1
شرح حال مصنف (رضوان الله تعالى عليه)
(نقل از مقدمۀ كتاب محجة البيضاء) محمّد بن مرتضى مدعو بمحسن و ملقب بفيض فاضل و اخباري و محدث و حكيم و يكى از نوابغ علم در قرن يازدهم بوده است نشو و نماى او در بلده طيبه قم بوده و پس از آن بكاشان رفته و از كاشان بشيراز و در آنجا مدتى از سيد ماجد بن على البحرانى و از استاد فلسفه ملا صدرا اخذ علم نموده و دختر ملا صدرا را بحباله نكاح خود در آورده است سپس او را بكاشان آورده و در كاشان عزم اقامه نموده و از مراجع بزرگ در آنجا بشمار مىرفت كه مثل و مانند در زمان خود نداشت و در اثر كثرة فهم و ذكاوت ملا صدرا او را ملقب بفيض نموده و جميع علماء اجماع نمودهاند بر فضلش و او را يكى از نوابغ بزرگ دهر مىشمارند.
1- محدث متبحر مرحوم شيخ حر عاملى صاحب كتاب وسائل الشيعة درباره او چنين ميگويد:
محمّد بن المرتضى المدعو بمحسن الكاشانى فاضل عالم ماهر حكيم متكلم محدث فقيه محقق شاعر اديب تصنيفات نيكوئى دارد و از معاصرين است از براى او كتابهائى است كه كتابهاى او را مىشمرد.
2- و گفته است صاحب رجال كبير محمّد بن على اردبيلى محسن بن مرتضى (رحمه اللّه) علامة محقق مدقق جليل القدر عظيم الشأن رفيع المنزلة فاضل كامل اديب متبحر در جميع علوم بودند.
3- مرحوم سيد نعمة اللّه جزائرى ميگويد در شأنش مىباشد استاد ما محقق مولا محمّد محسن كاشانى صاحب كتاب وافى و غير كتاب وافى كه تأليفات او نزديك به دويست كتاب مىشود.
4- و مرحوم شيخ يوسف بحرانى در شأنش گفته است كه محدث كاشانى فاضل و محدث اخباري سخت بوده است و مرحوم مجلسى ثانى اعلى اللّه مقامه از ايشان اجازه داشته است و از مشايخ عظام او شيخ بهايى و ديگران بودهاند لكن در اين وجيزه جاى بسط
2
آنها نيست هركس طالب است بكتاب محجة البيضاء مراجعه نمايد و مؤلفات او قريب به دويست جلد كتاب ميشود عمده آنها كتاب شريف وافى و تفسير مبارك صافى و كتاب محجة البيضاء في احياء الاحياء و كتاب كبير معتصم الشيعة در فقه و كتاب مفاتيح در فقه و كتاب علم اليقين و همين كتاب سفينة النجاة كه قريب به هشتاد و هشت كتاب در جلد اول كتاب محجة البيضاء شمرده شده است طالبين به آنجا مراجعه فرمايند البته مخفى نيست بر جميع علماء كه مرحوم علامه فيض يكى از نوابغ روزگار بوده است هركس بكلمات و مطالب ايشان مراجعه نمايد در كتابهاى او مىفهمد مقام فضل و دانش او را
نطفه پاك ببايد كه شود قابل فيض * * * ورنه هر سنگ و گلى لؤلؤ و مرجان نشود
صبر بسيار ببايد پدر پير فلك را * * * تا ديگر مادر گيتى چو تو فرزند بزايد
شرح حال مترجم (رحمة الله تعالى عليه)
مرحوم حجة الاسلام و المسلمين و عمدة الفقهاء و المحدثين مرحوم آقا شيخ محمد رضا دوروديان تفرشى است كه در سال 1284 هجرى قمرى در قريه نقوسان تفرش پا بعرصه وجود گذاشته و در سن دو سالگى در اثر عارضه آبله هر دو چشم خود را از دست داده بود ولى از لحاظ اينكه پدر ايشان مرحوم آخوند ملا على اكبر در قريه مزبوره اشتغال بتدريس اطفال داشت محمد رضا نيز بواسطه استعداد عجيب و حافظه خارق العادة كه خداوند به او عطا فرموده بود در ظرف سه الى چهار سال كليه دروسى را كه در آن مكتب خانه تدريس مىشد و همچنين تمام قرآن مجيد را با معانى آنها به وسيله قرآنهاى ترجمهدار حفظ نموده و بواسطه عشق و علاقه فوق- العادة كه بتعلم و ياد گرفتن عربيت و فقه و اصول داشت بهر كيفيتى بود پدر خود را راضى نموده كه او را به قصبه فم تفرش كه سابقا مركز شهرستان تفرش بوده بفرستد تا از دروس علماء و روحانيون آنجا استفاده نمايد و قريب دو سال حد اكثر استفاده را نموده سپس به قريه نقوسان مراجعت نموده ولى چون اين مقدار از تحصيل همت بلند او را اقناع نمىكرد با تعليم مقدمات عربى به يكى از همسالان خود (كه مرحوم حجة الاسلام آشيخ اسد اللّه نقوسانى مىباشد) به معيت ايشان براى ادامه تحصيل بقم رفته و بعد از اكمال مقدمات ادبى و سطح فقه و اصول و ساير علوم متداوله مهاجرة به أراك نموده و از حوزه درس علماء بزرگ آنجا حد اكثر استفاده را نموده و نائل باجازات در كليه امور دينى از ناحيه علماء بزرگ آن شهرستان و شهرستانهاى ديگر گشته و بعدا به تفرش مراجعت كرده و در آنجا اشتغال بترويج احكام الهيه و اقامه حدود و انجام عقود و ايقاعات امور قضائى حوزه تفرش و رودبار و فراهان داشته و بعد از چند سال تشرف عتبات عاليات حاصل نموده و در حدود دو سال در عتبات مقدسه مقيم و مستفيض بوده و مجددا به تفرش مراجعت نموده و غير از چند سفر موقت بقم و طهران بقيه عمر را در تفرش گذرانده و در ليله بيست و هفتم ماه صيام 1346 هجرى قمرى در قريه مزبوره به رحمت ايزدى پيوست و آرامگاه ايشان در بقعه مباركه امام زاده عبد اللّه كه در اواسط قريه مزبوره مىباشد قرار دارد فقيد سعيد علاوه بر مقام علمى داراى استعداد ادبى فوق العادة بوده كه متجاوز از بيست هزار بيت فارسى و عربى كه نوددرصد آنها در مدائح و مصائب رسول و ائمه (صلوات اللّه عليهم اجمعين) مىباشد و يكدرصد آنها غزليات و اشعارى است كه بمقتضيات و مناسبات حال از قبيل بهاريه و زمستانيه و امثال آنها انشاء نموده است و از جمله اين بيت است كه راجع بحال خود مىگويد در ذيل اشعار غديريه
رضاى نارضا از خود اگر شد از بصر ناقص * * * ولى صد شكر كو را چشم دل حق را بصير آمد
و تأليفات ايشان در فقه حاشيه بر نجاة العباد و كتاب مستقلى در فرائض و احكام و كتاب مختصرى مفيد در نحو زبان فارسى و كذا نحو منظوم به فارسى مىباشد و ترجمه و شرح بر كتاب موسوم بسفينة النجاة كه تا صفحه 200 از ترجمه و شرح ايشان است و بقيه آن را داماد ايشان جناب مستطاب حجة الاسلام آقاى آشيخ محمد حسين دوروديان ترجمه نموده و اميدواريم كه ساير آثار ايشان ان شاء اللّه بزودى طبع گردد.
نگارنده: محمد غريب
3
[الخطبة]
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
و به ثقتى الحمد للّه الذى نجينا بسفينة اهل بيته من امواج الفتن و هدانا بانوار القرآن و الحديث لمعرفة الفرائض و السنن قشع عن بصائرنا سحائب الارتياب و كشف عن قلوبنا اغشية الريب و الحجاب ازهق الباطل عن ضمائرنا و اثبت الحق في سرائرنا اذ كانت الشكوك و الظنون لواحق الفتن و مكدرة الافضال و المنن فسبحانك اللهم ما اضيق الطريق على من لم تكن دليله و ما اوضح الحق عند من هديته سبيله صل على محمد و آل محمد و اجعلنا لأنعمك من الشاكرين و لآلائك من الذاكرين اما بعد فهذه رسالة من محمد ابن المرتضى المدعو بمحسن الى اخوانه في اللّه
4
الذين هم من اهل الانصاف دون الاعتساف و الذين يعرفون الرجال بالحق لا الحق بالرجال الذين لا تأخذهم في تعرف الحق حمية تقليد الجمهور و لا يستحوذ عليهم في تصديق الصدق عصبية متابعة المشهور و الذين لم تغش ابصار بصائرهم غشاوة ما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين و لم تصد صفاء سرائرهم غرور انا وجدنا آبائنا على امة و انا على آثارهم مقتدون نمقناها في تحقيق ان مأخذ الاحكام الشرعية ليست الا محكمات الكتاب و السنة و احاديث اهل العصمة و انه لا يجوز الاعتصام فيها الا بحبل المعصومين
5
و ان الاجتهاد فيها و الاخذ باتفاق الآراء ابتداع في الدين و اختراع من المخالفين و ان لا نجاة لأحد من غمرات تلك اللجج الا بركوب سفينة الحجج و سميناها سفينة النجاة اذ بها ينجو من اشرف على الغرق في امواج الاختلافات و بها يتخلص من كاد تذروه عواصف الآراء و الاهواء الى مهاوى الآفات و لها فصول اثنا عشر منها اشارات و منها تنبيهات هى لها بمنزلة طبقات و من لم يصل الى درجة العلم بها فليؤمن و يرفع اللّه الذين آمنوا و الذين اوتوا العلم درجات
الفصل الاول اشارة الى انحصار الادلة الشرعية عند الامامية في القرآن و الحديث و بطلان الاستناد الى اتفاق الآراء
لمّا افتتن الناس بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و تفرقوا في لجج الفتن
6
و هلكوا في طوفان المحن الّا شرذمة ممن عصمه اللّه و بسفينة اهل البيت (عليهم السلام) نجّاه و بالتمسك بالثقلين ابقاه استكتم الناجون دينهم و صانوا وتينهم فاستبقى اللّه عز و جل بهم رمق الدين في هذه الامة و ابقى بابقاء نوعهم سنة خاتم النبيين (صلّى اللّه عليه و آله) الى يوم القيمة فبعث اماما بعد امام و خلف شيعة لهم بعد سلف فكان لا تزال طائفة من الشيعة رضى اللّه عنهم يحملون الاحاديث في الاصول و الفروع عن ائمتهم (عليهم السلام) بامرهم و ترغيبهم و يروونها لآخرين و يروى الآخرون لآخرين و هكذا الى ان وصلت الينا و الحمد للّه رب العالمين و كانوا يثبتونها في الصدور و يسطرونها في الدفاتر و يعونها كما يسمعونها و يحفظونها كما يتحملونها و يبالغون في نقدها و تصحيحها و ردّ زيغها و قبول صحيحها و تخريج صوابها و سليمها من خطائها و سقيمها حتى يرى احدهم لا يستحل نقل ما لا وثوق به و لا اثبات ذلك في كتبه الا مقرونا بالتضعيف و مشفوعا
7
بالتزييف طاعنا فيمن يروى كلما يروى و يسطر كلما يحكى و يظهر هذا لمن تتبع كتب الرجال و يتعرف منها الاحوال و كانوا لا يعتمدون على الخبر الذى كان ناقله منحصرا في مطعون او مجهول و لا قرينة معه تدل على صحة المدلول و يسمونه خبر الواحد الذى لا يوجب علما و لا عملا و كانوا لا يعتقدون في شيء من تفاصيل الاصول الدّينية و لا يعملون في شيء من الاحكام الشّرعية الا بالنصوص المسموعة عن ائمتهم عليهم افضل الصلوات و لو بواسطة ثقة او وسائط ثقات و كانوا مأمورين بذلك من قبل اولئك السادات و لا يستندون في شيء منها الى تخريج الرأى بتأويل المتشابهات و تحصيل الظن باستعانة الاصول المخترعات الذى يسمى بالاجتهاد و لا الى اتفاق آراء الناس الذى يسمى بالاجماع كما يفعل ذلك كله الجمهور من العامة و كانوا ممنوعين عن ذلك كله من جهتهم (عليهم السلام) و من جهة صاحب الشرع بالآيات الصريحة و الاخبار الصحيحة و كان المنع من ذلك كله معروفا من
8
مذهبهم مشهورا منهم حتى بين مخالفيهم كما صرح به طائفة من الفريقين قال ابن ابى الحديد في شرحه لنهج البلاغة عند رده على من زعم ان عمر كان احسن سياسة و اصح تدبيرا من امير المؤمنين (عليه السلام) ما محصله ان عمر كان مجتهدا يعمل بالقياس و الاستحسان و المصالح المرسلة و يرى تخصيص عمومات النصوص بالآراء و الاستنباط من اصول تقتضى خلاف ما يقتضيه عموم النصوص و يكيد خصمه و يأمر امراءه بالكيد و الحيلة و يؤدب بالدرة و السوط من يغلب على ظنه انه يستوجب ذلك و يصفح عن آخرين قد اجترموا ما يستوجبون به التأديب كل ذلك بقوة اجتهاده و ما يؤديه اليه نظره و لم يكن امير المؤمنين (عليه السلام) يرى ذلك و كان يقف مع النصوص و الظواهر و لا يتعداه الى الاجتهاد و الاقيسة و كان مقيدا بقيود الشريعة ملتزما لاتباعها و يطبق امور الدنيا على امور الدين و يسوق الكل مساقا واحدا و لا يضع و لا يرفع الا بالكتاب و النص و اختلف طريقتاهما في الخلافة و السياسة الى آخر ما قاله اخذنا منه موضع الحاجة
9
الفصل الثانى اشارة الى سبب حدوث الاجتهاد و الاجماع عند الامامية و شبهاتهم فيه
ثمّ لما انقضت مدة الائمة المعصومين (صلوات اللّه عليهم) و انقطعت السفراء
10
بينهم و بين شيعتهم و طالت الغيبة و اشتدّت الفرقة و امتدّت دولة الباطل و خالطت الشيعة مخالفيهم و الفت في صغر سنهم بكتبهم اذ كانت هى المتعارف تعليمها في المدارس و المساجد و غيرها لان الملوك و ارباب الدول كانوا منهم و الناس انما يكونون مع الملوك و ارباب الدول فعاشرتهم في مدارسة العلوم الدينية و طالعوا كتبهم التى صنفوها في اصول الفقه التى دونوها لتسهيل اجتهاداتهم التى عليها مدار احكامهم فاستحسنوا بعضا و استهجنوا بعضا اداهم ذلك الى ان صنفوا في ذلك العلم كتبا ابراما و نقضا و تكلموا فيما تكلم العامّة فيه من الاشياء التى لم يأت بها الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و الائمة المعصومون (صلوات اللّه عليهم) و كثروا بها المسائل و لبسوا على الناس طرق الدلائل و كان العامة قد احدثوا في القضايا و الاحكام اشياء كثيرة
11
بآرائهم و عقولهم في جنب اللّه و اشتبهت احكامهم باحكام اللّه و لم يقنعوا بابهام ما ابهم و السكوت عما سكت اللّه بل جعلوا للّه شركاء حكموا كحكمه فتشابه الحكم عليهم بل لله الحكم جميعا و اليه يرجعون و سيجزيهم الله بما كانوا يعملون ثمّ لما كثرت تصانيف اصحابنا في ذلك و تكلموا في اصول الفقه و فروعه باصطلاحات العامة اشتبهت اصول الطائفتين و اصطلاحاتهم بعضها ببعض و انجر ذلك الى ان التبس الامر على طائفة منهم حتى زعموا جواز الاجتهاد و الحكم بالراى و وضع القواعد و الضوابط لذلك و تأويل المتشابهات بالتظنى و التروي و الاخذ باتفاق الآراء و تأيد ذلك عندهم بامور:
احدها ما رأوه من الاختلاف في ظواهر الآيات و الاخبار التى لا تتطابق الا بتأويل بعضها بما يرجع الى بعض و ذلك نوع من الاجتهاد المحتاج فيه الى وضع الاصول و الضوابط و الثانى ما رأوه من كثرة الوقائع التى لا نص فيها على الخصوص مع مسيس
12
الحاجة الى معرفة احكامها و الثالث ما رأوه من اشتباه بعض الاحكام و ما فيه من الابهام الذى لا ينكشف و لا يتعين الا بتحصيل الظن فيه بالترجيح و هو عين الاجتهاد فاولوا الآيات و الاخبار الواردة في المنع من الاجتهاد و العمل بالرأى بتخصيصها بالقياس و الاستحسان و نحوهما من الاصول التى تختص بها العامة و الواردة في النهى عن تأويل المتشابهات و متابعة الظن بتخصيصها باصول الدين و الواردة في ذم الاخذ باتفاق الآراء بتخصيصها بالآراء الخالية عن قول المعصوم لما ثبت عندهم ان الزمان لا يخلو من امام معصوم فصار ذلك كله سببا لكثرة الاختلاف بينهم في المسائل و تزايده ليلا و نهارا و توسع دائرته مددا و اعصارا حتى انتهى الى ان تريهم يختلفون في مسئلة واحدة على عشرين قولا او ثلثين او ازيد بل لو شئت ان اقول لم تبق مسئلة فرعية لم يختلفوا فيها او في بعض متعلقاتها لقلت و ذلك لان الآراء لا تكاد تتوافق و الظنون قلما تتطابق و الافهام تتشاكس و وجوه الاجتهاد تتعاكس و الاجتهاد يقبل التشكيك و يتطرق اليه
13
الركيك و يتشبه بالقوم من ليس منهم و يدخل نفسه في جملتهم من هو بمعزل عنهم فظلت المقلدة في غمار آرائهم يعمهون و اصبحوا في لجج اقاويلهم يغرقون
14
الفصل الثالث اشارة الى اجوبة شبهات القائلين بالاجتهاد و الاجماع من الامامية
و ليت شعرى كيف ذهب عنهم ما ينحل به عقد هذه المشكلات عن ضمائرهم ام كيف خفى عنهم ما ينقلع به اصول هذه الشبهات من سرائرهم أ لم يسمعوا حديث التثليث المشهور المستفيض المتفق عليه بين العامة و الخاصة المتضمن لاثبات الابهام في بعض الاحكام و ان الامور ثلاثة امر بيّن رشده و امر بيّن غيه و امر مشكل يرد حكمه الى اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و هلا سوغوا ان في ابهام بعض الاحكام حكما و مصالح مع ان من تلك الحكم ما يمكن ان يتعرف و لعل ما لا يعرف منها يكون اكثر على ان الاجتهاد لا يغنى عن ذلك لبقاء الشبهات بعده ان لم تزد به كلا بل زادت و زادت أ حسبوا انهم خلصوا منها باجتهادهم كلا بل امعنوا فيها بازديادهم أزعموا أنهم هدوا بالتظنى الى التثنى كلا بل التثليث باق و ما لهم منه من واق ا و لم يدبروا قول اللّه عز و جل
15
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مٰا تَشٰابَهَ مِنْهُ ابْتِغٰاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغٰاءَ تَأْوِيلِهِ وَ مٰا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّٰهُ وَ الرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ اما طن آذانهم ان المراد بالراسخين في العلم الائمة (عليهم السلام) لا هم أغفلوا عن الاحاديث المعصومية المتضمنة لكيفية طريق الترجيح بين الروايات عند تعارضها و اثبات التخيير في العمل فان كلها حق أو ما بلغهم و بلغك بأيها اخذت من باب التسليم وسعك او خفى عليهم ان قول المعصوم انما يعرف بالحديث المسموع منه عند حضوره و المحفوظ في صدور الثقات او المثبت في دفاترهم عند غيبته و لا مدخل لضم الآراء معه اتفقوا او اختلفوا نعم قد يكون الحديث مما اتفقت الطائفة المحقة على العمل بمضمونه بحيث لا يشذ عنهم شاذ و يسمى ذلك الحديث بالمجمع عليه بين اصحابك فان المجمع عليه لا ريب فيه و هذا معنى الاجماع الصحيح المشتمل على قول المعصوم عند قدماء الشيعة لا غير فلو انهم تركوا المتشابه على حاله من غير تصرف
16
فيه و سكتوا عما سكت اللّه عنه و ابهموا ما ابهم اللّه و جعلوا الاحكام ثلاثة و احتاطوا في المتشابه وردوا علمه الى اللّه و الى رسوله و خبّروا في المتعارض و وسعوا في المتناقض كما ورد بذلك كله النصوص عن اهل الخصوص لاجتمعت اقوالهم و اتفقت كلمتهم و مقالهم و كانوا فقهاء متوافقين و لأحاديث ائمتهم ناقلين لا خصماء متشاكسين و عن النصوص ناكلين و لكان كلما جاء منهم خلف دعوا لسلفهم لا كلما دخلت منهم امة لعنت في اختها بسلفهم و لكان كل امرء بالقرآن و الحديث منطيقا و عن الآراء سكيتا و لو انهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم و اشد تثبيتا و ليت شعرى ما حملهم على ان تركوا السبيل الذى هديهم اليه ائمة الهدى و اخذوا سبلا شتى و اتبعوا الآراء و الاهواء كل يدعو الى طريقه و يذود عن الاخرى ثمّ ما الذى حمل مقلديهم على تقليد هم في الآراء دون تقليد الائمة على الطريقة المثلى ان هى الّا سنة ضيزى ضرب اللّه مثل رجلا متشاكسون و رجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد للّه بل اكثرهم لا يعلمون
17
الفصل الرابع اشارة الى كنه استبعاد مخالفة المشهور و دفع توهم الدور في العمل بالمأثور
و لعلك تقول انك ادعيت امرا امرا و جئت شيئا نكرا و خالفت طائفة من مشاهير الفقهاء ثمّ انك رددت الظن بالظن و ابطلت الاجتهاد بالاجتهاد و اثبت الخبر بالخبر و ما نفقه كثيرا مما تقول فهل لك الى ما ادعيت من دليل غير ما ذكرت ام هل لنا من العلم بذلك من سبيل سوى ما سطرت فأتنا بسلطان مبين ان كنت من الصادقين فنقول و باللّه التوفيق اما قولك انى ادعيت امرا امرا و جئت شيئا نكرا فالوجه فيه ان طبعك قد اعتاد المشهورات و انقاد المسلمات و استصعب عليه الامعان في البرهان و تحصيل الايمان
18
بالايقان و سيما اذا ادى ذلك الى مخالفة ما رسخ فيه على طول الزمان و لو انك اخرجت رقبتك عن ربقة الاعتياد و فككت جيدك من قلادة التقليد و الانقياد لصار ما رأيته نكرا عرفا و ما حسبته صعبا ذلولا فمن يك ذا فم من مريض يجد مرا به الماء الزلالا و بعد فانى انبأتك اولا ان هذه الرسالة ليست الى ما سمعنائيين و لا الى انا وجدنائيين و قد اعذر من انذر و اما قولك انى خالفت طائفة من مشاهير الفقهاء ففيه ان اول من فعل ذلك اولئك فانهم خالفوا طريقة القدماء الاخباريين و غيّروا سنة اجلة الفقهاء المعتبرين و عدلوا من الاخبار الى الاصول و ارتكبوا الفضول و نحن نريد احياء تلك الطريقة و تجديد تلك السنة القديمة لانها الحق الذى لا ريب فيه و المتيقن الذى لا شبهة تعتريه و الحق احق ان يتبع و احرى ان يتتبع على ان القدماء اجل شأنا و ارفع مكانا و الى الائمة اقرب زمانا من المتأخرين و الاعتماد عليهم اكثر و برهانهم ابهر و ستسمع
19
فيهم من الائمة المعصومين ما تعرف به قدرهم و رجحانهم على من خالفهم انشاء اللّه تعالى.
و اما قولك انى رددت الظن بالظن و ابطلت الاجتهاد بالاجتهاد و اثبتّ الخبر بالخبر فحاشاى حاشاى من ان اخالفكم الى ما أنهاكم عنه ان اريد الا الاصلاح ما استطعت و ما توفيقى الا باللّه عليه توكلت و اليه انيب بل انما رددت الظن باليقين و ابطلت الاجتهاد بالنص المبين و استمسك بالعروة الوثقى و الحبل المتين و جئتك من سبأ بنبإ يقين و اعرضت عن ممنوع منه الى مرغوب فيه و عما يريب الى ما لا يريب يعتريه.
ثمّ انك ان كنت لم تؤمن بامامة الائمة المعصومين او حديث الثقلين المنقول عن سيد المرسلين و امثاله
20
فليس لنا معك كلام فاذهب انت من هاهنا و نحن من هاهنا و ان كنت آمنت بذلك و لكنك ظنت ان العلم باخبار هم (عليهم السلام) لا بدّ ان يكون كالعلم بوجود هم في الوضوح و الانارة و القوة او تواترها كتواتره و الّا فهي اخبار آحاد لا تفيد الا ظنا فما أراك الّا لم تعرف بعد ان اليقين كالظن له مراتب في القوة و الضعف و ان في الاحكام الشرعية يكتفى باقل مراتبه مع ان اكثر الاخبار الاحكامية ليست في القوة باقل من اخبار الامامة متنا و سندا ثمّ انى لم اكلفكم بالعمل بكل ما يروى بل بما اطمأنت اليه انفسكم منها و الّا فذروه في سنبله و اهمله كما اهمله اللّه في سبله فعلمه موكول الى اللّه و العمل موسع علينا من اللّه و بعد فان العمل بالاخبار متفق عليه بين الامامية قاطبة و ما أظنك تستطيع رده و رد كتب الحديث رأسا و خصوصا الاصول الاربعة التى عليها المدار
21
في ساير الاعصار و انما الخلاف بيننا و بينك في العمل بالاصول الفقهية خاصة فالاصوليون متفقون مع الاخباريين في العمل بالاخبار لا يخالفهم الّا شاذ منهم كالسيد المرتضى و اتباعه بل و لا هم لانهم لا يردون الاخبار الغير المتواترة رأسا و انما يردون نوعا منها يسمون خبرا واحدا لا يوجب علما و لا عملا و ليس اصطلاحهم في ذلك موافقا لاصطلاح من تأخر عنهم فان المتأخرين يسمون كلما ليس بمتواتر آحادا فالخبر الواحد في اصطلاحهم اعم منه في اصطلاح من تقدم عليهم و بهذا يندفع التدافع بين كلامى السيد المرتضى و العلامة في خبر الواحد ردا و قبولا و دعواهما الاتفاق على طرفى النقيض و لنذكر كلامهما و كلام من تأخر عنهما حتى يتبين لك الحق في ذلك انشاء اللّه تعالى
22
الفصل الخامس نقل كلام الاعلام لتحقق المرام
قال السيد المرتضى ره ان العلم الضرورى حاصل لكل مخالف للامامية او موافق لهم انهم لا يعملون في الشريعة بخبر لا يوجب العلم و ان ذلك قد صار شعارا لهم يعرفون به كما ان نفى القياس في الشريعة من شعارهم الذى يعلمه منهم كل مخالط لهم و قال العلامة في النهاية اما الامامية فالاخباريون منهم لم يعولوا في اصول الدين و فروعه الّا على الاخبار الآحاد المروية عن الائمة (عليهم السلام) و الاصوليون منهم كأبى جعفر الطوسى و غيره وافقوهم على قبول خبر الواحد و لم ينكره سوى المرتضى و اتباعه لشبهة حصلت لهم
23
اقول و قد عرفت ان السيد و اتباعه ايضا لم ينكروه رأسا و لا غيرهم قبلوه عموما و هذا هو الحق الذى لا ريب فيه قال المحقق في المعتبر افرط الحشوية في العمل بخبر الواحد حتى انقادوا لكل خبر و ما فطنوا ما تحته من التناقض و ان في جملة الاخبار قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) سيكثر بعدى القالة علىّ و قول الصادق (عليه السلام) لكل رجل منا رجل يكذب عليه و اقتصر بعض من هذا الافراط فقال كل سليم السند يعمل به و غيره لا يعمل به و ما علم ان الكاذب قد يصدق و الفاسق قد يصدق و لم يتنبه ان ذلك طعن في علماء الشيعة و قدح في المذهب اذ لا مصنف الا و هو قد يعمل بخبر المجروح كما يعمل بخبر المعدل و افرط آخرون في طرف رد الخبر حتى احالوا استعماله عقلا و نقلا و اقتصر آخرون فلم يروا العقل مانعا لكن الشرع لم يأذن في العمل به و كل هذه الاقوال منحرفة عن
26
سلوك هذه الطريق في الاحتجاج للعمل باخبارنا عن الائمة (عليهم السلام) مقتصرا عليه فادعى الاجماع على ذلك و ذكر ان قديم الاصحاب و حديثهم اذا طولبوا الحجة ما افتى به المفتى منهم عولوا على المنقول في اصولهم المعتمدة و كتبهم المدونة فسلم له خصمه منهم الدعوى في ذلك و هذه سجيّتهم من زمن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) الى زمن الائمة (عليهم السلام) فلو لا ان العمل بهذه الاخبار جائز لأنكروه و تبرءوا من العمل به و موافقونا من اهل الخلاف احتجوا بمثل هذه الطريقة ايضا فقالوا ان الصحابة و التابعين اجمعوا على ذلك بدليل ما نقل عنهم من الاستدلال بخبر الواحد و عملهم به في الوقائع المختلفة التى لا تكاد تحصى و قد تكرر ذكر ذلك مرة بعد اخرى و شاع و ذاع بينهم و لم ينكر عليهم احد و الّا لنقل و ذلك يوجب العلم العادى باتفاقهم كالقول الصريح انتهى كلام صاحب المعالم و قال بعض من تأخر عنه ان السنة المتواترة دلت على قبول خبر الواحد فان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و امير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) كانا يبعثان الرسل الى القبائل و البلاد و القرى لتعليم الاحكام مع ان كل واحد منهم لم يبلغ حد التواتر مع العلم بان المبعوث اليهم كانوا مكلفين بالعمل بمقتضاه و الذى تتبعنا من آثار السلف ان
27
تعليمهم الاحكام ما كان الا بالاخبار بما سمعوا عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الائمة (عليهم السلام) و ما كان القول بالرأى و الاجتهاد الا محدثا و كان دأب قدمائنا تخطئ المخالفين به بل لو كان يحصل من الطائفة المحقة شذوذ القول بالراى و الاجتهاد لخطئوه و شددوا النكير عليه و الاخبار عن الائمة الهدى متظافرة بالتخطئة و الانكار و قال بعض الفضلاء ما ملخصه انا نقطع قطعا عاديا ان جمعا كثيرا من ثقات اصحاب ائمتنا و منهم الجماعة الذين اجتمعت العصابة على انهم لم ينقلوا الا الصحيح باصطلاح القدماء يعنى ما علم صدور مضمونه عن المعصوم و لو بالقرائن صرفوا اعمارهم في مدة تزيد على ثلاثمائة سنة في اخذ الاحكام عنهم (عليهم السلام) و تأليف ما يسمعونه منهم (عليهم السلام) و عرض المؤلفات عليهم ثمّ التابعون لهم تبعوهم في طريقتهم و استمر هذا المعنى الى زمن ائمة الحديث الثلث و كانوا يعتمدون عليها فصل سوم اشاره است بجوابهاى شبهههاى قائلين باجتهاد و اجماع از طايفه امامية
28
في عقايدهم و اعمالهم و نعلم علما عاديا بانهم كانوا متمكنين من اخذ الاحكام عنهم مشافهة و مع ذلك يعتمدون على الاخبار المضبوطة من زمن امير المؤمنين (عليه السلام) كما ورد في الروايات الكثيرة و كان ائمتنا (عليهم السلام) يأمرونهم بتأليفها و نشرها و ضبطها ليعمل بها شيعتهم في زمن الغيبة و اخبروا بوقوعها و ايضا الشفقة الربانية و المعصومية تقتضى ان لا يضيع من كان في اصلاب الرجال منهم فيجب ان يمهد لهم اصول معتمدة يعملون بها و ايضا فان اكثر احاديثنا موجود في اصول الجماعة التى اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم لانا نقطع بالقرائن ان طرقها انما هى طرق الى الاصول المأخوذة هى منها كما يشعر به التهذيب و الفقيه و ايضا فان كثيرا ما يعتمد الشيخ الطوسى على طرق ضعيفة مع تمكنه من طرق اخرى صحيحة و كثيرا ما يطرح الاخبار الصحيحة باصطلاح المتأخرين يعنى ما كانت رواته كلهم
29
ثقات اماميين و يعمل بالضعيفة بهذا الاصطلاح و هذا ايضا يقتضى ما ذكرناه اى النقل من الاصل و ايضا انه صرح في كتاب العدة و في اول الاستبصار بان كل حديث عمل به في كتبه مأخوذ من الاصول المجمع على صحة نقلها و لم يعمل بغيره و انما طرح بعضها لان معارضه اقوى منه لاعتقاده باخبار أخر و باجماع الطائفة على العمل بمضمونه او غير ذلك و الصدوق ذكر مثل ذلك بل اقوى منه في اول الفقيه و كذا ثقة الاسلام في اول الكافى مع انهم كثيرا ما يذكرون في اول الاسانيد من ليس بثقة و ايضا فان بعض الروايات يتعاضد ببعض و بعض اجزاء الحديث يناسب بعضا و قرينة الجواب او السؤال تدل على صدق المضمون الى غير ذلك و ايضا فانا نقطع قطعا عاديّا في حق اكثر رواة احاديثنا بقرينة ما بلغنا من احوالهم انهم لم يرضوا بالافتراء في رواية الحديث و الذى لم يقطع في حقه بذلك كثير ما كان للناقل عنه طريق الى اصل الثقة الذى اخذ الحديث منه
30
فان قلت انهم اذا رووا عن الاصل فلم يذكرون الواسطة قلنا يحتمل ان يكون ذكر الواسط للتبرك باتصال سلسلة السند و دفع طعن العامة بان احاديثكم ليست معنعنة، بل مأخوذة من كتب قدمائكم اقول و ايضا فان ما ذكره علماء الرجال في شأن بعضهم انه يعرف حديثه تارة و ينكر اخرى و في شأن آخر انه لا يجوز نقل حديثه او لا يجوز العمل بروايته او لا يعتمد عليه او غير ذلك يدل على ان الثقة اذا روى عن احد فلا يروى عنه الا اذا ظهر له دليل على صحته او رآه في اصله المروى عنه او سمعه عن ثقة يروى ذلك الاصل و كذا حرصهم على ضبط الخصوصيات و الجزئيات من الالفاظ و غيرها دليل على عدم اعتمادهم على غير المقطوع بصحته و هذه الوجوه و ان كان كل واحد منها يمكن الخدش فيه الا انه لاجتماعها يحصل الظن القوى بل القطع بصحة هذه الاخبار التى رواها الثقات و ان ضعف السند في الوسط سيما ما روى بطرق متعددة و خصوصا ما في الكتب الاربعة و هى متواترة بالنسبة الى مؤلفيها و مقطوع بها عندهم قال الصدوق في اول الفقيه لم اقصد فيه قصد المصنفين في ايراد جميع ما رووه بل قصدت ايراد ما افتى به و احكم بصحته و اعتقد انه حجة بينى و بين ربى
31
تقدس ذكره و جميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعول و اليها المرجع و قال ثقة الاسلام في اول الكافى في جواب من التمس منه التصنيف و قلت انك تحب ان يكون عندك كتاب كاف يجمع من جميع فنون علم الدين ما يكتفى به المتعلم و يرجع اليه المسترشد و يأخذ منه من يريد علم الدين و العمل بالآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام) و السنن القائمة التى عليها العمل و بها يؤدى فرض اللّه عز و جل و سنة نبيه الى ان قال و قد يسر اللّه و له الحمد تأليف ما سألت و ارجو ان يكون بحيث توخيت انتهى كلامه و لهذا ذهب جماعة الى الاكتفاء في تصحيح الاخبار و القدح فيها بما ذكره اصحابنا و دوّنوها في كتبهم و سيما المتقدمين قال بعض المحققين فلم يبق لأحد ممن تأخر عنهم في البحث و التفتيش الّا الاطلاع على ما قرروه و الفكر فيما الّفوه قال الشهيد (رحمه اللّه) في الذكرى الاجتهاد في هذا الوقت اسهل منه فيما قبله من الاوقات لان السلف قد كفونا مئونته بكدهم و كدحهم و جمعهم السنة و الاخبار و جرحهم و تعديلهم و غير ذلك من الآلات
32
الفصل السادس ازالة شبهة في هذا المقام ربما يخطر بالاوهام
و لعلك تقول هب ان الاخبار المعتبرة جاز التعويل عليها و العمل بها أ ليست مضامينها لم تخرج من حيّز المظنونات و لم تبلغ مبلغ افادة العلم القطعي و الظنون المستخرجة بالاجتهاد ليست باقل مما يحصل منها بل قد تكون اقوى فليجز العمل بالاجتهاد كما جاز العمل بالاخبار فنجيبك اما اولا فان القياس ضرورى البطلان عند الامامية و اما ثانيا فبالفرق بين الظنين فانهما نوعان مختلفان احدهما فيه تسليم و انقياد و اطاعة و الآخر فيه اعمال روية و تصرف طبعية ليسا من قبيل واحد و اما ثالثا فبان الاخبار و ان سلمنا كون طريقها ظنيا الا ان دليل جواز العمل عليها قطعى ثمّ دلالتها على المطلوب قطعية لما دريت انا لا نعتمد الا على المحكمات منها دون المتشابهات و اما الاجتهاد
33
فطريقته ظنى و دليل جواز العمل عليه ظنى و الاصول التى يبنى عليها الاحكام ظنية و لا قطع في شيء منه اصلا و اما رابعا فبان العمل بالاخبار مأذون فيه بل مأمور به و العمل بالاجتهاد غير مأذون فيه بل منهى عنه و كل من الامر و النهى قد ثبت بالكتاب و السنة المتواترة و الاجماع المعتبر كما سنبينه ان شاء اللّه تعالى و اما خامسا فبان اكثر الاحكام مما وردت فيه روايات متعددة مستفيضة تربو على افادة الظن و قلما يتفق حكم لم يرد فيه الا خبر او خبران مع انا ذكرنا ما يعضدها من الامارات على انا لا نقول بوجوب العمل بكل خبر او كلما يفيد الظن من الاخبار بل بما يربو على افادة الظن فان لم يظفر به فنحن مخيرون في العمل.
و قد اورد السيد المرتضى على نفسه سؤالا هذا لفظه فان قيل اذا سددتم طريق العمل بالاخبار فعلى أيّ شيء تقولون في الفقه كله و اجاب بما حاصله ان
34
معظم الفقه يعلم بالضرورة و مذاهب ائمتنا (عليهم السلام) فيه بالاخبار المتواترة و ما لم يتحقق ذلك فيه و لعله الاقل يعول فيه على اجماع الامامية و ذكر بيانا طويلا في بيان حكم ما يقع فيه الاختلاف بينهم و حاصله انه اذا امكن تحصيل القطع باحد الاقوال من طرق ذكرناها تعين العمل عليه و الا كنا مخيرين بين الاقوال المختلفة لفقد دليل التعيين و ينبغى ان يراد بالاجماع الاجماع المعتبر اعنى الحديث المتفق عليه فان قلت فهل للخبر المعتمد عليه ضابطة يرجع اليها ليميز عن غير المعتمد ام هل للظن الحاصل من الخبر حد لا يكتفى اقل منه قلت لا ليس لذا ضابطة و لا لهذا حد و انما وضع الضوابط و الحدود اوقع الاختلاف بين الاصوليين و لو انهم نظروا فى كل مسئلة لما اختلفوا فيما اختلفوا فيه و الضابطة التى حكيناها عن المحقق في ذلك ليست بكلية و السر فيه اختلاف الحكم في مثلها بسبب اختلاف خصوصيات
35
محاله و لذا تريهم يمهدون اصولا كلية ثمّ لا يفون باعمالها في جميع جزئياتها بل انما يستعملونها في بعض دون بعض و كذا الكلام فيما يبتنى عليها من الاحكام الفرعية فانها امور جزئية مختلفة لا يجمعها امر واحد عقلى و الامور الجزئية المختلفة لا يحكم عليها بالاحكام الكلية المضبوطة بل لا سبيل الى العلم بها الا بالنظر الى فرد فرد و هو موقوف هنا على السماع اذ لا سبيل للعقل الى الشرائع و قد وقع التنبيه على ما ذكرناه في كثير من الاخبار و لعلك ستسمع بعضها ان شاء اللّه تعالى و لنعطف الآن عنان القلم الى ذكر جملة من الآيات و الاخبار الواردة في الحث على الرجوع الى الاحاديث و بيان انحصار الطريق فيه ثمّ اثبات التشابه و بيان حكمها ثمّ ذكر ما ورد في ذم الاجتهاد و متابعة الآراء ثمّ ذكر مفاسدهما و من اللّه التأييد
36
الفصل السابع ذكر بعض الآيات و الاخبار الدالة على انحصار الادلة الشرعية في السماع عن المعصوم (عليه السلام)
قال اللّه تعالى فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ و قد ثبت بالاخبار المستفيضة ان الذكر هو القرآن و اهله الائمة المعصومون (صلوات اللّه عليهم) و قال عز و جل وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ و قد ثبت ان اولى الامر هم الائمة (عليهم السلام) و قال سبحانه وَ مٰا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّٰهُ وَ الرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ و قد ثبت انهم الائمة (عليهم السلام)
37
و في الخبر النبوي المستفيض المتفق عليه «انى تارك فيكم الثقلين ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدى كتاب اللّه و عترتى اهل بيتى» و في الخبر المشهور المستفيض «مثل اهل بيتى كمثل سفينة نوح من ركبها نجى و من تخلف عنها غرق» و في احتجاج الطبرسى عنه (صلّى اللّه عليه و آله) «انه قال يوم الغدير الا ان الحلال و الحرام اكثر من ان احصيهما و اعرفهما و آمر بالحلال و انهى عن الحرام في مقام واحد فامرت ان آخذ البيعة عليكم و الصفقة منكم لقبول ما جئت به عن اللّه في على امير المؤمنين و الائمة من بعده يا معاشر الناس تدبروا القرآن و افهموا آياته و انظروا في محكماته و لا تنظروا في متشابهاته فو اللّه لن يتبين لكم زواجره و لا يوضح لكم تفسيره الا الذى انا آخذ بيده
38
و فيه عنه (صلّى اللّه عليه و آله) قال ايها الناس على بن أبي طالب فيكم بمنزلتى فقلدوه دينكم و اطيعوه في جميع اموركم فان عنده جميع ما علمنى اللّه عز و جل من علمه و حكمه فاسألوه و تعلموا منه و من اوصيائه بعده و عنه (صلّى اللّه عليه و آله) لا خير في العيش الا في رجلين عالم مطاع و مستمع واع رواه في الكافى و عن امير المؤمنين (عليه السلام) «الا ان العلم الذى هبط به آدم من السماء الى الارض و جميع ما فضل به النبيون الى خاتم النبيين عندى و عند عترتى فاين تياه بكم بل اين تذهبون رواه على بن ابراهيم في تفسيره
39
و روى الصدوق عنه (عليه السلام) «انه قال من اخذ علمه من كتاب اللّه و سنة نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) زالت الجبال قبل ان يزول و من اخذ دينه من افواه الرجال ردته الرجال و رواه في الكافى ايضا و عن الباقر (عليه السلام) انه تلا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فان خفتم تنازعا في الامر فأرجعوه الى اللّه و الى الرسول و الى اولى الامر منكم قال كيف يأمر بطاعتهم و يرخص في منازعتهم انما قال ذلك للمأمورين الذين قيل لهم اطيعوا اللّه و اطيعوا الرسول و عن الصادق (عليه السلام) قال كل علم لا يخرج من هذا البيت فهو باطل و اشار بيده الى بيته و قال اذا اردت العلم الصحيح فخذ عن اهل البيت فانا رويناه و اوتينا شرح الحكمة و فصل الخطاب ان اللّه اصطفينا و آتانا ما لم يؤت احدا من العالمين
40
و في الكافى عن حمزة الطيار انه عرض على ابى عبد اللّه بعض خطب ابيه حتى اذا بلغ موضعا منها قال له كف و اسكت ثمّ قال ابو عبد اللّه (عليه السلام) لا يسعكم فيما ينزل بكم مما لا تعلمون الا الكف عنه و التثبت و الردّ الى ائمة الهدى حتى يحكموكم فيه على القصد و يجلو عنكم فيه العمى و يعرفوكم فيه الحق قال اللّه عز و جل فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ و فيه في باب الضلال باسناده عنه (عليه السلام) قال اما انه شر عليكم ان تقولوا بشيء ما لم تسمعوه منا و باسناده عن المفضل بن عمر قال قال ابو عبد اللّه (عليه السلام) من دان اللّه بغير سماع عن صادق الزمه اللّه التيه الى العنا و من ادعى سماعا من غير الباب الذى فتحه اللّه فهو مشرك و ذلك الباب المكنون على سر اللّه المكنون
41
و باسناده عنه (عليه السلام) لا يسع الناس حتى يسألوا و يتفقهوا و يعرفوا امامهم و يسعهم ان يأخذوا بما نقول و ان كانت تقية و باسناده عن زرارة و محمد بن مسلم و بريد العجلى قالوا قال ابو عبد اللّه (عليه السلام) لحمران بن اعين في شيء سأله انما يهلك الناس لانهم لا يسألون و روى الكشى باسناده عن حريز قال دخلت على ابى حنيفة و عنده كتب كانت يحول بيننا و بينه فقال لى هذه الكتب كلها في الطلاق قال قلت نحن نجمع هذا كله في حرف قال ما هو قلت قوله تعالى يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذٰا طَلَّقْتُمُ النِّسٰاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ فقال لى و انت لا تعلم شيئا الا برواية قلت اجل قال ما تقول في مكاتب كانت مكاتبته الف درهم فادى تسعمائة و تسعة و تسعين
42
درهما ثمّ احدث يعنى الزنا فكيف تحده فقلت يعينها حديث حدثنى محمد بن مسلم عن ابى عبد اللّه جعفر (عليه السلام) ان عليا (عليه السلام) كان يضرب بالسوط و بثلثه و نصفه و ببعضه بقدر ادائه فقال لى لأسألك عن مسئلة لا يكون فيها شيء فما تقول في جمل اخرج من البحر فقلت ان شاء فليكن بقرة ان كانت عليه فلوس اكلناه و الّا فلا و الاخبار من هذا القبيل تخرج من الحصر و العد و روى الصدوق (رحمه اللّه) في اكمال الدين عن محمد بن محمد بن عصام رضى اللّه عنه قال حدثنا محمد بن يعقوب الكلينى عن اسحاق بن يعقوب قال سألت محمد بن العثمان العمرى رضى اللّه عنه و رواه الطبرسى ايضا في الاحتجاج و الكشى في الرجال و الشيخ الطوسى في اختياره عن اسحاق بن يعقوب قال سألت محمد بن
43
عثمان العمرى رضى اللّه عنه ان يوصل لى كتابا قد سألت فيه عن مسائل اشكلت علىّ فورد في التوقيع مولانا صاحب الزمان عليه الصلاة و السلام اما ما سألت عنه ارشدك اللّه و وفّقك الى ان قال و اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانهم حجتى عليكم و انا حجة اللّه عليهم و في رجال الكشى و الاختيار بالاسناد عن احمد بن حاتم ماهويه قال كتبت اليه يعنى ابا الحسن الثالث (عليه السلام) اسأله عمن آخذ معالم دينى و كتب اخوه ايضا فكتب اليهما فهمت ما ذكرتما فاعتمدا في دينكما على مسن في حبنا و كل كثير القدم في امرنا فانهم كافوكما انشاء اللّه و روى ثقة الاسلام عن محمد بن عبد اللّه و محمد بن يحيى جميعا عن عبد اللّه بن جعفر الحميرى قال اجتمعت انا و الشيخ بن عمر و عند
44
احمد بن اسحاق الى ان قال اخبرني ابو على احمد بن اسحاق عن ابى الحسن (عليه السلام) قال سألته و قلت و من اعامل او عمن آخذ او قول من اقبل فقال له: العمرى ثقتى فما ادّى اليك عنى فعنى يؤدى و ما قال لك عنى فعنى يقول فاسمع له و اطع فانه الثقة المأمون.
و اخبرني ابو على انه سأل ابا محمد (عليه السلام) عن مثل ذلك فقال له: العمرى و ابنه ثقتان فما اديا اليك عنى فعنى يؤديان و ما قالا لك عنى فعنى يقولان فاسمع لهما و اطعهما فانهما الثقتان المأمونان الحديث و في الاحتجاج بسنده عن أبي محمد العسكرى و في تفسيره ايضا قال قال الحسين ابن على (عليهما السلام) من كفل لنا يتيما قطعته عنا محنتنا باستتارنا فواساه عن
45
علومنا التى سقطت اليه حتى ارشده و هداه قال اللّه عز و جل يا ايها العبد الكريم المواسى انا اولى بالكرم منك اجعلوا له يا ملائكتى في الجنان بعدد كل حرف علمه الف الف قصر و ضموا اليها ما يليق بها من ساير النعم و في الكافى عن عمر بن حنظلة عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال سألته عن رجلين من اصحابنا يكون بينهما منازعة في دين او ميراث فتحاكما الى السلطان او الى القضاة أ يحل ذلك قال من تحاكم الى الطاغوت فحكم له فانما يأخذ سحتا و ان كان حقه ثابتا لانه اخذ بحكم الطاغوت و قد امر اللّه عز و جل ان يكفر به قلت كيف يصنعان قال فانظروا الى من كان منكم قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف احكامنا فليرضوا به حكما فانى قد جعلته عليكم حاكما فاذا حكم بحكمنا
46
فلم يقبل منه فانما استخف بحكم اللّه و علينا رد و الراد علينا الراد على اللّه و هو على حد الشرك باللّه و يأتى تمام الحديث و باسناده عن محمد بن حكيم قال قلت لابى الحسن موسى (عليه السلام) جعلت فداك فقّهنا في الدين و اغنانا اللّه بكم عن الناس حتى ان الجماعة منا ليكون في المجالس ما يسأل رجل صاحبه الا و تحضره المسألة و يحضر جوابها فيما منّ اللّه علينا بكم الحديث.
و باسناده عن سماعة عن ابى الحسن موسى قال قلت اصلحك اللّه انا نجتمع فنتذاكر ما عندنا فما يرد علينا شيء الّا و عندنا فيه شيء مستطر و ذلك مما انعم اللّه به علينا بكم
47
و باسناده عن ابى بصير قال سمعت ابا عبد اللّه (عليه السلام) يقول اكتبوا فانكم لا تحفظون حتى تكتبوا و فيه باسناده عن عبيد بن زرارة قال قال ابو عبد اللّه (عليه السلام) احتفظوا بكتبكم فانكم سوف تحتاجون اليها و فيه عن الاحمسى عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال القلب يتكل على الكتابة و فيه عن المفضل بن عمر قال قال لى ابو عبد اللّه (عليه السلام) اكتب و بثّ علمك في اخوانك فان متّ فاورث كتبك بنيك فانه يأتى على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه الّا بكتبهم مطلب دوم
48
و باسناده عنه (عليه السلام) قال تزاوروا فان في زيارتكم احياء لقلوبكم و ذكرا لأحاديثنا و احاديثنا تعطف بعضكم على بعض فان اخذتم بها رشدتم و نجوتم و ان تركتموها ظللتم و هلكتم فخذوا بها و انا بنجاتكم زعيم و عن محمد ابن الحسن بن ابى خالد شينولة قال قلت لابى جعفر الثانى (عليه السلام) جعلت فداك ان مشايخنا رووا عن ابى جعفر و ابى عبد اللّه (عليهما السلام) و كانت النقية شديدة فكتموا كتبهم فلم يرووا عنهم فلما ماتوا صارت الكتب الينا فقال حدثوا بها فانها حق و فيه دلالة واضحة على صحة الاعتماد على الكتب و العمل بما فيها من الاحكام اذا كانت صحيحة و قال ابو جعفر (عليه السلام) لأبان بن تغلب اجلس في مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) وافت الناس فانى احب ان ارى في شيعتى مثلك
49
و قال الصادق (عليه السلام) لفيض بن مختار اذا اردت تحديثنا فعليك بهذا الجالس و اومى بيده الى رجل من اصحابه فسألت اصحابنا عنه فقالوا زرارة ابن اعين و قال (عليه السلام) رحم اللّه زرارة بن اعين لو لا زرارة و نظراءه لاندرست احاديث ابى (عليه السلام) و قال (عليه السلام) ما أحد أحيا ذكرنا و احاديث ابى الّا زرارة و ابو بصير ليث المرادى و محمّد بن مسلم و بريد بن معاوية العجلى هؤلاء حفاظ دين اللّه و امناء ابى على حلال اللّه و حرامه و قال (عليه السلام) اقوام كان ابى يأتمنهم على حلال اللّه و حرامه و كانوا عيبة علمه و كذلك اليوم هم عندى هم مستودع سرى اصحاب ابى حقا اذا اراد اللّه باهل الارض سوء صرف بهم عنهم السوء هم نجوم شيعتى احياء و امواتا يحيون ذكرا بى بهم يكشف اللّه كل بدعة ينفون عن هذا الدين انتحال المبطلين و تأويل الغالين ثمّ بكى قال الراوى قلت من هم فقال منهم (صلوات اللّه عليهم) و رحمته احياء و امواتا بريد العجلى
50
و زرارة و ابو بصير ليث بن البخترى و محمد بن مسلم و قال (عليه السلام) بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ بالجنة بريد العجلى و ابو بصير ليث بن البخترى المرادى و محمد بن مسلم الثقفى و زرارة بن اعين اربعة نجباء امناء اللّه على حلاله و حرامه لو لا هؤلاء لانقطعت آثار النبوة و اندرست و قال (عليه السلام) لعبد اللّه بن ابى يعفور حيث قال له انه ليس كل ساعة القاك و لا يمكن القدوم و يجيء الرجل من اصحابنا فسألنى و ليس عندى كلما يسألنى قال فما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفى فانه قد سمع من ابى و كان عنده وجيها و قال لشعيب العقرقوفى حيث قال له مهما احتجنا ان نسأل الشيء فمن نسأل قال عليك بالاسدى يعنى ابا بصير و عن الصادق (عليه السلام) اوتاد الارض و اعلام الدين اربعة محمّد بن مسلم و بريد بن
51
معاوية و ليث البخترى المرادى و زرارة بن اعين.
و في الكافى باسناده عنه (عليه السلام) قال تعلموا العلم من حملة العلم و علموا اخوانكم كما علمكموه العلماء و عنه (عليه السلام) انظروا علمكم هذا عمن تأخذونه فان فينا اهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنهم تحريف الغالين و ابطال المبطلين و تأويل الجاهلين و في الكافى عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال ابى اللّه ان يجرى الاشياء الا بالاسباب فجعل لكل شيء سببا و جعل لكل سبب شرحا و جعل لكل شرح علما و جعل لكل علم بابا ناطقا عرفه من عرفه و جهله من جهله ذلك رسول اللّه و نحن و في نهج البلاغة نحن الشعار و الخزنة و الابواب و لا تؤتوا البيوت الّا من ابوابها فمن اتاها من غير بابها سمى سارقا الى غير ذلك من الروايات و هى اكثر من ان تحصى و اشهر من ان تخفى و اظهر من ان تروى و سنزيدك منها في باب ذم الاجتهاد انشاء اللّه تعالى
52
الفصل الثامن ذكر جملة من الآيات و الاخبار الدالة على اثبات المتشابه و بيان حكمه
المتشابه ما لا يظهر معناه المقصود منه و حكمه ان يرد الى المحكم ان وجد و هو مثل تأويله من اهله و الّا ترك على حاله من المتشابه فان المحكم فيه حينئذ و يرد علمه الى اللّه و يحتاط في العمل و لا يجوز تأويله لغير اهله لورود النهى عنه و قد يطلق المتشابه على المحكم الذى تعارضت ادلته كما اذا اختلفت الاخبار و حكمه بعد
53
استيفاء ساير مراتب الترجيح المنقولة الخيار و اما الاشتباه في كيفية العمل بعد معرفة الحكم الشرعى فيجوز الاجتهاد فيه لورود الرخصة بذلك و للزوم الحرج البين لولاه و هذا كما اذا تعارضت امارات جهة الكعبة و امارات اضرار الصوم بالمرض و عدم اضراره و نحو ذلك و عليه يحمل الخبر الذى روته العامة من اجتهد فاصاب فله اجران و من اجتهد فأخطأ فله اجر واحد ان صح الخبر و الّا فالذى رواه اولى به و اول من اثبت المتشابه في الحكم الشرعى هو اللّه سبحانه قال اللّه عز و جل هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتٰابَ مِنْهُ آيٰاتٌ مُحْكَمٰاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتٰابِ وَ أُخَرُ مُتَشٰابِهٰاتٌ الى قوله وَ الرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ و قال عز اسمه وَ مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللّٰهِ
54
و قال اللّه تعالى وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ و قال فان تنازعتم في شيء فردوه الى اللّه و الرسول و في الحديث النبوي المتواتر بين العامة و الخاصة انما الامور ثلاثة امر بيّن رشده فيتّبع و امر بيّن غيّه فيجتنب و شبهات بين ذلك و الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات و من ترك الشبهات نجى من المحرمات و من اخذ بالشبهات ارتكب المحرمات و هلك من حيث لا يعلم و في الفقيه قال خطب امير المؤمنين (عليه السلام) فقال ان اللّه تبارك و تعالى حد حدودا فلا تعتدوها و فرض فرائض فلا تنقضوها و سكت عن اشياء لم يسكت عنها
55
نسيانا لها فلا تكلفوها رحمة من اللّه لكم فاقبلوها ثمّ قال على (عليه السلام) حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات بين ذلك فمن ترك ما اشتبه عليه من الاثم فهو لما استبان له اترك و المعاصى حمى اللّه فمن يرتع حولها يوشك ان يدخلها و قوله (عليه السلام) و سكت عن اشياء الى قوله فاقبلوها معناه ان كل ما لم يصل اليكم من التكاليف و لم يثبت في الشرع فليس عليكم شيء فلا تكلفوه على انفسكم فانه رحمة من اللّه لكم و في هذا قيل اسكتوا عما سكت اللّه عنه و من كلامه (عليه السلام) في وصيته لابنه الحسن (عليه السلام) دع القول فيما لا تعرف و الخطاب فيما لا تكلف و في الكافى باسناده عن زرارة بن اعين قال سألت ابا جعفر (عليه السلام) ما حق اللّه
56
على العباد قال ان يقولوا ما يعلمون و يقفوا عند ما لا يعلمون و باسناده عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) مثله و في آخره فان فعلوا ذلك فقد ادّوا الى اللّه حقه و باسناده عنه (عليه السلام) قال الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة و تركك حديثا لم تروه خير من روايتك حديثا لم تحصه و في عيون اخبار الرضا عنه (عليه السلام) قال من ردّ متشابه القرآن الى محكمه هدى الى صراط مستقيم ثمّ قال (عليه السلام) في اخبارنا متشابه كمتشابه القرآن فردوا متشابهها الى محكمها و لا تتبعوا متشابهها دون محكمها فنضلوا و في محاسن البرقي باسناده عن محمد بن الطيار قال قال لى ابو جعفر (عليه السلام)
57
تخاصم الناس قلت نعم قال و لا يسألونك عن شيء الا قلت فيه شيئا قلت نعم قال فاين باب الرد اذن و يستفاد من هذه الروايات ان ما لا طريق لنا الى علمه فهو عنا موضوع و لا يلزم علينا بل لا يجوز لنا ان نتكلف تعرفه بالاستنباطات المظنونة و روى الصدوق عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و رفع عن امتى الخطاء و النسيان و ما استكرهوا عليه و ما لا يطيقون و ما لا يعلمون و ما اضطروا اليه و الحسد و الطيرة و التفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطقوا بشفة و فيه باسناده عنه (عليه السلام) قال ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم و فيه عنه (عليه السلام) قال من عمل بما علم كفى ما لم يعلم
58
و في الكافى باسناده عن عمر بن حنظلة قال سألت ابا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجلين من اصحابنا بينهما منازعة في دين او ميراث فتحاكما الى السلطان او الى القضاة أ يحل ذلك قال من تحاكم اليهم في حق او باطل فانما تحاكم الى الطاغوت و ما يحكم له فانما يأخذ سحتا و ان كان حقا ثابتا له لانه اخذ بحكم الطاغوت و قد امر اللّه ان يكفر به قال اللّه عز و جل يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا إِلَى الطّٰاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ قلت فكيف يصنعان قال ينظر ان من كان منكم قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف احكامنا فليرضوا به حكما فانى قد جعلته عليكم حاكما فاذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانما استخف بحكم اللّه و علينا ردّ و الراد علينا الراد على اللّه و هو
59
على حد الشرك باللّه قلت فان كان كل واحد اختار رجلا من اصحابنا فرضيا ان يكونا ناظرين في حقهما و اختلفا فيما حكما و كلاهما اختلفا في حديثكم قال الحكم ما حكم به اعدلهما و افقههما و اصدقهما في الحديث و اورعهما و لا يلتفت الى ما يحكم به الآخر قال قلت فانهما عدلان مرضيان عند اصحابنا لا يفضل واحد منهما على صاحبه قال فقال ينظر الى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذى حكما عليه المجمع عليه من اصحابك فيؤخذ به من حكمنا و يترك الشاذ الذى ليس بمشهور عند اصحابك فان المجمع عليه لا ريب فيه و انما الامور ثلاثة امر بيّن رشده فيتبع و امر بيّن غيّه فيجتنب و امر مشكل يرد علمه الى اللّه و رسوله قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حلال بيّن
60
و حرام بيّن و شبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجى من المحرمات و من اخذ الشبهات ارتكب المحرمات و هلك من حيث لا يعلم قلت فان كان الخبر ان عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم قال ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنة و خالف العامة فيؤخذ به و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنة و وافق العامة قلت جعلت فداك أ رأيت ان كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنة و وجدنا احد الخبرين موافقا للعامة و الآخر مخالفا لهم بأىّ الخبرين يؤخذ قال ما خالف العامة ففيه الرشاد فقلت جعلت فداك فان وافقهما الخبر ان جميعا قال ينظر الى ما هم اليه اميل حكامهم و قضاتهم فيترك و يؤخذ بالآخر قلت فان وافق حكامهم
61
الخبرين جميعا قال فاذا كان ذلك فارجه امامك فان الوقوف في الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات و في معنى هذا الحديث اخبار كثيرة و في احتجاج الطبرسى بعد نقل هذا الحديث قال جاء الخبر على سبيل التقدير لانه قلما يتفق في الآثار ان يرد خبر ان مختلفان في حكم من الاحكام موافقين للكتاب و السنة و ذلك مثل الحكم في غسل الوجه و اليدين في الوضوء فان الاخبار جاءت بغسلها مرة مرة و بغسلها مرتين فظاهر القران لا يقتضى خلاف ذلك بل يحتمل كلتا الروايتين و مثل ذلك يوجد في احكام الشرع و اما قوله (عليه السلام) للسائل فأرجه وقف حتى تلقى امامك امره بذلك عند تمكنه من الوصول الى
62
الامام فاما اذا كان غائبا و لا يتمكن من الوصول اليه و الاصحاب كلهم مجمعون على الخبرين و لم يكن هناك رجحان لرواة احدهما على رواة الاخر بالكثرة و العدالة كان الحكم بهما من باب التخيير يدل على ما قلناه ما روى عن الحسن بن الجهم عن الرضا (عليه السلام) قال قلت له يجيئنا الاحاديث عنكم مختلفة قال ما جاءك عنا فاعرضه على كتاب اللّه عز و جل و احاديثنا فان يشبههما فهو عنا و ان لم يشبههما فليس منا قلت يجيئنا الرجلان و كلاهما ثقة بحديثين مختلفين فلا نعلم ايهما الحق فقال اذا لم تعلم فموسع عليك بايهما اخذت و ما رواه الحارث بن المغيرة عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال اذا سمعت من اصحابك الحديث و كلهم ثقة فموسع عليك حتى ترى القائم (عليه السلام) و ترد اليه
63
و روى سماعة بن مهران قال سألت ابا عبد اللّه (عليه السلام) قال قلت يرد علينا حديثان واحد يأمرنا بالاخذ به و الآخر ينهانا عنه قال لا يعمل بواحد منهما حتى يأتى صاحبك فتسأله عنه قال قلت لا بد ان يعمل باحدهما قال خذ بما فيه خلاف العامة و في الكافى عنه (عليه السلام) انه سأل عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به و منهم من لا نتق قال اذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب اللّه او من قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و الّا فالذى جاء بكم اولى به و فيه عنه (عليه السلام) كل شيء مردود الى الكتاب و السنة و كل حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو مزخرف و في عيون الاخبار عن الرضا (عليه السلام) في حديث له طويل قال في آخره
64
بعد ذكر العرض على الكتاب ثمّ السنة ثمّ التخيير و الرد الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ما لم تجدوه في شيء من هذه الوجوه فردوا الينا علمه فنحن اولى بذلك و لا تقولوا فيه بآرائكم و عليكم بالكف و التثبت و الوقوف و انتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا.
و قال ثقة الاسلام ابو جعفر محمّد بن يعقوب الكلينى (رحمه اللّه) في اوائل الكافى يا أخي ارشدك اللّه انه لا يسع احدا تمييز شيء مما اختلف الرواية فيه عن العلماء (عليهم السلام) برأيه الّا على ما اطلقه العالم (عليه السلام) بقوله اعرضوها على كتاب اللّه عز و جل فما وافق كتاب اللّه فخذوه و ما خالف كتاب اللّه فردوه و قوله (عليه السلام) دعوا ما
65
وافق القوم فان الرشد في خلافهم و قوله (عليه السلام) خذوا بالمجمع عليه فان المجمع عليه لا ريب فيه و نحن لا نعرف من جميع ذلك الا اقله و لا نجد شيئا احوط و لا اوسع من رد علم ذلك كله الى العالم (عليه السلام) و قبول ما وسع من الامر فيه بقوله (عليه السلام) بايهما اخذتم من باب التسليم وسعكم انتهى كلامه و قوله طاب ثراه نحن لا نعرف من جميع ذلك الا اقله يعنى به انا لا نعرف من الضوابط الثلث الا حكم اقل ما اختلف فيه الرواية دون الاكثر لان الاكثر لا يعرف من موافقة الكتاب و لا من مخالفة العامة و لا من الاجماع فالاحوط في القول رد علمه الى العالم اى الامام (عليه السلام) و الا وسع في العمل التخيير من باب التسليم دون الهوى يعنى لا يجوز لنا الافتاء و الحكم باحد الطرفين بتّة و ان جاز لنا العمل به من باب التسليم بالاذن عنهم (عليهم السلام)
66
قال بعض الفضلاء و انما لم يذكر الترجيح باعتبار الأفقهية و الاعدلية و باعتبار كثرة العدد لانه (رحمه اللّه) اخذ احاديث كتابه من الاصول المقطوع بها المجموع عليها انتهى كلامه و لعلك تقول ان الحكم في كل مسئلة واحد في نفس الامر كما هو مذهب اهل الحق و الاحكام الشرعية انما تراد معرفتها للعمل و حاجة المكلفين اليها جميعا سواء فما الوجه في اخفاء بعض المسائل و ابهامه فنقول ان الحكمة في اكثر الامور الشرعية غير معلومة لنا الا انه يمكننا ان نشير هاهنا الى ما يكسر سورة استبعادك بان نقول يحتمل ان يكون من الحكم في المتشابه المحتاط فيه ان يتميز
67
المتقى المتدين باحتياط في الدين و عدم رتاعه حول الحمى خوفا من الوقوع فيه مما لا تقوى له و يجترى في الرتاع حوله و لا يبالى بالوقوع فيه فيتفاضل بذلك درجات الناس و مراتبهم في الدين فكما ان تارك الشبهات في الحلال و الحرام و كذا فاعلها في المردد بين الفرض و النقل ليس كالهالك من حيث لا يعلم فكذا الهالك من حيث لا يعلم ليس كالهالك من حيث يعلم فالناس ثلاثة فرق مترتبين و يحتمل ان يكون من الحكم في المتشابه المخير فيه ان يتوسع التكليف لجمهور الناس باثبات التخيير في كثير من الاحكام و هذه رحمة من اللّه عز و جل و به يختلف مراتب التكليف باختلاف مراتب الناس في العقل و المعرفة و لعل امير المؤمنين (عليه السلام)
68
الى هذا اشار بقوله و لا تكلفوها رحمة من اللّه لكم فاقبلوها و ما لا نعلم من الحكم اكثر مما نعلم ثمّ نقول و مما يعده اهل الاجتهاد من المتشابهات و يجتهدون في تعيين الحكم فيه الامر المردد بين الوجوب و الندب و النهى المردد بين الحرمة و الكراهة و عند امعان النظر يظهر انه لا تشابه فيهما اذ المطلوب فعله او تركه مما لا يقبل التشكيك في الطلب فيمكن ان يكون مراتب الثواب و العقاب للعباد بقدر مراتب الارادة و الكراهة من الشارع و تكليف العباد بالامر و النهى لا يستلزم بيان مراتبهما
69
لهم اذ لا مدخل لعلم المكلف بذلك و انما الواجب عليه تمييز العبادة من غير العبادة اما العلم بمراتب المأمور بها و النهى عنها و تميز بعضها عن بعض فلا لعدم دليل عليه من عقل و لا نقل و هذا كما انا اذا كلفنا عبدنا بفعل او ترك فانه لا يتوقف امتثاله لنا على علمه بانّا هل نؤاخذه بالمخالفة ام لا فلا وجه لتكلف التعرف و ارتكاب التعسف في امثال ذلك و الاتيان في تعيينها بدلائل هى اوهن من بيت العنكبوت و كلمات يرجح عليها السكوت و هذا احد طرقهم في تكثير المسائل من غير ضرورة و الى اللّه المفزع
70
الفصل التاسع ذكر جملة من الآيات و الاخبار الواردة في ذم الاجتهاد و متابعة الآراء و المنع منهما
و لعلك تقول من اين قلت ان الشارع منع من الاجتهاد و العمل بالرأى و ان المنع من ذلك كان معروفا من مذهب الامامية حتى بين مخالفيهم فنقول اول من منع باقتفاء الرأى و اتباع الظن و ارتكاب الاجتهاد هو اللّه سبحانه قال عز من قائل إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنَّ الظَّنَّ لٰا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً و قال سبحانه إِنْ يَتَّبِعُونَ
71
إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلّٰا يَخْرُصُونَ اى يقولون بالتخمين و قال وَ إِنْ هُمْ إِلّٰا يَظُنُّونَ و قال بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوٰاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ و قال عز و جل وَ لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ و قال وَ لٰا تَقُولُوا لِمٰا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هٰذٰا حَلٰالٌ وَ هٰذٰا حَرٰامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللّٰهِ الْكَذِبَ و قال قُلْ أَ رَأَيْتُمْ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرٰاماً وَ حَلٰالًا قُلْ آللّٰهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّٰهِ تَفْتَرُونَ و قال وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنٰا بَعْضَ الْأَقٰاوِيلِ لَأَخَذْنٰا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنٰا مِنْهُ الْوَتِينَ و قال حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوٰاحِشَ الى قوله وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ و قال أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثٰاقُ الْكِتٰابِ أَنْ لٰا يَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ إِلَّا الْحَقَّ و قال وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ وَ لٰا تَتَّبِعْ
72
أَهْوٰاءَهُمْ وَ احْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ إِلَيْكَ و قال وَ مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللّٰهِ وَ لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ و قال وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الظّٰالِمُونَ و في الحديث القدسي ما آمن بى من فسر كلامى برأيه و ما على دينى من استعمل القياس في دينى رواه الصدوق في اماليه و عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من فسر القرآن برأيه فاصاب الحق فقد اخطأ و هو مشهور و في نهج البلاغة من كلام امير المؤمنين (عليه السلام) في ذم اختلاف العلماء في
73
القياس ترد على احدهم القضية في حكم من الاحكام فيحكم فيها برأيه ثمّ ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند الامام الذى استقضاهم فيصوب آرائهم جميعا و الههم واحد و نبيهم واحد و كتابهم واحد أ فأمرهم اللّه بالاختلاف فاطاعوه ام نهاهم فعصوه ام انزل اللّه تعالى دينا ناقصا فاستعان بهم على اتمامه ام كانوا شركاء له فلهم ان يقولوا و عليه ان يرضى ام انزل اللّه دينا تاما فقصر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن تبليغه و ادائه و اللّه سبحانه يقول مٰا فَرَّطْنٰا فِي الْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ و تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْءٍ و ذكر ان الكتاب يصدق بعضه بعضا و انه لا اختلاف فيه فقال سبحانه وَ لَوْ كٰانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّٰهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلٰافاً كَثِيراً و ان
74
القرآن ظاهره انيق و باطنه عميق لا تفنى عجائبه و لا تنقضى غرائبه و لا ينكشف الظلمات الّا به قال ابن ابى الحديد عند شرحه لهذا الكلام يقول لا ينبغى ان يحمل جميع ما في الكتاب العزيز على ظاهره فكم من ظاهر فيه غير مراد بل المراد به امر آخر باطن و المراد الرد على اهل الاجتهاد في الاحكام الشرعية و افساد قول من قال كل مجتهد مصيب و تلخيص الاجتهاد من خمسة اوجه:
احدها انه لما كان الاله سبحانه واحدا و الرسول (عليه السلام) واحدا و الكتاب واحدا وجب ان لا يكون الحكم في الواقعة الا واحدا كالملك الذى يرسل الى رعيته رسولا
75
بكتاب يأمرهم فيه باوامر يقتضيها ملكته و امرته فانه لا يجوز ان يتناقض اوامره و لو تناقضت لنسب الى السفه و الجهل و ثانيها لا يخلو الاختلاف الذى ذهب اليه المجتهدون اما ان يكون مأمورا به او منهيا عنه و الاول باطل لانه ليس في الكتاب و السنة ما يمكن الخصم ان يتعلق به في كون الاختلاف مأمورا به و الثانى حق و يلزم منه تحريم الاختلاف و ثالثها اما ان يكون دين الاسلام ناقصا او تاما فان كان الاول كان اللّه سبحانه قد استعان بالمكلفين على اتمام شريعة ناقصة ارسل بها رسوله اما استعانة على سبيل النيابة عنه او على سبيل المشاكلة له و كلاهما كفر و ان كان الثانى فاما
76
ان يكون اللّه سبحانه انزل الشرع تاما فقصر الرسول عن تبليغه او يكون الرسول قد بلغه على تمامه و كماله فان كان الاول فهو كفر ايضا و ان كان الثانى فقد بطل الاجتهاد لان الاجتهاد انما يكون فيما لم يتبين فاما ما تبين فلا مجال للاجتهاد فيه و رابعها الاستدلال بقوله تعالى مٰا فَرَّطْنٰا فِي الْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ و قوله تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْءٍ و قوله سبحانه وَ لٰا رَطْبٍ وَ لٰا يٰابِسٍ إِلّٰا فِي كِتٰابٍ مُبِينٍ فهذه الآيات دالة على اشتمال الكتاب العزيز على جميع الاحكام فكل ما ليس في الكتاب وجب ان لا يكون من الشرع و خامسها قوله تعالى وَ لَوْ كٰانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّٰهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلٰافاً كَثِيراً
77
فجعل الاختلاف دليلا على انه ليس من عند اللّه لكنه من عند اللّه سبحانه بالادلة القاطعة الدالة على صحة النبوة فوجب ان لا يكون فيه اختلاف قال و اعلم ان هذه الوجوه هى التى يتعلق بها الامامية و نفاة القياس و الاجتهاد في الشرعيات و قد تكلم عليه اصحابنا في كتبهم انتهى اقول و في كلامه هذا دلالة على ان نفى الاجتهاد كان معروفا من مذهب الامامية حتى عند مخالفيهم كما ان نفى القياس كان معروفا من مذهبهم و في نهج البلاغة ايضا من كلام امير المؤمنين (عليه السلام) في صفة من يتصدى للحكم من الامة و ليس لذلك باهل ان ابغض الخلائق الى اللّه رجلان رجل
78
و كله اللّه الى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل مشعوف بكلام بدعة و دعاء ضلالة فهو فتنة لمن افتتن به ضال عن هدى من كان قبله مضل لمن اقتدى به في حياته و بعد وفاته حمّال خطايا غيره رهن بخطيئته و رجل قمش جهلا موضع في جهال الامة غارّ في اغباش الفتنة عم بما في عقد الهدنة قد سماه اشباه الناس عالما و ليس به بكّر فاكثر من جمع ما قل منه خير مما كثر حتى اذا ارتوى من ماء آجن و اكتنز من غير طائل جلس بين الناس قاضيا ضامنا لتخليص ما التبس على غيره فان نزلت به احدى المبهمات هيّأ لها حشوا من رأيه ثمّ قطع به فهو من لبس الشبهات في مثل نسج العنكبوت لا يدرى أصاب أم اخطأ ان اصاب خاف ان يكون قد اخطأ و ان اخطأ
79
خاف ان يكون قد اصاب جاهل خبّاط جهلات عاش ركاب عشوات لم يعضّ على العلم بضرس قاطع يذرى الروايات اذراء الريح الهشيم لا مليء و اللّه باصدار ما ورد عليه و لا هو أهل لما فوض اليه لا يحسب العلم في شيء مما انكره و لا يرى ان من وراء ما بلغ منه مذهبا لغيره و ان اظلم عليه امر اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه تصرخ من جور قضائه الدماء و يعج منه المواريث الى اللّه اشكو من معشر يعيشون جهالا و يموتون ضلالا ليس فيهم سلعة ابور من الكتاب اذا تلي حق تلاوته و لا سلعة انفق بيعا و لا اغلى ثمنا من الكتاب اذا حرف عن مواضعه و لا عندهم انكر من المعروف و لا اعرف من المنكر قال ابن ابى الحديد في شرح هذا الكلام ان قيل بيّن الفرق بين الرجلين
80
الذين احدهما رجل و كله اللّه الى نفسه و الآخر رجل قمش جهلا فانهما في الظاهر واحد قيل اما الرجل الاول فهو الضال في اصول العقائد كالمشبّه و المجبّر و نحوهما أ لا تراه كيف قال مشعوف بكلام بدعة و دعاء ضلالة و هذا يشعر بما قلناه من ان مراده به المتكلم في اصول الدين و هو ضال عن الحق و لهذا قال انه فتنة لمن افتتن به ضال عن هدى من كان قبله مضل لمن يجيء بعده و اما الرجل الثانى فهو المتفقه في فروع الشرعيات و ليس باهل لذلك كفقهاء السوء أ لا تراه كيف يقول جلس بين الناس قاضيا.
و قال ايضا يصرخ من جور قضائه الدماء و يعج منه المواريث و من كلام له (عليه السلام)
81
و آخر قد يسمى عالما و ليس به فاقتبس جهايل من جهال و اضاليل من ضلال و نصب للناس اشراكا من حبال غرور و قول زور قد حمل الكتاب على آرائه و عطف الحق على اهوائه يؤمن من العظائم و يهون كبير الجرائم يقول اقف عند الشبهات و فيها وقع و يقول اعتزل البدع و بينها اضطجع و الصورة صورة انسان و القلب قلب حيوان لا يعرف باب الهدى فيتبعه و لا باب العمى فيصد عنه فذلك ميت الاحياء فاين يذهبون و انى يؤفكون و الاعلام قائمة و الآيات واضحة و المنائر منصوبة فأين يتاه بكم بل كيف تعمهون و بينكم عترة نبيكم و هم ازمة الحق و اعلام الدين و السنة الصدق فانزلوهم باحسن منازل القرآن وردوهم ورود اليهم العطاش ايها الناس خذوه عن خاتم النبيين (صلّى اللّه عليه و آله)
82
انه يموت من مات منا و ليس بميت و يبلى من بلى منا و ليس ببال فلا تقولوا بما لا تعرفون فان اكثر الحق فيما تنكرون و اعذروا من لا حجة لكم عليه و انا هو أ لم اعمل فيكم بالثقل الاكبر و اترك فيكم الثقل الاصغر و ركزت فيكم راية الايمان و وقفتكم على حدود الحلال و الحرام و البستكم العافية من عدلى و فرشت لكم المعروف من قولى و فعلى و اريتكم كرائم الاخلاق من نفسى فلا تستعملوا الرأى فيما لا يدرك قعره البصر و لا يتفاضل اليه الفكر و من الكلام له (عليه السلام) في خطبة له ما كل ذى قلب بلبيب و لا كل ذى سمع بسميع و لا كل ذى ناظر ببصير فيا عجبا و ما لى لا اتعجب من خطأ هذه الفرق على
83
اختلاف حججها في دينها لا يقتفون اثر نبى و لا يقتدون بعمل وصى و لا يؤمنون بغيب و لا يعفون عن عيب يعملون في الشبهات و يسيرون في الشهوات المعروف فيهم ما عرفوا و المنكر عندهم ما انكروا مفزعهم في المعضلات على انفسهم و تعويلهم في المبهمات على آرائهم كان كل امرء منهم امام نفسه قد اخذ منها فيما يرى بعرى وثيقات و اسباب محكمات و من كلامه (عليه السلام) اعلموا عباد اللّه ان المؤمن يستحل العام ما استحل عاما اولا و يحرم العام ما حرم عاما اولا و ان ما احدث الناس لا يحل لكم شيئا مما حرم عليكم و لكن الحلال ما احل اللّه و الحرام ما حرم اللّه.
و في التهذيب بسنده عن أبي جعفر (عليه السلام) قال قال على (عليه السلام) لو قضيت بين رجلين بقضية ثمّ عادا لم ازدهما على القول الآخر لان الحق لم يتغير و في هذين الخبرين دلالة واضحة على بطلان ما اشتهر بين المجتهدين و عليه بناء الاجتهاد و على الاجتهاد بناءه ان
84
للمجتهد ان يرجع عن قوله اذا بدا له دليله في دليله.
و مثلهما في الدلالة ما رواه في الكافى باسناده عن زرارة قال سألت ابا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحلال و الحرام فقال حلال محمد حلال الى يوم القيمة و حرامه حرام الى يوم القيمة لا يكون غيره و لا يجيء غيره و ما في نهج البلاغة ايضا من كلامه (عليه السلام) في ذكر القرآن اتم به نوره و اكمل به دينه و قبض نبيه و قد فرغ الى الخلق من احكام الهدى به فعظموا منه سبحانه ما عظم من نفسه فانه لم يخف عنكم شيئا من دينه و لم يترك شيئا رضيه او كرهه الا و جعل له علما باديا و آية محكمة تزجر عنه او تدعو اليه فرضاه فيما بقي واحد و سخطه فيما بقي واحد و اعلموا انه لن يرضى عنكم بشيء سخطه على من كان قبلكم و لن يسخط عليكم بشيء رضيه ممن كان قبلكم و انما تسيرون في اثر بين و تتكلمون برجع قول قد قاله الرجال من قبلكم قال ابن ابى الحديد
85
في شرح هذا الكلام قوله فرضاه فيما بقي واحد معناه ان ما لم يبق عليه صريحا بل هو في محل النظر ليس يجوز للعلماء ان يجتهدوا فيه فيحله بعضهم و يحرمه بعضهم بل رضا اللّه سبحانه امر واحد و كذلك سخطه فليس يجوز ان يكون شيء من الاشياء يفتى فيه قوم بالحل و قوم بالحرمة و هذا قول منه بتحريم الاجتهاد و قد سبق منه (عليه السلام) مثل هذا الكلام مرا را قوله (عليه السلام) و اعلموا انه ليس يرضى عنكم الكلام الى منتهاه معناه انه ليس يرضى عنكم بالاختلاف في الفتاوى و الاحكام كما اختلف الامم من قبلكم فسخطه اختلافهم قال سبحانه «الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كٰانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ» و كذلك ليس يسخط عليكم بالاتفاق الذى يرضيه ممن كان قبلكم من القرون انتهى كلامه و في تفسير أبي محمد العسكرى (عليه السلام) عن امير المؤمنين (عليه السلام) انه قال يا معشر شيعتنا و المنتحلين ولايتنا اياكم و اصحاب الرأى فانهم اعداء السنن تفلتت
86
منهم الاحاديث ان يحفظوها و أعيتهم السنة ان يعوها فاتخذوا عباد اللّه حولا و ما لهم دولا فذلت لهم الرقاب و اطاعهم الخلق اشباه الكلاب و نازعوا الحق و اهله و تمثلوا بالائمة الصادقين و هم من الجهال الكفار الملاعين فسئلوا عما لا يعملون فأنفوا ان يعترفوا بانهم لا يعلمون فعارضوا الدين بآرائهم و ضلوا فاضلوا اما لو كان الدين بالقياس لكان باطن الرجلين اولى بالمسح من ظاهرهما و في الكافى عن أبي جعفر (عليه السلام) قال خطب امير المؤمنين (عليه السلام) فقال ايها الناس انما بدء وقوع الفتن اهواء تتبع و احكام تبتدع يخالف فيها كتاب اللّه يتولى فيها رجال رجالا فلو ان الباطل خلص لم يخف على ذى حجى و لو ان الحق خلص لم يكن اختلاف و لكن يؤخذ من هذا ضغث و من هذا ضغث فيمن جان و يجيئان معا فهنالك استحوذ الشيطان على اوليائه و ينجى الذين سبقت لهم منا الحسنى.
87
و باسناده عن امير المؤمنين (عليه السلام) في حديث طويل و من عمى نسى الذكر و اتبع الظن و بارز خالقه قيل المراد بالذكر القرآن يعنى قوله تعالى وَ إِنَّ الظَّنَّ لٰا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً و باسناده عن مسعدة بن صدقة قال حدثنى جعفر بن محمد عن ابيه ان عليا (عليه السلام) قال من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره في التباس و من دان اللّه بالرأى لم يزل دهره في ارتماس قال و قال ابو جعفر من افتى الناس برأيه فقد دان اللّه بما لا يعلم و من دان اللّه بما لا يعلم فقد ضاد اللّه حيث احل و حرم فيما لا يعلم و في بصائر الدرجات باسناده عن ابى جعفر (عليه السلام) لو حدثنا برأينا ظللنا كما ضل من كان قبلنا و لكنا حدثنا ببينة من ربنا بيّنها لنبيه (صلّى اللّه عليه و آله) فبيّنها لنا.
و في الكافى ما يقرب منه فاذا كان الاعتماد على الرأى من اهل العصمة يؤدى
88
الى الضلال فكيف من غيرهم (عليهم السلام) و في الكافى باسناده عن محمد بن مسلم قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ان قوما من اصحابنا تفقهوا و اصابوا علما و رووا احاديث فيرد عليهم الشيء فيقولون فيه برأيهم فقال لا و هل هلك من مضى الّا بهذا و اشباهه و باسناده عنه (عليه السلام) قال انهاك عن خصلتين ففيهما هلك الرجال انهاك ان تدين اللّه بالباطل و تفتى الناس بما لا تعلم و فيه عن يونس بن عبد الرحمن قال قلت لابى الحسن الاول (عليه السلام) بما اوحّد اللّه فقال يا يونس لا تكونن مبتدعا من نظر برأيه هلك و من ترك اهل بيت نبيه ضل و من ترك كتاب اللّه و قول نبيه كفر
89
و في بصائر الدرجات باسناده عن ابى الحسن (عليه السلام) قال انما هلك من كان قبلكم بالقياس و ان اللّه تبارك و تعالى لم يقبض نبيه حتى اكمل له جميع دينه في حلاله و حرام فجاءكم بما تحتاجون اليه في حياته و تستغنون به و باهل بيته بعد موته و انه مخفى عند اهل بيته حتى ان فيه لارش الكف و انه ليس شيء في الحلال و الحرام و جميع ما يحتاج اليه الناس الا و جاء فيه كتاب او سنة و في المحاسن عن محمد بن حكيم قال قال ابو الحسن (عليه السلام) اذا جاءكم ما تعلمون فقولوا و اذا جاءكم ما لا تعلمون فها و وضع يده على فيه فقلت و لم ذلك فقال لان رسول اللّه اتى الناس بما اكتفوا به على عهده و ما يحتاجون به الى يوم القيمة و في الكافى عنه (عليه السلام) مثله و في المحاسن باسنادهما عن يحيى الحلبى و ابن مسكان و حبيب قالوا قال
90
لنا ابو عبد اللّه ما احب احد اليّ منكم ان الناس سلكوا سبلا شتى منهم من اخذ بهواه و منهم من اخذ برأيه و انكم اخذتم بامر له اصل و في حديث آخر لحبيب عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال ان الناس اخذوا هكذا و هكذا و طائفة اخذوا باهوائهم و طائفة قالوا بآرائهم و طائفة بالرواية و ان اللّه هداكم بحبه و حب من ينفعكم حبه عنده و في التهذيب باسناده عن الصادق (عليه السلام) قال انا اذا وقفنا بين يدى اللّه تعالى قلنا يا رب اخذنا بكتابك و قال الناس رأينا رأينا و يفعل بنا و بهم ما اراد و في رواية اخرى عملنا كتابك و سنة رسولك و في الكافى باسناده عن ابى بصير قال قلت لابى عبد اللّه (عليه السلام) ترد علينا اشياء ليس نعرفها في كتاب اللّه و لا سنة نبيه فننظر فيها؟ فقال اما انك لو اصبت لم توجر و ان اخطأت كذبت على اللّه عز و جل و في الفقيه قال الصادق (عليه السلام) الحكم حكمان حكم اللّه عز و جل و حكم اهل فصل ششم
91
الجاهلية فمن اخطأ حكم اللّه حكم بحكم اهل الجاهلية و من حكم بدرهمين بغير ما انزل اللّه فقد كفر باللّه.
و في الكافى عن ابى بصير قال سمعت ابا عبد اللّه (عليه السلام) يقول من حكم بدرهمين بغير ما انزل اللّه فهو كافر باللّه العظيم و فيه عن معاوية ابن وهب قال سمعت ابا عبد اللّه (عليه السلام) يقول أيّ قاض قضى بين اثنين فاخطأ سقط ابعد من السماء و فيه انه (عليه السلام) قال لابن ابى ليلى انت ابن ابى ليلى قاضى المسلمين قال نعم قال فبأى شيء تقضى قال بما بلغنى عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و عن على و عن ابى بكر و عمر قال بلغك عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) انه قال علىّ اقضاكم قال نعم قال كيف تقضى بغير قضائه و قد بلغك هذا قال فما تقول اذا جيء بارض من فضة و سماء من فضة ثمّ اخذ رسول اللّه بيدك و اوقفك بين يدى ربك فقال يا رب ان هذا قضى بغير ما قضيت قال فاصفر وجه ابن ابى ليلى حتى عاد مثل الزعفران
92
و باسناده عن عبد الرحمن بن الحجاج قال كان ابو عبد اللّه قاعدا في حلقة ربيعة الرأى فجاء اعرابي فسأل ربيعة الرأى عن مسئلة فاجاب فلما سكت قال له الاعرابى هو في عنقك فسكت ربيعة فقال ابو عبد اللّه (عليه السلام) هو في عنقه قال أ و لم يقل و كل مفت ضامن و عن ابى عبيدة الحذاء قال قال ابو جعفر (عليه السلام) من افتى الناس بغير علم و لا هدى من اللّه لعنته ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب و لحقه وزر من عمل بفتياه و عن ابى بصير عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال قلت له اتَّخَذُوا أَحْبٰارَهُمْ وَ رُهْبٰانَهُمْ أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اللّٰهِ فقال اما و اللّه ما دعوهم الى عبادة انفسهم و لو دعوهم ما اجابوهم و لكن احلوا لهم حراما و حرموا عليهم حلالا فعبدوهم من حيث لا يشعرون
93
و في روضة الكافى باسانيد متعددة عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في رسالة طويلة قال (عليه السلام) ايتها العصابة المرحومة المفلحة ان اللّه اتم بكم ما اتاكم من الخير و اعلموا انه ليس من علم اللّه و لا من امره ان يأخذ احد من خلق اللّه في دينه بهوى و لا برأى و لا مقائيس قد انزل اللّه فيه القرآن و جعل فيه تبيان كل شيء و جعل للقرآن و تعلم القرآن اهلا لا يسع اهل علم القرآن الذين هديهم اللّه علمه ان يأخذوا فيه بهوى و لا رأى و لا مقائيس اغناهم اللّه عن ذلك بما آتاهم اللّه من علمه و خصهم به و وضعه عندهم كرامة من اللّه اكرمهم بها و هم اهل الذكر الذين امر اللّه هذه الامة بسؤالهم و هم الذين من سألهم و قد سبق في علم اللّه ان يصدقهم و يتبع اثرهم ارشدوه و اعطوه من علم القرآن ما يهتدى به الى اللّه باذنه و الى جميع سبل الحق و هم الذين لا يرغب عنهم و عن مسائلهم و عن علمه الذى اكرمهم اللّه به و جعله عندهم الا من سبق عليه في علم اللّه الشقا في اصل
94
الخلق تحت الاظلة فاولئك يرغبون عن سؤال اهل الذكر و الذين آتاهم اللّه علم القرآن و وضعه عندهم و امرهم بسؤالهم و اولئك الذين يأخذون باهوائهم و آرائهم و مقائيسهم حتى دخلهم الشيطان لانهم جعلوا اهل الايمان في علم القرآن عند اللّه كافرين و جعلوا اهل الضلالة في علم القرآن عند اللّه مؤمنين و جعلوا ما احل اللّه في كثير من الامر حراما و جعلوا اما حرم اللّه في كثير من الامر حلالا فذلك اصل ثمرة اهوائهم و قد عهد اليهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قبل موته فقالوا نحن بعد ما قبض اللّه عز و جل رسوله يسعنا أن ناخذ بما اجتمع عليه رأى الناس بعد قبض رسوله و بعد عهده الذى عهده الينا و امرنا به مخالفة للّه و رسوله فما احد اجرى و لا ابين ضلالة ممن قال بذلك و زعم ان ذلك يسعه و اللّه ان للّه على خلقه ان يطيعوه و يتبعوا امره في حيوة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و موته الحديث بطوله و في هذا الحديث و اتبعوا آثار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سنته فخذوا بها و لا تتبعوا اهواءكم
95
و آرائكم فتضلوا فان اضل الناس عند اللّه من اتبع هواه و رأيه بغير هدى من اللّه و فيه ايضا ايتها العصابة الحافظ للّه لهم امرهم عليكم بآثار رسول اللّه و آثار الائمة الهداة من اهل بيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من بعده و سنتهم فانه من اخذ بذلك فقد اهتدى و من ترك ذلك و رغب عنه ضل لانهم هم الذين امر اللّه بطاعتهم و ولايتهم و في المحاسن باسناده عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انه قال في رسالته و اما ما سألت من القرآن فذلك ايضا من خطراتك المتفاوتة المختلفة لان القرآن ليس على ما ذكرت و كلما سمعت فمعناه غير ما ذهبت اليه و انما القرآن امثال لقوم يعلمون دون غيرهم و لقوم يتلونه حق تلاوته و هم الذين يؤمنون به و يعرفونه و اما غيرهم فما اشد استشكاله عليهم و ابعده من مذاهب قلوبهم و كذلك قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) انه ليس شيء ابعد من قلوب الرجال من تفسير القرآن و في ذلك تحير الخلائق
96
اجمعون الا من شاء اللّه و انما اراد اللّه بتعميته في ذلك ان ينتهوا الى بابه و صراطه و ان يعبدوه و ينتهوا في قوله الى طاعة القوام بكتابه و الناطقين عن امره و ان يستنبطوا ما احتاجوا اليه من ذلك عنهم لا عن انفسهم ثمّ قال وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ فاما عن غيرهم فليس يعلم ذلك ابدا و لا يوجد و قد علمت انه لا يستقيم ان يكون الخلق كلهم ولاة الامر اذ لا يجدون من يأتمرون عليه و لا من يبلغونه امر اللّه و نهيه فجعل اللّه الولاة خواص ليقتدى بهم من لم يخصصهم بذلك فافهم ذلك ان شاء اللّه و اياك و تلاوة القرآن برأيك فان الناس غير مشتركين في علمه كاشتراكهم فيما سواه من الامور و لا قادرين عليه و على تأويله الّا من حدّه و بابه الذى جعل اللّه له فافهم ان شاء اللّه و اطلب الامر من مكانه تجده ان شاء اللّه تعالى.
97
اقول تكريره (عليه السلام) قوله فافهم اشارة الى ان العالم بذلك كله كما ينبغى هم (عليهم السلام) خاصة و في كتاب المحاسن ايضا في باب المقائيس و الرأى عنه عن ابيه عمن ذكره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رسالته الى اصحاب الرأى و المقائيس اما بعد فان من دعا غيره الى دينه بالارتياء و المقائيس لم ينصف و لم يطب حظه لان المدعو الى ذلك لا يخلو ايضا من الارتياء و المقائيس و متى لم يكن بالداعى قوة في دعائه على المدعو لم يؤمن على الداعى ان يحتاج الى المدعو بعد قليل قد رأينا المتعلم الطالب ربما كان فائقا لمعلم و لو بعد حين و رأينا المعلم الداعى ربما احتاج في رأيه الى رأى من يدعوه و في ذلك تحير الجاهلون و شك المرتابون و ظن الظانون و لو كان ذلك عند اللّه جائزا لم يبعث الرسل بما فيه الفضل و لم ينه عن العزل و لم يعب
98
الجهل و لكن الناس لما سفهوا الحق و عظموا النعمة و استغنوا بجهلهم و تدبيرهم عن علم اللّه و اكتفوا بذلك دون رسله و القوام بأمره و قالوا لا شيء الّا ما ادركته عقولنا و عرفته ألبابنا فولاهم اللّه ما تولوا و اهملهم اللّه فخذلهم حتى صاروا عبدة انفسهم من حيث لا يعلمون و لو كان اللّه رضى عنهم اجتهادهم و ارتيائهم فيما ادعوا من ذلك لم يبعث اللّه اليهم فاصلا لما بينهم و لا زاجرا عن وصفهم و انما استدللنا ان رضاء اللّه غير ذلك ببعث الرسل بالامور القيمة الصحيحة و التحذير عن الامور المشكلة المفسدة ثمّ جعلهم ابوابه و صراطه و الادلاء عليه بأمور محجوبة عن الرأى و القياس فمن طلب ما عند اللّه بقياس و رأى لم يزدد من اللّه الّا بعدا و لم يبعث رسولا قط و ان طال عمره قابلا من الناس خلاف ما جاء به حتى يكون متبوعا مرة و تابعا اخرى و لم ير ايضا فيما جاء به استعمل رأيا و لا مقياسا حتى يكون ذلك واضحا عنده كالوحى من اللّه
99
و في ذلك دليل لكل ذى لبّ و حجى ان اصحاب الرأى و القياس مخطئون و مدحضون و انما الاختلاف فيما دون الرسل لا في الرسل فاياك ايها المستمع ان تجمع عليك خصلتين احداهما القذف بما جاش به صدرك و اتباعك لنفسك الى غير قصد و لا معرفة حد و الاخرى استغناءك عما فيه حاجتك و تكذيبك لمن اليه مردّك و اياك و ترك الحق سامة و ملالة و اتباعك الباطل جهلا و ضلالة لانا لم نجد تابعا لهواه جائرا عما ذكرناه قط رشيدا فانظر في ذلك و الاخبار في هذا الباب اكثر من ان تحصى و فيما ذكرناه كفاية ان شاء اللّه ان قيل قد جاءت روايتان احداهما عن ابى جعفر و ابى عبد اللّه (عليهما السلام)
100
انهما قالا علينا أن نلقى اليكم الاصول و عليكم أن تفرعوا و الثانية عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام) قال علينا القاء الاصول و عليكم التفريع و هذا هو الاذن في الاجتهاد فكيف التوفيق قلنا ليس معنا الحديثين ما ذهبت اليه كلا بل ليس معناهما الّا نعمد الى ما القوا الينا من الاحكام الكلية فنستخرج منها احكاما جزئية بالبراهين اليقينية باحد الاشكال الاربعة و ليس هذا من اجتهاد الرأى و استنباط الحكم بالظن في شيء في ذلك مثل قولهم (عليهم السلام) لا ينقض اليقين ابدا بالشك و لكن ينقضه بيقين آخر فانا نفهم من هذا الحديث يقينا ان المتيقن للطهارة الشاك في الحدث لا يجب عليه
101
الطهارة و المتيقن لطهارة ثوبه الشاك في وصول نجاسة اليه لا يجب غسله و المتيقن لشعبان الشاك في دخول رمضان لا يجب عليه الصيام الى غير ذلك من الجزئيات و مثل قولهم (ع) كل شيء مطلق حتى ورد فيه نهى و قولهم (عليهم السلام) كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه و قولهم (عليهم السلام) كلما غلب اللّه عليه من امر فاللّه اعذر لعبده و قولهم (عليهم السلام) اذا جزمت من شيء ثمّ شككت فيه فشكك ليس بشيء الى غير ذلك من الاصول الكلية التى يتفرع عليها الجزئيات و قد ذكرنا طرفا منها في كتابنا الموسوم بالاصول الاصيلة فليطلبها من ارادها هنالك مع تتمة الكلام و بسطة في ذلك و للّه الحمد
102
الفصل العاشر نقل كلام بعض القدماء في ذم الاجتهاد و متابعة الآراء
قد علمت ان انحصار طريق معرفة العلوم الشرعية اصولية كانت او فروعية في الرواية عن اهل البيت (عليهم السلام) و عدم جواز التمسك في شيء منها الى المقدمات الجدلية و الاستنباطات الظنية كان من شعار متقدمى اصحابنا اصحاب الائمة (صلوات اللّه عليهم).
فاعلم انهم صنفوا في ذلك كتبا و رسائل فمن الكتب المصنفة في ذلك كتاب النقض على عيسى بن ابان في الاجتهاد و ذكره النجاشى في ترجمة اسماعيل بن على بن اسحاق و منها كتاب الايضاح لفضل بن شاذان النيسابورى و كان من اجل اصحابنا
103
الفقهاء و قد روى عن ابى جعفر الثانى (عليه السلام) و قيل عن الرضا (عليه السلام) ايضا و قد صنف مائة و ثمانين كتابا و ترحم ابو محمد (عليه السلام) مرتين او ثلثا ولاء قال بعد ان رأى تصنيفه و نظر فيه و ترحم عليه اغبط اهل خراسان بمكان الفضل بن شاذان قال في كتابه المذكور في القوم المتسمين بالجماعة المنسوبين الى السنة انا وجدناهم يقولون ان اللّه تبارك و تعالى لم يبعث نبيه الى خلقه بجميع ما يحتاجون اليه من امر دينهم و حلالهم و حرامهم و دمائهم و مواريثهم و رقّهم و ساير احكامهم و ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يكن يعرف ذلك او عرفه و لم يبينه لهم و ان اصحابه من بعده و غيرهم من التابعين استنبطوا ذلك برأيهم و اقاموا احكاما سموها سنة اجروا الناس علوما و منعوهم ان يجاوزوها الى غيرها و هم فيها مختلفون يحل فيها بعضهم ما يحرمه بعض و يحرمه بعضهم ما يحل بعض و قال في حق الشيعة انهم يقولون ان اللّه جل ثنائه تعبد خلقه بالعمل
104
بطاعته و اجتناب معصيته على لسان نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) فبين لهم جميع ما يحتاجون اليه من امر دينهم صغيرا و كبيرا فبلغهم اياه خاصا و عاما و لا يكلهم الى رأيهم و لم يتركهم عمى و لا شبهة علم ذلك من علمه و جهل من جهله فاما ما ابلغهم عاما فهو ما الامة عليه من الوضوء و الصلاة و الخمس و الزكاة و الصيام و الحج و الغسل من الجنابة و اجتناب ما نهى اللّه عنه في كتابه من ترك الزنا و السرقة و الاعتداء و الظلم و الرياء و اكل مال اليتيم و ما اشبه ذلك مما يطول تفسيره و هو معروف عند الخاصة و العامة و اما ما ابلغه خاصا فهو ما وكلنا اليه من قول أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ و قوله فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ فهذه خاص و لا يجوزان يكون من جعل اللّه له الطاعة على الناس ان يدخل في مثل ما هم فيه من المعاصى و ذلك لقول اللّه جل ثنائه وَ إِذِ ابْتَلىٰ إِبْرٰاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمٰاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قٰالَ إِنِّي جٰاعِلُكَ
105
لِلنّٰاسِ إِمٰاماً قٰالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قٰالَ لٰا يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ ليسوا بائمة يعهد اليهم في العدل على الناس و قد أبى اللّه ان يجعلهم ائمة و علمنا ان قوله تبارك و تعالى إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ عهد عهده اليهم لم يعهد هذا العهد الّا الى ائمّة يحسنون ان يحكموا بالعدل و لا يجوز ان يأمر ان يحكم بالعدل من لا يعرف العدل و لا يحسنه و انما أمر أن يحكم بالعدل من يحسن ان يحكم بالعدل ثمّ قال بعد كلام طويل ثمّ رجعنا الى مخاطبة الصنف الاول فقلنا لهم ما دعاكم الى ان قلتم ان اللّه لم يبعث الى خلقه بجميع ما يحتاجون اليه من الحلال و الحرام و الفرائض و الاحكام و ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يعلم ذلك او علمه و لم يبينه للناس و ما الذى اضطركم الى ذلك قالوا لم نجد الفقهاء يردون جميع ما يحتاج الناس اليه من امر الدين و الحلال و الحرام و الفرض من
106
الصلاة و غيرها فلا بد من النظر فيما لم يأتنا من الرواية عنه و استعمال الرأى فيه و تجويز ذلك لنا قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لمعاذ ابن جبل حين وجّهه الى اليمن بم تقضى قال بالكتاب قال فما لم يكن في الكتاب قال فبالسنة قال فما لم يكن في السنة قال اجتهد رأيى قال الحمد للّه الذى وفق رسول رسوله فعلمنا انه قد اوجب ان من الحكم ما لم يأت به في كتاب و لا سنة و انه لا بد من استعمال الرأى و قوله (صلّى اللّه عليه و آله) ان مثل اصحابى فيكم مثل النجوم بأيها اقتديتم اهديتم و اختلاف اصحابى لكم رحمة فعلمنا انه لم يكلنا الى رأيهم الا فيما لم يأتنا به و لم يبينه لنا و تقدم في ذلك الصحابة الاولون فيما قالوا فيه برأيهم من الاحكام و المواريث و الحلال و الحرام فعلمنا انهم لم يفعلوا الا ما هو لهم جائز و انهم لم يخرجوا من الحق و لم يكونوا ليجتمعوا على باطل فلا لنا ان نضلّلهم فيما فعلوا فاقتدينا بهم فانهم الجماعة و الكثرة و يد اللّه على الجماعة و لم يكن اللّه ليجمع الامة على ضلال قيل لهم ان اكذب الروايات و ابطلها
107
ما نسب فيه الى الجور و نسب نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) الى الجهل و في قولكم ان اللّه لم يبعث الى خلقه بجميع ما يحتاجون اليه تجويز له في حكمه و تكذيب بكتابه لقوله الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ و لا يخلو الاحكام اما ان تكون من الدين او ليست من الدين فان كانت من الدين فقد اكملها و بينها لنبيّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ان كانت عندكم ليست من الدين فلا حاجة بالناس اليها و لا يجب في قولكم عليهم بما ليس في الدين و هذه شنعة لو دخلت على اليهود و النصارى في دينهم لتركوا ما يدخل عليهم به هذه الشنعة و هى متصلة بمثلها من تجهيل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و ادعائكم استنباط ما لم يكن يعرفه من فروع الدين و حق الشيعة الهرب مما اقررتم به من هاتين الشنعتين اللتين فيهما الكفر باللّه و برسوله و قال و فيما ادعيتم من قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لمعاذ تكذيب بما انزل اللّه و طعن
108
على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) فأما ما كذبتم به من كتاب اللّه مما قد بيناه في صدر كتابنا من قوله و ان احكم بما انزل اللّه و لا تتبع اهواءهم فاحذرهم ان يفتنوك عن بعض ما انزل اللّه اليك و قوله و ما اختلفتم فيه من شيء فحكمه الى اللّه و قوله و لا يشرك في حكمه احدا و قوله الا له الحكم و هو اسرع الحاسبين و قوله له الحكم و اليه ترجعون و قوله فاصبر لحكم ربك و ما اشبهه مما في الكتاب يدل على ان الحكم للّه وحده فزعمتم انه ليس في الكتاب و لا فيما انزل اللّه على نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) ما يحكم به بين الناس فيما اختلفوا فيه و ان معاذا يهتدى الى ما لم يوح اللّه الى نبيه و انه يهتدى بغير ما اهتدى به النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و اوجبتم لمعاذ ان رأيه في الهدى كالذى اوحى الى
109
نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) فرفعتم مرتبته فوق مرتبة النبوة اذ كانت النبوة بوحى منتظر و معاذ لا يحتاج الى وحى بل يأتى برأيه من قبل نفسه فمثلكم كما قال اللّه فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرىٰ عَلَى اللّٰهِ كَذِباً او قال أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَ مَنْ قٰالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فصار معاذ عندكم يهتدى برأيه و لا يحتاج في الهدى الى وحى و النبي يحتاج الى وحى و لو جهد الملحدون على ابطال نبوته (صلّى اللّه عليه و آله) ما يجاوزوا ما وصفتموه به من الجهل ثمّ اخبرنا اللّه تعالى ان اصل الاختلاف في الامم كان بعد انبيائهم فقال كان الناس امة واحدة فبعث اللّه النبيين مبشرين و منذرين و انزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه و ما اختلفوا فيه
110
الا الذين اوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى اللّه الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه و يهدى من يشاء الى صراط مستقيم فحمدتم اهل البغى و قلتم اختلافهم رحمة و اقتديتم بالخلاف و اهل الخلاف و صرفت قلوبكم عمن هداه اللّه لما اختلفوا فيه من الحق باذنه و يحقق لنا و عليكم قول اللّه وَ لٰا يَزٰالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلّٰا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ فاتبعتم اهل الخلاف و اتبعنا من استثناه اللّه بالرحمة فلما ضاق عليكم باطلكم ان يقوم لكم بالحجة احلتم على اللّه بالتجويز في الحكم من تكليفه كما زعمتم اياكم ما لم يبيّنه لكم و على نبينا (صلّى اللّه عليه و آله) بالتجهيل في قولكم و انه لم يبين لكم الطاعة من المعصية و على اهل الحق و المصدقين للّه و
111
لرسوله بالعداوة و البغضاء و على الحق من احكام الكتاب بالعبث و الالحاد الى آخر ما قاله من هذا القبيل مع ما فيه من التطويل سيما فيما طعن به في خبر معاذ و اقتصرنا على ذلك فان القطرة تدل على الغدير و الحفنة تهدى الى البيدر الكبير و لغيره رضى اللّه عنه ايضا كلمات في ذلك لا تحضرنى الآن و فيما ذكرنا كفاية لطالب الحق و اليقين و بلاغا لقوم عابدين و لقد تكلمنا مع اقوام من اهل العلم في هذا الشأن فانصفونا و صدقونا و رجعوا عن مذهب الاصوليين الى طريقة الاخباريين و منهم من سبقنا الى ذلك مع دعاء و نداء الا انى لم اجد بهذه الطريقة عاملا و لا اراه فيه كاملا كانه لم يصر بعد من الاحرار ام يظن ان مخالفة الجمهور و متاركة المشهور من العار و اللّه المستعان
112
الفصل الحادي عشر نقل كلام صاحب كتاب اخوان الصفا في تزييف الاجتهاد و متابعة الآراء
قالوا في رسالة اللغات من كتابهم اختلفت المذاهب و الآراء و الاعتقادات فيما بين اهل دين واحد و رسول واحد لافتراقهم في موضوعاتهم و اختلاف لغاتهم و اهوية بلادهم و تباين مواليدهم و آراء رؤسائهم و علمائهم الذين يخربونهم و يخالفون بينهم طلبا لرئاسة الدنيا و قد قيل في المثل خالف تذكر لانه لو لم يطرح رؤساء علمائهم الاختلاف بينهم لم يكن لهم رئاسة و كان يكونون شرعا واحدا الّا ان اكثرهم متفقون في الاصول مختلفون في الفروع مثال ذلك انهم مقرون بالتوحيد و صفات اللّه تعالى مما يليق به مقرون بالنبى المبعوث اليهم متمسكون بالكتاب المرسل اليهم مقرون
113
بايجاب الشريعة مختلفون في الروايات التى وسائطها رجال مختلفون في المعانى لان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان من معجزته و فضيلته انه كان يخاطب كل قوم بما يفهمون عنه بحسب ما هم عليه و بحسب ما يتصوره عقولهم فلذلك اختلف الروايات و كثرت الديانات و اختلفوا في خليفة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و كان ذلك من اكبر اسباب الخلاف في الامة الى حيث انتهينا و ايضا فان اصحاب الجدل و المناظرة و من يطلب المنافسة و الرئاسة اخترعوا من انفسهم في الديانات و الشرائع اشياء كثيرة لم يأت بها الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و لا اقرّ بها و ابتدعوها و قالوا لعوام الناس هذه سنة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و حسنوا ذلك في انفسهم حتى ظن بهم ان الذى قد ابتدعوه حقيقة قد امر بها الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و احدثوا في الاحكام و القضايا اشياء كثيرة بآرائهم و عقولهم و ضلوا بذلك عن كتاب ربهم و سنة نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) و استكبروا عن اهل الذكر الذين بينهم و قد امروا ان يسألوهم
114
عما اشكل عليهم فظنوا لسخافة عقولهم ان اللّه سبحانه ترك امر الشريعة و فرائض الدّيانات ناقصة حتى يحتاجوا الى ان يتموها بآرائهم الفاسدة و قياساتهم الكاذبة و اجتهادهم الباطل و ما يخرصوه و ما يخترعوه من انفسهم و كيف يكون ذلك و هو يقول سبحانه مٰا فَرَّطْنٰا فِي الْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ و قال سبحانه تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْءٍ و انما فعلوا ذلك طلبا للرياسة كما قلنا آنفا و اوقعوا الخلاف و المنازعة بين الامة فهم يهدمون الشريعة و يوهمون من لا يعلم انهم ينصرونها و بهذه الاسباب يتخرّب الامة و يقع العداوة بينهم و يتأدى الى الفتن و الحروب و يستحل بعضهم دماء بعض فان امتنع بعض من يعرف الحق من العلماء و خاطب بعض رؤسائهم في ذلك و خوفه باللّه و ارهبه من عذابه عدل الى العوام و قال لهم هذا القول و اغرى العوام به و نسب اليه من القول ما لم يأت به شريعة و لا يقول عاقل و لا يتمكن ذلك العالم ان يبين للعوام كيف جرى الامور
115
في الشريعة و يوقظهم عما هم فيه لألفهم بما قد نشئوا عليه خلفا عن سلف و اذا رأى رؤسائهم ذلك و ان قلوب العلماء مشمأزة من العوام جعلوا ذلك شرفا لهم عندهم و اوهموهم ان ذلك انقطاع منهم عن القيام بالحجة و انما سكوتهم و تحفهم لباطل يمنعهم و ان الحق هو ما اجمعنا عليه نحن فلا يزال ذلك دأبهم و الرؤساء لهم تزايدون في كل يوم و اختلافاتهم تزيد و احتجاجاتهم و مناظراتهم و جدلهم تكثّروا حتى هجروا احكام الشريعة و غيروا كتاب اللّه بتفسيرهم له بخلاف ما هو كما قال سبحانه يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوٰاضِعِهِ و في اصل امرهم قد خربوا الامة من حيث لا يشعرون و تأولوا اخبار الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) بتأويلات اخترعوها من انفسهم ما انزل اللّه تعالى بها من سلطان و قلبوا المعانى و حملوها على ما يريدون مما يقوى رياستهم و تفسيق اهل
116
العلم دأبهم عند العوام يتوارث ابن عن اب و خلف عن سلف الى أن يشاء اللّه اهلاكهم و انقراضهم و لم يزل هؤلاء الذين هم علماء العوام اعداء الحق في كل امة و قرن فكم من نبى قتلوه و وصى جحدوه و عالم شردوه فهم بافعالهم هذه يكونون اسبابا في نسخ الشرائع و تجديدها في سالف الدهور الى أن يتم وعد اللّه ان يشأ يذهبكم و يأت بخلق جديد و ما ذلك على اللّه بعزيز و العاقبة للمتقين و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الارض يرثها عبادى الصالحون ان في هذا لبلاغا لقوم عابدين فهذه العلة هى السبب في اختلاف الآراء و المذاهب و اذا كان ذلك كذلك فيجب على طالب الحق و الراغب في الجنة ان يطلب ما يقربه الى ربه و يخلصه من بحر الاختلاف و الخروج عن سجون اهله و ان غفلت النفس من مصالحها و مقاصدها و تركت طريق الجنّة و الحق و اهله
117
و الدين الذى لا اختلاف فيه و انضم الى اهله الخلاف و الى رؤساء الاصنام المنصوبة كان ذلك سبب بوارها و هلاكها و بعدها عن جوار اللّه سبحانه للّه و قرنت بعفريت قال اللّه سبحانه وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطٰاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَ إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ حَتّٰى إِذٰا جٰاءَنٰا قٰالَ يٰا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ و هكذا يكون حاله مع عالمه الذى اقتدى به و غرّه بربه و جماعة العوام حوله و ينمق كلامه فيعبده من حيث لا يشعر لانّه اذا حلل بقوله و حرم بقوله و رأيه فقد عبده قال اللّه تعالى إِنَّكُمْ وَ مٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهٰا وٰارِدُونَ فعليك ايها الاخ البارّ الرحيم ايدك اللّه باهل العلم الذين هم اهل الذكر من اهل بيت النبوة المنصوبين لنجاة الخلق و قد قيل استعينوا على كل صناعة باهلها انتهى كلامهم بالفاظهم و هو كلام متين صدر عن بصيرة و يقين
118
الفصل الثانى عشر اشارة الى بعض ما يترتب على الاجتهاد و متابعة الآراء من المفاسد
كفى من مفاسدهما بعد كونهما مخالفة للّه و لرسوله و للائمة المعصومين (صلوات اللّه عليهم) كما سمعت ما بلغك فيهما ما جرى من الصحابة من الحروب و الفتن و ما ترى من اختلاف الفقهاء في المسائل الدينية من الاصول و الفروع و الفرائض و السنن مع عدم انضباط مداركهما و اختلاف طرقهما باختلاف الاذهان و الاحوال و مع ما فيهما من المتعارضات و اضطراب الانفس و المخاصمات و رجوع كثير من فحول العلماء مما به افتى الى غير ذلك مما لا يحصى ذكر السيد بن طاوس (رحمه اللّه) عن
119
سعيد بن هبة اللّه المعروف بالقطب الراوندى انه قد صنف كراسا في الخلاف الذى تجدد بين الشيخ المفيد و المرتضى (رحمهما اللّه) و كانا من اعظم اهل زمانهما و خاصة شيخنا المفيد فذكر في الكراس نحو خمس و تسعين مسئلة قد وقع الخلاف بينهما فيها في علم الاصول و قال في آخرها لو استوفيت ما اختلفا فيه لطال الكتاب انتهى كلامه و لنقصص عليك من اجتهادات المجتهدين في مسائل الدين ما يتبيّن لك به انهم كيف يضعون و بم يستندون و انى يؤفكون و نقتصر على ثلث مسائل اثنتان اصوليتان هما نفس مسئلة الاجتهاد و الاجماع و الاخرى فروعية هى مسئلة نية العبادات لتكون انموذجا تعتبر بها طريقتهم في ساير المسائل و تقيس عليها سنتهم في بقية المدلولات و الدلائل و كفى بالاطلاع على هذه الثلث شاهدا و الى الهدى و الخير سائقا و قائدا و نذكر اولا ما هو التحقيق في كل منها على الاجمال ثمّ نذكر
120
اختلافاتهم و اقاويلهم فيها بطريق السؤال فتريهم متعتعين عن الجواب لتشابه وجوه طرفى الاستدلال
مسئلة
الاجتهاد و ما أدراك ما الاجتهاد أ ليس الاجتهاد الحق ان ينظر احد منا الى احاديث ائمتنا (عليهم السلام) فيتدبر في معانيها و يتفهم ما اودع فيها و يميز بين المتشابه منها و المحكم و يأخذ المحكم و يرد اليه المبهم او يتركه على الابهام ان لم يكن له سبيل الى الاحكام و يحتاط في العمل و يمسك عن الفتوى و الزلل ثمّ اذا اختلفت طائفة منها طائفة بحسب الظاهر يعمد الى ترجيح بعضها على بعض ببرهان باهر من الضوابط المنقولة عنهم و القواعد المسموعة منهم الى ان يقع على الخيار فيتسع له الدار
121
و التقليد هو ان ينظر مستبصر الاجتهاد بعد هذا و كيف يتبعون آرائهم و أنى يصرفون عن الهدى بعد اذ جاءهم و ما معنى تحصيل الظن بالاجتهاد ثمّ كم قدر الظن المعتبر فيه حتى يصح عليه الاعتماد ثمّ ما الذى لا بد منه في المجتهد من العلوم حتى يتأتى له ذلك هل يكفيه تحصيل العلوم العربية و معرفة القرآن و الحديث و الاحكامين لذلك ام لا بد من معرفته للاصول الخمسة الدينيّة و على الثانى أ يكفيه التقليد أم لا بد من الدلائل اليقينية ثمّ هل يشترط ان يعرفها بدلائل المتكلمين أم يكفى طريق آخر و لو ادنى اذا افاد اليقين أم لا بد من طريق اعلى ثمّ ما ذاك الطريق و الطرق شتى أم يختلف بحسب اختلاف الافهام لتفاوت الناس في النقص و التمام ثمّ هل يكفى في الاجتهاد ما ذكر أم لا بد من علوم اخر ما تلك العلوم و ما المعتبر فيها من قدر و هل يشترط المنطق و هل يجب اولا تحصيل معرفة جميع الآيات و الاحاديث الاحكامية
122
أم يكفى ما يتعلق منها المسألة المطلوبة و هل يجوز التجزى في الاجتهاد و مع الجواز هل يكفى في جواز العمل برأيه او لغيره ثمّ ما معنى التجزى و ما معنى الاجتهاد في الكل و هل يكفى في الثانى تحصيل الملكة التى بها يتمكن من تحصيل الظن في كل مسئلة مسئلة أم لا بد من تحصيل قدر صالح ام مسائل جميع ابواب الفقه ثمّ كم قدر القريحة التى لا بد أن يكون للخائض في الاجتهاد حتى يجوز له الخوض فيه و هل له حد في طرف القلة لا يكتفى بأقل منه و هل يشترط فيه القوة القدسية كما زعمته طائفة ثمّ ما تلك القوة و ما حدها و بم تعرف ثمّ كيف يعرف المجتهد من نفسه انه مجتهد حتى يجوز العمل برأيه بل يجب و لا يجوز له تقليده غيره أم كيف السبيل للعامى الى معرفة المجتهد حتى يجوز له تقليده هل يكفى اعترافه بذلك مع عدالته أم لا بد مع ذلك ان ينصب نفسه متصديا للفتيا و يرجع الناس اليها فيها ام
123
لا يكفى ذا و لا ذا بل لا بد من اذعان اهل العلم ثمّ هل يكفى الواحد و الاثنين ام لا بد من جماعة ثمّ كم و من؟ أ يكفى من حصّل طرفا من العلوم الرسمية أم لا بد ان يكون مجتهدا ام لا و لا فمن؟ و على تقدير اشتراط الاجتهاد فهل يجوز الدور في مثله ثمّ هل يجوز تقليد المجتهد الميت ام يموت القول بموت صاحبه و على تقدير الجواز هل يشترط أن يكون الناقل قد سمع منه في حال حياته أم يكفى رجوعه الى كتابه بعد موته و على الثانى هل يشترط فيه أن يكون من أهل العلم ثمّ ما العلم الذى يشترط فيه ثمّ هل اتفاق المجتهدين على عدم اعتبار قول الميت يكفى في عدم اعتبار اقوالهم لان هذا من جملة اقوالهم فاعتباره يوجب عدم اعتبارها ام لا هذا ما حضر لى من الاحتمالات و الشقوق في هذه المسألة و قد ذهب الى كل قوم و لعل ما لم يذكر لم يكن اقل مما ذكرنا و يزيد في كل عصر اقوال و اختلافات
124
الى ما شاء اللّه و الى اللّه المفزع
مسئلة
الاجماع و ما أدراك ما الاجماع أ ليس الاجماع المعتبر ان يتفق الطائفة المحقة و الفرقة الناجية على مضمون آية محكمة او رواية معصوميّة غير متهمة بحيث يعرفه الكل و لا يشذ عنه شاذ كاتفاقهم على وجوب مسح الرجلين في الوضوء دون الغسل للنصوص و اليه اشير في الحديث قيل خذ بالمجمع عليه بين اصحابك فان المجمع عليه لا ريب فيه ثمّ انظر ما ذا يقول اهل الاجتهاد و الى ما يقولون في الاستناد و اسألهم معنى اتفاق الآراء المشتمل على قول المعصوم أ ليس قول المعصوم بانفراده حجة دون انضمام رأى احد اليه ام ذاك في موضع لا يعرف قوله الا في جملة اقوال
125
الناس كما زعموه ثمّ ما المقصود من هذا و كيف يعرض و بم يعرف قوله فيها و هل يكتفى اتفاق المجتهدين ام لا بد من كل من انتسب الى العلم في الاسلام ام جماعة من المسلمين يعلم دخول قوله في اقوالهم و على التقادير الثلث الاول هل يكفى من في البلد منهم ام لا بد من كل من في الارض حتى لو كان رجل منهم في بلاد الكفر لا بد من معرفة رأيه بل من كان منهم في قرية او بادية او جبل او كهف او مفازة او سفينة او غير ذلك ثمّ كيف يعرف وجود مثل هذا المسلم في مثل ذلك الموضع و على تقديره كيف يحصل العلم بقوله و رأيه ثمّ كيف يعرف ان ما يقوله هو الذى يعتقده لم يكذب فيه و لم يتق احدا و لم ير مصلحة في كتمان مذهبه ثمّ كيف يحصل الاطلاع على قول الامام في جملة اقوال الناس المتفرقين مع غيبة شخصه و خفاء عينه و انقطاع اخباره و اقواله و مكانه في مدة تقرب من سبعمائة سنة بحيث لم يعلم انه في
126
أى قطر من اقطار الارض مشارقها و مغاربها برّها و بحرها سهلها و جبلها و انه ممازج للناس مخالط و معامل معهم او منزو عنهم ساكن في اقاصى الارض و اباعدها او هو في كهف جبل منقطع عن الخلق او هو في بعض الجزائر التى لا يصل اليها احد من الناس الى غير ذلك مما لا سبيل اليه بوجه و على التقدير الرابع كيف يعرف قول المعصوم في جملة اقوال جماعة معينين بدون معرفة شخصه هل يتصفح آثار القدماء و اصحاب الائمّة (عليهم السلام) بحيث يعلم دخول بعض الائمة الماضين في جملتهم و ان لم يصل الينا رواية منقولة على الخصوص او بعد التصفّح و الاطّلاع على الاتفاق يعرف موافقته معهم و ان لم يكن داخلا في جملتهم لأمارة تقتضى ذلك ام بطريق آخر غير ما ذكر ثمّ ما هو أبو جود مجهول النسب في جملتهم كما قالوه و انى يعنى ذلك و لا بد من العلم بدخول المعصوم و لا يكفى الاحتمال و على التقادير يندر وقوعه غاية الندرة
127
و خصوصا في المسائل التى لم يرد فيها الرواية او وردت مختلفة او بخلاف ما ادعى الاتفاق عليه و لا سيما في مثل هذه الازمنة المنقطعة عن المعصومين من كل وجه فكيف يدعى مثل هذا الاتفاق في اكثر المسائل و في امثال المسائل المذكورة و فيما بعد الازمنة المتطاولة المنقطعة رأسا ثمّ هل على الامام ان يظهر قوله اذا رأى اختلافهم في مسئلة لئلا يكون في حيرة مطلقا ام اذا لم يكن الحق فيما بينهم خاصة ام لا يجب عليه ذلك مطلقا لأنا نحن السبب في استتاره لا نعلم ما هو و على التقدير الاول فلم لم يرفع الاختلاف من البين في اكثر المسائل في هذه المدة المتطاولة و على الاخيرين لا يتحقق اجماع لعدم السبيل الى معرفته و على تقدير وجوب الاظهار كيف يظهر بتعريف نفسه و ليس له ذلك على انه يعدم فائدة الاجماع حينئذ او بارسال رسول فلا بد له من معجز و الا كيف يعرف صدقه فيعدم الفائدة ايضا اذ يرجع حينئذ الى الخبر ثمّ بم يثبت
128
العلم بهذا الاتفاق أ بأمثال هذه الاجتهادات فيخص نفعه و حجيته بمن اجتهد فيه و لا يعدو انه الى غيره ام بالخبر فبخبر من؟ أ بخبر مثل هذا المجتهد عما؟ أ عن ظنه فيكون اثبات ظن بظن و ليس له غير ظنه ام بخبر جماعة على سبيل التواتر عن ظن من انفسهم ام آخرين و على التقديرين يكون اخبارا عن ظنونهم بالاتفاق لا عن الاتفاق ثمّ التواتر لا بد من انتهائه الى الحس كما قرروه و ليس هذا الاتفاق على شيء من هذه التقادير بمحسوس بل هى ظنون و اجتهادات و لهذا تريهم مختلفين في نقل الاجماعات اختلافا شديدا فترى احدهم ينقل الاجماع في مسئلة على قول في كتاب له ثمّ ينقل الاجماع في تلك المسألة بعينها على القول الآخر او ينقل الخلاف فيها اما في ذلك الكتاب بعينه او كتاب آخر و مثل هذا يقع منهم كثيرا حتى ان شيخهم و رئيسهم فعل مثل ذلك في قريب من اربعين
129
مسئلة على ما وقع الاطلاع عليه لجماعة هذا ما حضرنى من الاحتمالات و الشقوق في هذه المسألة و قد ذهب الى اكثرها اقوام و لعل ما لم يذكر ليس باقل مما ذكر و يزيد في كل عصر و قرن اقوال و اختلافات أخر و الى اللّه المشتكى و المفرّ
مسئلة
النية و ما أدراك ما النية أ ليست النية ما يبعثك على العمل و يدعوك اليه كالتعظيم في قيامك لاخيك و دفع العطش في قيامك الى الماء و هى مما جبل عليه الانسان في اعماله بل ساير الحيوانات في أفاعيلها و لا يمكن ان ينفك عمل عنها و للّه درّ صاحب البشرى حيث قال لو كلفنا اللّه العبادة من دون النية لكان تكليفا بما لا يطاق فما هذه الحيرة و التحيير و ما هذا التكليف العسير و ما ذاك القال و القيل و ما ذاك الاطناب و التطويل
130
و اما حديث انما الاعمال بالنيات و انما لكل امرئ ما نوى فما اظهر معناه و ما ابين مغزاه و ما اكشف آخره عن اوله حيث قال عقيبه فمن كانت هجرته الى اللّه و رسوله فهجرته الى اللّه و رسوله و من كانت هجرته الى دنيا يصيبها او امرأة يتزوجها فهجرته الى ما هاجر اليه و انما سبب صدور هذا الحديث قول بعض الصحابة للنبى (صلّى اللّه عليه و آله) ان بعض المهاجرين الى الجهاد ليست نيته من تلك الهجرة الا اخذ الغنائم من الاموال و السبايا او نيل الجاه و الصيت عند الاستيلاء فبيّن (صلّى اللّه عليه و آله) ان كل احد ينال في عمله ما يبغيه و يصل الى ما ينويه و هذا واضح بحمد اللّه و لا مدخل لهذا الحديث فيما ذهبوا اليه في امر نية العبادات من المبتدعات و ليت شعرى من اين يقولون ما يقولون و الى ما ذا يستندون و عن الحق انّى يؤفكون و لنسألهم عن اختلافاتهم فيها و اقاويلهم في معانيها هل يأتون عليها من سلطان
131
من عندهم اليه يأوون كلّا و ما ينبغى لهم و ما يستطيعون فليجيبوا فاما معنى النية التى اخترعوها في العبادات أ هي الفاظ جارية على اللسان ام الجنان أم معان خاطرة على القلب أم قد يكون الجميع كما في افعال الحج و قد يكون الاخير كما في غيرها ثمّ لو قال بلسانه خلاف ما اخطر بقلبه فهل يصح ام لا و مع الصحة هل العبرة بالقول ام الاخطار ثمّ هل يكفى تعيين الفعل اما مطلقا او اذا لم يكن معينا في نفسه ام لا بد معه من اجراء اجزاء العبادة على القلب اجمالا ام لا بد من اخطارها بالبال تفصيلا و هل يكفى قصد القربة ام لا بد معه من قصد الوجوب او الندب ام في بعض العبادات ذا و بعضها ذا و على الاخير فما ذاك و ما ذا و ما الفرق و هل يجب مع قصد الوجوب و الندب قصد وجه الوجوب و الندب اعنى حسن الفعل الداعى الى الترغيب التام او الناقص في الجميع او البعض ثمّ ما ذاك البعض و ما الفرق ثمّ اذا لم يعلم المكلف
132
الوجوب او الندب فهل يجب عليه تحصيل العلم به اولا ام يسقط حينئذ ذلك ام يقصد الوجوب او الندب أم يأتى بالامرين مرددا ام بالفعل مرتين ثمّ هل يمكنه قصد احدهما مع عدم العلم او الاعتقاد ثمّ ما معنى القربة هل هى بمعنى الامتثال او موافقة الارادة و القرب منه تعالى بحسب المنزلة او الهرب من البعد عنه او نيل الثواب عنده او الخلاص من عقابه او كونه اهلا للعبادة او للحب له او للحياء منه او المهابة عنه او الشكر له او التعظيم او نفسه جل و عزام هى أمر وراء هذه ثمّ هل يقوم احد هذه مقامه ام لا ام البعض دون بعض ثمّ ايها اما عدّ الثواب و الخلاص من العقاب كما ظن او غير ذلك ثمّ هل يبطل العبادة بقصد احدهما و هل يخل بها قصد آخر غير هذه مطلقا ام منفردا لا متفقا ام مع الاستدلال لا بدونه أم اذا كان غالبا لا مغلوبا او مساويا او مع المساوات ايضا مع الاخلال أيّ امر كان ام اذا لم يكن مباحا كالتبرّد
133
في الوضوء او راجحا كالحمية في الصوم او طاريا في الاثناء كائنا ما كان او الريا فحسب دون غيره او الريا يسقط الطلب من المكلف و لا يستحق به ثوابا و هل يشترط في الطهارات الثلث قصد رفع الحدث و استباحة العبادة المشروطة بها و الراجحة بها او احد الامرين تخييرا ام الاستباحة خاصة في التيمم لانه لم يرفع الحدث و انما يفيد الاستباحة فحسب و هل احد الامرين غير الآخر أم متحدان و هل وجوب الطهارات او استحبابها لنفسها او لغيرها ام استحبابها لنفسها و وجوبها لغيرها ام وجوبها عن الجنابة لنفسها و عن غيرها لغيرها و على التقادير هل يشترط تعيين ذلك في النية او العلم به ام لا ثمّ هل يجوز ايقاع شيء منها للعبادة المشروطة بها قبل وقت تلك العبادة بنية الوجوب او بنية الاستحباب مطلقا او اذا بقي الى الوقت مقدار فعلها لا ازيد او الاول في الثانى و الثانى في الاول اولا مطلقا او يبنى على كونها لنفسها او
134
لغيرها فيجوز في الاول دون الثانى او بالعكس او لا يجوز في التيمم مطلقا ام يجوز بنية الوجوب لمن عليه فريضة مطلقا ام اذا اراد فعلها خاصة و ليس لغيره ثمّ هل يجوز الدخول في الفريضة بالطهارة المندوبة و على تقدير الجواز أ مطلقا ام اذا نوى بها استباحة تلك العبادة او مطلق استباحة العبادة او في صورة دون صورة ثمّ ما تلك و ما تيك و هل يشترط قصد الاداء و القضاء في العبادات الموقتة التى تجريان فيها كالصلاة و الصوم ام في بعضها دون بعض ثمّ ما ذا و ما ذا و ما الفرق و هل يكفى في الصيام قصد ترك المنافيات ام لا بد من قصد الكف عنها بناء على ان الاول امر عدمى و الثانى وجودى و هل يشترط مقارنة النية لاول العبادة ام يجوز التقديم و التأخير ام في الصوم خاصة يجوز التقديم دون غيره ثمّ ما قدر التقديم الجائز فيه إتمام الليل ام تمام الشهر أم الاول مطلقا و الثانى مع النسيان ام يجوز التأخير فيه ايضا الى الزوال اما مطلقا او مع النسيان او العذر او
135
الى قبيل الليل في المستحب دون الواجب و هل يكفى مقارنة العرفية ام لا بد من الحقيقية و هل المقارنة اللازمة للقلبية او اللفظية و على تقدير لزوم المقارنة هل يجوز في الوضوء و الغسل مقارنتها لغسل اليدين المستحب لانه من الطهارة الكاملة او المضمضة او الاستنشاق لاقربيتها الى الواجب و هل يجب استحضار الصلاة المنوية حالة التكبير و هل يجب استدامة حكم النية الى آخر العبادة و على تقدير وجوبه ما معناها هل هى امر وجودى هو استمرار النية الاولى او امر عدمى بمعنى ان لا ينوى ما ينافى النية الاولى ثمّ هل بناء ذلك على ان الباقى يفتقر في البقاء الى المؤثر او لا يفتقر و متى اخل بالاستدامة فهل يبطل الفعل الواقع بعد الاخلال قبل استدراك النية ثمّ ان عاد الى النية الاولى قبل الاتيان بشيء منها و قبل فوات الموالاة حيث كانت شرطا لصحة العبادة لوقوعها باسرها مع النية و عدم تأثير مثل ذلك فيه ام لا لتخلل القطع ثمّ هل
136
يجوز العدول بالنيّة في شيء من العبادات ام لا ام قد يجوز و قد لا يجوز ثمّ ما موضع الجواز و ما محل المنع و ما الفرق و لو ذهل من النية في اثناء الفعل فهل يكفى تجديدها عند الذكر ام لا بد من استيناف الفعل ام قد و قد ثمّ النية هل هى واجبة ام مستحبة ام قد و قد ثمّ اين تجب و اين تستحب و ما الفرق و هل هى في جميع الافعال ام في العبادات خاصة ثمّ ما العبادات التى تجرى فيها أ ليست ازالة النجاسة عن الثوب و البدن للصلاة عبادة فلم لا تجب فيها عند موجبها و هل هى شرط ام لا ام في الواجب دون المستحب ام العبادة دون غيرها ام في التيمم دون غيره و هل تصير المباحات بالنية عبادة و على تقديره هل هذه النية التى اخترعوها ام التى اشرنا اليه و هل المراد بالنيّة في الحديث المشهور نية المؤمن خير من عمله هذه النية ام امر آخر ثمّ ما هو و ما معنى الحديث ثمّ لو ذهبنا بذكر اقاويلهم في معناه لطال الخطب بل لو اقتصصنا عليك ساير شقوق النية
137
لما فرغنا الى ما يهمنا الا بعد ملال و سامة و هل مثل هذه الامور الآتية في تيه و حيرة في حيرة لا محيص عنها و لا ساحل لها ثمّ هب انها قد تفصت عنها المجتهدون في كتبهم و مسفوراتهم و لم يفعلوا بما يقوم على ساق و لن يفعلوا فهب انهم فعلوا فليس في جميعها بل و لا اكثرها و لا اهمها و المقلد المسكين كيف يصنع و بقول من يأخذ و الى من يلوذ و كيف يظهر له استجماع شرائط الفتوى فيمن يدعى الاجتهاد و هو موقوف على تصديق بعضهم بعضا و لا اقل من عدم تكذيبه اياه و هو امر يمتنع وقوعه الّا من اوحديهم كيف و هم في اكثر البلاد و في اكثر الازمنة لا يكادون يصطلحون على خمس مسائل اجتهادية بل و لا على اقل و لا اثنان منهم كما نراه في زماننا و نسمعه فيمن كان قبلنا و الى اللّه المفزع
138
خاتمة
اعلم انى لست انكر طريقة اهل الاجتهاد جهلا منى بها و لا لعدم بصيرتى فيها كلا بل ما اقدمت على ذمها الا بعد ما اطلعت على طمها و رمها و بعد ما صرفت في البحث عن اصولهم المخترعة اياما و قضيت في صناعتهم اعواما فانى بما يعملون بصير و لا ينبئك مثل خبير ثمّ ما ذكرنا كله انما هو في شأن اهل الاجتهاد و الرأى الناسبين انفسهم في استعلام الاحكام الى الائمّة (عليهم السلام) بالاستنباط من كلامهم بتأويل المتشابهات على الاصول المقرّرة عندهم و اما مقلدة هؤلاء المجتهدين الناسبون انفسهم اليهم المتمسكون باقاويلهم المفتون من كتبهم بعد موتهم من بعد ما سمعوا منهم أن لا قول للميت و أن قول الميت
139
كالميت و بعد اطلاعهم على اتفاقهم على ذلك الذين ترى أحدهم ينصب نفسه قاضيا ضامنا لتلخيص ما التبس على غيره مع أن مقتداه الميت غير مليء باصدار ما ورد عليه و لا عاضّ على العلم بضرس قاطع فكيف بهذا المسكين المقتفى اثره فما أبعدهم عن الحق و ما استحقهم عن الاصابة و اعجب من ذلك انهم يشترطون الحياة فيمن يجوز تقليده و مع ذلك لا يقلدون الا الاموات و يجحدون اجتهاد الاحياء و عدالتهم ما داموا احياء منافسة و حسدا حتى اذا ماتوا صارت اقاويلهم معتبرة عندهم و كتبهم معتمدا عليها لديهم لزوال العلة أ يتغافلون بعد موتهم عما عدوه من عيوبهم ام يقولون بالسنتهم ما ليس في قلوبهم ام لا يميّزون بين الحق و الباطل و الحالى و العاطل لكلال بصائرهم و اعتلال ضمائرهم فيسوى عندهم الصدق و الزور و الظلمات و النور و ليت شعرى اى مدخل في الموت و الحياة في بطلان الفتيا او اصابة الآراء و هل الحق الا واحد
140
و مخالفه الّا جاحد ثمّ ان اقاويل الاموات كما دريت مختلفة غاية الاختلاف و فتاويهم في كتبهم متناقضة كمال التناقض بل الكتاب الواحد لمجتهد واحد في مسئلة واحدة مختلفة في الفتوى بحسب ابوابه و مباحثه و هذه الاختلافات تزايد يوما فيوما الى ما شاء اللّه انقراضها و المقلدة و ان كانوا يقولون في الاكثر على القول الاشهر الا ان هذه الشهرة ليست مما يصح الاعتماد لكونها غير مبتن على اصل بل انما يكون في الاكثر بالبحث و الاتفاق او بتقرب صاحب القول من السلطان او ما شابه ذلك من حوادث الدهور و الاوان و يختلف بحسب الاوضاع و الازمان فرب مشهور لا اصل له و رب اصيل لم يشتهر ثمّ انهم لتعصبهم الشديد و غلو انهم في التقليد و تجوالهم في الضلال البعيد لا يرفعون الى ناصح رأسا و لا يذوقون من شراب التحقيق كاسا و لا يلجئون الى ركن
141
وثيق و لا يقتدون بمن هو بالاقتداء حقيق بل انما يتبعون اهواءهم و يقتدون آبائهم يقتص بعضهم اثر بعض حثيثا و لا يكادون يفقهون حديثا و ليت شعرى من اذن لهم في اتباع رأى من يجوز عليه الخطأ في الرأى ثمّ اختيار احد اقوالهم بالاتفاق و البحث مع اختلافهم السخت آللّه اذن لهم ام على اللّه يفترون أم تأمرهم احلامهم لهذا أم هم قوم طاغون ام عندهم خزائن رحمة ربك ام هم المسيطرون أم لهم سلّم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين أم عندهم الغيب فهم يكتبون ام لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به اللّه كلا بل ذرهم في غمرتهم يعمهون و حيث انتهت سفينتنا في بحر الاختلاف الى ساحل النجاة و جرت بنا الى منازل الهداة فلنرسلها عن الجريان و نمسك القلم عن الطغيان بسم اللّه مجريها و مرسيها و
142
الى ربك منتهاها فيا بنى اركب معنا و أدخل معك من تبعنا لٰا إِكْرٰاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ و تميز القول الميت من القول الحى و كشف الغطاء من البين و لاح الصبح لذى عينين فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مٰا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمٰا هُمْ فِي شِقٰاقٍ وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوٰاءَهُمْ بَعْدَ مٰا جٰاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مٰا لَكَ مِنَ اللّٰهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لٰا وٰاقٍ اطفأ السراج فقد طلع الصبح و الحمد للّه و الصلاة على رسول اللّه ثمّ على اهل بيت رسول اللّه (صلوات اللّه عليهم اجمعين) ثمّ على رواة احكام اللّه ثمّ على من انتفع بمواعظ اللّه و تمت سفينة النجاة و صار اسمها تاريخها اذا بدلت عشراتها بالآحاد و آحادها بالعشرات بدل اللّه سيئاتنا حسنات و جعل حسناتنا درجات
سفينة النجاة
تأليف
العلامة الشيخ محمد محسن الفيض الكاشاني
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

