1
تتمة كتاب الروضة
تتمة أبواب المواعظ و الحكم
تتمة باب 15 مواعظ أمير المؤمنين(ع)و خطبه أيضا و حكمه
49- كِتَابُ الْغَارَاتِ (1)، لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيِّ عَنْ أَبِي زَكَرِيَّا الْجَرِيرِيِّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ قَالَ خُطْبَةٌ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَ نَسْتَعِينُهُ- وَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا- مَنْ يَهْدِي اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ- وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ- وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- انْتَجَبَهُ بِالْوَلَايَةِ وَ اخْتَصَّهُ بِالْإِكْرَامِ- وَ بَعَثَهُ بِالرِّسَالَةِ أَحَبَّ خَلْقِهِ إِلَيْهِ- وَ أَكْرَمَهُمْ عَلَيْهِ فَبَلَّغَ رِسَالاتِ رَبِّهِ- وَ نَصَحَ لِأُمَّتِهِ وَ قَضَى الَّذِي عَلَيْهِ- أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ- فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرُ مَا تَوَاصَتْ بِهِ الْعِبَادُ- وَ أَقْرَبُهُ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ- وَ خِيَرَةٌ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ- فَبِتَقْوَى اللَّهِ أُمِرْتُمْ وَ لَهَا خُلِقْتُمْ- فَاخْشَوُا اللَّهَ خَشْيَةً لَيْسَتْ بِسُمْعَةٍ وَ لَا تَعْذِيرٍ (2)- فَإِنَّهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً- وَ لَيْسَ بِتَارِكِكُمْ سُدًى (3) قَدْ أَحْصَى أَعْمَالَكُمْ- وَ سَمَّى آجَالَكُمْ وَ كَتَبَ آثَارَكُمْ- فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا غَرَّارَةٌ- مَغْرُورٌ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا وَ إِلَى فَنَاءٍ مَا هِيَ- نَسْأَلُ اللَّهَ رَبَّنَا وَ رَبَّكُمْ- أَنْ يَرْزُقَنَا وَ إِيَّاكُمْ خَشْيَةَ السُّعَدَاءِ وَ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ- وَ مُرَافَقَةَ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّمَا نَحْنُ بِهِ وَ لَهُ.
____________
(1) مخطوط.
(2) عذر في الامر تعذيرا: قصر فيه بعد جهد.
(3) أي لا يترككم مهملا باطلا.
2
50- وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، خُطْبَةٌ لَهُ(ع)الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَسْبِيحاً وَ نُمَجِّدُهُ تَمْجِيداً نُكَبِّرُ عَظَمَتَهُ لِعِزِّ جَلَالِهِ- وَ نُهَلِّلُهُ تَهْلِيلًا مُوَحِّداً مُخْلِصاً- وَ نَشْكُرُهُ فِي مَصَانِعِهِ الْحُسْنَى- أَهْلَ الْحَمْدِ وَ الثَّنَاءِ الْأَعْلَى- وَ نَسْتَغْفِرُهُ لِلْحَتِّ مِنَ الْخَطَايَا- وَ نَسْتَعْفِيهِ مِنْ مَتْحِ ذَنُوبِ الْبَلَايَا (1)- وَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَقِيناً فِي أَمْرِهِ- وَ نَسْتَهْدِي بِالْهُدَى الْعَاصِمِ الْمُنْقِذِ- الْعَازِمِ بِعَزَمَاتِ خَيْرِ قَدَرٍ مُوجِبِ فَصْلِ عَدْلِ- فَضَاءٍ نَافِذٍ بِفَوْزٍ سَابِقٍ بِسَعَادَةٍ فِي كِتَابٍ كَرِيمٍ مَكْنُونٍ- وَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ مَضِيقِ مَضَايِقِ السُّبُلِ عَلَى أَهْلِهَا- بَعْدَ اتِّسَاعِ مَنَاهِجِ الْحَقِّ- لِطَمْسِ آيَاتِ مُنِيرِ الْهُدَى- بِلُبْسِ ثِيَابِ مَضَلَّاتِ الْفِتَنِ- وَ نَشْهَدُ غَيْرَ ارْتِيَابِ- حَالٍ دُونَ يَقِينِ مُخْلِصٍ بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ مُوَحَّدٌ- وَفِيٌّ وَعْدُهُ وَثِيقٌ عَقْدُهُ صَادِقٌ قَوْلُهُ- لَا شَرِيكَ لَهُ فِي الْأَمْرِ وَ لَا وَلِيَّ لَهُ مِنَ الذُّلِّ- نُكَبِّرُهُ تَكْبِيراً- لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ- وَ نَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً ص عَبْدُهُ- بَعِيثُ اللَّهِ لِوَحْيِهِ وَ نَبِيُّهُ بِعَيْنِهِ وَ رَسُولُهُ بِنُورِهِ- مُجِيباً مُذَكِّراً مُؤَدِّياً- مُبْقِياً مَصَابِيحَ شُهُبٍ ضِيَاءٍ مُبْصِرٍ- وَ مَاحِياً مَاحِقاً مُزْهِقاً رُسُومَ أَبَاطِيلِ خَوْضِ الْخَائِضِينَ- بِدَارِ اشْتِبَاكِ ظُلْمَةِ كُفْرٍ دَامِسٍ- فَجَلَا غَوَاشِيَ أَظْلَامِ لُجِّيٍّ رَاكِدٍ (2)- بِتَفْصِيلِ آيَاتِهِ مِنْ بَعْدِ تَوْصِيلِ قَوْلِهِ- وَ فَصَّلَ فِيهِ الْقَوْلَ لِلذَّاكِرِينَ بِمُحْكَمَاتٍ مِنْهُ بَيِّنَاتٍ- وَ مُشْتَبِهَاتٍ يَتْبَعُهَا الزَّائِغُ قَلْبُهُ- ابْتِغَاءَ التَّأْوِيلِ تَعَرُّضاً لِلْفِتَنِ- وَ الْفِتَنُ مُحِيطَةٌ بِأَهْلِهَا وَ الْحَقُّ نَهْجٌ مُسْتَنِيرٌ- مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ يُطِعِ اللَّهَ- وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ يَسْتَحِقَّ الشُّكْرَ مِنَ اللَّهِ بِحُسْنِ الْجَزَاءِ- وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ يُعَايِنْ عُسْرَ الْحِسَابِ لَدَى اللِّقَاءِ- قَضَاءً بِالْعَدْلِ عِنْدَ الْقِصَاصِ بِالْحَقِّ- يَوْمَ إِفْضَاءِ الْخَلْقِ إِلَى الْخَالِقِ- أَمَّا بَعْدُ فَمُنْصِتٌ سَامِعٌ لِوَاعِظٍ نَفَعَهُ إِنْصَاتُهُ- وَ صَامِتٌ ذُو لُبٍّ شُغِلَ قَلْبُهُ بِالْفِكْرِ فِي أَمْرِ اللَّهِ- حَتَّى أَبْصَرَ فَعَرَفَ فَضْلَ طَاعَتِهِ عَلَى مَعْصِيَتِهِ- وَ شَرَفَ نَهْجِ ثَوَابِهِ عَلَى احْتِلَالٍ مِنْ عِقَابِهِ- وَ مُخْبِرٌ النَّائِلُ رِضَاهُ عِنْدَ الْمُسْتَوْجِبِينَ غَضَبَهُ- عِنْدَ تَزَايُلِ الْحِسَابِ- وَ شَتَّى بَيْنَ الْخَصْلَتَيْنِ وَ بَعِيدٌ تَقَارُبُ مَا بَيْنَهُمَا- أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ بَارِئِ الْأَرْوَاحِ وَ فَالِقِ الْإِصْبَاحِ.
____________
(1) الحت بتشديد التاء السقوط، و المتح استقاء الماء بالدلو. و الذنوب بفتح الذال المعجمة: الدلو.
(2) اللج: معظم الماء.
3
51- مِنْ كِتَابِ مَطَالِبِ السَّئُولِ (1)، لِمُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ مِنْ كَلَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)ذِمَّتِي بِمَا أَقُولُ رَهِينَةٌ وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ- إِنَّ مَنْ صَرَّحَتْ (2) لَهُ الْعِبَرُ عَمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْمَثُلَاتِ- حَجَزَهُ التَّقْوَى عَنْ تَقَحُّمِ الشُّبُهَاتِ- أَلَا وَ إِنَّ الْخَطَايَا خَيْلٌ شُمُسٌ (3) حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا- وَ خُلِعَتْ لُجُمُهَا فَتَقَحَّمَتْ بِهِمْ فِي النَّارِ- أَلَا وَ إِنَّ التَّقْوَى مَطَايَا ذُلُلٌ حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا- وَ أُعْطُوا أَزِمَّتَهَا فَأَوْرَدَتْهُمُ الْجَنَّةَ- حَقٌّ وَ بَاطِلٌ وَ لِكُلٍّ أَهْلٌ- فَلَئِنْ أَمِرَ الْبَاطِلُ (4) لَقَدِيماً فَعَلَ- وَ لَئِنْ قَلَّ الْحَقُّ فَلَرُبَّمَا وَ لَعَلَّ- وَ لَقَلَّمَا أَدْبَرَ شَيْءٌ فَأَقْبَلَ- لَقَدْ شُغِلَ مَنِ الْجَنَّةُ وَ النَّارُ أَمَامَهُ- سَاعٍ سَرِيعٌ نَجَا وَ طَالِبٌ بَطِيءٌ رَجَا- وَ مُقَصِّرٌ فِي النَّارِ هَوَى- الْيَمِينُ وَ الشِّمَالُ مَضَلَّةٌ (5) وَ الطَّرِيقُ الْوُسْطَى هِيَ الْجَادَّةُ- عَلَيْهَا بَاقِي الْكِتَابِ (6) وَ آثَارُ النُّبُوَّةِ- وَ مِنْهَا مَنْفَذُ السُّنَّةِ وَ إِلَيْهَا مَصِيرُ الْعَاقِبَةِ- هَلَكَ مَنِ ادَّعَى وَ خابَ مَنِ افْتَرى- وَ خَسِرَ مَنْ بَاعَ الْآخِرَةَ بِالْأُولَى- وَ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَ كُلُّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ.
52- وَ مِنْهُ (7)، لَقَدْ جَاهَرَتْكُمُ الْعِبَرُ وَ زُجِرْتُمْ بِمَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ- وَ مَا يُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ بَعْدَ رُسُلِ اللَّهِ إِلَّا الْبَشَرُ- أَلَا وَ إِنَّ الْغَايَةَ أَمَامَكُمْ وَ إِنَّ وَرَاءَكُمُ السَّاعَةَ- تَحْدُوكُمْ تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا- فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ (8).
____________
(1) المصدر ص 28.
(2) الزعيم: الضامن. و التصريح: كشف الامر و انكشافه.
(3) الشموس: معرب چموش.
(4) أمر يأمر- من باب تعب-: كثر.
(5) أي طرفى الافراط و التفريط.
(6) هو ما يبقى من أثر مشيه و موضع قدمه كانه مشى على الطريق الوسطى. و قيل باقى الكتاب هو ما لم ينسخ منه لكن الأول هو الصواب.
(7) مطالب السئول ص 33.
(8) تحدوكم أي تسوقكم. و قوله «تخففوا تلحقوا» أي تخففوا بالقناعة و ترك الحرّ من أو كناية عن عدم الركون الى الدنيا و اتخاذها دار ممر لا دار مقر. و الانتظار بالأول كناية.
4
53- وَ قَالَ(ع)يَوْماً وَ قَدْ أَحْدَقَ النَّاسُ بِهِ أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا مَنْزِلُ قُلْعَةٍ- وَ لَيْسَتْ بِدَارِ نُجْعَةٍ (1)- هَانَتْ عَلَى رَبِّهَا فَخَلَطَ خَيْرَهَا بِشَرِّهَا- وَ حُلْوَهَا بِمُرِّهَا لَمْ يَضَعْهَا لِأَوْلِيَائِهِ- وَ لَا يَضِنَّنَّ بِهَا عَلَى أَعْدَائِهِ- وَ هِيَ دَارُ مَمَرٍّ لَا دَارُ مُسْتَقَرٍّ وَ النَّاسُ فِيهَا رَجُلَانِ- رَجُلٌ بَاعَ نَفْسَهُ فَأَوْبَقَهَا (2) وَ رَجُلٌ ابْتَاعَ نَفْسَهُ فَأَعْتَقَهَا- إِنِ اعْذَوْذَبَ مِنْهَا جَانِبٌ فَحَلَا- أَمَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ فَأَوْبَى (3) أَوَّلُهَا عَنَاءٌ- وَ آخِرُهَا فَنَاءٌ- مَنِ اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ وَ مَنِ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ- مَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ وَ مَنْ قَعَدَ عَنْهَا أَتَتْهُ- وَ مَنْ أَبْصَرَ فِيهَا بَصَّرَتْهُ وَ مَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ- فَالْإِنْسَانُ فِيهَا غَرَضُ الْمَنَايَا- مَعَ كُلِّ جَرْعَةٍ شَرَقٌ وَ مَعَ كُلِّ أَكْلَةٍ غُصَصٌ- لَا تُنَالُ مِنْهَا نِعْمَةٌ إِلَّا بِفِرَاقِ أُخْرَى.
54- وَ قَالَ يَوْماً فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ وَ عِنْدَهُ وُجُوهُ النَّاسِ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا قَدْ أَصْبَحْنَا فِي دَهْرٍ عَنُودٍ وَ زَمَنٍ شَدِيدٍ- يُعَدُّ فِيهِ الْمُحْسِنُ مُسِيئاً- وَ يَزْدَادُ الظَّالِمُ فِيهِ عُتُوّاً- لَا نَنْتَفِعُ بِمَا عَلِمْنَا وَ لَا نَسْأَلُ عَمَّا جَهِلْنَا- وَ لَا نَتَخَوَّفُ قَارِعَةً حَتَّى تَحُلَّ بِنَا- وَ النَّاسُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ- مِنْهُمْ مَنْ لَا يَمْنَعُهُ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَهَانَةُ نَفْسِهِ- وَ كَلَالَةُ حَدِّهِ وَ نَضِيضُ وَفْرِهِ- وَ مِنْهُمُ الْمُصْلِتُ بِسَيْفِهِ الْمُعْلِنُ بِشَرِّهِ (4)- وَ الْمُجْلِبُ بِخَيْلِهِ وَ رَجِلِهِ قَدْ أَهْلَكَ نَفْسَهُ- وَ أَوْبَقَ دِينَهُ لِحُطَامٍ يَنْتَهِزُهُ أَوْ مِقْنَبٍ يَقُودُهُ- أَوْ مِنْبَرٍ يَفْرَعُهُ (5)- وَ لَبِئْسَ الْمَتْجَرُ أَنْ تَرَى
____________
عن كونهم كمن سبق من الرفقة الى بلدة لا يؤذن لهم في دخولها الا بالاجتماع و لحوق الآخرين أي لا بدّ لكم من ترك هذه الدار و نزول دار القرار و الاجتماع.
(1) القلعة- بضم القاف- المال العارية أو ما لا يدوم. و النجعة- بالضم- طلب الكلاء و قوله «هانت» من المهانة.
(2) أوبقها أي أهلكها و أذلها.
(3) أي يبتلى بالوباء.
(4) القارعة: الداهية. و نض الماء نضيضا: سال قليلا قليلا. و اصلات السيف هو اعلان الشر و الفساد.
(5) الانتهاز: الانتظار. و المقنب: جماعة من الخيل تجتمع للغارة جمع مقانب.
و فرع الجبل: صعده.
5
الدُّنْيَا لِنَفْسِكَ ثَمَناً- وَ مِمَّا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ عِوَضاً- وَ مِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ- وَ لَا يَطْلُبُ الْآخِرَةَ بِعَمَلِ الدُّنْيَا- قَدْ طَأْمَنَ مِنْ شَخْصِهِ وَ قَارَبَ مِنْ خَطْوِهِ- وَ شَمَّرَ مِنْ ثَوْبِهِ (1) وَ زَخْرَفَ مِنْ نَفْسِهِ لِلْأَمَانَةِ- وَ اتَّخَذَ سِرَّ اللَّهِ تَعَالَى ذَرِيعَةً إِلَى الْمَعْصِيَةِ- وَ مِنْهُمْ مَنْ أَقْعَدَهُ عَنْ طَلَبِ الْمُلْكِ- ضُئُولَةُ نَفْسِهِ (2) وَ انْقِطَاعُ سَبَبِهِ- فَقَصَرَتْهُ الْحَالُ عَلَى حَالِهِ- فَتَحَلَّى بِاسْمِ الْقَنَاعَةِ وَ تَزَيَّنَ بِلِبَاسِ أَهْلِ الزَّهَادَةِ- وَ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي مَرَاحٍ وَ لَا مَغْدًى (3)- وَ بَقِيَ رِجَالٌ غَضَّ أَبْصَارَهُمْ ذِكْرُ الْمَرْجِعِ- وَ أَرَاقَ دُمُوعَهُمْ خَوْفُ الْمَحْشَرِ- فَهُمْ بَيْنَ شَرِيدٍ نَاءٍ وَ خَائِفٍ مَقْمُوعٍ- وَ سَاكِتٍ مَكْعُومٍ (4) وَ دَاعٍ مُخْلِصٍ- وَ ثَكْلَانَ مُوجَعٍ قَدْ أَخْمَلَتْهُمُ التَّقِيَّةُ- وَ شَمِلَتْهُمُ الذِّلَّةُ فَهُمْ فِي بَحْرٍ أُجَاجٍ- أَفْوَاهُهُمْ خَامِرَةٌ (5) وَ قُلُوبُهُمْ قَرِحَةٌ- قَدْ وَعَظُوا حَتَّى مَلُّوا وَ قُهِرُوا حَتَّى ذَلُّوا- وَ قُتِلُوا حَتَّى قَلُّوا- فَلْتَكُنِ الدُّنْيَا عِنْدَكُمْ أَصْغَرَ مِنْ حُثَالَةِ الْقَرَظِ- وَ قُرَاضَةِ الْجَلَمِ (6)- وَ اتَّعِظُوا بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ- قَبْلَ أَنْ يَتَّعِظَ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ- وَ ارْفُضُوهَا ذَمِيمَةً فَإِنَّهَا رَفَضَتْ مَنْ كَانَ أَشْغَفَ بِهَا مِنْكُمْ- فَيَا مَا أَغَرَّ خِدَاعَهَا مُرْضِعَةً- وَ يَا مَا أَضَرَّ نَكَالَهَا فَاطِمَةً.
55- وَ قَدْ نُقِلَ عَنْهُ(ع)أَنَّهُ قَالَ وَ قَدِ اجْتَمَعَ حَوْلَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ اتَّقُوا اللَّهَ فَمَا
____________
(1) طأمن مقلوب طمأن أي سكن، و طأمن منه أي سكنه. و شمر ثوبه أي رفعه عن ساقيه للتنزّه و الاحتراز من النجاسة و القذارة.
(2) الضئولة- بالضم-: الحقارة. و رجل ضئيل أي ضعيف نحيف.
(3) المراح موضع يروح القوم منه أو إليه. و المغدى اسم مكان من الغدو.
(4) المقموع: المقهور. و المكعوم: الملجم.
(5) خمر- كضرب و نصر-: سكت و لم يتكلم.
(6) الحثالة- بالضم- ما يسقط من قشر الشعير و الأرز. و القرظ- بالتحريك- ورق السلم يدبغ به الاديم. و قراضة الجلم يعنى ريزه دم قيچى.
6
خُلِقَ امْرُؤٌ عَبَثاً فَيَلْهُوَ- وَ لَا تُرِكَ سُدًى فَيَلْغُوَ- وَ مَا دُنْيَاهُ الَّتِي تَحَسَّنَتْ لَهُ بِخَلَفٍ مِنَ الْآخِرَةِ- الَّتِي قَبَّحَهَا سُوءُ ظَنِّهِ عِنْدَهُ وَ مَا الْمَغْرُورُ بِزُخْرُفِهَا الَّذِي بِنَاجٍ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِ- عِنْدَ مَرَدِّهِ إِلَيْهِ.
56- وَ قَالَ(ع)عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ فَإِنَّهُ صِلَةٌ بَيْنَ الْإِخْوَانِ- وَ دَالٌّ عَلَى الْمُرُوَّةِ وَ تُحْفَةٌ فِي الْمَجَالِسِ- وَ صَاحِبٌ فِي السَّفَرِ وَ مُونِسٌ فِي الْغُرْبَةِ- وَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْمُؤْمِنَ الْعَالِمَ الْفَقِيهَ- الزَّاهِدَ الْخَاشِعَ الْحَيِيَّ الْعَلِيمَ- الْحَسَنَ الْخُلُقِ الْمُقْتَصِدَ الْمُنْصِفَ.
57- وَ قَالَ(ع)مَنْ تَوَاضَعَ لِلْمُتَعَلِّمِينَ وَ ذَلَّ لِلْعُلَمَاءِ سَادَ بِعِلْمِهِ- فَالْعِلْمُ يَرْفَعُ الْوَضِيعَ وَ تَرْكُهُ يَضَعُ الرَّفِيعَ- وَ رَأْسُ الْعِلْمِ التَّوَاضُعُ- وَ بَصَرُهُ الْبَرَاءَةُ مِنَ الْحَسَدِ وَ سَمْعُهُ الْفَهْمُ- وَ لِسَانُهُ الصِّدْقُ وَ قَلْبُهُ حُسْنُ النِّيَّةِ- وَ عَقْلُهُ مَعْرِفَةُ أَسْبَابِ الْأُمُورِ- وَ مِنْ ثَمَرَاتِهِ التَّقْوَى وَ اجْتِنَابُ الْهَوَى- وَ اتِّبَاعُ الْهُدَى وَ مُجَانَبَةُ الذُّنُوبِ- وَ مَوَدَّةُ الْإِخْوَانِ وَ الِاسْتِمَاعُ مِنَ الْعُلَمَاءِ- وَ الْقَبُولُ مِنْهُمْ- وَ مِنْ ثَمَرَاتِهِ تَرْكُ الِانْتِقَامِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ- وَ اسْتِقْبَاحُ مُقَارَفَةِ الْبَاطِلِ- وَ اسْتِحْسَانُ مُتَابَعَةِ الْحَقِّ وَ قَوْلُ الصِّدْقِ- وَ التَّجَافِي عَنْ سُرُورٍ فِي غَفْلَةٍ- وَ عَنْ فِعْلِ مَا يُعْقِبُ نَدَامَةً- وَ الْعِلْمُ يَزِيدُ الْعَاقِلَ عَقْلًا- وَ يُورِثُ مُتَعَلِّمَهُ صِفَاتِ حَمْدٍ- فَيَجْعَلُ الْحَلِيمَ أَمِيراً وَ ذَا الْمَشُورَةِ وَزِيراً- وَ يَقْمَعُ الْحِرْصَ وَ يَخْلَعُ الْمَكْرَ- وَ يُمِيتُ الْبُخْلَ- وَ يَجْعَلُ مُطْلَقَ الْوَحْشِ مَأْسُوراً (1)- وَ بَعِيدَ السَّدَادِ قَرِيباً.
58- وَ قَالَ(ع)(2) الْعَقْلُ عَقْلَانِ عَقْلُ الطَّبْعِ وَ عَقْلُ التَّجْرِبَةِ- وَ كِلَاهُمَا يُؤَدِّي إِلَى الْمَنْفَعَةِ- وَ الْمَوْثُوقُ بِهِ صَاحِبُ الْعَقْلِ وَ الدِّينِ- وَ مَنْ فَاتَهُ الْعَقْلُ وَ الْمُرُوَّةُ فَرَأْسُ مَالِهِ الْمَعْصِيَةُ- وَ صَدِيقُ كُلِّ امْرِئٍ عَقْلُهُ وَ عَدُوُّهُ جَهْلُهُ- وَ لَيْسَ الْعَاقِلُ مَنْ يَعْرِفُ الْخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ- وَ لَكِنَّ الْعَاقِلَ مَنْ يَعْرِفُ خَيْرَ الشَّرَّيْنِ- وَ مُجَالَسَةُ الْعُقَلَاءِ تَزِيدُ فِي الشَّرَفِ- وَ الْعَقْلُ الْكَامِلُ قَاهِرُ الطَّبْعِ السَّوْءِ- وَ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يُحْصِيَ عَلَى نَفْسِهِ مَسَاوِيَهَا- فِي الدِّينِ وَ الرَّأْيِ وَ الْأَخْلَاقِ وَ الْأَدَبِ- فَيَجْمَعَ ذَلِكَ فِي صَدْرِهِ أَوْ فِي كِتَابٍ
____________
(1) المأسور: الاسير.
(2) مطالب السئول ص 49.
7
وَ يَعْمَلَ فِي إِزَالَتِهَا.
59- وَ قَالَ(ع)الْإِنْسَانُ (1) عَقْلٌ وَ صُورَةٌ- فَمَنْ أَخْطَأَهُ الْعَقْلُ وَ لَزِمَتْهُ الصُّورَةُ لَمْ يَكُنْ كَامِلًا- وَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا رُوحَ فِيهِ- وَ مَنْ طَلَبَ الْعَقْلَ الْمُتَعَارَفَ فَلْيَعْرِفْ صُورَةَ الْأُصُولِ وَ الْفُضُولِ- فَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ يَطْلُبُونَ الْفُضُولَ وَ يَضَعُونَ الْأُصُولَ- فَمَنْ أَحْرَزَ الْأَصْلَ اكْتَفَى بِهِ عَنِ الْفَضْلِ- وَ أَصْلُ الْأُمُورِ فِي الْإِنْفَاقِ طَلَبُ الْحَلَالِ- لِمَا يُنْفِقُ وَ الرِّفْقُ فِي الطَّلَبِ- وَ أَصْلُ الْأُمُورِ فِي الدِّينِ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى الصَّلَوَاتِ- وَ يَجْتَنِبَ الْكَبَائِرَ وَ أُلْزِمَ ذَلِكَ- لُزُومَ مَا لَا غِنَى عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ- وَ إِنَّ حُرْمَتَهُ هُلْكٌ- فَإِنْ جَاوَزْتَهُ إِلَى الْفِقْهِ وَ الْعِبَادَةِ فَهُوَ الْحَظُّ- وَ إِنَّ أَصْلَ الْعَقْلِ الْعَفَافُ وَ ثَمَرَتَهُ الْبَرَاءَةُ مِنَ الْآثَامِ- وَ أَصْلَ الْعَفَافِ الْقَنَاعَةُ وَ ثَمَرَتَهَا قِلَّةُ الْأَحْزَانِ- وَ أَصْلَ النَّجْدَةِ الْقُوَّةُ وَ ثَمَرَتَهَا الظَّفَرُ- وَ أَصْلَ الْعَقْلِ (2) الْقُدْرَةُ وَ ثَمَرَتَهَا السُّرُورُ- وَ لَا يُسْتَعَانُ عَلَى الدَّهْرِ إِلَّا بِالْعَقْلِ- وَ لَا عَلَى الْأَدَبِ إِلَّا بِالْبَحْثِ- وَ لَا عَلَى الْحَسَبِ إِلَّا بِالْوَفَاءِ- وَ لَا عَلَى الْوَقَارِ إِلَّا بِالْمَهَابَةِ- وَ لَا عَلَى السُّرُورِ إِلَّا بِاللِّينِ- وَ لَا عَلَى اللُّبِّ إِلَّا بِالسَّخَاءِ- وَ لَا عَلَى الْبَذْلِ إِلَّا بِالْتِمَاسِ الْمُكَافَاةِ- وَ لَا عَلَى التَّوَاضُعِ إِلَّا بِسَلَامَةِ الصَّدْرِ- وَ كُلُّ نَجْدَةٍ يَحْتَاجُ إِلَى الْعَقْلِ- وَ كُلُّ مَعُونَةٍ تَحْتَاجُ إِلَى التَّجَارِبِ- وَ كُلُّ رِفْعَةٍ يَحْتَاجُ إِلَى حُسْنِ أُحْدُوثَةٍ- وَ كُلُّ سُرُورٍ يَحْتَاجُ إِلَى أَمْنٍ- وَ كُلُّ قَرَابَةٍ يَحْتَاجُ إِلَى مَوَدَّةٍ- وَ كُلُّ عِلْمٍ يَحْتَاجُ إِلَى قُدْرَةٍ- وَ كُلُّ مَقْدُرَةٍ تَحْتَاجُ إِلَى بَذْلٍ- وَ لَا تَعَرَّضْ لِمَا لَا يَعْنِيكَ بِتَرْكِ مَا يَعْنِيكَ- فَرُبَّ مُتَكَلِّمٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ قَدْ أَعْطَبَهُ ذَلِكَ.
60- وَ قَالَ(ع)لَا تَسْتَرْشِدْ إِلَى الْحَزْمِ بِغَيْرِ دَلِيلِ الْعَقْلِ- فَتُخْطِئَ مِنْهَاجَ الرَّأْيِ- فَإِنَّ أَفْضَلَ الْعَقْلِ مَعْرِفَةُ الْحَقِّ بِنَفْسِهِ- وَ أَفْضَلَ الْعِلْمِ وُقُوفُ الرَّجُلِ عِنْدَ عِلْمِهِ- وَ أَفْضَلَ الْمُرُوَّةِ اسْتِبْقَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ وَجْهِهِ- وَ أَفْضَلَ الْمَالِ مَا وُقِيَ بِهِ الْعِرْضُ- وَ قُضِيَتْ بِهِ الْحُقُوقُ.
61- وَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا انْتَفَعْتُ بِكَلَامٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ص كَانْتِفَاعِي
____________
(1) المصدر ص 49.
(2) كذا و في بعض النسخ «أصل الفعل».
8
بِكِتَابٍ كَتَبَهُ إِلَيَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع) فَإِنَّهُ كَتَبَ إِلَيَّ أَمَّا بَعْدُ (1) فَإِنَّ الْمَرْءَ قَدْ يَسُرُّهُ دَرْكُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ- وَ يَسُوؤُهُ فَوْتُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيُدْرِكَهُ- فَلْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا نِلْتَ مِنْ آخِرَتِكَ- وَ لْيَكُنْ أَسَفُكَ عَلَى مَا فَاتَكَ مِنْهَا- وَ مَا نِلْتَ مِنْ دُنْيَاكَ فَلَا تُكْثِرَنَّ بِهِ فَرَحاً- وَ مَا فَاتَكَ مِنْهُ فَلَا تَأْسَ عَلَيْهِ جَزَعاً- وَ لْيَكُنْ هَمُّكَ فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَ السَّلَامُ.
62- وَ قَالَ(ع)لِجَمَاعَةٍ خُذُوا عَنِّي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ- فَلَوْ رَكِبْتُمُ الْمَطِيَّ حَتَّى تُنْضُوهَا مَا أَصَبْتُمْ مِثْلَهَا (2)- لَا يَرْجُوَنَّ عَبْدٌ إِلَّا رَبَّهُ- وَ لَا يَخَافَنَّ إِلَّا ذَنْبَهُ- وَ لَا يَسْتَحِي إِذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنْ يَتَعَلَّمَ- وَ لَا يَسْتَحِي إِذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ أَنْ يَقُولَ لَا أَعْلَمُ- وَ اعْلَمُوا أَنَّ الصَّبْرَ مِنَ الْإِيمَانِ- بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ- وَ لَا خَيْرَ فِي جَسَدٍ لَا رَأْسَ لَهُ- فَاصْبِرُوا عَلَى مَا كُلِّفْتُمُوهُ رَجَاءَ مَا وُعِدْتُمُوهُ.
63- وَ قَالَ(ع)الشَّيْءُ شَيْئَانِ شَيْءٌ قُصِرَ عَنِّي- لَمْ أُرْزَقْهُ فِيمَا مَضَى وَ لَا أَرْجُوهُ فِيمَا بَقِيَ- وَ شَيْءٌ لَا أَنَالُهُ دُونَ وَقْتِهِ- وَ لَوِ اسْتَعَنْتُ عَلَيْهِ بِقُوَّةِ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ- فَمَا أَعْجَبَ أَمْرَ هَذَا الْإِنْسَانِ- يَسُرُّهُ دَرْكُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيُدْرِكَهُ- وَ لَوْ أَنَّهُ فَكَّرَ لَأَبْصَرَ وَ لَعَلِمَ أَنَّهُ مُدَبَّرٌ- وَ اقْتَصَرَ عَلَى مَا تَيَسَّرَ وَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا تَعَسَّرَ- وَ اسْتَرَاحَ قَلْبَهُ مِمَّا اسْتَوْعَرَ فَبِأَيِّ هَذَيْنِ أُفْنِي عُمُرِي- فَكُونُوا أَقَلَّ مَا يَكُونُونَ فِي الْبَاطِنِ أَمْوَالًا- أَحْسَنَ مَا يَكُونُونَ فِي الظَّاهِرِ أَحْوَالًا- فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَدَّبَ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ الْعَارِفِينَ- أَدَباً حَسَناً فَقَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ- يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ- تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً (3).
64- وَ قَالَ(ع)لَا يَكُونُ غَنِيّاً حَتَّى يَكُونَ عَفِيفاً- وَ لَا يَكُونُ زَاهِداً حَتَّى يَكُونَ مُتَوَاضِعاً- وَ لَا يَكُونُ حَلِيماً حَتَّى يَكُونَ وَقُوراً- وَ لَا يَسْلَمُ لَكَ قَلْبُكَ حَتَّى تُحِبَّ لِلْمُؤْمِنِينَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ- وَ كَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَنْ يَرْتَكِبَ مَا نُهِيَ عَنْهُ- وَ كَفَى بِهِ عَقْلًا
____________
(1) المصدر ص 55. و في النهج مثله.
(2) أنضى البعير: هزله.
(3) البقرة: 273.
9
أَنْ يُسْلَمَ عَنْ شَرِّهِ- فَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهْلِ وَ أَهْلِهِ- وَ اكْفُفْ عَنِ النَّاسِ مَا تُحِبُّ أَنْ يُكَفَّ عَنْكَ- وَ أَكْرِمْ مَنْ صَافَاكَ وَ أَحْسِنْ مُجَاوَرَةَ مَنْ جَاوَرَكَ- وَ أَلِنْ جَانِبَكَ وَ اكْفُفْ عَنِ الْأَذَى- وَ اصْفَحْ عَنْ سُوءِ الْأَخْلَاقِ- وَ لْتَكُنْ يَدُكَ الْعُلْيَا إِنِ اسْتَطَعْتَ- وَ وَطِّنْ نَفْسَكَ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى مَا أَصَابَكَ- وَ أَلْهِمْ نَفْسَكَ الْقُنُوعَ- وَ اتَّهِمِ الرَّجَاءَ- وَ أَكْثِرِ الدُّعَاءَ تَسْلَمْ مِنْ سَوْرَةِ الشَّيْطَانِ- وَ لَا تُنَافِسْ عَلَى الدُّنْيَا وَ لَا تَتَّبِعِ الْهَوَى- وَ تَوَسَّطْ فِي الْهِمَّةِ تَسْلَمْ مِمَّنْ يَتَّبَّعُ عَثَرَاتِكَ- وَ لَا تَكُ صَادِقاً حَتَّى تَكْتُمَ بَعْضَ مَا تَعْلَمُ- احْلُمْ عَنِ السَّفِيهِ يَكْثُرْ أَنْصَارُكَ عَلَيْهِ- عَلَيْكَ بِالشِّيَمِ الْعَالِيَةِ تَقْهَرْ مَنْ يُعَادِيكَ- قُلِ الْحَقَّ وَ قَرِّبِ الْمُتَّقِينَ- وَ اهْجُرِ الْفَاسِقِينَ وَ جَانِبِ الْمُنَافِقِينَ- وَ لَا تُصَاحِبِ الْخَائِنِينَ.
65- وَ قَالَ(ع)قُلْ عِنْدَ كُلِّ شِدَّةٍ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- تُكَفَّ بِهَا- وَ قُلْ عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ الْحَمْدُ لِلَّهِ تَزْدَدْ مِنْهَا- وَ قُلْ إِذَا أَبْطَأَتْ عَلَيْكَ الْأَرْزَاقُ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ- يُوَسَّعْ عَلَيْكَ- عَلَيْكَ بِالْمَحَجَّةِ- الْوَاضِحَةِ الَّتِي لَا تُخْرِجُكَ إِلَى عِوَجٍ- وَ لَا تَرُدُّكَ عَنْ مَنْهَجٍ النَّاسُ ثَلَاثٌ عَالِمٌ رَبَّانِيٌّ- وَ مُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ النَّجَاةِ وَ هَمَجٌ رَعَاعٌ- مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ الصَّبْرُ- مِفْتَاحُ الشَّرَفِ التَّوَاضُعُ- مِفْتَاحُ الْغِنَى الْيَقِينُ مِفْتَاحُ الْكَرَمِ التَّقْوَى- مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ شَرِيفاً فَيَلْزَمُ التَّوَاضُعَ- عُجْبُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ أَحَدُ حُسَّادِ عَقْلِهِ- الطُّمَأْنِينَةُ قَبْلَ الْحَزْمِ ضِدُّ الْحَزْمِ- الْمُغْتَبَطُ مَنْ حَسُنَ يَقِينُهُ.
66- وَ قَالَ(ع)اللَّهْوُ يُسْخِطُ الرَّحْمَنَ وَ يُرْضِي الشَّيْطَانَ وَ يُنْسِي الْقُرْآنَ- عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّادِقِينَ- الْمَغْبُونُ مَنْ غُبِنَ دِينَهُ- جَانِبُوا الْكَذِبَ فَإِنَّهُ مُجَانِبُ الْإِيمَانِ- وَ الصَّادِقُ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ وَ كَرَامَةٍ- وَ الْكَاذِبُ عَلَى شَفَا هَلْكٍ وَ هَوْنٍ- قُولُوا الْحَقَّ تُعْرَفُوا بِهِ- وَ اعْمَلُوا الْحَقَّ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ- وَ أَدُّوا الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكُمْ- وَ لَا تَخُونُوا مَنْ خَانَكُمْ- وَ صِلُوا أَرْحَامَ مَنْ قَطَعَكُمْ- وَ عُودُوا بِالْفَضْلِ عَلَى مَنْ حَرَمَكُمْ- أَوْفُوا إِذَا عَاهَدْتُمْ وَ اعْدِلُوا إِذَا حَكَمْتُمْ- لَا تَفَاخَرُوا بِالْآبَاءِ وَ لا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ وَ لَا تَحَاسَدُوا وَ لَا تَبَاغَضُوا وَ لَا تَقَاطَعُوا وَ أَفْشُوا السَّلَامَ وَ رُدُّوا التَّحِيَّةَ بِأَحْسَنَ مِنْهَا- وَ ارْحَمُوا الْأَرْمَلَةَ وَ الْيَتِيمَ- وَ أَعِينُوا الضَّعِيفَ وَ الْمَظْلُومَ وَ أَطِيبُوا الْمَكْسَبَ وَ أَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ.
10
67- وَ قَالَ(ع)لَا رَاحَةَ لِحَسُودٍ وَ لَا مَوَدَّةَ لِمَلُولٍ- وَ لَا مُرُوَّةَ لِكَذُوبٍ وَ لَا شَرَفَ لِبَخِيلٍ- وَ لَا هِمَّةَ لِمَهِينٍ- وَ لَا سَلَامَةَ- لِمَنْ أَكْثَرَ مُخَالَطَةَ النَّاسِ- الْوَحْدَةُ- رَاحَةٌ وَ الْعُزْلَةُ عِبَادَةٌ- وَ الْقَنَاعَةُ غُنْيَةٌ وَ الِاقْتِصَادُ بُلْغَةٌ (1)- وَ عَدْلُ السُّلْطَانِ خَيْرٌ مِنْ خِصْبِ الزَّمَانِ- وَ الْعَزِيزُ بِغَيْرِ اللَّهِ ذَلِيلٌ وَ الْغَنِيُّ الشَّرِهُ فَقِيرٌ (2)- لَا يُعْرَفُ النَّاسُ إِلَّا بِالاخْتِبَارِ- فَاخْتَبِرْ أَهْلَكَ وَ وُلْدَكَ فِي غَيْبَتِكَ- وَ صَدِيقَكَ فِي مُصِيبَتِكَ وَ ذَا الْقَرَابَةِ عِنْدَ فَاقَتِكَ- وَ ذَا التَّوَدُّدِ وَ الْمَلَقِ عِنْدَ عُطْلَتِكَ (3)- لِتَعْلَمَ بِذَلِكَ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَهُمْ- وَ احْذَرْ مِمَّنْ إِذَا حَدَّثْتَهُ مَلَّكَ وَ إِذَا حَدَّثَكَ غَمَّكَ- وَ إِنْ سَرَرْتَهُ أَوْ ضَرَرْتَهُ سَلَكَ فِيهِ مَعَكَ سَبِيلَكَ- وَ إِنْ فَارَقَكَ سَاءَكَ مَغِيبُهُ بِذِكْرِ سَوْأَتِكَ- وَ إِنْ مَانَعْتَهُ بَهَتَكَ وَ افْتَرَى- وَ إِنْ وَافَقْتَهُ حَسَدَكَ وَ اعْتَدَى- وَ إِنْ خَالَفْتَهُ مَقَتَكَ وَ مَارَى (4)- يَعْجِزُ عَنْ مُكَافَاةِ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ- وَ يُفْرِطُ عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيْهِ- يُصْبِحُ صَاحِبُهُ فِي أَجْرٍ وَ يُصْبِحُ هُوَ فِي وِزْرٍ- لِسَانُهُ عَلَيْهِ لَا لَهُ- وَ لَا يَضْبِطُ قَلْبُهُ قَوْلَهُ- يَتَعَلَّمُ لِلْمِرَاءِ وَ يَتَفَقَّهُ لِلرِّيَاءِ- يُبَادِرُ الدُّنْيَا وَ يُؤَاكِلُ التَّقْوَى- فَهُوَ بَعِيدٌ مِنَ الْإِيمَانِ قَرِيبٌ مِنَ النِّفَاقِ- مُجَانِبٌ لِلرُّشْدِ مُوَافِقٌ لِلْغَيِّ- فَهُوَ بَاغٍ غَاوٍ لَا يَذْكُرُ الْمُهْتَدِينَ.
68- وَ قَالَ(ع)(5) لَا تُحَدِّثْ مِنْ غَيْرِ ثِقَةٍ فَتَكُونَ كَذَّاباً- وَ لَا تُصَاحِبْ هَمَّازاً فَتُعَدَّ مُرْتَاباً- وَ لَا تُخَالِطْ ذَا فُجُورٍ فَتُرَى مُتَّهَماً- وَ لَا تُجَادِلْ عَنِ الْخَائِنِينَ فَتُصْبِحَ مَلُوماً- وَ قَارِنْ أَهْلَ الْخَيْرِ تَكُنْ مِنْهُمْ- وَ بَايِنْ أَهْلَ الشَّرِّ تَبِنْ عَنْهُمْ- وَ اعْلَمْ أَنَّ مِنَ الْحَزْمِ الْعَزْمُ- وَ احْذَرِ اللَّجَاجَ تَنْجُ مِنْ كَبْوَتِهِ (6)- وَ لَا تَخُنْ مَنِ ائْتَمَنَكَ وَ إِنْ خَانَكَ فِي أَمَانَتِهِ- وَ لَا
____________
(1) الغنية- بالضم- اليسار و الكفاية. و البلغة- بالضم أيضا-: ما يكفى من العيش و لا يفضل.
(2) الشره: الحريص.
(3) العطلة- بالضم-: البقاء بلا عمل. و المراد الفقر.
(4) المماراة: المنازعة و المجادلة.
(5) مطالب السئول ص 56.
(6) الكبوة السقوط على الوجه.
11
تُذِعْ سِرَّ مَنْ أَذَاعَ سِرَّكَ- وَ لَا تُخَاطِرْ بِشَيْءٍ رَجَاءَ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ- وَ خُذِ الْفَضْلَ وَ أَحْسِنِ الْبَذْلَ- وَ قُلْ لِلنَّاسِ حُسْناً- وَ لَا تَتَّخِذْ عَدُوَّ صَدِيقِكَ صَدِيقاً فَتُعَادِيَ صَدِيقَكَ- وَ سَاعِدْ أَخَاكَ وَ إِنْ جَفَاكَ- وَ إِنْ قَطَعْتَهُ فَاسْتَبْقِ لَهُ بَقِيَّةً مِنْ نَفْسِكَ- وَ لَا تُضِيعَنَّ حَقَّ أَخِيكَ فَتَعْدَمَ أُخُوَّتَهُ- وَ لَا يَكُنْ أَشْقَى النَّاسِ بِكَ أَهْلُكَ- وَ لَا تَرْغَبَنَّ فِيمَنْ زَهِدَ فِيكَ- وَ لَيْسَ جَزَاءُ مَنْ سَرَّكَ أَنْ تَسُوءَهُ- وَ اعْلَمْ أَنَّ عَاقِبَةَ الْكَذِبِ الذَّمُّ- وَ عَاقِبَةَ الصِّدْقِ النَّجَاةُ.
69- وَ نُقِلَ عَنْهُ(ع)أَنَّهُ رَأَى جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَ قَدْ تَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ (1) فَقَالَ(ع) يَا جَابِرُ عَلَامَ تَنَفُّسُكَ أَ عَلَى الدُّنْيَا- فَقَالَ جَابِرٌ نَعَمْ- فَقَالَ لَهُ يَا جَابِرُ مَلَاذُّ الدُّنْيَا سَبْعَةٌ- الْمَأْكُولُ وَ الْمَشْرُوبُ وَ الْمَلْبُوسُ وَ الْمَنْكُوحُ- وَ الْمَرْكُوبُ وَ الْمَشْمُومُ وَ الْمَسْمُوعُ- فَأَلَذُّ الْمَأْكُولَاتِ الْعَسَلُ وَ هُوَ بَصْقٌ مِنْ ذُبَابَةٍ- وَ أَحْلَى الْمَشْرُوبَاتِ الْمَاءُ- وَ كَفَى بِإِبَاحَتِهِ وَ سِبَاحَتِهِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ- وَ أَعْلَى الْمَلْبُوسَاتِ الدِّيبَاجُ وَ هُوَ مِنْ لُعَابِ دُودَةٍ- وَ أَعْلَى الْمَنْكُوحَاتِ النِّسَاءُ وَ هُوَ مَبَالٌ فِي مَبَالٍ- وَ مِثَالٌ لِمِثَالٍ- وَ إِنَّمَا يُرَادُ أَحْسَنُ مَا فِي الْمَرْأَةِ لِأَقْبَحِ مَا فِيهَا- وَ أَعْلَى الْمَرْكُوبَاتِ الْخَيْلُ وَ هُوَ قَوَاتِلُ- وَ أَجَلُّ الْمَشْمُومَاتِ الْمِسْكُ وَ هُوَ دَمٌ مِنْ سُرَّةِ دَابَّةٍ- وَ أَجَلُّ الْمَسْمُوعَاتِ الْغِنَاءُ وَ التَّرَنُّمُ وَ هُوَ إِثْمٌ- فَمَا هَذِهِ صِفَتُهُ لَمْ يَتَنَفَّسْ عَلَيْهِ عَاقِلٌ- قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ- فَوَ اللَّهِ مَا خَطَرَتِ الدُّنْيَا بَعْدَهَا عَلَى قَلْبِي.
70- وَ قَالَ(ع)فِي الْأَمْثَالِ بِالصَّبْرِ يُنَاضَلُ (2) الْحَدَثَانُ- الْجَزَعُ مِنْ أَنْوَاعِ الْحِرْمَانِ- الْعَدْلُ مَأْلُوفٌ وَ الْهَوَى عَسُوفٌ (3)- وَ الْهِجْرَانُ عُقُوبَةُ الْعِشْقِ الْبُخْلُ جِلْبَابُ الْمَسْكَنَةِ- لَا تَأْمَنَنَّ مَلُولًا إِزَالَةُ الرَّوَاسِي أَسْهَلُ مِنْ تَأْلِيفِ الْقُلُوبِ الْمُتَنَافِرَةِ- مَنِ اتَّبَعَ الْهَوَى ضَلَّ- الشَّجَاعَةُ صَبْرُ سَاعَةٍ- خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا- الْقَلْبُ بِالتَّعَلُّلِ رَهِينٌ- مَنْ وَمَقَكَ
____________
(1) الصعداء- بضم الصاد و فتح العين المهملتين- التنفس الطويل من هم أو تعب.
(2) ناضلة مناضلة: باراه في رمى السهام و ناضل عنه: حامى و جادل و دافع عنه.
و حدثان الدهر- بكسر الحاء و فتحها- نوائبه و مصائبه.
(3) العسوف- بفتح العين- الشديد العسف أي الجور. و الظلم.
12
أَعْتَبَكَ (1) الْقِلَّةُ ذِلَّةٌ- الْمَجَاعَةُ مَسْكَنَةٌ- خَيْرُ أَهْلِكَ مَنْ كَفَاكَ- تَرْكُ الْخَطِيئَةِ أَهْوَنُ مِنْ طَلَبِ التَّوْبَةِ- مَنْ وَلِعَ بِالْحَسَدِ وَلِعَ بِهِ الشُّؤْمُ- كَمْ تَلِفَ مَنْ صَلِفَ كَمْ قَرَفَ مَنْ سَرَفَ (2) عَدُوٌّ عَاقِلٌ خَيْرٌ مِنْ صَدِيقٍ أَحْمَقَ- التَّوْفِيقُ مِنَ السَّعَادَةِ وَ الْخِذْلَانُ مِنَ الشَّقَاوَةِ- مَنْ بَحَثَ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ فَبِنَفْسِهِ بَدَأَ- مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ- مَنْ سَلِمَ مِنْ أَلْسِنَةِ النَّاسِ كَانَ سَعِيداً- مَنْ صَحِبَ الْمُلُوكَ تَشَاغَلَ بِالدُّنْيَا- الْفَقْرُ طَرَفٌ مِنَ الْكُفْرِ- مَنْ وَقَعَ فِي أَلْسِنَةِ النَّاسِ هَلَكَ- مَنْ تَحَفَّظَ مِنْ سَقَطِ الْكَلَامِ أَفْلَحَ- كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ- كَمْ مِنْ غَرِيبٍ خَيْرٌ مِنْ قَرِيبٍ- لَوْ أُلْقِيَتِ الْحِكْمَةُ عَلَى الْجِبَالِ لَقَلْقَلَتْهَا (3)- كَمْ مِنْ غَرِيقٍ هَلَكَ فِي بَحْرِ الْجَهَالَةِ- وَ كَمْ عَالِمٍ قَدْ أَهْلَكَتْهُ الدُّنْيَا- خَيْرُ إِخْوَانِكَ مَنْ وَاسَاكَ وَ خَيْرٌ مِنْهُ مَنْ كَفَاكَ- خَيْرُ مَالِكَ مَا أَعَانَكَ عَلَى حَاجَتِكَ- خَيْرُ مَنْ صَبَرْتَ عَلَيْهِ مَنْ لَا بُدَّ لَكَ مِنْهُ- أَحَقُّ مَنْ أَطَعْتَ مُرْشِدٌ لَا يَعْصِيكَ- مَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا جَمَعَ لِغَيْرِهِ- الْمَعْرُوفُ فَرْضٌ وَ الْأَيَّامُ دُوَلٌ- عِنْدَ تَنَاهِي الْبَلَاءِ يَكُونُ الْفَرَجُ- مَنْ كَانَ فِي النِّعْمَةِ جَهِلَ قَدْرَ الْبَلِيَّةِ- مَنْ قَلَّ سُرُورُهُ كَانَ فِي الْمَوْتِ رَاحَتُهُ- قَدْ يَنْمِي الْقَلِيلُ فَيَكْثُرُ- وَ يَضْمَحِلُّ الْكَثِيرُ فَيَذْهَبُ- رُبَّ أُكْلَةٍ يَمْنَعُ الْأَكَلَاتِ- أَفْلَجُ النَّاسِ حُجَّةً مَنْ شَهِدَ لَهُ خَصْمُهُ بِالْفَلْجِ (4)- السُّؤَالُ مَذَلَّةٌ وَ الْعَطَاءُ مَحَبَّةٌ- مَنْ حَفَرَ لِأَخِيهِ بِئْراً كَانَ بِتَرَدِّيهِ فِيهَا جَدِيراً- امْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ- حُسْنُ التَّدْبِيرِ مَعَ الْكَفَافِ أَكْفَى مِنَ الْكَثِيرِ مَعَ الْإِسْرَافِ- الْفَاحِشَةُ كَاسْمِهَا- مَعَ كُلِّ جُرْعَةٍ شَرْقَةٌ- مَعَ كُلِّ أُكْلَةٍ غُصَّةٌ بِحَسَبِ السُّرُورِ يَكُونُ التَّنْغِيصُ- الْهَوَى يَهْوِي بِصَاحِبِ الْهَوَى- عَدُوُّ الْعَقْلِ الْهَوَى- اللَّيْلُ أَخْفَى لِلْوَيْلِ- صُحْبَةُ الْأَشْرَارِ تُورِثُ سُوءَ الظَّنِّ بِالْأَخْيَارِ- مَنْ أَكْثَرَ مِنْ شَيْءٍ عُرِفَ بِهِ- رُبَّ كَثِيرٍ هَاجَهُ صَغِيرٌ- رُبَّ مَلُومٍ لَا ذَنْبَ لَهُ- الْحُرُّ حُرٌّ وَ لَوْ مَسَّهُ الضُّرُّ- مَا ضَلَّ مَنِ
____________
(1) ومقه: أحبه.
(2) الصلف: التملق. و القرف: النكس من مرض.
(3) القلقلة: التحريك.
(4) الفلج: الظفر.
13
اسْتَرْشَدَ وَ لَا حَارَ مَنِ اسْتَشَارَ- الْحَازِمُ لَا يَسْتَبِدُّ بِرَأْيِهِ- آمَنُ مِنْ نَفْسِكَ عِنْدَكَ مَنْ وَثِقْتَ بِهِ عَلَى سِرِّكَ- الْمَوَدَّةُ بَيْنَ الْآبَاءِ قَرَابَةٌ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ.
71- وَ قَالَ(ع)مَنْ رَضِيَ عَنْ نَفْسِهِ كَثُرَ السَّاخِطُ عَلَيْهِ- وَ مَنْ بَالَغَ فِي الْخُصُومَةِ أَثِمَ- وَ مَنْ قَصَّرَ فِيهَا ظُلِمَ- مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ- إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةُ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا- مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِكِبَارِهَا- الْوِلَايَاتُ مَضَامِيرُ الرِّجَالِ- لَيْسَ بَلَدٌ أَحَقَّ مِنْكَ مِنْ بَلَدٍ- وَ خَيْرُ الْبِلَادِ مَنْ حَمَلَكَ- إِذَا كَانَ فِي الرَّجُلِ خُلَّةٌ رَائِعَةٌ فَانْتَظِرْ أَخَوَاتِهَا- الْغِيبَةُ جُهْدُ الْعَاجِزِ- رُبَّ مَفْتُونٍ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ- مَا لِابْنِ آدَمَ وَ الْفَخْرِ أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ وَ آخِرُهُ جِيفَةٌ- لَا يَرْزُقُ نَفْسَهُ وَ لَا يَمْنَعُ حَتْفَهُ- الدُّنْيَا تَغُرُّ وَ تَضُرُّ وَ تَمُرُّ- إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَرْضَهَا ثَوَاباً بِأَوْلِيَائِهِ- وَ لَا عِقَاباً لِأَعْدَائِهِ- وَ إِنَّ أَهْلَ الدُّنْيَا كَرَكْبٍ- بَيْنَا هُمْ حَلُّوا إِذْ صَاحَ سَائِقُهُمْ فَارْتَحِلُوا- مَنْ صَارَعَ الْحَقَّ صَرَعَهُ- الْقَلْبُ مُصْحَفُ الْبَصَرِ (1) التُّقَى رَئِيسُ الْأَخْلَاقِ- مَا أَحْسَنَ تَوَاضُعَ الْأَغْنِيَاءِ لِلْفُقَرَاءِ طَلَباً لِمَا عِنْدَ اللَّهِ- وَ أَحْسَنُ مِنْهُ تِيهُ الْفُقَرَاءِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ- اتِّكَالًا عَلَى اللَّهِ- كُلُّ مُقْتَصَرٍ عَلَيْهِ كَافٍ (2)- الدَّهْرُ يَوْمَانِ يَوْمٌ لَكَ وَ يَوْمٌ عَلَيْكَ- فَإِنْ كَانَ لَكَ فَلَا تَبْطَرْ- وَ إِنْ كَانَ عَلَيْكَ فَلَا تَضْجَرْ- مَنْ طَلَبَ شَيْئاً نَالَهُ أَوْ بَعْضَهُ- الرُّكُونُ إِلَى الدُّنْيَا مَعَ مَا يُعَايَنُ مِنْهَا جَهْلٌ- وَ التَّقْصِيرُ فِي حُسْنِ الْعَمَلِ مَعَ الْوُثُوقِ بِالثَّوَابِ عَلَيْهِ غَبْنٌ- وَ الطُّمَأْنِينَةُ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ قَبْلَ الِاخْتِبَارِ عَجْزٌ- وَ الْبُخْلُ جَامِعٌ لِمَسَاوِي الْأَخْلَاقِ- نِعَمُ اللَّهِ عَلَى الْعَبْدِ مَجْلَبَةٌ لِحَوَائِجِ النَّاسِ إِلَيْهِ- فَمَنْ قَامَ لِلَّهِ فِيهَا بِمَا يَجِبُ- عَرَضَهَا لِلدَّوَامِ وَ الْبَقَاءِ- وَ مَنْ لَمْ يَقُمْ فِيهَا بِمَا يَجِبُ عَرَضَهَا لِلزَّوَالِ وَ الْفَنَاءِ- الرَّغْبَةُ مِفْتَاحُ النَّصَبِ- وَ الْحَسَدُ مَطِيَّةُ التَّعَبِ- مَنْ عَلِمَ أَنَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ- قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ- مَنْ نَظَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ فَأَنْكَرَهَا- ثُمَّ حَبَّبَهَا (3) لِنَفْسِهِ فَذَلِكَ الْأَحْمَقُ بِعَيْنِهِ- الْعَفَافُ
____________
(1) استعار لفظ المصحف للقلب باعتبار انتقاشه بصور ما ينبغي التكلم به في لوح الخيال و ادراك الحس المشترك له من باطن فهو كالمصحف يقرأ منه.
(2) أي كل ما يمكن الاقتصار عليه فهو كاف.
(3) في بعض النسخ «ثم رضيها».
14
زِينَةُ الْفَقْرِ- وَ الشُّكْرُ زِينَةُ الْغِنَى- رَسُولُكَ تَرْجُمَانُ عَقْلِكَ- وَ كِتَابُكَ أَبْلَغُ مَا يَنْطِقُ عَنْكَ- النَّاسُ أَبْنَاءُ الدُّنْيَا وَ لَا يُلَامُ الرَّجُلُ عَلَى حُبِّ أُمِّهِ- الطَّمَعُ ضَامِنٌ غَيْرُ وَفِيٍّ- وَ الْأَمَانِيُّ تُعْمِي أَعْيُنَ الْبَصَائِرِ- لَا تِجَارَةَ كَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَ لَا رِبْحَ كَالثَّوَابِ- وَ لَا قَائِدَ كَالتَّوْفِيقِ- وَ لَا حَسَبَ كَالتَّوَاضُعِ وَ لَا شَرَفَ كَالْعِلْمِ- وَ لَا وَرَعَ كَالْوُقُوفِ عِنْدَ الشُّبْهَةِ- وَ لَا قَرِينَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ- وَ لَا عِبَادَةَ كَأَدَاءِ الْفَرَائِضِ- وَ لَا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ- وَ لَا وَحْدَةَ أَوْحَشُ مِنَ الْعُجْبِ- وَ مَنْ أَطَالَ الْأَمَلَ أَسَاءَ الْعَمَلَ.
72- وَ سَمِعَ(ع)(1) رَجُلًا مِنَ الْحَرُورِيَّةِ يَقْرَأُ وَ يَتَهَجَّدُ- فَقَالَ نَوْمٌ عَلَى يَقِينٍ خَيْرٌ مِنْ صَلَاةٍ فِي شَكٍّ- إِذَا تَمَّ الْعَقْلُ نَقَصَ الْكَلَامُ- قَدْرُ الرَّجُلِ قَدْرُ هِمَّتِهِ- قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُهُ- الْمَالُ مَادَّةُ الشَّهَوَاتِ- النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوهُ- أَنْفَاسُ الْمَرْءِ خُطَاهُ إِلَى أَجَلِهِ.
73- وَ قَالَ(ع)أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ- وَ تَحَبَّبَتْ بِالْعَاجِلَةِ (2) وَ عُمِّرَتْ بِالْآمَالِ- وَ تَزَيَّنَتْ بِالْغُرُورِ- وَ لَا يُؤْمَنُ فَجْعَتُهَا وَ لَا يَدُومُ حَبْرَتُهَا (3)- ضَرَّارَةٌ غَدَّارَةٌ غَرَّارَةٌ- زَائِلَةٌ بَائِدَةٌ أَكَّالَةٌ عَوَّالَةٌ- لَا تَعْدُو إِذَا تَنَاهَتْ إِلَى أُمْنِيَّةِ أَهْلِ الرِّضَا بِهَا (4)- وَ الرَّغْبَةِ فِيهَا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ (5)- كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ- فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ (6)- عَلَى أَنَّ امْرَأً لَمْ يَكُنْ فِيهَا فِي حَبْرَةٍ- إِلَّا أَعْقَبَتْهُ بَعْدَهَا عَبْرَةً- وَ لَمْ يَلْقَ
____________
(1) مطالب السئول ص 57.
(2) أي صارت محبوبة للناس بكونها لذة عاجلة. و النفوس مولعة بحب العاجل.
(3) الحبرة: النعمة و السرور.
(4) باد أي هلك. و غاله: أهلكه. و عداه يعدوه: جاوزه. و الامنية: ما يتمناه الإنسان أي يريده و يأمله.
(5) الكهف 45.
(6) أي غاية موافقة الدنيا لأهلها لا يجاوز المثل المضروب لها في الكتاب الكريم و المراد بالماء المطر، و اختلاط النبات به دخوله في خلل النبات عند النمو. و الهشيم نبت يابس مكسر. و تذروه الرياح أي تطيره فيصير كأنّ لم يكن.
15
مِنْ سَرَّائِهَا بَطْناً- إِلَّا مَنَحَتْهُ مِنْ ضَرَّائِهَا ظَهْراً (1)- وَ لَمْ تَطُلَّهُ فِيهَا دِيمَةُ رَخَاءٍ- إِلَّا هَتَنَتْ عَلَيْهِ مُزْنَةُ بَلَاءٍ (2)- وَ حَرِيٌّ إِذَا أَصْبَحَتْ لَهُ متنصرة [مُنْتَصِرَةً أَنْ تُمْسِيَ لَهُ مُتَنَكِّرَةً- فَإِنْ جَانِبٌ مِنْهَا اعْذَوْذَبَ لِامْرِئٍ وَ احْلَوْلَى- أَمَرَّ عَلَيْهِ جَانِبٌ فَأَوْبَى- وَ إِنْ لَقِيَ امْرُؤٌ مِنْ غَضَارَتِهَا رَغَباً- زَوَّدَتْهُ مِنْ نَوَائِبِهَا تَعَباً- وَ لَا يُمْسِي امْرُؤٌ مِنْهَا فِي جَنَاحِ أَمْنٍ إِلَّا أَصْبَحَ فِي خَوَافِي خَوْفٍ (3)- غَرَّارَةٌ غُرُورٌ مَا فِيهَا- فَانِيَةٌ فَانٍ مَنْ عَلَيْهَا- مَنْ أَقَلَّ مِنْهَا اسْتَكْثَرَ مِمَّا يُؤْمِنُهُ (4)- وَ مَنِ اسْتَكْثَرَ مِنْهَا لَمْ يَدُمْ لَهُ وَ زَالَ عَمَّا قَلِيلٍ عَنْهُ- كَمْ مِنْ وَاثِقٍ بِهَا قَدْ فَجَعَتْهُ- وَ ذِي طُمَأْنِينَةٍ إِلَيْهَا قَدْ صَرَعَتْهُ- وَ ذِي خُدَعٍ قَدْ خَدَعَتْهُ وَ ذِي أُبَّهَةٍ قَدْ صَيَّرَتْهُ حَقِيراً- وَ ذِي نَخْوَةٍ قَدْ صَيَّرَتْهُ خَائِفاً فَقِيراً- وَ ذِي تَاجٍ قَدْ أَكَبَّتْهُ لِلْيَدَيْنِ وَ الْفَمِ- سُلْطَانُهَا دُوَلٌ وَ عَيْشُهَا رَنِقٌ (5)- وَ عَذْبُهَا أُجَاجٌ وَ حُلْوُهَا صَبِرٌ- وَ غِذَاؤُهَا سِمَامٌ وَ أَسْبَابُهَا رِمَامٌ (6)- حَيُّهَا بِعَرَضِ مَوْتٍ وَ صَحِيحُهَا بِعَرَضِ سُقْمٍ- وَ مَنِيعُهَا بِعَرَضِ اهْتِضَامٍ- عَزِيزُهَا مَغْلُوبٌ وَ مُلْكُهَا مَسْلُوبٌ- وَ ضَيْفُهَا مَثْلُوبٌ وَ جَارُهَا مَحْرُوبٌ (7)- ثُمَّ مِنْ وَرَاءِ
____________
(1) الحبرة بالفتح: النعمة. و العبرة: الدمعة. و السراء مصدر بمعنى المسرة و و الضراء: الشدة. و يختص البطن بالسراء و الظهر بالضراء لان الاقبال يكون بالأول كما أن الادبار بالثانى، أو لان الترس يكون بطنه إليك و ظهره الى عدوك.
(2) الطل- بالفتح-: المطر الضعيف. و الديمة- بالكسر-: مطر يدوم في سكون بلا رعد و برق. و هتنت أي انصبت. و الحرى: الجدير و الخليق.
(3) الخوافى: ريشات من الجناح إذا ضم الطائر جناحيه خفيت. و في المثل «ليس القوادم كالخوافى».
(4) أي من أخذ القليل من متاعها أخذ الكثير ممّا يؤمنه.
(5) الدولة- بالفتح- الانقلاب للزمان و الجمع دول مثلثة. و الرنق: الماء الكدر.
(6) السمام- بالكسر- جمع سم بالضم و الفتح. و السبب في أصل الحبل الذي يتوصل به الى الماء، ثمّ استعير لكل ما يتوصل به الى الشيء. و الرمم- بالكسر- جمع رمة- بالضم- و هي قطعة جبل بالية.
(7) المثلوب: الملوم، و ثلبه أي عابه و لامه. و المحروب: المسلوب ماله.
16
ذَلِكَ هَوْلُ الْمُطَّلَعِ- وَ سَكَرَاتُ الْمَوْتِ وَ الْوُقُوفُ بَيْنَ يَدَيِ الْحَكَمِ الْعَدْلِ- لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا- وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى- أَ لَسْتُمْ فِي مَنَازِلِ مَنْ كَانَ أَطْوَلَ مِنْكُمْ أَعْمَاراً وَ آثَاراً- وَ أَعَدَّ مِنْكُمْ عَدِيداً وَ أَكْثَفَ جُنُوداً (1)- وَ أَشَدَّ مِنْكُمْ عَتُوداً- تَعَبَّدُوا الدُّنْيَا أَيَّ تَعَبُّدٍ- وَ آثَرُوهَا أَيَّ إِيْثَارٍ ثُمَّ ظَعَنُوا عَنْهَا بِالصَّغَارِ- فَهَلْ بَلَغَكُمْ أَنَّ الدُّنْيَا سَخَتْ لَهُمْ بِفِدْيَةٍ- أَوْ أَغْنَتْ عَنْهُمْ فِيمَا قَدْ أَهْلَكَهُمْ مِنْ خَطْبٍ- بَلْ قَدْ أَوْهَنَتْهُمْ بِالْقَوَارِعِ (2) وَ ضَعْضَعَتْهُمْ بِالنَّوَائِبِ- وَ عَفَّرَتْهُمْ لِلْمَنَاخِرِ- وَ أَعَانَتْ عَلَيْهِمْ رَيْبَ الْمَنُونِ (3)- فَقَدْ رَأَيْتُمْ تَنَكُّرَهَا لِمَنْ دَانَ لَهَا وَ أَخْلَدَ إِلَيْهَا- حَتَّى ظَعَنُوا عَنْهَا لِفِرَاقِ أَمَدٍ إِلَى آخِرِ الْمُسْتَنَدِ- هَلْ أَحَلَّتْهُمْ إِلَّا الضَّنْكَ أَوْ زَوَّدَتْهُمْ إِلَّا التَّعَبَ- أَوْ نَوَّرَتْ لَهُمْ إِلَّا الظُّلَمَ أَوْ أَعْقَبَتْهُمْ إِلَّا النَّارَ- فَهَذِهِ تُؤْثِرُونَ أَمْ عَلَى هَذِهِ تَحْرِصُونَ- إِلَى هَذِهِ تَطْمَئِنُّونَ- يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها- نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَ هُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ- أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ- وَ حَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (4)- فَبِئْسَتِ الدَّارُ لِمَنْ لَا يَتَّهِمُهَا- وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا عَلَى وَجَلٍ مِنْهَا- اعْلَمُوا وَ أَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ تَارِكُوهَا لَا بُدَّ (5)- فَإِنَّمَا هِيَ كَمَا نَعَتَّهَا اللَّهُ تَعَالَى- لَهْوٌ وَ لَعِبٌ- وَ اتَّعِظُوا بِالَّذِينَ كَانُوا يَبْنُونَ (6) بِكُلِّ رَيْعٍ
____________
(1) أي أكثر جنودا.
(2) القوارع جمع القارعة و هي الداهية.
(3) أي سلطته عليهم و ريب المنون: صروف الدهر.
(4) هود: 18 و 19.
(5) لعل العلم المأمور به هو اليقين المستتبع و هو العمل أي أيقنوا بأنكم ستتركونها و ترتحلون عنها و أنتم تعلمون ذلك لكن علما لا يترتب عليه الاثر. و يحتمل أن يكون المعنى اعلموا ذلك و أنتم من أهل العلم و شأنكم المعرفة و تمييز الخير من الشر.
(6) أي يبنون بكل مكان مرتفع علما للمارة للعبث بمن يمر عليهم او قصورا يفتخرون بها، و المصانع جمع المصنع: مأخذ الماء، و قيل قصور مشيدة و حصونا.
17
آيَةً يَعْبَثُونَ- وَ يَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّهُمْ يَخْلُدُونَ (1)- وَ اتَّعِظُوا بِالَّذِينَ قَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً- وَ اتَّعِظُوا بِإِخْوَانِكُمُ الَّذِينَ نُقِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ- لَا يُدْعَوْنَ رُكْبَاناً- قَدْ جَعَلَ لَهُمْ مِنَ الضَّرِيحِ أَكْنَاناً- وَ مِنَ التُّرَابِ أَكْفَاناً وَ مِنَ الرُّفَاتِ جِيرَاناً- فَهُمْ جِيرَةٌ لَا يُجِيبُونَ دَاعِياً- وَ لَا يَمْنَعُونَ ضَيْماً (2) قَدْ بَادَتْ أَضْغَانُهُمْ- فَهُمْ كَمَنْ لَمْ يَكُنْ وَ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا- وَ كُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (3)- اسْتَبْدَلُوا بِظَهْرِ الْأَرْضِ بَطْناً وَ بِالسَّعَةِ ضِيقاً- وَ بِالْأَهْلِ غُرْبَةً- جَاءُوهَا كَمَا فَارَقُوهَا بِأَعْمَالِهِمْ إِلَى خُلُودِ الْأَبَدِ- كَمَا قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ- وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (4).
74- وَ قَالَ (5) أَيُّهَا الذَّامُّ لِلدُّنْيَا- أَنْتَ الْمُتَجَرِّمُ عَلَيْهَا أَمْ هِيَ الْمُتَجَرِّمَةُ عَلَيْكَ (6)- فَقَالَ قَائِلٌ مِنَ الْحَاضِرِينَ- بَلْ أَنَا المجترم [الْمُتَجَرِّمُ عَلَيْهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- فَقَالَ لَهُ فَلِمَ ذَمَمْتَهَا- أَ لَيْسَتْ دَارَ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا- وَ دَارَ غِنًى لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا- وَ دَارَ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا- مَسْجِدُ أَحِبَّائِهِ وَ مُصَلَّى أَنْبِيَائِهِ- وَ مَهْبِطُ الْمَلَائِكَةِ وَ مَتْجَرُ أَوْلِيَائِهِ- اكْتَسَبُوا فِيهَا الطَّاعَةَ وَ رَبِحُوا فِيهَا الْجَنَّةَ- فَمَنْ ذَا يَذُمُّهَا وَ قَدْ آذَنَتْ بِانْتِهَائِهَا- وَ نَادَتْ بِانْقِضَائِهَا وَ أَنْذَرَتْ بِبَلَائِهَا- فَإِنْ رَاحَتْ بِفَجِيعَةٍ فَقَدْ غَدَتْ بِمُبْتَغًى- وَ إِنْ أَعْصَرَتْ بِمَكْرُوهٍ فَقَدْ أَسْفَرَتْ بِمُشْتَهًى (7)- ذَمَّهَا رِجَالٌ يَوْمَ النَّدَامَةِ وَ مَدَحَهَا آخَرُونَ- حَدَّثَتْهُمْ فَصَدَّقُوا وَ ذَكَّرَتْهُمْ فَتَذَكَّرُوا- فَيَا أَيُّهَا الذَّامُّ لَهَا الْمُغْتَرُّ بِغُرُورِهَا مَتَى غَرَّتْكَ- أَمْ مَتَى اسْتَذَمَّتْ إِلَيْكَ أَ بِمَصَارِعِ
____________
(1) الريع: المكان المرتفع. و «آية» أي علما للمارة ببنائها.
(2) الضيم: الظلم و التعدى. و الضغن: الحقد، الناحية، الحضن، الميل.
(3) القصص: 58.
(4) الأنبياء: 104.
(5) مطالب السئول ص 51.
(6) تجرم على فلان إذا ادعى على ذنبا لم أفعله.
(7) أعصرت: دخلت في العصر. و أسفر الصبح أي أضاء و أشرق.
18
آبَائِكَ مِنَ الْبِلَى- أَمْ بِمَضَاجِعِ أُمَّهَاتِكَ تَحْتَ الثَّرَى- كَمْ عَلَّلْتَ بِيَدَيْكَ وَ مَرَّضْتَ- وَ أَذَاقَتْكَ شَهْداً وَ صَبِراً- فَإِنْ ذَمَمْتَهَا لِصَبِرِهَا فَامْدَحْهَا لِشَهْدِهَا- وَ إِلَّا فَاطْرَحْهَا لَا مَدْحَ وَ لَا ذَمَّ- فَقَدْ مُثِّلَتْ لَكَ نَفْسُكَ حِينَ مَا يُغْنِي عَنْكَ بُكَاؤُكَ وَ لَا يَرْحَمُكَ أَحِبَّاؤُكَ.
75- وَ قَالَ(ع)إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ وَ آذَنَتْ بِوَدَاعٍ- وَ إِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَ آذَنَتْ بِاطِّلَاعٍ (1)- أَلَا وَ إِنَّ الْمِضْمَارَ الْيَوْمَ وَ السِّبَاقَ غَداً- أَلَا وَ إِنَّ السُّبْقَةَ الْجَنَّةُ وَ الْغَايَةَ النَّارُ- أَلَا وَ إِنَّكُمْ فِي أَيَّامِ مَهَلٍ- مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ يَحُثُّهُ عَجَلٌ- فَمَنْ عَمِلَ فِي أَيَّامِ مَهَلِهِ قَبْلَ حُلُولِ أَجَلِهِ- نَفَعَهُ عَمَلُهُ وَ لَمْ يَضُرَّهُ أَمَلُهُ- وَ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ أَيَّامَ مَهَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ- ضَرَّهُ أَمَلُهُ وَ لَمْ يَنْفَعْهُ عَمَلُهُ- وَ لَوْ عَاشَ أَحَدُكُمْ أَلْفَ عَامٍ كَانَ الْمَوْتُ بَالِغَهُ- وَ نَحْبُهُ لَاحِقَهُ (2) فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْأَمَانِيُّ- وَ لَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ- وَ قَدْ كَانَ قَبْلَكُمْ لِهَذِهِ الدُّنْيَا سُكَّانٌ- شَيَّدُوا فِيهَا الْبُنْيَانَ وَ وَطَّنُوا الْأَوْطَانَ- أَضْحَتْ أَبْدَانُهُمْ (3) فِي قُبُورِهِمْ هَامِدَةً- وَ أَنْفُسُهُمْ خَامِدَةً- فَتَلَهَّفَ الْمُفَرِّطُ مِنْهُمْ عَلَى مَا فَرَّطَ- يَقُولُ يَا لَيْتَنِي نَظَرْتُ لِنَفْسِي- يَا لَيْتَنِي كُنْتُ أَطَعْتُ رَبِّي.
76- وَ قَالَ(ع)إِنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِدَارِ قَرَارٍ وَ لَا مَحَلِّ إِقَامَةٍ- إِنَّمَا أَنْتُمْ فِيهَا كَرَكْبٍ عَرَّسُوا وَ ارْتَاحُوا (4)- ثُمَّ اسْتَقَلُّوا فَغَدَوْا وَ رَاحُوا- دَخَلُوهَا خِفَافاً وَ ارْتَحَلُوا عَنْهَا ثِقَالًا- فَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا نُزُوعاً- وَ لَا إِلَى مَا تَرَكُوا بِهَا رُجُوعاً- جُدَّ بِهِمْ فَجَدُّوا وَ رَكَنُوا إِلَى الدُّنْيَا فَمَا اسْتَعَدُّوا- حَتَّى أَخَذَ بِكَظَمِهِمْ- وَ رَحَلُوا إِلَى دَارِ
____________
(1) آذنت أي أعلمت و الايذان الاعلام. و الاطلاع: الاشراف من مكان عال و المقبل على الانحدار أحرى بالوصول. و المضمار: مدة تضمير الفرس و موضعه أيضا و هو ان تعلفه حتى يسمن ثمّ ترده الى القوت و ذلك في أربعين يوما. و السباق المسابقة.
(2) النحب: الموت و الأجل.
(3) في المصدر «أصبحت أبدانهم».
(4) عرس القوم تعريسا: نزلوا في السفر للاستراحة ثمّ ارتحلوا. و ارتاحوا أي نشطوا و سروا و استراحوا، و لعلّ الصواب «فأناخوا». و استقل القوم: ارتحلوا.
19
قَوْمٍ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَكْثَرِهِمْ خَبَرٌ وَ لَا أَثَرٌ- قَلَّ فِي الدُّنْيَا لَبْثُهُمْ- وَ أَعْجَلَ بِهِمْ إِلَى الْآخِرَةِ بَعْثُهُمْ- وَ أَصْبَحْتُمْ حُلُولًا فِي دِيَارِهِمْ وَ ظَاعِنِينَ عَلَى آثَارِهِمْ- وَ الْمَنَايَا بِكُمْ تَسِيرُ سَيْراً مَا فِيهِ أَيْنٌ وَ لَا بُطُوءٌ- نَهَارُكُمْ بِأَنْفُسِكُمْ دَءُوبٌ (1) وَ لَيْلُكُمْ بِأَرْوَاحِكُمْ ذَهُوبٌ- وَ أَنْتُمْ تَقْتَفُونَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ حَالًا- وَ تَحْتَذُونَ مِنْ أَفْعَالِهِمْ مِثَالًا- فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَإِنَّمَا أَنْتُمْ فِيهَا سَفْرٌ حُلُولٌ- وَ الْمَوْتُ بِكُمْ نُزُولٌ- فَتَنْتَضِلُ فِيكُمْ مَنَايَاهُ وَ تَمْضِي بِكُمْ مَطَايَاهُ- إِلَى دَارِ الثَّوَابِ وَ الْعِقَابِ وَ الْجَزَاءِ وَ الْحِسَابِ- فَرَحِمَ اللَّهُ مَنْ رَاقَبَ رَبَّهُ- وَ خَافَ ذَنْبَهُ وَ جَانَبَ هَوَاهُ- وَ عَمِلَ لآِخِرَتِهِ وَ أَعْرَضَ عَنْ زَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
77- وَ قَالَ(ع)كَانَ قَدْ زَالَتْ عَنْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا زَالَتْ عَمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ- فَأَكْثِرُوا عِبَادَ اللَّهِ اجْتِهَادَكُمْ فِيهَا- بِالتَّزَوُّدِ مِنْ يَوْمِهَا الْقَصِيرِ لِيَوْمِ الْآخِرَةِ الطَّوِيلِ- فَإِنَّهَا دَارُ الْعَمَلِ- وَ الدَّارُ الْآخِرَةُ دَارُ الْقَرَارِ وَ الْجَزَاءِ- فَتَجَافَوْا عَنْهَا فَإِنَّ الْمُغْتَرَّ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا- لَنْ تعد [تَعْدُوَ الدُّنْيَا إِذَا تَنَاهَتْ إِلَيْهَا أُمْنِيَّةُ أَهْلِ الرَّغْبَةِ فِيهَا- الْمُطْمَئِنِّينَ إِلَيْهَا الْمُغْتَرِّينَ بِهَا- أَنْ تَكُونَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (2)- كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ- مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَ الْأَنْعامُ- أَلَا إِنَّهُ لَمْ يُصِبِ امْرُؤٌ مِنْكُمْ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا حَبْرَةً- إِلَّا أَعْقَبَتْهَا عَبْرَةً- وَ لَا يُصْبِحُ امْرُؤٌ فِي حَيَاةٍ إِلَّا وَ هُوَ خَائِفٌ مِنْهَا- أَنْ تَئُولَ جَائِحَةً أَوْ تَغَيُّرَ نِعَمِهِ أَوْ زَوَالَ عَافِيَتِهِ- وَ الْمَوْتُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكُمْ- وَ هَوْلُ الْمُطَّلَعِ وَ الْوُقُوفُ بَيْنَ يَدَيِ الْحَكَمِ الْعَدْلِ- لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ- وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى
78- وَ قَالَ(ع)مَا لَكُمْ وَ الدُّنْيَا فَمَتَاعُهَا إِلَى انْقِطَاعٍ- وَ فَخْرُهَا إِلَى وَبَالٍ وَ زِينَتُهَا إِلَى زَوَالٍ- وَ نَعِيمُهَا إِلَى بُؤْسٍ وَ صِحَّتُهَا إِلَى سَقَمٍ أَوْ هَرَمٍ- وَ مَالُ مَا فِيهَا إِلَى نَفَادٍ وَشِيكٍ (3) وَ فَنَاءٍ قَرِيبٍ- كُلُّ مُدَّةٍ فِيهَا إِلَى مُنْتَهًى- وَ كُلُّ حَيٍّ فِيهَا إِلَى مُقَارَنَةِ الْبِلَى- أَ لَيْسَ لَكُمْ فِي آثَارِ الْأَوَّلِينَ- وَ آبَائِكُمُ الْمَاضِينَ عِبْرَةٌ وَ تَبْصِرَةٌ- إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ- أَ لَمْ تَرَوْا إِلَى الْمَاضِينَ مِنْكُمْ لَا يَرْجِعُونَ- وَ إِلَى الْخَلَفِ الْبَاقِينَ مِنْكُمْ
____________
(1) الاين: الحين، و التعب و المشقة و الاعياء. و الدءوب: الجد و التعب.
(2) يونس: 26.
(3) الوشيك السريع.
20
لَا يَبْقَوْنَ- أَ وَ لَسْتُمْ تَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا- يُمْسُونَ وَ يُصْبِحُونَ عَلَى أَحْوَالٍ شَتَّى- مَيِّتٌ يُبْكَى وَ آخَرُ يُعَزَّى- وَ صَرِيعٌ مُبْتَلًى وَ عَائِدٌ يَعُودُ- وَ دَنِفٌ بِنَفْسِهِ يَجُودُ (1)- وَ طَالِبٌ لِلدُّنْيَا وَ الْمَوْتُ يَطْلُبُهُ- وَ غَافِلٌ وَ لَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ- عَلَى أَثَرِ الْمَاضِي يَمْضِي الْبَاقِي وَ إِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ
79- وَ قَالَ(ع)انْظُرُوا إِلَى الدُّنْيَا نَظَرَ الزَّاهِدِينَ فِيهَا- فَإِنَّهَا عَنْ قَلِيلٍ تُزِيلُ السَّاكِنَ وَ تَفْجَعُ الْمُتْرَفَ (2)- فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ كَثْرَةُ مَا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا- لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا- فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً تَفَكَّرَ وَ اعْتَبَرَ- وَ أَبْصَرَ إِدْبَارَ مَا قَدْ أَدْبَرَ وَ حُضُورَ مَا قَدْ حَضَرَ- فَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الدُّنْيَا عَنْ قَلِيلٍ لَمْ يَكُنْ- وَ كَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الْآخِرَةِ لَمْ يَزَلْ- وَ كُلُّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ فَكَمْ مِنْ مُؤَمِّلٍ مَا لَا يُدْرِكُهُ- وَ جَامِعٍ مَا لَا يَأْكُلُهُ وَ مَانِعٍ مَا لَا يَتْرُكُهُ- وَ لَعَلَّهُ مِنْ بَاطِلٍ جَمَعَهُ أَوْ حَقٍّ مَنَعَهُ- أَصَابَهُ حَرَاماً وَ وَرِثَهُ عُدْوَاناً- فَاحْتَمَلَ مَا ضَرَّهُ وَ بَاءَ بِوِزْرِهِ (3)- وَ قَدِمَ عَلَى رَبِّهِ آسِفاً لَاهِفاً- خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ وَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ
80- وَ قَالَ(ع)الدُّنْيَا مِثْلُ الْحَيَّةِ لَيِّنٌ مَسُّهَا قَاتِلٌ سَمُّهَا- فَأَعْرِضْ عَمَّا يُعْجِبُكَ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكَ مِنْهَا- وَ كُنْ آنَسَ مَا يَكُونُ إِلَيْهَا أَوْحَشَ مَا تَكُونُ مِنْهَا (4)- فَإِنَّ صَاحِبَهَا كُلَّمَا اطْمَأَنَّ مِنْهَا إِلَى سُرُورٍ- أَشْخَصَتْهُ إِلَى مَكْرُوهٍ- فَقَدْ يَسُرُّ الْمَرْءُ بِمَا لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ- وَ لَيَحْزَنُ لِفَوَاتِ مَا لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ أَبَداً وَ إِنْ جَهَدَ- فَلْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا قَدَّمْتَ مِنْ عَمَلٍ أَوْ قَوْلٍ- وَ لْتَكُنْ أَسَفُكَ عَلَى مَا فَرَّطْتَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ- وَ لَا تَكُنْ
____________
(1) الصريع: المطروح على الأرض. و الدنف: المريض. و جاد بنفسه أي سمح بها عند الموت فكانه يدفعها كما يدفع الإنسان ماله.
(2) المترف- كمكرم-: المتروك بنعمته يصنع فيها ما يشاء و لا يمنع.
(3) باء يبوء إليه: رجع و باء بالحق أو بالذنب: أقر.
(4) آنس حال و «ما» مصدرية و خبر كان احذر اي كن حال انسك بها احذر اكوانك منها. و قوله «فان صاحبها- الخ» أي ان سكون صاحبها الى اللذة بها مستلزم العذاب المكروه في الآخرة.
21
عَلَى مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا حَزِيناً- وَ مَا أَصَابَكَ مِنْهَا فَلَا تَنْعَمْ بِهِ سُرُوراً- وَ اجْعَلْ هَمَّكَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ فَ إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ
81- وَ قَالَ(ع)(1) انْظُرُوا إِلَى الدُّنْيَا نَظَرَ الزَّاهِدِينَ فِيهَا- فَإِنَّهَا وَ اللَّهِ عَنْ قَلِيلٍ تُشْقِي الْمُتْرَفَ- وَ تُحَرِّكُ السَّاكِنَ وَ تُزِيلُ الثَّاوِيَ (2)- صَفْوُهَا مَشُوبٌ بِالْكَدِرِ وَ سُرُورُهَا مَنْسُوجٌ بِالْحُزْنِ- وَ آخِرُ حَيَاتِهَا مُقْتَرِنٌ بِالضَّعْفِ- فَلَا يُعْجِبَنَّكُمْ مَا يَغُرُّكُمْ مِنْهَا- فَعَنْ كَثَبٍ تُنْقَلُونَ عَنْهَا (3) وَ كُلَّمَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ- وَ هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ- وَ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ- وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (4).
82- وَ قَالَ(ع)أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِدَارِ غِبْطَةٍ- قَدْ تَزَيَّنَتْ بِغُرُورِهَا- وَ غَرَّتْ بِزِينَتِهَا لِمَنْ كَانَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا- فَاعْرِفُوهَا كُنْهَ مَعْرِفَتِهَا- فَإِنَّهَا دَارٌ هَانَتْ عَلَى رَبِّهَا- قَدِ اخْتَلَطَ حَلَالُهَا بِحَرَامِهَا- وَ حُلْوُهَا بِمُرِّهَا وَ خَيْرُهَا بِشَرِّهَا- وَ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ شَيْئاً اخْتَصَّهُ مِنْهَا لِأَحَدٍ مِنْ أَوْلِيَائِهِ- وَ لَا أَنْبِيَائِهِ- وَ لَمْ يَصْرِفْهَا مِنْ أَعْدَائِهِ- فَخَيْرُهَا زَهِيدٌ وَ شَرُّهَا عَتِيدٌ (5)- وَ جَمْعُهَا يَنْفَدُ وَ مُلْكُهَا يُسْلَبُ وَ عِزُّهَا يَبِيدُ- فَالْمُتَمَتِّعُونَ مِنَ الدُّنْيَا تَبْكِي قُلُوبُهُمْ وَ إِنْ فَرِحُوا- وَ يَشْتَدُّ مَقْتُهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ وَ إِنِ اغْتُبِطُوا بِبَعْضِ مَا رُزِقُوا- الدُّنْيَا فَانِيَةٌ لَا بَقَاءَ لَهَا- وَ الْآخِرَةُ بَاقِيَةٌ لَا فَنَاءَ لَهَا- الدُّنْيَا مُقْبِلَةٌ وَ الْآخِرَةُ مَلْجَأُ الدُّنْيَا- وَ لَيْسَ لِلْآخِرَةِ مُنْتَقَلٌ وَ لَا مُنْتَهًى- مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ اشْتَدَّ لِذَلِكَ غَمُّهُ- وَ مَنْ آثَرَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ حَلَّتْ بِهِ الفَاقِرَةُ (6).
____________
(1) مطالب السئول ص 52.
(2) الثاوى هو الذي اقام في مكان.
(3) الكثب: القرب، يقال: رماه من كثب أو عن كثب أي رماه اذ كان قريبا منه.
(4) أي في ذلك المقام تختبر كل نفس ما قدمت من عمل. و قوله تعالى: «رُدُّوا إِلَى اللَّهِ» أى الى جزائه، و قوله «ضل عنهم» أي بطل و هلك عنهم ما كانوا يدعونه افتراء على اللّه سبحانه.
(5) العتيد: الحاضر المهيأ.
(6) الفاقرة: الداهية الشديدة.
22
83- وَ قَالَ(ع)إِنَّمَا الدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ وَ عَنَاءٍ وَ غِيَرٍ وَ عِبَرٍ- فَمِنْ فَنَائِهَا أَنَّكَ تَرَى الدَّهْرَ مُوتِرٌ قَوْسَهُ مُفَوِّقٌ نَبْلَهُ- يَرْمِي الصَّحِيحَ بِالسَّقِيمِ- وَ الْحَيَّ بِالْمَيِّتِ وَ الْبَرِيءَ بِالْمُتَّهَمِ- وَ مِنْ عَنَائِهَا أَنَّكَ تَرَى الْمَرْءَ يَجْمَعُ مَا لَا يَأْكُلُ- وَ يَبْنِي مَا لَا يَسْكُنُ وَ يَأْمُلُ مَا لَا يُدْرِكُ- وَ مِنْ غِيَرِهَا أَنَّكَ تَرَى الْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً- وَ الْمَغْبُوطَ مَرْحُوماً- لَيْسَ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَعِيمٌ زَالَ- أَوْ مُثْلَةٌ حَلَّتْ أَوْ مَوْتٌ نَزَلَ- وَ مِنْ عِبَرِهَا أَنَّ الْمَرْءَ يُشْرِفُ عَلَيْهِ أَمَلُهُ- حَتَّى يَخْتَطِفَهُ دُونَهُ أَجَلُهُ.
84- قَالَ(ع)اجْعَلِ الدُّنْيَا شَوْكاً وَ انْظُرْ أَيْنَ تَضَعُ قَدَمَكَ مِنْهَا- فَإِنَّ مَنْ رَكِنَ إِلَيْهَا خَذَلَتْهُ- وَ مَنْ أَنِسَ فِيهَا أَوْحَشَتْهُ- وَ مَنْ يَرْغَبُ فِيهَا أَوْهَنَتْهُ وَ مَنِ انْقَطَعَ إِلَيْهَا قَتَلَتْهُ- وَ مَنْ طَلَبَهَا أَرْهَقَتْهُ وَ مَنْ فَرِحَ بِهَا أَتْرَحَتْهُ (1)- وَ مَنْ طَمِعَ فِيهَا صَرَعَتْهُ وَ مَنْ قَدَّمَهَا أَخَّرَتْهُ وَ مَنْ أَلْزَمَهَا أَهَانَتْهُ- وَ مَنْ آثَرَهَا بَاعَدَتْهُ مِنَ الْآخِرَةِ- وَ مَنْ بَعُدَ مِنَ الْآخِرَةِ قَرُبَ إِلَى النَّارِ- فَهِيَ دَارُ عُقُوبَةٍ وَ زَوَالٍ وَ فَنَاءٍ وَ بَلَاءٍ- نُورُهَا ظُلْمَةٌ وَ عَيْشُهَا كَدِرٌ- وَ غَنِيُّهَا فَقِيرٌ وَ صَحِيحُهَا سَقِيمٌ- وَ عَزِيزُهَا ذَلِيلٌ- فَكُلُّ مُنْعَمٍ بِرَغْدِهَا شَقِيٌّ- وَ كُلُّ مَغْرُورٍ بِزِينَتِهَا مَفْتُونٌ- وَ عِنْدَ كَشْفِ الْغِطَاءِ يَعْظُمُ النَّدَمُ- وَ يُحْمَدُ الصَّدْرُ أَوْ يُذَمُّ.
85- وَ قَالَ(ع)يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُعْرَفُ فِيهِ إِلَّا الْمَاحِلُ- وَ لَا يُظَرَّفُ فِيهِ إِلَّا الْفَاجِرُ (2)- وَ لَا يُؤْتَمَنُ فِيهِ إِلَّا الْخَائِنُ- وَ لَا يَخُونُ إِلَّا الْمُؤْتَمَنُ- يَتَّخِذُونَ الْفَيْءَ مَغْنَماً وَ الصَّدَقَةَ مَغْرَماً- وَ صِلَةَ الرَّحِمِ مَنّاً- وَ الْعِبَادَةَ اسْتِطَالَةً عَلَى النَّاسِ وَ تَعَدِّياً- وَ ذَلِكَ يَكُونُ عِنْدَ سُلْطَانِ النِّسَاءِ- وَ مُشَاوَرَةِ الْإِمَاءِ وَ إِمَارَةِ الصِّبْيَانِ.
86- وَ قَالَ(ع)احْذَرُوا الدُّنْيَا إِذَا أَمَاتَ النَّاسُ الصَّلَاةَ- وَ أَضَاعُوا الْأَمَانَاتِ وَ اتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ- وَ اسْتَحَلُّوا الْكَذِبَ وَ أَكَلُوا الرِّبَا- وَ أَخَذُوا الرُّشَى وَ شَيَّدُوا الْبِنَاءَ- وَ اتَّبَعُوا الْهَوَى وَ بَاعُوا الدِّينَ بِالدُّنْيَا- وَ اسْتَخَفُّوا بِالدِّمَاءِ وَ رَكَنُوا إِلَى الرِّيَاءِ- وَ تَقَاطَعَتِ الْأَرْحَامُ- وَ كَانَ الْحِلْمُ ضَعْفاً وَ الظُّلْمُ فَخْراً
____________
(1) الارهاق أن يحمل الإنسان على ما لا يطيقه. و أترحه أي أحزنه.
(2) الماحل: الساعى الى السلطان. و لا يظرف أي لا ينسب الى الظرافة.
23
وَ الْأُمَرَاءُ فَجَرَةً وَ الْوُزَرَاءُ كَذِبَةً- وَ الْأُمَنَاءُ خَوَنَةً وَ الْأَعْوَانُ ظَلَمَةً- وَ الْقُرَّاءُ فَسَقَةً وَ ظَهَرَ الْجَوْرُ- وَ كَثُرَ الطَّلَاقُ وَ مَوْتُ الْفَجْأَةِ- وَ حُلِّيَتِ الْمَصَاحِفُ وَ زُخْرِفَتِ الْمَسَاجِدُ- وَ طُوِّلَتِ الْمَنَابِرُ وَ نُقِضَتِ الْعُهُودُ- وَ خَرِبَتِ الْقُلُوبُ- وَ اسْتَحَلُّوا الْمَعَازِفَ وَ شُرِبَتِ الْخُمُورُ- وَ رُكِبَتِ الذُّكُورُ وَ اشْتَغَلَ النِّسَاءُ- وَ شَارَكْنَ أَزْوَاجَهُنَّ فِي التِّجَارَةِ حِرْصاً عَلَى الدُّنْيَا- وَ عَلَتِ الْفُرُوجُ السُّرُوجَ وَ يُشْبِهْنَ بِالرِّجَالِ- فَحِينَئِذٍ عَدُّوا أَنْفُسَكُمْ فِي الْمَوْتَى- وَ لَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا- فَإِنَّ النَّاسَ اثْنَانِ بَرٌّ تَقِيٌّ وَ آخَرُ شَقِيٌّ- وَ الدَّارُ دَارَانِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا- وَ الْكِتَابُ وَاحِدٌ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها- أَلَا وَ إِنَّ حُبَّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ- وَ بَابُ كُلِّ بَلِيَّةٍ- وَ مَجْمَعُ كُلِّ فِتْنَةٍ وَ دَاعِيَةُ كُلِّ رِيبَةٍ- الْوَيْلُ لِمَنْ جَمَعَ الدُّنْيَا وَ أَوْرَثَهَا مَنْ لَا يَحْمَدُهُ- وَ قَدِمَ عَلَى مَنْ لَا يَعْذِرُهُ- الدُّنْيَا دَارُ الْمُنَافِقِينَ وَ لَيْسَتْ بِدَارِ الْمُتَّقِينَ- فَلْتَكُنْ حَظُّكَ مِنَ الدُّنْيَا قِوَامُ صُلْبِكَ- وَ إِمْسَاكُ نَفْسِكَ وَ تَزَوُّدٌ لِمَعَادِكَ.
87- وَ قَالَ(ع)يَا دُنْيَا يَا دُنْيَا أَ بِي تَعَرَّضْتِ أَمْ إِلَيَّ تَشَوَّقْتِ- هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ غُرِّي غَيْرِي قَدْ بَتَتُّكِ ثَلَاثَةً- لَا رَجْعَةَ لِي فِيكِ- فَعُمُرُكِ قَصِيرٌ وَ عَيْشُكِ حَقِيرٌ وَ خَطَرُكِ كَبِيرٌ- آهِ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ وَ وَحْشَةِ الطَّرِيقِ.
88- وَ قَالَ(ع)احْذَرُوا الدُّنْيَا- فَإِنَّ فِي حَلَالِهَا حِسَابٌ وَ فِي حَرَامِهَا عِقَابٌ- وَ أَوَّلُهَا عَنَاءٌ وَ آخِرُهَا فَنَاءٌ- مَنْ صَحَّ فِيهَا هَرِمَ وَ مَنْ مَرِضَ فِيهَا نَدِمَ- وَ مَنِ اسْتَغْنَى- فِيهَا فُتِنَ وَ مَنِ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ- وَ مَنْ أَتَاهَا فَاتَتْهُ وَ مَنْ بَعُدَ عَنْهَا أَتَتْهُ- وَ مَنْ نَظَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ وَ مَنْ بَصُرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ- إِنْ أَقْبَلَتْ غَرَّتْ وَ إِنْ أَدْبَرَتْ ضَرَّتْ.
89- فِي وَصْفِهِ الْمُؤْمِنِينَ (1) قَالَ(ع)الْمُؤْمِنُونَ هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ- هَدَاهُمُ السُّكُوتُ وَ هَيْئَتُهُمُ الْخُشُوعُ- وَ سَمْتُهُمُ التَّوَاضُعُ (2)- خَاشِعِينَ غَاضِّينَ أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ- رَافِعِينَ أَسْمَاعَهُمْ إِلَى الْعِلْمِ- نَزَلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلَاءِ كَمَا نَزَلَتْ فِي الرَّخَاءِ لَوْ لَا الْآجَالُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ- لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَبْدَانِهِمْ طَرْفَةَ
____________
(1) مطالب السئول ص 53.
(2) الهدى- بالفتح-: الطريقة و السيرة. و السمت: هيئة أهل الخير.
24
عَيْنٍ- شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ وَ خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ- عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ وَ صَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ- فَهُمْ كَأَنَّهُمْ قَدْ رَأَوُا الْجَنَّةَ وَ نَعِيمَهَا وَ النَّارَ وَ عَذَابَهَا- فَقُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ وَ شُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ- وَ حَوَائِجُهُمْ خَفِيفَةٌ وَ أَنْفُسُهُمْ ضَعِيفَةٌ- وَ مَعُونَتُهُمْ لِإِخْوَانِهِمْ عَظِيمَةٌ- اتَّخَذُوا الْأَرْضَ بِسَاطاً وَ مَاءَهَا طِيباً- وَ رَفَضُوا الدُّنْيَا رَفْضاً وَ صَبَرُوا أَيَّاماً قَلِيلَةً فَصَارَتْ عَاقِبَتُهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً- تِجَارَتُهُمْ مُرْبِحَةٌ يُبَشِّرُهُمْ بِهَا رَبٌّ كَرِيمٌ- أَرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا- وَ طَلَبَتْهُمْ فَهَرَبُوا مِنْهَا- أَمَّا اللَّيْلَ فَأَقْدَامُهُمْ مُصْطَفَّةٌ (1)- يَتْلُونَ الْقُرْآنَ يُرَتِّلُونَهُ تَرْتِيلًا- فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً وَ تَطَلَّعَتْ أَنْفُسُهُمْ تَشَوُّقاً (2)- فَيُصَيِّرُونَهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ وَ إِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ- أَصْغَوْا إِلَيْهَا بِقُلُوبِهِمْ وَ أَبْصَارِهِمْ- فَاقْشَعَرَّتْ مِنْهَا جُلُودُهُمْ- وَ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ خَوْفاً وَ فَرَقاً (3) نَحَلَتْ لَهَا أَبْدَانُهُمْ- وَ ظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَ شَهِيقَهَا وَ صَلْصَلَةَ حَدِيدِهَا فِي آذَانِهِمْ- مُكِبِّينَ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَ أَكُفِّهِمْ- تَجْرِي دُمُوعُهُمْ عَلَى خُدُودِهِمْ- يَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ- وَ أَمَّا النَّهَارَ فَعُلَمَاءُ أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ- قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ فَهُمْ أَمْثَالُ الْقِدَاحِ (4)- إِذَا نَظَرَ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ يَقُولُ بِهِمْ مَرَضٌ وَ مَا بِهِمْ مَرَضٌ- وَ يَقُولُ قَدْ خُولِطُوا وَ مَا خُولِطُوا (5)- إِذَا ذَكَرُوا عَظَمَةَ اللَّهِ وَ شِدَّةَ سُلْطَانِهِ- وَ ذَكَرُوا الْمَوْتَ وَ أَهْوَالَ الْقِيَامَةِ وَجَفَتْ قُلُوبُهُمْ
____________
(1) اصطف القوم: قاموا صفوفا.
(2) التطلع الى الشيء: الاستشراف له و الانتظار لوروده.
(3) الفرق- بالتحريك-: الخوف. و نحلت أي هزلت و ضعفت.
(4) برى السهم نحته. و القداح جمع قدح بالكسر فيهما و هو السهم قبل أن يراش و ينصل و هو كناية عن نحافة البدن و ضعف الجسد.
(5) خولط فلان في عقله إذا اختل عقله و صار مجنونا. و خالطه إذا مازجه و المعنى كما قاله بعض شراح النهج يظن الناظر بهم الجنون و ما بهم من جنة بل مازج قلوبهم أمر عظيم و هو الخوف فتولهوا لاجله.
25
وَ طَاشَتْ حُلُومُهُمْ وَ ذَهَلَتْ عُقُولُهُمْ (1)- فَإِذَا اسْتَفَاقُوا مِنْ ذَلِكَ بَادَرُوا إِلَى اللَّهِ بِالْأَعْمَالِ الزَّاكِيَةِ- لَا يَرْضَوْنَ بِالْقَلِيلِ وَ لَا يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ- فَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ وَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ- إِنْ زُكِّيَ أَحَدُهُمْ خَافَ اللَّهَ وَ غَائِلَةَ التَّزْكِيَةِ (2)- قَالَ وَ أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي- وَ رَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنِّي- اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ- وَ اجْعَلْنِي كَمَا يَظُنُّونَ وَ اغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ- وَ مِنْ عَلَامَاتِ أَحَدِهِمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَزْمٌ فِي لِينٍ- وَ إِيمَانٌ فِي يَقِينٍ وَ حِرْصٌ فِي تَقْوَى- وَ فَهْمٌ فِي فِقْهٍ وَ حِلْمٌ فِي عِلْمٍ- وَ كَيْسٌ فِي رِفْقٍ وَ قَصْدٌ فِي غِنًى- وَ خُشُوعٌ فِي عِبَادَةٍ وَ تَحَمُّلٌ فِي فَاقَةٍ- وَ صَبْرٌ فِي شِدَّةٍ وَ إِعْطَاءٌ فِي حَقٍّ وَ طَلَبٌ لِحَلَالٍ- وَ نَشَاطٌ فِي هُدًى- وَ تَحَرُّجٌ عَنْ طَمَعٍ وَ تَنَزُّهٌ عَنْ طَبَعٍ- وَ بِرٌّ فِي اسْتِقَامَةٍ وَ اعْتِصَامٌ بِاللَّهِ مِنْ مُتَابَعَةِ الشَّهَوَاتِ- وَ اسْتَعَاذَةٌ بِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ- يُمْسِي وَ هَمُّهُ الشُّكْرُ وَ يُصْبِحُ وَ شُغْلُهُ الْفِكْرُ (3)- أُولَئِكَ الْآمِنُونَ الْمُطْمَئِنُّونَ- الَّذِينَ يُسْقَوْنَ مِنْ كَأْسٍ لا لَغْوٌ فِيها وَ لا تَأْثِيمٌ (4).
90- وَ قَالَ(ع)الْمُؤْمِنُونَ هُمُ الَّذِينَ عَرَفُوا مَا أَمَامَهُمْ- فَذَبَلَتْ شِفَاهُهُمْ وَ غَشِيَتْ عُيُونُهُمْ وَ شَحَبَتْ أَلْوَانُهُمْ (5)- حَتَّى عُرِفَتْ فِي وُجُوهِهِمْ غَبَرَةُ الْخَاشِعِينَ- فَهُمْ عِبَادُ اللَّهِ الَّذِينَ مَشَوْا عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً- وَ اتَّخَذُوهَا بِسَاطاً وَ تُرَابَهَا فِرَاشاً- فَرَفَضُوا الدُّنْيَا وَ أَقْبَلُوا عَلَى الْآخِرَةِ- عَلَى مِنْهَاجِ الْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ- إِنْ شَهِدُوا لَمْ يُعْرَفُوا وَ إِنْ غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا- وَ إِنْ مَرِضُوا لَمْ يُعَادُوا- صُوَّامُ الْهَوَاجِرِ قُوَّامُ الدَّيَاجِرِ (6)
____________
(1) و جف الشيء اضطرب، و القلب: خفق. و طاش أي ذهب عقله. و الحلوم جمع حلم و هو العقل. و الذهول. النيسان و الغيبة.
(2) الغائلة الداهية و الفساد و المهلكة. و غائلة التزكية عطف على «اللّه» يعنى خاف اللّه أولا و غائلة التزكية ثانيا.
(3) في بعض النسخ «يمسى و همته الشكر و يصبح و شغله الذكر».
(4) أثمه من باب التفعيل نسبه الى الاثم.
(5) شحبت لونه: تغير من جوع أو مرض و نحوهما.
(6) الهواجر جمع الهاجرة و هي شدة حرارة النهار. و الديجور: الظلام.
26
يَضْمَحِلُّ عِنْدَهُمْ كُلُّ فِتْنَةٍ- وَ يَنْجَلِي عَنْهُمْ كُلُّ شُبْهَةٍ أُولَئِكَ أَصْحَابِي فَاطْلُبُوهُمْ فِي أَطْرَافِ الْأَرَضِينَ- فَإِنْ لَقِيتُمْ مِنْهُمْ أَحَداً فَاسْأَلُوهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكُمْ.
91- وَ قَالَ(ع)(1) شِيعَتُنَا الْمُتَبَاذِلُونَ فِي وَلَايَتِنَا- الْمُتَحَابُّونَ فِي مَوَدَّتِنَا الْمُتَوَازِرُونَ فِي أَمْرِنَا- الَّذِينَ إِنْ غَضِبُوا لَمْ يَظْلِمُوا وَ إِنْ رَضُوا لَمْ يُسْرِفُوا- بَرَكَةٌ عَلَى مَنْ جَاوَرَهُ سِلْمٌ لِمَنْ خَالَطُوهُ- أُولَئِكَ هُمُ السَّائِحُونَ النَّاحِلُونَ الزَّابِلُونَ- ذَابِلَةٌ شِفَاهُهُمْ خَمِيصَةٌ بُطُونُهُمْ (2)- مُتَغَيِّرَةٌ أَلْوَانُهُمْ مُصْفَرَّةٌ وُجُوهُهُمْ- كَثِيرٌ بُكَاؤُهُمْ جَارِيَةٌ دُمُوعُهُمْ- يَفْرَحُ النَّاسُ وَ يَحْزَنُونَ وَ يَنَامُ النَّاسُ وَ يَسْهَرُونَ- إِذَا شَهِدُوا لَمْ يُعْرَفُوا وَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا- وَ إِذَا خَطَبُوا الْأَبْكَارَ لَمْ يُزَوَّجُوا- قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ وَ شُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ- وَ أَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ وَ حَوَائِجُهُمْ خَفِيفَةٌ- ذُبُلُ الشِّفَاهِ مِنَ الْعَطَشِ خُمْصُ الْبُطُونِ مِنَ الْجُوعِ- عُمْشُ الْعُيُونِ مِنَ السَّهَرِ- الرَّهْبَانِيَّةُ عَلَيْهِمْ لَائِحَةٌ وَ الْخَشْيَةُ لَهُمْ لَازِمَةٌ- كُلَّمَا ذَهَبَ مِنْهُمْ سَلَفٌ خَلَفَ فِي مَوْضِعِهِ خَلَفٌ- أُولَئِكَ الَّذِينَ يَرِدُونَ الْقِيَامَةَ- وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ- تَغْبِطُهُمُ الْأَوَّلُونَ وَ الْآخِرُونَ- وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا ...
يَحْزَنُونَ
92- وَ قَالَ(ع)الْمُؤْمِنُ يَرْغَبُ فِيمَا يَبْقَى وَ يَزْهَدُ فِيمَا يَفْنَى- يَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ وَ الْعِلْمَ بِالْعَمَلِ- بَعِيدٌ كَسَلُهُ دَائِمٌ نَشَاطُهُ- قَرِيبٌ أَمَلُهُ حَيٌّ قَلْبُهُ ذَاكِرٌ لِسَانُهُ- لَا يُحَدِّثُ بِمَا لَا يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ الْأَصْدِقَاءُ- وَ لَا يَكْتُمُ شَهَادَةَ الْأَعْدَاءِ- لَا يَعْمَلُ شَيْئاً مِنَ الْخَيْرِ رِيَاءً وَ لَا يَتْرُكُهُ حَيَاءً- الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ وَ الشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ- إِنْ كَانَ فِي الذَّاكِرِينَ لَمْ يُكْتَبْ فِي الْغَافِلِينَ- وَ إِنْ كَانَ فِي الْغَافِلِينَ كُتِبَ فِي الذَّاكِرِينَ- وَ يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَ يُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ- وَ يَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ وَ يُحْسِنُ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ- لَا يَعْزُبُ حِلْمُهُ وَ لَا يُعَجِّلُ فِيمَا يُرِيبُهُ- بَعِيدٌ جَهْلُهُ لَيِّنٌ قَوْلُهُ- قَرِيبٌ مَعْرُوفُهُ غَائِبٌ مُنْكَرُهُ- صَادِقٌ كَلَامُهُ حَسَنٌ فِعْلُهُ- مُقْبِلٌ خَيْرُهُ مُدْبِرٌ شَرُّهُ- فِي الزَّلَازِلِ وَقُورٌ وَ فِي الْمَكَارِهِ
____________
(1) مطالب السئول ص 53.
(2) نحل جسمه أي سقم، و الناحل الرقيق الجسم من مرض أو تعب. و ذبل النبات:
قل ماؤه و ذهبت نضارته. و الذبل: اليابسة الشفة. و الخميصة أي الضامرة.
27
صَبُورٌ- وَ فِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ- لَا يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ وَ لَا يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ- وَ لَا يَدَّعِي مَا لَيْسَ لَهُ وَ لَا يَجْحَدُ حَقّاً عَلَيْهِ- يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ- وَ لَا يُضِيعُ مَا اسْتُحْفِظَ- وَ لَا يَرْغَبُ فِيمَا لَا تَدْعُوهُ الضَّرُورَةُ إِلَيْهِ- لَا يَتَنَابَزُ بِالْأَلْقَابِ وَ لَا يَبْغِي عَلَى أَحَدٍ- وَ لَا يَهْزَأُ بِمَخْلُوقٍ وَ لَا يُضَارُّ بِالْجَارِ- وَ لَا يَشْمَتُ بِالْمَصَائِبِ مُؤَدَّبٌ بِأَدَاءِ الْأَمَانَاتِ- مُسَارِعٌ إِلَى الطَّاعَاتِ مُحَافِظٌ عَلَى الصَّلَوَاتِ- بَطِيءٌ فِي الْمُنْكَرَاتِ- لَا يَدْخُلُ عَلَى الْأُمُورِ- بِجَهْلٍ- وَ لَا يَخْرُجُ عَنِ الْحَقِّ بِعَجْزٍ- إِنْ صَمَتَ فَلَا يَغُمُّهُ الصَّمْتُ- وَ إِنْ نَطَقَ لَا يَقُولُ الْخَطَأَ- وَ إِنْ ضَحِكَ فَلَا تَعْلُو صَوْتُهُ سَمْعَهُ- وَ لَا يَجْمَحُ بِهِ الْغَضَبُ (1) وَ لَا تَغْلِبُهُ الْهَوَى- وَ لَا يَقْهَرُهُ الشُّحُّ وَ لَا تَمْلِكُهُ الشَّهْوَةُ- يُخَالِطُ النَّاسَ لِيَعْلَمَ وَ يَصْمُتُ لِيَسْلَمَ- وَ يَسْأَلُ لِيَفْهَمَ يُنْصِتُ إِلَى الْخَيْرِ لِيَعْمَلَ بِهِ- وَ لَا يَتَكَلَّمُ بِهِ لِيَفْخَرَ عَلَى مَا سِوَاهُ- نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ- يُتْعِبُ نَفْسَهُ لِآخِرَتِهِ وَ يَعْصِي هَوَاهُ لِطَاعَةِ رَبِّهِ- بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ مِنْهُ نَزَاهَةٌ- وَ دُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينٌ وَ رَحْمَةٌ- لَيْسَ بُعْدُهُ بِكِبْرٍ وَ لَا قُرْبُهُ خَدِيعَةً- مُقْتَدٍ بِمَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ- إِمَامٌ لِمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْبَرَرَةِ الْمُتَّقِينَ.
93- وَ قَالَ(ع)طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا الرَّاغِبِينَ فِي الْآخِرَةِ- أُولَئِكَ قَوْمٌ اتَّخَذُوا أَرْضَ اللَّهِ مِهَاداً- وَ تُرَابَهَا وِسَاداً وَ مَاءَهَا طِيباً- وَ جَعَلُوا الْكِتَابَ شِعَاراً وَ الدُّعَاءَ دِثَاراً- وَ إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ الْمَسِيحِ(ع)أَنْ قُلْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ- لَا تَدْخُلُوا بَيْتاً مِنْ بُيُوتِي إِلَّا بِقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ- وَ أَبْصَارٍ خَاشِعَةٍ وَ أَكُفٍّ نَقِيَّةٍ- وَ أَعْلِمْهُمْ أَنِّي لَا أُجِيبُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ دَعْوَةً- وَ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِي قِبَلَهُ مَظْلِمَةٌ.
94- وَ قَالَ(ع)الْمُؤْمِنُ وَقُورٌ عِنْدَ الْهَزَاهِزِ- ثَبُوتٌ عِنْدَ الْمَكَارِهِ- صَبُورٌ عِنْدَ الْبَلَاءِ شَكُورٌ عِنْدَ الرَّخَاءِ قَانِعٌ بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ- لَا يَظْلِمُ الْأَعْدَاءَ وَ لَا يَتَحَامَلُ لِلْأَصْدِقَاءِ (2) النَّاسُ مِنْهُ رَاحَةٌ وَ نَفْسُهُ مِنْهُ فِي تَعَبٍ- الْعِلْمُ خَلِيلُهُ وَ الْعَقْلُ قَرِينُهُ
____________
(1) جمع الفرس: تغلب على راكبه و لا ينقاد له.
(2) أي لا يحتمل الوزر لاجلهم، أو يتحامل عنهم ما لا يطيق الإتيان به من الأمور المشاقة فيعجز عنها.
28
وَ الْحِلْمُ وَزِيرُهُ وَ الصَّبْرُ أَمِيرُهُ- وَ الرِّفْقُ أَخُوهُ وَ اللِّينُ وَالِدُهُ.
95- وَ قَوْلُهُ(ع)لِنَوْفٍ الْبِكَالِيِّ أَ تَدْرِي يَا نَوْفُ مَنْ شِيعَتِي قَالَ لَا وَ اللَّهِ- قَالَ شِيعَتِي الذُّبُلُ الشِّفَاهِ الْخُمْصُ الْبُطُونِ- الَّذِينَ تُعْرَفُ الرَّهْبَانِيَّةُ فِي وُجُوهِهِمْ- رُهْبَانٌ بِاللَّيْلِ أُسُدٌ بِالنَّهَارِ- الَّذِينَ إِذَا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ ائْتَزَرُوا عَلَى أَوْسَاطِهِمْ- وَ ارْتَدَوْا عَلَى أَطْرَافِهِمْ (1) وَ صَفُّوا أَقْدَامَهُمْ- وَ افْتَرَشُوا جِبَاهَهُمْ تَجْرِي دُمُوعُهُمْ عَلَى خُدُودِهِمْ- يَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ فِي فَكَاكِ أَعْنَاقِهِمْ (2)- وَ أَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ كِرَامٌ نُجَبَاءُ أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ- يَا نَوْفُ شِيعَتِي مَنْ لَمْ يَهِرَّ هَرِيرَ الْكَلْبِ- وَ لَمْ يَطْمَعْ طَمَعَ الْغُرَابِ- وَ لَمْ يَسْأَلِ النَّاسَ وَ لَوْ مَاتَ جُوعاً- إِنْ رَأَى مُؤْمِناً أَكْرَمَهُ وَ إِنْ رَأَى فَاسِقاً هَجَرَهُ- هَؤُلَاءِ وَ اللَّهِ شِيعَتِي.
96- قَالَ نَوْفٌ عَرَضَتْ لِي حَاجَةٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع) فَاسْتَتْبَعْتُ إِلَيْهِ جُنْدَبَ بْنَ زُهَيْرٍ وَ الرَّبِيعَ بْنَ خُثَيْمٍ- وَ ابْنَ أَخِيهِ هَمَّامَ بْنَ عُبَادَةَ بْنِ خُثَيْمٍ- وَ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْبَرَانِسِ الْمُتَعَبِّدِينَ- فَأَقْبَلْنَا إِلَيْهِ فَأَلْفَيْنَاهُ حِينَ خَرَجَ يَؤُمُّ الْمَسْجِدَ- فَأَفْضَى وَ نَحْنُ مَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مُتَدَيِّنِينَ- قَدْ أَفَاضُوا فِي الْأُحْدُوثَاتِ تَفَكُّهاً- وَ هُمْ يُلْهِي بَعْضُهُمْ بَعْضاً- فَأَسْرَعُوا إِلَيْهِ قِيَاماً وَ سَلَّمُوا عَلَيْهِ فَرَدَّ التَّحِيَّةَ- ثُمَّ قَالَ مَنِ الْقَوْمُ- فَقَالُوا أُنَاسٌ مِنْ شِيعَتِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- فَقَالَ لَهُمْ خَيْراً- ثُمَّ قَالَ يَا هَؤُلَاءِ- مَا لِي لَا أَرَى فِيكُمْ سِمَةَ شِيعَتِنَا وَ حِلْيَةَ أَحِبَّتِنَا- فَأَمْسَكَ الْقَوْمُ حَيَاءً- فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ جُنْدَبٌ وَ الرَّبِيعُ فَقَالا لَهُ- مَا سِمَةُ شِيعَتِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- فَسَكَتَ فَقَالَ هَمَّامٌ كَانَ عَابِداً مُجْتَهِداً- أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَكْرَمَكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ خَصَّكُمْ وَ حَبَاكُمُ- لَمَّا أَنْبَأْتَنَا بِصِفَةِ شِيعَتِكَ- فَقَالَ لَا تُقْسِمْ فَسَأُنَبِّئُكُمْ جَمِيعاً- وَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَنْكِبِ هَمَّامٍ وَ قَالَ
____________
(1) أي يشدون المئزر على وسطهم احتياطا لستر العورة فانهم كانوا لا يلبسون السراويل أو المراد شد الوسط بالازار كالمنطقة ليجمع الثياب. و قيل هو كناية عن الاهتمام في العبادة. (قاله المؤلّف) و قوله «و ارتدوا على أطرافهم» أي يلبسون الرداءة أو يشدونها على أطرافهم و يشتملون بها.
(2) حأر إلى اللّه: تضرع و رفع صوته بالبكاء.
29
شِيعَتُنَا هُمُ الْعَارِفُونَ بِاللَّهِ الْعَامِلُونَ بِأَمْرِ اللَّهِ- أَهْلُ الْفَضَائِلِ النَّاطِقُونَ بِالصَّوَابِ- مَأْكُولُهُمُ الْقُوتُ وَ مَلْبَسُهُمُ الِاقْتِصَادُ- وَ مَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ- بَخَعُوا لِلَّهِ تَعَالَى بِطَاعَتِهِ (1) وَ خَضَعُوا لَهُ بِعِبَادَتِهِ- فَمَضَوْا غَاضِّينَ أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ- وَاقِفِينَ أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ بِدِينِهِمْ- نَزَلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلَاءِ- كَالَّذِي نَزَلَتْ مِنْهُمْ فِي الرَّخَاءِ- رَضُوا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْقَضَاءِ- فَلَوْ لَا الْآجَالُ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ- لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَبْدَانِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ- شَوْقاً إِلَى لِقَاءِ اللَّهِ وَ الثَّوَابِ وَ خَوْفاً مِنْ أَلِيمِ الْعِقَابِ- عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ وَ صَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ- فَهُمْ وَ الْجَنَّةُ كَمَنْ رَآهَا فَهُمْ عَلَى أَرَائِكِهَا مُتَّكِئُونَ- وَ هُمْ وَ النَّارُ كَمَنْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ- صَبَرُوا أَيَّاماً قَلِيلَةً فَأَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً- أَرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا وَ طَلَبَتْهُمْ فَأَعْجَزُوهَا- أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ- تَالُونَ لِأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهُ تَرْتِيلًا- يَعِظُونَ أَنْفُسَهُمْ بِأَمْثَالِهِ- وَ يَسْتَشْفُونَ لِدَائِهِمْ بِدَوَائِهِ تَارَةً- وَ تَارَةً يَفْتَرِشُونَ جِبَاهَهُمْ- وَ أَنْفُسَهُمْ وَ رُكَبَهُمْ وَ أَطْرَافَ أَقْدَامِهِمْ- تَجْرِي دُمُوعُهُمْ عَلَى خُدُودِهِمْ- يُمَجِّدُونَ جَبَّاراً عَظِيماً- وَ يَجْأَرُونَ إِلَيْهِ فِي فَكَاكِ أَعْنَاقِهِمْ- هَذَا لَيْلُهُمْ وَ أَمَّا نَهَارَهُمْ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ بَرَرَةٌ أَتْقِيَاءُ- بَرَاهُمْ خَوْفُ بَارِيهِمْ (2) فَهُمْ كَالْقِدَاحِ- تَحْسَبُهُمْ مَرْضَى وَ قَدْ خُولِطُوا وَ مَا هُمْ بِذَلِكَ- بَلْ خَامَرَهُمْ مِنْ عَظَمَةِ رَبِّهِمْ- وَ شِدَّةِ سُلْطَانِهِ مَا طَاشَتْ لَهُ قُلُوبُهُمْ- وَ ذَهَلَتْ مِنْهُ عُقُولُهُمْ- فَإِذَا اشْتَاقُوا مِنْ ذَلِكَ- بَادَرُوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْأَعْمَالِ الزَّكِيَّةِ- لَا يَرْضَوْنَ لَهُ بِالْقَلِيلِ وَ لَا يَسْتَكْثِرُونَ لَهُ الْجَزِيلَ- فَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ وَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ- يَرَى لِأَحَدِهِمْ قُوَّةً فِي دِينٍ- وَ حَزْماً فِي لِينٍ (3) وَ إِيمَاناً فِي يَقِينٍ- وَ حِرْصاً عَلَى
____________
(1) بخع نفسه- بتقديم الباء على الخاء المعجمة المفتوحة-: أنهكها و كاد يهلكها من غم أو غضب. و بخع- بكسر الخاء- بالحق: أقر و أذعن.
(2) أي نحتهم خوف ربهم، فانما يخشى اللّه من عباده العلماء. و القداح جمع القدح بالكسر فيهما: السهم.
(3) الحزم في اللين أن يكون لينه حزما و في موضعه، لا عن مهانة و ذلة.
30
عِلْمٍ- وَ فَهْماً فِي فِقْهٍ وَ عِلْماً فِي حِلْمٍ- وَ كِيساً فِي قَصْدٍ وَ قَصْداً فِي غِنًى- وَ تَجَمُّلًا فِي فَاقَةٍ وَ صَبْراً فِي شِدَّةٍ- وَ خُشُوعاً فِي عِبَادَةٍ وَ رَحْمَةً فِي مَجْهُودٍ- وَ إِعْطَاءً فِي حَقٍّ وَ رِفْقاً فِي كَسْبٍ- وَ طَلَباً مِنْ حَلَالٍ وَ تَعَفُّفاً فِي طَمَعٍ- وَ طَمَعاً فِي غَيْرِ طَبَعٍ وَ نَشَاطاً فِي هُدًى- وَ اعْتِصَاماً فِي شَهْوَةٍ وَ بِرّاً فِي اسْتِقَامَةٍ- لَا يَغُرُّهُ مَا جَهِلَهُ وَ لَا يَدَعُ إِحْصَاءَ مَا عَمِلَهُ- يَسْتَبْطِئُ نَفْسَهُ فِي الْعَمَلِ- وَ هُوَ مِنْ صَالِحِ عَمَلِهِ عَلَى وَجَلٍ- يُصْبِحُ وَ شُغْلُهُ الذِّكْرُ وَ يُمْسِي وَ هَمُّهُ الشُّكْرُ- يَبِيتُ حَذَراً مِنْ سِنَةِ الْغَفْلَةِ- وَ يُصْبِحُ فَرَحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَ الرَّحْمَةِ- وَ إِنِ اسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيمَا تَكْرَهُ- لَمْ يُطِعْهَا سُؤْلَهَا مِمَّا إِلَيْهِ تَسُرُّهُ- رَغْبَتُهُ فِيمَا يَبْقَى وَ زَهَادَتُهُ فِيمَا يَفْنَى- قَدْ قَرَنَ الْعِلْمَ بِالْعَمَلِ وَ الْعَمَلَ بِالْحِلْمِ- وَ يَظَلُّ دَائِماً نَشَاطُهُ بَعِيداً كَسَلُهُ- قَرِيباً أَمَلُهُ قَلِيلًا زَلَلُهُ- مُتَوَقِّعاً أَجَلُهُ خَاشِعاً قَلْبُهُ- ذَاكِراً رَبَّهُ قَانِعَةً نَفْسُهُ- عَازِباً جَهْلَهُ مُحْرِزاً دِينَهُ- مَيِّتاً دَاؤُهُ كَاظِماً غَيْظَهُ- صَافِياً خُلُقُهُ آمِناً مِنْهُ جَارُهُ- سَهْلًا أَمْرُهُ مَعْدُوماً كِبْرُهُ- مَتِيناً صَبْرُهُ كَثِيراً ذِكْرُهُ- لَا يَعْمَلُ شَيْئاً مِنَ الْخَيْرِ رِيَاءً وَ لَا يَتْرُكُهُ حَيَاءً أُولَئِكَ شِيعَتُنَا وَ أَحِبَّتُنَا وَ مِنَّا وَ مَعَنَا- آهاً وَ شَوْقاً إِلَيْهِمْ- فَصَاحَ هَمَّامٌ صَيْحَةً وَ وَقَعَ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ- فَحَرَّكُوهُ فَإِذَا هُوَ قَدْ فَارَقَ الدُّنْيَا (رحمه الله) تَعَالَى- فَغُسِّلَ وَ صَلَّى عَلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ نَحْنُ مَعَهُ- فَشِيعَتُهُ(ع)هَذِهِ صِفَتُهُمْ وَ هِيَ صِفَةُ الْمُؤْمِنِينَ- وَ تَقَدَّمَ بَعْضُهَا.
97- وَ قَالَ(ع)الْجَنَّةُ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ- خَطَّافَةٌ لِأَبْصَارِ النَّاظِرِينَ- فِيهَا دَرَجَاتٌ مُتَفَاضِلَاتٌ وَ مَنَازِلُ مُتَعَالِيَاتٌ- لَا يَبِيدُ نَعِيمُهَا وَ لَا يَضْمَحِلُّ حُبُورُهَا- وَ لَا يَنْقَطِعُ سُرُورُهَا وَ لَا يَظْعَنُ مُقِيمُهَا- وَ لَا يَهْرَمُ خَالِدُهَا وَ لَا يَبْؤُسُ سَاكِنُهَا- آمِنٌ سُكَّانُهَا مِنَ الْمَوْتِ فَلَا يَخَافُونَ- صَفّاً لَهُمُ الْعَيْشُ- وَ دَامَتْ لَهُمُ النِّعْمَةُ فِي أَنْهَارٍ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ- وَ أَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ- وَ أَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ- وَ أَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى- وَ لَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ- عَلَى فُرُشٍ مَوْزُونَةٍ وَ أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ- وَ حُورٌ عِينٌ كَأَنَّهُنَّ اللُّؤْلُؤُ الْمَكْنُونُ- وَ فاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَ لا مَمْنُوعَةٍ-
31
وَ الْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ- سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ
أقول: قد مضى في كتاب الإيمان و الكفر في باب المؤمن و صفاته خبر همام و طلبه عنه(ع)ذكر صفات المؤمن و أنه(ع)قال الخطبة بمسجد الكوفة بعده طرق من كتب عديدة و لكن بينها أنواع من الاختلافات و كذلك بينها و بين هذا الخبر فلا تغفل ثم قد سبق في ذلك الباب كلام ابن أبي الحديد من كون همام هذا هو همام بن شريح بن يزيد بن مرة و المذكور هنا ينافيه كما لا يخفى.
98- جع (1)، جامع الأخبار جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ- جِئْتُكَ لِأَسْأَلَ عَنْ أَرْبَعَةِ مَسَائِلَ- فَقَالَ(ع)سَلْ وَ إِنْ كَانَ أَرْبَعِينَ- فَقَالَ أَخْبِرْنِي مَا الصَّعْبُ وَ مَا الْأَصْعَبُ- وَ مَا الْقَرِيبُ وَ مَا الْأَقْرَبُ- وَ مَا الْعَجَبُ وَ مَا الْأَعْجَبُ- وَ مَا الْوَاجِبُ وَ مَا الْأَوْجَبُ- فَقَالَ(ع)الصَّعْبُ الْمَعْصِيَةُ- وَ الْأَصْعَبُ فَوْتُ ثَوَابِهَا- وَ الْقَرِيبُ كُلُّ مَا هُوَ آتٍ وَ الْأَقْرَبُ هُوَ الْمَوْتُ- وَ الْعَجَبُ هُوَ الدُّنْيَا وَ غَفْلَتُنَا فِيهَا أَعْجَبُ- وَ الْوَاجِبُ هُوَ التَّوْبَةُ وَ تَرْكُ الذُّنُوبِ هُوَ الْأَوْجَبُ.
99- قِيلَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ قَالَ- جِئْتُكَ مِنْ سَبْعِمِائَةِ فَرْسَخٍ لِأَسْأَلَكَ عَنْ سَبْعِ كَلِمَاتٍ- فَقَالَ(ع)سَلْ مَا شِئْتَ- فَقَالَ الرَّجُلُ أَيُّ شَيْءٍ أَعْظَمُ مِنَ السَّمَاءِ- وَ أَيُّ شَيْءٍ أَوْسَعُ مِنَ الْأَرْضِ- وَ أَيُّ شَيْءٍ أَضْعَفُ مِنَ الْيَتِيمِ- وَ أَيُّ شَيْءٍ أَحَرُّ مِنَ النَّارِ- وَ أَيُّ شَيْءٍ أَبْرَدُ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ- وَ أَيُّ شَيْءٍ أَغْنَى مِنَ الْبَحْرِ- وَ أَيُّ شَيْءٍ أَقْسَى مِنَ الْحَجَرِ- قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع) الْبُهْتَانُ عَلَى الْبَرِيءِ أَعْظَمُ مِنَ السَّمَاءِ- وَ الْحَقُّ أَوْسَعُ مِنَ الْأَرْضِ- وَ نَمَائِمُ الْوُشَاةِ أَضْعَفُ مِنَ الْيَتِيمِ (2)- وَ الْحِرْصُ أَحَرُّ مِنَ النَّارِ- وَ حَاجَتُكَ إِلَى الْبَخِيلِ أَبْرَدُ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ- وَ الْبَدَنُ الْقَانِعُ أَغْنَى مِنَ الْبَحْرِ- وَ قَلْبُ الْكَافِرِ أَقْسَى مِنَ الْحَجَرِ.
100- ختص (3)، الإختصاص رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ قَالَ: الْمُفْتَخِرُ بِنَفْسِهِ أَشْرَفُ
____________
(1) جامع الأخبار ص 161. الفصل السادس و التسعون.
(2) الواشى هو النمام عند الامير أو الحاكم او السلطان و جمعه الوشاة.
(3) الاختصاص: 188.
32
مِنَ الْمُفْتَخِرِ بِأَبِيهِ- لِأَنِّي أَشْرَفُ مِنْ أَبِي وَ النَّبِيُّ ص أَشْرَفُ مِنْ أَبِيهِ- وَ إِبْرَاهِيمُ أَشْرَفُ مِنْ تَارُخَ.
101- قِيلَ وَ بِمَ الِافْتِخَارُ قَالَ بِإِحْدَى ثَلَاثٍ- مَالٍ ظَاهِرٍ أَوْ أَدَبٍ بَارِعٍ- أَوْ صِنَاعَةٍ لَا يَسْتَحِي الْمَرْءُ مِنْهَا.
102- قِيلَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع) كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- قَالَ أَصْبَحْتُ آكُلُ وَ أَنْتَظِرُ أَجَلِي.
103- قِيلَ لَهُ(ع)فَمَا تَقُولُ فِي الدُّنْيَا- قَالَ فَمَا أَقُولُ فِي دَارٍ أَوَّلُهَا غَمٌّ وَ آخِرُهَا الْمَوْتُ- مَنِ اسْتَغْنَى فِيهَا افْتَقَرَ وَ مَنِ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ- فِي حَلَالِهَا حِسَابٌ وَ فِي حَرَامِهَا النَّارُ.
104- قِيلَ فَمَنْ أَغْبَطُ النَّاسِ قَالَ جَسَدٌ تَحْتَ التُّرَابِ- قَدْ أَمِنَ مِنَ الْعِقَابِ وَ يَرْجُو الثَّوَابَ.
105- وَ قَالَ(ع)مَنْ زَارَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ فِي اللَّهِ- نَادَاهُ اللَّهُ أَيُّهَا الزَّائِرُ طِبْتَ وَ طَابَتْ لَكَ الْجَنَّةُ.
106- وَ قَالَ(ع)مَا قَضَى مُسْلِمٌ لِمُسْلِمٍ حَاجَةً إِلَّا نَادَاهُ اللَّهُ عَلَيَّ ثَوَابُكَ- وَ لَا أَرْضَى لَكَ بِدُونِ الْجَنَّةِ.
107- وَ قَالَ(ع)ثَلَاثَةٌ يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ يَكُونُ عَلَى فِرَاشِهِ مَعَ زَوْجَتِهِ وَ هُوَ يُحِبُّهَا- فَيَتَوَضَّأُ وَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَيُصَلِّي وَ يُنَاجِي رَبَّهُ- وَ رَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ وَ لَمْ يُصِبْ مَاءً- فَقَامَ إِلَى الثَّلْجِ فَكَسَرَهُ ثُمَّ دَخَلَ فِيهِ وَ اغْتَسَلَ- وَ رَجُلٌ لَقِيَ عَدُوّاً وَ هُوَ مَعَ أَصْحَابِهِ- وَ جَاءَهُمْ مُقَاتِلٌ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.
108- وَ قَالَ(ع)التَّعْزِيَةُ تُورِثُ الْجَنَّةَ.
109- وَ قَالَ(ع)إِذَا حَمَلْتَ بِجَوَانِبِ سَرِيرِ الْمَيِّتِ- خَرَجْتَ مِنَ الذُّنُوبِ كَمَا وَلَدَتْكَ أُمُّكَ.
110- وَ قَالَ(ع)مَنِ اشْتَرَى لِعِيَالِهِ لَحْماً بِدِرْهَمٍ- كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ نَسَمَةً مِنْ وُلْدِ إِسْمَاعِيلَ.
33
111- وَ قَالَ(ع)مَنْ شَرِبَ مِنْ سُؤْرِ أَخِيهِ تَبَرُّكاً بِهِ- خَلَقَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا مَلَكاً يَسْتَغْفِرُ لَهُمَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ.
112- وَ قَالَ(ع)فِي سُؤْرِ الْمُؤْمِنِ شِفَاءٌ مِنْ سَبْعِينَ دَاءً.
113- ختص، (1) الإختصاص مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ بَعْضِ رِجَالِهِ عَنْ أَبِي الْجَارُودِ يَرْفَعُهُ قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مَنْ أَوْقَفَ نَفْسَهُ مَوْقِفَ التُّهَمَةِ- فَلَا يَلُومَنَّ مَنْ أَسَاءَ بِهِ الظَّنَّ- وَ مَنْ كَتَمَ سِرَّهُ كَانَتِ الْخِيَرَةُ فِي يَدِهِ- وَ كُلُّ حَدِيثٍ جَاوَزَ اثْنَيْنِ فَشَى- وَ ضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ حَتَّى يَأْتِيَكَ مِنْهُ مَا يَغْلِبُكَ- وَ لَا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَخِيكَ سُوءاً- وَ أَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الْخَيْرِ مَحْمِلًا- وَ عَلَيْكَ بِإِخْوَانِ الصِّدْقِ- فَكَثِّرْ فِي اكْتِسَابِهِمْ عُدَّةً عِنْدَ الرَّخَاءِ- وَ جُنْداً عِنْدَ الْبَلَاءِ- وَ شَاوِرْ حَدِيثَكَ الَّذِينَ يَخَافُونَ اللَّهَ- وَ أَحْبِبِ الْإِخْوَانَ عَلَى قَدْرِ التَّقْوَى- وَ اتَّقُوا شِرَارَ النِّسَاءِ وَ كُونُوا مِنْ خِيَارِهِنَّ عَلَى حَذَرٍ- إِنْ أَمَرْنَكُمْ بِالْمَعْرُوفِ فَخَالِفُوهُنَّ- حَتَّى لَا يَطْمَعْنَ فِي الْمُنْكَرِ.
114- ما (2)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنْ جَمَاعَةٍ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الرَّزَّازِ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ عَنِ الشَّارِبِ بْنِ ذِرَاعٍ (3) عَنْ أَخِيهِ يَسَارٍ عَنْ حُمْرَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ(ع)عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَيْنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَا فِيهِمْ- إِذْ ذَكَرُوا الدُّنْيَا وَ تَصَرُّفَهَا بِأَهْلِهَا- فَذَمَّهَا رَجُلٌ فَذَهَبَ فِي ذَمِّهَا كُلَّ مَذْهَبٍ- فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَيُّهَا الذَّامُّ لِلدُّنْيَا- أَنْتَ الْمُتَجَرِّمُ عَلَيْهَا أَمْ هِيَ الْمُتَجَرِّمَةُ عَلَيْكَ- فَقَالَ بَلْ أَنَا الْمُتَجَرِّمُ عَلَيْهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- قَالَ فَبِمَ تَذُمُّهَا أَ لَيْسَتْ مَنْزِلَ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا- وَ دَارَ غِنًى لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا- وَ دَارَ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا- وَ مَسَاجِدَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَ مَهْبِطَ وَحْيِهِ- وَ مُصَلَّى مَلَائِكَتِهِ وَ مَتْجَرَ أَوْلِيَائِهِ- اكْتَسَبُوا فِيهَا الرَّحْمَةَ وَ رَجَوْا فِيهَا الْجَنَّةَ- فَمَنْ ذَا يَذُمُّهَا وَ قَدْ آذَنَتْ بِبَيْنِهَا- وَ نَادَتِ بِانْقِطَاعِهَا وَ نَعَتْ نَفْسَهَا وَ أَهْلَهَا
____________
(1) المصدر ص 226 و فيه محمّد بن الحسن.
(2) الأمالي ج 2 ص 207.
(3) في المصدر «بشار بن ذراع».
34
فَمَثَّلَتْ بِبَلَائِهَا الْبِلَى- وَ شَوَّقَتْ بِسُرُورِهَا إِلَى السُّرُورِ- تَخْوِيفاً وَ تَرْغِيباً فَابْتَكَرَتْ بِعَافِيَةٍ وَ رَاحَتْ بِفَجِيعَةٍ- فَذَمَّهَا رِجَالٌ فَرَّطُوا غَدَاةَ النَّدَامَةِ- وَ حَمِدَهَا آخَرُونَ اكْتَسَبُوا فِيهِ الْخَيْرَ- فَيَا أَيُّهَا الذَّامُّ لِلدُّنْيَا الْمُغْتَرُّ بِغُرُورِهَا- مَتَى اسْتَذَمَّتْ إِلَيْكَ أَوْ مَتَى غَرَّتْكَ- أَمْ بِمَضَاجِعِ آبَائِكَ مِنَ الْبِلَى- أَمْ بِمَصَارِعِ أُمَّهَاتِكَ تَحْتَ الثَّرَى- كَمْ مَرَّضْتَ بِيَدَيْكَ وَ عَالَجْتَ بِكَفَّيْكَ- تَلْتَمِسُ لَهُمُ الشِّفَاءَ وَ تَسْتَوْصِفُ لَهُمُ الْأَطِبَّاءَ- لَمْ تَنْفَعْهُمْ بِشَفَاعَتِكَ وَ لَمْ تُسْعِفْهُمْ فِي طَلِبَتِكَ- مَثَّلَتْ لَكَ وَيْحَكَ الدُّنْيَا بِمَصْرَعِهِمْ مَصْرَعَكَ- وَ بِمَضْجَعِهِمْ مَضْجَعَكَ- حِينَ لَا يُغْنِي بُكَاؤُكَ وَ لَا يَنْفَعُكَ أَحِبَّاؤُكَ- ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَهْلِ الْمَقَابِرِ فَقَالَ- يَا أَهْلَ التُّرْبَةِ وَ يَا أَهْلَ الْقُرْبَةِ- أَمَّا الْمَنَازِلُ فَقَدْ سُكِنَتْ وَ أَمَّا الْأَمْوَالُ فَقَدْ قُسِمَتْ- وَ أَمَّا الْأَزْوَاجُ فَقَدْ نُكِحَتْ- هَذَا خَبَرُ مَا عِنْدَنَا فَمَا خَبَرُ مَا عِنْدَكُمْ- ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ- وَ اللَّهِ لَوْ أُذِنَ لَهُمْ فِي الْكَلَامِ- لَأَخْبَرُوكُمْ أَنَ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى.
115- ما (1)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنْ جَمَاعَةٍ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ الْعَلَوِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)الْهَيْبَةُ خَيْبَةٌ (2) وَ الْفُرْصَةُ خُلْسَةٌ- وَ الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ فَاطْلُبُوهَا وَ لَوْ عِنْدَ الْمُشْرِكِ- تَكُونُوا أَحَقَّ بِهَا وَ أَهْلَهَا.
116- ما (3)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّلْتِ عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الضَّرِيرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا الْمَكِّيِّ عَنْ كَثِيرِ بْنِ طَارِقٍ عَنْ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)قَالَ: خَطَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)بِهَذِهِ الْخُطْبَةِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ- فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُتَوَحِّدِ بِالْقِدَمِ وَ الْأَزَلِيَّةِ- الَّذِي لَيْسَ لَهُ غَايَةٌ فِي دَوَامِهِ وَ لَا لَهُ أَوَّلِيَّةٌ- أَنْشَأَ صُنُوفَ الْبَرِيَّةِ لَا عَنْ أُصُولٍ كَانَتْ بَدِيَّةً- (4) وَ ارْتَفَعَ مِنْ مُشَارَكَةِ الْأَنْدَادِ
____________
(1) الأمالي ج 2 ص 237 و 238.
(2) يعني من تهيب أمرا خاب من ادراكه. و الخلسة- بضم الخاء-: الفرصة المناسبة و في المثل «الخلسة سريعة الفوت بطيئة العود» و يأتي نظيره عن قريب.
(3) الأمالي ج 2 ص 315.
(4) البدء و البديئة: اول الحال و النشأة.
35
وَ تَعَالَى عَنِ اتِّخَاذِ صَاحِبَةٍ وَ أَوْلَادٍ- هُوَ الْبَاقِي بِغَيْرِ مُدَّةٍ وَ الْمُنْشِئُ لَا بِأَعْوَانٍ- لَا بِآلَةٍ فَطَرَ وَ لَا بِجَوَارِحَ صَرَفَ مَا خَلَقَ- لَا يَحْتَاجُ إِلَى مُحَاوَلَةِ التَّفْكِيرِ وَ لَا مُزَاوَلَةِ مِثَالٍ وَ لَا تَقْدِيرٍ- أَحْدَثَهُمْ عَلَى صُنُوفٍ مِنَ التَّخْطِيطِ وَ التَّصْوِيرِ- لَا بِرُؤْيَةٍ وَ لَا ضَمِيرٍ- سَبَقَ عِلْمُهُ فِي كُلِّ الْأُمُورِ- وَ نَفَذَتْ مَشِيَّتُهُ فِي كُلِّ مَا يُرِيدُ فِي الْأَزْمِنَةِ وَ الدُّهُورِ- وَ انْفَرَدَ بِصَنْعَةِ الْأَشْيَاءِ فَأَتْقَنَهَا بِلَطَائِفِ التَّدْبِيرِ- سُبْحَانَهُ مِنْ لَطِيفٍ خَبِيرٍ- لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
117- كِتَابُ الْغَارَاتِ (1)، لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُعَيْمٍ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ أَنَّ عَلِيّاً(ع)كَانَ كَثِيراً مَا يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ وَ آذَنَتْ أَهْلَهَا بِوَدَاعٍ- وَ إِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَ آذَنَتْ بِاطِّلَاعٍ- أَلَا وَ إِنَّ الْمِضْمَارَ الْيَوْمَ وَ السِّبَاقَ غَداً- أَلَا وَ إِنَّ السَّبْقَ الْجَنَّةُ وَ الْغَايَةَ النَّارُ- أَلَا وَ إِنَّكُمْ فِي أَيَّامِ مَهَلٍ- مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ يَحُثُّهُ عَجَلٌ- فَمَنْ عَمِلَ فِي أَيَّامِ مَهَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ نَفَعَهُ عَمَلُهُ- وَ لَمْ يَضُرَّهُ أَمَلُهُ- أَلَا وَ إِنَّ الْأَمَلَ يُسْهِي الْقَلْبَ وَ يُكَذِّبُ الْوَعْدَ- وَ يُكْثِرُ الْغَفْلَةَ وَ يُورِثُ الْحَسْرَةَ- فَاعْزُبُوا عَنِ الدُّنْيَا (2)- كَأَشَدِّ مَا أَنْتُمْ عَنْ شَيْءٍ تَعْزُبُونَ- فَإِنَّهَا مِنْ وُرُودِ صَاحِبِهَا مِنْهَا فِي غِطَاءٍ مُعَنًّى- وَ افْزَعُوا إِلَى قِوَامِ دِينِكُمْ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا- وَ أَدَاءِ الزَّكَاةِ لِأَهْلِهَا (3)- وَ التَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ وَ الْخُشُوعِ لَهُ- وَ صِلَةِ الرَّحِمِ وَ خَوْفِ الْمَعَادِ- وَ إِعْطَاءِ السَّائِلِ وَ إِكْرَامِ الضَّيْفِ- وَ تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَ اعْمَلُوا بِهِ- وَ اصْدُقُوا الْحَدِيثَ وَ آثِرُوهُ- وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِذَا عَاهَدْتُمْ- وَ أَدُّوا الْأَمَانَةَ إِذَا ائْتَمَنْتُمْ- وَ ارْغَبُوا فِي ثَوَابِ اللَّهِ وَ خَافُوا عِقَابَهُ- فَإِنِّي لَمْ أَرَ كَالْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا- وَ لَا كَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا- فَتَزَوَّدُوا مِنَ الدُّنْيَا- مَا تَحُوزُوا بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً مِنَ النَّارِ- وَ اعْمَلُوا بِالْخَيْرِ تُجْزَوْا بِالْخَيْرِ- يَوْمَ يَفُوزُ أَهْلُ الْخَيْرِ بِالْخَيْرِ.
____________
(1) مخطوط.
(2) عزب: بعد و غاب و خفى.
(3) في بعض النسخ «أداء الزكاة لمحلها».
36
باب 16 ما جمع من جوامع كلم أمير المؤمنين صلى الله عليه و على ذريته
أقول و قد جمع الجاحظ من علماء العامة مائة كلمة من مفردات كلامه(ع)و هي رسالة معروفة شائعة و قد جمع بعض علمائنا أيضا كلماته(ع)في كتاب نثر اللآلي و السيد الرضي (رحمه الله) قد أورد كلماته(ع)في مطاوي نهج البلاغة و لا سيما في أواخره و كذا في كتاب خصائص الأئمة(ع)ثم جمع بعده الآمدي من أصحابنا أيضا كثيرا من ذلك في كتاب الغرر و الدرر و هو كتاب مشهور متداول.
ثم قد أوردها مع كلمات النبي و سائر الأئمة(ع)جماعة أخرى من العامة و الخاصة أيضا في مؤلفاتهم و منهم الحسن بن علي بن شعبة في كتاب تحف العقول و الحسين بن محمد بن الحسن في كتاب النزهة الناظر و الشهيد في كتاب الدرة الباهرة من الأصداف الطاهرة و كذا الشيخ علي بن محمد الليثي الواسطي في كتاب عيون الحكم و المواعظ و خيرة المتعظ و الواعظ الذي قد سمينا بكتاب العيون و المحاسن و هو يشتمل على كثير من كلماته و كلمات باقي الأئمة(ع)
و قد جمع الشيخ سعد بن عبد القاهر أيضا من علمائنا بين كلمات النبي ص المذكور في كتاب الشهاب للقاضي القضاعي من العامة و بين كلماته(ع)المذكورة في النهج في كتاب مجمع البحرين و نحن قد أوردنا كل كلام له(ع)و له خبر في باب يناسبه في مطاوي هذا الكتاب أعني كتابنا بحار الأنوار بقدر الإمكان و الآن لنذكر شطرا صالحا من ذلك إن شاء الله تعالى.
1- ف (1)، تحف العقول قَالَ(ع)مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ الْبِرُّ وَ إِخْفَاءُ الْعَمَلِ- وَ الصَّبْرُ عَلَى
____________
(1) التحف ص 200.
37
الرَّزَايَا (1) وَ كِتْمَانُ الْمَصَائِبِ.
2- وَ قَالَ(ع)حُسْنُ الْخُلُقِ خَيْرُ قَرِينٍ- وَ عُنْوَانُ صَحِيفَةِ الْمُؤْمِنِ حُسْنُ خُلُقِهِ.
3- وَ قَالَ(ع)الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَمْ يَغْلِبِ الْحَرَامُ صَبْرَهُ- وَ لَمْ يَشْغَلِ الْحَلَالُ شُكْرَهُ.
4- وَ كَتَبَ(ع)إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ (2)- أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْمَرْءَ يَسُرُّهُ دَرْكُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ- وَ يَسُوؤُهُ فَوْتُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيُدْرِكَهُ- فَلْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا نِلْتَهُ مِنْ آخِرَتِكَ- وَ لْيَكُنْ أَسَفُكَ عَلَى مَا فَاتَكَ- مِنْهَا- وَ مَا نِلْتَهُ مِنَ الدُّنْيَا فَلَا تُكْثِرَنَّ بِهِ فَرَحاً- وَ مَا فَاتَكَ مِنْهَا فَلَا تَأْسَفَنَّ عَلَيْهِ حَزَناً- وَ لْيَكُنْ هَمُّكَ فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ.
5- وَ قَالَ(ع)فِي ذَمِّ الدُّنْيَا أَوَّلُهَا عَنَاءٌ وَ آخِرُهَا فَنَاءٌ (3)- فِي حَلَالِهَا حِسَابٌ وَ فِي حَرَامِهَا عِقَابٌ- مَنْ صَحَّ فِيهَا أَمِنَ وَ مَنْ مَرِضَ فِيهَا نَدِمَ- مَنِ اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ وَ مَنِ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ- مَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ (4) وَ مَنْ قَعَدَ عَنْهَا أَتَتْهُ- وَ مَنْ نَظَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ وَ مَنْ نَظَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ (5).
6- وَ قَالَ(ع)أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْناً مَا عَسَى أَنْ يَعْصِيَكَ يَوْماً مَا (6)- وَ أَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْناً مَا- عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْماً مَا.
7- وَ قَالَ(ع)لَا غِنَى مِثْلُ الْعَقْلِ وَ لَا فَقْرَ أَشَدُّ مِنَ الْجَهْلِ.
8- وَ قَالَ(ع)قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُ.
____________
(1) الرزايا: جمع الرزية: المصيبة العظيمة.
(2) منقول في النهج بادنى اختلاف.
(3) العناء: النصب و التعب.
(4) «ساعاها» أي غالبها في السعى. و في كنز الفوائد «فاتنه».
(5) أي نظرها بعين الحقيقة نظر تأمل و تفكر. و في كنز الفوائد «و من نظر إليها ألهته و من تهاون بها نصرته».
(6) الهون: الرفق، السهل، السكينة و المراد احببه حبا مقتصدا لا افراط فيه. و أبغضه بغضا مقتصدا.
38
9- وَ قَالَ(ع)قُرِنَتِ الْهَيْبَةُ بِالْخَيْبَةِ (1) وَ الْحَيَاءُ بِالْحِرْمَانِ- وَ الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ- فَلْيَطْلُبْهَا وَ لَوْ فِي أَيْدِي أَهْلِ الشَّرِّ.
10- وَ قَالَ(ع)لَوْ أَنَّ حَمَلَةَ الْعِلْمِ حَمَلُوهُ بِحَقِّهِ- لَأَحَبَّهُمُ اللَّهُ وَ مَلَائِكَتُهُ وَ أَهْلُ طَاعَتِهِ مِنْ خَلْقِهِ- وَ لَكِنَّهُمْ حَمَلُوهُ لِطَلَبِ الدُّنْيَا- فَمَقَتَهُمُ اللَّهُ وَ هَانُوا عَلَى النَّاسِ.
11- وَ قَالَ(ع)أَفْضَلُ الْعِبَادِةِ الصَّبْرُ وَ الصَّمْتُ وَ انْتِظَارُ الْفَرَجِ.
12- وَ قَالَ(ع)إِنَّ لِلنَّكَبَاتِ غَايَاتٍ لَا بُدَّ أَنْ تَنْتَهِيَ إِلَيْهَا- فَإِذَا حُكِمَ عَلَى أَحَدِكُمْ- بِهَا- فَلْيُطَأْطِئْ لَهَا وَ يَصْبِرُ حَتَّى تَجُوزَ (2)- فَإِنَّ إِعْمَالَ الْحِيلَةِ فِيهَا عِنْدَ إِقْبَالِهَا- زَائِدٌ فِي مَكْرُوهِهَا.
13- وَ قَالَ(ع)لِلْأَشْتَرِ يَا مَالِكُ احْفَظْ عَنِّي هَذَا الْكَلَامَ وَ عِهْ- يَا مَالِكُ بَخَسَ مُرُوَّتَهُ مَنْ ضَعُفَ يَقِينُهُ- وَ أَزْرَى بِنَفْسِهِ مَنِ اسْتَشْعَرَ الطَّمَعَ (3)- وَ رَضِيَ بِالذُّلِّ مَنْ كَشَفَ عَنْ ضُرِّهِ- وَ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ مَنْ أَطْلَعَ عَلَى سِرِّهِ- وَ أَهْلَكَهَا مَنْ أَمَّرَ عَلَيْهِ لِسَانَهُ (4)- الشَّرَهُ جَزَّارُ الْخَطَرِ- مَنْ أَهْوَى إِلَى مُتَفَاوِتٍ خَذَلَتْهُ الرَّغْبَةُ (5)- الْبُخْلُ عَارٌ وَ الْجُبْنُ مَنْقَصَةٌ- وَ الْوَرَعُ جُنَّةٌ وَ الشُّكْرُ ثَرْوَةٌ- وَ الصَّبْرُ شَجَاعَةٌ وَ الْمُقِلُّ غَرِيبٌ فِي بَلَدِهِ (6)- وَ الْفَقْرُ يُخْرِسُ الْفَطِنَ عَنْ حُجَّتِهِ (7)- وَ نِعْمَ الْقَرِينُ
____________
(1) الهيبة. المخافة. و الخيبة: عدم الظفر بالمطلوب. و قد مر آنفا.
(2) طأطأ: خفض و خضع.
(3) أي احتقرها. يقال: أزرى به أي عابه و وضع من حقه.
(4) أمر لسانه أي جعله أميرا على نفسه.
(5)- الشره: اشد الحرص و طلب المال مع القناعة. و الجزار: الذباح. و المتفاوت:
المتباعد و في كنز الفوائد «الى متفاوت الأمور» و في النهج «من أومأ الى متفاوت خذلته الحيل» أي من طلب تحصيل المتباعدات و ضم بعضها الى بعض لم ينجح فيها فخذلته الحيل و الرغبة فيما يريد.
(6) المقل: الفقير. و في النهج «فى بلدته».
(7) الفطن.- بفتح فكسر-: الفاطن أي صاحب الفطنة و الحذاقة.
39
الرِّضَى- الْأَدَبُ حُلَلٌ جُدُدٌ (1)- وَ مَرْتَبَةُ الرَّجُلِ عَقْلُهُ- وَ صَدْرُهُ خِزَانَةُ سِرِّهِ- وَ التَّثَبُّتُ حَزْمٌ- وَ الْفِكْرُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ- وَ الْحِلْمُ سَجِيَّةٌ فَاضِلَةٌ وَ الصَّدَقَةُ دَوَاءٌ مُنْجِحٌ (2)- وَ أَعْمَالُ الْقَوْمِ فِي عَاجِلِهِمْ نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ فِي آجِلِهِمْ- وَ الِاعْتِبَارُ تَدَبُّرٌ صُلْحٌ (3)- وَ الْبَشَاشَةُ فَخُّ الْمَوَدَّةِ.
14- وَ قَالَ(ع)الصَّبْرُ مِنَ الْإِيمَانِ كَمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ- فَمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ لَا إِيمَانَ لَهُ.
15- وَ قَالَ(ع)أَنْتُمْ فِي مَهَلٍ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ- وَ مَعَكُمْ أَمَلٌ يَعْتَرِضُ دُونَ الْعَمَلِ- فَاغْتَنِمُوا الْمَهَلَ وَ بَادِرُوا الْأَجَلَ- وَ كَذِّبُوا الْأَمَلَ وَ تَزَوَّدُوا مِنَ الْعَمَلِ- هَلْ مِنْ خَلَاصٍ أَوْ مَنَاصٍ- أَوْ فِرَارٍ أَوْ مَجَازٍ أَوْ مَعَاذٍ أَوْ مَلَاذٍ أَوْ لَا- فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
16- وَ قَالَ(ع)أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهَا غِبْطَةٌ لِلطَّالِبِ الرَّاجِي- وَ ثِقَةٌ لِلْهَارِبِ الرَّاجِي- اسْتَشْعِرُوا التَّقْوَى شِعَاراً بَاطِناً- وَ اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً خَالِصاً- تَحْيَوْا بِهِ أَفْضَلَ الْحَيَاةِ وَ تَسْلُكُوا بِهِ طُرُقَ النَّجَاةِ- وَ انْظُرُوا إِلَى الدُّنْيَا نَظَرَ الزَّاهِدِ الْمُفَارِقِ- فَإِنَّهَا تُزِيلُ الثَّاوِيَ السَّاكِنَ (4)- وَ تَفْجَعُ الْمُتْرَفَ الْآمِنَ- لَا يُرْجَى مِنْهَا مَا وَلَّى فَأَدْبَرَ- وَ لَا يُدْرَى مَا هُوَ آتٍ مِنْهَا فَيُسْتَنْظَرَ- وَصَلَ الرَّخَاءُ مِنْهَا بِالْبَلَاءِ- وَ الْبَقَاءُ مِنْهَا إِلَى الْفَنَاءِ- سُرُورُهَا مَشُوبٌ بِالْحُزْنِ- وَ الْبَقَاءُ مِنْهَا إِلَى الضَّعْفِ وَ الْوَهْنِ.
17- وَ قَالَ(ع)إِنَّ الْخُيَلَاءَ مِنَ التَّجَبُّرِ وَ التَّجَبُّرَ مِنَ النَّخْوَةِ- وَ النَّخْوَةَ مِنَ التَّكَبُّرِ- وَ إِنَّ الشَّيْطَانَ عَدُوٌّ حَاضِرٌ يَعِدُكُمُ الْبَاطِلَ- إِنَّ الْمُسْلِمَ أَخُ الْمُسْلِمِ
____________
(1) الحلل: جمع الحلّة- بالضم-: كل ثوب جديد. و الجدد: جمع جديد.
(2) انجحت حاجته: قضيت، و الرجل: فاز و ظفر بها.
(3) كذا و الصحيح «و الاعتبار منذر صالح» كما في النهج. و الفخ. المصيدة أي آلة يصاد بها. و في النهج «و البشاشة حبالة المودة» و الحبالة- بالضم- شبكة الصيد.
(4) الثاوى: القائم. يعنى أن الدنيا تزيل من اقام بها و اتخذها وطنا.
40
فَلَا تَخَاذَلُوا وَ لَا تَنَابَزُوا- فَإِنَّ شَرَائِعَ الدِّينِ وَاحِدَةٌ وَ سُبُلَهُ قَاصِدَةٌ- فَمَنْ أَخَذَ بِهَا لَحِقَ وَ مَنْ فَارَقَهَا مَحَقَ- وَ مَنْ تَرَكَهَا مَرَقَ (1)- لَيْسَ الْمُسْلِمُ بِالْكَذُوبِ إِذَا نَطَقَ- وَ لَا بِالْمُخْلِفِ إِذَا وَعَدَ وَ لَا بِالْخَائِنِ إِذَا ائْتُمِنَ.
18- وَ قَالَ(ع)الْعَقْلُ خَلِيلُ الْمُؤْمِنِ وَ الْحِلْمُ وَزِيرُهُ- وَ الرِّفْقُ وَالِدُهُ وَ اللِّينُ أَخُوهُ- وَ لَا بُدَّ لِلْعَاقِلِ مِنْ ثَلَاثٍ- أَنْ يَنْظُرَ فِي شَأْنِهِ وَ يَحْفَظَ لِسَانَهُ وَ يَعْرِفَ زَمَانَهُ- أَلَا وَ إِنَّ مِنَ الْبَلَاءِ الْفَاقَةَ- وَ أَشَدَّ مِنَ الْفَاقَةِ مَرَضُ الْبَدَنِ- وَ أَشَدَّ مِنْ مَرَضِ الْبَدَنِ مَرَضُ الْقَلْبِ- أَلَا وَ إِنَّ مِنَ النِّعَمِ سَعَةَ الْمَالِ- وَ أَفْضَلَ مِنْ سَعَةِ الْمَالِ صِحَّةُ الْبَدَنِ- وَ أَفْضَلَ مِنْ صِحَّةِ الْبَدَنِ تَقْوَى الْقَلْبِ.
19- وَ قَالَ(ع)إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ- فَسَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ- وَ سَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ- وَ سَاعَةٌ يُخَلِّي بَيْنَ نَفْسِهِ وَ بَيْنَ لَذَّاتِهَا فِيمَا يَحِلُّ وَ يَجْمُلُ- وَ لَيْسَ لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ شَاخِصاً إِلَّا فِي ثَلَاثٍ- مَرَمَّةٍ لِمَعَاشِهِ (2) وَ خُطْوَةٍ لِمَعَادِهِ أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ.
20- وَ قَالَ(ع)كَمْ [مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ (3)- وَ كَمْ مِنْ مَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ- وَ كَمْ مِنْ مَفْتُونٍ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ- وَ مَا ابْتَلَى اللَّهُ عَبْداً بِمِثْلِ الْإِمْلَاءِ لَهُ (4)- قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً (5).
21- وَ قَالَ(ع)لِيَجْتَمِعْ فِي قَلْبِكَ الِافْتِقَارُ إِلَى النَّاسِ وَ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُمْ- يَكُونُ افْتِقَارُكَ إِلَيْهِمْ فِي لِينِ كَلَامِكَ وَ حُسْنِ بِشْرِكَ (6)- وَ يَكُونُ اسْتِغْنَاؤُكَ عَنْهُمْ فِي
____________
(1) محق: هلك. و مرق: خرج من الدين بضلالة أو بدعة.
(2) رممت الشيء- بالتثقيل-: اصلحته. و المرمة: الإصلاح.
(3) استدرجه اللّه من حيث لا يعلم بالانعام و الاحسان إليه؛ و هو يعصى اللّه و لا يعلم أن ذلك بلاغا للحجة عليه و اقامة للمعذرة في أخذه.
(4) الاملاء: الامهال.
(5) سورة آل عمران: 178.
(6) البشر- بالكسر-: بشاشة الوجه. و النزاهة: العفة و البعد عن المكروه.
41
نَزَاهَةِ عِرْضِكَ وَ بَقَاءِ عِزِّكَ.
22- وَ قَالَ(ع)لَا تَغْضَبُوا وَ لَا تَعْضَبُوا (1)- أَفْشُوا السَّلَامَ وَ أَطِيبُوا الْكَلَامَ.
23- وَ قَالَ(ع)الْكَرِيمُ يَلِينُ إِذَا اسْتُعْطِفُ- وَ اللَّئِيمُ يَقْسُو إِذَا أُلْطِفَ.
24- وَ قَالَ(ع)أَ لَا أُخْبِرُكُمْ بِالْفَقِيهِ حَقَّ الْفَقِيهِ- مَنْ لَمْ يُرَخِّصِ النَّاسَ فِي مَعَاصِي اللَّهِ- وَ لَمْ يُقَنِّطْهُمْ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَ لَمْ يُؤْمِنْهُمْ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ- وَ لَمْ يَدَعِ الْقُرْآنَ رَغْبَةً عَنْهُ إِلَى مَا سِوَاهُ- وَ لَا خَيْرَ فِي عِبَادَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَفَقُّهٌ- وَ لَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَيْسَ فِيهِ تَفَكُّرٌ- وَ لَا خَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَدَبُّرٌ.
25- وَ قَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ إِذَا جَمَعَ النَّاسَ نَادَى فِيهِمْ مُنَادٍ أَيُّهَا النَّاسُ- إِنَّ أَقْرَبَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ اللَّهِ أَشَدُّكُمْ مِنْهُ خَوْفاً- وَ إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَى اللَّهِ أَحْسَنُكُمْ لَهُ عَمَلًا- وَ إِنَّ أَفْضَلَكُمْ عِنْدَهُ مَنْصَباً- أَعْمَلُكُمْ (2) فِيمَا عِنْدَهُ رَغْبَةً- وَ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَلَيْهِ أَتْقَاكُمْ.
26- وَ قَالَ(ع)عَجِبْتُ لِأَقْوَامٍ يَحْتَمُونَ الطَّعَامَ مَخَافَةَ الْأَذَى- كَيْفَ لَا يَحْتَمُونَ الذُّنُوبَ مَخَافَةَ النَّارِ (3)- وَ عَجِبْتُ مِمَّنْ يَشْتَرِي الْمَمَالِيكَ بِمَالِهِ- كَيْفَ لَا يَشْتَرِي الْأَحْرَارَ بِمَعْرُوفِهِ فَيَمْلِكَهُمْ- ثُمَّ قَالَ- إِنَّ الْخَيْرَ وَ الشَّرَّ لَا يُعْرَفَانِ إِلَّا بِالنَّاسِ- فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ الْخَيْرَ (4)- فَاعْمَلِ الْخَيْرَ تَعْرِفْ أَهْلَهُ- وَ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ الشَّرَّ- فَاعْمَلِ الشَّرَّ تَعْرِفْ أَهْلَهُ.
27- وَ قَالَ(ع)إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمُ اثْنَيْنِ- طُولَ الْأَمَلِ وَ اتِّبَاعَ الْهَوَى- أَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الْآخِرَةَ- وَ أَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَإِنَّهُ يَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ.
28- وَ سَأَلَهُ رَجُلٌ بِالْبَصْرَةِ عَنِ الْإِخْوَانِ فَقَالَ- الْإِخْوَانُ صِنْفَانِ- إِخْوَانُ الثِّقَةِ وَ إِخْوَانُ الْمُكَاشَرَةِ- فَأَمَّا إِخْوَانُ الثِّقَةِ فَهُمُ الْكَهْفُ وَ الْجَنَاحُ (5)- وَ الْأَهْلُ وَ
____________
(1) في بعض النسخ «و لا تغضبوا» و الصحيح كما في المتن «و لا تعضبوا» أي لا تقطعوا.
(2) في بعض النسخ «أعلمكم».
(3) يحتمون أي يتقون.
(4) في بعض النسخ «أن تعمل الخير».
(5) المكاشرة- مفاعلة من كشر كضرب- و كشر الرجل عن أسنانه أي أبدى و أظهر و يكون في الضحك. و المكاشر: المتبسم في وجه. و الكهف: الملجأ. و رواه الصدوق في الخصال و فيه «فهم الكف و الجناح و الأصل و الاهل و المال» و الجناح من الإنسان: اليد:
لانه بمنزلة جناح الطائر.
42
الْمَالُ- فَإِنْ كُنْتَ مِنْ أَخِيكَ عَلَى حَدِّ الثِّقَةِ- فَابْذُلْ لَهُ مَالَكَ وَ يَدَكَ- وَ صَافِ مَنْ صَافَاهُ (1) وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ- وَ اكْتُمْ سِرَّهُ وَ عَيْبَهُ وَ أَظْهِرْ مِنْهُ الْحَسَنَ- اعْلَمْ أَيُّهَا السَّائِلُ أَنَّهُمْ أَقَلُّ مِنَ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ- وَ أَمَّا إِخْوَانُ الْمُكَاشَرَةِ فَإِنَّكَ تُصِيبُ مِنْهُمْ لَذَّتَكَ- فَلَا تَقْطَعَنَّ مِنْهُمْ لَذَّتَكَ- وَ لَا تَطْلُبَنَّ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ ضَمِيرِهِمْ- وَ ابْذُلْ لَهُمْ مَا بَذَلُوا لَكَ- مِنْ طَلَاقَةِ الْوَجْهِ وَ حَلَاوَةِ اللِّسَانِ.
29- وَ قَالَ(ع)لَا تَتَّخِذَنَّ عَدُوَّ صَدِيقِكَ صَدِيقاً فَتُعْدِيَ صَدِيقَكَ.
30- وَ قَالَ(ع)لَا تَصْرِمْ أَخَاكَ عَلَى ارْتِيَابٍ- وَ لَا تَقْطَعْهُ دُونَ اسْتِعْتَابٍ (2).
31- وَ قَالَ(ع)يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَجْتَنِبَ مُؤَاخَاةَ ثَلَاثَةٍ- الْفَاجِرِ (3) وَ الْأَحْمَقِ وَ الْكَذَّابِ- فَأَمَّا الْفَاجِرُ فَيُزَيِّنُ لَكَ فِعْلَهُ- وَ يُحِبُّ أَنَّكَ مِثْلُهُ- وَ لَا يُعِينُكَ عَلَى أَمْرِ دِينِكَ وَ مَعَادِكَ- فَمُقَارَنَتُهُ جَفَاءٌ وَ قَسْوَةٌ وَ مَدْخَلُهُ عَارٌ عَلَيْكَ (4)- وَ أَمَّا الْأَحْمَقُ فَإِنَّهُ لَا يُشِيرُ عَلَيْكَ بِخَيْرٍ- وَ لَا يرجه [يُرْجَى لِصَرْفِ السُّوءِ عَنْكَ وَ لَوْ جَهَدَ نَفْسَهُ (5)- وَ رُبَّمَا أَرَادَ نَفْعَكَ فَضَرَّكَ- فَمَوْتُهُ خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِهِ وَ سُكُوتُهُ خَيْرٌ مِنْ نُطْقِهِ- وَ بُعْدُهُ خَيْرٌ مِنْ قُرْبِهِ- وَ أَمَّا الْكَذَّابُ فَإِنَّهُ لَا يَهْنَؤُكَ مَعَهُ عَيْشٌ- يَنْقُلُ حَدِيثَكَ وَ يَنْقُلُ إِلَيْكَ الْحَدِيثَ- كُلَّمَا أَقْنَى أُحْدُوثَةً مَطَاهَا بِأُخْرَى مِثْلِهَا (6) حَتَّى أَنَّهُ
____________
(1) صافى فلانا: أخلص له الود.
(2) لا تصرم أي لا تقطع. و الاستعتاب: الاسترضاء.
(3) رواه الكليني (رحمه الله) في الكافي ج 2 ص 639 و فيه «الماجن الفاجر».
(4) في الكافي «مقاربته جفاء». و «مدخله» أي زيارته و مواجهته.
(5) في الكافي «و لو أجهد نفسه.».
(6) مطا يمطو: أسرع في سيره، و مطا بالقوم: مد بهم في السير، و في الكافي «مطرها» و في بعض نسخه «مطها».
43
يُحَدِّثُ بِالصِّدْقِ فَلَا يُصَدَّقُ- يُغْرِي بَيْنَ النَّاسِ بِالْعَدَاوَةِ (1)- فَيُثْبِتُ الشَّحْنَاءَ فِي الصُّدُورِ- فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ انْظُرُوا لِأَنْفُسِكُمْ.
32- وَ قَالَ(ع)لَا عَلَيْكَ (2) أَنْ تَصْحَبَ ذَا الْعَقْلِ وَ إِنْ لَمْ تَجْمُدْ كَرَمُهُ (3)- وَ لَكِنِ انْتَفِعْ بِعَقْلِهِ وَ احْتَرِسْ مِنْ سَيِّئِ أَخْلَاقِهِ- وَ لَا تَدَعَنَّ صُحْبَةَ الْكَرِيمِ وَ إِنْ لَمْ تَنْتَفِعْ بِعَقْلِهِ- وَ لَكِنِ انْتَفِعْ بِكَرَمِهِ بِعَقْلِكَ- وَ افْرِرِ الْفِرَارَ كُلَّهُ مِنَ اللَّئِيمِ الْأَحْمَقِ.
33- وَ قَالَ(ع)الصَّبْرُ ثَلَاثَةٌ الصَّبْرُ عَلَى الْمُصِيبَةِ- وَ الصَّبْرُ عَلَى الطَّاعَةِ وَ الصَّبْرُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ.
34- وَ قَالَ(ع)مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ- فَهُوَ خَلِيقٌ بِأَنْ لَا يَنْزِلَ بِهِ مَكْرُوهٌ أَبَداً- قِيلَ وَ مَا هُنَّ قَالَ الْعَجَلَةُ وَ اللَّجَاجَةُ- وَ الْعُجْبُ وَ التَّوَانِي.
35- وَ قَالَ(ع)الْأَعْمَالُ ثَلَاثَةٌ فَرَائِضُ وَ فَضَائِلُ وَ مَعَاصِي- فَأَمَّا الْفَرَائِضُ فَبِأَمْرِ اللَّهِ وَ مَشِيئَتِهِ- وَ بِرِضَاهُ وَ بِعِلْمِهِ وَ بِقَدَرِهِ- يَعْمَلُهَا الْعَبْدُ فَيَنْجُو مِنَ اللَّهِ بِهَا- وَ أَمَّا الْفَضَائِلُ فَلَيْسَ بِأَمْرِ اللَّهِ- لَكِنْ بِمَشِيئَتِهِ وَ بِرِضَاهُ وَ بِعِلْمِهِ وَ بِقَدَرِهِ- يَعْمَلُهَا الْعَبْدُ فَيُثَابُ عَلَيْهَا- وَ أَمَّا الْمَعَاصِي فَلَيْسَ بِأَمْرِ اللَّهِ وَ لَا بِمَشِيئَتِهِ وَ لَا بِرِضَاهُ- لَكِنْ بِعِلْمِهِ وَ بِقَدَرِهِ يُقَدِّرُهَا لِوَقْتِهَا- فَيَفْعَلُهَا الْعَبْدُ بِاخْتِيَارِهِ فَيُعَاقِبُهُ اللَّهُ عَلَيْهَا- لِأَنَّهُ قَدْ نَهَاهُ عَنْهَا فَلَمْ يَنْتَهِ.
36- وَ قَالَ(ع)يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ لِلَّهِ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ حَقّاً- فَمَنْ أَدَّاهُ زَادَهُ- وَ مَنْ قَصَّرَ عَنْهُ خَاطَرَ بِزَوَالِ النِّعْمَةِ وَ تَعَجُّلِ الْعُقُوبَةِ- فَلْيَرَاكُمُ اللَّهُ مِنَ النِّعْمَةِ وَجِلِينَ- كَمَا يَرَاكُمْ مِنَ الذُّنُوبِ فَرِقِينَ (4).
37- وَ قَالَ(ع)مَنْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ- فَلَمْ يَظُنَّ أَنَّ ذَلِكَ حُسْنُ نَظَرٍ
____________
(1) يغرى أي القى بينهم العداوة و الشحناء: العداوة و البغضاء امتلأت منها النفس من شحن أي ملاء. و في الكافي «يفرق بين الناس بالعداوة فينبت السخائم في الصدور».
(2) أي لا بأس بك و لا حرج.
(3) جمدت يده: بخل.
(4) «وجلين» أي خائفين. «فرفين» أي فزعين.
44
مِنَ اللَّهِ لَهُ- فَقَدْ ضَيَّعَ مَأْمُولًا- وَ مَنْ وُسِّعَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ- فَلَمْ يَظُنَّ أَنَّ ذَلِكَ اسْتِدْرَاجٌ مِنَ اللَّهِ فَقَدْ أَمِنَ مَخُوفاً (1).
38- وَ قَالَ(ع)يَا أَيُّهَا النَّاسُ سَلُوا اللَّهَ الْيَقِينَ- وَ ارْغَبُوا إِلَيْهِ فِي الْعَافِيَةِ- فَإِنَّ أَجَلَّ النِّعَمِ الْعَافِيَةُ- وَ خَيْرَ مَا دَامَ فِي الْقَلْبِ الْيَقِينُ- وَ الْمَغْبُونُ مَنْ غُبِنَ دِينَهُ- وَ الْمَغْبُوطُ مَنْ حَسُنَ يَقِينُهُ.
39- وَ قَالَ(ع)لَا يَجِدُ رَجُلٌ طَعْمَ الْإِيمَانِ- حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ- وَ مَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ.
40- وَ قَالَ(ع)مَا ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُ بِشَيْءٍ هُوَ أَشَدُّ عَلَيْهِ- مِنْ خِصَالٍ ثَلَاثٍ يُحْرَمُهَا- قِيلَ وَ مَا هُنَّ قَالَ الْمُوَاسَاةُ فِي ذَاتِ يَدِهِ- وَ الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِهِ وَ ذِكْرُ اللَّهِ كَثِيراً- أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ لَكُمْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ- وَ لَكِنْ ذِكْرَ اللَّهِ عِنْدَ مَا أَحَلَّ لَهُ- وَ ذِكْرَ اللَّهِ عِنْدَ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ.
41- وَ قَالَ(ع)مَنْ رَضِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِمَا يُجْزِيهِ- كَانَ أَيْسَرُ مَا فِيهِ يَكْفِيهِ- وَ مَنْ لَمْ يَرْضَ مِنَ الدُّنْيَا بِمَا يُجْزِيهِ- لَمْ يَكُنْ فِيهَا شَيْءٌ يَكْفِيهِ.
42- وَ قَالَ(ع)الْمَنِيَّةُ لَا الدَّنِيَّةُ وَ التَّجَلُّدُ لَا التَّبَلُّدُ (2)- وَ الدَّهْرُ يَوْمَانِ فَيَوْمٌ لَكَ وَ يَوْمٌ عَلَيْكَ- فَإِذَا كَانَ لَكَ فَلَا تَبْطَرْ- وَ إِذَا كَانَ عَلَيْكَ فَلَا تَحْزَنْ فَبِكِلَيْهِمَا سَتُخْتَبَرُ.
43- وَ قَالَ(ع)أَفْضِلْ عَلَى مَنْ شِئْتَ يَكُنْ أَسِيرَكَ.
44- وَ قَالَ(ع)لَيْسَ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِ الْمَلَقُ وَ لَا الْحَسَدُ- إِلَّا فِي طَلَبِ
____________
(1) ذات يده: ما يملكه. و مأمولا أي ما أمل و رجا. أى من كان في ضيق بحسب المال و لم يظن ان ذلك إحسانا من اللّه و امتحانا منه فقد ضيع أجرا مأمولا، و هكذا إذا لم يظن أن نعمته استدرجا منه فقد أمن من مكر اللّه.
(2) المنية: الموت أي يكون الموت و لا يكون ارتكاب الدنية. و التجلد: تكلف الجلد- محركة- و الصبر عليه و التبلد: ضد التجلد و التلهف. و نظير هذا الكلام منقول في النهج و فيه «و التقلل و لا التوسل».
45
الْعِلْمِ.
45- وَ قَالَ(ع)أَرْكَانُ الْكُفْرِ أَرْبَعَةٌ- الرَّغْبَةُ وَ الرَّهْبَةُ وَ السَّخَطُ وَ الْغَضَبُ.
46- وَ قَالَ(ع)الصَّبْرُ مِفْتَاحُ الدَّرَكِ- وَ النُّجْحُ عُقْبَى مَنْ صَبَرَ (1)- وَ لِكُلِّ طَالِبِ حَاجَةٍ وَقْتٌ يُحَرِّكُهُ الْقَدَرُ.
47- وَ قَالَ(ع)اللِّسَانُ مِعْيَارٌ أَطَاشَهُ الْجَهْلُ (2) وَ أَرْجَحَهُ الْعَقْلُ.
48- وَ قَالَ(ع)مَنْ طَلَبَ شَفَا غَيْظٍ بِغَيْرِ حَقٍّ أَذَاقَهُ اللَّهُ هَوَاناً بِحَقٍّ- إِنَّ اللَّهَ عَدُوُّ مَا كَرِهَ.
49- وَ قَالَ(ع)مَا حَارَ مَنِ اسْتَخَارَ وَ لَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ (3).
50- وَ قَالَ(ع)عُمِّرَتِ الْبُلْدَانُ بِحُبِّ الْأَوْطَانِ.
51- وَ قَالَ(ع)ثَلَاثٌ مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا سَعِدَ- إِذَا ظَهَرَتْ عَلَيْكَ نِعْمَةٌ فَاحْمَدِ اللَّهَ- وَ إِذَا أَبْطَأَ عَنْكَ الرِّزْقُ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ- وَ إِذَا أَصَابَتْكَ شِدَّةٌ- فَأَكْثِرْ مِنْ قَوْلِ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
52- وَ قَالَ(ع)الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ الْفِقْهُ لِلْأَدْيَانِ وَ الطِّبُّ لِلْأَبْدَانِ وَ النَّحْوُ لِلِّسَانِ.
53- وَ قَالَ(ع)حَقُّ اللَّهِ فِي الْعُسْرِ الرِّضَى وَ الصَّبْرُ- وَ حَقُّهُ فِي الْيُسْرِ الْحَمْدُ وَ الشُّكْرُ.
54- وَ قَالَ(ع)تَرْكُ الْخَطِيئَةِ أَيْسَرُ مِنْ طَلَبِ التَّوْبَةِ- وَ كَمْ مِنْ شَهْوَةِ سَاعَةٍ قَدْ أَوْرَثَتْ حُزْناً طَوِيلًا- وَ الْمَوْتُ فَضَحَ الدُّنْيَا- فَلَمْ يَتْرُكْ لِذِي لُبٍّ فِيهَا فَرَحاً- وَ لَا لِعَاقِلٍ لَذَّةً.
55- وَ قَالَ(ع)الْعِلْمُ قَائِدٌ وَ الْعَمَلُ سَائِقٌ وَ النَّفْسُ حَرُونٌ (4).
56- وَ قَالَ(ع)كُنْ لِمَا لَا تَرْجُو أَرْجَى مِنْكَ لِمَا تَرْجُو- فَإِنَّ مُوسَى ع
____________
(1) النجح- بالضم-: الفوز و الظفر.
(2) أطاشه أي خفه. و بالفارسية «يعنى سبك مىكند او را».
(3) الحور- بالفتح-: التحير و الرجوع الى النقصان.
(4) الحرون من الخيل: الذي لا ينقاد لراكبه فإذا استدر جريه وقف.
46
خَرَجَ يَقْتَبِسُ لِأَهْلِهِ نَاراً- فَكَلَّمَهُ اللَّهُ وَ رَجَعَ نَبِيّاً- وَ خَرَجَتْ مَلِكَةُ سَبَإٍ فَأَسْلَمَتْ مَعَ سُلَيْمَانَ(ع) وَ خَرَجَتْ سَحَرَةُ فِرْعَوْنَ يَطْلُبُونَ الْعِزَّ لِفِرْعَوْنَ- فَرَجَعُوا مُؤْمِنِينَ.
57- وَ قَالَ(ع)النَّاسُ بِأُمَرَائِهِمْ أَشْبَهُ مِنْهُمْ بِآبَائِهِمْ.
58- وَ قَالَ(ع)أَيُّهَا النَّاسُ اعْلَمُوا- أَنَّهُ لَيْسَ بِعَاقِلٍ مَنِ انْزَعَجَ (1) مِنْ قَوْلِ الزُّورِ فِيهِ- وَ لَا بِحَكِيمٍ مَنْ رَضِيَ بِثَنَاءِ الْجَاهِلِ عَلَيْهِ- النَّاسُ أَبْنَاءُ مَا يُحْسِنُونَ- وَ قَدْرُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُ- فَتَكَلَّمُوا فِي الْعِلْمِ تَبَيَّنْ أَقْدَارُكُمْ.
59- وَ قَالَ(ع)رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً رَاغِبٌ رَبَّهُ (2) وَ تَوَكَّفَ ذَنْبَهُ- وَ كَابَرَ هَوَاهُ وَ كَذَّبَ مُنَاهُ- زَمَّ نَفْسَهُ مِنَ التَّقْوَى بِزِمَامٍ- وَ أَلْجَمَهَا مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهَا بِلِجَامٍ- فَقَادَهَا إِلَى الطَّاعَةِ بِزِمَامِهَا- وَ قَدَعَهَا عَنِ الْمَعْصِيَةِ بِلِجَامِهَا (3)- رَافِعاً إِلَى الْمَعَادِ طَرْفَهُ- مُتَوَقِّعاً فِي كُلِّ أَوَانٍ حَتْفَهُ- دَائِمَ الْفِكْرِ طَوِيلَ السَّهَرِ- عَزُوفاً عَنِ الدُّنْيَا كَدُوحاً لآِخِرَتِهِ (4)- جَعَلَ الصَّبْرَ مَطِيَّةَ نَجَاتِهِ- وَ التَّقْوَى عُدَّةَ وَفَاتِهِ- وَ دَوَاءَ [دَاءِ] جَوَاهُ (5) فَاعْتَبَرَ وَ قَاسَ فَوَتَرَ الدُّنْيَا وَ النَّاسَ- يَتَعَلَّمُ لِلتَّفَقُّهِ وَ السَّدَادِ- قَدْ وَقَّرَ قَلْبَهُ ذِكْرُ الْمَعَادِ- فَطَوَى مِهَادَهُ (6) وَ هَجَرَ وِسَادَهُ- قَدْ عَظُمَتْ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ رَغْبَتُهُ- وَ اشْتَدَّتْ مِنْهُ رَهْبَتُهُ- يُظْهِرُ دُونَ مَا يَكْتُمُ- وَ يَكْتَفِي بِأَقَلَّ مِمَّا يَعْلَمُ- أُولَئِكَ وَدَائِعُ اللَّهِ فِي بِلَادِهِ الْمَدْفُوعُ بِهِمْ عَنْ عِبَادِهِ- لَوْ أَقْسَمَ أَحَدُهُمْ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ- آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
____________
(1) ازعجه فانزعج: أقلقه و قلعه من مكانه فقلق و انقلع.
(2) في بعض النسخ «راقب دينه». و التوكف: التجنب. و المكابرة: المعاندة و المغالبة.
(3) قدع الفرس باللجام: كبحه أي جذبه به لتقف و تجرى.
(4) سهر سهرا- كفرح- اذا لم ينم ليلا. عزفت نفسه عن الشيء: انصرفت و زهدت فيه. و الكدح: السعى في مشقة و تعب.
(5) الجوى: الحرقة و شدة الوجد من عشق أو حزن.
(6) طوى نقيض نشر. و المهاد: الفراش. و هجره أي تركه و أعرض عنه.
47
60- وَ قَالَ(ع)وُكِلَ الرِّزْقُ بِالْحُمْقِ وَ وُكِلَ الْحِرْمَانُ بِالْعَقْلِ- وَ وُكِلَ الْبَلَاءُ بِالصَّبْرِ.
61- وَ قَالَ(ع)لِلْأَشْعَثِ (1) يُعَزِّيهِ بِأَخِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- إِنْ جَزِعْتَ فَحَقَّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَفَيْتَ- وَ إِنْ صَبَرْتَ فَحَقَّ اللَّهِ أَدَّيْتَ- عَلَى أَنَّكَ إِنْ صَبَرْتَ جَرَى عَلَيْكَ الْقَضَاءُ وَ أَنْتَ مَحْمُودٌ- وَ إِنْ جَزِعْتَ جَرَى عَلَيْكَ الْقَضَاءُ وَ أَنْتَ مَذْمُومٌ (2)- فَقَالَ الْأَشْعَثُ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ- فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَ تَدْرِي مَا تَأْوِيلُهَا- فَقَالَ الْأَشْعَثُ لَأَنْتَ غَايَةُ الْعِلْمِ وَ مُنْتَهَاهُ- فَقَالَ(ع)أَمَّا قَوْلُكَ إِنَّا لِلَّهِ فَإِقْرَارٌ مِنْكَ بِالْمُلْكِ- وَ أَمَّا قَوْلُكَ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ- فَإِقْرَارٌ مِنْكَ بِالْهُلْكِ (3).
62- وَ رَكِبَ(ع)يَوْماً فَمَشَى مَعَهُ قَوْمٌ فَقَالَ(ع)لَهُمْ- أَ مَا عَلِمْتُمْ أَنَّ مَشْيَ الْمَاشِي مَعَ الرَّاكِبِ مَفْسَدَةٌ لِلرَّاكِبِ- وَ مَذَلَّةٌ لِلْمَاشِي انْصَرِفُوا.
63- وَ قَالَ(ع)الْأُمُورُ ثَلَاثَةٌ أَمْرٌ بَانَ لَكَ رُشْدُهُ فَاتَّبِعْهُ (4)- وَ أَمْرٌ بَانَ
____________
(1) الظاهر هو اشعث بن قيس المكنى بأبي محمّد ذكروه في جملة أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كان اسر بعد النبيّ «ص» فى ردة أهل ياسر و عفا عنه أبو بكر و زوجه اخته أمّ فروة و كانت عوراء فولدت له محمد. و كان أشعث سكن الكوفة و هو عامل عثمان على آذربيجان، و كان أبا زوجة عمر بن عثمان و كتب أمير المؤمنين (عليه السلام) إليه بعد فتح البصرة فسار و قدم على عليّ (عليه السلام) و حضر صفّين، ثمّ صار خارجيا ملعونا. و قال ابن أبى الحديد كل فساد كان في خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) و كل اضطراب فأصله الاشعث، و هو الذي شرك في دمه (عليه السلام)، و ابنته جعدة سمت الحسن (عليه السلام)، و محمّد ابنه شرك في دم الحسين (عليه السلام).
(2) في النهج عزّاه عن ابن له قال: «يا اشعث ان تحزن على ابنك فقد استحقت منك ذلك الرحم. و ان تصبر ففى اللّه من كل مصيبة خلف. يا أشعث ان صبرت جرى عليك القدر و انت مأجور، و ان جزعت جرى عليك القدر و أنت مأزور يا أشعث ابنك سرك و هو بلاء و فتنة و حزنك و هو ثواب و رحمة».
(3) الهلك- بالضم-: الهلاك.
(4) في بعض النسخ «فارتكبه».
48
لَكَ غَيُّهُ فَاجْتَنِبْهُ- وَ أَمْرٌ أَشْكَلَ عَلَيْكَ فَرَدَدْتَهُ إِلَى عَالِمِهِ (1).
64- وَ قَالَ 1 لَهُ(ع)جَابِرٌ يَوْماً كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- فَقَالَ(ع) وَ بِنَا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ رَبِّنَا مَا لَا نُحْصِيهِ مَعَ كَثْرَةِ مَا نَعْصِيهِ- فَلَا نَدْرِي مَا نَشْكُرُ أَ جَمِيلُ مَا يَنْشُرُ- أَمْ قَبِيحُ مَا يَسْتُرُ.
65- وَ عَزَّى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَنْ مَوْلُودٍ صَغِيرٍ مَاتَ لَهُ- فَقَالَ(ع)لَمُصِيبَةٌ فِي غَيْرِكَ لَكَ أَجْرُهَا- أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مُصِيبَةٍ فِيكَ لِغَيْرِكَ ثَوَابُهَا- فَكَانَ لَكَ الْأَجْرُ لَا بِكَ- وَ حَسُنَ لَكَ الْعَزَاءُ لَا عَنْكَ- وَ عَوَّضَكَ اللَّهُ عَنْهُ مِثْلَ الَّذِي عَوَّضَهُ مِنْكَ.
66- وَ قِيلَ لَهُ مَا التَّوْبَةُ النَّصُوحُ- فَقَالَ(ع)نَدَمٌ بِالْقَلْبِ وَ اسْتِغْفَارٌ بِاللِّسَانِ- وَ الْقَصْدُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ (2).
67- وَ قَالَ(ع)إِنَّكُمْ مَخْلُوقُونَ اقْتِدَاراً وَ مَرْبُوبُونَ اقْتِسَاراً (3)- وَ مُضَمَّنُونَ أَجْدَاثاً وَ كَائِنُونَ رُفَاتاً- وَ مَبْعُوثُونَ أَفْرَاداً وَ مَدِينُونَ حِسَاباً- فَرَحِمَ اللَّهُ عَبْداً اقْتَرَبَ فَاعْتَرَفَ- وَ وَجِلَ فَعَمِلَ وَ حَاذَرَ فَبَادَرَ- وَ عُمِّرَ فَاعْتَبَرَ وَ حُذِّرَ فَازْدَجَرَ- وَ أَجَابَ فَأَنَابَ وَ رَاجَعَ فَتَابَ- وَ اقْتَدَى فَاحْتَذَى (4)- فَبَاحَثَ طَلَباً وَ نَجَا هَرَباً- وَ أَفَادَ ذَخِيرَةً وَ أَطَابَ سَرِيرَةً- وَ تَأَهَّبَ لِلْمَعَادِ- وَ اسْتَظْهَرَ بِالزَّادِ لِيَوْمِ رَحِيلِهِ (5) وَ وَجْهِ سَبِيلِهِ- وَ حَالِ حَاجَتِهِ وَ مَوْطِنِ فَاقَتِهِ- فَقَدَّمَ أَمَامَهُ لِدَارِ مُقَامِهِ- فَمَهِّدُوا لِأَنْفُسِكُمْ- فَهَلْ يَنْتَظِرُ أَهْلُ غَضَارَةِ الشَّبَابِ- إِلَّا حَوَانِيَ الْهَرَمِ- وَ أَهْلُ بَضَاضَةِ الصِّحَّةِ (6) إِلَّا نَوَازِلَ السَّقَمِ- وَ أَهْلُ مُدَّةِ الْبَقَاءِ إِلَّا مُفَاجَاةَ الْفَنَاءِ- وَ اقْتِرَافَ الْفَوْتِ وَ دُنُوَّ الْمَوْتِ.
____________
(1) في بعض النسخ «فرده الى عالمه».
(2) في بعض النسخ «العقد على أن لا يعود».
(3) في بعض النسخ [انتشارا]. و الاقتسار: عدم الاختيار، أي رباهم اللّه من عند كونهم أجنة في بطون أمهاتهم الى كبرهم من غير اختيار منهم. و في بعض النسخ «و مضمون أحداثا.
(4) الاحتذاء: الاقتداء أي أتى بكل ما للاقتداء من معنى.
(5) استظهر بالزاد: استعان به.
(6) الحوانى جمع حين. و البضاضة: رقة اللون و صفاؤه.
49
68- وَ قَالَ(ع)اتَّقُوا اللَّهَ تَقِيَّةَ مَنْ شَمَّرَ تَجْرِيداً وَ جَدَّ تَشْمِيراً- وَ انْكَمَشَ فِي مَهَلٍ وَ أَشْفَقَ فِي وَجَلٍ (1)- وَ نَظَرَ فِي كَثْرَةِ الْمَالِ وَ عَاقِبَةِ الصَّبْرِ- وَ مَغَبَّةِ الْمَرْجِعِ (2)- فَكَفَى بِاللَّهِ مُنْتَقِماً وَ نَصِيراً- وَ كَفَى بِالْجَنَّةِ ثَوَاباً وَ نَوَالًا (3)- وَ كَفَى بِالنَّارِ عِقَاباً وَ نَكَالًا- وَ كَفَى بِكِتَابِ اللَّهِ حَجِيجاً وَ خَصِيماً (4).
69- وَ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ السُّنَّةِ وَ الْبِدْعَةِ وَ الْفُرْقَةِ وَ الْجَمَاعَةِ- فَقَالَ(ع)أَمَّا السُّنَّةُ فَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ أَمَّا الْبِدْعَةُ فَمَا خَالَفَهَا (5)- وَ أَمَّا الْفُرْقَةُ فَأَهْلُ الْبَاطِلِ وَ إِنْ كَثُرُوا- وَ أَمَّا الْجَمَاعَةُ فَأَهْلُ الْحَقِّ وَ إِنْ قَلُّوا- وَ قَالَ ص (6)- لَا يَرْجُو الْعَبْدُ إِلَّا رَبَّهُ وَ لَا يَخَافُ إِلَّا ذَنْبَهُ- وَ لَا يَسْتَحِي الْعَالِمُ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ أَنْ يَقُولَ- اللَّهُ أَعْلَمُ (7)- وَ الصَّبْرُ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ.
70- وَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ أَوْصِنِي فَقَالَ(ع) أُوصِيكَ أَنْ لَا يَكُونَنَّ لِعَمَلِ الْخَيْرِ عِنْدَكَ غَايَةٌ فِي الْكَثْرَةِ- وَ لَا لِعَمَلِ الْإِثْمِ عِنْدَكَ غَايَةٌ فِي الْقِلَّةِ.
71- وَ قَالَ لَهُ آخَرُ أَوْصِنِي فَقَالَ(ع) لَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِفَقْرٍ وَ لَا طُولِ عُمُرٍ.
72- وَ قَالَ(ع)إِنَّ لِأَهْلِ الدِّينِ عَلَامَاتٍ يُعْرَفُونَ بِهَا- صِدْقَ الْحَدِيثِ وَ أَدَاءَ الْأَمَانَةِ وَ وَفَاءً بِالْعَهْدِ- وَ صِلَةً لِلْأَرْحَامِ وَ رَحْمَةً لِلضُّعَفَاءِ- وَ قِلَّةَ مُؤَاتَاةٍ
____________
(1) التشمير: السرعة و الخفة. و انكمش أي أسرع وجد فيه. و المهل- بفتح فسكون و بالتحريك- مصدر بمعنى الرفق و الامهال.
(2) المغبة- بفتح الميم و الغين و تشديد الباء-: العاقبة.
(3) النوال: العطاء و النصيب.
(4) الحجيج: المغالب باظهار الحجة.
(5) في بعض النسخ «فمن خالفها».
(6) كذا في جميع النسخ.
(7) في الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «للعالم إذا سئل عن شيء و هو لا يعلمه أن يقول: اللّه أعلم و ليس لغير العالم أن يقول ذلك. ج 1 ص 42.
50
لِلنِّسَاءِ (1)- وَ بَذْلَ الْمَعْرُوفِ وَ حُسْنَ الْخُلُقِ- وَ سَعَةَ الْحِلْمِ وَ اتِّبَاعَ الْعِلْمِ- وَ مَا يُقَرِّبُ مِنَ اللَّهِ زُلْفَى- وَ طُوبى لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ
73- وَ قَالَ(ع)مَا أَطَالَ الْعَبْدُ الْأَمَلَ إِلَّا أَنْسَاهُ الْعَمَلَ.
74- وَ قَالَ(ع)ابْنُ آدَمَ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالْمِعْيَارِ- إِمَّا نَاقِصٌ بِجَهْلٍ أَوْ رَاجِحٌ بِعِلْمٍ.
75- وَ قَالَ(ع)سِبَابُ الْمُؤْمِنِ فِسْقٌ وَ قِتَالُهُ كُفْرٌ- وَ حُرْمَةُ مَالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ.
76- وَ قَالَ(ع)ابْذُلْ لِأَخِيكَ دَمَكَ وَ مَالَكَ- وَ لِعَدُوِّكَ عَدْلَكَ وَ إِنْصَافَكَ- وَ لِلْعَامَّةِ بِشْرَكَ وَ إِحْسَانَكَ- تسلم [سَلِّمْ عَلَى النَّاسِ يُسَلِّمُوا عَلَيْكَ.
77- وَ قَالَ(ع)سَادَةُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا الْأَسْخِيَاءُ- وَ فِي الْآخِرَةِ الْأَتْقِيَاءُ.
78- وَ قَالَ(ع)الشَّيْءُ شَيْئَانِ فَشَيْءٌ غَيْرِي لَمْ أُرْزَقْهُ فِيمَا مَضَى- وَ لَا آمُلُهُ فِيمَا بَقِيَ- وَ شَيْءٌ لَا أَنَالُهُ دُونَ وَقْتِهِ- وَ لَوْ أَجْلَبْتُ عَلَيْهِ بِقُوَّةِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ- فَبِأَيِّ هَذَيْنِ أَفْنَى عُمُرِي.
79- وَ قَالَ(ع)إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا نَظَرَ اعْتَبَرَ وَ إِذَا سَكَتَ تَفَكَّرَ- وَ إِذَا تَكَلَّمَ ذَكَرَ- وَ إِذَا اسْتَغْنَى شَكَرَ وَ إِذَا أَصَابَتْهُ شِدَّةٌ صَبَرَ- فَهُوَ قَرِيبُ الرِّضَى بَعِيدُ السَّخَطِ- يُرْضِيهِ عَنِ اللَّهِ الْيَسِيرُ وَ لَا يُسْخِطُهُ الْكَثِيرُ- وَ لَا يَبْلُغُ بِنِيَّتِهِ إِرَادَتُهُ فِي الْخَيْرِ- يَنْوِي كَثِيراً مِنَ الْخَيْرِ وَ يَعْمَلُ بِطَائِفَةٍ مِنْهُ- وَ يَتَلَهَّفُ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنَ الْخَيْرِ كَيْفَ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ (2)- وَ الْمُنَافِقُ إِذَا نَظَرَ لَهَا وَ إِذَا سَكَتَ سَهَا- وَ إِذَا تَكَلَّمَ لَغَا (3) وَ إِذَا اسْتَغْنَى طَغَا- وَ إِذَا أَصَابَتْهُ شِدَّةٌ ضَغَا (4)- فَهُوَ قَرِيبُ السَّخَطِ بَعِيدُ الرِّضَى- يُسْخِطُ عَلَى اللَّهِ الْيَسِيرُ وَ لَا
____________
(1) المواتاة: المطاوعة.
(2) تلهف أي حزن عليه و تحسر.
(3) «لها» أي لعب. «سها» أي غفل و نسى و ذهب قلبه الى غيره. و «لغا» أي خطأ و تكلم من غير تفكر و روية.
(4) «ضغا» أي تذلل و ضعف.
51
يُرْضِيهِ الْكَثِيرُ- يَنْوِي كَثِيراً مِنَ الشَّرِّ وَ يَعْمَلُ بِطَائِفَةٍ مِنْهُ- وَ يَتَلَهَّفُ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنَ الشَّرِّ كَيْفَ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ.
80- وَ قَالَ(ع)الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةُ عَدُوَّانِ مُتَعَادِيَانِ وَ سَبِيلَانِ مُخْتَلِفَانِ- مَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا وَ وَالاهَا أَبْغَضَ الْآخِرَةَ وَ عَادَاهَا- مَثَلُهُمَا مَثَلُ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ- وَ الْمَاشِي بَيْنَهُمَا لَا يَزْدَادُ مِنْ أَحَدِهِمَا قُرْباً- إِلَّا ازْدَادَ مِنَ الْآخَرِ بُعْداً.
81- وَ قَالَ(ع)مَنْ خَافَ الْوَعِيدَ قَرُبَ عَلَيْهِ الْبَعِيدُ (1)- وَ مَنْ كَانَ مِنْ قُوتِ الدُّنْيَا لَا يَشْبَعُ- لَمْ يَكْفِهِ مِنْهَا مَا يَجْمَعُ- وَ مَنْ سَعَى لِلدُّنْيَا فَاتَتْهُ وَ مَنْ قَعَدَ عَنْهَا أَتَتْهُ- إِنَّمَا الدُّنْيَا ظِلٌّ مَمْدُودٌ إِلَى أَجَلٍ مَعْدُودٍ- رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً سَمِعَ حُكْماً فَوَعَى- وَ دُعِيَ إِلَى الرَّشَادِ فَدَنَا- وَ أَخَذَ بِحُجْزَةِ نَاجٍ هَادٍ فَنَجَا (2)- قَدَّمَ صَالِحاً وَ عَمِلَ صَالِحاً- قَدَّمَ مَذْخُوراً وَ اجْتَنَبَ مَحْذُوراً- رَمَى غَرَضاً (3) وَ قَدَّمَ عِوَضاً- كَابَرَ هَوَاهُ وَ كَذَّبَ مُنَاهُ- جَعَلَ الصَّبْرَ مَطِيَّةَ نَجَاتِهِ وَ التَّقْوَى عُدَّةَ وَفَاتِهِ (4)- لَزِمَ الطَّرِيقَةَ الْغَرَّاءَ وَ الْمَحَجَّةَ الْبَيْضَاءَ- وَ اغْتَنَمَ الْمَهَلَ وَ بَادَرَ الْأَجَلَ- وَ تَزَوَّدَ مِنَ الْعَمَلِ.
82- وَ قَالَ(ع)لِرَجُلٍ كَيْفَ أَنْتُمْ- فَقَالَ نَرْجُو وَ نَخَافُ- فَقَالَ(ع)مَنْ رَجَا شَيْئاً طَلَبَهُ- وَ مَنْ خَافَ شَيْئاً هَرَبَ مِنْهُ- مَا أَدْرِي مَا خَوْفُ رَجُلٍ عَرَضَتْ لَهُ شَهْوَةٌ- فَلَمْ يَدَعْهَا لِمَا خَافَ مِنْهُ- وَ مَا أَدْرِي مَا رَجَاءُ رَجُلٍ نَزَلَ بِهِ بَلَاءٌ- فَلَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ لِمَا يَرْجُو.
83- وَ قَالَ(ع)لِعَبَايَةَ بْنِ رِبْعِيٍ (5)- وَ قَدْ سَأَلَهُ عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ الَّتِي نَقُومُ
____________
(1) الوعيد يستعمل في الشر كما أن الوعد يستعمل في الخير غالبا.
(2) الحجزة- كغرفة-: معقد الازار، و استعير لهدى الهادى؛ و لزوم قصده و الاقتداء به.
(3) الغرض- بالتحريك-: الهدف الذي يرمى إليه. و كابر: عاند و غالب.
(4) العدة- بالضم- الاستعداد و ما أعددته. و في الخبر «استعدوا للموت» أي اطلبوا العدة للموت و هي التقوى. و الغراء: البيضاء.
(5) هو عباية بن عمرو بن ربعى الأسدى من أصحاب أمير المؤمنين و الحسن (عليهما السلام) بل من خواصهما و معتمد عليه في الحديث.
52
وَ نَقْعُدُ وَ نَفْعَلُ- إِنَّكَ سَأَلْتَ عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ فَهَلْ تَمَلِكُهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْ مَعَ اللَّهِ- فَسَكَتَ عَبَايَةُ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع) إِنْ قُلْتَ تَمْلِكُهَا مَعَ اللَّهِ قَتَلْتُكَ- وَ إِنْ قُلْتَ تَمْلِكُهَا دُونَ اللَّهِ قَتَلْتُكَ- فَقَالَ عَبَايَةُ فَمَا أَقُولُ- قَالَ(ع)تَقُولُ- إِنَّكَ تَمْلِكُهَا بِاللَّهِ الَّذِي يَمْلِكُهَا مِنْ دُونِكَ- فَإِنْ مَلَّكَكَ إِيَّاهَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ عَطَائِهِ- وَ إِنْ سَلَبَكَهَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ بَلَائِهِ- فَهُوَ الْمَالِكُ لِمَا مَلَّكَكَ- وَ الْقَادِرُ عَلَى مَا عَلَيْهِ أَقْدَرَكَ (1).
84- قَالَ الْأَصْبَغُ بْنُ نُبَاتَةَ (2) سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَقُولُ أُحَدِّثُكُمْ بِحَدِيثٍ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعِيَهُ- ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ(ع) مَا عَاقَبَ اللَّهُ عَبْداً مُؤْمِناً فِي هَذِهِ الدُّنْيَا- إِلَّا كَانَ أَجْوَدَ وَ أَمْجَدَ مِنْ أَنْ يَعُودَ فِي عِقَابِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ لَا سَتَرَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ مُؤْمِنٍ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَ عَفَا عَنْهُ- إِلَّا كَانَ أَمْجَدَ وَ أَجْوَدَ وَ أَكْرَمَ- مِنْ أَنْ يَعُودَ فِي عَفْوِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ قَالَ(ع)وَ قَدْ يَبْتَلِي اللَّهُ الْمُؤْمِنَ بِالْبَلِيَّةِ- فِي بَدَنِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ وُلْدِهِ أَوْ أَهْلِهِ وَ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ- ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ- وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (3)- وَ ضَمَّ يَدَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَ يَقُولُ- وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ.
85- وَ قَالَ(ع)أَوَّلُ الْقَطِيعَةِ السَّجَا- وَ لَا تَأْسَ أَحَداً إِذَا كَانَ مَلُولًا (4)
____________
(1) في بعض النسخ «و القادر لما عليه قدرك».
(2) أصبغ بن نباتة المجاشعى كان من خاصّة أمير المؤمنين (عليه السلام) و عمر بعده و روى عهده لمالك الأشتر الذي عهد إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) لما ولاه مصر، و روى أيضا وصية أمير المؤمنين الى ابنه محمّد الحنفية و كان يوم صفّين على شرطة الخميس و كان شيخا شريفا ناسكا عابدا و كان من ذخائر عليّ (عليه السلام) ممن قد بايعه على الموت، و هو من فرسان أهل العراق و كان عند سلمان رضي اللّه عنه وقت وفاته و بكائه على أمير المؤمنين «ع» عند بابه لما ضربه ابن ملجم لعنه اللّه و دخوله عليه- و هو معصوب الرأس بعمامة صفراء و قد نزف الدم و اصفر وجه- مشهور.
(3) سورة الشورى: 30.
(4) السجا: الستر، سجا الليل يسجو: ستر بظلمته. و في النهج «و لا تأمنن ملولا».
53
أَقْبَحُ الْمُكَافَاةِ الْمُجَازَاةُ بِالْإِسَاءَةِ.
86- وَ قَالَ(ع)أَوَّلُ إِعْجَابِ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ فَسَادُ عَقْلِهِ- مَنْ غَلَبَ لِسَانَهُ أَمِنَهُ- مَنْ لَمْ يُصْلِحْ خَلَائِقَهُ كَثُرَتْ بَوَائِقُهُ (1)- مَنْ سَاءَ خُلْقُهُ مَلَّهُ أَهْلُهُ- رُبَّ كَلِمَةٍ سَلَبَتْ نِعْمَةً- الشُّكْرُ عِصْمَةٌ مِنَ الْفِتْنَةِ- الصِّيَانَةُ رَأْسُ الْمُرُوَّةِ- شَفِيعُ الْمُذْنِبِ خُضُوعُهُ- أَصْلُ الْحَزْمِ الْوُقُوفُ عِنْدَ الشُّبْهَةِ- فِي سَعَةِ الْأَخْلَاقِ كُنُوزُ الْأَرْزَاقِ.
87- وَ قَالَ(ع)الْمَصَائِبُ بِالسَّوِيَّةِ مَقْسُومَةٌ بَيْنَ الْبَرِيَّةِ- لَا ييأس [تَيْأَسْ لِذَنْبِكَ وَ بَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ- الرُّشْدُ فِي خِلَافِ الشَّهْوَةِ- تَارِيخُ الْمُنَى الْمَوْتُ- النَّظَرُ إِلَى الْبَخِيلِ يُقْسِي الْقَلْبَ- النَّظَرُ إِلَى الْأَحْمَقِ يُسْخِنُ الْعَيْنَ (2)- السَّخَاءُ فِطْنَةٌ وَ اللَّوْمُ تَغَافُلٌ.
88- وَ قَالَ(ع)الْفَقْرُ الْمَوْتُ الْأَكْبَرُ- وَ قِلَّةُ الْعِيَالِ أَحَدُ الْيَسَارَيْنِ وَ هُوَ نِصْفُ الْعَيْشِ وَ الْهَمُّ نِصْفُ الْهَرَمِ- وَ مَا عَالَ امْرُؤٌ اقْتَصَدَ (3)- وَ مَا عَطِبَ امْرُؤٌ اسْتَشَارَ- وَ الصَّنِيعَةُ لَا تَصْلُحُ إِلَّا عِنْدَ ذِي حَسَبٍ أَوْ دِينٍ- وَ السَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ- وَ الْمَغْبُونُ لَا مَحْمُودٌ وَ لَا مَأْجُورٌ- الْبِرُّ لَا يَبْلَى وَ الذَّنْبُ لَا يُنْسَى.
89- وَ قَالَ(ع)اصْطَنِعُوا الْمَعْرُوفَ (4) تَكْسِبُوا الْحَمْدَ- وَ اسْتَشْعِرُوا الْحَمْدَ يُؤْنِسْ بِكُمُ الْعُقَلَاءُ وَ دَعُوا الْفُضُولَ يُجَانِبْكُمُ السُّفَهَاءُ- وَ أَكْرِمُوا الْجَلِيسَ تُعْمَرْ نَادِيكُمْ (5)- وَ حَامُوا عَنِ الْخَلِيطِ يُرْغَبْ فِي جِوَارِكُمْ- وَ أَنْصِفُوا النَّاسَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ يُوثَقْ بِكُمْ- وَ عَلَيْكُمْ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فَإِنَّهَا رِفْعَةٌ- وَ إِيَّاكُمْ وَ الْأَخْلَاقَ الدَّنِيَّةَ- فَإِنَّهَا تَضَعُ الشَّرِيفَ وَ تَهْدِمُ الْمَجْدَ.
90- وَ قَالَ(ع)اقْنَعْ تَعِزَّ.
____________
(1) الخلائق: جمع خليقة: الطبيعة. و البوائق جمع بائقة: الشر و الغائلة و الداهية.
(2) سخنت عينه: نقيض قرت.
(3) أي ما افتقر امرؤ ان أخذ بالاقتصاد. و في النهج «ما أعال». و ما عطب أي ما هلك.
(4) اصطنعوا: اعطوا و احسنوا و اكرموا.
(5) النادى: المجلس جمعه أندية.
54
91- وَ قَالَ(ع)الصَّبْرُ جُنَّةٌ مِنَ الْفَاقَةِ وَ الْحِرْصُ عَلَامَةُ الْفَقْرِ- وَ التَّجَمُّلُ اجْتِنَابُ الْمَسْكَنَةِ- وَ الْمَوْعِظَةُ كَهْفٌ لِمَنْ لَجَأَ إِلَيْهَا.
92- وَ قَالَ(ع)مَنْ كَسَاهُ الْعِلْمُ ثَوْبَهُ اخْتَفَى عَنِ النَّاسِ عَيْبُهُ.
93- وَ قَالَ(ع)لَا عَيْشَ لِحَسُودٍ وَ لَا مَوَدَّةَ لملوك [لِمَلُولٍ- وَ لَا مُرُوَّةَ لِكَذُوبٍ.
94- وَ قَالَ(ع)تَرَوَّحْ إِلَى بَقَاءِ عِزِّكَ بِالْوَحْدَةِ.
95- وَ قَالَ(ع)كُلُّ عَزِيزٍ دَاخِلٍ تَحْتَ الْقُدْرَةِ فَذَلِيلٌ.
96- وَ قَالَ(ع)أَهْلَكَ النَّاسَ اثْنَانِ خَوْفُ الْفَقْرِ وَ طَلَبُ الْفَخْرِ.
97- وَ قَالَ(ع)أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَ حُبَّ الدُّنْيَا- فَإِنَّهَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ وَ بَابُ كُلِّ بَلِيَّةٍ- وَ قِرَانُ كُلِّ فِتْنَةٍ وَ دَاعِي كُلِّ رَزِيَّةٍ (1).
98- وَ قَالَ(ع)جُمِعَ الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي ثَلَاثِ خِصَالٍ- النَّظَرِ وَ السُّكُوتِ وَ الْكَلَامِ- فَكُلُّ نَظَرٍ لَيْسَ فِيهِ اعْتِبَارٌ فَهُوَ سَهْوٌ- وَ كُلُّ سُكُوتٍ لَيْسَ فِيهِ فِكْرَةٌ فَهُوَ غَفْلَةٌ- وَ كُلُّ كَلَامٍ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ فَهُوَ لَغْوٌ- فَطُوبَى لِمَنْ كَانَ نَظَرُهُ عِبْرَةً- وَ سُكُوتُهُ فِكْرَةً وَ كَلَامُهُ ذِكْراً- وَ بَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ وَ أَمِنَ النَّاسُ مِنْ شَرِّهِ.
99- وَ قَالَ(ع)مَا أَعْجَبَ هَذَا الْإِنْسَانَ مَسْرُورٌ بِدَرْكِ مَا لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ- مَحْزُونٌ عَلَى فَوْتِ مَا لَمْ يَكُنْ لِيُدْرِكَهُ- وَ لَوْ أَنَّهُ فَكَّرَ لَأَبْصَرَ وَ عَلِمَ أَنَّهُ مُدَبَّرٌ- وَ أَنَّ الرِّزْقَ عَلَيْهِ مُقَدَّرٌ- وَ لَاقْتَصَرَ عَلَى مَا تَيَسَّرَ وَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا تَعَسَّرَ (2).
100- وَ قَالَ(ع)إِذَا طَافَ فِي الْأَسْوَاقِ وَ وَعَظَهُمْ قَالَ- يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ قَدِّمُوا الِاسْتِخَارَةَ- وَ تَبَرَّكُوا بِالسُّهُولَةِ- وَ اقْتَرِبُوا مِنَ الْمُبْتَاعِينَ (3)- وَ تَزَيَّنُوا بِالْحِلْمِ- وَ تَنَاهَوْا عَنِ الْيَمِينِ وَ جَانِبُوا الْكَذِبَ- وَ تَخَافُوا عَنِ الظُّلْمِ (4) وَ أَنْصِفُوا الْمَظْلُومِينَ- وَ لَا تَقْرَبُوا الرِّبَا وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ- وَ لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ
____________
(1) الرزية: المصيبة.
(2) في بعض النسخ «لاقتصر على ما يتيسر، و لم يتعرض لما يتعسر».
(3) أي تغاربوا بالمشترى و امضوا المعاملة.
(4) في بعض النسخ «تجافوا».
55
وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ.
101- وَ سُئِلَ أَيُّ شَيْءٍ مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ أَحْسَنُ- فَقَالَ(ع)الْكَلَامُ- فَقِيلَ أَيُّ شَيْءٍ مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ أَقْبَحُ قَالَ الْكَلَامُ- ثُمَّ قَالَ بِالْكَلَامِ ابْيَضَّتِ الْوُجُوهُ- وَ بِالْكَلَامِ اسْوَدَّتِ الْوُجُوهُ.
102- وَ قَالَ(ع)قُولُوا الْخَيْرَ تُعْرَفُوا بِهِ- وَ اعْمَلُوا بِهِ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ.
103- وَ قَالَ(ع)إِذَا حَضَرَتْ بَلِيَّةٌ فَاجْعَلُوا أَمْوَالَكُمْ دُونَ أَنْفُسِكُمْ- وَ إِذَا نَزَلَتْ نَازِلَةٌ فَاجْعَلُوا أَنْفُسَكُمْ دُونَ دِينِكُمْ- وَ اعْلَمُوا أَنَّ الْهَالِكَ مَنْ هَلَكَ دِينُهُ- وَ الْحَرِبَ مَنْ سُلِبَ دِينَهُ (1)- أَلَا وَ إِنَّهُ لَا فَقْرَ بَعْدَ الْجَنَّةِ وَ لَا غِنَى بَعْدَ النَّارِ.
104- وَ قَالَ(ع)لَا يَجِدُ عَبْدٌ طَعْمَ الْإِيمَانِ- حَتَّى يَتْرُكَ الْكَذِبَ هَزْلَهُ وَ جِدَّهُ (2).
105- وَ قَالَ(ع)يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَجْتَنِبَ مُؤَاخَاةَ الْكَذَّابِ- إِنَّهُ يَكْذِبُ حَتَّى يَجِيءَ بِالصِّدْقِ فَمَا يُصَدَّقُ.
106- وَ قَالَ(ع)أَعْظَمُ الْخَطَايَا اقْتِطَاعُ مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍ (3).
107- وَ قَالَ(ع)مَنْ خَافَ الْقِصَاصَ كَفَّ عَنْ ظُلْمِ النَّاسِ.
108- وَ قَالَ(ع)مَا رَأَيْتُ ظَالِماً أَشْبَهَ بِمَظْلُومٍ مِنَ الْحَاسِدِ.
109- وَ قَالَ(ع)الْعَامِلُ بِالظُّلْمِ وَ الْمُعِينُ عَلَيْهِ- وَ الرَّاضِي بِهِ شُرَكَاءُ ثَلَاثَةٌ.
110- وَ قَالَ(ع)الصَّبْرُ صَبْرَانِ صَبْرٌ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ حَسَنٌ جَمِيلٌ- وَ أَحْسَنُ مِنْ ذَلِكَ الصَّبْرُ عِنْدَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ- وَ الذِّكْرُ ذِكْرَانِ- ذِكْرٌ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ حَسَنٌ جَمِيلٌ- وَ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ- فَيَكُونُ ذَلِكَ حَاجِزاً.
____________
(1) الحرب الذي سلب ماله و ترك بلا شيء.
(2) الهزل في الكلام: ضد الجد أي المزح و الهذى.
(3) اقتطع مال فلان أي أخذه لنفسه.
56
111- وَ قَالَ(ع)اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ بِي حَاجَةً إِلَى أَحَدٍ مِنْ شِرَارِ خَلْقِكَ- وَ مَا جَعَلْتَ بِي مِنْ حَاجَةٍ فَاجْعَلْهَا إِلَى أَحْسَنِهِمْ وَجْهاً- وَ أَسْخَاهُمْ بِهَا نَفْساً وَ أَطْلَقِهِمْ بِهَا لِسَاناً- وَ أَقَلِّهِمْ عَلَيَّ بِهَا مَنّاً.
112- وَ قَالَ(ع)طُوبَى لِمَنْ يَأْلَفُ النَّاسَ وَ يَأْلَفُونَهُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ.
113- وَ قَالَ(ع)إِنَّ مِنْ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ أَنْ يُؤْثِرَ الْعَبْدُ الصِّدْقَ- حَتَّى نَفَرَ عَنِ الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُ- وَ لَا يعد [يَعْدُوَ الْمَرْءُ بِمَقَالَتِهِ عِلْمَهُ.
114- وَ قَالَ(ع)أَدُّوا الْأَمَانَةَ وَ لَوْ إِلَى قَاتِلِ وُلْدِ الْأَنْبِيَاءِ (1).
115- وَ قَالَ(ع)التَّقْوَى سِنْخُ الْإِيمَانِ.
116- وَ قَالَ(ع)أَلَا إِنَّ الذُّلَّ فِي طَاعَةِ اللَّهِ أَقْرَبُ إِلَى الْعِزِّ- مِنَ التَّعَاوُنِ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ.
117- وَ قَالَ(ع)الْمَالُ وَ الْبَنُونَ حَرْثُ الدُّنْيَا- وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ حَرْثُ الْآخِرَةِ وَ قَدْ جَمَعَهَا اللَّهُ لِأَقْوَامٍ.
118- وَ قَالَ(ع)مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ فِي صَحِيفَتَيْنِ- إِحْدَاهُمَا مَنْ أَصْبَحَ عَلَى الدُّنْيَا حَزِيناً- فَقَدْ أَصْبَحَ لِقَضَاءِ اللَّهِ سَاخِطاً- وَ مَنْ أَصْبَحَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَشْكُو مُصِيبَةً نَزَلَتْ بِهِ- إِلَى مَنْ يُخَالِفُهُ عَلَى دِينِهِ- فَإِنَّمَا يَشْكُو رَبَّهُ إِلَى عَدُوِّهِ- وَ مَنْ تَوَاضَعَ لِغَنِيٍّ طَلَباً لِمَا عِنْدَهُ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ (2)- وَ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ- فَهُوَ مِمَّنْ يَتَّخِذُ آياتِ اللَّهِ هُزُواً- وَ قَالَ فِي الصَّحِيفَةِ الْأُخْرَى- مَنْ لَمْ يَسْتَشِرْ يَنْدَمْ- وَ مَنْ يَسْتَأْثِرْ مِنَ الْأَمْوَالِ يَهْلِكْ (3)- وَ الْفَقْرُ الْمَوْتُ الْأَكْبَرُ.
119- وَ قَالَ(ع)الْإِنْسَانُ لُبُّهُ لِسَانُهُ وَ عَقْلُهُ دِينُهُ- وَ مُرُوَّتُهُ حَيْثُ يَجْعَلُ
____________
(1) في كنز الفوائد «الى قاتل الأنبياء».
(2) لان الخضوع لغير اللّه أداء عمل لغيره و استعظام المال ضعف في اليقين فلم يبق الا الإقرار باللسان.
(3) استأثر بالمال: اختص نفسه به و اختاره.
57
نَفْسَهُ- وَ الرِّزْقُ مَقْسُومٌ وَ الْأَيَّامُ دُوَلٌ- وَ النَّاسُ إِلَى آدَمَ شَرَعٌ سَوَاءٌ (1).
120- وَ قَالَ(ع)لِكُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ- رُوَيْدَكَ لَا تَشْهَرْ (2) وَ أَخْفِ شَخْصَكَ لَا تُذْكَرْ- تَعَلَّمْ تَعْلَمْ وَ اصْمُتْ تَسْلَمْ- لَا عَلَيْكَ إِذَا عَرَّفَكَ دِينَهُ- لَا تَعْرِفُ النَّاسَ وَ لَا يَعْرِفُونَكَ.
121- وَ قَالَ(ع)لَيْسَ الْحَكِيمُ مَنْ لَمْ يُدَارِ مَنْ لَا يَجِدُ بُدّاً مِنْ مُدَارَاتِهِ.
122- وَ قَالَ(ع)أَرْبَعٌ لَوْ ضَرَبْتُمْ فِيهِنَّ أَكْبَادَ الْإِبِلِ (3) لَكَانَ ذَلِكَ يَسِيراً- لَا يَرْجُوَنَّ أَحَدٌ إِلَّا رَبَّهُ- وَ لَا يَخَافَنَّ إِلَّا ذَنْبَهُ- وَ لَا يَسْتَحِي أَنْ يَقُولَ لَا أَعْلَمُ إِذَا هُوَ لَمْ يَعْلَمْ- وَ لَا يَسْتَكْبِرُ أَنْ يَتَعَلَّمَ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ.
123- وَ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ- أَمَّا بَعْدُ فَاطْلُبْ مَا يَعْنِيكَ وَ اتْرُكْ مَا لَا يَعْنِيكَ- فَإِنَّ فِي تَرْكِ مَا لَا يَعْنِيكَ دَرَكَ مَا يَعْنِيكَ- وَ إِنَّمَا تَقْدَمُ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ لَا عَلَى مَا خَلَّفْتَ- وَ ابْنِ مَا تَلْقَاهُ غَداً عَلَى مَا تَلْقَاهُ السَّلَامُ.
124- وَ قَالَ(ع)إِنَّ أَحْسَنَ مَا يَأْلَفُ بِهِ النَّاسُ قُلُوبَ أَوِدَّائِهِمْ- وَ نَفَوْا بِهِ الضِّغْنَ عَنْ قُلُوبِ أَعْدَائِهِمْ- حُسْنُ الْبِشْرِ عِنْدَ لِقَائِهِمْ- وَ التَّفَقُّدُ فِي غَيْبَتِهِمْ- وَ الْبَشَاشَةُ بِهِمْ عِنْدَ حُضُورِهِمْ.
125- وَ قَالَ(ع)لَا يَجِدُ عَبْدٌ طَعْمَ الْإِيمَانِ- حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ- وَ مَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ.
126- وَ قَالَ(ع)يَا رَبِّ مَا أَشْقَى جِدَّ مَنْ لَمْ يَعْظُمْ فِي عَيْنِهِ وَ قَلْبِهِ- مَا رَأَى مِنْ مُلْكِكَ وَ سُلْطَانِكَ- فِي جَنْبِ مَا لَمْ تَرَ عَيْنُهُ وَ قَلْبُهُ مِنْ مُلْكِكَ وَ سُلْطَانِكَ- وَ أَشْقَى مِنْهُ مَنْ لَمْ يَصْغَرْ فِي عَيْنِهِ وَ قَلْبِهِ- مَا رَأَى وَ مَا لَمْ يَرَ مِنْ مُلْكِكَ وَ سُلْطَانِكَ- فِي جَنْبِ عَظَمَتِكَ وَ جَلَالِكَ- لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ- إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
127- وَ قَالَ(ع)إِنَّمَا الدُّنْيَا فَنَاءٌ وَ عَنَاءٌ وَ غِيَرٌ وَ عِبَرٌ- فَمِنْ فَنَائِهَا أَنَّكَ
____________
(1) «دول» أي لا ثبات فيها و لإقرار. و الشرع- بكسر فسكون و بفتحتين-: المثل.
(2) رويدك- مصدر- أى امهل.
(3) ضرب أكباد الإبل في طلب الشيء كناية من أن يرحل إليه.
58
تَرَى الدَّهْرَ مُوتِراً قَوْسَهُ- مُفَوِّقاً نَبْلَهُ (1) لَا تُخْطِئُ سِهَامُهُ- وَ لَا تُشْفَى جِرَاحُهُ- يَرْمِي الصَّحِيحَ بِالسَّقَمِ وَ الْحَيَّ بِالْمَوْتِ- وَ مِنْ عَنَائِهَا أَنَّ الْمَرْءَ يَجْمَعُ مَا لَا يَأْكُلُ- وَ يَبْنِي مَا لَا يَسْكُنُ- ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى اللَّهِ لَا مَالًا حَمَلَ وَ لَا بِنَاءً نَقَلَ- وَ مِنْ غِيَرِهَا أَنَّكَ تَرَى الْمَغْبُوطَ مَرْحُوماً- وَ الْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً- لَيْسَ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَعِيْمٌ زَالَ وَ بُؤْسٌ نَزَلَ- وَ مِنْ عِبَرِهَا أَنَّ الْمَرْءَ يُشْرِفُ عَلَى أَمَلِهِ- فَيَتَخَطَّفُهُ أَجَلُهُ فَلَا أَمَلٌ مَدْرُوكٌ- وَ لَا مُؤَمَّلٌ مَتْرُوكٌ- فَسُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَعَزَّ سُرُورَهَا- وَ أَظْمَأَ رِيَّهَا وَ أَضْحَى فَيْئَهَا- فَكَأَنَّ مَا كَانَ مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ- وَ كَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ قَدْ كَانَ- وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْمُقَامِ- وَ دَارُ الْقَرَارِ وَ جَنَّةٌ وَ نَارٌ- صَارَ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ إِلَى الْأَجْرِ بِالصَّبْرِ- وَ إِلَى الْأَمَلِ بِالْعَمَلِ.
128- وَ قَالَ(ع)مِنْ أَحَبِّ السُّبُلِ إِلَى اللَّهِ جُرْعَتَانِ- جُرْعَةُ غَيْظٍ تَرُدُّهَا بِحِلْمٍ- وَ جُرْعَةُ حُزْنٍ تَرُدُّهَا بِصَبْرٍ- وَ مِنْ أَحَبِّ السُّبُلِ إِلَى اللَّهِ قَطْرَتَانِ- قَطْرَةُ دُمُوعٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ- وَ قَطْرَةُ دَمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ- وَ مِنْ أَحَبِّ السُّبُلِ إِلَى اللَّهِ خُطْوَتَانِ- خُطْوَةُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشُدُّ بِهَا صَفّاً فِي سَبِيلِ اللَّهِ- وَ خُطْوَةٌ فِي صِلَةِ الرَّحِمِ- وَ هِيَ أَفْضَلُ مِنْ خُطْوَةٍ يَشُدُّ (2) بِهَا صَفّاً فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
129- وَ قَالَ(ع)لَا يَكُونُ الصَّدِيقُ لِأَخِيهِ صَدِيقاً- حَتَّى يَحْفَظَهُ فِي نَكْبَتِهِ وَ غَيْبَتِهِ وَ بَعْدَ وَفَاتِهِ.
130- وَ قَالَ(ع)إِنَّ قُلُوبَ الْجُهَّالِ تَسْتَفِزُّهَا الْأَطْمَاعُ- وَ تَرْهَنُهَا الْمُنَى وَ تَسْتَعْلِقُهَا الْخَدَائِعُ (3).
____________
(1) موترا قوسه: مشد وترها. «مفوقا نبله» أي موضع فوقته في الوتر ليرمى به.
و الفوق: موضع الوتر من رأس السهم حيث يقع الوتر.
(2) في بعض النسخ [يشهد] فى الموضعين.
(3) «تستفزها» أي تستخفها و تخرجها من مقرها و «ترهنها المنى» فى الكافي «ترتهنها» و هي اراده ما لا يتوقع حصوله، أو المراد بها ما يعرض للإنسان من أحاديث النفس، و تسويل الشيطان. أى تأخذها و تجعلها مشغولة بها و لا تتركها الا بحصول ما تتمناه، كما أن الرهن لا ينفك الا بأداء المال و قوله: «تستعلقها» بالعين المهملة ثمّ القاف أي تصيدها و تربطها.
59
131- وَ قَالَ(ع)مَنِ اسْتَحْكَمَتْ لِي فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ- اغْتَفَرْتُ مَا سِوَاهَا- وَ لَا أَغْتَفِرُ فَقْدَ عَقْلٍ وَ لَا دِينٍ- مُفَارَقَةُ الدِّينِ مُفَارَقَةُ الْأَمْنِ- وَ لَا حَيَاةَ مَعَ مَخَافَةٍ- وَ فَقْدُ الْعَقْلِ فَقْدُ الْحَيَاةِ- وَ لَا يُقَاسُ إِلَّا بِالْأَمْوَاتِ (1).
132- وَ قَالَ(ع)مَنْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتُّهَمَةِ- فَلَا يَلُومَنَّ مَنْ أَسَاءَ بِهِ الظَّنَّ- وَ مَنْ كَتَمَ سِرَّهُ كَانَتِ الْخِيَرَةُ فِي يَدِهِ (2).
133- قَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ سِتَّةً بِسِتَّةٍ- الْعَرَبَ بِالْعَصَبِيَّةِ وَ الدَّهَاقِينَ بِالْكِبْرِ- وَ الْأُمَرَاءَ بِالْجَوْرِ وَ الْفُقَهَاءَ بِالْحَسَدِ- وَ التُّجَّارَ بِالْخِيَانَةِ وَ أَهْلَ الرُّسْتَاقِ بِالْجَهْلِ.
134- وَ قَالَ(ع)أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ- فَإِنَّ الصَّبْرَ عَلَى التَّقْوَى أَهْوَنُ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى عَذَابِ اللَّهِ.
135- وَ قَالَ(ع)الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا قَصْرُ الْأَمَلِ وَ شُكْرُ كُلِّ نِعْمَةٍ- وَ الْوَرَعُ عَنْ كُلِّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ.
136- وَ قَالَ(ع)إِنَّ الْأَشْيَاءَ لَمَّا ازْدَوَجَتْ ازْدَوَجَ الْكَسَلُ وَ الْعَجْزُ- فَنُتِجَ مِنْهُمَا الْفَقْرُ (3).
____________
بالحبال من قولهم: «علق الوحش بالحبالة» اذا تعوق و تشب فيها. و في بعض النسخ بالقافين أى تجعلها الخدائع منزعجة منقلعة من مكانها. و في بعضها بالغين المعجمة ثمّ القاف من قولهم: «استغلقنى في بيعه» أي لم يجعل لي خيارا في رده. (قاله المؤلّف).
(1) كذا. و في الكافي ج 1 ص 27 «عن أمير المؤمنين (عليه السلام) من استحكمت لى فيه خصلة من خصال الخير احتملته عليها و اعتفرت فقد ما سواها، و لا أغتقر فقد عقل و لا دين، لان مفارقة الدين مفارقة الامن فلا يتهنأ بحياة مع مخافة، و فقد العقل فقد الحياة و لا يقاس الا بالاموات». و استحكمت أي أثبتت و صارت ملكة راسخة: و احتملته أي قبلته و رحمته على تلك الخصلة. و قوله «لا يقاس الا بالاموات» ذلك لعدم اطلاعه على وجوه مفاسده و مصالحه و عدم اهتدائه الى دفع مضاره و جلب منافعه.
(2) الخيرة: الخيار و ذلك لان من أسر عزيمة فله الخيار بخلاف من أفشاها.
(3) في بعض النسخ من المصدر «بينهما الفقر».
60
137- وَ قَالَ(ع)أَلَا إِنَّ الْأَيَّامَ ثَلَاثَةٌ- يَوْمٌ مَضَى لَا تَرْجُوهُ وَ يَوْمٌ بَقِيَ لَا بُدَّ مِنْهُ (1)- وَ يَوْمٌ يَأْتِي لَا تَأْمَنُهُ- فَالْأَمْسِ مَوْعِظَةٌ وَ الْيَوْمَ غَنِيمَةٌ- وَ غَداً لَا تَدْرِي مَنْ أَهْلُهُ- أَمْسِ شَاهِدٌ مَقْبُولٌ وَ الْيَوْمَ أَمِينٌ مُؤَدٍّ- وَ غَدٌ يَجْعَلُ بِنَفْسِكَ سَرِيعَ الظَّعْنِ (2) طَوِيلَ الْغَيْبَةِ- أَتَاكَ وَ لَمْ تَأْتِهِ- أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الْبَقَاءَ بَعْدَ الْفَنَاءِ- وَ لَمْ تَكُنْ إِلَّا وَ قَدْ وَرِثْنَا مَنْ كَانَ قَبْلَنَا- وَ لَنَا وَارِثُونَ بَعْدَنَا- فَاسْتَصْلِحُوا مَا تَقْدَمُونَ عَلَيْهِ بِمَا تَظْعَنُونَ عَنْهُ- وَ اسْلُكُوا سُبُلَ الْخَيْرِ- وَ لَا تَسْتَوْحِشُوا فِيهَا لِقِلَّةِ أَهْلِهَا- وَ اذْكُرُوا حُسْنَ صُحْبَةِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا- أَلَا وَ إِنَّ الْعَوَارِيَ الْيَوْمَ وَ الْهِبَاتِ غَداً- وَ إِنَّمَا نَحْنُ فُرُوعٌ لِأُصُولٍ قَدْ مَضَتْ- فَمَا بَقَاءُ الْفُرُوعِ بَعْدَ أُصُولِهَا- أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ إِنْ آثَرْتُمُ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ- أَسْرَعْتُمْ إِجَابَتَهَا إِلَى الْعَرَضِ الْأَدْنَى- وَ رَحَلَتْ مَطَايَا آمَالِكُمْ إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى- يورد [تُورِدُ مَنَاهِلَ عَاقِبَتُهَا النَّدَمُ- وَ تُذِيقُكُمْ مَا فَعَلَتْ بِالْأُمَمِ الْخَالِيَةِ- وَ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ- مِنْ تَغَيُّرِ الْحَالاتِ وَ تَكَوُّنِ الْمَثُلَاتِ.
138- وَ قَالَ(ع)الصَّلَاةُ قُرْبَانُ كُلِّ تَقِيٍّ- وَ الْحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ- وَ لِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةٌ وَ زَكَاةُ الْبَدَنِ الصِّيَامُ- وَ أَفْضَلُ عَمَلِ الْمَرْءِ انْتِظَارُهُ فَرَجَ اللَّهِ- وَ الدَّاعِي بِلَا عَمَلٍ كَالرَّامِي بِلَا وَتَرٍ- وَ مَنْ أَيْقَنَ بِالْخَلَفِ جَادَ بِالْعَطِيَّةِ- اسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بِالصَّدَقَةِ- وَ حَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكَاةِ- مَا عَالَ امْرُؤٌ اقْتَصَدَ- وَ التَّقْدِيرُ نِصْفُ الْعَيْشِ- وَ التَّوَدُّدُ نِصْفُ الْعَقْلِ وَ الْهَمُّ نِصْفُ الْهَرَمِ- وَ قِلَّةُ الْعِيَالِ أَحَدُ الْيَسَارَيْنِ- وَ مَنْ حَزَنَ وَالِدَيْهِ عَقَّهُمَا- وَ مَنْ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى فَخِذِهِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ حَبِطَ أَجْرُهُ- وَ الصَّنِيعَةُ لَا تَكُونُ صَنِيعَةً إِلَّا عِنْدَ ذِي حَسَبٍ أَوْ دِينٍ- وَ اللَّهُ يُنْزِلُ الرِّزْقَ عَلَى قَدْرِ الْمُصِيبَةِ- فَمَنْ قَدَّرَ رَزَقَهُ اللَّهُ وَ مَنْ بَذَّرَ حَرَمَهُ اللَّهُ- وَ الْأَمَانَةُ تَجُرُّ الرِّزْقَ- وَ الْخِيَانَةُ تَجُرُّ الْفَقْرَ- وَ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ بِالنَّمْلَةِ صَلَاحاً مَا أَنْبَتَ لَهَا جَنَاحاً.
139- وَ قَالَ(ع)مَتَاعُ الدُّنْيَا حُطَامٌ وَ تُرَاثُهَا كُبَابٌ- بُلْغَتُهَا أَفْضَلُ مِنْ
____________
(1) في بعض النسخ من المصدر «لا تدمنه» أي لا تدومه.
(2) الظعن: الرحلة.
61
أَثَرَتِهَا- وَ قُلْعَتُهَا أَرْكَنُ مِنْ طُمَأْنِينَتِهَا (1)- حُكِمَ بِالْفَاقَةِ عَلَى مُكْثِرِهَا- وَ أُعِينَ بِالرَّاحَةِ مَنْ رَغِبَ عَنْهَا- مَنْ رَاقَهُ رُوَاؤُهَا (2) أَعْقَبَتْ نَاظِرَيْهِ كَمَهاً (3)- وَ مَنِ اسْتَشْعَرَ شَعَفَهَا مَلَأَتْ قَلْبَهُ أَشْجَاناً- لَهُنَّ رَقْصٌ عَلَى سُوَيْدَاءِ قَلْبِهِ- كَرَقِيصِ الزُّبْدَةِ عَلَى أَعْرَاضِ الْمِدْرَجَةِ (4)- هَمٌّ يَحْزُنُهُ وَ هَمٌّ يَشْغَلُهُ (5)- كَذَلِكَ حَتَّى يُؤْخَذَ بِكَظَمِهِ- وَ يُقْطَعَ أَبْهَرَاهُ وَ يَلْقَى هَاماً لِلْقَضَاءِ- طَرِيحاً هَيِّناً عَلَى اللَّهِ مَدَاهُ (6)- وَ عَلَى الْأَبْرَارِ مَلْقَاهُ (7)- وَ إِنَّمَا يَنْظُرُ الْمُؤْمِنُ إِلَى الدُّنْيَا بِعَيْنِ الِاعْتِبَارِ- وَ يَقْتَاتُ مِنْهَا بِبَطْنِ الِاضْطِرَارِ- وَ يَسْمَعُ فِيهَا بِأُذُنِ النَّفْثِ (8).
____________
(1) الحطام- كغراب-: ما تكسر من يبس النبات. و الكباب- كغراب-: الكثير من الإبل و الغنم و التراب و الطين اللازب و أمثالها. و البلغة: الكفاف. و الاثرة- كقصبة-:
الاختيار و اختصاص المرء بالشيء دون غيره. و القلعة: الرحلة.
(2) في بعض نسخ المصدر «من راقه زبرجها» و في بعضها «من فاقه رواها». و راقه الشى:
أعجبه، و الرواء- بضم الراء-: حسن المنظر، و الزبرج: الزينة و كل شيء حسن و الذهب.
(3) الكمه.- محركة-: العمى.
(4) في بعض النسخ «من استشعف برواها» و الشعف- محركة-: الولوع و شدة التعلق و غلبة الحب. و في بعض نسخ الحديث و النهج «و من استشعر الشعف بها». و الاشجان:
الاحزان: و الرقص الغليان و الاضطراب، و استعار (عليه السلام) لفظ الرقص لتعاقب الاحزان و الهموم و اضطرابهما في قلبه. و الزبدة ما يستخرج من اللبن بالمخض.
(5) في بعض نسخ المصدر «هم يعمره و هم يسفره».
(6) الكظم- بالضم و التحريك-: مخرج النفس. و الابهران: العرقان اللذان يخرجان من القلب. و الهامة: الجثة. و المدى: الغاية و المنتهى. و في النهج «هينا على اللّه فناؤه و على الاخوان القاؤه» أي طرحه في قبره.
(7) الملقى: الموضع.
(8) «يقتات» فى بعض النسخ «بقبات» و هو تصحيف من النسّاخ. و في النهج «و يسمع فيها باذن المقت و الابغاض.» و لعله هو الصحيح.
62
140- وَ قَالَ(ع)تَعَلَّمُوا الْحِلْمَ فَإِنَّ الْحِلْمَ خَلِيلُ الْمُؤْمِنِ وَ وَزِيرُهُ- وَ الْعِلْمُ دَلِيلُهُ وَ الرِّفْقُ أَخُوهُ- وَ الْعَقْلُ رَفِيقُهُ وَ الصَّبْرُ أَمِيرُ جُنُودِهِ.
141- وَ قَالَ(ع)لِرَجُلٍ تَجَاوَزَ الْحَدَّ فِي التَّقَشُّفِ (1)- يَا هَذَا أَ مَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ- وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (2)- فَوَ اللَّهِ لَابْتِذَالُكَ نِعَمَ اللَّهِ بِالْفَعَالِ- أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنِ ابْتِذَالِهَا بِالْمَقَالِ.
142- وَ قَالَ لِابْنِهِ الْحَسَنِ(ع)أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ- وَ إِقَامِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا وَ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ عِنْدَ مَحَلِّهَا- وَ أُوصِيكَ بِمَغْفِرَةِ الذَّنْبِ- وَ كَظْمِ الْغَيْظِ وَ صِلَةِ الرَّحِمِ- وَ الْحِلْمِ عِنْدَ الْجَاهِلِ وَ التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ- وَ التَّثَبُّتِ فِي الْأَمْرِ وَ التَّعَهُّدِ لِلْقُرْآنِ وَ حُسْنِ الْجِوَارِ- وَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ- وَ اجْتِنَابِ الْفَوَاحِشِ كُلِّهَا فِي كُلِّ مَا عُصِيَ اللَّهُ فِيهِ.
143- وَ قَالَ(ع)قِوَامُ الدُّنْيَا بِأَرْبَعَةٍ- بِعَالِمٍ مُسْتَعْمِلٍ لِعِلْمِهِ وَ بِغَنِيٍّ بَاذِلٍ لِمَعْرُوفِهِ- وَ بِجَاهِلٍ لَا يَتَكَبَّرُ أَنْ يَتَعَلَّمَ- وَ بِفَقِيرٍ لَا يَبِيعُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ- وَ إِذَا عَطَّلَ الْعَالِمُ عِلْمَهُ وَ أَمْسَكَ الْغَنِيُّ مَعْرُوفَهُ- وَ تَكَبَّرَ الْجَاهِلُ أَنْ يَتَعَلَّمَ- وَ بَاعَ الْفَقِيرُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ فَعَلَيْهِمُ الثُّبُورُ.
144- وَ قَالَ(ع)مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ- فَهُوَ خَلِيقٌ بِأَنْ لَا يَنْزِلَ بِهِ مَكْرُوهٌ أَبَداً- قِيلَ وَ مَا هُنَّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- قَالَ الْعَجَلَةُ- وَ اللَّجَاجَةُ وَ الْعُجْبُ وَ التَّوَانِي.
145- وَ قَالَ(ع)اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ التَّقْوَى حِصْنٌ حَصِينٌ- وَ الْفُجُورَ حِصْنٌ ذَلِيلٌ لَا يَمْنَعُ أَهْلَهُ- وَ لَا يُحْرِزُ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ- أَلَا وَ بِالتَّقْوَى تُقْطَعُ حُمَةُ الْخَطَايَا (3)- وَ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ يُنَالُ ثَوَابُ اللَّهِ- وَ بِالْيَقِينِ تُدْرَكُ الْغَايَةُ الْقُصْوَى- عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَحْظُرْ عَلَى أَوْلِيَائِهِ مَا فِيهِ نَجَاتُهُمْ (4)- إِذْ دَلَّهُمْ عَلَيْهِ- وَ لَمْ يُقَنِّطْهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ
____________
(1) تقشف الرجل في لباسه إذا لم يتعاهد النظافة.
(2) سورة الضحى: 11.
(3) الحمة: السم. و حمة البرد: شدته.
(4) لم يحظر اي لم يمنع. و في بعض نسخ المصدر «ما فيه تجارتهم».
63
لِعِصْيَانِهِمْ إِيَّاهُ إِنْ تَابُوا إِلَيْهِ.
146- وَ قَالَ: الصَّمْتُ حُكْمٌ وَ السُّكُوتُ سَلَامَةٌ- وَ الْكِتْمَانُ طَرَفٌ مِنَ السَّعَادَةِ.
147- وَ قَالَ(ع)تَذِلُّ الْأُمُورُ لِلْمَقْدُورِ حَتَّى تَصِيرَ الْآفَةُ فِي التَّدْبِيرِ (1).
148- وَ قَالَ(ع)لَا يَتِمُّ مُرُوَّةُ الرَّجُلِ حَتَّى يَتَفَقَّهَ فِي دِينِهِ- وَ يَقْتَصِدَ فِي مَعِيشَتِهِ- وَ يَصْبِرَ عَلَى النَّائِبَةِ إِذَا نَزَلَتْ بِهِ- وَ يَسْتَعْذِبَ مَرَارَةَ إِخْوَانِهِ.
149- وَ سُئِلَ(ع)مَا الْمُرُوَّةُ فَقَالَ- لَا تَفْعَلُ شَيْئاً فِي السِّرِّ تَسْتَحْيِي مِنْهُ فِي الْعَلَانِيَةِ.
150- وَ قَالَ(ع)الِاسْتِغْفَارُ مَعَ الْإِصْرَارِ ذُنُوبٌ مُجَدَّدَةٌ.
151- وَ قَالَ(ع)سَكِّنُوا فِي أَنْفُسِكُمْ مَعْرِفَةَ مَا تَعْبُدُونَ- حَتَّى يَنْفَعَكُمْ مَا تُحَرِّكُونَ مِنَ الْجَوَارِحِ بِعِبَادَةِ مَنْ تَعْرِفُونَ.
152- وَ قَالَ(ع)الْمُسْتَأْكِلُ بِدِينِهِ حَظُّهُ مِنْ دِينِهِ مَا يَأْكُلُهُ.
153- وَ قَالَ(ع)الْإِيمَانُ قَوْلٌ مَقْبُولٌ (2)- وَ عَمَلٌ مَعْمُولٌ وَ عِرْفَانٌ بِالْعُقُولِ.
154- وَ قَالَ(ع)الْإِيمَانُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ- التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ وَ التَّفْوِيضِ إِلَى اللَّهِ- وَ التَّسْلِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ وَ الرِّضَى بِقَضَاءِ اللَّهِ- وَ أَرْكَانُ الْكُفْرِ أَرْبَعَةٌ- الرَّغْبَةُ وَ الرَّهْبَةُ وَ الْغَضَبُ وَ الشَّهْوَةُ (3).
155- وَ قَالَ(ع)مَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا وَ لَمْ يَجْزَعْ مِنْ ذُلِّهَا- وَ لَمْ يُنَافِسْ فِي عِزِّهَا (4)- هَدَاهُ اللَّهُ بِغَيْرِ هِدَايَةٍ مِنْ مَخْلُوقٍ- وَ عَلَّمَهُ بِغَيْرِ تَعْلِيمٍ- وَ أَثْبَتَ الحِكْمَةَ فِي
____________
(1) و في النهج «تذل الأمور للمقادير حتّى يكون الحتف في التدبير». و أيضا في موضع آخر منه «يغلب المقدار على التقدير حتّى تكون الآفة في التدبير». و التقدير:
القياس.
(2) و في بعض النسخ «مقول».
(3) و في الكافي ج 2 ص 47، 289 بتقديم و تأخير.
(4) نافس فلانا في الامر: فاخره و باراه فيه.
64
صَدْرِهِ- وَ أَجْرَاهَا عَلَى لِسَانِهِ.
156- وَ قَالَ(ع)إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً عَامَلُوهُ بِخَالِصٍ مِنْ سِرِّهِ- فَشَكَرَ لَهُمْ بِخَالِصٍ مِنْ شُكْرِهِ- فَأُولَئِكَ تَمُرُّ صُحُفُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُرُغاً (1)- فَإِذَا وَقَفُوا بَيْنَ يَدَيْهِ- مَلَأَهَا لَهُمْ مِنْ سِرِّ مَا أَسَرُّوا إِلَيْهِ.
157- وَ قَالَ(ع)ذَلِّلُوا أَخْلَاقَكُمْ بِالْمَحَاسِنِ وَ قَوِّدُوهَا إِلَى الْمَكَارِمِ- وَ عَوِّدُوا أَنْفُسَكُمُ الْحِلْمَ- وَ اصْبِرُوا عَلَى الْإِيثَارِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ- فِيمَا تُحْمَدُونَ عَنْهُ- وَ لَا تُدَاقُّوا النَّاسَ وَزْناً بِوَزْنٍ (2)- وَ عَظِّمُوا أَقْدَارَكُمْ بِالتَّغَافُلِ عَنِ الدَّنِيِّ مِنَ الْأُمُورِ- وَ أَمْسِكُوا رَمَقَ الضَّعِيفِ (3) بِجَاهِكُمْ- وَ بِالْمَعُونَةِ لَهُ إِنْ عَجَزْتُمْ عَمَّا رَجَاهُ عِنْدَكُمْ- وَ لَا تَكُونُوا بَحَّاثِينَ عَمَّا غَابَ عَنْكُمْ (4)- فَيَكْثُرَ عَائِبُكُمْ (5)- وَ تَحَفَّظُوا مِنَ الْكَذِبِ- فَإِنَّهُ مِنْ أَدْنَى الْأَخْلَاقِ قَدْراً- وَ هُوَ نَوْعٌ مِنَ الْفُحْشِ وَ ضَرْبٌ مِنَ الدَّنَاءَةِ- وَ تَكَرَّمُوا بِالتَّعَامِي عَنِ الِاسْتِقْصَاءِ- وَ رُوِيَ بِالتَّعَامُسِ مِنَ الِاسْتِقْصَاءَ (6).
158- وَ قَالَ(ع)كَفَى بِالْأَجَلِ حِرْزاً- إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا وَ مَعَهُ حَفَظَةٌ مِنَ اللَّهِ- يَحْفَظُونَهُ أَنْ لَا يَتَرَدَّى فِي بِئْرٍ- وَ لَا يَقَعَ عَلَيْهِ حَائِطٌ وَ لَا يُصِيبَهُ سَبُعٌ- فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُ خَلَّوْا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ أَجَلِهِ.
أقول وجدت في مناقب ابن الجوزي (7) فصلا في كلام أمير المؤمنين(ع)فأحببت إيراده قال قال أبو نعيم في الحلية.
1- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُفَيْرٍ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ تَمِيمٍ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الرِّحَالِ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ
____________
(1) فرغا أي خاليا فارغا.
(2) أي لا تحاسبهم بالدقة في الأمور و لا تستقصهم فيها.
(3) في بعض نسخ المصدر «من الضعيف». و الجاه: القدر و الشرف.
(4) في بعض نسخ المصدر «بحانين».
(5) في بعض النسخ «فيكبر غائبكم».
(6) تعامى فلان: اظهر من نفسه العمى و المراد التغافل عنه. و التعامس: التغافل.
(7) المصدر ص 77 مع اختلاف كثير.
65
عَبْدِ خَيْرٍ قَالَ: قَالَ لِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع) لَيْسَ الْخَيْرَ أَنْ يَكْثُرَ مَالُكَ وَ وُلْدُكَ- وَ لَكِنَّ الْخَيْرَ أَنْ يَكْثُرَ عِلْمُكَ وَ يَعْظُمَ حِلْمُكَ- وَ أَنْ تُبَاهِيَ النَّاسَ بِعِبَادَةِ رَبِّكَ- فَإِنْ أَحْسَنْتَ حَمِدْتَ اللَّهَ- وَ إِنْ أَسَأْتَ اسْتَغْفَرْتَ اللَّهَ- وَ لَا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ- رَجُلٍ أَذْنَبَ ذَنْباً فَهُوَ يَتَدَارَكُ ذَلِكَ بِتَوْبَةٍ- أَوْ رَجُلٍ يُسَارِعُ فِي الْخَيْرَاتِ- وَ لَا يَقِلُّ عَمَلٌ فِي تَقْوَى وَ كَيْفَ يَقِلُّ مَا يُتَقَبَّلُ.
2- وَ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ كَتَبَ إِلَيَّ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هِشَامٍ الدِّمَشْقِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ الْقَاسِمُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَوَانَةَ عَنِ ابْنِ حَرْثٍ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ(ع)قَالَ: شَيَّعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)جَنَازَةً- فَلَمَّا وُضِعَتْ فِي لَحْدِهَا عَجَّ أَهْلُهَا (1) وَ بَكَوْا- فَقَالَ مَا تَبْكُونَ- أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ عَايَنُوا مَا عَايَنَ مَيِّتُهُمْ- لَأَذْهَلَهُمْ ذَلِكَ عَنِ الْبُكَاءِ عَلَيْهِ- أَمَا وَ اللَّهِ إِنَّ لَهُ إِلَيْهِمْ لَعَوْدَةً ثُمَّ عَوْدَةً- حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَداً- ثُمَّ قَامَ فِيهِمْ فَقَالَ أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ- الَّذِي ضَرَبَ لَكُمُ الْأَمْثَالَ- وَ وَقَّتَ لَكُمُ الْآجَالَ- وَ جَعَلَ لَكُمْ أَسْمَاعاً تَعِي مَا عَنَاهَا- وَ أَبْصَاراً لِتَجْلُوَ عَنْ غِشَاهَا- وَ أَفْئِدَةً تَفْهَمُ مَا دَهَاهَا فِي تَرْكِيبِ صُوَرِهَا وَ مَا أَعْمَرَهَا- فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً- وَ لَمْ يَضْرِبْ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً- بَلْ أَكْرَمَكُمْ بِالنِّعَمِ السَّوَابِغِ- وَ أَرْفَدَكُمْ بِأَوْفَرِ الرَّوَافِغِ- وَ أَحَاطَ بِكُمُ الْإِحْصَاءَ- وَ أَرْصَدَ لَكُمُ الْجَزَاءَ فِي السَّرَّاءِ وَ الضَّرَّاءِ- فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ وَ جِدُّوا فِي الطَّلَبِ- وَ بَادِرُوا بِالْعَمَلِ قَبْلَ مُقَطِّعِ النَّهَمَاتِ (2)- وَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ (3) وَ مُفَرِّقِ الْجَمَاعَاتِ- فَإِنَّ الدُّنْيَا لَا يَدُومُ نَعِيمُهَا وَ لَا تُؤْمَنُ فَجَائِعُهَا- غُرُورٌ حَائِلٌ وَ شَبَحُ فَائِلٌ (4)- وَ سِنَادٌ مَائِلٌ وَ نَعِيمٌ زَائِلٌ
____________
(1) عج يعج عجا: صاح و رفع صوته.
(2) النهمة: بلوغ الهمة و الشهوة في الشيء، يقال «له في هذا الامر نهمة» أي شهوة و «قضى منه نهمته» أي شهوته.
(3) الهاذم بالذال المعجمة بمعنى الهادى و يستعمل مع الموت.
(4) الشبح: الشخص. و ما ينظر بالعين من إبل و غنم و بناء. و الفائل- فاعل من فال يفيل رأيه: أخطأ و ضعف.
66
وَ جِيدٌ عَاطِلٌ- فَاتَّعِظُوا عِبَادَ اللَّهِ بِالْعِبَرِ- وَ اعْتَبِرُوا بِالْآيَاتِ وَ الْأَثَرِ- وَ ازْدَجِرُوا بِالنُّذُرِ وَ انْتَفِعُوا بِالْمَوَاعِظِ- فَكَأَنْ قَدْ عَلِقَتْكُمْ مَخَالِبُ الْمَنِيَّةِ- وَ أَحَاطَتْ بِكُمُ الْبَلِيَّةُ وَ ضَمَّكُمْ بَيْتُ التُّرَابِ- وَ دَهِمَتْكُمْ مُفْظِعَاتُ الْأُمُورِ بِنَفْخَةِ الصُّورِ- وَ بَعْثَرَةِ الْقُبُورِ وَ سِيَاقَةِ الْمَحْشَرِ- وَ مَوْقِفِ الْحِسَابِ فِي الْمَنْشَرِ- وَ بَرَزَ الْخَلَائِقُ حُفَاةً عُرَاةً- وَ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهِيدٌ- وَ نُوقِشَ النَّاسُ عَلَى الْقَلِيلِ وَ الْكَثِيرِ- وَ الْفَتِيلِ وَ النَّقِيرِ (1) وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها- وَ وُضِعَ الْكِتابُ وَ جِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ الشُّهَداءِ وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ- فَارْتَجَّتْ (2) لِذَلِكَ الْيَوْمِ الْبِلَادُ- وَ خَشَعَ الْعِبَادُ وَ نَادَ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ- وَ حُشِرَتِ الْوُحُوشُ وَ زُوِّجَتِ النُّفُوسُ- مَكَانَ مَوَاطِنِ الْحَشْرِ- وَ بَدَتِ الْأَسْرَارُ وَ هَلَكَتِ الْأَشْرَارُ- وَ ارْتَجَّتِ الْأَفْئِدَةُ فَنَزَلَتْ بِأَهْلِ النَّارِ- مِنَ اللَّهِ سَطْوَةٌ مُجِيحَةٌ- وَ عُقُوبَةٌ مُنِيحَةٌ (3) وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ- لَهَا كَلَبٌ وَ لَجَبٌ وَ قَصِيفُ رَعْدٍ (4)- وَ تَغَيُّظٌ وَ وَعِيدٌ- قَدْ تَأَجَّجَ جَحِيمُهَا (5) وَ غَلَا حَمِيمُهَا- فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ- تَقِيَّةَ مَنْ كَنَعَ فَخَنَعَ (6) وَ جَلَّ وَ رَحَلَ- وَ حُذِّرَ فَأَبْصَرَ وَ ازْدَجَرَ- فَاحْتَثَّ طَلَباً (7) وَ نَجَا هَرَباً- وَ قَدَّمَ لِلْمَعَادِ وَ اسْتَظْهَرَ مِنَ الزَّادِ- وَ كَفَى بِاللَّهِ مُنْتَقِماً- وَ بِالْكِتَابِ خَصِيماً وَ حَجِيجاً- وَ بِالْجَنَّةِ ثَوَاباً وَ نَعِيماً وَ بِالنَّارِ وَبَالًا وَ عِقَاباً وَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَ لَكُمْ-.
____________
(1) النقير. النكتة في ظهر النواة. و هو كناية عن القليل.
(2) ارتج البحر: اضطرب.
(3) المجيحة: المهلكة و المستأصلة- و المنيحة أي الشديدة المحرقة.
(4) الكلب: الشدة، و اللجب: صوت الهياج و اضطراب الامواج. و قصيف الرعد:
شدة صوته.
(5) التأجج: التلهب و الاضطرام.
(6) كنع أي جبن و هرب. و خنع أي خضع و ذل. و جل أي خرج من بلده.
(7) احتث على الامر و احتثه: حضه و نشطه على فعله.
67
قُلْتُ (1) قَدْ رَفَعْتَ إِلَيْنَا أَلْفَاظاً مِنْ هَذَا الْكِتَابِ- يَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلِ الْخِطَابِ- حَذَفْنَا إِسْنَادَهَا طَلَباً لِلِاخْتِصَارِ وَ خَوْفاً لِلْإِكْثَارِ.
3- قَوْلُهُ(ع)الدُّنْيَا دَارُ مَمَرٍّ وَ الْآخِرَةُ دَارُ مَقَرٍّ- فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّكُمْ لِمَقَرِّكُمْ- وَ لَا تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَسْرَارَكُمْ- وَ أَخْرِجُوا مِنَ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ- قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ- فَفِيهَا اخْتُبِرْتُمْ وَ لِغَيْرِهَا خُلِقْتُمْ- إِنَّ الْجِنَازَةَ إِذَا حُمِلَتْ قَالَ النَّاسُ مَا ذَا تَرَكَ- وَ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ مَا ذَا قَدَّمَ- فَقَدِّمُوا بَعْضاً يَكُنْ لَكُمْ- وَ لَا تُؤَخِّرُوا كُلًّا يَكُنْ عَلَيْكُمْ.
4- وَ قَالَ(ع)إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّهَ تَتَابَعَ نِعَمَهُ عَلَيْكُمْ وَ أَنْتُمْ تَعْصُونَهُ- فَاحْذَرُوهُ.
5- وَ قَالَ(ع)مِنْ كَفَّارَةِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ- وَ التَّنَفُّسُ عَنِ الْمَكْرُوبِ.
6- وَ قَالَ(ع)إِذَا كُنْتَ فِي إِدْبَارٍ وَ الْمَوْتُ فِي إِقْبَالٍ- فَمَا أَسْرَعَ الْمُلْتَقَى.
7- وَ قَالَ(ع)مَنْ أَطَالَ الْأَمَلَ أَسَاءَ الْعَمَلَ- وَ سَيِّئَةٌ تَسُوؤُكَ خَيْرٌ مِنْ حَسَنَةٍ تَسُرُّكَ.
8- وَ قَالَ(ع)الدَّهْرُ يُخْلِقُ الْأَبْدَانَ (2) وَ يُجَدِّدُ الْآمَالَ- وَ يُقَرِّبُ الْمَنِيَّةَ وَ يُبَاعِدُ الْأُمْنِيَّةَ- مَنْ ظَفِرَ بِهِ تَعِبَ وَ مَنْ فَاتَهُ نَصِبَ.
9- وَ قَالَ(ع)عَجِبْتُ لِمَنْ يَقْنَطُ وَ مَعَهُ الِاسْتِغْفَارُ.
10- وَ قَالَ(ع)لَكَانَ فِي الْأَرْضِ أَمَانَانِ- فَرُفِعَ أَحَدُهُمَا وَ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ص فَتَمَسَّكُوا بِالْآخَرِ وَ هُوَ الِاسْتِغْفَارُ- قَالَ تَعَالَى وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ الْآيَةَ.
11- وَ قَالَ(ع)مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ اللَّهِ- أَصْلَحَ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ النَّاسِ- وَ مَنْ عَمِلَ لآِخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ- وَ مَنْ كَانَ لَهُ فِي نَفْسِهِ وَاعِظٌ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ.
12- وَ قَالَ(ع)كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ- وَ مَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ- وَ مَفْتُونٍ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ- وَ شَتَّانَ بَيْنَ عَمَلَيْنِ عَمَلٍ تَذْهَبُ لَذَّتُهُ وَ يَبْقَى تَبِعَتُهُ- وَ عَمَلٍ
____________
(1) القائل هو سبط ابن الجوزى قاله في المناقب ص 78.
(2) خلق الثوب- بكسر اللام-: بلى.
68
تَذْهَبُ مَئُونَتُهُ وَ تَبْقَى أَجْرُهُ.
13- وَ قَالَ(ع)اسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بِالصَّدَقَةِ- فَمَنْ أَيْقَنَ بِالْخَلَفِ جَادَ بِالْعَطَاءِ.
14- وَ قَالَ(ع)مَنْ أُعْطِيَ أَرْبَعاً لَمْ يُحْرَمْ أَرْبَعاً- مَنْ أُعْطِيَ الدُّعَاءَ لَمْ يُحْرَمِ الْإِجَابَةَ- وَ مَنْ أُعْطِيَ التَّوْبَةَ لَمْ يُحْرَمِ الْقَبُولَ- وَ مَنْ أُعْطِيَ الِاسْتِغْفَارَ لَمْ يُحْرَمِ الْمَغْفِرَةَ- وَ مَنْ أُعْطِيَ الشُّكْرَ لَمْ يُحْرَمِ الزِّيَادَةَ- وَ قَالَ مِصْدَاقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّعَاءِ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ- وَ قَالَ فِي التَّوْبَةِ- إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ- الْآيَةَ وَ قَالَ فِي الِاسْتِغْفَارِ- وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ- ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ الْآيَةَ- وَ قَالَ فِي الشُّكْرِ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
15- وَ قَالَ(ع)الِاسْتِغْفَارُ دَرَجَةُ الْعِلِّيِّينَ- وَ هُوَ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعَانٍ- أَوَّلُهَا النَّدَمُ عَلَى الْفِعْلِ- وَ الثَّانِي الْعَزْمُ عَلَى التَّرْكِ وَ أَنْ لَا يَعُودَ- وَ الثَّالِثُ تَأْدِيَةُ الْحُقُوقِ- لِيَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَ لَيْسَ عَلَيْهِ تَبِعَةٌ- وَ الرَّابِعُ أَنْ يَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ فَيُؤَدِّيَ حَقَّهَا- وَ الْخَامِسُ أَنْ يُذِيبَ اللَّحْمَ الَّذِي نَبَتَ منه [مِنَ السُّحْتِ- بِالْهُمُومِ وَ الْأَحْزَانِ حَتَّى يَكْتَسِيَ لَحْماً آخَرَ مِنَ الْحَلَالِ- وَ السَّادِسُ أَنْ يُذِيقَ جِسْمَهُ أَلَمَ الطَّاعَةِ- كَمَا أَذَاقَهُ لَذَّةَ الْمَعْصِيَةِ.
16- وَ قَالَ (صلوات اللّه عليه) لَا تَكُنْ مِمَّنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ بِعَمَلِ الدُّنْيَا أَوْ بِغَيْرِ عَمَلٍ- وَ يُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ بِطُولِ الْأَمَلِ- يَقُولُ فِي الدُّنْيَا قَوْلَ الزَّاهِدِينَ- وَ يَعْمَلُ فِيهَا عَمَلَ الرَّاغِبِينَ- إِنْ أُعْطِيَ مِنْهَا لَمْ يَشْبَعْ وَ إِنْ مَلَكَ الْكَثِيرَ لَمْ يَقْنَعْ- يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَ لَا يَأْتَمِرُ- وَ يَنْهَى وَ لَا يَنْتَهِي- يُحِبُّ الصَّالِحِينَ وَ لَا يَعْمَلُ بِعَمَلِهِمْ- وَ يُبْغِضُ الْعَاصِينَ وَ هُوَ أَحَدُهُمْ- يَكْرَهُ الْمَوْتَ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِ وَ يُقِيمُ عَلَى مَا يَكْرَهُ اللَّهُ مِنْهُ- تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ إِذَا عُوفِيَ- وَ يَقْنَطُ إِذَا ابْتُلِيَ إِنْ أَصَابَهُ بَلَاءٌ دَعَا مُضْطَرّاً- وَ إِنْ نَالَهُ رَخَاءٌ أَعْرَضَ مُغْتَرّاً- تَغْلِبُهُ نَفْسُهُ عَلَى مَا يَظُنُّ- وَ لَا يَغْلِبُهَا عَلَى مَا يَسْتَيْقِنُ- إِنِ اسْتَغْنَى بَطِرَ وَ إِنِ افْتَقَرَ قَنَطَ- يُقَدِّمُ الْمَعْصِيَةَ وَ يُسَوِّفُ التَّوْبَةَ- يَصِفُ الْعِبَرَ وَ لَا يَعْتَبِرُ- وَ يُبَالِغُ فِي الْمَوْعِظَةِ وَ لَا يَتَّعِظُ- فَهُوَ مِنَ الْقَوْلِ مُكْثِرٌ وَ مِنَ الْعَمَلِ مُقِلٌّ- يُنَاقِشُ فِيمَا يَفْنَى وَ يُسَامِحُ فِيمَا يَبْقَى- يَرَى
69
الْمَغْنَمَ مَغْرَماً وَ الْمَغْرَمَ مَغْنَماً- يَخْشَى الْمَوْتَ وَ لَا يُبَادِرُ الْفَوْتَ- يَسْتَعْظِمُ مِنْ مَعَاصِي غَيْرِهِ مَا يَسْتَقِلُّهُ مِنْ مَعَاصِي نَفْسِهِ- وَ يَسْتَكْثِرُ مِنْ طَاعَتِهِ مَا يَحْتَقِرُهُ مِنْ طَاعَةِ غَيْرِهِ- فَهُوَ عَلَى النَّاسِ طَاعِنٌ وَ لِنَفْسِهِ مُدَاهِنٌ- اللَّغْوُ مَعَ الْأَغْنِيَاءِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الذِّكْرِ مَعَ الْفُقَرَاءِ- يُرْشِدُ غَيْرَهُ وَ يُغْوِي نَفْسَهُ- أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ- وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
17- وَ قَالَ(ع)مَنْ أَصْبَحَ عَلَى الدُّنْيَا حَزِيناً- أَصْبَحَ لِقَضَاءِ اللَّهِ سَاخِطاً- وَ مَنْ أَصْبَحَ يَشْكُو مُصِيبَةً نَزَلَتْ بِهِ- إِلَى مَخْلُوقٍ مِثْلَهُ فَإِنَّمَا يَشْكُو رَبَّهُ- وَ مَنْ أَتَى غَنِيّاً يَتَوَاضَعُ لَهُ لِأَجْلِ دُنْيَاهُ- ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ- قَالُوا وَ مَعْنَى هَذَا- أَنَّ الْمَرْءَ إِنْسَانٌ بِجَسَدِهِ وَ قَلْبِهِ وَ لِسَانِهِ- وَ التَّوَاضُعُ يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى اسْتِعْمَالِ الْجَسَدِ وَ اللِّسَانِ- فَإِنْ أَضَافَ إِلَى ذَلِكَ الْقَلْبَ ذَهَبَ جَمِيعُ دِينِهِ.
18- وَ قَالَ(ع)إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللَّهَ رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ التُّجَّارِ- وَ إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللَّهَ رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبِيدِ- وَ إِنَّ قَوْماً عَبَدُوهُ شُكْراً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْأَحْرَارِ.
19- وَ قَالَ(ع)احْذَرُوا نِفَارَ النِّعَمِ فَمَا كُلُّ شَارِدٍ بِمَرْدُودٍ (1).
20- وَ قَالَ(ع)أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ مَا أُكْرِهَتْ عَلَيْهِ نَفْسُكَ.
21- وَ قَالَ(ع)لَوْ لَمْ يَتَوَاعَدِ اللَّهُ عِبَادَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ- لَكَانَ الْوَاجِبُ أَلَّا يُعْصَى شُكْراً لِنِعَمِهِ- وَ مِنْ هَاهُنَا أَخَذَ الْقَائِلُ- وَ قِيلَ إِنَّهَا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)
هَبِ الْبَعْثَ لَمْ تَأْتِنَا رُسُلُهُ* * * -وَ جَاحِمَةُ النَّارِ لَمْ تُضْرَمْ-
أَ لَيْسَ مِنَ الْوَاجِبِ الْمُسْتَحَقِّ* * * -حَيَاءُ الْعِبَادِ مِنَ الْمُنْعِمِ
(2).
22- وَ قَالَ(ع)مَا أَكْثَرَ الْعِبَرَ وَ مَا أَقَلَّ الْمُعْتَبِرِينَ.
23- وَ قَالَ(ع)أَقَلُّ مَا يَلْزَمُكَ لِلَّهِ تَعَالَى- أَلَّا تَسْتَعِينُوا بِنِعَمِهِ عَلَى مَعَاصِيهِ.
24- وَ قَالَ(ع)الْمُدَّةُ وَ إِنْ طَالَتْ قَصِيرَةٌ وَ الْمَاضِي لِلْمُقِيمِ عِبْرَةٌ- وَ الْمَيِّتُ لِلْحَيِّ عِظَةٌ وَ لَيْسَ الأمس [لِلْأَمْسِ عَوْدَةٌ وَ لَا أَنْتَ مِنْ غَدٍ عَلَى ثِقَةٍ- وَ كُلٌّ لِكُلٍّ مُفَارِقٌ
____________
(1) نفار النعم: النعم الزائلة. و نفورها بعدم أداء الحق منها. و الشارد: النافر.
(2) جحم النار: أوقدها، و جحمة النار توقدها. و ضرمت النار: اشتعلت.
70
وَ بِهِ لَاحِقٌ- فَاسْتَعِدُّوا لِيَوْمٍ لا يَنْفَعُ فِيهِ مالٌ وَ لا بَنُونَ- إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ- وَ اصْبِرُوا عَلَى عَمَلٍ لَا غِنَى لَكُمْ عَنْ ثَوَابِهِ- وَ ارْجِعُوا عَنْ عَمَلٍ لَا صَبْرَ لَكُمْ عَلَى عِقَابِهِ- فَإِنَّ الصَّبْرَ عَلَى الطَّاعَةِ أَهْوَنُ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى الْعَذَابِ- وَ إِنَّمَا أَنْتُمْ نَفَسٌ مَعْدُودٌ وَ أَمَلٌ مَمْدُودٌ- وَ أَجَلٌ مَحْدُودٌ- وَ لَا بُدَّ لِلْأَجَلِ أَنْ يَتَنَاهَى- وَ لِلنَّفَسِ أَنْ يُحْصَى وَ لِلْعَمَلِ أَنْ يُطْوَى- وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ- يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ
25- وَ قَالَ(ع)اتَّقُوا مَعَاصِيَ اللَّهِ فِي الْخَلَوَاتِ- فَإِنَّ الشَّاهِدَ هُوَ الْحَاكِمُ.
26- وَ قَالَ(ع)كَمْ مِنْ مُؤَمِّلٍ مَا لَا يَبْلُغُهُ- وَ بَانٍ مَا لَا يَسْكُنُهُ مِمَّا سَوْفَ يَتْرُكُهُ- وَ لَعَلَّهُ مِنْ بَاطِلٍ جَمَعَهُ- أَصَابَهُ حَرَاماً وَ احْتَمَلَ مِنْهُ آثَاماً- وَ رُبَّمَا اسْتَقْبَلَ الْإِنْسَانُ يَوْماً وَ لَمْ يَسْتَدْبِرْهُ- وَ رُبَّ مَغْبُوطٍ فِي أَوَّلِ يَوْمِهِ قَامَتْ بَوَاكِيهِ فِي آخِرِهِ- وَ مِنْ هَاهُنَا أَخَذَ الْقَائِلُ-
يَا رَاقِدَ اللَّيْلِ مَسْرُوراً بِأَوَّلِهِ* * * -إِنَّ الْحَوَادِثَ قَدْ يُطْرِقْنَ أَسْحَاراً-
أَفْنَى الْقُرُونَ الَّتِي كَانَتْ مُسَلَّطَةً* * * -مِنَ الْحَوَادِثِ إِقْبَالًا وَ إِدْبَاراً-
يَا مَنْ يُكَابِدُ دُنْيَا لَا بَقَاءَ لَهَا* * * -يُمْسِي وَ يُصْبِحُ تَحْتَ الْأَرْضِ سَيَّاراً-
كَمْ قَدْ أَبَادَتْ صُرُوفُ الدَّهْرِ مِنْ مَلِكٍ* * * -قَدْ كَانَ فِي الْأَرْضِ نَفَّاعاً وَ ضَرَّاراً
.
27- وَ قَالَ(ع)الزُّهْدُ كُلُّهُ فِي كَلِمَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ- وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ- فَمَنْ لَمْ يَأْسَ عَلَى الْمَاضِي وَ لَمْ يَفْرَحْ بِالْآتِي فَهُوَ الزَّاهِدُ.
28- وَ قَالَ(ع)أَفْضَلُ الزُّهْدِ إِخْفَاؤُهُ.
29- وَ قَالَ(ع)أخذوا [فَاحْذَرُوا مِنَ اللَّهِ مَا حَذَّرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ- وَ اخْشَوْهُ خَشْيَةً يَظْهَرُ أَثَرُهَا عَلَيْكُمْ- وَ اعْمَلُوا بِغَيْرِ رِيَاءٍ وَ لَا سُمْعَةٍ- فَإِنَّ مَنْ عَمِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى مَنْ عَمِلَ لَهُ.
30- وَ قَالَ(ع)يُوشِكُ أَنْ يَفْقِدَ النَّاسُ ثَلَاثاً- دِرْهَماً حَلَالًا وَ لِسَاناً صَادِقاً وَ أَخاً يُسْتَرَاحُ إِلَيْهِ.
31- وَ قَالَ(ع)اسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ غَمَامُهُ- وَ كُونُوا قَوْماً صِيحَ بِهِمْ فَانْتَبَهُوا وَ انْتَهَوْا- فَمَا بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ سِوَى الْمَوْتِ- وَ إِنَّ غَايَةً تَنْقُصُهَا اللَّحْظَةُ-
71
وَ تَهْدِمُهَا السَّاعَةُ لَجَدِيرَةٌ بِقِصَرِ الْمُدَّةِ- وَ إِنَّ غَائِباً يَحْدُوهُ الْجَدِيدَانِ- لَحَرِيٌّ بِسُرْعَةِ الْأَوْبَةِ (1)- فَرَحِمَ اللَّهُ عَبْداً سَمِعَ حِكْمَةً فَوَعَى- وَ دُعِيَ إِلَى خَلَاصِ نَفْسِهِ فَدَنَا- وَ اسْتَقَامَ عَلَى الطَّرِيقَةِ فَنَجَا- وَ أَحَبَّ رَبَّهُ وَ خَافَ ذَنْبَهُ- وَ قَدَّمَ صَالِحاً وَ عَمِلَ خَالِصاً- وَ اكْتَسَبَ مَذْخُوراً وَ اجْتَنَبَ مَحْذُوراً- وَ رَمَى غَرَضاً وَ أَحْرَزَ عِوَضاً- وَ كَابَدَ هَوَاهُ وَ كَذَّبَ مُنَاهُ- وَ جَعَلَ الصَّبْرَ مَطِيَّةَ نَجَاتِهِ- وَ التَّقْوَى عُدَّةً عِنْدَ وَفَاتِهِ- رَكِبَ الطَّرِيقَ الْغَرَّاءَ وَ لَزِمَ الْمَحَجَّةَ الْبَيْضَاءَ- وَ اغْتَنَمَ الْمَهَلَ وَ بَادَرَ الْأَجَلَ وَ تَزَوَّدَ مِنَ الْعَمَلِ.
32- وَ قَالَ(ع)فِي صِفَةِ الدُّنْيَا دَارٌ أَوَّلُهَا عَنَاءٌ وَ آخِرُهَا فَنَاءٌ- وَ حَلَالُهَا فِيهِ حِسَابٌ وَ حَرَامُهَا فِيهِ عِقَابٌ- مَنِ اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ وَ مَنِ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ- وَ مَنْ سَعَى إِلَيْهَا فَاتَتْهُ وَ مَنْ قَعَدَ عَنْهَا أَتَتْهُ- وَ مَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ وَ مَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ.
33- وَ قَالَ(ع)مَنْ لَمْ يُقْنِعْهُ الْيَسِيرُ (2) لَمْ يَنْفَعْهُ الْكَثِيرُ.
34- وَ قَالَ(ع)عَلَيْكَ بِمُدَارَاةِ النَّاسِ وَ إِكْرَامِ الْعُلَمَاءِ- وَ الصَّفْحِ عَنْ زَلَّاتِ الْإِخْوَانِ- فَقَدْ أَدَّبَكَ سَيِّدُ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ بِقَوْلِهِ ص اعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ وَ صِلْ مَنْ قَطَعَكَ- وَ أَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ.
35- وَ قَالَ(ع)وَ قَدْ مَرَّ عَلَى الْمَقَابِرِ قَالَ- السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ- أَنْتُمْ لَنَا سَلَفٌ وَ نَحْنُ لَكُمْ خَلَفٌ- وَ إِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ- أَمَّا الْمَسَاكِنُ فَسُكِنَتْ وَ أَمَّا الْأَزْوَاجُ فَنُكِحَتْ- وَ أَمَّا الْأَمْوَالُ فَقُسِمَتْ هَذَا خَبَرُ مَا عِنْدَنَا- فَلَيْتَ شِعْرِي مَا خَبَرُ مَا عِنْدَكُمْ- ثُمَّ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِنْ نَطَقُوا لَقَالُوا- وَجَدْنَا التَّقْوَى خَيْرُ زَادٍ.
____________
(1) «غاية تنقصها اللحظة» الغاية هي الأجل و «تنقصها» أي تنقص أمد الانتهاء إليها و كل لحظة تمر فهي تنقص في الامد بيننا و بين الأجل. و الساعة تهدم ركنا من ذلك الامد و ما كان كذلك فهو جدير بقصر المدة. و المراد بالغائب: الموت. و يحدوه أي يسوقه.
و المراد بالجديدان: الليل و النهار. و الاوبة: الرجوع.
(2) في المصدر «من لم ينفعه اليسير».
72
36- وَ قَالَ كُمَيْلُ بْنُ زِيَادٍ سَمِعَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ- قَائِلًا يُنْشِدُ أَبْيَاتِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ-
مَا ذَا أُؤَمِّلُ بَعْدَ آلِ مُحَرِّقٍ* * * -تَرَكُوا مَنَازِلَهُمْ وَ بَعْدَ إِبَادٍ
- فَقَالَ هَلَّا قَرَأْتُمْ- كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ الْآيَةَ (1).
37- وَ قَالَ(ع)الْعَجَبُ مِمَّنْ يَدْعُو وَ يَسْتَبْطِئُ الْإِجَابَةَ- وَ قَدْ سَدَّ طَرِيقَهَا بِالْمَعَاصِي.
38- وَ قَالَ(ع)فِي وَصْفِ التَّائِبِينَ غَرَسُوا أَشْجَارَ ذُنُوبِهِمْ نُصْبَ عُيُونِهِمْ وَ قُلُوبِهِمْ وَ سَقَوْهَا بِمِيَاهِ النَّدَمِ- فَأَثْمَرَتْ لَهُمُ السَّلَامَةَ- وَ أَعْقَبَتْهُمُ الرِّضَا وَ الْكَرَامَةَ.
39- وَ قَالَ(ع)فِي صِفَةِ الْأَوْلِيَاءِ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ حَدَّثَنَا هَنَّادٌ عَنِ ابْنِ الْفُضَيْلِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ طُوبَى لِمَنْ عَرَفَ النَّاسَ وَ لَمْ يَعْرِفْهُ النَّاسُ- أُولَئِكَ مَصَابِيحُ الْهُدَى- بِهِمْ يَكْشِفُ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ كُلَّ فِتْنَةٍ مُظْلِمَةٍ- أُولَئِكَ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَ فَضْلٍ- لَيْسُوا بِالْمَذَايِيعِ الْبُذُرِ (2)- وَ لَا الْجُفَاةِ الْمُرَاءِينَ- الْمِذْيَاعُ الَّذِي لَا يَكْتُمُ السِّرَّ.
40- وَ قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِيِّ أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ شِمْرٍ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي أَرَاكَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)صَلَاةَ الْفَجْرِ- فَلَمَّا سَلَّمَ انْفَتَلَ عَنْ يَمِينِهِ- ثُمَّ مَكَثَ كَأَنَّ عَلَيْهِ كَآبَةٌ- حَتَّى إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ عَلَى حَائِطِ الْمَسْجِدِ- قِيدَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ (3) قَلَبَ يَدَهُ وَ قَالَ- لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ص فَمَا أَرَى الْيَوْمَ شَيْئاً يُشْبِهُهُمْ- لَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبْراً صُفْراً- بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ أَمْثَالُ رُكَبِ الْمِعْزَى- قَدْ بَاتُوا لِلَّهِ سُجَّداً وَ قِيَاماً- يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ
____________
(1) الدخان: 25.
(2) و البذر- ككتف-: الذي يفشى السر.
(3) القيد- بفتح القاف-: القدر.
73
وَ أَقْدَامِهِمْ (1)- فَإِذَا أَصْبَحُوا فَذَكَرُوا اللَّهَ- مَادُوا كَمَا تَمِيدُ الشَّجَرُ فِي يَوْمِ رِيحٍ عَاصِفٍ- وَ هَمَلَتْ عُيُونُهُمْ (2) حَتَّى تَبُلَّ ثِيَابَهُمْ- وَ اللَّهِ لَكَانَ الْقَوْمُ بَاتُوا غَافِلِينَ- ثُمَّ نَهَضَ فَمَا رُئِيَ مُفْتَرّاً حَتَّى (3) ضَرَبَهُ اللَّعِينُ ابْنُ مُلْجَمٍ.
41- وَ رَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَوْماً قَدْ وَصَفَ الْمُؤْمِنَ فَقَالَ- حُزْنُهُ فِي قَلْبِهِ وَ بِشْرُهُ فِي وَجْهِهِ- وَ أَوْسَعُ النَّاسِ صَدْراً وَ أَرْفَعُهُمْ قَدْراً- يَكْرَهُ الرِّفْعَةَ وَ لَا يُحِبُّ السُّمْعَةَ- طَوِيلٌ غَمُّهُ بَعِيدٌ هَمُّهُ- كَثِيرٌ صَمْتُهُ مَشْغُولٌ بِمَا يَنْفَعُهُ- صَبُورٌ شَكُورٌ قَلْبُهُ بِذِكْرِ اللَّهِ مَعْمُورٌ- سَهْلُ الْخَلِيقَةِ لَيِّنُ الْعَرِيكَةِ.
42- وَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي أَرَاكَةَ وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضاً قَالا سَمِعْنَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ يَقُولُ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْخَلَائِقَ حِينَ خَلَقَهُمْ- وَ هُوَ غَنِيٌّ عَنْ طَاعَتِهِمْ وَ لَا يَتَضَرَّرُ بِمَعْصِيَتِهِمْ- لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ- وَ لَا يَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ وَ اتَّقَاهُ- فَالْمُتَّقُونَ فِي هَذِهِ الدَّارِ هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ- مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ وَ مَلْبَسُهُمُ الِاقْتِصَادُ- وَ عَيْشُهُمُ التَّوَاضُعُ- غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَنِ الْمَحَارِمِ- وَ وَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ- وَ لَوْ لَا الرَّجَاءُ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ- شَوْقاً إِلَى جَزِيلِ الثَّوَابِ- وَ خَوْفاً مِنْ وَبِيلِ الْعِقَابِ (4)- عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ- فَهُمْ فِي الْجَنَّةِ كَمَنْ قَدْ رَآهَا مُنَعَّمُونَ- وَ فِي النَّارِ كَمَنْ قَدْ رَآهَا مُعَذَّبُونَ- قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ وَ شُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ- أَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ وَ حَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ- صَبَرُوا أَيَّاماً يَسِيرَةً فَأَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً- أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ- تَالِينَ كَلَامَ رَبِّهِمْ يُحَبِّرُونَهُ تَحْبِيراً (5)- وَ يُرَتِّلُونَهُ
____________
(1) المراوحة بين العملين أن يعمل هذا مرة، و هذا مرة، و المراوحة بين الرجلين أن يقوم على كل مرة.
(2) ماد يميد:- تحرك. و الريح العاصف: الشديدة. و هملت عينه: فاضت دموعا.
(3) فتر يفتر تفتيرا- سكن بعد حدة و لان بعد شدة.
(4) الوبيل: الشديد.
(5) حبر الكلام أو الخط أو الشعر: حسنه و زينه.
74
تَرْتِيلًا- فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً- وَ تَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً وَ هَلَعاً (1)- وَ إِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ- أَصْغَوْا إِلَيْهَا بِمَسَامِعِ قُلُوبِهِمْ- وَ مَثَّلُوا زَفِيرَ جَهَنَّمَ فِي آذَانِهِمْ فَهُمْ مُفْتَرِشُونَ جِبَاهَهُمْ وَ رُكَبَهُمْ وَ أَطْرَافَ أَقْدَامِهِمْ- يَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ فِي فَكِّ رِقَابِهِمْ- وَ أَمَّا النَّهَارَ فَعُلَمَاءُ حُلَمَاءُ بَرَرَةٌ أَتْقِيَاءُ- قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ- يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَحَسِبَهُمْ مَرْضَى- وَ مَا بِالْقَوْمِ مَرَضٌ- وَ يَقُولُ قَدْ خُولِطُوا وَ لَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ- لَا يَرْضَوْنَ فِي أَعْمَالِهِمْ بِالْقَلِيلِ- وَ لَا يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ- فَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ وَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ- إِذَا زُكِّيَ أَحَدُهُمْ خَافَ أَشَدَّ الْخَوْفِ- يَقُولُ أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي- اللَّهُمَّ فَلَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ- وَ اجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ- وَ اغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ- وَ مِنْ عَلَامَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِي دِينٍ- وَ وَرَعاً فِي يَقِينٍ وَ حَزْماً فِي عِلْمٍ- وَ عَزْماً فِي حِلْمٍ وَ قَصْداً فِي غِنًى- وَ خُشُوعاً فِي عِبَادَةٍ وَ تَجَمُّلًا فِي فَاقَةٍ- وَ صَبْراً فِي شِدَّةٍ- وَ طَلَباً لِلْحَلَالِ وَ تَحَرُّجاً عَنِ الطَّمَعِ- يَعْمَلُ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ عَلَى وَجَلٍ- وَ يَجْتَهِدُ فِي إِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ- يُمْسِي وَ هَمُّهُ الشُّكْرُ وَ يُصْبِحُ وَ شُغُلُهُ الْفِكْرُ- الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ وَ الشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ- وَ يَعْفُوا عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَ يُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ وَ يَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ- وَ فِي الزَّلَازِلِ صَبُورٌ وَ فِي الْمَكَارِهِ وَقُورٌ- وَ فِي الرِّضَا شَكُورٌ- لَا يُنَابِزُ بِالْأَلْقَابِ وَ لَا يَعْرِفُ الْعَابَ- وَ لَا يُؤْذِي الْجَارَ وَ لَا يَشْمَتُ بِالْمَصَائِبِ- وَ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَاطِلِ وَ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ- إِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ لِيَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُنْتَقِمَ- لَهُ- نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ- أَتْعَبَ نَفْسَهُ لِأُخْرَاهُ- وَ زَهِدَ فِي الْفَانِي شَوْقاً إِلَى مَوْلَاهُ.
43- قَالَ(ع)فِي صِفَةِ الْفَقِيهِ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيِّ عَنْ شُجَاعِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ زِيَادِ بْنِ خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ: أَلَا إِنَّ الْفَقِيهَ كُلَّ الْفَقِيهِ- هُوَ الَّذِي لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى- وَ لَا يُؤْمِنُهُمْ مِنْ عَذَابِهِ- وَ لَا يُرَخِّصُ لَهُمْ فِي مَعْصِيَتِهِ- وَ لَا يَدَعُ الْقُرْآنَ رَغْبَةً فِي غَيْرِهِ
____________
(1) الهلع- بكسر اللام-: الحزين.
75
وَ لَا خَيْرَ فِي عِبَادَةٍ لَا عِلْمَ فِيهَا- وَ لَا خَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ لَا تَدَبُّرَ فِيهَا.
44- وَ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الْمُرُوَّةِ فَقَالَ(ع) إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَ تَعَاهُدُ الْإِخْوَانِ- وَ كَفُّ الْأَذَى عَنِ الْجِيرَانِ- ثُمَّ قَرَأَ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ الْآيَةَ (1).
45- وَ مِنْ وَصَايَاهُ(ع)أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِي أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ النَّسَوِيُّ حَدَّثَنَا جَدِّي الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ السَّرِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا عَنِّي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ- فَلَوْ رَكِبْتُمُ الْمَطِيَّ حَتَّى تُنْضُوهَا مَا أَصَبْتُمْ مِثْلَهَا- لَا يَرْجُوَنَّ عَبْدٌ إِلَّا رَبَّهُ وَ لَا يَخَافَنَّ إِلَّا ذَنْبَهُ وَ لَا يَسْتَحِي إِذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنْ يَتَعَلَّمَ- وَ لَا يَسْتَحِي إِذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ أَنْ يَقُولَ لَا أَعْلَمُ- وَ اعْلَمْ أَنَّ الصَّبْرَ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ- وَ لَا خَيْرَ فِي جَسَدٍ لَا رَأْسَ لَهُ- وَ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ- أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ وَ لَا أَهْلِ دَارٍ- وَ لَا أَهْلِ قَرْيَةٍ يَكُونُونَ لِي عَلَى مَا أُحِبُّ فَيَتَحَوَّلُونَ إِلَى مَا أَكْرَهُ- إِلَّا تَحَوَّلْتُ لَهُمْ مِمَّا يُحِبُّونَ إِلَى مَا يَكْرَهُونَ- لَيْسَ مِنْ أَهْلِ دَارٍ وَ لَا قَرْيَةٍ يَكُونُونَ لِي عَلَى مَا أَكْرَهُ- فَيَتَحَوَّلُونَ إِلَى مَا أُحِبُّ- إِلَّا تَحَوَّلْتُ لَهُمْ مِمَّا يَكْرَهُونَ إِلَى مَا يُحِبُّونَ.
46- ذَكَرَ وَصِيَّتَهُ(ع)لِكُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَلِيٍّ الصُّوفِيُّ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَنَا رِزْقُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ التَّمِيمِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْبَادِ أَخْبَرَنَا حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَزَّازُ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ الْأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ ضَمْرَةَ (2) حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ حُمَيْدٍ حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُنْدَبٍ عَنْ كُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: أَخَذَ بِيَدِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ- فَأَخْرَجَنِي إِلَى نَاحِيَةِ الْجَبَّانِ- فَلَمَّا أَصْحَرْنَا جَلَسَ فَتَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ
____________
(1) النحل: 9.
(2) في المصدر «ضرار بن صرد» و كذا في الحلية.
76
ثُمَّ قَالَ يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ- إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا- احْفَظْ مَا أَقُولُ لَكَ النَّاسُ ثَلَاثَةٌ- عَالِمٌ رَبَّانِيٌّ وَ مُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ وَ هَمَجٌ رَعَاعٌ- أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ- يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ- لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ- وَ لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ- يَا كُمَيْلُ الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ- الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَ أَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ الْعِلْمُ يَزْكُو عَلَى الْإِنْفَاقِ وَ الْمَالُ يَزُولُ- وَ مَحَبَّةُ الْعَالِمِ دِينٌ يُدَانُ بِهِ- وَ بِهِ يَكْسِبُ الْعَالِمُ الطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ- وَ جَمِيلَ الْأُحْدُوثَةِ بَعْدَ مَمَاتِهِ- الْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ- الْعِلْمُ حَاكِمٌ وَ الْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ- يَا كُمَيْلُ مَاتَ خُزَّانُ الْمَالِ وَ هُمْ أَحْيَاءٌ- وَ الْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ- أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ- وَ أَمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ- ثُمَّ قَالَ آهِ آهِ إِنَّ هَاهُنَا عِلْماً جَمّاً لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً وَ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ- ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ بَلَى- قَدْ أَصَبْتُ لَقِناً غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهِ- يَسْتَعْمِلُ آلَةَ الدِّينِ لِلدُّنْيَا- يَسْتَظْهِرُ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ- وَ بِحُجَجِهِ عَلَى كِتَابِهِ- أَوْ مُعَانِدٍ لِأَهْلِ الْحَقِّ يَنْقَدِحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِهِ- بِأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ- لَا ذَا وَ لَا ذَاكَ بَلْ مَنْهُوماً بِاللَّذَّاتِ- سَلِسَ الْقِيَادِ لِلشَّهَوَاتِ- مُغْرَى بِجَمْعِ الْأَمْوَالِ وَ الِادِّخَارِ- لَيْسَ مِنَ الدِّينِ فِي شَيْءٍ- أَقْرَبُ شَبَهاً بِالْبَهَائِمِ السَّائِمَةِ- كَذَلِكَ يَمُوتُ الْعِلْمُ بِمَوْتِ حَامِلِيهِ- اللَّهُمَّ بَلَى لَنْ تَخْلُوَ الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَّةٍ- لِكَيْلَا تَبْطُلَ حُجَجُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ- أُولَئِكَ هُمُ الْأَقَلُّونَ عَدَداً- الْأَعْظَمُونَ عِنْدَ اللَّهِ قَدْراً- بِهِمْ يَحْفَظُ اللَّهُ دِينَهُ حَتَّى يُؤَدُّونَهُ إِلَى نُظَرَائِهِمْ- وَ يَزْرَعُونَهُ فِي قُلُوبِ أَشْبَاهِهِمْ- وَ فِي رِوَايَةٍ بِهِمْ يَحْفَظُ اللَّهُ حُجَجَهُ- هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْأَمْرِ- فَاسْتَلَانُوا مَا اسْتَوْعَرَ مِنْهُ الْمُتْرَفُونَ- وَ أَنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ- صَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ- أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَحَلِّ الْأَعْلَى- أُولَئِكَ خُلَفَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَ دُعَاتُهُ إِلَى دِينِهِ- آهِ ثُمَّ آهِ وَا شَوْقَاهْ إِلَى رُؤْيَتِهِمْ- وَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَ لَكَ إِذَا شِئْتَ فَقُمْ.
47- وَصِيَّتُهُ لِبَنِيهِ عَلَيْهِ وَ (عليهم السلام) وَ بِهِ قَالَ أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ ضِرَارِ بْنِ ضَمْرَةَ قَالَ: أَوْصَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع
77
بَنِيهِ فَقَالَ- يَا بَنِيَّ عَاشِرُوا النَّاسَ بِالْمَعْرُوفِ مُعَاشَرَةً- إِنْ عِشْتُمْ حَنُّوا إِلَيْكُمْ- وَ إِنْ مِتُّمْ بَكَوْا عَلَيْكُمْ ثُمَّ قَالَ-
أُرِيدُ بِذَاكُمْ أَنْ تَهُشُّوا لِطَلْقَتِي* * * -وَ أَنْ تُكْثِرُوا بَعْدِي الدُّعَاءَ عَلَى قَبْرِي-
وَ أَنْ يَمْنَحُونِي فِي الْمَجَالِسِ وُدَّهُمْ* * * -وَ إِنْ كُنْتُ عَنْهُمْ غَائِباً أَحْسِنُوا ذِكْرِي
.
48- وَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ سَأَلَ رَجُلٌ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ أَوْصِنِي- فَقَالَ لَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِفَقْرٍ وَ لَا بِطُولِ عُمُرٍ.
49- وَ قَالَ(ع)وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ص مِنْ رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ عَنْ ضِرَارِ بْنِ ضَمْرَةَ وَ عَبْدِ خَيْرٍ قَالا قِيلَ لَهُ مَا سَبَبُ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْحَدِيثِ- فَقَالَ النَّاسُ أَرْبَعَةٌ- مُنَافِقٌ مُظْهِرٌ لِلْإِسْلَامِ وَ قَلْبُهُ يَأْبَى الْإِيمَانَ- لَا يَتَحَرَّجُ عَنِ الْكَذِبِ- كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص مُتَعَمِّداً- فَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ حَالَهُ مَا أَخَذُوا عَنْهُ- وَ لَكِنَّهُمْ قَالُوا صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ص فَأَخَذُوا بِقَوْلِهِ- وَ قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ بِمَا أَخْبَرَ- وَ وَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَ ثُمَّ إِنَّهُمْ عَاشُوا بَعْدَهُ- فَتَقَرَّبُوا إِلَى أَئِمَّةِ الضَّلَالِ- وَ الدُّعَاةِ إِلَى النَّارِ بِالزُّورِ وَ الْبُهْتَانِ- فَوَلَّوْهُمُ الْأَعْمَالَ وَ جَعَلُوهُمْ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ- فَأَكَلُوا بِهِمُ الدُّنْيَا- وَ إِنَّمَا هُمْ تَبَعٌ لِلْمُلُوكِ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَ رَجُلٌ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ قَوْلًا- أَوْ رَآهُ يَعْمَلُ عَمَلًا- ثُمَّ غَابَ عَنْهُ وَ نُسِخَ ذَلِكَ الْقَوْلُ وَ الْفِعْلُ- وَ لَمْ يَعْلَمْ- فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ نُسِخَ مَا حَدَّثَ بِهِ- وَ لَوْ عَلِمَ النَّاسُ أَيْضاً أَنَّهُ نُسِخَ لَمَا نَقَلُوهُ عَنْهُ- وَ رَجُلٌ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ قَوْلًا فَوَهِمَ فِيهِ- وَ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ وَهِمَ فِيهِ لَمَا حَدَّثَ عَنْهُ وَ- لَا عَمِلَ بِهِ- وَ رَجُلٌ لَمْ يَكْذِبْ وَ لَمْ يَغِبْ- حَدَّثَ بِمَا سَمِعَ وَ عَمِلَ بِهِ- فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا اعْتِبَارَ بِرِوَايَتِهِ- وَ لَا يَحِلُّ الْأَخْذُ عَنْهُ- وَ أَمَّا الْبَاقُونَ فَيَنْزِعُونَ إِلَى غَايَةٍ- وَ يَرْجِعُونَ إِلَى نِهَايَةٍ- وَ يُسْقَوْنَ مِنْ قَلِيبٍ وَاحِدٍ- وَ كَلَامُهُمْ أَشْرَقَ بِنُورِ النُّبُوَّةِ ضِيَاؤُهُ- وَ مِنَ الشَّجَرَةِ الْمُبَارَكَةِ اقْتُبِسَتْ نَارُهُ.
وَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي أَيْدِي النَّاسِ حَقّاً وَ بَاطِلًا- وَ صِدْقاً وَ كَذِباً وَ نَاسِخاً وَ مَنْسُوخاً- وَ عَامّاً وَ خَاصّاً وَ مُحْكَماً وَ مُتَشَابِهاً- وَ حِفْظاً وَ وَهَماً- وَ قَدْ كُذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص فِي عَهْدِهِ حَتَّى قَامَ خَطِيباً فَقَالَ- مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ
78
مِنَ النَّارِ- وَ إِنَّمَا يَأْتِيكَ الحديث [بِالْحَدِيثِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ لَيْسَ لَهُمْ خَامِسٌ- وَ ذَكَرَهُمْ.
قلت و قد روي عن رسول الله ص هذا الحديث و هو قوله من كذب علي عامدا فليتبوأ مقعده من النار عدة من الصحابة منهم العشرة (1) فأما الطريق إلى أمير المؤمنين فأنبأ غير واحد عن عبد الأول الصوفي أنبأ ابن المظفر الداوي أنبأ ابن أعين أنبأ السرخسي أنبأ الفربري أنبأ البخاري أنبأ علي بن الجعد أنبأ شعبة عن منصور عن ربعي بن خراش قال سمعت عليا(ع)يقول سمعت النبي ص يقول من كذب علي و ذكر متفق عليه و قد أخرجه أحمد في المسند و الجماعة.
50- كشف (2)، كشف الغمة ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ أَخْبَاراً رَوَاهَا الْجَوَادُ(ع)عَنْ آبَائِهِ(ع)عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ص إِلَى الْيَمَنِ- فَقَالَ لِي وَ هُوَ يُوصِينِي- يَا عَلِيُّ مَا حَارَ مَنِ اسْتَخَارَ- وَ لَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ- يَا عَلِيُّ عَلَيْكَ بِالدُّلْجَةِ (3)- فَإِنَّ الْأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ مَا لَا تُطْوَى بِالنَّهَارِ- يَا عَلِيُّ اغْدُ بِاسْمِ اللَّهِ- فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بَارَكَ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا.
51- وَ قَالَ(ع)مَنِ اسْتَفَادَ أَخاً فِي اللَّهِ- فَقَدِ اسْتَفَادَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ.
52- وَ عَنْهُ(ع)وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ ص أَنَّ فَاطِمَةَ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا- فَحَرَّمَ اللَّهُ ذُرِّيَّتَهَا عَلَى النَّارِ- فَقَالَ خَاصٌّ لِلْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ.
53- وَ عَنْهُ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ فِي كِتَابِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)ابْنُ آدَمَ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالْمِعْيَارِ- إِمَّا رَاجِحٌ بِعِلْمٍ- وَ قَالَ مَرَّةً بِعَقْلٍ أَوْ نَاقِصٌ بِجَهْلٍ.
54- وَ عَنْهُ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ لِأَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- إِنَّمَا غَضِبْتَ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ- إِنَّ الْقَوْمَ خَافُوكَ عَلَى دُنْيَاهُمْ- وَ خِفْتَهُمْ عَلَى دِينِكَ- وَ اللَّهِ لَوْ كَانَتِ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرَضُونَ رَتْقاً عَلَى عَبْدٍ- ثُمَّ اتَّقَى اللَّهَ لَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْهَا مَخْرَجاً- لَا يُؤْنِسَنَّكَ إِلَّا الْحَقُّ وَ لَا يُوحِشَنَّكَ إِلَّا الْبَاطِلُ.
____________
(1) في المصدر «مائة و عشرون من الصحابة ذكرتهم في كتابى المترجم بحق اليقين».
(2) كشف الغمّة ج 3 ص 135 في أحوال الامام التاسع أبى جعفر الجواد (عليه السلام).
(3) الدلجة: السير في الليل.
79
55- وَ عَنْهُ عَنْ عَلِيٍّ(ع)أَنَّهُ قَالَ لِقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ وَ قَدْ قَدِمَ عَلَيْهِ مِنْ مِصْرَ- يَا قَيْسُ إِنَّ لِلْمِحَنِ غَايَاتٍ لَا بُدَّ أَنْ تَنْتَهِيَ إِلَيْهَا- فَيَجِبُ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَنَامَ لَهَا إِلَى إِدْبَارِهَا- فَإِنَّ مُكَابَدَتَهَا بِالْحِيلَةِ عِنْدَ إِقْبَالِهَا زِيَادَةٌ فِيهَا.
56- وَ عَنْهُ(ع)قَالَ: مَنْ وَثِقَ بِاللَّهِ أَرَاهُ السُّرُورَ- وَ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ الْأُمُورَ- وَ الثِّقَةُ بِاللَّهِ حِصْنٌ لَا يَتَحَصَّنُ فِيهِ إِلَّا مُؤْمِنٌ أَمِينٌ- وَ التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ نَجَاةٌ مِنْ كُلِّ سُوءٍ- وَ حِرْزٌ مِنْ كُلِّ عَدُوٍّ- وَ الدِّينُ عِزٌّ وَ الْعِلْمُ كَنْزٌ- وَ الصَّمْتُ نُورٌ وَ غَايَةُ الزُّهْدِ الْوَرَعُ- وَ لَا هَدْمَ لِلدِّينِ مِثْلُ الْبِدَعِ- وَ لَا أَفْسَدَ لِلرِّجَالِ مِنَ الطَّمَعِ- وَ بِالرَّاعِي تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ- وَ بِالدُّعَاءِ تُصْرَفُ الْبَلِيَّةُ- وَ مَنْ رَكِبَ مَرْكَبَ الصَّبْرِ اهْتَدَى إِلَى مِضْمَارِ النَّصْرِ- وَ مَنْ عَابَ عِيبَ وَ مَنْ شَتَمَ أُجِيبَ- وَ مَنْ غَرَسَ أَشْجَارَ التُّقَى اجْتَنَى ثِمَارَ الْمُنَى.
57- وَ قَالَ(ع)أَرْبَعُ خِصَالٍ تُعِينُ الْمَرْءَ عَلَى الْعَمَلِ- الصِّحَّةُ وَ الْغِنَى وَ الْعِلْمُ وَ التَّوْفِيقُ.
58- وَ قَالَ(ع)إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً يَخُصُّهُمْ بِالنِّعَمِ- وَ يُقِرُّهَا فِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا- فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا عَنْهُمْ وَ حَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ.
59- وَ قَالَ: مَا عَظُمَتْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَى أَحَدٍ- إِلَّا عَظُمَتْ عَلَيْهِ مَئُونَةُ النَّاسِ- فَمَنْ لَمْ يَحْتَمِلْ تِلْكَ الْمَئُونَةَ عَرَضَ النِّعْمَةَ لِلزَّوَالِ.
60- وَ قَالَ(ع)أَهْلُ الْمَعْرُوفِ إِلَى اصْطِنَاعِهِ أَحْوَجُ مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ- لِأَنَّ لَهُمْ أَجْرَهُ وَ فَخْرَهُ وَ ذِكْرَهُ- فَمَهْمَا اصْطَنَعَ الرَّجُلُ مِنْ مَعْرُوفٍ- فَإِنَّمَا يَبْدَأُ فِيهِ بِنَفْسِهِ- فَلَا يَطْلُبَنَّ شُكْرَ مَا صَنَعَ إِلَى نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِهِ.
61- وَ قَالَ(ع)مَنْ أَمَّلَ إِنْسَاناً فَقَدْ هَابَهُ- وَ مَنْ جَهِلَ شَيْئاً عَابَهُ- وَ الْفُرْصَةُ خُلْسَةٌ- وَ مَنْ كَثُرَ هَمُّهُ سَقِمَ جَسَدُهُ- وَ الْمُؤْمِنُ لَا يَشْتَفِي غَيْظُهُ- وَ عُنْوَانُ صَحِيفَةِ الْمُؤْمِنِ حُسْنُ خُلُقِهِ.
وَ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عُنْوَانُ صَحِيفَةِ السَّعِيدِ حُسْنُ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ.
62- وَ قَالَ(ع)مَنِ اسْتَغْنَى بِاللَّهِ افْتَقَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ- وَ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ أَحَبَّهُ النَّاسُ وَ إِنْ كَرِهُوا.
80
63- وَ قَالَ(ع)عَلَيْكُمْ بِطَلَبِ الْعِلْمِ فَإِنَّ طَلَبَهُ فَرِيضَةٌ- وَ الْبَحْثَ عَنْهُ نَافِلَةٌ- وَ هُوَ صِلَةٌ بَيْنَ الْإِخْوَانِ- وَ دَلِيلٌ عَلَى الْمُرُوَّةِ- وَ تُحْفَةٌ فِي الْمَجَالِسِ- وَ صَاحِبٌ فِي السَّفَرِ وَ أُنْسٌ فِي الْغُرْبَةِ.
64- وَ قَالَ(ع)الْعِلْمُ عِلْمَانِ مَطْبُوعٌ وَ مَسْمُوعٌ- وَ لَا يَنْفَعُ مَسْمُوعٌ إِذَا لَمْ يَكُ مَطْبُوعٌ- وَ مَنْ عَرَفَ الْحِكْمَةَ لَمْ يَصْبِرْ عَنِ الِازْدِيَادِ مِنْهَا- الْجَمَالُ فِي اللِّسَانِ وَ الْكَمَالُ فِي الْعَقْلِ.
65- وَ قَالَ(ع)الْعَفَافُ زِينَةُ الْفَقْرِ وَ الشُّكْرُ زِينَةُ الْغِنَى- وَ الصَّبْرُ زِينَةُ الْبَلَاءِ- وَ التَّوَاضُعُ زِينَةُ الْحَسَبِ- وَ الْفَصَاحَةُ زِينَةُ الْكَلَامِ- وَ الْعَدْلُ زِينَةُ الْإِيمَانِ وَ السَّكِينَةُ زِينَةُ الْعِبَادَةِ- وَ الْحِفْظُ زِينَةُ الرِّوَايَةِ- وَ خَفْضُ الْجَنَاحِ زِينَةُ الْعِلْمِ- وَ حُسْنُ الْأَدَبِ زِينَةُ الْعَقْلِ وَ بَسْطُ الْوَجْهِ زِينَةُ الْحِلْمِ وَ الْإِيثَارُ زِينَةُ الزُّهْدِ- وَ بَذْلُ الْمَجْهُودِ زِينَةُ النَّفْسِ- وَ كَثْرَةُ الْبُكَاءِ زِينَةُ الْخَوْفِ- وَ التَّقَلُّلُ زِينَةُ الْقَنَاعَةِ- وَ تَرْكُ الْمَنِّ زِينَةُ الْمَعْرُوفِ- وَ الْخُشُوعُ زِينَةُ الصَّلَاةِ- وَ تَرْكُ مَا لَا يَعْنِي زِينَةُ الْوَرَعِ.
66- وَ قَالَ(ع)حَسْبُ الْمَرْءِ مِنْ كَمَالِ الْمُرُوَّةِ تَرْكُهُ مَا لَا يَجْمُلُ بِهِ- وَ مِنْ حَيَائِهِ أَنْ لَا يَلْقَى أَحَداً بِمَا يَكْرَهُ- وَ مِنْ عَقْلِهِ حُسْنُ رِفْقِهِ- وَ مِنْ أَدَبِهِ أَنْ لَا يَتْرُكَ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ- وَ مِنْ عِرْفَانِهِ عِلْمُهُ بِزَمَانِهِ- وَ مِنْ وَرَعِهِ غَضُّ بَصَرِهِ وَ عِفَّةُ بَطْنِهِ- وَ مِنْ حُسْنِ خُلُقِهِ كَفُّهُ أَذَاهُ- وَ مِنْ سَخَائِهِ بِرُّهُ بِمَنْ يَجِبُ حَقُّهُ عَلَيْهِ- وَ إِخْرَاجُهُ حَقَّ اللَّهِ مِنْ مَالِهِ- وَ مِنْ إِسْلَامِهِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ- وَ تَجَنُّبُهُ الْجِدَالَ وَ الْمِرَاءَ فِي دِينِهِ- وَ مِنْ كَرَمِهِ إِيثَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ- وَ مِنْ صَبْرِهِ قِلَّةُ شَكْوَاهُ- وَ مِنْ عَقْلِهِ إِنْصَافُهُ مِنْ نَفْسِهِ- وَ مِنْ حِلْمِهِ تَرْكُهُ الْغَضَبَ عِنْدَ مُخَالَفَتِهِ- وَ مِنْ إِنْصَافِهِ قَبُولُهُ الْحَقَّ إِذَا بَانَ لَهُ- وَ مِنْ نُصْحِهِ نَهْيُهُ عَمَّا لَا يَرْضَاهُ لِنَفْسِهِ- وَ مِنْ حِفْظِهِ جِوَارَكَ تَرْكُهُ تَوْبِيخَكَ عِنْدَ إِسَاءَتِكَ- مَعَ عِلْمِهِ بِعُيُوبِكَ- وَ مِنْ رِفْقِهِ تَرْكُهُ عَذْلَكَ عِنْدَ غَضَبِكَ- بِحَضْرَةِ مَنْ تَكْرَهُ (1)- وَ مِنْ حُسْنِ صُحْبَتِهِ لَكَ- إِسْقَاطُهُ عَنْكَ مَئُونَةَ أَذَاكَ- وَ مِنْ صَدَاقَتِهِ كَثْرَةُ مُوَافَقَتِهِ وَ قِلَّةُ مُخَالَفَتِهِ- وَ مِنْ صَلَاحِهِ شِدَّةُ خَوْفِهِ مِنْ ذُنُوبِهِ- وَ مِنْ شُكْرِهِ مَعْرِفَةُ إِحْسَانِ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ- وَ مِنْ تَوَاضُعِهِ
____________
(1) العذل- محركة-: الملامة.
81
مَعْرِفَتُهُ بِقَدْرِهِ- وَ مِنْ حِكْمَتِهِ عِلْمُهُ بِنَفْسِهِ- وَ مِنْ سَلَامَتِهِ قِلَّةُ حِفْظِهِ لِعُيُوبِ غَيْرِهِ- وَ عِنَايَتُهُ بِإِصْلَاحِ عُيُوبِهِ.
67- وَ قَالَ(ع)لَنْ يَسْتَكْمِلَ الْعَبْدُ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ- حَتَّى يُؤْثِرَ دِينَهُ عَلَى شَهْوَتِهِ- وَ لَنْ يَهْلِكَ حَتَّى يُؤْثِرَ شَهْوَتَهُ عَلَى دِينِهِ.
68- وَ قَالَ(ع)الْفَضَائِلُ أَرْبَعَةُ أَجْنَاسٍ- أَحَدُهَا الْحِكْمَةُ وَ قِوَامُهَا فِي الْفِكْرَةِ- وَ الثَّانِي الْعِفَّةُ وَ قِوَامُهَا فِي الشَّهْوَةِ- وَ الثَّالِثُ الْقُوَّةُ وَ قِوَامُهَا فِي الْغَضَبِ- وَ الرَّابِعُ الْعَدْلُ- وَ قِوَامُهُ فِي اعْتِدَالِ قُوَى النَّفْسِ.
69- وَ قَالَ(ع)الْعَامِلُ بِالظُّلْمِ وَ الْمُعِينُ لَهُ وَ الرَّاضِي بِهِ شُرَكَاءُ.
70- وَ قَالَ(ع)يَوْمُ الْعَدْلِ عَلَى الظَّالِمِ أَشَدُّ مِنْ يَوْمِ الْجَوْرِ عَلَى الْمَظْلُومِ.
71- وَ قَالَ(ع)أَقْصَدُ الْعُلَمَاءِ لِلْمَحَجَّةِ الْمُمْسِكُ عِنْدَ الشُّبْهَةِ- وَ الْجَدَلُ يُورِثُ الرِّيَاءَ (1)- وَ مَنْ أَخْطَأَ وُجُوهَ الْمَطَالِبِ خَذَلَتْهُ الْحِيَلُ- وَ الطَّامِعُ فِي وَثَاقِ الذُّلِّ- وَ مَنْ أَحَبَّ الْبَقَاءَ فَلْيُعِدَّ لِلْمَصَائِبِ قَلْباً صَبُوراً.
72- وَ قَالَ(ع)الْعُلَمَاءُ غُرَبَاءُ لِكَثْرَةِ الْجُهَّالِ بَيْنَهُمْ.
73- وَ قَالَ(ع)الصَّبْرُ عَلَى الْمُصِيبَةِ مُصِيبَةٌ عَلَى الشَّامِتِ بِهَا.
74- وَ قَالَ(ع)التَّوْبَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ دَعَائِمَ- نَدَمٍ بِالْقَلْبِ وَ اسْتِغْفَارٍ بِاللِّسَانِ- وَ عَمَلٍ بِالْجَوَارِحِ وَ عَزْمٍ أَنْ لَا يَعُودَ- وَ ثَلَاثٌ مِنْ عَمَلِ الْأَبْرَارِ- إِقَامَةُ الْفَرَائِضِ وَ اجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ- وَ احْتِرَاسٌ مِنَ الْغَفْلَةِ فِي الدِّينِ- وَ ثَلَاثٌ يُبَلِّغْنَ بِالْعَبْدِ رِضْوَانَ اللَّهِ- كَثْرَةُ الِاسْتِغْفَارِ وَ خَفْضُ الْجَانِبِ وَ كَثْرَةُ الصَّدَقَةِ- وَ أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ- مَنْ أَعْطَى لِلَّهِ وَ مَنَعَ فِي اللَّهِ- وَ أَحَبَّ لِلَّهِ وَ أَبْغَضَ فِيهِ- وَ ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ لَمْ يَنْدَمْ- تَرْكُ الْعَجَلَةِ وَ الْمَشُورَةُ- وَ التَّوَكُّلُ عِنْدَ الْعَزْمِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ.
75- وَ قَالَ(ع)لَوْ سَكَتَ الْجَاهِلُ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ.
76- وَ قَالَ(ع)مَقْتَلُ الرَّجُلِ بَيْنَ لَحْيَيْهِ- وَ الرَّأْيُ مَعَ الْأَنَاةِ- وَ بِئْسَ الظَّهِيرُ الرَّأْيُ الْفَطِيرُ (2).
____________
(1) في بعض نسخ المصدر «يورث الشك».
(2) الفطير: كل ما أعجل عن ادراكه يقال: «اياك و الرأى الفطير» أي بديهى.
82
77- وَ قَالَ(ع)ثَلَاثُ خِصَالٍ تُجْتَلَبُ بِهِنَّ الْمَحَبَّةُ- الْإِنْصَافُ فِي الْمُعَاشَرَةِ وَ الْمُوَاسَاةُ فِي الشِّدَّةِ وَ الِانْطِوَاعِ- وَ الرُّجُوعُ عَلَى قَلْبٍ سَلِيمٍ (1).
78- وَ قَالَ(ع)فَسَادُ الْأَخْلَاقِ بِمُعَاشَرَةِ السُّفَهَاءِ- وَ صَلَاحُ الْأَخْلَاقِ بِمُنَافَسَةِ الْعُقَلَاءِ- وَ الْخَلْقُ أَشْكَالٌ فَ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ- وَ النَّاسُ إِخْوَانٌ- فَمَنْ كَانَتْ إِخْوَتُهُ فِي غَيْرِ ذَاتِ اللَّهِ فَإِنَّهَا تَحُوزُ عَدَاوَةً- وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى- الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (2).
79- وَ قَالَ(ع)مَنِ اسْتَحْسَنَ قَبِيحاً كَانَ شَرِيكاً فِيهِ.
80- وَ قَالَ(ع)كُفْرُ النِّعْمَةِ دَاعِيَةُ الْمَقْتِ- وَ مَنْ جَازَاكَ بِالشُّكْرِ فَقَدْ أَعْطَاكَ أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَ مِنْكَ.
81- وَ قَالَ(ع)لَا يُفْسِدُكَ الظَّنُّ عَلَى صَدِيقٍ وَ قَدْ أَصْلَحَكَ الْيَقِينُ لَهُ- وَ مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ سِرّاً فَقَدْ زَانَهُ- وَ مَنْ وَعَظَهُ عَلَانِيَةً فَقَدْ شَانَهُ- اسْتِصْلَاحُ الْأَخْيَارِ بِإِكْرَامِهِمْ وَ الْأَشْرَارِ بِتَأْدِيبِهِمْ- وَ الْمَوَدَّةُ قَرَابَةٌ مُسْتَفَادَةٌ- وَ كَفَى بِالْأَجَلِ حِرْزاً- وَ لَا يَزَالُ الْعَقْلُ وَ الْحُمْقُ يَتَغَالَبَانِ عَلَى الرَّجُلِ- إِلَى ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً فَإِذَا بَلَغَهَا غَلَبَ عَلَيْهِ أَكْثَرُهُمَا فِيهِ- وَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً- فَعَلِمَ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ جَلَّ اسْمُهُ لَهُ شُكْرَهَا- قَبْلَ أَنْ يُحَمِّدَهُ عَلَيْهَا- وَ لَا أَذْنَبَ ذَنْباً فَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ- إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ- إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَغْفِرَهُ.
82- وَ قَالَ(ع)الشَّرِيفُ كُلُّ الشَّرِيفِ مَنْ شَرَّفَهُ عِلْمُهُ- وَ السُّؤْدُدُ (3) حَقُّ السُّؤْدُدِ لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ رَبَّهُ- وَ الْكَرِيمُ (4) مَنْ أَكْرَمَ عَنْ ذُلِّ النَّارِ وَجْهَهُ.
____________
من غير روية.
(1) الانطواع: الانقياد. و القياس الانطياع بالياء.
(2) الزخرف: 67.
(3) السؤدد: القدر الرفيع، كرم المنصب، السيادة.
(4) كذا و الظاهر سقط «كل الكريم» من قلم الناسخ.
83
83- وَ قَالَ(ع)مَنْ أَمَّلَ فَاجِراً كَانَ أَدْنَى عُقُوبَتِهِ الْحِرْمَانَ.
84- وَ قَالَ(ع)اثْنَانِ عَلِيلَانِ أَبَداً صَحِيحٌ مُحْتَمٍ وَ عَلِيلٌ مُخَلِّطٌ (1)- مَوْتُ الْإِنْسَانِ بِالذُّنُوبِ أَكْثَرُ مِنْ مَوْتِهِ بِالْأَجَلِ- وَ حَيَاتُهُ بِالْبِرِّ أَكْثَرُ مِنْ حَيَاتِهِ بِالْعُمُرِ.
85- وَ قَالَ(ع)لَا تُعَاجِلُوا الْأَمْرَ قَبْلَ بُلُوغِهِ فَتَنْدَمُوا- وَ لَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الْأَمَدُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ- وَ ارْحَمُوا ضُعَفَاءَكُمْ- وَ اطْلُبُوا الرَّحْمَةَ مِنَ اللَّهِ بِالرَّحْمَةِ لَهُمْ.
86- مِنْ كِتَابِ مَطَالِبِ السَّئُولِ (2)، مِنْ كَلَامِهِ(ع)غَرَّكَ عِزُّكَ فَصَارَ قُصَارُ ذَلِكَ ذُلَّكَ- فَاخْشَ فَاحِشَ فِعْلِكَ فَعَلَّكَ بِهَذَا تَهْدَأُ.
87- وَ مِنْ كَلَامِهِ(ع)الْعَالَمُ حَدِيقَةٌ سَيَّاحُهَا الشَّرِيعَةُ- وَ الشَّرِيعَةُ سُلْطَانٌ تَجِبُ لَهُ الطَّاعَةُ- وَ الطَّاعَةُ سِيَاسَةٌ يَقُومُ بِهَا الْمَلِكُ- وَ الْمَلِكُ رَاعٍ يَعْضُدُهُ الْجَيْشُ- وَ الْجَيْشُ أَعْوَانٌ يَكْفُلُهُمُ الْمَالُ- وَ الْمَالُ رِزْقٌ يَجْمَعُهُ الرَّعِيَّةُ- وَ الرَّعِيَّةُ سَوَادٌ يَسْتَعْبِدُهُمُ الْعَدْلُ- وَ الْعَدْلُ أَسَاسٌ بِهِ قِوَامُ الْعَالَمِ.
88- نهج (3)، نهج البلاغة قَالَ(ع)الْأَقَاوِيلُ مَحْفُوظَةٌ وَ السَّرَائِرُ مَبْلُوَّةٌ (4)- وَ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ- وَ النَّاسُ مَنْقُوصُونَ مَدْخُولُونَ إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ (5)- سَائِلُهُمْ مُتَعَنِّتٌ وَ مُجِيبُهُمْ مُتَكَلِّفٌ- يَكَادُ أَفْضَلُهُمْ رَأْياً يَرُدُّهُ عَنْ فَضْلِ رَأْيِهِ الرِّضَا وَ السُّخْطُ- وَ يَكَادُ أَصْلَبُهُمْ عُوداً تَنْكَؤُهُ اللَّحْظَةُ- وَ تَسْتَحِيلُهُ الْكَلِمَةُ الْوَاحِدَةُ (6)- مَعَاشِرَ النَّاسِ اتَّقُوا اللَّهَ
____________
(1) احتمى المريض: امتنع و منه اتقاه. و خلط المريض- من باب التفعيل-:
أكل ما يضرّه.
(2) المصدر ص 61.
(3) المصدر أبواب الحكم تحت رقم 343.
(4) بلاها اللّه و اختبرها و علمها. يريد أن ظاهر الاعمال و خفيها معلوم للّه.
(5) منقوصون: أى مغبونون. أو مأخوذون عن رشدهم و كمالهم. و مدخولون أي مغشوشون مصابون بالدخل- محركة- و هو مرض العقل و القلب.
(6) أصلبهم: أى أثبتهم قدما في دينه. و تنكؤه- كتمنعه- أى تسيل جرحه و تأخذ بقلبه. و اللحظة: النظرة الى مشتهى. و تسحيله: تحوله عما هو عليه، أراد اللحظة و الكلمة ممن تستهويه الدنيا و تسحيله لغيره.
84
فَكَمْ مِنْ مُؤَمِّلٍ مَا لَا يَبْلُغُهُ- وَ بَانٍ مَا لَا يَسْكُنُهُ وَ جَامِعٍ مَا سَوْفَ يَتْرُكُهُ- وَ لَعَلَّهُ مِنْ بَاطِلٍ جَمَعَهُ وَ مِنْ حَقٍّ مَنَعَهُ- أَصَابَهُ حَرَاماً وَ احْتَمَلَ بِهِ آثَاماً- فَبَاءَ بِوِزْرِهِ وَ قَدِمَ عَلَى رَبِّهِ آسِفاً لَاهِفاً- قَدْ خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ- ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ
89- وَ قَالَ(ع)(1) الْمَنِيَّةُ وَ لَا الدَّنِيَّةُ وَ التَّقَلُّلُ وَ لَا التَّوَسُّلُ (2)- وَ مَنْ لَمْ يُعْطِ قَاعِداً لَمْ يُعْطَ قَائِماً وَ الدَّهْرُ يَوْمَانِ يَوْمٌ لَكَ وَ يَوْمٌ عَلَيْكَ- فَإِذَا كَانَ لَكَ فَلَا تَبْطَرْ- وَ إِذَا كَانَ عَلَيْكَ فَاصْبِرْ.
90- وَ قَالَ(ع)(3) مِسْكِينٌ ابْنُ آدَمَ مَكْتُومُ الْأَجَلِ مَكْنُونُ الْعِلَلِ- مَحْفُوظُ الْعَمَلِ- تُؤْلِمُهُ الْبَقَّةُ وَ تَقْتُلُهُ الشَّرْقَةُ- وَ تُنَتِّنُهُ الْعَرْقَةُ (4).
91- كَنْزُ الْكَرَاجُكِيِ (5)، وَ رُوِيَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مَرَّ عَلَى الْمَدَائِنِ- فَلَمَّا رَأَى آثَارَ كِسْرَى وَ قُرْبَ خَرَابِهَا- قَالَ رَجُلٌ مِمَّنْ مَعَهُ-
جَرَتِ الرِّيَاحُ عَلَى رُسُومِ دِيَارِهِمْ* * * - فَكَأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى مِيعَادٍ-
فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَ فَلَا قُلْتُمْ- كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ- وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ- وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ- كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ- فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ وَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ (6).
92- مِنْ كِتَابِ مَطَالِبِ السَّئُولِ (7)، لِكَمَالِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ مِنْ
____________
(1) النهج أبواب الحكم تحت رقم 396.
(2) المنية: الموت. و الدنية: التذلل و النفاق. و التقليل: الاكتفاء بالقليل.
يعنى الشريف يرضى بالقليل و لا يتوسل الى الناس أو الدنيا.
(3) النهج أبواب الحكم تحت رقم 419.
(4) البقة: حيوان عدسى مفرطح، خبيث الرائحة، لذاع. و شرق بريقه غص.
و العرقة واحدة العرق.
(5) المصدر ص 145.
(6) الدخان: 25 الى 29.
(7) المصدر ص 61.
85
نَظْمِهِ ع
دَلِيلُكَ أَنَّ الْفَقْرَ خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى* * * -وَ أَنَّ قَلِيلَ الْمَالِ خَيْرٌ مِنَ الْمُثْرِي (1)-
لِقَاؤُكَ مَخْلُوقاً عَصَى اللَّهَ بِالْغِنَى* * * -وَ لَمْ تَرَ مَخْلُوقاً عَصَى اللَّهَ بِالْفَقْرِ
وَ قَوْلُهُ
لِكُلِّ اجْتِمَاعٍ مِنْ خَلِيلَيْنِ فُرْقَةٌ* * * -وَ كُلُّ الَّذِي دُونَ الْوَفَاةِ قَلِيلٌ-
وَ إِنَّ افْتِقَادِي وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ* * * -دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَا يَدُومَ خَلِيلٌ
وَ قَوْلُهُ
عَلِّلِ النَّفْسَ بِالْكَفَافِ وَ إِلَّا* * * -طَلَبَتْ مِنْكَ فَوْقَ مَا يَكْفِيهَا-
مَا لِمَا قَدْ مَضَى وَ لَا لِلَّذِي لَمْ* * * -يَأْتِ مِنْ لَذَّةٍ لِمُسْتَحِلِّيهَا-
إِنَّمَا أَنْتَ طُولَ مُدَّةِ مَا* * * -عُمِّرْتَ كَالسَّاعَةِ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا
وَ قَوْلُهُ(ع)يَرْثِي رَسُولَ اللَّهِ ص
أَ مِنْ بَعْدِ تَكْفِينِ النَّبِيِّ وَ دَفْنِهِ* * * -بِأَثْوَابِهِ آسَى عَلَى هَالِكٍ ثَوَى-
رُزِينَا رَسُولَ اللَّهِ فِينَا فَلَنْ نَرَى* * * -بِذَاكَ عَدِيلًا مَا حَيِينَا مِنَ الرَّزَى-
وَ كَانَ لَنَا كَالْحِصْنِ مِنْ دُونِ أَهْلِهِ* * * -لَهُمْ مَعْقِلٌ فِيهَا حَصِينٌ مِنَ الْعِدَى-
وَ كُنَّا بِمَرْآهُ نَرَى النُّورَ وَ الْهُدَى* * * -صَبَاحَ مَسَاءَ رَاحَ فِينَا أَوِ اغْتَدَى-
فَقَدْ غَشِيَتْنَا ظُلْمَةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ* * * -نَهَاراً وَ قَدْ زَادَتْ عَلَى ظُلْمَةِ الدُّجَى-
فَيَا خَيْرَ مَنْ ضَمَّ الْجَوَانِحَ وَ الْحَشَا* * * -وَ يَا خَيْرَ مَيْتٍ ضَمَّهُ التُّرْبُ وَ الثَّرَى-
كَأَنَّ أُمُورَ النَّاسِ بَعْدَكَ ضُمِّنَتْ* * * -سَفِينَةَ مَوْجِ الْبَحْرِ وَ الْبَحْرُ قَدْ سَمَا (2)-
وَ ضَاقَ فَضَاءُ الْأَرْضِ عَنْهُمْ بِرُحْبِهِ* * * -لِفَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ إِذْ قِيلَ قَدْ مَضَى-
فَقَدْ نَزَلَتْ لِلْمُسْلِمِينَ مُصِيبَةٌ* * * -كَصَدْعِ الصَّفَا لَا شِعْبَ لِلصَّدْعِ فِي الصَّفَا-
فَلَنْ يَسْتَقِلَّ النَّاسُ تِلْكَ مُصِيبَةً* * * -وَ لَنْ يُجْبَرَ الْعَظْمُ الَّذِي مِنْهُمُ وَهَى-
وَ فِي كُلِّ وَقْتٍ لِلصَّلَاةِ يَهِيجُهُ* * * -بِلَالٌ وَ يَدْعُو بِاسْمِهِ كُلُّ مَنْ دَعَا-
____________
(1) المثرى من الثروة و هو كثير المال. (2) في المصدر «و البحر قد طمى» و راجع في شرح مشكل هذه الاشعار أواخر ج 12
86
وَ يَطْلُبُ أَقْوَامٌ مَوَارِيثَ هَالِكٍ* * * -وَ فِينَا مَوَارِيثُ النُّبُوَّةِ وَ الْهُدَى
.
وَ قَدْ نُقِلَتْ (1) هَذِهِ الْمَرْثِيَةُ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أُخْرَى فَمَا رَأَيْتُ إِسْقَاطَهَا فَأُثَبِّتُهَا عَلَى صُورَتِهَا وَ هِيَ هَذِهِ
أَ مِنْ بَعْدِ تَكْفِينِ النَّبِيِّ وَ دَفْنِهِ* * * -بِأَثْوَابِهِ آسَى عَلَى مَيِّتٍ ثَوَى-
لَقَدْ غَابَ فِي وَقْتِ الظَّلَامِ لِدَفْنِهِ* * * -عَنِ النَّاسِ مَنْ هُوَ خَيْرُ مَنْ وَطِئَ الْحَصَا-
رُزِينَا رَسُولَ اللَّهِ فِينَا فَلَنْ نَرَى* * * -لِذَاكَ عَدِيلًا مَا حَيِينَا مِنَ الرَّزَى-
رُزِينَا رَسُولَ اللَّهِ فِينَا وَ وَحْيَهُ* * * -فَخَيْرُ خِيَارٍ مَا رُزِينَا وَ لَا سِوَى-
فَمِثْلُ رَسُولِ اللَّهِ إِذْ حَانَ يَوْمُهُ* * * -لِفِقْدَانِهِ فَلْيَبْكِ يَا عَيْشُ مَنْ بَكَى-
وَ كَانَ لَنَا كَالْحِصْنِ مِنْ دُونِ أَهْلِهِ* * * -لَهُمْ مَعْقِلٌ مِنْهُ حَصِينٌ مِنَ الْعِدَى-
وَ كُنَّا بِرُؤْيَاهُ نَرَى النُّورَ وَ الْهُدَى* * * -صَبَاحَ مَسَاءَ رَاحَ فِينَا أَوِ اغْتَدَى-
فَقَدْ غَشِيَتْنَا ظُلْمَةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ* * * -نَهَاراً فَقَدْ زَادَتْ عَلَى ظُلْمَةِ الدُّجَى-
وَ كُنَّا بِهِ شَمَّ الْأَنُوفِ بِنَجْوَةٍ* * * -عَلَى مَوْضِعٍ لَا يُسْتَطَاعُ وَ لَا يَرَى-
فَيَا خَيْرَ مَنْ ضَمَّ الْجَوَانِحَ وَ الْحَشَا* * * -وَ يَا خَيْرَ مَيْتٍ ضَمَّهُ التُّرْبُ وَ الثَّرَى-
كَأَنَّ أُمُورَ النَّاسِ بَعْدَكَ ضُمِّنَتْ* * * -سَفِينَةَ مَوْجِ الْبَحْرِ وَ الْبَحْرُ قَدْ طَمَى-
وَ هُمْ كَالْأُسَارَى مِنْ تَوَقُّعِ هَجْمَةٍ* * * -مِنَ الشَّرِّ يَرْجُو مَنْ رَجَاهَا عَلَى شَفَا-
وَ ضَاقَ فَضَاءُ الْأَرْضِ عَنْهُمْ بِرُحْبِهِ* * * -لِفَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ إِذْ قِيلَ قَدْ قَضَى-
فَيَا لَانْقِطَاعُ الْوَحْيِ عَنَّا بِنُورِهِ* * * -إِذَا أَمْرُنَا أَعْشَى لِفَقْدِكَ أَوْ دَجَى-
لَقَدْ نَزَلَتْ بِالْمُسْلِمِينَ مُصِيبَةٌ* * * -كَصَدْعِ الصَّفَا لَا شِعْبَ لِلصَّدْعِ فِي الصَّفَا-
فَيَا حُزْنَنَا إِنَّا رُزِينَا نَبِيَّنَا* * * -عَلَى حِينَ تَمَّ الدِّينُ وَ اشْتَدَّتِ الْقُوَى-
فَلَنْ يَسْتَقِلَّ النَّاسُ تِلْكَ مُصِيبَةً* * * -وَ لَنْ يُجْبَرَ الْعَظْمُ الَّذِي مِنْهُمْ وَهَى-
كَأَنَّا لِأُولَى شُبْهَةٍ سَفْرُ لَيْلَةٍ* * * -أَضَلُّوا الْهُدَى لَا نَجْمَ فِيهَا وَ لَا ضَوَا-
فَيَا مَنْ لِأَمْرٍ اعْتَرَانَا بِظُلْمَةٍ* * * -وَ كُنْتَ لَهُ بِالنُّورِ فِينَا إِذَا اعْتَرَى-
____________
(1) من كلام المؤلّف أو أحد تلاميذه لان ما يأتي من المراثى الى قوله «الا طرق الناعى» ليس في مطالب السئول
87
فَتَجْلُو الْعَمَى عَنَّا فَيُصْبِحُ مُسْفِراً* * * -لَنَا الْحَقُّ مِنْ بَعْدِ الرَّخَا مُسْفِرَ اللِّوَا-
وَ تَجْلُو بِنُورِ اللَّهِ عَنَّا وَ وَحْيِهِ* * * -عَمَى الشِّرْكِ حَتَّى يَذْهَبَ الشَّكُّ وَ الْعَمَى-
تَطَاوَلَ لَيْلِي أَنَّنِي لَا أَرَى لَهُ* * * -شَبِيهاً وَ لَمْ يُدْرِكْ لَهُ الْخَلْقُ مُنْتَهَى-
وَ فِي كُلِّ وَقْتٍ لِلصَّلَاةِ يَهِيجُهُ* * * -بِلَالٌ وَ يَدْعُو بِاسْمِهِ كُلُّ مَنْ دَعَا-
يُذَكِّرُنِي رُؤْيَا الرَّسُولِ بِدَعْوَةٍ* * * -يُنَوِّهُ فِيهَا بِاسْمِهِ كُلُّ مَنْ دَعَا-
فَوَلَّى أَبَا بَكْرٍ إِمَامَ صَلَاتِنَا* * * -وَ كَانَ الرِّضَا مِنَّا لَهُ حِينَ يُجْتَبَى-
أَبَى الصَّبْرُ إِلَّا أَنْ يَقُومَ مَقَامَهُ* * * -وَ خَافَ بِأَنْ يَقْلِبَ الصَّبْرَ وَ الْعَنَا
(1).
وَ قَوْلُهُ(ع)يَرْثِيهِ ص (2)
أَلَا طَرَقَ النَّاعِي بِلَيْلٍ فَرَاعَنِي* * * -وَ أَرَّقَنِي لَمَّا اسْتَهَلَّ مُنَادِياً-
فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا رَأَيْتُ الَّذِي أَتَى* * * -أَ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ إِذْ كُنْتَ نَاعِياً-
فَحُقِّقَ مَا أَشْفَقْتُ مِنْهُ وَ لَمْ يُبَلْ* * * -وَ كَانَ خَلِيلِي عِزَّنَا وَ جُمَالِياً-
فَوَ اللَّهِ مَا أَنْسَاكَ أَحْمَدُ مَا مَشَتْ* * * -بِيَ الْعِيسُ فِي أَرْضٍ تَجَاوَزْنَ وَادِياً-
وَ كُنْتُ مَتَى أَهْبِطُ مِنَ الْأَرْضِ تَلْعَةً* * * -أَرَى أَثَراً مِنْهُ جَدِيداً وَ عَافِياً-
شَدِيدٌ جَرِيُّ الصَّدْرِ نَهْدٌ مُصَدَّرٌ* * * -هُوَ الْمَوْتُ مَعْذُورٌ عَلَيْهِ وَ عَادِياً
وَ مِمَّا نُقِلَ عَنْهُ(ع)قَوْلُهُ وَ قِيلَ هُمَا لِغَيْرِهِ
زَعَمَ الْمُنَجِّمُ وَ الطَّبِيبُ كِلَاهُمَا* * * -أَنْ لَا مَعَادَ فَقُلْتُ ذَاكَ إِلَيْكُمَا-
إِنْ صَحَّ قَوْلُكُمَا فَلَسْتُ بِخَاسِرٍ* * * -أَوْ صَحَّ قَوْلِي فَالْوَبَالُ عَلَيْكُمَا
وَ مِمَّا نُقِلَ عَنْهُ(ع)قَوْلُهُ
وَ لِي فَرَسٌ لِلْخَيْرِ بِالْخَيْرِ مُلْجَمٌ* * * -وَ لِي فَرَسٌ لِلشَّرِّ بِالشَّرِّ مُسْرَجٌ-
فَمَنْ رَامَ تَقْوِيمِي فَإِنِّي مُقَوَّمٌ* * * -وَ مَنْ رَامَ تَعْوِيجِي فَإِنِّي مُعَوَّجٌ
وَ مِمَّا نُقِلَ عَنْهُ(ع)قَوْلُهُ
وَ لَوْ أَنِّي أُطِعْتُ حَمَلْتُ قَوْمِي* * * -عَلَى رُكْنِ الْيَمَامَةِ وَ الشَّامِ-
____________
(1) كذا، و ما أدرى من أي كتاب نقلها هنا من نقلها مع لحن الألفاظ و تكرارها و ما دس فيها من زيادة بعض الأبيات. (2) مطالب السئول ص 62
88
وَ لَكِنِّي مَتَى أَبْرَمْتُ أَمْراً* * * -تُنَازِعُنِي أَقَاوِيلُ الطَّغَامِ
وَ قَوْلُهُ يَرْثِي عَمَّهُ حَمْزَةَ لَمَّا قُتِلَ بِأُحُدٍ
أَتَانِي أَنَّ هِنْداً حِلَّ صَخْرٍ* * * -دَعَتْ دَرَكاً وَ بَشَّرَتِ الْهُنُودَا-
فَإِنْ تَفْخَرْ بِحَمْزَةَ يَوْمَ وَلَّى* * * -مَعَ الشُّهَدَاءِ مُحْتَسِباً شَهِيداً-
فَإِنَّا قَدْ قَتَلْنَا يَوْمَ بَدْرٍ* * * -أَبَا جَهْلٍ وَ عُتْبَةَ وَ الْوَلِيدَا-
وَ شَيْبَةَ قَدْ قَتَلْنَا يَوْمَ أُحُدٍ* * * -عَلَى أَثْوَابِهِ عَلَقاً جَسِيداً-
فَبُوِّئَ فِي جَهَنَّمَ شَرِّ دَارٍ* * * -عَلَيْهِ لَمْ يَجِدْ عَنْهَا مَحِيداً-
فَمَا سِيَّانِ مَنْ هُوَ فِي حَمِيمٍ* * * -يَكُونُ شَرَابُهُ فِيهَا صَدِيداً-
وَ مَنْ هُوَ فِي الْجِنَانِ يُدَرُّ فِيهَا* * * -عَلَيْهِ الرِّزْقُ مُغْتَبِطاً حَمِيداً
وَ قَوْلُهُ
أَلَا أَيُّهَا الْمَوْتُ الَّذِي لَيْسَ تَارِكِي* * * -أَرِحْنِي فَقَدْ أَفْنَيْتَ كُلَّ خَلِيلٍ-
أَرَاكَ بَصِيراً بِالَّذِينَ أُحِبُّهُمْ* * * -كَأَنَّكَ تَسْعَىنَحْوَهُمْ بِدَلِيلٍ
.
وَ قَوْلُهُ أَيْضاً فِيهِ يَرْثِيهِ
رَأَيْتُ الْمُشْرِكِينَ بَغَوْا عَلَيْنَا* * * -وَ لَجُّوا فِي الْغَوَايَةِ وَ الضَّلَالِ-
وَ قَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ إِذْ نَفَرْنَا* * * -غَدَاةَ الرَّوْعِ بِالْأَسَلِ النَّبَالِ-
فَإِنْ يَبْغُوا وَ يَفْتَخِرُوا عَلَيْنَا* * * -بِحَمْزَةَ فَهْوَ فِي غُرَفِ الْعَوَالِي-
فَقَدْ أَوْدَى بِعُتْبَةَ يَوْمَ بَدْرٍ* * * -وَ قَدْ أَبْلَى وَ جَاهَدَ غَيْرَ آلٍ-
وَ قَدْ غَادَرْتُ كَبْشَهُمْ جِهَاداً* * * -بِحَمْدِ اللَّهِ طَلْحَةَ فِي الْمَجَالِ-
فَخَرَّ لِوَجْهِهِ وَ رَفَعْتُ عَنْهُ* * * -رَقِيقَ الْحَدِّ حُودِثَ بِالصِّقَالِ
- وَ حَضَرَ لَدَيْهِ إِنْسَانٌ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- أَسْأَلُكَ أَنْ تُخْبِرَنِي عَنْ وَاجِبٍ وَ أَوْجَبَ- وَ عَجَبٍ وَ أَعْجَبَ وَ صَعْبٍ وَ أَصْعَبَ- وَ قَرِيبٍ وَ أَقْرَبَ- فَمَا انْبَجَسَ بَيَانُهُ بِكَلِمَاتِهِ- وَ لَا خَنَسَ لِسَانُهُ فِي لَهَوَاتِهِ حَتَّى أَجَابَهُ(ع)بِأَبْيَاتِهِ- وَ قَالَ-
تَوْبُ رَبِّ الْوَرَى وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ* * * -وَ تَرْكُهُمْ لِلذُّنُوبِ أَوْجَبُ-
وَ الدَّهْرُ فِي صَرْفِهِ عَجِيبٌ* * * -وَ غَفْلَةُ النَّاسِ فِيهِ أَعْجَبُ-
89
وَ الصَّبْرُ فِي النَّائِبَاتِ صَعْبٌ* * * -لَكِنَّ فَوْتَ الثَّوَابِ أَصْعَبُ-
وَ كُلُّ مَا يُرْتَجَى قَرِيبٌ* * * -وَ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ ذَاكَ أَقْرَبُ
فيا ما أوضح لذوي الهداية جوابه المتين و يا ما أفصح عند أولي الدراية نظم خطابه المستبين فلقد عبر أسلوبا من علم البيان مستوعرا عند المتأدبين و مهد مطلوبا من حقيقة الإيمان مستعذبا عند المقربين.
وَ قَالَ(ع)إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا فَأَنْفِقْ مِنْهَا فَإِنَّهَا لَا بقى [تَبْقَى- وَ إِذَا مَا أَدْبَرَتْ فَأَنْفِقْ مِنْهَا فَإِنَّهَا لَا تَفْنَى وَ أَنْشَدَ-
لَا تَبْخَلَنَّ بِدُنْيَا وَ هِيَ مُقْبِلَةٌ* * * -فَلَيْسَ يَنْقُصُهَا التَّبْذِيرُ وَ السَّرَفُ-
وَ إِنْ تَوَلَّتْ فَأَحْرَى أَنْ تَجُودَ بِهَا* * * -فَالْحَمْدُ مِنْهَا إِذَا مَا أَدْبَرَتْ خَلَفٌ
وَ قَوْلُهُ ع
إِذَا جَادَتِ الدُّنْيَا عَلَيْكَ فَجُدْ بِهَا* * * -عَلَى الْخَلْقِ طُرّاً إِنَّهَا تَتَقَلَّبُ-
فَلَا الْجُودُ يُفْنِيهَا إِذَا هِيَ أَقْبَلَتْ* * * -وَ لَا الْبُخْلُ يُبْقِيهَا إِذَا هِيَ تَذْهَبُ
.
وَ قَوْلُهُ ع
أَصُمُّ عَنِ الْكَلِمِ الْمُحَفَّظَاتِ* * * -وَ أَحْلُمُ وَ الْحِلْمُ بِي أَشْبَهُ-
وَ إِنِّي لَأَتْرُكُ بَعْضَ الْكَلَامِ* * * -لِئَلَّا أُجَابَ بِمَا أَكْرَهُ-
إِذَا مَا اجْتَرَرْتُ سِفَاهَ السَّفِيهِ* * * -عَلَيَّ فَإِنِّي إِذَنْ أَسْفَهُ-
فَلَا تَغْتَرِرْ بِرُوَاءِ الرِّجَالِ* * * -وَ إِنْ زَخْرَفُوا لَكَ أَوْ مَوَّهُوا-
فَكَمْ مِنْ فَتًى تُعْجِبُ النَّاظِرِينَ* * * -لَهُ أَلْسُنٌ وَ لَهُ أَوْجُهٌ
وَ قَوْلُهُ ع
أَتَمُّ النَّاسِ أَعْلَمُهُمْ بِنَقْصِهِ* * * -وَ أَقْمَعُهُمْ لِشَهْوَتِهِ وَ حِرْصِهِ-
فَلَا تَسْتَغْلِ عَافِيَةً بِشَيْءٍ* * * -وَ لَا تَسْتَرْخِصَنَّ دَاءً لِرَخْصِهِ
93- الدُّرَّةُ الْبَاهِرَةُ مِنَ الْأَصْدَافِ الطَّاهِرَةِ (1)، قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)الْعَفْوُ عَنِ الْمُقِرِّ لَا عَنِ الْمُصِرِّ- وَ مَا أَقْبَحَ الْخُشُوعَ عِنْدَ الْحَاجَةِ- وَ الْجَفَاءَ عِنْدَ الْغِنَاءِ
____________
(1) مخطوط.
90
بَلَاءُ الْإِنْسَانِ مِنَ اللِّسَانِ- اللِّسَانُ سَبُعٌ إِنْ خُلِّيَ عَنْهُ عَقَرَ الْعَافِيَةَ- وَ الْعَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ- تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي الصَّمْتِ إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ- وَ وَاحِدٌ فِي تَرْكِ مُجَالَسَةِ السُّفَهَاءِ- وَ الْعَاقِلُ مَنْ رَفَضَ الْبَاطِلَ- عِمَادُ الدِّينِ الْوَرَعُ وَ فَسَادُهُ الطَّمَعُ.
94- دَعَوَاتُ الرَّاوَنْدِيِ (1)، قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)كَيْفَ يَكُونُ حَالُ مَنْ يَفْنَى بِبَقَائِهِ- وَ يَسْقَمُ بِصِحَّتِهِ وَ يُؤْتَى مَا مِنْهُ يَفِرُّ.
وَ قَالَ(ع)فِي كُلِّ جُرْعَةٍ شَرْقَةٌ وَ مَعَ كُلِّ أُكْلَةٍ غُصَّةٌ- وَ قَالَ النَّاسُ فِي أَجَلٍ مَنْقُوصٍ وَ عَمَلٍ مَحْفُوظٍ.
نهج (2)، نهج البلاغة قَالَ: عَيْبُكَ مَسْتُورٌ مَا أَسْعَدَكَ جَدُّكَ.
95- كَنْزُ الْكَرَاجُكِيِ (3)، قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مَنْ ضَاقَ صَدْرُهُ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى أَدَاءِ حَقٍّ- مَنْ كَسِلَ لَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ- مَنْ عَظَّمَ أَوَامِرَ اللَّهِ أَجَابَ سُؤَالَهُ- مَنْ تَنَزَّهَ عَنْ حُرُمَاتِ اللَّهِ سَارَعَ إِلَيْهِ عَفْوُ اللَّهِ- وَ مَنْ تَوَاضَعَ قَلْبُهُ لِلَّهِ لَمْ يَسْأَمْ بَدَنُهُ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ- الدَّاعِي بِلَا عَمَلٍ كَالرَّامِي بِلَا وَتَرٍ- لَيْسَ مَعَ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ نَمَاءٌ- وَ لَا مَعَ الْفُجُورِ غِنًى- عِنْدَ تَصْحِيحِ الضَّمَائِرِ تُغْفَرُ الْكَبَائِرُ- تَصْفِيَةُ الْعَمَلِ خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ- عِنْدَ الْخَوْفِ يَحْسُنُ الْعَمَلُ- رَأْسُ الدِّينِ صِحَّةُ الْيَقِينِ- أَفْضَلُ مَا لَقِيتَ اللَّهَ بِهِ نَصِيحَةٌ مِنْ قَلْبٍ وَ تَوْبَةٌ مِنْ ذَنْبٍ- إِيَّاكُمْ وَ الْجِدَالَ فَإِنَّهُ يُورِثُ الشَّكَّ فِي دِينِ اللَّهِ- بِضَاعَةُ الْآخِرَةِ كَاسِدَةٌ- فَاسْتَكْثِرُوا مِنْهَا فِي أَوَانِ كَسَادِهَا- دُخُولُ الْجَنَّةِ رَخِيصٌ وَ دُخُولُ النَّارِ غَالٍ- التَّقِيُّ سَابِقٌ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ- مَنْ غَرَسَ أَشْجَارَ التُّقَى جَنَى ثِمَارَ الْهُدَى- الْكَرِيمُ مَنْ أَكْرَمَ عَنْ ذُلِّ النَّارِ وَجْهَهُ- ضَاحِكٌ مُعْتَرِفٌ بِذَنْبِهِ أَفْضَلُ مِنْ بَاكٍ مُدِلٍّ عَلَى رَبِّهِ- مَنْ عَرَفَ عَيْبَ نَفْسِهِ اشْتَغَلَ عَنْ عَيْبِ غَيْرِهِ- مَنْ نَسِيَ خَطِيئَتَهُ اسْتَعْظَمَ خَطِيئَةَ غَيْرِهِ- وَ مَنْ نَظَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ- وَ رَضِيَهَا لِنَفْسِهِ فَذَاكَ الْأَحْمَقُ بِعَيْنِهِ- كَفَاكَ أَدَبُكَ لِنَفْسِكَ مَا كَرِهْتَهُ
____________
(1) مخطوط.
(2) المصدر باب الحكم و المواعظ تحت رقم 51. و الجد- بالفتح-: الحظ أي ما دامت الدنيا مقبلة عليك.
(3) المصدر ص 128.
91
لِغَيْرِكَ- اتَّعِظْ بِغَيْرِكَ وَ لَا تَكُنْ مُتَّعِظاً بِكَ- لَا خَيْرَ فِي لَذَّةٍ تُعْقِبُ نَدَامَةً- تَمَامُ الْإِخْلَاصِ تَجَنُّبُ الْمَعَاصِي- مِنْ أَحَبِّ الْمَكَارِمِ اجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ- جَهْلُ الْمَرْءِ بِعُيُوبِهِ مِنْ أَكْبَرِ ذُنُوبِهِ- مَنْ أَحَبَّكَ نَهَاكَ وَ مَنْ أَبْغَضَكَ أَغْرَاكَ- مَنْ أَسَاءَ اسْتَوْحَشَ مَنْ عَابَ عِيبَ وَ مَنْ شَتَمَ أُجِيبَ- أَدُّوا الْأَمَانَةَ وَ لَوْ إِلَى قَاتِلِ الْأَنْبِيَاءِ- الرَّغْبَةُ مِفْتَاحُ الْعَطَبِ وَ التَّعَبُ مَطِيَّةُ النَّصَبِ- وَ الشَّرُّ دَاعٍ إِلَى التَّقَحُّمِ فِي الذُّنُوبِ- وَ مَنْ تَوَرَّطَ فِي الْأُمُورِ غَيْرَ نَاظِرٍ فِي الْعَوَاقِبِ- فَقَدْ تَعَرَّضَ لِمَدْرَجَاتِ النَّوَائِبِ- مَنْ لَزِمَ الِاسْتِقَامَةَ لَزِمَتْهُ السَّلَامَةُ.
96- وَ قَالَ(ع)(1) الْعَفَافُ زِينَةُ الْفَقْرِ وَ الشُّكْرُ زِينَةُ الْغِنَى- وَ الصَّبْرُ زِينَةُ الْبَلَاءِ وَ التَّوَاضُعُ زِينَةُ الْحَسَبِ- وَ الْفَصَاحَةُ زِينَةُ الْكَلَامِ- وَ الْعَدْلُ زِينَةُ الْإِمَارَةِ وَ السَّكِينَةُ زِينَةُ الْعِبَادَةِ- وَ الْحِفْظُ زِينَةُ الرِّوَايَةِ- وَ خَفْضُ الْجَنَاحِ زِينَةُ الْعِلْمِ- وَ حُسْنُ الْأَدَبِ زِينَةُ الْعَقْلِ- وَ بَسْطُ الْوَجْهِ زِينَةُ الْحِلْمِ- وَ الْإِيثَارُ زِينَةُ الزُّهْدِ- وَ بَذْلُ الْمَجْهُودِ زِينَةُ الْمَعْرُوفِ- وَ الْخُشُوعُ زِينَةُ الصَّلَاةِ- تَرْكُ مَا لَا يَعْنِي زِينَةُ الْوَرَعِ.
97- وَ مِنْ بَدِيعِ كَلَامِهِ(ع)(2) أَنَّ رَجُلًا قَطَعَ عَلَيْهِ خُطْبَتَهُ- وَ قَالَ لَهُ صِفْ لَنَا الدُّنْيَا- فَقَالَ أَوَّلُهَا عَنَاءٌ وَ آخِرُهَا بَلَاءٌ- حَلَالُهَا حِسَابٌ حَرَامُهَا عِقَابٌ- مَنْ صَحَّ فِيهَا أَمِنَ وَ مَنْ مَرِضَ فِيهَا نَدِمَ- وَ مَنِ اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ وَ مَنِ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ- وَ مَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ وَ مَنْ قَعَدَ عَنْهَا أَتَتْهُ- وَ مَنْ نَظَرَ إِلَيْهَا أَلْهَتْهُ وَ مَنْ تَهَاوَنَ بِهَا نَصَرَتْهُ- ثُمَّ عَاوَدَ إِلَى مَكَانِهِ مِنْ خُطْبَتِهِ.
98- كَنْزُ الْكَرَاجُكِيِ (3)، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)الْجَوَادُ مَنْ بَذَلَ مَا يَضَنُّ بِنَفْسِهِ- مَنْ كَرُمَ أَصْلُهُ حَسُنَ فِعْلُهُ.
وَ قَالَ(ع)(4) أَزْرَى بِنَفْسِهِ مَنِ اسْتَشْعَرَ الطَّمَعَ- مَنْ أَهْوَى إِلَى مُتَفَاوِتِ الْأُمُورِ خَذَلَتْهُ الرَّغْبَةُ- أَشْرَفُ الْغِنَى تَرْكُ الْمُنَى- مَنْ تَرَكَ الشَّهَوَاتِ كَانَ حُرّاً- الْحِرْصُ مِفْتَاحُ التَّعَبِ- وَ دَاعٍ إِلَى التَّقَحُّمِ فِي الذُّنُوبِ- وَ الشَّرَهُ جَامِعٌ لِمَسَاوِي الْعُيُوبِ- الْحِرْصُ عَلَامَةُ الْفَقْرِ- مَنْ أَطْلَقَ طَرْفَهُ كَثُرَ أَسَفُهُ- قَلَّمَا تُصَدِّقُكَ الْأُمْنِيَّةُ- رُبَ
____________
(1) الكنز ص 138.
(2) المصدر ص 160.
(3) المصدر ص 163.
(4) المصدر ص 163.
92
طَمَعٍ كَاذِبٍ وَ أَمَلٍ خَائِبٍ- مَنْ لَجَأَ إِلَى الرَّجَاءِ سَقَطَتْ كَرَامَتُهُ- هِمَّةُ الزَّاهِدِ مُخَالَفَةُ الْهَوَى وَ السُّلُوُّ عَنِ الشَّهَوَاتِ- مَا هَدَمَ الدِّينَ مِثْلُ الْبِدَعِ- وَ لَا أَفْسَدَ الرَّجُلَ مِثْلُ الطَّمَعِ- إِيَّاكَ وَ الْأَمَانِيَّ فَإِنَّهَا بَضَائِعُ النَّوْكَى (1)- لَنْ يُكْمِلَ الْعَبْدُ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ- حَتَّى يُؤْثِرَ دِينَهُ عَلَى شَهْوَتِهِ- وَ لَنْ يَهْلِكَ حَتَّى يُؤْثِرَ شَهْوَتَهُ عَلَى دِينِهِ- مَنْ تَيَقَّنَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَرَاهُ وَ هُوَ يَعْمَلُ بِمَعَاصِيهِ- فَقَدْ جَعَلَهُ أَهْوَنَ النَّاظِرِينَ.
99- وَ قَالَ(ع)(2) إِيَّاكُمْ وَ سَقَطَاتِ الِاسْتِرْسَالِ فَإِنَّهَا لَا تُسْتَقَالُ (3).
100- وَ قَالَ(ع)(4) صَدِيقُ كُلِّ إِنْسَانٍ عَقْلُهُ وَ عَدُوُّهُ جَهْلُهُ- وَ الْعُقُولُ ذَخَائِرُ وَ الْأَعْمَالُ كُنُوزٌ- وَ النُّفُوسُ أَشْكَالٌ فَمَا تَشَاكَلَ مِنْهَا اتَّفَقَ- وَ النَّاسُ إِلَى أَشْكَالِهِمْ أَمْيَلُ.
101- وَ قَالَ(ع)(5) الْفِكْرَةُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ- وَ الِاعْتِبَارُ مُنْذِرٌ نَاصِحٌ- مَنْ تَفَكَّرَ اعْتَبَرَ وَ مَنِ اعْتَبَرَ اعْتَزَلَ- وَ مَنِ اعْتَزَلَ سَلِمَ- الْعَجَبُ مِمَّنْ خَافَ الْعِقَابَ فَلَمْ يَكُفَّ- وَ رَجَا الثَّوَابَ فَلَمْ يَعْمَلْ- الِاعْتِبَارُ يَقُودُ إِلَى الرَّشَادِ- كُلُّ قَوْلٍ لَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ ذِكْرٌ فَلَغْوٌ- وَ كُلُّ صَمْتٍ لَيْسَ فِيهِ فِكْرٌ فَسَهْوٌ- وَ كُلُّ نَظَرٍ لَيْسَ فِيهِ اعْتِبَارٌ فَلَهْوٌ.
102- وَ تُرْوَى (6) هَذِهِ الْأَبْيَاتُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع
إِذَا كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْفِرَاقَ* * * -فِرَاقَ الْحَيَاةِ قَرِيبٌ قَرِيبٌ-
وَ أَنَّ الْمُعِدَّ جَهَازَ الرَّحِيلِ* * * -لِيَوْمِ الرَّحِيلِ مُصِيبٌ مُصِيبٌ-
وَ أَنَّ الْمُقَدِّمَ مَا لَا يَفُوتُ* * * -عَلَى مَا يَفُوتُ مَعِيبٌ مَعِيبٌ-
____________
(1) النوكى جمع أنوك و هو الاحمق. (2) الكنز ص 194. (3) الاسترسال في الكلام: الاتساع و الانبساط. و استقاله عثرته: سأله أن ينهضه من سقوطه. (4) المصدر ص 194. (5) المصدر ص 255. (6) المصدر ص 271.* * *
93
وَ أَنْتَ عَلَى ذَاكَ لَا تَرْعَوِي* * * -فَأَمْرُكَ عِنْدِي عَجِيبٌ عَجِيبٌ
103- قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)(1) مَا زَالَتْ نِعْمَةٌ عَنْ قَوْمٍ- وَ لَا غَضَارَةُ عَيْشٍ إِلَّا بِذُنُوبٍ اجْتَرَحُوهَا- إِنَ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
104- وَ قَالَ(ع)(2) الْمَرْءُ حَيْثُ يَجْعَلُ نَفْسَهُ- مَنْ دَخَلَ مَدَاخِلَ السُّوءِ اتُّهِمَ- مَنْ عَرَّضَ نَفْسَهُ التُّهَمَةَ فَلَا يَلُومَنَّ مَنْ أَسَاءَ بِهِ الظَّنَّ- مَنْ أَكْثَرَ مِنْ شَيْءٍ عُرِفَ بِهِ مَنْ مَزَحَ اسْتُخِفَّ بِهِ- مَنِ اقْتَحَمَ الْبَحْرَ غَرِقَ- الْمِزَاحُ يُورِثُ الْعَدَاوَةَ- مَنْ عَمِلَ فِي السِّرِّ عَمَلًا يَسْتَحْيِي مِنْهُ فِي الْعَلَانِيَةِ- فَلَيْسَ لِنَفْسِهِ عِنْدَهُ قَدْرٌ- مَا ضَاعَ امْرُؤٌ عَرَفَ قَدْرَهُ- اعْرِفِ الْحَقَّ لِمَنْ عَرَفَهُ لَكَ رَفِيعاً كَانَ أَمْ وَضِيعاً- مَنْ تَعَدَّى الْحَقَّ ضَاقَ مَذْهَبُهُ- مَنْ جَهِلَ شَيْئاً عَادَاهُ- أَسْوَأُ النَّاسِ حَالًا مَنْ لَمْ يَثِقْ بِأَحَدٍ لِسُوءِ ظَنِّهِ- وَ لَمْ يَبْقَ بِهِ أَحَدٌ لِسُوءِ فِعْلِهِ- لَا دَلِيلَ أَنْصَحُ مِنِ اسْتِمَاعِ الْحَقِّ- مَنْ نَظَّفَ ثَوْبَهُ قَلَّ هَمُّهُ- الْكَرِيمُ يَلِينُ إِذَا اسْتُعْطِفَ- وَ اللَّئِيمُ يَقْسُو إِذَا لُوطِفَ- حُسْنُ الِاعْتِرَافِ يَهْدِمُ الِاقْتِرَافَ- أَخِّرِ الشَّرَّ فَإِنَّكَ إِذَا شِئْتَ تَعَجَّلْتَهُ- أَحْسِنْ إِذَا أَحْبَبْتَ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ- إِذَا جُحِدَ الْإِحْسَانُ حَسُنَ الِامْتِنَانُ- الْعَفْوُ يُفْسِدُ مِنَ اللَّئِيمِ بِقَدْرِ إِصْلَاحِهِ مِنَ الْكَرِيمِ- مَنْ بَالَغَ فِي الْخُصُومَةِ أَثِمَ- وَ مَنْ قَصَّرَ عَنْهَا خُصِمَ- لَا تُظْهِرِ الْعَدَاوَةَ لِمَنْ لَا سُلْطَانَ لَكَ عَلَيْهِ.
105- وَ قَالَ(ع)الْهَمُّ نِصْفُ الْهَرَمِ- وَ السَّلَامَةُ نِصْفُ الْغَنِيمَةِ.
106- أَعْلَامُ الدِّينِ (3)، قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَفْضَلُ رِدَاءٍ تَرَدَّى بِهِ الْحِلْمُ- وَ إِنْ لَمْ تَكُنْ حَلِيماً فَتَحَلَّمْ- فَإِنَّهُ مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ أَوْشَكَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ.
قَالَ(ع)النَّاسُ فِي الدُّنْيَا صِنْفَانِ- عَامِلٌ فِي الدُّنْيَا لِلدُّنْيَا قَدْ شَغَلَتْهُ دُنْيَاهُ عَنْ آخِرَتِهِ- يَخْشَى عَلَى مَنْ يُخَلِّفُهُ الْفَقْرَ وَ يَأْمَنُهُ عَلَى نَفْسِهِ- فَيُفْنِي عُمُرَهُ فِي مَنْفَعَةِ غَيْرِهِ- وَ آخَرُ عَمِلَ فِي الدُّنْيَا لِمَا بَعْدَهَا- فَجَاءَهُ الَّذِي لَهُ مِنَ الدُّنْيَا بِغَيْرِ عَمَلِهِ- فَأَصْبَحَ مَلَكاً لَا يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئاً فَيَمْنَعَهُ.
____________
(1) الكنز ص 271.
(2) المصدر ص 283.
(3) مخطوط.
94
107- وَ قَالَ(ع)عَجِبْتُ لِلْبَخِيلِ الَّذِي اسْتَعْجَلَ الْفَقْرَ الَّذِي مِنْهُ هَرَبَ- وَ فَاتَهُ الْغِنَى الَّذِي إِيَّاهُ طَلَبَ- يَعِيشُ فِي الدُّنْيَا عَيْشَ الْفُقَرَاءِ- وَ يُحَاسَبُ فِي الْآخِرَةِ حِسَابَ الْأَغْنِيَاءِ- وَ عَجِبْتُ لِلْمُتَكَبِّرِ الَّذِي كَانَ بِالْأَمْسِ نُطْفَةً وَ هُوَ غَداً جِيفَةٌ- وَ عَجِبْتُ لِمَنْ شَكَّ فِي اللَّهِ وَ هُوَ يَرَى خَلْقَ اللَّهِ- وَ عَجِبْتُ لِمَنْ نَسِيَ الْمَوْتَ وَ هُوَ يَرَى مَنْ يَمُوتُ- وَ عَجِبْتُ لِمَنْ أَنْكَرَ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ- وَ هُوَ يَرَى النَّشْأَةَ الْأُولَى- وَ عَجِبْتُ لِعَامِرِ الدُّنْيَا دَارِ الْفَنَاءِ وَ هُوَ نَازِلٌ دَارَ الْبَقَاءِ.
108- وَ قَالَ(ع)الْفَقِيهُ كُلُّ الْفَقِيهِ الَّذِي لَا يُقَنِّطُ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ- وَ لَا يُؤْمِنُهُمْ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ وَ لَا يُؤْيِسُهُمْ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ- وَ لَا يُرَخِّصُ لَهَا فِي مَعَاصِي اللَّهِ.
باب 17 ما صدر عن أمير المؤمنين(ع)في العدل في القسمة و وضع الأموال في مواضعها
1- ف (1)، تحف العقول أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّا نَحْمَدُ رَبَّنَا وَ إِلَهَنَا- وَ وَلِيَّ النِّعْمَةِ عَلَيْنَا ظَاهِرَةً وَ بَاطِنَةً- بِغَيْرِ حَوْلٍ مِنَّا وَ لَا قُوَّةٍ- إِلَّا امْتِنَاناً عَلَيْنَا وَ فَضْلًا- لِيَبْلُوَنَا أَ نَشْكُرُ أَمْ نَكْفُرُ- فَمَنْ شَكَرَ زَادَهُ وَ مَنْ كَفَرَ عَذَّبَهُ- وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ- وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ أَحَداً صَمَداً- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- بَعَثَهُ رَحْمَةً لِلْعِبَادِ وَ الْبِلَادِ وَ الْبَهَائِمِ وَ الْأَنْعَامِ- نِعْمَةً أَنْعَمَ بِهَا وَ مَنّاً وَ فَضْلًا ص فَأَفْضَلُ النَّاسِ أَيُّهَا النَّاسُ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً- وَ أَعْظَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ خَطَراً أَطْوَعُهُمْ لِأَمْرِ اللَّهِ- وَ أَعْمَلُهُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَ أَتْبَعُهُمْ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ أَحْيَاهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ- فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ عِنْدَنَا فَضْلٌ إِلَّا بِطَاعَةِ اللَّهِ- وَ طَاعَةِ رَسُولِهِ وَ اتِّبَاعِ كِتَابِهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ص هَذَا كِتَابُ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِنَا- وَ عَهْدُ نَبِيِّ اللَّهِ وَ سِيرَتُهُ فِينَا- لَا يَجْهَلُهَا إِلَّا جَاهِلٌ مُخَالِفٌ مُعَانِدٌ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- يَقُولُ اللَّهُ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ
____________
(1) التحف ص 183 و منقول في النهج.
95
وَ أُنْثى- وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا- إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ (1)- فَمَنِ اتَّقَى اللَّهَ فَهُوَ الشَّرِيفُ الْمُكَرَّمُ الْمُحِبُّ- وَ كَذَلِكَ أَهْلُ طَاعَتِهِ وَ طَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ- يَقُولُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ- إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ- وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (2)- وَ قَالَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ- فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (3)- ثُمَّ صَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا مَعَاشِرَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ- وَ يَا مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ أَ تَمُنُّونَ عَلَى اللَّهِ وَ عَلَى رَسُولِهِ بِإِسْلَامِكُمْ- وَ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ الْمَنُّ عَلَيْكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ- ثُمَّ قَالَ أَلَا إِنَّهُ مَنِ اسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَ أَكَلَ ذَبِيحَتَنَا- وَ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- أَجْرَيْنَا عَلَيْهِ أَحْكَامَ الْقُرْآنِ وَ أَقْسَامَ الْإِسْلَامِ- لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلٌ إِلَّا بِتَقْوَى اللَّهِ وَ طَاعَتِهِ- جَعَلَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ مِنَ الْمُتَّقِينَ وَ أَوْلِيَائِهِ وَ أَحِبَّائِهِ- الَّذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ- ثُمَّ قَالَ أَلَا إِنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي أَصْبَحْتُمْ تَتَمَنَّوْنَهَا- وَ تَرْغَبُونَ فِيهَا- وَ أَصْبَحَتْ تَعِظُكُمْ وَ تَرْمِيكُمْ لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ- وَ لَا مَنْزِلِكُمُ الَّذِي خُلِقْتُمْ لَهُ- وَ لَا الَّذِي دُعِيتُمْ إِلَيْهِ- أَلَا وَ إِنَّهَا لَيْسَتْ بِبَاقِيَةٍ لَكُمْ وَ لَا تَبْقَوْنَ عَلَيْهَا- فَلَا يَغُرَّنَّكُمْ عَاجِلُهَا فَقَدْ حُذِّرْتُمُوهَا- وَ وُصِفَتْ لَكُمْ وَ جَرَّبْتُمُوهَا- فَأَصْبَحْتُمْ لَا تَحْمَدُونَ عَاقِبَتَهَا- فَسَابِقُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ إِلَى مَنَازِلِكُمُ الَّتِي أُمِرْتُمْ أَنْ تَعْمُرُوهَا- فَهِيَ الْعَامِرَةُ الَّتِي لَا تَخْرَبُ أَبَداً- وَ الْبَاقِيَةُ الَّتِي لَا تَنْفَدُ- رَغَّبَكُمُ اللَّهُ فِيهَا وَ دَعَاكُمْ إِلَيْهَا- وَ جَعَلَ لَكُمُ الثَّوَابَ فِيهَا- فَانْظُرُوا يَا مَعَاشِرَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ وَ أَهْلِ دِينِ اللَّهِ- مَا وُصِفْتُمْ بِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ- وَ نَزَلْتُمْ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ جَاهَدْتُمْ عَلَيْهِ- فِيمَا فُضِّلْتُمْ بِهِ أَ بِالْحَسَبِ وَ النَّسَبِ- أَمْ بِعَمَلٍ وَ طَاعَةٍ- فَاسْتَتِمُّوا نِعَمَهُ عَلَيْكُمْ رَحِمَكُمُ اللَّهُ بِالصَّبْرِ لِأَنْفُسِكُمْ- وَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى
____________
(1) سورة الحجرات: 14.
(2) سورة آل عمران: 31.
(3) مضمون مأخوذ من الآية 32 سورة آل عمران.
96
مَنِ اسْتَحْفَظَكُمُ اللَّهُ مِنْ كِتَابِهِ- أَلَا وَ إِنَّهُ لَا يَضُرُّكُمْ تَوَاضُعُ شَيْءٍ مِنْ دُنْيَاكُمْ- بَعْدَ حِفْظِكُمْ وَصِيَّةَ اللَّهِ وَ التَّقْوَى- وَ لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْءٌ حَافَظْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ- بَعْدَ تَضْيِيعِ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ التَّقْوَى- فَعَلَيْكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِالتَّسْلِيمِ لِأَمْرِهِ وَ الرِّضَا بِقَضَائِهِ وَ الصَّبْرِ عَلَى بَلَائِهِ- فَأَمَّا هَذَا الْفَيْءُ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ أَثَرَةٌ (1)- قَدْ فَرَغَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ قَسْمِهِ فَهُوَ مَالُ اللَّهِ- وَ أَنْتُمْ عِبَادُ اللَّهِ الْمُسْلِمُونَ- وَ هَذَا كِتَابُ اللَّهِ بِهِ أَقْرَرْنَا- وَ عَلَيْهِ شَهِدْنَا وَ لَهُ أَسْلَمْنَا- وَ عَهْدُ نَبِيِّنَا بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَسَلِّمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ- فَمَنْ لَمْ يَرْضَ بِهَذَا فَلْيَتَوَلَّ كَيْفَ شَاءَ- فَإِنَّ الْعَامِلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ- وَ الْحَاكِمَ بِحُكْمِ اللَّهِ لَا وَحْشَةَ عَلَيْهِ- أُولَئِكَ الَّذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ- أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ- وَ نَسْأَلُ اللَّهَ رَبَّنَا وَ إِلَهَنَا- أَنْ يَجْعَلَنَا وَ إِيَّاكُمْ مِنْ أَهْلِ طَاعَتِهِ- وَ أَنْ يَجْعَلَ رَغْبَتَنَا وَ رَغْبَتَكُمْ فِيمَا عِنْدَهُ- أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ وَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَ لَكُمْ.
2- ف (2)، تحف العقول لَمَّا رَأَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِصِفِّينَ- مَا يَفْعَلُهُ مُعَاوِيَةُ بِمَنِ انْقَطَعَ إِلَيْهِ وَ بَذْلَهُ لَهُمُ الْأَمْوَالَ- وَ النَّاسُ أَصْحَابُ دُنْيَا- قَالُوا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَعْطِ هَذَا الْمَالَ- وَ فَضِّلِ الْأَشْرَافَ وَ مَنْ تَخَوَّفُ خِلَافَهُ وَ فِرَاقَهُ- حَتَّى إِذَا اسْتَتَبَ (3) لَكَ مَا تُرِيدُ- عُدْتَ إِلَى أَحْسَنِ مَا كُنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الْعَدْلِ فِي الرَّعِيَّةِ- وَ الْقَسْمِ بِالسَّوِيَّةِ (4)- فَقَالَ أَ تَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ- فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ- وَ اللَّهِ لَا أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ بِهِ سَمِيرٌ (5)- وَ مَا أَمَّ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً (6)- وَ لَوْ كَانَ مَالُهُمْ
____________
(1) الاثرة- محركة-: الاختيار و اختصاص المرء باحسن شيء دون غيره.
(2) التحف ص 185.
(3) استتب: استقام و اطرد و استمر.
(4) رواه الشيخ أبو عليّ ابن الشيخ في أماليه مع اختلاف يسير أشرنا إلى بعضها.
(5) لا أطور به: لا أقاربه. و السمير: الدهر أي لا اقاربه مدى الدهر و لا أفعله أبدا.
و في الأمالي (أ تأمروني أن أطلب النصر بالجور و اللّه لا افعلن ما طلعت شمس و لاح في السماء نجم و اللّه لو كان مالى لواسيت بينهم و كيف و انما هو أموالهم).
(6) أم: قصد أي ما قصد نجم نجما.
97
مَالِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ- فَكَيْفَ وَ إِنَّمَا هِيَ أَمْوَالُهُمْ- ثُمَّ أَزَمَ طَوِيلًا سَاكِتاً (1) ثُمَّ قَالَ- مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَإِيَّاهُ وَ الْفَسَادَ- فَإِنَّ إِعْطَاءَكَ الْمَالَ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ تَبْذِيرٌ (2) وَ إِسْرَافٌ- وَ هُوَ يَرْفَعُ ذِكْرَ صَاحِبِهِ فِي النَّاسِ وَ يَضَعُهُ عِنْدَ اللَّهِ (3)- وَ لَمْ يَضَعِ امْرُؤٌ مَالَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ وَ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ- إِلَّا حَرَّمَهُ شُكْرَهُمْ وَ كَانَ خَيْرُهُ لِغَيْرِهِ- فَإِنْ بَقِيَ مَعَهُ مِنْهُمْ مَنْ يُرِيهِ الْوُدَّ- وَ يُظْهِرُ لَهُ الشُّكْرَ فَإِنَّمَا هُوَ مَلَقٌ وَ كَذِبٌ (4)- وَ إِنَّمَا يَقْرُبُ لِيَنَالَ مِنْ صَاحِبِهِ- مِثْلَ الَّذِي كَانَ يَأْتِي إِلَيْهِ قَبْلُ- فَإِنْ زَلَّتْ بِصَاحِبِهِ النَّعْلُ وَ احْتَاجَ إِلَى مَعُونَتِهِ وَ مُكَافَاتِهِ- فَأَشَرُّ خَلِيلٍ وَ آلَمُ خَدِينٍ (5)- مَقَالَةُ جُهَّالٍ مَا دَامَ عَلَيْهِمْ مُنْعِماً- وَ هُوَ عَنْ ذَاتِ اللَّهِ بَخِيلٌ- فَأَيُّ حَظٍّ أَبْوَرُ وَ أَخَسُّ مِنْ هَذَا الْحَظِّ- وَ أَيُّ مَعْرُوفٍ أَضْيَعُ وَ أَقَلُّ عَائِدَةً مِنْ هَذَا الْمَعْرُوفِ- فَمَنْ أَتَاهُ مَالٌ فَلْيَصِلْ بِهِ الْقَرَابَةَ- وَ لْيُحْسِنْ بِهِ الضِّيَافَةَ- وَ لْيَفُكَّ بِهِ الْعَانِيَ (6) وَ الْأَسِيرَ- وَ لْيُعِنْ بِهِ الْغَارِمِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ- وَ الْفُقَرَاءَ وَ الْمُهَاجِرِينَ- وَ لْيُصَبِّرْ نَفْسَهُ عَلَى الثَّوَابِ وَ الْحُقُوقِ- فَإِنَّهُ يَحُوزُ بِهَذِهِ الْخِصَالِ شَرَفاً فِي الدُّنْيَا (7)- وَ دَرْكَ فَضَائِلِ الْآخِرَةِ.
____________
(1) أزم: امسك.
(2) في بعض النسخ «فى غيره تبذير» و في الأمالي «فى غير حقه تبذير».
(3) في الأمالي «و هو و ان كان ذكرا لصاحبه في الدنيا و الآخرة فهو يضيعه عند اللّه».
(4) ملق- بفتح فكسر ككذب مصدر-: التودد و التذلل و الاظهار باللسان من الإكرام و الود ما ليس في القلب. و في الأمالي «و كان لغيره ودّهم فان بقى معه من يوده يظهر له الشكر- الخ».
(5) كذا و لعله ألام فصحف و الخدين: الحبيب و الصديق.
(6) العانى: السائل.
(7) في الأمالي «فان النور بهذه الخصال شرف مكارم الدنيا».
98
باب 18 ما أوصى به أمير المؤمنين(ع)عند وفاته
1- جا، المجالس للمفيد ما، (1) الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ الْمُفِيدِ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ الزَّيَّاتِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَمَّامٍ الْإِسْكَافِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سَلَامَةَ الْغَنَوِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَامِرِيِّ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنِ الْفُجَيْعِ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ وَالِدِيَ الْوَفَاةُ أَقْبَلَ يُوصِي فَقَالَ- هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ- أَخُو مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ وَ ابْنُ عَمِّهِ وَ صَاحِبُهُ- أَوَّلُ وَصِيَّتِي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ- وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُهُ وَ خِيَرَتُهُ- اخْتَارَهُ بِعِلْمِهِ وَ ارْتَضَاهُ لِخِيَرَتِهِ- وَ أَنَّ اللَّهَ بَاعِثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ- وَ سَائِلُ النَّاسِ عَنْ أَعْمَالِهِمْ عَالِمٌ بِمَا فِي الصُّدُورِ- ثُمَّ إِنِّي أُوصِيكَ يَا حَسَنُ- وَ كَفَى بِكَ وَصِيّاً بِمَا أَوْصَانِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ص فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ يَا بُنَيَّ الْزَمْ بَيْتَكَ- وَ ابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ- وَ لَا تَكُنِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّكَ- وَ أُوصِيكَ يَا بُنَيَّ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ وَقْتِهَا- وَ الزَّكَاةِ فِي أَهْلِهَا عِنْدَ مَحَلِّهَا- وَ الصَّمْتِ عِنْدَ الشُّبْهَةِ- وَ الِاقْتِصَادِ وَ الْعَدْلِ فِي الرِّضَا وَ الْغَضَبِ- وَ حُسْنِ الْجِوَارِ وَ إِكْرَامِ الضَّيْفِ- وَ رَحْمَةِ الْمَجْهُودِ وَ أَصْحَابِ الْبَلَاءِ- وَ صِلَةِ الرَّحِمِ وَ حُبِّ الْمَسَاكِينِ وَ مُجَالَسَتِهِمْ- وَ التَّوَاضُعِ فَإِنَّهُ مِنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَةِ- وَ قَصِّرِ الْأَمَلَ وَ اذْكُرِ الْمَوْتَ- وَ ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّكَ رَهِينُ مَوْتٍ- وَ غَرَضُ بَلَاءٍ وَ صَرِيعُ سُقْمٍ- وَ أُوصِيكَ بِخَشْيَةِ اللَّهِ فِي سِرِّ أَمْرِكَ وَ عَلَانِيَتِكَ- وَ أَنْهَاكَ عَنِ التَّسَرُّعِ بِالْقَوْلِ وَ الْفِعْلِ- وَ إِذَا عَرَضَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ فَابْدَأْ بِهِ- وَ إِذَا عَرَضَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَتَأَنَّ- حَتَّى تُصِيبَ رُشْدَكَ فِيهِ- وَ إِيَّاكَ وَ مَوَاطِنَ التُّهَمَةِ- وَ الْمَجْلِسَ الْمَظْنُونَ بِهِ السُّوءُ- فَإِنَّ قَرِينَ السَّوْءِ يُغَيِّرَ جَلِيسَهُ- وَ كُنْ لِلَّهِ يَا بُنَيَّ عَامِلًا- وَ عَنِ الْخَنَى زَجُوراً (2)- وَ بِالْمَعْرُوفِ آمِراً وَ عَنِ الْمُنْكَرِ نَاهِياً- وَ وَاخِ الْإِخْوَانَ فِي اللَّهِ
____________
(1) مجالس المفيد ص 129 و أمالي الطوسيّ ج 1 ص 6.
(2) الخنى- مقصورا-: الفحش.
99
وَ أَحِبَّ الصَّالِحَ لِصَلَاحِهِ وَ دَارِ الْفَاسِقَ عَنْ دِينِكَ وَ أَبْغِضْهُ بِقَلْبِكَ- وَ زَايِلْهُ بِأَعْمَالِكَ كَيْلَا تَكُونَ مِثْلَهُ- وَ إِيَّاكَ وَ الْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ- وَ دَعِ الْمُمَارَاةَ وَ مُجَارَاةَ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ وَ لَا عِلْمَ- وَ اقْصِدْ يَا بُنَيَّ فِي مَعِيشَتِكَ- وَ اقْتَصِدْ فِي عِبَادَتِكَ- وَ عَلَيْكَ فِيهَا بِالْأَمْرِ الدَّائِمِ الَّذِي تُطِيقُهُ- وَ الْزَمِ الصَّمْتَ تَسْلَمْ وَ قَدِّمْ لِنَفْسِكَ تَغْنَمْ- وَ تَعَلَّمِ الْخَيْرَ تَعْلَمْ- وَ كُنْ لِلَّهِ ذَاكِراً عَلَى كُلِّ حَالٍ- وَ ارْحَمْ مِنْ أَهْلِكَ الصَّغِيرَ- وَ وَقِّرْ مِنْهُمُ الْكَبِيرَ- وَ لَا تَأْكُلَنَّ طَعَاماً حَتَّى تَصَدَّقَ مِنْهُ قَبْلَ أَكْلِهِ- وَ عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ زَكَاةُ الْبَدَنِ وَ جُنَّةٌ لِأَهْلِهِ- وَ جَاهِدْ نَفْسَكَ وَ احْذَرْ جَلِيسَكَ- وَ اجْتَنِبْ عَدُوَّكَ وَ عَلَيْكَ بِمَجَالِسِ الذِّكْرِ- وَ أَكْثِرْ مِنَ الدُّعَاءِ فَإِنِّي لَمْ آلُكَ يَا بُنَيَّ نُصْحاً- وَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَ بَيْنِكَ- وَ أُوصِيكَ بِأَخِيكَ مُحَمَّدٍ خَيْراً- فَإِنَّهُ شَقِيقُكَ وَ ابْنُ أَبِيكَ وَ قَدْ تَعْلَمُ حُبِّي لَهُ- وَ أَمَّا أَخُوكَ الْحُسَيْنُ فَهُوَ ابْنُ أُمِّكَ- وَ لَا أُرِيدُ الْوَصَاةَ بِذَلِكَ (1)- وَ اللَّهُ الْخَلِيفَةُ عَلَيْكُمْ- وَ إِيَّاهُ أَسْأَلُ أَنْ يُصْلِحَكُمْ- وَ أَنْ يَكُفَّ الطُّغَاةَ وَ الْبُغَاةَ عَنْكُمْ- وَ الصَّبْرَ الصَّبْرَ حَتَّى يُنْزِلَ اللَّهُ الْأَمْرَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
2- ف (2)، تحف العقول وَصِيَّتُهُ(ع)عِنْدَ الْوَفَاةِ- هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ- أُوصِي الْمُؤْمِنِينَ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ- وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ- وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- أَرْسَلَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ- وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ- وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ سَلَّمَ- ثُمَ إِنَّ صَلاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيايَ وَ مَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ- لا شَرِيكَ لَهُ وَ بِذلِكَ أُمِرْتُ- وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ- ثُمَّ إِنِّي أُوصِيكَ يَا حَسَنُ وَ جَمِيعَ وُلْدِي- وَ أَهْلَ بَيْتِي وَ مَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ- بِتَقْوَى اللَّهِ رَبِّكُمْ- وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ- وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا- فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ- صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلَاةِ وَ الصَّوْمِ- وَ إِنَّ الْمُبِيرَةَ وَ هِيَ الْحَالِقَةُ لِلدِّينِ (3) فَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ
____________
(1) في أمالي الطوسيّ «و لا أزيد الوطأة بذلك».
(2) التحف ص 197. و في الكافي باب صدقات النبيّ «ص».
(3) في الكافي «من عامة الصلاة و الصيام. و ان المبيرة الحالقة للدين فساد ذات البين».
100
وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- انْظُرُوا ذَوِي أَرْحَامِكُمْ- فَصِلُوهُمْ يُهَوِّنُ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الْحِسَابَ- اللَّهَ اللَّهَ فِي الْأَيْتَامِ (1) لَا يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ- فَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ- مَنْ عَالَ يَتِيماً حَتَّى يَسْتَغْنِيَ- أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ بِذَلِكَ الْجَنَّةَ- كَمَا أَوْجَبَ لِآكِلِ مَالِ الْيَتِيمِ النَّارَ- اللَّهَ اللَّهَ فِي الْقُرْآنِ- فَلَا يَسْبِقَنَّكُمْ إِلَى الْعِلْمِ (2) بِهِ غَيْرُكُمْ- اللَّهَ اللَّهَ فِي جِيرَانِكُمْ- فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص أَوْصَى بِهِمْ- مَا زَالَ يُوصِي بِهِمْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُمْ- اللَّهَ اللَّهَ فِي بَيْتِ رَبِّكُمْ فَلَا يَخْلُو مِنْكُمْ مَا بَقِيتُمْ- فَإِنَّهُ إِنْ تُرِكَ لَمْ تُنَاظَرُوا- وَ أَدْنَى مَا يَرْجِعُ بِهِ مَنْ أَمَّهُ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ مَا سَلَفَ (3)- اللَّهَ اللَّهَ فِي الصَّلَاةِ- فَإِنَّهَا خَيْرُ الْعَمَلِ إِنَّهَا عِمَادُ دِينِكُمْ- اللَّهَ اللَّهَ فِي الزَّكَاةِ- فَإِنَّهَا تُطْفِئُ غَضَبَ رَبِّكُمْ- اللَّهَ اللَّهَ فِي صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ- فَإِنَّ صِيَامَهُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ- اللَّهَ اللَّهَ فِي الْفُقَرَاءِ وَ الْمَسَاكِينِ- فَشَارِكُوهُمْ فِي مَعَايِشِكُمْ- اللَّهَ اللَّهَ فِي الْجِهَادِ بِأَمْوَالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ وَ أَلْسِنَتِكُمْ- فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ رَجُلَانِ إِمَامٌ هُدًى- أَوْ مُطِيعٌ لَهُ مُقْتَدٍ بِهُدَاهُ- اللَّهَ اللَّهَ فِي ذُرِّيَّةِ نَبِيِّكُمْ- لَا تُظْلَمَنَّ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ- وَ أَنْتُمْ تَقْدِرُونَ عَلَى الْمَنْعِ عَنْهُمْ- اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِ نَبِيِّكُمُ- الَّذِينَ لَمْ يُحْدِثُوا حَدَثاً وَ لَمْ يَأْوُوا مُحْدِثاً- فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص أَوْصَى بِهِمْ- وَ لَعَنَ الْمُحْدِثَ مِنْهُمْ وَ مِنْ غَيْرِهِمْ- وَ الْمُؤْوِيَ لِلْمُحْدِثِينَ- اللَّهَ اللَّهَ فِي النِّسَاءِ وَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ- فَإِنَّ آخِرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ نَبِيُّكُمْ أَنْ قَالَ- أُوصِيكُمْ بِالضَّعِيفَيْنِ- النِّسَاءِ وَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ- الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ- لَا تَخَافُوا فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ- يَكْفِكُمْ مَنْ أَرَادَكُمْ
____________
(1) في الكافي «لا يغيروا أفواههم و لا يضيعوا بحضرتكم».
(2) في الكافي «الى العمل به».
(3) «من أمه» أي من قصده.
101
وَ بَغَى عَلَيْكُمْ (1)- قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ- وَ لَا تَتْرُكُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ- فَيُوَلِّيَ اللَّهُ أَمْرَكُمْ شِرَارَكُمْ- ثُمَّ تَدْعُونَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ- عَلَيْكُمْ يَا بَنِيَّ بِالتَّوَاصُلِ وَ التَّبَاذُلِ وَ التَّبَادُرِ- وَ إِيَّاكُمْ وَ التَّقَاطُعَ وَ التَّدَابُرَ وَ التَّفَرُّقَ- وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى- وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ- وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ- وَ حَفِظَكُمُ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ وَ حَفِظَ نَبِيَّكُمْ فِيكُمْ (2)- أَسْتَوْدِعُكُمُ اللَّهَ وَ أَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ- وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ- ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حَتَّى مَضَى.
باب 19 مواعظ الحسن بن علي (ع)
1- مع (3)، معاني الأخبار الطَّالَقَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْهَيْثَمِ عَنْ أُمَيَّةَ الْبَلَدِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحِ بْنِ هَانِي عَنْ أَبِيهِ شُرَيْحٍ قَالَ: سَأَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَنِ ابْنِهِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع) فَقَالَ يَا بُنَيَّ مَا الْعَقْلُ- قَالَ حِفْظُ قَلْبِكَ مَا اسْتَوْدَعْتَهُ- قَالَ فَمَا الْحَزْمُ- قَالَ أَنْ تَنْتَظِرَ فُرْصَتَكَ وَ تُعَاجِلَ مَا أَمْكَنَكَ- قَالَ فَمَا الْمَجْدُ قَالَ حَمْلُ الْمَغَارِمِ وَ ابْتِنَاءُ الْمَكَارِمِ- قَالَ فَمَا السَّمَاحَةُ قَالَ إِجَابَةُ السَّائِلِ وَ بَذْلُ النَّائِلِ (4)- قَالَ فَمَا الشُّحُّ- قَالَ أَنْ تَرَى الْقَلِيلَ سَرَفاً وَ مَا أَنْفَقْتَ تَلَفاً- قَالَ فَمَا الرِّقَّةُ قَالَ طَلَبُ الْيَسِيرِ وَ مَنْعُ الْحَقِيرِ- قَالَ فَمَا الْكُلْفَةُ قَالَ التَّمَسُّكُ بِمَنْ لَا يُؤْمِنُكَ- وَ النَّظَرُ فِيمَا لَا يَعْنِيكَ- قَالَ فَمَا الْجَهْلُ قَالَ سُرْعَةُ الْوُثُوبِ عَلَى الْفُرْصَةِ- قَبْلَ الِاسْتِمْكَانِ مِنْهَا
____________
(1) في الكافي «يكفيكم اللّه من أذاكم و بغى عليكم».
(2) أي حفظ رعايته و امتثال أمره. و في الكافي بتقديم «نبيكم» على «فيكم».
(3) معاني الأخبار ص 401.
(4) النائل: ما ينال.
102
وَ الِامْتِنَاعُ عَنِ الْجَوَابِ- وَ نِعْمَ الْعَوْنُ الصَّمْتُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ- وَ إِنْ كُنْتَ فَصِيحاً- ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْحُسَيْنِ ابْنِهِ(ع)فَقَالَ لَهُ- يَا بُنَيَّ مَا السُّؤْدُدُ قَالَ اصْطِنَاعُ الْعَشِيرَةِ وَ احْتِمَالُ الْجَرِيرَةِ- قَالَ فَمَا الْغِنَى- قَالَ قِلَّةُ أَمَانِيِّكَ وَ الرِّضَا بِمَا يَكْفِيكَ- قَالَ فَمَا الْفَقْرُ قَالَ الطَّمَعُ وَ شِدَّةُ الْقُنُوطِ- قَالَ فَمَا اللُّؤْمُ قَالَ إِحْرَازُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ وَ إِسْلَامُهُ عِرْسَهُ- قَالَ فَمَا الْخُرْقُ قَالَ مُعَادَاتُكَ أَمِيرَكَ- وَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى ضُرِّكَ وَ نَفْعِكَ- ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ فَقَالَ- يَا حَارِثُ عَلِّمُوا هَذِهِ الْحِكَمَ أَوْلَادَكُمْ- فَإِنَّهَا زِيَادَةٌ فِي الْعَقْلِ وَ الْحَزْمِ وَ الرَّأْيِ.
2- ف (1)، تحف العقول أَجْوِبَةُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)عَنْ مَسَائِلَ- سَأَلَهُ عَنْهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَوْ غَيْرُهُ- فِي مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ- قِيلَ لَهُ(ع)مَا الزُّهْدُ- قَالَ الرَّغْبَةُ فِي التَّقْوَى وَ الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا- قِيلَ فَمَا الْحِلْمُ- قَالَ كَظْمُ الْغَيْظِ وَ مِلْكُ النَّفْسِ- قِيلَ مَا السَّدَادُ قَالَ دَفْعُ الْمُنْكَرِ بِالْمَعْرُوفِ- قِيلَ فَمَا الشَّرَفُ- قَالَ اصْطِنَاعُ الْعَشِيرَةِ وَ حَمْلُ الْجَرِيرَةِ- قِيلَ فَمَا النَّجْدَةُ (2)- قَالَ الذَّبُّ عَنِ الْجَارِ وَ الصَّبْرُ فِي الْمَوَاطِنِ- وَ الْإِقْدَامُ عِنْدَ الْكَرِيهَةِ- قِيلَ فَمَا الْمَجْدُ- قَالَ أَنْ تُعْطِيَ فِي الْغُرْمِ (3) وَ أَنْ تَعْفُوَ عَنِ الْجُرْمِ- قِيلَ فَمَا الْمُرُوَّةُ- قَالَ حِفْظُ الدِّينِ وَ إِعْزَازُ النَّفْسِ- وَ لِينُ الْكَنَفِ (4) وَ تَعَهُّدُ الصَّنِيعَةِ وَ أَدَاءُ الْحُقُوقِ- وَ التَّحَبُّبُ إِلَى النَّاسِ- قِيلَ فَمَا الْكَرَمُ- قَالَ الِابْتِدَاءُ بِالْعَطِيَّةِ قَبْلَ
____________
(1) التحف ص 225.
(2) اصطناع العشيرة: الاحسان اليهم. و الجريرة: الذنب و الجناية. و النجدة:
الشجاعة و الشدة و البأس.
(3) الغرم- بتقديم المعجمة المضمومة: ما يلزم اداؤه.
(4) الكنف- محركة-: الجانب و الناحية. و كنف الإنسان: حضنه و العضدان و الصدر.
و قوله: «و تعهد الصنيعة» أي اصلاحها و انماؤها.
103
الْمَسْأَلَةِ- وَ إِطْعَامُ الطَّعَامِ فِي الْمَحْلِ (1)- قِيلَ فَمَا الدَّنِيئَةُ- قَالَ النَّظَرُ فِي الْيَسِيرِ وَ مَنْعُ الْحَقِيرِ- قِيلَ فَمَا اللُّؤْمُ قَالَ قِلَّةُ النَّدَى وَ أَنْ يُنْطَقَ بِالْخَنَا (2)- قِيلَ فَمَا السَّمَاحُ- قَالَ الْبَذْلُ فِي السَّرَّاءِ وَ الضَّرَّاءِ- قِيلَ فَمَا الشُّحُّ- قَالَ أَنْ تَرَى مَا فِي يَدَيْكَ شَرَفاً وَ مَا أَنْفَقْتَهُ تَلَفاً- قِيلَ فَمَا الْإِخَاءُ قَالَ الْإِخَاءُ فِي الشِّدَّةِ وَ الرَّخَاءِ- قِيلَ فَمَا الْجُبْنُ- قَالَ الْجُرْأَةُ عَلَى الصَّدِيقِ وَ النُّكُولُ عَنِ الْعَدُوِّ- قِيلَ فَمَا الْغِنَى- قَالَ رِضَى النَّفْسِ بِمَا قُسِمَ لَهَا وَ إِنْ قَلَّ- قِيلَ فَمَا الْفَقْرُ قَالَ شَرَهُ النَّفْسِ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ- قِيلَ فَمَا الْجُودُ قَالَ بَذْلُ الْمَجْهُودِ- قِيلَ فَمَا الْكَرَمُ- قَالَ الْحِفَاظُ فِي الشِّدَّةِ وَ الرَّخَاءِ (3)- قِيلَ فَمَا الْجُرْأَةُ قَالَ مُوَاقَفَةُ الْأَقْرَانِ (4)- قِيلَ فَمَا الْمَنْعَةُ- قَالَ شِدَّةُ الْبَأْسِ وَ مُنَازَعَةُ أَعَزِّ النَّاسِ (5)- قِيلَ فَمَا الذُّلُّ قَالَ الْفَرَقُ عِنْدَ الْمَصْدُوقَةِ (6)- قِيلَ فَمَا الْخُرْقُ- قَالَ مُنَاوَاتُكَ أَمِيرَكَ وَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى ضُرِّكَ (7)- قِيلَ فَمَا السَّنَاءُ قَالَ إِتْيَانُ الْجَمِيلِ وَ تَرْكُ الْقَبِيحِ (8)- قِيلَ فَمَا الْحَزْمُ قَالَ طُولُ الْأَنَاةِ وَ الرِّفْقُ بِالْوُلَاةِ- وَ الِاحْتِرَاسُ
____________
(1) المحل- بالفتح-: الشدة و الجدب. يقال: زمان ماحل أي مجدب.
(2) اللؤم- مصدر من لؤم الرجل لؤما و ملاءمة- كان دنيّ الأصل شحيح النفس فهو لئيم. و الندى- كعمى-: الجود و الفضل و الخير. و الخنى- مقصورا-: الفحش في الكلام.
(3) الحفاظ- ككتاب-: الذب عن المحارم و المنع لها و المحافظة على العهد و الوفاء و التمسك بالود.
(4) في بعض النسخ «قيل: فما الجزاء». و المواقفة- بتقديم القاف-: المحاربة، يقال: واقفه في الحرب أو الخصومة أي وقف كل منهما مع الآخر.
(5) المنعة: العز و القوّة. و لعلّ المراد بالبأس و المنازعة: الجهاد في اللّه أو الهيبة في أعين الناس. و بأعز الناس أقواهم.
(6) الفرق- محركة-: الخوف و الفزع. و المصدوقة: الصدق.
(7) المناواة: المعاداة.
(8) السناء- بالمهملة ممدودا-: الرفعة.
104
- مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ (1)- قِيلَ فَمَا الشَّرَفُ- قَالَ مُوَافَقَةُ الْإِخْوَانِ وَ حِفْظُ الْجِيرَانِ- قِيلَ فَمَا الْحِرْمَانُ- قَالَ تَرْكُكَ حَظَّكَ وَ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكَ- قِيلَ فَمَا السَّفَهُ- قَالَ اتِّبَاعُ الدُّنَاةِ وَ مُصَاحَبَةُ الْغُوَاةِ- قِيلَ فَمَا الْعِيُ (2)- قَالَ الْعَبَثُ بِاللِّحْيَةِ وَ كَثْرَةُ التَّنَحْنُحِ عِنْدَ الْمَنْطِقِ- قِيلَ فَمَا الشَّجَاعَةُ- قَالَ مُوَاقَفَةُ الْأَقْرَانِ وَ الصَّبْرُ عِنْدَ الطِّعَانِ قِيلَ فَمَا الْكُلْفَةُ قَالَ كَلَامُكَ فِيمَا لَا يَعْنِيكَ- قِيلَ وَ مَا السَّفَاهُ (3)- قَالَ الْأَحْمَقُ فِي مَالِهِ الْمُتَهَاوِنُ بِعِرْضِهِ- قِيلَ فَمَا اللُّؤْمُ قَالَ إِحْرَازُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ وَ إِسْلَامُهُ عِرْسَهُ (4).
3- ف (5)، تحف العقول وَ مِنْ حِكَمِهِ(ع)أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ مَنْ نَصَحَ لِلَّهِ- وَ أَخَذَ قَوْلَهُ دَلِيلًا هُدِيَ لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ- وَ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِلرَّشَادِ وَ سَدَّدَهُ لِلْحُسْنَى- فَإِنَّ جَارَ اللَّهِ آمِنٌ مَحْفُوظٌ- وَ عَدُوَّهُ خَائِفٌ مَخْذُولٌ- فَاحْتَرِسُوا مِنَ اللَّهِ بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ- وَ اخْشَوُا اللَّهَ بِالتَّقْوَى- وَ تَقَرَّبُوا إِلَى اللَّهِ بِالطَّاعَةِ فَإِنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ- قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ- أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ- فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَ لْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (6)- فَاسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ آمِنُوا بِهِ- فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اللَّهِ أَنْ يَتَعَاظَمَ- فَإِنَّ رِفْعَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ عَظَمَةَ اللَّهِ أَنْ يَتَوَاضَعُوا- وَ عِزَّ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ مَا جَلَالُ اللَّهِ أَنْ يَتَذَلَّلُوا لَهُ- وَ سَلَامَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا قُدْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَسْتَسْلِمُوا لَهُ- وَ لَا يُنْكِرُوا أَنْفُسَهُمْ
____________
(1) الاناة: الوقار و الحلم. و في بعض النسخ «الاناءة».
(2) العى: العجر في الكلام.
(3) السفاه- بالكسر-: الجهل و أيضا جمع سفيه.
(4) العرس- بالكسر-: حليلة الرجل و رحلها.
(5) التحف ص 227 و مضمون هذا الخبر مرويّ في روضة الكافي عن أمير المؤمنين (ع) في خطبته التي خطبها بذى قار و لا عجب أن يشتبه الكلامان لان مستقاهما من قليب و مفرغهما من ذنوب كما قال المعصوم (عليه السلام).
(6) سورة البقرة 182.
105
بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ- وَ لَا يَضِلُّوا بَعْدَ الْهُدَى (1)- وَ اعْلَمُوا عِلْماً يَقِيناً- أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا التُّقَى حَتَّى تَعْرِفُوا صِفَةَ الْهُدَى (2)- وَ لَنْ تَمَسَّكُوا بِمِيثَاقِ الْكِتَابِ- حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَبَذَهُ- وَ لَنْ تَتْلُوا الْكِتَابَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ- حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي حَرَّفَهُ- فَإِذَا عَرَفْتُمْ ذَلِكَ عَرَفْتُمُ الْبِدَعَ وَ التَّكَلُّفَ- وَ رَأَيْتُمُ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ وَ التَّحْرِيفَ- وَ رَأَيْتُمْ كَيْفَ يَهْوِي مَنْ يَهْوِي- وَ لَا يُجْهِلَنَّكُمُ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ- وَ الْتَمِسُوا ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِهِ- فَإِنَّهُمْ خَاصَّةُ نُورٍ يُسْتَضَاءُ بِهِمْ- وَ أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِهِمْ- بِهِمْ عَيْشُ الْعِلْمِ وَ مَوْتُ الْجَهْلِ- وَ هُمُ الَّذِينَ أَخْبَرَكُمْ حِلْمُهُمْ عَنْ جَهْلِهِمْ (3)- وَ حُكْمُ مَنْطِقِهِمْ عَنْ صَمْتِهِمْ وَ ظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ- لَا يُخَالِفُونَ الْحَقَّ وَ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ- وَ قَدْ خَلَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ سُنَّةٌ (4)- وَ مَضَى فِيهِمْ مِنَ اللَّهِ حُكْمٌ- إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ- وَ اعْقِلُوهُ إِذَا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ رِعَايَتِهِ- وَ لَا تَعْقِلُوهُ عَقْلَ رِوَايَتِهِ- فَإِنَّ رُوَاةَ الْكِتَابِ كَثِيرٌ- وَ رُعَاتَهُ قَلِيلٌ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ
4- ف (5)، تحف العقول وَ رُوِيَ عَنْهُ(ع)فِي قِصَارِ هَذِهِ الْمَعَانِي قَالَ(ع)مَا تَشَاوَرَ قَوْمٌ إِلَّا هُدُوا إِلَى رُشْدِهِمْ.
وَ قَالَ(ع)اللُّؤْمُ أَنْ لَا تَشْكُرَ النِّعْمَةَ.
وَ قَالَ(ع)لِبَعْضِ وُلْدِهِ يَا بُنَيَّ لَا تُوَاخِ أَحَداً حَتَّى تَعْرِفَ مَوَارِدَهُ
____________
(1) في بعض النسخ «و لا ينكرن أنفسهم بعد المعرفة و لا يضلن بعد الهدى».
(2) في بعض النسخ «حتى تعرفوا بصبغة الهدى».
(3) كذا. و لعلّ الضمير في «جهلهم» راجع الى المخالفين كما يظهر من السياق و المعنى أخبركم حلمهم عن جهل مخالفيهم. أو عن عدم جهلهم أو انه تصحيف «جهدهم».
و في الروضة «هم عيش العلم و موت الجهل، يخبركم حكمهم عن علمهم و ظاهرهم عن باطنهم إلخ».
(4) في بعض النسخ «من اللّه سبقة».
(5) التحف 333.
106
وَ مَصَادِرَهُ- فَإِذَا اسْتَنْبَطْتَ الْخِبْرَةَ (1) وَ رَضِيتَ الْعِشْرَةَ- فَآخِهِ عَلَى إِقَالَةِ الْعَثْرَةِ وَ الْمُوَاسَاةِ فِي الْعُسْرَةِ.
وَ قَالَ(ع)لَا تُجَاهِدِ الطَّلَبَ جِهَادَ الْغَالِبِ- وَ لَا تَتَّكِلْ عَلَى الْقَدَرِ اتِّكَالَ الْمُسْتَسْلِمِ- فَإِنَّ ابْتِغَاءَ الْفَضْلِ مِنَ السُّنَّةِ- وَ الْإِجْمَالَ فِي الطَّلَبِ مِنَ الْعِفَّةِ- وَ لَيْسَتِ الْعِفَّةُ بِدَافِعَةٍ رِزْقاً- وَ لَا الْحِرْصُ بِجَالِبٍ فَضْلًا- فَإِنَّ الرِّزْقَ مَقْسُومٌ- وَ اسْتِعْمَالَ الْحِرْصِ اسْتِعْمَالُ الْمَأْثَمِ.
وَ قَالَ(ع)الْقَرِيبُ مَنْ قَرَّبَتْهُ الْمَوَدَّةُ وَ إِنْ بَعُدَ نَسَبُهُ- وَ الْبَعِيدُ مَنْ بَاعَدَتْهُ الْمَوَدَّةُ وَ إِنْ قَرُبَ نَسَبُهُ- لَا شَيْءَ أَقْرَبُ مِنْ يَدٍ إِلَى جَسَدٍ- وَ إِنَّ الْيَدَ تُفَلُّ فَتُقْطَعُ وَ تُحْسَمُ (2).
وَ قَالَ(ع)مَنِ اتَّكَلَ عَلَى حُسْنِ الِاخْتِيَارِ مِنَ اللَّهِ- لَمْ يَتَمَنَ (3) أَنَّهُ فِي غَيْرِ الْحَالِ الَّتِي اخْتَارَهَا اللَّهُ لَهُ.
وَ قَالَ(ع)الْخَيْرُ الَّذِي لَا شَرَّ فِيهِ- الشُّكْرُ مَعَ النِّعْمَةِ وَ الصَّبْرُ عَلَى النَّازِلَةِ- وَ قَالَ(ع)لِرَجُلٍ أَبَلَّ مِنْ عِلَّةٍ (4)- إِنَّ اللَّهَ قَدْ ذَكَرَكَ فَاذْكُرْهُ- وَ أَقَالَكَ فَاشْكُرْهُ (5).
وَ قَالَ(ع)الْعَارُ أَهْوَنُ مِنَ النَّارِ.
وَ قَالَ(ع)عِنْدَ صُلْحِهِ لِمُعَاوِيَةَ إِنَّا وَ اللَّهِ مَا ثَنَانَا عَنْ أَهْلِ الشَّامِ بِالسَّلَامَةِ
____________
(1) الخبرة- مصدر-: الاختيار و العلم عن تجربة. و العشرة- بالكسر- المخالطة و الصحبة.
(2) تفل: تكسر و تثلم. و «تحسم» أصله القطع و المراد به تتابع بالمكواة حتى يبرد.
(3) في بعض النسخ «يتميز».
(4) أبل من مرضه: برىء منه.
(5) الاقالة: فسخ البيع و أقالك اللّه أي غفر لك و تجاوز عنك.
107
وَ الصَّبْرِ- فثبت [فَسُلِبَتْ السَّلَامَةُ (1) بِالْعَدَاوَةِ وَ الصَّبْرُ بِالْجَزَعِ- وَ كُنْتُمْ فِي مَبْدَئِكُمْ إِلَى صِفِّينَ- وَ دِينُكُمْ أَمَامَ دُنْيَاكُمْ- وَ قَدْ أَصْبَحْتُمُ الْيَوْمَ وَ دُنْيَاكُمْ أَمَامَ دِينِكُمْ.
وَ قَالَ(ع)مَا أَعْرِفُ أَحَداً إِلَّا وَ هُوَ أَحْمَقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ رَبِّهِ.
- 2* * * وَ قِيلَ لَهُ فِيكَ عَظَمَةٌ فَقَالَ(ع)بَلْ فِيَّ عَزَّةٌ- قَالَ اللَّهُ وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ (2).
____________
(1) فيه تصحيف و الصحيح «فسلبت السلامة» كما في أسد الغابة ج 2 ص 13 و هذه الخطبة تكشف الغطاء عن سر صلح الإمام المجتبى سبط المصطفى عليهما آلاف التحية و الثناء. مختارها في هذا الكتاب و كتاب الملاحم و الفتن للسيّد بن طاوس (رحمه الله) و تمامها في كتاب أسد الغابة قد يعجبنى ذكرها بنصها:
قال الجزريّ: «أخبرنا أبو محمّد القاسم بن عليّ بن الحسن الدمشقى اجازة أخبرنا أبى أخبرنا أبو السعود، حدّثنا أحمد بن محمّد بن العجليّ، أخبرنا محمّد بن محمّد ابن أحمد العكبرى، أخبرنا محمّد بن أحمد بن خاقان، أخبرنا أبو بكر بن دريد قال:
قام الحسن بعد موت أبيه أمير المؤمنين فقال بعد حمد اللّه عزّ و جلّ: انا و اللّه ما ثنانا عن أهل الشأم شك و لا ندم و انما كنا نقاتل أهل الشأم بالسلامة و الصبر، فسلبت السلامة بالعداوة، و الصبر بالجزع، و كنتم في منتدبكم الى صفّين و دينكم أمام دنياكم، فاصبحتم اليوم و دنياكم أمام دينكم، ألا و انا لكم كما كنا و لستم لنا كما كنتم، ألا و قد اصبحتم، بين قتيلين قتيل بصفين تبكون له، و قتيل بالنهروان تطلبون بثاره، فاما الباقي فخاذل، و أمّا الباكى فثائر، ألا و ان معاوية دعانا الى أمر ليس فيه عزّ و لا نصفة، فان اردتم الموت رددناه عليه و حاكمناه الى اللّه عزّ و جلّ بظباء السيوف، و ان أردتم الحياة قبلناه و اخذنا لكم الرضى». فناداه القوم من كل جانب: البقية البقية فلما أفردوه امضى الصلح». انتهى، و قوله: «البقية البقية» تحذير يعنى احفظ البقية.
(2) المنافقون: 8. و في نسخة «فيكم» مكان «فيك». و رواه الساروى في المناقب و فيه:
«فيك عظمة».
108
وَ قَالَ(ع)فِي وَصْفِ أَخٍ كَانَ لَهُ صَالِحٍ (1) كَانَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ فِي عَيْنِي- صَغُرَ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ (2)- كَانَ خَارِجاً مِنْ سُلْطَانِ الْجَهَالَةِ- فَلَا يَمُدُّ يَداً إِلَّا عَلَى ثِقَةٍ لِمَنْفَعَةٍ- كَانَ لَا يَشْتَكِي وَ لَا يَتَسَخَّطُ وَ لَا يَتَبَرَّمُ- كَانَ أَكْثَرَ دَهْرِهِ صَامِتاً- فَإِذَا قَالَ بَذَّ الْقَائِلِينَ (3) كَانَ ضَعِيفاً مُسْتَضْعَفاً- فَإِذَا جَاءَ الْجِدُّ فَهُوَ اللَّيْثُ عَادِياً (4)- كَانَ إِذَا جَامَعَ الْعُلَمَاءَ- عَلَى أَنْ يَسْتَمِعَ أَحْرَصَ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَقُولَ- كَانَ إِذَا غُلِبَ عَلَى الْكَلَامِ لَمْ يُغْلَبْ عَلَى السُّكُوتِ- كَانَ لَا يَقُولُ مَا لَا يَفْعَلُ وَ يَفْعَلُ مَا لَا يَقُولُ- كَانَ إِذَا عَرَضَ لَهُ أَمْرَانِ- لَا يَدْرِي أَيُّهُمَا أَقْرَبُ إِلَى رَبِّهِ- نَظَرَ أَقْرَبَهُمَا مِنْ هَوَاهُ فَخَالَفَهُ- كَانَ لَا يَلُومُ أَحَداً عَلَى مَا قَدْ يَقَعُ الْعُذْرُ فِي مِثْلِهِ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ أَدَامَ الِاخْتِلَافَ إِلَى الْمَسْجِدِ أَصَابَ إِحْدَى ثَمَانٍ- آيَةً مُحْكَمَةً وَ أَخاً مُسْتَفَاداً- وَ عِلْماً مُسْتَطْرَفاً وَ رَحْمَةً مُنْتَظَرَةً- وَ كَلِمَةً تَدُلُّهُ عَلَى الْهُدَى أَوْ تَرُدُّهُ عَنْ رَدًى- وَ تَرْكَ الذُّنُوبِ حَيَاءً أَوْ خَشْيَةً.
____________
(1) رواه الكليني (ره) في الكافي عن الحسن بن عليّ (عليهما السلام) بنحو أبسط.
و أورده الرضيّ (ره) في النهج عن أمير المؤمنين (عليه السلام) هكذا «و قال (ع) كان لي فيما مضى أخ في اللّه- الخ» قال ابن ميثم: ذكر هذا الفصل ابن المقفع في ادبه و نسبه الى الحسن ابن على (عليهما السلام) و المشار إليه قيل: أبو ذرّ الغفارى و قيل: هو عثمان بن مظعون انتهى.
و قيل: لا يبعد أن يكون المراد به أباه (عليه السلام) عبر عنه (عليه السلام) هكذا لمصلحة.
(2) أي كان أعظم الصفات التي صارت سببا لعظمته في عينى هو أن صغر الدنيا في عينه، و الصغر كعنب و قفل: خلاف الكبر و بمعنى الذل و الهوان و هو خبر «كان» و فاعل «عظم» ضمير الأخ و ضمير «به» عائد الى الموصول و الباء للسببية.
(3) يتبرم اي لا يتسأم و لا يتضجر و لا يغتم. و بذ القائلين. أى غلبهم و سبقهم و فاقهم.
(4) «كان ضعيفا مستضعفا» كناية عن تواضعه و لين كلامه و سجاحة أخلاقه. «فاذا جاء الجد كان ليثا عاديا» الليث: الأسد و هو كناية عن التصلب في ذات اللّه و ترك المداهنة في أمر الدين و اظهار الحق و في لفظ الجد بعد ذكر الضعف أشعار بذلك. و لعلّ المراد البسالة في الحرب و الشجاعة.
109
وَ رُزِقَ غُلَاماً فَأَتَتْهُ قُرَيْشٌ تُهَنِّيهِ فَقَالُوا يُهَنِّيكَ الْفَارِسُ فَقَالَ(ع)أَيُّ شَيْءٍ هَذَا الْقَوْلُ- وَ لَعَلَّهُ يَكُونُ رَاجِلًا- فَقَالَ لَهُ جَابِرٌ كَيْفَ نَقُولُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ص فَقَالَ(ع)إِذَا وُلِدَ لِأَحَدِكُمْ غُلَامٌ- فَأَتَيْتُمُوهُ فَقُولُوا لَهُ- شَكَرْتَ الْوَاهِبَ وَ بُورِكَ لَكَ فِي الْمَوْهُوبِ- بَلَغَ اللَّهُ بِهِ أَشُدَّهُ (1) وَ رَزَقَكَ بِرَّهُ.
وَ سُئِلَ عَنِ الْمُرُوَّةِ فَقَالَ(ع) شُحُّ الرَّجُلِ عَلَى دِينِهِ- وَ إِصْلَاحُهُ مَالَهُ وَ قِيَامُهُ بِالْحُقُوقِ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ أَبْصَرَ الْأَبْصَارِ مَا نَفَذَ فِي الْخَيْرِ مَذْهَبُهُ- وَ أَسْمَعَ الْأَسْمَاعِ مَا وَعَى التَّذْكِيرَ وَ انْتَفَعَ بِهِ- أَسْلَمُ الْقُلُوبِ مَا طَهُرَ مِنَ الشُّبُهَاتِ.
- وَ سَأَلَهُ رَجُلٌ أَنْ يُخِيلَهُ (2)- قَالَ(ع)إِيَّاكَ أَنْ تَمْدَحَنِي- فَأَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْكَ- أَوْ تَكْذِبَنِي فَإِنَّهُ لَا رَأْيَ لِمَكْذُوبٍ- أَوْ تَغْتَابَ عِنْدِي أَحَداً- فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ ائْذَنْ لِي فِي الِانْصِرَافِ- فَقَالَ(ع)نَعَمْ إِذَا شِئْتَ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ مَنْ طَلَبَ الْعِبَادَةَ تَزَكَّى لَهَا- إِذَا أَضَرَّتِ النَّوَافِلُ بِالْفَرِيضَةِ فَارْفُضُوهَا- الْيَقِينُ مَعَاذٌ لِلسَّلَامَةِ- مَنْ تَذَكَّرَ بُعْدَ السَّفَرِ اعْتَدَّ- وَ لَا يَغُشُّ الْعَاقِلُ مَنِ اسْتَنْصَحَهُ- بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ الْمَوْعِظَةِ حِجَابُ الْعِزَّةِ- قَطَعَ الْعِلْمُ عُذْرَ الْمُتَعَلِّمِينَ (3)- كُلُّ مُعَاجَلٍ يَسْأَلُ النَّظِرَةَ (4)- وَ كُلُّ مُؤَجَّلٍ يَتَعَلَّلُ بِالتَّسْوِيفِ.
وَ قَالَ(ع)اتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ- وَ جِدُّوا فِي الطَّلَبِ وَ تُجَاهَ الْهَرَبِ- وَ بَادِرُوا الْعَمَلَ قَبْلَ مُقَطَّعَاتِ النَّقِمَاتِ (5)- وَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ- فَإِنَّ الدُّنْيَا لَا يَدُومُ نَعِيمُهَا- وَ لَا تُؤْمَنُ فَجِيعُهَا وَ لَا تَتَوَقَّى فِي مَسَاوِيهَا- غُرُورٌ حَائِلٌ وَ سِنَادٌ مَائِلٌ (6)- فَاتَّعِظُوا
____________
(1) و في بعض النسخ «رشده». و رواه الكليني في الكافي قسم الفروع.
(2) في بعض النسخ «يعظه» مكان يخيله اي يغيره و هو أيضا كناية عن الموعظة.
(3) كذا و في كلام أبيه (عليه السلام) في النهج «المعللين».
(4) النظرة: الامهال و التأخير.
(5) النقمات: جمع نقمة: اسم من الانتقام.
(6) السناد- ككتاب-: الناقة الشديدة القوية. و من الشيء عماده.
110
عِبَادَ اللَّهِ بِالْعِبَرِ- وَ اعْتَبِرُوا بِالْأَثَرِ- وَ ازْدَجِرُوا بِالنَّعِيمِ (1) وَ انْتَفِعُوا بِالْمَوَاعِظِ- فَكَفَى بِاللَّهِ مُعْتَصِماً وَ نَصِيراً- وَ كَفَى بِالْكِتَابِ حَجِيجاً وَ خَصِيماً (2)- وَ كَفَى بِالْجَنَّةِ ثَوَاباً- وَ كَفَى بِالنَّارِ عِقَاباً وَ وَبَالًا.
وَ قَالَ(ع)إِذَا لَقِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ- فَلْيُقَبِّلْ مَوْضِعَ النُّورِ مِنْ جَبْهَتِهِ.
وَ مَرَّ(ع)فِي يَوْمِ فِطْرٍ بِقَوْمٍ يَلْعَبُونَ وَ يَضْحَكُونَ- فَوَقَفَ عَلَى رُءُوسِهِمْ فَقَالَ- إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ شَهْرَ رَمَضَانَ مِضْمَاراً لِخَلْقِهِ (3)- فَيَسْتَبِقُونَ فِيهِ بِطَاعَتِهِ إِلَى مَرْضَاتِهِ- فَسَبَقَ قَوْمٌ فَفَازُوا وَ قَصَّرَ آخَرُونَ فَخَابُوا- فَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنْ ضَاحِكٍ لَاعِبٍ- فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُثَابُ فِيهِ الْمُحْسِنُونَ- وَ يَخْسَرُ فِيهِ الْمُبْطِلُونَ- وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ- لَعَلِمُوا أَنَّ الْمُحْسِنَ مَشْغُولٌ بِإِحْسَانِهِ- وَ الْمُسِيءَ مَشْغُولٌ بِإِسَاءَتِهِ ثُمَّ مَضَى.
5- ف (4)، تحف العقول مَوْعِظَةٌ مِنْهُ(ع)اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً- وَ لَيْسَ بِتَارِكِكُمْ سُدًى- كَتَبَ آجَالَكُمْ وَ قَسَمَ بَيْنَكُمْ مَعَايِشَكُمْ- لِيَعْرِفَ كُلُّ ذِي لُبٍّ مَنْزِلَتَهُ- وَ أَنَّ مَا قُدِّرَ لَهُ أَصَابَهُ- وَ مَا صُرِفَ عَنْهُ فَلَنْ يُصِيبَهُ- قَدْ كَفَاكُمْ مَئُونَةَ الدُّنْيَا وَ فَرَغَكُمْ لِعِبَادَتِهِ- وَ حَثَّكُمْ عَلَى الشُّكْرِ وَ افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ الذِّكْرَ- وَ أَوْصَاكُمْ بِالتَّقْوَى- وَ جَعَلَ التَّقْوَى مُنْتَهَى رِضَاهُ- وَ التَّقْوَى بَابُ كُلِّ تَوْبَةٍ- وَ رَأْسُ كُلِّ حِكْمَةٍ وَ شَرَفُ كُلِّ عَمَلٍ- بِالتَّقْوَى فَازَ مَنْ فَازَ مِنَ الْمُتَّقِينَ- قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (5)- وَ قَالَ وَ يُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ- لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (6)- فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ- وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً مِنَ الْفِتَنِ- وَ يُسَدِّدُهُ فِي
____________
(1) كذا، و الظاهر «بالنقم».
(2) الحجيج: المغالب باظهار الحجة.
(3) المضمار: المدة و الأيّام التي تضمر فيها للسباق. و موضع السباق أيضا.
(4) التحف ص 232.
(5) سورة النبأ: 32.
(6) سورة الزمر: 61.
111
أَمْرِهِ وَ يُهَيِّئُ لَهُ رُشْدَهُ- وَ يُفْلِجُهُ بِحُجَّتِهِ وَ يُبَيِّضُ وَجْهَهُ- وَ يُعْطِيهِ رَغْبَتَهُ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ- مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ- وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً
6- كشف (1)، كشف الغمة عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)قَالَ: لَا أَدَبَ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ- وَ لَا مُرُوَّةَ لِمَنْ لَا هِمَّةَ لَهُ- وَ لَا حَيَاءَ لِمَنْ لَا دِينَ لَهُ- وَ رَأْسُ الْعَقْلِ مُعَاشَرَةُ النَّاسِ بِالْجَمِيلِ- وَ بِالْعَقْلِ تُدْرَكُ الدَّارَانِ جَمِيعاً- وَ مَنْ حَرُمَ مِنَ الْعَقْلِ حَرُمَهُمَا جَمِيعاً.
وَ قَالَ(ع)عَلِّمِ النَّاسَ عِلْمَكَ وَ تَعَلَّمْ عِلْمَ غَيْرِكَ- فَتَكُونَ قَدْ أَتْقَنْتَ عِلْمَكَ وَ عَلِمْتَ مَا لَمْ تَعْلَمْ- وَ سُئِلَ(ع)عَنِ الصَّمْتِ فَقَالَ- هُوَ سِتْرُ الْعَمَى وَ زَيْنُ الْعِرْضِ- وَ فَاعِلُهُ فِي رَاحَةٍ وَ جَلِيسُهُ آمِنٌ.
وَ قَالَ(ع)هَلَاكُ النَّاسِ فِي ثَلَاثٍ- الْكِبْرِ وَ الْحِرْصِ وَ الْحَسَدِ- فَالْكِبْرُ هَلَاكُ الدِّينِ وَ بِهِ لُعِنَ إِبْلِيسُ- وَ الْحِرْصُ عَدُوُّ النَّفْسِ- وَ بِهِ أُخْرِجَ آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ- وَ الْحَسَدُ رَائِدُ السُّوءِ- وَ مِنْهُ قَتَلَ قَابِيلُ هَابِيلَ.
وَ قَالَ(ع)لَا تَأْتِ رَجُلًا إِلَّا أَنْ تَرْجُوَ نَوَالَهُ- وَ تَخَافَ يَدَهُ أَوْ يَسْتَفِيدَ مِنْ عِلْمِهِ- أَوْ تَرْجُوَ بَرَكَةَ دُعَائِهِ- أَوْ تَصِلَ رَحِماً بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ.
وَ قَالَ(ع)دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ هُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ- لَمَّا ضَرَبَهُ ابْنُ مُلْجَمٍ فَجَزِعْتُ لِذَلِكَ- فَقَالَ لِي أَ تَجْزَعُ فَقُلْتُ وَ كَيْفَ لَا أَجْزَعُ- وَ أَنَا أَرَاكَ عَلَى حَالِكَ هَذِهِ- فَقَالَ(ع)أَ لَا أُعَلِّمُكَ خِصَالًا أَرْبَعَ- إِنْ أَنْتَ حَفِظْتَهُنَّ نِلْتَ بِهِنَّ النَّجَاةَ- وَ إِنْ أَنْتَ ضَيَّعْتَهُنَّ فَاتَكَ الدَّارَانِ- يَا بُنَيَّ لَا غِنَى أَكْبَرُ مِنَ الْعَقْلِ- وَ لَا فَقْرَ مِثْلُ الْجَهْلِ- وَ لَا وَحْشَةَ أَشَدُّ مِنَ الْعُجْبِ- وَ لَا عَيْشَ أَلَذُّ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ- فَهَذِهِ سَمِعْتُ عَنِ الْحَسَنِ يَرْوِيهَا عَنْ أَبِيهِ(ع) فَارْوِهَا إِنْ شِئْتَ فِي مَنَاقِبِهِ أَوْ مَنَاقِبِ أَبِيهِ (2).
وَ قَالَ(ع)مَا رَأَيْتُ ظَالِماً أَشْبَهَ بِمَظْلُومٍ مِنْ حَاسِدٍ.
وَ قَالَ(ع)اجْعَلْ مَا طَلَبْتَ مِنَ الدُّنْيَا فَلَنْ تَظْفَرَ بِهِ- بِمَنْزِلَةِ مَا لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِكَ- وَ اعْلَمْ أَنَّ مُرُوَّةَ الْقَنَاعَةِ وَ الرِّضَا- أَكْثَرُ مِنْ مُرُوَّةِ الْإِعْطَاءِ- وَ تَمَامَ الصَّنِيعَةِ خَيْرٌ مِنِ ابْتِدَائِهَا
____________
(1) كشف الغمّة ج 2 ص 196.
(2) بين القوسين كلام الأردبيليّ في (كشف) و لا يناسب هذا الكتاب.
112
وَ سُئِلَ عَنِ الْعُقُوقِ فَقَالَ- أَنْ تَحْرِمَهُمَا وَ تَهْجُرَهُمَا (1).
وَ رُوِيَ أَنَّ أَبَاهُ عَلِيّاً(ع)قَالَ لَهُ- قُمْ فَاخْطُبْ لِأَسْمَعَ كَلَامَكَ- فَقَامَ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنْ تَكَلَّمَ سَمِعَ كَلَامَهُ- وَ مَنْ سَكَتَ عَلِمَ مَا فِي نَفْسِهِ- وَ مَنْ عَاشَ فَعَلَيْهِ رِزْقُهُ وَ مَنْ مَاتَ فَإِلَيْهِ مَعَادُهُ- أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْقُبُورَ مَحَلَّتُنَا- وَ الْقِيَامَةَ مَوْعِدُنَا وَ اللَّهَ عَارِضُنَا- إِنَّ عَلِيّاً بَابٌ مَنْ دَخَلَهُ كَانَ مُؤْمِناً- وَ مَنْ خَرَجَ عَنْهُ كَانَ كَافِراً- فَقَامَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ(ع)فَالْتَزَمَهُ- فَقَالَ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي- ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
وَ مِنْ كَلَامِهِ(ع)يَا ابْنَ آدَمَ عِفَّ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ تَكُنْ عَابِداً- وَ ارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ تَكُنْ غَنِيّاً- وَ أَحْسِنْ جِوَارَ مَنْ جَاوَرَكَ تَكُنْ مُسْلِماً- وَ صَاحِبِ النَّاسَ بِمِثْلِ مَا تُحِبُّ أَنْ يُصَاحِبُوكَ بِهِ تَكُنْ عَدْلًا- إِنَّهُ كَانَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ أَقْوَامٌ يَجْمَعُونَ كَثِيراً- وَ يَبْنُونَ مَشِيداً وَ يَأْمُلُونَ بَعِيداً- أَصْبَحَ جَمْعُهُمْ بَوَاراً وَ عَمَلُهُمْ غُرُوراً- وَ مَسَاكِنُهُمْ قُبُوراً- يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَمْ تَزَلْ فِي هَدْمِ عُمُرِكَ- مُنْذُ سَقَطْتَ مِنْ بَطْنِ أُمِّكَ- فَخُذْ مِمَّا فِي يَدَيْكَ لِمَا بَيْنَ يَدَيْكَ- فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَتَزَوَّدُ وَ الْكَافِرَ يَتَمَتَّعُ- وَ كَانَ(ع)يَتْلُو بَعْدَ هَذِهِ الْمَوْعِظَةِ- وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى.
وَ مِنْ كَلَامِهِ(ع)أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ فِيهِ مَصَابِيحُ النُّورِ- وَ شِفَاءُ الصُّدُورِ- فَلْيَجْلُ جَالٍ بِضَوْئِهِ وَ لْيُلْجِمِ الصِّفَةَ- فَإِنَّ التَّلْقِينَ (2) حَيَاةُ الْقَلْبِ الْبَصِيرِ- كَمَا يَمْشِي الْمُسْتَنِيرُ فِي الظُّلُمَاتِ بِالنُّورِ.
7- د (3)، العدد القوية قَالَ(ع)الْعَقْلُ حِفْظُ قَلْبِكَ مَا اسْتَوْدَعْتَهُ- وَ الْحَزْمُ أَنْ تَنْتَظِرَ فُرْصَتَكَ- وَ تُعَاجِلَ مَا أَمْكَنَكَ- وَ الْمَجْدُ حَمْلُ الْمَغَارِمِ وَ ابْتِنَاءُ الْمَكَارِمِ- وَ السَّمَاحَةُ إِجَابَةُ السَّائِلِ وَ بَذْلُ النَّائِلِ- وَ الرِّقَّةُ طَلَبُ الْيَسِيرِ وَ مَنْعُ الْحَقِيرِ- وَ الْكُلْفَةُ
____________
(1) يعني الوالدين.
(2) كذا و في المصدر «و ليلجم الصفة قلبه فان التفكير حياة القلب البصير» و الصواب كما في الكافي ج 2 ص 599 «فليجل جال بصره، و ليبلغ الصفة نظره فان التفكر حياة قلب البصير».
(3) مخطوط.
113
التَّمَسُّكُ لِمَنْ لَا يُؤَاتِيكَ- وَ النَّظَرُ بِمَا لَا يَعْنِيكَ- وَ الْجَهْلُ وَ إِنْ كُنْتَ فَصِيحاً.
وَ قَالَ(ع)مَا فَتَحَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى أَحَدٍ بَابَ مَسْأَلَةٍ- فَخَزَنَ عَنْهُ بَابَ الْإِجَابَةِ- وَ لَا فَتَحَ الرَّجُلُ بَابَ عَمَلٍ فَخَزَنَ عَنْهُ بَابَ الْقَبُولِ- وَ لَا فَتَحَ لِعَبْدٍ بَابَ شُكْرٍ فَخَزَنَ عَنْهُ بَابَ الْمَزِيدِ- وَ قِيلَ لَهُ(ع) كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ص قَالَ أَصْبَحْتُ وَ لِيَ رَبٌّ فَوْقِي وَ النَّارُ أَمَامِي- وَ الْمَوْتُ يَطْلُبُنِي وَ الْحِسَابُ مُحْدِقٌ بِي- وَ أَنَا مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِي- لَا أَجِدُ مَا أُحِبُّ وَ لَا أَدْفَعُ مَا أَكْرَهُ- وَ الْأُمُورُ بِيَدِ غَيْرِي- فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَنِي وَ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنِّي- فَأَيُّ فَقِيرٍ أَفْقَرُ مِنِّي.
وَ قَالَ(ع)الْمَعْرُوفُ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ مَطْلٌ وَ لَا يَتْبَعُهُ مَنٌّ- وَ الْإِعْطَاءُ قَبْلَ السُّؤَالِ مِنْ أَكْبَرِ السُّؤْدُدِ- وَ سُئِلَ(ع)عَنِ الْبُخْلِ فَقَالَ- هُوَ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ مَا أَنْفَقَهُ تَلَفاً وَ مَا أَمْسَكَهُ شَرَفاً.
وَ قَالَ(ع)مَنْ عَدَّدَ نِعَمَهُ مَحَقَ كَرَمَهُ.
وَ قَالَ(ع)الْوَحْشَةُ مِنَ النَّاسِ عَلَى قَدْرِ الْفِطْنَةِ بِهِمْ.
وَ قَالَ(ع)الْوَعْدُ مَرَضٌ فِي الْجُودِ وَ الْإِنْجَازُ دَوَاؤُهُ.
وَ قَالَ(ع)الْإِنْجَازُ دَوَاءُ الْكَرَمِ.
وَ قَالَ(ع)لَا تُعَاجِلِ الذَّنْبَ بِالْعُقُوبَةِ- وَ اجْعَلْ بَيْنَهُمَا لِلِاعْتِذَارِ طَرِيقاً.
وَ قَالَ(ع)الْمِزَاحُ يَأْكُلُ الْهَيْبَةَ- وَ قَدْ أَكْثَرَ مِنَ الْهَيْبَةِ الصَّامِتُ.
وَ قَالَ(ع)الْمَسْئُولُ حُرٌّ حَتَّى يَعِدَ- وَ مُسْتَرَقٌّ الْمَسْئُولُ حَتَّى يُنْجِزَ (1).
وَ قَالَ(ع)الْمَصَائِبُ مَفَاتِيحُ الْأَجْرِ.
وَ قَالَ(ع)النِّعْمَةُ مِحْنَةٌ فَإِنْ شَكَرْتَ كَانَتْ نِعْمَةً- فَإِنْ كَفَرْتَ صَارَتْ نَقِمَةً.
وَ قَالَ(ع)الْفُرْصَةُ سَرِيعَةُ الْفَوْتِ بَطِيئَةُ الْعَوْدِ.
وَ قَالَ(ع)لَا يُعْرَفُ الرَّأْيُ إِلَّا عِنْدَ الْغَضَبِ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ قَلَّ ذَلَّ وَ خَيْرُ الْغِنَى الْقُنُوعُ- وَ شَرُّ الْفَقْرِ الْخُضُوعُ.
____________
(1) «بعد» مضارع من وعد، و المسترق هو السائل يعنى هو الذي يطلب الرق.
114
وَ قَالَ(ع)كَفَاكَ مِنْ لِسَانِكَ- مَا أَوْضَحَ لَكَ سَبِيلَ رُشْدِكَ مِنْ غَيِّكَ.
8- د، العدد القوية رُوِيَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ لِلْحَسَنِ(ع) قُمْ فَاخْطُبْ لِأَسْمَعَ كَلَامَكَ- فَقَامَ وَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنْ تَكَلَّمَ سَمِعَ كَلَامَهُ- وَ مَنْ سَكَتَ عَلِمَ مَا فِي نَفْسِهِ- وَ مَنْ عَاشَ فَعَلَيْهِ رِزْقُهُ- وَ مَنْ مَاتَ فَإِلَيْهِ مَعَادُهُ- وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطَّاهِرِينَ وَ سَلَّمَ- أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْقُبُورَ مَحَلَّتُنَا- وَ الْقِيَامَةَ مَوْعِدُنَا وَ اللَّهَ عَارِضُنَا- وَ إِنَّ عَلِيّاً بَابٌ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً- وَ مَنْ خَرَجَ مِنْهُ كَانَ كَافِراً- فَقَامَ إِلَيْهِ(ع)فَالْتَزَمَهُ وَ قَالَ- بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ- وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
9- د، العدد القوية اعْتَلَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)بِالْبَصْرَةِ- فَخَرَجَ الْحَسَنُ(ع)يَوْمَ الْجُمُعَةِ- فَصَلَّى الْغَدَاةَ بِالنَّاسِ- فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى نَبِيِّهِ ص ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيّاً إِلَّا اخْتَارَ لَهُ نَفْساً- وَ رَهْطاً وَ بَيْتاً- وَ الَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بِالْحَقِّ لَا يَنْقُصُ أَحَدٌ مِنْ حَقِّنَا- إِلَّا نَقَصَهُ اللَّهُ مِنْ عِلْمِهِ- وَ لَا يَكُونُ عَلَيْنَا دَوْلَةٌ إِلَّا كَانَتْ لَنَا عَاقِبَةٌ- وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ.
10- د، العدد القوية قَالَ مَوْلَانَا الْحَسَنُ(ع)إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَدَّبَ نَبِيَّهُ أَحْسَنَ الْأَدَبِ- فَقَالَ خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ- وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (1)- فَلَمَّا وَعَى الَّذِي أَمَرَهُ قَالَ تَعَالَى- ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ- وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (2)- فَقَالَ لِجَبْرَئِيلَ(ع)وَ مَا الْعَفْوُ- قَالَ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ وَ تُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ- وَ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ- فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ- إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (3).
وَ قَالَ: السَّدَادُ دَفْعُ الْمُنْكَرِ بِالْمَعْرُوفِ- وَ الشَّرَفُ اصْطِنَاعُ الْعَشِيرَةِ وَ حَمْلُ الْجَرِيرَةِ- وَ الْمُرُوَّةُ الْعَفَافُ وَ إِصْلَاحُ الْمَرْءِ مَالَهُ- وَ الرِّقَّةُ النَّظَرُ فِي الْيَسِيرِ وَ مَنْعِ الْحَقِيرِ- وَ اللُّؤْمُ إِحْرَازُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ وَ بَذْلُهُ عِرْسَهُ- السَّمَاحَةُ الْبَذْلُ فِي الْعُسْرِ وَ الْيُسْرِ- الشُّحُّ أَنْ تَرَى مَا فِي يَدَيْكَ شَرَفاً- وَ مَا أَنْفَقْتَهُ تَلَفاً- الْإِخَاءُ الْوَفَاءُ فِي الشِّدَّةِ وَ
____________
(1) الأعراف: 199.
(2) الحشر: 7.
(3) القلم: 4.
115
الرَّخَاءِ- الْجُبْنُ الْجُرْأَةُ عَلَى الصَّدِيقِ وَ النُّكُولُ عَنِ الْعَدُوِّ- وَ الْغَنِيمَةُ فِي التَّقْوَى- وَ الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا هِيَ الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ- الْحِلْمُ كَظْمُ الْغَيْظِ- وَ مِلْكُ النَّفْسِ الْغِنَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهَا- وَ إِنْ قَلَّ- فَإِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ- الْفَقْرُ شِدَّةُ النَّفْسِ فِي كُلِّ شَيْءٍ- الْمَنَعَةُ شِدَّةُ الْبَأْسِ وَ مُنَازَعَةُ أَشَدِّ النَّاسِ- الذُّلُّ التَّضَرُّعُ عِنْدَ الْمَصْدُوقَةِ- الْجُرْأَةُ مُوَاقَفَةُ الْأَقْرَانِ- الْكُلْفَةُ كَلَامُكَ فِيمَا لَا يَعْنِيكَ- وَ الْمَجْدُ أَنْ تُعْطِيَ فِي الْعَدَمِ- وَ أَنْ تَعْفُوَ عَنْ طُولِ الْأَنَاةِ- وَ الْإِقْرَارُ بِالْوَلَايَةِ- وَ الِاحْتِرَاسُ مِنَ النَّاسِ بِسُوءِ الظَّنِّ هُوَ الْحَزْمُ- السُّرُورُ مُوَافَقَةُ الْإِخْوَانِ وَ حِفْظُ الْجِيرَانِ- السَّفَهُ اتِّبَاعُ الدُّنَاةِ وَ مُصَاحَبَةُ الْغُوَاةِ- الْغَفْلَةُ تَرْكُكَ الْمَسْجِدَ وَ طَاعَتُكَ الْمُفْسِدَ- الْحِرْمَانُ تَرْكُ حَظِّكَ وَ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكَ- السَّفِيهُ الْأَحْمَقُ فِي مَالِهِ- الْمُتَهَاوِنُ فِي عِرْضِهِ- يُشْتَمُ فَلَا يُجِيبُ- الْمُتَحَرِّمُ بِأَمْرِ عَشِيرَتِهِ هُوَ السَّيِّدُ.
11- الدُّرَّةُ الْبَاهِرَةُ (1)، قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)الْمَعْرُوفُ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ مَطْلٌ وَ لَمْ يَتَعَقَّبْهُ مَنٌّ- وَ الْبُخْلُ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ مَا أَنْفَقَهُ تَلَفاً- وَ مَا أَمْسَكَهُ شَرَفاً- مَنْ عَدَّدَ نِعَمَهُ مَحَقَ كَرَمَهُ- الْإِنْجَازُ دَوَاءُ الْكَرَمِ- لَا تُعَاجِلِ الذَّنْبَ بِالْعُقُوبَةِ- وَ اجْعَلْ بَيْنَهُمَا لِلِاعْتِذَارِ طَرِيقاً- التَّفَكُّرُ حَيَاةُ قَلْبِ الْبَصِيرِ- أَوْسَعُ مَا يَكُونُ الْكَرِيمُ بِالْمَغْفِرَةِ- إِذَا ضَاقَتْ بِالْمُذْنِبِ الْمَعْذِرَةُ.
12- أَعْلَامُ الدِّينِ (2)، قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)الْمَصَائِبُ مَفَاتِيحُ الْأَجْرِ.
وَ قَالَ(ع)تُجْهَلُ النِّعَمُ مَا أَقَامَتْ فَإِذَا وَلَّتْ عُرِفَتْ.
وَ قَالَ(ع)عَلَيْكُمْ بِالْفِكْرِ فَإِنَّهُ حَيَاةُ قَلْبِ الْبَصِيرِ- وَ مَفَاتِيحُ أَبْوَابِ الحِكْمَةِ.
وَ قَالَ(ع)أَوْسَعُ مَا يَكُونُ الْكَرِيمُ بِالْمَغْفِرَةِ- إِذَا ضَاقَتْ بِالْمُذْنِبِ الْمَعْذِرَةُ- وَ قِيلَ لَهُ(ع)فِيكَ عَظَمَةٌ- قَالَ لَا بَلْ فِيَّ عِزَّةٌ- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ (3).
____________
(1) مخطوط.
(2) مخطوط.
(3) المنافقون: 8.
116
وَ قَالَ(ع)صَاحِبِ النَّاسَ مِثْلَ مَا تُحِبُّ أَنْ يُصَاحِبُوكَ بِهِ.
وَ كَانَ يَقُولُ(ع)ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَمْ تَزَلْ فِي هَدْمِ عُمُرِكَ- مُنْذُ سَقَطْتَ مِنْ بَطْنِ أُمِّكَ- فَخُذْ مِمَّا فِي يَدَيْكَ لِمَا بَيْنَ يَدَيْكَ- فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَتَزَوَّدُ وَ إِنَّ الْكَافِرَ يَتَمَتَّعُ- وَ كَانَ يُنَادِي مَعَ هَذِهِ الْمَوْعِظَةِ- وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى
باب 20 مواعظ الحسين بن أمير المؤمنين (صلوات الله عليهما)
1- لي (1)، الأمالي للصدوق ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ السَّعْدَآبَادِيِّ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ عَنِ الصَّادِقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ(ع)قَالَ: سُئِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)فَقِيلَ لَهُ- كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ- قَالَ أَصْبَحْتُ وَ لِي رَبٌّ فَوْقِي وَ النَّارُ أَمَامِي- وَ الْمَوْتُ يَطْلُبُنِي وَ الْحِسَابُ مُحْدِقٌ بِي- وَ أَنَا مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِي- لَا أَجِدُ مَا أُحِبُّ وَ لَا أَدْفَعُ مَا أَكْرَهُ- وَ الْأُمُورُ بِيَدِ غَيْرِي- فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَنِي وَ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنِّي- فَأَيُّ فَقِيرٍ أَفْقَرُ مِنِّي.
2 (2)
- ف، تحف العقول عَنِ الْحُسَيْنِ(ع)فِي قِصَارِ هَذِهِ الْمَعَانِي قَالَ(ع)فِي مَسِيرِهِ إِلَى كَرْبَلَاءَ (3)- إِنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا قَدْ تَغَيَّرَتْ وَ تَنَكَّرَتْ- وَ أَدْبَرَ مَعْرُوفُهَا- فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصَابَّةِ الْإِنَاءِ- وَ خَسِيسُ عَيْشٍ كَالْمَرْعَى الْوَبِيلِ (4)- أَ لَا تَرَوْنَ أَنَّ الْحَقَّ لَا يُعْمَلُ بِهِ- وَ أَنَّ الْبَاطِلَ لَا يُنْتَهَى
____________
(1) المجالس: المجلس التاسع و الثمانون ص 362.
(2) التحف ص 245.
(3) ذلك في موضع يقال: ذى حسم و نقل هذا الكلام الطبريّ في تاريخه «عن عقبة ابن أبي العيزار قال: قام الحسين (عليه السلام) بذى حسم فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال: «أما بعد انه قد نزل من الامر ما قد ترون ... الخ» مع اختلاف يسير.
(4) الصبابة- بالضم-: بقية الماء في الاناء. و المرعى: الكلاء. و الوبيل: الوخيم.
117
عَنْهُ- لِيَرْغَبَ الْمُؤْمِنُ فِي لِقَاءِ اللَّهِ مُحِقّاً- فَإِنِّي لَا أَرَى الْمَوْتَ إِلَّا الْحَيَاةَ- وَ لَا الْحَيَاةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلَّا بَرَماً- إِنَّ النَّاسَ عَبِيدُ الدُّنْيَا- وَ الدِّينُ لَعْقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ (1)- يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَايِشُهُمْ- فَإِذَا مُحِّصُوا بِالْبَلَاءِ (2) قَلَّ الدَّيَّانُونَ- وَ قَالَ(ع)لِرَجُلٍ اغْتَابَ عِنْدَهُ رَجُلًا- يَا هَذَا كُفَّ عَنِ الْغِيبَةِ فَإِنَّهَا إِدَامُ كِلَابِ النَّارِ- وَ قَالَ عِنْدَهُ رَجُلٌ- إِنَّ الْمَعْرُوفَ إِذَا أُسْدِيَ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ ضَاعَ (3)- فَقَالَ الْحُسَيْنُ(ع)لَيْسَ كَذَلِكَ- وَ لَكِنْ تَكُونُ الصَّنِيعَةُ مِثْلَ وَابِلِ الْمَطَرِ- تُصِيبُ الْبَرَّ وَ الْفَاجِرَ.
وَ قَالَ(ع)مَا أَخَذَ اللَّهُ طَاقَةَ أَحَدٍ إِلَّا وَضَعَ عَنْهُ طَاعَتَهُ- وَ لَا أَخَذَ قُدْرَتَهُ إِلَّا وَضَعَ عَنْهُ كُلْفَتَهُ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللَّهَ رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ التُّجَّارِ- وَ إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللَّهَ رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبِيدِ- وَ إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللَّهَ شُكْراً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْأَحْرَارِ- وَ هِيَ أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ- وَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ ابْتِدَاءً كَيْفَ أَنْتَ عَافَاكَ اللَّهُ- فَقَالَ(ع)لَهُ السَّلَامُ قَبْلَ الْكَلَامِ عَافَاكَ اللَّهُ- ثُمَّ قَالَ(ع)لَا تَأْذَنُوا لِأَحَدٍ حَتَّى يُسَلِّمَ.
وَ قَالَ(ع)الِاسْتِدْرَاجُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لِعَبْدِهِ- أَنْ يُسْبِغَ عَلَيْهِ النِّعَمَ وَ يَسْلُبَهُ الشُّكْرَ- وَ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ- حِينَ سَيَّرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ (4) إِلَى
____________
(1) في بعض النسخ «لغو على ألسنتهم».
(2) محص اللّه الرجل: اختبره.
(3) اسدى إليه: أحسن إليه. و الوابل: المطر الشديد.
(4) انما وقع هذا التسيير بعد قتل المختار الناهض الوحيد لطلب ثار الامام السبط المفدى فالكتاب هذا لا يمكن أن يكون للحسين السبط (عليه السلام) و لعله لولده الطاهر عليّ بن الحسين السجّاد (سلام اللّه عليهما) فاشتبه على الراوي عليّ بن الحسين بالحسين بن على (صلوات اللّه عليهم).
118
الْيَمَنِ- أَمَّا بَعْدُ بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ سَيَّرَكَ إِلَى الطَّائِفِ- فَرَفَعَ اللَّهُ لَكَ بِذَلِكَ ذِكْراً- وَ حَطَّ بِهِ عَنْكَ وِزْراً- وَ إِنَّمَا يُبْتَلَى الصَّالِحُونَ- وَ لَوْ لَمْ تُؤْجَرْ إِلَّا فِيمَا تُحِبُّ لَقَلَّ الْأَجْرُ (1)- عَزَمَ اللَّهُ لَنَا وَ لَكَ بِالصَّبْرِ عِنْدَ الْبَلْوَى- وَ الشُّكْرِ عِنْدَ النُّعْمَى (2)- وَ لَا أَشْمَتَ بِنَا وَ لَا بِكَ عَدُوّاً حَاسِداً أَبَداً وَ السَّلَامُ.
وَ أَتَاهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ فَقَالَ(ع)إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا فِي غُرْمٍ فَادِحٍ- أَوْ فَقْرٍ مُدْقِعٍ أَوْ حَمَالَةٍ مُقَطَّعَةٍ (3)- فَقَالَ الرَّجُلُ مَا جِئْتُ إِلَّا فِي إِحْدَاهُنَّ- فَأَمَرَ لَهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ.
وَ قَالَ لِابْنِهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)أَيْ بُنَيَّ إِيَّاكَ وَ ظُلْمَ مَنْ لَا يَجِدُ عَلَيْكَ نَاصِراً- إِلَّا اللَّهَ جَلَّ وَ عَزَّ- وَ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ- وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (4)- قَالَ(ع) أَمَرَهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ فِي دِينِهِ- وَ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُرِيدُ أَنْ يَسْأَلَهُ حَاجَةً- فَقَالَ(ع)يَا أَخَا الْأَنْصَارِ- صُنْ وَجْهَكَ عَنْ بِذْلَةِ الْمَسْأَلَةِ (5)- وَ ارْفَعْ حَاجَتَكَ فِي رُقْعَةٍ- فَإِنِّي آتٍ فِيهَا مَا سَارَّكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- فَكَتَبَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إِنَّ لِفُلَانٍ عَلَيَّ خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ- وَ قَدْ أَلَحَّ بِي فَكَلِّمْهُ يُنْظِرْنِي إِلَى مَيْسَرَةٍ- فَلَمَّا قَرَأَ الْحُسَيْنُ(ع)الرُّقْعَةَ دَخَلَ إِلَى مَنْزِلِهِ- فَأَخْرَجَ صُرَّةً (6) فِيهَا أَلْفُ دِينَارٍ- وَ قَالَ(ع)لَهُ أَمَّا خَمْسُمِائَةٍ فَاقْضِ بِهَا دَيْنَكَ- وَ أَمَّا خَمْسُمِائَةٍ فَاسْتَعِنْ بِهَا عَلَى دَهْرِكَ- وَ لَا تَرْفَعْ حَاجَتَكَ إِلَّا إِلَى أَحَدِ ثَلَاثَةٍ- إِلَى
____________
(1) في بعض النسخ «لقاء الاجر».
(2) و النعمى: الدعة و الراحة و خفض العيش.
(3) الغرم: أداء شيء لازم، و ما يلزم أداؤه، و الضرر و المشقة. و الفادح: الصعب المثقل. و المذقع: الملصق بالتراب. و الحمالة: الدية و الغرامة و الكفالة.
(4) سورة الضحى: 11.
(5) البذلة: ترك الصون.
(6) الصرة- بالضم فالتشديد-: ما يصر فيه الدراهم و الدينار.
119
ذِي دِينٍ أَوْ مُرُوَّةٍ أَوْ حَسَبٍ- فَأَمَّا ذُو الدِّينِ فَيَصُونُ دِينَهُ- وَ أَمَّا ذُو الْمُرُوَّةِ فَإِنَّهُ يَسْتَحْيِي لِمُرُوَّتِهِ- وَ أَمَّا ذُو الْحَسَبِ فَيَعْلَمُ أَنَّكَ لَمْ تُكْرِمْ وَجْهَكَ- أَنْ تَبْذُلَهُ لَهُ فِي حَاجَتِكَ- فَهُوَ يَصُونُ وَجْهَكَ أَنْ يَرُدَّكَ بِغَيْرِ قَضَاءِ حَاجَتِكَ.
وَ قَالَ(ع)الْإِخْوَانُ أَرْبَعَةٌ فَأَخٌ لَكَ وَ لَهُ وَ أَخٌ لَكَ- وَ أَخٌ عَلَيْكَ وَ أَخٌ لَا لَكَ وَ لَا لَهُ- فَسُئِلَ عَنْ مَعْنَى ذَلِكَ- فَقَالَ(ع)الْأَخُ الَّذِي هُوَ لَكَ وَ لَهُ- فَهُوَ الْأَخُ الَّذِي يَطْلُبُ بِإِخَائِهِ بَقَاءَ الْإِخَاءِ- وَ لَا يَطْلُبُ بِإِخَائِهِ مَوْتَ الْإِخَاءِ- فَهَذَا لَكَ وَ لَهُ- لِأَنَّهُ إِذَا تَمَّ الْإِخَاءُ طَابَتْ حَيَاتُهُمَا جَمِيعاً- وَ إِذَا دَخَلَ الْإِخَاءُ فِي حَالِ التَّنَاقُصِ بَطَلَ جَمِيعاً- وَ الْأَخُ الَّذِي هُوَ لَكَ- فَهُوَ الْأَخُ الَّذِي قَدْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ عَنْ حَالِ الطَّمَعِ- إِلَى حَالِ الرَّغْبَةِ- فَلَمْ يَطْمَعْ فِي الدُّنْيَا إِذَا رَغِبَ فِي الْإِخَاءِ- فَهَذَا مُوَفِّرٌ (1) عَلَيْكَ بِكُلِّيَّتِهِ- وَ الْأَخُ الَّذِي هُوَ عَلَيْكَ- فَهُوَ الْأَخُ الَّذِي يَتَرَبَّصُ بِكَ الدَّوَائِرَ (2)- وَ يُغَشِّي السَّرَائِرَ وَ يَكْذِبُ عَلَيْكَ بَيْنَ الْعَشَائِرِ- وَ يَنْظُرُ فِي وَجْهِكَ نَظَرَ الْحَاسِدِ- فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الْوَاحِدِ- وَ الْأَخُ الَّذِي لَا لَكَ وَ لَا لَهُ- فَهُوَ الَّذِي قَدْ مَلَأَهُ اللَّهُ حُمْقاً فَأَبْعَدَهُ سُحْقاً (3)- فَتَرَاهُ يُؤْثِرُ نَفْسَهُ عَلَيْكَ- وَ يَطْلُبُ شُحّاً مَا لَدَيْكَ.
وَ قَالَ(ع)مِنْ دَلَائِلِ عَلَامَاتِ الْقَبُولِ- الْجُلُوسُ إِلَى أَهْلِ الْعُقُولِ- وَ مِنْ عَلَامَاتِ أَسْبَابِ الْجَهْلِ- الْمُمَارَاةُ لِغَيْرِ أَهْلِ الْكُفْرِ (4)- وَ مِنْ دَلَائِلِ الْعَالِمِ انْتِقَادُهُ لِحَدِيثِهِ- وَ عِلْمُهُ بِحَقَائِقِ فُنُونِ النَّظَرِ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ الْمُؤْمِنَ اتَّخَذَ اللَّهَ عِصْمَتَهُ وَ قَوْلَهُ مِرْآتَهُ- فَمَرَّةً يَنْظُرُ فِي نَعْتِ الْمُؤْمِنِينَ- وَ تَارَةً يَنْظُرُ فِي الْمُتَجَبِّرِينَ- فَهُوَ مِنْهُ فِي لَطَائِفَ- وَ مِنْ نَفْسِهِ فِي تَعَارُفٍ- وَ مِنْ فِطْنَتِهِ فِي يَقِينٍ- وَ مِنْ قُدْسِهِ عَلَى تَمْكِينٍ (5).
____________
(1) في بعض النسخ «موفور عليك».
(2) الدوائر. النوائب، يقال: دارت الدوائر أي نزلت الدواهى و النوائب.
(3) أي فابعده اللّه من رحمته بعدا.
(4) المماراة: المجادلة و المنازعة. و في بعض النسخ «لغير أهل الفكر».
(5) أي و من طهارة نفسه على قدرة و سلطنة.
120
وَ قَالَ(ع)إِيَّاكَ وَ مَا تَعْتَذِرُ مِنْهُ- فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُسِيءُ وَ لَا يَعْتَذِرُ- وَ الْمُنَافِقُ كُلَّ يَوْمٍ يُسِيءُ وَ يَعْتَذِرُ.
وَ قَالَ(ع)لِلسَّلَامِ سَبْعُونَ حَسَنَةً- تِسْعٌ وَ سِتُّونَ لِلْمُبْتَدِئِ وَ وَاحِدَةٌ لِلرَّادِّ.
وَ قَالَ(ع)الْبَخِيلُ مَنْ بَخِلَ بِالسَّلَامِ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ حَاوَلَ أَمْراً (1) بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ كَانَ أَفْوَتَ لِمَا يَرْجُو- وَ أَسْرَعَ لِمَا يَحْذَرُ (2).
3- ف (3)، تحف العقول مَوْعِظَةٌ مِنْهُ(ع)أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ أُحَذِّرُكُمْ أَيَّامَهُ- وَ أَرْفَعُ لَكُمْ أَعْلَامَهُ- فَكَأَنَّ الْمَخُوفَ قَدْ أَفِدَ بِمَهُولِ وُرُودِهِ- وَ نَكِيرِ حُلُولِهِ وَ بَشِعِ مَذَاقِهِ- فَاعْتَلَقَ مُهَجَكُمْ (4)- وَ حَالَ بَيْنَ الْعَمَلِ وَ بَيْنَكُمْ- فَبَادِرُوا بِصِحَّةِ الْأَجْسَامِ فِي مُدَّةِ الْأَعْمَارِ- كَأَنَّكُمْ بِبَغَتَاتِ طَوَارِقِهِ (5)- فَتَنْقُلُكُمْ مِنْ ظَهْرِ الْأَرْضِ إِلَى بَطْنِهَا- وَ مِنْ عُلُوِّهَا إِلَى سُفْلِهَا- وَ مِنْ أُنْسِهَا إِلَى وَحْشَتِهَا- وَ مِنْ رَوْحِهَا وَ ضَوْئِهَا إِلَى ظُلْمَتِهَا- وَ مِنْ سَعَتِهَا إِلَى ضِيقِهَا- حَيْثُ لَا يُزَارُ حَمِيمٌ وَ لَا يُعَادُ سَقِيمٌ- وَ لَا يُجَابُ صَرِيخٌ- أَعَانَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ عَلَى أَهْوَالِ ذَلِكَ الْيَوْمِ- وَ نَجَّانَا وَ إِيَّاكُمْ مِنْ عِقَابِهِ- وَ أَوْجَبَ لَنَا وَ لَكُمُ الْجَزِيلَ مِنْ ثَوَابِهِ- عِبَادَ اللَّهِ فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ قَصْرَ مَرْمَاكُمْ وَ مَدَى مَظْعَنِكُمْ (6)- كَانَ حَسْبُ الْعَامِلِ
____________
(1) في بعض النسخ «من حاول أمرءا».
(2) في بعض النسخ «أسرع لمجىء ما يحذر».
(3) التحف ص 239.
(4) أفد- كفرح-: عجل و دنا و أزف. و المهول: ذو الهول. و بشع: ضد حسن و طيب اي كريه الطعم و الرائحة. و المهج- كغرف-: جمع مهجة- كغرفة-: الدم، أو دم القلب و المراد به الروح.
(5) بغتات: جمع بغتة. و الطوارق: جمع الطارقة: الداهية.
(6) القصر: الجهد و الغاية. و المرمى: مصدر ميمى أو مكان الرمى و زمانه. و المدى:
الغاية و المنتهى. و يذهل: ينسى و يسلو- من الذهول-: الذهاب عن الامر.
121
شُغُلًا يَسْتَفْرِغُ عَلَيْهِ أَحْزَانَهُ- وَ يَذْهَلُهُ عَنْ دُنْيَاهُ- وَ يُكْثِرُ نَصَبَهُ لِطَلَبِ الْخَلَاصِ مِنْهُ- فَكَيْفَ وَ هُوَ بَعْدَ ذَلِكَ مُرْتَهَنٌ بِاكْتِسَابِهِ- مُسْتَوْقَفٌ عَلَى حِسَابِهِ- لَا وَزِيرَ لَهُ يَمْنَعُهُ وَ لَا ظَهِيرَ عَنْهُ يَدْفَعُهُ- وَ يَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ- أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً- قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ- أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ- فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ ضَمِنَ لِمَنِ اتَّقَاهُ- أَنْ يُحَوِّلَهُ عَمَّا يَكْرَهُ إِلَى مَا يُحِبُّ- وَ يَرْزُقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ- فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَخَافُ عَلَى الْعِبَادِ مِنْ ذُنُوبِهِمْ- وَ يَأْمَنُ الْعُقُوبَةَ مِنْ ذَنْبِهِ- فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا يُخْدَعُ عَنْ جَنَّتِهِ- وَ لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
4- كشف (1)، كشف الغمة خَطَبَ الْحُسَيْنُ(ع)فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ نَافِسُوا فِي الْمَكَارِمِ وَ سَارِعُوا فِي الْمَغَانِمِ- وَ لَا تَحْتَسِبُوا بِمَعْرُوفٍ لَمْ تَعْجَلُوا- وَ اكْسِبُوا الْحَمْدَ بِالنُّجْحِ- وَ لَا تَكْتَسِبُوا بِالْمَطْلِ ذَمّاً- فَمَهْمَا يَكُنْ لِأَحَدٍ عِنْدَ أَحَدٍ صَنِيعَةٌ- لَهُ رَأَى أَنَّهُ لَا يَقُومُ بِشُكْرِهَا فَاللَّهُ لَهُ بِمُكَافَاتِهِ- فَإِنَّهُ أَجْزَلُ عَطَاءً وَ أَعْظَمُ أَجْراً- وَ اعْلَمُوا أَنَّ حَوَائِجَ النَّاسِ إِلَيْكُمْ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ- فَلَا تَمَلُّوا النِّعَمَ فَتَحُورَ نِقَماً (2)- وَ اعْلَمُوا أَنَّ الْمَعْرُوفَ مُكْسِبٌ حَمْداً وَ مُعَقِّبٌ أَجْراً- فَلَوْ رَأَيْتُمُ الْمَعْرُوفَ رَجُلًا- رَأَيْتُمُوهُ حَسَناً جَمِيلًا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ- وَ لَوْ رَأَيْتُمُ اللُّؤْمَ رَأَيْتُمُوهُ سَمِجاً (3) مُشَوَّهاً- تَنْفِرُ مِنْهُ الْقُلُوبُ وَ تُغَضُّ دُونَهُ الْأَبْصَارُ- أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ جَادَ سَادَ وَ مَنْ بَخِلَ رَذُلَ- وَ إِنَّ أَجْوَدَ النَّاسِ مَنْ أَعْطَى مَنْ لَا يَرْجُوهُ- وَ إِنَّ أَعْفَى النَّاسِ مَنْ عَفَا عَنْ قُدْرَةٍ- وَ إِنَّ أَوْصَلَ النَّاسِ مَنْ وَصَلَ مَنْ
____________
بدهشة. اى لو كانت الدنيا آخر أمركم و ليس وراءها شيء لجدير بأن الإنسان يجد و يتعب و يسعى لطلب الخلاص من الموت و تبعاته و يشغل عن غيره.
(1) كشف الغمّة ج 2 ص 241.
(2) حار يحور حورا: رجع.
(3) السمج: القبيح.
122
قَطَعَهُ- وَ الْأُصُولُ عَلَى مَغَارِسِهَا بِفُرُوعِهَا تَسْمُو- فَمَنْ تَعَجَّلَ لِأَخِيهِ خَيْراً وَجَدَهُ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِ غَداً- وَ مَنْ أَرَادَ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بِالصَّنِيعَةِ إِلَى أَخِيهِ- كَافَأَهُ بِهَا فِي وَقْتِ حَاجَتِهِ- وَ صَرَفَ عَنْهُ مِنْ بَلَاءِ الدُّنْيَا مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ- وَ مَنْ نَفَّسَ كُرْبَةَ مُؤْمِنٍ- فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرَبَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- وَ مَنْ أَحْسَنَ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْهِ- وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
5- وَ خَطَبَ(ع)(1) فَقَالَ إِنَّ الْحِلْمَ زِينَةٌ وَ الْوَفَاءَ مُرُوَّةٌ- وَ الصِّلَةَ نِعْمَةٌ وَ الِاسْتِكْبَارَ صَلَفٌ (2)- وَ الْعَجَلَةَ سَفَهٌ وَ السَّفَهَ ضَعْفٌ- وَ الْغُلُوَّ وَرْطَةٌ وَ مُجَالَسَةَ أَهْلِ الدَّنَاءَةِ شَرٌّ- وَ مُجَالَسَةَ أَهْلِ الْفِسْقِ رِيبَةٌ.
6- كشف (3)، كشف الغمة وَ أَمَّا شِعْرُ الْحُسَيْنِ(ع)فَقَدْ ذَكَرَ الرُّوَاةُ لَهُ شِعْراً- وَ وَقَعَ إِلَيَّ شِعْرُهُ(ع) بِخَطِّ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْخَشَّابِ النَّحْوِيِّ ره- وَ فِيهِ قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ لُوطُ بْنُ يَحْيَى- أَكْثَرَ مَا يَرْوِيهِ النَّاسُ مِنْ شِعْرِ سَيِّدِنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنِ(ع) إِنَّمَا هُوَ مَا تَمَثَّلَ بِهِ- وَ قَدْ أَخَذْتُ شِعْرَهُ مِنْ مَوَاضِعِهِ- وَ اسْتَخْرَجْتُهُ مِنْ مَظَانِّهِ وَ أَمَاكِنِهِ- وَ رَوَيْتُهُ عَنْ ثِقَاتِ الرِّجَالِ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَجَبَةَ الْخُزَاعِيُّ- وَ كَانَ عَارِفاً بِأَمْرِ أَهْلِ الْبَيْتِ(ع) وَ مِنْهُمُ الْمُسَيَّبُ بْنُ رَافِعٍ الْمَخْزُومِيُّ وَ غَيْرُهُ رِجَالٌ كَثِيرٌ- وَ لَقَدْ أَنْشَدَنِي يَوْماً رَجُلٌ مِنْ سَاكِنِي سَلْعٍ (4) هَذِهِ الْأَبْيَاتَ- فَقُلْتُ لَهُ أَكْتِبْنِيهَا فَقَالَ لِي مَا أَحْسَنَ رِدَاءَكَ هَذَا- وَ كُنْتُ قَدِ اشْتَرَيْتُهُ يَوْمِي ذَاكَ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَطَرَحْتُهُ عَلَيْهِ فَأَكْتَبَنِيهَا وَ هِيَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ ع
ذَهَبَ الَّذِينَ أُحِبُّهُمْ* * * -وَ بَقِيتُ فِيمَنْ لَا أُحِبُّهُ-
فِي مَنْ أَرَاهُ يَسُبُّنِي* * * -ظَهْرَ الْمَغِيبِ وَ لَا أَسُبُّهُ-
____________
(1) المصدر ج 2 ص 242. (2) الصلف مجاوزة القدر في الظرف و البراعة و الادعاء فوق ذلك تكبرا. (3) المصدر ج 2 ص 245. (4) بفتح السين موضع بقرب المدينة
123
يَبْغِي فَسَادِي مَا اسْتَطَاعَ* * * -وَ أَمْرُهُ مِمَّا أَرُبُّهُ-
حَنَقاً يَدِبُّ إِلَى الضَّرَّاءِ* * * -وَ ذَاكَ مِمَّا لَا أُدِبُّهُ-
وَ يَرَى ذُبَابَ الشَّرِّ مِنْ* * * -حَوْلِي يَطِنُّ وَ لَا يَذُبُّهُ-
وَ إِذَا خَبَا وَغْرُ الصُّدُورِ* * * -فَلَا يَزَالُ بِهِ يَشُبُّهُ (1)-
أَ فَلَا يَعِيجُ بِعَقْلِهِ* * * -أَ فَلَا يَتُوبُ إِلَيْهِ لُبُّهُ (2)-
أَ فَلَا يَرَى أَنَّ فِعْلَهُ* * * -مِمَّا يَسُورُ إِلَيْهِ غِبُّهُ-
حَسْبِي بِرَبِّي كَافِياً* * * -مَا أَخْتَشِي وَ الْبَغْيُ حَسْبُهُ-
وَ لَقَلَّ مَنْ يُبْغَى عَلَيْهِ* * * -فَمَا كَفَاهُ اللَّهُ رَبُّهُ (3)
.
وَ قَالَ ع
إِذَا مَا عَضَّكَ الدَّهْرُ فَلَا تَجْنَحْ إِلَى خَلْقٍ* * * -وَ لَا تَسْأَلْ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى قَاسِمِ الرِّزْقِ-
فَلَوْ عِشْتَ وَ طَوَّفْتَ مِنَ الْغَرْبِ إِلَى الشَّرْقِ* * * -لَمَا صَادَفْتَ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يُسْعِدَ أَوْ يُشْقِيَ
.
وَ قَالَ ع
اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ مَا يُبْدِي يَزِيدُ لِغَيْرِهِ* * * -وَ بِأَنَّهُ لَمْ يَكْتَسِبْهُ بِغَيْرِهِ وَ بِمَيْرِهِ (4)-
لَوْ أَنْصَفَ النَّفْسُ الْخَئُونُ لَقَصُرَتْ مِنْ سَيْرِهِ* * * -وَ لَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ أَدْنَى شَرَّهُ مِنْ خَيْرِهِ
.
كذا بخط ابن الخشاب شره بالإضافة و أظنه وهما منه لأنه لا معنى له على الإضافة و المعنى أنه لو أنصف نفسه أدنى الإنصاف شره على المفعولية من خيره أي صار ذا خير.
قَالَ ع
إِذَا اسْتَنْصَرَ الْمَرْءُ امْرَأً لَا يَدَيْ لَهُ* * * -فَنَاصِرُهُ وَ الْخَاذِلُونَ سَوَاءٌ-
____________
(1) خبا أي سكن. و وغر الصدور: حرها. و يشبه اي يشعله و يوقده. (2) يعيج أي يقيم و يرجع. و يثوب أي يرجع، و اللب: العقل. (3) في بعض النسخ «إلا كفاه اللّه ربّه». (4) غار الرجل. و غار لهم. و مار لهم، و مار بهم و هي الغيرة و الميرة
124
أَنَا ابْنُ الَّذِي قَدْ تَعْلَمُونَ مَكَانَهُ* * * -وَ لَيْسَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ طَخَاءٌ (1)-
أَ لَيْسَ رَسُولُ اللَّهِ جَدِّي وَ وَالِدِي* * * -أَنَا الْبُدْرَانُ خَلَا النُّجُومِ خَفَاءٌ-
أَ لَمْ يَنْزِلِ الْقُرْآنُ خَلْفَ بُيُوتِنَا* * * -صَبَاحاً وَ مِنْ بَعْدِ الصَّبَّاحِ مَسَاءٌ-
يُنَازِعُنِي وَ اللَّهِ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ* * * -يَزِيدُ وَ لَيْسَ الْأَمْرُ حَيْثُ يَشَاءُ-
فَيَا نُصَحَاءُ اللَّهِ أَنْتُمْ وُلَاتُهُ* * * -وَ أَنْتُمْ عَلَى أَدْيَانِهِ أُمَنَاءُ-
بِأَيِّ كِتَابٍ أَمْ بِأَيَّةِ سُنَّةٍ* * * -تَنَاوَلَهَا عَنْ أَهْلِهَا الْبُعَدَاءُ
- وَ هِيَ طَوِيلَةٌ.
وَ قَالَ(ع)(2)
أَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي* * * -طَالِبٍ الْبَدْرُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ-
أَ لَمْ تَرَوْا وَ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبِي* * * -قَاتِلُ عَمْرٍو وَ مُبِيرُ مَرْحَبٍ-
وَ لَمْ يَزَلْ قَبْلَ كُشُوفِ الْكُرَبِ* * * -مُجَلِّياً ذَلِكَ عَنْ وَجْهِ النَّبِيِّ-
أَ لَيْسَ مِنْ أَعْجَبِ عَجَبِ الْعَجَبِ* * * -أَنْ يَطْلُبَ الْأَبْعَدُ مِيرَاثَ النَّبِيِّ-
وَ اللَّهُ قَدْ أَوْصَى بِحِفْظِ الْأَقْرَبِ
وَ قَالَ(ع)(3)
مَا يَحْفَظِ اللَّهُ يُصَنْ* * * -مَا يَضَعِ اللَّهُ يُهَنْ-
مَنْ يُسْعِدِ اللَّهُ يَلِنْ* * * -لَهُ الزَّمَانُ إِنْ خَشُنَ-
أَخِي اعْتَبِرْ لَا تَغْتَرِرْ* * * -كَيْفَ تَرَى صَرْفَ الزَّمَنِ-
يُجْزَى بِمَا أُوتِيَ مِنْ* * * -فِعْلِ قَبِيحٍ أَوْ حَسَنٍ-
أَفْلَحَ عَبْدٌ كُشِفَ* * * -الْغِطَاءُ عَنْهُ فَفَطَنَ-
وَ قَرَّ عَيْناً مَنْ رَأَى* * * -أَنَّ الْبَلَاءَ فِي اللَّسَنِ-
فَمَازَ مِنْ أَلْفَاظِهِ* * * -فِي كُلِّ وَقْتٍ وَ وَزَنَ-
____________
(1) الطخاء: السحاب المرتفع، و ما في السماء طخية- بالضم- أى شيء من السحاب. و الطخياء: الليلة المظلمة و ظلام طاخ.
(2) الكشف: ج 2 ص 248.
(3) المصدر: ج 2 ص 248.
125
وَ خَافَ مِنْ لِسَانِهِ* * * -عَزْباً حَدِيداً فَخَزَنَ-
وَ مَنْ يَكُنْ مُعْتَصِماً* * * -بِاللَّهِ ذِي الْعَرْشِ فَلَنْ-
يَضُرَّهُ شَيْءٌ وَ مَنْ* * * -يُعْدِي عَلَى اللَّهِ وَ مَنْ-
مَنْ يَأْمَنِ اللَّهَ يَخَفْ* * * -وَ خَائِفُ اللَّهِ أَمِنَ-
وَ مَا لِمَا يُثْمِرُهُ* * * -الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ ثَمَنٌ-
يَا عَالِمَ السِّرِّ كَمَا* * * -يَعْلَمُ حَقّاً مَا عَلَنَ-
صَلِّ عَلَى جَدِّي أَبِي الْقَاسِمِ* * * -ذِي النُّورِ الْمِنَنِ-
أَكْرَمُ مَنْ حَيَّ وَ مَنْ* * * -لُفِّفَ مَيْتاً فِي كَفَنٍ-
وَ امْنُنْ عَلَيْنَا بِالرِّضَى* * * -فَأَنْتَ أَهْلٌ لِلْمِنَنِ-
وَ أَعْفِنَا فِي دِينِنَا مِنْ* * * -كُلِّ خُسْرٍ وَ غَبَنٍ-
مَا خَابَ مَنْ خَابَ كَمَنْ* * * -يَوْماً إِلَى الدُّنْيَا رَكَنَ-
طُوبَى لِعَبْدٍ كُشِفَتْ* * * -عَنْهُ غَبَابَاتُ الْوَسَنِ-
وَ الْمَوْعِدُ اللَّهُ وَ مَا* * * -يَقْضِ بِهِ اللَّهُ يَكُنْ
- وَ هِيَ طَوِيلَةٌ.
وَ قَالَ(ع)(1)
أَبِي عَلِيٌّ وَ جَدِّي خَاتَمُ الرُّسُلِ* * * -وَ الْمُرْتَضَوْنَ لِدِينِ اللَّهِ مِنْ قَبْلِي-
وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ الْقُرْآنُ يَنْطِقُهُ* * * -أَنَّ الَّذِي بِيَدِي مَنْ لَيْسَ يَمْلِكُ لِي-
مَا يُرْتَجَى بِامْرِئٍ لَا قَائِلَ عَذَلًا* * * -وَ لَا يَزِيغُ إِلَى قَوْلٍ وَ لَا عَمَلٍ-
وَ لَا يَرَى خَائِفاً فِي سِرِّهِ وَجِلًا* * * -وَ لَا يُحَاذِرُ مِنْ هَفْوٍ وَ لَا زَلَلٍ-
يَا وَيْحَ نَفْسِي مِمَّنْ لَيْسَ يَرْحَمُهَا* * * -أَ مَا لَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ مَثَلٍ-
أَ مَا لَهُ فِي حَدِيثِ النَّاسِ مُعْتَبَرٌ* * * -مِنَ الْعَمَالِقَةِ الْعَادِيَةِ الْأُوَلِ-
يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمَغْبُونُ شِيمَتُهُ* * * -إِنِّي وَرِثْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ رُسُلٍ-
أَ أَنْتَ أَوْلَى بِهِ مِنْ آلِهِ فَبِمَا* * * -تَرَى اعْتَلَلْتَ وَ مَا فِي الدِّينِ مِنْ عِلَلٍ
- وَ فِيهَا أَبْيَاتٌ أُخَرُ.
____________
(1) الكشف: ج 2 ص 249.
126
وَ قَالَ ع
يَا نَكَبَاتِ الدَّهْرِ دُولِي دُولِي* * * -وَ أَقْصِرِي إِنْ شِئْتِ أَوْ أَطِيلِي (1)
مِنْهَا
رَمَيْتَنِي رَمْيَةً لَا مَقِيلَ* * * -بِكُلِّ خَطْبٍ فَادِحٍ جَلِيلٍ-
وَ كُلِّ عَبْءٍ أَيِّدٍ ثَقِيلٍ* * * -أَوَّلُ مَا رُزِئْتُ بِالرَّسُولِ-
وَ بَعْدُ بِالطَّاهِرَةِ الْبَتُولِ* * * -وَ الْوَالِدِ الْبَرِّ بِنَا الْوُصُولِ-
وَ بِالشَّقِيقِ الْحَسَنِ الْجَلِيلِ* * * -وَ الْبَيْتِ ذِي التَّأْوِيلِ وَ التَّنْزِيلِ-
وَ زَوْرُنَا الْمَعْرُوفُ مِنْ جِبْرِيلَ* * * -فَمَا لَهُ فِي الزَّرْءِ مِنْ عَدِيلٍ-
مَا لَكَ عَنِّي الْيَوْمَ مِنْ عُدُولٍ* * * -وَ حَسْبِيَ الرَّحْمَنُ مِنْ مُنِيلٍ
- قَالَ تَمَّ شِعْرُ مَوْلَانَا الشَّهِيدِ- أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع) وَ هُوَ عَزِيزُ الْوُجُودِ.
7- جع (2)، جامع الأخبار رُوِيَ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ(ع)جَاءَهُ رَجُلٌ- وَ قَالَ أَنَا رَجُلٌ عَاصٍ وَ لَا أَصْبِرُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ- فَعِظْنِي بِمَوْعِظَةٍ- فَقَالَ(ع)افْعَلْ خَمْسَةَ أَشْيَاءَ وَ أَذْنِبْ مَا شِئْتَ- فَأَوَّلُ ذَلِكَ لَا تَأْكُلْ رِزْقَ اللَّهِ وَ أَذْنِبْ مَا شِئْتَ- وَ الثَّانِي اخْرُجْ مِنْ وَلَايَةِ اللَّهِ وَ أَذْنِبْ مَا شِئْتَ- وَ الثَّالِثُ اطْلُبْ مَوْضِعاً لَا يَرَاكَ اللَّهُ وَ أَذْنِبْ مَا شِئْتَ- وَ الرَّابِعُ إِذَا جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ لِيَقْبِضَ رُوحَكَ- فَادْفَعْهُ عَنْ نَفْسِكَ وَ أَذْنِبْ مَا شِئْتَ- وَ الْخَامِسُ إِذَا أَدْخَلَكَ مَالِكٌ فِي النَّارِ- فَلَا تَدْخُلْ فِي النَّارِ وَ أَذْنِبْ مَا شِئْتَ.
8- ختص (3)، الإختصاص قَالَ الصَّادِقُ(ع)حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ(ع)أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ كَتَبَ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع) يَا سَيِّدِي أَخْبِرْنِي بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- فَكَتَبَ(ع)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ- أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مَنْ طَلَبَ رِضَى اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ- كَفَاهُ اللَّهُ أُمُورَ النَّاسِ- وَ مَنْ طَلَبَ رَضِيَ النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ- وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ وَ السَّلَامُ.
9- الدُّرَّةُ الْبَاهِرَةُ (4)، قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)إِنَّ حَوَائِجَ النَّاسِ إِلَيْكُمْ
____________
(1) دال الايام: دارت. و دال الزمان: انقلب من حال الى حال.
(2) جامع الأخبار الفصل 89 و فيه عن عليّ بن الحسين.
(3) الاختصاص ص 225.
(4) مخطوط.
127
مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ- فَلَا تَمَلُّوا النِّعَمَ.
وَ قَالَ(ع)اللَّهُمَّ لَا تَسْتَدْرِجْنِي بِالْإِحْسَانِ- وَ لَا تُؤَدِّبْنِي بِالْبَلَاءِ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ قَبِلَ عَطَاءَكَ فَقَدْ أَعَانَكَ عَلَى الْكَرَمِ.
وَ قَالَ(ع)مَالُكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ كُنْتَ لَهُ- فَلَا تَبْقَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى عَلَيْكَ وَ كُلْهُ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَكَ.
10- كَنْزُ الْكَرَاجُكِيِ (1)، قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)يَوْماً لِابْنِ عَبَّاسٍ- لَا تَتَكَلَّمَنَّ فِيمَا لَا يَعْنِيكَ- فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ الْوِزْرَ- وَ لَا تَتَكَلَّمَنَّ فِيمَا يَعْنِيكَ- حَتَّى تَرَى لِلْكَلَامِ مَوْضِعاً- فَرُبَّ مُتَكَلِّمٍ قَدْ تَكَلَّمَ بِالْحَقِّ فَعِيبَ- وَ لَا تُمَارِيَنَّ حَلِيماً وَ لَا سَفِيهاً- فَإِنَّ الْحَلِيمَ يَقْلِيكَ وَ السَّفِيهَ يُؤْذِيكَ- وَ لَا تَقُولَنَّ فِي أَخِيكَ الْمُؤْمِنِ إِذَا تَوَارَى عَنْكَ- إِلَّا مَا تُحِبُّ أَنْ يَقُولَ فِيكَ إِذَا تَوَارَيْتَ عَنْهُ- وَ اعْمَلْ عَمَلَ رَجُلٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِالْإِجْرَامِ- مَجْزِيٌّ بِالْإِحْسَانِ وَ السَّلَامُ- وَ بَلَغَهُ(ع)كَلَامُ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ (2) فِي مُعَاوِيَةَ- وَ قَوْلُهُ إِنَّهُ كَانَ يُسْكِتُهُ الْحِلْمُ وَ يُنْطِقُهُ الْعِلْمُ- فَقَالَ بَلْ كَانَ يُنْطِقُهُ الْبَطَرُ وَ يُسْكِتُهُ الْحَصَرُ.
11- أَعْلَامُ الدِّينِ (3)، قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)اعْلَمُوا أَنَّ حَوَائِجَ النَّاسِ إِلَيْكُمْ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ- فَلَا تَمَلُّوا النِّعَمَ فَتَتَحَوَّلَ إِلَى غَيْرِكُمْ- وَ اعْلَمُوا أَنَّ الْمَعْرُوفَ مُكْسِبٌ حَمْداً وَ مُعَقِّبٌ أَجْراً- فَلَوْ رَأَيْتُمُ الْمَعْرُوفَ رَجُلًا- لَرَأَيْتُمُوهُ حَسَناً جَمِيلًا يَسُرُّ النَّاظِرِينَ- وَ يَفُوقُ الْعَالَمِينَ- وَ لَوْ رَأَيْتُمُ اللُّؤْمَ رَأَيْتُمُوهُ سَمِجاً قَبِيحاً مُشَوَّهاً- تَنْفِرُ مِنْهُ الْقُلُوبُ وَ تُغَضُّ دُونَهُ الْأَبْصَارُ- وَ مَنْ نَفَّسَ كُرْبَةَ مُؤْمِنٍ- فَرَّجَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كُرَبَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- مَنْ أَحْسَنَ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْهِ- وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ- وَ تَذَاكَرُوا الْعَقْلَ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ- فَقَالَ الْحُسَيْنُ(ع) لَا يَكْمُلُ الْعَقْلُ إِلَّا بِاتِّبَاعِ الْحَقِّ- فَقَالَ مُعَاوِيَةُ مَا فِي صُدُورِكُمْ إِلَّا شَيْءٌ وَاحِدٌ.
وَ قَالَ(ع)لَا تَصِفَنَّ لِمَلِكٍ دَوَاءً فَإِنْ نَفَعَهُ لَمْ يَحْمَدْكَ وَ إِنْ ضَرَّهُ اتَّهَمَكَ.
____________
(1) المصدر: ص 194.
(2) ابن مطعم يكنى أبا محمّد أو أبا عبد اللّه مات سنة 99.
(3) مخطوط.
128
وَ قَالَ(ع)رُبَّ ذَنْبٍ أَحْسَنُ مِنَ الِاعْتِذَارِ مِنْهُ.
وَ قَالَ(ع)مَالُكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ كُنْتَ لَهُ مُنْفِقاً- فَلَا تُنْفِقْهُ بَعْدَكَ فَيَكُنْ ذَخِيرَةً لِغَيْرِكَ- وَ تَكُونُ أَنْتَ الْمُطَالَبَ بِهِ الْمَأْخُوذَ بِحِسَابِهِ- اعْلَمْ أَنَّكَ لَا تَبْقَى لَهُ- وَ لَا يَبْقَى عَلَيْكَ فَكُلْهُ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَكَ- وَ كَانَ(ع)يَرْتَجِزُ يَوْمَ قُتِلَ وَ يَقُولُ-
الْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ الْعَارِ* * * وَ الْعَارُ خَيْرٌ مِنْ دُخُولِ النَّارِ
وَ اللَّهَ مِنْ هَذَا وَ هَذَا جَارٍ
.
وَ قَالَ(ع)دِرَاسَةُ الْعِلْمِ لِقَاحُ الْمَعْرِفَةِ- وَ طُولُ التَّجَارِبِ زِيَادَةٌ فِي الْعَقْلِ- وَ الشَّرَفُ التَّقْوَى- وَ الْقُنُوعُ رَاحَةُ الْأَبْدَانِ- وَ مَنْ أَحَبَّكَ نَهَاكَ وَ مَنْ أَبْغَضَكَ أَغْرَاكَ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ أَحْجَمَ عَنِ الرَّأْيِ وَ عَيِيَتْ بِهِ الْحِيَلُ- كَانَ الرِّفْقُ مِفْتَاحَهُ (1).
باب 21 وصايا علي بن الحسين(ع)و مواعظه و حكمه
1- ف (2)، تحف العقول مِنْ كَلَامِهِ(ع)فِي الزَّاهِدِينَ أَنَّ عَلَامَةَ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا- الرَّاغِبِينَ فِي الْآخِرَةِ- تَرْكُهُمْ كُلَّ خَلِيطٍ وَ خَلِيلٍ- وَ رَفْضُهُمْ كُلَّ صَاحِبٍ لَا يُرِيدُ مَا يُرِيدُونَ- أَلَا وَ إِنَّ الْعَامِلَ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ- هُوَ الزَّاهِدُ فِي عَاجِلِ زَهْرَةِ الدُّنْيَا- الْآخِذُ لِلْمَوْتِ أُهْبَتَهُ (3)- الْحَاثُّ عَلَى الْعَمَلِ قَبْلَ فَنَاءِ الْأَجَلِ- وَ نُزُولِ مَا لَا بُدَّ مِنْ لِقَائِهِ- وَ تَقْدِيمِ الْحَذَرِ قَبْلَ الْحَيْنِ (4)- فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ- حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ- قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً
____________
(1) أحجم عن الشيء: كف أو نكص هيبة.
(2) التحف ص 272.
(3) الاهبة: العدة و الأسباب.
(4) الحين- بالفتح-: الهلاك.
129
فِيما تَرَكْتُ (1)- فَلْيُنْزِلَنَّ أَحَدُكُمْ الْيَوْمَ نَفْسَهُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا- كَمَنْزِلَةِ الْمَكْرُورِ إِلَى الدُّنْيَا- النَّادِمِ عَلَى مَا فَرَّطَ فِيهَا- مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ لِيَوْمِ فَاقَتِهِ- وَ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ- أَنَّهُ مَنْ خَافَ الْبَيَاتَ تَجَافَى عَنِ الْوِسَادِ- وَ امْتَنَعَ مِنَ الرُّقَادِ (2)- وَ أَمْسَكَ عَنْ بَعْضِ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ- مِنْ خَوْفِ سُلْطَانِ أَهْلِ الدُّنْيَا- فَكَيْفَ وَيْحَكَ يَا ابْنَ آدَمَ- مِنْ خَوْفِ بَيَاتِ سُلْطَانِ رَبِّ الْعِزَّةِ- وَ أَخْذِهِ الْأَلِيمِ وَ بَيَاتِهِ لِأَهْلِ الْمَعَاصِي وَ الذُّنُوبِ- مَعَ طَوَارِقِ الْمَنَايَا (3) بِاللَّيْلِ وَ النَّهَارِ- فَذَلِكَ الْبَيَاتُ الَّذِي لَيْسَ مِنْهُ مَنْجًى- وَ لَا دُونَهُ مُلْتَجَأٌ وَ لَا مِنْهُ مَهْرَبٌ- فَخَافُوا اللَّهَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْبَيَاتِ- خَوْفَ أَهْلِ التَّقْوَى- فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ- ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَ خافَ وَعِيدِ (4)- فَاحْذَرُوا زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ غُرُورَهَا وَ شُرُورَهَا- وَ تَذَكَّرُوا ضَرَرَ عَاقِبَةِ الْمَيْلِ إِلَيْهَا- فَإِنَّ زِينَتَهَا فِتْنَةٌ وَ حُبَّهَا خَطِيئَةٌ- وَ اعْلَمْ وَيْحَكَ يَا ابْنَ آدَمَ- أَنَّ قَسْوَةَ الْبِطْنَةِ وَ فَتْرَةَ الْمَيْلَةِ- وَ سُكْرَ الشِّبَعِ وَ غِرَّةَ الْمُلْكِ (5) مِمَّا يُثَبِّطُ وَ يُبْطِئُ عَنِ الْعَمَلِ- وَ يُنْسِي الذِّكْرَ وَ يُلْهِي عَنِ اقْتِرَابِ الْأَجَلِ- حَتَّى كَأَنَّ الْمُبْتَلَى بِحُبِّ الدُّنْيَا بِهِ خَبَلٌ- مِنْ سُكْرِ الشَّرَابِ (6)- وَ إِنَّ الْعَاقِلَ عَنِ اللَّهِ الْخَائِفَ مِنْهُ- الْعَامِلَ لَهُ لَيُمَرِّنُ نَفْسَهُ وَ يُعَوِّدُهَا الْجُوعَ- حَتَّى مَا تَشْتَاقَ إِلَى الشِّبَعِ- وَ كَذَلِكَ تُضَمَّرُ الْخَيْلُ لِسَبْقِ الرِّهَانِ (7)
____________
(1) المؤمنون: 100.
(2) البيات: الهجوم على الاعداء ليلا. و تجافى: تنحى. و الوسادة- بالتثليث:
المخدة و المتكاء. و الرقاد: النوم.
(3) المنايا: جمع المنية أي الموت. و طوارق المنية: دواهى الموت.
(4) سورة إبراهيم: 18.
(5) البطنة- بالكسر-: الامتلاء الشديد من الاكل. و في بعض النسخ «نشوة البطنة و فطرة الميلة» و الميلة: الرغبة. و في بعض النسخ «عزة الملك» و العزة: الحمية و الغلبة.
(6) الخبل- بالتحريك-: اصابة الجنون و فساد في العقل.
(7) تضمير الفرس أن تعلفه حتّى يسمن ثمّ ترده عن القوت و ذلك في أربعين يوما.
130
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ تَقْوَى مُؤَمِّلٍ ثَوَابَهُ- وَ خَافٍ عِقَابَهُ (1)- فَقَدْ لِلَّهِ أَنْتُمْ أَعْذَرَ وَ أَنْذَرَ وَ شَوَّقَ وَ خَوَّفَ- فَلَا أَنْتُمْ إِلَى مَا شَوَّقَكُمْ إِلَيْهِ- مِنْ كَرِيمِ ثَوَابِهِ تَشْتَاقُونَ فَتَعْمَلُونَ- وَ لَا أَنْتُمْ مِمَّا خَوَّفَكُمْ بِهِ مِنْ شَدِيدِ عِقَابِهِ- وَ أَلِيمِ عَذَابِهِ تَرْهَبُونَ فَتَنْكُلُونَ (2)- وَ قَدْ نَبَّأَكُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ- فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ- فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَ إِنَّا لَهُ كاتِبُونَ (3)- ثُمَّ ضَرَبَ لَكُمُ الْأَمْثَالَ فِي كِتَابِهِ- وَ صَرَّفَ الْآيَاتِ لِتَحْذَرُوا عَاجِلَ زَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا- فَقَالَ إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ- وَ اللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (4) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَ اسْمَعُوا وَ أَطِيعُوا- فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ اتَّعِظُوا بِمَوَاعِظِ اللَّهِ- وَ مَا أَعْلَمُ إِلَّا كَثِيراً مِنْكُمْ- قَدْ نَهَكَتْهُ (5) عَوَاقِبُ الْمَعَاصِي فَمَا حَذَرَهَا- وَ أَضَرَّتْ بِدِينِهِ فَمَا مَقَتَهَا- أَ مَا تَسْمَعُونَ النِّدَاءَ مِنَ اللَّهِ بِعَيْبِهَا وَ تَصْغِيرِهَا- حَيْثُ قَالَ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ- وَ زِينَةٌ وَ تَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ- كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ- ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً- وَ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٌ- وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ- سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ- وَ جَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ- أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ- ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ- وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (6)- وَ قَالَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ- وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ- وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ- وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ- أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (7)
____________
(1) الخاف: الشديد الخوف.
(2) تنكلون: تنكصون و تخافون.
(3) سورة الأنبياء: 94.
(4) سورة التغابن: 15.
(5) نهكه: بالغ في عقوبته. و نهك العمى فلانا: هزلته و أضنته. و في بعض النسخ «لقد هلكته».
(6) سورة الحديد: 20- 21.
(7) سورة الحشر: 18- 19.
131
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ- وَ تَفَكَّرُوا وَ اعْمَلُوا لِمَا خُلِقْتُمْ لَهُ- فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً وَ لَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدًى- قَدْ عَرَّفَكُمْ نَفْسَهُ وَ بَعَثَ إِلَيْكُمْ رَسُولَهُ- وَ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ كِتَابَهُ فِيهِ حَلَالُهُ وَ حَرَامُهُ- وَ حُجَجُهُ وَ أَمْثَالُهُ- فَاتَّقُوا اللَّهَ فَقَدِ احْتَجَّ عَلَيْكُمْ رَبُّكُمْ- فَقَالَ أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ- وَ لِساناً وَ شَفَتَيْنِ- وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (1)- فَهَذِهِ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ- فَإِنَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ وَ لَا تُكْلَانَ إِلَّا عَلَيْهِ- وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ وَ آلِهِ.
2- ف (2)، تحف العقول كِتَابُهُ(ع)إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ يَعِظُهُ (3)
____________
(1) سورة البلد: 8- 10.
(2) التحف ص 274.
(3) محمّد بن مسلم بن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن شهاب الزهرى على ما يظهر من كتب التراجم من المنحرفين عن أمير المؤمنين و أبنائه (عليهم السلام) كان أبوه مسلم مع مصعب بن الزبير و جده عبيد اللّه مع المشركين يوم بدر، و كان هو أكثر عمره عاملا لبنى مروان و يتقلب في دنياهم، جعله هشام بن عبد الملك معلم أولاده و أمره أن يملى على أولاده أحاديث فأملى عليهم أربعمائة حديث. و أنت خبير بأن الذي خدم بني أميّة منذ خمسين سنة ما مبلغ علمه و ما ذا حديثه و معلوم أن كل ما أملى من هذه الأحاديث هو ما يروق هؤلاء و لا يكون فيه شيء من فضل على (عليه السلام) و ولده. و من هنا أطراه علماؤهم و رفعوه فوق منزلته بحيث تعجب ابن حجر من كثرة ما نشره من العلم. روى ابن أبي الحديد في شرح النهج على ما حكاه صاحب تنقيح المقال (ره)- عن جرير بن عبد الحميد عن محمّد بن شيبة قال: شهدت الزهرى و عروة بن الزبير في مسجد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) جالسان يذكران عليّا (عليه السلام) و نالا منه فبلغ ذلك على بن الحسين (عليهما السلام) فجاء حتّى وقف عليهما فقال: أما أنت يا عروة فان أبى حاكم أباك إلى اللّه فحكم لابى على أبيك، و أمّا أنت يا زهرى فلو كنت بمكّة لاريتك كرامتك و في رجال الشيخ الطوسيّ و العلامة و ابن داود و التفرشى أنّه عدو، و في المحكى عن السيّد بن طاوس في التحرير الطاوسى أن سفيان بن سعيد و الزهرى عدوان متّهمان. و بالتأمل في رسالة الإمام (عليه السلام) يعلم صدق ما قلناه.
132
كَفَانَا اللَّهُ وَ إِيَّاكَ مِنَ الْفِتَنِ وَ رَحِمَكَ مِنَ النَّارِ- فَقَدْ أَصْبَحْتَ بِحَالٍ يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَكَ بِهَا أَنْ يَرْحَمَكَ- فَقَدْ أَثْقَلَتْكَ نِعَمُ اللَّهِ بِمَا أَصَحَّ مِنْ بَدَنِكَ- وَ أَطَالَ مِنْ عُمُرِكَ- وَ قَامَتْ عَلَيْكَ حُجَجُ اللَّهِ بِمَا حَمَّلَكَ مِنْ كِتَابِهِ- وَ فَقَّهَكَ فِيهِ مِنْ دِينِهِ- وَ عَرَّفَكَ مِنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ص فَرَضَ لَكَ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ أَنْعَمَ بِمَا عَلَيْكَ- وَ فِي كُلِّ حُجَّةٍ احْتَجَّ بِهَا عَلَيْكَ الْفَرْضَ- فَمَا قَضَى إِلَّا ابْتَلَى شُكْرَكَ فِي ذَلِكَ- وَ أَبْدَى فِيهِ فَضْلَهُ عَلَيْكَ (1)- فَقَالَ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ- وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (2)- فَانْظُرْ أَيُّ رَجُلٍ تَكُونُ غَداً إِذَا وَقَفْتَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ- فَسَأَلَكَ عَنْ نِعَمِهِ عَلَيْكَ كَيْفَ رَعَيْتَهَا- وَ عَنْ حُجَجِهِ عَلَيْكَ كَيْفَ قَضَيْتَهَا- وَ لَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ قَابِلًا مِنْكَ بِالتَّعْذِيرِ- وَ لَا رَاضِياً مِنْكَ بِالتَّقْصِيرِ- هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لَيْسَ كَذَلِكَ- أَخَذَ عَلَى الْعُلَمَاءِ فِي كِتَابِهِ إِذْ قَالَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لا تَكْتُمُونَهُ (3)- وَ اعْلَمْ أَنَّ أَدْنَى مَا كَتَمْتَ وَ أَخَفَّ مَا احْتَمَلْتَ- أَنْ آنَسْتَ وَحْشَةَ الظَّالِمِ- وَ سَهَّلْتَ لَهُ طَرِيقَ الْغَيِّ بِدُنُوِّكَ مِنْهُ حِينَ دَنَوْتَ- وَ إِجَابَتِكَ لَهُ حِينَ دُعِيتَ- فَمَا أَخْوَفَنِي أَنْ تَكُونَ تَبُوءُ بِإِثْمِكَ غَداً مَعَ الْخَوَنَةِ- وَ أَنْ تُسْأَلَ عَمَّا أَخَذْتَ بِإِعَانَتِكَ عَلَى ظُلْمِ الظَّلَمَةِ- إِنَّكَ أَخَذْتَ مَا لَيْسَ لَكَ مِمَّنْ أَعْطَاكَ- وَ دَنَوْتَ مِمَّنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَى أَحَدٍ حَقّاً- وَ لَمْ تَرُدَّ بَاطِلًا حِينَ أَدْنَاكَ- وَ أَحْبَبْتَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ (4)- أَ وَ لَيْسَ بِدُعَائِهِ إِيَّاكَ حِينَ دَعَاكَ- جَعَلُوكَ قُطْباً أَدَارُوا بِكَ رَحَى مَظَالِمِهِمْ- وَ جِسْراً يَعْبُرُونَ عَلَيْكَ إِلَى بَلَايَاهُمْ- وَ سُلَّماً إِلَى ضَلَالَتِهِمْ- دَاعِياً إِلَى غَيِّهِمْ سَالِكاً سَبِيلَهُمْ- يُدْخِلُونَ بِكَ الشَّكَّ عَلَى الْعُلَمَاءِ- وَ يَقْتَادُونَ بِكَ قُلُوبَ الْجُهَّالِ إِلَيْهِمْ- فَلَمْ يَبْلُغْ أَخَصُّ وُزَرَائِهِمْ- وَ لَا أَقْوَى أَعْوَانِهِمْ إِلَّا دُونَ مَا بَلَغْتَ مِنْ إِصْلَاحِ فَسَادِهِمْ
____________
(1) في بعض النسخ «فرضى لك في كل نعمة أنعم بها عليك و في كل حجة احتج بها عليك الفرض بما قضى الا ابتلى شكرك .. الخ».
(2) سورة إبراهيم: 7.
(3) سورة آل عمران: 187.
(4) في بعض النسخ «و أجبت من حاد اللّه».
133
وَ اخْتِلَافِ الْخَاصَّةِ وَ الْعَامَّةِ إِلَيْهِمْ- فَمَا أَقَلَّ مَا أَعْطَوْكَ فِي قَدْرِ مَا أَخَذُوا مِنْكَ- وَ مَا أَيْسَرَ مَا عَمَرُوا لَكَ- فَكَيْفَ مَا خَرَّبُوا عَلَيْكَ- فَانْظُرْ لِنَفْسِكَ فَإِنَّهُ لَا يَنْظُرُ لَهَا غَيْرُكَ- وَ حَاسِبْهَا حِسَابَ رَجُلٍ مَسْئُولٍ- وَ انْظُرْ كَيْفَ شُكْرُكَ لِمَنْ غَذَّاكَ بِنِعَمِهِ صَغِيراً وَ كَبِيراً- فَمَا أَخْوَفَنِي أَنْ تَكُونَ كَمَا قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ- فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ- يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَ يَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا (1)- إِنَّكَ لَسْتَ فِي دَارِ مُقَامٍ أَنْتَ فِي دَارٍ قَدْ آذَنَتْ بِرَحِيلٍ- فَمَا بَقَاءُ الْمَرْءِ بَعْدَ قُرَنَائِهِ- طُوبَى لِمَنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا عَلَى وَجَلٍ- يَا بُؤْسَ لِمَنْ يَمُوتُ وَ تَبْقَى ذُنُوبُهُ مِنْ بَعْدِهِ- احْذَرْ فَقَدْ نُبِّئْتَ وَ بَادِرْ فَقَدْ أُجِّلْتَ- إِنَّكَ تُعَامِلُ مَنْ لَا يَجْهَلُ- وَ إِنَّ الَّذِي يَحْفَظُ عَلَيْكَ لَا يَغْفُلُ- تَجَهَّزْ فَقَدْ دَنَا مِنْكَ سَفَرٌ بَعِيدٌ- وَ دَاوِ ذَنْبَكَ فَقَدْ دَخَلَهُ سُقْمٌ شَدِيدٌ- وَ لَا تَحْسَبْ أَنِّي أَرَدْتُ تَوْبِيخَكَ وَ تَعْنِيفَكَ وَ تَعْيِيرَكَ (2)- لَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ يَنْعَشَ اللَّهُ مَا قَدْ فَاتَ مِنْ رَأْيِكَ- وَ يَرُدَّ إِلَيْكَ مَا عَزَبَ مِنْ دِينِكَ (3)- وَ ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ- وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (4)- أَ غَفَلْتَ ذِكْرَ مَنْ مَضَى مِنْ أَسْنَانِكَ وَ أَقْرَانِكَ- وَ بَقِيتَ بَعْدَهُمْ كَقَرْنٍ أَعْضَبَ (5)- انْظُرْ هَلِ ابْتُلُوا بِمِثْلِ مَا ابْتُلِيتَ- أَمْ هَلْ وَقَعُوا فِي مِثْلِ مَا وَقَعْتَ فِيهِ- أَمْ هَلْ تَرَاهُمْ
____________
(1) سورة الأعراف: 168.
(2) عنفه: لامه و عتب عليه و لم يرفق به. و ينعش اللّه ما فات أي يجبر و يتدارك.
(3) عزب- بالعين المهملة و الزاى المعجمة-: بعد.
(4) سورة الذاريات: 55.
(5) الاعضب: المكسور القرن. و لعلّ المراد: بقيت كأحد قرنى الاعضب. و العضباء:
الشاة المكسورة القرن.
134
ذَكَرْتَ خَيْراً عَلِمُوهُ (1)- وَ عَلِمْتَ شَيْئاً جَهِلُوهُ- بَلْ حَظِيتَ (2) بِمَا حَلَّ مِنْ حَالِكَ فِي صُدُورِ الْعَامَّةِ وَ كَلَّفَهُمْ بِكَ- إِذْ صَارُوا يَقْتَدُونَ بِرَأْيِكَ وَ يَعْمَلُونَ بِأَمْرِكَ- إِنْ أَحْلَلْتَ أَحَلُّوا وَ إِنْ حَرَّمْتَ حَرَّمُوا- وَ لَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَكَ- وَ لَكِنْ أَظْهَرَهُمْ عَلَيْكَ رَغْبَتُهُمْ فِيمَا لَدَيْكَ- ذَهَابُ عُلَمَائِهِمْ وَ غَلَبَةُ الْجَهْلِ عَلَيْكَ وَ عَلَيْهِمْ- وَ حُبُّ الرِّئَاسَةِ وَ طَلَبُ الدُّنْيَا مِنْكَ وَ مِنْهُمْ- أَ مَا تَرَى مَا أَنْتَ فِيهِ مِنَ الْجَهْلِ وَ الْغِرَّةِ- وَ مَا النَّاسُ فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ وَ الْفِتْنَةِ- قَدِ ابْتَلَيْتَهُمْ وَ فَتَنْتَهُمْ- بِالشُّغُلِ عَنْ مَكَاسِبِهِمْ مِمَّا رَأَوْا- فَتَاقَتْ نُفُوسُهُمْ (3) إِلَى أَنْ يَبْلُغُوا مِنَ الْعِلْمِ مَا بَلَغْتَ- أَوْ يُدْرِكُوا بِهِ مِثْلَ الَّذِي أَدْرَكْتَ- فَوَقَعُوا مِنْكَ فِي بَحْرٍ لَا يُدْرَكُ عُمْقُهُ- وَ فِي بَلَاءٍ لَا يُقْدَرُ قَدْرُهُ- فَاللَّهُ لَنَا وَ لَكَ وَ هُوَ الْمُسْتَعَانُ- أَمَّا بَعْدُ فَأَعْرِضْ عَنْ كُلِّ مَا أَنْتَ فِيهِ- حَتَّى تَلْحَقَ بِالصَّالِحِينَ الَّذِينَ دُفِنُوا فِي أَسْمَالِهِمْ (4)- لَاصِقَةً بُطُونُهُمْ بِظُهُورِهِمْ- لَيْسَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ- وَ لَا تَفْتِنُهُمُ الدُّنْيَا وَ لَا يُفْتَنُونَ بِهَا- رَغِبُوا فَطُلِبُوا فَمَا لَبِثُوا أَنْ لَحِقُوا- فَإِذَا كَانَتِ الدُّنْيَا تَبْلُغُ مِنْ مِثْلِكَ هَذَا الْمَبْلَغَ- مَعَ كِبَرِ سِنِّكَ وَ رُسُوخِ عِلْمِكَ وَ حُضُورِ أَجَلِكَ- فَكَيْفَ يَسْلَمُ الْحَدَثُ فِي سِنِّهِ- الْجَاهِلُ فِي عِلْمِهِ الْمَأْفُونُ فِي رَأْيِهِ (5)- الْمَدْخُولُ فِي عَقْلِهِ- إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ- عَلَى مَنِ الْمُعَوَّلُ وَ عِنْدَ مَنِ الْمُسْتَعْتَبُ- نَشْكُو إِلَى اللَّهِ بَثَّنَا (6) وَ مَا نَرَى فِيكَ- وَ نَحْتَسِبُ عِنْدَ اللَّهِ مُصِيبَتَنَا بِكَ- فَانْظُرْ كَيْفَ شُكْرُكَ لِمَنْ غَذَّاكَ بِنِعَمِهِ صَغِيراً وَ كَبِيراً- وَ كَيْفَ إِعْظَامُكَ لِمَنْ
____________
(1) في بعض النسخ «أم هل ترى ذكرت خيرا علموه و عملت شيئا جهلوه». و في بعضها «أم هل تراه ذكرا خيرا عملوه و عملت شيئا جهلوه».
(2) من الحظ. رجل حظى إذا كان ذا منزلة.
(3) تاقت: اشتاقت.
(4) الاسمال: جمع سمل- بالتحريك-: الثوب الخلق البالى.
(5) المأفون: الذي ضعف رأيه. و المدخول في عقله: الذي دخل في عقله الفساد.
(6) المعول: المعتمد و المستغاث. و استعتبه: استرضاه. و البث: الحال، الشتات، أشدّ الحزن.
135
جَعَلَكَ بِدِينِهِ فِي النَّاسِ جَمِيلًا- وَ كَيْفَ صِيَانَتُكَ لِكِسْوَةِ مَنْ جَعَلَكَ بِكِسْوَتِهِ فِي النَّاسِ سَتِيراً- وَ كَيْفَ قُرْبُكَ أَوْ بُعْدُكَ- مِمَّنْ أَمَرَكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُ قَرِيباً ذَلِيلًا- مَا لَكَ لَا تَنْتَبِهُ مِنْ نَعْسَتِكَ- وَ تَسْتَقِيلُ مِنْ عَثْرَتِكَ- فَتَقُولَ وَ اللَّهِ مَا قُمْتُ لِلَّهِ وَاحِداً أَحْيَيْتُ بِهِ لَهُ دِيناً- أَوْ أَمَتُّ لَهُ فِيهِ بَاطِلًا- فَهَذَا شُكْرُكَ مَنِ اسْتَحْمَلَكَ (1)- مَا أَخْوَفَنِي أَنْ تَكُونَ كَمَنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ- أَضاعُوا الصَّلاةَ وَ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ- فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (2)- اسْتَحْمَلَكَ كِتَابَهُ وَ اسْتَوْدَعَكَ عِلْمَهُ فَأَضَعْتَهَا- فَنَحْمَدُ اللَّهَ الَّذِي عَافَانَا مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ وَ السَّلَامُ.
3- ف (3)، تحف العقول وَ رَوَى عَنْهُ(ع)فِي قِصَارِ هَذِهِ الْمَعَانِي وَ قَالَ(ع)الرِّضَى بِمَكْرُوهِ الْقَضَاءِ أَرْفَعُ دَرَجَاتِ الْيَقِينِ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا- وَ قِيلَ لَهُ مَنْ أَعْظَمُ النَّاسِ خَطَراً (4)- فَقَالَ(ع)مَنْ لَمْ يَرَ الدُّنْيَا خَطَراً لِنَفْسِهِ- وَ قَالَ بِحَضْرَتِهِ رَجُلٌ- اللَّهُمَّ أَغْنِنِي عَنْ خَلْقِكَ (5)- فَقَالَ(ع)لَيْسَ هَكَذَا إِنَّمَا النَّاسُ بِالنَّاسِ- وَ لَكِنْ قُلِ اللَّهُمَّ أَغْنِنِي عَنْ شِرَارِ خَلْقِكَ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ قَنِعَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ فَهُوَ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ (6).
وَ قَالَ(ع)لَا يَقِلُّ عَمَلٌ مَعَ تَقْوَى وَ كَيْفَ يَقِلُّ مَا يُتَقَبَّلُ.
وَ قَالَ(ع)اتَّقُوا الْكَذِبَ الصَّغِيرَ مِنْهُ وَ الْكَبِيرَ- فِي كُلِّ جِدٍّ وَ هَزْلٍ
____________
(1) استحملك: سألك أن يحمل. و في بعض النسخ «من استعملك». أى سألك أن يعمل.
(2) سورة مريم: 59.
(3) التحف ص 278.
(4) الخطر- بالتحريك-: الخطير أي ذو قدر و مقام.
(5) في بعض النسخ «من خلقك».
(6) في بعض النسخ «كان» موضع «فهو».
136
فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَذَبَ فِي الصَّغِيرِ اجْتَرَأَ عَلَى الْكَبِيرِ (1).
وَ قَالَ(ع)كَفَى بِنَصْرِ اللَّهِ لَكَ- أَنْ تَرَى عَدُوَّكَ يَعْمَلُ بِمَعَاصِي اللَّهِ فِيكَ.
وَ قَالَ(ع)الْخَيْرُ كُلُّهُ صِيَانَةُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ.
وَ قَالَ(ع)لِبَعْضِ بَنِيهِ يَا بُنَيَّ إِنَّ اللَّهَ رَضِيَنِي لَكَ وَ لَمْ يَرْضَكَ لِي- فَأَوْصَاكَ بِي وَ لَمْ يُوصِنِي بِكَ- عَلَيْكَ بِالْبِرِّ تُحْفَةً يَسِيرَةً- وَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مَا الزُّهْدُ- فَقَالَ(ع)الزُّهْدُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ (2)- فَأَعْلَى دَرَجَاتِ الزُّهْدِ أَدْنَى دَرَجَاتِ الْوَرَعِ- وَ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْوَرَعِ أَدْنَى دَرَجَاتِ الْيَقِينِ- وَ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْيَقِينِ أَدْنَى دَرَجَاتِ الرِّضَى- وَ إِنَّ الزُّهْدَ فِي آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ- لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ (3).
وَ قَالَ(ع)طَلَبُ الْحَوَائِجِ إِلَى النَّاسِ مَذَلَّةٌ لِلْحَيَاةِ- وَ مَذْهَبَةٌ لِلْحَيَاءِ وَ اسْتِخْفَافٌ بِالْوَقَارِ- وَ هُوَ الْفَقْرُ الْحَاضِرُ- وَ قِلَّةُ طَلَبِ الْحَوَائِجِ مِنَ النَّاسِ هُوَ الْغِنَى الْحَاضِرُ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَى اللَّهِ أَحْسَنُكُمْ عَمَلًا- وَ إِنَّ أَعْظَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَمَلًا أَعْظَمُكُمْ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ رَغْبَةً- وَ إِنَّ أَنْجَاكُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَشَدُّكُمْ خَشْيَةً لِلَّهِ- وَ إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنَ اللَّهِ أَوْسَعُكُمْ خُلُقاً- وَ إِنَّ أَرْضَاكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَسْبَغُكُمْ عَلَى عِيَالِهِ (4)- وَ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَلَى اللَّهِ أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ.
____________
(1) رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 338 و فيه بعد قوله: «على الكبير»: «أ ما علمتم أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: ما يزال العبد يصدق حتّى يكتبه اللّه صديقا، و ما يزال العبد يكذب حتّى يكتبه اللّه كذابا».
(2) رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 129 بإسناده عن هاشم بن بريد عن أبيه أن رجلا سأل عليّ بن الحسين (عليهما السلام) عن الزهد فقال: عشرة أشياء .. الحديث. و في ص 62: عنه (عليه السلام) أيضا و فيه عشرة أجزاء و هكذا رواه الصدوق في الخصال.
(3) سورة الحديد: 23.
(4) و كذا في الكافي و الفقيه. و في بعض النسخ «أسعاكم على عياله».
137
وَ قَالَ(ع)لِبَعْضِ بَنِيهِ يَا بُنَيَّ انْظُرْ خَمْسَةً فَلَا تُصَاحِبْهُمْ وَ لَا تُحَادِثْهُمْ- وَ لَا تُرَافِقْهُمْ فِي طَرِيقٍ- فَقَالَ يَا أَبَتِ مَنْ هُمْ (1)- قَالَ(ع)إِيَّاكَ وَ مُصَاحَبَةَ الْكَذَّابِ- فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ السَّرَابِ- يُقَرِّبُ لَكَ الْبَعِيدَ وَ يُبَعِّدُ لَكَ الْقَرِيبَ- وَ إِيَّاكَ وَ مُصَاحَبَةَ الْفَاسِقِ- فَإِنَّهُ بَايَعَكَ بِأُكْلَةٍ (2) أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ- وَ إِيَّاكَ وَ مُصَاحَبَةَ الْبَخِيلِ- فَإِنَّهُ يَخْذُلُكَ فِي مَالِهِ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ- وَ إِيَّاكَ وَ مُصَاحَبَةَ الْأَحْمَقِ- فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْفَعَكَ فَيَضُرُّكَ- وَ إِيَّاكَ وَ مُصَاحَبَةَ الْقَاطِعِ لِرَحِمِهِ- فَإِنِّي وَجَدْتُهُ مَلْعُوناً فِي كِتَابِ اللَّهِ (3).
وَ قَالَ(ع)إِنَّ الْمَعْرِفَةَ وَ كَمَالَ دَيْنِ الْمُسْلِمِ- تَرْكُهُ الْكَلَامَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ- وَ قِلَّةُ مِرَائِهِ وَ حِلْمُهُ وَ صَبْرُهُ وَ حُسْنُ خُلُقِهِ (4).
وَ قَالَ(ع)ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَا تَزَالُ بِخَيْرٍ مَا كَانَ لَكَ وَاعِظٌ مِنْ نَفْسِكَ- وَ مَا كَانَتِ الْمُحَاسَبَةُ مِنْ هَمِّكَ- وَ مَا كَانَ الْخَوْفُ لَكَ شِعَاراً- وَ الْحَذَرُ لَكَ دِثَاراً (5)- ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ مَبْعُوثٌ- وَ مَوْقُوفٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ- فَأَعِدَّ لَهُ جَوَاباً (6).
____________
(1) في الكافي ج 2 ص 641 «يا أبه من هم عرفنيهم».
(2) الاكلة- بضم الهمزة-: اللقمة.
(3) رواه الكليني (ره) في الكافي ج 2 ص 641 و فيه: فانى وجدته ملعونا في كتاب اللّه عزّ و جلّ في ثلاثة مواضع: قال اللّه عزّ و جلّ: «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ. أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَ أَعْمى أَبْصارَهُمْ» و قال عزّ و جلّ:
«الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي
الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدَّارِ». و قال في البقرة: «الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ».
(4) رواه الصدوق (ره) في الخصال و الكليني (ره) في الكافي ج 2 ص 240 و فيهما «ان المعرفة بكمال دين المسلم».
(5) و رواه المفيد (ره) في أماليه و فيه «و الحزن دثارا». و هكذا في أمالي الشيخ.
(6) في الأمالي «ابن آدم انك ميت و مبعوث بين يدي اللّه .. الخ.
138
وَ قَالَ(ع)لَا حَسَبَ لِقُرَشِيٍّ وَ لَا لِعَرَبِيٍّ إِلَّا بِتَوَاضُعٍ- وَ لَا كَرَمَ إِلَّا بِتَقْوَى- وَ لَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ- وَ لَا عِبَادَةَ إِلَّا بِالتَّفَقُّهِ- أَلَا وَ إِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ مَنْ يَقْتَدِي بِسُنَّةِ إِمَامٍ- وَ لَا يَقْتَدِي بِأَعْمَالِهِ.
وَ قَالَ(ع)الْمُؤْمِنُ مِنْ دُعَائِهِ عَلَى ثَلَاثٍ- إِمَّا أَنْ يُدَّخَرَ لَهُ وَ إِمَّا أَنْ يُعَجَّلَ لَهُ- وَ إِمَّا أَنْ يُدْفَعَ عَنْهُ بَلَاءٌ يُرِيدُ أَنْ يُصِيبَهُ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ الْمُنَافِقَ يَنْهَى وَ لَا يَنْتَهِي- وَ يَأْمُرُ وَ لَا يَأْتِي- إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ اعْتَرَضَ- وَ إِذَا رَكَعَ رَبَضَ وَ إِذَا سَجَدَ نَقَرَ (1)- يُمْسِي وَ هَمُّهُ الْعَشَاءُ وَ لَمْ يَصُمْ (2)- وَ يُصْبِحُ وَ هَمُّهُ النَّوْمُ وَ لَمْ يَسْهَرْ- وَ الْمُؤْمِنُ خَلَطَ عَمَلَهُ بِحِلْمِهِ- يَجْلِسُ لِيَعْلَمَ (3) وَ يُنْصِتُ لِيَسْلَمَ- لَا يُحَدِّثُ بِالْأَمَانَةِ الْأَصْدِقَاءَ- وَ لَا يَكْتُمُ الشَّهَادَةَ لِلْبُعَدَاءِ- وَ لَا يَعْمَلُ شَيْئاً مِنَ الْحَقِّ رِئَاءً وَ لَا يَتْرُكُهُ حَيَاءً- إِنْ زُكِّيَ خَافَ مِمَّا يَقُولُونَ- وَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ- وَ لَا يَضُرُّهُ جَهْلُ مَنْ جَهِلَهُ- وَ رَأَى(ع)عَلِيلًا قَدْ بَرَأَ فَقَالَ(ع)لَهُ- يَهْنَؤُكَ الطَّهُورُ مِنَ الذُّنُوبِ- إِنَّ اللَّهَ قَدْ ذَكَرَكَ فَاذْكُرْهُ- وَ أَقَالَكَ فَاشْكُرْهُ.
____________
(1) رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 396 عن أبي حمزة عنه (عليه السلام) و فيه «يأمر بما لا يأتي و إذا قام الى الصلاة اعترض، قلت: يا ابن رسول اللّه و ما الاعتراض؟ قال: الالتفات.
و إذا ركع ربض- الخ». و الربوض استقرار الغنم و شبهه على الأرض و كأنّ المراد انه يسقط نفسه على الأرض من قبل أن يرفع رأسه من الركوع كإسقاط الغنم عند ربوضه. و النقر التقاط الطائر الحب بمنقاره. أى خفف السجود. و رواه الصدوق (رحمه الله) في الأمالي المجلس 74 بتقديم و تأخير مع زيادة.
(2) العشاء- بالفتح: الطعام الذي يتعشى به.
(3) رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 231 و فيه «يصمت ليسلم و ينطق ليغنم، لا يحدث أمانته الاصدقاء و لا يكتم شهادته من البعداء- الى أن قال-: لا يغره قول من جهله و يخاف إحصاء ما عمله».
139
وَ قَالَ(ع)خَمْسٌ لَوْ رَحَلْتُمْ فِيهِنَّ لَأَنْضَيْتُمُوهُنَ (1)- وَ مَا قَدَرْتُمْ عَلَى مِثْلِهِنَّ- لَا يَخَافُ عَبْدٌ إِلَّا ذَنْبَهُ- وَ لَا يَرْجُو إِلَّا رَبَّهُ- وَ لَا يَسْتَحِي الْجَاهِلُ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ أَنْ يَتَعَلَّمَ- وَ الصَّبْرُ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ- وَ لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ.
وَ قَالَ(ع)يَقُولُ اللَّهُ يَا ابْنَ آدَمَ- ارْضَ بِمَا آتَيْتُكَ تَكُنْ مِنْ أَزْهَدِ النَّاسِ- ابْنَ آدَمَ- اعْمَلْ بِمَا افْتَرَضْتُ عَلَيْكَ تَكُنْ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ- ابْنَ آدَمَ اجْتَنِبْ مِمَّا حَرَّمْتُ عَلَيْكَ- تَكُنْ مِنْ أَوْرَعِ النَّاسِ.
وَ قَالَ(ع)كَمْ مِنْ مَفْتُونٍ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ- وَ كَمْ مِنْ مَغْرُورٍ بِحُسْنِ السَّتْرِ عَلَيْهِ- وَ كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ.
وَ قَالَ(ع)يَا سَوْأَتَاهْ لِمَنْ غَلَبَتْ إِحْدَاتُهُ عَشَرَاتِهِ- يُرِيدُ أَنَّ السَّيِّئَةَ بِوَاحِدَةٍ وَ الْحَسَنَةَ بِعَشَرَةٍ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ الدُّنْيَا قَدِ ارْتَحَلَتْ مُدْبِرَةً- وَ إِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ تَرَحَّلَتْ مُقْبِلَةً- وَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَنُونَ- فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ- وَ لَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا- فَكُونُوا مِنَ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا- وَ الرَّاغِبِينَ فِي الْآخِرَةِ- لِأَنَّ الزَّاهِدِينَ اتَّخَذُوا أَرْضَ اللَّهِ بِسَاطاً- وَ التُّرَابَ فِرَاشاً وَ الْمَدَرَ وِسَاداً- وَ الْمَاءَ طِيباً- وَ قَرَضُوا الْمَعَاشَ مِنَ الدُّنْيَا تَقْرِيضاً- اعْلَمُوا أَنَّهُ مَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ- سَارَعَ إِلَى الْحَسَنَاتِ وَ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ (2)- وَ مَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ بَادَرَ بِالتَّوْبَةِ إِلَى اللَّهِ مِنْ ذُنُوبِهِ- وَ رَاجَعَ عَنِ الْمَحَارِمِ- وَ مَنْ زَهِدَ
____________
(1) أنضت الدابّة: هزلتها الاسفار. و الظاهر أن الضمير راجع الى المطية التي تفهم من فحوى الكلام، و قد مضى هذا الكلام أيضا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) كرارا، و في بعض النسخ «لو دخلتم فيهن لأبعتموهن». و رواه الصدوق في الخصال عن أمير المؤمنين (عليه السلام) بدون قوله «لانضيتموهن».
(2) سلا عن الشيء: نسيه و هجره. و اشفق: خاف و حذر. و رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 132 بادنى تفاوت.
140
فِي الدُّنْيَا- هَانَتْ عَلَيْهِ مَصَائِبُهَا وَ لَمْ يَكْرَهْهَا- وَ إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَعِبَاداً- قُلُوبُهُمْ مُعَلَّقَةٌ بِالْآخِرَةِ وَ ثَوَابِهَا- وَ هُمْ كَمَنْ رَأَى أَهْلَ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ مُخَلَّدِينَ مُنَّعَمِينَ- وَ كَمَنْ رَأَى أَهْلَ النَّارِ فِي النَّارِ مُعَذَّبِينَ- فَأُولَئِكَ شُرُورُهُمْ وَ بَوَائِقُهُمْ عَنِ النَّاسِ مَأْمُونَةٌ- وَ ذَلِكَ أَنَّ قُلُوبَهُمْ عَنِ النَّاسِ مَشْغُولَةٌ بِخَوْفِ اللَّهِ- فَطَرْفُهُمْ عَنِ الْحَرَامِ مَغْضُوضٌ- وَ حَوَائِجُهُمْ إِلَى النَّاسِ خَفِيفَةٌ- قَبِلُوا الْيَسِيرَ مِنَ اللَّهِ فِي الْمَعَاشِ وَ هُوَ الْقُوتُ- فَصَبَرُوا أَيَّاماً قُصَارَى لِطُولِ الْحَسْرَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ- إِنِّي لَأُحِبُّكَ فِي اللَّهِ حُبّاً شَدِيداً- فَنَكَسَ(ع)رَأْسَهُ (1) ثُمَّ قَالَ- اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُحَبَّ فِيكَ وَ أَنْتَ لِي مُبْغِضٌ- ثُمَّ قَالَ لَهُ أُحِبُّكَ لِلَّذِي تُحِبُّنِي فِيهِ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْبَخِيلَ السَّائِلَ الْمُلْحِفَ.
وَ قَالَ(ع)رُبَّ مَغْرُورٍ مَفْتُونٍ يُصْبِحُ لَاهِياً ضَاحِكاً- يَأْكُلُ وَ يَشْرَبُ وَ هُوَ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ قَدْ سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ سَخَطَةٌ- يَصْلَى بِهَا نَارَ جَهَنَّمَ (2).
وَ قَالَ(ع)إِنَّ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِ الْإِنْفَاقَ عَلَى قَدْرِ الْإِقْتَارِ (3)- وَ التَّوَسُّعَ عَلَى قَدْرِ التَّوَسُّعِ- وَ إِنْصَافَ النَّاسِ مِنْ نَفْسِهِ- وَ ابْتِدَاءَهُ إِيَّاهُمْ بِالسَّلَامِ.
وَ قَالَ(ع)ثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ لِلْمُؤْمِنِ- كَفُّ لِسَانِهِ عَنِ النَّاسِ وَ اغْتِيَابِهِمْ- وَ إِشْغَالُهُ نَفْسَهُ بِمَا يَنْفَعُهُ لآِخِرَتِهِ وَ دُنْيَاهُ- وَ طُولُ الْبُكَاءِ عَلَى خَطِيئَتِهِ.
وَ قَالَ(ع)نَظَرُ الْمُؤْمِنِ فِي وَجْهِ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ- لِلْمَوَدَّةِ وَ الْمَحَبَّةِ لَهُ عِبَادَةٌ.
وَ قَالَ(ع)ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ فِي كَنَفِ اللَّهِ (4)- وَ أَظَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ- وَ آمَنَهُ مِنْ فَزِعِ الْيَوْمِ الْأَكْبَرِ- مَنْ أَعْطَى مِنْ نَفْسِهِ
____________
(1) نكس رأسه: طأطأه و خفضه.
(2) في بعض النسخ «يصله بها في نار جهنم».
(3) الاقتار: القلة و التضيق في الرزق.
(4) كنف اللّه- بالتحريك-: ظله و حضنه.
141
مَا هُوَ سَائِلُهُمْ لِنَفْسِهِ- وَ رَجُلٌ لَمْ يُقَدِّمْ يَداً وَ لَا رِجْلًا- حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ قَدَّمَهَا أَوْ فِي مَعْصِيَتِهِ- وَ رَجُلٌ لَمْ يَعِبْ أَخَاهُ بِعَيْبٍ- حَتَّى يَتْرُكَ ذَلِكَ الْعَيْبَ مِنْ نَفْسِهِ- وَ كَفَى بِالْمَرْءِ شُغُلًا بِعَيْبِهِ لِنَفْسِهِ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ.
وَ قَالَ(ع)مَا مِنْ شَيْءٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ- مِنْ عِفَّةِ بَطْنٍ وَ فَرْجٍ- وَ مَا مِنْ شَيْءٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ.
وَ قَالَ لِابْنِهِ مُحَمَّدٍ(ع)افْعَلِ الْخَيْرَ إِلَى كُلِّ مَنْ طَلَبَهُ مِنْكَ- فَإِنْ كَانَ أَهْلَهُ فَقَدْ أَصَبْتَ مَوْضِعَهُ- وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَهْلٍ كُنْتَ أَنْتَ أَهْلَهُ- وَ إِنْ شَتَمَكَ رَجُلٌ عَنْ يَمِينِكَ- ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى يَسَارِكَ وَ اعْتَذَرَ إِلَيْكَ فَاقْبَلْ عُذْرَهُ (1).
وَ قَالَ(ع)مَجَالِسُ الصَّالِحِينَ دَاعِيَةٌ إِلَى الصَّلَاحِ (2)- وَ آدَابُ الْعُلَمَاءِ زِيَادَةٌ فِي الْعَقْلِ- وَ طَاعَةُ وُلَاةِ الْأَمْرِ تَمَامُ الْعِزِّ- وَ اسْتِنْمَاءُ الْمَالِ تَمَامُ الْمُرُوَّةِ (3)- وَ إِرْشَادُ الْمُسْتَشِيرِ قَضَاءٌ لِحَقِّ النِّعْمَةِ- وَ كَفُّ الْأَذَى مِنْ كَمَالِ الْعَقْلِ- وَ فِيهِ رَاحَةٌ لِلْبَدَنِ عَاجِلًا وَ آجِلًا (4)- وَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع)إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ- وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها (5) يَقُولُ(ع)سُبْحَانَ مَنْ لَمْ يَجْعَلْ فِي أَحَدٍ مِنْ مَعْرِفَةِ نِعَمِهِ- إِلَّا
____________
(1) رواه الكليني في الروضة و فيها «و ان لم يكن أهله كنت أنت أهله».
(2) في الكافي «مجالسة الصالحين داعية الى الصلاح».
(3) في الكافي «طاعة ولاة العدل تمام العز، و استثمار المال تمام المروة».
(4) قال الفيض- (رحمه الله)-: فى كلامه (عليه السلام) ترغيب الى المعاشرة مع الناس و المؤانسة بهم و استفادة كل فضيلة من أهلها و زجر عن الاعتزال و الانقطاع اللذين هما منبت النفاق و مغرس الوسواس و الحرمان عن المشرب الاتم المحمدى و المقام المحمود الجمعى، و الموجب لترك كثير من الفضائل و الخيرات و فوت السنن الشرعية و آداب الجمعة و الجماعات و انسداد أبواب مكارم الأخلاق.
(5) سورة إبراهيم: 37. أى لا تحصروها و لا تطيقوا عدّ أنواعها فضلا من أفرادها فانها غير متناهية. قاله البيضاوى.
142
الْمَعْرِفَةَ بِالتَّقْصِيرِ عَنْ مَعْرِفَتِهَا- كَمَا لَمْ يَجْعَلْ فِي أَحَدٍ مِنْ مَعْرِفَةِ إِدْرَاكِهِ- أَكْثَرَ مِنَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا يُدْرِكُهُ- فَشَكَرَ عَزَّ وَ جَلَّ مَعْرِفَةَ الْعَارِفِينَ بِالتَّقْصِيرِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ- وَ جَعَلَ مَعْرِفَتَهُمْ بِالتَّقْصِيرِ شُكْراً- كَمَا جَعَلَ عِلْمَ الْعَالِمِينَ أَنَّهُمْ لَا يُدْرِكُونَهُ إِيمَاناً- عِلْماً مِنْهُ أَنَّهُ قَدْرُ وُسْعِ الْعِبَادِ- فَلَا يُجَاوِزُونَ ذَلِكَ.
وَ قَالَ(ع)سُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ الِاعْتِرَافَ بِالنِّعْمَةِ لَهُ حَمْداً- سُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ الِاعْتِرَافَ بِالْعَجْزِ عَنِ الشُّكْرِ شُكْراً.
4- ما (1)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْقَزْوِينِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَهْبَانَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الزَّعْفَرَانِيِّ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنِ الثُّمَالِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ(ع)وَ هُوَ يَقُولُ عَجَباً لِلْمُتَكَبِّرِ الْفَخُورِ الَّذِي كَانَ بِالْأَمْسِ نُطْفَةً- وَ هُوَ غَداً جِيفَةٌ- وَ الْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ لِمَنْ شَكَّ فِي اللَّهِ وَ هُوَ يَرَى الْخَلْقَ- وَ الْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ لِمَنْ أَنْكَرَ الْمَوْتَ- وَ هُوَ يَمُوتُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ- وَ الْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ لِمَنْ أَنْكَرَ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى- وَ هُوَ يَرَى النَّشْأَةَ الْأُولَى- وَ الْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ لِمَنْ عَمِلَ لِدَارِ الْفَنَاءِ- وَ تَرَكَ دَارَ الْبَقَاءِ.
5- الدُّرَّةُ الْبَاهِرَةُ (2)، قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع)خَفِ اللَّهَ تَعَالَى لِقُدْرَتِهِ عَلَيْكَ- وَ اسْتَحْيِ مِنْهُ لِقُرْبِهِ مِنْكَ- وَ لَا تُعَادِيَنَّ أَحَداً وَ إِنْ ظَنَنْتَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّكَ- وَ لَا تَزْهَدَنَّ صَدَاقَةَ أَحَدٍ- وَ إِنْ ظَنَنْتَ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُكَ- فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَتَى تَرْجُو صَدِيقَكَ- وَ لَا تَدْرِي مَتَى تَخَافُ عَدُوَّكَ- وَ لَا يَعْتَذِرُ إِلَيْكَ أَحَدٌ إِلَّا قَبِلْتَ عُذْرَهُ- وَ إِنْ عَلِمْتَ أَنَّهُ كَاذِبٌ- وَ لْيَقِلَّ عَيْبُ النَّاسِ عَلَى لِسَانِكَ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ عَتَبَ عَلَى الزَّمَانِ طَالَتْ مَعْتَبَتُهُ.
وَ قَالَ(ع)مَا اسْتَغْنَى أَحَدٌ بِاللَّهِ إِلَّا افْتَقَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ- وَ مَنِ اتَّكَلَ عَلَى حُسْنِ اخْتِيَارِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ- لَمْ يَتَمَنَّ أَنَّهُ فِي غَيْرِ الْحَالِ الَّتِي اخْتَارَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُ.
____________
(1) الأمالي ج 2 ص 277.
(2) مخطوط.
143
وَ قَالَ(ع)الْكَرِيمُ يَبْتَهِجُ بِفَضْلِهِ وَ اللَّئِيمُ يَفْتَخِرُ بِمِلْكِهِ.
6- لي (1)، الأمالي للصدوق عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَالِبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع)يَعِظُ النَّاسَ- يُزَهِّدُهُمْ فِي الدُّنْيَا- وَ يُرَغِّبُهُمْ فِي أَعْمَالِ الْآخِرَةِ بِهَذَا الْكَلَامِ- فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ص وَ حُفِظَ عَنْهُ وَ كُتِبَ وَ كَانَ يَقُولُ- أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ- وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ- فَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً- وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً- وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ- وَيْحَكَ ابْنَ آدَمَ الْغَافِلُ وَ لَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ- ابْنَ آدَمَ إِنَّ أَجَلَكَ أَسْرَعُ شَيْءٍ إِلَيْكَ- قَدْ أَقْبَلَ نَحْوَكَ حَثِيثاً (2) يَطْلُبُكَ- وَ يُوشِكُ أَنْ يُدْرِكَكَ- وَ كَأَنْ قَدْ أَوْفَيْتَ أَجَلَكَ وَ قَبَضَ الْمَلَكُ رُوحَكَ- وَ صِرْتَ إِلَى مَنْزِلٍ وَحِيداً فَرَدَّ إِلَيْكَ فِيهِ رُوحَكَ- وَ اقْتَحَمَ عَلَيْكَ فِيهِ مَلَكَاكَ مُنْكَرٌ وَ نَكِيرٌ لِمُسَاءَلَتِكَ- وَ شَدِيدِ امْتِحَانِكَ- أَلَا وَ إِنَّ أَوَّلَ مَا يَسْأَلَانِكَ عَنْ رَبِّكَ الَّذِي كُنْتَ تَعْبُدُهُ- وَ عَنْ نَبِيِّكَ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكَ- وَ عَنْ دِينِكَ الَّذِي كُنْتَ تَدِينُ بِهِ- وَ عَنْ كِتَابِكَ الَّذِي كُنْتَ تَتْلُوهُ- وَ عَنْ إِمَامِكَ الَّذِي كُنْتَ تَتَوَلَّاهُ- ثُمَّ عَنْ عُمُرِكَ فِيمَا أَفْنَيْتَهُ- وَ مَالِكَ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبْتَهُ وَ فِيمَا أَتْلَفْتَهُ- فَخُذْ حِذْرَكَ وَ انْظُرْ لِنَفْسِكَ- وَ أَعِدَّ لِلْجَوَابِ قَبْلَ الِامْتِحَانِ- وَ الْمُسَاءَلَةِ وَ الِاخْتِبَارِ- فَإِنْ تَكُ مُؤْمِناً تَقِيّاً عَارِفاً بِدِينِكَ- مُتَّبِعاً لِلصَّادِقِينَ مُوَالِياً لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ- لَقَّاكَ اللَّهُ حُجَّتَكَ- وَ أَنْطَقَ لِسَانَكَ بِالصَّوَابِ فَأَحْسَنْتَ الْجَوَابَ- فَبُشِّرْتَ بِالْجَنَّةِ وَ الرِّضْوَانِ مِنَ اللَّهِ وَ الْخَيْرَاتِ الْحِسَانِ- وَ اسْتَقْبَلَتْكَ الْمَلَائِكَةُ بِالرَّوْحِ وَ الرَّيْحَانِ- وَ إِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ تَلَجْلَجَ لِسَانُكَ- وَ دُحِضَتْ حُجَّتُكَ وَ عَيِيتَ عَنِ الْجَوَابِ (3)- وَ بُشِّرْتَ بِالنَّارِ- وَ اسْتَقْبَلَتْكَ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ- بِنُزُلٍ مِنْ حَمِيمٍ وَ تَصْلِيَةِ جَحِيمٍ (4)
____________
(1) المجلس السادس و السبعون ص 301.
(2) الحثيث: السريع. اقتحم المنزل: هجمه، و الامر: رمى نفسه فيه بشدة و مشقة.
(3) التلجلج: التردد في الكلام. و الدحض: الابطال، و العى: العجز عن الكلام.
(4) النزل- بضم النون-: ما يعد للضيف. و الحميم النار.
144
فَاعْلَمْ ابْنَ آدَمَ أَنَّ مِنْ وَرَاءِ هَذَا مَا هُوَ أَعْظَمُ وَ أَفْظَعُ- وَ أَوْجَعُ لِلْقُلُوبِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ- وَ يَجْمَعُ اللَّهُ فِيهِ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ- ذَلِكَ يَوْمُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَ تُبَعْثَرُ فِيهِ الْقُبُورُ- ذَلِكَ يَوْمُ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ (1)- ذَلِكَ يَوْمٌ لَا تُقَالُ فِيهِ عَثْرَةٌ- وَ لَا تُؤْخَذُ مِنْ أَحَدٍ فِيهِ فِدْيَةٌ- وَ لَا تُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ فِيهِ مَعْذِرَةٌ- وَ لَا لِأَحَدٍ فِيهِ مُسْتَقْبَلُ تَوْبَةٍ- لَيْسَ إِلَّا الْجَزَاءَ بِالْحَسَنَاتِ وَ الْجَزَاءَ بِالسَّيِّئَاتِ- فَمَنْ كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ- عَمِلَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ وَجَدَهُ- وَ مَنْ كَانَ عَمِلَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ- فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ شَرٍّ وَجَدَهُ: فَاحْذَرُوا أَيُّهَا النَّاسُ مِنَ الْمَعَاصِي وَ الذُّنُوبِ- فَقَدْ نَهَاكُمُ اللَّهُ عَنْهَا وَ حَذَّرَكُمُوهَا فِي الْكِتَابِ الصَّادِقِ وَ الْبَيَانِ النَّاطِقِ- وَ لَا تَأْمَنُوا مَكْرَ اللَّهِ وَ شِدَّةَ أَخْذِهِ- عِنْدَ مَا يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ اللَّعِينُ- مِنْ عَاجِلِ الشَّهَوَاتِ وَ اللَّذَّاتِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا- فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ- إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا- فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (2) فَاشْعُرُوا قُلُوبَكُمْ لِلَّهِ أَنْتُمْ خَوْفَ اللَّهِ- وَ تَذَكَّرُوا مَا قَدْ وَعَدَكُمُ اللَّهُ فِي مَرْجِعِكُمْ إِلَيْهِ- مِنْ حُسْنِ ثَوَابِهِ- كَمَا قَدْ خَوَّفَكُمْ مِنْ شَدِيدِ الْعِقَابِ- فَإِنَّهُ مَنْ خَافَ شَيْئاً حَذِرَهُ- وَ مَنْ حَذِرَ شَيْئاً نَكَلَهُ- فَلَا تَكُونُوا مِنَ الْغَافِلِينَ- الْمَائِلِينَ إِلَى زَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا- فَتَكُونُوا مِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ- وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى- أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ- أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ- أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ- أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (3)- فَاحْذَرُوا مَا قَدْ حَذَّرَكُمُ اللَّهُ- وَ اتَّعِظُوا بِمَا فَعَلَ بِالظَّلَمَةِ فِي كِتَابِهِ- وَ لَا تَأْمَنُوا أَنْ يُنْزِلَ بِكُمْ- بَعْضَ مَا تَوَاعَدَ بِهِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فِي الْكِتَابِ- تَاللَّهِ لَقَدْ وُعِظْتُمْ بِغَيْرِكُمْ- وَ إِنَّ السَّعِيدَ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ- وَ لَقَدْ أَسْمَعَكُمُ اللَّهُ فِي الْكِتَابِ مَا فَعَلَ
____________
(1) أزف الرحيل: قرب. و في المصدر «لدى الحناجر كاظمة».
(2) الأعراف: 201. و الطائف: الخيال أو الوسوسة ما يقال له بالفارسية «خيال».
(3) النحل: 44 الى 47. و تقلبهم اي إذا كانوا في اسفارهم أو مشغولين في تجاراتهم. و قوله «عَلى تَخَوُّفٍ «أى تنقص شيئا فشيئا حتّى يهلك الجميع.
145
بِالْقَوْمِ الظَّالِمِينَ- مِنْ أَهْلِ الْقُرَى قَبْلَكُمْ حَيْثُ قَالَ- وَ كَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً- وَ أَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ- فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ- يَعْنِي يَهْرُبُونَ- لا تَرْكُضُوا وَ ارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ- وَ مَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ- فَلَمَّا أَتَاهُمُ الْعَذَابُ- قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ- فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ (1)- وَ ايْمُ اللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَعِظَةٌ لَكُمْ وَ تَخْوِيفٌ- إِنِ اتَّعَظْتُمْ وَ خِفْتُمْ- ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْقَوْلِ مِنَ اللَّهِ فِي الْكِتَابِ- عَلَى أَهْلِ الْمَعَاصِي وَ الذُّنُوبِ- فَقَالَ وَ لَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ- لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (2)- فَإِنْ قُلْتُمْ أَيُّهَا النَّاسُ- إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا عَنَى بِهَذَا أَهْلَ الشِّرْكِ فَكَيْفَ ذَاكَ- وَ هُوَ يَقُولُ وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ- فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً- وَ إِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها- وَ كَفى بِنا حاسِبِينَ (3)- اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ- أَنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ لَا تُنْصَبُ لَهُمُ الْمَوَازِينُ- وَ لَا تُنْشَرُ لَهُمُ الدَّوَاوِينُ- وَ إِنَّمَا تُنْشَرُ الدَّوَاوِينُ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ- فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ وَ اعْلَمُوا- أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْتَرْ هَذِهِ الدُّنْيَا وَ عَاجِلَهَا لِأَحَدٍ مِنْ أَوْلِيَائِهِ- وَ لَمْ يُرَغِّبْهُمْ فِيهَا وَ فِي عَاجِلِ زَهْرَتِهَا- وَ ظَاهِرِ بَهْجَتِهَا- وَ إِنَّمَا خَلَقَ الدُّنْيَا وَ خَلَقَ أَهْلَهَا- لِيَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا لآِخِرَتِهِ- وَ ايْمُ اللَّهِ لَقَدْ ضَرَبَ لَكُمْ فِيهَا الْأَمْثَالَ- وَ صَرَّفَ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ- فَكُونُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ- وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- وَ ازْهَدُوا فِيمَا زَهَّدَكُمُ اللَّهُ فِيهِ مِنْ عَاجِلِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا- فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ وَ قَوْلُهُ الْحَقُّ- إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ- فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ الْآيَةَ (4)- فَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَتَفَكَّرُونَ- وَ لَا تَرْكَنُوا إِلَى الدُّنْيَا- فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ قَالَ لِمُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ ص وَ لِأَصْحَابِهِ
____________
(1) الأنبياء: 12 الى 15. و في المصحف «وَ كَمْ قَصَمْنا» و قوله: «أُتْرِفْتُمْ» أى متعتم.
و قوله «خامِدِينَ» اى ميتين كخمود النار إذا طفئت.
(2) الأنبياء: 46 و قوله: «نَفْحَةٌ» أى وقعة خفيفة.
(3) الأنبياء: 47.
(4) يونس: 24.
146
وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ (1)- وَ لَا تَرْكَنُوا إِلَى زَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا- رُكُونَ مَنِ اتَّخَذَهَا دَارَ قَرَارٍ وَ مَنْزِلَ اسْتِيطَانٍ- فَإِنَّهَا دَارُ قُلْعَةٍ وَ بُلْغَةٍ وَ دَارُ عَمَلٍ- فَتَزَوَّدُوا الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَخْرُجُوا مِنْهَا- وَ قَبْلَ الْإِذْنِ مِنَ اللَّهِ فِي خَرَابِهَا- فَكَانَ قَدْ أَخْرَبَهَا الَّذِي عَمَرَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ ابْتَدَأَهَا- وَ هُوَ وَلِيُّ مِيرَاثِهَا- وَ أَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَ لَكُمُ الْعَوْنَ عَلَى تَزَوُّدِ التَّقْوَى- وَ الزُّهْدِ فِيهَا- جَعَلَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ مِنَ الزَّاهِدِينَ- فِي عَاجِلِ زَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا- وَ الرَّاغِبِينَ الْعَامِلِينَ لِأَجْلِ ثَوَابِ الْآخِرَةِ- فَإِنَّمَا نَحْنُ بِهِ وَ لَهُ.
ف (2)، تحف العقول مرسلا مثله.
7- لي (3)، الأمالي للصدوق عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النَّصْرِ التَّيْمِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَالِكِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْأُطْرُوشِ عَنْ صَالِحِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ السُّكَّرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْزٍ الْأَوْدِيِّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ عَنْ طَاوُسٍ الْيَمَانِيِّ قَالَ: مَرَرْتُ بِالْحِجْرِ فَإِذَا أَنَا بِشَخْصٍ رَاكِعٍ وَ سَاجِدٍ- فَتَأَمَّلْتُهُ فَإِذَا هُوَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع) فَقُلْتُ يَا نَفْسُ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ- وَ اللَّهِ لَأَغْتَنِمَنَّ دُعَاءَهُ فَجَعَلْتُ أَرْقُبُهُ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ- وَ رَفَعَ بَاطِنَ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَ جَعَلَ يَقُولُ- سَيِّدِي سَيِّدِي هَذِهِ يَدَايَ قَدْ مَدَدْتُهُمَا إِلَيْكَ- بِالذُّنُوبِ مَمْلُوءَةً- وَ عَيْنَايَ بِالرَّجَاءِ مَمْدُودَةً- وَ حَقٌّ لِمَنْ دَعَاكَ بِالنَّدَمِ تَذَلُّلًا- أَنْ تُجِيبَهُ بِالْكَرَمِ تَفَضُّلًا- سَيِّدِي أَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَأُطِيلَ بُكَائِي- أَمْ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ خَلَقْتَنِي فَأُبَشِّرَ رَجَائِي (4)- سَيِّدِي أَ لِضَرْبِ الْمَقَامِعِ خَلَقْتَ أَعْضَائِي- أَمْ لِشُرْبِ الْحَمِيمِ خَلَقْتَ أَمْعَائِي- سَيِّدِي لَوْ أَنَّ عَبْداً اسْتَطَاعَ الْهَرَبَ مِنْ مَوْلَاهُ- لَكُنْتُ أَوَّلَ الْهَارِبِينَ مِنْكَ- لَكِنِّي أَعْلَمُ أَنِّي لَا أَفُوتُكَ- سَيِّدِي لَوْ أَنَّ عَذَابِي مِمَّا يَزِيدُ فِي مُلْكِكَ- لَسَأَلْتُكَ الصَّبْرَ عَلَيْهِ- غَيْرَ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ
____________
(1) هود: 113. وَ لا تَرْكَنُوا أي لا تميلوا.
(2) التحف: ص 249.
(3) المجلس التاسع و الثلاثون ص 132.
(4) كذا.
147
لَا يَزِيدُ فِي مُلْكِكَ طَاعَةُ الْمُطِيعِينَ- وَ لَا يَنْقُصُ مِنْهُ مَعْصِيَةُ الْعَاصِينَ- سَيِّدِي مَا أَنَا وَ مَا خَطَرِي- هَبْ لِي بِفَضْلِكَ وَ جَلِّلْنِي بِسَتْرِكَ- وَ اعْفُ عَنْ تَوْبِيخِي بِكَرَمِ وَجْهِكَ- إِلَهِي وَ سَيِّدِي ارْحَمْنِي مَصْرُوعاً عَلَى الْفِرَاشِ- تُقَلِّبُنِي أَيْدِي أَحِبَّتِي- وَ ارْحَمْنِي مَطْرُوحاً عَلَى الْمُغْتَسَلِ يُغَسِّلُنِي صَالِحُ جِيرَتِي- وَ ارْحَمْنِي مَحْمُولًا قَدْ تَنَاوَلَ الْأَقْرِبَاءُ أَطْرَافَ جِنَازَتِي- وَ ارْحَمْ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ الْمُظْلِمِ وَحْشَتِي وَ غُرْبَتِي وَ وَحْدَتِي- قَالَ طَاوُسٌ فَبَكَيْتُ حَتَّى عَلَا نَحِيبِي- فَالْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ مَا يُبْكِيكَ يَا يَمَانِيُّ- أَ وَ لَيْسَ هَذَا مَقَامَ الْمُذْنِبِينَ- فَقُلْتُ حَبِيبِي حَقِيقٌ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَرُدَّكَ- وَ جَدُّكَ مُحَمَّدٌ ص قَالَ فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ- فَالْتَفَتَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ مَعَاشِرَ أَصْحَابِي أُوصِيكُمْ بِالْآخِرَةِ- وَ لَسْتُ أُوصِيكُمْ بِالدُّنْيَا- فَإِنَّكُمْ بِهَا مُسْتَوْصَوْنَ وَ عَلَيْهَا حَرِيصُونَ- وَ بِهَا مُسْتَمْسِكُونَ- مَعَاشِرَ أَصْحَابِي إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ مَمَرٍّ وَ الْآخِرَةَ دَارُ مَقَرٍّ- فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّكُمْ لِمَقَرِّكُمْ- وَ لَا تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَسْرَارُكُمْ- وَ أَخْرِجُوا مِنَ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ- أَ مَا رَأَيْتُمْ وَ سَمِعْتُمْ مَا اسْتُدْرِجَ بِهِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ- مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ وَ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ- لَمْ تَرَوْا كَيْفَ فُضِحَ مَسْتُورُهُمْ- وَ أُمْطِرَ مَوَاطِرُ الْهَوَانِ عَلَيْهِمْ- بِتَبْدِيلِ سُرُورِهِمْ بَعْدَ خَفْضِ عَيْشِهِمْ وَ لِينِ رَفَاهِيَتِهِمْ- صَارُوا حَصَائِدَ النِّقَمِ وَ مَدَارِجَ الْمَثُلَاثِ- أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَ لَكُمْ.
8- ما (1)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ الْمُفِيدِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ الثُّمَالِيِّ قَالَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع)يَقُولُ ابْنَ آدَمَ لَا يَزَالُ بِخَيْرٍ مَا كَانَ لَكَ وَاعِظٌ مِنْ نَفْسِكَ- وَ مَا كَانَتِ الْمُحَاسَبَةُ مِنْ هَمِّكَ- وَ مَا كَانَ الْخَوْفُ لَكَ شِعَاراً وَ الْحُزْنُ لَكَ دِثَاراً- ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ مَبْعُوثٌ- وَ مَوْقُوفٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مَسْئُولٌ فَأَعِدَّ جَوَاباً.
- 9- ل (2)، الخصال عَنِ ابْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ
____________
(1) الأمالي ج 1 ص 114.
(2) الخصال ج 1 ص 12.
148
مَحْبُوبٍ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ عَنِ الثُّمَالِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)قَالَ: لَا حَسَبَ لِقُرَشِيٍّ وَ لَا لِعَرَبِيٍّ إِلَّا بِتَوَاضُعٍ- وَ لَا كَرَمَ إِلَّا بِتَقْوَى وَ لَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ- وَ لَا عِبَادَةَ إِلَّا بِتَفَقُّهٍ- أَلَا وَ إِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَنْ يَقْتَدِي بِسُنَّةِ إِمَامٍ وَ لَا يَقْتَدِي بِأَعْمَالِهِ.
10- ل (1)، الخصال عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع)أَشَدُّ سَاعَاتِ ابْنِ آدَمَ ثَلَاثُ سَاعَاتٍ- السَّاعَةُ الَّتِي يُعَايِنُ فِيهَا مَلَكَ الْمَوْتِ- وَ السَّاعَةُ الَّتِي يَقُومُ فِيهَا مِنْ قَبْرِهِ- وَ السَّاعَةُ الَّتِي يَقِفُ فِيهَا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- فَإِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَ إِمَّا إِلَى النَّارِ- ثُمَّ قَالَ إِنْ نَجَوْتَ يَا ابْنَ آدَمَ عِنْدَ الْمَوْتِ فَأَنْتَ أَنْتَ- وَ إِلَّا هَلَكْتَ- وَ إِنْ نَجَوْتَ يَا ابْنَ آدَمَ حِينَ تُوضَعُ فِي قَبْرِكَ- فَأَنْتَ أَنْتَ وَ إِلَّا هَلَكْتَ- وَ إِنْ نَجَوْتَ يَا ابْنَ آدَمَ فِي مُقَامِ الْقِيَامَةِ- فَأَنْتَ أَنْتَ وَ إِلَّا هَلَكْتَ- وَ إِنْ نَجَوْتَ يَا آدَمُ حِينَ يُحْمَلُ النَّاسُ عَلَى الصِّرَاطِ- فَأَنْتَ أَنْتَ وَ إِلَّا هَلَكْتَ- وَ إِنْ نَجَوْتَ يَا ابْنَ آدَمَ حِينَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ- فَأَنْتَ أَنْتَ وَ إِلَّا هَلَكْتَ- ثُمَّ تَلَا وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (2)- قَالَ هُوَ الْقَبْرُ وَ إِنَّ لَهُمْ فِيهِ لَمَعِيشَةً ضَنْكاً- وَ اللَّهِ إِنَّ الْقَبْرَ لَرَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ- أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ- ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ جُلَسَائِهِ فَقَالَ لَهُ- قَدْ عَلِمَ سَاكِنُ السَّمَاءِ سَاكِنَ الْجَنَّةِ مِنْ سَاكِنِ النَّارِ- فَأَيُّ الرَّجُلَيْنِ أَنْتَ وَ أَيُّ الدَّارَيْنِ دَارُكَ.
كتاب الغايات (3)، لجعفر بن أحمد القمي ره مرسلا مثله.
11- ف (4)، تحف العقول مَوْعِظَةٌ وَ زُهْدٌ وَ حِكْمَةٌ كَفَانَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ كَيْدَ الظَّالِمِينَ- وَ بَغْيَ الْحَاسِدِينَ وَ بَطْشَ الْجَبَّارِينَ
____________
(1) الخصال ج 1 ص 59.
(2) المؤمنون: 100.
(3) مخطوط.
(4) التحف: ص 252. و رواه الكليني في الروضة و المفيد في المجالس.
149
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الطَّوَاغِيتُ وَ أَتْبَاعُهُمْ- مِنْ أَهْلِ الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا- الْمَائِلُونَ إِلَيْهَا الْمَفْتُونُونَ بِهَا- الْمُقْبِلُونَ عَلَيْهَا وَ عَلَى حُطَامِهَا الْهَامِدِ- وَ هَشِيمِهَا الْبَائِدِ غَداً (1)- وَ احْذَرُوا مَا حَذَّرَكُمُ اللَّهُ مِنْهَا- وَ ازْهَدُوا فِيمَا زَهَّدَكُمُ اللَّهُ فِيهِ مِنْهَا- وَ لَا تَرْكَنُوا إِلَى مَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا- رُكُونَ مَنْ أَعَدَّهَا دَاراً وَ قَرَاراً- بِاللَّهِ إِنَّ لَكُمْ مِمَّا فِيهِمَا عَلَيْهَا دَلِيلًا (2) مِنْ زِينَتِهَا- وَ تَصْرِيفِ أَيَّامِهَا وَ تَغْيِيرِ انْقِلَابِهَا وَ مَثُلَاتِهَا- وَ تَلَاعُبِهَا بِأَهْلِهَا- إِنَّهَا لَتَرْفَعُ الْخَمِيلَ (3) وَ تَضَعُ الشَّرِيفَ- وَ تُورِدُ النَّارَ أَقْوَاماً غَداً- فَفِي هَذَا مُعْتَبَرٌ وَ مُخْتَبَرٌ وَ زَاجِرٌ لِمُنْتَبِهٍ (4)- وَ إِنَّ الْأُمُورَ الْوَارِدَةَ عَلَيْكُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ- مِنْ مُظْلِمَاتِ الْفِتَنِ (5) وَ حَوَادِثِ الْبِدَعِ- وَ سُنَنِ الْجَوْرِ وَ بَوَائِقِ الزَّمَانِ وَ هَيْبَةِ السُّلْطَانِ- وَ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ- لَتَدْبِيرُ الْقُلُوبِ عَنْ نِيَّتِهَا (6) وَ تُذْهِلُهَا عَنْ مَوْجُودِ الْهُدَى (7)- وَ مَعْرِفَةِ أَهْلِ الْحَقِّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ عَصَمَ اللَّهُ جَلَّ وَ عَزَّ- فَلَيْسَ يَعْرِفُ تَصَرُّفَ أَيَّامِهَا وَ تَقَلُّبَ حَالاتِهَا- وَ عَاقِبَةَ ضَرَرِ فِتْنَتِهَا إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ- وَ نَهَجَ سَبِيلَ الرُّشْدِ وَ سَلَكَ طَرِيقَ الْقَصْدِ- ثُمَّ اسْتَعَانَ عَلَى ذَلِكَ بِالزُّهْدِ فَكَرَّرَ الْفِكْرَ- وَ اتَّعَظَ بِالْعِبَرِ وَ ازْدَجَرَ- فَزَهَدَ فِي عَاجِلِ بَهْجَةِ الدُّنْيَا
____________
(1) الهامد: البالى المسود المتغير و اليابس من النبات و الشجر. و الهشيم: اليابس متكسر من كل شجر و كلاء، أصله المكسور. و البائد: الهالك.
(2) في الروضة و أمالي المفيد «ركون من اتخذها دار قرار و منزل استيطان» و في الروضة «و اللّه لكم ممّا فيها عليها لدليلا و تنبيها من تصريف أيامها».
(3) الخميل: الخامل و هو الساقط الذي لا نباهة له.
(4) في بعض النسخ «لمتنبه».
(5) في بعض النسخ الروضة «ملمات الفتن» و في الأمالي «مضلات الفتن».
(6) في بعض النسخ «لمثبطة القلوب» و في بعضها و في الأمالي «ليذر القلوب عن تنبيهها» و في بعض النسخ «لتثبط القلوب عن نيتها» و في الروضة «لتثبط القلوب عن تنبيهها».
(7) من إضافة الصفة الى الموصوف. و في الأمالي «عن وجود الهدى».
150
وَ تَجَافَى عَنْ لَذَّاتِهَا- وَ رَغِبَ فِي دَائِمِ نَعِيمِ الْآخِرَةِ- وَ سَعى لَها سَعْيَها وَ رَاقَبَ الْمَوْتَ- وَ شَنَأَ الْحَيَاةَ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ- فَعِنْدَ ذَلِكَ نَظَرَ إِلَى مَا فِي الدُّنْيَا بِعَيْنٍ نَيِّرَةٍ حَدِيدَةِ النَّظَرِ (1)- وَ أَبْصَرَ حَوَادِثَ الْفِتَنِ وَ ضَلَالَ الْبِدَعِ- وَ جَوْرَ الْمُلُوكِ الظَّلَمَةِ- فَقَدْ لَعَمْرِي اسْتَدْبَرْتُمْ مِنَ الْأُمُورِ الْمَاضِيَةِ- فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ مِنَ الْفِتَنِ الْمُتَرَاكِمَةِ- وَ الِانْهِمَاكِ فِيهَا مَا تَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى تَجَنُّبِ الْغُوَاةِ- وَ أَهْلِ الْبِدَعِ وَ الْبَغْيِ وَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ- فَاسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَ ارْجِعُوا إِلَى طَاعَتِهِ- وَ طَاعَةِ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِالطَّاعَةِ- مِنْ طَاعَةِ مَنِ اتُّبِعَ وَ أُطِيعَ- فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ قَبْلِ النَّدَامَةِ وَ الْحَسْرَةِ- وَ الْقُدُومِ عَلَى اللَّهِ وَ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ- وَ تَاللَّهِ مَا صَدَرَ قَوْمٌ قَطُّ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَّا إِلَى عَذَابِهِ- وَ مَا آثَرَ قَوْمٌ قَطُّ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ- إِلَّا سَاءَ مُنْقَلَبُهُمْ وَ سَاءَ مَصِيرُهُمْ- وَ مَا الْعِلْمُ بِاللَّهِ (2) وَ الْعَمَلُ بِطَاعَتِهِ إِلَّا إِلْفَانِ مُؤْتَلِفَانِ- فَمَنْ عَرَفَ اللَّهَ خَافَهُ- فَحَثَّهُ الْخَوْفُ عَلَى الْعَمَلِ بِطَاعَةِ اللَّهِ- وَ إِنَّ أَرْبَابَ الْعِلْمِ وَ أَتْبَاعَهُمُ الَّذِينَ عَرَفُوا اللَّهَ- فَعَمِلُوا لَهُ وَ رَغِبُوا إِلَيْهِ وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ- إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (3)- فَلَا تَلْتَمِسُوا شَيْئاً مِمَّا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ- وَ اشْتَغِلُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بِطَاعَةِ اللَّهِ- وَ اغْتَنِمُوا أَيَّامَهَا- وَ اسْعَوْا لِمَا فِيهِ نَجَاتُكُمْ غَداً مِنْ عَذَابِ اللَّهِ- فَإِنَّ ذَلِكَ أَقَلُّ لِلتَّبِعَةِ- وَ أَدْنَى مِنَ الْعُذْرِ وَ أَرْجَى لِلنَّجَاةِ- فَقَدِّمُوا أَمْرَ اللَّهِ وَ طَاعَتَهُ وَ طَاعَةَ مَنْ أَوْجَبَ اللَّهُ طَاعَتَهُ- بَيْنَ يَدَيِ الْأُمُورِ كُلِّهَا- وَ لَا تُقَدِّمُوا الْأُمُورَ الْوَارِدَةَ عَلَيْكُمْ مِنْ طَاعَةِ الطَّوَاغِيتِ- وَ فِتْنَةِ زَهْرَةِ الدُّنْيَا بَيْنَ يَدَيْ أَمْرِ اللَّهِ وَ طَاعَتِهِ- وَ طَاعَةِ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ- وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ وَ نَحْنُ مَعَكُمْ- يَحْكُمُ عَلَيْنَا وَ عَلَيْكُمْ سَيِّدٌ حَاكِمٌ غَداً- وَ هُوَ مُوقِفُكُمْ وَ مُسَائِلُكُمْ- فَأَعِدُّوا الْجَوَابَ قَبْلَ الْوُقُوفِ وَ الْمُسَاءَلَةِ- وَ الْعَرْضِ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ- يَوْمَئِذٍ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ- وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يُصَدِّقُ كَاذِباً وَ لَا يُكَذِّبُ صَادِقاً- وَ لَا يَرُدُّ عُذْرَ مُسْتَحِقٍ
____________
(1) في بعض النسخ و الروضة «بعين قرة».
(2) في بعض النسخ و الأمالي «و ما العز باللّه».
(3) سورة فاطر: 25.
151
وَ لَا يَعْذِرُ غَيْرَ مَعْذُورٍ- بَلْ لِلَّهِ الْحُجَّةُ عَلَى خَلْقِهِ- بِالرُّسُلِ وَ الْأَوْصِيَاءِ بَعْدَ الرُّسُلِ- فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ اسْتَقْبِلُوا مِنْ إِصْلَاحِ أَنْفُسِكُمْ (1)- وَ طَاعَةِ اللَّهِ وَ طَاعَةِ مَنْ تَوَلَّوْنَهُ فِيهَا- لَعَلَّ نَادِماً قَدْ نَدِمَ عَلَى مَا قَدْ فَرَّطَ بِالْأَمْسِ فِي جَنْبِ اللَّهِ- وَ ضَيَّعَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ (2)- وَ اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ وَ تُوبُوا إِلَيْهِ- فَإِنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ ... وَ يَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ- وَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ- وَ إِيَّاكُمْ وَ صُحْبَةَ الْعَاصِينَ- وَ مَعُونَةَ الظَّالِمِينَ وَ مُجَاوَرَةَ الْفَاسِقِينَ- احْذَرُوا فِتْنَتَهُمْ وَ تَبَاعَدُوا مِنْ سَاحَتِهِمْ- وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ خَالَفَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ- وَ دَانَ بِغَيْرِ دِينِ اللَّهِ- وَ اسْتَبَدَّ بِأَمْرِهِ دُونَ أَمْرِ وَلِيِّ اللَّهِ فِي نَارٍ تَلْتَهِبُ- تَأْكُلُ أَبْدَاناً قَدْ غَابَتْ عَنْهَا أَرْوَاحُهَا- غَلَبَتْ عَلَيْهَا شِقْوَتُهَا فَهُمْ مَوْتَى لَا يَجِدُونَ حَرَّ النَّارِ (3)- فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ- وَ احْمَدُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ- وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَا تَخْرُجُونَ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ إِلَى غَيْرِ قُدْرَتِهِ- وَ سَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ثُمَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ- فَانْتَفِعُوا بِالْعِظَةِ وَ تَأَدَّبُوا بِآدَابِ الصَّالِحِينَ.
12- جا (4)، المجالس للمفيد عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ مَعْرُوفٍ عَنِ ابْنِ مَهْزِيَارَ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ عَنِ الثُّمَالِيِّ قَالَ: مَا سَمِعْتُ بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ كَانَ أَزْهَدَ مِنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع) إِلَّا مَا بَلَغَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع) ثُمَّ قَالَ أَبُو حَمْزَةَ- كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع)إِذَا تَكَلَّمَ فِي الزُّهْدِ- وَ وَعَظَ أَبْكَى مَنْ بِحَضْرَتِهِ- قَالَ أَبُو حَمْزَةَ فَقَرَأْتُ صَحِيفَةً- فِيهَا كَلَامُ زُهْدٍ مِنْ كَلَامِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع) وَ كَتَبْتُهَا فِيهَا وَ أَتَيْتُهُ بِهِ فَعَرَضْتُهُ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُ- وَ صَحَّحَهُ وَ كَانَ فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ- كَفَانَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ كَيْدَ الظَّالِمِينَ- إِلَى آخِرِ الْخَبَرِ.
____________
(1) في الروضة «فى اصلاح أنفسكم».
(2) في الروضة «من حقوق اللّه».
(3) ما بين القوسين في الموضعين كان في هامش بعض نسخ المصدر. و في الروضة «فهم موتى لا يجدون حر النار و لو كانوا أحياء لوجدوا مضض حر النار».
(4) مجالس المفيد ص 116.
152
13- جا (1)، المجالس للمفيد عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ صَفْوَانَ عَنِ ابْنِ حَازِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَا مِنْ خُطْوَةٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ خُطْوَتَيْنِ- خُطْوَةٍ يَسُدُّ بِهَا صَفّاً فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى- وَ خُطْوَةٍ إِلَى ذِي رَحِمٍ قَاطِعٍ يَصِلُهَا- وَ مَا مِنْ جُرْعَةٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ جُرْعَتَيْنِ- جُرْعَةِ غَيْظٍ يَرُدُّهَا مُؤْمِنٌ بِحِلْمٍ- وَ جُرْعَةِ جَزَعٍ يَرُدُّهَا مُؤْمِنٌ بِصَبْرٍ- وَ مَا مِنْ قَطْرَةٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ قَطْرَتَيْنِ- قَطْرَةِ دَمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ- وَ قَطْرَةِ دَمْعٍ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ.
كِتَابُ الْغَايَاتِ (2)، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ(ع)يَقُولُ مَا مِنْ خُطْوَةٍ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ.
14- جا (3)، المجالس للمفيد عَنْ أَحْمَدَ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ مَعْرُوفٍ عَنِ ابْنِ مَهْزِيَارَ عَنِ ابْنِ حَدِيدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ رَفَعَهُ قَالَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع)يَقُولُ وَيْحَ مَنْ غَلَبَتْ وَاحِدَتُهُ عَشَرَتَهُ- وَ كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ- الْمَغْبُونُ مَنْ غُبِنَ عُمُرَهُ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ- وَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع)يَقُولُ- أَظْهِرِ الْيَأْسَ مِنَ النَّاسِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْغِنَى- وَ أَقِلَّ طَلَبَ الْحَوَائِجِ إِلَيْهِمْ فَإِنَّ ذَلِكَ فَقْرٌ حَاضِرٌ- وَ إِيَّاكَ وَ مَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ- وَ صَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ- وَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ الْيَوْمَ خَيْراً مِنْكَ- أَمْسِ وَ غَداً خَيْراً مِنْكَ الْيَوْمَ فَافْعَلْ.
15- جا (4)، المجالس للمفيد بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ مَهْزِيَارَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنِ ابْنِ فَرْقَدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَحَدِهِمَا(ع)أَنَّهُ قَالَ: وَيْلٌ لِقَوْمٍ لَا يَدِينُونَ اللَّهَ- بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ- وَ قَالَ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ- فَلَنْ يَلِجَ مَلَكُوتَ السَّمَاءِ حَتَّى يُتِمَّ قَوْلَهُ بِعَمَلٍ صَالِحٍ- وَ لَا دِينَ لِمَنْ دَانَ اللَّهَ بِطَاعَةِ الظَّالِمِ- ثُمَّ قَالَ وَ كُلُّ الْقَوْمِ أَلْهَاهُمُ التَّكَاثُرُ- حَتَّى زَارُوا الْمَقَابِرَ.
____________
(1) مجالس المفيد ص 5.
(2) مخطوط.
(3) المصدر ص 108.
(4) المصدر ص 109.
153
16- جا (1)، المجالس للمفيد بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ مَهْزِيَارَ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ الثُّمَالِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ(ع)يَقُولُ مَنْ عَمِلَ بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ- وَ مَنِ اجْتَنَبَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ- وَ مِنْ أَوْرَعِ النَّاسِ- وَ مَنْ قَنِعَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ فَهُوَ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ.
17- عم (2)، إعلام الورى رُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ(ع)رَأَى يَوْماً الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ- وَ هُوَ يَقُصُّ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ- فَقَالَ لَهُ(ع)أَ تَرْضَى يَا حَسَنُ نَفْسَكَ لِلْمَوْتِ- قَالَ لَا قَالَ فَعَمَلَكَ لِلْحِسَابِ قَالَ لَا- قَالَ فَثَمَّ دَارٌ لِلْعَمَلِ غَيْرُ هَذِهِ الدَّارِ قَالَ لَا- قَالَ فَلِلَّهِ فِي أَرْضِهِ مَعَاذٌ غَيْرُ هَذَا الْبَيْتِ- قَالَ لَا- قَالَ فَلِمَ تَشْغَلُ النَّاسَ عَنِ الطَّوَافِ- وَ قِيلَ لَهُ يَوْماً إِنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ قَالَ- لَيْسَ الْعَجَبُ مِمَّنْ هَلَكَ كَيْفَ هَلَكَ- وَ إِنَّمَا الْعَجَبُ مِمَّنْ نَجَا كَيْفَ نَجَا- فَقَالَ(ع)أَنَا أَقُولُ لَيْسَ الْعَجَبُ مِمَّنْ نَجَا كَيْفَ نَجَا- وَ أَمَّا الْعَجَبُ مِمَّنْ هَلَكَ كَيْفَ هَلَكَ مَعَ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ.
18- كشف (3)، كشف الغمة عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع)إِذَا تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (4)- يَقُولُ اللَّهُمَّ ارْفَعْنِي فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ هَذِهِ النُّدْبَةِ- وَ أَعِنِّي بِعَزْمِ الْإِرَادَةِ- وَ هَبْنِي حُسْنَ الْمُسْتَعْقَبِ مِنْ نَفْسِي- وَ خُذْنِي مِنْهَا حَتَّى تَتَجَرَّدَ خَوَاطِرُ الدُّنْيَا عَنْ قَلْبِي- مِنْ بَرْدِ خَشْيَتِي مِنْكَ- وَ ارْزُقْنِي قَلْباً وَ لِسَاناً يَتَجَارَيَانِ فِي ذَمِّ الدُّنْيَا- وَ حُسْنِ التَّجَافِي مِنْهَا حَتَّى لَا أَقُولَ إِلَّا صِدْقاً (5)- وَ أَرِنِي مَصَادِيقَ إِجَابَتِكَ بِحُسْنِ تَوْفِيقِكَ- حَتَّى أَكُونَ فِي كُلِّ حَالٍ حَيْثُ أَرَدْتَ-
____________
(1) مجالس المفيد ص 109.
(2) إعلام الورى ص 255.
(3) كشف الغمّة ج 2 ص 306.
(4) التوبة: 119.
(5) في المصدر «الا صدقت».
154
فَقَدْ قَرَعَتْ بِي بَابَ فَضْلِكَ فَاقَةٌ (1)* * * -بِحَدِّ سِنَانٍ نَالَ قَلْبِي فُتُوقُهَا
- وَ حَتَّى مَتَى أَصِفُ مِحَنَ الدُّنْيَا وَ مَقَامَ الصِّدِّيقِينَ- وَ أَنْتَحِلُ عَزْماً مِنْ إِرَادَةِ مُقِيمٍ بِمَدْرَجَةِ الْخَطَايَا- أَشْتَكِي ذُلَّ مَلِكَةِ الدُّنْيَا وَ سُوءَ أَحْكَامِهَا عَلَيَّ- وَ قَدْ رَأَيْتُ وَ سَمِعْتُ- لَوْ كُنْتُ أَسْمَعُ فِي أَدَاةِ فَهْمٍ أَوْ أَنْظُرُ بِنُورِ يَقَظَةٍ-
وَ كُلًّا أُلَاقِي نَكْبَةً وَ فَجِيعَةً* * * -وَ كَأْسَ مَرَارَاتٍ ذُعَافاً أَذُوقُهَا (2)
- وَ حَتَّى مَتَى أَتَعَلَّلُ بِالْأَمَانِيِّ وَ أَسْكُنُ إِلَى الْغُرُورِ- وَ أُعَبِّدُ نَفْسِي لِلدُّنْيَا- عَلَى غَضَاضَةِ سُوءِ الِاعْتِدَادِ مِنْ مَلَكَاتِهَا- وَ أَنَا أَعْرِضُ لِنَكَبَاتِ الدَّهْرِ عَلَيَّ أَتَرَبَّصُ اشْتِمَالَ الْبَقَاءِ- وَ قَوَارِعَ الْمَوْتِ تَخْتَلِفُ حُكْمِي فِي نَفْسِي- وَ يَعْتَدِلُ حُكْمُ الدُّنْيَا-
وَ هُنَّ الْمَنَايَا أَيَّ وَادٍ سَلَكْتُهُ* * * - عَلَيْهَا طَرِيقِي أَوْ عَلَيَّ طَرِيقُهَا
- وَ حَتَّى مَتَى تَعِدُنِي الدُّنْيَا فَتُخْلِفُ- وَ أَئْتَمِنُهَا فَتَخُونُ- لَا تُحْدِثُ جِدَّةً إِلَّا بِخُلُوقِ جِدَّةٍ (3)- وَ لَا تَجْمَعُ شَمْلًا إِلَّا بِتَفْرِيقِ شَمْلٍ- حَتَّى كَأَنَّهَا غَيْرَى مُحَجَّبَةٌ ضَنّاً تَغَارُ عَلَى الْأُلْفَةِ- وَ تَحْسُدُ أَهْلَ النِّعَمِ-
فَقَدْ آذَنَتْنِي بِانْقِطَاعٍ وَ فُرْقَةٍ* * * -وَ أَوْمَضَ لِي مِنْ كُلِّ أُفُقٍ بُرُوقُهَا (4)
- وَ مَنْ أَقْطَعُ عُذْراً مِنْ مُغِذٍّ سَيْراً (5)- يَسْكُنُ إِلَى مُعَرَّسِ غَفْلَةٍ بِأَدْوَاءِ نَبْوَةِ الدُّنْيَا (6) وَ مَرَارَةِ الْعَيْشِ- وَ طِيبِ نَسِيمِ الْغُرُورِ- وَ قَدْ أَمَرَّتْ تِلْكَ الْحَلَاوَةَ عَلَى الْقُرُونِ الْخَالِيَةِ- وَ حَالَ ذَلِكَ النَّسِيمُ هَبَوَاتٍ (7) وَ حَسَرَاتٍ- وَ كَانَتْ حَرَكَاتٍ فَسَكَنَتْ- وَ ذَهَبَ كُلُّ عَالِمٍ بِمَا فِيهِ
____________
(1) في بعض النسخ «قد فزعت الى باب فضلك فاقة».
(2) الذعاف- كغراب-: السم.
(3) الجدة بتشديد الدال-: الخرقة. جدة الثوب: كونه جديدا.
(4) أومض البرق: لمع خفيفا و ظهر.
(5) أغذ في السير: أسرع.
(6) التعريس: النزول في السفر في موضع للاستراحة ثمّ الارتحال عنه و الموضع معرس. و النبوّة: ما ارتفع من الأرض يقال هو يشكو نبوة الزمان و جفوته.
(7) الهبوات: جمع الهبوة: الغبار.
155
فَمَا عَيْشَةٌ إِلَّا تَزِيدُ مَرَارَةً* * * -وَ لَا ضَيْقَةٌ إِلَّا وَ يَزْدَادُ ضِيقُهَا
- فَكَيْفَ يَرْقَأُ دَمْعُ لَبِيبٍ أَوْ يَهْدَأُ طَرْفُ مُتَوَسِّمٍ (1)- عَلَى سُوءِ أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَ مَا تَفْجَأُ بِهِ أَهْلَهَا- مِنْ تَصَرُّفِ الْحَالاتِ وَ سُكُونِ الْحَرَكَاتِ- وَ كَيْفَ يَسْكُنُ إِلَيْهَا مَنْ يَعْرِفُهَا- وَ هِيَ تَفْجَعُ الْآبَاءَ بِالْأَبْنَاءِ- وَ تُلْهِي الْأَبْنَاءَ عَنِ الْآبَاءِ تُعْدِمُهُمْ أَشْجَانَ قُلُوبِهِمْ (2)- وَ تَسْلُبُهُمْ قُرَّةَ عُيُونِهِمْ-
وَ تَرْمِي قَسَاوَاتِ الْقُلُوبِ بِأَسْهُمٍ* * * -وَ جَمْرِ فِرَاقٍ لَا يَبُوخُ حَرِيقُهَا (3)
- وَ مَا عَسَيْتُ أَنْ أَصِفَ عَنْ مِحَنِ الدُّنْيَا- وَ أَبْلُغَ مِنْ كَشْفِ الْغِطَاءِ عَمَّا وُكِّلَ بِهِ دَوْرُ الْفَلَكِ- مِنْ عُلُومِ الْغُيُوبِ- وَ لَسْتُ أَذْكُرُ مِنْهَا إِلَّا قَتِيلًا أَفْنَتْهُ- أَوْ مُغَيَّبِ ضَرِيحٍ تَجَافَتْ عَنْهُ (4)- فَاعْتَبِرْ أَيُّهَا السَّامِعُ بِهَلَكَاتِ الْأُمَمِ- وَ زَوَالِ النِّقَمِ- وَ فَظَاعَةِ مَا تَسْمَعُ وَ تَرَى مِنْ سُوءِ آثَارِهَا فِي الدِّيَارِ الْخَالِيَةِ- وَ الرُّسُومِ الْفَانِيَةِ وَ الرُّبُوعِ الصَّمُوتِ (5)-
وَ كَمْ عَاقِلٌ أَفْنَتْ فَلَمْ تَبْكِ شَجْوَهُ (6)* * * -وَ لَا بُدَّ أَنْ تَفْنَى سَرِيعاً لُحُوقُهَا
- فَانْظُرْ بِعَيْنِ قَلْبِكَ إِلَى مَصَارِعِ أَهْلِ الْبَذَخِ (7)- وَ تَأَمَّلْ مَعَاقِلَ الْمُلُوكِ وَ مَصَانِعَ الْجَبَّارِينَ (8)- وَ كَيْفَ عَرَكَتْهُمُ الدُّنْيَا بِكَلَاكِلِ الْفَنَاءِ (9)- وَ جَاهَرَتْهُمْ بِالْمُنْكَرَاتِ
____________
(1) رقأ الدمع: سكن و جف. و هدأ: سكن.
(2) الاشجان جمع الشجن و هو الهم و الحزن.
(3) باخ النار أي سكن و خمد.
(4) تجافى: أى تنحى و لم يلزم مكانه- و بالفارسية يعنى پهلو خالى كرد.
(5) أي الدور الخاليات.
(6) في المصدر «و كم عالم أفنت». و الشجو: الهم و الحزن، و الحاجة يقال «له عندي شجو» أي حاجة، و الشوط من البكاء.
(7) البذخ: الترفع و التكبر.
(8) معاقل الملوك يحتمل أن يكون المراد كبراء الملوك و سادتهم و يحتمل أن يكون المراد القصور و الحصون. و يحتمل كليهما. و قوله «مصانع الجبارين» معناه القصور و القرى و الحصون و الدور.
(9) عركته الدنيا أي حنكه. و الكلاكل جمع الكلكل: الصدر أو ما بين الترقوتين.
156
وَ سَحَبَتْ عَلَيْهِمْ أَذْيَالَ الْبَوَارِ- وَ طَحَنَتْهُمْ طَحْنَ الرَّحَى لِلْحَبِّ- وَ اسْتَوْدَعَتْهُمْ هَوْجَ الرِّيَاحِ (1)- تَسْحَبُ عَلَيْهِمْ أَذْيَالَهَا فَوْقَ مَصَارِعِهِمْ فِي فَلَوَاتِ الْأَرْضِ-
فَتِلْكَ مَغَانِيهِمْ وَ هَذِي قُبُورُهُمْ (2)* * * -تَوَارَثَهَا أَعْصَارُهَا وَ قُبُورُهَا
- أَيُّهَا الْمُجْتَهِدُ فِي آثَارِ مَنْ مَضَى مِنْ قَبْلِكَ مِنْ أُمَمِ السَّالِفَةِ- تَوَقَّفْ وَ تَفَهَّمْ وَ انْظُرْ أَيُّ عِزِّ مُلْكٍ أَوْ نَعِيمِ أُنْسٍ- أَوْ بَشَاشَةِ أُلْفٍ إِلَّا نَغَّصَتْ أَهْلَهُ قُرَّةُ أَعْيُنِهِمْ- وَ فَرَّقَتْهُمْ أَيْدِي الْمَنُونِ- فَأَلْحَقَتْهُمْ بِتَجَافِيفِ التُّرَابِ- فَأَضْحَوْا فِي فَجَوَاتِ قُبُورِهِمْ يَتَقَلَّبُونَ- وَ فِي بُطُونِ الْهَلَكَاتِ عِظَاماً وَ رُفَاتاً وَ صَلْصَالًا- فِي الْأَرْضِ هَامِدُونَ (3)-
وَ آلَيْتُ لَا تُبْقِي اللَّيَالِي بَشَاشَةً (4)* * * -وَ لَا جِدَّةً إِلَّا سَرِيعاً خُلُوقُهَا
- وَ فِي مَطَالِعِ أَهْلِ الْبَرْزَخِ وَ خُمُودِ تِلْكَ الرَّقْدَةِ- وَ طُولِ تِلْكَ الْإِقَامَةِ طُفِيَتْ مَصَابِيحُ النَّظَرِ- وَ اضْمَحَلَّتْ غَوَامِضُ الْفِكَرِ- وَ ذَمَّ الْغُفُولَ أَهْلُ الْعُقُولِ- وَ كَمْ بَقِيتُ مُتَلَذِّذاً فِي طَوَامِسِ هَوَامِدِ تِلْكَ الْغُرُفَاتِ- فَنَوَّهْتُ بِأَسْمَاءِ الْمُلُوكِ وَ هَتَفْتُ بِالْجَبَّارِينَ (5)- وَ دَعَوْتُ الْأَطِبَّاءَ وَ الْحُكَمَاءَ- وَ نَادَيْتُ مَعَادِنَ الرِّسَالَةِ وَ الْأَنْبِيَاءِ- أَتَمَلْمَلُ تَمَلْمُلَ السَّلِيمِ (6) وَ أَبْكِي بُكَاءَ الْحَزِينِ- أُنَادِي وَ لاتَ حِينَ مَناصٍ (7)-
سِوَى أَنَّهُمْ كَانُوا فَبَانُوا وَ أَنَّنِي* * * -عَلَى جُدَدِ قَصْدٍ سَرِيعاً لُحُوقُهَا
- وَ تَذَكَّرْتُ مَرَاتِبَ الْفَهْمِ وَ غَضَاضَةَ فِطَنِ الْعُقُولِ- بِتَذَكُّرِ قَلْبٍ جَرِيحٍ
____________
(1) الهوج جمع الهوجاء و هي من الرياح التي لا تستوى في هبوبها و تقلع البيوت.
(2) المغانى: المواضع و المنازل.
(3) الهامد: البالى.
(4) آليت أي حلفت. و البشاشة السرور و الابتهاج.
(5) طمس الشيء: درس و انمحى، و نوه الشيء من باب التفعيل- رفعه، أو دعاه برفع الصوت، أو رفع ذكره. و هتف الحمامة أي صاتت أو مدت صوتها. و هتفت الحمامة: ناحت.
(6) تململ أي تقلب على فراشه مرضا أو غما. و السليم: اللديغ أو الجريح المشرف على الموت.
(7) المناص: الخلاص الغضاضة: الذلة و المنقصة.
157
فَصَدَعَتِ الدُّنْيَا عَمَّا الْتَذَّ بِنَوَاظِرِ فِكَرِهَا- مِنْ سُوءِ الْغَفْلَةِ وَ مِنْ عَجَبٍ كَيْفَ يَسْكُنُ إِلَيْهَا مَنْ يَعْرِفُهَا- وَ قَدِ اسْتَذْهَلَتْ عَقْلَهُ بِسُكُونِهَا- وَ تُزَيُّنِ الْمَعَاذِيرِ وَ خَسَأَتْ أَبْصَارُهُمْ عَنْ عَيْبِ التَّدْبِيرِ- وَ كُلَّمَا تَرَاءَتِ الْآيَاتِ وَ نَشْرَهَا مِنْ طَيِّ الدَّهْرِ- عَنِ الْقُرُونِ الْخَالِيَةِ الْمَاضِيَةِ وَ حَالِهِمْ وَ مَالِهِمْ- وَ كَيْفَ كَانُوا وَ مَا الدُّنْيَا وَ غُرُورُ الْأَيَّامِ-
وَ هَلْ هِيَ إِلَّا لَوْعَةٌ مِنْ وَرَائِهَا* * * -جَوَى قَاتِلٍ أَوْ حَتْفُ نَفْسٍ يَسُوقُهَا (1)
- وَ قَدْ أَغْرَقَ فِي ذَمِّ الدُّنْيَا الْأَدِلَّاءُ عَلَى طُرُقِ النَّجَاةِ- مِنْ كُلِّ عَالِمٍ- فَبَكَتِ الْعُيُونُ شَجَنَ الْقُلُوبِ فِيهَا دَماً- ثُمَّ دَرَسَتْ تِلْكَ الْمَعَالِمُ فَتَنَكَّرَتِ الْآثَارُ- وَ جُعِلَتْ فِي بُرْهَةٍ مِنْ مِحَنِ الدُّنْيَا- وَ تَفَرَّقَتْ وَرَثَةُ الْحِكْمَةِ- وَ بَقِيَتْ فَرْداً كَقَرْنِ الْأَعْضَبِ (2) وَحِيداً- أَقُولُ فَلَا أَجِدُ سَمِيعاً وَ أَتَوَجَّعُ فَلَا أَجِدُ مُشْتَكًى-
وَ إِنْ أُبْكِهِمْ أَجْرُضْ وَ كَيْفَ تَجَلُّدِي* * * -وَ فِي الْقَلْبِ مِنِّي لَوْعَةٌ لَا أُطِيقُهَا (3)
- وَ حَتَّى مَتَى أَتَذَكَّرُ حَلَاوَةَ مَذَاقِ الدُّنْيَا- وَ عُذُوبَةَ مَشَارِبِ أَيَّامِهَا- وَ أَقْتَفِي آثَارَ الْمُرِيدِينَ وَ أَتَنَسَّمُ أَرْوَاحَ الْمَاضِينَ (4)- مَعَ سَبْقِهِمْ إِلَى الْغِلِّ وَ الْفَسَادِ- وَ تَخَلُّفِي عَنْهُمْ فِي فَضَالَةِ طُرُقِ الدُّنْيَا- مُنْقَطِعاً مِنَ الْأَخِلَّاءِ- فَزَادَنِي جَلِيلَ الْخَطْبِ لِفَقْدِهِمْ جَوًى- وَ خَانَنِي الصَّبْرُ حَتَّى كَأَنَّنِي أَوَّلُ مُمْتَحَنٍ- أَتَذَكَّرُ مَعَارِفَ الدُّنْيَا وَ فِرَاقَ الْأَحِبَّةِ-
فَلَوْ رَجَعَتْ تِلْكَ اللَّيَالِي كَعَهْدِهَا* * * -رَأَتْ أَهْلَهَا فِي صُورَةٍ لَا تَرُوقُهَا
- فَمَنْ أَخُصُّ بِمُعَاتَبَتِي وَ مَنْ أُرْشِدُ بِنُدْبَتِي- وَ مَنْ أُبْكِي وَ مَنْ أَدَعُ أَشْجُو بِهَلَكَةِ الْأَمْوَاتِ- أَمْ بِسُوءِ خَلَفِ الْأَحْيَاءِ- وَ كُلٌّ يَبْعَثُ حُزْنِي وَ يَسْتَأْثِرُ بِعَبَرَاتِي- وَ مَنْ يُسْعِدُنِي فَأَبْكِي وَ قَدْ سُلِبَتِ الْقُلُوبُ لُبَّهَا- وَ رَقَّ الدَّمْعُ- وَ حَقٌّ لِلدَّاءِ أَنْ يَذُوبَ عَلَى طُولِ مُجَانَبَةِ الْأَطِبَّاءِ- وَ كَيْفَ بِهِمْ وَ قَدْ خَالَفُوا الْأَمْرَيْنِ- وَ سَبَقَهُمْ زَمَانُ الْهَادِينَ- وَ وُكِّلُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ يَتَنَسَّكُونَ فِي الضَّلَالاتِ- فِي دَيَاجِيرِ الظُّلُمَاتِ
____________
(1) الجوى. الحرقة و شدة الحزن و تطاول المرض.
(2) الاعضب: الظبى الذي انكسر أحد قرنيه.
(3) أجرض أي أهلك. و اللوعة: الحرق و ألمه.
(4) في بعض النسخ «أرواح الصالحين».
158
حَيَارَى وَ لَيْلُ الْقَوْمِ دَاجٍ نُجُومُهُ* * * -طَوَامِسُ لَا تَجْرِي بَطِيءٌ خُفُوقُهَا (1)
.
وَ قَالَ(ع)(2) مَنْ ضَحِكَ ضَحْكَةً مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةَ عِلْمٍ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ الْجَسَدَ إِذَا لَمْ يَمْرَضْ يَأْشَرُ- وَ لَا خَيْرَ فِي جَسَدٍ يَأْشَرُ (3).
وَ قَالَ(ع)فَقْدُ الْأَحِبَّةِ غُرْبَةٌ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ قَنِعَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ فَهُوَ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ.
19- كِتَابُ نَثْرِ الدُّرَرِ (4)، لِمَنْصُورِ بْنِ الْحَسَنِ الْآبِيِ نَظَرَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع)إِلَى سَائِلٍ يَبْكِي فَقَالَ- لَوْ أَنَّ الدُّنْيَا كَانَتْ فِي كَفِّ هَذَا- ثُمَّ سَقَطَتْ مِنْهُ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبْكِيَ عَلَيْهَا- وَ سُئِلَ(ع)لِمَ أُوتِمَ النَّبِيُّ ص مِنْ أَبَوَيْهِ- فَقَالَ لِئَلَّا يُوجَبَ عَلَيْهِ حَقُّ الْمَخْلُوقِ (5)- وَ قَالَ لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَ مُعَادَاةَ الرِّجَالِ- فَإِنَّهُ لَنْ يُعْدِمَكَ (6) مَكْرُ حَلِيمٍ أَوْ مُفَاجَاةُ لَئِيمٍ- وَ بَلَغَهُ(ع)قَوْلُ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ (7) فِي مُعَاوِيَةَ حَيْثُ قَالَ- كَانَ يُسْكِتُهُ الْحِلْمُ وَ يُنْطِقُهُ الْعِلْمُ- فَقَالَ كَذَبَ- بَلْ كَانَ يُسْكِتُهُ الْحَصَرُ وَ يُنْطِقُهُ الْبَطَرُ- وَ قِيلَ لَهُ مَنْ أَعْظَمُ النَّاسِ خَطَراً- قَالَ مَنْ لَمْ يَرَ لِلدُّنْيَا خَطَراً لِنَفْسِهِ.
قَالَ وَ رَوَى لَنَا الصَّاحِبُ ره عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجَعْفَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمِّهِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع) مَا أَشَدَّ بُغْضَ
____________
(1) خفق النجم: غاب. و الليل: ذهب أكثره. و الطائر: طار. الرجل في البلاد: ذهب.
(2) كشف الغمّة ج 2 ص 314.
(3) أشر يأشر أي بطر و مرح.
(4) مخطوط.
(5) يعني في وجوب الإطاعة.
(6) في كتاب نزهة الناظر للحلوانى ص 32 «فانك لن تعدم».
(7) نافع بن جبير بن مطعم النوفليّ يكنى أبا محمّد أو أبا عبد اللّه المدنيّ مات سنة تسع و تسعين.
159
قُرَيْشٍ لِأَبِيكَ- قَالَ لِأَنَّهُ أَوْرَدَ أَوَّلَهُمُ النَّارَ وَ أَلْزَمَ آخِرَهُمُ الْعَارَ- قَالَ ثُمَّ جَرَى ذِكْرُ الْمَعَاصِي- فَقَالَ عَجِبْتُ لِمَنْ يَحْتَمِي عَنِ الطَّعَامِ لِمَضَرَّتِهِ- وَ لَا يَحْتَمِي مِنَ الذَّنْبِ لِمَعَرَّتِهِ (1)- وَ قِيلَ لَهُ(ع)كَيْفَ أَصْبَحْتَ- قَالَ أَصْبَحْنَا خَائِفِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ- وَ أَصْبَحَ جَمِيعُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ آمِنِينَ بِهِ- وَ سَمِعَ(ع)رَجُلًا كَانَ يَغْشَاهُ (2) يَذْكُرُ رَجُلًا بِسُوءٍ- فَقَالَ إِيَّاكَ وَ الْغِيبَةَ فَإِنَّهُ إِدَامُ كِلَابِ النَّارِ.
وَ مِمَّا أَوْرَدَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ حُمْدُونٍ فِي كِتَابِ التَّذْكِرَةِ مِنْ كَلَامِهِ(ع)قَالَ: لَا يَهْلِكُ مُؤْمِنٌ بَيْنَ ثَلَاثِ خِصَالٍ- شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ- وَ شَفَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- خَفِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْكَ- وَ اسْتَحْيِ مِنْهُ لِقُرْبِهِ مِنْكَ- إِذَا صَلَّيْتَ صَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ- وَ إِيَّاكَ وَ مَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ وَ خَفِ اللَّهَ خَوْفاً لَيْسَ بِالتَّعْذِيرِ.
وَ قَالَ(ع)إِيَّاكَ وَ الِابْتِهَاجَ بِالذَّنْبِ- فَإِنَّ الِابْتِهَاجَ بِهِ أَعْظَمُ مِنْ رُكُوبِهِ.
وَ قَالَ(ع)هَلَكَ مَنْ لَيْسَ لَهُ حَكِيمٌ يُرْشِدُهُ- وَ ذَلَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ سَفِيهٌ يَعْضُدُهُ.
20- ضه (3)، روضة الواعظين قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع
مَلِيكٌ عَزِيزُ لَا يُرَدُّ قَضَاؤُهُ* * * -عَلِيمٌ حَكِيمٌ نَافِذُ الْأَمْرِ قَاهِرٌ-
عَنَا كُلُّ ذِي عِزٍّ لِعِزَّةِ وَجْهِهِ* * * -فَكُلُّ عَزِيزٍ لِلْمُهَيْمِنِ صَاغِرٌ (4)-
لَقَدْ خَشَعَتْ وَ اسْتَسْلَمَتْ وَ تَضَاءَلَتْ (5)* * * -لِعِزَّةِ ذِي الْعَرْشِ الْمُلُوكُ الْجَبَابِرُ-
وَ فِي دُونِ مَا عَايَنْتَ مِنْ فَجَعَاتِهَا* * * -إِلَى رَفْضِهَا دَاعٍ وَ بِالزُّهْدِ آمِرٌ-
____________
(1) المعرة: الاثم و المساءة، و الاذى و الجناية. (2) غشى يغشى غشيا. الامر فلانا: غطاه و حل به، و المكان: أتاه. (3) روضة الواعظين ص 523. (4) عنا يعنو له أي خضع و ذل. (5) تضاءل أي صغر و ضعف و تصاغر و تقاصر. و في المصدر «تصغرت».
160
فَجِدَّ وَ لَا تَغْفُلْ فَعَيْشُكَ زَائِلٌ* * * -وَ أَنْتَ إِلَى دَارِ الْمَنِيَّةِ صَائِرٌ-
وَ لَا تَطْلُبِ الدُّنْيَا فَإِنَّ طِلَابَهَا* * * -فَإِنْ نِلْتَ مِنْهَا غِبَّهَا لَكَ ضَائِرٌ
.
21- ختص (1)، الإختصاص قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)يَشْكُو إِلَيْهِ حَالَهُ- فَقَالَ مِسْكِينٌ ابْنُ آدَمَ لَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ ثَلَاثُ مَصَائِبَ- لَا يَعْتَبِرُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ- وَ لَوِ اعْتَبَرَ لَهَانَتْ عَلَيْهِ الْمَصَائِبُ وَ أَمْرُ الدُّنْيَا- فَأَمَّا الْمُصِيبَةُ الْأُولَى فَالْيَوْمُ الَّذِي يَنْقُصُ مِنْ عُمُرِهِ- قَالَ وَ إِنْ نَالَهُ نُقْصَانٌ فِي مَالِهِ اغْتَمَّ بِهِ- وَ الدِّرْهَمُ يَخْلُفُ عَنْهُ وَ الْعُمُرُ لَا يَرُدُّهُ شَيْءٌ- وَ الثَّانِيَةُ أَنَّهُ يَسْتَوْفِي رِزْقَهُ- فَإِنْ كَانَ حَلَالًا حُوسِبَ عَلَيْهِ- وَ إِنْ كَانَ حَرَاماً عُوقِبَ عَلَيْهِ- قَالَ وَ الثَّالِثَةُ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ قِيلَ وَ مَا هِيَ- قَالَ مَا مِنْ يَوْمٍ يُمْسِي إِلَّا وَ قَدْ دَنَا مِنَ الْآخِرَةِ مَرْحَلَةً- لَا يَدْرِي عَلَى الْجَنَّةِ- أَمْ عَلَى النَّارِ.
وَ قَالَ: أَكْبَرُ مَا يَكُونُ ابْنُ آدَمَ الْيَوْمُ الَّذِي يَلِدُ مِنْ أُمِّهِ- قَالَتِ الْحُكَمَاءُ مَا سَبَقَهُ إِلَى هَذَا أَحَدٌ.
22- أَعْلَامُ الدِّينِ (2)، قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع)لَا يَهْلِكُ مُؤْمِنٌ بَيْنَ ثَلَاثِ خِصَالٍ- شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ- وَ شَفَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ.
وَ قَالَ(ع)خَفِ اللَّهَ تَعَالَى لِقُدْرَتِهِ عَلَيْكَ- وَ اسْتَحْيِ مِنْهُ لِقُرْبِهِ مِنْكَ.
وَ قَالَ(ع)لَا تُعَادِيَنَّ أَحَداً وَ إِنْ ظَنَنْتَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّكَ- وَ لَا تَزْهَدَنَّ فِي صَدَاقَةِ أَحَدٍ وَ إِنْ ظَنَنْتَ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُكَ- فَإِنَّهُ لَا تَدْرِي مَتَى تَخَافُ عَدُوَّكَ- وَ مَتَى تَرْجُو صَدِيقَكَ- وَ إِذَا صَلَّيْتَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ- وَ قَالَ(ع)فِي جَوَابِ مَنْ قَالَ- إِنَّ مُعَاوِيَةَ يُسْكِتُهُ الْحِلْمُ وَ يُنْطِقُهُ الْعِلْمُ- فَقَالَ بَلْ كَانَ يُسْكِتُهُ الْحَصَرُ وَ يُنْطِقُهُ الْبَطَرُ.
وَ قَالَ(ع)لِكُلِّ شَيْءٍ فَاكِهَةٌ وَ فَاكِهَةُ السَّمْعِ الْكَلَامُ الْحَسَنُ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ رَمَى النَّاسَ بِمَا فِيهِمْ رَمَوْهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ- وَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ دَاءَهُ
____________
(1) الاختصاص ص 342.
(2) مخطوط.
161
أَفْسَدَهُ دَوَاؤُهُ.
وَ قَالَ(ع)لِوَلَدِهِ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ(ع)كَفُّ الْأَذَى رَفْضُ الْبَذَاءِ (1)- وَ اسْتَعِنْ عَلَى الْكَلَامِ بِالسُّكُوتِ- فَإِنَّ لِلْقَوْلِ حَالاتٍ تُضِرُّ فَاحْذَرِ الْأَحْمَقَ.
وَ قَالَ(ع)لَا تَمْتَنِعْ مِنْ تَرْكِ الْقَبِيحِ وَ إِنْ كُنْتَ قَدْ عُرِفْتَ بِهِ- وَ لَا تَزْهَدْ فِي مُرَاجَعَةِ الْجَهْلِ- وَ إِنْ كُنْتَ قَدْ شُهِرْتَ بِخِلَافِهِ- وَ إِيَّاكَ وَ الرِّضَا بِالذَّنْبِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ رُكُوبِهِ- وَ الشَّرَفُ فِي التَّوَاضُعِ وَ الْغِنَى فِي الْقَنَاعَةِ.
وَ قَالَ(ع)مَا اسْتَغْنَى أَحَدٌ بِاللَّهِ إِلَّا افْتَقَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ.
وَ قَالَ(ع)خَيْرُ مَفَاتِيحِ الْأُمُورِ الصِّدْقُ وَ خَيْرُ خَوَاتِيمِهَا الْوَفَاءُ.
وَ قَالَ(ع)كُلُّ عَيْنٍ سَاهِرَةٌ (2) يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا ثَلَاثَ عُيُونٍ- عَيْنٌ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ عَيْنٌ غُضَّتْ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ- وَ عَيْنٌ فَاضَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ.
وَ قَالَ(ع)الْكَرِيمُ يَبْتَهِجُ بِفَضْلِهِ وَ اللَّئِيمُ يَفْتَخِرُ بِمِلْكِهِ.
وَ قَالَ(ع)إِيَّاكَ وَ الْغِيبَةَ فَإِنَّهَا إِدَامُ كِلَابِ النَّارِ.
وَ قَالَ(ع)مَنِ اتَّكَلَ عَلَى حُسْنِ اخْتِيَارِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- لَمْ يَتَمَنَّ أَنَّهُ فِي حَالٍ غَيْرِ حَالٍ الَّتِي اخْتَارَهَا اللَّهُ لَهُ.
قِيلَ تَشَاجَرَ هُوَ(ع)وَ بَعْضُ النَّاسِ فِي مَسَائِلَ مِنَ الْفِقْهِ- فَقَالَ(ع)يَا هَذَا إِنَّكَ لَوْ صِرْتَ إِلَى مَنَازِلِنَا- لَأَرَيْنَاكَ آثَارَ جَبْرَئِيلَ فِي رِحَالِنَا- أَ فَيَكُونُ أَحَدٌ أَعْلَمَ بِالسُّنَّةِ مِنَّا.
وَ قال(ع)[كَانَ إِذَا صَلَّى تَبَرَّزَ إِلَى مَكَانٍ خَشِنٍ يَتَخَفَّى وَ يُصَلِّي فِيهِ- وَ كَانَ كَثِيرَ الْبُكَاءِ- قَالَ فَخَرَجَ يَوْماً فِي حَرٍّ شَدِيدٍ إِلَى الْجِبَالِ- لِيُصَلِّيَ فِيهِ فَتَبِعَهُ مَوْلًى لَهُ- وَ هُوَ سَاجِدٌ عَلَى الْحِجَارَةِ وَ هِيَ خَشِنَةٌ حَارَّةٌ وَ هُوَ يَبْكِي- فَجَلَسَ مَوْلَاهُ حَتَّى فَرَغَ- فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَكَأَنَّهُ قَدْ غَمَسَ رَأْسَهُ وَ وَجْهَهُ فِي الْمَاءِ- مِنْ كَثْرَةِ الدُّمُوعِ- فَقَالَ لَهُ مَوْلَاهُ يَا مَوْلَايَ أَ مَا آنَ لِحُزْنِكَ أَنْ يَنْقَضِيَ- فَقَالَ وَيْحَكَ إِنَّ يَعْقُوبَ نَبِيٌّ ابْنُ نَبِيٍّ- كَانَ لَهُ
____________
(1) البذاء: الكلام القبيح و الفحش.
(2) العين الساهرة هي العين التي لم تنم ليلا.
162
اثْنَا عَشَرَ وَلَداً- فَغُيِّبَ عَنْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَبَكَى حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهُ- وَ احْدَوْدَبَ ظَهْرُهُ وَ شَابَ رَأْسُهُ مِنَ الْغَمِّ- وَ كَانَ ابْنُهُ حَيّاً يَرْجُو لِقَاءَهُ- فَإِنِّي رَأَيْتُ أَبِي وَ أَخِي وَ أَعْمَامِي وَ بَنِي عَمِّي- ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مُقَتَّلِينَ صَرْعَى تَسْفِي عَلَيْهِمُ الرِّيحُ- فَكَيْفَ يَنْقَضِي حُزْنِي وَ تَرْقَأُ عَبْرَتِي.
باب 22 وصايا الباقر (ع)
1- ف (1)، تحف العقول وَصِيَّتُهُ(ع)لِجَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِ (2) رُوِيَ عَنْهُ(ع)أَنَّهُ قَالَ لَهُ- يَا جَابِرُ اغْتَنِمْ مِنْ أَهْلِ زَمَانِكَ خَمْساً- إِنْ حَضَرْتَ لَمْ تُعْرَفْ وَ إِنْ غِبْتَ لَمْ تُفْتَقَدْ- وَ إِنْ شَهِدْتَ لَمْ تُشَاوَرْ وَ إِنْ قُلْتَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُكَ- وَ إِنْ خَطَبْتَ لَمْ تُزَوَّجْ- وَ أُوصِيكَ بِخَمْسٍ إِنْ ظُلِمْتَ فَلَا تَظْلِمْ- وَ إِنْ خَانُوكَ فَلَا تَخُنْ وَ إِنْ كُذِّبْتَ فَلَا تَغْضَبْ- وَ إِنْ مُدِحْتَ فَلَا تَفْرَحْ وَ إِنْ ذُمِمْتَ فَلَا تَجْزَعْ- وَ فَكِّرْ فِيمَا قِيلَ فِيكَ- فَإِنْ عَرَفْتَ مِنْ نَفْسِكَ مَا قِيلَ فِيكَ- فَسُقُوطُكَ مِنْ عَيْنِ اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ عِنْدَ غَضَبِكَ مِنَ الْحَقِّ- أَعْظَمُ عَلَيْكَ مُصِيبَةً مِمَّا خِفْتَ مِنْ سُقُوطِكَ مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ- وَ إِنْ كُنْتَ عَلَى خِلَافِ مَا قِيلَ فِيكَ- فَثَوَابٌ اكْتَسَبْتَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتْعَبَ بَدَنُكَ- وَ اعْلَمْ بِأَنَّكَ لَا تَكُونُ لَنَا وَلِيّاً- حَتَّى لَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْكَ أَهْلُ مِصْرِكَ وَ قَالُوا- إِنَّكَ رَجُلُ سَوْءٍ لَمْ يَحْزُنْكَ ذَلِكَ- وَ لَوْ قَالُوا إِنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ لَمْ يَسُرَّكَ
____________
(1) التحف ص 284.
(2) الجعفى- على زنة الكرسيّ-: نسبة الى جعف بن سعد العشيرة بن مذحج أبى حى باليمن. و هو جابر بن يزيد بن الحرث بن عبد يغوث الجعفى من أصحاب الباقر و الصادق (عليها السلام) و خدم الامام أبا جعفر (عليه السلام) سنينا متوالية مات (رحمه الله) في أيام الصادق (عليه السلام) سنة ثمان و عشرين و مائة.
163
ذَلِكَ- وَ لَكِنِ اعْرِضْ نَفْسَكَ عَلَى مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ- فَإِنْ كُنْتَ سَالِكاً سَبِيلَهُ زَاهِداً فِي تَزْهِيدِهِ- رَاغِباً فِي تَرْغِيبِهِ خَائِفاً مِنْ تَخْوِيفِهِ- فَاثْبُتْ وَ أَبْشِرْ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّكَ مَا قِيلَ فِيكَ- وَ إِنْ كُنْتَ مُبَايِناً لِلْقُرْآنِ فَمَا ذَا الَّذِي يَغُرُّكَ مِنْ نَفْسِكَ- إِنَّ الْمُؤْمِنَ مَعْنِيٌّ بِمُجَاهَدَةِ نَفْسِهِ- لِيَغْلِبَهَا عَلَى هَوَاهَا- فَمَرَّةً يُقِيمُ أَوَدَهَا (1) وَ يُخَالِفُ هَوَاهَا فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ- وَ مَرَّةً تَصْرَعُهُ نَفْسُهُ فَيَتَّبِعُ هَوَاهَا- فَيَنْعَشُهُ اللَّهُ فَيَنْتَعِشُ (2) وَ يُقِيلُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ فَيَتَذَكَّرُ- وَ يَفْزَعُ إِلَى التَّوْبَةِ وَ الْمَخَافَةِ- فَيَزْدَادُ بَصِيرَةً وَ مَعْرِفَةً لِمَا زِيدَ فِيهِ مِنَ الْخَوْفِ- وَ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ- إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا- فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (3)- يَا جَابِرُ اسْتَكْثِرْ لِنَفْسِكَ مِنَ اللَّهِ قَلِيلَ الرِّزْقِ- تَخَلُّصاً إِلَى الشُّكْرِ- وَ اسْتَقْلِلْ مِنْ نَفْسِكَ كَثِيرَ الطَّاعَةِ لِلَّهِ- إِزْرَاءً عَلَى النَّفْسِ (4) وَ تَعَرُّضاً لِلْعَفْوِ- وَ ادْفَعْ عَنْ نَفْسِكَ حَاضِرَ الشَّرِّ بِحَاضِرِ الْعِلْمِ- وَ اسْتَعْمِلْ حَاضِرَ الْعِلْمِ بِخَالِصِ الْعَمَلِ- وَ تَحَرَّزْ فِي خَالِصِ الْعَمَلِ- مِنْ عَظِيمِ الْغَفْلَةِ بِشِدَّةِ التَّيَقُّظِ- وَ اسْتَجْلِبْ شِدَّةَ التَّيَقُّظِ بِصِدْقِ الْخَوْفِ- وَ احْذَرْ خَفِيَّ التَّزَيُّنِ (5) بِحَاضِرِ الْحَيَاةِ- وَ تَوَقَّ مُجَازَفَةَ الْهَوَى بِدَلَالَةِ الْعَقْلِ (6)- وَ قِفْ عِنْدَ غَلَبَةِ الْهَوَى بِاسْتِرْشَاءِ الْعِلْمِ- وَ اسْتَبْقِ خَالِصَ الْأَعْمَالِ لِيَوْمِ الْجَزَاءِ- وَ انْزِلْ سَاحَةَ
____________
(1) الاود- محركة-: العوج. و قد يأتي بمعنى القوّة.
(2) نعشه اللّه: رفعه و أقامه و تداركه من هلكة و سقطة. و ينعش أي ينهض و ينشط.
(3) سورة الأعراف: 200. و الطائف فاعل من طاف يطوف أي الخيال و الوسوسة.
(4) أزرى على النفس: عابها و عاتبها. و يحتمل أن يكون: ازدراء- من باب الافتعال- أى احتقارا و استخفافا.
(5) و في بعض النسخ «خفى الرين» أي الدنس.
(6) جازف في كلامه: تكلم بدون تبصر و بلا روية. و جازف في البيع: بايعه بلا كيل و لا وزن و لا عدد، و جازف بنفسه: خاطر بها.
164
الْقَنَاعَةِ بِاتِّقَاءِ الْحِرْصِ- وَ ادْفَعْ عَظِيمَ الْحِرْصِ (1) بِإِيثَارِ الْقَنَاعَةِ- وَ اسْتَجْلِبْ حَلَاوَةَ الزَّهَادَةِ بِقَصْرِ الْأَمَلِ- وَ اقْطَعْ أَسْبَابَ الطَّمَعِ بِبَرْدِ الْيَأْسِ- وَ سُدَّ سَبِيلَ الْعُجْبِ بِمَعْرِفَةِ النَّفْسِ- وَ تَخَلَّصْ إِلَى رَاحَةِ النَّفْسِ بِصِحَّةِ التَّفْوِيضِ- وَ اطْلُبْ رَاحَةَ الْبَدَنِ بِإِجْمَامِ الْقَلْبِ (2)- وَ تَخَلَّصْ إِلَى إِجْمَامِ الْقَلْبِ بِقِلَّةِ الْخَطَإِ- وَ تَعَرَّضْ لِرِقَّةِ الْقَلْبِ بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ فِي الْخَلَوَاتِ- وَ اسْتَجْلِبْ نُورَ الْقَلْبِ بِدَوَامِ الْحُزْنِ- وَ تَحَرَّزْ مِنْ إِبْلِيسَ بِالْخَوْفِ الصَّادِقِ- وَ إِيَّاكَ وَ الرَّجَاءَ الْكَاذِبَ- فَإِنَّهُ يُوقِعُكَ فِي الْخَوْفِ الصَّادِقِ- وَ تَزَيَّنْ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِالصِّدْقِ فِي الْأَعْمَالِ- وَ تَحَبَّبْ إِلَيْهِ بِتَعْجِيلِ الِانْتِقَالِ- وَ إِيَّاكَ وَ التَّسْوِيفَ- فَإِنَّهُ بَحْرٌ يَغْرَقُ فِيهِ الْهَلْكَى- وَ إِيَّاكَ وَ الْغَفْلَةَ فَفِيهَا تَكُونُ قَسَاوَةُ الْقَلْبِ- وَ إِيَّاكَ وَ التَّوَانِيَ فِيمَا لَا عُذْرَ لَكَ فِيهِ- فَإِلَيْهِ يَلْجَأُ النَّادِمُونَ- وَ اسْتَرْجِعْ سَالِفَ الذُّنُوبِ بِشِدَّةِ النَّدَمِ وَ كَثْرَةِ الِاسْتِغْفَارِ- وَ تَعَرَّضْ لِلرَّحْمَةِ وَ عَفْوِ اللَّهِ بِحُسْنِ الْمُرَاجَعَةِ- وَ اسْتَعِنْ عَلَى حُسْنِ الْمُرَاجَعَةِ بِخَالِصِ الدُّعَاءِ- وَ الْمُنَاجَاةِ فِي الظُّلَمِ- وَ تَخَلَّصْ إِلَى عَظِيمِ الشُّكْرِ- بِاسْتِكْثَارِ قَلِيلِ الرِّزْقِ وَ اسْتِقْلَالِ كَثِيرِ الطَّاعَةِ- وَ اسْتَجْلِبْ زِيَادَةَ النِّعَمِ بِعَظِيمِ الشُّكْرِ- وَ تَوَسَّلْ إِلَى عَظِيمِ الشُّكْرِ بِخَوْفِ زَوَالِ النِّعَمِ- وَ اطْلُبْ بَقَاءَ الْعِزِّ بِإِمَاتَةِ الطَّمَعِ- وَ ادْفَعْ ذُلَّ الطَّمَعِ بِعِزِّ الْيَأْسِ- وَ اسْتَجْلِبْ عِزَّ الْيَأْسِ بِبُعْدِ الْهِمَّةِ- وَ تَزَوَّدْ مِنَ الدُّنْيَا بِقَصْرِ الْأَمَلِ- وَ بَادِرْ بِانْتِهَازِ الْبُغْيَةِ (3) عِنْدَ إِمْكَانِ الْفُرْصَةِ- وَ لَا إِمْكَانَ كَالْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ مَعَ صِحَّةِ الْأَبْدَانِ- وَ إِيَّاكَ وَ الثِّقَةَ بِغَيْرِ الْمَأْمُونِ- فَإِنَّ لِلشَّرِّ ضَرَاوَةً كَضَرَاوَةِ الْغِذَاءِ (4)- وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا عِلْمَ كَطَلَبِ السَّلَامَةِ- وَ لَا سَلَامَةَ كَسَلَامَةِ الْقَلْبِ- وَ لَا عَقَلَ كَمُخَالَفَةِ الْهَوَى- وَ لَا خَوْفَ كَخَوْفٍ حَاجِزٍ- وَ لَا رَجَاءَ كَرَجَاءٍ مُعِينٍ- وَ لَا فَقْرَ
____________
(1) في بعض النسخ «و انزل ساعة القناعة بانفاء الحرص».
(2) الجمام- بالفتح-: الراحة. و أجم نفسه أي أتركها.
(3) البغية: مصدر بغى الشيء اي طلبه. و انتهاز البغية: اغتنامها و النهوض إليها مبادرا.
(4) الضراوة: الاعتياد، مصدر ضرى بالشيء: أى اعتاده.
165
كَفَقْرِ الْقَلْبِ- وَ لَا غِنَى كَغِنَى النَّفْسِ- وَ لَا قُوَّةَ كَغَلَبَةِ الْهَوَى- وَ لَا نُورَ كَنُورِ الْيَقِينِ وَ لَا يَقِينَ كَاسْتِصْغَارِكَ الدُّنْيَا- وَ لَا مَعْرِفَةَ كَمَعْرِفَتِكَ بِنَفْسِكَ- وَ لَا نِعْمَةَ كَالْعَافِيَةِ وَ لَا عَافِيَةَ كَمُسَاعَدَةِ التَّوْفِيقِ- وَ لَا شَرَفَ كَبُعْدِ الْهِمَّةِ- وَ لَا زُهْدَ كَقَصْرِ الْأَمَلِ- وَ لَا حِرْصَ كَالْمُنَافَسَةِ فِي الدَّرَجَاتِ (1)- وَ لَا عَدْلَ كَالْإِنْصَافِ وَ لَا تَعَدِّيَ كَالْجَوْرِ- وَ لَا جَوْرَ كَمُوَافَقَةِ الْهَوَى- وَ لَا طَاعَةَ كَأَدَاءِ الْفَرَائِضِ- وَ لَا خَوْفَ كَالْحُزْنِ وَ لَا مُصِيبَةَ كَعَدَمِ الْعَقْلِ- وَ لَا عَدَمَ عَقْلٍ كَقِلَّةِ الْيَقِينِ- وَ لَا قِلَّةَ يَقِينٍ كَفَقْدِ الْخَوْفِ- وَ لَا فَقْدَ خَوْفٍ كَقِلَّةِ الْحُزْنِ عَلَى فَقْدِ الْخَوْفِ- وَ لَا مُصِيبَةَ كَاسْتِهَانَتِكَ بِالذَّنْبِ- وَ رِضَاكَ بِالْحَالَةِ الَّتِي أَنْتَ عَلَيْهَا- وَ لَا فَضِيلَةَ كَالْجِهَادِ- وَ لَا جِهَادَ كَمُجَاهَدَةِ الْهَوَى- وَ لَا قُوَّةَ كَرَدِّ الْغَضَبِ- وَ لَا مَعْصِيَةَ كَحُبِّ الْبَقَاءِ (2)- وَ لَا ذُلَّ كَذُلِّ الطَّمَعِ- وَ إِيَّاكَ وَ التَّفْرِيطَ عِنْدَ إِمْكَانِ الْفُرْصَةِ- فَإِنَّهُ مَيْدَانٌ يَجْرِي لِأَهْلِهِ بِالْخُسْرَانِ.
2- ف (3)، تحف العقول وَ مِنْ كَلَامِهِ(ع)لِجَابِرٍ أَيْضاً- خَرَجَ يَوْماً وَ هُوَ يَقُولُ- أَصْبَحْتُ وَ اللَّهِ يَا جَابِرُ مَحْزُوناً مَشْغُولَ الْقَلْبِ- فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا حُزْنُكَ وَ شُغْلُ قَلْبِكَ كُلُّ هَذَا عَلَى الدُّنْيَا- فَقَالَ(ع)لَا يَا جَابِرُ وَ لَكِنْ حُزْنُ هَمِّ الْآخِرَةِ- يَا جَابِرُ مَنْ دَخَلَ قَلْبَهُ خَالِصُ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ- شُغِلَ عَمَّا فِي الدُّنْيَا مِنْ زِينَتِهَا- إِنَّ زِينَةَ زَهْرَةِ الدُّنْيَا إِنَّمَا هُوَ لَعِبٌ وَ لَهْوٌ- وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ- يَا جَابِرُ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْكَنَ- وَ يَطْمَئِنَّ إِلَى زَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا- وَ اعْلَمْ أَنَّ أَبْنَاءَ الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ غَفْلَةٍ وَ غُرُورٍ وَ جَهَالَةٍ- وَ أَنَّ أَبْنَاءَ الْآخِرَةِ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْعَامِلُونَ الزَّاهِدُونَ- أَهْلُ الْعِلْمِ وَ الْفِقْهِ وَ أَهْلُ فِكْرَةٍ وَ اعْتِبَارٍ وَ اخْتِبَارٍ- لَا يَمَلُّونَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ
____________
(1) المنافسة: المفاخرة و المباراة.
(2) يعني البقاء في هذه الدنيا الدنية لاستلزامه البعد عن جوار الرب تعالى.
(3) التحف ص 286 و رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 133 عن أبي عبد اللّه المؤمن عن جابر «قال: دخلت على ابى جعفر (عليه السلام) فقال: يا جابر و اللّه انى لمحزون و انى لمشغول القلب ... الخ» و رواه عليّ بن عيسى الاربلى في كشف الغمّة أيضا مع اختلاف.
166
وَ اعْلَمْ يَا جَابِرُ أَنَّ أَهْلَ التَّقْوَى هُمُ الْأَغْنِيَاءُ- أَغْنَاهُمُ الْقَلِيلُ مِنَ الدُّنْيَا فَمَئُونَتُهُمْ يَسِيرَةٌ- إِنْ نَسِيتَ الْخَيْرَ ذَكَّرُوكَ وَ إِنْ عَمِلْتَ بِهِ أَعَانُوكَ- أَخَّرُوا شَهَوَاتِهِمْ وَ لَذَّاتِهِمْ خَلْفَهُمْ- وَ قَدَّمُوا طَاعَةَ رَبِّهِمْ أَمَامَهُمْ- وَ نَظَرُوا إِلَى سَبِيلِ الْخَيْرِ وَ إِلَى وَلَايَةِ أَحِبَّاءِ اللَّهِ- فَأَحَبُّوهُمْ وَ تَوَلَّوْهُمْ وَ اتَّبَعُوهُمْ- فَأَنْزِلْ نَفْسَكَ مِنَ الدُّنْيَا كَمَثَلِ مَنْزِلٍ نَزَلْتَهُ سَاعَةً- ثُمَّ ارْتَحَلْتَ عَنْهُ- أَوْ كَمَثَلِ مَالٍ اسْتَفَدْتَهُ فِي مَنَامِكَ- فَفَرِحْتَ بِهِ وَ سُرِرْتَ ثُمَّ انْتَبَهْتَ (1) مِنْ رَقْدَتِكَ- وَ لَيْسَ فِي يَدِكَ شَيْءٌ- وَ إِنِّي إِنَّمَا ضَرَبْتُ لَكَ مَثَلًا (2) لِتَعْقِلَ- وَ تَعْمَلَ بِهِ إِنْ وَفَّقَكَ اللَّهُ لَهُ- فَاحْفَظْ يَا جَابِرُ مَا أَسْتَوْدِعُكَ (3) مِنْ دِينِ اللَّهِ وَ حِكْمَتِهِ- وَ انْصَحْ لِنَفْسِكَ وَ انْظُرْ مَا اللَّهُ عِنْدَكَ فِي حَيَاتِكَ- فَكَذَلِكَ يَكُونُ لَكَ الْعَهْدُ عِنْدَهُ فِي مَرْجِعِكَ- وَ انْظُرْ فَإِنْ تَكُنِ الدُّنْيَا عِنْدَكَ عَلَى غَيْرِ مَا وَصَفْتُ لَكَ- فَتَحَوَّلْ عَنْهَا إِلَى دَارِ الْمُسْتَعْتَبِ الْيَوْمَ (4)- فَلَرُبَّ حَرِيصٍ عَلَى أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا قَدْ نَالَهُ- فَلَمَّا نَالَهُ كَانَ عَلَيْهِ وَبَالًا وَ شَقِيَ بِهِ- وَ لَرُبَّ كَارِهٍ لِأَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ- قَدْ نَالَهُ فَسَعِدَ بِهِ.
3- ف (5)، تحف العقول وَ مِنْ كَلَامِهِ(ع)فِي أَحْكَامِ السُّيُوفِ- سَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ شِيعَتِهِ عَنْ
____________
(1) في بعض النسخ «استنبهت» و في الكافي و الكشف «استيقظت».
(2) في الكافي «هذا مثلا».
(3) في بعض النسخ «ما استودعتك» و في الكافي و الكشف «ما استرعاك».
(4) قال الفيض (رحمه الله): أى ان تكن الدنيا عندك على غير ما وصفت لك فتكون تطمئن اليها فعليك أن تتحول فيها الى دار ترضى فيها ربك يعنى أن تكون في الدنيا ببدنك و في الآخرة بروحك تسعى في فكاك رقبتك و تحصيل رضا ربك حتّى يأتيك الموت. و ليست في بعض النسخ لفظة «غير» و على هذا فلا حاجة الى التكلف في معناه. و الاستعتاب الاسترضاء.
(5) التحف ص 288 و رواه الكليني (ره) في الكافي ج 5 ص 8 عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن القاسم بن محمّد و عليّ بن محمّد القاساني عن المنقريّ عن حفص بن غياث عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سأل رجل عن حروب أمير المؤمنين (عليه السلام) و كان القائل من محبينا فقال: بعث اللّه محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) بخمسة أسياف- الخ». و رواه الشيخ الطائفة (ره) أيضا في التهذيب ص 46 من المجلد الثاني و الصدوق (ره) في الخصال.
167
حُرُوبِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات اللّه عليه)- فَقَالَ(ع)لَهُ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً ص بِخَمْسَةِ أَسْيَافٍ- ثَلَاثَةٌ مِنْهَا شَاهِرَةٌ لَا تُغْمَدُ (1)- حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها- وَ لَنْ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا- فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا- أَمِنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ- فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ- مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً (2)- وَ سَيْفٌ مَكْفُوفٌ (3) وَ سَيْفٌ مِنْهَا مَغْمُودٌ- سَلُّهُ إِلَى غَيْرِنَا وَ حُكْمُهُ إِلَيْنَا- فَأَمَّا السُّيُوفُ الثَّلَاثَةُ الشَّاهِرَةُ- فَسَيْفٌ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَ عَزَّ- فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ- وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ (4)- فَإِنْ تابُوا أَيْ آمَنُوا وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ- فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ (5)- هَؤُلَاءِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَتْلُ- أَوِ الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ وَ أَمْوَالُهُمْ فَيْءٌ- وَ ذَرَارِيُّهُمْ سَبْيٌ عَلَى مَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ص فَإِنَّهُ سَبَى وَ عَفَا وَ قَبِلَ الْفِدَاءَ- وَ السَّيْفُ الثَّانِي عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ- وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً (6)- نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ وَ نَسَخَهَا قَوْلُهُ- قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ- وَ لا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ- وَ لا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ
____________
(1) الشاهرة: المجردة من الغمد. و قوله. «حتى تضع الحرب أوزارها» أي ينقضى. و الاوزار: الآلات و الاثقال. و لعلّ طلوع الشمس من مغربها كناية عن أشراط الساعة و قيام القيامة. كما قاله الفيض (رحمه الله) في الوافي.
(2) قوله: «كسبت في ايمانها خيرا» أي لا ينفع يومئذ نفسا غير مقدّمة ايمانها أو مقدّمة ايمانها غير كاسبة في ايمانها خيرا.
(3) في بعض النسخ «و سيف ملفوف» و كذا في تفسيره. و مغمود أي مستور في غلافه. و سله: اخراجه من غلافه.
(4) سورة التوبة: 5.
(5) سورة التوبة: 11.
(6) سورة البقرة: 78.
168
أُوتُوا الْكِتابَ- حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ (1)- فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ- فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُمْ إِلَّا الْجِزْيَةُ أَوِ الْقَتْلُ- وَ مَالُهُمْ فَيْءٌ وَ ذَرَارِيُّهُمْ سَبْيٌ- فَإِذَا قَبِلُوا الْجِزْيَةَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ حَرُمَ عَلَيْنَا سَبْيُهُمْ- وَ حَرُمَتْ أَمْوَالُهُمْ وَ حَلَّتْ لَنَا مَنَاكِحُهُمْ (2)- وَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ حَلَّ لَنَا سَبْيُهُمْ وَ أَمْوَالُهُمْ- وَ لَمْ تَحِلَّ لَنَا مُنَاكَحَتُهُمْ- وَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ إِلَّا دُخُولُ دَارِ الْإِسْلَامِ (3)- وَ الْجِزْيَةُ أَوِ الْقَتْلُ- وَ السَّيْفُ الثَّالِثِ عَلَى مُشْرِكِي الْعَجَمِ- كَالتُّرْكِ وَ الدَّيْلَمِ وَ الْخَزَرِ (4)- قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ- الَّتِي يَذْكُرُ فِيهَا الَّذِينَ كَفَرُوا فَقَصَّ قِصَّتَهُمْ ثُمَّ قَالَ- فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ (5)- فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمَّا فِداءً- حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها (6)- فَأَمَّا قَوْلُهُ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ يَعْنِي بَعْدَ السَّبْيِ مِنْهُمْ- وَ إِمَّا فِداءً يَعْنِي الْمُفَادَاةَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ- فَهَؤُلَاءِ لَنْ يُقْبَلَ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَتْلُ- أَوِ الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ وَ لَا يَحِلُّ لَنَا نِكَاحُهُمْ (7)- مَا دَامُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ- وَ أَمَّا السَّيْفُ الْمَكْفُوفُ- فَسَيْفٌ عَلَى أَهْلِ الْبَغْيِ وَ التَّأْوِيلِ قَالَ اللَّهُ- وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما- صُلْحاً فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى- فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ (8)- فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ رَسُولُ
____________
(1) سورة التوبة: 30.
(2) في الكافي و التهذيب «مناكحتهم».
(3) فيهما «يعنى الترك و الديلم و الخزر- بالتحريك و الخاء المعجمة و الزاى ثمّ الراء-: جيل من الناس ضيقة العيون.
(4) فيهما «الا الدخول في دار الإسلام».
(5) أي أكثرتم قتلهم و اغلظتموهم. من الثخن.
(6) سورة محمد: 4.
(7) فيهما «مناكحتهم».
(8) سورة الحجرات: 9، و هذه الآية أصل في قتال المسلمين و دليل على وجوب قتال أهل البغى و عليها بنى أمير المؤمنين (عليه السلام) قتال الناكثين و القاسطين و المارقين و اياها عنى رسول اللّه عليه و آله حين قال لعمار بن ياسر: «تقتلك الفئة الباغية».
169
اللَّهِ ص إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يُقَاتِلُ بَعْدِي عَلَى التَّأْوِيلِ- كَمَا قَاتَلْتُ عَلَى التَّنْزِيلِ- فَسُئِلَ النَّبِيُّ ص مَنْ هُوَ- فَقَالَ خَاصِفُ النَّعْلِ يَعْنِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع) وَ قَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ- قَاتَلْتُ بِهَذِهِ الرَّايَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص ثَلَاثاً (1) وَ هَذِهِ الرَّابِعَةُ- وَ اللَّهِ لَوْ ضَرَبُونَا حَتَّى يَبْلُغُوا بِنَا السَّعَفَاتِ مِنْ هَجَرَ (2)- لَعَلِمْنَا أَنَّا عَلَى الْحَقِّ وَ أَنَّهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ- وَ كَانَتِ السِّيرَةُ فِيهِمْ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع) مِثْلَ مَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص فِي أَهْلِ مَكَّةَ- يَوْمَ فَتَحَهَا فَإِنَّهُ لَمْ يَسْبِ لَهُمْ ذُرِّيَّةً- وَ قَالَ مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ- وَ كَذَلِكَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَوْمَ الْبَصْرَةِ- نَادَى فِيهِمْ لَا تَسْبُوا لَهُمْ ذُرِّيَّةً- وَ لَا تُدَفِّفُوا عَلَى جَرِيحٍ (3) وَ لَا تَتْبَعُوا مُدْبِراً- وَ مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ وَ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ- وَ السَّيْفُ الْمَغْمُودُ فَالسَّيْفُ الَّذِي يُقَامُ بِهِ الْقِصَاصُ- قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ (4)- فَسَلُّهُ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ وَ حُكْمُهُ إِلَيْنَا- فَهَذِهِ السُّيُوفُ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ بِهَا مُحَمَّداً ص فَمَنْ جَحَدَهَا أَوْ جَحَدَ وَاحِداً مِنْهَا أَوْ شَيْئاً- مِنْ سِيَرِهَا وَ أَحْكَامِهَا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- عَلَى مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ ص
____________
(1) يوم بدر و يوم أحد و يوم حنين.
(2) السعف- بالتحريك-: جريدة النخل أو ورقة قيل ما دامت بالخوض فإذا زال عنها قيل: جريدة، و أكثر ما يقال يبست و إذا كانت رطبة فهي شطبة. و الهجر بالتحريك-: بلدة باليمن. و اسم لجميع أرض البحرين. و انما خص هجر لبعد المسافة أو لكثرة النخل بها.
(3) دفف على الجريح: أجهزه عليه و أتم قتله، و في بعض النسخ «و لا تذيعوا على جريح» و في الكافي و التهذيب «لا تجهزوا على جريح» و الاجهاز على الجريح: اتمام قتله و الاسراع فيه.
(4) سورة المائدة: 47.
170
4- ف (1)، تحف العقول مَوْعِظَةٌ وَ حَضَرَهُ ذَاتَ يَوْمٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الشِّيعَةِ- فَوَعَظَهُمْ وَ حَذَّرَهُمْ وَ هُمْ سَاهُونَ لَاهُونَ- فَأَغَاظَهُ ذَلِكَ فَأَطْرَقَ مَلِيّاً- ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِمْ فَقَالَ- إِنَّ كَلَامِي لَوْ وَقَعَ طَرَفٌ مِنْهُ فِي قَلْبِ أَحَدِكُمْ لَصَارَ مَيِّتاً- أَلَا يَا أَشْبَاحاً بِلَا أَرْوَاحٍ- وَ ذُبَاباً بِلَا مِصْبَاحٍ- كَأَنَّكُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ (2) وَ أَصْنَامٌ مَرِيدَةٌ- أَ لَا تَأْخُذُونَ الذَّهَبَ مِنَ الْحَجَرِ- أَ لَا تَقْتَبِسُونَ الضِّيَاءَ مِنَ النُّورِ الْأَزْهَرِ- أَ لَا تَأْخُذُونَ اللُّؤْلُؤَ مِنَ الْبَحْرِ- خُذُوا الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ مِمَّنْ قَالَهَا- وَ إِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ- الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ- أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ (3)- وَيْحَكَ يَا مَغْرُورُ- أَ لَا تَحْمَدُ مَنْ تُعْطِيهِ فَانِياً وَ يُعْطِيكَ بَاقِياً- دِرْهَمٌ يَفْنَى بِعَشَرَةٍ تَبْقَى إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ مُضَاعَفَةٍ- مِنْ جَوَادٍ كَرِيمٍ آتَاكَ اللَّهُ عِنْدَ مُكَافَاةٍ (4)- هُوَ مُطْعِمُكَ وَ سَاقِيكَ وَ كَاسِيكَ وَ مُعَافِيكَ- وَ كَافِيكَ وَ سَاتِرُكَ مِمَّنْ يُرَاعِيكَ- مَنْ حَفِظَكَ فِي لَيْلِكَ وَ نَهَارِكَ- وَ أَجَابَكَ عِنْدَ اضْطِرَارِكَ- وَ عَزَمَ لَكَ عَلَى الرُّشْدِ فِي اخْتِبَارِكَ- كَأَنَّكَ قَدْ نَسِيتَ لَيَالِيَ أَوْجَاعِكَ وَ خَوْفِكَ- دَعَوْتَهُ فَاسْتَجَابَ لَكَ- فَاسْتَوْجَبَ بِجَمِيلِ صَنِيعِهِ الشُّكْرَ- فَنَسِيتَهُ فِيمَنْ ذَكَرَ وَ خَالَفْتَهُ فِيمَا أَمَرَ- وَيْلَكَ إِنَّمَا أَنْتَ لِصٌّ مِنْ لُصُوصِ الذُّنُوبِ (5)- كُلَّمَا عَرَضَتْ لَكَ شَهْوَةٌ أَوِ
____________
(1) التحف ص 291.
(2) شبههم (عليه السلام) في عدم الانتفاع بهم بالخشب المسندة الى الحائط و الأصنام المنحوتة من الخشب و ان كانت هياكلهم معجبة و ألسنتهم ذلقة. و في بعض النسخ «و اصنام مربذة».
(3) سورة الزمر: 18.
(4) إشارة الى قوله تعالى في سورة البقرة: 261. «مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَ اللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ».
(5) اللصّ- بالكسر-: فعل الشيء في ستر- و منه قيل للسارق: لص. و جمعه لصوص.
171
ارْتِكَابُ ذَنْبٍ- سَارَعْتَ إِلَيْهِ وَ أَقْدَمْتَ بِجَهْلِكَ عَلَيْهِ- فَارْتَكَبْتَهُ كَأَنَّكَ لَسْتَ بِعَيْنِ اللَّهِ- أَوْ كَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَكَ بِالْمِرْصَادِ- يَا طَالِبَ الْجَنَّةِ مَا أَطْوَلَ نَوْمَكَ وَ أَكَلَّ مَطِيَّتَكَ- وَ أَوْهَى هِمَّتَكَ (1) فَلِلَّهِ أَنْتَ مِنْ طَالِبٍ وَ مَطْلُوبٍ- وَ يَا هَارِباً مِنَ النَّارِ مَا أَحَثَّ مَطِيَّتَكَ إِلَيْهَا- وَ مَا أَكْسَبَكَ لِمَا يُوقِعُكَ فِيهَا- انْظُرُوا إِلَى هَذِهِ الْقُبُورِ سُطُوراً بِأَفْنَاءِ الدُّورِ- تَدَانَوْا فِي خِطَطِهِمْ (2) وَ قَرُبُوا فِي مَزَارِهِمْ- وَ بَعُدُوا فِي لِقَائِهِمْ عَمَرُوا فَخُرِبُوا- وَ أَنِسُوا فَأَوْحَشُوا وَ سَكَنُوا فَأُزْعِجُوا- وَ قَطَنُوا فَرَحَلُوا (3)- فَمَنْ سَمِعَ بِدَانٍ بَعِيدٍ وَ شَاحِطٍ قَرِيبٍ (4)- وَ عَامِرٍ مُخَرِّبٍ وَ آنِسٍ مُوحِشٍ- وَ سَاكِنٍ مُزْعَجٍ- وَ قَاطِنٍ مُرْحَلٍ غَيْرِ أَهْلِ الْقُبُورِ- يَا ابْنَ الْأَيَّامِ الثَّلَاثِ يَوْمِكَ الَّذِي وُلِدْتَ فِيهِ- وَ يَوْمِكَ الَّذِي تَنْزِلُ فِيهِ قَبْرَكَ- وَ يَوْمِكَ الَّذِي تَخْرُجُ فِيهِ إِلَى رَبِّكَ- فَيَا لَهُ مِنْ يَوْمٍ عَظِيمٍ- يَا ذَوِي الْهَيْئَةِ الْمُعْجِبَةِ وَ الْهِيمِ الْمُعْطَنَةِ (5)- مَا لِي أَرَى أَجْسَامَكُمْ عَامِرَةً وَ قُلُوبَكُمْ دَامِرَةً أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ عَايَنْتُمْ مَا أَنْتُمْ مُلَاقُوهُ- وَ مَا أَنْتُمْ إِلَيْهِ صَائِرُونَ لَقُلْتُمْ- يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَ لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا- وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (6)- وَ قَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ ...- وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (7).
____________
(1) أوهى فلانا: أضعفه و جعله واهيا.
(2) الخطط: جمع خطة- بالكسر-: ما يخيطه الإنسان من الأرض ليعلم أنه قد احتازها ليبنيها دارا. و الأرض التي تنزلها و لم ينزلها نازل قبلك- و بالضم-: الامر و الخصلة.
(3) القاطن: المقيم.
(4) الشاحط: البعيد.
(5) الهيم: الإبل العطاش. العطن- بالتحريك-: وطن الإبل و مبركها حول الماء. و أعطنت الإبل: حبسها عند الماء فبركت بعد الورود. و عطنت الإبل: رويت ثمّ بركت.
(6) سورة الأنعام: 27.
(7) سورة الأنعام: 28.
172
5- ف (1)، تحف العقول وَ رُوِيَ عَنْهُ(ع)فِي قِصَارِ هَذِهِ الْمَعَانِي وَ قَالَ(ع)صَانِعِ الْمُنَافِقَ بِلِسَانِكَ وَ أَخْلِصْ مَوَدَّتَكَ لِلْمُؤْمِنِ- وَ إِنْ جَالَسَكَ يَهُودِيٌّ فَأَحْسِنْ مُجَالَسَتَهُ.
وَ قَالَ(ع)مَا شِيبَ شَيْءٌ بِشَيْءٍ أَحْسَنَ مِنْ حِلْمٍ بِعِلْمٍ (2).
وَ قَالَ(ع)الْكَمَالُ كُلُّ الْكَمَالِ التَّفَقُّهُ فِي الدِّينِ- وَ الصَّبْرُ عَلَى النَّائِبَةِ وَ تَقْدِيرُ الْمَعِيشَةِ.
وَ قَالَ(ع)وَ اللَّهِ الْمُتَكَبِّرُ يُنَازِعُ اللَّهَ رِدَاءَهُ-.
وَ قَالَ(ع)يَوْماً لِمَنْ حَضَرَهُ مَا الْمُرُوَّةُ- فَتَكَلَّمُوا فَقَالَ ص الْمُرُوَّةُ أَنْ لَا تَطْمَعَ فَتَذِلَّ- وَ تَسْأَلَ فَتُقِلَ (3) وَ لَا تَبْخَلَ فَتُشْتَمَ- وَ لَا تَجْهَلَ فَتُخْصَمَ- فَقِيلَ وَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ- فَقَالَ(ع)مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ كَالنَّاظِرِ فِي الْحَدَقَةِ (4)- وَ الْمِسْكِ فِي الطِّيبِ- وَ كَالْخَلِيفَةِ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا فِي الْقَدْرِ-.
وَ قَالَ يَوْماً رَجُلٌ عِنْدَهُ- اللَّهُمَّ أَغْنِنَا عَنْ جَمِيعِ خَلْقِكَ- فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)لَا تَقُلْ هَكَذَا- وَ لَكِنْ قُلِ اللَّهُمَّ أَغْنِنَا عَنْ شِرَارِ خَلْقِكَ- فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ أَخِيهِ.
وَ قَالَ(ع)قُمْ بِالْحَقِّ وَ اعْتَزِلْ مَا لَا يَعْنِيكَ- وَ تَجَنَّبْ عَدُوَّكَ وَ احْذَرْ صَدِيقَكَ مِنَ الْأَقْوَامِ- إِلَّا الْأَمِينَ مَنْ خَشِيَ اللَّهَ- وَ لَا تَصْحَبِ الْفَاجِرَ وَ لَا تُطْلِعْهُ عَلَى سِرِّكَ- وَ اسْتَشِرْ فِي أمر [أَمْرِكَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللَّهَ.
وَ قَالَ(ع)صُحْبَةُ عِشْرِينَ سَنَةً قَرَابَةٌ.
وَ قَالَ(ع)إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تُعَامِلَ أَحَداً- إِلَّا وَ لَكَ الْفَضْلُ عَلَيْهِ فَافْعَلْ.
____________
(1) التحف ص 292.
(2) الشوب: الخلط.
(3) يقل الرجل: قل ماله.
(4) الناظر: سواد الأصغر الذي فيه إنسان العين. و الحدقة. سواد العين الأعظم.
173
وَ قَالَ(ع)ثَلَاثَةٌ مِنْ مَكَارِمِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ وَ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ- وَ تَحْلُمَ إِذَا جُهِلَ عَلَيْكَ.
وَ قَالَ(ع)الظُّلْمُ ثَلَاثَةٌ ظُلْمٌ لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ- وَ ظُلْمٌ يَغْفِرُهُ اللَّهُ وَ ظُلْمٌ لَا يَدَعُهُ اللَّهُ- فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ فَالشِّرْكُ بِاللَّهِ- وَ أَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي يَغْفِرُهُ اللَّهُ- فَظُلْمُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ اللَّهِ- وَ أَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لَا يَدَعُهُ اللَّهُ- فَالْمُدَائَنَةُ بَيْنَ الْعِبَادِ (1).
وَ قَالَ(ع)مَا مِنْ عَبْدٍ يَمْتَنِعُ مِنْ مَعُونَةِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ- وَ السَّعْيِ لَهُ فِي حَاجَتِهِ قُضِيَتْ أَوْ لَمْ تُقْضَ- إِلَّا ابْتُلِيَ بِالسَّعْيِ فِي حَاجَةٍ- فِيمَا يَأْثَمُ عَلَيْهِ وَ لَا يُؤْجَرُ- وَ مَا مِنْ عَبْدٍ يَبْخَلُ بِنَفَقَةٍ يُنْفِقُهَا فِيمَا يُرْضِي اللَّهَ- إِلَّا ابْتُلِيَ بِأَنْ يُنْفِقُ أَضْعَافَهَا فِيمَا أَسْخَطَ اللَّهَ.
وَ قَالَ(ع)فِي كُلِّ قَضَاءِ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ إِلْحَاحَ النَّاسِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْمَسْأَلَةِ- وَ أَحَبَّ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ- إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ- وَ يُطْلَبَ مَا عِنْدَهُ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَاعِظاً- فَإِنَّ مَوَاعِظَ النَّاسِ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُ شَيْئاً.
وَ قَالَ(ع)مَنْ كَانَ ظَاهِرُهُ أَرْجَحَ مِنْ بَاطِنِهِ خَفَّ مِيزَانُهُ.
وَ قَالَ(ع)كَمْ مِنْ رَجُلٍ قَدْ لَقِيَ رَجُلًا فَقَالَ لَهُ- كَبَّ اللَّهُ عَدُوَّكَ (2) وَ مَا لَهُ مِنْ عَدُوٍّ إِلَّا اللَّهُ.
وَ قَالَ(ع)ثَلَاثَةٌ لَا يُسَلَّمُونَ الْمَاشِي إِلَى الْجُمُعَةِ- وَ الْمَاشِي خَلْفَ جَنَازَةٍ وَ فِي بَيْتِ الْحَمَّامِ.
وَ قَالَ(ع)عَالِمٌ يُنْتَفَعُ بِعِلْمِهِ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفَ عَابِدٍ.
وَ قَالَ(ع)لَا يَكُونُ الْعَبْدُ عَالِماً حَتَّى لَا يَكُونَ حَاسِداً لِمَنْ فَوْقَهُ- وَ لَا مُحَقِّراً لِمَنْ دُونَهُ.
____________
(1) المداينة من الدين أي ظلم العباد عند المعاملة.
(2) كب فلانا: صرعه. و قلبه على رأسه.
174
وَ قَالَ(ع)مَا عَرَفَ اللَّهَ مَنْ عَصَاهُ وَ أَنْشَدَ-
تَعْصِي الْإِلَهَ وَ أَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ* * * -هَذَا لَعَمْرُكَ فِي الْفِعَالِ بَدِيعُ-
لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقاً لَأَطَعْتَهُ* * * -إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ أَحَبَّ مُطِيعُ
.
وَ قَالَ(ع)إِنَّمَا مَثَلُ الْحَاجَةِ إِلَى مَنْ أَصَابَ مَالَهُ حَدِيثاً- كَمَثَلِ الدِّرْهَمِ فِي فَمِ الْأَفْعَى- أَنْتَ إِلَيْهِ مُحْوِجٌ (1) وَ أَنْتَ مِنْهَا عَلَى خَطَرٍ.
وَ قَالَ(ع)ثَلَاثُ خِصَالٍ لَا يَمُوتُ صَاحِبُهُنَّ أَبَداً حَتَّى يَرَى وَبَالَهُنَّ- الْبَغْيُ وَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ- وَ الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ يُبَارِزُ اللَّهَ بِهَا- وَ إِنَّ أَعْجَلَ الطَّاعَةِ ثَوَاباً لَصِلَةُ الرَّحِمِ- وَ إِنَّ الْقَوْمَ لَيَكُونُونَ فُجَّاراً فَيَتَوَاصَلُونَ- فَتَنْمِي أَمْوَالُهُمْ وَ يُثْرُونَ (2)- وَ إِنَّ الْيَمِينَ الْكَاذِبَةَ وَ قَطِيعَةَ الرَّحِمِ- لَيَذَرَانِ الدِّيَارَ بَلَاقِعَ مِنْ أَهْلِهَا (3).
وَ قَالَ(ع)لَا يُقْبَلُ عَمَلٌ إِلَّا بِمَعْرِفَةٍ وَ لَا مَعْرِفَةَ إِلَّا بِعَمَلٍ- وَ مَنْ عَرَفَ دَلَّتْهُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى الْعَمَلِ- وَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ فَلَا عَمَلَ لَهُ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِلْمَعْرُوفِ أَهْلًا مِنْ خَلْقِهِ- حَبَّبَ إِلَيْهِمُ الْمَعْرُوفَ وَ حَبَّبَ إِلَيْهِمْ فِعَالَهُ- وَ وَجَّهَ لِطُلَّابِ الْمَعْرُوفِ الطَّلَبَ إِلَيْهِمْ- وَ يَسَّرَ لَهُمْ قَضَاءَهُ كَمَا يَسَّرَ الْغَيْثَ لِلْأَرْضِ الْمُجْدِبَةِ- لِيُحْيِيَهَا وَ يُحْيِيَ أَهْلَهَا (4)- وَ إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِلْمَعْرُوفِ أَعْدَاءً مِنْ خَلْقِهِ- بَغَّضَ إِلَيْهِمُ الْمَعْرُوفَ وَ بَغَّضَ إِلَيْهِمْ فِعَالَهُ- وَ حَظَرَ عَلَى طُلَّابِ الْمَعْرُوفِ التَّوَجُّهَ إِلَيْهِمْ- وَ حَظَرَ عَلَيْهِمْ قَضَاءَهُ كَمَا يَحْظُرُ الْغَيْثَ عَنْ الْأَرْضِ الْمُجْدِبَةِ- لِيُهْلِكَهَا وَ يُهْلِكَ أَهْلَهَا وَ مَا يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أَكْثَرُ.
وَ قَالَ(ع)اعْرِفِ الْمَوَدَّةَ فِي قَلْبِ أَخِيكَ بِمَا لَهُ فِي قَلْبِكَ.
____________
(1) أحوج إليه: افتقر. و أحوجه: جعله محتاجا.
(2) «يثرون» أي يكثرون مالا. يقال: ثرا الرجل: كثر ماله.
(3) «ليذران» أي ليدعان و يتركان من وذره أي ودعه. «بلاقع» جمع بلقع-:
الأرض القفر.
(4) المجدبة: ذو جدب و هو ضد الخصب و يأتي أيضا بمعنى الماحل.
175
وَ قَالَ(ع)الْإِيمَانُ حُبٌّ وَ بُغْضٌ (1).
وَ قَالَ(ع)وَ اللَّهِ مَا شِيعَتُنَا إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَ أَطَاعَهُ- وَ مَا كَانُوا يُعْرَفُونَ إِلَّا بِالتَّوَاضُعِ وَ التَّخَشُّعِ- وَ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَ كَثْرَةِ ذِكْرِ اللَّهِ- وَ الصَّوْمِ وَ الصَّلَاةِ وَ الْبِرِّ بِالْوَالِدَيْنِ- وَ تَعَهُّدِ الْجِيرَانِ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَ ذَوِي الْمَسْكَنَةِ- وَ الْغَارِمِينَ وَ الْأَيْتَامِ- وَ صِدْقِ الْحَدِيثِ وَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ- وَ كَفِّ الْأَلْسُنِ عَنِ النَّاسِ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ- وَ كَانُوا أُمَنَاءَ عَشَائِرِهِمْ فِي الْأَشْيَاءِ.
وَ قَالَ(ع)أَرْبَعٌ مِنْ كُنُوزِ الْبِرِّ- كِتْمَانُ الْحَاجَةِ وَ كِتْمَانُ الصَّدَقَةِ- وَ كِتْمَانُ الْوَجَعِ وَ كِتْمَانُ الْمُصِيبَةِ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ صَدَقَ لِسَانُهُ زَكَى عَمَلُهُ- وَ مَنْ حَسُنَتْ نِيَّتُهُ زِيدَ فِي رِزْقِهِ- وَ مَنْ حَسُنَ بِرُّهُ بِأَهْلِهِ زِيدَ فِي عُمُرِهِ.
وَ قَالَ(ع)إِيَّاكَ وَ الْكَسَلَ وَ الضَّجَرَ فَإِنَّهُمَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ- مَنْ كَسِلَ لَمْ يُؤَدِّ حَقّاً- وَ مَنْ ضَجِرَ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى حَقٍّ.
وَ قَالَ(ع)مَنِ اسْتَفَادَ أَخاً فِي اللَّهِ عَلَى إِيمَانٍ بِاللَّهِ- وَ وَفَاءٍ بِإِخَائِهِ طَلَباً لِمَرْضَاةِ اللَّهِ- فَقَدِ اسْتَفَادَ شُعَاعاً مِنْ نُورِ اللَّهِ- وَ أَمَاناً مِنْ عَذَابِ اللَّهِ- وَ حُجَّةً يُفْلِجُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ (2) وَ عِزّاً بَاقِياً وَ ذِكْراً نَامِياً- لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَا مَوْصُولٌ وَ لَا مَفْصُولٌ- قِيلَ لَهُ(ع)مَا مَعْنَى لَا مَوْصُولٌ وَ لَا مَفْصُولٌ- قَالَ لَا مَوْصُولٌ بِهِ أَنَّهُ هُوَ- وَ لَا مَفْصُولٌ مِنْهُ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَ قَالَ(ع)كَفَى بِالْمَرْءِ غِشّاً لِنَفْسِهِ- أَنْ يُبْصِرَ مِنَ النَّاسِ مَا يَعْمَى عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ نَفْسِهِ- أَوْ يَعِيبَ غَيْرَهُ (3) بِمَا لَا يَسْتَطِيعُ تَرْكَهُ- أَوْ يُؤْذِيَ جَلِيسَهُ بِمَا لَا يَعْنِيهِ.
____________
(1) المراد الحب في اللّه و البغض فيه كما جاء في الأحاديث.
(2) يفلج أي يفوز و يظفر و يغلب بها. و فلج الحجة: أثبتها. و فلج الرجل.
ظفر بما طلب، و على خصمه: غلبه.- و على القوم فاز.
(3) في بعض النسخ «أو يعير غيره».
176
وَ قَالَ(ع)التَّوَاضُعُ الرِّضَا بِالْمَجْلِسِ دُونَ شَرَفِهِ- وَ أَنْ تُسَلِّمَ عَلَى مَنْ لَقِيتَ- وَ أَنْ تَتْرُكَ الْمِرَاءَ وَ إِنْ كُنْتَ مُحِقّاً.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ الْمُؤْمِنَ أَخُ الْمُؤْمِنِ لَا يَشْتِمُهُ وَ لَا يَحْرِمُهُ- وَ لَا يُسِيءُ بِهِ الظَّنَّ.
وَ قَالَ(ع)لِابْنِهِ اصْبِرْ نَفْسَكَ عَلَى الْحَقِّ- فَإِنَّهُ مَنْ مَنَعَ شَيْئاً فِي حَقٍّ أَعْطَى فِي بَاطِلٍ مِثْلَيْهِ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ قُسِمَ لَهُ الْخُرْقُ حُجِبَ عَنْهُ الْإِيمَانُ (1).
وَ قَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْمُتَفَحِّشَ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ لِلَّهِ عُقُوبَاتٍ فِي الْقُلُوبِ وَ الْأَبْدَانِ- ضَنْكٌ فِي الْمَعِيشَةِ وَ وَهْنٌ فِي الْعِبَادَةِ- وَ مَا ضُرِبَ عَبْدٌ بِعُقُوبَةٍ أَعْظَمَ مِنْ قَسْوَةِ الْقَلْبِ.
وَ قَالَ(ع)إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ أَيْنَ الصَّابِرُونَ- فَيَقُومُ فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ (2)- ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ أَيْنَ الْمُتَصَبِّرُونَ- فَيَقُومُ فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ- قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا الصَّابِرُونَ وَ الْمُتَصَبِّرُونَ- فَقَالَ(ع)الصَّابِرُونَ عَلَى أَدَاءِ الْفَرَائِضِ- وَ الْمُتَصَبِّرُونَ عَلَى تَرْكِ الْمَحَارِمِ.
وَ قَالَ(ع)يَقُولُ اللَّهُ ابْنَ آدَمَ- اجْتَنِبْ مَا حَرَّمْتُ عَلَيْكَ تَكُنْ مِنْ أَوْرَعِ النَّاسِ.
وَ قَالَ(ع)أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ عِفَّةُ الْبَطْنِ وَ الْفَرْجِ.
وَ قَالَ(ع)الْبِشْرُ الْحَسَنُ (3) وَ طَلَاقَةُ الْوَجْهِ مَكْسَبَةٌ لِلْمَحَبَّةِ- وَ قُرْبَةٌ مِنَ اللَّهِ- وَ عُبُوسُ الْوَجْهِ وَ سُوءُ الْبِشْرِ مَكْسَبَةٌ لِلْمَقْتِ- وَ بُعْدٌ مِنَ اللَّهِ.
وَ قَالَ(ع)مَا تُذُرِّعَ إِلَيَّ بِذَرِيعَةٍ- وَ لَا تُوُسِّلَ بِوَسِيلَةٍ هِيَ أَقْرَبُ لَهُ
____________
(1) الخرق: ضعف العقل و الرأى، الجهل، الحمق، ضد الرفق.
(2) الفئام- ككتاب-: الجماعة من الناس. و فسر في خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) بمائة ألف.
(3) البشر- بالكسر- طلاقة الوجه و بشاشته. و المقت: البغض.
177
مِنِّي- إِلَى مَا يُحِبُّ مِنْ يَدٍ سَالِفَةٍ مِنِّي إِلَيْهِ- أَتْبَعْتُهَا أُخْتَهَا لِيَحْسُنَ حِفْظُهَا وَ رَبُّهَا- لِأَنَّ مَنْعَ الْأَوَاخِرِ يَقْطَعُ لِسَانَ شُكْرِ الْأَوَائِلِ (1)- وَ مَا سَمَحَتْ لِي نَفْسِي بِرَدِّ بِكْرِ الْحَوَائِجِ.
وَ قَالَ(ع)الْحَيَاءُ وَ الْإِيمَانُ مَقْرُونَانِ فِي قَرَنٍ- فَإِذَا ذَهَبَ أَحَدُهُمَا تَبِعَهُ صَاحِبُهُ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا تَعَاطَاهَا الْبَرُّ وَ الْفَاجِرُ- وَ إِنَّ هَذَا الدِّينَ لَا يُعْطِيهِ اللَّهُ إِلَّا أَهْلَ خَاصَّتِهِ (2).
وَ قَالَ(ع)الْإِيمَانُ إِقْرَارٌ وَ عَمَلٌ وَ الْإِسْلَامُ إِقْرَارٌ بِلَا عَمَلٍ.
وَ قَالَ(ع)الْإِيمَانُ مَا كَانَ فِي الْقَلْبِ- وَ الْإِسْلَامُ مَا عَلَيْهِ التَّنَاكُحُ وَ التَّوَارُثُ- وَ حُقِنَتْ بِهِ الدِّمَاءُ- وَ الْإِيمَانُ يَشْرَكُ الْإِسْلَامَ- وَ الْإِسْلَامُ لَا يَشْرَكُ الْإِيمَانَ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ عَلَّمَ بَابَ هُدًى فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهِ- وَ لَا يُنْقَصُ أُولَئِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً- وَ مَنْ عَلَّمَ بَابَ ضَلَالٍ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ أَوْزَارِ مَنْ عَمِلَ بِهِ- وَ لَا يُنْقَصُ أُولَئِكَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئاً.
وَ قَالَ(ع)لَيْسَ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِ الْمَلَقُ وَ الْحَسَدُ- إِلَّا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ (3).
وَ قَالَ(ع)لِلْعَالِمِ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ وَ هُوَ لَا يَعْلَمُهُ أَنْ يَقُولَ- اللَّهُ أَعْلَمُ- وَ لَيْسَ لِغَيْرِ الْعَالِمِ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ- وَ فِي خَبَرٍ آخَرَ يَقُولُ- لَا أَدْرِي لِئَلَّا يُوقِعَ
____________
(1) الظاهر أن المراد التتابع في الاحسان و العمل و في حديث آخر عن الصادق (عليه السلام) «قال: ما من شيء أسر الى من يد اتبعها الأخرى لان منع الأواخر يقطع لسان شكر الاوائل» ذكره الآبي.
(2) التعاطى: التناول. و تناول ما لا يحق. و التنازع في الاخذ و القيام به. و في بعض النسخ «لا يعطيه الا أهل اللّه خاصّة».
(3) الملق- بالتحريك-: التملق و هو الود و اللطف و أن يعطى في اللسان ما ليس في القلب.
178
فِي قَلْبِ السَّائِلِ شَكّاً.
وَ قَالَ(ع)أَوَّلُ مَنْ شُقَّ لِسَانُهُ بِالْعَرَبِيَّةِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ(ع)وَ هُوَ ابْنُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً- وَ كَانَ لِسَانُهُ عَلَى لِسَانِ أَبِيهِ وَ أَخِيهِ- فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ نَطَقَ بِهَا وَ هُوَ الذَّبِيحُ.
وَ قَالَ(ع)أَ لَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ- يَبْعُدُ السُّلْطَانُ وَ الشَّيْطَانُ مِنْكُمْ- فَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ بَلَى أَخْبِرْنَا بِهِ حَتَّى نَفْعَلَهُ- فَقَالَ(ع)عَلَيْكُمْ بِالصَّدَقَةِ فَبَكِّرُوا بِهَا- فَإِنَّهَا تُسَوِّدُ وَجْهَ إِبْلِيسَ- وَ تَكْسِرُ شِرَّةَ السُّلْطَانِ الظَّالِمِ عَنْكُمْ فِي يَوْمِكُمْ ذَلِكَ (1)- وَ عَلَيْكُمْ بِالْحُبِّ فِي اللَّهِ وَ التَّوَدُّدِ (2)- وَ الْمُوَازَرَةِ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ- فَإِنَّهُ يَقْطَعُ دَابِرَهُمَا يَعْنِي السُّلْطَانَ وَ الشَّيْطَانَ- وَ أَلِحُّوا فِي الِاسْتِغْفَارِ فَإِنَّهُ مَمْحَاةٌ لِلذُّنُوبِ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ هَذَا اللِّسَانَ مِفْتَاحُ كُلِّ خَيْرٍ وَ شَرٍّ- فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَخْتِمَ عَلَى لِسَانِهِ- كَمَا يَخْتِمُ عَلَى ذَهَبِهِ وَ فِضَّتِهِ- فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ- رَحِمَ اللَّهُ مُؤْمِناً أَمْسَكَ لِسَانَهُ مِنْ كُلِّ شَرٍّ- فَإِنَّ ذَلِكَ صَدَقَةٌ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ (3)- ثُمَّ قَالَ(ع)لَا يَسْلَمُ أَحَدٌ مِنَ الذُّنُوبِ حَتَّى يَخْزُنَ لِسَانَهُ.
وَ قَالَ(ع)مِنَ الْغِيبَةِ أَنْ تَقُولَ فِي أَخِيكَ مَا سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ- فَأَمَّا الْأَمْرُ الظَّاهِرُ مِنْهُ مِثْلُ الْحِدَّةِ وَ الْعَجَلَةِ- فَلَا بَأْسَ أَنْ تَقُولَهُ- وَ إِنَّ الْبُهْتَانَ أَنْ تَقُولَ فِي أَخِيكَ مَا لَيْسَ فِيهِ (4).
____________
(1) الشرة- بالكسر فالفتح مشددة-: الشر و الغضب و الحدة.
(2) و في بعض النسخ «المودة».
(3) في الكافي ج 2 ص 114 عن عليّ بن إبراهيم بإسناده عن الحلبيّ رفعه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «أمسك لسانك فانها صدقة تصدق بها على نفسك ثمّ قال: و لا يعرف عبد حقيقة الايمان حتّى يخزن من لسانه» أقول: قوله: «فانها» أي الامساك و التأنيث بتأويل الخصلة.
(4) رواه الكليني (ره) في الكافي ج 2 ص 358 بإسناده عن الصادق (عليه السلام) و الصدوق في معاني الأخبار أيضا عنه (عليه السلام). و الحدة- بالكسر-: ما يعترى الإنسان من الغضب و النزق. و العجلة- بالتحريك-. السرعة و المبادرة في الأمور من غير تأمل.
179
وَ قَالَ(ع)إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَبْدٌ وَصَفَ عَدْلًا ثُمَّ خَالَفَهُ إِلَى غَيْرِهِ (1).
وَ قَالَ(ع)عَلَيْكُمْ بِالْوَرَعِ وَ الِاجْتِهَادِ- وَ صِدْقِ الْحَدِيثِ- وَ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكُمْ عَلَيْهَا- بَرّاً كَانَ أَوْ فَاجِراً فَلَوْ أَنَّ قَاتِلَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)ائْتَمَنَنِي- عَلَى أَمَانَةٍ لَأَدَّيْتُهَا إِلَيْهِ.
وَ قَالَ(ع)صِلَةُ الْأَرْحَامِ تُزَكِّي الْأَعْمَالَ- وَ تُنْمِي الْأَمْوَالَ وَ تَدْفَعُ الْبَلْوَى- وَ تُيَسِّرُ الْحِسَابَ وَ تُنْسِئُ فِي الْأَجَلِ (2).
وَ قَالَ(ع)أَيُّهَا النَّاسُ- إِنَّكُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ أَغْرَاضٌ تَنْتَضِلُ فِيكُمُ الْمَنَايَا- لَنْ يَسْتَقْبِلَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَوْماً جَدِيداً مِنْ عُمُرِهِ- إِلَّا بِانْقِضَاءِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ- فَأَيَّةُ أُكْلَةٍ لَيْسَ فِيهَا غَصَصٌ- أَمْ أَيُّ شَرْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا شَرَقٌ (3)- اسْتَصْلِحُوا مَا تَقْدَمُونَ عَلَيْهِ بِمَا تَظْعَنُونَ عَنْهُ (4)- فَإِنَّ الْيَوْمَ غَنِيمَةٌ وَ غَداً لَا تَدْرِي لِمَنْ هُوَ- أَهْلُ الدُّنْيَا سَفْرٌ (5) يَحُلُّونَ عَقْدَ رِحَالِهِمْ فِي غَيْرِهَا- قَدْ خَلَتْ مِنَّا أُصُولٌ نَحْنُ فُرُوعُهَا- فَمَا بَقَاءُ الْفَرْعِ بَعْدَ أَصْلِهِ- أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا أَطْوَلَ أَعْمَاراً مِنْكُمْ- وَ أَبْعَدَ آمَالًا- أَتَاكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا لَا تَرُدُّهُ- وَ ذَهَبَ عَنْكَ مَا لَا يَعُودُ فَلَا تَعُدَّنَّ عَيْشاً مُنْصَرِفاً عَيْشاً- مَا لَكَ مِنْهُ إِلَّا لَذَّةٌ تَزْدَلِفُ بِكَ إِلَى حِمَامِكَ (6)- وَ تُقَرِّبُكَ مِنْ
____________
(1) رواه الكليني (ره) في الكافي ج 2 ص 300 بإسناده عن الصادق (عليه السلام).
(2) «تزكى الاعمال» أي تنميها في الثواب أو تطهرها أو تصيرها مقبولة. و النساء بالفتح-: التأخير.
(3) غص غصصا بالطعام: اعترض في حلقه شيء منه فمنعه التنفس. و شرق بالماء أو بريقه: غص.
(4) الظعن: الرحال و السير.
(5) السفر- بالفتح فالسكون- جمع سافر، أي المسافرون.
(6) الحمام- ككتاب-: قضاء الموت و قدره أي تقربك الى موتك. و اخترم:
أهلك. و السواد المخترم: الشخص الذي مات. يقال: اخترمهم الدهر و تخرّمهم أي اقتطعهم و استأصلهم.
180
أَجَلِكَ- فَكَأَنَّكَ قَدْ صِرْتَ الْحَبِيبَ الْمَفْقُودَ وَ السَّوَادَ الْمُخْتَرَمَ- فَعَلَيْكَ بِذَاتِ نَفْسِكَ وَ دَعْ مَا سِوَاهَا- وَ اسْتَعِنْ بِاللَّهِ يُعِنْكَ (1).
وَ قَالَ(ع)مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صُنِعَ إِلَيْهِ فَقَدْ كَافَأَهُ- وَ مَنْ أَضْعَفَ كَانَ شَكُوراً وَ مَنْ شَكَرَ كَانَ كَرِيماً- وَ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَا صَنَعَ كَانَ إِلَى نَفْسِهِ- لَمْ يَسْتَبْطِئِ النَّاسَ فِي شُكْرِهِمْ- وَ لَمْ يَسْتَزِدْهُمْ فِي مَوَدَّتِهِمْ- فَلَا تَلْتَمِسْ مِنْ غَيْرِكَ شُكْرَ مَا آتَيْتَهُ إِلَى نَفْسِكَ- وَ وَقَيْتَ بِهِ عِرْضَكَ- وَ اعْلَمْ أَنَّ طَالِبَ الْحَاجَةِ لَمْ يُكْرِمْ وَجْهَهُ عَنْ مَسْأَلَتِكَ- فَأَكْرِمْ وَجْهَكَ عَنْ رَدِّهِ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ يَتَعَهَّدُ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ بِالْبَلَاءِ- كَمَا يَتَعَهَّدُ الْغَائِبُ أَهْلَهُ بِالْهَدِيَّةِ- وَ يَحْمِيهِ عَنِ الدُّنْيَا كَمَا يَحْمِي الطَّبِيبُ الْمَرِيضَ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَ يُبْغِضُ- وَ لَا يُعْطِي دِينَهُ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّمَا شِيعَةُ عَلِيٍّ(ع)الْمُتَبَاذِلُونَ فِي وَلَايَتِنَا- الْمُتَحَابُّونَ فِي مَوَدَّتِنَا- الْمُتَزَاوِرُونَ لِإِحْيَاءِ أَمْرِنَا- الَّذِينَ إِذَا غَضِبُوا لَمْ يَظْلِمُوا- وَ إِذَا رَضُوا لَمْ يُسْرِفُوا- بَرَكَةٌ عَلَى مَنْ جَاوَرُوا سِلْمٌ لِمَنْ خَالَطُوا.
وَ قَالَ(ع)الْكَسَلُ يُضِرُّ بِالدِّينِ وَ الدُّنْيَا.
وَ قَالَ(ع)لَوْ يَعْلَمُ السَّائِلُ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ مَا سَأَلَ أَحَدٌ أَحَداً- وَ لَوْ يَعْلَمُ الْمَسْئُولُ مَا فِي الْمَنْعِ مَا مَنَعَ أَحَدٌ أَحَداً.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً مَيَامِينَ مَيَاسِيرَ- يَعِيشُونَ وَ يَعِيشُ النَّاسُ فِي أَكْنَافِهِمْ- وَ هُمْ فِي عِبَادِهِ مِثْلُ الْقَطْرِ- وَ لِلَّهِ عِبَادٌ مَلَاعِينُ مَنَاكِيدُ- لَا يَعِيشُونَ وَ لَا يَعِيشُ النَّاسُ فِي أَكْنَافِهِمْ- وَ هُمْ فِي عِبَادِهِ مِثْلُ الْجَرَادِ- لَا يَقَعُونَ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا أَتَوْا عَلَيْهِ (2).
____________
(1) في بعض النسخ «يغنك».
(2) الميامين: جمع ميمون بمعنى ذو اليمن و البركة. و المياسير: جمع موسر بمعنى الغنى و ذو اليسر. و المناكيد جمع نكد- بفتح الكاف و كسره و سكونه-: عسر، قليل الخير. و أتوا عليه أي أهلكوه و أفنوه.
181
وَ قَالَ(ع)قُولُوا لِلنَّاسِ أَحْسَنَ مَا تُحِبُّونَ أَنْ يُقَالَ لَكُمْ- فَإِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ اللَّعَّانَ السَّبَّابَ- الطَّعَّانَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ- الْفَاحِشَ الْمُتَفَحِّشَ السَّائِلَ الْمُلْحِفَ- وَ يُحِبُّ الْحَيِيَّ الْحَلِيمَ الْعَفِيفَ الْمُتَعَفِّفَ (1).
وَ قَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِفْشَاءَ السَّلَامِ.
6- ل (2)، الخصال عَنِ الطَّالَقَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْكِنَانِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيِّ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ مُعَاذٍ قَالَ: كُنْتُ جَلِيساً لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَيْثُ دَخَلَ الْمَدِينَةَ- فَأَمَرَ مُنَادِيَهُ فَنَادَى- مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلِمَةٌ أَوْ ظُلَامَةٌ فَلْيَأْتِ الْبَابَ- فَأَتَى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)يَعْنِي الْبَاقِرَ(ع) فَدَخَلَ إِلَيْهِ مَوْلَاهُ مُزَاحِمٌ فَقَالَ إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ بِالْبَابِ- فَقَالَ لَهُ أَدْخِلْهُ يَا مُزَاحِمُ- قَالَ فَدَخَلَ وَ عُمَرُ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ مِنَ الدُّمُوعِ- فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)مَا أَبْكَاكَ يَا عُمَرُ- فَقَالَ هِشَامٌ أَبْكَاهُ كَذَا وَ كَذَا يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ص فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ(ع) يَا عُمَرُ إِنَّمَا الدُّنْيَا سُوقٌ مِنَ الْأَسْوَاقِ- مِنْهَا خَرَجَ قَوْمٌ بِمَا يَنْفَعُهُمْ وَ مِنْهَا خَرَجُوا بِمَا يَضُرُّهُمْ- وَ كَمْ مِنْ قَوْمٍ قَدْ ضَرَّهُمْ بِمِثْلِ الَّذِي أَصْبَحْنَا فِيهِ- حَتَّى أَتَاهُمُ الْمَوْتُ- فَاسْتَوْعَبُوا فَخَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا مَلُومِينَ- لِمَا لَمْ يَأْخُذُوا لِمَا أَحَبُّوا مِنَ الْآخِرَةِ عُدَّةً- وَ لَا مِمَّا كَرِهُوا جُنَّةً- قَسَمَ مَا جَمَعُوا مَنْ لَا يَحْمَدُهُمْ- وَ صَارُوا إِلَى مَنْ لَا يَعْذِرُهُمْ- فَنَحْنُ وَ اللَّهِ مُحِقُّونَ أَنْ نَنْظُرَ إِلَى تِلْكَ الْأَعْمَالِ- الَّتِي كُنَّا نَغْبِطُهُمْ بِهَا فَنُوَافِقَهُمْ- وَ نَنْظُرَ إِلَى تِلْكَ الْأَعْمَالِ- الَّتِي كُنَّا نَتَخَوَّفُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا- فَنَكُفَّ عَنْهَا فَاتَّقِ اللَّهَ- وَ اجْعَلْ فِي قَلْبِكَ اثْنَتَيْنِ- تَنْظُرُ الَّذِي تُحِبُّ أَنْ يَكُونَ مَعَكَ إِذَا قَدِمْتَ عَلَى رَبِّكَ- فَقَدِّمْهُ بَيْنَ يَدَيْكَ- وَ تَنْظُرُ الَّذِي تَكْرَهُهُ أَنْ يَكُونَ مَعَكَ- إِذَا قَدِمْتَ عَلَى رَبِّكَ فَابْتَغِ بِهِ الْبَدَلَ
____________
(1) يقال: ألحف في المسألة الحافا إذا ألحّ فيها و لزمها، و هو موجب لبغض الرب حيث أعرض عن الغنى الكريم و سأل الفقير اللئيم. و أنشد بعضهم:
اللّه يبغض ان تركت سؤاله* * * و بنو آدم حين يسأل يغضب
(2) الخصال ج 1 ص 51.
182
وَ لَا تَذْهَبَنَّ إِلَى سِلْعَةٍ قَدْ بَارَتْ (1) عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكَ- تَرْجُو أَنْ تَجُوزَ عَنْكَ- وَ اتَّقِ اللَّهَ يَا عُمَرُ- وَ افْتَحِ الْأَبْوَابَ وَ سَهِّلِ الْحِجَابَ- وَ انْصُرِ الْمَظْلُومَ وَ رُدَّ الْمَظَالِمَ (2)- ثُمَّ قَالَ ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ- فَجَثَا عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ- وَ قَالَ إِيهِ يَا أَهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ- فَقَالَ نَعَمْ يَا عُمَرُ مَنْ إِذَا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضَاهُ فِي الْبَاطِلِ- وَ إِذَا غَضِبَ لَمْ يُخْرِجْهُ غَضَبُهُ مِنَ الْحَقِّ- وَ مَنْ إِذَا قَدَرَ لَمْ يَتَنَاوَلْ مَا لَيْسَ لَهُ- فَدَعَا عُمَرُ بِدَوَاةٍ فِي قِرْطَاسٍ وَ كَتَبَ- بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ- هَذَا مَا رَدَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ظُلَامَةَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ فَدَكَ.
7- ما (3)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ الْمُفِيدِ عَنِ ابْنِ قُولَوَيْهِ عَنِ الْكُلَيْنِيِّ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْيَقْطِينِيِّ عَنْ يُونُسَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ(ع)وَ نَحْنُ جَمَاعَةٌ- بَعْدَ مَا قَضَيْنَا نُسُكَنَا فَوَدَّعْنَاهُ وَ قُلْنَا لَهُ- أَوْصِنَا يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ- فَقَالَ لِيُعِنْ قَوِيُّكُمْ ضَعِيفَكُمْ- وَ لْيَعْطِفْ غَنِيُّكُمْ عَلَى فَقِيرِكُمْ- وَ لْيَنْصَحِ الرَّجُلُ أَخَاهُ كَنُصْحِهِ لِنَفْسِهِ- وَ اكْتُمُوا أَسْرَارَنَا- وَ لَا تَحْمِلُوا النَّاسَ عَلَى أَعْنَاقِنَا- وَ انْظُرُوا أَمْرَنَا وَ مَا جَاءَكُمْ عَنَّا- فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُ لِلْقُرْآنِ مُوَافِقاً فَخُذُوا بِهِ- وَ إِنْ لَمْ تَجِدُوهُ مُوَافِقاً فَرُدُّوهُ- وَ إِنِ اشْتَبَهَ الْأَمْرُ عَلَيْكُمْ فَقِفُوا عِنْدَهُ- وَ رُدُّوهُ إِلَيْنَا حَتَّى نَشْرَحَ لَكُمْ مِنْ ذَلِكَ مَا شُرِحَ لَنَا- فَإِذَا كُنْتُمْ كَمَا أَوْصَيْنَاكُمْ- لَمْ تَعَدَّوْا إِلَى غَيْرِهِ- فَمَاتَ مِنْكُمْ مَيِّتٌ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ قَائِمُنَا كَانَ شَهِيداً- وَ إِنْ أَدْرَكَ قَائِمَنَا فَقُتِلَ مَعَهُ كَانَ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ- وَ مَنْ قَتَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَدُوّاً لَنَا- كَانَ لَهُ أَجْرُ عِشْرِينَ شَهِيداً.
8- ما (4)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ الْفَحَّامِ عَنْ عَمِّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ قَالَ: خَدَمْتُ سَيِّدَ الْأَنَامِ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ(ع) ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً- فَلَمَّا أَرَدْتُ الْخُرُوجَ وَدَّعْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ
____________
(1) السلعة: المتاع. و بار السوق أو السلعة أي كسد.
(2) في المصدر «الظالم».
(3) الأمالي ج 1 ص 236.
(4) المصدر: ج 1 ص 302.
183
أَفِدْنِي فَقَالَ بَعْدَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً يَا جَابِرُ- قُلْتُ نَعَمْ إِنَّكُمْ بَحْرٌ لَا يُنْزَفُ وَ لَا يُبْلَغُ قَعْرُهُ (1)- قَالَ يَا جَابِرُ بَلِّغْ شِيعَتِي عَنِّي السَّلَامَ- وَ أَعْلِمْهُمْ أَنَّهُ لَا قَرَابَةَ بَيْنَنَا وَ بَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا يُتَقَرَّبُ إِلَيْهِ إِلَّا بِالطَّاعَةِ لَهُ- يَا جَابِرُ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَ أَحَبَّنَا فَهُوَ وَلِيُّنَا- وَ مَنْ عَصَى اللَّهَ لَمْ يَنْفَعْهُ حُبُّنَا- يَا جَابِرُ مَنْ هَذَا الَّذِي سَأَلَ اللَّهَ فَلَمْ يُعْطِهِ- أَوْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكْفِهِ- أَوْ وَثِقَ بِهِ فَلَمْ يُنْجِهِ- يَا جَابِرُ أَنْزِلِ الدُّنْيَا مِنْكَ كَمَنْزِلٍ نَزَلْتَهُ تُرِيدُ التَّحَوُّلَ- وَ هَلِ الدُّنْيَا إِلَّا دَابَّةٌ رَكِبْتَهَا فِي مَنَامِكَ- فَاسْتَيْقَظْتَ وَ أَنْتَ عَلَى فِرَاشِكَ غَيْرَ رَاكِبٍ- وَ لَا أَحَدٌ يَعْبَأُ بِهَا أَوْ كَثَوْبٍ لَبِسْتَهُ- أَوْ كَجَارِيَةٍ وَطِئْتَهَا يَا جَابِرُ الدُّنْيَا عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ كَفَيْءِ الظِّلَالِ- لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِعْزَازٌ لِأَهْلِ دَعْوَتِهِ- الصَّلَاةُ بَيْتُ الْإِخْلَاصِ وَ تَنْزِيهٌ عَنِ الْكِبْرِ- وَ الزَّكَاةُ تَزِيدُ فِي الرِّزْقِ- وَ الصِّيَامُ وَ الْحَجُّ تَسْكِينُ الْقُلُوبِ- الْقِصَاصُ وَ الْحُدُودُ حِقْنُ الدِّمَاءِ- وَ حُبُّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ نِظَامُ الدِّينِ- وَ جَعَلَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ مِنَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ- وَ هُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ.
9- مع (2)، معاني الأخبار عَنِ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ هَارُونَ بْنِ الْجَهْمِ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ سَعْدٍ الْإِسْكَافِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: ثَلَاثٌ دَرَجَاتٌ وَ ثَلَاثٌ كَفَّارَاتٌ وَ ثَلَاثٌ مُوبِقَاتٌ (3)- وَ ثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ- فَأَمَّا الدَّرَجَاتُ فَإِفْشَاءُ السَّلَامِ- وَ إِطْعَامُ الطَّعَامِ- وَ الصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَ النَّاسُ نِيَامٌ- وَ أَمَّا الْكَفَّارَاتُ فَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي السَّبَرَاتِ- وَ الْمَشْيُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهَارِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ- وَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَوَاتِ- وَ أَمَّا الْمُوبِقَاتُ فَشُحٌّ مُطَاعٌ- وَ هَوًى مُتَّبَعٌ وَ إِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ- وَ أَمَّا الْمُنْجِيَاتُ فَخَوْفُ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَ الْعَلَانِيَةِ- وَ الْقَصْدُ فِي الْغِنَى وَ
____________
(1) لا ينزف أي لا يفنى ماؤها على كثرة الاستقاء.
(2) معاني الأخبار: ص 314 و رواه في الخصال ج 1 ص 41 بسند آخر.
(3) الموبقة: المهلكة، و الموبقات المهلكات من المعاصى و الذنوب.
184
الْفَقْرِ- وَ كَلِمَةُ الْعَدْلِ فِي الرِّضَا وَ السَّخَطِ.
قَالَ مُصَنِّفُ هَذَا الْكِتَابِ ره (1)
- رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: الشُّحُّ الْمُطَاعُ سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-.
وَ أَمَّا السَّبَرَاتُ فَجَمْعُ سَبْرَةٍ وَ هُوَ شِدَّةُ الْبَرْدِ- وَ بِهَا سُمِّيَ الرَّجُلُ سَبْرَةَ.
10- سن (2)، المحاسن عَنْ أَبَانٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَيَابَةَ عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: الْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ لِلشَّاكِّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ- وَ هُوَ يَرَى خَلْقَ اللَّهِ- وَ الْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ لِلْمُكَذِّبِ بِالنَّشْأَةِ الْأُخْرَى- وَ هُوَ يَرَى النَّشْأَةَ الْأُولَى- وَ الْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ لِلْمُصَدِّقِ بِدَارِ الْخُلُودِ- وَ هُوَ يَعْمَلُ لِدَارِ الْغُرُورِ- وَ الْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ لِلْمُخْتَالِ الْفَخُورِ- الَّذِي خُلِقَ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ يَصِيرُ جِيفَةً- وَ هُوَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَ لَا يَدْرِي كَيْفَ يُصْنَعُ بِهِ.
11- جا (3)، المجالس للمفيد عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ مَعْرُوفٍ عَنِ ابْنِ مَهْزِيَارَ عَنِ ابْنِ حَدِيدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ الْعِجْلِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)يَا أَبَا النُّعْمَانِ- لَا تُحَقِّقَنَّ عَلَيْنَا كَذِباً فَتُسْلَبَ الْحَنِيفِيَّةَ- يَا أَبَا النُّعْمَانِ لَا تَسْتَأْكِلْ بِنَا النَّاسَ- فَلَا تزيدك [يَزِيدَكَ اللَّهُ بِذَلِكَ إِلَّا فَقْراً- يَا أَبَا النُّعْمَانِ لَا تَرَأَّسْ فَتَكُونَ ذَنَباً- يَا أَبَا النُّعْمَانِ إِنَّكَ مَوْقُوفٌ وَ مَسْئُولٌ لَا مَحَالَةَ- فَإِنْ صَدَقْتَ صَدَّقْنَاكَ وَ إِنْ كَذَبْتَ كَذَّبْنَاكَ- يَا أَبَا النُّعْمَانِ لَا يَغُرَّكَ النَّاسُ عَنْ نَفْسِكَ- فَإِنَّ الْأَمْرَ يَصِلُ إِلَيْكَ دُونَهُمْ- وَ لَا تَقْطَعَنَّ نَهَارَكَ بِكَذَا وَ كَذَا- فَإِنَّ مَعَكَ مَنْ يَحْفَظُ عَلَيْكَ- وَ أَحْسِنْ فَلَمْ أَرَ شَيْئاً أَسْرَعَ دَرَكاً وَ لَا أَشَدَّ طَلَباً- مِنْ حَسَنَةٍ لِذَنْبٍ قَدِيمٍ.
12- كشف (4)، كشف الغمة مِنْ كِتَابِ الْحَافِظِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ
____________
(1) يعني الصدوق.
(2) المحاسن ص 242 تحت رقم 230.
(3) مجالس المفيد: ص 108، المجلس الثالث و العشرون.
(4) كشف الغمّة ج 2 ص 333 الى 362.
185
قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)يَا ابْنَ أَرْطَاةَ كَيْفَ تَوَاسِيكُمْ قُلْتُ صَالِحٌ يَا أَبَا جَعْفَرٍ- قَالَ يُدْخِلُ أَحَدُكُمْ يَدَهُ فِي كِيسِ أَخِيهِ- فَيَأْخُذَ حَاجَتَهُ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِ- قُلْتُ أَمَّا هَذَا فَلَا- فَقَالَ لَهُ لَوْ فَعَلْتُمْ مَا احْتَجْتُمْ.
13- عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)قَالَ: لَا تَصْحَبَنَّ خَمْسَةً وَ لَا تُحَادِثْهُمْ- وَ لَا تُصَاحِبْهُمْ فِي طَرِيقٍ- وَ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي أَخْبَارِ أَبِيهِ(ع)(1).
14- وَ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ حَسَنٍ قَالَ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)يَقُولُ سِلَاحُ اللِّئَامِ قَبِيحُ الْكَلَامِ.
15- وَ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ قَالَ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)يَا جَابِرُ إِنِّي لَمَحْزُونٌ- وَ إِنِّي لَمُشْتَغِلُ الْقَلْبِ- قُلْتُ وَ مَا حَزَنَكَ وَ مَا شَغَلَ قَلْبَكَ- قَالَ يَا جَابِرُ- إِنَّهُ مَنْ دَخَلَ قَلْبَهُ صَافِي خَالِصِ دِينِ اللَّهِ- شَغَلَهُ عَمَّا سِوَاهُ- يَا جَابِرُ مَا الدُّنْيَا وَ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ- إِنْ هُوَ إِلَّا مَرْكَبٌ رَكِبْتَهُ- أَوْ ثَوْبٌ لَبِسْتَهُ أَوِ امْرَأَةٌ أَصَبْتَهَا- يَا جَابِرُ- إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَطْمَئِنُّوا إِلَى الدُّنْيَا لِلْبَقَاءِ فِيهَا- وَ لَمْ يَأْمَنُوا قُدُومَ الْآخِرَةِ عَلَيْهِمْ- وَ لَمْ يُصِمَّهُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ- مَا سَمِعُوا بِآذَانِهِمْ مِنَ الْفِتْنَةِ- وَ لَمْ يُعْمِهِمْ عَنْ نُورِ اللَّهِ- مَا رَأَوْا بِأَعْيُنِهِمْ مِنَ الزِّينَةِ فَفَازُوا ثَوَابَ الْأَبْرَارِ- وَ إِنَّ أَهْلَ التَّقْوَى أَيْسَرُ أَهْلِ الدُّنْيَا مَئُونَةً- وَ أَكْثَرُهُمْ لَكَ مَعُونَةً- إِنْ نَسِيتَ ذَكَّرُوكَ وَ إِنْ ذَكَرْتَ أَعَانُوكَ- قَوَّالِينَ بِحَقِّ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- قَوَّامِينَ بِأَمْرِ اللَّهِ- وَ قَطَعُوا مَحَبَّتَهُمْ لِمَحَبَّةِ رَبِّهِمْ- وَ نَظَرُوا إِلَى اللَّهِ وَ إِلَى مَحَبَّتِهِ بِقُلُوبِهِمْ- وَ تَوَحَّشُوا مِنَ الدُّنْيَا بِطَاعَةِ مَلِيكِهِمْ- وَ عَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ مَنْظُورٌ إِلَيْهِ مِنْ شَأْنِهِمْ- فَأَنْزِلِ الدُّنْيَا بِمَنْزِلَةٍ نَزَلْتَ بِهِ وَ ارْتَحَلْتَ عَنْهُ- أَوْ كَمَالٍ أَصَبْتَهُ فِي مَنَامِكَ فَاسْتَيْقَظْتَ- وَ لَيْسَ مَعَكَ مِنْهُ شَيْءٌ- احْفَظِ اللَّهَ مَا اسْتَرْعَاكَ مِنْ دِينِهِ وَ حِكْمَتِهِ.
16- وَ فِي كِتَابِ حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ- عَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)قَالَ: الْإِيمَانُ ثَابِتٌ فِي الْقَلْبِ وَ الْيَقِينُ خَطَرَاتٌ- فَيَمُرُّ الْيَقِينُ
____________
(1) راجع ص 137 و الكافي ج 2 ص 641.
186
بِالْقَلْبِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ زُبَرُ الْحَدِيدِ- وَ يَخْرُجُ مِنْهُ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ خِرْقَةٌ بَالِيَةٌ.
وَ عَنْهُ(ع)أَنَّهُ قَالَ: مَا دَخَلَ قَلْبَ امْرِئٍ شَيْءٌ مِنَ الْكِبْرِ- إِلَّا نَقَصَ مِنْ عَقْلِهِ مِثْلَ مَا دَخَلَهُ مِنْ ذَلِكَ- قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ.
17- وَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ سَمِعْتُ مَنْصُوراً يَقُولُ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)يَقُولُ الْغِنَى وَ الْعِزُّ يَجُولَانِ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ- فَإِذَا وَصَلَا إِلَى مَكَانٍ فِيهِ التَّوَكُّلُ أَقْطَنَاهُ.
18- وَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: الصَّوَاعِقُ يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ وَ غَيْرَ الْمُؤْمِنِ- وَ لَا تُصِيبُ الذَّاكِرَ.
19- وَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)فِي قَوْلِهِ تَعَالَى أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا (1)- قَالَ الْغُرْفَةُ الْجَنَّةُ- بِمَا صَبَرُوا عَلَى الْفِتَنِ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا.
20- وَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فِي قَوْلِهِ وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً (2)- قَالَ بِمَا صَبَرُوا عَلَى الْفَقْرِ وَ مَصَائِبِ الدُّنْيَا.
21- وَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: شِيعَتُنَا مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ.
22- وَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ: إِيَّاكُمْ وَ الْخُصُومَةَ فَإِنَّهَا تُفْسِدُ الْقَلْبَ وَ تُورِثُ النِّفَاقَ.
23- وَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)مَنْ أُعْطِيَ الْخُلُقَ وَ الرِّفْقَ فَقَدْ أُعْطِيَ الْخَيْرَ وَ الرَّاحَةَ- وَ حُسْنَ حَالِهِ فِي دُنْيَاهُ وَ آخِرَتِهِ- وَ مَنْ حُرِمَ الْخُلُقَ وَ الرِّفْقَ- كَانَ ذَلِكَ سَبِيلًا إِلَى كُلِّ شَرٍّ وَ بَلِيَّةٍ- إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ.
24- وَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَخِيهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: شِيعَتُنَا ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ- صِنْفٌ يَأْكُلُونَ النَّاسَ بِنَا وَ صِنْفٌ كَالزُّجَاجِ يَنُمُ (3)- وَ صِنْفٌ كَالذَّهَبِ الْأَحْمَرِ
____________
(1) الفرقان: 76.
(2) الدهر: 13.
(3) يعني لا يكتم السر و أذاع ما في باطنه من الاسرار.
187
كُلَّمَا أُدْخِلَ النَّارَ ازْدَادَ جَوْدَةً.
25- وَ عَنِ الْأَصْمَعِيِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ- إِيَّاكَ وَ الْكَسَلَ وَ الضَّجَرَ فَإِنَّهُمَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ- إِنَّكَ إِنْ كَسِلْتَ لَمْ تُؤَدِّ حَقّاً- وَ إِنْ ضَجِرْتَ لَمْ تَصْبِرْ عَلَى حَقٍّ.
26- وَ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: أَشَدُّ الْأَعْمَالِ ثَلَاثَةٌ- ذِكْرُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ- وَ إِنْصَافُكَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ وَ مُوَاسَاةُ الْأَخِ فِي الْمَالِ.
27- قَالَ الْآبِيُّ فِي كِتَابِ نَثْرِ الدُّرَرِ (1)، قَالَ(ع)لِابْنِهِ جَعْفَرٍ(ع) إِنَّ اللَّهَ خَبَأَ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ- خَبَأَ رِضَاهُ فِي طَاعَتِهِ- فَلَا تُحَقِّرَنَّ مِنَ الطَّاعَةِ شَيْئاً- فَلَعَلَّ رِضَاهُ فِيهِ- وَ خَبَأَ سَخَطَهُ فِي مَعْصِيَتِهِ فَلَا تُحَقِّرَنَّ مِنَ الْمَعْصِيَةِ شَيْئاً- فَلَعَلَّ سَخَطَهُ فِيهِ- وَ خَبَأَ أَوْلِيَاءَهُ فِي خَلْقِهِ- فَلَا تُحَقِّرَنَّ أَحَداً فَلَعَلَّ الْوَلِيَّ ذَلِكَ.
28- وَ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ نَاسٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَ غَيْرِهِمْ فَقَالَ- اتَّقُوا اللَّهَ شِيعَةَ آلِ مُحَمَّدٍ- وَ كُونُوا النُّمْرُقَةَ الْوُسْطَى- يَرْجِعُ إِلَيْكُمُ الْغَالِي وَ يَلْحَقُ بِكُمُ التَّالِي- قَالُوا لَهُ وَ مَا الْغَالِي- قَالَ الَّذِي يَقُولُ فِينَا مَا لَا نَقُولُهُ فِي أَنْفُسِنَا- قَالُوا فَمَا التَّالِي- قَالَ التَّالِي الَّذِي يَطْلُبُ الْخَيْرَ فَيَزِيدُ بِهِ خَيْراً- وَ اللَّهِ مَا بَيْنَنَا وَ بَيْنَ اللَّهِ قَرَابَةٌ- وَ لَا لَنَا عَلَى اللَّهِ مِنْ حُجَّةٍ- وَ لَا يُتَقَرَّبُ إِلَيْهِ إِلَّا بِالطَّاعَةِ- فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُطِيعاً لِلَّهِ يَعْمَلُ بِطَاعَتِهِ- نَفَعَتْهُ وَلَايَتُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ- وَ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ عَاصِياً لِلَّهِ يَعْمَلُ مَعَاصِيَهُ- لَمْ تَنْفَعْهُ وَلَايَتُنَا وَيْحَكُمْ لَا تَغْتَرُّوا ثَلَاثاً (2).
29- وَ قَالَ(ع)إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللَّهَ شُكْراً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْأَحْرَارِ.
30- وَ قَالَ(ع)لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ- إِذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ بِنِعْمَةٍ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ- وَ إِذَا حَزَنَكَ أَمْرٌ فَقُلْ- لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- وَ إِذَا أَبْطَأَ عَنْكَ رِزْقٌ فَقُلْ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.
31- وَ قَالَ ابْنُ حُمْدُونٍ فِي تَذْكِرَتِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)تَوَقِّي الصَّرْعَةِ خَيْرٌ مِنْ سُؤَالِ الرَّجْعَةِ.
____________
(1) راجع كشف الغمّة ج 2 ص 360.
(2) أي قالها ثلاث مرّات.
188
32- وَ قِيلَ لَهُ مَنْ أَعْظَمُ النَّاسِ قَدْراً- قَالَ مَنْ لَمْ يَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِهِ قَدْراً.
33- وَ قَالَ أَبُو عُثْمَانَ الْجَاحِظُ جَمَعَ مُحَمَّدٌ صَلَاحَ شَأْنِ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا فِي كَلِمَتَيْنِ- فَقَالَ صَلَاحُ شَأْنِ الْمَعَاشِ وَ التَّعَاشُرِ مِلْءَ مِكْيَالٍ- ثُلُثَانِ فِطْنَةٌ وَ ثُلُثٌ تَغَافُلٌ.
34- الدُّرَّةُ الْبَاهِرَةُ (1)، قَالَ الْبَاقِرُ(ع)إِنَّ اللَّهَ خَبَأَ ثَلَاثَةً فِي ثَلَاثَةٍ- خَبَأَ رِضَاهُ فِي طَاعَتِهِ فَلَا تُحَقِّرَنَّ مِنَ الطَّاعَةِ شَيْئاً- فَلَعَلَّ رِضَاهُ فِيهِ- وَ خَبَأَ سَخَطَهُ فِي مَعْصِيَتِهِ- فَلَا تُحَقِّرَنَّ مِنَ الْمَعْصِيَةِ شَيْئاً فَلَعَلَّ سَخَطَهُ فِيهِ- وَ خَبَأَ أَوْلِيَاءَهُ فِي خَلْقِهِ- فَلَا تُحَقِّرَنَّ أَحَداً فَلَعَلَّهُ الْوَلِيُّ.
35- وَ قَالَ(ع)الْغَلَبَةُ بِالْخَيْرِ فَضِيلَةٌ وَ بِالشَّرِّ قَبِيحَةٌ.
36- وَ قِيلَ لَهُ(ع)مَنْ أَعْظَمُ النَّاسِ قَدْراً- فَقَالَ مَنْ لَا يَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِهِ قَدْراً.
37- وَ قَالَ(ع)مَا يَأْخُذُ الْمَظْلُومُ مِنْ دِينِ الظَّالِمِ- أَكْثَرُ مِمَّا يَأْخُذُ الظَّالِمُ مِنْ دُنْيَا الْمَظْلُومِ.
38- وَ قَالَ(ع)مَنْ كَانَ ظَاهِرُهُ أَرْجَحَ مِنْ بَاطِنِهِ خَفَّ مِيزَانُهُ.
39- أَعْلَامُ الدِّينِ (2)، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَاقِرُ(ع)كُنْ لِمَا لَا تَرْجُو أَرْجَى مِنْكَ لِمَا تَرْجُو- فَإِنَّ مُوسَى(ع)خَرَجَ لِيَقْتَبِسَ نَاراً- فَرَجَعَ نَبِيّاً مُرْسَلًا.
40- وَ قَالَ لِبَعْضِ شِيعَتِهِ- إِنَّا لَا نُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِلَّا بِالْوَرَعِ- وَ إِنَّ وَلَايَتَنَا لَا تُدْرَكُ إِلَّا بِالْعَمَلِ- وَ إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَسْرَةً- مَنْ وَصَفَ عَدْلًا وَ أَتَى جَوْراً.
41- وَ قَالَ(ع)إِذَا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى حُسْنَ نِيَّةٍ مِنْ أَحَدٍ- اكْتَنَفَهُ بِالْعِصْمَةِ.
42- وَ قَالَ(ع)صَانِعِ الْمُنَافِقَ بِلِسَانِكَ وَ أَخْلِصْ وُدَّكَ لِلْمُؤْمِنِينَ- وَ إِنْ جَالَسَكَ يَهُودِيٌّ فَأَحْسِنْ مُجَالَسَتَهُ.
____________
(1) مخطوط.
(2) مخطوط.
189
43- وَ قَالَ(ع)الْوُقُوفُ عِنْدَ الشُّبْهَةِ خَيْرٌ مِنَ الِاقْتِحَامِ فِي الْهَلَكَةِ- وَ تَرْكُكَ حَدِيثاً لَمْ تُرْوَهُ- خَيْرٌ مِنْ رِوَايَتِكَ حَدِيثاً لَمْ تُحْصِهِ- إِنَّ عَلَى كُلِّ حَقٍّ نُوراً- وَ مَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ فَدَعُوهُ- إِنَّ أَسْرَعَ الْخَيْرِ ثَوَاباً الْبِرُّ- وَ إِنَّ أَسْرَعَ الشَّرِّ عُقُوبَةً الْبَغْيُ- وَ كَفَى بِالْمَرْءِ عَيْباً أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَعْمَى عَنْهُ مِنْ نَفْسِهِ- وَ يُعَيِّرَ النَّاسَ بِمَا لَا يَنْفِيهِ عَنْ نَفْسِهِ- أَوْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ لَا يَعْنِيهِ.
44- وَ قَالَ(ع)مَنْ عَمِلَ بِمَا يَعْلَمُ عَلَّمَهُ اللَّهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ.
45- وَ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَ غَيْرِهِمْ- فَقَالَ لَهُمْ اتَّقُوا اللَّهَ شِيعَةَ آلِ مُحَمَّدٍ- وَ كُونُوا النُّمْرُقَةَ الْوُسْطَى- يَرْجِعُ إِلَيْكُمُ الْغَالِي وَ يَلْحَقُ بِكُمُ التَّالِي- قَالُوا لَهُ وَ مَا الْغَالِي- قَالَ الَّذِي يَقُولُ فِينَا مَا لَا نَقُولُهُ فِي أَنْفُسِنَا- قَالُوا وَ مَا التَّالِي- قَالَ الَّذِي يَطْلُبُ الْخَيْرَ فَيَزِيدُ بِهِ خَيْراً- إِنَّهُ وَ اللَّهِ مَا بَيْنَنَا وَ بَيْنَ اللَّهِ مِنْ قَرَابَةٍ- وَ لَا لَنَا عَلَيْهِ حُجَّةٌ- وَ لَا يُتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا بِالطَّاعَةِ- فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُطِيعاً لِلَّهِ يَعْمَلُ بِطَاعَتِهِ- نَفَعَتْهُ وَلَايَتُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ- وَ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ عَاصِياً لِلَّهِ يَعْمَلُ بِمَعَاصِيهِ- لَمْ تَنْفَعْهُ وَلَايَتُنَا وَيْحَكُمْ لَا تَغْتَرُّوا.
46- وَ قَالَ لِبَعْضِ شِيعَتِهِ وَ قَدْ أَرَادَ سَفَراً- فَقَالَ لَهُ أَوْصِنِي- فَقَالَ لَا تَسِيرَنَّ سَيْراً وَ أَنْتَ خاف [حَافٍ- وَ لَا تَنْزِلَنَّ عَنْ دَابَّتِكَ لَيْلًا- إِلَّا وَ رِجْلَاكَ فِي خُفٍّ- وَ لَا تَبُولَنَّ فِي نَفَقٍ وَ لَا تَذُوقَنَّ بَقْلَةً- وَ لَا تَشَمُّهَا حَتَّى تَعْلَمَ مَا هِيَ- وَ لَا تَشْرَبْ مِنْ سِقَاءٍ حَتَّى تَعْرِفَ مَا فِيهِ- وَ لَا تَسِيرَنَّ إِلَّا مَعَ مَنْ تَعْرِفُ- وَ احْذَرْ مَنْ لَا تَعْرِفُ.
47- وَ قِيلَ لَهُ(ع)مَنْ أَعْظَمُ النَّاسِ قَدْراً- فَقَالَ مَنْ لَا يُبَالِي فِي يَدِ مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا.
48- وَ قَالَ(ع)تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ حَسَنَةٌ وَ طَلَبَهُ عِبَادَةٌ- وَ مُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ وَ الْبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ- وَ تَعَلُّمَهُ صَدَقَةٌ وَ بَذْلَهُ لِأَهْلِهِ قُرْبَةٌ- وَ الْعِلْمُ ثِمَارُ الْجَنَّةِ وَ أُنْسٌ فِي الْوَحْشَةِ- وَ صَاحِبٌ فِي الْغُرْبَةِ وَ رَفِيقٌ فِي الْخَلْوَةِ- وَ دَلِيلٌ عَلَى السَّرَّاءِ وَ عَوْنٌ عَلَى الضَّرَّاءِ- وَ دِينٌ عِنْدَ الْأَخِلَّاءِ وَ سِلَاحٌ عِنْدَ الْأَعْدَاءِ- يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ قَوْماً فَيَجْعَلُهُمْ فِي الْخَيْرِ سَادَةً- وَ لِلنَّاسِ أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِفِعَالِهِمْ- وَ يُقْتَصُ
190
آثَارُهُمْ- وَ يُصَلِّي عَلَيْهِمْ كُلُّ رَطْبٍ وَ يَابِسٍ- وَ حِيتَانُ الْبَحْرِ وَ هَوَامُّهُ وَ سِبَاعُ الْبَرِّ وَ أَنْعَامُهُ.
باب 23 مواعظ الصادق جعفر بن محمد(ع)و وصاياه و حكمه
1- لي (1)، الأمالي للصدوق عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الصُّهْبَانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبَانٍ الْأَحْمَرِ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)أَنَّهُ جَاءَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ- بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ عَلِّمْنِي مَوْعِظَةً- فَقَالَ لَهُ(ع) إِنْ كَانَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَدْ تَكَفَّلَ بِالرِّزْقِ- فَاهْتِمَامُكَ لِمَا ذَا- وَ إِنْ كَانَ الرِّزْقُ مَقْسُوماً فَالْحِرْصُ لِمَا ذَا- وَ إِنْ كَانَ الْحِسَابُ حَقّاً فَالْجَمْعُ لِمَا ذَا- وَ إِنْ كَانَ الثَّوَابُ عَنِ اللَّهِ حَقّاً فَالْكَسَلُ لِمَا ذَا- وَ إِنْ كَانَ الْخَلَفُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ حَقّاً فَالْبُخْلُ لِمَا ذَا- وَ إِنْ كَانَ الْعُقُوبَةُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ النَّارَ- فَالْمَعْصِيَةُ لِمَا ذَا- وَ إِنْ كَانَ الْمَوْتُ حَقّاً فَالْفَرَحُ لِمَا ذَا وَ إِنْ كَانَ الْعَرْضُ عَلَى اللَّهِ حَقّاً فَالْمَكْرُ لِمَا ذَا- وَ إِنْ كَانَ الشَّيْطَانُ عَدُوّاً فَالْغَفْلَةُ لِمَا ذَا- وَ إِنْ كَانَ الْمَمَرُّ عَلَى الصِّرَاطِ حَقّاً فَالْعُجْبُ لِمَا ذَا- وَ إِنْ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَ قَدَرٍ فَالْحُزْنُ لِمَا ذَا- وَ إِنْ كَانَتِ الدُّنْيَا فَانِيَةً فَالطُّمَأْنِينَةُ إِلَيْهَا لِمَا ذَا.
- ل (2)، الخصال عَنِ ابْنِ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبَانٍ مِثْلَهُ وَ فِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ فَالْمَعْصِيَةُ لِمَا ذَا- وَ إِنْ كَانَ الْمَوْتُ حَقّاً فَالْفَرَحُ لِمَا ذَا- وَ لَيْسَ فِيهِ- وَ إِنْ كَانَ الشَّيْطَانُ عَدُوّاً فَالْغَفْلَةُ لِمَا ذَا
. 2- لي (3)، الأمالي للصدوق عَنِ الْعَطَّارِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنِ الْجَامُورَانِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ
____________
(1) المجلس الثاني ص 5.
(2) الخصال ج 2 ص 61.
(3) المجلس الثالث و الأربعون ص 148.
191
الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)قَالَ: تَبِعَ حَكِيمٌ حَكِيماً سَبْعَمِائَةِ فَرْسَخٍ فِي سَبْعِ كَلِمَاتٍ- فَلَمَّا لَحِقَ بِهِ قَالَ لَهُ يَا هَذَا- مَا أَرْفَعُ مِنَ السَّمَاءِ وَ أَوْسَعُ مِنَ الْأَرْضِ- وَ أَغْنَى مِنَ الْبَحْرِ وَ أَقْسَى مِنَ الْحَجَرِ- وَ أَشَدُّ حَرَارَةً مِنَ النَّارِ- وَ أَشَدُّ بَرْداً مِنَ الزَّمْهَرِيرِ- وَ أَثْقَلُ مِنَ الْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ- فَقَالَ لَهُ يَا هَذَا الْحَقُّ أَرْفَعُ مِنَ السَّمَاءِ- وَ الْعَدْلُ أَوْسَعُ مِنَ الْأَرْضِ- وَ غِنَى النَّفْسِ أَغْنَى مِنَ الْبَحْرِ- وَ قَلْبُ الْكَافِرِ أَقْسَى مِنَ الْحَجَرِ- وَ الْحَرِيصُ الْجَشِعُ أَشَدُّ حَرَارَةً مِنَ النَّارِ- وَ الْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَشَدُّ بَرْداً مِنَ الزَّمْهَرِيرِ- وَ الْبُهْتَانُ عَلَى الْبَرِيءِ أَثْقَلُ مِنَ الْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ.
ل (1)، الخصال عن ماجيلويه عن محمد العطار مثله- كتاب الغايات (2)، للشيخ جعفر بن أحمد القمي مرسلا مثله.
3- لي (3)، الأمالي للصدوق عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ بُطَّةَ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِأَنْ يَتَمَنَّى لِلنَّاسِ الْغِنَى الْبُخَلَاءُ- لِأَنَّ النَّاسَ إِذَا اسْتَغْنَوْا كُفُّوا عَنْ أَمْوَالِهِمْ- وَ إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِأَنْ يَتَمَنَّى لِلنَّاسِ الصَّلَاحَ أَهْلُ الْعُيُوبِ- لِأَنَّ النَّاسَ إِذَا صَلَحُوا كُفُّوا عَنْ تَتَبُّعِ عُيُوبِهِمْ- وَ إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِأَنْ يَتَمَنَّى لِلنَّاسِ الْحِلْمَ أَهْلُ السَّفَهِ- الَّذِينَ يَحْتَاجُونَ أَنْ يُعْفَى عَنْ سَفَهِهِمْ- فَأَصْبَحَ أَهْلُ الْبُخْلِ يَتَمَنَّوْنَ فَقْرَ النَّاسِ- وَ أَصْبَحَ أَهْلُ الْعُيُوبِ يَتَمَنَّوْنَ مَعَايِبَ النَّاسِ- وَ أَصْبَحَ أَهْلُ السَّفَهِ يَتَمَنَّوْنَ سَفَهَ النَّاسِ- وَ فِي الْفَقْرِ الْحَاجَةُ إِلَى الْبَخِيلِ- وَ فِي الْفَسَادِ طَلَبُ عَوْرَةِ أَهْلِ الْعُيُوبِ- وَ فِي السَّفَهِ الْمُكَافَاةُ بِالذُّنُوبِ.
4- ب (4)، قرب الإسناد عَنِ ابْنِ سَعْدٍ عَنِ الْأَزْدِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: كَمْ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى عَبْدِهِ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ- وَ كَمْ مِنْ مُؤَمِّلٍ أَمَلًا وَ الْخِيَارُ فِي غَيْرِهِ- وَ كَمْ مِنْ سَاعٍ إِلَى حَتْفِهِ وَ هُوَ مُبْطِئٌ عَنْ حَظِّهِ.
____________
(1) الخصال ج 2 ص 5.
(2) مخطوط.
(3) المجلس الحادي و الستون ص 233.
(4) قرب الإسناد ص 19.
192
ما (1)، الأمالي للشيخ الطوسي عن المفيد عن ابن قولويه عن أبيه عن سعد عن ابن عيسى عن ابن مسكان عن بكر بن محمد عن الصادق(ع)مثله.
5- ل (2)، الخصال عَنْ مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ عَمِّهِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنِ ابْنِ مَعْرُوفٍ عَنْ أَبِي شُعَيْبٍ يَرْفَعُهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: أَوْرَعُ النَّاسِ مَنْ وَقَفَ عِنْدَ الشُّبْهَةِ- أَعْبَدُ النَّاسِ مَنْ أَقَامَ الْفَرَائِضَ- أَزْهَدُ النَّاسِ مَنْ تَرَكَ الْحَرَامَ- أَشَدُّ النَّاسِ اجْتِهَاداً مَنْ تَرَكَ الذُّنُوبَ.
6- ل (3)، الخصال عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الضَّبِّيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدِّينَوَرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى الْعَبْسِيِّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: لَقِيتُ الصَّادِقَ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ(ع)فَقُلْتُ لَهُ- يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَوْصِنِي- فَقَالَ لِي يَا سُفْيَانُ لَا مُرُوَّةَ لِكَذُوبٍ- وَ لَا أَخَ لملوك [لِمَلُولٍ وَ لَا رَاحَةَ لِحَسُودٍ- وَ لَا سُؤْدُدَ لِسَيِّئِ الْخُلُقِ- فَقُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ زِدْنِي- فَقَالَ لِي يَا سُفْيَانُ ثِقْ بِاللَّهِ تَكُنْ مُؤْمِناً- وَ ارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ غَنِيّاً- وَ أَحْسِنْ مُجَاوَرَةَ مَنْ جَاوَرْتَ تَكُنْ مُسْلِماً- وَ لَا تَصْحَبِ الْفَاجِرَ فَيُعَلِّمَكَ مِنْ فُجُورِهِ- وَ شَاوِرْ فِي أَمْرِكَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ- قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ زِدْنِي- فَقَالَ لِي يَا سُفْيَانُ مَنْ أَرَادَ عِزّاً بِلَا عَشِيرَةٍ- وَ غِنًى بِلَا مَالٍ وَ هَيْبَةً بِلَا سُلْطَانٍ- فَلْيَنْتَقِلْ عَنْ ذُلِّ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَى عِزِّ طَاعَتِهِ- قُلْتُ زِدْنِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ- فَقَالَ لِي يَا سُفْيَانُ- أَمَرَنِي وَالِدِي(ع)بِثَلَاثٍ وَ نَهَانِي عَنْ ثَلَاثٍ- فَكَانَ فِيمَا قَالَ لِي- يَا بُنَيَّ مَنْ يَصْحَبْ صَاحِبَ السَّوْءِ لَا يَسْلَمْ- وَ مَنْ يَدْخُلْ مَدَاخِلَ السَّوْءِ يُتَّهَمْ- وَ مَنْ لَا يَمْلِكْ لِسَانَهُ يَنْدَمْ ثُمَّ أَنْشَدَنِي-
عَوِّدْ لِسَانَكَ قَوْلَ الْخَيْرِ تَحَظَّ بِهِ* * * -إِنَّ اللِّسَانَ لِمَا عَوَّدْتَ مُعْتَادٌ-
مُوَكَّلٌ بِتَقَاضِي مَا سَنَنْتَ لَهُ* * * -فِي الْخَيْرِ وَ الشَّرِّ كَيْفَ تَعْتَادُ
.
____________
(1) الأمالي ج 1 ص 132.
(2) الخصال ج 1 ص 11.
(3) المصدر ج 1 ص 8.
193
7- فس (1)، تفسير القمي عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمِنْقَرِيِّ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَا حَفْصُ مَا مَنْزِلَةُ الدُّنْيَا مِنْ نَفْسِي إِلَّا بِمَنْزِلَةِ الْمَيْتَةِ- إِذَا اضْطُرِرْتُ إِلَيْهَا أَكَلْتُ مِنْهَا- يَا حَفْصُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَلِمَ مَا الْعِبَادُ عَامِلُونَ- وَ إِلَى مَا هُمْ صَائِرُونَ- فَحَلُمَ عَنْهُمْ عِنْدَ أَعْمَالِهِمُ السَّيِّئَةِ لِعِلْمِهِ السَّابِقِ فِيهِمْ- فَلَا يَغُرَّنَّكَ حُسْنُ الطَّلَبِ مِمَّنْ لَا يَخَافُ الْفَوْتَ- ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ الْآيَةَ (2)- وَ جَعَلَ يَبْكِي وَ يَقُولُ- ذَهَبَ وَ اللَّهِ الْأَمَانِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ- ثُمَّ قَالَ فَازُوا وَ اللَّهِ الْأَبْرَارُ أَ تَدْرِي مَنْ هُمْ- هُمُ الَّذِينَ لَا يُؤْذُونَ الذَّرَّ- كَفَى بِخَشْيَةِ اللَّهِ عِلْماً- وَ كَفَى بِالاغْتِرَارِ بِاللَّهِ جَهْلًا- يَا حَفْصُ إِنَّهُ يُغْفَرُ لِلْجَاهِلِ سَبْعُونَ ذَنْباً- قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لِلْعَالِمِ ذَنْبٌ وَاحِدٌ- وَ مَنْ تَعَلَّمَ وَ عَلِمَ وَ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ- دُعِيَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ عَظِيماً- فَقِيلَ تَعَلَّمَ لِلَّهِ وَ عَمِلَ لِلَّهِ وَ عَلَّمَ لِلَّهِ- قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَمَا حَدُّ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا- فَقَالَ فَقَدْ حَدَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَّ- لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ (3)- إِنَّ أَعْلَمَ النَّاسِ بِاللَّهِ أَخْوَفُهُمْ لِلَّهِ- وَ أَخْوَفَهُمْ لَهُ أَعْلَمُهُمْ بِهِ- وَ أَعْلَمَهُمْ بِهِ أَزْهَدُهُمْ فِيهَا- فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَوْصِنِي- فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُ كُنْتَ فَإِنَّكَ لَا تَسْتَوْحِشُ.
8- ل (4)، الخصال عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ (5) بِإِسْنَادِهِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)لَيْسَ لِلْبَحْرِ جَارٌ وَ لَا لِلْمَلِكِ صَدِيقٌ وَ لَا لِلْعَافِيَةِ ثَمَنٌ- وَ كَمْ مِنْ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ وَ هُوَ لَا يَعْلَمُ.
____________
(1) تفسير عليّ بن إبراهيم ص 493.
(2) القصص: 83. و تمام الآية «نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ».
(3) الحديد: 23.
(4) الخصال ج 1 ص 106.
(5) يعني محمّد بن جعفر الخزاز من أصحاب الرضا (عليه السلام).
194
9- ل (1)، الخصال ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ السَّعْدَآبَادِيِّ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: خَمْسٌ مِنْ خَمْسَةٍ مُحَالٌ- النَّصِيحَةُ مِنَ الْحَاسِدِ مُحَالٌ- وَ الشَّفَقَةُ مِنَ الْعَدُوِّ مُحَالٌ- وَ الْحُرْمَةُ مِنَ الْفَاسِقِ مُحَالٌ- وَ الْوَفَاءُ مِنَ الْمَرْأَةِ مُحَالٌ- وَ الْهَيْبَةُ مِنَ الْفَقِيرِ مُحَالٌ.
10- ل (2)، الخصال عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ مُوسَى بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ رَاشِدٍ رَفَعَهُ إِلَى الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: خَمْسٌ هُنَّ كَمَا أَقُولُ- لَيْسَتْ لِبَخِيلٍ رَاحَةٌ وَ لَا لِحَسُودٍ لَذَّةٌ- وَ لَا لملوك [لِمَلُولٍ وَفَاءٌ وَ لَا لِكَذَّابٍ مُرُوَّةٌ- وَ لَا يَسُودُ سَفِيهٌ.
11- ل (3)، الخصال عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنِ الْجَامُورَانِيِّ عَنْ دُرُسْتَ عَنْ أَبِي خَالِدٍ السِّجِسْتَانِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: خَمْسُ خِصَالٍ مَنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهَا- فَلَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ مُسْتَمْتَعٍ- أَوَّلُهَا الْوَفَاءُ وَ الثَّانِيَةُ التَّدْبِيرُ- وَ الثَّالِثَةُ الْحَيَاءُ وَ الرَّابِعَةُ حُسْنُ الْخُلُقِ- وَ الْخَامِسَةُ وَ هِيَ تَجْمَعُ هَذِهِ الْخِصَالَ الْحُرِّيَّةُ.
12- (4) وَ قَالَ(ع)خَمْسُ خِصَالٍ مَنْ فَقَدَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً لَمْ يَزَلْ نَاقِصَ الْعَيْشِ- زَائِلَ الْعَقْلِ مَشْغُولَ الْقَلْبِ- فَأَوَّلُهَا صِحَّةُ الْبَدَنِ وَ الثَّانِيَةُ الْأَمْنُ- وَ الثَّالِثَةُ السَّعَةُ فِي الرِّزْقِ- وَ الرَّابِعَةُ الْأَنِيسُ الْمُوَافِقُ- قُلْتُ وَ مَا الْأَنِيسُ الْمُوَافِقُ- قَالَ الزَّوْجَةُ الصَّالِحَةُ وَ الْوَلَدُ الصَّالِحُ- وَ الْخَلِيطُ الصَّالِحُ- وَ الْخَامِسَةُ وَ هِيَ تَجْمَعُ هَذِهِ الْخِصَالَ الدَّعَةُ.
13- ل (5)، الخصال عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنِ الْجَامُورَانِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْحَلَّالِ عَنْ يَحْيَى الْحَلَبِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ سَبْعَةٌ يُفْسِدُونَ أَعْمَالَهُمْ- الرَّجُلُ الْحَلِيمُ ذُو الْعِلْمِ الْكَثِيرِ لَا يُعْرَفُ
____________
(1) الخصال ج 1 ص 129.
(2) المصدر ج 1 ص 130.
(3) المصدر ج 1 ص 136.
(4) المصدر ج 1 ص 136.
(5) المصدر ج 2 ص 5.
195
بِذَلِكَ وَ لَا يُذْكَرُ بِهِ- وَ الْحَكِيمُ الَّذِي يُدِينُ مَالَهُ كُلَّ كَاذِبٍ مُنْكِرٍ لِمَا يُؤْتَى إِلَيْهِ- وَ الرَّجُلُ الَّذِي يَأْمَنُ ذَا الْمَكْرِ وَ الْخِيَانَةِ- وَ السَّيِّدُ الْفَظُّ الَّذِي لَا رَحْمَةَ لَهُ- وَ الْأُمُّ الَّتِي لَا تَكْتُمُ عَنِ الْوَلَدِ السِّرَّ وَ تُفْشِي عَلَيْهِ- وَ السَّرِيعُ إِلَى لَائِمَةِ إِخْوَانِهِ- وَ الَّذِي يُجَادِلُ أَخَاهُ مُخَاصِماً لَهُ.
14- ل (1)، الخصال عَنِ الْعَطَّارِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنِ الْجَامُورَانِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ عَنْ يَحْيَى الْحَلَبِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ لَا يَطْمَعَنَّ ذُو الْكِبْرِ فِي الثَّنَاءِ الْحَسَنِ- وَ لَا الْخِبِّ فِي كَثْرَةِ الصَّدِيقِ- وَ لَا السَّيِّئُ الْأَدَبِ فِي الشَّرَفِ- وَ لَا الْبَخِيلُ فِي صِلَةِ الرَّحِمِ- وَ لَا الْمُسْتَهْزِئُ بِالنَّاسِ فِي صِدْقِ الْمَوَدَّةِ- وَ لَا الْقَلِيلُ الْفِقْهِ فِي الْقَضَاءِ- وَ لَا الْمُغْتَابُ فِي السَّلَامَةِ- وَ لَا الْحَسُودُ فِي رَاحَةِ الْقَلْبِ- وَ لَا الْمُعَاقِبُ عَلَى الذَّنْبِ الصَّغِيرِ فِي السُّؤْدُدِ- وَ لَا الْقَلِيلُ التَّجْرِبَةِ الْمُعْجَبُ بِرَأْيِهِ فِي رِئَاسَةٍ.
15- ل (2)، الخصال عَنِ الْمُفَسِّرِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْحُسَيْنِيِّ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيِّ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ: كَتَبَ الصَّادِقُ(ع)إِلَى بَعْضِ النَّاسِ- إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يُخْتَمَ بِخَيْرٍ عَمَلُكَ حَتَّى تُقْبَضَ- وَ أَنْتَ فِي أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ- فَعَظِّمْ لِلَّهِ حَقَّهُ أَنْ تَبْذُلَ نَعْمَاءَهُ فِي مَعَاصِيهِ- وَ أَنْ تَغْتَرَّ بِحِلْمِهِ عَنْكَ- وَ أَكْرِمْ كُلَّ مَنْ وَجَدْتَهُ يَذْكُرُنَا أَوْ يَنْتَحِلُ مَوَدَّتَنَا- ثُمَّ لَيْسَ عَلَيْكَ صَادِقاً كَانَ أَوْ كَاذِباً- إِنَّمَا لَكَ نِيَّتُكَ وَ عَلَيْهِ كَذِبُهُ.
16- ما (3)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ الْمُفِيدِ عَنِ ابْنِ قُولَوَيْهِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ شَرِيفِ بْنِ سَابِقٍ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَوَّلُ عُنْوَانِ صَحِيفَةِ الْمُؤْمِنِ بَعْدَ مَوْتِهِ- مَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهِ إِنْ خَيْراً فَخَيْراً وَ إِنْ شَرّاً فَشَرّاً- وَ أَوَّلُ تُحْفَةِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُ وَ لِمَنْ تَبِعَ جَنَازَتَهُ- ثُمَّ قَالَ يَا فَضْلُ- لَا يَأْتِي الْمَسْجِدَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ إِلَّا وَافِدُهَا- وَ مِنْ كُلِّ أَهْلِ
____________
(1) المصدر ج 2 ص 53.
(2) لم أجده.
(3) الأمالي ج 1 ص 45.
196
بَيْتٍ إِلَّا نَجِيبُهَا- يَا فَضْلُ لَا يَرْجِعُ صَاحِبُ الْمَسْجِدِ بِأَقَلَّ مِنْ إِحْدَى ثَلَاثٍ- إِمَّا دُعَاءٍ يَدْعُو بِهِ يُدْخِلُ اللَّهُ بِهِ الْجَنَّةَ- وَ إِمَّا دُعَاءٍ يَدْعُو بِهِ فَيَصْرِفُ اللَّهُ عَنْهُ بَلَاءَ الدُّنْيَا- وَ إِمَّا أَخٍ يَسْتَفِيدُهُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- ثُمَّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- مَا اسْتَفَادَ امْرُؤٌ مُسْلِمٌ فَائِدَةً بَعْدَ فَائِدَةِ الْإِسْلَامِ- مِثْلَ أَخٍ يَسْتَفِيدُهُ فِي اللَّهِ- ثُمَّ قَالَ يَا فَضْلُ لَا تَزْهَدُوا فِي فُقَرَاءِ شِيعَتِنَا- فَإِنَّ الْفَقِيرَ مِنْهُمْ لَيَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي مِثْلِ رَبِيعَةَ وَ مُضَرَ- ثُمَّ قَالَ يَا فَضْلُ إِنَّمَا سُمِّيَ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِناً- لِأَنَّهُ يُؤْمِنُ عَلَى اللَّهِ فَيُجِيزُ اللَّهُ أَمَانَهُ- ثُمَّ قَالَ أَ مَا سَمِعْتَ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي أَعْدَائِكُمْ- إِذَا رَأَوْا شَفَاعَةَ الرَّجُلِ مِنْكُمْ لِصَدِيقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (1).
17- ما (2)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ الْمُفِيدِ عَنْ حَسَنِ بْنِ حَمْزَةَ الْحَسَنِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فِي كِتَابِهِ عَلَى يَدِ أَبِي نُوحٍ الْكَاتِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ بَزِيعٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ- اسْمَعُوا مِنِّي كَلَاماً هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنَ الدُّهْمِ الْمُوَقَّفَةِ (3)- لَا يَتَكَلَّمْ أَحَدُكُمْ بِمَا لَا يَعْنِيهِ- وَ لْيَدَعْ كَثِيراً مِنَ الْكَلَامِ فِيمَا يَعْنِيهِ- حَتَّى يَجِدَ لَهُ مَوْضِعاً- فَرُبَّ مُتَكَلِّمٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ جَنَى عَلَى نَفْسِهِ بِكَلَامِهِ- وَ لَا يُمَارِيَنَّ أَحَدُكُمْ سَفِيهاً وَ لَا حَلِيماً- فَإِنَّهُ مَنْ مَارَى حَلِيماً أَقْصَاهُ- وَ مَنْ مَارَى سَفِيهاً أَرْدَاهُ- وَ اذْكُرُوا أَخَاكُمْ إِذَا غَابَ عَنْكُمْ- بِأَحْسَنِ مَا تُحِبُّونَ أَنْ تُذْكَرُوا بِهِ إِذَا غِبْتُمْ عَنْهُ- وَ اعْمَلُوا عَمَلَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُجَازًى بِالْإِحْسَانِ- مَأْخُوذٌ بِالاجْتِرَامِ.
18- ما (4)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ الْمُفِيدِ عَنِ ابْنِ قُولَوَيْهِ عَنِ الْكُلَيْنِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ رِفَاعَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ أَرْبَعٌ فِي التَّوْرَاةِ وَ إِلَى جَنْبِهِنَّ أَرْبَعٌ- مَنْ أَصْبَحَ عَلَى الدُّنْيَا
____________
(1) الشعراء: 100.
(2) الأمالي ج 1 ص 229.
(3) الدهم جمع أدهم: أجود الفرس. و دابة موقفة التي في قوائمها خطوط سود.
(4) الأمالي ج 1 ص 233 و رواه المفيد في المجالس ص 111.
197
حَزِيناً فَقَدْ أَصْبَحَ عَلَى رَبِّهِ سَاخِطاً- وَ مَنْ أَصْبَحَ يَشْكُرُ مُصِيبَةً نَزَلَتْ بِهِ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ رَبَّهُ- وَ مَنْ أَتَى غَنِيّاً فَتَضَعْضَعَ لَهُ لِيُصِيبَ مِنْ دُنْيَاهُ- فَقَدْ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ- وَ مَنْ دَخَلَ النَّارَ مِمَّنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ- فَإِنَّمَا هُوَ مِمَّنْ كَانَ يَتَّخِذُ آياتِ اللَّهِ هُزُواً- وَ الْأَرْبَعُ الَّتِي إِلَى جَنْبِهِنَّ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ- وَ مَنْ مَلَكَ اسْتَأْثَرَ وَ مَنْ لَمْ يَسْتَشِرْ نَدِمَ- وَ الْفَقْرُ هُوَ الْمَوْتُ الْأَكْبَرُ.
19- ما (1)، الأمالي للشيخ الطوسي بِإِسْنَادِ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)لَيْسَ لِحَاقِنٍ رَأْيٌ وَ لَا لملوك [لِمَلُولٍ صَدِيقٌ- وَ لَا لِحَسُودٍ غِنًى- وَ لَيْسَ بِحَازِمٍ مَنْ لَمْ يَنْظُرْ فِي الْعَوَاقِبِ- وَ النَّظَرُ فِي الْعَوَاقِبِ تَلْقِيحٌ لِلْقُلُوبِ.
20- ما (2)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنْ جَمَاعَةٍ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ هَوْذَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمَّادٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: دَخَلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع) وَ أَنَا عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ يَا سُفْيَانُ- إِنَّكَ رَجُلٌ مَطْلُوبٌ- وَ أَنَا رَجُلٌ تَسَرَّعَ إِلَيَّ الْأَلْسُنُ- فَسَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ- فَقَالَ مَا أَتَيْتُكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِلَّا لِأَسْتَفِيدَ مِنْكَ خَيْراً- قَالَ يَا سُفْيَانُ إِنِّي رَأَيْتُ الْمَعْرُوفَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِثَلَاثٍ- تَعْجِيلِهِ وَ سَتْرِهِ وَ تَصْغِيرِهِ- فَإِنَّكَ إِذَا عَجَّلْتَهُ هَنَّأْتَهُ وَ إِذَا سَتَرْتَهُ أَتْمَمْتَهُ- وَ إِذَا صَغَّرْتَهُ عَظُمَ عِنْدَ مَنْ تُسْدِيهِ إِلَيْهِ- يَا سُفْيَانُ إِذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ بِنِعْمَةٍ- فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ إِذَا اسْتَبْطَأَ الرِّزْقَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ- وَ إِذَا حَزَنَهُ أَمْرٌ قَالَ- لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ- يَا سُفْيَانُ ثَلَاثٌ أَيُّمَا ثَلَاثٍ- نِعْمَتِ الْعَطِيَّةُ الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا الْمُؤْمِنُ- فَيَنْطَوِي عَلَيْهَا حَتَّى يُهْدِيَهَا إِلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ- وَ قَالَ(ع)الْمَعْرُوفُ كَاسْمِهِ- وَ لَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمَ مِنَ الْمَعْرُوفِ إِلَّا ثَوَابُهُ- وَ لَيْسَ كُلُّ مَنْ يُحِبُّ أَنْ يَصْنَعَ الْمَعْرُوفَ يَصْنَعُهُ- وَ لَا كُلُّ مَنْ يَرْغَبُ فِيهِ يَقْدِرُ عَلَيْهِ- وَ لَا كُلُّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ يُؤْذَنُ لَهُ فِيهِ- فَإِذَا اجْتَمَعَتِ الرَّغْبَةُ وَ الْقُدْرَةُ وَ الْإِذْنُ- فَهُنَالِكَ تَمَّتِ السَّعَادَةُ لِلطَّالِبِ وَ الْمَطْلُوبِ إِلَيْهِ.
____________
(1) الأمالي ج 1 ص 307.
(2) المصدر ج 2 ص 94.
198
21-(ع)(1)، علل الشرائع عَنِ ابْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنِ الْيَقْطِينِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ لِحُمْرَانَ يَا حُمْرَانُ- انْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَكَ- وَ لَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكَ فِي الْمَقْدُرَةِ- فَإِنَّ ذَلِكَ أَقْنَعُ لَكَ بِمَا قُسِمَ لَكَ- وَ أَحْرَى أَنْ تَسْتَوْجِبَ الزِّيَادَةَ مِنْ رَبِّكَ- وَ اعْلَمْ أَنَّ الْعَمَلَ الدَّائِمَ الْقَلِيلَ عَلَى الْيَقِينِ- أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ- وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا وَرَعَ أَنْفَعُ مِنْ تَجَنُّبِ مَحَارِمِ اللَّهِ- وَ الْكَفِّ عَنْ أَذَى الْمُؤْمِنِينَ وَ اغْتِيَابِهِمْ- وَ لَا عَيْشَ أَهْنَأُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ- وَ لَا مَالَ أَنْفَعُ مِنَ الْقُنُوعِ بِالْيَسِيرِ الْمُجْزِي- وَ لَا جَهْلَ أَضَرُّ مِنَ الْعُجْبِ.
22-(ع)(2)، علل الشرائع عَنِ ابْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ السَّعْدَآبَادِيِّ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْحَسَنِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ خَالِهِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)أَنَّهُ قَالَ لِمُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ- لَا تَغُرَّنَّكَ النَّاسُ مِنْ نَفْسِكَ- فَإِنَّ الْأَمْرَ يَصِلُ إِلَيْكَ دُونَهُمْ- وَ لَا تَقْطَعِ النَّهَارَ عَنْكَ كَذَا وَ كَذَا- فَإِنَّ مَعَكَ مَنْ يُحْصِي عَلَيْكَ- وَ لَا تَسْتَصْغِرَنَّ حَسَنَةً تَعْمَلُهَا فَإِنَّكَ تَرَاهَا حَيْثُ تَسُرُّكَ- وَ لَا تَسْتَصْغِرَنَّ سَيِّئَةً تَعْمَلُ بِهَا- فَإِنَّكَ تَرَاهَا حَيْثُ تَسُوؤُكَ- وَ أَحْسِنْ فَإِنِّي لَمْ أَرَ شَيْئاً قَطُّ أَشَدَّ طَلَباً وَ لَا أَسْرَعَ دَرَكاً- مِنْ حَسَنَةٍ مُحْدَثَةٍ لِذَنْبٍ قَدِيمٍ.
- جا (3)، المجالس للمفيد عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ مَعْرُوفٍ عَنِ ابْنِ مَهْزِيَارَ عَنْ فَضَالَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)مِثْلَهُ وَ زَادَ فِي آخِرِهِ- إِنَّ اللَّهَ جَلَّ اسْمُهُ يَقُولُ- إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ- ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (4)
.
____________
(1) علل الشرائع الباب الثاني و الخمسون بعد الثلاثمائة ص 559.
(2) المصدر الحديث التاسع و الأربعون من الباب الآخر ص 599. و هذا اشتباه من جامع الكتاب حيث أورد حديث الباقر (عليه السلام) في هذا الباب.
(3) المجالس ص 108.
(4) هود: 114.
199
23- مع (1)، معاني الأخبار عَنْ مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ عَمِّهِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ عَنِ ابْنِ ظَبْيَانَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)اعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ حُجْزَةُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ- فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَعْلَمَ مَا يُدْرِكُ مِنْ نَفْعِ صَلَاتِهِ- فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ حَجَزَتْهُ عَنِ الْفَوَاحِشِ وَ الْمُنْكَرِ- فَإِنَّمَا أَدْرَكَ مِنْ نَفْعِهَا بِقَدْرِ مَا احْتَجَزَ- وَ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَعْلَمَ مَا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ- فَلْيَعْلَمْ مَا لِلَّهِ عِنْدَهُ- وَ مَنْ خَلَا بِعَمَلٍ فَلْيَنْظُرْ فِيهِ- فَإِنْ كَانَ حَسَناً جَمِيلًا فَلْيَمْضِ عَلَيْهِ- وَ إِنْ كَانَ سَيِّئاً قَبِيحاً فَلْيَجْتَنِبْهُ- فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَوْلَى بِالْوَفَاءِ وَ الزِّيَادَةِ- مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فِي السِّرِّ فَلْيَعْمَلْ حَسَنَةً فِي السِّرِّ- وَ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فِي الْعَلَانِيَةِ فَلْيَعْمَلْ حَسَنَةً فِي الْعَلَانِيَةِ.
24- سن (2)، المحاسن عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الطَّائِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: كَتَبَ مَعِي إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَ هُوَ بِفَارِسَ- مَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَقَاهُ- وَ مَنْ شَكَرَهُ زَادَهُ وَ مَنْ أَقْرَضَهُ جَزَاهُ.
25- سن (3)، المحاسن عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَدِيدٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ الْوَرَعِ وَ الِاجْتِهَادِ- وَ صِدْقِ الْحَدِيثِ وَ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ- وَ حُسْنِ الْخُلُقِ وَ حُسْنِ الْجِوَارِ- وَ كُونُوا دُعَاةً إِلَى أَنْفُسِكُمْ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ- وَ كُونُوا زَيْناً وَ لَا تَكُونُوا شَيْناً- وَ عَلَيْكُمْ بِطُولِ السُّجُودِ وَ الرُّكُوعِ- فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا طال [أَطَالَ الرُّكُوعَ- يَهْتِفُ إِبْلِيسُ مِنْ خَلْفِهِ- وَ قَالَ يَا وَيْلَتَاهُ أَطَاعُوا وَ عَصَيْتُ وَ سَجَدُوا وَ أَبَيْتُ.
26- ص (4)، قصص الأنبياء (عليهم السلام) عَنِ الصَّدُوقِ (رحمه الله) بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ سِنَانٍ عَنِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ: لَا تَمْزَحْ فَيَذْهَبَ نُورُكَ- وَ لَا تَكْذِبْ فَيَذْهَبَ بَهَاؤُكَ- وَ إِيَّاكَ وَ خَصْلَتَيْنِ الضَّجَرَ وَ الْكَسَلَ- فَإِنَّكَ إِنْ ضَجِرْتَ لَمْ تَصْبِرْ عَلَى حَقٍّ- وَ إِنْ كَسِلْتَ لَمْ تُؤَدِّ حَقّاً- قَالَ
____________
(1) معاني الأخبار: ص 236.
(2) المحاسن للبرقي ص 3 تحت رقم 2.
(3) المصدر: ص 18 تحت رقم 50.
(4) قصص الأنبياء مخطوط.
200
وَ كَانَ الْمَسِيحُ(ع)يَقُولُ- مَنْ كَثُرَ هَمُّهُ سَقِمَ بَدَنُهُ- وَ مَنْ سَاءَ خُلُقُهُ عَذَّبَ نَفْسَهُ- وَ مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ سِقْطَهُ- وَ مَنْ كَثُرَ كَذِبُهُ ذَهَبَ بَهَاؤُهُ- وَ مَنْ لَاحَى الرِّجَالَ ذَهَبَ مُرُوَّتُهُ.
27- مص (1)، مصباح الشريعة قَالَ الصَّادِقُ(ع)أَفْضَلُ الْوَصَايَا وَ أَلْزَمُهَا أَنْ لَا تَنْسَى رَبَّكَ- وَ أَنْ تَذْكُرَهُ دَائِماً وَ لَا تَعْصِيَهُ- وَ تَعْبُدَهُ قَاعِداً وَ قَائِماً- وَ لَا تَغْتَرَّ بِنِعْمَتِهِ وَ اشْكُرْهُ أَبَداً- وَ لَا تَخْرُجْ مِنْ تَحْتِ أَسْتَارِ عَظَمَتِهِ وَ جَلَالِهِ فَتَضِلَّ- وَ تَقَعَ فِي مَيْدَانِ الْهَلَاكِ- وَ إِنْ مَسَّكَ الْبَلَاءُ وَ الضُّرُّ- وَ أَحْرَقَتْكَ نِيرَانُ الْمِحَنِ- وَ اعْلَمْ أَنَّ بَلَايَاهُ مَحْشُوَّةٌ بِكَرَامَاتِهِ الْأَبَدِيَّةِ- وَ مِحَنُهُ مُورِثَةٌ رِضَاهُ وَ قُرْبَهُ وَ لَوْ بَعْدَ حِينٍ- فَيَا لَهَا مِنْ مَغْنَمٍ لِمَنْ عَلِمَ وَ وُفِّقَ لِذَلِكَ.
28- رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا اسْتَوْصَى رَسُولَ اللَّهِ ص فَقَالَ لَا تَغْضَبْ قَطُّ- فَإِنَّ فِيهِ مُنَازَعَةَ رَبِّكَ- فَقَالَ زِدْنِي قَالَ إِيَّاكَ وَ مَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ- فَإِنَّ فِيهِ الشِّرْكَ الْخَفِيَّ- فَقَالَ زِدْنِي فَقَالَ صَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ- فَإِنَّ فِيهَا الْوُصْلَةَ وَ الْقُرْبَى- فَقَالَ زِدْنِي فَقَالَ(ع)اسْتَحْيِ مِنَ اللَّهِ- اسْتِحْيَاءَكَ مِنْ صَالِحِي جِيرَانِكَ- فَإِنَّ فِيهَا زِيَادَةَ الْيَقِينِ- وَ قَدْ أَجْمَعَ اللَّهُ تَعَالَى مَا يَتَوَاصَى بِهِ الْمُتَوَاصُونَ- مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ- وَ هِيَ التَّقْوَى- قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَ عَزَّ- وَ لَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ إِيَّاكُمْ- أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ (2)- وَ فِيهِ جِمَاعُ كُلِّ عِبَادَةٍ صَالِحَةٍ- وَصَلَ مَنْ وَصَلَ إِلَى الدَّرَجَاتِ الْعُلَى- وَ الرُّتْبَةِ الْقُصْوَى- وَ بِهِ عَاشَ مَنْ عَاشَ مَعَ اللَّهِ بِالْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ- وَ الْأُنْسِ الدَّائِمِ- قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ نَهَرٍ- فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (3).
29- كشف (4)، كشف الغمة قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ قَالَ جَعْفَرٌ ع
____________
(1) مصباح الشريعة ص 50 الباب الثالث و السبعون.
(2) النساء: 131.
(3) القمر: 54.
(4) كشف الغمّة ج 2 ص 368.
201
يَوْماً لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ يَا سُفْيَانُ- إِذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ بِنِعْمَةٍ فَأَحْبَبْتَ بَقَاءَهَا- فَأَكْثِرْ مِنَ الْحَمْدِ وَ الشُّكْرِ عَلَى اللَّهِ- قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ- لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (1)- وَ إِذَا اسْتَبْطَأْتَ الرِّزْقَ فَأَكْثِرْ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ- فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ فِي كِتَابِهِ- اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً- يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً- وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ (2) يَعْنِي فِي الدُّنْيَا- وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ يَعْنِي فِي الْآخِرَةِ- يَا سُفْيَانُ إِذَا حَزَنَكَ أَمْرٌ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِهِ- فَأَكْثِرْ مِنْ قَوْلِ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ الْفَرَجِ وَ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ.
30- وَ قَالَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ (3) كُنْتُ عِنْدَ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)إِذَا جَاءَ آذِنُهُ- فَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ بِالْبَابِ- فَقَالَ ائْذَنْ لَهُ فَدَخَلَ فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ- يَا سُفْيَانُ إِنَّكَ رَجُلٌ يَطْلُبُكَ السُّلْطَانُ- وَ أَنَا أَتَّقِي السُّلْطَانَ قُمْ فَاخْرُجْ غَيْرَ مَطْرُودٍ- فَقَالَ سُفْيَانُ حَدِّثْنِي حَتَّى أَسْمَعَ وَ أَقُومَ- فَقَالَ جَعْفَرٌ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ- مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعْمَةً فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ- وَ مَنِ اسْتَبْطَأَ الرِّزْقَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ- وَ مَنْ حَزَنَهُ أَمْرٌ فَلْيَقُلْ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- فَلَمَّا قَامَ سُفْيَانُ قَالَ جَعْفَرٌ- خُذْهَا يَا سُفْيَانُ ثَلَاثاً وَ أَيُّ ثَلَاثٍ.
31- وَ كَانَ يَقُولُ(ع)لَا يَتِمُّ الْمَعْرُوفُ إِلَّا بِثَلَاثَةٍ- تَعْجِيلِهِ وَ تَصْغِيرِهِ وَ سَتْرِهِ.
32- وَ سُئِلَ(ع)لِمَ حَرَّمَ اللَّهُ الرِّبَا- قَالَ لِئَلَّا يَتَمَانَعَ النَّاسُ الْمَعْرُوفَ.
33- وَ ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ (4) قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى جَعْفَرٍ(ع)وَ مُوسَى وَلَدُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ- وَ هُوَ يُوصِيهِ بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ- فَكَانَ مِمَّا حَفِظْتُ مِنْهُ أَنْ قَالَ- يَا بُنَيَّ اقْبَلْ وَصِيَّتِي
____________
(1) إبراهيم: 7.
(2) نوح: 10 الى 12.
(3) كشف الغمّة ج 2 ص 358.
(4) المصدر: ج 2 ص 369.
202
وَ احْفَظْ مَقَالَتِي- فَإِنَّكَ إِنْ حَفِظْتَهَا تَعِشْ سَعِيداً وَ تَمُتْ حَمِيداً يَا بُنَيَّ إِنَّهُ مَنْ قَنِعَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ اسْتَغْنَى- وَ مَنْ مَدَّ عَيْنَيْهِ إِلَى مَا فِي يَدِ غَيْرِهِ مَاتَ فَقِيراً- وَ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- اتَّهَمَ اللَّهَ تَعَالَى فِي قَضَائِهِ- وَ مَنِ اسْتَصْغَرَ زَلَّةَ نَفْسِهِ اسْتَعْظَمَ زَلَّةَ غَيْرِهِ- وَ مَنِ اسْتَصْغَرَ زَلَّةَ غَيْرِهِ اسْتَعْظَمَ زَلَّةَ نَفْسِهِ- يَا بُنَيَّ مَنْ كَشَفَ حِجَابَ غَيْرِهِ انْكَشَفَتْ عَوْرَاتُ نَفْسِهِ- وَ مَنْ سَلَّ سَيْفَ الْبَغْيِ قُتِلَ بِهِ- وَ مَنْ حَفَرَ لِأَخِيهِ بِئْراً سَقَطَ فِيهَا- وَ مَنْ دَخَلَ مَدَاخِلَ السُّفَهَاءِ حُقِّرَ- وَ مَنْ خَالَطَ الْعُلَمَاءَ وُقِّرَ- وَ مَنْ دَخَلَ مَدَاخِلَ السُّوءِ اتُّهِمَ- يَا بُنَيَّ قُلِ الْحَقَّ لَكَ وَ عَلَيْكَ وَ إِيَّاكَ وَ النَّمِيمَةَ- فَإِنَّهَا تَزْرَعُ الشَّحْنَاءَ فِي قُلُوبِ الرِّجَالِ- يَا بُنَيَّ إِذَا طَلَبْتَ الْجُودَ فَعَلَيْكَ بِمَعَادِنِهِ- فَإِنَّ لِلْجُودِ مَعَادِنَ وَ لِلْمَعَادِنِ أُصُولًا- وَ لِلْأُصُولِ فُرُوعاً وَ لِلْفُرُوعِ ثَمَراً- وَ لَا يَطِيبُ ثَمَرٌ إِلَّا بِفَرْعٍ وَ لَا فَرْعٌ إِلَّا بِأَصْلٍ- وَ لَا أَصْلٌ إِلَّا بِمَعِدْنٍ طَيِّبٍ- يَا بُنَيَّ إِذَا زُرْتَ فَزُرِ الْأَخْيَارَ وَ لَا تَزُرِ الْفُجَّارَ- فَإِنَّهُمْ صَخْرَةٌ لَا يَنْفَجِرُ مَاؤُهَا- وَ شَجَرَةٌ لَا يَخْضَرُّ وَرَقُهَا- وَ أَرْضٌ لَا يَظْهَرُ عُشْبُهَا- قَالَ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى(ع) فَمَا تَرَكَ أَبِي هَذِهِ الْوَصِيَّةَ إِلَى أَنْ مَاتَ.
34- وَ نُقِلَ أَنَّهُ (1) كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ يَلْزَمُ جَعْفَراً(ع)فَفَقَدَهُ- فَسُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَنْقِصَ بِهِ إِنَّهُ نَبَطِيٌّ- فَقَالَ جَعْفَرٌ(ع)أَصْلُ الرَّجُلِ عَقْلُهُ- وَ حَسَبُهُ دِينُهُ وَ كَرَمُهُ تَقْوَاهُ- وَ النَّاسُ فِي آدَمَ مُسْتَوُونَ- فَاسْتَحْيَا ذَلِكَ الْقَائِلُ.
35- وَ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ سَمِعْتُ جعفر [جَعْفَراً الصَّادِقَ(ع)يَقُولُ عَزَّتِ السَّلَامَةُ حَتَّى لَقَدْ خَفِيَ مَطْلَبُهَا- فَإِنْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ فَيُوشِكُ أَنْ يَكُونَ فِي الْخُمُولِ- فَإِنْ طُلِبَتْ فِي خُمُولٍ فَلَمْ تُوجَدْ فَيُوشِكُ أَنْ تَكُونَ فِي الصَّمْتِ- فَإِنْ طُلِبَتْ فِي الصَّمْتِ فَلَمْ تُوجَدْ- فَيُوشِكُ أَنْ تَكُونَ فِي التَّخَلِّي- فَإِنْ طُلِبَتْ فِي التَّخَلِّي فَلَمْ تُوجَدْ- فَيُوشِكُ أَنْ تَكُونَ فِي كَلَامِ السَّلَفِ
____________
(1) الكشف: ج 2 ص 370.
203
الصَّالِحِ- وَ السَّعِيدُ مَنْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ خَلْوَةً يُشْغَلُ بِهَا.
36- وَ قَالَ الْحَافِظُ (1) عَبْدُ الْعَزِيزِ وَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ التُّجَّارِ يَخْتَلِفُ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع) يُخَاطِبُهُ وَ يَعْرِفُهُ بِحُسْنِ حَالٍ- فَتَغَيَّرَتْ حَالُهُ فَجَعَلَ يَشْكُو إِلَى جَعْفَرٍ(ع)فَقَالَ-
فَلَا تَجْزَعْ وَ إِنْ أَعْسَرْتَ يَوْماً* * * -فَقَدْ أَيْسَرْتَ فِي زَمَنٍ طَوِيلٍ-
وَ لَا تَيْأَسْ فَإِنَّ الْيَأْسَ كُفْرٌ* * * -لَعَلَّ اللَّهَ يُغْنِي عَنْ قَلِيلٍ-
وَ لَا تَظُنَّنَّ بِرَبِّكَ ظَنَّ سَوْءٍ* * * -فَإِنَّ اللَّهَ أَوْلَى بِالْجَمِيلِ
.
37 (2)- وَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْفُورٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)قَالَ: بُنِيَ الْإِنْسَانُ عَلَى خِصَالٍ فَمَهْمَا بُنِيَ عَلَيْهِ- فَإِنَّهُ لَا يُبْنَى عَلَى الْخِيَانَةِ وَ الْكَذِبِ.
38- وَ قَالَ الْحَافِظُ (3) عَبْدُ الْعَزِيزِ رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَوْنٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع) إِنَّهُ وَقَعَ بَيْنِي وَ بَيْنَ قَوْمٍ مُنَازَعَةٌ فِي أُمُورٍ- وَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتْرُكَهُ- فَيُقَالُ لِي إِنَّ تَرْكَكَ لَهُ ذُلٌّ- فَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ(ع)إِنَّ الذَّلِيلَ هُوَ الظَّالِمُ.
39- وَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ جَدِّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ.
40- وَ قَالَ الْحَافِظُ (4) أَبُو نُعَيْمٍ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الدُّنْيَا- أَنِ اخْدُمِي مَنْ خَدَمَنِي وَ أَتْعِبِي مَنْ خَدَمَكِ.
41- (5) وَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ(ع)الصَّلَاةُ قُرْبَانُ كُلِّ تَقِيٍّ- وَ الْحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ- وَ زَكَاةُ الْبَدَنِ الصِّيَامُ- وَ الدَّاعِي بِلَا عَمَلٍ
____________
(1) الكشف: ج 2 ص 374.
(2) المصدر: ج 2 ص 375.
(3) المصدر: ج 2 ص 377.
(4) المصدر: ج 2 ص 395.
(5) المصدر: ج 2 ص 396.
204
كَالرَّامِي بِلَا وَتَرٍ- وَ اسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بِالصَّدَقَةِ- وَ حَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكَاةِ- وَ مَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ- وَ التَّقْدِيرُ نِصْفُ الْعَيْشِ- وَ التَّوَدُّدُ نِصْفُ الْعَقْلِ- وَ قِلَّةُ الْعِيَالِ أَحَدُ الْيَسَارَيْنِ مَنْ حَزَنَ وَالِدَيْهِ فَقَدْ عَقَّهُمَا- وَ مَنْ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى فَخِذِهِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ فَقَدْ حَبِطَ أَجْرُهُ- وَ الصَّنِيعَةُ لَا تَكُونُ صَنِيعَةً إِلَّا عِنْدَ ذِي حَسَبٍ أَوْ دِينٍ- وَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يُنْزِلُ الصَّبْرَ عَلَى قَدْرِ الْمُصِيبَةِ- وَ يُنْزِلُ الرِّزْقَ عَلَى قَدْرِ الْمَئُونَةِ وَ مَنْ قَدَّرَ مَعِيشَتَهُ رَزَقَهُ اللَّهُ- وَ مَنْ بَذَّرَ مَعِيشَتَهُ حَرَمَهُ اللَّهُ.
42- وَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَ مُوسَى(ع)بَيْنَ يَدَيْهِ- وَ هُوَ يُوصِيهِ بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ- فَكَانَ مِمَّا حَفِظْتُ مِنْهَا أَنْ قَالَ- يَا بُنَيَّ اقْبَلْ وَصِيَّتِي وَ احْفَظْ مَقَالَتِي- فَإِنَّكَ إِنْ حَفِظْتَهَا تَعِشْ سَعِيداً وَ تَمُتْ حَمِيداً- يَا بُنَيَّ مَنْ قَنِعَ بِمَا قُسِمَ لَهُ اسْتَغْنَى- وَ مَنْ مَدَّ عَيْنَيْهِ إِلَى مَا فِي يَدِ غَيْرِهِ مَاتَ فَقِيراً- وَ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِمَا قُسِمَ لَهُ اتَّهَمَ اللَّهَ فِي قَضَائِهِ- وَ مَنِ اسْتَصْغَرَ زَلَّةَ غَيْرِهِ اسْتَعْظَمَ زَلَّةَ نَفْسِهِ- وَ مَنِ اسْتَصْغَرَ زَلَّةَ نَفْسِهِ اسْتَعْظَمَ زَلَّةَ غَيْرِهِ- يَا بُنَيَّ مَنْ كَشَفَ حِجَابَ غَيْرِهِ تُكْشَفُ عَوْرَاتُ بَيْتِهِ- وَ مَنْ سَلَّ سَيْفَ الْبَغْيِ قُتِلَ بِهِ- وَ مَنِ احْتَفَرَ لِأَخِيهِ بِئْراً سَقَطَ فِيهَا- وَ مَنْ دَخَلَ السُّفَهَاءَ حُقِّرَ- وَ مَنْ خَالَطَ الْعُلَمَاءَ وُقِّرَ- وَ مَنْ دَخَلَ مَدَاخِلَ السَّوْءِ اتُّهِمَ- يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ أَنْ تَزْرِيَ بِالرِّجَالِ فَيُزْرَى بِكَ- وَ إِيَّاكَ وَ الدُّخُولَ فِيمَا لَا يَعْنِيكَ فَتَذِلَّ- يَا بُنَيَّ قُلِ الْحَقَّ لَكَ وَ عَلَيْكَ- تُسْتَشَارُ مِنْ بَيْنِ أَقْرَانِكِ- يَا بُنَيَّ كُنْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَالِياً- وَ لِلْإِسْلَامِ فَاشِياً- وَ بِالْمَعْرُوفِ آمِراً وَ عَنِ الْمُنْكَرِ نَاهِياً- وَ لِمَنْ قَطَعَكَ وَاصِلًا وَ لِمَنْ سَكَتَ عَنْكَ مُبْتَدِئاً- وَ لِمَنْ سَأَلَكَ مُعْطِياً- وَ إِيَّاكَ وَ النَّمِيمَةَ- فَإِنَّهَا تَزْرَعُ الشَّحْنَاءَ فِي قُلُوبِ الرِّجَالِ- وَ إِيَّاكَ وَ التَّعَرُّضَ لِعُيُوبِ النَّاسِ- فَمَنْزِلَةُ الْمُعْتَرِضِ لِعُيُوبِ النَّاسِ كَمَنْزِلَةِ الْهَدَفِ- يَا بُنَيَّ إِذَا طَلَبْتَ الْجُودَ فَعَلَيْكَ بِمَعَادِنِهِ- فَإِنَّ لِلْجُودِ مَعَادِنَ وَ لِلْمَعَادِنِ أُصُولًا- وَ لِلْأُصُولِ فُرُوعاً وَ لِلْفُرُوعِ ثَمَراً- وَ لَا يَطِيبُ ثَمَرٌ إِلَّا بِفَرْعٍ- وَ لَا فَرْعٌ إِلَّا بِأَصْلٍ- وَ لَا أَصْلٌ ثَابِتٌ إِلَّا بِمَعْدِنٍ طَيِّبٍ-
205
يَا بُنَيَّ إِذَا زُرْتَ فَزُرِ الْأَخْيَارَ وَ لَا تَزُرِ الْفُجَّارَ- فَإِنَّهُمْ صَخْرَةٌ لَا يَتَفَجَّرُ مَاؤُهَا- وَ شَجَرَةٌ لَا يَخْضَرُّ وَرَقُهَا وَ أَرْضٌ لَا يَظْهَرُ عُشْبُهَا- قَالَ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى(ع) فَمَا تَرَكَ أَبِي هَذِهِ الْوَصِيَّةَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ.
43 (1)- وَ عَنْ عَنْبَسَةَ الْخَثْعَمِيِّ وَ كَانَ مِنَ الْأَخْيَارِ قَالَ سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ(ع)يَقُولُ إِيَّاكُمْ وَ الْخُصُومَةَ فِي الدِّينِ- فَإِنَّهَا تَشْغَلُ الْقَلْبَ وَ تُورِثُ النِّفَاقَ.
44- وَ قَالَ(ع)إِذَا بَلَغَكَ عَنْ أَخِيكَ شَيْءٌ يَسُوؤُكَ فَلَا تَغْتَمَّ بِهِ- فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ كَمَا يَقُولُ كَانَتْ عُقُوبَةً عُجِّلَتْ- وَ إِنْ كَانَتْ عَلَى غَيْرِ مَا يَقُولُ كَانَتْ حَسَنَةً لَمْ تعلمها [تَعْمَلْهَا- قَالَ وَ قَالَ مُوسَى(ع)يَا رَبِّ- أَسْأَلُكَ أَنْ لَا يَذْكُرَنِي أَحَدٌ إِلَّا بِخَيْرٍ- قَالَ مَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِنَفْسِي.
45- وَ قَالَ الْآبِيُ (2) سُئِلَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ(ع) لِمَا صَارَ النَّاسُ يَكْلَبُونَ أَيَّامَ الْغَلَاءِ عَلَى الطَّعَامِ- وَ يَزِيدُ جُوعُهُمْ عَلَى الْعَادَةِ فِي الرُّخْصِ- قَالَ لِأَنَّهُمْ بَنُو الْأَرْضِ- فَإِذَا قُحِطَتْ قُحِطُوا وَ إِذَا خَصَبَتْ خَصَبُوا.
46- وَ شَكَا إِلَيْهِ(ع)رَجُلٌ جَارَهُ فَقَالَ اصْبِرْ عَلَيْهِ- فَقَالَ يَنْسُبُنِي النَّاسُ إِلَى الذُّلِّ- فَقَالَ إِنَّمَا الذَّلِيلُ مَنْ ظَلَمَ.
وَ قَالَ(ع)أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ الْقَلِيلُ مِنْهَا كَثِيرٌ- النَّارُ وَ الْعَدَاوَةُ وَ الْفَقْرُ وَ الْمَرَضُ.
47- (3) وَ قَالَ(ع)إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَى الْمَرْءِ أَعْطَتْهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ- وَ إِذَا أَعْرَضَتْ عَنْهُ سَلَبَتْهُ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ.
48 (4)- وَ مَرَّ بِهِ(ع)رَجُلٌ وَ هُوَ يَتَغَدَّى- فَلَمْ يُسَلِّمْ فَدَعَاهُ إِلَى الطَّعَامِ- فَقِيلَ لَهُ السُّنَّةُ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ يُدْعَى- وَ قَدْ تَرَكَ السَّلَامَ عَلَى عَمْدٍ- فَقَالَ هَذَا فِقْهٌ عِرَاقِيٌّ فِيهِ بُخْلٌ.
____________
(1) الكشف: ج 2 ص 398.
(2) المصدر: ج 2 ص 414. و الآبى: عزّ الدين ابن زينب الحسن بن أبي طالب اليوسفى تلميذ المحقق و من أعلام القرن السابع.
(3) المصدر: ج 2 ص 416.
(4) المصدر: ج 2 ص 417.
206
49- وَ قَالَ(ع)الْقُرْآنُ ظَاهِرُهُ أَنِيقٌ وَ بَاطِنُهُ عَمِيقٌ.
50- وَ قَالَ: مَنْ أَنْصَفَ مِنْ نَفْسِهِ رُضِيَ حَكَماً لِغَيْرِهِ.
51- وَ قَالَ(ع)(1) أَكْرِمُوا الْخُبْزَ فَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ لَهُ كَرَامَةً- قِيلَ وَ مَا كَرَامَتُهُ- قَالَ أَنْ لَا يُقْطَعَ وَ لَا يُوطَأَ- وَ إِذَا حَضَرَ لَمْ يُنْتَظَرْ بِهِ غَيْرُهُ (2).
52- وَ قَالَ(ع)حِفْظُ الرَّجُلِ أَخَاهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ فِي تَرِكَتِهِ كَرَمٌ.
53- وَ قَالَ(ع)مَا مِنْ شَيْءٍ أَسَرَّ إِلَيَّ مِنْ يَدٍ أَتْبَعَهَا الْأُخْرَى- لِأَنَّ مَنْعَ الْأَوَاخِرِ بِقَطْعِ لِسَانِ شُكْرِ الْأَوَائِلِ.
54- وَ قَالَ(ع)إِنِّي لَأُمْلِقُ أَحْيَاناً فَأُتَاجِرُ اللَّهَ بِالصَّدَقَةِ (3).
55- وَ قَالَ(ع)لَا يَزَالُ الْعِزُّ قَلِقاً حَتَّى يَأْتِيَ دَاراً- قَدِ اسْتَشْعَرَ أَهْلُهَا الْيَأْسَ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ فَيُوطِنُهَا.
56- وَ قَالَ(ع)إِذَا دَخَلْتَ إِلَى مَنْزِلِ أَخِيكَ فَاقْبَلِ الْكَرَامَةَ كُلَّهَا- مَا خَلَا الْجُلُوسَ فِي الصُّدُورِ.
57- وَ قَالَ(ع)كَفَّارَةُ عَمَلِ السُّلْطَانِ الْإِحْسَانُ إِلَى الْإِخْوَانِ.
58- وَ اشْتَكَى مِرَّةً فَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ أَدَباً لَا غَضَباً.
59- وَ قَالَ(ع)الْبَنَاتُ حَسَنَاتٌ وَ الْبَنُونَ نِعَمٌ وَ الْحَسَنَاتُ يُثَابُ عَلَيْهَا وَ النِّعَمُ مَسْئُولٌ عَنْهَا.
60- وَ قَالَ(ع)إِيَّاكَ وَ سَقْطَةَ الِاسْتِرْسَالِ فَإِنَّهَا لَا تُسْتَقَالُ.
61- وَ قِيلَ لَهُ(ع)مَا طَعْمُ الْمَاءِ قَالَ طَعْمُ الْحَيَاةِ.
62- وَ قَالَ(ع)مَنْ لَمْ يَسْتَحْيِ مِنَ الْعَيْبِ وَ يرعوي [يَرْعَوِ (4) عِنْدَ الشَّيْبِ- وَ يخشى [يَخْشَ اللَّهَ بِظَهْرِ الْغَيْبِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ.
63- وَ قَالَ(ع)وَ إِنَّ خَيْرَ الْعِبَادِ مَنْ يَجْتَمِعُ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ- إِذَا أَحْسَنَ
____________
(1) الكشف: ج 2 ص 417.
(2) في المصدر «سواه».
(3) أملق الرجل أنفق ماله حتّى قل.
(4) ارعوى من الجهل: كف عنه.
207
اسْتَبْشَرَ وَ إِذَا أَسَاءَ اسْتَغْفَرَ- وَ إِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ وَ إِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ- وَ إِذَا ظُلِمَ غَفَرَ.
64- وَ قَالَ(ع)إِيَّاكُمْ وَ مُلَاحَاةَ الشُّعَرَاءِ (1)- فَإِنَّهُمْ يَضَنُّونَ بِالْمَدْحِ وَ يَجُودُونَ بِالْهِجَاءِ.
وَ قَالَ(ع)إِنِّي لَأُسَارِعُ إِلَى حَاجَةِ عَدُوِّي- خَوْفاً أَنْ أَرُدَّهُ فَيَسْتَغْنِيَ عَنِّي.
65- كَانَ(ع)يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنَّكَ بِمَا أَنْتَ لَهُ أَهْلٌ مِنَ الْعَفْوِ- أَوْلَى مِنِّي بِمَا أَنَا أَهْلٌ لَهُ مِنَ الْعُقُوبَةِ.
66- وَ أَتَاهُ(ع)أَعْرَابِيٌّ وَ قِيلَ- بَلْ أَتَى أَبَاهُ الْبَاقِرَ(ع)فَقَالَ أَ رَأَيْتَ اللَّهَ حِينَ عَبَدْتَهُ- فَقَالَ مَا كُنْتُ لِأَعْبُدَ شَيْئاً لَمْ أَرَهُ- قَالَ كَيْفَ رَأَيْتَهُ قَالَ لَمْ تَرَهُ الْأَبْصَارُ بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ- وَ لَكِنْ رَأَتْهُ الْقُلُوبُ بِحَقِيقَةِ- الْإِيمَانِ- لَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ وَ لَا يُقَاسُ بِالنَّاسِ- مَعْرُوفٌ بِالْآيَاتِ مَنْعُوتٌ بِالْعَلَامَاتِ- هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ- فَقَالَ الْأَعْرَابِيُ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ.
67- وَ قَالَ(ع)يَهْلِكُ اللَّهُ سِتّاً بِسِتٍّ- الْأُمَرَاءَ بِالْجَوْرِ وَ الْعَرَبَ بِالْعَصَبِيَّةِ- وَ الدَّهَاقِينَ بِالْكِبْرِ وَ التُّجَّارَ بِالْخِيَانَةِ- وَ أَهْلَ الرُّسْتَاقِ بِالْجَهْلِ وَ الْفُقَهَاءَ بِالْحَسَدِ.
68- وَ قَالَ(ع)مَنْعُ الْمَوْجُودِ سُوءُ ظَنٍّ بِالْمَعْبُودِ.
69- وَ قَالَ(ع)صِلَةُ الْأَرْحَامِ مَنْسَأَةٌ فِي الْأَعْمَارِ- وَ حُسْنُ الْجِوَارِ عِمَارَةٌ لِلدُّنْيَا- وَ صَدَقَةُ السِّرِّ مَثْرَاةٌ لِلْمَالِ.
70- وَ قَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ (2) يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ- أَ لَا تُعْذِرُنِي مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ وَ وُلْدِهِ- يَبُثُّونَ الدُّعَاةَ وَ يُرِيدُونَ الْفِتْنَةَ- قَالَ قَدْ عَرَفْتَ الْأَمْرَ بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ- فَإِنْ أَقْنَعَتْكَ مِنِّي آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى تَلَوْتُهَا عَلَيْكَ- قَالَ هَاتِ قَالَ لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ- وَ لَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ- وَ لَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (3)
____________
(1) الملاحاة: المنازعة و المخاصمة. و الضن: البخل.
(2) يعني الدوانيقي.
(3) الحشر: 12.
208
وَ قَالَ كَفَانِي وَ قَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ.
71- وَ قَالَ(ع)لِرَجُلٍ أَحْدَثَ سَفَراً- يُحْدِثُ اللَّهُ لَكَ رِزْقاً وَ الْزَمْ مَا عَوَّدْتَ مِنْهُ الْخَيْرَ.
72- قَالَ(ع)دَعَا اللَّهُ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا بِآبَائِهِمْ لِيَتَعَارَفُوا- وَ فِي الْآخِرَةِ بِأَعْمَالِهِمْ لِيُجَازُوا- فَقَالَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا- يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا
73- وَ قَالَ(ع)مَنْ أَيْقَظَ فِتْنَةً فَهُوَ أُكُلُهَا (1).
74- وَ قَالَ(ع)إِنَّ عِيَالَ الْمَرْءِ أُسَرَاؤُهُ- فَمَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعْمَةً فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُسَرَائِهِ- فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَوْشَكَ أَنْ تَزُولَ تِلْكَ النِّعْمَةُ.
75- وَ كَانَ(ع)يَقُولُ السَّرِيرَةُ إِذَا صَلَحَتْ قَوِيَتِ الْعَلَانِيَةُ.
76- وَ قَالَ(ع)مَا يَصْنَعُ الْعَبْدُ أَنْ يُظْهِرَ حَسَناً وَ يُسِرَّ سَيِّئاً- أَ لَيْسَ يَرْجِعُ إِلَى نَفْسِهِ فَيَعْلَمَ أَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ- وَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ- بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (2).
77- وَ قَالَ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا أَصْبَرَكَ عَلَى الصَّلَاةِ- فَقَالَ وَيْحَكَ يَا نُعْمَانُ- أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ الصَّلَاةَ قُرْبَانُ كُلِّ تَقِيٍّ- وَ أَنَّ الْحَجَّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ- وَ لِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةٌ وَ زَكَاةُ الْبَدَنِ الصِّيَامُ- وَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ انْتِظَارُ الْفَرَجِ مِنَ اللَّهِ- الدَّاعِي بِلَا عَمَلٍ كَالرَّامِي بِلَا وَتَرٍ- فَاحْفَظْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ يَا نُعْمَانُ- اسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بِالصَّدَقَةِ- وَ حَصِّنُوا الْمَالَ بِالزَّكَاةِ- وَ مَا عَالَ امْرُؤٌ اقْتَصَدَ- وَ التَّقْدِيرُ نِصْفُ الْعَيْشِ- وَ التَّوَدُّدُ نِصْفُ الْعَقْلِ وَ الْهَرَمُ نِصْفُ الْهَمِّ- وَ قِلَّةُ الْعِيَالِ أَحَدُ الْيَسَارَيْنِ- مَنْ أَحْزَنَ وَالِدَيْهِ فَقَدْ عَقَّهُمَا- وَ مَنْ ضَرَبَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ حَبِطَ أَجْرُهُ- وَ الصَّنِيعَةُ لَا يَكُونُ صَنِيعَةً- إِلَّا عِنْدَ ذِي حَسَبٍ وَ دِينٍ- وَ اللَّهُ يُنْزِلُ الرِّزْقَ عَلَى قَدْرِ الْمَئُونَةِ- وَ يُنْزِلُ الصَّبْرَ عَلَى قَدْرِ الْمُصِيبَةِ- وَ مَنْ أَيْقَنَ بِالْخَلَفِ جَادَ بِالْعَطِيَّةِ- وَ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ بِالنَّمْلِ خَيْراً مَا أَنْبَتَ لَهَا جَنَاحاً
____________
(1) الاكل جمع اكلة و هي اللقمة.
(2) القيامة: 14.
209
زَادَ ابْنُ حُمْدُونٍ فِي رِوَايَتِهِ- وَ مَنْ قَدَّرَ مَعِيشَتَهُ رَزَقَهُ اللَّهُ- وَ مَنْ بَذَّرَ حَرَمَهُ اللَّهُ- وَ لَمْ يُورِدْ وَ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ بِالنَّمْلَةِ.
78- وَ قِيلَ لَهُ(ع)مَا بَلَغَ بِكَ مِنْ حُبِّكَ مُوسَى- قَالَ وَدِدْتُ أَنْ لَيْسَ لِي وَلَدٌ غَيْرُهُ- حَتَّى لَا يَشْرَكَهُ فِي حُبِّي لَهُ أَحَدٌ.
79- وَ قَالَ: ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ بِاللَّهِ أَنَّهَا الْحَقُّ- مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ وَ لَا زَكَاةٍ- وَ لَا ظُلِمَ أَحَدٌ بِظُلَامَةٍ فَقَدَرَ أَنْ يُكَافِيَ بِهَا فَكَظَمَهَا- إِلَّا أَبْدَلَهُ اللَّهُ مَكَانَهَا عِزّاً- وَ لَا فَتَحَ عَبْدٌ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ مَسْأَلَةٍ- إِلَّا فُتِحَ عَلَيْهِ بَابُ فَقْرٍ.
80- وَ قَالَ(ع)ثَلَاثَةٌ لَا يَزِيدُ اللَّهُ بِهَا الْمَرْءَ الْمُسْلِمَ إِلَّا عِزّاً- الصَّفْحُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ- وَ الْإِعْطَاءُ لِمَنْ حَرَمَهُ وَ الصِّلَةُ لِمَنْ قَطَعَهُ.
81- وَ قَالَ(ع)مِنَ الْيَقِينِ أَلَّا تُرْضِيَ النَّاسَ بِمَا يُسْخِطُ اللَّهَ- وَ لَا تَذُمَّهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ- وَ لَا تَحْمَدَهُمْ عَلَى مَا رَزَقَ اللَّهُ- فَإِنَّ الرِّزْقَ لَا يَسُوقُهُ حِرْصُ حَرِيصٍ- وَ لَا يَصْرِفُهُ كُرْهُ كَارِهٍ- وَ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ فَرَّ مِنْ رِزْقِهِ كَمَا يَفِرُّ مِنَ الْمَوْتِ- لَأَدْرَكَهُ الرِّزْقُ كَمَا يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ.
82- وَ قَالَ(ع)مُرُوَّةُ الرَّجُلِ فِي نَفْسِهِ نَسَبٌ لِعَقِبِهِ وَ قَبِيلَتِهِ.
83- وَ قَالَ(ع)مَنْ صَدَقَ لِسَانُهُ زَكَى عَمَلُهُ- وَ مَنْ حَسُنَتْ نِيَّتُهُ زِيدَ فِي رِزْقِهِ- وَ مَنْ حَسُنَ بِرُّهُ بِأَهْلِ بَيْتِهِ زِيدَ فِي عُمُرِهِ.
84- وَ قَالَ(ع)خُذْ مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِطَرَفٍ تُرَوِّحُ بِهِ قَلْبَكَ- وَ يَرُوحُ بِهِ أَمْرُكَ (1).
85- وَ قَالَ(ع)الْمُؤْمِنُ إِذَا غَضِبَ لَمْ يُخْرِجْهُ غَضَبُهُ مِنْ حَقٍّ- وَ إِذَا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضَاهُ فِي بَاطِلٍ- وَ الَّذِي إِذَا قَدَرَ لَمْ يَأْخُذْ أَكْثَرَ مِمَّا لَهُ.
86- وَ مِنْ تَذْكِرَةِ ابْنِ حُمْدُونٍ قَالَ الصَّادِقُ(ع)تَأْخِيرُ التَّوْبَةِ اغْتِرَارٌ وَ طُولُ التَّسْوِيفِ حَيْرَةٌ- وَ الِائْتِلَاءُ (2) عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ هَلَكَةٌ- وَ الْإِصْرَارُ أَمْنٌ- فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ
____________
(1) في الكشف: ج 2 ص 420 «و يرخ به أمرك».
(2) أي الحكم و الحتم.
210
87- وَ قَالَ(ع)مَا كُلُّ مَنْ أَرَادَ شَيْئاً قَدَرَ عَلَيْهِ- وَ لَا كُلُّ مَنْ قَدَرَ عَلَى شَيْءٍ وُفِّقَ لَهُ- وَ لَا كُلُّ مَنْ وُفِّقَ أَصَابَ لَهُ مَوْضِعاً- فَإِذَا اجْتَمَعَ النِّيَّةُ وَ الْقُدْرَةُ وَ التَّوْفِيقُ وَ الْإِصَابَةُ- فَهُنَاكَ تَجِبُ السَّعَادَةُ.
88- وَ قَالَ(ع)صِلَةُ الرَّحِمِ تُهَوِّنُ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى- وَ الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ- وَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَ يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (1).
89- وَ قَالَ(ع)(2) وَ قَدْ قِيلَ بِحَضْرَتِهِ- جَاوِرْ مَلِكاً أَوْ بَحْراً- فَقَالَ هَذَا الْكَلَامُ مُحَالٌ- وَ الصَّوَابُ لَا تُجَاوِرْ مَلِكاً وَ لَا بَحْراً- لِأَنَّ الْمَلِكَ يُؤْذِيكَ وَ الْبَحْرَ لَا يُرْوِيكَ.
90- وَ سُئِلَ(ع)عَنْ فَضِيلَةٍ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع) لَمْ يَشْرَكْهُ فِيهَا غَيْرُهُ- قَالَ فَضَلَ الْأَقْرَبِينَ بِالسَّبْقِ- وَ سَبَقَ الْأَبْعَدِينَ بِالْقَرَابَةِ.
91- وَ عَنْهُ(ع)قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ- تِيجَانُ الْعَرَبِ.
92- وَ قَالَ(ع)صُحْبَةُ عِشْرِينَ يَوْماً قَرَابَةٌ.
93- كا، الكافي مِنَ الرَّوْضَةِ (3) عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ حَفْصٍ الْمُؤَذِّنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) وَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ (4) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَابِرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ كَتَبَ بِهَذِهِ الرِّسَالَةِ إِلَى أَصْحَابِهِ- وَ أَمَرَهُمْ بِمُدَارَسَتِهَا وَ النَّظَرِ فِيهَا- وَ تَعَاهُدِهَا وَ الْعَمَلِ بِهَا- فَكَانُوا يَضَعُونَهَا فِي مَسَاجِدِ بُيُوتِهِمْ- فَإِذَا فَرَغُوا مِنَ الصَّلَاةِ نَظَرُوا فِيهَا- قَالَ وَ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ الْكُوفِيِّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الرَّبِيعِ الصَّحَّافِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مَخْلَدٍ السَّرَّاجِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: خَرَجَتْ هَذِهِ الرِّسَالَةُ- مِنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِلَى أَصْحَابِهِ- بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ- أَمَّا بَعْدُ فَاسْأَلُوا اللَّهَ رَبَّكُمُ الْعَافِيَةَ- وَ عَلَيْكُمْ بِالدَّعَةِ (5) وَ الْوَقَارِ وَ السَّكِينَةِ
____________
(1) الرعد: 21.
(2) يعني الآبى المترجم في ص 205.
(3) المصدر الحديث الأول.
(4) معطوف على ابن فضال لان إبراهيم بن هاشم أحد رواته.
(5) الدعة: الخفض و الطمأنينة.
211
وَ عَلَيْكُمْ بِالْحَيَاءِ- وَ التَّنَزُّهِ عَمَّا تَنَزَّهَ عَنْهُ الصَّالِحُونَ قَبْلَكُمْ- وَ عَلَيْكُمْ بِمُجَامَلَةِ (1) أَهْلِ الْبَاطِلِ- تَحَمَّلُوا الضَّيْمَ مِنْهُمْ- وَ إِيَّاكُمْ وَ مُمَاظَّتَهُمْ- دِينُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ إِذَا أَنْتُمْ جَالَسْتُمُوهُمْ- وَ خَالَطْتُمُوهُمْ وَ نَازَعْتُمُوهُمُ الْكَلَامَ- فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَكُمْ مِنْ مُجَالَسَتِهِمْ وَ مُخَالَطَتِهِمْ- وَ مُنَازَعَتِهِمُ الْكَلَامَ بِالتَّقِيَّةِ- الَّتِي أَمَرَكُمُ اللَّهُ أَنْ تَأْخُذُوا بِهَا فِيمَا بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ- فَإِذَا ابْتُلِيتُمْ بِذَلِكَ مِنْهُمْ- فَإِنَّهُمْ سَيُؤْذُونَكُمْ وَ تَعْرِفُونَ فِي وُجُوهِهِمُ الْمُنْكَرَ- وَ لَوْ لَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَدْفَعُهُمْ عَنْكُمْ لَسَطَوْا(2) بِكُمْ- وَ مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَ الْبَغْضَاءِ- أَكْثَرُ مِمَّا يُبْدُونَ لَكُمْ- مَجَالِسُكُمْ وَ مَجَالِسُهُمْ وَاحِدَةٌ- وَ أَرْوَاحُكُمْ وَ أَرْوَاحُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ لَا تَأْتَلِفُ- لَا تُحِبُّونَهُمْ أَبَداً وَ لَا يُحِبُّونَكُمْ- غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْرَمَكُمْ بِالْحَقِّ- وَ بَصَّرَكُمُوهُ وَ لَمْ يَجْعَلْهُمْ مِنْ أَهْلِهِ- فَتُحَامِلُونَهُمْ وَ تَصْبِرُونَ عَلَيْهِمْ وَ لَا مُجَامَلَةَ لَهُمْ وَ لَا صَبْرَ لَهُمْ عَلَى شَيْءٍ (3) وَ حِيَلُهُمْ و وَسْوَاسُ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ- فَإِنَّ أَعْدَاءَ اللَّهِ إِنِ اسْتَطَاعُوا صَدُّوكُمْ عَنِ الْحَقِّ- يَعْصِمُكُمُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ- فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ كُفُّوا أَلْسِنَتَكُمْ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ- وَ إِيَّاكُمْ أَنْ تُذْلِقُوا (4) أَلْسِنَتَكُمْ
____________
(1) المجاملة: المعاملة بالجميل. و الضيم: الظلم. و المماظة بالمعجمة-: شدة المنازعة و المخاصمة مع طول اللزوم. و قوله «بالتقية» متعلق بدينوا. و ما بينهما معترض.
(2) السطو: القهر. أى وثبوا عليكم و قهروكم.
(3) اعلم أن الحديث- كما قاله المؤلّف- قد اختل نظمه و ترتيبه بسبب تقديم بعض الورقات و تأخير بعضها. و في بعض النسخ المصحّحة التي رآها المؤلّف قوله «لا صبر لهم» متصل بقوله (فى ص 221) «من اموركم» هكذا «و لا صبر لهم على شيء من اموركم تدفعون أنتم السيئة- الخ». و هو الصواب. اه. هذا. و قد يخطر بالبال من اختلاط بعض فصوله و اندماج بعض جمله و اختلاف نسخه أن أصل الكتاب صدر من الإمام (عليه السلام) لكن لم يخل عن تصرف بعض الرواة أو الناسخين الاولين بتفسير بعض الجمل و ادخاله في المتن.
(4) «تذلقوا» فى أكثر نسخ المصدر «تزلقوا» بالزاى المعجمة.
212
بِقَوْلِ الزُّورِ وَ الْبُهْتَانِ- وَ الْإِثْمِ وَ الْعُدْوَانِ- فَإِنَّكُمْ إِنْ كَفَفْتُمْ أَلْسِنَتَكُمْ عَمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ مِمَّا نَهَاكُمْ عَنْهُ- كَانَ خَيْراً لَكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ- مِنْ أَنْ تُذْلِقُوا أَلْسِنَتَكُمْ بِهِ- فَإِنَّ ذَلْقَ اللِّسَانِ فِيمَا يَكْرَهُهُ اللَّهُ وَ فِيمَا يَنْهَى عَنْهُ (1)- مَرْدَاةٌ لِلْعَبْدِ عِنْدَ اللَّهِ وَ مَقْتٌ مِنَ اللَّهِ- وَ صَمَمٌ وَ بُكْمٌ وَ عَمًى يُورِثُهُ اللَّهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتَصِيرُوا كَمَا قَالَ اللَّهُ- صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (2)- يَعْنِي لَا يَنْطِقُونَ وَ لا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ- وَ إِيَّاكُمْ وَ مَا نَهَاكُمُ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ تَرْكَبُوهُ- وَ عَلَيْكُمْ بِالصَّمْتِ إِلَّا فِيمَا يَنْفَعُكُمُ اللَّهُ بِهِ- مِنْ أَمْرِ آخِرَتِكُمْ وَ يَأْجُرُكُمْ عَلَيْهِ- وَ أَكْثِرُوا مِنَ التَّهْلِيلِ وَ التَّقْدِيسِ وَ التَّسْبِيحِ- وَ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ وَ التَّضَرُّعِ إِلَيْهِ- وَ الرَّغْبَةِ فِيمَا عِنْدَهُ مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ قَدْرَهُ- وَ لَا يَبْلُغُ كُنْهَهُ أَحَدٌ- فَاشْغَلُوا أَلْسِنَتَكُمْ بِذَلِكَ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ- مِنْ أَقَاوِيلِ الْبَاطِلِ الَّتِي تُعْقِبُ أَهْلَهَا خُلُوداً فِي النَّارِ- مَنْ مَاتَ عَلَيْهَا وَ لَمْ يَتُبْ إِلَى اللَّهِ وَ لَمْ يَنْزِعْ عَنْهَا- وَ عَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ- فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُدْرِكُوا نَجَاحَ الْحَوَائِجِ عِنْدَ رَبِّهِمْ- بِأَفْضَلَ مِنَ الدُّعَاءِ وَ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ- وَ التَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ وَ الْمَسْأَلَةِ لَهُ- فَارْغَبُوا فِيمَا رَغَّبَكُمُ اللَّهُ فِيهِ- وَ أَجِيبُوا اللَّهَ إِلَى مَا دَعَاكُمْ إِلَيْهِ (3)- لِتُفْلِحُوا وَ تَنْجَحُوا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ- وَ إِيَّاكُمْ أَنْ تَشْرَهَ أَنْفُسُكُمْ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ- فَإِنَّ مَنِ انْتَهَكَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ هَاهُنَا فِي الدُّنْيَا- حَالَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَ نَعِيمِهَا وَ لَذَّتِهَا- وَ كَرَامَتِهَا الْقَائِمَةِ الدَّائِمَةِ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ أَبَدَ الْآبِدِينَ- وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ بِئْسَ الْحَظُّ الْخَطَرُ- لِمَنْ خَاطَرَ اللَّهَ بِتَرْكِ طَاعَةِ اللَّهِ وَ رُكُوبِ مَعْصِيَتِهِ- فَاخْتَارَ أَنْ يَنْتَهِكَ مَحَارِمَ اللَّهِ فِي لَذَّاتِ دُنْيَا- مُنْقَطِعَةٍ زَائِلَةٍ عَنْ أَهْلِهَا عَلَى خُلُودِ نَعِيمٍ فِي الْجَنَّةِ- وَ لَذَّاتِهَا وَ كَرَامَةِ أَهْلِهَا- وَيْلٌ لِأُولَئِكَ مَا أَخْيَبَ حَظَّهُمْ وَ أَخْسَرَ كَرَّتَهُمْ- وَ أَسْوَأَ حَالَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ اسْتَجِيرُوا اللَّهَ أَنْ يُجِيرَكُمْ فِي مِثَالِهِمْ أَبَداً- وَ أَنْ
____________
(1) في بعض النسخ «و ما نهى عنه». و المرادة بغير الهمزة مفعلة من الردى بمعنى الهلاك و في بعضها «أن تزلقوا ألسنتكم» بالزاى.
(2) البقرة: 167.
(3) زاد في بعض النسخ «لتفلحوا و تنجحوا من عذاب اللّه». و الشره: غلبة الحرص.
213
يَبْتَلِيَكُمْ بِمَا ابْتَلَاهُمْ بِهِ- وَ لَا قُوَّةَ لَنَا وَ لَكُمْ إِلَّا بِهِ- فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيَّتُهَا الْعِصَابَةُ النَّاجِيَةُ- إِنْ أَتَمَّ اللَّهُ لَكُمْ مَا أَعْطَاكُمْ بِهِ- فَإِنَّهُ لَا يَتِمُّ الْأَمْرُ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْكُمْ- مِثْلُ الَّذِي دَخَلَ عَلَى الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ- وَ حَتَّى تُبْتَلَوْا فِي أَنْفُسِكُمْ وَ أَمْوَالِكُمْ (1)- وَ حَتَّى تَسْمَعُوا مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ أَذًى كَثِيراً- فَتَصْبِرُوا وَ تَعْرُكُوا بِجُنُوبِكُمْ (2)- وَ حَتَّى يَسْتَذِلُّوكُمْ وَ يُبْغِضُوكُمْ- وَ حَتَّى يَحْمِلُوا عَلَيْكُمُ الضَّيْمَ فَتَحَمَّلُوهُ مِنْهُمْ- تَلْتَمِسُونَ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ وَ الدَّارَ الْآخِرَةَ- وَ حَتَّى تَكْظِمُوا الْغَيْظَ الشَّدِيدَ- فِي الْأَذَى فِي اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ يَجْتَرِمُونَهُ (3) إِلَيْكُمْ- وَ حَتَّى يُكَذِّبُوكُمْ بِالْحَقِّ- وَ يُعَادُوكُمْ فِيهِ وَ يُبْغِضُكُمْ عَلَيْهِ- فَتَصْبِرُوا عَلَى ذَلِكَ مِنْهُمْ- وَ مِصْدَاقُ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ- الَّذِي أَنْزَلَهُ جَبْرَئِيلُ(ع)عَلَى نَبِيِّكُمْ- سَمِعْتُمْ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لِنَبِيِّكُمْ ص فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ- وَ لا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ (4)- ثُمَّ قَالَ وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ- فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَ أُوذُوا (5)- فَقَدْ كُذِّبَ نَبِيُّ اللَّهِ وَ الرُّسُلُ مِنْ قَبْلِهِ- وَ أُوذُوا مَعَ التَّكْذِيبِ بِالْحَقِّ- فَإِنْ سَرَّكُمْ (6) أَمْرُ اللَّهُ فِيهِمُ الَّذِي خَلَقَهُمْ لَهُ فِي الْأَصْلِ- أَصْلِ الْخَلْقِ مِنَ الْكُفْرِ الَّذِي سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ- أَنْ يَخْلُقَهُمْ لَهُ فِي الْأَصْلِ- وَ مِنَ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فِي قَوْلِهِ- وَ جَعَلْناهُمْ
____________
(1) قال المؤلّف: لعل المراد: اتقوا اللّه و لا تتركوا التقوى عن الشرك و المعاصى عند إرادة اتمام ما أعطاكم من دين الحق، ثمّ بين (عليه السلام) الاتمام بانه انما يكون بالابتلاء و الافتتان و تسليط من يؤذيكم عليكم. فالمراد الامر بالتقوى عند الابتلاء بالفتن و ذكر فائدة الابتلاء بانه سبب لتمام الايمان فلذا يبتليكم.
(2) يقال: عرك الاذى بجنبه أي احتمله.
(3) في القاموس: اجترم عليهم و اليهم جريمة: جنى جناية.
(4) الأحقاف: 35. و فيها «و لقد».
(5) الأنعام: 34.
(6) في النسخة المصحّحة التي أومأ إليها المؤلّف قوله «ان سركم» متصل بما سيأتي في آخر الرسالة «أن تكونوا مع نبى اللّه محمد (ص) الى آخر الرسالة.
214
أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ (1)- فَتَدَبَّرُوا هَذَا وَ اعْقِلُوهُ وَ لَا تَجْهَلُوهُ- فَإِنَّهُ مَنْ يَجْهَلْ هَذَا وَ أَشْبَاهَهُ- مِمَّا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ- مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَ نَهَى عَنْهُ تَرَكَ دِينَ اللَّهِ وَ رَكِبَ مَعَاصِيَهُ- فَاسْتَوْجَبَ سَخَطَ اللَّهِ فَأَكَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ- وَ قَالَ أَيَّتُهَا الْعِصَابَةُ الْمَرْحُومَةُ الْمُفْلِحَةُ- إِنَّ اللَّهَ أَتَمَّ لَكُمْ مَا آتَاكُمْ مِنَ الْخَيْرِ- وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ وَ لَا مِنْ أَمْرِهِ- أَنْ يَأْخُذَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ فِي دِينِهِ بِهَوًى وَ رَأْيٍ وَ لَا مَقَايِيسَ- قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ وَ جَعَلَ فِيهِ تِبْيَانَ كُلِّ شَيْءٍ- وَ جَعَلَ لِلْقُرْآنِ وَ لِتَعَلُّمِ الْقُرْآنِ أَهْلًا لَا يَسَعُ أَهْلَ الْقُرْآنِ- الَّذِينَ آتَاهُمُ اللَّهُ عِلْمَهُ- أَنْ يَأْخُذُوا فِيهِ بِهَوًى وَ لَا رَأْيٍ وَ لَا مَقَايِيسَ- أَغْنَاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ بِمَا آتَاهُمْ مِنْ عِلْمِهِ- وَ خَصَّهُمْ بِهِ وَ وَضَعَهُ عِنْدَهُمْ- كَرَامَةً مِنَ اللَّهِ أَكْرَمَهُمْ بِهَا- وَ هُمْ أَهْلُ الذِّكْرِ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِسُؤَالِهِمْ- وَ هُمُ الَّذِينَ مَنْ سَأَلَهُمْ- وَ قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنْ يُصَدِّقَهُمْ وَ يَتَّبِعَ أَثَرَهُمْ- أَرْشَدُوهُ وَ أَعْطَوْهُ مِنْ عِلْمِ الْقُرْآنِ- مَا يَهْتَدِي بِهِ إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ إِلَى جَمِيعِ سُبُلِ الْحَقِّ- وَ هُمُ الَّذِينَ لَا يَرْغَبُ عَنْهُمْ وَ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ وَ عَنْ عِلْمِهِمُ- الَّذِي أَكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِهِ وَ جَعَلَهُ عِنْدَهُمْ- إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ فِي عِلْمِ اللَّهِ الشَّقَاءُ فِي أَصْلِ الْخَلْقِ تَحْتَ الْأَظِلَّةِ (2)- فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يَرْغَبُونَ عَنْ سُؤَالِ أَهْلِ الذِّكْرِ- وَ الَّذِينَ آتَاهُمُ اللَّهُ عِلْمَ الْقُرْآنِ وَ وَضَعَهُ عِنْدَهُمْ وَ أَمَرَ بِسُؤَالِهِمْ- وَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ بِأَهْوَائِهِمْ وَ آرَائِهِمْ وَ مَقَايِيسِهِمْ- حَتَّى دَخَلَهُمُ الشَّيْطَانُ- لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا أَهْلَ الْإِيمَانِ فِي عِلْمِ الْقُرْآنِ عِنْدَ اللَّهِ كَافِرِينَ- وَ جَعَلُوا أَهْلَ الضَّلَالَةِ فِي عِلْمِ الْقُرْآنِ عِنْدَ اللَّهِ مُؤْمِنِينَ- وَ حَتَّى جَعَلُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ حَرَاماً- وَ جَعَلُوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ حَلَالًا- فَذَلِكَ أَصْلُ ثَمَرَةِ أَهْوَائِهِمْ- وَ قَدْ عَهِدَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ص قَبْلَ مَوْتِهِ فَقَالُوا- نَحْنُ بَعْدَ مَا قَبَضَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ رَسُولَهُ- يَسَعُنَا أَنْ نَأْخُذَ بِمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ رَأْيُ النَّاسِ- بَعْدَ مَا قَبَضَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ رَسُولَهُ ص وَ بَعْدَ عَهْدِهِ الَّذِي عَهِدَهُ إِلَيْنَا وَ أَمَرَنَا بِهِ- مُخَالِفاً لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ ص فَمَا أَحَدٌ أَجْرَأَ عَلَى اللَّهِ- وَ لَا أَبْيَنَ ضَلَالَةً مِمَّنْ أَخَذَ بِذَلِكَ- وَ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ يَسَعُهُ- وَ اللَّهِ إِنَّ لِلَّهِ عَلَى خَلْقِهِ أَنْ يُطِيعُوهُ وَ يَتَّبِعُوا أَمْرَهُ- فِي حَيَاةِ مُحَمَّدٍ ص
____________
(1) القصص: 41 و فيها «وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ».
(2) أي عالم الأرواح.
215
وَ بَعْدَ مَوْتِهِ- هَلْ يَسْتَطِيعُ أُولَئِكَ أعد [أَعْدَاءُ اللَّهِ أَنْ يَزْعُمُوا- أَنَّ أَحَداً مِمَّنْ أَسْلَمَ مَعَ مُحَمَّدٍ ص أَخَذَ بِقَوْلِهِ وَ رَأْيِهِ وَ مَقَايِيسِهِ- فَإِنْ قَالَ نَعَمْ فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً- وَ إِنْ قَالَ لَا- لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ بِرَأْيِهِ وَ هَوَاهُ وَ مَقَايِيسِهِ- فَقَدْ أَقَرَّ بِالْحُجَّةِ عَلَى نَفْسِهِ- وَ هُوَ مِمَّنْ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ يُطَاعُ وَ يُتَّبَعُ أَمْرُهُ- بَعْدَ قَبْضِ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ وَ قَوْلُهُ الْحَقُّ- وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ- أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ- وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً- وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (1)- وَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُطَاعُ وَ يُتَّبَعُ أَمْرُهُ- فِي حَيَاةِ مُحَمَّدٍ ص وَ بَعْدَ قَبْضِ اللَّهِ مُحَمَّداً ص وَ كَمَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ مَعَ مُحَمَّدٍ ص أَنْ يَأْخُذَ بِهَوَاهُ وَ لَا رَأْيِهِ وَ لَا مَقَايِيسِهِ خِلَافاً لِأَمْرِ مُحَمَّدٍ ص فَكَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ص أَنْ يَأْخُذَ بِهَوَاهُ وَ لَا رَأْيِهِ وَ لَا مَقَايِيسِهِ- وَ قَالَ دَعُوا رَفْعَ أَيْدِيكُمْ فِي الصَّلَاةِ- إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً حِينَ تُفْتَتَحُ الصَّلَاةُ (2)- فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ شَهَرُوكُمْ بِذَلِكَ- وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- وَ قَالَ أَكْثِرُوا مِنْ أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ- فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَدْعُوهُ- وَ قَدْ وَعَدَ اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالاسْتِجَابَةِ- وَ اللَّهُ مُصَيِّرُ دُعَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُمْ عَمَلًا- يَزِيدُهُمْ بِهِ فِي الْجَنَّةِ فَأَكْثِرُوا ذِكْرَ اللَّهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ- فِي كُلِّ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ- فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ لَهُ- وَ اللَّهُ ذَاكِرٌ لِمَنْ ذَكَرَهُ مِنَ
____________
(1) آل عمران: 144.
(2) اعلم أن رفع اليدين في تكبير الافتتاح لا خلاف في أنّه مطلوب للشارع بين العامّة و الخاصّة. و المشهور بين الاصحاب الاستحباب و ذهب السيّد- ره- من علمائنا الى الوجوب، و أمّا الرفع في سائر التكبيرات فالمشهور بين الفريقين أيضا استحبابه. و قال الثوري و أبو حنيفة و النخعيّ: لا رفع الا عند الافتتاح و ذهب السيّد- ره- الى الوجوب في جميع التكبيرات. و لما كان في زمانه (عليه السلام) عدم استحباب الرفع أشهر بين العامّة فلذا منع الشيعة عن ذلك لئلا يشهروا بذلك فيعرفونهم. (قاله المؤلّف).
216
الْمُؤْمِنِينَ- وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ- إِلَّا ذَكَرَهُ بِخَيْرٍ فَأَعْطُوا اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِكُمُ الِاجْتِهَادَ فِي طَاعَتِهِ- فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُدْرَكُ شَيْءٌ مِنَ الْخَيْرِ عِنْدَهُ- إِلَّا بِطَاعَتِهِ وَ اجْتِنَابِ مَحَارِمِهِ- الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ فِي ظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَ بَاطِنِهِ- فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ وَ قَوْلُهُ الْحَقُّ- وَ ذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَ باطِنَهُ (1)- وَ اعْلَمُوا أَنَّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ تَجْتَنِبُوهُ فَقَدْ حَرَّمَهُ- وَ اتَّبِعُوا آثَارَ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ سُنَّتَهُ فَخُذُوا بِهَا- وَ لَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَكُمْ وَ آرَاءَكُمْ فَتَضِلُّوا- فَإِنَّ أَضَلَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنِ اتَّبَعَ هَواهُ وَ رَأْيَهُ- بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ- وَ أَحْسِنُوا إِلَى أَنْفُسِكُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ- فَ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها- وَ جَامِلُوا النَّاسَ وَ لَا تَحْمِلُوهُمْ عَلَى رِقَابِكُمْ- تَجْمَعُوا مَعَ ذَلِكَ طَاعَةَ رَبِّكُمْ (2)- وَ إِيَّاكُمْ وَ سَبَّ أَعْدَاءِ اللَّهِ حَيْثُ يَسْمَعُونَكُمْ- فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ- وَ قَدْ يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَعْلَمُوا حَدَّ سَبِّهِمْ لِلَّهِ كَيْفَ هُوَ- إِنَّهُ مَنْ سَبَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ فَقَدِ انْتَهَكَ سَبَّ اللَّهِ- وَ مَنْ أَظْلَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنِ اسْتَسَبَّ لِلَّهِ وَ لِأَوْلِيَائِهِ- فَمَهْلًا فَمَهْلًا فَاتَّبِعُوا أَمْرَ اللَّهِ- وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- وَ قَالَ أَيَّتُهَا الْعِصَابَةُ- الْحَافِظُ اللَّهُ لَهُمْ أَمْرَهُمْ عَلَيْكُمْ بِآثَارِ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ سُنَّتِهِ- وَ آثَارِ الْأَئِمَّةِ الْهُدَاةِ- مِنْ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ص مِنْ بَعْدِهِ وَ سُنَّتِهِمْ- فَإِنَّهُ مَنْ أَخَذَ بِذَلِكَ فَقَدِ اهْتَدَى- وَ مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ وَ رَغِبَ عَنْهُ ضَلَّ- لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ بِطَاعَتِهِمْ وَ وَلَايَتِهِمْ- وَ قَدْ قَالَ أَبُونَا رَسُولُ اللَّهِ ص الْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْعَمَلِ فِي اتِّبَاعِ الْآثَارِ وَ السُّنَنِ وَ إِنْ قَلَّ- أَرْضَى لِلَّهِ وَ أَنْفَعُ عِنْدَهُ فِي الْعَاقِبَةِ مِنَ الِاجْتِهَادِ- فِي الْبِدَعِ
____________
(1) الأنعام: 120.
(2) جواب للامر أي انكم إذا جاملتم الناس عشتم مع الامن و عدم حمل الناس على رقابكم بالعمل بطاعة ربكم فيما أمركم به من التقية. فى بعض نسخ المصدر «تجمعون» فيكون حالا عن ضميرى الخطاب أي ان أجمعوا طاعة اللّه مع المجاملة، لا بأن تتابعوهم في المعاصى و تشاركوهم في دينهم بل بالعمل بالتقية فما أمركم اللّه فيه بالتقية (قاله المؤلّف).
217
وَ اتِّبَاعِ الْأَهْوَاءِ (1)- أَلَا إِنَّ اتِّبَاعَ الْأَهْوَاءِ وَ اتِّبَاعَ الْبِدَعِ- بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ ضَلَالٌ- وَ كُلُّ ضَلَالَةٍ بِدْعَةٌ وَ كُلُّ بِدْعَةٍ فِي النَّارِ- وَ لَنْ يُنَالَ شَيْءٌ مِنَ الْخَيْرِ عِنْدَ اللَّهِ- إِلَّا بِطَاعَتِهِ وَ الصَّبْرِ وَ الرِّضَا- لِأَنَّ الصَّبْرَ وَ الرِّضَا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ- وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِهِ- حَتَّى يَرْضَى عَنِ اللَّهِ فِيمَا صَنَعَ اللَّهُ إِلَيْهِ- وَ صَنَعَ بِهِ عَلَى مَا أَحَبَّ وَ كَرِهَ- وَ لَنْ يَصْنَعَ اللَّهُ بِمَنْ صَبَرَ وَ رَضِيَ عَنِ اللَّهِ- إِلَّا مَا هُوَ أَهْلُهُ وَ هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِمَّا أَحَبَّ وَ كَرِهَ- وَ عَلَيْكُمْ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَواتِ- وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ- كَمَا أَمَرَ اللَّهُ- بِهِ الْمُؤْمِنِينَ- فِي كِتَابِهِ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ إِيَّاكُمْ (2)- وَ عَلَيْكُمْ بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ الْمُسْلِمِينَ- فَإِنَّهُ مَنْ حَقَّرَهُمْ وَ تَكَبَّرَ عَلَيْهِمْ فَقَدْ زَلَّ عَنْ دِينِ اللَّهِ- وَ اللَّهُ لَهُ حَاقِرٌ مَاقِتٌ- وَ قَدْ قَالَ أَبُونَا رَسُولُ اللَّهِ ص أَمَرَنِي رَبِّي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ- وَ اعْلَمُوا أَنَّ مَنْ حَقَّرَ أَحَداً مِنَ الْمُسْلِمِينَ- أَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِ الْمَقْتَ مِنْهُ وَ الْمَحْقَرَةَ- حَتَّى يَمْقُتَهُ النَّاسُ- وَ اللَّهُ لَهُ أَشَدُّ مَقْتاً- فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي إِخْوَانِكُمُ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمَسَاكِينِ- فَإِنَّ لَهُمْ عَلَيْكُمْ حَقّاً أَنْ تُحِبُّوهُمْ- فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ رَسُولَهُ ص بِحُبِّهِمْ- فَمَنْ لَمْ يُحِبَّ مَنْ أَمْرِ اللَّهُ بِحُبِّهِ- فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَ رَسُولَهُ- وَ مَنْ عَصَى اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ- مَاتَ وَ هُوَ مِنَ الْغَاوِينَ- وَ إِيَّاكُمْ وَ الْعَظَمَةَ وَ الْكِبْرَ- فَإِنَّ الْكِبْرَ رِدَاءُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- فَمَنْ نَازَعَ اللَّهَ رِدَاءَهُ قَصَمَهُ اللَّهُ وَ أَذَلَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ إِيَّاكُمْ أَنْ يَبْغِيَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ- فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ خِصَالِ الصَّالِحِينَ- فَإِنَّهُ مَنْ بَغَى صَيَّرَ اللَّهُ بَغْيَهُ عَلَى نَفْسِهِ- وَ صَارَتْ نُصْرَةُ اللَّهِ لِمَنْ بَغَى عَلَيْهِ- وَ مَنْ نَصَرَهُ اللَّهُ غَلَبَ وَ أَصَابَ الظَّفَرَ مِنَ اللَّهِ- وَ إِيَّاكُمْ أَنْ يَحْسُدَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً- فَإِنَّ الْكُفْرَ أَصْلُهُ الْحَسَدُ- وَ إِيَّاكُمْ أَنْ تُعِينُوا عَلَى مُسْلِمٍ مَظْلُومٍ- فَيَدْعُوَ اللَّهَ عَلَيْكُمْ وَ يُسْتَجَابَ لَهُ فِيكُمْ- فَإِنَّ أَبَانَا رَسُولَ اللَّهِ ص كَانَ يَقُولُ- إِنَّ دَعْوَةَ الْمُسْلِمِ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ- وَ لْيُعِنْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً- فَإِنَّ أَبَانَا رَسُولَ اللَّهِ ص كَانَ يَقُولُ- إِنَّ مُعَاوَنَةَ الْمُسْلِمِ
____________
(1) هذا من قبيل المماشاة مع الخصم أي لو كان البدعة تنفع و يرضى الرحمن بها على فرض المحال كان اتباع السنة أنفع.
(2) «إيّاكم» عطف على المؤمنين.
218
خَيْرٌ- وَ أَعْظَمُ أَجْراً مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَ اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ- وَ إِيَّاكُمْ وَ إِعْسَارَ أَحَدٍ مِنْ إِخْوَانِكُمُ الْمُسْلِمِينَ- أَنْ تُعْسِرُوهُ (1) بِالشَّيْءِ يَكُونُ لَكُمْ قِبَلَهُ وَ هُوَ مُعْسِرٌ- فَإِنَّ أَبَانَا رَسُولَ اللَّهِ ص كَانَ يَقُولُ- لَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُعْسِرَ مُسْلِماً- وَ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً أَظَلَّهُ اللَّهُ بِظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ- وَ إِيَّاكُمْ أَيَّتُهَا الْعِصَابَةُ الْمَرْحُومَةُ- الْمُفَضَّلَةُ عَلَى مَنْ سِوَاهَا- وَ حَبْسَ حُقُوقِ اللَّهِ قِبَلَكُمْ يَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ- وَ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ- فَإِنَّهُ مَنْ عَجَّلَ حُقُوقَ اللَّهِ قِبَلَهُ- كَانَ اللَّهُ أَقْدَرَ عَلَى التَّعْجِيلِ لَهُ إِلَى مُضَاعَفَةِ الْخَيْرِ- فِي الْعَاجِلِ وَ الْآجِلِ- وَ إِنَّهُ مَنْ أَخَّرَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ قِبَلَهُ- كَانَ اللَّهُ أَقْدَرَ عَلَى تَأْخِيرِ رِزْقِهِ- وَ مَنْ حَبَسَ اللَّهُ رِزْقَهُ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَرْزُقَ نَفْسَهُ- فَأَدُّوا إِلَى اللَّهِ حَقَّ مَا رَزَقَكُمْ- يُطَيِّبِ اللَّهُ لَكُمْ بَقِيَّتَهُ- وَ يُنْجِزْ لَكُمْ مَا وَعَدَكُمْ مِنْ مُضَاعَفَتِهِ لَكُمُ- الْأَضْعَافَ الْكَثِيرَةَ الَّتِي لَا يَعْلَمُ عَدَدَهَا- وَ لَا كُنْهَ فَضْلِهِ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ- وَ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ أَيَّتُهَا الْعِصَابَةُ- وَ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَلَّا يَكُونَ مِنْكُمْ مُحْرِجُ الْإِمَامِ (2)
____________
(1) عسر الغريم يعسره: طلب منه على عسرته. كأعسره. (القاموس).
(2) «محرج الامام» فى الصحاح: أحرجه إليه: ألجأه. و فيه: سعى به الى الوالى إذا وشى به يعنى نمه و ذمه عنده. و قال المؤلّف: الظاهر أن المراد لا تكونوا محرج الامام أي بأن تجعلوه مضطرا الى شيء لا يرضى به، ثمّ بين (عليه السلام) بان المحرج هو الذي يذم أهل الصلاح عند الامام و يشهد عليهم بفساد و هو كاذب في ذلك فيثبت ذلك بظاهر حكم الشريعة عند الامام فيلزم الامام ان يلعنهم فإذا لعنهم. و هم غير مستحقين لذلك تصير اللعنة عليهم رحمة و ترجع اللعنة الى الواشى الكاذب الذي ألجأ الامام الى ذلك، أو المراد أنه ينسب الواشى الى أهل الصلاح عند الامام شيئا بمحضر جماعة يتقى منهم الامام فيضطر الامام الى أن يلعن من نسب إليه ذلك تقية، و يحتمل أن يكون المراد أن محرج الامام هو من يسعى بأهل الصلاح الى أئمة الجور و يجعلهم معروفين عند أئمة الجور بالتشيع فيلزم أئمة الحق لرفع الضرر عن أنفسهم و عن أهل الصلاح أن يلعنوهم و يتبرءوا منهم فيصير اللعنة الى الساعين و أئمة الجور معا و على هذا المراد باعداء اللّه أئمة الجور. و قوله: «اذا.
219
فَإِنَّ مُحْرِجَ الْإِمَامِ هُوَ الَّذِي يَسْعَى بِأَهْلِ الصَّلَاحِ- مِنْ أَتْبَاعِ الْإِمَامِ الْمُسَلِّمِينَ لِفَضْلِهِ- الصَّابِرِينَ عَلَى أَدَاءِ حَقِّهِ الْعَارِفِينَ بِحُرْمَتِهِ- وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ نَزَلَ بِذَلِكَ الْمَنْزِلِ عِنْدَ الْإِمَامِ- فَهُوَ مُحْرِجُ الْإِمَامِ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ- أَحْرَجَ الْإِمَامَ إِلَى أَنْ يَلْعَنَ أَهْلَ الصَّلَاحِ مِنْ أَتْبَاعِهِ- مِنَ الْمُسَلِّمِينَ- لِفَضْلِهِ الصَّابِرِينَ عَلَى أَدَاءِ حَقِّهِ- الْعَارِفِينَ بِحُرْمَتِهِ- فَإِذَا لَعَنَهُمْ لِإِحْرَاجِ أَعْدَاءِ اللَّهِ الْإِمَامَ- صَارَتْ لَعْنَتُهُ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ- وَ صَارَتِ اللَّعْنَةُ مِنَ اللَّهِ وَ مِنْ مَلَائِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ عَلَى أُولَئِكَ- وَ اعْلَمُوا أَيَّتُهَا الْعِصَابَةُ- أَنَّ السُّنَّةَ مِنَ اللَّهِ قَدْ جَرَتْ فِي الصَّالِحِينَ قَبْلُ- وَ قَالَ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ حَقّاً [حَقّاً]- فَلْيَتَوَلَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا- وَ لْيَبْرَأْ إِلَى اللَّهِ مِنْ عَدُوِّهِمْ- وَ يُسَلِّمُ لِمَا انْتَهَى إِلَيْهِ مِنْ فَضْلِهِمْ- لِأَنَّ فَضْلَهُمْ لَا يَبْلُغُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ- وَ لَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَ لَا مَنْ دُونَ ذَلِكَ- أَ لَمْ تَسْمَعُوا مَا ذَكَرَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْهُدَاةِ- وَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ- قَالَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ- وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ- وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (1)- فَهَذَا وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ فَضْلِ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ- فَكَيْفَ بِهِمْ وَ فَضْلِهِمْ- وَ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُتِمَّ اللَّهُ لَهُ إِيمَانَهُ- حَتَّى يَكُونَ مُؤْمِناً حَقّاً حَقّاً- فَلْيَفِ لِلَّهِ بِشُرُوطِهِ الَّتِي اشْتَرَطَهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ- فَإِنَّهُ قَدِ اشْتَرَطَ مَعَ وَلَايَتِهِ وَ وَلَايَةِ رَسُولِهِ- وَ وَلَايَةِ أَئِمَّةِ الْمُؤْمِنِينَ- إِقَامَ الصَّلَاةِ وَ إِيتَاءَ الزَّكَاةِ- وَ إِقْرَاضَ اللَّهِ قَرْضاً حَسَناً- وَ اجْتِنَابَ الْفَوَاحِشِ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ- فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِمَّا فُسِّرَ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ- إِلَّا وَ قَدْ دَخَلَ فِي جُمْلَةِ قَوْلِهِ (2)- فَمَنْ دَانَ اللَّهَ فِيمَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ اللَّهِ مُخْلِصاً لِلَّهِ- وَ لَمْ يُرَخِّصْ لِنَفْسِهِ فِي تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ هَذَا- فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ فِي حِزْبِهِ الْغَالِبِينَ- وَ هُوَ مِنَ
____________
فعل ذلك عند الامام» يؤيد المعنى الأول. هذه من الوجوه التي خطر بالبال و اللّه أعلم و من صدر عنه (صلوات اللّه عليه) انتهى.
(1) النساء: 69.
(2) أي في الفواحش. فقوله «اجتناب الفواحش» يشمل اجتناب جميع المحرمات و قوله «فمن دان اللّه» أي عبد اللّه فيما بينه و بين ربّه اي مختفيا. و لا ينظر الى غيره، و لا يلتفت إلى من سواه.
220
الْمُؤْمِنِينَ حَقّاً- وَ إِيَّاكُمْ وَ الْإِصْرَارَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا حَرَّمَ- اللَّهُ- فِي ظَهْرِ الْقُرْآنِ وَ بَطْنِهِ- وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى- وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ (1)- إِلَى هَاهُنَا رِوَايَةُ قَاسِمِ بْنِ الرَّبِيعِ (2)- يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَكُمْ إِذَا نَسُوا شَيْئاً- مِمَّا اشْتَرَطَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ- عَرَفُوا أَنَّهُمْ قَدْ عَصَوْا فِي تَرْكِهِمْ ذَلِكَ الشَّيْءَ- فَاسْتَغْفَرُوا وَ لَمْ يَعُودُوا إِلَى تَرْكِهِ- فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ- وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَ وَ نَهَى لِيُطَاعَ فِيمَا أَمَرَ بِهِ- وَ لِيُنْتَهَى عَمَّا نَهَى عَنْهُ- فَمَنِ اتَّبَعَ أَمْرَهُ فَقَدْ أَطَاعَهُ- وَ قَدْ أَدْرَكَ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْخَيْرِ عِنْدَهُ- وَ مَنْ لَمْ يَنْتَهِ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ فَقَدْ عَصَاهُ- فَإِنْ مَاتَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ أَكَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ- وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ- مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَ لَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ- وَ لَا مَنْ دُونَ ذَلِكَ مِنْ خَلْقِهِ كُلِّهِمْ إِلَّا طَاعَتُهُمْ لَهُ- فَاجْتَهِدُوا فِي طَاعَةِ اللَّهِ- إِنْ سَرَّكُمْ أَنْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ حَقّاً حَقّاً- وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- وَ قَالَ(ع)وَ عَلَيْكُمْ بِطَاعَةِ رَبِّكُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنَّ اللَّهَ رَبُّكُمْ- وَ اعْلَمُوا أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ التَّسْلِيمُ وَ التَّسْلِيمَ هُوَ الْإِسْلَامُ- فَمَنْ سَلَّمَ فَقَدْ أَسْلَمَ وَ مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ فَلَا إِسْلَامَ لَهُ- وَ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَبْلُغَ إِلَى نَفْسِهِ فِي الْإِحْسَانِ فَلْيُطِعِ اللَّهَ- فَإِنَّهُ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ فَقَدْ أَبْلَغَ إِلَى نَفْسِهِ فِي الْإِحْسَانِ- وَ إِيَّاكُمْ وَ مَعَاصِيَ اللَّهِ أَنْ تَرْكَبُوهَا- فَإِنَّهُ مَنِ انْتَهَكَ مَعَاصِيَ اللَّهِ فَرَكِبَهَا- فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الْإِسَاءَةِ إِلَى نَفْسِهِ- وَ لَيْسَ بَيْنَ الْإِحْسَانِ وَ الْإِسَاءَةِ مَنْزِلَةٌ- فَلِأَهْلِ الْإِحْسَانِ عِنْدَ رَبِّهِمُ الْجَنَّةُ- وَ لِأَهْلِ الْإِسَاءَةِ عِنْدَ رَبِّهِمُ النَّارُ- فَاعْمَلُوا بِطَاعَةِ اللَّهِ وَ اجْتَنِبُوا مَعَاصِيَهُ- اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ يُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ شَيْئاً- لَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَ لَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَ لَا مَنْ دُونَ ذَلِكَ- فَمَنْ سَرَّهُ أَنْ تَنْفَعَهُ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ عِنْدَ اللَّهِ- فَلْيَطْلُبْ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَرْضَى عَنْهُ
____________
(1) آل عمران: 145.
(2) أي ما يذكر بعده لم يكن في رواية القاسم بل كان في رواية حفص و إسماعيل.
221
وَ اعْلَمُوا أَنَّ أَحَداً مِنْ خَلْقِ اللَّهِ- لَمْ يُصِبْ رِضَى اللَّهِ إِلَّا بِطَاعَتِهِ وَ طَاعَةِ رَسُولِهِ- وَ طَاعَةِ وُلَاةِ أَمْرِهِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ(ع) وَ مَعْصِيَتُهُمْ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ- وَ لَمْ يُنْكِرْ لَهُمْ فَضْلًا عَظُمَ أَوْ صَغُرَ- وَ اعْلَمُوا أَنَّ الْمُنْكِرِينَ هُمُ الْمُكَذِّبُونَ- وَ أَنَّ الْمُكَذِّبِينَ هُمُ الْمُنَافِقُونَ- وَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِلْمُنَافِقِينَ وَ قَوْلُهُ الْحَقُّ- إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ- وَ لَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (1)- وَ لَا يُفَرِّقَنَ (2) أَحَدٌ مِنْكُمْ أَلْزَمَ اللَّهُ قَلْبَهُ طَاعَتَهُ وَ خَشْيَتَهُ- مِنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْ صِفَةِ الْحَقِّ- وَ لَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ أَهْلِهَا- فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ صِفَةِ الْحَقِّ- فَأُولَئِكَ هُمْ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ- وَ إِنَّ لِشَيَاطِينِ الْإِنْسِ حِيلَةً وَ مَكْراً وَ خَدَائِعَ- وَ وَسْوَسَةَ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ- يُرِيدُونَ إِنِ اسْتَطَاعُوا أَنْ يَرُدُّوا أَهْلَ الْحَقِّ- عَمَّا أَكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النَّظَرِ فِي دِينِ اللَّهِ- الَّذِي لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ مِنْ أَهْلِهِ إِرَادَةَ- أَنْ يَسْتَوِيَ أَعْدَاءُ اللَّهِ وَ أَهْلُ الْحَقِّ- فِي الشَّكِّ وَ الْإِنْكَارِ وَ التَّكْذِيبِ- فَيَكُونُونَ سَوَاءً كَمَا وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ مِنْ قَوْلِهِ- وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً (3)- ثُمَّ نَهَى اللَّهُ أَهْلَ النَّصْرِ بِالْحَقِّ- أَنْ يَتَّخِذُوا مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَلِيّاً وَ لَا نَصِيراً- فَلَا يُهَوِّلَنَّكُمْ وَ لَا يَرُدَّنَّكُمْ عَنِ النَّصْرِ بِالْحَقِّ- الَّذِي خَصَّكُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ حِيلَةِ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَ مَكْرِهِمْ- مِنْ أُمُورِكُمْ تَدْفَعُونَ أَنْتُمُ السَّيِّئَةَ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ- فِيمَا بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ- تَلْتَمِسُونَ بِذَلِكَ وَجْهَ رَبِّكُمْ بِطَاعَتِهِ وَ هُمْ خَيْرٌ عِنْدَهُمْ- لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تُظْهِرُوهُمْ عَلَى أُصُولِ دِينِ اللَّهِ- فَإِنَّهُمْ إِنْ سَمِعُوا مِنْكُمْ فِيهِ شَيْئاً عَادَوْكُمْ عَلَيْهِ- وَ رَفَعُوهُ عَلَيْكُمْ وَ جَهَدُوا عَلَى هَلَاكِكُمْ- وَ اسْتَقْبَلُوكُمْ بِمَا تَكْرَهُونَ- وَ لَمْ يَكُنْ لَكُمُ النَّصَفَةُ مِنْهُمْ فِي دُوَلِ الْفُجَّارِ- فَاعْرِفُوا مَنْزِلَتَكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ أَهْلِ الْبَاطِلِ- فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْحَقِّ- أَنْ يُنْزِلُوا أَنْفُسَهُمْ مَنْزِلَةَ أَهْلِ الْبَاطِلِ- لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ أَهْلَ الْحَقِّ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْبَاطِلِ- أَ لَمْ يَعْرِفُوا وَجْهَ قَوْلِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ إِذْ يَقُولُ
____________
(1) النساء: 145.
(2) الفرق- محركة-: الخوف و في أكثر النسخ «لا يعرفن».
(3) النساء: 88.
222
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ- كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ- أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (1)- أَكْرِمُوا أَنْفُسَكُمْ عَنْ أَهْلِ الْبَاطِلِ- وَ لَا تَجْعَلُوا اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى- وَ إِمَامَكُمْ وَ دِينَكُمُ الَّذِي تَدِينُونَ بِهِ- عُرْضَةً (2) لِأَهْلِ الْبَاطِلِ فَتُغْضِبُوا اللَّهَ عَلَيْكُمْ فَتَهْلِكُوا- فَمَهْلًا مَهْلًا يَا أَهْلَ الصَّلَاحِ- لَا تَتْرُكُوا أَمْرَ اللَّهِ وَ أَمْرَ مَنْ أَمَرَكُمْ بِطَاعَتِهِ- فَيُغَيِّرَ اللَّهُ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ- أَحِبُّوا فِي اللَّهِ مَنْ وُصِفَ صِفَتَكُمْ- وَ أَبْغِضُوا فِي اللَّهِ مَنْ خَالَفَكُمْ- وَ ابْذُلُوا مَوَدَّتَكُمْ وَ نَصِيحَتَكُمْ لِمَنْ وُصِفَ صِفَتَكُمْ- وَ لَا تَبْتَذِلُوهَا لِمَنْ رَغِبَ عَنْ صِفَتِكُمْ- وَ عَادَاكُمْ عَلَيْهَا وَ بَغَا بَغَى لَكُمُ الْغَوَائِلَ- هَذَا أَدَبُنَا أَدَبُ اللَّهِ فَخُذُوا بِهِ وَ تَفَهَّمُوهُ وَ اعْقِلُوهُ- وَ لَا تَنْبِذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ- مَا وَافَقَ هُدَاكُمْ أَخَذْتُمْ بِهِ- وَ مَا وَافَقَ هَوَاكُمْ طَرَحْتُمُوهُ وَ لَمْ تَأْخُذُوا بِهِ- وَ إِيَّاكُمْ وَ التَّجَبُّرَ عَلَى اللَّهِ- وَ اعْلَمُوا أَنَّ عَبْداً لَمْ يُبْتَلَ بِالتَّجَبُّرِ عَلَى اللَّهِ- إِلَّا تَجَبَّرَ عَلَى دِينِ اللَّهِ- فَاسْتَقِيمُوا لِلَّهِ وَ لَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَعْقَابِكُمْ- فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ- أَجَارَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ مِنَ التَّجَبُّرِ عَلَى اللَّهِ- وَ لَا قُوَّةَ لَنَا وَ لَكُمْ إِلَّا بِاللَّهِ- وَ قَالَ(ع) إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ خَلَقَهُ اللَّهُ فِي الْأَصْلِ أَصْلِ الْخَلْقِ مُؤْمِناً- لَمْ يَمُتْ حَتَّى يُكَرِّهَ اللَّهُ إِلَيْهِ الشَّرَّ وَ يُبَاعِدَهُ عَنْهُ- وَ مَنْ كَرَّهَ اللَّهُ إِلَيْهِ الشَّرَّ وَ بَاعَدَهُ عَنْهُ- عَافَاهُ اللَّهُ مِنَ الْكِبْرِ أَنْ يَدْخُلَهُ- وَ الْجَبَرِيَّةِ فَلَانَتْ عَرِيكَتُهُ- وَ حَسُنَ خُلُقُهُ وَ طَلُقَ وَجْهُهُ- وَ صَارَ عَلَيْهِ وَقَارُ الْإِسْلَامِ وَ سَكِينَتُهُ وَ تَخَشُّعُهُ- وَ وَرِعَ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ وَ اجْتَنَبَ مَسَاخِطَهُ- وَ رَزَقَهُ اللَّهُ مَوَدَّةَ النَّاسِ وَ مُجَامَلَتَهُمْ- وَ تَرْكَ مُقَاطَعَةِ النَّاسِ وَ الْخُصُومَاتِ- وَ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا وَ لَا مِنْ أَهْلِهَا فِي شَيْءٍ- وَ إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ اللَّهُ خَلَقَهُ فِي الْأَصْلِ أَصْلِ الْخَلْقِ كَافِراً (3)- لَمْ يَمُتْ حَتَّى يُحَبِّبَ إِلَيْهِ الشَّرَّ وَ يُقَرِّبَهُ مِنْهُ- فَإِذَا حَبَّبَ إِلَيْهِ
____________
(1) ص: 28.
(2) العرضة: الحيلة.
(3) ظاهر هذا الكلام هو الجبر الباطل في مذهب أهل البيت (عليهم السلام) و سلب الاختيار و مخالف لصريح القرآن قوله تعالى: «فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ» فيجب تأويله أو التوقف و ردّ علمه الى أهله.
223
الشَّرَّ وَ قَرَّبَهُ مِنْهُ- ابْتُلِيَ بِالْكِبْرِ وَ الْجَبَرِيَّةِ (1)- فَقَسَا قَلْبُهُ وَ سَاءَ خُلُقُهُ وَ غَلُظَ وَجْهُهُ- وَ ظَهَرَ فُحْشُهُ وَ قَلَّ حَيَاؤُهُ- وَ كَشَفَ اللَّهُ سِرَّهُ وَ رَكِبَ الْمَحَارِمَ فَلَمْ يَنْزِعْ عَنْهَا- وَ رَكِبَ مَعَاصِيَ اللَّهِ وَ أَبْغَضَ طَاعَتَهُ وَ أَهْلَهَا- فَبُعْدٌ مَا بَيْنَ حَالِ الْمُؤْمِنِ وَ حَالِ الْكَافِرِ: سَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ وَ اطْلُبُوهَا إِلَيْهِ- وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- صَبِّرُوا النَّفْسَ عَلَى الْبَلَاءِ فِي الدُّنْيَا- فَإِنَّ تَتَابُعَ الْبَلَاءِ فِيهَا وَ الشِّدَّةَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ- وَ وَلَايَتِهِ وَ وَلَايَةِ مَنْ أَمَرَ بِوَلَايَتِهِ- خَيْرٌ عَاقِبَةً عِنْدَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ مِنْ مُلْكِ الدُّنْيَا- وَ إِنْ طَالَ تَتَابُعُ نَعِيمِهَا وَ زَهْرَتِهَا وَ غَضَارَةُ عَيْشِهَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ- وَ وَلَايَةِ مَنْ نَهَى اللَّهُ عَنْ وَلَايَتِهِ وَ طَاعَتِهِ- فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِوَلَايَةِ الْأَئِمَّةِ- الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فِي قَوْلِهِ- وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا (2)- وَ هُمُ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ بِوَلَايَتِهِمْ وَ طَاعَتِهِمْ- وَ الَّذِينَ نَهَى اللَّهُ عَنْ وَلَايَتِهِمْ وَ طَاعَتِهِمْ وَ هُمْ أَئِمَّةُ الضَّلَالَةِ- الَّذِينَ قَضَى اللَّهُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ دُوَلٌ فِي الدُّنْيَا- عَلَى أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْأَئِمَّةِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ- يَعْمَلُونَ فِي دَوْلَتِهِمْ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ وَ مَعْصِيَةِ رَسُولِهِ- لِيَحِقَّ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ- وَ لِيَتِمَ (3) أَنْ تَكُونُوا مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ- مُحَمَّدٍ ص وَ الرُّسُلِ مِنْ قَبْلِهِ- فَتَدَبَّرُوا مَا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فِي كِتَابِهِ مِمَّا ابْتَلَى بِهِ أَنْبِيَاءَهُ وَ أَتْبَاعَهُمُ الْمُؤْمِنِينَ- ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ أَنْ يُعْطِيَكُمُ الصَّبْرَ عَلَى الْبَلَاءِ- فِي السَّرَّاءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ الشِدَّةِ وَ الرَّخَاءِ- مِثْلَ الَّذِي أَعْطَاهُمْ- وَ إِيَّاكُمْ وَ مُمَاظَّةَ أَهْلِ الْبَاطِلِ- وَ عَلَيْكُمْ بِهُدَى الصَّالِحِينَ وَ وَقَارِهِمْ- وَ سَكِينَتِهِمْ وَ حِلْمِهِمْ وَ تَخَشُّعِهِمْ وَ وَرَعِهِمْ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ- وَ صِدْقِهِمْ وَ وَفَائِهِمْ وَ اجْتِهَادِهِمْ لِلَّهِ فِي الْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ- فَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ- لَمْ تُنْزَلُوا عِنْدَ رَبِّكُمْ مَنْزِلَةَ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ- وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْراً شَرَحَ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ- فَإِذَا أَعْطَاهُ ذَلِكَ أَنْطَقَ لِسَانَهُ بِالْحَقِّ- وَ عَقَدَ قَلْبَهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِهِ- فَإِذَا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ تَمَّ لَهُ إِسْلَامُهُ- وَ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ إِنْ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَقّاً- وَ إِذَا لَمْ يُرِدِ اللَّهُ تَعَالَى بِعَبْدٍ
____________
(1) الجبرية- بكسر الجيم و الراء و سكون الباء. و بكسر الباء أيضا و بفتح الجيم و سكون الباء-: التكبر. و العريكة: الطبيعة.
(2) الأنبياء: 73.
(3) هذا موضع آخر من مواضع الاختلاف في النسخ و في النسخة التي أشرنا إليها هكذا «و ليتم أمر اللّه فيهم الذي خلقهم له في الأصل» الى آخر ما مر في ص 213.
224
خَيْراً وَكَلَهُ إِلَى نَفْسِهِ- وَ كَانَ صَدْرُهُ ضَيِّقاً حَرَجاً- فَإِنْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ حَقٌّ لَمْ يُعْقَدْ قَلْبُهُ عَلَيْهِ- وَ إِذَا لَمْ يُعْقَدْ قَلْبُهُ عَلَيْهِ لَمْ يُعْطِهِ اللَّهُ الْعَمَلَ بِهِ- فَإِذَا اجْتَمَعَ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى يَمُوتَ وَ هُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ- كَانَ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ- وَ صَارَ مَا جَرَى عَلَى لِسَانِهِ مِنَ الْحَقِّ- الَّذِي لَمْ يُعْطِهِ اللَّهُ أَنْ يُعْقَدَ قَلْبُهُ عَلَيْهِ- وَ لَمْ يُعْطِهِ الْعَمَلَ بِهِ حُجَّةً عَلَيْهِ- فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ سَلُوهُ أَنْ يَشْرَحَ صُدُورَكُمْ لِلْإِسْلَامِ- وَ أَنْ يَجْعَلَ أَلْسِنَتَكُمْ تَنْطِقُ بِالْحَقِّ- حَتَّى يَتَوَفَّاكُمْ وَ أَنْتُمْ عَلَى ذَلِكَ- وَ أَنْ يَجْعَلَ مُنْقَلَبَكُمْ مُنْقَلَبَ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ- وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ- مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ- فَلْيَعْمَلْ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَ لْيَتَّبِعْنَا- أَ لَمْ يَسْتَمِعْ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لِنَبِيِّهِ ص قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ- وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ (1)- وَ اللَّهِ لَا يُطِيعُ اللَّهَ عَبْدٌ أَبَداً- إِلَّا أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي طَاعَتِهِ اتِّبَاعَنَا- وَ لَا وَ اللَّهِ لَا يَتَّبِعُنَا عَبْدٌ أَبَداً إِلَّا أَحَبَّهُ اللَّهُ- وَ لَا وَ اللَّهِ لَا يَدَعُ أَحَدٌ اتِّبَاعَنَا أَبَداً إِلَّا أَبْغَضَنَا- وَ لَا وَ اللَّهِ لَا يُبْغِضُنَا أَحَدٌ أَبَداً إِلَّا عَصَى اللَّهَ- وَ مَنْ مَاتَ عَاصِياً لِلَّهِ أَخْزَاهُ اللَّهُ- وَ أَكَبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ- وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
94- كا (2)، الكافي عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ وَ حُمَيْدُ بْنِ زِيَادٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكِنْدِيِّ جَمِيعاً عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْمِيثَمِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ قَالَ: قَرَأْتُ جَوَاباً مِنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ- أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ- فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ ضَمِنَ لِمَنِ اتَّقَاهُ- أَنْ يُحَوِّلَهُ عَمَّا يَكْرَهُ إِلَى مَا يُحِبُّ- وَ يَرْزُقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ- فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ تَخَافُ عَلَى الْعِبَادِ مِنْ ذُنُوبِهِمْ- وَ يَأْمَنُ الْعُقُوبَةَ مِنْ ذَنْبِهِ- فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يُخْدَعُ عَنْ جَنَّتِهِ- وَ لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
95- كا (3)، الكافي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ
____________
(1) آل عمران: 31.
(2) الكافي ج 8 ص 49. تحت رقم 9.
(3) المصدر: ج 8 ص 128 تحت رقم 98.
225
دَاوُدَ الْمِنْقَرِيِّ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ: إِنْ قَدَرْتُمْ أَنْ لَا تُعْرَفُوا فَافْعَلُوا- وَ مَا عَلَيْكَ إِنْ لَمْ يُثْنِ النَّاسُ عَلَيْكَ- أَنْ تَكُونَ مَذْمُوماً عِنْدَ النَّاسِ- إِذَا كُنْتَ مَحْمُوداً عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)كَانَ يَقُولُ- لَا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ- رَجُلٍ يَزْدَادُ فِيهَا كُلَّ يَوْمٍ إِحْسَاناً- وَ رَجُلٍ يَتَدَارَكُ مَنِيَّتَهُ بِالتَّوْبَةِ- وَ أَنَّى لَهُ بِالتَّوْبَةِ- فَوَ اللَّهِ أَنْ لَوْ سَجَدَ حَتَّى يَنْقَطِعَ عُنُقُهُ- مَا قَبِلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْهُ عَمَلًا- إِلَّا بِوَلَايَتِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ- أَلَا وَ مَنْ عَرَفَ حَقَّنَا أَوْ رَجَا الثَّوَابَ بِنَا- وَ رَضِيَ بِقُوتِهِ نِصْفَ مُدٍّ كُلَّ يَوْمٍ- وَ مَا يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ وَ مَا أَكَنَّ بِهِ رَأْسَهُ- وَ هُمْ مَعَ ذَلِكَ وَ اللَّهِ خَائِفُونَ وَجِلُونَ- وَدُّوا أَنَّهُ حَظُّهُمْ مِنَ الدُّنْيَا (1)- وَ كَذَلِكَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ حَيْثُ يَقُولُ- وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ (2)- وَ مَا الَّذِي أَتَوْا بِهِ أَتَوْا وَ اللَّهِ بِالطَّاعَةِ- مَعَ الْمَحَبَّةِ وَ الْوَلَايَةِ وَ هُمْ فِي ذَلِكَ خَائِفُونَ أَلَّا يُقْبَلَ مِنْهُمْ- وَ لَيْسَ وَ اللَّهِ خَوْفُهُمْ خَوْفَ شَكٍّ- فِيمَا هُمْ فِيهِ مِنْ إِصَابَةِ الدِّينِ- وَ لَكِنَّهُمْ خَافُوا أَنْ يَكُونُوا مُقَصِّرِينَ فِي مَحَبَّتِنَا وَ طَاعَتِنَا- ثُمَّ قَالَ إِنْ قَدَرْتَ عَلَى أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِكَ فَافْعَلْ- فَإِنَّ عَلَيْكَ فِي خُرُوجِكَ أَنْ لَا تَغْتَابَ وَ لَا تَكْذِبَ- وَ لَا تَحْسُدَ وَ لَا تُرَائِيَ وَ لَا تَصْنَعَ وَ لَا تُدَاهِنَ- ثُمَّ قَالَ نِعْمَ صَوْمَعَةُ الْمُسْلِمِ بَيْتُهُ- يَكُفُّ فِيهِ بَصَرَهُ وَ لِسَانَهُ وَ نَفْسَهُ وَ فَرْجَهُ- إِنَّ مَنْ عَرَفَ نِعْمَةَ اللَّهِ بِقَلْبِهِ- اسْتَوْجَبَ الْمَزِيدَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- قَبْلَ أَنْ يُظْهِرَ شُكْرَهَا عَلَى لِسَانِهِ- وَ مَنْ ذَهَبَ يَرَى أَنَّ لَهُ عَلَى الْآخَرِ فَضْلًا- فَهُوَ مِنَ الْمُسْتَكْبِرِينَ- فَقُلْتُ لَهُ إِنَّمَا يَرَى أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ فَضْلًا بِالْعَافِيَةِ- إِذْ رَآهُ مُرْتَكِباً لِلْمَعَاصِي- فَقَالَ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا أَتَى- وَ أَنْتَ مَوْقُوفٌ تُحَاسَبُ أَ مَا تَلَوْتَ قِصَّةَ سَحَرَةِ مُوسَى(ع) ثُمَّ قَالَ كَمْ مِنْ مَغْرُورٍ بِمَا قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ- وَ كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِسَتْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ- وَ كَمْ مِنْ مَفْتُونٍ بِثَنَاءِ النَّاسِ عَلَيْهِ- ثُمَّ قَالَ إِنِّي لَأَرْجُو النَّجَاةَ
____________
(1) أي هم راضون بما قدر لهم من التقية في الدنيا و لا يريدون أكثر من ذلك حذرا من أن يصير سببا لطغيانهم (منه (رحمه الله)).
(2) المؤمنون: 60.
226
لِمَنْ عَرَفَ حَقَّنَا- مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ- صَاحِبِ سُلْطَانٍ جَائِرٍ وَ صَاحِبِ هَوًى- وَ الْفَاسِقِ الْمُعْلِنِ- ثُمَّ قَالَ- قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ (1)- ثُمَّ قَالَ يَا حَفْصُ الْحُبُّ أَفْضَلُ مِنَ الْخَوْفِ- ثُمَّ قَالَ وَ اللَّهِ مَا أَحَبَّ اللَّهَ مَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا- وَ وَالَى غَيْرَنَا- وَ مَنْ عَرَفَ حَقَّنَا وَ أَحَبَّنَا فَقَدْ أَحَبَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- فَبَكَى رَجُلٌ فَقَالَ- أَ تَبْكِي لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ كُلَّهُمُ اجْتَمَعُوا- يَتَضَرَّعُونَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يُنْجِيَكَ مِنَ النَّارِ- وَ يُدْخِلَكَ الْجَنَّةَ لَمْ يُشَفَّعُوا فِيكَ- ثُمَّ كَانَ لَكَ قَلْبٌ حَيٌّ- لَكُنْتَ أَخْوَفَ النَّاسِ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي تِلْكَ الْحَالِ- ثُمَّ قَالَ يَا حَفْصُ كُنْ ذَنَباً وَ لَا تَكُنْ رَأْساً- يَا حَفْصُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ خَافَ اللَّهَ كَلَّ لِسَانُهُ- ثُمَّ قَالَ بَيْنَا مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ يَعِظُ أَصْحَابَهُ- إِذْ قَامَ رَجُلٌ فَشَقَّ قَمِيصَهُ- فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ يَا مُوسَى قُلْ لَهُ- لَا تَشُقَّ قَمِيصَكَ وَ لَكِنِ اشْرَحْ لِي عَنْ قَلْبِكَ- ثُمَّ قَالَ مَرَّ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ(ع)بِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَ هُوَ سَاجِدٌ- فَانْصَرَفَ مِنْ حَاجَتِهِ وَ هُوَ سَاجِدٌ عَلَى حَالِهِ- فَقَالَ لَهُ مُوسَى(ع) لَوْ كَانَتْ حَاجَتُكَ بِيَدِي لَقَضَيْتُهَا لَكَ- فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ يَا مُوسَى- لَوْ سَجَدَ حَتَّى يَنْقَطِعَ عُنُقُهُ مَا قَبِلْتُهُ- حَتَّى يَتَحَوَّلَ عَمَّا أَكْرَهُ إِلَى مَا أُحِبُّ.
96- د (2)، العدد القوية قَالَ السُّفْيَانُ الثَّوْرِيُّ لِلصَّادِقِ(ع) لَا أَقُومُ حَتَّى تُحَدِّثَنِي فَقَالَ(ع)لَهُ- أَمَا إِنِّي أُحَدِّثُكَ وَ مَا كَثْرَةُ الْحَدِيثِ لَكَ بِخَيْرٍ- يَا سُفْيَانُ إِذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ بِنِعْمَةٍ فَأَحْبَبْتَ بَقَاءَهَا وَ دَوَامَهَا- فَأَكْثِرْ مِنَ الْحَمْدِ وَ الشُّكْرِ عَلَيْهَا- فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ فِي كِتَابِهِ- لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (3)- فَإِذَا اسْتَبْطَأْتَ الرِّزْقَ فَأَكْثِرْ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ- فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً- يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً- وَ يُمْدِدْكُمْ
____________
(1) آل عمران: 31.
(2) العدد القوية، مخطوط.
(3) إبراهيم: 7.
227
بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ يَعْنِي فِي الدُّنْيَا- وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً (1) يَعْنِي فِي الْآخِرَةِ- يَا سُفْيَانُ إِذَا حَزَنَكَ أَمْرٌ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِهِ- فَأَكْثِرْ مِنْ قَوْلِ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ الْفَرَجِ- وَ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ- فَعَقَدَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ وَ قَالَ ثَلَاثاً وَ أَيُّ ثَلَاثٍ- قَالَ مَوْلَانَا الصَّادِقُ(ع)عَقَلَهَا وَ اللَّهِ وَ لَيَنْفَعَنَّهُ بِهَا.
97- ين (2)، كتاب حسين بن سعيد و النوادر عَنْ فَضَالَةَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ زَيْدٍ الشَّحَّامِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنِّي لَا أَلْقَاكَ إِلَّا فِي السِّنِينَ- فَأَوْصِنِي بِشَيْءٍ حَتَّى آخُذَ بِهِ- قَالَ أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ الْوَرَعِ وَ الِاجْتِهَادِ- وَ إِيَّاكَ أَنْ تَطْمَعَ إِلَى مَنْ فَوْقَكَ- وَ كَفَى بِمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِرَسُولِهِ- فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ (3)- وَ قَالَ وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ- أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا (4)- فَإِنْ خِفْتَ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ فَاذْكُرْ عَيْشَ رَسُولِ اللَّهِ ص فَإِنَّمَا كَانَ قُوتُهُ مِنَ الشَّعِيرِ- وَ حَلْوَاؤُهُ مِنَ التَّمْرِ- وَ وَقِيدُهُ مِنَ السَّعَفِ إِذَا وَجَدَهُ (5)- إِذَا أُصِبْتَ بِمُصِيبَةٍ فِي نَفْسِكَ أَوْ مَالِكَ أَوْ وُلْدِكَ- فَاذْكُرْ مَصَائِبَكَ بِرَسُولِ اللَّهِ ص فَإِنَّ الْخَلَائِقَ لَمْ يُصَابُوا بِمِثْلِهِ قَطُّ.
98- ين، كتاب حسين بن سعيد و النوادر عَنْ فَضَالَةَ عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قُلْتُ لَهُ أَوْصِنِي قَالَ أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ- وَ صِدْقِ الْحَدِيثِ وَ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ- وَ حُسْنِ الصِّحَابَةِ لِمَنْ صَحِبَكَ- وَ إِذَا كَانَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ قَبْلَ الْغُرُوبِ- فَعَلَيْكَ بِالدُّعَاءِ وَ اجْتَهِدْ- وَ لَا تَمْتَنِعْ مِنْ شَيْءٍ تَطْلُبُهُ مِنْ رَبِّكَ- وَ لَا تَقُولُ هَذَا مَا لَا أُعْطَاهُ- وَ ادْعُ فَ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ.
99- ين، كتاب حسين بن سعيد و النوادر عَنْ فَضَالَةَ عَنْ بِشْرٍ الْهُذَلِيِّ عَنْ عَجْلَانَ أَبِي صَالِحٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ وَ وَاسِهِمْ مِنْ مَالِكَ- وَ ارْضَ لَهُمْ بِمَا تَرْضَى
____________
(1) نوح: 10- 12.
(2) مخطوط.
(3) التوبة: 87.
(4) طه: 131.
(5) الوقيد و الوقاد و الوقود كلها بمعنى، يعنى ما توقد به النار.
228
لِنَفْسِكَ- وَ اذْكُرِ اللَّهَ كَثِيراً- وَ إِيَّاكَ وَ الْكَسَلَ وَ الضَّجَرَ- فَإِنَّكَ إِذَا كَسِلْتَ لَمْ تُؤَدِّ إِلَى اللَّهِ حَقَّهُ- وَ إِذَا ضَجِرْتَ لَمْ تُؤَدِّ إِلَى أَحَدٍ حَقَّهُ.
100- مِنْ خَطِّ الشَّهِيدِ (رحمه الله) قِيلَ لِلصَّادِقِ(ع)عَلَى مَا ذَا بَنَيْتَ أَمْرَكَ- فَقَالَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ- عَلِمْتُ أَنَّ عَمَلِي لَا يَعْمَلُهُ غَيْرِي فَاجْتَهَدْتُ- وَ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ مُطَّلِعٌ عَلَيَّ فَاسْتَحْيَيْتُ- وَ عَلِمْتُ أَنَّ رِزْقِي لَا يَأْكُلُهُ غَيْرِي فَاطْمَأْنَنْتُ- وَ عَلِمْتُ أَنَّ آخِرَ أَمْرِي الْمَوْتُ فَاسْتَعْدَدْتُ.
101- وَ قَالَ(ع)إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خِزْياً أَجْرَى فَضِيحَتَهُ عَلَى لِسَانِهِ.
102- الدُّرَّةُ الْبَاهِرَةُ (1)، قَالَ الصَّادِقُ(ع)مَنْ كَانَ الْحَزْمُ حَارِسَهُ وَ الصِّدْقُ جَلِيسَهُ- عَظُمَتْ بَهْجَتُهُ وَ تَمَّتْ مُرُوَّتُهُ- وَ مَنْ كَانَ الْهَوَى مَالِكَهُ وَ الْعَجْزُ رَاحَتَهُ- عَاقَاهُ عَنِ السَّلَامَةِ وَ أَسْلَمَاهُ إِلَى الْهَلَكَةِ.
103- وَ قَالَ(ع)جَاهِلٌ سَخِيٌّ أَفْضَلُ مِنْ نَاسِكٍ بِخَيْلٍ.
104- وَ قَالَ(ع)اللَّهُمَّ إِنَّكَ بِمَا أَنْتَ لَهُ أَهْلٌ مِنَ الْعَفْوِ- أَوْلَى بِمَا أَنَا لَهُ أَهْلٌ مِنَ الْعُقُوبَةِ.
105- وَ قَالَ(ع)مَنْ سُئِلَ فَوْقَ قَدْرِهِ اسْتَحَقَّ الْحِرْمَانَ- الْعِزُّ أَنْ تَذِلَّ لِلْحَقِّ- إِذَا لَزِمَكَ مَنْ أَمَّكَ فَأَكْرِمْهُ- وَ مَنِ اسْتَخَفَّ بِكَ فَأَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْهُ- أَوْلَى النَّاسِ بِالْعَفْوِ أَقْدَرُهُمْ عَلَى الْعُقُوبَةِ- وَ أَنْقَصُ النَّاسِ عَقْلًا مَنْ ظَلَمَ دُونَهُ- وَ لَمْ يَصْفَحْ عَمَّنِ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ- حِشْمَةُ الِانْقِبَاضِ أَبْقَى لِلْعِرْضِ و [مِنْ أُنْسِ التلافي [التَّلَاقِي (2)- الْهَوَى يَقْظَانُ وَ الْعَقْلُ نَائِمٌ- لَا تَكُونَنَّ أَوَّلَ مُشِيرٍ وَ إِيَّاكَ وَ الرَّأْيَ الْفَطِيرَ- وَ تَجْتَنِبُ ارْتِجَالَ الْكَلَامِ- مُرُوَّةُ الرَّجُلِ فِي نَفْسِهِ نَسَبٌ لِعَقِبِهِ وَ قَبِيلَتِهِ.
106- وَ قِيلَ فِي مَجْلِسِهِ(ع)جَاوِرْ مَلِكاً أَوْ بَحْراً- فَقَالَ هَذَا كَلَامٌ مُحَالٌ- وَ الصَّوَابُ لَا تُجَاوِرْ مَلِكاً وَ لَا بَحْراً- لِأَنَّ الْمَلِكَ يُؤْذِيكَ وَ الْبَحْرَ لَا يُرْوِيكَ- إِذْ كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَ جَمَعَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ- سَأَلَهُمْ عَمَّا عَهِدَ إِلَيْهِمْ وَ لَمْ يَسْأَلْهُمْ عَمَّا قَضَى عَلَيْهِمْ- قَالَهُ فِي الْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ- مَنْ أَمَّلَ رَجُلًا هَابَهُ وَ مَنْ قَصُرَ عَنْ شَيْءٍ عَابَهُ.
____________
(1) مخطوط.
(2) كذا.
229
107- ف (1)، تحف العقول وَ مِنْ كَلَامِهِ(ع)سَمَّاهُ بَعْضُ الشِّيعَةِ نَثْرَ الدُّرَرِ الِاسْتِقْصَاءُ فُرْقَةٌ الِانْتِقَادُ عَدَاوَةٌ- قِلَّةُ الصَّبْرِ فَضِيحَةٌ إِفْشَاءُ السِّرِّ سُقُوطٌ- السَّخَاءُ فِطْنَةٌ اللَّوْمُ تَغَافُلٌ- ثَلَاثَةٌ مَنْ تَمَسَّكَ بِهِنَّ نَالَ مِنَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ بُغْيَتَهُ (2)- مَنِ اعْتَصَمَ بِاللَّهِ وَ رَضِيَ بِقَضَاءِ اللَّهِ- وَ أَحْسَنَ الظَّنَّ بِاللَّهِ- ثَلَاثَةٌ مَنْ فَرَّطَ فِيهِنَّ كَانَ مَحْرُوماً- اسْتِمَاحَةُ جَوَادٍ وَ مُصَاحَبَةُ عَالِمٍ وَ اسْتِمَالَةُ سُلْطَانٍ- ثَلَاثَةٌ تُورِثُ الْمَحَبَّةَ- الدِّينُ وَ التَّوَاضُعُ وَ الْبَذْلُ- مَنْ بَرِئَ مِنْ ثَلَاثَةٍ نَالَ ثَلَاثَةً- مَنْ بَرِئَ مِنَ الشَّرِّ نَالَ الْعِزَّ- وَ مَنْ بَرِئَ مِنَ الْكِبْرِ نَالَ الْكَرَامَةَ- وَ مَنْ بَرِئَ مِنَ الْبُخْلِ نَالَ الشَّرَفَ- ثَلَاثَةٌ مَكْسَبَةٌ لِلْبَغْضَاءِ النِّفَاقُ وَ الظُّلْمُ وَ الْعُجْبُ- وَ مَنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ لَمْ يُعَدَّ نَبِيلًا (3)- مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَقْلٌ يَزِينُهُ- أَوْ جِدَةٌ تُغْنِيهِ (4) أَوْ عَشِيرَةٌ تَعْضُدُهُ ثَلَاثَةٌ تُزْرِي بِالْمَرْءِ (5) الْحَسَدُ وَ النَّمِيمَةُ وَ الطَّيْشُ- ثَلَاثَةٌ لَا تُعْرَفُ إِلَّا فِي ثَلَاثِ مَوَاطِنَ- لَا يُعْرَفُ الْحَلِيمُ إِلَّا عِنْدَ الْغَضَبِ- وَ لَا الشُّجَاعُ إِلَّا عِنْدَ الْحَرْبِ- وَ لَا أَخٌ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ- ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ وَ إِنْ صَامَ وَ صَلَّى- مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَ إِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَ إِذَا ائْتُمِنَ خَانَ- احْذَرْ مِنَ النَّاسِ ثَلَاثَةً- الْخَائِنَ وَ الظَّلُومَ وَ النَّمَّامَ- لِأَنَّ مَنْ خَانَ
____________
(1) التحف: 315.
(2) البغية: ما يرغب فيه و يطلب أي المطلوب.
(3) النبيل: ذو النجابة.
(4) الجدة- مصدر وجد يجد، كعدة-: الغنى و القدرة.
(5) ازرى به: عابه و وضعه من حقه. و الطيش: النزق و الخفة.
230
لَكَ خَانَكَ- وَ مَنْ ظَلَمَ لَكَ سَيَظْلِمُكَ- وَ مَنْ نَمَّ إِلَيْكَ سَيَنُمُّ عَلَيْكَ- لَا يَكُونُ الْأَمِينُ أَمِيناً- حَتَّى يُؤْتَمَنَ عَلَى ثَلَاثَةٍ فَيُؤَدِّيَهَا- عَلَى الْأَمْوَالِ وَ الْأَسْرَارِ وَ الْفُرُوجِ- وَ إِنْ حَفِظَ اثْنَيْنِ وَ ضَيَّعَ وَاحِدَةً فَلَيْسَ بِأَمِينٍ- لَا تُشَاوِرْ أَحْمَقَ وَ لَا تَسْتَعِنْ بِكَذَّابٍ- وَ لَا تَثِقْ بِمَوَدَّةِ مُلُوكٍ- فَإِنَّ الْكَذَّابَ يُقَرِّبُ لَكَ الْبَعِيدَ وَ يُبَعِّدُ لَكَ الْقَرِيبَ- وَ الْأَحْمَقَ يُجْهِدُ لَكَ نَفْسَهُ وَ لَا يَبْلُغُ مَا تُرِيدُ وَ الْمُلُوكَ أَوْثَقَ مَا كُنْتَ بِهِ خَذَلَكَ- وَ أَوْصَلَ مَا كُنْتَ لَهُ قَطَعَكَ- أَرْبَعَةٌ لَا تَشْبَعُ مِنْ أَرْبَعَةٍ- أَرْضٌ مِنْ مَطَرٍ وَ عَيْنٌ مِنْ نَظَرٍ- وَ أُنْثَى مِنْ ذَكَرٍ وَ عَالِمٌ مِنْ عِلْمٍ- أَرْبَعَةٌ تُهْرِمُ قَبْلَ أَوَانِ الْهَرَمِ- أَكْلُ الْقَدِيدِ وَ الْقُعُودُ عَلَى النَّدَاوَةِ- وَ الصُّعُودُ فِي الدَّرَجِ وَ مُجَامَعَةُ الْعَجُوزِ (1)- النِّسَاءُ ثَلَاثٌ فَوَاحِدَةٌ لَكَ- وَ وَاحِدَةٌ لَكَ وَ عَلَيْكَ وَ وَاحِدَةٌ عَلَيْكَ لَا لَكَ- فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَكَ فَالْمَرْأَةُ الْعَذْرَاءُ- وَ أَمَّا الَّتِي هِيَ لَكَ وَ عَلَيْكَ فَالثَّيِّبُ- وَ أَمَّا الَّتِي هِيَ عَلَيْكَ لَا لَكَ- فَهِيَ الْمُتْبِعُ الَّتِي لَهَا وَلَدٌ مِنْ غَيْرِكَ- ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ سَيِّداً- كَظْمُ الْغَيْظِ وَ الْعَفْوُ عَنِ الْمُسِيءِ- وَ الصِّلَةُ بِالنَّفْسِ وَ الْمَالِ- ثَلَاثَةٌ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ ثَلَاثٍ- لَا بُدَّ لِلْجَوَادِ مِنْ كَبْوَةٍ وَ لِلسَّيْفِ مِنْ نَبْوَةٍ- وَ لِلْحَلِيمِ مِنْ هَفْوَةٍ (2)- ثَلَاثَةٌ فِيهِنَّ الْبَلَاغَةُ- التَّقَرُّبُ مِنْ مَعْنَى الْبُغْيَةِ- وَ التَّبَعُّدُ مِنْ حَشْوِ الْكَلَامِ وَ الدَّلَالَةُ بِالْقَلِيلِ عَلَى الْكَثِيرِ- النَّجَاةُ فِي ثَلَاثٍ تُمْسِكُ عَلَيْكَ لِسَانَكَ- وَ يَسَعُكَ بَيْتُكَ وَ تَنْدَمُ عَلَى خَطِيئَتِكَ- الْجَهْلُ فِي ثَلَاثٍ فِي تُبَدِّلِ الْإِخْوَانِ- وَ الْمُنَابَذَةِ بِغَيْرِ بَيَانٍ (3) وَ التَّجَسُّسِ
____________
(1) القديد: اللحم المقدد. يقال: قدد اللحم أي جعله قطعا و جففه.
(2) الكبوة: السقطة، المرة من كبا يكبو كبوا لوجهه: انكب على وجهه. و نبا ينبو نبوة السيف: كلّ و لم يقطع. و الهفوة: الزلة و السقطة.
(3) المنابذة: المخالفة و المفارقة، يقال: نابذه أي خالفه و فارقه عن عداوة و لعل المراد: المخالفة بلا جهة و علة.
231
عَمَّا لَا يَعْنِي- ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كُنَّ عَلَيْهِ- الْمَكْرُ وَ النَّكْثُ وَ الْبَغْيُ- وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ- وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ (1)- فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ- أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَ قَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (2)- وَ قَالَ جَلَّ وَ عَزَّ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ (3)- وَ قَالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ- مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا (4)- ثَلَاثٌ يَحْجُزْنَ الْمَرْءَ عَنْ طَلَبِ الْمَعَالِي- قَصْرُ الْهِمَّةِ وَ قِلَّةُ الْحِيلَةِ وَ ضَعْفُ الرَّأْيِ- الْحَزْمُ فِي ثَلَاثَةٍ (5) الِاسْتِخْدَامِ لِلسُّلْطَانِ- وَ الطَّاعَةِ لِلْوَالِدِ وَ الْخُضُوعِ لِلْمَوْلَى- الْأُنْسُ فِي ثَلَاثٍ فِي الزَّوْجَةِ الْمُوَافِقَةِ- وَ الْوَلَدِ الْبَارِّ وَ الصَّدِيقِ الْمُصَافِي (6)- مَنْ رُزِقَ ثَلَاثاً نَالَ ثَلَاثاً وَ هُوَ الْغِنَى الْأَكْبَرُ- الْقَنَاعَةُ بِمَا أُعْطِيَ- وَ الْيَأْسُ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ وَ تَرْكُ الْفُضُولِ- لَا يَكُونُ الْجَوَادُ جَوَاداً إِلَّا بِثَلَاثَةٍ- يَكُونُ سَخِيّاً بِمَالِهِ عَلَى حَالِ الْيُسْرِ وَ الْعُسْرِ- وَ أَنْ يَبْذُلَهُ لِلْمُسْتَحِقِّ- وَ يَرَى أَنَّ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ شُكْرِ- الَّذِي أَسْدَى إِلَيْهِ (7) أَكْثَرُ مِمَّا أَعْطَاهُ
____________
(1) فاطر: 41. لا يحيق أي لا يحيط.
(2) النمل: 52.
(3) الفتح: 10.
(4) يونس: 24.
(5) الحزم: ضبط الرجل أمره و الحذر من فواته و الاخذ فيه بالثقة.
(6) صافى فلانا: أخلص له الود.
(7) في بعض النسخ «يسدى إليه».
232
ثَلَاثَةٌ لَا يُعْذَرُ الْمَرْءُ فِيهَا مُشَاوَرَةُ نَاصِحٍ وَ مُدَارَاةُ حَاسِدٍ- وَ التَّحَبُّبُ إِلَى النَّاسِ- لَا يُعَدُّ الْعَاقِلُ عَاقِلًا حَتَّى يَسْتَكْمِلَ ثَلَاثاً- إِعْطَاءَ الْحَقِّ مِنْ نَفْسِهِ عَلَى حَالِ الرِّضَا وَ الْغَضَبِ- وَ أَنْ يَرْضَى لِلنَّاسِ مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ- وَ اسْتِعْمَالَ الْحِلْمِ عِنْدَ الْعَثْرَةِ (1)- لَا تَدُومُ النِّعَمُ إِلَّا بَعْدَ ثَلَاثٍ (2)- مَعْرِفَةٍ بِمَا يُلْزِمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِيهَا- وَ أَدَاءِ شُكْرِهَا وَ لَا يَعِيبَ فِيهَا- ثَلَاثٌ مَنِ ابْتُلِيَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ تَمَنَّى الْمَوْتَ- فَقْرٌ مُتَتَابِعٌ وَ حُرْمَةٌ فَاضِحَةٌ وَ عَدُوٌّ غَالِبٌ- مَنْ لَمْ يَرْغَبْ فِي ثَلَاثٍ ابْتُلِيَ بِثَلَاثٍ- مَنْ لَمْ يَرْغَبْ فِي السَّلَامَةِ ابْتُلِيَ بِالْخِذْلَانِ- وَ مَنْ لَمْ يَرْغَبْ فِي الْمَعْرُوفِ ابْتُلِيَ بِالنَّدَامَةِ- وَ مَنْ لَمْ يَرْغَبْ فِي الِاسْتِكْثَارِ مِنَ الْإِخْوَانِ- ابْتُلِيَ بِالْخُسْرَانِ- ثَلَاثٌ يَجِبُ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ تَجَنُّبُهَا- مُقَارَنَةُ الْأَشْرَارِ وَ مُحَادَثَةُ النِّسَاءِ- وَ مُجَالَسَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ- ثَلَاثَةٌ تَدُلُّ عَلَى كَرَمِ الْمَرْءِ- حُسْنُ الْخُلُقِ وَ كَظْمُ الْغَيْظِ وَ غَضُّ الطَرْفِ- مَنْ وَثِقَ بِثَلَاثَةٍ كَانَ مَغْرُوراً- مَنْ صَدَّقَ بِمَا لَا يَكُونُ وَ رَكِنَ إِلَى مَنْ لَا يَثِقُ بِهِ- وَ طَمِعَ فِي مَا لَا يَمْلِكُ- ثَلَاثَةٌ مَنِ اسْتَعْمَلَهَا أَفْسَدَ دِينَهُ وَ دُنْيَاهُ- مَنْ أَسَاءَ ظَنَّهُ وَ أَمْكَنَ مِنْ سَمْعِهِ- وَ أَعْطَى قِيَادَهُ حَلِيلَتَهُ (3)- أَفْضَلُ الْمُلُوكِ مَنْ أُعْطِيَ ثَلَاثَ خِصَالٍ- الرَّأْفَةَ وَ الْجُودَ وَ الْعَدْلَ
____________
(1) العثرة: الزلة. و السقطة.
(2) في بعض النسخ «الا بثلاث».
(3) القياد: حبل يقاد به. و الحليلة: الزوجة.
233
وَ لَيْسَ يُحَبُّ لِلْمُلُوكِ أَنْ يُفَرِّطُوا فِي ثَلَاثٍ (1)- فِي حِفْظِ الثُّغُورِ وَ تَفَقُّدِ الْمَظَالِمِ- وَ اخْتِيَارِ الصَّالِحِينَ لِأَعْمَالِهِمْ- ثَلَاثُ خِلَالٍ (2) تَجِبُ لِلْمُلُوكِ عَلَى أَصْحَابِهِمْ وَ رَعِيَّتِهِمْ- الطَّاعَةُ لَهُمْ وَ النَّصِيحَةُ لَهُمْ فِي الْمَغِيبِ وَ الْمَشْهَدِ- وَ الدُّعَاءُ بِالنَّصْرِ وَ الصَّلَاحِ- ثَلَاثَةٌ تَجِبُ عَلَى السُّلْطَانِ لِلْخَاصَّةِ وَ الْعَامَّةِ- مُكَافَاةُ الْمُحْسِنِ بِالْإِحْسَانِ لِيَزْدَادُوا رَغْبَةً فِيهِ- وَ تَغَمُّدُ ذُنُوبِ الْمُسِيءِ لِيَتُوبَ وَ يَرْجِعَ عَنْ غَيِّهِ (3)- وَ تَأَلُّفُهُمْ جَمِيعاً بِالْإِحْسَانِ وَ الْإِنْصَافِ- ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ مَنِ احْتَقَرَهَا مِنَ الْمُلُوكِ وَ أَهْمَلَهَا- تَفَاقَمَتْ عَلَيْهِ- خَامِلٌ قَلِيلُ الْفَضْلِ شَذَّ عَنِ الْجَمَاعَةِ (4)- وَ دَاعِيَةٌ إِلَى بِدْعَةٍ- جَعَلَ جُنَّتَهُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ- وَ أَهْلُ بَلَدٍ جَعَلُوا لِأَنْفُسِهِمْ رَئِيساً- يَمْنَعُ السُّلْطَانَ مِنْ إِقَامَةِ الْحُكْمِ فِيهِمْ- الْعَاقِلُ لَا يَسْتَخِفُّ بِأَحَدٍ- وَ أَحَقُّ مَنْ لَا يُسْتَخَفُّ بِهِ ثَلَاثَةٌ- الْعُلَمَاءُ وَ السُّلْطَانُ وَ الْإِخْوَانُ- لِأَنَّهُ مَنِ اسْتَخَفَّ بِالْعُلَمَاءِ أَفْسَدَ دِينَهُ- وَ مَنِ اسْتَخَفَّ بِالسُّلْطَانِ أَفْسَدَ دُنْيَاهُ- وَ مَنِ اسْتَخَفَّ بِالْإِخْوَانِ أَفْسَدَ مُرُوَّتَهُ- وَجَدْنَا بِطَانَةَ السُّلْطَانِ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ (5)- طَبَقَةً مُوَافِقَةً لِلْخَيْرِ- وَ هِيَ بَرَكَةٌ عَلَيْهَا وَ عَلَى السُّلْطَانِ وَ عَلَى الرَّعِيَّةِ- وَ طَبَقَةً غَايَتُهَا الْمُحَامَاةُ عَلَى مَا فِي أَيْدِيهَا- فَتِلْكَ لَا مَحْمُودَةٌ وَ لَا مَذْمُومَةٌ- بَلْ هِيَ إِلَى الذَّمِّ أَقْرَبُ- وَ طَبَقَةً مُوَافِقَةً لِلشَّرِّ- وَ هِيَ مَشْئُومَةٌ مَذْمُومَةٌ عَلَيْهَا وَ عَلَى السُّلْطَانِ
____________
(1) يفرطوا فيه: يقصروا و أظهروا العجز فيه.
(2) الخلال- بالكسر-: جمع خلة. و- بالفتح-: الخصلة.
(3) في بعض النسخ «عن عتبه».
(4) تفاقم الامر: عظم و لم يجر على استواء. و الخامل: الساقط الذي لا نباهة له. و شذ عنهم أي انفرد و اعتزل.
(5) البطانة: الخاصّة.
234
ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ يَحْتَاجُ النَّاسُ طُرّاً إِلَيْهَا- الْأَمْنُ وَ الْعَدْلُ وَ الْخِصْبُ (1)- ثَلَاثَةٌ تُكَدِّرُ الْعَيْشَ- السُّلْطَانُ الْجَائِرُ وَ الْجَارُ السَّوْءُ- وَ الْمَرْأَةُ الْبَذِيَّةُ (2)- لَا تَطِيبُ السُّكْنَى إِلَّا بِثَلَاثٍ- الْهَوَاءِ الطَّيِّبِ وَ الْمَاءِ الْغَزِيرِ الْعَذْبِ- وَ الْأَرْضِ الْخَوَّارَةِ (3)- ثَلَاثَةٌ تُعْقِبُ النَّدَامَةَ- الْمُبَاهَاةُ وَ الْمُفَاخَرَةُ وَ الْمُعَازَّةُ (4)- ثَلَاثَةٌ مُرَكَّبَةٌ فِي بَنِي آدَمَ الْحَسَدُ وَ الْحِرْصُ وَ الشَّهْوَةُ- مَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ- مِنْ ثَلَاثَةٍ انْتَظَمَتْ فِيهِ ثَلَاثَتُهَا فِي تَفْخِيمِهِ وَ هَيْبَتِهِ وَ جَمَالِهِ- مَنْ كَانَ لَهُ وَرَعٌ أَوْ سَمَاحَةٌ أَوْ شَجَاعَةٌ- ثَلَاثُ خِصَالٍ مَنْ رُزِقَهَا كَانَ كَامِلًا- الْعَقْلُ وَ الْجَمَالُ وَ الْفَصَاحَةُ- ثَلَاثَةٌ تُقْضَى لَهُمْ بِالسَّلَامَةِ إِلَى بُلُوغِ غَايَتِهِمْ- الْمَرْأَةُ إِلَى انْقِضَاءِ حَمْلِهَا وَ الْمَلِكُ إِلَى أَنْ يَنْفَدَ عُمُرُهُ- وَ الْغَائِبُ إِلَى حِينِ إِيَابِهِ- ثَلَاثَةٌ تُورِثُ الْحِرْمَانَ- الْإِلْحَاحُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَ الْغِيبَةُ وَ الْهُزْءُ (5)- ثَلَاثَةٌ تُعْقِبُ مَكْرُوهاً- حَمْلَةُ الْبَطَلِ (6) فِي الْحَرْبِ فِي غَيْرِ فُرْصَةٍ- وَ إِنْ رُزِقَ الظَّفَرَ- وَ شُرْبُ الدَّوَاءِ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ وَ إِنْ سَلِمَ مِنْهُ- وَ التَّعَرُّضُ لِلسُّلْطَانِ وَ إِنْ ظَفِرَ الطَّالِبُ بِحَاجَتِهِ مِنْهُ- ثَلَاثُ خِلَالٍ يَقُولُ كُلُّ إِنْسَانٍ أَنَّهُ عَلَى صَوَابٍ مِنْهَا- دِينُهُ الَّذِي يَعْتَقِدُهُ- وَ هَوَاهُ الَّذِي يَسْتَعْلِي عَلَيْهِ وَ تَدْبِيرُهُ فِي أُمُورِهِ
____________
(1) الخصب- بالكسر-: كثرة العشب و الخير. و في بعض النسخ «و الحضب» أى سفح الجبل و جانبه و صوت القوس. و الأول أظهر.
(2) البذية: السفيه و التي أفحش في منطقها.
(3) العزير: الكثير. و أرض خوارة: السهلة اللينة.
(4) المعازة: المعارضة في العز.
(5) الهزء- بالفتح و الضم-: الاستهزاء و الاستخفاف.
(6) الحملة- بفتح فسكون-: الكرة في الحرب.
235
النَّاسُ كُلُّهُمْ ثَلَاثُ طَبَقَاتٍ- سَادَةٌ مُطَاعُونَ وَ أَكْفَاءٌ مُتَكَافُونَ (1) وَ أُنَاسٌ مُتْعَادُونَ- قِوَامُ الدُّنْيَا بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ النَّارِ وَ الْمِلْحِ وَ الْمَاءِ- مَنْ طَلَبَ ثَلَاثَةً بِغَيْرِ حَقٍّ حُرِمَ ثَلَاثَةً بِحَقٍّ- مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا بِغَيْرِ حَقٍّ حُرِمَ الْآخِرَةَ بِحَقٍّ- وَ مَنْ طَلَبَ الرِّئَاسَةَ بِغَيْرِ حَقٍّ حُرِمَ الطَّاعَةَ لَهُ بِحَقٍّ- وَ مَنْ طَلَبَ الْمَالَ بِغَيْرِ حَقٍّ حُرِمَ بَهَاءَهُ لَهُ بِحَقٍّ- ثَلَاثَةٌ لَا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ الْحَازِمِ أَنْ يُقْدِمَ عَلَيْهَا- شُرْبُ السَّمِّ لِلتَّجْرِبَةِ وَ إِنْ نَجَا مِنْهُ- وَ إِفْشَاءُ السِّرِّ إِلَى الْقَرَابَةِ الْحَاسِدِ وَ إِنْ نَجَا مِنْهُ- وَ رُكُوبُ الْبَحْرِ وَ إِنْ كَانَ الْغِنَى فِيهِ- لَا يَسْتَغْنِي أَهْلُ كُلِّ بَلَدٍ عَنْ ثَلَاثَةٍ- يَفْزَعُ إِلَيْهِ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُمْ وَ آخِرَتِهِمْ- فَإِنْ عَدِمُوا ذَلِكَ كَانُوا هَمَجاً (2) فَقِيهٍ عَالِمٍ وَرَعٍ- وَ أَمِيرٍ خَيِّرٍ مُطَاعٍ وَ طَبِيبٍ بَصِيرٍ ثِقَةٍ- يُمْتَحَنُ الصَّدِيقُ بِثَلَاثِ خِصَالٍ- فَإِنْ كَانَ مُؤَاتِياً (3) فَهُوَ الصَّدِيقُ الْمُصَافِي- وَ إِلَّا كَانَ صَدِيقَ رَخَاءٍ لَا صَدِيقَ شِدَّةٍ تَبْتَغِي مِنْهُ مَالًا- أَوْ تَأْمَنُهُ عَلَى مَالٍ أَوْ تُشَارِكُهُ فِي مَكْرُوهٍ- إِنْ يَسْلَمِ النَّاسُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ كَانَتْ سَلَامَةً شَامِلَةً- لِسَانِ السَّوْءِ وَ يَدِ السَّوْءِ وَ فِعْلِ السَّوْءِ إِذَا لَمْ تَكُنْ فِي الْمَمْلُوكِ خَصْلَةٌ مِنْ ثَلَاثٍ- فَلَيْسَ لِمَوْلَاهُ فِي إِمْسَاكِهِ رَاحَةٌ- دِينٌ يُرْشِدُهُ أَوْ أَدَبٌ يَسُوسُهُ (4) أَوْ خَوْفٌ يَرْدَعُهُ
____________
(1) المتكافون و المتكافئون: المتساوون.
(2) الهمج- بالتحريك-: السفلة و الحمقى و الرعاع من الناس، يقال: قوم همج أى لا خير فيهم.
(3) آتاه مؤاتاة: وافقه. و المصافى: المخلص لك الود. و الرخاء: سعة العيش.
(4) ساس يسوس سياسة الامر. قام به.- و القوم دبرهم و تولى أمرهم.- و فلان قد ساس أي أدب.
236
إِنَّ الْمَرْءَ يَحْتَاجُ فِي مَنْزِلِهِ- وَ عِيَالِهِ إِلَى ثَلَاثِ خِلَالٍ يَتَكَلَّفُهَا وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي طَبْعِهِ ذَلِكَ- مُعَاشَرَةٌ جَمِيلَةٌ وَ سَعَةٌ بِتَقْدِيرٍ وَ غَيْرَةٌ بِتَحَصُّنٍ (1)- كُلُّ ذِي صِنَاعَةٍ مُضْطَرٌّ إِلَى ثَلَاثِ- خِلَالٍ يَجْتَلِبُ بِهَا الْمَكْسَبَ وَ هُوَ- أَنْ يَكُونَ حَاذِقاً بِعَمَلِهِ- مُؤَدِّياً لِلْأَمَانَةِ فِيهِ مُسْتَمِيلًا لِمَنِ اسْتَعْمَلَهُ (2)- ثَلَاثٌ مَنِ ابْتُلِيَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كَانَ طَائِحَ الْعَقْلِ (3)- نِعْمَةٌ مُوَلِّيَةٌ وَ زَوْجَةٌ فَاسِدَةٌ (4) وَ فَجِيعَةٌ بِحَبِيبٍ- جُبِلَتِ الشَّجَاعَةُ عَلَى ثَلَاثِ طَبَائِعَ- لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَضِيلَةٌ لَيْسَتْ لِلْأُخْرَى- السَّخَاءِ بِالنَّفْسِ وَ الْأَنَفَةِ مِنَ الذُّلِ (5)- وَ طَلَبِ الذِّكْرِ فَإِنْ تَكَامَلَتْ فِي الشُّجَاعِ- كَانَ الْبَطَلَ الَّذِي لَا يُقَامُ لِسَبِيلِهِ- وَ الْمَوْسُومَ بِالْإِقْدَامِ فِي عَصْرِهِ- وَ إِنْ تَفَاضَلَتْ فِيهِ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ- كَانَتْ شَجَاعَتُهُ فِي ذَلِكَ الَّذِي تَفَاضَلَتْ فِيهِ أَكْثَرَ وَ أَشَدَّ إِقْدَاماً- وَ يَجِبُ لِلْوَالِدَيْنِ عَلَى الْوَلَدِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ- شُكْرُهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ- وَ طَاعَتُهُمَا فِيمَا يَأْمُرَانِهِ وَ يَنْهَيَانِهِ عَنْهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ- وَ نَصِيحَتُهُمَا فِي السِّرِّ وَ الْعَلَانِيَةِ- وَ تَجِبُ لِلْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ- اخْتِيَارُهُ لِوَالِدَتِهِ وَ تَحْسِينُ اسْمِهِ- وَ الْمُبَالَغَةُ فِي تَأْدِيبِهِ (6)- تَحْتَاجُ الْإِخْوَةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ إِلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ- فَإِنِ اسْتَعْمَلُوهَا وَ إِلَّا تَبَايَنُوا وَ تَبَاغَضُوا- وَ هِيَ التَّنَاصُفُ وَ التَّرَاحُمُ وَ نَفْيُ الْحَسَدِ (7)
____________
(1) في بعض النسخ «بحسن» أي تزين به أو صار حسنا.
(2) أي عطوفا عليه. و استماله: أماله و استعطفه.
(3) طاح يطوح و طاح يطيح: تاه و أشرف على الهلاك.
(4) في بعض النسخ «مفسدة».
(5) الانفة: اسم من أنف- كتعب-: كرهه و ترفع و تنزّه عنه.
(6) في بعض نسخ المصدر «و تجب للولد على والدته ثلاث خصال».
(7) يقال: تناصفوا أي أنصف بعضهم بعضا. و تراحموا: رحم بعضهم بعضا.
237
إِذَا لَمْ تَجْتَمِعِ الْقَرَابَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ- تَعَرَّضُوا لِدُخُولِ الْوَهْنِ عَلَيْهِمْ- وَ شَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ بِهِمْ وَ هِيَ تَرْكُ الْحَسَدِ فِيمَا بَيْنَهُمْ- لِئَلَّا يَتَحَزَّبُوا فَيَتَشَتَّتَ أَمْرُهُمْ- وَ التَّوَاصُلُ لِيَكُونَ ذَلِكَ حَادِياً (1) لَهُمْ عَلَى الْأُلْفَةِ- وَ التَّعَاوُنُ لِتَشْمِلَهُمُ الْعِزَّةُ- لَا غِنَى بِالزَّوْجِ عَنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ فِيمَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ زَوْجَتِهِ وَ هِيَ الْمُوَافِقَةُ- لِيَجْتَلِبَ بِهَا مُوَافَقَتَهَا وَ مَحَبَّتَهَا وَ هَوَاهَا وَ حُسْنُ خُلُقِهِ مَعَهَا وَ اسْتِعْمَالُهُ اسْتِمَالَةَ قَلْبِهَا- بِالْهَيْئَةِ الْحَسَنَةِ فِي عَيْنِهَا وَ تَوْسِعَتُهُ عَلَيْهَا- وَ لَا غِنَى بِالزَّوْجَةِ فِيمَا بَيْنَهَا وَ بَيْنَ زَوْجِهَا- الْمُوَافِقِ لَهَا عَنْ ثَلَاثِ خِصَالٍ وَ هُنَّ- صِيَانَةُ نَفْسِهَا عَنْ كُلِّ دَنَسٍ حَتَّى يَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ- إِلَى الثِّقَةِ بِهَا فِي حَالِ الْمَحْبُوبِ وَ الْمَكْرُوهِ- وَ حِيَاطَتُهُ (2) لِيَكُونَ ذَلِكَ عَاطِفاً عَلَيْهَا عِنْدَ زَلَّةٍ تَكُونُ مِنْهَا- وَ إِظْهَارُ الْعِشْقِ لَهُ بِالْخِلَابَةِ(3) وَ الْهَيْئَةِ الْحَسَنَةِ لَهَا فِي عَيْنِهِ- لَا يَتِمُّ الْمَعْرُوفُ إِلَّا بِثَلَاثِ خِلَالٍ- تَعْجِيلُهُ وَ تَقْلِيلُ كَثِيرِهِ وَ تَرْكُ الِامْتِنَانِ بِهِ- وَ السُّرُورُ فِي ثَلَاثِ خِلَالٍ- فِي الْوَفَاءِ وَ رِعَايَةِ الْحُقُوقِ وَ النُّهُوضِ فِي النَّوَائِبِ: ثَلَاثَةٌ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى إِصَابَةِ الرَّأْيِ (4)- حُسْنُ اللِّقَاءِ وَ حُسْنُ الِاسْتِمَاعِ وَ حُسْنُ الْجَوَابِ- الرِّجَالُ ثَلَاثَةٌ عَاقِلٌ وَ أَحْمَقُ- وَ فَاجِرٌ فَالْعَاقِلُ إِنْ كُلِّمَ أَجَابَ- وَ إِنْ نَطَقَ أَصَابَ وَ إِنْ سَمِعَ وَعَى- الْأَحْمَقُ إِنْ تَكَلَّمَ عَجَّلَ وَ إِنْ حَدَّثَ ذَهِلَ- وَ إِنْ حُمِلَ عَلَى الْقَبِيحِ فَعَلَ- وَ الْفَاجِرُ إِنِ ائْتَمَنْتَهُ خَانَكَ وَ إِنْ حَدَّثْتَهُ شَانَكَ
____________
(1) أي يحدوهم و يسيرهم. و يحتمل أن يكون «هاديا». و قد يقرأ في بعض النسخ «حاويا».
(2) حاطه حياطة: حفظه و تعهده.
(3) الخلابة- بكسر الخاء-: الخديعة باللسان أو بالقول الطيب.
(4) كذا. و الظاهر «أصالة الرأى».
238
الْإِخْوَانُ ثَلَاثَةٌ فَوَاحِدٌ كَالْغِذَاءِ- الَّذِي يُحْتَاجُ إِلَيْهِ كُلَّ وَقْتٍ فَهُوَ الْعَاقِلُ- وَ الثَّانِي فِي مَعْنَى الدَّاءِ وَ هُوَ الْأَحْمَقُ- وَ الثَّالِثُ فِي مَعْنَى الدَّوَاءِ فَهُوَ اللَّبِيبُ- ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ تَدُلُّ عَلَى عَقْلِ فَاعِلِهَا- الرَّسُولُ عَلَى قَدْرِ مَنْ أَرْسَلَهُ وَ الْهَدِيَّةُ عَلَى قَدْرِ مُهْدِيهَا- وَ الْكِتَابُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِ كَاتِبِهِ- الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ آيَةٌ مُحْكَمَةٌ وَ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ وَ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ- النَّاسُ ثَلَاثَةٌ جَاهِلٌ يَأْبَى أَنْ يَتَعَلَّمَ- وَ عَالِمٌ قَدْ شَفَّهُ عِلْمُهُ وَ عَاقِلٌ يَعْمَلُ لِدُنْيَاهُ وَ آخِرَتِهِ (1)- ثَلَاثَةٌ لَيْسَ مَعَهُنَّ غُرْبَةٌ حُسْنُ الْأَدَبِ- وَ كَفُّ الْأَذَى وَ مُجَانَبَةُ الرَّيْبِ- الْأَيَّامُ ثَلَاثَةٌ فَيَوْمٌ مَضَى لَا يُدْرَكُ- وَ يَوْمٌ النَّاسُ فِيهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَغْتَنِمُوهُ وَ غَداً إِنَّمَا فِي أَيْدِيهِمْ أَمَلُهُ (2)- مَنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ لَمْ يَنْفَعْهُ الْإِيمَانُ- حِلْمٌ يَرُدُّ بِهِ جَهْلَ الْجَاهِلِ- وَ وَرَعٌ يَحْجُزُهُ عَنْ طَلَبِ الْمَحَارِمِ وَ خُلُقٌ يُدَارِي بِهِ النَّاسَ- ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ- مَنْ إِذَا غَضِبَ لَمْ يُخْرِجْهُ غَضَبُهُ مِنَ الْحَقِّ- وَ إِذَا رَضِيَ لَمْ يُخْرِجْهُ رِضَاهُ إِلَى الْبَاطِلِ- وَ مَنْ إِذَا قَدَرَ عَفَا- ثَلَاثُ خِصَالٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا صَاحِبُ الدُّنْيَا- الدَّعَةُ مِنْ غَيْرِ تَوَانٍ (3) وَ السَّعَةُ مَعَ قَنَاعَةٍ- وَ الشَّجَاعَةُ مِنْ غَيْرِ كَسْلَانَ- ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ لَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَنْسَاهُنَّ عَلَى كُلِّ حَالٍ- فَنَاءُ الدُّنْيَا وَ تَصَرُّفُ الْأَحْوَالِ وَ الْآفَاتُ الَّتِي لَا أَمَانَ لَهَا- ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ لَا تُرَى كَامِلَةً فِي وَاحِدٍ قَطُّ- الْإِيمَانُ وَ الْعَقْلُ وَ الِاجْتِهَادُ
____________
(1) في بعض النسخ «للدنيا و الآخرة». و شفه: هزله، رقه، أوهنه.
(2) قال بعض الشعراء:
ما فات مضى و ما سيأتيك فأين* * * قم فاغتنم الفرصة بين العدمين
(3) أي من غير فتور، و الدعة: خفض العيش و الراحة.
239
الْإِخْوَانُ ثَلَاثَةٌ مُوَاسٍ بِنَفْسِهِ- وَ آخَرُ مُوَاسٍ بِمَالِهِ وَ هُمَا الصَّادِقَانِ فِي الْإِخَاءِ- وَ آخَرُ يَأْخُذُ مِنْكَ الْبُلْغَةَ (1) وَ يُرِيدُكَ لِبَعْضِ اللَّذَّةِ- فَلَا تَعُدَّهُ مِنْ أَهْلِ الثِّقَةِ- لَا يَسْتَكْمِلُ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ- حَتَّى تَكُونَ فِيهِ خِصَالٌ ثَلَاثٌ- الْفِقْهُ فِي الدِّينِ وَ حُسْنُ التَّقْدِيرِ فِي الْمَعِيشَةِ- وَ الصَّبْرُ عَلَى الرَّزَايَا وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
108- ف (2)، تحف العقول وَ رُوِيَ عَنْهُ(ع)فِي قِصَارِ هَذِهِ الْمَعَانِي قَالَ ص مَنْ أَنْصَفَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ رُضِيَ بِهِ حَكَماً لِغَيْرِهِ.
وَ قَالَ(ع)إِذَا كَانَ الزَّمَانُ زَمَانَ جَوْرٍ- وَ أَهْلُهُ أَهْلَ غَدْرٍ فَالطُّمَأْنِينَةُ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ عَجْزٌ (3).
وَ قَالَ(ع)إِذَا أُضِيفَ الْبَلَاءُ كَانَ مِنَ الْبَلَاءِ عَافِيَةٌ.
وَ قَالَ(ع)إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ صِحَّةَ مَا عِنْدَ أَخِيكَ فَأَغْضِبْهُ- فَإِنْ ثَبَتَ لَكَ عَلَى الْمَوَدَّةِ فَهُوَ أَخُوكَ وَ إِلَّا فَلَا.
وَ قَالَ(ع)لَا تَعْتَدَّ بِمَوَدَّةِ أَحَدٍ حَتَّى تُغْضِبَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وَ قَالَ(ع)لَا تَثِقَنَّ بِأَخِيكَ كُلَّ الثِّقَةِ- فَإِنَّ صَرْعَةَ الِاسْتِرْسَالِ لَا تُسْتَقَالُ (4).
وَ قَالَ(ع)الْإِسْلَامُ دَرَجَةٌ وَ الْإِيمَانُ عَلَى الْإِسْلَامِ دَرَجَةٌ- وَ الْيَقِينُ
____________
(1) أي ما يبلغه و يكفيه.
(2) التحف ص 357.
(3) في بعض النسخ «فلا طمأنينة الى كل أحد».
(4) الصرعة- بالفتح-: المرة من صرع.- و بالضم- المبالغ في الصرع أي من يصرعه الناس كثيرا. و الاسترسال: الطمأنينة و الاستيناس الى الغير و الثقة فيما يحدثه و أصل الاسترسال: السكون و الثبات. و قد مضى نظير هذا الكلام فيما تقدم. و في بعض نسخ الحديث «فان سرعة الاسترسال».
240
عَلَى الْإِيمَانِ دَرَجَةٌ (1)- وَ مَا أُوتِيَ النَّاسُ أَقَلَّ مِنَ الْيَقِينِ.
وَ قَالَ(ع)إِزَالَةُ الْجِبَالِ أَهْوَنُ مِنْ إِزَالَةِ قَلْبٍ عَنْ مَوْضِعِهِ.
وَ قَالَ(ع)الْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ وَ الْيَقِينُ خَطَرَاتٌ.
وَ قَالَ(ع)الرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا تُورِثُ الْغَمَّ وَ الْحَزَنَ (2)- وَ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا رَاحَةُ الْقَلْبِ وَ الْبَدَنِ.
وَ قَالَ(ع)مِنَ الْعَيْشِ دَارٌ يُكْرَى خُبْزٌ يُشْرَى.
وَ قَالَ(ع)لِرَجُلَيْنِ تَخَاصَمَا بِحَضْرَتِهِ- أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَظْفَرْ بِخَيْرٍ مَنْ ظَفِرَ بِالظُّلْمِ- وَ مَنْ يَفْعَلِ السُّوءَ بِالنَّاسِ فَلَا يُنْكِرِ السُّوءَ إِذَا فُعِلَ بِهِ.
وَ قَالَ(ع)التَّوَاصُلُ بَيْنَ الْإِخْوَانِ فِي الْحَضَرِ التَّزَاوُرُ- وَ التَّوَاصُلُ فِي السَّفَرِ الْمُكَاتَبَةُ.
وَ قَالَ(ع)لَا يَصْلُحُ الْمُؤْمِنُ إِلَّا عَلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ- التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ وَ حُسْنِ التَّقْدِيرِ فِي الْمَعِيشَةِ- وَ الصَّبْرِ عَلَى النَّائِبَةِ.
وَ قَالَ(ع)الْمُؤْمِنُ لَا يَغْلِبُهُ فَرْجُهُ وَ لَا يَفْضَحُهُ بَطْنُهُ.
وَ قَالَ(ع)صُحْبَةُ عِشْرِينَ سَنَةً قَرَابَةٌ.
وَ قَالَ(ع)لَا تَصْلُحُ الصَّنِيعَةُ إِلَّا عِنْدَ ذِي حَسَبٍ أَوْ دِينٍ- وَ مَا أَقَلَّ مَنْ يَشْكُرُ الْمَعْرُوفَ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّمَا يُؤْمَرُ بِالْمَعْرُوفِ وَ يُنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ مُؤْمِنٌ فَيَتَّعِظُ- أَوْ جَاهِلٌ فَيَتَعَلَّمُ فَأَمَّا صَاحِبُ سَوْطٍ وَ سَيْفٍ فَلَا (3).
وَ قَالَ(ع)إِنَّمَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ- مَنْ كَانَتْ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ- عَالِمٌ بِمَا يَأْمُرُ عَالِمٌ بِمَا يَنْهَى عَادِلٌ فِيمَا يَأْمُرُ- عَادِلٌ فِيمَا يَنْهَى رَفِيقٌ بِمَا يَأْمُرُ رَفِيقٌ بِمَا يَنْهَى.
____________
(1) كذا و في الكافي «و التقوى على الايمان درجة و اليقين على التقوى درجة».
(2) في بعض النسخ «تورث النقم و الحزن».
(3) لانه لا يؤثر فيهما كثيرا لأنّهما صاحبا قدرة و سلطنة و مغروران بما في أيديهما.
241
وَ قَالَ(ع)مَنْ تَعَرَّضَ لِسُلْطَانٍ (1) جَائِرٍ فَأَصَابَتْهُ مِنْهُ بَلِيَّةٌ لَمْ يُؤْجَرْ عَلَيْهَا- وَ لَمْ يُرْزَقِ الصَّبْرَ عَلَيْهَا.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ أَنْعَمَ عَلَى قَوْمٍ بِالْمَوَاهِبِ- فَلَمْ يَشْكُرُوهُ فَصَارَتْ عَلَيْهِمْ وَبَالًا- وَ ابْتَلَى قَوْماً بِالْمَصَائِبِ فَصَبَرُوا فَكَانَتْ عَلَيْهِمْ نِعْمَةً.
وَ قَالَ(ع)صَلَاحُ حَالِ التَّعَايُشِ- وَ التَّعَاشُرِ مِلْءُ مِكْيَالٍ (2) ثُلُثَاهُ فِطْنَةٌ وَ ثُلُثُهُ تَغَافُلٌ.
وَ قَالَ(ع)مَا أَقْبَحَ الِانْتِقَامَ بِأَهْلِ الْأَقْدَارِ (3).
وَ قِيلَ لَهُ مَا الْمُرُوَّةُ فَقَالَ(ع)لَا يَرَاكَ اللَّهُ حَيْثُ نَهَاكَ- وَ لَا يَفْقِدُكَ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكَ.
وَ قَالَ(ع)اشْكُرْ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْكَ وَ أَنْعِمْ عَلَى مَنْ شَكَرَكَ- فَإِنَّهُ لَا إِزَالَةَ لِلنِّعَمِ إِذَا شُكِرَتْ- وَ لَا إِقَامَةَ لَهَا إِذَا كُفِرَتْ وَ الشُّكْرُ زِيَادَةٌ فِي النِّعَمِ- وَ أَمَانٌ مِنَ الْفَقْرِ.
وَ قَالَ(ع)فَوْتُ الْحَاجَةِ خَيْرٌ مِنْ طَلَبِهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا- وَ أَشَدُّ مِنَ الْمُصِيبَةِ سُوءُ الْخُلُقِ مِنْهَا.
وَ سَأَلَهُ رَجُلٌ- أَنْ يُعَلِّمَهُ مَا يَنَالُ بِهِ خَيْرَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- وَ لَا يُطَوِّلَ عَلَيْهِ (4) فَقَالَ(ع)لَا تَكْذِبْ.
وَ قِيلَ لَهُ مَا الْبَلَاغَةُ فَقَالَ(ع) مَنْ عَرَفَ شَيْئاً قَلَّ كَلَامُهُ فِيهِ- وَ إِنَّمَا سُمِّيَ الْبَلِيغَ لِأَنَّهُ يَبْلُغُ حَاجَتَهُ بِأَهْوَنِ سَعْيِهِ.
____________
(1) أي تصدى لطلب فضله و احسانه.
(2) في بعض النسخ «على مكيال» و تعايش القوم: عاشوا مجتمعين على ألفة و مودة و تعاشر القوم: تخالطوا و تصاحبوا.
(3) الظاهر أن المراد من يقدر عليهم الرزق و المعيشة أي الضعفاء: و الاقدار:
جمع قدر.
(4) «و لا يطول» بالتخفيف أي لا يجعله طويلا بل مختصرا موجزا.
242
وَ قَالَ(ع)الدَّيْنُ غَمٌّ بِاللَّيْلِ وَ ذُلٌّ بِالنَّهَارِ.
وَ قَالَ(ع)إِذَا صَلَحَ أَمْرُ دُنْيَاكَ فَاتَّهِمْ دِينَكَ.
وَ قَالَ(ع)بَرُّوا آبَاءَكُمْ يَبَرَّكُمْ أَبْنَاؤُكُمْ- وَ عِفُّوا عَنْ نِسَاءِ النَّاسِ تَعِفَّ نِسَاؤُكُمْ.
وَ قَالَ(ع)مَنِ ائْتَمَنَ خَائِناً عَلَى أَمَانَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى اللَّهِ ضَمَانٌ (1).
وَ قَالَ(ع)لِحُمْرَانَ بْنِ أَعْيَنَ- يَا حُمْرَانُ انْظُرْ مَنْ هُوَ دُونَكَ فِي الْمَقْدُرَةِ (2)- وَ لَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكَ- فَإِنَّ ذَلِكَ أَقْنَعُ لَكَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ- وَ أَحْرَى أَنْ تَسْتَوْجِبَ الزِّيَادَةَ مِنْهُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ اعْلَمْ أَنَّ الْعَمَلَ الدَّائِمَ الْقَلِيلَ عَلَى الْيَقِينِ- أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ- وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا وَرَعَ أَنْفَعُ مِنْ تَجَنُّبِ مَحَارِمِ اللَّهِ- وَ الْكَفِّ عَنْ أَذَى الْمُؤْمِنِينَ وَ اغْتِيَابِهِمْ- وَ لَا عَيْشَ أَهْنَأُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ- وَ لَا مَالَ أَنْفَعُ مِنَ الْقَنَاعَةِ بِالْيَسِيرِ الْمُجْزِي- وَ لَا جَهْلَ أَضَرُّ مِنَ الْعُجْبِ.
وَ قَالَ(ع)الْحَيَاءُ عَلَى وَجْهَيْنِ فَمِنْهُ ضَعْفٌ- وَ مِنْهُ قُوَّةٌ وَ إِسْلَامٌ وَ إِيمَانٌ.
وَ قَالَ(ع)تَرْكُ الْحُقُوقِ مَذَلَّةٌ- وَ إِنَّ الرَّجُلَ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَتَعَرَّضَ فِيهَا لِلْكَذِبِ.
وَ قَالَ(ع)إِذَا سَلَّمَ الرَّجُلُ مِنَ الْجَمَاعَةِ أَجْزَأَ عَنْهُمْ- وَ إِذَا رَدَّ وَاحِدٌ مِنَ الْقَوْمِ أَجْزَأَ عَنْهُمْ.
____________
(1) الضمان- بالفتح-: ما يلتزم بالرد.
(2) المقدرة- بتثليث الدال-: القوّة و الغنى. و حمران- كسكران- و قيل:
- كسبحان- ابن أعين كأحمد- الشيباني الكوفيّ تابعي مشكور يكنى أبا الحسن و قيل:
أبا حمزة من أصحاب الصادقين بل من حواريهما (عليهما السلام) و لقى عليّ بن الحسين (عليهما السلام) و كان من أكابر مشايخ الشيعة المفضلين الذين لا يشك فيهم، و كان أحد حملة القرآن و قرأ على أبى جعفر الباقر (عليه السلام) و قيل: ان حمزة أحد القراء السبعة قرأ عليه و كان عالما بالنحو و اللغة.
243
وَ قَالَ(ع)السَّلَامُ تَطَوُّعٌ وَ الرَّدُّ فَرِيضَةٌ (1).
وَ قَالَ(ع)مَنْ بَدَأَ بِكَلَامٍ قَبْلَ سَلَامٍ فَلَا تُجِيبُوهُ (2).
وَ قَالَ(ع)إِنَّ تَمَامَ التَّحِيَّةِ لِلْمُقِيمِ الْمُصَافَحَةُ- وَ تَمَامَ التَّسْلِيمِ عَلَى الْمُسَافِرِ الْمُعَانَقَةُ.
وَ قَالَ(ع)تَصَافَحُوا فَإِنَّهَا تَذْهَبُ بِالسَّخِيمَةِ (3).
وَ قَالَ(ع)اتَّقِ اللَّهَ بَعْضَ التُّقَى وَ إِنْ قَلَّ وَ دَعْ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ سِتْراً وَ إِنْ رَقَّ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ مَلَكَ نَفْسَهُ إِذَا غَضِبَ وَ إِذَا رَغِبَ وَ إِذَا رَهِبَ- وَ إِذَا اشْتَهَى حَرَّمَ اللَّهُ جَسَدَهُ عَلَى النَّارِ.
وَ قَالَ(ع)الْعَافِيَةُ نِعْمَةٌ خَفِيَّةٌ (4) إِذَا وُجِدَتْ نُسِيَتْ- وَ إِذَا عُدِمَتْ ذُكِرَتْ.
وَ قَالَ(ع)لِلَّهِ فِي السَّرَّاءِ نِعْمَةُ التَّفَضُّلِ- وَ فِي الضَّرَّاءِ نِعْمَةُ التَّطَهُّرِ (5).
وَ قَالَ(ع)كَمْ مِنْ نِعْمَةٍ لِلَّهِ عَلَى عَبْدِهِ فِي غَيْرِ أَمَلِهِ- وَ كَمْ مِنْ مُؤَمِّلٍ أَمَلًا الْخِيَارُ فِي غَيْرِهِ- وَ كَمْ مِنْ سَاعٍ إِلَى حَتْفِهِ وَ هُوَ مُبْطِئٌ عَنْ حَظِّهِ.
وَ قَالَ(ع)قَدْ عَجَزَ مَنْ لَمْ يُعِدَّ لِكُلِّ بَلَاءٍ صَبْراً- وَ لِكُلِّ نِعْمَةٍ شُكْراً وَ لِكُلِّ عُسْرٍ يُسْراً- أَصْبِرْ نَفْسَكَ عِنْدَ كُلِّ بَلِيَّةٍ وَ رَزِيَّةٍ فِي وَلَدٍ أَوْ فِي مَالٍ- فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا يَقْبِضُ عَارِيَتَهُ وَ هِبَتَهُ لِيَبْلُوَ شُكْرَكَ وَ صَبْرَكَ.
وَ قَالَ(ع)مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَ لَهُ حَدٌّ قِيلَ- فَمَا حَدُّ الْيَقِينِ قَالَ(ع)أَنْ لَا تَخَافَ شَيْئاً.
____________
(1) تطوع: تبرع، و المراد أن السلام تطوع ابتداء.
(2) في الكافي «من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه».
(3) السخيمة: الضغينة و الحقد في النفس.
(4) و في بعض النسخ «خفيفة».
(5) التفضل: النيل من الفضل. و التطهر: التنزّه عن الادناس أي المعاصى.
244
وَ قَالَ(ع)يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ ثَمَانُ خِصَالٍ- وَقُورٌ عِنْدَ الْهَزَاهِزِ (1) صَبُورٌ عِنْدَ الْبَلَاءِ- شَكُورٌ عِنْدَ الرَّخَاءِ قَانِعٌ بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ- لَا يَظْلِمُ الْأَعْدَاءَ وَ لَا يَتَحَمَّلُ الْأَصْدِقَاءَ (2)- بَدَنُهُ مِنْهُ فِي تَعَبٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ الْعِلْمَ خَلِيلُ الْمُؤْمِنِ وَ الْحِلْمَ وَزِيرُهُ- وَ الصَّبْرَ أَمِيرُ جُنُودِهِ وَ الرِّفْقَ أَخُوهُ وَ اللِّينَ وَالِدُهُ.
وَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ (3) ادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لَا يَجْعَلَ رِزْقِي عَلَى أَيْدِي الْعِبَادِ- فَقَالَ(ع)أَبَى اللَّهُ عَلَيْكَ ذَلِكَ- إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ أَرْزَاقَ الْعِبَادِ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ- وَ لَكِنِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ رِزْقَكَ عَلَى أَيْدِي خِيَارِ خَلْقِهِ- فَإِنَّهُ مِنَ السَّعَادَةِ وَ لَا يَجْعَلَهُ عَلَى أَيْدِي شِرَارِ خَلْقِهِ- فَإِنَّهُ مِنَ الشَّقَاوَةِ.
وَ قَالَ(ع)الْعَامِلُ عَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ كَالسَّائِرِ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ- فَلَا تَزِيدُهُ سُرْعَةُ السَّيْرِ إِلَّا بُعْداً.
وَ قَالَ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ (4)- قَالَ يُطَاعُ فَلَا يُعْصَى وَ يُذْكَرُ فَلَا يُنْسَى وَ يُشْكَرُ فَلَا يُكْفَرُ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ عَرَفَ اللَّهَ خَافَ اللَّهَ- وَ مَنْ خَافَ اللَّهَ سَخَتْ نَفْسُهُ عَنِ الدُّنْيَا (5).
وَ قَالَ(ع)الْخَائِفُ مَنْ لَمْ تَدَعْ لَهُ الرَّهْبَةُ لِسَاناً يَنْطِقُ بِهِ.
____________
(1) الوقور- للمذكر و المؤنث-: ذو وقار. الهزاهز. الفتن التي يهز الناس. و تطلق على الشدائد و الحروب.
(2) «يتحمل» أي و لا يحمل على الاصدقاء و لا يتكلف عليهم و في الكافي ج 2 ص 232 «لا يتحامل للاصدقاء» أي ما يشق عليهم و يضر بحالهم.
(3) الظاهر أنّه أبو عبيدة الحذاء زياد بن عيسى الكوفيّ من أصحاب الباقر و الصادق (عليهما السلام) و مات في زمان الصادق (عليه السلام).
(4) آل عمران: 97.
(5) سخيت نفسى عنه اي تركته و لم تنازعنى إليه نفسى.
245
وَ قِيلَ لَهُ(ع)قَوْمٌ يَعْمَلُونَ بِالْمَعَاصِي وَ يَقُولُونَ نَرْجُو- فَلَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَهُمُ الْمَوْتُ فَقَالَ- هَؤُلَاءِ قَوْمٌ يَتَرَجَّحُونَ فِي الْأَمَانِيِّ كَذَبُوا لَيْسَ يَرْجُونَ (1)- إِنَّ مَنْ رَجَا شَيْئاً طَلَبَهُ وَ مَنْ خَافَ مِنْ شَيْءٍ هَرَبَ مِنْهُ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّا لَنُحِبُّ مَنْ كَانَ عَاقِلًا عَالِماً فَهِماً- فَقِيهاً حَلِيماً مُدَارِياً صَبُوراً صَدُوقاً وَفِيّاً (2)- إِنَّ اللَّهَ خَصَّ الْأَنْبِيَاءَ(ع)بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ- فَمَنْ كَانَتْ فِيهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ- وَ مَنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ فَلْيَتَضَرَّعْ إِلَى اللَّهِ وَ لْيَسْأَلْهُ إِيَّاهَا- وَ قِيلَ لَهُ وَ مَا هِيَ قَالَ(ع)الْوَرَعُ وَ الْقَنَاعَةُ- وَ الصَّبْرُ وَ الشُّكْرُ وَ الْحِلْمُ وَ الْحَيَاءُ وَ السَّخَاءُ- وَ الشَّجَاعَةُ وَ الْغَيْرَةُ وَ صِدْقُ الْحَدِيثِ وَ الْبِرُّ- وَ أَدَاءُ الْأَمَانَةِ وَ الْيَقِينُ وَ حُسْنُ الْخُلُقِ وَ الْمُرُوَّةُ.
وَ قَالَ(ع)مِنْ أَوْثَقِ عُرَى الْإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ فِي اللَّهِ- وَ تُبْغِضَ فِي اللَّهِ وَ تُعْطِيَ فِي اللَّهِ وَ تَمْنَعَ فِي اللَّهِ.
وَ قَالَ(ع)لَا يَتْبَعُ الرَّجُلَ بَعْدَ مَوْتِهِ إِلَّا ثَلَاثُ خِلَالٍ- صَدَقَةٌ أَجْرَاهَا اللَّهُ لَهُ فِي حَيَاتِهِ فَهِيَ تَجْرِي لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ- وَ سُنَّةُ هُدًى يُعْمَلُ بِهَا وَ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ الْكَذِبَةَ لَتَنْقُضُ الْوُضُوءَ إِذَا تَوَضَّأَ الرَّجُلُ لِلصَّلَاةِ- وَ تُفَطِّرُ الصِّيَامَ فَقِيلَ لَهُ إِنَّا نَكْذِبُ فَقَالَ(ع) لَيْسَ هُوَ بِاللَّغْوِ وَ لَكِنَّهُ الْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ- وَ عَلَى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْأَئِمَّةِ (صلوات اللّه عليهم)- ثُمَّ قَالَ إِنَّ الصِّيَامَ لَيْسَ مِنَ الطَّعَامِ وَ لَا مِنَ الشَّرَابِ وَحْدَهُ- إِنَّ مَرْيَمَ(ع)قَالَتْ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً (3)- أَيْ صَمْتاً فَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ وَ غُضُّوا أَبْصَارَكُمْ- وَ لَا تَحَاسَدُوا وَ لَا تَنَازَعُوا- فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ.
____________
(1) كذا و في الكافي «كذبوا ليسوا براجين». ترجح في القول: تميل فيه.
(2) الوفى: الكثير الوفاء. و أيضا الذي يعطى الحق و يأخذ الحق و الجمع اوفياء كأصدقاء.
(3) مريم: 27.
246
وَ قَالَ(ع)مَنْ أَعْلَمَ اللَّهَ مَا لَمْ يَعْلَمْ اهْتَزَّ لَهُ عَرْشُهُ (1).
وَ قَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنَّ الذَّنْبَ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الْعُجْبِ- وَ لَوْ لَا ذَلِكَ مَا ابْتَلَى اللَّهُ مُؤْمِناً بِذَنْبٍ أَبَداً.
وَ قَالَ(ع)مَنْ سَاءَ خُلُقُهُ عَذَّبَ نَفْسَهُ.
وَ قَالَ(ع)الْمَعْرُوفُ كَاسْمِهِ وَ لَيْسَ شَيْءٌ أَفْضَلَ مِنَ الْمَعْرُوفِ إِلَّا ثَوَابُهُ- وَ الْمَعْرُوفُ هَدِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ إِلَى عَبْدِهِ- وَ لَيْسَ كُلُّ مَنْ يُحِبُّ أَنْ يَصْنَعَ الْمَعْرُوفَ إِلَى النَّاسِ يَصْنَعُهُ- وَ لَا كُلُّ مَنْ رَغِبَ فِيهِ يَقْدِرُ عَلَيْهِ- وَ لَا كُلُّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ يُؤْذَنُ لَهُ فِيهِ- فَإِذَا مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْعَبْدِ جَمَعَ لَهُ الرَّغْبَةَ- فِي الْمَعْرُوفِ وَ الْقُدْرَةَ وَ الْإِذْنَ- فَهُنَاكَ تَمَّتِ السَّعَادَةُ وَ الْكَرَامَةُ لِلطَّالِبِ وَ الْمَطْلُوبِ إِلَيْهِ.
وَ قَالَ(ع)لَمْ يُسْتَزَدْ فِي مَحْبُوبٍ بِمِثْلِ الشُّكْرِ- وَ لَمْ يُسْتَنْقَصْ مِنْ مَكْرُوهٍ بِمِثْلِ الصَّبْرِ.
وَ قَالَ(ع)لَيْسَ لِإِبْلِيسَ جُنْدٌ أَشَدُّ مِنَ النِّسَاءِ وَ الْغَضَبِ.
وَ قَالَ(ع)الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَ الصَّبْرُ حِصْنُهُ- وَ الْجَنَّةُ مَأْوَاهُ وَ الدُّنْيَا جَنَّةُ الْكَافِرِ- وَ الْقَبْرُ سِجْنُهُ وَ النَّارُ مَأْوَاهُ.
وَ قَالَ(ع)وَ لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ يَقِيناً لَا شَكَّ فِيهِ أَشْبَهَ بِشَكٍّ- لَا يَقِينَ فِيهِ مِنَ الْمَوْتِ.
وَ قَالَ(ع)إِذَا رَأَيْتُمُ الْعَبْدَ يَتَفَقَّدُ الذُّنُوبَ مِنَ النَّاسِ (2) نَاسِياً لِذَنْبِهِ- فَاعْلَمُوا أَنَّهُ قَدْ مُكِرَ بِهِ.
وَ قَالَ(ع)الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الصَّائِمِ الْمُحْتَسِبِ- وَ الْمُعَافِي الشَّاكِرُ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الْمُبْتَلَى الصَّابِرِ.
وَ قَالَ(ع)لَا يَنْبَغِي لِمَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِماً أَنْ يُعَدَّ سَعِيداً- وَ لَا لِمَنْ لَمْ يَكُنْ وَدُوداً أَنْ يُعَدَّ حَمِيداً- وَ لَا لِمَنْ لَمْ يَكُنْ صَبُوراً أَنْ يُعَدَّ كَامِلًا- وَ لَا لِمَنْ لَا يَتَّقِي
____________
(1) في بعض النسخ «من اعلم اللّه ما لا يعلم اهتز عرشه».
(2) تفقده أي طلبه عند غيبته.
247
مَلَامَةَ الْعُلَمَاءِ- وَ ذَمَّهُمْ أَنْ يُرْجَى لَهُ خَيْرُ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- وَ يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ صَدُوقاً لِيُؤْمَنَ عَلَى حَدِيثِهِ- وَ شَكُوراً لِيَسْتَوْجِبَ الزِّيَادَةَ.
وَ قَالَ(ع)لَيْسَ لَكَ أَنْ تَأْتَمِنَ الْخَائِنَ وَ قَدْ جَرَّبْتَهُ- وَ لَيْسَ لَكَ أَنْ تَتَّهِمَ مَنِ ائْتَمَنْتَ.
وَ قِيلَ لَهُ مَنْ أَكْرَمُ الْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ فَقَالَ(ع) أَكْثَرُهُمْ ذِكْراً لِلَّهِ وَ أَعْمَلُهُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ- قُلْتُ فَمَنْ أَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ- قَالَ(ع)مَنْ يَتَّهِمُ اللَّهَ قُلْتُ أَحَدٌ يَتَّهِمُ اللَّهَ- قَالَ(ع)نَعَمْ مَنِ اسْتَخَارَ اللَّهَ فَجَاءَتْهُ الْخِيَرَةُ بِمَا يَكْرَهُ- فَيَسْخَطُ فَذَلِكَ يَتَّهِمُ اللَّهَ قُلْتُ وَ مَنْ- قَالَ يَشْكُو اللَّهَ قُلْتُ وَاحِدٌ يَشْكُوهُ- قَالَ(ع)نَعَمْ مَنْ إِذَا ابْتُلِيَ شَكَا بِأَكْثَرَ مِمَّا أَصَابَهُ- قُلْتُ وَ مَنْ قَالَ إِذَا أُعْطِيَ لَمْ يَشْكُرْ وَ إِذَا ابْتُلِيَ لَمْ يَصْبِرْ- قُلْتُ فَمَنْ أَكْرَمُ الْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ- قَالَ(ع)مَنْ إِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ وَ إِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ.
وَ قَالَ(ع)لَيْسَ لِمَلُولٍ (1) صَدِيقٌ وَ لَا لِحَسُودٍ غِنًى- وَ كَثْرَةُ النَّظَرِ فِي الْحِكْمَةِ تَلْقَحُ الْعَقْلَ.
وَ قَالَ(ع)كَفَى بِخَشْيَةِ اللَّهِ عِلْماً وَ كَفَى بِالاغْتِرَارِ بِهِ جَهْلًا.
وَ قَالَ(ع)أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ الْعِلْمُ بِاللَّهِ وَ التَّوَاضُعُ لَهُ.
وَ قَالَ(ع)عَالِمٌ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ وَ أَلْفِ زَاهِدٍ وَ أَلْفِ مُجْتَهِدٍ (2).
وَ قَالَ(ع)إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةً وَ زَكَاةُ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمَهُ أَهْلَهُ.
وَ قَالَ(ع)الْقُضَاةُ أَرْبَعَةٌ ثَلَاثَةٌ فِي النَّارِ وَ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ- رَجُلٌ قَضَى بِجَوْرٍ وَ هُوَ يَعْلَمُ فَهُوَ فِي النَّارِ- وَ رَجُلٌ قَضَى بِجَوْرٍ وَ هُوَ لَا يَعْلَمُ فَهُوَ فِي النَّارِ- وَ رَجُلٌ قَضَى بِحَقٍّ وَ هُوَ لَا يَعْلَمُ فَهُوَ فِي النَّارِ- وَ رَجُلٌ قَضَى بِحَقٍّ وَ هُوَ يَعْلَمُ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ
____________
(1) الملول: ذو الملل، صفة بمعنى الفاعل. و قد يقرأ «لملوك» كما مرّ كرارا و في الخصال «للملك» و في بعض نسخ أمالي الشيخ «للملوك».
(2) أي الذي يجتهد في العبادة.
248
وَ سُئِلَ عَنْ صِفَةِ الْعَدْلِ مِنَ الرَّجُلِ- فَقَالَ(ع)إِذَا غَضَّ طَرْفَهُ عَنِ الْمَحَارِمِ- وَ لِسَانَهُ عَنِ الْمَآثِمِ وَ كَفَّهُ عَنِ الْمَظَالِمِ.
وَ قَالَ(ع)كُلُّ مَا حَجَبَ اللَّهُ عَنِ الْعِبَادِ فَمَوْضُوعٌ عَنْهُمْ حَتَّى يُعَرِّفَهُمُوهُ.
وَ قَالَ(ع)لِدَاوُدَ الرَّقِّيِ (1) تُدْخِلُ يَدَكَ فِي فَمِ التِّنِّينِ (2) إِلَى الْمِرْفَقِ خَيْرٌ لَكَ- مِنْ طَلَبِ الْحَوَائِجِ إِلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَ كَانَ (3).
وَ قَالَ(ع)قَضَاءُ الْحَوَائِجِ إِلَى اللَّهِ- وَ أَسْبَابُهَا بَعْدَ اللَّهِ الْعِبَادُ تَجْرِي عَلَى أَيْدِيهِمْ- فَمَا قَضَى اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فَاقْبَلُوا مِنَ اللَّهِ بِالشُّكْرِ- وَ مَا زُوِيَ عَنْكُمْ (4) مِنْهَا فَاقْبَلُوهُ عَنِ اللَّهِ بِالرِّضَا- وَ التَّسْلِيمِ وَ الصَّبْرِ فَعَسَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَيْراً لَكُمْ- فَإِنَّ اللَّهَ أَعْلَمُ بِمَا يُصْلِحُكُمْ وَ أَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.
وَ قَالَ(ع)مَسْأَلَةُ ابْنِ آدَمَ لِابْنِ آدَمَ فِتْنَةٌ- إِنْ أَعْطَاهُ حَمِدَ مَنْ لَمْ يُعْطِهِ- وَ إِنْ رَدَّهُ ذَمَّ مَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ.
____________
(1) الرقى- بفتح الراء و قيل: بكسرها و تشديد القاف- نسبة الى الرقة اسم لمواضع، بلدة بقوهستان و أخريان من بساتين بغداد صغرى و كبرى و بلدة اخرى في غربى بغداد و قرية كبيرة أسفل منها بفرسخ على الفرات غربى الانبار وهيت، كانت مصيف آل المنذر ملوك العراق و منتزه الرشيد العباسيّ. قال علماء الرجال: «و هي التي ينصرف اليها اطلاق لفظ الرقة منها داود الرقى» و هو داود بن كثير بن أبي خالد الرقى مولى بنى أسد من أصحاب الصادق و الكاظم (عليهما السلام) ثقة و له أصل و كتاب، عاش الى زمان الرضا (عليه السلام).
(2) التنين- كسكيت-: الحوت و الحية العظيمة كنيته أبو مرداس. قيل: «انه شر من الكوسج و في فمه أنياب مثل أسنة الرماح و هو طويل كالنخلة السحوق، أحمر العينين مثل الدم، واسع الفم و الجوف، براق العينين، يبلع كثيرا من حيوان البر و البحر، اذا تحرك يموج البحر لقوته الشديدة».
(3) و في بعض النسخ «فكان» و هو الاصوب.
(4) زواه- من باب رمى-: نحاه و منعه. و عنه طواه و صرفه. و الشى: جمعه و قبضه.
249
وَ قَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ كُلَّ خَيْرٍ فِي التَّزْجِيَةِ (1).
وَ قَالَ(ع)إِيَّاكَ وَ مُخَالَطَةَ السَّفِلَةِ- فَإِنَّ مُخَالَطَةَ السَّفِلَةِ لَا تُؤَدِّي إِلَى خَيْرٍ (2).
وَ قَالَ(ع)الرَّجُلُ يَجْزَعُ مِنَ الذُّلِّ الصَّغِيرِ- فَيُدْخِلُهُ ذَلِكَ فِي الذُّلِّ الْكَبِيرِ.
وَ قَالَ(ع)أَنْفَعُ الْأَشْيَاءِ لِلْمَرْءِ سَبْقُهُ النَّاسَ إِلَى عَيْبِ نَفْسِهِ- وَ أَشَدُّ شَيْءٍ مَئُونَةً إِخْفَاءُ الْفَاقَةِ- وَ أَقَلُّ الْأَشْيَاءِ غَنَاءً النَّصِيحَةُ لِمَنْ لَا يَقْبَلُهَا- وَ مُجَاوَرَةُ الْحَرِيصِ وَ أَرْوَحُ الرَّوْحِ الْيَأْسُ مِنَ النَّاسِ- لَا تَكُنْ ضَجِراً وَ لَا غَلِقاً وَ ذَلِّلْ نَفْسَكَ- بِاحْتِمَالِ مَنْ خَالَفَكَ مِمَّنْ هُوَ فَوْقَكَ وَ مَنْ لَهُ الْفَضْلُ عَلَيْكَ- فَإِنَّمَا أَقْرَرْتَ لَهُ بِفَضْلِهِ (3) لِئَلَّا تُخَالِفَهُ- وَ مَنْ لَا يَعْرِفُ لِأَحَدٍ الْفَضْلَ فَهُوَ الْمُعْجَبُ بِرَأْيِهِ- وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا عِزَّ لِمَنْ لَا يَتَذَلَّلُ لِلَّهِ- وَ لَا رِفْعَةَ لِمَنْ لَا يَتَوَاضَعُ لِلَّهِ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ مِنَ السُّنَّةِ لُبْسَ الْخَاتَمِ (4).
وَ قَالَ(ع)أَحَبُّ إِخْوَانِي إِلَيَّ مَنْ أَهْدَى إِلَيَّ عُيُوبِي.
وَ قَالَ(ع)لَا تَكُونُ الصَّدَاقَةُ إِلَّا بِحُدُودِهَا- فَمَنْ كَانَتْ فِيهِ هَذِهِ الْحُدُودُ أَوْ شَيْءٌ مِنْهُ (5)- وَ إِلَّا فَلَا تَنْسُبْهُ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الصَّدَاقَةِ- فَأَوَّلُهَا أَنْ تَكُونَ سَرِيرَتُهُ وَ عَلَانِيَتُهُ لَكَ وَاحِدَةً- وَ الثَّانِيَةُ أَنْ يَرَى زَيْنَكَ زَيْنَهُ وَ شَيْنَكَ شَيْنَهُ- وَ الثَّالِثَةُ أَنْ لَا تُغَيِّرَهُ عَلَيْكَ وِلَايَةٌ وَ لَا مَالٌ- وَ الرَّابِعَةُ لَا يَمْنَعُكَ شَيْئاً تَنَالُهُ مَقْدُرَتُهُ (6) وَ الْخَامِسَةُ
____________
(1) زجا يزجو زجوا و زجى تزجية و أزجى ازجاء، و ازدجى فلانا: ساقه، دفعه برفق، يقال: «زجى فلان حاجتى» أي سهل تحصيلها. و في بعض النسخ «فى الترجية».
(2) في بعض نسخ الحديث «لا تؤول الى خير».
(3) أي ذلل نفسك فلعل من خالفك كان له الفضل عليك.
(4) و في بعض النسخ «لباس الخاتم».
(5) كذا.
(6) المقدرة- بتثليث الدال-: القوّة و الغنى.
250
وَ هِيَ تَجْمَعُ هَذِهِ الْخِصَالَ أَنْ لَا يُسْلِمَكَ عِنْدَ النَّكَبَاتِ.
وَ قَالَ(ع)مُجَامَلَةُ النَّاسِ ثُلُثُ الْعَقْلِ (1).
وَ قَالَ(ع)ضِحْكُ الْمُؤْمِنِ تَبَسُّمٌ.
وَ قَالَ(ع)مَا أُبَالِي إِلَى مَنِ ائْتَمَنْتُ خَائِناً أَوْ مُضَيِّعاً (2) وَ قَالَ(ع)لِلْمُفَضَّلِ (3)- أُوصِيكَ بِسِتِّ خِصَالٍ تُبْلِغُهُنَّ شِيعَتِي- قُلْتُ وَ مَا هُنَّ يَا سَيِّدِي- قَالَ(ع) أَدَاءُ الْأَمَانَةِ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ- وَ أَنْ تَرْضَى لِأَخِيكَ مَا تَرْضَى لِنَفْسِكَ- وَ اعْلَمْ أَنَّ لِلْأُمُورِ أَوَاخِرَ فَاحْذَرِ الْعَوَاقِبَ- وَ أَنَّ لِلْأُمُورِ بَغَتَاتٍ (4) فَكُنْ عَلَى حَذَرٍ- وَ إِيَّاكَ وَ مُرْتَقَى جَبَلٍ سَهْلٍ إِذَا كَانَ الْمُنْحَدَرُ وَعْراً (5)- وَ لَا تَعِدَنَّ أَخَاكَ وَعْداً لَيْسَ فِي يَدِكَ وَفَاؤُهُ.
وَ قَالَ(ع)ثَلَاثٌ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ فِيهِنَّ رُخْصَةً- بِرُّ الْوَالِدَيْنِ بَرَّيْنِ كَانَا أَوْ فَاجِرَيْنِ- وَ وَفَاءٌ بِالْعَهْدِ لِلْبَرِّ وَ الْفَاجِرِ- وَ أَدَاءُ الْأَمَانَةِ إِلَى الْبَرِّ وَ الْفَاجِرِ.
وَ قَالَ(ع)إِنِّي لَأَرْحَمُ ثَلَاثَةً وَ حَقٌّ لَهُمْ أَنْ يُرْحَمُوا- عَزِيزٌ أَصَابَتْهُ مَذَلَّةٌ بَعْدَ الْعِزِّ وَ غَنِيٌّ أَصَابَتْهُ حَاجَةٌ بَعْدَ الْغِنَى- وَ عَالِمٌ يَسْتَخِفُّ بِهِ أَهْلُهُ وَ الْجَهَلَةُ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِحُبِّ الدُّنْيَا تَعَلَّقَ مِنْ ضَرَرِهَا بِثَلَاثِ خِصَالٍ- هَمٍّ لَا يَفْنَى وَ أَمَلٍ لَا يُدْرَكُ وَ رَجَاءٍ لَا يُنَالُ.
____________
(1) المجاملة: حسن الصنيعة مع الناس و المعاملة بالجميل.
(2) أي لا فرق عندي بين الخائن و المضيع، أو المراد ان الرجل إذا ائتمن احدا فلا يبالى به إذا كان خائنا أو مضيعا.
(3) هو أبو عبد اللّه مفضل بن عمر الجعفى الكوفيّ من أصحاب الصادق و الكاظم (عليهما السلام). قيل: هو من شيوخ أصحاب الصادق (عليه السلام) و خاصته و بطانته و ثقاته الفقهاء الصالحين صاحب رسالة المعروف بتوحيد المفضل المروى عن الصادق (عليه السلام).
(4) البغتات- جمع بغتة- أى الفجأة.
(5) المنحدر: مكان الانحدار أي الهبوط و النزول. و الوعر: ضد السهل أي المكان الصلب و هو الذي مخيف الوحش.
251
وَ قَالَ(ع)الْمُؤْمِنُ لَا يُخْلَقُ عَلَى الْكَذِبِ وَ لَا عَلَى الْخِيَانَةِ- وَ خَصْلَتَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي الْمُنَافِقِ- سَمْتٌ حَسَنٌ (1) وَ فِقْهٌ فِي سُنَّةٍ.
وَ قَالَ(ع)النَّاسُ سَوَاءٌ كَأَسْنَانِ الْمُشْطِ وَ الْمَرْءُ كَثِيرٌ بِأَخِيهِ (2)- وَ لَا خَيْرَ فِي صُحْبَةِ مَنْ لَمْ يَرَ لَكَ مِثْلَ الَّذِي يَرَى لِنَفْسِهِ.
وَ قَالَ(ع)مِنْ زَيْنِ الْإِيمَانِ الْفِقْهُ وَ مِنْ زَيْنِ الْفِقْهِ الْحِلْمُ- وَ مِنْ زَيْنِ الْحِلْمِ الرِّفْقُ- وَ مِنْ زَيْنِ الرِّفْقِ اللِّينُ وَ مِنْ زَيْنِ اللَّيِّنِ السُّهُولَةُ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ غَضِبَ عَلَيْكَ مِنْ إِخْوَانِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- فَلَمْ يَقُلْ فِيكَ مَكْرُوهاً فَأَعِدَّهُ لِنَفْسِكَ.
وَ قَالَ(ع)يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ أَعَزَّ مِنْ أَخٍ أَنِيسٍ- وَ كَسْبِ دِرْهَمٍ حَلَالٍ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ وَقَفَ نَفْسَهُ مَوْقِفَ التُّهَمَةِ- فَلَا يَلُومَنَّ مَنْ أَسَاءَ بِهِ الظَّنَّ- وَ مَنْ كَتَمَ سِرَّهُ كَانَتِ الْخِيَرَةُ فِي يَدِهِ (3)- وَ كُلُّ حَدِيثٍ جَاوَزَ اثْنَيْنِ فَاشٍ (4)- وَ ضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ- وَ لَا تَطْلُبَنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَخِيكَ سُوءاً- وَ أَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الْخَيْرِ مَحْمِلًا وَ عَلَيْكَ بِإِخْوَانِ الصِّدْقِ- فَإِنَّهُمْ عُدَّةٌ عِنْدَ الرَّخَاءِ (5) وَ جُنَّةٌ
____________
(1) السمت: الطريق و المحجة. و أيضا. هيئة أهل الخير و هي المراد هنا أي السكينة و الوقار و حسن السيرة و الطريقة و استقامة المنظر و الهيئة. يقال: فلان حسن السمت أي حسن المذهب في الأمور كلها.
(2) أي ليس هو وحده بل هو كثير بأخيه.
(3) الخيرة- بفتح فسكون أو بكسر ففتح-: الاختيار.
(4) قال الشاعر:
كل سرّ جاوز الاثنين شاع* * * كل علم ليس في القرطاس ضاع
(5) العدة- بالضم-: الاستعداد و ما أعددته أي هيأته للحوادث و النوائب و بالفتح-: الجماعة.
252
عِنْدَ الْبَلَاءِ وَ شَاوِرْ فِي حَدِيثِكَ الَّذِينَ يَخَافُونَ اللَّهَ- وَ أَحْبِبِ الْإِخْوَانَ عَلَى قَدْرِ التَّقْوَى- وَ اتَّقِ شِرَارَ النِّسَاءِ وَ كُنْ مِنْ خِيَارِهِنَّ عَلَى حَذَرٍ- وَ إِنْ أَمَرْنَكُمْ بِالْمَعْرُوفِ- فَخَالِفُوهُنَّ حَتَّى لَا يَطْمَعْنَ مِنْكُمْ فِي الْمُنْكَرِ.
وَ قَالَ(ع)الْمُنَافِقُ إِذَا حَدَّثَ عَنِ اللَّهِ وَ عَنْ رَسُولِهِ كَذَبَ- وَ إِذَا وَعَدَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ أَخْلَفَ- وَ إِذَا مَلَكَ خَانَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فِي مَالِهِ- وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ- بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (1)- وَ قَوْلُهُ وَ إِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ- فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (2).
وَ قَالَ(ع)كَفَى بِالْمَرْءِ خِزْياً أَنْ يَلْبَسَ ثَوْباً يُشَهِّرُهُ (3)- أَوْ يَرْكَبَ دَابَّةً مَشْهُورَةً- قُلْتُ وَ مَا الدَّابَّةُ الْمَشْهُورَةُ قَالَ البَلْقَاءُ (4).
وَ قَالَ(ع)لَا يَبْلُغُ أَحَدُكُمْ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ- حَتَّى يُحِبَّ أَبْعَدَ الْخَلْقِ مِنْهُ فِي اللَّهِ- وَ يُبْغِضَ أَقْرَبَ الْخَلْقِ مِنْهُ فِي اللَّهِ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعْمَةً فَعَرَفَهَا بِقَلْبِهِ- وَ عَلِمَ أَنَّ الْمُنْعِمَ عَلَيْهِ اللَّهُ- فَقَدْ أَدَّى شُكْرَهَا وَ إِنْ لَمْ يُحَرِّكْ لِسَانَهُ وَ مَنْ عَلِمَ أَنَّ الْمُعَاقِبَ عَلَى الذُّنُوبِ اللَّهُ فَقَدِ اسْتَغْفَرَ- وَ إِنْ لَمْ يُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَهُ وَ قَرَأَ- إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ الْآيَةَ (5).
وَ قَالَ(ع)خَصْلَتَيْنِ مُهْلِكَتَيْنِ (6)- تُفْتِي النَّاسَ بِرَأْيِكَ أَوْ تَدِينُ بِمَا لَا تَعْلَمُ.
____________
(1) التوبة: 78.
(2) الأنفال: 72.
(3) في بعض النسخ «لشهرة».
(4) البلقاء: مؤنث الأبلق- كحمراء و أحمر-: الذي كان في لونه سواد و بياض.
(5) البقرة: 284.
(6) كذا. تقدير الكلام: اتق خصلتين.
253
وَ قَالَ(ع)لِأَبِي بَصِيرٍ (1) يَا أَبَا مُحَمَّدٍ لَا تُفَتِّشِ النَّاسَ عَنْ أَدْيَانِهِمْ فَتَبْقَى بِلَا صَدِيقٍ.
وَ قَالَ(ع)الصَّفْحُ الْجَمِيلُ أَنْ لَا تُعَاقِبَ عَلَى الذَّنْبِ- وَ الصَّبْرُ الْجَمِيلُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَكْوَى.
قَالَ(ع)أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُؤْمِناً- وَ إِنْ كَانَ مِنْ قَرْنِهِ إِلَى قَدَمِهِ ذُنُوباً- الصِّدْقُ وَ الْحَيَاءُ وَ حُسْنُ الْخُلُقِ وَ الشُّكْرُ.
وَ قَالَ(ع)لَا تَكُونُ مُؤْمِناً حَتَّى تَكُونَ خَائِفاً رَاجِياً- وَ لَا تَكُونُ خَائِفاً رَاجِياً حَتَّى تَكُونَ عَامِلًا لِمَا تَخَافُ وَ تَرْجُو.
وَ قَالَ(ع)لَيْسَ الْإِيمَانُ بِالتَّحَلِّي وَ لَا بِالتَّمَنِّي- وَ لَكِنَّ الْإِيمَانَ مَا خَلَصَ فِي الْقُلُوبِ وَ صَدَّقَتْهُ الْأَعْمَالُ.
وَ قَالَ(ع)إِذَا زَادَ الرَّجُلُ عَلَى الثَّلَاثِينَ فَهُوَ كَهْلٌ- وَ إِذَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ فَهُوَ شَيْخٌ.
وَ قَالَ(ع)النَّاسُ فِي التَّوْحِيدِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ- مُثْبِتٍ وَ نَافٍ وَ مُشَبِّهٍ- فَالنَّافِي مُبْطِلٌ وَ الْمُثْبِتُ مُؤْمِنٌ وَ الْمُشَبِّهُ مُشْرِكٌ.
وَ قَالَ(ع)الْإِيمَانُ إِقْرَارٌ وَ عَمَلٌ وَ نِيَّةٌ- وَ الْإِسْلَامُ إِقْرَارٌ وَ عَمَلٌ (2).
وَ قَالَ(ع)لَا تُذْهِبِ الْحِشْمَةَ (3) بَيْنَكَ وَ بَيْنَ أَخِيكَ وَ أَبْقِ مِنْهَا- فَإِنَّ ذَهَابَ الْحِشْمَةِ ذَهَابُ الْحَيَاءِ- وَ بَقَاءَ الْحِشْمَةِ بَقَاءُ الْمَوَدَّةِ.
____________
(1) هو يحيى بن أبي القاسم إسحاق الأسدى الكوفيّ المكنى بابى بصير و أبى محمّد المتوفّى سنة 150 امامى ثقة عدل من أصحاب الإجماع و من خواص أصحاب الباقرين (عليهما السلام)، و قد أفرد جماعة من العلماء رسالة في ترجمته و اطال الكلام فيه صاحب تنقيح المقال و قيل: هو خال شعيب العقرقوفى.
(2) المراد بالنية: الإخلاص و الإقرار بالقلب.
(3) الحشمة: الحياء. الانقباض. الغضب. و احتشم: غضب، انقبض، استحيا.
254
وَ قَالَ(ع)مَنِ احْتَشَمَ أَخَاهُ حَرُمَتْ وُصْلَتُهُ- وَ مَنِ اغْتَمَّهُ سَقَطَتْ حُرْمَتُهُ- وَ قِيلَ لَهُ خَلَوْتَ بِالْعَقِيقِ (1) وَ تَعَجَّلْتَ الْوَحْدَةَ- فَقَالَ(ع)لَوْ ذُقْتَ حَلَاوَةَ الْوَحْدَةِ لَاسْتَوْحَشْتَ مِنْ نَفْسِكَ- ثُمَّ قَالَ(ع)أَقَلُّ مَا يَجِدُ الْعَبْدُ فِي الْوَحْدَةِ [أَمْنُ مُدَارَاةِ النَّاسِ (2).
وَ قَالَ(ع)مَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ بَاباً مِنَ الدُّنْيَا- إِلَّا فَتَحَ عَلَيْهِ مِنَ الْحِرْصِ مِثْلَيْهِ (3).
وَ قَالَ(ع)الْمُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا غَرِيبٌ لَا يَجْزَعُ مِنْ ذُلِّهَا- وَ لَا يَتَنَافَسُ أَهْلَهَا فِي عِزِّهَا- وَ قِيلَ لَهُ أَيْنَ طَرِيقُ الرَّاحَةِ- فَقَالَ(ع)فِي خِلَافِ الْهَوَى- قِيلَ فَمَتَى يَجِدُ الرَّاحَةَ- فَقَالَ(ع)عِنْدَ أَوَّلِ يَوْمٍ يَصِيرُ فِي الْجَنَّةِ.
وَ قَالَ(ع)لَا يَجْمَعُ اللَّهُ لِمُنَافِقٍ وَ لَا فَاسِقٍ حُسْنَ السَّمْتِ- وَ الْفِقْهَ وَ حُسْنَ الْخُلُقِ أَبَداً.
وَ قَالَ(ع)طَعْمُ الْمَاءِ الْحَيَاةُ وَ طَعْمُ الْخُبْزِ الْقُوَّةُ وَ- ضَعْفُ الْبَدَنِ وَ قُوَّتُهُ مِنْ شَحْمِ الْكُلْيَتَيْنِ (4)- وَ مَوْضِعُ الْعَقْلِ الدِّمَاغُ وَ الْقَسْوَةُ وَ الرِّقَّةُ فِي الْقَلْبِ.
____________
(1) خلا به يخلو خلوة و خلوا و خلاء: اجتمع معه على خلوة. و خلا الرجل بنفسه: انفرد. و العقيق: خرز أحمر و الواحدة العقيقة. و في بعض النسخ «العفيفة». و لعل المراد بها امرأة الرجل و هي كناية عن الوحدة و الانزواء. اى انك مقيم في بيتك و لم تخرج الى الناس.
(2) كذا. و الظاهر سقطت كلمة «الراحة» قبل «من».
(3) حرص على حفظ ما ناله و حرص على الزيادة.
(4) أي منوطة به. و في الحديث «لا يستلقين أحدكم في الحمام فانه يذيب شحم الكليتين». و في حديث آخر «ادمانه كل يوم يذيب شحم الكليتين». مكارم الأخلاق.
255
وَ قَالَ(ع)الْحَسَدُ حَسَدَانِ حَسَدُ فِتْنَةٍ وَ حَسَدُ غَفَلَةٍ- فَأَمَّا حَسَدُ الْغَفْلَةِ فَكَمَا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ حِينَ قَالَ اللَّهُ- إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا- أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ- وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ (1)- أَيِ اجْعَلْ ذَلِكَ الْخَلِيفَةَ مِنَّا وَ لَمْ يَقُولُوا- حَسَداً لآِدَمَ مِنْ جِهَةِ الْفِتْنَةِ وَ الرَّدِّ وَ الْجُحُودِ- وَ الْحَسَدُ الثَّانِي الَّذِي يَصِيرُ بِهِ الْعَبْدُ إِلَى الْكُفْرِ- وَ الشِّرْكِ فَهُوَ حَسَدُ إِبْلِيسَ فِي رَدِّهِ عَلَى اللَّهِ- وَ إِبَائِهِ عَنِ السُّجُودِ لآِدَمَ(ع)
وَ قَالَ(ع)النَّاسُ فِي الْقُدْرَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ- رَجُلٍ يَزْعُمُ أَنَّ الْأَمْرَ مُفَوَّضٌ إِلَيْهِ- فَقَدْ وَهَّنَ اللَّهَ فِي سُلْطَانِهِ فَهُوَ هَالِكٌ- وَ رَجُلٍ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَجْبَرَ الْعِبَادَ عَلَى الْمَعَاصِي- وَ كَلَّفَهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ فَقَدْ ظَلَّمَ اللَّهَ فِي حُكْمِهِ فَهُوَ هَالِكٌ- وَ رَجُلٍ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ كَلَّفَ الْعِبَادَ مَا يُطِيقُونَهُ- وَ لَمْ يُكَلِّفْهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَهُ فَإِذَا أَحْسَنَ حَمِدَ اللَّهَ وَ إِذَا أَسَاءَ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ فَهَذَا مُسْلِمٌ بَالِغٌ.
وَ قَالَ(ع)الْمَشْيُ الْمُسْتَعْجِلُ يَذْهَبُ بِبَهَاءِ الْمُؤْمِنِ وَ يُطْفِئُ نُورَهُ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْغَنِيَّ الظَّلُومَ.
وَ قَالَ(ع)الْغَضَبُ مَمْحَقَةٌ لِقَلْبِ الْحَكِيمِ- وَ مَنْ لَمْ يَمْلِكْ غَضَبَهُ لَمْ يَمْلِكْ عَقْلَهُ.
وَ قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ الْعِيَاضِ (2) قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَ تَدْرِي مَنِ
____________
(1) سورة البقرة: 28.
(2) هو أبو عليّ الفضل بن عياض بن مسعود بن بشر التميمى الفندينى الزاهد الصوفى المشهور أحد رجال الطريقة ولد بأبيورد من بلاد خراسان و قيل: بسمرقند و نشأ بأبيورد من أصحاب الصادق (عليه السلام) ثقة عظيم المنزلة قيل: لكنه عامى. و حكى أنّه كان في أول أمره شاطرا يقطع الطريق بين أبيورد و سرخس و كان سبب توبته أنّه عشق جارية فبينما هو يرتقى الجدران إليها سمع تاليا يتلو: «أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ».
فقال: يا ربّ قد آن، فرجع و أوى الليل الى خربة فإذا فيها رفقة فقال بعضهم: نرتحل و قال بعضهم حتّى نصبح فان فضيلا على الطريق يقطع علينا فتاب الفضيل و آمنهم فصار من كبار.
256
الشَّحِيحُ- قُلْتُ هُوَ الْبَخِيلُ- فَقَالَ(ع)الشُّحُّ أَشَدُّ مِنَ الْبُخْلِ- إِنَّ الْبَخِيلَ يَبْخَلُ بِمَا فِي يَدِهِ- وَ الشَّحِيحَ يَشُحُّ عَلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ وَ عَلَى مَا فِي يَدِهِ- حَتَّى لَا يَرَى فِي أَيْدِي النَّاسِ شَيْئاً إِلَّا تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ لَهُ بِالْحِلِّ وَ الْحَرَامِ- لَا يَشْبَعُ وَ لَا يَنْتَفِعُ بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ الْبَخِيلَ مَنْ كَسَبَ مَالًا مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ- وَ أَنْفَقَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ- وَ قَالَ(ع)لِبَعْضِ شِيعَتِهِ مَا بَالُ أَخِيكَ يَشْكُوكَ- فَقَالَ يَشْكُونِي أَنِ اسْتَقْصَيْتُ عَلَيْهِ حَقِّي- فَجَلَسَ(ع)مُغْضَباً ثُمَّ قَالَ- كَأَنَّكَ إِذَا اسْتَقْصَيْتَ عَلَيْهِ حَقَّكَ لَمْ تُسِئْ- أَ رَأَيْتَكَ مَا حَكَى اللَّهُ عَنْ قَوْمٍ يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ- أَ خَافُوا أَنْ يَجُورَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لَا- وَ لَكِنْ خَافُوا الِاسْتِقْصَاءَ فَسَمَّاهُ اللَّهُ سُوءَ الْحِسَابِ- فَمَنِ اسْتَقْصَى فَقَدْ أَسَاءَ.
وَ قَالَ(ع)كَثْرَةُ السُّحْتِ يَمْحَقُ الرِّزْقَ (1).
وَ قَالَ(ع)سُوءُ الْخُلُقِ نَكِدٌ (2).
____________
السادات، قدم الكوفة و سمع الحديث بها، ثمّ انتقل الى مكّة و جاور بها الى أن مات في المحرم سنة 187 و قبره بها. و له كلمات و مواعظ مشهورة و كان له ولدا يسعى بعلى الفضيل و هو أفضل من أبيه في الزهد و العبادة فكان شابا سربا من كبار الصالحين و هو معدود من الذين قتلهم محبة اللّه فلم يتمتع بحياته كثيرا و ذلك انه كان يوما في المسجد الحرام واقعا بقرب ماء زمزم فسمع قارئا يقرأ: «وَ تَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَ تَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ» فصعق و مات.
(1) «السحت»- بالضم-: المال الحرام و كل ما لا يحل كسبه. و في بعض النسخ «الصخب» و في بعضها «السخب» و السخب و الصخب- بالتحريك-: الصيحة و اضطراب الأصوات.
(2) نكد العيش- كعلم-: اشتد و عسر.- و الرجل: ضاق خلقه، و ضد يسر و سهل، فهو نكد- بسكون الكاف و فتحها و كسرها- أى شؤم عسر.- و بالضم-: قيل الخير و العطاء.
257
وَ قَالَ(ع)إِنَّ الْإِيمَانَ فَوْقَ الْإِسْلَامِ بِدَرَجَةٍ- وَ التَّقْوَى فَوْقَ الْإِيمَانِ بِدَرَجَةٍ وَ بَعْضَهُ مِنْ بَعْضٍ (1)- فَقَدْ يَكُونُ الْمُؤْمِنُ فِي لِسَانِهِ بَعْضُ الشَّيْءِ- الَّذِي لَمْ يَعِدِ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ وَ قَالَ اللَّهُ- إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ- وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً (2)- وَ يَكُونُ الْآخَرُ وَ هُوَ الْفَهِمُ لِسَاناً (3)- وَ هُوَ أَشَدُّ لِقَاءً لِلذُّنُوبِ وَ كِلَاهُمَا مُؤْمِنٌ- وَ الْيَقِينُ فَوْقَ التَّقْوَى بِدَرَجَةٍ- وَ لَمْ يُقْسَمْ (4) بَيْنَ النَّاسِ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْيَقِينِ- إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ أَشَدُّ يَقِيناً مِنْ بَعْضٍ وَ هُمْ مُؤْمِنُونَ- وَ بَعْضَهُمْ أَصْبَرُ مِنْ بَعْضٍ عَلَى الْمُصِيبَةِ- وَ عَلَى الْفَقْرِ وَ عَلَى الْمَرَضِ- وَ عَلَى الْخَوْفِ وَ ذَلِكَ مِنَ الْيَقِينِ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ الْغِنَى وَ الْعِزَّ يَجُولَانِ- فَإِذَا ظَفِرَا بِمَوْضِعِ التَّوَكُّلِ أَوْطَنَاهُ (5).
وَ قَالَ(ع)حُسْنُ الْخُلُقِ مِنَ الدِّينِ وَ هُوَ يَزِيدُ فِي الرِّزْقِ.
وَ قَالَ(ع)الْخُلُقُ خُلُقَانِ أَحَدُهُمَا نِيَّةٌ وَ الْآخَرُ سَجِيَّةٌ- قِيلَ فَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ قَالَ(ع)النِّيَّةُ- لِأَنَّ صَاحِبَ السَّجِيَّةِ مَجْبُولٌ عَلَى أَمْرٍ لَا يَسْتَطِيعُ غَيْرَهُ- وَ صَاحِبَ النِّيَّةِ يَتَصَبَّرُ عَلَى الطَّاعَةِ تَصَبُّراً فَهَذَا أَفْضَلُ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ سُرْعَةَ ائْتِلَافِ قُلُوبِ الْأَبْرَارِ إِذَا الْتَقَوْا- وَ إِنْ لَمْ يُظْهِرُوا التَّوَدُّدَ بِأَلْسِنَتِهِمْ- كَسُرْعَةِ اخْتِلَاطِ مَاءِ السَّمَاءِ بِمَاءِ الْأَنْهَارِ- وَ إِنَّ بُعْدَ ائْتِلَافِ قُلُوبِ الْفُجَّارِ إِذَا الْتَقَوْا- وَ إِنْ أَظْهَرُوا التَّوَدُّدَ بِأَلْسِنَتِهِمْ كَبُعْدِ الْبَهَائِمِ مِنَ التَّعَاطُفِ
____________
(1) أي ان الايمان بعضه فوق بعض و بعضه أعلى درجة من بعض فالايمان ذو مراتب.
(2) النساء 35.
(3) الفهم- ككتف-: السريع الفهم و لعلّ المراد لممه فيكون الآخر أشدّ لما من غيره من جهة اللسان.
(4) في بعض النسخ «و لم يقم». و في الكافي «و ما قسم في الناس شيء أقل من اليقين».
(5) أوطناه أي اتخذاه وطنا و أقاما فيه.
258
وَ إِنْ طَالَ اعْتِلَافُهَا (1) عَلَى مِذْوَدٍ وَاحِدٍ (2).
وَ قَالَ(ع)السَّخِيُّ الْكَرِيمُ الَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ فِي حَقِّ اللَّهِ.
وَ قَالَ(ع)يَا أَهْلَ الْإِيمَانِ وَ مَحَلَّ الْكِتْمَانِ تَفَكَّرُوا- وَ تَذَكَّرُوا عِنْدَ غَفَلَةِ السَّاهِينَ.
قَالَ الْمُفَضَّلُ بْنُ عُمَرَ (3) سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنِ الْحَسَبِ- فَقَالَ(ع)الْمَالُ قُلْتُ فَالْكَرَمُ- قَالَ(ع)التَّقْوَى قُلْتُ فَالسُّؤْدُدُ (4) قَالَ(ع)السَّخَاءُ- وَيْحَكَ أَ مَا رَأَيْتَ حَاتِمَ طَيٍ (5) كَيْفَ سَادَ قَوْمَهُ- وَ مَا كَانَ بِأَجْوَدِهِمْ مَوْضِعاً (6).
وَ قَالَ(ع)الْمُرُوَّةُ مُرُوَّتَانِ مُرُوَّةُ الْحَضَرِ وَ مُرُوَّةُ السَّفَرِ- فَأَمَّا مُرُوَّةُ الْحَضَرِ فَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ- وَ حُضُورُ الْمَسَاجِدِ وَ صُحْبَةُ أَهْلِ الْخَيْرِ- وَ النَّظَرُ فِي التَّفَقُّهِ وَ أَمَّا مُرُوَّةُ السَّفَرِ- فَبَذْلُ الزَّادِ وَ الْمِزَاحُ فِي غَيْرِ مَا يُسْخِطُ اللَّهَ- وَ قِلَّةُ الْخِلَافِ عَلَى مَنْ صَحِبَكَ- وَ تَرْكُ الرِّوَايَةِ عَلَيْهِمْ إِذَا أَنْتَ فَارَقْتَهُمْ.
وَ قَالَ(ع)اعْلَمْ أَنَّ ضَارِبَ عَلِيٍّ(ع)بِالسَّيْفِ- وَ قَاتِلَهُ لَوِ ائْتَمَنَنِي وَ اسْتَنْصَحَنِي وَ اسْتَشَارَنِي- ثُمَّ قَبِلْتُ ذَلِكَ مِنْهُ لَأَدَّيْتُ إِلَيْهِ الْأَمَانَةَ.
وَ قَالَ سُفْيَانُ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَجُوزُ أَنْ يُزَكِّي الرَّجُلُ نَفْسَهُ- قَالَ نَعَمْ إِذَا اضْطُرَّ إِلَيْهِ أَ مَا سَمِعْتَ قَوْلَ يُوسُفَ- اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ
____________
(1) اعتلفت الدابّة: أكلت.
(2) المذود- كمنبر-: معتلف الدوابّ.
(3) هو المفضل من عمر المعروف الذي تقدم ذكره ص 250.
(4) السؤدد- أحد مصادر ساد يسود-: يعنى الشرف و المجد.
(5) هو حاتم بن عبد اللّه الطائى كان جوادا يضرب به المثل في الجود و كان شجاعا شاعرا. و أخبار حاتم مذكورة في الأغاني و عقد الفريد و المستطرف و غيرها: و ابنه عدى بن حاتم كان من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و خواص أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) و ترجمة حالاته و قصته و كلامه في محضر معاوية بعد فوت عليّ (عليه السلام) مشهورة و مذكورة في السير و التواريخ.
(6) أي لا يكون موضعه جيدا من جهة الحسب النسب.
259
إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (1)- وَ قَوْلَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ أَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (2).
وَ قَالَ(ع)أَوْحَى اللَّهُ إِلَى دَاوُدَ(ع)يَا دَاوُدُ تُرِيدُ وَ أُرِيدُ- فَإِنِ اكْتَفَيْتَ بِمَا أُرِيدُ مِمَّا تُرِيدُ كَفَيْتُكَ مَا تُرِيدُ- وَ إِنْ أَبَيْتَ إِلَّا مَا تُرِيدُ أَتْعَبْتُكَ فِيمَا تُرِيدُ وَ كَانَ مَا أُرِيدُ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ (3) سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنِ الْفِئَتَيْنِ يَلْتَقِيَانِ- مِنْ أَهْلِ الْبَاطِلِ أَبِيعُهُمَا السِّلَاحَ- فَقَالَ(ع)بِعْهُمَا مَا يَكُنُّهُمَا الدِّرْعَ- وَ الْخَفْتَانَ (4) وَ الْبَيْضَةَ وَ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَ قَالَ(ع)أَرْبَعٌ لَا تَجْرِي فِي أَرْبَعٍ الْخِيَانَةُ وَ الْغُلُولُ- وَ السَّرِقَةُ وَ الرِّيَاءُ- لَا تَجْرِي فِي حَجٍّ وَ لَا عُمْرَةٍ وَ لَا جِهَادٍ وَ لَا صَدَقَةٍ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَ يُبْغِضُ- وَ لَا يُعْطِي الْإِيمَانَ إِلَّا أَهْلَ صَفْوَتِهِ مِنْ خَلْقِهِ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَى نَفْسِهِ- وَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ.
قِيلَ لَهُ مَا كَانَ فِي وَصِيَّةِ لُقْمَانَ فَقَالَ(ع) كَانَ فِيهَا الْأَعَاجِيبُ- وَ كَانَ مِنْ أَعْجَبِ مَا فِيهَا أَنْ قَالَ لِابْنِهِ- خَفِ اللَّهَ خِيفَةً لَوْ جِئْتَهُ بِبِرِّ الثَّقَلَيْنِ لَعَذَّبَكَ
____________
(1) يوسف: 55. و الظاهر أن سفيان هو سفيان الثوري المعروف الذي تقدم آنفا.
(2) الأعراف: 66.
(3) محمّد بن قيس في أصحاب الصادق (عليه السلام) مشترك بين محمّد بن قيس البجليّ الثقة صاحب كتاب قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام)، و محمّد بن قيس الأسدى من فقهاء الصادقين (عليهما السلام) و اعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال و الحرام و الفتيا و الاحكام- و هم أصحاب الأصول المدونة و المصنّفات المشهورة- و محمّد بن قيس أبى نصر الأسدى الكوفيّ وجه من وجوه العرب بالكوفة و كان خصيصا بعمر بن عبد العزيز ثمّ يزيد بن عبد الملك، و كان أحدهما أنفذه الى بلد الروم في فداء المسلمين و له أيضا كتاب.
(4) الخفتان- بالفتح-: ضرب من الثياب. دخيل.
260
وَ ارْجُ اللَّهَ رَجَاءً لَوْ جِئْتَهُ بِذُنُوبِ الثَّقَلَيْنِ لَرَحِمَكَ- ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا- وَ فِي قَلْبِهِ نُورَانِ نُورُ خِيفَةٍ وَ نُورُ رَجَاءٍ- لَوْ وُزِنَ هَذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا- وَ لَوْ وُزِنَ هَذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا.
قَالَ أَبُو بَصِيرٍ (1) سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنِ الْإِيمَانِ فَقَالَ(ع) الْإِيمَانُ بِاللَّهِ أَنْ لَا يُعْصَى قُلْتُ فَمَا الْإِسْلَامُ- فَقَالَ(ع)مَنْ نَسَكَ نُسُكَنَا وَ ذَبَحَ ذَبِيحَتَنَا.
وَ قَالَ(ع)لَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ بِكَلِمَةِ هُدًى- فَيُؤْخَذُ بِهَا إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ أَخَذَ بِهَا- وَ لَا يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةِ ضَلَالَةٍ فَيُؤْخَذُ بِهَا إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ أَخَذَ بِهَا.
وَ قِيلَ لَهُ إِنَّ النَّصَارَى يَقُولُونَ- إِنَّ لَيْلَةَ الْمِيلَادِ فِي أَرْبَعَةٍ وَ عِشْرِينَ مِنْ كَانُونَ- فَقَالَ كَذَبُوا بَلْ فِي النِّصْفِ مِنْ حَزِيرَانَ- وَ يَسْتَوِي اللَّيْلُ وَ النَّهَارُ فِي النِّصْفِ مِنْ آذَارَ (2).
وَ قَالَ(ع)كَانَ إِسْمَاعِيلُ أَكْبَرَ مِنْ إِسْحَاقَ بِخَمْسِ سِنِينَ- وَ كَانَ الذَّبِيحُ إِسْمَاعِيلَ(ع)أَ مَا سَمِعَ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ(ع) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (3)- إِنَّمَا سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَرْزُقَهُ غُلَاماً مِنَ الصَّالِحِينَ- فَقَالَ فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (4)- يَعْنِي إِسْمَاعِيلَ ثُمَّ قَالَ- وَ بَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (5)- فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ إِسْحَاقَ أَكْبَرُ مِنْ إِسْمَاعِيلَ- فَقَدْ كَذَّبَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ.
وَ قَالَ(ع)أَرْبَعَةٌ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ(ع)الْبِرُّ وَ السَّخَاءُ- وَ الصَّبْرُ عَلَى النَّائِبَةِ وَ الْقِيَامُ بِحَقِّ الْمُؤْمِنِ.
____________
(1) هو يحيى بن أبي القاسم الذي مر ترجمته آنفا.
(2) لاستاذنا العلامة الميرزا أبو الحسن الشعرانى هنا تحقيق راجع شرح أصول الكافي للمولى صالح المازندرانى ج 4 ص 351.
(3) الصافّات: 98.
(4) الصافّات: 99.
(5) الصافّات: 112.
261
وَ قَالَ(ع)لَا تَعُدَّنَّ مُصِيبَةً أُعْطِيتَ عَلَيْهَا الصَّبْرَ- وَ اسْتَوْجَبْتَ عَلَيْهَا مِنَ اللَّهِ ثَوَاباً بِمُصِيبَةٍ- إِنَّمَا الْمُصِيبَةُ أَنْ يَحْرُمَ صَاحِبُهَا أَجْرَهَا وَ ثَوَابَهَا- إِذَا لَمْ يَصْبِرْ عِنْدَ نُزُولِهَا.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً مِنْ خَلْقِهِ فِي أَرْضِهِ يُفْزَعُ إِلَيْهِمْ- فِي حَوَائِجِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا آمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا وَ إِنَّ أَحَبَّ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى اللَّهِ- مَنْ أَعَانَ الْمُؤْمِنَ الْفَقِيرَ مِنَ الْفَقْرِ فِي دُنْيَاهُ وَ مَعَاشِهِ- وَ مَنْ أَعَانَ وَ نَفَعَ وَ دَفَعَ الْمَكْرُوهَ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ وَ الْبِرَّ لَيُهَوِّنَانِ الْحِسَابَ- وَ يَعْصِمَانِ مِنَ الذُّنُوبِ فَصِلُوا إِخْوَانَكُمْ وَ بَرُّوا إِخْوَانَكُمْ- وَ لَوْ بِحُسْنِ السَّلَامِ وَ رَدِّ الْجَوَابِ.
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُ دَخَلْتُ عَلَى الصَّادِقِ(ع)فَقُلْتُ لَهُ- أَوْصِنِي بِوَصِيَّةٍ أَحْفَظُهَا مِنْ بَعْدِكَ- قَالَ(ع)وَ تَحْفَظُ يَا سُفْيَانُ- قُلْتُ أَجَلْ يَا ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ- قَالَ(ع)يَا سُفْيَانُ لَا مُرُوَّةَ لِكَذُوبٍ- وَ لَا رَاحَةَ لِحَسُودٍ وَ لَا إِخَاءَ لملوك [لِمَلُولٍ- وَ لَا خُلَّةَ لِمُخْتَالٍ وَ لَا سُؤْدُدَ لِسَيِّئِ الْخُلُقِ (1)- ثُمَّ أَمْسَكَ(ع)فَقُلْتُ يَا ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ زِدْنِي فَقَالَ(ع)يَا سُفْيَانُ ثِقْ بِاللَّهِ تَكُنْ عَارِفاً- وَ ارْضَ بِمَا قَسَمَهُ لَكَ تَكُنْ غَنِيّاً- صَاحِبْ بِمِثْلِ مَا يُصَاحِبُونَكَ بِهِ تَزْدَدْ إِيمَاناً- وَ لَا تُصَاحِبِ الْفَاجِرَ فَيُعَلِّمَكَ مِنْ فُجُورِهِ- وَ شَاوِرْ فِي أَمْرِكَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ- ثُمَّ أَمْسَكَ(ع)فَقُلْتُ يَا ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ زِدْنِي- فَقَالَ(ع)يَا سُفْيَانُ مَنْ أَرَادَ عِزّاً بِلَا سُلْطَانٍ- وَ كَثْرَةً بِلَا إِخْوَانٍ وَ هَيْبَةً بِلَا مَالٍ- فَلْيَنْتَقِلْ مِنْ ذُلِّ مَعَاصِي اللَّهِ إِلَى عِزِّ طَاعَتِهِ- ثُمَّ أَمْسَكَ(ع)فَقُلْتُ يَا ابْنَ بِنْتِ 14 رَسُولِ اللَّهِ زِدْنِي- فَقَالَ(ع)يَا سُفْيَانُ- أَدَّبَنِي أَبِي(ع)بِثَلَاثٍ وَ نَهَانِي عَنْ ثَلَاثٍ- فَأَمَّا اللَّوَاتِي أَدَّبَنِي بِهِنَّ فَإِنَّهُ قَالَ لِي- يَا بُنَيَّ مَنْ يَصْحَبْ صَاحِبَ السَّوْءِ لَا يَسْلَمْ- وَ مَنْ لَا يُقَيِّدْ أَلْفَاظَهُ يَنْدَمْ- وَ مَنْ يَدْخُلْ مَدَاخِلَ السَّوْءِ يُتَّهَمْ- قُلْتُ يَا ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ فَمَا الثَّلَاثُ اللَّوَاتِي نَهَاكَ عَنْهُنَّ- قَالَ(ع)نَهَانِي أَنْ أُصَاحِبَ حَاسِدَ نِعْمَةٍ- وَ شَامِتاً بِمُصِيبَةٍ أَوْ حَامِلَ نَمِيمَةٍ.
____________
(1) و في بعض النسخ «لختال». و السودد و السؤدد: الشرف و المجد.
262
وَ قَالَ(ع)سِتَّةٌ لَا تَكُونُ فِي مُؤْمِنٍ الْعُسْرُ- وَ النَّكَدُ (1) وَ الْحَسَدُ وَ اللَّجَاجَةُ وَ الْكَذِبُ وَ الْبَغْيُ.
وَ قَالَ(ع)الْمُؤْمِنُ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ- ذَنْبٍ قَدْ مَضَى لَا يَدْرِي مَا يَصْنَعُ اللَّهُ فِيهِ- وَ عُمُرٍ قَدْ بَقِيَ لَا يَدْرِي مَا يَكْتَسِبُ فِيهِ مِنَ الْمَهَالِكِ- فَهُوَ لَا يُصْبِحُ إِلَّا خَائِفاً- وَ لَا يُمْسِي إِلَّا خَائِفاً وَ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْخَوْفُ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ رَضِيَ بِالْقَلِيلِ مِنَ الرِّزْقِ- قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ الْيَسِيرَ مِنَ الْعَمَلِ- وَ مَنْ رَضِيَ بِالْيَسِيرِ مِنَ الْحَلَالِ خَفَّتْ مَئُونَتُهُ- وَ زَكَتْ مُكْتَسَبُهُ وَ خَرَجَ مِنْ حَدِّ الْعَجْزِ.
وَ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقُلْتُ- كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ- فَقَالَ(ع)وَ اللَّهِ إِنِّي لَمَحْزُونٌ وَ إِنِّي لَمُشْتَغِلُ الْقَلْبِ- فَقُلْتُ لَهُ وَ مَا أَحْزَنَكَ وَ مَا شَغَلَ قَلْبَكَ- فَقَالَ(ع)لِي يَا ثَوْرِيُّ إِنَّهُ مَنْ دَاخَلَ قَلْبَهُ- صَافِي خَالِصِ دِينِ اللَّهِ شَغَلَهُ عَمَّا سِوَاهُ- يَا ثَوْرِيُّ مَا الدُّنْيَا وَ مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ- هَلِ الدُّنْيَا إِلَّا أَكْلٌ أَكَلْتَهُ- أَوْ ثَوْبٌ لَبِسْتَهُ أَوْ مَرْكَبٌ رَكِبْتُهُ- إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَطْمَئِنُّوا فِي الدُّنْيَا وَ لَمْ يَأْمَنُوا قُدُومَ الْآخِرَةِ- دَارُ الدُّنْيَا دَارُ زَوَالٍ وَ دَارُ الْآخِرَةِ دَارُ قَرَارٍ أَهْلُ الدُّنْيَا أَهْلُ غَفْلَةٍ- إِنَّ أَهْلَ التَّقْوَى أَخَفُّ أَهْلِ الدُّنْيَا مَئُونَةً- وَ أَكْثَرُهُمْ مَعُونَةً- إِنْ نَسِيتَ ذَكَّرُوكَ وَ إِنْ ذَكَّرُوكَ أَعْلَمُوكَ- فَأَنْزِلِ الدُّنْيَا كَمَنْزِلٍ نَزَلْتَهُ فَارْتَحَلْتَ عَنْهُ- أَوْ كَمَالٍ أَصَبْتَهُ فِي مَنَامِكَ- فَاسْتَيْقَظْتَ وَ لَيْسَ فِي يَدِكَ شَيْءٌ مِنْهُ- فَكَمْ مِنْ حَرِيصٍ عَلَى أَمْرٍ قَدْ شَقِيَ بِهِ حِينَ أَتَاهُ- وَ كَمْ مِنْ تَارِكٍ لِأَمْرٍ قَدْ سَعِدَ بِهِ حِينَ أَتَاهُ.
وَ قِيلَ لَهُ مَا الدَّلِيلُ عَلَى الْوَاحِدِ- فَقَالَ(ع)مَا بِالْخَلْقِ مِنَ الْحَاجَةِ.
وَ قَالَ(ع)لَنْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ حَتَّى تَعُدُّوا الْبَلَاءَ نِعْمَةً- وَ الرَّخَاءَ مُصِيبَةً.
____________
(1) عسر الرجل: ضاق خلقه، و ضد يسر و سهل. و النكد- بفتح و ضم-: قليل الخير و العطاء. و قد مر.
263
وَ قَالَ(ع)الْمَالُ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ كَنْزٌ- وَ لَمْ يَجْتَمِعْ عِشْرُونَ أَلْفاً مِنْ حَلَالٍ- وَ صَاحِبُ الثَّلَاثِينَ أَلْفاً هَالِكٌ- وَ لَيْسَ مِنْ شِيعَتِنَا مَنْ يَمْلِكُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ.
وَ قَالَ(ع)مِنْ صِحَّةِ يَقِينِ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ- أَنْ لَا يُرْضِيَ النَّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ- وَ لَا يَحْمَدَهُمْ عَلَى مَا رَزَقَ اللَّهُ- وَ لَا يَلُومَهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِهِ اللَّهُ- فَإِنَّ رِزْقَهُ (1) لَا يَسُوقُهُ حِرْصُ حَرِيصٍ وَ لَا يَرُدُّهُ كُرْهُ كَارِهٍ- وَ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ فَرَّ مِنْ رِزْقِهِ كَمَا يَفِرُّ مِنَ الْمَوْتِ- لَأَدْرَكَهُ رِزْقُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ كَمَا يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ.
وَ قَالَ(ع)مِنْ شِيعَتِنَا مَنْ لَا يَعْدُو صَوْتُهُ سَمْعَهُ- وَ لَا شَحْنُهُ أُذُنَهُ (2) وَ لَا يَمْتَدِحُ بِنَا مُعْلِناً (3) وَ لَا يُوَاصِلُ لَنَا مُغْضَباً- وَ لَا يُخَاصِمُ لَنَا وَلِيّاً وَ لَا يُجَالِسُ لَنَا عَائِباً- قَالَ لَهُ مِهْزَمٌ (4) فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِهَؤُلَاءِ الْمُتَشَيِّعَةِ (5)- قَالَ(ع)فِيهِمُ التَّمْحِيصُ وَ فِيهِمُ التَّمْيِيزُ (6)- وَ فِيهِمُ التَّنْزِيلُ تَأْتِي عَلَيْهِمْ سِنُونَ تُفْنِيهِمْ- وَ طَاعُونٌ يَقْتُلُهُمْ وَ اخْتِلَافٌ يُبَدِّدُهُمْ- شِيعَتُنَا مَنْ لَا يَهِرُّ هَرِيرَ كَلْبٍ (7)- وَ لَا يَطْمَعُ طَمَعَ الْغُرَابِ وَ لَا يَسْأَلُ وَ إِنْ مَاتَ جُوعاً- قُلْتُ فَأَيْنَ أَطْلُبُ هَؤُلَاءِ- قَالَ(ع)اطْلُبْهُمْ فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ
____________
(1) مروى في الكافي ج 2 ص 57 و فيه «فان الرزق لا يسوقه حرص حريص و لا يرده كراهية كاره».
(2) كذا. و في الكافي «و لا شحناؤه بدنه».
(3) في بعض نسخ المصدر «و لا يمتدح بمعاملنا». قوله: «و لا يواصل لنا مغضبا» أي لا يواصل عدونا.
(4) هو مهزم بن أبي برزة الأسدى الكوفيّ كان من أصحاب الباقر و الصادق و الكاظم (عليهما السلام).
(5) في بعض نسخ المصدر «الشيعة».
(6) التمحيص: الاختبار و الامتحان. و فيهم التنزيل أي نزول البلية و العذاب، و في الكافي «و فيهم التبديل» و السنون: جمع سنة أي القحط و الجدب.
(7) الهرير: صوت الكلب دون نباحه من قلة صبره على البرد.
264
أُولَئِكَ الْخَفِيضُ عَيْشُهُمْ (1) الْمُنْتَقِلَةُ دَارُهُمْ- الَّذِينَ إِنْ شَهِدُوا لَمْ يُعْرَفُوا- وَ إِنْ غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا وَ إِنْ مَرِضُوا لَمْ يُعَادُوا- وَ إِنْ خَطَبُوا لَمْ يُزَوَّجُوا وَ إِنْ رَأَوْا مُنْكَراً أَنْكَرُوا وَ إِنْ خَاطَبَهُمُ جَاهِلٌ سَلَّمُوا- وَ إِنْ لَجَأَ إِلَيْهِمْ ذُو الْحَاجَةِ مِنْهُمْ رَحِمُوا- وَ عِنْدَ الْمَوْتِ هُمْ لَا يَحْزَنُونَ- لَمْ تَخْتَلِفْ قُلُوبُهُمْ وَ إِنْ رَأَيْتَهُمْ اخْتَلَفَتْ بِهِمُ الْبُلْدَانُ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ أَرَادَ أَنْ يُطَوِّلَ اللَّهَ عُمُرَهُ فَلْيُقِمْ أَمْرَهُ- وَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَحُطَّ وِزْرَهُ فَلْيُرْخِ سِتْرَهُ (2)- وَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُرْفَعَ ذِكْرُهُ فَلْيُخْمِلْ أَمْرَهُ (3).
وَ قَالَ(ع)ثَلَاثُ خِصَالٍ هُنَّ أَشَدُّ مَا عَمِلَ بِهِ الْعَبْدُ- إِنْصَافُ الْمُؤْمِنِ مِنْ نَفْسِهِ وَ مُوَاسَاةُ الْمَرْءِ لِأَخِيهِ- وَ ذِكْرُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ قِيلَ لَهُ- فَمَا مَعْنَى ذِكْرُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ- قَالَ(ع)يَذْكُرُ اللَّهَ عِنْدَ كُلِّ مَعْصِيَةٍ يَهُمُّ بِهَا- فَيَحُولُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْمَعْصِيَةِ.
وَ قَالَ(ع)الْهَمْزُ زِيَادَةٌ فِي الْقُرْآنِ (4).
____________
(1) خفض العيش: دناءته، أي القليل المكفى.
(2) أرخى الستر: أرسله و أسدله. و المراد بالستر الحياء و الخوف.
(3) أخمله: جعله خاملا أي خفيا، مستورا. و في بعض نسخ المصدر «فليحمل» و في بعضها «فليجمل».
(4) في رجال النجاشيّ في ترجمة أبان بن تغلب عن محمّد بن موسى بن أبي مريم صاحب اللؤلؤ قال: سمعت أبان بن تغلب- و ما رأيت أحدا أقرأ منه- قد يقول: «انما الهمز رياضة» و ذكر قراءته- الى آخر كلامه. و ذكر بعض العلماء في الهامش: قد فصل في كتب الصرف أن العرب قد اختلف في كيفية التكلم بالهمزة فالقريش و أكثر أهل الحجاز خففها لأنّها أدخل حروف الحلق و لها نبرة كريهة يجرى مجرى التهوع فثقلت بذلك على اللافظ، و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «ينزل القرآن بلسان قريش و ليسوا بأهل نبر- أى همز و لو لا أن جبرئيل نزل بالهمزة على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ما همزنا» و أمّا باقى العرب كتميم و قيس حققها قياسا لها على سائر الحروف. و قول أبان هذا «انما الهمز رياضة» اختيار منه- ره- لغة قريش على غيرها يقول: انما الهمز أي التكلم بها و الافصاح عنها مشقة و رياضة بلا ثمر فلا بد فيها من التخفيف. انتهى.
265
وَ قَالَ(ع)إِيَّاكُمْ (1) وَ الْمِزَاحَ- فَإِنَّهُ يَجُرُّ السَّخِيمَةَ وَ يُورِثُ الضَّغِينَةَ وَ هُوَ السَّبُّ الْأَصْغَرُ.
وَ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ رَاشِدٍ (2) قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِذَا نَزَلَتْ بِكَ نَازِلَةٌ فَلَا تَشْكُهَا إِلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْخِلَافِ- وَ لَكِنِ اذْكُرْهَا لِبَعْضِ إِخْوَانِكَ- فَإِنَّكَ لَنْ تُعْدَمَ خَصْلَةً مِنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ- إِمَّا كِفَايَةً وَ إِمَّا مَعُونَةً بِجَاهٍ أَوْ دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً- أَوْ مَشُورَةً بِرَأْيٍ.
وَ قَالَ(ع)لَا تَكُونَنَّ دَوَّاراً فِي الْأَسْوَاقِ- وَ لَا تَكُنْ شَرَّاءَ دَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ بِنَفْسِكَ- فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمَرْءِ ذِي الْحَسَبِ- وَ الدِّينِ أَنْ يَلِيَ دَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ بِنَفْسِهِ (3)- إِلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ شِرَاءِ الْعَقَارِ وَ الرَّقِيقِ وَ الْإِبِلِ.
وَ قَالَ(ع)لَا تَكَلَّمْ بِمَا لَا يَعْنِيكَ- وَ دَعْ كَثِيراً مِنَ الْكَلَامِ فِيمَا يَعْنِيكَ حَتَّى تَجِدَ لَهُ مَوْضِعاً- فَرُبَّ مُتَكَلِّمٍ تَكَلَّمَ بِالْحَقِّ بِمَا يَعْنِيهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَتَعِبَ- وَ لَا تُمَارِيَنَّ سَفِيهاً وَ لَا حَلِيماً- فَإِنَّ الْحَلِيمَ يَغْلِبُكَ وَ السَّفِيهَ يُرْدِيكَ- وَ اذْكُرْ أَخَاكَ إِذَا تَغَيَّبَ بِأَحْسَنِ مَا تُحِبُّ- أَنْ يَذْكُرُكَ بِهِ إِذَا تَغَيَّبْتَ عَنْهُ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْعَمَلُ- وَ اعْمَلْ عَمَلَ مَنْ يَعْلَمُ- أَنَّهُ مَجْزِيٌّ بِالْإِحْسَانِ مَأْخُوذٌ بِالْإِجْرَامِ- وَ قَالَ لَهُ يُونُسُ (4) لَوَلَائِي لَكُمْ- وَ مَا عَرَّفَنِي اللَّهُ مِنْ حَقِّكُمْ أَحَبُ
____________
(1) و في بعض النسخ «اياك».
(2) هو الحسن بن راشد مولى بني العباس بغداديّ كوفيّ من أصحاب الصادق (عليه السلام) و أدرك الكاظم (عليه السلام) و روى عنه أيضا. و يمكن أن يكون هو حسن بن راشد الطفاوى من أصحاب الصادق (عليه السلام) يروى عن الضعفاء له، كتاب نوادر، كثير العلم.
(3) دقائق الأشياء: محقراتها. و العقار: الضيعة، المتاع، و كل ما له أصل و قرار.
و العقار في الأحاديث كل ملك ثابت له أصل كالارض و الضياع و النخل. و الرقيق: المملوك للذكر و الأنثى.
(4) الظاهر أنّه أبو عليّ يونس بن يعقوب بن قيس البجليّ الكوفيّ من أصحاب الصادق و الكاظم و الرضا (عليهم السلام)، ثقة معتمد عليه من أصحاب الأصول المدونة و من أعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال و الحرام و الاحكام و الفتيا و له كتاب و كان يتوكل لابى الحسن (عليه السلام) أمه منية بنت عمّار بن أبي معاوية الدهنى اخت معاوية بن عمار- مات (رحمه الله) في أيام الرضا (عليه السلام) بالمدينة و بعث إليه أبو الحسن الرضا (عليه السلام) بحنوطه و كفنه و جميع ما يحتاج إليه.
266
إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا- قَالَ يُونُسُ فَتَبَيَّنْتُ الْغَضَبَ فِيهِ- ثُمَّ قَالَ(ع)يَا يُونُسُ قِسْتَنَا بِغَيْرِ قِيَاسٍ مَا الدُّنْيَا- وَ مَا فِيهَا هَلْ هِيَ إِلَّا سَدُّ فَوْرَةٍ أَوْ سَتْرُ- عَوْرَةٍ وَ أَنْتَ لَكَ بِمَحَبَّتِنَا الْحَيَاةُ الدَّائِمَةُ.
وَ قَالَ(ع)يَا شِيعَةَ آلِ مُحَمَّدٍ- إِنَّهُ لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ- وَ لَمْ يُحْسِنْ صُحْبَةَ مَنْ صَحِبَهُ وَ مُرَافَقَةَ مَنْ رَافَقَهُ- وَ مُصَالَحَةَ مَنْ صَالَحَهُ وَ مُخَالَفَةَ مَنْ خَالَفَهُ- يَا شِيعَةَ آلِ مُحَمَّدٍ اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ- وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
وَ قَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى (1) كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ بِالْمَدِينَةِ فَذَكَرُوا الْجُودَ فَأَكْثَرُوا فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُكَنَّى أَبَا دُلَيْنٍ- إِنَّ جَعْفَراً وَ إِنَّهُ لَوْ لَا أَنَّهُ ضَمَّ يَدَهُ- فَقَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)تُجَالِسُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ قُلْتُ نَعَمْ- قَالَ(ع)فَمَا حُدِّثْتَ بَلِّغْنِي فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْحَدِيثَ- فَقَالَ(ع)وَيْحَ أَبِي دُلَيْنٍ- إِنَّمَا مَثَلُهُ مَثَلُ الرِّيشَةِ تَمُرُّ بِهَا الرِّيحُ فَتُطَيِّرُهَا (2)- ثُمَّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ- وَ أَفْضَلُ
____________
(1) هو عبد الأعلى مولى آل سام من أصحاب الصادق (عليه السلام) و أنّه اذن له في الكلام لانه يقع و يطير، و قد تضمن عدة اخبار أنّه (عليه السلام) دعاه الى الاكل معه من طعامه المعتاد و من طعام أهدى له. و يمكن أن يكون الراوي هو عبد الأعلى بن أعين العجليّ مولاهم الكوفيّ من أصحاب الصادق (عليه السلام). و قيل باتحادهما.
(2) الريشة: واحدة الريش و هو للطائر بمنزلة الشعر لغيره. و لعلّ المراد أنه في خفته كالريشة تتبع كل ناعق و تميل مع كل ريح و هو لم يستضئ بنور العلم الحقيقي و لم يلجأ الى ركن وثيق. و أبو دلين في بعض النسخ «أبا دكين»- بالتصغير- و الصحيح ابن دكين و هو فضل بن دكين المكنى بأبي نعيم كان من أكابر محدثى قدماء الإسلام و روى عنه كلا الطائفتين ولد سنة 130 و قدم بغداد فنزل الرميلة و هي محلة بها فاجتمع الهجرة التارك لهذا الامر بعد معرفته». فلا يعبد أن يراد بالكلام معنى عاما يشمل اليه أصحاب الحديث و نصبوا له كرسيا صعد عليه و أخذ يعظ الناس و يذكرهم و يروى لهم الأحاديث و توفى بالكوفة سنة 210.
267
الصَّدَقَةِ صَدَقَةٌ عَنْ ظَهْرِ غِنًى (1) وَ ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ- وَ الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ السُّفْلَى- وَ لَا يَلُومُ اللَّهُ عَلَى الْكَفَافِ- أَ تَظُنُّونَ أَنَّ اللَّهَ بِخَيْلٌ وَ تَرَوْنَ أَنَّ شَيْئاً أَجْوَدُ مِنَ اللَّهِ- إِنَّ الْجَوَادَ السَّيِّدَ مَنْ وَضَعَ حَقَّ اللَّهِ مَوْضِعَهُ- وَ لَيْسَ الْجَوَادُ مَنْ يَأْخُذُ الْمَالَ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ- وَ يَضَعُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ- أَمَا وَ اللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ- وَ لَمْ أَتَنَاوَلَ مَا لَا يَحِلُّ بِي- وَ مَا وَرَدَ عَلَيَّ حَقُّ اللَّهِ إِلَّا أَمْضَيْتُهُ- وَ مَا بِتُّ لَيْلَةً قَطُّ وَ لِلَّهِ فِي مَالِي حَقٌّ لَمْ أَرُدَّهُ.
وَ قَالَ(ع)لَا رَضَاعَ بَعْدَ فِطَامٍ (2) وَ لَا وِصَالَ فِي صِيَامٍ- وَ لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ وَ لَا صَمْتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ- وَ لَا تَعَرُّبَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ (3) وَ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ
____________
(1) قال الجزريّ: و فيه خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى أي ما كان عفوا قد فضل عن غنى، و قيل: أراد ما فضل عن العيال و الظهر قد يزاد في مثل هذا اشباعا للكلام و تمكينا، كأن صدقته مستندة الى ظهر قوى من المال. انتهى، مثله: «خير الصدقة ما أبقيت غنى» أى أبقيت بعدها لك و لعيالك غنى و المراد نفس الغنى لكنه اضيف للايضاح و البيان كما قيل:
ظهر الغيب و المراد نفس الغيب فالإضافة بيانية طلبا للتأكيد كما في حقّ اليقين و دار الآخرة. و المراد باليد العليا: المعطية المتعففة. و اليد السفلى: المانعة أو السائلة.
(2) أي كل طفل شرب اللبن بعد فصله عن الرضاع من امرأة اخرى لم ينشر ذلك الرضاع الحرمة، لانه رضاع بعد فطام. «و لا وصال في صيام» أي يحرم ذلك الصوم فلا يجوز. «و لا يتم بعد احتلام» أي لا يطلق اليتيم على الصبى الذي فقد أباه إذا احتلم و بلغ و اليتم- بفتح و ضم-: مصدر يتم ييتم فهو يتيم. «و لا صمت يوم الى الليل» أي ليس صومه صوما و لا يكون مشروعا فلا فضيلة له و في الحديث «صوم الصمت حرام».
(3) «لا تعرب بعد الهجرة» أي يحرم الالتحاق ببلاد الكفر و الإقامة فيها من غير عذر، و في الخبر «من الكفر التعرب بعد الهجرة». و روى أيضا «أن المتعرب بعد.
268
الْفَتْحِ- وَ لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ وَ لَا عِتْقَ قَبْلَ مِلْكٍ- وَ لَا يَمِينَ لِوَلَدٍ مَعَ وَالِدِهِ (1) وَ لَا لِمَمْلُوكٍ مَعَ مَوْلَاهُ- وَ لَا لِلْمَرْأَةِ مَعَ زَوْجِهَا وَ لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ- وَ لَا يَمِينَ فِي قَطِيعَةٍ.
وَ قَالَ(ع)لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ وَ إِنْ سَاعَدَتْهُ الْأُمُورُ- بِمُسْتَخْلِصٍ غَضَارَةَ عَيْشٍ (2) إِلَّا مِنْ خِلَالِ مَكْرُوهٍ- وَ مَنِ انْتَظَرَ بِمُعَاجَلَةِ الْفُرْصَةِ مُؤَاجَلَةَ الِاسْتِقْصَاءِ (3)- سَلَبَتْهُ الْأَيَّامُ فُرْصَتَهُ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْأَيَّامِ السَّلْبَ- وَ سَبِيلَ الزَّمَنِ الْفَوْتُ.
وَ قَالَ(ع)الْمَعْرُوفُ زَكَاةُ النِّعَمِ وَ الشَّفَاعَةُ زَكَاةُ الْجَاهِ- وَ الْعِلَلُ زَكَاةُ الْأَبْدَانِ وَ الْعَفْوُ زَكَاةُ الظَّفَرِ- وَ مَا أَدَّيْتَ زَكَاتَهُ فَهُوَ مَأْمُونُ السَّلْبِ.
وَ كَانَ(ع)يَقُولُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ- الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ مُصِيبَتِي فِي دِينِي- وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَوْ شَاءَ أَنْ تَكُونَ مُصِيبَتِي- أَعْظَمَ مِمَّا كَانَتْ كَانَتْ- وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي شَاءَ أَنْ يَكُونَ وَ كَانَ.
____________
كل مورد بحسب الزمان و المقام. و لذا قيل: «التعرب بعد الهجرة في زماننا هذا أن يشتغل الإنسان بتحصيل العلم ثمّ يتركه و يصير منه غريبا». و لعلّ المراد بالفتح فتح مكّة أو مطلق الفتح فيراد به معنى عاما.
(1) لعل المراد به نفى الصحة فلا ينعقد من الأصل كما يمكن أن يراد بها نفى اللزوم فينعقد الا أنّه لا يلزم.
(2) الغضارة- بالفتح-: طيب العيش يقال: انهم لفى غضارة من العيش أي في خير و خصب- من غضر غضارة-: أخصب، طاب عيشه، كثر ماله. «من خلال مكروه» بفتح الخاء أى المكروهات. و خلال الديار بالكسر: ما بين بيوتها أو ما حوالى حدودها. و لعلّ المراد ان النيل بغضارة العيش لكل أحد لا تحصل الا بعد التعب و المشقة.
(3) لعل المراد ان من وجد الفرصة و لم يستقدمها و ينتظر زمنا حتّى يستوفى من المطلوب بنحو أتم ذهبت هذه الفرصة أيضا و لم ينل بشيء من المطلوب أبدا.
269
وَ قَالَ(ع)يَقُولُ اللَّهُ مَنِ اسْتَنْقَذَ حَيْرَانَ مِنْ حَيْرَتِهِ- سَمَّيْتُهُ حَمِيداً وَ أَسْكَنْتُهُ جَنَّتِي (1).
وَ قَالَ(ع)إِذَا أَقْبَلَتْ دُنْيَا قَوْمٍ كُسُوا مَحَاسِنَ غَيْرِهِمْ- وَ إِذَا أَدْبَرَتْ سُلِبُوا مَحَاسِنَ أَنْفُسِهِمْ.
وَ قَالَ(ع)الْبَنَاتُ حَسَنَاتٌ وَ الْبَنُونَ نِعَمٌ- فَالْحَسَنَاتُ تُثَابُ عَلَيْهِنَّ وَ النِّعْمَةُ تُسْأَلُ عَنْهَا.
109- ف (2)، تحف العقول وَ مِنْ حِكَمِهِ(ع)لَا يَصْلُحُ مَنْ لَا يَعْقِلُ (3) وَ لَا يَعْقِلُ مَنْ لَا يَعْلَمُ- وَ سَوْفَ يَنْجُبُ مَنْ يَفْهَمُ وَ يَظْفَرُ مَنْ يَحْلُمُ- وَ الْعِلْمُ جُنَّةٌ وَ الصِّدْقُ عِزٌّ وَ الْجَهْلُ ذُلٌّ- وَ الْفَهْمُ مَجْدٌ (4) وَ الْجُودُ نُجْحٌ- وَ حُسْنُ الْخُلُقِ مَجْلَبَةٌ لِلْمَوَدَّةِ- وَ الْعَالِمُ بِزَمَانِهِ لَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ اللَّوَابِسُ (5)- وَ الْحَزْمُ مِشْكَاةُ الظَّنِ (6) وَ اللَّهُ وَلِيُّ مَنْ عَرَفَهُ- وَ عَدُوُّ مَنْ تَكَلَّفَهُ وَ الْعَاقِلُ غَفُورٌ وَ الْجَاهِلُ خَتُورٌ (7)- وَ إِنْ شِئْتَ أَنْ تُكْرَمَ فَلِنْ وَ إِنْ شِئْتَ أَنْ تُهَانَ فَاخْشُنْ وَ مَنْ كَرُمَ أَصْلُهُ لَانَ قَلْبُهُ- وَ مَنْ خَشُنَ عُنْصُرُهُ غَلُظَ كَبِدُهُ (8) وَ مَنْ فَرَّطَ تَوَرَّطَ (9) وَ مَنْ خَافَ الْعَاقِبَةَ تَثْبُتُ فِيمَا لَا يَعْلَمُ- وَ مَنْ هَجَمَ عَلَى أَمْرٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ جَدَعَ أَنْفَ نَفْسِهِ (10)- وَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَفْهَمْ وَ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ لَمْ يَسْلَمْ- وَ مَنْ لَمْ يَسْلَمْ لَمْ يُكْرَمْ وَ مَنْ لَمْ يُكْرَمْ تُهْضَمْ- وَ مَنْ تُهْضَمْ كَانَ أَلْوَمَ (11)- وَ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ أَحْرَى أَنْ
____________
(1) في بعض نسخ المصدر «اسميه»، قوله: «حميدا». و في بعض النسخ: «جهيدا» و يمكن أن يقرأ «جهبذا».
(2) التحف: 356.
(3) رواها الكليني في الكافي ج 1 ص 26 و فيه «لا يفلح من لا يعقل».
(4) المجد: العز و الرفعة. و النجح: الفوز و الظفر.
(5) اللبس- بالفتح-: الشبهة، أي لا تدخل عليه الشبهات.
(6) المشكاة: كوة غير نافذة، و أيضا: ما يوضع فيها المصباح. و في الكافي «و الحزم مساءة الظنّ» و المساءة مصدر ميمى.
(7) ختر- كضرب و نصر- ختورا: خبث و فسد. و الختر: الغدر و الخديعة.
(8) العنصر: الأصل. «و غلظ كبده» أي قسا قلبه.
(9) أي من قصر في طلب الحق و فعل الطاعات أوقع نفسه في ورطات المهالك.
(10) أي ذل نفسه.
(11) تهضم من باب التفعيل. و في بعض النسخ «يهضم» فى الموضعين أي يظلم و يغضب.
270
يَنْدَمَ- إِنْ قَدَرْتَ أَنْ لَا تُعْرَفَ فَافْعَلْ- وَ مَا عَلَيْكَ إِذَا لَمْ يُثْنِ النَّاسُ عَلَيْكَ- وَ مَا عَلَيْكَ أَنْ تَكُونَ مَذْمُوماً عِنْدَ النَّاسِ- إِذَا كُنْتَ عِنْدَ اللَّهِ مَحْمُوداً إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)كَانَ يَقُولُ- لَا خَيْرَ فِي الْحَيَاةِ إِلَّا لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ- رَجُلٍ يَزْدَادُ كُلَّ يَوْمٍ فِيهَا إِحْسَاناً- وَ رَجُلٍ يَتَدَارَكُ مَنِيَّتَهُ بِالتَّوْبَةِ (1)- إِنْ قَدَرْتَ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِكَ فَافْعَلْ- وَ إِنَّ عَلَيْكَ فِي خُرُوجِكَ أَنْ لَا تَغْتَابَ وَ لَا تَكْذِبَ- وَ لَا تَحْسُدَ وَ لَا تُرَائِيَ وَ لَا تَتَصَنَّعَ وَ لَا تُدَاهِنَ- صَوْمَعَةُ الْمُسْلِمِ بَيْتُهُ- يَحْبِسُ فِيهِ نَفْسَهُ- وَ بَصَرَهُ وَ لِسَانَهُ وَ فَرْجَهُ- إِنَّ مَنْ عَرَفَ نِعْمَةَ اللَّهِ بِقَلْبِهِ- اسْتَوْجَبَ الْمَزِيدَ مِنَ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ يُظْهِرَ شُكْرَهَا عَلَى لِسَانِهِ- ثُمَّ قَالَ(ع)كَمْ مِنْ مَغْرُورٍ بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ- وَ كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِسَتْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ- وَ كَمْ مِنْ مَفْتُونٍ بِثَنَاءِ النَّاسِ عَلَيْهِ- إِنِّي لَأَرْجُو النَّجَاةَ لِمَنْ عَرَفَ حَقَّنَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ صَاحِبِ سُلْطَانٍ جَائِرٍ- وَ صَاحِبِ هَوًى وَ الْفَاسِقِ الْمُعْلِنِ- الْحُبُّ أَفْضَلُ مِنَ الْخَوْفِ- وَ اللَّهِ مَا أَحَبَّ اللَّهَ مَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا وَ وَالَى غَيْرَنَا- وَ مَنْ عَرَفَ حَقَّنَا وَ أَحَبَّنَا فَقَدْ أَحَبَّ اللَّهَ- كُنْ ذَنَباً وَ لَا تَكُنْ رَأْساً- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ خَافَ كَلَّ لِسَانُهُ.
110- سر (2)، السرائر ابْنُ مَحْبُوبٍ عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ وَاقِدٍ الْجَزَرِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ مَنْ أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْ ذُلِّ الْمَعَاصِي إِلَى عِزِّ التَّقْوَى- أَغْنَاهُ اللَّهُ بِلَا مَالٍ وَ أَعَزَّهُ بِلَا عَشِيرَةٍ- وَ آنَسَهُ بِلَا بِشْرٍ وَ مَنْ خَافَ اللَّهَ خَافَ مِنْهُ كُلُّ شَيْءٍ- وَ مَنْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ أَخَافَهُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ- وَ مَنْ رَضِيَ مِنَ اللَّهِ بِالْيَسِيرِ مِنَ الْمَعَاشِ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالْيَسِيرِ مِنَ الْعَمَلِ- وَ مَنْ لَمْ يَسْتَحْيِ مِنْ طَلَبِ الْحَلَالِ- وَ قَنِعَ بِهِ خَفَّتْ مَئُونَتُهُ وَ نُعِّمَ أَهْلُهُ- وَ مَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا أَثْبَتَ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فِي قَلْبِهِ وَ أَنْطَقَ بِهِ لِسَانَهُ- وَ بَصَّرَهُ عُيُوبَ الدُّنْيَا دَاءَهَا وَ دَوَاءَهَا- وَ أَخْرَجَهُ مِنَ الدُّنْيَا سَالِماً إِلَى دَارِ السَّلَامِ.
111- سر (3)، السرائر مِنْ كِتَابِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ قُولَوَيْهِ عَنْ عَنْبَسَةَ الْعَابِدِ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَوْصِنِي قَالَ أَعِدَّ جَهَازَكَ- وَ قَدِّمْ زَادَكَ وَ كُنْ وَصِيَ
____________
(1) في بعض نسخ الكافي «سيئته بالتوبة».
(2) السرائر باب النوادر آخر أبواب الكتاب.
(3) السرائر باب النوادر آخر أبواب الكتاب.
271
نَفْسِكَ- لَا تَقُلْ لِغَيْرِكَ يَبْعَثُ إِلَيْكَ بِمَا يُصْلِحُكَ.
112- أَقُولُ رَوَى الشَّهِيدُ الثَّانِي (رحمه الله) (1) بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ قُولَوَيْهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ النَّوْفَلِيِّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ(ع)قَالَ فَإِذَا بِمَوْلًى لِعَبْدِ اللَّهِ النَّجَاشِيِّ قَدْ وَرَدَ عَلَيْهِ فَسَلَّمَ- وَ أَوْصَلَ إِلَيْهِ كِتَابَهُ فَفَضَّهُ- وَ قَرَأَهُ فَإِذَا أَوَّلُ سَطْرٍ فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ- أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَ سَيِّدِي وَ جَعَلَنِي مِنْ كُلِّ سُوءٍ فِدَاءَهُ- وَ لَا أَرَانِي فِيهِ مَكْرُوهاً فَإِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَ الْقَادِرُ عَلَيْهِ- اعْلَمْ سَيِّدِي وَ مَوْلَايَ إِنِّي بُلِيتُ بِوِلَايَةِ الْأَهْوَازِ- فَإِنْ رَأَى سَيِّدِي أَنْ يَحُدَّ لِيَ حَدّاً أَوْ يُمَثِّلَ لِي مَثَلًا- لِأَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَى مَا يُقَرِّبُنِي إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ إِلَى رَسُولِهِ وَ يُلَخِّصَ فِي كِتَابِهِ مَا يَرَى لِيَ الْعَمَلَ بِهِ- وَ فِيمَا بَذْلُهُ وَ أَبْتَذِلُهُ وَ أَيْنَ أَضَعُ زَكَاتِي- وَ فِيمَنْ أَصْرِفُهَا وَ بِمَنْ آنَسُ وَ إِلَى مَنْ أَسْتَرِيحُ- وَ مَنْ أَثِقُ وَ آمَنُ وَ أَلْجَأُ إِلَيْهِ فِي سِرِّي- فَعَسَى أَنْ يُخَلِّصَنِي اللَّهُ بِهِدَايَتِكَ وَ دَلَالَتِكَ- فَإِنَّكَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ- وَ أَمِينُهُ فِي بِلَادِهِ لَا زَالَتْ نِعْمَتُهُ عَلَيْكَ- قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ فَأَجَابَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ جَامَلَكَ اللَّهُ بِصُنْعِهِ- وَ لَطَفَ بِكَ بِمَنِّهِ وَ كَلَأَكَ بِرِعَايَتِهِ- فَإِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ- أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ جَاءَ إِلَيَّ رَسُولُكَ بِكِتَابِكَ فَقَرَأْتُهُ- وَ فَهِمْتُ جَمِيعَ مَا ذَكَرْتَهُ وَ سَأَلْتَ عَنْهُ- وَ زَعَمْتَ أَنَّكَ بُلِيتَ بِوِلَايَةِ الْأَهْوَازِ فَسَرَّنِي ذَلِكَ وَ سَاءَنِي- وَ سَأُخْبِرُكَ بِمَا سَاءَنِي مِنْ ذَلِكَ- وَ مَا سَرَّنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَأَمَّا سُرُورِي بِوِلَايَتِكَ- فَقُلْتُ عَسَى أَنْ يُغِيثَ اللَّهُ بِكَ- مَلْهُوفاً خَائِفاً مِنْ أَوْلِيَاءِ آلِ مُحَمَّدٍ ص وَ يُعِزَّ بِكَ ذَلِيلَهُمْ وَ يَكْسُوَ بِكَ عَارِيَهُمْ- وَ يُقَوِّيَ بِكَ ضَعِيفَهُمْ وَ يُطْفِئَ بِكَ نَارَ الْمُخَالِفِينَ عَنْهُمْ- وَ أَمَّا الَّذِي سَاءَنِي مِنْ ذَلِكَ- فَإِنَّ أَدْنَى مَا أَخَافُ عَلَيْكَ أَنْ تَعْثُرَ بِوَلِيٍّ لَنَا- فَلَا تَشَمَّ حَظِيرَةَ الْقُدْسِ- فَإِنِّي مُلَخِّصٌ لَكَ جَمِيعَ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ إِنْ أَنْتَ عَمِلْتَ بِهِ- وَ لَمْ تُجَاوِزْهُ
____________
(1) كتاب الغيبة الملحق بكشف الفوائد ص 264 و قد مر بعضه في مواعظ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ج 77 ص 189 مع اختلاف في بعض الموارد. و الظاهر المنقول هاهنا من نسخة و هنالك من نسخة اخرى و كان فيهما اختلاف.
272
رَجَوْتُ أَنْ تَسْلَمَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَنِي يَا عَبْدَ اللَّهِ أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص أَنَّهُ قَالَ مَنِ اسْتَشَارَهُ أَخُوهُ الْمُؤْمِنُ- فَلَمْ يَمْحَضْهُ النَّصِيحَةَ سَلَبَهُ اللَّهُ لُبَّهُ- وَ اعْلَمْ أَنِّي سَأُشِيرُ عَلَيْكَ بِرَأْيٍ- إِنْ أَنْتَ عَمِلْتَ بِهِ تَخَلَّصْتَ مِمَّا أَنْتَ مُتَخَوِّفُهُ- وَ اعْلَمْ أَنَّ خَلَاصَكَ وَ نَجَاتَكَ مِنْ حَقْنِ الدِّمَاءِ- وَ كَفِّ الْأَذَى مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَ الرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ وَ التَّأَنِّي- وَ حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ لِينٍ فِي غَيْرِ ضَعْفٍ- وَ شِدَّةٍ فِي غَيْرِ عُنْفٍ- وَ مُدَارَاةِ صَاحِبِكَ وَ مَنْ يَرِدُ عَلَيْكَ مِنْ رُسُلِهِ- وَ ارْتُقْ فَتْقَ رَعِيَّتِكَ (1) بِأَنْ تُوَفِّقَهُمْ- عَلَى مَا وَافَقَ الْحَقَّ وَ الْعَدْلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- إِيَّاكَ وَ السُّعَاةَ وَ أَهْلَ النَّمَائِمِ فَلَا يَلْتَزِقَنَّ مِنْهُمْ بِكَ أَحَدٌ- وَ لَا يَرَاكَ اللَّهُ يَوْماً وَ لَيْلَةً- وَ أَنْتَ تَقْبَلُ مِنْهُمْ صَرْفاً وَ لَا عَدْلًا- فَيَسْخَطَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَ يَهْتِكَ سِتْرَكَ- وَ احْذَرْ مَكْرَ خُوزِ الْأَهْوَازِ (2) فَإِنَّ أَبِي أَخْبَرَنِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ قَالَ الْإِيمَانُ لَا يَثْبُتُ فِي قَلْبِ يَهُودِيٍّ وَ لَا خُوزِيٍّ أَبَداً- فَأَمَّا مَنْ تَأْنَسُ بِهِ تَسْتَرِيحُ إِلَيْهِ وَ تُلْجِئُ أُمُورَكَ إِلَيْهِ فَذَلِكَ الرَّجُلُ الْمُمْتَحَنُ الْمُسْتَبْصِرُ- الْأَمِينُ الْمُوَافِقُ لَكَ عَلَى دِينِكَ- وَ مَيِّزْ أَعْوَانَكَ وَ جَرِّبِ الْفَرِيقَيْنِ (3)- فَإِنْ رَأَيْتَ هُنَالِكَ رُشْداً فَشَأْنَكَ وَ إِيَّاهُ- وَ إِيَّاكَ أَنْ تُعْطِيَ دِرْهَماً أَوْ تَخْلَعَ ثَوْباً- أَوْ تَحْمِلَ عَلَى دَابَّةٍ فِي غَيْرِ ذَاتِ اللَّهِ لِشَاعِرٍ- أَوْ مُضْحِكٍ أَوْ مُتَمَزِّحٍ إِلَّا أَعْطَيْتَ مِثْلَهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ- وَ لْتَكُنْ جَوَائِزُكَ وَ عَطَايَاكَ- وَ خِلَعُكَ لِلْقُوَّادِ وَ الرُّسُلِ وَ الْأَجْنَادِ (4)- وَ أَصْحَابِ الرَّسَائِلِ وَ أَصْحَابِ الشُّرَطِ وَ الْأَخْمَاسِ- وَ مَا أَرَدْتَ تَصْرِفُهُ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ- وَ النَّجَاحِ الْعِتْقِ وَ الصَّدَقَةِ وَ الْحَجِّ وَ
____________
(1) الرتق: ضد الفتق أي أصلح ذات بينهم.
(2) الخوز بالمعجمتين و ضم أولهما جيل من الناس و اسم لجميع بلاد خوزستان.
(3) أي اجعل لهم علامة يعرفون بها و على هذا فمعنى «جرب الفريقين أي جرب من تأنس و أعوانك، و يمكن أن يراد بتمييز الاعوان تشخيص العدو و الصديق منهم فيكون التجربة متعلقة بهما.
(4) كذا. و في نسخة «الاخبار».
273
الْمَشْرَبِ- وَ الْكِسْوَةِ الَّتِي تُصَلِّي فِيهَا وَ تَصِلُ بِهَا وَ الْهَدِيَّةِ- الَّتِي تُهْدِيهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَزَّ وَ جَلَّ- وَ إِلَى رَسُولِهِ ص مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكَ- يَا عَبْدَ اللَّهِ اجْهَدْ أَنْ لَا تَكْنِزَ ذَهَباً وَ لَا فِضَّةً فَتَكُونَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ- وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ (1)- وَ لَا تَسْتَصْغِرَنَّ مِنْ حُلْوٍ أَوْ فَضْلِ طَعَامٍ تَصْرِفُهُ فِي بُطُونٍ خَالِيَةً- لِتُسَكِّنَ بِهَا غَضَبَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- وَ اعْلَمْ أَنِّي سَمِعْتُ مِنْ أَبِي يُحَدِّثُ مِنْ آبَائِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ص يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ يَوْماً- مَا آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَ جَارُهُ جَائِعٌ- فَقُلْنَا هَلَكْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ- مِنْ فَضْلِ طَعَامِكُمْ وَ مِنْ فَضْلِ تَمْرِكُمْ- وَ رِزْقِكُمْ وَ خَلَقِكُمْ وَ خِرَقِكُمْ تُطْفِئُونَ بِهَا غَضَبَ الرَّبِ (2)- وَ سَأُنَبِّئُكَ بِهَوَانِ الدُّنْيَا- وَ هَوَانِ شَرَفِهَا عَلَى مَا مَضَى مِنَ السَّلَفِ وَ التَّابِعِينَ- فَقَدْ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ(ع) لَمَّا تَجَهَّزَ الْحُسَيْنُ(ع)إِلَى الْكُوفَةِ أَتَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ- فَنَاشَدَهُ اللَّهَ وَ الرَّحِمَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَقْتُولَ بِالطَّفِّ فَقَالَ- أَنَا أَعْرَفُ بِمَصْرَعِي مِنْكَ- وَ مَا وَكْدِي مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا فِرَاقَهَا (3)- أَ لَا أُخْبِرُكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ بِحَدِيثِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ الدُّنْيَا- فَقَالَ لَهُ بَلَى لَعَمْرِي إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ تُحَدِّثَنِي بِأَمْرِهَا- فَقَالَ أَبِي فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع) سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنِ(ع)يَقُولُ- حَدَّثَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ- إِنِّي كُنْتُ بِفَدَكَ فِي بَعْضِ حِيطَانِهَا- وَ قَدْ صَارَتْ لِفَاطِمَةَ(ع) قَالَ فَإِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ قَدْ هَجَمَتْ عَلَيَّ- وَ فِي يَدِي مِسْحَاةٌ وَ أَنَا أَعْمَلُ بِهَا- فَلَمَّا نَظَرْتُ إِلَيْهَا طَارَ قَلْبِي مِمَّا تَدَاخَلَنِي مِنْ جَمَالِهَا- فَشَبَّهْتُهَا بِبُثَيْنَةَ بِنْتِ عَامِرٍ الْجُمَحِيِّ- وَ كَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ نِسَاءِ قُرَيْشٍ فَقَالَتْ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ- هَلْ
____________
(1) التوبة: 35.
(2) قوله: «فقلنا هلكنا» أي هلكنا بما قلت، أو نحن نشبع و جيراننا يبيتون جياعا و ليس عندنا ما يشبعهم، فقال (ص): «من فضل طعامكم» أي انفقوا فضل طعامكم و فضل ثيابكم و ان كان خلقا باليا خرقا، تسكن به غضب ربكم.
(3) الوكد- كفلس-: المراد، و المقصد، و الهم. و- كقفل-: السعى و الجهد.
274
لَكَ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِي فَأُغْنِيَكَ عَنْ هَذِهِ الْمِسْحَاةِ- وَ أَدُلَّكَ عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ- فَيَكُونَ لَكَ الْمُلْكُ مَا بَقِيتَ وَ لِعَقِبِكَ مِنْ بَعْدِكَ- فَقَالَ لَهَا مَنْ أَنْتِ حَتَّى أَخْطُبَكِ مِنْ أَهْلِكِ فَقَالَتْ- أَنَا الدُّنْيَا قَالَ لَهَا فَارْجِعِي- وَ اطْلُبِي زَوْجاً غَيْرِي فَلَسْتِ مِنْ شَأْنِي وَ أَقْبَلْتُ عَلَى مِسْحَاتِي وَ أَنْشَأَتُ أَقُولُ-
لَقَدْ خَابَ مَنْ غَرَّتْهُ دُنْيَا دَنِيَّةٌ* * * -وَ مَا هِيَ إِنْ غَرَّتْ قُرُوناً بِنَائِلٍ-
أَتَتْنَا عَلَى زِيِّ الْعَزِيزِ بُثَيْنَةَ* * * -وَ زِينَتُهَا فِي مِثْلِ تِلْكَ الشَّمَائِلِ-
فَقُلْتُ لَهَا غُرِّي سِوَايَ فَإِنَّنِي* * * -عَزُوفٌ عَنِ الدُّنْيَا فَلَسْتُ بِجَاهِلٍ-
وَ مَا أَنَا وَ الدُّنْيَا فَإِنَّ مُحَمَّداً* * * -أَحَلَّ صَرِيعاً بَيْنَ تِلْكَ الْجَنَادِلِ (1)-
وَ هَبْهَا أَتَتْنَا بِالْكُنُوزِ وَ دُرِّهَا* * * -وَ أَمْوَالِ قَارُونَ وَ مُلْكِ القَبَائِلِ-
أَ لَيْسَ جَمِيعاً لِلْفَنَاءِ مَصِيرُنَا* * * -وَ يُطْلَبُ مِنْ خُزَّانِهَا بِالطَّوَائِلِ (2)-
فَغُرِّي سِوَايَ إِنَّنِي غَيْرُ رَاغِبٍ* * * -بِمَا فِيكِ مِنْ مُلْكٍ وَ عِزٍّ وَ نَائِلٍ-
فَقَدْ قَنِعَتْ نَفْسِي بِمَا قَدْ رُزِقْتُهُ* * * -فَشَأْنَكَ يَا دُنْيَا وَ أَهْلَ الْغَوَائِلِ-
فَإِنِّي أَخَافُ اللَّهَ يَوْمَ لِقَائِهِ* * * -وَ أَخْشَى عَذَاباً دَائِماً غَيْرَ زَائِلٍ
- فَخَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا وَ لَيْسَ فِي عُنُقِهِ- تَبِعَةٌ لِأَحَدٍ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ مَحْمُوداً غَيْرَ مَلُومٍ وَ لَا مَذْمُومٍ- ثُمَّ اقْتَدَتْ بِهِ الْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِ- بِمَا قَدْ بَلَغَكُمْ لَمْ يَتَلَطَّخُوا بِشَيْءٍ مِنْ بَوَائِقِهَا- (صلوات اللّه عليهم أَجْمَعِينَ) وَ أَحْسَنَ مَثْوَاهُمْ: وَ قَدْ وَجَّهْتُ إِلَيْكَ بِمَكَارِمِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- وَ عَنِ الصَّادِقِ الْمُصَدَّقِ رَسُولِ اللَّهِ- فَإِنْ أَنْتَ عَمِلْتَ بِمَا نَصَحْتُ لَكَ فِي كِتَابِي هَذَا- ثُمَّ كَانَتْ عَلَيْكَ مِنَ الذُّنُوبِ وَ الْخَطَايَا- كَمِثْلِ أَوْزَانِ الْجِبَالِ وَ أَمْوَاجِ الْبِحَارِ- رَجَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَتَجَافَى عَنْكَ جَلَّ وَ عَزَّ بِقُدْرَتِهِ- يَا عَبْدَ اللَّهِ إِيَّاكَ أَنْ تُخِيفَ مُؤْمِناً فَإِنَّ أَبِي مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ حَدَّثَنِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ مَنْ نَظَرَ إِلَى مُؤْمِنٍ نَظْرَةً لِيُخِيفَهُ بِهَا
____________
(1) الجنادل: الصخور.
(2) الطوائل جمع طائلة و هي العداوة.
275
أَخَافَهُ اللَّهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ- وَ حَشَرَهُ فِي صُورَةِ الذَّرِّ لَحْمَهُ وَ جَسَدَهُ- وَ جَمِيعَ أَعْضَائِهِ حَتَّى يُورِدَهُ مَوْرِدَهُ وَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ مَنْ أَغَاثَ لَهْفَاناً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَغَاثَهُ اللَّهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ- وَ آمَنَهُ يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ وَ آمَنَهُ عَنْ سُوءِ الْمُنْقَلَبِ- وَ مَنْ قَضَى لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ حَاجَةً- قَضَى اللَّهُ لَهُ حَوَائِجَ كَثِيرَةً إِحْدَاهَا الْجَنَّةُ- وَ مَنْ كَسَا أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عُرْيٍ- كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ سُنْدُسِ الْجَنَّةِ وَ إِسْتَبْرَقِهَا وَ حَرِيرِهَا- وَ لَمْ يَزَلْ يَخُوضُ فِي رِضْوَانِ اللَّهِ- مَا دَامَ عَلَى الْمَكْسُوِّ مِنْهَا سِلْكٌ- وَ مَنْ أَطْعَمَ أَخَاهُ مِنْ جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ طَيِّبَاتِ الْجَنَّةِ- وَ مَنْ سَقَاهُ مِنْ ظَمَإٍ سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ رَيَّةً- وَ مَنْ أَخْدَمَ أَخَاهُ أَخْدَمَهُ اللَّهُ مِنَ الْوِلْدَانِ الْمُخَلَّدِينَ- وَ أَسْكَنَهُ مَعَ أَوْلِيَائِهِ الطَّاهِرِينَ- وَ مَنْ حَمَلَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ مِنْ رَحْلِهِ- حَمَلَهُ اللَّهُ عَلَى نَاقَةٍ مِنْ نُوقِ الْجَنَّةِ- وَ بَاهَى بِهِ الْمَلَائِكَةَ الْمُقَرَّبِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ مَنْ زَوَّجَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ امْرَأَةً يَأْنَسُ بِهَا- وَ يَشُدُّ عَضُدَهُ وَ يَسْتَرِيحُ إِلَيْهَا زَوَّجَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ- وَ آنَسَهُ بِمَنْ أَحَبَّ مِنَ الصِّدِّيقِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّهِ- وَ إِخْوَانِهِ وَ آنَسَهُمْ بِهِ- وَ مَنْ أَعَانَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ عَلَى سُلْطَانٍ جَائِرٍ- أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَى إِجَازَةِ الصِّرَاطِ عِنْدَ زَلْزَلَةِ الْأَقْدَامِ- وَ مَنْ زَارَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ إِلَى مَنْزِلِهِ- لَا لِحَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهِ كُتِبَ مِنْ زُوَّارِ اللَّهِ- وَ كَانَ حَقِيقاً عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكْرِمَ زَائِرَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ وَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ يَوْماً- مَعَاشِرَ النَّاسِ إِنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ- وَ لَمْ يُؤْمِنْ بِقَلْبِهِ فَلَا تَتَّبَّعُوا عَثَرَاتِ الْمُؤْمِنِينَ- فَإِنَّهُ مَنِ اتَّبَّعَ عَثْرَةَ مُؤْمِنٍ اتَّبَّعَ اللَّهُ عَثَرَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ فَضَحَهُ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ وَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَلِيٍّ(ع)أَنَّهُ قَالَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الْمُؤْمِنِ أَنْ لَا يُصَدَّقَ فِي مَقَالَتِهِ- وَ لَا يَنْتَصِفَ مِنْ عَدُوِّهِ- وَ عَلَى أَنْ لَا يَشْفِيَ غَيْظَهُ إِلَّا بِفَضِيحَةِ نَفْسِهِ- لِأَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مُلْجَمٌ وَ ذَلِكَ لِغَايَةٍ قَصِيرَةٍ وَ رَاحَةٍ طَوِيلَةٍ- أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الْمُؤْمِنِ عَلَى أَشْيَاءَ-
276
أَيْسَرُهَا عَلَيْهِ مُؤْمِنٌ مِثْلُهُ يَقُولُ بِمَقَالَتِهِ- يَبْغِيهِ وَ يَحْسُدُهُ وَ الشَّيْطَانُ يُغْوِيهِ وَ يَمْقُتُهُ- وَ السُّلْطَانُ يَقْفُو أَثَرَهُ وَ يَتَّبَّعُ عَثَرَاتِهِ- وَ كَافِرٌ بِالَّذِي هُوَ مُؤْمِنٌ بِهِ يَرَى سَفْكَ دَمِهِ دِيناً- وَ إِبَاحَةَ حَرِيمِهِ غُنْماً فَمَا بَقَاءُ الْمُؤْمِنِ بَعْدَ هَذَا يَا عَبْدَ اللَّهِ وَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ نَزَلَ جَبْرَئِيلُ(ع)فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ- وَ يَقُولُ اشْتَقَقْتُ لِلْمُؤْمِنِ اسْماً مِنْ أَسْمَائِي سَمَّيْتُهُ مُؤْمِناً- فَالْمُؤْمِنُ مِنِّي وَ أَنَا مِنْهُ- مَنِ اسْتَهَانَ بِمُؤْمِنٍ فَقَدِ اسْتَقْبَلَنِي بِالْمُحَارَبَةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ وَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ(ع)عَنْ عَلِيٍّ(ع)عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ يَوْماً يَا عَلِيُّ لَا تُنَاظِرْ رَجُلًا حَتَّى تَنْظُرَ فِي سَرِيرَتِهِ- فَإِنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ حَسَنَةً- فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يَكُنْ لِيَخْذُلَ وَلِيَّهُ- وَ إِنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ رَدِيَّةً فَقَدْ يَكْفِيهِ مَسَاوِيهِ- فَلَوْ جَهَدْتَ أَنْ تَعْمَلَ بِهِ أَكْثَرَ مِمَّا عَمِلَهُ- مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ يَا عَبْدَ اللَّهِ وَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ أَدْنَى الْكُفْرِ أَنْ يَسْمَعَ الرَّجُلُ عَنْ أَخِيهِ الْكَلِمَةَ- فَيَحْفَظَهَا عَلَيْهِ يُرِيدُ أَنْ يَفْضَحَهُ بِهَا- أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ (1) يَا عَبْدَ اللَّهِ وَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)أَنَّهُ قَالَ مَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا رَأَتْ عَيْنَاهُ- وَ سَمِعَتْ أُذُنَاهُ مَا يَشِينُهُ وَ يَهْدِمُ مُرُوَّتَهُ- فَهُوَ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ- فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (2) يَا عَبْدَ اللَّهِ وَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)أَنَّهُ قَالَ مَنْ رَوَى عَنْ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ رِوَايَةً يُرِيدُ بِهَا هَدْمَ مُرُوَّتِهِ- وَ ثَلْبَهُ أَوْبَقَهُ اللَّهُ بِخَطِيئَتِهِ (3)- حَتَّى يَأْتِيَ
____________
(1) أي لا نصيب لهم في الآخرة.
(2) النور: 19.
(3) ثلبه أي عابه و لامه و اغتابه أو سبه. و أوبقه أي أهلكه و ذلّله. و في بعض النسخ «بخطبه» و الخطب الامر العظيم المكروه.
277
بِمَخْرَجٍ مِمَّا قَالَ- وَ لَنْ يَأْتِيَ بِالْمَخْرَجِ مِنْهُ أَبَداً- وَ مَنْ أَدْخَلَ عَلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ سُرُوراً- فَقَدْ أَدْخَلَ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ(ع)سُرُوراً- وَ مَنْ أَدْخَلَ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ سُرُوراً- فَقَدْ أَدْخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص سُرُوراً- وَ مَنْ أَدْخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص سُرُوراً فَقَدْ سَرَّ اللَّهَ- وَ مَنْ سَرَّ اللَّهَ فَحَقِيقٌ عَلَيْهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ حِينَئِذٍ- ثُمَّ إِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ إِيثَارِ طَاعَتِهِ- وَ الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ فَإِنَّهُ مَنِ اعْتَصَمَ بِحَبْلِ اللَّهِ- فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ- فَاتَّقِ اللَّهَ وَ لَا تُؤْثِرْ أَحَداً عَلَى رِضَاهُ وَ هَوَاهُ- فَإِنَّهُ وَصِيَّةُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى خَلْقِهِ- لَا يَقْبَلُ مِنْهُمْ غَيْرَهَا وَ لَا يُعَظِّمُ سِوَاهَا- وَ اعْلَمْ أَنَّ الْخَلَائِقَ لَمْ يُوَكَّلُوا بِشَيْءٍ أَعْظَمَ مِنَ التَّقْوَى- فَإِنَّهُ وَصِيَّتُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ- فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تَنَالَ مِنَ الدُّنْيَا شَيْئاً تُسْأَلُ عَنْهُ غَداً فَافْعَلْ- قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ- فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُ الصَّادِقِ(ع)إِلَى النَّجَاشِيِّ نَظَرَ فِيهِ- فَقَالَ صَدَقَ وَ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَوْلَايَ- فَمَا عَمِلَ أَحَدٌ بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ إِلَّا نَجَا- فَلَمْ يَزَلْ عَبْدُ اللَّهِ يَعْمَلُ بِهِ فِي أَيَّامِ حَيَاتِهِ.
113- كِتَابُ الْأَرْبَعِينَ (1)، فِي قَضَاءِ حُقُوقِ الْمُؤْمِنِينَ وَ أَعْلَامُ الدِّينِ قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ(ع)الْمُؤْمِنُ يُدَارِي وَ لَا يُمَارِي-.
وَ قَالَ(ع)مَنِ اعْتَدَلَ يَوْمَاهُ فَهُوَ مَغْبُونٌ- وَ مَنْ كَانَ فِي غَدِهِ شَرّاً مِنْ يَوْمِهِ فَهُوَ مَفْتُونٌ- وَ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّدِ النُّقْصَانَ فِي نَفْسِهِ دَامَ نَقْصُهُ- وَ مَنْ دَامَ نَقْصُهُ فَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ- وَ مَنْ أدب [أَذْنَبَ مِنْ غَيْرِ عَمْدٍ كَانَ لِلْعَفْوِ أَهْلًا.
وَ قَالَ(ع)اطْلُبُوا الْعِلْمَ وَ لَوْ بِخَوْضِ اللُّجَجِ وَ شَقِّ الْمُهَجِ.
وَ قَالَ(ع)لَجَاهِلٌ سَخِيٌّ خَيْرٌ مِنْ نَاسِكٍ بِخَيْلٍ-.
وَ سُئِلَ(ع)عَنِ التَّوَاضُعِ فَقَالَ- هُوَ أَنْ تَرْضَى مِنَ الْمَجْلِسِ بِدُونِ شَرَفِكَ- وَ أَنْ تُسَلِّمَ عَلَى مَنْ لَقِيتَ وَ أَنْ تَتْرُكَ الْمِرَاءَ وَ إِنْ كُنْتَ مُحِقّاً.
وَ قَالَ(ع)إِذَا دُقَّ الْعِرْضُ اسْتُصْعِبَ جَمْعُهُ.
وَ قَالَ(ع)الْمُؤْمِنُ إِذَا غَضِبَ لَمْ يُخْرِجْهُ غَضَبُهُ مِنْ حَقٍّ- وَ إِذَا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضَاهُ فِي بَاطِلٍ- وَ الَّذِي إِذَا قَدَرَ لَمْ يَأْخُذْ أَكْثَرَ مِنْ مَالِهِ.
____________
(1) مخطوط.
278
وَ قَالَ(ع)كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ- عَلَى الْعِبَارَةِ وَ الْإِشَارَةِ وَ اللَّطَائِفِ وَ الْحَقَائِقِ- فَالْعِبَارَةُ لِلْعَوَامِّ وَ الْإِشَارَةُ لِلْخَوَاصِّ- وَ اللَّطَائِفُ لِلْأَوْلِيَاءِ وَ الْحَقَائِقُ لِلْأَنْبِيَاءِ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ سَأَلَ فَوْقَ قَدْرِهِ اسْتَحَقَّ الْحِرْمَانَ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ أَكْرَمَكَ فَأَكْرِمْهُ- وَ مَنِ اسْتَخَفَّكَ فَأَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْهُ.
وَ قَالَ(ع)مِنْ أَخْلَاقِ الْجَاهِلِ الْإِجَابَةُ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ وَ الْمُعَارَضَةُ قَبْلَ أَنْ يَفْهَمَ وَ الْحُكْمُ بِمَا لَا يَعْلَمُ.
وَ قَالَ(ع)سِرُّكَ مِنْ دَمِكَ فَلَا تُجْرِيهِ فِي غَيْرِ أَوْدَاجِكَ.
وَ قَالَ(ع)صَدْرُكَ أَوْسَعُ لِسِرِّكَ.
وَ قَالَ(ع)أَوْلَى النَّاسِ بِالْعَفْوِ أَقْدَرُهُمْ عَلَى الْعُقُوبَةِ- وَ أَنْقَصُ النَّاسِ عَقْلًا مَنْ ظَلَمَ مَنْ دُونَهُ- وَ لَمْ يَصْفَحْ عَمَّنِ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ- وَ الْقَادِرُ عَلَى الشَّيْءِ سُلْطَانٌ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ الْقَلْبَ يَحْيَا وَ يَمُوتُ فَإِذَا حَيِيَ فَأَدِّبْهُ بِالتَّطَوُّعِ- وَ إِذَا مَاتَ فَاقْصُرْهُ عَلَى الْفَرَائِضِ.
وَ قَالَ(ع)لَا تُحَدِّثْ مَنْ تَخَافُ أَنْ يُكَذِّبَكَ- وَ لَا تَسْأَلْ مَنْ تَخَافُ أَنْ يَمْنَعَكَ- وَ لَا تَثِقْ إِلَى مَنْ تَخَافُ أَنْ يُعَذِّبَكَ (1)- وَ مَنْ لَمْ يُوَاخِ إِلَّا مَنْ لَا عَيْبَ فِيهِ قَلَّ صَدِيقُهُ- وَ مَنْ لَمْ يَرْضَ مِنْ صَدِيقِهِ- إِلَّا بِإِيثَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ دَامَ سَخَطُهُ- وَ مَنْ عَاتَبَ عَلَى كُلِّ ذَنْبٍ كَثُرَ تَبِعَتُهُ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ عَذُبَ لِسَانُهُ زَكَا عَقْلُهُ- وَ مَنْ حَسُنَتْ نِيَّتُهُ زِيدَ فِي رِزْقِهِ- وَ مَنْ حَسُنَ بِرُّهُ بِأَهْلِهِ زِيدَ فِي عُمُرِهِ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ الزُّهَّادَ فِي الدُّنْيَا نُورُ الْجَلَالِ عَلَيْهِمْ- وَ أَثَرُ الْخِدْمَةِ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ- وَ كَيْفَ لَا يَكُونُونَ كَذَلِكَ- وَ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْقَطِعُ إِلَى بَعْضِ مُلُوكِ الدُّنْيَا- فَيُرَى عَلَيْهِ أَثَرُهُ- فَكَيْفَ بِمَنْ يَنْقَطِعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا يُرَى أَثَرُهُ عَلَيْهِ.
وَ قَالَ(ع)صِلَةُ الرَّحِمِ تُهَوِّنُ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى- وَ الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ- وَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَ يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (2).
____________
(1) كذا و الظاهر «يغدر بك».
(2) الرعد: 22.
279
باب 24 ما روي عن الصادق(ع)من وصاياه لأصحابه
1- ف (1)، تحف العقول وَصِيَّتُهُ(ع)لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُنْدَبٍ (2) رُوِيَ أَنَّهُ(ع)قَالَ:- يَا عَبْدَ اللَّهِ لَقَدْ نَصَبَ إِبْلِيسُ حَبَائِلَهُ فِي دَارِ الْغُرُورِ- فَمَا يَقْصِدُ فِيهَا إِلَّا أَوْلِيَاءَنَا- وَ لَقَدْ جَلَّتِ الْآخِرَةُ فِي أَعْيُنِهِمْ حَتَّى مَا يُرِيدُونَ بِهَا بَدَلًا- ثُمَّ قَالَ آهِ آهِ عَلَى قُلُوبٍ حُشِيَتْ نُوراً- وَ إِنَّمَا كَانَتِ الدُّنْيَا عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الشُّجَاعِ الْأَرْقَمِ (3)- وَ الْعَدُوِّ الْأَعْجَمِ (4) أَنِسُوا بِاللَّهِ- وَ اسْتَوْحَشُوا مِمَّا بِهِ اسْتَأْنَسَ الْمُتْرَفُونَ- أُولَئِكَ أَوْلِيَائِي حَقّاً وَ بِهِمْ تُكْشَفُ كُلُّ فِتْنَةٍ- وَ تُرْفَعُ كُلُّ بَلِيَّةٍ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ- يَعْرِفُنَا أَنْ يَعْرِضَ عَمَلَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ- عَلَى نَفْسِهِ فَيَكُونَ مُحَاسِبَ نَفْسِهِ- فَإِنْ رَأَى حَسَنَةً اسْتَزَادَ مِنْهَا- وَ إِنْ رَأَى سَيِّئَةً اسْتَغْفَرَ مِنْهَا لِئَلَّا يَخْزَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ طُوبَى لِعَبْدٍ لَمْ يَغْبِطِ الْخَاطِئِينَ- عَلَى مَا أُوتُوا مِنْ
____________
(1) التحف ص 301.
(2) بضم الكاف و سكون النون و فتح الدال. هو عبد اللّه بن جندب البجليّ الكوفيّ ثقة جليل القدر من أصحاب الصادق و الكاظم و الرضا (عليهم السلام) و انه من المخبتين و كان وكيلا لابى إبراهيم و أبى الحسن (عليهما السلام). كان عابدا رفيع المنزلة لديهما على ما ورد في الاخبار. و لما مات (رحمه الله) قام مقامه عليّ بن مهزيار.
(3) حشيت أي ملات. و الشجاع- بالكسر و الضم-: الحية العظيمة التي تواثب الفارس و ربما قلعت رأس الفارس و تكون في الصحارى و يقوم على ذنبه. و الارقم: الحية التي فيها سواد و بياض و هو أخبث الحيات، و يحتمل أن يكون «الشجاع الاقرع» و هو حية قد تمعط شعر رأسها لكثرة سمها.
(4) الاعجم الدابّة و سميت به لأنّها لا تتكلم. و كل من لا يقدر على الكلام أو لا يفهم الكلام فهو أعجم.
280
نَعِيمِ الدُّنْيَا وَ زَهْرَتِهَا- طُوبَى لِعَبْدٍ طَلَبَ الْآخِرَةَ وَ سَعَى لَهَا- طُوبَى لِمَنْ لَمْ تُلْهِهِ الْأَمَانِيُّ الْكَاذِبَةُ- ثُمَّ قَالَ(ع)رَحِمَ اللَّهُ قَوْماً كَانُوا سِرَاجاً وَ مَنَاراً- كَانُوا دُعَاةً إِلَيْنَا بِأَعْمَالِهِمْ وَ مَجْهُودِ طَاقَتِهِمْ- لَيْسُوا كَمَنْ يُذِيعُ أَسْرَارَنَا- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَخَافُونَ اللَّهَ- وَ يُشْفِقُونَ أَنْ يُسْلَبُوا مَا أُعْطُوا مِنَ الْهُدَى- فَإِذَا ذَكَرُوا اللَّهَ وَ نَعْمَاءَهُ وَجِلُوا وَ أَشْفَقُوا- وَ إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً- مِمَّا أَظْهَرَهُ مِنْ نَفَاذِ قُدْرَتِهِ وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ قَدِيماً عَمِرَ الْجَهْلُ- وَ قَوِيَ أَسَاسُهُ وَ ذَلِكَ لِاتِّخَاذِهِمْ دِينَ اللَّهِ لَعِباً- حَتَّى لَقَدْ كَانَ الْمُتَقَرِّبُ مِنْهُمْ إِلَى اللَّهِ بِعَمَلِهِ يُرِيدُ سِوَاهُ- أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ لَوْ أَنَّ شِيعَتَنَا اسْتَقَامُوا لَصَافَحَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ- وَ لَأَظَلَّهُمُ الْغَمَامُ وَ لَأَشْرَقُوا نَهَاراً- وَ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ- وَ لَمَا سَأَلُوا اللَّهَ شَيْئاً إِلَّا أَعْطَاهُمْ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ لَا تَقُلْ فِي الْمُذْنِبِينَ- مِنْ أَهْلِ دَعْوَتِكُمْ إِلَّا خَيْراً- وَ اسْتَكِينُوا إِلَى اللَّهِ فِي تَوْفِيقِهِمْ وَ سَلُوا التَّوْبَةَ لَهُمْ- فَكُلُّ مَنْ قَصَدَنَا وَ تَوَلَّانَا- وَ لَمْ يُوَالِ عَدُوَّنَا وَ قَالَ مَا يَعْلَمُ- وَ سَكَتَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ أَوْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ يَهْلِكُ الْمُتَّكِلُ عَلَى عَمَلِهِ- وَ لَا يَنْجُو الْمُجْتَرِئُ عَلَى الذُّنُوبِ الْوَاثِقُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ- قُلْتُ فَمَنْ يَنْجُو قَالَ- الَّذِينَ هُمْ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَ الْخَوْفِ- كَأَنَّ قُلُوبَهُمْ فِي مِخْلَبِ طَائِرٍ شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ- وَ خَوْفاً مِنَ الْعَذَابِ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ اللَّهُ الْحُورَ الْعِينَ- وَ يُتَوِّجَهُ بِالنُّورِ فَلْيُدْخِلْ عَلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ السُّرُورَ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ أَقِلَّ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ وَ الْكَلَامَ بِالنَّهَارِ- فَمَا فِي الْجَسَدِ شَيْءٌ أَقَلُّ شُكْراً مِنَ الْعَيْنِ وَ اللِّسَانِ- فَإِنَّ أُمَّ سُلَيْمَانَ قَالَتْ لِسُلَيْمَانَ(ع) يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَ النَّوْمَ- فَإِنَّهُ يُفْقِرُكَ يَوْمَ يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ إِنَّ لِلشَّيْطَانِ مَصَائِدَ يَصْطَادُ بِهَا- فَتَحَامَوْا شِبَاكَهُ (1) وَ مَصَائِدَهُ
____________
(1) فتحاموا شباكه: اجتنبوها و توقوها. و الشباك- جمع شبكة- بالتحريك-: شركة الصياد يعنى حبائل الصيد.
281
قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَ مَا هِيَ- قَالَ أَمَّا مَصَائِدُهُ فَصَدٌّ عَنْ بِرِّ الْإِخْوَانِ- وَ أَمَّا شِبَاكُهُ فَنَوْمٌ عَنْ قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ- أَمَا إِنَّهُ مَا يُعْبَدُ اللَّهُ بِمِثْلِ نَقْلِ الْأَقْدَامِ- إِلَى بِرِّ الْإِخْوَانِ وَ زِيَارَتِهِمْ وَيْلٌ لِلسَّاهِينَ عَنِ الصَّلَوَاتِ- النَّائِمِينَ فِي الْخَلَوَاتِ الْمُسْتَهْزِءِينَ بِاللَّهِ- وَ آيَاتِهِ فِي الْفَتَرَاتِ (1)- أُولَئِكَ الَّذِينَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ- وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ- وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (2)- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ مَنْ أَصْبَحَ مَهْمُوماً لِسِوَى- فَكَاكِ رَقَبَتِهِ فَقَدْ هَوَّنَ عَلَيْهِ الْجَلِيلَ- وَ رَغِبَ مِنْ رَبِّهِ فِي الْوَتْحِ الْحَقِيرِ (3) وَ مَنْ غَشَّ أَخَاهُ- وَ حَقَّرَهُ وَ نَاوَاهُ (4) جَعَلَ اللَّهُ النَّارَ مَأْوَاهُ- وَ مَنْ حَسَدَ مُؤْمِناً انْمَاثَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ- كَمَا يَنْمَاثُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ الْمَاشِي فِي حَاجَةِ أَخِيهِ- كَالسَّاعِي بَيْنَ الصَّفَا وَ الْمَرْوَةِ وَ قَاضِي حَاجَتِهِ- كَالْمُتَشَحِّطِ بِدَمِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمَ بَدْرٍ وَ أُحُدٍ- وَ مَا عَذَّبَ اللَّهُ أُمَّةً- إِلَّا عِنْدَ اسْتَهَانَتِهِمْ بِحُقُوقِ فُقَرَاءِ إِخْوَانِهِمْ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ بَلِّغْ مَعَاشِرَ شِيعَتِنَا وَ قُلْ لَهُمْ- لَا تَذْهَبَنَّ بِكُمُ الْمَذَاهِبُ- فَوَ اللَّهِ لَا تُنَالُ وَلَايَتُنَا إِلَّا بِالْوَرَعِ وَ الِاجْتِهَادِ فِي الدُّنْيَا- وَ مُوَاسَاةِ الْإِخْوَانِ فِي اللَّهِ- وَ لَيْسَ مِنْ شِيعَتِنَا مَنْ يَظْلِمُ النَّاسَ: يَا ابْنَ جُنْدَبٍ إِنَّمَا شِيعَتُنَا يُعْرَفُونَ بِخِصَالٍ شَتَّى- بِالسَّخَاءِ وَ الْبَذْلِ لِلْإِخْوَانِ- وَ بِأَنْ يُصَلُّوا الْخَمْسِينَ لَيْلًا وَ نَهَاراً شِيعَتُنَا لَا يَهِرُّونَ هَرِيرَ الْكَلْبِ وَ لَا يَطْمَعُونَ طَمَعَ الْغُرَابِ- وَ لَا يُجَاوِرُونَ لَنَا عَدُوّاً وَ لَا يَسْأَلُونَ لَنَا مُبْغِضاً- وَ لَوْ مَاتُوا جُوعاً شِيعَتُنَا لَا يَأْكُلُونَ الْجِرِّيَ (5)- وَ لَا يَمْسَحُونَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَ يُحَافِظُونَ عَلَى الزَّوَالِ- وَ لَا
____________
(1) الفترة: الضعف و الانكسار، و المراد بها زمان ضعف الدين.
(2) آل عمران: 77.
(3) كذا في الوافي «الوتح الحقير» و الوتح- بالتحريك و ككتف-: القليل التافه من الشيء. و في أكثر نسخ المصدر «الربح».
(4) أي عاداه و أصله الهمزة من النوء. بمعنى النهوض و الطلوع.
(5) الجرى- كذمى-: سمك طويل أملس و ليس عليه فصوص. و قيل: مارماهى.
282
يَشْرَبُونَ مُسْكِراً- قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَأَيْنَ أَطْلُبُهُمْ- قَالَ(ع)عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ وَ أَطْرَافِ الْمُدُنِ- وَ إِذَا دَخَلْتَ مَدِينَةً- فَسَلْ (1) عَمَّنْ لَا يُجَاوِرُهُمْ وَ لَا يُجَاوِرُونَهُ- فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ- وَ جاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى (2)- وَ اللَّهِ لَقَدْ كَانَ حَبِيبَ النَّجَّارِ وَحْدَهُ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ كُلُّ الذُّنُوبِ مَغْفُورَةٌ- سِوَى عُقُوقِ أَهْلِ دَعْوَتِكَ- وَ كُلُّ الْبِرِّ مَقْبُولٌ إِلَّا مَا كَانَ رِئَاءً- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ أَحْبِبْ فِي اللَّهِ وَ أَبْغِضْ فِي اللَّهِ- وَ اسْتَمْسِكْ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى- وَ اعْتَصِمْ بِالْهُدَى يُقْبَلْ عَمَلُكَ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ- وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً- ثُمَّ اهْتَدى (3)- فَلَا يُقْبَلُ إِلَّا الْإِيمَانُ وَ لَا إِيمَانَ إِلَّا بِعَمَلٍ- وَ لَا عَمَلَ إِلَّا بِيَقِينٍ- وَ لَا يَقِينَ إِلَّا بِالْخُشُوعِ وَ مِلَاكُهَا كُلُّهَا الْهُدَى- فَمَنِ اهْتَدَى يُقْبَلُ عَمَلُهُ وَ صَعِدَ إِلَى الْمَلَكُوتِ مُتَقَبَّلًا- وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تُجَاوِرَ الْجَلِيلَ فِي دَارِهِ- وَ تَسْكُنَ الْفِرْدَوْسَ فِي جِوَارِهِ فَلْتَهُنْ عَلَيْكَ الدُّنْيَا- وَ اجْعَلِ الْمَوْتَ نُصْبَ عَيْنِكَ وَ لَا تَدَّخِرْ شَيْئاً لِغَدٍ- وَ اعْلَمْ أَنَّ لَكَ مَا قَدَّمْتَ وَ عَلَيْكَ مَا أَخَّرْتَ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ مَنْ حَرَمَ نَفْسَهُ كَسْبَهُ فَإِنَّمَا يَجْمَعُ لِغَيْرِهِ- وَ مَنْ أَطَاعَ هَوَاهُ فَقَدْ أَطَاعَ عَدُوَّهُ- مَنْ يَثِقْ بِاللَّهِ يَكْفِهِ مَا أَهَمَّهُ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاهُ وَ آخِرَتِهِ- وَ يَحْفَظْ لَهُ مَا غَابَ عَنْهُ- وَ قَدْ عَجَزَ مَنْ لَمْ يُعِدَّ لِكُلِّ بَلَاءٍ صَبْراً- وَ لِكُلِّ نِعْمَةٍ شُكْراً وَ لِكُلِّ عُسْرٍ يُسْراً- صَبِّرْ نَفْسَكَ عِنْدَ كُلِّ بَلِيَّةٍ فِي وَلَدٍ أَوْ مَالٍ- أَوْ رَزِيَّةٍ (5) فَإِنَّمَا يَقْبِضُ عَارِيَتَهُ- وَ يَأْخُذُ
____________
(1) الظاهر أن مراده (عليه السلام) في دولة الفسق و زمن الكفر.
(2) يس: 19.
(3) طه: 84. و في المصدر «الا من آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى».
(4) البقرة: 210.
(5) الرزية: المصيبة أصله من رزأ أي أصاب منه شيئا و نقض. و في بعض النسخ «أو ذرّية» و هي الصواب.
283
هِبَتَهُ لِيَبْلُوَ فِيهِمَا صَبْرَكَ وَ شُكْرَكَ وَ ارْجُ اللَّهَ رَجَاءً لَا يُجَرِّئُكَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ- وَ خَفْهُ خَوْفاً لَا يُؤْيِسُكَ مِنْ رَحْمَتِهِ- وَ لَا تَغْتَرَّ بِقَوْلِ الْجَاهِلِ وَ لَا بِمَدْحِهِ- فَتَكَبَّرَ وَ تَجَبَّرَ وَ تُعْجَبَ بِعَمَلِكَ- فَإِنَّ أَفْضَلَ الْعَمَلِ الْعِبَادَةُ وَ التَّوَاضُعُ- فَلَا تُضَيِّعْ مَالَكَ وَ تُصْلِحَ مَالَ غَيْرِكَ مَا خَلَّفْتَهُ وَرَاءَ ظَهْرِكَ- وَ اقْنَعْ بِمَا قَسَمَهُ اللَّهُ لَكَ وَ لَا تَنْظُرْ إِلَّا إِلَى مَا عِنْدَكَ- وَ لَا تَتَمَنَّ مَا لَسْتَ تَنَالُهُ فَإِنَّ مَنْ قَنِعَ شَبِعَ- وَ مَنْ لَمْ يَقْنَعْ لَمْ يَشْبَعْ وَ خُذْ حَظَّكَ مِنْ آخِرَتِكَ- وَ لَا تَكُنْ بَطِراً فِي الْغِنَى وَ لَا جَزِعاً فِي الْفَقْرِ- وَ لَا تَكُنْ فَظّاً غَلِيظاً يَكْرَهُ النَّاسُ قُرْبَكَ- وَ لَا تَكُنْ وَاهِناً يُحَقِّرُكَ مَنْ عَرَفَكَ- وَ لَا تُشَارَّ (1) مَنْ فَوْقَكَ وَ لَا تَسْخَرْ بِمَنْ هُوَ دُونَكَ- وَ لَا تُنَازِعِ الْأَمْرَ أَهْلَهُ وَ لَا تُطِعِ السُّفَهَاءَ- وَ لَا تَكُنْ مَهِيناً تَحْتَ كُلِّ أَحَدٍ وَ لَا تَتَّكِلَنَّ عَلَى كِفَايَةِ أَحَدٍ- وَ قِفْ عِنْدَ كُلِّ أَمْرٍ حَتَّى تَعْرِفَ مَدْخَلَهُ مِنْ مَخْرَجِهِ- قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِيهِ فَتَنْدَمَ وَ اجْعَلْ قَلْبَكَ قَرِيباً تُشَارِكُهُ (2)- وَ اجْعَلْ عِلْمَكَ وَالِداً تَتَّبِعُهُ- وَ اجْعَلْ نَفْسَكَ عَدُوّاً تُجَاهِدُهُ وَ عَارِيَّةً تَرُدُّهَا- فَإِنَّكَ قَدْ جُعِلْتَ طَبِيبَ نَفْسِكَ- وَ عُرِّفْتَ آيَةَ الصِّحَّةِ وَ بُيِّنَ لَكَ الدَّاءُ- وَ دُلِلْتَ عَلَى الدَّوَاءِ فَانْظُرْ قِيَامَكَ عَلَى نَفْسِكَ- وَ إِنْ كَانَتْ لَكَ يَدٌ عِنْدَ إِنْسَانٍ- فَلَا تُفْسِدْهَا بِكَثْرَةِ الْمِنَنِ وَ الذِّكْرِ لَهَا- وَ لَكِنِ أَتْبِعْهَا بِأَفْضَلَ مِنْهَا فَإِنَّ ذَلِكَ أَجْمَلُ بِكَ فِي أَخْلَاقِكَ- وَ أَوْجَبَ لِلثَّوَابِ فِي آخِرَتِكَ- وَ عَلَيْكَ بِالصَّمْتِ تُعَدَّ حَلِيماً جَاهِلًا كُنْتَ أَوْ عَالِماً- فَإِنَّ الصَّمْتَ زَيْنٌ لَكَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَ سَتْرٌ لَكَ عِنْدَ الْجُهَّالِ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ(ع)قَالَ لِأَصْحَابِهِ- أَ رَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ مَرَّ بِأَخِيهِ- فَرَأَى ثَوْبَهُ قَدِ انْكَشَفَ عَنْ بَعْضِ عَوْرَتِهِ- أَ كَانَ كَاشِفاً عَنْهَا كُلِّهَا أَمْ يَرُدُّ عَلَيْهَا مَا انْكَشَفَ مِنْهَا- قَالُوا بَلْ نَرُدُّ عَلَيْهَا قَالَ كَلَّا- بَلْ تَكْشِفُونَ عَنْهَا كُلِّهَا- فَعَرَفُوا أَنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ لَهُمْ- فَقِيلَ يَا رُوحَ اللَّهِ وَ كَيْفَ ذَلِكَ- قَالَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ يَطَّلِعُ عَلَى الْعَوْرَةِ مِنْ أَخِيهِ فَلَا يَسْتُرُهَا- بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّكُمْ لَا تُصِيبُونَ- مَا تُرِيدُونَ إِلَّا بِتَرْكِ مَا تَشْتَهُونَ- وَ لَا تَنَالُونَ مَا تَأْمُلُونَ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ
____________
(1) و لا تشار أي و لا تخاصم.
(2) في بعض النسخ «تتنازله» و في بعضها «تشاوره».
284
إِيَّاكُمْ وَ النَّظْرَةَ فَإِنَّهَا تَزْرَعُ فِي الْقَلْبِ الشَّهْوَةَ- وَ كَفَى بِهَا لِصَاحِبِهَا فِتْنَةً- طُوبَى لِمَنْ جَعَلَ بَصَرَهُ فِي قَلْبِهِ وَ لَمْ يَجْعَلْ بَصَرَهُ فِي عَيْنِهِ- لَا تَنْظُرُوا فِي عُيُوبِ النَّاسِ كَالْأَرْبَابِ- وَ انْظُرُوا فِي عُيُوبِكُمْ كَهَيْئَةِ الْعَبِيدِ- إِنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ مُبْتَلًى وَ مُعَافًى- فَارْحَمُوا الْمُبْتَلَى وَ احْمَدُوا اللَّهَ عَلَى الْعَافِيَةِ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ صِلْ مَنْ قَطَعَكَ وَ أَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ- وَ أَحْسِنْ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ وَ سَلِّمْ عَلَى مَنْ سَبَّكَ- وَ أَنْصِفْ مَنْ خَاصَمَكَ وَ اعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ- كَمَا أَنَّكَ تُحِبُّ أَنْ يُعْفَى عَنْكَ فَاعْتَبِرْ بِعَفْوِ اللَّهِ عَنْكَ- أَ لَا تَرَى أَنَّ شَمْسَهُ أَشْرَقَتْ عَلَى الْأَبْرَارِ وَ الْفُجَّارِ- وَ أَنَّ مَطَرَهُ يَنْزِلُ عَلَى الصَّالِحِينَ وَ الْخَاطِئِينَ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ لَا تَتَصَدَّقْ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لِيُزَكُّوكَ- فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَوْفَيْتَ أَجْرَكَ- وَ لَكِنْ إِذَا أَعْطَيْتَ بِيَمِينِكَ فَلَا تُطْلِعْ عَلَيْهَا شِمَالَكَ- فَإِنَّ الَّذِي تَتَصَدَّقُ لَهُ سِرّاً يُجْزِيكَ عَلَانِيَةً- عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي لَا يَضُرُّكَ- أَنْ لَا يُطْلِعَ النَّاسَ عَلَى صَدَقَتِكَ وَ اخْفِضِ الصَّوْتَ- إِنَّ رَبَّكَ الَّذِي يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَ ما تُعْلِنُونَ- قَدْ عَلِمَ مَا تُرِيدُونَ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ- وَ إِذَا صُمْتَ فَلَا تَغْتَبْ أَحَداً- وَ لَا تَلْبِسُوا صِيَامَكُمْ بِظُلْمٍ- وَ لَا تَكُنْ كَالَّذِي يَصُومُ رِئَاءَ النَّاسِ- مُغْبَرَّةً وُجُوهُهُمْ شَعِثَةً رُءُوسُهُمْ- يَابِسَةً أَفْوَاهُهُمْ لِكَيْ يَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهُمْ صِيَامٌ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ الْخَيْرُ كُلُّهُ أَمَامَكَ- وَ إِنَّ الشَّرَّ كُلَّهُ أَمَامَكَ- وَ لَنْ تَرَى الْخَيْرَ وَ الشَّرَّ إِلَّا بَعْدَ الْآخِرَةِ- لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَ عَزَّ جَعَلَ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي الْجَنَّةِ- وَ الشَّرَّ كُلَّهُ فِي النَّارِ- لِأَنَّهُمَا الْبَاقِيَانِ وَ الْوَاجِبُ عَلَى مَنْ وَهَبَ اللَّهُ لَهُ الْهُدَى- وَ أَكْرَمَهُ بِالْإِيمَانِ وَ أَلْهَمَهُ رُشْدَهُ- وَ رَكَّبَ فِيهِ عَقْلًا يَتَعَرَّفُ بِهِ نِعَمَهُ- وَ آتَاهُ عِلْماً وَ حُكْماً يُدَبِّرُ بِهِ أَمْرَ دِينِهِ وَ دُنْيَاهُ (1)- أَنْ يُوجِبَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَشْكُرَ اللَّهَ وَ لَا يَكْفُرَهُ- وَ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ وَ لَا يَنْسَاهُ وَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ وَ لَا يَعْصِيَهُ- لِلْقَدِيمِ الَّذِي تَفَرَّدَ لَهُ بِحُسْنِ النَّظَرِ وَ لِلْحَدِيثِ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْهِ بَعْدَ إِذْ أَنْشَأَهُ مَخْلُوقاً- وَ لِلْجَزِيلِ الَّذِي وَعْدَهُ- وَ الْفَضْلِ الَّذِي لَمْ يُكَلِّفْهُ مِنْ طَاعَتِهِ فَوْقَ طَاعَتِهِ- وَ مَا يَعْجِزُ عَنِ الْقِيَامِ بِهِ- وَ ضَمِنَ- لَهُ الْعَوْنَ عَلَى تَيْسِيرِ مَا حَمَلَهُ مِنْ ذَلِكَ
____________
(1) «الواجب» مبتدأ و خبره جملة «أن يوجب على نفسه إلخ».
285
وَ نَدَبَهُ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ عَلَى قَلِيلِ مَا كَلَّفَهُ- وَ هُوَ مُعْرِضٌ (1) عَمَّا أَمَرَهُ- وَ عَاجِزٌ عَنْهُ قَدْ لَبِسَ ثَوْبَ الِاسْتِهَانَةِ فِيمَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ رَبِّهِ- مُتَقَلِّداً لِهَوَاهُ مَاضِياً فِي شَهَوَاتِهِ- مُؤْثِراً لِدُنْيَاهُ عَلَى آخِرَتِهِ- وَ هُوَ فِي ذَلِكَ يَتَمَنَّى جِنَانَ الْفِرْدَوْسِ- وَ مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَطْمَعَ- أَنْ يَنْزِلَ بِعَمَلِ الْفُجَّارِ مَنَازِلَ الْأَبْرَارِ- أَمَا إِنَّهُ لَوْ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَ قَامَتِ الْقِيَامَةُ وَ جَاءَتِ الطَّامَّةُ- وَ نَصَبَ الْجَبَّارُ الْمَوَازِينَ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ- وَ بَرَزَ الْخَلَائِقُ لِيَوْمِ الْحِسَابِ أَيْقَنْتَ عِنْدَ ذَلِكَ- لِمَنْ تَكُونُ الرِّفْعَةُ وَ الْكَرَامَةُ وَ بِمَنْ تَحِلُّ الْحَسْرَةُ وَ النَّدَامَةُ- فَاعْمَلِ الْيَوْمَ فِي الدُّنْيَا بِمَا تَرْجُو بِهِ الْفَوْزَ فِي الْآخِرَةِ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَ عَزَّ فِي بَعْضِ مَا أَوْحَى- إِنَّمَا أَقْبَلُ الصَّلَاةَ مِمَّنْ يَتَوَاضَعُ لِعَظَمَتِي- وَ يَكُفُّ نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ مِنْ أَجْلِي- وَ يَقْطَعُ نَهَارَهُ بِذِكْرِي وَ لَا يَتَعَظَّمُ عَلَى خَلْقِي- وَ يُطْعِمُ الْجَائِعَ وَ يَكْسُو الْعَارِيَ وَ يَرْحَمُ الْمُصَابَ وَ يُؤْوِي الْغَرِيبَ (2)- فَذَلِكَ يُشْرِقُ نُورُهُ مِثْلَ الشَّمْسِ- أَجْعَلُ لَهُ فِي الظُّلْمَةِ نُوراً وَ فِي الْجَهَالَةِ حِلْماً- أَكْلَأُهُ بِعِزَّتِي (3) وَ أَسْتَحْفِظُهُ مَلَائِكَتِي يَدْعُونِي فَأُلَبِّيهِ- وَ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ فَمَثَلُ ذَلِكَ الْعَبْدِ عِنْدِي- كَمَثَلِ جَنَّاتِ الْفِرْدَوْسِ لَا يُسْبَقُ أَثْمَارُهَا- وَ لَا تَتَغَيَّرُ عَنْ حَالِهَا- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ الْإِسْلَامُ عُرْيَانٌ فَلِبَاسُهُ الْحَيَاءُ- وَ زِينَتُهُ الْوَقَارُ وَ مُرُوَّتُهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ- وَ عِمَادُهُ الْوَرَعُ وَ لِكُلِّ شَيْءٍ أَسَاسٌ- وَ أَسَاسُ الْإِسْلَامِ حُبُّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى سُوراً مِنْ نُورٍ- مَحْفُوفاً بِالزَّبَرْجَدِ وَ الْحَرِيرِ- مُنَجَّداً بِالسُّنْدُسِ (4) وَ الدِّيبَاجِ- يُضْرَبُ هَذَا السُّورُ بَيْنَ أَوْلِيَائِنَا وَ بَيْنَ أَعْدَائِنَا- فَإِذَا غَلَى الدِّمَاغُ وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ- وَ نُضِجَتِ الْأَكْبَادُ مِنْ طُولِ
____________
(1) الضمير يرجع الى «من وهب اللّه».
(2) في بعض النسخ «و يواسى الغريب» يقال: واسى الرجل اي آساه و عاونه.
(3) كلأ اللّه فلانا: حفظه و حرسه.
(4) منجدا أي مزينا.
286
الْمَوْقِفِ- أُدْخِلَ فِي هَذَا السُّورِ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ- فَكَانُوا فِي أَمْنِ اللَّهِ وَ حِرْزِهِ- لَهُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي الْأَنْفُسُ وَ تَلَذُّ الْأَعْيُنُ- وَ أَعْدَاءُ اللَّهِ قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ وَ قَطَعَهُمُ الْفَرَقُ- وَ هُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ فَيَقُولُونَ- ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (1)- فَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ فَيَضْحَكُونَ مِنْهُمْ- فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ- أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (2)- وَ قَوْلُهُ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ- عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (3)- فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مِمَّنْ أَعَانَ مُؤْمِناً مِنْ أَوْلِيَائِنَا بِكَلِمَةٍ- إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
2- ف (4)، تحف العقول وَصِيَّتُهُ(ع)لِأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ الْأَحْوَلِ (5)
____________
(1) ص: 26.
(2) ص: 63.
(3) المطففين: 34، 35.
(4) التحف ص 307.
(5) هو أبو جعفر محمّد بن عليّ بن النعمان الكوفيّ المعروف عندنا بصاحب الطاق أو مؤمن الطاق و المخالفون يلقبونه شيطان الطاق، كان صيرفيا في طاق المحامل بالكوفة يرجع إليه في النقد فيخرج كما ينقد فيقال: شيطان الطاق و هو من أصحاب الصادق و الكاظم (عليهما السلام) كان (رحمه الله) ثقة، متكلما، حاذقا، كثير العلم، حسن الخاطر، حاضر الجواب حكى عن أبي خالد الكابلى أنّه قال: رأيت أبا جعفر صاحب الطاق و هو قاعد في الروضة قد قطع أهل المدينة ازاره و هو دائب يجيبهم و يسألونه فدنوت منه و قلت: ان أبا عبد اللّه (عليه السلام) نهانا عن الكلام. فقال: و أمرك أن تقول لي؟ فقلت: لا و اللّه و لكنه أمرنى أن لا اكلم أحدا قال: فاذهب و أطعه فيما أمرك. فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأخبرته بقصة صاحب الطاق و ما قلت له و قوله: اذهب و أطعه فيما أمرك. فتبسم أبو عبد اللّه (عليه السلام) و قال: يا أبا خالد ان صاحب الطاق يكلم الناس فيطير و ينقض و أنت ان قصوك لن تطير اه. و له مع أبي حنيفة حكايات نقلها المؤرخون و أهل السير فمنها أنّه لما مات الصادق (عليه السلام) رأى أبو حنيفة مؤمن الطاق فقال له: مات امامك، قال: نعم أما امامك فمن المنظرين الى يوم الوقت المعلوم. و له كتب منها كتاب الإمامة و كتاب المعرفة.
287
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ قَالَ لِيَ الصَّادِقُ(ع) إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَ عَزَّ عَيَّرَ أَقْوَاماً فِي الْقُرْآنِ بِالْإِذَاعَةِ- فَقُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَيْنَ قَالَ- قَالَ قَوْلُهُ وَ إِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ (1)- ثُمَّ قَالَ الْمُذِيعُ عَلَيْنَا سِرَّنَا كَالشَّاهِرِ بِسَيْفِهِ عَلَيْنَا- رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً سَمِعَ بِمَكْنُونِ عِلْمِنَا فَدَفَنَهُ تَحْتَ قَدَمَيْهِ- وَ اللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ بِشِرَارِكُمْ مِنَ الْبَيْطَارِ بِالدَّوَابِّ- شِرَارُكُمُ الَّذِينَ لَا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ إِلَّا هَجْراً وَ لَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا دَبْراً وَ لَا يَحْفَظُونَ أَلْسِنَتَهُمْ (2)- اعْلَمْ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ(ع)لَمَّا طُعِنَ- وَ اخْتَلَفَ النَّاسُ عَلَيْهِ سَلَّمَ الْأَمْرَ لِمُعَاوِيَةَ- فَسَلَّمَتْ عَلَيْهِ الشِّيعَةُ- عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا مُذِلَّ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ(ع) مَا أَنَا بِمُذِلِّ الْمُؤْمِنِينَ وَ لَكِنِّي مُعِزُّ الْمُؤْمِنِينَ- إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُكُمْ لَيْسَ بِكُمْ عَلَيْهِمْ- قُوَّةٌ سَلَّمْتُ الْأَمْرَ لِأَبْقَى أَنَا وَ أَنْتُمْ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ- كَمَا عَابَ الْعَالِمُ السَّفِينَةَ لِتَبْقَى لِأَصْحَابِهَا- وَ كَذَلِكَ نَفْسِي وَ أَنْتُمْ لِنَبْقَى بَيْنَهُمْ- يَا ابْنَ النُّعْمَانِ إِنِّي لَأُحَدِّثُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ بِحَدِيثٍ- فَيَتَحَدَّثُ بِهِ عَنِّي- فَأَسْتَحِلُّ بِذَلِكَ لَعَنْتَهُ وَ الْبَرَاءَةَ مِنْهُ- فَإِنَّ أَبِي كَانَ يَقُولُ وَ أَيُّ شَيْءٍ أَقَرُّ لِلْعَيْنِ مِنَ التَّقِيَّةِ- إِنَّ التَّقِيَّةَ جُنَّةُ الْمُؤْمِنِ (3)- وَ لَوْ لَا التَّقِيَّةُ مَا عُبِدَ اللَّهُ- وَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ- وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ- إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً (4)
____________
و كتاب الرد على المعتزلة في امامة المفضول و كتاب في اثبات الوصية و غير ذلك.
و ما قيل: ان الطاق حصن بطبرستان و به سكن محمّد بن النعمان المعروف سهو و لعل أصله منها و الا كان (رحمه الله) يسكن الكوفة كما يظهر من مباحثاته مع أبي حنيفة و أمثاله.
(1) النساء: 82.
(2) الهجر- بالضم-: الهذيان و القبيح من الكلام. و الدبر- بضم فسكون أو بضمتين- من كل شيء مؤخره و عقبه.
(3) لان بها يحفظ أساس الإسلام و أصوله، و رواه الكليني في الكافي عن محمّد بن عجلان.
(4) آل عمران: 27.
288
يَا ابْنَ النُّعْمَانِ إِيَّاكَ وَ الْمِرَاءَ فَإِنَّهُ يُحْبِطُ عَمَلَكَ- وَ إِيَّاكَ وَ الْجِدَالَ فَإِنَّهُ يُوبِقُكَ- وَ إِيَّاكَ وَ كَثْرَةَ الْخُصُومَاتِ فَإِنَّهَا تُبْعِدُكَ مِنَ اللَّهِ- ثُمَّ قَالَ إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَعَلَّمُونَ الصَّمْتَ- وَ أَنْتُمْ تَتَعَلَّمُونَ الْكَلَامَ كَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا أَرَادَ التَّعَبُّدَ- يَتَعَلَّمُ الصَّمْتَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَشْرِ سِنِينَ- فَإِنْ كَانَ يُحْسِنُهُ وَ يَصْبِرُ عَلَيْهِ تَعَبَّدَ وَ إِلَّا قَالَ- مَا أَنَا لِمَا أَرُومُ بِأَهْلٍ (1)- إِنَّمَا يَنْجُو مَنْ أَطَالَ الصَّمْتَ عَنِ الْفَحْشَاءِ- وَ صَبَرَ فِي دَوْلَةِ الْبَاطِلِ عَلَى الْأَذَى- أُولَئِكَ النُّجَبَاءُ الْأَصْفِيَاءُ الْأَوْلِيَاءُ حَقّاً وَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ- إِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ الْمُتَرَاسُّونَ (2) الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمَائِمِ- الْحَسَدَةُ لِإِخْوَانِهِمْ لَيْسُوا مِنِّي وَ لَا أَنَا مِنْهُمْ- إِنَّمَا أَوْلِيَائِيَ الَّذِينَ سَلَّمُوا لِأَمْرِنَا- وَ اتَّبَعُوا آثَارَنَا وَ اقْتَدَوْا بِنَا فِي كُلِّ أُمُورِنَا- ثُمَّ قَالَ وَ اللَّهِ لَوْ قَدَّمَ أَحَدُكُمْ مِلْءَ الْأَرْضِ ذَهَباً عَلَى اللَّهِ- ثُمَّ حَسَدَ مُؤْمِناً لَكَانَ ذَلِكَ الذَّهَبُ مِمَّا يُكْوَى بِهِ فِي النَّارِ- يَا ابْنَ النُّعْمَانِ- إِنَّ الْمُذِيعَ لَيْسَ كَقَاتِلِنَا بِسَيْفِهِ بَلْ هُوَ أَعْظَمُ وِزْراً- بَلْ هُوَ أَعْظَمُ وِزْراً بَلْ هُوَ أَعْظَمُ وِزْراً- يَا ابْنَ النُّعْمَانِ إِنَّهُ مَنْ رَوَى عَلَيْنَا حَدِيثاً (3)- فَهُوَ مِمَّنْ قَتَلَنَا عَمْداً وَ لَمْ يَقْتُلْنَا خَطَاءً- يَا ابْنَ النُّعْمَانِ إِذَا كَانَتْ دَوْلَةُ الظُّلْمِ- فَامْشِ وَ اسْتَقْبِلْ مَنْ تَتَّقِيهِ بِالتَّحِيَّةِ- فَإِنَّ الْمُتَعَرِّضَ لِلدَّوْلَةِ قَاتِلُ نَفْسِهِ (4) وَ مُوبِقُهَا- إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (5)
____________
(1) رام الشيء يروم روما: أراده.
(2) تراس القوم الخبر: تساروه. و ارتس الخبر في الناس: فشا و انتشر. و يحتمل أن يكون كما في بعض نسخ الحديث «المترأسون» بالهمزة من ترأس أي صار رئيسا.
(3) في بعض النسخ «حديثنا».
(4) كان ذلك إذا حفظ بها أصول الإسلام و أساس الدين و ضرورياته و الا فلا يجوز بل حرام فليس هذا بعمل التقية.
(5) البقرة: 195.
289
يَا ابْنَ النُّعْمَانِ إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا يَزَالُ الشَّيْطَانُ يُدْخِلُ فِينَا- مَنْ لَيْسَ مِنَّا وَ لَا مِنْ أَهْلِ دِينِنَا- فَإِذَا رَفَعَهُ وَ نَظَرَ إِلَيْهِ النَّاسُ أَمَرَهُ الشَّيْطَانُ فَيَكْذِبُ عَلَيْنَا- وَ كُلَّمَا ذَهَبَ وَاحِدٌ جَاءَ آخَرُ- يَا ابْنَ النُّعْمَانِ مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ- فَقَالَ لَا أَدْرِي فَقَدْ نَاصَفَ الْعِلْمَ- وَ الْمُؤْمِنُ يَحْقِدُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ- فَإِذَا قَامَ ذَهَبَ عَنْهُ الْحِقْدُ- يَا ابْنَ النُّعْمَانِ- إِنَّ الْعَالِمَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُخْبِرَكَ بِكُلِّ مَا يَعْلَمُ- لِأَنَّهُ سِرُّ اللَّهِ الَّذِي أَسَرَّهُ إِلَى جَبْرَئِيلَ(ع) وَ أَسَرَّهُ جَبْرَئِيلُ(ع)إِلَى مُحَمَّدٍ ص وَ أَسَرَّهُ مُحَمَّدٌ ص إِلَى عَلِيٍّ(ع)وَ أَسَرَّهُ عَلِيٌّ(ع)إِلَى الْحَسَنِ(ع) وَ أَسَرَّهُ الْحَسَنُ(ع)إِلَى الْحُسَيْنِ(ع) وَ أَسَرَّهُ الْحُسَيْنُ(ع)إِلَى عَلِيٍّ(ع) وَ أَسَرَّهُ عَلِيٌّ(ع)إِلَى مُحَمَّدٍ(ع) وَ أَسَرَّهُ مُحَمَّدٌ(ع)إِلَى مَنْ أَسَرَّهُ- فَلَا تَعْجَلُوا فَوَ اللَّهِ لَقَدْ قَرُبَ هَذَا الْأَمْرُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَأَذَعْتُمُوهُ- فَأَخَّرَهُ اللَّهُ وَ اللَّهِ مَا لَكُمْ سِرٌّ- إِلَّا وَ عَدُوُّكُمْ أَعْلَمُ بِهِ مِنْكُمْ- يَا ابْنَ النُّعْمَانِ ابْقَ عَلَى نَفْسِكَ فَقَدْ عَصَيْتَنِي لَا تُذِعْ سِرِّي فَإِنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ سَعِيدٍ (1) كَذَبَ عَلَى أَبِي- وَ أَذَاعَ سِرَّهُ فَأَذَاقَهُ اللَّهُ حَرَّ الْحَدِيدِ- وَ إِنَّ أَبَا الْخَطَّابِ
____________
(1) كان هو من الكذابين الغالين كبنان و الحارث الشاميّ و عبد اللّه بن عمر بن الحرث و أبى الخطاب و حمزة بن عمارة البربرى و صائد النهدى و محمّد بن فرات و أمثالهم ممن اعيروا الايمان فانسلخ منهم و انهم يدسون الأحاديث في كتب الحديث حتّى أنهم (عليهم السلام) قالوا: لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا و سنة نبيّنا. و لا تقبلوا علينا الا ما وافق الكتاب و السنة. و في المستدرك عن قاضى مصر نعمان بن محمّد بن منصور المعروف بأبي حنيفة المغربى المتوفى 363 صاحب دعائم الإسلام أنه ذكر قصة الغلاة في عصر أمير المؤمنين (عليه السلام) و احراقه اياهم بالنار ثمّ قال: و كان في أعصار الأئمّة من ولده (عليهم السلام) من قبل ذلك ما يطول الخبر بذكرهم كالمغيرة بن سعيد من أصحاب أبى جعفر محمّد بن على (عليهما السلام) و دعائه فاستزله الشيطان- الى أن قال:- و استحل المغيرة و أصحابه المحارم كلها و أباحوها و عطلوا الشرائع و تركوها و انسلخوا من الإسلام جملة، و بانوا من جميع شيعة الحق و اتباع الأئمّة، و أشهر.
290
كَذَبَ عَلَيَّ- وَ أَذَاعَ سِرِّي فَأَذَاقَهُ اللَّهُ حَرَّ الْحَدِيدِ- وَ مَنْ كَتَمَ أَمْرَنَا زَيَّنَهُ اللَّهُ بِهِ- فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعْطَاهُ حَظَّهُ- وَ وَقَاهُ حَرَّ الْحَدِيدِ وَ ضِيقَ الْمَحَابِسِ- إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قُحِطُوا حَتَّى هَلَكَتِ الْمَوَاشِي- وَ النَّسْلُ فَدَعَا اللَّهَ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ(ع)فَقَالَ- يَا مُوسَى إِنَّهُمْ أَظْهَرُوا الزِّنَى وَ الرِّبَا وَ عَمَرُوا الْكَنَائِسَ وَ أَضَاعُوا الزَّكَاةَ- فَقَالَ إِلَهِي تَحَنَّنْ
____________
أبو جعفر (عليه السلام) لعنهم و البراءة منهم إلخ.
و قد تظافرت الروايات بكونه كذابا كان يكذب على أبى جعفر (عليه السلام) و في رواية عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه يقول: «كان المغيرة بن سعيد تتعمد الكذب على أبى و يأخذ كتب أصحابه و كان أصحابه المستترون بأصحاب أبى يأخذون الكتب من أصحاب أبى فيدفعونها الى المغيرة فكان يدس فيها الكفر و الزندقة و يسدوها الى أبى ثمّ يدفعها الى أصحابه فيأمرهم أن يبثوها في الشيعة فكل ما كان في كتب أصحاب أبى من الغلوّ فذاك مما دسه المغيرة بن سعيد في كتبهم» و في رواية قال أبو جعفر (عليه السلام): هل تدرى ما مثل المغيرة؟ قال- الراوي-: قلت: لا. قال (عليه السلام): مثله مثل بلعم بن باعور. قلت: و من بلعم؟ قال (عليه السلام): الذي قال اللّه عزّ و جلّ: «الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ» و أمّا أبو الخطاب فهو محمّد بن مقلاص أبى زينب الأسدى الكوفيّ البراد يكنى أبا ظبيان غال ملعون من أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام) في أول أمره ثمّ أصابه ما أصاب المغيرة فانسلخ من الدين و كفر، وردت روايات كثيرة في ذمه و لعنه و حكى عن قاضى نعمان أنّه ممن استحل المحارم كلها و رخص لاصحابه فيها و كانوا كلما ثقل عليهم أداء فرض أتوه فقالوا:
يا أبا الخطاب خفف عنا، فيأمرهم بتركه حتّى تركوا جميع الفرائض و استحلوا جميع المحارم و أباح لهم أن يشهد بعضهم لبعض بالزور و قال: من عرف الامام حل له كل شيء كان حرم عليه، فبلغ أمره جعفر بن محمّد (عليهما السلام) فلم يقدر عليه بأكثر من أن يلعنه و يتبرأ منه و جمع أصحابه فعرفهم ذلك و كتب الى البلدان بالبراءة منه و باللعنة عليه و عظم أمره على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و استفظعه و استهاله انتهى، و لعنه الصادق (عليه السلام) و دعا عليه بإذاقة حر الحديد فاستجاب اللّه دعاءه فقتله عيسى بن موسى العباسيّ والى الكوفة.
و لمزيد الاطلاع راجع الرجال لابى عمرو الكشّيّ- (رحمه الله)-.
291
بِرَحْمَتِكَ عَلَيْهِمْ (1) فَإِنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ- فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنِّي مُرْسِلٌ قَطْرَ السَّمَاءِ- وَ مُخْتَبِرُهُمْ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْماً فَأَذَاعُوا ذَلِكَ وَ أَفْشَوْهُ- فَحَبَسَ عَنْهُمُ الْقَطْرَ أَرْبَعِينَ سَنَةً- وَ أَنْتُمْ قَدْ قَرُبَ أَمْرُكُمْ فَأَذَعْتُمُوهُ فِي مَجَالِسِكُمْ- يَا أَبَا جَعْفَرٍ مَا لَكُمْ وَ لِلنَّاسِ كُفُّوا عَنِ النَّاسِ- وَ لَا تَدْعُوا أَحَداً إِلَى هَذَا الْأَمْرِ (2)- فَوَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ- اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يُضِلُّوا عَبْداً- يُرِيدُ اللَّهُ هُدَاهُ مَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يُضِلُّوهُ- كُفُّوا عَنِ النَّاسِ وَ لَا يَقُلْ- أَحَدُكُمْ أَخِي وَ عَمِّي وَ جَارِي- فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَ عَزَّ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْراً طَيَّبَ رُوحَهُ- فَلَا يَسْمَعُ مَعْرُوفاً إِلَّا عَرَفَهُ وَ لَا مُنْكَراً إِلَّا أَنْكَرَهُ- ثُمَّ قَذَفَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ كَلِمَةً يَجْمَعُ بِهَا أَمْرَهُ- يَا ابْنَ النُّعْمَانِ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَصْفُوَ لَكَ- وُدُّ أَخِيكَ فَلَا تُمَازِحَنَّهُ وَ لَا تُمَارِيَنَّهُ- وَ لَا تُبَاهِيَنَّهُ (3) وَ لَا تُشَارَّنَّهُ- وَ لَا تُطْلِعْ صَدِيقَكَ مِنْ سِرِّكَ- إِلَّا عَلَى مَا لَوِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ عَدُوُّكَ لَمْ يَضُرَّكَ- فَإِنَّ الصَّدِيقَ قَدْ يَكُونُ عَدُوَّكَ يَوْماً- يَا ابْنَ النُّعْمَانِ لَا يَكُونُ الْعَبْدُ مُؤْمِناً- حَتَّى يَكُونَ فِيهِ ثَلَاثُ سُنَنٍ- سُنَّةٌ مِنَ اللَّهِ وَ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِهِ وَ سُنَّةٌ مِنَ الْإِمَامِ- فَأَمَّا السُّنَّةُ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ- فَهُوَ أَنْ
____________
(1) تحنن عليه: ترحم عليه.
(2) أي كفوا عن دعوتهم الى دين الحق في زمن شدة التقية. قال (عليه السلام) هذا الكلام في زمان العسرة و الشدة على المؤمنين في دولة العباسية، و حاصل الكلام أن من يريد اللّه هدايته لن يستطيع أحد أن يضله و هكذا من لم يرد اللّه أن يهديه لن يستطيع أحد أن يهديه. و رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 213 عن ثابت بن سعيد و فيه «لا تدعو أحدا الى أمركم فو اللّه لو أن أهل الأرضين اجتمعوا على أن يهدوا عبدا يريد اللّه ضلالته ما استطاعوا على أن يهدوه و لو أن أهل السماوات و أهل الأرضين اجتمعوا على أن يضلوا عبدا ... الخ».
(3) أي لا تفاخرنه. و «لا تشارنه» أي و لا تخاصمنه.
292
يَكُونَ كَتُوماً لِلْأَسْرَارِ يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ- عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (1)- وَ أَمَّا الَّتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص فَهُوَ أَنْ يُدَارِيَ النَّاسَ وَ يُعَامِلَهُمْ بِالْأَخْلَاقِ الْحَنِيفِيَّةِ- وَ أَمَّا الَّتِي مِنَ الْإِمَامِ فَالصَّبْرُ فِي الْبَأْسَاءِ- وَ الضَّرَّاءِ حَتَّى يَأْتِيَهُ اللَّهُ بِالْفَرَجِ- يَا ابْنَ النُّعْمَانِ لَيْسَتِ الْبَلَاغَةُ بِحِدَّةِ اللِّسَانِ- وَ لَا بِكَثْرَةِ الْهَذَيَانِ وَ لَكِنَّهَا إِصَابَةُ الْمَعْنَى وَ قَصْدُ الْحُجَّةِ- يَا ابْنَ النُّعْمَانِ- مَنْ قَعَدَ إِلَى سَابِّ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ- وَ مَنْ كَظَمَ غَيْظاً فِينَا لَا يَقْدِرُ عَلَى إِمْضَائِهِ- كَانَ مَعَنَا فِي السَّنَامِ الْأَعْلَى (2)- وَ مَنِ اسْتَفْتَحَ نَهَارَهُ بِإِذَاعَةِ سِرِّنَا- سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَرَّ الْحَدِيدِ وَ ضِيقَ الْمَحَابِسِ- يَا ابْنَ النُّعْمَانِ لَا تَطْلُبِ الْعِلْمَ لِثَلَاثٍ- لِتُرَائِيَ بِهِ وَ لَا لِتُبَاهِيَ بِهِ وَ لَا لِتُمَارِيَ- وَ لَا تَدَعْهُ لِثَلَاثٍ رَغْبَةٍ فِي الْجَهْلِ- وَ زَهَادَةٍ فِي الْعِلْمِ وَ اسْتِحْيَاءٍ مِنَ النَّاسِ- وَ الْعِلْمُ الْمَصُونُ كَالسِّرَاجِ الْمُطْبَقِ عَلَيْهِ- يَا ابْنَ النُّعْمَانِ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَ عَزَّ- إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْراً نَكَتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةً بَيْضَاءَ- فَجَالَ الْقَلْبُ بِطَلَبِ الْحَقِّ- ثُمَّ هُوَ إِلَى أَمْرِكُمْ أَسْرَعُ مِنَ الطَّيْرِ إِلَى وَكْرِهِ (3)- يَا ابْنَ النُّعْمَانِ إِنَّ حُبَّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ- يُنْزِلُهُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ خَزَائِنَ تَحْتَ الْعَرْشِ كَخَزَائِنِ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ لَا يُنْزِلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ- وَ لَا يُعْطِيهِ إِلَّا خَيْرَ الْخَلْقِ وَ إِنَّ لَهُ غَمَامَةً كَغَمَامَةِ الْقَطْرِ- فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخُصَّ بِهِ مَنْ أَحَبَّ مِنْ خَلْقِهِ- أَذِنَ لِتِلْكَ الْغَمَامَةِ فَتَهَطَّلَتْ كَمَا تَهَطَّلَ السَّحَابُ (4)- فَتُصِيبُ الْجَنِينَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ.
____________
(1) الجن: 26.
(2) أي في الدرجة الرفيعة العالية.
(3) الوكر: عش الطائر أي بيته و موضعه.
(4) تهطل المطر: نزل متتابعا عظيم القطر.
293
3- ف (1)، تحف العقول رِسَالَتِهِ(ع)إِلَى جَمَاعَةِ شِيعَتِهِ وَ أَصْحَابِهِ (2)- أَمَّا بَعْدُ فَسَلُوا رَبَّكُمُ الْعَافِيَةَ- وَ عَلَيْكُمْ بِالدَّعَةِ وَ الْوَقَارِ (3) وَ السَّكِينَةِ وَ الْحَيَاءِ- وَ التَّنَزُّهِ عَمَّا تَنَزَّهَ عَنْهُ الصَّالِحُونَ مِنْكُمْ- وَ عَلَيْكُمْ بِمُجَامَلَةِ أَهْلِ الْبَاطِلِ تَحَمَّلُوا الضَّيْمَ مِنْهُمْ- وَ إِيَّاكُمْ وَ مُمَاظَّتَهُمْ (4) دِينُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ- إِذَا أَنْتُمْ جَالَسْتُمُوهُمْ وَ خَالَطْتُمُوهُمْ- وَ نَازَعْتُمُوهُمُ الْكَلَامَ- فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَكُمْ مِنْ مُجَالَسَتِهِمْ وَ مُخَالَطَتِهِمْ وَ مُنَازَعَتِهِمْ- بِالتَّقِيَّةِ (5) الَّتِي أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِهَا- فَإِذَا ابْتُلِيتُمْ بِذَلِكَ مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ سَيُؤْذُونَكُمْ- وَ يَعْرِفُونَ فِي وُجُوهِكُمُ الْمُنْكَرَ- وَ لَوْ لَا أَنَّ اللَّهَ يَدْفَعُهُمْ عَنْكُمْ لَسَطَوْا بِكُمْ (6)- وَ مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ- وَ الْبَغْضَاءِ أَكْثَرُ مِمَّا يُبْدُونَ لَكُمْ- مَجَالِسُكُمْ وَ مَجَالِسُهُمْ وَاحِدَةٌ- إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ اللَّهُ خَلَقَهُ فِي الْأَصْلِ أَصْلِ الْخَلْقِ- مُؤْمِناً لَمْ يَمُتْ حَتَّى يُكَرِّهَ إِلَيْهِ الشَّرَّ وَ يُبَاعِدَهُ مِنْهُ- وَ مَنْ كَرَّهَ اللَّهُ إِلَيْهِ الشَّرَّ وَ بَاعَدَهُ مِنْهُ- عَافَاهُ اللَّهُ مِنَ الْكِبْرِ أَنْ يَدْخُلَهُ وَ الْجَبَرِيَّةِ- فَلَانَتْ عَرِيكَتُهُ (7) وَ حَسُنَ خُلُقُهُ وَ طَلُقَ وَجْهُهُ- وَ صَارَ عَلَيْهِ وَقَارُ الْإِسْلَامِ وَ سَكِينَتُهُ وَ تَخَشُّعُهُ- وَ وَرِعَ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ وَ اجْتَنَبَ مَسَاخِطَهُ- وَ رَزَقَهُ اللَّهُ مَوَدَّةَ النَّاسِ وَ مُجَامَلَتَهُمْ- وَ تَرْكَ مُقَاطَعَةِ النَّاسِ وَ الْخُصُومَاتِ- وَ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا وَ لَا مِنْ أَهْلِهَا فِي شَيْءٍ- وَ إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ اللَّهُ خَلَقَهُ فِي الْأَصْلِ- أَصْلِ الْخَلْقِ كَافِراً (8) لَمْ يَمُتْ
____________
(1) التحف ص 313.
(2) هذه الرسالة مختارة من التي رواها الكليني (ره) في الروضة و نقله المؤلّف في هذا الجزء ص 210.
(3) الدعة: الخفض و الطمأنينة.
(4) المجاملة: المعاملة بالجميل. و الضيم: الظلم. و المماظة- بالمعجمة-: شدة المنازعة و المخاصمة مع طول اللزوم.
(5) «بالتقية» متعلق بدينوا و ما بينهما معترض.
(6) السطو: القهر. اى وثبوا عليكم و قهروكم، و في بعض النسخ «لبطشوا بكم».
(7) العريكة: الطبيعة و الخلق و النفس.
(8) مر كلام فيه ص 222.
294
حَتَّى يُحَبِّبَ إِلَيْهِ الشَّرَّ وَ يُقَرِّبَهُ مِنْهُ- فَإِذَا حَبَّبَ إِلَيْهِ الشَّرَّ وَ قَرَّبَهُ مِنْهُ ابْتُلِيَ بِالْكِبْرِ وَ الْجَبَرِيَّةِ- فَقَسَا قَلْبُهُ وَ سَاءَ خُلُقُهُ وَ غَلُظَ وَجْهُهُ- وَ ظَهَرَ فُحْشُهُ وَ قَلَّ حَيَاؤُهُ وَ كَشَفَ اللَّهُ سِتْرَهُ- وَ رَكِبَ الْمَحَارِمَ فَلَمْ يَنْزِعْ عَنْهَا- وَ رَكِبَ مَعَاصِيَ اللَّهِ وَ أَبْغَضَ طَاعَتَهُ وَ أَهْلَهَا- فَبُعْدٌ مَا بعد [بَيْنَ حَالِ الْمُؤْمِنِ وَ الْكَافِرِ- فَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ وَ اطْلُبُوهَا إِلَيْهِ- وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- أَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ- فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ الَّذِينَ يَدْعُونَهُ- وَ قَدْ وَعَدَ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ الِاسْتِجَابَةَ- وَ اللَّهُ مُصَيِّرُ دُعَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُمْ- عَمَلًا يَزِيدُهُمْ بِهِ فِي الْجَنَّةِ- وَ أَكْثِرُوا ذِكْرَ اللَّهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ- فِي كُلِّ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ- فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ لَهُ- وَ اللَّهُ ذَاكِرٌ مَنْ ذَكَرَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ- إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ- مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا ذَكَرَهُ بِخَيْرٍ- وَ عَلَيْكُمْ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَواتِ- وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (1)- كَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي كِتَابِهِ مِنْ قَبْلِكُمْ- وَ عَلَيْكُمْ بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ الْمُسْلِمِينَ- فَإِنَّ مَنْ حَقَّرَهُمْ وَ تَكَبَّرَ عَلَيْهِمْ- فَقَدْ زَلَّ عَنْ دِينِ اللَّهِ وَ اللَّهُ لَهُ حَاقِرٌ مَاقِتٌ- وَ قَدْ قَالَ أَبُونَا رَسُولُ اللَّهِ ص أَمَرَنِي رَبِّي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ- وَ اعْلَمُوا أَنَّ مَنْ حَقَّرَ أَحَداً مِنَ الْمُسْلِمِينَ- أَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِ الْمَقْتَ مِنْهُ- وَ الْمَحْقَرَةَ حَتَّى يَمْقُتَهُ النَّاسُ (2) أَشَدَّ مَقْتاً- فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي إِخْوَانِكُمُ الْمُسْلِمِينَ الْمَسَاكِينِ- فَإِنَّ لَهُمْ عَلَيْكُمْ حَقّاً أَنْ تُحِبُّوهُمْ- فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ نَبِيَّهُ ص بِحُبِّهِمْ- فَمَنْ لَمْ يُحِبَّ مَنْ أَمَرَ اللَّهُ بِحُبِّهِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ- وَ رَسُولَهُ وَ مَنْ عَصَى اللَّهَ وَ رَسُولَهُ- وَ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ مَاتَ مِنَ الْغَاوِينَ- إِيَّاكُمْ وَ الْعَظَمَةَ وَ الْكِبْرَ فَإِنَّ الْكِبْرَ رِدَاءُ اللَّهِ- فَمَنْ نَازَعَ اللَّهَ رِدَاءَهُ قَصَمَهُ اللَّهُ وَ أَذَلَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِيَّاكُمْ أَنْ يَبْغِيَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ- فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ خِصَالِ الصَّالِحِينَ- فَإِنَّهُ مَنْ بَغَى صَيَّرَ اللَّهُ بَغْيَهُ عَلَى نَفْسِهِ- وَ صَارَتْ نُصْرَةُ اللَّهِ لِمَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ- وَ مَنْ نَصَرَهُ اللَّهُ غَلَبَ
____________
(1) حقره استصغره و هان قدره و صغر. و مقت فلانا: أبغضه.
(2) المحقرة: الحقارة أي الذلة و الهوان.
295
وَ أَصَابَ الظَّفَرَ مِنَ اللَّهِ- إِيَّاكُمْ أَنْ يَحْسُدَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً- فَإِنَّ الْكُفْرَ أَصْلُهُ الْحَسَدُ (1)- إِيَّاكُمْ أَنْ تُعِينُوا عَلَى مُسْلِمٍ مَظْلُومٍ- فَيَدْعُوَ اللَّهَ عَلَيْكُمْ وَ يُسْتَجَابَ لَهُ فِيكُمْ- فَإِنَّ أَبَانَا رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ- إِنَّ دَعْوَةَ الْمُسْلِمِ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ- إِيَّاكُمْ أَنْ تَشْرَهَ نُفُوسُكُمْ (2) إِلَى شَيْءٍ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ- فَإِنَّهُ مَنِ انْتَهَكَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ هَاهُنَا فِي الدُّنْيَا- حَالَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَ نَعِيمِهَا وَ لَذَّتِهَا وَ كَرَامَتِهَا- الْقَائِمَةِ الدَّائِمَةِ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ أَبَدَ الْآبِدِينَ.
4- ما (3)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَهْبَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ زَكَرِيَّا عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي كَهْمَشٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَوْصِنِي فَقَالَ- أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ الْوَرَعِ وَ الِاجْتِهَادِ- وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ اجْتِهَادٌ لَا وَرَعَ فِيهِ- وَ انْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَكَ- وَ لَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكَ فَكَثِيراً- مَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِرَسُولِهِ ص فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ(4)- وَ قَالَ عَزَّ ذِكْرُهُ وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ- أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا (5)- فَإِنْ نَازَعَتْكَ نَفْسُكَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ- فَاعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص كَانَ قُوتُهُ الشَّعِيرَ- وَ حَلْوَاهُ التَّمْرَ وَ وَقُودُهُ السَّعَفَ- وَ إِذَا أُصِبْتَ بِمُصِيبَةٍ فَاذْكُرْ مُصَابَكَ بِرَسُولِ اللَّهِ ص فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يُصَابُوا بِمِثْلِهِ أَبَداً وَ لَنْ يُصَابُوا بِمِثْلِهِ أَبَداً.
____________
(1) لان الشيطان أول من حسد فكفر و أخرجه اللّه من الجنة.
(2) شره فلان- كفرح-: غلب حرصه و اشتد ميله.
(3) الأمالي ج 2 ص 294.
(4) التوبة: 55 و 85. المنافقون: 4 نظيرها.
(5) طه: 131.
296
باب 25 مواعظ موسى بن جعفر و حكمه (ع)
1- ف (1)، تحف العقول وَصِيَّتُهُ(ع)لِهِشَامٍ وَ صِفَتُهُ لِلْعَقْلِ- إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى (2) بَشَّرَ أَهْلَ الْعَقْلِ وَ الْفَهْمِ فِي كِتَابِهِ- فَقَالَ فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ
____________
(1) التحف ص 383.
(2) رواه الكليني في المجلد الأول من كتابه الكافي مع اختلاف نشير إليه. و هشام هو أبو محمّد و قيل: أبو الحكم هشام بن الحكم البغداديّ الكندي مولى بنى شيبان ممن اتفق الاصحاب على وثاقته و عظم قدره و رفعة منزلته عند الأئمّة (عليهم السلام)، و كانت له مباحث كثيرة مع المخالفين في الأصول و غيرها، صحب أبا عبد اللّه و بعده أبا الحسن موسى (عليهما السلام) و كان من أجلة أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام) و بلغ من مرتبة علوه عنده أنّه دخل عليه بمنى و هو غلام أول ما اختط عارضاه و في مجلسه شيوخ الشيعة كحمران بن أعين و قيس الماصر و يونس بن يعقوب و أبى جعفر الاحول و غيرهم فرفعه على جماعتهم و ليس فيهم الا من هو أكبر سنا منه، فلما رأى أبو عبد اللّه (عليه السلام) أن ذلك الفعل كبر على أصحابه قال: «هذا ناصرنا بقلبه و لسانه و يده». و كان له أصل و له كتب كثيرة، و ان الاصحاب كانوا يأخذون عنه. مولده بالكوفة و منشؤه واسط و تجارته بغداد و كان بياع الكرابيس و ينزل الكرخ من مدينة السلام بغداد في درب الجنب، ثمّ انتقل الى الكوفة في أواخر عمره و نزل قصر و ضاح و توفّي سنة 199 أو 179 في أيّام الرشيد مستترا و كان لاستتاره قصة مشهورة في المناظرات، و ترحم عليه الرضا (عليه السلام) و قيل في شأنه: «انه من متكلمى الشيعة و بطائنهم و من دعى له الصادق (عليه السلام) فقال: أقول لك ما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لحسان: لا تزل مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك. و هو الذي فتق الكلام في الإمامة و هذب المذهب و سهل طريق الحجاج فيه. و كان حاذقا بصناعة الكلام، حاضر الجواب.
و كان أولا من أصحاب الجهم بن صفوان ثمّ انتقل الى القول بالامامة بالدلائل و النظر و هو منقطعا الى البرامكة ملازما ليحيى بن خالد و كان القيم بمجالس كلامه و نظره ثمّ تبع الصادق (عليه السلام) فانقطع إليه و توفى بعد نكبة البرامكة بمدة يسيره و قيل: بل في خلافة المأمون. و ان العامّة طعنوا فيه. و ورد في الاخبار ذمّ له من جهة القول بالتجسم و ان الاصحاب اخذوا في الذب عنه تنزيها لساحته عن ذلك، و وردت روايات في مدحه و دلّ على جلالته هذه الروايات المذكورة في المتن الجامعة لابواب الخير و الفلاح.
297
فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ- وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (1)- يَا هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ- إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَكْمَلَ لِلنَّاسِ (2) الْحُجَجَ بِالْعُقُولِ- وَ أَفْضَى إِلَيْهِمْ بِالْبَيَانِ وَ دَلَّهُمْ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ بِالْأَدِلَّاءِ- فَقَالَ وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ- لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (3)- إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ- إِلَى قَوْلِهِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)- يَا هِشَامُ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ ذَلِكَ- دَلِيلًا عَلَى مَعْرِفَتِهِ بِأَنَّ لَهُمْ مُدَبِّراً- فَقَالَ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ- وَ النُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ- إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5)- وَ قَالَ حم- وَ الْكِتابِ الْمُبِينِ- إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (6)- وَ قَالَ وَ مِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً- وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها- إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (7)- يَا هِشَامُ ثُمَّ وَعَظَ أَهْلَ الْعَقْلِ وَ رَغَّبَهُمْ فِي الْآخِرَةِ- فَقَالَ وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ- وَ لَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (8)- وَ قَالَ
____________
(1) الزمر: 19.
(2) في بعض النسخ «أكمل الناس».
(3) البقرة: 162.
(4) البقرة: 163. و المراد باختلافهما ذهابهما و مجيئهما.
(5) النحل: 12.
(6) الزخرف: 1، 2، 3.
(7) الروم: 23. «خوفا» أي للمسافر. و «طمعا» للحاضر.
(8) الأنعام: 32.
298
وَ ما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ زِينَتُها- وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَ أَبْقى أَ فَلا تَعْقِلُونَ (1)- يَا هِشَامُ ثُمَّ خَوَّفَ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ عَذَابَهُ- فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَ ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ- وَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ- وَ بِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (2)- يَا هِشَامُ ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الْعَقْلَ مَعَ الْعِلْمِ- فَقَالَ وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ (3)- يَا هِشَامُ ثُمَّ ذَمَّ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ- فَقَالَ وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ- قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا- أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ (4)- وَ قَالَ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ- الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (5)- وَ قَالَ وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ- لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (6)- ثُمَّ ذَمَّ الْكَثْرَةَ فَقَالَ- وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (7)- وَ قَالَ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (8)- وَ أَكْثَرَهُمْ
____________
(1) القصص: 60.
(2) الصافّات: 137، 138، 139.
(3) العنكبوت: 43.
(4) البقرة: 165. ألفينا أي وجدنا.
(5) الأنفال: 22. و مثلها قوله تعالى في سورة البقرة: 41، 166. و سورة يونس: 43، و سورة الفرقان: 46. و سورة الحشر: 14.
(6) هذه الآية في سورة لقمان: 24 و فيه «بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ» كما في بعض نسخ الكافي و لعله سهو من الراوي أو اشتباه من النسّاخ.
(7) الأنعام: 116.
(8) الأنعام: 37. و نظيرها قوله تعالى: «بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ» النحل: 77 و آية 103. و سورة الأنبياء آية 24. و سورة النمل آية 62. و سورة لقمان: 24.
299
لَا يَشْعُرُونَ (1)- يَا هِشَامُ ثُمَّ مَدَحَ الْقِلَّةَ- فَقَالَ وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (2)- وَ قَالَ وَ قَلِيلٌ ما هُمْ (3) وَ قَالَ وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (4): يَا هِشَامُ ثُمَّ ذَكَرَ أُولِي الْأَلْبَابِ بِأَحْسَنِ الذِّكْرِ- وَ حَلَّاهُمْ بِأَحْسَنِ الْحِلْيَةِ- فَقَالَ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ- فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ (5)- يَا هِشَامُ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ- إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ (6)- يَعْنِي الْعَقْلَ وَ قَالَ وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ (7)- قَالَ الْفَهْمَ وَ الْعَقْلَ- يَا هِشَامُ إِنَّ لُقْمَانَ قَالَ لِابْنِهِ- تَوَاضَعْ لِلْحَقِّ تَكُنْ أَعْقَلَ النَّاسِ (8)- يَا بُنَيَّ إِنَّ الدُّنْيَا بَحْرٌ عَمِيقٌ قَدْ غَرِقَ فِيهِ عَالَمٌ كَثِيرٌ- فَلْتَكُنْ سَفِينَتُكَ فِيهَا تَقْوَى اللَّهِ- وَ حَشْوُهَا الْإِيمَانَ (9) وَ شِرَاعُهَا التَّوَكُّلَ وَ قَيِّمُهَا الْعَقْلَ- وَ دَلِيلُهَا الْعِلْمَ وَ سُكَّانُهَا الصَّبْرَ
____________
و سورة الزمر: 30 و كذا قوله تعالى: «بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ» سورة العنكبوت: 63 و قوله تعالى: «وَ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ» سورة المائدة: 102.
(1) مضمون مأخوذ من آى القرآن.
(2) سبأ: 13.
(3) ص: 23. «ما» تأكيد القلة.
(4) هود: 42.
(5) البقرة: 272. و نظيرها في سورة آل عمران: 187. و سورة الرعد:
19 و سورة ص: 28، و سورة الزمر: 12. و سورة المؤمن: 56.
(6) ق: 36.
(7) لقمان: 11. إلى هنا كان في الكافي بتقديم و تأخير.
(8) و زاد في الكافي «و ان الكيس لدى الحق يسير».
(9) الحشو: ما حشى به الشيء أي ملاء به و الظاهر أن ضمير «فيها» يرجع الى.
300
يَا هِشَامُ لِكُلِّ شَيْءٍ دَلِيلٌ وَ دَلِيلُ الْعَاقِلِ التَّفَكُّرُ- وَ دَلِيلُ التَّفَكُّرِ الصَّمْتُ وَ لِكُلِّ شَيْءٍ مَطِيَّةٌ- وَ مَطِيَّةُ الْعَاقِلِ التَّوَاضُعُ (1)- وَ كَفَى بِكَ جَهْلًا أَنْ تَرْكَبَ مَا نُهِيتَ عَنْهُ- يَا هِشَامُ لَوْ كَانَ فِي يَدِكَ جَوْزَةٌ وَ قَالَ النَّاسُ- فِي يَدِكَ لُؤْلُؤَةٌ مَا كَانَ يَنْفَعُكَ وَ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهَا جَوْزَةٌ- وَ لَوْ كَانَ فِي يَدِكَ لُؤْلُؤَةٌ وَ قَالَ النَّاسُ- إِنَّهَا جَوْزَةٌ مَا ضَرَّكَ وَ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهَا لُؤْلُؤَةٌ- يَا هِشَامُ مَا بَعَثَ اللَّهُ أَنْبِيَاءَهُ- وَ رُسُلَهُ إِلَى عِبَادِهِ إِلَّا لِيَعْقِلُوا عَنِ اللَّهِ- فَأَحْسَنُهُمُ اسْتِجَابَةً أَحْسَنُهُمْ مَعْرِفَةً لِلَّهِ- وَ أَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ أَحْسَنُهُمْ عَقْلًا- وَ أَعْقَلُهُمْ (2) أَرْفَعُهُمْ دَرَجَةً فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- يَا هِشَامُ مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَ مَلَكٌ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ- فَلَا يَتَوَاضَعُ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ وَ لَا يَتَعَاظَمُ إِلَّا وَضَعَهُ اللَّهُ- يَا هِشَامُ إِنَّ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حُجَّتَيْنِ حُجَّةً ظَاهِرَةً وَ حُجَّةً بَاطِنَةً- فَأَمَّا الظَّاهِرَةُ فَالرَّسُولُ وَ الْأَنْبِيَاءُ- وَ الْأَئِمَّةُ وَ أَمَّا الْبَاطِنَةُ فَالْعُقُولُ- يَا هِشَامُ إِنَّ الْعَاقِلَ الَّذِي لَا يَشْغَلُ الْحَلَالُ شُكْرَهُ- وَ لَا يَغْلِبُ الْحَرَامُ صَبْرَهُ- يَا هِشَامُ مَنْ سَلَّطَ ثَلَاثاً عَلَى ثَلَاثٍ- فَكَأَنَّمَا أَعَانَ هَوَاهُ عَلَى هَدْمِ عَقْلِهِ- مَنْ أَظْلَمَ نُورُ فِكْرِهِ (3) بِطُولِ أَمَلِهِ- وَ مَحَا طَرَائِفَ حِكْمَتِهِ بِفُضُولِ كَلَامِهِ- وَ أَطْفَأَ نُورَ عِبْرَتِهِ بِشَهَوَاتِ نَفْسِهِ- فَكَأَنَّمَا أَعَانَ هَوَاهُ عَلَى هَدْمِ عَقْلِهِ- وَ مَنْ هَدَمَ عَقْلَهُ أَفْسَدَ عَلَيْهِ دِينَهُ وَ دُنْيَاهُ
____________
الدنيا و ضمير حشوها و ما بعده يرجع الى السفينة. و في بعض النسخ «فلتكن سفينتك منها». و «حشوها» فى بعض النسخ «جسرها». و شراع السفينة- بالكسر-: ما يرفع فوقها من ثوب و غيره ليدخل فيه الريح فتجريها.
(1) في الكافي مكان العاقل «العقل» فى الموضعين.
(2) في الكافي «و أكملهم عقلا».
(3) في الكافي «من أظلم نور تفكره».
301
يَا هِشَامُ كَيْفَ يَزْكُو عِنْدَ اللَّهِ عَمَلُكَ- وَ أَنْتَ قَدْ شَغَلْتَ عَقْلَكَ عَنْ أَمْرِ رَبِّكَ- وَ أَطَعْتَ هَوَاكَ عَلَى غَلَبَةِ عَقْلِكَ- يَا هِشَامُ الصَّبْرُ عَلَى الْوَحْدَةِ عَلَامَةُ قُوَّةِ الْعَقْلِ- فَمَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- اعْتَزَلَ أَهْلَ الدُّنْيَا وَ الرَّاغِبِينَ فِيهَا- وَ رَغِبَ فِيمَا عِنْدَ رَبِّهِ- وَ كَانَ اللَّهُ آنِسَهُ فِي الْوَحْشَةِ وَ صَاحِبَهُ فِي الْوَحْدَةِ- وَ غِنَاهُ فِي الْعَيْلَةِ وَ مُعِزَّهُ فِي غَيْرِ عَشِيرَةٍ (1)- يَا هِشَامُ نُصِبَ الْخَلْقُ لِطَاعَةِ اللَّهِ (2)- وَ لَا نَجَاةَ إِلَّا بِالطَّاعَةِ وَ الطَّاعَةُ بِالْعِلْمِ- وَ الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ وَ التَّعَلُّمُ بِالْعَقْلِ يُعْتَقَدُ (3)- وَ لَا عِلْمَ إِلَّا مِنْ عَالِمٍ رَبَّانِيٍّ وَ مَعْرِفَةُ الْعَالِمِ بِالْعَقْلِ- يَا هِشَامُ قَلِيلُ الْعَمَلِ مِنَ الْعَاقِلِ مَقْبُولٌ مُضَاعَفٌ- وَ كَثِيرُ الْعَمَلِ مِنْ أَهْلِ الْهَوَى وَ الْجَهْلِ مَرْدُودٌ- يَا هِشَامُ إِنَّ الْعَاقِلَ رَضِيَ بِالدُّونِ مِنَ الدُّنْيَا مَعَ الْحِكْمَةِ- وَ لَمْ يَرْضَ بِالدُّونِ مِنَ الْحِكْمَةِ مَعَ الدُّنْيَا- فَلِذَلِكَ رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ- يَا هِشَامُ إِنْ كَانَ يُغْنِيكَ مَا يَكْفِيكَ- فَأَدْنَى مَا فِي الدُّنْيَا يَكْفِيكَ- وَ إِنْ كَانَ لَا يُغْنِيكَ مَا يَكْفِيكَ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا يُغْنِيكَ- يَا هِشَامُ إِنَّ الْعُقَلَاءَ تَرَكُوا فُضُولَ الدُّنْيَا فَكَيْفَ الذُّنُوبَ- وَ تَرْكُ الدُّنْيَا مِنَ الْفَضْلِ- وَ تَرْكُ الذُّنُوبِ مِنَ الْفَرْضِ (4)- يَا هِشَامُ إِنَّ الْعُقَلَاءَ زَهِدُوا فِي الدُّنْيَا وَ رَغِبُوا فِي الْآخِرَةِ- لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَ
____________
(1) العيلة: الفاقة.
(2) نصب- من باب علم-: تعب و أعيا. و في الكافي «و نصب الحق لطاعة اللّه».
(3) اعتقد الشيء: نقيض حله. و في بعض النسخ «يعتقل» هو أيضا نقيض حل أي يمسك و يشد.
(4) و زاد في الكافي «يا هشام ان العاقل نظر الى الدنيا و الى أهلها فعلم أنّها لا تنال الا بالمشقة و نظر الى الآخرة فعلم انها لا تنال الا بالمشقة، فطلب بالمشقة أبقاهما».
302
الدُّنْيَا طَالِبَةٌ وَ مَطْلُوبَةٌ (1)- وَ الْآخِرَةَ طَالِبَةٌ وَ مَطْلُوبَةٌ- فَمَنْ طَلَبَ الْآخِرَةَ طَلَبَتْهُ الدُّنْيَا- حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مِنْهَا رِزْقَهُ وَ مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا طَلَبَتْهُ الْآخِرَةُ- فَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ فَيُفْسِدُ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَ آخِرَتَهُ- يَا هِشَامُ مَنْ أَرَادَ الْغِنَى بِلَا مَالٍ وَ رَاحَةَ الْقَلْبِ مِنَ الْحَسَدِ- وَ السَّلَامَةَ فِي الدِّينِ- فَلْيَتَضَرَّعْ إِلَى اللَّهِ فِي مَسْأَلَتِهِ بِأَنْ يُكَمِّلَ عَقْلَهُ- فَمَنْ عَقَلَ قَنِعَ بِمَا يَكْفِيهِ وَ مَنْ قَنِعَ بِمَا يَكْفِيهِ اسْتَغْنَى- وَ مَنْ لَمْ يَقْنَعْ بِمَا يَكْفِيهِ لَمْ يُدْرِكِ الْغِنَى أَبَداً- يَا هِشَامُ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَ عَزَّ حَكَى عَنْ قَوْمٍ صَالِحِينَ- أَنَّهُمْ قَالُوا رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا- وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (2)- حِينَ عَلِمُوا أَنَّ الْقُلُوبَ تَزِيغُ وَ تَعُودُ إِلَى عَمَاهَا وَ رَدَاهَا (3)- إِنَّهُ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ مَنْ لَمْ يَعْقِلْ عَنِ اللَّهِ- وَ مَنْ لَمْ يَعْقِلْ عَنِ اللَّهِ لَمْ يُعْقَدْ قَلْبُهُ- عَلَى مَعْرِفَةٍ ثَابِتَةٍ يُبْصِرُهَا وَ يَجِدُ حَقِيقَتَهَا فِي قَلْبِهِ- وَ لَا يَكُونُ أَحَدٌ كَذَلِكَ إِلَّا مَنْ كَانَ قَوْلُهُ لِفِعْلِهِ مُصَدِّقاً- وَ سِرُّهُ لِعَلَانِيَتِهِ مُوَافِقاً- لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَدُلَ (4) عَلَى الْبَاطِنِ الْخَفِيِّ مِنَ الْعَقْلِ- إِلَّا بِظَاهِرٍ مِنْهُ وَ نَاطِقٍ عَنْهُ- يَا هِشَامُ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَقُولُ- مَا مِنْ شَيْءٍ عُبِدَ اللَّهُ بِهِ (5) أَفْضَلَ مِنَ الْعَقْلِ- وَ مَا تَمَّ عَقْلُ امْرِئٍ حَتَّى يَكُونَ فِيهِ خِصَالٌ شَتَّى- الْكُفْرُ وَ الشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونَانِ (6)- وَ الرُّشْدُ وَ الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولَانِ (7) وَ فَضْلُ مَالِهِ مَبْذُولٌ- وَ فَضْلُ قَوْلِهِ مَكْفُوفٌ نَصِيبُهُ
____________
(1) في الكافي «أن الدنيا طالبة مطلوبة و أن الآخرة طالبة و مطلوبة.
(2) آل عمران: 7.
(3) الردى: الهلاك.
(4) في بعض النسخ «لا يدل».
(5) في الكافي «ما عبد اللّه بشيء».
(6) الكفر في الاعتقاد، و الشر في القول و العمل، و الكل ينشأ من الجهل. و في بعض النسخ «مأمون».
(7) الرشد في الاعتقاد و الخير في القول و الكل ناش من العقل. و في بعض النسخ «مأمول».
303
مِنَ الدُّنْيَا الْقُوتُ- وَ لَا يَشْبَعُ مِنَ الْعِلْمِ دَهْرَهُ- الذُّلُّ أَحَبُّ إِلَيْهِ مَعَ اللَّهِ مِنَ الْعِزِّ مَعَ غَيْرِهِ- وَ التَّوَاضُعُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الشَّرَفِ يَسْتَكْثِرُ قَلِيلَ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِهِ- وَ يَسْتَقِلُّ كَثِيرَ الْمَعْرُوفِ مِنْ نَفْسِهِ- وَ يَرَى النَّاسَ كُلَّهُمْ خَيْراً مِنْهُ وَ أَنَّهُ شَرُّهُمْ فِي نَفْسِهِ- وَ هُوَ تَمَامُ الْأَمْرِ (1)- يَا هِشَامُ مَنْ صَدَقَ لِسَانُهُ زَكَى عَمَلُهُ- وَ مَنْ حَسُنَتْ نِيَّتُهُ زِيدَ فِي رِزْقِهِ- وَ مَنْ حَسُنَ بِرُّهُ بِإِخْوَانِهِ وَ أَهْلِهِ مُدَّ فِي عُمُرِهِ- يَا هِشَامُ لَا تَمْنَحُوا الْجُهَّالَ الْحِكْمَةَ فَتَظْلِمُوهَا (2)- وَ لَا تَمْنَعُوهَا أَهْلَهَا فَتَظْلِمُوهُمْ- يَا هِشَامُ كَمَا تَرَكُوا لَكُمُ الْحِكْمَةَ فَاتْرُكُوا لَهُمُ الدُّنْيَا (3)- يَا هِشَامُ لَا دِينَ لِمَنْ لَا مُرُوَّةَ لَهُ وَ لَا مُرُوَّةَ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ- وَ إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ قَدْراً- الَّذِي لَا يَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِهِ خَطَراً (4)- أَمَا إِنَّ أَبْدَانَكُمْ لَيْسَ لَهَا ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةُ- فَلَا تَبِيعُوهَا بِغَيْرِهَا (5)
____________
(1) أي ملاك الامر و تمامه في أن يكون الإنسان كاملا تام العقل هو كونه متصفا بمجموعة هذه الخصال.
(2) لا تمنحوا الجهال أي لا تعطوهم و لا تعلموهم. و المنحة: العطاء.
(3) في الكافي هاهنا «يا هشام ان العاقل لا يكذب و ان كان فيه هواه».
(4) أي قدرا و رفعة. و الخطر: الحظ و النصيب و القدر و المنزلة.
(5) هاهنا كلام نقله صاحب الوافي عن استاذه- رحمهما اللّه- قال: ذلك لان الأبدان في التناقص يوما فيوما لتوجه النفس منها الى عالم آخر فان كانت النفس سعيدة كانت غاية سعيه في هذه الدنيا و انقطاع حياته البدنية إلى اللّه سبحانه و الى نعيم الجنة لكونه على منهج الهداية و الاستقامة فكأنّه باع بدنه بثمن الجنة معاملة مع اللّه تعالى و لهذا خلقه اللّه عزّ و جلّ و ان كانت شقية كانت غاية سعيه و انقطاع أجله و عمره الى مقارنة الشيطان و عذاب النيران لكونه على طريق الضلالة فكأنّه باع بدنه بثمن الشهوات الفانية و اللذات الحيوانية التي ستصير نيرانات محرقة مؤلمة و هي اليوم كامنة مستورة عن حواس أهل الدنيا و ستبرز يوم القيامة «و برزت الجحيم لمن يرى» معاملة مع الشيطان و خسر هنالك المبطلون.
304
يَا هِشَامُ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)كَانَ يَقُولُ (1)- لَا يَجْلِسُ فِي صَدْرِ الْمَجْلِسِ إِلَّا رَجُلٌ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ- يُجِيبُ إِذَا سُئِلَ وَ يَنْطِقُ إِذَا عَجَزَ الْقَوْمُ عَنِ الْكَلَامِ- وَ يُشِيرُ بِالرَّأْيِ الَّذِي فِيهِ صَلَاحُ أَهْلِهِ- فَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهُنَّ فَجَلَسَ فَهُوَ أَحْمَقُ- وَ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(ع) إِذَا طَلَبْتُمُ الْحَوَائِجَ فَاطْلُبُوهَا مِنْ أَهْلِهَا- قِيلَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَ مَنْ أَهْلُهَا- قَالَ الَّذِينَ قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَ ذَكَرَهُمْ- فَقَالَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (2)- قَالَ هُمْ أُولُو الْعُقُولِ وَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع) مُجَالَسَةُ الصَّالِحِينَ دَاعِيَةٌ إِلَى الصَّلَاحِ- وَ أَدَبُ الْعُلَمَاءِ (3) زِيَادَةٌ فِي الْعَقْلِ- وَ طَاعَةُ وُلَاةِ الْعَدْلِ تَمَامُ الْعِزِّ- وَ اسْتِثْمَارُ الْمَالِ (4) تَمَامُ الْمُرُوَّةِ- وَ إِرْشَادُ الْمُسْتَشِيرِ قَضَاءٌ لِحَقِّ النِّعْمَةِ- وَ كَفُّ الْأَذَى مِنْ كَمَالِ الْعَقْلِ- وَ فِيهِ رَاحَةُ الْبَدَنِ عَاجِلًا وَ آجِلًا- يَا هِشَامُ إِنَّ الْعَاقِلَ لَا يُحَدِّثُ مَنْ يَخَافُ تَكْذِيبَهُ- وَ لَا يَسْأَلُ مَنْ يَخَافُ مَنْعَهُ- وَ لَا يَعِدُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَ لَا يَرْجُو مَا يُعَنَّفُ بِرَجَائِهِ (5)- وَ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى مَا يَخَافُ الْعَجْزَ عَنْهُ (6)- وَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يُوصِي أَصْحَابَهُ يَقُولُ- أُوصِيكُمْ بِالْخَشْيَةِ
____________
(1) في الكافي «ان من علامة العاقل أن يكون فيه ثلاث خصال: يجيب إذا سئل و ينطق إذا عجز القوم عن الكلام. و يشير بالرأى الذي يكون فيه صلاح أهله، فمن لم يكن فيه من هذه الخصال الثلاث شيء فهو أحمق، ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: لا يجلس في صدر المجلس الا رجل فيه هذه الخصال الثلاث أو واحدة منهن- الخ».
(2) الزمر: 12.
(3) في الكافي «و آداب العلماء».
(4) أي استنماؤه بالكسب و التجارة.
(5) التعنيف: اللؤم و التوبيخ و التقريع. و المراد ان العاقل لا يرجو فوق ما يستحقه و ما لم يستعده.
(6) في الكافي «و لا يقدم على ما يخاف فوته بالعجز عنه». أى لا يبادر الى فعل قبل أوانه خوفا من أن يفوته بالعجز عنه في وقته.
305
مِنَ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَ الْعَلَانِيَةِ- وَ الْعَدْلِ فِي الرِّضَا وَ الْغَضَبِ وَ الِاكْتِسَابِ فِي الْفَقْرِ وَ الْغِنَى- وَ أَنْ تَصِلُوا مَنْ قَطَعَكُمْ وَ تَعْفُوا عَمَّنْ ظَلَمَكُمْ- وَ تُعْطُوا (1) عَلَى مَنْ حَرَمَكُمْ وَ لْيَكُنْ نَظَرُكُمْ عَبَراً- وَ صَمْتُكُمْ فِكْراً وَ قَوْلُكُمْ ذِكْراً- وَ طَبِيعَتُكُمُ السَّخَاءَ (2) فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بَخِيلٌ وَ لَا يَدْخُلُ النَّارَ سَخِيٌّ- يَا هِشَامُ رَحِمَ اللَّهُ مَنِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ- فَحَفِظَ الرَّأْسَ وَ مَا حَوَى (3)- وَ الْبَطْنَ وَ مَا وَعَى وَ ذَكَرَ الْمَوْتَ وَ الْبِلَى- وَ عَلِمَ أَنَّ الْجَنَّةَ مَحْفُوفَةٌ بِالْمَكَارِهِ (4)- وَ النَّارَ مَحْفُوفَةٌ بِالشَّهَوَاتِ- يَا هِشَامُ مَنْ كَفَّ نَفْسَهُ عَنْ أَعْرَاضِ النَّاسِ- أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ عَنِ النَّاسِ كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ غَضَبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا هِشَامُ إِنَّ الْعَاقِلَ لَا يَكْذِبُ وَ إِنْ كَانَ فِيهِ هَوَاهُ- يَا هِشَامُ وُجِدَ فِي ذُؤَابَةِ (5) سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ص أَنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ
____________
(1) في بعض نسخ المصدر «و تعطفوا».
(2) في بعض نسخ المصدر «و إيّاكم و البخل و عليكم بالسخاء».
(3) «و ما حوى» أي ما حواه الرأس من الاوهام و الأفكار بأن يحفظها و لا يبديها و يمكن أن يكون المراد ما حواه الرأس من العين و الاذن و سائر المشاعر بأن يحفظها عما يحرم عليه. و ما وعى أي ما جمعه من الطعام و الشراب بأن لا يكونا من حرام. و البلى- بالكسر-: الاندراس و الاضمحلال.
(4) المحفوفة: المحيطة و المكاره: جمع مكرهة- بفتح الراء و ضمها-: ما يكرهه الإنسان و يشق عليه. و المراد أن الجنة محفوفة بما يكره النفس من الأقوال و الافعال فتعمل بها، فمن عمل بها دخل الجنة، و النار محفوفة بلذات النفس و شهواتها، فمن أعطى نفسه لذتها و شهوتها دخل النار.
(5) الذؤابة من كل شيء: أعلاه. و من السيف: علاقته. و من السوط: طرفه.
و من الشعر: ناصيته. و عتا يعتو عتوا، و عتى يعني عتيا بمعنى واحد أي استكبر و تجاوز الحد، و العتو: الطغيان و التجاوز عن الحدود و التجبر.
306
مَنْ ضَرَبَ غَيْرَ ضَارِبِهِ- وَ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ وَ مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَهُوَ كَافِرٌ- بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ص وَ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثاً (1) أَوْ آوَى مُحْدِثاً- لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفاً وَ لَا عَدْلًا- يَا هِشَامُ أَفْضَلُ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعَبْدُ- إِلَى اللَّهِ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِهِ الصَّلَاةُ- وَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَ تَرْكُ الْحَسَدِ وَ الْعُجْبِ وَ الْفَخْرِ- يَا هِشَامُ أَصْلَحُ أَيَّامِكَ الَّذِي هُوَ أَمَامَكَ- فَانْظُرْ أَيُّ يَوْمٍ هُوَ وَ أَعِدَّ لَهُ الْجَوَابَ- فَإِنَّكَ مَوْقُوفٌ وَ مَسْئُولٌ وَ خُذْ مَوْعِظَتَكَ مِنَ الدَّهْرِ وَ أَهْلَهُ- فَإِنَّ الدَّهْرَ طَوِيلَةٌ قَصِيرَةٌ- فَاعْمَلْ كَأَنَّكَ تَرَى ثَوَابَ عَمَلِكَ لتكن [لِتَكُونَ أَطْمَعَ فِي ذَلِكَ- وَ اعْقِلْ عَنِ اللَّهِ وَ انْظُرْ (2) فِي تَصَرُّفِ الدَّهْرِ وَ أَحْوَالِهِ- فَإِنَّ مَا هُوَ آتٍ مِنَ الدُّنْيَا كَمَا وَلَّى مِنْهَا فَاعْتَبِرْ بِهَا- وَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع) إِنَّ جَمِيعَ مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَ مَغَارِبِهَا- بَحْرِهَا وَ بَرِّهَا وَ سَهْلِهَا وَ جَبَلِهَا عِنْدَ وَلِيٍّ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ- وَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِحَقِّ اللَّهِ كَفَيْئِ الظِّلَالِ- ثُمَّ قَالَ(ع)أَ وَ لَا حُرٌّ يَدَعُ هَذِهِ اللُّمَاظَةَ لِأَهْلِهَا (3) يَعْنِي الدُّنْيَا فَلَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةُ فَلَا تَبِيعُوهَا بِغَيْرِهَا- فَإِنَّهُ مَنْ رَضِيَ مِنَ اللَّهِ بِالدُّنْيَا فَقَدْ رَضِيَ بِالْخَسِيسِ- يَا هِشَامُ إِنَّ كُلَّ النَّاسِ يُبْصِرُ النُّجُومَ- وَ لَكِنْ لَا يَهْتَدِي بِهَا إِلَّا مَنْ يَعْرِفُ مَجَارِيَهَا وَ مَنَازِلَهَا- وَ كَذَلِكَ أَنْتُمْ تَدْرُسُونَ الْحِكْمَةَ- وَ لَكِنْ لَا يَهْتَدِي بِهَا مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ عَمِلَ بِهَا- يَا هِشَامُ إِنَّ الْمَسِيحَ(ع)قَالَ لِلْحَوَارِيِّينَ- يَا عَبِيدَ السَّوْءِ يَهُولُكُمْ طُولُ النَّخْلَةِ (4)- وَ تَذْكُرُونَ شَوْكَهَا وَ مَئُونَةَ مَرَاقِيهَا- وَ تَنْسَوْنَ طِيبَ ثَمَرِهَا
____________
(1) الحدث: الامر الحادث الذي ليس بمعتاد و لا معروف في السنة.
(2) «عقل عن اللّه»: عرف عنه و بلغ عقله الى حدّ يأخذ العلم عن اللّه فكأنّه أخذ العلم عن كتاب اللّه و سنة نبيه (صلّى اللّه عليه و آله).
(3) اللماظة- بالضم- بقية الطعام في الفم. و أيضا بقية الشيء القليل. و المراد بها هنا الدنيا.
(4) يهولكم أي يفزعكم و عظم عليكم.
307
وَ مَرَافِقَهَا (1)- كَذَلِكَ تَذْكُرُونَ مَئُونَةَ عَمَلِ الْآخِرَةِ- فَيَطُولُ عَلَيْكُمْ أَمَدُهُ- وَ تَنْسَوْنَ مَا تُفْضُونَ إِلَيْهِ مِنْ نَعِيمِهَا وَ نَوْرِهَا وَ ثَمَرِهَا (2)- يَا عَبِيدَ السَّوْءِ نَقُّوا الْقَمْحَ وَ طَيِّبُوهُ- وَ أَدِقُّوا طَحْنَهُ تَجِدُوا طَعْمَهُ وَ يَهْنِئْكُمْ أَكْلُهُ- كَذَلِكَ فَأَخْلِصُوا الْإِيمَانَ- وَ أَكْمِلُوهُ تَجِدُوا حَلَاوَتَهُ وَ يَنْفَعْكُمْ غِبُّهُ (3)- بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ لَوْ وَجَدْتُمْ سِرَاجاً يَتَوَقَّدُ بِالْقَطِرَانِ (4)- فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ لَاسْتَضَأْتُمْ بِهِ وَ لَمْ يَمْنَعْكُمْ مِنْهُ رِيحُ نَتْنِهِ- كَذَلِكَ يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا الْحِكْمَةَ- مِمَّنْ وَجَدْتُمُوهَا مَعَهُ- وَ لَا يَمْنَعْكُمْ مِنْهُ سُوءُ رَغْبَتِهِ فِيهَا- يَا عَبِيدَ الدُّنْيَا بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ- لَا تُدْرِكُونَ شَرَفَ الْآخِرَةِ إِلَّا بِتَرْكِ مَا تُحِبُّونَ- فَلَا تُنْظِرُوا بِالتَّوْبَةِ غَداً- فَإِنَّ دُونَ غَدٍ يَوْماً وَ لَيْلَةً- وَ قَضَاءَ اللَّهِ (5) فِيهِمَا يَغْدُو وَ يَرُوحُ بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ مَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِنَ النَّاسِ أَرْوَحُ- وَ أَقَلُّ هَمّاً مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَ إِنْ أَحْسَنَ الْقَضَاءَ- وَ كَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَعْمَلِ الْخَطِيئَةَ أَرْوَحُ هَمّاً [مِمَّنْ عَمِلَ الْخَطِيئَةَ- وَ إِنْ أَخْلَصَ التَّوْبَةَ وَ أَنَابَ- وَ إِنَّ صِغَارَ الذُّنُوبِ وَ مُحَقَّرَاتِهَا (6) مِنْ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ- يُحَقِّرُهَا لَكُمْ وَ يُصَغِّرُهَا فِي أَعْيُنِكُمْ- فَتَجْتَمِعُ وَ تَكْثُرُ فَتُحِيطُ بِكُمْ- بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ النَّاسَ فِي الْحِكْمَةِ رَجُلَانِ- فَرَجُلٌ أَتْقَنَهَا بِقَوْلِهِ وَ صَدَّقَهَا بِفِعْلِهِ- وَ رَجُلٌ أَتْقَنَهَا
____________
(1) مئونة المراقى: شدة الارتقاء. و المرافق: المنافع و هي جمع مرفق- بالفتح-:
ما انتفع به.
(2) الامد: الغاية و منتهى الشيء، يقال: طال عليهم الامد أي الأجل. و النور بالفتح-: الزهرة.
(3) الغب- بالكسر-: العاقبة. و أيضا بمعنى البعد.
(4) القطران- بفتح القاف و سكون الطاء و كسرها أو بكسر القاف و سكون الطاء-:
سيال دهنى شبيه النفط، يتخذ من بعض الاشجار كالصنوبر و الأرز فيهنأ به الإبل الجربى و يسرع فيه اشعال النار. و قوله: «نتنه» أي خبث رائحته.
(5) كناية عن الموت فانه يأتي في الغداة و الرواح.
(6) في بعض النسخ «و محقرتها».
308
بِقَوْلِهِ وَ ضَيَّعَهَا بِسُوءِ فِعْلِهِ- فَشَتَّانَ بَيْنَهُمَا فَطُوبَى لِلْعُلَمَاءِ بِالْفِعْلِ- وَ وَيْلٌ لِلْعُلَمَاءِ بِالْقَوْلِ- يَا عَبِيدَ السَّوْءِ اتَّخِذُوا مَسَاجِدَ رَبِّكُمْ- سُجُوناً لِأَجْسَادِكُمْ وَ جِبَاهِكُمْ- وَ اجْعَلُوا قُلُوبَكُمْ بُيُوتاً لِلتَّقْوَى- وَ لَا تَجْعَلُوا قُلُوبَكُمْ مَأْوًى لِلشَّهَوَاتِ- إِنَّ أَجْزَعَكُمْ عِنْدَ الْبَلَاءِ لَأَشَدُّكُمْ حُبّاً لِلدُّنْيَا- وَ إِنَّ أَصْبَرَكُمْ عَلَى الْبَلَاءِ لَأَزْهَدُكُمْ فِي الدُّنْيَا- يَا عَبِيدَ السَّوْءِ لَا تَكُونُوا شَبِيهاً بِالْحِدَاءِ الْخَاطِفَةِ (1)- وَ لَا بِالثَّعَالِبِ الْخَادِعَةِ وَ لَا بِالذِّئَابِ الْغَادِرَةِ- وَ لَا بِالْأُسُدِ الْعَاتِيَةِ كَمَا تَفْعَلُ بالفراس [بِالْفَرَائِسِ (2)- كَذَلِكَ تَفْعَلُونَ بِالنَّاسِ- فَرِيقاً تَخْطَفُونَ وَ فَرِيقاً تَخْدَعُونَ- وَ فَرِيقاً تَغْدِرُونَ بِهِمْ (3) بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ- لَا يُغْنِي عَنِ الْجَسَدِ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرُهُ صَحِيحاً وَ بَاطِنُهُ فَاسِداً- كَذَلِكَ لَا تُغْنِي أَجْسَادُكُمُ الَّتِي قَدْ أَعْجَبَتْكُمْ- وَ قَدْ فَسَدَتْ قُلُوبُكُمْ- وَ مَا يُغْنِي عَنْكُمْ أَنْ تُنَقُّوا جُلُودَكُمْ وَ قُلُوبُكُمْ دَنِسَةٌ- لَا تَكُونُوا كَالْمُنْخُلِ (4) يُخْرِجُ مِنْهُ الدَّقِيقَ الطَّيِّبَ- وَ يُمْسِكُ النُّخَالَةَ- كَذَلِكَ أَنْتُمْ تُخْرِجُونَ الْحِكْمَةَ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ- وَ يَبْقَى الْغِلُّ فِي صُدُورِكُمْ- يَا عَبِيدَ الدُّنْيَا إِنَّمَا مَثَلُكُمْ مَثَلُ السِّرَاجِ- يُضِيءُ لِلنَّاسِ وَ يُحْرِقُ نَفْسَهُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ زَاحِمُوا الْعُلَمَاءَ فِي مَجَالِسِهِمْ- وَ لَوْ جُثُوّاً عَلَى الرُّكَبِ (5)- فَإِنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْقُلُوبَ الْمَيْتَةَ بِنُورِ الْحِكْمَةِ- كَمَا يُحْيِي الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ بِوَابِلِ الْمَطَرِ (6)
____________
(1) الحداء- بالكسر-: جمع حدأة- كعنبة-: طائر من الجوارح و هو نوع من الغراب يخطف الأشياء، و الخاطفة من خطف الشيء يخطف كعلم يعلم-: استلبه بسرعة و الغادرة: الخائنة. و العاتى: الجبار.
(2) الفريسة: ما يفترسه الأسد و نحوه. و في بعض النسخ «بالفراش».
(3) في بعض النسخ «و فريقا تقدرون بهم».
(4) المنخل- بضم الميم و الخاء أو بفتح الخاء-: ما ينخل به. و النخالة- بالضم-:
ما بقى في المنخل من القشر و نحوه.
(5) جثا يجثو. و جثى يجثى: جلس على ركبته أو قام على أطراف الأصابع. و في بعض النسخ «حبوا» أي زحفا على الركب من حبا يحبو و حبى يحبى: إذا مشى على أربع.
(6) الوابل: المطر الشديد الضخم القطر.
309
يَا هِشَامُ مَكْتُوبٌ فِي الْإِنْجِيلِ طُوبَى لِلْمُتَرَاحِمِينَ- أُولَئِكَ هُمُ الْمَرْحُومُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ طُوبَى لِلْمُصْلِحِينَ بَيْنَ النَّاسِ- أُولَئِكَ هُمُ الْمُقَرَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ طُوبَى لِلْمُطَهَّرَةِ قُلُوبُهُمْ- أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ طُوبَى لِلْمُتَوَاضِعِينَ فِي الدُّنْيَا- أُولَئِكَ يَرْتَقُونَ مَنَابِرَ الْمُلْكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا هِشَامُ قِلَّةُ الْمَنْطِقِ حُكْمٌ عَظِيمٌ فَعَلَيْكُمْ- بِالصَّمْتِ- فَإِنَّهُ دَعَةٌ حَسَنَةٌ وَ قِلَّةُ وِزْرٍ وَ خِفَّةٌ مِنَ الذُّنُوبِ- فَحَصِّنُوا بَابَ الْحِلْمِ فَإِنَّ بَابَهُ الصَّبْرُ- وَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يُبْغِضُ الضَّحَّاكَ مِنْ غَيْرِ عَجَبٍ- وَ الْمَشَّاءَ إِلَى غَيْرِ أَرَبٍ (1)- وَ يَجِبُ عَلَى الْوَالِي أَنْ يَكُونَ كَالرَّاعِي لَا يَغْفُلُ عَنْ رَعِيَّتِهِ- وَ لَا يَتَكَبَّرُ عَلَيْهِمْ فَاسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ فِي سَرَائِرِكُمْ- كَمَا تَسْتَحْيُونَ مِنَ النَّاسِ فِي عَلَانِيَتِكُمْ- وَ اعْلَمُوا أَنَّ الْكَلِمَةَ مِنَ الْحِكْمَةِ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ- فَعَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ- وَ رَفْعُهُ غَيْبَةُ عَالِمِكُمْ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ- يَا هِشَامُ تَعَلَّمْ مِنَ الْعِلْمِ مَا جَهِلْتَ- وَ عَلِّمِ الْجَاهِلَ مِمَّا عُلِّمْتَ عَظِّمِ الْعَالِمَ لِعِلْمِهِ وَ دَعْ مُنَازَعَتَهُ- وَ صَغِّرِ الْجَاهِلَ لِجَهْلِهِ وَ لَا تَطْرُدْهُ وَ لَكِنْ قَرِّبْهُ وَ عَلِّمْهُ- يَا هِشَامُ إِنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ عَجَزْتَ عَنْ شُكْرِهَا- بِمَنْزِلَةِ سَيِّئَةٍ تُؤَاخَذُ بِهَا- وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات اللّه عليه)- إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً كَسَرَتْ قُلُوبَهُمْ خَشْيَةٌ- فَأَسْكَتَتْهُمْ عَنِ الْمَنْطِقِ وَ إِنَّهُمْ لَفُصَحَاءُ عُقَلَاءُ- يَسْتَبِقُونَ إِلَى اللَّهِ بِالْأَعْمَالِ الزَّكِيَّةِ- لَا يَسْتَكْثِرُونَ لَهُ الْكَثِيرَ- وَ لَا يَرْضَوْنَ لَهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ بِالْقَلِيلِ- يَرَوْنَ فِي أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ أَشْرَارٌ وَ إِنَّهُمْ لَأَكْيَاسٌ وَ أَبْرَارٌ (2)- يَا هِشَامُ الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ وَ الْإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ- وَ الْبَذَاءُ مِنَ الْجَفَاءِ (3) وَ الْجَفَاءُ فِي النَّارِ
____________
(1) المشاء: الكثير المشى. و أيضا النمام و المراد هاهنا الأول. و الارب- بفتحتين-:
الحاجة.
(2) الاكياس: جمع كيس- كسيد-: الفطن، الظريف، الحسن الفهم و الأدب.
(3) البذاء: الفحش. و البذى- على فعيل-: السفيه و الذي أفحش في منطقه.
310
يَا هِشَامُ الْمُتَكَلِّمُونَ ثَلَاثَةٌ فَرَابِحٌ وَ سَالِمٌ وَ شَاجِبٌ (1)- فَأَمَّا الرَّابِحُ فَالذَّاكِرُ لِلَّهِ- وَ أَمَّا السَّالِمُ فَالسَّاكِتُ- وَ أَمَّا الشَّاجِبُ فَالَّذِي يَخُوضُ فِي الْبَاطِلِ- إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْجَنَّةَ عَلَى كُلِّ فَاحِشٍ بَذِيٍّ- قَلِيلِ الْحَيَاءِ لَا يُبَالِي مَا قَالَ وَ لَا مَا قِيلَ فِيهِ- وَ كَانَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ- يَا مُبْتَغِيَ الْعِلْمِ إِنَّ هَذَا اللِّسَانَ مِفْتَاحُ خَيْرٍ وَ مِفْتَاحُ شَرٍّ- فَاخْتِمْ عَلَى فِيكَ كَمَا تَخْتِمُ عَلَى ذَهَبِكَ وَ وَرِقِكَ- يَا هِشَامُ بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَكُونُ ذَا وَجْهَيْنِ وَ ذَا لِسَانَيْنِ- يُطْرِي أَخَاهُ إِذَا شَاهَدَهُ (2) وَ يَأْكُلُهُ إِذَا غَابَ عَنْهُ- إِنْ أُعْطِيَ حَسَدَهُ وَ إِنِ ابْتُلِيَ خَذَلَهُ إِنَّ أَسْرَعَ الْخَيْرِ ثَوَاباً الْبِرُّ- وَ أَسْرَعَ الشَّرِّ عُقُوبَةً الْبَغْيُ- وَ إِنَّ شَرَّ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ تُكْرَهُ مُجَالَسَتُهُ لِفُحْشِهِ- وَ هَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ- وَ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُ مَا لَا يَعْنِيهِ- يَا هِشَامُ لَا يَكُونُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً- حَتَّى يَكُونَ خَائِفاً رَاجِياً- وَ لَا يَكُونُ خَائِفاً رَاجِياً حَتَّى يَكُونَ عَامِلًا لِمَا يَخَافُ وَ يَرْجُو- يَا هِشَامُ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَ عَزَّ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي- وَ عَظَمَتِي وَ قُدْرَتِي وَ بَهَائِي وَ عُلُوِّي فِي مَكَانِي- لَا يُؤْثِرُ عَبْدٌ هَوَايَ عَلَى هَوَاهُ إِلَّا جَعَلْتُ الْغِنَى فِي نَفْسِهِ- وَ هَمَّهُ فِي آخِرَتِهِ- وَ كَفَفْتُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ (3)- وَ ضَمَّنْتُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ رِزْقَهُ- وَ كُنْتُ لَهُ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَةِ كُلِّ تَاجِرٍ (4)- يَا هِشَامُ الْغَضَبُ مِفْتَاحُ الشَّرِّ- وَ أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَاناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً وَ إِنْ خَالَطْتَ النَّاسَ- فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تُخَالِطَ أَحَداً مِنْهُمْ- إِلَّا مَنْ كَانَتْ يَدُكَ عَلَيْهِ الْعُلْيَا (5) فَافْعَلْ
____________
(1) الشاجب: الهذاء المكثار أي كثير الهذيان و كثير الكلام. و أيضا الهالك. و هو الانسب.
(2) أي يحسن الثناء و بالغ في مدحه إذا شاهده، و يعيبه بالسوء و يذمه إذا غاب.
(3) الضيعة- بالفتح-: حرفة الرجل و صناعته و في بعض النسخ «صنعته».
(4) أي مضافا على ربح تجارتهم.
(5) اليد العلياء: المعطية المتعففة.
311
يَا هِشَامُ عَلَيْكَ بِالرِّفْقِ- فَإِنَّ الرِّفْقَ يُمْنٌ وَ الْخُرْقُ شُؤْمٌ إِنَّ الرِّفْقَ وَ الْبِرَّ- وَ حُسْنَ الْخُلُقِ يَعْمُرُ الدِّيَارَ وَ يَزِيدُ فِي الرِّزْقِ (1)- يَا هِشَامُ قَوْلُ اللَّهِ هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ (2)- جَرَتْ فِي الْمُؤْمِنِ وَ الْكَافِرِ وَ الْبَرِّ وَ الْفَاجِرِ- مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُكَافِئَ بِهِ- وَ لَيْسَتِ الْمُكَافَاةُ أَنْ تَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ حَتَّى تَرَى فَضْلَكَ- فَإِنْ صَنَعْتَ كَمَا صَنَعَ فَلَهُ الْفَضْلُ بِالابْتِدَاءِ (3)- يَا هِشَامُ إِنَّ مَثَلَ الدُّنْيَا مَثَلُ الْحَيَّةِ- مَسُّهَا لَيِّنٌ وَ فِي جَوْفِهَا السَّمُّ الْقَاتِلُ- يَحْذَرُهَا الرِّجَالُ ذَوُو الْعُقُولِ- وَ يَهْوِي إِلَيْهَا الصِّبْيَانُ بِأَيْدِيهِمْ- يَا هِشَامُ اصْبِرْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ- وَ اصْبِرْ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ فَإِنَّمَا الدُّنْيَا سَاعَةٌ- فَمَا مَضَى مِنْهَا فَلَيْسَ تَجِدُ لَهُ سُرُوراً وَ لَا حُزْناً- وَ مَا لَمْ يَأْتِ مِنْهَا فَلَيْسَ تَعْرِفُهُ- فَاصْبِرْ عَلَى تِلْكَ السَّاعَةِ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا فَكَأَنَّكَ قَدِ اغْتَبَطْتَ (4)- يَا هِشَامُ مَثَلُ الدُّنْيَا مَثَلُ مَاءِ الْبَحْرِ- كُلَّمَا شَرِبَ مِنْهُ الْعَطْشَانُ ازْدَادَ عَطَشاً حَتَّى يَقْتُلَهُ- يَا هِشَامُ إِيَّاكَ وَ الْكِبْرَ- فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ كِبْرٍ- الْكِبْرُ رِدَاءُ اللَّهِ- فَمَنْ نَازَعَهُ رِدَاءَهُ أَكَبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ- يَا هِشَامُ لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُحَاسِبْ نَفْسَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ- فَإِنْ عَمِلَ حَسَناً اسْتَزَادَ مِنْهُ- وَ إِنْ عَمِلَ سَيِّئاً اسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنْهُ وَ تَابَ إِلَيْهِ- يَا هِشَامُ تَمَثَّلَتِ الدُّنْيَا لِلْمَسِيحِ(ع) فِي صُورَةِ امْرَأَةٍ زَرْقَاءَ- فَقَالَ لَهَا كَمْ تَزَوَّجْتِ فَقَالَتْ كَثِيراً- قَالَ فَكُلٌّ طَلَّقَكِ قَالَتْ لَا بَلْ كُلًّا قَتَلْتُ- قَالَ الْمَسِيحُ(ع)فَوَيْحٌ لِأَزْوَاجِكَ الْبَاقِينَ- كَيْفَ لَا يَعْتَبِرُونَ بِالْمَاضِينَ
____________
(1) كذا.
(2) الرحمن: 60.
(3) أي له الفضيلة بسبب ابتدائه بالاحسان، فهو أفضل منك.
(4) اغتبط: كان في مسرة و حسن حال. و في بعض النسخ «قد احتبطت».
312
يَا هِشَامُ إِنَّ ضَوْءَ الْجَسَدِ فِي عَيْنِهِ- فَإِنْ كَانَ الْبَصَرُ مُضِيئاً اسْتَضَاءَ الْجَسَدُ كُلُّهُ- وَ إِنَّ ضَوْءَ الرُّوحِ الْعَقْلُ- فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ عَاقِلًا كَانَ عَالِماً بِرَبِّهِ- وَ إِذَا كَانَ عَالِماً بِرَبِّهِ أَبْصَرَ دِينَهُ- وَ إِنْ كَانَ جَاهِلًا بِرَبِّهِ لَمْ يَقُمْ لَهُ دِينٌ- وَ كَمَا لَا يَقُومُ الْجَسَدُ إِلَّا بِالنَّفْسِ الْحَيَّةِ- فَكَذَلِكَ لَا يَقُومُ الدِّينُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ الصَّادِقَةِ- وَ لَا تَثْبُتُ النِّيَّةُ الصَّادِقَةُ إِلَّا بِالْعَقْلِ- يَا هِشَامُ إِنَّ الزَّرْعَ يَنْبُتُ فِي السَّهْلِ وَ لَا يَنْبُتُ فِي الصَّفَا (1)- فَكَذَلِكَ الْحِكْمَةُ تَعْمَرُ فِي قَلْبِ الْمُتَوَاضِعِ- وَ لَا تَعْمَرُ فِي قَلْبِ الْمُتَكَبِّرِ الْجَبَّارِ- لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ التَّوَاضُعَ آلَةَ الْعَقْلِ- وَ جَعَلَ التَّكَبُّرَ مِنْ آلَةِ الْجَهْلِ- أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ مَنْ شَمَخَ إِلَى السَّقْفِ (2) بِرَأْسِهِ شَجَّهُ (3)- وَ مَنْ خَفَضَ رَأْسَهُ اسْتَظَلَّ تَحْتَهُ وَ أَكَنَّهُ- وَ كَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَتَوَاضَعْ لِلَّهِ خَفَضَهُ اللَّهُ- وَ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ- يَا هِشَامُ مَا أَقْبَحَ الْفَقْرَ بَعْدَ الْغِنَى- وَ أَقْبَحَ الْخَطِيئَةَ بَعْدَ النُّسُكِ- وَ أَقْبَحُ مِنْ ذَلِكَ الْعَابِدُ لِلَّهِ ثُمَّ يَتْرُكُ عِبَادَتَهُ- يَا هِشَامُ لَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ إِلَّا لِرَجُلَيْنِ- لِمُسْتَمِعٍ وَاعٍ وَ عَالِمٍ نَاطِقٍ- يَا هِشَامُ مَا قُسِمَ بَيْنَ الْعِبَادِ أَفْضَلُ مِنَ الْعَقْلِ- نَوْمُ الْعَاقِلِ أَفْضَلُ مِنْ سَهَرِ الْجَاهِلِ- مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً إِلَّا عَاقِلًا- حَتَّى يَكُونَ عَقْلُهُ أَفْضَلَ مِنْ جَمِيعِ جَهْدِ الْمُجْتَهِدِينَ- وَ مَا أَدَّى الْعَبْدُ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ حَتَّى عَقَلَ عَنْهُ (4)- يَا هِشَامُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِذَا رَأَيْتُمُ الْمُؤْمِنَ صَمُوتاً فَادْنُوا مِنْهُ- فَإِنَّهُ يُلْقِي الْحِكْمَةَ- وَ الْمُؤْمِنُ قَلِيلُ الْكَلَامِ كَثِيرُ الْعَمَلِ- وَ الْمُنَافِقُ كَثِيرُ الْكَلَامِ قَلِيلُ الْعَمَلِ- يَا هِشَامُ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى دَاوُدَ(ع)قُلْ لِعِبَادِي- لَا تَجْعَلُوا بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ
____________
(1) الصفا: الحجر الصلد الضخم.
(2) شمخ- من باب منع-: علا و رفع.
(3) أي كسره و جرحه.
(4) أي ما يؤدى العبد فريضة من فرائض اللّه حتّى عرف اللّه الى حدّ التعقل، أو أخذ عنه.
313
عَالِماً مَفْتُوناً بِالدُّنْيَا فَيَصُدَّهُمْ عَنْ ذِكْرِي- وَ عَنْ طَرِيقِ مَحَبَّتِي (1) وَ مُنَاجَاتِي- أُولَئِكَ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ مِنْ عِبَادِي- إِنَّ أَدْنَى مَا أَنَا صَانِعٌ بِهِمْ أَنْ أَنْزِعَ حَلَاوَةَ مَحَبَّتِي- وَ مُنَاجَاتِي مِنْ قُلُوبِهِمْ- يَا هِشَامُ مَنْ تَعَظَّمَ فِي نَفْسِهِ لَعَنَتْهُ- مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ وَ مَلَائِكَةُ الْأَرْضِ- وَ مَنْ تَكَبَّرَ عَلَى إِخْوَانِهِ وَ اسْتَطَالَ عَلَيْهِمْ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ (2)- وَ مَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَهُوَ أَعْنَى لِغَيْرِ رُشْدِهِ (3)- يَا هِشَامُ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى دَاوُدَ(ع)يَا دَاوُدُ حَذِّرْ- فَأَنْذِرْ (4) أَصْحَابَكَ عَنْ حُبِّ الشَّهَوَاتِ- فَإِنَّ الْمُعَلَّقَةَ قُلُوبُهُمْ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا- قُلُوبُهُمْ مَحْجُوبَةٌ عَنِّي- يَا هِشَامُ إِيَّاكَ وَ الْكِبْرَ عَلَى أَوْلِيَائِي- وَ الِاسْتِطَالَةَ بِعِلْمِكَ فَيَمْقُتُكَ اللَّهُ- فَلَا تَنْفَعُكَ بَعْدَ مَقْتِهِ دُنْيَاكَ وَ لَا آخِرَتُكَ- وَ كُنْ فِي الدُّنْيَا كَسَاكِنِ دَارٍ لَيْسَتْ لَهُ إِنَّمَا يَنْتَظِرُ الرَّحِيلَ- يَا هِشَامُ مُجَالَسَةُ أَهْلِ الدِّينِ شَرَفُ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- وَ مُشَاوَرَةُ الْعَاقِلِ النَّاصِحِ يُمْنٌ وَ بَرَكَةٌ- وَ رُشْدٌ وَ تَوْفِيقٌ مِنَ اللَّهِ- فَإِذَا أَشَارَ (5) عَلَيْكَ الْعَاقِلُ النَّاصِحُ- فَإِيَّاكَ وَ الْخِلَافَ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ الْعَطَبَ (6)- يَا هِشَامُ إِيَّاكَ وَ مُخَالَطَةَ النَّاسِ وَ الْأُنْسَ بِهِمْ- إِلَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُمْ عَاقِلًا وَ مَأْمُوناً- فَأْنَسْ بِهِ وَ اهْرُبْ مِنْ سَائِرِهِمْ كَهَرَبِكَ مِنَ السِّبَاعِ الضَّارِيَةِ (7)- وَ يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ إِذَا
____________
(1) في بعض النسخ «عبادتى».
(2) استطال عليهم: أى تفضل عليهم.
(3) أعنى اعناء- يائى- الرجل: أذاه و كلفه ما يشق عليه. و في بعض النسخ «أعنى لغيره» أي يدخل غيره في العناء و التعب.
(4) في بعض النسخ «و انذر» و في بعضها «و نذر».
(5) في بعض النسخ «فاذا استشار».
(6) العطب: الهلاك.
(7) الضارى: الحيوان السبع، من ضرى الكلب بالصيد يضرى: تعوده و أولع به.
و أيضا: تطعم بلحمه و دمه.
314
عَمِلَ عَمَلًا أَنْ يَسْتَحْيِيَ مِنَ اللَّهِ- وَ إِذَا تَفَرَّدَ لَهُ بِالنِّعَمِ أَنْ يُشَارِكَ فِي عَمَلِهِ أَحَداً غَيْرَهُ (1)- وَ إِذَا خَرَّ بِكَ (2) أَمْرَانِ لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا خَيْرٌ وَ أَصْوَبُ- فَانْظُرْ أَيُّهُمَا أَقْرَبُ إِلَى هَوَاكَ فَخَالِفْهُ- فَإِنَّ كَثِيرَ الصَّوَابِ فِي مُخَالَفَةِ هَوَاكَ- وَ إِيَّاكَ أَنْ تَغْلِبَ الْحِكْمَةَ وَ تَضَعَهَا فِي الْجَهَالَةِ (3)- قَالَ هِشَامٌ فَقُلْتُ لَهُ فَإِنْ وَجَدْتُ رَجُلًا طَالِباً لَهُ- غَيْرَ أَنَّ عَقْلَهُ لَا يَتَّسِعُ لِضَبْطِ مَا أُلْقِي إِلَيْهِ- قَالَ(ع)فَتَلَطَّفْ لَهُ فِي النَّصِيحَةِ- فَإِنْ ضَاقَ قَلْبُهُ فَلَا تَعْرِضَنَّ نَفْسَكَ لِلْفِتْنَةِ- وَ احْذَرْ رَدَّ الْمُتَكَبِّرِينَ- فَإِنَّ الْعِلْمَ يَذِلُّ عَلَى أَنْ يُمْلَى عَلَى مَنْ لَا يُفِيقُ (4)- قُلْتُ فَإِنْ لَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْقِلُ السُّؤَالَ عَنْهَا- قَالَ(ع)فَاغْتَنِمْ جَهْلَهُ عَنِ السُّؤَالِ- حَتَّى تَسْلَمَ مِنْ فِتْنَةِ الْقَوْلِ وَ عَظِيمِ فِتْنَةِ الرَّدِّ- وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْفَعِ الْمُتَوَاضِعِينَ بِقَدْرِ تَوَاضُعِهِمْ- وَ لَكِنْ رَفَعَهُمْ بِقَدْرِ عَظَمَتِهِ وَ مَجْدِهِ- وَ لَمْ يُؤْمِنِ الْخَائِفِينَ بِقَدْرِ خَوْفِهِمْ- وَ لَكِنْ آمَنَهُمْ بِقَدْرِ كَرَمِهِ وَ جُودِهِ- وَ لَمْ يُفَرِّجِ الْمَحْزُونِينَ (5) بِقَدْرِ حُزْنِهِمْ- وَ لَكِنْ بِقَدْرِ رَأْفَتِهِ وَ رَحْمَتِهِ فَمَا ظَنُّكَ بِالرَّءُوفِ الرَّحِيمِ- الَّذِي يَتَوَدَّدُ إِلَى مَنْ يُؤْذِيهِ بِأَوْلِيَائِهِ- فَكَيْفَ بِمَنْ يُؤْذَى فِيهِ وَ مَا ظَنُّكَ بِالتَّوَّابِ
____________
(1) كذا. أى إذا اختص العاقل بنعمة ينبغي له أن يشارك غيره في هذه النعمة بأن يعطيه منها. و في بعض النسخ «اذ تفرد له». و الظاهر سقطت لفظة «لا» من قوله «أن يشارك» و المعنى واضح.
(2) في بعض النسخ «و إذا مر بك أمران» و خرّ به أمر أي نزل به و أهمه.
(3) قال المؤلّف- (رحمه الله)-: و فيه حذفا و ايصالا أي تغلب على الحكمة أي يأخذها منك قهرا من لا يستحقها بأن يقرأ على صيغة المجهول أو على المعلوم أي تغلب على الحكمة فانها تأبى عمن لا يستحقها. و يحتمل أن يكون بالفاء و التاء من الافلات بمعنى الإطلاق فانهم يقولون: انفلت منى كلام أي صدر بغير روية. و في بعض النسخ المنقولة من الكتاب «و اياك أن تطلب الحكمة و تضعها في الجهال».
(4) الافاقة: الرجوع عن السكر و الاغماء و الغفلة الى حال الاستقامة. و في بعض النسخ «فان العلم يدلّ على أن يحمل على من لا يفيق» و في بعضها «يجلى» مكان يملى.
(5) في بعض النسخ «و لم يفرح المحزونين».
315
الرَّحِيمِ- الَّذِي يَتُوبُ عَلَى مَنْ يُعَادِيهِ- فَكَيْفَ بِمَنْ يَتَرَضَّاهُ (1) وَ يَخْتَارُ عَدَاوَةَ الْخَلْقِ فِيهِ- يَا هِشَامُ مَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا ذَهَبَ خَوْفُ الْآخِرَةِ مِنْ قَلْبِهِ- وَ مَا أُوتِيَ عَبْدٌ عِلْماً- فَازْدَادَ لِلدُّنْيَا حُبّاً إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ بُعْداً- وَ ازْدَادَ اللَّهُ عَلَيْهِ غَضَباً- يَا هِشَامُ إِنَّ الْعَاقِلَ اللَّبِيبَ مَنْ تَرَكَ مَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ- وَ أَكْثَرُ الصَّوَابِ فِي خِلَافِ الْهَوَى- وَ مَنْ طَالَ أَمَلُهُ سَاءَ عَمَلُهُ- يَا هِشَامُ لَوْ رَأَيْتَ مَسِيرَ الْأَجَلِ لَأَلْهَاكَ عَنِ الْأَمَلِ- يَا هِشَامُ إِيَّاكَ وَ الطَّمَعَ- وَ عَلَيْكَ بِالْيَأْسِ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ- وَ أَمِتِ الطَّمَعَ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ- فَإِنَّ الطَّمَعَ مِفْتَاحٌ لِلذُّلِ (2)- وَ اخْتِلَاسُ الْعَقْلِ وَ اخْتِلَاقُ الْمُرُوَّاتِ (3)- وَ تَدْنِيسُ الْعِرْضِ وَ الذَّهَابُ بِالْعِلْمِ- وَ عَلَيْكَ بِالاعْتِصَامِ بِرَبِّكَ وَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ- وَ جَاهِدْ نَفْسَكَ لِتَرُدَّهَا عَنْ هَوَاهَا- فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْكَ كَجِهَادِ عَدُوِّكَ- قَالَ هِشَامٌ فَقُلْتُ لَهُ فَأَيُّ الْأَعْدَاءِ أَوْجَبُهُمْ مُجَاهَدَةً- قَالَ(ع)أَقْرَبُهُمْ إِلَيْكَ وَ أَعْدَاهُمْ لَكَ وَ أَضَرُّهُمْ بِكَ- وَ أَعْظَمُهُمْ لَكَ عَدَاوَةً وَ أَخْفَاهُمْ لَكَ شَخْصاً مَعَ دُنُوِّهِ مِنْكَ- وَ مَنْ يُحَرِّضُ (4) أَعْدَاءَكَ عَلَيْكَ- وَ هُوَ إِبْلِيسُ الْمُوَكَّلُ بِوَسْوَاسٍ مِنَ الْقُلُوبِ- فَلَهُ فَلْتَشْتَدَّ عَدَاوَتُكَ (5)- وَ لَا يَكُونَنَّ أَصْبَرَ عَلَى مُجَاهَدَتِكَ- لِهَلَكَتِكَ مِنْكَ عَلَى صَبْرِكَ لِمُجَاهَدَتِهِ- فَإِنَّهُ أَضْعَفُ مِنْكَ رُكْناً فِي قُوَّتِهِ (6)- وَ أَقَلُّ مِنْكَ ضَرَراً فِي كَثْرَةِ شَرِّهِ
____________
(1) يترضاه: أى يطلب رضاه.
(2) في بعض النسخ «الذل».
(3) الاختلاق: الافتراء. و في بعض النسخ «و اخلاق» و الظاهر أنّه جمع خلق- بالتحريك- أى البالى. و العرض: النفس و الخليقة المحمودة- و أيضا: ما يفتخر الإنسان من حسب و شرف.
(4) و في بعض النسخ «و من يحرص».
(5) في بعض النسخ «فلتشد».
(6) الركن: العز و المنعة. و أيضا: ما يقوى به. و الامر العظيم. أى لا يكون صبره في المجاهدة قوى منك فمع قوته و كثرة شره أضعف منك ركنا و أقل ضررا.
316
إِذَا أَنْتَ اعْتَصَمْتَ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيتَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ- يَا هِشَامُ مَنْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِثَلَاثٍ فَقَدْ لَطُفَ بِهِ- عَقْلٍ يَكْفِيهِ مَئُونَةَ هَوَاهُ- وَ عِلْمٍ يَكْفِيهِ مَئُونَةَ جَهْلِهِ وَ غِنًى يَكْفِيهِ مَخَافَةَ الْفَقْرِ- يَا هِشَامُ احْذَرْ هَذِهِ الدُّنْيَا وَ احْذَرْ أَهْلَهَا- فَإِنَّ النَّاسَ فِيهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ- رَجُلٌ مُتَرَدِّئٌ مُعَانِقٌ لِهَوَاهُ- وَ مُتَعَلِّمٌ مُقْرِئٌ (1) كُلَّمَا ازْدَادَ عِلْماً ازْدَادَ كِبْراً- يَسْتَعْلِي (2) بِقِرَاءَتِهِ وَ عِلْمِهِ عَلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ- وَ عَابِدٌ جَاهِلٌ يَسْتَصْغِرُ مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي عِبَادَتِهِ- يُحِبُّ أَنْ يُعَظَّمَ وَ يُوَقَّرَ- وَ ذُو بَصِيرَةٍ عَالِمٌ عَارِفٌ بِطَرِيقِ الْحَقِّ يُحِبُّ الْقِيَامَ بِهِ- فَهُوَ عَاجِزٌ أَوْ مَغْلُوبٌ وَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بِمَا يَعْرِفُهُ- فَهُوَ مَحْزُونٌ مَغْمُومٌ بِذَلِكَ- فَهُوَ أَمْثَلُ أَهْلِ زَمَانِهِ (3) وَ أَوْجَهُهُمْ عَقْلًا- يَا هِشَامُ اعْرِفِ الْعَقْلَ وَ جُنْدَهُ- وَ الْجَهْلَ وَ جُنْدَهُ تَكُنْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ- قَالَ هِشَامٌ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ لَا نَعْرِفُ إِلَّا مَا عَرَّفْتَنَا- فَقَالَ(ع)يَا هِشَامُ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَقْلَ- وَ هُوَ أَوَّلُ خَلْقٍ خَلَقَهُ اللَّهُ مِنَ الرُّوحَانِيِّينَ- عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ مِنْ نُورِهِ (4) فَقَالَ لَهُ- أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ ثُمَّ قَالَ لَهُ- أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ وَ عَزَّ- خَلَقْتُكَ خَلْقاً عَظِيماً وَ كَرَّمْتُكَ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِي- ثُمَّ خَلَقَ الْجَهْلَ مِنَ الْبَحْرِ الْأُجَاجِ الظُّلْمَانِيِّ- فَقَالَ لَهُ أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ- ثُمَّ قَالَ لَهُ أَقْبِلْ- فَلَمْ يُقْبِلْ فَقَالَ لَهُ اسْتَكْبَرْتَ فَلَعَنَهُ- ثُمَّ جَعَلَ لِلْعَقْلِ خَمْسَةً
____________
(1) فاعل من قرأ و في بعض النسخ «متقرى».
(2) في بعض النسخ «يستعلن».
(3) الامثل: الافضل.
(4) عن يمين العرش أي أقوى جانبيه و أشرفهما. و «من نوره» أي من نور ذاته.
«فقال له إلخ» مضى بيان ما فيه في أوائل ج 77 من كلمات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في حكمه مواعظه فليطلبه هنا. قوله (عليه السلام): «فلا يكون خلفا أعظم منه» اذ به يقوم كل شيء فيكون أكرم من كل مخلوق. و الجهل يكون منبع الشرور فله قابلية لكل شر.
317
وَ سَبْعِينَ- جُنْداً- فَلَمَّا رَأَى الْجَهْلُ مَا كَرَّمَ اللَّهُ بِهِ الْعَقْلَ- وَ مَا أَعْطَاهُ أَضْمَرَ لَهُ الْعَدَاوَةَ فَقَالَ الْجَهْلُ- يَا رَبِّ هَذَا خَلْقٌ مِثْلِي خَلَقْتَهُ وَ كَرَّمْتَهُ- وَ قَوَّيْتَهُ وَ أَنَا ضِدُّهُ وَ لَا قُوَّةَ لِي بِهِ- أَعْطِنِي مِنَ الْجُنْدِ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ- فَقَالَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى نَعَمْ- فَإِنْ عَصَيْتَنِي بَعْدَ ذَلِكَ أَخْرَجْتُكَ- وَ جُنْدَكَ مِنْ جِوَارِي وَ مِنْ رَحْمَتِي- فَقَالَ قَدْ رَضِيتُ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ خَمْسَةً وَ سَبْعِينَ جُنْداً- فَكَانَ مِمَّا أَعْطَى الْعَقْلَ مِنَ الْخَمْسَةِ وَ السَّبْعِينَ جُنْداً (1)- الْخَيْرُ وَ هُوَ وَزِيرُ الْعَقْلِ- وَ جَعَلَ ضِدَّهُ الشَّرَّ وَ هُوَ وَزِيرُ الْجَهْلِ- الْإِيمَانُ الْكُفْرُ التَّصْدِيقُ التَّكْذِيبُ الْإِخْلَاصُ النِّفَاقُ- الرَّجَاءُ الْقُنُوطُ الْعَدْلُ الْجَوْرُ الرِّضَى السَّخَطُ- الشُّكْرُ الْكُفْرَانُ الْيَأْسُ الطَّمَعُ التَّوَكُّلُ الْحِرْصُ- الرَّأْفَةُ الْغِلْظَةُ الْعِلْمُ الْجَهْلُ الْعِفَّةُ التَّهَتُّكُ- الزُّهْدُ الرَّغْبَةُ الرِّفْقُ الْخُرْقُ الرَّهْبَةُ الْجُرْأَةُ- التَّوَاضُعُ الْكِبْرُ التُّؤَدَةُ (2) الْعَجَلَةُ الْحِلْمُ السَّفَهُ- الصَّمْتُ الْهَذَرُ (3) الِاسْتِسْلَامُ الِاسْتِكْبَارُ التَّسْلِيمُ التَّجَبُّرُ- الْعَفْوُ الْحِقْدُ الرَّحْمَةُ الْقَسْوَةُ الْيَقِينُ الشَّكُّ- الصَّبْرُ الْجَزَعُ الصَّفْحُ الِانْتِقَامُ الْغِنَى الْفَقْرُ- التَّفَكُّرُ السَّهْوُ الْحِفْظُ النِّسْيَانُ التَّوَاصُلُ الْقَطِيعَةُ- الْقَنَاعَةُ الشَّرَهُ (4) الْمُؤَاسَاةُ الْمَنْعُ الْمَوَدَّةُ الْعَدَاوَةُ
____________
(1) المذكور هنا 71 جندا و في الكافي ثمانية و سبعون لكنه تكرر بعض الجنود و لا يخفى أن الجنود أكثر لكن ذكر منها الأهمّ.
(2) التؤدة- بالضم-: الرزانة و التأنى، يقال: توأد في الامر أي تأتي و تمهل.
(3) الهذر- بالتحريك-: الهذيان و الكلام الذي لا يعبأ به، يقال: هذر فلان في منطقه- من باب ضرب و نصر-. خلط و تكلم بما لا ينبغي.
(4) الشره- بالتحريك- مصدر باب فرح-: الحرص يقال: شره الى الطعام:
اشتد ميله إليه. و يمكن أن يكون كما في بعض النسخ «الشرّة» بالكسر فالتشديد أي الحدة و الحرص.
318
الْوَفَاءُ الْغَدْرُ الطَّاعَةُ الْمَعْصِيَةُ الْخُضُوعُ التَّطَاوُلُ (1)- السَّلَامَةُ الْبَلَاءُ الْفَهْمُ الْغَبَاوَةُ (2) الْمَعْرِفَةُ الْإِنْكَارُ- الْمُدَارَاةُ الْمُكَاشَفَةُ سَلَامَةُ الْغَيْبِ- الْمُمَاكَرَةُ (3) الْكِتْمَانُ الْإِفْشَاءُ- الْبِرُّ الْعُقُوقُ الْحَقِيقَةُ التَّسْوِيفُ (4) الْمَعْرُوفُ الْمُنْكَرُ- التَّقِيَّةُ الْإِذَاعَةُ الْإِنْصَافُ الظُّلْمُ التُّقَى الْحَسَدُ (5)- النَّظَافَةُ الْقَذَرُ الْحَيَاءُ الْقِحَةُ (6) الْقَصْدُ الْإِسْرَافُ- الرَّاحَةُ التَّعَبُ السُّهُولَةُ الصُّعُوبَةُ الْعَافِيَةُ الْبَلْوَى- الْقَوَامُ الْمُكَاثَرَةُ (7) الْحِكْمَةُ الْهَوَى الْوَقَارُ الْخِفَّةُ- السَّعَادَةُ الشَّقَاءُ التَّوْبَةُ الْإِصْرَارُ الْمُحَافَظَةُ التَّهَاوُنُ (8)- الدُّعَاءُ الِاسْتِنْكَافُ النَّشَاطُ الْكَسَلُ الْفَرَحُ الْحَزَنُ- الْأُلْفَةُ الْفُرْقَةُ السَّخَاءُ الْبُخْلُ الْخُشُوعُ الْعُجْبُ- صَوْنُ الْحَدِيثِ النَّمِيمَةُ (9) الِاسْتِغْفَارُ الِاغْتِرَارُ الْكِيَاسَةُ الْحُمْقُ
____________
(1) التطاول: التكبر و الترفع.
(2) الغباوة: الغفلة و قلة الفطنة.
(3) المماكرة: المخادعة.
(4) التسويف: المطل و التأخير.
(5) في بعض النسخ «النفي، الحسد» و لعله تصحيف. و في بعضها «النقى».
(6) القح- بالضم- الجافى. و يمكن أن يكون قحة مصدر وقح: الوقاحة و قلة الحياء.
و في بعض النسخ «القيحة».
(7) القوام- بالفتح-: العدل و الاعتدال. و المكاثرة: المفاخرة و المغالبة في الكثرة بالمال أو العدد.
(8) في بعض النسخ «المخافة التهاون».
(9) في بعض النسخ «صدق الحديث، النميمة».
319
يَا هِشَامُ لَا تُجْمَعُ (1) هَذِهِ الْخِصَالُ إِلَّا لِنَبِيٍّ- أَوْ وَصِيٍّ أَوْ مُؤْمِنٍ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ- وَ أَمَّا سَائِرُ ذَلِكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ- فَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ- بَعْضُ هَذِهِ الْجُنُودِ مِنَ أَجْنَادِ الْعَقْلِ- يَتَخَلَّصُ مِنْ جُنُودِ الْجَهْلِ- فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ فِي الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا مَعَ الْأَنْبِيَاءِ وَ الْأَوْصِيَاءِ(ع) وَفَّقَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ لِطَاعَتِهِ.
2- لي، الأمالي للصدوق عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بِشْرِ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: كَتَبَ هَارُونُ الرَّشِيدُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ(ع) عِظْنِي وَ أَوْجِزْ فَكَتَبَ إِلَيْهِ- مَا مِنْ شَيْءٍ تَرَاهُ عينيك [عَيْنُكَ إِلَّا وَ فِيهِ مَوْعِظَةٌ.
3- ف (2)، تحف العقول وَ رُوِيَ عَنْهُ(ع)فِي قِصَارِ هَذِهِ الْمَعَانِي وَ قَالَ(ع)يَنْبَغِي لِمَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ أَنْ لَا يَسْتَبْطِئَهُ (3) فِي رِزْقِهِ- وَ لَا يَتَّهِمَهُ فِي قَضَائِهِ.
وَ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْيَقِينِ فَقَالَ(ع)يَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ وَ يُسَلِّمُ لِلَّهِ- وَ يَرْضَى بِقَضَاءِ اللَّهِ وَ يُفَوِّضُ إِلَى اللَّهِ.
وَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى (4) كَتَبْتُ إِلَيْهِ فِي دُعَاءٍ الْحَمْدُ لِلَّهِ مُنْتَهَى عِلْمِهِ- فَكَتَبَ(ع)لَا تَقُولَنَّ مُنْتَهَى عِلْمِهِ- فَإِنَّهُ لَيْسَ لِعِلْمِهِ مُنْتَهًى وَ لَكِنْ قُلْ مُنْتَهَى رِضَاهُ- وَ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الْجَوَادِ- فَقَالَ(ع)إِنَّ لِكَلَامِكَ وَجْهَيْنِ فَإِنْ كُنْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْمَخْلُوقِينَ- فَإِنَّ الْجَوَادَ الَّذِي يُؤَدِّي مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ- وَ الْبَخِيلَ مَنْ بَخِلَ بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ- وَ إِنْ كُنْتَ تَعْنِي الْخَالِقَ فَهُوَ الْجَوَادُ إِنْ أَعْطَى وَ هُوَ الْجَوَادُ إِنْ مَنَعَ- لِأَنَّهُ إِنْ أَعْطَاكَ أَعْطَاكَ مَا لَيْسَ لَكَ وَ إِنْ مَنَعَكَ مَنَعَكَ مَا لَيْسَ لَكَ- وَ قَالَ لِبَعْضِ شِيعَتِهِ أَيْ فُلَانُ اتَّقِ اللَّهَ وَ قُلِ الْحَقَّ- وَ إِنْ كَانَ فِيهِ هَلَاكُكَ
____________
(1) في بعض النسخ «لا تجتمع».
(2) التحف ص 408.
(3) أي لا يجده بطيئا.
(4) رواه الصدوق- (رحمه الله)- في التوحيد باب العلم بإسناده عن الكاهليّ عن موسى بن جعفر (عليهما السلام). و عبد اللّه بن يحيى الكاهليّ الأسدى الكوفيّ أخو إسحاق بن يحيى من وجوه أصحاب الصادق و الكاظم (عليهما السلام) و له كتاب.
320
فَإِنَّ فِيهِ نَجَاتَكَ أَيْ فُلَانُ- اتَّقِ اللَّهَ وَ دَعِ الْبَاطِلَ وَ إِنْ كَانَ فِيهِ نَجَاتُكَ- فَإِنَّ فِيهِ هَلَاكَكَ وَ قَالَ لَهُ وَكِيلُهُ وَ اللَّهِ مَا خُنْتُكَ- فَقَالَ(ع)لَهُ خِيَانَتُكَ وَ تَضْيِيعُكَ عَلَيَّ مَالِي سَوَاءٌ- وَ الْخِيَانَةُ شَرُّهُمَا عَلَيْكَ.
وَ قالَ(ع)إِيَّاكَ أَنْ تَمْنَعَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ فَتُنْفِقَ مِثْلَيْهِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وَ قَالَ(ع)الْمُؤْمِنُ مِثْلُ كَفَّتَيِ الْمِيزَانِ- كُلَّمَا زِيدَ فِي إِيمَانِهِ زِيدَ فِي بَلَائِهِ.
وَ قَالَ(ع)عِنْدَ قَبْرٍ حَضَرَهُ (1) إِنَّ شَيْئاً هَذَا آخِرُهُ لَحَقِيقٌ أَنْ يُزْهَدَ فِي أَوَّلِهِ- وَ إِنَّ شَيْئاً هَذَا أَوَّلُهُ لَحَقِيقٌ أَنْ يُخَافَ آخِرُهُ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ تَكَلَّمَ فِي اللَّهِ هَلَكَ وَ مَنْ طَلَبَ الرِّئَاسَةَ هَلَكَ- وَ مَنْ دَخَلَهُ الْعُجْبُ هَلَكَ.
وَ قَالَ(ع)اشْتَدَّتْ مَئُونَةُ الدُّنْيَا وَ الدِّينِ فَأَمَّا مَئُونَةُ الدُّنْيَا فَإِنَّكَ لَا تَمُدُّ يَدَكَ إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا وَجَدْتَ فَاجِراً قَدْ سَبَقَكَ إِلَيْهِ- وَ أَمَّا مَئُونَةُ الْآخِرَةِ- فَإِنَّكَ لَا تَجِدُ أَعْوَاناً يُعِينُونَكَ عَلَيْهِ.
وَ قَالَ(ع)أَرْبَعَةٌ مِنَ الْوَسْوَاسِ أَكْلُ الطِّينِ- وَ فَتُّ الطِّينِ وَ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ بِالْأَسْنَانِ- وَ أَكْلُ اللِّحْيَةِ وَ ثَلَاثٌ يَجْلِينَ الْبَصَرَ- النَّظَرُ إِلَى الْخُضْرَةِ وَ النَّظَرُ إِلَى الْمَاءِ الْجَارِي وَ النَّظَرُ إِلَى الْوَجْهِ الْحَسَنِ.
وَ قَالَ(ع)لَيْسَ حُسْنُ الْجِوَارِ كَفَّ الْأَذَى- وَ لَكِنَّ حُسْنَ الْجِوَارِ الصَّبْرُ عَلَى الْأَذَى.
وَ قَالَ(ع)لَا تُذْهِبِ الْحِشْمَةَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ أَخِيكَ (2) وَ أَبْقِ مِنْهَا- فَإِنَّ ذَهَابَهَا ذَهَابُ الْحَيَاءِ.
وَ قَالَ(ع)لِبَعْضِ وُلْدِهِ يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ أَنْ يَرَاكَ اللَّهُ فِي مَعْصِيَةٍ نَهَاكَ عَنْهَا- وَ إِيَّاكَ أَنْ يَفْقِدَكَ اللَّهُ عِنْدَ طَاعَةٍ أَمَرَكَ بِهَا- وَ عَلَيْكَ بِالْجِدِّ وَ لَا تُخْرِجَنَّ نَفْسَكَ
____________
(1) و في بعض النسخ «حفره».
(2) الحشمة: الانقباض و الاستحياء.
321
مِنَ التَّقْصِيرِ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَ طَاعَتِهِ- فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُعْبَدُ حَقَّ عِبَادَتِهِ وَ إِيَّاكَ وَ الْمِزَاحَ- فَإِنَّهُ يَذْهَبُ بِنُورِ إِيمَانِكَ وَ يَسْتَخِفُّ مُرُوَّتَكَ- وَ إِيَّاكَ وَ الضَّجَرَ وَ الْكَسَلَ- فَإِنَّهُمَا يَمْنَعَانِ حَظَّكَ مِنَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ.
وَ قَالَ(ع)إِذَا كَانَ الْجَوْرُ أَغْلَبَ مِنَ الْحَقِّ لَمْ يَحِلَّ لِأَحَدٍ- أَنْ يَظُنَّ بِأَحَدٍ خَيْراً حَتَّى يَعْرِفَ ذَلِكَ مِنْهُ.
وَ قَالَ(ع)لَيْسَ الْقُبْلَةُ عَلَى الْفَمِ إِلَّا لِلزَّوْجَةِ وَ الْوَلَدِ الصَّغِيرِ.
وَ قَالَ(ع)اجْتَهِدُوا فِي أَنْ يَكُونَ زَمَانُكُمْ أَرْبَعَ سَاعَاتٍ- سَاعَةً لِمُنَاجَاةِ اللَّهِ وَ سَاعَةً لِأَمْرِ الْمَعَاشِ- وَ سَاعَةً لِمُعَاشَرَةِ الْإِخْوَانِ- وَ الثِّقَاتِ الَّذِينَ يُعَرِّفُونَكُمْ عُيُوبَكُمْ- وَ يُخْلِصُونَ لَكُمْ فِي الْبَاطِنِ- وَ سَاعَةً تَخْلُونَ فِيهَا لِلَذَّاتِكُمْ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ- وَ بِهَذِهِ السَّاعَةِ تَقْدِرُونَ عَلَى الثَّلَاثَةِ سَاعَاتٍ- لَا تُحَدِّثُوا أَنْفُسَكُمْ بِفَقْرٍ وَ لَا بِطُولِ عُمُرٍ- فَإِنَّهُ مَنْ حَدَّثَ نَفْسَهُ بِالْفَقْرِ بَخِلَ- وَ مَنْ حَدَّثَهَا بِطُولِ الْعُمُرِ يَحْرِصُ- اجْعَلُوا لِأَنْفُسِكُمْ حَظّاً مِنَ الدُّنْيَا بِإِعْطَائِهَا- مَا تَشْتَهِي مِنَ الْحَلَالِ وَ مَا لَا يَثْلِمُ الْمُرُوَّةَ وَ مَا لَا سَرَفَ فِيهِ- وَ اسْتَعِينُوا بِذَلِكَ عَلَى أُمُورِ الدِّينِ- فَإِنَّهُ رُوِيَ لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَرَكَ دُنْيَاهُ لِدِينِهِ- أَوْ تَرَكَ دِينَهُ لِدُنْيَاهُ.
وَ قَالَ(ع)تَفَقَّهُوا فِي دِينِ اللَّهِ- فَإِنَّ الْفِقْهَ مِفْتَاحُ الْبَصِيرَةِ وَ تَمَامُ الْعِبَادَةِ- وَ السَّبَبُ إِلَى الْمَنَازِلِ الرَّفِيعَةِ- وَ الرُّتَبِ الْجَلِيلَةِ فِي الدِّينِ وَ الدُّنْيَا- وَ فَضْلُ الْفَقِيهِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الشَّمْسِ عَلَى الْكَوَاكِبِ- وَ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي دِينِهِ لَمْ يَرْضَ اللَّهُ لَهُ عَمَلًا-.
وَ قَالَ(ع)لِعَلِيِّ بْنِ يَقْطِينٍ (1)- كَفَّارَةُ عَمَلِ السُّلْطَانِ الْإِحْسَانُ إِلَى الْإِخْوَانِ.
____________
(1) هو عليّ بن يقطين بن موسى مولى بنى أسد كوفيّ الأصل سكن بغداد من أصحاب الصادق و الكاظم (عليهما السلام) قال الشيخ في الفهرست: على بن يقطين- (رحمه الله)- ثقة جليل القدر له منزلة عظيمة عند أبى الحسن موسى (عليه السلام)، عظيم المكان في الطائفة.
و كان يقطين من وجوه الدعاة. فطلبه مروان فهرب، و ابنه عليّ بن يقطين هذا- (رحمه الله) ولد بالكوفة سنة 124 و هربت به أمه و بأخيه عبيد بن يقطين الى المدينة فلما ظهرت الدولة الهاشمية ظهر يقطين و عادت أم على بعلى و عبيد فلم يزل يقطين بخدمة السفاح و أبى جعفر.
322
وَ قَالَ(ع)كُلَّمَا أَحْدَثَ النَّاسُ مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَ- أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَعُدُّونَ.
وَ قَالَ: إِذَا كَانَ الْإِمَامُ عَادِلًا كَانَ لَهُ الْأَجْرُ وَ عَلَيْكَ الشُّكْرُ- وَ إِذَا كَانَ جَائِراً كَانَ عَلَيْهِ الْوِزْرُ وَ عَلَيْكَ الصَّبْرُ.
وَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (1) حَجَجْتُ فِي أَيَّامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ(ع) فَلَمَّا
____________
المنصور و مع ذلك كان يتشيع و يقول بالامامة و كذلك ولده و كان- (رحمه الله)- يحمل الأموال الى أبي عبد اللّه جعفر الصادق (عليه السلام) و نم خبره الى المهدى فصرف اللّه عنه كيدهما و توفى عليّ بن يقطين بمدينة السلام ببغداد سنة 182 و سنه يومئذ 57 سنة و صلى عليه ولى العهد محمّد بن الرشيد، و توفى أبوه بعده سنة 185 و لعلى بن يقطين كتب منها كتاب ما سأل عن الصادق (عليه السلام) من الملاحم و كتاب مناظرة الشاك بحضرته. انتهى. و كان وفاة على بن يقطين في أيّام كان أبو الحسن (عليه السلام) محبوسا في سجن هارون ببغداد و بقى (عليه السلام) أربع سنين فيه بعد عليّ بن يقطين. و له أيضا مسائل عن أبي الحسن (عليه السلام) و استأذنه في ترك عمل السلطان فلم يأذن له و قال (عليه السلام): «لا تفعل فان لنا بك أنسا و لاخوانك لك عزا و عسى أن يجبر اللّه بك كسرا و يكسر بك نائرة المخالفين عن أوليائه يا على كفّارة أعمالكم الاحسان الى اخوانكم». و ضمن عليّ بن يقطين لابى الحسن (عليه السلام) أن لا يأتيه ولى له الا أكرمه. فضمن أبو الحسن (عليه السلام) له ثلاث خصال: لا يظله سقف سجن أبدا و لا يناله حدّ سيف أبدا و لا يدخل الفقر فيه أبدا.
(1) هو نعمان بن ثابت بن زوطى أحد الأئمّة الأربعة كان جده من الفرس من موالى تيم اللّه بن ثعلبة فمسه الرق فاعتق فكان أبو حنيفة من أبناء الفرس ولد سنة 80 بالكوفة و كان خزازا يبيع الخز، صاحب الرأى و القياس و الفتاوي المعروفة في الفقه و قال هو بالقياس و الاستحسان حتّى أنّه قاس في أمور معاشه أيضا، و هو أول من قاس في الإسلام، و قيل:
أجاز وضع الحديث على وفق مذهبه و عدوه أيضا من المرجئة الذين يقولون لا تضر مع الايمان معصية؛ رد على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أربعمائة حديث أو أكثر فقال: لو أدركنى.
323
أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ دَخَلْتُ دَارَهُ- فَجَلَسْتُ فِي الدِّهْلِيزِ أَنْتَظِرُ إِذْنَهُ إِذْ خَرَجَ صَبِيٌّ يَدْرُجُ (1)- فَقُلْتُ يَا غُلَامُ أَيْنَ يَضَعُ الْغَرِيبُ الْغَائِطَ مِنْ بَلَدِكُمْ- قَالَ عَلَى رِسْلِكَ (2) ثُمَّ جَلَسَ مُسْتَنِداً إِلَى الْحَائِطِ- ثُمَّ قَالَ تَوَقَّ شُطُوطَ الْأَنْهَارِ وَ مَسَاقِطَ الثِّمَارِ- وَ أَفْنِيَةَ الْمَسَاجِدِ وَ قَارِعَةَ الطَّرِيقِ (3)- وَ تَوَارَ خَلْفَ جِدَارٍ وَ شُلْ ثَوْبَكَ (4)- وَ لَا تَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَ لَا تَسْتَدْبِرْهَا وَ ضَعْ حَيْثُ شِئْتَ- فَأَعْجَبَنِي مَا سَمِعْتُ مِنَ الصَّبِيِّ فَقُلْتُ لَهُ مَا اسْمُكَ- فَقَالَ أَنَا مُوسَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- فَقُلْتُ لَهُ يَا غُلَامُ مِمَّنِ الْمَعْصِيَةُ- فَقَالَ(ع)إِنَّ السَّيِّئَاتِ لَا تَخْلُو مِنْ إِحْدَى ثَلَاثٍ- إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنَ اللَّهِ وَ لَيْسَتْ مِنْهُ- فَلَا يَنْبَغِي لِلرَّبِّ أَنْ يُعَذِّبَ الْعَبْدَ عَلَى مَا لَا
____________
رسول اللّه لاخذ بكثير من قولي، و نقل الخطيب في تاريخ بغداد بعضها و يعاب عليه بقواعد العربية. مات سنة 150 و اتفق أنّه في يوم وفاته ولد الشافعى و دفن في مقبرة الخيزران ببغداد و هي مشهورة معروفة عند العامّة بالامام الأعظم و بنى شرف الملك أبو سعد محمّد بن منصور الخوارزمي مستوفى مملكة السلطان ملكشاه السلجوقى على قبره مشهدا و قبة و بنى عنده مدرسة كبيرة للحنفية و قيل: ان الذي أمر ببناء هذه العمارة هو ألبأرسلان محمّد والد السلطان ملكشاه و كان الامير أبو سعد نائبا عليها. و في الاخبار: ان أبا حنيفة: جاء يوما الى الصادق (عليه السلام) ليسمع منه و خرج (عليه السلام) يتوكأ على عصا فقال له أبو حنيفة يا ابن رسول اللّه ما بلغت من السن ما يحتاج منه الى العصا قال: هو كذلك و لكنها عصا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) اردت أتبرك بها فوثب أبو حنيفة إليها و قال له: اقبلها يا ابن رسول اللّه؟ فحسر (عليه السلام) عن ذراعه و قال: و اللّه لقد علمت أن هذا بشر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ان هذا من شعره فما قبلته و تقبل عصاه.
(1) درج الصبى: مشى قليلا في أول ما يمشى.
(2) الرسل و الرسلة: الرفق و التمهل. يقال: على رسلك يا رجل أي على مهلك.
(3) قارعة الطريق: أعلاه و معظمه و هي موضع قرع المارة.
(4) أي ارفع ثوبك.- من شال يشول شولا الشيء أي رفعه.
324
يَرْتَكِبُ- وَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْهُ وَ مِنَ الْعَبْدِ وَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ- فَلَا يَنْبَغِي لِلشَّرِيكِ الْقَوِيِّ أَنْ يَظْلِمَ الشَّرِيكَ الضَّعِيفَ- وَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنَ الْعَبْدِ وَ هِيَ مِنْهُ- فَإِنْ عَفَا فَبِكَرَمِهِ وَ جُودِهِ- وَ إِنْ عَاقَبَ فَبِذَنْبِ الْعَبْدِ وَ جَرِيرَتِهِ- قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فَانْصَرَفْتُ- وَ لَمْ أَلْقَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَ اسْتَغْنَيْتُ بِمَا سَمِعْتُ- وَ قَالَ لَهُ أَبُو أَحْمَدَ الْخُرَاسَانِيُّ- الْكُفْرُ أَقْدَمُ أَمِ الشِّرْكُ (1) فَقَالَ(ع)لَهُ- مَا لَكَ وَ لِهَذَا مَا عَهْدِي بِكَ تُكَلِّمُ النَّاسَ- قُلْتُ أَمَرَنِي هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ (2) أَنْ أَسْأَلَكَ- فَقَالَ قُلْ لَهُ الْكُفْرُ أَقْدَمُ أَوَّلُ مَنْ كَفَرَ إِبْلِيسُ- أَبى وَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ (3)- وَ الْكُفْرُ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَ الشِّرْكُ يُثْبِتُ وَاحِداً- وَ يُشْرِكُ مَعَهُ غَيْرَهُ- وَ رَأَى رَجُلَانِ يَتَسَابَّانِ فَقَالَ(ع) الْبَادِي أَظْلَمُ وَ وِزْرُهُ وَ وِزْرُ صَاحِبِهِ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ.
وَ قَالَ(ع)يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ أَجْرٌ فَلْيَقُمْ- فَلَا يَقُومُ إِلَّا مَنْ عَفا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
وَ قَالَ(ع)السَّخِيُّ الْحَسَنُ الْخُلُقِ فِي كَنَفِ اللَّهِ- لَا يَتَخَلَّى اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ- وَ مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً إِلَّا سَخِيّاً- وَ مَا زَالَ أَبِي يُوصِينِي بِالسَّخَاءِ وَ حُسْنِ الْخُلُقِ حَتَّى مَضَى- وَ قَالَ السِّنْدِيُّ بْنُ شَاهَكَ- وَ كَانَ الَّذِي وَكَّلَهُ الرَّشِيدُ بِحَبْسِ مُوسَى(ع) لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ دَعْنِي أُكَفِّنْكَ- فَقَالَ(ع)إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ حَجُّ صَرُورَتِنَا (4)- وَ مُهُورُ نِسَائِنَا وَ أَكْفَانُنَا مِنْ طَهُورِ أَمْوَالِنَا
____________
(1) رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 385 عن موسى بن بكر الواسطى و العيّاشيّ في تفسيره. عنه قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن الكفر و الشرك أيهما أقدم الى آخر الآية-.
(2) و كذا في تفسير العيّاشيّ و لكن في الكافي «هشام بن سالم».
(3) البقرة: 32.
(4) الصرور- بالصاد المهملة- الذي لم يتزوج أو لم يحج.
325
وَ قَالَ(ع)لِفَضْلِ بْنِ يُونُسَ (1)- أَبْلِغْ خَيْراً وَ قُلْ خَيْراً وَ لَا تَكُنْ إِمَّعَةً (2)- قُلْتُ وَ مَا الْإِمَّعَةُ قَالَ لَا تَقُلْ أَنَا مَعَ النَّاسِ- وَ أَنَا كَوَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ- يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا هُمَا نَجْدَانِ نَجْدُ خَيْرٍ وَ نَجْدُ شَرِّ- فَلَا يَكُنْ نَجْدُ الشَّرِّ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ نَجْدِ الْخَيْرِ (3)- وَ رُوِيَ أَنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ دَمِيمِ الْمَنْظَرِ (4)- فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَ نَزَلَ عِنْدَهُ وَ حَادَثَهُ طَوِيلًا- ثُمَّ عَرَضَ(ع)عَلَيْهِ نَفْسَهُ فِي الْقِيَامِ بِحَاجَةٍ إِنْ عَرَضَتْ لَهُ- فَقِيلَ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَ تَنْزِلُ إِلَى هَذَا- ثُمَّ تَسْأَلُهُ عَنْ حَوَائِجِهِ وَ هُوَ إِلَيْكَ أَحْوَجُ- فَقَالَ(ع)عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِ اللَّهِ- وَ أَخٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ جَارٌ فِي بِلَادِ اللَّهِ- يَجْمَعُنَا وَ إِيَّاهُ خَيْرُ الْآبَاءِ آدَمُ(ع) وَ أَفْضَلُ الْأَدْيَانِ الْإِسْلَامُ- وَ لَعَلَّ الدَّهْرَ يَرُدُّ مِنْ حَاجَاتِنَا إِلَيْهِ
____________
(1) فضل بن يونس الكاتب البغداديّ عده الشيخ من أصحاب الكاظم (عليه السلام) و قال:
أصله كوفيّ تحول الى بغداد مولى واقفى. انتهى. و وثقه النجاشيّ، و روى الكشّيّ ما يدلّ على غاية اخلاصه للامام الكاظم (عليه السلام) قال: وجدت بخط محمّد بن الحسن بن بندار القمّيّ في كتابه حدّثني عليّ بن إبراهيم عن محمّد بن سالم قال: لما حمل سيدى موسى بن جعفر (عليهما السلام) الى هارون جاء إليه هشام بن إبراهيم العباسيّ فقال له يا سيدى قد كتبت لي صك الى الفضل ابن يونس فتسأله أن يروج أمرى فركب إليه أبو الحسن فدخل عليه حاجبه و قال: يا سيدى! أبو الحسن موسى (عليه السلام) بالباب فقال: ان كنت صادقا فأنت حر و لك كذا و كذا، فخرج الفضل حافيا يعد و حتّى وصل إليه فوقع على قدميه يقبلهما، ثمّ سأله أن يدخل فقال له: اقض حاجة هشام بن إبراهيم فقضاها، ثمّ قال: يا سيدى قد حضر الغذاء فتكرمنى أن تتغذى عندي فقال: هات فجاء بالمائدة و عليها البوارد فأجال أبو الحسن (عليه السلام) يده في البارد ثمّ قال: البار تجال اليد فيه و جاءوا بالحار فقال أبو الحسن (عليه السلام): الحار حمى.
(2) الإمّع و الامعة- بالكسر فالتشديد- قيل: أصله «انى معك».
(3) النجد: الطريق الواضح المرتفع. و قوله (عليه السلام): «انما هما نجدان» فالظاهر إشارة الى قوله في سورة البلد 10 «وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ».
(4) دميم المنظر أي قبيح المنظر من دمّ دمامة: كان حقيرا و قبح منظره.
326
فَيَرَانَا بَعْدَ الزَّهْوِ (1) عَلَيْهِ مُتَوَاضِعِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ- ثُمَّ قَالَ(ع) نُوَاصِلُ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ وِصَالَنَا- مَخَافَةَ أَنْ نَبْقَى بِغَيْرِ صَدِيقٍ.
وَ قَالَ(ع)لَا تَصْلُحُ الْمَسْأَلَةُ إِلَّا فِي ثَلَاثَةٍ- فِي دَمٍ مُنْقَطِعٍ (2) أَوْ غُرْمٍ مُثْقِلٍ أَوْ حَاجَةٍ مُدْقِعَةٍ.
وَ قَالَ(ع)عَوْنُكَ لِلضَّعِيفِ مِنْ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ.
وَ قَالَ(ع)تَعَجُّبُ الْجَاهِلِ مِنَ الْعَاقِلِ أَكْثَرُ مِنْ تَعَجُّبِ الْعَاقِلِ مِنَ الْجَاهِلِ.
وَ قَالَ(ع)الْمُصِيبَةُ لِلصَّابِرِ وَاحِدَةٌ وَ لِلْجَازِعِ اثْنَتَانِ.
وَ قَالَ(ع)يَعْرِفُ شِدَّةَ الْجَوْرِ مَنْ حُكِمَ بِهِ عَلَيْهِ.
4- ف (3)، تحف العقول رُوِيَ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ(ع)أَنَّهُ قَالَ: صَلَاةُ النَّوَافِلِ قُرْبَانٌ إِلَى اللَّهِ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ- وَ الْحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ- وَ لِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةٌ وَ زَكَاةُ الْجَسَدِ صِيَامُ النَّوَافِلِ- وَ أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ انْتِظَارُ الْفَرَجِ- وَ مَنْ دَعَا قَبْلَ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ- وَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ص كَانَ كَمَنْ رَمَى بِسَهْمٍ بِلَا وَتَرٍ- وَ مَنْ أَيْقَنَ بِالْخَلَفِ جَادَ بِالْعَطِيَّةِ وَ إن [مَا عَالَ امْرُؤٌ اقْتَصَدَ- وَ التَّدْبِيرُ نِصْفُ الْعَيْشِ- وَ التَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ نِصْفُ الْعَقْلِ- وَ كَثْرَةُ الْهَمِّ يُورِثُ الْهَرَمَ وَ الْعَجَلَةُ هِيَ الْخُرْقُ- وَ قِلَّةُ الْعِيَالِ أَحَدُ الْيَسَارَيْنِ- وَ مَنْ أَحْزَنَ وَالِدَيْهِ فَقَدْ عَقَّهُمَا- وَ مَنْ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى فَخِذِهِ- أَوْ ضَرَبَ بِيَدِهِ الْوَاحِدَةِ عَلَى الْأُخْرَى- عِنْدَ الْمُصِيبَةِ فَقَدْ حَبِطَ أَجْرُهُ- وَ الْمُصِيبَةُ لَا تَكُونُ مُصِيبَةً يَسْتَوْجِبُ صَاحِبُهَا أَجْرَهَا- إِلَّا بِالصَّبْرِ وَ الِاسْتِرْجَاعِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ- وَ الصَّنِيعَةُ لَا تَكُونُ صَنِيعَةً إِلَّا عِنْدَ ذِي دِينٍ أَوْ حَسَبٍ
____________
(1) الزهو: الفخر و الكبر. قال الشاعر:
لا تهين الفقير علك أن* * * تركع يوما و الدهر قد رفعه
(2) أي دم من ليس لقاتله مال حتّى يؤدى ديته. و المدقعة: الشديدة يفضى صاحبه الى الدقعاء أي التراب أو يفضى صاحبه الى الدقع و هو سوء احتمال الفقر. و المدقع الملصق بالتراب و الذي لا يكون عنده ما يتقى به التراب.
(3) التحف ص 403.
327
وَ اللَّهُ يُنْزِلُ الْمَعُونَةَ عَلَى قَدْرِ الْمَئُونَةِ- وَ يُنْزِلُ الصَّبْرَ عَلَى قَدْرِ الْمُصِيبَةِ- وَ مَنِ اقْتَصَدَ وَ قَنِعَ بَقِيَتْ عَلَيْهِ النِّعْمَةُ- وَ مَنْ بَذَّرَ وَ أَسْرَفَ زَالَتْ عَنْهُ النِّعْمَةُ- وَ أَدَاءُ الْأَمَانَةِ وَ الصِّدْقُ يَجْلِبَانِ الرِّزْقَ- وَ الْخِيَانَةُ وَ الْكَذِبُ يَجْلِبَانِ الْفَقْرَ وَ النِّفَاقَ- وَ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِالذَّرَّةِ (1) شَرّاً أَنْبَتَ لَهَا جَنَاحَيْنِ- فَطَارَتْ فَأَكَلَهَا الطَّيْرُ- وَ الصَّنِيعَةُ لَا تَتِمُّ صَنِيعَةً عِنْدَ الْمُؤْمِنِ لِصَاحِبِهَا- إِلَّا بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ تَصْغِيرِهَا وَ سَتْرِهَا وَ تَعْجِيلِهَا- فَمَنْ صَغَّرَ الصَّنِيعَةَ عِنْدَ الْمُؤْمِنِ فَقَدْ عَظَّمَ أَخَاهُ- وَ مَنْ عَظَّمَ الصَّنِيعَةَ عِنْدَهُ فَقَدْ صَغَّرَ أَخَاهُ- وَ مَنْ كَتَمَ مَا أَوْلَاهُ (2) مِنْ صَنِيعَةٍ فَقَدْ كَرُمَ فِعَالُهُ- وَ مَنْ عَجَّلَ مَا وَعَدَ فَقَدْ هَنِئَ (3) الْعَطِيَّةَ.
5- كشف (4)، كشف الغمة قَالَ الْآبِيُّ فِي كِتَابِ نَثْرِ الدُّرَرِ سَمِعَ مُوسَى(ع)رَجُلًا يَتَمَنَّى الْمَوْتَ فَقَالَ لَهُ- هَلْ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ قَرَابَةٌ يُحَامِيكَ لَهَا قَالَ لَا- قَالَ فَهَلْ لَكَ حَسَنَاتٌ قَدَّمْتَهَا تَزِيدُ عَلَى سَيِّئَاتِكَ قَالَ لَا- قَالَ فَأَنْتَ إِذاً تَتَمَنَّى هَلَاكَ الْأَبَدِ- وَ قَالَ(ع)مَنِ اسْتَوَى يَوْمَاهُ فَهُوَ مَغْبُونٌ- وَ مَنْ كَانَ آخِرُ يَوْمَيْهِ شَرَّهُمَا فَهُوَ مَلْعُونٌ- وَ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الزِّيَادَةَ فِي نَفْسِهِ فَهُوَ فِي نُقْصَانٍ- وَ مَنْ كَانَ إِلَى النُّقْصَانِ فَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْحَيَاةِ-.
وَ رُوِيَ عَنْهُ(ع)أَنَّهُ قَالَ- اتَّخِذُوا الْقِيَانَ فَإِنَّ لَهُنَّ فِطَناً وَ عُقُولًا- لَيْسَتْ لِكَثِيرٍ مِنَ النِّسَاءِ كَأَنَّهُ أَرَادَ النَّجَابَةَ فِي أَوْلَادِهِنَّ-.
قُلْتُ الْقِيَانُ جَمْعُ قَيْنَةٍ- وَ هِيَ الْأَمَةُ مُغَنِّيَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مُغَنِّيَةٍ- قَالَ أَبُو عُمَرَ وَ كُلُّ عَبْدٍ هُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ قَيْنٌ وَ الْأَمَةُ قَيْنَةٌ- وَ بَعْضُ النَّاسِ يَظُنُّ الْقَيْنَةَ الْمُغَنِّيَةَ خَاصَّةً وَ لَيْسَ كَذَلِكَ.
____________
(1) في بعض النسخ «بالنملة».
(2) يقال: أولاه معروفا أي صنعه إليه.
(3) هنى الطعام- من باب علم-: تهنأ به أي ساغ له الطعام و لذ. و في بعض النسخ «هنوء»- من باب شرف-: صار هنيئا. و في بعضها «فقد هنأ» من باب التفعيل.
(4) كشف الغمّة ج 3 ص 42.
328
وَ قَالَ ابْنُ حُمْدُونٍ فِي تَذْكِرَتِهِ (1) قَالَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ(ع)وَجَدْتُ عِلْمَ النَّاسِ فِي أَرْبَعٍ أَوَّلُهَا أَنْ تَعْرِفَ رَبَّكَ- وَ الثَّانِيَةُ أَنْ تَعْرِفَ مَا صَنَعَ بِكَ- وَ الثَّالِثَةُ أَنْ تَعْرِفَ مَا أَرَادَ مِنْكَ- وَ الرَّابِعَةُ أَنْ تَعْرِفَ مَا يُخْرِجُكَ مِنْ دِينِكَ- مَعْنَى هَذِهِ الْأَرْبَعِ- الْأُولَى وُجُوبُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هِيَ اللُّطْفُ- الثَّانِيَةُ مَعْرِفَةُ مَا صَنَعَ بِكَ مِنَ النِّعَمِ- الَّتِي يَتَعَيَّنُ عَلَيْكَ لِأَجْلِهَا الشُّكْرُ وَ الْعِبَادَةُ- الثَّالِثَةُ أَنْ تَعْرِفَ مَا أَرَادَهُ مِنْكَ فِيمَا أَوْجَبَهُ عَلَيْكَ- وَ نَدَبَكَ إِلَى فِعْلِهِ لِتَفْعَلَهُ عَلَى الْحَدِّ- الَّذِي أَرَادَهُ مِنْكَ فَتَسْتَحِقَّ بِذَلِكَ الثَّوَابَ- وَ الرَّابِعَةُ أَنْ تَعْرِفَ الشَّيْءَ- الَّذِي يُخْرِجُكَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ فَتَجْتَنِبَهُ.
6- كش (2)، رجال الكشي عَنْ حَمْدَوَيْهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ الْخُزَاعِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُوَيْدٍ السَّائِيِ (3) قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى(ع) وَ هُوَ فِي الْحَبْسِ أَسْأَلُهُ فِيهِ عَنْ حَالِهِ- وَ عَنْ جَوَابِ مَسَائِلَ كَتَبْتُ بِهَا إِلَيْهِ- فَكَتَبَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ- الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ الَّذِي بِعَظَمَتِهِ وَ نُورِهِ- أَبْصَرَ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ وَ بِعَظَمَتِهِ وَ نُورِهِ عَادَاهُ الْجَاهِلُونَ- وَ بِعَظَمَتِهِ ابْتَغَى إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ بِالْأَعْمَالِ الْمُخْتَلِفَةِ- وَ الْأَدْيَانِ الشَّتَّى فَمُصِيبٌ وَ مُخْطِئٌ- وَ ضَالٌّ وَ مهتدي [مُهْتَدٍ وَ سَمِيعٌ وَ أَصَمُّ- وَ أَعْمَى وَ بَصِيرٌ وَ حَيْرَانُ- فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَرَّفَ وَصْفَ دِينِهِ بِمُحَمَّدٍ ص أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ امْرُؤٌ أَنْزَلَكَ اللَّهُ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ بِمَنْزِلَةٍ خَاصَّةٍ مَوَدَّةً بِمَا أَلْهَمَكَ مِنْ رُشْدِكَ- وَ بَصَّرَكَ مِنْ أَمْرِ دِينِكَ بِفَضْلِهِمْ- وَ رَدِّ الْأُمُورِ إِلَيْهِمْ وَ الرِّضَا بِمَا قَالُوا فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ- وَ قَالَ ادْعُ إِلَى صِرَاطِ رَبِّكَ فِينَا مَنْ رَجَوْتَ إِجَابَتَهُ- وَ لَا تَحْصُرْ حَصْرَنَا (4)
____________
(1) المصدر: ج 3 ص 45.
(2) اختيار رجال الكشّيّ ص 386.
(3) السائى نسبة الى ساية: اسم واد من حدود الحجاز. و قيل: قرية من قرى المدينة المشرفة، و قيل: إنّها قرية بمكّة، و قيل واد بين الحرمين. و قال في منهج المقال قرية بالمدينة.
(4) في بعض النسخ «و لا تحصن بحصن رياء».
329
وَ وَالِ آلَ مُحَمَّدٍ ص وَ لَا تَقُلْ لِمَا بَلَغَكَ عَنَّا أَوْ نُسِبَ إِلَيْنَا هَذَا بَاطِلٌ- وَ إِنْ كُنْتَ تَعْرِفُ خِلَافَهُ- فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي لِمَا قُلْنَاهُ- وَ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ وَصَفْنَاهُ آمِنْ بِمَا أَخْبَرْتُكَ- وَ لَا تُفْشِ مَا اسْتَكْتَمْتُكَ- أُخْبِرُكَ أَنَّ مِنْ أَوْجَبِ حَقِّ أَخِيكَ أَنْ لَا تَكْتُمَهُ شَيْئاً- يَنْفَعُهُ لِأَمْرِ دُنْيَاهُ وَ لِأَمْرِ آخِرَتِهِ (1).
7- كا (2)، الكافي عَنِ الْعِدَّةِ عَنْ سَهْلٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ الْخُزَاعِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُوَيْدٍ وَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ عَنْ عَمِّهِ حَمْزَةَ بْنِ بَزِيعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُوَيْدٍ وَ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ النَّهْدِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى(ع) وَ هُوَ فِي الْحَبْسِ كِتَاباً أَسْأَلُهُ عَنْ حَالِهِ وَ عَنْ مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ- فَاحْتَبَسَ الْجَوَابُ عَلَى أَشْهُرٍ- ثُمَّ أَجَابَنِي بِجَوَابٍ هَذِهِ نُسْخَتُهُ- بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ- الَّذِي بِعَظَمَتِهِ وَ نُورِهِ أَبْصَرَ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ- وَ بِعَظَمَتِهِ وَ نُورِهِ عَادَاهُ الْجَاهِلُونَ- وَ بِعَظَمَتِهِ وَ نُورِهِ ابْتَغَى مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ- إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ بِالْأَعْمَالِ الْمُخْتَلِفَةِ وَ الْأَدْيَانِ الْمُتَضَادَّةِ- فَمُصِيبٌ وَ مُخْطِئٌ وَ ضَالٌّ وَ مُهْتَدٍ وَ سَمِيعٌ وَ أَصَمُّ- وَ بَصِيرٌ وَ أَعْمَى وَ حَيْرَانُ- فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَرَفَ وَ وَصَفَ دِينَهُ مُحَمَّدٌ ص (3)- أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ امْرُؤٌ أَنْزَلَكَ اللَّهُ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ بِمَنْزِلَةٍ خَاصَّةٍ- وَ حَفِظَ مَوَدَّةَ مَا
____________
(1) في المصدر «لا من دنياه و لا من آخرته».
(2) في الكافي ج 8 ص 124.
(3) «عرف و وصف» كذا في بعض النسخ، فقوله «عرف» بتخفيف الراء أي عرف محمّد دينه و وصفه. و في بعض النسخ «عز و وصف» أي عزّ هو تعالى و وصف للخلق دينه محمّد و في بعض النسخ «محمّدا» بالنصب فعرف بتشديد الراء. و الأول أظهر و أصوب.
330
اسْتَرْعَاكَ مِنْ دِينِهِ (1)- وَ مَا أَلْهَمَكَ مِنْ رُشْدِكَ- وَ بَصَّرَكَ مِنْ أَمْرِ دِينِكَ بِتَفْضِيلِكَ إِيَّاهُمْ- وَ بِرَدِّكَ الْأُمُورَ إِلَيْهِمْ- كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ أُمُورٍ كُنْتُ مِنْهَا فِي تَقِيَّةٍ- وَ مِنْ كِتْمَانِهَا فِي سَعَةٍ فَلَمَّا انْقَضَى سُلْطَانُ الْجَبَابِرَةِ- وَ جَاءَ سُلْطَانُ ذِي السُّلْطَانِ الْعَظِيمِ (2)- بِفِرَاقِ الدُّنْيَا الْمَذْمُومَةِ إِلَى أَهْلِهَا الْعُتَاةِ عَلَى خَالِقِهِمْ (3)- رَأَيْتُ أَنْ أُفَسِّرَ لَكَ مَا سَأَلْتَنِي عَنْهُ- مَخَافَةَ أَنْ يَدْخُلَ الْحَيْرَةُ عَلَى ضُعَفَاءِ شِيعَتِنَا مِنْ قِبَلِ جَهَالَتِهِمْ- فَاتَّقِ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ وَ خُصَّ بِذَلِكَ الْأَمْرِ أَهْلَهُ- وَ احْذَرْ أَنْ تَكُونَ سَبَبَ بَلِيَّةٍ عَلَى الْأَوْصِيَاءِ- أَوْ حَارِشاً عَلَيْهِمْ (4) بِإِفْشَاءِ مَا اسْتَوْدَعْتُكَ- وَ إِظْهَارِ مَا اسْتَكْتَمْتُكَ وَ لَنْ تَفْعَلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- إِنَّ أَوَّلَ مَا أَنْهَى إِلَيْكَ أَنِّي أَنْعَى إِلَيْكَ نَفْسِي فِي لَيَالِيَّ هَذِهِ- غَيْرَ جَازِعٍ وَ لَا نَادِمٍ وَ لَا شَاكٍّ فِيمَا هُوَ كَائِنٌ- مِمَّا قَدْ قَضَى اللَّهُ جَلَّ وَ عَزَّ وَ حَتَمَ- فَاسْتَمْسِكْ بِعُرْوَةِ الدِّينِ آلِ مُحَمَّدٍ وَ الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى- الْوَصِيِّ بَعْدَ الْوَصِيِّ وَ الْمُسَالَمَةِ لَهُمْ وَ الرِّضَا بِمَا قَالُوا- وَ لَا تَلْتَمِسْ دِينَ مَنْ لَيْسَ مِنْ شِيعَتِكَ وَ لَا تُحِبَّنَّ دِينَهُمْ- فَإِنَّهُمُ الْخَائِنُونَ الَّذِينَ خَانُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ- وَ خَانُوا أَمَانَاتِهِمْ- وَ تَدْرِي مَا خَانُوا أَمَانَاتِهِمُ ائْتُمِنُوا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ- فَحَرَّفُوهُ وَ بَدَّلُوهُ- وَ دُلُّوا عَلَى وُلَاةِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ فَانْصَرَفُوا عَنْهُمْ- فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ
____________
(1) «حفظ مودة» كانه معطوف على قوله «منزلة» أي جعلك تحفظ مودة امر استرعاك و هو دينه، و يمكن أن يقرأ حفظ على صيغة الماضى ليكون معطوفا على قوله «أنزلك».
(2) أي كنت أتقى هذه الظلمة في أن أكتب جوابك لكن في تلك الأيّام دنا أجلى و انقضت أيامى و لا يلزمنى الآن التقية و جاء سلطان اللّه فلا أخاف من سلطانهم.
(3) «المذمومة الى أهلها» لعل المراد أنّها مذمومة بما يصل منها الى أهلها الذين ركنوا إليها كما يقال: استذم إليه أي فعل ما يذمه على فعله، يحتمل أن تكون الى بمعنى اللام أو بمعنى عند أي انما هي لهم بئست الدار و أمّا للصالحين فنعمت الدار فان فيها يتزودون لدار القرار.
(4) التحريش الاغراء على الضرر، و الحرش: الصيد، و يطلق على الخديعة و المعنى الأول هنا أنسب.
331
وَ سَأَلْتَ عَنْ رَجُلَيْنِ اغْتَصَبَا رَجُلًا مَالًا- كَانَ يُنْفِقُهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَ الْمَسَاكِينِ- وَ أَبْنَاءِ السَّبِيلِ وَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ- فَلَمَّا اغْتَصَبَاهُ ذَلِكَ لَمْ يَرْضَيَا حَيْثُ غَصَبَاهُ- حَتَّى حَمَّلَاهُ إِيَّاهُ كُرْهاً فَوْقَ رَقَبَتِهِ إِلَى مَنَازِلِهِمَا- فَلَمَّا أَحْرَزَاهُ تَوَلَّيَا إِنْفَاقَهُ أَ يَبْلُغَانِ بِذَلِكَ كُفْراً- وَ لَعَمْرِي لَقَدْ نَافَقَا قَبْلَ ذَلِكَ- وَ رَدَّا عَلَى اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ كَلَامَهُ وَ هَزِئَا بِرَسُولِهِ ص وَ هُمَا الْكَافِرَانِ عَلَيْهِمَا لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ- وَ اللَّهِ مَا دَخَلَ قَلْبَ أَحَدٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ مِنَ الْإِيمَانِ- مُنْذُ خُرُوجِهِمَا مِنْ حَالَتَيْهِمَا- وَ مَا ازْدَادَ إِلَّا شَكّاً كَانَا خَدَّاعَيْنِ- مُرْتَابَيْنِ مُنَافِقَيْنِ حَتَّى تَوَفَّتْهُمَا مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ- إِلَى مَحَلِّ الْخِزْيِ فِي دَارِ الْمُقَامِ- وَ سَأَلْتَ عَمَّنْ حَضَرَ ذَلِكَ الرَّجُلَ- وَ هُوَ يُغْصَبُ مَالُهُ وَ يُوضَعُ عَلَى رَقَبَتِهِ مِنْهُمْ عَارِفٌ- وَ مُنْكِرٌ فَأُولَئِكَ أَهْلُ الرِّدَّةِ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ- فَعَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ- وَ سَأَلْتَ عَنْ مَبْلَغِ عِلْمِنَا وَ هُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ- مَاضٍ وَ غَابِرٍ وَ حَادِثٍ فَأَمَّا الْمَاضِي فَمُفَسَّرٌ- وَ أَمَّا الْغَابِرُ فَمَزْبُورٌ- أَمَّا الْحَادِثُ فَقَذْفٌ فِي الْقُلُوبِ وَ نَقْرٌ فِي الْأَسْمَاعِ- وَ هُوَ أَفْضَلُ عِلْمِنَا وَ لَا نَبِيَّ بَعْدَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ص (1)- وَ سَأَلْتَ عَنْ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِمْ وَ عَنْ نِكَاحِهِمْ وَ عَنْ طَلَاقِهِمْ- فَأَمَّا أُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِمْ- فَهُنَّ عَوَاهِرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (2)- نِكَاحٌ بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَ طَلَاقٌ بِغَيْرِ عِدَّةٍ (3)- وَ أَمَّا مَنْ دَخَلَ فِي دَعْوَتِنَا فَقَدْ هَدَمَ إِيمَانُهُ ضَلَالَهُ وَ يَقِينُهُ شَكَّهُ- وَ سَأَلْتَ عَنِ الزَّكَاةِ فِيهِمْ- فَمَا كَانَ مِنَ الزَّكَاةِ فَأَنْتُمْ أَحَقُّ بِهِ- لِأَنَّا قَدْ أَحْلَلْنَا
____________
(1) أي لا يتوهم أن القاء الملك مستلزم للنبوة بل يكون للائمة (عليهم السلام) و لا نبوة بعد نبيّنا.
(2) العواهر: الزوانى لان تلك السبايا لما سبين بغير اذن الامام فكلهن أو خمسهن للامام و لم يرخص الامام لغير الشيعة في وطيهن.
(3) أي طلاقهم طلاق في غير الزمان الذي يمكن فيه إنشاء العدة أي طهر غير المواقعة مع أنّه تعالى قال «فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ».
332
ذَلِكَ لَكُمْ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ وَ أَيْنَ كَانَ- وَ سَأَلْتَ عَنِ الضُّعَفَاءِ- فَالضَّعِيفُ مَنْ لَمْ تُرْفَعْ إِلَيْهِ حُجَّةٌ- وَ لَمْ يَعْرِفِ الِاخْتِلَافَ فَإِذَا عَرَفَ الِاخْتِلَافَ فَلَيْسَ بِضَعِيفٍ- وَ سَأَلْتَ عَنِ الشَّهَادَةِ لَهُمْ- فَأَقِمِ الشَّهَادَةَ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَوْ عَلَى نَفْسِكَ- أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُمْ- فَإِنْ خِفْتَ عَلَى أَخِيكَ ضَيْماً (1) فَلَا- وَ ادْعُ إِلَى شَرَائِطِ اللَّهِ (2) عَزَّ ذِكْرُهُ- بِمَعْرِفَتِنَا مَنْ رَجَوْتَ إِجَابَتَهُ- وَ لَا تَحَصَّنْ بِحِصْنِ رِيَاءٍ (3) وَ وَالِ آلَ مُحَمَّدٍ(ع) وَ لَا تَقُلْ لِمَا بَلَغَكَ عَنَّا وَ نُسِبَ إِلَيْنَا هَذَا بَاطِلٌ- وَ إِنْ كُنْتَ تَعْرِفُ مِنَّا خِلَافَهُ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي لِمَا قُلْنَاهُ- وَ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ وَصَفْنَاهُ آمِنْ بِمَا أُخْبِرُكَ- وَ لَا تُفْشِ مَا اسْتَكْتَمْنَاكَ مِنْ خَبَرِكَ- إِنَّ مِنْ وَاجِبِ حَقِّ أَخِيكَ أَنْ لَا تَكْتُمَهُ- شَيْئاً تَنْفَعُهُ بِهِ لِأَمْرِ دُنْيَاهُ وَ آخِرَتِهِ- وَ لَا تَحْقِدَ عَلَيْهِ وَ إِنْ أَسَاءَ وَ أَجِبْ دَعْوَتَهُ إِذَا دَعَاكَ- وَ لَا تُخَلِّ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ عَدُوِّهِ مِنَ النَّاسِ- وَ إِنْ كَانَ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْكَ وَ عُدْهُ فِي مَرَضِهِ- لَيْسَ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ الْغِشُّ- وَ لَا الْأَذَى وَ لَا الْخِيَانَةُ وَ لَا الْكِبْرُ وَ لَا الْخَنَا- وَ لَا الْفُحْشُ وَ لَا الْأَمْرُ بِهِ- فَإِذَا رَأَيْتَ الْمُشَوَّهَ الْأَعْرَابِيَّ فِي جَحْفَلٍ جَرَّارٍ- فَانْتَظِرْ فَرَجَكَ (4) وَ لِشِيعَتِكَ الْمُؤْمِنِينَ- فَإِذَا انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فَارْفَعْ بَصَرَكَ إِلَى السَّمَاءِ- وَ انْظُرْ مَا فَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِالْمُجْرِمِينَ- فَقَدْ فَسَّرْتُ لَكَ جُمَلًا مُجْمَلًا- وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الْأَخْيَارِ.
____________
(1) الضيم: الظلم يعنى إذا كان يعلم مثلا أن المدعى عليه معسر و يعلم أنّه مع شهادته يجبره الحاكم على أدائه فلا يلزم اقامة تلك الشهادة.
(2) أي الى الشرائط التي اشترطها اللّه على الناس بسبب معرفة الأئمّة من ولايتهم و محبتهم و طاعتهم و التبرى من أعدائهم و مخالفيهم، و يحتمل أن يكون المراد بالشرائط الوعد و الوعيد و التأكيد و التهديد الذي ورد في أصل المعرفة و تركها.
(3) في بعض النسخ «و لا تحضر حصن زناء».
(4) الجحفل- كجعفر-: الجيش الكبير، و يقال: كتيبة جرارة أي ثقيلة السير لكثرتها.
333
8- الدُّرَّةُ الْبَاهِرَةُ (1)، قَالَ الْكَاظِمُ(ع)الْمَعْرُوفُ غُلٌّ لَا يَفُكُّهُ إِلَّا مُكَافَاةٌ أَوْ شُكْرٌ- لَوْ ظَهَرَتِ الْآجَالُ افْتَضَحَتِ الْآمَالُ- مَنْ وَلَّدَهُ الْفَقْرُ أَبْطَرَهُ الْغِنَى- مَنْ لَمْ يَجِدْ لِلْإِسَاءَةِ مَضَضاً (2)- لَمْ يَكُنْ لِلْإِحْسَانِ عِنْدَهُ مَوْقِعٌ- مَا تَسَابَّ اثْنَانِ إِلَّا انْحَطَّ الْأَعْلَى إِلَى مَرْتَبَةِ الْأَسْفَلِ.
9- أَعْلَامُ الدِّينِ (3)، قَالَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ(ع)أَوْلَى الْعِلْمِ بِكَ مَا لَا يَصْلُحُ لَكَ الْعَمَلُ إِلَّا بِهِ- وَ أَوْجَبُ الْعَمَلِ عَلَيْكَ مَا أَنْتَ مَسْئُولٌ عَنِ الْعَمَلِ بِهِ- وَ أَلْزَمُ الْعِلْمِ لَكَ مَا دَلَّكَ عَلَى صَلَاحِ قَلْبِكَ- وَ أَظْهَرَ لَكَ فَسَادَهُ- وَ أَحْمَدُ الْعِلْمِ عَاقِبَةً مَا زَادَ فِي عِلْمِكَ الْعَاجِلِ- فَلَا تَشْتَغِلَنَّ بِعِلْمِ مَا لَا يَضُرُّكَ جَهْلُهُ- وَ لَا تَغْفُلَنَّ عَنْ عِلْمِ مَا يَزِيدُ فِي جَهْلِكَ تَرْكُهُ.
وَ قَالَ(ع)لَوْ ظَهَرَتِ الْآجَالُ افْتَضَحَتِ الْآمَالُ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ أَتَى إِلَى أَخِيهِ مَكْرُوهاً فَبِنَفْسِهِ بَدَأَ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ لَمْ يَجِدْ لِلْإِسَاءَةِ مَضَضاً- لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ لِلْإِحْسَانِ موقعا [مَوْقِعٌ- وَ قَالَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ الْأَنْصَارِيُّ- دَخَلْتُ عَلَى الْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ(ع) وَ عِنْدَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْجَعْفَرِيُّ- فَتَبَسَّمْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ أَ تُحِبُّهُ فَقُلْتُ- نَعَمْ وَ مَا أَحْبَبْتُهُ إِلَّا لَكُمْ فَقَالَ(ع) هُوَ أَخُوكَ وَ الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ لِأُمَّهِ وَ أَبِيهِ- وَ إِنْ لَمْ يَلِدْهُ أَبُوهُ مَلْعُونٌ مَنِ اتَّهَمَ أَخَاهُ- مَلْعُونٌ مَنْ غَشَّ أَخَاهُ مَلْعُونٌ مَنْ لَمْ يَنْصَحْ أَخَاهُ- مَلْعُونٌ مَنِ اغْتَابَ أَخَاهُ.
وَ قَالَ(ع)مَا تَسَابَّ اثْنَانِ إِلَّا انْحَطَّ الْأَعْلَى إِلَى مَرْتَبَةِ الْأَسْفَلِ- وَ قَدِمَ عَلَى الرَّشِيدِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ- نُفَيْعٌ وَ كَانَ عَارِفاً فَحَضَرَ يَوْماً بَابَ الرَّشِيدِ- وَ تَبِعَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ- وَ حَضَرَ مُوسَى بْنُ
____________
(1) مخطوط.
(2) المضض: وجع الالم.
(3) مخطوط.
334
جَعْفَرٍ(ع)عَلَى حِمَارٍ لَهُ- فَتَلَقَّاهُ الْحَاجِبُ بِالْإِكْرَامِ وَ الْإِجْلَالِ- وَ أَعْظَمَهُ مَنْ كَانَ هُنَاكَ وَ عَجَّلَ لَهُ الْإِذْنَ- فَقَالَ نُفَيْعٌ لِعَبْدِ الْعَزِيزِ مَنْ هَذَا الشَّيْخُ فَقَالَ لَهُ- أَ وَ مَا تَعْرِفُهُ هَذَا شَيْخُ آلِ أَبِي طَالِبٍ- هَذَا مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ(ع)فَقَالَ نُفَيْعٌ- مَا رَأَيْتُ أَعْجَبَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ- يَفْعَلُونَ هَذَا بِرَجُلٍ لَوْ يَقْدِرُ عَلَى زَوَالِهِمْ عَنِ السَّرِيرِ- لَفَعَلَ أَمَا إِنْ خَرَجَ لَأَسُوءَنَّهُ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ- لَا تَفْعَلْ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتٍ- قَلَّمَا تَعَرَّضَ لَهُمْ أَحَدٌ بِخِطَابٍ إِلَّا وَسَمُوهُ فِي الْجَوَابِ- وَسْمَةً يَبْقَى عَارُهَا عَلَيْهِ أَبَدَ الدَّهْرِ- وَ خَرَجَ مُوسَى(ع)فَقَامَ إِلَيْهِ نُفَيْعٌ فَأَخَذَ بِلِجَامِ حِمَارِهِ- ثُمَّ قَالَ لَهُ مَنْ أَنْتَ قَالَ يَا هَذَا إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ النَّسَبَ- فَأَنَا ابْنُ مُحَمَّدٍ حَبِيبِ اللَّهِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ- وَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْبَلَدَ فَهُوَ الَّذِي فَرَضَ جَلَّ وَ عَزَّ عَلَيْكَ- وَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِنْ كُنْتَ مِنْهُمُ الْحَجَّ إِلَيْهِ- وَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمُفَاخَرَةَ- فَوَ اللَّهِ مَا رَضِيَ مشركي [مُشْرِكُو قَوْمِي مُسْلِمِي قَوْمِكَ أَكْفَاءً لَهُمْ- حَتَّى قَالُوا يَا مُحَمَّدُ أَخْرِجْ لَنَا أَكْفَاءَنَا مِنْ قُرَيْشٍ- خَلِّ عَنِ الْحِمَارِ فَخَلَّى عَنْهُ وَ يَدُهُ تُرْعَدُ- وَ انْصَرَفَ بِخِزْيٍ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ- وَ قِيلَ حَجَّ الرَّشِيدُ- فَلَقِيَ مُوسَى(ع)عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ فَقَالَ للرشيد [الرَّشِيدُ- مَنْ مِثْلُكَ فِي حَسَبِكَ وَ نَسَبِكَ- وَ تَقَدُّمِكَ يَلْقَانِي عَلَى بَغْلَةٍ- فَقَالَ تَطَأْطَأَتْ عَنْ خُيَلَاءِ الْخَيْلِ- وَ ارْتَفَعَتْ عَنْ ذِلَّةِ الْحَمِيرِ.
باب 26 مواعظ الرضا (ع)
1- ف (1)، تحف العقول رُوِيَ عَنْهُ(ع)فِي قِصَارِ هَذِهِ الْمَعَانِي قَالَ الرِّضَا(ع)لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِناً حَتَّى تَكُونَ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ- سُنَّةٌ مِنْ رَبِّهِ وَ سُنَّةٌ مِنْ نَبِيِّهِ ص وَ سُنَّةٌ مِنْ وَلِيِّهِ(ع) فَأَمَّا السُّنَّةُ مِنْ رَبِّهِ فَكِتْمَانُ السِّرِّ- وَ أَمَّا السُّنَّةُ مِنْ نَبِيِّهِ ص فَمُدَارَاةُ النَّاسِ- وَ أَمَّا السُّنَّةُ مِنْ وَلِيِّهِ ع
____________
(1)؟؟.
335
فَالصَّبْرُ فِي الْبَأْسَاءِ وَ الضَّرَّاءِ.
وَ قَالَ(ع)صَاحِبُ النِّعْمَةِ يَجِبُ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى عِيَالِهِ.
وَ قَالَ(ع)لَيْسَ الْعِبَادَةُ كَثْرَةَ الصِّيَامِ وَ الصَّلَاةِ- وَ إِنَّمَا الْعِبَادَةُ كَثْرَةُ التَّفَكُّرِ فِي أَمْرِ اللَّهِ.
وَ قَالَ(ع)مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ التَّنَظُّفُ.
وَ قَالَ(ع)ثَلَاثٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ- الْعِطْرُ وَ إِحْفَاءُ الشَّعْرِ وَ كَثْرَةُ الطَّرُوقَةِ (1).
وَ قَالَ(ع)لَمْ يَخُنْكَ الْأَمِينُ وَ لَكِنِ ائْتَمَنْتَ الْخَائِنَ.
قَالَ(ع)إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْراً سَلَبَ الْعِبَادَ عُقُولَهُمْ- فَأَنْفَذَ أَمْرَهُ وَ تَمَّتْ إِرَادَتُهُ- فَإِذَا أَنْفَذَ أَمْرَهُ رَدَّ إِلَى كُلِّ ذِي عَقْلٍ عَقْلَهُ- فَيَقُولُ كَيْفَ ذَا وَ مِنْ أَيْنَ ذَا.
وَ قَالَ(ع)الصَّمْتُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْحِكْمَةِ- إِنَّ الصَّمْتَ يَكْسِبُ الْمَحَبَّةَ- إِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ.
وَ قَالَ(ع)مَا مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْفُضُولِ إِلَّا- وَ هُوَ يَحْتَاجُ إِلَى الْفُضُولِ مِنَ الْكَلَامِ.
وَ قَالَ(ع)الْأَخُ الْأَكْبَرُ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ-.
وَ سُئِلَ(ع)عَنِ السَّفِلَةِ فَقَالَ- مَنْ كَانَ لَهُ شَيْءٌ يُلْهِيهِ عَنِ اللَّهِ.
وَ كَانَ(ع)يُتَرِّبُ الْكِتَابَ (2) وَ يَقُولُ لَا بَأْسَ بِهِ- وَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ تَذَكُّرَاتِ حَوَائِجِهِ- كَتَبَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ- أَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يَكْتُبُ مَا يُرِيدُ.
وَ قَالَ(ع)إِذَا ذَكَرْتَ الرَّجُلَ وَ هُوَ حَاضِرٌ فَكَنِّهِ- وَ إِذَا كَانَ غَائِباً فَسَمِّهِ.
وَ قَالَ(ع)صَدِيقُ كُلِّ امْرِئٍ عَقْلُهُ وَ عَدُوُّهُ جَهْلُهُ.
وَ قَالَ(ع)التَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ نِصْفُ الْعَقْلِ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْقِيلَ وَ الْقَالَ- وَ إِضَاعَةَ الْمَالِ وَ كَثْرَةَ السُّؤَالِ.
____________
(1) الاحفاء: القص. و الطروقة: الجماع. و في بعض النسخ «و اخفاء السر».
(2) أي يجعل عليه التراب ليجفه. ترب و أترب الشيء: جعل عليه التراب.
336
وَ قَالَ(ع)لَا يَتِمُّ عَقْلُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ حَتَّى تَكُونَ فِيهِ عَشْرُ خِصَالٍ- الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ وَ الشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ- يَسْتَكْثِرُ قَلِيلَ الْخَيْرِ مِنْ غَيْرِهِ- وَ يَسْتَقِلُّ كَثِيرَ الْخَيْرِ مِنْ نَفْسِهِ- لَا يَسْأَمُ مِنْ طَلَبِ الْحَوَائِجِ إِلَيْهِ- وَ لَا يَمَلُّ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ طُولَ دَهْرِهِ- الْفَقْرُ فِي اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْغِنَى- وَ الذُّلُّ فِي اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعِزِّ فِي عَدُوِّهِ- وَ الْخُمُولُ أَشْهَى إِلَيْهِ مِنَ الشُّهْرَةِ- ثُمَّ قَالَ(ع)الْعَاشِرَةُ وَ مَا الْعَاشِرَةُ- قِيلَ لَهُ مَا هِيَ قَالَ(ع)لَا يَرَى أَحَداً إِلَّا قَالَ- هُوَ خَيْرٌ مِنِّي وَ أَتْقَى- إِنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ رَجُلٌ خَيْرٌ مِنْهُ وَ أَتْقَى- وَ رَجُلٌ شَرٌّ مِنْهُ وَ أَدْنَى- فَإِذَا لَقِيَ الَّذِي شَرٌّ مِنْهُ وَ أَدْنَى- قَالَ لَعَلَّ خَيْرَ هَذَا بَاطِنٌ وَ هُوَ خَيْرٌ لَهُ- وَ خَيْرِي ظَاهِرٌ وَ هُوَ شَرٌّ لِي- وَ إِذَا رَأَى الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَ أَتْقَى- تَوَاضَعَ لَهُ لِيَلْحَقَ بِهِ- فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ عَلَا مَجْدُهُ- وَ طَابَ خَيْرُهُ وَ حَسُنَ ذِكْرُهُ وَ سَادَ أَهْلَ زَمَانِهِ- وَ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ- وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ (1)- فَقَالَ(ع)لِلتَّوَكُّلِ دَرَجَاتٌ- مِنْهَا أَنْ تَثِقَ بِهِ فِي أَمْرِكَ كُلِّهِ فِيمَا فَعَلَ بِكَ- فَمَا فَعَلَ بِكَ كُنْتَ رَاضِياً- وَ تَعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يَأْلُكَ خَيْراً وَ نَظَراً (2)- وَ تَعْلَمَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ لَهُ- فَتَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ بِتَفْوِيضِ ذَلِكَ إِلَيْهِ- وَ مِنْ ذَلِكَ الْإِيمَانُ بِغُيُوبِ اللَّهِ- الَّتِي لَمْ يُحِطْ عِلْمُكَ بِهَا- فَوَكَلْتَ عِلْمَهَا إِلَيْهِ وَ إِلَى أُمَنَائِهِ عَلَيْهَا- وَ وَثِقْتَ بِهِ فِيهَا وَ فِي غَيْرِهَا- وَ سَأَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ نَجْمٍ (3) عَنِ الْعُجْبِ الَّذِي يُفْسِدُ الْعَمَلَ- فَقَالَ(ع)لِلْعُجْبِ دَرَجَاتٌ- مِنْهَا أَنْ يُزَيَّنَ لِلْعَبْدِ سُوءُ عَمَلِهِ فَيَرَاهُ حَسَناً- فَيُعْجِبَهُ وَ يَحْسَبَ أَنَّهُ يُحْسِنُ صُنْعاً- وَ مِنْهَا أَنْ يُؤْمِنَ الْعَبْدُ بِرَبِّهِ- فَيَمُنَّ عَلَى اللَّهِ (4) وَ لِلَّهِ الْمِنَّةُ عَلَيْهِ فِيهِ.
____________
(1) الطلاق: 3.
(2) ألا في الامر: قصر و أبطأ و ترك الجهد و منه يقال: «لم يأل جهدا».
(3) رواه الكليني- (رحمه الله)- في الكافي ج 2 ص 313 و الصدوق- (رضوان اللّه عليه) في معاني الأخبار بإسناده عن عليّ بن سويد المديني عن أبي الحسن موسى (عليه السلام). و أمّا أحمد ابن نجم هذا لم نجد الايعاز إليه في معاجم الرجال.
(4) و في بعض النسخ «فيمتن».
337
قَالَ الْفَضْلُ (1) قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع) يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَزْعُمُ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ إِنَّمَا هِيَ اكْتِسَابٌ- قَالَ(ع)لَا مَا أَصَابَ- إِنَّ اللَّهَ يُعْطِي الْإِيمَانَ مَنْ يَشَاءُ- فَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ مُسْتَقَرّاً فِيهِ- وَ مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ مُسْتَوْدَعاً عِنْدَهُ- فَأَمَّا الْمُسْتَقَرُّ فَالَّذِي لَا يَسْلُبُهُ اللَّهُ ذَلِكَ أَبَداً- وَ أَمَّا الْمُسْتَوْدَعُ فَالَّذِي يُعْطَاهُ الرَّجُلُ- ثُمَّ يَسْلُبُهُ إِيَّاهُ.
وَ قَالَ صَفْوَانُ بْنُ يَحْيَى (2) سَأَلْتُ الرِّضَا(ع)عَنِ الْمَعْرِفَةِ- هَلْ لِلْعِبَادِ
____________
(1) الظاهر أنّه الفضل بن سنان و لعله ابن سهل ذو الرئاستين وزير المأمون و قد مضى ترجمته. و يونس بن عبد الرحمن هو أبو محمّد مولى آل يقطين ثقة من أصحاب الكاظم و الرضا (عليهما السلام)، كان وجها في أصحابنا متقدما عظيم المنزلة قال ابن النديم:
«يونس بن عبد الرحمن من أصحاب موسى بن جعفر (عليهما السلام) من موالى آل يقطين علامة زمانه كثير التصنيف و التأليف على مذاهب الشيعة» ثم عد كتبه. انتهى. و كان يونس من أصحاب الإجماع ولد في أيّام هشام بن عبد الملك و رأى جعفر بن محمّد (عليهما السلام) بين الصفا و المروة و لم يرو عنه و روى عن الكاظم و الرضا (عليهما السلام) و كان الرضا (عليه السلام) يشير إليه في العلم و الفتيا و كان ممن بذل على الوقف ما لا جزيلا مات- (رحمه الله)- سنة 208.
(2) هو أبو محمّد صفوان بن يحيى البجليّ الكوفيّ، بياع السابرى من أصحاب الامام السابع و الثامن و التاسع (عليهم السلام) و أقروا له بالفقه و العلم، ثقة من أصحاب الإجماع و كان وكيل الرضا (عليه السلام) و صنف كتبا كثيرة و كان من الورع و العبادة ما لم يكن أحد في طبقته. و كان أوثق أهل زمانه عند أصحاب الحديث و أعبدهم، كان يصلّي كل يوم خمسين و مائة ركعة و يصوم في السنة ثلاثة أشهر، و يخرج زكاة ماله كل سنة ثلاث مرّات و ذاك أنّه اشترك هو و عبد اللّه بن جندب و عليّ بن النعمان في بيت اللّه الحرام فتعاقدوا جميعا ان مات واحد منهم يصلى من بقى بعده صلاته و يصوم عنه و يحج عنه و يزكى عنه ما دام حيا فمات صاحباه و بقى صفوان بعدهما و كان يفى لهما بذلك و كان يصلّي عنهما و يزكى عنهما و يصوم عنهما و يحج عنهما و كل شيء من البر و الصلاح يفعل لنفسه كذلك يفعله عن صاحبيه.
كما في جش و صه. و روى عن أربعين رجلا من أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام). و له كتب كثيرة مثل كتب الحسين بن سعيد و له مسائل عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) و روايات.
مات- (رحمه الله)- بالمدينة و بعث إليه أبو جعفر بحنوطه و كفنه و أمر إسماعيل بن موسى بالصلاة عليه.
338
فِيهَا صُنْعٌ قَالَ(ع)لَا- قُلْتُ لَهُمْ فِيهَا أَجْرٌ قَالَ(ع)نَعَمْ- تَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ بِالْمَعْرِفَةِ- وَ تَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ بِالصَّوَابِ (1).
وَ قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ يَسَارٍ (2) سَأَلْتُ الرِّضَا(ع)عَنْ أَفَاعِيلِ الْعِبَادِ- مَخْلُوقَةٌ هِيَ أَمْ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ قَالَ(ع)هِيَ وَ اللَّهِ مَخْلُوقَةٌ- أَرَادَ خَلْقَ تَقْدِيرٍ لَا خَلْقَ تَكْوِينٍ- ثُمَّ قَالَ(ع)إِنَّ الْإِيمَانَ أَفْضَلُ مِنَ الْإِسْلَامِ بِدَرَجَةٍ- وَ التَّقْوَى أَفْضَلُ مِنَ الْإِيمَانِ بِدَرَجَةٍ- وَ الْيَقِينَ أَفْضَلُ مِنَ الْإِيمَانِ بِدَرَجَةٍ- وَ لَمْ يُعْطَ بَنُو آدَمَ أَفْضَلَ مِنَ الْيَقِينِ-.
وَ سُئِلَ عَنْ خِيَارِ الْعِبَادِ فَقَالَ(ع) الَّذِينَ إِذَا أَحْسَنُوا اسْتَبْشَرُوا- وَ إِذَا أَسَاءُوا اسْتَغْفَرُوا وَ إِذَا أُعْطُوا شَكَرُوا- وَ إِذَا ابْتُلُوا صَبَرُوا وَ إِذَا غَضِبُوا عَفَوْا-.
وَ سُئِلَ(ع)عَنْ حَدِّ التَّوَكُّلِ فَقَالَ(ع) أَنْ لَا تَخَافَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ.
وَ قَالَ(ع)مِنَ السُّنَّةِ إِطْعَامُ الطَّعَامِ عِنْدَ التَّزْوِيجِ.
وَ قَالَ(ع)الْإِيمَانُ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ- وَ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَ التَّسْلِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ- وَ التَّفْوِيضُ إِلَى اللَّهِ وَ قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ (3)- وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ... فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا
وَ قَالَ(ع)صِلْ رَحِمَكَ وَ لَوْ بِشَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ- وَ أَفْضَلُ مَا تُوصَلُ بِهِ الرَّحِمُ كَفُّ الْأَذَى عَنْهَا- وَ قَالَ فِي كِتَابِ اللَّهِ لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى (4).
وَ قَالَ(ع)إِنَّ مِنْ عَلَامَاتِ الْفِقْهِ الْحِلْمَ وَ الْعِلْمَ- وَ الصَّمْتُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْحِكْمَةِ- إِنَّ الصَّمْتَ يَكْسِبُ الْمَحَبَّةَ- إِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ (5).
____________
(1) كذا. و تطول عليه: امتن عليه.
(2) الفضيل بن يسار من أصحاب الإمام الصّادق (عليه السلام) و مات في أيامه، و لعله كان قاسم بن الفضيل أو محمّد بن الفضيل لأنّهما من أصحاب الرضا (عليه السلام).
(3) أراد (عليه السلام) بالعبد الصالح مؤمن آل فرعون و الآية في سورة غافر: 44.
(4) البقرة: 266.
(5) و في بعض النسخ «على كل حق».
339
وَ قَالَ(ع)إِنَّ الَّذِي يَطْلُبُ مِنْ فَضْلٍ يَكُفُّ بِهِ عِيَالَهُ أَعْظَمُ أَجْراً مِنَ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ- وَ قِيلَ لَهُ كَيْفَ أَصْبَحْتَ فَقَالَ(ع) أَصْبَحْتُ بِأَجَلٍ مَنْقُوصٍ- وَ عَمَلٍ مَحْفُوظٍ وَ الْمَوْتُ فِي رِقَابِنَا- وَ النَّارُ مِنْ وَرَائِنَا وَ لَا نَدْرِي مَا يَفْعَلُ بِنَا.
وَ قَالَ(ع)خَمْسٌ مَنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ- فَلَا تَرْجُوهُ لِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- مَنْ لَمْ تَعْرِفِ الْوَثَاقَةَ فِي أَرُومَتِهِ (1)- وَ الْكَرَمَ فِي طِبَاعِهِ وَ الرَّصَانَةَ فِي خُلُقِهِ (2)- وَ النُّبْلَ فِي نَفْسِهِ وَ الْمَخَافَةَ لِرَبِّهِ.
وَ قَالَ(ع)مَا الْتَقَتْ فِئَتَانِ قَطُّ إِلَّا نُصِرَ أَعْظَمُهُمَا عَفْواً.
وَ قَالَ(ع)السَّخِيُّ يَأْكُلُ مِنْ طَعَامِ النَّاسِ لِيَأْكُلُوا مِنْ طَعَامِهِ- وَ الْبَخِيلُ لَا يَأْكُلُ مِنْ طَعَامِ النَّاسِ- لِئَلَّا يَأْكُلُوا مِنْ طَعَامِهِ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ نَرَى وَعْدَنَا عَلَيْنَا دَيْناً كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ص
وَ قَالَ(ع)يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تَكُونُ الْعَافِيَةُ فِيهِ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ- تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي اعْتِزَالِ النَّاسِ وَ وَاحِدٌ فِي الصَّمْتِ- وَ قَالَ لَهُ مُعَمَّرُ بْنُ خَلَّادٍ (3) عَجَّلَ اللَّهُ فَرَجَكَ- فَقَالَ(ع)يَا مُعَمَّرُ ذَاكَ فَرَجُكُمْ أَنْتُمْ- فَأَمَّا أَنَا فَوَ اللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا مِزْوَدٌ فِيهِ كَفُّ سَوِيقٍ مَخْتُومٌ بِخَاتَمٍ.
وَ قَالَ(ع)عَوْنُكَ لِلضَّعِيفِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ.
وَ قَالَ(ع)لَا يَسْتَكْمِلُ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ- حَتَّى تَكُونَ فِيهِ خِصَالٌ ثَلَاثٌ- التَّفَقُّهُ فِي الدِّينِ وَ حُسْنُ التَّقْدِيرِ فِي الْمَعِيشَةِ- وَ الصَّبْرُ عَلَى الرَّزَايَا-.
____________
(1) الارومة: الأصل.
(2) رصن- كشرف- أى استحكم و اشتد و ثبت. و النبل- بالضم-: الفضل و النجابة.
و في بعض النسخ «و الرزانة في خلقه».
(3) هو أبو خلّاد معمر بن خلّاد بن أبي خلّاد بغداديّ ثقة من أصحاب الرضا (عليه السلام) و له كتب.
340
وَ قَالَ(ع)لِأَبِي هَاشِمٍ دَاوُدَ بْنِ الْقَاسِمِ الْجَعْفَرِيِ (1)- يَا دَاوُدُ إِنَّ لَنَا عَلَيْكُمْ حَقّاً بِرَسُولِ اللَّهِ ص وَ إِنَّ لَكُمْ عَلَيْنَا حَقّاً فَمَنْ عَرَفَ حَقَّنَا وَجَبَ حَقُّهُ- وَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ حَقَّنَا فَلَا حَقَّ لَهُ-.
وَ حَضَرَ(ع)يَوْماً مَجْلِسَ الْمَأْمُونِ وَ ذُو الرِّئَاسَتَيْنِ حَاضِرٌ- فَتَذَاكَرُوا اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ وَ أَيُّهُمَا خُلِقَ قَبْلَ صَاحِبِهِ- فَسَأَلَ ذُو الرِّئَاسَتَيْنِ الرِّضَا(ع)عَنْ ذَلِكَ- فَقَالَ(ع)لَهُ- تُحِبُّ أَنْ أُعْطِيَكَ الْجَوَابَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَمْ حِسَابِكَ- فَقَالَ أُرِيدُهُ أَوَّلًا مِنَ الْحِسَابِ- فَقَالَ(ع)أَ لَيْسَ تَقُولُونَ إِنَّ طَالِعَ الدُّنْيَا السَّرَطَانُ- وَ إِنَّ الْكَوَاكِبَ كَانَتْ فِي أَشْرَافِهَا قَالَ نَعَمْ- قَالَ فَزُحَلُ فِي الْمِيزَانِ وَ الْمُشْتَرِي فِي السَّرَطَانِ- وَ الْمِرِّيخُ فِي الْجَدْيِ وَ الزُّهَرَةُ فِي الْحُوتِ- وَ الْقَمَرُ فِي الثَّوْرِ وَ الشَّمْسُ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ فِي الْحَمَلِ- وَ هَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا نَهَاراً قَالَ نَعَمْ- قَالَ فَمِنْ كِتَابِ اللَّهِ قَالَ(ع) قَوْلُهُ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ أَيْ إِنَّ النَّهَارَ سَبَقَهُ (2).
____________
(1) هو أبو هاشم داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب ثقة جليل القدر عظيم المنزلة عند الأئمّة، و قد شاهد جماعة منهم: الامام الثامن الى الامام الثاني عشر (عليهم السلام) و له موقع جليل عندهم و كان منقطعا اليهم و روى عنهم و له منهم أخبار و رسائل و روايات من دلائل أبى الحسن الهادى (عليه السلام) و قال: ما دخلت على أبى الحسن و أبى محمّد (عليهما السلام) الا رأيت منهما دلالة و برهانا. و قال السيّد ابن طاوس:
«انه من وكلاء الناحية الذين لا تختلف الشيعة فيهم» كان أبو هاشم عالما أديبا ورعا زاهدا ناسكا و لم يكن في آل أبي طالب مثله في زمانه في علو النسب و كان مقدما عند السلطان توفى- (رحمه الله)- سنة 261. و كان أبو القاسم بن إسحاق أمير اليمن رجلا جليلا و هو ابن خالة مولانا الصادق (عليه السلام) لان أم حكيم بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر اخت أمّ فروة أم مولانا الصادق (عليه السلام).
(2) رواه الطبرسيّ- (رحمه الله)- في المجمع عند بيان الآية من تفسير العيّاشيّ عن الاشعث بن حاتم هكذا «قال: كنت بخراسان حيث اجتمع الرضا (عليه السلام) و الفضل بن سهل و المأمون في ايوان الحبرى بمرو فوضعت المائدة فقال الرضا (عليه السلام): ان رجلا من بني إسرائيل سألنى بالمدينة فقال: النهار خلق قبل أم الليل، فما عندكم؟ قال:
فأداروا الكلام فلم يكن عندهم في ذلك شيء، فقال الفضل للرضا (عليه السلام): أخبرنا بها- أصلحك اللّه- قال: نعم من القرآن أم من الحساب؟ قال له الفضل: من جهة الحساب فقال: قد علمت يا فضل أن طالع الدنيا السرطان و الكواكب في مواضع شرفها؟ فزحل في الميزان و المشترى في السرطان و الشمس في الحمل و القمر في الثور فذلك يدلّ على كينونة الشمس في الحمل في العاشر في الطالع في وسط السماء فالنهار خلق قبل الليل. و في قوله تعالى «لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ» أى قد سبقه النهار. انتهى.
أقول: لما كان وجود الليل و النهار أمران منتزعان من الشمس و حركته فهما مولودان لدورتها. و تقدم الامر الانتزاعى على منشأ الانتزاع ممّا ريب فيه. و بعبارة اخرى لما كان وجود الليل و النهار فرع وجود الشمس فإذا كان الشمس كان النهار فإذا كان النهار كان الليل. فوجود الليل منتزع من النهار. فتأمل. و في قوله (عليه السلام): «أم حسابك» اشارة الى أن الجواب على وفق مذهب السائل. و الآية في سورة يس: 40.
341
قَالَ عَلِيُّ بْنُ شُعَيْبٍ (1) دَخَلْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)فَقَالَ لِي- يَا عَلِيُّ مَنْ أَحْسَنُ النَّاسِ مَعَاشاً- قُلْتُ يَا سَيِّدِي أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي- فَقَالَ(ع)يَا عَلِيُّ مَنْ حَسَّنَ مَعَاشَ غَيْرِهِ فِي مَعَاشِهِ- يَا عَلِيُّ مَنْ أَسْوَأُ النَّاسِ مَعَاشاً قُلْتُ أَنْتَ أَعْلَمُ- قَالَ مَنْ لَمْ يُعِشْ غَيْرَهُ فِي مَعَاشِهِ- يَا عَلِيُّ أَحْسِنُوا جِوَارَ النِّعَمِ فَإِنَّهَا وَحْشِيَّةٌ- مَا نَأَتْ عَنْ قَوْمٍ فَعَادَتْ إِلَيْهِمْ (2)
____________
(1) قال صاحب تنقيح المقال- ره- لم اقف عليه بهذا العنوان في كتب الرجال و انما وقفنا فيها على عليّ بن أبي شعيب المدائنى و قال: له كتاب صغير و الظاهر كونه اماميا.
(2) الجوار- بالكسر- مصدر بمعنى المجاورة. و نأت عن قوم أي بعدت عنه.
و المراد ان النعمة وحشية فيجب على من أصابها و نال منها ان أراد بقاءها و دوامها ان يعامل معها معاملة الحيوان الوحشى الذي إذا هرب لم يعد.
342
يَا عَلِيُّ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ مَنَعَ رِفْدَهُ- وَ أَكَلَ وَحْدَهُ وَ جَلَدَ عَبْدَهُ.
وَ قَالَ لَهُ(ع)رَجُلٌ فِي يَوْمِ الْفِطْرِ- إِنِّي أَفْطَرْتُ الْيَوْمَ عَلَى تَمْرٍ وَ طِينِ الْقَبْرِ- فَقَالَ(ع)جَمَعْتَ السُّنَّةَ وَ الْبَرَكَةَ-.
وَ قَالَ(ع)لِأَبِي هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيِّ- يَا أَبَا هَاشِمٍ الْعَقْلُ حِبَاءٌ مِنَ اللَّهِ- وَ الْأَدَبُ كُلْفَةٌ فَمَنْ تَكَلَّفَ الْأَدَبَ قَدَرَ عَلَيْهِ- وَ مَنْ تَكَلَّفَ الْعَقْلَ لَمْ يَزْدَدْ بِذَلِكَ إِلَّا جَهْلًا (1).
وَ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ (2) وَ الْحُسَيْنُ بْنُ يَزِيدَ دَخَلْنَا عَلَى الرِّضَا(ع)فَقُلْنَا- إِنَّا كُنَّا فِي سَعَةٍ مِنَ الرِّزْقِ وَ غَضَارَةٍ مِنَ الْعَيْشِ- فَتَغَيَّرَتِ الْحَالُ بَعْضَ التَّغَيُّرِ- فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ إِلَيْنَا فَقَالَ(ع)أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُونَ تَكُونُونَ مُلُوكاً- أَ يَسُرُّكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِثْلَ طَاهِرٍ وَ هَرْثَمَةَ (3)- وَ إِنَّكُمْ عَلَى خِلَافِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ فَقُلْتُ
____________
(1) الحباء- بالكسر-: العطية. و المراد ان العقل غريزة موهبة من اللّه فكان في فطرة الإنسان و جبلته فليس للكسب فيه أثر فمن لم يكن فيه عقل ليس له صلاحية اكتساب العقل بخلاف الأدب فان الأدب هو السيرة و الطريقة الحسنة في المحاورات و المعاشرات فيمكن للإنسان تحصيله بأن يتجشمه و يتكلفه. و أبو هاشم الجعفرى هو داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد اللّه ابن جعفر بن أبي طالب الذي تقدم شرح خاله في ص 340.
(2) هو أحمد بن عمر بن أبي شعبة الحلبيّ ثقة من أصحاب الامام السابع و الثامن (عليهما السلام) و له كتاب. و أمّا الحسين بن يزيد هو ابن عبد الملك النوفليّ المتطبب من أصحاب الامام الثامن. كان أديبا شاعرا سكن الرى و مات بها- (رحمه الله)-.
(3) الظاهر هو أبو الطيب أو أبو طلحة طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق بن ماهان الملقب بذو اليمينين و الى خراسان كان من أكبر قوّاد المأمون و المجاهدين في تثبيت دولته، كان جده زريق بن ماهان أو باذان مجوسيا فأسلم على يد طلحة الطلحات الخزاعيّ المشهور بالكرم و الى سجستان و كان مولاه، و لذلك اشتهر الطاهر بالخزاعى، و كان هو الذي سيره المأمون من خراسان الى محاربة أخيه الأمين محمّد بن زبيدة ببغداد لما خلع المأمون بيعته و سير الأمين عليّ بن عيسى بن ماهان لدفعه فالتقيا بالرى و قتل.
343
لَا وَ اللَّهِ مَا سَرَّنِي أَنَّ لِيَ الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا ذَهَباً وَ فِضَّةً- وَ إِنِّي عَلَى خِلَافِ مَا أَنَا عَلَيْهِ- فَقَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ- اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (1)- أَحْسِنِ الظَّنَّ بِاللَّهِ- فَإِنَّ مَنْ حَسُنَ ظَنُّهُ بِاللَّهِ كَانَ اللَّهُ عِنْدَ ظَنِّهِ (2)- وَ مَنْ رَضِيَ بِالْقَلِيلِ- مِنَ الرِّزْقِ قُبِلَ مِنْهُ الْيَسِيرُ مِنَ الْعَمَلِ- وَ مَنْ رَضِيَ بِالْيَسِيرِ مِنَ الْحَلَالِ خَفَّتْ مَئُونَتُهُ وَ نُعِّمَ أَهْلُهُ- وَ بَصَّرَهُ اللَّهُ دَاءَ الدُّنْيَا وَ دَوَاءَهَا- وَ أَخْرَجَهُ مِنْهَا سَالِماً إِلَى دَارِ السَّلَامِ
____________
على بن عيسى و كسر جيش الأمين و تقدم الطاهر الى بغداد و أخذ ما في طريقه من البلاد و حاصر بغداد و قتل الأمين سنة 198 و حمل برأسه الى خراسان و عقد للمأمون على الخلافة فلما استقل المأمون بالملك كتب إليه و هو مقيم ببغداد و كان واليا عليها بأن يسلم الى الحسن بن سهل جميع ما افتتحه من البلاد و هي العراق و بلاد الجبل و فارس و أهواز و الحجاز و اليمن و أن يتوجه هو الى الرقة، و ولاه الموصل و بلاد الجزيرة و الشأم و المغرب فكان فيها الى أن قدم المأمون بغداد فجاء إليه و كان المأمون يرعاه لمناصحته و خدمته و لقبه ذو اليمينين و ذلك لانه ضرب شخصا بيساره فقدّه نصفين في وقعته مع عليّ بن عيسى بن ماهان حتى قال بعض الشعراء: «كلتا يديك يمين حين تضربه» فبعثه الى خراسان فكان واليا عليها الى أن توفّي سنة 207 بمرو و هو الذي أسس دولة آل طاهر في خراسان و ما والاها من 205 الى 259 و كان طاهر من أصحاب الرضا (عليه السلام) كان متشيعا و ينسب التشيع أيضا الى بنى طاهر كما في مروج الذهب و غيره. ولد طاهر سنة 159 في توشنج من بلاد خراسان و له عهد الى ابنه و هو من أحسن الرسائل.
و هرثمة هو هرثمة بن أعين كان أيضا من قوّاد المأمون و في خدمته و كان مشهورا معروفا بالتشيع محبا لاهل البيت من أصحاب الرضا (عليه السلام) بل من خواصه و أصحاب سره و يأخذ نفسه انه من شيعته و كان قائما بمصالحه و كانت له محبة تامّة و إخلاص كامل له، توفى بمرو سنة 200 في السجن.
(1) سبأ: 12.
(2) قيل: معناه أنّه عزّ و جلّ عند ظنّ عبده في حسن عمله و سوء عمله لان من حسن عمله حسن ظنه و من ساء عمله ساء ظنه.
344
وَ قَالَ لَهُ ابْنُ السِّكِّيتِ (1)- مَا الْحُجَّةُ عَلَى الْخَلْقِ الْيَوْمَ فَقَالَ(ع) الْعَقْلُ يَعْرِفُ بِهِ الصَّادِقَ عَلَى اللَّهِ فَيُصَدِّقُهُ- وَ الْكَاذِبَ عَلَى اللَّهِ فَيُكَذِّبُهُ- فَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ هَذَا وَ اللَّهِ هُوَ الْجَوَابُ.
____________
(1) هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الدورقى الأهوازى من رجال الفرس، المعروف بابن السكيت كان أحد أعلام اللغويين و جهابذة المتأدبين، حامل لواء علم العربية و الأدب و الشعر و اللغة و يتصرف في أنواع العلوم، ثقة جليل القدر عظيم المنزلة و كان من عظماء الشيعة و من خواص أصحاب الامام التاسع و العاشر، و كان المتوكل الخليفة العباسيّ قد ألزمه تأديب أولاده و كان في أول أمره يؤدب مع أبيه بمدينة السلام في درب القنطرة صبيان العامّة حتى احتاج الى الكسب فجعل يتعلم النحو. و كان أبوه رجلا صالحا و أديبا عالما و كان من أصحاب الكسائى، حسن المعرفة بالعربية و حكى عنه أنّه كان قد حج فطاف بالبيت و سعى و سأل اللّه تعالى أن يعلم ابنه العلم.
كان لابن السكيت تصانيف جيدة مفيدة منها اصلاح المنطق في اللغة، و نقل عن ابن خلكان أنّه قال بعد نقل كلام: «و لا شك أنّه من الكتب النافعة الممتعة الجامعة لكثير من اللغة و لا يعرف في حجمه مثله في بابه و قد عنى به جماعة و اختصره الوزير أبو القاسم الحسين بن على المعروف بابن المغربى. و هذبه الخطيب أبو زكريا التبريزى- الى أن قال-:
و لم يكن بعد ابن الاعرابى أعلم باللغة من ابن السكيت إلخ».
كان مولده- (رحمه الله)- في حوالى سنة 185 و عاش نحو ثمان و خمسين سنة و قتله المتوكل العباسيّ و سببه ان المتوكل قال له يوما: أيما أحبّ ابناى هذان أي المعتز و المؤيد أم الحسن و الحسين- (عليهما السلام)-؟ فقال ابن السكيت: و اللّه ان قنبرا خادم عليّ بن أبي طالب خير منك و من ابنيك. فقال المتوكل للاتراك: سلوا لسانه من قفاه، ففعلوا فمات. و قيل:
أثنى على الحسن و الحسين (ع)، و لم يذكر ابنيه فأمر المتوكل فداسوا بطنه فحمل الى داره فمات بعد غد ذلك اليوم- رحمة اللّه عليه.
345
وَ قَالَ(ع)لَا يُقَبِّلِ الرَّجُلُ يَدَ الرَّجُلِ- فَإِنَّ قُبْلَةَ يَدِهِ كَالصَّلَاةِ لَهُ (1).
وَ قَالَ(ع)قُبْلَةُ الْأُمِّ عَلَى الْفَمِ وَ قُبْلَةُ الْأُخْتِ عَلَى الْخَدِّ- وَ قُبْلَةُ الْإِمَامِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ.
وَ قَالَ(ع)لَيْسَ لِبَخِيلٍ رَاحَةٌ وَ لَا لِحَسُودٍ لَذَّةٌ- وَ لَا لِمُلُوكٍ وَفَاءٌ وَ لَا لِكَذُوبٍ مُرُوَّةٌ.
2- ما (2)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنْ جَمَاعَةٍ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ مِسْعَرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ عَنْ حَرِيزِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَالِكٍ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْمَأْمُونِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا(ع)ثَلَاثَةٌ مُوَكَّلٌ بِهَا ثَلَاثَةٌ- تَحَامُلُ الْأَيَّامِ عَلَى ذَوِي الْأَدَوَاتِ الْكَامِلَةِ- وَ اسْتِيلَاءُ الْحِرْمَانِ عَلَى الْمُتَقَدِّمِ فِي صَنَعْتِهِ- وَ مُعَادَاةُ الْعَوَامِّ عَلَى أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ.
أقول: قد مضى بعض حكمه(ع)في النظم في أبواب أحواله(ع)
3- ص (3)، قصص الأنبياء (عليهم السلام) بِإِسْنَادِهِ إِلَى الصَّدُوقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَيْفٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الرِّضَا(ع)فَبَعَثَ إِلَى صَالِحِ بْنِ سَعِيدٍ- فَحَضَرْنَا جَمِيعاً فَوَعَظَنَا ثُمَّ قَالَ- إِنَّ الْعَابِدَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَكُنْ عَابِداً- حَتَّى يَصْمُتَ عَشْرَ سِنِينَ فَإِذَا صَمَتَ عَشْرَ سِنِينَ- كَانَ عَابِداً- ثُمَّ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)كُنْ خَيْراً لَا شَرَّ مَعَهُ- كُنْ وَرَقاً لَا شَوْكَ مَعَهُ وَ لَا تَكُنْ شَوْكاً لَا وَرَقَ مَعَهُ- وَ شَرّاً لَا خَيْرَ مَعَهُ- ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُبْغِضُ الْقِيلَ وَ الْقَالَ- وَ إِيضَاعَ الْمَالِ وَ كَثْرَةَ السُّؤَالِ- ثُمَّ قَالَ إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ- قَالَ لَهُمْ مُوسَى(ع)اذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا مَا لَوْنُهَا- فَلَمْ يَزَالُوا شُدِّدُوا حَتَّى ذَبَحُوا بَقَرَةً يُمْلَأُ جِلْدُهَا ذَهَباً- ثُمَّ قَالَ إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ(ع)قَالَ- إِنَّ الْحُكَمَاءَ ضَيَّعُوا الْحِكْمَةَ لَمَّا وَضَعُوا عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهَا.
____________
(1) في الكافي ج 2 ص 185 بإسناده عن رفاعة بن موسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا يقبل رأس أحد و لا يده الا يد رسول اللّه أو من أريد به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
(2) الأمالي ج 2 ص 98.
(3) مخطوط.
346
4- ضا، فقه الرضا (عليه السلام) (1) سَلُوا رَبَّكُمُ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- فَإِنَّهُ أَرْوِي عَنِ الْعَالِمِ أَنَّهُ- قَالَ الْمُلْكُ الْخَفِيُّ إِذَا حَضَرَتْ (2) لَمْ يُؤْبَهْ لَهَا- وَ إِنْ غَابَتْ عُرِفَ فَضْلُهَا- وَ اجْتَهِدُوا أَنْ يَكُونَ زَمَانُكُمْ- أَرْبَعَ سَاعَاتٍ سَاعَةً لِلَّهِ لِمُنَاجَاتِهِ وَ سَاعَةً لِأَمْرِ الْمَعَاشِ- وَ سَاعَةً لِمُعَاشَرَةِ الْإِخْوَانِ الثِّقَاتِ- وَ الَّذِينَ يُعَرِّفُونَكُمْ عُيُوبَكُمْ وَ يُخْلِصُونَ لَكُمْ فِي الْبَاطِنِ- وَ سَاعَةً تَخْلُونَ فِيهَا لِلَذَّاتِكُمْ- وَ بِهَذِهِ السَّاعَةِ تَقْدِرُونَ عَلَى الثَّلَاثِ السَّاعَاتِ- لَا تُحَدِّثُوا أَنْفُسَكُمْ بِالْفَقْرِ وَ لَا بِطُولِ الْعُمُرِ- فَإِنَّهُ مَنْ حَدَّثَ نَفْسَهُ بِالْفَقْرِ بَخِلَ- وَ مَنْ حَدَّثَهَا بِطُولِ الْعُمُرِ حَرَصَ- اجْعَلُوا لِأَنْفُسِكُمْ حَظّاً مِنَ الدُّنْيَا بِإِعْطَائِهَا- مَا تَشْتَهِي مِنَ الْحَلَالِ- وَ مَا لَمْ يَثْلِمِ الْمُرُوَّةَ وَ لَا سَرَفَ فِيهِ- وَ اسْتَعِينُوا بِذَلِكَ عَلَى أُمُورِ الدُّنْيَا فَإِنَّهُ نَرْوِي- لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَرَكَ دُنْيَاهُ لِدِينِهِ وَ دِينَهُ لِدُنْيَاهُ- وَ تَفَقَّهُوا فِي دِينِ اللَّهِ فَإِنَّهُ أَرْوِي- مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي دِينِهِ مَا يُخْطِئُ أَكْثَرُ مِمَّا يُصِيبُ- فَإِنَّ الْفِقْهَ مِفْتَاحُ الْبَصِيرَةِ وَ تَمَامُ الْعِبَادَةِ- وَ السَّبَبُ إِلَى الْمَنَازِلِ الرَّفِيعَةِ- وَ حَازَ الْمَرْءُ الْمَرْتَبَةَ الْجَلِيلَةَ فِي الدِّينِ وَ الدُّنْيَا- فَضْلُ الْفَقِيهِ عَلَى الْعِبَادِ كَفَضْلِ الشَّمْسِ عَلَى الْكَوَاكِبِ- وَ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي دِينِهِ لَمْ يُزَكِّ اللَّهُ لَهُ عَمَلًا.
وَ أَرْوِي عَنِ الْعَالِمِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: لَوْ وَجَدْتُ شَابّاً مِنْ شُبَّانِ الشِّيعَةِ لَا يَتَفَقَّهُ- لَضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ- وَ رَوَى غَيْرِي عِشْرُونَ سَوْطاً- وَ أَنَّهُ قَالَ تَفَقَّهُوا وَ إِلَّا أَنْتُمْ أَعْرَابٌ جُهَّالٌ.
وَ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْزِلَةُ الْفَقِيهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ- كَمَنْزِلَةِ الْأَنْبِيَاءِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ.
رُوِيَ أَنَّ الْفَقِيهَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ وَ أَهْلُ الْأَرْضِ- وَ الْوَحْشُ وَ الطَّيْرُ وَ حِيتَانُ الْبَحْرِ- وَ عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ فِي الْغِنَى وَ الْفَقْرِ- وَ الْبِرُّ مِنَ الْقَلِيلِ وَ الْكَثِيرِ- فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يُعْظِمُ شِقَّةَ التَّمْرَةِ- حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَجَبَلِ أُحُدٍ- إِيَّاكُمْ وَ الْحِرْصَ وَ الْحَسَدَ- فَإِنَّهُمَا أَهْلَكَا الْأُمَمَ السَّالِفَةَ وَ إِيَّاكُمْ وَ الْبُخْلَ- فَإِنَّهَا عَاهَةٌ لَا تَكُونُ فِي حُرٍّ وَ لَا مُؤْمِنٍ- إِنَّهَا خِلَافُ الْإِيمَانِ
____________
(1) فقه الرضا (عليه السلام) باب حقّ النفوس من باب الديات.
(2) أي إذا حضرت العافية لا يلتفت إليها و إذا غابت ظهر فضلها.
347
عَلَيْكُمْ بِالتَّقِيَّةِ فَإِنَّهُ رُوِيَ مَنْ لَا تَقِيَّةَ لَهُ لَا دِينَ لَهُ- وَ رُوِيَ تَارِكُ التَّقِيَّةِ كَافِرٌ وَ رُوِيَ اتَّقِ حَيْثُ لَا يُتَّقَى- التَّقِيَّةُ دِينٌ مُنْذُ أَوَّلِ الدَّهْرِ إِلَى آخِرِهِ- وَ رُوِيَ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)كَانَ يَمْضِي يَوْماً فِي أَسْوَاقِ الْمَدِينَةِ- وَ خَلْفَهُ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى فَجَذَبَ رَجُلٌ ثَوْبَ أَبِي الْحَسَنِ- ثُمَّ قَالَ لَهُ مَنِ الشَّيْخُ فَقَالَ لَا أَعْرِفُ (1)- تَزَاوَرُوا تَحَابُّوا وَ تَصَافَحُوا وَ لَا تَحَاشَمُوا- فَإِنَّهُ رُوِيَ الْمُحْتَشِمُ وَ الْمُحْتَشَمُ (2) فِي النَّارِ- لَا تَأَكَّلُوا النَّاسَ بِآلِ مُحَمَّدٍ فَإِنَّ التَّأَكُّلَ بِهِمْ كُفْرٌ- لَا تَسْتَقِلُّوا قَلِيلَ الرِّزْقِ فَتُحْرَمُوا كَثِيرَهُ- عَلَيْكُمْ فِي أُمُورِكُمْ بِالْكِتْمَانِ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَ الدُّنْيَا- فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّ الْإِذَاعَةَ كُفْرٌ- وَ رُوِيَ الْمُذِيعُ وَ الْقَاتِلُ شَرِيكَانِ- وَ رُوِيَ مَا تَكْتُمُهُ مِنْ عَدُوِّكَ فَلَا يَقِفْ عَلَيْهِ وَلِيُّكَ- لَا تَغْضَبُوا مِنَ الْحَقِّ إِذَا صَدَعْتُمْ- وَ لَا تَغُرَّنَّكُمُ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا لَا تَصْلُحُ لَكُمْ- كَمَا لَا تَصْلُحُ لِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِمَّنِ اطْمَأَنَّ إِلَيْهَا- وَ رُوِيَ أَنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَ الْقَبْرَ بَيْتُهُ- وَ الْجَنَّةَ مَأْوَاهُ وَ الدُّنْيَا جَنَّةُ الْكَافِرِ- وَ الْقَبْرَ سِجْنُهُ وَ النَّارَ مَأْوَاهُ- عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ وَ إِيَّاكُمْ وَ الْكَذِبَ- فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِأَهْلِهِ أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ- فَإِنَّهُ أَرْوِي أَنَّ ذِكْرَ الْمَوْتِ أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ- وَ أَكْثِرُوا مِنَ الصَّلَوَاتِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ(ع) وَ الدُّعَاءَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ فِي آنَاءِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ- فَإِنَّ الصَّلَاةَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ أَفْضَلُ أَعْمَالِ الْبِرِّ- وَ احْرِصُوا عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِ الْمُؤْمِنِينَ- وَ إِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَيْهِمْ وَ دَفْعِ الْمَكْرُوهِ عَنْهُمْ- فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْأَعْمَالِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بَعْدَ الْفَرَائِضِ- أَفْضَلَ مِنْ إِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى الْمُؤْمِنِ- لَا تَدَعُوا الْعَمَلَ الصَّالِحَ وَ الِاجْتِهَادَ فِي الْعِبَادَةِ- اتِّكَالًا عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ع
____________
(1) سأل الرجل عن أبي الحسن من الرجل يعنى أبا عبد اللّه فقال أبو الحسن (عليه السلام) «انى لا أعرف» فقط بدون ذكر مفعول لا أعرف، و هذا من أحسن التورية.
(2) حشمه: آذاه و أغضبه بتسميعه ما يكره. و احتشم منه و عنه غضب و انقبض و استحيا.
و في بعض النسخ «و لا تحاشموا» أي لا تغاضبوا فان المتغاضبان في النار.
348
لَا تَدَعُوا حُبَّ آلِ مُحَمَّدٍ(ع) وَ التَّسْلِيمَ لِأَمْرِهِمْ اتِّكَالًا عَلَى الْعِبَادَةِ- فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ- وَ اعْلَمُوا أَنَّ رَأْسَ طَاعَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ التَّسْلِيمُ لِمَا عَقَلْنَاهُ- وَ مَا لَمْ نَعْقِلْهُ فَإِنَّ رَأْسَ الْمَعَاصِي الرَّدُّ عَلَيْهِمْ- وَ إِنَّمَا امْتَحَنَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ النَّاسَ بِطَاعَتِهِ لِمَا عَقَلُوهُ- وَ مَا لَمْ يَعْقِلُوهُ إِيجَاباً لِلْحُجَّةِ وَ قَطْعاً لِلشُّبْهَةِ- وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ- وَ يُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ- وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ- وَ لَا يَفُوتَنَّكُمْ خَيْرُ الدُّنْيَا- فَإِنَّ الْآخِرَةَ لَا تُلْحَقُ وَ لَا تُنَالُ إِلَّا بِالدُّنْيَا.
5- ضا (1)، فقه الرضا (عليه السلام) نَرْوِي انْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَكَ فِي الْمَقْدُرَةِ- وَ لَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكَ- فَإِنَّ ذَلِكَ أَقْنَعُ لَكَ وَ أَحْرَى أَنْ تَسْتَوْجِبَ الزِّيَادَةَ- وَ اعْلَمْ أَنَّ الْعَمَلَ الدَّائِمَ الْقَلِيلَ عَلَى الْيَقِينِ- وَ الْبَصِيرَةِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ- عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ وَ الْجَهْدِ- وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا وَرَعَ أَنْفَعُ مِنْ تَجَنُّبِ مَحَارِمِ اللَّهِ- وَ الْكَفِّ عَنْ أَذَى الْمُؤْمِنِ وَ لَا عَيْشَ أَهْنَأُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ- وَ لَا مَالَ أَنْفَعُ مِنَ الْقُنُوعِ وَ لَا جَهْلَ أَضَرُّ مِنَ الْعُجْبِ- وَ لَا تُخَاصِمِ الْعُلَمَاءَ وَ لَا تُلَاعِبْهُمْ وَ لَا تُحَارِبْهُمْ وَ لَا تُوَاضِعْهُمْ (2)- وَ نَرْوِي مَنِ احْتَمَلَ الْجَفَا لَمْ يَشْكُرِ النِّعْمَةَ- وَ أَرْوِي عَنِ الْعَالِمِ(ع)أَنَّهُ قَالَ- رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً حَبَّبَنَا إِلَى النَّاسِ وَ لَمْ يُبَغِّضْنَا إِلَيْهِمْ- وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ يَرْوُونَ مَحَاسِنَ كَلَامِنَا لَكَانُوا أَعَزَّ- وَ لَمَا اسْتَطَاعَ أَحَدٌ أَنْ يَتَعَلَّقَ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ.
وَ أَرْوِي عَنِ الْعَالِمِ أَنَّهُ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ الْوَرَعِ وَ الِاجْتِهَادِ وَ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ- وَ صِدْقِ الْحَدِيثِ وَ حُسْنِ الْجِوَارِ- فَبِهَذَا جَاءَ مُحَمَّدٌ ص صَلُّوا فِي عَشَائِرِكُمْ- وَ صِلُوا أَرْحَامَكُمْ وَ عُودُوا مَرْضَاكُمْ- وَ احْضُرُوا جَنَائِزَكُمْ كُونُوا زَيْناً- وَ لَا تَكُونُوا شَيْناً حَبِّبُونَا إِلَى النَّاسِ- وَ لَا تُبَغِّضُونَا جُرُّوا إِلَيْنَا كُلَّ مَوَدَّةٍ- وَ ادْفَعُوا عَنَّا كُلَّ قَبِيحٍ- وَ مَا قِيلَ فِينَا مِنْ خَيْرٍ فَنَحْنُ أَهْلُهُ- وَ مَا قِيلَ فِينَا مِنْ شَرٍّ فَمَا نَحْنُ
____________
(1) فقه الرضا (عليه السلام) أواخر باب مكارم الأخلاق.
(2) كذا. و واضعه أي راهنه، و في الامر: واقفه فيه، و واضعه البيع: تاركه، و الرهان:
أبطله.
349
كَذَلِكَ- الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ- وَ يُرْوَى أَنْ رَجُلًا قَالَ لِلصَّادِقِ السَّلَامُ وَ الرَّحْمَةُ عَلَيْهِ- يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فِيمَ الْمُرُوَّةُ فَقَالَ- أَلَّا يَرَاكَ اللَّهُ حَيْثُ نَهَاكَ وَ لَا يَفْقِدَكَ حَيْثُ أَمَرَكَ.
6- كشف (1)، كشف الغمة قَالَ الْآبِيُّ فِي نَثْرِ الدُّرَرِ سُئِلَ الرِّضَا(ع)عَنْ صِفَةِ الزَّاهِدِ- فَقَالَ مُتَبَلِّغٌ بِدُونِ قُوتِهِ مُسْتَعِدٌّ لِيَوْمِ مَوْتِهِ مُتَبَرِّمٌ بِحَيَاتِهِ- وَ سُئِلَ(ع)عَنِ الْقَنَاعَةِ فَقَالَ- الْقَنَاعَةُ تَجْتَمِعُ إِلَى صِيَانَةِ النَّفْسِ وَ عِزِّ الْقَدْرِ- وَ طَرْحِ مُؤَنِ الِاسْتِكْثَارِ (2) وَ التَّعَبُّدِ لِأَهْلِ الدُّنْيَا- وَ لَا يَسْلُكُ طَرِيقَ الْقَنَاعَةِ إِلَّا رَجُلَانِ- إِمَّا مُتَعَلِّلٌ (3) يُرِيدُ أَجْرَ الْآخِرَةِ- أَوْ كَرِيمٌ مُتَنَزِّهٌ عَنْ لِئَامِ النَّاسِ- وَ امْتَنَعَ عِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ غَسْلِ الْيَدِ قَبْلَ الطَّعَامِ- فَقَالَ اغْسِلْهَا وَ الْغَسْلَةُ الْأُولَى لَنَا- وَ أَمَّا الثَّانِيَةُ فَلَكَ فَإِنْ شِئْتَ فَاتْرُكْهَا.
قَالَ(ع)(4) فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (5)- قَالَ عَفْوٌ بِغَيْرِ عِتَابٍ وَ فِي قَوْلِهِ خَوْفاً وَ طَمَعاً (6)- قَالَ خَوْفاً لِلْمُسَافِرِ وَ طَمَعاً لِلْمُقِيمِ.
7- وَ مِنْ تَذْكِرَةِ (7) ابْنِ حُمْدُونٍ، قَالَ(ع)مَنْ رَضِيَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- بِالْقَلِيلِ مِنَ الرِّزْقِ رَضِيَ مِنْهُ بِالْقَلِيلِ مِنَ الْعَمَلِ- وَ قَالَ لَا يَعْدَمُ الْمَرْءُ دَائِرَةَ السَّوْءِ مَعَ نَكْثِ الصَّفْقَةِ (8)- وَ لَا يَعْدَمُ تَعْجِيلَ الْعُقُوبَةِ مَعَ ادِّرَاءِ الْبَغْيِ- وَ قَالَ النَّاسُ ضَرْبَانِ بَالِغٌ لَا يَكْتَفِي وَ طَالِبٌ لَا يَجِدُ.
____________
(1) كشف الغمّة ج 3 ص 96.
(2) في بعض النسخ «مئونة الاستكثار».
(3) في بعض النسخ «متعبد».
(4) المصدر ج 3 ص 99.
(5) غافر: 84.
(6) الرعد: 13.
(7) كشف الغمّة ج 3 ص 100.
(8) نكث الصفقة أي نقض العهد. و بالفارسية «پيمانشكنى».
350
8- كش (1)، رجال الكشي عَنْ حَمْدَوَيْهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ (2) عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: كَتَبَ الْحُسَيْنُ بْنُ مِهْرَانَ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)كِتَاباً- قَالَ فَكَانَ يَمْشِي شَاكّاً فِي وُقُوفِهِ- قَالَ فَكَتَبَ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ يَأْمُرُهُ وَ يَنْهَاهُ- فَأَجَابَهُ أَبُو الْحَسَنِ بِجَوَابٍ وَ بَعَثَ بِهِ إِلَى أَصْحَابِهِ- فَنَسَخُوهُ وَ رَدُّوا إِلَيْهِ لِئَلَّا يَسْتُرَهُ حُسَيْنُ بْنُ مِهْرَانَ- وَ كَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ فَأَحَبَّ سَتْرَ الْكِتَابِ- فَهَذِهِ نُسْخَةُ الْكِتَابِ الَّذِي أَجَابَهُ بِهِ- بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ- عَافَانَا اللَّهُ وَ إِيَّاكَ جَاءَنِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ الرَّجُلَ- الَّذِي عَلَيْهِ الْجِنَايَةُ وَ الْعَيْنُ (3) وَ تَقُولُ- أَخَذْتَهُ وَ تَذْكُرُ مَا تَلْقَانِي بِهِ وَ تَبْعَثُ إِلَيَّ بِغَيْرِهِ- فَاحْتَجَجْتَ فِيهِ فَأَكْثَرْتَ وَ عَمِيتَ (4) عَلَيْهِ أَمْراً- وَ أَرَدْتَ الدُّخُولَ فِي مِثْلِهِ- تَقُولُ إِنَّهُ عَمِلَ (5) فِي أَمْرِي بِعَقْلِهِ وَ حِيلَتِهِ نَظَراً مِنْهُ لِنَفْسِهِ- وَ إِرَادَةَ أَنْ تَمِيلَ إِلَيْهِ قُلُوبُ النَّاسِ- لِيَكُونَ مِثْلَهُ الْأَمْرُ بِيَدِهِ وَلَّيْتُهُ (6) يَعْمَلُ فِيهِ بِرَأْيِهِ- وَ يَزْعُمُ أَنِّي طَاوَعْتُهُ فِيمَا أَشَارَ بِهِ عَلَيَّ- وَ هَذَا أَنْتَ تُشِيرُ عَلَيَّ فِيمَا يَسْتَقِيمُ عِنْدَكَ فِي الْعَقْلِ- وَ الْحِيلَةِ بَعْدَكَ لَا يَسْتَقِيمُ الْأَمْرُ إِلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ- إِمَّا قَبِلْتَ الْأَمْرَ عَلَى مَا كَانَ يَكُونُ عَلَيْهِ- وَ إِمَّا أَعْطَيْتَ الْقَوْمَ مَا طَلَبُوا وَ قَطَعْتَ عَلَيْهِمْ- وَ إِلَّا فَالْأَمْرُ عِنْدَنَا مُعَوَّجٌ- وَ النَّاسُ غَيْرُ مُسَلِّمِينَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ مَالٍ وَ ذَاهِبُونَ بِهِ- فَالْأَمْرُ لَيْسَ بِعَقْلِكَ وَ لَا بِحِيلَتِكَ يَكُونُ- وَ لَا تَفْعَلِ الَّذِي نَحَلْتَهُ بِالرَّأْيِ وَ الْمَشُورَةِ (7)- وَ لَكِنَّ الْأَمْرَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ- يَفْعَلُ فِي خَلْقِهِ مَا يَشَاءُ مَنْ يَهْدِي اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ- وَ مَنْ يُضْلِلْهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَ لَنْ تَجِدَ لَهُ مُرْشِداً- فَقُلْتُ وَ اعْمَلْ فِي أَمْرِهِمْ وَ احْتَلْ فِيهِ- فَكَيْفَ لَكَ بِالْحِيلَةِ وَ اللَّهُ يَقُولُ- وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ- بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَ الْإِنْجِيلِ- إِلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ لِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (8)- فَلَوْ تُجِيبُهُمْ فِيمَا سَأَلُوا عَنْهُ اسْتَقَامُوا
____________
(1) اختيار رجال الكشّيّ ص 500.
(2) في التحرير الطاوسي «إسماعيل ابن موسى».
(3) في المصدر «الخيانة و الغبن».
(4) في المصدر «عممت».
(5) في بعض النسخ «بقولى انه عمل في أمرى».
(6) في المصدر «الامر بيده و إليه يعمل».
(7) في بعض النسخ «و الشهرة».
(8) الأنعام: 113.
351
وَ أَسْلَمُوا وَ قَدْ كَانَ مِنِّي مَا أَنْكَرْتَ (1)- وَ أَنْكَرُوا مِنْ بَعْدِي وَ مُدَّ لِي بَقَائِي- وَ مَا كَانَ ذَلِكَ إِلَّا رَجَاءَ الْإِصْلَاحِ لِقَوْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع) وَ اقْتَرِبُوا وَ اقْتَرِبُوا وَ سَلُوا وَ سَلُوا- فَإِنَّ الْعَلِيمَ يُفِيضُ فَيْضاً وَ جَعَلَ يَمْسَحُ بَطْنَهُ- وَ يَقُولُ مَا مُلِئَ طَعَاماً وَ لَكِنْ مَلَأْتُهُ عِلْماً- وَ اللَّهِ مَا آيَةٌ أُنْزِلَتْ فِي بَرٍّ وَ لَا بَحْرٍ- وَ لَا سَهْلٍ وَ لَا جَبَلٍ إِلَّا أَنِّي أَعْلَمُهَا وَ أَعْلَمُ فِيمَنْ نَزَلَتْ- وَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِلَى اللَّهِ أَشْكُو أَهْلَ الْمَدِينَةِ- إِنَّمَا أَنَا فِيهِمْ كَالشَّعَرِ أَنْتَقِلُ يُرِيدُونَنِي أَلَّا أَقُولَ الْحَقَّ- وَ اللَّهِ لَا أَزَالُ أَقُولُ الْحَقَّ حَتَّى أَمُوتَ- فَلَمَّا قُلْتُ حَقّاً أُرِيدُ بِهِ حِقْنَ دِمَائِكُمْ- وَ جَمْعَ أَمْرِكُمْ عَلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ- أَنْ يَكُونَ سِرُّكُمْ مَكْتُوماً عِنْدَكُمْ غَيْرَ فَاشٍ فِي غَيْرِكُمْ- وَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص سِرّاً أَسَرَّهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى جَبْرَئِيلَ- وَ أَسَرَّهُ جَبْرَئِيلُ إِلَى مُحَمَّدٍ ص وَ أَسَرَّهُ مُحَمَّدٌ ص إِلَى عَلِيٍّ وَ أَسَرَّهُ عَلِيٌّ إِلَى مَنْ شَاءَ- ثُمَّ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُحَدِّثُونَ بِهِ فِي الطَّرِيقِ- فَأَرَدْتُ حَيْثُ مَضَى صَاحِبُكُمْ أَنْ أَلَّفَ أَمْرَكُمْ عَلَيْكُمْ- لِئَلَّا تَضَعُوهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَ لَا تَسْأَلُوا عَنْهُ غَيْرَ أَهْلِهِ- فَيَكُونُ فِي مَسْأَلَتِكُمْ إِيَّاهُمْ هَلَاكُكُمْ- فَلَمَّا دَعَا إِلَى نَفْسِهِ (2) وَ لَمْ يَكُنْ دَاخِلَهُ- ثُمَّ قُلْتُمْ لَا بُدَّ إِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ يَثْبُتُ عَلَى ذَلِكَ- وَ لَا يَتَحَوَّلُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ قُلْتُ (3)- لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ مِنَ التَّقِيَّةِ وَ الْكَفُّ أَوْلَى- وَ أَمَّا إِذَا تَكَلَّمَ فَقَدْ لَزِمَهُ الْجَوَابُ فِيمَا يَسْأَلُ عَنْهُ- وَ صَارَ الَّذِي كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ تُذَمُّونَ بِهِ- فَإِنَّ الْأَمْرَ مَرْدُودٌ إِلَى غَيْرِكُمْ- وَ إِنَّ الْفَرْضَ عَلَيْكُمْ اتِّبَاعُهُمْ فِيهِ إِلَيْكُمْ- فَصَبَرْتُمْ (4) مَا اسْتَقَامَ فِي عُقُولِكُمْ وَ آرَائِكُمْ- وَ صَحَّ بِهِ الْقِيَاسُ عِنْدَكُمْ بِذَلِكَ لَازِماً- لِمَا زَعَمْتُمْ مِنْ أَنْ لَا يَصِحَّ أَمْرُنَا زَعَمْتُمْ- حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ عَلَيَّ لَكُمْ- فَإِنْ قُلْتُمْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لِصَاحِبِكُمْ- فَصَارَ الْأَمْرُ أَنْ وَقَعَ إِلَيْكُمْ نَبَذْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ- وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ فَ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً- وَ ما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ- وَ مَا كَانَ بُدٌّ مِنْ أَنْ تَكُونُوا كَمَا كَانَ مِنْ قَبْلِكُمْ- قَدْ أُخْبِرْتُمْ أَنَّهَا السُّنَنُ وَ الْأَمْثَالُ الْقُذَّةُ بِالْقُذَّةِ- وَ مَا كَانَ يَكُونُ مَا طَلَبْتُمْ مِنَ الْكَفِّ أَوَّلًا- وَ مِنَ الْجَوَابِ آخِراً شِفَاءً لِصُدُورِكُمْ
____________
(1) في المصدر «ما كان منى ما امرتك و أنكروا».
(2) في المصدر «فكم دعا الى نفسه».
(3) في بعض النسخ «قلتم».
(4) في بعض النسخ «فصيرتم».
352
وَ لِإِذْهَابِ شَكِّكُمْ- وَ قَدْ كَانَ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَا قَدْ كَانَ مِنْكُمْ- وَ لَا يَذْهَبُ عَنْ قُلُوبِكُمْ حَتَّى يُذْهِبَهُ اللَّهُ عَنْكُمْ- وَ لَوْ قَدِرَ النَّاسُ كُلُّهُمْ عَلَى أَنْ يُحِبُّونَا- وَ يَعْرِفُوا حَقَّنَا وَ يُسَلِّمُوا لِأَمْرِنَا فَعَلُوا- وَ لَكِنَ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ- فَقَدْ أَجَبْتُكَ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ فَانْظُرْ أَنْتَ- وَ مَنْ أَرَادَ الْمَسَائِلَ مِنْهَا وَ تَدَبَّرَهَا- فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسَائِلِ شِفَاءٌ- فَقَدْ مَضَى إِلَيْكُمْ مِنِّي مَا فِيهِ حُجَّةٌ وَ مُعْتَبَرٌ- وَ كَثْرَةُ الْمَسَائِلِ مُعْتِبَةٌ عِنْدَنَا مَكْرُوهَةٌ- إِنَّمَا يُرِيدُ أَصْحَابُ الْمَسَائِلِ الْمِحْنَةَ- لِيَجِدُوا سَبِيلًا إِلَى الشُّبْهَةِ وَ الضَّلَالَةِ- وَ مَنْ أَرَادَ لَبْساً لَبِسَ اللَّهُ عَلَيْهِ- وَ وَكَلَهُ إِلَى نَفْسِهِ وَ لَا تَرَى أَنْتَ وَ أَصْحَابُكَ إِنِّي أَجَبْتُ بِذَلِكَ- وَ إِنْ شِئْتُ صَمَتُّ فَذَاكَ إِلَيَّ لَا مَا تَقُولُهُ أَنْتَ- وَ أَصْحَابُكَ لَا تَدْرُونَ كَذَا وَ كَذَا- بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ إِذْ نَحْنُ مِنْهُ عَلَى يَقِينٍ- وَ أَنْتُمْ مِنْهُ فِي شَكٍ (1).
9- د (2)، العدد القوية مِنْ كِتَابِ الذَّخِيرَةِ قَالَ الرِّضَا مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ رَبِحَ وَ مَنْ غَفَلَ عَنْهَا خَسِرَ- وَ مَنْ خَافَ أَمِنَ وَ مَنِ اعْتَبَرَ أَبْصَرَ- وَ مَنْ أَبْصَرَ فَهِمَ وَ مَنْ فَهِمَ عَلِمَ- وَ صَدِيقُ الْجَاهِلِ فِي تَعَبٍ وَ أَفْضَلُ الْمَالِ مَا وُقِيَ بِهِ الْعِرْضُ- وَ أَفْضَلُ الْعَقْلِ مَعْرِفَةُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ- وَ الْمُؤْمِنُ إِذَا غَضِبَ لَمْ يُخْرِجْهُ غَضَبُهُ عَنْ حَقٍّ- وَ إِذَا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضَاهُ فِي بَاطِلٍ- وَ إِذَا قَدَرَ لَمْ يَأْخُذْ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ.
وَ قَالَ(ع)الْغَوْغَاءُ قَتَلَةُ الْأَنْبِيَاءِ (3) وَ الْعَامَّةُ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَمَى- مَا رَضِيَ اللَّهُ لَهُمْ أَنْ شَبَّهَهُمْ بِالْأَنْعَامِ حَتَّى قَالَ- بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (4)-.
وَ قَالَ(ع)قَالَ لِيَ الْمَأْمُونُ- هَلْ رَوَيْتَ شَيْئاً مِنَ الشِّعْرِ قُلْتُ وَ رَوَيْتُ مِنْهُ الْكَثِيرَ- فَقَالَ أَنْشِدْنِي أَحْسَنَ مَا رَوَيْتَهُ فِي الْحِلْمِ فَأَنْشَدْتُهُ (5)-
إِذَا كَانَ دُونِي مَنْ بُلِيتُ بِجَهْلِهِ* * * -أَبَيْتُ لِنَفْسِي أَنْ أُقَابِلَ بِالْجَهْلِ-
وَ إِنْ كَانَ مِثْلِي فِي مَحَلِّي مِنَ النُّهَى* * * -هَرَبْتُ لِحِلْمِي كَيْ أَجِلَّ عَنِ الْمِثْلِ-
____________
(1) اعلم أن النسخ في هذا المكتوب مشوه لا يسعنا تصحيحها. (2) العدد القوية: مخطوط. (3) كذا. (4) الفرقان: 47. (5) رواه الصدوق في كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ص 304
353
وَ إِنْ كُنْتُ أَدْنَى مِنْهُ فِي الْفَضْلِ وَ الْحِجَى* * * -عَرَفْتُ لَهُ حَقَّ التَّقَدُّمِ وَ الْفَضْلِ
- قَالَ الْمَأْمُونُ مَنْ قَائِلُهُ قُلْتُ بَعْضُ فِتْيَانِنَا قَالَ- فَأَنْشِدْنِي أَحْسَنَ مَا رَوَيْتَهُ فِي السُّكُوتِ عَنِ الْجَاهِلِ فَقُلْتُ-
إِنِّي لَيَهْجُرُنِي الصَّدِيقُ تَجَنُّباً* * * فَأُرِيهِ أَنَّ لِهَجْرِهِ أَسْبَاباً-
وَ أَرَاهُ إِنْ عَاتَبْتُهُ أَغْرَيْتُهُ* * * -فَأَرَى لَهُ تَرَكَ الْعِتَابِ عِتَاباً-
وَ إِذَا ابْتُلِيتُ بِجَاهِلٍ مُتَحَلِّمٍ* * * -يَجِدُ الْمُحَالَ مِنَ الْأُمُورِ صَوَاباً-
أَوْلَيْتُهُ عَنِّي السُّكُوتَ وَ رُبَّمَا* * * -كَانَ السُّكُوتُ عَنِ الْجَوَابِ جَوَاباً
- فَقَالَ مَنْ قَائِلُهُ قُلْتُ بَعْضُ فِتْيَانِنَا-.
وَ مِنْ كِتَابِ النُّزْهَةِ قَالَ- مَوْلَانَا الرِّضَا(ع)مَنْ رَضِيَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- بِالْقَلِيلِ مِنَ الرِّزْقِ رَضِيَ اللَّهُ مِنْهُ بِالْقَلِيلِ مِنَ الْعَمَلِ- مَنْ كَثُرَتْ مَحَاسِنُهُ مُدِحَ بِهَا- وَ اسْتَغْنَى التَّمَدُّحَ بِذِكْرِهَا (1) مَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ- وَ مَنْ نَسَبَ إِلَيْهِ مَا نَهَى عَنْهُ فَهُوَ كَافِرٌ بِهِ- مَنْ لَمْ تُتَابِعْ رَأْيَكَ فِي صَلَاحِهِ- فَلَا تُصْغِ إِلَى رَأْيِهِ وَ انْتَظِرْ بِهِ أَنْ يُصْلِحَهُ شَرٌّ- وَ مَنْ طَلَبَ الْأَمْرَ مِنْ وَجْهِهِ لَمْ يَزِلَّ- وَ إِنْ زَلَّ لَمْ تَخْذُلْهُ الْحِيلَةُ- لَا يَعْدَمُ الْمَرْءُ دَائِرَةَ الشَّرِّ مَعَ نَكْثِ الصَّفْقَةِ- وَ لَا يَعْدَمُ تَعْجِيلَ الْعُقُوبَةِ مَعَ ادِّرَاعِ الْبَغْيِ- النَّاسُ ضَرْبَانِ بَالِغٌ لَا يَكْتَفِي وَ طَالِبٌ لَا يَجِدُ- طُوبَى لِمَنْ شُغِلَ قَلْبُهُ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ- لَا يَخْتَلِطْ بِالسُّلْطَانِ فِي أَوَّلِ اضْطِرَابِ الْأُمُورِ- يَعْنِي أَوَّلَ الْمُخَالَطَةِ (2) الْقَنَاعَةُ تَجْمَعُ إِلَى صِيَانَةِ النَّفْسِ- وَ عِزِّ الْقُدْرَةِ وَ طَرْحِ مَئُونَةِ الِاسْتِكْثَارِ- وَ التَّعَبُّدِ لِأَهْلِ الدُّنْيَا- وَ لَا يَسْلُكُ طَرِيقَ الْقَنَاعَةِ إِلَّا رَجُلَانِ- إِمَّا مُتَعَبِّدٌ يُرِيدُ أَجْرَ الْآخِرَةِ أَوْ كَرِيمٌ يَتَنَزَّهُ عَنْ لِئَامِ النَّاسِ- كَفَاكَ مَنْ يُرِيدُ نُصْحَكَ بِالنَّمِيمَةِ- مَا يَجِدُ مِنْ سُوءِ الْحِسَابِ فِي الْعَاقِبَةِ- الِاسْتِرْسَالُ بِالْأُنْسِ يُذْهِبُ الْمَهَابَةَ-.
وَ قَالَ(ع)لِلْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ فِي تَعْزِيَتِهِ- التَّهْنِئَةُ بِآجِلِ الثَّوَابِ- أَوْلَى مِنَ التَّعْزِيَةِ عَلَى عَاجِلِ الْمُصِيبَةِ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ صَدَقَ النَّاسَ كَرِهُوهُ الْمَسْكَنَةُ مِفْتَاحُ الْبُؤْسِ- إِنَّ لِلْقُلُوبِ
____________
(1) كذا.
(2) كذا.
354
إِقْبَالًا وَ إِدْبَاراً وَ نَشَاطاً وَ فُتُوراً- فَإِذَا أَقْبَلَتْ بَصُرَتْ وَ فَهِمَتْ وَ إِذَا أَدْبَرَتْ كَلَّتْ وَ مَلَّتْ فَخُذُوهَا عِنْدَ إِقْبَالِهَا وَ نَشَاطِهَا- وَ اتْرُكُوهَا عِنْدَ إِدْبَارِهَا وَ فُتُورِهَا- لَا خَيْرَ فِي الْمَعْرُوفِ إِذَا رَخَّصَ-.
وَ قَالَ(ع)لِلصُّوفِيَةِ لَمَّا قَالُوا لَهُ- إِنَّ الْمَأْمُونَ قَدْ رَدَّ هَذَا الْأَمْرَ إِلَيْكَ- وَ إِنَّكَ لَأَحَقُّ النَّاسِ بِهِ إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَاجُ- مَنْ يَتَقَدَّمُ مِنْكَ بِقِدَمِكَ إِلَى لُبْسِ الصُّوفِ (1)- وَ مَا يَخْشُنُ لُبْسُهُ- وَيْحَكُمْ إِنَّمَا يُرَادُ مِنَ الْإِمَامِ قِسْطُهُ وَ عَدْلُهُ- إِذَا قَالَ صَدَقَ وَ إِذَا حَكَمَ عَدَلَ وَ إِذَا وَعَدَ أَنْجَزَ- وَ الْخَيْرُ مَعْرُوفٌ- قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ- وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ- وَ إِنَّ يُوسُفَ الصِّدِّيقَ لَبِسَ الدِّيبَاجَ الْمَنْسُوجَ بِالذَّهَبِ- وَ جَلَسَ عَلَى مُتَّكَآتِ فِرْعَوْنَ.
قَالَ(ع)فِي صِفَةِ الزَّاهِدِ مُتَبَلِّغٌ بِدُونِ قُوتِهِ- مُسْتَعِدٌّ لِيَوْمِ مَوْتِهِ مُتَبَرِّمٌ بِحَيَاتِهِ- وَ قَالَ فِي تَفْسِيرِ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (2)- عَفْوٌ بِغَيْرِ عِتَابٍ- وَ قَالَ لِلْمَأْمُونِ لَمَّا أَرَادَ قَتْلَ رَجُلٍ- إِنَّ اللَّهَ لَا يَزِيدُكَ بِحُسْنِ الْعَفْوِ إِلَّا عِزّاً فَعَفَا عَنْهُ.
وَ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ رُوِيَ لَنَا عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: لَا جَبْرَ وَ لَا تَفْوِيضَ بَلْ أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ فَمَا مَعْنَاهُ- قَالَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ فَوَّضَ أَمْرَ الْخَلْقِ وَ الرِّزْقِ إِلَى عِبَادِهِ- فَقَدْ قَالَ بِالتَّفْوِيضِ قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ- وَ الْقَائِلُ بِهِ مُشْرِكٌ فَقَالَ نَعَمْ- وَ مَنْ قَالَ بِالْجَبْرِ فَقَدْ ظَلَّمَ اللَّهَ تَعَالَى- فَقُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَمَا أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ- فَقَالَ وُجُودُ السَّبِيلِ إِلَى إِتْيَانِ مَا أُمِرُوا بِهِ- وَ تَرْكِ مَا نُهُوا عَنْهُ-.
وَ قَالَ: وَ قَدْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ- إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَوَّضَ إِلَى الْعِبَادِ أَفْعَالَهُمْ- فَقَالَ هُمْ أَضْعَفُ مِنْ ذَلِكَ وَ أَقَلُّ قَالَ فَجَبَرَهُمْ- قَالَ هُوَ أَعْدَلُ مِنْ ذَلِكَ وَ أَجَلُّ- قَالَ فَكَيْفَ تَقُولُ قَالَ نَقُولُ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَهُمْ وَ نَهَاهُمْ- وَ أَقْدَرَهُمْ عَلَى مَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَ نَهَاهُمْ عَنْهُ-.
سَأَلَهُ(ع)الْفَضْلُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ الْخَلْقُ مَجْبُورُونَ- قَالَ اللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُجْبِرَ وَ يُعَذِّبَ قَالَ فَمُطْلَقُونَ- قَالَ اللَّهُ أَحْكَمُ أَنْ يُهْمِلَ عَبْدَهُ وَ يَكِلَهُ إِلَى نَفْسِهِ
____________
(1) كذا.
(2). الحجر: 85.
355
اصْحَبِ السُّلْطَانَ بِالْحَذَرِ وَ الصَّدِيقَ بِالتَّوَاضُعِ- وَ الْعَدُوَّ بِالتَّحَرُّزِ وَ الْعَامَّةَ بِالْبِشْرِ- الْإِيمَانُ فَوْقَ الْإِسْلَامِ بِدَرَجَةٍ- وَ التَّقْوَى فَوْقَ الْإِيمَانِ بِدَرَجَةٍ وَ الْيَقِينُ فَوْقَ التَّقْوَى بِدَرَجَةٍ- وَ لَمْ يُقْسَمْ بَيْنَ الْعِبَادِ شَيْءٌ أَقَلُّ مِنَ الْيَقِينِ-.
وَ سُئِلَ عَنِ الْمَشِيَّةِ وَ الْإِرَادَةِ فَقَالَ- الْمَشِيَّةُ الِاهْتِمَامُ بِالشَّيْءِ وَ الْإِرَادَةُ إِتْمَامُ ذَلِكَ الشَّيْءِ- الْأَجَلُ آفَةُ الْأَمَلِ وَ الْعُرْفُ ذَخِيرَةُ الْأَبَدِ (1) وَ الْبِرُّ غَنِيمَةُ الْحَازِمِ وَ التَّفْرِيطُ مُصِيبَةُ ذِي الْقُدْرَةِ- وَ الْبُخْلُ يُمَزِّقُ الْعِرْضَ وَ الْحُبُّ دَاعِي الْمَكَارِهِ- وَ أَجَلُّ الْخَلَائِقِ (2) وَ أَكْرَمُهَا اصْطِنَاعُ الْمَعْرُوفِ- وَ إِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ وَ تَحْقِيقُ أَمَلِ الْآمِلِ- وَ تَصْدِيقُ مَخِيلَةِ الرَّاجِي- وَ الِاسْتِكْثَارُ مِنَ الْأَصْدِقَاءِ فِي الْحَيَاةِ- وَ الْبَاكِينَ بَعْدَ الْوَفَاةِ.
مِنْ كِتَابِ الدُّرِّ (3)، قَالَ(ع)اتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ فِي نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ- فَلَا تُنَفِّرُوهَا عَنْكُمْ بِمَعَاصِيهِ بَلِ اسْتَدِيمُوهَا بِطَاعَتِهِ- وَ شُكْرِهِ عَلَى نِعَمِهِ وَ أَيَادِيهِ- وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَا تَشْكُرُونَ اللَّهَ بِشَيْءٍ- بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ- وَ بَعْدَ الِاعْتِرَافِ بِحُقُوقِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ(ع) أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ مُعَاوَنَتِكُمْ لِإِخْوَانِكُمُ الْمُؤْمِنِينَ- عَلَى دُنْيَاهُمُ الَّتِي هِيَ مَعْبَرٌ لَهُمْ إِلَى جَنَّاتِ رَبِّهِمْ- فَإِنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ مِنْ خَاصَّةِ اللَّهِ- مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ رَبِحَ وَ مَنْ غَفَلَ عَنْهَا خَسِرَ- وَ مَنْ خَافَ أَمِنَ وَ مَنِ اعْتَبَرَ أَبْصَرَ- وَ مَنْ أَبْصَرَ فَهِمَ وَ مَنْ فَهِمَ عَقَلَ- وَ صَدِيقُ الْجَاهِلِ فِي تَعَبٍ وَ أَفْضَلُ الْمَالِ مَا وُقِيَ بِهِ الْعِرْضُ- وَ أَفْضَلُ الْعَقْلِ مَعْرِفَةُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ- وَ الْمُؤْمِنُ إِذَا غَضِبَ لَمْ يُخْرِجْهُ غَضَبُهُ عَنْ حَقٍّ- وَ إِذَا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضَاهُ فِي بَاطِلٍ- وَ إِذَا قَدَرَ لَمْ يَأْخُذْ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ الْغَوْغَاءُ قَتَلَةُ الْأَنْبِيَاءِ- وَ الْعَامَّةُ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَمَى- مَا رَضِيَ اللَّهُ لَهُمْ أَنْ شَبَّهَهُمْ بِالْأَنْعَامِ- حَتَّى قَالَ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا- صَدِيقُ كُلِّ امْرِئٍ عَقْلُهُ وَ عَدُوُّهُ جَهْلُهُ- الْعَقْلُ حِبَاءٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ الْأَدَبُ كُلْفَةٌ فَمَنْ تَكَلَّفَ الْأَدَبَ قَدَرَ عَلَيْهِ- وَ مَنْ تَكَلَّفَ الْعَقْلَ لَمْ يَزِدْهُ إِلَّا جَهْلًا- التَّوَاضُعُ دَرَجَاتٌ مِنْهَا أَنْ يَعْرِفَ الْمَرْءُ قَدْرَ نَفْسِهِ- فَيُنْزِلَهَا مَنْزِلَتَهَا بِقَلْبٍ سَلِيمٍ- لَا يُحِبُ
____________
(1) في بعض النسخ «و العزم ذخيرة الابد».
(2) جمع الخليقة.
(3) كذا.
356
أَنْ يَأْتِيَ إِلَى أَحَدٍ إِلَّا مِثْلَ مَا يُؤْتَى- إِلَيْهِ- إِنْ أَتَى إِلَيْهِ سَيِّئَةً وَارَاهَا بِالْحَسَنَةِ- كَاظِمُ الْغَيْظِ عَافٍ عَنِ النَّاسِ وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
10- الدُّرَّةُ الْبَاهِرَةُ (1)، قَالَ الرِّضَا(ع)مَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ- وَ مَنْ نَسَبَ إِلَيْهِ مَا نَهَى عَنْهُ فَهُوَ كَافِرٌ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ طَلَبَ الْأَمْرَ مِنْ وَجْهِهِ لَمْ يَزِلَّ- فَإِنْ زَلَّ لَمْ تَخْذُلْهُ الْحِيلَةُ.
وَ قَالَ(ع)لَا يَعْدَمُ الْمَرْءُ دَائِرَةَ السَّوْءِ مَعَ نَكْثِ الصَّفْقَةِ- وَ لَا يَعْدَمُ تَعْجِيلَ الْعُقُوبَةِ مَعَ ادِّرَاعِ الْبَغْيِ.
وَ قَالَ(ع)الْأُنْسُ يُذْهِبُ الْمَهَابَةَ وَ الْمَسْأَلَةُ مِفْتَاحٌ فِي الْبُؤْسِ- وَ أَرَادَ الْمَأْمُونُ قَتْلَ رَجُلٍ فَقَالَ لَهُ(ع) مَا تَقُولُ يَا أَبَا الْحَسَنِ فَقَالَ- إِنَّ اللَّهَ لَا يَزِيدُ بِحُسْنِ الْعَفْوِ إِلَّا عِزّاً فَعَفَا عَنْهُ.
وَ قَالَ(ع)اصْحَبِ السُّلْطَانَ بِالْحَذَرِ وَ الصَّدِيقَ بِالتَّوَاضُعِ- وَ الْعَدُوَّ بِالتَّحَرُّزِ وَ الْعَامَّةَ بِالْبِشْرِ.
وَ قَالَ(ع)الْمَشِيَّةُ الِاهْتِمَامُ بِالشَّيْءِ- وَ الْإِرَادَةُ إِتْمَامُ ذَلِكَ الشَّيْءِ.
11- كَنْزُ الْكَرَاجُكِيِ (2)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ الْقُمِّيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ قَالَ قَالَ الرِّضَا(ع)سَبْعَةُ أَشْيَاءَ بِغَيْرِ سَبْعَةِ أَشْيَاءَ مِنَ الِاسْتِهْزَاءِ- مَنِ اسْتَغْفَرَ بِلِسَانِهِ وَ لَمْ يَنْدَمْ بِقَلْبِهِ فَقَدِ اسْتَهَزَأَ بِنَفْسِهِ- وَ مَنْ سَأَلَ اللَّهَ التَّوْفِيقَ وَ لَمْ يَجْتَهِدْ فَقَدِ اسْتَهَزَأَ بِنَفْسِهِ- وَ مَنِ اسْتَحْزَمَ وَ لَمْ يَحْذَرْ فَقَدِ اسْتَهَزَأَ بِنَفْسِهِ- وَ مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الشَّدَائِدِ- فَقَدِ اسْتَهَزَأَ بِنَفْسِهِ وَ مَنْ تَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ- وَ لَمْ يَتْرُكْ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا فَقَدِ اسْتَهَزَأَ بِنَفْسِهِ- وَ مَنْ ذَكَرَ اللَّهَ وَ لَمْ يَسْتَبِقْ إِلَى لِقَائِهِ فَقَدِ اسْتَهَزَأَ بِنَفْسِهِ.
12- أَعْلَامُ الدِّينِ (3)، قَالَ الرِّضَا(ع)مَنْ رَضِيَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْقَلِيلِ- مِنَ
____________
(1) مخطوط.
(2) المصدر: ص 150.
(3) مخطوط.
357
الرِّزْقِ رَضِيَ اللَّهُ مِنْهُ بِالْقَلِيلِ مِنَ الْعَمَلِ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ- وَ مَنْ نَسَبَ إِلَيْهِ مَا نَهَى عَنْهُ فَهُوَ كَافِرٌ.
وَ قَالَ(ع)لَا يَسْلُكُ طَرِيقَ الْقَنَاعَةِ إِلَّا رَجُلَانِ- إِمَّا مُتَعَبِّدٌ يُرِيدُ أَجْرَ الْآخِرَةِ أَوْ كَرِيمٌ يَتَنَزَّهُ مِنْ لِئَامِ النَّاسِ.
وَ قَالَ(ع)الِاسْتِرْسَالُ بِالْأُنْسِ يُذْهِبُ الْمَهَابَةَ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ صَدَقَ النَّاسَ كَرِهُوهُ-.
وَ قَالَ(ع)لِلْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ وَ قَدْ عَزَّاهُ بِمَوْتِ وَلَدِهِ- التَّهْنِئَةُ بِآجِلِ الثَّوَابِ أَوْلَى مِنَ التَّعْزِيَةِ عَلَى عَاجِلِ الْمُصِيبَةِ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ لِلْقُلُوبِ إِقْبَالًا وَ إِدْبَاراً وَ نَشَاطاً وَ فُتُوراً- فَإِذَا أَقْبَلَتْ بَصُرَتْ وَ فَهِمَتْ وَ إِذَا أَدْبَرَتْ كَلَّتْ وَ مَلَّتْ- فَخُذُوهَا عِنْدَ إِقْبَالِهَا وَ نَشَاطِهَا- وَ اتْرُكُوهَا عِنْدَ إِدْبَارِهَا وَ فُتُورِهَا-.
وَ قَالَ(ع)لِلْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ وَ قَدْ سَأَلَهُ عَنْ صِفَةِ الزَّاهِدِ- فَقَالَ(ع)مُتَبَلِّغٌ بِدُونِ قُوتِهِ- مُسْتَعِدٌّ لِيَوْمِ مَوْتِهِ مُتَبَرِّمٌ بِحَيَاتِهِ.
وَ قَالَ(ع)فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ- فَقَالَ عَفْواً مِنْ غَيْرِ عُقُوبَةٍ وَ لَا تَعْنِيفٍ وَ لَا عَتْبٍ-.
وَ أُتِيَ الْمَأْمُونُ بِرَجُلٍ يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَهُ- وَ الرِّضَا(ع)جَالِسٌ فَقَالَ مَا تَقُولُ يَا أَبَا الْحَسَنِ- فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَزِيدُكَ بِحُسْنِ الْعَفْوِ إِلَّا عِزّاً فَعَفَا عَنْهُ-.
وَ سُئِلَ(ع)عَنِ الْمَشِيَّةِ وَ الْإِرَادَةِ فَقَالَ- الْمَشِيَّةُ الِاهْتِمَامُ بِالشَّيْءِ وَ الْإِرَادَةُ إِتْمَامُ ذَلِكَ الشَّيْءِ.
وَ قَالَ(ع)الْأَجَلُ آفَةُ الْأَمَلِ وَ الْعُرْفُ ذَخِيرَةُ الْأَبَدِ- وَ الْبِرُّ غَنِيمَةُ الْحَازِمِ وَ التَّفْرِيطُ مُصِيبَةُ ذَوِي الْقُدْرَةِ- وَ الْبُخْلُ يُمَزِّقُ الْعِرْضَ وَ الْحُبُّ دَاعِي الْمَكَارِهِ- وَ أَجَلُّ الْخَلَائِقِ وَ أَكْرَمُهَا اصْطِنَاعُ الْمَعْرُوفِ وَ إِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ وَ تَحْقِيقُ
358
أَمَلِ الْآمِلِ- وَ تَصْدِيقُ مَخِيلَةِ الرَّاجِي- وَ الِاسْتِكْثَارُ مِنَ الْأَصْدِقَاءِ فِي الْحَيَاةِ- يُكْثِرُ الْبَاكِينَ بَعْدَ الْوَفَاةِ.
باب 27 مواعظ أبي جعفر محمد بن علي الجواد صلوات الله عليه
1- ف (1)، تحف العقول قَالَ لِلْجَوَادِ(ع)رَجُلٌ أَوْصِنِي- قَالَ وَ تَقْبَلُ قَالَ نَعَمْ- قَالَ تَوَسَّدِ الصَّبْرَ وَ اعْتَنِقِ الْفَقْرَ- وَ ارْفَضِ الشَّهَوَاتِ وَ خَالِفِ الْهَوَى- وَ اعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تَخْلُوَ مِنْ عَيْنِ اللَّهِ فَانْظُرْ كَيْفَ تَكُونُ.
وَ قَالَ(ع)أَوْحَى اللَّهُ إِلَى بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ- أَمَّا زُهْدُكَ فِي الدُّنْيَا فَتُعَجِّلُكَ الرَّاحَةَ- وَ أَمَّا انْقِطَاعُكَ إِلَيَّ فَيُعَزِّزُكَ بِي- وَ لَكِنْ هَلْ عَادَيْتَ لِي عَدُوّاً أَوْ وَالَيْتَ لِي وَلِيّاً-.
وَ كَتَبَ إِلَى بَعْضِ أَوْلِيَائِهِ أَمَّا هَذِهِ الدُّنْيَا- فَإِنَّا فِيهَا مُغْتَرِفُونَ وَ لَكِنْ مَنْ كَانَ هَوَاهُ هَوَى صَاحِبِهِ- وَ دَانَ بِدِينِهِ فَهُوَ مَعَهُ حَيْثُ كَانَ- وَ الْآخِرَةُ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ.
وَ قَالَ(ع)الْمُؤْمِنُ يَحْتَاجُ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ- تَوْفِيقٍ مِنَ اللَّهِ وَ وَاعِظٍ مِنْ نَفْسِهِ وَ قَبُولٍ مِمَّنْ يَنْصَحُهُ.
2- كا، الكافي مِنَ الرَّوْضَةِ (2) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ عَنْ عَمِّهِ حَمْزَةَ بْنِ بَزِيعٍ وَ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَمَّنْ حَدَّثَهُ قَالَ: كَتَبَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)إِلَى سَعْدٍ الْخَيْرِ- بِسْمِ [اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ- أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ- فَإِنَّ فِيهَا السَّلَامَةَ مِنَ
____________
(1) التحف ص 455.
(2) الكافي ج 8 ص 52 تحت رقم 16.
359
التَّلَفِ وَ الْغَنِيمَةَ فِي الْمُنْقَلَبِ- إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقِي بِالتَّقْوَى عَنِ الْعَبْدِ- مَا عَزَبَ عَنْهُ عَقْلُهُ (1)- وَ يُجْلِي بِالتَّقْوَى عَنْهُ عَمَاهُ وَ جَهْلَهُ- وَ بِالتَّقْوَى نَجَا نُوحٌ وَ مَنْ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ- وَ صَالِحٌ وَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الصَّاعِقَةِ- وَ بِالتَّقْوَى فَازَ الصَّابِرُونَ وَ نَجَتْ تِلْكَ الْعُصَبُ (2) مِنَ الْمَهَالِكِ- وَ لَهُمْ إِخْوَانٌ عَلَى تِلْكَ الطَّرِيقَةِ يَلْتَمِسُونَ تِلْكَ الْفَضِيلَةَ- نَبَذُوا طُغْيَانَهُمْ مِنَ الْإِيرَادِ بِالشَّهَوَاتِ- لِمَا بَلَغَهُمْ فِي الْكِتَابِ مِنَ الْمَثُلَاتِ- حَمِدُوا رَبَّهُمْ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ وَ هُوَ أَهْلُ الْحَمْدِ- وَ ذَمُّوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى مَا فَرَّطُوا وَ هُمْ أَهْلُ الذَّمِّ- وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى الْحَلِيمَ الْعَلِيمَ- إِنَّمَا غَضَبُهُ عَلَى مَنْ لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ رِضَاهُ- وَ إِنَّمَا يَمْنَعُ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ عَطَاهُ- وَ إِنَّمَا يُضِلُّ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ هُدَاهُ- ثُمَّ أَمْكَنَ أَهْلَ السَّيِّئَاتِ مِنَ التَّوْبَةِ بِتَبْدِيلِ الْحَسَنَاتِ- دَعَا عِبَادَهُ فِي الْكِتَابِ إِلَى ذَلِكَ بِصَوْتٍ رَفِيعٍ لَمْ يَنْقَطِعْ- وَ لَمْ يَمْنَعْ دُعَاءَ عِبَادِهِ- فَلَعَنَ اللَّهُ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ- وَ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ- فَسَبَقَتْ قَبْلَ الْغَضَبِ فَتَمَّتْ صِدْقاً وَ عَدْلًا- فَلَيْسَ يَبْتَدِئُ الْعِبَادَ بِالْغَضَبِ قَبْلَ أَنْ يُغْضِبُوهُ- وَ ذَلِكَ مِنْ عِلْمِ الْيَقِينِ وَ عِلْمِ التَّقْوَى- وَ كُلُّ أُمَّةٍ قَدْ رَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمْ عِلْمَ الْكِتَابِ حِينَ نَبَذُوهُ- وَ وَلَّاهُمْ عَدُوَّهُمْ حِينَ تَوَلَّوْهُ- وَ كَانَ مِنْ نَبْذِهِمُ الْكِتَابَ أَنْ أَقَامُوا حُرُوفَهُ وَ حَرَّفُوا حُدُودَهُ- فَهُمْ يَرْوُونَهُ وَ لَا يَرْعَوْنَهُ- وَ الْجُهَّالُ يُعْجِبُهُمْ حِفْظُهُمْ لِلرِّوَايَةِ- وَ الْعُلَمَاءُ يَحْزُنُهُمْ تَرْكُهُمْ لِلرِّعَايَةِ- وَ كَانَ مِنْ نَبْذِهِمُ الْكِتَابَ أَنْ وَلَّوْهُ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (3)- فَأَوْرَدُوهُمُ الْهَوَى وَ أَصْدَرُوهُمْ إِلَى الرَّدَى- وَ غَيَّرُوا عُرَى الدِّينِ ثُمَّ وَرَّثُوهُ فِي السَّفَهِ وَ الصِّبَا (4)- فَالْأُمَّةُ يَصْدُرُونَ عَنْ أَمْرِ
____________
(1) عزب أي بعد، و في بعض النسخ «نفى بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله».
(2) العصب: جمع العصبة أو هي من الرجال و الخيل و الطير ما بين العشرة الى الأربعين.
(3) أي جعلوا ولى الكتاب و القيم عليه و الحاكم به الذين لا يعلمونه و جعلوهم رؤساء على أنفسهم يتبعونهم في الفتاوي و غيرها.
(4) أي جعلوه ميراثا يرثه كل سفيه جاهل أو صبى غير عاقل. و قوله: «بعد أمر اللّه» أى صدوره أو الاطلاع عليه أو تركه، و الورود و الصدور كنايتان عن الإتيان للسؤال و الاخذ و الرجوع بالقبول. كما قال المؤلّف.
360
النَّاسِ- بَعْدَ أَمْرِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَ عَلَيْهِ يُرَدُّونَ- بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا وَلَايَةُ النَّاسِ بَعْدَ وَلَايَةِ اللَّهِ (1)- وَ ثَوَابُ النَّاسِ بَعْدَ ثَوَابِ اللَّهِ- وَ رِضَا النَّاسِ بَعْدَ رِضَا اللَّهِ- فَأَصْبَحَتِ الْأُمَّةُ كَذَلِكَ- وَ فِيهِمُ الْمُجْتَهِدُونَ فِي الْعِبَادَةِ عَلَى تِلْكَ الضَّلَالَةِ- مُعْجَبُونَ مَفْتُونُونَ فَعِبَادَتُهُمْ فِتْنَةٌ لَهُمْ وَ لِمَنِ اقْتَدَى بِهِمْ- وَ قَدْ كَانَ فِي الرُّسُلِ ذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ- إِنَّ نَبِيّاً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ كَانَ يَسْتَكْمِلُ الطَّاعَةَ (2)- ثُمَّ يَعْصِي اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فِي الْبَابِ الْوَاحِدِ- فَيُخْرَجُ بِهِ مِنَ الْجَنَّةِ (3) وَ يُنْبَذُ بِهِ فِي بَطْنِ الْحُوتِ- ثُمَّ لَا يُنَجِّيهِ إِلَّا الِاعْتِرَافُ وَ التَّوْبَةُ- فَاعْرِفْ أَشْبَاهَ الْأَحْبَارِ وَ الرُّهْبَانِ- الَّذِينَ سَارُوا بِكِتْمَانِ الْكِتَابِ وَ تَحْرِيفِهِ- فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ- ثُمَّ اعْرِفْ أَشْبَاهَهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ- الَّذِينَ أَقَامُوا حُرُوفَ الْكِتَابِ وَ حَرَّفُوا حُدُودَهُ (4)- فَهُمْ مَعَ السَّادَةِ وَ الْكُبُرَّةِ- فَإِذَا تَفَرَّقَتْ قَادَةُ الْأَهْوَاءِ كَانُوا مَعَ أَكْثَرِهِمْ دُنْيَا- وَ ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ (5)- لَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ فِي
____________
(1) «ولاية الناس» هو المخصوص بالذم.
(2) اشار به الى يونس (عليه السلام). و المراد بعصيانه غضبه على قومه و هربه منهم بغير اذن ربّه، روى أنّه لما وعد قومه بالعذاب خرج من بينهم قبل أن يأمره اللّه تعالى. و اعلم أن العصيان هنا ترك الافضل و الأولى و ذلك لانه لم يكن هناك أمر من اللّه تعالى حتّى عصاه بترك الإتيان به أو نهى منه حتّى خالفه بارتكابه فاطلاق لفظ العصيان مجاز عن ترك الأولى و الافضل و ذلك بالنسبة الى درجات كمالهم بمنزلة العصيان.
(3) اطلاق الجنة على الدنيا لعلّ بالإضافة الى بطن الحوت. كما في الوافي.
(4) شبه هؤلاء العباد و علماء العوام المفتونين بالحطام بالاحبار و الرهبان لشرائهم الدنيا بالآخرة بكتمانهم العلم و تحريفهم الكلم عن مواضعها و أكل أموال الناس بالباطل و صدهم عن سبيل اللّه كما أنهم كانوا كذلك على ما وصفهم اللّه في القرآن في عدة مواضع، و المراد بالسادة و الكبرة السلاطين و الحكام و أعوانهم الظلمة. و الكلام يدلّ على أن التحريف الواقع في القرآن كان في معناه لا في ألفاظه كما توهمه بعض من لا خبرة له بمعاريض الكلام.
(5) إشارة الى الآية 31 من سورة النجم «فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا». و الطبع- بالتحريك-: الرين و- بالسكون- الختم.
361
طَمَعٍ وَ طَبَعٍ- وَ لَا يَزَالُ يُسْمَعُ صَوْتُ إِبْلِيسَ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ بِبَاطِلٍ كَثِيرٍ- يَصْبِرُ مِنْهُمُ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْأَذَى وَ التَّعْنِيفِ- وَ يَعِيبُونَ عَلَى الْعُلَمَاءِ بِالتَّكْلِيفِ (1)- وَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنْفُسِهِمْ خَانَةٌ إِنْ كَتَمُوا النَّصِيحَةَ- إِنْ رَأَوْا تَائِهاً ضَالًّا لَا يَهْدُونَهُ أَوْ مَيِّتاً لَا يُحْيُونَهُ- فَبِئْسَ مَا يَصْنَعُونَ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ فِي الْكِتَابِ أَنْ يَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ- وَ بِمَا أُمِرُوا بِهِ وَ أَنْ يَنْهَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ- وَ أَنْ يَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوَى- وَ لَا يَتَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوَانِ- فَالْعُلَمَاءُ مِنَ الْجُهَّالِ فِي جَهْدٍ وَ جِهَادٍ إِنْ وَعَظَتْ قَالُوا- طَغَتْ وَ إِنْ عَلَّمُوا الْحَقَ (2) الَّذِي تَرَكُوا قَالُوا خَالَفَتْ- وَ إِنِ اعْتَزَلُوهُمْ قَالُوا فَارَقَتْ وَ إِنْ قَالُوا- هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ عَلَى مَا تُحَدِّثُونَ- قَالُوا نَافَقَتْ وَ إِنْ أَطَاعُوهُمْ- قَالُوا عَصَتِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَ (3) فَهَلَكَ جُهَّالٌ فِيمَا لَا يَعْلَمُونَ- أُمِّيُّونَ فِيمَا يَتْلُونَ يُصَدِّقُونَ بِالْكِتَابِ عِنْدَ التَّعْرِيفِ- وَ يُكَذِّبُونَ بِهِ عِنْدَ التَّحْرِيفِ فَلَا يُنْكِرُونَ- أُولَئِكَ أَشْبَاهُ الْأَحْبَارِ وَ الرُّهْبَانِ قَادَةٌ فِي الْهَوَى- سَادَةٌ فِي الرَّدَى وَ آخَرُونَ مِنْهُمْ جُلُوسٌ بَيْنَ الضَّلَالَةِ وَ الْهُدَى- لَا يَعْرِفُونَ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الْأُخْرَى- يَقُولُونَ مَا كَانَ النَّاسُ يَعْرِفُونَ هَذَا- وَ لَا يَدْرُونَ مَا هُوَ وَ صَدَّقُوا- تَرْكَهُمْ رَسُولَ اللَّهِ ص عَلَى الْبَيْضَاءِ (4) لَيْلُهَا مِنْ نَهَارِهَا- لَمْ يَظْهَرْ فِيهِمْ بِدْعَةٌ وَ لَمْ يُبَدَّلْ فِيهِمْ سُنَّةٌ لَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ- وَ لَا اخْتِلَافَ فَلَمَّا غَشِيَ النَّاسَ ظُلْمَةُ خَطَايَاهُمْ- صَارُوا إِمَامَيْنِ دَاعٍ إِلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- وَ دَاعٍ إِلَى النَّارِ فَعِنْدَ ذَلِكَ نَطَقَ الشَّيْطَانُ- فَعَلَا صَوْتُهُ عَلَى لِسَانِ أَوْلِيَائِهِ وَ كَثُرَ خَيْلُهُ- وَ رَجِلُهُ (5) وَ شَارَكَ فِي الْمَالِ وَ الْوَلَدِ مَنْ أَشْرَكَهُ- فَعُمِلَ بِالْبِدْعَةِ وَ تُرِكَ الْكِتَابُ وَ السُّنَّةُ- وَ نَطَقَ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ بِالْحُجَّةِ- وَ أَخَذُوا بِالْكِتَابِ وَ الْحِكْمَةِ- فَتَفَرَّقَ مِنْ ذَلِكَ
____________
(1) «منهم» أي من أشباه الاحبار و الرهبان «العلماء» يعنى العلماء باللّه الربانيين «بالتكليف» يعنى تكليفهم بالحق.
(2) في بعض النسخ «عملوا الحق».
(3) ليس في بعض النسخ «قالوا».
(4) يعني الشريعة، الواضح مجهولها عن معلومها و عالمها عن جاهلها.
(5) الخيل: جماعة الفرسان و الرجل: جماعة المشاة أي أعوانه القوية و الضعيفة.
362
الْيَوْمِ أَهْلُ الْحَقِّ- وَ أَهْلُ الْبَاطِلِ وَ تَخَاذَلَ (1)- وَ تَهَادَنَ أَهْلُ الْهُدَى وَ تَعَاوَنَ أَهْلُ الضَّلَالَةِ- حَتَّى كَانَتِ الْجَمَاعَةُ مَعَ فُلَانٍ وَ أَشْبَاهِهِ- فَاعْرِفْ هَذَا الصِّنْفَ وَ صِنْفٌ آخَرُ- فَأَبْصِرْهُمْ رَأْيَ الْعَيْنِ تَحْيَا (2) وَ الْزَمْهُمْ حَتَّى تَرِدَ أَهْلَكَ- فَ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ- وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ-.
إِلَى هَاهُنَا رِوَايَةُ الْحُسَيْنِ
وَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى زِيَادَةٌ- لَهُمْ عِلْمٌ بِالطَّرِيقِ فَإِنْ كَانَ دُونَهُمْ (3) بَلَاءٌ- فَلَا تَنْظُرْ إِلَيْهِمْ فَإِنْ كَانَ دُونَهُمْ- عَسْفٌ مِنْ أَهْلِ الْعَسْفِ وَ خَسْفٌ (4)- وَ دُونَهُمْ بَلَايَا تَنْقَضِي ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى رَخَاءٍ- ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ إِخْوَانَ الثِّقَةِ ذَخَائِرُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ- وَ لَوْ لَا أَنْ تَذْهَبَ بِكَ الظُّنُونُ عَنِّي (5)- لَجَلَيْتُ لَكَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنَ الْحَقِّ غَطَّيْتُهَا- وَ لَنَشَرْتُ لَكَ أَشْيَاءَ مِنَ الْحَقِّ كَتَمْتُهَا- وَ لَكِنِّي أَتَّقِيكَ وَ أَسْتَبْقِيكَ- وَ لَيْسَ الْحَلِيمُ الَّذِي لَا يَتَّقِي أَحَداً فِي مَكَانِ التَّقْوَى- وَ الْحِلْمُ لِبَاسُ الْعَالِمِ فَلَا تَعْرَيَنَّ مِنْهُ وَ السَّلَامُ
. 3- كا (6)، الكافي رِسَالَةٌ أَيْضاً مِنْهُ إِلَيْهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ عَنْ عَمِّهِ حَمْزَةَ بْنِ بَزِيعٍ قَالَ: كَتَبَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)إِلَى سَعْدٍ الْخَيْرِ
____________
(1) أي تركوا نصرة الحق. و في بعض النسخ «تخادن» من الخدن و هو الصديق.
و تهادن من المهادنة بمعنى المصالحة، و في بعض النسخ «تهاون» أي عن نصرة الحق و هذا أنسب بالتخاذل كما أن التهادن أنسب بالتخادن.
(2) في بعض نسخ المصدر «نجباء» و في بعضها «نجيا».
(3) في بعض النسخ «اليه فان دونهم» و هو الصواب أي فلا ينظرون الى البلاء لانها تنقضى و لا تبقى.
(4) العسف: الجور و الظلم و هو في الأصل أن يأخذ المسافر على غير طريق و لا جادة و لا علم. قيل: هو ركوب الامر من غير روية. و الخسف: النقصان و الهوان. و قوله:
«تنقضى» جزاء الشرط.
(5) أي يصير ظنك السيئ بى سببا لانحرافك عنى و عدم اصغائك الى بعد ذلك.
(6) الكافي ج 8 ص 56 تحت رقم 17.
363
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ- أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ جَاءَنِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ مَعْرِفَةَ مَا لَا يَنْبَغِي تَرْكُهُ- وَ طَاعَةَ مَنْ رِضَا اللَّهِ رِضَاهُ- فَقَبِلْتُ مِنْ ذَلِكَ لِنَفْسِكَ- مَا كَانَتْ نَفْسُكَ مُرْتَهَنَةً لَوْ تَرَكْتَهُ تَعْجَبُ (1)- إِنَّ رِضَا اللَّهِ وَ طَاعَتَهُ وَ نَصِيحَتَهُ لَا تُقْبَلُ- وَ لَا تُوجَدُ وَ لَا تُعْرَفُ إِلَّا فِي عِبَادٍ غُرَبَاءَ أَخِلَّاءَ مِنَ النَّاسِ- قَدِ اتَّخَذَهُمُ النَّاسُ سِخْرِيّاً لِمَا يَرْمُونَهُمْ بِهِ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ- وَ كَانَ يُقَالُ لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِناً- حَتَّى يَكُونَ أَبْغَضَ إِلَى النَّاسِ مِنْ جِيفَةِ الْحِمَارِ (2)- وَ لَوْ لَا أَنْ يُصِيبَكَ مِنَ الْبَلَاءِ مِثْلُ الَّذِي أَصَابَنَا- فَتَجْعَلُ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَ أُعِيذُكَ بِاللَّهِ- وَ إِيَّانَا مِنْ ذَلِكَ لَقَرُبْتَ عَلَى بُعْدِ مَنْزِلَتِكَ- وَ اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّا لَا نَنَالُ مَحَبَّةَ اللَّهِ- إِلَّا بِبُغْضِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ وَ لَا وَلَايَتَهُ إِلَّا بِمُعَادَاتِهِمْ- وَ فَوْتُ ذَلِكَ قَلِيلٌ يَسِيرٌ لِدَرْكِ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ- يَا أَخِي إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَ فِي كُلٍّ مِنَ الرُّسُلِ- بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَدْعُونَ مَنْ ضَلَّ إِلَى الْهُدَى- وَ يَصْبِرُونَ مَعَهُمْ عَلَى الْأَذَى يُجِيبُونَ دَاعِيَ اللَّهِ- وَ يَدْعُونَ إِلَى اللَّهِ فَأَبْصِرْهُمْ رَحِمَكَ اللَّهُ- فَإِنَّهُمْ فِي مَنْزِلَةٍ رَفِيعَةٍ وَ إِنْ أَصَابَتْهُمْ فِي الدُّنْيَا وَضِيعَةٌ- إِنَّهُمْ يُحْيُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ الْمَوْتَى وَ يُبْصِرُونَ بِنُورِ اللَّهِ مِنَ الْعَمَى- كَمْ مِنْ قَتِيلٍ لِإِبْلِيسَ قَدْ أَحْيَوْهُ- وَ كَمْ مِنْ تَائِهٍ ضَالٍّ قَدْ هَدَوْهُ- يَبْذُلُونَ دِمَاءَهُمْ دُونَ هَلَكَةِ الْعِبَادِ- وَ مَا أَحْسَنَ أَثَرَهُمْ عَلَى الْعِبَادِ وَ أَقْبَحَ آثَارَ الْعِبَادِ عَلَيْهِمْ.
4- الدُّرَّةُ الْبَاهِرَةُ (3)، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْجَوَادُ(ع)كَيْفَ يُضَيَّعُ مَنِ اللَّهُ كَافِلُهُ
____________
(1) في بعض النسخ «فعجب».
(2) المستفاد من قوله (عليه السلام): «تذكر فيه- الى آخره-» ان سعدا ذكر في كتابه أنّه عرف كذا و أنّه قبل منه لنفسه كذا و انه تعجب من كذا بأن يكون الى قوله:
«و من جيفة الحمار» من كلام سعد و يحتمل أن يكون فعجب أو تعجب الى اختلاف النسختين من كلام الإمام (عليه السلام). و قوله: «أخلاء». جمع خلو- بالكسر- و هو الخالى عن الشيء و يكون بمعنى المنفرد و يقال: اخلاء إذا انفرد أي هم أخلاء عن أخلاق عامة الناس و أطوارهم الباطلة أو منفردون عن الناس معتزلون عن شرارهم. (المرآة).
(3) مخطوط.
364
وَ كَيْفَ يَنْجُو مَنِ اللَّهُ طَالِبُهُ- وَ مَنِ انْقَطَعَ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ- وَ مَنْ عَمِلَ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرُ مِمَّا يُصْلِحُ- الْقَصْدُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْقُلُوبِ أَبْلَغُ مِنْ إِتْعَابِ الْجَوَارِحِ بِالْأَعْمَالِ- مَنْ أَطَاعَ هَوَاهُ أَعْطَى عَدُوَّهُ مُنَاهُ- مَنْ هَجَرَ الْمُدَارَاةَ قَارَبَهُ الْمَكْرُوهُ- وَ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْمَوَارِدَ أَعْيَتْهُ الْمَصَادِرُ- وَ مَنِ انْقَادَ إِلَى الطُّمَأْنِينَةِ قَبْلَ الْخِبْرَةِ- فَقَدْ عَرَضَ نَفْسَهُ لِلْهَلَكَةِ وَ لِلْعَاقِبَةِ الْمُتْعِبَةِ- مَنْ عَتَبَ مِنْ غَيْرِ ارْتِيَابٍ أَعْتَبَ مِنْ غَيْرِ اسْتِعْتَابٍ- رَاكِبُ الشَّهَوَاتِ لَا تُسْتَقَالُ لَهُ عَثْرَةٌ- اتَّئِدْ تُصِبْ أَوْ تَكَدْ (1) الثِّقَةُ بِاللَّهِ ثَمَنٌ لِكُلِّ غَالٍ- وَ سُلَّمٌ إِلَى كُلِّ عَالٍ- إِيَّاكَ وَ مُصَاحَبَةَ الشَّرِيرِ فَإِنَّهُ كَالسَّيْفِ الْمَسْلُولِ يَحْسُنُ مَنْظَرُهُ- وَ يَقْبُحُ أَثَرُهُ (2) إِذَا نَزَلَ الْقَضَاءُ ضَاقَ الْفَضَاءُ- كَفَى بِالْمَرْءِ خِيَانَةً أَنْ يَكُونَ أَمِيناً لِلْخَوَنَةِ- غِنَى الْمُؤْمِنِ غِنَاهُ عَنِ النَّاسِ- نِعْمَةٌ لَا تُشْكَرُ كَسَيِّئَةٍ لَا تُغْفَرُ- لَا يَضُرُّكَ سَخَطُ مَنْ رِضَاهُ الْجَوْرُ- مَنْ لَمْ يَرْضَ مِنْ أَخِيهِ بِحُسْنِ النِّيَّةِ لَمْ يَرْضَ بِالْعَطِيَّةِ.
5- أَعْلَامُ الدِّينِ (3)، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوَادُ(ع)كَيْفَ يُضَيَّعُ مَنِ اللَّهُ كَافِلُهُ وَ كَيْفَ يَنْجُو مَنِ اللَّهُ طَالِبُهُ- وَ مَنِ انْقَطَعَ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ- وَ مَنْ عَمِلَ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ مَا أَفْسَدَ أَكْثَرُ مِمَّا يُصْلِحُ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ أَطَاعَ هَوَاهُ أَعْطَى عَدُوَّهُ مُنَاهُ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ هَجَرَ الْمُدَارَاةَ قَارَنَهُ الْمَكْرُوهُ- وَ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْمَوَارِدَ أَعْيَتْهُ الْمَصَادِرُ- وَ مَنِ انْقَادَ إِلَى الطُّمَأْنِينَةِ قَبْلَ الْخِبْرَةِ- فَقَدْ عَرَضَ نَفْسَهُ لِلْهَلَكَةِ وَ لِلْعَاقِبَةِ الْمُتْعِبَةِ.
وَ قَالَ(ع)قَدْ عَادَاكَ مَنْ سَتَرَ عَنْكَ الرُّشْدَ اتِّبَاعاً لِمَا تَهْوَاهُ.
وَ قَالَ(ع)رَاكِبُ الشَّهَوَاتِ لَا تُقَالُ عَثْرَتُهُ.
وَ قَالَ(ع)الثِّقَةُ بِاللَّهِ تَعَالَى ثَمَنٌ لِكُلِّ غَالٍ- وَ سُلَّمٌ إِلَى كُلِّ عَالٍ.
وَ قَالَ(ع)إِيَّاكَ وَ مُصَاحَبَةَ الشَّرِيرِ- فَإِنَّهُ كَالسَّيْفِ يَحْسُنُ مَنْظَرُهُ وَ يَقْبُحُ أَثَرُهُ.
____________
(1) اتئد في أمرك- من باب الافتعال- أى تثبت. و التؤدة: الرزانة. و كاد يفعل و كيد اي قارب.
(2) السيف المسلول هو الذي اخرج من غمده و بالفارسية شمشير كشيدهشده.
(3) مخطوط.
365
وَ قَالَ(ع)الْحَوَائِجُ تُطْلَبُ بِالرَّجَاءِ- وَ هِيَ تَنْزِلُ بِالْقَضَاءِ وَ الْعَافِيَةُ أَحْسَنُ عَطَاءٍ.
وَ قَالَ(ع)إِذَا نَزَلَ الْقَضَاءُ ضَاقَ الْفَضَاءُ.
وَ قَالَ(ع)لَا تُعَادِي أَحَداً حَتَّى تَعْرِفَ الَّذِي بَيْنَهُ وَ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى- فَإِنْ كَانَ مُحْسِناً فَإِنَّهُ لَا يُسْلِمُهُ إِلَيْكَ- وَ إِنْ كَانَ مُسِيئاً فَإِنَّ عِلْمَكَ بِهِ يَكْفِيكَهُ فَلَا تُعَادِهِ.
وَ قَالَ(ع)لَا تَكُنْ وَلِيّاً لِلَّهِ فِي الْعَلَانِيَةِ عَدُوّاً لَهُ فِي السِّرِّ.
وَ قَالَ(ع)التَّحَفُّظُ عَلَى قَدْرِ الْخَوْفِ.
وَ قَالَ(ع)عِزُّ الْمُؤْمِنِ فِي غِنَاهُ عَنِ النَّاسِ.
وَ قَالَ(ع)نِعْمَةٌ لَا تُشْكَرُ كَسَيِّئَةٍ لَا تُغْفَرُ.
وَ قَالَ(ع)لَا يَضُرُّكَ سَخَطُ مَنْ رِضَاهُ الْجَوْرُ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ لَمْ يَرْضَ مِنْ أَخِيهِ بِحُسْنِ النِّيَّةِ لَمْ يَرْضَ مِنْهُ بِالْعَطِيَّةِ.
وَ قَالَ(ع)الْأَيَّامُ تَهْتِكُ لَكَ الْأَمْرَ عَنِ الْأَسْرَارِ الْكَامِنَةِ.
وَ قَالَ(ع)[لَا تَعْرِفُ عَنِ الشَّيْءِ إِذَا صَنَعْتَهُ لِقِلَّةِ صُحْبَتِهِ إِذَا أُعْطِيتَهُ (1).
باب 28 مواعظ أبي الحسن الثالث(ع)و حكمه
1- ف (2)، تحف العقول قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الثَّالِثُ(ع)الشَّاكِرُ أَسْعَدُ بِالشُّكْرِ مِنْهُ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي أَوْجَبْتِ الشُّكْرَ- لِأَنَّ النِّعَمَ مَتَاعٌ وَ الشُّكْرَ نِعَمٌ وَ عُقْبَى.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الدُّنْيَا دَارَ بَلْوَى وَ الْآخِرَةَ دَارَ عُقْبَى- وَ جَعَلَ بَلْوَى الدُّنْيَا لِثَوَابِ الْآخِرَةِ سَبَباً- وَ ثَوَابَ الْآخِرَةِ مِنْ بَلْوَى الدُّنْيَا عِوَضاً.
وَ قَالَ(ع)إِنَّ الظَّالِمَ الْحَالِمَ يَكَادُ أَنْ يُعْفَى عَلَى ظُلْمِهِ بِحِلْمِهِ- وَ إِنَّ الْمُحِقَّ السَّفِيهَ يَكَادُ أَنْ يُطْفِئَ نُورَ حَقِّهِ بِسَفَهِهِ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ جَمَعَ لَكَ وُدَّهُ وَ رَأْيَهُ فَاجْمَعْ لَهُ طَاعَتَكَ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فَلَا تَأْمَنْ شَرَّهُ.
____________
(1) كذا. و في بعض النسخ «لا تعرف».
(2) التحف ص 483.
366
وَ قَالَ(ع)الدُّنْيَا سُوقٌ رَبِحَ فِيهَا قَوْمٌ وَ خَسِرَ آخَرُونَ.
2- كشف (1)، كشف الغمة مِنْ دَلَائِلِ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ فَتْحِ بْنِ يَزِيدَ الْجُرْجَانِيِّ قَالَ: ضَمَّنِي وَ أَبَا الْحَسَنِ طَرِيقُ مُنْصَرَفِي مِنْ مَكَّةَ إِلَى خُرَاسَانَ- وَ هُوَ سَائِرٌ إِلَى الْعِرَاقِ فَسَمِعْتُهُ وَ هُوَ يَقُولُ- مَنِ اتَّقَى اللَّهَ يُتَّقَى وَ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ يُطَاعُ- قَالَ فَتَلَطَّفْتُ إِلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِ- فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ وَ أَمَرَنِي بِالْجُلُوسِ- وَ أَوَّلُ مَا ابْتَدَأَنِي بِهِ أَنْ قَالَ- يَا فَتْحُ مَنْ أَطَاعَ الْخَالِقَ لَمْ يُبَالِ بِسَخَطِ الْمَخْلُوقِ- وَ مَنْ أَسْخَطَ الْخَالِقَ فَأَيْقَنَ أَنْ يُحِلَّ بِهِ الْخَالِقُ سَخَطَ الْمَخْلُوقِ- وَ إِنَّ الْخَالِقَ لَا يُوصَفُ إِلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ- وَ أَنَّى يُوصَفُ الْخَالِقُ الَّذِي تَعْجِزُ الْحَوَاسُّ أَنْ تُدْرِكَهُ- وَ الْأَوْهَامُ أَنْ تَنَالَهُ وَ الْخَطَرَاتُ أَنْ تَحُدَّهُ- وَ الْأَبْصَارُ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِهِ جَلَّ عَمَّا يَصِفُهُ الْوَاصِفُونَ- وَ تَعَالَى عَمَّا يَنْعَتُهُ النَّاعِتُونَ نَأَى فِي قُرْبِهِ وَ قَرُبَ فِي نَأْيِهِ- فَهُوَ فِي نَأْيِهِ قَرِيبٌ وَ فِي قُرْبِهِ بَعِيدٌ- كَيَّفَ الْكَيْفَ فَلَا يُقَالُ- كَيْفَ وَ أَيَّنَ الْأَيْنَ فَلَا يُقَالُ أَيْنَ- إِذْ هُوَ مُنْقَطِعُ الْكَيْفِيَّةِ وَ الْأَيْنِيَّةِ- هُوَ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ- لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ- فَجَلَّ جَلَالُهُ أَمْ كَيْفَ يُوصَفُ بِكُنْهِهِ- مُحَمَّدٌ وَ قَدْ قَرَنَهُ الْجَلِيلُ بِاسْمِهِ وَ شَرِكَهُ فِي عَطَائِهِ- وَ أَوْجَبَ لِمَنْ أَطَاعَهُ جَزَاءَ طَاعَتِهِ إِذْ يَقُولُ- وَ ما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ (2)- وَ قَالَ يَحْكِي قَوْلَ مَنْ تَرَكَ طَاعَتَهُ- وَ هُوَ يُعَذِّبُهُ بَيْنَ أَطْبَاقِ نِيرَانِهَا وَ سَرَابِيلِ قَطِرَانِهَا- يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَ أَطَعْنَا الرَّسُولَا (3)- أَمْ كَيْفَ يُوصَفُ بِكُنْهِهِ مَنْ قَرَنَ الْجَلِيلُ طَاعَتَهُمْ بِطَاعَةِ رَسُولِهِ- حَيْثُ قَالَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (4)- وَ قَالَ وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ إِلَى الرَّسُولِ- وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ (5)- وَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها (6)- وَ قَالَ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ
____________
(1) كشف الغمّة ج 3 ص 176.
(2) التوبة: 75.
(3) الأحزاب: 66.
(4) النساء: 59.
(5) النساء. 83 بدون ما بين القوسين.
(6) النساء: 58.
367
إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (1)- يَا فَتْحُ كَمَا لَا يُوصَفُ الْجَلِيلُ جَلَّ جَلَالُهُ- وَ الرَّسُولُ وَ الْخَلِيلُ وَ وَلَدُ الْبَتُولِ- فَكَذَلِكَ لَا يُوصَفُ الْمُؤْمِنُ الْمُسَلِّمُ لِأَمْرِنَا- فَنَبِيُّنَا أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ وَ خَلِيلُنَا أَفْضَلُ الْأَخِلَّاءِ- وَ وَصِيُّهُ أَكْرَمُ الْأَوْصِيَاءِ اسْمُهُمَا أَفْضَلُ الْأَسْمَاءِ- وَ كُنْيَتُهُمَا (2) أَفْضَلُ الْكُنَى وَ أَحْلَاهَا- لَوْ لَمْ يُجَالِسْنَا إِلَّا كُفْوٌ لَمْ يُجَالِسْنَا أَحَدٌ- وَ لَوْ لَمْ يُزَوِّجْنَا إِلَّا كُفْوٌ لَمْ يُزَوِّجْنَا أَحَدٌ- أَشَدُّ النَّاسِ تَوَاضُعاً- أَعْظَمُهُمْ حِلْماً وَ أَنْدَاهُمْ كَفّاً- وَ أَمْنَعُهُمْ كَنَفاً وَرِثَ عَنْهُمَا أَوْصِيَاؤُهُمَا عِلْمَهُمَا- فَارْدُدْ إِلَيْهِمَا الْأَمْرَ وَ سَلِّمْ إِلَيْهِمْ أَمَاتَكَ اللَّهُ مَمَاتَهُمْ- وَ أَحْيَاكَ حَيَاتَهُمْ إِذَا شِئْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ- قَالَ فَتْحٌ فَخَرَجْتُ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ تَلَطَّفْتُ فِي الْوُصُولِ إِلَيْهِ- فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ فَقُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ- أَ تَأْذَنُ لِي فِي مَسْأَلَةٍ اخْتَلَجَ فِي صَدْرِي أَمْرُهَا لَيْلَتِي- قَالَ سَلْ وَ إِنْ شَرَحْتُهَا فَلِي وَ إِنْ أَمْسَكْتُهَا فَلِي- فَصَحِّحْ نَظَرَكَ وَ تَثْبُتُ فِي مَسْأَلَتِكِ- وَ أَصْغِ إِلَى جَوَابِهَا سَمْعَكَ- وَ لَا تَسْأَلْ مَسْأَلَةً تَعَنَّتَّ وَ اعْتَنِ بِمَا تَعْتَنِي بِهِ- فَإِنَّ الْعَالِمَ وَ الْمُتَعَلِّمَ شَرِيكَانِ فِي الرُّشْدِ- مَأْمُورَانِ بِالنَّصِيحَةِ مَنْهِيَّانِ عَنِ الْغِشِّ- وَ أَمَّا الَّذِي اخْتَلَجَ فِي صَدْرِكَ لَيْلَتَكَ فَإِنْ شَاءَ الْعَالِمُ أَنْبَأَكَ بِإِذْنِ اللَّهِ- إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُظْهِرْ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ- فَكُلُّ مَا كَانَ عِنْدَ الرَّسُولِ كَانَ عِنْدَ الْعَالِمِ- وَ كُلُّ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ فَقَدِ اطَّلَعَ أَوْصِيَاؤُهُ- عَلَيْهِ- كَيْلَا تَخْلُوَ أَرْضُهُ مِنْ حُجَّةٍ- يَكُونُ مَعَهُ عِلْمٌ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِهِ وَ جَوَازِ عَدَالَتِهِ- يَا فَتْحُ عَسَى الشَّيْطَانُ أَرَادَ اللَّبْسَ عَلَيْكَ- فَأَوْهَمَكَ فِي بَعْضِ مَا أَوْدَعْتُكَ وَ شَكَّكَكَ فِي بَعْضِ مَا أَنْبَأْتُكَ- حَتَّى أَرَادَ إِزَالَتَكَ عَنْ طَرِيقِ اللَّهِ وَ صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ- فَقُلْتَ مَنْ أَيْقَنْتُ أَنَّهُمْ كَذَا فَهُمْ أَرْبَابٌ- مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُمْ مَخْلُوقُونَ مَرْبُوبُونَ مُطِيعُونَ لِلَّهِ- دَاخِرُونَ رَاغِبُونَ- فَإِذَا جَاءَكَ الشَّيْطَانُ مِنْ قِبَلِ مَا جَاءَكَ- فَاقْمَعْهُ بِمَا أَنْبَأْتُكَ بِهِ- فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَرَّجْتَ عَنِّي- وَ كَشَفْتَ مَا لَبَّسَ الْمَلْعُونُ عَلَيَّ بِشَرْحِكَ- فَقَدْ كَانَ أَوْقَعَ
____________
(1) الأنبياء: 7.
(2) أي النبيّ و الوصى.
368
بِخَلَدِي (1) أَنَّكُمْ أَرْبَابٌ- قَالَ فَسَجَدَ أَبُو الْحَسَنِ(ع)وَ هُوَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ- رَاغِماً لَكَ يَا خَالِقِي دَاخِراً خَاضِعاً- قَالَ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى ذَهَبَ لَيْلِي- ثُمَّ قَالَ يَا فَتْحُ كِدْتَ أَنْ تَهْلِكَ وَ تُهْلِكَ- وَ مَا ضَرَّ عِيسَى إِذَا هَلَكَ مَنْ هَلَكَ فَاذْهَبْ إِذَا شِئْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ- قَالَ فَخَرَجْتُ وَ أَنَا فَرِحٌ بِمَا كَشَفَ اللَّهُ عَنِّي مِنَ اللَّبْسِ بِأَنَّهُمْ هُمْ- وَ حَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى مَا قَدَرْتُ عَلَيْهِ- فَلَمَّا كَانَ فِي الْمَنْزِلِ الْآخَرِ دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَ هُوَ مُتَّكٍ- وَ بَيْنَ يَدَيْهِ حِنْطَةٌ مَقْلُوَّةٌ (2) يَعْبَثُ بِهَا- وَ قَدْ كَانَ أَوْقَعَ الشَّيْطَانُ فِي خَلَدِي أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْكُلُوا وَ يَشْرَبُوا إِذْ كَانَ ذَلِكَ آفَةً وَ الْإِمَامُ غَيْرُ مَئُوفٍ- فَقَالَ اجْلِسْ يَا فَتْحُ فَإِنَّ لَنَا بِالرُّسُلِ أُسْوَةً كَانُوا- يَأْكُلُونَ وَ يَشْرَبُونَ وَ يَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ- وَ كُلُّ جِسْمٍ مَغْذُوٌّ بِهَذَا إِلَّا الْخَالِقَ الرَّازِقَ- لِأَنَّهُ جَسَّمَ الْأَجْسَامَ وَ هُوَ لَمْ يُجَسَّمْ- وَ لَمْ يُجَزَّأْ بِتَنَاهٍ وَ لَمْ يَتَزَايَدْ وَ لَمْ يَتَنَاقَصْ- مُبَرَّأٌ مِنْ ذَاتِهِ مَا رُكِّبَ فِي ذَاتِ مَنْ جَسَّمَهُ- الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ- الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ- مُنْشِئُ الْأَشْيَاءِ مُجَسِّمُ الْأَجْسَامِ- وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ- تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوّاً كَبِيراً- لَوْ كَانَ كَمَا يُوصَفُ لَمْ يُعْرَفِ الرَّبُّ مِنَ الْمَرْبُوبِ- وَ لَا الْخَالِقُ مِنَ الْمَخْلُوقِ وَ لَا الْمُنْشِئُ مِنَ الْمُنْشَإِ- وَ لَكِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ مَنْ جَسَّمَهُ- وَ شَيَّأَ الْأَشْيَاءَ إِذْ كَانَ لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ يُرَى وَ لَا يُشْبِهُ شَيْئاً.
3- الدُّرَّةُ الْبَاهِرَةُ (3)، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الثَّالِثُ(ع)مَنْ رَضِيَ عَنْ نَفْسِهِ كَثُرَ السَّاخِطُونَ عَلَيْهِ- الْغِنَى قِلَّةُ تَمَنِّيكَ وَ الرِّضَا بِمَا يَكْفِيكَ- وَ الْفَقْرُ شِرَّةُ النَّفْسِ وَ شِدَّةُ الْقُنُوطِ- وَ الرَّاكِبُ الْحَرُونِ أَسِيرُ نَفْسِهِ (4) وَ الْجَاهِلُ أَسِيرُ لِسَانِهِ- النَّاسُ فِي الدُّنْيَا بِالْأَمْوَالِ وَ فِي الْآخِرَةِ بِالْأَعْمَالِ-.
____________
(1) الخلد- بالتحريك-: الضمير و الباطن.
(2) قلى اللحم و غيره: أنضجه في المقلى. شايد مراد گندم بريان باشد.
(3) مخطوط.
(4) الحرون الشموس معرب چموش.
369
وَ قَالَ(ع)لِشَخْصٍ وَ قَدْ أَكْثَرَ مِنْ إِفْرَاطِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ- أَقْبِلْ عَلَى مَا شَأْنُكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الْمَلَقِ يَهْجُمُ عَلَى الظِّنَّةِ- وَ إِذَا حَلَلْتَ مِنْ أَخِيكَ فِي مَحَلِّ الثِّقَةِ- فَاعْدِلْ عَنِ الْمَلَقِ إِلَى حُسْنِ النِّيَّةِ- الْمُصِيبَةُ لِلصَّابِرِ وَاحِدَةٌ وَ لِلْجَازِعِ اثْنَتَانِ- الْعُقُوقُ ثُكْلُ مَنْ لَمْ يَثْكَلْ- الْحَسَدُ مَاحِي الْحَسَنَاتِ وَ الدَّهْرُ جَالِبُ الْمَقْتِ- وَ الْعُجْبُ صَارِفٌ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ دَاعٍ إِلَى الغَمْطِ (1) وَ الْجَهْلِ- وَ الْبُخْلُ أَذَمُّ الْأَخْلَاقِ وَ الطَّمَعُ سَجِيَّةُ سَيِّئَةٌ- وَ الْهَزْءُ فُكَاهَةُ السُّفَهَاءِ وَ صِنَاعَةُ الْجُهَّالِ- وَ الْعُقُوقُ يُعْقِبُ الْقِلَّةَ وَ تُؤَدِّي إِلَى الذِّلَّةِ.
4- أَعْلَامُ الدِّينِ (2)، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الثَّالِثُ(ع)مَنْ رَضِيَ عَنْ نَفْسِهِ كَثُرَ السَّاخِطُونَ عَلَيْهِ.
وَ قَالَ(ع)الْمَقَادِيرُ تُرِيكَ مَا لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِكَ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ أَقْبَلَ مَعَ ... وَلِيَ مَعَ انْقِضَائِهِ (3).
وَ قَالَ(ع)رَاكِبُ الْحَرُونِ أَسِيرُ نَفْسِهِ وَ الْجَاهِلُ أَسِيرُ لِسَانِهِ.
وَ قَالَ(ع)النَّاسُ فِي الدُّنْيَا بِالْأَمْوَالِ وَ فِي الْآخِرَةِ بِالْأَعْمَالِ.
وَ قَالَ(ع)الْمِرَاءُ يُفْسِدُ الصَّدَاقَةَ الْقَدِيمَةَ وَ يُحَلِّلُ الْعُقْدَةَ الْوَثِيقَةَ- وَ أَقَلُّ مَا فِيهِ أَنْ تَكُونَ فِيهِ الْمُغَالَبَةُ- وَ الْمُغَالَبَةُ أُسُّ أَسْبَابِ الْقَطِيعَةِ.
وَ قَالَ(ع)الْعِتَابُ مِفْتَاحُ الثِّقَالِ وَ الْعِتَابُ خَيْرٌ مِنَ الْحِقْدِ.
وَ قَالَ(ع)الْمُصِيبَةُ لِلصَّابِرِ وَاحِدَةٌ وَ لِلْجَازِعِ اثْنَتَانِ.
وَ قَالَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ(ع)يَقُولُ لِرَجُلٍ ذَمَّ إِلَيْهِ وَلَداً لَهُ- فَقَالَ الْعُقُوقُ ثُكْلُ مَنْ لَمْ يَثْكَلْ.
وَ قَالَ(ع)الْهَزْلُ فُكَاهَةُ السُّفَهَاءِ وَ صِنَاعَةُ الْجُهَّالِ.
وَ قَالَ(ع)فِي بَعْضِ مَوَاعِظِهِ السَّهَرُ أَلَذُّ لِلْمَنَامِ وَ الْجُوعُ يَزِيدُ فِي طِيبِ الطَّعَامِ- يُرِيدُ بِهِ الْحَثَّ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ وَ صِيَامِ النَّهَارِ.
____________
(1) الغمط: احتقار الناس.
(2) مخطوط.
(3) فيه سقط.
370
وَ قَالَ(ع)اذْكُرْ مَصْرَعَكَ بَيْنَ يَدَيْ أَهْلِكَ- وَ لَا طَبِيبَ يَمْنَعُكَ وَ لَا حَبِيبَ يَنْفَعُكَ.
وَ قَالَ(ع)اذْكُرْ حَسَرَاتِ التَّفْرِيطِ بِأَخْذِ تَقْدِيمِ الْحَزْمِ.
وَ قَالَ(ع)الْغَضَبُ عَلَى مَنْ تَمْلِكُ لُؤْمٌ.
وَ قَالَ(ع)الْحِكْمَةُ لَا تَنْجَعُ فِي الطِّبَاعِ الْفَاسِدَةِ.
وَ قَالَ(ع)خَيْرٌ مِنَ الْخَيْرِ فَاعِلُهُ وَ أَجْمَلُ مِنَ الْجَمِيلِ قَائِلُهُ- وَ أَرْجَحُ مِنَ الْعِلْمِ حَامِلُهُ وَ شَرٌّ مِنَ الشَّرِّ جَالِبُهُ- وَ أَهْوَلُ مِنَ الْهَوْلِ رَاكِبُهُ.
وَ قَالَ(ع)إِيَّاكَ وَ الْحَسَدَ فَإِنَّهُ يَبِينُ فِيكَ وَ لَا يَعْمَلُ فِي عَدُوِّكَ.
وَ قَالَ(ع)إِذَا كَانَ زَمَانٌ الْعَدْلُ فِيهِ أَغْلَبُ مِنَ الْجَوْرِ- فَحَرَامٌ أَنْ يَظُنَّ بِأَحَدٍ سُوءاً حَتَّى يَعْلَمَ ذَلِكَ مِنْهُ- وَ إِذَا كَانَ زَمَانٌ الْجَوْرُ أَغْلَبُ فِيهِ مِنَ الْعَدْلِ- فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَظُنَّ بِأَحَدٍ خَيْراً مَا لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ مِنْهُ-.
وَ قَالَ(ع)لِلْمُتَوَكِّلِ فِي جَوَابِ كَلَامٍ دَارَ بَيْنَهُمَا- لَا تَطْلُبِ الصَّفَا مِمَّنْ كَدَرْتَ عَلَيْهِ- وَ لَا الْوَفَاءَ لِمَنْ غَدَرْتَ وَ لَا النُّصْحَ مِمَّنْ صَرَفْتَ سُوءَ ظَنِّكَ إِلَيْهِ- فَإِنَّمَا قَلْبُ غَيْرِكَ كَقَلْبِكَ لَهُ- وَ قَالَ لَهُ وَ قَدْ سَأَلَهُ عَنِ الْعَبَّاسِ (1)- مَا تَقُولُ بَنُو أَبِيكَ فِيهِ فَقَالَ- مَا يَقُولُونَ فِي رَجُلٍ فَرَضَ اللَّهُ طَاعَتَهُ عَلَى الْخَلْقِ- وَ فَرَضَ طَاعَةَ الْعَبَّاسِ عَلَيْهِ.
وَ قَالَ(ع)الْقَوُا النِّعَمَ بِحُسْنِ مُجَاوَرَتِهَا- وَ الْتَمِسُوا الزِّيَادَةَ فِيهَا بِالشُّكْرِ عَلَيْهَا- وَ اعْلَمُوا أَنَّ النَّفْسَ أَقْبَلُ شَيْءٍ لِمَا أُعْطِيَتْ- وَ أَمْنَعُ شَيْءٍ لِمَا مُنِعَتْ.
باب 29 مواعظ أبي محمد العسكري(ع)و كتبه إلى أصحابه
1- ف (2)، تحف العقول قَالَ(ع)لَا تُمَارِ فَيَذْهَبَ بَهَاؤُكَ وَ لَا تُمَازِحْ فَيُجْتَرَأَ عَلَيْكَ.
____________
(1) يعني عبّاس بن عبد المطلب.
(2) التحف ص 486.
371
وَ قَالَ(ع)مَنْ رَضِيَ بِدُونِ الشَّرَفِ مِنَ الْمَجْلِسِ- لَمْ يَزَلِ اللَّهُ وَ مَلَائِكَتُهُ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقُومَ.
وَ كَتَبَ(ع)إِلَى رَجُلٍ سَأَلَهُ دَلِيلًا- مَنْ سَأَلَ آيَةً أَوْ بُرْهَاناً فَأُعْطِيَ مَا سَأَلَ- ثُمَّ رَجَعَ عَمَّنْ طَلَبَ مِنْهُ الْآيَةَ عُذِّبَ ضِعْفَ الْعَذَابِ وَ مَنْ صَبَرَ أُعْطِيَ التَّأْيِيدَ مِنَ اللَّهِ- وَ النَّاسُ مَجْبُولُونَ عَلَى حِيلَةِ إِيثَارِ الْكُتُبِ الْمُنَشَّرَةِ- نَسْأَلُ اللَّهَ السَّدَادَ (1) فَإِنَّمَا هُوَ التَّسْلِيمُ- أَوِ الْعَطَبُ وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ- وَ كَتَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ شِيعَتِهِ يُعَرِّفُهُ اخْتِلَافَ الشِّيعَةِ- فَكَتَبَ(ع)إِنَّمَا خَاطَبَ اللَّهُ الْعَاقِلَ- وَ النَّاسُ فِيَّ عَلَى طَبَقَاتٍ الْمُسْتَبْصِرُ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ- مُتَمَسِّكٌ بِالْحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِفَرْعِ الْأَصْلِ- غَيْرُ شَاكٍّ وَ لَا مُرْتَابٍ لَا يَجِدُ عَنِّي مَلْجَأً- وَ طَبَقَةٌ لَمْ تَأْخُذِ الْحَقَّ مِنْ أَهْلِهِ- فَهُمْ كَرَاكِبِ الْبَحْرِ يَمُوجُ عِنْدَ مَوْجِهِ- وَ يَسْكُنُ عِنْدَ سُكُونِهِ- وَ طَبَقَةٌ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ- شَأْنُهُمُ الرَّدُّ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ- وَ دَفْعُ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ- فَدَعْ مَنْ ذَهَبَ يَمِيناً وَ شِمَالًا- فَإِنَّ الرَّاعِيَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ غَنَمَهُ جَمَعَهَا بِأَهْوَنِ سَعْيٍ- وَ إِيَّاكَ وَ الْإِذَاعَةَ وَ طَلَبَ الرِّئَاسَةِ- فَإِنَّهُمَا يَدْعُوَانِ إِلَى الْهَلَكَةِ.
وَ قَالَ(ع)مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي لَا تُغْفَرُ لَيْتَنِي لَا أُؤَاخَذُ إِلَّا بِهَذَا (2).
ثُمَّ قَالَ(ع)الْإِشْرَاكُ فِي النَّاسِ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ- عَلَى الْمِسْحِ الْأَسْوَدِ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ (3).
وَ قَالَ(ع)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* * * أَقْرَبُ إِلَى اسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ مِنْ سَوَادِ الْعَيْنِ إِلَى بَيَاضِهَا
____________
(1) أي من عادة الناس أن يكتبوا كتبا مزورة و ينتشرونها. و العطب: الهلاك.
(2) أي قول الرجل المذنب ذلك إذا قيل له: لا تعص.
(3) المسح- بالكسر-: البلاس و التقيد بالاسود تأكيد في اخفائه و عدم رؤيته بخلاف ما إذا كان غير الأسود لانه ربما يمكن أن يراه إذا كان أبيضا.
372
وَ خَرَجَ فِي بَعْضِ تَوْقِيعَاتِهِ(ع) عِنْدَ اخْتِلَافِ قَوْمٍ مِنْ شِيعَتِهِ فِي أَمْرِهِ- مَا مُنِيَ أَحَدٌ مِنْ آبَائِي- بِمِثْلِ مَا مُنِيتُ بِهِ مِنْ شَكِّ هَذِهِ الْعِصَابَةِ فِيَّ- فَإِنْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ أَمْراً اعْتَقَدَتْمُوُهُ وَ دِنْتُمْ بِهِ إِلَى وَقْتٍ- ثُمَّ يَنْقَطِعُ فَلِلشَّكِّ مَوْضِعٌ- وَ إِنْ كَانَ مُتَّصِلًا مَا اتَّصَلَتْ أُمُورُ اللَّهِ فَمَا مَعْنَى هَذَا الشَّكِّ.
وَ قَالَ(ع)حُبُّ الْأَبْرَارِ لِلْأَبْرَارِ ثَوَابٌ لِلْأَبْرَارِ- وَ حُبُّ الْفُجَّارِ لِلْأَبْرَارِ فَضِيلَةٌ لِلْأَبْرَارِ- وَ بُغْضُ الْفُجَّارِ لِلْأَبْرَارِ زَيْنٌ لِلْأَبْرَارِ- وَ بُغْضُ الْأَبْرَارِ لِلْفُجَّارِ خِزْيٌ عَلَى الْفُجَّارِ.
وَ قَالَ(ع)مِنَ التَّوَاضُعِ السَّلَامُ عَلَى كُلِّ مَنْ تَمُرُّ بِهِ- وَ الْجُلُوسُ دُونَ شَرَفِ الْمَجْلِسِ.
وَ قَالَ(ع)مِنَ الْجَهْلِ الضَّحِكُ مِنْ غَيْرِ عَجَبٍ.
وَ قَالَ(ع)مِنَ الْفَوَاقِرِ الَّتِي تَقْصِمُ الظَّهْرَ (1) جَارٌ- إِنْ رَأَى حَسَنَةً أَخْفَاهَا وَ إِنْ رَأَى سَيِّئَةً أَفْشَاهَا.
وَ قَالَ(ع)لِشِيعَتِهِ أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ الْوَرَعِ فِي دِينِكُمْ- وَ الِاجْتِهَادِ لِلَّهِ وَ صِدْقِ الْحَدِيثِ- وَ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكُمْ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ- وَ طُولِ السُّجُودِ وَ حُسْنِ الْجِوَارِ- فَبِهَذَا جَاءَ مُحَمَّدٌ ص صَلُّوا فِي عَشَائِرِهِمْ- وَ اشْهَدُوا جَنَائِزَهُمْ وَ عُودُوا مَرْضَاهُمْ (2) وَ أَدُّوا حُقُوقَهُمْ- فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ إِذَا وَرِعَ فِي دِينِهِ وَ صَدَقَ فِي حَدِيثِهِ- وَ أَدَّى الْأَمَانَةَ وَ حَسُنَ خُلُقُهُ مَعَ النَّاسِ- قِيلَ هَذَا شِيعِيٌّ فَيَسُرُّنِي ذَلِكَ- اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا زَيْناً وَ لَا تَكُونُوا شَيْناً- جَرُّوا إِلَيْنَا كُلَّ مَوَدَّةٍ وَ ادْفَعُوا عَنَّا كُلَّ قَبِيحٍ- فَإِنَّهُ مَا قِيلَ فِينَا مِنْ حُسْنٍ فَنَحْنُ أَهْلُهُ- وَ مَا قِيلَ فِينَا مِنْ سُوءٍ فَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ- لَنَا حَقٌّ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ قَرَابَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ- وَ تَطْهِيرٌ مِنَ اللَّهِ لَا يَدَّعِيهِ أَحَدٌ غَيْرُنَا إِلَّا كَذَّابٌ- أَكْثِرُوا ذِكْرَ اللَّهِ وَ ذِكْرَ الْمَوْتِ وَ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ- وَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ص فَإِنَّ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ- احْفَظُوا مَا
____________
(1) الفواقر: جمع فاقرة أي الداعية العظيمة فكأنها تكسر فقر الظهر.
(2) الضمير يرجع الى المخالفين أو مطلق الناس. و في المصدر كلها بضمير الخطاب.
373
وَصَّيْتُكُمْ بِهِ وَ أَسْتَوْدِعُكُمُ اللَّهَ- وَ أَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ.
وَ قَالَ(ع)لَيْسَتِ الْعِبَادَةُ كَثْرَةَ الصِّيَامِ وَ الصَّلَاةِ- وَ إِنَّمَا الْعِبَادَةُ كَثْرَةُ التَّفَكُّرِ فِي أَمْرِ اللَّهِ.
وَ قَالَ(ع)بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَكُونُ ذَا وَجْهَيْنِ وَ ذَا لِسَانَيْنِ- يُطْرِي أَخَاهُ شَاهِداً (1) وَ يَأْكُلُهُ غَائِباً- إِنْ أُعْطِيَ حَسَدَهُ وَ إِنِ ابْتُلِيَ خَانَهُ (2).
وَ قَالَ(ع)الْغَضَبُ مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ.
وَ قَالَ(ع)لِشِيعَتِهِ فِي سَنَةِ سِتِّينَ وَ مِائَتَيْنِ- أَمَرْنَاكُمْ بِالتَّخَتُّمِ فِي الْيَمِينِ وَ نَحْنُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْكُمْ (3)- وَ الْآنَ نَأْمُرُكُمْ بِالتَّخَتُّمِ فِي الشِّمَالِ- لِغَيْبَتِنَا عَنْكُمْ إِلَى أَنْ يُظْهِرَ اللَّهُ أَمْرَنَا وَ أَمْرَكُمْ- فَإِنَّهُ مِنْ أَدَلِّ دَلِيلٍ عَلَيْكُمْ فِي وَلَايَتِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ- فَخَلَعُوا خَوَاتِيمَهُمْ مِنْ أَيْمَانِهِمْ- بَيْنَ يَدَيْهِ وَ لَبِسُوهَا فِي شَمَائِلِهِمْ- وَ قَالَ(ع)لَهُمْ حَدِّثُوا بِهَذَا شِيعَتَنَا.
وَ قَالَ(ع)أَقَلُّ النَّاسِ رَاحَةً الْحَقُودُ (4).
وَ قَالَ(ع)أَوْرَعُ النَّاسِ مَنْ وَقَفَ عِنْدَ الشُّبْهَةِ- أَعْبَدُ النَّاسِ مَنْ أَقَامَ عَلَى الْفَرَائِضِ- أَزْهَدُ النَّاسِ مَنْ تَرَكَ الْحَرَامَ- أَشَدُّ النَّاسِ اجْتِهَاداً مَنْ تَرَكَ الذُّنُوبَ.
وَ قَالَ(ع)إِنَّكُمْ فِي آجَالٍ مَنْقُوصَةٍ وَ أَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ- وَ الْمَوْتُ يَأْتِي بَغْتَةً مَنْ يَزْرَعْ خَيْراً يَحْصُدْ غِبْطَةً- وَ مَنْ يَزْرَعْ شَرّاً يَحْصُدْ نَدَامَةً لِكُلِّ زَارِعٍ مَا زَرَعَ- لَا يُسْبَقُ بَطِيءٌ بِحَظِّهِ وَ لَا يُدْرِكُ حَرِيصٌ مَا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ- مَنْ أُعْطِيَ خَيْراً فَاللَّهُ أَعْطَاهُ وَ مَنْ وُقِيَ شَرّاً فَاللَّهُ وَقَاهُ.
____________
(1) أطرا فلانا: أحسن الثناء عليه و بالغ في مدحه.
(2) في بعض النسخ «خذله».
(3) أي بينكم و في جماعتكم.
(4) الحقود: الكثير الحقد.
374
وَ قَالَ(ع)الْمُؤْمِنُ بَرَكَةٌ عَلَى الْمُؤْمِنِ وَ حُجَّةٌ عَلَى الْكَافِرِ.
وَ قَالَ(ع)قَلْبُ الْأَحْمَقِ فِي فَمِهِ وَ فَمُ الْحَكِيمِ فِي قَلْبِهِ.
وَ قَالَ(ع)لَا يَشْغَلْكَ رِزْقٌ مَضْمُونٌ عَنْ عَمَلٍ مَفْرُوضٍ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ تَعَدَّى فِي طَهُورِهِ كَانَ كَنَاقِضِهِ.
وَ قَالَ(ع)مَا تَرَكَ الْحَقَّ عَزِيزٌ إِلَّا ذَلَّ وَ لَا أَخَذَ بِهِ ذَلِيلٌ إِلَّا عَزَّ.
وَ قَالَ(ع)صَدِيقُ الْجَاهِلِ تَعَبٌ.
وَ قَالَ(ع)خَصْلَتَانِ لَيْسَ فَوْقَهُمَا شَيْءٌ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَ نَفْعُ الْإِخْوَانِ.
وَ قَالَ(ع)جُرْأَةُ الْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ فِي صِغَرِهِ تَدْعُو إِلَى الْعُقُوقِ فِي كِبَرِهِ.
وَ قَالَ(ع)لَيْسَ مِنَ الْأَدَبِ إِظْهَارُ الْفَرَحِ عِنْدَ الْمَحْزُونِ.
وَ قَالَ(ع)خَيْرٌ مِنَ الْحَيَاةِ مَا إِذَا فَقَدْتَهُ بغضت [أَبْغَضْتَ الْحَيَاةَ- وَ شَرٌّ مِنَ الْمَوْتِ مَا إِذَا نَزَلَ بِكَ أَحْبَبْتَ الْمَوْتَ.
وَ قَالَ(ع)رِيَاضَةُ الْجَاهِلِ وَ رَدُّ الْمُعْتَادِ عَنْ عَادَتِهِ كَالْمُعْجِزِ.
وَ قَالَ(ع)التَّوَاضُعُ نِعْمَةٌ لَا يُحْسَدُ عَلَيْهَا.
وَ قَالَ(ع)لَا تُكْرِمِ الرَّجُلَ بِمَا يَشُقُّ عَلَيْهِ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ سِرّاً فَقَدْ زَانَهُ وَ مَنْ وَعَظَهُ عَلَانِيَةً فَقَدْ شَانَهُ.
وَ قَالَ(ع)مَا مِنْ بَلِيَّةٍ إِلَّا وَ لِلَّهِ فِيهَا نِعْمَةٌ تُحِيطُ بِهَا.
وَ قَالَ(ع)مَا أَقْبَحَ بِالْمُؤْمِنِ أَنْ تَكُونَ لَهُ رَغْبَةٌ تُذِلُّهُ.
2- ف (1)، تحف العقول كِتَابُهُ(ع)إِلَى إِسْحَاقَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ النَّيْسَابُورِيِّ سَتَرَنَا اللَّهُ (2)- وَ إِيَّاكَ بِسِتْرِهِ وَ تَوَلَّاكَ فِي جَمِيعِ أُمُورِكَ بِصُنْعِهِ- فَهِمْتُ كِتَابَكَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ وَ نَحْنُ بِحَمْدِ اللَّهِ- وَ نِعْمَتِهِ أَهْلُ بَيْتٍ نَرِقُّ عَلَى أَوْلِيَائِنَا- وَ نُسَرُّ بِتَتَابُعِ إِحْسَانِ اللَّهِ إِلَيْهِمْ وَ فَضْلِهِ لَدَيْهِمْ- وَ نَعْتَدُّ بِكُلِّ نِعْمَةٍ يُنْعِمُهَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَلَيْهِمْ- فَأَتَمَّ اللَّهُ عَلَيْكَ يَا إِسْحَاقُ- وَ عَلَى
____________
(1) التحف ص 484.
(2) هو ثقة من أصحاب أبى محمّد العسكريّ (عليه السلام) و ممن كانت ترد عليهم التوقيعات أيضا.
375
مَنْ كَانَ مِثْلَكَ مِمَّنْ قَدْ (رحمه الله) وَ بَصَّرَهُ بَصِيرَتَكَ نِعْمَتَهُ- وَ قَدَّرَ تَمَامَ نِعْمَتِهِ دُخُولَ الْجَنَّةِ- وَ لَيْسَ مِنْ نِعْمَةٍ وَ إِنْ جَلَّ أَمْرُهَا وَ عَظُمَ خَطَرُهَا إِلَّا- وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ عَلَيْهَا مُؤَدٍّ شُكْرَهَا- وَ أَنَا أَقُولُ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ أَفْضَلَ مَا حَمِدَهُ حَامِدُهُ إِلَى أَبَدِ الْأَبَدِ- بِمَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ نَجَّاكَ مِنَ الْهَلَكَةِ- وَ سَهَّلَ سَبِيلَكَ عَلَى الْعَقَبَةِ- وَ ايْمُ اللَّهِ إِنَّهَا (2) لَعَقَبَةٌ كَئُودٌ شَدِيدٌ أَمْرُهَا- صَعْبٌ مَسْلَكُهَا عَظِيمٌ بَلَاؤُهَا قَدِيمٌ فِي الزُّبُرِ الْأُولَى ذِكْرُهَا- وَ لَقَدْ كَانَتْ مِنْكُمْ فِي أَيَّامِ الْمَاضِي(ع)إِلَى أَنْ مَضَى لِسَبِيلِهِ- وَ فِي أَيَّامِي هَذِهِ أُمُورٌ كُنْتُمْ فِيهَا عِنْدِي غَيْرَ مَحْمُودِي الرَّأْيِ- وَ لَا مُسَدَّدِي التَّوْفِيقِ- فَاعْلَمْ يَقِيناً يَا إِسْحَاقُ أَنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا أَعْمَى- فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَ أَضَلُّ سَبِيلًا- يَا إِسْحَاقُ (3) لَيْسَ تَعْمَى الْأَبْصَارُ- وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ- وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حِكَايَةً عَنِ الظَّالِمِ- إِذْ يَقُولُ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً- قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَ كَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (4)- وَ أَيُّ آيَةٍ أَعْظَمُ مِنْ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَ أَمِينِهِ فِي بِلَادِهِ- وَ شَهِيدِهِ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ بَعْدِ مَنْ سَلَفَ- مِنْ آبَائِهِ الْأَوَّلِينَ النَّبِيِّينَ وَ آبَائِهِ الْآخِرِينَ الْوَصِيِّينَ- عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ السَّلَامُ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ- فَأَيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ (5)- وَ أَيْنَ تَذْهَبُونَ كَالْأَنْعَامِ عَلَى وُجُوهِكُمْ- عَنِ الْحَقِّ تَصْدِفُونَ وَ بِالْبَاطِلِ تُؤْمِنُونَ وَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَكْفُرُونَ- أَوْ تَكُونُونَ مِمَّنْ يُؤْمِنُ بِبَعْضِ الْكِتَابِ- وَ يَكْفُرُ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ- وَ مِنْ غَيْرِكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا- وَ طُولُ عَذَابٍ فِي الْآخِرَةِ الْبَاقِيَةِ- وَ ذلِكَ وَ اللَّهِ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ- إِنَّ اللَّهَ بِمَنِّهِ وَ رَحْمَتِهِ لَمَّا فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْفَرَائِضَ- لَمْ يَفْرِضْ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ لِحَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْكُمْ
____________
(1) في بعض النسخ «فأنا أقول».
(2) في بعض النسخ «و انها أيم اللّه».
(3) في بعض النسخ «يا ابن إسماعيل».
(4) طه: 126.
(5) تاه يتيه: ضل و ذهب متحيرا.
376
بَلْ رَحْمَةً مِنْهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ- عَلَيْكُمْ لِيَمِيزَ ... الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ لِيَبْتَلِيَ ... ما فِي صُدُورِكُمْ- وَ لِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ- لِتُسَابِقُوا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَ لِتَتَفَاضَلَ مَنَازِلُكُمْ فِي جَنَّتِهِ- فَفَرَضَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ وَ إِقَامَ الصَّلَاةِ- وَ إِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَ الصَّوْمَ وَ الْوَلَايَةَ وَ جَعَلَ لَكُمْ بَاباً- تَسْتَفْتِحُونَ بِهِ أَبْوَابَ الْفَرَائِضِ وَ مِفْتَاحاً إِلَى سَبِيلِهِ- لَوْ لَا مُحَمَّدٌ ص وَ الْأَوْصِيَاءُ مِنْ وُلْدِهِ لَكُنْتُمْ حَيَارَى (1)- كَالْبَهَائِمِ لَا تَعْرِفُونَ فَرْضاً مِنَ الْفَرَائِضِ- وَ هَلْ تُدْخَلُ مَدِينَةٌ (2) إِلَّا مِنْ بَابِهَا- فَلَمَّا مَنَّ عَلَيْكُمْ بِإِقَامَةِ الْأَوْلِيَاءِ بَعْدَ نَبِيِّكُمْ- قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ- وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (3)- فَفَرَضَ عَلَيْكُمْ لِأَوْلِيَائِهِ حُقُوقاً أَمَرَكُمْ بِأَدَائِهَا- لِيَحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءِ ظُهُورِكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ- وَ أَمْوَالِكُمْ وَ مَآكِلِكُمْ وَ مَشَارِبِكُمْ- قَالَ اللَّهُ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى (4)- وَ اعْلَمُوا أَنَّ مَنْ بَخِلَ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَ اللَّهُ الْغَنِيُّ وَ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ- لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ- وَ لَقَدْ طَالَتِ الْمُخَاطَبَةُ فِيمَا هُوَ لَكُمْ وَ عَلَيْكُمْ- وَ لَوْ لَا مَا يُحِبُّ اللَّهُ مِنْ تَمَامِ النِّعْمَةِ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ- لَمَا رَأَيْتُمْ لِي خَطّاً وَ لَا سَمِعْتُمْ مِنِّي حَرْفاً مِنْ بَعْدِ مُضِيِّ الْمَاضِي(ع) وَ أَنْتُمْ فِي غَفْلَةٍ مِمَّا إِلَيْهِ مَعَادُكُمْ (5)- وَ مِنْ بَعْدِ إِقَامَتِي لَكُمْ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عَبْدَةَ (6)- وَ كِتَابِيَ الَّذِي حَمَلَهُ إِلَيْكُمْ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى النَّيْسَابُورِيُّ- وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلَى كُلِّ حَالٍ- وَ إِيَّاكُمْ أَنْ تُفَرِّطُوا فِي جَنْبِ اللَّهِ فَتَكُونُوا مِنَ الْخَاسِرِينَ- فَبُعْداً وَ سُحْقاً لِمَنْ رَغِبَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ- وَ لَمْ يَقْبَلْ مَوَاعِظَ أَوْلِيَائِهِ- فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِطَاعَتِهِ وَ طَاعَةِ رَسُولِهِ وَ طَاعَةِ أُولِي الْأَمْرِ- رَحِمَ اللَّهُ ضَعْفَكُمْ وَ غَفْلَتَكُمْ وَ
____________
(1) الحيارى- بالفتح و الضم-: جمع حيران.
(2) في بعض النسخ «قرية».
(3) المائدة: 5.
(4) الشورى: 23.
(5) في بعض النسخ «معاذكم».
(6) إبراهيم بن عبده و محمّد بن موسى النيسابوريّ كانا من أصحاب الهادى و العسكريّ (عليهما السلام) و روى الكشّيّ- ره- بعض توقيعات في حقهما.
377
صَبَّرَكُمْ عَلَى أَمْرِكُمْ- فَمَا أَغَرَّ الْإِنْسَانَ بِرَبِّهِ الْكَرِيمِ- وَ لَوْ فَهِمَتِ الصُّمُّ الصِّلَابُ بَعْضَ مَا هُوَ فِي هَذَا الْكِتَابِ- لَتَصَدَّعَتْ (1) قَلَقاً وَ خَوْفاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ- وَ رُجُوعاً إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ- فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ- ثُمَ سَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ- وَ الشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (2)- وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ أَجْمَعِينَ.
كش (3)، رجال الكشي حَكَى بَعْضُ الثِّقَاتِ بِنَيْسَابُورَ- أَنَّهُ خَرَجَ لِإِسْحَاقَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ مِنْ أَبِي مُحَمَّدٍ(ع)تَوْقِيعٌ- فَوَقَّعَ(ع)يَا إِسْحَاقَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ سَتَرَنَا اللَّهُ- وَ إِيَّاكَ بِسِتْرِهِ إِلَى آخِرِ الْخَبَرِ مَعَ تَغْيِيرٍ- وَ زِيَادَاتٍ أَوْرَدْتُهَا فِي أَبْوَابِ تَارِيخِهِ(ع)
3- الدُّرَّةُ الْبَاهِرَةُ (4)، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيُّ(ع)إِنَّ لِلسَّخَاءِ مِقْدَاراً فَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ فَهُوَ سَرَفٌ- وَ لِلْحَزْمِ مِقْدَاراً فَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ فَهُوَ جُبْنٌ- وَ لِلِاقْتِصَادِ مِقْدَاراً فَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ فَهُوَ بُخْلٌ- وَ لِلشَّجَاعَةِ مِقْدَاراً فَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ فَهُوَ تَهَوُّرٌ- كَفَاكَ أَدَباً تَجَنُّبُكَ مَا تَكْرَهُ مِنْ غَيْرِكَ- احْذَرْ كُلَّ ذَكِيٍّ سَاكِنِ الطَّرْفِ- وَ لَوْ عَقَلَ أَهْلُ الدُّنْيَا [حزبت خَرَبَتْ خَيْرُ إِخْوَانِكَ مَنْ نَسِيَ ذَنْبَكَ إِلَيْهِ- أَضْعَفُ الْأَعْدَاءِ كَيْداً مَنْ أَظْهَرَ عَدَاوَتَهُ- حُسْنُ الصُّورَةِ جَمَالٌ ظَاهِرٌ- وَ حُسْنُ الْعَقْلِ جَمَالٌ بَاطِنٌ مِنْ أَنِسَ بِاللَّهِ اسْتَوْحَشَ مِنَ النَّاسِ- مَنْ لَمْ يَتَّقِ وُجُوهَ النَّاسِ لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ- جُعِلَتِ الْخَبَائِثُ فِي بَيْتٍ وَ جُعِلَ مِفْتَاحُهُ الْكَذِبَ- إِذَا نَشِطَتِ الْقُلُوبُ فَأَوْدِعُوهَا وَ إِذَا نَفَرَتْ فَوَدِّعُوهَا- اللَّحَاقُ بِمَنْ تَرْجُو خَيْرٌ مِنَ الْمُقَامِ مَعَ مَنْ لَا تَأْمَنُ شَرَّهُ- مَنْ أَكْثَرَ الْمَنَامَ رَأَى الْأَحْلَامَ.
الظاهر أنه(ع)يعني أن طلب الدنيا كالنوم- و ما يصير منها كالحلم.
وَ قَالَ(ع)الْجَهْلُ خَصْمٌ وَ الْحِلْمُ حُكْمٌ- وَ لَمْ يَعْرِفْ رَاحَةَ الْقَلْبِ مَنْ لَمْ يُجَرِّعْهُ
____________
(1) في بعض النسخ «لصدعت».
(2) اقتباس من الآية الواردة في سورة التوبة: 106.
(3) مختار رجال الكشّيّ ص 481.
(4) مخطوط.
378
الْحِلْمُ غُصَصَ الْغَيْظِ- إِذَا كَانَ الْمَقْضِيُّ كَائِناً فَالضَّرَاعَةُ لِمَا ذَا- نَائِلُ الْكَرِيمِ يُحَبِّبُكَ إِلَيْهِ وَ نَائِلُ اللَّئِيمِ يَضَعُكَ لَدَيْهِ- مَنْ كَانَ الْوَرَعُ سَجِيَّتَهُ- وَ الْإِفْضَالُ حِلْيَتَهُ انْتَصَرَ مِنْ أَعْدَائِهِ بِحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ- وَ تُحَصَّنُ بِالذِّكْرِ الْجَمِيلِ مِنْ وُصُولِ نَقْصٍ إِلَيْهِ-.
وَ قَالَ بَعْضُ الثِّقَاتِ- وَجَدْتُ بِخَطِّهِ(ع)مَكْتُوباً عَلَى ظَهْرِ كِتَابٍ- قَدْ صَعِدْنَا ذُرَى الْحَقَائِقِ بِأَقْدَامِ النُّبُوَّةِ وَ الْوَلَايَةِ- وَ نَوَّرْنَا السَّبْعَ الطَّرَائِقَ بِأَعْلَامِ الْفُتُوَّةِ- فَنَحْنُ لُيُوثُ الْوَغَى وَ غُيُوثُ النَّدَى- وَ فِينَا السَّيْفُ وَ الْقَلَمُ فِي الْعَاجِلِ- وَ لِوَاءُ الْحَمْدِ وَ الْعَلَمُ فِي الْآجِلِ- وَ أَسْبَاطُنَا خُلَفَاءُ الدِّينِ وَ حُلَفَاءُ الْيَقِينِ- وَ مَصَابِيحُ الْأُمَمِ وَ مَفَاتِيحُ الْكَرَمِ- فَالْكَلِيمُ أُلْبِسَ حُلَّةَ الِاصْطِفَاءِ لَمَّا عَهِدْنَا مِنْهُ الْوَفَاءَ- وَ رُوحُ الْقُدُسِ فِي جِنَانِ الصَّاقُورَةِ ذَاقَ مِنْ حَدَائِقِنَا الْبَاكُورَةِ (1)- وَ شِيعَتُنَا الْفِئَةُ النَّاجِيَةُ وَ الْفِرْقَةُ الزَّاكِيَةُ- صَارُوا لَنَا رِدْءاً وَ صَوْناً وَ عَلَى الظَّلَمَةِ أَلْباً وَ عَوْناً- وَ سَيَنْفَجِرُ لَهُمْ يَنَابِيعُ الْحَيَوَانِ بَعْدَ لَظَى النِّيرَانِ- لِتَمَامِ الطَّوَاوِيَةِ وَ الطَّوَاسِينِ مِنَ السِّنِينَ.
أقول: هذه حكمة بالغة و نعمة سابغة تسمعها الآذان الصم و تقصر عليها الجبال الشم صلوات الله عليهم و سلامه.
4- أَعْلَامُ الدِّينِ (2)، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ الْعَسْكَرِيُّ(ع)مَنْ مَدَحَ غَيْرَ الْمُسْتَحِقِّ فَقَدْ قَامَ مَقَامَ الْمُتَّهَمِ.
وَ قَالَ(ع)لَا يَعْرِفُ النِّعْمَةَ إِلَّا الشَّاكِرُ- وَ لَا يَشْكُرُ النِّعْمَةَ إِلَّا الْعَارِفُ.
وَ قَالَ(ع)ادْفَعِ الْمَسْأَلَةَ مَا وَجَدْتَ التَّحَمُّلَ يُمْكِنُكَ- فَإِنَّ لِكُلِّ يَوْمٍ رِزْقاً جَدِيداً- وَ اعْلَمْ أَنَّ الْإِلْحَاحَ فِي الْمَطَالِبِ يَسْلُبُ الْبَهَاءَ- وَ يُورِثُ التَّعَبَ وَ الْعَنَاءَ- فَاصْبِرْ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ لَكَ بَاباً يَسْهُلُ الدُّخُولُ فِيهِ- فَمَا أَقْرَبَ الصَّنِيعَ مِنَ الْمَلْهُوفِ- وَ الْأَمْنَ مِنَ الْهَارِبِ الْمَخُوفِ- فَرُبَّمَا كَانَتِ الْغِيَرُ نوع [نَوْعاً مِنْ أَدَبِ اللَّهِ- وَ الْحُظُوظُ مَرَاتِبُ
____________
(1) كذا. و الصاقورة: السماء الثالثة. و باطن القحف المشرف على الدماغ و المراد الأول. و الباكورة: أول ما يدرك من الفاكهة، و أول كل شيء.
(2) مخطوط.
379
فَلَا تَعْجَلْ عَلَى ثَمَرَةٍ لَمْ تُدْرِكْ وَ إِنَّمَا تَنَالُهَا فِي أَوَانِهَا- وَ اعْلَمْ أَنَّ الْمُدَبِّرَ لَكَ أَعْلَمُ بِالْوَقْتِ الَّذِي يَصْلُحُ حَالُكَ فِيهِ- فَثِقْ بِخِيَرَتِهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِكَ يَصْلُحْ حَالُكَ- وَ لَا تَعْجَلْ بِحَوَائِجِكَ قَبْلَ وَقْتِهَا- فَيَضِيقَ قَلْبُكَ وَ صَدْرُكَ وَ يَخْشَاكَ الْقُنُوطُ- وَ اعْلَمْ أَنَّ لِلسَّخَاءِ مِقْدَاراً فَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ فَهُوَ سَرَفٌ- وَ إِنَّ لِلْحَزْمِ مِقْدَاراً فَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ فَهُوَ تَهَوُّرٌ- وَ احْذَرْ كُلَّ ذَكِيٍّ سَاكِنِ الطَّرْفِ- وَ لَوْ عَقَلَ أَهْلُ الدُّنْيَا خَرِبَتْ.
وَ قَالَ(ع)خَيْرُ إِخْوَانِكَ مَنْ نَسِيَ ذَنْبَكَ وَ ذَكَرَ إِحْسَانَكَ إِلَيْهِ.
وَ قَالَ(ع)أَضْعَفُ الْأَعْدَاءِ كَيْداً مَنْ أَظْهَرَ عَدَاوَتَهُ.
وَ قَالَ(ع)حُسْنُ الصُّورَةِ جَمَالٌ ظَاهِرٌ وَ حُسْنُ الْعَقْلِ جَمَالٌ بَاطِنٌ.
وَ قَالَ(ع)أَوْلَى النَّاسِ بِالْمَحَبَّةِ مِنْهُمْ مَنْ أَمَّلُوهُ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ آنَسَ بِاللَّهِ اسْتَوْحَشَ النَّاسَ- وَ عَلَامَةُ الْأُنْسِ بِاللَّهِ الْوَحْشَةُ مِنَ النَّاسِ.
وَ قَالَ(ع)جُعِلَتِ الْخَبَائِثُ فِي بَيْتٍ وَ الْكَذِبُ مَفَاتِيحُهَا.
وَ قَالَ(ع)إِذَا نَشِطَتِ الْقُلُوبُ فَأَوْدِعُوهَا وَ إِذَا نَفَرَتْ فَوَدِّعُوهَا.
وَ قَالَ(ع)اللَّحَاقُ بِمَنْ تَرْجُو خَيْرٌ مِنَ الْمُقَامِ مَعَ مَنْ لَا تَأْمَنُ شَرَّهُ.
وَ قَالَ(ع)الْجَهْلُ خَصْمٌ وَ الْحِلْمُ حُكْمٌ وَ لَمْ يَعْرِفْ رَاحَةَ الْقُلُوبِ- مَنْ لَمْ يُجَرِّعْهُ الْحِلْمُ غُصَصَ الصَّبْرِ وَ الْغَيْظِ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ رَكِبَ ظَهْرَ الْبَاطِلِ نَزَلَ بِهِ دَارَ النَّدَامَةِ.
وَ قَالَ(ع)الْمَقَادِيرُ الْغَالِبَةُ لَا تُدْفَعُ بِالْمُغَالَبَةِ- وَ الْأَرْزَاقُ الْمَكْتُوبَةُ لَا تُنَالُ بِالشَّرَهِ وَ لَا تُدْفَعُ بِالْإِمْسَاكِ عَنْهَا.
وَ قَالَ(ع)نَائِلُ الْكَرِيمِ يُحَبِّبُكَ إِلَيْهِ وَ يُقَرِّبُكَ مِنْهُ- وَ نَائِلُ اللَّئِيمِ يُبَاعِدُكَ مِنْهُ وَ يُبْغِضُكَ إِلَيْهِ.
وَ قَالَ(ع)مَنْ كَانَ الْوَرَعُ سَجِيَّتَهُ وَ الْكَرَمُ طَبِيعَتَهُ- وَ الْحِلْمُ خَلَّتَهُ كَثُرَ صَدِيقُهُ وَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ- وَ انْتَصَرَ مِنْ أَعْدَائِهِ بِحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ.
وَ قَالَ(ع)السَّهَرُ أَلَذُّ لِلْمَنَامِ وَ الْجُوعُ أَزْيَدُ فِي طِيبِ الطَّعَامِ.
رغب به(ع)على صوم النهار و قيام الليل.
380
وَ قَالَ(ع)إِنَّ الْوُصُولَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ سَفَرٌ- لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِامْتِطَاء اللَّيْلِ- مَنْ لَمْ يُحْسِنْ أَنْ يَمْنَعَ لَمْ يُحْسِنْ أَنْ يُعْطِيَ-.
وَ قَالَ(ع)لِلْمُتَوَكِّلِ- لَا تَطْلُبِ الصَّفَا مِمَّنْ كَدَرْتَ عَلَيْهِ- وَ لَا النُّصْحَ مِمَّنْ صَرَفْتَ سُوءَ ظَنِّكَ إِلَيْهِ- فَإِنَّمَا قَلْبُ غَيْرِكَ لَكَ كَقَلْبِكَ لَهُ.
باب 30 مواعظ القائم(ع)و حكمه
1- الدُّرَّةُ الْبَاهِرَةُ مِنَ الْأَصْدَافِ الطَّاهِرَةِ، مِمَّا كَتَبَهُ(ع)جَوَاباً لِإِسْحَاقَ بْنِ يَعْقُوبَ إِلَى الْعَمْرِيِّ (رحمه الله)- أَمَّا ظُهُورُ الْفَرَجِ فَإِنَّهُ إِلَى اللَّهِ وَ كَذَبَ الْوَقَّاتُونَ- وَ أَمَّا الْحَوَادِثُ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا- فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ وَ أَنَا حُجَّةُ اللَّهِ- وَ أَمَّا الْمُتَلَبِّسُونَ بِأَمْوَالِنَا فَمَنِ اسْتَحَلَّ مِنْهَا شَيْئاً فَأَكَلَ- فَإِنَّمَا يَأْكُلُ النِّيرَانَ- وَ أَمَّا الْخُمُسُ فَقَدْ أُبِيحَ لِشِيعَتِنَا- وَ جُعِلُوا مِنْهُ فِي حِلٍّ إِلَى وَقْتِ ظُهُورِ أَمْرِنَا- لِتَطِيبَ وِلَادَتُهُمْ وَ لَا تَخْبُثَ- وَ أَمَّا عِلَّةُ مَا وَقَعَ مِنَ الْغَيْبَةِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ (1) إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ آبَائِي إِلَّا- وَ قَدْ وَقَعَتْ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ لِطَاغِيَةِ زَمَانِهِ- وَ إِنِّي أَخْرُجُ حِينَ أَخْرُجُ وَ لَا بَيْعَةَ لِأَحَدٍ مِنَ الطَّوَاغِيتِ فِي عُنُقِي- وَ أَمَّا وَجْهُ الِانْتِفَاعِ بِي فِي غَيْبَتِي- فَكَالانْتِفَاعِ بِالشَّمْسِ إِذَا غَيَّبَهَا عَنِ الْأَبْصَارِ السَّحَابُ- وَ إِنِّي أَمَانٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ كَمَا أَنَّ النُّجُومَ أَمَانٌ لِأَهْلِ السَّمَاءِ.
باب 31 وصية المفضل بن عمر لجماعة الشيعة
1- ف (2)، تحف العقول أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ- وَ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
____________
(1) مائدة: 101.
(2) التحف ص 513.
381
وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- اتَّقُوا اللَّهَ وَ قُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً وَ ابْتَغُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَ اخْشَوْا سَخَطَهُ- وَ حَافِظُوا عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَ لَا تَتَعَدَّوْا حُدُودَ اللَّهِ- وَ رَاقِبُوا اللَّهَ فِي جَمِيعِ أُمُورِكُمْ- وَ ارْضَوْا بِقَضَائِهِ فِيمَا لَكُمْ وَ عَلَيْكُمْ- أَلَا وَ عَلَيْكُمْ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ- أَلَا وَ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْكُمْ فَزِيدُوهُ إِحْسَاناً- وَ اعْفُوا عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْكُمْ- وَ افْعَلُوا بِالنَّاسِ مَا تُحِبُّونَ أَنْ يَفْعَلُوهُ بِكُمْ- أَلَا وَ خَالِطُوهُمْ بِأَحْسَنِ مَا تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ- وَ إِنَّكُمْ أَحْرَى أَنْ لَا تَجْعَلُوا عَلَيْكُمْ سَبِيلًا- عَلَيْكُمْ بِالْفِقْهِ فِي دِينِ اللَّهِ وَ الْوَرَعِ عَنْ مَحَارِمِهِ- وَ حُسْنِ الصِّحَابَةِ لِمَنْ صَحِبَكُمْ بَرّاً كَانَ أَوْ فَاجِراً- أَلَا وَ عَلَيْكُمْ بِالْوَرَعِ الشَّدِيدِ فَإِنَّ مِلَاكَ الدِّينِ الْوَرَعُ- صَلُّوا الصَّلَوَاتِ لِمَوَاقِيتِهَا- وَ أَدَّوُا الْفَرَائِضَ عَلَى حُدُودِهَا- أَلَا وَ لَا تُقَصِّرُوا فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَ بِمَا يَرْضَى عَنْكُمْ- فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ- تَفَقَّهُوا فِي دِينِ اللَّهِ وَ لَا تَكُونُوا أَعْرَاباً- فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي دِينِ اللَّهِ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ فِي الْغِنَى وَ الْفَقْرِ- وَ اسْتَعِينُوا بِبَعْضِ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ- فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ- اسْتَعِينُوا بِبَعْضِ هَذِهِ عَلَى هَذِهِ وَ لَا تَكُونُوا كَلًّا عَلَى النَّاسِ- عَلَيْكُمْ بِالْبِرِّ بِجَمِيعِ مَنْ خَالَطْتُمُوهُ وَ حُسْنِ الصَّنِيعِ إِلَيْهِ- أَلَا وَ إِيَّاكُمْ وَ الْبَغْيَ فَإِنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)كَانَ يَقُولُ- إِنَّ أَسْرَعَ الشَّرِّ عُقُوبَةً الْبَغْيُ- أَدُّوا مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الصَّلَاةِ وَ الصَّوْمِ- وَ سَائِرِ فَرَائِضِ اللَّهِ وَ أَدُّوا الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ إِلَى أَهْلِهَا- فَإِنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ يَا مُفَضَّلُ قُلْ لِأَصْحَابِكَ- يَضَعُونَ الزَّكَاةَ فِي أَهْلِهَا وَ إِنِّي ضَامِنٌ لِمَا ذَهَبَ لَهُمْ- عَلَيْكُمْ بِوَلَايَةِ آلِ مُحَمَّدٍ ص أَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً- تَزَاوَرُوا وَ تَحَابُّوا وَ لْيُحْسِنْ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ- وَ تَلَاقَوْا وَ تَحَدَّثُوا وَ لَا يُبْطِنَنَّ بَعْضُكُمْ عَنْ بَعْضٍ (1)- وَ إِيَّاكُمْ وَ التَّصَارُمَ
____________
(1) في بعض النسخ «و لا يبطئن» و لعلّ المراد و لا ينسأ بعضكم بعضا، يقال: بطا عليه و أبطا أي أخره. و التصارم التقاطع.
382
وَ إِيَّاكُمْ وَ الْهِجْرَانَ فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ- وَ اللَّهِ لَا يَفْتَرِقُ رَجُلَانِ مِنْ شِيعَتِنَا عَلَى الْهِجْرَانِ- إِلَّا بَرِئْتُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَ لَعَنْتُهُ- وَ أَكْثَرُ مَا أَفْعَلُ ذَلِكَ بِكِلَيْهِمَا- فَقَالَ لَهُ مُعَتِّبٌ (1)- جُعِلْتُ فِدَاكَ هَذَا الظَّالِمُ فَمَا بَالُ الْمَظْلُومِ- قَالَ لِأَنَّهُ لَا يَدْعُو أَخَاهُ إِلَى صِلَتِهِ سَمِعْتُ أَبِي وَ هُوَ يَقُولُ- إِذَا تَنَازَعَ اثْنَانِ مِنْ شِيعَتِنَا فَفَارَقَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ- فَلْيَرْجِعِ الْمَظْلُومُ إِلَى صَاحِبِهِ حَتَّى يَقُولَ لَهُ- يَا أَخِي أَنَا الظَّالِمُ حَتَّى يَنْقَطِعَ الْهِجْرَانُ فِيمَا بَيْنَهُمَا- إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى حَكَمٌ عَدْلٌ يَأْخُذُ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ- لَا تُحَقِّرُوا وَ لَا تَجْفُوا فُقَرَاءَ شِيعَةِ آلِ مُحَمَّدٍ(ع) وَ أَلْطِفُوهُمْ وَ أَعْطُوهُمْ مِنَ الْحَقِّ- الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُمْ فِي أَمْوَالِكُمْ وَ أَحْسِنُوا إِلَيْهِمْ- لَا تَأْكُلُوا النَّاسَ بِآلِ مُحَمَّدٍ- فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ- افْتَرَقَ النَّاسُ فِينَا عَلَى ثَلَاثِ فِرَقٍ- فِرْقَةٍ أَحَبُّونَا انْتِظَارَ قَائِمِنَا لِيُصِيبُوا مِنْ دُنْيَانَا- فَقَالُوا وَ حَفِظُوا كَلَامَنَا وَ قَصَّرُوا عَنْ فِعْلِنَا- فَسَيَحْشُرُهُمُ اللَّهُ إِلَى النَّارِ- وَ فِرْقَةٍ أَحَبُّونَا وَ سَمِعُوا كَلَامَنَا وَ لَمْ يُقَصِّرُوا عَنْ فِعْلِنَا- لِيَسْتَأْكِلُوا النَّاسَ بِنَا فَيَمْلَأُ اللَّهُ بُطُونَهُمْ نَاراً- يُسَلِّطُ عَلَيْهِمُ الْجُوعَ وَ الْعَطَشَ- وَ فِرْقَةٍ أَحَبُّونَا وَ حَفِظُوا قَوْلَنَا وَ أَطَاعُوا أَمْرَنَا- وَ لَمْ يُخَالِفُوا فِعْلَنَا فَأُولَئِكَ مِنَّا وَ نَحْنُ مِنْهُمْ- وَ لَا تَدَعُوا صِلَةَ آلِ مُحَمَّدٍ(ع)مِنْ أَمْوَالِكُمْ- مَنْ كَانَ غَنِيّاً فَبِقَدْرِ غِنَاهُ- وَ مَنْ كَانَ فَقِيراً فَبِقَدْرِ فَقْرِهِ- فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ اللَّهُ لَهُ أَهَمَّ الْحَوَائِجِ إِلَيْهِ- فَلْيَصِلْ آلَ مُحَمَّدٍ وَ شِيعَتَهُمْ- بِأَحْوَجِ مَا يَكُونُ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ- لَا تَغْضَبُوا مِنَ الْحَقِّ إِذَا قِيلَ لَكُمْ- وَ لَا تُبْغِضُوا أَهْلَ الْحَقِّ إِذَا صَدَعُوكُمْ بِهِ- فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَغْضَبُ مِنَ الْحَقِّ إِذَا صُدِعَ بِهِ- وَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)مَرَّةً وَ أَنَا مَعَهُ- يَا مُفَضَّلُ كَمْ أَصْحَابُكَ فَقُلْتُ وَ قَلِيلٌ- فَلَمَّا انْصَرَفْتُ إِلَى الْكُوفَةِ أَقْبَلَتْ عَلَيَّ الشِّيعَةُ- فَمَزَّقُونِي كُلَّ مُمَزَّقٍ- يَأْكُلُونَ لَحْمِي وَ يَشَمُّونَ عِرْضِي- حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ اسْتَقْبَلَنِي فَوَثَبَ فِي وَجْهِي- وَ بَعْضُهُمْ قَعَدَ لِي فِي
____________
(1) معتب- بضم الميم و فتح العين و تشديد التاء المكسورة- هو مولى أبي عبد اللّه (عليه السلام) بل من خواص أصحابه و أيضا من أصحاب الامام السابع (عليه السلام)، ثقة و قد روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انه قال: موالى عشرة خيرهم معتب.
383
سِكَكِ الْكُوفَةِ يُرِيدُ ضَرْبِي- وَ رَمَوْنِي بِكُلِّ بُهْتَانٍ حَتَّى بَلَغَ ذَلِكَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع) فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَيْهِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ- كَانَ أَوَّلَ مَا اسْتَقْبَلَنِي بِهِ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ عَلَيَّ أَنْ قَالَ- يَا مُفَضَّلُ مَا هَذَا الَّذِي بَلَغَنِي أَنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ لَكَ وَ فِيكَ- قُلْتُ وَ مَا عَلَيَّ مِنْ قَوْلِهِمْ قَالَ أَجَلْ بَلْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ- أَ يَغْضَبُونَ بُؤْسٌ لَهُمْ إِنَّكَ قُلْتَ إِنَّ أَصْحَابَكَ قَلِيلٌ- لَا وَ اللَّهِ مَا هُمْ لَنَا شِيعَةً- وَ لَوْ كَانُوا شِيعَةً مَا غَضِبُوا مِنْ قَوْلِكَ وَ مَا اشْمَأَزُّوا مِنْهُ- لَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ شِيعَتَنَا بِغَيْرِ مَا هُمْ عَلَيْهِ- وَ مَا شِيعَةُ جَعْفَرٍ إِلَّا مَنْ كَفَّ لِسَانَهُ وَ عَمِلَ لِخَالِقِهِ- وَ رَجَا سَيِّدَهُ وَ خَافَ اللَّهَ حَقَّ خِيفَتِهِ- وَيْحَهُمْ أَ فِيهِمْ مَنْ قَدْ صَارَ كَالْحَنَايَا مِنْ كَثْرَةِ الصَّلَاةِ- أَوْ قَدْ صَارَ كَالتَّائِهِ مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ- أَوْ كَالضَّرِيرِ مِنَ الْخُشُوعِ أَوْ كَالضَّنِيِّ مِنَ الصِّيَامِ- أَوْ كَالْأَخْرَسِ مِنْ طُولِ الصَّمْتِ وَ السُّكُوتِ- أَوْ هَلْ فِيهِمْ مَنْ قَدْ أَدْأَبَ لَيْلَهُ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ- وَ أَدْأَبَ نَهَارَهُ مِنَ الصِّيَامِ- أَوْ مَنَعَ نَفْسَهُ لَذَّاتِ الدُّنْيَا وَ نَعِيمَهَا خَوْفاً مِنَ اللَّهِ- وَ شَوْقاً إِلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ أَنَّى يَكُونُونَ لَنَا شِيعَةً- وَ إِنَّهُمْ لَيُخَاصِمُونَ عَدُوَّنَا فِينَا حَتَّى يَزِيدُوهُمْ عَدَاوَةً- وَ إِنَّهُمْ لَيَهِرُّونَ هَرِيرَ الْكَلْبِ وَ يَطْمَعُونَ طَمَعَ الْغُرَابِ- أَمَا إِنِّي لَوْ لَا أَنَّنِي أَتَخَوَّفُ عَلَيْهِمْ أَنْ أُغْرِيَهُمْ بِكَ- لَأَمَرْتُكَ أَنْ تَدْخُلَ بَيْتَكَ وَ تُغْلِقَ بَابَكَ- ثُمَّ لَا تَنْظُرَ إِلَيْهِمْ مَا بَقِيتَ وَ لَكِنْ إِنْ جَاءُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ- فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَهُمْ حُجَّةً عَلَى أَنْفُسِهِمْ- وَ احْتَجَّ بِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ- لَا تَغُرَّنَّكُمُ الدُّنْيَا- وَ مَا تَرَوْنَ فِيهَا مِنْ نَعِيمِهَا وَ زَهْرَتِهَا وَ بَهْجَتِهَا وَ مُلْكِهَا- فَإِنَّهَا لَا تَصْلُحُ لَكُمْ فَوَ اللَّهِ مَا صَلَحَتْ لِأَهْلِهَا.
باب 32 قصة بلوهر و يوذاسف
1- ك (1)، إكمال الدين عَنْ أَبِي عَلِيٍّ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْقَطَّانِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَسْكَرِيِ (2) قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا- أَنَّ مَلِكاً مِنْ مُلُوكِ الْهِنْدِ كَانَ كَثِيرَ الْجُنْدِ وَاسِعَ الْمَمْلَكَةِ
____________
(1) كمال الدين ص 317 مع اختلاف فيه.
(2) هو أحد مشايخ أبى على القطان.
384
مَهِيباً فِي أَنْفُسِ النَّاسِ مُظَفَّراً عَلَى الْأَعْدَاءِ- وَ كَانَ مَعَ ذَلِكَ عَظِيمَ النَّهْمَةِ (1)- فِي شَهَوَاتِ الدُّنْيَا وَ لَذَّاتِهَا وَ مَلَاهِيهَا- مُؤْثِراً لِهَوَاهُ مُطِيعاً لَهُ وَ كَانَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْهِ- وَ أَنْصَحُهُمْ لَهُ فِي نَفْسِهِ مَنْ زَيَّنَ لَهُ حَالَهُ- وَ حَسَّنَ رَأْيَهُ- وَ أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيْهِ- وَ أَغَشُّهُمْ لَهُ فِي نَفْسِهِ مَنْ أَمَرَهُ بِغَيْرِهَا وَ تَرَكَ أَمْرَهُ فِيهَا- وَ كَانَ قَدْ أَصَابَ الْمُلْكَ فِيهَا فِي حَدَاثَةِ سِنِّهِ- وَ عُنْفُوَانِ شَبَابِهِ وَ كَانَ لَهُ رَأْيٌ أَصِيلٌ- وَ لِسَانٌ بَلِيغٌ وَ مَعْرِفَةٌ بِتَدْبِيرِ النَّاسِ وَ ضَبْطِهِمْ- فَعَرَفَ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْهُ فَانْقَادُوا لَهُ- وَ خَضَعَ لَهُ كُلُّ صَعْبٍ وَ ذَلُولٍ- وَ اجْتَمَعَ لَهُ سُكْرُ الشَّبَابِ وَ سُكْرُ السُّلْطَانِ وَ الشَّهْوَةُ وَ الْعُجْبُ- ثُمَّ قَوِيَ ذَلِكَ مَا أَصَابَ مِنَ الظَّفَرِ عَلَى مَنْ نَاصَبَهُ- وَ الْقَهْرِ لِأَهْلِ مَمْلَكَتِهِ وَ انْقِيَادِ النَّاسِ لَهُ- فَاسْتَطَالَ عَلَى النَّاسِ وَ احْتَقَرَهُمْ- ثُمَّ ازْدَادَ عُجْباً بِرَأْيِهِ- وَ نَفْسِهِ لَمَّا مَدَحَهُ النَّاسُ وَ زَيَّنُوا أَمْرَهُ عِنْدَهُ- فَكَانَ لَا هِمَّةَ لَهُ إِلَّا الدُّنْيَا- وَ كَانَتِ الدُّنْيَا لَهُ مُؤَاتِيَةً لَا يُرِيدُ مِنْهَا شَيْئاً إِلَّا نَالَهُ- غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ مِئْنَاثاً (2) لَا يُولَدُ لَهُ ذَكَرٌ- وَ قَدْ كَانَ الدِّينُ فَشَا فِي أَرْضِهِ قَبْلَ مُلْكِهِ وَ كَثُرَ أَهْلُهُ- فَزَيَّنَ لَهُ الشَّيْطَانُ عَدَاوَةَ الدِّينِ- وَ أَهْلِهِ وَ أَضَرَّ بِأَهْلِ الدِّينِ فَأَقْصَاهُمْ مَخَافَةً عَلَى مُلْكِهِ- وَ قَرَّبَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ- وَ صَنَعَ لَهُمْ أَصْنَاماً مِنْ ذَهَبٍ وَ فِضَّةٍ- وَ فَضَّلَهُمْ وَ شَرَّفَهُمْ وَ سَجَدَ لِأَصْنَامِهِمْ- فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ مِنْهُ سَارَعُوا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ- وَ الِاسْتِخْفَافِ بِأَهْلِ الدِّينِ- ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ سَأَلَ يَوْماً عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بِلَادِهِ- كَانَتْ لَهُ مِنْهُ مَنْزِلَةٌ حَسَنَةٌ وَ مَكَانَةٌ رَفِيعَةٌ- وَ كَانَ أَرَادَ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى بَعْضِ أُمُورِهِ وَ يَحْبُوَهُ وَ يُكْرِمَهُ- فَقِيلَ لَهُ أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّهُ قَدْ خَلَعَ الدُّنْيَا وَ خُلِّيَ مِنْهَا- وَ لَحِقَ بِالنُّسَّاكِ فَثَقُلَ ذَلِكَ عَلَى الْمَلِكِ- وَ شَقَّ عَلَيْهِ ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأُوتِيَ بِهِ- فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ فِي زِيِّ النُّسَّاكِ وَ تَخَشُّعِهِمْ
____________
(1) النهمة- بفتح النون- بلوغ الهمة و الشهوة في الشيء و يقال: للّه في هذا الامر نهمة» أي شهوة.
(2) المئناث: التي اعتادت أن تلد الاناث و كذلك الرجل لأنّهما يستويان في مفعال.
و يقابله المذكار و هي التي تلد الذكور كثيرا.
385
زَبَرَهُ وَ شَتَمَهُ (1)- وَ قَالَ لَهُ بَيْنَا أَنْتَ مِنْ عَبِيدِي- وَ عُيُونِ أَهْلِ مَمْلَكَتِي وَ وَجْهِهِمْ وَ أَشْرَافِهِمْ- إِذْ فَضَحْتَ نَفْسَكَ وَ ضَيَّعْتَ أَهْلَكَ وَ مَالَكَ- وَ اتَّبَعْتَ أَهْلَ الْبِطَالَةِ وَ الْخَسَارَةِ حَتَّى صِرْتَ ضُحْكَةً وَ مَثَلًا- وَ قَدْ كُنْتُ أَعْدَدْتُكَ لِمُهِمِّ أُمُورِي- وَ الِاسْتِعَانَةِ بِكَ عَلَى مَا يَنُوبُنِي- فَقَالَ لَهُ أَيُّهَا الْمَلِكُ- إِنْ لَمْ يَكُنْ لِي عَلَيْكَ حَقٌّ فَلِعَقْلِكَ عَلَيْكَ حَقٌّ- فَاسْتَمِعْ قَوْلِي بِغَيْرِ غَضَبٍ- ثُمَّ أْمُرْ بِمَا بَدَا لَكَ بَعْدَ الْفَهْمِ وَ التَّثْبِيتِ- فَإِنَّ الْغَضَبَ عَدُوُّ الْعَقْلِ- وَ لِذَلِكَ يَحُولُ مَا بَيْنَ صَاحِبِهِ وَ بَيْنَ الْفَهْمِ- قَالَ لَهُ الْمَلِكُ قُلْ مَا بَدَا لَكَ- قَالَ النَّاسِكُ فَإِنِّي أَسْأَلُكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ- أَ فِي ذَنْبِي عَلَى نَفْسِي عَتَبْتَ عَلَيَّ أَمْ فِي ذَنْبٍ مِنِّي إِلَيْكَ سَالِفٍ- قَالَ الْمَلِكُ إِنَّ ذَنْبَكَ إِلَى نَفْسِكَ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ عِنْدِي- وَ لَيْسَ كُلَّمَا أَرَادَ رَجُلٌ مِنْ رَعِيَّتِي- أَنْ يُهْلِكَ نَفْسَهُ أُخَلِّي بَيْنَهُ وَ بَيْنَ ذَلِكَ- وَ لَكِنِّي أَعُدُّ إِهْلَاكَهُ لِنَفْسِهِ- كَإِهْلَاكِهِ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ أَنَا وَلِيُّهُ وَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ وَ لَهُ- فَأَنَا أَحْكَمُ عَلَيْكَ لِنَفْسِكَ- وَ آخَذُ لَهَا مِنْكَ إِذْ ضَيَّعْتَ أَنْتَ ذَلِكَ- فَقَالَ لَهُ النَّاسِكُ أَرَاكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ لَا تَأْخُذُنِي- إِلَّا بِحُجَّةٍ وَ لَا نَفَاذَ لِحُجَّةٍ إِلَّا عِنْدَ قَاضٍ- وَ لَيْسَ عَلَيْكَ مِنَ النَّاسِ قَاضٍ- لَكِنْ عِنْدَكَ قُضَاةٌ وَ أَنْتَ لِأَحْكَامِهِمْ مُنْفِذٌ- وَ أَنَا بِبَعْضِهِمْ رَاضٍ وَ مِنْ بَعْضِهِمْ مُشْفِقٌ- قَالَ الْمَلِكُ وَ مَا أُولَئِكَ الْقُضَاةُ- قَالَ أَمَّا الَّذِي أَرْضَى قَضَاءَهُ فَعَقْلُكَ- وَ أَمَّا الَّذِي أَنَا مُشْفِقٌ مِنْهُ فَهَوَاكَ قَالَ الْمَلِكُ- قُلْ مَا بَدَا لَكَ وَ اصْدُقْنِي خَبَرَكَ وَ مَتَى كَانَ هَذَا رَأْيَكَ- وَ مَنْ أَغْوَاكَ قَالَ أَمَّا خَبَرِي- فَإِنِّي كُنْتُ سَمِعْتُ كَلِمَةً فِي حَدَاثَةِ سِنِّي وَقَعَتْ فِي قَلْبِي- فَصَارَتْ كَالْحَبَّةِ الْمَزْرُوعَةِ- ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تَنْمِي حَتَّى صَارَتْ شَجَرَةً إِلَى مَا تَرَى- وَ ذَلِكَ أَنِّي كُنْتُ قَدْ سَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ- يَحْسَبُ الْجَاهِلُ الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ لَا شَيْءَ شَيْئاً وَ الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ الشَّيْءُ لَا شَيْءَ- وَ مَنْ لَمْ يَرْفَضِ الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ لَا شَيْءَ لَمْ يَنَلِ الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ شَيْءٌ- وَ مَنْ لَمْ يُبْصِرِ الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ الشَّيْءُ لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِرَفْضِ الْأَمْرِ الَّذِي هُوَ لَا شَيْءَ- وَ الشَّيْءُ هُوَ الْآخِرَةُ وَ لَا شَيْءَ هُوَ الدُّنْيَا فَكَانَ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ عِنْدِي قَرَارٌ- لِأَنِّي وَجَدْتُ الدُّنْيَا حَيَاتَهَا مَوْتاً وَ غَنَاهَا فَقْراً- وَ فَرَحَهَا تَرَحاً وَ صِحَّتَهَا سُقْماً- وَ
____________
(1) النساك: العباد. و زبره أي زجره.
386
قُوَّتَهَا ضَعْفاً وَ عِزَّهَا ذُلًّا- وَ كَيْفَ لَا تَكُونُ حَيَاتُهَا مَوْتاً وَ إِنَّمَا يَحْيَا فِيهَا صَاحِبُهَا لِيَمُوتَ- وَ هُوَ مِنَ الْمَوْتِ عَلَى يَقِينٍ وَ مِنَ الْحَيَاةِ عَلَى قُلْعَةٍ- وَ كَيْفَ لَا يَكُونُ غَنَاؤُهَا فَقْراً- وَ لَيْسَ أُصِيبَ أَحَدٌ مِنْهَا شَيْئاً- إِلَّا احْتَاجَ لِذَلِكَ الشَّيْءِ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ يُصْلِحُهُ- وَ إِلَى أَشْيَاءَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا: وَ مِثْلُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ رُبَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى دَابَّةٍ- فَإِذَا أَصَابَهَا احْتَاجَ إِلَى عَلَفِهَا- وَ قَيِّمِهَا وَ مَرْبَطِهَا (1) وَ أَدَوَاتِهَا- ثُمَّ احْتَاجَ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ يُصْلِحُهُ- وَ إِلَى أَشْيَاءَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا- فَمَتَى تَنْقَضِي حَاجَةُ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ وَ فَاقَتُهُ- وَ كَيْفَ لَا يَكُونُ فَرَحُهَا تَرَحاً- وَ هِيَ مَرْصَدَةٌ لِكُلِّ مَنْ أَصَابَ مِنْهَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ- أَنْ يَرَى مِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ بِعَيْنِهِ أَضْعَافَهُ مِنَ الْحُزْنِ- إِنْ رَأَى سُرُوراً فِي وَلَدِهِ فَمَا يَنْتَظِرُ مِنَ الْأَحْزَانِ فِي مَوْتِهِ- وَ سُقْمِهِ وَ جَائِحَةٌ إِنْ أَصَابَتْهُ أَعْظَمُ مِنْ سُرُورِهِ بِهِ- وَ إِنْ رَأَى السُّرُورَ فِي مَالٍ- فَمَا يَتَخَوَّفُ مِنَ التَّلَفِ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ أَعْظَمُ مِنْ سُرُورِهِ بِالْمَالِ- فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ- فَأَحَقُّ النَّاسِ بِأَنْ لَا يَتَلَبَّسَ بِشَيْءٍ مِنْهَا مَنْ عَرَفَ هَذَا مِنْهَا- وَ كَيْفَ لَا يَكُونُ صِحَّتُهَا سُقْماً- وَ إِنَّمَا صِحَّتُهَا مِنْ أَخْلَاطِهَا وَ أَصَحُّ أَخْلَاطِهَا- وَ أَقْرَبُهَا مِنَ الْحَيَاةِ الدَّمُ- وَ أَظْهَرُ مَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ دَماً أَخْلَقُ مَا يَكُونُ صَاحِبُهُ بِمَوْتِ الْفَجْأَةِ- وَ الذُّبْحَةِ وَ الطَّاعُونِ (2) وَ الْآكِلَةِ وَ الْبِرْسَامِ- وَ كَيْفَ لَا تَكُونُ قُوَّتُهَا ضَعْفاً- وَ إِنَّمَا تَجْمَعُ الْقُوَى فِيهَا مَا يَضُرُّهُ وَ يُوبِقُهُ- وَ كَيْفَ لَا يَكُونُ عِزُّهَا ذُلًّا- وَ لَمْ يُرَ فِيهَا عَزٌّ قَطُّ إِلَّا أَوْرَثَ أَهْلَهَا ذُلًّا طَوِيلًا- غَيْرَ أَنَّ أَيَّامَ الْعِزِّ قَصِيرَةٌ وَ أَيَّامَ الذُّلِّ طَوِيلَةٌ- فَأَحَقُّ النَّاسِ بِذَمِّ الدُّنْيَا مَنْ بُسِطَتْ لَهُ الدُّنْيَا- فَأَصَابَ حَاجَتَهُ مِنْهَا فَهُوَ يَتَوَقَّعُ كُلَّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ- وَ سَاعَةٍ وَ طَرْفَةِ عَيْنٍ أَنْ يُعْدَى عَلَى مَالِهِ فَيَحْتَاجَ- وَ عَلَى حَمِيمِهِ فَيُخْتَطَفَ وَ عَلَى جَمْعِهِ فَيُنْهَبَ- وَ أَنْ يُؤْتَى بُنْيَانُهُ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَيُهْدَمَ- وَ أَنْ يَدِبَّ الْمَوْتُ إِلَى جَسَدِهِ فَيَسْتَأْصِلَ- وَ يُفْجَعَ بِكُلِّ مَا هُوَ بِهِ ضَنِينٌ
____________
(1) المربط- بفتح الباء و كسرها- موضع ربط الدوابّ.
(2) الذبحة- بضم الذال و فتح الباء و العامّة تسكن الباء- ورم حارّ في العضلات من جانب الحلقوم التي بها يكون البلع. و قال العلامة: و قد يطلق الذبحة على الاختناق. و الشيخ لا يفرق بينهما، و قيل هي ورم اللوزتين (بحر الجواهر).
387
فَأَذُمُّ إِلَيْكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ الدُّنْيَا الْآخِذَةَ مَا تُعْطِي- وَ الْمُوَرِّثَةَ بَعْدَ ذَلِكَ التَّبِعَةَ السَّالِبَةَ لِمَنْ تَكْسُو- وَ الْمُوَرِّثَةَ بَعْدَ ذَلِكَ الْعُرَى الْمُوَاضِعَةَ لِمَنْ تَرْفَعُ- وَ الْمُوَرِّثَةَ بَعْدَ ذَلِكَ الْجَزَعَ التَّارِكَةَ لِمَنْ يَعْشَقُهَا- وَ الْمُوَرِّثَةَ بَعْدَ ذَلِكَ الشِّقْوَةَ الْمُغْوِيَةَ لِمَنْ أَطَاعَهَا وَ اغْتَرَّ بِهَا- الْغَدَّارَةَ بِمَنِ ائْتَمَنَهَا وَ رَكِنَ إِلَيْهَا- هِيَ الْمَرْكَبُ الْقَمُوصُ (1) وَ الصَّاحِبُ الْخَئُونُ- وَ الطَّرِيقُ الزَّلَقُ وَ الْمَهْبَطُ الْمُهْوِي- هِيَ الْمَكْرُمَةُ الَّتِي لَا تُكْرِمُ أَحَداً إِلَّا أَهَانَتْهُ- الْمَحْبُوبَةُ الَّتِي لَا تُحِبُّ أَحَداً- الْمَلْزُومَةُ الَّتِي لَا تَلْزَمُ أَحَداً يُوَفَّى لَهَا وَ تَغْدِرُ- وَ يُصْدَقُ لَهَا وَ تَكْذِبُ وَ يُنْجَزُ لَهَا وَ تُخْلِفُ- هِيَ الْمُعْوَجَّةُ لِمَنِ اسْتَقَامَ بِهَا- الْمُتَلَاعِبَةُ بِمَنِ اسْتَمْكَنَتْ (2) مِنْهُ- بَيْنَا هِيَ تُطْعِمُهُ إِذْ حَوَّلَتْهُ مَأْكُولًا- وَ بَيْنَا هِيَ تَخْدُمُهُ إِذْ جَعَلَتْهُ خَادِماً- وَ بَيْنَا هِيَ تُضْحِكُهُ إِذْ ضَحِكَتْ مِنْهُ- وَ بَيْنَا هِيَ تَشْتِمُهُ إِذْ شَتَمَتْ مِنْهُ (3)- وَ بَيْنَا هِيَ تُبْكِيهِ إِذَا بَكَتْ عَلَيْهِ- وَ بَيْنَا هِيَ قَدْ بُسِطَتْ يَدُهُ بِالْعَطِيَّةِ إِذْ بَسَطَتْهَا بِالْمَسْأَلَةِ- وَ بَيْنَا هُوَ فِيهَا عَزِيزٌ إِذْ أَذَلَّتْهُ- وَ بَيْنَا هُوَ فِيهَا مُكْرَمٌ إِذْ أَهَانَتْهُ- وَ بَيْنَا هُوَ فِيهَا مُعَظَّمٌ إِذْ صَارَ مَحْقُوراً- وَ بَيْنَا هُوَ فِيهَا رَفِيعٌ إِذْ وَضَعَتْهُ وَ بَيْنَا هِيَ لَهُ مُطِيعَةٌ إِذْ عَصَتْهُ- وَ بَيْنَا هُوَ فِيهَا مَسْرُورٌ إِذْ أَحْزَنَتْهُ- وَ بَيْنَا هُوَ فِيهَا شَبْعَانُ إِذْ أَجَاعَتْهُ- وَ بَيْنَا هُوَ فِيهَا حَيٌّ إِذْ أَمَاتَتْهُ- فَأُفٍّ لَهَا مِنْ دَارٍ إِذْ كَانَ هَذَا فِعَالَهَا وَ هَذِهِ صِفَتَهَا- تَضَعُ التَّاجَ عَلَى رَأْسِهِ غُدْوَةً وَ تُعَفِّرُ خَدَّهُ بِالتُّرَابِ عَشِيَّةً- وَ تَجْعَلُهَا فِي الْأَغْلَالِ غُدْوَةً [تُحَلِّي الْأَيْدِيَ- بِأَسْوِرَةِ الذَّهَبِ عَشِيَّةً- وَ تَجْعَلُهَا فِي الْأَغْلَالِ غُدْوَةً]- وَ تُقْعِدُ الرَّجُلَ عَلَى السَّرِيرِ غُدْوَةً- وَ تَرْمِي بِهِ فِي السِّجْنِ عَشِيَّةً تَفْرُشُ لَهُ الدِّيبَاجَ عَشِيَّةً- وَ تَفْرُشُ لَهُ التُّرَابَ غُدْوَةً- وَ تَجْمَعُ لَهُ الْمَلَاهِيَ وَ الْمَعَازِفَ غُدْوَةً- وَ تَجْمَعُ عَلَيْهِ النَّوَائِحَ وَ النَّوَادِبَ عَشِيَّةً- تُحَبِّبُ إِلَى أَهْلِهِ قُرْبَهُ عَشِيَّةً وَ تُحَبِّبُ إِلَيْهِمْ بُعْدَهُ غُدْوَةً- تُطَيِّبُ رِيحَهُ غُدْوَةً وَ تُنَتِّنُ رِيحَهُ عَشِيَّةً- فَهُوَ مُتَوَقِّعٌ لِسَطَوَاتِهَا غَيْرُ نَاجٍ مِنْ فِتْنَتِهَا وَ بَلَائِهَا- تَمَتَّعُ نَفْسُهُ مِنْ
____________
(1) القموص- على وزن چموش- و بمعناه.
(2) في بعض النسخ «استمسكت».
(3) في بعض النسخ «و بينا هي تشمته إذا تشمت منه».
388
أَحَادِيثِهَا وَ عَيْنُهُ مِنْ أَعَاجِيبِهَا- وَ يَدُهُ مَمْلُوَّةٌ مِنْ جَمْعِهَا ثُمَّ تُصْبِحُ الْكَفُّ صِفْراً- وَ الْعَيْنُ هَامِدَةً ذَهَبَ مَا ذَهَبَ وَ هَوَى مَا هَوَى- وَ بَادَ مَا بَادَ وَ هَلَكَ مَا هَلَكَ تَجِدُ فِي كُلٍّ مِنْ كُلٍّ خَلَفاً- وَ تَرْضَى بِكُلٍّ مِنْ كُلٍّ بَدَلًا تُسْكِنُ دَارَ كُلِّ قَرْنٍ قَرْناً- وَ تُطْعِمُ سُؤْرَ كُلِّ قَوْمٍ قَوْماً تُقْعِدُ الْأَرَاذِلَ مَكَانَ الْأَفَاضِلِ- وَ الْعَجَزَةَ مَكَانَ الْحَزَمَةِ (1) تَنْقُلُ أَقْوَاماً مِنَ الْجَدْبِ إِلَى الْخِصْبِ (2)- وَ مِنَ الرِّجْلَةِ إِلَى الْمَرْكَبِ وَ مِنَ الْبُؤْسِ إِلَى النِّعْمَةِ- وَ مِنَ الشِّدَّةِ إِلَى الرَّخَاءِ- وَ مِنَ الشَّقَاءِ إِلَى الْخَفْضِ وَ الدَّعَةِ- حَتَّى إِذَا غَمَسَتْهُمْ فِي ذَلِكَ انْقَلَبَتْ بِهِمْ فَسَلَبَتْهُمُ الْخِصْبَ- وَ نَزَعَتْ مِنْهُمُ الْقُوَّةَ فَعَادُوا إِلَى أَبْأَسِ الْبُؤْسِ- وَ أَفْقَرِ الْفَقْرِ وَ أَجْدَبِ الْجَدْبِ- فَأَمَّا قَوْلُكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ فِي إِضَاعَةِ الْأَهْلِ وَ تَرْكِهِمْ- فَإِنِّي لَمْ أُضَيِّعْهُمْ وَ لَمْ أَتْرُكْهُمْ- بَلْ وَصَلْتُهُمْ وَ انْقَطَعْتُ إِلَيْهِمْ وَ لَكِنِّي كُنْتُ- وَ أَنَا أَنْظُرُ بِعَيْنٍ مَسْحُورَةٍ لَا أَعْرِفُ بِهَا الْأَهْلَ مِنَ الْغُرَبَاءِ- وَ لَا الْأَعْدَاءَ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ فَلَمَّا انْجَلَى عَنِّي السِّحْرُ- اسْتَبْدَلْتُ بِالْعَيْنِ الْمَسْحُورَةِ عَيْناً صَحِيحَةً- وَ اسْتَبَنْتُ الْأَعْدَاءَ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَ الْأَقْرِبَاءَ مِنَ الْغُرَبَاءِ- فَإِذَا الَّذِينَ كُنْتُ أَعُدُّهُمْ أَهْلِينَ وَ أَصْدِقَاءَ وَ إِخْوَاناً- وَ خُلَطَاءَ إِنَّمَا هُمْ سِبَاعٌ ضَارِيَةٌ (3)- لَا هِمَّةَ لَهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْكُلَنِي وَ تَأْكُلَ بِي- غَيْرَ أَنَّ اخْتِلَافَ مَنَازِلِهِمْ فِي ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ الْقُوَّةِ- فَمِنْهُمْ كَالْأَسَدِ فِي شِدَّةِ السَّوْرَةِ (4)- وَ مِنْهُمْ كَالذِّئْبِ فِي الْغَارَةِ وَ النُّهْبَةِ- وَ مِنْهُمْ كَالْكَلْبِ فِي الْهَرِيرِ وَ الْبَصْبَصَةِ- وَ مِنْهُمْ كَالثَّعْلَبِ فِي الْحِيلَةِ وَ السَّرِقَةِ- فَالطُّرُقُ وَاحِدَةٌ وَ الْقُلُوبُ مُخْتَلِفَةٌ- فَلَوْ أَنَّكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ فِي عَظِيمِ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ مُلْكِكَ- وَ كَثْرَةِ مَنْ تَبِعَكَ مِنْ أَهْلِكَ- وَ جُنُودِكَ وَ حَاشِيَتِكَ وَ أَهْلِ طَاعَتِكَ- نَظَرْتَ فِي أَمْرِكَ عَرَفْتَ أَنَّكَ وَحِيدٌ فَرِيدٌ- لَيْسَ مَعَكَ أَحَدٌ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ- وَ ذَلِكَ أَنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّ عَامَّةَ الْأُمَمِ
____________
(1) في بعض النسخ «الفجرة مكان البررة».
(2) الجدب: القحط، مقابل الخصب.
(3) الضارى من الكلاب ما لهج بالصيد و تعود أكله.
(4) السورة: الحدة.
389
عَدُوٌّ لَكَ- وَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ الَّتِي أُوتِيتَ الْمُلْكَ عَلَيْهَا- كَثِيرَةُ الْحَسَدِ (1) مِنْ أَهْلِ الْعَدَاوَةِ- وَ الْغِشِّ لَكَ الَّذِينَ هُمْ أَشَدُّ عَدَاوَةً لَكَ- مِنَ السِّبَاعِ الضَّارِيَةِ- وَ أَشَدُّ حَنَقاً عَلَيْكَ مِنْ كُلِّ الْأُمَمِ الْغَرِيبَةِ- وَ إِذَا صِرْتَ إِلَى أَهْلِ طَاعَتِكَ وَ مَعُونَتِكَ وَ قَرَابَتِكَ- وَجَدْتَ لَهُمْ قَوْماً يَعْمَلُونَ عَمَلًا بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ- يَحْرِصُونَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَنْقُصُوكَ مِنَ الْعَمَلِ- فَيَزْدَادُوكَ مِنَ الْأَجْرِ وَ إِذَا صِرْتَ إِلَى أَهْلِ خَاصَّتِكَ- وَ قَرَابَتِكَ صِرْتَ إِلَى قَوْمٍ جَعَلْتَ كَدَّكَ- وَ كَدْحَكَ (2) وَ مُهَنَّأَكَ وَ كَسْبَكَ لَهُمْ- فَأَنْتَ تُؤَدِّي إِلَيْهِمْ كُلَّ يَوْمٍ الضَّرِيبَةَ- وَ لَيْسَ كُلُّهُمْ وَ إِنْ وَزَعْتَ بَيْنَهُمْ جَمِيعَ كَدِّكَ عَنْكَ بِرَاضٍ- فَإِنْ أَنْتَ حَبَسْتَ عَنْهُمْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ الْبَتَّةَ بِرَاضٍ- أَ فَلَا تَرَى أَنَّكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ وَحِيدٌ لَا أَهْلَ لَكَ وَ لَا مَالَ- فَأَمَّا أَنَا فَإِنَّ لِي أَهْلًا وَ مَالًا وَ إِخْوَاناً وَ أَخَوَاتاً وَ أَوْلِيَاءَ- لَا يَأْكُلُونِّي وَ لَا يَأْكُلُونَ بِي يُحِبُّونِّي وَ أُحِبُّهُمْ- فَلَا يُفْقَدُ الْحُبُّ بَيْنَنَا يَنْصَحُونِّي وَ أَنْصَحُهُمْ فَلَا غِشَّ بَيْنَنَا- وَ يَصْدُقُونِّي وَ أَصْدُقُهُمْ فَلَا تَكَاذُبَ بَيْنَنَا- وَ يُوَالُونِّي وَ أُوَالِيهِمْ فَلَا عَدَاوَةَ بَيْنَنَا- يَنْصُرُونِّي وَ أَنْصُرُهُمْ فَلَا تَخَاذُلَ بَيْنَنَا- يَطْلُبُونَ الْخَيْرَ الَّذِي إِنْ طَلَبْتُهُ مَعَهُمْ- لَمْ يَخَافُوا أَنْ أَغْلِبَهُمْ عَلَيْهِ أَوْ أَسْتَأْثِرَ بِهِ دُونَهُمْ- فَلَا فَسَادَ بَيْنَنَا وَ لَا تَحَاسُدَ- يَعْمَلُونَ لِي وَ أَعْمَلُ لَهُمْ بِأُجُورٍ لَا تَنْفَدُ- وَ لَا يَزَالُ الْعَمَلُ قَائِماً بَيْنَنَا هُمْ هُدَاتِي إِنْ ضَلَلْتُ- وَ نُورُ بَصَرِي إِنْ عَمِيتُ وَ حِصْنِي إِنْ أُتِيتُ- وَ مِجَنِّي إِنْ رُمِيتُ (3) وَ أَعْوَانِي إِذَا فَزِعْتُ- وَ قَدْ تَنَزَّهْنَا عَنِ الْبُيُوتِ وَ الْمَخَانِي (4)- فَلَا يَزِيدُهَا وَ تَرَكْنَا الذَّخَائِرَ- وَ الْمَكَاسِبَ لِأَهْلِ الدُّنْيَا فَلَا تَكَاثُرَ بَيْنَنَا وَ لَا تَبَاغِيَ- وَ لَا تَبَاغُضَ وَ لَا تَفَاسُدَ وَ لَا تَحَاسُدَ- وَ لَا تَقَاطُعَ فَهَؤُلَاءِ أَهْلِي أَيُّهَا الْمَلِكُ- وَ إِخْوَانِي وَ أَقْرِبَائِي وَ أَحِبَّائِي أَحْبَبْتُهُمْ وَ انْقَطَعْتُ إِلَيْهِمْ- وَ تَرَكْتُ الَّذِينَ كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ- بِالْعَيْنِ الْمَسْحُورَةِ لَمَّا عَرَفْتُهُمْ- وَ الْتَمَسْتُ السَّلَامَةَ مِنْهُمْ
____________
(1) في بعض النسخ «الحشد» و هو الجماعة.
(2) الكد: السعى و الجد، و الكدح في العمل: المجاهدة فيه.
(3) المجن: الترس و كل ما وقى من السلاح.
(4) لعله جمع خان و هو الحانوت و الفندق. و في بعض النسخ «المخابى».
390
فَهَذِهِ الدُّنْيَا أَيُّهَا الْمَلِكُ الَّتِي أَخْبَرْتُكَ أَنَّهَا لَا شَيْءَ- فَهَذَا نَسَبُهَا وَ حَسَبُهَا وَ مَسِيرُهَا إِلَى مَا قَدْ سَمِعْتَ- قَدْ رَفَضْتُهَا لِمَا عَرَفْتُهَا- وَ أَبْصَرْتُ الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ الشَّيْءُ- فَإِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَنْ أَصِفَ لَكَ- مَا أَعْرِفُ عَنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ الَّتِي هِيَ الشَّيْءُ فَاسْتَعِدَّ إِلَى السَّمَاعِ- تَسْمَعُ غَيْرَ مَا كُنْتَ تَسْمَعُ بِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ- فَلَمْ يَزِدْهُ الْمَلِكُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ قَالَ لَهُ- كَذَبْتَ لَمْ تُصِبْ شَيْئاً وَ لَمْ تَظْفَرْ إِلَّا بِالشَّقاءِ وَ الْعَنَاءِ- فَاخْرُجْ وَ لَا تُقِيمَنَّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَمْلَكَتِي- فَإِنَّكَ فَاسِدٌ مُفْسِدٌ- وَ وُلِدَ لِلْمَلِكِ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ بَعْدَ إِيَاسِهِ مِنَ الذُّكُورِ غُلَامٌ- لَمْ يَرَ النَّاسُ مَوْلُوداً مِثْلَهُ قَطُّ حُسْناً وَ جَمَالًا وَ ضِيَاءً- فَبَلَغَ السُّرُورُ مِنَ الْمَلِكِ مَبْلَغاً عَظِيماً- كَادَ يُشْرِفُ مِنْهُ عَلَى هَلَاكِ نَفْسِهِ مِنَ الْفَرَحِ- وَ زَعَمَ أَنَّ الْأَوْثَانَ الَّتِي كَانَ يَعْبُدُهَا هِيَ- الَّتِي وَهَبَتْ لَهُ الْغُلَامَ- فَقَسَمَ عَامَّةَ مَا كَانَ فِي بُيُوتِ أَمْوَالِهِ عَلَى بُيُوتِ أَوْثَانِهِ- وَ أَمَرَ النَّاسَ بِالْأَكْلِ وَ الشُّرْبِ سَنَةً وَ سَمَّى الْغُلَامَ يُوذَاسُفَ- وَ جَمَعَ الْعُلَمَاءَ وَ الْمُنَجِّمِينَ لِتَقْوِيمِ مِيلَادِهِ- فَرَفَعَ الْمُنَجِّمُونَ إِلَيْهِ- أَنَّهُمْ يَجِدُونَ الْغُلَامَ يَبْلُغُ مِنَ الشَّرَفِ- وَ الْمَنْزِلَةِ مَا لَا يَبْلُغُهُ أَحَدٌ قَطُّ فِي أَرْضِ الْهِنْدِ- وَ اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ جَمِيعاً غَيْرَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ- مَا أَظُنُّ الشَّرَفَ وَ الْمَنْزِلَةَ وَ الْفَضْلَ- الَّذِي وَجَدْنَاهُ يَبْلُغُهُ هَذَا الْغُلَامُ إِلَّا شَرَفَ الْآخِرَةِ- وَ لَا أَحْسَبُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِمَاماً فِي الدِّينِ وَ النُّسُكِ- وَ ذَا فَضِيلَةٍ فِي دَرَجَاتِ الْآخِرَةِ لِأَنِّي أَرَى الشَّرَفَ- الَّذِي تَبْلُغُهُ لَيْسَ يُشْبِهُ شَيْئاً مِنْ شَرَفِ الدُّنْيَا- وَ هُوَ شَبِيهٌ بِشَرَفِ الْآخِرَةِ- فَوَقَعَ ذَلِكَ الْقَوْلُ مِنَ الْمَلِكِ مَوْقِعاً- كَادَ أَنْ يُنَغِّصَهُ سُرُورَهُ بِالْغُلَامِ- وَ كَانَ الْمُنَجِّمُ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ- مِنْ أَوْثَقِ الْمُنَجِّمِينَ فِي نَفْسِهِ وَ أَعْلَمِهِمْ وَ أَصْدَقِهِمْ عِنْدَهُ- وَ أَمَرَ الْمَلِكُ لِلْغُلَامِ بِمَدِينَةٍ فَأَخْلَاهَا- وَ تَخَيَّرَ لَهُ مِنَ الظُّؤْرَةِ (1) وَ الْخَدَمِ كُلَّ ثِقَةٍ- وَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ أَنْ لَا يُذْكَرَ فِيمَا بَيْنَهُمْ مَوْتٌ- وَ لَا آخِرَةٌ وَ لَا حُزْنٌ وَ لَا مَرَضٌ وَ لَا فَنَاءٌ- حَتَّى تَعْتَادَ ذَلِكَ أَلْسِنَتُهُمْ وَ تَنْسَاهُ قُلُوبُهُمْ- وَ أَمَرَهُمْ إِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ أَنْ لَا يَنْطِقُوا عِنْدَهُ بِذِكْرِ شَيْءٍ- مِمَّا يَتَخَوَّفُونَهُ عَلَيْهِ خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ مِنْهُ شَيْءٌ- فَيَكُونَ ذَلِكَ دَاعِيَةً إِلَى اهْتِمَامِهِ
____________
(1) جمع الظئر: المرضعة.
391
بِالدِّينِ وَ النُّسُكِ- وَ أَنْ يَتَحَفَّظُوا وَ يَتَحَرَّزُوا مِنْ ذَلِكَ- وَ يَتَفَقَّدَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ- وَ ازْدَادَ الْمَلِكُ عِنْدَ ذَلِكَ حَنَقاً عَلَى النُّسَّاكِ مَخَافَةً عَلَى ابْنِهِ- وَ كَانَ لِذَلِكَ الْمَلِكُ وَزِيرٌ قَدْ كَفَلَ أَمْرَهُ- وَ حَمَلَ عَنْهُ مَئُونَةَ سُلْطَانِهِ- وَ كَانَ لَا يَخُونُهُ وَ لَا يَكْذِبُهُ وَ لَا يَكْتُمُهُ وَ لَا يُؤْثِرُ عَلَيْهِ- وَ لَا يَتَوَانَى فِي شَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ وَ لَا يُضَيِّعُهُ- وَ كَانَ الْوَزِيرُ مَعَ ذَلِكَ رَجُلًا لَطِيفاً طَلِقاً مَعْرُوفاً بِالْخَيْرِ- يُحِبُّهُ النَّاسُ وَ يَرْضَوْنَ بِهِ إِلَّا أَنَّ أَحِبَّاءَ الْمَلِكِ- وَ أَقْرِبَاءَهُ كَانُوا يَحْسُدُونَهُ وَ يَبْغُونَ عَلَيْهِ- وَ يَسْتَثْقِلُونَ بِمَكَانِهِ- ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى الصَّيْدِ- وَ مَعَهُ ذَلِكَ الْوَزِيرُ فَأَتَى بِهِ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ- عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَصَابَتْهُ زَمَانَةٌ شَدِيدَةٌ فِي رِجْلَيْهِ- مُلْقًى فِي أَصْلِ شَجَرَةٍ لَا يَسْتَطِيعُ بَرَاحاً (1)- فَسَأَلَهُ الْوَزِيرُ عَنْ شَأْنِهِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ السِّبَاعَ أَصَابَتْهُ- فَرَقَّ لَهُ الْوَزِيرُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ- ضُمَّنِي إِلَيْكَ وَ احْمِلْنِي إِلَى مَنْزِلِكَ- فَإِنَّكَ تَجِدُ عِنْدِي مَنْفَعَةً فَقَالَ الْوَزِيرُ- إِنِّي لَفَاعِلٌ وَ إِنْ لَمْ أَجِدْ عِنْدَكَ مَنْفَعَةً- وَ لَكِنْ يَا هَذَا مَا الْمَنْفَعَةُ الَّتِي تَعِدُنِيهَا- هَلْ تَعْمَلُ عَمَلًا أَوْ تُحْسِنُ شَيْئاً فَقَالَ الرَّجُلُ نَعَمْ- أَنَا أَرْتِقُ الْكَلَامَ (2) فَقَالَ وَ كَيْفَ تَرْتِقُ الْكَلَامَ- قَالَ إِذَا كَانَ فِيهِ فَتْقٌ أَرْتِقُهُ حَتَّى لَا يَجِيءَ مِنْ قِبَلِهِ فَسَادٌ- فَلَمْ يَرَ الْوَزِيرُ قَوْلَهُ شَيْئاً- وَ أَمَرَ بِحَمْلِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ وَ أَمَرَ لَهُ بِمَا يُصْلِحُهُ- حَتَّى إِذْ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ احْتَالَ أَحِبَّاءُ الْمَلِكِ لِلْوَزِيرِ- وَ ضَرَبُوا لَهُ الْأُمُورَ ظَهْراً وَ بَطْناً- فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ دَسُّوا رَجُلًا مِنْهُمْ إِلَى الْمَلِكِ- فَقَالَ لَهُ أَيُّهَا الْمَلِكُ- إِنَّ هَذَا الْوَزِيرَ يَطْمَعُ فِي مُلْكِكَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ عَقِبُكَ مِنْ بَعْدِكَ- فَهُوَ يُصَانِعُ النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ وَ يَعْمَلُ عَلَيْهِ دَائِباً- فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ صِدْقَ ذَلِكَ- فَأَخْبِرْهُ أَنَّهُ قَدْ بَدَا لَكَ أَنْ تَرْفِضَ الْمُلْكَ وَ تَلْحَقَ بِالنُّسَّاكِ- فَإِنَّكَ سَتَرَى مِنْ فَرَحِهِ بِذَلِكَ مَا تَعْرِفُ بِهِ أَمْرَهُ- وَ كَانَ الْقَوْمُ قَدْ عَرَفُوا مِنَ الْوَزِيرِ رِقَّةً عِنْدَ ذِكْرِ فَنَاءِ الدُّنْيَا- وَ الْمَوْتِ وَ لِيناً لِلنُّسَّاكِ وَ حُبّاً لَهُمْ- فَعَمِلُوا فِيهِ مِنَ الْوَجْهِ- الَّذِي ظَنُّوا أَنَّهُمْ يَظْفَرُونَ بِحَاجَتِهِمْ مِنْهُ- فَقَالَ الْمَلِكُ لَئِنْ
____________
(1) أي لا يستطيع تحولا.
(2) رتق الفتق: أصلحه. يقال هو راتق أي مصلح الامر.
392
هَجَمْتُ مِنْهُ عَلَى هَذَا لَمْ أَسْأَلْ عَمَّا سِوَاهُ- فَلَمَّا أَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ الْوَزِيرُ قَالَ لَهُ الْمَلِكُ- إِنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ حِرْصِي عَلَى الدُّنْيَا وَ طَلَبِ الْمُلْكِ- وَ إِنِّي ذَكَرْتُ مَا مَضَى مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ أَجِدْ مَعِي مِنْهُ طَائِلًا- وَ قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ الَّذِي بَقِيَ مِنْهُ كَالَّذِي مَضَى- فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَنْقَضِيَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِأَجْمَعِهِ- فَلَا يَصِيرَ فِي يَدِي مِنْهُ شَيْءٌ- وَ أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَعْمَلَ فِي حَالِ الْآخِرَةِ- عَمَلًا قَوِيّاً عَلَى قَدْرِ مَا كَانَ مِنْ عَمَلِي فِي الدُّنْيَا- وَ قَدْ بَدَا لِي أَنْ أَلْحَقَ بِالنُّسَّاكِ- وَ أُخَلِّيَ هَذَا الْعَمَلَ لِأَهْلِهِ فَمَا رَأْيُكَ- قَالَ فَرَقَّ الْوَزِيرُ لِذَلِكَ رِقَّةً شَدِيدَةً حَتَّى عَرَفَ الْمَلِكُ ذَلِكَ مِنْهُ- ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّ الْبَاقِيَ- وَ إِنْ كَانَ عَزِيزاً لَأَهْلٌ أَنْ يُطْلَبَ وَ إِنَّ الْفَانِيَ- وَ إِنِ اسْتَمْكَنْتَ مِنْهُ لَأَهْلٌ أَنْ يُرْفَضَ وَ نِعْمَ الرَّأْيُ رَأَيْتَ- وَ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَجْمَعَ اللَّهُ لَكَ مَعَ الدُّنْيَا شَرَفَ الْآخِرَةِ- قَالَ فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمَلِكِ- وَ وَقَعَ مِنْهُ كُلُّ مَوْقِعٍ- وَ لَمْ يُبْدِ لَهُ شَيْئاً غَيْرَ أَنَّ الْوَزِيرَ عَرَفَ الثِّقْلَ فِي وَجْهِهِ- فَانْصَرَفَ إِلَى أَهْلِهِ كَئِيباً حَزِيناً لَا يَدْرِي مِنْ أَيْنَ أُتِيَ- وَ لَا مَنْ دَهَاهُ (1) وَ لَا يَدْرِي مَا دَوَاءُ الْمَلِكِ- فِيمَا اسْتَنْكَرَ عَلَيْهِ فَسَهِرَ لِذَلِكَ عَامَّةَ اللَّيْلِ- ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ يَرْتِقُ الْكَلَامَ- فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأُتِيَ بِهِ فَقَالَ لَهُ- إِنَّكَ كُنْتَ ذَكَرْتَ لِي ذِكْراً مِنْ رَتْقِ الْكَلَامِ- فَقَالَ الرَّجُلُ أَجَلْ فَهَلِ احْتَجْتَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ- فَقَالَ الْوَزِيرُ نَعَمْ أُخْبِرُكَ أَنِّي صَحِبْتُ هَذَا الْمَلِكَ قَبْلَ مُلْكِهِ- وَ مُنْذُ صَارَ مَلِكاً فَلَمْ أَسْتَنْكِرْهُ فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَهُ قَطُّ- لِمَا يَعْرِفُهُ مِنْ نَصِيحَتِي وَ شَفَقَتِي- وَ إِيثَارِي إِيَّاهُ عَلَى نَفْسِي وَ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ- حَتَّى إِذَا كَانَ هَذَا الْيَوْمُ اسْتَنْكَرْتُهُ اسْتِنْكَاراً شَدِيداً- لَا أَظُنُّ خَيْراً عِنْدَهُ بَعْدَهُ فَقَالَ لَهُ الرَّاتِقُ- هَلْ لِذَلِكَ سَبَبٌ أَوْ عِلَّةٌ قَالَ الْوَزِيرُ- نَعَمْ دَعَانِي أَمْسِ وَ قَالَ لِي كَذَا وَ كَذَا- فَقُلْتُ لَهُ كَذَا وَ كَذَا- فَقَالَ مِنْ هَاهُنَا جَاءَ الْفَتْقُ وَ أَنَا أَرْتِقُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- اعْلَمْ أَنَّ الْمَلِكَ- قَدْ ظَنَّ أَنَّكَ تُحِبُّ أَنْ يَنْجَلِيَ هُوَ عَنْ مُلْكِهِ وَ تَخْلُفَهُ أَنْتَ فِيهِ فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ- فَاطْرَحْ عَنْكَ ثِيَابَكَ وَ حِلْيَتَكَ- وَ الْبَسْ أَوْضَعَ مَا تَجِدُهُ مِنْ ذِي النُّسَّاكِ وَ أَشْهَرَهُ- ثُمَّ احْلِقْ رَأْسَكَ وَ امْضِ عَلَى وَجْهِكَ إِلَى بَابِ الْمَلِكِ- فَإِنَّ الْمَلِكَ سَيَدْعُو بِكَ- وَ يَسْأَلُكَ عَنِ الَّذِي صَنَعْتَ فَقُلْ لَهُ- هَذَا الَّذِي دَعَوْتَنِي إِلَيْهِ- وَ لَا
____________
(1) في بعض النسخ «ما دهاه».
393
يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُشِيرَ عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ إِلَّا- وَاسَاهُ فِيهِ وَ صَبَرَ عَلَيْهِ- وَ مَا أَظُنُّ الَّذِي دَعَوْتَنِي إِلَيْهِ إِلَّا خَيْراً مِمَّا نَحْنُ فِيهِ- فَقُمْ إِذَا بَدَا لَكَ فَفَعَلَ الْوَزِيرُ ذَلِكَ- فَتَخَلَّى عَنْ نَفْسِ الْمَلِكِ مَا كَانَ فِيهَا عَلَيْهِ- ثُمَّ أَمَرَ الْمَلِكُ بِنَفْيِ النُّسَّاكِ مِنْ جَمِيعِ بِلَادِهِ- وَ تَوَعَّدَهُمْ بِالْقَتْلِ فَجَدُّوا فِي الْهَرَبِ وَ الِاسْتِخْفَاءِ- ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ مُتَصَيِّداً- فَوَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى شَخْصَيْنِ مِنْ بَعِيدٍ- فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا فَأُتِيَ بِهِمَا فَإِذَا هُمَا نَاسِكَانِ فَقَالَ لَهُمَا- مَا بَالُكُمَا لَنْ تَخْرُجَا مِنْ بِلَادِي- قَالا قَدْ أَتَتْنَا رُسُلُكَ وَ نَحْنُ عَلَى سَبِيلِ الْخُرُوجِ- قَالَ وَ لِمَ خَرَجْتُمَا رَاجِلَيْنِ- قَالا لِأَنَّا قَوْمٌ ضُعَفَاءُ لَيْسَ لَنَا دَوَابُّ- وَ لَا زَادٌ وَ لَا نَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ إِلَّا بِالتَّقْصِيرِ- قَالَ الْمَلِكُ إِنَّ مَنْ خَافَ الْمَوْتَ أَسْرَعَ بِغَيْرِ دَابَّةٍ- وَ لَا زَادٍ فَقَالا لَهُ إِنَّا لَا نَخَافُ الْمَوْتَ- بَلْ لَا نَنْظُرُ قُرَّةَ عَيْنٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا فِيهِ- قَالَ الْمَلِكُ وَ كَيْفَ لَا تَخَافَانِ الْمَوْتَ- وَ قَدْ زَعَمْتُمَا أَنَّ رُسُلَنَا لَمَا أَتَتْكُمُ- وَ أَنْتُمْ عَلَى سَبِيلِ الْخُرُوجِ- أَ فَلَيْسَ هَذَا هُوَ الْهَرَبَ مِنَ الْمَوْتِ- قَالا إِنَّ الْهَرَبَ مِنَ الْمَوْتِ لَيْسَ مِنَ الْفَرَقِ (1)- فَلَا تَظُنُّ أَنَّا فَرَقْنَاكَ- وَ لَكِنَّا هَرَبْنَا مِنْ أَنْ يعينك [نُعِينَكَ عَلَى أَنْفُسِنَا- فَأَسِفَ الْمَلِكُ وَ أَمَرَ بِهِمَا أَنْ يُحْرَقَا بِالنَّارِ- وَ أَذِنَ فِي أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ بِأَخْذِ النُّسَّاكِ وَ تَحْرِيقِهِمْ بِالنَّارِ- فَتَجَرَّدَ رُؤَسَاءُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ فِي طَلَبِهِمْ- وَ أَخَذُوا مِنْهُمْ بَشَراً كَثِيراً وَ أَحْرَقُوهُمْ بِالنَّارِ- فَمِنْ ثَمَّ صَارَ التَّحْرِيقُ سُنَّةً بَاقِيَةً فِي أَرْضِ الْهِنْدِ- وَ بَقِيَ فِي جَمِيعِ تِلْكَ الْأَرْضِ- قَوْمٌ قَلِيلٌ مِنَ النُّسَّاكِ كَرِهُوا الْخُرُوجَ مِنَ الْبِلَادِ- وَ اخْتَارُوا الْغَيْبَةَ وَ الِاسْتِخْفَاءَ- لِيَكُونُوا دُعَاةً وَ هُدَاةً لِمَنْ وَصَلُوا إِلَى كَلَامِهِ- فَنَبَتَ ابْنُ الْمَلِكِ أَحْسَنَ نَبَاتٍ فِي جِسْمِهِ وَ عَقْلِهِ وَ عِلْمِهِ وَ رَأْيِهِ- وَ لَكِنَّهُ لَمْ يُؤْخَذْ بِشَيْءٍ مِنَ الْآدَابِ- إِلَّا بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُلُوكُ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ مَوْتٍ- وَ لَا زَوَالٍ وَ لَا فَنَاءٍ وَ أُوتِيَ الْغُلَامُ مِنَ الْعِلْمِ- وَ الْحِفْظِ شَيْئاً كَانَ عِنْدَ النَّاسِ مِنَ الْعَجَائِبِ- وَ كَانَ أَبُوهُ لَا يَدْرِي أَ يَفْرَحُ بِمَا أُوتِيَ ابْنُهُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ يَحْزَنُ لَهُ- لِمَا يَتَخَوَّفُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْعُوَهُ ذَلِكَ إِلَى مَا قِيلَ فِيهِ- فَلَمَّا فَطَنَ الْغُلَامُ بِحَصْرِهِمْ إِيَّاهُ فِي الْمَدِينَةِ- وَ مَنَعَهُمْ إِيَّاهُ مِنَ الْخُرُوجِ وَ النَّظَرِ وَ الِاسْتِمَاعِ- وَ تَحَفُّظِهِمْ عَلَيْهِ ارْتَابَ لِذَلِكَ وَ سَكَتَ عَنْهُ- وَ قَالَ فِي نَفْسِهِ هَؤُلَاءِ أَعْلَمُ بِمَا
____________
(1) الفرق- محركة-: الخوف.
394
يُصْلِحُنِي مِنِّي- حَتَّى إِذَا ازْدَادَ بِالسِّنِّ وَ التَّجْرِبَةِ عِلْماً- قَالَ مَا أَرَى لِهَؤُلَاءِ عَلَيَّ فَضْلًا- وَ مَا أَنَا بِحَقِيقٍ أَنْ أُقَلِّدَهُمْ أَمْرِي- فَأَرَادَ أَنْ يُكَلِّمَ أَبَاهُ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ- وَ يَسْأَلَهُ عَنْ سَبَبِ حَصْرِهِ إِيَّاهُ- ثُمَّ قَالَ مَا هَذَا الْأَمْرُ إِلَّا مِنْ قِبَلِهِ- وَ مَا كَانَ لِيُطْلِعَنِي عَلَيْهِ وَ لَكِنِّي حَقِيقٌ- أَنْ أَلْتَمِسَ عِلْمَ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ أَرْجُو إِدْرَاكَهُ- وَ كَانَ فِي خَدَمِهِ رَجُلٌ كَانَ أَلْطَفَهُمْ بِهِ وَ أَرْأَفَهُمْ بِهِ- وَ كَانَ الْغُلَامُ إِلَيْهِ مُسْتَأْنِساً- فَطَمِعَ الْغُلَامُ فِي إِصَابَةِ الْخَبَرِ مِنْ قِبَلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ- فَازْدَادَ لَهُ مُلَاطَفَةً وَ بِهِ اسْتِينَاساً- ثُمَّ إِنَّ الْغُلَامَ وَاضَعَهُ الْكَلَامَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ بِاللِّينِ- وَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ وَالِدِهِ وَ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ- ثُمَّ أَخَذَهُ بِالتَّرْغِيبِ وَ التَّرْهِيبِ- وَ قَالَ لَهُ إِنِّي لَأَظُنُّ هَذَا الْمُلْكَ سائر [سَائِراً لِي بَعْدَ وَالِدِي- وَ أَنْتَ فِيهِ سَائِرُ أَحَدِ رَجُلَيْنِ- إِمَّا أَعْظَمُ النَّاسِ فِيهِ مَنْزِلَةً وَ إِمَّا أَسْوَأُ النَّاسِ حَالًا- قَالَ لَهُ الْحَاضِنُ (1) وَ بِأَيِّ شَيْءٍ أَتَخَوَّفُ فِي مُلْكِكَ سُوءَ الْحَالِ- قَالَ بِأَنْ تَكْتُمَنِي الْيَوْمَ أَمْراً أَفْهَمُهُ غَداً مِنْ غَيْرِكَ- فَأَنْتَقِمَ مِنْكَ بِأَشَدِّ مَا أَقْدِرُ عَلَيْكَ- فَعَرَفَ الْحَاضِنُ مِنْهُ الصِّدْقَ- وَ طَمِعَ مِنْهُ فِي الْوَفَاءِ فَأَفْشَى إِلَيْهِ خَبَرَهُ- وَ الَّذِي قَالَ الْمُنَجِّمُونَ لِأَبِيهِ وَ الَّذِي حَذَرَ أَبُوهُ مِنْ ذَلِكَ- فَشَكَرَ لَهُ الْغُلَامُ ذَلِكَ- وَ أَطْبَقَ عَلَيْهِ حَتَّى إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ أَبُوهُ- قَالَ يَا أَبَهْ إِنِّي وَ إِنْ كُنْتُ صَبِيّاً فَقَدْ رَأَيْتُ فِي نَفْسِي- وَ اخْتِلَافِ حَالِي أَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَذْكُرُ- وَ أَعْرِفُ بِمَا لَا أَذْكُرُ مِنْهُ مَا أَعْرِفُ- وَ أَنَا أَعْرِفُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ عَلَى هَذَا الْمِثَالِ- وَ أَنَّكَ لَمْ تَكُنْ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ- وَ لَا أَنْتَ كَائِنٌ عَلَيْهَا إِلَى الْأَبَدِ وَ سَيُغَيِّرُكَ الدَّهْرُ عَنْ حَالِكَ هَذِهِ- فَلَئِنْ كُنْتَ أَرَدْتَ أَنْ تُخْفِيَ عَنِّي أَمْرَ الزَّوَالِ- فَمَا خَفِيَ عَلَى ذَلِكَ- وَ لَئِنْ كُنْتَ حَبَسْتَنِي عَنِ الْخُرُوجِ- وَ حُلْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَ النَّاسِ لِكَيْلَا تَتُوقَ نَفْسِي- إِلَى غَيْرِ مَا أَنَا فِيهِ لَقَدْ تَرَكْتَنِي بِحَصْرِكَ إِيَّايَ- وَ إِنَّ نَفْسِي لَقَلِقَةٌ مِمَّا تَحُولُ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ حَتَّى مَا لِي هَمٌّ غَيْرُهُ- وَ لَا أَرَدْتُ سِوَاهُ- حَتَّى لَا يَطْمَئِنُّ قَلْبِي إِلَى شَيْءٍ مِمَّا أَنَا فِيهِ- وَ لَا أَنْتَفِعُ بِهِ وَ لَا آلَفُهُ- فَخَلِّ عَنِّي وَ أَعْلِمْنِي بِمَا تَكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ وَ تَحْذَرُهُ حَتَّى أَجْتَنِبَهُ- وَ أُوثِرَ مُوَافَقَتَكَ وَ رِضَاكَ عَلَى مَا سِوَاهُمَا
____________
(1) الحاضن فاعل من حضنه أي جعله في حضنه و الحضن ما دون الابط الى الكشح أو الصدر و العضدان و ما بينهما أي الحافظ و المؤدّب.
395
فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ ذَلِكَ مِنِ ابْنِهِ عَلِمَ- أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ مَا الَّذِي يَكْرَهُهُ- وَ أَنَّهُ مِنْ حَبْسِهِ وَ حَصْرِهِ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا إِغْرَاءً- وَ حِرْصاً عَلَى مَا يُحَالُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ فَقَالَ يَا بُنَيَّ- مَا أَرَدْتُ بِحَصْرِي إِيَّاكَ إِلَّا أَنْ أُنَحِّيَ عَنْكَ الْأَذَى- فَلَا تَرَى إِلَّا مَا يُوَافِقُكَ وَ لَا تَسْمَعُ إِلَّا مَا يَسُرُّكَ- فَأَمَّا إِذَا كَانَ هَوَاكَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ- فَإِنَّ آثَرَ الْأَشْيَاءِ عِنْدِي مَا رَضِيتَ وَ هَوِيتَ- ثُمَّ أَمَرَ الْمَلِكُ أَصْحَابَهُ أَنْ يُرْكِبُوهُ فِي أَحْسَنِ زِينَةٍ- وَ أَنْ يُنَحُّوا عَنْ طَرِيقِهِ كُلَّ مَنْظَرٍ قَبِيحٍ- وَ أَنْ يُعِدُّوا لَهُ الْمَعَازِفَ وَ الْمَلَاهِيَ فَفَعَلُوا ذَلِكَ- فَجَعَلَ بَعْدَ رَكْبَتِهِ تِلْكَ يُكْثِرُ الرُّكُوبَ- فَمَرَّ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى طَرِيقٍ قَدْ غَفَلُوا عَنْهُ- فَأَتَى عَلَى رَجُلَيْنِ مِنَ السُّؤَّالِ (1)- أَحَدُهُمَا قَدْ تَوَرَّمَ وَ ذَهَبَ لَحْمُهُ- وَ اصْفَرَّ جِلْدُهُ وَ ذَهَبَ مَاءُ وَجْهِهِ- وَ سَمُجَ مَنْظَرُهُ وَ الْآخَرُ أَعْمَى يَقُودُهُ قَائِدٌ- فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ اقْشَعَرَّ مِنْهُمَا وَ سَأَلَ عَنْهُمَا- فَقِيلَ لَهُ إِنَّ هَذَا الْمُوَرَّمَ مِنْ سُقْمٍ بَاطِنٍ- وَ هَذَا الْأَعْمَى مِنْ زَمَانَةٍ فَقَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- وَ إِنَّ هَذَا الْبَلَاءَ لَيُصِيبُ غَيْرَ وَاحِدٍ قَالُوا نَعَمْ- فَقَالَ هَلْ يَأْمَنُ أَحَدٌ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يُصِيبَهُ مِثْلُ هَذَا قَالُوا لَا- وَ انْصَرَفَ يَوْمَئِذٍ مَهْمُوماً ثَقِيلًا مَحْزُوناً بَاكِياً- مُسْتَخِفّاً بِمَا هُوَ فِيهِ مِنْ مُلْكِهِ- وَ مُلْكِ أَبِيهِ فَلَبِثَ بِذَلِكَ أَيَّاماً- ثُمَّ رَكِبَ رَكْبَةً فَأَتَى فِي مَسِيرِهِ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ- قَدِ انْحَنَى مِنَ الْكِبَرِ وَ تَبَدَّلَ خَلْقُهُ- وَ ابْيَضَّ شَعْرُهُ وَ اسْوَدَّ لَوْنُهُ- وَ تَقَلَّصَ جِلْدُهُ(2) وَ قَصُرَ خَطْوُهُ- فَعَجِبَ مِنْهُ وَ سَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا هَذَا الْهَرَمُ فَقَالَ وَ فِي كَمْ يَبْلُغُ الرَّجُلُ مَا أَرَى- قَالُوا فِي مِائَةِ سَنَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ- وَ قَالَ فَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ قَالُوا الْمَوْتُ- قَالَ فَمَا يُخَلَّى بَيْنَ الرَّجُلِ وَ بَيْنَ مَا يُرِيدُ مِنَ الْمُدَّةِ- قَالُوا لَا وَ لَيُصَيَّرَنَّ إِلَى هَذَا فِي قَلِيلٍ مِنَ الْأَيَّامِ- فَقَالَ الشَّهْرُ ثَلَاثُونَ يَوْماً وَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً- وَ انْقِضَاءُ الْعُمُرِ مِائَةَ سَنَةٍ فَمَا أَسْرَعَ الْيَوْمَ فِي الشَّهْرِ- وَ مَا أَسْرَعَ الشَّهْرَ فِي السَّنَةِ- وَ مَا أَسْرَعَ السَّنَةَ فِي الْعُمُرِ فَانْصَرَفَ الْغُلَامُ- وَ هَذَا كَلَامُهُ يُبْدِيهِ وَ يُعِيدُهُ مُكَرِّراً لَهُ
____________
(1) في بعض النسخ «فأتى عليه رجلان من السؤال».
(2) تقلص أي انضم و انزوى.
396
ثُمَّ سَهَرَ لَيْلَتَهُ كُلَّهَا وَ كَانَ لَهُ قَلْبٌ حَيٌّ ذَكِيٌّ- وَ عَقْلٌ لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ نِسْيَاناً وَ لَا غَفْلَةً- فَعَلَاهُ الْحُزْنُ وَ الِاهْتِمَامُ فَانْصَرَفَ نَفْسَهُ عَنِ الدُّنْيَا وَ شَهَوَاتِهَا- وَ كَانَ فِي ذَلِكَ يُدَارِي أَبَاهُ وَ يَتَلَطَّفُ عِنْدَهُ- وَ هُوَ مَعَ ذَلِكَ قَدْ أَصْغَى بِسَمْعِهِ إِلَى كُلِّ مُتَكَلِّمٍ بِكَلِمَةٍ طَمِعَ- أَنْ يَسْمَعَ شَيْئاً يَدُلُّهُ عَلَى غَيْرِ مَا هُوَ فِيهِ- وَ خَلَا بِحَاضِنِهِ الَّذِي كَانَ أَفْضَى إِلَيْهِ بِسِرِّهِ- فَقَالَ لَهُ هَلْ تَعْرِفُ مِنَ النَّاسِ أَحَداً شَأْنُهُ غَيْرُ شَأْنِنَا- قَالَ نَعَمْ قَدْ كَانَ قَوْمٌ يُقَالُ لَهُمُ النُّسَّاكُ- رَفَضُوا الدُّنْيَا وَ طَلَبُوا الْآخِرَةَ وَ لَهُمْ كَلَامٌ- وَ عِلْمٌ لَا يُدْرَى مَا هُوَ- غَيْرَ أَنَّ النَّاسَ عَادُوهُمْ وَ أَبْغَضُوهُمْ وَ حَرَّقُوهُمْ- وَ نَفَاهُمُ الْمَلِكُ عَنْ هَذِهِ الْأَرْضِ- فَلَا يُعْلَمُ الْيَوْمَ بِبِلَادِنَا مِنْهُمْ أَحَدٌ- فَإِنَّهُمْ قَدْ غَيَّبُوا أَشْخَاصَهُمْ يَنْتَظِرُونَ الْفَرَجَ- وَ هَذِهِ سُنَّةٌ فِي أَوْلِيَاءِ اللَّهِ قَدِيمَةٌ يَتَعَاطُونَهَا فِي دُوَلِ الْبَاطِلِ- فَاغْتَصَّ لِذَلِكَ الْخَبَرِ فُؤَادُهُ وَ طَالَ بِهِ اهْتِمَامُهُ- وَ صَارَ كَالرَّجُلِ الْمُلْتَمِسِ ضَالَّتَهُ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا- وَ ذَاعَ خَبَرُهُ فِي آفَاقِ الْأَرْضِ وَ شُهِرَ بِتَفَكُّرِهِ- وَ جَمَالِهِ وَ كَمَالِهِ وَ فَهْمِهِ وَ عَقْلِهِ- وَ زَهَادَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَ هَوَانِهَا عَلَيْهِ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَجُلًا مِنَ النُّسَّاكِ يُقَالُ لَهُ بِلَوْهَرُ- بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا سرانديب [سَرَنْدِيبُ وَ كَانَ رَجُلًا نَاسِكاً حَكِيماً- فَرَكِبَ الْبَحْرَ حَتَّى أَتَى أَرْضَ سولابط- ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بَابِ ابْنِ الْمَلِكِ فَلَزِمَهُ- وَ طَرَحَ عَنْهُ زِيَّ النُّسَّاكِ وَ لَبِسَ زِيَّ التُّجَّارِ- وَ تَرَدَّدَ إِلَى بَابِ ابْنِ الْمَلِكِ حَتَّى عَرَفَ الْأَهْلَ- وَ الْأَحِبَّاءَ وَ الدَّاخِلِينَ إِلَيْهِ- فَلَمَّا اسْتَبَانَ لَهُ لُطْفُ الْحَاضِنِ بِابْنِ الْمَلِكِ- وَ حُسْنُ مَنْزِلَتِهِ مِنْهُ أَطَافَ بِهِ بِلَوْهَرُ حَتَّى أَصَابَ مِنْهُ خَلْوَةً- فَقَالَ لَهُ إِنِّي رَجُلٌ مِنْ تُجَّارِ سرانديب [سَرَنْدِيبَ- قَدِمْتُ مُنْذُ أَيَّامٍ وَ مَعِي سِلْعَةٌ عَظِيمَةٌ نَفِيسَةُ الثَّمَنِ- عَظِيمَةُ الْقَدْرِ فَأَرَدْتُ الثِّقَةَ لِنَفْسِي فَعَلَيْكَ وَقَعَ اخْتِيَارِي- وَ سِلْعَتِي خَيْرٌ مِنَ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ- وَ هِيَ تُبْصِرُ الْعُمْيَانَ وَ تُسْمِعُ الصُّمَّ- وَ تُدَاوِي مِنَ الْأَسْقَامِ وَ تُقَوِّي مِنَ الضَّعْفِ- وَ تَعْصِمُ مِنَ الْجُنُونِ وَ تَنْصُرُ عَلَى الْعَدُوِّ- وَ لَمْ أَرَ بِهَذَا أَحَداً هُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ هَذَا الْفَتَى- فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَذْكُرَ لَهُ ذَلِكَ ذَكَرْتَهُ- فَإِنْ كَانَ لَهُ فِيهَا حَاجَةٌ أَدْخَلْتَنِي عَلَيْهِ- فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَنْهُ فَضْلُ سِلْعَتِي لَوْ قَدْ نَظَرَ إِلَيْهَا- قَالَ الْحَاضِنُ لِلْحَكِيمِ إِنَّكَ لَتَقُولُ شَيْئاً- مَا سَمِعْنَا بِهِ مِنْ أَحَدٍ قَبْلَكَ وَ لَا أَرَى بِكَ بَأْساً- وَ مَا مِثْلِي يَذْكُرُ مَا لَا يَدْرِي بِهِ مَا هُوَ- فَاعْرِضْ عَلَيَّ سِلْعَتَكَ أَنْظُرْ إِلَيْهَا- فَإِنْ رَأَيْتُ شَيْئاً يَنْبَغِي لِي أَنْ أَذْكُرَهُ ذَكَرْتُهُ- قَالَ لَهُ
397
بِلَوْهَرُ إِنِّي رَجُلٌ طَبِيبٌ وَ إِنِّي لَأَرَى فِي بَصَرِكَ ضَعْفاً- فَأَخَافُ إِنْ نَظَرْتَ إِلَى سِلْعَتِي أَنْ يَلْتَمِعَ بَصَرُكَ- وَ لَكِنِ ابْنُ الْمَلِكِ صَحِيحُ الْبَصَرِ حَدَثُ السِّنِّ- وَ لَسْتُ أَخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى سِلْعَتِي- فَإِنْ رَأَى مَا يُعْجِبُهُ كَانَتْ لَهُ مَبْذُولَةً عَلَى مَا يُحِبُّ- وَ إِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ تَدْخُلْ عَلَيْهِ مَئُونَةٌ وَ لَا مَنْقَصَةٌ- وَ هَذَا أَمْرٌ عَظِيمٌ لَا يَسَعُكَ أَنْ تُحَرِّمَهُ إِيَّاهُ أَوْ تَطْوِيَهُ دُونَهُ- فَانْطَلَقَ الْحَاضِنُ إِلَى ابْنِ الْمَلِكِ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُلِ- فَحَسَّ قَلْبُ ابْنِ الْمَلِكِ بِأَنَّهُ قَدْ وَجَدَ حَاجَتَهُ- فَقَالَ عَجِّلْ إِدْخَالَ الرَّجُلِ عَلَيَّ لَيْلًا- وَ لْيَكُنْ ذَلِكَ فِي سِرٍّ وَ كِتْمَانٍ- فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَتَهَاوَنُ بِهِ- فَأَمَرَ الْحَاضِنُ بِلَوْهَرَ بِالتَّهَيُّؤِ لِلدُّخُولِ عَلَيْهِ- فَحَمَلَ مَعَهُ سَفَطاً فِيهِ كُتُبٌ لَهُ- فَقَالَ الْحَاضِنُ مَا هَذَا السَّفَطُ- قَالَ بِلَوْهَرُ فِي هَذَا السَّفَطِ سِلْعَتِي فَإِذَا شِئْتَ فَأَدْخِلْنِي عَلَيْهِ- فَانْطَلَقَ بِهِ حَتَّى أَدْخَلَهُ عَلَيْهِ- فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ بِلَوْهَرُ سَلَّمَ عَلَيْهِ وَ حَيَّاهُ- وَ أَحْسَنَ ابْنُ الْمَلِكِ إِجَابَتَهُ وَ انْصَرَفَ الْحَاضِنُ- وَ قَعَدَ الْحَكِيمُ عِنْدَ الْمَلِكِ فَأَوَّلُ مَا قَالَ لَهُ بِلَوْهَرُ- رَأَيْتُكَ يَا ابْنَ الْمَلِكِ- زِدْتَنِي فِي التَّحِيَّةِ عَلَى مَا تَصْنَعُ بِغِلْمَانِكَ- وَ أَشْرَافِ أَهْلِ بِلَادِكَ قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- ذَلِكَ لِعَظِيمِ مَا رَجَوْتُ عِنْدَكَ- قَالَ بِلَوْهَرُ لَئِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ بِي- فَقَدْ كَانَ رَجُلًا مِنَ الْمُلُوكِ فِي بَعْضِ الْآفَاقِ يُعْرَفُ بِالْخَيْرِ- وَ يُرْجَى فَبَيْنَا هُوَ يَسِيرُ يَوْماً فِي مَوْكِبِهِ- إِذْ عَرَضَ لَهُ فِي مَسِيرِهِ رَجُلَانِ مَاشِيَانِ- لِبَاسُهُمَا الْخَلِقَانِ وَ عَلَيْهِمَا أَثَرُ الْبُؤْسِ وَ الضُّرِّ- فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمَا الْمَلِكُ لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ- فَحَيَّاهُمَا وَ صَافَحَهُمَا فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ وُزَرَاؤُهُ- اشْتَدَّ جَزَعُهُمْ مِمَّا صَنَعَ الْمَلِكُ- فَأَتَوْا أَخاً لَهُ وَ كَانَ جَرِيّاً عَلَيْهِ فَقَالُوا- إِنَّ الْمَلِكَ أَزْرَى بِنَفْسِهِ وَ فَضَحَ أَهْلَ مَمْلَكَتِهِ- وَ خَرَّ عَنْ دَابَّتِهِ لِإِنْسَانَيْنِ دَنِيَّيْنِ- فَعَاتِبْهُ عَلَى ذَلِكَ كَيْلَا يَعُودَ وَ لُمْهُ عَلَى مَا صَنَعَ- فَفَعَلَ ذَلِكَ أَخُ الْمَلِكِ- فَأَجَابَهُ الْمَلِكُ بِجَوَابٍ لَا يُدْرَى- مَا حَالُهُ فِيهِ أَ سَاخِطٌ عَلَيْهِ الْمَلِكُ أَمْ رَاضٍ عَنْهُ- فَانْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ أَمَرَ الْمَلِكُ مُنَادِياً- وَ كَانَ يُسَمَّى مُنَادِيَ الْمَوْتِ فَنَادَى فِي فِنَاءِ دَارِهِ- وَ كَانَتْ تِلْكَ سُنَّتَهُمْ فِيمَنْ أَرَادُوا قَتْلَهُ- فَقَامَتِ النَّوَائِحُ وَ النَّوَادِبُ فِي دَارِ أَخِ الْمَلِكِ- وَ لَبِسَ ثِيَابَ الْمَوْتَى وَ انْتَهَى إِلَى بَابِ الْمَلِكِ- وَ هُوَ يَبْكِي بُكَاءً شَدِيداً وَ نَتَفَ شَعْرَهُ- فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَلِكَ دَعَا بِهِ- فَلَمَّا أَذِنَ لَهُ الْمَلِكُ دَخَلَ
398
عَلَيْهِ- وَ وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ وَ نَادَى بِالْوَيْلِ وَ الثُّبُورِ- وَ رَفَعَ يَدَهُ بِالتَّضَرُّعِ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ- اقْتَرِبْ أَيُّهَا السَّفِيهُ أَنْتَ تَجْزَعُ مِنْ مُنَادٍ- نَادَى مِنْ بَابِكَ بِأَمْرِ مَخْلُوقٍ وَ لَيْسَ بِأَمْرِ خَالِقٍ- وَ أَنَا أَخُوكَ وَ قَدْ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ لَكَ إِلَيَّ ذَنْبٌ أَقْتُلُكَ عَلَيْهِ- ثُمَّ أَنْتُمْ تَلُومُونَنِي عَلَى وُقُوعِي إِلَى الْأَرْضِ- حِينَ نَظَرْتُ إِلَى مُنَادِي رَبِّي إِلَيَّ- وَ أَنَا أَعْرَفُ مِنْكُمْ بِذُنُوبِي- فَاذْهَبْ فَإِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ- إِنَّمَا اسْتَغَرَّكَ وُزَرَائِي وَ سَيَعْلَمُونَ خَطَأَهُمْ- ثُمَّ أَمَرَ الْمَلِكُ بِأَرْبَعَةِ تَوَابِيتَ فَصُنِعَتْ لَهُ مِنْ خَشَبٍ- فَطَلَا تَابُوتَيْنِ مِنْهَا بِالذَّهَبِ وَ تَابُوتَيْنِ بِالْقَارِ- فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا مَلَأَ تَابُوتَيِ الْقَارِ- ذَهَباً وَ يَاقُوتاً وَ زَبَرْجَداً وَ مَلَأَ تَابُوتَيِ الذَّهَبِ- جِيَفاً وَ دَماً وَ عَذِرَةً وَ شَعْراً- ثُمَّ جَمَعَ الْوُزَرَاءَ وَ الْأَشْرَافَ- الَّذِينَ ظَنَّ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا صَنِيعَهُ- بِالرَّجُلَيْنِ الضَّعِيفَيْنِ النَّاسِكِينَ- فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ التَّوَابِيتَ الْأَرْبَعَةَ وَ أَمَرَهُمْ بِتَقْوِيمِهَا- فَقَالُوا أَمَّا فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ وَ مَا رَأَيْنَا وَ مَبْلَغِ عَلِمْنَا- فَإِنَّ تَابُوتَيِ الذَّهَبِ لَا ثَمَنَ لَهُمَا لِفَضْلِهِمَا- وَ تَابُوتَيِ الْقَارِ لَا ثَمَنَ لَهُمَا لِرَذَالَتِهِمَا فَقَالَ الْمَلِكُ- أَجَلْ هَذَا لِعِلْمِكُمْ بِالْأَشْيَاءِ وَ مَبْلَغِ رَأْيِكُمْ فِيهَا- ثُمَّ أَمَرَ بِتَابُوتَيِ الْقَارِ فَنُزِعَتْ عَنْهُمَا صَفَائِحُهُمَا- فَأَضَاءَ الْبَيْتُ بِمَا فِيهَا مِنَ الْجَوَاهِرِ فَقَالَ- هَذَانِ مَثَلُ الرَّجُلَيْنِ الَّذِينَ ازْدَرَيْتُمْ لِبَاسَهُمَا- وَ ظَاهِرَهُمَا وَ هُمَا مَمْلُوَّانِ عِلْماً- وَ حِكْمَةً وَ صِدْقاً وَ بِرّاً وَ سَائِرَ مَنَاقِبِ الْخَيْرِ- الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْيَاقُوتِ وَ اللُّؤْلُؤِ وَ الْجَوْهَرِ وَ الذَّهَبِ- ثُمَّ أَمَرَ بِتَابُوتَيِ الذَّهَبِ فَنُزِعَ عَنْهُمَا أَبْوَابُهُمَا- فَاقْشَعَرَّ الْقَوْمُ مِنْ سُوءِ مَنْظَرِهِمَا- وَ تَأَذَّوْا بِرِيحِهِمَا وَ نَتْنِهِمَا فَقَالَ الْمَلِكُ- وَ هَذَانِ مَثَلُ الْقَوْمِ الْمُتَزَيِّنِينَ بِظَاهِرِ الْكِسْوَةِ- وَ اللِّبَاسِ وَ أَجْوَافُهُمَا مَمْلُوَّةٌ جَهَالَةً وَ عَمًى وَ كَذِباً- وَ جَوْراً وَ سَائِرَ أَنْوَاعِ الشَّرِّ- الَّتِي هِيَ أَفْظَعُ وَ أَشْنَعُ وَ أَقْذَرُ مِنَ الْجِيَفِ- قَالَ الْقَوْمُ قَدْ فُقِّهْنَا وَ اتَّعَظْنَا أَيُّهَا الْمَلِكُ- ثُمَّ قَالَ بِلَوْهَرُ هَذَا مَثَلُكَ يَا ابْنَ الْمَلِكِ- فِيمَا تَلَقَّيْتَنِي بِهِ مِنَ التَّحِيَّةِ وَ الْبِشْرِ- فَانْتَصَبَ يُوذَاسُفُ ابْنُ الْمَلِكِ وَ كَانَ مُتَّكِئاً- ثُمَّ قَالَ زِدْنِي مَثَلًا قَالَ الْحَكِيمُ- إِنَّ الزَّارِعَ خَرَجَ بِبَذْرِهِ الطَّيِّبِ لِيَبْذُرَهُ- فَلَمَّا مَلَأَ كَفَّهُ وَ نَثَرَهُ وَقَعَ بَعْضُهُ عَلَى حَافَّةِ الطَّرِيقِ- فَلَمْ يلبثان [يَلْبَثْ أَنِ الْتَقَطَهُ الطَّيْرُ- وَ وَقَعَ بَعْضُهُ عَلَى صَفَاةٍ قَدْ أَصَابَهَا نَدًى وَ طِينٌ-
399
فَمَكَثَ حَتَّى اهْتَزَّ- فَلَمَّا صَارَتْ عُرُوقُهُ إِلَى يُبْسِ الصَّفَاةِ مَاتَ وَ يَبِسَ- وَ وَقَعَ بَعْضُهُ بِأَرْضٍ ذَاتِ شَوْكٍ فَنَبَتَ حَتَّى سَنْبَلَ- وَ كَادَ أَنْ يُثْمِرَ فَمَنَعَهُ الشَّوْكُ فَأَبْطَلَهُ- وَ أَمَّا مَا كَانَ مِنْهُ وَقَعَ فِي الْأَرْضِ الطَّيِّبَةِ- وَ إِنْ كَانَ قَلِيلًا فَإِنَّهُ سَلِمَ وَ طَابَ وَ زَكِيَ- فَالزَّارِعُ حَامِلُ الْحِكْمَةِ وَ أَمَّا الْبَذْرُ فَفُنُونُ الْكَلَامِ- وَ أَمَّا مَا وَقَعَ مِنْهُ عَلَى حَافَّةِ الطَّرِيقِ فَالْتَقَطَهُ الطَّيْرُ فَمَا لَا يُجَاوِزُ السَّمْعَ مِنْهُ حَتَّى يَمُرَّ صَفْحاً- وَ أَمَّا مَا وَقَعَ عَلَى الصَّخْرَةِ فِي النَّدَى- فَيَبِسَ حِينَ بَلَغَتْ عُرُوقُهُ الصَّفَاةَ فَمَا اسْتَحْلَاهُ صَاحِبُهُ- حَتَّى سَمِعَهُ بِفَرَاغِ قَلْبِهِ وَ عَرَفَهُ بِفَهْمِهِ- وَ لَمْ يَفْقَهْ بِحَصَافَةِ وَلَايَتِهِ- وَ أَمَّا مَا نَبَتَ مِنْهُ وَ كَادَ أَنْ يُثْمِرَ فَمَنَعَهُ الشَّوْكُ فَأَهْلَكَهُ- فَمَا وَعَاهُ صَاحِبُهُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الْعَمَلِ بِهِ- حَفَّتْهُ الشَّهَوَاتُ فَأَهْلَكَتْهُ وَ أَمَّا مَا زَكِيَ وَ طَابَ- وَ سَلِمَ مِنْهُ وَ انْتُفِعَ بِهِ رَآهُ الْبَصَرُ وَ وَعَاهُ الْحِفْظُ- وَ أَنْفَذَهُ الْعَزْمُ بِقَمْعِ الشَّهَوَاتِ وَ تَطْهِيرِ الْقُلُوبِ مِنْ دَنَسِهَا- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- إِنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ مَا تَبْذُرَهُ أَيُّهَا الْحَكِيمُ مَا يَزْكُو- وَ يَسْلَمُ وَ يَطِيبُ فَاضْرِبْ لِي مَثَلَ الدُّنْيَا وَ غُرُورِ أَهْلِهَا بِهَا- قَالَ بِلَوْهَرُ بَلَغَنَا أَنَّ رَجُلًا حَمَلَ عَلَيْهِ فِيلٌ مُغْتَلِمٌ (1)- فَانْطَلَقَ مُوَلِّياً هَارِباً وَ أَتْبَعَهُ الْفِيلُ حَتَّى غَشِيَهُ- فَاضْطَرَّهُ إِلَى بِئْرٍ فَتَدَلَّى فِيهَا- وَ تَعَلَّقَ بِغُصْنَيْنِ نَابِتَيْنِ عَلَى شَفِيرِ الْبِئْرِ- وَ وَقَعَتْ قَدَمَاهُ عَلَى رُءُوسِ حَيَّاتٍ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ الْغُصْنَيْنِ- فَإِذَا فِي أَصْلِهِمَا جُرَذَانٌ يَقْرِضَانِ الْغُصْنَيْنِ- أَحَدُهُمَا أَبْيَضُ وَ الْآخَرُ أَسْوَدُ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى تَحْتِ قَدَمَيْهِ- فَإِذَا رُءُوسُ أَرْبَعِ أَفَاعٍ قَدْ طَلَعْنَ مِنْ جُحْرِهِنَّ- فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى قَعْرِ الْبِئْرِ إِذَا بِتِنِّينٍ- فَاغِرٍ فَاهُ (2) نَحْوَهُ يُرِيدُ الْتِقَامَهُ- فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى أَعْلَى الْغُصْنَيْنِ- إِذَا عَلَيْهِمَا شَيْءٌ مِنْ عَسَلِ النَّحْلِ- فَتَطَعَّمَ مِنْ ذَلِكَ الْعَسَلِ فَأَلْهَاهُ مَا طَعِمَ مِنْهُ- وَ مَا نَالَ مِنْ لَذَّةِ الْعَسَلِ وَ حَلَاوَتِهِ عَنِ الْفِكْرِ- فِي أَمْرِ الْأَفَاعِي اللَّوَاتِي لَا يَدْرِي- مَتَى يُبَادِرْنَهَ وَ أَلْهَاهُ عَنِ التِّنِّينِ- الَّذِي لَا يَدْرِي كَيْفَ مَصِيرُهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ فِي لَهَوَاتِهِ- أَمَّا الْبِئْرُ فَالدُّنْيَا مَمْلُوَّةَ آفَاتٍ وَ بَلَايَا وَ شُرُورٍ- وَ أَمَّا الْغُصْنَانِ فَالْعُمُرُ- وَ أَمَّا
____________
(1) أي شديد الشهوة يعنى فيل مست، اغتلم الشراب: اشتدت سورته.
(2) الفاغر الفاتح فاه.
400
الْجِرْذَانُ فَاللَّيْلُ وَ النَّهَارُ يُسْرِعَانِ فِي الْأَجَلِ- وَ أَمَّا الْأَفَاعِي الْأَرْبَعَةُ فَالْأَخْلَاطُ الْأَرْبَعَةُ- الَّتِي هِيَ السُّمُومُ الْقَاتِلَةُ مِنَ الْمِرَّةِ- وَ الْبَلْغَمِ وَ الرِّيحِ وَ الدَّمِ الَّتِي لَا يَدْرِي صَاحِبُهَا مَتَى تُهَيِّجُ بِهِ- وَ أَمَّا التِّنِّينُ الْفَاغِرُ فَاهُ لِيَلْتَقِمَهُ- فَالْمَوْتُ الرَّاصِدُ الطَّالِبُ- وَ أَمَّا الْعَسَلُ الَّذِي اغْتَرَّ بِهِ الْمَغْرُورُ- فَمَا يَنَالُ النَّاسُ مِنْ لَذَّةِ الدُّنْيَا وَ شَهَوَاتِهَا وَ نَعِيمِهَا- وَ دَعَتِهَا مِنْ لَذَّةِ المَطْعَمِ وَ الْمَشْرَبِ- وَ الشَّمِّ وَ اللَّمْسِ وَ السَّمْعِ وَ الْبَصَرِ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- إِنَّ هَذَا الْمَثَلَ عَجِيبٌ وَ إِنَّ هَذَا التَّشْبِيهَ حَقٌّ- فَزِدْنِي مَثَلًا لِلدُّنْيَا- وَ صَاحِبِهَا الْمَغْرُورِ بِهَا الْمُتَهَاوِنِ بِمَا يَنْفَعُهُ فِيهَا- قَالَ بِلَوْهَرُ زَعَمُوا أَنَّ رَجُلًا كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ قُرَنَاءَ- وَ كَانَ قَدْ آثَرَ أَحَدَهُمْ عَلَى النَّاسِ جَمِيعاً- وَ يَرْكَبُ الْأَهْوَالَ وَ الْأَخْطَارَ بِسَبَبِهِ وَ يُغَرِّرُ بِنَفْسِهِ لَهُ- وَ يُشْغَلُ لَيْلَهُ وَ نَهَارَهُ فِي حَاجَتِهِ- وَ كَانَ الْقَرِينُ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ مَنْزِلَةً- وَ هُوَ عَلَى ذَلِكَ حَبِيبٌ إِلَيْهِ مُشْفِقٌ عِنْدَهُ- وَ يُكْرِمُهُ وَ يُلَاطِفُهُ وَ يَخْدُمُهُ- وَ يُطِيعُهُ وَ يَبْذُلُ لَهُ وَ لَا يَغْفُلُ عَنْهُ- وَ كَانَ الْقَرِينُ الثَّالِثُ مَحْقُوراً مُسْتَثْقِلًا- لَيْسَ لَهُ مِنْ وُدِّهِ وَ مَالِهِ إِلَّا أَقَلُّهُ- حَتَّى إِذَا نَزَلَ بِالرَّجُلِ الْأَمْرُ- الَّذِي يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى قُرَنَائِهِ الثَّلَاثَةِ- فَأَتَاهُ جَلَاوِزَةُ الْمَلِكِ لِيَذْهَبُوا بِهِ- فَفَزِعَ إِلَى قَرِينِهِ الْأَوَّلِ- فَقَالَ لَهُ قَدْ عَرَفْتَ إِيثَارِي إِيَّاكَ وَ بَذْلَ نَفْسِي لَكَ- وَ هَذَا الْيَوْمُ يَوْمُ حَاجَتِي إِلَيْكَ فَمَا ذَا عِنْدَكَ- قَالَ مَا أَنَا لَكَ بِصَاحِبٍ وَ إِنَّ لِي أَصْحَاباً يَشْغَلُونِي عَنْكَ- هُمُ الْيَوْمَ أَوْلَى بِي مِنْكَ- وَ لَكِنْ لَعَلِّي أُزَوِّدُكَ ثَوْبَيْنِ لِتَنْتَفِعَ بِهِمَا- ثُمَّ فَزِعَ إِلَى قَرِينِهِ الثَّانِي ذِي الْمَحَبَّةِ وَ اللُّطْفِ- فَقَالَ لَهُ قَدْ عَرَفْتَ كَرَامَتِي إِيَّاكَ- وَ لُطْفِي بِكَ وَ حِرْصِي عَلَى مَسَرَّتِكَ- وَ هَذَا يَوْمُ حَاجَتِي إِلَيْكَ فَمَا ذَا عِنْدَكَ- فَقَالَ إِنَّ أَمْرَ نَفْسِي يَشْغَلُنِي عَنْكَ وَ عَنْ أَمْرِكَ- فَاعْمِدْ لِشَأْنِكَ وَ اعْلَمْ أَنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ الَّذِي بَيْنِي وَ بَيْنَكَ- وَ أَنَّ طَرِيقِي غَيْرُ طَرِيقِكَ- إِلَّا أَنِّي لَعَلِّي أَخْطُو مَعَكَ خُطُوَاتٍ يَسِيرَةً لَا تَنْتَفِعُ بِهَا- ثُمَّ أَنْصَرِفُ إِلَى مَا هُوَ أَهُمُّ إِلَيَّ مِنْكَ- ثُمَّ فَزِعَ إِلَى قَرِينِهِ الثَّالِثِ الَّذِي كَانَ يُحَقِّرُهُ وَ يَعْصِيهِ- وَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ أَيَّامَ رَخَائِهِ فَقَالَ لَهُ- إِنِّي مِنْكَ لَمُسْتَحٍ- وَ لَكِنَّ الْحَاجَةَ اضْطَرَّتْنِي إِلَيْكَ فَمَا ذَا لِي عِنْدَكَ- قَالَ
401
لَكَ عِنْدِي الْمُوَاسَاةُ وَ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْكَ- وَ قِلَّةُ الْغَفْلَةِ عَنْكَ فَأَبْشِرْ وَ قَرَّ عَيْناً- فَإِنِّي صَاحِبُكَ الَّذِي لَا يَخْذُلُكَ وَ لَا يُسْلِمُكَ- فَلَا يُهِمُّكَ قِلَّةُ مَا أَسْلَفْتَنِي وَ اصْطَنَعْتَ إِلَيَّ- فَإِنِّي قَدْ كُنْتُ أَحْفَظُ لَكَ ذَلِكَ وَ أُوَفِّرُهُ عَلَيْكَ كُلَّهُ- ثُمَّ لَمْ أَرْضَ لَكَ بَعْدَ ذَلِكَ بِهِ- حَتَّى اتَّجَرْتُ لَكَ بِهِ فَرَبِحْتُ أَرْبَاحاً كَثِيرَةً- فَلَكَ الْيَوْمُ عِنْدِي مِنْ ذَلِكَ أَضْعَافُ مَا وَضَعْتَ عِنْدِي مِنْهُ فَأَبْشِرْ- وَ إِنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ- رِضَى الْمَلِكِ عَنْكَ الْيَوْمَ وَ فَرَجاً مِمَّا أَنْتَ فِيهِ- فَقَالَ الرَّجُلُ عِنْدَ ذَلِكَ مَا أَدْرِي عَلَى أَيِّ الْأَمْرَيْنِ- أَنَا أَشَدُّ حَسْرَةً عَلَيْهِ عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي الْقَرِينِ الصَّالِحِ- أَمْ عَلَى مَا اجْتَهَدْتُ فِيهِ مِنَ الْمَحَبَّةِ لِقَرِينِ السَّوْءِ- قَالَ بِلَوْهَرُ فَالْقَرِينُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمَالُ- وَ الْقَرِينُ الثَّانِي هُوَ الْأَهْلُ وَ الْوَلَدُ- وَ الْقَرِينُ الثَّالِثُ هُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ إِنَّ هَذَا هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ- فَزِدْنِي مَثَلًا لِلدُّنْيَا وَ غُرُورِهَا- وَ صَاحِبِهَا الْمَغْرُورِ بِهَا الْمُطْمَئِنِّ إِلَيْهَا- قَالَ بِلَوْهَرُ كَانَ أَهْلُ مَدِينَةٍ يَأْتُونَ الرَّجُلَ- الْغَرِيبَ الْجَاهِلَ بِأَمْرِهِمْ فَيُمَلِّكُونَهُ عَلَيْهِمْ سَنَةً- فَلَا يَشُكُّ أَنَّ مُلْكَهُ دَائِمٌ عَلَيْهِمْ لِجَهَالَتِهِ بِهِمْ- فَإِذَا انْقَضَتِ السَّنَةُ أَخْرَجُوهُ مِنْ مَدِينَتِهِمْ- عُرْيَاناً مُجَرَّداً سَلِيباً- فَيَقَعُ فِي بَلَاءٍ وَ شَقَاءٍ لَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ- فَصَارَ مَا مَضَى عَلَيْهِ مِنْ مُلْكِهِ وَبَالًا وَ حُزْناً وَ مُصِيبَةً وَ أَذًى- ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَخَذُوا رَجُلًا آخَرَ فَمَلَّكُوهُ عَلَيْهِمْ- فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلُ غُرْبَتَهُ فِيهِمْ لَمْ يَسْتَأْنِسْ بِهِمْ- وَ طَلَبَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ أَرْضِهِ خَبِيراً بِأَمْرِهِمْ حَتَّى وَجَدَهُ- فَأَفْضَى إِلَيْهِ بِسِرِّ الْقَوْمِ وَ أَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الْأَمْوَالِ- الَّتِي فِي يَدَيْهِ فَيُخْرِجَ مِنْهَا مَا اسْتَطَاعَ الْأَوَّلَ- فَالْأَوَّلَ حَتَّى يُحْرِزَهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يُخْرِجُونَهُ إِلَيْهِ- فَإِذَا أَخْرَجَهُ الْقَوْمُ صَارَ إِلَى الْكِفَايَةِ- وَ السَّعَةِ بِمَا قَدَّمَ وَ أَحْرَزَ- فَفَعَلَ مَا قَالَ لَهُ الرَّجُلُ وَ لَمْ يُضَيِّعْ وَصِيَّتَهُ- قَالَ بِلَوْهَرُ وَ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ ذَلِكَ الرَّجُلَ- يَا ابْنَ الْمَلِكِ الَّذِي لَمْ يَسْتَأْنِسْ بِالْغُرَبَاءِ- وَ لَمْ يَغْتَرَّ بِالسُّلْطَانِ وَ أَنَا الرَّجُلُ الَّذِي طَلَبْتَ- وَ لَكَ عِنْدِي الدَّلَالَةُ وَ الْمَعْرِفَةُ وَ الْمَعُونَةُ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ صَدَقْتَ أَيُّهَا الْحَكِيمُ- أَنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ وَ أَنْتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ
402
وَ أَنْتَ طَلِبَتِيَ الَّتِي كُنْتُ طَلَبْتُهَا فَصِفْ لِي أَمْرَ الْآخِرَةِ تَامّاً- فَأَمَّا الدُّنْيَا فَلَعَمْرِي لَقَدْ صَدَقْتَ- وَ لَقَدْ رَأَيْتُ مِنْهَا مَا يَدُلُّنِي عَلَى فَنَائِهَا وَ يُزَهِّدُنِي فِيهَا- وَ لَمْ يَزَلْ أَمْرُهَا حَقِيراً عِنْدِي- قَالَ بِلَوْهَرُ إِنَّ الزَّهَادَةَ فِي الدُّنْيَا- يَا ابْنَ الْمَلِكِ مِفْتَاحُ الرَّغْبَةِ إِلَى الْآخِرَةِ- وَ مَنْ طَلَبَ الْآخِرَةَ فَأَصَابَ بَابَهَا دَخَلَ مَلَكُوتَهَا- وَ كَيْفَ لَا تَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا وَ قَدْ آتَاكَ اللَّهُ مِنَ الْعَقْلِ مَا آتَاكَ- وَ قَدْ تَرَى أَنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا- وَ إِنْ كَثُرَتْ إِنَّمَا يَجْمَعُهَا أَهْلُهَا لِهَذِهِ الْأَجْسَادِ الْفَانِيَةِ- وَ الْجَسَدُ لَا قِوَامَ لَهُ وَ لَا امْتِنَاعَ بِهِ- فَالْحَرُّ يُذِيبُهُ وَ الْبَرْدُ يُجْمِدُهُ- وَ السُّمُومُ يَتَخَلَّلُهُ وَ الْمَاءُ يُغْرِقُهُ وَ الشَّمْسُ تُحْرِقُهُ- وَ الْهَوَاءُ يُسْقِمُهُ وَ السِّبَاعُ يَفْتَرِسُهُ- وَ الطَّيْرُ تَنْقُرُهُ وَ الْحَدِيدُ يَقْطَعُهُ وَ الصَّدْمُ يَحْطِمُهُ- ثُمَّ هُوَ مَعْجُونٌ بِطِيْنَةٍ مِنْ أَلْوَانِ الْأَسْقَامِ وَ الْأَوْجَاعِ وَ الْأَمْرَاضِ- فَهُوَ مُرْتَهَنٌ بِهَا مُتَرَقِّبٌ لَهَا وَجِلٌ مِنْهَا- غَيْرُ طَامِعٍ فِي السَّلَامَةِ مِنْهَا- ثُمَّ هُوَ مُقَارِنُ الْآفَاتِ السَّبْعِ الَّتِي لَا يَتَخَلَّصُ مِنْهَا ذُو جَسَدٍ- وَ هِيَ الْجُوعُ وَ الظَّمَأُ وَ الْحَرُّ وَ الْبَرْدُ- وَ الْوَجَعُ وَ الْخَوْفُ وَ الْمَوْتُ- فَأَمَّا مَا سَأَلْتَ مِنْهُ مِنَ الْأَمْرِ الْآخِرَةِ- فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَجِدَ مَا تَحْسَبُهُ بَعِيداً قَرِيباً- وَ مَا كُنْتَ تَحْسَبُهُ عَسِيراً يَسِيراً- وَ مَا كُنْتَ تَحْسَبُهُ قَلِيلًا كَثِيراً- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ أَيُّهَا الْحَكِيمُ- أَ رَأَيْتَ الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانَ وَالِدِي حَرَّقَهُمْ بِالنَّارِ- وَ نَفَاهُمْ أَ هُمْ أَصْحَابُكَ فَقَالَ نَعَمْ قَالَ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي- أَنَّ النَّاسَ اجْتَمَعُوا عَلَى عَدَاوَتِهِمْ وَ سُوءِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ- قَالَ بِلَوْهَرُ نَعَمْ قَدْ كَانَ ذَلِكَ- قَالَ فَمَا سَبَبُ ذَلِكَ أَيُّهَا الْحَكِيمُ قَالَ بِلَوْهَرُ- أَمَّا قَوْلُكَ يَا ابْنَ الْمَلِكِ فِي سُوءِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ- فَمَا عَسَى أَنْ يَقُولُوا فِيمَنْ يَصْدُقُ وَ لَا يَكْذِبُ- وَ يَعْلَمُ وَ لَا يَجْهَلُ وَ يَكُفُّ وَ لَا يؤدي [يُؤْذِي- وَ يُصَلِّي وَ لَا يَنَامُ وَ يَصُومُ وَ لَا يُفْطِرُ وَ يَبْتَلِي فَيَصْبِرُ- وَ يَتَفَكَّرُ فَيَعْتَبِرُ وَ يُطَيِّبُ نَفْسَهُ عَنِ الْأَمْوَالِ وَ الْأَهْلِينَ- وَ لَا يَخَافُهُمُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَ أَهْلِيهِمْ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ فَكَيْفَ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى عَدَاوَتِهِمْ- وَ هُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ مُخْتَلِفُونَ- قَالَ بِلَوْهَرُ مَثَلُهُمْ فِي ذَلِكَ مَثَلُ كِلَابٍ- اجْتَمَعُوا عَلَى جِيفَةٍ تَنْهَشُهَا وَ يَهَارُّ بَعْضُهَا بَعْضاً- مُخْتَلِفَةَ الْأَلْوَانِ وَ الْأَجْنَاسِ- فَبَيْنَا هِيَ تُقْبِلُ عَلَى الْجِيفَةِ إِذْ دَنَا رَجُلٌ مِنْهُمْ- فَتَرَكَ بَعْضُهُنَّ بَعْضاً- وَ أَقْبَلْنَ عَلَى الرَّجُلِ فَيَهِرُّنَّ عَلَيْهِ جَمِيعاً مُعَاوِيَاتٍ عَلَيْهِ- وَ لَيْسَ لِلرَّجُلِ فِي جِيفَتِهِنَّ حَاجَةٌ-
403
وَ لَا أَرَادَ أَنْ يُنَازِعَهُنَّ فِيهَا- وَ لَكِنَّهُنَّ عَرَفْنَ غُرْبَتَهُ مِنْهُنَّ فَاسْتَوْحَشْنَ مِنْهُ- وَ اسْتَأْنَسَ بَعْضُهُنَّ بِبَعْضٍ وَ إِنْ كُنَّ مُخْتَلِفَاتٍ مُتَعَادِيَاتٍ- فِيمَا بَيْنَهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَرِدَ الرَّجُلُ عَلَيْهِنَّ- قَالَ بِلَوْهَرُ فَمَثَلُ الْجِيفَةِ مَتَاعُ الدُّنْيَا- وَ مَثَلُ صُنُوفِ الْكِلَابِ ضُرُوبُ الرِّجَالِ- الَّذِينَ يَقْتَتِلُونَ عَلَى الدُّنْيَا- وَ يُهْرِقُونَ دِمَاءَهُمْ وَ يُنْفِقُونَ لَهَا أَمْوَالَهُمْ- وَ مَثَلُ الرَّجُلِ الَّذِي اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْكِلَابُ- وَ لَا حَاجَةَ لَهُ فِي جِيَفِهِنَّ كَمَثَلِ صَاحِبِ الدِّينِ- الَّذِي رَفَضَ الدُّنْيَا وَ خَرَجَ مِنْهَا- فَلَيْسَ يُنَازِعُ فِيهَا أَهْلَهَا- وَ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ النَّاسَ مِنْ أَنْ يعادونه [يُعَادُوهُ لِغُرْبَتِهِ عِنْدَهُمْ- فَإِنْ عَجِبْتَ فأعجبت [فَاعْجَبْ مِنَ النَّاسِ- أَنَّهُمْ لَا هِمَّةَ لَهُمْ إِلَّا الدُّنْيَا وَ جَمْعُهَا- وَ التَّكَاثُرُ وَ التَّفَاخُرُ وَ التَّغَالُبُ عَلَيْهَا- حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَنْ قَدْ تَرَكَهَا فِي أَيْدِيهِمْ- وَ تَخَلَّى عَنْهَا كَانُوا لَهُ أَشَدَّ قِتَالًا عَلَيْهِ- وَ أَشَدَّ حَنَقاً مِنْهُمْ لِلَّذِي يُشَاحُّهُمْ عَلَيْهَا- فَأَيُّ حُجَّةٍ لِلَّهِ يَا ابْنَ الْمَلِكِ أَدْحَضَ مِنْ تَعَاوُنِ الْمُخْتَلِفِينَ- عَلَى مَنْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ أَعْمِدْ لِحَاجَتِي- قَالَ بِلَوْهَرُ إِنَّ الطَّبِيبَ الرَّفِيقَ إِذْ رَأَى الْجَسَدَ- قَدْ أَهْلَكَتْهُ الْأَخْلَاطُ الْفَاسِدَةُ- فَأَرَادَ أَنْ يُقَوِّيَهُ وَ يُسْمِنَهُ لَمْ يُغَذِّهِ بِالطَّعَامِ- الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ اللَّحْمُ وَ الدَّمُ وَ الْقُوَّةُ- لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَتَى أَدْخَلَ الطَّعَامَ- عَلَى الْأَخْلَاطِ الْفَاسِدَةِ أَضَرَّ بِالْجَسَدِ وَ لَمْ يَنْفَعْهُ وَ لَمْ يُقَوِّهِ- وَ لَكِنْ يَبْدَأُ بِالْأَدْوِيَةِ وَ الْحِمْيَةِ مِنَ الطَّعَامِ- فَإِذَا أَذْهَبَ مِنْ جَسَدِهِ الْأَخْلَاطَ الْفَاسِدَةَ- أَقْبَلَ عَلَيْهِ بِمَا يُصْلِحُهُ مِنَ الطَّعَامِ- فَحِينَئِذٍ يَجِدُ طَعْمَ الطَّعَامِ وَ يَسْمَنُ- وَ يَقْوَى وَ يَحْمِلُ الثِّقْلَ بِمَشِيَّةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ أَيُّهَا الْحَكِيمُ- أَخْبِرْنِي مَا ذَا تُصِيبُ مِنَ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ- قَالَ الْحَكِيمُ زَعَمُوا أَنَّ مَلِكاً مِنَ الْمُلُوكِ- كَانَ عَظِيمَ الْمُلْكِ كَثِيرَ الْجُنْدِ وَ الْأَمْوَالِ- وَ أَنَّهُ بَدَا لَهُ أَنْ يَغْزُوَ مَلِكاً آخَرَ لِيَزْدَادَ مُلْكاً إِلَى مُلْكِهِ وَ مَالًا إِلَى مَالِهِ- فَسَارَ إِلَيْهِ بِالْجُنُودِ وَ الْعِدَدِ وَ الْعُدَّةِ- وَ النِّسَاءِ وَ الْأَوْلَادِ وَ الْأَثْقَالِ- فَأَقْبَلُوا نَحْوَهُ فَظَهَرُوا عَلَيْهِ وَ اسْتَبَاحُوا عَسْكَرَهُ فَهَرَبَ- وَ سَاقَ امْرَأَتَهُ وَ أَوْلَادَهُ صِغَاراً- فَأَلْجَأَهُ الطَّلَبُ عِنْدَ الْمَسَاءِ إِلَى أَجَمَةٍ عَلَى شَاطِئِ النَّهَرِ- فَدَخَلَهَا مَعَ أَهْلِهِ وَ وُلْدِهِ- وَ سَيَّبَ دَوَابَّهُ مَخَافَةَ أَنْ تَدُلُّ عَلَيْهِ
404
بِصَهِيلِهَا- فَبَاتُوا فِي الْأَجَمَةِ- وَ هُمْ يَسْمَعُونَ وَقْعَ حَوَافِرِ الْخَيْلِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ- فَأَصْبَحَ الرَّجُلُ لَا يُطِيقُ بَرَاحاً- وَ أَمَّا النَّهَرُ فَلَا يَسْتَطِيعُ عُبُورَهُ- وَ أَمَّا الْفَضَاءُ فَلَا يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ إِلَيْهِ لِمَكَانِ الْعَدُوِّ- فَهُمْ فِي مَكَانٍ ضَيِّقٍ قَدْ أَذَاهُمُ الْبَرْدُ- وَ أَهْجَرَهُمُ الْخَوْفُ وَ طَوَاهُمُ الْجُوعُ- وَ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ وَ لَا مَعَهُمْ زَادٌ وَ لَا إِدَامٌ- وَ أَوْلَادُهُ صِغَارٌ جِيَاعٌ يَبْكُونَ مِنَ الضُّرِّ- الَّذِي قَدْ أَصَابَهُمْ فَمَكَثَ بِذَلِكَ يَوْمَيْنِ- ثُمَّ إِنَّ أَحَدَ بَنِيهِ مَاتَ فَأَلْقَوْهُ فِي النَّهَرِ- فَمَكَثَ بَعْدَ ذَلِكَ يَوْماً آخَرَ فَقَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ إِنَّا مُشْرِفُونَ عَلَى الْهَلَاكِ جَمِيعاً- وَ إِنْ بَقِيَ بَعْضُنَا وَ هَلَكَ بَعْضُنَا- كَانَ خَيْراً مِنْ أَنْ نَهْلِكَ جَمِيعاً- وَ قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أُعَجِّلَ ذِبْحَ صَبِيٍّ مِنْ هَؤُلَاءِ الصِّبْيَانِ- فَنَجْعَلَهُ قُوتاً لَنَا وَ لِأَوْلَادِنَا- إِلَى أَنْ يَأْتِيَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِالْفَرَجِ- فَإِنْ أَخَّرْنَا ذَلِكَ هَزَلَ الصِّبْيَانُ حَتَّى لَا يُشْبِعَ لُحُومُهُمْ- وَ تَضْعُفُ حَتَّى لَا نَسْتَطِيعَ الْحَرَكَةَ إِنْ وَجَدْنَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا- وَ طَاوَعَتْهُ امْرَأَتُهُ فَذَبَحَ بَعْضَ أَوْلَادِهِ- وَ وَضَعُوهُ بَيْنَهُمْ يَنْهَشُونَهُ- فَمَا ظَنُّكَ يَا ابْنَ الْمَلِكِ بِذَلِكَ الْمُضْطَرِّ أَ أَكْلَ الْكَلِبِ الْمُسْتَكْثِرِ يَأْكُلُ- أَمْ أَكْلَ الْمُضْطَرِّ الْمُسْتَقِلِّ قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- بَلْ أَكْلَ الْمُسْتَقِلِّ قَالَ الْحَكِيمُ- كَذَلِكَ أَكْلِي وَ شُرْبِي يَا ابْنَ الْمَلِكِ فِي الدُّنْيَا- فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْمَلِكِ- أَ رَأَيْتَ هَذَا الَّذِي تَدْعُونِي إِلَيْهِ أَيُّهَا الْحَكِيمُ- أَ هُوَ شَيْءٌ نَظَرَ النَّاسُ فِيهِ بِعُقُولِهِمْ- وَ أَلْبَابِهِمْ حَتَّى اخْتَارُوهُ عَلَى مَا سِوَاهُ لِأَنْفُسِهِمْ- أَمْ دَعَاهُمُ اللَّهُ إِلَيْهِ فَأَجَابُوا- قَالَ الْحَكِيمُ عَلَا هَذَا الْأَمْرُ- وَ لَطُفَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ أَوْ بِرَأْيِهِمْ دَبَّرُوهُ- وَ لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ لَدَعَوْا إِلَى عَمَلِهَا- وَ زِينَتِهَا وَ حِفْظِهَا وَ دَعَتِهَا وَ نَعِيمِهَا- وَ لَذَّتِهَا وَ لَهْوِهَا وَ لَعِبِهَا وَ شَهَوَاتِهَا- وَ لَكِنَّهُ أَمْرٌ غَرِيبٌ وَ دَعْوَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ سَاطِعَةٌ- وَ هُدًى مُسْتَقِيمٌ نَاقِضٌ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا أَعْمَالَهُمْ- مُخَالِفٌ لَهُمْ عَائِبٌ عَلَيْهِمْ- وَ طَاعِنٌ نَاقِلٌ لَهُمْ عَنْ أَهْوَائِهِمْ- دَاعٍ لَهُمْ إِلَى طَاعَةِ رَبِّهِمْ وَ إِنَّ ذَلِكَ لَبَيِّنٌ لِمَنْ تَنَبَّهَ- مَكْتُومٌ عِنْدَهُ عَنْ غَيْرِ أَهْلِهِ حَتَّى يُظْهِرَ اللَّهُ الْحَقَّ بَعْدَ خَفَائِهِ- وَ يَجْعَلَ كَلِمَتَهُ الْعُلْيَا وَ كَلِمَةَ الَّذِينَ جَهِلُوا السُّفْلَى- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ صَدَقْتَ أَيُّهَا الْحَكِيمُ ثُمَّ قَالَ الْحَكِيمُ- إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ تَفَكَّرَ قَبْلَ مَجِيءِ الرُّسُلِ(ع)فَأَصَابَ- وَ مِنْهُمْ مَنْ دَعَتْهُ الرُّسُلُ بَعْدَ مَجِيئِهَا فَأَجَابَ- وَ أَنْتَ يَا ابْنَ الْمَلِكِ مِمَّنْ تَفَكَّرَ بِعَقْلِهِ فَأَصَابَ-
405
قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ فَهَلْ تَعْلَمُ أَحَداً مِنَ النَّاسِ- يَدْعُو إِلَى التَّزْهِيدِ فِي الدُّنْيَا غَيْرَكُمْ- قَالَ الْحَكِيمُ أَمَّا فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ فَلَا- وَ أَمَّا فِي سَائِرِ الْأُمَمِ فَفِيهِمْ قَوْمٌ يَنْتَحِلُونَ- الدِّينَ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَ لَمْ يَسْتَحِقُّوهُ بِأَعْمَالِهِمْ- فَاخْتَلَفَ سَبِيلُنَا وَ سَبِيلُهُمْ قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- كَيْفَ صِرْتُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْهُمْ- وَ إِنَّمَا أَتَاكُمْ هَذَا الْأَمْرُ الْغَرِيبُ مِنْ حَيْثُ أَتَاهُمْ- قَالَ الْحَكِيمُ الْحَقُّ كُلُّهُ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ أَنَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى دَعَا الْعِبَادَ إِلَيْهِ- فَقَبِلَهُ قَوْمٌ بِحَقِّهِ وَ شُرُوطِهِ- حَتَّى أَدَّوْهُ إِلَى أَهْلِهِ كَمَا أُمِرُوا- لَمْ يَظْلِمُوا وَ لَمْ يُخْطِئُوا وَ لَمْ يُضَيِّعُوا- وَ قَبِلَهُ آخَرُونَ فَلَمْ يَقُومُوا بِحَقِّهِ وَ شُرُوطِهِ- وَ لَمْ يُؤَدُّوهُ إِلَى أَهْلِهِ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ عَزِيمَةٌ- وَ لَا عَلَى الْعَمَلِ بِهِ نِيَّةُ ضَمِيرٍ فَضَيَّعُوهُ وَ اسْتَثْقَلُوهُ- فَالْمُضَيِّعُ لَا يَكُونُ مِثْلَ الْحَافِظِ- وَ الْمُفْسِدُ لَا يَكُونُ كَالْمُصْلِحِ- وَ الصَّابِرُ لَا يَكُونُ كَالْجَازِعِ- فَمِنْ هَاهُنَا كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ وَ أَوْلَى- ثُمَّ قَالَ الْحَكِيمُ إِنَّهُ لَيْسَ يَجْرِي عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ مِنْهُمْ- مِنَ الدِّينِ وَ التَّزْهِيدِ وَ الدُّعَاءِ إِلَى الْآخِرَةِ- إِلَّا وَ قَدْ أَخَذَ ذَلِكَ عَنْ أَصْلِ الْحَقِ (1) الَّذِي عَنْهُ أَخَذْنَا- وَ لَكِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُمْ أَحْدَاثُهُمُ- الَّتِي أَحْدَثُوا وَ ابْتِغَاؤُهُمُ الدُّنْيَا وَ إِخْلَادُهُمْ إِلَيْهَا- وَ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَةَ لَمْ تَزَلْ تَأْتِي- وَ تَظْهَرُ فِي الْأَرْضِ مَعَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَ رُسُلِهِ (صلوات اللّه عليهم)- فِي الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ عَلَى أَلْسِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ- وَ كَانَ أَهْلُ دَعْوَةِ الْحَقِّ أَمْرُهُمْ مُسْتَقِيمٌ- وَ طَرِيقُهُمْ وَاضِحٌ وَ دَعْوَتُهُمْ بَيِّنَةٌ- لَا فُرْقَةَ فِيهِمْ وَ لَا اخْتِلَافَ- فَكَانَتِ الرُّسُلُ(ع)إِذَا بَلَّغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ- وَ احْتَجُّوا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِحُجَّةٍ- وَ إِقَامَةِ مَعَالِمِ الدِّينِ وَ أَحْكَامِهِ- قَبَضَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ عِنْدَ انْقِضَاءِ آجَالِهِمْ- وَ مُنْتَهَى مُدَّتِهِمْ- وَ مَكَثَتِ الْأُمَّةُ مِنَ الْأُمَمِ بَعْدَ نَبِيِّهَا- بُرْهَةً مِنْ دَهْرِهَا لَا تَغَيَّرَ وَ لَا تَبَدَّلَ- ثُمَّ صَارَ النَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ يُحْدِثُونَ الْأَحْدَاثَ- وَ يَبْتَغُونَ الشَّهَوَاتِ وَ يُضَيِّعُونَ الْعِلْمَ- فَكَانَ الْعَالِمُ الْبَالِغُ الْمُسْتَبْصِرُ مِنْهُمْ يُخْفِي شَخْصَهُ- وَ لَا يُظْهِرُ عِلْمَهُ فَيَعْرِفُونَهُ بِاسْمِهِ- وَ لَا يَهْتَدُونَ إِلَى مَكَانِهِ وَ لَا يَبْقَى مِنْهُمْ- إِلَّا الْخَسِيسُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ- يَسْتَخِفُّ بِهِ أَهْلُ الْجَهْلِ وَ الْبَاطِلِ- فَيَخْمُلُ الْعِلْمُ وَ يَظْهَرُ الْجَهْلُ- وَ تَتَنَاسَلُ الْقُرُونُ فَلَا يَعْرِفُونَ إِلَّا الْجَهْلَ
____________
(1) في المصدر «أهل الحق».
406
وَ يَزْدَادُ الْجُهَّالُ اسْتِعْلَاءً وَ كَثْرَةً وَ الْعُلَمَاءُ خُمُولًا وَ قِلَّةً- فَحَوَّلُوا مَعَالِمَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَنْ وُجُوهِهَا- وَ تَرَكُوا قَصْدَ سَبِيلِهَا وَ هُمْ مَعَ ذَلِكَ مُقِرُّونَ بِتَنْزِيلِهِ- مُتَّبِعُونَ شِبْهَهُ ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ مُتَعَلِّقُونَ بِصِفَتِهِ- تَارِكُونَ لِحَقِيقَتِهِ نَابِذُونَ لِأَحْكَامِهِ- فَكُلُّ صِفَةٍ جَاءَتِ الرُّسُلُ تدعوا [تَدْعُو إِلَيْهَا- فَنَحْنُ لَهُمْ مُوَافِقُونَ فِي تِلْكَ الصِّفَةِ- مُخَالِفُونَ لَهُمْ فِي أَحْكَامِهِمْ وَ سِيرَتِهِمْ- وَ لَسْنَا نُخَالِفُهُمْ فِي شَيْءٍ إِلَّا وَ لَنَا عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ الْوَاضِحَةُ- وَ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ مِنْ نَعْتِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ- مِنَ الْكُتُبِ الْمُنْزَلَةِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- فَكُلُّ مُتَكَلِّمٍ مِنْهُمْ يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ مِنَ الْحِكْمَةِ فَهِيَ لَنَا وَ هِيَ بَيْنَنَا- وَ بَيْنَهُمْ تَشْهَدُ لَنَا عَلَيْهِمْ بِأَنَّهَا تُوَافِقُ صِفَتَنَا- وَ سِيرَتَنَا وَ حُكْمَنَا- وَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِسُنَّتِهِمْ وَ أَعْمَالِهِمْ- فَلَيْسُوا يَعْرِفُونَ مِنَ الْكِتَابِ إِلَّا وَصْفَهُ- وَ لَا مِنَ الذِّكْرِ إِلَّا اسْمَهُ- فَلَيْسُوا بِأَهْلِ الْكِتَابِ حَقِيقَةً حَتَّى يُقِيمُوهُ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- فَمَا بَالُ الْأَنْبِيَاءِ وَ الرُّسُلِ(ع)يَأْتُونَ فِي زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ- قَالَ الْحَكِيمُ إِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ كَمَثَلِ مَلِكٍ- كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ مَوَاتٌ لَا عُمْرَانَ فِيهَا- فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُقْبِلَ عَلَيْهَا بِعِمَارَتِهِ- أَرْسَلَ إِلَيْهَا رَجُلًا جَلْداً أَمِيناً نَاصِحاً- ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَعْمُرَ تِلْكَ الْأَرْضَ- وَ أَنْ يَغْرِسَ فِيهَا صُنُوفَ الشَّجَرِ وَ أَنْوَاعَ الزَّرْعِ- ثُمَّ سَمَّى لَهُ الْمَلِكُ أَلْوَاناً مِنَ الْغَرْسِ مَعْلُومَةً- وَ أَنْوَاعاً مِنَ الزَّرْعِ مَعْرُوفَةً- ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ لَا يَعْدُوَ مَا سَمَّى لَهُ- وَ أَنْ لَا يُحْدِثَ فِيهَا مِنْ قِبَلِهِ شَيْئاً لَمْ يَكُنْ أَمَرَهُ بِهِ سَيِّدُهُ- وَ أَمَرَهُ أَنْ يُخْرِجَ لَهَا نَهَراً وَ يَسُدَّ عَلَيْهَا حَائِطاً- وَ يَمْنَعَهَا مِنْ أَنْ يُفْسِدَهَا مُفْسِدٌ- فَجَاءَ الرَّسُولُ الَّذِي أَرْسَلَهُ الْمَلِكُ إِلَى تِلْكَ الْأَرْضِ- فَأَحْيَاهَا بَعْدَ مَوْتِهَا وَ عَمَرَهَا بَعْدَ خَرَابِهَا- وَ غَرَسَ فِيهَا وَ زَرَعَ مِنَ الصُّنُوفِ الَّتِي أَمَرَهُ بِهَا- ثُمَّ سَاقَ نَهَرَ الْمَاءِ إِلَيْهَا حَتَّى نَبَتَ الْغَرْسُ وَ اتَّصَلَ الزَّرْعُ- ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ قَلِيلًا حَتَّى مَاتَ قَيِّمُهَا- وَ أَقَامَ بَعْدَهُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ- وَ خَلَفَ مِنْ بَعْدِهِ خَلَفٌ خَالَفُوا مِنْ إِقَامَةِ الْقَيِّمِ بَعْدَهُ- وَ غَلَبُوهُ عَلَى أَمْرِهِ فَأَخْرَبُوا الْعُمْرَانَ- وَ طَمُّوا الْأَنْهَارَ فَيَبِسَ الْغَرْسُ وَ هَلَكَ الزَّرْعُ- فَلَمَّا بَلَغَ الْمَلِكَ خِلَافُهُمْ عَلَى الْقَيِّمِ بَعْدَ رَسُولِهِ- وَ خَرَابُ أَرْضِهِ أَرْسَلَ إِلَيْهَا رَسُولًا آخَرَ يُحْيِيهَا- وَ يُعِيدُهَا وَ يُصْلِحُهَا كَمَا كَانَتْ فِي مَنْزِلَتِهَا الْأُولَى- وَ كَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ وَ الرُّسُلُ(ع) يَبْعَثُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْوَاحِدَ بَعْدَ الْوَاحِدِ- فَيُصْلِحُ أَمْرَ النَّاسِ بَعْدَ فَسَادِهِ
407
قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ أَ يَخُصُّ الْأَنْبِيَاءَ وَ الرُّسُلَ عَلَيْهِمْ- إِذَا جَاءَتْ بِمَا يَبْعَثُ بِهِ أَمْ تُعَمُّ- قَالَ بِلَوْهَرُ- إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَ الرُّسُلَ إِذَا جَاءَتْ تَدْعُو عَامَّةَ النَّاسِ- فَمَنْ أَطَاعَهُمْ كَانَ مِنْهُمْ وَ مَنْ عَصَاهُمْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ- وَ مَا تَخْلُو الْأَرْضُ قَطُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- فِيهَا مُطَاعٌ مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَ رُسُلِهِ وَ مِنْ أَوْصِيَائِهِ- وَ إِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ طَائِرٍ كَانَ فِي سَاحِلِ الْبَحْرِ- يُقَالُ لَهُ قدمٌ (1) يَبِيضُ بَيْضاً كَثِيراً- وَ كَانَ شَدِيدَ الْحُبِّ لِلْفِرَاخِ وَ كَثْرَتِهَا- وَ كَانَ يَأْتِي عَلَيْهِ زَمَانٌ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ فِيهِ مَا يُرِيدُهُ مِنْ ذَلِكَ- فَلَا يَجِدُ بُدّاً مِنِ اتِّخَاذِ أَرْضٍ أُخْرَى- حَتَّى يَذْهَبَ ذَلِكَ الزَّمَانُ- فَيَأْخُذُ بَيْضَهُ مَخَافَةً عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَهْلِكَ مِنْ شَفَقَتِهِ- فَيُفَرِّقُهُ فِي أَعْشَاشِ الطَّيْرِ- فَتَحْضُنُ الطَّيْرُ بَيْضَتَهُ مَعَ بَيْضَتِهَا- وَ تَخْرُجُ فِرَاخُهُ مَعَ فِرَاخِهَا- فَإِذَا طَالَ مَكْثُ فِرَاخِ قدمٍ مَعَ فِرَاخِ الطَّيْرِ- أَلِفَهَا بَعْضُ فِرَاخِ الطَّيْرِ وَ اسْتَأْنَسَ بِهَا- فَإِذَا كَانَ الزَّمَانُ الَّذِي يَنْصَرِفُ فِيهِ قدمٌ إِلَى مَكَانِهِ- مَرَّ بِأَعْشَاشِ الطَّيْرِ- وَ أَوْكَارِهَا بِاللَّيْلِ فَأَسْمَعَ فِرَاخَهُ وَ غَيْرَهَا صَوْتَهُ- فَإِذَا سَمِعَتْ فِرَاخُهُ صَوْتَهُ تَبِعَتْهُ- وَ تَبِعَ فِرَاخَهُ مَا كَانَ أَلِفَهَا مِنْ فِرَاخِ سَائِرِ الطَّيْرِ- وَ لَمْ يُجِبْهُ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ فِرَاخِهِ- وَ لَا مَا لَمْ يَكُنْ أَلِفَ فِرَاخَهُ- وَ كَانَ قَدْ يَضُمُّ إِلَيْهِ مَنْ أَجَابَهُ مِنْ فِرَاخِهِ حُبّاً لِلْفِرَاخِ- وَ كَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ إِنَّمَا يَسْتَعْرِضُونَ النَّاسَ جَمِيعاً بِدُعَائِهِمْ- فَيُجِيبُهُمْ أَهْلُ الْحِكْمَةِ وَ الْعَقْلِ- لِمَعْرِفَتِهِمْ لِفَضْلِ الْحِكْمَةِ- فَمَثَلُ الطَّيْرِ الَّذِي دَعَا بِصَوْتِهِ مَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ وَ الرُّسُلِ- الَّتِي تَعُمُّ النَّاسَ بِدُعَائِهِمْ- وَ مَثَلُ الْبَيْضِ الْمُتَفَرِّقِ فِي أَعْشَاشِ الطَّيْرِ مَثَلُ الْحِكْمَةِ- وَ مَثَلُ سَائِرِ فِرَاخِ الطَّيْرِ الَّتِي أَلِفَتْ فِرَاخَ قدمٍ- مَثَلُ مَنْ أَجَابَ الْحُكَمَاءَ قَبْلَ مَجِيءِ الرُّسُلِ- لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَ لِأَنْبِيَائِهِ وَ رُسُلِهِ مِنَ الْفَضْلِ- وَ الرَّأْيِ مَا لَمْ يَجْعَلْ لِغَيْرِهِمْ مِنَ النَّاسِ- وَ أَعْطَاهُمْ مِنَ الْحُجَجِ وَ النُّورِ وَ الضِّيَاءِ مَا لَمْ يُعْطِ غَيْرَهُمْ- وَ ذَلِكَ لِمَا يُرِيدُ مِنْ بُلُوغِ رِسَالَتِهِ وَ مَوَاقِعِ حُجَجِهِ- وَ كَانَتِ الرُّسُلُ إِذَا جَاءَتْ وَ أَظْهَرَتْ دَعْوَتَهَا أَجَابَهُمْ مِنَ النَّاسِ- أَيْضاً مَنْ لَمْ يَكُنْ أَجَابَ الْحُكَمَاءَ- وَ ذَلِكَ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى دَعْوَتِهِمْ- مِنَ الضِّيَاءِ وَ الْبُرْهَانِ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- أَ فَرَأَيْتَ مَا يَأْتِي بِهِ الرُّسُلُ وَ الْأَنْبِيَاءُ- إِذْ زَعَمْتُ أَنَّهُ لَيْسَ
____________
(1) في بعض النسخ «قرم» و لعلّ الصواب «قرلى».
408
بِكَلَامِ النَّاسِ وَ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ هُوَ كَلَامٌ وَ كَلَامُ مَلَائِكَتِهِ كَلَامٌ قَالَ الْحَكِيمُ- أَ مَا رَأَيْتَ النَّاسَ لَمَّا أَرَادُوا أَنْ يُفْهِمُوا بَعْضَ الدَّوَابِّ- وَ الطَّيْرِ مَا يُرِيدُونَ مِنْ تَقَدُّمِهَا وَ تَأَخُّرِهَا وَ إِقْبَالِهَا- وَ إِدْبَارِهَا لَمْ يَجِدُوا الدَّوَابَّ وَ الطَّيْرَ يَحْتَمِلُ كَلَامَهُمُ- الَّذِي هُوَ كَلَامُهُمْ- فَوَضَعُوا مِنَ النَّقْرِ وَ الصَّفِيرِ وَ الرجز [الزَّجْرِ مَا يَبْلُغُوا بِهِ حَاجَتَهُمْ- وَ مَا عَرَفُوا أَنَّهَا تُطِيقُ حَمْلَهُ- وَ كَذَلِكَ الْعِبَادُ يعجزوا [يَعْجِزُونَ أَنْ يَعْلَمُوا كَلَامَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ كَلَامَ مَلَائِكَتِهِ عَلَى كُنْهِهِ وَ كَمَالِهِ وَ لُطْفِهِ وَ صِفَتِهِ- فَصَارَ مَا تَرَاجَعَ النَّاسُ بَيْنَهُمْ مِنَ الْأَصْوَاتِ- الَّتِي سَمِعُوا بِهَا الْحِكْمَةَ شَبِيهاً بِمَا وَضَعَ النَّاسُ لِلدَّوَابِّ- وَ الطَّيْرِ وَ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الصَّوْتُ مَكَانَ الْحِكْمَةِ- المُخْبِرَةِ فِي تِلْكَ الْأَصْوَاتِ- مِنْ أَنْ تَكُونَ الْحِكْمَةُ وَاضِحَةً بَيْنَهُمْ- قَوِيَّةً مُنِيرَةً شَرِيفَةً عَظِيمَةً- وَ لَمْ يَمْنَعْهَا مِنْ وُقُوعِ مَعَانِيهَا عَلَى مَوَاقِعِهَا- وَ بُلُوغِ مَا احْتَجَّ بِهِ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى الْعِبَادِ فِيهَا- فَكَانَ الصَّوْتُ لِلْحِكْمَةِ جَسَداً وَ مَسْكَناً- وَ كَانَتِ الْحِكْمَةُ لِلصَّوْتِ نَفْساً وَ رُوحاً- وَ لَا طَاقَةَ لِلنَّاسِ أَنْ يُنْفِذُوا غَوْرَ كَلَامِ الْحِكْمَةِ- وَ لَا يُحِيطُوا بِهِ بِعُقُولِهِمْ- فَمِنْ قِبَلِ ذَلِكَ تَفَاضَلَتِ الْعُلَمَاءُ فِي عِلْمِهِمْ- فَلَا يَزَالُ عَالِمٌ يَأْخُذُ عِلْمَهُ مِنْ عَالِمٍ- حَتَّى يَرْجِعَ الْعِلْمُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الَّذِي جَاءَ مِنْ عِنْدِهِ- وَ كَذَلِكَ الْعُلَمَاءُ قَدْ يُصِيبُونَ مِنَ الْحِكْمَةِ- وَ الْعِلْمِ مَا يُنْجِيهِمْ مِنَ الْجَهْلِ- وَ لَكِنْ لِكُلِّ ذِي فَضْلٍ فَضْلُهُ- كَمَا أَنَّ النَّاسَ يَنَالُونَ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ- مَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي مَعَايِشِهِمْ وَ أَبْدَانِهِمْ وَ لَا يَقْدِرُونَ- أَنْ يُنْفِذُوهَا بِأَبْصَارِهِمْ فَهِيَ كَالْعَيْنِ الْغَزِيرَةِ- الظَّاهِرِ مَجْرَاهَا الْمَكْنُونِ عُنْصُرُهَا- فَالنَّاسُ قَدْ يُجِيبُونَ بِمَا ظَهَرَ لَهُمْ مِنْ مَائِهَا- وَ لَا يُدْرِكُونَ غَوْرَهَا وَ هِيَ كَالنُّجُومِ الزَّاهِرَةِ- الَّتِي يَهْتَدِي بِهَا النَّاسُ- وَ لَا يَعْلَمُونَ مَسَاقِطَهَا فَالْحِكْمَةُ أَشْرَفُ- وَ أَرْفَعُ وَ أَعْظَمُ مِمَّا وَصَفْنَاهَا بِهِ كُلِّهِ- هِيَ مِفْتَاحُ بَابِ كُلِّ خَيْرٍ يُرْتَجَى- وَ النَّجَاةُ مِنْ كُلِّ شَرٍّ يُتَّقَى- وَ هِيَ شَرَابُ الْحَيَاةِ الَّتِي مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَمُتْ أَبَداً- وَ الشِّفَاءُ لِلسَّقَمِ الَّذِي مَنِ اسْتَشْفَى بِهِ لَمْ يَسْقُمْ أَبَداً- وَ الطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي مَنْ سَلَكَهُ لَمْ يَضِلَّ أَبَداً- هِيَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ الَّذِي لَا يُخْلِقُهُ طُولُ التَّكْرَارِ- مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ انْجَلَى عَنْهُ الْعَمَى- وَ مَنِ اعْتَصَمَ بِهِ فَازَ وَ اهْتَدَى وَ أَخَذَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى- قَالَ فَمَا بَالُ هَذِهِ الْحِكْمَةِ- الَّتِي وَصَفْتَ بِمَا وَصَفْتَ مِنَ الْفَضْلِ وَ الشَّرَفِ-
409
وَ الِارْتِفَاعِ وَ الْقُوَّةِ وَ الْمَنْفَعَةِ وَ الْكَمَالِ- وَ الْبُرْهَانِ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا النَّاسُ كُلُّهُمْ جَمِيعاً- قَالَ الْحَكِيمُ- إِنَّمَا مَثَلُ الْحِكْمَةِ كَمَثَلِ الشَّمْسِ الطَّالِعَةِ- عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ الْأَبْيَضِ وَ الْأَسْوَدِ مِنْهُمْ- وَ الصَّغِيرِ وَ الْكَبِيرِ فَمَنْ أَرَادَ الِانْتِفَاعَ بِهَا لَمْ تَمْنَعْهُ وَ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وَ بَيْنَهَا مِنْ أَقْرَبِهِمْ وَ أَبْعَدِهِمْ- وَ مَنْ لَمْ يُرِدِ الِانْتِفَاعَ بِهَا فَلَا حُجَّةَ لَهُ عَلَيْهَا- وَ لَا تَمْنَعُ الشَّمْسُ عَلَى النَّاسِ جَمِيعاً- وَ لَا يَحُولُ بَيْنَ النَّاسِ وَ بَيْنَ الِانْتِفَاعِ بِهَا- وَ كَذَلِكَ الْحِكْمَةُ وَ حَالُهَا بَيْنَ النَّاسِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ- وَ الْحِكْمَةُ قَدْ عَمَّتِ النَّاسَ جَمِيعاً- إِلَّا أَنَّ النَّاسَ يَتَفَاضَلُونَ فِي ذَلِكَ- وَ الشَّمْسَ ظَاهِرَةٌ إِذْ طَلَعَتْ عَلَى الْأَبْصَارِ النَّاظِرَةِ- فَرَّقَتْ بَيْنَ النَّاسِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَنَازِلَ- فَمِنْهُمُ الصَّحِيحُ الْبَصَرِ- الَّذِي يَنْفَعُهُ الضَّوْءُ وَ يَقْوَى عَلَى النَّظَرِ- وَ مِنْهُمُ الْأَعْمَى الْقَرِيبُ مِنَ الضَّوْءِ- الَّذِي لَوْ طَلَعَتْ عَلَيْهِ شَمْسٌ أَوْ شُمُوسٌ لَمْ تُغْنِ عَنْهُ شَيْئاً- وَ مِنْهُمُ الْمَرِيضُ الْبَصَرِ الَّذِي لَا يُعَدُّ فِي الْعُمْيَانِ- وَ لَا فِي أَصْحَابِ الْبَصَرِ كَذَلِكَ الْحِكْمَةُ- هِيَ شَمْسُ الْقُلُوبِ إِذَا طَلَعَتْ تَفَرَّقَ عَلَى ثَلَاثِ مَنَازِلَ- مَنْزِلٍ لِأَهْلِ الْبَصَرِ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ الْحِكْمَةَ- فَيَكُونُونَ مِنْ أَهْلِهَا وَ يَعْمَلُونَ بِهَا- وَ مَنْزِلٍ لِأَهْلِ الْعَمَى الَّذِينَ تَنْبُو الْحِكْمَةُ عَنْ قُلُوبِهِمْ- لِإِنْكَارِهِمُ الْحِكْمَةَ وَ تَرْكِهِمْ قَبُولَهَا- كَمَا يَنْبُو ضَوْءُ الشَّمْسِ عَنِ الْعُمْيَانِ- وَ مَنْزِلٍ لِأَهْلِ مَرَضِ الْقُلُوبِ الَّذِينَ يَقْصُرُ عِلْمُهُمْ- وَ يَضْعُفُ عَمَلُهُمْ وَ يَسْتَوِي فِيهِمُ السَّيِّئُ وَ الْحَسَنُ- وَ الْحَقُّ وَ الْبَاطِلُ وَ إِنَّ أَكْثَرَ مَنْ تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ- وَ هِيَ الْحِكْمَةُ مِمَّنْ يَعْمَى عَنْهَا- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ فَهَلْ يَسَعُ الرَّجُلَ الْحِكْمَةُ- فَلَا يُجِيبُ إِلَيْهَا حَتَّى يَلْبَثَ زَمَاناً نَاكِباً عَنْهَا- ثُمَّ يُجِيبُ وَ يُرَاجِعُهَا قَالَ بِلَوْهَرُ نَعَمْ- هَذَا أَكْثَرُ حَالاتِ النَّاسِ فِي الْحِكْمَةِ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- تَرَى وَالِدِي سَمِعَ شَيْئاً مِنْ هَذَا الْكَلَامِ قَطُّ- قَالَ بِلَوْهَرُ لَا أَرَاهُ سَمِعَ سَمَاعاً صَحِيحاً رَسَخَ فِي قَلْبِهِ- وَ لَا كَلَّمَهُ فِيهِ نَاصِحٌ شَفِيقٌ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- وَ كَيْفَ تَرَكَ ذَلِكَ الْحُكَمَاءُ مِنْهُ طُولَ دَهْرِهِمْ- قَالَ بِلَوْهَرُ تَرَكُوهُ لِعِلْمِهِمْ بِمَوَاضِعِ كَلَامِهِمْ- فَرُبَّمَا تَرَكُوا ذَلِكَ مِمَّنْ هُوَ أَحْسَنُ إِنْصَافاً وَ أَلْيَنُ عَرِيكَةً- وَ أَحْسَنُ اسْتِمَاعاً مِنْ أَبِيكَ- حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ ليعاش [لَيُعَايِشُ الرَّجُلَ طُولَ عُمُرِهِ- بَيْنَهُمَا الِاسْتِينَاسُ وَ الْمَوَدَّةُ وَ الْمُفَاوَضَةُ- وَ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ إِلَّا الدِّينُ وَ الْحِكْمَةُ-
410
وَ هُوَ مُتَفَجِّعٌ عَلَيْهِ مُتَوَجِّعٌ لَهُ- ثُمَّ لَا يُفْضِي إِلَيْهِ أَسْرَارَ الْحِكْمَةِ إِذْ لَمْ يَرَهُ لَهَا مَوْضِعاً- وَ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ مَلِكاً مِنَ الْمُلُوكِ- كَانَ عَاقِلًا قَرِيباً مِنَ النَّاسِ مُصْلِحاً لِأُمُورِهِمْ- حَسَنَ النَّظَرِ وَ الْإِنْصَافِ لَهُمْ- وَ كَانَ لَهُ وَزِيرُ صِدْقٍ صَالِحٌ يُعِينُهُ عَلَى الْإِصْلَاحِ- وَ يَكْفِيهِ مَئُونَتَهُ وَ يُشَاوِرُهُ فِي أُمُورِهِ- وَ كَانَ الْوَزِيرُ أَدِيباً عَاقِلًا لَهُ دِينٌ وَ وَرَعٌ وَ نَزَاهَةٌ عَلَى الدُّنْيَا (1)- وَ كَانَ قَدْ لَقِيَ أَهْلَ الدِّينِ وَ سَمِعَ كَلَامَهُمْ- وَ عَرَفَ فَضْلَهُمْ فَأَجَابَهُمْ وَ انْقَطَعَ إِلَيْهِمْ بِإِخَائِهِ وَ وُدِّهِ- وَ كَانَتْ لَهُ مِنَ الْمَلِكِ مَنْزِلَةٌ حَسَنَةٌ وَ خَاصَّةٌ- وَ كَانَ الْمَلِكُ لَا يَكْتُمُهُ شَيْئاً مِنْ أَمْرِهِ- وَ كَانَ الْوَزِيرُ لَهُ أَيْضاً بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ- إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُطْلِعَهُ عَلَى أَمْرِ الدِّينِ- وَ لَا يُفَاوِضُهُ أَسْرَارَ الْحِكْمَةِ فَعَاشَا بِذَلِكَ زَمَاناً طَوِيلًا- وَ كَانَ الْوَزِيرُ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ سَجَدَ الْأَصْنَامَ- وَ عَظَّمَهَا وَ أَخَذَ شَيْئاً فِي طَرِيقِ الْجَهَالَةِ وَ الضَّلَالَةِ- تَقِيَّةً لَهُ فَأَشْفَقَ الْوَزِيرُ عَلَى الْمَلِكِ مِنْ ذَلِكَ- وَ اهْتَمَّ بِهِ وَ اسْتَشَارَ فِي ذَلِكَ أَصْحَابَهُ وَ إِخْوَانَهُ- فَقَالُوا لَهُ انْظُرْ لِنَفْسِكَ وَ أَصْحَابِكَ- فَإِنْ رَأَيْتَهُ مَوْضِعاً لِلْكَلَامِ فَكَلِّمْهُ وَ فَاوِضْهُ- وَ إِلَّا فَإِنَّكَ إِنَّمَا تُعِينُهُ عَلَى نَفْسِكَ وَ تُهَيِّجُهُ عَلَى أَهْلِ دِينِكَ- فَإِنَّ السُّلْطَانَ لَا يَغْتَرُّ بِهِ وَ لَا تُؤْمَنُ سَطْوَتُهُ- فَلَمْ يَزَلِ الْوَزِيرُ عَلَى اهْتِمَامِهِ بِهِ مُصَافِياً لَهُ- رَفِيقاً بِهِ رَجَاءَ أَنْ يَجِدَ فُرْصَةً- فَيَنْصَحَهُ أَوْ يَجِدَ لِلْكَلَامِ مَوْضِعاً فَيُفَاوِضَهُ- وَ كَانَ الْمَلِكُ مَعَ ضَلَالَتِهِ مُتَوَاضِعاً سَهْلًا قَرِيباً- حَسَنَ السِّيرَةِ فِي رَعِيَّتِهِ حَرِيصاً عَلَى إِصْلَاحِهِمْ- مُتَفَقِّداً لِأُمُورِهِمْ- فَاصْطَحَبَ الْوَزِيرُ الْمَلِكَ عَلَى هَذَا بُرْهَةً مِنْ زَمَانِهِ- ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ قَالَ لِلْوَزِيرِ- ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي بَعْدَ مَا هَدَأَتِ الْعُيُونُ- هَلْ لَكَ أَنْ تَرْكَبَ فَنَسِيرَ فِي الْمَدِينَةِ فَنَنْظُرَ إِلَى حَالِ النَّاسِ- وَ آثَارِ الْأَمْطَارِ الَّتِي أَصَابَتْهُمْ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ- فَقَالَ الْوَزِيرُ نَعَمْ فَرَكِبَا جَمِيعاً يَجُولَانِ فِي نَوَاحِي الْمَدِينَةِ- فَمَرَّا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ عَلَى مَزْبَلَةٍ تُشْبِهُ الْجَبَلَ- فَنَظَرَ الْمَلِكُ إِلَى ضَوْءِ النَّارِ تَبْدُو فِي نَاحِيَةِ الْمَزْبَلَةِ- فَقَالَ لِلْوَزِيرِ إِنَّ لِهَذِهِ النَّارِ لَقِصَّةً- فَانْزِلْ بِنَا نَمْشِي حَتَّى نَدْنُوَ مِنْهَا- فَنَعْلَمَ خَبَرَهَا فَفَعَلَا ذَلِكَ- فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى مَخْرَجِ الضَّوْءِ وَجَدَا نَقْباً شَبِيهاً بِالْغَارِ- وَ فِيهِ مِسْكِينٌ مِنَ الْمَسَاكِينِ- ثُمَّ نَظَرَا فِي الْغَارِ مِنْ حَيْثُ لَا يَرَاهُمَا الرَّجُلُ- فَإِذَا الرَّجُلُ مُشَوَّهُ الْخَلْقِ- عَلَيْهِ ثِيَابٌ
____________
(1) في المصدر «و زهاده عن الدنيا».
411
خُلْقَانٌ مِنْ خُلْقَانِ الْمَزْبَلَةِ- مُتَّكِئٌ عَلَى مُتَّكَإٍ قَدْ هَيَّأَهُ مِنَ الزِّبْلِ- وَ بَيْنَ يَدَيْهِ إِبْرِيقٌ فَخَّارٌ فِيهِ شَرَابٌ وَ فِي يَدِهِ طُنْبُورٌ- يَضْرِبُ بِيَدِهِ وَ امْرَأَتُهُ فِي مِثْلِ خَلَقِهِ- وَ لِبَاسِهِ قَائِمَةً بَيْنَ يَدَيْهِ تَسْقِيهِ إِذَا اسْتَسْقَى مِنْهَا- وَ تَرْقُصُ لَهُ إِذَا ضَرَبَ وَ تُحَيِّيهِ بِتَحِيَّةِ الْمُلُوكِ- كُلَّمَا شَرِبَ وَ هُوَ يُسَمِّيهَا سَيِّدَةَ النِّسَاءِ- وَ هُمَا يَصِفَانِ أَنْفُسَهُمَا بِالْحُسْنِ وَ الْجَمَالِ- وَ بَيْنَهُمَا مِنَ السُّرُورِ وَ الضَّحِكِ وَ الطَّرَبِ مَا لَا يُوصَفُ- فَقَامَ الْمَلِكُ عَلَى رِجْلَيْهِ مَلِيّاً وَ الْوَزِيرُ يَنْظُرُ كَذَلِكَ- وَ يَتَعَجَّبَانِ مِنْ لَذَّتِهِمَا وَ إِعْجَابِهِمَا بِمَا هُمَا فِيهِ- ثُمَّ انْصَرَفَ الْمَلِكُ وَ الْوَزِيرُ فَقَالَ الْمَلِكُ- مَا أَعْلَمَنِي وَ إِيَّاكَ أَصَابَنَا الدَّهْرُ مِنَ اللَّذَّةِ- وَ السُّرُورِ وَ الْفَرَحِ مِثْلَ مَا أَصَابَ هَذَيْنِ اللَّيْلَةَ- مَعَ أَنِّي أَظُنُّهُمَا يَصْنَعَانِ كُلَّ لَيْلَةٍ مِثْلَ هَذَا- فَاغْتَنَمَ الْوَزِيرُ ذَلِكَ مِنْهُ وَ وَجَدَ فُرْصَةً فَقَالَ لَهُ- أَخَافُ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَنْ يَكُونَ دُنْيَانَا هَذِهِ مِنَ الْغُرُورِ- وَ يَكُونَ مُلْكُكَ وَ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ الْبَهْجَةِ- وَ السُّرُورِ فِي أَعْيُنِ مَنْ يَعْرِفُ الْمَلَكُوتَ- الدَّائِمَ مِثْلَ هَذِهِ الْمَزْبَلَةِ- وَ مِثْلَ هَذَيْنِ الشَّخْصَيْنِ اللَّذَيْنِ رَأَيْنَاهُمَا وَ تَكُونَ مَسَاكِنُنَا- وَ مَا شَيَّدْنَا مِنْهَا عِنْدَ مَنْ يَرْجُو مَسَاكِنَ السَّعَادَةِ- وَ ثَوَابَ الْآخِرَةِ مِثْلَ هَذَا الْغَارِ فِي أَعْيُنِنَا- وَ تَكُونَ أَجْسَادُنَا عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ الطَّهَارَةَ- وَ النَّضَارَةَ وَ الْحُسْنَ وَ الصِّحَّةَ- مِثْلَ جَسَدِ هَذِهِ الْمُشَوَّهِ الْخَلْقِ فِي أَعْيُنِنَا- وَ يَكُونَ تَعَجُّبُهُمْ عَنْ إِعْجَابِنَا بِمَا نَحْنُ فِيهِ- كَتَعَجُّبِنَا مِنْ إِعْجَابِ هَذَيْنِ الشَّخْصَيْنِ بِمَا هُمَا فِيهِ- قَالَ الْمَلِكُ- وَ هَلْ تَعْرِفُ لِهَذِهِ الصِّفَةِ أَهْلًا قَالَ الْوَزِيرُ نَعَمْ- قَالَ الْمَلِكُ مَنْ هُمْ قَالَ الْوَزِيرُ- أَهْلُ الدِّينِ الَّذِينَ عَرَفُوا مُلْكَ الْآخِرَةِ وَ نَعِيمَهَا فَطَلَبُوهُ- قَالَ الْمَلِكُ وَ مَا مُلْكُ الْآخِرَةِ- قَالَ الْوَزِيرُ هُوَ النَّعِيمُ الَّذِي لَا بُؤْسَ بَعْدَهُ- وَ الْغِنَى الَّذِي لَا فَقْرَ بَعْدَهُ- وَ الْفَرَحُ الَّذِي لَا تَرَحَ بَعْدَهُ وَ الصِّحَّةُ الَّتِي لَا سُقْمَ بَعْدَهَا- وَ الرِّضَى الَّذِي لَا سَخَطَ بَعْدَهُ- وَ الْأَمْنُ الَّذِي لَا خَوْفَ بَعْدَهُ وَ الْحَيَاةُ الَّتِي لَا مَوْتَ بَعْدَهَا- وَ الْمُلْكَ الَّذِي لَا زَوَالَ لَهُ- الَّتِي هِيَ دَارُ الْبَقَاءِ وَ دَارُ الْحَيَوَانِ- الَّتِي لَا انْقِطَاعَ لَهَا وَ لَا تَغَيُّرَ فِيهَا- رَفَعَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَنْ سَاكِنِيهَا فِيهَا السُّقْمَ- وَ الْهَرَمَ وَ الشَّقَاءَ وَ النَّصَبَ وَ الْمَرَضَ وَ الْجُوعَ وَ الظَّمَأَ وَ الْمَوْتَ- فَهَذِهِ صِفَةُ مُلْكِ الْآخِرَةِ وَ خَبَرُهَا أَيُّهَا الْمَلِكُ
412
قَالَ الْمَلِكُ وَ هَلْ تُدْرِكُونَ إِلَى هَذِهِ الدَّارِ مَطْلَباً- وَ إِلَى دُخُولِهَا سَبِيلًا قَالَ الْوَزِيرُ نَعَمْ- هِيَ مُهَيَّأَةٌ لِمَنْ طَلَبَهَا مِنْ وَجْهِ مَطْلَبِهَا- وَ مَنْ أَتَاهَا مِنْ بَابِهَا ظَفِرَ بِهَا- قَالَ الْمَلِكُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُخْبِرَنِي بِهَذَا قَبْلَ الْيَوْمِ- قَالَ الْوَزِيرُ مَنَعَنِي مِنْ ذَلِكَ إِجْلَالُكَ وَ الْهَيْبَةُ لِسُلْطَانِكَ- قَالَ الْمَلِكُ لَئِنْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ الَّذِي وَصَفْتَ يَقِيناً- فَلَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُضَيِّعَهُ وَ لَا نَتْرُكَ الْعَمَلَ بِهِ فِي إِصَابَتِهِ- وَ لَكِنَّا نَجْتَهِدُ حَتَّى يَصِحَّ لَنَا خَبَرُهُ- قَالَ الْوَزِيرُ أَ فَتَأْمُرُنِي أَيُّهَا الْمَلِكُ- أَنْ أُوَاظِبَ عَلَيْكَ فِي ذِكْرِهِ وَ التَّكْرِيرِ لَهُ- قَالَ الْمَلِكُ بَلْ آمُرُكَ أَنْ لَا تَقْطَعَ عَنِّي لَيْلًا وَ لَا نَهَاراً- وَ لَا تُرِيحَنِي وَ لَا تُمْسِكَ عَنِّي ذِكْرَهُ- فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ عَجِيبٌ لَا يُتَهَاوَنُ بِهِ وَ لَا يُغْفَلُ عَنْ مِثْلِهِ- وَ كَانَ سَبِيلُ ذَلِكَ الْمَلِكِ وَ الْوَزِيرِ إِلَى النَّجَاةِ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- مَا أَنَا بِشَاغِلٍ نَفْسِي بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ عَنْ هَذَا السَّبِيلِ- وَ لَقَدْ حَدَّثْتُ نَفْسِي بِالْهَرَبِ مَعَكَ- فِي جَوْفِ اللَّيْلِ حَيْثُ بَدَا لَكَ أَنْ تَذْهَبَ- قَالَ بِلَوْهَرُ وَ كَيْفَ تَسْتَطِيعُ الذَّهَابَ مَعِي- وَ الصَّبْرَ عَلَى صُحْبَتِي وَ لَيْسَ لِي جُحْرٌ يَأْوِينِي- وَ لَا دَابَّةٌ تَحْمِلُنِي وَ لَا أَمْلِكُ ذَهَباً وَ لَا فِضَّةً- وَ لَا أَدَّخِرُ غِذَاءَ الْعِشَاءِ وَ لَا يَكُونُ عِنْدِي فَضْلُ ثَوْبٍ- وَ لَا أَسْتَقِرُّ بِبَلْدَةٍ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى أَتَحَوَّلَ عَنْهَا- وَ لَا أَتَزَوَّدُ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ أُخْرَى رَغِيفاً أَبَداً- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ إِنِّي أَرْجُو أَنْ يُقَوِّيَنِي الَّذِي قَوَّاكَ- قَالَ بِلَوْهَرُ أَمَا إِنَّكَ إِنْ أَبَيْتَ إِلَّا صُحْبَتِي- كُنْتَ خَلِيقاً أَنْ تَكُونَ كَالْفَتَى الَّذِي صَاهَرَ الْفَقِيرَ- قَالَ يُوذَاسُفُ وَ كَيْفَ كَانَ ذَلِكَ قَالَ بِلَوْهَرُ- زَعَمُوا أَنَّ فَتًى كَانَ مِنْ أَوْلَادِ الْأَغْنِيَاءِ- فَأَرَادَ أَبُوهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَةَ عَمٍّ لَهُ ذَاتَ جَمَالٍ وَ مَالٍ- فَلَمْ يُوَافِقْ ذَلِكَ الْفَتَى وَ لَمْ يُطْلِعْ أَبَاهُ عَلَى كَرَاهَتِهِ- حَتَّى خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ مُتَوَجِّهاً إِلَى أَرْضٍ أُخْرَى- فَمَرَّ فِي طَرِيقِهِ عَلَى جَارِيَةٍ عَلَيْهَا ثِيَابٌ خُلْقَانٌ لَهَا- قَائِمَةٍ عَلَى بَابِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الْمَسَاكِينِ فَأَعْجَبَتْهُ الْجَارِيَةُ- فَقَالَ لَهَا مَنْ أَنْتِ أَيَّتُهَا الْجَارِيَةُ- قَالَتِ ابْنَةُ شَيْخٍ كَبِيرٍ فِي هَذَا الْبَيْتِ- فَنَادَى الْفَتَى الشَّيْخَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ- هَلْ تُزَوِّجُنِي ابْنَتَكَ هَذِهِ- قَالَ مَا أَنْتَ بِمُتَزَوِّجٍ لِبَنَاتِ الْفُقَرَاءِ- وَ أَنْتَ فَتًى مِنَ الْأَغْنِيَاءِ قَالَ أَعْجَبَتْنِي هَذِهِ الْجَارِيَةُ- وَ لَقَدْ خَرَجْتُ هَارِباً مِنِ امْرَأَةٍ ذَاتِ حَسَبٍ وَ مَالٍ- أَرَادُوا مِنِّي تَزْوِيجَهَا- فَكَرِهْتُهَا
413
فَزَوِّجْنِي ابْنَتَكَ- فَإِنَّكَ وَاجِدٌ عِنْدِي خَيْراً إِنْ شَاءَ اللَّهُ- قَالَ الشَّيْخُ كَيْفَ أُزَوِّجُكَ ابْنَتِي- وَ نَحْنُ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُنَا أَنْ تَنْقُلَهَا عَنَّا- وَ لَا أَحْتَسِبُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَكَ يَرْضَوْنَ أَنْ تَنْقُلَهَا إِلَيْهِمْ- قَالَ الْفَتَى فَنَحْنُ مَعَكُمْ فِي مَنْزِلِكُمْ هَذَا- قَالَ الشَّيْخُ إِنْ صَدَقْتَ فِيمَا تَقُولُ- فَاطْرَحْ عَنْكَ زِيَّكَ وَ حِلْيَتَكَ هَذِهِ- قَالَ فَفَعَلَ الْفَتَى ذَلِكَ- وَ أَخَذَ أَطْمَاراً رَثَّةً مِنْ أَطْمَارِهِمْ فَلَبِسَهَا وَ قَعَدَ مَعَهُمْ- فَسَأَلَهُ الشَّيْخُ عَنْ شَأْنِهِ وَ عَرَضَ لَهُ بِالْحَدِيثِ- حَتَّى فَتَّشَ عَقْلَهُ فَعَرَفَ أَنَّهُ صَحِيحُ الْعَقْلِ- وَ أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى مَا صَنَعَ السَّفَهُ- فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ أَمَّا إِذَا اخْتَرْتَنَا وَ رَضِيتَ بِنَا- فَقُمْ مَعِي إِلَى هَذَا السَّرْبِ- فَأَدْخَلَهُ فَإِذَا خَلْفَ مَنْزِلِهِ بُيُوتٌ- وَ مَسَاكِنُ لَمْ يَرَ مِثْلَهُ قَطُّ سَعَةً وَ حُسْناً- وَ لَهُ خَزَائِنُ مِنْ كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ- ثُمَّ دَفَعَ إِلَيْهِ مَفَاتِيحَهُ- وَ قَالَ إِنَّ كُلَّ مَا هَاهُنَا لَكَ فَاصْنَعْ بِهِ مَا أَحْبَبْتَ- فَنِعْمَ الْفَتَى أَنْتَ وَ أَصَابَ الْفَتَى مَا كَانَ يُرِيدُهُ- قَالَ يُوذَاسُفُ- إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا صَاحِبَ هَذَا الْمَثَلِ- إِنَّ الشَّيْخَ فَتَّشَ عَقْلَ هَذَا الْغُلَامِ حَتَّى وَثِقَ بِهِ- فَلَعَلَّكَ تَطَوَّلُ بِي عَلَى تَفْتِيشِ عَقْلِي فَأَعْلِمْنِي مَا عِنْدَكَ فِي ذَلِكَ- قَالَ الْحَكِيمُ لَوْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ إِلَيَّ- لَاكْتَفَيْتُ مِنْكَ بِأَدْنَى الْمُشَافَهَةِ وَ لَكِنَّ فَوْقَ رَأْسِي سُنَّةً- قَدْ سَنَّهَا أَئِمَّةُ الْهُدَى فِي بُلُوغِ الْغَايَةِ فِي التَّوْفِيقِ- وَ عِلْمِ مَا فِي الصُّدُورِ- فَإِنِّي أَخَافُ إِنْ خَالَفْتُ السُّنَّةَ أَنْ أَكُونَ قَدْ أَحْدَثْتُ بِدْعَةً- وَ أَنَا مُنْصَرِفٌ عَنْكَ اللَّيْلَةَ وَ حَاضِرٌ بَابَكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ- فَفَكِّرْ فِي نَفْسِكَ بِهَذَا وَ اتَّعِظْ بِهِ وَ لْيَحْضُرْكَ فَهْمُكَ وَ تَثْبُتُ- وَ لَا تُعَجِّلْ بِالتَّصْدِيقِ لِمَا يُورِدُهُ عَلَيْكَ هَمُّكَ- حَتَّى تَعْلَمَهُ بَعْدَ التُّؤَدَةِ وَ الْأَنَاةِ- وَ عَلَيْكَ بِالاحْتِرَاسِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَغْلِبَكَ الْهَوَى- وَ الْمَيْلُ إِلَى الشُّبْهَةِ وَ الْعَمَى- وَ اجْتَهِدْ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي تَظُنُّ أَنَّ فِيهَا شُبْهَةً- ثُمَّ كَلِّمْنِي فِيهَا وَ أَعْلِمْنِي رَأْيَكَ فِي الْخُرُوجِ إِذَا أَرَدْتَ- وَ افْتَرَقَا عَلَى هَذَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ- ثُمَّ عَادَ الْحَكِيمُ إِلَيْهِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَ دَعَا لَهُ- ثُمَّ جَلَسَ فَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ أَنْ قَالَ- أَسْأَلُ اللَّهَ الْأَوَّلَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ شَيْءٌ- وَ الْآخِرَ الَّذِي لَا يَبْقَى مَعَهُ شَيْءٌ- وَ الْبَاقِيَ الَّذِي لَا فَنَاءَ لَهُ وَ الْعَظِيمَ الَّذِي لَا مُنْتَهَى لَهُ- وَ الْوَاحِدَ الْفَرْدَ الصَّمَدَ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ وَ الْقَاهِرَ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ- الْبَدِيعَ الَّذِي لَا خَالِقَ مَعَهُ-
414
الْقَادِرَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ ضِدٌّ الصَّمَدَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ نِدٌّ- الْمَلِكَ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ أَنْ يَجْعَلَكَ مَلِكاً عَدْلًا- إِمَاماً فِي الْهُدَى قَائِداً إِلَى التَّقْوَى- وَ مُبْصِراً مِنَ الْعَمَى وَ زَاهِداً فِي الدُّنْيَا- وَ مُحِبّاً لِذَوِي النُّهَى وَ مُبْغِضاً لِأَهْلِ الرَّدَى- حَتَّى يُفْضِيَ بِنَا وَ بِكَ إِلَى مَا وَعَدَ اللَّهُ أَوْلِيَاءَهُ- عَلَى أَلْسِنَةِ أَنْبِيَائِهِ مِنْ جَنَّتِهِ وَ رِضْوَانِهِ- فَإِنَّ رَغْبَتَنَا إِلَى اللَّهِ فِي ذَلِكَ سَاطِعَةٌ- وَ رَهْبَتَنَا مِنْهُ بَاطِنَةٌ وَ أَبْصَارَنَا إِلَيْهِ شَاخِصَةٌ (1)- وَ أَعْنَاقَنَا لَهُ خَاضِعَةٌ وَ أُمُورَنَا إِلَيْهِ صَائِرَةٌ- فَرَقَّ ابْنُ الْمَلِكِ لِذَلِكَ الدُّعَاءِ رِقَّةً شَدِيدَةً- وَ ازْدَادَ فِي الْخَيْرِ رَغْبَةً وَ قَالَ مُتَعَجِّباً مِنْ قَوْلِهِ- أَيُّهَا الْحَكِيمُ أَعْلِمْنِي كَمْ أَتَى لَكَ مِنَ الْعُمُرِ- فَقَالَ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً فَارْتَاعَ لِذَلِكَ ابْنُ الْمَلِكِ- وَ قَالَ ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً طِفْلٌ- وَ أَنْتَ مَعَ مَا أَرَى مِنَ التَّكَهُّلِ كَابْنِ سِتِّينَ سَنَةً- قَالَ الْحَكِيمُ أَمَّا الْمَوْلِدُ فَقَدْ رَاهَقَ السِّتِّينَ سَنَةً- وَ لَكِنَّكَ سَأَلْتَنِي عَنِ الْعُمُرِ وَ إِنَّمَا الْعُمُرُ الْحَيَاةُ- وَ لَا حَيَاةَ إِلَّا فِي الدِّينِ وَ الْعَمَلِ بِهِ- وَ التَّخَلِّي مِنَ الدُّنْيَا- وَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِي إِلَّا مِنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً- فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنِّي كُنْتُ مَيِّتاً- وَ لَسْتُ أَعْتَدُّ فِي عُمُرِي بِأَيَّامِ الْمَوْتِ قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- كَيْفَ تَجْعَلُ الْآكِلَ وَ الشَّارِبَ وَ الْمُتَقَلِّبَ مَيِّتاً- قَالَ الْحَكِيمُ لِأَنَّهُ شَارَكَ الْمَوْتَى فِي الْعَمَى وَ الصَّمِّ وَ الْبَكَمِ- وَ ضَعْفِ الْحَيَاةِ وَ قِلَّةِ الْغِنَى- فَلَمَّا شَارَكَهُمْ فِي الصِّفَةِ وَافَقَهُمْ فِي الِاسْمِ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ لَئِنْ كُنْتَ لَا تَعُدُّ حَيَاتَكَ تِلْكَ حَيَاةً- وَ لَا غِبْطَةً مَا يَنْبَغِي لَكَ- أَنْ تَعُدَّ مَا تَتَوَقَّعُ مِنَ الْمَوْتِ مَوْتاً وَ لَا تَرَاهُ مَكْرُوهاً- قَالَ الْحَكِيمُ تَغْرِيرِي فِي الدُّخُولِ عَلَيْكَ بِنَفْسِي- يَا ابْنَ الْمَلِكِ مَعَ عِلْمِي لِسَطْوَةِ أَبِيكَ عَلَى أَهْلِ دِينِي- يَدُلُّكَ عَلَى أَنِّي لَا أَرَى الْمَوْتَ مَوْتاً- وَ لَا أَرَى هَذِهِ الْحَيَاةَ حَيَاةً وَ لَا مَا أَتَوَقَّعُ مِنَ الْمَوْتِ مَكْرُوهاً- فَكَيْفَ يَرْغَبُ فِي الْحَيَاةِ مَنْ قَدْ تَرَكَ حَظَّهُ مِنْهَا- أَوْ يَهْرُبُ مِنَ الْمَوْتِ مَنْ قَدْ أَمَاتَ نَفْسَهُ بِيَدِهِ- أَ وَ لَا تَرَى يَا ابْنَ الْمَلِكِ أَنَّ صَاحِبَ الدِّينِ- قَدْ رَفَضَ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِهِ وَ مَالِهِ وَ مَا لَا يَرْغَبُ فِيهَا إِلَّا لَهُ (2)- وَ احْتَمَلَ مِنْ نَصَبِ الْعِبَادَةِ مَا لَا يُرِيحُهُ مِنْهُ إِلَّا
____________
(1) في بعض النسخ «و أبصارنا إليه خاشعة».
(2) كذا.
415
الْمَوْتُ- فَمَا حَاجَةُ مَنْ لَا يَتَمَتَّعُ بِلَذَّةِ الْحَيَاةِ إِلَى الْحَيَاةِ- أَوْ يَهْرُبُ مَنْ لَا رَاحَةَ لَهُ إِلَّا فِي الْمَوْتِ مِنَ الْمَوْتِ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ صَدَقْتَ أَيُّهَا الْحَكِيمُ- فَهَلْ يَسُرُّكَ أَنْ يَنْزِلَ بِكَ الْمَوْتُ مِنْ غَدٍ- قَالَ الْحَكِيمُ- بَلْ يَسُرُّنِي أَنْ يَنْزِلَ بِيَ اللَّيْلَةَ دُونَ غَدٍ- فَإِنَّهُ مَنْ عَرَفَ السَّيِّئَ وَ الْحَسَنَ- وَ عَرَفَ ثَوَابَهُمَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ تَرَكَ السَّيِّئَ مَخَافَةَ عِقَابِهِ- وَ عَمِلَ الْحَسَنَ رَجَاءَ ثَوَابِهِ- وَ مَنْ كَانَ مُوقِناً بِاللَّهِ وَحْدَهُ مُصَدِّقاً بِوَعْدِهِ- فَإِنَّهُ يُحِبُّ الْمَوْتَ لِمَا يَرْجُو بَعْدَ الْمَوْتِ مِنَ الرَّخَاءِ- وَ يَزْهَدُ فِي الْحَيَاةِ لِمَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الشَّهَوَاتِ الدُّنْيَا- وَ الْمَعْصِيَةِ لِلَّهِ فِيهَا فَهُوَ يُحِبُّ الْمَوْتَ مُبَادِرَةً مِنْ ذَلِكَ- فَقَالَ ابْنُ الْمَلِكِ إِنَّ هَذَا لَخَلِيقٌ أَنْ يُبَادِرَ الْهَلَكَةَ- لِمَا يَرْجُو فِي ذَلِكَ مِنَ النَّجَاةِ- فَاضْرِبْ لِي مَثَلَ أُمَّتِنَا هَذِهِ وَ عُكُوفِهَا عَلَى أَصْنَامِهَا- قَالَ الْحَكِيمُ إِنَّ رَجُلًا كَانَ لَهُ بُسْتَانٌ يَعْمُرُهُ- وَ يُحْسِنُ الْقِيَامَ عَلَيْهِ- إِذْ رَأَى فِي بُسْتَانِهِ ذَاتَ يَوْمٍ عُصْفُوراً وَاقِعاً- عَلَى شَجَرَةٍ مِنْ شَجَرَةِ الْبُسْتَانِ يُصِيبُ مِنْ ثَمَرِهَا- فَغَاضَهُ ذَلِكَ فَنَصَبَ فَخّاً فَصَادَهُ- فَلَمَّا هَمَّ بِذَبْحِهِ- أَنْطَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِقُدْرَتِهِ- فَقَالَ لِصَاحِبِ الْبُسْتَانِ إِنَّكَ تَهْتَمُّ بِذَبْحِي- وَ لَيْسَ فِيَّ مَا يُشْبِعُكَ مِنْ جُوعٍ- وَ لَا يُقَوِّيكَ مِنْ ضَعْفٍ فَهَلْ لَكَ فِيَّ خَيْرٌ عَمَّا هَمَمْتَ بِهِ- قَالَ الرَّجُلُ مَا هُوَ قَالَ الْعُصْفُورُ- تُخَلِّي سَبِيلِي وَ أُعَلِّمُكَ ثَلَاثَ كَلِمَاتٍ- إِنْ أَنْتَ حَفِظْتَهُنَّ كُنَّ خَيْراً لَكَ مِنْ أَهْلٍ وَ مَالٍ هُوَ لَكَ- قَالَ قَدْ فَعَلْتُ فَأَخْبِرْنِي بِهِنَّ- قَالَ الْعُصْفُورُ احْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ- لَا تَأْسَ عَلَى مَا فَاتَكَ وَ لَا تُصَدِّقَنَّ بِمَا لَا يَكُونُ- وَ لَا تَطْلُبَنَّ مَا لَا تُطِيقُ فَلَمَّا قَضَى الْكَلِمَاتِ خَلَّى سَبِيلَهُ- فَطَارَ فَوَقَعَ عَلَى بَعْضِ الْأَشْجَارِ- ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ لَوْ تَعْلَمُ مَا فَاتَكَ مِنِّي لَعَلِمْتَ- أَنَّكَ قَدْ فَاتَكَ مِنِّي عَظِيمٌ جَسِيمٌ مِنَ الْأَمْرِ- فَقَالَ الرَّجُلُ وَ مَا ذَاكَ قَالَ الْعُصْفُورُ- لَوْ كُنْتَ قَضَيْتَ عَلَى مَا هَمَمْتَ بِهِ مِنْ ذَبْحِي- لَاسْتَخْرَجْتَ مِنْ حَوْصَلَتِي دُرَّةً كَبَيْضَةِ الْإِوَزَّةِ- فَكَانَ لَكَ فِي ذَلِكَ غِنَى الدَّهْرِ- فَلَمَّا سَمِعَ الرَّجُلُ مِنْهُ ذَلِكَ أَسَرَّ فِي نَفْسِهِ نَدَماً عَلَى مَا فَاتَهُ- وَ قَالَ دَعْ عَنْكَ مَا مَضَى وَ هَلُمَّ أَنْطَلِقْ بِكَ إِلَى مَنْزِلِي- فَأُحَسِّنَ صُحْبَتَكَ وَ أُكْرِمَ مَثْوَاكَ فَقَالَ لَهُ الْعُصْفُورُ- أَيُّهَا الْجَاهِلُ مَا أَرَاكَ حَفِظْتَنِي إِذَا ظَفِرْتَ
416
بِي- وَ لَا انْتَفَعْتَ بِالْكَلِمَاتِ الَّتِي افْتَدَيْتُ بِهَا مِنْكَ نَفْسِي- أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكَ أَلَّا تَأْسَ عَلَى مَا فَاتَكَ- وَ لَا تُصَدِّقَ مَا لَا يَكُونُ وَ لَا تَطْلُبَ مَا لَا يُدْرَكُ- أَمَّا أَنْتَ مُتَفَجِّعٌ عَلَى مَا فَاتَكَ- وَ تَلْتَمِسُ مِنِّي رَجْعَتِي إِلَيْكَ وَ تَطْلُبُ مَا لَا تُدْرِكُ- وَ تُصَدِّقُ- أَنَّ فِي حَوْصَلَتِي دُرَّةً كَبَيْضَةِ الْإِوَزَّةِ- وَ جَمِيعِي أَصْغَرُ مِنْ بَيْضِهَا- وَ قَدْ كُنْتُ عَهِدْتُ إِلَيْكَ أَنْ لَا تُصَدِّقَ بِمَا لَا يَكُونُ- وَ إِنَّ أُمَّتَكُمْ صَنَعُوا أَصْنَامَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ- ثُمَّ زَعَمُوا أَنَّهَا هِيَ الَّتِي خَلَقَتْهُمْ- وَ حَفِظُوهَا مِنْ أَنْ تُسْرَقَ مَخَافَةً عَلَيْهَا- وَ زَعَمُوا أَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَحْفَظُهُمْ- وَ أَنْفَقُوا عَلَيْهَا مِنْ مَكَاسِبِهِمْ وَ أَمْوَالِهِمْ- وَ زَعَمُوا أَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَرْزُقُهُمْ فَطَلَبُوا مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُدْرَكُ- وَ صَدَّقُوا بِمَا لَا يَكُونُ فَلَزِمَهُمْ مِنْهُ مَا لَزِمَ صَاحِبَ الْبُسْتَانِ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ صَدَقْتَ أَمَّا الْأَصْنَامُ- فَإِنِّي لَمْ أَزَلْ عَارِفاً بِأَمْرِهَا زَاهِداً فِيهَا- آيِساً مِنْ خَيْرِهَا فَأَخْبِرْنِي بِالَّذِي تَدْعُونِي إِلَيْهِ- وَ الَّذِي ارْتَضَيْتَهُ لِنَفْسِكَ مَا هُوَ- قَالَ بِلَوْهَرُ جِمَاعُ الدِّينِ أَمْرَانِ- أَحَدُهُمَا مَعْرِفَةُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ الْآخَرُ الْعَمَلُ بِرِضْوَانِهِ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ وَ كَيْفَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ الْحَكِيمُ- أَدْعُوكَ إِلَى أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ- لَمْ يَزَلْ فَرْداً رَبّاً وَ مَا سِوَاهُ مَرْبُوبٌ- وَ أَنَّهُ خَالِقٌ وَ مَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ- وَ أَنَّهُ قَدِيمٌ وَ مَا سِوَاهُ مُحْدَثٌ وَ أَنَّهُ صَانِعٌ وَ مَا سِوَاهُ مَصْنُوعٌ- وَ أَنَّهُ مُدَبِّرٌ وَ مَا سِوَاهُ مُدَبَّرٌ- وَ أَنَّهُ بَاقٍ وَ مَا سِوَاهُ فَانٍ- وَ أَنَّهُ عَزِيزٌ وَ مَا سِوَاهُ ذَلِيلٌ وَ أَنَّهُ لَا يَنَامُ وَ لَا يَغْفُلُ- وَ لَا يَأْكُلُ وَ لَا يَشْرَبُ وَ لَا يَضْعُفُ- وَ لَا يُغْلَبُ وَ لَا يَعْجِزُ وَ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ- لَمْ تَمْتَنِعْ مِنْهُ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ وَ الْهَوَاءُ وَ الْبَرُّ وَ الْبَحْرُ- وَ أَنَّهُ كَوَّنَ الْأَشْيَاءَ لَا مِنْ شَيْءٍ- وَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ وَ لَا يَزَالُ وَ لَا تُحْدِثُ فِيهِ الْحَوَادِثُ- وَ لَا تُغَيِّرُهُ الْأَحْوَالُ وَ لَا تُبَدِّلُهُ الْأَزْمَانُ- وَ لَا يَتَغَيَّرُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَ لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ- وَ لَا يَشْتَغِلُ بِهِ مَكَانٌ- وَ لَا يَكُونُ مِنْ مَكَانٍ أَقْرَبَ مِنْهُ إِلَى مَكَانٍ- وَ لَا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ- عَالِمٌ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ- قَدِيرٌ لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ- وَ أَنْ تَعْرِفَهُ بِالرَّأْفَةِ وَ الرَّحْمَةِ وَ الْعَدْلِ- وَ أَنَّ لَهُ ثَوَاباً أَعَدَّهُ لِمَنْ أَطَاعَهُ- وَ عَذَاباً أَعَدَّهُ لِمَنْ عَصَاهُ- وَ أَنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ بِرِضَاهُ وَ تَجْتَنِبَ سَخَطَهُ
417
قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- فَمَا يَرْضَى الْوَاحِدُ الْخَالِقُ مِنَ الْأَعْمَالِ- قَالَ الْحَكِيمُ يَا ابْنَ الْمَلِكِ أَنْ تُطِيعَهُ وَ لَا تَعْصِيَهُ- وَ أَنْ تَأْتِيَ إِلَى غَيْرِكَ مَا تُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْكَ- وَ تَكُفَّ عَنْ غَيْرِكَ مَا تُحِبُّ أَنْ يُكَفَّ عَنْكَ فِي مِثْلِهِ- فَإِنَّ ذَلِكَ عَدْلٌ وَ فِي الْعَدْلِ رِضَاهُ- وَ فِي اتِّبَاعِ آثَارِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَ رُسُلِهِ بِأَنْ لَا تَعْدُوَ سُنَّتَهُمْ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- زِدْنِي أَيُّهَا الْحَكِيمُ تَزْهِيداً فِي الدُّنْيَا وَ أَخْبِرْنِي بِحَالِهَا- قَالَ الْحَكِيمُ إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُ الدُّنْيَا دَارَ تَصَرُّفٍ- وَ زَوَالٍ وَ تَقَلُّبٍ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ- وَ رَأَيْتُ أَهْلَهَا فِيهَا أَغْرَاضاً لِلْمَصَائِبِ- وَ رَهَائِنَ لِلْمَتَالِفِ وَ رَأَيْتُ صِحَّةً بَعْدَهَا سُقْماً- وَ شَبَاباً بَعْدَهُ هَرَماً وَ غِنًى بَعْدَهُ فَقْراً- وَ فَرَحاً بَعْدَهُ حُزْناً وَ عِزّاً بَعْدَهُ ذُلًّا- وَ رَخَاءً بَعْدَهُ شِدَّةً وَ أَمْناً بَعْدَهُ خَوْفاً- وَ حَيَاةً بَعْدَهَا مماة [مَمَاتاً وَ رَأَيْتُ أَعْمَاراً قَصِيرَةً- وَ حُتُوفاً رَاصِدَةً (1) وَ سِهَاماً قَاصِدَةً- وَ أَبْدَاناً ضَعِيفَةً مُسْتَسْلِمَةً غَيْرَ مُمْتَنِعَةٍ وَ لَا حَصِينَةٍ- عَرَفْتُ أَنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ بَالِيَةٌ فَانِيَةٌ- وَ عَرَفْتُ بِمَا ظَهَرَ لِي مِنْهَا مَا غَابَ عَنِّي مِنْهَا- وَ عَرَفْتُ بِظَاهِرِهَا بَاطِنَهَا وَ غَامِضَهَا بِوَاضِحِهَا- وَ سِرَّهَا بِعَلَانِيَتِهَا وَ صُدُورَهَا بِوُرُودِهَا- فَحَذَرتُهَا لِمَا عَرَفْتُهَا وَ فَرَرْتُ مِنْهَا لِمَا أَبْصَرْتُهَا- بَيْنَا تَرَى الْمَرْءَ فِيهَا مُغْتَبِطاً مَحْبُوراً (2)- وَ مَلِكاً مَسْرُوراً (3) فِي خَفْضٍ- وَ دَعَةٍ وَ نِعْمَةٍ وَ سَعَةٍ فِي بَهْجَةٍ مِنْ شَبَابِهِ- وَ حَدَاثَةٍ مِنْ سِنِّهِ وَ غِبْطَةٍ مِنْ مُلْكِهِ وَ بَهَاءٍ مِنْ سُلْطَانِهِ- وَ صِحَّةٍ مِنْ بَدَنِهِ إِذَا انْقَلَبَتِ الدُّنْيَا بِهِ أَسَرَّ مَا كَانَ فِيهَا نَفْساً- وَ أَقَرَّ مَا كَانَ فِيهَا عَيْناً فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ مُلْكِهَا وَ غِبْطَتِهَا- وَ خَفْضِهَا وَ دَعَتِهَا وَ بَهْجَتِهَا- فَأَبْدَلَتْهُ بِالْعِزِّ ذُلًّا وَ بِالْفَرَحِ تَرَحاً- وَ بِالسُّرُورِ حُزْناً وَ بِالنِّعْمَةِ بُؤْساً وَ بِالْغِنَى فَقْراً- وَ بِالسَّعَةِ ضِيقاً وَ بِالشَّبَابِ هَرَماً وَ بِالشَّرَفِ ضَعَةً- وَ بِالْحَيَاةِ مَوْتاً فَدَلَّتْهُ فِي حُفْرَةٍ ضَيِّقَةٍ شَدِيدَةِ الْوَحْشَةِ- وَحِيداً فَرِيداً غَرِيباً قَدْ فَارَقَ الْأَحِبَّةَ وَ فَارَقُوهُ- خَذَلَهُ إِخْوَانُهُ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُمْ دَفْعاً- وَ صَارَ عِزُّهُ وَ مُلْكُهُ وَ أَهْلُهُ وَ مَالُهُ نُهْبَةً مِنْ بَعْدِهِ- كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا وَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا سَاعَةً قَطُّ- وَ لَمْ
____________
(1) الحتف الموت من غير قتل و الجمع حتوف. و الراصد: المراقب.
(2) أي مسرورا و الحبر- بفتح الحاء و كسرها- السرور و الجمع حبور و أحبار.
(3) في بعض النسخ «مشعوفا».
418
يَكُنْ لَهُ فِيهَا خَطَرٌ- وَ لَمْ يَمْلِكْ مِنَ الْأَرْضِ حَظّاً قَطُّ- فَلَا تَتَّخِذْ فِيهَا يَا ابْنَ الْمَلِكِ دَاراً- وَ لَا تَتَّخِذَنَّ فِيهَا عُقْدَةً وَ لَا عَقَاراً فَأُفٍّ لَهَا وَ تُفٍّ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ أُفٍّ لَهَا- وَ لِمَنْ يَغْتَرُّ بِهَا إِذْ كَانَ هَذَا حَالَهَا وَ رَقَّ ابْنُ الْمَلِكِ- وَ قَالَ زِدْنِي أَيُّهَا الْحَكِيمُ مِنْ حَدِيثِكَ- فَإِنَّهُ شِفَاءٌ لِمَا فِي صَدْرِي- قَالَ الْحَكِيمُ إِنَّ الْعُمُرَ قَصِيرٌ- وَ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ يُسْرِعَانِ فِيهِ- وَ الِارْتِحَالَ مِنَ الدُّنْيَا حَثِيثٌ قَرِيبٌ- وَ إِنَّهُ وَ إِنْ طَالَ الْعُمُرُ فِيهَا فَإِنَّ الْمَوْتَ نَازِلٌ- وَ الظَّاعِنَ لَا مَحَالَةَ رَاحِلٌ فَيَصِيرُ مَا جَمَعَ فِيهَا مُفَرَّقاً- وَ مَا عَمِلَ فِيهَا مُتَبَّراً وَ مَا شَيَّدَ فِيهَا خَرَاباً- وَ يَصِيرُ اسْمُهُ مَجْهُولًا وَ ذِكْرُهُ مَنْسِيّاً- وَ حَسَبُهُ خَامِلًا وَ جَسَدُهُ بَالِياً وَ شَرَفُهُ وَضِيعاً- وَ نِعْمَتُهُ وَبَالًا وَ كَسْبُهُ خَسَاراً وَ يُورَثُ سُلْطَانُهُ- وَ يُسْتَذَلُّ عَقِبُهُ وَ يُسْتَبَاحُ حَرِيمُهُ- وَ تُنْقَضُ عُهُودُهُ وَ تُخْفَرُ ذِمَّتُهُ وَ تُدْرَسُ آثَارُهُ- وَ يُوَزَّعُ مَالُهُ وَ يُطْوَى رَحْلُهُ- وَ يَفْرَحُ عَدُوُّهُ وَ يَبِيدُ مُلْكُهُ وَ يُورَثُ تَاجُهُ- وَ يُخْلَفُ عَلَى سَرِيرِهِ وَ يُخْرَجُ مِنْ مَسَاكِنِهِ مَسْلُوباً مَخْذُولًا- فَيُذْهَبُ بِهِ إِلَى قَبْرِهِ فَيُدْلَى فِي حُفْرَتِهِ فِي وَحْدَةٍ- وَ غُرْبَةٍ وَ ظُلْمَةٍ وَ وَحْشَةٍ وَ مَسْكَنَةٍ وَ ذِلَّةٍ- قَدْ فَارَقَ الْأَحِبَّةَ وَ أَسْلَمَتْهُ الْعَصَبَةُ فَلَا تُؤْنَسُ وَحْشَتُهُ أَبَداً- وَ لَا تُرَدُّ غُرْبَتُهُ أَبَداً- وَ اعْلَمْ أَنَّهَا يَحِقُّ عَلَى الْمَرْءِ اللَّبِيبِ- مِنْ سِيَاسَةِ نَفْسِهِ خَاصَّةً كَسِيَاسَةِ الْإِمَامِ- الْعَادِلِ الْحَازِمِ الَّذِي يُؤَدِّبُ الْعَامَّةَ- وَ يَسْتَصْلِحُ الرَّعِيَّةَ وَ يَأْمُرُهُمْ بِمَا يُصْلِحُهُمْ- وَ يَنْهَاهُمْ عَمَّا يُفْسِدُهُمْ ثُمَّ يُعَاقِبُ مَنْ عَصَاهُ مِنْهُمْ- وَ يُكْرِمُ مَنْ أَطَاعَهُ مِنْهُمْ فَكَذَلِكَ لِلرَّجُلِ اللَّبِيبِ- أَنْ يُؤَدِّبَ نَفْسَهُ فِي جَمِيعِ أَخْلَاقِهَا وَ أَهْوَائِهَا وَ شَهَوَاتِهَا- وَ أَنْ تَحْمِلَهَا وَ إِنْ كَرِهَتْ عَلَى لُزُومِ مَنَافِعِهَا فِيمَا أَحَبَّتْ وَ كَرِهَتْ- وَ عَلَى اجْتِنَابِ مَضَارِّهَا وَ أَنْ يَجْعَلَ لِنَفْسِهِ عَنْ نَفْسِهِ ثَوَاباً وَ عِقَاباً- مِنْ مَكَانِهَا مِنَ السُّرُورِ إِذَا أَحْسَنَتْ- وَ مِنْ مَكَانِهَا مِنَ الْغَمِّ إِذَا أَسَاءَتْ- وَ مِمَّا يَحِقُّ عَلَى ذِي الْعَقْلِ النَّظَرُ فِيمَا وَرَدَ عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِهِ- وَ الْأَخْذُ بِصَوَابِهَا وَ يَنْهَى نَفْسَهُ عَنْ خَطَائِهَا- وَ أَنْ يَحْتَقِرَ عَمَلَهُ وَ نَفْسَهُ فِي رَأْيِهِ لِكَيْلَا يَدْخُلَهُ عُجْبٌ- فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَدْ مَدَحَ أَهْلَ الْعَقْلِ- وَ ذَمَّ أَهْلَ الْعُجْبِ وَ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ- وَ بِالْعَقْلِ يُدْرَكُ كُلُّ خَيْرٍ بِإِذْنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- وَ بِالْجَهْلِ تَهْلِكُ النُّفُوسُ- وَ إِنَّ مِنْ أَوْثَقِ
419
الثِّقَاتِ عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ- مَا أَدْرَكَتْهُ عُقُولُهُمْ وَ بَلَغَتْهُ تَجَارِبُهُمْ- وَ نَالَتْهُ أَبْصَارُهُمْ فِي التَّرْكِ لِلْأَهْوَاءِ وَ الشَّهَوَاتِ- وَ لَيْسَ ذُو الْعَقْلِ بِجَدِيرٍ أَنْ يَرْفُضَ مَا قَوِيَ عَلَى حِفْظِهِ مِنَ الْعَمَلِ- احْتِقَاراً لَهُ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ- وَ إِنَّمَا هَذَا مِنْ أَسْلِحَةِ الشَّيْطَانِ الْغَامِضَةِ- الَّتِي لَا يُبْصِرُهَا إِلَّا مَنْ تَدَبَّرَهَا- وَ لَا يَسْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ مِنْهَا- وَ مِنْ أَسْلِحَتِهِ سِلَاحَانِ أَحَدُهُمَا إِنْكَارُ الْعَقْلِ- أَنْ يُوقِعَ فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ الْعَاقِلِ أَنَّهُ لَا عَقْلَ لَهُ- وَ لَا بَصَرَ وَ لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِي عَقْلِهِ وَ بَصَرِهِ- وَ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّهُ عَنْ مَحَبَّةِ الْعِلْمِ وَ طَلَبِهِ- وَ يُزَيِّنُ لَهُ الِاشْتِغَالَ بِغَيْرِهِ مِنْ مَلَاهِي الدُّنْيَا- فَإِنْ أَتْبَعَهُ الْإِنْسَانُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَهُوَ ظَفَرُهُ- وَ إِنْ عَصَاهُ وَ غَلَبَهُ فَرَغَ إِلَى السِّلَاحِ الْآخَرِ- وَ هُوَ أَنْ يَجْعَلَ الْإِنْسَانَ إِذَا عَمِلَ شَيْئاً- وَ أَبْصَرَهُ عَرَضَ لَهُ بِأَشْيَاءَ لَا يُبْصِرُهَا لِيُغْمِزَهُ- وَ يُضْجِرَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ حَتَّى يُبْغِضَ إِلَيْهِ- مَا هُوَ فِيهِ بِتَضْعِيفِ عَقْلِهِ عِنْدَهُ وَ بِمَا يَأْتِيهِ مِنَ الشُّبْهَةِ- وَ يَقُولُ أَ لَسْتَ تَرَى أَنَّكَ لَا تَسْتَكْمِلُ هَذَا الْأَمْرَ- وَ لَا تُطِيقُهُ أَبَداً فَبِمَ تُعْنِي نَفْسَكَ وَ تُشْقِيهَا فِيمَا لَا طَاقَةَ لَكَ بِهِ- فَبِهَذَا السِّلَاحِ صَرَعَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ- فَاحْتَرِسْ مِنْ أَنْ تَدَعَ اكْتِسَابَ عِلْمِ مَا تَعْلَمُهُ- وَ أَنْ تُخْدَعَ عَمَّا اكْتَسَبْتَ مِنْهُ- فَإِنَّكَ فِي دَارٍ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَى أَكْثَرِ أَهْلِهَا الشَّيْطَانُ- بِأَلْوَانِ حِيَلِهِ وَ وُجُوهِ ضَلَالَتِهِ- وَ مِنْهُمْ مَنْ قَدْ ضَرَبَ عَلَى سَمْعِهِ وَ عَقْلِهِ وَ قَلْبِهِ- فَتَرَكَهُ لَا يَعْلَمُ شَيْئاً- وَ لَا يَسْأَلُ عَنْ عِلْمِ مَا جَهِلَ مِنْهُ كَالْبَهِيمَةِ- وَ إِنَّ لِعَامَّتِهِمْ أَدْيَاناً مُخْتَلِفَةً- فَمِنْهُمُ الْمُجْتَهِدُونَ فِي الضَّلَالَةِ- حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَسْتَحِلُّ دَمَ بَعْضٍ وَ أَمْوَالَهُمْ- وَ يُمَوِّهُ ضَلَالَتَهُمْ بِأَشْيَاءَ مِنَ الْحَقِّ لِيَلْبِسَ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ- وَ يُزَيِّنَهُ لِضَعِيفِهِمْ وَ يَصُدَّهُمْ عَنِ الدِّينِ الْقَيِّمِ- فَالشَّيْطَانُ وَ جُنُودُهُ دَائِبُونَ فِي إِهْلَاكِ النَّاسِ- وَ تَضْلِيلِهِمْ لَا يَسْأَمُونَ وَ لَا يَفْتُرُونَ- وَ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ- وَ لَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُ مَكَايِدِهِمْ إِلَّا بِعَوْنٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ الِاعْتِصَامِ بِدِينِهِ- فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَوْفِيقاً لِطَاعَتِهِ وَ نَصْراً عَلَى عَدُوِّنَا- فَإِنَّهُ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- صِفْ لِيَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى حَتَّى كَأَنِّي أَرَاهُ- قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ لَا يُوصَفُ بِالرُّؤْيَةِ- وَ لَا يُبْلَغُ بِالْعُقُولِ كُنْهُ صِفَتِهِ وَ لَا تَبْلُغُ الْأَلْسُنُ كُنْهَ مِدْحَتِهِ- وَ لَا يُحِيطُ الْعِبَادُ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا عَلَّمَهُمْ مِنْهُ- عَلَى أَلْسِنَةِ أَنْبِيَائِهِ ع
420
بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ- وَ لَا تُدْرِكُ الْأَوْهَامُ عِظَمَ رُبُوبِيَّتِهِ- هُوَ أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ وَ أَجَلُّ وَ أَعَزُّ- وَ أَعْظَمُ وَ أَمْنَعُ وَ أَلْطَفُ فَتَّاحٌ لِلْعِبَادِ مِنْ عِلْمِهِ بِمَا أَحَبَّ- وَ أَظْهَرَهُمْ مِنْ صِفَتِهِ عَلَى مَا أَرَادَ- وَ أَدَلَّهُمْ عَلَى مَعْرِفَتِهِ وَ مَعْرِفَةِ رُبُوبِيَّتِهِ- بِإِحْدَاثِ مَا لَمْ يَكُنْ وَ إِعْدَامِ مَا أَحْدَثَ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- وَ مَا الْحُجَّةُ قَالَ إِذَا رَأَيْتَ شَيْئاً مَصْنُوعاً- غَابَ عَنْكَ صَانِعُهُ عَلِمْتَ بِعَقْلِكَ أَنَّ لَهُ صَانِعاً- فَكَذَلِكَ السَّمَاءُ وَ الْأَرْضُ وَ مَا بَيْنَهُمَا- فَأَيُّ حُجَّةٍ أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ فَأَخْبِرْنِي أَيُّهَا الْحَكِيمُ- أَ بِقَدَرٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ يُصِيبُ النَّاسَ- مَا يُصِيبُهُمْ مِنَ الْأَسْقَامِ وَ الْأَوْجَاعِ- وَ الْفَقْرِ وَ الْمَكَارِهِ أَوْ بِغَيْرِ قَدَرٍ- قَالَ بِلَوْهَرُ لَا بَلْ بِقَدَرٍ- قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَعْمَالِهِمُ السَّيِّئَةِ- قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ سَيِّئِ أَعْمَالِهِمْ بَرِيءٌ- وَ لَكِنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَوْجَبَ الثَّوَابَ الْعَظِيمَ لِمَنْ أَطَاعَهُ- وَ الْعِقَابَ الشَّدِيدَ لِمَنْ عَصَاهُ- قَالَ فَأَخْبِرْنِي مَنْ أَعْدَلُ النَّاسِ وَ مَنْ أَجْوَرُهُمْ- وَ مَنْ أَكْيَسُهُمْ وَ مَنْ أَحْمَقُهُمْ- وَ مَنْ أَشْقَاهُمْ وَ مَنْ أَسْعَدُهُمْ قَالَ أَعْدَلُهُمْ أَنْصَفُهُمْ مِنْ نَفْسِهِ- وَ أَجْوَرُهُمْ مَنْ كَانَ جَوْرُهُ عِنْدَهُ عَدْلًا- وَ عَدْلُ أَهْلِ الْعَدْلِ عِنْدَهُ جَوْراً- وَ أَمَّا أَكْيَسُهُمْ فَمَنْ أَخَذَ لِآخِرَتِهِ أُهْبَتَهَا (1)- وَ أَحْمَقُهُمْ مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ وَ الْخَطَايَا عَمَلَهُ- وَ أَسْعَدُهُمْ مَنْ خَتَمَ عَاقِبَةَ عَمَلِهِ بِخَيْرٍ- وَ أَشْقَاهُمْ مَنْ خُتِمَ لَهُ بِمَا يُسْخِطُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ- ثُمَّ قَالَ مَنْ دَانَ النَّاسَ بِمَا إِنْ دُيِّنَ بِمِثْلِهِ هَلَكَ- فَذَلِكَ الْمُسْخِطُ لِلَّهِ الْمُخَالِفُ لِمَا يُحِبُّ- وَ مَنْ دَانَهُمْ بِمَا إِنْ دُيِّنَ بِمِثْلِهِ صَلَحَ- فَذَلِكَ الْمُطِيعُ لِلَّهِ الْمُوَافِقُ لِمَا يُحِبُّ الْمُجْتَنِبُ لِسَخَطِهِ- ثُمَّ قَالَ لَا تَسْتَقْبِحَنَّ الْحَسَنَ وَ إِنْ كَانَ فِي الْفُجَّارِ- وَ لَا تَسْتَحْسِنَنَّ الْقَبِيحَ وَ إِنْ كَانَ فِي الْأَبْرَارِ- ثُمَّ قَالَ لَهُ أَخْبِرْنِي أَيُّ النَّاسِ أَوْلَى بِالسَّعَادَةِ- وَ أَيُّهُمْ أَوْلَى بِالشَّقَاوَةِ- قَالَ بِلَوْهَرُ أَوْلَاهُمْ بِالسَّعَادَةِ الْمُطِيعُ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي أَمْرِهِ- وَ الْمُجْتَنِبُ لِنَوَاهِيهِ وَ أَوْلَاهُمْ بِالشَّقَاوَةِ الْعَامِلُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ- التَّارِكُ لِطَاعَتِهِ الْمُؤْثِرُ لِشَهْوَتِهِ عَلَى رِضَى اللَّهِ
____________
(1) الاهبة: العدة، يقال أخذ للسفر أهبته أي أسبابه.
421
عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ فَأَيُّ النَّاسِ أَطْوَعُهُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- قَالَ أَتْبَعُهُمْ لِأَمْرِهِ وَ أَقْوَاهُمْ فِي دِينِهِ- وَ أَبْعَدُهُمْ مِنَ الْعَمَلِ بِالسَّيِّئَاتِ- قَالَ فَمَا الْحَسَنَاتُ وَ السَّيِّئَاتُ- قَالَ الْحَسَنَاتُ صِدْقُ النِّيَّةِ وَ الْعَمَلِ وَ الْقَوْلُ الطَّيِّبُ- وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَ السَّيِّئَاتُ سُوءُ النِّيَّةِ- وَ سُوءُ الْعَمَلِ- وَ الْقَوْلُ السَّيِّئُ قَالَ فَمَا صِدْقُ النِّيَّةِ- قَالَ الِاقْتِصَادُ فِي الْهِمَّةِ قَالَ فَمَا سُوءُ الْقَوْلِ قَالَ الْكَذِبُ- قَالَ فَمَا سُوءُ الْعَمَلِ قَالَ مَعْصِيَةُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- قَالَ أَخْبِرْنِي كَيْفَ الِاقْتِصَادُ فِي الْهِمَّةِ- قَالَ التَّذَكُّرُ لِزَوَالِ الدُّنْيَا وَ انْقِطَاعِ أَمْرِهَا- وَ الْكَفُّ عَنِ الْأُمُورِ الَّتِي فِيهَا النَّقِمَةُ وَ التَّبِعَةُ فِي الْآخِرَةِ- قَالَ فَمَا السَّخَاءُ- قَالَ إِعْطَاءُ الْمَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ فَمَا الْكَرَمُ- قَالَ التَّقْوَى قَالَ فَمَا الْبُخْلُ- قَالَ مَنْعُ الْحُقُوقِ عَنْ أَهْلِهَا وَ أَخْذِهَا مِنْ غَيْرِ وَجْهِهَا- قَالَ فَمَا الْحِرْصُ قَالَ الْإِخْلَادُ إِلَى الدُّنْيَا- وَ الطِّمَاحُ إِلَى الْأُمُورِ الَّتِي فِيهَا الْفَسَادُ- وَ ثَمَرَتُهَا عُقُوبَةُ الْآخِرَةِ قَالَ فَمَا الصِّدْقُ- قَالَ طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ بِأَنْ لَا يُخَادِعَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ وَ لَا يَكْذِبَهَا- قَالَ فَمَا الْحُمْقُ قَالَ الطُّمَأْنِينَةُ إِلَى الدُّنْيَا- وَ تَرْكُ مَا يَدُومُ وَ يَبْقَى قَالَ فَمَا الْكَذِبُ- قَالَ أَنْ يَكْذِبَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ- فَلَا يَزَالُ بِهَوَاهُ شَعَفاً وَ لِدِينِهِ مُسَوِّفاً- قَالَ أَيُّ الرِّجَالِ أَكْمَلُهُمْ فِي الصَّلَاحِ- قَالَ أَكْمَلُهُمْ فِي الْعَقْلِ وَ أَبْصَرُهُمْ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ- وَ أَعْمَلُهُمْ بِخُصُومَةٍ وَ أَشَدُّهُمْ مِنْهُمُ احْتِرَاساً- قَالَ أَخْبِرْنِي مَا تِلْكَ الْعَاقِبَةُ- وَ مَا أُولَئِكَ الْخُصَمَاءُ الَّذِينَ يَعْرِفُهُمُ الْعَاقِلُ فَيَحْتَرِسُ مِنْهُمْ- قَالَ الْعَاقِبَةُ الْآخِرَةُ وَ الْعَنَاءُ الدُّنْيَا- قَالَ فَمَا الْخُصَمَاءُ قَالَ الْحِرْصُ وَ الْغَضَبُ وَ الْحَسَدُ- وَ الْحَمِيَّةُ وَ الشَّهْوَةُ وَ الرِّيَاءُ وَ اللَّجَاجَةُ- قَالَ أَيُّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ عَدَدْتَ أَقْوَى وَ أَجْدَرُ أَنْ لَا يَسْلَمَ مِنْهُ- قَالَ الْحِرْصُ أَقَلُّ رِضًا وَ أَفْحَشُ غَضَباً- وَ الْغَضَبُ أَجْوَرُ سُلْطَاناً وَ أَقَلُّ شُكْراً وَ أَكْسَبُ لِلْبَغْضَاءِ- وَ الْحَسَدُ أَسْوَأُ الْخَيْبَةِ لِلنِّيَّةِ وَ أَخْلَفُ لِلظَّنِّ- وَ الْحَمِيَّةُ أَشَدُّ لَجَاجَةً وَ أَفْظَعُ مَعْصِيَةً- وَ الْحِقْدُ أَطْوَلُ تَوَقُّداً وَ أَقَلُّ رَحْمَةً وَ أَشَدُّ سَطْوَةً- وَ الرِّيَاءُ أَشَدُّ خَدِيعَةً وَ أَخْفَى اكْتِنَاناً وَ أَكْذَبُ- وَ اللَّجَاجَةُ أَعْيَا خُصُومَةً وَ أَقْطَعُ مَعْذِرَةً
422
قَالَ أَيُّ مَكَايِدِ الشَّيْطَانِ لِلنَّاسِ فِي هَلَاكِهِمْ أَبْلَغُ- قَالَ تَعْمِيَتُهُ عَلَيْهِمُ الْبِرَّ وَ الْإِثْمَ وَ الثَّوَابَ وَ الْعِقَابَ- وَ عَوَاقِبَ الْأُمُورِ فِي ارْتِكَابِ الشَّهَوَاتِ- قَالَ أَخْبِرْنِي بِالْقُوَّةِ الَّتِي قَوَّى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهَا الْعِبَادَ- فِي تَغَالُبِ تِلْكَ الْأُمُورِ السَّيِّئَةِ وَ الْأَهْوَاءِ الْمُرْدِيَةِ- قَالَ الْعِلْمُ وَ الْعَقْلُ وَ الْعَمَلُ بِهِمَا- وَ صَبْرُ النَّفْسِ عَنْ شَهَوَاتِهَا وَ الرَّجَاءُ لِلثَّوَابِ فِي الدِّينِ- وَ كَثْرَةُ الذِّكْرِ لِفَنَاءِ الدُّنْيَا وَ قُرْبِ الْأَجَلِ- وَ الِاحْتِفَاظُ مِنْ أَنْ يَنْقُضَ مَا يَبْقَى بِمَا يَفْنَى- وَ اعْتِبَارُ مَاضِي الْأُمُورِ بِعَاقِبَتِهَا- وَ الِاحْتِفَاظُ بِمَا لَا يَعْرِفُ إِلَّا عِنْدَ ذَوِي الْعُقُولِ- وَ كَفُّ النَّفْسِ عَنِ الْعَادَةِ السَّيِّئَةِ- وَ حَمْلُهَا عَلَى الْعَادَةِ الْحَسَنَةِ وَ الْخُلُقِ الْمَحْمُودِ- وَ أَنْ يَكُونَ أَمَلُ الْمَرْءِ بِقَدْرِ عَيْشِهِ حَتَّى يَبْلُغَ غَايَتَهُ- فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْقُنُوعُ وَ عَمَلُ الصَّبْرِ وَ الرِّضَا بِالْكَفَافِ- وَ اللُّزُومُ لِلْقَضَاءِ وَ الْمَعْرِفَةُ بِمَا فِيهِ فِي الشِّدَّةِ مِنَ التَّعَبِ- وَ مَا فِي الْإِفْرَاطِ مِنَ الِاغْتِرَافِ وَ حُسْنِ الْعَزَاءِ عَمَّا فَاتَ- وَ طِيبُ النَّفْسِ عَنْهُ وَ تَرْكُ مُعَالَجَةِ مَا لَا يَتِمُّ- وَ الصَّبْرُ بِالْأُمُورِ الَّتِي إِلَيْهَا يُرَدُّ- وَ اخْتِيَارُ سَبِيلِ الرُّشْدِ عَلَى سَبِيلِ الْغَيِّ- وَ تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلَى أَنَّهُ إِنْ عَمِلَ خَيْراً جُزِيَ بِهِ- وَ إِنْ عَمِلَ شَرّاً جُزِيَ بِهِ وَ الْمَعْرِفَةُ بِالْحُقُوقِ- وَ الْحُدُودِ فِي التَّقْوَى وَ عَمَلُ النَّصِيحَةِ- وَ كَفُّ النَّفْسِ عَنِ اتِّبَاعِ الْهَوَى وَ رُكُوبِ الشَّهَوَاتِ- وَ حَمْلُ الْأُمُورِ عَلَى الرَّأْيِ وَ الْأَخْذُ بِالْحَزْمِ وَ الْقُوَّةِ- فَإِنْ أَتَاهُ الْبَلَاءُ أَتَاهُ وَ هُوَ مَعْذُورٌ غَيْرُ مَلُومٍ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ أَيُّ الْأَخْلَاقِ أَكْرَمُ وَ أَعَزُّ- قَالَ التَّوَاضُعُ وَ لِينُ الْكَلِمَةِ لِلْإِخْوَانِ فِي اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- قَالَ أَيُّ الْعِبَادَةِ أَحْسَنُ قَالَ الْوَقَارُ وَ الْمَوَدَّةُ- قَالَ فَأَخْبِرْنِي أَيُّ الشِّيَمِ أَفْضَلُ قَالَ حُبُّ الصَّالِحِينَ- قَالَ أَيُّ الذِّكْرِ أَفْضَلُ- قَالَ مَا كَانَ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ- قَالَ فَأَيُّ الْخُصُومِ أَلَدُّ قَالَ ترك [ارْتِكَابُ الذُّنُوبِ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ أَخْبِرْنِي أَيُّ الْفَضْلِ أَفْضَلُ- قَالَ الرِّضَا بِالْكَفَافِ قَالَ أَخْبِرْنِي أَيُّ الْأَدَبِ أَحْسَنُ- قَالَ أَدَبُ الدِّينِ قَالَ أَيُّ الشَّيْءِ أَجْفَلُ- قَالَ السُّلْطَانُ الْعَاتِي وَ الْقَلْبُ الْقَاسِي- قَالَ أَيُّ شَيْءٍ أَبْعَدُ غَايَةً- قَالَ عَيْنُ الْحَرِيصِ الَّتِي لَا يَشْبَعُ مِنَ الدُّنْيَا- قَالَ أَيُّ الْأُمُورِ أَخْبَثُ عَاقِبَةً- قَالَ الْتِمَاسُ رِضَى النَّاسِ فِي سَخَطِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- قَالَ أَيُّ شَيْءٍ أَسْرَعُ تَقَلُّباً- قَالَ قُلُوبُ الْمُلُوكِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ لِلدُّنْيَا-
423
قَالَ فَأَخْبِرْنِي أَيُّ الْفُجُورِ أَفْحَشُ- قَالَ إِعْطَاءُ عَهْدِ اللَّهِ وَ الْغَدْرُ فِيهِ- قَالَ فَأَيُّ شَيْءٍ أَسْرَعُ انْقِطَاعاً قَالَ مَوَدَّةُ الْفَاسِقِ- قَالَ فَأَيُّ شَيْءٍ أَخْوَنُ قَالَ لِسَانُ الْكَاذِبِ- قَالَ فَأَيُّ شَيْءٍ أَشَدُّ اكْتِتَاماً قَالَ شَرُّ الْمُرَائِي الْمُخَادِعِ- قَالَ فَأَيُّ شَيْءٍ أَشْبَهُ بِأَحْوَالِ الدُّنْيَا- قَالَ أَحْلَامُ النَّائِمِ قَالَ أَيُّ الرِّجَالِ أَفْضَلُ رِضًى- قَالَ أَحْسَنُهُمْ ظَنّاً بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَتْقَاهُمْ- وَ أَقَلُّهُمْ غَفْلَةً عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَ انْقِطَاعِ الْمُدَّةِ- قَالَ أَيُّ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا أَقَرُّ لِلْعَيْنِ- قَالَ الْوَلَدُ الْأَدِيبُ وَ الزَّوْجَةُ الْمُوَافِقَةُ- الْمُؤَاتِيَةُ الْمُعِينَةُ عَلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ- قَالَ أَيُّ الدَّاءِ أَلْزَمُ فِي الدُّنْيَا- قَالَ الْوَلَدُ السَّوْءُ وَ الزَّوْجَةُ السَّوْءُ اللَّذَيْنِ لَا يَجِدُ مِنْهُمَا بُدّاً- قَالَ أَيُّ الْخَفْضِ أَخْفَضُ- قَالَ رِضَى الْمَرْءِ بِحَظِّهِ وَ اسْتِينَاسُهُ بِالصَّالِحِينَ- ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ لِلْحَكِيمِ- فَرِّغْ لِي ذِهْنَكَ فَقَدْ أَرَدْتُ مُسَاءَلَتَكَ عَنْ أَهَمِّ الْأَشْيَاءِ إِلَيَّ- بَعْدَ إِذْ بَصَّرَنِيَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ أَمْرِي مَا كُنْتُ بِهِ جَاهِلًا- وَ رَزَقَنِي مِنَ الدِّينِ مَا كُنْتُ مِنْهُ آيِساً- قَالَ الْحَكِيمُ سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- أَ رَأَيْتَ مَنْ أُوتِيَ الْمُلْكَ طِفْلًا- وَ دِينُهُ عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ وَ قَدْ غُذِّيَ بِلَذَّاتِ الدُّنْيَا وَ اعْتَادَهَا- وَ نَشَأَ فِيهَا إِلَى أَنْ كَانَ رَجُلًا- وَ كَهْلًا لَا يَنْتَقِلُ مِنْ حَالَتِهِ تِلْكَ فِي جَهَالَتِهِ بِاللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ- وَ إِعْطَائِهِ نَفْسَهُ شَهَوَاتِهَا مُتَجَرِّداً لِبُلُوغِ الْغَايَةِ- فِيمَا زُيِّنَ لَهُ مِنْ تِلْكَ الشَّهَوَاتِ مُشْتَغِلًا بِهَا- مُؤْثِراً لَهَا جَرِيّاً عَلَيْهَا لَا يَرَى الرُّشْدَ إِلَّا فِيهَا- وَ لَا تَزِيدُهُ الْأَيَّامُ إِلَّا حُبّاً لَهَا وَ اغْتِرَاراً بِهَا وَ عَجَباً- وَ حُبّاً لِأَهْلِ مِلَّتِهِ وَ رَأْيِهِ- وَ قَدْ دَعَتْهُ بَصِيرَتُهُ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنْ جَهِلَ أَمْرَ آخِرَتِهِ وَ أَغْفَلَهَا- فَاسْتَخَفَّهَا وَ سَهَا عَنْهَا قَسَاوَةَ قَلْبٍ وَ خُبْثَ نِيَّةٍ وَ سُوءَ رَأْيٍ- وَ اشْتَدَّتْ عَدَاوَتُهُ لِمَنْ خَالَفَهُ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ- وَ الِاسْتِخْفَاءِ بِالْحَقِّ وَ الْمُغَيِّبِينَ- لِأَشْخَاصِهِمُ انْتِظَاراً لِلْفَرَجِ مِنْ ظُلْمِهِ وَ عَدَاوَتِهِ هَلْ يُطْمَعُ لَهُ- إِنْ طَالَ عُمُرُهُ فِي النُّزُوعِ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ وَ الْخُرُوجِ مِنْهُ إِلَى مَا الْفَضْلُ فِيهِ بَيِّنٌ وَ الْحُجَّةُ فِيهِ وَاضِحَةٌ- وَ الْحَظُّ جَزِيلٌ مِنْ لُزُومِ مَا أَبْصَرْتُ مِنَ الدِّينِ- فَيَأْتِي مَا يُرْجَى لَهُ بَعْدَ مَغْفِرَةِ مَا قَدْ سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِهِ- وَ حُسْنِ الثَّوَابِ فِي مَآبِهِ- قَالَ الْحَكِيمُ قَدْ عَرَفْتُ هَذِهِ الصِّفَةَ- وَ مَا دَعَاكَ إِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ-
424
قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- مَا ذَاكَ مِنْكَ بِمُسْتَنْكَرٍ لِفَضْلِ مَا أُوتِيتَ مِنَ الْفَهْمِ- وَ خُصِصْتَ بِهِ مِنَ الْعِلْمِ- قَالَ الْحَكِيمُ أَمَّا صَاحِبُ هَذِهِ الصِّفَةِ فَالْمَلِكُ- وَ الَّذِي دَعَاكَ إِلَيْهِ الْعِنَايَةُ بِمَا سَأَلْتَ عَنْهُ- وَ الِاهْتِمَامُ بِهِ مِنْ أَمْرِهِ- وَ الشَّفَقَةُ عَلَيْهِ مِنْ عَذَابِ مَا أَوْعَدَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِهِ وَ طَبْعِهِ وَ هَوَاهُ- مَعَ مَا نَوَيْتَ مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ- فِي أَدَاءِ حَقٍّ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْكَ لَهُ- وَ أَحْسَبُكَ تُرِيدُ بُلُوغَ غَايَةِ الْعُذْرِ فِي التَّلَطُّفِ لِإِنْفَاذِهِ- وَ إِخْرَاجِهِ عَنْ عَظِيمِ الْهَوْلِ وَ دَائِمِ الْبَلَاءِ- الَّذِي لَا انْقِطَاعَ لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ إِلَى السَّلَامَةِ- وَ رَاحَةِ الْأَبَدِ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاءِ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ لَمْ تحرم [تَجْرِمْ حَرْفاً عَمَّا أَرَدْتُ- فَأَعْلِمْنِي رَأْيَكَ فِيمَا عَنَوْتُ مِنْ أَمِرْ الْمَلِكِ- وَ حَالَةِ الَّتِي أَتَخَوَّفُ أَنْ يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ عَلَيْهَا- فَتُصِيبَهُ الْحَسْرَةُ وَ النَّدَامَةُ حِينَ لَا أُغْنِيَ عَنْهُ شَيْئاً- فَاجْعَلْنِي مِنْهُ عَلَى يَقِينٍ وَ فَرِّجْ عَنِّي- فَأَنَا بِهِ مَغْمُومٌ شَدِيدُ الِاهْتِمَامِ بِهِ فَإِنِّي قَلِيلُ الْحِيلَةِ فِيهِ- قَالَ الْحَكِيمُ أَمَّا رَأْيُنَا فَإِنَّا لَا نُبَعِّدُ مَخْلُوقاً مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ- خَالِقِهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا نَأْيَسُ لَهُ مِنْهَا مَا دَامَ فِيهِ الرُّوحُ- وَ إِنْ كَانَ عَاتِياً طَاغِياً ضَالًّا- لِمَا قَدْ وَصَفَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بِهِ نَفْسَهُ مِنَ التَّحَنُّنِ- وَ الرَّأْفَةِ وَ الرَّحْمَةِ وَ دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ- وَ مَا أَمَرَ بِهِ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ وَ التَّوْبَةِ- وَ فِي هَذَا فَضْلُ الطَّمَعِ لَكَ فِي حَاجَتِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- وَ زَعَمُوا أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنٍ مِنَ الْأَزْمَانِ مَلِكٌ عَظِيمُ الصَّوْتِ فِي الْعِلْمِ- رَفِيقٌ سَائِسٌ يُحِبُّ الْعَدْلَ فِي أُمَّتِهِ وَ الْإِصْلَاحَ لِرَعِيَّتِهِ- عَاشَ بِذَلِكَ زَمَاناً بِخَيْرِ حَالٍ- ثُمَّ هَلَكَ فَجَزِعَتْ عَلَيْهِ أُمَّتُهُ وَ كَانَ بِامْرَأَةٍ لَهُ حَمْلٌ- فَذَكَرَ الْمُنَجِّمُونَ وَ الْكَهَنَةُ أَنَّهُ غُلَامٌ وَ كَانَ يُدَبِّرُ مُلْكَهُمْ مَنْ كَانَ يَلِي ذَلِكَ فِي زَمَانِ مُلْكِهِمْ- فَاتَّفَقَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُنَجِّمُونَ وَ الْكَهَنَةُ- وَ وُلِدَ مِنْ ذَلِكَ الْحَمْلِ غُلَامٌ- فَأَقَامُوا عِنْدَ مِيلَادِهِ سَنَةً بِالْمَعَازِفِ- وَ الْمَلَاهِي وَ الْأَشْرِبَةِ وَ الْأَطْعِمَةِ- ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ مِنْهُمْ- وَ الْفِقْهِ وَ الرَّبَّانِيِّينَ قَالُوا لِعَامَّتِهِمْ- إِنَّ هَذَا الْمَوْلُودَ إِنَّمَا هُوَ هِبَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى- وَ قَدْ جَعَلْتُمُ الشُّكْرَ لِغَيْرِهِ- وَ إِنْ كَانَ هِبَةً مِنْ غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- فَقَدْ
425
أَدَّيْتُمُ الْحَقَّ إِلَى مَنْ أَعْطَاكُمُوهُ- وَ اجْتَهَدْتُمْ فِي الشُّكْرِ لِمَنْ رَزَقَكُمُوهُ فَقَالَ لَهُمُ الْعَامَّةُ- مَا وَهَبَهُ لَنَا إِلَّا اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- وَ لَا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْنَا غَيْرُهُ قَالَ الْعُلَمَاءُ- فَإِنْ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ هُوَ الَّذِي وَهَبَهُ لَكُمْ- فَقَدْ أَرْضَيْتُمْ غَيْرَ الَّذِي أَعْطَاكُمُ- وَ أَسْخَطْتُمُ اللَّهَ الَّذِي وَهَبَهُ لَكُمْ فَقَالَتْ لَهُمُ الرَّعِيَّةُ- فَأَشِيرُوا لَنَا أَيُّهَا الْحُكَمَاءُ وَ أَخْبِرُونَا أَيُّهَا الْعُلَمَاءُ فَنَتَّبِعَ قَوْلَكُمْ وَ نَتَقَبَّلَ نَصِيحَتَكُمْ- وَ مُرُونَا بِأَمْرِكُمْ قَالَتِ الْعُلَمَاءُ فَإِنَّا نَرَى لَكُمْ أَنْ تَعْدِلُوا عَنِ اتِّبَاعِ مَرْضَاةِ الشَّيْطَانِ- بِالْمَعَازِفِ وَ الْمَلَاهِي وَ الْمُسْكِرِ- إِلَى ابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ شُكْرِهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ أَضْعَافَ شُكْرِكُمُ الشَّيْطَانَ- حَتَّى يُغْفَرَ لَكُمْ مَا كَانَ مِنْكُمْ- قَالَتِ الرَّعِيَّةُ- لَا تَحْمِلُ أَجْسَادُنَا كُلَّ الَّذِي قُلْتُمْ وَ أَمَرْتُمْ بِهِ- قَالَتِ الْعُلَمَاءُ يَا أُولِي الْجَهْلِ- كَيْفَ أَطَعْتُمْ مَنْ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيْكُمْ- وَ تَعْصُونَ مَنْ لَهُ الْحَقُّ الْوَاجِبُ عَلَيْكُمْ- وَ كَيْفَ قَوِيتُمْ عَلَى مَا لَا يَنْبَغِي وَ تَضْعُفُونَ عَمَّا يَنْبَغِي- قَالُوا لَهُمْ يَا أَئِمَّةَ الْحُكَمَاءِ عَظُمَتْ فِينَا الشَّهَوَاتُ- وَ كَثُرَتْ فِينَا اللَّذَّاتُ فَقَوِينَا بِمَا عَظُمَ فِينَا- مِنْهَا عَلَى الْعَظِيمِ مِنْ مُشْكِلِهَا وَ ضَعُفَتْ مِنَّا النِّيَّاتُ- فَعَجَزْنَا عَنْ حَمْلِ الْمُثْقِلَاتِ- فَارْضَوْا مِنَّا فِي الرُّجُوعِ عَنْ ذَلِكَ يَوْماً فَيَوْماً- وَ لَا تُكَلِّفُونَا كُلَّ هَذَا الثَّقَلِ- قَالُوا لَهُمْ يَا مَعْشَرَ السُّفَهَاءِ أَ لَسْتُمْ أَبْنَاءَ الْجَهْلِ- وَ إِخْوَانَ الضَّلَالِ حِينَ خَفَّتْ عَلَيْكُمُ الشِّقْوَةُ- وَ ثَقُلَتْ عَلَيْكُمُ السَّعَادَةُ قَالُوا لَهُمْ- أَيُّهَا السَّادَةُ الْحُكَمَاءُ وَ الْقَادَةُ الْعُلَمَاءُ- إِنَّا نَسْتَجِيرُ مِنْ تَعْنِيفِكُمْ إِيَّانَا بِمَغْفِرَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ نَسْتَتِرُ مِنْ تَعْيِيرِكُمْ لَنَا بِعَفْوِهِ فَلَا تُؤَنِّبُونَا (1)- وَ لَا تُعَيِّرُونَا بِضَعْفِنَا وَ لَا تَعِيبُوا الْجَهَالَةَ عَلَيْنَا- فَإِنَّا إِنْ أَطَعْنَا اللَّهَ مَعَ عَفْوِهِ وَ حِلْمِهِ وَ تَضْعِيفِهِ الْحَسَنَاتِ- أَوِ اجْتَهَدْنَا فِي عِبَادَتِهِ- مِثْلَ الَّذِي بَذَلْنَا لِهَوَانَا مِنَ الْبَاطِلِ بَلَغْنَا حَاجَتَنَا- وَ بَلَّغَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِنَا غَايَتَنَا وَ رَحِمَنَا كَمَا خَلَقَنَا- فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ أَقَرَّهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ وَ رَضُوا قَوْلَهُمْ- فَصَلُّوا وَ صَامُوا وَ تَعَبَّدُوا وَ أَعْظَمُوا الصَّدَقَاتِ سَنَةً كَامِلَةً- فَلَمَّا انْقَضَى ذَلِكَ مِنْهُمْ قَالَتِ الْكَهَنَةُ- إِنَّ الَّذِي صَنَعَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى هَذَا الْمَوْلُودِ يُخْبِرُ- أَنَّ هَذَا الْمَلِكَ يَكُونُ فَاجِراً وَ يَكُونُ بَارّاً- وَ يَكُونُ مُتَجَبِّراً وَ يَكُونُ مُتَوَاضِعاً- وَ يَكُونُ مُسِيئاً وَ يَكُونُ مُحْسِناً وَ قَالَ الْمُنَجِّمُونَ مِثْلَ ذَلِكَ- فَقِيلَ لَهُمْ كَيْفَ قُلْتُمْ ذَلِكَ- قَالَ الْكَهَنَةُ قُلْنَا هَذَا مِنْ قِبَلِ اللَّهْوِ- وَ الْمَعَازِفِ وَ الْبَاطِلِ الَّذِي صُنِعَ عَلَيْهِ- وَ مَا صُنِعَ عَلَيْهِ مِنْ ضِدِّهِ
____________
(1) أنبه- بشد النون-: عنفه و لامه.
426
بَعْدَ ذَلِكَ- وَ قَالَ الْمُنَجِّمُونَ- قُلْنَا ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ اسْتِقَامَةِ الزُّهَرَةِ وَ الْمُشْتَرِي- فَنَشَأَ الْغُلَامُ بِكِبْرٍ- لَا يُوصَفُ عَظَمَتُهُ وَ مَرَحٍ لَا يُنْعَتُ- وَ عُدْوَانٍ لَا يُطَاقُ فَعَسَفَ وَ جَارَ وَ ظَلَمَ فِي الْحُكْمِ- وَ غَشَمَ وَ كَانَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْهِ مَنْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ- وَ أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيْهِ مَنْ خَالَفَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ- وَ اغْتَرَّ بِالشَّبَابِ وَ الصِّحَّةِ وَ الْقُدْرَةِ- وَ الظَّفَرِ وَ النَّظَرِ فَامْتَلَأَ سُرُوراً- وَ إِعْجَاباً بِمَا هُوَ فِيهِ وَ رَأَى كُلَّمَا يُحِبُّهُ وَ سَمِعَ- كُلَّمَا اشْتَهَى حَتَّى بَلَغَ اثْنَتَيْنِ وَ ثَلَاثِينَ سَنَةً- ثُمَّ جَمَعَ نِسَاءً مِنْ بَنَاتِ الْمُلُوكِ وَ صِبْيَاناً- وَ الْجَوَارِيَ وَ الْمُخَدَّرَاتِ وَ خَيْلَهُ الْمُطَهَّمَاتِ الْعَنَاقَ (1)- وَ أَلْوَانَ مَرَاكِبِهِ الْفَاخِرَةِ وَ وَصَائِفَهُ- وَ خُدَّامَهُ الَّذِينَ يَكُونُونَ فِي خِدْمَتِهِ- فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَلْبَسُوا أَجَدَّ ثِيَابِهِمْ وَ يَتَزَيَّنُوا بِأَحْسَنِ زِينَتِهِمْ- وَ أَمَرَ بِبِنَاءِ مَجْلِسٍ مُقَابِلَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ- صَفَائِحُ أَرْضِهِ الذَّهَبُ مُفَضَّضاً بِأَنْوَاعِ الْجَوَاهِرِ- طُولُهُ مِائَةٌ وَ عِشْرُونَ ذِرَاعاً- وَ عَرْضُهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً مُزَخْرَفاً سَقْفُهُ وَ حِيطَانُهُ- قَدْ زُيِّنَ بِكَرَائِمِ الْحُلِيِّ وَ صُنُوفِ الْجَوْهَرِ- وَ اللُّؤْلُؤِ النَّظِيمِ وَ فَاخِرِهِ- وَ أَمَرَ بِضُرُوبِ الْأَمْوَالِ فَأُخْرِجَتْ مِنَ الْخَزَائِنِ- وَ نُضِّدَتْ سِمَاطَيْنِ (2) أَمَامَ مَجْلِسِهِ- وَ أَمَرَ جُنُودَهُ وَ أَصْحَابَهُ وَ قُوَّادَهُ وَ كُتَّابَهُ وَ حُجَّابَهُ- وَ عُظَمَاءَ أَهْلِ بِلَادِهِ وَ عُلَمَاءَهُمْ فَحَضَرُوا فِي أَحْسَنِ هَيْئَتِهِمْ- وَ أَجْمَلِ جَمَالِهِمْ وَ تَسَلَّحَ فُرْسَانُهُ وَ رَكِبَتْ خُيُولُهُ فِي عُدَّتِهِمْ- ثُمَّ وَقَفُوا عَلَى مَرَاكِزِهِمْ وَ مَرَاتِبِهِمْ صُفُوفاً وَ كَرَادِيسَ- وَ إِنَّمَا أَرَادَ بِزَعْمِهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَنْظَرٍ رَفِيعٍ- حَسَنٍ تُسَرُّ بِهِ نَفْسُهُ وَ تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهُ- ثُمَّ خَرَجَ فَصَعِدَ إِلَى مَجْلِسِهِ فَأَشْرَفَ عَلَى مَمْلَكَتِهِ- فَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً فَقَالَ لِبَعْضِ غِلْمَانِهِ- قَدْ نَظَرْتُ فِي أَهْلِ مَمْلَكَتِي إِلَى مَنْظَرٍ حَسَنٍ- وَ بَقِيَ أَنْ أَنْظُرَ إِلَى صُورَةِ وَجْهِي فَدَعَا بِمِرْآةٍ- فَنَظَرَ إِلَى وَجْهِهِ فَبَيْنَا هُوَ يَقْلِبُ طَرْفَهُ فِيهَا- إِذْ لَاحَتْ لَهُ شَعْرَةٌ بَيْضَاءُ مِنْ لِحْيَتِهِ- كَغُرَابٍ أَبْيَضَ بَيْنَ غِرْبَانٍ سُودٍ- وَ اشْتَدَّ مِنْهَا ذُعْرُهُ وَ فَزَعُهُ (3) وَ تَغَيَّرَ فِي عَيْنِهِ حَالَةٌ- وَ ظَهَرَتِ الْكَآبَةُ وَ الْحُزْنُ فِي وَجْهِهِ وَ تَوَلَّى السُّرُورُ مِنْهُ- ثُمَّ قَالَ فِي نَفْسِهِ هَذَا حِينٌ نَعَى إِلَيَّ شَبَابِي وَ بَيَّنَ لِي أَنَّ مُلْكِي فِي ذَهَابٍ- وَ أُوذِنْتُ
____________
(1) أي تام الحسن.
(2) نضد المتاع- بشد الضاد و تخفيفها- رتبه و ضم بعضه الى بعض متسقا أو مركوما. و السماط: الشيء المصطف. و سماط الطريق جانباه.
(3) الذعر: الخوف و الفزع.
427
بِالنُّزُولِ عَنْ سَرِيرِ مُلْكِي ثُمَّ قَالَ هَذِهِ مُقَدِّمَةُ الْمَوْتِ- وَ رَسُولُ الْبَلَاءِ (1) لَمْ يَحْجُبْهُ عَنِّي حَاجِبٌ- وَ لَمْ يَمْنَعْهُ- عَنِّي حَارِسٌ- فَنَعَى إِلَى نَفْسِي وَ أَذَّنَ لِي بِزَوَالِ مُلْكِي- فَمَا أَسْرَعَ هَذَا فِي تَبْدِيلِ بَهْجَتِي وَ ذَهَابِ سُرُورِي- وَ هَدْمِ قُوَّتِي لَمْ يَمْنَعْهُ مِنِّي الْحُصُونُ وَ لَمْ تَدْفَعْهُ عَنِّي الْجُنُودُ- هَذَا سَالِبُ الشَّبَابِ وَ الْقُوَّةِ- وَ مَاحِقُ الْعِزِّ وَ الثَّرْوَةِ وَ مُفَرِّقُ الشَّمْلِ- وَ قَاسِمُ التُّرَاثِ بَيْنَ الْأَوْلِيَاءِ وَ الْأَعْدَاءِ مُفْسِدُ الْمَعَاشِ- وَ مُنَغِّصُ اللَّذَّاتِ وَ مُخَرِّبُ الْعِمَارَاتِ وَ مُشَتِّتُ الْجَمْعِ- وَ وَاضِعُ الرَّفِيعِ وَ مُذِلُّ الْمَنِيعِ- قَدْ أَنَاخَتْ بِي أَثْقَالُهُ (2) وَ نَصَبَ لِي حِبَالَهُ- ثُمَّ نَزَلَ عَنْ مَجْلِسِهِ حَافِياً مَاشِياً وَ قَدْ صَعِدَ إِلَيْهِ مَحْمُولًا- ثُمَّ جَمَعَ إِلَيْهِ جُنُودَهُ وَ دَعَا إِلَيْهِ ثِقَاتَهُ- فَقَالَ أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا ذَا صَنَعْتُ فِيكُمْ- وَ مَا أَتَيْتُ إِلَيْكُمْ مُنْذُ مَلَكْتُكُمْ وَ وُلِّيتُ أُمُورَكُمْ- قَالُوا لَهُ أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمَحْمُودُ عَظُمَ بَلَاؤُكَ عِنْدَنَا- وَ هَذِهِ أَنْفُسُنَا مَبْذُولَةً فِي طَاعَتِكَ فَمُرْنَا بِأَمْرِكَ- قَالَ طَرَقَنِي عَدُوٌّ نَحِيفٌ (3) لَمْ تَمْنَعُونِي مِنْهُ- حَتَّى نَزَلَ بِي وَ كُنْتُمْ عُدَّتِي وَ ثِقَاتِي- قَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ أَيْنَ هَذَا الْعَدُوُّ أَ يُرَى أَمْ لَا يُرَى- قَالَ يُرَى بِأَثَرٍ وَ لَا يُرَى عَيْنُهُ- قَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ هَذِهِ عُدَّتُنَا كَمَا تَرَى- وَ عِنْدَنَا سَكَنٌ وَ فِينَا ذَوُو الْحِجَى وَ النُّهَى- فَأَرِنَاهُ نَكْفِكَ مَا مِثْلُهُ يُكْفَى قَالَ قَدْ عَظُمَ الِاغْتِرَارُ مِنِّي بِكُمْ- وَ وَضَعْتُ الثِّقَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا حِينَ اتَّخَذْتُكُمْ- وَ جَعَلْتُكُمْ لِنَفْسِي جُنَّةً- وَ إِنَّمَا بَذَلْتُ لَكُمُ الْأَمْوَالَ وَ رَفَعْتُ شَرَفَكُمْ- وَ جَعَلْتُكُمُ الْبِطَانَةَ دُونَ غَيْرِكُمْ- لِتَحْفَظُونِي مِنَ الْأَعْدَاءِ وَ تَحْرُسُونِي مِنْهُمْ- ثُمَّ أَيَّدْتُكُمْ عَلَى ذَلِكَ بِتَشْيِيدِ الْبُلْدَانِ- وَ تَحْصِينِ الْمَدَائِنِ وَ الثِّقَةِ مِنَ الصَّلَاحِ- وَ نَحَّيْتُ عَنْكُمُ الْهُمُومَ (4) وَ فَرَّغْتُكُمْ لِلنَّجْدَةِ
____________
(1) في بعض النسخ «رسول البلى».
(2) أناخ البلاء على فلان: أقام عليه، و أناخ به الحاجة: أنزلها به. أناخ الجمل: أبركه.
(3) طرق القوم: أتاهم ليلا.
(4) نحاه عنه أي أبعده عنه و أزاله- و النجدة: الشجاعة و الشدة و البأس.
428
وَ الِاحْتِفَاظِ- وَ لَمْ أَكُنْ أَخْشَى أَنْ أُرَاعَ مَعَكُمْ- وَ لَا أَتَخَوَّفُ الْمَنُونَ عَلَى بُنْيَانِي- وَ أَنْتُمْ عُكُوفٌ مُطِيفُونَ بِهِ فَطُرِقْتُ- وَ أَنْتُمْ حَوْلِي وَ أُتِيتُ وَ أَنْتُمْ مَعِي- فَلَئِنْ كَانَ هَذَا ضعف [ضَعْفاً مِنْكُمْ فَمَا أَخَذْتُ أَمْرِي بِثِقَةٍ- وَ إِنْ كَانَتْ غَفْلَةً مِنْكُمْ فَمَا أَنْتُمْ بِأَهْلِ النَّصِيحَةِ- وَ لَا عَلَيَّ بِأَهْلِ الشَّفَقَةِ- قَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ أَمَّا شَيْءٌ نُطِيقُ دَفْعَهُ بِالْخَيْلِ وَ الْقُوَّةِ- فَلَيْسَ بِوَاصِلٍ إِلَيْكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَ نَحْنُ أَحْيَاءٌ- وَ أَمَّا مَا لَا يُرَى فَقَدْ غُيِّبَ عَنَّا عِلْمُهُ وَ عَجَزَتْ قُوَّتُنَا عَنْهُ- قَالَ أَ لَيْسَ اتَّخَذْتُكُمْ لِتَمْنَعُونِي مِنْ عَدُوِّي قَالُوا بَلَى- قَالَ فَمِنْ أَيِّ عَدُوٍّ تَحْفَظُونِي مِنَ الَّذِي يَضُرُّنِي- أَوْ مِنَ الَّذِي لَا يَضُرُّنِي قَالُوا مِنَ الَّذِي يَضُرُّكَ- قَالَ أَ فَمِنْ كُلِّ ضَارٍّ لِي أَوْ مِنْ بَعْضِهِمْ قَالُوا مِنْ كُلِّ ضَارٍّ- قَالَ فَإِنَّ رَسُولَ الْبِلَى قَدْ أَتَانِي يَنْعَى إِلَى نَفْسِي وَ مُلْكِي- وَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُرِيدُ خَرَابَ مَا عُمِّرْتُ- وَ هَدْمَ مَا بَنَيْتُ وَ تَفْرِيقَ مَا جَمَعْتُ- وَ فَسَادَ مَا أَصْلَحْتُ- وَ تَبْذِيرَ مَا أَحْرَزْتُ- وَ تَبْدِيلَ مَا عَمِلْتُ وَ تَوْهِينَ مَا وَثِقْتُ- وَ زَعَمَ أَنَّ مَعَهُ الشَّمَاتَةَ مِنَ الْأَعْدَاءِ وَ قَدْ قَرَّتْ بِي أَعْيُنُهُمْ- فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مِنِّي شِفَاءَ صُدُورِهِمْ- وَ ذَكَرَ أَنَّهُ سَيَهْزِمُ جَيْشِي وَ يُوحِشُ أُنْسِي- وَ يُذْهِبُ عِزِّي وَ يؤتم [يُوتِمُ وُلْدِي وَ يُفَرِّقُ جُمُوعِي- وَ يُفْجِعُ بِي إِخْوَانِي وَ أَهْلِي وَ قَرَابَتِي- وَ يَقْطَعُ أَوْصَالِي وَ يُسْكِنُ مَسَاكِنَ أَعْدَائِي- قَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّمَا نَمْنَعُكَ مِنَ النَّاسِ- وَ السِّبَاعِ وَ الْهَوَامِّ وَ دَوَابِّ الْأَرْضِ- فَأَمَّا الْبَلَاءُ فَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ- وَ لَا قُوَّةَ لَنَا عَلَيْهِ وَ لَا امْتِنَاعَ لَنَا مِنْهُ- فَقَالَ فَهَلْ مِنْ حِيلَةٍ فِي دَفْعِ ذَلِكَ مِنِّي قَالُوا لَا- قَالَ فَشَيْءٌ دُونَ ذَلِكَ تُطِيقُونَهُ قَالُوا وَ مَا هُوَ- قَالَ الْأَوْجَاعُ وَ الْأَحْزَانُ وَ الْهُمُومُ- قَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّمَا قَدْ قَدَّرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ قَوِيٌّ لَطِيفٌ- وَ ذَلِكَ يَثُورُ مِنَ الْجِسْمِ وَ النَّفْسِ- وَ هُوَ يَصِلُ إِلَيْكَ إِذَا لَمْ يُوصَلْ وَ لَا يُحْجَبُ عَنْكَ- وَ إِنْ حُجِبَ (1) قَالَ فَأَمْرٌ دُونَ ذَلِكَ- قَالُوا وَ مَا هُوَ قَالَ مَا قَدْ سَبَقَ مِنَ الْقَضَاءِ- قَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ وَ مَنْ ذَا غَالَبَ الْقَضَاءَ فَلَمْ يُغْلَبْ- وَ مَنْ ذَا كَابَرَهُ فَلَمْ يُقْهَرْ قَالَ فَمَا ذَا عِنْدَكُمْ- قَالُوا مَا نَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الْقَضَاءِ- وَ قَدْ أَصَبْتَ التَّوْفِيقَ وَ التَّسْدِيدَ فَمَا ذَا الَّذِي تُرِيدُ- قَالَ أُرِيدُ أَصْحَاباً يَدُومُ عَهْدُهُمْ- وَ يَفُوا لِي وَ تَبْقَى لِي أُخُوَّتُهُمْ- وَ لَا
____________
(1) في بعض النسخ «و ان حجب لم يحجب».
429
يَحْجُبُهُمْ عَنِّي الْمَوْتُ- وَ لَا يَمْنَعُهُمُ الْبِلَى عَنْ صُحْبَتِي- وَ لَا يَشْتَمِلُ بِهِمُ الِامْتِنَاعُ عَنْ صُحْبَتِي (1)- وَ لَا يُفْرِدُونِي إِنْ مِتُّ وَ لَا يُسَلِّمُونِي إِنْ عِشْتُ- وَ يَدْفَعُونَ عَنِّي مَا عَجَزْتُمْ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الْمَوْتِ- قَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ وَ مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْتَ- قَالَ هُمُ الَّذِينَ أَفْسَدْتُهُمْ بِاسْتِصْلَاحِكُمْ- قَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ أَ فَلَا تَصْطَنِعُ عِنْدَنَا وَ عِنْدَهُمْ مَعْرُوفاً- فَإِنَّ أَخْلَاقَكَ تَامَّةٌ وَ رَأْفَتَكَ عَظِيمَةٌ- قَالَ إِنَّ فِي صُحْبَتِكُمْ إِيَّايَ السَّمَّ الْقَاتِلَ- وَ الصَّمَمَ وَ الْعَمَى فِي طَاعَتِكُمْ وَ الْبَكَمَ فِي مُوَافَقَتِكُمْ- قَالُوا كَيْفَ ذَاكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ- قَالَ صَارَتْ صُحْبَتُكُمْ إِيَّايَ فِي الِاسْتِكْثَارِ- وَ مُوَافَقَتُكُمْ عَلَى الْجَمْعِ- وَ طَاعَتُكُمْ إِيَّايَ فِي الِاغْتِفَالِ- فَبَطَّأْتُمُونِي عَنِ الْمَعَادِ وَ زَيَّنْتُمْ لِيَ الدُّنْيَا- وَ لَوْ نَصَحْتُمُونِي ذَكَّرْتُمُونِيَ الْمَوْتَ- وَ لَوْ أَشْفَقْتُمْ عَلَيَّ ذَكَّرْتُمُونِيَ الْبَلَاءَ وَ جَمَعْتُمْ لِي مَا يَبْقَى- وَ لَمْ تَسْتَكْثِرُوا لِي مَا يَفْنَى- فَإِنَّ تِلْكَ الْمَنْفَعَةَ الَّتِي ادَّعَيْتُمُوهَا ضَرَرٌ- وَ تِلْكَ الْمَوَدَّةَ عَدَاوَةٌ- وَ قَدْ رَدَدْتُهَا عَلَيْكُمْ لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا مِنْكُمْ- قَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ الْحَكِيمُ الْمَحْمُودُ- قَدْ فَهِمْنَا مَقَالَتَكَ وَ فِي أَنْفُسِنَا إِجَابَتُكَ- وَ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَحْتَجَّ عَلَيْكَ فَقَدْ رَأَيْنَا مَكَانَ الْحُجَّةِ- فَسُكُوتُنَا عَنْ حُجَّتِنَا فَسَادٌ لِمُلْكِنَا- وَ هَلَاكٌ لِدُنْيَانَا وَ شَمَاتَةٌ لِعَدُوِّنَا- وَ قَدْ نَزَلَ بِنَا أَمْرٌ عَظِيمٌ بِالَّذِي تَبَدَّلَ مِنْ رَأْيِكَ- وَ أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَمْرُكَ قَالَ قُولُوا آمِنِينَ- وَ اذْكُرُوا مَا بَدَا لَكُمْ غَيْرَ مَرْعُوبِينَ- فَإِنِّي كُنْتُ إِلَى الْيَوْمِ مَغْلُوباً بِالْحَمِيَّةِ وَ الْأَنَفَةِ- وَ أَنَا الْيَوْمَ غَالِبٌ لَهُمَا- وَ كُنْتُ إِلَى الْيَوْمِ مَقْهُوراً لَهُمَا وَ أَنَا الْيَوْمَ قَاهِرٌ لَهُمَا- وَ كُنْتُ إِلَى الْيَوْمِ مَلِكاً عَلَيْكُمْ- فَقَدْ صِرْتُ عَلَيْكُمْ مَمْلُوكاً- وَ أَنَا الْيَوْمَ عَتِيقٌ وَ أَنْتُمْ مِنْ مَمْلَكَتِي طُلَقَاءُ- قَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ مَا الَّذِي كُنْتَ مَمْلُوكاً- إِذْ كُنْتَ عَلَيْنَا مَلِكاً- قَالَ كُنْتُ مَمْلُوكاً لِهَوَايَ مَقْهُوراً بِالْجَهْلِ- مُسْتَعْبِداً لِشَهَوَاتِي- فَقَدْ قَطَعْتُ تِلْكَ الطَّاعَةَ عَنِّي وَ نَبَذْتُهَا خَلْفَ ظَهْرِي- قَالُوا فَقُلْ مَا أَجْمَعْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ- قَالَ الْقُنُوعَ وَ التَّخَلِّيَ لِآخِرَتِي وَ تَرْكَ هَذَا الْغُرُورِ- وَ نَبْذَ هَذَا الثَّقَلِ عَنْ ظَهْرِي وَ الِاسْتِعْدَادَ لِلْمَوْتِ- وَ التَّأَهُّبَ لِلْبَلَاءِ فَإِنَّ رَسُولَهُ عِنْدِي- قَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ أُمِرَ بِمُلَازَمَتِي- وَ الْإِقَامَةِ مَعِي
____________
(1) في بعض النسخ «و لا يستحيل بهم الاطماع عن نصيحتى» و في بعضها «لا يستميل».
430
حَتَّى يَأْتِيَنِي الْمَوْتُ- فَقَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ- وَ مَنْ هَذَا الرَّسُولُ الَّذِي قَدْ أَتَاكَ وَ لَمْ نَرَهُ- وَ هُوَ مُقَدِّمَةُ الْمَوْتِ الَّذِي لَا نَعْرِفُهُ- قَالَ أَمَّا الرَّسُولُ فَهَذَا الْبَيَاضُ يَلُوحُ بَيْنَ السَّوَادِ- وَ قَدْ صَاحَ فِي جَمِيعِهِ بِالزَّوَالِ فَأَجَابُوا وَ أَذْعَنُوا- وَ أَمَّا مُقَدِّمَةُ الْمَوْتِ فَالْبَلَاءُ الَّذِي هَذَا الْبَيَاضُ طُرُقُهُ- قَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ أَ فَتَدَعُ مَمْلَكَتَكَ وَ تُهْمِلُ رَعِيَّتَكَ- وَ كَيْفَ لَا تَخَافُ الْإِثْمَ فِي تَعْطِيلِ أُمَّتِكَ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ- أَنَّ أَعْظَمَ الْأَمْرِ فِي اسْتِصْلَاحِ النَّاسِ- وَ أَنَّ رَأْسَ الصَّلَاحِ الطَّاعَةُ لِلْأُمَّةِ وَ الْجَمَاعَةِ- فَكَيْفَ لَا تَخَافُ مِنَ الْإِثْمِ وَ فِي هَلَاكِ الْعَامَّةِ مِنَ الْإِثْمِ- فَوْقَ الَّذِي تَرْجُو مِنَ الْأَجْرِ فِي صَلَاحِ الْخَاصَّةِ- أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ أَفْضَلَ الْعِبَادَةِ الْعَمَلُ- وَ أَنَّ أَشَدَّ الْعَمَلِ السِّيَاسَةُ- فَإِنَّكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ مَا فِي يَدَيْكَ عَدْلٌ عَلَى رَعِيَّتِكَ- مُسْتَصْلِحٌ لَهَا بِتَدْبِيرِكَ- فَإِنَّ لَكَ مِنَ الْأَجْرِ بِقَدْرِ مَا اسْتَصْلَحْتَ- أَ لَسْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ إِذَا خَلَّيْتَ مَا فِي يَدَيْكَ- مِنْ صَلَاحِ أُمَّتِكَ فَقَدْ أَرَدْتَ فَسَادَهُمْ- وَ إِذَا أَرَدْتَ فَسَادَهُمْ فَقَدْ حَمَلْتَ مِنَ الْإِثْمِ- فِيهِمْ أَعْظَمَ مِمَّا أَنْتَ تُصِيبُ مِنَ الْأَجْرِ فِي خَاصَّةِ يَدَيْكَ- أَ لَسْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ- قَالُوا مَنْ أَتْلَفَ نَفْساً فَقَدِ اسْتَوْجَبَ لِنَفْسِهِ الْفَسَادَ- وَ مَنْ أَصْلَحَهَا فَقَدِ اسْتَوْجَبَ الصَّلَاحَ لِبَدَنِهِ- وَ أَيُّ فَسَادٍ أَعْظَمُ مِنْ رَفْضِ هَذِهِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَنْتَ إِمَامُهَا- وَ الْإِقَامَةِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي أَنْتَ نِظَامُهَا حَاشَا لَكَ- أَيُّهَا الْمَلِكُ أَنْ تَخْلَعَ عَنْكَ لِبَاسَ الْمَلِكِ- الَّذِي هُوَ الْوَسِيلَةُ إِلَى شَرَفِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- قَالَ قَدْ فَهِمْتُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ وَ عَقَلْتُ الَّذِي وَصَفْتُمْ- فَإِنْ كُنْتُ إِنَّمَا أَطْلُبُ الْمُلْكَ عَلَيْكُمْ لِلْعَدْلِ فِيكُمْ- وَ الْأَجْرِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي اسْتِصْلَاحِكُمْ- بِغَيْرِ أَعْوَانٍ يَرْفِدُونَنِي وَ وُزَرَاءٍ يَكْفُونَنِي- فَمَا عَسَيْتُ أَنْ أَبْلُغَ بِالْوَحْدَةِ فِيكُمْ- أَ لَسْتُمْ جَمِيعاً نُزُعاً إِلَى الدُّنْيَا وَ شَهَوَاتِهَا وَ لَذَّاتِهَا- وَ لَا آمَنُ أَنْ أُخْلِدَ إِلَى الدُّنْيَا- الَّتِي أَرْجُو أَنْ أَدَعَهَا وَ أَرْفِضَهَا- فَإِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ أَتَانِي الْمَوْتُ عَلَى غِرَّةٍ- فَأَنْزَلَنِي عَنْ سَرِيرِ مُلْكِي إِلَى بَطْنِ الْأَرْضِ- وَ كَسَانِي التُّرَابَ بَعْدَ الدِّيبَاجِ- وَ الْمَنْسُوجِ بِالذَّهَبِ وَ نَفِيسِ الْجَوْهَرِ- وَ ضَمَّنِي إِلَى الضِّيقِ بَعْدَ السَّعَةِ- وَ أَلْبَسَنِي الْهَوَانَ بَعْدَ الْكَرَامَةِ- فَأَصْبِرُ فَرِيداً بِنَفْسِي لَيْسَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ فِي الْوَحْدَةِ- قَدْ أَخْرَجْتُمُونِي مِنَ الْعُمْرَانِ وَ أَسْلَمْتُمُونِي إِلَى الْخَرَابِ-
431
وَ خَلَّيْتُمْ بَيْنَ لَحْمِي وَ سِبَاعِ الطَّيْرِ وَ حَشَرَاتِ الْأَرْضِ- فَأَكَلَتْ مِنِّي النَّمْلَةُ فَمَا فَوْقَهَا مِنَ الْهَوَامِّ- وَ صَارَ جَسَدِي دُوداً وَ جِيفَةً قَذِرَةً الذُّلُّ لِي حَلِيفٌ- وَ الْعِزُّ مِنِّي غَرِيبٌ أَشَدُّكُمْ حُبّاً إِلَيَّ أَسْرَعُكُمْ إِلَى دَفْنِي- وَ التَّخْلِيَةِ بَيْنِي وَ بَيْنَ مَا قَدَّمْتُ مِنْ عَمَلِي- أَسْلَفْتُ مِنْ ذُنُوبِي فَيُورِثُنِي ذَلِكَ الْحَسْرَةَ- وَ يُعْقِبُنِي النَّدَامَةَ- وَ قَدْ كُنْتُمْ وَعَدْتُمُونِي أَنْ تَمْنَعُونِي مِنْ عَدُوِّي الضَّارِّ- فَإِذَا أَنْتُمْ لَا مَنْعَ عِنْدَكُمْ- وَ لَا قُوَّةَ عَلَى ذَلِكَ لَكُمْ وَ لَا سَبِيلَ لَكُمْ- أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي مُحْتَالٌ لِنَفْسِي إِذْ جِئْتُمْ بِالْخِدَاعِ- وَ نَصَبْتُمْ لِي شِرَاكَ الْغُرُورِ (1)- فَقَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمَحْمُودُ- لَسْنَا الَّذِي كُنَّا كَمَا أَنَّكَ لَسْتَ الَّذِي كُنْتَ- وَ قَدْ أَبْدَلَنَا الَّذِي أَبْدَلَكَ وَ غَيَّرَنَا الَّذِي غَيَّرَكَ- فَلَا تَرُدَّ عَلَيْنَا تَوْبَتَنَا وَ بَذْلَ نَصِيحَتِنَا- قَالَ أَنَا مُقِيمٌ فِيكُمْ مَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ وَ مُفَارِقُكُمْ إِذَا خَالَفْتُمُوهُ- فَأَقَامَ ذَلِكَ الْمَلِكُ فِي مُلْكِهِ وَ أَخَذَ جُنُودُهُ بِسِيرَتِهِ- وَ اجْتَهَدُوا فِي الْعِبَادَةِ فَخَصَبَتْ بِلَادُهُمْ وَ غَلَبُوا عَدُوَّهُمْ- وَ ازْدَادَ مُلْكُهُمْ حَتَّى هَلَكَ ذَلِكَ الْمَلِكُ- وَ قَدْ صَارَ فِيهِمْ بِهَذِهِ السِّيرَةِ اثْنَتَيْنِ وَ ثَلَاثِينَ سَنَةً- فَكَانَ جَمِيعُ مَا عَاشَ أَرْبَعاً وَ سِتِّينَ سَنَةً- قَالَ يُوذَاسُفُ قَدْ سُرِرْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ جِدّاً- فَزِدْنِي مِنْ نَحْوِهِ أَزْدَدْ سُرُوراً وَ لِرَبِّي شُكْراً- قَالَ الْحَكِيمُ زَعَمُوا أَنَّهُ كَانَ مَلِكٌ مِنَ الْمُلُوكِ الصَّالِحِينَ- وَ كَانَ لَهُ جُنُودٌ يَخْشَوْنَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ يَعْبُدُونَهُ- وَ كَانَ فِي مُلْكِ أَبِيهِ شِدَّةٌ مِنْ زَمَانِهِمْ- وَ التَّفَرُّقُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَ تَنْقُصُ الْعَدُوُّ مِنْ بِلَادِهِمْ- وَ كَانَ يَحُثُّهُمْ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ خَشْيَتِهِ- وَ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ وَ مُرَاقَبَتِهِ وَ الْفَزَعِ إِلَيْهِ- فَلَمَّا مَلَكَ ذَلِكَ الْمَلِكُ قَهَرَ عَدُوَّهُ- وَ اسْتَجْمَعَتْ رَعِيَّتُهُ وَ صَلَحَتْ بِلَادُهُ وَ انْتَظَمَ لَهُ الْمُلْكُ- فَلَمَّا رَأَى مَا فَضَّلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ أَتْرَفَهُ ذَلِكَ- وَ أَبْطَرَهُ وَ أَطْغَاهُ حَتَّى تَرَكَ عِبَادَةَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ كَفَرَ نِعَمَهُ- وَ أَسْرَعَ فِي قَتْلِ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَ دَامَ مُلْكُهُ- وَ طَالَتْ مُدَّتُهُ حَتَّى ذَهَلَ النَّاسُ- عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ قَبْلَ
____________
(1) الشراك: آلة الصيد.
432
مُلْكِهِ وَ نَسُوهُ- وَ أَطَاعُوهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَ أَسْرَعُوا إِلَى الضَّلَالَةِ- فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ فَنَشَأَ فِيهِ الْأَوْلَادُ- وَ صَارَ لَا يُعْبَدُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِيهِمْ وَ لَا يُذْكَرُ بَيْنَهُمْ اسْمُهُ- وَ لَا يَحْسَبُونَ أَنَّ لَهُمْ إِلَهاً غَيْرَ الْمَلِكِ- وَ كَانَ ابْنُ الْمَلِكِ قَدْ عَاهَدَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ- إنْ هُوَ مَلَكَ يَوْماً أَنْ يَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِأَمْرٍ- لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْمُلُوكِ يَعْمَلُونَ بِهِ وَ لَا يَسْتَطِيعُونَهُ- فَلَمَّا مَلَكَ أَنْسَاهُ الْمُلْكُ رَأْيَهُ الْأَوَّلَ- وَ نِيَّتَهُ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا- وَ سَكِرَ سُكْرَ صَاحِبِ الْخَمْرِ- فَلَمْ يَكُنْ يَصْحُو وَ يُفِيقُ (1) وَ كَانَ مِنْ أَهْلِ لُطْفِ الْمَلِكِ- رَجُلٌ صَالِحٌ أَفْضَلُ أَصْحَابِهِ مَنْزِلَةً عِنْدَهُ- فَتَوَجَّعَ لَهُ مِمَّا رَأَى مِنْ ضَلَالَتِهِ- فِي دِينِهِ وَ نِسْيَانِهِ مَا عَاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ- وَ كَانَ كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَعِظَهُ ذَكَرَ عُتُوَّهُ وَ جَبَرُوتَهُ- وَ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ تِلْكَ الْأُمَّةِ غَيْرُهُ- وَ غَيْرُ رَجُلٍ آخَرَ فِي نَاحِيَةِ أَرْضِ الْمَلِكِ- لَا يُعْرَفُ مَكَانُهُ وَ لَا يُدْعَى بِاسْمِهِ- فَدَخَلَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمَلِكِ بِجُمْجُمَةٍ قَدْ لَفَّهَا فِي ثِيَابِهِ- فَلَمَّا جَلَسَ عَنْ يَمِينِ الْمَلِكِ انْتَزَعَهَا عَنْ ثِيَابِهِ- ثُمَّ وَطِئَهَا بِرِجْلِهِ فَلَمْ يَزَلْ يَفْرُكُهَا (2) بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ- وَ عَلَى بِسَاطِهِ حَتَّى دَنِسَ مَجْلِسُ الْمَلِكِ- بِمَا تَحَاتُّ مِنْ تِلْكَ الْجُمْجُمَةِ- فَلَمَّا رَأَى الْمَلِكُ مَا صَنَعَ غَضِبَ مِنْ ذَلِكَ غَضَباً شَدِيداً- وَ شَخَصَتْ إِلَيْهِ أَبْصَارُ جُلَسَائِهِ- وَ اسْتَعَدَّتِ الْحَرَسُ بِأَسْيَافِهِمْ انْتِظَاراً لِأَمْرِهِ إِيَّاهُمْ- بِقَتْلِهِ وَ الْمَلِكُ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ لِغَضَبِهِ- وَ قَدْ كَانَتِ الْمُلُوكُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مَعَ جَبَرُوتِهِمْ- وَ كُفْرِهِمْ ذَوِي أَنَاةٍ وَ تُؤَدَةٍ- اسْتِصْلَاحاً لِلرَّعِيَّةِ عَلَى عِمَارَةِ أَرْضِهِمْ- لِيَكُونَ ذَلِكَ أَعْوَنَ لِلْجَلْبِ وَ أَدَّى لِلْخَرَاجِ- فَلَمْ يَزَلِ الْمَلِكُ سَاكِتاً عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قَامَ مِنْ عِنْدِهِ- فَلَفَّ تِلْكَ الْجُمْجُمَةَ فِي ثَوْبِهِ- ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَ الثَّالِثِ- فَلَمَّا رَأَى أَنَّ الْمَلِكَ لَا يَسْأَلُهُ عَنْ تِلْكَ الْجُمْجُمَةِ- وَ لَا يَسْتَنْطِقُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهَا- أَدْخَلَ مَعَ تِلْكَ الْجُمْجُمَةِ مِيزَاناً وَ قَلِيلًا مِنْ تُرَابٍ- فَلَمَّا صَنَعَ بِالْجُمْجُمَةِ مَا كَانَ يَصْنَعُ أَخَذَ الْمِيزَانَ- وَ جَعَلَ فِي إِحْدَى كَفَّتَيْهِ دِرْهَماً- وَ فِي الْأُخْرَى بِوَزْنِهِ تُرَاباً- ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ
____________
(1) صحا السكران: ذهب سكره و أفاق.
(2) فرك الثوب: دلكه، الشيء عن الثوب أزاله و حكه حتّى تفتت.
433
التُّرَابَ فِي عَيْنِ تِلْكَ الْجُمْجُمَةِ- ثُمَّ أَخَذَ قَبْضَةً مِنَ التُّرَابِ- فَوَضَعَهَا فِي مَوْضِعِ الْفَمِ مِنْ تِلْكَ الْجُمْجُمَةِ: فَلَمَّا رَأَى الْمَلِكُ مَا صَنَعَ قَلَّ صَبْرُهُ وَ بَلَغَ مَجْهُودَهُ- فَقَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ- قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ إِنَّمَا اجْتَرَأْتَ عَلَى مَا صَنَعْتَ- لِمَكَانِكَ مِنِّي وَ إِدْلَالِكَ عَلَيَّ وَ فَضْلِ مَنْزِلَتِكَ عِنْدِي- وَ لَعَلَّكَ تُرِيدُ بِمَا صَنَعْتَ أَمْراً- فَخَرَّ الرَّجُلُ لِلْمَلِكِ سَاجِداً وَ قَبَّلَ قَدَمَيْهِ- وَ قَالَ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَقْبِلْ عَلَيَّ بِعَقْلِكَ كُلِّهِ- فَإِنَّ مَثَلَ الْكَلِمَةِ كَمَثَلِ السَّهْمِ- إِذَا رُمِيَ بِهِ فِي أَرْضٍ لَيِّنَةٍ يَثْبُتُ فِيهَا- وَ إِذَا رُمِيَ فِي الصَّفَا لَمْ يَثْبُتْ وَ مَثَلَ الْكَلِمَةِ كَمَثَلِ الْمَطَرِ- إِذَا أَصَابَ أَرْضاً طَيِّبَةً مَزْرُوعَةً يُنْبِتُهُ فِيهَا- وَ إِذَا أَصَابَ السِّبَاخَ لَمْ يُنْبِتْ وَ إِنَّ أَهْوَاءَ النَّاسِ مُتَفَرِّقَةٌ- وَ الْعَقْلُ وَ الْهَوَى يَصْطَرِعَانِ فِي الْقَلْبِ- فَإِنْ غَلَبَ هَوًى الْعَقْلَ عَمِلَ الرَّجُلُ بِالطَّيْشِ وَ السَّفَهِ- وَ إِنْ كَانَ الْهَوَى هُوَ الْمَغْلُوبَ لَمْ يُوجَدْ فِي أَمْرِ الرَّجُلِ سَقْطَةٌ- فَإِنِّي لَمْ أَزَلْ مُنْذُ كُنْتُ غُلَاماً أُحِبُّ الْعِلْمَ- وَ أَرْغَبُ فِيهِ وَ أُوثِرُهُ عَلَى الْأُمُورِ كُلِّهَا- فَلَمْ أَدَعْ عِلْماً إِلَّا بَلَغْتُ مِنْهُ أَفْضَلَ مَبْلَغٍ- فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ أَطُوفُ بَيْنَ الْقُبُورِ- إِذْ قَدْ بَصُرْتُ بِهَذِهِ الْجُمْجُمَةِ بَارِزَةً مِنْ قُبُورِ الْمُلُوكِ- فَغَاظَنِي مَوْقِعُهَا وَ فِرَاقُهَا جَسَدَهَا غَضَباً لِلْمُلُوكِ- فَضَمَمْتُهَا إِلَيَّ وَ حَمَلْتُهَا إِلَى مَنْزِلِي فَأَلْبَسْتُهَا الدِّيبَاجَ- وَ نَضَحْتُهَا بِالْمَاءِ الْوَرْدِ وَ الطِّيبِ وَ وَضَعْتُهَا عَلَى الْفُرُشِ- وَ قُلْتُ إِنْ كَانَ مِنْ جَمَاجِمِ الْمُلُوكِ- فَسَيُؤْثِرُ فِيهَا إِكْرَامِي إِيَّاهَا- وَ تَرْجِعُ إِلَى جَمَالِهَا وَ بَهَائِهَا- وَ إِنْ كَانَتْ مِنْ جَمَاجِمِ الْمَسَاكِينِ- فَإِنَّ الْكَرَامَةَ لَا تَزِيدُهَا شَيْئاً فَفَعَلْتُ ذَلِكَ بِهَا أَيَّاماً- فَلَمْ أَسْتَنْكِرْ مِنْ هَيْئَتِهَا شَيْئاً- فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ دَعَوْتُ عَبْداً هُوَ أَهْوَنُ عَبْدِي عِنْدِي- فَأَهَانَهَا فَإِذَا هِيَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ الْإِهَانَةِ وَ الْإِكْرَامِ- فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ أَتَيْتُ الْحُكَمَاءَ فَسَأَلْتُهُمْ عَنْهَا- فَلَمْ أَجِدْ عِنْدَهُمْ عِلْماً بِهَا ثُمَّ عَلِمْتُ أَنَّ الْمَلِكَ مُنْتَهَى الْعِلْمِ- وَ مَأْوَى الْحِلْمِ فَأَتَيْتُكَ خَائِفاً عَلَى نَفْسِي- فَلَمْ يَكُنْ لِي أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ شَيْءٍ- حَتَّى تَبْدَأَنِي بِهِ وَ أُحِبُّ أَنْ تُخْبِرَنِي- أَيُّهَا الْمَلِكُ أَ جُمْجُمَةُ مَلِكٍ أَمْ جُمْجُمَةُ مِسْكِينٍ- فَإِنَّهَا لَمَّا أَعْيَانِي أَمْرُهَا تَفَكَّرْتُ فِي أَمْرِهَا- وَ فِي عَيْنِهَا الَّتِي كَانَتْ لَا يَمْلَؤُهَا شَيْءٌ- حَتَّى لَوْ قَدَرَتْ عَلَى مَا دُونَ السَّمَاءِ مِنْ شَيْءٍ تَطَلَّعَتْ- إِلَى أَنْ تَتَنَاوَلَ مَا فَوْقَ السَّمَاءِ- فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ مَا الَّذِي يَسُدُّهَا وَ يَمْلَأُهَا- فَإِذَا وَزْنُ دِرْهَمٍ مِنْ تُرَابٍ قَدْ سَدَّهَا وَ مَلَأَهَا- وَ
434
نَظَرْتُ إِلَى فِيهَا (1) الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَمْلَؤُهُ شَيْءٌ- فَمَلَأَتْهُ قَبْضَةٌ مِنْ تُرَابٍ فَإِنْ أَخْبَرْتَنِي- أَيُّهَا الْمَلِكُ أَنَّهَا جُمْجُمَةُ مِسْكِينٍ احْتَجَجْتُ عَلَيْكَ- بِأَنِّي قَدْ وَجَدْتُهَا وَسَطَ قُبُورِ الْمُلُوكِ- ثُمَّ أَجْمَعُ جَمَاجِمَ مُلُوكٍ وَ جَمَاجِمَ مَسَاكِينَ- فَإِنْ كَانَ لِجَمَاجِمِكُمْ عَلَيْهَا فَضْلٌ فَهُوَ كَمَا قُلْتَ- وَ إِنْ أَخْبَرْتَنِي بِأَنَّهَا مِنْ جَمَاجِمِ الْمُلُوكِ- أَنْبَأْتُكَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَلِكَ الَّذِي كَانَتْ هَذِهِ جُمْجُمَتَهُ- قَدْ كَانَ مِنْ بَهَاءِ الْمَلِكِ وَ جَمَالِهِ- وَ عِزَّتِهِ فِي مِثْلِ مَا أَنْتَ فِيهِ الْيَوْمَ- فَحَاشَاكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَنْ تَصِيرَ إِلَى حَالِ هَذِهِ الْجُمْجُمَةِ- فَتُوطَأَ بِالْأَقْدَامِ وَ تُخْلَطَ بِالتُّرَابِ- وَ يَأْكُلَكَ الدُّودُ- وَ تُصْبِحَ بَعْدَ الْكَثْرَةِ قَلِيلًا وَ بَعْدَ الْعِزَّةِ ذَلِيلًا- وَ تَسَعَكَ حُفْرَةٌ طُولُهَا أَدْنَى مِنْ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ- وَ يُورَثَ مُلْكُكَ وَ يَنْقَطِعَ خَبَرُكَ وَ يَفْسُدَ صَنَائِعُكَ- وَ يُهَانَ مَنْ أَكْرَمْتَ وَ يُكْرَمَ مَنْ أَهَنْتَ- وَ يَسْتَبْشِرَ أَعْدَاؤُكَ وَ يَضِلَّ أَعْوَانُكَ- وَ يَحُولَ التُّرَابُ دُونَكَ- فَإِنْ دَعَوْنَاكَ لَمْ تَسْمَعْ- وَ إِنْ أَكْرَمْنَاكَ لَمْ تَقْبَلْ وَ إِنْ أَهَنَّاكَ لَمْ تَغْضَبْ- فَيَصِيرُ بَنُوكَ يَتَامَى وَ نِسَاؤُكَ أَيَامَى (2)- وَ أَهْلُكَ يُوشِكُ أَنْ يَسْتَبْدِلَنَّ أَزْوَاجاً غَيْرَكَ- فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ ذَلِكَ فَزِعَ قَلْبُهُ- وَ انْسَكَبَتْ عَيْنَاهُ يَبْكِي وَ يَقُولُ وَ يَدْعُو بِالْوَيْلِ- فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلُ ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ قَدِ اسْتَمْكَنَ مِنَ الْمَلِكِ- وَ قَوْلَهُ قَدْ أَنْجَعَ فِيهِ زَادَهُ ذَلِكَ جُرْأَةً عَلَيْهِ وَ تَكْرِيراً- لِمَا قَالَ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ جَزَاكَ اللَّهُ عَنِّي خَيْراً- وَ جَزَى مَنْ حَوْلِي مِنَ الْعُظَمَاءِ شَرّاً- لَعَمْرِي لَقَدْ عَلِمْتُ مَا أَرَدْتَ بِمَقَالَتِكَ هَذِهِ- وَ قَدْ أَبْصَرْتُ أَمْرِي فَسَمِعَ النَّاسُ خَبَرَهُ- فَتَوَجَّهُوا أَهْلُ الْفَضْلِ إِلَيْهِ وَ خُتِمَ لَهُ بِالْخَيْرِ- وَ بَقِيَ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ زِدْنِي مِنْ هَذَا الْمَثَلِ قَالَ الْحَكِيمُ- زَعَمُوا أَنَّ مَلِكاً كَانَ فِي أَوَّلِ الزَّمَانِ- وَ كَانَ حَرِيصاً عَلَى أَنْ يُولَدَ لَهُ- وَ كَانَ لَا يَدَعُ شَيْئاً مِمَّا يُعَالِجُ بِهِ النَّاسُ أَنْفُسَهُمْ- إِلَّا أَتَاهُ وَ صَنَعَهُ- فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِهِ حَمَلَتْ امْرَأَةٌ لَهُ مِنْ نِسَائِهِ- فَوَلَدَتْ لَهُ غُلَاماً فَلَمَّا نَشَأَ- وَ تَرَعْرَعَ (3) خَطَا ذَاتَ يَوْمَ خُطْوَةً فَقَالَ مَعَادَكُمْ تَجْفُونَ- ثُمَّ خَطَا أُخْرَى فَقَالَ تَهْرَمُونَ- ثُمَّ خَطَا الثَّالِثَةَ فَقَالَ ثُمَّ تَمُوتُونَ- ثُمَّ عَادَ كَهَيْئَتِهِ
____________
(1) يعني فمها.
(2) أي لا زوج لهنّ.
(3) ترعرع الصبى نشأ و شب.
435
يَفْعَلُ كَمَا يَفْعَلُ الصَّبِيُّ- فَدَعَا الْمَلِكُ الْعُلَمَاءَ وَ الْمُنَجِّمِينَ فَقَالَ- أَخْبِرُونِي خَبَرَ ابْنِي هَذَا فَنَظَرُوا فِي شَأْنِهِ- وَ أَمْرِهِ فَأَعْيَاهُمْ أَمْرُهُ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ فِيهِ عِلْمٌ- فَلَمَّا رَأَى الْمَلِكُ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُمْ- فِيهِ عِلْمٌ دَفَعَهُ إِلَى الْمُرْضِعَاتِ- فَأَخَذْنَ فِي إِرْضَاعِهِ إِلَّا أَنَّ مُنَجِّماً مِنْهُمْ- قَالَ إِنَّهُ سَيَكُونُ إِمَاماً- وَ جَعَلَ عَلَيْهِ حُرَّاساً لَا يُفَارِقُونَهُ- حَتَّى إِذَا شَبَّ انْسَلَّ يَوْماً مِنْ عِنْدِهِ مُرْضِعِيهِ وَ الْحَرَسُ- فَأَتَى السُّوقَ فَإِذَا هُوَ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ- مَا هَذَا قَالُوا إِنْسَاناً مَاتَ قَالَ مَا أَمَاتَهُ- قَالُوا كَبُرَ وَ فَنِيَتْ أَيَّامُهُ وَ دَنَا أَجَلُهُ فَمَاتَ- قَالَ وَ كَانَ صَحِيحاً حَيّاً يَمْشِي- وَ يَأْكُلُ وَ يَشْرَبُ قَالُوا نَعَمْ- ثُمَّ مَضَى فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ شَيْخٍ كَبِيرٍ- فَقَامَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ مُتَعَجِّباً مِنْهُ فَقَالَ مَا هَذَا- قَالُوا رَجُلٌ شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدْ فَنِيَ شَبَابُهُ وَ كَبِرَ- قَالَ وَ كَانَ صَغِيراً ثُمَّ شَابَ قَالُوا نَعَمْ- ثُمَّ مَضَى فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مَرِيضٍ مستلقي [مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ- فَقَامَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَ يَتَعَجَّبُ مِنْهُ فَسَأَلَهُمْ مَا هَذَا- قَالُوا رَجُلٌ مَرِيضٌ- فَقَالَ أَ وَ كَانَ هَذَا صَحِيحاً ثُمَّ مَرِضَ قَالُوا نَعَمْ- قَالَ وَ اللَّهِ لَئِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنَّ النَّاسَ لَمَجْنُونُونَ- فَافْتَقَدَ الْغُلَامُ عِنْدَ ذَلِكَ فَطُلِبَ- فَإِذَا هُوَ بِالسُّوقِ فَأَتَوْهُ فَأَخَذُوهُ- وَ ذَهَبُوا بِهِ فَأَدْخَلُوهُ الْبَيْتَ- فَلَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ اسْتَلْقَى عَلَى قَفَاهُ- يَنْظُرُ إِلَى خَشَبِ سَقْفِ الْبَيْتِ وَ يَقُولُ- كَيْفَ كَانَ هَذَا قَالُوا كَانَتْ شَجَرَةً- ثُمَّ صَارَتْ خَشَباً ثُمَّ قُطِعَ- ثُمَّ بُنِيَ هَذَا الْبَيْتُ ثُمَّ جُعِلَ هَذَا الْخَشَبُ عَلَيْهِ- فَبَيْنَا هُوَ فِي كَلَامِهِ إِذْ أَرْسَلَ الْمَلِكُ إِلَى الْمُوَكَّلِينَ بِهِ- انْظُرُوا هَلْ يَتَكَلَّمُ أَوْ يَقُولُ شَيْئاً قَالُوا نَعَمْ- وَ قَدْ وَقَعَ فِي كَلَامٍ مَا نَظُنُّهُ إِلَّا وَسْوَاساً- فَلَمَّا رَأَى الْمَلِكُ ذَلِكَ وَ سَمِعَ جَمِيعَ مَا لَفَظَ بِهِ الْغُلَامُ- دَعَا الْعُلَمَاءَ فَسَأَلَهُمْ- فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ عِنْدَهُمْ عِلْماً إِلَّا الرَّجُلَ الْأَوَّلَ- فَأَنْكَرَ قَوْلَهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ أَيُّهَا الْمَلِكُ- لَوْ زَوَّجْتَهُ ذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي تَرَى- وَ أَقْبَلَ وَ عَقَلَ وَ أَبْصَرَ فَبَعَثَ الْمَلِكُ فِي الْأَرْضِ يَطْلُبُ- وَ يَلْتَمِسُ لَهُ امْرَأَةً فَوُجِدَتْ لَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ- وَ أَجْمَلِهِمْ فَزَوَّجَهَا مِنْهُ- فَلَمَّا أَخَذُوا فِي وَلِيمَةِ عُرْسِهِ- أَخَذَ اللَّاعِبُونَ يَلْعَبُونَ وَ الزَّمَّارُونَ يُزَمِّرُونَ- فَلَمَّا سَمِعَ الْغُلَامُ جَلَبَتَهُمْ (1)
____________
(1) جلب القوم: ضجوا و اختلطت اصواتهم. و الجلاب و المجلب- بشد اللام-: المصوت.
436
وَ أَصْوَاتَهُمْ قَالَ مَا هَذَا- قَالُوا هَؤُلَاءِ لَعَّابُونَ وَ زَمَّارُونَ جُمِعُوا لِعُرْسِكَ- فَسَكَتَ الْغُلَامُ فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الْعُرْسِ وَ أَمْسَوْا- دَعَا الْمَلِكُ امْرَأَةَ ابْنِهِ فَقَالَ لَهَا- إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِي وَلَدٌ غَيْرُ هَذَا الْغُلَامِ- فَلَمَّا دَخَلْتِ عَلَيْهِ فَالْطُفِي بِهِ وَ اقْرُبِي مِنْهُ وَ تَحَبَّبِي إِلَيْهِ- فَلَمَّا دَخَلَتِ الْمَرْأَةُ عَلَيْهِ أَخَذَتْ تَدْنُو مِنْهُ وَ تَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ- فَقَالَ الْغُلَامُ عَلَى رِسْلِكِ (1) فَإِنَّ اللَّيْلَ طَوِيلٌ- بَارَكَ اللَّهُ فِيكِ وَ اصْبِرِي حَتَّى نَأْكُلَ وَ نَشْرَبَ- فَدَعَا بِالطَّعَامِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ- فَلَمَّا فَرَغَ جَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تَشْرَبُ- فَلَمَّا أَخَذَ الشَّرَابُ مِنْهَا نَامَتْ- فَقَامَ الْغُلَامُ فَخَرَجَ مِنَ الْبَيْتِ- وَ انْسَلَّ مِنَ الْحَرَسِ وَ الْبَوَّابِينَ- حَتَّى خَرَجَ وَ تَرَدَّدَ فِي الْمَدِينَةِ- فَلَقِيَهُ غُلَامٌ مِثْلُهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَأَتْبَعَهُ- وَ أَلْقَى ابْنُ الْمَلِكِ عَنْهُ تِلْكَ الثِّيَابَ- الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ وَ لَبِسَ ثِيَابَ الْغُلَامِ- وَ تَنَكَّرَ جُهْدُهُ وَ خَرَجَا جَمِيعاً مِنَ الْمَدِينَةِ فَسَارَا لَيْلَتَهُمَا- حَتَّى إِذَا قَرُبَ الصُّبْحُ خَشِيَا الطَّلَبَ فَكَمَنَا- فَأُتِيَتِ الْجَارِيَةُ عِنْدَ الصُّبْحِ- فَوَجَدُوهَا نَائِمَةً فَسَأَلُوهَا أَيْنَ زَوْجُكِ- قَالَتْ كَانَ عِنْدِي السَّاعَةَ- فَطُلِبَ الْغُلَامُ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ- فَلَمَّا أَمْسَى الْغُلَامُ وَ صَاحِبُهُ سَارَا- ثُمَّ جَعَلَا يَسِيرَانِ اللَّيْلَ وَ يَكْمُنَانِ النَّهَارَ- حَتَّى خَرَجَا مِنْ سُلْطَانِ أَبِيهِ- وَ وَقَعَا فِي مُلْكِ سُلْطَانٍ آخَرَ- وَ قَدْ كَانَ لِذَلِكَ الْمَلِكِ الَّذِي صَارَا إِلَى سُلْطَانِهِ ابْنَةٌ- قَدْ جَعَلَ لَهَا أَنْ لَا يُزَوِّجَهَا أَحَداً- إِلَّا مَنْ هوته [هَوِيَتْهُ وَ رَضِيَتْهُ- وَ بَنَى لَهَا غُرْفَةً عَالِيَةً مُشْرِفَةً عَلَى الطَّرِيقِ- فَهِيَ فِيهَا جَالِسَةٌ تَنْظُرُ إِلَى كُلِّ مَنْ أَقْبَلَ- وَ أَدْبَرَ فَبَيْنَمَا هِيَ كَذَلِكَ إِذْ نَظَرَتْ إِلَى الْغُلَامِ يَطُوفُ فِي السُّوقِ- وَ صَاحِبُهُ مَعَهُ فِي خُلْقَانِهِ- فَأَرْسَلَتْ إِلَى أَبِيهَا أَنِّي قَدْ هَوِيتُ رَجُلًا- فَإِنْ كُنْتَ مُزَوِّجِي أَحَداً مِنَ النَّاسِ فَزَوِّجْنِي مِنْهُ- وَ أُتِيَتْ أُمُّ الْجَارِيَةِ فَقِيلَ لَهَا- إِنَّ ابْنَتَكَ قَدْ هَوِيَتْ رَجُلًا وَ هِيَ تَقُولُ كَذَا وَ كَذَا- فَأَقْبَلَتْ إِلَيْهَا فَرِحَةً حَتَّى تَنْظُرَ إِلَى الْغُلَامِ فَأَرَوْهَا إِيَّاهُ- فَنَزَلَتْ أُمُّهَا مُسْرِعَةً حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى الْمَلِكِ- فَقَالَتْ إِنَّ ابْنَتَكَ قَدْ هَوِيَتْ غُلَاماً- فَأَقْبَلَ الْمَلِكُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَرُونِيهِ فَأَرَوْهُ مِنْ بُعْدٍ- فَأَمَرَ أَنْ يُلْبَسَ ثِيَاباً أُخْرَى وَ نَزَلَ فَسَأَلَهُ وَ اسْتَنْطَقَهُ- وَ قَالَ مَنْ أَنْتَ وَ مِنْ أَيْنَ أَنْتَ- قَالَ الْغُلَامُ وَ مَا سُؤَالُكَ عَنِّي أَنَا رَجُلٌ مِنْ مَسَاكِينِ النَّاسِ- فَقَالَ إِنَّكَ لَغَرِيبٌ- وَ مَا يُشْبِهُ لَوْنُكَ أَلْوَانَ
____________
(1) أي على مهلك يعنى امهل و تأن.
437
أَهْلِ هَذِهِ الْمَدِينَةِ- فَقَالَ الْغُلَامُ مَا أَنَا بِغَرِيبٍ- فَعَالَجَهُ الْمَلِكُ أَنْ يَصْدُقَهُ قِصَّتَهُ فَأَبَى- فَأَمَرَ الْمَلِكُ أُنَاساً أَنْ يَحْرُسُوهُ وَ يَنْظُرُوا أَيْنَ يَأْخُذُ- وَ لَا يَعْلَمُ بِهِمْ ثُمَّ رَجَعَ الْمَلِكُ إِلَى أَهْلِهِ- فَقَالَ رَأَيْتُ رَجُلًا كَأَنَّهُ ابْنُ مَلِكٍ- وَ مَا لَهُ حَاجَةٌ فِيمَا تُرَاوِدُونَهُ عَلَيْهِ فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ- إِنَّ الْمَلِكَ يَدْعُوكَ فَقَالَ الْغُلَامُ وَ مَا أَنَا وَ الْمَلِكُ يَدْعُونِي- وَ مَا لِي إِلَيْهِ حَاجَةٌ وَ مَا يَدْرِي مَنْ أَنَا- فَانْطَلَقَ بِهِ عَلَى كُرْهٍ مِنْهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ- فَأَمَرَ بِكُرْسِيٍّ فَوُضِعَ لَهُ- فَجَلَسَ عَلَيْهِ وَ دَعَا الْمَلِكُ امْرَأَتَهُ وَ ابْنَتَهُ- فَأَجْلَسَهُمَا مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ خَلْفَهُ- فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ دَعَوْتُكَ لِخَيْرٍ- إِنَّ لِيَ ابْنَةً قَدْ رَغِبَتْ فِيكَ أُرِيدُ أَنْ أُزَوِّجَهَا مِنْكَ- فَإِنْ كُنْتَ مِسْكِيناً أَغْنَيْنَاكَ وَ رَفَعْنَاكَ وَ شَرَّفْنَاكَ- قَالَ الْغُلَامُ مَا لِي فِيمَا تَدْعُونِّي إِلَيْهِ حَاجَةٌ- فَإِنْ شِئْتَ ضَرَبْتُ لَكَ مَثَلًا أَيُّهَا الْمَلِكُ قَالَ فَافْعَلْ- قَالَ الْغُلَامُ زَعَمُوا أَنَّ مَلِكاً مِنَ الْمُلُوكِ- كَانَ لَهُ ابْنٌ وَ كَانَ لِابْنِهِ أَصْدِقَاءُ صَنَعُوا لَهُ طَعَاماً- وَ دَعَوْهُ إِلَيْهِ فَخَرَجَ مَعَهُمْ فَأَكَلُوا وَ شَرِبُوا- حَتَّى سَكِرُوا فَنَامُوا فَاسْتَيْقَظَ ابْنُ الْمَلِكِ فِي وَسَطِ اللَّيْلِ- فَذَكَرَ أَهْلَهُ فَخَرَجَ عَائِداً إِلَى مَنْزِلِهِ- وَ لَمْ يُوقَظْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَبَيْنَا هُوَ فِي مَسِيرِهِ إِذْ بَلَغَ مِنْهُ الشَّرَابُ فَبَصُرَ بِقَبْرٍ عَلَى الطَّرِيقِ- فَظَنَّ أَنَّهُ مَدْخَلُ بَيْتِهِ فَدَخَلَهُ فَإِذَا هُوَ بِرِيحِ الْمَوْتَى- فَحَسِبَ ذَلِكَ لِمَا كَانَ بِهِ السُّكْرُ أَنَّهُ رِيَاحٌ طَيِّبَةٌ- فَإِذَا هُوَ بِعِظَامٍ لَا يَحْسَبُهَا إِلَّا فُرُشَهُ الْمُمَهَّدَةَ- فَإِذَا هُوَ بِجَسَدٍ قَدْ مَاتَ حَدِيثاً وَ قَدْ أَرْوَحَ- فَحَسِبَهُ أَهْلَهُ فَقَامَ إِلَى جَانِبِهِ فَاعْتَنَقَهُ وَ قَبَّلَهُ- وَ جَعَلَ يَعْبَثُ بِهِ عَامَّةَ لَيْلِهِ فَأَفَاقَ حِينَ أَفَاقَ- وَ نَظَرَ حِينَ نَظَرَ فَإِذَا هُوَ عَلَى جَسَدٍ مَيِّتٍ وَ رِيحٍ مُنْتِنَةٍ- قَدْ دَنِسَ ثِيَابُهُ وَ جِلْدُهُ- وَ نَظَرَ إِلَى الْقَبْرِ وَ مَا فِيهِ مِنَ الْمَوْتَى- فَخَرَجَ وَ بِهِ مِنَ السُّوءِ مَا يَخْتَفِي بِهِ مِنَ النَّاسِ- أَنْ يَنْظُرُوا إِلَيْهِ مُتَوَجِّهاً إِلَى بَابِ الْمَدِينَةِ- فَوَجَدَهُ مَفْتُوحاً فَدَخَلَهُ حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ- فَرَأَى أَنَّهُ قَدْ أُنْعِمَ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَلْقَهُ أَحَدٌ- فَأَلْقَى عَنْهُ ثِيَابَهُ تِلْكَ وَ اغْتَسَلَ- وَ لَبِسَ لِبَاساً أُخْرَى وَ تَطَيَّبَ- عَمَّرَكَ اللَّهُ أَيُّهَا الْمَلِكُ- أَ تَرَاهُ رَاجِعاً إِلَى مَا كَانَ فِيهِ وَ هُوَ يَسْتَطِيعُ قَالَ لَا- قَالَ فَإِنِّي أَنَا هُوَ فَالْتَفَتَ الْمَلِكُ إِلَى امْرَأَتِهِ وَ ابْنَتِهِ- وَ قَالَ قَدْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِيمَا تَدْعُونَهُ رَغْبَةٌ- قَالَتْ أُمُّهَا لَقَدْ قَصَّرْتَ فِي النَّعْتِ لِابْنَتِي- وَ الْوَصْفِ لَهَا أَيُّهَا الْمَلِكُ
438
وَ لَكِنِّي خَارِجَةٌ إِلَيْهِ وَ مُتَكَلِّمَةٌ فَقَالَ الْمَلِكُ لِلْغُلَامِ- إِنَّ امْرَأَتِي تُرِيدُ أَنْ تُكَلِّمَكَ- وَ تَخْرُجُ إِلَيْكَ وَ لَمْ تَخْرُجْ إِلَى أَحَدٍ قَبْلَكَ- فَقَالَ الْغُلَامُ لِتَخْرُجْ إِنْ أَحَبَّتْ- فَخَرَجَتْ وَ جَلَسَتْ فَقَالَتْ لِلْغُلَامِ- تَعَالِ إِلَى مَا قَدْ سَاقَ اللَّهُ إِلَيْكَ مِنَ الْخَيْرِ- وَ الرِّزْقِ فَأُزَوِّجَكَ ابْنَتِي فَإِنَّكَ لَوْ قَدْ رَأَيْتَهَا- وَ مَا قَسَمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهَا مِنَ الْجَمَالِ وَ الْهَيْئَةِ لَاغْتَبَطْتَ- فَنَظَرَ الْغُلَامُ إِلَى الْمَلِكِ فَقَالَ- أَ فَلَا أَضْرِبُ لَكَ مَثَلًا قَالَ بَلَى- قَالَ إِنَّ سُرَّاقاً تَوَاعَدُوا- أَنْ يَدْخُلُوا خِزَانَةَ الْمَلِكِ لِيَسْرِقُوا- فَنَقَبُوا حَائِطَ الْخِزَانَةِ- فَدَخَلُوهَا فَنَظَرُوا إِلَى مَتَاعٍ لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ قَطُّ- وَ إِذَا هُمْ بِقُلَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ مَخْتُومَةٍ بِالذَّهَبِ فَقَالُوا لَا نَجِدُ شَيْئاً أَعْلَى مِنْ هَذِهِ الْقُلَّةِ- هِيَ ذَهَبٌ مَخْتُومَةٌ بِالذَّهَبِ- وَ الَّذِي فِيهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي رَأَيْنَا- فَاحْتَمَلُوهَا وَ مَضَوْا بِهَا حَتَّى دَخَلُوا غَيْضَةً- لَا يَأْمَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً عَلَيْهَا فَفَتَحُوهَا فَإِذَا فِي وَسَطِهَا أَفَاعٍ- فَوَثَبْنَ فِي وُجُوهِهِمْ فَقَتَلْنَهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّرَكَ اللَّهُ أَيُّهَا الْمَلِكُ- أَ فَتَرَى أَحَداً عَلِمَ بِمَا أَصَابَهُمْ- وَ مَا لَقُوهُ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي تِلْكَ الْقُلَّةِ- وَ فِيهَا مِنْ الْأَفَاعِي قَالَ لَا قَالَ فَإِنِّي أَنَا هُوَ- فَقَالَتِ الْجَارِيَةُ لِأَبِيهَا- ائْذَنْ لِي فَأَخْرُجَ إِلَيْهِ بِنَفْسِي وَ أُكَلِّمَهُ- فَإِنَّهُ لَوْ قَدْ نَظَرَ إِلَيَّ وَ إِلَى جِمَالِي وَ حُسْنِي وَ هَيْئَتِي وَ مَا قَسَمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِي مِنَ الْجَمَالِ لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ يُجِيبَ- فَقَالَ الْمَلِكُ لِلْغُلَامِ إِنَّ ابْنَتِي تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْكَ- وَ لَمْ تَخْرُجْ إِلَى رَجُلٍ قَطُّ- قَالَ لِتَخْرُجْ إِنْ أَحَبَّتْ فَخَرَجَتْ عَلَيْهِ- وَ هِيَ أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهاً وَ قَدّاً وَ طَرَفاً وَ هَيْكَلًا- فَسَلَّمَتْ عَلَى الْغُلَامِ وَ قَالَتْ لِلْغُلَامِ- هَلْ رَأَيْتَ مِثْلِي قَطُّ أَوْ أَتَمَّ أَوْ أَجْمَلَ أَوْ أَكْمَلَ أَوْ أَحْسَنَ- وَ قَدْ هَوِيتُكَ وَ أَحْبَبْتُكَ فَنَظَرَ الْغُلَامُ إِلَى الْمَلِكِ- فَقَالَ أَ فَلَا أَضْرِبُ لَهَا مَثَلًا قَالَ بَلَى- قَالَ الْغُلَامُ زَعَمُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ أَنَّ مَلِكاً لَهُ ابْنَانِ- فَأَسَرَ أَحَدَهُمَا مَلِكٌ آخَرُ فَحَبَسَهُ فِي بَيْتٍ- وَ أَمَرَ أَنْ لَا يَمُرَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا رَمَاهُ بِحَجَرٍ- فَمَكَثَ بِذَلِكَ حِيناً ثُمَّ إِنَّ أَخَاهُ قَالَ لِأَبِيهِ- ائْذَنْ لِي فَأَنْطَلِقَ إِلَى أَخِي فَأَفْدِيَهُ- وَ أَحْتَالَ لَهُ قَالَ فَانْطَلِقْ- وَ خُذْ مَعَكَ مَا شِئْتَ مِنْ مَالٍ وَ مَتَاعٍ وَ دَوَابَّ- فَاحْتَمَلَ مَعَهُ الزَّادَ وَ الرَّاحِلَةَ- وَ انْطَلَقَ
439
مَعَهُ الْمُغَنِّيَاتُ وَ النَّوَائِحُ- فَلَمَّا دَنَا مِنْ مَدِينَةِ ذَلِكَ الْمَلِكِ- أُخْبِرَ الْمَلِكُ بِقُدُومِهِ- فَأَمَرَ النَّاسَ بِالْخُرُوجِ إِلَيْهِ- وَ أَمَرَ لَهُ بِمَنْزِلٍ خَارِجٍ مِنَ الْمَدِينَةِ- فَنَزَلَ الْغُلَامُ فِي ذَلِكَ الْمَنْزِلِ- فَلَمَّا جَلَسَ فِيهِ وَ نَشَرَ مَتَاعَهُ- وَ أَمَرَ غِلْمَانَهُ أَنْ يَبِيعُوا النَّاسَ- وَ يُسَاهِلُوهُمْ فِي بَيْعِهِمْ وَ يُسَامِحُوهُمْ فَفَعَلُوا ذَلِكَ- فَلَمَّا رَأَى النَّاسَ قَدْ شُغِلُوا بِالْبَيْعِ انْسَلَّ- وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَ قَدْ عَلِمَ أَيْنَ سُجِنَ أَخِيهِ- ثُمَّ أَتَى السِّجْنَ فَأَخَذَ حَصَاةً فَرَمَى بِهَا لِيَنْظُرَ مَا بَقِيَ مِنْ نَفَسِ أَخِيهِ- فَصَاحَ حِينَ أَصَابَتْهُ الْحَصَاةُ- وَ قَالَ قَتَلْتَنِي فَفَزِعَ الْحَرَسُ عِنْدَ ذَلِكَ- وَ خَرَجُوا إِلَيْهِ وَ سَأَلُوهُ لِمَ صِحْتَ وَ مَا شَأْنُكَ- وَ مَا بَدَا لَكَ وَ مَا رَأَيْنَاكَ تَكَلَّمْتَ- وَ نَحْنُ نُعَذِّبُكَ مُنْذُ حِينٍ وَ يَضْرِبُكَ- وَ يَرْمِيكَ كُلُّ مَنْ يَمُرُّ بِكَ بِحَجَرٍ- وَ رَمَاكَ هَذَا الرَّجُلُ بِحَصَاةٍ فَصِحْتَ مِنْهَا- فَقَالَ إِنَّ النَّاسَ كَانُوا مِنْ أَمْرِي عَلَى جَهَالَةٍ- وَ رَمَانِي هَذَا عَلَى عِلْمٍ- فَانْصَرَفَ أَخُوهُ رَاجِعاً إِلَى مَنْزِلِهِ وَ مَتَاعِهِ- وَ قَالَ لِلنَّاسِ إِذَا كَانَ غَداً- فَائْتَوْنِي أَنْشُرْ عَلَيْكُمْ بَزّاً- وَ مَتَاعاً لَمْ تَرَوْا مِثْلَهُ قَطُّ فَانْصَرَفُوا يَوْمَئِذٍ- حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ غَدَوْا عَلَيْهِ بِأَجْمَعِهِمْ- فَأَمَرَ بِالْبَزِّ فَنُشِرُوا وَ أَمَرَ بِالْمُغَنِّيَاتِ وَ النَّائِحَاتِ- وَ كُلِّ صِنْفٍ مَعَهُ مِمَّا يُلْهَى بِهِ النَّاسُ فَأَخَذُوا فِي شَأْنِهِمْ- فَاشْتَغَلَ النَّاسُ فَأَتَى أَخَاهُ فَقَطَعَ عَنْهُ أَغْلَالَهُ- وَ قَالَ أَنَا أُدَاوِيكَ فَاخْتَلَسَهُ وَ أَخْرَجَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ- فَجَعَلَ عَلَى جِرَاحَاتِهِ دَوَاءً كَانَ مَعَهُ- حَتَّى إِذَا وَجَدَ رَاحَةً أَقَامَهُ عَلَى الطَّرِيقِ ثُمَّ قَالَ لَهُ- انْطَلِقْ فَإِنَّكَ سَتَجِدُ سَفِينَةً قَدْ سَيَّرْتُ لَكَ فِي الْبَحْرِ- فَانْطَلَقَ سَائِراً فَوَقَعَ فِي جُبٍّ فِيهِ تِنِّينٌ- وَ عَلَى الْجُبِّ شَجَرَةٌ نَابِتَةٌ فَنَظَرَ إِلَى الشَّجَرَةِ- فَإِذَا عَلَى رَأْسِهَا اثْنَا عَشَرَ غُولًا- وَ فِي أَسْفَلِهَا اثْنَا عَشَرَ سَيْفاً- وَ تِلْكَ السُّيُوفُ مَسْلُولَةٌ مُعَلَّقَةٌ- فَلَمْ يَزَلْ يَتَحَمَّلُ وَ يَحْتَالُ- حَتَّى أَخَذَ بِغُصْنٍ مِنَ الشَّجَرِ فَتَعَلَّقَ بِهِ وَ تَخَلَّصَ- وَ سَارَ حَتَّى أَتَى الْبَحْرَ- فَوَجَدَ سَفِينَةً قَدْ أُعِدَّتْ لَهُ إِلَى جَانِبِ السَّاحِلِ- فَرَكِبَ فِيهَا حَتَّى أَتَوْا بِهِ أَهْلَهُ- عَمَّرَكَ اللَّهُ أَيُّهَا الْمَلِكُ- أَ تَرَاهُ عَائِدٌ إِلَى مَا قَدْ عَايَنَ وَ لَقِيَ قَالَ لَا- قَالَ فَإِنِّي أَنَا هُوَ فَيَئِسُوا مِنْهُ- فَجَاءَ الْغُلَامُ الَّذِي صَحِبَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ- وَ قَالَ اذْكُرْنِي لَهَا وَ أَنْكِحْنِيهَا- فَقَالَ الْغُلَامُ لِلْمَلِكِ- إِنَّ هَذَا يَقُولُ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يُنْكِحَنِيهَا الْمَلِكُ- فَقَالَ لَا أَفْعَلُ قَالَ أَ فَلَا أَضْرِبُ لَكَ مَثَلًا قَالَ بَلَى-
440
قَالَ إِنَّ رَجُلًا كَانَ فِي قَوْمٍ- فَرَكِبُوا سَفِينَةً فَسَارُوا فِي الْبَحْرِ لَيَالِيَ وَ أَيَّاماً- ثُمَّ انْكَسَرَتْ سَفِينَتُهُمْ بِقُرْبِ جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ فِيهَا الْغِيلَانُ- فَغَرِقُوا كُلُّهُمْ سِوَاهُ وَ أَلْقَاهُ الْبَحْرُ إِلَى الْجَزِيرَةِ- وَ كَانَتِ الْغِيلَانُ يُشْرِفْنَ مِنَ الْجَزِيرَةِ إِلَى الْبَحْرِ- فَأَتَى غُولًا فَهَوِيَهَا وَ نَكَحَهَا- حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الصُّبْحِ قَتَلَتْهُ- وَ قَسَمَتْ أَعْضَاءَهُ بَيْنَ صَوَاحِبَاتِهَا- وَ اتَّفَقَ مِثْلُ ذَلِكَ لِرَجُلٍ آخَرَ- فَأَخَذَتْهُ ابْنَةُ مَلِكِ الْغِيلَانِ فَانْطَلَقَتْ بِهِ- فَبَاتَ مَعَهَا يَنْكِحُهَا وَ قَدْ عَلِمَ الرَّجُلُ مَا لَقِيَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ- فَلَيْسَ يَنَامُ حَذَراً- حَتَّى إِذَا كَانَ مَعَ الصُّبْحِ قَامَتِ الْغُولَةُ- فَانْسَلَّ الرَّجُلُ حَتَّى أَتَى السَّاحِلَ- فَإِذَا هُوَ بِسَفِينَةٍ فَنَادَى أَهْلَهَا وَ اسْتَغَاثَ بِهِمْ- فَحَمَلُوهُ حَتَّى أَتَوْا بِهِ أَهْلَهُ- فَأَصْبَحَتِ الْغِيلَانُ فَأَتَوُا الْغُولَةَ الَّتِي بَاتَتْ مَعَهُ- فَقَالُوا لَهَا أَيْنَ الرَّجُلُ الَّذِي بَاتَ مَعَكِ- قَالَتْ إِنَّهُ قَدْ فَرَّ مِنِّي فَكَذَّبُوهَا- وَ قَالُوا أَكَلْتِهِ وَ اسْتَأْثَرْتِ بِهِ عَلَيْنَا فَنَقْتُلَنَّكِ إِنْ لَمْ تَأْتِنَا بِهِ فَمَرَّتْ فِي الْمَاءِ حَتَّى أَتَتْهُ فِي مَنْزِلِهِ وَ رَحْلِهِ- فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ وَ جَلَسَتْ عِنْدَهُ وَ قَالَتْ لَهُ- مَا لَقِيتَ فِي سَفَرِكَ هَذَا- قَالَ لَقِيتُ بَلَاءً خَلَّصَنِيَ اللَّهُ مِنْهُ- وَ قَصَّ عَلَيْهَا ذَلِكَ فَقَالَتْ وَ قَدْ تَخَلَّصْتَ قَالَ نَعَمْ- فَقَالَتْ أَنَا الْغُولَةُ وَ جِئْتُ لِآخُذَكَ فَقَالَ لَهَا- أَنْشُدُكِ اللَّهُ أَنْ تُهْلِكَنِي- فَإِنِّي أَدُلُّكِ عَلَى مَكَانِ رَجُلٍ- قَالَتْ إِنِّي أَرْحَمُكَ فَانْطَلَقَا حَتَّى دَخَلَا عَلَى الْمَلِكِ- قَالَتْ اسْمَعْ مِنَّا أَصْلَحَ اللَّهُ الْمَلِكَ- إِنِّي تَزَوَّجْتُ بِهَذَا الرَّجُلِ وَ هُوَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ- ثُمَّ إِنَّهُ كَرِهَنِي وَ كَرِهَ صُحْبَتِي فَانْظُرْ فِي أَمْرِنَا- فَلَمَّا رَآهَا الْمَلِكُ أَعْجَبَهُ جَمَالُهَا فَخَلَا بِالرَّجُلِ فَسَارَّهُ- وَ قَالَ إِنِّي قَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ تَتْرُكَهَا فَأَتَزَوَّجَهَا- قَالَ نَعَمْ أَصْلَحَ اللَّهُ الْمَلِكَ مَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ فَتَزَوَّجَ بِهَا الْمَلِكُ- وَ بَاتَ مَعَهَا حَتَّى إِذَا كَانَتْ مَعَ السَّحَرِ ذَبَحَتْهُ- وَ قَطَعَتْ أَعْضَاءَهُ وَ حَمَلَتْهُ إِلَى صَوَاحِبَاتِهَا- أَ فَتَرَى أَيُّهَا الْمَلِكُ أَحَداً يَعْلَمُ بِهَذَا ثُمَّ يَنْطَلِقُ إِلَيْهِ- قَالَ لَا قَالَ الْخَاطِبُ لِلْغُلَامِ فَإِنِّي لَا أُفَارِقُكَ وَ لَا حَاجَةَ لِي فِيمَا أَرَدْتُ- فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِ الْمَلِكِ يَعْبُدَانِ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ- وَ يَسِيحَانِ فِي الْأَرْضِ فَهَدَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِمَا أُنَاساً كَثِيراً- وَ بَلَغَ شَأْنُ الْغُلَامِ وَ ارْتَفَعَ ذِكْرُهُ فِي الْآفَاقِ فَذَكَرَ وَالِدَهُ- وَ قَالَ لَوْ بَعَثْتُ إِلَيْهِ لَاسْتَنْقَذْتُهُ مِمَّا هُوَ فِيهِ- فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولًا فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ- إِنَّ ابْنَكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَ قَصَّ عَلَيْهِ خَبَرَهُ- وَ أَمْرَهُ فَأَتَاهُ وَالِدُهُ وَ أَهْلُهُ فَاسْتَنْقَذَهُمْ مِمَّا كَانُوا فِيهِ-
441
ثُمَّ إِنَّ بِلَوْهَرَ رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ- وَ اخْتَلَفَ إِلَى يُوذَاسُفَ أَيَّاماً حَتَّى عَرَفَ- أَنَّهُ فَتَحَ لَهُ الْبَابَ وَ دَلَّهُ عَلَى السَّبِيلِ- ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ تِلْكَ الْبِلَادِ إِلَى غَيْرِهَا- وَ بَقِيَ يُوذَاسُفُ حَزِيناً مُغْتَمّاً- فَمَكَثَ بِذَلِكَ حَتَّى بَلَغَ وَقْتَ خُرُوجِهِ- إِلَى النُّسَّاكِ لَيُنَادِيَ بِالْحَقِّ- وَ يَدْعُوَ إِلَيْهِ أَرْسَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَلَكاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ- فَلَمَّا رَأَى مِنْهُ خَلْوَةً ظَهَرَ لَهُ وَ قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ- ثُمَّ قَالَ لَهُ لَكَ الْخَيْرُ وَ السَّلَامَةُ- أَنْتَ إِنْسَانٌ بَيْنَ الْبَهَائِمِ الظَّالِمِينَ الْفَاسِقِينَ مِنَ الْجُهَّالِ- أَتَيْتُكَ بِالتَّحِيَّةِ مِنَ الْحَقِّ- وَ إِلَهُ الْخَلْقِ بَعَثَنِي إِلَيْكَ لِأُبَشِّرَكَ- وَ أَذْكُرَ لَكَ مَا غَابَ عَنْكَ مِنْ أُمُورِ دُنْيَاكَ وَ آخِرَتِكَ- فَاقْبَلْ بِشَارَتِي وَ مَشُورَتِي وَ لَا تَغْفُلْ عَنْ قَوْلِي- اخْلَعْ عَنْكَ الدُّنْيَا وَ انْبِذْ عَنْكَ شَهَوَاتِهَا- وَ ازْهَدْ فِي الْمُلْكِ الزَّائِلِ- وَ السُّلْطَانِ الْفَانِي الَّذِي لَا يَدُومُ وَ عَاقِبَتُهُ النَّدَمُ وَ الْحَسْرَةُ- وَ اطْلُبِ الْمُلْكَ الَّذِي لَا يَزُولُ وَ الْفَرَحَ الَّذِي لَا يَنْقَضِي- وَ الرَّاحَةَ الَّتِي لَا يَتَغَيَّرُ وَ كُنْ صِدِّيقاً مُقْسِطاً- فَإِنَّكَ تَكُونُ إِمَامَ النَّاسِ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ- فَلَمَّا سَمِعَ يُوذَاسُفُ كَلَامَهُ- خَرَّ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ سَاجِداً- وَ قَالَ إِنِّي لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى مُطِيعٌ وَ إِلَى وَصِيَّتِهِ مُنْتَهٍ- فَمُرْنِي بِأَمْرِكَ فَإِنِّي لَكَ حَامِدٌ وَ لِمَنْ بَعَثَكَ إِلَيَّ شَاكِرٌ- فَإِنَّهُ رَحِمَنِي وَ رَءُوفٌ بِي وَ لَمْ يَرْفُضْنِي بَيْنَ الْأَعْدَاءِ- فَإِنِّي كُنْتُ بِالَّذِي أَتَيْتَ لَهُ مُهْتَمّاً- قَالَ الْمَلَكُ إِنِّي أَرْجِعُ إِلَيْكَ بَعْدَ أَيَّامٍ- ثُمَّ أُخْرِجُكَ فَتَهَيَّأْ لِلْخُرُوجِ وَ لَا تَغْفُلْ عَنْهُ- فَوَطَّنَ يُوذَاسُفُ نَفْسَهُ عَلَى الْخُرُوجِ- وَ جَعَلَ هِمَّتَهُ كُلَّهُ فِيهِ- وَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ أَحَداً حَتَّى إِذَا جَاءَ وَقْتُ خُرُوجِهِ- أَتَى الْمَلَكُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَ النَّاسُ نِيَامٌ- فَقَالَ لَهُ قُمْ فَاخْرُجْ وَ لَا تُؤَخِّرْ ذَلِكَ- فَقَامَ وَ لَمْ يُفْشِ سِرَّهُ إِلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ غَيْرِ وَزِيرِهِ- فَبَيْنَا هُوَ يُرِيدُ الرُّكُوبَ- إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ شَابٌّ جَمِيلٌ كَانَ قَدْ مَلَكَهُمْ بِلَادَهُ فَسَجَدَ لَهُ- وَ قَالَ أَيْنَ تَذْهَبُ يَا ابْنَ الْمَلِكِ- وَ قَدْ أَصَابَنَا الْعُسْرُ أَيُّهَا الْمُصْلِحُ الْحَكِيمُ الْكَامِلُ- وَ تَتْرُكُنَا وَ تَتْرُكُ مُلْكَكَ وَ بِلَادَكَ أَقِمْ عِنْدَنَا- فَإِنَّا كُنَّا مُنْذُ وُلِدْتَ فِي رَخَاءٍ وَ كَرَامَةٍ- وَ لَمْ تَنْزِلْ بِنَا عَاهَةٌ وَ لَا مَكْرُوهٌ فَسَكَّتَهُ يُوذَاسُفُ وَ قَالَ لَهُ- امْكُثْ أَنْتَ فِي بِلَادِكَ وَ دَارِ أَهْلَ مَمْلَكَتِكَ- فَأَمَّا أَنَا فَذَاهِبٌ حَيْثُ بُعِثْتُ وَ عَامِلٌ مَا أُمِرْتُ بِهِ- فَإِنْ أَنْتَ أَعَنْتَنِي
442
كَانَ لَكَ فِي عَمَلِي نَصِيباً- ثُمَّ رَكِبَ فَسَارَ مَا قَضَى اللَّهُ لَهُ أَنْ يَسِيرَ- ثُمَّ إِنَّهُ نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ وَ وَزِيرُهُ يَقُودُ فَرَسَهُ وَ يَبْكِي أَشَدَّ الْبُكَاءِ- وَ يَقُولُ لِيُوذَاسُفَ بِأَيِّ وَجْهٍ أَسْتَقْبِلُ أَبَوَيْكَ- وَ بِمَا أُجِيبُهُمَا عَنْكَ وَ بِأَيِّ عَذَابٍ أَوْ مَوْتٍ يَقْتُلَانِّي- وَ أَنْتَ كَيْفَ تُطِيقُ الْعُسْرَ- وَ الْأَذَى الَّذِي لَمْ تَتَعَوَّدْهُ وَ كَيْفَ لَا تَسْتَوْحِشُ- وَ أَنْتَ لَمْ تَكُنْ وَحْدَكَ يَوْماً قَطُّ- وَ جَسَدُكَ كَيْفَ تَحْمِلُ الْجُوعَ وَ الظَّمَأَ- وَ التَّقَلُّبَ عَلَى الْأَرْضِ وَ التُّرَابِ- فَسَكَّتَهُ وَ عَزَّاهُ وَ وَهَبَ لَهُ فَرَسَهُ- وَ الْمِنْطَقَةَ فَجَعَلَ يُقَبِّلُ قَدَمَيْهِ وَ يَقُولُ- لَا تَدَعْنِي وَرَاءَكَ يَا سَيِّدِي- اذْهَبْ بِي مَعَكَ حَيْثُ خَرَجْتَ فَإِنَّهُ لَا كَرَامَةَ لِي بَعْدَكَ- وَ إِنَّكَ إِنْ تَرَكْتَنِي- وَ لَمْ تَذْهَبْ بِي مَعَكَ خَرَجْتُ فِي الصَّحْرَاءِ- وَ لَمْ أَدْخُلْ مَسْكَناً فِيهِ إِنْسَانٌ أَبَداً فَسَكَّتَهُ أَيْضاً وَ عَزَّاهُ- وَ قَالَ لَا تَجْعَلْ فِي نَفْسِكَ إِلَّا خَيْراً فَإِنِّي بَاعِثٌ إِلَى الْمَلِكِ- وَ مُوصِيهِ فِيكَ أَنْ يُكْرِمَكَ وَ يُحْسِنَ إِلَيْكَ- ثُمَّ نَزَعَ عَنْهُ لِبَاسَ الْمَلِكِ وَ دَفَعَهُ إِلَى وَزِيرِهِ- وَ قَالَ لَهُ الْبَسْ ثِيَابِي- وَ أَعْطَاهُ الْيَاقُوتَةَ الَّتِي كَانَ يَجْعَلُهَا فِي رَأْسِهِ- وَ قَالَ انْطَلِقْ بِهَا مَعَكَ وَ فَرَسِي وَ إِذَا أَتَيْتَهُ فَاسْجُدْ لَهُ- وَ أَعْطِهِ هَذِهِ الْيَاقُوتَةَ وَ أَقْرِئْهُ السَّلَامَ ثُمَّ الْأَشْرَافَ- وَ قُلْ لَهُمْ إِنِّي لَمَّا نَظَرْتُ فِيمَا بَيْنَ الْبَاقِي- وَ الزَّائِلِ رَغِبْتُ فِي الْبَاقِي- وَ زَهِدْتُ فِي الزَّائِلِ وَ لَمَّا اسْتَبَانَ لِي أَصْلِي- وَ حَسَبِي وَ فَضَّلْتُ بَيْنَهُمَا وَ بَيْنَ الْأَعْدَاءِ- وَ الْقُرَبَاءِ رَفَضْتُ الْأَعْدَاءَ وَ الْقُرَبَاءَ- وَ انْقَطَعْتُ إِلَى أَصْلِي وَ حَسَبِي- فَأَمَّا وَالِدِي فَإِنَّهُ إِذَا أَبْصَرَ الْيَاقُوتَةَ طَابَتْ نَفْسُهُ- فَإِذَا أَبْصَرَ كِسْوَتِي عَلَيْكَ ذَكَرَنِي وَ ذَكَرَ حُبِّي لَكَ- وَ مَوَدَّتِي إِيَّاكَ فَمَنَعَهُ ذَلِكَ أَنْ يَأْتِيَ إِلَيْكَ مَكْرُوهاً: ثُمَّ رَجَعَ وَزِيرُهُ وَ تَقَدَّمَ يُوذَاسُفُ أَمَامَهُ- يَمْشِي حَتَّى بَلَغَ فَضَاءً وَاسِعاً فَرَفَعَ رَأْسَهُ- فَرَأَى شَجَرَةً عَظِيمَةً عَلَى عَيْنٍ مِنْ مَاءٍ- أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنَ الشَّجَرِ- وَ أَكْثَرَهَا فَرْعاً وَ غُصْناً وَ أَحْلَاهَا ثَمَراً- وَ قَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهَا مِنَ الطَّيْرِ مَا لَا يُعَدُّ كَثْرَةً- فَسُرَّ بِذَلِكَ الْمَنْظَرِ وَ فَرِحَ بِهِ وَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ حَتَّى دَنَا مِنْهُ- وَ جَعَلَ يُعَبِّرُهُ فِي نَفْسِهِ وَ يُفَسِّرُهُ- فَشَبَّهَ الشَّجَرَ بِالْبُشْرَى الَّتِي دَعَا إِلَيْهَا- وَ عَيْنَ الْمَاءِ بِالْحِكْمَةِ وَ الْعِلْمِ- وَ الطَّيْرَ بِالنَّاسِ الَّذِينَ يَجْتَمِعُونَ إِلَيْهِ وَ يَقْبَلُونَ مِنْهُ الدِّينَ- فَبَيْنَا هُوَ قَائِمٌ إِذْ أَتَاهُ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ
443
ع- يَمْشُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَتْبَعَ آثَارَهُمْ حَتَّى رَفَعُوهُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ- وَ أُوتِيَ مِنَ الْعِلْمِ وَ الْحِكْمَةِ- مَا عَرَفَ بِهِ الْأُولَى وَ الْوُسْطَى وَ الْأُخْرَى- وَ الَّذِي هُوَ كَائِنٌ ثُمَّ أَنْزَلُوهُ إِلَى الْأَرْضِ- وَ قَرَّنُوا مَعَهُ قَرِيناً مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْأَرْبَعَةِ- فَمَكَثَ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ حِيناً ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى أَرْضَ سولابط- فَلَمَّا بَلَغَ وَالِدَهُ قُدُومُهُ خَرَجَ يَسِيرُ هُوَ وَ الْأَشْرَافُ- فَأَكْرَمُوهُ وَ قَرَّبُوهُ- وَ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَهْلُ بَلَدِهِ مَعَ ذَوِي قَرَابَتِهِ وَ حَشَمِهِ- وَ قَعَدُوا بَيْنَ يَدَيْهِ وَ سَلَّمُوا عَلَيْهِ- وَ كَلَّمَهُمُ الْكَلَامَ الْكَثِيرَ وَ فَرَشَ لَهُمُ الْإِينَاسَ- وَ قَالَ لَهُمْ اسْمَعُوا إِلَيَّ بِأَسْمَاعِكُمْ- وَ فَرِّغُوا إِلَيَّ قُلُوبَكُمْ لِاسْتِمَاعِ حِكْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- الَّتِي هِيَ نُورُ الْأَنْفُسِ وَ تُقِرُّوا بِالْعِلْمِ- الَّذِي هُوَ الدَّلِيلُ عَلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ- وَ أَيْقِظُوا عُقُولَكُمْ وَ افْهَمُوا الْفَصْلَ- الَّذِي بَيْنَ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ وَ الضَّلَالِ وَ الْهُدَى- وَ اعْلَمُوا أَنَّ هَذَا هُوَ دَيْنُ الْحَقِّ- الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَ الرُّسُلِ(ع) وَ الْقُرُونِ الْأُولَى فَخَصَّنَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ فِي هَذَا الْقَرْنِ- بِرَحْمَتِهِ بِنَا وَ رَأْفَتِهِ وَ رَحْمَتِهِ وَ تَحَنُّنِهِ عَلَيْنَا- وَ فِيهِ خَلَاصٌ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ- أَلَا إِنَّهُ لَا يَنَالُ الْإِنْسَانُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ- وَ لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ إِلَّا بِالْإِيمَانِ وَ عَمَلِ الْخَيْرِ- فَاجْتَهِدُوا فِيهِ لِتُدْرِكُوا بِهِ الرَّاحَةَ الدَّائِمَةَ- وَ الْحَيَاةَ الَّتِي لَا تَنْقَطِعُ أَبَداً وَ مَنْ آمَنَ مِنْكُمْ بِالدِّينِ- فَلَا يَكُونَنَّ إِيمَانُهُ طَمَعاً فِي الْحَيَاةِ- وَ رَجَاءً لِمُلْكِ الْأَرْضِ وَ طَلَبِ مَوَاهِبِ الدُّنْيَا- وَ لْيَكُنْ إِيمَانُكُمْ طَمَعاً فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ- وَ رَجَاءَ الْخَلَاصِ وَ طَلَبَ النَّجَاةِ مِنَ الضَّلَالَةِ- وَ بُلُوغَ الرَّاحَةِ وَ الْفَرَجِ فِي الْآخِرَةِ- فَإِنَّ مُلْكَ الْأَرْضِ وَ سُلْطَانَهَا زَائِلٌ وَ لَذَّاتِهَا مُنْقَطِعَةٌ- فَمَنِ اغْتَرَّ بِهَا هَلَكَ وَ افْتَضَحَ- لَوْ قَدْ وَقَفَ عَلَى دَيَّانِ الدِّينِ الَّذِي لَا يَدِينُ إِلَّا بِالْحَقِّ- فَإِنَّ الْمَوْتَ مَقْرُونٌ مَعَ أَجْسَادِكُمْ- وَ هُوَ يَتَرَاصَدُ أَرْوَاحَكُمْ أَنْ يُكَبْكِبَهَا مَعَ الْأَجْسَادِ- وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ كَمَا أَنَّ الطَّيْرَ لَنْ يَقْدِرَ عَلَى الْحَيَاةِ- وَ النَّجَاةِ مِنَ الْأَعْدَاءِ مِنَ الْيَوْمِ إِلَى غَدِ هَذِهِ- إِلَّا بِقُوَّةٍ مِنَ الْبَصَرِ وَ الْجَنَاحَيْنِ وَ الرِّجْلَيْنِ- فَكَذَلِكَ الْإِنْسَانُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْحَيَاةِ- وَ النَّجَاةِ إِلَّا بِالْعَمَلِ وَ الْإِيمَانِ وَ أَعْمَالِ الْخَيْرِ الْكَامِلَةِ- فَتَفَكَّرْ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَنْتَ- وَ الْأَشْرَافُ فِيمَا تَسْتَمِعُونَ وَ افْهَمُوا وَ اعْتَبِرُوا- وَ اعْبُرُوا الْبَحْرَ مَا دَامَتِ السَّفِينَةُ- وَ اقْطَعُوا الْمَسَافَةَ مَا دَامَ الدَّلِيلُ وَ الظَّهْرُ وَ الزَّادُ- وَ اسْلُكُوا سَبِيلَكُمْ مَا دَامَ الْمِصْبَاحُ-
444
وَ أَكْثِرُوا مِنْ كُنُوزِ الْبِرِّ مَعَ النُّسَّاكِ- وَ شَارِكُوهُمْ فِي الْخَيْرِ وَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ- وَ أَصْلِحُوا التَّبَعَ وَ كُونُوا لَهُمْ أَعْوَاناً- وَ أَمَّرُوهُمْ بِأَعْمَالِكُمْ لِيَنْزِلُوا مَعَكُمْ مَلَكُوتَ النُّورِ- وَ اقْبَلُوا النُّورَ وَ احْتَفِظُوا بِفَرَائِضِكُمْ- وَ إِيَّاكُمْ أَنْ تَتَوَثَّقُوا إِلَى أَمَانِيِّ الدُّنْيَا وَ شُرْبِ الْخُمُورِ- وَ شَهْوَةِ النِّسَاءِ مِنْ كُلِّ ذَمِيمَةٍ- وَ قَبِيحَةٍ مُهْلِكَةٍ لِلرُّوحِ وَ الْجَسَدِ- وَ اتَّقُوا الْحَمِيَّةَ وَ الْغَضَبَ وَ الْعَدَاوَةَ وَ النَّمِيمَةَ- وَ مَا لَمْ تَرْضَوْهُ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْكُمْ فَلَا تَأْتُوهُ إِلَى أَحَدٍ- وَ كُونُوا طَاهِرِي الْقُلُوبِ- صَادِقِي النِّيَّاتِ لِتَكُونُوا عَلَى الْمِنْهَاجِ إِذَا أَتَاكُمُ الْأَجَلُ- ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْ أَرْضِ سولابط وَ سَارَ فِي بِلَادٍ- وَ مَدَائِنَ كَثِيرَةٍ حَتَّى أَتَى أَرْضاً تُسَمَّى قِشْمِيرَ- فَسَارَ فِيهَا وَ أَحْيَا مَيِّتَهَا- وَ مَكَثَ حَتَّى أَتَاهُ الْأَجَلُ الَّذِي خَلَعَ الْجَسَدَ- وَ ارْتَفَعَ إِلَى النُّورِ وَ دَعَا قَبْلَ مَوْتِهِ تِلْمِيذاً لَهُ اسْمُهُ- يابدُ الَّذِي كَانَ يَخْدُمُهُ وَ يَقُومُ عَلَيْهِ- وَ كَانَ رَجُلًا كَامِلًا فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا وَ أَوْصَى إِلَيْهِ- وَ قَالَ إِنَّهُ قَدْ دَنَا ارْتِفَاعِي عَنِ الدُّنْيَا- وَ احْتَفِظُوا بِفَرَائِضِكُمْ وَ لَا تَزِيغُوا عَنِ الْحَقِّ- وَ خُذُوا بِالنُّسُكِ ثُمَّ أَمَرَ يابدَ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ مَكَاناً- فَبَسَطَهُ هُوَ رِجْلَيْهِ وَ هَيَّأَ رَأْسَهُ إِلَى الْمَغْرِبِ- وَ وَجْهَهُ إِلَى الْمَشْرِقِ ثُمَّ قَضَى نَحْبَهُ.
باب 33 نوادر المواعظ و الحكم
1- ل، الخصال ن (1)، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) عَنْ تَمِيمٍ الْقُرَشِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ الْهَرَوِيِّ وَ قَالَ سَمِعْتُ الرِّضَا(ع)يَقُولُ أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ إِذَا أَصْبَحْتَ- فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَسْتَقْبِلُكَ فَكُلْهُ وَ الثَّانِي فَاكْتُمْهُ- وَ الثَّالِثُ فَاقْبَلْهُ وَ الرَّابِعُ فَلَا تُؤْيِسْهُ وَ الْخَامِسُ فَاهْرَبْ مِنْهُ- قَالَ فَلَمَّا أَصْبَحَ مَضَى فَاسْتَقْبَلَهُ جَبَلٌ أَسْوَدُ عَظِيمٌ فَوَقَفَ- وَ قَالَ أَمَرَنِي رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ آكُلَ هَذَا- وَ بَقِيَ مُتَحَيِّراً ثُمَّ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ- فَقَالَ إِنَّ رَبِّي جَلَّ جَلَالُهُ لَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِمَا أُطِيقُ- فَمَشَى إِلَيْهِ لِيَأْكُلَهُ- فَلَمَّا
____________
(1) الخصال ج 1 ص 128، و العيون ص 152. و قد مر بنصه في المجلد الأول ص 18.
445
دَنَا مِنْهُ صَغُرَ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ فَوَجَدَهُ لُقْمَةً- فَأَكَلَهَا فَوَجَدَهَا أَطْيَبَ شَيْءٍ أَكَلَهُ- ثُمَّ مَضَى فَوَجَدَ طَسْتاً مِنْ ذَهَبٍ- قَالَ أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أَكْتُمَ هَذَا فَحَفَرَ لَهُ وَ جَعَلَهُ فِيهِ- وَ أَلْقَى عَلَيْهِ التُّرَابَ- ثُمَّ مَضَى فَالْتَفَتَ فَإِذَا الطَّسْتُ قَدْ ظَهَرَ- فَقَالَ قَدْ فَعَلْتُ مَا أَمَرَنِي رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ- فَمَضَى فَإِذَا هُوَ بِطَيْرٍ وَ خَلْفَهُ بَازِيٌّ وَ طَافَ الطَّيْرُ حَوْلَهُ- فَقَالَ أَمَرَنِي رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ أَقْبَلَ هَذَا- فَفَتَحَ كُمَّهُ فَدَخَلَ الطَّيْرُ فِيهِ- فَقَالَ لَهُ الْبَازِي أَخَذْتَ صَيْدِي وَ أَنَا خَلْفَهُ مُنْذُ أَيَّامٍ فَقَالَ إِنَّ رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ أَمَرَنِي أَنْ لَا أُويِسَ هَذَا- فَقَطَعَ مِنْ فَخِذِهِ قِطْعَةً فَأَلْقَاهَا إِلَيْهِ ثُمَّ مَضَى- فَلَمَّا مَضَى فَإِذَا هُوَ بِلَحْمِ مَيْتَةٍ مُنْتِنٍ مَدُودٍ- فَقَالَ أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أَهْرُبَ مِنْ هَذَا فَهَرَبَ مِنْهُ- وَ رَجَعَ وَ رَأَى فِي الْمَنَامِ كَأَنَّهُ قَدْ قِيلَ لَهُ- إِنَّكَ قَدْ فَعَلْتَ مَا أُمِرْتَ بِهِ- فَهَلْ تَدْرِي مَا ذَا كَانَ قَالَ لَا قِيلَ لَهُ- أَمَّا الْجَبَلُ فَهُوَ الْغَضَبُ إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا غَضِبَ لَمْ يَرَ نَفْسَهُ- وَ جَهِلَ قَدْرَهُ مِنْ عِظَمِ الْغَضَبِ- فَإِذَا حَفِظَ نَفْسَهُ وَ عَرَفَ قَدْرَهُ- وَ سَكَنَ غَضَبُهُ كَانَتْ عَاقِبَتُهُ كَاللُّقْمَةِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي أَكَلْتَهَا- وَ أَمَّا الطَّسْتُ فَهُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ إِذَا كَتَمَهُ الْعَبْدُ- وَ أَخْفَاهُ أَبَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَّا أَنْ يُظْهِرَهُ- لِيُزَيِّنَهُ بِهِ مَعَ مَا يُدَّخَرُ لَهُ مِنْ ثَوَابِ الْآخِرَةِ- وَ أَمَّا الطَّيْرُ فَهُوَ الرَّجُلُ- الَّذِي يَأْتِيكَ بِنَصِيحَةٍ فَاقْبَلْهُ وَ اقْبَلْ نَصِيحَتَهُ- وَ أَمَّا الْبَازِي فَهُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يَأْتِيكَ فِي حَاجَةٍ فَلَا تُؤْيِسْهُ- وَ أَمَّا اللَّحْمُ الْمُنْتِنُ فَهُوَ الْغِيبَةُ فَاهْرُبْ مِنْهَا.
2- لي (1)، الأمالي للصدوق عَنِ ابْنِ مَسْرُورٍ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ عَنْ عَمِّهِ عَنِ التَّفْلِيسِيِّ عَنِ السَّمَنْدِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مَجَاعَةٌ حَتَّى نَبَشُوا الْمَوْتَى فَأَكَلُوهُمْ- فَنَبَشُوا قَبْراً فَوَجَدُوا فِيهِ لَوْحاً مَكْتُوباً- أَنَا فُلَانٌ النَّبِيُّ نَبَشَ قَبْرِي حَبَشِيٌّ- مَا قَدَّمْنَاهُ وَجَدْنَاهُ وَ مَا أَكَلْنَاهُ رَبِحْنَاهُ- وَ مَا خَلَّفْنَاهُ خَسِرْنَاهُ.
3- ل (2)، الخصال عَنْ مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ صَالِحٍ يَرْفَعُهُ
____________
(1) المجلس الثامن و الثمانون ص 361.
(2) الخصال ج 1 ص 113.
446
بِإِسْنَادِهِ قَالَ: أَرْبَعَةٌ الْقَلِيلُ مِنْهَا كَثِيرٌ- النَّارُ الْقَلِيلُ مِنْهَا كَثِيرٌ وَ النَّوْمُ الْقَلِيلُ مِنْهُ كَثِيرٌ- وَ الْمَرَضُ الْقَلِيلُ مِنْهُ كَثِيرٌ وَ الْعَدَاوَةُ الْقَلِيلُ مِنْهَا كَثِيرٌ.
4- ما (1)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ الْمُفِيدِ عَنِ الْكَاتِبِ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ الْخُزَاعِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبَّادٍ عَنْ أَبِي فُرَاتٍ (2) قَالَ: قَرَأْتُ فِي كِتَابٍ لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ- وَ إِذًا مَكْتُوبٌ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ- هَذَا مَا وَضَعَتِ الْحُكَمَاءُ فِي كُتُبِهَا- الِاجْتِهَادُ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ أَرْبَحُ تِجَارَةٍ- وَ لَا مَالَ أَعْوَدُ مِنَ الْعَقْلِ وَ لَا فَقْرَ أَشَدُّ مِنَ الْجَهْلِ- وَ أَدَبٌ تَسْتَفِيدُهُ خَيْرٌ مِنْ مِيرَاثٍ- وَ حُسْنُ الْخُلُقِ خَيْرُ رَفِيقٍ وَ التَّوْفِيقُ خَيْرُ قَائِدٍ- وَ لَا ظَهْرَ أَوْثَقُ مِنَ الْمُشَاوَرَةِ- وَ لَا وَحْشَةَ أَوْحَشُ مِنَ الْعُجْبِ- وَ لَا تَطْمَعَنَّ صَاحِبُ الْكِبْرِ فِي حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ.
5- ما (3)، الأمالي للشيخ الطوسي بِالْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: وَصِيَّةُ وَرَقَةِ بْنِ نَوْفَلٍ لِخَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ(ع) إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا يَقُولُ لَهَا- يَا بِنْتَ أَخِي لَا تُمَارِ جَاهِلًا وَ لَا عَالِماً- فَإِنَّكَ مَتَى مَارَيْتِ جَاهِلًا أَذَلَّكِ- وَ مَتَى مَارَيْتِ عَالِماً مَنَعَكِ عِلْمُهُ- وَ إِنَّمَا يَسْعَدُ بِالْعُلَمَاءِ مَنْ أَطَاعَهُمْ- أَيْ بُنَيَّةِ إِيَّاكِ وَ صُحْبَةَ الْأَحْمَقِ الْكَذَّابِ- فَإِنَّهُ يُرِيدُ نَفْعَكِ فَيَضُرُّكِ وَ يُقَرِّبُ مِنْكِ الْبَعِيدَ- وَ يُبَعِّدُ عَنْكِ الْقَرِيبَ إِنِ ائْتَمَنْتِهِ خَانَكِ- وَ إِنِ ائْتَمَنَكِ أَهَانَكِ وَ إِنْ حَدَّثَكِ كَذَبَكِ- وَ إِنْ حَدَّثْتِهِ كَذَّبَكِ وَ أَنْتِ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ السَّرَابِ- الَّذِي يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً- حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً- وَ اعْلَمِي أَنَّ الشَّابَّ الْحَسَنَ الْخُلُقِ- مِفْتَاحٌ لِلْخَيْرِ مِغْلَاقٌ لِلشَّرِّ- وَ أَنَّ الشَّابَّ الشَّحِيحَ الْخُلُقِ مِغْلَاقٌ لِلْخَيْرِ مِفْتَاحٌ لِلشَّرِّ- وَ اعْلَمِي أَنَّ الْآجُرَّ إِذَا انْكَسَرَ لَمْ يَشْعَبْ وَ لَمْ يَعُدْ طِيناً.
6- ما (4)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ ابْنِ مَخْلَدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ
____________
(1) الأمالي ج 1 ص 185.
(2) في المصدر «أبى تراب».
(3) الأمالي ج 1 ص 308.
(4) المصدر ج 2 ص 8.
447
مَسْرُوقٍ قَالَ: أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا- اجْعَلْ تِلَادَكَ فِي الْمُهِمِّ مِنَ الْأُمُورِ إِذَا اقْتَرَبَ- حَسِّنِ التَّصَبُّرَ مَا اسْتَطَعْتَ فَإِنَّهُ نِعْمَ السَّبَبُ- لَا تَسْهُ عَنْ أَدَبِ الصَّغِيرِ وَ إِنْ شَكَا أَلَمَ التَّعَبِ- وَ دَعِ الْكَبِيرَ لِشَأْنِهِ كَبِّرِ الْكَبِيرَ عَنِ الْأَدَبِ- لَا تَصْحَبِ النُّطَفَ الْمُرِيبَ فَقُرْبُهُ إِحْدَى الرِّيَبِ- وَ اعْلَمْ بِأَنَّ ذُنُوبَهُ تُعْدَى كَمَا يُعْدَى الْجَرَبُ.
7- ل، الخصال مع (1)، معاني الأخبار عَنِ الْعَطَّارِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيِّ عَنِ ابْنِ عُثْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: تَبِعَ حَكِيمٌ حَكِيماً سَبْعَمِائَةِ فَرْسَخٍ فِي سَبْعِ كَلِمَاتٍ- فَلَمَّا لَحِقَ بِهِ قَالَ لَهُ يَا هَذَا مَا أَرْفَعُ مِنَ السَّمَاءِ- وَ أَوْسَعُ مِنَ الْأَرْضِ وَ أَغْنَى مِنَ الْبَحْرِ- وَ أَقْسَى مِنَ الْحَجَرِ وَ أَشَدُّ حَرَارَةً مِنَ النَّارِ- وَ أَشَدُّ بَرْداً مِنَ الزَّمْهَرِيرِ وَ أَثْقَلُ مِنَ الْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ- فَقَالَ لَهُ يَا هَذَا إِنَّ الْحَقَّ أَرْفَعُ مِنَ السَّمَاءِ- وَ الْعَدْلَ أَوْسَعُ مِنَ الْأَرْضِ- وَ غِنَى النَّفْسِ أَغْنَى مِنَ الْبَحْرِ- وَ قَلْبَ الْكَافِرِ أَقْسَى مِنَ الْحَجَرِ- وَ الْحَرِيصَ الْجَشِعَ أَشَدُّ حَرَارَةً مِنَ النَّارِ- وَ الْيَأْسَ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَشَدُّ بَرْداً مِنَ الزَّمْهَرِيرِ- وَ الْبُهْتَانَ عَلَى الْبَرِيءِ أَثْقَلُ مِنَ الْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ.
8- ل (2)، الخصال عَنِ ابْنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ عَنْ الثُّمَالِيِّ قَالَ: فَدَعَا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ ابْنَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ فَأَوْصَى إِلَيْهِ- وَ قَالَ يَا بُنَيَّ أَظْهِرِ الْيَأْسَ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ فَإِنَّ فِيهِ الْغِنَى- وَ إِيَّاكَ وَ طَلَبَ الْحَاجَاتِ إِلَى النَّاسِ فَإِنَّهُ فَقْرٌ حَاضِرٌ- وَ كُنِ الْيَوْمَ خَيْراً مِنْكَ أَمْسِ- وَ إِذَا أَنْتَ صَلَّيْتَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ لِلدُّنْيَا- كَأَنَّكَ لَا تَرْجِعُ وَ إِيَّاكَ وَ مَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ.
9- ل (3)، الخصال عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِ
____________
(1) الخصال ج 2 ص 5. و المعاني ص 177.
(2) المجلس الثاني و الخمسون ص 194.
(3) الخصال ج 1 ص 21.
448
عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ: قَامَ أَبُو ذَرٍّ (رحمه الله) عِنْدَ الْكَعْبَةِ فَقَالَ- أَنَا جُنْدَبُ بْنُ سَكَنٍ فَاكْتَنَفَهُ النَّاسُ فَقَالَ- لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَرَادَ سَفَراً لَاتَّخَذَ فِيهِ مِنَ الزَّادِ مَا يُصْلِحُهُ- فَسَفَرُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَ مَا تُرِيدُونَ فِيهِ مَا يُصْلِحُكُمْ- فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ أَرْشِدْنَا- فَقَالَ صُمْ يَوْماً شَدِيدَ الْحَرِّ لِلنُّشُورِ- وَ حُجَّ حَجَّةً لِعَظَائِمِ الْأُمُورِ- وَ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ لِوَحْشَةِ الْقُبُورِ- كَلِمَةُ خَيْرٍ تَقُولُهَا وَ كَلِمَةُ شَرٍّ تَسْكُتُ عَنْهَا- أَوْ صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى مِسْكِينٍ لَعَلَّكَ تَنْجُو بِهَا- يَا مِسْكِينُ مِنْ يَوْمٍ عَسِيرٍ- اجْعَلِ الدُّنْيَا دِرْهَمَيْنِ دِرْهَماً أَنْفَقْتَهُ عَلَى عِيَالِكَ- وَ دِرْهَماً قَدَّمْتَهُ لِآخِرَتِكَ وَ الثَّالِثُ يَضُرُّ وَ لَا يَنْفَعُ فَلَا تُرِدْهُ- اجْعَلِ الدُّنْيَا كَلِمَتَيْنِ- كَلِمَةً فِي طَلَبِ الْحَلَالِ وَ كَلِمَةً لِلْآخِرَةِ- وَ الثَّالِثَةُ تَضُرُّ وَ لَا تَنْفَعُ لَا تُرِدْهَا ثُمَّ قَالَ قَتَلَنِي هَمُّ يَوْمٍ لَا أُدْرِكُهُ.
جا (1)، المجالس للمفيد عن أحمد بن الوليد عن أبيه عن الصفار عن أحمد بن محمد بن الوليد (2) عن أبيه عن أحمد بن النضر عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر(ع)مثله.
10- جا، المجالس للمفيد ما (3)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنِ الْمُفِيدِ عَنِ الْكَاتِبِ عَنِ الزَّعْفَرَانِيِّ عَنِ الثَّقَفِيِّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ بَصِيرٍ (4) عَنْ أَحْمَدَ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْيَمَانِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْعَبَّاسِ يَقُولُ لِابْنِهِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ- لِيَكُنْ كَنْزُكَ الَّذِي تَدَّخِرُهُ الْعِلْمَ- كُنْ بِهِ أَشَدَّ اغْتِبَاطاً مِنْكَ بِكَثْرَةِ الذَّهَبِ الْأَحْمَرِ- فَإِنِّي مُودِعُكَ كَلَاماً إِنْ أَنْتَ- وَعَيْتَهُ اجْتَمَعَ لَكَ بِهِ خَيْرُ أَمْرِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- لَا تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو الْآخِرَةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ- وَ يُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ لِطُولِ الْأَمَلِ- وَ يَقُولُ فِي الدُّنْيَا قَوْلَ الزَّاهِدِينَ- وَ يَعْمَلُ فِيهَا عَمَلَ الرَّاغِبِينَ إِنْ أُعْطِيَ مِنْهَا لَمْ يَشْبَعْ- وَ إِنْ مُنِعَ مِنْهَا لَمْ يَقْنَعْ يَعْجِزُ عَنْ شُكْرِ مَا أُوتِيَ- وَ يَبْغِي الزِّيَادَةَ فِيمَا بَقِيَ- وَ يَأْمُرُ بِمَا لَا يَأْتِي يُحِبُّ الصَّالِحِينَ وَ لَا يَعْمَلُ عَمَلَهُمْ- وَ يُبْغِضُ الْفُجَّارَ وَ هُوَ أَحَدُهُمْ- وَ يَقُولُ لِمَ أَعْمَلُ فَأَتَعَنَّى أَ لَا أَجْلِسُ فَأَتَمَنَّى- فَهُوَ يَتَمَنَّى الْمَغْفِرَةَ وَ قَدْ دَأَبَ فِي الْمَعْصِيَةِ- قَدْ عُمِّرَ
____________
(1) مجالس المفيد ص 125 و 126.
(2) في المصدر محمّد بن محمّد بن الوليد.
(3) مجالس المفيد 195، و الأمالي ج 1 ص 110.
(4) في المجالس «حبيب بن نصر».
449
مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ يَقُولُ فِيمَا ذَهَبَ- لَوْ كُنْتُ عَمِلْتُ وَ نَصِبْتُ كَانَ ذُخْراً لِي- وَ يَعْصِي رَبَّهُ تَعَالَى فِيمَا بَقِيَ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ- إِنْ سَقِمَ نَدِمَ عَلَى الْعَمَلِ (1) وَ إِنْ صَحَّ أَمِنَ وَ اغْتَرَّ وَ أَخَّرَ الْعَمَلَ- مُعْجَباً بِنَفْسِهِ مَا عُوفِيَ وَ قَانِطاً إِذَا ابْتُلِيَ- إِنْ رَغِبَ أَشِرَ وَ إِنْ بُسِطَ لَهُ هَلَكَ- تَغْلِبُهُ نَفْسُهُ عَلَى مَا يَظُنُّ وَ لَا يَغْلِبُهَا عَلَى مَا يَسْتَيْقِنُ- لَا يَثِقُ مِنَ الرِّزْقِ بِمَا قَدْ ضُمِنَ لَهُ- وَ لَا يَقْنَعُ بِمَا قُسِمَ لَهُ- لَمْ يَرْغَبْ قَبْلَ أَنْ يَنْصَبَ وَ لَا يَنْصَبُ فِيمَا يَرْغَبُ- إِنِ اسْتَغْنَى بَطِرَ وَ إِنِ افْتَقَرَ قَنَطَ- فَهُوَ يَبْتَغِي الزِّيَادَةَ وَ إِنْ لَمْ يَشْكُرْ- وَ يُضَيِّعُ مِنْ نَفْسِهِ مَا هُوَ أَكْبَرُ- يَكْرَهُ الْمَوْتَ لِإِسَاءَتِهِ وَ لَا يَدَعُ الْإِسَاءَةَ فِي حَيَاتِهِ- إِنْ عَرَضَتْ شَهْوَتُهُ وَاقَعَ الْخَطِيئَةَ ثُمَّ تَمَنَّى التَّوْبَةَ- وَ إِنْ عَرَضَ لَهُ عَمَلُ الْآخِرَةِ دَافَعَ- يَبْلُغُ فِي الرَّغْبَةِ حِينَ يَسْأَلُ وَ يُقَصِّرُ فِي الْعَمَلِ حِينَ يَعْمَلُ- فَهُوَ بِالطَّوْلِ مُدِلٌّ وَ فِي الْعَمَلِ مُقِلٌّ- يُبَادِرُ فِي الدُّنْيَا- يُعْبَأُ بِمَرَضٍ فَإِذَا أَفَاقَ وَاقَعَ الْخَطَايَا وَ لَمْ يُعْرِضْ- يَخْشَى الْمَوْتَ وَ لَا يَخَافُ الْفَوْتَ- يَخَافُ عَلَى غَيْرِهِ بِأَقَلَّ مِنْ ذَنْبِهِ وَ يَرْجُو لِنَفْسِهِ بِدُونِ عَمَلِهِ- وَ هُوَ عَلَى النَّاسِ طَاعِنٌ وَ لِنَفْسِهِ مُدَاهِنٌ- يَرْجُو الْأَمَانَةَ مَا رَضِيَ وَ يَرَى الْخِيَانَةَ إِنْ سَخِطَ- إِنْ عُوفِيَ ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ تَابَ وَ إِنِ ابْتُلِيَ طَمِعَ فِي الْعَافِيَةِ وَ عَادَ- لَا يَبِيتُ قَائِماً وَ لَا يُصْبِحُ صَائِماً يُصْبِحُ وَ هَمُّهُ الْغِذَاءُ- وَ يُمْسِي وَ نِيَّتُهُ الْعَشَاءُ وَ هُوَ مُفْطِرٌ- يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِنْ فَوْقِهِ وَ لَا يَنْجُو بِالْعَوْذِ مِنْهُ مَنْ هُوَ دُونَهُ- يَهْلِكُ فِي بُغْضِهِ إِذَا أَبْغَضَ وَ لَا يُقَصِّرُ فِي حُبِّهِ إِذَا أَحَبَّ- يَغْضَبُ فِي الْيَسِيرِ وَ يَعْصِي عَلَى الْكَثِيرِ- فَهُوَ يُطَاعُ وَ يَعْصِي اللَّهَ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ
11- ص (2)، قصص الأنبياء (عليهم السلام) عَنِ الصَّدُوقِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ وَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ مُنْذِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: لَمَّا فَارَقَ مُوسَى الْخَضِرَ قَالَ مُوسَى أَوْصِنِي- فَقَالَ الْخَضِرُ الْزَمْ مَا لَا يَضُرُّكَ مَعَهُ شَيْءٌ- كَمَا لَا يَنْفَعُكَ مِنْ غَيْرِهِ شَيْءٌ- إِيَّاكَ وَ اللَّجَاجَةَ وَ الْمَشْيَ إِلَى غَيْرِ حَاجَةٍ- وَ الضَّحِكَ فِي غَيْرِ تَعَجُّبٍ يَا ابْنَ عِمْرَانَ- لَا تُعَيِّرَنَّ أَحَداً بِخَطِيئَتِهِ وَ ابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ.
12- ك (3)، إكمال الدين عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ
____________
(1) كذا و الظاهر «على ترك العمل».
(2) مخطوط.
(3) كمال الدين ص 101.
450
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا عَنْ مَهْدِيِّ بْنِ سَابِقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَمَعَ قُسُّ بْنُ سَاعِدَةَ وُلْدَهُ فَقَالَ- إِنَّ الْمِعَا تَكْفِيهِ الْبَقْلَةُ وَ تَرْوِيهِ الْمَذْقَةُ- وَ مَنْ عَيَّرَكَ شَيْئاً فَفِيهِ مِثْلُهُ- وَ مَنْ ظَلَمَ وَجَدَ مَنْ يَظْلِمُهُ- مَتَى عَدَلْتَ عَلَى نَفْسِكَ عُدِلَ عَلَيْكَ مِنْ فَوْقِكَ- فَإِذَا نَهَيْتَ عَنْ شَيْءٍ فَابْدَأْ بِنَفْسِكَ- وَ لَا تَجْمَعْ مَا لَا تَأْكُلُ وَ لَا تَأْكُلْ مَا لَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ- وَ إِذَا ادَّخَرْتَ فَلَا تَكُونَنَّ كَنْزُكَ إِلَّا فِعْلَكَ- وَ كُنْ عَفَّ الْعَيْلَةِ- مُشْتَرَكَ الْغِنَى تَسُدُّ قَوْمَكَ- وَ لَا تُشَاوِرَنَّ مَشْغُولًا- وَ إِنْ كَانَ حَازِماً وَ لَا جَائِعاً وَ إِنْ كَانَ فَهِماً- وَ لَا مَذْعُوراً وَ إِنْ كَانَ نَاصِحاً- وَ لَا تَضَعَنَّ فِي عُنُقِكَ طَوْقاً لَا يُمْكِنُكَ نَزْعُهُ إِلَّا بِشِقِّ نَفْسِكَ- وَ إِذَا خَاصَمْتَ فَاعْدِلْ وَ إِذَا قُلْتَ فَاقْتَصِدْ- وَ لَا تَسْتَوْدِعَنَّ أَحَداً دِينَكَ وَ إِنْ قَرُبَتْ قَرَابَتُهُ- فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ لَمْ تَزَلْ وَجِلًا- وَ كَانَ الْمُسْتَوْدَعُ بِالْخِيَارِ فِي الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ- وَ كُنْتَ لَهُ عَبْداً مَا بَقِيتَ- فَإِنْ جَنَى عَلَيْكَ كُنْتَ أَوْلَى بِذَلِكَ- وَ إِنْ وَفَى كَانَ الْمَمْدُوحُ دُونَكَ عَلَيْكَ بِالصَّدَقَةِ- فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ وَ كَانَ قُسٌّ لَا يَسْتَوْدِعُ دِينَهُ أَحَداً- وَ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِمَا يَخْفَى مَعْنَاهُ عَلَى الْعَوَامِّ- وَ لَا يَسْتَدْرِكُهُ إِلَّا الْخَوَاصُّ.
13- صح (1)، صحيفة الرضا (عليه السلام) عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)قَالَ: وُجِدَ لَوْحٌ تَحْتَ حَائِطِ مَدِينَةٍ مِنَ الْمَدَائِنِ مَكْتُوبٌ فِيهِ- أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَ مُحَمَّدٌ نَبِيِّي- عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ- وَ عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْقَدَرِ كَيْفَ يَحْزَنُ- وَ عَجِبْتُ لِمَنِ اخْتَبَرَ الدُّنْيَا كَيْفَ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا- وَ عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْحِسَابِ كَيْفَ يُذْنِبُ.
14- جا (2)، المجالس للمفيد عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ نُصَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنِ الْمِنْهَالِ عَنْ عَمْرٍو عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ مَا لَكَ مِنْ عَيْشِكَ إِلَّا لَذَّةٌ تَزْدَلِفُ بِكَ إِلَى حِمَامِكَ- وَ يُقَرِّبُكَ إِلَى نَوْمِكَ فَأَيُّ أُكْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا غَصَصٌ- أَوْ شَرْبَةٍ لَيْسَ مَعَهَا شَرَقٌ فَتَأَمَّلْ أَمْرَكَ- فَكَأَنَّكَ قَدْ صِرْتَ الْحَبِيبَ الْمَفْقُودَ وَ الْخَيَالَ الْمُخْتَرَمَ- أَهْلُ الدُّنْيَا أَهْلُ سَفَرٍ لَا يُحِلُّونَ عَقْدَ رِحَالِهِمْ إِلَّا فِي غَيْرِهَا.
____________
(1) صحيفة الرضا: ص 35.
(2) مجالس المفيد ص 10.
451
15- جا (1)، المجالس للمفيد عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ مَعْرُوفٍ عَنِ ابْنِ مَهْزِيَارَ عَنِ الْأَهْوَازِيِّ عَنِ النَّضْرِ وَ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ مَعاً عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَبَا ذَرٍّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ كَانَ يَقُولُ- يَا مُبْتَغِيَ الْعِلْمِ كَأَنَّ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ شَيْئاً- إِلَّا عَمَلًا يَنْفَعُ خَيْرُهُ وَ يَضُرُّ شَرُّهُ إِلَّا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ- يَا مُبْتَغِيَ الْعِلْمِ لَا يَشْغَلْكَ أَهْلٌ- وَ لَا مَالٌ عَنْ نَفْسِكَ أَنْتَ يَوْمَ تُفَارِقُهُمْ كَضَيْفٍ بِتَّ فِيهِمْ- ثُمَّ غَدَوْتَ مِنْ عِنْدِهِمْ إِلَى غَيْرِهِمْ- وَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةُ كَمَنْزِلٍ نَزَلْتَهُ ثُمَّ عَدَلْتَ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ- وَ مَا بَيْنَ الْمَوْتِ وَ الْبَعْثِ إِلَّا كَنَوْمَةٍ نِمْتَهَا- ثُمَّ اسْتَيْقَظْتَ مِنْهَا- يَا مُبْتَغِيَ الْعِلْمِ قَدِّمْ لِمَقَامِكَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ- فَإِنَّكَ مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِكَ وَ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ- يَا مُبْتَغِيَ الْعِلْمِ صَلِّ قَبْلَ أَنْ لَا تَقْدِرَ- عَلَى لَيْلٍ وَ لَا نَهَارٍ تُصَلِّي فِيهِ- إِنَّمَا مَثَلُ الصَّلَاةِ لِصَاحِبِهَا بِإِذْنِ اللَّهِ- كَمَثَلِ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَى سُلْطَانٍ- فَأَنْصَتَ لَهُ حَتَّى فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ- كَذَلِكَ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ مَا دَامَ فِي صَلَاتِهِ- لَمْ يَزَلِ اللَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ- يَا مُبْتَغِيَ الْعِلْمِ تَصَدَّقْ قَبْلَ أَنْ لَا تَقْدِرَ أَنْ تُعْطِيَ شَيْئاً- وَ لَا تَمْنَعْ مِنْهُ- إِنَّمَا مَثَلُ الصَّدَقَةِ لِصَاحِبِهَا كَمَثَلِ رَجُلٍ طَلَبَهُ الْقَوْمُ بِدَمٍ- فَقَالَ لَا تَقْتُلُونِي وَ اضْرِبُوا لِي أَجَلًا لِأَسْعَى فِي مَرْضَاتِكُمْ- كَذَلِكَ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ بِإِذْنِ اللَّهِ- كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ حَلَّ بِهَا عُقْدَةً فِي رَقَبَتِهِ- حَتَّى يَتَوَفَّى اللَّهُ أَقْوَاماً- وَ قَدْ رَضِيَ عَنْهُمْ- وَ مَنْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَدْ عَتَقَ مِنَ النَّارِ- يَا مُبْتَغِيَ الْعِلْمِ إِنَّ قَلْباً لَيْسَ مِنْهُ مِنَ الْحَقِّ شَيْءٌ- كَالْبَيْتِ الْخَرَابِ الَّذِي لَا عَامِرَ لَهُ يَا مُبْتَغِيَ الْعِلْمِ- إِنَّ هَذَا اللِّسَانَ مِفْتَاحُ خَيْرٍ وَ مِفْتَاحُ شَرٍّ- فَاخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ كَمَا تَخْتِمُ عَلَى ذَهَبِكَ وَ وَرِقِكَ- يَا مُبْتَغِيَ الْعِلْمِ إِنَّ هَذِهِ الْأَمْثَالَ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ- وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
ما (2)، الأمالي للشيخ الطوسي عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا عَنْ عَبَّادِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْقَاسِمِ يَعْنِي أَبَا بَصِيرٍ عَنْهُ(ع)مِثْلَهُ وَ فِيهِ يَا بَاغِيَ الْعِلْمِ فِي الْمَوَاضِعِ- وَ فِي بَعْضِ الْفِقَرَاتِ تَقْدِيمٌ وَ تَأْخِيرٌ.
16- ما (3)، الأمالي للشيخ الطوسي بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُوسَى بْنِ بَكْرٍ عَنِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ(ع)قَالَ: بَكَى
____________
(1) المصدر: ص 106.
(2) الأمالي ج 2 ص 157.
(3) الأمالي ج 2 ص 313.
452
أَبُو ذَرٍّ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى اشْتَكَى بَصَرَهُ- فَقِيلَ لَهُ لَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ يَشْفِي بَصَرَكَ- فَقَالَ إِنِّي عَنْ ذَلِكَ مَشْغُولٌ وَ مَا هُوَ بِأَكْبَرِ هَمِّي- قَالُوا وَ مَا يَشْغَلُكَ عَنْهُ قَالَ الْعَظِيمَتَانِ الْجَنَّةُ وَ النَّارُ.
17- ما (1)، الأمالي للشيخ الطوسي بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُوسَى بْنِ بَكْرٍ عَنِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ(ع)قَالَ: سُئِلَ أَبُو ذَرٍّ مَا مَالُكَ قَالَ عَمَلِي- قِيلَ لَهُ إِنَّمَا نَسْأَلُكَ عَنِ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ- فَقَالَ مَا أُصْبِحُ فَلَا أُمْسِي وَ مَا أُمْسِي فَلَا أُصْبِحُ- لَنَا كُنْدُوجٌ نَرْفَعُ فِيهِ خَيْرَ مَتَاعِنَا- سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ كُنْدُوجُ الْمُؤْمِنِ قَبْرُهُ.
18- ما (2)، الأمالي للشيخ الطوسي بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُوسَى بْنِ بَكْرٍ عَنِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ(ع)قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ ره جَزَى اللَّهُ عَنِّي الدُّنْيَا- مَذَمَّةً بَعْدَ رَغِيفَيْنِ مِنَ الشَّعِيرِ- أَتَغَدَّى بِأَحَدِهِمَا وَ أَتَعَشَّى بِالْآخَرِ- وَ بَعْدَ شَمْلَتَيِ الصُّوفِ آتَزِرُ بِإِحْدَاهُمَا وَ أَرْتَدِي بِالْأُخْرَى.
19- الدُّرَّةُ الْبَاهِرَةُ (3)، أَوْصَى آدَمُ ابْنَهُ شيث [شَيْثاً(ع)بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ وَ قَالَ لَهُ- اعْمَلْ بِهَا وَ أَوْصِ بِهَا بَنِيكَ مِنْ بَعْدِكَ- أَوَّلُهَا لَا تَرْكَنُوا إِلَى الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ- فَإِنِّي رَكَنْتُ إِلَى الْجَنَّةِ الْبَاقِيَةِ- فَمَا صَحِبَ لِي وَ أُخْرِجْتُ مِنْهَا- الثَّانِيَةُ لَا تَعْمَلُوا بِرَأْيِ نِسَائِكُمْ- فَإِنِّي عَمِلْتُ بِهَوَى امْرَأَتِي وَ أَصَابَتْنِي النَّدَامَةُ- الثَّالِثَةُ إِذَا عَزَمْتُمْ عَلَى أَمْرٍ فَانْظُرُوا إِلَى عَوَاقِبِهِ- فَإِنِّي لَوْ نَظَرْتُ فِي عَاقِبَةِ أَمْرِي لَمْ يُصِبْنِي مَا أَصَابَنِي- الرَّابِعَةُ إِذَا نَفَرَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ- فَإِنِّي حِينَ دَنَوْتُ مِنَ الشَّجَرَةِ لِأَتَنَاوَلَ مِنْهَا نَفَرَ قَلْبِي- فَلَوْ كُنْتُ امْتَنَعْتُ مِنَ الْأَكْلِ مَا أَصَابَنِي مَا أَصَابَنِي-.
نُقِلَ مِنْ خَطِّ الشَّهِيدِ (قدس الله روحه)- يُنْسَبُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا.
20- دَعَوَاتُ الرَّاوَنْدِيِ (4)، أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عُزَيْرٍ(ع)يَا عُزَيْرُ إِذَا وَقَعْتَ فِي مَعْصِيَةٍ- فَلَا تَنْظُرْ إِلَى صِغَرِهَا وَ لَكِنِ انْظُرْ مَنْ عَصَيْتَ- وَ إِذَا أُوتِيتَ رِزْقاً مِنِّي فَلَا تَنْظُرْ إِلَى قِلَّتِهِ- وَ لَكِنِ انْظُرْ إِلَى مَنْ أَهْدَاهُ- وَ إِذَا نَزَلَتْ بِكَ بَلِيَّةٌ فَلَا تَشْكُ إِلَى
____________
(1) الأمالي ح 2 ص 313.
(2) الأمالي ح 2 ص 313.
(3) مخطوط.
(4) مخطوط.
453
خَلْقِي- كَمَا لَا أَشْكُوكَ إِلَى مَلَائِكَتِي عِنْدَ صُعُودِ مَسَاوِيكَ وَ فَضَائِحِكَ.
21- عُدَّةُ الدَّاعِي (1)، أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى دَاوُدَ(ع)يَا دَاوُدُ- إِنِّي وَضَعْتُ خَمْسَةً فِي خَمْسَةٍ- وَ النَّاسُ يَطْلُبُونَهَا فِي خَمْسَةٍ غَيْرِهَا فَلَا يَجِدُونَهَا- وَضَعْتُ الْعِلْمَ فِي الْجُوعِ وَ الْجَهْدِ- وَ هُمْ يَطْلُبُونَهُ فِي الشِّبَعِ وَ الرَّاحَةِ فَلَا يَجِدُونَهُ- وَضَعْتُ الْعِزَّ فِي طَاعَتِي- وَ هُمْ يَطْلُبُونَهُ فِي خِدْمَةِ السُّلْطَانِ فَلَا يَجِدُونَهُ- وَ وَضَعْتُ الْغِنَى فِي الْقَنَاعَةِ- وَ هُمْ يَطْلُبُونَهُ فِي كَثْرَةِ الْمَالِ فَلَا يَجِدُونَهُ- وَ وَضَعْتُ رِضَايَ فِي سَخَطِ النَّفْسِ- وَ هُمْ يَطْلُبُونَهُ فِي رِضَا النَّفْسِ فَلَا يَجِدُونَهُ- وَ وَضَعْتُ الرَّاحَةَ فِي الْجَنَّةِ- وَ هُمْ يَطْلُبُونَهَا فِي الدُّنْيَا فَلَا يَجِدُونَهَا.
22- كِتَابُ الْمُسَلْسَلَاتِ، حَدَّثَنِي أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَلَوِيُّ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ السِّنَانِيَّ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ الْعَلَوِيَّ الْعُرَيْضِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ عَبْدَ الْعَظِيمِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عِيسَى الْعَلَوِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا صَادِقٍ يَقُولُ سَمِعْتُ الصَّادِقَ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ(ع)يَقُولُ تَمْثِيلٌ لِأَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ ره-
أَنْتَ فِي غَفْلَةٍ وَ قَلْبُكَ سَاهٍ* * * -نَفِدَ الْعُمُرُ وَ الذُّنُوبُ كَمَا هِيَ-
جُمَّةً حَصَّلْتَ عَلَيْكَ جَمِيعاً* * * -فِي كِتَابٍ وَ أَنْتَ عَنْ ذَاكَ سَاهِي-
لَمْ تُبَادِرْ بِتَوْبَةٍ مِنْكَ حَتَّى* * * -صِرْتَ شَيْخاً وَ حَبْلُكَ الْيَوْمَ وَاهِي-
عَجَباً مِنْكَ كَيْفَ تَضْحَكُ جَهْلًا* * * -وَ خَطَايَاكَ قَدْ بَدَتْ لِإِلَهِي-
فَتَفَكَّرْ فِي نَفْسِكَ الْيَوْمَ جَهْداً* * * -وَ سَلْ عَنْ نَفْسِكَ الْكِرَى يَا تَاهِي
(2).
23- كِتَابُ الْغَايَاتِ (3)، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)قَالَ: كَانَ أَحَدُ مَا أَوْصَى بِهِ الْخَضِرُ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ- أَنَّهُ قَالَ لَا تُعَيِّرَنَّ أَحَداً بِذَنْبٍ- فَإِنَّ أَحَبَّ الْأُمُورِ إِلَى اللَّهِ ثَلَاثَةٌ- الْقَصْدُ فِي الْجِدَةِ وَ الْعَفْوُ فِي الْمَقْدُرَةِ وَ الرِّفْقُ لِعِبَادِ اللَّهِ- وَ مَا رَفَقَ أَحَدٌ بِأَحَدٍ فِي الدُّنْيَا إِلَّا رَفَقَ اللَّهُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ رَأْسُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ اللَّهِ.
24- ختص (4)، الإختصاص عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ قَالَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُ
____________
(1) المصدر: ص 126.
(2) الكرى: النعاس.
(3) مخطوط.
(4) الاختصاص ص 230. و رواه الصدوق في الخصال ج 1ص158.
454
عَجِبْتُ بِسِتٍّ ثَلَاثَةٌ أَضْحَكَتْنِي وَ ثَلَاثَةٌ أَبْكَتْنِي- فَأَمَّا الَّتِي أَبْكَتْنِي فَفِرَاقُ الْأَحِبَّةِ مُحَمَّدٍ ص وَ هَوْلُ الْمُطَّلَعِ وَ الْوُقُوفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ- عَزَّ وَ جَلَّ- وَ أَمَّا الَّتِي أَضْحَكَتْنِي فَطَالِبُ الدُّنْيَا وَ الْمَوْتُ يَطْلُبُهُ- وَ غَافِلٌ وَ لَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ- وَ ضَاحِكٌ مِلْءَ فِيهِ وَ لَا يَدْرِي أَ رَضِيَ لَهُ أَمْ سَخِطَ.
25- ختص (1)، الإختصاص عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَفَعَهُ قَالَ: تَبِعَ حَكِيمٌ حَكِيماً تِسْعَ مِائَةِ فَرْسَخٍ فَلَمَّا لَحِقَهُ قَالَ- يَا هَذَا مَا أَرْفَعُ مِنَ السَّمَاءِ وَ مَا أَوْسَعُ مِنَ الْأَرْضِ- وَ مَا أَغْنَى مِنَ الْبَحْرِ وَ مَا أَقْسَى مِنَ الْحَجَرِ- وَ مَا أَشَدُّ حَرَارَةً مِنَ النَّارِ وَ مَا أَشَدُّ بَرْداً مِنَ الزَّمْهَرِيرِ- وَ مَا أَثْقَلُ مِنَ الْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ- فَقَالَ الْحَقُّ أَرْفَعُ مِنَ السَّمَاءِ- وَ الْعَدْلُ أَوْسَعُ مِنَ الْأَرْضِ وَ غِنَى النَّفْسِ أَغْنَى مِنَ الْبَحْرِ- وَ قَلْبُ الْكَافِرِ أَقْسَى مِنَ الْحَجَرِ- وَ الْحَرِيصُ الْجَشِعُ أَشَدُّ حَرَارَةً مِنَ النَّارِ- وَ الْيَأْسُ مِنْ قَرِيبٍ أَشَدُّ بَرْداً مِنَ الزَّمْهَرِيرِ- وَ الْبُهْتَانُ عَنِ الْبَرِيءِ أَثْقَلُ مِنَ الْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ.
26- كَنْزُ الْكَرَاجُكِيِ (2)، قِيلَ لِبَعْضِهِمْ كَيْفَ حَالُكَ- فَقَالَ كَيْفَ حَالُ مَنْ يَفْنَى بِبَقَائِهِ وَ يَسْقُمُ بِسَلَامَتِهِ وَ يُؤْتَى مِنْ مَأْمَنِهِ- وَ قِيلَ لِبَعْضِ حُكَمَاءِ الْعَرَبِ مَنْ أَنْعَمُ النَّاسِ عَيْشاً- قَالَ مَنْ تَحَلَّى بِالْعَفَافِ وَ رَضِيَ بِالْكَفَافِ- وَ تَجَاوَزَ مَا يَخَافُ إِلَى مَا لَا يَخَافُ- وَ قِيلَ فَمَنْ أَعْلَمُهُمْ- قَالَ مَنْ صَمَتَ فَادَّكَرَ وَ نَظَرَ فَاعْتَبَرَ وَ وَعَظَ فَازْدَجَرَ-.
وَ رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ- يَا ابْنَ آدَمَ فِي كُلِّ يَوْمٍ يُؤْتَى رِزْقُكَ وَ أَنْتَ تَحْزَنُ- وَ يَنْقُصُ عُمُرُكَ وَ أَنْتَ لَا تَحْزَنُ- تَطْلُبُ مَا يُطْغِيكَ وَ عِنْدَكَ مَا يَكْفِيكَ- وَ قِيلَ أَغْبَطُ النَّاسِ مَنِ اقْتَصَدَ فَقَنِعَ- وَ مَنْ قَنِعَ فُكَّ رَقَبَتُهُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الدُّنْيَا وَ ذُلِّ الْمَطَامِعِ- وَ قِيلَ الْفَقِيرُ مَنْ طَمِعَ وَ الْغَنِيُّ مَنْ قَنِعَ- وَ قِيلَ مَنْ كَانَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَاعِظٌ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ
____________
(1) المصدر: ص 247.
(2) المصدر: ص 139.
455
وَ قِيلَ لَا يَزَالُ الْعَبْدُ بِخَيْرٍ مَا دَامَ لَهُ وَاعِظٌ مِنْ نَفْسِهِ- وَ كَانَتْ مُحَاسَبَتُهُ مِنْ هَمِّهِ- وَ وَعَظَ رَجُلٌ فَقَالَ عِبَادَ اللَّهِ الْحَذَرَ الْحَذَرَ- فَوَ اللَّهِ لَقَدْ سَتَرَ حَتَّى كَأَنَّهُ قَدْ غَفَرَ- وَ لَقَدْ أَمْهَلَ حَتَّى كَأَنَّهُ قَدْ أَهْمَلَ- وَ قِيلَ الْعَجَبُ لِمَنْ يَغْفُلُ وَ هُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُغْفَلُ عَنْهُ- وَ لِمَنْ يَهْنَؤُهُ عَيْشُهُ وَ هُوَ لَا يَعْلَمُ إِلَى مَا ذَا يَصِيرُ أَمْرُهُ- وَ قِيلَ إِنَّ لِلْبَاقِي بِالْفَانِي مُعْتَبَراً- وَ لِلْآخِرِ بِالْأَوَّلِ مُزْدَجَراً- فَالسَّعِيدُ لَا يَرْكَنُ إِلَى الْخَدْعِ وَ لَا يَغْتَرُّ بِالطَّمَعِ- وَ قَالَ آخَرُ كَيْفَ أُؤَخِّرُ عَمَلِي- وَ لَسْتُ أَدْرِي مَتَى يَحِلُّ أَجَلِي- أَمْ كَيْفَ تَشْتَدُّ حَاجَتِي إِلَى الدُّنْيَا وَ لَيْسَتْ بِدَارِي- أَمْ كَيْفَ أَجْمَعُ وَ فِي غَيْرِهَا قَرَارِي- أَمْ كَيْفَ لَا أَمْهَدُ لِرَجْعَتِي قَبْلَ انْصِرَافِ مُدَّتِي-.
وَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَبِي ذَرٍّ ره- عِظْنِي قَالَ لَهُ ارْضَ بِالْقُوتِ وَ خَفِ الْفَوْتَ- وَ اجْعَلْ صَوْمَكَ الدُّنْيَا وَ فِطْرَكَ الْمَوْتَ- وَ قَالَ آخَرُ عَجَباً لِمَنْ يَكْتَحِلُ عَيْنَهُ بِرُقَادٍ- وَ الْمَوْتُ ضَجِيعُهَا عَلَى وِسَادٍ- وَ قَالَ آخَرُ نَظَرْنَا فَوَجَدْنَا الصَّبْرَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ- أَهْوَنَ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى عَذَابِ اللَّهِ- وَ قَالَ آخَرُ- عَجَباً لِمَنْ يَحْتَمِي مِنَ الطَّيِّبَاتِ مَخَافَةَ الدَّاءِ- وَ لَا يَحْتَمِي مِنَ الذُّنُوبِ مَخَافَةَ النَّارِ- وَ قِيلَ كَيْفَ يَصْفُو عَيْشُ مَنْ هُوَ مَسْئُولٌ عَمَّا عَلَيْهِ- مَأْخُوذٌ بِمَا لَدَيْهِ مُحَاسَبٌ عَلَى مَا وَصَلَ إِلَيْهِ- وَ قَالَ آخَرُ عَجَباً لِمَنْ يَحْسِرُ عَنِ الْوَاضِحَةِ (1)- وَ قَدْ يَعْمَلُ بِالفَاضِحَةِ- وَ قِيلَ إِذَا فَلَلْتَ (2) فَارْجِعْ وَ إِذَا أَذْنَبْتَ فَأَقْلِعْ وَ إِذَا أَسَأْتَ فَانْدَمْ وَ إِذَا ائْتُمِنْتَ فَاكْتُمْ-.
وَ قَالَ الْمَسِيحُ(ع)تَعْمَلُونَ لِلدُّنْيَا- وَ أَنْتُمْ تُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ عَمَلٍ- وَ لَا تَعْمَلُونَ
____________
(1) الواضحة مقدم الأضراس.
(2) في المصدر: «إذا زللت».
456
لِلْآخِرَةِ- وَ أَنْتُمْ لَا تُرْزَقُونَ فِيهَا إِلَّا بِعَمَلٍ-.
وَ قَالَ(ع)إِذَا عَمِلْتَ الْحَسَنَةَ فَالْهَ عَنْهَا- فَإِنَّهَا عِنْدَ مَنْ لَا يُضَيِّعُهَا- وَ إِذَا عَمِلْتَ السَّيِّئَةَ فَاجْعَلْهَا نُصْبَ عَيْنِكَ-.
وَ قِيلَ لِحَكِيمٍ لِمَ تُدْمِنُ (1) إِمْسَاكَ الْعَصَا- وَ لَسْتَ بِكَبِيرٍ وَ لَا مَرِيضٍ قَالَ لِأَعْلَمَ أَنِّي مُسَافِرٌ-.
وَ قِيلَ مَنْ أَحْسَنَ عِبَادَةَ اللَّهِ فِي شَيْبَتِهِ- لَقَّاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فِي بُلُوغِهِ أَشُدَّهُ- وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ- وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً- وَ عِلْماً وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (2)- وَ لَا بَأْسَ أَنْ يَعْذِلَ الْمُقَصِّرُ الْمُقَصِّرَ (3)-.
وَ قَالَ بَعْضُهُمْ- لَا يَمْنَعْكُمْ مَعَاشِرَ السَّامِعِينَ سُوءُ مَا تَعْلَمُونَ مِنَّا- أَنْ تَقْلِبُوا أَحْسَنَ مَا تَسْمَعُونَ مِنَّا-.
قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ- اعْمَلْ بِعِلْمِي وَ لَا تَنْظُرْ إِلَى عَمَلِي يَنْفَعْكَ عِلْمِي- وَ لَا يَضُرُّكَ تَقْصِيرِي- نَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ يَكُونَ مَا عَلِمْنَا حُجَّةً عَلَيْنَا لَا لَنَا- انْظُرْ يَا أَخِي إِلَى نَفْسِكَ وَ لَا تَكُنْ مِمَّنْ جَمَعَ عِلْمَ الْعُلَمَاءِ- وَ طَرَائِفَ الْحُكَمَاءِ وَ جَرَى فِي الْعَمَلِ مَجْرَى السُّفَهَاءِ-.
وَ رُوِيَ أَنَ (4) امْرَأَةَ الْعَزِيزِ وَقَفَتْ عَلَى الطَّرِيقِ- فَمَرَّتْ بِهَا الْمَوَاكِبُ حَتَّى مَرَّ يُوسُفُ(ع) فَقَالَتْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْعَبِيدَ مُلُوكاً بِطَاعَتِهِ- وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْمُلُوكَ عَبِيداً بِمَعْصِيَتِهِ-.
وَ ذَكَرُوا أَنَّ المتمناة ابْنَةَ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ- دَخَلَتْ عَلَى بَعْضِ مُلُوكِ الْوَقْتِ فَقَالَتْ- إِنَّا كُنَّا مُلُوكَ هَذِهِ الْبَلْدَةِ يُجْبَى إِلَيْنَا خِرَاجُهَا- وَ يُطِيعُنَا أَهْلُهَا فَصَاحَ بِنَا صَائِحُ الدَّهْرِ- فَشَقَّ عَصَانَا وَ فَرَّقَ مَلَأَنَا- وَ قَدْ أَتَيْتُكَ فِي هَذَا الْيَوْمِ أَسْأَلُكَ مَا أَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى صُعُوبَةِ الْوَقْتِ- فَبَكَى الْمَلِكُ وَ أَمَرَ لَهَا بِجَائِزَةٍ حَسَنَةٍ- فَلَمَّا أَخَذَتْهَا أَقْبَلَتْ بِوَجْهِهَا
____________
(1) ادمن الشيء: أدامه.
(2) يوسف: 23.
(3) العذل: اللوم.
(4) الكنز: ص 145.
457
عَلَيْهِ- فَقَالَتْ إِنِّي مُحَيِّيكَ بِتَحِيَّةٍ كُنَّا نُحَيَّى بِهَا فَأَصْغَى إِلَيْهَا- فَقَالَتْ شَكَوْتُكَ يَداً افْتَقَرَتْ بَعْدَ غِنًى- وَ لَأَطَلْتُكَ (1) يَداً اسْتَغْنَتْ بَعْدَ فَقْرٍ- وَ أَصَابَ اللَّهُ بِمَعْرُوفِكَ مَوَاضِعَهُ- وَ قَلَّدَكَ الْمِنَنَ فِي أَعْنَاقِ الرِّجَالِ- وَ لَا أَزَالَ اللَّهُ عَنْ عَبْدٍ نِعْمَةً- إِلَّا جَعَلَكَ السَّبَبَ لِرَدِّهَا عَلَيْهِ وَ السَّلَامُ- فَقَالَ اكْتُبُوهَا فِي دِيوَانِ الْحِكْمَةِ-.
وَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ الْبَصْرِيِ (2)- رَفَعَهُ إِلَى أَبِي شِهَابٍ قَالَ- قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ(ع)قَالَ لِلدُّنْيَا- يَا امْرَأَةُ كَمْ لَكَ مِنْ زَوْجٍ قَالَتْ كَثِيرٌ- قَالَ فَكُلُّهُمْ طَلَّقَكِ قَالَتْ لَا بَلْ كُلَّهُمْ قَتَلْتُ- قَالَ هَؤُلَاءِ الْبَاقُونَ لَا يَعْتَبِرُونَ- بِإِخْوَانِهِمُ الْمَاضِينَ كَيْفَ تُورِدِينَهُمُ الْمَهَالِكَ- وَاحِداً وَاحِداً فَيَكُونُوا مِنْكَ عَلَى حَذَرٍ قَالَتْ لَا-.
وَ بَلَغَنَا (3) أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى- الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ- إِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا ذُو بَكَّةَ مُفْقِرُ الزُّنَاةِ- وَ تَارِكُ تَارِكِي الصَّلَاةِ عُرَاةً-.
وَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ره (4)- خَمْسُ خِصَالٍ تُورِثُ خَمْسَةَ أَشْيَاءَ- مَا فَشَتِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا أَخَذَهُمُ اللَّهُ بِالْمَوْتِ- وَ مَا طَفَّفَتْ قَوْمٌ الْمِيزَانَ إِلَّا أَخَذَهُمُ اللَّهُ بِالسِّنِينَ- وَ مَا نَقَضَ قَوْمٌ الْعَهْدَ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ- وَ مَا جَارَ قَوْمٌ فِي الْحُكْمِ إِلَّا كَانَ الْقَتْلُ بَيْنَهُمْ وَ مَا مَنَعَ قَوْمٌ الزَّكَاةَ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ-.
وَ قَالَ لُقْمَانُ الْحَكِيمُ لِابْنِهِ فِي وَصِيَّتِهِ- يَا بُنَيَّ أَحُثُّكَ عَلَى سِتِّ خِصَالٍ- لَيْسَ مِنْهَا خَصْلَةٌ إِلَّا وَ هِيَ تُقَرِّبُكَ إِلَى رِضْوَانِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ تُبَاعِدُكَ مِنْ سَخَطِهِ الْأُولَى أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ لَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً- وَ الثَّانِيَةُ الرِّضَا بِقَدَرِ اللَّهِ فِيمَا أَحْبَبْتَ أَوْ كَرِهْتَ- وَ الثَّالِثَةُ أَنْ تُحِبَّ فِي اللَّهِ وَ تُبْغِضَ فِي اللَّهِ- وَ الرَّابِعَةُ أَنْ تُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ- وَ تَكْرَهُ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ- وَ الْخَامِسَةُ [أَنْ تَكْظِمَ الْغَيْظَ وَ تُحْسِنَ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ- وَ السَّادِسَةُ تَرْكُ الْهَوَى وَ مُخَالَفَةُ الرَّدَى.
____________
(1) في المصدر «و لا ملكتك».
(2) الكنز: ص 159.
(3) المصدر: ص 271.
(4) المصدر: ص 272.
458
27- أَعْلَامُ الدِّينِ (1)، وَصِيَّةُ لُقْمَانَ لِوَلَدِهِ قَالَ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ- فَإِنَّمَا مَثَلُهَا فِي دِينِ اللَّهِ كَمَثَلِ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ- فَإِنَّ الْعَمُودَ إِنِ اسْتَقَامَ اسْتَقَامَ الْأَطْنَابُ- وَ الْأَوْتَادُ وَ الظِّلَالُ- وَ إِنْ لَمْ يَسْتَقِمْ لَمْ يَنْفَعْ وَتِدٌ وَ لَا طُنُبٌ وَ لَا ظِلَالٌ- أَيْ بُنَيَّ صَاحِبِ الْعُلَمَاءَ وَ جَالِسْهُمْ- وَ زُرْهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ لَعَلَّكَ أَنْ تُشْبِهَهُمْ فَتَكُونَ مِنْهُمْ- اعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنِّي قَدْ ذُقْتُ الصَّبِرَ وَ أَنْوَاعَ الْمُرِّ- فَلَمْ أَجِدْ أَمَرَّ مِنَ الْفَقْرِ- فَإِذَا افْتَقَرْتَ يَوْماً فَاجْعَلْ فَقْرَكَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ- وَ لَا تُحَدِّثِ النَّاسَ بِفَقْرِكَ فَتَهُونَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ- سَلْ فِي النَّاسِ هَلْ مِنْ أَحَدٍ وَثِقَ بِاللَّهِ فَلَمْ يُنْجِهِ- يَا بُنَيَّ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ- ثُمَّ سَلْ فِي النَّاسِ مَنْ ذَا الَّذِي أَحْسَنَ الظَّنَّ بِاللَّهِ- فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّهِ بِهِ- يَا بُنَيَّ مَنْ يُرِدْ رِضْوَانَ اللَّهِ يَسْخَطْ نَفْسَهُ كَثِيراً- وَ مَنْ لَا يَسْخَطْ نَفْسَهُ لَا يَرْضَى رَبَّهُ- وَ مَنْ لَا يَكْظِمْ غَيْظَهُ يُشْمِتْ عَدُوَّهُ- يَا بُنَيَّ تَعَلَّمِ الْحِكْمَةَ تَشَرَّفْ بِهَا- فَإِنَّ الْحِكْمَةَ تَدُلُّ عَلَى الدِّينِ- وَ تُشَرِّفُ الْعَبْدَ عَلَى الْحُرِّ وَ تَرْفَعُ الْمِسْكِينَ عَلَى الْغَنِيِّ- وَ تُقَدِّمُ الصَّغِيرَ عَلَى الْكَبِيرِ- وَ تُجْلِسُ الْمِسْكِينَ مَجَالِسَ الْمُلُوكِ- وَ تَزِيدُ الشَّرِيفَ شَرَفاً وَ السَّيِّدَ سُؤْدُداً وَ الْغَنِيَّ مَجْداً- وَ كَيْفَ يَظُنُّ ابْنُ آدَمَ أَنْ يَتَهَيَّأَ لَهُ أَمْرُ دِينِهِ وَ مَعِيشَتِهِ بِغَيْرِ حِكْمَةٍ- وَ لَنْ يُهَيِّئَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَمْرَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ إِلَّا بِالْحِكْمَةِ- وَ مَثَلُ الْحِكْمَةِ بِغَيْرِ طَاعَةٍ مَثَلُ الْجَسَدِ بِغَيْرِ نَفْسٍ- وَ مَثَلُ الصَّعِيدِ بِغَيْرِ مَاءٍ- وَ لَا صَلَاحَ لِلْجَسَدِ بِغَيْرِ نَفْسٍ وَ لَا لِلصَّعِيدِ بِغَيْرِ مَاءٍ- وَ لَا لِلْحِكْمَةِ بِغَيْرِ طَاعَةٍ.
قد تم كتاب الروضة من كتاب بحار الأنوار و يتلوه كتاب الطهارة و الصلاة إن شاء الله تعالى و الحمد لله وحده.
____________
(1) مخطوط.
إلى هنا تمّ المجلد السابع عشر و تمّ ما علقت عليه. و أرجو من المولى سبحانه القبول.
و أشكر الأستاذ المعظم السيّد جلال الدين المحدث الأرمويّ أبقاه اللّه تعالى علما للحق حيث تفضل بارسال نسختين مخطوطتين من الكتاب حين وقوفه على طبعه و ذلك بعد ما خرج من الطبع ما جاوز الثلث من الكتاب فالواجب علينا أن نسدى جميل الثناء إليه و الشكر له. و أنا الاقل على أكبر الغفارى 1386 ه.
459
كلمة المصحّح
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
نحمدك اللّهمّ على التوفيق و نصلّي على رسولك و آله هداة الطريق.
أمّا بعد: فإنّي لمغتبط بهذه الفرصة التي أتيحت لي لتصحيح هذا الجزء الذي هو في أجزاء الكتاب كالكوكب الدّريّ و في نظام هذا السلك المنضّد كالدّر الوضيء لما فيه من عقائل الأدب و كرائم الخطب و ينابيع الحكم و المواعظ و الزواجر و العبر و محاسن الكتب و الأثر ما يشفي الغليل من غلّته و يبريء العليل من علّته و يطهّر النفوس عن درن الرذائل و يرحض القلوب عن ظلمة الآثام فمن امتثل أوامره و ائتمر و انتهى عن نواهيه و ازدجر، و اتّعظ بمواعظه و اعتبر فهو أفضل من تقمّص و ائتزر.
و الكتاب بما في غضونه من الدروس الراقية يغنينا عن سرد جمل الثناة عليه أو تسطير الكلم في إطرائه غير أنّه لم يخرج في زمان مؤلّفه الفحل و البطل و سارع إلى رحمة ربّه الكريم و لم يمهله الأجل فبقي مسودّة دون تصحيح ألفاظه و تفسير غرائبه و لغاته.
فهو مع كونه جؤنة مشحونة بنفائس الأعلاق ذو حظّ وافر من الأسقاط و الأغلاط فقاسيت ما قاسيت في تصحيحه و لم آل جهداً في تحقيقه، و تحمّلت المشاقّ في توضيحه و لم أرم الإطناب في تعليقه مع أنّ الباع قصير و الأمر خطير.
و لست بمستعظم عملي و لا مستكثر جهدي و ما أبرّء نفسي و أنا معترف بأنّ الذي خلق من عجل قلّما يسلم من الخطأ و الزلل فالمرجوّ من أساتذتي العظام أن يمرّوا علي هفواتي مرّ الكرام، فإنّ العصمة للّه الملك العلّام و ما توفيقي إلّا باللّه عليه توكّلت و إليه أنيب.
على أكبر الغفاري
461
فهرس ما في هذا الجزء
عناوين الأبواب/ رقم الصفحة
15- تتمة باب مواعظ أمير المؤمنين (عليه السلام) و خطبه أيضا و حكمه 1- 35
16- باب ما جمع من جوامع كلم أمير المؤمنين (عليه السلام) 36- 93
17- باب ما صدر عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في العدل في القسمة و وضع الأموال في مواضعها 94- 97
18- باب ما أوصى به أمير المؤمنين (عليه السلام) عند وفاته 98- 100
19- باب مواعظ الحسن بن علي (عليهما السلام) 101- 116
20- باب مواعظ الحسين بن أمير المؤمنين (صلوات الله عليهما) 116- 128
21- باب وصايا علي بن الحسين (عليهما السلام) و مواعظه و حكمه 128- 162
22- باب وصايا الباقر (عليه السلام) 162- 190
23- باب مواعظ الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) و وصاياه و حكمه 190- 278
24- باب ما روي عن الصادق (عليه السلام) من وصاياه لأصحابه 279- 295
25- باب مواعظ موسى بن جعفر (عليهما السلام) و حكمه 296- 334
26- باب مواعظ الرضا (عليه السلام) 334- 358
27- باب مواعظ أبي جعفر محمد بن علي الجواد (صلوات اللّه عليه) 358- 365
28- باب مواعظ أبي الحسن الثالث (عليه السلام) و حكمه 365- 370
29- باب مواعظ أبي محمد العسكري (عليهما السلام) و كتبه إلى أصحابه 370- 380
30- باب مواعظ القائم (عليه السلام) و حكمه 380
31- باب وصية المفضل بن عمر لجماعة الشيعة 380- 383
32- باب قصّة بلوهر و يوذاسف 383- 444
33- باب نوادر المواعظ و الحكم 444- 458
463
(رموز الكتاب)
ب: لقرب الإسناد.
بشا: لبشارة المصطفى.
تم: لفلاح السائل.
ثو: لثواب الأعمال.
ج: للإحتجاج.
جا: لمجالس المفيد.
جش: لفهرست النجاشيّ.
جع: لجامع الأخبار.
جم: لجمال الأسبوع.
جُنة: للجُنة.
حة: لفرحة الغريّ.
ختص: لكتاب الإختصاص.
خص: لمنتخب البصائر.
د: للعَدَد.
سر: للسرائر.
سن: للمحاسن.
شا: للإرشاد.
شف: لكشف اليقين.
شي: لتفسير العياشيّ
ص: لقصص الأنبياء.
صا: للإستبصار.
صبا: لمصباح الزائر.
صح: لصحيفة الرضا (ع).
ضا: لفقه الرضا (ع).
ضوء: لضوء الشهاب.
ضه: لروضة الواعظين.
ط: للصراط المستقيم.
طا: لأمان الأخطار.
طب: لطبّ الأئمة.
ع: لعلل الشرائع.
عا: لدعائم الإسلام.
عد: للعقائد.
عدة: للعُدة.
عم: لإعلام الورى.
عين: للعيون و المحاسن.
غر: للغرر و الدرر.
غط: لغيبة الشيخ.
غو: لغوالي اللئالي.
ف: لتحف العقول.
فتح: لفتح الأبواب.
فر: لتفسير فرات بن إبراهيم.
فس: لتفسير عليّ بن إبراهيم.
فض: لكتاب الروضة.
ق: للكتاب العتيق الغرويّ
قب: لمناقب ابن شهر آشوب.
قبس: لقبس المصباح.
قضا: لقضاء الحقوق.
قل: لإقبال الأعمال.
قية: للدُروع.
ك: لإكمال الدين.
كا: للكافي.
كش: لرجال الكشيّ.
كشف: لكشف الغمّة.
كف: لمصباح الكفعميّ.
كنز: لكنز جامع الفوائد و تأويل الآيات الظاهرة معا.
ل: للخصال.
لد: للبلد الأمين.
لى: لأمالي الصدوق.
م: لتفسير الإمام العسكريّ (ع).
ما: لأمالي الطوسيّ.
محص: للتمحيص.
مد: للعُمدة.
مص: لمصباح الشريعة.
مصبا: للمصباحين.
مع: لمعاني الأخبار.
مكا: لمكارم الأخلاق.
مل: لكامل الزيارة.
منها: للمنهاج.
مهج: لمهج الدعوات.
ن: لعيون أخبار الرضا (ع).
نبه: لتنبيه الخاطر.
نجم: لكتاب النجوم.
نص: للكفاية.
نهج: لنهج البلاغة.
نى: لغيبة النعمانيّ.
هد: للهداية.
يب: للتهذيب.
يج: للخرائج.
يد: للتوحيد.
ير: لبصائر الدرجات.
يف: للطرائف.
يل: للفضائل.
ين: لكتابي الحسين بن سعيد او لكتابه و النوادر.
يه: لمن لا يحضره الفقيه.
بحار الأنوار
الجزء الخامس و السبعون
تأليف
العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

