌ عَقَدْتَ لَهُ بِهَا صُلْحاً أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةً فَحُطْ عَهْدَكَ بِالْوَفَاءِ- وَ ارْعَ ذِمَّتَكَ بِالْأَمَانَةِ وَ اجْعَلْ نَفْسَكَ جُنَّةً دُونَهُ‏ (5)- فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ النَّاسُ- أَشَدُّ عَلَيْهِ اجْتِمَاعاً فِي تَفْرِيقِ أَهْوَائِهِمْ- وَ تَشْتِيتِ أَدْيَانِهِمْ مِنْ تَعْظِيمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ (6)- وَ قَدْ لَزِمَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِينَ- لِمَا اسْتَوْبَلُوا (7) مِنَ الْغَدْرِ وَ الْخَتْرِ- فَلَا تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِكَ وَ لَا تَخْفِرْ بِعَهْدِكَ‏ (8) وَ لَا تَخْتِلَنَّ عَدُوَّكَ- فَإِنَّهُ لَا يَجْتَرِئُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا جَاهِلٌ- قَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَهْدَهُ وَ ذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ بَيْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ- (9) وَ حَرِيماً يَسْكُنُونَ إِلَى مَنَعَتِهِ- وَ يَسْتَفِيضُونَ بِهِ‏

____________

(1) الخفض: السكون و الدعة.

(2) في النهج «و للّه فيه رضى».

(3) في النهج «و لكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه».

(4) اللجاج: العناد و الخصومة. لج في الامر: لازمه و أبى أن ينصرف عنه.

(5) أي دون ما أعطيت، كما في النهج.

(6) الناس مبتدأ و خبره أشدّ و الجملة خبر ليس، يعنى ان الناس مع تفرق أهوائهم و تشتت آرائهم لم يجتمعوا على فريضة أشدّ اهتماما من اجتماعهم على تعظيم الوفاء بالعهود حتّى أن المشركين التزموا به مع أنهم ليسوا من المسلمين.

(7) استوبلوا: استوخموا من عواقب الغدر و الختر و هو الغدر و الختر و هو الغدر أيضا.

(8) فلا تخفر أي فلا تنقض بعهدك و في النهج «و لا تخيسن» من خاس بعهده أي خانه و نقضه.

(9) الافضاء أصله الاتساع و هنا مجاز و يراد به الافشاء و الانتشار. و الحريم: ما حرم أن يمس. و المنعة: القوّة التي تمنع من يريد باحد سوءا.

263

إِلَى جِوَارِهِ- فَلَا خِدَاعَ وَ لَا مُدَالَسَةَ وَ لَا إِدْغَالَ فِيهِ‏ (1) فَلَا يَدْعُوَنَّكَ ضِيقُ أَمْرٍ لَزِمَكَ فِيهِ عَهْدُ اللَّهِ عَلَى طَلَبِ انْفِسَاخِهِ- فَإِنَّ صَبْرَكَ عَلَى ضِيقٍ تَرْجُو انْفِرَاجَهُ- وَ فَضْلَ عَاقِبَتِهِ خَيْرٌ مِنْ غَدْرٍ تَخَافُ تَبِعَتَهُ‏ (2)- وَ أَنْ تُحِيطَ بِكَ مِنَ اللَّهِ طَلِبَةٌ [فِيهِ‏]- وَ لَا تَسْتَقِيلَ فِيهَا دُنْيَاكَ وَ لَا آخِرَتَكَ- وَ إِيَّاكَ وَ الدِّمَاءَ وَ سَفْكَهَا بِغَيْرِ حِلِّهَا- فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَدْعَى لِنَقِمَةٍ- وَ لَا أَعْظَمَ لِتَبِعَةٍ وَ لَا أَحْرَى لِزَوَالِ نِعْمَةٍ- وَ انْقِطَاعِ مُدَّةٍ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ الْحَقِّ- وَ اللَّهُ مُبْتَدِئٌ بِالْحُكْمِ بَيْنَ الْعِبَادِ فِيمَا يَتَسَافَكُونَ مِنَ الدِّمَاءِ- فَلَا تَصُونَنَّ سُلْطَانَكَ‏ (3) بِسَفْكِ دَمٍ حَرَامٍ- فَإِنَّ ذَلِكَ يُخْلِقُهُ وَ يُزِيلُهُ- فَإِيَّاكَ وَ التَّعَرُّضَ لِسَخَطِ اللَّهِ- فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لِوَلِيِّ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً سُلْطَاناً- قَالَ اللَّهُ‏ وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (4)- وَ لَا عُذْرَ لَكَ عِنْدَ اللَّهِ وَ لَا عِنْدِي فِي قَتْلِ الْعَمْدِ لِأَنَّ فِيهِ قَوَدَ الْبَدَنِ‏ (5)- فَإِنِ ابْتُلِيتَ بِخَطَإٍ وَ فَرَّطَ عَلَيْهِ سَوْطُكَ أَوْ يَدُكَ لِعُقُوبَةٍ- فَإِنَّ فِي الْوَكْزَةِ فَمَا فَوْقَهَا مَقْتَلَةً- فَلَا تَطْمَحَنَّ بِكَ نَخْوَةُ سُلْطَانِكَ- عَنْ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى أَهْلِ الْمَقْتُولِ حَقَّهُمْ دِيَةً مُسَلَّمَةً- يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى‏ (6)- إِيَّاكَ وَ الْإِعْجَابَ بِنَفْسِكَ وَ الثِّقَةَ بِمَا يُعْجِبُكَ مِنْهَا- وَ حُبَّ الْإِطْرَاءِ فَإِنَ‏

____________

(1) المدالسة: الخيانة. و الادغال: الافساد.

(2) التبعة: ما يترتب على الفعل من الخير أو الشر و استعماله في الشر أكثر. و «أن تحيط» عطف على تبعة. و الطلبة اسم من المطالبة أي و تخاف أن تتوجه عليك من اللّه مطالبة بحقه في الوفاء الذي غدرته و لا يمكن أن تسأل اللّه أن يقيلك من هذه المطالبة بعفوه عنك.

(3) في النهج «و لا تقوين سلطانك».

(4) سورة الاسرى: 43.

(5) القود- بالتحريك-: القصاص.

(6) «فرط عليه» عجل بما لم تكن تريده أي أردت تاديبا فاعقب قتلا. و الوكزة:

الضربة بجمع الكف. و هي تعليل: لقوله «و فرط عليه». قوله: «فلا تطمحن» جواب الشرط أى لا يرتفعن بك كبرياء السلطان عن تأدية الدية الى أهل المقتول في القتل الخطاء.

264

ذَلِكَ مِنْ أَوْثَقِ فُرَصِ الشَّيْطَانِ‏ (1) فِي نَفْسِهِ- لِيَمْحَقَ مَا يَكُونُ مِنْ إِحْسَانِ الْمُحْسِنِ- وَ إِيَّاكَ وَ الْمَنَّ عَلَى رَعِيَّتِكَ بِإِحْسَانٍ أَوِ التَّزَيُّدَ- فِيمَا كَانَ مِنْ فِعْلِكَ‏ (2) أَوْ [أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُتْبِعَ مَوْعِدَكَ بِخُلْفِكَ أَوِ التَّسَرُّعَ إِلَى الرَّعِيَّةِ بِلِسَانِكَ‏ (3)- فَإِنَّ الْمَنَّ يُبْطِلُ الْإِحْسَانَ‏ (4) وَ الْخُلْفَ يُوجِبُ الْمَقْتَ- وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ- كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ‏ (5)- إِيَّاكَ وَ الْعَجَلَةَ بِالْأُمُورِ قَبْلَ أَوَانِهَا- وَ التَّسَاقُطَ فِيهَا عِنْدَ زَمَانِهَا (6)- وَ اللَّجَاجَةَ فِيهَا إِذَا تَنَكَّرَتْ‏ (7) وَ الْوَهْنَ فِيهَا إِذَا أَوْضَحَتْ- فَضَعْ كُلَّ أَمْرٍ مَوْضِعَهُ وَ أَوْقِعْ كُلَّ عَمَلٍ مَوقِعَهُ وَ إِيَّاكَ وَ الِاسْتِئْثَارَ بِمَا لِلنَّاسِ فِيهِ الْأُسْوَةُ- وَ الِاعْتِرَاضَ فِيمَا يَعْنِيكَ- وَ التَّغَابِيَ عَمَّا يُعْنَى بِهِ‏ (8) مِمَّا قَدْ وَضَحَ لِعُيُونِ النَّاظِرِينَ- فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْكَ لِغَيْرِكَ- وَ عَمَّا قَلِيلٍ تُكْشَفُ عَنْكَ أَغْطِيَةُ الْأُمُورِ- وَ يَبْرُزُ الْجَبَّارُ بِعَظَمَتِهِ- فَيَنْتَصِفُ الْمَظْلُومُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ثُمَّ امْلِكْ حَمِيَّةَ أَنْفِكَ‏ (9) وَ سَوْرَةَ حِدَّتِكَ وَ سَطْوَةَ يَدِكَ وَ غَرْبَ لِسَانِكَ- وَ

____________

(1) الاطراء: المبالغة في المدح و الثناء. الفرص: جمع الفرصة- بالضم-: الوقت المناسب للوصول الى المقصد.

(2) التزيد- كالتقيد-: اظهار الزيادة و تكلفها في الاعمال عن الواقع منها.

(3) التسرع: المبادرة و التعجيل.

(4) في النهج بعد هذه العبارة «و التزيد يذهب بنور الحق». و المقت: السخط و البغض.

(5) سورة الصف: 4.

(6) التساقط: تتابع السقوط و المراد به هنا التهاون و قيل: من ساقط الفرس إذا جاء مسترخيا و في النهج «التساقط فيها عند امكانها و الوهن عنها إذا استوضحت».

(7) أي لم يعرف وجه الصواب فيها. و الوهن: الضعف.

(8) التغابى: التغافل عما يهتم به و «يعنى» على صيغة المفعول.

(9) الحمية: الانفة و النخوة و فلان حمى الانف: إذا كان ابيا يأنف الضيم. و السورة بفتح فسكون-: السطوة. و الحدة- بالفتح- من الإنسان: بأسه و ما يعتريه من الغضب. و الغرب:

الحدة و النشاط و أيضا بمعنى الحد.

265

احْتَرِسْ كُلَّ ذَلِكَ بِكَفِّ الْبَادِرَةِ (1) وَ تَأْخِيرِ السَّطْوَةِ- وَ ارْفَعْ بَصَرَكَ إِلَى السَّمَاءِ عِنْدَ مَا يَحْضُرُكَ مِنْهُ- حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُكَ فَتَمْلِكَ الِاخْتِيَارَ- وَ لَنْ تَحْكُمَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِكَ حَتَّى تُكْثِرَ هُمُومَكَ بِذِكْرِ الْمَعَادِ (2)- ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ جُمِعَ مَا فِي هَذَا الْعَهْدِ مِنْ صُنُوفِ مَا لَمْ آلُكَ فِيهِ رُشْداً- إِنْ أَحَبَّ اللَّهُ إِرْشَادَكَ وَ تَوْفِيقَكَ- أَنْ تَتَذَكَّرَ مَا كَانَ مِنْ كُلِّ مَا شَاهَدْتَ مِنَّا- فَتَكُونَ وَلَايَتُكَ هَذِهِ مِنْ حُكُومَةٍ عَادِلَةٍ أَوْ سُنَّةٍ فَاضِلَةٍ- أَوْ أَثَرٍ عَنْ نَبِيِّكَ ص أَوْ فَرِيضَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ- فَتَقْتَدِيَ بِمَا شَاهَدْتَ مِمَّا عَمِلْنَا بِهِ مِنْهَا- وَ تَجْتَهِدَ نَفْسَكَ فِي اتِّبَاعِ مَا عَهِدْتُ إِلَيْكَ فِي عَهْدِي- وَ اسْتَوْثَقْتُ مِنَ الْحُجَّةِ لِنَفْسِي- لِكَيْلَا تَكُونَ لَكَ عِلَّةٌ عِنْدَ تَسَرُّعِ نَفْسِكَ إِلَى هَوَاهَا- فَلَيْسَ يَعْصِمُ مِنَ السُّوءِ- وَ لَا يُوَفِّقُ لِلْخَيْرِ إِلَّا اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ- وَ قَدْ كَانَ مِمَّا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ص فِي وِصَايَتِهِ تَحْضِيضاً عَلَى الصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ وَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ- فَبِذَلِكَ أَخْتِمُ لَكَ مَا عَهِدْتُ- وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ- وَ أَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ سَعَةَ رَحْمَتِهِ وَ عَظِيمَ مَوَاهِبِهِ وَ قُدْرَتَهُ- عَلَى إِعْطَاءِ كُلِّ رَغْبَةٍ (3) أَنْ يُوَفِّقَنِي- وَ إِيَّاكَ لِمَا فِيهِ رِضَاهُ مِنَ الْإِقَامَةِ عَلَى الْعُذْرِ الْوَاضِحِ إِلَيْهِ- وَ إِلَى خَلْقِهِ‏ (4) مَعَ حُسْنِ الثَّنَاءِ فِي الْعِبَادِ- وَ حُسْنِ الْأَثَرِ فِي الْبِلَادِ وَ تَمَامِ النِّعْمَةِ وَ تَضْعِيفِ الْكَرَامَةِ (5) وَ أَنْ يَخْتِمَ لِي وَ لَكَ بِالسَّعَادَةِ وَ الشَّهَادَةِ- وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاغِبُونَ وَ السَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ- وَ عَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ وَ سَلَّمَ كَثِيراً.

جش‏ (6)، الفهرست للنجاشي‏ الْأَصْبَغُ بْنُ نُبَاتَةَ كَانَ مِنْ خَاصَّةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع) وَ عُمِّرَ بَعْدَهُ‏

____________

(1) البادرة: الحدة أو ما يبدر من اللسان عند الغضب من السب و نحوه.

(2) في النهج «بذكر المعاد الى ربك».

(3) أي اعطاه كل سائل ما سأله، كانه قال: القادر على اعطاه كل سؤال.

(4) المراد من العذر الحجة الواضحة العادلة، يعنى فانه حجة لك عند من قضيت عليه و عذر عند اللّه فيمن اجريت عليه عقوبة او حرمته من منفعة.

(5) أي زيادة الكرامة اضعافا.

(6) الرجال ص 7.

266

رَوَى عَنْهُ عَهْدَ الْأَشْتَرِ- وَ وَصِيَّتَهُ إِلَى مُحَمَّدٍ ابْنِهِ- أَخْبَرَنَا ابْنُ الْجُنْدِيِّ- عَنْ عَلِيِّ بْنِ هَمَّامٍ عَنِ الْحِمْيَرِيِّ- عَنْ هَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ- عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُلْوَانَ عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ- عَنِ الْأَصْبَغِ‏ بِالْعَهْدِ.

إيضاح قوله(ع)(1).

باب 11 وصيته(ع)لكميل بن زياد النخعي‏

1- بشا (2)، بشارة المصطفى أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْبَقَاءِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَصْرِيُّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَ خَمْسِمِائَةٍ بِمَشْهَدِ مَوْلَانَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)عَنْ أَبِي طَالِبٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَهْبَانَ الدُّبَيْلِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ كَثِيرٍ الْعَسْكَرِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ (3) عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْفَضْلِ الْأَصْفَهَانِيِّ عَنْ أَبِي رَاشِدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ وَائِلٍ الْقُرَشِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَفْصٍ الْمَدَنِيِّ عَنْ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ‏ (4) عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَرْطَاةَ قَالَ: لَقِيتُ كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ- وَ سَأَلْتُهُ عَنْ فَضْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع) فَقَالَ أَ لَا أُخْبِرُكَ بِوَصِيَّةٍ أَوْصَانِي بِهَا يَوْماً- هِيَ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا- فَقُلْتُ بَلَى- فَقَالَ أَوْصَانِي يَوْماً فَقَالَ لِي يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ- سَمِّ كُلَّ يَوْمٍ بِاسْمِ اللَّهِ- وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ- وَ اذْكُرْنَا

____________

(1) كان هنا بياض مقدار ورق. و ذلك لان عمر المؤلّف- (رضوان اللّه عليه)- لم يف بترصيف بعض مجلدات الكتاب و بيان مشكله و توضيح معضله و منها هذا المجلد.

(2) بشارة المصطفى ص 29 الطبعة الأولى.

(3) في المصدر عن عليّ بن أحمد بن كثير العسكريّ، عن أحمد بن المفضل أبى سلمة الأصفهانيّ قال أخبرنى أحمد بن راشد بن عليّ بن وائل القرشيّ.

(4) في المصدر «عن محمّد بن إسحاق».

267

وَ سَمِّ بِأَسْمَائِنَا- وَ صَلِّ عَلَيْنَا وَ اسْتَعِذْ بِاللَّهِ بِنَا- وَ ادْرَأْ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِكَ‏ (1) وَ مَا تَحُوطُهُ عِنَايَتُكَ‏ (2)- تُكْفَ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- يَا كُمَيْلُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص أَدَّبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ هُوَ أَدَّبَنِي وَ أَنَا أُؤَدِّبُ الْمُؤْمِنِينَ وَ أُوَرِّثُ الْأَدَبَ الْمُكَرَّمِينَ يَا كُمَيْلُ مَا مِنْ عِلْمٍ إِلَّا وَ أَنَا أَفْتَحُهُ- وَ مَا مِنْ سِرٍّ إِلَّا وَ الْقَائِمُ(ع)يَخْتِمُهُ يَا كُمَيْلُ‏ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏ يَا كُمَيْلُ لَا تَأْخُذْ إِلَّا عَنَّا تَكُنْ مِنَّا يَا كُمَيْلُ مَا مِنْ حَرَكَةٍ إِلَّا وَ أَنْتَ مُحْتَاجٌ فِيهَا إِلَى مَعْرِفَةٍ (3)- يَا كُمَيْلُ إِذَا أَكَلْتَ الطَّعَامَ فَسَمِّ بِاسْمِ اللَّهِ- الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ دَاءٌ وَ هُوَ الشِّفَاءُ مِنْ جَمِيعِ الْأَدْوَاءِ (4) يَا كُمَيْلُ إِذَا أَكَلْتَ الطَّعَامَ فَوَاكِلْ بِهِ- وَ لَا تَبْخَلْ بِهِ فَإِنَّكَ لَمْ تَرْزُقِ النَّاسَ شَيْئاً- وَ اللَّهُ يُجْزِلُ لَكَ الثَّوَابَ بِذَلِكَ يَا كُمَيْلُ أَحْسِنْ خُلُقَكَ وَ ابْسُطْ جَلِيسَكَ‏ (5) وَ لَا تَنْهَرَنَّ خَادِمَكَ يَا كُمَيْلُ إِذَا أَنْتَ أَكَلْتَ فَطَوِّلْ أَكْلَكَ- لِيَسْتَوْفِيَ مَنْ مَعَكَ وَ يُرْزَقَ مِنْهُ غَيْرُكَ- يَا كُمَيْلُ إِذَا اسْتَوْفَيْتَ طَعَامَكَ فَاحْمَدِ اللَّهَ عَلَى مَا رَزَقَكَ- وَ ارْفَعْ بِذَلِكَ صَوْتَكَ لِيَحْمَدَهُ سِوَاكَ فَيَعْظُمَ بِذَلِكَ أَجْرُكَ- يَا كُمَيْلُ لَا تُوقِرَنَّ مَعِدَتَكَ طَعَاماً- وَ دَعْ فِيهَا لِلْمَاءِ مَوْضِعاً وَ لِلرِّيحِ مَجَالًا- (6)

____________

(1) في التحف و في بعض النسخ من الكتاب «أدر بذلك على نفسك» و أدر امر من درى بالشي‏ء أي توصل الى عمله.

(2) تحوطه: تحفظه، و تعهده عنايتك.

(3) في بعض النسخ «الى معونة».

(4) في بعض النسخ «جميع الاسواء».

(5) بسط الرجل-: سره. و في المصدر «الى جليسك» و في بعض النسخ «لا تتهم خادمك».

(6) «لا توقرن» أي لا تثقلن معدتك من الطعام. و في بعض النسخ «لا توفرن» بالفاء.

268

يَا كُمَيْلُ لَا تَنْقُدْ طَعَامَكَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص لَا يَنْقُدُهُ- يَا كُمَيْلُ لَا تَرْفَعَنَّ يَدَكَ مِنَ الطَّعَامِ إِلَّا وَ أَنْتَ تَشْتَهِيهِ- فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَأَنْتَ تَسْتَمْرِئُهُ‏ (1) يَا كُمَيْلُ صِحَّةُ الْجِسْمِ مِنْ قِلَّةِ الطَّعَامِ وَ قِلَّةِ الْمَاءِ يَا كُمَيْلُ- الْبَرَكَةُ فِي الْمَالِ مِنْ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَ مُوَاسَاةِ الْمُؤْمِنِينَ- وَ صِلَةِ الْأَقْرَبِينَ وَ هُمُ الْأَقْرَبُونَ لَنَا- يَا كُمَيْلُ زِدْ قَرَابَتَكَ الْمُؤْمِنَ عَلَى مَا تُعْطِي سِوَاهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ- وَ كُنْ بِهِمْ أَرْأَفَ وَ عَلَيْهِمْ أَعْطَفَ وَ تَصَدَّقْ عَلَى الْمَسَاكِينِ- يَا كُمَيْلُ لَا تَرُدَّنَّ سَائِلًا وَ لَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ أَوْ مِنْ شَطْرِ عِنَبٍ- يَا كُمَيْلُ الصَّدَقَةُ تُنْمَى عِنْدَ اللَّهِ يَا كُمَيْلُ حُسْنُ خُلُقِ الْمُؤْمِنِ مِنَ التَّوَاضُعِ- وَ جَمَالُهُ التَّعَفُّفُ وَ شَرَفُهُ الشَّفَقَةُ وَ عِزُّهُ تَرْكُ الْقَالِ وَ الْقِيلِ‏ (2)- يَا كُمَيْلُ إِيَّاكَ وَ الْمِرَاءَ- فَإِنَّكَ تُغْرِي بِنَفْسِكَ السُّفَهَاءَ إِذَا فَعَلْتَ وَ تُفْسِدُ الْإِخَاءَ يَا كُمَيْلُ إِذَا جَادَلْتَ فِي اللَّهِ تَعَالَى- فَلَا تُخَاطِبْ إِلَّا مَنْ يُشْبِهُ الْعُقَلَاءَ وَ هَذَا قَوْلُ ضَرُورَةٍ يَا كُمَيْلُ هُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ سُفَهَاءُ- كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَ لكِنْ لا يَعْلَمُونَ‏ (3) يَا كُمَيْلُ فِي كُلِّ صِنْفٍ قَوْمٌ أَرْفَعُ مِنْ قَوْمٍ- وَ إِيَّاكَ وَ مُنَاظَرَةَ الْخَسِيسِ مِنْهُمْ- وَ إِنْ أَسْمَعُوكَ فَاحْتَمِلْ- وَ كُنْ مِنَ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ- وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (4)

____________

(1) استمرأ الطعام: استطيبه و وجده مرئيا.

(2) القال و القيل- مصدر ان-: ما يقوله الناس. و قيل: القال الابتداء و السؤال و القيل الجواب.

(3) البقرة: 13.

(4) الفرقان: 64.

269

يَا كُمَيْلُ قُلِ الْحَقَّ عَلَى كُلِّ حَالٍ- وَ وَازِرِ الْمُتَّقِينَ وَ اهْجُرِ الْفَاسِقِينَ يَا كُمَيْلُ جَانِبِ الْمُنَافِقِينَ وَ لَا تُصَاحِبِ الْخَائِنِينَ يَا كُمَيْلُ إِيَّاكَ إِيَّاكَ وَ التَّطَرُّقَ إِلَى أَبْوَابِ الظَّالِمِينَ- وَ الِاخْتِلَاطَ بِهِمْ وَ الِاكْتِسَابَ مِنْهُمْ- وَ إِيَّاكَ أَنْ تُطِيعَهُمْ وَ أَنْ تَشْهَدَ فِي مَجَالِسِهِمْ بِمَا يُسْخِطُ اللَّهَ عَلَيْكَ- يَا كُمَيْلُ إِذَا اضْطُرِرْتَ إِلَى حُضُورِهِمْ فَدَاوِمْ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى- وَ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ وَ اسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهِمْ- وَ أَطْرِقْ عَنْهُمْ‏ (1) وَ أَنْكِرْ بِقَلْبِكَ فِعْلَهُمْ- وَ اجْهَرْ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى لِتُسْمِعَهُمْ- فَإِنَّهُمْ يَهَابُوكَ وَ تُكْفَى شَرَّهُمْ يَا كُمَيْلُ إِنَّ أَحَبَّ مَا امْتَثَلَهُ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ- بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِهِ وَ بِأَوْلِيَائِهِ(ع)التَّجَمُّلُ وَ التَّعَفُّفُ وَ الِاصْطِبَارُ- يَا كُمَيْلُ لَا بَأْسَ بِأَنْ لَا يُعْلَمَ سِرُّكَ يَا كُمَيْلُ لَا تُرِيَنَّ النَّاسَ افْتِقَارَكَ وَ اضْطِرَارَكَ- وَ اصْطَبِرْ عَلَيْهِ احْتِسَاباً بِعِزٍّ وَ تَسَتُّرٍ يَا كُمَيْلُ لَا بَأْسَ بِأَنْ تُعْلِمَ أَخَاكَ سِرَّكَ يَا كُمَيْلُ وَ مَنْ أَخُوكَ- أَخُوكَ الَّذِي لَا يَخْذُلُكَ عِنْدَ الشِّدَّةِ- وَ لَا يَغْفُلُ عَنْكَ عِنْدَ الْجَرِيرَةِ (2) وَ لَا يَخْدَعُكَ حِينَ تَسْأَلُهُ- وَ لَا يَتْرُكُكَ وَ أَمْرَكَ حَتَّى تُعْلِمَهُ فَإِنْ كَانَ مُمِيلًا أَصْلَحَهُ‏ (3)- يَا كُمَيْلُ الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ- لِأَنَّهُ يَتَأَمَّلُهُ وَ يَسُدُّ فَاقَتَهُ وَ يُجَمِّلُ حَالَتَهُ- يَا كُمَيْلُ الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ وَ لَا شَيْ‏ءَ آثَرُ عِنْدَ كُلِّ أَخٍ مِنْ أَخِيهِ‏ (4)- يَا كُمَيْلُ إِذَا لَمْ تُحِبَّ أَخَاكَ فَلَسْتَ أَخَاهُ- يَا كُمَيْلُ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُ مَنْ قَالَ بِقَوْلِنَا- فَمَنْ تَخَلَّفَ عَنَّا قَصَّرَ عَنَّا وَ مَنْ قَصَّرَ عَنَّا

____________

(1) أطرق الرجل: سكت و لم يتكلم و ارخى عينه ينظر الى الأرض.

(2) الجريرة: الجناية، لانها تجر العقوبة الى الجانى.

(3) المميل- اسم فاعل من أمال-: صاحب ثروة و مال كثير.

(4) آثر أي أقدم و اكرم.

270

لَمْ يَلْحَقْ بِنَا- وَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَنَا فَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ- يَا كُمَيْلُ كُلُّ مَصْدُورٍ يَنْفُثُ- فَمَنْ نَفَثَ إِلَيْكَ مِنَّا بِأَمْرٍ أَمَرَكَ بِسَتْرِهِ- فَإِيَّاكَ أَنْ تُبْدِيَهُ‏ (1) فَلَيْسَ لَكَ مِنْ إِبْدَائِهِ تَوْبَةٌ- فَإِذَا لَمْ تَكُنْ تَوْبَةٌ فَالْمَصِيرُ إِلَى لَظَى‏ (2) يَا كُمَيْلُ إِذَاعَةُ سِرِّ آلِ مُحَمَّدٍ ص لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا- وَ لَا يَحْتَمِلُ أَحَداً عَلَيْهَا- يَا كُمَيْلُ وَ مَا قَالُوهُ لَكَ مُطْلَقاً فَلَا تُعْلِمْهُ إِلَّا مُؤْمِناً مُوَفَّقاً (3)- يَا كُمَيْلُ لَا تُعْلِمُوا الْكَافِرِينَ مِنْ أَخْبَارِنَا فَيَزِيدُوا عَلَيْهَا- فَيَبْدُوكُمْ بِهَا إِلَى يَوْمِ يُعَاقَبُونَ عَلَيْهَا- يَا كُمَيْلُ لَا بُدَّ لِمَاضِيكُمْ مِنْ أَوْبَةٍ (4) وَ لَا بُدَّ لَنَا فِيكُمْ مِنْ غَلَبَةٍ- يَا كُمَيْلُ سَيَجْمَعُ اللَّهُ تَعَالَى لَكُمْ خَيْرَ الْبَدْءِ وَ الْعَاقِبَةِ- يَا كُمَيْلُ أَنْتُمْ مُمَتَّعُونَ بِأَعْدَائِكُمْ- تَطْرَبُونَ بِطَرَبِهِمْ وَ تَشْرَبُونَ بِشُرْبِهِمْ- وَ تَأْكُلُونَ بِأَكْلِهِمْ وَ تَدْخُلُونَ مَدَاخِلَهُمْ- وَ رُبَّمَا غُلِبْتُمْ عَلَى نِعْمَتِهِمْ إِي وَ اللَّهِ عَلَى إِكْرَاهٍ مِنْهُمْ لِذَلِكَ- وَ لَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ نَاصِرُكُمْ وَ خَاذِلُهُمْ- فَإِذَا كَانَ وَ اللَّهِ يَوْمُكُمْ وَ ظَهَرَ صَاحِبُكُمْ لَمْ يَأْكُلُوا وَ اللَّهِ مَعَكُمْ- وَ لَمْ يَرِدُوا مَوَارِدَكُمْ وَ لَمْ يَقْرَعُوا أَبْوَابَكُمْ- وَ لَمْ يَنَالُوا نِعْمَتَكُمْ أَذِلَّةً خَاسِئِينَ- أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلًا- يَا كُمَيْلُ احْمَدِ اللَّهَ تَعَالَى وَ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى ذَلِكَ وَ عَلَى كُلِّ نِعْمَةٍ- يَا كُمَيْلُ قُلْ عِنْدَ كُلِّ شِدَّةٍ- لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ تُكْفَهَا- وَ قُلْ عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ الْحَمْدُ لِلَّهِ تُزَدْ مِنْهَا- وَ إِذَا أَبْطَأَتِ الْأَرْزَاقُ عَلَيْكَ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ يُوَسِّعْ عَلَيْكَ فِيهَا

____________

(1) المصدور: الذي يشتكى من صدره. و ينفث المصدور أي رمى بالنفاثة. المراد ان من ملا صدره من محبتنا و أمرنا لا يمكن له أن يقيها و لا يبرزها، فإذا أبرزها و أمر بسترها فاسترها. و في بعض النسخ «فمن نفث إليك منا بأمر فاستره».

(2) اللظى: النار و لهبها.

(3) في المصدر «فلا يعلمه الا مؤمنا موفقا».

(4) الاوب: الرجوع، آب يئوب من سفر رجع.

271

يَا كُمَيْلُ إِذَا وَسْوَسَ الشَّيْطَانُ فِي صَدْرِكَ- فَقُلْ أَعُوذُ بِاللَّهِ الْقَوِيِّ مِنَ الشَّيْطَانِ الْغَوِيِّ وَ أَعُوذُ بِمُحَمَّدٍ الرَّضِيِّ مِنْ شَرِّ مَا قُدِّرَ وَ قُضِيَ- وَ أَعُوذُ بِإِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ- وَ سَلِّمْ تُكْفَى مَئُونَةَ إِبْلِيسَ وَ الشَّيَاطِينِ مَعَهُ- وَ لَوْ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ أَبَالِسَةٌ مِثْلُهُ- يَا كُمَيْلُ إِنَّ لَهُمْ خُدَعاً وَ شَقَاشِقَ‏ (1)- وَ زَخَارِفَ وَ وَسَاوِسَ وَ خُيَلَاءَ- عَلَى كُلِّ أَحَدٍ قَدْرَ مَنْزِلَتِهِ فِي الطَّاعَةِ وَ الْمَعْصِيَةِ- فَبِحَسَبِ ذَلِكَ يَسْتَوْلُونَ عَلَيْهِ بِالْغَلَبَةِ يَا كُمَيْلُ لَا عَدُوَّ أَعْدَى مِنْهُمْ وَ لَا ضَارَّ أَضَرُّ بِكَ مِنْهُمْ- أُمْنِيَّتُهُمْ أَنْ تَكُونَ مَعَهُمْ غَداً- إِذَا اجْتَثُّوا فِي الْعَذَابِ الْأَلِيمِ‏ (2) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ بِشَرَرِهِ- وَ لَا يُقَصَّرُ عَنْهُمْ‏ خالِدِينَ فِيها أَبَداً- يَا كُمَيْلُ سَخَطُ اللَّهِ تَعَالَى مُحِيطٌ بِمَنْ لَمْ يَحْتَرِزْ مِنْهُمْ- بِاسْمِهِ وَ نَبِيِّهِ وَ جَمِيعِ عَزَائِمِهِ وَ عَوْذِهِ جَلَّ وَ عَزَّ- وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ- يَا كُمَيْلُ إِنَّهُمْ يَخْدَعُونَكَ بِأَنْفُسِهِمْ- فَإِذَا لَمْ تُجِبْهُمْ مَكَرُوا بِكَ وَ بِنَفْسِكَ بِتَحْسِينِهِمْ إِلَيْكَ شَهَوَاتِكَ‏ (3)- وَ إِعْطَائِكَ أَمَانِيَّكَ وَ إِرَادَتَكَ- وَ يُسَوِّلُونَ لَكَ وَ يُنْسُونَكَ وَ يَنْهَوْنَكَ وَ يَأْمُرُونَكَ- وَ يُحَسِّنُونَ ظَنَّكَ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- حَتَّى تَرْجُوَهُ فَتَغْتَرَّ بِذَلِكَ فَتَعْصِيَهُ وَ جَزَاءُ الْعَاصِي لَظَى- يَا كُمَيْلُ احْفَظْ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَ أَمْلى‏ لَهُمْ‏ (4)- وَ الْمُسَوِّلُ الشَّيْطَانُ وَ الْمُمْلِي اللَّهُ تَعَالَى- يَا كُمَيْلُ اذْكُرْ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى لِإِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ- وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ وَ شارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ- وَ عِدْهُمْ وَ ما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً (5)- يَا كُمَيْلُ إِنَّ إِبْلِيسَ لَا يَعِدُ عَنْ نَفْسِهِ- وَ إِنَّمَا يَعِدُ عَنْ رَبِّهِ لِيَحْمِلَهُمْ عَلَى مَعْصِيَتِهِ فَيُوَرِّطَهُمْ‏

____________

(1) الشقاشق: جمع شقشقة و هي شي‏ء يخرجه البعير من فيه إذا هاج.

(2) اجتثوا أي اقتلعوا، و في بعض النسخ «جثوا في العذاب».

(3) في بعض النسخ «بتحبيبهم إليك».

(4) محمّد «ص»: 27.

(5) الإسراء: 66.

272

يَا كُمَيْلُ إِنَّهُ يَأْتِي لَكَ بِلُطْفِ كَيْدِهِ- فَيَأْمُرُكَ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ أَلِفْتَهُ مِنْ طَاعَةٍ لَا تَدَعُهَا- فَتُحْسَبُ أَنَّ ذَلِكَ مَلَكٌ كَرِيمٌ وَ إِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ رَجِيمٌ- فَإِذَا سَكَنْتَ إِلَيْهِ وَ اطْمَأْنَنْتَ حَمَلَكَ عَلَى الْعَظَائِمِ الْمُهْلِكَةِ الَّتِي لَا نَجَاةَ مَعَهَا- يَا كُمَيْلُ إِنَّ لَهُ فِخَاخاً يَنْصِبُهَا فَاحْذَرْ أَنْ يُوقِعَكَ فِيهَا (1) يَا كُمَيْلُ إِنَّ الْأَرْضَ مَمْلُوَّةٌ مِنْ فِخَاخِهِمْ- فَلَنْ يَنْجُوَ مِنْهَا إِلَّا مَنْ تَشَبَّثَ بِنَا وَ قَدْ أَعْلَمَكَ اللَّهُ أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ مِنْهَا- إِلَّا عِبَادُهُ وَ عِبَادُهُ أَوْلِيَاؤُنَا- يَا كُمَيْلُ وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ‏- وَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ- وَ الَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ‏ (2)- يَا كُمَيْلُ انْجُ بِوَلَايَتِنَا مِنْ أَنْ يَشْرَكَكَ فِي مَالِكَ وَ وُلْدِكَ كَمَا أُمِرَ- يَا كُمَيْلُ لَا تَغْتَرَّ بِأَقْوَامٍ يُصَلُّونَ فَيُطِيلُونَ- وَ يَصُومُونَ فَيُدَاوِمُونَ وَ يَتَصَدَّقُونَ فَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مَوْقُوفُونَ‏ (3)- يَا كُمَيْلُ أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ- إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا حَمَلَ قَوْماً عَلَى الْفَوَاحِشِ مِثْلِ الزِّنَى- وَ شُرْبِ الْخَمْرِ وَ الرِّبَا وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْخَنَى‏ (4) وَ الْمَأْثَمِ- حَبَّبَ إِلَيْهِمُ الْعِبَادَةَ الشَّدِيدَةَ- وَ الْخُشُوعَ وَ الرُّكُوعَ وَ الْخُضُوعَ وَ السُّجُودَ ثُمَّ حَمَلَهُمْ عَلَى وَلَايَةِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ- وَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ- يَا كُمَيْلُ إِنَّهُ مُسْتَقَرٌّ وَ مُسْتَوْدَعٌ‏ (5)- وَ احْذَرْ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُسْتَوْدَعِينَ- يَا كُمَيْلُ إِنَّمَا تَسْتَحِقُّ أَنْ تَكُونَ مُسْتَقَرّاً- إِذَا لَزِمْتَ الْجَادَّةَ الْوَاضِحَةَ الَّتِي لَا تُخْرِجُكَ إِلَى عِوَجٍ- وَ لَا تُزِيلُكَ عَنْ مَنْهَجِ مَا حَمَلْنَاكَ عَلَيْهِ وَ مَا هَدَيْنَاكَ إِلَيْهِ‏

____________

(1) الفخاخ جمع فخ و هو آلة الصيد.

(2) النحل: 102.

(3) أي موقوفون و مسئولون عنها فحسب دون ولاية الأئمّة.

(4) الخنى: الفحش، و المأثم: الخطيئة.

(5) يعني به الايمان فانه مستقر و مستودع.

273

يَا كُمَيْلُ لَا رُخْصَةَ فِي فَرْضٍ وَ لَا شِدَّةَ فِي نَافِلَةٍ- يَا كُمَيْلُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يَسْأَلُكَ إِلَّا عَمَّا فَرَضَ- وَ إِنَّمَا قَدَّمْنَا عَمَلَ النَّوَافِلِ بَيْنَ أَيْدِينَا- لِلْأَهْوَالِ الْعِظَامِ وَ الطَّامَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا كُمَيْلُ- إِنَّ الْوَاجِبَ لِلَّهِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُزِيلَهُ الْفَرَائِضُ وَ النَّوَافِلُ- وَ جَمِيعُ الْأَعْمَالِ وَ صَالِحُ الْأَمْوَالِ‏ (1)- وَ لَكِنْ مَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ يَا كُمَيْلُ إِنَّ ذُنُوبَكَ أَكْثَرُ مِنْ حَسَنَاتِكَ- وَ غَفْلَتَكَ أَكْثَرُ مِنْ ذِكْرِكَ- وَ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَكْثَرُ مِنْ كُلِّ عَمَلِكَ- يَا كُمَيْلُ إِنَّهُ لَا تَخْلُو مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عِنْدَكَ وَ عَافِيَتِهِ- فَلَا تَخْلُ مِنْ تَحْمِيدِهِ وَ تَمْجِيدِهِ وَ تَسْبِيحِهِ- وَ تَقْدِيسِهِ وَ شُكْرِهِ وَ ذِكْرِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ- يَا كُمَيْلُ لَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ‏ (2) وَ نَسَبَهُمْ إِلَى الْفِسْقِ‏ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ‏ يَا كُمَيْلُ لَيْسَ الشَّأْنَ أَنْ تُصَلِّيَ وَ تَصُومَ وَ تَتَصَدَّقَ- إِنَّمَا الشَّأْنُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ فُعِلَتْ بِقَلْبٍ نَقِيٍّ- وَ عَمَلٍ عِنْدَ اللَّهِ مَرْضِيٍّ وَ خُشُوعٍ سَوِيٍّ وَ إِبْقَاءٍ لِلْجِدِّ فِيهَا- يَا كُمَيْلُ- عِنْدَ الرُّكُوعِ وَ السُّجُودِ وَ مَا بَيْنَهُمَا تَبَتَّلَتِ الْعُرُوقُ وَ الْمَفَاصِلُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ وَلَاءً إِلَى مَا تَأْتِي بِهِ مِنْ جَمِيعِ صَلَوَاتِكَ يَا كُمَيْلُ انْظُرْ فِيمَ تُصَلِّي وَ عَلَى مَا تُصَلِّي- إِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ وَجْهِهِ وَ حِلِّهِ فَلَا قَبُولَ- يَا كُمَيْلُ إِنَّ اللِّسَانَ يَبُوحُ مِنَ الْقَلْبِ‏ (3) وَ الْقَلْبُ يَقُومُ بِالْغِذَاءِ- فَانْظُرْ فِيمَا تُغَذِّي قَلْبَكَ وَ جِسْمَكَ- فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَلَالًا- لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ تَعَالَى تَسْبِيحَكَ وَ لَا شُكْرَكَ- يَا كُمَيْلُ افْهَمْ وَ اعْلَمْ- أَنَّا لَا نُرَخِّصُ فِي تَرْكِ أَدَاءِ الْأَمَانَاتِ لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ فَمَنْ رَوَى عَنِّي فِي ذَلِكَ رُخْصَةً فَقَدْ أَبْطَلَ وَ أَثِمَ- وَ جَزَاؤُهُ النَّارُ بِمَا كَذَّبَ- أُقْسِمُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ لِي- قَبْلَ وَفَاتِهِ بِسَاعَةٍ مِرَاراً ثَلَاثاً- يَا أَبَا الْحَسَنِ أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى الْبَرِّ وَ الْفَاجِرِ- فِيمَا قَلَّ وَ جَلَّ حَتَّى فِي الْخَيْطِ وَ الْمِخْيَطِ

____________

(1) كذا. و لعلّ معناه حقوق اللّه لا يؤدى بهذه الأمور فحسب.

(2) سورة الحشر: 19.

(3) باح إليه بالسر. أظهره. و في بعض النسخ «ينزح».

274

يَا كُمَيْلُ لَا غَزْوَ إِلَّا مَعَ إِمَامٍ عَادِلٍ- وَ لَا نَفْلَ‏ (1) إِلَّا مَعَ إِمَامٍ فَاضِلٍ- يَا كُمَيْلُ أَ رَأَيْتَ لَوْ لَمْ يَظْهَرْ نَبِيٌ‏ (2)- وَ كَانَ فِي الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ- أَ كَانَ فِي دُعَائِهِ إِلَى اللَّهِ مُخْطِئاً أَوْ مُصِيباً- بَلَى وَ اللَّهِ مُخْطِئاً حَتَّى يَنْصِبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِذَلِكَ وَ يُؤَهِّلَهُ لَهُ- يَا كُمَيْلُ الدِّينُ لِلَّهِ فَلَا تَغْتَرَّنَّ بِأَقْوَالِ الْأُمَّةِ الْمَخْدُوعَةِ- الَّتِي قَدْ ضَلَّتْ بَعْدَ مَا اهْتَدَتْ وَ أَنْكَرَتْ وَ جَحَدَتْ بَعْدَ مَا قَبِلَتْ يَا كُمَيْلُ الدِّينُ لِلَّهِ تَعَالَى- فَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَحَدٍ الْقِيَامَ بِهِ- إِلَّا رَسُولًا أَوْ نَبِيّاً أَوْ وَصِيّاً- يَا كُمَيْلُ هِيَ نُبُوَّةٌ وَ رِسَالَةٌ وَ إِمَامَةٌ- وَ لَا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا مُتَوَلِّينَ وَ مُتَغَلِّبِينَ وَ ضَالِّينَ وَ مُعْتَدِينَ- يَا كُمَيْلُ إِنَّ النَّصَارَى لَمْ تُعَطِّلِ اللَّهَ تَعَالَى وَ لَا الْيَهُودَ- وَ لَا جَحَدَتْ مُوسَى وَ لَا عِيسَى- وَ لَكِنَّهُمْ زَادُوا وَ نَقَصُوا وَ حَرَّفُوا- وَ أَلْحَدُوا فَلُعِنُوا وَ مُقِتُوا- وَ لَمْ يَتُوبُوا وَ لَمْ يَقْبَلُوا يَا كُمَيْلُ‏ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ‏- يَا كُمَيْلُ إِنَّ أَبَانَا آدَمَ لَمْ يَلِدْ يَهُودِيّاً وَ لَا نَصْرَانِيّاً- وَ لَا كَانَ ابْنُهُ إِلَّا حَنِيفاً مُسْلِماً- فَلَمْ يَقُمْ بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ- فَأَدَّاهُ ذَلِكَ إِلَى أَنْ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ قُرْبَانَهُ- بَلْ قَبِلَ مِنْ أَخِيهِ فَحَسَدَهُ- وَ قَتَلَهُ وَ هُوَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ فِي الْفَلَقِ- الَّذِينَ عِدَّتُهُمْ اثْنَا عَشَرَ- سِتَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ سِتَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ- وَ الْفَلَقُ الْأَسْفَلُ مِنَ النَّارِ (3) وَ مِنْ بُخَارِهِ حَرُّ جَهَنَّمَ- وَ حَسْبُكَ فِيمَا حَرُّ جَهَنَّمَ مِنْ بُخَارِهِ يَا كُمَيْلُ نَحْنُ وَ اللَّهِ‏ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ‏- يَا كُمَيْلُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ كَرِيمٌ حَلِيمٌ- عَظِيمٌ رَحِيمٌ دَلَّنَا عَلَى أَخْلَاقِهِ‏

____________

(1) النفل- محركة- الغنيمة.

(2) في المصدر «لو أن اللّه لم يظهر نبيا».

(3) الفلق- محركة- عود يربط حبل من أحد طرفيه الى الآخر و تجعل رجل المجرم داخل ذلك الحبل و تشدا فيضرب عليهما.

275

وَ أَمَرَنَا بِالْأَخْذِ بِهَا وَ حَمَلَ النَّاسَ عَلَيْهَا- فَقَدْ أَدَّيْنَاهَا غَيْرَ مُخْتَلِفِينَ وَ أَرْسَلْنَاهَا غَيْرَ مُنَافِقِينَ- وَ صَدَّقْنَاهَا غَيْرَ مُكَذِّبِينَ وَ قَبِلْنَاهَا غَيْرَ مُرْتَابِينَ- لَمْ يَكُنْ لَنَا وَ اللَّهِ شَيَاطِينُ نُوحِي إِلَيْهَا- وَ تُوحِي إِلَيْنَا كَمَا وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى قَوْماً- ذَكَرَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِأَسْمَائِهِمْ فِي كِتَابِهِ لَوْ قُرِئَ كَمَا أُنْزِلَ- شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى‏ بَعْضٍ- زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً (1)- يَا كُمَيْلُ الْوَيْلُ لَهُمْ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً يَا كُمَيْلُ لَسْتُ وَ اللَّهِ مُتَمَلِّقاً حَتَّى أُطَاعَ- وَ لَا ممنا [مُمَنِّياً حَتَّى [لَا أُعْصَى‏ (2) وَ لَا مُهَاناً لِطَعَامِ الْأَعْرَابِ- حَتَّى أَنْتَحِلَ إِمْرَةَ الْمُؤْمِنِينَ‏ (3) أَوْ أَدَّعِيَ بِهَا يَا كُمَيْلُ نَحْنُ الثَّقَلُ الْأَصْغَرُ وَ الْقُرْآنُ الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ- وَ قَدْ أَسْمَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ قَدْ جَمَعَهُمْ فَنَادَى الصَّلَاةَ جَامِعَةً يَوْمَ كَذَا وَ كَذَا- وَ أَيَّامَ سَبْعَةٍ وَقْتَ كَذَا وَ كَذَا- فَلَمْ يَتَخَلَّفْ أَحَدٌ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ- ثُمَّ قَالَ مَعَاشِرَ النَّاسِ إِنِّي مُؤَدٍّ عَنْ رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ- وَ لَا مُخْبِرٌ عَنْ نَفْسِي فَمَنْ صَدَّقَنِي فَقَدْ صَدَّقَ اللَّهَ- وَ مَنْ صَدَّقَ اللَّهَ أَثَابَهُ الْجِنَانَ- وَ مَنْ كَذَّبَنِي كَذَّبَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ مَنْ كَذَّبَ اللَّهَ أَعْقَبَهُ النِّيرَانَ- ثُمَّ نَادَانِي فَصَعِدْتُ فَأَقَامَنِي دُونَهُ وَ رَأْسِي إِلَى صَدْرِهِ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ عَنْ يَمِينِهِ وَ شِمَالِهِ- ثُمَّ قَالَ مَعَاشِرَ النَّاسِ أَمَرَنِي جَبْرَئِيلُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- أَنَّهُ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ أَنْ أُعْلِمَكُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ- وَ أَنَّ وَصِيِّي هَذَا وَ ابْنَايَ وَ مَنْ خَلَفَهُمْ مِنْ أَصْلَابِهِمْ حَامِلًا وَصَايَايَ هُمُ الثَّقَلُ الْأَصْغَرُ- يَشْهَدُ الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ لِلثَّقَلِ الْأَصْغَرِ وَ يَشْهَدُ الثَّقَلُ الْأَصْغَرُ لِلثَّقَلِ الْأَكْبَرِ- كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُلَازِمٌ لِصَاحِبِهِ غَيْرُ مُفَارِقٍ لَهُ حَتَّى يَرِدَا إِلَى اللَّهِ فَيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا وَ بَيْنَ الْعِبَادِ يَا كُمَيْلُ فَإِذَا كُنَّا كَذَلِكَ فَعَلَامَ يَتَقَدَّمُنَا مَنْ تَقَدَّمَ- وَ تَأَخَّرَ عَنَّا مَنْ تَأَخَّرَ- يَا كُمَيْلُ قَدْ أَبْلَغَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ص رِسَالَةَ رَبِّهِ وَ نَصَحَ لَهُمْ- وَ لَكِنْ لَا يُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ‏

____________

(1) الأنعام: 112.

(2) كذا و في التحف «و لا ممنيا حتّى لا اعصى».

(3) انتحل الشعر أو القول ادعاه لنفسه. و انتحل مذهب كذا انتسب إليه.

276

يَا كُمَيْلُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِي قَوْلًا- وَ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ مُتَوَافِرُونَ يَوْماً بَعْدَ الْعَصْرِ- يَوْمَ النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ قَائِماً عَلَى قَدَمَيْهِ فَوْقَ مِنْبَرِهِ- عَلِيٌّ مِنِّي وَ ابْنَايَ مِنْهُ- وَ الطَّيِّبُونَ مِنِّي وَ أَنَا مِنْهُمْ وَ هُمُ الطَّيِّبُونَ بَعْدَ أُمِّهِمْ- وَ هُمْ سَفِينَةٌ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا هَوَى- النَّاجِي فِي الْجَنَّةِ وَ الْهَاوِي فِي لَظَى يَا كُمَيْلُ- الْفَضْلُ‏ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ‏- يَا كُمَيْلُ عَلَامَ يَحْسُدُونَنَا وَ اللَّهُ أَنْشَأَنَا قَبْلَ أَنْ يَعْرِفُونَا- فَتَرَاهُمْ بِحَسَدِهِمْ إِيَّانَا عَنْ رَبِّنَا يُزِيلُونَّا يَا كُمَيْلُ مَنْ لَا يَسْكُنُ الْجَنَّةَ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ- وَ خِزْيٍ مُقِيمٍ وَ أَكْبَالٍ وَ مَقَامِعَ وَ سَلَاسِلَ طِوَالٍ- وَ مُقَطَّعَاتِ النِّيرَانِ وَ مُقَارَنَةِ كُلِّ شَيْطَانٍ- الشَّرَابُ صَدِيدٌ وَ اللِّبَاسُ حَدِيدٌ- وَ الْخَزَنَةُ فَظَظَةٌ (1) وَ النَّارُ مُلْتَهِبَةٌ وَ الْأَبْوَابُ مُوَثَّقَةٌ- مُطَبَّقَةٌ يُنَادُونَ فَلَا يُجَابُونَ وَ يَسْتَغِيثُونَ فَلَا يُرْحَمُونَ- نِدَاهُمْ‏ يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ- قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ- وَ لكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ‏- يَا كُمَيْلُ نَحْنُ وَ اللَّهِ الْحَقُّ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ لَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَ‏ يَا كُمَيْلُ- ثُمَّ يُنَادُونَ اللَّهَ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ بَعْدَ أَنْ يَمْكُثُوا أَحْقَاباً اجْعَلْنَا عَلَى الرَّخَاءِ- فَيُجِيبُهُمْ‏ اخْسَؤُا فِيها وَ لا تُكَلِّمُونِ‏ يَا كُمَيْلُ فَعِنْدَهَا يَيْأَسُونَ مِنَ الْكَرَّةِ وَ اشْتَدَّتِ الْحَسْرَةُ- وَ أَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ وَ الْمَكْثِ جَزَاءً بِمَا كَسَبُوا عُذِّبُوا- يَا كُمَيْلُ قُلِ‏ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏ يَا كُمَيْلُ أَنَا أَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى تَوْفِيقِهِ إِيَّايَ- وَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى كُلِّ حَالٍ يَا كُمَيْلُ إِنَّمَا حَظِيَ مَنْ حَظِيَ بِدُنْيَا زَائِلَةٍ مُدْبِرَةٍ- فَافْهَمْ وَ تَحْظَى بِآخِرَةٍ بَاقِيَةٍ ثَابِتَةٍ

____________

(1) الفظ: الغليظ، السيئ الخلق.

277

يَا كُمَيْلُ كُلٌّ يَصِيرُ إِلَى الْآخِرَةِ- وَ الَّذِي يُرْغَبُ فِيهِ مِنْهَا ثَوَابُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى مِنَ الْجَنَّةِ الَّتِي لَا يُورِثُهَا إِلَّا مَنْ كانَ تَقِيًّا يَا كُمَيْلُ إِنْ شِئْتَ فَقُمْ.

أقول: و سيجي‏ء في باب مواعظ أمير المؤمنين(ع)و خطبه و حكمه عين هذه الوصية منه(ع)لكميل بن زياد هذا من كتاب تحف العقول أيضا لكن أخصر من هذه الوصية و سيأتي في باب ما جمع من جوامع كلم أمير المؤمنين(ع)و في غيره أيضا ما يناسب هذا الباب إن شاء الله تعالى‏ (1).

باب 12 كتاب كتبه(ع)لدار شريح‏

1- لي‏ (2)، الأمالي للصدوق عَنْ صَالِحِ بْنِ عِيسَى الْعِجْلِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعِجْلِيِّ عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْحَسَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبَانٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ قَالَ: قَالَ لِي شُرَيْحٌ الْقَاضِي- اشْتَرَيْتُ دَاراً بِثَمَانِينَ دِينَاراً وَ كَتَبْتُ كِتَاباً- وَ أَشْهَدْتُ عُدُولًا فَبَلَغَ ذَلِكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ(ع) فَبَعَثَ إِلَيَّ مَوْلَاهُ قَنْبَراً فَأَتَيْتُهُ فَلَمَّا أَنْ دَخَلْتُ عَلَيْهِ قَالَ- يَا شُرَيْحُ اشْتَرَيْتَ دَاراً وَ

____________

(1) المصدر ص 171.

(2) المجلس الحادي و الخمسون ص 187. و شريح القاضي هو الذي استعمله عمر ابن الخطّاب على القضاء بالكوفة فلم يزل قاضيا ستين سنة الا ثلاث سنين في فتنة ابن الزبير و قيل فلم يزل بالكوفة قاضيا من عهد عمر الى مدة 75 سنة و لم يعطل فيها غير عامين او أربعة استعفى الحجاج بن يوسف في فتنة ابن الزبير فاعفاه و مات سنة 87 و عمره مائة و ثمان سنين و أدرك الجاهلية و لا يعد من الصحابة بل كان من التابعين، و قيل عزله عليّ (عليه السلام) عن القضاء مدة عشرين يوما ثمّ نصبه.

278

كَتَبْتَ كِتَاباً- وَ أَشْهَدْتَ عُدُولًا وَ وَزَنْتَ مَالًا قَالَ قُلْتُ نَعَمْ- قَالَ يَا شُرَيْحُ اتَّقِ اللَّهَ فَإِنَّهُ سَيَأْتِيكَ مَنْ لَا يَنْظُرُ فِي كِتَابِكَ- وَ لَا يَسْأَلُ عَنْ بَيِّنَتِكَ- حَتَّى يُخْرِجَكَ مِنْ دَارِكَ شَاخِصاً (1)- وَ يُسْلِمَكَ إِلَى قَبْرِكَ خَالِصاً- فَانْظُرْ أَنْ لَا تَكُونَ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ غَيْرِ مَالِكِهَا- وَ وَزَنْتَ مَالًا مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ- فَإِذَا أَنْتَ قَدْ خَسِرْتَ الدَّارَيْنِ جَمِيعاً الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- ثُمَّ قَالَ(ع)يَا شُرَيْحُ فَلَوْ كُنْتَ عِنْدَ مَا اشْتَرَيْتَ هَذِهِ الدَّارَ أَتَيْتَنِي- فَكَتَبْتُ لَكَ كِتَاباً عَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ إِذَا لَمْ تَشْتَرِهَا بِدِرْهَمَيْنِ قَالَ قُلْتُ وَ مَا كُنْتَ تَكْتُبُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- قَالَ كُنْتُ أَكْتُبُ لَكَ هَذَا الْكِتَابَ‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏- هَذَا مَا اشْتَرَى عَبْدٌ ذَلِيلٌ مِنْ مَيِّتٍ أُزْعِجَ بِالرَّحِيلِ‏ (2) اشْتَرَى مِنْهُ دَاراً فِي دَارِ الْغُرُورِ- مِنْ جَانِبِ الْفَانِينَ إِلَى عَسْكَرِ الْهَالِكِينَ- وَ تَجْمَعُ هَذِهِ الدَّارُ حُدُوداً أَرْبَعَةً- فَالْحَدُّ الْأَوَّلُ مِنْهَا يَنْتَهِي إِلَى دَوَاعِي الْآفَاتِ- وَ الْحَدُّ الثَّانِي مِنْهَا يَنْتَهِي إِلَى دَوَاعِي الْعَاهَاتِ- وَ الْحَدُّ الثَّالِثُ مِنْهَا يَنْتَهِي إِلَى دَوَاعِي الْمُصِيبَاتِ- وَ الْحَدُّ الرَّابِعُ مِنْهَا يَنْتَهِي إِلَى الْهَوَى الْمُرْدِي وَ الشَّيْطَانِ الْمُغْوِي- وَ فِيهِ يُشْرَعُ بَابُ هَذِهِ الدَّارِ (3) اشْتَرَى هَذَا الْمَفْتُونُ بِالْأَمَلِ- مِنْ هَذَا الْمُزْعَجِ بِالْأَجَلِ- جَمِيعَ هَذِهِ الدَّارِ بِالْخُرُوجِ مِنْ عِزِّ الْقُنُوعِ- وَ الدُّخُولِ فِي ذُلِّ الطَّلَبِ- فَمَا أَدْرَكَ هَذَا الْمُشْتَرِي فِيمَا اشْتَرَى مِنْهُ مِنْ دَرَكٍ فَعَلَى مُبْلِي أَجْسَامِ الْمُلُوكِ‏ (4)- وَ سَالِبِ نُفُوسِ الْجَبَابِرَةِ مِثْلُ كِسْرَى وَ قَيْصَرَ وَ تُبَّعٍ وَ حِمْيَرَ (5)- وَ مَنْ جَمَعَ الْمَالَ إِلَى الْمَالِ فَأَكْثَرَ- وَ بَنَى فَشَيَّدَ وَ نَجَّدَ فَزَخْرَفَ‏ (6) وَ ادَّخَرَ بِزَعْمِهِ لِلْوَلَدِ- إِشْخَاصُهُمْ جَمِيعاً إِلَى مَوْقِفِ الْعَرْضِ وَ الْحِسَابِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ

____________

(1) شاخصا أي ذاهبا مبعدا.

(2) ازعج على صيغة المجهول: أى اقلع.

(3) يشرع أي يفتح في الحدّ الرابع.

(4) كذا و في بعض النسخ «مبلبل اجسام الملوك». أى مهيج داءاتها، المهلكة لها.

(5) تبع: ملوك اليمن. حمير أبو قبيلة من اليمن.

(6) شيد أي رفع. و نجد بشد الجيم أي زين.

279

وَ خَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ‏- شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ الْعَقْلُ إِذَا خَرَجَ مِنْ أَسْرِ الْهَوَى- وَ نَظَرَ بِعَيْنِ الزَّوَالِ لِأَهْلِ الدُّنْيَا- وَ سَمِعَ مُنَادِيَ أَهْلِ الزُّهْدِ- يُنَادِي فِي عَرَصَاتِهَا مَا أَبْيَنَ الْحَقَّ لِذِي عَيْنَيْنِ- إِنَّ الرَّحِيلَ أَحَدَ الْيَوْمَيْنِ- تَزَوَّدُوا مِنْ صَالِحِ الْأَعْمَالِ- وَ قَرِّبُوا الْآمَالَ بِالْآجَالِ فَقَدْ دَنَا الرِّحْلَةُ وَ الزَّوَالُ.

بيان: قوله(ع)(1).

باب 13 تفسيره(ع)كلام الناقوس‏

أقول: قد مضى بعض أخبار هذا الباب في كتاب العلم في باب غرائب العلوم و في كتاب قصص الأنبياء في باب أحوال عيسى(ع)يعني أخبار هذا الباب فتذكر.

1- قب‏ (2)، المناقب لابن شهرآشوب وَ رُوِيَ أَنَّهُ(ع)يَعْنِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- قَدْ فَسَّرَ صَوْتَ النَّاقُوسِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ مِصْبَاحِ الْوَاعِظِ- وَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ- وَ زَيْدٌ وَ صَعْصَعَةُ ابْنَا صُوحَانَ وَ الْبَرَاءُ بْنُ مَسِيرَةَ (3)- وَ الْأَصْبَغُ بْنُ نُبَاتَةَ وَ جَابِرُ بْنُ شَرْجِيلٍ- وَ مَحْمُودُ بْنُ الْكَوَّاءِ أَنَّهُ قَالَ(ع)يَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ حَقّاً حَقّاً- إِنَّ الْمَوْلَى صَمَدٌ يَبْقَى يَحْلُمُ عَنَّا رِفْقاً رِفْقاً- لَوْ لَا عَمَلُهُ كُنَّا نَشْقَى حَقّاً حَقّاً صِدْقاً صِدْقاً- إِنَّ الْمَوْلَى يُسَائِلُنَا وَ يُوَاقِفُنَا وَ يُحَاسِبُنَا- يَا مَوْلَانَا لَا تُهْلِكْنَا وَ تَدَارَكْنَا وَ اسْتَخْدِمْنَا وَ اسْتَخْلِصْنَا- حِلْمُكَ عَنَّا قَدْ جَرَّأَنَا يَا مَوْلَانَا عَفْوَكَ عَنَّا- إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ غَرَّتْنَا وَ شَغَلَتْنَا- وَ اسْتَهْوَتْنَا وَ اسْتَلْهَتْنَا وَ اسْتَغْوَتْنَا- يَا ابْنَ الدُّنْيَا جَمْعاً جَمْعاً- يَا ابْنَ الدُّنْيَا مَهْلًا مَهْلًا- يَا ابْنَ الدُّنْيَا دَقّاً دَقّاً وَزْناً وَزْناً- تَفْنَى الدُّنْيَا قَرْناً قَرْناً- مَا مِنْ يَوْمٍ يَمْضِي عَنَّا إِلَّا يَهْوِي مِنَّا رُكْناً- قَدْ ضَيَّعْنَا دَاراً تَبْقَى‏

____________

(1) هنا بياض مقدار نصف صفحة.

(2) مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب باب مسابقته بالعلم.

(3) كذا.

280

وَ اسْتَوْطَنَّا دَاراً تَفْنَى- تَفْنَى الدُّنْيَا قَرْناً قَرْناً- كَلَّا مَوْتاً كَلَّا مَوْتاً كَلَّا مَوْتاً- كَلَّا دَفْناً كَلَّا فِيهَا مَوْتاً (1)- نَقْلًا نَقْلًا دَفْناً دَفْناً- يَا ابْنَ الدُّنْيَا مَهْلًا مَهْلًا- زِنْ مَا يَأْتِي وَزْناً وَزْناً- لَوْ لَا جَهْلِي مَا إِنْ كَانَتْ عِنْدِي الدُّنْيَا إِلَّا سِجْناً- خَيْراً خَيْراً شَرّاً شَرّاً شَيْئاً شَيْئاً حُزْناً حُزْناً- مَا ذَا مَنْ ذَا كَمْ ذَا أَمْ ذَا- هَذَا أَسْنَى تَرْجُو تَنْجُو تَخْشَى تَرْدَى- عَجِّلْ قَبْلَ الْمَوْتِ الْوَزْنَا- مَا مِنْ يَوْمٍ يَمْضِي عَنَّا إِلَّا أَوْهَنَ مِنَّا رُكْناً- إِنَّ الْمَوْلَى قَدْ أَنْذَرَنَا إِنَّا نُحْشَرُ غُرْلًا بُهْماً قَالَ ثُمَّ انْقَطَعَ صَوْتُ النَّاقُوسِ فَسَمِعَ الدَّيْرَانِيُّ ذَلِكَ وَ أَسْلَمَ- وَ قَالَ إِنِّي وَجَدْتُ فِي الْكِتَابِ- أَنَّ فِي آخِرِ الْأَنْبِيَاءِ مَنْ يُفَسِّرُ مَا يَقُولُ النَّاقُوسُ‏ (2).

باب 14 خطبه صلوات الله عليه المعروفة

1- ف‏ (3)، تحف العقول خُطْبَةُ الْوَسِيلَةِ (4) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْدَمَ الْأَوْهَامَ أَنْ تَنَالَ إِلَى وُجُودِهِ‏ (5)- وَ حَجَبَ الْعُقُولَ أَنْ تَتَخَيَّلَ‏ (6) ذَاتَهُ- لِامْتِنَاعِهَا مِنَ الشَّبَهِ وَ التَّشَاكُلِ- بَلْ هُوَ الَّذِي لَا تَتَفَاوَتُ ذَاتُهُ- وَ لَا تَتَبَعَّضُ بِتَجْزِيَةِ الْعَدَدِ فِي كَمَالِهِ- فَارَقَ الْأَشْيَاءَ لَا بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ- وَ يَكُونُ فِيهَا

____________

(1) كذا.

(2) هنا بياض مقدار صفحة.

(3) التحف ص 92.

(4) هذه الخطبة قد أخرجها الكليني- (رحمه الله)- في كتاب الروضة بتمامها مع اختلاف كثير و لذلك تعرضنا لتلك الاختلافات في الهامش. و الحرّانيّ رحمة اللّه عليه اختار منها ما اقتضاه كتابه (تحف العقول) و قد صرّح به.

(5) أعدم فلانا منه أي منع و في الروضة «منع الاوهام».

(6) في الروضة «أن يتخيل».

281

لَا عَلَى الْمُمَازَجَةِ وَ عَلِمَهَا لَا بِأَدَاةٍ- لَا يَكُونُ الْعِلْمُ إِلَّا بِهَا- وَ لَيْسَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ مَعْرُوفِهِ عِلْمُ غَيْرِهِ‏ (1) كَانَ عَالِماً لِمَعْلُومِهِ- إِنْ قِيلَ كَانَ فَعَلَى تَأْوِيلِ أَزَلِيَّةِ الْوُجُودِ- وَ إِنْ قِيلَ لَمْ يَزَلْ فَعَلَى تَأْوِيلِ نَفْيِ الْعَدَمِ‏ (2)- فَسُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى عَنْ قَوْلِ مَنْ عَبَدَ سِوَاهُ فَاتَّخَذَ إِلَهاً غَيْرَهُ عُلُوّاً كَبِيراً- نَحْمَدُهُ بِالْحَمْدِ الَّذِي ارْتَضَاهُ مِنْ خَلْقِهِ- وَ أَوْجَبَ قَبُولَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ شَهَادَتَانِ تَرْفَعَانِ الْقَوْلَ وَ تَضَعَانِ الْعَمَلَ‏ (3)- خَفَّ مِيزَانٌ تُرْفَعَانِ مِنْهُ وَ ثَقُلَ مِيزَانٌ تُوضَعَانِ فِيهِ- وَ بِهِمَا الْفَوْزُ بِالْجَنَّةِ وَ النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ- وَ الْجَوَازُ عَلَى الصِّرَاطِ- وَ بِالشَّهَادَةِ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَ بِالصَّلَاةِ تَنَالُونَ الرَّحْمَةَ- فَأَكْثِرُوا مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّكُمْ- إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً- أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا شَرَفَ أَعْلَى مِنَ الْإِسْلَامِ- وَ لَا كَرَمَ أَعَزُّ مِنَ التَّقْوَى وَ لَا مَعْقِلَ أَحْرَزُ مِنَ الْوَرَعِ- وَ لَا شَفِيعَ أَنْجَحُ مِنَ التَّوْبَةِ وَ لَا لِبَاسَ أَجَلُّ مِنَ الْعَافِيَةِ- وَ لَا وِقَايَةَ أَمْنَعُ مِنَ السَّلَامَةِ- وَ لَا مَالَ أَذْهَبُ بِالْفَاقَةِ مِنَ الرِّضَا وَ الْقُنُوعِ- وَ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى بُلْغَةِ الْكَفَافِ فَقَدِ انْتَظَمَ الرَّاحَةَ- وَ الرَّغْبَةُ مِفْتَاحُ التَّعَبِ وَ الِاحْتِكَارُ مَطِيَّةُ النَّصَبِ وَ الْحَسَدُ آفَةُ الدِّينِ- وَ الْحِرْصُ دَاعٍ إِلَى التَّقَحُّمِ فِي الذُّنُوبِ وَ هُوَ دَاعٍ إِلَى الْحِرْمَانِ- (4) وَ الْبَغْيُ سَائِقٌ إِلَى الْحَيْنِ وَ الشَّرَهُ جَامِعٌ لِمَسَاوِي الْعُيُوبِ‏ (5)- رُبَّ طَمَعٍ خَائِبٍ وَ

____________

(1) يحتمل الإفاضة و التوصيف فعلى الأول فالمراد أنّه لا يتوسط بينه و بين معلومه علم غيره و على الثاني فالمراد أن ذاته المقدّسة كافية للعلم و لا يحتاج الى علم أي صورة علمية غير ذاته تعالى، بهذه الصورة العلمية و بارتسامها كان عالما بمعلومه كما في الممكنات.

(2) أي ليس كونه موجودا في الازل عبارة عن مقارنته للزمان أزلا لحدوث الزمان بل بمعنى أن ليس لوجوده ابتداء أو أنّه تعالى ليس بزمانى و «كان» يدل على الزمانية فتأويله أن معنى كونه أزلا أن وجوده يمتنع عليه العدم و لعلّ المعنى الأخير في الفقرة الثانية متعين.

(3) تضعان خلاف ترفعان أي تثقلان. و في الروضة «و تضاعفان العمل».

(4) قد مضى هذه الكلمات مع اختلاف يسير في وصيته لابنه الحسين (عليهما السلام).

(5) الحين- بفتح المهملة و المثناة التحتانية-: الهلاك و المحنة و الشرة غلبة الحرص و الغضب و الطيش و الحدة و النشاط. و في بعض النسخ «الشره» و هو الحرص أيضا.

282

أَمَلٍ كَاذِبٍ- وَ رَجَاءٍ يُؤَدِّي إِلَى الْحِرْمَانِ وَ تِجَارَةٍ تَئُولُ إِلَى الْخُسْرَانِ- أَلَا وَ مَنْ تَوَرَّطَ فِي الْأُمُورِ غَيْرَ نَاظِرٍ فِي الْعَوَاقِبِ- فَقَدْ تَعَرَّضَ لِمُفْضِحَاتِ النَّوَائِبِ وَ بِئْسَتِ الْقِلَادَةُ الدَّيْنُ لِلْمُؤْمِنِ‏ (1)- أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا كَنْزَ أَنْفَعُ مِنَ الْعِلْمِ- وَ لَا عِزَّ أَنْفَعُ مِنَ الْحِلْمِ وَ لَا حَسَبَ أَبْلَغُ مِنَ الْأَدَبِ- وَ لَا نَصَبَ‏ (2) أَوْجَعُ مِنَ الْغَضَبِ وَ لَا جَمَالَ أَحْسَنُ مِنَ الْعَقْلِ- وَ لَا قَرِينَ شَرٌّ مِنَ الْجَهْلِ وَ لَا سَوْأَةَ أَسْوَأُ (3) مِنَ الْكَذِبِ- وَ لَا حَافِظَ أَحْفَظُ مِنَ الصَّمْتِ وَ لَا غَائِبَ أَقْرَبُ مِنَ الْمَوْتِ- أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ مَنْ نَظَرَ فِي عَيْبِ نَفْسِهِ شُغِلَ عَنْ عَيْبِ غَيْرِهِ- وَ مَنْ رَضِيَ بِرِزْقِ اللَّهِ لَمْ يَأْسَفْ عَلَى مَا فِي يَدِ غَيْرِهِ- وَ مَنْ سَلَّ سَيْفَ الْبَغْيِ قُتِلَ بِهِ- وَ مَنْ حَفَرَ لِأَخِيهِ بِئْراً وَقَعَ فِيهَا- وَ مَنْ هَتَكَ حِجَابَ غَيْرِهِ انْكَشَفَتْ عَوْرَاتُ بَيْتِهِ- وَ مَنْ نَسِيَ زَلَّتَهُ‏ (4) اسْتَعْظَمَ زَلَلَ غَيْرِهِ- وَ مَنْ أُعْجِبَ بِرَأْيِهِ ضَلَّ وَ مَنِ اسْتَغْنَى بِعَقْلِهِ زَلَّ- وَ مَنْ تَكَبَّرَ عَلَى النَّاسِ ذَلَّ وَ مَنْ سَفِهَ عَلَى النَّاسِ شُتِمَ- وَ مَنْ خَالَطَ الْعُلَمَاءَ وُقِّرَ- وَ مَنْ خَالَطَ الْأَنْذَالَ حُقِّرَ وَ مَنْ حَمَلَ مَا لَا يُطِيقُ عَجَزَ- أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا مَالَ هُوَ أَعْوَدُ مِنَ الْعَقْلِ‏ (5)- وَ لَا فَقْرَ هُوَ أَشَدُّ مِنَ الْجَهْلِ وَ لَا وَاعِظَ هُوَ أَبْلَغُ مِنَ النُّصْحِ‏ (6)- وَ لَا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ وَ لَا عِبَادَةَ كَالتَّفَكُّرِ- وَ لَا مُظَاهَرَةَ أَوْثَقُ مِنَ الْمُشَاوَرَةِ (7)- وَ لَا وَحْدَةَ أَوْحَشُ مِنَ الْعُجْبِ- وَ لَا وَرَعَ كَالْكَفِ‏ (8) وَ لَا حِلْمَ‏

____________

(1) و في الروضة «و بئست القلادة قلادة الذنب للمؤمن».

(2) النصب: الثعب و المشقة الذي يتفرع على الغضب و هو من أخس المتاعب اذ لا ثمرة له و لا داعى إليه إلا عدم تملك النفس و في بعض نسخ الروضة «و لا نسب أوضع من الغضب».

(3) السوأة: الخلة القبيحة و الجمع سوءات.

(4) الزلة: السقطة و الخطيئة. و في بعض النسخ و الروضة «و من نسى زلله».

(5) الاعود: الانفع.

(6) النصح: الخلوص.

(7) المظاهرة: المعاونة. و العجب: الكبر و اعجاب المرء بنفسه و بفضائله و أعماله.

(8) و في الروضة «كالكف عن المحارم» و في بعض نسخ الروضة «و لا حكم كالصبر و الصمت». أى و لا حكمة.

283

كَالصَّبْرِ وَ الصَّمْتِ- أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ فِي الْإِنْسَانِ عَشْرَ خِصَالٍ يُظْهِرُهَا لِسَانُهُ- شَاهِدٌ يُخْبِرُ عَنِ الضَّمِيرِ وَ حَاكِمٌ يَفْصِلُ بَيْنَ الْخِطَابِ- وَ نَاطِقٌ يُرَدُّ بِهِ الْجَوَابُ وَ شَافِعٌ تُدْرَكُ بِهِ الْحَاجَةُ وَ وَاصِفٌ تُعْرَفُ بِهِ الْأَشْيَاءُ- وَ أَمِيرٌ يَأْمُرُ بِالْحَسَنِ وَ وَاعِظٌ يَنْهَى عَنِ الْقَبِيحِ- وَ مُعَزٍّ تُسَكَّنُ بِهِ الْأَحْزَانُ وَ حَامِدٌ تُجْلَى بِهِ الضَّغَائِنُ- وَ مُؤْنِقٌ يُلْهِي الْأَسْمَاعَ‏ (1)- أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ- كَمَا أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ‏ (2) اعْلَمُوا أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَمْلِكْ لِسَانَهُ يَنْدَمْ- وَ مَنْ لَا يَتَعَلَّمْ يَجْهَلْ وَ مَنْ لَا يَتَحَلَّمْ لَا يَحْلُمْ‏ (3)- وَ مَنْ لَا يَرْتَدِعْ لَا يَعْقِلْ وَ مَنْ لَا يَعْقِلْ يَهُنْ- وَ مَنْ يَهُنْ لَا يُوَقَّرْ وَ مَنْ يَتَّقِ يَنْجُ- (4) وَ مَنْ يَكْسِبْ مَالًا مِنْ غَيْرِ حَقِّهِ يَصْرِفْهُ فِي غَيْرِ أَجْرِهِ‏ (5) وَ مَنْ لَا يَدَعْ وَ هُوَ مَحْمُودٌ يَدَعْ وَ هُوَ مَذْمُومٌ‏ (6)- وَ مَنْ لَمْ يُعْطِ قَاعِداً مُنِعَ قَائِماً (7) وَ مَنْ يَطْلُبِ الْعِزَّ بِغَيْرِ حَقٍّ يَذِلَّ- وَ مَنْ عَانَدَ الْحَقَّ لَزِمَهُ الْوَهْنُ- وَ مَنْ تَفَقَّهَ وُقِّرَ وَ مَنْ تَكَبَّرَ حُقِّرَ وَ مَنْ لَا يُحْسِنْ لَا يُحْمَدْ

____________

(1) المعز من التعزية بمعنى التسلية، و الضغائن جمع الضغينة بمعنى الحقد، و في الروضة و حاضر تجلى به الضغائن». و المونق: العجب. و في الروضة «و مونق يتلذذ به».

(2) الحكم- بالضم-: الحكمة.

(3) أي لا يحصل ملكة الحلم الا بالتحلم و هو تكلف الحلم.

(4) الردع: الرد و الكف. «و من لا يرتدع» أي من لا ينزجر عن القبائح بنصح الناصحين لا يكون عاقلا و لا يكمل عقله و لا يعقل قبح القبائح. و في الروضة «و من لا يوقر يتوبخ».

(5) أي فيما لا يوجر عليه في الدنيا و الآخرة.

(6) أي من لا يترك الشر و ما ينبغي على اختيار يدعه على اضطرار و لا يحمد بهذا الترك.

(7) أي من لم يعط المحتاجين حال كونه قاعدا يقوم عنده الناس و يسألونه يبتلى بان يفتقر الى سؤال غيره فيقوم بين يديه و يسأله و لا يعطيه.

284

أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الْمَنِيَّةَ قَبْلَ الدَّنِيَّةِ- وَ التَّجَلُّدَ قَبْلَ التَّبَلُّدِ (1) وَ الْحِسَابَ قَبْلَ الْعِقَابِ- وَ الْقَبْرَ خَيْرٌ مِنَ الْفَقْرِ وَ عَمَى الْبَصَرِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّظَرِ- وَ الدَّهْرَ يَوْمٌ لَكَ وَ يَوْمٌ عَلَيْكَ‏ (2) فَاصْبِرْ فَبِكِلَيْهِمَا تُمْتَحَنُ- أَيُّهَا النَّاسُ أَعْجَبُ مَا فِي الْإِنْسَانِ قَلْبُهُ‏ (3)- وَ لَهُ مَوَادُّ مِنَ الْحِكْمَةِ وَ أَضْدَادٌ مِنْ خِلَافِهَا- فَإِنْ سَنَحَ لَهُ الرَّجَاءُ أَذَلَّهُ الطَّمَعُ‏ (4)- وَ إِنْ هَاجَ بِهِ الطَّمَعُ أَهْلَكَهُ الْحِرْصُ وَ إِنْ مَلَكَهُ الْيَأْسُ قَتَلَهُ الْأَسَفُ- وَ إِنْ عَرَضَ لَهُ الْغَضَبُ اشْتَدَّ بِهِ الْغَيْظُ- وَ إِنْ أُسْعِدَ بِالرِّضَا نَسِيَ التَّحَفُّظَ (5)- وَ إِنْ نَالَهُ الْخَوْفُ شَغَلَهُ الْحُزْنُ‏ (6)- وَ إِنِ اتَّسَعَ بِالْأَمْنِ اسْتَلَبَتْهُ الْغِرَّةُ- وَ إِنْ جُدِّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ (7)- وَ إِنْ أَفَادَ مَالًا أَطْغَاهُ الْغِنَى وَ إِنْ عَضَّتْهُ فَاقَةٌ (8) شَغَلَهُ الْبَلَاءُ- وَ إِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَضَحَهُ الْجَزَعُ- وَ إِنْ أَجْهَدَهُ الْجُوعُ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ- وَ إِنْ أَفْرَطَ فِي الشِّبَعِ كَظَّتْهُ الْبِطْنَةُ (9)- فَكُلُّ تَقْصِيرٍ بِهِ‏

____________

(1) المنية: الموت. و الدنية: الذلة يعنى أن الموت خير من الذلة، فالمراد بالقبلية القبلية بالشرف. و في النهج «المنية و لا الدنية و التعلل و لا التوسل» و هو أوضح. و التجلد:

تكلف الشدة و القوّة. و التبلد ضده.

(2) زاد في الروضة «فاذا كان لك فلا تبطر و إذا كان عليك- الخ» و لعله سقط من قلم النسّاخ.

(3) في النهج «و لقد علق بنياط هذا الإنسان بضعة هي أعجب ما فيه و ذلك القلب».

(4) سنح له: بدا و ظهر.

(5) التحفظ: التوقى و التحرز من المضرات.

(6) و في الروضة و النهج «شغله الحذر».

(7) الغرة- بالكسر-: الاغترار و الغفلة. و استلبته أي سلبته عن رشده و يمكن أن تكون «العزة» بالاهمال و الزاى.

(8) «أفاد مالا» أي أعطاه اياه. و عضته أي اشتد عليه الفاقة و الفقر.

(9) و في الروضة و النهج «و ان جهده الجوع قعد به الضعف». و الكظة- بالكسر-:

ما يعترى الإنسان عند امتلائه من الطعام، يقال: كظ الطعام فلانا أي ملأه حتّى لا يطيق التنفس. و البطنة- بالكسر-: الامتلاء المفرط من الاكل.

285

مُضِرٌّ وَ كُلُّ إِفْرَاطٍ لَهُ مُفْسِدٌ- أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ قَلَّ ذَلَّ وَ مَنْ جَادَ سَادَ- وَ مَنْ كَثُرَ مَالُهُ رَأَسَ‏ (1) وَ مَنْ كَثُرَ حِلْمُهُ نَبُلَ‏ (2)- وَ مَنْ فَكَّرَ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَزَنْدَقَ‏ (3) وَ مَنْ أَكْثَرَ مِنْ شَيْ‏ءٍ عُرِفَ بِهِ وَ مَنْ كَثُرَ مِزَاحُهُ اسْتُخِفَّ بِهِ وَ مَنْ كَثُرَ ضَحِكُهُ ذَهَبَتْ هَيْبَتُهُ- فَسَدَ حَسَبُ مَنْ لَيْسَ لَهُ أَدَبٌ- إِنَّ أَفْضَلَ الْفِعَالِ صِيَانَةُ الْعِرْضِ بِالْمَالِ- لَيْسَ مَنْ جَالَسَ الْجَاهِلَ بِذِي مَعْقُولٍ- مَنْ جَالَسَ الْجَاهِلَ فَلْيَسْتَعِدَّ لِقِيلٍ وَ قَالٍ‏ (4)- لَنْ يَنْجُوَ مِنَ الْمَوْتِ غَنِيٌّ بِمَالِهِ وَ لَا فَقِيرٌ لِإِقْلَالِهِ- أَيُّهَا النَّاسُ- إِنَّ لِلْقُلُوبِ شَوَاهِدَ تُجْرِي الْأَنْفُسَ عَنْ مَدْرَجَةِ أَهْلِ التَّفْرِيطِ (5) فِطْنَةُ الْفَهْمِ لِلْمَوَاعِظِ مِمَّا يَدْعُو النَّفْسَ إِلَى الْحَذَرِ مِنَ الْخَطَإِ (6)- وَ لِلنُّفُوسِ خَوَاطِرُ لِلْهَوَى وَ الْعُقُولُ تَزْجُرُ وَ تَنْهَى‏ (7)- وَ فِي التَّجَارِبِ عِلْمٌ مُسْتَأْنَفٌ- وَ الِاعْتِبَارُ يَقُودُ إِلَى الرَّشَادِ- وَ كَفَاكَ أَدَباً لِنَفْسِكَ مَا تَكْرَهُهُ مِنْ غَيْرِكَ‏ (8)- عَلَيْكَ لِأَخِيكَ الْمُؤْمِنِ مِثْلُ‏

____________

(1) رأس بفتح الهمزة أي هو رئيس للقوم و يحتمل أن يكون من رأس يرؤس أي مشى متبخترا أو أكل كثيرا.

(2) النبل: الفضل و الشرف و النجابة.

(3) تزندق أي اتصف بالزندقة.

(4) في اللغة: يستعمل «القول» فى الخير. «و القال و القيل و القالة» فى الشر. و القول مصدر و القال و القيل اسمان له. و القال الابتداء و القيل الجواب. و الاقلال: قلة المال.

(5) المدرج و المدرجة: المذهب و المسلك يعنى أن للقلوب شواهد تعرج الانفس عن مسالك أهل التقصير الى درجات المقربين.

(6) الفطنة: الحذق و الفهم و هي مبدأ و خبره قوله: «مما يدعو» يعنى أن الفطنة هى مما يدعو النفس الى الحذر من المخاطرات.

(7) الخواطر، جمع خاطر: ما يخطر بالقلب و النفس من أمر أو تدبير و العقول تزجر و تنهى عنها.

(8) و في الروضة «و عليك».

286

الَّذِي لَكَ عَلَيْهِ- لَقَدْ خَاطَرَ مَنِ اسْتَغْنَى بِرَأْيِهِ‏ (1) وَ التَّدْبِيرُ قَبْلَ الْعَمَلِ يُؤْمِنُكَ مِنَ النَّدَمِ- وَ مَنِ اسْتَقْبَلَ وُجُوهَ الْآرَاءِ عَرَفَ مَوَاقِفَ الْخَطَاءِ (2)- وَ مَنْ أَمْسَكَ عَنِ الْفُضُولِ عَدَّلَتْ رَأْيَهُ الْعُقُولُ‏ (3)- وَ مَنْ حَصَرَ شَهْوَتَهُ فَقَدْ صَانَ قَدْرَهُ- وَ مَنْ أَمْسَكَ لِسَانَهُ أَمِنَهُ قَوْمُهُ وَ نَالَ حَاجَتَهُ- (4) وَ فِي تَقَلُّبِ الْأَحْوَالِ عِلْمُ جَوَاهِرِ الرِّجَالِ- وَ الْأَيَّامُ تُوضِحُ لَكَ السَّرَائِرَ الْكَامِنَةَ- وَ لَيْسَ فِي الْبَرْقِ الْخَاطِفِ مُسْتَمْتَعٌ لِمَنْ يَخُوضُ فِي الظُّلْمَةِ (5)- وَ مَنْ عُرِفَ بِالْحِكْمَةِ لَحَظَتْهُ الْعُيُونُ بِالْوَقَارِ وَ الْهَيْبَةِ- وَ أَشْرَفُ الْغِنَى تَرْكُ الْمُنَى- وَ الصَّبْرُ جُنَّةٌ مِنَ الْفَاقَةِ وَ الْحِرْصُ عَلَامَةُ الْفَقْرِ- وَ الْبُخْلُ جِلْبَابُ الْمَسْكَنَةِ وَ الْمَوَدَّةُ قَرَابَةٌ مُسْتَفَادَةٌ- وَ وَصُولٌ مُعْدِمٌ خَيْرٌ مِنْ جَافٍ مُكْثِرٍ (6) وَ الْمَوْعِظَةُ كَهْفٌ لِمَنْ وَعَاهَا- وَ مَنْ أَطْلَقَ طَرْفَهُ كَثُرَ أَسَفُهُ‏ (7) وَ مَنْ ضَاقَ خُلُقُهُ‏

____________

(1) يقال: خاطر بنفسه عرضها للخطر أي أشرف نفسه للهلاك.

(2) أي استشار الناس و اقبل نحو آرائهم و لاحظها واحدا واحدا و تفكر فيها فمن طلب الآراء من وجوهها الصحيحة انكشف له مواقع الخطاء و احترس منه.

(3) أي حكم القول بعدالة رأيه و صوابه.

(4) أمنه- بالفتح- أى أمن قومه من شره، و يحتمل بالمد من باب الافعال أي آمن من شر قومه أوعد قومه أمينا و نال الحاجة التي توهم حصولها في اطلاق اللسان.

(5) يقال: خطف البرق البصر: استلبه بسرعة و ذهب به. و المستمتع: المنتفع و المتلذذ، يعنى لا ينفعك ما يبصر و ما يسمع كالبرق الخاطف بل ينبغي أن تواظب و تستضي‏ء دائما بانوار الحكم لتخرجك من ظلمات الجهل، و يحتمل أن يكون المراد لا ينفع ما يبصر و ما يسمع من الآيات و المواعظ مع الانغماس في ظلمات المعاصى و الذنوب.

(6) قد مضى هذه العبارة و بيان ما فيها في وصيته (عليه السلام) لابنه الحسين (سلام اللّه عليه) و يحتمل أيضا أن يكون المراد أن الفقير المتودد خير من الغنى المتجافى. قوله:

«وعاها» أي حفظها و جمعها.

(7) الطرف- بسكون الراء: العين. و- بالتحريك-: اللسان أي و من اطلق عينه و نظره كثر أسفه. و في الروضة بعد هذا الكلام هكذا «و قد أوجب الدهر شكره على من نال سؤله و قل ما ينصفك اللسان في نشر قبيح أو احسان».

287

مَلَّهُ أَهْلُهُ- وَ مَنْ نَالَ اسْتَطَالَ‏ (1)- قَلَّ مَا تُصَدِّقُكَ الْأُمْنِيَّةُ- التَّوَاضُعُ يَكْسُوكَ الْمَهَابَةَ- وَ فِي سَعَةِ الْأَخْلَاقِ كُنُوزُ الْأَرْزَاقِ‏ (2)- مَنْ كَسَاهُ الْحَيَاءُ ثَوْبَهُ خَفِيَ عَلَى النَّاسِ عَيْبُهُ- تَحَرَّ الْقَصْدَ مِنَ الْقَوْلِ- فَإِنَّهُ مَنْ تَحَرَّى الْقَصْدَ خَفَّتْ عَلَيْهِ الْمُؤَنُ‏ (3) فِي خِلَافِ النَّفْسِ رُشْدُهَا- مَنْ عَرَفَ الْأَيَّامَ لَمْ يَغْفُلْ عَنِ الِاسْتِعْدَادِ- أَلَا وَ إِنَّ مَعَ كُلِّ جُرْعَةٍ شَرَقاً وَ فِي كُلِّ أُكْلَةٍ غَصَصاً- لَا تُنَالُ نِعْمَةٌ إِلَّا بِزَوَالِ أُخْرَى- لِكُلِّ ذِي رَمَقٍ قُوتٌ وَ لِكُلِّ حَبَّةٍ آكِلٌ- وَ أَنْتَ قُوتُ الْمَوْتِ‏ (4)- اعْلَمُوا أَيُّهَا النَّاسُ- أَنَّهُ مَنْ مَشَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ إِلَى بَطْنِهَا وَ اللَّيْلُ وَ النَّهَارُ يَتَسَارَعَانِ فِي هَدْمِ الْأَعْمَارِ- أَيُّهَا النَّاسُ كُفْرُ النِّعْمَةِ لُؤْمٌ‏ (5)- وَ صُحْبَةُ الْجَاهِلِ شُؤْمٌ- مِنَ الْكَرَمِ لِينُ الْكَلَامِ- إِيَّاكَ وَ الْخَدِيعَةَ فَإِنَّهَا مِنْ خُلُقِ اللِّئَامِ- لَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ يُصِيبُ وَ لَا كُلُّ غَائِبٍ يَئُوبُ- لَا تَرْغَبْ فِيمَنْ زَهِدَ فِيكَ- رُبَّ بَعِيدٍ هُوَ أَقْرَبُ مِنْ قَرِيبٍ- سَلْ عَنِ الرَّفِيقِ قَبْلَ الطَّرِيقِ وَ عَنِ الْجَارِ قَبْلَ الدَّارِ- اسْتُرْ عَوْرَةَ أَخِيكَ لِمَا تَعْلَمُهُ فِيكَ- (6) اغْتَفِرْ زَلَّةَ

____________

(1) النيل: اصابة الشي‏ء. يقال: نال من عدوه أي بلغ منه مقصوده يعنى من أصاب شيئا من أسباب الشرف كالمال و العلم يتفضل و يترفع غالبا و يمكن أن يكون هذا نظير قوله:

«من جادساد» فالمراد أن الجود و الكرم غالبا يوجبان الفخر و الاستطالة. و الامنية: البغية و ما يتمنى الإنسان، يعنى في الغالب امنيتك كاذبة.

(2) و في الروضة بعد هذا الكلام كذا «كم من عاكف على ذنبه في آخر أيّام عمره».

(3) أي أقصد الوسط العدل من القول و جانب التعدى و الافراط و التفريط ليخف عليك المئونة.

(4) قد مضى هذه الكلمات في وصاياه (عليه السلام) أيضا.

(5) اللوم- بالفتح غير مهموز-: الملامة و مهموزا: ضد الكرم. و اللئام: جمع لئيم و- بالضم-: الدنى و قد لؤم الرجل- بالضم- لؤما.

(6) في الروضة بعد هذه الجملة هكذا «ألا و من أسرع في المسير أدركه المقيل، استر عورة أخيك كما يعلمها فيك». و في بعض النسخ «لما يعلمها».

288

صَدِيقِكَ لِيَوْمٍ يَرْكَبُكَ عَدُوُّكَ- مَنْ غَضِبَ عَلَى مَنْ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَضُرَّهُ طَالَ حُزْنُهُ وَ عَذَّبَ نَفْسَهُ- مَنْ خَافَ رَبَّهُ كَفَّ ظُلْمَهُ- وَ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَهِيمَةِ- إِنَّ مِنَ الْفَسَادِ إِضَاعَةَ الزَّادِ- مَا أَصْغَرَ الْمُصِيبَةَ مَعَ عِظَمِ الْفَاقَةِ غَداً- وَ مَا تَنَاكَرْتُمْ إِلَّا لِمَا فِيكُمْ مِنَ الْمَعَاصِي وَ الذُّنُوبِ‏ (1)- مَا أَقْرَبَ الرَّاحَةَ مِنَ التَّعَبِ وَ الْبُؤْسَ مِنَ التَّغْيِيرِ (2)- مَا شَرٌّ بِشَرٍّ بَعْدَهُ الْجَنَّةُ وَ مَا خَيْرٌ بِخَيْرٍ بَعْدَهُ النَّارُ- وَ كُلُّ نَعِيمٍ دُونَ الْجَنَّةِ مَحْقُورٌ وَ كُلُّ بَلَاءٍ دُونَ النَّارِ عَافِيَةٌ- عِنْدَ تَصْحِيحِ الضَّمَائِرِ تَبْدُو الْكَبَائِرُ (3)- تَصْفِيَةُ الْعَمَلِ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَلِ- وَ تَخْلِيصُ النِّيَّةِ عَنِ الْفَسَادِ أَشَدُّ عَلَى الْعَامِلِينَ مِنْ طُولِ الْجِهَادِ- هَيْهَاتَ لَوْ لَا التُّقَى كُنْتُ أَدْهَى الْعَرَبِ‏ (4)- عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي الْغَيْبِ وَ الشَّهَادَةِ (5)- وَ كَلِمَةِ الْحَقِّ فِي الرِّضَى وَ الْغَضَبِ- وَ الْقَصْدِ فِي الْغِنَى وَ الْفَقْرِ- وَ بِالْعَدْلِ عَلَى الْعَدُوِّ وَ الصَّدِيقِ وَ بِالْعَمَلِ فِي النَّشَاطِ وَ الْكَسَلِ- وَ الرِّضَا عَنِ اللَّهِ فِي الشِّدَّةِ وَ الرَّخَاءِ- وَ مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ خَطَاؤُهُ وَ مَنْ كَثُرَ خَطَاؤُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ- وَ مَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ وَ مَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ- وَ مَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النَّارَ- مَنْ تَفَكَّرَ اعْتَبَرَ وَ مَنِ اعْتَبَرَ

____________

(1) في الروضة «هيهات هيهات و ما تناكرتم الا لما فيكم من المعاصى و الذنوب» أى ليس تناكرتم الا لذنوبكم و عيوبكم.

(2) و في الروضة و بعض النسخ «من النعيم» و المراد بالتغيير سرعة تقلب أحوال الدنيا.

(3) أي إذا أراد الإنسان تصحيح ضميره عن النياب الفاسدة و الأخلاق الذميمة تظهر له العيوب الكبيرة الكامنة في النفس و الأخلاق الذمية التي خفيت عليه تحت أستار الغفلات.

(4) الدهاء جودة الرأى، و الحذق و بمعنى المكر و الاحتيال و هو المراد هاهنا. و في الروضة «لو لا التقى لكنت أدهى العرب» و من كلام له (عليه السلام) «و اللّه ما معاوية

بأدهى منى و كنه يغدر و يفجر. و لو لا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس: و لكن كل غدرة فجرة و كل فجرة كفرة. و لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة. و اللّه ما استغفل بالمكيدة و لا استغمز بالتشديدة».

(5) قد مضى هذا الكلام إلى آخر الخطبة في وصيته (صلوات اللّه عليه) لابنه الحسين (عليه السلام) و لم يذكر في الروضة و فيها بعد هذا الكلام «أيها الناس ان اللّه عزّ و جلّ وعد نبيه محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) الوسيلة و وعد الحق» الى آخر ما خطبه (عليه السلام).

289

اعْتَزَلَ وَ مَنِ اعْتَزَلَ سَلِمَ- وَ مَنْ تَرَكَ الشَّهَوَاتِ كَانَ حُرّاً- وَ مَنْ تَرَكَ الْحَسَدَ كَانَتْ لَهُ الْمَحَبَّةُ عِنْدَ النَّاسِ- عِزُّ الْمُؤْمِنِ غِنَاهُ عَنِ النَّاسِ- الْقَنَاعَةُ مَالٌ لَا يَنْفَدُ- وَ مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ رَضِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ- وَ مَنْ عَلِمَ أَنَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَنْفَعُهُ- الْعَجَبُ مِمَّنْ يَخَافُ الْعِقَابَ فَلَا يَكُفُّ- وَ يَرْجُو الثَّوَابَ وَ لَا يَتُوبُ وَ يَعْمَلُ الْفِكْرُ تُورِثُ نُوراً- وَ الْغَفْلَةُ ظُلْمَةٌ وَ الْجَهَالَةُ ضَلَالَةٌ- وَ السَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ وَ الْأَدَبُ خَيْرُ مِيرَاثٍ- حُسْنُ الْخُلُقِ خَيْرُ قَرِينٍ- لَيْسَ مَعَ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ نَمَاءٌ وَ لَا مَعَ الْفُجُورِ غِنًى- الْعَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ- تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي الصَّمْتِ إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ وَحْدَهُ- وَ وَاحِدٌ فِي تَرْكِ مُجَالَسَةِ السُّفَهَاءِ- رَأْسُ الْعِلْمِ الرِّفْقُ وَ آفَتُهُ الْخُرْقُ- وَ مِنْ كُنُوزِ الْإِيمَانِ الصَّبْرُ عَلَى الْمَصَائِبِ- وَ الْعَفَافُ زِينَةُ الْفَقْرِ وَ الشُّكْرُ زِينَةُ الْغِنَى- كَثْرَةُ الزِّيَارَةِ تُورِثُ الْمَلَالَةَ- وَ الطُّمَأْنِينَةُ قَبْلَ الْخِبْرَةِ ضِدُّ الْحَزْمِ- إِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ عَقْلِهِ- لَا تُؤْيِسْ مُذْنِباً فَكَمْ مِنْ عَاكِفٍ عَلَى ذَنْبِهِ خُتِمَ لَهُ بِخَيْرٍ- وَ كَمْ مِنْ مُقْبِلٍ عَلَى عَمَلِهِ مُفْسِدٌ فِي آخِرِ عُمُرِهِ- صَائِرٌ إِلَى النَّارِ- بِئْسَ الزَّادُ إِلَى الْمَعَادِ الْعُدْوَانُ عَلَى الْعِبَادِ طُوبَى لِمَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ عَمَلَهُ وَ عِلْمَهُ- وَ حُبَّهُ وَ بُغْضَهُ وَ أَخْذَهُ وَ تَرْكَهُ وَ كَلَامَهُ- وَ صَمْتَهُ وَ فِعْلَهُ وَ قَوْلَهُ- لَا يَكُونُ الْمُسْلِمُ مُسْلِماً حَتَّى يَكُونَ وَرِعاً- وَ لَنْ يَكُونَ وَرِعاً حَتَّى يَكُونَ زَاهِداً- وَ لَنْ يَكُونَ زَاهِداً حَتَّى يَكُونَ حَازِماً- وَ لَنْ يَكُونَ حَازِماً حَتَّى يَكُونَ عَاقِلًا- وَ مَا الْعَاقِلُ إِلَّا مَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ وَ عَمِلَ لِلدَّارِ الْآخِرَةِ- وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ.

2- ف‏ (1)، تحف العقول خُطْبَتُهُ(ع)الْمَعْرُوفَةُ بِالدِّيبَاجِ‏ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ الْخَلْقِ وَ خَالِقِ الْإِصْبَاحِ- وَ مُنْشِرِ الْمَوْتَى وَ بَاعِثِ مَنْ فِي الْقُبُورِ وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ- وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ ص عِبَادَ اللَّهِ- إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ الْمُتَوَسِّلُونَ إِلَى اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ- الْإِيمَانُ بِاللَّهِ‏

____________

(1) التحف: 149.

290

وَ بِرُسُلِهِ وَ مَا جَاءَتْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ- وَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ الْإِسْلَامِ‏ (1)- وَ كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ فَإِنَّهَا الْفِطْرَةُ- وَ إِقَامَةُ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا الْمِلَّةُ وَ إِيتَاءُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ- وَ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ- وَ حِجُّ الْبَيْتِ وَ الْعُمْرَةُ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ- وَ يُكَفِّرَانِ الذَّنْبَ وَ يُوجِبَانِ الْجَنَّةَ- وَ صِلَةُ الرَّحِمِ فَإِنَّهَا ثَرْوَةٌ فِي الْمَالِ‏ (2)- وَ مَنْسَاةٌ فِي الْأَجَلِ وَ تَكْثِيرٌ لِلْعَدَدِ- وَ الصَّدَقَةُ فِي السِّرِّ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ الْخَطَأَ- وَ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- وَ الصَّدَقَةُ فِي الْعَلَانِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السَوْءِ- وَ صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَقِي مَصَارِعَ السَّوْءِ وَ أَفِيضُوا فِي ذِكْرِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ‏ (3)- فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الذِّكْرِ وَ هُوَ أَمَانٌ مِنَ النِّفَاقِ وَ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ- وَ تَذْكِيرٌ لِصَاحِبِهِ عِنْدَ كُلِّ خَيْرٍ يَقْسِمُهُ اللَّهُ جَلَّ وَ عَزَّ- وَ لَهُ دَوِيٌّ تَحْتَ الْعَرْشِ‏ (4)- وَ ارْغَبُوا فِيمَا وُعِدَ الْمُتَّقُونَ- فَإِنَّ وَعْدَ اللَّهِ أَصْدَقُ الْوَعْدِ- وَ كُلُّ مَا وَعَدَ فَهُوَ آتٍ كَمَا وَعَدَ- وَ اقْتَدُوا بِهَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ص (5) فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْهَدْيِ وَ اسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ فَإِنَّهَا أَشْرَفُ السُّنَنِ- وَ تَعَلَّمُوا كِتَابَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ وَ أَبْلَغُ الْمَوْعِظَةِ- وَ تَفَقَّهُوا فِيهِ فَإِنَّهُ رَبِيعُ الْقُلُوبِ- وَ اسْتَشْفُوا بِنُورِهِ فَإِنَّهُ‏ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ- وَ أَحْسِنُوا تِلَاوَتَهُ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الْقَصَصِ- وَ إِذا قُرِئَ‏ عَلَيْكُمْ‏ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ- وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ‏ (6)- وَ إِذَا هُدِيتُمْ لِعِلْمِهِ فَاعْمَلُوا بِمَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ‏ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏- فَاعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ- كَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِي لَا يَسْتَفِيقُ مِنْ جَهْلِهِ‏ (7)- بَلِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ وَ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ أَلْوَمُ- وَ الْحَسْرَةُ

____________

(1) الذروة- بالكسر و الضم-: من كل شي‏ء أعلاه.

(2) الثروة: الكثرة. و في النهج «مثراة». المنسأة- من النسأ-: التأخير.

(3) أفيضوا: أسرعوا و اندفعوا.

(4) الدوى: الصوت.

(5) الهدى- بالفتح-: الطريقة و السيرة، و- بالضم- الرشاد.

(6) سورة الأعراف: 203.

(7) أي كالجاهل المتحير الذي لا أفاق من جهله.

291

أَدْوَمُ عَلَى هَذَا الْعَالِمِ الْمُنْسَلِخِ مِنْ عِلْمِهِ- مِثْلَ مَا عَلَى هَذَا الْجَاهِلِ الْمُتَحَيِّرِ فِي جَهْلِهِ- وَ كِلَاهُمَا حَائِرٌ بَائِرٌ مُضِلٌّ مَفْتُونٌ- مَبْتُورٌ مَا هُمْ فِيهِ‏ (1) وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ‏ عِبَادَ اللَّهِ لَا تَرْتَابُوا فَتَشُكُّوا- وَ لَا تَشُكُّوا فَتَكْفُرُوا وَ لَا تَكْفُرُوا فَتَنْدَمُوا- وَ لَا تُرَخِّصُوا لِأَنْفُسِكُمْ فَتُدْهِنُوا- (2) وَ تَذْهَبَ بِكُمُ الرُّخَصُ مَذَاهِبَ الظَّلَمَةِ فَتَهْلِكُوا- وَ لَا تُدَاهِنُوا فِي الْحَقِّ إِذَا وَرَدَ عَلَيْكُمْ وَ عَرَفْتُمُوهُ- فَتَخْسَرُوا خُسْرَاناً مُبِيناً عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ مِنَ الْحَزْمِ أَنْ تَتَّقُوا اللَّهَ- وَ إِنَّ مِنَ الْعِصْمَةِ أَلَّا تَغْتَرُّوا بِاللَّهِ- عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ أَنْصَحَ النَّاسِ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُهُمْ لِرَبِّهِ- وَ أَغَشَّهُمْ لِنَفْسِهِ أَعْصَاهُمْ لَهُ- عِبَادَ اللَّهِ إِنَّهُ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ يَأْمَنْ وَ يَسْتَبْشِرْ- وَ مَنْ يَعْصِهِ يَخِبْ وَ يَنْدَمْ وَ لَا يَسْلَمْ عِبَادَ اللَّهِ سَلُوا اللَّهَ الْيَقِينَ فَإِنَّ الْيَقِينَ رَأْسُ الدِّينِ- وَ ارْغَبُوا إِلَيْهِ فِي الْعَافِيَةِ فَإِنَّ أَعْظَمَ النِّعْمَةِ الْعَافِيَةُ- فَاغْتَنِمُوهَا لِلدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ ارْغَبُوا إِلَيْهِ فِي التَّوْفِيقِ- فَإِنَّهُ أُسٌّ وَثِيقٌ‏ (3)- وَ اعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ مَا لَزِمَ الْقَلْبَ الْيَقِينُ وَ أَحْسَنَ الْيَقِينِ التُّقَى- وَ أَفْضَلَ أُمُورِ الْحَقِّ عَزَائِمُهَا وَ شَرَّهَا مُحْدَثَاتُهَا- وَ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ- وَ بِالْبِدَعِ هَدْمُ السُّنَنِ- الْمَغْبُونُ مَنْ غُبِنَ دِينَهُ وَ الْمَغْبُوطُ مَنْ سَلِمَ لَهُ دِينُهُ وَ حَسُنَ يَقِينُهُ- وَ السَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ وَ الشَّقِيُّ مَنِ انْخَدَعَ لِهَوَاهُ- عِبَادَ اللَّهِ اعْلَمُوا أَنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ- وَ أَنَّ إِخْلَاصَ الْعَمَلِ الْيَقِينُ- وَ الْهَوَى يَقُودُ إِلَى النَّارِ- وَ مُجَالَسَةُ أَهْلِ اللَّهْوِ يُنْسِي الْقُرْآنَ وَ يُحْضِرُ الشَّيْطَانَ- وَ النَّسِي‏ءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ (4)- وَ أَعْمَالُ الْعُصَاةِ تَدْعُو إِلَى سَخَطِ الرَّحْمَنِ- وَ سَخَطُ الرَّحْمَنِ يَدْعُو إِلَى النَّارِ- وَ مُحَادَثَةُ النِّسَاءِ تَدْعُو إِلَى الْبَلَاءِ وَ يَزِيغُ الْقُلُوبَ- وَ الرَّمْقُ لَهُنَّ يَخْطَفُ‏

____________

(1) البائر: الفاسد، الهالك، الذي لا خير فيه و في المثل «حائر بائر» أي لا يطيع مرشدا و لا يتجه لشي‏ء. و المبتور: المقطوع.

(2) لا ترخصوا أي لا تجعله رخيصا و الرخصة- بالضم-: التسهيل و التخفيف.

و الادهان: المصانعة كالمداهنة أي المساهلة.

(3) الاس- بالتثليث-: الاساس.

(4) النسي‏ء التأخير.

292

نُورَ أَبْصَارِ الْقُلُوبِ‏ (1) وَ لَمْحُ الْعُيُونِ- مَصَائِدُ الشَّيْطَانِ وَ مُجَالَسَةُ السُّلْطَانِ يُهَيِّجُ النِّيرَانَ- عِبَادَ اللَّهِ اصْدُقُوا فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّادِقِينَ- وَ جَانِبُوا الْكَذِبَ فَإِنَّهُ مُجَانِبٌ لِلْإِيمَانِ- وَ إِنَّ الصَّادِقَ عَلَى شَرَفِ مَنْجَاةٍ وَ كَرَامَةٍ (2)- وَ الْكَاذِبُ عَلَى شَفَا مَهْوَاةٍ وَ هَلَكَةٍ وَ قُولُوا الْحَقَّ تُعْرَفُوا بِهِ وَ اعْمَلُوا بِهِ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ- وَ أَدُّوا الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكُمْ عَلَيْهَا- وَ صِلُوا أَرْحَامَ مَنْ قَطَعَكُمْ وَ عُودُوا بِالْفَضْلِ عَلَى مَنْ حَرَمَكُمْ- وَ إِذَا عَاقَدْتُمْ فَأَوْفُوا وَ إِذَا حَكَمْتُمْ فَاعْدِلُوا- وَ إِذَا ظُلِمْتُمْ فَاصْبِرُوا- وَ إِذَا أُسِي‏ءَ إِلَيْكُمْ فَاعْفُوا وَ اصْفَحُوا كَمَا تُحِبُّونَ أَنْ يُعْفَى عَنْكُمْ- وَ لَا تَفَاخَرُوا بِالْآبَاءِ وَ لا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ- بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ‏- وَ لَا تَمَازَحُوا وَ لَا تَغَاضَبُوا وَ لَا تَبَاذَخُوا (3) وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً- أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً (4)- وَ لَا تَحَاسَدُوا فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ- وَ لَا تَبَاغَضُوا فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ (5) وَ أَفْشُوا السَّلَامَ فِي الْعَالَمِ- وَ رُدُّوا التَّحِيَّةَ عَلَى أَهْلِهَا بِأَحْسَنَ مِنْهَا- وَ ارْحَمُوا الْأَرْمَلَةَ (6) وَ الْيَتِيمَ- وَ أَعِينُوا الضَّعِيفَ وَ الْمَظْلُومَ‏ وَ الْغارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏- وَ ابْنَ السَّبِيلِ وَ السَّائِلِينَ وَ فِي الرِّقابِ‏- وَ الْمُكَاتَبَ وَ الْمَسَاكِينَ- وَ انْصُرُوا الْمَظْلُومَ وَ أُعْطُوا الْفُرُوضَ- (7) وَ جاهِدُوا أَنْفُسَكُمْ‏

____________

(1) الرمق: طول النظر الى الشي‏ء و فعله من باب قتل و اللمحة- بالفتح-: النظرة بالعجلة و النظرة الخفيفة أي و نظر العيون اليهن بنظر خفيف من حبائل الشيطان و مكائده.

(2) الشرف- بالتحريك-: العلو و المكان العالى. و المنجاة- بالفتح-: الباعث على النجاة و يقال: الصدق منجاة أي منج. و شفا كل شي‏ء طرفه و جانبه. و المهواة: ما بين الجبلين و نحوه.

(3) التمازح: التداعب و التلاعب، و التباذخ: التفاخر.

(4) سورة الحجرات: 12.

(5) الحالقة: الخصلة السيئة التي تحلق أي تهلك كل خصلة حسنة.

(6) الارملة: الضعفاء. و يطلق أيضا على المسكين و من لا أهل له و من ماتت زوجها.

(7) في بعض النسخ «القروض».

293

فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ‏- فَإِنَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَ جَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ- وَ أَقْرُوا الضَّيْفَ‏ (1) وَ أَحْسِنُوا الْوُضُوءَ- وَ حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ‏ الْخَمْسِ فِي أَوْقَاتِهَا- فَإِنَّهَا مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ بِمَكَانٍ- وَ مَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ- فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ‏ (2) وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏- وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ‏ (3)- وَ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ‏ (4) وَ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ- أَنَّ الْأَمَلَ يُذْهِبُ الْعَقْلَ وَ يُكَذِّبُ الْوَعْدَ- وَ يَحُثُّ عَلَى الْغَفْلَةِ وَ يُورِثُ الْحَسْرَةَ- فَاكْذِبُوا الْأَمَلَ فَإِنَّهُ غَرُورٌ وَ إِنَّ صَاحِبَهُ مَأْزُورٌ (5)- فَاعْمَلُوا فِي الرَّغْبَةِ وَ الرَّهْبَةِ- فَإِنْ نَزَلَتْ بِكُمْ رَغْبَةٌ فَاشْكُرُوا وَ اجْمَعُوا مَعَهَا رَغْبَةً- فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ تَأَذَّنَ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْحُسْنَى‏ (6) وَ لِمَنْ شَكَرَ بِالزِّيَادَةِ- فَإِنِّي لَمْ أَرَ مِثْلَ الْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا وَ لَا كَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا- وَ لَا أَكْثَرَ مُكْتَسِباً مِمَّنْ كَسَبَهُ لِيَوْمٍ تُذْخَرُ فِيهِ الذَّخَائِرُ- وَ تُبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ وَ إِنَّ مَنْ لَا يَنْفَعُهُ الْحَقُّ يَضُرُّهُ الْبَاطِلُ- وَ مَنْ لَا يَسْتَقِيمُ بِهِ الْهُدَى‏ (7) تَضُرُّهُ الضَّلَالَةُ- وَ مَنْ لَا يَنْفَعُهُ الْيَقِينُ يَضُرُّهُ الشَّكُّ- وَ إِنَّكُمْ قَدْ أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ‏ (8) وَ دُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ- أَلَا إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ اثْنَانِ- طُولُ الْأَمَلِ وَ اتِّبَاعُ الْهَوَى- أَلَا وَ إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ وَ آذَنَتْ بِانْقِلَاعٍ‏ (9)- أَلَا وَ إِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَ آذَنَتْ بِاطِّلَاعٍ‏

____________

(1) قرى الضيف. أضافه.

(2) سورة البقرة: 153. و قوله: «تطوع» أي تبرع.

(3) سورة المائدة: 5.

(4) سورة آل عمران: 97.

(5) المأزور: الاثم- من وزر- و قياسه موزور.

(6) الحسنى: العاقبة الحسنة.

(7) لانه ليس بين الهدى و الضلالة شي‏ء فان وراء الهدى ضلال كله. و في النهج «و من لم يستقم به الهدى يجر به الضلال الى الردى».

(8) الظعن: الرحيل و الامر تكوينى و المراد بالزاد عمل الصالحات و ترك السيئات.

(9) آذنت أي أعلمت و اعلامها هو ما أودع في طبيعتها من التقلب و التحول و من نظر.

294

أَلَا وَ إِنَّ الْمِضْمَارَ الْيَوْمَ وَ السِّبَاقَ غَداً- أَلَا وَ إِنَّ السُّبْقَةَ الْجَنَّةُ وَ الْغَايَةَ النَّارُ أَلَا وَ إِنَّكُمْ فِي أَيَّامِ مَهَلٍ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ‏ (1) يَحُثُّهُ الْعَجَلُ- فَمَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ عَمَلَهُ فِي أَيَّامِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ- نَفَعَهُ عَمَلُهُ وَ لَمْ يَضُرَّهُ أَجَلُهُ- وَ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ فِي أَيَّامِ مَهَلِهِ ضَرَّهُ أَمَلُهُ وَ لَمْ يَنْفَعْهُ عَمَلُهُ- عِبَادَ اللَّهِ افْزَعُوا إِلَى قِوَامِ دِينِكُمْ‏ (2) بِإِقَامِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا- وَ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ فِي حِينِهَا وَ التَّضَرُّعِ وَ الْخُشُوعِ- وَ صِلَةِ الرَّحِمِ وَ خَوْفِ الْمَعَادِ وَ إِعْطَاءِ السَّائِلِ- وَ إِكْرَامِ الضَّعَفَةِ وَ الضَّعِيفِ‏ (3) وَ تَعَلُّمِ الْقُرْآنِ وَ الْعَمَلِ بِهِ- وَ صِدْقِ الْحَدِيثِ وَ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ إِذَا ائْتُمِنْتُمْ- وَ ارْغَبُوا فِي ثَوَابِ اللَّهِ وَ ارْهَبُوا عَذَابَهُ- وَ جَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ- وَ تَزَوَّدُوا مِنَ الدُّنْيَا مَا تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ- وَ اعْمَلُوا بِالْخَيْرِ تُجْزَوْا بِالْخَيْرِ يَوْمَ يَفُوزُ بِالْخَيْرِ مَنْ قَدَّمَ الْخَيْرَ- أَقُولُ قَوْلِي وَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَ لَكُمْ.

3- مِنْ مَنَاقِبِ ابْنِ الْجَوْزِيِ‏ (4)، الْخُطْبَةُ الْمِنْبَرِيَّةُ

____________

اليها يحصل له اليقين بفنائها. و الطلاع من أطلع على فلان أي أشرف و أتاه و يفهم منه الإتيان بفجأة. و في النهج «ان الدنيا قد آذنت بوداع و الآخرة قد أشرفت باطلاع ألا و ان اليوم المضمار و غدا السباق» و المضمار: الموضع الذي تضمر فيه الخيل. و تضميره أن تربط و يكثر علفها و ماؤها حتّى تسمن ثمّ يقلل علفها و ماؤها و تجرى في الميدان حتّى تهزل و ذلك في مدة أربعين يوما و هذه المدة أيضا تسمى المضمار. و السباق: المسابقة و اجراء الخيل في مضمار فتسابق فيه. و السبقة- بفتح فسكون-: المرة من السبق- و بفتحتين-: الغاية المحبوبة التي يحب السابق أن يصل إليها. و- بضم فسكون-: ما يتراهن عليه المتسابقون و هذا الكلام على سبيل الاستعارة أي العمل في الدنيا للاستباق في الآخرة.

(1) المهل- بالفتح-: المهلة. و أيضا. الرفق. و في النهج «أمل». أى الامل في البقاء و استمرار الحياة.

(2) الافزاع: الاخافة، الاغاثة و إزالة الفزع «ضد».

(3) في بعض النسخ «الضعيفة و الضعيف».

(4) المصدر ص 70.

295

رَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَوْماً عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ- فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ أَحْمَدُهُ وَ أُومِنُ بِهِ وَ أَسْتَعِينُهُ وَ أَسْتَهْدِيهِ- وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ- وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- أَرْسَلَهُ‏ بِالْهُدى‏ وَ دِينِ الْحَقِّ- لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ‏- ثُمَّ قَالَ أَيَّتُهَا النُّفُوسُ الْمُخْتَلِفَةُ وَ الْقُلُوبُ الْمُتَشَتِّتَةُ- الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمُ الْغَائِبَةُ عُقُولُهُمْ- كَمْ أَدُلُّكُمْ عَلَى الْحَقِّ- وَ أَنْتُمْ تَنْفِرُونَ نُفُورَ الْمِعْزَى مِنْ وَعْوَعَةِ الْأَسَدِ- هَيْهَاتَ أَنْ أُطْلِعَ بِكُمْ ذِرْوَةَ الْعَدْلِ أَوْ أُقِيمَ اعْوِجَاجَ الْحَقِّ اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنِّي مُنَافَسَةٌ فِي سُلْطَانٍ- وَ لَا الْتِمَاسُ فُضُولِ الْحُطَامِ- وَ لَكِنْ لِأَرُدَّ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ- وَ أُظْهِرَ الصَّلَاحَ فِي بِلَادِكَ فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ- وَ تُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ- اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي أَوَّلُ مَنْ أَنَابَ- وَ سَمِعَ فَأَجَابَ لَمْ يَسْبِقْنِي إِلَّا رَسُولُكَ اللَّهُمَّ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَالِي عَلَى الدِّمَاءِ وَ الْفُرُوجِ- وَ الْمَغَانِمِ وَ الْأَحْكَامِ وَ مَعَالِمِ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ- وَ إِمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ وَ أُمُورِ الْمُؤْمِنِينَ الْبَخِيلَ- لِأَنَّ تهمته [نَهْمَتَهُ فِي جَمِيعِ الْأَمْوَالِ- وَ لَا الْجَاهِلُ فَيَدُلَّهُمْ بِجَهْلِهِ عَلَى الضَّلَالِ- وَ لَا الْجَافِي فُيَنَفِّرَهُمْ بِجَفَائِهِ- وَ لَا الْخَائِفُ فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ- وَ لَا الْمُرْتَشِي فِي الْحُكْمِ فَيَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ وَ لَا الْمُعَطِّلُ لِلسُّنَنِ فَيُؤَدِّيَ ذَلِكَ إِلَى الْفُجُورِ- وَ لَا الْبَاغِي فَيُدْحِضَ الْحَقَّ وَ لَا الْفَاسِقُ فَيَشِينَ الشَّرْعَ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ مَاتَ وَ تَرَكَ امْرَأَةً وَ ابْنَتَيْنِ وَ أَبَوَيْنِ- فَقَالَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَبَوَيْنِ السُّدُسُ وَ لِلِابْنَتَيْنِ الثُّلُثَانِ- قَالَ فَالْمَرْأَةُ قَالَ صَارَ ثُمُنُهَا تُسُعاً.

وَ هَذَا مِنْ أَبْلَغِ الْأَجْوِبَةِ.

4- خُطْبَةٌ (1) وَ يُعْرَفُ بِالْبَالِغَةِ رَوَى ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْعِجْلِيِّ قَالَ: شَهِدْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَ هُوَ يَخْطُبُ- فَقَالَ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِهِ ص أَيُّهَا

____________

(1) في المصدر ص 72 و سنده هكذا «القرشيّ» عن عليّ بن الحسين (ع) عن عبد اللّه ابن صالح العجليّ عن رجل من بنى شيبان قال ..».

296

النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ إِلَيْكُمْ رَسُولًا لِيُزِيحَ بِهِ عِلَّتَكُمْ- وَ يُوقِظَ بِهِ غَفْلَتَكُمْ- وَ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اتِّبَاعُ الْهَوَى وَ طُولُ الْأَمَلِ- أَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّكُمْ‏ (1) عَنِ الْحَقِّ- وَ أَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِيكُمُ الْآخِرَةَ- أَلَا وَ إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَرَحَّلَتْ مُدْبِرَةً وَ إِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ مُقْبِلَةً- وَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَنُونَ فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ وَ لَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا- فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَ لَا حِسَابَ وَ غَداً حِسَابٌ وَ لَا عَمَلَ- وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ مَيِّتُونَ وَ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ- وَ مُحَاسَبُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ وَ مُجَازَوْنَ بِهَا- فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَ لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ- فَإِنَّهَا دَارٌ بِالْبَلَاءِ مَحْفُوفَةٌ وَ بِالْعَنَاءِ وَ الْغَدْرِ مَوْصُوفَةٌ- وَ كُلُّ مَا فِيهَا إِلَى زَوَالٍ وَ هِيَ بَيْنَ أَهْلِهَا دُوَلٌ وَ سِجَالٌ‏ (2) لَا تَدُومُ أَحْوَالُهَا وَ لَا يَسْلَمُ مِنْ شَرِّهَا نُزَّالُهَا- بَيْنَا أَهْلُهَا مِنْهَا فِي رَخَاءٍ وَ سُرُورٍ إِذَا هُمْ فِي بَلَاءٍ وَ غُرُورٍ- الْعَيْشُ فِيهَا مَذْمُومٌ وَ الرَّخَاءُ فِيهَا لَا يَدُومُ- أَهْلُهَا فِيهَا أَهْدَافٌ وَ أَغْرَاضٌ مُسْتَهْدَفَةٌ (3)- وَ كُلٌّ فِيهَا حَتْفُهُ مَقْدُورٌ وَ حَظُّهُ مِنْ نَوَائِبِهَا مَوْفُورٌ- وَ أَنْتُمْ عِبَادَ اللَّهِ عَلَى مَحَجَّةِ مَنْ قَدْ مَضَى وَ سَبِيلِ مَنْ كَانَ- ثُمَّ انْقَضَى‏ (4) مِمَّنْ كَانَ أَطْوَلَ مِنْكُمْ أَعْمَاراً وَ أَشَدَّ بَطْشاً وَ أَعْمَرَ دِيَاراً- أَصْبَحَتْ أَجْسَادُهُمْ بَالِيَةً وَ دِيَارُهُمْ خَالِيَةً وَ آثَارُهُمْ عَافِيَةً فَاسْتَبْدَلُوا بِالْقُصُورِ الْمُشَيَّدَةِ وَ النَّمَارِقِ الْمُوَسَّدَةِ (5)- بُطُونَ اللُّحُودِ وَ مُجَاوَرَةَ اللُّدُودِ فِي دَارٍ سَاكِنُهَا مُغْتَرِبٌ وَ مَحَلُّهَا مُقْتَرِبٌ- بَيْنَ قَوْمٍ مُسْتَوْحِشِينَ مُتَجَاوِرِينَ غَيْرَ مُتَزَاوِرِينَ لَا يَسْتَأْنِسُونَ بِالْعُمْرَانِ وَ لَا يَتَوَاصَلُونَ تَوَاصُلَ الْجِيرَانِ- عَلَى مَا بَيْنَهُمْ مِنْ قُرْبِ الْجِوَارِ وَ دُنُوِّ الدَّارِ- وَ كَيْفَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ تَوَاصُلٌ وَ قَدْ طَحَنَتْهُمُ الْبِلَى- وَ أَظَلَّتْهُمُ الْجَنَادِلُ وَ

____________

(1) في المصدر «فيضلكم».

(2) أي تارة لهم و تارة عليهم.

(3) زاد في المصدر «و أسبابها مختلفة».

(4) في المصدر «و اعلموا عباد اللّه أنكم و ما أنتم فيه من زهرة الدنيا على سبيل من قد مضى- الخ» و جعل ما في المتن نسخة.

(5) في المصدر «و النمارق الموسدة الصخور و الاحجار في القبور التي خرب فناؤها و تهدم بناؤها فمحلها مقترب و ساكنها مغترب إلخ». و المغترب: الظاعن.

297

الثَّرَى- فَأَصْبَحُوا بَعْدَ الْحَيَاةِ أَمْوَاتاً وَ بَعْدَ غَضَارَةِ الْعَيْشِ رُفَاتاً- قَدْ فُجِعَ بِهِمُ الْأَحْبَابُ وَ سَكَنُوا التُّرَابَ- وَ ظَعَنُوا فَلَيْسَ لَهُمْ إِيَابٌ- وَ تَمَنَّوُا الرُّجُوعَ فَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ ما يَشْتَهُونَ‏- كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها- وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏ (1)-.

وَ قَدْ أَخْرَجَ أَبُو نَعِيمٍ طَرَفاً مِنْ هَذِهِ الْخُطْبَةِ- فِي كِتَابِهِ الْمَعْرُوفِ بِالْحِلْيَةِ.

5- خُطْبَةٌ (2) فِي مَدْحِ رَسُولِ اللَّهِ ص ذَكَرَهَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ- الْحَمْدُ لِلَّهِ دَاحِيَ الْمَدْحُوَّاتِ‏ (3) وَ دَاعِمَ الْمَسْمُوكَاتِ- وَ جَابِلَ الْقُلُوبِ عَلَى فِطْرَتِهَا شَقِيِّهَا- وَ سَعِيدِهَا وَ غَوِيِّهَا وَ رَشِيدِهَا- اللَّهُمَّ وَ اجْعَلْ شَرَائِفَ صَلَوَاتِكَ وَ نَوَامِيَ بَرَكَاتِكَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَ رَسُولِكَ وَ حَبِيبِكَ الْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ- وَ الْفَاتِحِ لِمَا انْغَلَقَ الْمُعْلِنِ بِالْحَقِّ- النَّاطِقِ بِالصِّدْقِ الدَّافِعِ جَيْشَاتِ الْأَبَاطِيلِ‏ (4)- وَ الدَّامِغِ هَيْشَاتِ الْأَضَالِيلِ‏

____________

(1) زاد في المصدر بعد قوله «يبعثون» «و كأنّ قد صرتم الى ما صاروا إليه و قدمتم على ما قدموا عليه فكيف بكم إذا تناهت الأمور و بعثر ما في القبور و حصل ما في الصدور ان ربهم بهم يومئذ لخبير، و كأنى و اللّه بكم و قد وقفتم للتحصيل بين يدي الملك الجليل فطارت القلوب لاشفاقها من سالف الذنوب و هبطت عنكم الحجب و الاستار و ظهرت العيوب و الاسرار، و زال الشك و الارتياب هنالك تجزى كل نفس بما كسبت ان اللّه سريع الحساب جعلنا اللّه و إيّاكم عاملين بكتابه متبعين لسنة رسوله، حتى يحلنا دار المقامة من فضله، انه حميد مجيد برحمته و كرمه».

(2) المصدر ص 74 و 75 و سنده هكذا «عبد اللّه بن أبي المجد، عن عبد الوهاب ابن المبارك، عن أحمد بن محمّد بن حداد، عن أبى بكر بن أحمد بن عليّ بن إبراهيم ابن منحويه، عن محمّد بن أحمد بن إسحاق، عن عبد اللّه بن سليمان، عن الحسن بن عرفة عن عباد بن الحبيب، عن مجالد، عن سعيد بن عمير».

(3) أي باسط المبسوطات. و قوله «داعم المسموكات» أي مقيمها و حافظها. و قوله «جابل القلوب» أي خالقها.

(4) يأتي معنى الجيشات و الهيشات بعد تمام الخطبة.

298

فَاضْطَلَعَ قَائِماً بِأَمْرِكَ‏ (1) مُسْتَوْفِزاً فِي مَرْضَاتِكَ- غَيْرِ نَاكِلٍ عَنْ قُدُمٍ‏ (2) وَ لَا وَاهٍ فِي عَزْمٍ مُرَاعِياً لِعَهْدِكَ مُحَافِظاً لِوُدِّكَ- حَتَّى أَوْرَى قَبَسَ الْقَابِسِ وَ أَضَاءَ الطَّرِيقَ لِلْخَابِطِ (3) وَ هُدِيَ بِهِ النَّاسُ بَعْدَ خَوْضِ الْفِتَنِ وَ الْآثَامِ- وَ الْخَبَطِ فِي عَشْوِ الظُّلَامِ فَأَنَارَتْ نَيِّرَاتِ الْأَحْكَامِ بِارْتِفَاعِ الْأَعْلَامِ- فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ وَ خَازِنُ عِلْمِكَ الْمَخْزُونِ وَ شَهِيدُ يَوْمِ الدِّينِ وَ حُجَّتُكَ عَلَى الْعَالَمِينَ- وَ بَعِيثُكَ بِالْحَقِّ وَ رَسُولُكَ الصِّدْقُ إِلَى الْخَلْقِ اللَّهُمَّ فَافْسَحْ لَهُ مَفْسَحاً فِي ظِلِّكَ- وَ اجْزِهِ بِمُضَاعَفَاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ- اللَّهُمَّ اجْمَعْ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُ فِي بَرْدِ الْعَيْشِ- وَ قَرَارِ النِّعْمَةِ وَ مُنْتَهَى الرَّغْبَةِ وَ مُسْتَقَرِّ اللَّذَّةِ- وَ مُنْتَهَى الطُّمَأْنِينَةِ وَ أَرْجَاءِ الدَّعَةِ وَ أَفْنَاءِ الْكَرَامَةِ.

الْقَدْمُ‏ (4) بِتَسْكِينِ الدَّالِ التَّقَدُّمُ- وَ الْجَيْشَاتُ مِنْ جَاشَتِ الْقِدْرُ تَجِيشُ إِذَا غَلَتْ وَ الْهَيْشَاتُ الْجَمَاعَاتُ وَ هَاشُوا إِذَا تَحَرَّكُوا.

6- خُطْبَةٌ (5) أُخْرَى فِي مَدْحِ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ الْأَئِمَّةِ(ع)رَوَاهَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيُّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)قَالَ الْحُسَيْنُ(ع)خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ خُطْبَةً بَلِيغَةً فِي مَدْحِ رَسُولِ اللَّهِ ص فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَ الصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُنْشِئَ الْمَخْلُوقَاتِ وَ يُبْدِعَ الْمَوْجُودَاتِ- أَقَامَ الْخَلَائِقَ فِي صُورَةٍ

____________

(1) فاضطلع أي نهض قويا و الضلاعة: القوّة. و المستوفز: المسارع المستعجل.

(2) الناكل: الناكص و المتأخر. أى غير جبان يتأخر عند وجوب الاقدام. و الواهى:

الضعيف.

(3) ورى الزند- كوعى- و ورى- كولى-: خرجت ناره، و اوريته و وريته و استوريته. و القبس شعلة من النار و القابس الذي يطلب النار. و الكلام تمثيل لنجاح طالب الحق ببلوغ طلبتهم منه و اشراق النفوس المستعدة لقبوله بما سطع من أنواره. و الخابط:

الذي يسير ليلا على غير الجادة.

(4) هذا من كلام صاحب المناقب.

(5) في المصدر المطبوع ص 76 بزيادات و اختلاف.

299

وَاحِدَةٍ قَبْلَ دَحْوِ الْأَرْضِ وَ رَفْعِ السَّمَاوَاتِ- ثُمَّ أَفَاضَ نُوراً مِنْ نُورِ عِزِّهِ فَلَمَعَ قَبَساً مِنْ ضِيَائِهِ وَ سَطَعَ- ثُمَّ اجْتَمَعَ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ- وَ فِيهَا صُورَةُ رَسُولِ اللَّهِ ص (1)- فَقَالَ لَهُ تَعَالَى أَنْتَ الْمُرْتَضَى الْمُخْتَارُ وَ فِيكَ مُسْتَوْدَعُ الْأَنْوَارِ- مِنْ أَجْلِكَ أَضَعُ الْبَطْحَاءَ وَ أَرْفَعُ السَّمَاءَ وَ أُجْرِي الْمَاءَ- وَ أَجْعَلُ الثَّوَابَ وَ الْعِقَابَ وَ الْجَنَّةَ وَ النَّارَ- وَ أَنْصِبُ أَهْلَ بَيْتِكَ عَلَماً لِلْهِدَايَةِ- وَ أُودِعُ فِيهِمْ أَسْرَارِي بِحَيْثُ لَا يَغِيبُ عَنْهُمْ دَقِيقٌ وَ لَا جَلِيلٌ- وَ لَا يَخْفَى عَنْهُمْ خَفِيٌّ- أَجْعَلُهُمْ حُجَّتِي عَلَى خَلِيقَتِي- وَ أُسْكِنُ قُلُوبَهُمْ أَنْوَارَ عِزَّتِي- وَ أُطْلِعُهُمْ عَلَى مَعَادِنِ جَوَاهِرِ خَزَائِنِي- ثُمَّ أَخَذَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ الشَّهَادَةَ- بِالرُّبُوبِيَّةِ وَ الْإِقْرَارَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ- وَ إِنَّ الْإِمَامَةَ فِيهِمْ وَ النُّورَ مَعَهُمْ- ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَخْفَى الْخَلِيقَةَ فِي غَيْبِهِ- وَ غَيَّبَهَا فِي مَكْنُونِ عِلْمِهِ وَ نَصَبَ الْعَوَالِمَ- وَ مَوَّجَ الْمَاءَ وَ أَثَارَ الزَّبَدَ- وَ أَهَاجَ الدُّخَانَ فَطَفَا عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ- ثُمَّ أَنْشَأَ الْمَلَائِكَةَ مِنْ أَنْوَارٍ أَبْدَعَهَا وَ أَنْوَاعٍ اخْتَرَعَهَا- ثُمَّ خَلَقَ الْمَخْلُوقَاتِ فَأَكْمَلَهَا- ثُمَّ قَرَنَ بِتَوْحِيدِهِ نُبُوَّةَ نَبِيِّهِ- فَشَهِدَتْ لَهُ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ وَ الْمَلَائِكَةُ- وَ الْعَرْشُ وَ الْكُرْسِيُّ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ- وَ مَا فِي الْأَرْضِ بِالنُّبُوَّةِ وَ الْفَضِيلَةِ- ثُمَّ خَلَقَ آدَمَ وَ أَبَانَ لِلْمَلَائِكَةِ فَضْلَهُ- وَ أَرَاهُمْ مَا خَصَّهُ بِهِ مِنْ سَابِقِ الْعِلْمِ فَجَعَلَهُ مِحْرَاباً وَ قِبْلَةً لَهُمْ- فَسَجَدُوا لَهُ وَ عَرَفُوا حَقَّهُ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَّنَ لِآدَمَ(ع)حَقِيقَةَ ذَلِكَ النُّورِ- وَ مَكْنُونَ ذَلِكَ السِّرِّ فَأَوْدَعَهُ شَيْئاً وَ أَوْصَاهُ- وَ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ السِّرُّ فِي الْمَخْلُوقَاتِ- ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَنْتَقِلُ مِنَ الْأَصْلَابِ الطَّاهِرَةِ إِلَى الْأَرْحَامِ الزَّكِيَّةِ- إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأَلْقَاهُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ- ثُمَّ صَانَهُ اللَّهُ عَنِ الْخَثْعَمِيَّةِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى آمِنَةَ- فَلَمَّا أَظْهَرَهُ اللَّهُ بِوَاسِطَةِ نَبِيِّنَا ص اسْتَدْعَى الْفُهُومَ إِلَى الْقِيَامِ بِحُقُوقِ ذَلِكَ السِّرِّ اللَّطِيفِ- وَ نَدَبَ الْعُقُولَ إِلَى الْإِجَابَةِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى- الْمُودَعِ فِي الذَّرِّ قَبْلَ النَّسْلِ- فَمَنْ واقَفَهُ قَبَسٌ مِنْ لَمَحَاتِ ذَلِكَ النُّورِ اهْتَدَى إِلَى السِّرِّ- وَ انْتَهَى إِلَى الْعَهْدِ الْمُودَعِ فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ وَ غَامِضِ الْعِلْمِ- وَ مَنْ غَمَرَتْهُ الْغَفْلَةُ وَ شَغَلَتْهُ الْمِحْنَةُ عَشِيَ بَصَرُ قَلْبِهِ عَنْ إِدْرَاكِهِ- فَلَا يَزَالُ ذَلِكَ النُّورُ يَنْتَقِلُ فِينَا أَهْلَ‏

____________

(1) في المصدر «و فيها هيئة نبيّنا (ص)».

300

الْبَيْتِ- وَ يَتَشَعْشَعُ فِي غَرَائِزِنَا إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ- فَنَحْنُ أَنْوَارُ الْأَرْضِ وَ السَّمَاوَاتِ وَ مَحْضُ خَالِصِ الْمَوْجُودَاتِ- وَ سُفُنُ النَّجَاةِ وَ فِينَا مَكْنُونُ الْعِلْمِ- وَ إِلَيْنَا مَصِيرُ الْأُمُورِ- وَ بِمَهْدِيِّنَا تَنْقَطِعُ الْحُجَجُ فَهُوَ خَاتَمُ الْأَئِمَّةِ- وَ مُنْقِذُ الْأُمَّةِ وَ مُنْتَهَى النُّورِ وَ غَامِضُ السِّرِّ- فَلْيَهْنَأْ مَنِ اسْتَمْسَكَ بِعُرْوَتِنَا وَ حُشِرَ عَلَى مَحَبَّتِنَا.

7 نَهْجُ الْبَلَاغَةِ (1)، وَ مِنْ كِتَابِ عُيُونِ الْحِكْمَةِ وَ الْمَوَاعِظِ لِعَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيِّ مِنْ خُطَبِهِ (صلوات اللّه عليه)الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلُونَ- وَ لَا يُحْصِي نَعْمَاءَهُ الْعَادُّونَ وَ لَا يُؤَدِّي حَقَّهُ الْمُجْتَهِدُونَ- الَّذِي لَا يُدْرِكُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ- وَ لَا يَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ‏ (2) الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ- وَ لَا نَعْتٌ مَوْجُودٌ وَ لَا وَقْتٌ مَعْدُودٌ- وَ لَا أَجَلٌ مَمْدُودٌ فَطَرَ الْخَلَائِقَ بِقُدْرَتِهِ- وَ نَشَرَ الرِّيَاحَ بِرَحْمَتِهِ- وَ وَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَيَدَانَ أَرْضِهِ أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ- وَ كَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ- وَ كَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ وَ كَمَالُ تَوْحِيدِهِ الْإِخْلَاصُ لَهُ- وَ كَمَالُ الْإِخْلَاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ- لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَيْرُ الْمَوْصُوفِ- وَ شَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ- وَ مَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ وَ مَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ- وَ مَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ وَ مَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ‏ (3) وَ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ وَ مَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ- وَ مَنْ قَالَ فِيمَ فَقَدْ ضَمَّنَهُ- وَ مَنْ قَالَ عَلَامَ فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ- كَائِنٌ لَا عَنْ حَدَثٍ مَوْجُودٌ لَا عَنْ عَدَمٍ- مَعَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ لَا بِمُقَارَنَةٍ وَ غَيْرُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ لَا بِمُزَايَلَةٍ- فَاعِلٌ لَا بِمَعْنَى الْحَرَكَاتِ وَ الْآلَةِ- بَصِيرٌ إِذْ لَا مَنْظُورَ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ- مُتَوَحِّدٌ إِذْ لَا سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بِهِ- وَ لَا يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ أَنْشَأَ الْخَلْقَ إِنْشَاءً وَ ابْتَدَأَهُ ابْتِدَاءً- بِلَا رَوِيَّةٍ أَجَالَهَا وَ لَا تَجْرِبَةٍ اسْتَفَادَهَا

____________

(1) الخطبة الأولى. و كتاب عيون الحكمة مخطوط.

(2) الفطن: جمع فطنة. و غوصها: استغراقها في بحر المعقولات.

(3) هذه الجملة ليست في غير واحد من النسخ المخطوطة العتيقة و لا في شرحى ابن ميثم و ابن أبي الحديد. و الظاهر أنّها زيادة من النسّاخ و في البحار الطبع المعروف بكمبانيّ خط عليها الكاتب بعد ما كتبها. و ليس لها معنى مستقيما صحيحا الا بتكلف.

301

وَ لَا حَرَكَةٍ أَحْدَثَهَا وَ لَا هَمَامَةِ نَفْسٍ اضْطَرَبَ فِيهَا (1)- أَحَالَ الْأَشْيَاءَ لِأَوْقَاتِهَا وَ لَاءَمَ بَيْنَ مُخْتَلِفَاتِهَا وَ غَرَّزَ غَرَائِزَهَا- وَ أَلْزَمَهَا أَشْبَاحَهَا (2) عَالِماً بِهَا- قَبْلَ ابْتِدَائِهَا مُحِيطاً بِحُدُودِهَا وَ انْتِهَائِهَا- عَارِفاً بِقَرَائِنِهَا وَ أَحْنَائِهَا (3)- ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ فَتْقَ الْأَجْوَاءِ وَ شَقَّ الْأَرْجَاءِ وَ سَكَائِكَ الْهَوَاءِ- فَأَجْرَى‏ (4) فِيهَا مَاءً مُتَلَاطِماً تَيَّارُهُ‏ (5) مُتَرَاكِماً زَخَّارُهُ- حَمَلَهُ عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ الْعَاصِفَةِ- وَ الزَّعْزَعِ الْقَاصِفَةِ فَأَمَرَهَا بِرَدِّهِ- وَ سَلَّطَهَا عَلَى شَدِّهِ وَ قَرَنَهَا إِلَى حَدِّهِ- الْهَوَاءُ مِنْ تَحْتِهَا فَتِيقٌ وَ الْمَاءُ مِنْ فَوْقِهَا دَفِيقٌ ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ رِيحاً اعْتَقَمَ مَهَبَّهَا- وَ أَدَامَ مُرَبَّهَا (6) وَ أَعْصَفَ مَجْرَاهَا- وَ أَبْعَدَ مَنْشَأَهَا- فَأَمَرَهَا بِتَصْفِيقِ الْمَاءِ الزَّخَّارِ وَ إِثَارَةِ مَوْجِ الْبِحَارِ- فَمَخَضَتْهُ مَخْضَ السِّقَاءِ (7) وَ عَصَفَتْ بِهِ عَصْفَهَا بِالْفَضَاءِ- تَرُدُّ أَوَّلَهُ إِلَى آخِرِهِ- وَ سَاجِيَهُ إِلَى مَائِرِهِ حَتَّى عَبَّ عُبَابُهُ‏ (8) وَ رَمَى بِالزَّبَدِ رُكَامُهُ- فَرَفَعَهُ فِي هَوَاءٍ مُنْفَتِقٍ وَ جَوٍّ مُنْفَهِقٍ‏ (9)

____________

(1) همامة نفس- بالفتح- اهتمامها بالامور و قصدها إليه و الاضطراب الحركة و الحركة في الهمامة الانتقال من رأى الى رأى. و الاحالة بمعنى التحويل و النقل.

(2) الاشباح: الاشخاص.

(3) الاحناء جمع حنو- بالكسر- أى الجانب و في كلامه (عليه السلام) دلالة على جواز اطلاق العارف عليه سبحانه.

(4) السكاكة- بالضم- الهواء الملاقى أعناق السماء جمعها سكائك.

(5) التيار: الموج. و المتراكم: ما يكون بعضها فوق بعض، و الزخار الشديد الزخر أى الامتداد و الارتفاع.

(6) أي جعل هبوبها عقيما و الريح العقيم التي لا تلقح سحابا و لا شجرا و كذلك كانت تلك الرياح. و المرب مصدر ميمى من أرب بالمكان مثل ألبّ به اي لازمه «فادام مربها» اى ملازمتها او ان ادام من ادمت الدلو ملاتها. و المرب. بكسر اوله المكان و المحل.

(7) التصفيق: التحريك. و مخضته: حركته بشدة.

(8) الساجى: الساكن. و المائر: الذي يذهب و يجى‏ء او المتحرك مطلقا. و عب اى ارتفع؛ و العباب بالضم معظم الماء و كثرته و ارتفاعه. و الركام: ثبجه و ما تراكم منه بعضه على بعض.

(9) الانفهاق: الاتساع.

302

فَسَوَّى مِنْهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ- جَعَلَ سُفْلَاهُنَّ مَوْجاً مَكْفُوفاً- وَ (1) عُلْيَاهُنَّ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ سَمْكاً مَرْفُوعاً بِغَيْرِ عَمَدٍ يَدْعَمُهَا- وَ لَا دِسَارٍ يَنْتَظِمُهَا (2) ثُمَّ زَيَّنَهَا بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ وَ ضِيَاءِ الثَّوَاقِبِ‏ (3)- وَ أَجْرَى فِيهَا سِرَاجاً مُسْتَطِيراً وَ قَمَراً مُنِيراً- فِي فَلَكٍ دَائِرٍ وَ سَقْفٍ سَائِرٍ وَ رَقِيمٍ مَائِرٍ (4)- ثُمَّ فَتَقَ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ الْعُلَى- فَمَلَأَهُنَّ أَطْوَاراً مِنْ مَلَائِكَتِهِ- مِنْهُمْ سُجُودٌ لَا يَرْكَعُونَ وَ رُكُوعٌ لَا يَنْتَصِبُونَ- وَ صَافُّونَ لَا يَتَزَايَلُونَ- وَ مُسَبِّحُونَ لَا يَسْأَمُونَ‏ (5) لَا يَغْشَاهُمْ نَوْمُ الْعُيُونِ- وَ لَا سَهْوُ الْعُقُولِ وَ لَا فَتْرَةُ الْأَبْدَانِ وَ لَا غَفْلَةُ النِّسْيَانِ- وَ مِنْهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى وَحْيِهِ وَ أَلْسِنَةٌ إِلَى رُسُلِهِ- وَ مُخْتَلِفُونَ بِقَضَائِهِ وَ أَمْرِهِ- وَ مِنْهُمُ الْحَفَظَةُ لِعِبَادِهِ وَ السَّدَنَةُ لِأَبْوَابِ جِنَانِهِ- وَ مِنْهُمُ الثَّابِتَةُ فِي الْأَرَضِينَ السُّفْلَى أَقْدَامُهُمْ- وَ الْمَارِقَةُ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْيَا أَعْنَاقُهُمْ- وَ الْخَارِجَةُ مِنَ الْأَقْطَارِ أَرْكَانُهُمْ- وَ الْمُنَاسِبَةُ لِقَوَائِمِ الْعَرْشِ أَكْتَافُهُمْ- نَاكِسَةٌ دُونَهُ أَبْصَارُهُمْ- مُتَلَفِّعُونَ تَحْتَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ‏ (6) مَضْرُوبَةٌ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَنْ دُونَهُمْ حُجُبُ الْعِزَّةِ- وَ أَسْتَارُ الْقُدْرَةِ لَا يَتَوَهَّمُونَ رَبَّهُمْ بِالتَّصْوِيرِ- وَ لَا يُجْرُونَ عَلَيْهِ صِفَاتِ الْمَصْنُوعِينَ- وَ لَا يَحُدُّونَهُ بِالْأَمَاكِنِ وَ لَا يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالنَّظَائِرِ.

وَ مِنْهَا فِي صِفَةِ خَلْقِ آدَمَ(ع)ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الْأَرْضِ‏ (7)- وَ سَهْلِهَا وَ عَذْبِهَا وَ سَبَخِهَا تُرْبَةً سَنَّهَا بِالْمَاءِ

____________

(1) المكفوف: الممنوع من السيلان.

(2) يدعمها اي يسندها و يحفظها من السقوط. و الدسار: المسمار او الخيوط تشد بها الواح السفينة من ليف و نحوه.

(3) الثواقب: المنيرة المشرقة.

(4) مستطيرا اي منتشر الضياء و هو الشمس. و الرقيم: اسم من أسماء الفلك او هو الكهكشان لانه مرقوم بالكواكب. و المائر المتحرك.

(5) سجود جمع ساجد و كذا ركوع. سئم من الشي‏ء مل منه.

(6) متلفعون من تلفت بالثوب اي التحفت به.

(7) الحزن بالفتح فالسكون: المكان الغليظ الخشن كالجبل. و السبخ ما ملح من الأرض.

303

حَتَّى خَلَصَتْ‏ (1)- وَ لَاطَهَا بِالْبِلَّةِ حَتَّى لَزَبَتْ‏ (2)- فَجَبَلَ مِنْهَا صُورَةً ذَاتَ أَحْنَاءٍ وَ وُصُولٍ‏ (3) وَ أَعْضَاءٍ وَ فُصُولٍ- أَجْمَدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَكَتْ- وَ أَصْلَدَهَا حَتَّى صَلْصَلَتْ‏ (4) لِوَقْتٍ مَعْدُودٍ وَ أَجَلٍ مَعْلُومٍ- ثُمَّ نَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ- فَمَثُلَتْ إِنْسَاناً ذَا أَذْهَانٍ يُجِيلُهَا وَ فِكَرٍ يَتَصَرَّفُ بِهَا- وَ جَوَارِحَ يَخْتَدِمُهَا (5) وَ أَدَوَاتٍ يُقَلِّبُهَا- وَ مَعْرِفَةٍ يَفْرُقُ بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ- وَ الْأَذْوَاقِ وَ الْمَشَامِّ وَ الْأَلْوَانِ وَ الْأَجْنَاسِ- مَعْجُوناً بِطِينَةِ الْأَلْوَانِ الْمُخْتَلِفَةِ وَ الْأَشْبَاهِ الْمُؤْتَلِفَةِ- وَ الْأَضْدَادِ الْمُتَعَادِيَةِ وَ الْأَخْلَاطِ الْمُتَبَايِنَةِ- مِنَ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ وَ الْبِلَّةِ وَ الْجُمُودِ وَ الْمَسَاءَةِ وَ السُّرُورِ- وَ اسْتَأْدَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ- الْمَلَائِكَةَ وَدِيعَتَهُ لَدَيْهِمْ‏ (6)- وَ عَهَدَ وَصِيَّتَهُ إِلَيْهِمْ فِي الْإِذْعَانِ بِالسُّجُودِ لَهُ- وَ الْخُشُوعِ لِتَكْرِمَتِهِ- فَقَالَ سُبْحَانَهُ‏ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ‏- وَ قَبِيلَهُ اعْتَرَتْهُ الْحَمِيَّةُ- وَ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الشِّقْوَةُ وَ تَعَزَّزَ بِخِلْقَةِ النَّارِ- وَ اسْتَوْهَنَ خَلْقَ الصَّلْصَالِ- فَأَعْطَاهُ اللَّهُ النَّظِرَةَ اسْتِحْقَاقاً لِلسُّخْطَةِ- وَ اسْتِتْمَاماً لِلْبَلِيَّةِ وَ إِنْجَازاً لِلْعِدَةِ- فَقَالَ‏ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى‏ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ‏ (7)

____________

(1) سن الماء: صبه من غير تفريق و اما الصب المتفرق فهو الشن بالمعجمة. و خلصت اى صارت طينة خالصة. و في بعض النسخ من النهج «حتى خضلت بتقديم الضاد المعجمة على اللام اي ابتلت.

(2) لاطها اي خلطها و عجنها. و لزبت- بفتح الزاى- اى التصقت و ثبتت.

(3) الوصول الفصول باعتبار.

(4) اصلدها اي جعلها صلبة. و الصلد من الحجر الصلب الاملس. و قيل صلبت حتّى تسمع لها صلصلة إذا هبت عليها رياح فلذلك سماه اللّه الصلصال.

(5) أي يجعلها في مآربه و اوطارها كالخدم الذين تستعملهم في خدمتك.

(6) أي طلب منها أداءها.

(7) ص: 81 و 82.

304

8- وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ(ع)(1) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَطَنَ خَفِيَّاتِ الْأَمُوُرِ (2)- وَ دَلَّتْ عَلَيْهِ أَعْلَامُ الظُّهُورِ- وَ امْتَنَعَ عَلَى عَيْنِ الْبَصِيرِ فَلَا قَلْبُ مَنْ لَمْ يَرَهُ يُنْكِرُهُ- وَ لَا عَيْنُ مَنْ أَثْبَتَهُ تُبْصِرُهُ- سَبَقَ فِي الْعُلُوِّ فَلَا شَيْ‏ءَ أَعْلَى مِنْهُ- وَ قَرُبَ فِي الدُّنُوِّ فَلَا شَيْ‏ءَ أَقْرَبُ مِنْهُ- فَلَا اسْتِعْلَاؤُهُ بَاعَدَهُ عَنْ شَيْ‏ءٍ مِنْ خَلْقِهِ- وَ لَا قُرْبُهُ سَاوَاهُمْ فِي الْمَكَانِ بِهِ- لَمْ يُطْلِعِ الْعُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ- وَ لَمْ يَحْجُبْهَا عَنْ وَاجِبِ مَعْرِفَتِهِ- فَهُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ أَعْلَامُ الْوُجُودِ عَلَى إِقْرَارِ قَلْبِ ذِي الْجُحُودِ (3) تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْمُشَبِّهُونَ بِهِ وَ الْجَاحِدُونَ لَهُ عُلُوّاً كَبِيراً.

9-

وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ(ع)(4) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ تَسْبِقْ لَهُ حَالٌ حَالًا (5)- فَيَكُونَ أَوَّلًا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِراً وَ يَكُونَ ظَاهِراً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ بَاطِناً (6)- وَ كُلُّ مُسَمًّى بِالْوَحْدَةِ غَيْرُهُ قَلِيلٌ‏ (7)- وَ كُلُّ عَزِيزٍ غَيْرُهُ ذَلِيلٌ- وَ كُلُّ قَوِيٍّ غَيْرُهُ ضَعِيفٌ- وَ كُلُّ مَالِكٍ غَيْرُهُ مَمْلُوكٌ- وَ كُلُّ عَالِمٍ غَيْرُهُ مُتَعَلِّمٌ- وَ كُلُّ قَادِرٍ غَيْرُهُ يَقْدِرُ وَ يعجزه [يَعْجِزُ- وَ كُلُّ سَمِيعٍ غَيْرُهُ يَصَمُّ عَنْ لَطِيفِ الْأَصْوَاتِ وَ يُصِمُّهُ كَبِيرُهَا- وَ يَذْهَبُ عَنْهُ مَا بَعُدَ مِنْهَا- وَ كُلُّ بَصِيرٍ غَيْرُهُ يَعْمَى عَنْ خَفِيِّ الْأَلْوَانِ وَ لَطِيفِ الْأَجْسَامِ- وَ كُلُّ ظَاهِرٍ غَيْرُهُ غَيْرُ بَاطِنٍ- وَ كُلُّ بَاطِنٍ غَيْرُهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ- لَمْ يَخْلُقْ‏

____________

(1) النهج تحت رقم 49.

(2) بطنت الامر أي عرفت باطنه.

(3) الجحود: الانكار مع العلم، و ظاهر الكلام أن انكار الجاحد مقصور على اللسان و لا ينكر أحد وجود الصانع بالقلب لظهور الأدلة.

(4) النهج تحت رقم 63.

(5) لانه سبحانه ليس زمانيا و كذلك صفاته التي هي عين ذاته فلا يلحقها التقدّم و التأخر.

(6) أي العالم ببواطن الأشياء.

(7) أي متصف بالقلة. و وصف غيره سبحانه بالوحدة تقليل له و في ذاته تعالى مشعر بعلو الذات عن التركيب المشعر بلزوم الانحلال و تفردها بالعظمة و السلطان.

305

مَا خَلَقَهُ لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ- وَ لَا تَخَوُّفٍ مِنْ عَوَاقِبِ زَمَانٍ- وَ لَا اسْتِعَانَةٍ عَلَى نِدٍّ مُثَاوِرٍ وَ لَا شَرِيكٍ مُكَاثِرٍ (1) وَ لَا ضِدٍّ مُنَافِرٍ- وَ لَكِنْ خَلَائِقُ مَرْبُوبُونَ وَ عِبَادٌ دَاخِرُونَ- لَمْ يَحْلُلْ فِي الْأَشْيَاءِ فَيُقَالَ هُوَ فِيهَا كَائِنٌ- وَ لَمْ يَنْأَ عَنْهَا فَيُقَالَ هُوَ مِنْهَا بَائِنٌ- لَمْ يَؤُدْهُ خَلْقُ مَا ابْتَدَأَ (2) وَ لَا تَدْبِيرُ مَا ذَرَأَ- وَ لَا وَقَفَ بِهِ عَجْزٌ عَمَّا خَلَقَ- وَ لَا وَلَجَتْ عَلَيْهِ شُبْهَةٌ فِيمَا قَضَى وَ قَدَّرَ- بَلْ قَضَاءٌ مُتْقَنٌ وَ عِلْمٌ مُحْكَمٌ وَ أَمْرٌ مُبْرَمٌ‏ (3) الْمَأْمُولُ مَعَ النِّقَمِ- الْمَرْهُوبُ مَعَ النِّعَمِ.

10- وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ(ع)(4) الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ- وَ الْخَالِقِ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ (5) الَّذِي لَمْ يَزَلْ قَائِماً دَائِماً إِذْ لَا سَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ- وَ لَا حُجُبٌ ذَاتُ إِرْتَاجٍ وَ لَا لَيْلٌ دَاجٍ- وَ لَا بَحْرٌ سَاجٍ‏ (6) وَ لَا جَبَلٌ ذُو فِجَاجٍ- وَ لَا فَجٌّ ذُو اعْوِجَاجٍ- وَ لَا أَرْضٌ ذَاتُ مِهَادٍ (7)- وَ لَا خَلْقٌ ذُو اعْتِمَادٍ- ذَلِكَ مُبْتَدِعُ الْخَلْقِ وَ وَارِثُهُ- وَ إِلَهُ الْخَلْقِ وَ رَازِقُهُ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ دَائِبَانِ فِي مَرْضَاتِهِ- يُبْلِيَانِ‏ (8) كُلَّ جَدِيدٍ وَ يُقَرِّبَانِ كُلَّ بَعِيدٍ- قَسَّمَ أَرْزَاقَهُمْ وَ أَحْصَى آثَارَهُمْ وَ أَعْمَالَهُمْ- وَ عَدَدَ أَنْفَاسِهِمْ وَ خَائِنَةَ أَعْيُنِهِمْ- وَ مَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ مِنَ‏

____________

(1) الند المثل و النظير. و المثاور: المواثب و المحارب. و الشريك المكاثر أي المفاخر بالكثرة و الذي يريد الغلبة بالكثرة. و المنافرة أيضا المفاخرة.

(2) آده الامر أي أثقله.

(3) أبرم الحبل أي جعله طاقين ثمّ قتله.

(4) النهج تحت رقم 88.

(5) الروية الفكر و امعان النظر.

(6) الارتاج جمع رتج- بالتحريك- أى الباب العظيم. و الداجى: المظلم. و الساجى: الساكن. و الفجاج: جمع فج و هو الطريق الواسع بين جبلين.

(7) المهاد- ككتاب-: الفراش.

(8) دئب عمله إذا جد و تعب. و ابلاؤهما كل جديد انه يبلى بمضى الأيّام و الشهور و كذلك تقريبهما كل بعيد.

306

الضَّمِيرِ- وَ مُسْتَقَرَّهُمْ وَ مُسْتَوْدَعَهُمْ مِنَ الْأَرْحَامِ وَ الظُّهُورِ- إِلَى أَنْ تَتَنَاهَى بِهِمُ الْغَايَاتُ- هُوَ الَّذِي اشْتَدَّتْ نَقِمَتُهُ عَلَى أَعْدَائِهِ فِي سَعَةِ رَحْمَتِهِ- وَ اتَّسَعَتْ رَحْمَتُهُ لِأَوْلِيَائِهِ فِي شِدَّةِ نَقِمَتِهِ- قَاهِرُ مَنْ عَازَّهُ وَ مُدَمِّرُ مَنْ شَاقَّهُ- وَ مُذِلُّ مَنْ نَاوَاهُ‏ (1) وَ غَالِبُ مَنْ عَادَاهُ وَ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ وَ مَنْ سَأَلَهُ أَعْطَاهُ- وَ مَنْ أَقْرَضَهُ قَضَاهُ وَ مَنْ شَكَرَهُ جَزَاهُ.

11- وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ(ع)(2) الْحَمْدُ لِلَّهِ خَالِقِ الْعِبَادِ وَ سَاطِحِ الْمِهَادِ- وَ مُسِيلِ الْوِهَادِ (3) وَ مُخْصِبِ النِّجَادِ لَيْسَ لِأَوَّلِيَّتِهِ ابْتِدَاءٌ وَ لَا لِأَزَلِيَّتِهِ انْقِضَاءٌ- هُوَ الْأَوَّلُ لَمْ يَزَلْ وَ الْبَاقِي بِلَا أَجَلٍ خَرَّتْ لَهُ الْجِبَاهُ- وَ وَحَّدَتْهُ الشِّفَاهُ حَدَّ الْأَشْيَاءَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهَا إِبَانَةً لَهُ مِنْ شَبَهِهَا لَا تُقَدِّرُهُ الْأَوْهَامُ بِالْحُدُودِ وَ الْحَرَكَاتِ- وَ لَا بِالْجَوَارِحِ وَ الْأَدَوَاتِ- لَا يُقَالُ لَهُ مَتَى وَ لَا يُضْرَبُ لَهُ أَمَدٌ بِحَتَّى- الظَّاهِرُ لَا يُقَالُ لَهُ مِمَّا وَ الْبَاطِنُ لَا يُقَالُ فِيمَا- لَا شَبَحٌ فَيَتَقَضَّى‏ (4) وَ لَا مَحْجُوبٌ فَيُحْوَى- لَمْ يَقْرُبْ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِالْتِصَاقٍ وَ لَمْ يَبْعُدْ عَنْهَا بِافْتِرَاقٍ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ شُخُوصُ لَحْظَةٍ (5) وَ لَا كُرُورُ لَفْظَةٍ- وَ لَا ازْدِلَافُ رَبْوَةٍ (6) وَ لَا

____________

(1) عازه فعزنى أي غالبنى فغلبنى أي قهر من رام مشاركته في شي‏ء من عزته. و و التدمير الاهلاك. و ناواه أي باعده و عاداه و خالفه.

(2) النهج تحت رقم 161.

(3) الوهاد جمع وهدة و هي الأرض المنخفضة. و ساطح المهاد أي جاعله سطحا سهلا.

و النجاد: جمع نجد ما ارتفع منها. و تسييل الوهاد بمياه الامطار و تخصيب النجاد بانواع النبات.

(4) أي ليس بجسم حتّى يتطرق إليه الفناء. و قوله «و لا محجوب فيحوى» المحجوب الذي ستره جسم فيكون الساتر حاويا له.

(5) أي امتداد بصر بلا حركة من جفن.

(6) ازدلاف الربوة: تقربها من النظر. أى تقدمها في النظر فان الربوة أول ما يقع في العين من الأرض عند مد البصر.

307

انْبِسَاطُ خُطْوَةٍ فِي لَيْلٍ دَاجٍ وَ لَا غَسَقٍ سَاجٍ- يَتَفَيَّأُ عَلَيْهِ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ (1)- وَ تَعَقَّبُهُ الشَّمْسُ ذَاتُ النُّورِ (2) فِي الْأُفُولِ وَ الْكُرُورِ (3)- وَ تَقَلُّبِ الْأَزْمِنَةِ وَ الدُّهُورِ- مِنْ إِقْبَالِ لَيْلٍ مُقْبِلٍ وَ إِدْبَارِ نَهَارٍ مُدْبِرٍ (4) قَبْلَ كُلِّ غَايَةٍ وَ مُدَّةٍ- وَ كُلِّ إِحْصَاءٍ وَ عِدَّةٍ- تَعَالَى عَمَّا يَنْحَلُهُ الْمُحَدِّدُونَ مِنْ صِفَاتِ الْأَقْدَارِ (5)- وَ نِهَايَاتِ الْأَقْطَارِ وَ تَأَثُّلِ الْمَسَاكِنِ‏ (6) وَ تَمَكُّنِ الْأَمَاكِنِ- فَالْحَدُّ لِخَلْقِهِ مَضْرُوبٌ وَ إِلَى غَيْرِهِ مَنْسُوبٌ- لَمْ يَخْلُقِ الْأَشْيَاءَ مِنْ أُصُولٍ أَزَلِيَّةٍ- وَ لَا مِنْ أَوَائِلَ أَبَدِيَّةٍ (7) بَلْ خَلَقَ مَا خَلَقَ فَأَقَامَ حَدَّهُ‏ (8)- وَ صَوَّرَ مَا صَوَّرَ فَأَحْسَنَ صُورَتَهُ- لَيْسَ شَيْ‏ءٌ مِنْهُ امْتِنَاعٌ- وَ لَا لَهُ بِطَاعَةِ شَيْ‏ءٍ انْتِفَاعٌ- عِلْمُهُ بِالْأَمْوَاتِ الْمَاضِينَ كَعِلْمِهِ بِالْأَحْيَاءِ الْبَاقِينَ- وَ عِلْمُهُ بِمَا فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَى كَعِلْمِهِ بِمَا فِي الْأَرَضِينَ السُّفْلَى.

12- وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ(ع)(9) لَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ وَ لَا يُغَيِّرُهُ زَمَانٌ- وَ لَا يَحْوِيهِ مَكَانٌ وَ لَا يَصِفُهُ لِسَانٌ- وَ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ الْمَاءِ (10) وَ لَا نُجُومِ السَّمَاءِ- وَ لَا سَوَافِي الرِّيحِ فِي الْهَوَاءِ- وَ لَا دَبِيبُ النَّمْلِ‏

____________

(1) أصل التفيؤ للظل نسخ نور الشمس، و لما كان الظلام بالليل عاما كالضياء بالنهار عبر عن نسخ نور القمر له بالتفيؤ، تشبيها له بنسخ الظل لضياء الشمس.

(2) الضمير في تعقبه راجع الى القمر و يحتمل ان يعود الى الفسق فان الشمس تسوقه من موضع الى موضع.

(3) الافول: المغيب. و الكرور: الرجوع بالشروق.

(4) الغرض بيان علمه تعالى بالجزئيات و أنّه لا يغيب عنه شي‏ء.

(5) أي عما ينسبه المحددون لذاته و المعرفون لها. «من صفات الاقدار» جمع قدر- بسكون الدال- و هو حال الشي‏ء من الطول و العرض و العمق و الصغر و الكبر. قوله:

«نهايات الاقطار» أي نهاية الابعاد الثلاثة.

(6) التأثل: التأصل.

(7) في قوله (عليه السلام) هذا إشارة الى ابطال القول بان الأعيان الثابتات مندرجة في غيب الذات اندراج الشجرة في النواة و اللوازم في الملزومات.

(8) و اقامة حدّ الأشياء: إتقان الحدود على وفق الحكمة من المقادير و الاشكال.

و النهايات و الآجال.

(9) النهج تحت رقم 176.

(10) لا يعزب أي لا يخفى.

308

عَلَى الصَّفَا (1) وَ لَا مَقِيلُ الذَّرِّ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ- يَعْلَمُ مَسَاقِطَ الْأَوْرَاقِ وَ خَفِيَّ طَرْفِ الْأَحْدَاقِ- وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ غَيْرَ مَعْدُولٍ بِهِ‏ (2) وَ لَا مَشْكُوكٍ فِيهِ- وَ لَا مَكْفُورٍ دِينُهُ وَ لَا مَجْحُودٍ تَكْوِينُهُ- شَهَادَةَ مَنْ صَدَقَتْ نِيَّتُهُ وَ صَفَتْ دِخْلَتُهُ‏ (3)- وَ خَلَصَ يَقِينُهُ وَ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ.

13- وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ(ع)(4) فَمِنْهَا لَمْ يُولَدْ سُبْحَانَهُ فَيَكُونَ فِي الْعِزِّ مُشَارَكاً- وَ لَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْرُوثاً هَالِكاً- وَ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ وَقْتٌ وَ لَا زَمَانٌ- وَ لَمْ يَتَعَاوَرْهُ زِيَادَةٌ وَ لَا نُقْصَانٌ- بَلْ ظَهَرَ لِلْعُقُولِ بِمَا أَرَانَا مِنْ عَلَامَاتِ التَّدْبِيرِ الْمُتْقَنِ وَ الْقَضَاءِ الْمُبْرَمِ‏ (5)- فَمِنْ شَوَاهِدِ خَلْقِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ مُوَطَّدَاتٍ بِلَا عَمَدٍ (6) قَائِمَاتٍ بِلَا سَنَدٍ- دَعَاهُنَّ فَأَجَبْنَ طَائِعَاتٍ مُذْعِنَاتٍ غَيْرَ مُتَلَكِّئَاتٍ وَ لَا مُبْطِئَاتٍ‏ (7)- وَ لَوْ لَا إِقْرَارُهُنَّ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ- وَ إِذْعَانُهُنَّ بِالطَّوَاعِيَةِ (8) لَمَا جَعَلَهُنَ‏

____________

(1) السوافى الريح جمع سافية من سفت الريح التراب و الورق أي حملته. و الصفا مقصورا- جمع صفاة- و هي الحجر الاملس. و الذر صغار النمل و الذرة واحدة منها، و مقيلها محل استراحتها، و التخصيص بالصفا لعدم التأثير بالدبيب كالتراب اذ يمكن في التراب و نحوه ان يعلم الدييب بالاثر.

(2) عدل باللّه أي جعل له عديلا و نظيرا.

(3) الدخلة- بالكسر و الضم- باطن الامر.

(4) النهج تحت رقم 180.

(5) تعاور القوم أي اختلفوا و تناوبوا. و تعاور الزيادة و النقصان من لواحق الإمكان و لما كان نفى الأمور المذكورة مستلزما لنفى الإمكان و الجسمية أضرب (عليه السلام) عن ظهوره سبحانه على حذو الجسمانيات و الممكنات بظهوره بالآثار و الآيات البينات للعقول لا الحواس و الآلات. و التدبير في حقه سبحانه كون أفعاله على وفق الحكمة و المصلحة لا اجالة الفكر و الروية و المبرم: المحكم.

(6) وطدت الأرض كوعدت أطدها إذا اثبتها بالوطء و غيرها حتّى تتصلب. و توطيد السماوات احكام خلقها و اقامتها في مقامها على وفق الحكمة.

(7) تلكأ: توقف وزنا و معنى.

(8) الطواعية- كثمانية-: الطاعة.

309

مَوْضِعاً لِعَرْشِهِ- وَ لَا مَسْكَناً لِمَلَائِكَتِهِ- وَ لَا مَصْعَداً لِلْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ خَلْقِهِ جَعَلَ نُجُومَهَا أَعْلَاماً يَسْتَدِلُّ بِهِ الْحَيْرَانُ- فِي مُخْتَلِفِ فِجَاجِ الْأَقْطَارِ- لَمْ يَمْنَعْ ضَوْءَ نُورِهَا ادْلِهْمَامُ سُجُفِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ‏ (1)- وَ لَا اسْتَطَاعَتْ جَلَابِيبُ سَوَادِ الْحَنَادِسِ‏ (2)- أَنْ تَرُدَّ مَا شَاعَ فِي السَّمَاوَاتِ مِنْ تَلَأْلُؤِ نُورِ الْقَمَرِ- فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ سَوَادُ غَسَقٍ دَاجٍ وَ لَا لَيْلٍ سَاجٍ- فِي بِقَاعِ الْأَرَضِينَ الْمُتَطَأْطِئَاتِ- وَ لَا فِي يَفَاعِ السُّفْعِ الْمُتَجَاوِرَاتِ‏ (3)- وَ مَا يَتَجَلْجَلُ بِهِ الرَّعْدُ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ- وَ مَا تَلَاشَتْ عَنْهُ بُرُوقُ الْغَمَامِ‏ (4)- وَ مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ تُزِيلُهَا عَنْ مَسْقَطِهَا عَوَاصِفُ الْأَنْوَاءِ- وَ انْهِطَالُ السَّمَاءِ (5) وَ يَعْلَمُ مَسْقَطَ الْقَطْرَةِ وَ مَقَرَّهَا- وَ مَسْحَبَ‏

____________

(1) ادلهمام الظلمة كثافتها و شدتها، و اسود مدلهم مبالغة. و السجف- بالكسر- الستر كالسجف بالفتح.

(2) جلابيب جمع جلباب- بالكسر- ثوب واسع تغطى به المرأة ثيابها من فوق كالملحفة و قيل هو الخمار. و الحنادس جمع حندس- بكسر الحاء- الليل المظلم.

(3) طأطأ رأسه أي خفضه فتطأطأ أي تواضع و انحنى و وصف الأرضين بالمتطأطئات لكونها موطأ للاقدام و تحت السماوات. و اليفاع: التل او مطلق مرتفع الأرض. و السفع جمع سفعاء: السواد تضرب الى الحمرة و المراد الجبال، و الغرض احاطة علمه بالسافل و العالى.

(4) الجلجلة: صوت الرعد. و تلاشت أي اضمحلت أي يعلم ما يصوت به الرعد و ما يضمحل عنه البرق.

(5) العواصف الرياح الشديدة. و الانواء جمع نوء- بالفتح- و هي ثمان و عشرون منزلة ينزل القمر كل ليلة في منزلة منها. و يسقط في المغرب كل ثلاث عشرة ليلة منزلة مع طلوع الفجر و تطلع اخرى مقابلتها ذلك الوقت في المشرق فينقضى جميعها مع انقضاء السنة. و كانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة و طلوع رقيبها يكون مطر و ينسبونه إليها فيقولون مطرنا بنوء كذا، و انما سمى نوعا لانه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق أي نهض و طلع. و قيل: المراد بالنوء الغروب و هو من الاضداد؛ و إضافة العواصف الى الانواء من الإضافة الى الظرف لكثرة هبوب العواصف في أوقات الانواء على مجرى العادة.

310

الذَّرَّةِ وَ مَجَرَّهَا (1)- وَ مَا يَكْفِي الْبَعُوضَةَ مِنْ قُوتِهَا- وَ مَا تَحْمِلُ الْأُنْثَى فِي بَطْنِهَا- وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْكَائِنِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ كُرْسِيٌّ أَوْ عَرْشٌ- أَوْ سَمَاءٌ أَوْ أَرْضٌ أَوْ جَانٌّ أَوْ إِنْسٌ لَا يُدْرَكُ بِوَهْمٍ وَ لَا يُقَدَّرُ بِفَهْمٍ- وَ لَا يَشْغَلُهُ سَائِلٌ وَ لَا يَنْقُصُهُ نَائِلٌ- وَ لَا يَنْظُرُ بِعَيْنٍ وَ لَا يُحَدُّ بِأَيْنٍ- وَ لَا يُوصَفُ بِالْأَزْوَاجِ وَ لَا يُخْلَقُ بِعِلَاجٍ- وَ لَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ وَ لَا يُقَاسُ بِالنَّاسِ- الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيماً- وَ أَرَاهُ مِنْ آيَاتِهِ عَظِيماً- بِلَا جَوَارِحَ وَ لَا أَدَوَاتٍ- وَ لَا نُطْقٍ وَ لَا لَهَوَاتٍ‏ (2)- بَلْ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً أَيُّهَا الْمُتَكَلِّفُ لِوَصْفِ رَبِّكَ- فَصِفْ جَبْرَئِيلَ أَوْ مِيكَائِيلَ وَ جُنُودَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ- فِي حُجُرَاتِ الْقُدُسِ مُرْجَحِنِّينَ- مُتَوَلِّهَةً عُقُولُهُمْ‏ (3) أَنْ يَحُدُّوا أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ- وَ إِنَّمَا يُدْرَكُ بِالصِّفَاتِ ذَوُو الْهَيْئَاتِ وَ الْأَدَوَاتِ وَ مَنْ يَنْقَضِي إِذَا بَلَغَ أَمَدَ حَدِّهِ بِالْفَنَاءِ فَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ- أَضَاءَ بِنُورِهِ كُلَّ ظَلَامٍ وَ أَظْلَمَ بِظُلْمَتِهِ كُلَّ نُورٍ.

14 وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ(ع)(4) فِي التَّوْحِيدِ وَ تَجْمَعُ هَذِهِ الْخُطْبَةُ مِنْ أُصُولِ الْعِلْمِ مَا لَا تَجْمَعُهُ خُطْبَةٌ- فَمِنْهَا مَا وَحَّدَهُ مَنْ كَيَّفَهُ وَ لَا حَقِيقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَّلَهُ- وَ لَا إِيَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّهَهُ- وَ لَا صَمَدَهُ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ وَ تَوَهَّمَهُ‏ (5)- كُلُّ مَعْرُوفٍ بِنَفْسِهِ مَصْنُوعٌ- وَ كُلُّ قَائِمٍ فِي سِوَاهُ مَعْلُولٌ‏ (6) فَاعِلٌ بِلَا اضْطِرَابِ آلَةٍ- مُقَدِّرٌ لَا بِجَوْلِ فِكْرَةٍ غَنِيٌّ لَا بِاسْتِفَادَةٍ- لَا

____________

لا لتاثير النوء في الرياح و الامطار كما كانت تزعمه العرب و كانوا يقولون مطرنا بنوء كذا.

و هطل المطر: نزل متتابعا متفرقا عظيم القطر. و انهطال المطر تتابعه. و المراد بالسماء هنا المطر.

(1) سحبه: جره على وجه الأرض.

(2) اللهوات- جمع لهاة- اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى الفم.

(3) المرجحن- كالمقشعر-: المائل لثقله و المتحرك يمينا و شمالا كناية عن انحنائهن لعظمة اللّه سبحانه. و المتولهة: الحائرة او متخوفة.

(4) النهج تحت رقم 184.

(5) صمده أي قصده.

(6) أي كل ما يحتاج في وجوده و تقومه الى غيره كالاعراض فهو معلول محتاج الى العلة.

311

تَصْحَبُهُ الْأَوْقَاتُ- وَ لَا تَرْفِدُهُ الْأَدَوَاتُ‏ (1) سَبَقَ الْأَوْقَاتَ كَوْنُهُ- وَ الْعَدَمَ وُجُودُهُ وَ الِابْتِدَاءَ أَزَلُهُ- بِتَشْعِيرِهِ الْمَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لَا مَشْعَرَ لَهُ- وَ بِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الْأُمُورِ عُرِفَ أَنْ لَا ضِدَّ لَهُ- وَ بِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لَا قَرِينَ لَهُ- ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ وَ الْوُضُوحَ بِالْبُهْمَةِ- وَ الْجُمُودَ بِالْبَلَلِ وَ الْحَرُورَ بِالصَّرَدِ- مُؤَلِّفٌ بَيْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا مُقَارِنٌ بَيْنَ مُتَبَايِنَاتِهَا- مُقَرِّبٌ بَيْنَ مُتَبَاعِدَاتِهَا- مُفَرِّقٌ بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا لَا يُشْمَلُ بِحَدٍّ- وَ لَا يُحْسَبُ بِعَدٍّ- وَ إِنَّمَا تَحُدُّ الْأَدَوَاتُ أَنْفُسَهَا وَ تُشِيرُ الْآلَاتُ إِلَى نَظَائِرِهَا- مَنَعَتْهَا مُنْذُ الْقِدْمَةَ وَ حَمَتْهَا قَدُ الْأَزَلِيَّةَ (2)- وَ جَنَّبَتْهَا لَوْ لَا التَّكْمِلَةَ (3) بِهَا تَجَلَّى صَانِعُهَا لِلْعُقُولِ- وَ بِهَا امْتَنَعَ عَنْ نَظَرِ الْعُيُونِ‏ (4) لَا يَجْرِي عَلَيْهِ السُّكُونُ وَ الْحَرَكَةُ- وَ كَيْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ- وَ يَعُودُ فِيهِ مَا هُوَ أَبْدَاهُ وَ يَحْدُثُ فِيهِ مَا هُوَ أَحْدَثَهُ- إِذاً لَتَفَاوَتَتْ ذَاتُهُ وَ لَتَجَزَّأَ كُنْهُهُ- وَ لا امتنع [لَامْتَنَعَ مِنَ الْأَزَلِ مَعْنَاهُ- وَ لَكَانَ لَهُ وَرَاءٌ إِذْ وُجِدَ لَهُ أَمَامٌ- وَ لا التمس [لَالْتَمَسَ التَّمَامَ إِذْ لَزِمَهُ النُّقْصَانُ- وَ إِذاً لَقَامَتْ آيَةُ الْمَصْنُوعِ فِيهِ- وَ لَتَحَوَّلَ دَلِيلًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مَدْلُولًا عَلَيْهِ- وَ خَرَجَ بِسُلْطَانِ الِامْتِنَاعِ مِنْ أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهِ مَا يُؤَثِّرُ فِي غَيْرِهِ- الَّذِي لَا يَحُولُ وَ لَا يَزُولُ وَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْأُفُولُ- لَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْلُوداً وَ لَمْ يُولَدْ فَيَصِيرَ مَحْدُوداً- جَلَّ عَنِ اتِّخَاذِ الْأَبْنَاءِ وَ طَهُرَ عَنْ مُلَامَسَةِ النِّسَاءِ- لَا تَنَالُهُ الْأَوْهَامُ فَتُقَدِّرَهُ- وَ لَا تَتَوَهَّمُهُ الْفِطَنُ فَتُصَوِّرَهُ- وَ لَا تُدْرِكُهُ الْحَوَاسُّ فَتُحِسَّهُ- وَ لَا تَلْمِسُهُ الْأَيْدِي فَتَمَسَّهُ‏ (5) وَ لَا يَتَغَيَّرُ بِحَالٍ- وَ لَا يَتَبَدَّلُ فِي الْأَحْوَالِ وَ لَا تُبْلِيهِ اللَّيَالِي وَ

____________

(1) رفده أي أعانه.

(2) حمى الشي‏ء- كرضى- أى منعه.

(3) «لو لا» لا يستعمل الا في ناقص عن بعض الوجوه. كما أن قولك عند نظرك الى المستحسنة من الأشياء و المتوقد من الاذهان: ما أحسنها لو لا أن فيها كذا من قبول الغناء و توقف ادراكها على شروط كثيرة يجنبها و يبعدها عن كونها كاملة.

(4) أي بعقولنا حكمنا بامتناعه عن نظر عيوننا.

(5) لمسه- كنصره- أى أفضى إليه بيده. و مسسته أي لمسته.

312

الْأَيَّامُ‏ (1)- وَ لَا يُغَيِّرُهُ الضِّيَاءُ وَ الظَّلَامُ‏ (2)- وَ لَا يُوصَفُ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْأَجْزَاءِ وَ لَا بِالْجَوَارِحِ وَ الْأَعْضَاءِ- وَ لَا بِعَرَضٍ مِنَ الْأَعْرَاضِ وَ لَا بِالْغَيْرِيَّةِ وَ الْأَبْعَاضِ- وَ لَا يُقَالُ لَهُ حَدٌّ وَ لَا نِهَايَةٌ وَ لَا انْقِطَاعٌ وَ لَا غَايَةٌ- وَ لَا أَنَّ الْأَشْيَاءَ تَحْوِيهِ فَتُقِلَّهُ أَوْ تُهْوِيَهُ‏ (3)- أَوْ أَنَّ شَيْئاً يَحْمِلُهُ فَيُمِيلَهُ أَوْ يُعَدِّلَهُ- وَ لَيْسَ فِي الْأَشْيَاءِ بِوَالِجٍ‏ (4) وَ لَا عَنْهَا بِخَارِجٍ- يُخْبِرُ لَا بِلِسَانٍ وَ لَهَوَاتٍ- وَ يَسْمَعُ لَا بِخُرُوقٍ وَ أَدَوَاتٍ‏ (5) يَقُولُ وَ لَا يَلْفِظُ- وَ يَحْفَظُ وَ لَا يَتَحَفَّظُ وَ يُرِيدُ وَ لَا يُضْمِرُ- يُحِبُّ وَ يَرْضَى مِنْ غَيْرِ رِقَّةٍ- وَ يُبْغِضُ وَ يَغْضَبُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ- يَقُولُ لِمَا أَرَادَ كَوْنَهُ كُنْ فَيَكُونُ- لَا بِصَوْتٍ يَقْرَعُ وَ لَا بِنِدَاءٍ يُسْمَعُ- وَ إِنَّمَا كَلَامُهُ سُبْحَانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ أَنْشَأَهُ- وَ مَثَّلَهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ كَائِناً- وَ لَوْ كَانَ قَدِيماً لَكَانَ إِلَهاً ثَانِياً لَا يُقَالُ كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَتَجْرِيَ عَلَيْهِ الصِّفَاتُ الْمُحْدَثَاتُ- وَ لَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَ بَيْنَهُ فَصْلٌ- وَ لَا لَهُ عَلَيْهَا فَضْلٌ فَيَسْتَوِيَ الصَّانِعُ وَ الْمَصْنُوعُ- وَ يَتَكَافَأَ الْمُبْتَدَعُ وَ الْبَدِيعُ خَلَقَ الْخَلَائِقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ خَلَا مِنْ غَيْرِهِ- وَ لَمْ يَسْتَعِنْ عَلَى خَلْقِهَا بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ- وَ أَنْشَأَ الْأَرْضَ فَأَمْسَكَهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ‏ (6)- وَ أَرْسَاهَا عَلَى غَيْرِ قَرَارٍ وَ أَقَامَهَا بِغَيْرِ قَوَائِمَ وَ رَفَعَهَا بِغَيْرِ دَعَائِمَ وَ حَصَّنَهَا مِنَ الْأَوَدِ وَ الِاعْوِجَاجِ‏ (7)- وَ مَنَعَهَا مِنَ التَّهَافُتِ وَ الِانْفِرَاجِ- أَرْسَى أَوْتَادَهَا وَ ضَرَبَ أَسْدَادَهَا وَ اسْتَفَاضَ عُيُونَهَا (8)- وَ خَدَّ أَوْدِيَتَهَا

____________

(1) لعل المعنى لو صدق اطلاق واحد من هذه الألفاظ عليه سبحانه لصدق البواقي، و لا يصدق عليه شي‏ء منها لاستلزام الجميع الجسمية، و ليس الغرض الاستدلال على نفى بعضها ببعض. و قوله «لا يتغير بحال» أي بتغير الأوصاف كالشباب و الشيب، و لا يتبدل في الأحوال أي لا يصير ظالما في حال الغضب، عادلا في غيره، جوادا في حال بخيلا في غيره.

(2) الظلام- بالفتح- ذهاب النور.

(3) أي لا يحويه جسم حتّى يرتفع بارتفاعه و ينخفض بانخفاضه.

(4) عدله- بالتخفيف و التشديد- اى اقامه و الوالج.

(5) اللهوات- بالفتح- جمع لهاة تقدم معناها أنّها اللحمة في سقف أقصى الغم.

(6) أي لم يشغله امساكها عن غيره من الأمور.

(7) الاعوجاج عطف تفسير على الاود- وزان فرس-.

(8) الاوتاد: جمع وتد. و الأسداد: جمع سد، و المراد بها الجبال. و الخد- بتشديد الدال- الشق.

313

فَلَمْ يَهِنْ مَا بَنَاهُ وَ لَا ضَعُفَ مَا قَوَّاهُ- هُوَ الظَّاهِرُ عَلَيْهَا بِسُلْطَانِهِ وَ عَظَمَتِهِ- وَ هُوَ الْبَاطِنُ لَهَا بِعِلْمِهِ وَ مَعْرِفَتِهِ- وَ الْعَالِي عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ مِنْهَا بِجَلَالِهِ وَ عِزَّتِهِ- لَا يُعْجِزُهُ شَيْ‏ءٌ مِنْهَا طَلَبَهُ وَ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فَيَغْلِبَهُ- وَ لَا يَفُوتُهُ السَّرِيعُ مِنْهَا فَيَسْبِقَهُ- وَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِي مَالٍ فَيَرْزُقَهُ- خَضَعَتِ الْأَشْيَاءُ لَهُ وَ ذَلَّتْ مُسْتَكِينَةً لِعَظَمَتِهِ- لَا تَسْتَطِيعُ الْهَرَبَ مِنْ سُلْطَانِهِ إِلَى غَيْرِهِ فَتَمْتَنِعَ مِنْ نَفْعِهِ وَ ضَرِّهِ- وَ لَا كُفْ‏ءَ لَهُ فَيُكَافِئَهُ- وَ لَا نَظِيرَ لَهُ فَيُسَاوِيَهُ وَ هُوَ الْمُفْنِي لَهَا بَعْدَ وُجُودِهَا- حَتَّى يَصِيرَ مَوْجُودُهَا كَمَفْقُودِهَا- وَ لَيْسَ فَنَاءُ الدُّنْيَا بَعْدَ ابْتِدَاعِهَا بِأَعْجَبَ مِنْ إِنْشَائِهَا وَ اخْتِرَاعِهَا- وَ كَيْفَ وَ لَوِ اجْتَمَعَ جَمِيعُ حَيَوَانِهَا مِنْ طَيْرِهَا وَ بَهَائِمِهَا- وَ مَا كَانَ مِنْ مُرَاحِهَا وَ سَائِمِهَا وَ أَصْنَافِ أَسْنَاخِهَا (1) وَ أَجْنَاسِهَا- وَ مُتَبَلِّدَةِ أُمَمِهَا وَ أَكْيَاسِهَا (2)- عَلَى إِحْدَاثِ بَعُوضَةٍ مَا قَدَرَتْ عَلَى إِحْدَاثِهَا- وَ لَا عَرَفَتْ كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى إِيجَادِهَا وَ لَتَحَيَّرَتْ عُقُولُهَا فِي عِلْمِ ذَلِكَ- وَ تَاهَتْ‏ (3) وَ عَجَزَتْ قُوَاهَا وَ تَنَاهَتْ- وَ رَجَعَتْ خَاسِئَةً حَسِيرَةً (4) عَارِفَةً بِأَنَّهَا مَقْهُورَةٌ- مُقِرَّةً بِالْعَجْزِ عَنْ إِنْشَائِهَا مُذْعِنَةً بِالضَّعْفِ عَنْ إِفْنَائِهَا- وَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَعُودُ بَعْدَ فَنَاءِ الدُّنْيَا وَحْدَهُ- لَا شَيْ‏ءَ مَعَهُ كَمَا كَانَ قَبْلَ ابْتِدَائِهَا كَذَلِكَ يَكُونُ بَعْدَ فَنَائِهَا- بِلَا وَقْتٍ وَ لَا مَكَانٍ وَ لَا حِينٍ وَ لَا زَمَانٍ- عُدِمَتْ عِنْدَ ذَلِكَ الْآجَالُ وَ الْأَوْقَاتُ- وَ زَالَتِ السِّنُونَ وَ السَّاعَاتُ- فَلَا شَيْ‏ءَ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ الَّذِي إِلَيْهِ مَصِيرُ جَمِيعِ الْأُمُورِ بِلَا قُدْرَةٍ مِنْهَا كَانَ ابْتِدَاءُ خَلْقِهَا- وَ بِغَيْرِ امْتِنَاعٍ مِنْهَا كَانَ فَنَاؤُهَا وَ لَوْ قَدَرَتْ عَلَى الِامْتِنَاعِ لَدَامَ بَقَاؤُهَا- لَمْ يَتَكَاءَدْهُ صُنْعُ شَيْ‏ءٍ مِنْهَا إِذْ صَنَعَهُ- وَ لَمْ يَؤُدْهُ مِنْهَا خَلْقُ مَا بَرَأَهُ وَ خَلَقَهُ- وَ لَمْ يُكَوِّنْهَا لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ وَ لَا لِخَوْفٍ مِنْ زَوَالٍ‏

____________

(1) مراحها- بضم الميم-: اسم مفعول من اراح الإبل، ردها الى المراح- كالمناخ أى المأوى. و السائم: الراعي. يريد ما كان في مأواه و ما كان في مرعاه. و الاسناخ: الاصناف و الانواع.

(2) المتبلدة: الغيبة. و الاكياس- جمع كيس- و هو الحاذق و العاقل.

(3) تاهت أي تحيرت و ضلت.

(4) الخاسئ: الذليل الصاغر. و قيل هو البعيد ممّا يريده. و الحسير: الكال المعيى.

314

وَ لَا نُقْصَانٍ- وَ لَا لِلِاسْتِعَانَةِ بِهَا عَلَى نِدٍّ مُكَاثِرٍ- وَ لَا لِلِاحْتِرَازِ بِهَا مِنْ ضِدٍّ مُثَاوِرٍ (1) وَ لَا لِلِازْدِيَادِ بِهَا فِي مُلْكِهِ وَ لَا لِمُكَاثَرَةِ شَرِيكٍ فِي شِرْكِهِ- وَ لَا لِوَحْشَةٍ كَانَتْ مِنْهُ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَأْنِسَ إِلَيْهَا- ثُمَّ هُوَ يُفْنِيهَا بَعْدَ تَكْوِينِهَا- لَا لِسَأَمٍ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي تَصْرِيفِهَا وَ تَدْبِيرِهَا وَ لَا لِرَاحَةٍ وَاصِلَةٍ إِلَيْهِ- وَ لَا لِثِقَلِ شَيْ‏ءٍ مِنْهَا عَلَيْهِ- لَا يُمِلُّهُ طُولُ بَقَائِهَا فَيَدْعُوَهُ إِلَى سُرْعَةِ إِفْنَائِهَا- لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ دَبَّرَهَا بِلُطْفِهِ وَ أَمْسَكَهَا بِأَمْرِهِ- وَ أَتْقَنَهَا بِقُدْرَتِهِ- ثُمَّ يُعِيدُهَا بَعْدَ الْفَنَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهَا- وَ لَا اسْتِعَانَةٍ بِشَيْ‏ءٍ مِنْهَا عَلَيْهَا- وَ لَا لِانْصِرَافٍ مِنْ حَالِ وَحْشَةٍ إِلَى حَالِ اسْتِئْنَاسٍ- وَ لَا مِنْ حَالِ جَهْلٍ وَ عَمًى إِلَى عِلْمٍ وَ الْتِمَاسٍ- وَ لَا مِنْ فَقْرٍ وَ حَاجَةٍ إِلَى غِنًى وَ كَثْرَةٍ- وَ لَا مِنْ ذُلٍّ وَ ضَعَةٍ (2) إِلَى عِزٍّ وَ قُدْرَةٍ.

15- وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ(ع)(3) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَظْهَرَ مِنْ آثَارِ سُلْطَانِهِ وَ جَلَالِ كِبْرِيَائِهِ- مَا حَيَّرَ مُقَلَ الْعُيُونِ مِنْ عَجَائِبِ قُدْرَتِهِ‏ (4)- وَ رَدَعَ خَطَرَاتِ هَمَاهِمِ النُّفُوسِ‏ (5) عَنْ عِرْفَانِ كُنْهِ صِفَتِهِ وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ شَهَادَةَ إِيمَانٍ وَ إِيقَانٍ وَ إِخْلَاصٍ وَ إِذْعَانٍ- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- أَرْسَلَهُ وَ أَعْلَامُ الْهُدَى دَارِسَةٌ- وَ مَنَاهِجُ الدِّينِ طَامِسَةٌ (6) فَصَدَعَ بِالْحَقِّ- وَ نَصَحَ لِلْخَلْقِ وَ هَدَى إِلَى الرُّشْدِ وَ أَمَرَ بِالْقَصْدِ ص وَ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً وَ لَمْ يُرْسِلْكُمْ هَمَلًا- عَلِمَ مَبْلَغَ نِعَمِهِ عَلَيْكُمْ وَ أَحْصَى إِحْسَانَهُ إِلَيْكُمْ- فَاسْتَفْتِحُوهُ وَ اسْتَنْجِحُوهُ وَ اطْلُبُوا إِلَيْهِ- وَ اسْتَمِيحُوهُ‏ (7)

____________

(1) الند- بكسر النون و تشديد الدال- المثل و النظير. و المكاثرة: المغالبة بالكثرة. و الثور: الهيجان و الوثب، ثاوره مثاورة و ثوارا أي وثبه.

(2) الضعة- بالفتح- انحطاط الدرجة، ضد الرفعة.

(3) النهج تحت رقم 193.

(4) المقلة هي شحمة العين التي تجمع السواد و البياض.

(5) الهمهمة الكلام الخفى و صوت يسمع و لا يفهم محصوله و قيل: همومها في طلب العلم.

(6) طامسة أي مندرسة و ممحوة. و الصدع الشق.

(7) أي سلوه الفتح و النجاح و هو الفوز بالمقاصد. و استميحوه أي التمسوا منه العطاء.

315

فَمَا قَطَعَكُمْ عَنْهُ حِجَابٌ- وَ لَا أُغْلِقَ عَنْكُمْ دُونَهُ بَابٌ فَإِنَّهُ لَبِكُلِّ مَكَانٍ- وَ فِي كُلِّ حِينٍ وَ أَوَانٍ- وَ مَعَ كُلِّ إِنْسٍ وَ جَانٍّ لَا يَثْلِمُهُ الْعَطَاءُ- وَ لَا يَنْقُصُهُ الْحِبَاءُ (1) وَ لَا يَسْتَنْفِدُهُ سَائِلٌ- وَ لَا يَسْتَقْصِيهِ نَائِلٌ وَ لَا يَلْوِيهِ شَخْصٌ عَنْ شَخْصٍ‏ (2)- وَ لَا يُلْهِيهِ صَوْتٌ عَنْ صَوْتٍ وَ لَا تَحْجُزُهُ هِبَةٌ عَنْ سَلْبٍ- وَ لَا يَشْغَلُهُ غَضَبٌ عَنْ رَحْمَةٍ- وَ لَا تُولِهُهُ رَحْمَةٌ عَنْ عِقَابٍ‏ (3) وَ لَا تَجُنُّهُ الْبُطُونُ عَنِ الظُّهُورِ وَ لَا تَقْطَعُهُ الظُّهُورُ عَنِ الْبُطُونِ- قَرُبَ فَنَأَى‏ (4) وَ عَلَا فَدَنَا- وَ ظَهَرَ فَبَطَنَ‏ (5) وَ بَطَنَ فَعَلَنَ وَ دَانَ وَ لَمْ يُدَنْ- لَمْ يَذْرَأِ الْخَلْقَ بِاحْتِيَالٍ وَ لَا اسْتَعَانَ بِهِمْ لِكَلَالٍ‏ (6).

16- وَ لَهُ(ع)مِنْ خُطْبَةٍ (7) يَعْلَمُ عَجِيجَ الْوُحُوشِ فِي الْفَلَوَاتِ- وَ مَعَاصِيَ الْعِبَادِ فِي الْخَلَوَاتِ- وَ اخْتِلَافَ النِّينَانِ فِي الْبِحَارِ الْغَامِرَاتِ‏ (8)- وَ تَلَاطُمَ الْمَاءِ بِالرِّيَاحِ الْعَاصِفَاتِ.

17- وَ لَهُ(ع)مِنْ خُطْبَةٍ (9) تُعْرَفُ بِخُطْبَةِ الْأَشْبَاحِ هِيَ مِنْ جَلَائِلِ خُطَبِهِ رَوَى مَسْعَدَةُ بْنُ صَدَقَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ(ع)أَنَّ رَجُلًا أَتَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيّاً(ع)فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- صِفْ لَنَا رَبَّنَا لِنَزْدَادَ لَهُ حُبّاً وَ بِهِ مَعْرِفَةً- فَغَضِبَ ع‏

____________

(1) الحباء: العطاء.

(2) أي لا يميله أحد عن غيره.

(3) أي لا تغفله و لا تجعله والها متحيرا.

(4) أي قرب علما و قدرة و لطفا و رحمة فنأى جلالا و عظمة و مجدا.

(5) أي ظهر سبحانه من حيث الآلاء و بطن من حيث الذات «فعلن» أي من حيث السمات و «دان و لم يدن» أي جازى و حاسب، و لم يحاسبه أحد.

(6) ذرأ أي خلق، و الاحتيال: التفكر في العمل.

(7) النهج تحت رقم 196.

(8) العجيج رفع الصوت، و النينان جمع النون و هو الحوت.

(9) النهج تحت رقم: 88.

316

وَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَ هُوَ مُغْضَبٌ‏ (1)- فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ وَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَفِرُهُ الْمَنْعُ وَ الْجُمُودُ (2)- وَ لَا يُكْدِيهِ الْإِعْطَاءُ وَ الْجُودُ إِذْ كُلُّ مُعْطٍ مُسْتَقْصٍ سِوَاهُ- وَ كُلُّ مَانِعٍ مَذْمُومٌ مَا خَلَاهُ‏ (3)- وَ هُوَ الْمَنَّانُ بِفَوَائِدِ النِّعَمِ وَ عَوَائِدِ الْمَزِيدِ وَ الْقِسَمِ‏ (4)- عِيَالُهُ الْخَلَائِقُ ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ وَ قَدَّرَ أَقْوَاتَهُمْ- وَ نَهَجَ سَبِيلَ الرَّاغِبِينَ إِلَيْهِ وَ الطَّالِبِينَ مَا لَدَيْهِ- وَ لَيْسَ بِمَا سُئِلَ بِأَجْوَدَ مِنْهُ بِمَا لَمْ يُسْأَلْ- الْأَوَّلُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلٌ فَيَكُونَ شَيْ‏ءٌ قَبْلَهُ- وَ الْآخِرُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ بَعْدٌ فَيَكُونَ شَيْ‏ءٌ بَعْدَهُ وَ الرَّادِعُ أَنَاسِيَّ الْأَبْصَارِ عَنْ أَنْ تَنَالَهُ أَوْ تُدْرِكَهُ‏ (5)- مَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ دَهْرٌ فَيَخْتَلِفَ مِنْهُ الْحَالُ- وَ لَا كَانَ فِي مَكَانٍ فَيَجُوزَ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ- وَ لَوْ وَهَبَ [مَا تَنَفَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبَالِ وَ ضَحِكَتْ عَنْهُ أَصْدَافُ الْبِحَارِ (6)- مِنْ فِلِزِّ اللُّجَيْنِ وَ الْعِقْيَانِ- وَ نُثَارَةِ الدُّرِّ وَ حَصِيدِ الْمَرْجَانِ- مَا أَثَّرَ ذَلِكَ فِي وُجُودِهِ‏ (7) وَ لَا أَنْفَدَ سَعَةَ مَا عِنْدَهُ- وَ لَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَخَائِرِ

____________

(1) لعل غضبه (عليه السلام) لعلمه بان غرض السائل وصفه بصفات الاجسام كما يزعم أكثر العوام و يناسبه بعض كلمات الخطبة؛ او لانه سأل بيان كنه حقيقته سبحانه او وصفه بصفات أبلغ و ارفع ممّا نطق به الكتاب و الآثار لزعمه أنّه لا يكفى في معرفة اللّه تعالى، و يشعر بذلك بعض ألفاظ الخطبة.

(2) وفر الشي‏ء: أتم و كمل. و لا يكديه اي لا يفقره.

(3) لانه منع على وفق المصلحة.

(4) إضافة الفوائد الى النعم بيانية، و العوائد الى المزيد من قبيل إضافة الموصوف الى الصفة أي عوائده المزيدة على العباد.

(5) أناسى: جمع إنسان، و إنسان العين هو ما يرى وسط الحدقة ممتازا عنها في لونها.

(6) أبدع (عليه السلام) في تسمية انفلاق المعادن عن الجواهر تنفسا. كالحيوان يتنفس فيخرج من صدره الهواء. فان أغلب ما يكون من ذلك بل كله عن تحرك المواد الملتهبة في جوف الأرض الى الخارج و التعبير بالتنفس يناسب تكون المعدنيات من بخار الأرض. كما أبدع أيضا في تسمية انفتاح الصدف عن الدر ضحكا.

(7) العقيان: ذهب الخالص يثمو في معدنه. و نثارة الدر- بالضم- ما تناثر منه.

و حصيد المرجان: محصوده و ذلك إشارة الى أن المرجان نبات. و أنفده بمعنى أفناه.

317

الْأَنْعَامِ مَا لَا تُنْفِدُهُ مَطَالِبُ الْأَنَامِ- لِأَنَّهُ الْجَوَادُ الَّذِي لَا يَغِيضُهُ سُؤَالُ السَّائِلِينَ‏ (1) وَ لَا يُبْخِلُهُ إِلْحَاحُ الْمُلِحِّينَ.

- وَ مِنْهَا لَا تُقَدِّرْ عَظَمَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِكَ فَتَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ- هُوَ الْقَادِرُ الَّذِي إِذَا ارْتَمَتِ الْأَوْهَامُ‏ (2) لِتُدْرِكَ مُنْقَطَعَ قُدْرَتِهِ- وَ حَاوَلَ الْفِكْرُ الْمُبَرَّأُ مِنْ خَطْرِ الْوَسَاوِسِ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ فِي عَمِيقَاتِ غُيُوبِ مَلَكُوتِهِ‏ (3)- وَ تَوَلَّهَتِ الْقُلُوبُ إِلَيْهِ لِتَجْرِيَ فِي كَيْفِيَّاتِ صِفَاتِهِ- وَ غَمَضَتْ‏ (4) مَدَاخِلُ الْعُقُولِ فِي حَيْثُ لَا تَبْلُغُهُ الصِّفَاتُ- لِتَنَالَ عِلْمَ ذَاتِهِ رَدَعَهَا وَ هِيَ تَجُوبُ مَهَاوِيَ سُدَفِ الْغُيُوبِ مُتَخَلِّصَةً إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ‏ (5)- فَرَجَعَتْ إِذْ جُبِهَتْ مُعْتَرِفَةً- بِأَنَّهُ لَا يُنَالُ بِجَوْرِ الِاعْتِسَافِ كُنْهُ مَعْرِفَتِهِ‏ (6)- وَ لَا يَخْطُرُ بِبَالِ أُولِي الرَّوِيَّاتِ خَاطِرَةٌ مِنْ تَقْدِيرِ جَلَالِ عِزَّتِه- الَّذِي ابْتَدَعَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ امْتَثَلَهُ- وَ لَا مِقْدَارٍ

____________

(1) أي لا يغيضه، من أغاضه اللّه. و في بعض نسخ النهج المخطوطة «يغيظه». و الح في السؤال أي بالغ فيه.

(2) ارتمت الاوهام أي ذهبت أمام الأفكار. و ارتمى مطاوع رمى يقال: رماه فارتمى الصيد رماه، ارتمت به البلاد: اخرجته. و الاوهام خطرات القلب. و منقطع قدرته أي موضع الانقطاع.

(3) المراد بملكوته عزه و سلطانه. و تولهت أي اشتدت عشقها و حنت إليه.

(4) غمض الشي‏ء- بفتح الغين المعجمة- أى خفى مأخذه، و مداخل العقل طرق الفكر.

(5) أي ردها، و الجملة جزاء للشرط السابق قوله «إذا ارتمت»، و الضمير المنصوب راجع الى الاوهام و غيرها. و الواد للحال. و تجوب اي تقطع. و المهاوى جمع مهواة و هى الحفرة أو ما بين الجبلين و يراد بها المهلكة. و السدف جمع سدفة و هي القطعة من الليل المظلم. و متخلصة اي متوجهة إليه. و جبهه كمنعه- اى ضرب جبهته.

(6) الجور: العدول عن الطريق، و الاعتساف قطع المسافة على غير جادة معلومة و المراد بجور اعتسافها شدة جولانها في ذلك الملك الذي لا جادة له و لا يفضى الى المقصود.

318

احْتَذَى عَلَيْهِ مِنْ خَالِقٍ مَعْبُودٍ كَانَ قَبْلَهُ‏ (1)- وَ أَرَانَا مِنْ مَلَكُوتِ قُدْرَتِهِ- وَ عَجَائِبِ مَا نَطَقَتْ بِهِ آثَارُ حِكْمَتِهِ- وَ اعْتِرَافِ الْحَاجَةِ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى أَنْ يُقِيمَهَا بِمِسَاكِ قُوَّتِهِ‏ (2) مَا دَلَّنَا بِاضْطِرَارِ قِيَامِ الْحُجَّةِ لَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ- وَ ظَهَرَتْ فِي الْبَدَائِعِ الَّتِي أَحْدَثَهَا آثَارُ صَنْعَتِهِ وَ أَعْلَامُ حِكْمَتِهِ- فَصَارَ كُلُّ مَا خَلَقَ حُجَّةً لَهُ وَ دَلِيلًا عَلَيْهِ- وَ إِنْ كَانَ خَلْقاً صَامِتاً فَحُجَّتُهُ بِالتَّدْبِيرِ نَاطِقَةٌ وَ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمُبْدِعِ قَائِمَةٌ- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مَنْ شَبَّهَكَ بِتَبَايُنِ أَعْضَاءِ خَلْقِكَ- وَ تَلَاحُمِ حِقَاقِ مَفَاصِلِهِمُ الْمُحْتَجِبَةِ لِتَدْبِيرِ حِكْمَتِكَ‏ (3) لَمْ يَعْقِدْ غَيْبَ ضَمِيرِهِ عَلَى مَعْرِفَتِكَ- وَ لَمْ يُبَاشِرْ قَلْبَهُ الْيَقِينُ بِأَنَّهُ لَا نِدَّ لَكَ- وَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ تَبَرُّؤَ التَّابِعِينَ مِنَ الْمَتْبُوعِينَ- إِذْ يَقُولُونَ‏ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ- إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ‏- كَذَبَ الْعَادِلُونَ بِكَ‏ (4) إِذْ شَبَّهُوكَ بِأَصْنَامِهِمْ- وَ نَحَلُوكَ حِلْيَةَ الْمَخْلُوقِينَ بِأَوْهَامِهِمْ‏ (5)- وَ جَزَّءُوكَ تَجْزِئَةَ الْمُجَسَّمَاتِ بِخَوَاطِرِهِمْ- وَ قَدَّرُوكَ عَلَى الْخِلْقَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْقُوَى بِقَرَائِحِ عُقُولِهِمْ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مَنْ سَاوَاكَ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ خَلْقِكَ فَقَدْ عَدَلَ بِكَ- وَ الْعَادِلُ بِكَ كَافِرٌ بِمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ مُحْكَمَاتُ آيَاتِكَ- وَ نَطَقَتْ عَنْهُ شَوَاهِدُ حُجَجِ بَيِّنَاتِكَ- وَ إِنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَمْ تَتَنَاهَ فِي الْعُقُولِ- فَتَكُونَ فِي مَهَبِّ فِكْرِهَا مُكَيَّفاً- وَ لَا فِي رَوِيَّاتِ خَوَاطِرِهَا فَتَكُونَ مَحْدُوداً مُصَرَّفاً (6).

____________

(1) احتذى عليه اي قاس و طبق عليه. و في بعض نسخ النهج «خالق معهود».

(2) بمستاك قوته- بالكسر- ما يمسك به. و الموصول في «ما دلنا» مفعول ثان لارانا و فيه دلالة على احتياج الباقي في بقائه الى مؤثر.

(3) التلاحم التلاصق. و الحقاق- بالكسر- جمع حق- بالضم- و هي في الأصل وعاء من خشب. و حقاق المفاصل النقر التي يرتكز فيها العظام. و احتجابها استتارها بالجلد و اللحم و الجار في قوله (عليه السلام) «لتدبر حكمتك» متعلق بالمحتجبة اي المستورة للتدبير الذي اقتضته الحكمة، و المراد من شبهه بالانسان و نحوه.

(4) أي الذين عدلوا بك غيرك و شبهوك به.

(5) نحلوك أي اعطوك، و حلية المخلوقين صفاتهم الخاصّة بهم.

(6) أي محاطا بالحدود.

319

- وَ مِنْهَا قَدَّرَ مَا خَلَقَ فَأَحْكَمَ تَقْدِيرَهُ وَ دَبَّرَهُ فَأَلْطَفَتْ تَدْبِيرَهُ- وَ وَجَّهَهُ لِوِجْهَتِهِ- فَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِهِ- وَ لَمْ يَقْصُرْ دُونَ الِانْتِهَاءِ إِلَى غَايَتِهِ- وَ لَمْ يَسْتَصْعِبْ إِذْ أُمِرَ بِالْمُضِيِّ عَلَى إِرَادَتِهِ- وَ كَيْفَ صَدَرَتِ الْأُمُورُ عَنْ مَشِيَّتِهِ- الْمُنْشِئُ أَصْنَافَ الْأَشْيَاءِ بِلَا رَوِيَّةِ فِكْرٍ آلَ إِلَيْهَا- وَ لَا قَرِيحَةِ غَرِيزَةٍ أَضْمَرَ عَلَيْهَا- وَ لَا تَجْرِبَةٍ أَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ الدُّهُورِ- وَ لَا شَرِيكٍ أَعَانَهُ عَلَى ابْتِدَاعِ عَجَائِبِ الْأُمُورِ- فَتَمَّ خَلْقُهُ وَ أَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ وَ أَجَابَ إِلَى دَعْوَتِهِ وَ لَمْ يَعْتَرِضْ دُونَهُ رَيْثُ الْمُبْطِئِ وَ لَا أَنَاةُ الْمُتَلَكِّئِ- (1) فَأَقَامَ مِنَ الْأَشْيَاءِ أَوَدَهَا وَ نَهَجَ حُدُودَهَا- وَ لَاءَمَ بِقُدْرَتِهِ بَيْنَ مُتَضَادِّهَا- وَ وَصَلَ أَسْبَابَ قَرَائِنِهَا (2)- وَ فَرَّقَهَا أَجْنَاساً مُخْتَلِفَاتٍ فِي الْحُدُودِ وَ الْأَقْدَارِ- وَ الْغَرَائِزِ وَ الْهَيْئَاتِ- بَدَايَا خَلَائِقَ أَحْكَمَ صُنْعَهَا- وَ فَطَرَهَا عَلَى مَا أَرَادَ وَ ابْتَدَعَهَا.

- وَ مِنْهَا فِي صِفَةِ السَّمَاءِ وَ نَظَمَ بِلَا تَعْلِيقٍ رَهَوَاتِ فُرَجِهَا- وَ لَاحَمَ صُدُوعَ انْفِرَاجِهَا- وَ وَشَّجَ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ أَزْوَاجِهَا- وَ ذَلَّلَ لِلْهَابِطِينَ بِأَمْرِهِ وَ الصَّاعِدِينَ بِأَعْمَالِ خَلْقِهِ- حُزُونَةَ مِعْرَاجِهَا (3) وَ نَادَاهَا بَعْدَ إِذْ هِيَ دُخَانٌ- فَالْتَحَمَتْ عُرَى أَشْرَاجِهَا (4)- وَ فَتَقَ بَعْدَ الِارْتِتَاقِ صَوَامِتَ‏

____________

(1) الريث البطوء، و الاناة- كقناة- اسم من التأنى في الامر أي تمكث و لم يعجل و التلكؤ: التوقف و المعنى نفى الريث و الاناة عن الأشياء في اجابة الدعوة و الاذعان للطاعة.

(2) القرائن النفوس المقرونة بالابدان و اعتدال المزاج سبب بقاء الروح أي وصل أسباب أنفسها بتعديل أمزجتها.

(3) الرهوات جمع الرهوة و هي المكان المرتفع و المنخفض و نظمها تصفيتها. قال ابن الأثير في النهاية في حديث على «ع»: و نظم رهوات فرجها أي المواضع المتفتحة منها و هو مأخوذ من قولهم رها رجليه رهوا أي فتح. و لاحم أي ألصق. و الصدوع جمع صدع و هو الشق و إضافة الصدوع الى الانفراج من إضافة الخاص الى العام. و وشج بينها أي شبك الهابطين و الساعدين الأرواح العلوية و السفلية. و الحزونة: الصعوبة.

(4) التهمت عرى اشراجها: الاشراج جمع شرج و هي مقبض الكوز، و الدلو.

و تسمى مجرة السماء شرجا تشبيها بشرج العيبة، و اشراج الوادى ما انفسح منه.

320

أَبْوَابِهَا- وَ أَقَامَ رَصَداً مِنَ الشُّهُبِ الثَّوَاقِبِ عَلَى نِقَابِهَا- وَ أَمْسَكَهَا مِنْ أَنْ تُمُورَ فِي خَرْقِ الْهَوَاءِ بِأَيْدِهِ‏ (1)- وَ أَمَرَهَا أَنْ تَقِفَ مُسْتَسْلِمَةً لِأَمْرِهِ- وَ جَعَلَ شَمْسَهَا آيَةً مُبْصِرَةً لِنَهَارِهَا- وَ قَمَرَهَا آيَةً مَمْحُوَّةً مِنْ لَيْلِهَا- فَأَجْرَاهُمَا فِي مَنَاقِلِ مَجْرَاهُمَا- وَ قَدَّرَ سَيْرَهُمَا فِي مَدَارِجِ دَرَجِهِمَا- لِتُمَيِّزَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ بِهِمَا- وَ لِيُعْلَمَ عَدَدُ السِّنِينَ وَ الْحِسَابُ بِمَقَادِيرِهِمَا- ثُمَّ عَلَّقَ فِي جَوِّهَا فَلَكَهَا- وَ نَاطَ بِهَا زِينَتَهَا مِنْ خَفِيَّاتِ دَرَارِيِّهَا (2) وَ مَصَابِيحِ كَوَاكِبِهَا- وَ رَمَى مُسْتَرِقِي السَّمْعِ بِثَوَاقِبِ شُهُبِهَا- وَ أَجْرَاهَا عَلَى أَذْلَالِ تَسْخِيرِهَا- مِنْ ثَبَاتِ ثَابِتِهَا وَ مَسِيرِ سَائِرِهَا- وَ هُبُوطِهَا وَ صُعُودِهَا وَ نُحُوسِهَا وَ سُعُودِهَا.

- وَ مِنْهَا فِي صِفَةِ الْمَلَائِكَةِ(ع)ثُمَّ خَلَقَ سُبْحَانَهُ لِإِسْكَانِ سَمَاوَاتِهِ- وَ عِمَارَةِ الصَّفِيحِ الْأَعْلَى‏ (3) مِنْ مَلَكُوتِهِ خَلْقاً بَدِيعاً مِنْ مَلَائِكَتِهِ- مَلَأَ بِهِمْ فُرُوجَ فِجَاجِهَا وَ حَشَا بِهِمْ فُتُوقَ أَجْوَائِهَا- وَ بَيْنَ فَجَوَاتِ تِلْكَ الْفُرُوجِ زَجَلُ الْمُسَبِّحِينَ مِنْهُمْ- فِي حَظَائِرِ الْقُدُسِ‏ (4) وَ سُتُرَاتِ الْحُجُبِ وَ سُرَادِقَاتِ الْمَجْدِ- وَ وَرَاءَ ذَلِكَ الرَّجِيجِ الَّذِي تَسْتَكُّ مِنْهُ الْأَسْمَاعُ سُبُحَاتُ نُورٍ- تَرْدَعُ الْأَبْصَارَ عَنْ بُلُوغِهَا (5)- فَتَقِفُ خَاسِئَةً عَلَى حُدُودِهَا- أَنْشَأَهُمْ عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَاتٍ وَ أَقْدَارٍ مُتَفَاوِتَاتٍ- أُولِي أَجْنِحَةٍ تُسَبِّحُ جَلَالَ عِزَّتِهِ- لَا يَنْتَحِلُونَ مَا ظَهَرَ فِي الْخَلْقِ مِنْ‏

____________

(1) و أمسكها من أن تمور أي تضطرب في الهواء. «بأيده» أي بقوته.

(2) دراريها: كواكبها و أقمارها.

(3) الصفيح: السماء.

(4) الزجل: رفع الصوت. و الحظائر: جمع حظيرة و هي الموضع الذي يحاط عليه لتأوى إليه الغنم، و الإبل توقيا من البرد و الريح و هو مجاز هاهنا عن المقامات المقدّسة للأرواح الطاهرة.

(5) الرجيج: الاضطراب و الزلزلة و فسروا السبحات بالنور و البهاء و الجلال و العظمة و قيل: سبحات الوجه محاسنه لانك إذا رأيت الوجه. الحسن. قلت سبحان اللّه، و لعلّ المراد بها الأنوار التي تحجب الابصار، و يعبر عنها بالحجب.

321

صُنْعِهِ- وَ لَا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ شَيْئاً مَعَهُ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ- بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ‏- جَعَلَهُمْ فِيمَا هُنَالِكَ أَهْلَ الْأَمَانَةِ عَلَى وَحْيِهِ- وَ حَمَّلَهُمْ إِلَى الْمُرْسَلِينَ- وَدَائِعَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ وَ عَصَمَهُمْ مِنْ رَيْبِ الشُّبُهَاتِ- فَمَا مِنْهُمْ زَائِغٌ مِنْ سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ- وَ أَمَدَّهُمْ بِفَوَائِدِ الْمَعُونَةِ- وَ أَشْعَرَ قُلُوبَهُمْ تَوَاضُعَ إِخْبَاتِ السَّكِينَةِ (1) وَ فَتَحَ لَهُمْ أَبْوَاباً ذُلُلًا إِلَى تَمَاجِيدِهِ‏ (2)- وَ نَصَبَ لَهُمْ مَنَاراً وَاضِحَةً عَلَى أَعْلَامِ تَوْحِيدِهِ لَمْ تُثْقِلْهُمْ مَوْصِرَاتُ الْآثَامِ‏ (3)- وَ لَمْ تَرْتَحِلْهُمْ عُقَبُ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامِ- وَ لَمْ تَرْمِ الشُّكُوكُ بِنَوَازِعِهَا عَزِيمَةَ إِيمَانِهِمْ- وَ لَمْ تَعْتَرِكِ الظُّنُونُ عَلَى مَعَاقِدِ يَقِينِهِمْ‏ (4)- وَ لَا قَدَحَتْ قَادِحَةُ الْإِحَنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ- وَ لَا سَلَبَتْهُمُ الْحَيْرَةُ مَا لَاقَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِضَمَائِرِهِمْ‏ (5)- وَ مَا سَكَنَ مِنْ‏

____________

(1) الشعار من اللباس ما يلبس تحت الدثار، و أخبت الرجل إذا خضع و خشع للّه تعالى.

(2) الذلل بضمتين جمع ذلول و هو ضد الصعب. و فتح الأبواب المذكورة كناية عن سهولة التمجيد لعدم معارضة شيطان أو نفس امارة بالسوء.

(3) موصرات الآثام: مثقلاتها.

(4) رحل البعير و ارتحله حط عليه الرحل و الرحل مركب للبعير. و العقبة- بالضم-:

النوبة و الجمع عقب. أى لم يؤثر فيهم ارتحال الليالى و الأيّام كما يؤثر ارتحال الإنسان البعير في ظهره. و النوازع بالعين المهملة من نزع في القوس إذا جذبها و مدها و نوازع الشكوك الشبهات. و قيل الشهوات. و في بعض نسخ المصدر «النوازغ» بالغين المعجمة من نزغ الشيطان بين القوم إذا أفسد، و يقال نزغه الشيطان أي وسوس إليه. و العزيمة: التصميم و الجزم على رأى. و المعترك موضع العرك أي القتال. اعترك الإبل في الورد ازدحمت.

(5) قدح بالزند- كمنع- رام الايراء به. و الاحن- جمع- احنة و هي الحقد و الحسد و الغضب أي لا يثير الغضب فيما بينهم. و لاق الشي‏ء بغيره: لصق و منه ليقة الدواة لانه يلصق المداد بها و الغرض نفى الحيرة عنهم كالاحنة لأنّها لا تكون إلا عن الشبه و الوسواس. و يحتمل أن يكون المراد بالحيرة الوله لشدة الحب و كمال المعرفة. و سيجي‏ء إثبات الوله لهم في الكلمات الآتية.

322

عَظَمَتِهِ وَ هَيْبَةِ جَلَالَتِهِ فِي أَثْنَاءِ صُدُورِهِمْ‏ (1)- وَ لَمْ تَطْمَعْ فِيهِمُ الْوَسَاوِسُ فَتَقْتَرِعَ بِرَيْنِهَا عَلَى فِكْرِهِمْ- مِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي خَلْقِ الْغَمَامِ الدُّلَّحِ‏ (2)- وَ فِي عِظَمِ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ- وَ فِي قَتْرَةِ الظَّلَامِ الْأَيْهَمِ‏ (3)- وَ مِنْهُمْ مَنْ قَدْ خَرَقَتْ أَقْدَامُهُمْ تُخُومَ الْأَرْضِ السُّفْلَى- فَهِيَ كَرَايَاتٍ بِيضٍ قَدْ نَفَذَتْ فِي مَخَارِقِ الْهَوَاءِ- وَ تَحْتَهَا رِيحٌ هَفَّافَةٌ (4)- تَحْبِسُهَا عَلَى حَيْثُ انْتَهَتْ مِنَ الْحُدُودِ الْمُتَنَاهِيَةِ- قَدِ اسْتَفْرَغَتْهُمْ أَشْغَالُ عِبَادَتِهِ- وَ وَصَلَتْ حَقَائِقُ الْإِيمَانِ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَعْرِفَتِهِ- وَ قَطَعَهُمُ الْإِيقَانُ بِهِ إِلَى الْوَلَهِ إِلَيْهِ- وَ لَمْ تُجَاوِزْ رَغَبَاتُهُمْ مَا عِنْدَهُ إِلَى مَا عِنْدَ غَيْرِهِ- قَدْ ذَاقُوا حَلَاوَةَ مَعْرِفَتِهِ- وَ شَرِبُوا بِالْكَأْسِ الرَّوِيَّةِ مِنْ مَحَبَّتِهِ- وَ تَمَكَّنَتْ مِنْ سُوَيْدَاءِ قُلُوبِهِمْ وَشِيجَةُ خِيفَتِهِ- فَحَنَوْا بِطُولِ الطَّاعَةِ اعْتِدَالَ ظُهُورِهِمْ- وَ لَمْ يُنْفِدْ طُولُ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ مَادَّةَ تَضَرُّعِهِمْ‏ (5)- وَ لَا أَطْلَقَ عَنْهُمْ عَظِيمُ الزُّلْفَةِ رِبَقَ خُشُوعِهِمْ‏

____________

(1) الاثناء- جمع ثنى- بالكسر- أى خلالها.

(2) فتقترع أي تضرب. و الرين بالنون: الطبع، و التغطية، و الدنس، و رانت النفس أى خبثت. و الدلح- جمع دالح و هو الثقيل من السحاب.

(3) الشمخ- بالضم و التشديد- جمع شامخ و هو من الجبل العالى. و القترة- بالضم بيت الصائد يتستر به عند تصييده و يجمع على قتر مثل غرفة و غرف. و الايهم الذي لا يهتدى فيه و منه فلاة يهماء. و في بعض النسخ «الابهم» بالباء الموحدة و هم الملائكة المأمورون بالمطر.

(4) التخوم- بضم التاء- معالم الأرض و حدودها و هي جمع تخم- بالضم-. و مخارق الهواء: المواضع التي تمكنت فيها تلك الرايات بخرق الهواء. و الريح الهفافة: الطيبة الساكنة. و قوله «قد استفرغتهم» أي عن الاشتغال بانفسهم.

(5) قوله «ع» «بالكاس» الباء بمعنى من و الروية أي التي يزيل العطش، و سويداء القلب و سوداؤه حبته. و الوشيجة ليف يفتل ثمّ يشبك بين الخشبتين فينقل عليه البر المحصود و نحوه. وشيجة القوم أي دخلاء فيهم. و الوشيجة أيضا واحدة الوشائج و هي عروق الأذنين.

و حنيت الشي‏ء عطفته. و قوله «ع» «مادة تضرعهم» أي الداعي إليه. فبقدر صعودهم الى مدارج الطاعة يزداد قربهم، و كلما ازداد قربهم ازداد علمهم بعظمة اللّه سبحانه: فلذلك لا ينقص تضرعهم و خشوعهم.

323

وَ لَمْ يَتَوَلَّهُمُ الْإِعْجَابُ‏ (1) فَيَسْتَكْثِرُوا مَا سَلَفَ مِنْهُمْ- وَ لَا تَرَكَتْ لَهُمُ اسْتِكَانَةُ الْإِجْلَالِ نَصِيباً فِي تَعْظِيمِ حَسَنَاتِهِمْ- وَ لَمْ تَجْرِ الْفَتَرَاتُ فِيهِمْ عَلَى طُولِ دُءُوبِهِمْ‏ (2)- وَ لَمْ تَغِضْ رَغَبَاتُهُمْ فَيُخَالِفُوا عَنْ رَجَاءِ رَبِّهِمْ- وَ لَمْ تَجِفَّ لِطُولِ الْمُنَاجَاةِ أَسَلَاتُ أَلْسِنَتِهِمْ- وَ لَا مَلَكَتْهُمُ الْأَشْغَالُ فَتَنْقَطِعَ بِهَمْسِ الْجُؤَارِ إِلَيْهِ أَصْوَاتُهُمْ- وَ لَمْ تَخْتَلِفْ فِي مَقَاوِمِ الطَّاعَةِ مَنَاكِبُهُمْ‏ (3) وَ لَمْ يَثْنُوا إِلَى رَاحَةِ التَّقْصِيرِ فِي أَمْرِهِ رِقَابَهُمْ- وَ لَا تَعْدُوا عَلَى عَزِيمَةِ جِدِّهِمْ بَلَادَةُ الْغَفَلَاتِ وَ لَا تَنْتَضِلُ فِي هِمَمِهِمْ خَدَائِعُ الشَّهَوَاتِ‏ (4)- قَدِ اتَّخَذُوا ذَا الْعَرْشِ ذَخِيرَةً لِيَوْمِ فَاقَتِهِمْ وَ يَمَّمُوهُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْخَلْقِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ بِرَغْبَتِهِمْ- لَا يَقْطَعُونَ أَمَدَ غَايَةِ عِبَادَتِهِ- وَ لَا يَرْجِعُ بِهِمُ الِاسْتِهْتَارُ بِلُزُومِ طَاعَتِهِ- إِلَّا إِلَى مَوَادَّ مِنْ قُلُوبِهِمْ غَيْرِ مُنْقَطِعَةٍ مِنْ رَجَائِهِ وَ مَخَافَتِهِ‏ (5)- لَمْ تَنْقَطِعْ أَسْبَابُ الشَّفَقَةِ مِنْهُمْ فَيَنُوا فِي جِدِّهِمْ‏ (6)- وَ لَمْ تَأْسِرْهُمُ الْأَطْمَاعُ فَيُؤْثِرُوا

____________

(1) أطلق الاسير أي حل اسره. و الربق- بكسر الراء- جمع ربقة، و تولى الامر تقلده.

(2) الدءوب: التعب.

(3) الاسلات: الاطراف. و الهمس الصوت الخفى. و الجؤار- كغراب- رفع الصوت بالدعاء و التضرع و الاستغاثة أي ليس لهم أشغال خارجة عن العبادة. المراد بمقاوم الطاعة صفوف العبادة و بعدم اختلاف مناكبهم عدم تقدم بعضهم على بعض في الصف أو عدم انحراف صفوفهم.

(4) البلادة ضد الذكاوة و الفطانة و المراد بالخدائع الوساوس الصارفة عن العبادة و انتضالها تواردها و تتابعها.

(5) يمموه أي يقصدوه بالرغبة و الرجاء. و الامد: الغاية، المنتهى، «و يرجع» فعل متعد و لازم تقول رجع زيد و رجعته. و الاستهتار الولوع بالشي‏ء و الحرص عليه. و المادة مشتقة من مد البحر و غيره إذا زاد، و كل ما أعنت به قوما في حرب و غيره فهو مادة لهم. و المراد بالمادة المعين المقوى. و «من» فى قوله «من قلوبهم» ابتدائية؛ أى مواد ناشئة من قلوبهم غير منقطعة، و في قوله «من رجائه» بيانية، فتكون المواد عبارة عن الرجاء و الخوف الباعثين لهم على لزوم الطاعة.

(6) الونى: الفتور و التأنى. و «لم تأسرهم» أي لم تجعلهم أسيرا و هو المقيد و المشدد.

324

وَشِيكَ السَّعْيِ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ‏ (1)- وَ لَمْ يَسْتَعْظِمُوا مَا مَضَى مِنْ أَعْمَالِهِمْ- وَ لَوِ اسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ لَنَسَخَ الرَّجَاءُ مِنْهُمْ شَفَقَاتِ وَجَلِهِمْ- وَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي رَبِّهِمْ بِاسْتِحْوَاذِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ‏ (2)- وَ لَمْ يُفَرِّقْهُمْ سُوءُ التَّقَاطُعِ وَ لَا تَوَلَّاهُمْ غِلُّ التَّحَاسُدِ- وَ لَا شَعَّبَتْهُمْ مَصَارِفُ الرَّيْبِ‏ (3)- وَ لَا اقْتَسَمَتْهُمْ أَخْيَافُ الْهِمَمِ‏ (4)- فَهُمْ أُسَرَاءُ إِيمَانٍ لَمْ يَفُكَّهُمْ مِنْ رِبْقَتِهِ زَيْغٌ- وَ لَا عُدُولٌ وَ لَا وَنًى وَ لَا فُتُورٌ- وَ لَيْسَ فِي أَطْبَاقِ السَّمَاوَاتِ مَوْضِعُ إِهَابٍ- إِلَّا وَ عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ سَاعٍ حَافِدٌ- يَزْدَادُونَ عَلَى طُولِ الطَّاعَةِ بِرَبِّهِمْ عِلْماً- وَ تَزْدَادُ عِزَّةُ رَبِّهِمْ فِي قُلُوبِهِمْ عِظَماً.

- مِنْهَا فِي صِفَةِ الْأَرْضِ وَ دَحْوِهَا عَلَى الْمَاءِ كَبَسَ الْأَرْضَ عَلَى مَوْرِ أَمْوَاجٍ مُسْتَفْحِلَةٍ (5) وَ لُجَجِ بِحَارٍ زَاخِرَةٍ- تَلْتَطِمُ أَوَاذِيُّ أَمْوَاجِهَا وَ تَصْطَفِقُ مُتَقَاذِفَاتِ أَثْبَاجِهَا- وَ تَرْغُو زَبَداً كَالْفُحُولِ عِنْدَ هِيَاجِهَا- (6)

____________

(1) و الايثار الاختيار و الوشيك: القريب و السريع أي ليسوا مأسورين في ربقة الطمع حتى يختاروا السعى القريب في تحصيل المطموع الدنياوى الفانى على اجتهادهم الطويل في تحصيل السعادة الباقية كما يفعله البشر.

(2) استعظام العمل هو العجب المنهى عنه و نسخ الشي‏ء ازالته و ابطاله و المراد بالرجاء تجاوز الحدّ المطلوب منه و يعبر عنه بالاغترار و الشفقات: تارات الخوف و مراته. و الوجل:

الخوف. و الاستحواذ: الاستيلاء.

(3) الغل: الحسد و الحقد. و المصارف: الوجوه و الطرق.

(4) أخياف الهمم أي الهمم المختلفة و أصله من الخيف- محركة- و هو زرقة احدى العينين و سواد الأخرى في الفرس و منه قيل لاخوة الام أخياف لان آباءهم شتّى. و الغرض نفى الاختلاف بينهم و التعادى و التفرق بعروض الريب و اختلاف الهمم.

(5) كبس الرجل رأسه في قميصه إذا أدخله فيه، كبس الأرض أي أدخلها الماء بقوة و اعتماد شديد و موز الامواج تحركها. و استفحل الامر: اشتد و امواج مستفحلة أي هائجة هيجان الفحول و قيل: أى حائلة.

(6) و رغى اللبن صارت له رغوة أي زبد و هو محركة الذي يظهر فوق السيل، الرغاء- بالضم- صوت الإبل و زبدا منصوب بمقدر أي ترغو قاذفة زبدا. و الاواذى جمع آذى و هو.

325

فَخَضَعَ جِمَاحُ الْمَاءِ الْمُتَلَاطِمِ لِثِقَلِ حَمْلِهَا- وَ سَكَنَ هَيْجُ ارْتِمَائِهِ إِذْ وَطِئَتْهُ بِكَلْكَلِهَا وَ ذَلَّ مُسْتَخْذِياً- إِذْ تَمَعَّكَتْ عَلَيْهِ بِكَوَاهِلِهَا- فَأَصْبَحَ بَعْدَ اصْطِخَابِ أَمْوَاجِهِ سَاجِياً مَقْهُوراً- وَ فِي حِكْمَةِ الذُّلِّ مُنْقَاداً أَسِيراً (1)- وَ سَكَنَتِ الْأَرْضُ مَدْحُوَّةً فِي لُجَّةِ تَيَّارِهِ- وَ رَدَّتْ مِنْ نَخْوَةِ بَأْوِهِ وَ اعْتِلَائِهِ- وَ شُمُوخِ أَنْفِهِ وَ سُمُوِّ غُلَوَائِهِ- وَ كَعَمَتْهُ عَلَى كِظَّةِ جَرْيَتِهِ فَهَمَدَ بَعْدَ نَزَقَاتِهِ- وَ لَبَدَ زَيَفَانَ وَثَبَاتِهِ‏ (2)- فَلَمَّا سَكَنَ هَيْجُ الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ أَكْنَافِهَا وَ حَمَلَ شَوَاهِقَ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ الْبُذَّخِ عَلَى أَكْتَافِهَا (3)- فَجَّرَ يَنَابِيعَ الْعُيُونِ مِنْ عَرَانِينِ أُنُوفِهَا- وَ فَرَّقَهَا فِي سُهُوبِ بِيدِهَا وَ أَخَادِيدِهَا- وَ عَدَّلَ حَرَكَاتِهَا بِالرَّاسِيَاتِ مِنْ جَلَامِيدِهَا- (4)

____________

الموج الشديد و أعلى الموج. و الصفق: الضرب يسمع له صوت و اصطفقت الامواج أي ضرب بعضها بعضا. و التقاذف: الترامى بقوة. و ثبج البحر- محركة-: معظمه و وسطه. و اللطم ضرب الخد بالكف و التطمت الامواج ضرب بعضها بعضا.

(1) الكلكل في الأصل: الصدر. استعارة لما لاقى الماء من الأرض. و مستخذيا أي منكسرا مسترخيا. و قوله «اذ تمعكت عليه» مستعار من تمعكت الدابّة أي تمرغت في التراب و المعك الدلك في التراب، و الكاهل ما بين الكتفين. و الاصطخاب افتعال من الصخب و هو ارتفاع الصوت و المراد اضطراب الأصوات. و الساجى الساكن، و الحكمة- محركة حديدة في اللجام تكون على حنك الفرس تمنعه عن مخالفة راكبه.

(2) الدحو: البسط. و التيار: الموج، و اللجة: معظم الماء. و البأو: الكبر و الزهو.

و الغلواء- بضم الغين و فتح اللام-: النشاط و تجاوز الحد. و كعم البعير- كمنع- شد فاه لئلا يعض او يأكل. و الكظة- بالكسر-: ما يعرض من امتلاء البطن بالطعام و لعلّ المراد ما يشاهد في جرى الماء من ثقل الاندفاع. لان كظة الجرية ما يشاهد من الماء الكثير في جريانه من الثقل. همد: ذهب حرارته و النزق و النزقان: الطيش. و لبد- كفرح و نصر أى قام و وثب. و الزيفان- محركة-: التبختر في المشى. و الوثبة: الطفرة.

(3) الاكناف الجوانب. و الشاهق المرتفع من الجبال. و البذخ: الشمخ الا أن فيه ضخامة مع الارتفاع. و «حمل» عطف على أكتاف.

(4) عرانين جمع عرنين- بالكسر- و هو ما صلب من عظم الانف و هو الذي تحت الحاجبين و المراد أعالي الجبال غير أن الاستعارة من ألطف أنواعها في هذا المقام.

326

وَ ذَوَاتِ الشَّنَاخِيبِ الشُّمِّ مِنْ صَيَاخِيدِهَا- فَسَكَنَتْ مِنَ الْمَيَدَانِ لِرُسُوبِ الْجِبَالِ فِي قِطَعِ أَدِيمِهَا وَ تَغَلْغُلِهَا- مُتَسَرِّبَةً فِي جَوْبَاتِ خَيَاشِيمِهَا وَ رُكُوبِهَا- أَعْنَاقَ سُهُولِ الْأَرَضِينَ وَ جَرَاثِيمِهَا (1)- وَ فَسَحَ بَيْنَ الْجَوِّ وَ بَيْنَهَا- وَ أَعَدَّ الْهَوَاءَ مُتَنَسَّماً لِسَاكِنِهَا- وَ أَخْرَجَ إِلَيْهَا أَهْلَهَا عَلَى تَمَامِ مَرَافِقِهَا- ثُمَّ لَمْ يَدَعْ جُرُزَ الْأَرْضِ الَّتِي تَقْصُرُ مِيَاهُ الْعُيُونِ عَنْ رَوَابِيهَا- وَ لَا تَجِدُ جَدَاوِلُ الْأَنْهَارِ ذَرِيعَةً إِلَى بُلُوغِهَا- حَتَّى أَنْشَأَ لَهَا نَاشِئَةَ سَحَابٍ تُحْيِي مَوَاتَهَا وَ تَسْتَخْرِجُ نَبَاتَهَا- أَلَّفَ غَمَامَهَا بَعْدَ افْتِرَاقِ لُمَعِهِ- وَ تَبَايُنِ قَزَعِهِ‏ (2) حَتَّى‏

____________

و السهوب: جمع سهب- بالفتح- أى الفلاة البعيدة الاكناف. و البيد جمع بيداء و هى الفلاة التي يبيد سالكها أي يهلك. و الاخاديد جمع الاخدود و هو الشق في الأرض و المراد مجارى الأنهار. و الضمائر كلها راجع الى الأرض. و الراسيات: الثابتات، و الجلاميد جمع جلمود، و هو الحجر الصلد.

(1) و الشناخيب. جمع شنخوب- بالضم- أى رءوس الجبال العالية. و الشم:

المرتفعة العالية. و الصياخيد جمع صيخود و هو الصخرة الشديدة. و رسب في الماء- كنصر-:

ذهب سفلا، و جبل راسب أي ثابت. و القطع- كعنب- جمع قطعة- بالكسر- و هي الطائفة من الشي‏ء و المراد بأديمها سطحها. و التغلغل الدخول و مبالغة فيه. و تسرب الوحش و انسرب في حجره أي دخل. و الجوبة: الحفرة. و الخيشوم أقصى الانف و ضمير «تغلغلها» للجبال و «خياشيمها» للأرض و المجاز ظاهر. و الجرثومة: قيل التراب المجتمع في أصول الشجر و لعلّ المراد بجراثيمها المواضع المرتفعة منها. و ركوب الجبال اعناق السهول: استعلاؤها عليها، و أعناقها: سطوحها.

(2) المتنسم: موضع التنسم: و هو طلب التنسم و فائدته ترويح القلب حتّى لا يتاذى بغلبة الحرارة و فيه بقاء الحيوان. و مرافق الدار ما يستعان به و يحتاج إليه في التعيش. و اخراج أهل الأرض على تمام مرافقها ايجادهم و اسكانهم في الأرض بعد تهيئة ما يصلحهم لمعاشهم و التزود الى معادهم، و من جملة تلك المرافق سكون الأرض و كونها خارجة من الماء على حد خاصّ من الصلابة و الرخاوة، غير صقيل يتأذى أهلها بانعكاس الاشعة، قابلة لانفجار و حفر الآبار و نزول الامطار و تكون المعادن و تولد أنواع الحيوانات و الحياة بعد الموت حتى يتجدد فيه الحبوب و الثمار و الاعشاب و نحو ذلك ممّا لا يحصيه الا اللّه عزّ و جلّ- و الروابى جمع الرابية: ما ارتفع من الأرض.

و الجدول النهر الصغير. و الناشئة: ما ينشأ من السحاب أي يبتدى ظهوره. و اللمعة- بالضم- في الأصل: قطعة من النبت. و القزع جمع قزعة- محركة فيهما- و هى.

327

إِذَا تَمَخَّضَتْ لُجَّةُ الْمُزْنِ فِيهِ- وَ الْتَمَعَ بَرْقُهُ فِي كُفَفِهِ- وَ لَمْ يَنَمْ وَمِيضُهُ فِي كَنَهْوَرِ رَبَابِهِ وَ مُتَرَاكِمِ سَحَابِهِ- أَرْسَلَهُ سَحّاً مُتَدَارِكاً قَدْ أَسَفَّ هَيْدَبُهُ‏ (1)- تَمْرِيهِ الْجَنُوبُ دِرَرَ أَهَاضِيبِهِ وَ دُفَعَ شَآبِيبِهِ- فَلَمَّا أَلْقَتِ السَّحَابُ بَرْكَ بِوَانَيْهَا- وَ بَعَاعَ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ مِنَ الْعِبْ‏ءِ الْمَحْمُولِ عَلَيْهَا (2)- أَخْرَجَ بِهِ مِنْ هَوَامِدِ الْأَرْضِ النَّبَاتَ- وَ مِنْ زُعْرِ الْجِبَالِ الْأَعْشَابَ- فَهِيَ تَبْهَجُ بِزِينَةِ رِيَاضِهَا- وَ تَزْدَهِي بِمَا أُلْبِسَتْهُ مِنْ رَيْطِ أَزَاهِيرِهَا وَ حِلْيَةِ مَا سُمِطَتْ بِهِ مِنْ نَاضِرِ أَنْوَارِهَا (3)- وَ جَعَلَ ذَلِكَ بَلَاغاً لِلْأَنَامِ وَ رِزْقاً لِلْأَنْعَامِ وَ خَرَقَ الْفِجَاجَ فِي آفَاقِهَا- وَ أَقَامَ الْمَنَارَ لِلسَّالِكِينَ عَلَى جَوَادِّ طُرُقِهَا

____________

القطعة من الغيم؛ و تباين القزع تباعدها. و تمخضت أي تحركت. و المخض تحريك السقاء الذي فيه لبن ليخرج زبده. و الضمير في «فيه» راجع الى المزن أي تحركت فيه اللجة المستودعة فيه.

(1) الوميض: اللمعان. كهنور- كسفرجل- قطع عظيمة من السحاب كالجبال و قيل المتراكم منه. و الرباب- كسحاب- الابيض منه. «سحا» أي متواصلا متلاحقا و المتدارك من الدرك- محركة- و هو اللحاق. تدارك القوم إذا لحق آخرهم أولهم. و كففه: حاشيته و جوانبه. و هيدبه ما تهدب أي تدلى، و أسف الطائر دنا من الأرض.

(2) الاهاضيب: جمع أهضاب و هو جمع هضبة- كضربة- و هي المطرة. و الشآبيب جمع شؤبوب: و هو ما ينزل من المطر دفعة بشدة و كانما ينصب من جانب لا من أعلى.

و البرك الصدر، و البوانى قوائم الناقة و الإضافة لادنى ملابسة؛ و بناء الكلام على تشبيه السحاب بالناقة المحمول عليها. البعاع- بالفتح-: ثقل السحاب من الماء و هو عطف على «برك».

و العب‏ء- بالكسر-: الحمل. و الهوامد من الأرض التي لا نبات فيها.

(3) الزعر- محركة-: فتلة الشعر من الرأس، و الازعر: الموضع الذي قل نباته و الجمع زعر كأحمر و حمر. و البهج- كالمنع- السرور و الفرح. و تزدهى أي تكبر و تعجب. الريط- كعنب- جمع ريطة- بالفتح- قيل هي كل ثوب رقيق لين. و سمطت على صيغة المفعول أي علقت. و في بعض نسخ المصدر بالشين المعجمة و الشميط من النبات ما كان فيه لون الخضرة مختلطا بلون الزهر. و الأنوار: جمع نور- بفتح النون و هو الزهر.

328

فَلَمَّا مَهَدَ أَرْضَهُ وَ أَنْفَذَ أَمْرَهُ اخْتَارَ آدَمَ(ع)خِيَرَةً مِنْ خَلْقِهِ- وَ جَعَلَهُ أَوَّلَ جِبِلَّتِهِ وَ أَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ- وَ أَرْغَدَ فِيهَا أُكُلَهُ وَ أَوْعَزَ إِلَيْهِ‏ (1) فِيمَا نَهَاهُ عَنْهُ- وَ أَعْلَمَهُ أَنَّ فِي الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ التَّعَرُّضَ لِمَعْصِيَتِهِ وَ الْمُخَاطَرَةَ بِمَنْزِلَتِهِ- فَأَقْدَمَ عَلَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ مُوَافَاةً لِسَابِقِ عِلْمِهِ- فَأَهْبَطَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ (2) لِيَعْمُرَ أَرْضَهُ بِنَسْلِهِ- وَ لِيُقِيمَ الْحُجَّةَ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ- وَ لَمْ يُخْلِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ مِمَّا يُؤَكِّدُ عَلَيْهِمْ حُجَّةَ رُبُوبِيَّتِهِ- وَ يَصِلُ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَعْرِفَتِهِ- بَلْ تَعَاهَدَهُمْ بِالْحُجَجِ عَلَى أَلْسُنِ الْخِيَرَةِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ- وَ مُتَحَمِّلِي وَدَائِعِ رِسَالاتِهِ قَرْناً فَقَرْناً- حَتَّى تَمَّتْ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ص حُجَّتُهُ- وَ بَلَغَ الْمَقْطَعَ عُذْرُهُ وَ نُذُرُهُ- وَ قَدَّرَ الْأَرْزَاقَ فَكَثَّرَهَا وَ قَلَّلَهَا وَ قَسَّمَهَا عَلَى الضِّيقِ وَ السَّعَةِ- فَعَدَلَ فِيهَا لِيَبْتَلِيَ مَنْ أَرَادَ بِمَيْسُورِهَا وَ مَعْسُورِهَا وَ لِيَخْتَبِرَ بِذَلِكَ الشُّكْرَ وَ الصَّبْرَ مِنْ غَنِيِّهَا وَ فَقِيرِهَا- ثُمَّ قَرَنَ بِسَعَتِهَا عَقَابِيلَ‏ (3) فَاقَتِهَا وَ بِسَلَامَتِهَا طَوَارِقَ آفَاتِهَا- وَ بِفُرَجِ أَفْرَاحِهَا غُصَصَ أَتْرَاحِهَا (4)- وَ خَلَقَ الْآجَالَ فَأَطَالَهَا وَ قَصَّرَهَا وَ قَدَّمَهَا وَ أَخَّرَهَا- وَ وَصَلَ بِالْمَوْتِ أَسْبَابَهَا- وَ جَعَلَهُ خَالِجاً لِأَشْطَانِهَا وَ قَاطِعاً لِمَرَائِرِ أَقْرَانِهَا- عَالِمُ السِّرِّ مِنْ ضَمَائِرِ الْمُضْمِرِينَ وَ نَجْوَى الْمُتَخَافِتِينَ- وَ خَوَاطِرِ رَجْمِ الظُّنُونِ‏ (5) وَ عُقَدِ عَزِيمَاتِ الْيَقِينِ- وَ مَسَارِقِ إِيمَاضِ الْجُفُونِ- وَ مَا ضَمِنَتْهُ‏

____________

(1) أو عزت الى فلان في فعل أو ترك أي تقدمت و أمرت.

(2) هذا الكلام صريح في أن الاهباط كان بعد التوبة. و هو ظاهر من قوله (عليه السلام) في الخطبة الأولى من النهج «ثم بسط اللّه سبحانه في توبته و لقاه كلمة رحمته و وعده المرد الى جنته فأهبطه الى دار البلية و تناسل الذرّية» و يناسبه ترتيب الكلام في سورة طه و غيرها.

(3) العقابيل: الشدائد. جمع عقبولة- بالضم- و هي قروح صغار تخرج بالشفة غب الحمى و بقايا المرض.

(4) الفرح: السرور، و الفرج- كغرف- جمع فرجة و هي التفصى من الهم. و الترح- بالتحريك-: الهم و الهلاك و الانقطاع.

(5) خالجا أي جازبا لاشطانها و هي جمع شطن- كسبب- و هو الحبل الطويل.

و المرائر: جمع مريرة و هي الحبال المفتولة على أكثر من طاق و قيل الحبال الشديدة الفتل. و الاقران جمع قرن- محركة- و هو في الأصل الحبل تجمع به البعيران و لعل المراد بمرائر الاقران الآجال و الاعمار التي يرجى امتدادها لقوة المزاج و البينة. و التخافت: المكالمة السرية. و الخواطر: ما يخطر في القلب من تدبير امر، يقال خطر ببالى. و رجم الظنون كل ما يسبق إليه الظنّ من غير برهان.

329

أَكْنَانُ الْقُلُوبِ وَ غَيَابَاتُ الْغُيُوبِ- وَ مَا أَصْغَتْ لِاسْتِرَاقِهِ مَصَائِخُ الْأَسْمَاعِ- وَ مَصَائِفُ الذَّرِّ وَ مَشَاتِي الْهَوَامِ‏ (1)- وَ رَجْعِ الْحَنِينِ مِنَ الْمُولَهَاتِ وَ هَمْسِ الْأَقْدَامِ- وَ مُنْفَسَحِ الثَّمَرَةِ مِنْ وَلَائِجِ غُلُفِ الْأَكْمَامِ- وَ مُنْقَمَعِ الْوُحُوشِ مِنْ غِيرَانِ الْجِبَالِ وَ أَوْدِيَتِهَا- وَ مُخْتَبَإِ الْبَعُوضِ بَيْنَ سُوقِ الْأَشْجَارِ وَ أَلْحِيَتِهَا- وَ مَغْرِزِ الْأَوْرَاقِ مِنَ الْأَفْنَانِ- وَ مَحَطِّ الْأَمْشَاجِ مِنْ مَسَارِبِ الْأَصْلَابِ‏ (2)- وَ نَاشِئَةِ الْغُيُومِ وَ مُتَلَاحِمِهَا- وَ دُرُورِ قَطْرِ السَّحَابِ فِي مُتَرَاكِمِهَا- وَ مَا تَسْفِي الْأَعَاصِيرُ بِذُيُولِهَا- وَ تَعْفُو الْأَمْطَارُ بِسُيُولِهَا- وَ عُوَمِ نَبَاتِ الْأَرْضِ فِي كُثْبَانِ الرِّمَالِ- وَ مُسْتَقَرِّ ذَوَاتِ الْأَجْنِحَةِ بِذُرَى شَنَاخِيبِ الْجِبَالِ- وَ تَغْرِيدِ ذَوَاتِ الْمَنْطِقِ فِي دَيَاجِيرِ الْأَوْكَارِ- وَ مَا أَوْعَبَتْهُ الْأَصْدَافُ- وَ حَضَنَتْ عَلَيْهِ أَمْوَاجُ الْبِحَارِ وَ مَا غَشِيَتْهُ سُدْفَةُ لَيْلٍ- أَوْ ذَرَّ عَلَيْهِ شَارِقُ نَهَارٍ- وَ مَا اعْتَقَبَتْ عَلَيْهِ أَطْبَاقُ الدَّيَاجِيرِ- وَ سُبُحَاتُ النُّورِ وَ أَثَرِ كُلِّ خَطْوَةٍ- وَ حِسِّ كُلِّ حَرَكَةٍ وَ رَجْعِ كُلِّ كَلِمَةٍ (3)- وَ

____________

(1) أومض البرق ايماضا إذا لمع لمعا خفيا. و الكن- بالكسر- اسم لكل ما يستتر فيه الإنسان لدفع الحرّ و البرد من الابنية. و غيابة كل شي‏ء ما يسترك منه. و المصائخ جمع مصاخ و هو مكان الاصاخة و هو ثقبة الاذن. أى خروقها التي تسمع. و المصائف محل الإقامة في الصيف. و الذر صغار النمل. و المشاتى محل الإقامة في الشتاء.

(2) و المولهات: الحزينات. و رجع الجنين: ترديده. و الهمس أخفى ما يكون من صوت القدم على الأرض. و منفسح الثمرة: موضع نموها في الاكمام. الولائج جمع وليجة بمعنى البطانة الداخلية. و الغلف- بضمتين و بضمة- جمع غلاف ككتاب، و الكم- بالكسر وعاء الطلع و غطاء النور: و المنقمع: موضع الاخفاء. و المختبأ موضع الاختباء و الاستتار.

و سوق الاشجار جمع ساق أي أسفلها الذي تقوم عليه فروعها، و الألحية جمع لحاء و هو قشر الشجرة. و غرزه في الأرض- كضربه- اذا أدخله، و مغرز الاوراق موضع وصلها و الافنان الغصون، و المسارب المواضع التي يختفى، و الامشاج قيل مفرد كاعشار و أكياش، و قيل جمع مشج بالفتح أو مشج- محركة- أو مشيج على فعيل مثل يتيم و أيتام و أصله مأخوذ من مشج اذا خلط لأنّها مختلطة من جراثيم مختلفة كل منها يصلح لتكوين عضو من أعضاء البدن.

(3) التلاحم التلاؤم و الالتصاق و الاشتباك. و متلاحم الغيوم ما التصق منها بعضها ببعض. و الدرور: السيلان، و القطر- بالفتح-: المطر و الواحدة القطرة. و سفت الريح التراب أي ذرته و رمت به. و الاعاصير: جمع اعصار و هي ريح تثير السحاب أو تقوم على.

330

تَحْرِيكِ كُلِّ شَفَةٍ وَ مُسْتَقَرِّ كُلِّ نَسَمَةٍ- وَ مِثْقَالِ كُلِّ ذَرَّةٍ وَ هَمَاهِمِ كُلِّ نَفْسٍ هَامَّةٍ وَ مَا عَلَيْهَا مِنْ ثَمَرِ شَجَرَةٍ- أَوْ سَاقِطِ وَرَقَةٍ أَوْ قَرَارَةِ نُطْفَةٍ- أَوْ نُقَاعَةِ دَمٍ وَ مُضْغَةٍ (1) أَوْ نَاشِئَةِ خَلْقٍ وَ سُلَالَةٍ- لَمْ يَلْحَقْهُ فِي ذَلِكَ كُلْفَةٌ- وَ لَا اعْتَرَضَتْهُ فِي حِفْظِ مَا ابْتَدَعَ مِنْ خَلْقِهِ عَارِضَةٌ- وَ لَا اعْتَوَرَتْهُ فِي تَنْفِيذِ الْأُمُورِ (2) وَ تَدَابِيرِ الْمَخْلُوقِينَ مَلَالَةٌ وَ لَا فَتْرَةٌ- بَلْ نَفَذَ فِيهِمْ عِلْمُهُ وَ أَحْصَاهُمْ عَدُّهُ وَ وَسِعَهُمْ عَدْلُهُ- وَ غَمَرَهُمْ فَضْلُهُ مَعَ تَقْصِيرِهِمْ‏ (3) عَنْ كُنْهِ مَا هُوَ أَهْلُهُ- اللَّهُمَّ أَنْتَ أَهْلُ الْوَصْفِ الْجَمِيلِ- وَ التَّعْدَادِ الْكَثِيرِ إِنْ تُؤَمَّلْ فَخَيْرُ مَأْمُولٍ- وَ إِنْ تُرْجَ فَأَكْرَمُ مَرْجُوٍّ- اللَّهُمَّ وَ قَدْ بَسَطْتَ لِي لِسَاناً فِيمَا لَا أَمْدَحُ بِهِ غَيْرَكَ- وَ لَا أُثْنِي بِهِ عَلَى أَحَدٍ سِوَاكَ- وَ لَا أُوَجِّهُهُ إِلَى مَعَادِنِ الْخَيْبَةِ وَ مَوَاضِعِ الرِّيبَةِ- وَ عَدَلْتَ بِلِسَانِي عَنْ مَدَائِحِ الْآدَمِيِّينَ- وَ الثَّنَاءِ عَلَى الْمَرْبُوبِينَ الْمَخْلُوقِينَ- اللَّهُمَّ وَ لِكُلِّ مُثْنٍ عَلَى مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ مَثُوبَةٌ مِنْ جَزَاءٍ أَوْ عَارِفَةٌ مِنْ عَطَاءٍ- وَ قَدْ رَجَوْتُكَ دَلِيلًا عَلَى ذَخَائِرِ الرَّحْمَةِ وَ كُنُوزِ الْمَغْفِرَةِ- اللَّهُمَّ وَ هَذَا مَقَامُ مَنْ أَفْرَدَكَ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ لَكَ- وَ

____________

الأرض كالعمود. و «تعفو» أي تمحو. و العوم: السباحة. و الكثيب: التل من الرمل.

و ذروة- بالضم و الكسر- أعلاه جمعها ذرى. و الشناخيب رءوس الجبال كما مر. و غرد الطائر- كفرح-: رفع صوته، و ذوات المنطق من الطيور ما له صوت و غناء كأنّ غيرهم أبكم و لا يقدر على النطق. و الدياجير جمع ديجور و هو الظلمة. و أوعبته: أى جمعته. و حضنت عليه أي ربته و ما حضنته الامواج العنبر و المسك و غيرهما. و السدفة- بالضم-: الظلمة. و ذر: طلع.

و سبحات النور: درجاته و أطواره و مراته. و الرجع ترديد الصوت.

(1) الهمهمة: الصوت الخفى أو ترديد الصوت في الحلق- و «هامة» أي ذات همة و الضمير في عليها راجع الى الأرض و ان لم يسبق ذكرها و يعتمد في مثله على فهم المخاطب كقوله تعالى‏ «كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ». و النقاعة نقرة يجمع فيها الدم، و المضغة عطف على «نقاعة» أي يعلم مقر جميع ذلك «استفدنا كثيرا في شرح هذه الخطب من بهجة الحدائق للسيّد محمّد ابن امير شاء».

(2) اعتورته أي تداولته و تناولته.

(3) غمرهم أي غطاهم و سترهم كما يغمر البحر ما غاص فيه.

331

لَمْ يَرَ مُسْتَحِقّاً لِهَذِهِ الْمَحَامِدِ وَ الْمَمَادِحِ غَيْرَكَ- وَ بِي فَاقَةٌ إِلَيْكَ لَا يَجْبُرُ مَسْكَنَتَهَا إِلَّا فَضْلُكَ- وَ لَا يَنْعَشُ مِنْ خَلَّتِهَا إِلَّا مَنُّكَ وَ جُودُكَ- (1) فَهَبْ لَنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ رِضَاكَ وَ أَغْنِنَا عَنْ مَدِّ الْأَيْدِي إِلَى سِوَاكَ- إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ

18- جَوَابُهُ(ع)لِلْيَهُودِيِّ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ(ع) فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَتَى كَانَ رَبُّنَا عَزَّ وَ جَلَّ- فَقَالَ لَهُ(ع)يَا يَهُودِيُّ مَا كَانَ لَمْ يَكُنْ رَبُّنَا فَكَانَ- وَ إِنَّمَا يُقَالُ مَتَى كَانَ لِشَيْ‏ءٍ لَمْ يَكُنْ- فَكَانَ هُوَ كَائِنٌ بِلَا كَيْنُونَةِ كَائِنٍ لَمْ يَزَلْ لَيْسَ لَهُ قَبْلٌ- هُوَ قَبْلَ الْقَبْلِ وَ قَبْلَ الْغَايَةِ- انْقَطَعَتْ عَنْهُ الْغَايَاتُ فَهُوَ غَايَةُ كُلِّ غَايَةٍ.

19- مِنْ كِتَابِ مَطَالِبِ السَّئُولِ‏ (2)، لِمُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ- مِنْ خُطَبِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مَا ذَكَرَ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ صِفِّينَ أَحْمَدُهُ اسْتِتْمَاماً لِنِعْمَتِهِ وَ اسْتِسْلَاماً لِعِزَّتِهِ- وَ اسْتِعْصَاماً مِنْ مَعْصِيَتِهِ- وَ أَسْتَعِينُهُ فَاقَةً إِلَى كِفَايَتِهِ إِنَّهُ لَا يَضِلُّ مَنْ هَدَاهُ- وَ لَا يَئِلُ مَنْ عَادَاهُ وَ لَا يَفْتَقِرُ مَنْ كَفَاهُ- فَإِنَّهُ أَرْجَحُ مَا وُزِنَ‏ (3) وَ أَفْضَلُ مَا خُزِنَ- وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ شَهَادَةً مُمْتَحَناً إِخْلَاصُهَا مُعْتَقَداً- مُصَاصُهَا- نَتَمَسَّكُ بِهَا أَبَداً مَا أَبْقَانَا- وَ نَدَّخِرُهَا لِأَهْوَالِ مَا يَلْقَانَا- فَإِنَّهُ عَزِيمَةُ الْإِيمَانِ وَ فَاتِحَةُ الْإِحْسَانِ- وَ مَرْضَاةُ الرَّحْمَنِ وَ مَدْحَرَةُ الشَّيْطَانِ‏ (4)- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- أَرْسَلَهُ بِالدِّينِ الْمَشْهُورِ وَ الْعَلَمِ الْمَأْثُورِ- وَ الْكِتَابِ الْمَسْطُورِ وَ النُّورِ السَّاطِعِ- وَ الضِّيَاءِ اللَّامِعِ وَ الْأَمْرِ الصَّادِعِ- إِزَاحَةً لِلشُّبُهَاتِ وَ احْتِجَاجاً بِالْبَيِّنَاتِ- وَ تَحْذِيراً بِالْآيَاتِ وَ تَخْوِيفاً بِالْمَثُلَاتِ- وَ النَّاسُ فِي فِتَنٍ انْجَذَمَ‏

____________

(1) نعشه: رفعه. و الخلة- بالفتح-: الفقر. و المن: الاحسان.

(2) المصدر ص 58 و في النهج تحت رقم 2.

(3) وأل يئل: نجى و خلص. و الضمير في «انه» راجع الى الحمد المفهوم من أحمده و قد يكون الضمير عائدا للّه.

(4) مصاص كل شي‏ء خالصه، و الاهاويل جمع الاهوال، و دحره- كمنعه- طرده و أبعده.

332

فِيهَا حَبْلُ الدِّينِ- وَ تَزَعْزَعَتْ سَوَارِي الْيَقِينِ- فَاخْتَلَفَ النَّجْرُ (1) وَ تَشَتَّتَ الْأَمْرُ وَ ضَاقَ الْمَخْرَجُ وَ عَمِيَ الصَّدْرُ- فَالْهُدَى خَامِلٌ وَ الْعَمَى شَامِلٌ- عُصِيَ الرَّحْمَنُ وَ نُصِرَ الشَّيْطَانُ- وَ خُذِلَ الْإِيمَانُ فَانْهَارَتْ دَعَائِمُهُ- وَ تَنَكَّرَتْ مَعَالِمُهُ وَ دَرَسَتْ سُبُلُهُ وَ عَفَتْ شُرُكُهُ‏ (2)- أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ فَسَلَكُوا مَسَالِكَهُ وَ وَرَدُوا مَنَاهِلَهُ- بِهِمْ سَارَتْ أَعْلَامُهُ وَ قَامَ لِوَاؤُهُ- فِي فِتَنٍ دَاسَتْهُمْ بِأَخْفَافِهَا وَ وَطِئَتْهُمْ بِأَظْلَافِهَا- وَ قَامَتْ عَلَى سَنَابِكِهَا (3) فَهُمْ فِيهَا تَائِهُونَ- حَائِرُونَ جَاهِلُونَ مَفْتُونُونَ- فِي خَيْرِ دَارٍ وَ شَرِّ جِيرَانٍ- نَوْمُهُمْ سُهُودٌ (4) وَ كُحْلُهُمْ دُمُوعٌ- بِأَرْضٍ عَالِمُهَا مُلْجَمٌ وَ جَاهِلُهَا مُكْرَمٌ.

20- وَ منها (5)، المنهاج‏ أَيُّهَا النَّاسُ شُقُّوا أَمْوَاجَ الْفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجَاةِ- وَ عَرِّجُوا عَنْ طَرِيقِ الْمُنَافَرَةِ وَ ضَعُوا تِيجَانَ الْمُفَاخَرَةِ- أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٍ أَوِ اسْتَسْلَمَ فَأَرَاحَ مَاءٌ آجِنٌ- وَ لُقْمَةٌ يَغَصُّ بِهَا آكِلُهَا- وَ مُجْتَنِي الثَّمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِينَاعِهَا (6) كَالزَّارِعِ بِغَيْرِ أَرْضِهِ فَإِنْ أَقُلْ يَقُولُوا حَرَصَ عَلَى الْمُلْكِ- وَ إِنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا جَزِعَ مِنَ الْمَوْتِ هَيْهَاتَ بَعْدَ اللَّتَيَّا وَ الَّتِي- وَ اللَّهِ لَابْنُ أَبِي طَالِبٍ آنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّهِ- بَلِ‏

____________

(1) المثلات- بفتح فضم-: العقوبات، و انجذم أي انقطع، و السوارى جمع سارية العمود و الدعامة، و تزعزت أي اضطربت، و النجر- بفتح النون و سكون الجيم-: الأصل.

(2) انهارت أي هوت و سقطت، و تنكرت أي تغيرت من حال تسر الى حال تكره.

و درست كاندرست أي انطمست. و الشرك- بضمتين- جمع شراك و هي الطريق.

(3) الاظلاف جمع ظلف- بالكسر- للبقر و الشاة و شبههما كالخف للبعير، و القدم للإنسان. و السنابك جمع سنبك- كقنفد- و هو طرف الحافر.

(4) السهود عدم النوم و ذلك كما يقال: جوده بخل، و هكذا بعده.

(5) المصدر ص 59.

(6) عرج عن الشي‏ء: تركه، و الظاهر أن المعنى فاز من قام في طلب المقصود اذا تهيأ أسبابه، و وجد أعوانا، و الجناح عبارة عنها أو انفاد لما يجرى عليه و قعد عن الطلب رأسا إذا فقد أسبابه، و المراد بالماء الآجن الخلافة و الامارة مطلقا و الآجن: المتغير الطعم و اللون، لا يستساغ.

333

انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ- لَوْ بُحْتُ بِهِ لَاضْطَرَبْتُمْ اضْطِرَابَ الْأَرْشِيَةِ فِي الطَّوِيِّ الْبَعِيدَةِ (1).

21- وَ مِنْ خُطَبِهِ(ع)(2) أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ وَ آذَنَتْ بِوَادِعٍ- وَ إِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَ أَشْرَفَتْ بِاطِّلَاعٍ- أَلَا وَ إِنَّ الْيَوْمَ الْمِضْمَارَ وَ غَداً السِّبِاقَ- وَ السُّبْقَةَ الْجَنَّةُ وَ الْغَايَةَ النَّارُ أَ فَلَا تَائِبٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ‏ (3)- أَ لَا عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمِ بُؤْسِهِ- أَلَا وَ إِنَّكُمْ فِي أَيَّامِ أَمَلٍ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ- فَمَنْ عَمِلَ فِي أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ- فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ وَ لَمْ يَضْرُرْهُ أَجَلُهُ- وَ مَنْ قَصَّرَ فِي أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ- فَقَدْ خَسِرَ عَمَلُهُ وَ ضَرَّهُ أَجَلُهُ- أَلَا فَاعْمَلُوا فِي الرَّغْبَةِ كَمَا تَعْمَلُونَ فِي الرَّهْبَةِ- أَلَا وَ إِنِّي لَمْ أَرَ كَالْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا- وَ لَا كَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا أَلَا وَ إِنَّهُ مَنْ لَا يَنْفَعْهُ الْحَقُّ يَضْرُرْهُ الْبَاطِلُ- وَ مَنْ لَا يَسْتَقِيمُ بِهِ الْهُدَى يَجُرُّ بِهِ الضَّلَالُ- أَلَا وَ إِنَّكُمْ قَدْ أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ‏ (4) وَ دُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ- وَ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ بِهِ عَلَيْكُمْ اتِّبَاعُ الْهَوَى وَ طُولُ الْأَمَلِ- تَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مَا تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً.

22- وَ مِنْ خُطَبِهِ(ع)(5) فِي اسْتِنْفَارِ النَّاسِ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ وَ قَدْ تَثَاقَلُوا أُفٍّ لَكُمْ قَدْ سَئِمْتُ عِتَابَكُمْ- أَ رَضِيتُمْ مِنَ الْآخِرَةِ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا عِوَضاً- وَ بِالذُّلِّ مِنَ الْعِزِّ خُلُقاً- إِذَا دَعَوْتُكُمْ إِلَى جِهَادِ عَدُوِّكُمْ دَارَتْ أَعْيُنُكُمْ كَأَنَّكُمْ مِنَ الْمَوْتِ فِي غَمْرَةٍ- وَ مِنَ الذُّهُولِ فِي سَكْرَةٍ تُرْتَجُ عَلَيْكُمْ حِوَارِي فَتَعْمَهُونَ‏ (6)- فَكَأَنَّ قُلُوبَكُمْ‏

____________

(1) اندمج الشي‏ء اذ أدخل في شي‏ء و استحكم فيه، و الارشية جمع رشاء بمعنى الجبل و الطوى: جمع طوية و هي البئر و البعيدة أي العميقة.

(2) مطالب السئول ص 59. و النهج تحت رقم 28.

(3) المنية: الموت.

(4) الظعن: الرحيل.

(5) مطالب السئول ص 59. و النهج تحت رقم 34.

(6) الغمرة: الشدة و غمرات الموت شدائده. و يرتج أي يغلق. و الحوار: هو مراجعة الكلام. و العمة: عمى البصيرة. أى لا تهتدون لفهمه. و تتحيرون و تترددون، و الذهول:

النيسان لشغل و الترك و الغيبة عن الرشد.

334

مَأْلُوسَةٌ فَأَنْتُمْ لَا تَعْقِلُونَ- مَا أَنْتُمْ لِي بِثِقَةٍ سَجِيسَ اللَّيَالِي- وَ مَا أَنْتُمْ لِي بِرُكْنٍ يُمَالُ بِكُمْ- وَ لَا زَوَافِرُ عِزٍّ يُفْتَقَرُ إِلَيْكُمْ‏ (1) مَا أَنْتُمْ إِلَّا كَإِبِلٍ ضَلَّ رُعَاتُهَا- فَكُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ انْتَشَرَتْ مِنْ جَانِبٍ- لَبِئْسَ لَعَمْرُ اللَّهِ سُعْرُ نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ- تُكَادُونَ وَ لَا تَقْتَدُونَ‏ (2) وَ تُنْتَقَصُ أَطْرَافُكُمْ وَ لَا تَمْتَعِضُونَ‏ (3)- وَ لَا يُنَامُ عَنْكُمْ وَ أَنْتُمْ فِي غَفْلَةٍ سَاهُونَ- غُلِبَ وَ اللَّهِ الْمُتَخَاذِلُونَ- وَ ايْمُ اللَّهِ إِنِّي لَأَظَلُّ بِكُمْ أَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَى‏ (4) وَ اسْتَحَرَّ الْمَوْتُ فَقَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ انْفِرَاجَ الرَّأْسِ‏ (5)- وَ اللَّهِ إِنَّ امْرَأً يُمَكِّنُ عَدُوَّهُ مِنْ نَفْسِهِ يَعْرُقُ لَحْمَهُ وَ يَهْشِمُ عَظْمَهُ- وَ يَفْرِي جِلْدَهُ لَعَظِيمٌ عَجُزُهُ ضَعِيفٌ قَلْبُهُ‏ (6) حَرِجٌ صَدْرُهُ- أَنْتَ‏ (7) فَكُنْ ذَاكَ إِنْ شِئْتَ- فَأَمَّا أَنَا فَوَ اللَّهِ دُونَ أَنْ أُعْطِيَ ذَاكَ ضَرْبٌ بِالْمَشْرَفِيَّةِ- تَطِيرُ مِنْهُ فَرَاشُ الْهَامِ‏ (8) وَ تَطِيحُ السَّوَاعِدُ وَ الْأَقْدَامُ‏ (9)- وَ يَفْعَلُ اللَّهُ‏ بَعْدَ ذَلِكَ‏ ما يَشاءُ

____________

(1) المألوسة: المخلوطة بمس الجنون. و سجيس- بفتح فكسر- كلمة تقال بمعنى أبدا و أصله من سجس الماء بمعنى تغير و كدر. أى انهم ليسوا بثقاة عنده يركن اليهم أبدا.

و زوافر المجد: أسبابه و أعمدته. و من البناء ركنه، و من الرجل عشيرته و أنصاره. و قوله «يمال بكم» أي يمال على العدو بعزكم و قوتكم، و هو وصف لهم بالضعف و الذل.

(2) السعر: أصله مصدر «سعر النار» من باب نفع-: أوقدها أي لبئس ما توقد به الحرب أنتم- و يقال: ان «سعر» جمع ساعر. و في النهج «تكادون و لا تكيدون».

(3) امتعض أي غضب.

(4) حمس- كفرح- اشتد و صلب. و الوغى: الحرب.

(5) مثل لشدة التفرق يعنى أن الرأس إذا انفرج عن الجسد لا يعود إليه ثانيا.

(6) عرق اللحم- كنصر- أكله و لم يبق منه على العظم. و الهشم: الكسر، و فراه يفريه: مزقه. و في النهج «ضعيف ما ضمنت عليه جوانح صدره».

(7) الخطاب في «أنت» عام لكل من مكن عدوه من نفسه.

(8) «أنا» مبتدأ و «ضرب» خبره بمعنى الضارب و «أعطى» على صيغة المعلوم.

(9) أي لا يمكن عدوه من نفسه حتّى يكون دون ذلك ضرب بالمشرفية. و هي السيوف التي تنسب الى مشارف و هي قرى من أرض العرب تدنو من الريف.

و قيل: ان المشرفية نسبة الى موضع في بلاد اليمن لا الى مشارف الشام. و فراش.

335

23- وَ مِنْ خُطَبِهِ(ع)(1) الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ إِنْ أَتَى الدَّهْرُ بِالْخَطْبِ الْفَادِحِ وَ الْحَدَثِ الْجَلِيلِ‏ (2)- فَإِنَّهُ لَا يَنْجُو مِنَ الْمَوْتِ مَنْ خَافَهُ- وَ لَا يُعْطَى الْبَقَاءَ مَنْ أَحَبَّهُ- أَلَا وَ إِنَّ الْوَفَاءَ تَوْأَمُ الصِّدْقِ- وَ لَا أَعْلَمُ جُنَّةً أَوْقَى مِنْهُ وَ مَا يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ الْمَرْجِعُ‏ (3)- وَ لَقَدْ أَصْبَحْنَا فِي زَمَانٍ اتَّخَذَ أَكْثَرُ أهل [أَهْلِهِ الْغَدْرَ كَيْساً- وَ نَسَبَهُمْ أَهْلُ الْجَهْلِ فِيهِ إِلَى حُسْنِ الْحِيلَةِ- مَا لَهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ قَدْ يَرَى الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ بِوَجْهِ الْحِيلَةِ- وَ دُونَهَا مَانِعٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَ نَهْيِهِ‏ (4)- فَيَدَعُهَا رَأْيَ عَيْنٍ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا- وَ يَنْتَهِزُ فُرْصَتَهَا مَنْ لَا حَرِيجَةَ لَهُ فِي الدِّينِ‏ (5).

24- وَ مِنْ كَلَامِهِ فِي بَعْضِ مَوَاقِفِ صِفِّينَ‏ (6) مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ اسْتَشْعِرُوا الْخَشْيَةَ وَ تَجَلْبَبُوا السَّكِينَةَ- وَ عَضُّوا عَلَى النَّوَاجِذِ فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ‏ (7) وَ أَكْمِلُوا اللَّأْمَةَ (8)- وَ قَلْقِلُوا السُّيُوفَ فِي أَغْمَادِهَا قَبْلَ‏

____________

الهام: العظام الرقيقة التي تلى القحف. و قوله «تطيح السواعد» أي تسقط و فعله كباع.

(1) مطالب السئول ص 59.

(2) قولهم: جل الخطب أي عظم الامر و الشأن. و الفادح: الثقيل. و الحدث: الامر الحادث المنكر.

(3) المرجع اما مصدر أي علم كيف الرجوع إلى اللّه، او اسم مكان أي علم بكيفية المعاد.

(4) رجل حول قلب- بضم الأول و تشديد الثاني من اللفظين-: أى بصير بتحويل الأمور و تقليبها قديرى وجه الحيلة في بلوغ مراده لكن يجددون الوصول بمراده مانعا من أمر اللّه و نهيه، فيدع الحيلة و هو قادر عليها و تركها خوفا من عقاب اللّه سبحانه.

(5) الانتهاز اغتنام الفرصة و الحريجة- بالحاء المهملة-: التحرج أي التحرز من الاثم.

(6) المصدر ص 51.

(7) استشعر: لبس الشعار، و هو ما يلي البدن من الثياب، و الجلباب ما تغطى به المرأة ثيابها من فوق. و النواجذ جمع الناجذ و هو أقص الأضراس و الهام: الرأس.

(8) اللأمة- بفتح اللام و الهمزة الساكنة- الدرع و اكمالها أن يزاد عليها البيضة.

336

سَلِّهَا وَ الْحَظُوا الْخَزْرَ وَ اطْعُنُوا الشَّزْرَ- وَ نَافِحُوا بِالظُّبَى وَ صِلُوا السُّيُوفَ بِالْخُطَا- وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ بِعَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى‏ (1)- وَ مَعَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ص فَعَاوِدُوا الْكَرَّ وَ اسْتَحْيُوا مِنَ الْفَرِّ- فَإِنَّهُ عَارٌ فِي الْأَعْقَابِ وَ نَارٌ يَوْمَ الْحِسَابِ- وَ طِيبُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ نَفْساً- وَ امْشُوا إِلَى الْمَوْتِ مَشْياً سُجُحاً (2)- وَ عَلَيْكُمْ بِهَذَا السَّوَادِ الْأَعْظَمِ وَ الرِّوَاقِ الْمُطَنَّبِ فَاضْرِبُوا ثَبَجَهُ- فَإِنَّ الشَّيْطَانَ كَامِنٌ فِي كِسْرِهِ قَدْ قَدَّمَ لِلْوَثْبَةِ يَداً- وَ أَخَّرَ لِلنُّكُوصِ رِجْلًا- فَصَمْداً صَمْداً حَتَّى يَنْجَلِيَ لَكُمْ عَمُودُ الْحَقِّ- وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَ اللَّهُ مَعَكُمْ وَ لَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ‏ (3)

25- وَ مِنْ كَلَامِهِ فِي خُطَبِهِ‏ (4) رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً تَبِعَ حُكْماً فَوَعَى وَ دُعِيَ إِلَى رَشَادٍ فَدَنَا- وَ أَخَذَ بِحُجْزَةِ (5)

____________

و نحوها و قد يراد بها آلات الحرب و الدفاع و اكمالها استيفاؤها. و فائدة القلقلة التحرز من عدم خروجها حالة الحاجة. و الخزر- محركة: النظر بلحظ العين. و الشرر- بالفتح الطعن عن اليمين و الشمال. و المنافجة: المضاربة و المدافعة. و الظبى- بالضم-: جمع ظبة- بالضم أيضا- و هي طرف السيف و حدّه. و «صلوا» من الوصل، أي اجعلوا سيوفكم متصلة بخطاء أعدائكم. أو إذا قصرت سيوفكم عن الوصول الى أعدائكم فصلوها بخطاكم.

(1) و قوله «بعين اللّه» أي ملحوظون بها.

(2) «طيبوا عن أنفسكم نفسا» أي ارضوا ببذلها فكم تبذلونها اليوم لتحرزوها غدا و السجح- بضمتين و تقديم المعجمة-: السهل.

(3) و الرواق ككتاب الفسطاط، و المطنب: المشدود بالاطناب. و ثبج الشي‏ء- بالتحريك وسطه. و الكسر- بكسر الكاف- شقه الاسفل- و كمن- كنصر- أى استخفى، و المراد بالسواد الأعظم أهل الشام و بالرواق المطنب معاوية نفسه، و الشيطان الكامن لعله عمرو بن العاص.

و قوله فصمدا صمدا أي فاثبتوا على قصدكم، و الصمد: القصد. و لن يتركم أي لا ينقصكم شيئا.

(4) مطالب السئول ص 59.

(5) الحجزة- بالضم-: موضع شد الازار. و معقده و من السراويل موضع التكة و المراد الاقتداء و التمسك.

337

هَادٍ فَنَجَا وَ رَاقَبَ رَبَّهُ- وَ خَافَ ذَنْبَهُ وَ قَدَّمَ خَالِصاً- وَ اكْتَسَبَ مَذْخُوراً (1) وَ اجْتَنَبَ مَحْذُوراً- وَ رَمَى غَرَضاً (2) وَ أَحْرَزَ عِوَضاً- وَ كَابَرَ هَوَاهُ‏ (3) وَ كَذَّبَ مُنَاهُ وَ جَعَلَ الصَّبْرَ عَطِيَّةَ نَجَاتِهِ وَ التَّقْوَى عُدَّةَ وَفَاتِهِ- وَ رَكِبَ الطَّرِيقَةَ الْغَرَّاءَ وَ لَزِمَ الْمَحَجَّةَ الْبَيْضَاءَ- وَ اغْتَنَمَ الْمَهَلَ‏ (4) وَ بَادَرَ الْأَجَلَ- وَ تَزَوَّدَ مِنَ الْعَمَلِ قَبْلَ انْقِطَاعِ الْأَمَلِ.

26- وَ مِنْ خُطَبِهِ(ع)(5) يُوَبِّخُ أَهْلَ الْكُوفَةِ- وَ قَدْ تَثَاقَلُوا فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْخَوَارِجِ مَعَهُ- أَيَّتُهَا الْفِئَةُ الْمُجْتَمِعَةُ أَبْدَانُهُمُ الْمُتَفَرِّقَةُ أَدْيَانُهُمْ- إِنَّهُ وَ اللَّهِ مَا غَرَّتْ دَعْوَةُ مَنْ دَعَاكُمْ- وَ لَا اسْتَرَاحَ قَلْبُ مَنْ قَاسَاكُمْ‏ (6) كَلَامُكُمْ يُوهِنُ الصُّمَّ الصِّلَابَ- وَ فِعْلُكُمْ يُطْمِعُ فِيكُمُ عَدُوَّكُمْ الْمُرْتَابَ- إِذَا دَعَوْتُكُمْ إِلَى أَمْرٍ فِيهِ صَلَاحُكُمْ- وَ الذَّبُّ عَنْ حَرِيمِكُمْ اعْتَرَاكُمُ الْفَشَلُ وَ جِئْتُمْ بِالْعِلَلِ- ثُمَّ قُلْتُمْ كَيْتَ وَ كَيْتَ وَ ذَيْتَ وَ ذَيْتَ- أَعَالِيلُ بِأَضَالِيلَ وَ أَقْوَالِ الْأَبَاطِيلِ ثُمَّ سَأَلْتُمُونِي التَّأْخِيرَ دِفَاعَ ذِي الدَّيْنِ الْمَطُولِ- (7) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ إِنَّهُ لَا يَدْفَعُ الضَّيْمَ‏

____________

(1) أي عمل بما افترض اللّه عليه و يذخر ثوابه ليوم حاجته.

(2) أي قصد الى الحق فأصابه.

(3) كابره: غالبه و خالفه، و المكابرة: المغالبة.

(4) الغراء: النيرة الواضحة، و المحجة: جادة الطريق و معظمه و المراد سبيل الحق و منهج العدل. و المهل هنا بمعنى مدة الحياة مع العافية.

(5) روى أن هذه الخطبة خطبها أمير المؤمنين عند اغارة الضحّاك بن قيس بعد قصة الحكمين و عزمه على المسير الى قتال معاوية.

(6) قاساه- مقاساة- الالم: كابده و عالج شدته.

(7) «كيت و كيت» يكنى بهما عن الحديث و الخبر، يقول فلان كيت و كيت. و هكذا ذيت و ذيت كناية عن الحديث و الفعل. و قوله «أعاليل بأضاليل» خبر مبتدأ محذوف أى و إذا دعوتكم الى القتال تعللتم بأعاليل هي باطلة ضلالا عن سبيل اللّه. و المطول تطويل الموعد و المطل فيه، و الكثير المطل- بالفتح- و هو التسويف بالعدة أي دفاعكم كدفاعه.

338

الذُّلُ‏ (1)- وَ لَا يُدْرَكُ الْحَقُّ إِلَّا بِالْجِدِّ- فَخَبِّرُونِي يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ- مَعَ أَيِّ إِمَامٍ بَعْدِي تُقَاتِلُونَ أَمْ أَيَّةُ دَارٍ تَمْنَعُونَ الذَّلِيلُ وَ اللَّهِ مَنْ نَصَرْتُمُوهُ وَ الْمَغْرُورُ مَنْ غَرَرْتُمُوهُ وَ أَصْبَحْتُ وَ لَا أَطْمَعُ فِي نَصْرِكُمْ وَ لَا أُصَدِّقُ قَوْلَكُمْ- فَرَقَّ اللَّهُ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ- وَ أَبْدَلَكُمْ بِي غَيْرِي وَ أَبْدَلَنِي بِكُمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ لِي مِنْكُمْ- أَمَا إِنَّهُ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلًّا شَامِلًا وَ سُيُوفاً قَاطِعَةً- وَ أَثَرَةً قَبِيحَةً يَتَّخِذُهَا الظَّالِمُونَ عَلَيْكُمْ سُنَّةً فَتَبْكِي عُيُونُكُمْ- وَ يَدْخُلُ الْفَقْرُ بُيُوتَكُمْ وَ قُلُوبَكُمْ- وَ تَتَمَنَّوْنَ فِي بَعْضِ حَالاتِكُمْ أَنَّكُمْ رَأَيْتُمُونِي فَنَصَرْتُمُونِي- وَ أَرَقْتُمْ دِمَاءَكُمْ دُونِي فَلَا يُبَعِّدُ اللَّهُ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ- يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ أَعِظُكُمْ فَلَا تَتَّعِظُونَ- وَ أُوقِظُكُمْ فَلَا تَسْتَيْقِظُونَ إِنَّ مَنْ فَازَ بِكُمْ فَقَدْ فَازَ بِالْخَيْبَةِ- وَ مَنْ رَمَى بِكُمْ فَقَدْ رَمَى بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ- أُفٍّ لَكُمْ لَقَدْ لَقِيتُ مِنْكُمْ تَرَحاً (2) يَوْماً أُنَادِيكُمْ وَ يَوْماً أُدَاجِيكُمْ‏ (3)- فَلَا أَحْرَارٌ عِنْدَ النِّدَاءِ وَ لَا ثَبَتَةٌ عِنْدَ الْمَصَائِبِ فَيَا لَلَّهِ مَا ذَا مُنِيتُ بِهِ مِنْكُمْ‏ (4)- لَقَدْ مُنِيتُ بِصُمٍّ لَا يَسْمَعُونَ وَ كُمْهٍ لَا يُبْصِرُونَ وَ بُهْمٍ لَا يَعْقِلُونَ- أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ أَنِّي حِينَ أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرِي- حَمَلْتُكُمْ عَلَى الْمَكْرُوهِ مِنِّي فَإِذَا اسْتَقَمْتُمْ هُدِيتُمْ- وَ إِنْ أَبَيْتُمْ بَدَأْتُ بِكُمْ لَكَانَتِ الزُّلْفَى- وَ لَكِنِّي تَوَاخَيْتُ لَكُمْ وَ تَوَانَيْتُ عَنْكُمْ- وَ تَمَادَيْتُ فِي غَفْلَتِكُمْ فَكُنْتُ أَنَا وَ أَنْتُمْ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ‏

أَمَرْتُهُمْ بِأَمْرِي بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى* * * -فَلَمْ تَسْتَبِينُوا الرُّشْدَ إِلَّا ضُحَى الْغَدِ (5)

____________

(1) كذا، و الضيم: الظلم- و في النهج و أمالي الشيخ ج 1 ص 183 «و لا يدفع الضيم الذليل». و هو الاصوب.

(2) الافوق من السهام: المكسور الفوق. و الفوق موضع الوتر من السهم. و الناصل:

العارى عن النصل و لا يخفى طيش السهم الذي لا فوق له و لا نصل فانه لا يكاد يتجاوز عن القوس، أي من رمى بهم فكأنّما رمى بسهم لا يثبت في الوتر حتّى يرمى، و ان رمى به لم يصب مقتلا إذا لا نصل له. و الترح: ضد الفرح.

(3) أي اداريكم. و في النهج «اناجيكم».

(4) منيت أي بليت.

(5) البيت من قصيدة دريد بن الصمة. و منعرج اللوى اسم مكان، و أصل اللوى من الرمل: الجدد بعد الرملة. و منعرجه: منعطفه يمنة و يسرة.

339

اللَّهُمَّ إِنَّ دِجْلَةَ وَ الْفُرَاتَ نَهَرَانِ أَصَمَّانِ أَبْكَمَانِ- فَأَرْسِلْ عَلَيْهِمْ مَاءَ بَحْرِكَ وَ انْزِعْ عَنْهُمْ مَاءَ نَصْرِكَ- حَبَّذَا إِخْوَانِيَ الصَّالِحِينَ- إِنْ دُعُوا إِلَى الْإِسْلَامِ قَبِلُوهُ- وَ قَرَءُوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ- وَ نَدَبُوا إِلَى الْجِهَادِ فَطَلَبُوهُ- فَحَقِيقٌ لَهُمُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ- وَا شَوْقَاهْ إِلَى تِلْكَ الْوُجُوهِ- ثُمَّ ذَرَفَتْ عَيْنَاهُ وَ نَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ- وَ قَالَ‏ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏ إِلَى مَا صِرْتُ إِلَيْهِ- صِرْتُ إِلَى قَوْمٍ إِنْ أَمَرْتُهُمْ خَالَفُونِي وَ إِنِ اتَّبَعْتُهُمْ تَفَرَّقُوا عَنِّي جَعَلَ اللَّهُ لِي مِنْهُمْ فَرَجاً عَاجِلًا ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ- فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- إِنَّ النَّاسَ قَدْ نَدِمُوا عَلَى تَثَبُّطِهِمْ وَ قُعُودِهِمْ- وَ عَلِمُوا أَنَّ الْحَظَّ فِي إِجَابَتِكَ لَهُمْ- فَعَاوِدْهُمْ فِي الْخُطْبَةِ فَلَمَّا أَصْبَحَ مِنَ الْغَدِ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْأَعْظَمَ- وَ نُودِيَ فِي النَّاسِ فَاجْتَمَعُوا- فَلَمَّا غَصَّ الْمَسْجِدُ بِالنَّاسِ صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَ خَطَبَ هَذِهِ الْخُطْبَةَ.

27- فَقَالَ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى أَيُّهَا النَّاسُ- أَ لَا تَرَوْنَ إِلَى أَطْرَافِكُمْ قَدِ انْتَقَصَتْ وَ إِلَى بِلَادِكُمْ تُغْزَى- وَ أَنْتُمْ ذُو عَدَدٍ جَمٍّ وَ شَوْكَةٍ شَدِيدَةٍ- فَمَا بَالُكُمُ الْيَوْمَ لِلَّهِ أَبُوكُمْ مِنْ أَيْنَ تُؤْتَوْنَ وَ مِنْ أَيْنَ تُسْخَرُونَ- وَ أَنَّى تُؤْفَكُونَ انْتَبِهُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ- وَ تَحَرَّكُوا لِحَرْبِ عَدُوِّكُمْ- فَقَدْ أَبْدَتِ الرَّغْوَةُ عَنِ الصَّرِيخِ لِذِي عَيْنَيْنِ- وَ قَدْ أَضَاءَ الصُّبْحُ لِذِي عِشَاءٍ فَاسْمَعُوا قَوْلِي هَدَاكُمُ اللَّهُ إِذَا قُلْتُ- وَ أَطِيعُوا أَمْرِي‏ إِذَا أَمَرْتُ فَوَ اللَّهِ لَئِنْ أَطَعْتُمُونِي لَنْ تَغْوُوا- وَ إِنْ عَصَيْتُمُونِي لَنْ تَرْشُدُوا- خُذُوا لِلْحَرْبِ أُهْبَتَهَا (1) وَ أَعِدُّوا لَهَا عُدَّتَهَا وَ اخْرُجُوا لَهَا فَقَدْ شَبَّتْ وَ أَوْقَدَتْ نَارَهَا- وَ تَحَرَّكَ لَكُمُ الْفَاسِقُونَ لِكَيْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ- وَ يَغْزُوا عِبَادَ اللَّهِ- فَوَ اللَّهِ إِنْ لَوْ لَقِيتُمْ وَحْدِي وَ هُمْ أَضْعَافُ مَا هُمْ عَلَيْهِ- لَمَا كُنْتُ بِالَّذِي أَهَابُهُمْ وَ لَا أَسْتَوْحِشُ مِنْهُمْ وَ مِنْ قِتَالِهِمْ- فَإِنِّي مِنْ ضَلَالَتِهِمُ الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا- وَ الْحَقِّ الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ لَعَلَى بَصِيرَةٍ وَ يَقِينٍ- وَ إِنِّي إِلَى لِقَاءِ رَبِّي لَمُشْتَاقٌ- وَ بِحُسْنِ ثَوَابِهِ لَمُنْتَظِرٌ- وَ هَذَا الْقَلْبُ الَّذِي أَلْقَاهُمْ بِهِ- هُوَ الْقَلْبُ الَّذِي لَقِيتُ بِهِ الْكُفَّارَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ هُوَ الْقَلْبُ الَّذِي لَقِيتُ بِهِ أَهْلَ الْجَمَلِ وَ أَهْلَ صِفِّينَ لَيْلَةَ الْهَرِيرِ فَإِذَا أَنَا نَفَرْتُكُمْ فَ انْفِرُوا خِفافاً وَ ثِقالًا- وَ جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏

____________

(1) الاهبة: الأسباب و الآلات.

340

ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏- اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا وَ إِيَّاهُمْ عَلَى الْهُدَى- وَ جَنِّبْنَا وَ إِيَّاهُمُ الْبَلْوَى- وَ اجْعَلِ الْآخِرَةَ لَنَا وَ لَهُمْ خَيْراً مِنَ الْأُولَى- فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ كَلَامِهِ أَجَابَهُ النَّاسُ سِرَاعاً- فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْخَوَارِجِ.

28- وَ نُقِلَ أَنَّ جَمَاعَةً حَضَرُوا لَدَيْهِ وَ تَذَاكَرُوا فَضْلَ الْخَطِّ وَ مَا فِيهِ- فَقَالُوا لَيْسَ فِي الْكَلَامِ أَكْثَرُ مِنَ الْأَلِفِ وَ يَتَعَذَّرُ النُّطْقُ بِدُونِهَا- فَقَالَ لَهُمْ فِي الْحَالِ هَذِهِ الْخُطْبَةَ مِنْ غَيْرِ سَابِقِ فِكْرَةٍ وَ لَا تَقَدُّمِ رَوِيَّةٍ وَ سَرَدَهَا وَ لَيْسَ فِيهَا أَلِفٌ- حَمِدْتُ مَنْ عَظُمَتْ مِنَّتُهُ وَ سَبَغَتْ نِعْمَتُهُ- وَ تَمَّتْ كَلِمَتُهُ وَ نَفَذَتْ مَشِيَّتُهُ- وَ بَلَغَتْ حُجَّتُهُ وَ عَدَلَتْ قَضِيَّتُهُ- وَ سَبَقَتْ غَضَبَهُ رَحْمَتُهُ- حَمِدْتُهُ حَمْدَ مُقِرٍّ بِرُبُوبِيَّتِهِ مُتَخَضِّعٍ لِعُبُودِيَّتِهِ- مُتَنَصِّلٍ مِنْ خَطِيئَتِهِ مُعْتَرِفٍ بِتَوْحِيدِهِ- مُسْتَعِيذٍ مِنْ وَعِيدِهِ مُؤَمِّلٍ مِنْ رَبِّهِ مَغْفِرَةً تُنْجِيهِ- يَوْمَ يَشْغَلُ كُلٌّ عَنْ فَصِيلَتِهِ وَ بَنِيهِ- وَ نَسْتَعِينُهُ وَ نَسْتَرْشِدُهُ وَ نُؤْمِنُ بِهِ وَ نَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ- وَ شَهِدْتُ لَهُ شُهُودَ عَبْدٍ مُخْلِصٍ مُوقِنٍ- وَ فَرَّدْتُهُ تَفْرِيدَ مُؤْمِنٍ مُتَيَقِّنٍ- وَ وَحَّدْتُهُ تَوْحِيدَ عَبْدٍ مُذْعِنٍ- لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي مُلْكِهِ- وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ فِي صُنْعِهِ- جَلَّ عَنْ مُشِيرٍ وَ وَزِيرٍ (1) وَ عَوْنٍ وَ مُعِينٍ وَ نَظِيرٍ- عَلِمَ فَسَتَرَ وَ بَطَنَ فَخَبَرَ وَ مَلَكَ فَقَهَرَ- وَ عُصِيَ فَغَفَرَ وَ عُبِدَ فَشَكَرَ- وَ حَكَمَ فَعَدَلَ وَ تَكَرَّمَ وَ تَفَضَّلَ- لَنْ يَزُولَ وَ لَمْ يَزَلْ‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ- وَ هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ بَعْدَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ- رَبٌّ مُتَفَرِّدٌ بِعِزَّتِهِ مُتَمَكِّنٌ بِقُوَّتِهِ- مُتَقَدِّسٌ بِعُلُوِّهِ مُتَكَبِّرٌ بِسُمُوِّهِ- لَيْسَ يُدْرِكُهُ بَصَرٌ وَ لَمْ يُحِطْ بِهِ نَظَرٌ- قَوِيٌّ مَنِيعٌ بَصِيرٌ سَمِيعٌ‏ (2) رَءُوفٌ رَحِيمٌ- عَجَزَ عَنْ وَصْفِهِ مَنْ وَصَفَهُ- وَ ضَلَّ عَنْ نَعْتِهِ مَنْ عَرَفَهُ قَرُبَ فَبَعُدَ وَ بَعُدَ فَقَرُبَ- يُجِيبُ دَعْوَةَ مَنْ يَدْعُوهُ وَ يَرْزُقُهُ وَ يَحْبُوهُ- ذُو لُطْفٍ خَفِيٍّ وَ بَطْشٍ قَوِيٍّ- وَ رَحْمَةٍ مُوسَعَةٍ وَ عُقُوبَةٍ مُوجِعَةٍ- رَحْمَتُهُ جَنَّةٌ عَرِيضَةٌ مُونِقَةٌ- وَ عُقُوبَتُهُ جَحِيمٌ مَمْدُودَةٌ مُوبِقَةٌ- وَ شَهِدْتُ بِبَعْثِ مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ وَ رَسُولِهِ وَ نَبِيِّهِ وَ صَفِيِّهِ وَ حَبِيبِهِ وَ خَلِيلِهِ- بَعَثَهُ فِي خَيْرِ عَصْرٍ وَ حِينَ فَتْرَةٍ وَ كُفْرٍ- رَحْمَةً لِعَبِيدِهِ وَ مِنَّةً لِمَزِيدِهِ- خَتَمَ بِهِ نُبُوَّتَهُ وَ وَضَحَتْ بِهِ حُجَّتُهُ- فَوَعَظَ وَ نَصَحَ وَ بَلَّغَ وَ كَدَحَ- رَءُوفٌ‏

____________

(1) و في «كف» أي مصباح الكفعميّ «و تنزّه عن مثل- خ ل».

(2) زاد في كف «على حكيم».

341

بِكُلِّ مُؤْمِنٍ- رَحِيمٌ سَخِيٌّ رَضِيٌّ وَلِيٌّ زَكِيٌّ عَلَيْهِ رَحْمَةٌ وَ تَسْلِيمٌ- وَ بَرَكَةٌ وَ تَعْظِيمٌ وَ تَكْرِيمٌ- مِنْ رَبٍّ غَفُورٍ رَحِيمٍ قَرِيبٍ مُجِيبٍ حَلِيمٍ وَصَّيْتُكُمْ مَعْشَرَ مَنْ حَضَرَ بِوَصِيَّةِ رَبِّكُمْ- وَ ذَكَّرْتُكُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ- فَعَلَيْكُمْ بِرَهْبَةٍ تُسْكِنُ قُلُوبَكُمْ- وَ خَشْيَةٍ تدري [تُذْرِي دُمُوعَكُمْ- وَ تَقِيَّةٍ تُنْجِيكُمْ قَبْلَ يَوْمِ يُذْهِلُكُمْ وَ يَبْتَلِيكُمْ يَوْمَ يَفُوزُ فِيهِ مَنْ ثَقُلَ وَزْنُ حَسَنَتِهِ- وَ خَفَّ وَزْنُ سَيِّئَتِهِ وَ عَلَيْكُمْ بِمَسْأَلَةِ (1) ذُلٍّ وَ خُضُوعٍ- وَ تَمَلُّقٍ وَ خُشُوعٍ وَ تَوْبَةٍ وَ نُزُوعٍ- وَ لْيَغْنَمْ كُلٌ‏ (2) مِنْكُمْ صِحَّتَهُ قَبْلَ سُقْمِهِ وَ شَيْبَتَهُ قَبْلَ هَرَمِهِ- وَ سَعَتَهُ قَبْلَ فَقْرِهِ‏ (3) وَ فَرْغَتَهُ قَبْلَ شُغُلِهِ- وَ حَضَرَهُ قَبْلَ سَفَرِهِ وَ حَيَاتَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ- قَبْلَ يَهِنُ وَ يَهْرَمُ وَ يَمْرَضُ وَ يَسْقَمُ- وَ يَمِلُّهُ طَبِيبُهُ وَ يُعْرِضُ عَنْهُ حَبِيبُهُ- وَ يَنْقَطِعُ عُمُرُهُ وَ يَتَغَيَّرُ عَقْلُهُ ثُمَّ قِيلَ هُوَ مَوْعُوكٌ وَ جِسْمُهُ مَنْهُوكٌ- ثُمَّ جَدَّ فِي نَزْعٍ شَدِيدٍ- وَ حَضَرَهُ كُلُّ قَرِيبٍ وَ بَعِيدٍ- فَشَخَصَ بِبَصَرِهِ وَ طَمَحَ بِنَظَرِهِ- وَ رَشَحَ جَبِينُهُ وَ خَطَفَتْ عَرِينُهُ- وَ جَدَبَتْ نَفْسُهُ وَ بَكَتْ عِرْسُهُ وَ حَضَرَ رَمْسُهُ- وَ يَتَمَ مِنْهُ وَلَدُهُ وَ تَفَرَّقَ عَنْهُ عَدَدُهُ- وَ فُصِمَ جَمْعُهُ وَ ذَهَبَ بَصَرُهُ وَ سَمْعُهُ- وَ جُرِّدَ وَ غُسِّلَ وَ عُرِيَ وَ نُشِّفَ وَ سُجِّيَ- وَ بُسِطَ لَهُ وَ هُيِّئَ وَ نُشِرَ عَلَيْهِ كَفَنُهُ‏ (4) وَ شُدَّ مِنْهُ ذَقَنُهُ- وَ حُمِلَ فَوْقَ سَرِيرٍ وَ صُلِّيَ عَلَيْهِ بِتَكْبِيرٍ بِغَيْرِ سُجُودٍ وَ تَعْفِيرٍ وَ نُقِلَ مِنْ دُورٍ مُزَخْرَفَةٍ وَ قُصُورٍ مُشَيَّدَةٍ وَ فُرُشٍ مُنَجَّدَةٍ (5)- فَجُعِلَ فِي ضَرِيحٍ مَلْحُودٍ ضَيِّقٍ مَرْصُودٍ- بِلَبِنٍ مَنْضُودٍ مُسَقَّفٍ بِجَلْمُودٍ- وَ هِيلَ عَلَيْهِ عَفْرُهُ وَ حُشِيَ مَدَرُهُ- وَ تَحَقَّقَ حَذَرُهُ وَ نُسِيَ خَبَرُهُ- وَ رَجَعَ عَنْهُ وَلِيُّهُ وَ نَدِيمُهُ وَ نَسِيبُهُ وَ حَمِيمُهُ- وَ تَبَدَّلَ بِهِ قَرِينُهُ وَ حَبِيبُهُ فَهُوَ حَشْوُ قَبْرٍ وَ رَهِينُ حَشْرٍ- يَدِبُّ فِي جِسْمِهِ دُودُ قَبْرِهِ وَ يَسِيلُ صَدِيدُهُ مِنْ‏

____________

(1) في بعض نسخ المصدر «و لتكن مسألتكم مسئلة».

(2) زاد في كف «و ندم و رجوع، و ليغتنم كل مغتنم».

(3) في كف «عدمه و خلوته قبل فقره».

(4) زاد في كف «و قمص و عمم و لف و ودع و سلم».

(5) زاد في كف «و حجر منضدة».

342

مَنْخِرِهِ- وَ تَسْحَقُ تُرْبَتُهُ لَحْمَهُ وَ يُنْشَفُ دَمُهُ- وَ يُرَمُّ عَظْمُهُ حَتَّى يَوْمِ حَشْرِهِ فَيَنْشُرُهُ مِنْ قَبْرِهِ- وَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَ يُدْعَى لِحَشْرٍ وَ نُشُورٍ- فَثَمَّ بُعْثِرَتْ قُبُورٌ وَ حُصِّلَتْ سَرِيرَةٌ فِي صُدُورٍ وَ جِي‏ءَ بِكُلِّ نَبِيٍّ وَ صِدِّيقٍ وَ شَهِيدٍ وَ مِنْطِيقٍ- وَ قَعَدَ لِفَصْلِ حُكْمِهِ قَدِيرٌ (1)- بِعَبْدِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ فَكَمْ حَسْرَةٍ تُضْنِيهِ‏ (2) فِي مَوْقِفٍ مَهِيلٍ- وَ مَشْهَدٍ جَلِيلٍ بَيْنَ يَدَيْ مَلِكٍ عَظِيمٍ بِكُلِّ صَغِيرَةٍ وَ كَبِيرَةٍ عَلِيمٍ- فَحِينَئِذٍ يُلْجِمُهُ عَرَقُهُ وَ يَخْفِرُهُ قَلَقُهُ- فَعَبْرَتُهُ غَيْرُ مَرْحُومَةٍ وَ صَرْخَتُهُ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ (3) وَ بَرَزَتْ صَحِيفَتُهُ- وَ تَبَيَّنَتْ جَرِيرَتُهُ فَنَظَرَ فِي سُوءِ عَمَلِهِ‏ (4) وَ شَهِدَتْ عَيْنُهُ بِنَظَرِهِ وَ يَدُهُ بِبَطْشِهِ- وَ رِجْلُهُ بِخَطْوِهِ وَ جِلْدُهُ بِلَمْسِهِ- وَ فَرْجُهُ بِمَسِّهِ وَ يُهَدِّدُهُ مُنْكَرٌ وَ نَكِيرٌ- وَ كُشِفَ لَهُ حَيْثُ يَصِيرُ فَسُلْسِلَ جِيدُهُ- وَ غُلَّتْ يَدُهُ فَسِيقَ يُسْحَبُ وَحْدَهُ فَوَرَدَ جَهَنَّمَ بِكُرْهٍ شَدِيدٍ وَ ظَلَّ يُعَذَّبُ فِي جَحِيمٍ- وَ يُسْقَى شَرْبَةً مِنْ حَمِيمٍ تَشْوِي وَجْهَهُ وَ تَسْلَخُ جِلْدَهُ‏ (5)- يَسْتَغِيثُ فَيُعْرِضُ عَنْهُ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ- وَ يَسْتَصْرِخُ فَيَلْبَثُ حُقْبَهُ بِنَدَمٍ- نَعُوذُ بِرَبٍّ قَدِيرٍ مِنْ شَرِّ كُلِّ مَصِيرٍ- وَ نَسْأَلُهُ عَفْوَ مَنْ رَضِيَ عَنْهُ- وَ مَغْفِرَةَ مَنْ قَبِلَ مِنْهُ وَ هُوَ وَلِيُّ مَسْأَلَتِي وَ مُنْجِحُ طَلِبَتِي- فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ تَعْذِيبِ رَبِّهِ جُعِلَ فِي جَنَّتِهِ بِقُرْبِهِ وَ خُلِّدَ فِي قُصُورٍ (6) وَ نِعَمِهِ وَ مُلِكَ بِحُورٍ عِينٍ وَ حَفَدَةٍ- وَ تَقَلَّبَ فِي نَعِيمٍ وَ سُقِيَ مِنْ تَسْنِيمٍ‏ (7) مَخْتُومٍ بِمِسْكٍ وَ عَنْبَرٍ (8)- يَشْرَبُ مِنْ خَمْرٍ مَعْذُوبٍ شُرْبُهُ لَيْسَ يُنْزَفُ لُبُّهُ‏

____________

(1) في بعض نسخ المصدر «قعد و تولى لفصل حكمه عند ربّ قدير».

(2) أي تهزله و تضعفه، و في بعض نسخ المصدر «فكم زمرة تغنيه».

(3) زاد في كف «و حجته مقبولة».

(4) زاد في كف «فنطق كل عضو منه بسوء عمله».

(5) زاد في كف «يضرب زبينه بمقمع من حديد يعود جلده بعد نضجه بجلد جديد» و الزبينة: الشرطى.

(6) زاد في كف «و طيف عليه بكؤوس و سكن حضيرة مشيدة و مكن فردوس».

(7) زاد في كف «و يشرب من عين سلسبيل، ممزوجة بزنجبيل».

(8) زاد في كف «مستديم للحبور مستشعر للسرور يشرب من خمور في روض مشرق مغدق ليس يصدع من شربه». و الحبور: السرور.

343

هَذِهِ مَنْزِلَةُ مَنْ خَشِيَ رَبَّهُ وَ حَذَّرَ نَفْسَهُ- وَ تِلْكَ عُقُوبَةُ مَنْ عَصَى مُنْشِئَهُ- وَ سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ مَعْصِيَةَ مُبْدِئِهِ- لَهُوَ ذَلِكَ قَوْلٌ فَصْلٌ وَ حُكْمٌ عَدْلٌ خَيْرُ قَصَصٍ قُصَّ- وَ وُعِظَ بِهِ وَ نُصَ‏ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (1).

أقول: و هذه الخطبة قد نقلها الكفعمي في كتاب المصباح و لكن مع اختلاف شديد و لذلك قد تعرضنا لتلك الاختلافات في الهامش.

29- كا، الكافي مِنَ الرَّوْضَةِ (2) عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكُوفِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَمَّدِيِّ عَنْ أَبِي رَوْحٍ فَرَجِ بْنِ قُرَّةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)بِالْمَدِينَةِ- فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ وَ آلِهِ- ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ- فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَقْصِمْ جَبَّارِي دَهْرٍ- إِلَّا مِنْ بَعْدِ تَمْهِيلٍ وَ رَخَاءٍ- وَ لَمْ يَجْبُرْ كَسْرَ عَظْمٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا بَعْدَ أَزْلٍ وَ بَلَاءٍ (3)- أَيُّهَا النَّاسُ فِي دُونِ مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ عَطَبٍ- وَ اسْتَدْبَرْتُمْ مِنْ خَطْبٍ مُعْتَبَرٌ (4)- وَ مَا كُلُّ ذِي قَلْبٍ بِلَبِيبٍ وَ لَا كُلُّ ذِي سَمْعٍ بِسَمِيعٍ- وَ لَا كُلُّ ذِي نَاظِرِ عَيْنٍ بِبَصِيرٍ- عِبَادَ اللَّهِ أَحْسِنُوا فِيمَا يَعْنِيكُمُ‏ (5) النَّظَرُ فِيهِ- ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى عَرَصَاتِ مَنْ قَدْ أَقَادَهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ- (6) كَانُوا عَلَى سُنَّةٍ مِنْ‏

____________

(1) زاد في كف «نزل به روح قدس مبين على نبى مهتد مكين صلت عليه رسل سفرة مكرمون بررة، عذت برب رحيم من شر كل رجيم فيتضرع متضرعكم و ليبتهل مبتهلكم فنستغفر رب كل مربوب لي و لكم».

(2) ص 63 تحت رقم 22.

(3) الازل: الشدة و الضيق.

(4) الخطب الشأن و الامر. و في بعض نسخ المصدر. «ما استقبلتم من خطب و استدبرتم من خطب».

(5) أي فيما يهمكم. و في بعض النسخ باعجام الغين و هو تصحيف.

(6) من القود فانهم قد أصابوا دماء بغير حق.

344

آلِ فِرْعَوْنَ- أَهْلَ‏ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ‏- ثُمَّ انْظُرُوا بِمَا خَتَمَ اللَّهُ لَهُمْ بَعْدَ النَّضْرَةِ وَ السُّرُورِ وَ الْأَمْرِ وَ النَّهْيِ- وَ لِمَنْ صَبَرَ مِنْكُمُ الْعَاقِبَةُ فِي الْجِنَانِ وَ اللَّهِ مُخَلَّدُونَ- وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ- فَيَا عَجَباً وَ مَا لِيَ لَا أَعْجَبُ مِنْ خَطَإِ هَذِهِ الْفِرَقِ- عَلَى اخْتِلَافِ حُجَجِهَا فِي دِينِهَا- لَا يَقْتَفُونَ‏ (1) أَثَرَ نَبِيٍّ- وَ لَا يَقْتَدُونَ بِعَمَلِ وَصِيٍّ- وَ لَا يُؤْمِنُونَ بِغَيْبٍ وَ لَا يَعِفُّونَ [يَعْفُونَ عَنْ عَيْبٍ الْمَعْرُوفُ فِيهِمْ مَا عَرَفُوا- وَ الْمُنْكَرُ عِنْدَهُمْ مَا أَنْكَرُوا- وَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ أَخَذَ مِنْهَا فِيمَا يَرَى بِعُرًى وَثِيقَاتٍ وَ أَسْبَابٍ مُحْكَمَاتٍ- فَلَا يَزَالُونَ بِجَوْرٍ وَ لَمْ يَزْدَادُوا إِلَّا خَطَأً- لَا يَنَالُونَ تَقَرُّباً وَ لَنْ يَزْدَادُوا إِلَّا بُعْداً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- أُنْسُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ وَ تَصْدِيقُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ- كُلُّ ذَلِكَ وَحْشَةً مِمَّا وَرَّثَ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ- وَ نُفُوراً مِمَّا أَدَّى إِلَيْهِمْ مِنْ أَخْبَارِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ- أَهْلُ حَسَرَاتٍ وَ كُهُوفُ شُبُهَاتٍ- وَ أَهْلُ عَشَوَاتٍ وَ ضَلَالَةٍ وَ رِيبَةٍ (2)- مَنْ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ وَ رَأْيِهِ فَهُوَ مَأْمُونٌ- عِنْدَ مَنْ يَجْهَلُهُ غَيْرُ الْمُتَّهَمِ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ- فَمَا أَشْبَهَ هَؤُلَاءِ بِأَنْعَامٍ قَدْ غَابَ عَنْهَا رِعَاؤُهَا- وَ وَا أَسَفَى مِنْ فَعَلَاتِ شِيعَتِي مِنْ بَعْدِ قُرْبِ مَوَدَّتِهَا الْيَوْمَ- كَيْفَ يَسْتَذِلُّ بَعْدِي بَعْضُهَا بَعْضاً- وَ كَيْفَ يَقْتُلُ بَعْضُهَا بَعْضاً- الْمُتَشَتِّتِ غَداً عَنِ الْأَصْلِ النَّازِلَةِ بِالْفَرْعِ- الْمُؤَمِّلَةِ الْفَتْحَ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ كُلُّ حِزْبٍ مِنْهُمْ آخِذٌ مِنْهُ بِغُصْنٍ أَيْنَمَا مَالَ الْغُصْنُ مَالَ مَعَهُ- مَعَ أَنَّ اللَّهَ وَ لَهُ الْحَمْدُ سَيَجْمَعُ هَؤُلَاءِ لِشَرِّ يَوْمٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ- كَمَا يَجْمَعُ قَزَعَ الْخَرِيفِ‏ (3) يُؤَلِّفُ اللَّهُ بَيْنَهُمْ- ثُمَ‏

____________

(1) في بعض النسخ «لا يقتصون» و هو بمعناه.

(2) في بعض نسخ المصدر «أهل خسران و كفر و شبهات». و العشوة- بالتثليث-:

ركوب الامر على غير بيان.

(3) القزع- بالقاف و الزاى ثمّ العين المهملة-: قطع السحاب المتفرقة و انما خص الخريف لانه أول الشتاء و السحاب يكون فيه متفرقا غير متراكم و لا مطبق ثمّ يجتمع بعضه الى بعض بعد ذلك كما في النهاية.

345

يَجْعَلُهُمْ رُكَاماً كَرُكَامِ السَّحَابِ‏ (1)- ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَاباً يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَثَارِهِمْ‏ (2) كَسَيْلِ الْجَنَّتَيْنِ سَيْلَ الْعَرِمِ- حَيْثُ بَعَثَ عَلَيْهِ فَأْرَةً فَلَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ أَكَمَةٌ- وَ لَمْ يَرُدَّ سَنَنَهُ رَضُّ طَوْدٍ- يُذَعْذِعُهُمُ اللَّهُ فِي بُطُونِ أَوْدِيَةٍ- ثُمَّ يَسْلُكُهُمْ‏ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ‏- يَأْخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ- وَ يُمَكِّنُ بِهِمْ قَوْماً فِي دِيَارِ قَوْمٍ تَشْرِيداً لِبَنِي أُمَيَّةَ (3)- وَ لِكَيْلَا يَغْتَصِبُوا مَا غَصَبُوا- يُضَعْضِعُ اللَّهُ بِهِمْ رُكْناً- وَ يَنْقُضُ بِهِمْ طَيَّ الْجَنَادِلِ مِنْ إِرَمَ وَ يَمْلَأُ مِنْهُمْ بُطْنَانَ الزَّيْتُونِ‏ (4)- فَوَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ لَيَكُونَنَّ ذَلِكَ- وَ كَأَنِّي‏

____________

(1) الركام: المراكب بعضه فوق بعض و نسبة هذا التأليف إليه تعالى مع أنّه لم يكن برضاه على سبيل المجاز تشبيها لعدم منعهم عن ذلك و تمكينهم من أسبابه و تركهم و اختيارهم بتأليفهم و حثهم عليه و نظير هذا كثير في الآيات و الاخبار.

(2) أي محل انبعاثهم و تهييجهم و كانه أشار (عليه السلام) بذلك الى فتن أبى مسلم المروزى و استئصالهم لبني أميّة و انما شبههم بسيل العرم لتخريبهم البلاد و أهلها الذين كانوا في خفض و دعة، و أريد بالجنتين جماعتان من البساتين جماعة عن يمين بلدتهم و جماعة عن شمالها روى أنّها كانت أخصب البلاد و اطيبها، لم تكن فيها عاهة و لا هامة. و فسر العرم تارة بالصعب و اخرى بالمطر الشديد و اخرى بالجرذ و اخرى بالوادى و اخرى بالاحباس التي تبنى في الاودية. و منه قيل: إنّه اصطرخ أهل سبأ، قيل: إنّما اضيف السيل الى الجرذ لانه نقب عليهم سدا ضربته لهم بلقيس فحقنت به الماء و تركت فيه ثقبا على مقدار ما يحتاجون اليه أو المسناة التي عقدت سدا على أنّه جمع عرمة و هي الحجارة المركومة و كان ذلك بين عيسى و محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و عليه. (الوافي).

(3) الاكمة: التل. و الرض: الدق الجريش. و الطود: الجبل. و في بعض النسخ «رص طود» بالصاد المهملة فيكون بمعنى الالزاق و الضم و الشد و لعله الصواب و المجرور في «سننه» يرجع الى السيل أو إلى اللّه تعالى. و الذعذعة- بالذالين المعجمتين و العينين المهملتين التفريق. و التشريد: التنفير. و في بعض النسخ «يدغدغهم».

(4) التضعضع: الهدم. و الجنادل جمع جندل و هو الصخر العظيم أي ينقص اللّه و يكسر بهم البنيان التي طويت و بنيت بالجنادل و الاحجار من بلاد ارم و هي دمشق و الشام اذ كان.

346

أَسْمَعُ صَهِيلَ خَيْلِهِمْ وَ طَمْطَمَةَ رِجَالِهِمْ‏ (1)- وَ ايْمُ اللَّهِ لَيَذُوبَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ- بَعْدَ الْعُلُوِّ وَ التَّمْكِينِ فِي الْبِلَادِ- كَمَا تَذُوبُ الْأَلْيَةُ عَلَى النَّارِ (2) مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مَاتَ ضَالًّا- وَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ يُفْضِي مِنْهُمْ مَنْ دَرَجَ‏ (3)- وَ يَتُوبُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى مَنْ تَابَ- وَ لَعَلَّ اللَّهَ يَجْمَعُ شِيعَتِي بَعْدَ التَّشَتُّتِ لِشَرِّ يَوْمٍ لِهَؤُلَاءِ وَ لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ الْخِيَرَةُ- بَلْ لِلَّهِ الْخِيَرَةُ وَ الْأَمْرُ جَمِيعاً- أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الْمُنْتَحِلِينَ لِلْإِمَامَةِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا كَثِيرٌ- وَ لَوْ لَمْ تَتَخَاذَلُوا عَنْ مُرِّ الْحَقِّ- وَ لَمْ تَهِنُوا عَنْ تَوْهِينِ الْبَاطِلِ لَمْ يَتَشَجَّعْ‏ (4) عَلَيْكُمْ مَنْ لَيْسَ مِثْلَكُمْ- وَ لَمْ يَقُومَنَّ قَوِيٌّ عَلَيْكُمْ عَلَى هَضْمِ الطَّاعَةِ وَ إِزْوَائِهَا عَنْ أَهْلِهَا (5)- لَكِنْ تِهْتُمْ كَمَا تَاهَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى عَهْدِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ- وَ لَعَمْرِي لَيُضَاعَفَنَّ عَلَيْكُمُ التِّيهُ مِنْ بَعْدِي أَضْعَافَ مَا تَاهَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَ لَعَمْرِي أَنْ لَوْ قَدِ اسْتَكْمَلْتُمْ مِنْ بَعْدِي مُدَّةَ سُلْطَانِ بَنِي أُمَيَّةَ- لَقَدِ اجْتَمَعْتُمْ عَلَى سُلْطَانِ الدَّاعِي إِلَى الضَّلَالَةِ- وَ أَحْيَيْتُمُ الْبَاطِلَ وَ خَلَّفْتُمُ الْحَقَّ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ- وَ قَطَعْتُمُ الْأَدْنَى مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ- وَ وَصَلْتُمُ الْأَبْعَدَ مِنْ أَبْنَاءِ الْحَرْبِ لِرَسُولِ اللَّهِ ص وَ لَعَمْرِي أَنْ لَوْ قَدْ ذَابَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ لَدَنَا التَّمْحِيصُ لِلْجَزَاءِ- وَ قَرُبَ الْوَعْدُ وَ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ- وَ بَدَا لَكُمُ النَّجْمُ ذُو الذَّنَبِ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ- وَ لَاحَ لَكُمُ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ- فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَرَاجِعُوا التَّوْبَةَ

____________

مستقر ملكهم في أكثر الازمان تلك البلاد لا سيما زمانه (صلّى اللّه عليه و آله) «قاله المؤلّف- (رحمه الله)-:» و المراد بالزيتون مسجد دمشق أو جبال الشام أو بلد بالصين كما في القاموس.

(1) الصهيل- كامير-: صوت الفرس. و الطمطمة في الكلام أن يكون فيه عجمة.

(2) الالية: الشحمة.

(3) أي يرجع من مات. و في بعض نسخ المصدر «يقضى» بالقاف بمعنى القضاء و المحاكمة.

(4) في بعض نسخ المصدر «يتخشع».

(5) الازواء: الصرف.

347

وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنِ اتَّبَعْتُمْ طَالِعَ الْمَشْرِقِ- سَلَكَ بِكُمْ مَنَاهِجَ الرَّسُولِ ص فَتَدَاوَيْتُمْ مِنَ الْعَمَى وَ الصَّمَمِ وَ الْبَكَمِ- وَ كُفِيتُمْ مَئُونَةَ الطَّلَبِ وَ التَّعَسُّفِ- وَ نَبَذْتُمُ الثِّقْلَ الْفَادِحَ عَنِ الْأَعْنَاقِ‏ (1)- وَ لَا يُبَعِّدُ اللَّهُ إِلَّا مَنْ أَبَى وَ ظَلَمَ وَ اعْتَسَفَ وَ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ‏ وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏.

30- كا، الكافي مِنَ الرَّوْضَةِ (2) عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمُؤَدِّبِ وَ غَيْرِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحَارِثِ الْهَمْدَانِيِّ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ- الْحَمْدُ لِلَّهِ الْخَافِضِ الرَّافِعِ الضَّارِّ النَّافِعِ- الْجَوَادِ الْوَاسِعِ الْجَلِيلِ ثَنَاؤُهُ الصَّادِقَةِ أَسْمَاؤُهُ- الْمُحِيطِ بِالْغُيُوبِ وَ مَا يَخْطُرُ عَلَى الْقُلُوبِ- الَّذِي جَعَلَ الْمَوْتَ بَيْنَ خَلْقِهِ عَدْلًا- وَ أَنْعَمَ بِالْحَيَاةِ عَلَيْهِمْ فَضْلًا فَأَحْيَا وَ أَمَاتَ وَ قَدَّرَ الْأَقْوَاتَ- أَحْكَمَهَا بِعِلْمِهِ تَقْدِيراً- وَ أَتْقَنَهَا بِحِكْمَتِهِ تَدْبِيراً إِنَّهُ كَانَ خَبِيراً بَصِيراً- هُوَ الدَّائِمُ بِلَا فَنَاءٍ وَ الْبَاقِي إِلَى غَيْرِ مُنْتَهًى- يَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْضِ وَ مَا فِي السَّمَاءِ وَ مَا بَيْنَهُمَا وَ مَا تَحْتَ الثَّرَى أَحْمَدُهُ بِخَالِصِ حَمْدِهِ- الْمَخْزُونِ بِمَا حَمِدَهُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ وَ النَّبِيُّونَ- حَمْداً لَا يُحْصَى لَهُ عَدَدٌ وَ لَا يَتَقَدَّمُهُ أَمَدٌ (3)- وَ لَا يَأْتِي بِمِثْلِهِ أَحَدٌ أُومِنُ بِهِ- وَ أَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَ أَسْتَهْدِيهِ وَ أَسْتَكْفِيهِ وَ أَسْتَقْصِيهِ بِخَيْرٍ وَ أَسْتَرْضِيهِ‏ (4)- وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ‏

____________

(1) يقال: فدحه الدين أي أثقله. أى طريق الديون المثقلة و مظالم العباد و اطاعة أهل الجور و ظلمهم عليكم عن أعناقكم (منه).

(2) ص 170 تحت رقم 193.

(3) في بعض النسخ «أحد» أي بالتقدم الزمانى بأن يكون حمده أحد قبل ذلك، أو بالتقدم المعنوى بان يحمد أفضل منه. و الامد: الغاية.

(4) استقصاه- بالصاد المهملة- من قولهم استقصى في المسألة و تقصى إذا بلغ الغاية و بالضاد المعجمة كما في بعض نسخ المصدر من قولهم: استقضى فلان أي طلب إليه أن يقضيه و قوله «بخير» بسبب طلب الخير.

348

أَرْسَلَهُ‏ بِالْهُدى‏ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ- وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ‏- (صلّى اللّه عليه و آله)- أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَكُمْ بِدَارٍ وَ لَا قَرَارٍ- إِنَّمَا أَنْتُمْ فِيهَا كَرَكْبٍ عَرَّسُوا فَأَنَاخُوا (1)- ثُمَّ اسْتَقَلُّوا فَغَدَوْا وَ رَاحُوا- دَخَلُوا خِفَافاً وَ رَاحُوا خِفَافاً (2) لَمْ يَجِدُوا عَنْ مُضِيٍّ نُزُوعاً (3)- وَ لَا إِلَى مَا تَرَكُوا رُجُوعاً جُدَّ بِهِمْ فَجَدُّوا- وَ رَكَنُوا إِلَى الدُّنْيَا فَمَا اسْتَعَدُّوا حَتَّى إِذَا أُخِذَ بِكَظَمِهِمْ- وَ خَلَصُوا إِلَى دَارِ قَوْمٍ جَفَّتْ أَقْلَامُهُمْ‏ (4) لَمْ يَبْقَ مِنْ أَكْثَرِهِمْ خَبَرٌ وَ لَا أَثَرٌ- قَلَّ فِي الدُّنْيَا لَبْثُهُمْ وَ عُجِّلَ إِلَى الْآخِرَةِ بَعْثُهُمْ فَأَصْبَحْتُمْ حُلُولًا فِي دِيَارِهِمْ ظَاعِنِينَ عَلَى آثَارِهِمْ- وَ الْمَطَايَا بِكُمْ تَسِيرُ سَيْراً- مَا فِيهِ أَيْنٌ وَ لَا تَفْتِيرٌ- نَهَارُكُمْ بِأَنْفُسِكُمْ دَءُوبٌ وَ لَيْلُكُمْ بِأَرْوَاحِكُمْ ذَهُوبٌ- (5) فَأَصْبَحْتُمْ تَحْكُونَ مِنْ حَالِهِمْ حَالًا- وَ تَحْتَذُونَ مِنْ مَسْلَكِهِمْ مِثَالًا (6)- فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا- فَإِنَّمَا أَنْتُمْ فِيهَا سَفْرٌ حُلُولٌ‏ (7) الْمَوْتُ بِكُمْ نُزُولٌ- تَنْتَضِلُ فِيكُمْ مَنَايَاهُ‏ (8)- وَ تَمْضِي بِأَخْبَارِكُمْ‏

____________

(1) الركب جمع راكب. و التعريس: نزول القوم في السفر في آخر الليل نزلة للنوم و الاستراحة. اناخوا أي أقاموا. و «استقلوا» أي مضوا و ارتحلوا.

(2) أي دخلوا في الدنيا عند ولادتهم خفافا بلا زاد و لا مال و راحوا عند الموت كذلك و يحتمل أن يكون كناية عن الاسراع.

(3) نزع عن الشي‏ء نزوعا: كف و قلع عنه أي لم يقدروا على الكف عن المضى و الظرفان متعلقان بالنزوع و الرجوع.

(4) أي جفت أقلام الناس عن كتابة آثارهم لبعد عهدهم و محو ذكرهم.

(5) «حلولا» جمع حال. و «ظاعنين» أي سائرين. و الاين: الاعياء «و لا تفتير» أي ليست تلك الحركة موجبة لفتور تلك المطايا فتسكن عن السير زمانا. و «نهاركم بانفسكم دءوب» أي نهاركم يسرع و يجد و يتعب بسبب أنفسكم ليذهبها. و يحتمل أن يكون الباء للتعدية أى نهاركم يتعبكم في أعمالكم و حركاتكم و ذلك سبب لفناء أجسادكم.

(6) «تحكون» أي أحوالكم تحكى و تخبر عن أحوالهم. و الاحتذاء: الاقتداء.

(7) هما جمعان أي مسافرون حللتم بالدنيا و النزول- بفتح النون- أى نازل.

(8) الانتضال: رمى السهام للسبق. و المنايا جمع المنية و هي الموت و لعلّ الضمير.

349

مَطَايَاهُ- إِلَى دَارِ الثَّوَابِ وَ الْعِقَابِ وَ الْجَزَاءِ وَ الْحِسَابِ- فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً رَاقَبَ رَبَّهُ- وَ تَنَكَّبَ ذَنْبَهُ‏ (1) وَ كَابَرَ هَوَاهُ- وَ كَذَّبَ مُنَاهُ امْرُؤٌ أَزَمَّ نَفْسَهُ مِنَ التَّقْوَى بِزِمَامٍ- وَ أَلْجَمَهَا مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهَا بِلِجَامٍ- فَقَادَهَا إِلَى الطَّاعَةِ بِزِمَامِهَا- وَ قَدَعَهَا عَنِ الْمَعْصِيَةِ بِلِجَامِهَا (2) رَافِعاً إِلَى الْمَعَادِ طَرْفَهُ‏ (3)- مُتَوَقِّعاً فِي كُلِّ أَوَانٍ حَتْفَهُ‏ (4) دَائِمَ الْفِكْرِ- طَوِيلَ السَّهَرِ عَزُوفاً عَنِ الدُّنْيَا- سَأَماً كَدُوحاً لِآخِرَتِهِ مُتَحَافِظاً (5) امْرَأً- جَعَلَ الصَّبْرَ مَطِيَّةَ نَجَاتِهِ وَ التَّقْوَى عُدَّةَ وَفَاتِهِ- وَ دَوَاءَ أَجْوَائِهِ فَاعْتَبَرَ وَ قَاسَ- وَ تَرَكَ الدُّنْيَا وَ النَّاسَ- يَتَعَلَّمُ لِلتَّفَقُّهِ وَ السَّدَادِ- وَ قَدْ وَقَّرَ قَلْبَهُ ذِكْرُ الْمَعَادِ وَ طَوَى مِهَادَهُ‏ (6) وَ هَجَرَ وِسَادَهُ- مُنْتَصِباً عَلَى أَطْرَافِهِ دَاخِلًا فِي أَعْطَافِهِ- خَاشِعاً لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- يُرَاوِحُ بَيْنَ الْوَجْهِ وَ الْكَفَّيْنِ‏ (7) خُشُوعٌ فِي السِّرِّ لِرَبِّهِ- لَدَمْعُهُ صَبِيبٌ وَ لَقَلْبُهُ وَجِيبٌ‏ (8) شَدِيدَةٌ أَسْبَالُهُ- تَرْتَعِدُ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ أَوْصَالُهُ‏ (9)- قَدْ عَظُمَتْ‏

____________

راجع الى الدنيا بتأويل الدهر أو بتشبيهها بالرجل الرامى أي ترمى اليكم المنايا في الدنيا سهاما فتهلككم و السهام الأمراض و البلايا الموجبة للموت و يحتمل أن يكون فاعل تنتضل الضمير الراجع الى الدنيا و يكون المرمى المنايا و الأول أظهر (منه).

(1) تنكب أي تجنب. و كابر أي خالف و غالب. و في بعض نسخ المصدر «كابد» أي قاساه و تحمل المشاق في فعله.

(2) قدعه كمنعه-: كفه. و في بعض نسخ المصدر «و قرعها».

(3) طرفه أي عينه.

(4) الحتف: الموت.

(5) عزفت عن كذا أي زهدت فيه و انصرفت عنه. سأما أي ملولا. و الكدح:

السعى و الاهتمام.

(6) الجوى: الحرقة من وجد او حزن. و «طوى مهاده» أي على اقدامه.

(7) أعطاف جمع عطاف و هو الرداء. «يراوح» أي يضع جبهته تارة للسجود و يرفع بدنه تارة في الدعاء ففى اعمال كل واحد منهما راحة للاخرى.

(8) أي هو صاب كثير الصب لدمعه. و لقلبه و جيب أي اضطراب. و اسبال جمع سبل- بالتحريك المطر و الدمع إذا هطل.

(9) الاوصال: المفاصل.

350

فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ رَغْبَتُهُ وَ اشْتَدَّتْ مِنْهُ رَهْبَتُهُ- رَاضِياً بِالْكَفَافِ مِنْ أَمْرِهِ‏ (1) يُظْهِرُ دُونَ مَا يَكْتُمُ- وَ يَكْتَفِي بِأَقَلَّ مِمَّا يَعْلَمُ أُولَئِكَ وَدَائِعُ اللَّهِ فِي بِلَادِهِ- الْمَدْفُوعُ بِهِمْ عَنْ عِبَادِهِ- لَوْ أَقْسَمَ أَحَدُهُمْ عَلَى اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ وَ تَعَالَى لَأَبَرَّهُ- أَوْ دَعَا عَلَى أَحَدٍ نَصَرَهُ اللَّهُ- يَسْمَعُ إِذَا نَاجَاهُ وَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِذَا دَعَاهُ- جَعَلَ اللَّهُ الْعَاقِبَةَ لِلتَّقْوَى وَ الْجَنَّةَ لِأَهْلِهَا مَأْوًى- دُعَاؤُهُمْ فِيهَا أَحْسَنُ الدُّعَاءِ- سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ دَعَاهُمُ الْمَوْلَى عَلَى مَا آتَاهُمْ- وَ آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏.

31- كا، الكافي مِنَ الرَّوْضَةِ (2) عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ أَوْ غَيْرِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ ذَكَرَ هَذِهِ الْخُطْبَةَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَوْمَ الْجُمُعَةِ- الْحَمْدُ لِلَّهِ أَهْلِ الْحَمْدِ وَ وَلِيِّهِ- وَ مُنْتَهَى الْحَمْدِ وَ مَحَلِّهِ- الْبَدِي‏ءِ الْبَدِيعِ الْأَجَلِّ الْأَعْظَمِ- الْأَعَزِّ الْأَكْرَمِ الْمُتَوَحِّدِ بِالْكِبْرِيَاءِ- وَ الْمُتَفَرِّدِ بِالْآلَاءِ الْقَاهِرِ بِعِزِّهِ- وَ الْمُسَلِّطِ بِقَهْرِهِ الْمُمْتَنِعِ بِقُوَّتِهِ- الْمُهَيْمِنِ بِقُدْرَتِهِ وَ الْمُتَعَالِي فَوْقَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ بِجَبَرُوتِهِ- الْمَحْمُودِ بِامْتِنَانِهِ وَ بِإِحْسَانِهِ- الْمُتَفَضِّلِ بِعَطَائِهِ وَ جَزِيلِ فَوَائِدِهِ الْمُتَوَسَّعِ بِرِزْقِهِ الْمُسْبِغِ بِنِعَمِهِ- نَحْمَدُهُ عَلَى آلَائِهِ وَ تَظَاهُرِ نَعْمَائِهِ حَمْداً يَزِنُ عَظَمَةَ جَلَالِهِ وَ يَمْلَأُ قَدْرَ آلَائِهِ وَ كِبْرِيَائِهِ- وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ- الَّذِي كَانَ فِي أَوَّلِيَّتِهِ مُتَقَادِماً وَ فِي دَيْمُومِيَّتِهِ مُتَسَيْطِراً (3) خَضَعَ الْخَلَائِقُ لِوَحْدَانِيَّتِهِ وَ رُبُوبِيَّتِهِ- وَ قَدِيمِ أَزَلِيَّتِهِ وَ دَانُوا لِدَوَامِ أَبَدِيَّتِهِ‏ (4)- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً ص عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ وَ خِيَرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ- اخْتَارَهُ بِعِلْمِهِ وَ

____________

(1) زاد في الوافي «و ان أحسن طول عمره».

(2) ص 173 تحت رقم 194.

(3) أي هو في دوامه مسلط على جميع خلقه.

(4) أي أقروا و أذعنوا بدوام أبديته أو أطاعوا و خضعوا و ذلوا لكونه دائم الابدية.

351

اصْطَفَاهُ لِوَحْيِهِ- وَ ائْتَمَنَهُ عَلَى سِرِّهِ وَ ارْتَضَاهُ لِخَلْقِهِ- وَ انْتَدَبَهُ لِعَظِيمِ أَمْرِهِ وَ لِضِيَاءِ مَعَالِمِ دِينِهِ- وَ مَنَاهِجِ سَبِيلِهِ وَ مِفْتَاحِ وَحْيِهِ- وَ سَبَباً لِبَابِ رَحْمَتِهِ- ابْتَعَثَهُ عَلَى حِينِ‏ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ‏- وَ هَدْأَةٍ مِنَ الْعِلْمِ‏ (1) وَ اخْتِلَافٍ مِنَ الْمِلَلِ- وَ ضَلَالٍ عَنِ الْحَقِّ وَ جَهَالَةٍ بِالرَّبِّ وَ كُفْرٍ بِالْبَعْثِ وَ الْوَعْدِ- أَرْسَلَهُ إِلَى النَّاسِ أَجْمَعِينَ‏ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ‏ بِكِتَابٍ كَرِيمٍ قَدْ فَصَّلَهُ وَ فَضَّلَهُ وَ بَيَّنَهُ وَ أَوْضَحَهُ وَ أَعَزَّهُ- وَ حَفِظَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَهُ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ- تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ- ضَرَبَ لِلنَّاسِ فِيهِ الْأَمْثَالَ وَ صَرَّفَ فِيهِ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَعْقِلُونَ- أَحَلَّ فِيهِ الْحَلَالَ وَ حَرَّمَ فِيهِ الْحَرَامَ- وَ شَرَعَ فِيهِ الدِّينَ لِعِبَادِهِ عُذْراً وَ نُذْراً- لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ‏- وَ يَكُونَ بَلَاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ‏- فَبَلَّغَ رِسَالَتَهُ وَ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ وَ عَبَدَهُ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) تَسْلِيماً كَثِيراً أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ وَ أُوصِي نَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ- الَّذِي ابْتَدَأَ الْأُمُورَ بِعِلْمِهِ- وَ إِلَيْهِ يَصِيرُ غَداً مِيعَادُهَا وَ بِيَدِهِ فَنَاؤُهَا وَ فَنَاؤُكُمْ- وَ تَصَرُّمُ أَيَّامِكُمْ وَ فَنَاءُ آجَالِكُمْ- وَ انْقِطَاعُ مُدَّتِكُمْ- فَكَانَ قَدْ زَالَتْ عَنْ قَلِيلٍ عَنَّا وَ عَنْكُمْ- كَمَا زَالَتْ عَمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ- فَاجْعَلُوا عِبَادَ اللَّهِ اجْتِهَادَكُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا التَّزَوُّدَ- مِنْ يَوْمِهَا الْقَصِيرِ لِيَوْمِ الْآخِرَةِ الطَّوِيلِ فَإِنَّهَا دَارُ عَمَلٍ وَ الْآخِرَةَ دَارُ الْقَرَارِ وَ الْجَزَاءِ فَتَجَافَوْا عَنْهَا- فَإِنَّ الْمُغْتَرَّ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا لَنْ تَعْدُوَ الدُّنْيَا- إِذَا تَنَاهَتْ إِلَيْهَا أُمْنِيَّةُ أَهْلِ الرَّغْبَةِ فِيهَا- الْمُحِبِّينَ لَهَا الْمُطْمَئِنِّينَ إِلَيْهَا- الْمَفْتُونِينَ بِهَا أَنْ تَكُونَ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ- مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَ الْأَنْعامُ‏ (2) الْآيَةَ- مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُصِبِ امْرُؤٌ مِنْكُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَبْرَةً إِلَّا أَوْرَثَتْهُ عَبْرَةً (3)- وَ لَا يُصْبِحُ فِيهَا فِي جَنَاحِ أَمْنٍ إِلَّا وَ هُوَ يَخَافُ فِيهَا نُزُولَ جَائِحَةٍ (4)- أَوْ تَغَيُّرَ نِعْمَةٍ أَوْ زَوَالَ عَافِيَةٍ مَا فِيهِ- مَعَ أَنَّ الْمَوْتَ مِنْ وَرَاءِ

____________

(1) الهدأة- بفتح الهاء و سكون الدال-: السكون عن الحركات.

(2) يونس: 24.

(3) الحبرة بالفتح- النعمة. و العبرة: الدمعة.

(4) الجائحة: الآفة النبيّ تهلك الثمار و الأموال. و كل مصيبة عظيمة.

352

ذَلِكَ وَ هَوْلَ الْمُطَّلَعِ- وَ الْوُقُوفَ بَيْنَ يَدَيِ الْحَكَمِ الْعَدْلِ- تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا عَمِلَتْ‏ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا- وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى‏- فَاتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ وَ سَارِعُوا إِلَى رِضْوَانِ اللَّهِ- وَ الْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ وَ التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِكُلِّ مَا فِيهِ الرِّضَا- فَإِنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ- جَعَلَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ مِمَّنْ يَعْمَلُ بِمَحَابِّهِ وَ يَجْتَنِبُ سَخَطَهُ- ثُمَّ إِنَّ أَحْسَنَ الْقَصَصِ وَ أَبْلَغَ الْمَوْعِظَةِ- وَ أَنْفَعَ التَّذَكُّرِ كِتَابُ اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ- وَ إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ‏ (1)- أَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ- بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ- وَ الْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ- إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ- وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ (2)- إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً (3) اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ- وَ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ- وَ تَحَنَّنْ‏ (4) عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ- وَ سَلِّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ- كَأَفْضَلِ مَا صَلَّيْتَ وَ بَارَكْتَ وَ تَرَحَّمْتَ وَ تَحَنَّنْتَ وَ سَلَّمْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَ آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ- اللَّهُمَّ أَعْطِ مُحَمَّداً الْوَسِيلَةَ وَ الشَّرَفَ وَ الْفَضِيلَةَ وَ الْمَنْزِلَةَ الْكَرِيمَةَ- اللَّهُمَّ اجْعَلْ مُحَمَّداً وَ آلَ مُحَمَّدٍ- أَعْظَمَ الْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ شَرَفاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ أَقْرَبَهُمْ مِنْكَ مَقْعَداً وَ أَوْجَهَهُمْ عِنْدَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَاهاً- وَ أَفْضَلَهُمْ عِنْدَكَ مَنْزِلَةً وَ نَصِيباً- اللَّهُمَّ أَعْطِ مُحَمَّداً أَشْرَفَ الْمَقَامِ- وَ حِبَاءَ السَّلَامِ‏ (5) وَ شَفَاعَةَ الْإِسْلَامِ اللَّهُمَّ وَ أَلْحِقْنَا بِهِ غَيْرَ خَزَايَا- وَ لَا نَاكِبِينَ‏ (6) وَ لَا نَادِمِينَ وَ لَا مُبَدِّلِينَ إِلَهَ الْحَقِّ آمِينَ ثُمَّ جَلَسَ قَلِيلًا ثُمَّ قَامَ فَقَالَ‏

____________

(1) الأعراف: 203.

(2) العصر: الى 3.

(3) الأحزاب: 56.

(4) التحنّن: الترحم.

(5) الحباء: العطاء أي أعطه عطية سلامتك بأن يكون سالما عن جميع ما يوجب نقصا أو خزيا. (منه).

(6) في بعض نسخ المصدر «و لا ناكثين».

353

الْحَمْدُ لِلَّهِ أَحَقَّ مَنْ خُشِيَ وَ حُمِدَ- وَ أَفْضَلَ مَنِ اتُّقِيَ وَ عُبِدَ- وَ أَوْلَى مَنْ عُظِّمَ وَ مُجِّدَ نَحْمَدُهُ لِعَظِيمِ غَنَائِهِ- وَ جَزِيلِ عَطَائِهِ وَ تَظَاهُرِ نَعْمَائِهِ- وَ حُسْنِ بَلَائِهِ وَ نُؤْمِنُ بِهُدَاهُ الَّذِي لَا يَخْبُو ضِيَاؤُهُ- وَ لَا يَتَمَهَّدُ سَنَاؤُهُ‏ (1) وَ لَا يُوهَنُ عُرَاهُ- وَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ كُلِّ الرَّيْبِ وَ ظُلَمِ الْفِتَنِ- وَ نَسْتَغْفِرُهُ مِنْ مَكَاسِبِ الذُّنُوبِ‏ (2)- وَ نَسْتَعْصِمُهُ مِنْ مَسَاوِي الْأَعْمَالِ وَ مَكَارِهِ الْآمَالِ وَ الْهُجُومِ فِي الْأَهْوَالِ- وَ مُشَارَكَةِ أَهْلِ الرَّيْبِ‏ (3) وَ الرِّضَا- بِمَا يَعْمَلُ الْفُجَّارُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ- اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ- الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَ الْأَمْوَاتِ- الَّذِينَ تَوَفَّيْتَهُمْ عَلَى دِينِكَ وَ مِلَّةِ نَبِيِّكَ ص اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ حَسَنَاتِهِمْ وَ تَجَاوَزْ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ- وَ أَدْخِلْ عَلَيْهِمُ الْمَغْفِرَةَ وَ الرَّحْمَةَ وَ الرِّضْوَانَ- وَ اغْفِرْ لِلْأَحْيَاءِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ- الَّذِينَ وَحَّدُوكَ وَ صَدَّقُوا رَسُولَكَ- وَ تَمَسَّكُوا بِدِينِكَ وَ عَمِلُوا بِفَرَائِضِكَ- وَ اقْتَدَوْا بِنَبِيِّكَ وَ سَنُّوا سُنَّتَكَ- وَ أَحَلُّوا حَلَالَكَ وَ حَرَّمُوا حَرَامَكَ- وَ خَافُوا عِقَابَكَ وَ رَجَوْا ثَوَابَكَ- وَ وَالَوْا أَوْلِيَاءَكَ وَ عَادَوْا أَعْدَاءَكَ- اللَّهُمَّ اقْبَلْ حَسَنَاتِهِمْ وَ تَجَاوَزْ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ- وَ أَدْخِلْهُمْ بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ- إِلَهَ الْحَقِّ آمِينَ.

32- كا، الكافي مِنَ الرَّوْضَةِ (4) خُطْبَةٍ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْمُؤَدِّبُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ وَ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ (5) عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ التَّيْمِيِّ جَمِيعاً عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ

____________

(1) في بعض نسخ المصدر «لا يهمد» و السنا مقصورا ضوء البرق و ممدودا: الرفعة.

(2) أي من شر كل شك و شبهة يعترى في الدين.

(3) أي الذين يشكون و يرتابون في الدين أو الذين يريبون الناس فيهم بالخيانة و السرقة.

(4) المصدر ص 352 تحت رقم 550.

(5) أحمد بن محمّد عطف على عليّ بن الحسن و هو العاصمي، و التيمى هو ابن فضال و قل من تفطن لذلك (قاله المؤلّف) و في بعض نسخ المصدر «أحمد بن محمّد بن أحمد» و في بعضها «عن على الحسين المؤدّب».

354

ع قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)النَّاسَ بِصِفِّينَ- فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ ص ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْكُمْ حَقّاً بِوِلَايَةِ أَمْرِكُمْ- وَ مَنْزِلَتِيَ الَّتِي أَنْزَلَنِي اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ بِهَا مِنْكُمْ- وَ لَكُمْ مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِي لِي عَلَيْكُمْ‏ (1)- وَ الْحَقُّ أَجْمَلُ الْأَشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ- وَ أَوْسَعُهَا فِي التَّنَاصُفِ‏ (2) لَا يَجْرِي لِأَحَدٍ إِلَّا جَرَى عَلَيْهِ- وَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ إِلَّا جَرَى لَهُ- وَ لَوْ كَانَ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْرِيَ ذَلِكَ لَهُ- وَ لَا يَجْرِيَ عَلَيْهِ لَكَانَ ذَلِكَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ خَالِصاً دُونَ خَلْقِهِ- لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ وَ لِعَدْلِهِ فِي كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ ضُرُوبُ قَضَائِهِ‏ (3)- وَ لَكِنْ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ- وَ جَعَلَ كَفَّارَتَهُمْ‏ (4) عَلَيْهِ بِحُسْنِ الثَّوَابِ تَفَضُّلًا مِنْهُ وَ تَطَوُّلًا بِكَرَمِهِ- وَ تَوَسُّعاً بِمَا هُوَ مِنَ الْمَزِيدِ لَهُ أَهْلًا- ثُمَّ جَعَلَ مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً فَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ- فَجَعَلَهَا تَتَكَافَى‏ (5) فِي وُجُوهِهَا

____________

(1) الذي له عليهم من الحق هو وجوب طاعته و امحاض نصيحته و الذي لهم عليه من الحق هو وجوب معدلته فيهم.

(2) التواصف أن يصف بعضهم لبعض و التناصف أن ينصف بعضهم بعضا و انما كان الحق أجمل الأشياء في التواصف لانه يوصف بالحسن و الوجوب و كل جميل و انما كان أوسعها في التناصف لان الناس لو تناصفوا في الحقوق لما ضاق عليهم أمر من الأمور و في النهج «و الحق أوسع الأشياء في التواصف و اضيقها في التناصف» و هو أوضح و معناه أن الناس كلهم يصفون الحق و لكن لا ينصف بعضهم بعضا. و في بعض نسخ المصدر «التراصف» موضع التواصف.

(3) أي أنواعه المتغيرة المتوالية. و في بعض نسخ المصدر «صروف قضائه».

(4) انما سمى جزاؤه تعالى على الطاعة كفّارة لانه يكفر ما يزعمونه من أن طاعتهم له تعالى حقّ لهم عليه يستوجبون به الثواب مع أنّه ليس كذلك لان الحق له عليهم حيث أقدرهم على الطاعة و ألهمهم اياها و لهذا سماه التفضل و التطول و التوسع بالانعام الذي هو للمزيد منه أهل لانه الكريم الذي لا تنفد خزائنه بالاعطاء و الجود تعالى مجده و تقدس. و في نهج البلاغة «و جعل جزاءهم عليه» و على هذا فلا يحتاج الى التكلف.

(5) أي جعل كل وجه من تلك الحقوق مقابلا بمثله، فحق الوالى- و هو الطاعة من.

355

وَ يُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً- وَ لَا يُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ‏ (1)- فَأَعْظَمُ مِمَّا افْتَرَضَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- مِنْ تِلْكَ الْحُقُوقِ- حَقُّ الْوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ وَ حَقُّ الرَّعِيَّةِ عَلَى الْوَالِي فَرِيضَةٌ- فَرَضَهَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِكُلٍّ عَلَى كُلٍّ فَجَعَلَهَا نِظَامَ أُلْفَتِهِمْ- وَ عِزّاً لِدِينِهِمْ‏ (2) وَ قِوَاماً لِسُنَنِ الْحَقِّ فِيهِمْ- فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِصَلَاحِ الْوُلَاةِ- وَ لَا تَصْلُحُ الْوُلَاةُ إِلَّا بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّةِ- فَإِذَا أَدَّتِ الرَّعِيَّةُ مِنَ الْوَالِي حَقَّهُ- وَ أَدَّى إِلَيْهَا الْوَالِي كَذَلِكَ عَزَّ الْحَقُّ بَيْنَهُمْ- فَقَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ- وَ اعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ وَ جَرَتْ عَلَى أَذْلَالِهَا السُّنَنُ‏ (3) وَ صَلَحَ بِذَلِكَ الزَّمَانُ وَ طَابَ بِهَا الْعَيْشُ- وَ طُمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلَةِ وَ يَئِسَتْ مَطَامِعُ الْأَعْدَاءِ- وَ إِذَا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ عَلَى وَالِيهِمْ وَ عَلَا الْوَالِي الرَّعِيَّةَ- اخْتَلَفَ هُنَالِكَ الْكَلِمَةُ وَ ظَهَرَتْ مَطَامِعُ الْجَوْرِ- وَ كَثُرَ الْإِدْغَالُ فِي الدِّينِ- وَ تُرِكَتْ مَعَالِمُ السُّنَنِ‏ (4) فَعُمِلَ بِالْهَوَى- وَ عُطِّلَتِ الْآثَارُ وَ كَثُرَ عِلَلُ النُّفُوسِ‏ (5)- وَ لَا يُسْتَوْحَشُ لِجَسِيمِ حَقٍّ عُطِّلَ وَ لَا لِعَظِيمِ بَاطِلٍ أُثِّلَ- فَهُنَالِكَ تَذِلُّ الْأَبْرَارُ وَ تَعِزُّ الْأَشْرَارُ- وَ تَخْرَبُ الْبِلَادُ (6)

____________

الرعية- مقابل بمثله و هو العدل فيهم و حسن السيرة.

(1) كما أن الوالى إذا لم يعدل لم يستحق الطاعة.

(2) فانها سبب اجتماعهم به و يقهرون اعداءهم و يعز دينهم. و قوله: «قواما» أي به يقوم جريان الحق فيهم و بينهم.

(3) في القاموس: ذل الطريق- بالكسر-: محجته. و أمور اللّه جارية اذلالها و على أذلالها أي مجاريها جمع ذل- بالكسر-.

(4) الادغال: بكسر الهمزة- و هو أن يدخل في الشي‏ء ما ليس منه و هو الابداع و التلبيس أو- بفتحها- جمع الدغل- بالتحريك-: الفساد.

(5) قال البحرانيّ: علل النفوس أمراضها بملكات السوء كالغل و الحسد و العداوة و نحوها و قيل: عللها وجوه ارتكابها للمنكرات فتاتى في كل منكر بوجه و رأى فاسد.

(6) التأثيل: التأصيل. و مجد مؤثل أي مجموع ذو أصل. و في النهج «فعل» مكان أثل و التبعة ما يتبع أعمال العباد من العقاب و سوء العاقبة.

356

وَ تَعْظُمُ تَبِعَاتُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عِنْدَ الْعِبَادِ- فَهَلُمَّ أَيُّهَا النَّاسُ إِلَى التَّعَاوُنِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ الْقِيَامِ بِعَدْلِهِ وَ الْوَفَاءِ بِعَهْدِهِ- وَ الْإِنْصَافِ لَهُ فِي جَمِيعِ حَقِّهِ- فَإِنَّهُ لَيْسَ الْعِبَادُ إِلَى شَيْ‏ءٍ أَحْوَجَ مِنْهُمْ إِلَى التَّنَاصُحِ فِي ذَلِكَ- وَ حُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْهِ- وَ لَيْسَ أَحَدٌ وَ إِنِ اشْتَدَّ عَلَى رِضَا اللَّهِ حِرْصُهُ- وَ طَالَ فِي الْعَمَلِ اجْتِهَادُهُ- بِبَالِغٍ حَقِيقَةَ مَا أَعْطَى اللَّهُ مِنَ الْحَقِّ أَهْلَهُ- وَ لَكِنْ مِنْ وَاجِبِ حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى الْعِبَادِ النَّصِيحَةُ لَهُ- بِمَبْلَغِ جُهْدِهِمْ وَ التَّعَاوُنُ عَلَى إِقَامَةِ الْحَقِّ فِيهِمْ- ثُمَّ لَيْسَ امْرُؤٌ وَ إِنْ عَظُمَتْ فِي الْحَقِّ مَنْزِلَتُهُ- وَ جَسُمَتْ فِي الْحَقِّ فَضِيلَتُهُ- بِمُسْتَغْنٍ عَنْ أَنْ يُعَانَ عَلَى مَا حَمَّلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ حَقِّهِ وَ لَا لِامْرِئٍ مَعَ ذَلِكَ خَسَأَتْ بِهِ الْأُمُورُ- وَ اقْتَحَمَتْهُ الْعُيُونُ‏ (1) بِدُونِ مَا أَنْ يُعِينَ عَلَى ذَلِكَ- وَ يُعَانَ عَلَيْهِ وَ أَهْلُ الْفَضِيلَةِ فِي الْحَالِ- وَ أَهْلُ النِّعَمِ الْعِظَامِ أَكْثَرُ فِي ذَلِكَ حَاجَةً وَ كُلٌّ فِي الْحَاجَةِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ شَرَعٌ سَوَاءٌ (2)- فَأَجَابَهُ رَجُلٌ مِنْ عَسْكَرِهِ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ- وَ يُقَالُ إِنَّهُ لَمْ يُرَ فِي عَسْكَرِهِ قَبْلَ‏

____________

(1) «و لا لامرئ» يعنى مع عدم الاستغناء عن الاستعانة و قوله: «خسئت به الأمور» يقال: خسئت الكلب خسئا طردته و خسأ الكلب بنفسه يتعدى و لا يتعدى. و قد تعدى بالباء أي طردته الأمور أو يكون الباء للسببية أي بعدت بسببه الأمور. و في بعض نسخ المصدر «حست» بالمهملتين أي اختبرته. و اقتحمه: احتقره، و في النهج «و لا امرؤ و ان صفرته النفوس و اقتحمته العيون». و قوله: «بدون ما أن يعين» أي بأقل من أن يستعان به و يعان و الحاصل كما في الوافي أن الشريف و الوضيع جميعا محتاجون في أداء الحقوق الى إعانة بعضهم بعضا و استعانة بعضهم ببعض و كل من كانت النعمة عليه أعظم فاحتياجه في ذلك أكثر لان الحقوق عليه أوفر لازدياد الحقوق بحسب ازدياد النعم.

(2) «سواء» بيان لقوله: «شرع» و تأكيد و انما ذكره (عليه السلام) ذلك لئلا يتوهم أنهم يستغنون باعانة بعضهم بعضا عن ربهم تعالى بل هو الموفق و المعين لهم في جميع أمورهم و لا يستغنون بشي‏ء عن اللّه تعالى و انما كلفهم بذلك ليختبر طاعتهم و يثيبهم على ذلك و اقتضت حكمته البالغة أن يجرى الأشياء باسبابها و هو المسبب لها و القادر على امضائها بلا سبب. (منه).

357

ذَلِكَ الْيَوْمِ وَ لَا بَعْدَهُ: فَقَامَ وَ أَحْسَنَ الثَّنَاءَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِمَا أَبْلَاهُمْ وَ أَعْطَاهُمْ- مِنْ وَاجِبِ حَقِّهِ عَلَيْهِمْ- وَ الْإِقْرَارِ (1) بِكُلِّ مَا ذَكَرَ مِنْ تَصَرُّفِ الْحَالاتِ بِهِ وَ بِهِمْ- ثُمَّ قَالَ أَنْتَ أَمِيرُنَا- وَ نَحْنُ رَعِيَّتُكَ بِكَ أَخْرَجَنَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنَ الذُّلِّ- وَ بِإِعْزَازِكَ أَطْلَقَ عِبَادَهُ مِنَ الْغُلِ‏ (2)- فَاخْتَرْ عَلَيْنَا فَأَمْضِ اخْتِيَارَكَ- وَ ائْتَمِرْ فَأَمْضِ ائْتِمَارَكَ‏ (3) فَإِنَّكَ الْقَائِلُ الْمُصَدَّقُ- وَ الْحَاكِمُ الْمُوَفَّقُ وَ الْمَلِكُ الْمُخَوَّلُ‏ (4)- لَا نَسْتَحِلُّ فِي شَيْ‏ءٍ مِنْ مَعْصِيَتِكَ- وَ لَا نَقِيسُ عِلْماً بِعِلْمِكَ- يَعْظُمُ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ خَطَرُكَ‏ (5)- وَ يَجِلُّ عَنْهُ فِي أَنْفُسِنَا فَضْلُكَ- فَأَجَابَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ- إِنَّ مِنْ حَقِّ مَنْ عَظُمَ جَلَالُ اللَّهِ فِي نَفْسِهِ وَ جَلَّ مَوْضِعُهُ مِنْ قَلْبِهِ- أَنْ يَصْغُرَ عِنْدَهُ لِعِظَمِ ذَلِكَ كُلُّ مَا سِوَاهُ- وَ إِنَّ أَحَقَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَنْ عَظُمَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ- وَ لَطُفَ إِحْسَانُهُ إِلَيْهِ- فَإِنَّهُ لَمْ تَعْظُمْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا زَادَ حَقُّ اللَّهِ عَلَيْهِ عِظَماً- وَ إِنَّ مِنْ أَسْخَفِ حَالاتِ الْوُلَاةِ عِنْدَ صَالِحِ النَّاسِ‏ (6) أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ حُبُّ الْفَخْرِ- وَ يُوضَعَ أَمْرُهُمْ عَلَى الْكِبْرِ- وَ قَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ جَالَ فِي ظَنِّكُمْ- أَنِّي أُحِبُّ الْإِطْرَاءَ (7) وَ اسْتِمَاعَ الثَّنَاءِ- وَ لَسْتُ بِحَمْدِ اللَّهِ كَذَلِكَ- وَ لَوْ

____________

(1) «أبلاهم»: أنعمهم. «من واجب حقه» يعنى من حقّ أمير المؤمنين «ع».

(2) أشار به الى قوله تعالى: «وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ» أى يخفف عنهم ما كانوا به من التكاليف الشاقة.

(3) الايتمار بمعنى المشاورة.

(4) أي الملك الذي اعطاك اللّه للامرة علينا و جعلنا خدمك و تبعك.

(5) أي في العلم بأن تكون كلمة «فى» تعليلية و يحتمل أن يكون إشارة الى ما دل عليه من الكلام من اطاعته (عليه السلام). و الخطر: القدر و المنزلة.

(6) السخف: رقة العيش و رقة العقل، و السخافة رقة كل شي‏ء، أي أضعف. أحوال الولاة عند الرعية أن يكونوا متهمين عندهم بهذه الخصلة المذمومة.

(7) جال- بالجيم- من الجولان- بالواو-. و الاطراء: مجاوزة الحد في الثناء.

358

كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لَتَرَكْتُهُ- انْحِطَاطاً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ‏ (1) عَنْ تَنَاوُلِ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ- مِنَ الْعَظَمَةِ وَ الْكِبْرِيَاءِ- وَ رُبَّمَا اسْتَحْلَى النَّاسُ‏ (2) الثَّنَاءَ بَعْدَ الْبَلَاءِ- فَلَا تُثْنُوا عَلَيَّ بِجَمِيلِ ثَنَاءٍ لِإِخْرَاجِي نَفْسِي إِلَى اللَّهِ وَ إِلَيْكُمْ- (3) مِنَ الْبَقِيَّةِ فِي حُقُوقٍ لَمْ أَفْرُغْ مِنْ أَدَائِهَا- وَ فَرَائِضَ لَا بُدَّ مِنْ إِمْضَائِهَا- فَلَا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ- وَ لَا تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ- وَ لَا تُخَالِطُونِي بِالْمُصَانَعَةِ (4)- وَ لَا تَظُنُّوا لِي اسْتِثْقَالًا

____________

(1) أي تواضعا له تعالى و في بعض نسخ المصدر القديمة «و لو كنت أحبّ أن يقال ذلك لتناهيت له أغنانا اللّه و إيّاكم عن تناول ما هو أحق به من التعاظم و حسن الثناء» و التناهى: قبول النهى و الضمير في «له» راجع إلى اللّه تعالى. و في النهج كما في النسخ المشهورة.

(2) يقال: استحلاه أي وجده حلوا قال ابن ميثم (رحمه الله): هذا يجرى مجرى تمهيد العذر لمن أثنى عليه، فكأنّه يقول: و أنت معذور في ذلك حيث رأيتني اجاهد في اللّه و أحث الناس على ذلك و من عادة الناس أن يستهل الثناء عند أن يبلو بلاء حسنا في جهاد أو غيره من سائر الطاعات ثمّ أجاب عن هذا العذر في نفسه بقوله: «و لا تثنوا على بجميل ثناء» أى لا تثنوا على لاجل ما ترونه منى من طاعة اللّه فان ذلك انما هو اخراج لنفسى إلى اللّه من حقوقه الباقية على لم افرغ بعد أدائها و هي حقوق نعمه و فرائضه التي لا بدّ من المضى فيها و كذلك اليكم من الحقوق التي أوجبها اللّه على من النصيحة في الدين و الإرشاد الى الطريق الافضل و التعليم لكيفية سلوكه.

(3) أي لاعترافى بين يدي اللّه و بمحضر منكم، ان على حقوقا في ايالتكم و رئاستى عليكم لم اقم بها بعد و أرجو من اللّه القيام بها. و في بعض نسخ المصدر «من التقية» يعنى من أن يتقونى في مطالبة حقوق لكم لم افرغ من ادائها و على هذا يكون المراد بمستحلى الثناء الذين يثنيهم الناس اتقاء شرهم و خوفا من بأسهم.

(4) أهل البادرة الملوك و السلاطين. و البادرة: الحدة و الكلام الذي يسبق من الإنسان في الغضب أي لا تثنوا على كما يثنى على أهل الحدة من الملوك خوفا من سطوتهم أو لا تحتشموا منى كما يحتشم من السلاطين و الامراء كترك المسارة و الحديث اجلالا و خوفا منهم و ترك مشاورتهم، أو اعلامهم ببعض الأمور و القيام بين أيديهم. و المصانعة: الرشوة و المداراة.

359

فِي حَقٍّ قِيلَ لِي وَ لَا الْتِمَاسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسِي- فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ- أَوِ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ- فَلَا تَكُفُّوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقٍّ أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ- فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِئَ- وَ لَا آمَنُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي‏ (1) إِلَّا أَنْ يَكْفِيَ اللَّهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي- فَإِنَّمَا أَنَا وَ أَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبٍّ لَا رَبَّ غَيْرُهُ- يَمْلِكُ مِنَّا مَا لَا نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا- وَ أَخْرَجَنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ‏ (2) إِلَى مَا صَلَحْنَا عَلَيْهِ- فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلَالَةِ بِالْهُدَى وَ أَعْطَانَا الْبَصِيرَةَ بَعْدَ الْعَمَى- فَأَجَابَهُ الرَّجُلُ الَّذِي أَجَابَهُ مِنْ قَبْلُ فَقَالَ- أَنْتَ أَهْلُ مَا قُلْتَ- وَ اللَّهُ وَ اللَّهِ فَوْقَ مَا قُلْتَهُ فَبَلَاؤُهُ عِنْدَنَا مَا لَا يُكْفَرُ (3)- وَ قَدْ حَمَّلَكَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى رِعَايَتَنَا- وَ وَلَّاكَ سِيَاسَةَ أُمُورِنَا- فَأَصْبَحْتَ عَلَمَنَا الَّذِي نَهْتَدِي بِهِ وَ إِمَامَنَا الَّذِي نَقْتَدِي بِهِ- وَ أَمْرُكَ كُلُّهُ رُشْدٌ وَ قَوْلُكَ كُلُّهُ أَدَبٌ- قَدْ قَرَّتْ بِكَ فِي الْحَيَاةِ أَعْيُنُنَا- وَ امْتَلَأَتْ مِنْ سُرُورٍ بِكَ قُلُوبُنَا- وَ تَحَيَّرَتْ مِنْ صِفَةِ مَا فِيكَ مِنْ بَارِعِ الْفَضْلِ‏ (4) عُقُولُنَا- وَ لَسْنَا نَقُولُ لَكَ‏

____________

(1) هذا من قبيل هضم النفس، ليس بنفى العصمة مع أن الاستثناء يكفينا مئونة ذلك و قال المؤلّف- (رحمه الله)-: هذا من الانقطاع إلى اللّه و التواضع الباعث لهم على الانبساط معه بقول الحق و عد نفسه من المقصرين في مقام العبودية و الإقرار بأن عصمته من نعمه تعالى عليه.

(2) أي من الجهالة عدم العلم و المعرفة و الكمالات التي يسرها اللّه تعالى لنا ببعثة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، قال ابن أبي الحديد: ليس هذا إشارة الى خاصّ نفسه (عليه السلام) لانه لم يكن كافرا فأسلم و كنه كلام يقوله و يشير به الى القوم الذين يخاطبهم في أفياء الناس فيأتي بصيغة الجمع الداخلة فيها نفسه توسعا.

(3) أي نعمته عندنا وافرة بحيث لا نستطيع كفرها و سترها، أو لا يجوز كفرانها و ترك شكرها.

(4) برع في الشي‏ء فاق أقرانه فيه.

360

أَيُّهَا الْإِمَامُ الصَّالِحُ تَزْكِيَةً لَكَ- وَ لَا نُجَاوِزُ الْقَصْدَ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْكَ- وَ لَمْ يُكَنَ‏ (1) فِي أَنْفُسِنَا طَعْنٌ عَلَى يَقِينِكَ أَوْ غِشٌّ فِي دِينِكَ- فَنَتَخَوَّفَ أَنْ يَكُونَ أَحْدَثْتَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى تَجَبُّراً- أَوْ دَخَلَكَ كِبْرٌ- وَ لَكِنَّا نَقُولُ لَكَ مَا قُلْنَا تَقَرُّباً إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِتَوْقِيرِكَ- وَ تَوَسُّعاً بِتَفْضِيلِكَ وَ شُكْراً بِإِعْظَامِ أَمْرِكَ- فَانْظُرْ لِنَفْسِكَ وَ لَنَا وَ آثِرْ أَمْرَ اللَّهِ عَلَى نَفْسِكَ وَ عَلَيْنَا- فَنَحْنُ طُوَّعٌ فِيمَا أَمَرْتَنَا- نَنْقَادُ مِنَ الْأُمُورِ مَعَ ذَلِكَ فِيمَا يَنْفَعُنَا- فَأَجَابَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ- وَ أَنَا أَسْتَشْهِدُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى نَفْسِي لِعِلْمِكُمْ فِيمَا وُلِّيتُ بِهِ مِنْ أُمُورِكُمْ- وَ عَمَّا قَلِيلٍ يَجْمَعُنِي وَ إِيَّاكُمُ الْمَوْقِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ- وَ السُّؤَالُ عَمَّا كُنَّا فِيهِ ثُمَّ يَشْهَدُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ- فَلَا تَشْهَدُوا الْيَوْمَ بِخِلَافِ مَا أَنْتُمْ شَاهِدُونَ غَداً- فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ- وَ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ إِلَّا مُنَاصَحَةُ الصُّدُورِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ فَأَجَابَهُ الرَّجُلُ وَ يُقَالُ لَمْ يُرَ الرَّجُلُ- بَعْدَ كَلَامِهِ هَذَا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَأَجَابَهُ- وَ قَدْ عَالَ الَّذِي‏ (2) فِي صَدْرِهِ فَقَالَ وَ الْبُكَاءُ تَقْطَعُ مَنْطِقَهُ- وَ غُصَصُ الشَّجَا تَكْسِرُ صَوْتَهُ إِعْظَاماً لِخَطَرِ مَرْزِئَتِهِ- وَ وَحْشَةً مِنْ كَوْنِ فَجِيعَتِهِ‏ (3) فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ- ثُمَّ شَكَا إِلَيْهِ هَوْلَ مَا أَشْفَى عَلَيْهِ‏ (4) مِنَ الْخَطَرِ الْعَظِيمِ وَ الذُّلِّ الطَّوِيلِ فِي فَسَادِ زَمَانِهِ- وَ انْقِلَابِ جَدِّهِ‏ (5) وَ انْقِطَاعِ مَا كَانَ مِنْ دَوْلَتِهِ- ثُمَ‏

____________

(1) قال المؤلّف- (رحمه الله): «لم يكن» على بناء المجهول من كننت الشي‏ء:

سترته. أو- بفتح الياء و كسر الكاف- من و كنت الطائر بيضه يكنه إذا حضنه و في بعض نسخ المصدر «لم يكن» و في النسخة القديمة «لن يكون».

(2) عال- بالمهملة-: اشتد و تفاقم و غلبه و ثقل عليه و أهمه.

(3) الغصة- بالضم-: ما اعترض في الحلق و كذا الشجا. و المرزئة: المصيبة و كذا الفجيعة و الضميران راجعان الى أمير المؤمنين (عليه السلام).

(4) أي أشرف عليه، و الضمير في قوله: «اليه» راجع إلى اللّه تعالى.

(5) الجد: البحت و قد يقر الحدّ و هو الحدود و الاحكام و العقوبة و ما يعترى الإنسان من الغضب.

361

نَصَبَ الْمَسْأَلَةَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِالامْتِنَانِ عَلَيْهِ- وَ الْمُدَافَعَةِ عَنْهُ بِالتَّفَجُّعِ وَ حُسْنِ الثَّنَاءِ فَقَالَ يَا رَبَّانِيَّ الْعِبَادِ وَ يَا سَكَنَ الْبِلَادِ (1)- أَيْنَ يَقَعُ قَوْلُنَا مِنْ فَضْلِكَ- وَ أَيْنَ يَبْلُغُ وَصْفُنَا مِنْ فِعْلِكَ- وَ أَنَّى نَبْلُغُ حَقِيقَةَ حُسْنِ ثَنَائِكَ أَوْ نُحْصِي جَمِيلَ بَلَائِكَ- وَ كَيْفَ وَ بِكَ جَرَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْنَا- وَ عَلَى يَدِكَ اتَّصَلَتْ أَسْبَابُ الْخَيْرِ إِلَيْنَا- أَ لَمْ تَكُنْ لِذُلِّ الذَّلِيلِ مَلَاذاً وَ لِلْعُصَاةِ الْكُفَّارِ إِخْوَاناً (2)- فَبِمَنْ إِلَّا بِأَهْلِ بَيْتِكَ- وَ بِكَ أَخْرَجَنَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ فَظَاعَةِ تِلْكَ الْخَطَرَاتِ- أَوْ بِمَنْ فَرَّجَ عَنَّا غَمَرَاتِ الْكُرُبَاتِ‏ (3)- وَ بِمَنْ إِلَّا بِكُمْ أَظْهَرَ اللَّهُ مَعَالِمَ دِينِنَا- وَ اسْتَصْلَحَ مَا كَانَ فَسَدَ مِنْ دُنْيَانَا- حَتَّى اسْتَبَانَ بَعْدَ الْجَوْرِ ذِكْرُنَا (4)- وَ قَرَّتْ مِنْ رَخَاءِ الْعَيْشِ أَعْيُنُنَا- لِمَا وَلَّيْتَنَا بِالْإِحْسَانِ جُهْدَكَ وَ وَفَيْتَ لَنَا بِجَمِيعِ وَعْدِكَ- وَ قُمْتَ لَنَا عَلَى جَمِيعِ عَهْدِكَ- فَكُنْتَ شَاهِدَ مَنْ غَابَ مِنَّا وَ خَلَفَ أَهْلِ الْبَيْتِ لَنَا- وَ كُنْتَ عِزَّ ضُعَفَائِنَا وَ ثِمَالَ فُقَرَائِنَا (5)- وَ عِمَادَ عُظَمَائِنَا يَجْمَعُنَا فِي الْأُمُورِ عَدْلُكَ- وَ يَتَّسِعُ لَنَا فِي الْحَقِّ تَأَنِّيكَ‏ (6)- فَكُنْتَ لَنَا أُنْساً إِذَا

____________

(1) السكن- بالتحريك-: كل ما يسكن إليه و في بعض نسخ المصدر «يا ساكن البلاد».

(2) أي كنت تعاشر من يعصيك و يكفر نعمتك معاشرة الاخوان شفقة منك عليهم أو المراد الشفقة على الكفّار و العصاة و الاهتمام في هدايتهم و يحتمل أن يكون المراد المنافقين الذين كانوا في عسكره و كان يلزمه رعايتهم بظاهر الشرع هذا قول المؤلّف و الظاهر «أ لم نكن» بالنون على صيغة المتكلم مع الغير و المعنى كنا ملاذا لذل الذليل لا للذليل و اخوانا للعصاة و الكفرة فبك و أهل بيتك دون غيركم أخرجنا اللّه من فظاعة؟.

(3) الفظاعة: الشناعة. و فظاعة تلك الخطرات: شناعتها و شدتها و الغمرات الشدائد و المزدحمات.

(4) قال الجوهريّ: نعوذ باللّه من الحور بعد الكور أي من النقصان بعد الزيادة.

و في بعض نسخ المصدر «بعد الجور» بالمعجمة.

(5) في النهاية الثمال- بالكسر-: الملجأ و الغياث و قيل هو المطعم في الشدة.

(6) أي صار مداراتك و تأنيك و عدم مبادرتك في الحكم علينا بما نستحقه سببا لوسعة.

362

رَأَيْنَاكَ وَ سَكَناً إِذَا ذَكَرْنَاكَ- فَأَيَّ الْخَيْرَاتِ لَمْ تَفْعَلْ- وَ أَيَّ الصَّالِحَاتِ لَمْ تَعْمَلْ وَ لَوْ أَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي نَخَافُ عَلَيْكَ مِنْهُ يَبْلُغُ تَحْوِيلَهُ جُهْدُنَا (1)- وَ تَقْوَى لِمُدَافَعَتِهِ طَاقَتُنَا- أَوْ يَجُوزُ الْفِدَاءُ عَنْكَ مِنْهُ بِأَنْفُسِنَا- وَ بِمَنْ نَفْدِيهِ بِالنُّفُوسِ مِنْ أَبْنَائِنَا- لَقَدَّمْنَا أَنْفُسَنَا وَ أَبْنَاءَنَا قِبَلَكَ- وَ لَأَخْطَرْنَاهَا (2) وَ قَلَّ خَطَرُهَا دُونَكَ- وَ لَقُمْنَا بِجُهْدِنَا فِي مُحَاوَلَةِ مَنْ حَاوَلَكَ- وَ فِي مُدَافَعَةِ مَنْ نَاوَاكَ‏ (3) وَ لَكِنَّهُ سُلْطَانٌ لَا يُحَاوَلُ- وَ عِزٌّ لَا يُزَاوَلُ‏ (4) وَ رَبٌّ لَا يُغَالَبُ- فَإِنْ يَمْنُنْ عَلَيْنَا بِعَافِيَتِكَ- وَ يَتَرَحَّمْ عَلَيْنَا بِبَقَائِكَ- وَ يَتَحَنَّنْ عَلَيْنَا بِتَفْرِيجِ‏ (5) هَذَا مِنْ حَالِكَ إِلَى سَلَامَةٍ مِنْكَ لَنَا- وَ بَقَاءٍ مِنْكَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا نُحْدِثْ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِذَلِكَ شُكْراً نُعَظِّمُهُ- وَ ذِكْراً نُدِيمُهُ‏ (6) وَ نَقْسِمْ أَنْصَافَ أَمْوَالِنَا صَدَقَاتٍ- وَ أَنْصَافَ رَقِيقِنَا عُتَقَاءَ (7) وَ نُحْدِثْ لَهُ تَوَاضُعاً فِي أَنْفُسِنَا- وَ نَخْشَعْ فِي جَمِيعِ أُمُورِنَا- وَ إِنْ يَمْضِ بِكَ إِلَى الْجِنَانِ- وَ يُجْرِي عَلَيْكَ حَتْمَ سَبِيلِهِ- فَغَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيكَ قَضَاؤُهُ- وَ لَا مَدْفُوعٍ عَنْكَ بَلَاؤُهُ- وَ لَا مُخْتَلِفَةٌ مَعَ ذَلِكَ قُلُوبُنَا- بِأَنَّ اخْتِيَارَهُ لَكَ مَا عِنْدَهُ عَلَى مَا كُنْتَ فِيهِ- وَ لَكِنَّا نَبْكِي مِنْ غَيْرِ إِثْمٍ لِعِزِّ هَذَا السُّلْطَانِ- أَنْ يَعُودَ ذَلِيلًا (8)

____________

الحق علينا و عدم تضيق الأمور بنا.

(1) في بعض نسخ المصدر «تحريكه جهدنا» أي تغييره و صرفه.

(2) أي جعلناها في معرض المخاطرة و الهلاك أو صيرناها خطرا و رهنا و عوضا لك قال الجزريّ: فيه «ألا هل مشمر للجنة فان الجنة لا خطر لها» أي لا عوض لها و لا مثل. و الخطر بالتحريك- في الأصل: الرهن و ما يخاطر عليه و مثل الشي‏ء و عدله و لا يقال الا في الشي‏ء الذي له قدر و مزية.

(3) «حاولك» أي قصدك. و «ناواك» أي عاداك. و قوله: «و كنه» أي الرب تعالى.

(4) أي ذو عزّ و غلبة. و زاوله اي حاوله و طالبه.

(5) في بعض نسخ المصدر «بتصريح».

(6) الضميران راجعان الى الشكر و الذكر.

(7) الرقيق: المملوك.

(8) في أكثر نسخ المصدر «لعز هذا السلطان» فقوله «لعز» متعلق بالبكاء و «أن يعود» بدل اشتمال له أي نبكى لتبدل عزّ هذا السلطان ذلا. و في بعض نسخ المصدر «لعن اللّه هذا.

363

وَ لِلدِّينِ وَ الدُّنْيَا أَكِيلًا (1)- فَلَا نَرَى لَكَ خَلَفاً نَشْكُو إِلَيْهِ وَ لَا نَظِيراً نَأْمُلُهُ وَ لَا نُقِيمُهُ‏ (2).

33- كا، الكافي مِنَ الرَّوْضَةِ (3) خُطْبَةٌ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ وَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ جَمِيعاً عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ وَ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ التَّيْمِيِّ وَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ جَمِيعاً عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَيْفَرٍ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ ظُهَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَرِيرٍ الْعَبْدِيِ‏ (4) عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: أَتَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَ وَلَدُ أَبِي بَكْرٍ وَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ- يَطْلُبُونَ مِنْهُ التَّفْضِيلَ لَهُمْ‏ (5) فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَ مَالَ النَّاسُ إِلَيْهِ- فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلِيِّ الْحَمْدِ وَ مُنْتَهَى الْكَرَمِ لَا تُدْرِكُهُ الصِّفَاتُ- وَ لَا يُحَدُّ بِاللُّغَاتِ وَ لَا يُعْرَفُ بِالْغَايَاتِ- وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ- وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ نَبِيُّ الْهُدَى- وَ مَوْضِعُ التَّقْوَى وَ رَسُولُ الرَّبِّ الْأَعْلَى- جَاءَ بِالْحَقِّ عِنْدَ الْحَقِّ لِيُنْذِرَ بِالْقُرْآنِ الْمُبِينِ- وَ الْبُرْهَانِ الْمُسْتَنِيرِ فَصَدَعَ‏ (6) بِالْكِتَابِ الْمُبِينِ‏ (7)- وَ مَضَى عَلَى مَا مَضَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ الْأَوَّلُونَ- أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ- فَلَا تَقُولَنَّ رِجَالٌ قَدْ كَانَتِ الدُّنْيَا غَمَرَتْهُمْ- فَاتَّخَذُوا الْعَقَارَ وَ فَجَّرُوا الْأَنْهَارَ- وَ رَكِبُوا أَفْرَهَ الدَّوَابِ‏ (8) وَ لَبِسُوا أَلْيَنَ الثِّيَابِ- فَصَارَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ‏

____________

السلطان» أي هذه السلطنة التي لا تكون صاحبها.

(1) الاكيل يكون بمعنى المأكول و بمعنى الاكل و المراد هنا الثاني.

(2) كأن الرجل كان هو الخضر (عليه السلام) (الوافي).

(3) المصدر ص 360 تحت رقم 551.

(4) في بعض نسخ المصدر «حريز» و في جامع الرواة ص 107 ج 1 «حريث».

(5) يعني في قسمة الأموال و العطاء بين المسلمين.

(6) في بعض نسخ المصدر «بالقرآن المبين و البرهان المستبين.

(7) أي تكلم به جهارا أو شق جماعاتهم بالتوحيد و فصل بين الحق و الباطل.

(8) الدابّة الفارهة: النشطة القوية.

364

عَاراً وَ شَنَاراً (1)- إِنْ لَمْ يَغْفِرْ لَهُمُ الْغَفَّارُ إِذَا مَنَعْتُهُمْ مَا كَانُوا فِيهِ يَخُوضُونَ- وَ صَيَّرْتُهُمْ إِلَى مَا يَسْتَوْجِبُونَ- فَيَفْقِدُونَ ذَلِكَ فَيَسْأَلُونَ- وَ يَقُولُونَ ظَلَمَنَا ابْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ حَرَمَنَا حُقُوقَنَا- فَاللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمُسْتَعَانُ- مَنِ اسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَ أَكَلَ ذَبِيحَتَنَا وَ آمَنَ بِنَبِيِّنَا ص وَ شَهِدَ شَهَادَتَنَا- وَ دَخَلَ فِي دِينِنَا أَجْرَيْنَا عَلَيْهِ حُكْمَ الْقُرْآنِ وَ حُدُودَ الْإِسْلَامِ لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلٌ إِلَّا بِالتَّقْوَى- أَلَا وَ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَفْضَلَ الثَّوَابِ- وَ أَحْسَنَ الْجَزَاءِ وَ الْمَآبِ- لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى الدُّنْيَا لِلْمُتَّقِينَ ثَوَاباً وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ- انْظُرُوا أَهْلَ دِينِ اللَّهِ فِيمَا أَصَبْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ‏ (2)- وَ تَرَكْتُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ جَاهَدْتُمْ بِهِ فِي ذَاتِ اللَّهِ- أَ بِحَسَبٍ أَمْ بِنَسَبٍ أَمْ بِعَمَلٍ أَمْ بِطَاعَةٍ أَمْ زَهَادَةٍ (3)- وَ فِيمَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ رَاغِبِينَ فَسَارِعُوا إِلَى مَنَازِلِكُمْ رَحِمَكُمُ اللَّهُ- الَّتِي أُمِرْتُمْ بِعِمَارَتِهَا- الْعَامِرَةِ الَّتِي لَا تَخْرَبُ الْبَاقِيَةِ الَّتِي لَا تَنْفَدُ- الَّتِي دَعَاكُمْ إِلَيْهَا وَ حَضَّكُمْ عَلَيْهَا (4) وَ رَغَّبَكُمْ فِيهَا- وَ جَعَلَ الثَّوَابَ عِنْدَهُ عَنْهَا- فَاسْتَتِمُّوا نِعَمَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ بِالتَّسْلِيمِ لِقَضَائِهِ- وَ الشُّكْرِ عَلَى نَعْمَائِهِ فَمَنْ لَمْ يَرْضَ بِهَذَا فَلَيْسَ مِنَّا وَ لَا إِلَيْنَا- وَ إِنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِحُكْمِ اللَّهِ- وَ لَا خَشْيَةَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ‏ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏- وَ فِي نُسْخَةٍ وَ لَا وَحْشَةَ وَ أُولَئِكَ‏ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ‏ وَ قَالَ وَ قَدْ عَاتَبْتُكُمْ بِدِرَّتِيَ الَّتِي أُعَاتِبُ بِهَا أَهْلِي فَلَمْ تُبَالُوا- وَ ضَرَبْتُكُمْ بِسَوْطِيَ الَّذِي أُقِيمُ بِهِ حُدُودَ رَبِّي فَلَمْ تَرْعَوُوا (5)- أَ تُرِيدُونَ أَنْ أَضْرِبَكُمْ بِسَيْفِي- أَمَا إِنِّي أَعْلَمُ الَّذِي‏

____________

(1) الشنار: العيب و العار.

(2) أي من مواعيده الصادقة على الاعمال الصالحة و أراد بتركهم عند رسول اللّه «ص» ضمانه لهم بذلك كأنّه وديعة لهم عنده.

(3) استفهام انكار يعنى ليس ذلك بحسب و لا نسب بل بعمل و طاعة و زهادة. و قوله:

«فيما اصبحتم فيه راغبين» أي انظروا أيضا فيما اصبحتم فيه راغبين هل هو الذي اصبتم في كتاب اللّه تعالى يعنى ليس هو بذاك و انما هو الدنيا و زهرتها.

(4) الحض: الحث و الترغيب.

(5) الارعواء: الكف و الانزجار، و قيل: هو الندم و الانصراف عن الشي‏ء.

365

تُرِيدُونَ- وَ يُقِيمُ أَوَدَكُمْ‏ (1) وَ لَكِنْ لَا أَشْتَرِي صَلَاحَكُمْ بِفَسَادِ نَفْسِي‏ (2)- بَلْ يُسَلِّطُ اللَّهُ عَلَيْكُمْ قَوْماً فَيَنْتَقِمُ لِي مِنْكُمْ- فَلَا دُنْيَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا وَ لَا آخِرَةَ صِرْتُمْ إِلَيْهَا- فَبُعْداً وَ سُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ.

34- كا (3)، الكافي مِنَ الرَّوْضَةِ خُطْبَةٌ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُنْذِرِ (4) بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ رَوَاهَا غَيْرُهُ بِغَيْرِ هَذَا الْإِسْنَادِ- وَ ذَكَرَ أَنَّهُ خَطَبَ بِذِي قَارٍ (5) فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّداً ص بِالْحَقِّ- لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ عِبَادِهِ إِلَى عِبَادَتِهِ- وَ مِنْ عُهُودِ عِبَادِهِ إِلَى عُهُودِهِ- وَ مِنْ طَاعَةِ عِبَادِهِ إِلَى طَاعَتِهِ- وَ مِنْ وَلَايَةِ عِبَادِهِ إِلَى وَلَايَتِهِ- بَشِيراً وَ نَذِيراً وَ دَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِرَاجاً مُنِيراً- عَوْداً وَ بَدْءاً وَ عُذْراً وَ نُذْراً- بِحُكْمٍ قَدْ فَصَّلَهُ‏ (6) وَ تَفْصِيلٍ قَدْ أَحْكَمَهُ وَ فُرْقَانٍ قَدْ فَرَّقَهُ‏ (7)- وَ قُرْآنٍ قَدْ بَيَّنَهُ لِيَعْلَمَ الْعِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ- وَ لِيُقِرُّوا بِهِ إِذْ جَحَدُوهُ وَ لِيُثْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ- فَتَجَلَّى‏

____________

(1) الاود- بالتحريك-: الاعوجاج.

(2) أي لا أطلب صلاحكم بالظلم و بما لم يأمرنى به ربى فاكون قد اصلحتكم بافساد نفسى.

(3) المصدر ص 386 تحت رقم 586.

(4) في بعض نسخ المصدر «سعد بن المنذر».

(5) موضع بين الكوفة و واسط. «القاموس».

(6) «عودا و بدءا» يعنى الى الدعوة بعد ما بدأ فيها و المراد تكرير الدعوة. «عذرا و نذرا» كل منهما مفعول له لقوله: «بعث» أي عذرا للمحقين و نذرا للمبطلين، أو حال أى عاذرا و منذرا. قوله: «بحكم» المراد به الجنس أي بعثه مع أحكام مفصلة مبينة.

(7) الفرقان هو القرآن و كل ما فرق بين الحق و الباطل. و المراد بتفريقه انزاله متفرقا أو تعلقه بالاحكام المتفرقة.

366

لَهُمْ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ‏ (1) مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ- فَأَرَاهُمْ حِلْمَهُ كَيْفَ حَلُمَ‏ (2) وَ أَرَاهُمْ عَفْوَهُ كَيْفَ عَفَا- وَ أَرَاهُمْ قُدْرَتَهُ كَيْفَ قَدَرَ- وَ خَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ وَ كَيْفَ خَلَقَ مَا خَلَقَ مِنَ الْآيَاتِ- وَ كَيْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ مِنَ الْعُصَاةِ بِالْمَثُلَاتِ- وَ احْتَصَدَ مَنِ احْتَصَدَ بِالنَّقِمَاتِ‏ (3)- وَ كَيْفَ رَزَقَ وَ هَدَى وَ أَعْطَى- وَ أَرَاهُمْ حُكْمَهُ- كَيْفَ حَكَمَ‏ (4) وَ صَبَرَ حَتَّى يَسْمَعَ مَا يَسْمَعُ وَ يَرَى- فَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مُحَمَّداً ص بِذَلِكَ ثُمَّ إِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي زَمَانٌ- لَيْسَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ شَيْ‏ءٌ أَخْفَى مِنَ الْحَقِّ- وَ لَا أَظْهَرَ مِنَ الْبَاطِلِ- وَ لَا أَكْثَرَ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَ رَسُولِهِ ص وَ لَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ سِلْعَةٌ أَبْوَرَ (5) مِنَ الْكِتَابِ- إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ- وَ لَا سِلْعَةٌ أَنْفَقَ بَيْعاً (6)- وَ لَا أَغْلَى ثَمَناً مِنَ الْكِتَابِ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ- وَ لَيْسَ فِي الْعِبَادِ وَ لَا فِي الْبِلَادِ شَيْ‏ءٌ- هُوَ أَنْكَرَ مِنَ الْمَعْرُوفِ وَ لَا أَعْرَفَ مِنَ الْمُنْكَرِ- وَ لَيْسَ فِيهَا فَاحِشَةٌ أَنْكَرَ وَ لَا عُقُوبَةٌ أَنْكَى مِنَ الْهُدَى‏ (7)- عِنْدَ الضَّلَالِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ- فَقَدْ نَبَذَ الْكِتَابَ حَمَلَتُهُ- وَ تَنَاسَاهُ حَفَظَتُهُ‏ (8) حَتَّى تَمَالَتْ بِهِمُ الْأَهْوَاءُ- وَ تَوَارَثُوا ذَلِكَ مِنَ الْآبَاءِ- وَ عَمِلُوا بِتَحْرِيفِ الْكِتَابِ كَذِباً وَ تَكْذِيباً فَبَاعُوهُ بِالْبَخْسِ‏ (9) وَ كَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ فَالْكِتَابُ وَ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ طَرِيدَانِ مَنْفِيَّانِ- وَ صَاحِبَانِ مُصْطَحِبَانِ فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ- لَا يُؤْوِيهِمَا مُؤْوٍ فَحَبَّذَا ذَانِكَ الصَّاحِبَانِ- وَاهاً لَهُمَا وَ لِمَا يَعْمَلَانِ‏

____________

(1) أي ظهر من غير أن يرى بالبصر بل نبههم عليه في القرآن من قصص الاولين و ما حل بهم من النقمة عند مخالفة الرسل.

(2) في نسخة «حكمه كيف حكم».

(3) المثلات- بفتح الميم و ضم الثاء- جمع المثلة و هي العقوبة. و الاحتصاد: المبالغة في القتل و الاستيصال مأخوذ من حصد الزرع.

(4) في نسخة «حلمه كيف حلم». و هو الصواب.

(5) السلعة- بالكسر-: المتاع. و البوار؛ الكساد.

(6) النفاق: الرواج.

(7) النكاية: الجرح و القرح.

(8) تناساه: أرى من نفسه أنّه نسيه.

(9) البخس: بالموحدة ثمّ المعجمة ثمّ المهملة: الناقص.

367

لَهُ‏ (1)- فَالْكِتَابُ وَ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي النَّاسِ وَ لَيْسُوا فِيهِمْ- وَ مَعَهُمْ وَ لَيْسُوا مَعَهُمْ- وَ ذَلِكَ لِأَنَّ الضَّلَالَةَ لَا تُوَافِقُ الْهُدَى- وَ إِنِ اجْتَمَعَا وَ قَدِ اجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَى الْفُرْقَةِ- وَ افْتَرَقُوا عَلَى الْجَمَاعَةِ- وَ قَدْ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ وَ أَمْرَ دِينِهِمْ مَنْ يَعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَكْرِ وَ الْمُنْكَرِ- وَ الرِّشَا وَ الْقَتْلِ- كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْكِتَابِ وَ لَيْسَ الْكِتَابُ إِمَامَهُمْ- لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْحَقِّ إِلَّا اسْمُهُ- وَ لَمْ يَعْرِفُوا مِنَ الْكِتَابِ إِلَّا خَطَّهُ وَ زَبْرَهُ‏ (2) يَدْخُلُ الدَّاخِلُ- لِمَا يَسْمَعُ مِنْ حِكَمِ الْقُرْآنِ- فَلَا يَطْمَئِنُّ جَالِساً حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الدِّينِ- يَنْتَقِلُ مِنْ دِينِ مَلِكٍ إِلَى دِينِ مَلِكٍ- وَ مِنْ وَلَايَةِ مَلِكٍ إِلَى وَلَايَةِ مَلِكٍ- وَ مِنْ طَاعَةِ مَلِكٍ إِلَى طَاعَةِ مَلِكٍ- وَ مِنْ عُهُودِ مَلِكٍ إِلَى عُهُودِ مَلِكٍ- فَاسْتَدْرَجَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى‏ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ‏- وَ إِنَّ كَيْدَهُ مَتِينٌ بِالْأَمَلِ وَ الرَّجَاءِ (3) حَتَّى تَوَالَدُوا فِي الْمَعْصِيَةِ- وَ دَانُوا بِالْجَوْرِ وَ الْكِتَابِ لَمْ يَضْرِبْ عَنْ شَيْ‏ءٍ مِنْهُ صَفْحاً ضُلَّالًا تَائِهِينَ- قَدْ دَانُوا بِغَيْرِ دِينِ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَ أَدَانُوا لِغَيْرِ اللَّهِ‏ (4)- مَسَاجِدُهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ عَامِرَةٌ مِنَ الضَّلَالَةِ- خَرِبَةٌ مِنَ الْهُدَى و فَقُرَّاؤُهَا وَ عُمَّارُهَا أَخَائِبُ خَلْقِ اللَّهِ وَ خَلِيقَتِهِ- مِنْ عِنْدِهِمْ جَرَتِ الضَّلَالَةُ وَ إِلَيْهِمْ تَعُودُ وَ حُضُورُ مَسَاجِدِهِمْ- وَ الْمَشْيُ إِلَيْهَا كُفْرٌ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ إِلَّا مَنْ مَشَى إِلَيْهَا- وَ هُوَ عَارِفٌ بِضَلَالَتِهِمْ- فَصَارَتْ مَسَاجِدُهُمْ مِنْ فِعَالِهِمْ عَلَى ذَلِكَ النَّحْوِ خَرِبَةً مِنَ الْهُدَى- عَامِرَةً مِنَ الضَّلَالَةِ- قَدْ بُدِّلَتْ‏

____________

(1) «واها» كلمة تلهف و توجع. قوله: «لما يعملان» فى بعض نسخ المصدر «لما يعمدان له» بالدال أي العلة الغائية من خلقها.

(2) بكسر الزاى و سكون الباء أي كتابته. و قوله: «يدخل الداخل» أي في الدين و خروجه لما يرى من عدم عمل أهله به و بدعهم و جورهم.

(3) متعلق بقوله «استدرجهم» و استدراج اللّه تعالى عباده أنّه كلما جدد العبد خطيئة جدد له نعمة و أنساه الاستغفار و أن يأخذه قليلا قليلا و يباغته.

(4) «دانوا» أي أمروا بطاعة غيره تعالى. و «أدانوا» لم يرد هذا البناء فيما عندنا من كتب اللغة و في النسخة القديمة «و كانوا لغير اللّه» (منه).

368

سُنَّةُ اللَّهِ وَ تُعُدِّيَتْ حُدُودُهُ- وَ لَا يَدْعُونَ إِلَى الْهُدَى وَ لَا يَقْسِمُونَ الْفَيْ‏ءَ- وَ لَا يُوفُونَ بِذِمَّةٍ- يَدْعُونَ الْقَتِيلَ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ شَهِيداً- قَدْ أَتَوُا اللَّهَ بِالافْتِرَاءِ وَ الْجُحُودِ- وَ اسْتَغْنَوْا بِالْجَهْلِ عَنِ الْعِلْمِ- وَ مِنْ قَبْلُ مَا مَثَّلُوا بِالصَّالِحِينَ كُلَّ مُثْلَةٍ (1) وَ سَمَّوْا صِدْقَهُمْ عَلَى اللَّهِ فِرْيَةً- وَ جَعَلُوا فِي الْحَسَنَةِ الْعُقُوبَةَ السَّيِّئَةَ- وَ قَدْ بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْكُمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزاً عَلَيْهِ- مَا عَنِتُّمْ‏ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ‏ (2) وَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَاباً عَزِيزاً- لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ- تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ- قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ‏ لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا (3)- وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ‏ فَلَا يُلْهِيَنَّكُمُ الْأَمَلُ- وَ لَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الْأَجَلُ- فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَمَدُ أَمَلِهِمْ- وَ تَغْطِيَةُ الْآجَالِ عَنْهُمْ- حَتَّى نَزَلَ بِهِمُ الْمَوْعُودُ (4) الَّذِي تُرَدُّ عَنْهُ الْمَعْذِرَةُ- وَ تُرْفَعُ عَنْهُ التَّوْبَةُ وَ تَحُلُّ مَعَهُ الْقَارِعَةُ وَ النَّقِمَةُ (5) وَ قَدْ أَبْلَغَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْكُمْ بِالْوَعْدِ- وَ فَصَّلَ لَكُمُ الْقَوْلَ وَ عَلَّمَكُمُ السُّنَّةَ وَ شَرَعَ لَكُمُ الْمَنَاهِجَ لِيُزِيحَ الْعِلَّةَ (6)- وَ حَثَّ عَلَى الذِّكْرِ وَ دَلَّ عَلَى النَّجَاةِ- وَ إِنَّهُ مَنِ انْتَصَحَ لِلَّهِ وَ اتَّخَذَ قَوْلَهُ دَلِيلًا هَدَاهُ لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ‏ (7)- وَ وَفَّقَهُ لِلرَّشَادِ وَ سَدَّدَهُ‏

____________

(1) المثلة- بالضم-: النكال، قال الفيض- (رحمه الله)-: و من روى مثلوا- بالتشديد أراد جدعوهم بقطع الاذن و الانوف.

(2) «من أنفسكم» أي من جنسكم عربى مثلكم. و قرء من أنفسكم- بفتح الفاء- أى من أشرفكم «عزيز عليه» أي شديد شاق. «ما عنتم» عنتكم و لقاؤكم المكروه. «حريص عليكم» أى على ايمانكم و صلاح شأنكم.

(3) أي عاقلا فهما فان الغافل كالميت.

(4) المراد بالموعود الموت.

(5) القارعة: الشديدة من شدائد الدهر.

(6) زاح الشي‏ء يزيح زيحا أي بعد و ذهب و أزاحه غيره. «الصحاح».

(7) الانتصاح: قبول النصيحة يعنى من اطاع أوامر اللّه تعالى و علم انه انما يهديه الى مصالحه و يرد عن مفاسده يهديه للحالة التي اتباعها اقوم و هي من الألفاظ القرآنية «إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ» و تلك الحالة هي المعرفة باللّه و توحيده كما في الوافي.

369

وَ يَسَّرَهُ لِلْحُسْنَى- فَإِنَّ جَارَ اللَّهِ آمِنٌ مَحْفُوظٌ وَ عَدُوَّهُ خَائِفٌ مَغْرُورٌ- فَاحْتَرِسُوا مِنَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ- وَ اخْشَوْا مِنْهُ بِالتُّقَى- وَ تَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ فَإِنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ- أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ- فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَ لْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ‏ (1)- فَاسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ آمِنُوا بِهِ وَ عَظِّمُوا اللَّهَ الَّذِي لَا يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اللَّهِ أَنْ يَتَعَظَّمَ‏ (2)- فَإِنَّ رِفْعَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا عَظَمَةُ اللَّهِ أَنْ يَتَوَاضَعُوا لَهُ- وَ عِزَّ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا جَلَالُ اللَّهِ أَنْ يَذِلُّوا لَهُ وَ سَلَامَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا قَدْرُ اللَّهِ أَنْ يَسْتَسْلِمُوا لَهُ- فَلَا يُنْكِرُونَ أَنْفُسَهُمْ بَعْدَ حَدِّ الْمَعْرِفَةِ- وَ لَا يَضِلُّونَ بَعْدَ الْهُدَى- فَلَا تَنْفِرُوا مِنَ الْحَقِّ نِفَارَ الصَّحِيحِ مِنَ الْأَجْرَبِ‏ (3) وَ الْبَارِئِ مِنْ ذِي السَّقَمِ- وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا الرُّشْدَ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي تَرَكَهُ- وَ لَنْ تَأْخُذُوا بِمِيثَاقِ الْكِتَابِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَقَضَهُ- وَ لَنْ تَمَسَّكُوا بِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَبَذَهُ- وَ لَنْ تَتْلُوا الْكِتَابَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي حَرَّفَهُ- وَ لَنْ تَعْرِفُوا الضَّلَالَةَ حَتَّى تَعْرِفُوا الْهُدَى- وَ لَنْ تَعْرِفُوا التَّقْوَى حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي تَعَدَّى- فَإِذَا عَرَفْتُمْ ذَلِكَ عَرَفْتُمُ الْبِدَعَ وَ التَّكَلُّفَ- وَ رَأَيْتُمُ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ وَ عَلَى رَسُولِهِ وَ التَّحْرِيفَ لِكِتَابِهِ وَ رَأَيْتُمْ كَيْفَ هَدَى اللَّهُ مَنْ هَدَى- فَلَا يُجْهِلَنَّكُمُ‏ (4) الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ عِلْمَ الْقُرْآنِ إِنَّ عِلْمَ الْقُرْآنِ لَيْسَ بِعِلْمٍ مَا هُوَ إِلَّا مَنْ ذَاقَ طَعْمَهُ- فَعُلِّمَ بِالْعِلْمِ جَهْلَهُ وَ بُصِّرَ بِهِ عَمَاهُ‏ (5) وَ سُمِّعَ بِهِ صَمَمَهُ- وَ أَدْرَكَ بِهِ عِلْمَ مَا فَاتَ وَ حَيِيَ بِهِ بَعْدَ إِذْ مَاتَ- وَ أَثْبَتَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ الْحَسَنَاتِ وَ مَحَا بِهِ السَّيِّئَاتِ- وَ أَدْرَكَ بِهِ رِضْوَاناً مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى‏

____________

(1) البقرة: 186.

(2) أي يطلب لنفسه العظمة.

(3) أي الذي به الجرب و هو داء معروف.

(4) من التجهيل اي لا ينسبوكم الى الجهل.

(5) «فعلم بالعلم جهله» أي ما جهل ممّا يحتاج إليه في جميع الأمور او كونه جاهلا.

370

فَاطْلُبُوا ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ خَاصَّةً (1)- فَإِنَّهُمْ خَاصَّةً نُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ- وَ أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِهِمْ وَ هُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ وَ مَوْتُ الْجَهْلِ- هُمُ الَّذِينَ يُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ- وَ صَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ‏ (2)- وَ ظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ لَا يُخَالِفُونَ الدِّينَ وَ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ- فَهُوَ بَيْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقٌ وَ صَامِتٌ نَاطِقٌ‏ (3)- فَهُمْ مِنْ شَأْنِهِمْ شُهَدَاءُ بِالْحَقِّ وَ مُخْبِرٌ صَادِقٌ‏ (4) لَا يُخَالِفُونَ الْحَقَّ وَ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ- قَدْ خَلَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ سَابِقَةٌ- وَ مَضَى فِيهِمْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ حُكْمٌ صَادِقٌ- وَ فِي ذَلِكَ‏ ذِكْرى‏ لِلذَّاكِرِينَ‏ فَاعْقِلُوا الْحَقَّ إِذَا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ رِعَايَةٍ- وَ لَا تَعْقِلُوهُ عَقْلَ رِوَايَةٍ- فَإِنَّ رُوَاةَ الْكِتَابِ كَثِيرٌ وَ رُعَاتَهُ قَلِيلٌ- وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ‏.

____________

قبل ذلك او كمل علمه حتّى اقر بأنّه جاهل فان غاية كل كمال في المخلوق الإقرار بالعجز عن استكماله و الاعتراف بثبوته كما ينبغي للرب تعالى او يقال: ان الجاهل لتساوى نسبة الأشياء إليه لجهله بجميعها يدعى علم كل شي‏ء و اما العالم فهو يميز بين ما يعلمه و ما لا يعلمه فبالعلم عرف جهله و لا يخفى جريان الاحتمالات في الفقرتين التاليتين و ان الأول أظهر في الجميع بأن يكون المراد بقوله: «و بصر به عماه» أي أبصر به ما عمى عنه أو تبدلت عماه بصيرة. «و سمع به» يمكن أن يقرأ بالتخفيف أي سمع ما كان صم عنه أو بالتشديد أي بدل بالعلم صممه يكونه سميعا (قاله المؤلّف في المرآة).

(1) كنى (عليه السلام) بقوله: «من عند أهله» عن نفسه و من يحذو حذوه من أولاده و اهله (عليهم السلام).

(2) ذلك لان صمت العارف ابلغ من نطق غيره.

(3) انما لا يخالفون الدين لانهم قوامه و أربابه و انما لا يختلفون فيه لان الحق في التوحيد واحد فالدين او القرآن بينهم شاهد صادق يأخذون بحكمه كما يؤخذ بحكم الشاهد الصادق. و «صامت ناطق» لانه لا ينطق بنفسه بل لا بدّ له من مترجم فهو صامت في الصورة و في المعنى انطق الناطقين، لان الاوامر و النواهى و الآداب كلها مبنية عليه و متفرعة عنه فهو شأن من شأنهم (الوافي).

(4) مخبر صادق في حقهم حال كونهم شهداء بالحق غير مخالفين له و لا مختلفين فيه.

371

35- ما (1)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَلَوِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الرَّقِّيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيِّ عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبَانٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ شُرَيْحٍ الْقَاضِي قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لِأَصْحَابِهِ يَوْماً وَ هُوَ يَعِظُهُمْ تَرَصَّدُوا مَوَاعِيدَ الْآجَالِ- وَ بَاشِرُوهَا بِمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ- وَ لَا تَرْكَنُوا إِلَى ذَخَائِرِ (2) الْأَمْوَالِ فَتُخْلِيَكُمْ خَدَائِعُ الْآمَالِ- إِنَّ الدُّنْيَا خَدَّاعَةٌ صَرَّاعَةٌ مَكَّارَةٌ غَرَّارَةٌ سَحَّارَةٌ أَنْهَارُهَا لَامِعَةٌ وَ ثَمَرَاتُهَا يَانِعَةٌ (3)- ظَاهِرُهَا سُرُورٌ وَ بَاطِنُهَا غُرُورٌ- تَأْكُلُكُمْ بِأَضْرَاسِ الْمَنَايَا وَ تُبِيرُكُمْ‏ (4) بِإِتْلَافِ الرَّزَايَا- لَهُمْ بِهَا أَوْلَادُ الْمَوْتِ وَ آثَرُوا زِينَتَهَا فَطَلَبُوا رُتْبَتَهَا جَهُلَ الرَّجُلُ وَ مَنْ ذَلِكَ الرَّجُلُ الْمُولَعُ بِلَذَّتِهَا- وَ السَّاكِنُ إِلَى فَرْحَتِهَا وَ الْآمِنُ لِغَدْرَتِهَا- دَارَتْ عَلَيْكُمْ بِصُرُوفِهَا- وَ رَمَتْكُمْ بِسِهَامِ حُتُوفِهَا (5)- فَهِيَ تَنْزِعُ أَرْوَاحَكُمْ نَزْعاً وَ أَنْتُمْ تَجْمَعُونَ لَهَا جَمْعاً لِلْمَوْتِ تُولَدُونَ- وَ إِلَى الْقُبُورِ تُنْقَلُونَ وَ عَلَى التُّرَابِ تَتَوَسَّدُونَ‏ (6)- وَ إِلَى الدُّودِ تُسَلَّمُونَ وَ إِلَى الْحِسَابِ تُبْعَثُونَ- يَا ذَوِي الْحِيَلِ وَ الْآرَاءِ وَ الْفِقْهِ وَ الْأَنْبَاءِ- اذْكُرُوا مَصَارِعَ الْآبَاءِ فَكَأَنَّكُمْ بِالنُّفُوسِ قَدْ سُلِبَتْ- وَ بِالْأَبْدَانِ قَدْ عُرِيَتْ وَ بِالْمَوَارِيثِ قَدْ قُسِمَتْ- فَتَصِيرُ يَا ذَا الدَّلَالِ وَ الْهَيْبَةِ (7) وَ الْجَمَالِ إِلَى مَنْزِلَةٍ شَعْثَاءَ- وَ مَحَلَّةٍ غَبْرَاءَ- فَتَنُومُ عَلَى خَدِّكَ فِي لَحْدِكَ فِي مَنْزِلٍ قَلَّ زُوَّارُهُ وَ مَلَّ عُمَّالُهُ- حَتَّى تُشَقَّ عَنِ الْقُبُورِ وَ تُبْعَثَ إِلَى النُّشُورِ

____________

(1) الأمالي ج 2 ص 266.

(2) الركون: الميل و الاعتماد.

(3) ينع الثمرة: أدرك و طاب و حان قطافه فهو يانع.

(4) المنايا جمع منية و هي الموت. و أباره أي أهلكه.

(5) الحتف: الموت جمعه حتوف.

(6) في بعض النسخ «على التراب ينومون».

(7) الدلال- بالفتح-: الوقار و التغنج.

372

فَإِنْ خُتِمَ لَكَ بِالسَّعَادَةِ صِرْتَ إِلَى الْحُبُورِ (1)- وَ أَنْتَ مَلِكٌ مُطَاعٌ وَ آمِنٌ لَا تُرَاعُ يَطُوفُ عَلَيْكُمْ وِلْدَانٌ كَأَنَّهُمُ الْجُمَانُ‏ (2) بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ- بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ‏ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِيهَا يَتَنَعَّمُونَ- وَ أَهْلُ النَّارِ فِيهَا يُعَذَّبُونَ- هَؤُلَاءِ فِي السُّنْدُسِ وَ الْحَرِيرِ يَتَبَخْتَرُونَ- وَ هَؤُلَاءِ فِي الْجَحِيمِ وَ السَّعِيرِ يَتَقَلَّبُونَ- هَؤُلَاءِ تُحْشَى جَمَاجِمُهُمْ بِمِسْكِ الْجِنَانِ وَ هَؤُلَاءِ يُضْرَبُونَ بِمَقَامِعِ النِّيرَانِ- هَؤُلَاءِ يُعَانِقُونَ الْحُورَ فِي الْحِجَالِ- وَ هَؤُلَاءِ يُطَوَّقُونَ أَطْوَاقاً فِي النَّارِ بِالْأَغْلَالِ فِي قَلْبِهِ فَزَعٌ- قَدْ أَعْيَا الْأَطِبَّاءَ وَ بِهِ دَاءٌ لَا يَقْبَلُ الدَّوَاءَ- يَا مَنْ يُسَلَّمُ إِلَى الدُّودِ وَ يُهْدَى إِلَيْهِ اعْتَبِرْ بِمَا تَسْمَعُ وَ تَرَى- وَ قُلْ لِعَيْنَيْكَ تَجْفُو لَذَّةَ الْكَرَى- وَ تُفِيضُ مِنَ الدُّمُوعِ بَعْدَ الدُّمُوعِ تَتْرَى‏ (3)- بَيْتُكَ الْقَبْرُ بَيْتُ الْأَهْوَالِ وَ الْبِلَى- وَ غَايَتُكَ الْمَوْتُ يَا قَلِيلَ الْحَيَاءِ- اسْمَعْ يَا ذَا الْغَفْلَةِ وَ التَّصْرِيفِ مِنْ ذِي الْوَعْظِ وَ التَّعْرِيفِ- جُعِلَ يَوْمُ الْحَشْرِ يَوْمَ الْعَرْضِ وَ السُّؤَالِ- وَ الْحِبَاءِ وَ النَّكَالِ يَوْمَ تُقَلَّبُ إِلَيْهِ أَعْمَالُ الْأَنَامِ- وَ تُحْصَى فِيهِ جَمِيعُ الْآثَامِ- يَوْمَ تَذُوبُ مِنَ النُّفُوسِ أَحْدَاقُ عُيُونِهَا وَ تَضَعُ الْحَوَامِلُ مَا فِي بُطُونِهَا- وَ يُفَرَّقُ بَيْنَ كُلِّ نَفْسٍ وَ حَبِيبِهَا- وَ يَحَارُ فِي تِلْكَ الْأَهْوَالِ عَقْلُ لَبِيبِهَا- إِذَا تَنَكَّرَتِ الْأَرْضُ بَعْدَ حُسْنِ عِمَارَتِهَا- وَ تَبَدَّلَتْ بِالْخَلْقِ بَعْدَ أَنِيقِ زَهْرَتِهَا (4)- أَخْرَجَتْ مِنْ مَعَادِنِ الْغَيْبِ أَثْقَالَهَا- وَ نَفَضَتْ إِلَى اللَّهِ أَحْمَالَهَا يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الْجَدُّ(5)- إِذَا عَايَنُوا الْهَوْلَ الشَّدِيدَ فَاسْتَكَانُوا- وَ عُرِفَ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَاسْتَبَانُوا فَانْشَقَّتِ الْقُبُورُ بَعْدَ طُولِ انْطِبَاقِهَا- وَ اسْتَسْلَمَتِ النُّفُوسُ إِلَى اللَّهِ بِأَسْبَابِهَا- كُشِفَ عَنِ الْآخِرَةِ غِطَاؤُهَا وَ ظَهَرَ لِلْخَلْقِ أَبْنَاؤُهَا- فَ دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (6)- وَ مُدَّتْ‏

____________

(1) الحبور: السرور. و راعه الامر: أفزعه.

(2) الجمان: اللؤلؤ.

(3) جفا صاحبه أعرض عنه. و الكرى: النعاس. و تترى أي متواليا.

(4) الانيق: الحسن المعجب.

(5) في المصدر «لا ينفع الحذر».

(6) دكت الأرض أي سوى صعودها و هبوطها.

373

لِأَمْرٍ يُرَادُ بِهَا مَدّاً مَدّاً- وَ اشْتَدَّ الْمُثَارُونَ إِلَى اللَّهِ‏ (1) شَدّاً شَدّاً- وَ تَزَاحَفَتِ الْخَلَائِقُ إِلَى الْمَحْشَرِ زَحْفاً زَحْفاً (2)- وَ رُدَّ الْمُجْرِمُونَ عَلَى الْأَعْقَابِ رَدّاً رَدّاً- وَ جَدَّ الْأَمْرُ وَيْحَكَ يَا إِنْسَانُ جَدّاً جَدّاً- وَ قُرِّبُوا لِلْحِسَابِ فَرْداً فَرْداً- وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا- يَسْأَلُهُمْ عَمَّا عَمِلُوا حَرْفاً حَرْفاً- فَجِي‏ءَ بِهِمْ عُرَاةَ الْأَبْدَانِ خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ أَمَامَهُمُ الْحِسَابُ- وَ مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ يَسْمَعُونَ زَفِيرَهَا وَ يَرَوْنَ سَعِيرَهَا- فَلَمْ يَجِدُوا نَاصِراً وَ لَا وَلِيّاً يُجِيرُهُمْ مِنَ الذُّلِّ- فَهُمْ يَعْدُونَ سِرَاعاً (3) إِلَى مَوَاقِفِ الْحَشْرِ يُسَاقُونَ سَوْقاً فَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ‏ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ‏- وَ الْعِبَادُ عَلَى الصِّرَاطِ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ- يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ لَا يَسْلَمُونَ- وَ لا يُؤْذَنُ لَهُمْ‏ فَيَتَكَلَّمُونَ- وَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ‏ فَيَعْتَذِرُونَ‏ قَدْ خُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ- وَ اسْتُنْطِقَتْ‏ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ‏- يَا لَهَا مِنْ سَاعَةٍ مَا أَشْجَى مَوَاقِعَهَا مِنَ الْقُلُوبِ- حِينَ مُيِّزَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ‏ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ مِنْ مِثْلِ هَذَا فَلْيَهْرَبِ الْهَارِبُونَ- إِذَا كَانَتِ الدَّارُ الْآخِرَةُ لَهَا يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ.

36- ما (4)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْمُفَضَّلِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَنٍ النَّحْوِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الزُّفَرِيِ‏ (5) عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ بَكَّارٍ الضَّبِّيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَحْوِيهِ مَكَانٌ وَ لَا يَحُدُّهُ زَمَانٌ- عَلَا بِطَوْلِهِ وَ دَنَا بِحَوْلِهِ- سَابِقِ كُلِ‏

____________

(1) ثار إليه وثب عليه و في بعض النسخ «المبارون».

(2) تزاحف القوم في الحرب: زحف بعضهم الى بعض و تدانوا. و الزحف: الجيش يزحفون الى العدو أي يمشون. و يقال زحف إليه كمنع زحفا إذا مشى نحوه. و زحفا زحفا أى زحفا بعد زحف متفرقين.

(3) في بعض النسخ «يقودون سراعا».

(4) الأمالي ج 2 ص 296.

(5) كذا و في المصدر «الرمزنى».

374

غَنِيمَةٍ وَ فَضْلٍ- وَ كَاشِفِ كُلِّ عَظِيمَةٍ وَ أَزْلٍ‏ (1)- أَحْمَدُهُ عَلَى جُودِ كَرَمِهِ وَ سُبُوغِ نِعَمِهِ وَ أَسْتَعِينُهُ عَلَى بُلُوغِ رِضَاهُ وَ الرِّضَا بِمَا قَضَاهُ- وَ أُومِنُ بِهِ إِيمَاناً وَ أَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ إِيقَاناً- وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاءَ فَبَنَاهَا- وَ سَطَحَ الْأَرْضَ فَطَحَاهَا- وَ أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَ مَرْعاها وَ الْجِبالَ أَرْساها (2)- لَا يَئُودُهُ خَلْقٌ وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى الْمَشْهُورِ وَ الْكِتَابِ الْمَسْطُورِ وَ الدِّينِ الْمَأْثُورِ إِبْلَاءً لِعُذْرِهِ وَ إِنْهَاءً لِأَمْرِهِ- فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ وَ هَدَى مِنَ الضَّلَالَةِ وَ عَبَدَ رَبَّهُ- حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ فَ(صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كَثِيراً أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ- فَإِنَّ التَّقْوَى أَفْضَلُ كَنْزٍ وَ أَحْرَزُ حِرْزٍ وَ أَعَزُّ عِزٍّ- فِيهِ نَجَاةُ كُلِّ هَارِبٍ- وَ دَرَكُ كُلِّ طَالِبٍ وَ ظَفَرُ كُلِّ غَالِبٍ- وَ أَحُثُّكُمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ فَإِنَّهَا كَهْفُ الْعَابِدِينَ وَ فَوْزُ الْفَائِزِينَ وَ أَمَانُ الْمُتَّقِينَ- وَ اعْلَمُوا أَيُّهَا النَّاسُ- إِنَّكُمْ سَيَّارَةٌ قَدْ حَدَا بِكُمُ الْهَادِي وَ حَدَا لِخَرَابِ الدُّنْيَا حَادِي- وَ نَادَاكُمْ لِلْمَوْتِ مُنَادِي- فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَ لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ- أَلَا وَ إِنَّ الدُّنْيَا دَارٌ غَرَّارَةٌ خَدَّاعَةٌ- تَنْكِحُ فِي كُلِّ يَوْمٍ بَعْلًا وَ تَقْتُلُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ أَهْلًا- وَ تُفَرِّقُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ شَمْلًا- فَكَمْ مِنْ مُنَافِسٍ فِيهَا وَ رَاكِنٍ إِلَيْهَا مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ- قَدْ قَذَفَتْهُمْ فِي الْهَاوِيَةِ وَ دَمَّرَتْهُمْ تَدْمِيراً- وَ تَبَّرَتْهُمْ تَتْبِيراً وَ أَصْلَتْهُمْ سَعِيراً (3) أَيْنَ مَنْ جَمَعَ فَأَوْعَى- وَ شَدَّ فَأَوْكَى- وَ مَنَعَ فَأَكْدَى‏ (4)- بَلْ أَيْنَ مَنْ عَسْكَرَ الْعَسَاكِرَ- وَ دَسْكَرَ الدَّسَاكِرَ (5) وَ رَكِبَ الْمَنَابِرَ- أَيْنَ مَنْ بَنَى الدُّورَ وَ شَرَّفَ الْقُصُورَ- وَ جَمْهَرَ

____________

(1) الآزال- بكسر الهمزة-: الداهية.

(2) «طحيها» أي بسطها. و «أرساها» أي أثبتها.

(3) التدمير: الاهلاك و التتبير: الاهلاك أيضا، و أصلاه النار: أدخله إياها و أثواه فيها. و السعير: لهب النار.

(4) أوكى ايكاء- القربة و على ما في القربة: شدها بالوكاء. و الوكاء رباط القربة و نحوها. و أكدى اكداء- الرجل-: لم يظفر بحاجته، أو بخل في العطاء. و أكداه عن كذا: رده عنه و منعه.

(5) قال الفيومى في المصباح: الدسكرة بناء يشبه القصر، حوله بيوت، و يكون.

375

الْأُلُوفَ‏ (1) قَدْ تَدَاوَلَتْهُمْ أَيَّامُهَا وَ ابْتَلَعَتْهُمْ أَعْوَامُهَا- فَصَارُوا أَمْوَاتاً وَ فِي الْقُبُورِ رُفَاتاً قَدْ يَئِسُوا مَا خَلَّفُوا (2) وَ وَقَفُوا عَلَى مَا أَسْلَفُوا- ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَ هُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ‏- وَ كَأَنِّي بِهَا وَ قَدْ أَشْرَفَتْ بِطَلَائِعِهَا وَ عَسْكَرَتْ بِفَظَائِعِهَا- فَأَصْبَحَ الْمَرْءُ بَعْدَ صِحَّتِهِ مَرِيضاً- وَ بَعْدَ سَلَامَتِهِ نَقِيصاً (3) يُعَالِجُ كَرْباً وَ يُقَاسِي تَعَباً- فِي حَشْرَجَةِ السِّبَاقِ‏ (4) وَ تَتَابُعِ الْفُوَاقِ- وَ تَرَدُّدِ الْأَنِينِ وَ الذُّهُولِ عَنِ الْبَنَاتِ وَ الْبَنِينَ- وَ الْمَرْءُ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ شُغُلُ شَاغِلٍ وَ هُوَ هَائِلٌ- قَدِ اعْتُقِلَ مِنْهُ اللِّسَانُ وَ تَرَدَّدَ مِنْهُ الْبَنَانُ- فَأَصَابَ مَكْرُوهاً وَ فَارَقَ الدُّنْيَا مَسْلُوباً- لَا يَمْلِكُونَ لَهُ نَفْعاً وَ لَا لِمَا حَلَّ بِهِ دَفْعاً- يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي كِتَابِهِ- فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ- تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ (5)- ثُمَّ مِنْ دُونِ ذَلِكَ أَهْوَالُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ- وَ يَوْمِ الْحَسْرَةِ وَ النَّدَامَةِ يَوْمَ تُنْصَبُ الْمَوَازِينُ- وَ تُنْشَرُ الدَّوَاوِينُ بِإِحْصَاءِ كُلِّ صَغِيرَةٍ وَ إِعْلَانِ كُلِّ كَبِيرَةٍ- يَقُولُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ‏ وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً- وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (6)- ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ الْآنَ الْآنَ مِنْ قَبْلِ النَّدَمِ- وَ مِنْ قَبْلِ‏ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى‏ عَلى‏ ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ- وَ إِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ- أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ- أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ‏

____________

للملوك: قال الازهرى: و أحسبه معربا. و الدسكرة: القربة.

(1) شرف البيت- من باب التفعيل-: جعل له شرفا. و جمهر الشي‏ء: جمعه.

(2) في المصدر «قد نسوا ما خلفوا».

(3) في المصدر «نقيضا» بالضاد المعجمة.

(4) حشرج الرجل أي غرغر عند الموت و تردد نفسه. و الفواق- بالضم-: ما يأخذ الإنسان عند النزع، و ترجيع الشهقة العالية.

(5) الواقعة: 86 و 87 و قوله‏ «غَيْرَ مَدِينِينَ» أى غير مجزيين يوم القيامة أو غير مملوكين مقهورين من دانه إذا اذله و استعبده و أصل التركيب للذل و الانقياد.

(6) الكهف: 47.

376

فَيَرُدُّ الْجَلِيلُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ- بَلى‏ قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَ اسْتَكْبَرْتَ- وَ كُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ‏ (1)- فَوَ اللَّهِ مَا سَأَلَ الرُّجُوعَ إِلَّا لِيَعْمَلَ صَالِحاً- وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ الْآنَ الْآنَ مَا دَامَ الْوَثَاقُ مُطْلَقاً- وَ السِّرَاجُ مُنِيراً وَ بَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحاً- وَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجِفَّ الْقَلَمُ- وَ تُطْوَى الصَّحِيفَةُ فَلَا رِزْقَ يَنْزِلُ- وَ لَا عَمَلَ يَصْعَدُ الْمِضْمَارُ الْيَوْمَ وَ السِّبَاقُ غَداً- فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ إِلَى جَنَّةٍ أَوْ إِلَى نَارٍ وَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَ لَكُمْ.

باب 15 مواعظ أمير المؤمنين(ع)و خطبه أيضا و حكمه‏

1- مع، معاني الأخبار لي‏ (2)، الأمالي للصدوق الطَّالَقَانِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَمَدَانِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْقَاسِمِ قِرَاءَةً عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَكْرٍ الْمُرَادِيِّ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ: بَيْنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسٌ- مَعَ أَصْحَابِهِ يُعَبِّيهِمْ لِلْحَرْبِ- إِذْ أَتَاهُ شَيْخٌ عَلَيْهِ شخبة (3) [شَحْبَةُ السَّفَرِ- فَقَالَ أَيْنَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَقِيلَ هُوَ ذَا فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- إِنِّي أَتَيْتُكَ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّامِ وَ أَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ- قَدْ سَمِعْتُ فِيكَ مِنَ الْفَضْلِ مَا لَا أُحْصِي- وَ إِنِّي أَظُنُّكَ سَتُغْتَالُ‏ (4) فَعَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ قَالَ نَعَمْ يَا شَيْخُ مَنِ اعْتَدَلَ يَوْمَاهُ فَهُوَ مَغْبُونٌ- وَ مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هِمَّتَهُ اشْتَدَّتْ حَسْرَتُهُ‏

____________

(1) الزمر: 58 الى 61.

(2) معاني الأخبار ص 197، المجالس ص 236.

(3) عباهم تعبئة و تعبيئا: جهزهم. و الشخبة: التعب و المشقة. و في المصدر بالحاء المهملة بمعنى تغير اللون من مرض و نحوه. و في أمالي الشيخ ج 2 ص 49 «فى هيئة السفر».

(4) غاله و اغتاله: اخذه من حيث لا يدرى و قتله.

377

عِنْدَ فَرَاغِهَا- وَ مَنْ كَانَتْ غَدُهُ شَرَّ يَوْمَيْهِ فَمَحْرُومٌ- وَ مَنْ لَمْ يُبَالِ مَا رُزِئَ‏ (1) مِنْ آخِرَتِهِ إِذَا سَلِمَتْ لَهُ دُنْيَاهُ فَهُوَ هَالِكٌ- وَ مَنْ لَمْ يَتَعَاهَدِ النَّقْصَ مِنْ نَفْسِهِ غَلَبَ عَلَيْهِ الْهَوَى- وَ مَنْ كَانَ فِي نَقْصٍ فَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ يَا شَيْخُ إِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ وَ لَهَا أَهْلٌ- وَ إِنَّ الْآخِرَةَ لَهَا أَهْلٌ- ظَلَفَتْ أَنْفُسَهُمْ عَنْ مُفَاخَرةِ أَهْلِ الدُّنْيَا (2) لَا يَتَنَافَسُونَ فِي الدُّنْيَا- وَ لَا يَفْرَحُونَ بِغَضَارَتِهَا وَ لَا يَحْزَنُونَ لِبُؤْسِهَا- يَا شَيْخُ مَنْ خَافَ الْبَيَاتَ قَلَّ نَوْمُهُ- مَا أَسْرَعَ اللَّيَالِيَ وَ الْأَيَّامَ فِي عُمُرِ الْعَبْدِ- فَاخْزُنْ لِسَانَكَ- وَ عُدَّ كَلَامَكَ يَقِلَّ كَلَامُكَ إِلَّا بِخَيْرٍ يَا شَيْخُ ارْضَ لِلنَّاسِ مَا تَرْضَى لِنَفْسِكَ- وَ آتِ إِلَى النَّاسِ مَا تُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْكَ- ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ- أَ مَا تَرَوْنَ إِلَى أَهْلِ الدُّنْيَا يُمْسُونَ وَ يُصْبِحُونَ عَلَى أَحْوَالٍ شَتَّى- فَبَيْنَ صَرِيعٍ يَتَلَوَّى- وَ بَيْنَ عَائِدٍ وَ مَعُودٍ (3) وَ آخَرَ بِنَفْسِهِ يَجُودُ- وَ آخَرَ لَا يُرْجَى وَ آخَرَ مُسَجًّى‏ (4) وَ طَالِبِ الدُّنْيَا وَ الْمَوْتُ يَطْلُبُهُ- وَ غَافِلٍ وَ لَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ- وَ عَلَى أَثَرِ الْمَاضِي يَصِيرُ الْبَاقِي- فَقَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ صُوحَانَ الْعَبْدِيُّ- يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَيُّ سُلْطَانٍ أَغْلَبُ وَ أَقْوَى قَالَ الْهَوَى قَالَ فَأَيُّ ذُلٍّ أَذَلُّ- قَالَ الْحِرْصُ عَلَى الدُّنْيَا- قَالَ فَأَيُّ فَقْرٍ أَشَدُّ- قَالَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ- قَالَ فَأَيُّ دَعْوَةٍ أَضَلُّ- قَالَ الدَّاعِي بِمَا لَا يَكُونُ قَالَ فَأَيُّ عَمَلٍ أَفْضَلُ قَالَ التَّقْوَى- قَالَ فَأَيُّ عَمَلٍ أَنْجَحُ قَالَ طَلَبُ مَا عِنْدَ اللَّهِ- قَالَ فَأَيُّ صَاحِبٍ شَرٌّ قَالَ الْمُزَيِّنُ لَكَ مَعْصِيَةَ اللَّهِ- قَالَ‏

____________

(1) رزأه: أصابه و نقصه.

(2) ظلف نفسه عن الشي‏ء: كف عنه.

(3) تلوى أي انعطف و انطوى. و الصريع: المطروح على الأرض. و المعود الذي يعوده الناس في مرض.

(4) سجى الميت تسجية: مد عليه ثوبا يستره.

378

فَأَيُّ الْخَلْقِ أَشْقَى قَالَ مَنْ بَاعَ دِينَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ- قَالَ فَأَيُّ الْخَلْقِ أَقْوَى قَالَ الْحَلِيمُ- قَالَ فَأَيُّ الْخَلْقِ أَشَحُّ- قَالَ مَنْ أَخَذَ الْمَالَ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ فَجَعَلَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ قَالَ فَأَيُّ النَّاسِ أَكْيَسُ- قَالَ مَنْ أَبْصَرَ رُشْدَهُ مِنْ غَيِّهِ فَمَالَ إِلَى رُشْدِهِ- قَالَ فَمَنْ أَحْلَمُ النَّاسِ قَالَ الَّذِي لَا يَغْضَبُ- قَالَ فَأَيُّ النَّاسِ أَثْبَتُ رَأْياً- قَالَ مَنْ لَمْ يَغُرَّهُ النَّاسُ مِنْ نَفْسِهِ وَ لَمْ تَغُرَّهُ الدُّنْيَا بِتَشَوُّفِهَا (1)- قَالَ فَأَيُّ النَّاسِ أَحْمَقُ قَالَ الْمُغْتَرُّ بِالدُّنْيَا وَ هُوَ يَرَى مَا فِيهَا مِنْ تَقَلُّبِ أَحْوَالِهَا- قَالَ فَأَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ حَسْرَةً- قَالَ الَّذِي حُرِمَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ‏- قَالَ فَأَيُّ الْخَلْقِ أَعْمَى- قَالَ الَّذِي عَمِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ- يَطْلُبُ بِعَمَلِهِ الثَّوَابَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ فَأَيُّ الْقُنُوعِ أَفْضَلُ- قَالَ الْقَانِعُ بِمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ- قَالَ فَأَيُّ الْمَصَائِبِ أَشَدُّ قَالَ الْمُصِيبَةُ بِالدِّينِ- قَالَ فَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- قَالَ انْتِظَارُ الْفَرَجِ- قَالَ فَأَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- قَالَ أَخْوَفُهُمْ لِلَّهِ وَ أَعْمَلُهُمْ بِالتَّقْوَى وَ أَزْهَدُهُمْ فِي الدُّنْيَا- قَالَ فَأَيُّ الْكَلَامِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- قَالَ كَثْرَةُ ذِكْرِهِ وَ التَّضَرُّعُ إِلَيْهِ وَ دُعَاؤُهُ- قَالَ فَأَيُّ الْقَوْلِ أَصْدَقُ- قَالَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ فَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ التَّسْلِيمُ وَ الْوَرَعُ- قَالَ فَأَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ قَالَ مَنْ صَدَقَ فِي الْمَوَاطِنِ- ثُمَّ أَقْبَلَ(ع)عَلَى الشَّيْخِ فَقَالَ- يَا شَيْخُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ خَلْقاً ضَيَّقَ الدُّنْيَا عَلَيْهِمْ نَظَراً لَهُمْ- فَزَهَّدَهُمْ فِيهَا وَ فِي حُطَامِهَا- فَرَغِبُوا فِي دَارِ السَّلَامِ الَّذِي دَعَاهُمْ إِلَيْهِ- وَ صَبَرُوا عَلَى ضِيقِ الْمَعِيشَةِ وَ صَبَرُوا عَلَى الْمَكْرُوهِ- وَ اشْتَاقُوا عَلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْكَرَامَةِ- وَ بَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ- وَ كَانَتْ خَاتِمَةُ أَعْمَالِهِمُ الشَّهَادَةَ فَلَقُوا اللَّهَ وَ هُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ- وَ عَلِمُوا أَنَّ الْمَوْتَ سَبِيلُ مَنْ مَضَى وَ مَنْ بَقِيَ- فَتَزَوَّدُوا لِآخِرَتِهِمْ غَيْرَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ- وَ لَبِسُوا الْخَشِنَ وَ صَبَرُوا عَلَى الْقُوتِ‏ (2) وَ قَدَّمُوا الْفَضْلَ- وَ

____________

(1) التشوف: التزين.

(2) في المصدر «فصبروا على الذل».

379

أَحَبُّوا فِي اللَّهِ وَ أَبْغَضُوا فِي اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- أُولَئِكَ الْمَصَابِيحُ‏ (1) وَ أَهْلُ النَّعِيمِ فِي الْآخِرَةِ وَ السَّلَامُ- فَقَالَ الشَّيْخُ فَأَيْنَ أَذْهَبُ وَ أَدَعُ الْجَنَّةَ- وَ أَنَا أَرَاهَا وَ أَرَى أَهْلَهَا مَعَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ جَهِّزْنِي بِقُوَّةٍ أَتَقَوَّى بِهَا عَلَى عَدُوِّكَ- فَأَعْطَاهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)سِلَاحاً وَ حَمَلَهُ فَكَانَ فِي الْحَرْبِ بَيْنَ يَدَيْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَضْرِبُ قُدُماً [قُدُماً]- وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَعْجَبُ مِمَّا يَصْنَعُ- فَلَمَّا اشْتَدَّتِ الْحَرْبُ أَقْدَمَ فَرَسَهُ حَتَّى قُتِلَ رَحِمَ اللَّهُ- وَ اتَّبَعَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَوَجَدَهُ صَرِيعاً- وَ وَجَدَ دَابَّتَهُ وَ وَجَدَ سَيْفَهُ فِي ذِرَاعِهِ فَلَمَّا انْقَضَتِ الْحَرْبُ أَتَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)بِدَابَّتِهِ وَ سِلَاحِهِ- وَ صَلَّى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَلَيْهِ وَ قَالَ- هَذَا وَ اللَّهِ السَّعِيدُ حَقّاً فَتَرَحَّمُوا عَلَى أَخِيكُمْ.

ما (2)، الأمالي للشيخ الطوسي عن الحسين بن عبيد الله الغضائري عن الصدوق بإسناده‏ مثله- كتاب الغايات‏ (3)، للشيخ جعفر بن أحمد القمي مرسلا مثله.

2- لي‏ (4)، الأمالي للصدوق عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ جَدِّهِ الْحَسَنِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)كَانَتِ الْفُقَهَاءُ وَ الْحُكَمَاءُ إِذَا كَاتَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً- كَتَبُوا بِثَلَاثٍ لَيْسَ مَعَهُنَّ رَابِعَةٌ- مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّهُ مِنَ الدُّنْيَا- وَ مَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللَّهُ عَلَانِيَتَهُ- وَ مَنْ أَصْلَحَ فِيمَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- أَصْلَحَ اللَّهُ لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ النَّاسِ.

3- لي‏ (5)، الأمالي للصدوق عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنِ الصَّادِقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ عَلِيٌّ(ع)مَا مِنْ يَوْمٍ يَمُرُّ عَلَى‏

____________

(1) في المصدر «اولئك المصابيح في الدنيا».

(2) الأمالي ج 2 ص 49.

(3) مخطوط.

(4) المجالس ص 22.

(5) المصدر ص 66.

380

ابْنِ آدَمَ إِلَّا قَالَ لَهُ ذَلِكَ الْيَوْمُ- يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا يَوْمٌ جَدِيدٌ وَ أَنَا عَلَيْكَ شَهِيدٌ- فَقُلْ فِيَّ خَيْراً وَ اعْمَلْ فِيَّ خَيْراً- أَشْهَدْ لَكَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّكَ لَنْ تَرَانِي بَعْدَهُ أَبَداً.

4- لي‏ (1)، الأمالي للصدوق عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَمِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ عَنْ هَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ(ع)أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)خَطَبَ بِالْبَصْرَةِ- فَقَالَ بَعْدَ مَا حَمِدَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ وَ آلِهِ- الْمُدَّةُ وَ إِنْ طَالَتْ قَصِيرَةٌ- وَ الْمَاضِي لِلْمُقِيمِ عِبْرَةٌ- وَ الْمَيِّتُ لِلْحَيِّ عِظَةٌ- وَ لَيْسَ لِأَمْسِ مَضَى عَوْدَةٌ- وَ لَا الْمَرْءُ مِنْ غَدٍ عَلَى ثِقَةٍ- إِنَّ الْأَوَّلَ لِلْأَوْسَطِ رَائِدٌ وَ الْأَوْسَطُ لِلْآخِرِ قَائِدٌ- وَ كُلٌّ لِكُلٍّ مُفَارِقٌ وَ كُلٌّ بِكُلٍّ لَاحِقٌ- وَ الْمَوْتُ لِكُلٍّ غَالِبٌ وَ الْيَوْمُ الْهَائِلُ لِكُلٍّ آزِفٌ- وَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي‏ لا يَنْفَعُ‏ فِيهِ‏ مالٌ وَ لا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ‏ ثُمَّ قَالَ(ع)مَعَاشِرَ شِيعَتِي- اصْبِرُوا عَلَى عَمَلٍ لَا غِنَى بِكُمْ عَنْ ثَوَابِهِ- وَ اصْبِرُوا عَنْ عَمَلٍ لَا صَبْرَ لَكُمْ عَلَى عِقَابِهِ- إِنَّا وَجَدْنَا الصَّبْرَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ- أَهْوَنَ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى عَذَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- اعْلَمُوا أَنَّكُمْ فِي أَجَلٍ مَحْدُودٍ وَ أَمَلٍ مَمْدُودٍ وَ نَفَسٍ مَعْدُودٍ- وَ لَا بُدَّ لِلْأَجَلِ أَنْ يَتَنَاهَى وَ لِلْأَمَلِ أَنْ يُطْوَى- وَ لِلنَّفَسِ أَنْ يُحْصَى- ثُمَّ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ وَ قَرَأَ- وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ- كِراماً كاتِبِينَ- يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ‏ (2).

5- يد، التوحيد لي‏ (3)، الأمالي للصدوق عَنِ ابْنِ عِصَامٍ عَنِ الْكُلَيْنِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَعْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَاتِكَةَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ النَّضْرِ الْفِهْرِيِّ عَنْ عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ(ع)قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فِي خُطْبَةٍ- خَطَبَهَا بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ص بِتِسْعَةِ (4) أَيَّامٍ- وَ ذَلِكَ حِينَ فَرَغَ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ فَقَالَ‏

____________

(1) المصدر ص 67.

(2) الانفطار: 11- 13.

(3) التوحيد ص 54 و المجالس ص 193.

(4) في التوحيد «بسبعة» أيام.

381

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْجَزَ الْأَوْهَامَ أَنْ تَنَالَ إِلَّا وُجُودَهُ- وَ حَجَبَ الْعُقُولَ أَنْ تَتَخَيَّلَ ذَاتَهُ فِي امْتِنَاعِهَا مِنَ الشَّبَهِ وَ الشَّكْلِ- بَلْ هُوَ الَّذِي لَمْ يَتَفَاوَتْ فِي ذَاتِهِ- وَ لَمْ يَتَبَعَّضْ بِتَجْزِئَةِ الْعَدَدِ فِي كَمَالِهِ- فَارَقَ الْأَشْيَاءَ لَا عَلَى اخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ- وَ تَمَكَّنَ مِنْهَا لَا عَلَى الْمُمَازَجَةِ- وَ عَلِمَهَا لَا بِأَدَاةٍ لَا يَكُونُ الْعِلْمُ إِلَّا بِهَا- وَ لَيْسَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ مَعْرُوفِهِ عِلْمُ غَيْرِهِ- إِنْ قِيلَ كَانَ فَعَلَى تَأْوِيلِ أَزَلِيَّةِ الْوُجُودِ- وَ إِنْ قِيلَ لَمْ يَزَلْ فَعَلَى تَأْوِيلِ نَفْيِ الْعَدَمِ- فَسُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى عَنْ قَوْلِ مَنْ عَبَدَ سِوَاهُ- وَ اتَّخَذَ إِلَهاً غَيْرَهُ عُلُوّاً كَبِيراً نَحْمَدُهُ بِالْحَمْدِ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِخَلْقِهِ- وَ أَوْجَبَ قَبُولَهُ عَلَى نَفْسِهِ- وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- شَهَادَتَانِ تَرْفَعَانِ الْقَوْلَ وَ تُضَاعِفَانِ الْعَمَلَ- خَفَّ مِيزَانٌ تُرْفَعَانِ مِنْهُ- وَ ثَقُلَ مِيزَانٌ تُوضَعَانِ فِيهِ- وَ بِهِمَا الْفَوْزُ بِالْجَنَّةِ- وَ النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ وَ الْجَوَازُ عَلَى الصِّرَاطِ- وَ بِالشَّهَادَتَيْنِ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَ بِالصَّلَاةِ تَنَالُونَ الرَّحْمَةَ- فَأَكْثِرُوا مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّكُمْ وَ آلِهِ- إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا شَرَفَ أَعْلَى مِنَ الْإِسْلَامِ- وَ لَا كَرَمَ أَعَزُّ مِنَ التَّقْوَى- وَ لَا مَعْقِلَ أَحْرَزُ مِنَ الْوَرَعِ وَ لَا شَفِيعَ أَنْجَحُ مِنَ التَّوْبَةِ- وَ لَا كَنْزَ أَنْفَعُ مِنَ الْعِلْمِ- وَ لَا عِزَّ أَرْفَعُ مِنَ الْحِلْمِ- وَ لَا حَسَبَ أَبْلَغُ مِنَ الْأَدَبِ- وَ لَا نَصَبَ أَوْضَعُ مِنَ الْغَضَبِ- وَ لَا جَمَالَ أَزْيَنُ مِنَ الْعَقْلِ- وَ لَا سَوْأَةَ أَسْوَأُ مِنَ الْكَذِبِ- وَ لَا حَافِظَ أَحْفَظُ مِنَ الصَّمْتِ- وَ لَا لِبَاسَ أَجْمَلُ مِنَ الْعَافِيَةِ- وَ لَا غَائِبَ أَقْرَبُ مِنَ الْمَوْتِ- أَيُّهَا النَّاسُ- إِنَّهُ مَنْ مَشَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ إِلَى بَطْنِهَا- وَ اللَّيْلُ وَ النَّهَارُ مُسْرِعَانِ فِي هَدْمِ الْأَعْمَارِ- وَ لِكُلِّ ذِي رَمَقٍ قُوتٌ وَ لِكُلِّ حَبَّةٍ آكِلٌ- وَ أَنْتَ قُوتُ الْمَوْتِ- وَ إِنَّ مَنْ عَرَفَ الْأَيَّامَ لَمْ يَغْفُلْ عَنِ الِاسْتِعْدَادِ- لَنْ يَنْجُوَ مِنَ الْمَوْتِ غَنِيٌّ بِمَالِهِ وَ لَا فَقِيرٌ لِإِقْلَالِهِ- أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ خَافَ رَبَّهُ كَفَّ ظُلْمَهُ- وَ مَنْ لَمْ يَرْعَ فِي كَلَامِهِ أَظْهَرَ هُجْرَهُ- وَ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَهْمِ‏ (1)- مَا أَصْغَرَ الْمُصِيبَةَ مَعَ عِظَمِ الْفَاقَةِ غَداً- هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ- وَ مَا تَنَاكَرْتُمْ إِلَّا لِمَا فِيكُمْ مِنَ الْمَعَاصِي‏

____________

(1) في المجالس «بهيمة».

382

وَ الذُّنُوبِ- فَمَا أَقْرَبَ الرَّاحَةَ مِنَ التَّعَبِ وَ الْبُؤْسَ مِنَ النَّعِيمِ- وَ مَا شَرٌّ بِشَرٍّ بَعْدَهُ الْجَنَّةُ- وَ مَا خَيْرٌ بِخَيْرٍ بَعْدَهُ النَّارُ- وَ كُلُّ نَعِيمٍ دُونَ الْجَنَّةِ مَحْقُورٌ- وَ كُلُّ بَلَاءٍ دُونَ النَّارِ عَافِيَةٌ.

6- لي‏ (1)، الأمالي للصدوق عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ الْأَسْتَرْآبَادِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْحُسَيْنِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَسْكَرِيِّ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)كَمْ مِنْ غَافِلٍ يَنْسِجُ ثَوْباً لِيَلْبَسَهُ وَ إِنَّمَا هُوَ كَفَنُهُ- وَ يَبْنِي بَيْتاً لِيَسْكُنَهُ وَ إِنَّمَا هُوَ مَوْضِعُ قَبْرِهِ.

7- لي‏ (2)، الأمالي للصدوق‏ قِيلَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مَا الِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ- قَالَ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ وَ اجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ- وَ الِاشْتِمَالُ عَلَى الْمَكَارِمِ- ثُمَّ لَا يُبَالِي أَ وَقَعَ عَلَى الْمَوْتِ أَمْ وَقَعَ الْمَوْتُ عَلَيْهِ- وَ اللَّهِ مَا يُبَالِي ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَ وَقَعَ عَلَى الْمَوْتِ- أَمْ وَقَعَ الْمَوْتُ عَلَيْهِ.

8- لي‏ (3)، الأمالي للصدوق قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فِي بَعْضِ خُطَبِهِ‏ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ وَ الْآخِرَةَ دَارُ بَقَاءٍ- فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّكُمْ لِمَقَرِّكُمْ- وَ لَا تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَسْرَارَكُمْ- وَ أَخْرِجُوا مِنَ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ- فَفِي الدُّنْيَا حَيِيتُمْ وَ لِلْآخِرَةِ خُلِقْتُمْ- إِنَّمَا الدُّنْيَا كَالسَّمِّ يَأْكُلُهُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ- إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا مَاتَ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ مَا قَدَّمَ- وَ قَالَ النَّاسُ مَا أَخَّرَ- فَقَدِّمُوا فَضْلًا يَكُنْ لَكُمْ- وَ لَا تُؤَخِّرُوا كُلًّا يَكُنْ عَلَيْكُمْ- فَإِنَّ الْمَحْرُومَ مَنْ حُرِمَ خَيْرَ مَالِهِ وَ الْمَغْبُوطَ مَنْ ثَقَّلَ بِالصَّدَقَاتِ وَ الْخَيْرَاتِ مَوَازِينَهُ- وَ أَحْسَنَ فِي الْجَنَّةِ بِهَا مِهَادَهُ وَ طَيَّبَ عَلَى الصِّرَاطِ بِهَا مَسْلَكَهُ.

9- لي‏ (4)، الأمالي للصدوق عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنِ الْمُغِيرَةِ

____________

(1) المجالس ص 67. و سيأتي بهذا السند أيضا عن العيون.

(2) المجالس ص 68.

(3) المصدر ص 68.

(4) المصدر ص 126.

383

بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ خُنَيْسٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيِّ عَنْ نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ هُوَ فِي رَحَبَةِ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ فَقُلْتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ فَقَالَ وَ عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا نَوْفُ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ فَقُلْتُ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عِظْنِي فَقَالَ يَا نَوْفُ أَحْسِنْ يُحْسَنْ إِلَيْكَ فَقُلْتُ زِدْنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ يَا نَوْفُ ارْحَمْ تُرْحَمْ فَقُلْتُ زِدْنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ يَا نَوْفُ قُلْ خَيْراً تُذْكَرْ بِخَيْرٍ فَقُلْتُ زِدْنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ اجْتَنِبِ الْغِيبَةَ فَإِنَّهَا إِدَامُ كِلَابِ النَّارِ ثُمَّ قَالَ قَالَ(ع)يَا نَوْفُ كَذَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ وُلِدَ مِنْ حَلَالٍ وَ هُوَ يَأْكُلُ لُحُومَ النَّاسِ بِالْغِيبَةِ وَ كَذَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ وُلِدَ مِنْ حَلَالٍ وَ هُوَ يُبْغِضُنِي وَ يُبْغِضُ الْأَئِمَّةَ مِنْ وُلْدِي وَ كَذَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ وُلِدَ مِنْ حَلَالٍ وَ هُوَ يُحِبُّ الزِّنَا وَ كَذَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْرِفُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ هُوَ مُجْتَرٍ عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ كُلَّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ يَا نَوْفُ اقْبَلْ وَصِيَّتِي لَا تَكُونَنَّ نَقِيباً وَ لَا عَرِيفاً وَ لَا عَشَّاراً وَ لَا بَرِيداً يَا نَوْفُ صِلْ رَحِمَكَ يَزِيدُ اللَّهُ فِي عُمُرِكَ وَ حَسِّنْ خُلُقَكَ يُخَفِّفِ اللَّهُ فِي حِسَابِكَ يَا نَوْفُ إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَكُونَ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَا تَكُنْ لِلظَّالِمِينَ مُعِيناً يَا نَوْفُ مَنْ أَحَبَّنَا كَانَ مَعَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَحَبَّ حَجَراً لَحَشَرَهُ اللَّهُ مَعَهُ يَا نَوْفُ إِيَّاكَ أَنْ تَتَزَيَّنَ لِلنَّاسِ وَ تُبَارِزَ اللَّهَ بِالْمَعَاصِي فَيَفْضَحَكَ اللَّهُ يَوْمَ تَلْقَاهُ يَا نَوْفُ احْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ تَنَلْ بِهِ خَيْرَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ.

10- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) لي‏ (1)، الأمالي للصدوق عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الصُّوفِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ مُوسَى الرُّويَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الرِّضَا(ع)يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ حَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ عَنْ آبَائِكَ(ع)فَقَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا تَفَاوَتُوا فَإِذَا اسْتَوَوْا هَلَكُوا قَالَ قُلْتُ لَهُ زِدْنِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لَوْ تَكَاشَفْتُمْ مَا تَدَافَنْتُمْ‏

____________

(1) العيون ص 216. و المجالس ص 267.

384

قَالَ فَقُلْتُ لَهُ زِدْنِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ فَسَعُوهُمْ بِطَلَاقَةِ الْوَجْهِ وَ حُسْنِ اللِّقَاءِ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ فَسَعُوهُمْ بِأَخْلَاقِكُمْ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ زِدْنِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مَنْ عَتَبَ عَلَى الزَّمَانِ طَالَتْ مَعْتَبَتُهُ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ زِدْنِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مُجَالَسَةُ الْأَشْرَارِ تُورِثُ سُوءَ الظَّنِّ بِالْأَخْيَارِ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ زِدْنِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)بِئْسَ الزَّادُ إِلَى الْمَعَادِ الْعُدْوَانُ عَلَى الْعِبَادِ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ زِدْنِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُهُ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ زِدْنِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)الْمَرْءُ مَخْبُوٌّ تَحْتَ لِسَانِهِ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ زِدْنِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مَا هَلَكَ امْرُؤٌ عَرَفَ قَدْرَهُ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ زِدْنِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)التَّدْبِيرُ قَبْلَ الْعَمَلِ يُؤْمِنُكَ مِنَ النَّدَمِ قَالَ قُلْتُ لَهُ زِدْنِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مَنْ وَثِقَ بِالزَّمَانِ صُرِعَ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ زِدْنِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)خَاطَرَ بِنَفْسِهِ مَنِ اسْتَغْنَى بِرَأْيِهِ‏

385

قَالَ فَقُلْتُ لَهُ زِدْنِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قِلَّةُ الْعِيَالِ أَحَدُ الْيَسَارَيْنِ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ زِدْنِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مَنْ دَخَلَهُ الْعُجْبُ هَلَكَ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ زِدْنِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مَنْ أَيْقَنَ بِالْخَلَفِ جَادَ بِالْعَطِيَّةِ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ زِدْنِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مَنْ رَضِيَ بِالْعَافِيَةِ مِمَّنْ دُونَهُ رُزِقَ السَّلَامَةَ مِمَّنْ فَوْقَهُ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ حَسْبِي.

11- جا (1)، المجالس للمفيد ما، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ الْمُفِيدِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حُبَيْشٍ الْكَاتِبِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الزَّعْفَرَانِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ الْجَعْدِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ: لَمَّا وَلَّى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ مِصْرَ وَ أَعْمَالَهَا كَتَبَ لَهُ كِتَاباً وَ أَمَرَهُ أَنْ يَقْرَأَهُ عَلَى أَهْلِ مِصْرَ وَ لِيَعْمَلَ بِمَا وَصَّاهُ بِهِ فِيهِ فَكَانَ الْكِتَابُ- بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى أَهْلِ مِصْرَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ فِيمَا أَنْتُمْ عَنْهُ مَسْئُولُونَ وَ إِلَيْهِ تَصِيرُونَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ- كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (2) وَ يَقُولُ‏ وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَ إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (3) وَ يَقُولُ‏ فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ‏ (4) وَ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ سَائِلُكُمْ عَنِ الصَّغِيرِ مِنْ عَمَلِكُمْ‏

____________

(1) مجالس المفيد ص 152. و أمالي الشيخ ج 1 ص 24.

(2) المدّثّر: 43.

(3) آل عمران: 28.

(4) الحجر: 93.

386

وَ الْكَبِيرِ فَإِنْ يُعَذِّبْ فَنَحْنُ أَظْلَمُ وَ إِنْ يَعْفُ فَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ يَا عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ أَقْرَبَ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ إِلَى الْمَغْفِرَةِ وَ الرَّحْمَةِ حِينَ يَعْمَلُ لِلَّهِ بِطَاعَتِهِ وَ يَنْصَحُهُ فِي التَّوْبَةِ عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهَا تَجْمَعُ الْخَيْرَ وَ لَا خَيْرَ غَيْرُهَا وَ يُدْرَكُ بِهَا مِنَ الْخَيْرِ مَا لَا يُدْرَكُ بِغَيْرِهَا مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَ خَيْرِ الْآخِرَةِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ قِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَ لَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَ لَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ‏ (1) اعْلَمُوا يَا عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ الْمُؤْمِنَ مَنْ يَعْمَلُ الثَّلَاثَ مِنَ الثَّوَابِ أَمَّا الْخَيْرُ فَإِنَّ اللَّهَ يُثِيبُهُ بِعَمَلِهِ فِي دُنْيَاهُ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِإِبْرَاهِيمَ- وَ آتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ‏ (2) فَمَنْ عَمِلَ لِلَّهِ تَعَالَى أَعْطَاهُ اللَّهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ كَفَاهُ الْمُهِمَّ فِيهِمَا وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ‏ (3) فَمَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يُحَاسِبْهُمْ بِهِ فِي الْآخِرَةِ- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى- لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى‏ وَ زِيادَةٌ (4) وَ الْحُسْنَى هِيَ الْجَنَّةُ وَ الزِّيَادَةُ هِيَ الدُّنْيَا وَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُكَفِّرُ بِكُلِّ حَسَنَةٍ سَيِّئَةً قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى‏ لِلذَّاكِرِينَ‏ (5) حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُسِبَتْ لَهُمْ حَسَنَاتُهُمْ ثُمَّ أَعْطَاهُمْ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (6) وَ قَالَ‏ فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَ هُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ‏ (7) فَارْغَبُوا فِي هَذَا رَحِمَكُمُ اللَّهُ وَ اعْمَلُوا لَهُ وَ

____________

(1) النحل: 31.

(2) العنكبوت: 26.

(3) الزمر: 13. «بغير حساب «أى أجرا لا يهتدى إليه حساب الحساب.

(4) يونس: 27.

(5) هود: 116.

(6) النبأ: 36. أى حسب لهم حسناتهم ثمّ أعطاهم بكل واحدة عشر أمثالها.

(7) السبأ: 37.

387

تَحَاضُّوا عَلَيْهِ‏ (1) وَ اعْلَمُوا يَا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ الْمُتَّقِينَ حَازُوا عَاجِلَ الْخَيْرِ وَ آجِلَهُ شَارَكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاكُمْ وَ لَمْ يُشَارِكْهُمْ أَهْلُ الدُّنْيَا فِي آخِرَتِهِمْ أَبَاحَهُمُ اللَّهُ مَا كَفَاهُمْ وَ أَغْنَاهُمْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ اسْمُهُ‏ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏ (2) سَكَنُوا الدُّنْيَا بِأَفْضَلِ مَا سُكِنَتْ وَ أَكَلُوهَا بِأَفْضَلِ مَا أُكِلَتْ شَارَكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ وَ أَكَلُوا مَعَهُمْ مِنْ طَيِّبَاتِ مَا يَأْكُلُونَ وَ شَرِبُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا يَشْرَبُونَ وَ لَبِسُوا مِنْ أَفْضَلِ مَا يَلْبَسُونَ وَ سَكَنُوا مِنْ أَفْضَلِ مَا يَسْكُنُونَ وَ تَزَوَّجُوا مِنْ أَفْضَلِ مَا يَتَزَوَّجُونَ وَ رَكِبُوا مِنْ أَفْضَلِ مَا يَرْكَبُونَ أَصَابُوا لَذَّةَ الدُّنْيَا مَعَ أَهْلِ الدُّنْيَا وَ هُمْ غَداً جِيرَانُ اللَّهِ تَعَالَى يَتَمَنَّوْنَ عَلَيْهِ فَيُعْطِيهِمْ مَا يَتَمَنَّوْنَ لَا يُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ وَ لَا يَنْقُصُ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ اللَّذَّةِ فَإِلَى هَذَا يَا عِبَادَ اللَّهِ يَشْتَاقُ إِلَيْهِ مَنْ كَانَ لَهُ عَقْلٌ وَ يَعْمَلُ لَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ يَا عِبَادَ اللَّهِ إِنِ اتَّقَيْتُمُ اللَّهَ وَ حَفِظْتُمْ نَبِيَّكُمْ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ فَقَدْ عَبَدْتُمُوهُ بِأَفْضَلِ مَا عُبِدَ وَ ذَكَرْتُمُوهُ بِأَفْضَلِ مَا ذُكِرَ وَ شَكَرْتُمُوهُ بِأَفْضَلِ مَا شُكِرَ وَ أَخَذْتُمْ بِأَفْضَلِ الصَّبْرِ وَ الشُّكْرِ وَ اجْتَهَدْتُمْ بِأَفْضَلِ الِاجْتِهَادِ وَ إِنْ كَانَ غَيْرُكُمْ أَطْوَلَ مِنْكُمْ صَلَاةً وَ أَكْثَرَ مِنْكُمْ صِيَاماً فَأَنْتُمْ أَتْقَى لِلَّهِ وَ أَنْصَحُ مِنْهُمْ لِأُولِي الْأَمْرِ احْذَرُوا يَا عِبَادَ اللَّهِ الْمَوْتَ وَ سَكْرَتَهُ فَأَعِدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ فَإِنَّهُ يَفْجَؤُكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ بِخَيْرٍ لَا يَكُونُ مَعَهُ شَرٌّ أَبَداً أَوْ بِشَرٍّ لَا يَكُونُ مَعَهُ خَيْرٌ أَبَداً فَمَنْ أَقْرَبُ إِلَى الْجَنَّةِ مِنْ عَامِلِهَا وَ مَنْ أَقْرَبُ إِلَى النَّارِ مِنْ عَامِلِهَا إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ تُفَارِقُ رُوحُهُ جَسَدَهُ حَتَّى يَعْلَمَ إِلَى أَيِّ الْمَنْزِلَتَيْنِ يَصِيرُ إِلَى الْجَنَّةِ أَمِ النَّارِ أَ عَدُوٌّ هُوَ لِلَّهِ أَمْ وَلِيٌّ فَإِنْ كَانَ وَلِيّاً لِلَّهِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَ شُرِعَتْ لَهُ طُرُقُهَا وَ رَأَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِيهَا فَفُرِّغَ مِنْ كُلِّ شُغُلٍ وَ وُضِعَ عَنْهُ كُلُّ ثِقْلٍ وَ إِنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ النَّارِ وَ شُرِّعَ لَهُ طُرُقُهَا وَ نَظَرَ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِيهَا فَاسْتَقْبَلَ كُلَّ مَكْرُوهٍ وَ تَرَكَ كُلَّ سُرُورٍ كُلُّ هَذَا يَكُونُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَ عِنْدَهُ يَكُونُ بِيَقِينٍ‏

____________

(1) تحاض القوم: تحاثوا.

(2) الأعراف: 30.

388

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏ (1) وَ يَقُولُ‏ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى‏ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ‏ (2) يَا عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ الْمَوْتَ لَيْسَ مِنْهُ فَوْتٌ فَاحْذَرُوهُ قَبْلَ وُقُوعِهِ وَ أَعِدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ فَإِنَّكُمْ طَرْدُ الْمَوْتِ إِنْ أَقَمْتُمْ لَهُ أَخَذَكُمْ وَ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنْهُ أَدْرَكَكُمْ وَ هُوَ أَلْزَمُ لَكُمْ مِنْ ظِلِّكُمُ الْمَوْتُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيكُمْ وَ الدُّنْيَا تُطْوَى خَلْفَكُمْ فَأَكْثِرُوا ذِكْرَ الْمَوْتِ عِنْدَ مَا تُنَازِعُكُمْ إِلَيْهِ أَنْفُسُكُمْ مِنَ الشَّهَوَاتِ وَ كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظاً وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص كَثِيراً مَا يُوصِي أَصْحَابَهُ بِذِكْرِ الْمَوْتِ فَقَالَ أَكْثِرُوا ذِكْرَ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ هَاذِمُ‏ (3) اللَّذَّاتِ حَائِلٌ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ الشَّهَوَاتِ يَا عِبَادَ اللَّهِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ لِمَنْ لَا يُغْفَرُ لَهُ أَشَدُّ مِنَ الْمَوْتِ الْقَبْرَ فَاحْذَرُوا ضَيْقَهُ وَ ضَنْكَهُ وَ ظُلْمَتَهُ وَ غُرْبَتَهُ إِنَّ الْقَبْرَ يَقُولُ كُلَّ يَوْمٍ أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ أَنَا بَيْتُ التُّرَابِ أَنَا بَيْتُ الْوَحْشَةِ أَنَا بَيْتُ الدُّودِ وَ الْهَوَامِّ وَ الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا دُفِنَ قَالَتْ لَهُ الْأَرْضُ مَرْحَباً وَ أَهْلًا قَدْ كُنْتَ مِمَّنْ أُحِبُّ أَنْ تَمْشِيَ عَلَى ظَهْرِي فَإِذَا وَلِيتُكَ فَسَتَعْلَمُ كَيْفَ صَنِيعِي بِكَ فَيَتَّسِعُ لَهُ مَدَّ الْبَصَرِ وَ إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا دُفِنَ قَالَتْ لَهُ الْأَرْضُ لَا مَرْحَباً بِكَ وَ لَا أَهْلًا لَقَدْ كُنْتَ مِنْ أَبْغَضِ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي فَإِذَا وَلِيتُكَ فَسَتَعْلَمُ كَيْفَ صَنِيعِي بِكَ فَتَضُمُّهُ حَتَّى تَلْتَقِيَ أَضْلَاعُهُ وَ إِنَّ الْمَعِيشَةَ الضَّنْكَ الَّتِي حَذَّرَ اللَّهُ مِنْهَا عَدُوَّهُ عَذَابُ الْقَبْرِ إِنَّهُ يُسَلِّطُ عَلَى الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ تِسْعَةً وَ تِسْعِينَ تِنِّيناً فَيَنْهَشْنَ لَحْمَهُ وَ يَكْسِرْنَ عَظْمَهُ يَتَرَدَّدْنَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُ لَوْ أَنَّ تِنِّيناً مِنْهَا تَنْفُخُ فِي الْأَرْضِ لَمْ تُنْبِتْ زَرْعاً أَبَداً: اعْلَمُوا يَا عِبَادَ اللَّهِ- إِنَّ أَنْفُسَكُمُ الضَّعِيفَةَ وَ أَجْسَادَكُمُ النَّاعِمَةَ الرَّقِيقَةَ- الَّتِي‏

____________

(1) النحل: 34.

(2) النحل: 30 و 31.

(3) الهاذم بالذال المعجمة بمعنى الهادم.

389

يَكْفِيهَا الْيَسِيرُ تَضْعُفُ عَنْ هَذَا- فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَجْزَعُوا لِأَجْسَادِكُمْ‏ (1) وَ أَنْفُسِكُمْ مِمَّا لَا طَاقَةَ لَكُمْ بِهِ- وَ لَا صَبْرَ لَكُمْ عَلَيْهِ فَاعْمَلُوا بِمَا أَحَبَّ اللَّهُ- وَ اتْرُكُوا مَا كَرِهَ اللَّهُ يَا عِبَادَ اللَّهِ- إِنَّ بَعْدَ الْبَعْثِ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنَ الْقَبْرِ يَوْمٌ يَشِيبُ فِيهِ الصَّغِيرُ- وَ يَسْكَرُ مِنْهُ الْكَبِيرُ وَ يَسْقُطُ فِيهِ الْجَنِينُ- وَ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ‏- يَوْمٌ عُبُوسٌ قَمْطَرِيرٌ يَوْمٌ‏ كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً- إِنَّ فَزَعَ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَيُرْهِبُ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ لَا ذَنْبَ لَهُمْ- وَ تُرْعَدُ مِنْهُ السَّبْعُ الشِّدَادُ- وَ الْجِبَالُ الْأَوْتَادُ وَ الْأَرْضُ الْمِهَادُ- وَ تَنْشَقُ‏ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ- وَ تَتَغَيَّرُ فَكَأَنَّهَا وَرْدَةٌ كَالدِّهَانِ- وَ تَكُونُ الْجِبَالُ سَرَاباً مَهِيلًا- بَعْدَ مَا كَانَتْ صُمّاً صِلَاباً- وَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَيَفْزَعُ‏ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ- إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ‏- فَكَيْفَ مَنْ عَصَى بِالسَّمْعِ وَ الْبَصَرِ- وَ اللِّسَانِ وَ الْيَدِ وَ الرِّجْلِ وَ الْفَرْجِ وَ الْبَطْنِ- إِنْ لَمْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَهُ وَ يَرْحَمْهُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ- لِأَنَّهُ يُفْضِي وَ يَصِيرُ إِلَى غَيْرِهِ إِلَى نَارٍ قَعْرُهَا بَعِيدٌ- وَ حَرُّهَا شَدِيدٌ وَ شَرَابُهَا صَدِيدٌ- وَ عَذَابُهَا جَدِيدٌ وَ مَقَامِعُهَا حَدِيدٌ- لَا يَفْتُرُ عَذَابُهَا وَ لَا يَمُوتُ سَاكِنُهَا- دَارٌ لَيْسَ فِيهَا رَحْمَةٌ وَ لَا تُسْمَعُ لِأَهْلِهَا دَعْوَةٌ- وَ اعْلَمُوا يَا عِبَادَ اللَّهِ- أَنَّ مَعَ هَذَا رَحْمَةَ اللَّهِ الَّتِي لَا تَعْجِزُ الْعِبَادُ- جَنَّةً عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ- لَا يَكُونُ مَعَهَا شَرٌّ أَبَداً- لَذَّاتُهَا لَا تُمَلُّ وَ مُجْتَمَعُهَا لَا يَتَفَرَّقُ- وَ سُكَّانُهَا قَدْ جَاوَرُوا الرَّحْمَنَ- وَ قَامَ بَيْنَ أَيْدِيهِمُ الْغِلْمَانُ بِصِحَافٍ مِنَ الذَّهَبِ- فِيهَا الْفَاكِهَةُ وَ الرَّيْحَانُ- ثُمَّ اعْلَمْ يَا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ- إِنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ أَعْظَمَ أَجْنَادِي فِي نَفْسِي أَهْلَ مِصْرَ- فَإِذَا وَلَّيْتُكَ مَا وَلَّيْتُكَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ- فَأَنْتَ حَقِيقٌ أَنْ تَخَافَ مِنْهُ عَلَى نَفْسِكَ- وَ أَنْ تَحْذَرَ مِنْهُ عَلَى دِينِكَ- فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تُسْخِطَ رَبَّكَ بِرِضَا أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ فَافْعَلْ- فَإِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَفاً مِنْ غَيْرِهِ- وَ لَيْسَ فِي شَيْ‏ءٍ سِوَاهُ خَلَفٌ مِنْهُ- اشْتَدَّ عَلَى الظَّالِمِ وَ خُذْ عَلَيْهِ وَ لِنْ لِأَهْلِ الْخَيْرِ وَ قَرِّبْهُمْ- وَ اجْعَلْهُمْ بِطَانَتَكَ وَ أَقْرَانَكَ- وَ انْظُرْ إِلَى صَلَاتِكَ كَيْفَ هِيَ- فَإِنَّكَ إِمَامٌ لِقَوْمِكَ أَنْ تُتِمَّهَا وَ لَا تُخَفِّفَهَا- وَ لَيْسَ مِنْ إِمَامٍ يُصَلِّي بِقَوْمٍ يَكُونُ فِي صَلَاتِهِمْ نُقْصَانٌ- إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ لَا يَنْقُصُ مِنْ صَلَاتِهِمْ شَيْ‏ءٌ- وَ تَمِّمْهَا وَ تَحَفَّظْ فِيهَا يَكُنْ لَكَ‏

____________

(1) في مجالس المفيد «تنزعوا أجسادكم» و هو الصواب.

390

مِثْلُ أُجُورِهِمْ- وَ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَجْرِهِمْ شَيْ‏ءٌ- وَ انْظُرْ إِلَى الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ- تَمَضْمَضْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَ اسْتَنْشِقْ ثَلَاثاً- وَ اغْسِلْ وَجْهَكَ ثُمَّ يَدَكَ الْيُمْنَى ثُمَّ الْيُسْرَى- ثُمَّ امْسَحْ رَأْسَكَ وَ رِجْلَيْكَ- فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَصْنَعُ ذَلِكَ- وَ اعْلَمْ أَنَّ الْوُضُوءَ نِصْفُ الْإِيمَانِ- ثُمَّ ارْتَقِبْ وَقْتَ الصَّلَاةِ فَصَلِّهَا لِوَقْتِهَا- وَ لَا تَعْجَلْ بِهَا قَبْلَهُ لِفَرَاغٍ وَ لَا تُؤَخِّرْهَا عَنْهُ لِشُغُلٍ- فَإِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ص عَنْ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَتَانِي جَبْرَئِيلُ(ع)وَقْتَ الصَّلَاةِ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ- فَكَانَتْ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ- ثُمَّ أَتَانِي وَقْتَ الْعَصْرِ فَكَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مِثْلَهُ- ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ- ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ فَأَغْلَسَ بِهَا وَ النُّجُومُ مُشَبَّكَةٌ- فَصَلِّ لِهَذِهِ الْأَوْقَاتِ- وَ الْزَمِ السُّنَّةَ الْمَعْرُوفَةَ وَ الطَّرِيقَ الْوَاضِحَ- ثُمَّ انْظُرْ رُكُوعَكَ وَ سُجُودَكَ- فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص كَانَ أَتَمَّ النَّاسِ صَلَاةً وَ أَخَفَّهُمْ عَمَلًا فِيهَا- وَ اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ شَيْ‏ءٍ مِنْ عَمَلِكَ تَبَعٌ لِصَلَاتِكَ- فَمَنْ ضَيَّعَ الصَّلَاةَ فَإِنَّهُ لِغَيْرِهَا أَضْيَعُ- أَسْأَلُ اللَّهَ الَّذِي يَرَى وَ لَا يُرَى وَ هُوَ بِالْمَنْظَرِ الْأَعْلَى- أَنْ يَجْعَلَنَا وَ إِيَّاكَ مِمَّنْ يُحِبُّ وَ يَرْضَى حَتَّى يُعِينَنَا- وَ إِيَّاكَ عَلَى شُكْرِهِ وَ ذِكْرِهِ- وَ حُسْنِ عِبَادَتِهِ وَ أَدَاءِ حَقِّهِ وَ عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ اخْتَارَ لَنَا فِي دِينِنَا وَ دُنْيَانَا وَ آخِرَتِنَا- وَ أَنْتُمْ يَا أَهْلَ مِصْرَ فَلْيُصَدِّقْ قَوْلَكُمْ فِعْلُكُمْ وَ سِرَّكُمْ عَلَانِيَتُكُمْ- وَ لَا تُخَالِفْ أَلْسِنَتَكُمْ قُلُوبُكُمْ- وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَا يَسْتَوِي إِمَامُ الْهُدَى- وَ إِمَامُ الرَّدَى وَ وَصِيُّ النَّبِيِّ ص وَ عَدُوُّهُ- إِنِّي لَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مُؤْمِناً وَ لَا مُشْرِكاً- أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَمْنَعُهُ اللَّهُ بِإِيمَانِهِ- وَ أَمَّا الْمُشْرِكُ فَيَحْجُزُهُ اللَّهُ عَنْكُمْ بِشِرْكِهِ وَ لَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ الْمُنَافِقَ- يَقُولُ مَا تَعْرِفُونَ وَ يَعْمَلُ مَا تُنْكِرُونَ يَا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ اعْلَمْ- أَنَّ أَفْضَلَ الْعِفَّةِ الْوَرَعُ فِي دِينِ اللَّهِ- وَ الْعَمَلُ بِطَاعَتِهِ وَ إِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي أَمْرِ سِرِّكَ وَ عَلَانِيَتِكَ- وَ عَلَى أَيِّ حَالٍ كُنْتَ عَلَيْهِ- الدُّنْيَا دَارُ بَلَاءٍ وَ دَارُ فَنَاءٍ- وَ الْآخِرَةُ دَارُ الْجَزَاءِ وَ دَارُ الْبَقَاءِ- وَ اعْمَلْ لِمَا يَبْقَى وَ اعْدِلْ عَمَّا يَفْنَى وَ لَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا- أُوصِيكَ بِسَبْعٍ هُنَّ جَوَامِعُ الْإِسْلَامِ- تَخْشَى اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا تَخْشَى النَّاسَ فِي اللَّهِ-

391

وَ خَيْرُ الْقَوْلِ مَا صَدَّقَهُ الْعَمَلُ- وَ لَا تَقْضِ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ بِقَضَاءَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ- فَيَخْتَلِفَ أَمْرُكَ وَ تَزِيغَ عَنِ الْحَقِّ- وَ أَحِبَّ لِعَامَّةِ رَعِيَّتِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَ أَهْلِ بَيْتِكَ- وَ اكْرَهْ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ وَ لِأَهْلِ بَيْتِكَ- فَإِنَّ ذَلِكَ أَوْجَبُ لِلْحُجَّةِ وَ أَصْلَحُ لِلرَّعِيَّةِ- وَ خُضِ الْغَمَرَاتِ إِلَى الْحَقِّ وَ لَا تَخَفْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ وَ انْصَحِ الْمَرْءَ إِذَا اسْتَشَارَكَ- وَ اجْعَلْ نَفْسَكَ أُسْوَةً لِقَرِيبِ الْمُسْلِمِينَ وَ بَعِيدِهِمْ جَعَلَ اللَّهُ مَوَدَّتَنَا فِي الدِّينِ وَ حَلَّانَا وَ إِيَّاكُمْ حِلْيَةَ الْمُتَّقِينَ- أَبْقَى لَكُمْ طَاعَتَكُمْ- حَتَّى يَجْعَلَنَا وَ إِيَّاكُمْ بِهَا إِخْواناً عَلى‏ سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ‏- أَحْسِنُوا أَهْلَ مِصْرَ مُوَازَرَةَ مُحَمَّدٍ أَمِيرِكُمْ وَ اثْبُتُوا عَلَى طَاعَتِهِ تَرِدُوا حَوْضَ نَبِيِّكُمْ ص أَعَانَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ عَلَى مَا يُرْضِيهِ وَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ.

- بشا (1)، بشارة المصطفى أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ بَابَوَيْهِ قِرَاءَةً عَلَيْهِ بِالرَّيِّ سَنَةَ عَشَرَةٍ وَ خَمْسِمِائَةٍ عَنْ شَيْخِ الطَّائِفَةِ مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ فَأَنْتُمْ أَتْقَى لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْهُ- وَ أَنْصَحُ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ- ثُمَّ قَالَ وَ الْخَبَرُ بِكَمَالِهِ أَوْرَدْتُهُ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ وَ التَّقْوَى‏

. 12- لي‏ (2)، الأمالي للصدوق عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ هَاشِمٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)بِالْكُوفَةِ إِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ يُنَادِي النَّاسَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- حَتَّى يُسْمِعَ أَهْلَ الْمَسْجِدِ- أَيُّهَا النَّاسُ تَجَهَّزُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ فَقَدْ نُودِيَ فِيكُمْ بِالرَّحِيلِ- فَمَا التَّعَرُّجُ عَلَى الدُّنْيَا بَعْدَ نِدَاءٍ فِيهَا بِالرَّحِيلِ- تَجَهَّزُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ- وَ انْتَقِلُوا بِأَفْضَلِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ وَ هُوَ التَّقْوَى وَ اعْلَمُوا أَنَّ طَرِيقَكُمْ إِلَى الْمَعَادِ وَ مَمَرَّكُمْ عَلَى الصِّرَاطِ- وَ الْهَوْلَ الْأَعْظَمَ أَمَامَكُمْ- عَلَى طَرِيقِكُمْ عَقَبَةٌ كَئُودَةٌ وَ مَنَازِلُ مَهُولَةٌ مَخُوفَةٌ- لَا بُدَّ لَكُمْ مِنَ الْمَمَرِّ عَلَيْهَا وَ الْوُقُوفِ بِهَا فَإِمَّا بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ فَنَجَاةٌ مِنْ هَوْلِهَا وَ عِظَمِ خَطَرِهَا- وَ فَظَاعَةِ مَنْظَرِهَا وَ شِدَّةِ مُخْتَبَرِهَا وَ إِمَّا بِهَلَكَةٍ لَيْسَ بَعْدَهَا انْجِبَارٌ.

____________

(1) بشارة المصطفى ص 52.

(2) الأمالي ص 298.

392

جا (1)، المجالس للمفيد عن أحمد بن الوليد عن أبيه عن الصفار عن ابن معروف عن ابن مهزيار عن ابن محبوب عن عمرو بن أبي المقدام عن جابر عن أبي جعفر(ع)مثله.

13- لي‏ (2)، الأمالي للصدوق عَنِ الدَّقَّاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الطَّارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْخَشَّابِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَسِّنٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ اللَّهِ مَا دُنْيَاكُمْ عِنْدِي إِلَّا كَسَفْرٍ عَلَى مَنْهَلٍ‏ (3) حَلُّوا- إِذْ صَاحَ بِهِمْ سَائِقُهُمْ فَارْتَحَلُوا- وَ لَا لَذَاذَتُهَا فِي عَيْنِي إِلَّا كَحَمِيمٍ أَشْرَبُهُ غَسَّاقاً- وَ عَلْقَمٍ أَتَجَرَّعُ بِهِ زُعَاقاً- وَ سَمِّ أَفْعَاةٍ (4) أَسْقَاهُ دِهَاقاً وَ قِلَادَةٍ مِنْ نَارٍ أُوهِقُهَا حناقا [خِنَاقاً- وَ لَقَدْ رَقَّعْتُ مِدْرَعَتِي هَذِهِ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَاقِعِهَا- وَ قَالَ لِيَ اقْذِفْ بِهَا قَذْفَ الْأُتُنِ- لَا يَرْتَضِيهَا لِيَرْقَعَهَا فَقُلْتُ لَهُ اعْزُبْ عَنِّي‏

فَعِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى* * * -وَ تَنْجَلِي عَنِّي عُلَالاتُ الْكَرَى‏ (5)

وَ لَوْ شِئْتُ لَتَسَرْبَلْتُ بِالْعَبْقَرِيِّ الْمَنْقُوشِ مِنْ دِيبَاجِكُمْ- وَ لَأَكَلْتُ لُبَابَ هَذَا الْبُرِّ بِصُدُورِ دَجَاجِكُمْ- وَ لَشَرِبْتُ الْمَاءَ الزُّلَالَ بِرَقِيقِ زُجَاجِكُمْ- وَ لَكِنِّي أُصَدِّقُ اللَّهَ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ حَيْثُ يَقُولُ- مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها- نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَ هُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ- أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ (6)- فَكَيْفَ أَسْتَطِيعُ‏

____________

(1) مجالس المفيد ص 116.

(2) المجالس 368.

(3) السفر- بالفتح فالسكون- جمع سافر و هو المسافر. و المنهل موضع شرب الماء على الطريق.

اعلم أن الخبر بتمامه مرّ في المجلد 40 ص 346 مع توضيح لغاته و تفسير غريبه مفصلا من المؤلّف- (رحمه الله)- فلا حاجة الى بيان مشكله هاهنا.

(4) في المصدر «الافعى».

(5) العلالة: بقية كل شي‏ء. و في بعض النسخ «غلالات» بالمعجمة جمع غلالة و هى شعار تلبس تحت الثوب استعار لما يشمل الإنسان من حالة النوم. و في المحكى عن مجمع الامثال «غيابات» و في بعض نسخ المجمع «عمايات» و الكرى النعاس.

(6) هود: 15 و 16.

393

الصَّبْرَ عَلَى نَارٍ لَوْ قَذَفَتْ بِشَرَرَةٍ إِلَى الْأَرْضِ لَأَحْرَقَتْ نَبْتَهَا- وَ لَوِ اعْتَصَمَتْ نَفْسٌ بِقُلَّةٍ لَأَنْضَجَهَا وَهْجُ النَّارِ فِي قُلَّتِهَا- وَ أَيُّمَا خَيْرٌ لِعَلِيٍّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مُقَرَّباً أَوْ يَكُونَ فِي لَظَى خَسِيئاً مُبَعَّداً- مَسْخُوطاً عَلَيْهِ بِجُرْمِهِ مُكَذَّباً- وَ اللَّهِ لَأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ مُرَقَّداً- وَ تَحْتِي أَطْمَارٌ عَلَى سَفَاهَا مُمَدَّداً أَوْ أُجَرَّ فِي أَغْلَالِي مُصَفَّداً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى فِي الْقِيَامَةِ مُحَمَّداً خَائِناً- فِي ذِي يَتْمَةٍ أَظْلِمُهُ بِفَلْسِهِ مُتَعَمِّداً- وَ لَمْ أَظْلِمِ الْيَتِيمَ وَ غَيْرَ الْيَتِيمِ- لِنَفْسٍ تُسْرِعُ إِلَى الْبَلَاءِ قُفُولُهَا- وَ يَمْتَدُّ فِي أَطْبَاقِ الثَّرَى حُلُولُهَا وَ إِنْ عَاشَتْ رُوَيْداً فَبِذِي الْعَرْشِ نُزُولُهَا- مَعَاشِرَ شِيعَتِي احْذَرُوا فَقَدْ عَضَّتْكُمُ الدُّنْيَا بِأَنْيَابِهَا- تَخْتَطِفُ مِنْكُمْ نَفْساً بَعْدَ نَفْسٍ كَذِئَابِهَا- وَ هَذِهِ مَطَايَا الرَّحِيلِ قَدْ أُنِيخَتْ لِرُكَّابِهَا- أَلَا إِنَّ الْحَدِيثَ ذُو شُجُونٍ فَلَا يَقُولَنَّ قَائِلُكُمْ إِنَّ كَلَامَ عَلِيٍّ مُتَنَاقِضٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ عَارِضٌ- وَ لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُطَّانِ الْمَدَائِنِ- تَبِعَ بَعْدَ الْحَنِيفِيَّةِ عُلُوجَهُ وَ لَبِسَ مِنْ نَالَةِ دِهْقَانِهِ مَنْسُوجَهُ- وَ تَضَمَّخَ بِمِسْكِ هَذِهِ النَّوَافِجِ صَبَاحَهُ- وَ تَبَخَّرَ بِعُودِ الْهِنْدِ رَوَاحَهُ- وَ حَوْلَهُ رَيْحَانُ حَدِيقَةٍ يَشَمُّ تُفَّاحَهُ- وَ قَدْ مُدَّ لَهُ مَفْرُوشَاتُ الرُّومِ عَلَى سُرُرِهِ- تَعْساً لَهُ بَعْدَ مَا نَاهَزَ السَّبْعِينَ مِنْ عُمُرِهِ- وَ حَوْلَهُ شَيْخٌ يَدِبُّ عَلَى أَرْضِهِ مِنْ هَرَمِهِ- وَ ذُو يَتْمَةٍ تَضَوَّرَ مِنْ ضُرِّهِ وَ مِنْ قَرْمِهِ فَمَا وَاسَاهُمْ بِفَاضِلَاتٍ مِنْ عَلْقَمِهِ- لَئِنْ أَمْكَنَنِيَ اللَّهُ مِنْهُ لَأَخْضَمَنَّهُ خَضْمَ الْبُرِّ- وَ لَأُقِيمَنَّ عَلَيْهِ حَدَّ الْمُرْتَدِّ- وَ لَأَضْرِبَنَّهُ الثَّمَانِينَ بَعْدَ حَدٍّ- وَ لَأَسُدَّنَّ مِنْ جَهْلِهِ كُلَّ مَسَدٍّ تَعْساً لَهُ أَ فَلَا شَعْرٌ- أَ فَلَا صُوفٌ أَ فَلَا وَبَرٌ أَ فَلَا رَغِيفٌ قَفَارُ اللَّيْلِ إِفْطَارٌ مُقَدَّمٌ‏ (1)- أَ فَلَا عَبْرَةٌ عَلَى خَدٍّ فِي ظُلْمَةِ لَيَالٍ تَنْحَدِرُ- وَ لَوْ كَانَ مُؤْمِناً لَاتَّسَقَتْ لَهُ الْحُجَّةُ إِذَا ضَيَّعَ مَا لَا يَمْلِكُ- وَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلًا أَخِي- وَ قَدْ أَمْلَقَ حَتَّى اسْتَمَاحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعَةً- وَ عَاوَدَنِي فِي عُشْرِ وَسْقٍ مِنْ شَعِيرِكُمْ يُطْعِمُهُ جِيَاعَهُ- وَ يَكَادُ يَلْوِي ثَالِثَ أَيَّامِهِ خَامِصاً مَا اسْتَطَاعَهُ- وَ رَأَيْتُ أَطْفَالَهُ شُعْثَ الْأَلْوَانِ مِنْ ضَرِّهِمْ كَأَنَّمَا اشْمَأَزَّتْ وُجُوهُهُمْ مِنْ قُرِّهِمْ‏

____________

(1) في بعض النسخ «أ فلا رغيف لليل افطار معدم».

394

فَلَمَّا عَاوَدَنِي فِي قَوْلِهِ وَ كَرَّرَهُ أَصْغَيْتُ إِلَيْهِ سَمْعِي فَغَرَّهُ- وَ ظَنَّنِي وَ أُوتِغُ دِينِي فَأَتَّبِعُ مَا سَرَّهُ أَحْمَيْتُ لَهُ حَدِيدَةً يَنْزَجِرُ (1)- إِذْ لَا يَسْتَطِيعُ مِنْهَا دُنُوّاً وَ لَا يَصْبِرُ- ثُمَّ أَدْنَيْتُهَا مِنْ جِسْمِهِ- فَضَجَّ مِنْ أَلَمِهِ ضَجِيجَ ذِي دَنَفٍ يَئِنُّ مِنْ سُقْمِهِ- وَ كَادَ يَسُبُّنِي سَفَهاً مِنْ كَظْمِهِ- وَ لِحَرْقَةٍ فِي لَظَى أَضْنَى لَهُ مِنْ عُدْمِهِ- فَقُلْتُ لَهُ ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ يَا عَقِيلُ أَ تَئِنُّ مِنْ حَدِيدَةٍ أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِمَدْعَبِهِ- وَ تَجُرُّنِي إِلَى نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا مِنْ غَضَبِهِ أَ تَئِنُّ مِنَ الْأَذَى وَ لَا أَئِنُّ مِنْ لَظَى- وَ اللَّهِ لَوْ سَقَطَتِ الْمُكَافَاةُ عَنِ الْأُمَمِ- وَ تُرِكَتْ فِي مَضَاجِعِهَا بَالِيَاتٌ فِي الرِّمَمِ- لَاسْتَحْيَيْتُ مِنْ مَقْتِ رَقِيبٍ يَكْشِفُ فَاضِحَاتٍ مِنَ الْأَوْزَارِ تَنَّسِخُ- فَصَبْراً عَلَى دُنْيَا تَمُرُّ بِلَأْوَائِهَا كَلَيْلَةٍ بِأَحْلَامِهَا تَنْسَلِخُ- كَمْ بَيْنَ نَفْسٍ فِي خِيَامِهَا نَاعِمَةٌ- وَ بَيْنَ أَثِيمٍ فِي جَحِيمٍ يَصْطَرِخُ فَلَا تَعَجُّبَ‏ (2) مِنْ هَذَا وَ أَعْجَبُ بِلَا صُنْعٍ مِنَّا مِنْ طَارِقٍ طَرَقَنَا- بِمَلْفُوفَاتٍ زَمَّلَهَا فِي وِعَائِهَا وَ مَعْجُونَةٍ بَسَطَهَا فِي إِنَائِهَا- فَقُلْتُ لَهُ أَ صَدَقَةٌ أَمْ نَذْرٌ أَمْ زَكَاةٌ- وَ كُلُّ ذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَيْنَا أَهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ- وَ عُوِّضْنَا مِنْهُ خُمُسَ ذِي الْقُرْبَى فِي الْكِتَابِ وَ السُّنَّةِ- فَقَالَ لِي لَا ذَاكَ وَ لَا ذَاكَ وَ لَكِنَّهُ هَدِيَّةٌ فَقُلْتُ لَهُ ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ- أَ فَعَنْ دِينِ اللَّهِ تَخْدَعُنِي- بِمَعْجُونَةٍ عَرَّقْتُمُوهَا بِقَنْدِكُمْ وَ خَبِيصَةٍ صَفْرَاءَ أَتَيْتُمُونِي بِهَا بِعَصِيرِ تَمْرِكُمْ- أَ مُخْتَبِطٌ أَمْ ذُو جِنَّةٍ أَمْ تَهْجُرُ- أَ لَيْسَتِ النُّفُوسُ عَنْ مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مَسْئُولَةً- فَمَا ذَا أَقُولُ فِي مَعْجُونَةٍ أَتَزَقَّمُهَا مَعْمُولَةً وَ اللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا- وَ اسْتُرِقَّ لِي قُطَّانُهَا (3) مُذْعِنَةً بِأَمْلَاكِهَا- عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا شَعِيرَةً- فَأَلُوكَهَا مَا قَبِلْتُ وَ لَا أَرَدْتُ- وَ لَدُنْيَاكُمْ أَهْوَنُ عِنْدِي مِنْ وَرَقَةٍ فِي فِي جَرَادَةٍ تَقْضَمُهَا- وَ أَقْذَرُ عِنْدِي مِنْ عُرَاقَةِ خِنْزِيرٍ يَقْذِفُ بِهَا أَجْذَمُهَا- وَ أَمَرُّ عَلَى فُؤَادِي مِنْ حَنْظَلَةٍ يَلُوكُهَا ذُو سُقْمٍ فَيَبْشَمُهَا- فَكَيْفَ أَقْبَلُ مَلْفُوفَاتٍ عَكَمْتَهَا فِي طَيِّهَا- وَ مَعْجُونَةً كَأَنَّهَا عُجِنَتْ بِرِيقِ حَيَّةٍ أَوْ قَيْئِهَا

____________

(1) في المصدر «لينزجر».

(2) في المصدر «و لا تعجب».

(3) قطان جمع قاطن و هو الساكن و الذي اقام في بلدة و توطنها.

395

اللَّهُمَّ إِنِّي نَفَرْتُ عَنْهَا نِفَارَ الْمُهْرَةِ مِنْ كَيِّهَا- أُرِيهِ السُّهَا وَ يُرِينِي الْقَمَرَ (1) أَ أَمْتَنِعُ مِنْ وَبَرَةٍ مِنْ قَلُوصِهَا سَاقِطَةٍ- وَ أَبْتَلِعُ إِبِلًا فِي مَبْرَكِهَا رَابِطَةً- أَ دَبِيبَ الْعَقَارِبِ مِنْ وَكْرِهَا أَلْتَقِطُ- أَمْ قَوَاتِلَ الرُّقْشِ فِي مَبِيتِي أَرْتَبِطُ- فَدَعُونِي أَكْتَفِي مِنْ دُنْيَاكُمْ بِمِلْحِي وَ أَقْرَاصِي- فَبِتَقْوَى اللَّهِ أَرْجُو خَلَاصِي مَا لِعَلِيٍّ وَ نَعِيمٍ يَفْنَى- وَ لَذَّةٍ تَنْحَتُهَا الْمَعَاصِي- سَأَلْقَى وَ شِيعَتِي رَبَّنَا بِعُيُونٍ سَاهِرَةٍ- وَ بُطُونٍ خِمَاصٍ‏ لِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَمْحَقَ الْكافِرِينَ‏- وَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سَيِّئَاتِ الْأَعْمَالِ- وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ.

14- فس‏ (2)، تفسير القمي‏ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَوْماً وَ قَدْ تَبِعَ جِنَازَةً- فَسَمِعَ رَجُلًا يَضْحَكُ- فَقَالَ كَأَنَّ الْمَوْتَ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا كُتِبَ- وَ كَأَنَّ الْحَقَّ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا وَجَبَ وَ كَأَنَّ الَّذِي نَسْمَعُ مِنَ الْأَمْوَاتِ سَفْرٌ عَمَّا قَلِيلٍ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ- نُنْزِلُهُمْ أَجْدَاثَهُمْ وَ نَأْكُلُ تُرَاثَهُمْ كَأَنَّا مُخَلَّدُونَ بَعْدَهُمْ- قَدْ نَسِينَا كُلَّ وَاعِظَةٍ وَ رُمِينَا بِكُلِّ جَائِحَةٍ أَيُّهَا النَّاسُ طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ- وَ تَوَاضَعَ مِنْ غَيْرِ مَنْقَصَةٍ- وَ جَالَسَ أَهْلَ التَّفَقُّهِ‏ (3) وَ الرَّحْمَةِ- وَ خَالَطَ أَهْلَ الذُّلِّ وَ الْمَسْكَنَةِ- وَ أَنْفَقَ مَالًا جَمَعَهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ أَيُّهَا النَّاسُ طُوبَى لِمَنْ ذَلَّ فِي نَفْسِهِ- وَ طَابَ كَسْبُهُ وَ صَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ- وَ حَسُنَتْ خَلِيقَتُهُ- وَ أَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ وَ أَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ كَلَامِهِ- وَ عَدَلَ‏ (4) عَنِ النَّاسِ شَرَّهُ- وَ سَعَتْهُ السُّنَّةُ وَ لَمْ يَتَعَدَّ إِلَى الْبِدْعَةِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ طُوبَى لِمَنْ لَزِمَ بَيْتَهُ وَ أَكَلَ كِسْرَتَهُ- وَ بَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ- وَ كَانَ مِنْ نَفْسِهِ فِي تَعَبٍ‏ (5) وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي الرَّاحَةِ.

____________

(1) هذا مثل، و قد هجا به الكميت الحجاج هكذا:

شكونا إليه خراب السواد* * * فحرم علينا لحوم البقر

فكنا كما قال من قبلنا* * * «اريها السها و ترينى القمر»

(2) تفسير القمّيّ «ره» ص 428.

(3) في بعض النسخ «اهل الفقه».

(4) في بعض النسخ «كف عن الناس».

(5) في بعض النسخ «فى شغل».

396

15- ل‏ (1)، الخصال عَنِ ابْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ: كَانَتِ الْفُقَهَاءُ وَ الْحُكَمَاءُ إِذَا كَاتَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً- كَتَبُوا بِثَلَاثٍ لَيْسَ مَعَهُنَّ رَابِعَةٌ- مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّهُ فِي الدُّنْيَا (2)- وَ مَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللَّهُ عَلَانِيَتَهُ- وَ مَنْ أَصْلَحَ فِيمَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- أَصْلَحَ اللَّهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ النَّاسِ.

16- ل‏ (3)، الخصال عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فِي وَصِيَّتِهِ لِابْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ- إِيَّاكَ وَ الْعُجْبَ وَ سُوءَ الْخُلُقِ وَ قِلَّةَ الصَّبْرِ- فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ لَكَ عَلَى هَذِهِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ صَاحِبٌ- وَ لَا يَزَالُ لَكَ عَلَيْهَا مِنَ النَّاسِ مُجَانِبٌ- وَ أَلْزِمْ نَفْسَكَ التَّوَدُّدَ وَ صَبِّرْ عَلَى مَئُونَاتِ النَّاسِ نَفْسَكَ- وَ ابْذُلْ لِصَدِيقِكَ نَفْسَكَ وَ مَالَكَ- وَ لِمَعْرِفَتِكَ‏ (4) رِفْدَكَ وَ مَحْضَرَكَ- وَ لِلْعَامَّةِ بِشْرَكَ وَ مَحَبَّتَكَ- وَ لِعَدُوِّكَ عَدْلَكَ وَ إِنْصَافَكَ- وَ اضْنَنْ بِدِينِكَ وَ عِرْضِكَ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ فَإِنَّهُ أَسْلَمُ لِدِينِكَ وَ دُنْيَاكَ.

17- ما (5)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ الْمُفِيدِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ التَّمَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي مِخْنَفٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)خَطَبَ ذَاتَ يَوْمٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ص قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا مَقَالَتِي وَ عُوا كَلَامِي- إِنَّ الْخُيَلَاءَ مِنَ التَّجَبُّرِ وَ النَّخْوَةَ مِنَ التَّكَبُّرِ- وَ إِنَّ الشَّيْطَانَ عَدُوٌّ حَاضِرٌ يَعِدُكُمُ الْبَاطِلَ- أَلَا إِنَّ الْمُسْلِمَ أَخُو الْمُسْلِمِ فَ لا تَنابَزُوا وَ لَا تَخَاذَلُوا- فَإِنَّ شَرَائِعَ الدِّينِ وَاحِدَةٌ وَ سَبِيلَهُ قَاصِدَةٌ مَنْ أَخَذَ بِهَا لَحِقَ- وَ مَنْ تَرَكَهَا مَرَقَ وَ مَنْ فَارَقَهَا مَحَقَ- لَيْسَ الْمُسْلِمُ بِالْخَائِنِ إِذَا ائْتُمِنَ وَ لَا بِالْمُخْلِفِ إِذَا وَعَدَ- وَ لَا بِالْكَذُوبِ إِذَا نَطَقَ نَحْنُ أَهْلُ بَيْتِ‏

____________

(1) الخصال ج 1 ص 64.

(2) في بعض النسخ «من الدنيا».

(3) الخصال ج 1 ص 72.

(4) أي لاصحابك.

(5) الأمالي ج 1 ص 9 و 10.

397

الرَّحْمَةِ- وَ قَوْلُنَا الْحَقُّ وَ فِعْلُنَا الْقِسْطُ وَ مِنَّا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ- وَ فِينَا قَادَةُ الْإِسْلَامِ وَ أُمَنَاءُ الْكِتَابِ نَدْعُوكُمْ إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ- وَ إِلَى جِهَادِ عَدُوِّهِ وَ الشِّدَّةِ فِي أَمْرِهِ وَ ابْتِغَاءِ رِضْوَانِهِ وَ إِلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ- وَ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَ حِجِّ الْبَيْتِ- وَ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَ تَوْفِيرِ الْفَيْ‏ءِ لِأَهْلِهِ- أَلَا وَ إِنَّ أَعْجَبَ الْعَجَبِ- أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ الْأُمَوِيَّ وَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ السَّهْمِيَّ- يُحَرِّضَانِ النَّاسَ عَلَى طَلَبِ الدِّينِ بِزَعْمِهِمَا- وَ إِنِّي وَ اللَّهِ لَمْ أُخَالِفْ رَسُولَ اللَّهِ ص قَطُّ- وَ لَمْ أَعْصِهِ فِي أَمْرٍ قَطُّ أَقِيهِ بِنَفْسِي فِي الْمَوَاطِنِ- الَّتِي تَنْكُصُ فِيهَا الْأَبْطَالُ- وَ تُرْعَدُ فِيهَا الْفَرَائِصُ بِقُوَّةٍ أَكْرَمَنِيَ اللَّهُ بِهَا فَلَهُ الْحَمْدُ- وَ لَقَدْ قُبِضَ النَّبِيُّ ص وَ إِنَّ رَأْسَهُ فِي حَجْرِي- وَ لَقَدْ وُلِّيتُ غُسْلَهُ أُغَسِّلُهُ بِيَدِي- وَ تُقَلِّبُهُ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ مَعِي- وَ ايْمُ اللَّهِ مَا اخْتُلِفَ أُمَّةٌ بَعْدَ نَبِيِّهَا- إِلَّا ظَهَرَ بَاطِلُهَا عَلَى حَقِّهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ قَالَ فَقَامَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَقَالَ- أَمَّا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ أَعْلَمَكُمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَمْ يَسْتَقِمْ عَلَيْهِ- فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَ قَدْ نَفَذَتْ بَصَائِرُهُمْ.

18- فس‏ (1)، تفسير القمي قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لِلظَّالِمِ غَداً يَكْفِيهِ عَضُّهُ يَدَيْهِ- وَ الرَّحِيلُ وَشِيكٌ وَ لِلْأَخِلَّاءِ نَدَامَةٌ إِلَّا الْمُتَّقِينَ.

19- ب‏ (2)، قرب الإسناد عَنِ ابْنِ ظَرِيفٍ عَنِ ابْنِ عُلْوَانَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ قَالَ عَلِيٌّ(ع)مَا مُلِئَ بَيْتٌ قَطُّ حَبْرَةً إِلَّا أَوْشَكَ أَنْ يُمْلَأَ عَبْرَةً- وَ مَا مُلِئَ بَيْتٌ قَطُّ عَبْرَةً إِلَّا أَنْ يُوشِكَ أَنْ يُمْلَأَ حَبْرَةً (3).

____________

(1) تفسير القمّيّ ص 612.

(2) قرب الإسناد ص 57.

(3) كذا. و هكذا في المصدر، و يمكن أن يتكلف في معناه و يقال: المراد من غيره تغير الحال و انتقالها عن الصلاح الى الفساد و ذلك لما تحقّق من أن الشي‏ء إذا جاوز حده انعكس ضده. لكن الظاهر فيه تصحيف و الصحيح «ما ملئ بيت قط حبرة الا أوشك أن يملأ عبرة، و ما ملئ بيت قط عبرة الا يوشك أن يملأ حبرة» و قد مر نظيره ص 351 و الحبرة بالفتح النعمة و سعة العيش، و العبرة بالفتح الدمعة قبل أن تفيض او الحزن بلا بكاء ذكرهما الفيروزآبادي.

398

20- ب‏ (1)، قرب الإسناد عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)أَنَّ عَلِيّاً(ع)قَالَ لِرَجُلٍ وَ هُوَ يُوصِيهِ- خُذْ مِنِّي خَمْساً لَا يَرْجُوَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا رَبَّهُ- وَ لَا يَخَافُ إِلَّا ذَنْبَهُ- وَ لَا يَسْتَحِي أَنْ يَتَعَلَّمَ مَا لَا يَعْلَمُ- وَ لَا يَسْتَحِي إِذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ أَنْ يَقُولَ لَا أَعْلَمُ- وَ اعْلَمُوا أَنَّ الصَّبْرَ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ.

21- ما (2)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ الْمُفِيدِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَفْضَلُ مَا تَوَسَّلَ بِهِ الْمُتَوَسِّلُونَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ- وَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ فَإِنَّهَا الْفِطْرَةُ- وَ إِقَامُ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا الْمِلَّةُ- وَ إِيتَاءُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ- وَ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ- وَ حِجُّ الْبَيْتِ فَإِنَّهُ مِيقَاتٌ لِلدِّينِ‏ (3)- وَ مَدْحَضَةٌ لِلذَّنْبِ‏ (4) وَ صِلَةُ الرَّحِمِ فَإِنَّهَا مَثْرَاةٌ لِلْمَالِ- وَ مَنْسَاةٌ لِلْأَجَلِ‏ (5) وَ الصَّدَقَةُ فِي السِّرِّ فَإِنَّهَا تُذْهِبُ الْخَطِيئَةَ- وَ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ- وَ صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السَّوْءِ- وَ تَقِي مَصَارِعَ الْهَوَانِ أَلَا فَاصْدُقُوا فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ مَنْ صَدَقَ- وَ جَانِبُوا الْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ مُجَانِبُ الْإِيمَانِ أَلَا وَ إِنَّ الصَّادِقَ عَلَى شَفَا مَنْجَاةٍ وَ كَرَامَةٍ- أَلَا وَ إِنَّ الْكَاذِبَ عَلَى شَفَا مَخْزَاةٍ وَ هَلَكَةٍ أَلَا وَ قُولُوا خَيْراً تُعْرَفُوا بِهِ وَ اعْمَلُوا بِهِ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ- وَ أَدُّوا الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكُمْ- وَ صِلُوا مَنْ قَطَعَكُمْ وَ عُودُوا بِالْفَضْلِ عَلَى مَنْ سَاءَلَكُمْ‏ (6).

ع‏ (7)، علل الشرائع عن أبيه عن سعد عن إبراهيم بن مهزيار عن أخيه عن حماد

____________

(1) المصدر ص 72.

(2) الأمالي ج 1 ص 220.

(3) في بعض النسخ «منفاة للفقر».

(4) المدحضة- بفتح الميم-: المزلة و المزلقة.

(5) أي مكثر للثروة. و النسي‏ء: التاخير. و المراد بالاجل: العمر.

(6) في المصدر «و عودوا بالفضل عليهم».

(7) علل الشرائع المجلد الأول الباب الثاني و الثمانون بعد المائة.

399

بن عيسى عن إبراهيم بن عمر بإسناده يرفعه إلى علي بن أبي طالب(ع)مثله- ين‏ (1)، كتاب حسين بن سعيد و النوادر عن حماد مثله.

22- ل‏ (2)، الخصال عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُسْلِيِّ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ نَوْفٍ قَالَ: بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَكَانَ يُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهُ- وَ يَخْرُجُ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ فَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ- وَ يَتْلُو الْقُرْآنَ قَالَ فَمَرَّ بِي بَعْدَ هُدُوءٍ مِنَ اللَّيْلِ- فَقَالَ يَا نَوْفُ أَ رَاقِدٌ أَنْتَ أَمْ رَامِقٌ‏ (3)- قُلْتُ بَلْ رَامِقٌ أَرْمُقُكَ بِبَصَرِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- قَالَ يَا نَوْفُ طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا الرَّاغِبِينَ فِي الْآخِرَةِ أُولَئِكَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْأَرْضَ بِسَاطاً- وَ تُرَابَهَا فِرَاشاً وَ مَاءَهَا طِيباً- وَ الْقُرْآنَ دِثَاراً وَ الدُّعَاءَ شِعَاراً- وَ قَرِّضُوا مِنَ الدُّنْيَا تَقْرِيضاً عَلَى مِنْهَاجِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ(ع) إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَوْحَى إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ(ع) قُلْ لِلْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ- لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً مِنْ بُيُوتِي إِلَّا بِقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ- وَ أَبْصَارٍ خَاشِعَةٍ وَ أَكُفٍّ نَقِيَّةٍ- وَ قُلْ لَهُمْ اعْلَمُوا أَنِّي غَيْرُ مُسْتَجِيبٍ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ دَعْوَةً- وَ لَا لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِي قِبَلَهُ مَظْلِمَةٌ- يَا نَوْفُ إِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ عَشَّاراً أَوْ شَاعِراً- أَوْ شُرْطِيّاً أَوْ عَرِيفاً (4) أَوْ صَاحِبَ عَرْطَبَةٍ- وَ هِيَ الطُّنْبُورُ أَوْ صَاحِبَ كُوبَةٍ وَ هُوَ الطَّبْلُ- فَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ(ع)خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ- فَقَالَ إِنَّهَا السَّاعَةُ الَّتِي لَا تُرَدُّ فِيهَا دَعْوَةٌ إِلَّا دَعْوَةُ عَرِيفٍ- أَوْ دَعْوَةُ شَاعِرٍ أَوْ دَعْوَةُ عَاشِرٍ (5)- أَوْ شُرْطِيٍّ أَوْ صَاحِبِ عَرْطَبَةٍ (6) أَوْ صَاحِبِ كُوبَةٍ.

____________

(1) مخطوط.

(2) الخصال ج 1 ص 164.

(3) الراقد: النائم. و الرامق: اللاحظ و الناظر في الشي‏ء.

(4) العريف- بالفتح و التخفيف: العالم بالشي‏ء و من يعرف أصحابه، و القيم بأمر القوم و النقيب و هو دون الرئيس.

(5) العشار و العاشر الذي يأخذ العشرية و الخراج و الجباية.

(6) العرطبة: العود.

400

23- ل‏ (1)، الخصال عَنِ الْحَسَنِ بْنِ حَمْزَةَ الْعَلَوِيِّ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّبَرِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ نَجْدَةَ (2) قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: تَكَلَّمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)بِتِسْعِ كَلِمَاتٍ ارْتَجَلَهُنَّ ارْتِجَالًا- فَقَأْنَ عُيُونَ الْبَلَاغَةِ وَ أَيْتَمْنَ جَوَاهِرَ الْحِكْمَةِ- وَ قَطَعْنَ جَمِيعَ الْأَنَامِ عَنِ اللَّحَاقِ- بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثٌ مِنْهَا فِي الْمُنَاجَاةِ- وَ ثَلَاثٌ مِنْهَا فِي الْحِكْمَةِ وَ ثَلَاثٌ مِنْهَا فِي الْأَدَبِ- فَأَمَّا اللَّاتِي فِي الْمُنَاجَاةِ فَقَالَ- إِلَهِي كَفَى بِي عِزّاً أَنْ أَكُونَ لَكَ عَبْداً- وَ كَفَى بِي فَخْراً أَنْ تَكُونَ لِي رَبّاً- أَنْتَ كَمَا أُحِبُّ فَاجْعَلْنِي كَمَا تُحِبُّ- وَ أَمَّا اللَّاتِي فِي الْحِكْمَةِ فَقَالَ قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُهُ- وَ مَا هَلَكَ امْرُؤٌ عَرَفَ قَدْرَهُ- وَ الْمَرْءُ مَخْبُوٌّ تَحْتَ لِسَانِهِ- وَ اللَّاتِي فِي الْأَدَبِ فَقَالَ امْنُنْ عَلَى مَنْ شِئْتَ تَكُنْ أَمِيرَهُ- وَ احْتَجْ إِلَى مَنْ شِئْتَ تَكُنْ أَسِيرَهُ- وَ اسْتَغْنِ عَمَّنْ شِئْتَ تَكُنْ نَظِيرَهُ.

24- ل‏ (3)، الخصال عَنِ الْعَطَّارِ عَنْ أَبِيهِ وَ سَعْدٍ مَعاً عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ مُوسَى بْنِ بَكْرٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَشَرَةٌ يُفْتِنُونَ أَنْفُسَهُمْ وَ غَيْرَهُمْ- ذُو الْعِلْمِ الْقَلِيلِ يَتَكَلَّفُ أَنْ يُعَلِّمَ النَّاسَ كَثِيراً- وَ الرَّجُلُ الْحَلِيمُ ذُو الْعِلْمِ الْكَثِيرِ لَيْسَ بِذِي فِطْنَةٍ- وَ الَّذِي يَطْلُبُ مَا لَا يُدْرِكُ وَ لَا يَنْبَغِي لَهُ- وَ الْكَادُّ عِنْدَ الْمُتَّئِدِ- وَ الْمُتَّئِدُ (4) الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَعَ تُؤَدَتِهِ عِلْمٌ وَ عَالِمٌ غَيْرُ مُرِيدٍ لِلصَّلَاحِ- وَ مُرِيدٌ لِلصَّلَاحِ لَيْسَ بِعَالِمٍ- وَ الْعَالِمُ يُحِبُّ الدُّنْيَا- وَ الرَّحِيمُ بِالنَّاسِ يَبْخَلُ بِمَا عِنْدَهُ- وَ طَالِبُ الْعِلْمِ يُجَادِلُ فِيهِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ- فَإِذَا عَلَّمَهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ.

25- ل‏ (5)، الخصال عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَطَّارِ وَ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ مَعاً عَنْ سَهْلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الزَّيَّاتِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ الْخَزَّازِ عَنْ ثَابِتِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ الْخَفَّافِ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَقُولُ‏

____________

(1) الخصال: ج 2 ص 45.

(2) في المصدر «سهل بن نحره».

(3) المصدر ج 2 ص 53.

(4) اتأد في الامر: تمهل و تأنى. و التؤدة- كلمزة- الرزانة و تأنى.

(5) المصدر ج 2 ص 94.

401

الصِّدْقُ أَمَانَةٌ وَ الْكَذِبُ خِيَانَةٌ- وَ الْأَدَبُ رِئَاسَةٌ وَ الْحَزْمُ كِيَاسَةٌ- وَ السَّرَفُ مَتْوَاةٌ وَ الْقَصْدُ مَثْرَاةٌ (1) وَ الْحِرْصُ مَفْقَرَةٌ- وَ الدَّنَاءَةُ مَحْقَرَةٌ وَ السَّخَاءُ قُرْبَةٌ- وَ اللُّؤْمُ غُرْبَةٌ وَ الرِّقَّةُ اسْتِكَانَةٌ وَ الْعَجْزُ مَهَانَةٌ- وَ الْهَوَى مَيْلٌ وَ الْوَفَاءُ كَيْلٌ- وَ الْعُجْبُ هَلَاكٌ وَ الصَّبْرُ مِلَاكٌ‏ (2).

- 26- ن‏ (3)، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) عَنِ الْمُفَسِّرِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْحُسَيْنِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَسْكَرِيِّ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَ سَلَامُهُ عَلَيْهِ‏ كَمْ مِنْ غَافِلٍ يَنْسِجُ ثَوْباً لِيَلْبَسَهُ وَ إِنَّمَا هُوَ كَفَنُهُ- وَ يَبْنِي بَيْتاً لِيَسْكُنَهُ وَ إِنَّمَا هُوَ مَوْضِعُ قَبْرِهِ.

27- ما (4)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجِعَابِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَاسِينَ قَالَ سَمِعْتُ الْعَبْدَ الصَّالِحَ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الرِّضَا(ع)بِسُرَّ مَنْ رَأَى يَذْكُرُ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)الْعِلْمُ وِرَاثَةٌ كَرِيمَةٌ وَ الْآدَابُ حُلَلٌ حِسَانٌ- وَ الْفِكْرُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ وَ الِاعْتِذَارُ مُنْذِرٌ نَاصِحٌ- وَ كَفَى بِكَ أَدَباً لِنَفْسِكَ تَرْكُكَ مَا كَرِهْتَهُ مِنْ غَيْرِكَ.

28- ما (5)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ الْمُفِيدِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ التَّمَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ قَيْسٍ الْهِلَالِيِّ عَنِ الْعُمَرِيِّ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ السَّعْدِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَوْصَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع) فَقَالَ فِيمَا أَوْصَى إِلَيْهِ- يَا بُنَيَّ لَا فَقْرَ أَشَدُّ مِنَ الْجَهْلِ- وَ لَا عُدْمَ أَشَدُّ مِنْ عُدْمِ الْعَقْلِ- وَ لَا وَحْدَةَ أَوْحَشُ مِنَ الْعُجْبِ‏ (6) وَ لَا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ- وَ لَا

____________

(1) المتواة: ما يسبب الخسارة و الضياع. و المثراة: ما يسبب مزيد الثروة.

(2) الملاك- بالكسر و الفتح-: القوام.

(3) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ص 165.

(4) الأمالي ج 1 ص 113 و 114.

(5) المصدر ج 1 ص 145.

(6) في بعض النسخ «و لا وحشة أوحش من العجب».

402

وَرَعَ كَالْكَفِّ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ- وَ لَا عِبَادَةَ كَالتَّفَكُّرِ فِي صَنْعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- يَا بُنَيَّ الْعَقْلُ خَلِيلُ الْمَرْءِ وَ الْحِلْمُ وَزِيرُهُ- وَ الرِّفْقُ وَالِدُهُ وَ الصَّبْرُ مِنْ خَيْرِ جُنُودِهِ يَا بُنَيَّ إِنَّهُ لَا بُدَّ لِلْعَاقِلِ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ فِي شَأْنِهِ- فَلْيَحْفَظْ لِسَانَهُ وَ لْيَعْرِفْ أَهْلَ زَمَانِهِ يَا بُنَيَّ إِنَّ مِنَ الْبَلَاءِ الْفَاقَةَ- وَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ مَرَضُ الْبَدَنِ- وَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ مَرَضُ الْقَلْبِ- وَ إِنَّ مِنَ النِّعَمِ سَعَةَ الْمَالِ- وَ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ سَعَةُ الْبَدَنِ- وَ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ تَقْوَى الْقُلُوبِ- يَا بُنَيَّ لِلْمُؤْمِنِ ثَلَاثُ سَاعَاتٍ- سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ وَ سَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ وَ سَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا بَيْنَ نَفْسِهِ وَ لَذَّتِهَا فِيمَا يَحِلُّ وَ يَجْمُلُ- وَ لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَكُونَ شَاخِصاً فِي ثَلَاثٍ‏ (1)- مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ أَوْ خُطْوَةٍ لِمَعَادٍ أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ.

29- ما (2)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ الْمُفِيدِ عَنِ الْجِعَابِيِّ عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَبِي عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنِي عَمُّ أَبِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُوسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُوسَى عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُصْبِحُ إِلَّا خَائِفاً وَ إِنْ كَانَ مُحْسِناً وَ لَا يُمْسِي إِلَّا خَائِفاً وَ إِنْ كَانَ مُحْسِناً- لِأَنَّهُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ بَيْنَ وَقْتٍ قَدْ مَضَى لَا يَدْرِي مَا اللَّهُ صَانِعٌ بِهِ- وَ بَيْنَ أَجَلٍ قَدِ اقْتَرَبَ لَا يَدْرِي مَا يُصِيبُهُ مِنَ الْهَلَكَاتِ أَلَا وَ قُولُوا خَيْراً تُعْرَفُوا بِهِ- وَ اعْمَلُوا بِهِ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ- صِلُوا أَرْحَامَكُمْ وَ إِنْ قَطَعُوكُمْ- وَ عُودُوا بِالْفَضْلِ عَلَى مَنْ حَرَمَكُمْ- وَ أَدُّوا الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكُمْ وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ مَنْ عَاهَدْتُمْ وَ إِذَا حَكَمْتُمْ فَاعْدِلُوا.

30- ما (3)، الأمالي للشيخ الطوسي رُوِيَ‏ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ- وَ كَانَتْ لَيْلَةً قَمْرَاءَ فَأَمَّ الْجَبَّانَةَ (4)- وَ لَحِقَهُ جَمَاعَةٌ يَقْفُونَ أَثَرَهُ فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ مَنْ أَنْتُمْ‏

____________

(1) شخص- بفتحتين- شخوصا: خرج من موضع الى موضع.

(2) الأمالي ج 1 ص 211.

(3) المصدر ج 1 ص 219.

(4) أم الامر: قصده. و الجبانة بشد الباء مواضع بالكوفة و أهلها يسمون المقبرة.

403

قَالُوا شِيعَتُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَتَفَرَّسَ فِي وُجُوهِهِمْ- ثُمَّ قَالَ فَمَا لِي لَا أَرَى عَلَيْكُمْ سِيمَاءَ الشِّيعَةِ- قَالُوا وَ مَا سِيمَاءُ الشِّيعَةِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- فَقَالَ صُفْرُ الْوُجُوهِ مِنَ السَّهَرِ عُمْشُ- الْعُيُونِ مِنَ الْبُكَاءِ حُدْبُ الظُّهُورِ مِنَ الْقِيَامِ- خُمْصُ الْبُطُونِ مِنَ الصِّيَامِ ذُبُلُ الشِّفَاهِ مِنَ الدُّعَاءِ (1) عَلَيْهِمْ غَبَرَةُ الْخَاشِعِينَ وَ قَالَ(ع)الْمَوْتُ طَالِبٌ وَ مَطْلُوبٌ لَا يُعْجِزُهُ الْمُقِيمُ- وَ لَا يَفُوتُهُ الْهَارِبُ- فَقَدِّمُوا وَ لَا تَنْكُلُوا فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمَوْتِ مَحِيصٌ- إِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تُقْتَلُوا تَمُوتُوا وَ الَّذِي نَفْسُ عَلِيٍّ بِيَدِهِ لَأَلْفُ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ عَلَى الرَّأْسِ أَهْوَنُ مِنْ مَوْتٍ عَلَى فِرَاشٍ.

31 وَ مِنْ كَلَامِهِ(ع)(2) أَيُّهَا النَّاسُ أَصْبَحْتُمْ أَغْرَاضاً تَنْتَضِلُ فِيكُمُ الْمَنَايَا- (3) وَ أَمْوَالُكُمْ نُهِبَ لِلْمَصَائِبِ- مَا طَعِمْتُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ طَعَامٍ فَلَكُمْ فِيهِ غَصَصٌ- وَ مَا شَرِبْتُمُوهُ مِنْ شَرَابٍ فَلَكُمْ فِيهِ شَرَقٌ- وَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ مَا تَنَالُونَ مِنَ الدُّنْيَا نِعْمَةً تَفْرَحُونَ بِهَا- إِلَّا بِفِرَاقِ أُخْرَى تَكْرَهُونَهَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خُلِقْنَا وَ إِيَّاكُمْ لِلْبَقَاءِ لَا لِلْفَنَاءِ- وَ لَكِنَّكُمْ مِنْ دَارٍ [إِلَى دَارٍ تُنْقَلُونَ فَتَزَوَّدُوا لِمَا أَنْتُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ- وَ خَالِدُونَ فِيهِ وَ السَّلَامُ.

32- ما (4)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ ابْنِ الصَّلْتِ عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ الشَّامِيِّ عَنْ عَبَّادِ بْنِ أَحْمَدَ الْقَزْوِينِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ صُوحَانَ قَالَ: عَادَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فِي مَرَضٍ- ثُمَّ قَالَ انْظُرْ فَلَا تَجْعَلَنَّ عِيَادَتِي إِيَّاكَ فَخْراً عَلَى قَوْمِكَ- وَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ فِي أَمْرٍ فَلَا تَخْرُجْ مِنْهُ‏

____________

جبانة. منها جبانة كندة، و جبانة السبيع، و جبانة ميمون، و جبانة عرزم، و جبانة سالم و غيرها و جميعها بالكوفة.

(1) الحدب ما ارتفع من الأرض و غيره. و خمص بطنه أي ضمر و فرغ و ذبل النبات:

قل ماؤه و جف و ذهبت نضارته.

(2) الأمالي ج 1 ص 220.

(3) مرّ معناه غير مرة.

(4) الأمالي ج 1 ص 357.

404

فَإِنَّهُ لَيْسَ بِالرَّجُلِ غِنًى عَنْ قَوْمِهِ- إِذَا خَلَعَ مِنْهُمْ يَداً وَاحِدَةً يَخْلَعُونَ مِنْهُ أَيْدِيَ كَثِيرَةٍ فَإِذَا رَأَيْتَهُمْ فِي خَيْرٍ فَأَعِنْهُمْ عَلَيْهِ- وَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ فِي شَرٍّ فَلَا تَخْذُلَنَّهُمْ- وَ لْيَكُنْ تَعَاوُنُكُمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ- فَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا تَعَاوَنْتُمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى- وَ تَنَاهَيْتُمْ عَنْ مَعَاصِيهِ.

33- ما (1)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنْ جَمَاعَةٍ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْحَسَنِ الْمَقْسَمِيِّ الطَّرَسُوسِيِّ عَنْ بِشْرِ بْنِ زَاذَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ صَبِيحٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ(ع)عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الدُّنْيَا عَنَاءٌ وَ فَنَاءٌ وَ عِبَرٌ وَ غِيَرٌ- فَمِنْ فَنَائِهَا أَنَّ الدَّهْرَ مُوتِرٌ قَوْسَهُ- مُفَوِّقٌ نَبْلَهُ تُصِيبُ الْحَيَّ بِالْمَوْتِ وَ الصَّحِيحَ بِالسُّقْمِ- وَ مِنْ عَنَاهَا أَنَّ الْمَرْءَ يَجْمَعُ مَا لَا يَأْكُلُ- وَ يَبْنِي مَا لَا يَسْكُنُ- وَ مِنْ عِبَرِهَا أَنَّكَ تَرَى الْمَغْبُوطَ مَرْحُوماً أَوِ الْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً- لَيْسَ بَيْنَهُمَا إِلَّا نَعِيمٌ زَالَ أَوْ بُؤْسٌ نَزَلَ- وَ مِنْ غِيَرِهَا أَنَّ الْمَرْءَ يُشْرِفُ عَلَيْهِ أَمَلُهُ- فَيَخْتَطِفُهُ دُونَهُ أَجَلُهُ قَالَ وَ قَالَ عَلِيٌّ(ع)أَرْبَعٌ لِلْمَرْءِ لَا عَلَيْهِ- الْإِيمَانُ وَ الشُّكْرُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ- ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَ آمَنْتُمْ‏ (2)- وَ الِاسْتِغْفَارُ فَإِنَّهُ قَالَ‏ وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ- وَ ما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ‏ (3)- وَ الدُّعَاءُ فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى- قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ‏ (4)

34- ما (5)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنْ جَمَاعَةٍ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْعَلَوِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْحَسَنِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ قَالَ: أَرْبَعٌ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَصْدِيقِي بِهَا فِي كِتَابِهِ- قُلْتُ الْمَرْءُ

____________

(1) المصدر ج 2 ص 107.

(2) النساء: 147. أى لا حاجة له سبحانه الى عذابكم ان شكرتم نعمته.

(3) الأنفال: 33.

(4) الفرقان: 77. أى ما يصنع بكم. من عبأت الجيش إذا هيأته.

(5) الأمالي ج 2 ص 180.

405

مَخْبُوٌّ تَحْتَ لِسَانِهِ فَإِذَا تَكَلَّمَ ظَهَرَ- فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى‏ وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ‏ (1) قُلْتُ فَمَنْ جَهِلَ شَيْئاً عَادَاهُ- فَأَنْزَلَ اللَّهُ‏ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ- وَ لَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ‏ (2)- وَ قَدْ قُلْتُ قَدْرُ أَوْ قَالَ قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُ- فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي قِصَّةِ طَالُوتَ‏ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ- وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ‏ (3)- وَ قُلْتُ الْقَتْلُ يُقِلُّ الْقَتْلَ- فَأَنْزَلَ اللَّهُ‏ وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ‏ (4)

35- ما (5)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ النَّحْوِيِّ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْفَرَجِ الرِّيَاشِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَوْسٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ الْخَلِيلَ بْنَ أَحْمَدَ يَقُولُ‏ أَحَثُّ كَلِمَةٍ عَلَى طَلَبِ عِلْمٍ- قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)قَدْرُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُ.

36- ما (6)، الأمالي للشيخ الطوسي بِإِسْنَادِ الْمُجَاشِعِيِّ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ: لَا تَتْرُكُوا حَجَّ بَيْتِ رَبِّكُمْ لَا يَخْلُ مِنْكُمْ مَا بَقِيتُمْ- فَإِنَّكُمْ إِنْ تَرَكْتُمُوهُ لَمْ تُنْظَرُوا- وَ إِنَّ أَدْنَى مَا يَرْجِعُ بِهِ مَنْ أَتَاهُ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ مَا سَلَفَ- وَ أُوصِيكُمْ بِالصَّلَاةِ وَ حِفْظِهَا- فَإِنَّهَا خَيْرُ الْعَمَلِ وَ هِيَ عَمُودُ دِينِكُمْ- وَ بِالزَّكَاةِ فَإِنِّي سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ ص يَقُولُ- الزَّكَاةُ قَنْطَرَةُ الْإِسْلَامِ فَمَنْ أَدَّاهَا جَازَ الْقَنْطَرَةَ- وَ مَنْ مَنَعَهَا احْتُبِسَ دُونَهَا وَ هِيَ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ- وَ عَلَيْكُمْ بِصِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ- فَإِنَّ صِيَامَهُ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ مِنَ النَّارِ- وَ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَشْرِكُوهُمْ فِي مَعِيشَتِكُمْ- وَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ- فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ رَجُلَانِ إِمَامٌ هُدًى أَوْ مُطِيعٌ لَهُ مُقْتَدٍ بِهُدَاهُ- وَ ذُرِّيَّةِ نَبِيِّكُمْ ص لَا تُظْلَمُونَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ- وَ أَنْتُمْ تَقْدِرُونَ عَلَى الدَّفْعِ- وَ أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِ نَبِيِّكُمْ لَا تَسُبُّوهُمْ- وَ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يُحْدِثُوا بَعْدَهُ حَدَثاً وَ لَمْ يُؤْوُوا مُحْدِثاً- فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص أَوْصَى بِهِمْ- وَ أُوصِيكُمْ بِنِسَائِكُمْ‏

____________

(1) محمّد «ص»: 30.

(2) يونس: 39.

(3) البقرة: 247. البسطة: الفضيلة في الجسم و المال.

(4) البقرة: 179.

(5) الأمالي ج 2 ص 108.

(6) المصدر ج 2 ص 136.

406

وَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ- وَ لَا تَأْخُذُكُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ- يَكْفِكُمُ اللَّهُ مَنْ أَرَادَكُمْ وَ بَغَى عَلَيْكُمْ‏ وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ لَا تَتْرُكُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ- فَيُوَلِّيَ اللَّهُ أُمُورَكُمْ شِرَارَكُمْ- ثُمَّ تَدْعُونَ فَلَا تُسْتَجَابُ لَكُمْ دُعَاؤُكُمْ وَ عَلَيْكُمْ بِالتَّوَاضُعِ وَ التَّبَاذُلِ- وَ إِيَّاكُمْ وَ التَّقَاطُعَ وَ التَّدَابُرَ وَ التَّفَرُّقَ- وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏- وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ- وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ‏.

37- مع‏ (1)، معاني الأخبار عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ الْيَقْطِينِيِّ عَنْ يُونُسَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)جُمِعَ الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي ثَلَاثِ خِصَالٍ- النَّظَرِ وَ السُّكُوتِ وَ الْكَلَامِ- وَ كُلُّ نَظَرٍ لَيْسَ فِيهِ اعْتِبَارٌ فَهُوَ سَهْوٌ- وَ كُلُّ سُكُوتٍ لَيْسَ فِيهِ فِكْرَةٌ فَهُوَ غَفْلَةٌ- وَ كُلُّ كَلَامٍ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ فَهُوَ لَغْوٌ فَطُوبَى لِمَنْ كَانَ نَظَرُهُ عِبْرَةً وَ سُكُوتُهُ فِكْرَةً- وَ كَلَامُهُ ذِكْراً وَ بَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ وَ آمَنَ النَّاسَ شَرَّهُ.

38- ف‏ (2)، تحف العقول‏ وَ مِنْ حِكَمِهِ (صلوات اللّه عليه) وَ تَرْغِيبِهِ وَ تَرْهِيبِهِ وَ وَعْظِهِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْمَكْرَ وَ الْخَدِيعَةَ فِي النَّارِ- فَكُونُوا مِنَ اللَّهِ عَلَى وَجَلٍ- وَ مِنْ صَوْلَتِهِ‏ (3) عَلَى حَذَرٍ- إِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ بَعْدَ إِعْذَارِهِ وَ إِنْذَارِهِ- اسْتِطْرَاداً وَ اسْتِدْرَاجاً مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ‏- وَ لِهَذَا يَضِلُّ سَعْيُ الْعَبْدِ حَتَّى يَنْسَى الْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ- وَ يَظُنَّ أَنَّهُ قَدْ أَحْسَنَ صُنْعاً- وَ لَا يَزَالُ كَذَلِكَ فِي ظَنٍّ وَ رَجَاءٍ وَ غَفْلَةٍ عَمَّا جَاءَهُ مِنَ النَّبَإِ- يَعْقِدُ عَلَى نَفْسِهِ الْعَقْدَ- وَ يُهْلِكُهُا بِكُلِّ الْجَهْدِ وَ هُوَ فِي مُهْلَةٍ مِنَ اللَّهِ عَلَى عَهْدٍ- يَهْوِي مَعَ الْغَافِلِينَ وَ يَغْدُو مَعَ الْمُذْنِبِينَ- وَ يُجَادِلُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ- وَ يَسْتَحْسِنُ تَمْوِيهَ الْمُتْرَفِينَ‏ (4)- فَهَؤُلَاءِ

____________

(1) معاني الأخبار ص 344.

(2) تحف العقول ص 154.

(3) الصولة: السطوة و القدرة.

(4) التمويه. التلبيس و الممزوج من الحق و الباطل. المترف: المتنعم و الذي يترك و يصنع ما يشاء و لا يمنع.

407

قَوْمٌ شَرَحَتْ قُلُوبُهُمْ بِالشُّبْهَةِ- وَ تَطَاوَلُوا عَلَى غَيْرِهِمْ بِالْفِرْيَةِ (1)- وَ حَسِبُوا أَنَّهَا لِلَّهِ قُرْبَةٌ وَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ عَمِلُوا بِالْهَوَى- وَ غَيَّرُوا كَلَامَ الْحُكَمَاءِ وَ حَرَّفُوهُ بِجَهْلٍ وَ عَمًى- وَ طَلَبُوا بِهِ السُّمْعَةَ وَ الرِّيَاءَ (2)- بِلَا سَبِيلٍ قَاصِدَةٍ وَ لَا أَعْلَامٍ جَارِيَةٍ- وَ لَا مَنَارٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَمَدِهِمْ وَ إِلَى مَنْهَلِهِمْ وَارِدُوهُ‏ (3)- وَ حَتَّى إِذَا كَشَفَ اللَّهُ لَهُمْ عَنْ ثَوْبِ سِيَاسَتِهِمْ‏ (4)- وَ اسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ جَلَابِيبِ غَفْلَتِهِمْ- اسْتَقْبَلُوا مُدْبِراً وَ اسْتَدْبَرُوا مُقْبِلًا- فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِمَا أَدْرَكُوا مِنْ أُمْنِيَّتِهِمْ- وَ لَا بِمَا نَالُوا مِنْ طَلِبَتِهِمْ- وَ لَا مَا قَضَوْا مِنْ وَطَرِهِمْ- (5) وَ صَارَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَبَالًا- فَصَارُوا يَهْرُبُونَ مِمَّا كَانُوا يَطْلُبُونَ- وَ إِنِّي أُحَذِّرُكُمْ هَذِهِ الْمَزَلَّةَ- وَ آمُرُكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ غَيْرُهُ- فَلْيَنْتَفِعْ بِنَفْسِهِ إِنْ كَانَ صَادِقاً عَلَى مَا يَجُنُّ ضَمِيرُهُ‏ (6)- فَإِنَّمَا الْبَصِيرُ مَنْ سَمِعَ وَ تَفَكَّرَ وَ نَظَرَ وَ أَبْصَرَ- وَ انْتَفَعَ بِالْعِبَرِ وَ سَلَكَ جَدَداً وَاضِحاً (7)- يَتَجَنَّبُ فِيهِ الصَّرْعَةَ فِي الْهَوَى وَ يَتَنَكَّبُ طَرِيقَ الْعَمَى- وَ لَا يُعِينُ عَلَى فَسَادِ نَفْسِهِ الْغُوَاةَ- بِتَعَسُّفٍ فِي حَقٍّ أَوْ تَحْرِيفٍ فِي نُطْقٍ- أَوْ تَغْيِيرٍ

____________

(1) تطاول عليه: اعتدى و ترفع عليه. و الفرية- بالكسر-: القذف و الكذبة العظيمة التي يتعجب منها.

(2) السمعة- بالضم-: ما يسمع، يقال: فعله رئاء و سمعة اي فعله ليراه الناس و يسمعوه.

(3) المنار- بالفتح-: ما يجعل في الطريق للاهتداء. و المنهل: المورد و موضع الشرب على الطريق و يسمى أيضا المنزل الذي في المفاوز على طريق المسافر منهلا لان فيه ماء.

(4) في بعض نسخ المصدر «عن جزاء معصيتهم».

(5) الامنية: البغية و ما يتمنى. و الطلبة- بالكسر-: اسم من المطالبة- و بالفتح-:

المرة. و الوطر- بفتحتين-: الحاجة.

(6) أي يستره. فى بعض النسخ «فلينتفع بتقية ان كان صادقا على ما يحن ضميره».

(7) الجدد- بفتحتين- الأرض الصلبة المستوية التي يسهل المشى فيها. و يتنكب:

عدل و تجنب. و الغواة- بالضم-: جمع غاوى اسم فاعل من غوى. و تعسف في الحق أو القول:

أخذه على غير هداية أو حمله على معنى لا تكون دلالته عليه ظاهرة.

408

فِي صِدْقٍ وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏- قُولُوا مَا قِيلَ لَكُمْ وَ سَلِّمُوا لِمَا رُوِيَ لَكُمْ- وَ لَا تَكَلَّفُوا مَا لَمْ تُكَلَّفُوا- فَإِنَّمَا تَبِعَتُهُ عَلَيْكُمْ فِيمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ لَفَظَتْ أَلْسِنَتُكُمْ- أَوْ سَبَقَتْ إِلَيْهِ غَايَتُكُمْ- وَ احْذَرُوا الشُّبْهَةَ فَإِنَّهَا وُضِعَتْ لِلْفِتْنَةِ- وَ اقْصِدُوا السُّهُولَةَ- وَ اعْمَلُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ بِالْمَعْرُوفِ مِنَ الْقَوْلِ وَ الْفِعْلِ وَ اسْتَعْمِلُوا الْخُضُوعَ وَ اسْتَشْعِرُوا الْخَوْفَ وَ الِاسْتِكَانَةَ لِلَّهِ- وَ اعْمَلُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ بِالتَّوَاضُعِ وَ التَّنَاصُفِ- وَ التَّبَاذُلِ‏ (1) وَ كَظْمِ الْغَيْظِ فَإِنَّهَا وَصِيَّةُ اللَّهِ- وَ إِيَّاكُمْ وَ التَّحَاسُدَ وَ الْأَحْقَادَ- فَإِنَّهُمَا مِنْ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ- وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ- وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ‏ (2) أَيُّهَا النَّاسُ اعْلَمُوا عِلْماً يَقِيناً- أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِلْعَبْدِ وَ إِنِ اشْتَدَّ جَهْدُهُ- وَ عَظُمَتْ حِيلَتُهُ وَ كَثُرَتْ نِكَايَتُهُ- أَكْثَرَ مِمَّا قَدَّرَ لَهُ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ- وَ لَمْ يَحُلْ بَيْنَ الْمَرْءِ عَلَى ضَعْفِهِ وَ قِلَّةِ حِيَلَتِهِ- وَ بَيْنَ مَا كُتِبَ لَهُ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ- أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَنْ يَزْدَادَ امْرُؤٌ نَقِيراً بِحِذْقِهِ‏ (3)- وَ لَنْ يَنْتَقِصَ نَقِيراً لِحُمْقِهِ- فَالْعَالِمُ بِهَذَا الْعَامِلُ بِهِ أَعْظَمُ النَّاسِ رَاحَةً فِي مَنْفَعَةٍ- وَ التَّارِكُ لَهُ أَكْثَرُ النَّاسِ شُغُلًا فِي مَضَرَّةٍ- رُبَّ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ مُسْتَدْرَجٌ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ- وَ رُبَّ مُبْتَلًى عِنْدَ النَّاسِ مَصْنُوعٌ لَهُ‏ (4) فَأَفِقْ أَيُّهَا الْمُسْتَمْتِعُ مِنْ سُكْرِكَ‏ (5)- وَ انْتَبِهْ مِنْ غَفْلَتِكَ وَ قَصِّرْ مِنْ عَجَلَتِكَ- (6)

____________

(1) التناصف: الإنصاف.

(2) سورة الحشر: 18.

(3) النقير: النكتة التي في ظهر النواة. و المراد بها هنا الحقير و القليل من الشي‏ء و المراد بالذكر الحكيم: اللوح المحفوظ، و لا يكون للإنسان أن ينال من الكرامة فوق ما كتب له في اللوح المحفوظ.

(4) أي لا يغتر المنعم عليه بالنعمة. فربما تكون هذه النعمة استدراجا له من اللّه ثمّ يأخذه من حيث لا يشعر. و كذلك لا يقنط المبتلى عند الناس فقد تكون البلوى صنعا من اللّه له ليرفع بها مقامه و منزلته.

(5) في بعض النسخ «فافق أيها المستمع من سكرك».

(6) أي العجلة في طلب الدنيا.

409

وَ تَفَكَّرْ فِيمَا جَاءَ عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- فِيمَا لَا خُلْفَ فِيهِ وَ لَا مَحِيصَ عَنْهُ وَ لَا بُدَّ مِنْهُ- ثُمَّ ضَعْ فَخْرَكَ وَ دَعْ كِبْرَكَ وَ أَحْضِرْ ذِهْنَكَ- وَ اذْكُرْ قَبْرَكَ وَ مَنْزِلَكَ- فَإِنَّ عَلَيْهِ مَمَرَّكَ وَ إِلَيْهِ مَصِيرَكَ- وَ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ‏ (1) وَ كَمَا تَزْرَعُ تَحْصُدُ- وَ كَمَا تَصْنَعُ يُصْنَعُ بِكَ وَ مَا قَدَّمْتَ إِلَيْهِ تَقْدَمُ عَلَيْهِ غَداً لَا مَحَالَةَ فَلْيَنْفَعْكَ النَّظَرُ فِيمَا وُعِظْتَ بِهِ- وَ(ع)(2) مَا سَمِعْتَ وَ وُعِدْتَ- فَقَدِ اكْتَنَفَكَ بِذَلِكَ خَصْلَتَانِ- وَ لَا بُدَّ أَنْ تَقُومَ بِأَحَدِهِمَا- إِمَّا طَاعَةُ اللَّهِ تَقُومُ لَهَا بِمَا سَمِعْتَ- وَ إِمَّا حُجَّةُ اللَّهِ تَقُومُ لَهَا بِمَا عَلِمْتَ فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ وَ الْجِدَّ الْجِدَّ- فَإِنَّهُ لَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ- إِنَّ مِنْ عَزَائِمِ اللَّهِ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ‏ (3)- الَّتِي لَهَا يَرْضَى وَ لَهَا يَسْخَطُ وَ لَهَا يُثِيبُ- وَ عَلَيْهَا يُعَاقِبُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ- وَ إِنْ حَسُنَ قَوْلُهُ وَ زَيَّنَ وَصْفَهُ وَ فَضْلَهُ غَيْرُهُ- إِذَا خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا- فَلَقِيَ اللَّهَ بِخَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا- الشِّرْكُ بِاللَّهِ فِيمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَتِهِ- أَوْ شِفَاءُ غَيْظٍ بِهَلَاكِ نَفْسِهِ- أَوْ يُقِرُّ بِعَمَلٍ فَعَمِلَ بِغَيْرِهِ- أَوْ يَسْتَنْجِحُ حَاجَةً إِلَى النَّاسِ‏ (4) بِإِظْهَارِ بِدْعَةٍ فِي دِينِهِ- أَوْ سَرَّهُ أَنْ يَحْمَدَهُ النَّاسُ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مِنْ خَيْرٍ- أَوْ مَشَى فِي النَّاسِ بِوَجْهَيْنِ وَ لِسَانَيْنِ وَ التَّجَبُّرِ وَ الْأُبَّهَةِ وَ اعْلَمْ وَ اعْقِلْ ذَلِكَ- فَإِنَّ الْمِثْلَ دَلِيلٌ عَلَى شِبْهِهِ- إِنَّ الْبَهَائِمَ هَمُّهَا بُطُونُهَا وَ إِنَّ السِّبَاعَ هَمُّهَا التَّعَدِّي وَ الظُّلْمِ- وَ إِنَّ النِّسَاءَ هَمُّهُنَّ زِينَةُ الدُّنْيَا وَ الْفَسَادُ فِيهَا- وَ إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ مُشْفِقُونَ مُسْتَكِينُونَ خَائِفُونَ.

____________

(1) أي كما تجازى «بصيغة الفاعل» تجازى «بصيغة المفعول» بفعلك و بحسب ما عملت.

(2) «ع» أمر من وعى يعى أي احفظ.

(3) العزائم جمع: عزيمة و عزيمة اللّه: فريضته التي افترضها.

(4) في بعض النسخ «حاجته». و يستنجح: سأل أن يقضوها له. و التجبر: التكبر و الابهة: النخوة.

410

39- مَوْعِظَتُهُ(ع)وَ وَصْفُهُ الْمُقَصِّرِينَ‏ (1) لَا تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو الْآخِرَةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ- وَ يَرْجُو التَّوْبَةَ (2) بِطُولِ الْأَمَلِ- يَقُولُ فِي الدُّنْيَا قَوْلَ الزَّاهِدِينَ- وَ يَعْمَلُ فِيهَا عَمَلَ الرَّاغِبِينَ- إِنْ أُعْطِيَ مِنْهَا لَمْ يَشْبَعْ وَ إِنْ مُنِعَ لَمْ يَقْنَعْ- يَعْجِزُ عَنْ شُكْرِ مَا أُوتِيَ وَ يَبْتَغِي الزِّيَادَةَ فِيمَا بَقِيَ- يَنْهَى النَّاسَ وَ لَا يَنْتَهِي وَ يَأْمُرُ النَّاسَ مَا لَا يَأْتِي- يُحِبُّ الصَّالِحِينَ وَ لَا يَعْمَلُ بِأَعْمَالِهِمْ- وَ يُبْغِضُ الْمُسِيئِينَ وَ هُوَ مِنْهُمْ وَ يَكْرَهُ الْمَوْتَ لِكَثْرَةِ سَيِّئَاتِهِ وَ لَا يَدَعُهَا فِي حَيَاتِهِ- يَقُولُ كَمْ أَعْمَلُ فَأَتَعَنَّى‏ (3) أَ لَا أَجْلِسُ فَأَتَمَنَّى- فَهُوَ يَتَمَنَّى الْمَغْفِرَةَ وَ يَدْأَبُ فِي الْمَعْصِيَةِ (4) وَ قَدْ عُمِّرَ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ يَقُولُ فِيمَا ذَهَبَ- لَوْ كُنْتُ عَمِلْتُ وَ نَصِبْتُ لَكَانَ خَيْراً لِي- وَ يُضَيِّعُهُ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ لَاهِياً (5) إِنْ سَقِمَ نَدِمَ عَلَى التَّفْرِيطِ فِي الْعَمَلِ- وَ إِنْ صَحَّ أَمِنَ مُغْتَرّاً يُؤَخِّرُ الْعَمَلَ- تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ مَا عُوفِيَ‏ (6) وَ يَقْنَطُ إِذَا ابْتُلِيَ- تَغْلِبُهُ نَفْسُهُ عَلَى مَا يَظُنُّ وَ لَا يَغْلِبُهَا عَلَى مَا يَسْتَيْقِنُ‏ (7)- لَا يَقْنَعُ مِنَ الرِّزْقِ بِمَا قُسِمَ لَهُ- وَ لَا يَثِقُ مِنْهُ بِمَا قَدْ ضُمِنَ لَهُ وَ لَا يَعْمَلُ بِمَا فُرِضَ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ نَفْسِهِ فِي شَكٍّ- إِنِ اسْتَغْنَى بَطِرَ وَ فُتِنَ‏ (8) وَ إِنِ افْتَقَرَ قَنِطَ وَ وَهَنَ- فَهُوَ

____________

(1) التحف ص 157.

(2) و في النهج «و يرجئ التوبة» أي يؤخر التوبة.

(3) في بعض النسخ «لم اعمل». و أتعنى: أتعب نفسى من العناء أي العناء أي القيت نفسى في التعب و المشقة.

(4) يدأب: يستمر و يجد في المعصية.

(5) نصبت: اجتهدت و اتعبت فيه. و «غير مكترث لاهيا» أي لا يعبأ به و لا يباليه.

(6) أي ما دام في العافية.

(7) يعمل بالظن في اعمال الدنيا و لا يعمل للآخرة باليقين. و هو على يقين من ان السعادة و الشرف في الفضيلة و الزهد في الدنيا و لا يكتسبهما و لكن إذا ظنّ و توهم لذة حاضرة و شهوة عاجلة بادر إليها.

(8) بطر أي اغتر بالنعمة ففتن.

411

مِنَ الذَّنْبِ وَ النِّعْمَةِ مُوَفَّرٌ (1)- وَ يَبْتَغِي الزِّيَادَةَ وَ لَا يَشْكُرُ- وَ يَتَكَلَّفُ مِنَ النَّاسِ مَا لَا يَعْنِيهِ وَ يَضَعُ مِنْ نَفْسِهِ مَا هُوَ أَكْثَرُ- إِنْ عَرَضَتْ لَهُ شَهْوَةٌ وَاقَعَهَا بِاتِّكَالٍ عَلَى التَّوْبَةِ- وَ هُوَ لَا يَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ- لَا تُغْنِيهِ رَغْبَتُهُ وَ لَا تَمْنَعُهُ رَهْبَتُهُ- ثُمَّ يُبَالِغُ فِي الْمَسْأَلَةِ حِينَ يَسْأَلُ وَ يُقَصِّرُ فِي الْعَمَلِ- فَهُوَ بِالْقَوْلِ مُدِلٌ‏ (2) وَ مِنَ الْعَمَلِ مُقِلٌّ- يَرْجُو نَفْعَ عَمَلٍ مَا لَمْ يَعْمَلْهُ- وَ يَأْمَنُ عِقَابَ جُرْمٍ قَدْ عَمِلَهُ- يُبَادِرُ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى مَا يَفْنَى- وَ يَدَعُ جَاهِداً مَا يَبْقَى‏ (3) وَ هُوَ يَخْشَى الْمَوْتَ وَ لَا يَخَافُ الْفَوْتَ- يَسْتَكْثِرُ مِنْ مَعْصِيَةِ غَيْرِهِ مَا يَسْتَقِلُّ أَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ نَفْسِهِ- وَ يَسْتَكْثِرُ مِنْ طَاعَتِهِ مَا يَحْتَقِرُ مِنْ غَيْرِهِ- يَخَافُ عَلَى غَيْرِهِ بِأَدْنَى مِنْ ذَنْبِهِ- وَ يَرْجُو لِنَفْسِهِ بِأَدْنَى مِنْ عَمَلِهِ- فَهُوَ عَلَى النَّاسِ طَاعِنٌ وَ لِنَفْسِهِ مُدَاهِنٌ- يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ مَا عُوفِيَ وَ أُرْضِيَ- وَ الْخِيَانَةَ إِذَا سَخِطَ وَ ابْتُلِيَ إِذَا عُوفِيَ ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ تَابَ- وَ إِنِ ابْتُلِيَ ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ عُوقِبَ يُؤَخِّرُ الصَّوْمَ وَ يُعَجِّلُ النَّوْمَ- لَا يَبِيتُ قَائِماً وَ لَا يُصْبِحُ صَائِماً- يُصْبِحُ وَ هِمَّتُهُ الصُّبْحُ وَ لَمْ يَسْهَرْ (4)- وَ يُمْسِي وَ هِمَّتُهُ الْعَشَاءُ وَ هُوَ مُفْطِرٌ- يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ- وَ لَا يَتَعَوَّذُ مِمَّنْ هُوَ فَوْقَهُ- يُنْصِبُ النَّاسَ لِنَفْسِهِ وَ لَا يُنْصِبُ نَفْسَهُ لِرَبِّهِ- النَّوْمُ مَعَ الْأَغْنِيَاءِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الرُّكُوعِ مَعَ الضُّعَفَاءِ- يَغْضَبُ مِنَ الْيَسِيرِ وَ يَعْصِي فِي الْكَثِيرِ- يَعْزِفُ لِنَفْسِهِ عَلَى غَيْرِهِ‏ (5) وَ لَا يَعْزِفُ عَلَيْهَا لِغَيْرِهِ- فَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يُطَاعَ وَ لَا يُعْصَى وَ يَسْتَوْفِيَ وَ لَا يُوفِيَ يُرْشِدُ غَيْرَهُ وَ يُغْوِي نَفْسَهُ- وَ يَخْشَى الْخَلْقَ فِي غَيْرِ رَبِّهِ وَ لَا يَخْشَى رَبَّهُ فِي خَلْقِهِ- يَعْرِفُ مَا أُنْكِرَ وَ يُنْكِرُ مَا عُرِفَ- وَ لَا يَحْمَدُ رَبَّهُ عَلَى نِعَمِهِ وَ لَا يَشْكُرُهُ عَلَى مَزِيدٍ- وَ لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَ لَا يَنْهَى عَنْ مُنْكَرٍ- فَهُوَ دَهْرَهُ فِي لَبْسٍ‏ (6) إِنْ مَرِضَ أَخْلَصَ وَ تَابَ- وَ إِنْ عُوفِيَ‏

____________

(1) أي و لا ينقص منهما شيئا من وفره اي كثره و جعله وفرا أي كثيرا.

(2) يقال: ادل على فلان أي أخذه من فوقه و استعلى عليه.

(3) يبادر في الدنيا الى ما كان يفنى و يترك ما يبقى من الاعمال التي كانت للآخرة، و مع أنه يخشى من الموت لا يخاف الفوت، و في النهج «يخشى الموت و لا يبادر الفوت».

(4) و لم يسهر أي ينام الليل كله و السهر- بالتحريك-: عدم النوم في الليل.

(5) يعزف: يزهد و يمنع.

(6) أي كان في مدة عمره الذي يعيش في خلط و اشتباه.

412

قَسَا وَ عَادَ (1)- فَهُوَ أَبَداً عَلَيْهِ وَ لَا لَهُ- لَا يَدْرِي عَمَلَهُ إِلَى مَا يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ- حَتَّى مَتَى وَ إِلَى مَتَى‏ (2)- اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْكَ عَلَى حَذَرٍ- احْفَظْ وَ(ع)انْصَرِفْ إِذَا شِئْتَ.

38-

وَصِيَّتُهُ(ع)لِكُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ (3) يَا كُمَيْلُ سَمِّ كُلَّ يَوْمٍ بِاسْمِ اللَّهِ- وَ قُلْ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَ اذْكُرْنَا وَ سَمِّ بِأَسْمَائِنَا وَ صَلِّ عَلَيْنَا- وَ أَدِرْ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِكَ‏ (4) وَ مَا تَحُوطُهُ عِنَايَتُكَ- وَ تُكْفَ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- يَا كُمَيْلُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص أَدَّبَهُ اللَّهُ- وَ هُوَ(ع)أَدَّبَنِي وَ أَنَا أُؤَدِّبُ الْمُؤْمِنِينَ وَ أُوَرِّثُ الْآدَابَ الْمُكَرَّمِينَ يَا كُمَيْلُ مَا مِنْ عِلْمٍ إِلَّا وَ أَنَا أَفْتَحُهُ- وَ مَا مِنَ سِرٍّ إِلَّا وَ الْقَائِمُ(ع)يَخْتِمُهُ- يَا كُمَيْلُ‏ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏ يَا كُمَيْلُ لَا تَأْخُذْ إِلَّا عَنَّا تَكُنْ مِنَّا يَا كُمَيْلُ مَا مِنْ حَرَكَةٍ إِلَّا وَ أَنْتَ مُحْتَاجٌ فِيهَا إِلَى مَعْرِفَةٍ يَا كُمَيْلُ إِذَا أَكَلْتَ الطَّعَامَ فَسَمِّ بِاسْمِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ دَاءٌ- وَ فِيهِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ الْأَسْوَاءِ يَا كُمَيْلُ وَ آكِلِ الطَّعَامَ وَ لَا تَبْخَلْ عَلَيْهِ- فَإِنَّكَ لَنْ تَرْزُقَ النَّاسَ شَيْئاً وَ اللَّهُ يُجْزِلُ لَكَ الثَّوَابَ بِذَلِكَ- أَحْسِنْ عَلَيْهِ خُلُقَكَ وَ ابْسُطْ جَلِيسَكَ وَ لَا تَتَّهِمْ خَادِمَكَ‏ (5)- يَا كُمَيْلُ إِذَا أَكَلْتَ فَطَوِّلْ أَكْلَكَ لِيَسْتَوْفِيَ مَنْ مَعَكَ- وَ يُرْزَقَ مِنْهُ غَيْرُكَ يَا كُمَيْلُ إِذَا اسْتَوْفَيْتَ طَعَامَكَ فَاحْمَدِ اللَّهَ عَلَى مَا رَزَقَكَ- وَ ارْفَعْ بِذَلِكَ صَوْتَكَ‏

____________

(1) في بعض النسخ: «نسى».

(2) كذا في النسخ. و هو استفهام توبيخى.

(3) التحف ص 171.

(4) «ادر» أمر من أدار الشي‏ء يديره. تحوطه اي تحفظه و تعهده عنايتك.

(5) بسط الرجل-: جرأه و سره، و في بعض النسخ «و لا تنهرن خادمك».

413

يَحْمَدْهُ سِوَاكَ فَيَعْظُمُ بِذَلِكَ أَجْرُكَ يَا كُمَيْلُ لَا تُوقِرَنَّ مَعِدَتَكَ طَعَاماً (1)- وَ دَعْ فِيهَا لِلْمَاءِ مَوْضِعاً وَ لِلرِّيحِ مَجَالًا وَ لَا تَرْفَعْ يَدَكَ مِنَ الطَّعَامِ إِلَّا وَ أَنْتَ تَشْتَهِيهِ- فَإِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ فَأَنْتَ تَسْتَمْرِئُهُ‏ (2) فَإِنَّ صِحَّةَ الْجِسْمِ مِنْ قِلَّةِ الطَّعَامِ وَ قِلَّةِ الْمَاءِ- يَا كُمَيْلُ الْبَرَكَةُ فِي مَالِ مَنْ آتَى الزَّكَاةَ- وَ وَاسَى الْمُؤْمِنِينَ وَ وَصَلَ الْأَقْرَبِينَ‏ (3) يَا كُمَيْلُ زِدْ قَرَابَتَكَ الْمُؤْمِنَ عَلَى مَا تُعْطِي سِوَاهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ- وَ كُنْ بِهِمْ أَرْأَفَ وَ عَلَيْهِمْ أَعْطَفَ وَ تَصَدَّقْ عَلَى الْمَسَاكِينِ يَا كُمَيْلُ لَا تَرُدَّ سَائِلًا وَ لَوْ مِنْ شَطْرِ حَبَّةِ عِنَبٍ أَوْ شِقِّ تَمْرَةٍ- فَإِنَّ الصَّدَقَةَ تَنْمُو عِنْدَ اللَّهِ- يَا كُمَيْلُ أَحْسَنُ حِلْيَةِ الْمُؤْمِنِ التَّوَاضُعُ- وَ جَمَالُهُ التَّعَفُّفُ وَ شَرَفُهُ التَّفَقُّهُ وَ عِزُّهُ تَرْكُ الْقَالِ وَ الْقِيلِ‏ (4) يَا كُمَيْلُ فِي كُلِّ صِنْفٍ قَوْمٌ أَرْفَعُ مِنْ قَوْمٍ- فَإِيَّاكَ وَ مُنَاظَرَةَ الْخَسِيسِ مِنْهُمْ وَ إِنْ أَسْمَعُوكَ وَ احْتَمِلْ وَ كُنْ مِنَ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ- وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (5)- يَا كُمَيْلُ قُلِ الْحَقَّ عَلَى كُلِّ حَالٍ- وَ وَادِّ الْمُتَّقِينَ وَ اهْجُرِ الْفَاسِقِينَ- وَ جَانِبِ الْمُنَافِقِينَ وَ لَا تُصَاحِبِ الْخَائِنِينَ- يَا كُمَيْلُ لَا تَطْرُقْ أَبْوَابَ الظَّالِمِينَ‏ (6)- لِلِاخْتِلَاطِ بِهِمْ وَ الِاكْتِسَابِ مَعَهُمْ- وَ إِيَّاكَ‏

____________

(1) «لا توقرن» أي لا تثقلن معدتك من الطعام. و في بعض النسخ «توفرن».

(2) استمرأ الطعام: استطيبه و وجده مريئا.

(3) واسى المؤمنين: عاونهم.

(4) القال و القيل- مصدران-: ما يقوله الناس. و قيل: القال الابتداء و السؤال و الثاني الجواب.

(5) سورة الفرقان: 64.

(6) لا تطرق أي لا تقرع. و أطرق الرجل: سكت و لم يتكلم و بمعنى أرخى عينيه ينظر الى الأرض.

414

أَنْ تُعَظِّمَهُمْ- وَ أَنْ تَشْهَدَ فِي مَجَالِسِهِمْ بِمَا يُسْخِطُ اللَّهَ عَلَيْكَ- وَ إِنِ اضْطَرَرْتَ إِلَى حُضُورِهِمْ فَدَاوِمْ ذِكْرَ اللَّهِ- وَ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ وَ اسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِهِمْ- وَ أَطْرِقْ عَنْهُمْ وَ أَنْكِرْ بِقَلْبِكَ فِعْلَهُمْ وَ اجْهَرْ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ لِتُسْمِعَهُمْ فَإِنَّكَ بِهَا تُؤَيَّدُ وَ تُكْفَى شَرَّهُمْ يَا كُمَيْلُ إِنَّ أَحَبَّ مَا امْتَثَلَهُ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ- بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِهِ وَ بِأَوْلِيَائِهِ التَّعَفُّفُ وَ التَّحَمُّلُ وَ الِاصْطِبَارُ يَا كُمَيْلُ لَا ترى [تُرِ النَّاسَ إِقْتَارَكَ- وَ اصْبِرْ عَلَيْهِ احْتِسَاباً بِعِزٍّ وَ تَسَتُّرٍ- يَا كُمَيْلُ لَا بَأْسَ أَنْ تُعْلِمَ أَخَاكَ سِرَّكَ- وَ مَنْ أَخُوكَ أَخُوكَ الَّذِي لَا يَخْذُلُكَ عِنْدَ الشَّدِيدَةِ- وَ لَا يَقْعُدُ عَنْكَ عِنْدَ الْجَرِيرَةِ (1) وَ لَا يَدَعُكَ حَتَّى تَسْأَلَهُ- وَ لَا يَذَرُكَ وَ أَمْرَكَ حَتَّى تُعْلِمَهُ فَإِنْ كَانَ مُمِيلًا أَصْلَحَهُ‏ (2) يَا كُمَيْلُ الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ- لِأَنَّهُ يَتَأَمَّلُهُ فَيَسُدُّ فَاقَتَهُ وَ يُجْمِلُ حَالَتَهُ يَا كُمَيْلُ الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ وَ لَا شَيْ‏ءَ آثَرُ عِنْدَ كُلِّ أَخٍ مِنْ أَخِيهِ‏ (3) يَا كُمَيْلُ إِنْ لَمْ تُحِبَّ أَخَاكَ فَلَسْتَ أَخَاهُ- إِنَّ الْمُؤْمِنَ مَنْ قَالَ بِقَوْلِنَا- فَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ قَصَّرَ عَنَّا- وَ مَنْ قَصَّرَ عَنَّا لَمْ يَلْحَقْ بِنَا- وَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَنَا فَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ يَا كُمَيْلُ كُلُّ مَصْدُورٍ يَنْفُثُ‏ (4)- فَمَنْ نَفَثَ إِلَيْكَ مِنَّا بِأَمْرٍ أَمَرَكَ بِسَتْرِهِ- فَإِيَّاكَ أَنْ تُبْدِيَهُ وَ لَيْسَ لَكَ مِنْ إِبْدَائِهِ تَوْبَةٌ- وَ إِذَا لَمْ تَكُنْ تَوْبَةٌ فَالْمَصِيرُ إِلَى لَظَى- (5)

____________

(1) الجريرة: الجناية، لانها تجر العقوبة الى الجانى. و لا يذرك أي لا يدعك.

قيل: و لا فعل منه بهذا المعنى الا المضارع و الامر.

(2) المميل- اسم فاعل من أمال-: صاحب ثروة كثيرة و مال كثير.

(3) أي أقدم و أكرم.

(4) المصدور: الذي يشتكى من صدره. و ينفث المصدور أي رمى بالنفاثة. و المراد ان من ملاء صدره من محبتنا و أمرنا لا يمكن له أن يقيها و لا يبرزها فإذا أبرزها و أمرك بسترها فاسترها و في بعض النسخ «مصدود».

(5) اللظى: النار و لهبها.

415

يَا كُمَيْلُ إِذَاعَةُ سِرِّ آلِ مُحَمَّدٍ (صلوات اللّه عليهم)- لَا يُقْبَلُ مِنْهَا وَ لَا يُحْتَمَلُ أَحَدٌ عَلَيْهَا- وَ مَا قَالُوهُ فَلَا تُعْلِمْ إِلَّا مُؤْمِناً مُوَفَّقاً (1) [مُوقِناً- يَا كُمَيْلُ قُلْ عِنْدَ كُلِّ شِدَّةٍ- لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ تُكْفَهَا- وَ قُلْ عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ الْحَمْدُ لِلَّهِ تَزْدَدْ مِنْهَا- وَ إِذَا أَبْطَأَتِ الْأَرْزَاقُ عَلَيْكَ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ يُوَسِّعْ عَلَيْكَ فِيهَا- يَا كُمَيْلُ انْجُ بِوَلَايَتِنَا مِنْ أَنْ يَشْرَكَكَ الشَّيْطَانُ فِي مَالِكَ وَ وَلَدِكَ يَا كُمَيْلُ إِنَّهُ مُسْتَقَرٌّ وَ مُسْتَوْدَعٌ‏ (2) فَاحْذَرْ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُسْتَوْدَعِينَ- وَ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقَرّاً إِذَا لَزِمْتَ الْجَادَّةَ الْوَاضِحَةَ- الَّتِي لَا تُخْرِجُكَ إِلَى عِوَجٍ‏ (3) وَ لَا تُزِيلُكَ عَنْ مَنْهَجٍ يَا كُمَيْلُ لَا رُخْصَةَ فِي فَرْضٍ وَ لَا شِدَّةَ فِي نَافِلَةٍ يَا كُمَيْلُ إِنَّ ذُنُوبَكَ أَكْثَرُ مِنْ حَسَنَاتِكَ- وَ غَفْلَتُكَ أَكْثَرُ مِنْ ذِكْرِكَ- وَ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَكْثَرُ مِنْ عَمَلِكَ يَا كُمَيْلُ إِنَّكَ لَا تَخْلُو مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَكَ وَ عَافِيَتِهِ إِيَّاكَ- فَلَا تَخْلُ مِنْ تَحْمِيدِهِ وَ تَمْجِيدِهِ وَ تَسْبِيحِهِ وَ تَقْدِيسِهِ وَ شُكْرِهِ وَ ذِكْرِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ- يَا كُمَيْلُ لَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ- نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ‏ (4) وَ نَسَبَهُمْ إِلَى الْفِسْقِ فَهُمْ فَاسِقُونَ يَا كُمَيْلُ لَيْسَ الشَّأْنَ أَنْ تُصَلِّيَ وَ تَصُومَ وَ تَتَصَدَّقَ- الشَّأْنُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ بِقَلْبٍ نَقِيٍّ- وَ عَمَلٍ عِنْدَ اللَّهِ مَرْضِيٍّ وَ خُشُوعٍ سَوِيٍّ- وَ انْظُرْ فِيمَا تُصَلِّي وَ عَلَى مَا تُصَلِّي- إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ وَجْهِهِ وَ حِلِّهِ فَلَا قَبُولَ‏

____________

(1) في بعض النسخ «تعلمه الا مؤمنا موفقا». و في بعضها «فلا يعلمه الا مؤمنا موفقا».

و كذا في بشارة المصطفى.

(2) يعني به الايمان فانه مستقر و مستودع.

(3) العوج- بكسر العين- للمعاني، و- بفتحها- للأشياء.

(4) سورة الحشر: 19.

416

يَا كُمَيْلُ اللِّسَانُ يَنْزَحُ الْقَلْبَ‏ (1) وَ الْقَلْبُ يَقُومُ بِالْغِذَاءِ- فَانْظُرْ فِيمَا تُغَذِّي قَلْبَكَ وَ جِسْمَكَ- فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَلَالًا لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ تَسْبِيحَكَ وَ لَا شُكْرَكَ يَا كُمَيْلُ افْهَمْ وَ اعْلَمْ أَنَّا لَا نُرَخِّصُ فِي تَرْكِ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ- فَمَنْ رَوَى عَنِّي فِي ذَلِكَ رُخْصَةً فَقَدْ أَبْطَلَ وَ أَثِمَ- وَ جَزَاؤُهُ النَّارُ بِمَا كَذَبَ- أُقْسِمُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ لِي قَبْلَ وَفَاتِهِ بِسَاعَةٍ مِرَاراً ثَلَاثاً- يَا أَبَا الْحَسَنِ أَدَاءَ الْأَمَانَةِ إِلَى الْبَرِّ وَ الْفَاجِرِ فِيمَا جَلَّ وَ قَلَّ- حَتَّى الْخَيْطِ وَ الْمِخْيَطِ- يَا كُمَيْلُ لَا غَزْوَ إِلَّا مَعَ إِمَامٍ عَادِلٍ وَ لَا نَفَلَ إِلَّا مِنْ إِمَامٍ فَاضِلٍ‏ (2) يَا كُمَيْلُ لَوْ لَمْ يَظْهَرْ نَبِيٌّ وَ كَانَ فِي الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ- لَكَانَ فِي دُعَائِهِ إِلَى اللَّهِ مُخْطِئاً أَوْ مُصِيباً- بَلْ وَ اللَّهِ مُخْطِئاً حَتَّى يَنْصِبَهُ اللَّهُ لِذَلِكَ وَ يُؤَهِّلَهُ لَهُ يَا كُمَيْلُ الدِّينُ لِلَّهِ فَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ أَحَدٍ الْقِيَامَ بِهِ- إِلَّا رَسُولًا أَوْ نَبِيّاً أَوْ وَصِيّاً يَا كُمَيْلُ هِيَ نُبُوَّةٌ وَ رِسَالَةٌ وَ إِمَامَةٌ- وَ لَيْسَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا مُوَالِينَ مُتَّبِعِينَ أَوْ عَامِهِينَ مُبْتَدِعِينَ- إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ‏ (3)- يَا كُمَيْلُ إِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ حَلِيمٌ عَظِيمٌ رَحِيمٌ- دَلَّنَا عَلَى أَخْلَاقِهِ وَ أَمَرَنَا بِالْأَخْذِ بِهَا وَ حَمْلِ النَّاسِ عَلَيْهَا- فَقَدْ أَدَّيْنَاهَا غَيْرَ مُتَخَلِّفِينَ وَ أَرْسَلْنَاهَا غَيْرَ مُنَافِقِينَ- وَ صَدَّقْنَاهَا غَيْرَ مُكَذِّبِينَ وَ قَبِلْنَاهَا غَيْرَ مُرْتَابِينَ يَا كُمَيْلُ لَسْتُ وَ اللَّهِ مُتَمَلِّقاً حَتَّى أُطَاعَ- وَ لَا مُمَنِّياً (4) حَتَّى لَا أُعْصَى- وَ لَا مَائِراً (5) لِطَعَامِ الْأَعْرَابِ حَتَّى أُنْحَلَ‏ (6) إِمْرَةَ الْمُؤْمِنِينَ وَ أُدْعَى بِهَا

____________

(1) في المصباح نزحت البئر من باب نفع نزوحا استقيت ماءها كله. و في بعض بالنسخ و بشارة المصطفى «يبوح من القلب».

(2) النفل- محركة- الغنيمة.

(3) أي ما يقوم به النبيّ و الرسول و الامام. و عمه أي تحير في طريقه. و في بعض النسخ «ضالين مبتدعين». و في بشارة المصطفى «الا متولين و متغلبين و ضالين و معتدين».

(4) في بشارة المصطفى «ممنا».

(5) ما يره أتى بالميرة و هي الطعام الذي يدخر.

(6) أنحل فلانا شيئا: أعطاه إيّاه و خصه به. و في بشارة المصطفى «حتى انتحل».

417

يَا كُمَيْلُ إِنَّمَا حَظِيَ مَنْ حَظِيَ بِدُنْيَا زَائِلَةٍ مُدْبِرَةٍ- وَ نَحْظَى بِآخِرَةٍ بَاقِيَةٍ ثَابِتَةٍ يَا كُمَيْلُ إِنَّ كُلًّا يَصِيرُ إِلَى الْآخِرَةِ- وَ الَّذِي نَرْغَبُ فِيهِ مِنْهَا رِضَى اللَّهِ وَ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى- مِنَ الْجَنَّةِ الَّتِي يُورِثُهَا مَنْ كانَ تَقِيًّا يَا كُمَيْلُ مَنْ لَا يَسْكُنُ الْجَنَّةَ فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ‏ وَ خِزْيٍ مُقِيمٍ يَا كُمَيْلُ أَنَا أَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَ عَلَى كُلِّ حَالٍ- إِذَا شِئْتَ فَقُمْ.

39- شا (1)، الإرشاد مِنْ كَلَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مَا اشْتُهِرَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ- وَ حَفِظَهُ ذَوُو الْفَهْمِ وَ الْحُكَمَاءُ أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ- فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ وَ آذَنَتْ بِوَدَاعٍ- وَ إِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَ أَشْرَفَتْ بِاطِّلَاعٍ- أَلَا وَ إِنَّ الْمِضْمَارَ الْيَوْمَ وَ غَداً السِّبَاقَ- وَ السُّبْقَةُ الْجَنَّةُ وَ الْغَايَةُ النَّارُ- أَلَا وَ إِنَّكُمْ فِي أَيَّامِ مَهَلٍ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ يَحُثُّهُ عَجَلٌ- فَمَنْ أَخْلَصَ الله [لِلَّهِ عَمَلَهُ لَمْ يَضُرَّهُ أَمَلُهُ- وَ مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ فِي أَيَّامِ مَهَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ- فَقَدْ خَسِرَ عَمَلُهُ وَ ضَرَّهُ أَمَلُهُ- أَلَا فَاعْمَلُوا فِي الرَّغْبَةِ وَ الرَّهْبَةِ- فَإِنْ نَزَلَتْ بِكُمْ رَغْبَةٌ فَاشْكُرُوا اللَّهَ- وَ أَجْمِعُوا مَعَهَا رَهْبَةً- وَ إِنْ نَزَلَتْ بِكُمْ رَهْبَةٌ فَاذْكُرُوا اللَّهَ- وَ أَجْمِعُوا مَعَهَا رَغْبَةً- فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ تَأَذَّنَ لِلْمُحْسِنِينَ بِالْحُسْنَى- وَ لِمَنْ شَكَرَهُ بِالزِّيَادَةِ- وَ لَا كَسْبَ خَيْرٌ مِنْ كَسْبٍ لِيَوْمٍ تَدَّخِرُ فِيهِ الذَّخَائِرُ- وَ تُجْمَعُ فِيهِ الْكَبَائِرُ وَ تُبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ- وَ إِنِّي لَمْ أَرَ مِثْلَ الْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا- وَ لَا مِثْلَ النَّارِ نَامَ هَارِبُهَا- أَلَا وَ إِنَّهُ مَنْ لَا يَنْفَعُهُ الْيَقِينُ يَضُرُّهُ الشَّكُّ وَ مَنْ لَا يَنْفَعُهُ حَاضِرُ لُبِّهِ وَ رَأْيِهِ فَغَائِبُهُ عَنْهُ أَعْجَزُ- أَلَا وَ إِنَّكُمْ قَدْ أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ وَ دُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ- وَ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَانِ- اتِّبَاعُ الْهَوَى وَ طُولُ الْأَمَلِ- لِأَنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى يَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ وَ طُولَ الْأَمَلِ يَنْسَى الْآخِرَةَ- أَلَا وَ إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَرَحَّلَتْ مُدْبِرَةً وَ إِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ تَرَحَّلَتْ مُقْبِلَةً- وَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ- فَكُونُوا إِنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ- وَ لَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا- فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَ لَا حِسَابَ وَ غَداً حِسَابٌ وَ لَا عَمَلَ.

____________

(1) إرشاد المفيد ص 113.

418

40- شا (1)، الإرشاد وَ مِنْ كَلَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فِي الْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ قَوْلُهُ خُذُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ مِنْ مَمَرِّكُمْ لِمَقَرِّكُمْ- وَ لَا تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَسْرَارُكُمْ- وَ أَخْرِجُوا مِنَ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ فَلِلْآخِرَةِ خُلِقْتُمْ وَ فِي الدُّنْيَا حُبِسْتُمْ- إِنَّ الْمَرْءَ إِذَا هَلَكَ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ مَا قَدَّمَ- وَ قَالَ النَّاسُ مَا خَلَّفَ- فَلِلَّهِ آبَاؤُكُمْ قَدِّمُوا بَعْضاً يَكُنْ لَكُمْ- وَ لَا تُخَلِّفُوا كُلًّا فَيَكُنْ عَلَيْكُمْ فَإِنَّمَا مَثَلُ الدُّنْيَا مَثَلُ السَّمِّ يَأْكُلُهُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ.

وَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ(ع)لَا حَيَاةَ إِلَّا بِالدِّينِ- وَ لَا مَوْتَ إِلَّا بِجُحُودِ الْيَقِينِ- فَاشْرَبُوا مِنَ الْعَذْبِ الْفُرَاتِ يُنَبِّهُكُمْ مِنْ نَوْمَةِ السُّبَاتِ- وَ إِيَّاكُمْ وَ السَّمَائِمَ الْمُهْلِكَاتِ.

وَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ(ع)الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ عَرَفَهَا- وَ مِضْمَارُ الْخَلَاصِ لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا- فِي مَهْبِطِ وَحْيِ اللَّهِ تَعَالَى وَ مَتْجَرُ أَوْلِيَائِهِ- اتَّجِرُوا تَرْبَحُوا الْجَنَّةَ.

- وَ مِنْ ذَلِكَ‏ قَوْلُهُ(ع)لِرَجُلٍ سَمِعَهُ يَذُمُّ الدُّنْيَا- مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ لِمَا يَجِبُ أَنْ يَقُولَ فِي مَعْنَاهَا- الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا- وَ دَارُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا- وَ دَارُ غِنًى لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا- مَسْجِدُ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَ مَهْبِطُ وَحْيِهِ- وَ مُصَلَّى مَلَائِكَتِهِ وَ مَتْجَرُ أَوْلِيَائِهِ اكْتَسَبُوا فِيهَا الرَّحْمَةَ وَ رَبِحُوا فِيهَا الْجَنَّةَ- فَمَنْ ذَا يَذُمُّهَا وَ قَدْ آذَنَتْ بَيْنَهَا وَ نَادَتْ بِفِرَاقِهَا- وَ نَعَتْ نَفْسَهَا فَشَوَّقَتْ بِسُرُورِهَا إِلَى السُّرُورِ- وَ حَذَّرَتْ بِبَلَائِهَا إِلَى الْبَلَاءِ تَخْوِيفاً وَ تَحْذِيراً وَ تَرْغِيباً وَ تَرْهِيباً- فَيَا أَيُّهَا الذَّامُّ لِلدُّنْيَا- وَ الْمُغْتَرُّ بِتَغْرِيرِهَا مَتَى غَرَّتْكَ- أَ بِمَصَارِعِ آبَائِكَ مِنَ الْبِلَى- أَمْ بِمَضَاجِعِ أُمَّهَاتِكَ تَحْتَ الثَّرَى- كَمْ عَلَّلْتَ بِكَفَّيْكَ- وَ مَرَّضْتَ بِيَدَيْكَ تَبْتَغِي لَهُمُ الشِّفَاءَ- وَ تَسْتَوْصِفُ لَهُمُ الْأَطِبَّاءَ- وَ تَلْتَمِسُ لَهُمُ الدَّوَاءَ- لَمْ تَنْفَعْهُمْ بِطَلِبَتِكَ وَ لَمْ تَشْفَعْهُمْ بِشَفَاعَتِكَ- قَدْ مَثَّلَتْ لَكَ الدُّنْيَا بِهِمْ مَصْرَعَكَ وَ مَضْجَعَكَ- حَيْثُ لَا يَنْفَعُكَ بُكَاؤُكَ وَ لَا تُغْنِي عَنْكَ أَحِبَّاؤُكَ.

- وَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ(ع)أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا عَنِّي خَمْساً- فَوَ اللَّهِ لَوْ رَحَلْتُمُ الْمَطِيَّ فِيهَا لَأَنْضَيْتُمُوهَا- (2) قَبْلَ أَنْ تَجِدُوا مِثْلَهَا- لَا يَرْجُوَنَّ أَحَدٌ إِلَّا رَبَّهُ وَ لَا يَخَافَنَّ إِلَّا ذَنْبَهُ‏

____________

(1) إرشاد المفيد ص 140.

(2) أنضيتم الظهر أي أهزلتموه.

419

وَ لَا يَسْتَحْيِيَنَّ الْعَالِمُ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ يَعْلَمُ- الصَّبْرُ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ- وَ لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ.

- وَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ(ع)كُلُّ قَوْلٍ لَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ ذِكْرٌ فَلَغْوٌ- وَ كُلُّ صَمْتٍ لَيْسَ فِيهِ فِكْرٌ فَسَهْوٌ- وَ كُلُّ نَظَرٍ لَيْسَ فِيهِ اعْتِبَارٌ فَلَهْوٌ.

وَ قَوْلُهُ(ع)لَيْسَ مَنِ ابْتَاعَ نَفْسَهُ فَأَعْتَقَهَا كَمَنْ بَاعَ نَفْسَهُ فَأَوْبَقَهَا.

وَ قَوْلُهُ(ع)مَنْ سَبَقَ إِلَى الظِّلِّ ضَحَا وَ مَنْ سَبَقَ إِلَى الْمَاءِ ظَمِئَ.

وَ قَوْلُهُ‏ حُسْنُ الْأَدَبِ يَنُوبُ عَنِ الْحَسَبِ.

وَ قَوْلُهُ(ع)الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا كُلَّمَا ازْدَادَتْ لَهُ تَجَلِّياً ازْدَادَتْ عَنْهُ تَوَلِّياً.

وَ قَوْلُهُ(ع)الْمَوَدَّةُ أَشْبَكُ الْأَنْسَابِ وَ الْعِلْمُ أَشْرَفُ الْأَحْسَابِ.

وَ قَوْلُهُ(ع)إِنْ يَكُنِ الشُّغُلُ مَجْهَدَةً فَاتِّصَالُ الْفَرَاغِ مَفْسَدَةٌ.

- وَ قَوْلُهُ(ع)مَنْ بَالَغَ فِي الْخُصُومَةِ أَثِمَ وَ مَنْ قَصَّرَ فِيهَا خُصِمَ.

وَ قَوْلُهُ(ع)الْعَفْوُ يُفْسِدُ مِنَ اللَّئِيمِ بِقَدْرِ إِصْلَاحِهِ مِنَ الْكَرِيمِ.

وَ قَوْلُهُ(ع)مَنْ أَحَبَّ الْمَكَارِمَ اجْتَنَبَ الْمَحَارِمَ.

وَ قَوْلُهُ(ع)مَنْ حَسُنَتْ بِهِ الظُّنُونُ رَمَقَتْهُ الرِّجَالُ بِالْعُيُونِ.

وَ قَوْلُهُ(ع)غَايَةُ الْجُودِ أَنْ تُعْطِيَ مِنْ نَفْسِكَ الْمَجْهُودَ.

وَ قَوْلُهُ(ع)مَا بَعُدَ كَائِنٌ وَ لَا قَرُبَ بَائِنٌ.

وَ قَوْلُهُ(ع)جَهْلُ الْمَرْءِ بِعُيُوبِهِ مِنْ أَكْبَرِ ذُنُوبِهِ.

وَ قَوْلُهُ(ع)تَمَامُ الْعَفَافِ الرِّضَا بِالْكَفَافِ.

وَ قَوْلُهُ(ع)أَتَمُّ الْجُودِ ابْتِنَاءُ الْمَكَارِمِ وَ احْتِمَالُ الْمَغَارِمِ.

وَ قَوْلُهُ(ع)أَظْهَرُ الْكَرَمِ صِدْقُ الْإِخَاءِ فِي الشِّدَّةِ وَ الرَّخَاءِ.

وَ قَوْلُهُ(ع)الْفَاجِرُ إِنْ سَخِطَ ثَلَبَ وَ إِنْ رَضِيَ كَذَبَ وَ إِنْ طَمِعَ خَلَبَ‏ (1).

وَ قَوْلُهُ(ع)مَنْ لَمْ يَكُنْ أَكْثَرُ مَا فِيهِ عَقْلَهُ كَانَ بِأَكْثَرِ مَا فِيهِ قَتْلُهُ.

وَ قَوْلُهُ(ع)احْتَمِلْ زَلَّةَ وَلِيِّكَ لِوَقْتِ وَثْبَةِ عَدُوِّكَ.

____________

(1) ثلبه ثلبا: لامه و ذكر معايبه، و خلب أي خدع.

420

وَ قَوْلُهُ(ع)حُسْنُ الِاعْتِرَافِ يَهْدِمُ الِاقْتِرَافَ.

وَ قَوْلُهُ(ع)لَمْ يَضِعْ مِنْ مَالِكَ مَا بَصَّرَكَ صَلَاحَ حَالِكَ.

وَ قَوْلُهُ(ع)الْقَصْدُ أَسْهَلُ مِنَ التَّعَسُّفِ وَ الْكَفُّ أَدْرَعُ مِنَ التَّكَلُّفِ.

وَ قَوْلُهُ(ع)شَرُّ الزَّادِ إِلَى الْمَعَادِ احْتِقَابُ ظُلْمِ الْعِبَادِ.

وَ قَوْلُهُ(ع)لَا نَفَادَ لِفَائِدَةٍ إِذَا شُكِرَتْ وَ لَا بَقَاءَ لِنِعْمَةٍ إِذَا كُفِرَتْ.

- وَ قَوْلُهُ(ع)الدَّهْرُ يَوْمَانِ يَوْمٌ لَكَ وَ يَوْمٌ عَلَيْكَ- فَإِنْ كَانَ لَكَ فَلَا تَبْطَرْ وَ إِنْ كَانَ عَلَيْكَ فَاصْبِرْ.

وَ قَوْلُهُ(ع)رُبَّ عَزِيزٍ أَذَلَّهُ خُلُقُهُ وَ ذَلِيلٍ أَعَزَّهُ خُلُقُهُ.

وَ قَوْلُهُ(ع)مَنْ لَمْ يُجَرِّبِ الْأُمُورَ خَدَعَ وَ مَنْ صَارَعَ الْحَقَّ صَرَعَ.

وَ قَوْلُهُ(ع)لَوْ عُرِفَ الْأَجَلُ قَصُرَ الْأَمَلُ.

وَ قَوْلُهُ(ع)الشُّكْرُ زِينَةُ الْغِنَى وَ الصَّبْرُ زِينَةُ الْبَلْوَى.

وَ قَوْلُهُ(ع)قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُهُ.

وَ قَوْلُهُ(ع)النَّاسُ أَبْنَاءُ مَا يُحْسِنُونَ.

وَ قَوْلُهُ(ع)الْمَرْءُ مَخْبُوٌّ تَحْتَ لِسَانِهِ‏ (1).

- وَ قَوْلُهُ(ع)مَنْ شَاوَرَ ذَوِي الْأَلْبَابِ دُلَّ عَلَى الصَّوَابِ.

وَ قَوْلُهُ(ع)مَنْ قَنَعَ بِالْيَسِيرِ اسْتَغْنَى عَنِ الْكَثِيرِ- وَ مَنْ لَمْ يَسْتَغْنِ بِالْكَثِيرِ افْتَقَرَ إِلَى الْحَقِيرِ.

وَ قَوْلُهُ(ع)مَنْ صَحَّتْ عُرُوقُهُ أَثْمَرَتْ فُرُوعُهُ.

وَ قَوْلُهُ(ع)مَنْ أَمَّلَ إِنْسَاناً هَابَهُ وَ مَنْ قَصَّرَ عَنْ مَعْرِفَةِ شَيْ‏ءٍ عَابَهُ.

وَ مِنْ كَلَامِهِ(ع)الْمُؤْمِنُ مِنْ نَفْسِهِ فِي تَعَبٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ.

وَ قَالَ(ع)مَنْ كَسِلَ لَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ.

وَ قَالَ(ع)أَفْضَلُ الْعِبَادِةِ الصَّبْرُ وَ الصَّمْتُ وَ انْتِظَارُ الْفَرَجِ.

- وَ قَالَ(ع)الصَّبْرُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ- فَصَبْرٌ عَلَى الْمُصِيبَةِ وَ صَبْرٌ عَنِ الْمَعْصِيَةِ

____________

(1) أي مستور حاله في سكوته فإذا تكلم ظهر مقداره و عقله.

421

وَ صَبْرٌ عَلَى الطَّاعَةِ.

وَ قَالَ(ع)الْحِلْمُ وَزِيرُ الْمُؤْمِنِ وَ الْعِلْمُ خَلِيلُهُ- وَ الرِّفْقُ أَخُوهُ وَ الْبِرُّ وَالِدُهُ وَ الصَّبْرُ أَمِيرُ جُنُودِهِ.

- وَ قَالَ(ع)ثَلَاثَةٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ- كِتْمَانُ الصَّدَقَةِ وَ كِتْمَانُ الْمُصِيبَةِ وَ كِتْمَانُ الْمَرَضِ.

وَ قَالَ(ع)احْتَجْ إِلَى مَنْ شِئْتَ تَكُنْ أَسِيرَهُ- وَ اسْتَغْنِ عَمَّنْ شِئْتَ تَكُنْ نَظِيرَهُ وَ أَفْضِلْ عَلَى مَنْ شِئْتَ تَكُنْ أَمِيرَهُ.

وَ كَانَ يَقُولُ(ع)لَا غِنَى مَعَ فُجُورٍ وَ لَا رَاحَةَ لِحَسُودٍ وَ لَا مَوَدَّةَ لِمَلُولٍ.

وَ قَالَ(ع)لِأَحْنَفَ بْنِ قَيْسٍ السَّاكِتُ أَخُو الرَّاضِي وَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَنَا كَانَ عَلَيْنَا.

وَ قَالَ(ع)الْجُودُ مِنْ كَرَمِ الطَّبِيعَةِ وَ الْمَنُّ مَفْسَدَةٌ لِلصَّنِيعَةِ.

- وَ قَالَ(ع)تَرْكُ التَّعَاهُدِ لِلصَّدِيقِ دَاعِيَةُ الْقَطِيعَةِ.

وَ كَانَ يَقُولُ(ع)إِرْجَافُ الْعَامَّةِ بِالشَّيْ‏ءِ دَلِيلٌ عَلَى مُقَدِّمَاتِ كَوْنِهِ‏ (1).

وَ قَالَ(ع)اطْلُبُوا الرِّزْقَ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ لِطَالِبِهِ.

- وَ قَالَ(ع)أَرْبَعَةٌ لَا تُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ الْإِمَامُ الْعَادِلُ لِرَعِيَّتِهِ- وَ الْوَلَدُ الْبَارُّ لِوَالِدِهِ وَ الْوَالِدُ الْبَارُّ لِوَلَدِهِ وَ الْمَظْلُومُ- يَقُولُ اللَّهُ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَأَنْتَصِرَنَّ لَكَ وَ لَوْ بَعْدَ حِينٍ.

وَ قَالَ(ع)خَيْرُ الْغِنَى تَرْكُ السُّؤَالِ وَ شَرُّ الْفَقْرِ لُزُومُ الْخُضُوعِ.

وَ قَالَ(ع)الْمَعْرُوفُ عِصْمَةُ الْبَوَارِ وَ الرِّفْقُ نَعْشَةٌ مِنَ الْعِثَارِ (2).

- وَ قَالَ(ع)ضَاحِكٌ مُعْتَرِفٌ بِذَنْبِهِ خَيْرٌ مِنْ بَاكٍ مُدِلٍّ عَلَى رَبِّهِ‏ (3).

وَ قَالَ(ع)لَوْ لَا التَّجَارِبُ عَمِيَتِ الْمَذَاهِبُ.

وَ قَالَ(ع)لَا عُدَّةَ أَنْفَعُ مِنَ الْعَقْلِ وَ لَا عَدُوَّ أَضَرُّ مِنَ الْجَهْلِ.

وَ قَالَ(ع)مَنِ اتَّسَعَ أَمَلُهُ قَصُرَ عَمَلُهُ.

____________

(1) ارجفوا في الاخبار: خاضوا فيها.

(2) النعشة: قيام العاثر من عثرته.

(3) الادلال: الغنج و نوع من التبختر.

422

وَ قَالَ(ع)أَشْكَرُ النَّاسِ أَقْنَعُهُمْ وَ أَكْفَرُهُمْ لِلنِّعَمِ أَجْشَعُهُمْ‏ (1).

في أمثال‏ (2) هذا الكلام المفيد للحكمة و فصل الخطاب لم نستوف ما جاء في معناه عنه لئلا ينتشر به الخطاب و يطول الكتاب و فيما أثبتناه منه مقنع لذوي الألباب.

41- جا (3)، المجالس للمفيد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمُقْرِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الصَّيْدَلَانِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ عَنْ أَبِي نَصْرٍ الْمَخْزُومِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عَلَيْنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)الْبَصْرَةَ- مَرَّ بِي وَ أَنَا أَتَوَضَّأُ فَقَالَ يَا غُلَامُ أَحْسِنْ وُضُوءَكَ يُحْسِنِ اللَّهُ إِلَيْكَ- ثُمَّ جَازَنِي فَأَقْبَلْتُ أَقْفُو أَثَرَهُ فَحَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ فَنَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ يَا غُلَامُ أَ لَكَ إِلَيَّ حَاجَةٌ قُلْتُ نَعَمْ- عَلِّمْنِي كَلَاماً يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ فَقَالَ يَا غُلَامُ مَنْ صَدَقَ اللَّهَ نَجَا- وَ مَنْ أَشْفَقَ عَلَى دِينِهِ سَلِمَ مِنَ الرَّدَى- وَ مَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا قَرَّتْ عَيْنُهُ بِمَا يَرَى مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- أَ لَا أَزِيدُكَ يَا غُلَامُ قُلْتُ بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ مَنْ كُنَّ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ سَلِمَتْ لَهُ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةُ- مَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ ائْتَمَرَ بِهِ- وَ نَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَ انْتَهَى عَنْهُ- وَ حَافَظَ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ- يَا غُلَامُ أَ يَسُرُّكَ أَنْ تَلْقَى اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ هُوَ عَنْكَ رَاضٍ- قُلْتُ نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- قَالَ كُنْ فِي الدُّنْيَا زَاهِداً وَ فِي الْآخِرَةِ رَاغِباً- وَ عَلَيْكَ بِالصِّدْقِ فِي جَمِيعِ أُمُورِكَ- فَإِنَّ اللَّهَ تَعَبَّدَكَ وَ جَمِيعَ خَلْقِهِ بِالصِّدْقِ‏ (4) ثُمَّ مَشَى حَتَّى دَخَلَ سُوقَ الْبَصْرَةِ- فَنَظَرَ إِلَى النَّاسِ يَبِيعُونَ وَ يَشْتَرُونَ فَبَكَى بُكَاءً شَدِيداً ثُمَّ قَالَ يَا عَبِيدَ الدُّنْيَا وَ عُمَّالَ أَهْلِهَا- إِذَا كُنْتُمْ بِالنَّهَارِ تَحْلِفُونَ- وَ بِاللَّيْلِ فِي فِرَاشِكُمْ تَنَامُونَ- وَ فِي خِلَالِ ذَلِكَ عَنِ الْآخِرَةِ تَغْفُلُونَ- فَمَتَى تُجَهِّزُونَ الزَّادَ (5) وَ تُفَكِّرُونَ فِي الْمَعَادِ- فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- إِنَّهُ لَا بُدَّ لَنَا مِنَ الْمَعَاشِ فَكَيْفَ نَصْنَعُ- فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع) إِنَّ طَلَبَ الْمَعَاشِ مِنْ حِلِّهِ لَا يَشْغَلُ عَنْ عَمَلِ الْآخِرَةِ- فَإِنْ قُلْتَ لَا بُدَّ

____________

(1) أي أشدهم حرصا.

(2) تتمة كلام المفيد (ره) و ذكرها هنا غير مناسب انما يناسب كتاب الإرشاد.

(3) مجالس المفيد ص 69.

(4) تعبده أي دعاه للطاعة أو اتخذه عبدا له.

(5) في المصدر «تحرزون الزاد».

423

لَنَا مِنَ الِاحْتِكَارِ لَمْ تَكُنْ مَعْذُوراً- فَوَلَّى الرَّجُلُ بَاكِياً- فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَقْبِلْ عَلَيَّ أَزِدْكَ بَيَاناً- فَعَادَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ اعْلَمْ يَا عَبْدَ اللَّهِ- أَنَّ كُلَّ عَامِلٍ فِي الدُّنْيَا لِلْآخِرَةِ لَا بُدَّ أَنْ يُوَفَّى أَجْرَ عَمَلِهِ فِي الْآخِرَةِ- وَ كُلُّ عَامِلِ دُنْيَا لِلدُّنْيَا عُمَالَتُهُ فِي الْآخِرَةِ نَارُ جَهَنَّمَ- ثُمَّ تَلَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَوْلَهُ تَعَالَى- فَأَمَّا مَنْ طَغى‏ وَ آثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى‏ (1).

42- جا (2)، المجالس للمفيد عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ مَعْرُوفٍ عَنِ ابْنِ مَهْزِيَارَ عَنِ عَاصِمٍ عَنْ فُضَيْلٍ الرَّسَّانِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ(ع)إِنَّمَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتَيْنِ اتِّبَاعَ الْهَوَى- وَ طُولَ الْأَمَلِ فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ- وَ أَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الْآخِرَةَ- ارْتَحَلَتِ الْآخِرَةُ مُقْبِلَةً- وَ ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً وَ لِكُلٍّ بَنُونَ فَكُونُوا مِنْ بَنِي الْآخِرَةِ- وَ لَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا- الْيَوْمَ عَمَلٌ وَ لَا حِسَابَ وَ غَداً حِسَابٌ وَ لَا عَمَلَ.

- 43- مِنْ كِتَابِ عُيُونِ الْحِكَمِ وَ الْمَوَاعِظِ (3)، لِعَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيِّ اسْتَنْسَخْنَاهُ مِنْ أَصْلٍ قَدِيمٍ فِي الْمَوَاعِظِ وَ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَ هُوَ خَمْسُمِائَةٍ وَ ثَمَانِي وَ ثَمَانُونَ حِكْمَةً قَوْلُهُ(ع)رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً سَمِعَ حُكْماً فَوَعَى- وَ دُعِيَ إِلَى الرَّشَادِ فَدَنَا- وَ أَخَذَ بِحُجْزَةِ هَادٍ فَنَجَى- وَ رَاغِبٌ رَبَّهُ وَ خَافَ ذَنْبَهُ- قَدَّمَ خَالِصاً وَ عَمِلَ صَالِحاً- اكْتَسَبَ مَذْخُوراً وَ اجْتَنَبَ مَحْذُوراً- رَمَى غَرَضاً وَ أَحْرَزَ عِوَضاً كَابَدَ هَوَاهُ- وَ كَذَّبَ مُنَاهُ جَعَلَ الصَّبْرَ مَطِيَّةَ نَجَاتِهِ- وَ التَّقْوَى عُدَّةَ وَفَاتِهِ رَكِبَ الطَّرِيقَةَ الْغَرَّاءَ- وَ لَزِمَ الْمَحَجَّةَ الْبَيْضَاءَ اغْتَنَمَ الْمَهَلَ- وَ بَادَرَ الْأَجَلَ وَ تَزَوَّدَ مِنَ الْعَمَلِ.

44- وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ(ع)تُعْرَفُ بِالْغَرَّاءِ مِنْهَا جَعَلَ لَكُمْ أَسْمَاعاً لِتَعِيَ مَا عَنَاهَا- وَ أَبْصَاراً لِتَجْلُوَ عَنْ عَشَاهَا- وَ أَشْلَاءً جَامِعَةً

____________

(1) النازعات: 39.

(2) مجالس المفيد ص 121. و رواه أيضا بسندين آخرين ص 55 و ص 203.

(3) مخطوط.

424

لِأَعْضَائِهَا (1) مُلَائِمَةً لِأَحْنَائِهَا- فِي تَرْكِيبِ صُوَرِهَا (2) وَ مُدَدِ عُمُرِهَا- بِأَبْدَانٍ قَائِمَةٍ بِأَرْفَاقِهَا وَ قُلُوبٍ رَائِدَةٍ لِأَرْزَاقِهَا فِي مُجَلِّلَاتِ نِعَمِهِ- وَ مُوجِبَاتِ سننه [مِنَنِهِ وَ حَوَاجِزِ عَافِيَتِهِ‏ (3)- وَ قَدَّرَ لَكُمْ أَعْمَاراً سَتَرَهَا عَنْكُمْ- وَ خَلَّفَ لَكُمْ عِبَراً مِنْ آثَارِ الْمَاضِينَ قَبْلَكُمْ- مِنْ مُسْتَمْتَعِ خَلَاقِهِمْ- وَ مُسْتَفْسَحِ خَنَاقِهِمْ‏ (4) أَرْهَقَهُمُ الْمَنَايَا دُونَ الْآمَالِ- لَمْ يَمْهَدُوا فِي سَلَامَةِ الْأَبْدَانِ‏ (5) وَ لَمْ يَعْتَبِرُوا فِي أُنُفِ الْأَوَانِ- فَهَلْ يَنْتَظِرُ أَهْلُ بَضَاضَةِ الشَّابِّ إِلَّا حَوَانِيَ الْهَرَمِ‏ (6)- وَ أَهْلُ غَضَارَةِ الصِّحَّةِ إِلَّا نَوَازِلَ السَّقَمِ- وَ أَهْلُ مُدَّةِ الْبَقَاءِ إِلَّا آوِنَةَ الْفَنَاءِ- مَعَ قُرْبِ الزِّيَالِ وَ أُزُوفِ الِانْتِقَالِ- وَ عَلَزِ الْقَلَقِ وَ أَلَمِ الْمَضَضِ وَ غَصَصِ الْجَرَضِ‏ (7)- وَ تَلَفُّتِ‏

____________

(1) تجلو أي تكشف. و كلمة «عن» زائدة. و الاشلاء جمع شلو- بالكسر- و هو العضو.

(2) الملائمة: الموافقة. و الاحناء جمع حنو و هو الجانب. و في النهاية «ملائمة لاحنائها» أي معاطفها. و الغرض الإشارة الى الحكم و المصالح المرعية في تركيب الأعضاء و ترتيبها و جعل كل منها في موضع يليق بها. و الظرف متعلق بالملائمة. و قال بعض شراح النهج كانه قال مركبة او مصورة فأتى بلفظة في كما تقول ركب في سلاحه و بسلاحه أى متسلحا.

(3) «مجللات» و «موجبات» من إضافة الصفة الى الموصوف، و الحواجز: الموانع و حواجز العافية ما يمنع المضار و يدفعها. و هي صفة مضافة الى موصوفها كسابقتيها.

(4) المستمتع على صيغة المفعول: ما ينتفع به. و الخلاق- بالفتح-: النصيب.

و الفسحة- بالضم-: السعة: و خنقه إذا عصر حلقه و الخناق- بالكسر-: ما يخنق به من حبل، و المراد مدة آجالهم في الدنيا.

(5) أرهقهم المنايا أي أدركتهم مسرعة أي أدركتهم المنايا قبل وصولهم الى آمالهم.

و تمهيد الامر: اصلاحه.

(6) انف- بضمتين-: أول الامر. و البضاضة: رقة اللون و صفاؤه: و الحوانى جمع حانية و هي العلة التي تحت الظهر. و الهرم كبر السن.

(7) الغضارة: طيب العيش و السعة و النعمة و الخصب و النوازل جمع نازلة و هي الشديدة من شدائد الدهر و الآونة جمع أوان و الزيال: مصدر زايله مزايلة و زيالا أي فارقه. و الازوف:

الدنو و القرب و العلز- بالتحريك قلق و خفة يصيب المريض و المحتضر و الاسير. و المضض.

425

الِاسْتِعَانَةِ (1) بِنُصْرَةِ الْحَفَظَةِ وَ الْأَقْرِبَاءِ وَ الْأَعِزَّةِ وَ الْقُرَنَاءِ- فَهَلْ دَفَعَتِ الْأَقَارِبُ أَوْ نَفَعَتِ النَّوَاحِبُ- وَ قَدْ غُودِرَ فِي مَحَلَّةِ الْأَمْوَاتِ رَهِيناً- وَ فِي ضِيقِ الْمَضْجَعِ وَحِيداً- قَدْ هَتَكَتِ الْهَوَامُّ جِلْدَتَهُ- وَ أَبْلَتِ النَّوَاهِكُ جِدَّتَهُ- وَ عَفَتِ الْعَوَاصِفُ آثَارَهُ- وَ مَحَا الْحَدَثَانُ مَعَالِمَهُ‏ (2)- وَ صَارَتِ الْأَجْسَادُ شَحِبَةً بَعْدَ بَضَّتِهَا- وَ الْعِظَامُ نَخِرَةً بَعْدَ قُوَّتِهَا- وَ الْأَرْوَاحُ مُرْتَهَنَةً بِثِقَلِ أَعْبَائِهَا (3) مُوقِنَةً بِغَيْبِ أَنْبَائِهَا- لَا تُسْتَزَادُ مِنْ صَالِحِ عَمَلِهَا- وَ لَا تُسْتَعْتَبُ مِنْ سَيِّئِ زَلَلِهَا (4)- أَ وَ لَسْتُمْ تَرَوْنَ أَبْنَاءَ الْقَوْمِ وَ الْآبَاءَ وَ إِخْوَانَهُمْ وَ الْأَقْرِبَاءَ- تَحْتَذُونَ‏

____________

- محركة-: وجع المصيبة و بلوغ الحزن من القلب. و جرض بريقه- كفرح-: ابتلعه بالجهد على هم و حزن.

(1) التلفت: أبلغ من الالتفات. و الباء في «بنصرة إلخ» متعلق بالاستعانة او بالتلفت فيكون بمعنى «الى» و إضافة التلفت تفيد الملابسة. و الحفظة في النهج «الحفدة» و هو الصواب و معناها: الاعوان و الخدم و قيل: أولاد الاولاد.

(2) غودر أي ترك و بقى. و «رهينا» أي موثوقا بذنوبه او بأعماله. و الهوام- بشد الميم- جمع الهامة و هي من الحيوان كل ذات سم يقتل كالحياب و اما ما يسم و لا يقتل فهو السامة كالعقرب و الزنبور: و النواهك- جمع ناهك- و هو المبالغ في جميع الأشياء من نهكه الحمى أي أضناه. وجد الشي‏ء جدة: صار جديدا. و «عفت» أي محت. و العواصف: الرياح الشديدة. و المعالم: جمع معلم- بفتح الميم- و هو ما يستدل به و الحدثان مصدر يدلّ على الاضطراب بمعنى ما يحدث.

(3) الشحبة- بفتح الشين- الهالكة. و شحب يشحب شحوبا أي تغير من سفر أو هزال أو عمل. و قد مر. و البضة: رقة اللون و صفاؤها و نخرة اي بالية. و الاعباء: الاثقال، جمع عب‏ء- بالكسر- و هو الحمل و أعباء الأرواح ذنوبها.

(4) «لا تستزاد- الخ» أي لا يطلب منها العمل فانه لا عمل بعد الموت. «و لا تستعتب»- مبنى للمفعول- أى لا يطلب منها تقديم العتبى يعنى التوبة عن العمل القبيح، أو مبنى للفاعل أى لا يمكنها أن تطلب الرضا و الاقالة من السيئات.

426

أَمْثِلَتَهُمْ وَ تَرْكَبُونَ قِدَّتَهُمْ وَ تَطَئُونَ جَادَّتَهُمْ- فَالْقُلُوبُ قَاسِيَةٌ عَنْ حَظِّهَا (1) لَاهِيَةٌ عَنْ رُشْدِهَا- سَالِكَةٌ فِي غَيْرِ مِضْمَارِهَا كَأَنَّ الْمَعْنِيَّ سِوَاهَا (2)- وَ كَأَنَّ الرُّشْدَ فِي إِحْرَازِ دُنْيَاهَا- فَاعْلَمُوا أَنَّ مَجَازَكُمْ عَلَى الصِّرَاطِ وَ مَزَالِقِ دَحْضِهِ- وَ أَهَاوِيلِ زَلَلِهِ وَ تَارَاتِ أَهْوَالِهِ‏ (3)- فَاتَّقُوا اللَّهَ تَقِيَّةَ ذِي لُبٍّ شَغَلَ التَّفَكُّرُ قَلْبَهُ- وَ أَنْصَبَ الْخَوْفُ بَدَنَهُ وَ أَسْهَرَ التَّهَجُّدُ غِرَارَ نَوْمِهِ- وَ أَظْمَأَ الرَّجَاءُ هَوَاجِرَ يَوْمِهِ‏ (4)- فَظَلَفَ الرَّهَبُ شَهَوَاتِهِ- وَ أَوْجَفَ الذِّكْرُ بِلِسَانِهِ- وَ قَدَّمَ الْخَوْفَ لِإِبَّانِهِ وَ تَنَكَّبَ الْمَخَالِجَ عَنْ وَضَحِ السَّبِيلِ‏ (5)- وَ سَلَكَ أَقْصَدَ الْمَسَالِكِ إِلَى النَّهْجِ الْمَطْلُوبِ- وَ لَمْ تَفْتِلْهُ فَاتِلَاتُ الْغُرُورِ- وَ لَمْ تَعْمَ عَلَيْهِ مُشْتَبِهَاتُ الْأُمُورِ (6)

____________

(1) القدة- بالكسر و الدال المهملة-: الطريقة. و «تطأون جادتهم» أي تسيرون على سبيلهم بلا انحراف عنهم في شي‏ء أي يصيبكم ما أصابهم بدون أي تفاوت. و قسى القلب:

صلب و غلظ.

(2) المعنى: المقصود و المراد، أي كان المأمور و المنهى و المخاطب بالمواعظ و الزواجر و الوعد و الوعيد غير تلك القلوب.

(3) المزلق: المكان الذي تزل فيه القدم و لا تثبت. و الدحض هو انقلاب الرجل بغتة فسقط المار. و الزلل: هو انزلاق القدم. و تارات الاهوال: دفعاتها.

(4) «أنصب الخوف بدنه» أي أتعبه. و الغرار- بالكسر-: قلة النوم، أو قليله، و لعل المعنى لم يترك العبادة له نوما قليلا. «و أسهر التهجد» أي أزال قيام الليل نومه القليل، فأذهبه بالمرة. و الهواجر جمع هاجرة أي صار رجاء الثواب موجب لان أظمأ نفسه في هاجرة اليوم بالصوم فيها.

(5) «ظلف الرهب» أي منع الخوف. و في النهج «ظلف الزهد». و أوجف دابته أى حركها مسرعا و حثها على السير. و الابان- بكسر الهمزة و تشديد الباء الموحدة-:

حينه و وقته يعنى القيامة. و تنكب الشي‏ء: مال عنه. و المخالج: الطرق المتشعبة عن الطريق الأعظم. و خلج أي جذب كأنّها تجذب الإنسان إليها. و الوضح: جادة الطريق و الجار و المجرور متعلق بالمخالج أي المخالج المتشعبة عن الطريق الواضح.

(6) فتله- كضربه- صرفه عن وجهه. و فاتلات الغرور: وساوس الشيطان. «و لم.

427

ظَافِراً بِفَرْحَةِ الْبُشْرَى- وَ رَاحَةِ النُّعْمَى فِي أَنْعَمِ نَوْمِهِ‏ (1) وَ آمَنِ يَوْمِهِ- قَدْ عَبَرَ مَعْبَرَ الْعَاجِلَةِ حَمِيداً- وَ قَدَّمَ زَادَ الْآجِلَةِ سَعِيداً وَ بَادَرَ مِنْ وَجَلٍ- وَ أَكْمَشَ فِي مَهَلٍ وَ رَغِبَ فِي طَلَبٍ- وَ ذَهَبَ عَنْ هَرَبٍ‏ (2) وَ رَاغِبٌ فِي يَوْمِهِ غَدَهُ- وَ نَظَرَ قُدُماً أَمَامَهُ فَكَفَى بِالْجَنَّةِ ثَوَاباً- وَ نَوَالًا وَ كَفَى بِالنَّارِ عِقَاباً وَ وَبَالًا- وَ كَفَى بِاللَّهِ مُنْتَقِماً وَ نَصِيراً- وَ كَفَى بِالْكِتَابِ حَجِيجاً وَ خَصِيماً- وَ مِنْهَا أَمْ هَذَا الَّذِي أَنْشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ- وَ شُغُفِ الْأَسْتَارِ نُطْفَةً دِهَاقاً وَ عَلَقَةً مِحَاقاً- وَ جَنِيناً وَ رَاضِعاً (3)- وَ وَلِيداً وَ يَافِعاً (4) ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً- وَ لِسَاناً لَافِظاً وَ بَصَراً لَاحِظاً- لِيَفْهَمَ مُعْتَبِراً وَ يُقَصِّرَ مُزْدَجِراً حَتَّى إِذَا قَامَ اعْتِدَالُهُ- وَ اسْتَوَى مِثَالُهُ‏ (5) نَفَرَ مُسْتَكْبِراً- وَ خَبَطَ سَادِراً مَاتِحاً فِي غَرْبِ هَوَاهُ- كَادِحاً سَعْياً لِدُنْيَاهُ فِي لَذَّاتِ طَرَبِهِ وَ بَدَوَاتِ أَرَبِهِ- ثُمَّ لَا يَحْتَسِبُ رَزِيَّةً (6) وَ لَا يَخْشَعُ نعيه [تَقِيَّةً- فَمَاتَ فِي قَبِيلَتِهِ‏

____________

تعم عليه» أي لم تخف عليه الأمور المشتبهة حتّى يقع فيها على غير بصيرة.

(1) النعمى- بالضم-: الخفض و الدعة و ما أنعم به عليك. و أنعم النوم: أطيبه و المراد بالنوم اما الراحة في الجنة اطلاقا لاسم الملزوم على لازمه، او الراحة في البرزخ أو لان مكث الجسد في القبر يشبه النوم.

(2) الوجل: الخوف أي سارع الى الاعمال الصالحة من خوف اللّه تعالى. و أكمش أى أسرع في مدة حياته. و قوله «ذهب عن هرب» أي فر ممّا يهرب عن مثله.

(3) الشغف: جمع شغاف و هو في الأصل غلاف القلب استعارة لموضع الولد. و الدهاق الذي أفرغ افراغا شديدا، و المحق: المحو.

(4) اليافع: الغلام الذي شارف الاحتلام.

(5) أي بلغت قامته حد ما قدر لها من النمو.

(6) السادر: الذي لا يهتم و لا يبالى ما صنع و المتحير. و الماتح- بالتاء المثناة من فوق-: الذي يستقى الماء بالدلو من أعلى البئر و المائح- بالياء المثناة من تحت-: الذي ينزل البئر ليملأ الدلو.

و الغرب هو الدلو العظيمة التي تتخذ من جلد ثور شبه بها لسعة الامانى. و كدح في.

428

عَزِيزاً وَ عَاشَ فِي هَفْوَتِهِ يَسِيراً (1)- لَمْ يُفِدْ عِوَضاً وَ لَمْ يَقْضِ مُفْتَرَضاً- دَهِمَتْهُ فَجَعَاتُ الْمَنِيَّةِ فِي غُبَّرِ جِمَاحِهِ وَ سَنَنِ مِرَاحِهِ‏ (2) فَظَلَّ سَادِراً- وَ بَاتَ سَاهِراً فِي غَمَرَاتِ الْآلَامِ- وَ طَوَارِقِ الْأَوْجَاعِ وَ الْأَسْقَامِ‏ (3) بَيْنَ أَخٍ شَقِيقٍ- وَ وَالِدٍ شَفِيقٍ وَ دَاعِيَةٍ بِالْوَيْلِ جَزَعاً- وَ لَادِمَةٍ لِلصَّدْرِ قَلَقاً وَ الْمَرْءُ فِي سَكْرَةٍ مُلْهِيَةٍ- وَ غَمْرَةٍ كَارِثَةٍ وَ أَنَّةٍ مُوجِعَةٍ (4) وَ جَذْبَةٍ مُكْرِبَةٍ- وَ سَوْقَةٍ مُتْعِبَةٍ قَدْ أُدْرِجَ فِي أَكْفَانِهِ مُبْلِساً- وَ جُذِبَ مُنْقَاداً

____________

العمل كدوحا: سعى. و لعلّ المراد ببدوات أربه. ما يخطر بباله و يبدو له أي يظهر آرائه المختلفة باختلاف دواعيه و الحاصل أنّه ذهب الى ما يبدو له من رغباته غير متقيد بالشريعة و لا ملتزم حدود الفضيلة. و الارب محركة: الحاجة. و احتساب الرزية: الاعتداد بها. أى لا يظنها و لا يفكر في وقوعها. و الرزية: المصيبة.

(1) النعى: خبر الموت. و في النهج «و لا يخشع تقية». و قوله «فمات في قبيلته عزيزا» فى بعض النسخ «فمات في فتنته غريرا» و هكذا في النهج و هو الصواب ظاهرا. و الغرير:

المغرور، و الهفوة: الزلة.

(2) دهمته أي غشيته. و فجعات المنية أسبابها و أفجعته أي أوجعته و الفجيعة. المصيبة و «غير جماحه» جمع غابر بمعنى الباقي و المراد بقايا هواه و شهواته و عتوه الذي ذهب كثير منها. و السنن- محركة-: النهج و الطريقة. و المراح- ككتاب اسم من مرح الرجل اذا أشر و بطر و نشط و تبختر. و المعنى هجمت عليه الأمراض و الاوجاع و أسباب الموت في أثناء غفلته و عتوه و اغتراره.

(3) «فظل سادرا» أي كان في جميع النهار متحيرا لشدة ما نزل به. و غمرة الشي‏ء:

شدته. و طوارق الاوجاع: ما يأتي منها ليلا و سمى الآتي بالليل طارقا لحاجته الى دق الباب لان الطرق بمعنى الضرب و كثيرا ما يشتد الاوجاع و الاسقام ليلا.

(4) الشقيق: الأخ، و اتصاف الأخ بالشقيق للمبالغة في العطوفة و الرحمة. و اللادمة:

الضارية. و الكارثة: الشديدة الشاقة. و الآونة- بفتح فتشديد-: من الآن أي التوجع. و المراد بجذبة مكربة جذبات الانفاس عند النزع. و السوقة: من ساق المريض نفسه عند الموت سوقا و سياقا. و مبلسا أي آيسا من أهله. و ماله أو من الرجوع الى الدنيا. و «سلسا» أي.

429

سَلِساً ثُمَّ أُلْقِيَ عَلَى الْأَعْوَادِ رَجِيعَ وَصَبٍ- وَ نِضْوَ سَقَمٍ تَحْمِلُهُ حَفَدَةُ الْوِلْدَانِ وَ حَشَدَةُ الْإِخْوَانِ- إِلَى دَارِ غُرْبَتِهِ وَ مُنْقَطَعِ زَوْرَتِهِ‏ (1) حَتَّى إِذَا انْصَرَفَ الْمُشَيِّعُ- وَ رَجَعَ الْمُتَفَجِّعُ أُقْعِدَ فِي حُفْرَتِهِ نَجِيّاً لِبَهْتَةِ السُّؤَالِ- وَ عَثْرَةِ الِامْتِحَانِ‏ (2) وَ أَعْظَمُ مَا هُنَالِكَ بَلِيَّةً نُزُلُ الْحَمِيمِ- وَ تَصْلِيَةُ الْجَحِيمِ وَ فَوْرَاتُ السَّعِيرِ- وَ سَوْرَاتُ الزَّفِيرِ (3) لَا فَتْرَةٌ مُرِيحَةٌ- وَ لَا دَعَةٌ مُزِيحَةٌ وَ لَا قُوَّةٌ حَاجِزَةٌ- وَ لَا مَوْتَةٌ نَاجِزَةٌ وَ لَا سِنَةٌ مُسَلِّيَةٌ- بَيْنَ أَطْوَارِ الْمَوْتَاتِ وَ عَذَابِ السَّاعَاتِ إِنَّا بِاللَّهِ عَائِذُونَ‏ (4)- عِبَادَ اللَّهِ أَيْنَ الَّذِينَ عُمِّرُوا فَنَعِمُوا وَ عُلِّمُوا فَفَهِمُوا- وَ نُظِرُوا فَلَهَوْا وَ سُلِّمُوا فَنَسُوا- أُمْهِلُوا طَوِيلًا وَ مُنِحُوا جَمِيلًا- وَ حُذِّرُوا أَلِيماً وَ وُعِدُوا جَسِيماً- احْذَرُوا الذُّنُوبَ الْمُوَرِّطَةَ وَ الْعُيُوبَ الْمُسْخِطَةَ أُوْلِي الْأَسْمَاعِ وَ الْأَبْصَارِ وَ الْعَافِيَةِ وَ الْمَتَاعِ- هَلْ مِنْ مَنَاصٍ أَوْ خَلَاصٍ أَوْ مَعَاذٍ أَوْ مَلَاذٍ أَوْ قَرَارٍ أَوْ مَجَازٍ (5) أَمْ لَا- فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ‏ أَمْ أَيْنَ تُصْرَفُونَ- أَمْ بِمَا ذَا

____________

سهلا لعدم قدرته على الممانعة.

(1) الرجيع من الدوابّ ما رجعته من سفر الى سفر و هو الكال. و الوصب: التعب و المرض. و «نضو» بالكسر: المهزول. و الحفدة: الاعوان. و الحشدة: المسارعون الى التعاون. و الزورة من زاره يزوره و منقطع الزورة: حيث لا يزور.

(2) النجى: من تحادثه سرا. و بهتة السؤال: دهشته و حيرته. و العثرة: الزلة.

(3) الحميم في الأصل؛ الماء الحار؛ و التصلية: الاحراق: و المراد هنا دخول جهنم. و فارت القدر: جاشت. و السعير النار أو لهبها. و السورة: الشدة. و الزفير:

صوت النار عند توقدها.

(4) الفترة: السكون بعد حدة و اللين بعد شدة. أى لا يفتر العذاب حتّى يستريح المعذب من الالم، و لا تكون دعة- أى راحة- حتى تزيح عنه ما أصابه من التعب، و ليست له قوة بحجز عنه. و لا بموتة حاضرة تذهب باحساسه عن الشعور بتلك الآلام. و الناجز:

الحاضر و السريع. و السنة: اوائل النوم. و المسلية: الملتهبة عن الالم. و الاطوار الانواع و المراد بالموتات: العقوبات.

(5) في بعض النسخ «أو فرار أو محار» أي مرجع الى الدنيا بعد فراقها.

430

تَغْتَرُّونَ- وَ إِنَّمَا حَظُّ أَحَدِكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ذَاتِ الطُّولِ وَ الْعَرْضِ- قِيدُ قَدِّهِ‏ (1) مُتَعَفِّراً عَلَى خَدِّهِ- الْآنَ عِبَادَ اللَّهِ وَ الْخِنَاقُ مُهْمَلٌ‏ (2)- وَ الرُّوحُ مُرْسَلٌ فِي فَيْنَةِ الْإِرْشَادِ (3) وَ رَاحَةِ الْأَجْسَادِ- وَ مَهَلِ الْبَقِيَّةِ وَ أُنُفِ الْمَشِيَّةِ وَ إِنْظَارِ التَّوْبَةِ- وَ انْفِسَاحِ الْحَوْبَةِ (4) قَبْلَ الضَّنْكِ وَ الْمَضِيقِ- وَ الرَّوْعِ وَ الزُّهُوقِ- وَ قَبْلَ قُدُومِ الْغَائِبِ الْمُنْتَظَرِ (5) وَ أَخْذِ الْعَزِيزِ الْمُقْتَدِرِ.

44- وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ(ع)فَاتَّعِظُوا عِبَادَ اللَّهِ بِالْعِبَرِ النَّوَافِعِ- وَ اعْتَبِرُوا بِالْآيِ السَّوَاطِعِ- وَ ازْدَجِرُوا بِالنُّذُرِ الْبَوَالِغِ‏ (6)- وَ انْتَفِعُوا بِالذِّكْرِ وَ الْمَوَاعِظِ- فَكَأَنْ قَدْ عَلِقَتْكُمْ مَخَالِبُ الْمَنِيَّةِ- وَ انْقَطَعَتْ عَنْكُمْ عَلَائِقُ الْأُمْنِيَّةِ- وَ دَهِمَتْكُمْ مُفْظِعَاتُ الْأُمُورِ (7) وَ السِّيَاقَةُ إِلَى الْوِرْدِ الْمَوْرُودِ (8)- وَ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهِيدٌ- وَ سَائِقٌ يَسُوقُهَا إِلَى مَحْشَرِهَا- وَ شَاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِعَمَلِهَا.

45

- وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ(ع)هَلْ يُحِسُّ بِهِ أَحَدٌ إِذَا دَخَلَ مَنْزِلًا- أَمْ هَلْ يَرَاهُ‏

____________

(1) «قيد قده»- بكسر القاف و فتحها من الثاني-: مقدار طوله، يريد مضجعه من القبر.

(2) الخناق- بكسر الخاء المعجمة-: الحبل يخنق به و المراد الموت أو أسبابه.

(3) «فينة الإرشاد» بفتح الفاء و تقديم الياء على النون-: الساعة و الحين. و يمكن أن يقرأ «فينة الارتياد» يعنى الطلب.

(4) و الانف- بضمتين- المستأنف يعنى لو أردتم استيناف المشيئة لامكنكم. و الحوبة:

الحاجة، و انفساح الحوبة: سعة وقت الحاجة أي العمل الذي يحتاج إليه العبد.

(5) الروع: الخوف. و الزهوق: الاضمحلال. و المراد بالغائب المنتظر: الموت.

(6) الآي: جمع آية و هي الدليل. و السواطع: الظاهرة الدلالة. و البوالغ: جمع البالغة غاية البيان لكشف عواقب التفريط. و النذر جمع النذير بمعنى الانذار او المخوف.

(7) المنية: الموت. و فظع الامر إذا اشتد.

(8) الورد- بالكسر- الأصل فيه: الماء يورد للرّيّ و المراد به الموت او المحشر و لعلّ الوصف بالمورود للدلالة على أنّه لا بدّ من ورده.

431

إِذَا تَوَفَّى أَحَداً- بَلْ كَيْفَ يَتَوَفَّى الْجَنِينَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ- أَ يَلِجُ عَلَيْهِ مِنْ بَعْضِ جَوَارِحِهَا أَمِ الرُّوحُ أَجَابَتْهُ بِإِذْنِ رَبِّهَا- أَمْ هُوَ سَاكِنٌ مَعَهَا فِي أَحْشَائِهَا- كَيْفَ يَصِفُ إِلَهَهُ مَنْ يَعْجِزُ عَنْ صِفَةِ مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ.

46

- وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ(ع)عِبَادَ اللَّهِ اللَّهَ اللَّهَ‏ (1) فِي أَعَزِّ الْأَنْفُسِ عَلَيْكُمْ وَ أَحَبِّهَا إِلَيْكُمْ- فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْصَحَ سَبِيلَ الْحَقِّ وَ أَنَارَ طُرُقَهُ- بِشَقْوَةٍ لَازِمَةٍ أَوْ سَعَادَةٍ دَائِمَةٍ (2)- فَتَزَوَّدُوا فِي أَيَّامِ الْفَنَاءِ لِأَيَّامِ الْبَقَاءِ- فَقَدْ دُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ وَ أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ‏ (3) وَ حُثِثْتُمْ عَلَى السَّيْرِ- فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَرَكْبٍ وُقُوفٍ لَا يَدْرُونَ مَتَى يُؤْمَرُونَ بِالْمَسِيرِ- أَلَا فَمَا يَصْنَعُ بِالدُّنْيَا مَنْ خُلِقَ لِلْآخِرَةِ- وَ مَا يَصْنَعُ بِالْمَالِ مَنْ عَمَّا قَلِيلٍ يُسْلَبُهُ وَ يَبْقَى عَلَيْهِ تَبِعَتُهُ وَ حِسَابُهُ- عِبَادَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِمَا وَعَدَ اللَّهُ مِنَ الْخَيْرِ مَتْرَكٌ- وَ لَا فِيمَا نَهَى عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ مَرْغَبٌ عِبَادَ اللَّهِ احْذَرُوا يَوْماً تُفْحَصُ فِيهِ الْأَعْمَالُ- وَ يَكْثُرُ فِيهِ الزِّلْزَالُ وَ تَشِيبُ فِيهِ الْأَطْفَالُ- اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ عَلَيْكُمْ رَصَداً مِنْ أَنْفُسِكُمْ- وَ عُيُوناً مِنْ جَوَارِحِكُمْ وَ حُفَّاظَ صِدْقٍ يَحْفَظُونَ أَعْمَالَكُمْ وَ عَدَدَ أَنْفَاسِكُمْ- لَا تَسْتُرُكُمْ مِنْهُ ظُلْمَةُ لَيْلٍ دَاجٍ وَ لَا يُكِنُّكُمْ مِنْهُ بَابٌ ذُو رِتَاجٍ‏ (4)- وَ أَنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ- يَذْهَبُ الْيَوْمُ بِمَا فِيهِ وَ يَجِي‏ءُ الْغَدُ بِمَا لَا خَفَاءَ بِهِ- فَكَأَنَّ كُلَّ امْرِئٍ مِنْكُمْ قَدْ بَلَغَ مِنَ الْأَرْضِ مَنْزِلَ وَحْدَتِهِ وَ مَحَطَّ حُفْرَتِهِ- فَيَا لَهُ مِنْ بَيْتِ وَحْدَةٍ وَ مَنْزِلِ وَحْشَةٍ وَ مُفْرَدِ غُرْبَةٍ- وَ كَأَنَّ الصَّيْحَةَ قَدْ أَتَتْكُمْ وَ السَّاعَةَ قَدْ غَشِيَتْكُمْ- وَ بَرَزْتُمْ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ- قَدْ زَاحَتْ عَنْكُمُ الْأَبَاطِيلُ وَ اضْمَحَلَّتْ عَنْكُمُ الْعِلَلُ‏ (5)- وَ اسْتَحَقَّتْ بِكُمُ الْحَقَائِقُ وَ صَدَرَتْكُمُ الْأُمُورُ مَصَادِرَهَا

____________

(1) أي راقبوا اللّه في أعز الانفس و لعلّ المراد بها النفس المطمئنة.

(2) مرفوعان على الخبرية أي فعاقبتكم أو جزاؤكم شقوة أو سعادة و اللازم غير مفارق و الدائم: غير الزائل.

(3) و الظعن: الرحيل.

(4) الداجى: المظلم. و الرتاج- ككتاب-: الباب العظيم إذا كان محكم الغلق.

(5) زاحت أي بعدت، و العلل: جمع العلة و هي المرض الشاغل.

432

فَاتَّعِظُوا بِالْغِيَرِ وَ اعْتَبِرُوا بِالْعِبَرِ وَ انْتَفِعُوا بِالنُّذُرِ.

47- وَ مِنْ كَلَامِهِ(ع)قَالَهُ بَعْدَ تِلَاوَتِهِ‏ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (1) يَا لَهُ مَرَاماً مَا أَبْعَدَهُ وَ زَوْراً مَا أَغْفَلَهُ- وَ حُطَاماً مَا أَفْرَغَهُ وَ خَطَراً مَا أَفْظَعَهُ- أَ فَبِمَصَارِعِ آبَائِهِمْ يَفْتَخِرُونَ- أَمْ بِعَدِيدِ الْهَلْكَى يَتَكَاثَرُونَ- يَرْتَجِعُونَ مِنْهُمْ أَجْسَاداً خَوَتْ‏ (2) وَ حَرَكَاتٍ سَكَنَتْ‏ (3)- وَ لَأَنْ يَكُونُوا عِبَراً أَحَقُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُفْتَخَراً- وَ لَأَنْ يَهْبِطُوا مِنْهُمْ جَنَابَ ذِلَّةٍ- أَحْجَى مِنْ أَنْ يَقُومُوا بِهِمْ مَقَامَ عِزَّةٍ (4)- لَقَدْ نَظَرُوا إِلَيْهِمْ بِأَبْصَارِ الْعَشْوَةِ- وَ ضَرَبُوا مِنْهُمْ فِي غَمْرَةِ جَهَالَةٍ (5)- وَ لَوِ اسْتَنْطَقُوا عَنْهُمْ عَرَصَاتِ تِلْكَ الدِّيَارِ الْخَاوِيَةِ- وَ الرُّبُوعِ الْخَالِيَةِ لَقَالَتْ ذَهَبُوا فِي الْأَرْضِ ضُلَّالًا (6)- وَ ذَهَبْتُمْ فِي أَعْقَابِهِمْ جُهَّالًا- تَطَئُونَ فِي هَامِهِمْ‏ (7) وَ تَسْتَثْبِتُونَ فِي أَجْسَادِهِمْ- وَ تَرْتَعُونَ فِيمَا لَفَظُوا وَ تَسْكُنُونَ فِيمَا خَرَّبُوا وَ إِنَّمَا الْأَيَّامُ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَكُمْ بَوَاكٍ وَ نَوَائِحُ عَلَيْكُمْ‏

____________

(1) أي شغلكم عن طاعة اللّه و صرفكم عن الآخرة مكاثرة بعضكم لبعض.

(2) خوت أي سقطت بناؤها و خلت من أرواحها.

(3) المعنى أنهم يذكرون آباءهم و يفتخرون بهم فكانهم ردوهم الى الدنيا و ارتجعوهم من القبور. و قيل هو استفهام و ان لم يكن حرف الاستفهام مذكورا أي يرتجعون منهم أجسادا خوت. و كلمة «من» يحتمل أن يكون للتجريد فالمعنى أ يرتجعون من أجسادهم اجسادا خوت و من حركاتهم حركات سكنت. و يحتمل أن يكون صلة للارتجاع فيكون الاجساد الخاوية كالهبة التي يرتجعها الواهب، و أن يكون للتبعيض فالضمير المجرور لعامة أهل المقابر.

(4) الجناب بالفتح: الناحية و الفناء. و «أحجى» أي أولى.

(5) العشوة- بالفتح-: سوء البصر بالليل. و ضرب في الماء: سبح أي خاضوا و سبحوا من ذكرهم في غمرة الجهالة.

(6) الخاوية: الخالية و المنهدمة. و الربوع: الاماكن و المساكن. و الضلال- كعشاق- جمع ضال.

(7) هام- جمع هامة- و هي أعلى الرأس.

433

أُولَئِكُمْ سَلَفُ غَايَتِكُمْ- وَ فُرَّاطُ مَنَاهِلِكُمُ الَّذِينَ كَانَتْ لَهُمْ مَقَاوِمُ الْعِزِّ- وَ حَلَبَاتُ الْفَخْرِ مُلُوكاً وَ سُوَقاً (1)- وَ سَلَكُوا فِي بُطُونِ الْبَرْزَخِ سَبِيلًا- سُلِّطَتِ الْأَرْضُ عَلَيْهِمْ فِيهِ فَأَكَلَتْ مِنْ لُحُومِهِمْ وَ شَرِبَتْ مِنْ دِمَائِهِمْ- فَأَصْبَحُوا فِي فَجَوَاتِ قُبُورِهِمْ جَمَاداً لَا يَنْمُونَ وَ ضِمَاراً لَا يُوجَدُونَ‏ (2)- لَا يُفْزِعُهُمْ وُرُودُ الْأَهْوَالِ وَ لَا يَحْزُنُهُمْ تَنَكُّرُ الْأَحْوَالِ- وَ لَا يَحْفِلُونَ بِالرَّوَاجِفِ وَ لَا يَأْذَنُونَ لِلْقَوَاصِفِ‏ (3)- غُيَّباً لَا يُنْتَظَرُونَ وَ شُهُوداً لَا يَحْضُرُونَ وَ إِنَّمَا كَانُوا جَمِيعاً فَتَشَتَّتُوا وَ أُلَّافاً فَافْتَرَقُوا (4)- وَ مَا عَنْ طُولِ عَهْدِهِمْ وَ لَا بُعْدِ مَحَلِّهِمْ عَمِيَتْ أَخْبَارُهُمْ وَ صَمَّتْ دِيَارُهُمْ‏ (5)- وَ لَكِنَّهُمْ سُقُوا كَأْساً بَدَّلَتْهُمْ بِالنُّطْقِ خَرَساً (6) وَ بِالسَّمْعِ صَمَماً- وَ بِالْحَرَكَاتِ سُكُوناً- فَكَأَنَّهُمْ فِي ارْتِجَالِ الصِّفَةِ صَرْعَى سُبَاتٍ‏ (7)- جِيرَانٌ لَا يَتَأَنَّسُونَ وَ أَحِبَّاءُ لَا يَتَزَاوَرُونَ- بَلِيَتْ بَيْنَهُمْ عُرَى التَّعَارُفِ وَ انْقَطَعَتْ مِنْهُمْ أَسْبَابُ‏

____________

(1) «سلف الغاية»: السابق إليها. و الغاية: الحد الذي ينتهى إليه الشي‏ء حسيا أو معنويا. و المراد: الموت. و فرط فلان القوم- كنصر- أى تقدمهم الى الورد لا صلاح الحوض و الدلاء، و الفرط- بالتحريك-: المتقدم الى الماء. و المناهل: مواضع ما تشرب الشاربة من النهر، و قد تقدم. و مقاوم: جمع مقام. و الحلبات- جمع حلبة- بالفتح- و هى الدفعة من الخيل في الرهان، أو هي الخيل تجتمع للنصرة من كل أوب. و السوق- بضم ففتح جمع سوقه بالضم-: بمعنى الرعية.

(2) الفجوة الفرجة و المراد هنا شق القبر. و قوله «و لا ينمون» من النمو و هو الزيادة من الغذاء. و الضمار: خلاف العيان الغائب و الذي لا يرجى ايابه.

(3) «لا يحفلون- بكسر الفاء-: اي لا يبالون. و الرواجف- جمع راجفة-: الزلزلة توجب الاضطراب. و القواصف من قصف الرعد: اشتدت هدهدته. و أذن له: استمع.

(4) ألّاف جمع آلف أي مؤتلف مع غيره.

(5) صم يصم- بالفتح فيها-: خرس عن الكلام. و هذه النسبة الى الديار مجاز.

(6) المراد من خرس الديار عدم صعود الصوت من سكانها.

(7) ارتجال الصفة: وصف الحال بلا تأمل فالواصف لهم بأول النظر يظنهم صرعوا من السبات- بالضم-: أى النوم.

434

الْإِخَاءِ- فَكُلُّهُمْ وَحِيدٌ وَ هُمْ جَمِيعٌ- وَ بِجَانِبِ الْهَجْرِ وَ هُمْ أَخِلَّاءُ- لَا يَتَعَارَفُونَ لِلَيْلٍ صَبَاحاً وَ لَا لِنَهَارٍ مَسَاءً أَيُّ الْجَدِيدَيْنِ ظَعَنُوا فِيهِ كَانَ عَلَيْهِمْ سَرْمَداً (1)- شَاهَدُوا مِنْ أَخْطَارِ دَارِهِمْ أَفْظَعَ مِمَّا خَافُوا (2)- وَ رَأَوْا مِنْ آيَاتِهَا أَعْظَمَ مِمَّا قَدَّرُوا (3)- فَكِلْتَا الْغَايَتَيْنِ مُدَّتْ لَهُمْ إِلَى مَبَاءَةٍ- فَأَتَتْ مَبَالِغَ الْخَوْفِ وَ الرَّجَاءِ (4)- فَلَوْ كَانُوا يَنْطِقُونَ بِهَا لَعَيُّوا (5) بِصِفَةِ مَا شَاهَدُوا وَ مَا عَايَنُوا وَ لَئِنْ عَمِيَتْ آثَارُهُمْ وَ انْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُمْ- لَقَدْ رَجَعَتْ فِيهِمْ أَبْصَارُ الْعِبَرِ (6) وَ سَمِعَتْ عَنْهُمْ آذَانُ الْعُقُولِ- وَ تَكَلَّمُوا مِنْ غَيْرِ جِهَاتِ النُّطْقِ- فَقَالُوا كَلَحَتِ الْوُجُوهُ النَّوَاضِرُ وَ خَوَتِ الْأَجْسَامُ النَّوَاعِمُ‏ (7)- وَ لَبِسْنَا أَهْدَامَ الْبِلَى وَ تَكَاءَدَنَا ضِيقُ الْمَضْجَعِ‏ (8) وَ تَوَارَثْنَا الْوَحْشَةَ- وَ تَهَكَّمَتْ عَلَيْنَا الرُّبُوعُ الصُّمُوتُ- (9) فَانْمَحَتْ مَحَاسِنُ أَجْسَادِنَا

____________

(1) الجديدان: الليل و النهار. فان ذهبوا في نهار فلا يعرفون له ليلا أو في ليل فلا يعرفون نهارا.

(2) الخطر- بالتحريك-: الاشراف على الهلاك. و قوله: «أفظع» أي أشد شناعة.

(3) أي تصوروه: بعقولهم.

(4) المباءة: مكان التبوء و الاستقرار أي ضرب لها أجل ينتهون فيه الى مباءة و هى المرجع الى الجنة أو النار فاتت ذلك المرجع مبالغ الخوف و الرجاء عظمة، او تجاوزت عن أن يبلغها خوف خائف او رجاء راج لعظمتها.

(5) العى العجز، و عيى عن الكلام: عجز.

(6) أي نظرت اليهم بعد الموت نظرة ثانية. و العبر: جمع عبرة.

(7) كلح أي عبس. و النواضر: الحسنة البواسم. خوت أي تهدمت بنيتها، و تفرقت أعضاؤها.

(8) أهدام جمع هدم و هو الثوب البالى. و تكأد الامر بتشديد الهمزة- أى شق على.

(9) تهكمت أي تهدمت. و الربوع: أماكن الإقامة. و الصموت: جمع صامت و هي التي لا تنطق، و المراد القبور.

435

وَ تَنَكَّرَتْ مَعَارِفُ صُوَرِنَا- وَ طَالَتْ فِي مَسَاكِنِ الْوَحْشَةِ إِقَامَتُنَا- وَ لَمْ نَجِدْ مِنْ كَرْبٍ فَرَجاً وَ لَا مِنْ ضِيقٍ مُتَّسَعاً فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ بِعَقْلِكَ أَوْ كُشِفَ عَنْهُمْ مَحْجُوبُ الْغِطَاءِ لَكَ- وَ قَدِ ارْتَسَخَتْ أَسْمَاعُهُمْ بِالْهَوَامِّ فَاسْتَكَّتْ- وَ اخْتَلَجَتْ‏ (1) أَبْصَارُهُمْ بِالتُّرَابِ فَخَسَفَتْ- وَ تَقَطَّعَتِ الْأَلْسِنَةُ فِي أَفْوَاهِهِمْ بَعْدَ ذَلَاقَتِهَا (2)- وَ هَمَدَتِ الْقُلُوبُ فِي صُدُورِهِمْ بَعْدَ يَقَظَتِهَا (3)- وَ عَاثَ فِي كُلِّ جَارِحَةٍ مِنْهُمْ جَدِيدُ بِلًى سَمَّجَهَا (4)- وَ سَهَّلَ طُرُقَ الْآفَةِ إِلَيْهَا مُسْتَسْلِمَاتٍ- فَلَا أَيْدٍ تَدْفَعُ وَ لَا قُلُوبٌ تَجْزَعُ لَرَأَيْتَ أَشْجَانَ قُلُوبٍ وَ أَقْذَاءَ عُيُونٍ- لَهُمْ مِنْ كُلِّ فَظَاعَةٍ صِفَةُ حَالٍ لَا تَنْتَقِلُ وَ غَمْرَةٌ لَا تَنْجَلِي‏ (5)- فَكَمْ أَكَلَتِ الْأَرْضُ مِنْ عَزِيزِ جَسَدٍ وَ أَنِيقِ لَوْنٍ- كَانَ فِي الدُّنْيَا غَذِيَّ تَرَفٍ‏ (6) وَ رَبِيبَ شَرَفٍ- يَتَعَلَّلُ بِالسُّرُورِ فِي سَاعَةِ حُزْنِهِ- وَ يَفْزَعُ إِلَى السَّلْوَةِ إِنْ مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهِ- ضَنّاً بِغَضَارَةِ عَيْشِهِ وَ شَحَاحَةً بِلَهْوِهِ وَ لَعِبِهِ- (7) فَبَيْنَا هُوَ يَضْحَكُ إِلَى الدُّنْيَا وَ تَضْحَكُ‏

____________

(1) ارتسخت من رسخ الغدير رسوخا إذا نش ماؤه أي أخذ في النقصان و نضب يعنى نضب مستودع قوة السماع و ذهبت مادته بامتصاص الهوام و هي الديدان هنا. و استكت الاذن بتشديد الكاف أي صمت و انسدت. و قوله «فاختلجت أبكارهم» فى النهج «اكتحلت أبصارهم» و الظاهر هو الصواب.

(2) خسفت عين فلان: فقأها. و ذلاقة الألسن: حدتها في النطق.

(3) الهمود: الموت و طفوء النار و السكون. و اليقظة نقيض النوم.

(4) عاث أي أفسد. و البلى التحلل و الفناء. و سمج الصورة تسميجا: أى قبحها أى أفسد الفناء في كل عضو منهم فقبحه.

(5) اشجان القلوب: همومها. و اقذاء العيون: ما يسقط فيها فيؤلمها. و الفظاعة و الغمرة: الشدة.

(6) «من عزيز جسد» من إضافة الصفة. و الانيق: الحسن المعجب. و الغذى اسم بمعنى المفعول أي مغذى بالنعيم. و الترف التنعم.

(7) الربيب بمعنى المربى من ربّه يربه بالضم إذا رباه. و تعلل الامر تشاغل به. و السلوة- بالفتح-: ما يسلى عن الهم أي ينسيه. و الضن: البخل. و غضارة العيش: طيبه و الشح: البخل.

436

الدُّنْيَا إِلَيْهِ- فِي ظِلِّ عَيْشٍ غَفُولٍ‏ (1) إِذْ وَطِئَ الدَّهْرُ بِهِ حَسَكَهُ- وَ نَقَضَتِ الْأَيَّامُ قُوَاهُ- وَ نَظَرَتْ إِلَيْهِ الْحُتُوفُ مِنْ كَثَبٍ- فَخَالَطَهُ بَثٌّ لَا يَعْرِفُهُ وَ نَجِيُّ هَمٍّ مَا كَانَ يَجِدُهُ‏ (2) وَ تَوَلَّدَتْ فِيهِ فَتَرَاتُ عِلَلٍ آنَسَ مَا كَانَ بِصِحَّتِهِ- فَفَزِعَ إِلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ الْأَطِبَّاءُ مِنْ تَسْكِينِ الْحَارِّ بِالْقَارِّ (3)- وَ تَحْرِيكِ الْبَارِدِ بِالْحَارِّ- فَلَمْ يُطْفِئْ بِبَارِدٍ إِلَّا ثَوَّرَ حَرَارَةً- وَ لَا حَرَّكَ بِحَارٍّ إِلَّا هَيَّجَ بُرُودَةً- وَ لَا اعْتَدَلَ بِمُمَازِجٍ لِتِلْكَ الطَّبَائِعِ إِلَّا أَمَدَّ مِنْهَا- كُلَّ ذَاتِ دَاءٍ (4) حَتَّى فَتَرَ مُعَلِّلُهُ وَ ذَهَلَ مُمَرِّضُهُ- وَ تَعَايَا أَهْلُهُ بِصِفَةِ دَائِهِ- وَ خَرِسُوا عَنْ جَوَابِ السَّائِلينَ عَنْهُ- وَ تَنَازَعُوا دُونَهُ شَجِيَّ خَبَرٍ يَكْتُمُونَهُ- (5)

____________

(1) «فبينا هو يضحك الى الدنيا» أي مشتاقا أي متوجها إليها. و «يضحك الدنيا إليه» يجرى على وفق مراده. و وصف العيش بالغفلة لانه إذا كان هنيئا يوجبها.

(2) الحسك: نبات تعلق قشرته بصوف. و المراد ابتلاؤه بآلام الدهر. و الحتوف جمع الحتف- بالفتح- و هو الموت و الهلاك. و الكثب- بالتحريك-: أى قرب، يعنى توجهت إليه المهلكات على قرب منه. و البث: الحزن. و خالطه الحزن أي دخل في باطنه و النجى: المناجى، فعيل من ناجاه مناجاة أي ساره. و الهم: الحزن.

(3) الفترة- بالفتح-: انكسار الحدة و اللين على الحال. و «آنس» حال من ضمير «فيه». أى تولد فيه الضعف بسبب العلل حال كونه أشدّ انسا بصحته من جميع الأوقات السابقة و القار هنا ضد الحار.

(4) أي ما طلب تعديل مزاجه بدواء يمازج ما فيه من الطبائع ليعدلها الا و ساعد كل طبيعة على تولد الداء.

(5) معلل المريض: من يسليه عن مرضه بترجيه الشفاء، كما أن ممرضه من يتولى خدمته في مرضه لمرضه. و ذهله و ذهل عنه- كمنع- أى نسبه أو تناساه عمدا. و تعايا أي أظهر العيى أي العجز، و عييت بأمرى كرضيت: إذا لم تهتد لوجهه، و تعايا أهله بصفة دائه أي اشتركوا في العجز و الحيرة عن وصف دائه للطبيب و من يسأل عن حاله. و خرس- كفرح- أى انعقد لسانه و منع من الكلام خلقة المراد سكتوا كالاخرس عن جواب السائلين فلا يخبرون عن عافيته.

437

فَقَائِلٌ يَقُولُ هُوَ لِمَا بِهِ وَ مُمَنٍّ لَهُمْ إِيَابَ عَافِيَتِهِ- وَ مُصَبِّرٌ لَهُمْ عَلَى فَقْدِهِ- يُذَكِّرُهُمْ أُسَى الْمَاضِينَ مِنْ قَبْلِهِ‏ (1) فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ عَلَى جَنَاحٍ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا- وَ تَرْكِ الْأَحِبَّةِ إِذْ عَرَضَ لَهُ عَارِضٌ مِنْ غُصَصِهِ- فَتَحَيَّرَتْ نَوَافِذُ فِطْنَتِهِ‏ (2) وَ يَبِسَتْ رُطُوبَةُ لِسَانِهِ- فَكَمْ مِنْ مُهِمٍّ مِنْ جَوَابِهِ عَرَفَهُ فَعَيَّ عَنْ رَدِّهِ- وَ دُعَاءٍ مُؤْلِمٍ بِقَلْبِهِ سَمِعَهُ فَتَصَامَّ عَنْهُ‏ (3)- مِنْ كَبِيرٍ كَانَ يُعَظِّمُهُ أَوْ صَغِيرٍ كَانَ يَرْحَمُهُ‏ (4)- وَ إِنَّ لِلْمَوْتِ لَغَمَرَاتٍ هِيَ أَفْظَعُ مِنْ أَنْ تُسْتَغْرَقَ بِصِفَةٍ أَوْ تَعْتَدِلَ عَلَى عُقُولِ أَهْلِ الدُّنْيَا (5).

- 48- وَ مِنْ كَلَامِهِ(ع)إِنَّكُمْ مَخْلُوقُونَ اقْتِدَاراً وَ مَرْبُوبُونَ اقْتِسَاراً- (6)

____________

لعدم ظهور أماراتها، و عن عدمها و يأسهم من البرء لكونه مكروها لنفوسهم فلا ينطق بذكره لسانهم.

و «شجا»: الحزن و الخبر الذي يكتمونه هو موته، و قال بعض شراح النهج: أى تخاصموا في خبر ذى شجا أي خبر ذى غصة ينازعونه و هم حول المريض سرا دونه و هو لا يعلم بنجواهم و بما يفيضون فيه من أمره.

(1) «هو لما به» أي للامر الذي نزل به أي أشفى على الموت. «و ممن لهم اياب عافيته» المعنى: مخيل الامنية. و الاياب: الرجوع أي يبعثهم على الرجاء بعود عافيته فيقول: قدر أينا أسوأ حالا منه ثمّ عوفى. و الاسى: جمع الاسوة و هي ما يتأسى به الحزين و يتسلى و سمى الصبر اسوة لانه يذكرهم التأسى بالماضين في موت أقاربهم و أحبابهم أو صبرهم عليه.

(2) أي الأفكار الدقيقة الصائبة.

(3) تصام عنه أي أظهر الصمم بعدم الالتفات للعجز عن الكلام.

(4) المراد بالكبير الذي يعظمه الوالد، و الصغير الولد. و الغمرات الشدائد، و الفظيع الشديد. و الاستغراق: الاستيعاب أي شدائد الموت أشدّ من أن يشمله بيان و وصف.

(5) تعتدل اي تستقيم عليها بالقبول و الإدراك، اى لغفلتهم عنها لا تتناسب عند عقولهم قيد ركونها.

(6) مربوبون: مملوكون. و الاقتسار: الغلبة و القهر.

438

وَ مَقْبُوضُونَ احْتِضَاراً وَ مُضَمَّنُونَ أَجْدَاثاً- وَ كَائِنُونَ رُفَاتاً وَ مَبْعُوثُونَ أَفْرَاداً وَ مَدِينُونَ جَزَاءً وَ مُمَيَّزُونَ حِسَاباً (1) فَرَحِمَ اللَّهُ عَبْداً اقْتَرَفَ فَاعْتَرَفَ وَ وَجِلَ فَعَمِلَ- وَ حَاذَرَ فَبَادَرَ وَ عُبِّرَ فَاعْتَبَرَ- وَ حُذِّرَ فَازْدَجَرَ فَأَجَابَ فَأَنَابَ‏ (2) وَ رَاجَعَ فَتَابَ- وَ اقْتَدَى فَاحْتَذَى فَبَاحَثَ طَلَباً وَ نَجَا هَرَباً- فَأَفَادَ ذَخِيرَةً وَ أَطَالَ سَرِيرَةً- وَ تَأَهَّبَ لِلْمَعَادِ (3) وَ اسْتَظْهَرَ بِالزَّادِ لِيَوْمِ رَحِيلِهِ وَ وَجْهِ مَسِيلِهِ‏ (4) وَ حَالِ حَاجَتِهِ وَ مَوْطِنِ فَاقَتِهِ- تقدم [وَ قَدَّمَ أَمَامَهُ لِدَارِ مُقَامِهِ- فَمَهِّدُوا لِأَنْفُسِكُمْ فِي سَلَامَةِ الْأَبْدَانِ- فَهَلْ يَنْتَظِرُ أَهْلُ غَضَارَةِ الشَّابِّ إِلَّا حَوَانِيَ الْهَرَمِ- وَ أَهْلُ بَضَاضَةِ الصِّحَّةِ إِلَّا نَوَازِلَ السَّقَمِ‏ (5)- وَ أَهْلُ مُدَّةِ الْبَقَاءِ إِلَّا مُفَاجَاةَ الْفَنَاءِ وَ اقْتِرَابَ الْفَوْتِ وَ دُنُوَّ الْمَوْتِ- وَ أُزُوفَ الِانْتِقَالِ وَ إِشْفَاءَ الزَّوَالَ- وَ حَفِيَّ الْأَنِينِ وَ رَشْحَ الْجَبِينِ- وَ امْتِدَادَ الْعِرْنِينِ وَ عَلَزَ الْقَلَقِ- وَ فَيْضَ الرَّمَقِ وَ أَلَمَ الْمَضَضِ وَ غَصَصَ الْجَرَضِ- (6)

____________

(1) و الاحتضار: الحضور و المراد حضور الموت او حضور الملائكة الموكلين بقبض الأرواح، و الاجداث جمع جدث- بفتحتين- و هو القبر. و مضمنون اي مجعولون في ضمنها و الرفات: الحطام.

(2) اقترف: اكتسب. و الوجل: خاف. و بادر: سارع. و الانابة: الرجوع الى اللّه باصلاح العمل.

(3) التأهب: التهيؤ و الاستعداد. «استظهر بالزاد» أي حمل زادا حمله ظهر راحلته الى الآخرة. أو حفظ زاده و استعان به.

(4) في النهج «و وجه سبيله».

(5) البضاضة. رقة اللون. و الحوانى: جمع حانية و هي العلة التي تحت الظهر و غيره، و الغضارة: النعمة و السعة و الخصب. و النوازل جمع النازلة و هي الداهية و الشديدة من شدائد الدهر. و الآونة جمع أوان و هو الوقت. و الانتظار في المواضع عبارة عن الانتهاء و كون اللواحق غايات للسوابق. و قد تقدمت هذه الجمل سابقا.

(6) الازوف: القرب. و أشفى اشفاء عليه أشرف و أشفى المريض على الموت أي قاربه.

439

وَ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّكُمْ وَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا- عَلَى سَبِيلِ مَنْ قَدْ مَضَى مِمَّنْ كَانَ أَطْوَلَ مِنْكُمْ أَعْمَاراً- وَ أَشَدَّ بَطْشاً وَ أَعْمَرَ دِيَاراً وَ أَبْعَدَ آثَاراً- فَأَصْبَحَتْ أَصْوَاتُهُمْ هَامِدَةً جَامِدَةً (1) مِنْ بَعْدِ طُولِ تَقَلُّبِهَا- وَ أَجْسَادُهُمْ بَالِيَةً وَ دِيَارُهُمْ خَالِيَةً وَ آثَارُهُمْ عَافِيَةً (2)- وَ اسْتَبْدَلُوا بِالْقُصُورِ الْمُشَيَّدَةِ وَ السُّرُرِ وَ النَّمَارِقِ الْمُمَهَّدَةِ (3) الصُّخُورَ وَ الْأَحْجَارَ الْمُسَنَّدَةَ فِي الْقُبُورِ لِلَاطِيَةِ الْمُلْحَدَةِ (4)- الَّتِي قَدْ بَيَّنَ الْخَرَابَ فِنَاؤُهَا وَ شَيَّدَ التُّرَابَ بِنَاؤُهَا- فَمَحَلُّهَا مُقْتَرِبٌ- وَ سَاكِنُهَا مُغْتَرِبٌ‏ (5) بَيْنَ أَهْلِ عُمَارَةٍ مُوحِشِينَ وَ أَهْلِ مَحَلَّةٍ مُتَشَاغِلِينَ لَا يَسْتَأْنِسُونَ بِالْعُمْرَانِ- وَ لَا يَتَوَاصَلُونَ الْجِيرَانَ وَ الْإِخْوَانَ عَلَى مَا بَيْنَهُمْ مِنْ قُرْبِ الْجِوَارِ- وَ دُنُوِّ الدَّارِ وَ كَيْفَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ تَوَاصُلٌ- وَ قَدْ طَحَنَهُمْ بِكَلْكَلَةِ الْبِلَى- فَأَكَلَهُمُ الْجَنَادِلُ وَ الثَّرَى‏ (6) فَأَصْبَحُوا بَعْدَ الْحَيَاةِ أَمْوَاتاً- وَ بَعْدَ غَضَارَةِ الْعَيْشِ رُفَاتاً- فُجِعَ بِهِمُ الْأَحْبَابُ وَ سَكَنُوا التُّرَابَ وَ ظَعَنُوا فَلَيْسَ لَهُمْ إِيَابٌ- هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ‏ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها- وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏- وَ كَأَنْ قَدْ صِرْتُمْ إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ مِنَ الْبِلَى- وَ الْوَحْدَةِ فِي دَارِ الْمَوْتِ وَ ارْتَهَنْتُمْ فِي ذَلِكَ‏

____________

و الانين: التأوه. و حفى الانين أي كثرة التأوه. و العرنين: الانف او ما صلب منه. و العلز قلق و خفة و هلع يصيب المريض و المحتضر. و الفيض: الموت، و الرمق بقية الحياة.

و المضض- محركة-: وجع المصيبة، و بلوغ الهم و الحزن من القلب. و الغصص جمع غصة.

و الجرض: الريق، جرض بريقه- كفرح ابتلعه بالجهد على هم و حزن.

(1) الهمود: طفوء النار او ذهاب حرارتها و الفعل كنصر.

(2) أي ممحوة و عفا أثره أي انمحى و اندرس.

(3) النمارق جمع نمرقة و هي الوسادة يتكأ عليها. الممهدة: المبسوطة.

(4) الاستناد الى الشي‏ء: الاعتماد عليه. و لطأ بالارض- كمنع و فرح-: لصق.

(5) المغترب: الظاعن.

(6) الكلكل- كجعفر-: صدر البعير، شبه (عليه السلام) البلى اي الفناء بالجمل يرض صدره ما برك عليه. و الجنادل: الحجارة. و الثرى: التراب.

440

الْمَضْجَعِ- وَ ضَمَّكُمْ ذَلِكَ الْمُسْتَوْدَعُ- فَكَيْفَ بِكُمْ لَوْ قَدْ تَنَاهَتِ الْأُمُورُ- وَ بُعْثِرَتِ الْقُبُورُ (1) وَ حُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ- وَ وَقَعْتُمْ لِلتَّحْصِيلِ‏ (2) بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ الْجَلِيلِ فَطَارَتِ الْقُلُوبُ لِإِشْفَاقِهَا مِنْ سَالِفِ الذُّنُوبِ- وَ هُتِكَتْ مِنْكُمُ الْحُجُبُ وَ الْأَسْتَارُ- وَ ظَهَرَتْ مِنْكُمُ الْغُيُوبُ وَ الْأَسْرَارُ- هُنَالِكَ‏ تُجْزى‏ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ‏- إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ‏ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا- وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى‏- اغْتَنِمُوا أَيَّامَ الصِّحَّةِ قَبْلَ السَّقَمِ وَ الشَّيْبَةِ قَبْلَ الْهَرَمِ- وَ بَادِرُوا التَّوْبَةَ قَبْلَ النَّدَمِ- وَ لَا يَحْمِلَنَّكُمُ الْمُهْلَةُ عَلَى طُولِ الْغَفْلَةِ- فَإِنَّ الْأَجَلَ يَهْدِمُ الْأَمَلَ- وَ الْأَيَّامُ مُوَكَّلَةٌ بِنَقْصِ الْمُدَّةِ وَ تَفْرِيقِ الْأَحِبَّةِ- فَبَادِرُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ حُضُورِ النَّوْبَةِ- وَ بَرَزُوا لِلْغِيبَةِ الَّتِي لَا يَنْتَظِرُ مَعَهَا الْأَوْبَةَ (3)- وَ اسْتَعِينُوا عَلَى بُعْدِ الْمَسَافَةِ بِطُولِ الْمَخَافَةِ- فَكَمْ مِنْ غَافِلٍ وَثِقَ لِغَفْلَتِهِ وَ تَعَلَّلَ بِمُهْلَتِهِ- فَأَمَّلَ بَعِيداً وَ بَنَى مَشِيداً- فَنَقَصَ بِقُرْبِ أَجَلِهِ بُعْدُ أَمَلِهِ فَاجَأَتْهُ مَنِيَّتُهُ بِانْقِطَاعِ أُمْنِيَّتِهِ- فَصَارَ بَعْدَ الْعِزِّ وَ الْمَنَعَةِ وَ الشَّرَفِ وَ الرِّفْعَةِ- مُرْتَهَناً بِمُوبِقَاتِ عَمَلِهِ‏ (4) قَدْ غَابَ فَمَا يَرْجِعُ وَ نَدِمَ فَمَا انْتَفَعَ- وَ شَقِيَ بِمَا جَمَعَ فِي يَوْمِهِ وَ سَعِدَ بِهِ غَيْرُهُ فِي غَدِهِ- وَ بَقِيَ مُرْتَهَناً بِكَسْبِ يَدِهِ ذَاهِلًا عَنْ أَهْلِهِ وَ وَلَدِهِ- لَا يُغْنِي عَنْهُ مَا تَرَكَ فَتِيلًا (5) وَ لَا يَجِدُ إِلَى مَنَاصٍ سَبِيلًا- فَعَلَامَ عِبَادَ اللَّهِ التَّعَرُّجُ وَ الدَّلَجُ‏ (6) وَ إِلَى أَيْنَ الْمَفَرُّ وَ الْمَهْرَبُ- وَ هَذَا الْمَوْتُ‏

____________

(1) أي بلغكم الى النهاية و وصلتم الى منتهى تلك الأحوال و هو البعث و النشور. و بعثر الرجل متاعه إذا فرقه و بدده و بعثرت القبور اي قلب ثراها و اخرج موتاها.

(2) في مطالب السئول «و وقفتم للتحصيل».

(3) الاوبة: الرجوع.

(4) الموبقات: المهلكات.

(5) الفتيل: الخيط في شق النبات. أى لا يغنى عنه شيئا بقدر الفتيل. و المناص الخلاص.

(6) التعرج: الصعود، و الدلج: السفر بالليل.

441

فِي الطَّلَبِ- يَخْتَرِمُ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ‏ (1) لَا يَتَحَنَّنُ عَلَى ضَعِيفٍ- وَ لَا يُعْرَجُ عَلَى شَرِيفٍ‏ (2) وَ الْجَدِيدَانِ‏ (3) يَحُثَّانِ الْأَجَلَ تَحْثِيثاً- وَ يَسُوقَانِهِ سَوْقاً حَثِيثاً (4) وَ كُلُّ مَا هُوَ آتٍ فَقَرِيبٌ- وَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ الْعَجَبُ الْعَجَبُ- فَأَعِدُّوا الْجَوَابَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ- وَ أَكْثِرُوا الزَّادَ لِيَوْمِ الْمَعَادِ- عَصَمَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ بِطَاعَتِهِ- وَ أَعَانَنَا وَ إِيَّاكُمْ عَلَى مَا يُقَرِّبُ إِلَيْهِ- وَ يُزْلِفُ لَدَيْهِ فَإِنَّمَا نَحْنُ بِهِ وَ لَهُ- إِنَّ اللَّهَ وَقَّتَ لَكُمُ الْآجَالَ- وَ ضَرَبَ لَكُمُ الْأَمْثَالَ- وَ أَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ- وَ أَرْفَعَ لَكُمُ الْمَعَاشَ وَ آثَرَكُمْ بِالنِّعَمِ السَّوَابِغِ- وَ تَقَدَّمَ إِلَيْكُمْ بِالْحُجَجِ الْبَوَالِغِ- وَ أَوْسَعَ لَكُمْ فِي الرِّفْدِ الرَّوَافِغِ‏ (5)- فَتَشَمَّرُوا فَقَدْ أَحَاطَ بِكُمُ الْإِحْصَاءُ- وَ ارْتَهَنَ لَكُمُ الْجَزَاءُ (6) الْقُلُوبُ قَاسِيَةٌ عَنْ حَظِّهَا- لَاهِيَةٌ عَنْ رُشْدِهَا اتَّقُوا اللَّهَ تَقِيَّةَ مَنْ شَمَّرَ تَجْرِيداً- وَ جَدَّ تَشْمِيراً وَ انْكَمَشَ فِي مَهَلٍ- وَ أَشْفَقَ فِي وَجَلٍ وَ نَظَرَ فِي كَرَّةِ الْمَوْئِلِ- وَ عَاقِبَةِ الْمَصْدَرِ وَ مَغَبَّةِ الْمَرْجِعِ- وَ كَفَى بِاللَّهِ مُنْتَقِماً وَ نَصِيراً- وَ كَفَى بِكِتَابِ اللَّهِ حَجِيجاً وَ خَصِيماً (7)- رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً اسْتَشْعَرَ الْحُزْنَ- وَ تَجَلْبَبَ الْخَوْفَ وَ أَضْمَرَ الْيَقِينَ- وَ عُرِيَ عَنِ الشَّكِ‏

____________

(1) اخترمه: أهلكه و استأصله. و اخترمه المرض: هزله و اخترمه المنية: أخذته و تحنن عليه: ترحم.

(2) فلان لا يعرج على قوله أي لا يعتمد عليه. و على المكان أن حبس مطيته عليه و أقام فيه.

(3) أي الليل و النهار.

(4) التحثيث: التحريص و التنشيط على فعل. و الحثيث: السريع.

(5) الرفد العطاء، و الروافغ الواسعة.

(6) في النهج «و ارصد لكم الجزاء».

(7) شمر تشمرا: مر مسرعا. و انكمش الرجل: أسرع وجد. أى و بالغ في حث نفسه على المسير إلى اللّه تعالى مع تمهل البصيرة. و الوجل: الخوف. و الموئل: مستقر السير و المراد هنا ما ينتهى إليه الإنسان من سعادة و شقاء، و كرته. حملته و اقباله.

442

فِي تَوَهُّمِ الزَّوَالِ فَهُوَ مِنْهُ عَلَى وَبَالٍ- فَزَهَرَ مِصْبَاحُ الْهُدَى فِي قَلْبِهِ وَ قَرَّبَ عَلَى نَفْسِهِ الْبَعِيدَ- وَ هَوَّنَ الشَّدِيدَ فَخَرَجَ مِنْ صِفَةِ الْعَمَى- وَ مُشَارَكَةِ الْمَوْتَى وَ خيار [صَارَ مِنْ مَفَاتِيحِ الْهُدَى- وَ مَغَالِيقِ أَبْوَابِ الرَّدَى- وَ اسْتَفْتَحَ بِمَا فَتَحَ بِهِ الْعَالِمُ أَبْوَابَهُ- وَ خَاضَ بِحَارَهُ وَ قَطَعَ غِمَارَهُ- وَ وَضَحَتْ لَهُ سَبِيلُهُ وَ مَنَارُهُ- وَ اسْتَمْسَكَ مِنَ الْعُرَى بِأَوْثَقِهَا- وَ اسْتَعْصَمَ مِنَ الْجِبَالِ بِأَمْتَنِهَا- خَوَّاضُ غَمَرَاتٍ فَتَّاحُ مُبْهَمَاتٍ- دَفَّاعُ مُعْضِلَاتٍ دَلِيلُ فَلَوَاتٍ- يَقُولُ فَيُفْهِمُ وَ يَسْكُتُ فَيَسْلَمُ- قَدْ أَخْلَصَ لِلَّهِ فَاسْتَخْلَصَهُ- فَهُوَ مِنْ مَعَادِنِ دِينِهِ وَ أَوْتَادِ أَرْضِهِ- قَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْعَدْلَ- فَكَانَ أَوَّلُ عَدْلِهِ نَفْيَ الْهَوَى عَنْ نَفْسِهِ- يَصِفُ الْحَقَّ وَ يَعْمَلُ بِهِ لَا يَدَعُ لِلْخَيْرِ غَايَةً إِلَّا أَمَّهَا- وَ لَا مَطِيَّةً إِلَّا قَصَدَهَا.

[تمّ القسم الأوّل من كتاب الروضة و يليه القسم الثاني أوّله كتاب الغارات‏]

____________

و المغبة- بفتح الميم و الغين و تشديد الباء-: العاقبة. و الحجيج: الخصيم و المخاصم. فاعلم انى استفدت كثيرا في ترجمة لغات هذه الخطب من كتاب بهجة الحدائق من شروح النهج للسيّد علاء الدين محمّد بن الامير شاه أبى تراب من سادات گلستانة الأصفهانيّ- (رحمه الله) المتوفّى سنة 1110 الهجرى القمرى. و للّه الحمد أولا و آخرا.

443

كلمة المصحّح‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

نحمدك اللّهمّ على التوفيق و نصلّي على رسولك و آله هداة الطريق.

أمّا بعد: فإنّي لمغتبط بهذه الفرصة التي أتيحت لي لتصحيح هذا الجزء الذي هو في أجزاء الكتاب كالكوكب الدّريّ و في نظام هذا السلك المنضّد كالدّر الوضي‏ء لما فيه من عقائل الأدب و كرائم الخطب و ينابيع الحكم و المواعظ و الزواجر و العبر و محاسن الكتب و الأثر ما يشفي الغليل من غلّته و يبري‏ء العليل من علّته و يطهّر النفوس عن درن الرذائل و يرحض القلوب عن ظلمة الآثام فمن امتثل أوامره و ائتمر و انتهى عن نواهيه و ازدجر، و اتّعظ بمواعظه و اعتبر فهو أفضل من تقمّص و ائتزر.

و الكتاب بما في غضونه من الدروس الراقية يغنينا عن سرد جمل الثناة عليه أو تسطير الكلم في إطرائه غير أنّه لم يخرج في زمان مؤلّفه الفحل و البطل و سارع إلى رحمة ربّه الكريم و لم يمهله الأجل فبقي مسودّة دون تصحيح ألفاظه و تفسير غرائبه و لغاته.

فهو مع كونه جؤنة مشحونة بنفائس الأعلاق ذو حظّ وافر من الأسقاط و الأغلاط فقاسيت ما قاسيت في تصحيحه و لم آل جهداً في تحقيقه، و تحمّلت المشاقّ في توضيحه و لم أرم الإطناب في تعليقه مع أنّ الباع قصير و الأمر خطير.

و لست بمستعظم عملي و لا مستكثر جهدي و ما أبرّء نفسي و أنا معترف بأنّ الذي خلق من عجل قلّما يسلم من الخطأ و الزلل فالمرجوّ من أساتذتي العظام أن يمرّوا علي هفواتي مرّ الكرام، فإنّ العصمة للّه الملك العلّام و ما توفيقي إلّا باللّه عليه توكّلت و إليه أنيب.

على أكبر الغفاري‏

444

فهرس ما في هذا الجزء

عناوين الباب/ رقم الصفحة

أبواب المواعظ و الحكم‏

1- باب مواعظ اللّه عزّ و جلّ في القرآن المجيد 17- 1

2- باب مواعظ اللّه في سائر الكتب السماويّ و في الحديث القدسي و في مواعظ جبرئيل (عليه السلام) 44- 18

3- باب ما أوصى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) 69- 44

4- باب ما أوصى به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى أبي ذر (رحمه الله) 91- 70

5- باب وصية النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إلى عبد اللّه بن مسعود 109* * * 92

6- باب جوامع وصايا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و مواعظه و حكمه 136- 110

7- باب ما جمع من مفردات كلمات الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و جوامع كلمه 195- 137

8- باب وصية أمير المؤمنين إلى الحسن بن علي (عليهما السلام) و إلى محمد بن الحنفية 235- 196

9- باب وصية أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) للحسين صلى اللّه عليه 239- 236

10- باب عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الأشتر حين ولّاه مصر 266- 240

11- باب وصيته (عليه السلام) لكميل بن زياد النخعي 277- 266

12- باب كتاب كتبه (عليه السلام) لدار شريح 279- 277

13- باب تفسيره (عليه السلام) كلام الناقوس 280- 279

14- باب خطبه (صلوات اللّه عليه) المعروفة 376- 280

15- باب مواعظ أمير المؤمنين (عليه السلام) و خطبه أيضا و حكمه 442- 376

445

(رموز الكتاب)

ب: لقرب الإسناد.

بشا: لبشارة المصطفى.

تم: لفلاح السائل.

ثو: لثواب الأعمال.

ج: للإحتجاج.

جا: لمجالس المفيد.

جش: لفهرست النجاشيّ.

جع: لجامع الأخبار.

جم: لجمال الأسبوع.

جُنة: للجُنة.

حة: لفرحة الغريّ.

ختص: لكتاب الإختصاص.

خص: لمنتخب البصائر.

د: للعَدَد.

سر: للسرائر.

سن: للمحاسن.

شا: للإرشاد.

شف: لكشف اليقين.

شي: لتفسير العياشيّ‏

ص: لقصص الأنبياء.

صا: للإستبصار.

صبا: لمصباح الزائر.

صح: لصحيفة الرضا (ع).

ضا: لفقه الرضا (ع).

ضوء: لضوء الشهاب.

ضه: لروضة الواعظين.

ط: للصراط المستقيم.

طا: لأمان الأخطار.

طب: لطبّ الأئمة.

ع: لعلل الشرائع.

عا: لدعائم الإسلام.

عد: للعقائد.

عدة: للعُدة.

عم: لإعلام الورى.

عين: للعيون و المحاسن.

غر: للغرر و الدرر.

غط: لغيبة الشيخ.

غو: لغوالي اللئالي.

ف: لتحف العقول.

فتح: لفتح الأبواب.

فر: لتفسير فرات بن إبراهيم.

فس: لتفسير عليّ بن إبراهيم.

فض: لكتاب الروضة.

ق: للكتاب العتيق الغرويّ‏

قب: لمناقب ابن شهر آشوب.

قبس: لقبس المصباح.

قضا: لقضاء الحقوق.

قل: لإقبال الأعمال.

قية: للدُروع.

ك: لإكمال الدين.

كا: للكافي.

كش: لرجال الكشيّ.

كشف: لكشف الغمّة.

كف: لمصباح الكفعميّ.

كنز: لكنز جامع الفوائد و تأويل الآيات الظاهرة معا.

ل: للخصال.

لد: للبلد الأمين.

لى: لأمالي الصدوق.

م: لتفسير الإمام العسكريّ (ع).

ما: لأمالي الطوسيّ.

محص: للتمحيص.

مد: للعُمدة.

مص: لمصباح الشريعة.

مصبا: للمصباحين.

مع: لمعاني الأخبار.

مكا: لمكارم الأخلاق.

مل: لكامل الزيارة.

منها: للمنهاج.

مهج: لمهج الدعوات.

ن: لعيون أخبار الرضا (ع).

نبه: لتنبيه الخاطر.

نجم: لكتاب النجوم.

نص: للكفاية.

نهج: لنهج البلاغة.

نى: لغيبة النعمانيّ.

هد: للهداية.

يب: للتهذيب.

يج: للخرائج.

يد: للتوحيد.

ير: لبصائر الدرجات.

يف: للطرائف.

يل: للفضائل.

ين: لكتابي الحسين بن سعيد او لكتابه و النوادر.

يه: لمن لا يحضره الفقيه.

بحار الأنوار


الجزء الرابع و السبعون


تأليف

العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي


جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

http://www.masaha.org


http://www.masaha.org