مستدرك عوالم العلوم و المعارف
الجزء السابع عشر
تأليف
الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

1
عوالم العلوم و المعارف و الأحوال من الآيات و الأخبار و الأقوال: الامام الحسين (عليه السّلام)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
التقديم
إلى سدّة مجدك العلويّة يا رسول الإنسانية، منقذ الامّة من براثن الظلم و الظلالة و الجهالة، يا صاحب الشرعة المحمّديّة حدوثا و وجودا، و الحسينية إحياء و بقاء، إذ قلت- و ما تنطق عن الهوى-: حسين منّي و أنا من حسين.
يا صاحب المصائب العظيمة و مؤسّس النياحة الحسينيّة يوم مولد سبطك بما عزّاك اللّه بمقام التهنئة بميلاده، بل و عزّيت به الأنبياء و المرسلون قبلك- صلّى اللّه عليك يا سيّدهم و شفيعهم- إذ قلت: يا بني- يا زين السماوات و الأرض- أنت شهيد آل محمد (صلى اللّه عليه و آله).
إلى رفيع أعتابك السامية و عظيم مقاماتك غير المتناهية، يا أمير المؤمنين و أب الأئمّة الطيّبين الطاهرين المكرمين، يا سيّد الأوصياء و إمام الأتقياء، يا من قلت فيه «يا عبرة كلّ مؤمن، بأبي و امّي أيّها المقتول بظهر الكوفة، بطفّ كربلاء».
إلى حضرة ينبوع الفيوضات الالهية، و موضع الأسرار الربّانيّة؛ الحوراء الإنسيّة الطاهرة الرضيّة المرضيّة أمّ المصائب ...
يا فاطمة الزهراء و أمّ الأئمّة المحزونة المحدّثة من اللّه بأن الحسين سيّد الشهداء من الأوّلين و الآخرين ...
إليكما يا سيّدي شباب أهل الجنّة، يا فرعي الدوحة العلوية و ثمرتي الشجرة النبوية الّتي تؤتي اكلها كلّ حين بإذن ربّها ...
يا سبطي الرسول و قرّة عين الزهراء البتول.
إليك يا مصباح الهدى و سفينة النجاة و العروة الوثقى، يا ثار اللّه و ابن ثاره و قتيل اللّه و ابن قتيله، يا صريع العبرة الساكبة، و قرين المصيبة الراتبة، أشهد أن دمك سكن الخلد و اقشعرّت له أظلّة العرش و بكت له السماوات
2
و الأرض، صلّى اللّه عليك و على الأرواح الّتي حلّت بفنائك و أناخت برحلك، عليك منّي سلام اللّه أبدا ما بقيت و بقي الليل و النهار.
إليكم يا أئمّة الهدى و صفوة الأصفياء و مصابيح الدجى و أعلام التقى، و ذوي النهى، و ورثة الأنبياء أبناء من قتل صبرا و كفى بذلك فخرا، و بقيه السيف و حجج اللّه على أهل الدنيا، يا أهل بيت النبوّة و موضع الرسالة و مختلف الملائكة و مهبط الوحي و معدن الرحمة.
إليك يا بقيّة اللّه في الأرضين، و خلف الماضين المصطفين من سلالة خير النبيّين، قائم آل محمد (صلى اللّه عليه و آله) و مهدي امّته دون العالمين و شاهد ظليمتهم الذابّ بظهوره عن حرمتهم ... إليك يا حجّة اللّه البالغ ربّه به أمره في الثأر من قتلة الحسين (عليه السّلام).
صلّى اللّه عليكم بما صبرتم و ارزيتم، و شعاركم «إن يوم الحسين أقرح جفوننا و أسبل دموعنا و أذلّ عزيزنا» و «لا يوم كيوم الحسين»
سادتي و مواليّ هذي بضاعتنا نرفعها إلى مقامكم الأقدس، هي صفحات رائعات، و نفحة من نفحاتكم العاطرات، و روضة من رياضكم الممرعات ضمّت سيرة «سيّد الشهداء أبي عبد اللّه الحسين المبكية المدمعة» الّتي نصدّعت لجلال مصيبته الجبال، فتقبّلوها بقبول حسن
اللهمّ يا قديم الإحسان- بحق الحسين الّذي بذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من حيرة الظلام و الظلال إلى الهدى- اجعل محياي محيا محمد و آل محمد و مماتي ممات محمد و آله و ارزقني شفاعته يوم الورود، و ثبّت لي قدم صدق عندك مع الحسين و أصحابه الباذلين الواهبين مهجهم دونه (عليه السّلام).
السيّد محمّد باقر بن المرتضى الموحّد الأبطحّي الأصفهانيّ قم المقدسة- 27 رجب 1407. ه ق
4
بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه الذي جعل إكرامنا بعد توحيده و الشهادة برسالة رسوله و ولاية وليّه بمحبّة الحسن و ولاء الحسين (عليهما السّلام)، ثمّ زين العابدين و محمّد الباقر و جعفر الصادق الّذين هم من أولاد الأزكياء- الحسين (1) (عليه السّلام)-، ثمّ موسى الكاظم و علي بن موسى الرضا و محمّد التقيّ و عليّ النقي و الحسن العسكريّ و الخلف الحجّة الذي يقتل ذراري خصماء الحسين.
و الصلاة و السلام على رسوله و صهر رسوله و أولاد رسوله الّذين [هم] من أولاد النجباء- الحسين (2) (عليه السّلام)-، و المرمّلون بدمائهم و المزمّلون بلحائهم من الأقرباء و الأصحاب الشهداء- الحسين (3) (عليه السّلام)-.
أمّا بعد: فيقول الفقير الحقير الحزين لمصيبة الحسين (عليه السّلام) «عبد اللّه بن نور اللّه» نوّر اللّه عينيه برؤية الحسين و البكاء على مصيبته بجلاء العين.
هذا هو المجلّد السابع عشر من كتاب عوالم العلوم و المعارف و الأحوال من الآيات و الأخبار و الأقوال الّذي صنّفه و ألّفه هذا الفقير الحقير خادم أخبار الأئمّة الأطهار و تراب أعتاب العلماء الأخيار في أحوال الإمام الثالث الّذي من جدّه و أبيه و أخيه هو الوارث، إمام السعداء و سيّد الشهداء (عليه السّلام) و أحد سيّدي شباب أهل الجنّة، و أحد صاحبي الحزن و المحنة حجّة اللّه بعد جدّه و أبيه و أخيه على أهل المشرقين أبي عبد اللّه الحسين (صلوات الله عليه) و على جدّه و أبيه، و امّه و أخيه، و الطيّبين من بنيه راجيا من اللّه شفاعة الحسين (عليه السّلام)، و دعاء الخير من الناظرين إليه و الباكين عليه بالعين.
و ها أنا أشرع في المقصود، بعون اللّه الملك المعبود، قائلا- و باللّه من غيره مائلا-:
«الكتاب السابع عشر» من كتاب عوالم العلوم و المعارف و الأحوال من الآيات و الأخبار و الأقوال:
في أحوال الإمام المظلوم و الشهيد المغموم حجّة الثقلين «أبي عبد اللّه الحسين» (صلوات اللّه و سلامه عليه و على آبائه الطاهرين).
____________
(1)- الظاهر: من أولاد الحسين (عليه السّلام) الأزكياء.
(2)- الظاهر: من أولاد الحسين (عليه السّلام) النجباء.
(3)- الظاهر: و أصحاب الحسين (عليه السّلام) الشهداء.
5
1- أبواب بدو خلقه و نوره و روحه (صلوات الله عليه) و على جدّه و أبيه و امّه و أخيه إلى يوم الدين
1- باب نوره و نور أبيه و امّه و أخيه (عليهم السّلام)
[الأخبار: الصحابة، عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)]
1- كتاب المحتضر للحسن بن سليمان: من كتاب السيّد حسن بن كبش ممّا أخذه من المقتضب، و وجد في المقتضب أيضا مسندا عن سلمان الفارسيّ (رحمه اللّه) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): يا سلمان خلقني اللّه من صفوة (1) نوره فدعاني فأطعته و خلق من نوري عليّا فدعاه (إلى طاعته) فأطاعه، و خلق من نوري و نور عليّ فاطمة فدعاها فاطاعته، و خلق منّي و من عليّ و (من) فاطمة (2) الحسن و الحسين فدعاهما فأطاعاه فسمّانا اللّه (عزّ و جلّ) بخمسة أسماء من أسمائه، فاللّه المحمود و أنا محمّد و اللّه العليّ (3) و هذا عليّ، و اللّه فاطر و هذه فاطمة و للّه الإحسان (4) و هذا الحسن و اللّه المحسن (5) و هذا الحسين (عليه السّلام)، ثمّ خلق [منّا و] من نور الحسين (عليه السّلام) تسعة أئمّة فدعاهم فأطاعوه قبل أن يخلق اللّه [عزّ و جلّ] سماء مبنيّة. أو أرضا مدحيّة، أو هواء أو ماء
____________
(1)- في الاصل و المصدر: صفاء.
(2)- في المصدر: من نوري و نور عليّ و فاطمة.
(3)- في المصدر: الأعلى.
(4)- في المصدر: و اللّه المحسن، و في البحار: و اللّه ذو الاحسان.
(5)- في المصدر: ذو الاحسان
3
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم عوالم العلوم: الامام الحسين (عليه السّلام)
6
أو ملكا، أو بشرا، و كنّا بعلمه أنوارا نسبّحه و نسمع له و نطيع. (1)
2- باب آخر على وجه آخر
الأخبار: الصحابة، عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)
1- كنز الفوائد: عن ابن مسعود قال: قال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): يا ابن مسعود إنّ اللّه تعالى خلقني و خلق عليّا و الحسن و الحسين (عليهم السّلام) من نور قدسه، فلمّا أراد أن ينشىء خلقه (2) فتق نوري و خلق منه السماوات و الأرض، و أنا و اللّه أجلّ من السماوات و الأرض [و أنا و اللّه أجلّ من السماوات و الأرض]، و فتق نور عليّ و خلق منه العرش و الكرسيّ و عليّ و اللّه أجلّ من العرش و الكرسيّ، و فتق نور الحسن (عليه السّلام) و خلق منه الحور العين و الملائكة و الحسن و اللّه أجلّ من الحور العين و الملائكة، و فتق نور الحسين (عليه السّلام) و خلق منه اللوح و القلم و الحسين و اللّه أجلّ من اللوح و القلم. (3)
3- باب آخر على وجه آخر
الأخبار: الأئمّة: الباقر (عليهم السّلام)
1- كتاب المحتضر للحسن بن سليمان: ممّا رواه من كتاب منهج التحقيق بإسناده عن محمّد بن الحسين رفعه، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السّلام) (عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال:) [إنّه] قال: إنّ اللّه تعالى خلق أربعة عشر نورا من نور عظمته قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام فهي أرواحنا، فقيل له: يا ابن رسول اللّه (عدّهم بأسمائهم) فمن هؤلاء الأربعة عشر نورا؟
فقال: [هو] محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و تسعة (4) من ذريّة (5) الحسين (عليهم السّلام) (و) تاسعهم قائمهم، ثمّ عدّهم بأسمائهم، (ثمّ) قال: نحن و اللّه الأوصياء الخلفاء من بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله). (6)
____________
(1)- ص 152 و البحار: 53/ 142 ح 162.
(2)- في المصدر: ينشيء الصنعة.
(3)- ص 211 ح 4 و البحار: 36/ 73.
(4)- في المصدر: و التسعة.
(5)- في البحار و المصدر: ولد.
(6)- ص 129 و البحار: 25/ 4 ح 7.
8
الكتب:
4- إرشاد المفيد: ولد (عليه السّلام) في المدينة لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة (1).
5- المناقب لابن شهر اشوب: ولد الحسين (عليه السّلام) عام الخندق بالمدينة يوم الخميس أو يوم الثلاثاء لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة بعد أخيه بعشرة أشهر و عشرين يوما.
و روي أنّه لم يكن بينه و بين أخيه إلّا الحمل و الحمل ستّة أشهر (2).
6- مقاتل الطالبيّين: كان مولده (عليه السّلام) لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة (3).
7- إعلام الورى: ولد (عليه السّلام) بالمدينة يوم الثلاثاء. و قيل: يوم الخميس لثلاث خلون من شعبان و قيل: لخمس خلون منه سنة أربع من الهجرة. و قيل: ولد آخر شهر ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة (4).
8- كشف الغمّة: قال [الشيخ] كمال الدين (بن طلحة): ولد (عليه السّلام) بالمدينة لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة، [و كانت والدته الطهر البتول فاطمة (عليها السّلام)] علقت البتول (عليها السّلام) به بعد أن ولدت أخاه الحسن (عليه السّلام) بخمسين ليلة (و كذلك قال الحافظ الجنابذي (5)) (6).
9- و منه: و قال الحافظ عبد العزيز [الجنابذي في كتاب معالم العترة الطاهرة]: الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السّلام) و امّه فاطمة بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، ولد في ليال خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة. (7)
بيان و تحقيق: الأشهر في ولادته (عليه السّلام) أنّه ولد لثلاث خلون من شعبان.
10- لما رواه الشيخ في المصباح أنّه خرج إلى القاسم بن العلاء الهمدانيّ وكيل أبي محمّد (عليه السّلام) أنّ مولانا الحسين (عليه السّلام) ولد يوم الخميس لثلاث خلون من
____________
(1)- ص 218 و البحار: 43/ 250 ذ ح 26.
(2)- 3/ 231 و البحار: 44/ 198 ح 15.
(3)- ص 51 و البحار: 44/ 199 ح 16.
(4)- ص 214 و البحار: 44/ 200 ح 18.
(5)- في المصدر: هكذا صح النقل.
(6)- 2/ 215 و البحار: 44/ 200 ح 19.
(7)- 2/ 265 و البحار: 44/ 201.
9
شعبان فصم (1) و ادع فيه بهذا الدعاء، و ذكر الدعاء.
و قيل: إنّه (عليه السّلام) ولد لخمس ليال خلون من شعبان.
لما رواه الشيخ (رحمه اللّه) أيضا في المصباح: من حديث حسين بن زيد، عن جعفر بن محمّد (عليهما السّلام) و قد مرّ (2).
11- و قال الشيخ (رحمه اللّه) في التهذيب: ولد (عليه السّلام) آخر شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث من الهجرة. (3)
قال الكليني (ره): ولد (عليه السّلام) سنة ثلاث. (4)
و قال الشهيد (ره) في الدروس: ولد (عليه السّلام) بالمدينة آخر شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث من الهجرة.
و قيل: يوم الخميس ثالث عشر شهر رمضان. (5)
و قال المفيد: لخمس خلون من شعبان سنة أربع. (6)
و قال الشيخ ابن نما في مثير الأحزان: ولد (عليه السّلام) الخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة.
و قيل: الثالث منه.
و قيل: أواخر شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث.
و قيل: لخمس خلون من جمادى الاولى سنة أربع من الهجرة و كانت مدّة حمله ستّة أشهر، و لم يولد لستّة سواه و عيسى و قيل يحيى (عليهم السّلام) (7).
أقول: قيل: إنّما اختار الشيخ (ره) كون ولادته (عليه السّلام) في آخر شهر ربيع الأوّل مع مخالفته لما رواه من الروايتين السالفتين [اللّتين تدلّان على الثالث و الرواية الاخرى التي تدلّ على الخامس من شعبان] ليوافق ما ثبت عنده. و اشتهر بين الفريقين من كون ولادة الحسن (عليه السّلام) في منتصف شهر رمضان و ما مرّ في الرواية الصحيحة في
____________
(1)- في المصدر: فصمه.
(2)- من هذا الكتاب ص 7 ح 1.
(3)- 6/ 41 ب 15.
(4)- 1/ 463.
(5)- ص 152.
(6)- ص 218 جمع الارقام في البحار 44/ 202.
(7)- ص 7 و البحار 44/ 202.
10
باب ولادتهما (عليهما السّلام) من أنّ بين ولادتيهما لم يكن إلّا ستّة أشهر و عشرا.
لكن مع ورود هذه الأخبار يمكن عدم القول بكون ولادة الحسن (عليه السّلام) في شهر رمضان لعدم استناده إلى خبر على ما عثرنا عليه، و اللّه يعلم.
2- باب حمله و كيفيّة ولادته (عليه السّلام)
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- الخرائج و الجرائح: [و عن جماعة، عن أبي جعفر] محمّد بن اسماعيل البرمكي، عن الحسين بن الحسن، عن يحيى بن عبد الحميد، عن شريك بن حمّاد، عن أبي ثوبان الأسدي و كان من أصحاب أبي جعفر، عن الصّلت بن المنذر، عن المقداد بن أسود الكنديّ أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) خرج في طلب الحسن و الحسين (عليهما السّلام) و قد خرجا من البيت، و أنا معه فرأيت أفعى على الارض، فلمّا أحسّت بوطئ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) قامت و نظرت و كانت أعلى من النخلة و أضخم من البكر [متبصبصة]، تخرج (1) من فيها النّار فهالني ذلك، فلمّا رأت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) صارت كأنّها خيط، فالتفت إليّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال: (أ) لا تدري ما تقول (هذه) يا أخا كندة؟ قلت: اللّه و رسوله أعلم، قال (صلى اللّه عليه و آله): قالت (2): الحمد للّه الّذي لم يمتني حتّى جعلني حارسا لابني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فجرت في الرّمل، رمل الشعاب فنظرت إلى شجرة «لا أعرفها بذلك» (3) الموضع (لأنّي) ما رأيت فيه شجرة قطّ قبل يومي (ذلك) و لقد أتيت (4)- بعد ذلك اليوم أطلب الشّجرة فلم أجدها و كانت الشّجرة أظلّتهما بورق و جلس النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) بينهما، فبدأ بالحسين (5) (عليه السّلام) فوضع رأسه على فخذه [الأيمن] ثمّ (وضع رأس الحسن (عليه السّلام)) (6) على فخذه الأيسر، ثمّ يرخي لسانه في فم الحسين (عليه السّلام) فانتبه الحسين (عليه السّلام) فقال (عليه السّلام): يا أبه، ثمّ عاد في نومه، فانتبه الحسن و قال: يا أبه، و عاد في نومه، فقلت: كأنّ الحسين أكبر؟
____________
(1)- في البحار: يخرج.
(2)- في المصدر: تقول.
(3)- في المصدر: و أنا أعرف ذلك.
(4)- في المصدر: و لا رأيتها و لقد أتيتها.
(5)- في المصدر: بالحسن.
(6)- في المصدر: بالحسين فوضع رأسه.
11
فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): إن للحسين في بواطن المؤمنين معرفة مكتومة، سل امّه عنه، فلمّا انتبها حملهما على منكبه، ثمّ أتيت [أنا] فاطمة فوقفت بالباب، فأتت حمامة و قالت: يا أخا كندة، [ف] قلت: من أعلمك أنّي بالباب؟! فقالت: أخبرتني سيّدتي فاطمة أنّ بالباب رجلا من كندة من أطيبها أخبارا عندي يسألني عن موضع قرّة عيني، فكبر ذلك عندي، فولّيتها ظهري كما كنت أفعل حين أدخل على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في منزل أمّ سلمة، فقلت لفاطمة: (ما) منزلة الحسين (عليه السّلام)؟ قالت: إنّه لمّا ولدت الحسن (عليه السّلام) أمرني أبي أن لا ألبس ثوبا أجد فيه اللّذة حتّى أفطمه، فأتاني أبي زائرا فنظر إلى الحسن (عليه السّلام) و هو يمصّ النّوى (1)، فقال: فطمته؟ قلت: نعم.
قال: إذا أحبّ عليّ الاشتمال فلا تمنعيه، فإنّي أرى في مقدّم وجهك ضوءا و نورا و ذلك إنّك ستلدين حجّة لهذا الخلق [و حجّة على ذي الخلق] فلمّا [أن] تمّ [ال] شهر من حملي وجدت في [بطني] سخنة فقلت لأبي ذلك، فدعا بكوز(2) من ماء فتكلّم عليه و تفل عليه (3) و قال: اشربي، فشربت فطرد اللّه عنّي ما كنت أجد و صرت في الأربعين من الأيّام فوجدت دبيبا في ظهري كدبيب النّمل في بين الجلدة و الثوب فلم أزل على ذلك حتّى تمّ الشهر (الثاني) فوجدت الاضطراب و الحركة فو اللّه لقد تحرّك [في بطني] و أنا بعيد [ة] من المطعم و المشرب، فعصمني اللّه [عنهما] كأنّي شربت [هنا] لبنا حتّى تمّت الثلاثة (أشهر) و (أنا) أجد الزيادة و الخير في منزلي.
فلمّا صرت في الأربعة آنس اللّه به وحشتي و لزمت المسجد لا أبرح منه إلّا لحاجة تظهر لي فكنت في الزيادة و الخفّة في الظاهر و الباطن (4) حتّى تمّت (5) الخمسة، فلمّا صارت (6) الستّة كنت لا أحتاج في الليلة الظلماء إلى مصباح و جعلت أسمع إذا خلوت بنفسي في مصلّاي التسبيح و التقديس (في باطني)، فلمّا مضى (فوق ذلك) (7)
____________
(1)- في البحار: الثدي.
(2)- في المصدر: بتور.
(3)- في المصدر: فيه.
(4)- في المصدر: ظاهري و باطني.
(5)- في المصدر: أكملت.
(6)- في المصدر: إذا دخلت.
(7)- في المصدر: من الستّة.
7
2- أبواب ولادته و رضاعه و عقيقته (صلوات الله عليه)
1- باب تاريخ ولادته (عليه السّلام)
الأخبار: الأئمّة: الصادق (عليهم السّلام)
1- مصباح المتهجّد: و روى الحسين بن زيد، عن جعفر (عليه السّلام) قال: ولد الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع [خلون] من الهجرة. (1)
2- و منه:- بعد ما ذكر دعاء ليوم الثالث من شعبان-، قال ابن عيّاش:
سمعت الحسين بن عليّ بن سفيان البزوفري (يقول: سمعت (2)) أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يدعو به في هذا اليوم، و قال: هو من أدعية اليوم الثالث من شعبان و هو مولد الحسين (عليه السّلام) (3).
صاحب الأمر (عليه السّلام)
3- مصباح المتهجّد: خرج إلى القاسم بن (ال) علاء الهمداني وكيل أبي محمّد 333 أنّ مولانا الحسين (صلوات الله عليه) ولد يوم الخميس لثلاث خلون من شعبان (4).
____________
(1)- ص 593 و البحار: 101/ 101 ح 38.
(2)- في الاصل: أنّ.
(3)- ص 575 و البحار: 101/ 348.
(4)- ص 574 و البحار: 43/ 260 ح 48.
12
تسع ازددت قوّة، [و كنت ضعيفة اللّذات] فذكرت ذلك لأمّ سلمة فشدّ اللّه بها أزري، فلمّا زادت العشر [من الستّة، و] غلبتني عيني (و) أتاني آت [في منامي] فمسح جناحه على ظهري، فقمت و أسبغت الوضوء و صلّيت ركعتين ثمّ غلبتني عيني و أتاني آت في منامي و عليه ثياب بيض، فجلس عند رأسي و نفخ في وجهي و في قفاي فقمت و أنا خائفة فأسبغت الوضوء و أدّيت أربعا، ثمّ غلبتني عيني و أتاني آت في منامي، و أقعدني و رقّاني و عوّذني، فأصبحت و كان يوم أمّ سلمة [المباركة]، فدخلت في ثوب [ي] حمامة، ثمّ أتيت أمّ سلمة فنظر النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) إلى وجهي فرأيت أثر السرور في وجه (صلى اللّه عليه و آله) فذهب عنّي ما كنت أجد و حكيت ذلك للنبيّ (صلى اللّه عليه و آله).
فقال: أبشري، أمّا الأوّل فخليلي عزرائيل الموكّل بأرحام النساء [يفتحها]، و أمّا الثاني فخليلي ميكائيل الموكّل بأرحام أهل بيتي (ف) نفخ فيك، [ف] قلت: نعم، فبكى، [قالت:] ثمّ ضمّني إليه (1) و قال: (و) أمّا الثالث، فذاك (2) حبيبي جبرئيل يخدمه (3) اللّه ولدك، فرجعت فنزل (4) تمام الستة. (5)
توضيح: قال الجوهريّ: و إنّي لأجد في نفسي سخنة بالتحريك، و هي فضل حرارة تجدها مع وجع، قولها (عليها السّلام): و أنا بعيدة عن المطعم و المشرب أي لا أجدهما و لا أشتهيهما. و لا يخفى تنافي الأخبار الواردة في مدّة الحمل و أخبار الستّة أشهر أشهر و أكثر و أقوى.
2- أمالي الصدوق: أحمد بن الحسين، عن السكّريّ، عن الجوهريّ، عن الضبيّ، عن الحسين بن يزيد، عن عمر بن عليّ بن الحسين (عليهما السّلام)، عن فاطمة بنت الحسين (عليه السّلام)، عن أسماء بنت أبي بكر، عن صفيّة بنت عبد المطلّب، قالت: لمّا سقط الحسين (عليه السّلام) من بطن امّه و كنت ولّيتها (عليها السّلام)، قال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): يا عمّة هلمّي إليّ ابني، فقلت: يا رسول اللّه إنّا لم ننظّفه بعد، فقال (صلى اللّه عليه و آله): يا عمّة أنت تنظّفينه؟! إنّ اللّه تبارك و تعالى قد نظّفه و طهّره (6).
____________
(1)- في المصدر: إلى نفسه.
(2)- في المصدر: فاخي.
(3)- في المصدر: يقيمه.
(4)- في المصدر: فأنزلته في.
(5)- الخرائج (المخطوط) ص 434 ح 63، البحار: 43/ 271 ح 39.
(6)- أمالي الصدوق 117 صدر ح 5 البحار: 43/ 243 ح 16.
14
فلمّا علم اللّه عزّ و جلّ أتعابه أوحى إليه: أيّها الملك عد إلى مكانك فأنا عظيم فوق كلّ عظيم و ليس فوقي شيء و لا اوصف بمكان، فسلبه اللّه تعالى أجنحته و مقامه من صفوف الملائكة، فلمّا ولد الحسين بن علي (عليهما السّلام)، و كان مولده عشية الخميس ليلة الجمعة أوحى اللّه إلى مالك خازن النار (1): أن أخمد النيران على أهلها لكرامة مولود ولد لمحمّد (صلى اللّه عليه و آله) و أوحى (اللّه) إلى رضوان خازن الجنان أن زخرف الجنان و طيّبها لكرامة مولود (2) ولد لمحمّد (صلى اللّه عليه و آله) في دار الدنيا، و أوحى اللّه تبارك و تعالى إلى الحور العين [أن] تزيّنّ و تزاورن لكرامة مولود ولد لمحمّد (صلى اللّه عليه و آله) في دار الدنيا.
و أوحى اللّه عزّ و جلّ إلى الملائكة أن قوموا صفوفا بالتسبيح و التحميد و التمجيد و التكبير لكرامة مولود ولد لمحمّد (صلى اللّه عليه و آله) في دار الدنيا، و أوحى اللّه عزّ و جلّ إلى جبرئيل (عليه السّلام) أن اهبط الى نبيّي محمّد في ألف قبيل (3)، و القبيل ألف ألف ملك [من الملائكة] على خيول بلق مسرّجة ملجمة عليها قباب الدّر و الياقوت، [و] معهم ملائكة يقال لهم الرّوحانيّون، بأيديهم حراب و أطباق من نور، أن هنّوا (4) محمّدا بمولود (5).
و اخبره يا جبرئيل إنّي قد سمّيته الحسين [و هنّئه] و عزّه، و قل له: يا محمّد يقتله شرار أمّتك على شرار الدواب، فويل للقاتل و ويل للسائق و ويل للقائد، قاتل الحسين (عليه السّلام) أنا منه بريء و هو منّي بريء لأنه لا يأتي أحد يوم القيامة إلّا و قاتل الحسين (عليه السّلام) أعظم جرما منه، قاتل الحسين (عليه السّلام) يدخل النار يوم القيامة مع الذين يدعون مع اللّه إلها آخر، و النار أشوق إلى قاتل الحسين (عليه السّلام) ممّن أطاع اللّه إلى الجنّة.
قال: فبينا جبرئيل (عليه السّلام) يهبط من السماء إلى الأرض إذ مرّ بدردائيل، فقال له دردائيل: يا جبرئيل ما هذه الليلة في السماء؟ هل قامت القيامة على أهل الدنيا؟
قال: لا، و لكن ولد لمحمّد (صلى اللّه عليه و آله) مولود في دار الدنيا و قد بعثني اللّه عزّ و جلّ لاهنئه بمولوده، فقال الملك (له): يا جبرئيل بالّذي خلقك و خلقني إن، هبطت إلى محمّد
____________
(1)- في البحار: النيران
(2)- في البحار: مولد
(3)- في البحار: في القبيل
(4)- في المصدر: هنّئوا
(5)- في المصدر: إذا
13
3- و منه: بهذا الإسناد عن صفيّة بنت عبد المطّلب، قالت: لمّا سقط الحسين (عليه السّلام) من بطن امّه فدفعته إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)، فوضع النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) لسانه في فيه، و أقبل الحسين (عليه السّلام) على لسان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يمصّه، قالت: فما كنت أحسب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يغذوه إلّا لبنا أو عسلا، قالت: فبال الحسين فقبّل النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) بين عينيه، ثمّ دفعه إليّ و هو يبكي و يقول: لعن اللّه قوما هم قاتلوك يا بنيّ، يقولها ثلاثا، قال: فقلت: فداك أبي و أمي، و من يقتله؟! قال: بقيّة الفئة الباغية من بني اميّة لعنهم اللّه (1).
4- عيون المعجزات: و روى العلائي (2) في كتابه، يرفع الحديث إلى صفيّة بنت عبد المطّلب، قالت: لمّا سقط الحسين بن فاطمة (عليهما السّلام) كنت بين يديها.
فقال (لي) النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): هلمّي إليّ بابني، فقلت: يا رسول اللّه إنّا لم ننظّفه بعد، فقال لي النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): أنت تنظّفينه؟! إنّ اللّه تعالى قد نظّفه و طهّره.
و روي أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قام إليه و أخذه فكان يسبّح و يهلّل و يمجّد (صلوات الله عليه) (3).
5- كمال الدين: ما جيلويه، عن عمّه، عن البرقيّ، عن الكوفيّ، عن أبي الربيع الزهرانيّ، عن جرير (4)، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، قال: قال ابن عبّاس: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يقول: إنّ للّه تعالى ملكا يقال له: دردائيل، كان له ستّة عشر ألف جناح ما بين الجناح إلى الجناح هواء، و الهواء كما بين السماء و الأرض (5)، فجعل يوما يقول في نفسه: أ فوق ربّنا جلّ جلاله شيء (6)؟ فعلم اللّه تبارك و تعالى ما قال، فزاده أجنحة مثلها فصار له اثنان و ثلاثون ألف جناح، ثمّ أوحى اللّه عزّ و جلّ إليه أن طر، فطار مقدار خمسمائة عام (6)، فلم ينل رأسه (7) قائمة من قوائم العرش،
____________
(1)- أمالي الصدوق 117 ذ ح 5 البحار 43/ 243 ح 17.
(2)- في المصدر: الغلابيّ
(3)- عيون المعجزات 63 س 19، البحار 43/ 256 ذ ح 34.
(4)- في البحار: حريز
(5)- في المصدر: إلى الارض
(6)- في المصدر: خمسين عاما
(7)- في المصدر: رأس
16
توضيح: لعلّ هذا على تقدير صحّة الخبر كان بمحض خطور البال من غير اعتقاد بكون الباري تعالى ذا مكان، أو المراد بقوله: فوق ربّنا شيء، فوق عرش ربّنا، إمّا مكانا أو رتبة، فيكون ذلك منه تقصيرا في معرفة عظمته و جلاله، فيكون على هذا ذكر نفي المكان لرفع ما يتوهّم متوهّم، و اللّه يعلم.
الأئمّة، الصادق (عليهم السّلام)
6- في حديث المفضّل: بطوله الّذي يأتي بإسناده في كتاب الغيبة عن الصادق (عليه السّلام) أنّه قال (صلوات الله عليه): كان ملك من المقرّبين يقال له: صلصائيل، بعثه اللّه في بعث فأبطأ، فسلبه ريشه و دق جناحيه (1) و أسكنه في جزيرة من جزائر البحر [و هو عند الناس أنّه سها و غفل عن تسبيحه فعاقبه اللّه بهذه العقوبة] إلى ليلة ولد الحسين (عليه السّلام) فنزلت (2) الملائكة (و) استأذنت اللّه في تهنئة جدّي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و تهنئة أمير المؤمنين (عليه السّلام) و فاطمة (عليها السّلام)، فأذن اللّه لهم، فنزلوا أفواجا من العرش و من سماء (إلى) سماء، فمرّوا بصلصائيل و هو ملقى بالجزيرة، (فلمّا نظروا إليه وقفوا) فقال لهم: يا ملائكة ربّي إلى أين تريدون؟ و فيم هبطتم؟ فقالت (له) الملائكة: يا صلصائيل، قد ولد في هذه الليلة أكرم مولود ولد في الدنيا بعد جدّه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، و أبيه عليّ، و امّه فاطمة، و أخيه الحسن، و هو الحسين (عليه السّلام).
و قد استأذنّا اللّه في تهنئة حبيبه (3) محمّد (صلى اللّه عليه و آله) به (4) فأذن لنا، فقال صلصائيل: يا ملائكة اللّه (5)، إنّي أسألكم باللّه ربّنا و ربّكم، و بحبيبه محمد (صلى اللّه عليه و آله)، و بهذا المولود، أن تحملوني معكم إلى حبيب اللّه [محمّد] و تسألونه و أسأله أن يسأل اللّه
____________
(1)- في المصدر هكذا: نظر إلى بعض ما فضّلنا اللّه به فلم يطق حمله و شكّ فيه فأهبطه اللّه من جواره بدلا من:
بعثه .... ريشه.
(2)- في المصدر: إلى الليلة التي ولد فيها الحسين ابنى و أنّ ...
(3)- في المصدر: جدّه
(4)- في الأصل: لولده
(5)- في المصدر: ربّي.
17
بحق هذا المولود الذي وهبه اللّه له، أن يغفر لي خطيئتي و يجبر كسر جناحي و يردّني إلى مقامي مع الملائكة المقرّبين.
فحملوه و جاءوا (به) إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فهنّئوه بابنه الحسين، و قصّوا عليه قصّة الملك، و سألوه مسألة اللّه و الإقسام (1) عليه بحقّ الحسين (عليه السّلام) أن يغفر له خطيئته و يجبر كسر جناحه و يردّه إلى مقامه مع الملائكة (المقرّبين)، فقام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فدخل على فاطمة (عليها السّلام)، فقال لها: [يا موفّقة] ناوليني ابني الحسين (عليه السّلام)، فأخرجته إليه [في تصريبه] مقموطا يناغي جدّه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله).
فخرج به إلى الملائكة فحمله على بطن (2) كفّه، فهلّلوا و كبّروا و حمدوا اللّه تعالى و أثنوا عليه [فزادوا في تهنئة رسول اللّه]، فتوجّه به إلى القبلة [و رفعه] نحو السماء، فقال: اللهمّ إنّي أسألك بحقّ ابني الحسين (عليه السّلام) [عليك] أن تغفر لصلصائيل [الملك] خطيئته و تجبر (كسر) جناحه و تردّه إلى مقامه مع الملائكة المقربين [فهبط جبرئيل (عليه السّلام)، فقال: يا رسول اللّه، ربّك يقرأ عليك السلام و يقول لك: ما كانت خطيئة الملك إلّا شكّ فيما أعطيتكم من فضلي عليكم، فعاقبته و قد غفرت]، (فتقبّل اللّه تعالى من النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) ما أقسم به عليه، و غفر لصلصائيل) خطيئته (و جبر كسر جناحه و ردّه) (3) إلى مقامه مع الملائكة (المقرّبين) (4).
7- أمالي الصدوق: العطّار، عن أبيه، عن الأشعريّ، عن موسى بن عمر، عن عبد اللّه بن صباح، عن إبراهيم بن شعيب، قال: سمعت [الصادق] أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: إنّ الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) لمّا ولد أمر اللّه عزّ و جلّ جبرئيل (عليه السّلام) أن يهبط في ألف من الملائكة فيهنّئ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) من اللّه عزّ و جلّ و من جبرئيل، قال:
فهبط جبرئيل (عليه السّلام) فمرّ على جزيرة في البحر فيها ملك يقال له: فطرس، كان من الحملة، فبعثه اللّه عزّ و جلّ في شيء فأبطأ عليه، فكسر جناحه و ألقاه في تلك
____________
(1)- في المصدر: و القسم.
(2)- في المصدر: باطن.
(3)- في المصدر: و جبرت جناحه و رددته.
(4)- الهداية للحسين بن حمدان الحضينى ص 228 (مخطوط) البحار: 43/ 258 ح 47.
15
(صلى اللّه عليه و آله) فاقرأه منّي السلام و قل له:
بحقّ هذا المولود عليك إلّا سألت (اللّه) ربّك أن يرضى عنّي و يردّ عليّ أجنحتي و مقامي من صفوف الملائكة، فهبط جبرئيل (عليه السّلام) على النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و هنّأه كما أمره اللّه عزّ و جلّ و عزّاه، فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): تقتله أمّتي؟! [ف] قال [له]:
نعم [يا محمّد]، فقال النّبي (صلى اللّه عليه و آله): ما هؤلاء بامّتي، أنا بريء منهم، و اللّه عزّ و جلّ بريء منهم، قال جبرئيل: و أنا بريء منهم يا محمّد.
فدخل النّبي (صلى اللّه عليه و آله) على فاطمة (عليها السّلام) و هنّأها و عزّاها، فبكت فاطمة و قالت: يا ليتني لم ألده، قاتل الحسين في النار، [و] قال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): (و) أنا أشهد بذلك يا فاطمة، و لكنّه لا يقتل حتى يكون منه إمام يكون منه (1) الأئمّة الهادية بعده.
ثمّ قال (صلى اللّه عليه و آله): الأئمّة بعدي: الهادي عليّ، المهديّ الحسن، الناصر الحسين، المنصور عليّ بن الحسين، الشافع محمّد بن عليّ، النفّاع جعفر بن محمّد، الأمين موسى بن جعفر، الرضا عليّ بن موسى، الفعّال محمّد بن عليّ، المؤتمن عليّ بن محمّد، العلّام الحسن بن عليّ، و من يصلّي خلفه عيسى بن مريم (عليه السّلام) [القائم (عليه السّلام)]، فسكنت (2) فاطمة (عليها السّلام) من البكاء.
ثمّ أخبر جبرئيل (عليه السّلام) [النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)] بقضيّة (3) الملك و ما اصيب به، قال ابن عبّاس: فأخذ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) الحسين (عليه السّلام) و هو ملفوف في خرق من صوف، فأشار به إلى السماء، ثمّ قال:
اللهمّ بحقّ هذا المولود عليك، لا بل بحقّك عليه و على أجداده (4) محمّد و إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب، إن كان للحسين بن عليّ [و] ابن فاطمة عندك حقّ (5) فارض عن دردائيل و ردّ عليه أجنحته و مقامه من صفوف الملائكة، فاستجاب اللّه دعاءه، و غفر للملك [و ردّ عليه أجنحته و ردّه إلى صفوف الملائكة]، و الملك لا يعرف في الجنة إلّا بأن يقال: هذا مولى الحسين بن عليّ، ابن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) (6).
____________
(1)- في الاصل: من.
(4)- في البحار و المصدر: جدّه
(2)- في المصدر و البحار: فسكتت
(5)- في البحار و المصدر: قدر
(3)- في المصدر: بقصّة
(6)- ج 1/ 282 ح 36، البحار: 43/ 248 ح 24
18
الجزيرة، فعبد اللّه تبارك و تعالى فيها سبعمائة عام حتّى ولد الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) فقال الملك لجبرئيل: يا جبرئيل، أين تريد؟ قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ أنعم على محمّد (صلى اللّه عليه و آله) بنعمة فبعثت اهنّئه من اللّه و منّي.
فقال: يا جبرئيل احملني معك لعلّ محمّدا (صلى اللّه عليه و آله) يدعو لي، قال: فحمله، قال: فلمّا دخل جبرئيل على النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) هنّأه من اللّه عزّ و جلّ و منه و أخبره بحال فطرس، فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): قل له: تمسّح بهذا المولود وعد إلى مكانك، قال:
فتمسّح فطرس بالحسين بن عليّ (عليهما السّلام) و ارتفع.
فقال: يا رسول اللّه، أما إنّ أمّتك ستقتله و له عليّ مكافأة ألّا يزوره زائر إلّا أبلغته عنه، و لا يسلّم عليه مسلّم إلّا أبلغته سلامه، و لا يصلّي عليه مصلّ إلّا أبلغته صلاته، ثمّ ارتفع. (1)
كامل الزيارات: محمّد بن جعفر الرزّاز، عن ابن أبي الخطّاب، عن موسى بن سعدان، عن عبد اللّه بن القاسم، عن إبراهيم بن شعيب، مثله (2).
أقول: قد مضى بتغيير ما في باب أخذ ميثاقهم من الملائكة.
8- المناقب لابن شهرآشوب: ابن عبّاس و الصادق (عليه السّلام)، مثله.
ثمّ قال: و قد ذكر الطوسيّ في المصباح رواية عن القاسم بن (أبي) العلاء الهمدانيّ حديث فطرس الملك في الدعاء.
و في المسألة الباهرة في تفضيل الزهراء الطاهرة: عن أبي محمّد الحسن بن طاهر القائينيّ الهاشميّ: إنّ اللّه تعالى كان خيّره بين عذابه في الدنيا أو في الآخرة، فاختار عذاب الدنيا، فكان معلّقا بأشفار عينيه في جزيرة في البحر، لا يمرّ به حيوان، و تحته دخان منتن غير منقطع، فلمّا أحسّ الملائكة نازلين سأل من مرّ به منهم عمّا أوجب لهم ذلك؟
فقال: ولد للحاشر النبيّ الاميّ أحمد من بنته و وصيّه ولد يكون منه أئمّة الهدى إلى يوم القيامة، فسأل من أخبره أنّه يهنّىء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بتلك عنه، و يعلم
____________
(1)- ص 118 ح 8، البحار: 43/ 243 ح 18.
(2)- ص 66 ب 20 ح 1، البحار: 43/ 244.
19
حاله، فلمّا علم النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) بذلك سأل اللّه تعالى أن يعتقه للحسين (عليه السّلام)، ففعل سبحانه.
فحضر فطرس و هنّأ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و عرج إلى موضعه و هو يقول: من مثلي و أنا عتاقة الحسين بن عليّ و فاطمة و جدّه أحمد الحاشر. (1)
توضيح: العتاقة بالفتح: الحريّة، و هو يقول: فلان مولى عتاقة، فالمصدر بمعنى المفعول، و لعلّه سقط لفظ المولى من النسّاخ.
9- السرائر لابن إدريس: في جامع البزنطيّ: عن حيّان (2) مولى سدير، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، و عن رجل من أصحابنا: أنّ أبا عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إنّ فطرس ملك كان يطوف بالعرش، فتلكّأ في شيء من أمر اللّه فقصّ جناحيه (3) و رمى به على جزيرة من جزائر البحر.
فلمّا ولد الحسين (عليه السّلام) هبط جبرئيل (عليه السّلام) إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يهنّئه بولادة الحسين (عليه السّلام)، فمرّ به، فعاذ بجبرئيل (عليه السّلام)، فقال: قد بعثت إلى محمّد (صلى اللّه عليه و آله) اهنّئه بمولود ولد له، فإن شئت حملتك إليه؟ فقال: قد شئت، فحمله فوضعه بين يدي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فبصبص بإصبعه إليه، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): امسح جناحك بحسين (عليه السّلام)، فمسح جناحه بحسين (عليه السّلام)، فعرج. (4)
توضيح: تلكّأ عن الأمر تلكّؤا: تباطأ عنه و توقّف.
10- التهذيب: عليّ بن الحسين، عن سعد، عن محمّد بن الحسين، عن الحسن بن موسى، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: إذا سقط لستّة أشهر فهو تامّ.
و ذلك أنّ الحسين بن عليّ (صلوات الله عليه) ولد و هو ابن ستّة أشهر (5).
11- أمالي الطوسيّ: الحسين بن إبراهيم القزوينيّ، عن محمّد بن وهبان،
____________
(1)- ج 3/ 228، البحار: 43/ 244 ح 19.
(2)- في البحار: عيسان.
(3)- في الاصل و البحار: و خ. ل الاصل: جناحه.
(4)- ص 478، البحار: 43/ 250 ح 27.
(5)- ج 1/ 328 ح 127، البحار: 43/ 258 ح 44، و كان في الأصل: الكافي بدل التهذيب، و هو اشتباه، إذ لم نجده في الكافي، إضافة إلى أنّ سند الرواية ليس من أسانيد الكافي.
20
عن أحمد بن إبراهيم، عن الحسن بن عليّ الزعفرانيّ، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: حمل الحسين (بن عليّ) (عليهما السّلام) ستّة أشهر، و ارضع سنتين، و هو قول اللّه عزّ و جلّ: «و وصّينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته امّه كرها و وضعته كرها و حمله و فصاله ثلاثون شهرا». (1)
12- الكافي: العدّة، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عبد الرحمن العرزميّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: كان بين الحسن و الحسين (عليهما السّلام) طهر، و كان بينهما في الميلاد ستّة أشهر و عشرا. (2)
الرضا، عن آبائه، عن عليّ بن الحسين (عليهم السّلام)
13- عيون أخبار الرضا: بالأسانيد الثلاثة، عن الرضا، عن آبائه، عن عليّ بن الحسين (عليهم السّلام)، عن أسماء بنت عميس، قالت: (قبّلت جدّتك فاطمة بالحسن و الحسين (عليهما السّلام)، فلمّا ولد الحسن (عليه السّلام)) (3) جاء النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)، و ساق الحديث في ولادة الحسن (عليه السّلام) كما مرّ في باب كيفيّة ولادته إلى أن قال: فلمّا كان بعد حول ولد الحسين (عليه السّلام) و جاءني النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)، فقال: يا أسماء، هلمّي ابني، فدفعته إليه في خرقة بيضاء.
فأذّن في اذنه اليمنى و أقام في اليسرى، و وضعه في حجره، فبكى، فقالت أسماء: (قلت: فداك أبي و امّي)، ممّ بكاؤك؟ قال: على ابني هذا، قلت: إنّه ولد الساعة يا رسول اللّه! فقال: تقتله الفئة الباغية من بعدي، لا أنا لهم اللّه شفاعتي، ثمّ قال: يا أسماء لا تخبري فاطمة بهذا فإنّها قريبة عهد بولادته.
ثمّ قال لعليّ (عليه السّلام): أي شيء سمّيت ابني؟ قال: ما كنت لأسبقك باسمه يا رسول اللّه، و (قد) كنت احبّ أن اسمّيه حربا، فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): و لا أسبق باسمه ربّي عزّ و جلّ، ثمّ هبط جبرئيل (عليه السّلام)، فقال: يا محمّد، العليّ الأعلى يقرؤك (4) السلام و يقول لك:
____________
(1)- ج 2/ 274، البحار: 43/ 258 ح 45، سورة الأحقاف: 15.
(2)- ج 1/ 463 ح 2، البحار: 43/ 258 ح 46.
(3)- في المصدر: حدّثتني فاطمة (عليها السّلام): لمّا حملت بالحسن (عليه السّلام) و ولدته، ...
(4)- في الاصل: يقرأ السّلام عليك.
21
عليّ منك كهارون من موسى، سمّ ابنك [هذا] باسم ابن هارون، قال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): و ما اسم ابن هارون؟ قال: شبير، قال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): لساني عربيّ، قال جبرئيل (عليه السّلام): سمّه الحسين، (فسمّاه الحسين) (عليه السّلام)، فلمّا كان يوم سابعه عقّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) بكبشين أملحين، و أعطى القابلة فخذا و دينارا، ثمّ حلق رأسه و تصدّق بوزن الشعر و رقا، و طلى رأسه بالخلوق، فقال: يا أسماء الدم فعل الجاهليّة. (1)
صحيفة الرضا: عن آبائه (عليهم السّلام)، مثله. (2)
أقول: قد مرّ تمام الخبر في باب كيفيّة ولادة الحسن بأسانيد، و قد مرّت أخبار أخر تركناها خوفا للإطالة.
الكتب:
14- المناقب لابن شهرآشوب: كتاب الأنوار: إنّ اللّه تعالى هنّأ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) بحمل الحسين (عليه السّلام) و ولادته، و عزّاه بقتله، فعرفت فاطمة فكرهت ذلك، فنزلت: «حملته امّه كرها و وضعته كرها و حمله و فصاله ثلاثون شهرا» فحمل النساء تسعة أشهر، و لم يولد مولود لستّة أشهر عاش غير عيسى و الحسين (عليهما السّلام) (3).
3- باب رضاعه (عليه السّلام)
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- المناقب لابن شهرآشوب: عن أبي المفضل بن خير (4) بإسناده أنّه اعتلّت فاطمة لمّا ولدت الحسين (عليه السّلام) و جفّ لبنها، فطلب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) مرضعا فلم يجد، فكان يأتيه فيلقمه إبهامه فيمصّها، و يجعل اللّه له في إبهام رسول اللّه رزقا يغذوه.
____________
(1)- ج 2/ 24 ح 5، البحار: 43/ 238 ح 4.
(2)- ص 16، البحار: 43/ 240.
(3)- ج 3/ 209، البحار: 43/ 253 ح 31.
(4)- في المصدر: غرر أبي الفضل بن حيزانة.
22
و يقال: بل كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يدخل لسانه في فيه فيغرّه كما يغرّ الطائر فرخه، فجعل اللّه له في ذلك رزقا، ففعل أربعين يوما و ليلة، فنبت لحمه من لحم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) (1).
توضيح: قال الجوهريّ: غرّ الطائر فرخه يغرّه غرّا أي زقّه.
2- المناقب لابن شهر اشوب: برة ابنة اميّة الخزاعيّ، قالت: لمّا حملت فاطمة (عليها السّلام) بالحسن، خرج النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) في بعض وجوهه، فقال لها: إنّك ستلدين غلاما قد هنّأني به جبرئيل، فلا ترضعيه حتى أصير إليك، قالت: فدخلت على فاطمة حين ولدت الحسن (عليه السّلام) و له ثلاث ما أرضعته، فقلت لها: أعطينيه حتى أرضعه، فقالت: كلّا.
ثمّ أدركتها رقّة الامّهات فارضعته، فلمّا جاء النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)، قال لها: ما ذا صنعت؟ قالت: أدركني عليه رقّة الامّهات فأرضعته، فقال: أبى اللّه عزّ و جلّ إلّا ما أراد، فلمّا حملت بالحسين (عليه السّلام) قال لها: يا فاطمة إنّك ستلدين غلاما قد هنّأني به جبرئيل (عليه السّلام)، فلا ترضعيه حتى أجيء إليك و لو أقمت شهرا، قالت: أفعل ذلك، و خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في بعض وجوهه.
فولدت فاطمة (عليها السّلام) فما أرضعته حتى جاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال لها: ما ذا صنعت؟ قالت: ما أرضعته، فأخذه فجعل لسانه في فمه فجعل الحسين (عليه السّلام) يمصّ حتى قال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): إيها حسين إيها حسين، ثمّ قال: أبى اللّه إلّا ما يريد: أي فيك و في ولدك، يعني الإمامة (2).
الأئمّة: الصادق (عليهم السّلام)
3- أمالي الصدوق: أبي، عن سعد، عن البرقيّ، عن محمد بن عيسى و أبي إسحاق النهاونديّ، عن عبيد اللّه بن حمّاد، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: [و] أقبل جيران أمّ أيمن إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فقالوا: يا رسول اللّه إنّ أمّ أيمن لم تنم البارحة من البكاء، لم تزل تبكي حتى أصبحت.
____________
(1)- 3/ 209، و البحار: 43/ 254 ح 31.
(2)- 3/ 209، و البحار: 43/ 254 ح 32.
24
يا رسول اللّه.
فخاطب عليّا (عليه السّلام) ثلاثا، ثمّ قال: إنّه يكون فيه و في ولده الإمامة و الوراثة و الخزانة، فأرسل إلى فاطمة (عليها السّلام)، أنّ اللّه يبشّرك بغلام تقتله امتي من بعدي، فقالت فاطمة: ليس لي حاجة إليه (1) يا أبه، فخاطبها ثلاثا، فأرسل إليها: لا بدّ أن يكون فيه الإمامة و الوراثة و الخزانة، فقالت له: رضيت عن اللّه عزّ و جلّ.
فعلقت و حملت بالحسين (عليه السّلام) فحملت ستّة أشهر، ثمّ وضعت و لم يعش مولود قطّ لستّة أشهر غير الحسين بن عليّ و عيسى بن مريم (عليهما السّلام) فكفلته أمّ سلمة و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يأتيه في كلّ يوم و يضع لسانه في فم الحسين (عليه السّلام) فيمصّه حتّى يروى، فأنبت اللّه عزّ و جلّ لحمه من لحم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و لم يرضع من فاطمة (عليها السّلام) و لا من غيرها لبنا قطّ.
و لذا (2) أنزل اللّه عزّ و جلّ فيه: «وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى والِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي».
و لو قال: أصالح لي ذرّيّتي كانوا كلّهم أئمّة و لكن خصّ هكذا. (3)
توضيح: قال الجوهريّ: قولهم: الناس في هذا الأمر شرع سواء، يحرّك و يسكن و يستوي فيه الواحد و المؤنث و الجمع، و هذا شرع هذا، و هما شرعان أي: مثلان، قوله (عليه السّلام): لا أراكم تأخذون به، أي: لا تعتقدون المساواة أيضا، بل تفضّلون ولد الحسن (عليه السّلام) أو أنّكم لا تأخذون بقولي إن تبيّنت لكم العلّة في ذلك، و الأخير أظهر.
5- الكافي: محمد بن يحيى، عن عليّ بن إسماعيل، عن محمد بن عمرو الزيّات، عن رجل من أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: لم يرضع الحسين (عليه السّلام) من فاطمة (عليها السّلام) و لا من انثى، كان يؤتى به النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) فيضع إبهامه في فيه، فيمصّ منها ما يكفيه اليومين و الثلاث.
____________
(1)- في المصدر و البحار: فيه.
(2)- في المصدر و البحار: فلمّا.
(3)- 1/ 205 ح 3، و البحار: 43/ 245 ح 20 «سورة الأحقاف- 15».
23
قال: فبعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إلى أمّ أيمن فجاءته، فقال لها: يا أمّ أيمن لا أبكى اللّه عينك (1)، إنّ جيرانك أتوني و أخبروني أنك لم تزلي الليل تبكين أجمع، فلا أبكى اللّه عينك، ما الذي أبكاك؟ قالت: يا رسول اللّه رأيت رؤيا عظيمة شديدة، فلم أزل أبكي الليل أجمع، فقال لها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): فقصّيها على رسول اللّه، فإنّ اللّه و رسوله أعلم، فقالت: تعظم عليّ أن أتكلّم بها، فقال لها: إنّ الرّؤيا ليست على ما ترى فقصّيها على رسول اللّه.
قالت: رأيت في ليلتي هذه كأنّ بعض أعضائك ملقى في بيتي، فقال لها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): نامت عينك يا أمّ أيمن تلد فاطمة الحسين (عليه السّلام) فتربّينه و تلينه، فيكون بعض أعضائي في بيتك، فلمّا ولدت فاطمة الحسين (عليه السّلام) فكان يوم السابع أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فحلق رأسه و تصدّق بوزن شعره فضّة و عقّ عنه.
ثمّ هيّأته أمّ أيمن و لفّته في برد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، ثمّ أقبلت به إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال [لها رسول اللّه]: مرحبا بالحامل و المحمول، يا أمّ أيمن هذا تأويل رؤياك.
المناقب لابن شهرآشوب: الصادق (عليه السّلام) و ابن عبّاس مثله، أخرجه القيروانيّ في التعبير، و صاحب فضائل الصحابة. (2)
4- علل الشرائع: أحمد بن الحسن، عن ابن زكريّا، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرحمن بن كثير (3) الهاشميّ، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): جعلت فداك من أين جاء لولد الحسين (عليه السّلام) الفضل على ولد الحسن (عليه السّلام)؟ و هما يجريان في شرع واحد.
فقال: لا أراكم تأخذون به، إنّ جبرئيل (عليه السّلام) نزل على محمد (صلى اللّه عليه و آله) و ما ولد الحسين بعد، فقال له: يولد لك غلام تقتله أمّتك من بعدك، فقال: يا جبرئيل لا حاجة لي فيه فخاطبه ثلاثا، ثمّ دعا عليّا (عليه السّلام) فقال له: إنّ جبرئيل (عليه السّلام) يخبرني عن اللّه عزّ و جلّ أنّه يولد لك غلام تقتله أمّتي من بعدك، فقال: لا حاجة لي [فيه]
____________
(1)- في المصدر: عينيك.
(2)- أمالي الصدوق 75 ح 1، و البحار: 43/ 242 ح 15 و 243 و المناقب 3/ 226.
(3)- في الأصل: عبد الرحمن المثنّى.
25
فنبت لحما للحسين (1) من لحم رسول اللّه و دمه، و لم يولد لستّة أشهر إلّا عيسى ابن مريم و الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) (2).
الرضا (عليه السّلام) 6- الكافي: و في رواية اخرى عن أبي الحسن الرضا (عليه السّلام) أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) كان يؤتى به الحسين (عليه السّلام) فيلقمه لسانه فيمصّه فيجتزي به و لم يرضع (3) من انثى (4).
الكتب:
7- تفسير عليّ بن إبراهيم: «و وصّينا الإنسان بوالديه إحسانا»، قال:
الإحسان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، [و] قوله: بوالديه، إنّما عنى الحسن و الحسين (عليهما السّلام) ثمّ عطف على الحسين (عليه السّلام) فقال: «حملته امّه كرها و وضعته كرها» (5)، و ذلك أنّ اللّه أخبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و بشّره بالحسين قبل حمله، و أنّ الإمامة تكون في ولده إلى يوم القيامة.
ثمّ أخبره بما يصيبه من القتل و المصيبة في نفسه و ولده، ثمّ عوّضه بأن جعل الإمامة في عقبه، و أعلمه أنّه يقتل ثمّ يردّه إلى الدنيا و ينصره حتى يقتل أعداءه و يملّكه الأرض و هو قوله: «و نريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض و نجعلهم (الآية) (6)، و قوله: «و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون». (7)
فبشّر اللّه نبيّه (صلى اللّه عليه و آله) أنّ أهل بيتك (8) يملكون الأرض و يرجعون إليها و يقتلون أعداءهم، فأخبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السّلام) بخبر الحسين (عليه السّلام) و قتله ف «حملته كرها» (ثمّ) قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): فهل رأيتم أحدا يبشّر بولد ذكر فيحمله كرها لما علمت من ذلك. و كان بين الحسن و الحسين (عليهما السّلام) طهر واحد، و كان
____________
(1)- في المصدر: لحم الحسين.
(2)- 1/ 464 ح 4، و البحار: 44/ 198 ح 14.
(3)- في المصدر: يرتضع.
(4)- 1/ 465 ح 4، و البحار: 44/ 198 ذ ح 14.
(5)- الأحقاف- 15.
(6)- القصص- 5.
(7)- الأنبياء- 105.
(8)- في المصدر: بيته.
26
الحسين (عليه السّلام) في بطن امّه ستّة أشهر، و فصاله أربعة و عشرون شهرا و هو قول اللّه عزّ و جلّ: «و حمله و فصاله ثلاثون شهرا (1)».
توضيح: إنّما عبّر عن الإمامين (عليهما السّلام) بالوالدين، لأنّ الإمام كالوالد للرعيّة في الشفقة عليهم و وجوب طاعتهم له و كون حياتهم بالعلم و الإيمان بسببه فقوله «إحسانا» نصب على العلّة، أي وصّينا كلّ إنسان بإكرام الإمامين للرسول و لانتسابهما إليه، و لا يبعد أن يكون مصحّفا و يكون في الأصل قال الإنسان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، و يكون في قراءتهم بولديه بدون الألف.
4- باب في عقيقته و حلق رأسه (عليه السّلام)
الأخبار: الأئمّة: الصادق عن أبيه (عليهم السّلام)
1- الكافي: العدّة: عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد ابن عيسى، عن عاصم الكوزي، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يذكر عن أبيه أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عقّ عن الحسن (عليه السّلام) بكبش و عن الحسين (عليه السّلام) بكبش و أعطى القابلة ربعا و حلق رأسيهما (2) يوم- سابعهما و وزن شعرهما و تصدّق بوزنه فضّة (3).
الرضا، عن آبائه، [عن زين العابدين] (عليهم السّلام)، عن أسماء بنت عميس 2- عيون أخبار الرضا بالأسانيد الثلاثة: [عن الرضا]، عن آبائه، عن زين العابدين (عليهم السّلام)، في حديث أسماء بنت عميس و قد مرّ تمامه في ولادة الحسن (عليه السّلام)، ثمّ قالت في ولادة الحسين (عليه السّلام): فلمّا كان يوم سابعه عقّ عنه النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) بكبشين أملحين و أعطى القابلة فخذا و دينارا، ثمّ حلق رأسه و تصدّق بوزن الشعر ورقا، و طلى رأسه بالخلوق فقال: يا أسماء، الدم فعل الجاهليّة.
صحيفة الرضا: [عن الرضا] عن آبائه (عليهم السّلام) مثله. (4)
أقول: قد مر في باب عقيقة الحسن (عليه السّلام) أخبار هذا الباب فلا نعيدها لحجم الكتاب.
____________
(1)- ص 621، و البحار: 43/ 246 ح 21.
(2)- في المصدر: رءوسهما.
(3)- 6/ 33 ح 3، و البحار: 43/ 257 ح 38.
(4)- عيون أخبار الرضا 2/ 24، و صحيفة الرضا ص 16، و البحار: 43/ 238- 240 ح 4.
27
3- أبواب اسمه و كنيته و لقبه و شمائله و نقش خاتمه
1- باب اسمه (عليه السّلام)
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- المناقب لابن شهرآشوب: عمران بن سلمان و عمرو بن ثابت، قالا:
الحسن و الحسين اسمان من أسامي أهل الجنّة و لم يكونا في الدنيا.
جابر: قال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): سمّي الحسن حسنا لأنّ بإحسان اللّه قامت السماوات و الأرضوان، و اشتقّ الحسين من الإحسان و عليّ و الحسن اسمان من أسماء اللّه تعالى، و الحسين تصغير الحسن. (1)
2- معاني الأخبار و علل الشرائع: الحسن العلويّ، عن جدّه، عن داود بن القاسم، عن عيسى، عن يوسف بن يعقوب، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، قال: لمّا ولدت فاطمة (عليها السّلام) الحسن جاءت به إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) فسمّاه حسنا، فلمّا ولدت الحسين (عليه السّلام) جاءت به إليه فقالت: يا رسول اللّه هذا أحسن من هذا فسمّاه حسينا. (2)
3- علل الشرائع: بالإسناد عن الجوهريّ، عن الحكم بن أسلم، عن وكيع عن الأعمش، عن سالم قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): إنّما سمّيت ابنيّ هذين باسم ابنيّ هارون شبرا و شبيرا. (3)
____________
(1)- 3/ 398، و البحار: 43/ 252 ح 30.
(2)- معاني الأخبار ص 57 ح 7 و علل الشرائع: 1/ 139 ح 10 و البحار: 43/ 242 ح 12.
(3)- 1/ 138 ح 8 و البحار: 43/ 241 ح 9.
29
3- باب في حليته و شمائله
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- المناقب لابن شهرآشوب كتاب السؤدد: بالإسناد عن سفيان بن سليم و الابانة: عن العكبريّ بالإسناد عن زينب بنت أبي رافع أن فاطمة (عليها السّلام) أتت بابنيها الحسن و الحسين (عليهما السّلام) إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و قالت: انحل ابنيّ هذين يا رسول اللّه.
و في رواية: هذان ابناك فورثهما شيئا، فقال: أمّا الحسن فله هيبتي و سؤددي، و أمّا الحسين (فإنّ له) (1) جرأتي وجودي.
و في كتاب آخر أنّ فاطمة قالت: رضيت يا رسول اللّه، فلذلك كان الحسن حليما [مهيبا] و الحسين نجدا جوادا.
الارشاد و الروضة و الاعلام (2) و شرف النبيّ (3) (صلى اللّه عليه و آله) و جامع الترمذيّ و ابانة العكبريّ من ثمانية طرق، رواه أنس و أبو جحيفة: إنّ الحسين (عليه السّلام) كان يشبه النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) من صدره إلى رأسه، و الحسن يشبه به من صدره إلى رجليه (4).
2- المناقب: و كانت فاطمة (عليها السّلام) ترقّص ابنها حسنا و تقول:
أشبه أباك يا حسن * * * و اخلع من (5)الحق الرسن
و اعبد إلها ذا منن * * * [و لا توال ذا الإحن]
و قالت للحسين (عليه السّلام):
أنت شبيه بأبي * * * لست شبيها بعليّ (6)
3- أقول: روي في بعض الكتاب المعتبرة عن الطبريّ، عن طاوس
____________
(1)- في المصدر: فله.
(2)- ارشاد المفيد: ص 218 و الروضة ص 198 و الاعلام: ص 212- 217.
(3)- في المصدر: المصطفى.
(4)- 3/ 165 و البحار 43/ 293.
(5)- في المصدر و البحار: عن.
(6)- 3/ 159 و البحار 43/ 286.
30
اليمانيّ: إنّ الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) كان إذا جلس في المكان المظلم يهتدي إليه الناس ببياض جبينه و نحره، فإنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) [كان] كثيرا ما يقبّل جبينه و نحره (1).
4- المناقب لابن شهرآشوب: الترمذيّ في الجامع: كان ابن زياد لعنه اللّه يدخل قضيبا في أنف الحسين (عليه السّلام) و يقول: ما رأيت مثل هذا الرأس حسنا، فقال أنس: إنّه أشبههم برسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله).
و روي أنّ الحسين (عليه السّلام) كان يقعد في المكان المظلم فيهتدى إليه ببياض جبينه و نحره. (2)
4- باب نقش خاتمه
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- أمالي الصدوق: ابن موسى، عن الأسديّ، عن النخعيّ، عن النوفليّ عن الحسن بن علي بن سالم، عن أبيه، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهم السّلام) قال: كان للحسين (عليه السّلام) خاتمان، نقش أحدهما لا إله إلّا اللّه عدّة للقاء اللّه، و نقش الآخر: إنّ اللّه بالغ أمره، و كان نقش خاتم عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): خزي و شقي قاتل الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) (3).
الأئمّة: الصادق (عليهم السّلام)
2- أمالي الصدوق: ابن الوليد، عن محمد بن العطار، عن ابن أبي الخطاب، عن ابن أبي نجران، عن المثنى، عن محمد بن مسلم، قال: سألت الصادق جعفر ابن محمد (عليهما السّلام) عن خاتم الحسين بن علي (عليهما السّلام) إلى من صار، و ذكرت له أنّي
____________
(1)- البحار: 44/ 187.
(2)- 3/ 230 و البحار: 44/ 194.
(3)- ص 113 ح 7 و البحار: 43/ 247 ح 22.
28
4- و منه: بالإسناد عن الضبّيّ، عن حرب بن ميمون، عن محمّد بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله). يا فاطمة اسم الحسن و الحسين في اسم ابنيّ هارون شبر و شبير لكرامتهما على اللّه عزّ و جلّ (1).
الأئمّة: الصادق، عن أبيه (عليهم السّلام)
5- علل الشرائع: الحسن بن محمّد بن يحيى العلويّ، عن جدّه، عن أحمد بن صالح التميميّ، عن عبد اللّه بن عيسى، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عليهما السّلام) قال:
أهدى جبرئيل إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) اسم الحسن بن عليّ (عليهما السّلام) و خرقة حرير من ثياب الجنّة و اشتق اسم الحسين من الحسن (عليهما السّلام) (2).
اقول: قد مرّت الأخبار في هذا الباب في باب اسم اخيه الحسن فلا نعيدها خوفا من الإكثار و حجم الكتاب.
2- باب كنيته و ألقابه الشريفة
الكتب:
1- كشف الغمّة: قال كمال الدين بن طلحة: كنية الحسين (عليه السّلام) أبو عبد اللّه لا غير، و أمّا ألقابه فكثيرة: الرشيد و الطيّب و الوفيّ و الزكيّ و المبارك و التابع لمرضات اللّه و السبط [فكل هذه كانت تقال له و تطلق عليه] و اشهرها الزكيّ، و لكن أعلاها رتبة ما لقّبه به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في قوله عنه و عن أخيه: أنهما سيّدا شباب أهل الجنّة.
فيكون السيد أشرفها و كذلك السبط، فإنّه صحّ عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنه قال: حسين سبط من الأسباط، (و) قال ابن الخشاب يكنّى بأبي عبد اللّه، لقبه الرشيد و الطيّب و الوفيّ و السيّد و المبارك و التابع لمرضات اللّه و الدليل على ذات اللّه عزّ و جلّ و السبط (3).
2- ارشاد المفيد: و كنية الحسين (عليه السّلام) أبو عبد اللّه (4).
____________
(1)- 1/ 138، و البحار: 43/ 241 ح 10.
(2)- 1/ 139 ح 9، و البحار: 43/ 241 ح 11.
(3)- 2/ 4 و البحار: 43/ 237 وح 2.
(4)- ص 218 و البحار: 43/ 250 ح 26.
31
سمعت أنّه اخذ من إصبعه فيما اخذ، قال (عليه السّلام): ليس كما قالوا، إن الحسين (عليه السّلام) أوصى إلى ابنه عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) و جعل خاتمه في إصبعه و فوّض إليه أمره كما فعله رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بأمير المؤمنين (عليه السّلام) و فعل أمير المؤمنين بالحسن (عليه السّلام) و فعل الحسن بالحسين (عليهما السّلام) ثم صار ذلك الخاتم إلى أبي (عليه السّلام) بعد أبيه، و صار إليّ، فهو عندي، و إني لألبسه كلّ جمعة و اصلّي فيه.
قال محمد بن مسلم: فدخلت إليه يوم الجمعة و هو يصلّي، فلما فرغ من الصلاة مدّ إليّ يده فرأيت [في إصبعه] خاتما نقشه لا إله إلّا اللّه عدّة للقاء اللّه، فقال: هذا خاتم جدّي أبي عبد اللّه الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) (1)
3- الكافي: عليّ، عن أبيه، عن ابن ابي عمير، عن جميل، عن ابن ظبيان و حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: كان خاتم الحسن و الحسين (عليهما السّلام) الحمد للّه (2).
الرضا (عليه السّلام)
4- الكافي: العدة، (عن) سهل، عن محمد بن عيسى، عن الحسين بن خالد، عن الرضا (عليه السّلام) قال: كان نقش خاتم الحسن (عليه السّلام): العزّة للّه و خاتم الحسين (عليه السّلام): إنّ اللّه بالغ أمره (3).
____________
(1)- ص 134 ح 13 و البحار: 43/ 247 ح 23.
(2)- 6/ 473 و البحار: 43/ 258 ح 42. و في المصدر: «حسبي اللّه» بدل «الحمد للّه».
(3)- 6/ 474 ح 8 و البحار: 43/ 258 ح 43.
33
4- أبواب فضائله و مناقبه بخصوصه زائدا على ما مرّ في كتاب أحوال الحسن (عليه السّلام) مشتركا بينهما
1- باب محبّة الرسول له و أنه سبط من الأسباط
الأخبار: الصحابة و التابعين عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)
1- كشف الغمّة: الترمذي بسنده عن يعلى بن مرّة قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): حسين منّي و أنا من حسين، أحبّ اللّه من أحبّ حسينا، حسين سبط من الأسباط (1).
2- كامل الزيارات: [حدّثني] الحسين بن عليّ الزعفرانيّ [بالريّ]، عن يحيى بن سليمان، عن عبد اللّه بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن أبي راشد، عن يعلى ابن مرّة قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): حسين منّي و أنا من حسين أحبّ اللّه من أحبّ حسينا، حسين سبط من الأسباط.
إرشاد المفيد و إعلام الورى: سعيد مثله (2).
3- كامل الزيارات: محمد الحميريّ، عن الحسن بن عليّ بن زكريا، عن عبد الأعلى بن حماد، عن وهب، عن عبد اللّه بن عثمان، عن سعيد بن [أبي] راشد، عن يعلى العامريّ أنّه خرج من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إلى طعام دعي إليه، فإذا هو بحسين
____________
(1)- 2/ 6 و البحار: 43/ 261 ح 1.
(2)- كامل الزيارات ص 52 ح 11 و ارشاد المفيد ص 280 و اعلام الورى ص 217 و البحار: 43/ 270 ح 35.
34
(عليه السّلام) يلعب مع الصبيان، فاستقبله النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أمام القوم ثمّ بسط يده فطفر الصبيّ هنا مرّة و هاهنا مرة و جعل رسول اللّه يضاحكه حتى أخذه فجعل إحدى يديه تحت ذقنه و الاخرى تحت قفاه و وضع فاه على فيه و قبّله، ثمّ قال: حسين منّي و أنا منه أحبّ اللّه من أحبّ حسينا، حسين سبط من الأسباط. (1)
4- المناقب: ابن ماجة في السنن و الزمخشري في الفائق: رأى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) الحسين (عليه السّلام) يلعب مع الصبيان في السكة، فاستقبل النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أمام القوم فبسط إحدى يديه [فطفق الصبيّ يفر مرّة من هاهنا و مرّة من هاهنا و رسول اللّه يضاحكه ثمّ أخذه فجعل إحدى يديه] تحت ذقنه و الاخرى على فأس رأسه و اقنعه، فقبّله و قال: أنا من حسين و حسين منّي، أحبّ اللّه من أحبّ حسينا، حسين سبط من الأسباط (2).
توضيح: استقبل أي تقدّم، و أقنعه أي رفعه.
قال الجزريّ فيه: فجعل إحدى يديه في فأس رأسه (و) هو طرف مؤخّره المشرف على القفا.
2- باب أن لحمة ثيابه من زغب جناح جبرئيل
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- في بعض مؤلفات أصحابنا: عن هشام بن عروة، عن أمّ سلمة أنّها قالت: رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يلبس ولده الحسين (عليه السّلام) حلّة (و) ليست من ثياب الدنيا، فقلت له: يا رسول اللّه ما هذه الحلّة؟ فقال: هذه هديّة أهداها إليّ ربّي للحسين (عليه السّلام) و أنّ لحمتها من زغب جناح جبرئيل و ها أنا البسه إياها و ازيّنه بها، فإنّ اليوم يوم الزينة و إنّي احبّه. (3)
____________
(1)- ص 52 ح 12 و البحار: 43/ 271 ح 36.
(2)- 3/ 226 و البحار: 43/ 296.
(3)- البحار: 43/ 271 ح 38.
36
الحسين (عليه السّلام): أ ما سمعت قول اللّه تعالى: «وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما» (1) و قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): إنّما الطاعة (الطاعة) في المعروف
و قوله: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (2).
5- باب شفقة النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) له و إلطافه به (عليه السّلام)
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- المناقب لابن شهر اشوب: تفسير النقّاش باسناده عن سفيان الثوريّ، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كنت عند النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و على فخذه الأيسر ابنه إبراهيم و على فخذه الأيمن الحسين (عليه السّلام) و هو تارة يقبّل هذا و تارة يقبّل هذا إذ هبط جبرئيل بوحي من ربّ العالمين، فلمّا سرى عنه، قال: أتاني جبرئيل من ربّي و قال: يا محمد إنّ ربّك يقرأ عليك السلام و يقول: لست أجمعهما (لك) فافد أحدهما بصاحبه، فنظر النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) إلى إبراهيم فبكى، و نظر إلى الحسين فبكى، (و قال): إنّ إبراهيم امّه أمّة، و متى مات لم يحزن عليه غيري، و أمّ الحسين (عليه السّلام) فاطمة و أبوه عليّ ابن عمّي لحمي و دمي، و متى مات حزنت ابنتي و حزن ابن عمّي و حزنت أنا عليه.
و أنا اوثر حزني على حزنهما، يا جبرئيل يقبض إبراهيم، فديته للحسين، قال:
فقبض بعد ثلاث، فكان النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) إذا رأى الحسين (عليه السّلام) مقبلا قبّله و ضمّه إلى صدره و رشف ثناياه و قال: فديت من فديته بابني إبراهيم (3).
2- أمالي الصدوق: القطّان، عن السكّريّ، [عن الجوهريّ،] عن ابن عائشة و الحكم و العباس جميعا عن مهدي بن ميمون، عن محمّد بن عبد اللّه بن أبي يعقوب
____________
(1)- لقمان- 15.
(2)- 3/ 228 و البحار: 43/ 297 ح 59.
(3)- 3/ 234 و البحار: 43/ 261 ح 2.
35
3- باب قصره و حوره في الجنّة.
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- المناقب لابن شهر اشوب: الطبريّ، (طاوس) اليماني، عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): رأيت في الجنّة قصرا من درّة بيضاء لا صدع فيها و لا وصل، فقلت: حبيبي جبرئيل لمن هذا القصر؟ قال: للحسين ابنك ثمّ تقدّمت أمامه فإذا أنا بتفّاح، فأخذت تفّاحة ففلقتها، فخرجت منها حوراء كأنّ مقاديم النسور أشفار عينيها، فقلت: لمن أنت؟ فبكت، ثمّ قالت: لابنك الحسين (1).
4- باب أنّه أحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء
الائمّة: الرضا، عن آبائه، عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) 1- المناقب لابن شهر اشوب: الرضا عن آبائه (عليهم السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): من أحب أن ينظر إلى أحب أهل الأرض إلى أهل السماء فلينظر إلى الحسين (عليه السّلام).
رواه الطبرانيّان في الولاية و المناقب، و السمعانيّ في الفضائل بأسانيدهم، عن إسماعيل بن أبي رجا و عمرو بن شعيب: أنّه مرّ الحسين (عليه السّلام) على عبد اللّه بن عمرو بن العاص، فقال عبد اللّه: من أحبّ أن ينظر إلى أحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء فلينظر إلى هذا المجتاز، فما كلّمته منذ ليالي صفّين، فأتى به أبو سعيد الخدريّ إلى الحسين (عليه السّلام) فقال (له) الحسين: أتعلم أنّي أحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء و تقاتلني و أبي يوم صفّين، و اللّه إنّ أبي لخير منّي.
فاستعذر و قال: إنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) قال لي: أطع أباك فقال له
____________
(1)- 3/ 229 و البحار: 43/ 298 ذ ح 59.
38
أصحابنا، عن عبيد اللّه بن موسى (1)، عن مهلهل العبديّ، عن أبي هارون العبديّ، عن ربيعة السعديّ، عن أبي ذرّ الغفاريّ- (رحمه اللّه)- قال: رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) «يقبّل الحسين بن عليّ (عليهما السّلام)» (2) و هو يقول: من أحبّ الحسن و الحسين (عليهما السّلام) و ذرّيتهما مخلصا لم تلفح النار وجهه، و لو كانت ذنوبه بعدد رمل عالج (3) إلّا أن يكون [ذنبه] ذنبا يخرجه من الايمان. (4)
6- المناقب لابن شهر اشوب: سليم بن قيس، عن سلمان الفارسيّ- (رحمه اللّه)- قال: كان الحسين (عليه السّلام) على فخذ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و هو يقبّله و يقول:
أنت السيّد ابن السيّد أبو السادات (5)، أنت الإمام ابن الإمام أبو الأئمة، أنت الحجّة ابن الحجّة أبو الحجج تسعة من صلبك و تاسعهم قائمهم.
ابن عمر أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) بينما هو يخطب على المنبر إذ خرج الحسين (عليه السّلام) فوطئ في ثوبه فسقط فبكى فنزل النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) عن المنبر فضمه إليه و قال: قاتل اللّه الشيطان، إنّ الولد لفتنة و الّذي نفسي بيده ما دريت أنّي نزلت عن منبري.
أبو السعادات في فضائل العشرة: قال يزيد بن أبي زياد: خرج النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) من بيت عائشة فمرّ على بيت فاطمة (عليها السّلام) فسمع الحسين (عليه السّلام) يبكي، فقال: أ لم تعلمي (6) أنّ بكاءه يؤذيني.
ابن ماجة في السّنن (7)، و الزمخشريّ في الفائق (8): رأى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) الحسين
____________
(1)- في البحار: عبد اللّه بن موسى.
(2)- في المصدر: يقبل الحسن و الحسين (عليهما السّلام).
(3)- قال ابو عبيد اللّه السكوني: عالج رمال بين فيد و القريّات ينزلها بنو بحتر من طيء و هي متصلة بالثعلبيه على طريق مكة لا ماء بها و لا يقدر أحد عليهم فيه، و هو مسيرة أربع ليال، و فيه برك إذا سالت الأودية امتلأت، و ذهب بعضهم إلى أن رمل عالج هو متصل بوبار. (معجم البلدان ج 4 ص 70).
(4)- ص 51 ح 4 و البحار: 43/ 269 ح 29.
(5)- في المصدر و البحار: السادة.
(6)- في الأصل: تعلم.
(7)- سنن ابن ماجه الجزء 1 ص 51 ح 144.
(8)- الفائق في غريب الحديث للزمخشري: الجزء الثاني ص 282.
39
(عليه السّلام) يلعب مع الصبيان في السكّة فاستقبل النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أمام القوم فبسط إحدى يديه فطفق الصبيّ يفرّ مرّة من هاهنا و مرّة من هاهنا و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يضاحكه، ثمّ أخذه فجعل إحدى يديه تحت ذقنه و الاخرى على فأس (1) رأسه و أقنعه فقبّله و قال: أنا من حسين و حسين منّي، أحبّ اللّه من أحبّ حسينا، حسين سبط من الأسباط (2).
توضيح: استقبل أي تقدّم، و أقنعه أي رفعه.
(و) قال الجزريّ فيه: فجعل إحدى يديه في فأس رأسه، هو طرف مؤخّره المشرف على القفا.
7- المناقب: قال المغيرة بن عبد اللّه: مرّ الحسين (عليه السّلام)، فقال [له] أبو ظبيان:
ماله؟! قبّحه اللّه، إن كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ليفرّج بين رجليه و يقبّل زبيبته (3).
عبد الرحمن بن أبي ليلى (4) قال: كنّا (5) جلوسا عند النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) إذ أقبل الحسين (عليه السّلام) فجعل ينزو على ظهر النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و على بطنه، فبال فقال: دعوه.
أبو عبيد في غريب الحديث أنّه قال (صلى اللّه عليه و آله): لا تزرموا (6) ابني أي لا تقطعوا عليه بوله ثمّ دعا بماء فصبّه على بوله.
سنن أبي داود: إنّ الحسين (عليه السّلام) بال في حجر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقالت (7) لبابة (8):
أعطني إزارك حتّى اغسّله.
قال: «إنّما يغسّل من بول الانثى، و ينضح من بول الذّكر».
أحاديث الليث بن سعد أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) كان يصلّي يوما في فئة و الحسين صغير
____________
(1)- في المصدر: أس.
(2)- 3/ 226 و البحار: 43/ 295 ذ ح 56.
(3)- في المصدر: زبيبه، و في خ: زبيته.
(4)- في المصدر: عبد الرحمن أبي ليلى.
(5)- قال: قال: كنا/ خ.
(6)- في المصدر: لا تزرموا.
(7)- في المصدر: فقال.
(8)- في البحار و المصدر: لبانة، و في سنن أبي داود: ج 1 ص 102 ح 375: لبابة بنت الحارث و كذلك في سنن ابن ماجه: ج 1 ص 174 ح 522، و البيهقي: ج 2 ص 414.
40
بالقرب منه فكان النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) إذا سجد جاء الحسين فركب (1) ظهره ثمّ حرّك رجليه و قال:
حل حل، فاذا أراد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أن يرفع رأسه أخذه فوضعه إلى جانبه فاذا سجد عاد إلى (2) ظهره و قال: حل حل، فلم يزل يفعل ذلك حتّى فرغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) من صلاته.
فقال يهوديّ: يا محمّد إنكم لتفعلون بالصبيان شيئا ما نفعله نحن، فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): أما لو كنتم تؤمنون باللّه و رسوله، لرحمتم الصبيان قال: فانّي اومن باللّه و برسوله، فأسلم لمّا رأى كرمه مع عظم قدره (3).
توضيح: قال الجوهريّ: حلحلت القوم: اي أزعجتهم عن موضعهم، و حلحلت [ب] الناقة إذا قلت لها: حل بالتسكين و هو زجر للناقة و حوب زجر للبعير، و حل أيضا بالتنوين في الوصل.
8- المناقب لابن شهرآشوب: أمالي الحاكم قال أبو رافع: كنت الاعب الحسين (عليه السّلام) و هو صبي بالمداحي فاذا أصابت مدحاتي مدحاته قلت: احملني فيقول:
أ تركب ظهرا حمله رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)؟ فأتركه فاذا أصابت (4) مدحاته مدحاتي قلت:
لا احملك كما لم تحملني فيقول: أ ما ترضى أن تحمل بدنا حمله رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فأحمله. (5)
توضيح: قال الجزريّ: دحا أي رمى و ألقى، و منه حديث أبي رافع [قال]:
كنت الاعب الحسن و الحسين (عليهما السّلام) بالمداحي، هي أحجار مثل (6) القرصة كانوا يحفرون حفيرة و يدحون فيها بتلك الأحجار فإن وقع الحجر فقد غلب صاحبها و إن لم يقع غلب.
____________
(1)- فيركب/ خ.
(2)- في المصدر و خ: على.
(3)- 3/ 226 و البحار 43/ 296 ح 57.
(4)- في الأصل: اصاب.
(5)- 3/ 227 و البحار 43/ 297 ح 58.
(6)- في البحار: أمثال.
37
عن «ابن أبي نعيم» (1) قال: شهدت ابن عمر و أتاه رجل فسأله عن دم البعوضة فقال:
[م] من أنت؟ قال: من أهل العراق، قال: انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوضة و قد قتلوا ابن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يقول: إنّهما ريحانتيّ من الدّنيا يعني الحسن و الحسين (عليهما السّلام).
المناقب: أبو عيسى في جامعه و أبو نعيم في حليته و السمعانيّ في فضائله و ابن بطّة في إبانته عن [ابن] أبي نعيم مثله. (2)
3- أمالي الصدوق: القطّان، عن السكّريّ، عن الجوهريّ، عن عمير بن عمران، عن سليمان بن عمران النخعيّ، عن ربعي بن خراش (3)، عن حذيفة «بن اليمان» (4) قال: رأيت النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) آخذا بيد الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) و هو يقول: [يا] أيّها الناس هذا الحسين بن عليّ فاعرفوه فو الّذي نفسي بيده انّه لفي الجنّة و محبيه في الجنّة، و محبّي محبيه في الجنّة. (5)
4- معاني الاخبار (6): محمّد بن هارون الزنجانيّ فيما كتب إليّ عن عليّ بن عبد العزيز، عن أبي عبيد القاسم بن سلّام، عن هيثم، عن يونس، عن الحسن أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) اتي بالحسين بن عليّ (عليهما السّلام) فوضع في حجره فبال عليه فاخذ، فقال:
لا تزرموا ابني ثمّ دعا بماء فصبّ عليه. (7)
قال الأصمعيّ الإزرام: القطع، يقال للرّجل إذا قطع بوله (قد) أزرمت بولك و أزرمه غيره إذا قطعه، و زرم البول نفسه إذا انقطع.
5- كامل الزيارات: أبي، عن الحميريّ، عن رجل [نسيت اسمه] من
____________
(1)- ابي نعيم/ خ.
(2)- أمالي الصدوق: 123 ح 12، المناقب: 3/ 230 و البحار: 43/ 262 ح 5.
(3)- في المصدر: خراص.
(4)- اليماني/ خ.
(5)- ص 478 ح 4، و البحار: 43/ 262 ح 6.
(6)- في البحار: قرب الاسناد و معاني الأخبار، و في الاصل: قرب الأسناد فقط. و الصحيح ما أثبتناه و ذلك لأنّ محمد بن هارون الزنجاني من مشايخ الصدوق راجع أماليه حديث 7 من المجالس الأوّل.
(7)- ص 211 ح 1 و البحار: 43/ 265 ح 22.
41
6- باب جوامع فضائله
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- المناقب لابن شهرآشوب: كتاب التخريج عن العامريّ بالاسناد عن هبيرة بن مريم (1)، عن ابن عباس قال: رأيت الحسين (عليه السّلام) قبل أن يتوجّه إلى العراق على باب الكعبة و كفّ جبرئيل في كفّه و جبرئيل ينادي: هلمّوا إلى بيعة اللّه عزّ و جلّ. (2)
2- المناقب لابن شهرآشوب: و في المسألة الباهرة في تفضيل الزهراء الطاهرة، عن أبي محمّد الحسن بن طاهر القائنيّ الهاشميّ قال: جاء الحديث أنّ جبرئيل نزل يوما فوجد الزّهراء نائمة و الحسين قلقا (3) على عادة الأطفال مع امّهاتهم فقعد جبرئيل يلهيه عن البكاء حتّى استيقظت فأعلمها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بذلك (4).
3- من بعض كتب المناقب القديمة: روي في بعض الأخبار أنّ أعرابيّا أتى الرسول فقال له: يا رسول اللّه لقد صدت خشفة (5) غزالة و أتيت بها إليك هديّة لولديك الحسن و الحسين (عليهما السّلام)، فقبلها النّبي (صلى اللّه عليه و آله) و دعا له بالخير، فإذا الحسن (عليه السّلام) واقف عند جدّه فرغب إليها فأعطاه إيّاها، فما مضى ساعة إلّا و الحسين قد أقبل و رأى الخشفة عند أخيه يلعب بها فقال: [يا أخي من أين لك هذه الخشفة؟ فقال الحسن (عليه السّلام): أعطانيها جدّي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فسار الحسين (عليه السّلام) مسرعا الى جدّه فقال:] (6) يا أبة (7) أعطيت أخي الخشفة يلعب بها و لم تعطني مثلها، و جعل يكرّر القول على جدّه و هو ساكت لكنّه يسلّي
____________
(1)- في المصدر: هبيرة بن بريم.
(2)- 3/ 211 و البحار: 44/ 185 ذ ح 12.
(3)- ملقى/ خ.
(4)- 3/ 229 و البحار: 43/ 297.
(5)- الخشف: ولد الغزال، و الجمع خشوف كحمل و حمول. (مجمع البحرين ج 5 ص 46).
(6)- ما بين المعقوفين أثبتناه من البحار.
(7)- في البحار: يا جدّاه.
43
الكاظم عن آبائه (عليهم السّلام).
5- نوادر الراوندي: بإسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه (عليهم السّلام)، قال: قال عليّ (عليه السّلام): إن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) قبّل ربّ الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) كشف عن اربيته (1)، و قام فصلّى من غير أن يتوضّأ. (2)
الكتب:
6- في بعض الكتاب المعتبرة: أنّ جبرئيل نزل يوما فوجد الزهراء نائمة و الحسين (عليه السّلام) في مهده يبكي، فجعل يناغيه و يسلّيه حتّى استيقظت فسمعت صوت من يناغيه، فالتفتت فلم تر أحدا، فأخبرها النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أنّه كان جبرئيل (عليه السّلام) (3).
____________
(1)- في الأصل: ازبيته، و الأربية: أصل الفخذ.
(2)- ص 40 و البحار: 43/ 317 ح 75.
(3)- البحار 44/ 188.
42
خاطره و يلاطفه بشيء، من الكلام حتّى أفضى من أمر الحسين (عليه السّلام) إلى أن همّ يبكي، فبينما هو كذلك إذ نحن بصياح قد ارتفع عند باب المسجد، فنظرنا فإذا ظبية و معها خشفها و من خلفها ذئبة تسوقها إلى رسول اللّه و تضربها بأحد أطرافها حتّى أتت بها إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله).
ثمّ نطقت الغزالة بلسان فصيح، و قالت: يا رسول اللّه قد كانت لي خشفتان إحداهما صادها الصيّاد و أتى بها إليك، و بقيت [لي] هذه الاخرى و أنا بها مسرورة و إنّي كنت الآن ارضعها، فسمعت قائلا يقول: أسرعي أسرعي يا غزالة بخشفك إلى النبيّ محمّد (صلى اللّه عليه و آله) و أوصليه سريعا لأنّ الحسين واقف بين يدي جدّه و قد همّ أن يبكي و الملائكة بأجمعهم قد رفعوا رءوسهم من صوامع العبادة و لو بكى الحسين (عليه السّلام) لبكت الملائكة المقرّبون لبكائه، و سمعت أيضا قائلا يقول: أسرعي يا غزالة قبل جريان الدموع على خدّ الحسين (عليه السّلام) فإن لم تفعلي سلّطت عليك هذه الذئبة تأكلك مع خشفك فأتيت بخشفي إليك يا رسول اللّه و قطعت مسافة بعيدة، و لكن طويت لي الأرض حتّى أتيتك سريعة و أنا أحمد اللّه ربّي أن جئتك قبل جريان دموع الحسين (عليه السّلام) على خدّه فارتفع التكبير و التهليل من الأصحاب، و دعا النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) للغزالة بالخير و البركة، و أخذ الحسين (عليه السّلام) الخشفة و أتى بها إلى امّه الزهراء فسرّت بذلك سرورا عظيما (1).
الأئمّة: الصادق (عليهم السّلام)
4- التهذيب: الحسين بن سعيد، عن النضر و فضالة، عن عبد اللّه بن سنان، عن حفص، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كان في الصلاة و إلى جانبه الحسين بن علي (عليهما السّلام)، فكبّر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فلم يحر (2) الحسين (عليه السّلام) التكبير، (ثمّ كبّر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فلم يحر الحسين (عليه السّلام) التكبير،) (3) و لم يزل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يكبّر و يعالج الحسين (عليه السّلام) التكبير فلم يحر حتّى أكمل سبع تكبيرات، فأحار الحسين (عليه السّلام) التكبير في السابعة، فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): فصارت سنّة (4).
____________
(1)- البحار: 43/ 312.
(2)- «فلم يحر» أي: لم يرجع و لم يرد. «النهاية ج 1 ص 458».
(3)- ما بين القوسين ليس في البحار.
(4)- 2/ 67 ح 11 و البحار: 43/ 307 ح 69.
45
5- أبواب معجزاته (صلوات الله عليه)
1- باب معجزته (عليه السّلام) في دفع العاهات
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- بصائر الدرجات: محمّد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن عبد اللّه ابن القاسم، عن صباح المزنيّ، عن صالح بن ميثم الأسديّ، قال: دخلت أنا و عباية بن ربعي على امرأة في بني والبة قد احترق وجهها من السجود، فقال لها عباية: يا حبابة هذا ابن أخيك، قالت: و أيّ أخ؟ قال: صالح بن ميثم، قالت: ابن أخي و اللّه حقّا، يا ابن أخي أ لا احدّثك حديثا سمعته من الحسين بن عليّ (عليهما السّلام)؟ قال: قلت: بلى يا عمّة، قالت: كنت زوّارة الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) قالت: فحدث بين عيني وضح فشقّ ذلك عليّ، و احتبست عليه أيّاما فسأل عنّي: ما فعلت حبابة الوالبيّة؟ فقالوا: إنّها حدث بها (1) حدث بين عينيها.
فقال لأصحابه: قوموا إليها، فجاء مع أصحابه حتّى دخل عليّ و أنا في مسجدي هذا، فقال: يا حبابة ما أبطأ بك عليّ؟ «قلت: يا ابن رسول اللّه حدث هذا لي (2)، [قالت:]
____________
(1)- في الاصل: حدثت لها.
(2)- في المصدر و البحار: بي.
46
فكشفت القناع» (1)، فتفل فيه (2) الحسين بن عليّ (عليهما السّلام)، فقال: يا حبابة أحدثي للّه شكرا فإنّ اللّه قد درأه عنك، قالت: فخررت (3) ساجدة، قالت: فقال: يا حبابة ارفعي رأسك و انظري في مرآتك، قالت: فرفعت رأسي فلم أحسّ منه شيئا، قالت: (4): فحمدت اللّه (5).
دعوات الراوندي: قال: روى ابن بابويه بإسناده عن صالح بن ميثم و ذكر مثله، و زاد في آخره؛ فنظر إليّ فقال: يا حبابة نحن و شيعتنا على الفطرة و سائر الناس منها براء (6).
2- رجال الكشي: حمدويه، عن محمد بن عيسى، عن ابن أبي نجران، عن إسحاق بن سويد الفرّاء، عن اسحاق بن عمّار، عن صالح بن ميثم، قال: دخلت أنا و عباية الأسديّ على حبابة الوالبيّة، فقال لها: هذا ابن أخيك ميثم، قالت: ابن أخي و اللّه حقّا، أ لا احدّثكم بحديث عن الحسين بن عليّ (عليهما السّلام)، فقلت: بلى، قالت: دخلت عليه فسلّمت فردّ السلام و رحّب.
ثمّ قال: ما ابطأ بك (7) عن زيارتنا و التسليم علينا يا حبابة؟! قالت (8). ما أبطأني (9) (عنك) إلّا علّة عرضت، قال: و ما هي؟ قالت: فكشفت خماري عن برص، قالت:
فوضع يده على البرص و دعا فلم يزل يدعو حتّى رفع يده و [قد] كشف اللّه ذلك البرص، ثمّ قال: يا حبابة إنّه ليس أحد على ملّة ابراهيم في هذه الامّة غيرنا و غير شيعتنا و من سواهم
____________
(1)- في المصدر هكذا: قلت: يا ابن رسول اللّه ما ذاك الذي منعني إن لم أكن اضطررت الى المجيء إليك اضطرارا، لكن حدث هذا بي، قال: فكشفت القناع ...
(2)- في المصدر و البحار: عليه.
(3)- في الأصل: فخرّت، و في المصدر: قال: فخزرت.
(4)- في المصدر: قال.
(5)- ص 270 ح 6 و البحار: 44/ 180 ح 1.
(6)- ص 65 ح 163 البحار: 44/ 180 ح 2.
(7)- في المصدر و البحار: ما بطّأ بك.
(8)- في المصدر: قلت.
(9)- في المصدر و البحار: ما بطّاني.
47
منها براء. (1)
الأئمّة: الصادق (عليهم السّلام)
3- التهذيب: محمّد بن الحسين، عن الحكم بن مسكين، عن أيّوب بن أعين، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إنّ امرأة كانت تطوف و خلفها رجل، فأخرجت ذراعها فمال (2) بيده حتّى وضعها على ذراعها، فأثبت اللّه يد الرجل (3) في ذراعها حتّى قطع الطواف و ارسل إلى الأمير و اجتمع الناس، و ارسل إلى الفقهاء فجعلوا يقولون: اقطع يده (4) فهو الذي جنى الجناية، فقال: هاهنا أحد من ولد محمّد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)؟ فقالوا: نعم، الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) قدم الليلة، فأرسل إليه فدعاه فقال: انظر ما لقي ذان، فاستقبل القبلة (5) و رفع يديه (6) فمكث طويلا يدعو، ثم جاء إليهما (7) حتّى خلّص يده من يدها، فقال الأمير: أ لا تعاقبه (8) بما صنع؟ قال: لا (9).
م:
4- الخرائج و الجرائح: روي أنّه لمّا ولد الحسين (عليه السّلام) أمر اللّه تعالى جبرئيل أن يهبط في ملأ من الملائكة فيهنّئ محمّدا، فهبط فمرّ بجزيرة فيها ملك يقال له: فطرس، بعثه اللّه في شيء فأبطأ فكسر جناحه و ألقاه في تلك الجزيرة، فعبد اللّه سبعمائة عام، فقال فطرس
____________
(1)- ص 115 ح 183 و البحار: 44/ 186 ح 15.
(2)- في المصدر: فقال. و هي بمعنى مال «النهاية ج 4 ص 124».
(3)- في المصدر: يده.
(4)- في الأصل و البحار: يديه.
(5)- في البحار: الكعبة.
(6)- في الأصل: يده.
(7)- في المصدر: إليها.
(8)- في المصدر: نعاقبه.
(9)- 5/ 470 ح 293 و البحار: 44/ 183 ح 10.
49
3- باب معجزته (عليه السّلام) في استنطاق الرضيع
الأئمّة: الصادق (عليهم السّلام)
1- المناقب لابن شهرآشوب: صفوان بن مهران قال: سمعت الصادق (عليه السّلام) يقول: رجلان اختصما في زمن الحسين (عليه السّلام) في امرأة و ولدها فقال: هذا لي، و قال: هذا لي، فمرّ بهما الحسين (عليه السّلام)، فقال لهما: فيما (1) تمرجان؟ قال أحدهما: إنّ الامرأة لي، و قال الآخر: إنّ الولد لي، فقال للمدّعي الأوّل: اقعد فقعد، و كان الغلام رضيعا، فقال الحسين (عليه السّلام): يا هذه اصدقي من قبل أن يهتك اللّه سترك، فقالت: هذا زوجي و الولد له و لا أعرف هذا.
فقال (عليه السّلام): يا غلام ما تقول هذه؟ انطق بإذن اللّه تعالى، فقال له: ما أنا لهذا و لا لهذا! و ما أبي إلّا راع لآل فلان، فأمر برجمها، قال جعفر (عليه السّلام): فلم يسمع أحد نطق ذلك الغلام بعدها. (2)
4- باب دعوته (عليه السّلام) في إحياء الموتى
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- الخرائج و الجرائح: روي عن أبي خالد الكابلي، عن يحيى بن أمّ الطويل قال: كنّا عند الحسين (عليه السّلام) إذ دخل عليه شابّ يبكي، فقال له الحسين (عليه السّلام): ما يبكيك؟ قال: إنّ (3) والدتي توفّيت في هذه الساعة و لم توص، و لها مال و كانت قد أمرتني ألّا احدث في أمرها شيئا (4) حتّى اعلمك خبرها، فقال الحسين (عليه السّلام): قوموا [بنا] حتّى نصير إلى هذه الحرّة، فقمنا معه حتّى انتهينا (5) إلى باب البيت الذي توفّيت فيه المرأة مسجّاة.
____________
(1)- في المصدر: فيما ذا.
(2)- 3/ 210 و البحار: 44/ 184 ذ ح 11.
(3)- في الأصل: لأنّ.
(4)- في المصدر: حدثا.
(5)- في المصدر: انتهى.
50
فأشرف على (1) البيت و دعا اللّه ليحييها، حتّى توصي بما تحبّ من وصيّتها، فأحياها اللّه تعالى، فاذا المرأة جلست و هي تتشهّد، ثمّ نظرت إلى الحسين (عليه السّلام)، فقالت: ادخل البيت يا مولاي و مرني بأمرك، فدخل و جلس على مخدّة، ثمّ قال لها:
وصّي يرحمك (2) اللّه.
فقالت: يا ابن رسول اللّه لي من المال كذا و كذا في مكان كذا و كذا، و قد جعلت ثلثه إليك لتضعه حيث شئت من أوليائك، و الثلثان لابني هذا، إن علمت أنّه من مواليك و أوليائك، و إن كان مخالفا فخذه إليك، فلا حقّ للمخالفين (3) في أموال المؤمنين، ثمّ سألته أن يصلّي عليها و أن يتولّى أمرها، ثمّ صارت المرأة ميّتة كما كانت (4).
5- باب آخر في إراءته النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و أمير المؤمنين (عليه السّلام) حيا
الأخبار: الأئمّة: الحسين (عليهم السّلام)
1- المناقب لابن شهرآشوب: الأصبغ بن نباتة، قال: سألت الحسين (عليه السّلام) فقلت: سيّدي أسألك عن شيء أنا به موقن، و إنّه من سرّ اللّه و أنت المسرور إليه ذلك السرّ، فقال: يا أصبغ أ تريد أن ترى مخاطبة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لأبي دون يوم مسجد قبا؟ قال:
هذا الذي أردت، قال: قم، فإذا أنا و هو (5) بالكوفة فنظرت فإذا المسجد من قبل أن يرتدّ إليّ بصري فتبسّم في وجهي، ثمّ قال (6): يا أصبغ إنّ سليمان بن داود اعطي الريح «غدوّها شهر و رواحها شهر» و أنا قد اعطيت أكثر ممّا اعطي سليمان، فقلت: صدقت و اللّه يا بن رسول اللّه.
فقال: نحن الذين عندنا علم الكتاب و بيان ما فيه و ليس «عند أحد» (7) من خلقه ما
____________
(1)- في المصدر: فأشرق في.
(2)- في المصدر: رحمك.
(3)- في البحار: في المخالفين.
(4)- المخطوط ص 127 و البحار: 44/ 180 ح 3.
(5)- في الاصل: إنا قعود
(6)- في المصدر: فقال.
(7)- في المصدر: لأحد.
51
عندنا لأنّا أهل سرّ اللّه، فتبسّم في وجهي، ثمّ قال: نحن آل اللّه و ورثة رسوله، فقلت:
الحمد للّه على ذلك، (ثمّ) قال لي: ادخل فدخلت فإذا أنا برسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) محتبئ في المحراب بردائه فنظرت فإذا أنا بأمير المؤمنين (عليه السّلام) قابض على تلابيب الأعسر، فرأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يعضّ على الأنامل، و هو يقول: بئس الخلف خلفتني أنت و أصحابك عليكم لعنة اللّه و لعنتي (1).
توضيح: «لأبي دون» أي: لأبي بكر عبّر به عنه تقيّة و «الدون»: الخسيس، و «الأعسر»: الشديد أو الشؤم، و المراد به إمّا أبو بكر أو عمر.
6- باب استجابة دعائه في الاستسقاء
الأخبار: الأئمّة: الصادق، عن أبيه (عليهما السّلام)، عن جدّه (عليه السّلام)
1- عيون المعجزات: جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه، عن الصادق، عن أبيه، عن جدّه (عليهم السّلام)، قال: جاء أهل الكوفة إلى عليّ (عليه السّلام) فشكوا إليه إمساك المطر و قالوا له: استسق لنا، فقال للحسين (عليه السّلام): قم و استسق، فقام و حمد اللّه و أثنى عليه و صلّى على النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)، و قال: اللّهمّ معطي الخيرات و منزل البركات، أرسل السماء علينا مدرارا و اسقنا غيثا مغزارا، و اسقنا (2) غدقا مجلّلا (3)، سحّا سفوحا ثجاجا (4)، تنعش به الضعيف (5) من عبادك، و تحيي به الميّت من بلادك آمين (يا) ربّ العالمين.
فما (6) فرغ من دعائه حتّى غاث اللّه تعالى غيثا بغتة (7) و أقبل أعرابيّ من بعض نواحي الكوفة، فقال: تركت الأودية و الآكام يموج بعضها (8) في بعض (9).
____________
(1)- 3/ 211 و البحار: 44/ 184.
(2)- في المصدر و البحار: واسعا.
(3)- في الأصل: مجلجلا.
(4)- في الأصل و البحار: فجاجا.
(5)- في المصدر و البحار: «تنفس به الضعف» بدل «تنعش به الضعيف».
(6)- في المصدر و البحار: فلمّا.
(7)- في المصدر: نعته (ع)، و الظاهر أنه اشتباه.
(8)- في المصدر: بعضهم.
(9)- ص 64 و البحار: 44/ 187 ح 16.
48
لجبرئيل: إلى أين؟ فقال: إلى محمّد (صلى اللّه عليه و آله)، قال: احملني معك [الى محمد] لعلّه يدعو لي.
فلمّا دخل جبرئيل (عليه السّلام). و أخبر محمّدا (صلى اللّه عليه و آله) بحال فطرس، قال له النبيّ (صلى اللّه عليه و آله):
قل [له] يتمسّح (1) بهذا المولود، فتمسّح (2) فطرس بمهد الحسين (عليه السّلام) فأعاد اللّه عليه في الحال جناحه ثمّ ارتفع مع جبرئيل إلى السماء (3).
2- باب معجزته (عليه السّلام) في شفاء المرضى
الأخبار: الأئمّة: الصادق، عن آبائه (عليهم السّلام)
1- المناقب لابن شهرآشوب: زرارة بن أعين قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يحدّث عن آبائه (عليهم السّلام): أنّ مريضا شديد الحمّى عاده الحسين (عليه السّلام)، فلمّا دخل من باب الدار طارت الحمّى عن الرجل، فقال له: رضيت بما اوتيتم به حقّا حقّا، و الحمّى تهرب عنكم، فقال له الحسين (عليه السّلام): و اللّه ما خلق اللّه شيئا إلّا و قد أمره بالطاعة لنا، قال: فإذا (نحن) نسمع الصوت و لا نرى الشخص يقول: لبّيك، قال: أ ليس أمير المؤمنين (عليه السّلام) أمرك ألّا تقربي إلّا عدوّا أو مذنبا لكي تكوني كفّارة لذنوبه؟! فما لهذا؟ (4) فكان المريض عبد اللّه ابن شدّاد بن الهادي الليثي. (5)
2- رجال الكشي: وجدت في كتاب محمّد بن شاذان بن نعيم بخطّه: روي عن حمران بن أعين أنّه قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يحدّث عن أبيه عن آبائه (عليهم السّلام) أنّ رجلا كان من شيعة أمير المؤمنين (عليه السّلام) مريضا شديد الحمّى، فعاده الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) إلى آخر الخبر (6).
____________
(1)- في المصدر: يمسح، فمسح
(2)- في المصدر: يمسح، فمسح
(3)- المخطوط ص 131 ح 6 و البحار: 44/ 182 ح 7
(4)- في المصدر و البحار: فما بال هذا
(5)- 3/ 210 و البحار: 44/ 183 ح 8.
(6)- ص 87 ح 141 و البحار: 44/ 183 ح 9.
52
7- باب استجابة دعائه (عليه السّلام) على الأعداء
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- عيون المعجزات: جعفر بن محمّد بن عمارة، عن أبيه، عن عطاء بن السائب، عن أخيه قال: شهدت يوم الحسين (عليه السّلام) فأقبل رجل من تيم يقال له: عبد اللّه بن جويرة، فقال: يا حسين، فقال: ما تشاء؟ فقال: أبشر بالنار، فقال (عليه السّلام): كلّا إنّي أقدم على ربّ غفور و شفيع مطاع، و أنا من خير إلى خير، من أنت؟ قال: أنا ابن جويرة، فرفع يده الحسين (عليه السّلام) حتّى رأينا بياض أبيه و قال: اللّهمّ جرّه إلى النار، فغضب ابن جويرة فحمل عليه، فاضطرب به فرسه في جدول و تعلّق رجله بالركاب و وقع رأسه في الأرض و نفر الفرس فأخذ يعدو به و يضرب رأسه بكلّ حجر و شجر و انقطعت قدمه و ساقه و فخذه و بقي جانبه الآخر معلّقا (1) في الركاب، فصار لعنه اللّه إلى نار الجحيم (2).
8- باب آخر في دعائه على الأعداء و لهم أيضا
الأخبار: الأئمّة: الكاظم (عليهم السّلام)
1- الخرائج و الجرائح: عن الحسين بن الحسن، عن أبي سمينة محمّد بن عليّ، عن جعفر بن محمّد، عن الحسن بن راشد، عن يعقوب بن جعفر بن إبراهيم الجعفري، عن أبي ابراهيم (عليه السّلام) قال: خرج الحسن و الحسين (عليهما السّلام) حتّى أتيا نخل العجوة للخلاء، فهو يا إلى مكان، و ولّى كلّ واحد منهما بظهره إلى صاحبه، فرمى اللّه بينهما بجدار يستر (3) أحدهما عن صاحبه، فلمّا قضيا حاجتهما ذهب الجدار و ارتفع عن موضعه، و صار في الموضع عين ماء و اجانتان (4) فتوضّئا و قضيا ما أرادا.
____________
(1)- في المصدر و البحار: متعلقا.
(2)- ص 65 و البحار: 44/ 187 ذ ح 16.
(3)- في المصدر: يستتر به.
(4)- في البحار: جنتان، خ ل اجانتان.
53
ثمّ انطلقا حتّى صارا في بعض الطريق، عرض لهما رجل فظّ غليظ، فقال لهما: ما خفتما عدوّكما من أين جئتما؟ فقالا: إنّهما جاءا من الخلاء، فهمّ بهما، فسمعوا صوتا يقول: يا شيطان أ تريد أن تناوئ (1) ابني محمّد (صلى اللّه عليه و آله) و قد علمت (2) بالأمس ما فعلت و ناويت امّهما، و أحدثت في دين اللّه، و سلكت عن (3) الطريق، و أغلظ له الحسين (عليه السّلام) أيضا، فهوى بيده ليضرب (4) وجه الحسين (عليه السّلام) فأيبسها اللّه من (5) منكبه، فأهوى باليسرى، ففعل اللّه به مثل ذلك، فقال (6): أسألكما بحقّ أبيكما و جدّكما لما دعوتما اللّه أن يطلقني.
فقال الحسين (عليه السّلام): اللّهمّ أطلقه و اجعل له في هذا عبرة، و اجعل ذلك عليه حجّة، (فأطلق اللّه يده،) فانطلق قدّ امهما حتّى أتى (7) عليّا، و أقبل عليه بالخصومة، فقال:
أين دسّستهما؟ و كان هذا (8) بعد يوم السقيفة بقليل.
فقال عليّ (عليه السّلام): ما خرجا إلّا للخلاء، و جذب رجل منهم عليّا حتّى شقّ رداءه، فقال الحسين (عليه السّلام) للرجل: لا أخرجك اللّه من الدنيا حتّى تبتلى بالدياثة في أهلك و ولدك، و قد كان الرجل قاد (9) ابنته إلى رجل من العراق فلمّا خرجا إلى منزلهما، قال الحسين للحسن (10) (عليهما السّلام): سمعت جدّي يقول: إنّما مثلكما مثل يونس إذ أخرجه اللّه من بطن الحوت و ألقاه بظهر الأرض، و أنبت عليه شجرة من يقطين، و أخرج له عينا من تحتها، فكان يأكل من اليقطين، و يشرب من ماء العين.
و سمعت جدّي يقول: أمّا العين فلكم، و أمّا اليقطين فأنتم عنه أغنياء، و قد قال
____________
(1)- في المصدر: تناول.
(2)- في المصدر: عملت.
(3)- في المصدر: غير.
(4)- في المصدر و البحار: ليضرب به.
(5)- في المصدر: من عند.
(6)- في المصدر: ثم قال.
(7)- في البحار: أتيا.
(8)- في المصدر: «و كأن هذا كان» بدل «و كان هذا».
(9)- في المصدر: يقود.
(10)- في الأصل: الحسن للحسين. و الظاهر أنه تصحيف.
54
اللّه في يونس: «وَ أَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ» (1) و لسنا نحتاج إلى اليقطين، و لكن علم اللّه حاجتنا إلى العين فأخرجها لنا و سنرسل إلى أكثر من ذلك، فيكفرون و يتمتّعون (2) إلى حين.
فقال الحسن (عليه السّلام): قد سمعت هذا (3).
توضيح: «ناواه»: عاداه، و «الدسّ»: الإخفاء و «الدسيس» من تدسّه ليأتيك بالأخبار أي: أين أرسلتهما خفية ليأتياك بالخبر.
9- باب إخباره بالمغيبات
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- المناقب لابن شهرآشوب: روى عبد العزيز بن كثير أنّ قوما أتوا إلى الحسين (عليه السّلام) و قالوا: حدّثنا بفضائلكم، قال: لا تطيقون و انحازوا عنّي لاشير إلى بعضكم، فإن أطاق سأحدّثكم، فتباعدوا عنه، فكان يتكلّم مع أحدهم حتّى دهش و وله و جعل يهيم (4) و لا يجيب أحدا و انصرفوا عنه (5).
2- المناقب: كتاب الإبانة: قال بشر بن عاصم: سمعت ابن (6) الزبير يقول:
قلت للحسين بن عليّ (عليهما السّلام): إنّك تذهب إلى قوم قتلوا أباك و خذلوا أخاك! فقال: لئن اقتل بمكان كذا و كذا أحبّ إليّ من أن يستحلّ في مكّة عرض لي. (7)
عليّ بن الحسين (عليهما السّلام)
3- الخرائج و الجرائح: روي عن جابر، عن زين العابدين (عليه السّلام) قال: أقبل
____________
(1)- الصافّات: 147، 148.
(2)- في المصدر: يمتّعون.
(3)- المخطوط ص 437 و البحار: 43/ 273 ح 40.
(4)- في الأصل: يهم.
(5)- 3/ 210 و البحار: 44/ 183 ح 11.
(6)- في المصدر: أنّ الزبير. و هو تصحيف لأنّ الزبير قتل في معركة الجمل.
(7)- 3/ 211 و البحار: 44/ 185 ح 12.، و في المصدر و البحار: يستحل بي مكة، عرّض به.
55
أعرابيّ إلى المدينة ليختبر الحسين (عليه السّلام) لما (1) ذكر له من دلائله، فلمّا صار بقرب المدينة خضخض و دخل المدينة، فدخل [على] الحسين [و هو جنب] فقال له أبو عبد اللّه الحسين (عليه السّلام): أ ما تستحي يا أعرابي أن تدخل إلى إمامك و أنت جنب؟! أنتم (2) معاشر العرب إذا دخلتم خضخضتم، فقال الأعرابي: [يا مولاي] قد بلغت حاجتي فيما (3) جئت فيه، فخرج من عنده فاغتسل و رجع إليه فسأله عمّا كان في قلبه (4).
توضيح: قال الجزري: «الخضخضة»: الاستمناء و هو استنزال المني في غير الفرج، و أصل الخضخضة التحريك.
الصادق، عن آبائه (عليهم السّلام)
4- الخرائج و الجرائح: روى مندل عن هارون بن خارجة (5)، عن الصادق، عن آبائه (عليهم السّلام) «قال: إذا أراد الحسين (عليه السّلام)» (6) أن ينفذ غلمانه في بعض اموره قال لهم:
لا تخرجوا يوم كذا و اخرجوا يوم كذا فإنّكم إن خالفتموني قطع عليكم، فخالفوه مرّة و خرجوا فقتلهم اللصوص، و أخذوا ما معهم، و اتّصل الخبر بالحسين (7) (عليه السّلام)، فقال: لقد حذّرتهم فلم يقبلوا منّي، ثمّ قام من ساعته و دخل على الوالي، فقال الوالي: [يا أبا عبد اللّه] بلغني قتل غلمانك فاجرك اللّه فيهم، فقال الحسين (عليه السّلام): فإنّي أدلّك على من قتلهم فاشدد يدك بهم.
قال: أو تعرفهم يا بن رسول اللّه؟ قال: نعم كما أعرفك و هذا منهم، و أشار بيده إلى رجل واقف بين يدي الوالي، فقال الرجل: و من أين قصدتني (8) بهذا؟! و من أين تعرف أنّي منهم؟! فقال له الحسين (عليه السّلام): إن أنا صدقتك تصدّقني، فقال [الرجل]: نعم و اللّه
____________
(1)- في المصدر: فيما.
(2)- في الاصل و البحار: فقال أنتم.
(3)- في الأصل و البحار: ممّا.
(4)- المخطوط ص 128 و البحار: 44/ 181 ح 4.
(5)- في الأصل و البحار: هارون بن صدقة.
(6)- في المصدر: «إنّ الحسين إذا أراد».
(7)- في الأصل و البحار: إلى الحسين.
(8)- في الأصل: تصدقني.
56
لاصدّقنّك، فقال: خرجت و معك فلان و فلان و ذكرهم كلّهم فمنهم أربعة من موالي المدينة و الباقون من حبشان (1) المدينة.
فقال الوالي: و ربّ القبر و المنبر لتصدقني أو لأهرأنّ (2) لحمك بالسياط، فقال الرجل: و اللّه ما كذب الحسين (عليه السّلام) و يصدق (3) و كأنّه كان معنا، فجمعهم الوالي [جميعا] فأقرّوا جميعا، فضرب أعناقهم (4).
م:
5- الخرائج و الجرائح: روي أنّ رجلا صار إلى الحسين (عليه السّلام) فقال:
جئتك أستشيرك في تزويجي فلانة، فقال: لا احبّ ذلك [لك] و كانت كثيرة المال و كان الرجل أيضا مكثرا، فخالف الحسين (عليه السّلام) فتزوّج بها، فلم يلبث الرجل حتّى افتقر فقال [له] الحسين (عليه السّلام): قد أشرت إليك فخلّ سبيلها فإنّ اللّه يعوّضك (5) خيرا منها، ثمّ قال: و عليك بفلانة، فتزوّجها فما مضت سنة حتّى كثر ماله، و ولدت له [ولدا] ذكرا و انثى و رأى منها ما أحبّ (6).
10- باب جوامع معجزاته (عليه السّلام)
الأخبار: الأئمّة: الصادق (عليهم السّلام)
1- كتاب النجوم للسيد ابن طاوس: من كتاب الدلائل لعبد اللّه بن جعفر الحميري بإسناده إلى أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: خرج الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) إلى مكّة [في] سنة ماشيا فورمت قدماه، فقال له بعض مواليه: لو ركبت ليسكن عنك هذا الورم فقال:
كلّا إذا أتينا هذا المنزل فإنّه يستقبلك أسود و معه دهن فاشتره منه و لا تماكسه، فقال له
____________
(1)- في الأصل و البحار: جيشان.
(2)- في الأصل: لأتفرقنّ، و في البحار: لأهرقنّ.
(3)- في البحار: و لصدق، و في المصدر: و لقد صدق.
(4)- المخطوط ص 128 و البحار: 44/ 181 ح 5.
(5)- في المصدر: يعوضك منها.
(6)- المخطوط ص 129 و البحار: 44/ 182 ح 6.
57
مولاه: بأبي أنت و امّي ما قدّامنا منزل فيه أحد يبيع هذا الدواء (1)! فقال: بلى أمامك دون المنزل فسار ميلا فإذا هو بالأسود.
فقال الحسين (عليه السّلام) لمولاه: دونك الرجل فخذ منه الدهن [و اعطه الثمن فأخذ منه الدهن] (2) و أعطاه الثمن، فقال له الغلام (3): لمن أردت هذا الدهن، فقال للحسين بن عليّ (عليهما السّلام)، فقال: انطلق بي (4) إليه، فصار الأسود نحوه، [فسلّم] و قال: يا ابن رسول اللّه إنّي مولاك لا آخذ له (5) ثمنا و لكن ادع اللّه أن يرزقني ولدا ذكرا سويّا يحبّكم أهل البيت فإنّي خلّفت امرأتي تمخض، فقال: انطلق إلى منزلك فإنّ اللّه قد وهب لك ولدا ذكرا سويّا، «فولدت غلاما سويّا، ثمّ رجع الأسود» (6) إلى الحسين (عليه السّلام) فدعا له بالخير لولادة الغلام له، ثم (7) إنّ الحسين (عليه السّلام) قد مسح رجليه (8) فما قام من موضعه حتّى زال ذلك الورم. (9)
توضيح: قد مرّ هذا في معجزات الحسن (عليه السّلام)، و في الكافي (10) أيضا كذلك و صدوره عنهما و اتّفاق القضيّتين (11) من جميع الوجوه لا يخلو من بعد، و الظاهر أنّ ما هنا من تصحيف النسّاخ و اللّه يعلم.
____________
(1)- في المصدر: الدهن.
(2)- ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر و البحار.
(3)- في المصدر: فقال الأسود للمولى.
(4)- في المصدر: بنا، و في البحار: به.
(5)- في المصدر: فلا آخذ منك.
(6)- في المصدر: فذهب فوجده ثم عاد.
(7)- في الأصل و البحار: و.
(8)- في المصدر: من الدهن بدل «رجليه».
(9)- ص 226 و البحار: 44/ 185 ح 13، و في المصدر: ذهب الورم عنه.
(10)- 1/ 463 ح 6.
(11)- في البحار: القصّتين.
59
6- أبواب مكارم أخلاقه و محاسن أوصافه و سيرته
1- باب علمه (عليه السّلام)
الأخبار: الصحابة و التابعين و الرواة
1- جامع الأخبار: في أسانيد أخطب خوارزم أورد [ه] في كتاب له في مقتل آل الرسول (صلى اللّه عليه و آله) أنّ أعرابيّا جاء إلى الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) فقال: يا بن رسول اللّه قد ضمنت دية كاملة و عجزت عن أدائه، فقلت في نفسي: أسأل أكرم الناس، و ما رأيت أكرم من أهل بيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله).
فقال الحسين (عليه السّلام): يا أخا العرب أسألك عن ثلاث مسائل، فإن أجبت عن واحدة أعطيتك ثلث المال، و إن أجبت عن اثنين أعطيتك ثلثين، (1) و إن أجبت عن الكلّ أعطيتك الكلّ، فقال الأعرابي: يا بن رسول اللّه أمثلك يسأل عن (2) مثلي و أنت من أهل [بيت] العلم و الشرف؟! فقال الحسين (عليه السّلام): بلى سمعت جدّي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) [يقول]: المعروف بقدر المعرفة.
فقال الأعرابي: سل عمّا بدا لك، فإن (علمت) أجبت و إلّا تعلّمت منك و لا قوّة إلّا باللّه، فقال الحسين (عليه السّلام): أيّ الأعمال أفضل؟ فقال الأعرابي: الإيمان باللّه، فقال الحسين (عليه السّلام): فما النجاة من المهلكة؟ فقال الأعرابي: الثقة باللّه، فقال الحسين (عليه السّلام): فما يزيّن الرجل؟ فقال الأعرابي: علم معه حلم، فقال: فإن أخطأه ذلك؟ فقال: مال معه مروءة، فقال: فإن أخطأه ذلك؟ فقال: فقر معه صبر.
____________
(1)- في المصدر و البحار: ثلثي المال.
(2)- الظاهر زائدة.
61
قال: الدهن و المجمر (1).
4- و منه: و قال الفرزدق: لقيني الحسين (عليه السّلام) [في] منصرفي من الكوفة، فقال: ما وراءك يا أبا فراس؟ قلت: اصدقك؟ قال: الصدق اريد، قلت: أمّا القلوب فمعك، و أمّا السيوف فمع بني اميّة و النصر من عند اللّه، قال: ما أراك إلّا صدقت، الناس عبيد المال و الدين لعق (2) على ألسنتهم يحوطونه ما درّت به معايشهم، فإذا محّصوا للابتلاء (3) قلّ الديّانون.
و قال: من أتانا لم يعدم خصلة من أربع: آية محكمة، و قضيّة عادلة، و أخا مستفادا، و مجالسة العلماء (4).
2- باب عبادته (عليه السّلام)
الأخبار و الكتب:
1- فلاح السائل: ذكر ابن عبد ربّه في كتاب العقد أنّه قيل لعليّ بن الحسين (عليهما السّلام): ما أقلّ ولد أبيك؟ فقال: العجب كيف ولدت؟! كان يصلّي في اليوم و الليلة ألف ركعة.
الملهوف للسيد ابن طاوس: مثله (5).
3- باب خوفه (عليه السّلام) من اللّه تعالى و خشيته
الكتب:
1- جامع الأخبار: و كان الحسين بن علي (عليهما السّلام) إذا توضّأ تغيّر لونه و ارتعدت
____________
(1)- 2/ 31 و البحار: 44/ 195 ح 9.
(2)- في المصدر و البحار: لغو.
(3)- في المصدر: بالبلاء.
(4)- 2/ 32 و البحار: 44/ 195 ح 9.
(5)- الملهوف: 40 و البحار: 82/ 311 ح 17 عنه و ج: 44/ 196 ح 10 عن فلاح السائل و لم نجده في المصدر المطبوع.
60
فقال الحسين (عليه السّلام): فإن أخطأه ذلك؟ فقال الأعرابي: فصاعقة تنزل من السماء و تحرقه فإنّه أهل لذلك، فضحك الحسين (عليه السّلام) و رمى بصرّة إليه فيها ألف دينار و أعطاه «خاتما و فيه فصّ قيمته مائتا درهم» (1)، و قال: يا أعرابي أعط الذهب الى غرمائك، و اصرف الخاتم في نفقتك، فأخذ [ه] الأعرابي و قال: «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ»، الآية (2).
2- في بعض مؤلّفات أصحابنا: عن أبي سلمة قال: حججت مع عمر بن الخطّاب، فلمّا صرنا بالأبطح فإذا بأعرابيّ قد أقبل علينا فقال: يا أمير المؤمنين إنّي خرجت و أنا حاجّ محرم فأصبت بيض النعام، فاجتنيت و شربت (3) و أكلت فما يجب عليّ؟ قال: ما يحضرني في ذلك شيء، فاجلس لعلّ اللّه يفرّج عنك ببعض أصحاب محمّد (صلى اللّه عليه و آله)، فإذا أمير المؤمنين (عليه السّلام) قد أقبل و الحسين (عليه السّلام) يتلوه.
فقال عمر: يا أعرابي هذا عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) فدونك و مسألتك، فقام الأعرابيّ و سأله، فقال عليّ (عليه السّلام): يا أعرابيّ سل هذا الغلام عندك- يعني الحسين- فقال الأعرابيّ: إنّما يحيلني كلّ واحد منكم على الآخر! فأشار الناس إليه و يحك هذا ابن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فاسأله، فقال الأعرابيّ: يا بن رسول اللّه إنّي خرجت من بيتي حاجّا (محرما) و قصّ عليه القصّة.
فقال له الحسين (عليه السّلام): أ لك إبل؟ قال: نعم، قال: خذ بعدد البيض الذي أصبت نوقا فاضربها بالفحولة فما فصلت فاهدها إلى بيت اللّه الحرام، قال عمر: يا حسين النوق يزلقن، فقال الحسين (عليه السّلام): يا عمر إنّ البيض يمرقن، فقال: صدقت و بررت فقام عليّ (عليه السّلام) و ضمّه إلى صدره و قال: «ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ». (4)
3- كشف الغمّة: و دعاه عبد اللّه بن الزبير و أصحابه فأكلوا، و لم يأكل الحسين (عليه السّلام) فقيل له: أ لا تأكل؟ قال: إنّي صائم و لكن تحفة الصائم، قيل: و ما هي؟
____________
(1)- خاتم فضة تبلغ قيمته أربعين دينارا/ خ ل، و في المصدر و البحار: خاتمه و فيه ...
(2)- ص 160 و البحار 44/ 196 ح 11- الأنعام: 124.
(3)- في البحار: شوّيت.
(4)- البحار: 44/ 197 ح 12، و راجع نظيرها في أخيه الحسن (عليه السّلام) في البحار: 43/ 354 ح 32 نقلا عن مناقب ابن شهرآشوب 3/ 176- آل عمران: 34.
62
مفاصله، فقيل له في ذلك فقال: حقّ لمن (1) وقف بين يدي الملك الجبّار أن يصفرّ لونه و يرتعد (2) مفاصله (3).
2- المناقب لابن شهرآشوب: قيل له: ما أعظم خوفك من ربّك؟ قال: لا يأمن يوم القيامة إلّا من خاف اللّه في الدنيا (4).
4- باب سخاوته (عليه السّلام)
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- المناقب: عمرو بن دينار قال: دخل الحسين (عليه السّلام) على اسامة بن زيد و هو مريض، و هو يقول: وا غمّاه، فقال له الحسين (عليه السّلام): و ما غمّك يا أخي، قال: ديني و هو ستّون ألف درهم، فقال الحسين (عليه السّلام): هو عليّ، قال: إنّي أخشى أن أموت، فقال الحسين (عليه السّلام): لن تموت حتّى أقضيها عنك، قال: فقضاها قبل موته، و كان (عليه السّلام) يقول: شرّ خصال الملوك الجبن (5) من (6) الأعداء و القسوة على الضعفاء و البخل عند الإعطاء.
و في كتاب انس المجالس: إنّ الفرزدق أتى الحسين (عليه السّلام) لمّا أخرجه مروان من المدينة فأعطاه أربعمائة دينار، فقيل له: إنّه شاعر فاسق منتهر (7)، فقال (عليه السّلام): إنّ خير مالك ما وقيت به عرضك، و قد أثاب (8) رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كعب بن زهير، و قال في عباس بن مرداس: اقطعوا لسانه عنّي.
(و) وفد (9) أعرابيّ المدينة فسأل عن أكرم الناس بها، فدلّ على الحسين (عليه السّلام)
____________
(1)- في الاصل و البحار: لمؤمن.
(2)- في المصدر: و ارتعد.
(3)- ص 76.
(4)- 3/ 224 و البحار 44/ 192 ح 5.
(5)- في الأصل: الجبر.
(6)- على/ خ ل.
(7)- في المصدر: مشهر.
(8)- في المصدر: أصاب.
(9)- في المصدر: و قدم.
64
عليّ (عليهما السّلام) يوم الطفّ أثر، فسألوا زين العابدين عن ذلك، فقال (عليه السّلام): هذا ممّا كان ينقل الجراب على ظهره إلى منازل الأرامل و اليتامى و المساكين.
و قيل: إنّ عبد الرحمن السلميّ علّم ولد الحسين (عليه السّلام) «الحمد» فلمّا قرأها على أبيه، أعطاه ألف دينار و ألف حلّة و حشا فاه درّا، فقيل له في ذلك فقال: و أين يقع هذا من عطائه- يعني تعليمه- و أنشد الحسين (عليه السّلام):
إذا جادت الدنيا عليك فجد بها * * * على الناس طرّا قبل أن تتفلّت
فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت * * * و لا البخل يبقيها إذا ما تولّت (1)
3- كشف الغمّة: أنس قال: كنت عند الحسين (عليه السّلام) فدخلت عليه جارية فحيّته بطاقة ريحان، فقال لها: أنت حرّة لوجه اللّه، فقلت له: تحيّيك (2) بطاقة ريحان لا خطر لها فعتقتها (3)؟ قال: كذا أدّبنا اللّه، قال اللّه: «وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها» (4) و كان أحسن منها عتقها، و قال يوما لأخيه (عليهما السّلام): يا حسن وددت أنّ لسانك لي و قلبي لك، و كتب إليه الحسن (عليه السّلام) يلومه على إعطاء الشعراء، فكتب إليه أنت أعلم منّي بأنّ خير المال ما وقي العرض (5).
توضيح: لعلّ لومه ليظهر عذره للناس.
4- كشف الغمّة: أيضا و قال: صاحب الحاجة لم يكرم وجهه عن سؤالك فأكرم وجهك عن ردّه (6).
5- المناقب: و روي عن الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) أنّه قال: صحّ عندي قول النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): أفضل الأعمال بعد الصلاة إدخال السرور في قلب المؤمنين (7) بما لا إثم
____________
(1)- 3/ 222 و البحار: 44/ 190 ح 3.
(2)- في الأصل و البحار: تجيئك.
(3)- في المصدر و البحار: فتعتقها.
(4)- النساء: 86.
(5)- 2/ 31 و البحار: 44/ 195 ح 8.
(6)- 2/ 32 و البحار: 44/ 196.
(7)- في المصدر و البحار: المؤمن.
65
فيه، فإنّي رأيت غلاما يواكل كلبا، فقلت له في ذلك، فقال: يا ابن رسول اللّه إنّي مغموم أطلب سرورا بسروره لأنّ صاحبي يهوديّ اريد افارقه.
فأتى الحسين (عليه السّلام) إلى صاحبه بمائتي دينار ثمنا له، فقال اليهودي: الغلام فداء لخطاك و هذا البستان له و رددت عليك المال، فقال (عليه السّلام): و أنا قد وهبت لك المال، قال:
قبلت المال و وهبته للغلام، فقال الحسين (عليه السّلام): أعتقت الغلام و وهبت (1) له جميعا، فقالت امرأته: قد أسلمت و وهبت زوجي مهري، فقال اليهوديّ: و أنا (2) أسلمت و أعطيتها هذه الدار (3).
5- باب تواضعه (عليه السّلام)
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- تفسير العياشي: عن مسعدة قال: مرّ الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) بمساكين قد بسطوا كساء لهم و ألقوا عليه كسرا، فقالوا: هلمّ يا بن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)! فثنّى وركه فأكل معهم ثمّ تلا: «إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ»(4)، ثمّ قال: قد أجبتكم فأجيبوني، قالوا: نعم يا ابن رسول اللّه (5) (صلى اللّه عليه و آله)، فقاموا معه حتّى أتوا منزله، فقال للجارية (6): أخرجي ما كنت تدّخرين (7).
2- كنز الفوائد: محمّد بن العباس، عن أبي الأزهر، عن الزبير بن بكار، عن رجل من أصحابه قال: قال رجل للحسين (عليه السّلام): إنّ فيك كبرا، فقال: كلّ (8) الكبر للّه
____________
(1)- في المصدر: و وهبته.
(2)- في المصدر و البحار: و أنا أيضا.
(3)- 3/ 229 و البحار: 44/ 194.
(4)- اقتباس من سورة النحل: 23 «إنه لا يحب المستكبرين».
(5)- في المصدر: نعم يا بن رسول اللّه و تعمى عين.
(6)- في المصدر: للرباب.
(7)- 2/ 257 ح 15 و البحار: 44/ 189 ح 1.
(8)- في المصدر: كلّا.
66
وحده «و لا يكون في غيره» (1)، قال اللّه تعالى: «وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ» (2)
الأئمّة: الصادق (عليهم السّلام)
3- المناقب لابن شهرآشوب: حدّثنا الصولي عن الصادق (عليه السّلام) في خبر أنّه جرى بينه و بين محمّد بن الحنفيّة كلام، فكتب ابن الحنفيّة الى الحسين (عليه السّلام): أمّا بعد يا أخي فإنّ أبي و أباك عليّ لا تفضلني فيه و لا أفضلك و امّك فاطمة بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و لو كان ملء (3) الأرض ذهبا ملك امّي ما وفت بامّك، فإذا قرأت كتابي هذا فصر إليّ حتّى ترضاني (4) فإنّك أحقّ بالفضل منّي و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته، ففعل الحسين (عليه السّلام) ذلك فلم يجر بعد ذلك بينهما شيء (5).
توضيح: «بامّك» أي بفضلها.
6- باب شجاعته (عليه السّلام)
الأخبار: الصحابة و الكتاب
1- المناقب لابن شهرآشوب: و من شجاعته (عليه السّلام) أنّه كانه بين الحسين و بين الوليد بن عاقبة منازعة في ضيعة فتناول الحسين (عليه السّلام) عمامة الوليد عن رأسه و شدّها في عنقه، و هو يومئذ وال على المدينة، فقال مروان: باللّه ما رأيت كاليوم جرأة رجل على أميره، فقال الوليد: و اللّه ما قلت هذا غضبا لي و لكنّك حسدتني على حلمي عنه، و إنّما كانت الضيعة له، فقال الحسين (عليه السّلام): الضيعة لك يا وليد و قام.
و قيل له يوم الطفّ: انزل على حكم بني عمّك قال: لا و اللّه، لا اعطيكم بيدي (6) إعطاء الذليل و لا أفرّ فرار العبيد، ثمّ نادى: يا عباد اللّه إنّي عذت بربّي و ربّكم من كلّ
____________
(1)- في المصدر: «و لكن فيّ عزّة».
(2)- تأويل الآيات: مخطوط ص 231 ح 1 و البحار: 44/ 198 ح 13- المنافقون: 8.
(3)- في المصدر: من.
(4)- في المصدر و البحار: تترضّاني.
(5)- 3/ 222 و البحار: 44/ 191.
(6)- في الاصل و البحار: يدي.
63
[فدخل المسجد] فوجده مصلّيا فوقف بازائه و أنشأ:
لم يخب الآن من رجاك و من * * * حرّك من دون بابك الحلقة
أنت جواد و أنت معتمد * * * أبوك قد كان قاتل الفسقة
لو لا الذي كان من أوائلكم * * * كانت علينا الجحيم منطبقة
قال: فسلّم الحسين (عليه السّلام) و قال: يا قنبر هل بقي من مال الحجاز شيء؟ قال: نعم أربعة آلاف دينار، فقال: هاتها قد جاء من هو أحقّ بها منّا، ثمّ نزع بردته (1) و لفّ الدنانير فيها (2) و أخرج يده من شقّ الباب حياء من الأعرابيّ، و أنشأ:
خذها فإني إليك معتذر * * * و اعلم بأنّي عليك ذو شفقة
لو كان في سيرنا الغداة عصا * * * أمست سمانا عليك مندفقة
لكنّ ريب الزمان ذو غير * * * و الكفّ منّي قليلة النفقة
قال: فأخذها الأعرابيّ و بكى، فقال: لعلّك استقللت ما أعطيناك، قال: لا و لكن كيف يأكل التراب جودك، و هو المرويّ عن الحسن بن عليّ (عليهما السّلام) (3).
توضيح: قوله: «عصا» لعلّ العصا كناية عن الإمارة و الحكم، قال الجوهريّ:
قولهم: لا ترفع عصاك عن أهلك يراد به: الأدب، و إنّه لضعيف العصا أي الترعيّة، و يقال أيضا: إنّه لليّن العصا أي رفيق حسن السياسة لما ولّى انتهى. أي لو كان لنا في سيرنا في هذه الغداة ولاية و حكم أو قوّة لأمست يد عطائنا عليك صبابة (4)، و «السماء» كناية عن يد الجود و العطاء، و «الاندفاق» الانصباب، و «ريب الزمان» حوادثه، [و غير الدّهر «كعنب» أحداثه] أي حوادث الزمان تغيّر الامور.
قوله: «كيف يأكل التراب جودك» أي كيف تموت و تبيت تحت التراب فتمحى و تذهب جودك (و كرمك).
2- المناقب: شعيب بن عبد الرحمن الخزاعي قال: وجد على ظهر الحسين بن
____________
(1)- في المصدر و البحار: برديه.
(2)- في المصدر: فيهما.
(3)- 3/ 221 و البحار: 44/ 189 ح 2.
(4)- في البحار: صابّة.
67
متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب.
و قال (عليه السّلام): موت في عزّ (1) خير من حياة في ذلّ، و أنشأ يوم قتل (2):
الموت خير من ركوب العار * * * و العار أولى من دخول النار
و اللّه ما هذا و هذا جاري
ابن نباتة:
الحسين الذي رأى القتل في العزّ * * * حياة و العيش في الذلّ قتلا
الحلية: و روى محمّد بن الحسن أنّه لمّا نزل القوم بالحسين (عليه السّلام) و أيقن أنّهم قاتلوه، قال لأصحابه: قد نزل ما ترون من الأمر، و إنّ الدنيا قد تغيّرت و تنكّرت، و أدبر معروفها و استمرّت حتّى لم يبق منها إلّا كصبابة الإناء، و إلّا خسيس عيش كالمرعى الوبيل، أ لا ترون الحقّ لا يعمل به، و الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء اللّه، و إنّي لا أرى الموت إلّا سعادة و الحياة مع الظالمين إلّا برما، و أنشأ (3) متمثّلا لمّا قصد الطفّ:
سأمضي فما بالموت عار على الفتى * * * إذا ما نوى خيرا (4)و جاهد مسلما
و واسى الرجال الصالحين بنفسه * * * و فارق مذموما و خالف مجرما
أقدّم نفسي لا اريد بقاءها * * * لتلقى (5)خميسا في الهياج عرمرما
فإن عشت لم اذمم و إن متّ لم الم * * * كفى بك ذلّا أن تعيش و ترغما (6)
توضيح: «الصبابة» بالضمّ البقية من الماء في الاناء، و «الوبلة» بالتحريك الثقل و الوخامة، و قد وبل المرتع بالضمّ وبلا و وبالا فهو و بيل أي وخيم، ذكره
____________
(1)- في الاصل: الموت في العز.
(2)- في المصدر: «في يوم قتله» بدل «يوم قتل».
(3)- في المصدر: و أنشد.
(4)- حقا/ خ ل.
(5)- في المصدر و البحار: لنلقى.
(6)- 3/ 223 و البحار: 44/ 191 ح 4.
69
(إذا ابتلى بالظلام مبتهلا * * * أكرمه اللّه ثمّ أدناه)
فنودي:
لبّيك عبدي و أنت (1)في كنفي * * * و كلّما قلت قد علمناه
صوتك تشتاقه ملائكتي * * * فحسبك الصوت قد سمعناه
دعاك عندي يجول في حجب * * * فحسبك الستر قد سفرناه
لو هبّت الريح من جوانبه * * * خرّ صريعا لما تغشّاه
سلني بلا رغبة (2)و لا رهب * * * و لا حساب إنّني (3) أنا اللّه (4)
توضيح: «الأرق» بكسر الراء، من سهر بالليل، قوله: «قد سفرناه» أي حسبك إنّا (قد) كشفنا الستر عنك، قوله: «لو هبّت الريح من جوانبه» الضمير إمّا راجع الى الدعاء كناية عن أنّه يجول في مقام لو كان مكانه رجل لغشي عليه ممّا يغشاه من أنوار الجلال، و يحتمل إرجاعه إليه (عليه السّلام) على سبيل الالتفات لبيان غاية خضوعه و ولهه في العبادة بحيث لو تحرّك الريح (5) لأسقطته.
2- المناقب: و له (عليه السّلام):
يا أهل لذّة دنيا لا بقاء لها * * * إنّ اغترارا بظلّ زائل حمق
و يروى للحسين (عليه السّلام):
سبقت العالمين إلى المعالي * * * بحسن خليقة و علوّ همّة
و لاح بحكمتي نور الهدى في * * * ليال في الضلالة مدلهمّة
يريد الجاحدون ليطفئوه * * * و يأبى اللّه إلّا أن يتمّه (6)
____________
(1)- في المصدر: لبيك لبيك أنت.
(2)- في المصدر: رعبة.
(3)- في المصدر و البحار: إنّي.
(4)- 3/ 224 و البحار: 44/ 192 ح 5.
(5)- في البحار: تحركت ريح.
(6)- 3/ 225- 227 و البحار: 44/ 193 ح 6.
68
الجوهريّ، و «البرم» بالتحريك السأمة و الملال، و «الخميس» الجيش لأنّهم خمس فرق، المقدّمة و القلب و الميمنة و الميسرة و الساق، و «يوم الهياج» يوم القتال، و «العرمرم» الجيش الكثير، و «عرام الجيش» كثرته.
2- كشف الغمّة: و كان يرتجز يوم قتل و يقول:
الموت خير من ركوب العار * * * و العار خير من دخول النار
و اللّه ما هذا (1)و هذا جاري (2)
7- باب زهده (عليه السّلام)
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- المناقب لابن شهرآشوب: و من زهده (عليه السّلام) أنّه قيل له: ما أعظم خوفك من ربّك؟ قال: لا يأمن يوم القيامة إلّا من خاف اللّه في الدنيا.
إبانة ابن بطّة: قال عبد اللّه بن عبيد أبو عمير: لقد حجّ الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) خمسا و عشرين حجّة ماشيا و إنّ النجائب لتقاد معه.
عيون المحاسن (3): إنّه ساير أنس بن مالك فأتى قبر خديجة، فبكى ثمّ قال:
اذهب عنّي، قال أنس: فاستخفيت عنه فلمّا طال وقوفه في الصلاة سمعته قائلا:
يا ربّ يا ربّ أنت مولاه * * * فارحم عبيدا إليك ملجاه
يا ذا المعالي عليك معتمدي * * * طوبى لمن كنت أنت مولاه
طوبى لمن كان خادما (4)أرقا * * * يشكو إلى ذي الجلال بلواه
و ما به علّة و لا سقم * * * أكثر من حبّه لمولاه
إذا اشتكى بثّه و غصّته * * * أجابه اللّه ثمّ لبّاه
____________
(1)- في المصدر و البحار: من هذا.
(2)- 2/ 32 و البحار: 44/ 196.
(3)- في المصدر: عيون المجالس.
(4)- في المصدر: خائفا.
70
8- باب عفوه (عليه السّلام)
الكتب:
1- كشف الغمّة: و جنى غلام له جناية توجب العقاب عليه، فأمر به أن يضرب، فقال: يا مولاي و الكاظمين الغيظ، قال: خلّوا (1) عنه، قال: يا مولاي و العافين عن الناس، قال (عليه السّلام): قد عفوت عنك، قال: يا مولاي و اللّه يحبّ المحسنين، قال: أنت حرّ لوجه اللّه و لك ضعف ما كنت اعطيك (2).
9- باب سيره و بعض أحواله (عليه السّلام)
الأخبار: الأئمّة: الباقر (عليهم السّلام)
1- كشف المحجّة للسيد ابن طاوس (ره): باسناده عن كتاب عبد اللّه ابن بكير، باسناده عن أبي جعفر (عليه السّلام): إنّ الحسين (عليه السّلام) قتل و عليه دين. (3)
الصادق (عليه السّلام)
2- المناقب لابن شهر اشوب: حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال:
إنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) [كان] في الصلاة و إلى جانبه الحسين (عليه السّلام)، فكبّر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فلم يحر (4) الحسين (عليه السّلام) التكبير، ثمّ كبّر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فلم يحر الحسين (عليه السّلام) التكبير، فلم يزل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يكبّر و يعالج الحسين (عليه السّلام) التكبير، [فلم يحر] حتّى أكمل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) سبع تكبيرات، فأحار الحسين (عليه السّلام) التكبير في السابعة، فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): فصارت سنّة. (5)
____________
(1)- في المصدر: اخلوا.
(2)- 2/ 31 و البحار: 44/ 195.
(3)- ص 125 و البحار: 43/ 321.
(4)- «فلم يحر» أي لم يرجع و لم يرد (النهاية ج 1/ 458).
(5)- 3/ 228 و البحار: 44/ 194 ح 7 و رواه الشيخ في التهذيب: 2/ 67 ح 11.
71
3- الكافي: أبو العبّاس، عن محمّد بن جعفر، عن محمّد بن عبد الحميد، عن سيف بن عميرة، عن أبي شيبة الأسدي، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: خضب الحسين (عليه السّلام) بالحنّاء و الكتم (1).
4- و منه: العدّة، عن البرقيّ، عن عدّة من أصحابه، عن ابن أسباط، عن عمّه يعقوب بن سالم قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): قتل الحسين (عليه السّلام) و هو مختضب بالوسمة.
و عنه: عن أبيه، عن يونس، عن الحضرمي، عنه (عليه السّلام) مثله (2).
5- و منه: عليّ، عن أبيه (3) و محمّد بن اسماعيل، عن الفضل جميعا، عن ابن أبي عمير و صفوان، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إنّ الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) خرج معتمرا فمرض في الطريق، فبلغ عليّا (عليه السّلام) ذلك و هو في المدينة، فخرج في طلبه فأدركه بالسّقيا و هو مريض بها، فقال: يا بنيّ ما تشتكي؟ فقال: أشتكي رأسي، فدعا عليّ (عليه السّلام) ببدنة فنحرها و حلق رأسه و ردّه إلى المدينة، فلمّا برأ من وجعه اعتمر. (4)
6- و منه: العدّة، عن سهل و عليّ، عن أبيه جميعا، عن ابن محبوب، عن زياد ابن عيسى، عن عامر بن السمط، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنّ رجلا من المنافقين مات فخرج الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) يمشي معه فلقيه مولى له، فقال له الحسين (عليه السّلام): أين تذهب يا فلان، قال: فقال له مولاه: أفرّ من جنازة هذا المنافق أن اصلّي عليها، فقال له الحسين (عليه السّلام): انظر أن تقوم على (5) يميني فما تسمعني أقول فقل مثله.
فلمّا أن كبّر عليه وليّه، قال الحسين (عليه السّلام): اللّه أكبر، اللّهمّ العن فلانا عبدك ألف لعنة مؤتلفة غير مختلفة، اللّهمّ أخز عبدك في عبادك و بلادك، و اصله حرّ نارك، و أذقه أشدّ عذابك، فإنّه كان يتولّى أعداءك، و يعادي أولياءك، و يبغض أهل بيت نبيّك. (6)
____________
(1)- 6/ 481 ح 9 و البحار: 44/ 203 ح 23 و ج: 46/ 298 ح 32.
(2)- 6/ 483 ح 5، 6 و البحار: 44/ 204 ح 24 و ج: 45/ 94 ح 7، 8.
(3)- في المصدر: عن أبيه، عن ابن أبي عمير.
(4)- 4/ 369 ح 3 و البحار: 44/ 203 ح 22.
(5)- عن/ خ ل.
(6)- 3/ 188 ح 2 و البحار: 44/ 202 ح 20.
72
7- و منه: العدّة، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي نجران، عن مثنّى الحنّاط، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: كان الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) جالسا فمرّت عليه جنازة (يهوديّ) فقام الناس حين طلعت الجنازة، فقال الحسين بن عليّ (عليهما السّلام): مرّت جنازة يهوديّ فكان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) [على طريقها] جالسا فكره (1) أن تعلو رأسه جنازة يهوديّ، فقام لذلك (2).
____________
(1)- في الأصل: فكبّره.
(2)- 3/ 192 ح 2 و البحار: 44/ 202 ح 21.
73
7- أبواب النصوص عليه (عليه السّلام)
أقول: قد مرّت النصوص عليه و على أخيه الحسن من الآيات أيضا في كتاب الحسن بن علي بن أبي طالب فلا نعيدها حذرا للتكرار و روما للاختصار.
1- باب نصّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) عليه
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- المناقب لابن شهرآشوب: سليم بن قيس، عن سلمان الفارسي قال:
كان الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) على فخذ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و هو يقبّله و يقول: أنت السيّد ابن السيّد أبو السادات (1) أنت الإمام ابن الإمام أبو الأئمّة، أنت الحجّة ابن الحجّة أبو الحجج، تسعة من صلبك و تاسعهم قائمهم (2).
2- كفاية الأثر: بإسناده عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يقول للحسين: أنت الإمام ابن الإمام و أخو الإمام، تسعة من صلبك أئمّة أبرار و التاسع قائمهم.
____________
(1)- في المصدر و البحار: السادة.
(2)- 3/ 226 و البحار: 43/ 295.
74
المناقب: عن عطيّة مثله (1).
3- الكفاية: بإسناده عن عطية، عن أبي سعيد قال: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يقول للحسين (عليه السّلام): يا حسين أنت الإمام ابن الإمام أخو الإمام تسعة من ولدك أئمّة أبرار تاسعهم قائمهم، فقيل: يا رسول اللّه كم الأئمّة من بعدك، قال: اثنا عشر تسعة من صلب الحسين (عليه السّلام). (2)
2- باب آخر فيما نقلت فاطمة (عليها السّلام) عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) في النصّ على الحسين (عليه السّلام)
الأخبار: فاطمة (عليها السّلام)، عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)
1- كفاية الأثر: بإسناده عن زينب بنت عليّ (عليه السّلام)، عن فاطمة قالت: دخل أبي (3) رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عند ولادة ابني الحسين (عليه السّلام) فناولته إيّاه في خرقة صفراء فرمى بها و أخذ خرقة بيضاء فلفّه فيها ثمّ قال: خذيه يا فاطمة فإنّه الإمام و أبو الأئمّة، تسعة من صلبه أبرار و التاسع قائمهم. (4)
2- و منه: بإسناده عن أبي ذر (ره) قال: سمعت فاطمة (عليها السّلام) تقول: سألت أبي عن قول اللّه تعالى «وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ» (5) قال: هم الأئمّة بعدي عليّ و سبطاي و تسعة من صلب الحسين، هم رجال الأعراف لا يدخل الجنّة إلّا من عرفهم (6) و يعرفونه، و لا يدخل النار إلّا من أنكرهم و ينكرونه، لا يعرف اللّه تعالى إلّا بسبيل معرفتهم.
المناقب لابن شهرآشوب: عن فاطمة (عليها السّلام) مثله. (7)
____________
(1)- كفاية الأثر: 28 و المناقب: 1/ 254 و البحار: 36/ 290 ح 113.
(2)- ص 30 و البحار: 36/ 291 ح 116.
(3)- في المصدر و البحار: إليّ.
(4)- ص 193 و البحار: 36/ 350 ح 219.
(5)- الأعراف: 46.
(6)- في المصدر و البحار: يعرفهم.
(7)- كفاية الأثر: 194 و المناقب: 1/ 254 و البحار: 36/ 351 ح 220.
75
3- الكفاية: بإسناده عن سهل بن سعد الأنصاري قال: سألت فاطمة بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عن الأئمّة، فقالت: كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يقول لعلي يا عليّ أنت الإمام و الخليفة (من) بعدي و أنت أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضيت فابنك الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضى الحسن فالحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم فإذا مضى الحسين فابنه عليّ بن الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضى علي فابنه محمّد أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضى محمّد فابنه جعفر أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضى جعفر فابنه موسى أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضى موسى فابنه عليّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضى عليّ فابنه محمّد أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضى محمّد فابنه عليّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضى عليّ فابنه الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضى الحسن فالقائم المهديّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، يفتح اللّه به مشارق الأرض و مغاربها فهم أئمّة الحقّ و ألسنة الصدق منصور من نصرهم مخذول من خذلهم (1).
أقول: أخبار هذا الباب أوردناه في باب النصوص عن فاطمة، عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) على الاثنى عشر في كتاب أحوال أمير المؤمنين (عليه السّلام) فلا نعيدها حذرا من الإكثار.
3- باب نصّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) عليه من النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)
الأخبار: الأئمّة: أمير المؤمنين (عليه السّلام)، عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)
1- كفاية الأثر: في حديث طويل ذكرنا في كتاب أحوال أمير المؤمنين (عليه السّلام) في أبواب النصوص على الاثنى عشر، أنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال: قلت: يا رسول اللّه أ فلا تسمّيهم لي، قال: نعم، أنت الإمام و الخليفة بعدي تقضي ديني و تنجز عداتي، و بعدك ابناك الحسن و الحسين، و بعد الحسين ابنه عليّ زين العابدين، و بعد عليّ (2) ابنه محمّد يدعى بالباقر، و بعد محمّد ابنه جعفر يدعى بالصادق، و بعد جعفر ابنه موسى يدعى بالكاظم، و بعد موسى ابنه عليّ يدعى بالرضا، و بعد عليّ ابنه محمّد يدعى بالزكيّ، و بعد محمّد ابنه
____________
(1)- ص 195 و البحار: 36/ 351 ح 221.
(2)- في المصدر: «و بعده» بدل «و بعد علي».
76
عليّ يدعى بالنقيّ، و بعد عليّ (1) ابنه الحسن يدعى بالأمين و بعد الحسن ابنه القائم من ولد الحسين (عليه السّلام) سميّي و أشبه الناس بي يملأها قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا (2).
2- كمال الدين: في حديث طويل عن عليّ، عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) في النصوص على الاثنى عشر قال فيه: قلت: يا رسول اللّه سمّهم لي، فقال: [ابني] هذا و وضع يده على رأس الحسن، ثم ابني هذا و وضع يده على رأس الحسين (عليه السّلام)، ثم ابن له يقال له:
عليّ- الخبر- (3).
الصادق، عن آبائه (عليهم السّلام)
3- عيون أخبار الرضا: الهمدانيّ، عن عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن غياث بن إبراهيم، عن الصادق، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ (عليهما السّلام)، قال: سئل أمير المؤمنين (عليه السّلام) عن [معنى] قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) «إنّي مخلّف فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي» من العترة؟ (4) فقال: أنا و الحسن و الحسين و الأئمّة التسعة من ولد الحسين (عليه السّلام) تاسعهم مهديّهم و قائمهم لا يفارقون كتاب اللّه و لا يفارقهم حتى يرد و اعلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) حوضه. (5)
4- باب نصّ عليّ (عليه السّلام) عليه وحده:
الأخبار: الأئمّة: أمير المؤمنين (عليهم السّلام)
1- كفاية الأثر: محمّد بن عبد اللّه، عن محمّد بن الحسين (6) الأشنانيّ، عن محمّد ابن يزيد القاضيّ، عن محمّد بن آدم (7)، عن جعفر بن زياد الأحمر، (8) عن أبي الصيرفيّ (9)، عن
____________
(1)- في الأصل و البحار: و بعده.
(2)- ص 217 و البحار: 36/ 354 ح 225.
(3)- 1/ 284 ح 37 و البحار: 36/ 256 ح 75.
(4)- في الأصل: قلت: من العترة؟.
(5)- 1/ 46 ح 25 و البحار 36/ 373 ح 2 و ج: 25/ 215 ح 10.
(6)- في الأصل: محمد بن الحسن.
(7)- في المصدر: يحيى بن آدم.
(8)- لأسمر/ خ ل.
(9)- في الأصل: أم الصيرفيّ.
77
صفوان بن قبيصة (1)، عن طارق بن شهاب قال: قال أمير المؤمنين (عليه السّلام) للحسن و الحسين:
أنتما إمامان بعقبي (2) و سيّدا شباب أهل الجنّة و المعصومان حفظكما اللّه و لعنة اللّه على من عاداكما. (3)
2- كمال الدين: بإسناده عن ابن نباتة قال: خرج [علينا] أمير المؤمنين (عليه السّلام) [ذات يوم] و يده في يد الحسن (4) و ساق الحديث إلى أن يقول أمير المؤمنين (عليه السّلام): ألا و إنّي أقول: [إنّ] خير الخلق بعدي و سيّدهم ابني هذا و هو إمام كلّ مسلم و أمير كلّ مؤمن بعد وفاتي، ألا و إنّه سيظلم بعدي كما ظلمت بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، و خير الخلق و سيّدهم بعد الحسن ابني أخوه الحسين المظلوم بعد أخيه المقتول في أرض كربلا، ألا و إنّه و أصحابه من سادة (5) الشهداء يوم القيامة (6).
5- باب وصيّة الحسن إليه بنصوصه و النصّ منه عليه بخصوصه
الأخبار: الأئمّة: الباقر (عليهم السّلام)
1- إعلام الورى: الكلينيّ، عن عليّ، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن محمّد ابن سليمان الديلميّ، عن هارون بن الجهم، [عن محمد بن مسلم] قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ (عليهما السّلام) يقول: لمّا احتضر الحسن (عليه السّلام) قال للحسين (عليه السّلام): يا أخي إنّي اوصيك بوصيّة: إذا أنا متّ فهيّئني (7) و وجّهني إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لاحدث به عهدا ثمّ اصرفني إلى امّي فاطمة ثمّ (8) ردّني فادفنّي بالبقيع إلى آخر الخبر (9).
____________
(1)- في البحار: صفوان بن قميصة:
(2)- بعدي/ خ و كذا في بعض نسخ المصدر أيضا.
(3)- كفاية الأثر: ص 221 و البحار: 43/ 264 ح 18 عن روضة ابن شاذان، و هو اشتباه.
(4)- في البحار: ولده الحسن، و في المصدر: ابنه الحسن.
(5)- في البحار: سادات.
(6)- 1/ 259 ح 5 و البحار: 36/ 253 ح 69.
(7)- في المصدر: كفّنّي.
(8)- في المصدر: و.
(9)- إعلام الورى: ص 215 و البحار: 44/ 174 ح 1، و رواه الشيخ الكليني في الكافي ج 1/ 300 ح 1.
79
و اخترت أنا الحسين (عليه السّلام).
فقال له محمّد بن عليّ: أنت إمامي و سيّدي [و أنت وسيلتي الى محمد و اللّه لوددت أنّ نفسي قد ذهبت قبل أن اسمع منك هذا الكلام] (1) ألا و إنّ في رأسي كلاما لا تنزفه الدلاء و لا تغيّره نغمة (2) الرياح، كالكتاب المعجم في الرقّ المنمنم أهمّ بابدائه فأجدني سبقت إليه سبق الكتاب المنزل و ما جاءت به الرسل و إنّه لكلام يكلّ به لسان الناطق، و يد الكاتب [حتى لا يجد قلما، و يؤتوا بالقرطاس حمما] (3) و لا يبلغ فضلك، و كذلك يجزي اللّه المحسنين و لا قوّة إلّا باللّه.
الحسين (عليه السّلام) أعلمنا علما و أثقلنا حلما و أقربنا من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) رحما، كان (فقيها) إماما (4) قبل أن يخلق، و قرأ الوحي قبل أن ينطق، و لو علم اللّه أنّ أحدا خير منّا ما اصطفى محمّدا، فلمّا اختار محمّدا و اختار محمد عليّا (5) إماما و اختارك علي [من] بعده و اخترت الحسين (عليه السّلام) [من] بعدك، سلّمنا و رضينا بمن هو الرضا، و بمن نسلم به من المشكلات (6).
توضيح: قوله «فقال: اللّه» أي لا تحتاج إلى أن أذهب و أرى فإنّك بعلومك الربّانيّة أعلم بما اخبرك بعد النظر و يحتمل أن يكون المراد بالنظر، النظر بالقلب بما علّموه من ذلك، فإنّه كان من أصحاب الأسرار فلذا قال: أنت أعلم به منّي من هذه الجهة، و لعلّ السؤال لأنّه كان يريد أوّلا أن يبعث غير قنبر لطلب ابن الحنفيّة، فلمّا لم يجد غيره بعثه.
و يحتمل أن يكون أراد بقوله «مؤمنا» ملك الموت (عليه السّلام)، فإنّه كان يقف و يستأذن للدخول عليهم فلعلّه أتاه بصورة بشر فسأل قنبرا عن ذلك ليعلم أنّه يراه أم لا، فجوابه حينئذ إني لا أرى أحدا و أنت أعلم بما تقول، و ترى ما لا أرى، فلمّا علم أنّه الملك بعث
____________
(1)- ما بين المعقوفين أثبتناه من البحار.
(2)- في الأصل و البحار: بعد.
(3)- ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
(4)- في المصدر: إمامنا.
(5)- في المصدر: «اختار عليا» بدل «و اختار محمد عليا».
(6)- إعلام الورى: ص 216 و البحار: 44/ 174 ح 2، و رواه الشيخ الكليني في الكافي ج 1/ 300 ح 2.
78
الصادق (عليه السّلام)
2- إعلام الورى: الكليني بإسناده عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: لمّا حضرت الحسن الوفاة قال: يا قنبر انظر هل ترى وراء بابك مؤمنا من غير آل محمّد (عليهم السّلام)؟ فقال: اللّه و رسوله و ابن رسوله أعلم، قال: امض فادع لي محمّد بن علي، قال: فأتيته فلمّا دخلت عليه قال: هل حدث إلّا خير؟! قلت: أجب أبا محمّد (عليه السّلام)، فعجّل عن (1) شسع نعله فلم يسوّه فخرج معي يعدو.
فلمّا قام بين يديه سلّم، فقال له الحسن (عليه السّلام): اجلس فليس يغيب مثلك عن سماع كلام يحيى به الأموات و يموت به الأحياء، كونوا أوعية العلم و مصابيح الدجى فإنّ ضوء النهار بعضه أضوأ من بعض، أ ما علمت أنّ اللّه عزّ و جلّ جعل ولد إبراهيم أئمّة و فضّل بعضهم على بعض، و آتى داود زبورا، و قد علمت بما استأثر اللّه محمّدا (صلى اللّه عليه و آله).
يا محمّد بن عليّ إنّي لا أخاف (2) عليك الحسد و إنّما وصف اللّه به الكافرين، فقال: «كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ» (3) و لم (4) يجعل اللّه للشيطان عليك سلطانا، يا محمّد بن عليّ أ لا اخبرك بما سمعت من أبيك (عليه السّلام) فيك، قال:
بلى، قال: سمعت أباك يقول يوم البصرة: من أحبّ أن يبرّني في الدنيا و الآخرة فليبرّ محمّدا [ولدي] يا محمّد بن عليّ لو شئت أن اخبرك و أنت نطفة في (5) ظهر أبيك لأخبرتك يا محمّد بن عليّ أ ما علمت أنّ الحسين بن عليّ بعد وفاة نفسي و مفارقة روحي جسمي إمام من بعدي و عند اللّه في الكتاب الماضي وراثة [من] النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أضافها في وراثة (6) أبيه و امّه علم اللّه أنّكم خير خلقه فاصطفى منكم محمّدا و اختار محمّد عليّا و اختارني عليّ للإمامة
____________
(1)- في المصدر: على.
(2)- في المصدر: أخاف.
(3)- البقرة: 109.
(4)- لن/ خ ل.
(5)- في المصدر: من.
(6)- في المصدر: أضافها اللّه له في تراثة، و في البحار: «أصابها» بدل «أضافها».
80
الى أخيه.
«فعجّل عن شسع نعله» أي صار تعجيله مانعا عن عقد شسع النعل، قوله «عن سماع كلام» أي النصّ على الخليفة فإنّ السامع إذا أقرّ فهو حيّ بعد وفاته، و إذا أنكر فهو ميّت في حياته، أو المعنى إنّه سبب لحياة الأموات بالجهل و الضلالة بحياة العلم و الإيمان، و سبب لموت الأحياء بالحياة الظاهرية أو بالحياة المعنويّة إن لم يقبلوه، و قيل «يموت به الأحياء» أي بالموت الإراديّ عن لذّات هذه النشأة الذي هو حياة اخرويّة في دار الدنيا و هو بعيد.
«كونوا أوعية العلم» تحريص (1) على استماع الوصيّة، و قبولها و نشرها، أو على متابعة الإمام و التعلّم منه، و تعليم الغير، قوله: «فإنّ ضوء النهار» (هذا الكلام في ظهوره كضوء النهار)، أي لا تستنكفوا عن التعلّم و إن كنتم علماء فإنّ فوق كلّ ذي علم عليم، أو عن تفضيل بعض الاخوة على بعض، و الحاصل إنّه قد استقرّ في نفوس الجهلة بسبب الحسد إنّ المتشعّبين من أصل واحد في الفضل سواء و لذا يستنكف بعض الاخوة و الأقارب عن متابعة بعضهم، و كان الكفّار يقولون للأنبياء: «ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا» (2) فأزال عن تلك الشبهة بالتشبيه بضوء النهار في ساعاتة المختلفة فإنّ كلّه من الشمس لكنّ بعضه أضوأ من بعض كأوّل الفجر و بعد طلوع الشمس و بعد الزوال و هكذا فباختلاف الاستعدادات و القابليّات تختلف إفاضة الأنوار على المواد.
قوله: «أ ما علمت أنّ اللّه» تمثيل لما ذكر سابقا و تأكيد له، و قوله «فجعل ولد إبراهيم (عليه السّلام) أئمّة» إشارة إلى قوله تعالى «وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ نافِلَةً وَ كُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا». (3)
قوله: «و فضّل» الخ إشارة الى قوله تعالى «وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَ آتَيْنا داوُدَ زَبُوراً» (4)، «و قد علمت بما استأثر» أي علمت بأيّ جهة استأثر اللّه محمّدا أي فضّله إنّما كان لوفور علمه (و علمه و حلمه) و مكارم أخلاقه لا بنسبه و لا بحسبه و أنت تعلم أنّ الحسين (عليه السّلام) أفضل منك بجميع هذه الجهات و يحتمل أن يكون ما مصدريّة و الباء لتقوية التعدية، أي علمت استئثار اللّه إيّاه.
____________
(1)- الظاهر أنها: تحريض.
(2)- يس: 15.
(3)- الأنبياء: 72- 73.
(4)- الإسراء: 55.
82
ذابا كناية عن إغلاقه كأنّه قد ذاب و محي.
قوله: «فأجدني» أي كلّما أهمّ أن أذكر من فضائلك شيئا أجده مذكورا في كتاب اللّه و كتب الأنبياء، و قيل: أي سبقتني إليه أنت و أخوك لذكره في القرآن و كتب الأنبياء و علمها عند كما، و الظاهر أن «سبق» مصدر و يحتمل أن يكون فعلا ماضيا على الاستئناف، و على التقديرين سبقت على صيغة المجهول «و إنّه» أي ما في رأسي.
و في بعض نسخ الكافي بعد قوله: و يد الكاتب «حتى لا يجد قلما و يؤتي بالقرطاس حمما» و ضمير يجد للكاتب و كذا ضمير يؤتى أي يكتب حتى تفني الأقلام و تسود جميع القراطيس، و الحمم بضمّ الحاء و فتح الميم جمع الحمّة (1) كذلك أي الفحمة يشبّه بها الشيء الكثير السواد، و ضمير يبلغ للكاتب.
«أعلمنا علما» تميز للنسبة على المبالغة و التأكيد كان إماما، و في الكافي كان فقيها قبل أن يخلق: أي بدنه الشريف كما [مرّ] أنّ أرواحهم المقدّسة قبل تعلّقها بأجسادهم المطهّرة كانت عالمة بالعلوم الدينيّة، و معلّمة للملائكة «قبل أن ينطق» أي بين الناس كما ورد أنّه (عليه السّلام) أبطأ عن الكلام أو مطلقا إشارة إلى علمه في عالم الأرواح و في الرحم.
و في الكافي في آخر الخبر «من بغيره يرضى و من كنّا نسلم به من مشكلات أمرنا» فقوله «من بغيره يرضى» الاستفهام للإنكار، و الظرف متعلّق بما بعده، و ضمير يرضى راجع إلى من، و في بعض النسخ بالنون و هو لا يستقيم إلّا بتقدير الباء في أوّل الكلام أي بمن بغيره نرضى، و في بعضها «من بعزّه نرضى» أي هو من بعزّه و غلبته نرضى، أو الموصول مفعول رضينا «و من كنّا نسلم به» أيضا إمّا استفهام إنكار بتقدير غيره و نسلّم أمّا بالتشديد فكلمة من تعليليّة أو بالتخفيف أي نصير به سالما من الابتلاء بالمشكلات و على الاحتمال الأخير في الفقرة السابقة معطوف على الخبر أو على المفعول و يؤيّد الأخير فيهما ما هنا.
____________
(1)- في البحار: حممة.
83
8- أبواب احتجاجاته (عليه السّلام) على معاوية و أوليائه لعنهم اللّه و ما جرى بينه و بينهم
1- باب احتجاجه (عليه السّلام) على معاوية و ما جرى بينهم
الأخبار: الصحابة و التابعين و غيرهما
1- المناقب لابن شهرآشوب و الاحتجاج: عن موسى بن عاقبة، أنّه قال: لقد قيل لمعاوية: إنّ الناس قد رموا أبصارهم إلى الحسين (عليه السّلام) فلو قد أمرته يصعد المنبر فيخطب فإنّ فيه حصرا و في لسانه كلالة، فقال لهم معاوية: قد ظننّا ذلك بالحسن فلم يزل حتّى عظم (ذلك) في أعين الناس و فضحنا، فلم يزالوا به حتى قال للحسين (عليه السّلام): يا أبا عبد اللّه لو صعدت المنبر فتخطب (1).
فصعد الحسين (عليه السّلام) [على] المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ صلّى على النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) فسمع رجلا يقول: من هذا الذي يخطب؟ فقال الحسين (عليه السّلام):
نحن حزب اللّه الغالبون، و عترة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) الأقربون، و أهل بيته الطيّبون،
____________
(1)- في الاحتجاج و البحار: فخطبت.
84
و أحد الثقلين الّذين جعلنا رسول اللّه ثاني كتاب (1) اللّه تبارك و تعالى الذي فيه تفصيل كلّ شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، و المعوّل علينا في تفسيره، و لا يبطئنا تأويله بل نتّبع حقائقه.
فأطيعونا فانّ طاعتنا مفروضة، إذ كانت بطاعة اللّه و رسوله مقرونة، قال اللّه عزّ و جلّ: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ» (2) و قال: «وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا». (3)
و احذّركم الاصغاء إلى هتوف الشيطان بكم، فانّه لكم عدوّ مبين، فتكونوا كأوليائه الّذين قال لهم: «لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَ إِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ». (4)
فتلقون للسيوف ضربا، و للرماح وردا، و للعمد حطما، و للسهام غرضا، ثم لا يقبل من نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، قال معاوية: حسبك يا أبا عبد اللّه فقد أبلغت (5).
توضيح: «الضرب»، بالتحريك المضروب، «و الورد» بالتحريك أي ما ترد عليه الرماح و قد مرّ مثله في خطبة الحسن (عليه السّلام).
الكتب:
2- المناقب لابن شهر اشوب: يقال دخل الحسين (عليه السّلام) على معاوية و عنده أعرابيّ يسأله حاجة، فأمسك و تشاغل بالحسين (عليه السّلام)، فقال الأعرابيّ لبعض من حضر:
____________
(1)- كتائب/ خ ل.
(2)- النساء: 59.
(3)- النساء: 83.
(4)- الأنفال: 48.
(5)- المناقب: 3/ 223 و الاحتجاج: 2/ 22 و البحار: 44/ 205 ح 1.
81
قوله: «إنّي لا أخاف» فيما عندنا من نسخ الكافي «إنّي أخاف» و لعلّ ما هنا أظهر قوله (عليه السّلام): «و لم يجعل اللّه» الظاهر أنّ المراد قطع عذره في ترك ذلك أي ليس للشيطان عليك سلطان يجبرك على الإنكار و لا ينافي ذلك، قوله تعالى: «إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ» (1) لأنّ ذلك بجعل أنفسهم لا بجعل اللّه ذلك أو السلطان في الآية محمول على ما [لا] يتحقّق معه الجبر، أو المعنى أنّك من عباد اللّه الصالحين و قد قال تعالى: «إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ» (2) و يحتمل أن يكون جملة دعائية.
قوله: «و عند اللّه» في الكافي و عند اللّه جلّ اسمه في الكتاب وراثة من النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أضافها اللّه عزّ و جلّ [له] في وراثة أبيه و امّه (عليهما السّلام) فعلم اللّه، أي كونه إماما، مثبت عند اللّه في اللّوح أو في القرآن و قد ذكر اللّه وراثته مع وراثة أبيه و امّه كما سبق في وصيّة النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) فيكون «في» بمعنى «إلى» أو «مع» و يحتمل أن تكون «في» سببيّة، كما أنّ الظاهر ممّا في الكتاب أن يكون كذلك.
قوله: «ألا و إنّ في رأسي كلاما» أي في فضائلك و مناقبك «لا تنزفه الدلاء» أي لا تفنيه كثرة البيان من قولك نزفت ماء البئر إذا نزحت كلّه «و لا تغيّره بعد الرياح» كناية عن عذوبته و عدم تكدّره بقلّة ذكره فانّ ما لم تهبّ عليه الرياح تتغيّر و في الكافي: نغمة الرياح و إنّ ذلك أيضا قد يصير سببا للتغيّر أي لا يتكرّر و لا يتكدّر بكثرة الذكر و مرور الأزمان أو كنّى بالرياح عن الشبهات التي تخرج من أفواه المخالفين الطاعنين في الحقّ كما قال تعالى:
«يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ» (3).
قوله: «كالكتاب المعجم من الاعجام» بمعنى الإغلاق يقال: أعجمت الكتاب خلاف أعربته، و باب معجم كمكرم مقفل، كناية عن أنّه من الرموز و الأسرار، أو من التعجيم أو الاعجام بمعنى إزالة العجمة بالنقط و الإعراب أشار به إلى إبانته عن المكتوبات (4) «و الرقّ» و يكسر جلد رقيق يكتب فيه و الصحيفة البيضاء، و يقال: «نمنمه» أي زخرفه و رقّشه و النبت المنمنم الملتفّ المجتمع، و في بعض نسخ الكافي: المنهم من النهمة، بلوغ الهمّة في الشيء، كناية عن كونه ممتلئا أو من قولهم: أنّهم البرد و الشحم، أي
____________
(1)- النحل: 100.
(2)- الحجر: 42.
(3)- الصفّ: 8.
(4)- في البحار: المكنونات.
85
من هذا الذي دخل؟ قالوا: الحسين بن علي، فقال الأعرابيّ للحسين (عليه السّلام): أسألك يا بن [بنت] رسول اللّه لمّا كلّمته في حاجتي، فكلّمه الحسين (عليه السّلام) [في ذلك] فقضى حاجته، فقال الأعرابيّ:
أتيت العبشميّ فلم يجد لي * * * إلى أن هزّه ابن الرسول
هو ابن المصطفى كرما وجودا * * * و من بطن المطهّرة البتول
و إنّ لهاشم فضلا عليكم * * * كما فضل الربيع على المحول
فقال معاوية: يا أعرابيّ اعطيك و تمدحه، فقال الأعرابيّ: [يا معاوية] أعطيتني من حقّه، و قضيت حاجتي بقوله (1).
2- باب ما جرى بينه و بين عمرو بن العاص عليه اللعنة و العذاب
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- المناقب لابن شهرآشوب: محاسن البرقي: قال عمرو بن العاص للحسين (عليه السّلام): ما بال أولادنا أكثر من أولادكم؟ فقال (عليه السّلام):
بغاث الطير أكثرها فراخا * * * و أمّ الصقر مقلات نزور
فقال: ما بال الشيب إلى شواربنا أسرع منه إلى شواربكم؟ فقال (عليه السّلام): إنّ نساءكم نساء بخرة، فإذا دنا أحدكم من امرأته نهكته (2) في وجهه، فشاب منه شاربه، فقال: ما بال لحائكم أوفر من لحائنا؟ فقال (عليه السّلام): «وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ الَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً» (3) فقال معاوية لعنه اللّه: بحقّي عليك إلا سكتّ فإنّه ابن عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام)، فقال (عليه السّلام):
إن عادت العقرب عدنا لها * * * و كانت النّعل لها حاضرة
قد علم العقرب و استيقنت * * * أن لا لها دنيا و لا آخرة (4)
____________
(1)- 3/ 235 و البحار: 44/ 210 ح 6.
(2)- في المصدر: نكهت.
(3)- الأعراف: 58.
(4)- 3/ 223 و البحار: 44/ 209 ح 5.
87
ممّن ينتحل الإسلام أعدى للّه و لرسوله و لأهل بيته منك و من أبيك إذ كان، و علامة قولي فيك أنّك إذا غضبت سقط رداؤك عن منكبك، قال: فو اللّه ما قام مروان من مجلسه حتّى غضب فانتفض و سقط رداؤه عن عاتقه. (1)
2- المناقب: عبد الملك بن عمير و الحاكم و العبّاس قالوا: خطب الحسن (عليه السّلام) عائشة بنت عثمان، فقال مروان: ازوّجها عبد اللّه بن الزبير.
ثمّ إنّ معاوية كتب الى مروان و هو عامله على الحجاز: يأمره أن يخطب أمّ كلثوم بنت عبد اللّه بن جعفر لابنه يزيد، فأتى عبد اللّه بن جعفر فأخبره بذلك، فقال عبد اللّه:
إنّ أمرها ليس إليّ إنّما هو إلى سيّدنا الحسين (عليه السّلام) و هو خالها، فأخبر الحسين (عليه السّلام) بذلك، فقال: أستخير اللّه تعالى، اللّهمّ وفّق لهذه الجارية رضاك من آل محمّد.
فلمّا اجتمع الناس في مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أقبل مروان حتّى جلس إلى الحسين (عليه السّلام) و عنده من الجلّة، و قال: إنّ أمير المؤمنين أمرني بذلك و أن أجعل مهرها حكم أبيها بالغا ما بلغ مع صالح ما بين هذين الحيّين مع قضاء دينه، و اعلم أنّ من يغبطكم بيزيد أكثر ممّن يغبطه بكم و العجب كيف يستمهر يزيد؟ و هو كفو من لا كفو له، و بوجهه يستسقى الغمام فردّ خيرا يا أبا عبد اللّه.
فقال الحسين (عليه السّلام): الحمد للّه الذي اختارنا لنفسه، و ارتضانا لدينه، و اصطفانا على خلقه- إلى آخر كلامه- ثم قال: يا مروان قد قلت فسمعنا قولك، أمّا قولك: مهرها حكم أبيها بالغا ما بلغ فلعمري لو أردنا ذلك ما عدونا سنّة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في بناته و نسائه و أهل بيته و هو اثنتا عشرة أوقية يكون أربعمائة و ثمانين درهما.
و أمّا قولك: مع قضاء دين أبيها فمتى كنّ نساؤنا يقضين عنّا ديوننا، و أمّا صالح ما بين هذين الحيّين فإنّا قوم عاديناكم في اللّه و لم نكن نصالحكم للدنيا، فلعمري فلقد أعيا النسب فكيف السبب.
و أمّا قولك: العجب ليزيد كيف يستمهر؟ فقد استمهر من هو خير من يزيد و من أبي يزيد و من جدّ يزيد، و أمّا قولك: إنّ يزيد كفو من لا كفو له، فمن كان كفوه قبل (هذا)
____________
(1)- المناقب: 3/ 209 و الاحتجاج: 2/ 23 و البحار: 44/ 206 ح 2.
86
توضيح: قال الجوهريّ: قال ابن السكّيت: «البغاث» طائر أبغث إلى الغبرة دوين الرخمة، بطيء الطيران، و قال الفرّاء: «بغاث الطير» شرارها و ما لا يصيد (1) منها و بغاث [و بغاث و بغاث] ثلاث لغات.
قوله: «مقلات» لعلّه من القلى بمعنى البغض أي لا تحبّ الولد و لا تحبّ زوجها لتكثر الولد، أو من قولهم «قلا العير اتنه» يقلوها قلوا إذا طردها و الصواب أنّه من قلت، قال الجوهريّ: المقلات من النوق الّتي تضع واحدا ثمّ لا تحمل بعدها، و المقلات من النساء الّتي لا يعيش لها ولد.
و قال: «النزور» المرأة القليلة الولد، ثمّ استشهد بهذا الشعر.
و يقال: نهكته الحمّى إذا جاهدته و أضنته، و نهكه أي بالغ في عقوبته و الأصوب نكهته، قال الجوهريّ: استنكهت الرجل فنكه في وجهي، ينكه و ينكه نكها إذا أمرته أن ينكه لتعلم أ شارب هو أم غير شارب.
3- باب ما جرى بينه و بين مروان بن الحكم
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- المناقب لابن شهرآشوب و الاحتجاج: عن محمّد بن السائب أنّه قال: قال مروان بن الحكم يوما للحسين بن عليّ (عليهما السّلام): لو لا فخركم بفاطمة بما كنتم تفتخرون علينا؟ فوثب الحسين (عليه السّلام)- و كان (صلوات الله عليه) شديد القبضة- فقبض على حلقه فعصره، و لوى عمامته على عنقه حتى غشي عليه، ثمّ تركه، و أقبل الحسين (عليه السّلام): على جماعة من قريش، فقال: انشدكم باللّه إلّا صدّقتموني إن صدقت، أ تعلمون أنّ في الأرض حبيبين كانا أحبّ إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) منّي و من أخي؟ أو على ظهر الأرض ابن بنت نبيّ غيري و غير أخي؟ قالوا: [اللهمّ] لا، قال: و إنّي لا أعلم [أنّ] في الأرض ملعون ابن ملعون غير هذا و أبيه (2) طريد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)
و اللّه ما بين جابرس و جابلق أحدهما بباب المشرق و الآخر بباب المغرب رجلان
____________
(1)- في الأصل: و ما لا يصاد.
(2)- في الأصل: غير هذا و ابنه أو أو أبيه.
89
تقطعهم عنه. فقال: أردت و اللّه أن تستريح منه و تبتليني به فإن صبرت عليه صبرت على ما أكره و إن أسأت إليه قطعت رحمه، فأقامه و بعث إلى سعيد بن العاص فقال له: يا أبا عثمان أشر عليّ في الحسين (عليه السّلام)، فقال: إنّك و اللّه ما تخاف الحسين (عليه السّلام) إلّا على من بعدك و إنّك لتخلف له قرنا إن صارعه ليصرعنّه و إن سابقه ليسبقنّه فذر الحسين (عليه السّلام) بمنبت النخلة يشرب الماء و يصعد في الهواء و لا يبلغ إلى السماء. (1)
توضيح: قوله: «يشرب الماء» الظاهر أنّه صفة النخلة أي كما أنّ النخلة في تلك البلاد تشرب الماء و تصعد في الهواء و كلّما صعدت لا تبلغ إلى السماء فكذلك هو كلّما تمنّى و طلب الرفعة لا يصل إلى شيء و يحتمل أن يكون الضمائر راجعة إليه (صلوات الله عليه).
4- تفسير فرات: علي بن حمدون معنعنا، عن أبي الجارية و الأصبغ بن نباتة الحنظليّ، قالا: لمّا كان مروان على المدينة خطب الناس فوقع في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) قال: فلمّا نزل عن (2) المنبر أتى الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السّلام) فقيل له: إنّ مروان قد وقع في عليّ، قال: فما كان في المسجد الحسن (عليه السّلام)؟ قالوا: بلى، قال: فما قال له شيئا؟ قالوا: لا، قال: فقام الحسين (عليه السّلام) مغضبا حتّى دخل على مروان، فقال له:
يا بن الزرقاء و يا بن آكلة القمّل أنت الواقع في عليّ، قال له مروان: أنت صبيّ لا عقل لك، قال: فقال له الحسين (عليه السّلام): أ لا اخبرك بما فيك و في أصحابك و في عليّ فإنّ اللّه يقول: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا» (3) فذلك لعليّ و شيعته «فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ» (4) فبشّر بذلك النبيّ العربيّ لعليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) (5).
5- الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن البرقيّ، عن عبد الرحمن بن محمّد العرزمي (6) قال: استعمل معاوية مروان بن الحكم على المدينة و أمره أن يفرض لشباب قريش ففرض لهم، فقال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): فأتيته فقال: ما اسمك؟ فقلت:
____________
(1)- 3/ 235 و البحار: 44/ 210.
(2)- في المصدر: من.
(3)- مريم: 96- 97.
(4)- مريم: 96- 97.
(5)- ص 90 و البحار: 44/ 210 ح 7.
(6)- في الأصل: الفزاري.
88
اليوم فهو كفوه اليوم ما زادته إمارته في الكفاءة شيئا.
و أمّا قولك: بوجهه يستسقى الغمام، فإنّما كان ذلك بوجه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، و أمّا قولك: من يغبطنا به أكثر ممّن يغبطه بنا، فإنّما يغبطنا به أهل الجهل و يغبطه بنا أهل العقل.
ثم قال بعد كلام: فاشهدوا جميعا أنّي قد زوّجت أمّ كلثوم بنت عبد اللّه بن جعفر من ابن عمّها القاسم بن محمّد بن جعفر على أربعمائة و ثمانين درهما و قد نحلتها ضيعتي بالمدينة، أو قال: أرضي بالعقيق، و إنّ غلّتها في السنة ثمانية آلاف دينار ففيها لهما غنى إن شاء اللّه.
قال: فتغيّر وجه مروان و قال: غدرا يا بني هاشم؟ تأبون إلّا العداوة، فذكّره الحسين (عليه السّلام) خطبة الحسن (عليه السّلام) عائشة و فعله، ثمّ قال: فأين موضع الغدر يا مروان؟
فقال مروان:
أردنا صهركم لنجدّ (1)ودّا * * * قد أخلقه به حدث الزمان
فلمّا جئتكم فجبهتموني * * * و بحتم بالضمير من الشنان
فأجابه ذكوان مولى بني هاشم:
أماط اللّه منهم كل رجس * * * و طهّرهم بذلك في المثاني
فما لهم سواهم من نظير * * * و لا كفؤ هناك و لا مداني
أ تجعل كلّ جبّار عنيد * * * إلى الأخيار من أهل الجنان
ثمّ إنّه كان الحسين (عليه السّلام) تزوّج بعائشة بنت عثمان (2).
توضيح: قال الجوهريّ: مشيخة جلّة أي مسانّ. و قال: باح بسرّه، أظهره و الشنان بفتح النون و سكونها العداوة.
3- المناقب: العقد عن الأندلسي (3): دعا معاوية مروان بن الحكم، فقال له:
أشر عليّ في الحسين (عليه السّلام)، فقال: أرى أن تخرجه معك إلى الشام و تقطعه عن أهل العراق و
____________
(1)- في الأصل: لنجدّد.
(2)- 3/ 199 و البحار: 44/ 207 ح 4.
(3)- هكذا ورد لأنّ ابن شهرآشوب ينقل عن العقد بالواسطة. راجع مقدّمة المناقب.
91
نفسك فاذكر و بعهد اللّه أوف! فإنّك متى «ما تنكرني انكرك (1)» و متى، تكدني أكدك فاتّق شقّ عصا هذه الامّة و أن يردّهم اللّه على يديك في فتنة، فقد عرفت الناس و بلوتهم، فانظر لنفسك، و لدينك و لامّة محمّد (صلى اللّه عليه و آله) و لا يستخفّنك السفهاء و الّذين لا يعلمون.
فلمّا وصل الكتاب إلى الحسين (عليه السّلام) كتب إليه: أمّا بعد فقد بلغني كتابك، تذكر أنّه قد بلغك عنّي امور أنت لي عنها راغب، و أنا بغيرها عندك جدير، فإنّ الحسنات لا يهدي [لها] و لا يسدّد إليها إلّا اللّه.
و أمّا ما ذكرت أنّه انتهى إليك عنّي فإنّه إنّما رقّاه إليك الملّاقون المشّاءون بالنميم و ما اريد لك حربا و لا عليك خلافا، و أيم اللّه إنّي لخائف للّه في ترك ذلك و ما أظنّ اللّه راضيا بترك ذلك، و لا عاذرا بدون الاعذار فيه إليك، و إلى اولئك (2) القاسطين الملحدين حزب الظلمة و أولياء الشياطين.
أ لست القاتل حجرا أخا كندة و المصلّين العابدين الّذين كانوا ينكرون الظلم و يستعظمون البدع و لا يخافون في اللّه لومة لائم؟ ثمّ قتلتهم ظلما و عدوانا من بعد ما كنت أعطيتهم الأيمان المغلّظة و المواثيق المؤكّدة، و لا تأخذهم بحدث (3) كان بينك و بينهم، و لا بإحنة تجدها في نفسك.
أ و لست قاتل عمرو بن الحمق (الخزاعي) صاحب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) العبد الصالح الّذي أبلته العبادة، فنحل جسمة، و صفّرت لونه بعد ما آمنته و أعطيته من عهود اللّه و مواثيقه ما لو اعطيته طائرا لنزل إليك من رأس الجبل، ثم قتلته جرأة على ربّك و استخفافا بذلك العهد.
أ و لست المدّعي زياد بن سميّة المولود على فراش عبيد ثقيف فزعمت أنّه ابن أبيك، و قد قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «الولد للفراش و للعاهر الحجر» فتركت سنّة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) تعمّدا و تبعت هواك بغير هدى من اللّه، ثمّ سلّطته على العراقين: يقطع أيدي المسلمين و
____________
(1)- في الأصل: ما انكرك تنكرني، و في المصدر: تنكرني أنكرك.
(2)- في المصدر و البحار: و في أوليائك.
(3)- في الأصل: بحديث.
90
عليّ بن الحسين (عليهما السّلام)، فقال: ما اسم أخيك؟ فقلت: عليّ، فقال: عليّ و عليّ ما يريد أبوك أن يدع أحدا من ولده إلّا سمّاه عليّا؟! ثمّ فرض إليّ فرجعت الى أبي فأخبرته، فقال: ويلي على ابن الزرقاء دبّاغة الأدم، لو ولد لي مائة لأحببت ألّا أسمّي أحدا منهم إلّا عليّا. (1)
توضيح: «ويلي على ابن الزرقاء» أي ويل و عذاب و شدّة منّي عليه. قال الجوهريّ: ويل كلمة مثل ويح إلّا أنّها كلمة عذاب، يقال: ويله و ويلك و ويلي و في الندبة ويلاه، قال الأعشى: ويلي عليك و ويلي منك يا رجل.
م:
6- رجال الكشّي: روي أنّ مروان بن الحكم كتب إلى معاوية و هو عامله على المدينة:
أمّا بعد، فإنّ عمرو بن عثمان ذكر أنّ رجالا من أهل العراق و وجوه أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين بن عليّ (عليهما السّلام)، و ذكر أنّه لا يأمن و ثوبه، و قد بحثت عن ذلك فبلغني أنّه لا يريد الخلافة (2) يومه هذا، و لست آمن من أن يكون هذا أيضا (3) لما بعده فاكتب إليّ برأيك في هذا و السلام.
فكتب إليه معاوية: أمّا بعد، فقد بلغني و فهمت ما ذكرت فيه من أمر الحسين (عليه السّلام) فإيّاك أن تعرّض للحسين (عليه السّلام) في شيء و اترك حسينا ما تركك، فإنّا لا نريد أن نعرض له في شيء ما وفى ببيعتنا، و لم ينازعنا سلطاننا، فاكمن عنه ما لم يبد لك صفحته و السلام.
و كتب معاوية إلى الحسين بن عليّ (عليهما السّلام): أمّا بعد، فقد انتهت إليّ امور عنك إن كانت (4) حقّا فقد أظنّك تركتها رغبة فدعها، و لعمر اللّه إنّ من أعطى اللّه عهده و ميثاقه لجدير بالوفاء، و إن كان الّذي بلغني (عنك) باطلا فإنّك أنت أعزل الناس لذلك، وعظ
____________
(1)- 6/ 19 ح 7 و البحار: 44/ 211 ح 8.
(2)- في المصدر و البحار: الخلاف.
(3)- في الأصل: لمن.
(4)- في الأصل: كان.
93
الحليم لأجلهم و السلام.
فلمّا قرأ معاوية الكتاب، قال: لقد كان في نفسه ضبّ ما أشعر به، فقال يزيد: يا أمير المؤمنين أجبه جوابا يصغر إليه نفسه و تذكر فيه أباه بشرّ فعله، قال: و دخل عبد اللّه بن عمرو بن العاص، فقال له معاوية: أ رأيت (1) ما كتب به الحسين (عليه السّلام)؟ قال: و ما هو؟ [قال:] فأقرأه الكتاب، فقال: و ما يمنعك أن تجيبه بما يصغر إليه نفسه، و إنّما قال ذلك في هوى معاوية، فقال يزيد: كيف رأيت يا أمير المؤمنين رأيي، فضحك معاوية، فقال: أمّا يزيد فقد أشار عليّ بمثل رأيك.
قال عبد اللّه: فقد أصاب يزيد، فقال معاوية: أخطأتما أ رأيتما لو أنّي ذهبت لعيب عليّ محقّا ما عسيت أن أقول فيه، و مثلي لا يحسن أن يعيب بالباطل و ما لا يعرف، و متى ما عبت رجلا بما لا يعرفه الناس لم يحفل (2) بصاحبه، و لا يراه الناس شيئا و كذّبوه، و ما عسيت أن أعيب حسينا، و و اللّه ما أرى للعيب فيه موضعا و قد رأيت أن أكتب إليه أتوعّده و أتهدّده ثمّ رأيت أن لا أفعل و لا أمحكه (3).
7- الاحتجاج: أمّا بعد فقد بلغني كتابك أنّه قد بلغك عنّي امور أنّ بي عنها غنى، و زعمت أنّي راغب فيها، و أنا بغيرها عنك جدير، و ساق الحديث نحوا ممّا مرّ إلى قوله: و ما أرى فيه للعيب موضعا إلّا أنّي قد أردت أن أكتب إليه و أتوعّده و أتهدّده (4) و اسفّهه و اجهّله، ثمّ رأيت أن لا أفعل.
قال: فما كتب إليه بشيء يسوؤه، و لا قطع عنه شيئا كان يصله إليه (5)، كان يبعث إليه في كلّ سنة ألف ألف درهم سوى عروض و هدايا من كلّ ضرب (6).
توضيح: قوله «فقد أظنّك تركتها» أي الظنّ بك أن تتركها رغبة في ثواب اللّه أو في
____________
(1)- في المصدر و البحار: أ ما رأيت.
(2)- في الأصل: لم يحفل به.
(3)- ص 47 ح 97 و البحار: 44/ 212 ح 9، و في الأصل و المصدر: و لا امحّله.
(4)- في المصدر: و اهدّده.
(5)- في المصدر و البحار: به.
(6)- 2/ 20 و البحار: 44/ 215 ح 10.
92
أرجلهم و يسمل أعينهم و يصلّبهم على جذوع النخل، كأنّك لست من هذه الامّة، و ليسوا منك.
أو لست صاحب الحضرميّين الذين كتب فيهم ابن سميّة إنّهم كانوا على دين عليّ (عليه السّلام)؟ فكتبت إليه أن اقتل كلّ من كان على دين عليّ! فقتلهم و مثّل بهم بأمرك، و دين عليّ- و اللّه- الذي كان يضرب عليه أباك و يضربك، و به جلست مجلسك الذي جلست، و لو لا ذلك لكان شرفك و شرف أبيك الرحلتين (1).
و قلت فيما قلت: «انظر لنفسك و لدينك و لامّة محمّد (صلى اللّه عليه و آله)، و اتّق شقّ عصا هذه الامّة و أن تردّهم إلى فتنة» و إنّي لا أعلم فتنة أعظم على هذه الامّة من ولايتك عليها، و لا أعلم نظرا لنفسي و لديني و لامّة محمّد (صلى اللّه عليه و آله) و علينا أفضل من [أن] اجاهدك، فإن فعلت فإنّه قربة إلى اللّه، و إن تركته فإني أستغفر اللّه لذنبي (2) و أسأله توفيقه لإرشاد أمري.
و قلت فيما قلت: «إنّي إن أنكرتك تنكرني و إن أكدك تكدني»، فكدني ما بدا لك فإنّي أرجو أن لا يضرّني كيدك فيّ و أن لا يكون على أحد أضرّ منه على نفسك، لأنّك قد ركبت جهلك (3)، و تحرّصت على نقض عهدك، و لعمري ما وفيت بشرط، و لقد نقضت عهدك بقتلك هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصالح و الأيمان و العهود و المواثيق، فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوا و قتلوا، و لم تفعل ذلك بهم إلّا لذكرهم فضلنا و تسليمهم (4) حقّنا، فقتلتهم مخافة أمر لعلّك لو لم تقتلهم متّ قبل أن يفعلوا أو ماتوا قبل أن يدركوا.
فابشر يا معاوية بالقصاص و استيقن بالحساب، و اعلم أنّ للّه تعالى كتابا لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلّا أحصاها، و ليس اللّه بناس لأخذك بالظنّة، و قتلك أولياءه على التّهم و نقلك (5) أولياءه من دورهم إلى دار الغربة، و أخذك الناس (6) ببيعة ابنك غلام حدث يشرب الخمر و يلعب بالكلاب، لا اعلمك إلّا و قد خسرت نفسك و تبرّت (7) دينك و غششت رعيّتك و أخربت (8) أمانتك و سمعت مقالة السفيه الجاهل و أخفت الورع التقي
____________
(1)- إشارة إلى قوله تعالى: «رحلة الشتاء و الصيف».
(2)- في المصدر: لديني.
(3)- في المصدر: على أنك قد ركبت بجهلك.
(4)- في المصدر و البحار: و تعظيمهم.
(5)- في المصدر و البحار: و نفيك.
(6)- في المصدر: و أخذ للناس.
(7)- في البحار: و بترت، و تبرّت بمعنى: أهلكت.
(8)- في البحار: و أخزيت.
95
9- أبواب الآيات المؤوّلة بشهادته (صلوات الله عليه)
1- باب تأويل قوله «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ» الآية
الأخبار: الأئمة: الباقر (عليهم السّلام)
1- تفسير العيّاشي: عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السّلام)، قال: و اللّه الذي صنعه الحسن بن علي (عليهما السّلام) كان خيرا لهذه الامّة ممّا طلعت عليه الشمس، و اللّه لفيه نزلت هذه الآية «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ» (1) إنمّا هي طاعة الإمام فطلبوا القتال، «فلمّا كتب عليهم» مع الحسين (عليه السّلام) «قالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ» (2) و قوله «رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَ نَتَّبِعِ الرُّسُلَ» (3) أرادوا تأخير ذلك الى القائم (عليه السّلام) (4).
2- و منه: الحلبي، عنه (عليه السّلام) «كفّوا أيديكم» قال: يعني ألسنتكم (5)
الصادق (عليه السّلام)
3- كتاب النوادر لعليّ بن أسباط: عن ثعلبة بن ميمون، عن الحسن بن زياد العطّار، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن قول اللّه عز و جل «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
____________
(1)- النساء: 77.
(2)- النساء: 77.
(3)- إبراهيم: 44.
(4)- 1/ 258 ح 196 و البحار: 44/ 217 ح 2.
(5)- 1/ 258 ح 197 و البحار: 44/ 217 ح 3.
94
بقاء المودّة، أو أظنّك تركتها لرغبتي عن فعلك ذلك و عدم رضاي بذلك شفقة عليك و يمكن أن يكون تركبها بالباء الموحّدة أي أظنّك ركبت هذه الامور للرغبة في الدنيا و ملكها و رئاستها و يؤيّد الأخير ما في نسخة الاحتجاج في جواب ذلك و يؤيّد الوسط ما في رواية الكشي «أنت لي عنها راغب» و شقّ العصا كناية عن تفريق الجمع.
قوله (عليه السّلام): «و ما أظنّ اللّه راضيا بترك ذلك» أي بعد حصول شرائطه و «الإحنة» بالكسر الحقد و العداوة، قوله «الرحلتين» أي رحلة الشتاء و الصيف و في الاحتجاج: «و لو لا ذلك لكان أفضل شرفك و شرف أبيك تجشّم الرحلتين اللّتين بنا منّ اللّه عليكم فوضعهما عنكم» و فيه بعد قوله «و إن أكدك تكدني» و هل رأيك إلّا كيد الصالحين منذ خلقت فكدني ما بدا لك إن شئت فإنّي أرجو أن لا يضرّني كيدك، و أن لا يكون على أحد أضرّ منه على نفسك، على أنّك تكيد فتوقظ عدوّك، و توبق نفسك كفعلك بهؤلاء الذين قتلتهم و مثّلت بهم بعد الصالح و العهد و الميثاق. و فيه «غلام من الغلمان يشرب الشراب و يلعب بالكعاب» قوله لعنه اللّه: «لقد كان في نفسه ضبّ» (1) في أكثر النسخ بالصاد المهملة و لعلّه بالضمّ.
قال الجزريّ (2): «و فيه لتعودنّ فيها أساود صبّا»: الأساود الحيّات و الصبّ جمع صبوب على أنّ أصله صبب كرسول و رسل، ثمّ خفّف كرسل فادغم و هو غريب من حيث الادغام، قال النضر: انّ الأسود إذا أراد أن ينهش ارتفع ثمّ انصبّ على الملدوغ انتهى.
أقول: الأظهر أنّه بالضاد المعجمة، قال الجوهريّ: الضبّ الحقد تقول: اضبّ فلان على غلّ في قلبه أي أضمره انتهى، و يقال: لم يحفل بكذا: أي لم يبال به و في الاحتجاج: لم يحفل به صاحبه و لعلّه أظهر، قوله: «و لا أمحكه» من المحك اللجاج و المماحكة الملاجّة، و في بعض النسخ باللّام و لعلّه من المحل بمعنى الكيد و الأوّل أظهر.
____________
(1)- في البحار: صبّ.
(2)- في الأصل: قال الفيروزآبادي، و هو اشتباه.
96
قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ» قال: نزلت في الحسن بن عليّ (عليهما السّلام) أمره اللّه بالكفّ، قال: قلت: «فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ» قال: نزلت في الحسين بن علي (عليهما السّلام) كتب اللّه عليه و على أهل الأرض أن يقاتلوا معه.
قال علي بن أسباط: و رواه بعض أصحابنا، عن أبي جعفر (عليه السّلام) و قال: لو قاتل معه أهل الأرض كلّهم لقتلوا كلّهم (1).
4- تفسير العيّاشي: عن إدريس مولى لعبد اللّه بن جعفر، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في تفسير هذه الآية «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ» مع الحسن (عليه السّلام) «وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ ... فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ» مع الحسين «وَ قالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ» إلى خروج القائم (عليه السّلام) فإنّ معه النصر و الظفر، قال اللّه: «قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى» الآية (2).
2- باب في أنّ قوله تعالى «وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً» مؤوّل فيه و أنّه يطلب اللّه بثأره.
الأخبار: الأئمّة: الباقر (عليهم السّلام)
1- تفسير العيّاشي: عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السّلام)، قال: نزلت هذه الآية في الحسين (عليه السّلام) «وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ- قاتل الحسين (عليه السّلام)- إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً» (3) قال: الحسين (عليه السّلام) (4).
2- تفسير العيّاشي: عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر (عليه السّلام) في قوله: «وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً»
____________
(1)- ص 122 و البحار: 44/ 220 ح 14.
(2)- 1/ 257 ح 195 و البحار: 44/ 217 ح 1 و الآية من سورة النساء: 77.
(3)- الإسراء: 33.
(4)- 2/ 290 ح 65 و البحار: 44/ 218 ح 6.
98
خاصّة؟ فقال: أ لا تسمع إلى قوله «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ» الآية، إنمّا عنى (1) الحسين بن عليّ (صلوات الله عليه) فهو ذو النفس المطمئنّة الراضية المرضيّة، و أصحابه من آل محمد (صلى اللّه عليه و آله) هم الراضون عن اللّه يوم القيامة و هو راض عنهم. و هذه السورة (2) في الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) و شيعته و شيعة آل محمّد خاصّة، من أدمن قراءة الفجر كان مع الحسين بن علي (عليهما السّلام) في درجته في الجنّة، إنّ اللّه عزيز حكيم. (3)
2- تفسير علي بن إبراهيم: جعفر بن أحمد، عن عبد اللّه بن موسى (4)، عن ابن البطائني، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في قوله «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَ ادْخُلِي جَنَّتِي» (5) يعني الحسين بن علي (عليهما السّلام) (6).
4- باب سائر الآيات المؤوّلة بشهادته (عليه السّلام)
الأخبار: الأئمّة: الصادق (عليهم السّلام)
1- الكافي: علي بن محمد رفعه، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في قول اللّه عز و جل «فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ» (7) قال: حسب فرأى ما يحلّ بالحسين (عليه السّلام)، فقال: إنّي سقيم لما يحلّ بالحسين (عليه السّلام). (8)
2- كامل الزيارات: أبي، عن سعد، عن ابن يزيد و ابن هاشم، عن ابن أبي عمير، عن بعض رجاله، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في قول اللّه عزّ و جلّ: «وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ
____________
(1)- في المصدر و البحار: يعني.
(2)- في المصدر: و هذه السورة سورة نزلت.
(3)- تأويل الآيات: مخطوط ص 258 ح 5 و البحار: 44/ 93 ح 6 و ج: 44/ 218 ح 8.
(4)- عبيد الله بن موسى/ خ.
(5)- الفجر: 27- 30.
(6)- ص 725 و البحار: 24/ 350 ح 62 و ج: 44/ 219 ح 11.
(7)- الصافّات: 88 و 89.
(8)- 1/ 465 ح 5 و البحار: 44/ 220 ح 12.
97
قال: هو الحسين بن علي (عليهما السّلام) قتل مظلوما و نحن أولياؤه، و القائم منّا إذا قام طلب بثأر الحسين (عليه السّلام) فيقتل حتى يقال قد أسرف في القتل، و قال: المقتول الحسين (عليه السّلام) و وليّه القائم، و الإسراف في القتل أن يقتل غير قاتله، إنّه كان منصورا، فإنّه لا يذهب من الدنيا حتى ينتصر برجل من آل رسول اللّه عليه الصلاة و (عليهم السّلام) يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما (1).
الصادق (عليه السّلام)
3- الكافي: عليّ بن محمد، عن صالح بن أبي حمّاد، عن الحجّال، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: سألته عن قول اللّه عز و جل «وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ» قال: نزلت في الحسين (عليه السّلام)، لو قتل أهل الأرض به ما كان مسرفا (2).
توضيح: فيه إيماء الى أنّه كان في قراءتهم (عليهم السّلام) فلا يسرف بالضم و يحتمل أن يكون المعنى أنّ السرف ليس من جهة الكثرة فلو شرك جميع أهل الأرض في دمه أو رضوا به لم يكن قتلهم سرفا و إنمّا السرف من يقتل من لم يكن كذلك و إنمّا نهي عن ذلك.
3- باب سورة الفجر و قوله تعالى «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ» (3)
الأخبار: الأئمّة: الصادق (عليهم السّلام)
1- كنز الفوائد: روى محمد بن العبّاس بإسناده عن الحسن بن محبوب بإسناده عن صندل (4)، عن دارم (5) بن فرقد قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): اقرءوا سورة الفجر في فرائضكم و نوافلكم فإنّها سورة الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) و ارغبوا فيها رحمكم اللّه تعالى، فقال [له] أبو اسامة- و كان حاضر المجالس: و كيف صارت هذه السورة للحسين (عليه السّلام)
____________
(1)- 2/ 290 ح 67 و البحار: 44/ 218 ح 7، اعتمدنا في نقل ح 1- 2 على ما في المصدر و البحار.
(2)- 8/ 255 ح 364 و البحار: 44/ 219 ح 10، و في المصدر و البحار: سرفا.
(3)- الفجر: 27.
(4)- في المصدر: مندل.
(5)- في المصدر: داود.
99
بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ» (1)، قال: نزلت في الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) (2).
3- تفسير العياشي: عن المعلّى بن خنيس، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال:
سمعته يقول: [من] قتل النّفس التي حرّم اللّه، فقد قتل (3) الحسين (عليه السّلام) في أهل بيته (4).
أقول: سيأتي الأخبار المناسبة لهذه الأبواب في باب علّة تأخير العذاب عن قتلته (عليه السّلام).
____________
(1)- التكوير: 8 و 9.
(2)- ص 63 ح 3 و البحار: 44/ 220 ح 13.
(3)- في الأصل و البحار: قتلوا.
(4)- 2/ 290 ح 64 و البحار: 44/ 218 ح 5.
101
10- أبواب إخبار اللّه تعالى أنبياءه و نبيّنا (صلوات الله عليهم) بشهادته (عليه السّلام)
1- باب جوامع ما أخبر به الأنبياء عليهم الصلاة و السلام من شهادته و لعنهم لقتله عليهم اللعنة
الأخبار: م:
1- في بعض مؤلّفات أصحابنا: روي مرسلا أنّ آدم (عليه السّلام) لمّا هبط إلى الأرض لم ير حواء فصار يطوف الأرض في طلبها فمرّ بكربلاء فاغتم و ضاق صدره من غير سبب، و عثر في الموضع الّذي قتل فيه الحسين (عليه السّلام)، حتى سال الدم من رجليه (1)، فرفع رأسه الى السماء و قال: إلهي هل حدث منّي ذنب آخر فعاقبتني به؟ فإنّي طفت جميع الأرض، و ما أصابني سوء مثل ما أصابني في هذه الأرض.
فأوحى اللّه تعالى إليه يا آدم ما حدث منك ذنب، و لكن يقتل في هذه الأرض ولدك الحسين (عليه السّلام) ظلما، فسال دمك موافقة لدمه، فقال آدم: يا ربّ أ يكون الحسين (عليه السّلام) نبيّا؟ قال: لا. و لكنّه سبط النبيّ محمد (صلى اللّه عليه و آله)، فقال: و من القاتل له؟ قال: قاتله يزيد لعين أهل السماوات و الأرض، فقال آدم: فأيّ شيء أصنع يا جبرئيل؟ فقال: العنه يا آدم، فلعنه أربع مرّات و مشى خطوات إلى جبل عرفات فوجد حوّاء هناك (2).
____________
(1)- في البحار: رجله.
(2)- البحار: 44/ 242 ح 37.
102
2- و روي أنّ نوحا لمّا ركب في السفينة طافت به جميع الدنيا، فلمّا مرّت بكربلاء أخذته الأرض و خاف نوح الغرق، فدعا ربّه، و قال: إلهي طفت جميع الدنيا و ما أصابني فزع مثل ما أصابني في هذه الأرض، فنزل جبرئيل (عليه السّلام)، و قال: يا نوح في هذا الموضع يقتل الحسين (عليه السّلام) سبط محمد خاتم الأنبياء، و ابن خاتم الأوصياء (1)، فقال: و من القاتل له يا جبرئيل؟ قال: قاتله لعين أهل سبع سماوات و سبع أرضين، فلعنه نوح أربع مرّات، فسارت السفينة حتى بلغت الجوديّ (2) و استقرّت عليه (3).
3- و روي أن إبراهيم (عليه السّلام) مرّ في أرض كربلا و هو راكب فرسا فعثر به و سقط إبراهيم و شجّ رأسه و سال دمه، فأخذ في الاستغفار، و قال: إلهي أيّ شيء حدث منّي؟ فنزل إليه جبرئيل (عليه السّلام) و قال: يا إبراهيم ما حدث منك ذنب، و لكن يقتل هنا سبط خاتم الأنبياء، و ابن خاتم الأوصياء، فسال دمك موافقة لدمه.
قال: يا جبرئيل و من يكون قاتله؟ قال: لعين أهل السماوات و الأرضين و القلم جرى على اللّوح بلعنه بغير إذن ربّه، فأوحى اللّه إلى القلم إنّك استحققت الثناء بهذا اللّعن.
فرفع إبراهيم (عليه السّلام) يديه و لعن يزيد لعنا كثيرا و أمّن فرسه بلسان فصيح، فقال إبراهيم لفرسه: أيّ شيء عرفت حتّى تؤمّن على دعائي؟ فقال: يا إبراهيم أنا أفتخر بركوبك عليّ، فلمّا عثرت و سقطت عن ظهري عظمت خجلتي و كان سبب ذلك من يزيد لعنه اللّه تعالى. (4)
4- و روي أنّ اسماعيل (عليه السّلام) كانت أغنامه ترعى (5) بشطّ الفرات، فأخبره الراعي أنّها لا تشرب الماء من هذه المشرعة منذ كذا يوما، فسأل ربّه عن سبب ذلك، فنزل جبرئيل (عليه السّلام) و قال: [يا اسماعيل] سل غنمك فإنّها تجيب (6) عن سبب ذلك، فقال لها: لم لا تشربين من هذا الماء؟، فقالت بلسان فصيح: قد بلغنا أنّ ولدك الحسين (عليه السّلام) سبط
____________
(1)- الأولياء/ خ.
(2)- قال الطريحي في مجمع البحرين «ج 3 ص 28»: قوله تعالى: «و استوت على الجوديّ» بتشديد الياء، و قرىء بإرسالها تخفيفا، اسم للجبل الذي وضعت عليه سفينة نوح، قيل: هو بناحية الشام أو آمد، و قيل: بالجزيرة ما بين دجلة و الفرات. و في الحديث «هو فرات الكوفة» و هو الأصح.
(3)- البحار: 44/ 243 ح 38.
(5)- كان أغنامه يرعى/ خ.
(4)- البحار: 44/ 243 ح 39.
(6)- في البحار: تجيبك.
104
لكم الطريق حتّى تلعنوا يزيد قاتل الحسين، فقال عيسى (عليه السّلام): و من يكون الحسين (عليه السّلام)؟ قال: هو سبط محمد النبيّ الامّي و ابن عليّ الوليّ، قال: و من قاتله؟ قال: قاتله لعين الوحوش و الذئاب و السّباع أجمع خصوصا أيّام عاشورا، فرفع عيسى (عليه السّلام) يديه و لعن يزيد و دعا عليه و أمّن الحواريّون على دعائه فتنحّى الأسد [عن طريقهم] و مضوا لشأنهم (1).
2- باب ما ورد في إخبار اللّه تعالى خصوص آدم على نبيّنا و آله و (عليه السّلام) بشهادته
الأخبار: الكتاب
1- في بعض مؤلّفات أصحابنا: روى صاحب الدّر الثمين في تفسير قوله تعالى:
«فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ» (2) أنّه رأى ساق العرش و أسماء النبيّ و الأئمّة (عليهم السّلام)، فلقّنه جبرئيل (عليه السّلام) قال: يا حميد بحقّ محمّد، يا عالي بحق عليّ، يا فاطر بحقّ فاطمة، يا محسن بحقّ الحسن و الحسين و منك الإحسان.
فلمّا ذكر الحسين (عليه السّلام) سالت دموعه و انخشع قلبه، و قال: يا أخي جبرئيل في ذكر الخامس ينكسر قلبي و تسيل عبرتي؟، قال جبرئيل: ولدك هذا يصاب بمصيبة تصغر عنده المصائب، فقال: يا أخي و ما هي؟ قال: يقتل عطشانا غريبا وحيدا فريدا ليس له ناصر و لا معين، و لو تراه يا آدم و هو يقول وا عطشاه وا قلّة ناصراه، حتى يحول العطش بينه و بين السماء كالدخان، فلم يجبه أحدا إلّا بالسيوف و شرب الحتوف (3)، فيذبح ذبح الشاة من قفاه، و ينهب رحله أعداؤه و تشهر رءوسهم هو و انصاره في البلدان، و معهم النسوان، كذلك سبق في علم الواحد المنّان، فبكى آدم و جبرئيل (عليهما السّلام) بكاء الثكلى (4).
____________
(1)- البحار: 44/ 244 ح 43.
(2)- البقرة: 37.
(3)- في الأصل: الهتوف، و الظاهر أنه تصحيف.
(4)- البحار: 44/ 245 ح 44.
105
3- باب إخبار اللّه تعالى نوحا بشهادته (عليه السّلام).
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- الخرائج و الجرائح: من تاريخ محمّد النجار شيخ المحدّثين بالمدرسة المستنصريّة بإسناد مرفوع إلى أنس بن مالك عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أنّه قال: لمّا أراد اللّه أن يهلك قوم نوح أوحى (اللّه) إليه أن شقّ ألواح الساج، فلمّا شقّها لم يدر ما يصنع بها.
فهبط جبرئيل، فأراه هيئة السفينة و معه تابوت بها مائة ألف مسمار و تسعة و عشرون ألف مسمار فسمّر بالمسامير كلّها السفينة إلى أن بقيت خمسة مسامير فضرب بيده إلى مسمار فأشرق بيده، و أضاء كما يضيء الكوكب الدريّ في افق السّماء، فتحيّر نوح، فأنطق اللّه المسمار بلسان طلق ذلق، (فقال:) أنا على اسم خير الأنبياء محمد بن عبد اللّه (صلى اللّه عليه و آله).
فهبط جبرئيل، فقال له: يا جبرئيل ما هذا المسمار الّذي ما رأيت مثله؟ فقال: هذا باسم سيّد الأنبياء محمّد بن عبد اللّه اسمره على أوّلها على جانب السفينة الأيمن، ثمّ ضرب بيده إلى (1) مسمار ثان فأشرق و أنار، فقال [نوح]: و ما هذا المسمار؟ فقال: هذا مسمار أخيه و ابن عمّه سيّد الأوصياء عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) فأسمره على جانب السفينة الأيسر في أوّلها، ثم ضرب بيده إلى (2) مسمار ثالث فزهر و أشرق و أنار، فقال جبرئيل: هذا مسمار فاطمة، فأسمره إلى جانب [مسمار] أبيها، ثم ضرب بيده إلى مسمار رابع فزهر و أنار، فقال جبرئيل: هذا مسمار الحسن فأسمره إلى جانب مسمار أبيه، ثم ضرب بيده إلى مسمار خامس فزهر و أنار و أظهر النّداوة، فقال جبرئيل (عليه السّلام): هذا مسمار الحسين (عليه السّلام)، فأسمره الى جانب [مسمار] أبيه، فقال نوح (عليه السّلام): يا جبرئيل ما هذه النداوة؟
فقال: هذا الدّم، فذكر قصّة الحسين (عليه السّلام) و ما تعمل الامّة به، فلعن اللّه قاتله و ظالمه و خاذله (3).
____________
(1)- في الأصل: على.
(2)- في الأصل: على.
(3)- البحار: 11/ 328 ح 49 و ج: 44/ 230 ح 12 و لم نجده في الخرائج.
106
4- باب إخبار اللّه تعالى إبراهيم (عليه السّلام) بشهادته
الأخبار: الأئمّة: الرضا (عليهم السّلام)
1- الخصال: ابن عبدوس، عن ابن قتيبة، عن الفضل، قال: سمعت الرضا (عليه السّلام)، يقول: لمّا أمر اللّه عزّ و جلّ إبراهيم (عليه السّلام) أن يذبح مكان ابنه إسماعيل (عليه السّلام) الكبش الذي أنزله عليه تمنّى إبراهيم (عليه السّلام) أن يكون قد ذبح ابنه إسماعيل (عليه السّلام) بيده و أنّه لم يؤمر بذبح الكبش مكانه، ليرجع إلى قلبه ما يرجع إلى قلب الوالد الذي يذبح أعزّ ولده عليه بيده فيستحق بذلك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب.
فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليه: يا إبراهيم من أحبّ خلقي إليك؟ فقال: يا ربّ ما خلقت خلقا هو أحبّ إليّ من حبيبك محمد (صلى اللّه عليه و آله) فأوحى اللّه إليه: أ فهو أحبّ إليك أم نفسك؟ قال: بل هو أحبّ إليّ من نفسي، قال: فولده أحبّ إليك أم ولدك؟ قال: بل ولده، قال: فذبح ولده ظلما على أيدي أعدائه أوجع لقلبك أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي؟
قال: يا ربّ بل ذبحه على أيدي أعدائه أوجع لقلبي.
قال: يا إبراهيم فإنّ طائفة تزعم أنّها من أمّة محمّد ستقتل الحسين ابنه من بعده ظلما و عدوانا كما يذبح الكبش، و يستوجبون بذلك سخطي، فجزع إبراهيم لذلك، و توجّع قلبه، و أقبل يبكي، فأوحى اللّه عزّ و جلّ: يا إبراهيم قد فديت جزعك على ابنك اسماعيل- لو ذبحته بيدك- بجزعك على الحسين (عليه السّلام) و قتله، و أوجبت لك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ «وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ» (1)
بيان و توضيح و تحقيق: قد اورد على هذا الخبر إعضال و هو أنّه إذا كان المراد بالذبح العظيم قتل الحسين (عليه السّلام) لا يكون المفدّى عنه أجلّ رتبة من المفدّى به فإنّ أئمّتنا (صلوات الله عليهم) أشرف من اولي العزم (عليه السّلام) فكيف من غيرهم؟ مع أنّ الظاهر من استعمال لفظ الفداء، التعويض عن الشيء بما دونه في الخطر و الشرف.
و اجيب بأنّ الحسين (عليه السّلام) لمّا كان من أولاد إسماعيل (عليه السّلام) فلو كان ذبح
____________
(1)- ص 58 ح 79 و البحار: 12/ 124 و ج: 44/ 225 ح 6- الصافات: 107.
103
محمد (صلى اللّه عليه و آله) يقتل هنا عطشانا فنحن لا نشرب من هذه المشرعة حزنا عليه، فسألها عن قاتله فقالت: يقتله لعين أهل السماوات و الأرضين و الخلائق أجمعين، فقال اسماعيل:
اللّهم العن قاتل الحسين (عليه السّلام) (1).
5- و روي أنّ موسى كان ذات يوم سائرا و معه يوشع بن نون، فلمّا جاء الى أرض كربلا انخرق نعله، و انقطع شراكه، و دخل الحسك (2) في رجليه و سال دمه، فقال:
إلهي أيّ شيء حدث منّي؟ فأوحى (اللّه) إليه أنّ هنا يقتل الحسين (عليه السّلام)، و هنا يسفك دمه، فسال دمك موافقة لدمه، فقال ربّ: و من يكون الحسين (عليه السّلام)؟ فقيل له: هو سبط محمّد المصطفى و ابن عليّ المرتضى، قال: و من يكون قاتله؟ فقيل: هو لعين السمك في البحار، و الوحوش في القفار، و الطير في الهواء، فرفع موسى (عليه السّلام) يديه و لعن يزيد و دعا عليه و أمّن يوشع بن نون على دعائه و مضى لشأنه (3).
6- و روي أنّ سليمان كان يجلس على بساطه و يسير في الهواء، فمرّ ذات يوم و هو سائر فى أرض كربلا، فأدارت الرّيح بساطه ثلاث دورات حتى خاف السقوط فسكنت الرّيح، و نزل البساط في أرض كربلا.
فقال سليمان للرّيح: لم سكنتي؟ فقالت: إنّ هنا يقتل الحسين (عليه السّلام)، فقال (عليه السّلام): و من يكون الحسين؟ فقالت: هو سبط محمد المختار، و ابن علي الكرّار، فقال: و من قاتله؟ قالت: لعين أهل السماوات و الأرض يزيد، فرفع سليمان يديه، و لعنه و دعا عليه و أمّن على دعائه الإنس و الجنّ فهبّ الرّيح و سار البساط (4).
7- و روي أنّ عيسى (عليه السّلام) كان سائحا في البراري و معه الحواريّون فمرّوا بكربلاء، فرأوا أسدا كاسرا قد أخذ الطريق، فتقدّم عيسى (عليه السّلام) إلى الأسد، و قال له: لم جلست في هذا الطريق؟ و قال: لا تدعنا نمرّ فيه، فقال الأسد بلسان فصيح: إنّي لم أدع
____________
(1)- البحار: 44/ 243 ح 40.
(2)- قال الفيروزآبادي في القاموس المحيط «ج 3 ص 298»: «الحسك» محركة، نبات تعلق ثمرته بصوف الغنم، ورقه كورق الرجلة و أدقّ، و عند ورقه شوك ملزز صلب ذو ثلاث شعب.
(3)- البحار: 44/ 244 ح 41.
(4)- البحار: 44/ 244 ح 42.
107
إسماعيل (عليه السّلام) لم يوجد نبيّنا و كذا سائر الأئمة (صلوات الله عليهم) و سائر الأنبياء من ولد إسماعيل، فإذا عوّض من ذبح اسماعيل (عليه السّلام) بذبح واحد من أسباطه و أولاده و هو الحسين (صلوات الله عليه) فكأنّه عوّض عن ذبح الكلّ و عدم وجودهم بالكليّة بذبح واحد من الأجزاء بخصوصه، و لا شكّ في أنّ مرتبة كلّ السلسلة أعظم و أجلّ من مرتبة الجزء بخصوصه.
و قيل: ليس في الخبر أنّه فدى إسماعيل بالحسين (عليه السّلام) بل فيه أنّه فدى جزع إبراهيم على إسماعيل بجزعه على الحسين (عليه السّلام)، و ظاهر أنّ الفداء على هذا ليس على معناه بل المراد التعويض، و لمّا كان أسفه على ما فات منه من ثواب الجزع على ابنه، عوّض [ه] اللّه بما هو أجل و أشرف و أكثر ثوابا و هو الجزع على الحسين (عليه السّلام).
و الحاصل أنّ شهادة الحسين (عليه السّلام) كان أمرا مقرّرا و لم يكن لرفع قتل إسماعيل حتى يرد الإشكال، و على ما ذكرنا فالآية تحتمل وجهين: الأوّل: أن يقدّر مضاف أي فديناه «بجزع مذبوح عظيم الشأن» و الثاني: أن يكون الباء سببية أي «فديناه بسبب مذبوح عظيم بأن جزع عليه» و على التقديرين لا بدّ من تقدير مضاف أو تجوّز في الإسناد في قوله «فديناه»، و اللّه يعلم.
5- باب إخبار اللّه تعالى زكريّا (عليه السّلام) بشهادته
الأخبار: الأئمّة: صاحب الأمر صلوات اللّه عليه
1- الاحتجاج: سعد بن عبد اللّه، قال: سألت القائم (عليه السّلام) عن تأويل «كهيعص» (1)، قال: هذه الحروف من أنباء الغيب اطلع اللّه عليها عبده زكريّا، ثم قصّها على محمّد (صلى اللّه عليه و آله) و ذلك أنّ زكريّا سأل اللّه ربّه أن يعلّمه أسماء الخمسة فأهبط عليه جبرئيل (عليه السّلام) فعلّمه إيّاها، فكان زكريّا إذا ذكر محمّدا و عليّا و فاطمة و الحسن (عليهم السّلام) سرّي عنه همّه، و انجلى كربه، و إذا ذكر اسم الحسين (عليه السّلام) خنقته العبرة، و وقعت عليه البهرة، فقال (عليه السّلام) ذات يوم: إلهي ما بالي إذا ذكرت أربعة منهم تسلّيت بأسمائهم
____________
(1)- مريم: 1.
108
من همومي، و إذا ذكرت الحسين (عليه السّلام) تدمع عيني و تثور زفرتي؟ فأنبأه اللّه تبارك و تعالى عن قصّته، فقال: «كهيعص»، فالكاف اسم كربلا، و الهاء هلاك العترة [الطاهرة]، و الياء يزيد و هو ظالم الحسين (عليه السّلام)، و العين عطشه، و الصاد صبره.
فلمّا سمع ذلك زكريّا لم يفارق مسجده ثلاثة أيّام، و منع فيهنّ الناس من الدخول عليه، و أقبل على البكاء و النحيب، و كان يرثيه: إلهي أتفجع خير جميع خلقك بولده؟ إلهي أ تنزل بلوى هذه الرزيّة بفنائه؟ إلهي أتلبس عليّا و فاطمة ثياب هذه المصيبة؟ إلهي أ تحلّ كربة هذه المصيبة بساحتهما؟ ثم كان يقول: إلهي ارزقني ولدا تقرّ به عيني على الكبر فإذا رزقتنيه فافتنّي بحبّه، ثم افجعني به كما تفجع محمدا (صلى اللّه عليه و آله) حبيبك بولده، فرزقه اللّه يحيى و فجعه به و كان حمل يحيى ستّة أشهر و حمل الحسين (عليه السّلام) كذلك، الخبر (1).
توضيح: «سرّي عنه همّه» بضمّ السين و كسر الراء المشدّدة انكشف «و البهرة» بالضمّ تتابع النّفس «و زفر» أخرج نفسه بعد مدّه إيّاه «و الزفرة» و يضمّ النفس كذلك.
6- باب إخبار اللّه تعالى إسماعيل بن حزقيل صادق الوعد بشهادته
الأخبار: الأئمّة: الصادق (عليهم السّلام)
1- علل الشرائع: ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير و محمد بن سنان، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: إنّ إسماعيل الذي قال اللّه تعالى: «وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَ كانَ رَسُولًا نَبِيًّا» (2) لم يكن إسماعيل بن ابراهيم بل كان نبيّا من الأنبياء، بعثه اللّه عزّ و جلّ إلى (3) قومه فأخذوه فسلخوا فروة رأسه و وجهه، فأتاه ملك، فقال: إنّ اللّه جلّ جلاله بعثني إليك فمرني بما شئت، فقال: لي اسوة بما يصنع بالحسين (عليه السّلام).
____________
(1)- 2/ 272 و البحار: 44/ 223 ح 1 و ج: 14/ 178 ح 14.
(2)- مريم: 54.
(3)- في الأصل: على.
109
كامل الزيارات: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى و ابن أبي الخطّاب و ابن يزيد جميعا، عن محمد بن سنان مثله (1)
2- علل الشرائع: أبي، عن سعد، عن ابن يزيد، عن محمد بن سنان، عن عمّار ابن مروان، عن سماعة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ إسماعيل كان رسولا نبيّا سلّط اللّه عليه قومه فقشّروا جلدة وجهه و فروة رأسه فأتاه رسول من ربّ العالمين، فقال له: ربّك يقرؤك السلام و يقول: قد رأيت ما صنع بك و قد أمرني بطاعتك، فمرني بما شئت، فقال: يكون لي بالحسين بن علي (عليهما السّلام) اسوة.
كامل الزيارات: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى و ابن أبي الخطاب و ابن يزيد جميعا، عن محمد بن سنان مثله.
كامل الزيارات: محمد بن الحسن، عن أبيه، عن جدّه (2) علي بن مهزيار، عن محمد بن سنان، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) مثله. (3)
3- كامل الزيارات: محمّد بن جعفر الرزاز، عن ابن أبي الخطّاب و أحمد بن الحسن بن فضّال، [عن الحسن بن فضّال]، عن مروان بن مسلم (4)، عن بريد العجليّ، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): يا ابن رسول اللّه أخبرني عن إسماعيل الذي ذكره اللّه في كتابه حيث يقول: «وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَ كانَ رَسُولًا نَبِيًّا» (5) أ كان إسماعيل بن إبراهيم (عليهما السّلام)؟ فإنّ الناس يزعمون أنّه إسماعيل بن إبراهيم.
فقال (عليه السّلام): إنّ إسماعيل مات قبل إبراهيم (عليه السّلام) و إنّ إبراهيم كان حجّة للّه قائما صاحب شريعة فإلى من ارسل إسماعيل إذن؟، قلت: فمن كان جعلت فداك؟ قال:
ذلك إسماعيل بن حزقيل النبيّ (عليه السّلام) بعثه اللّه إلى قومه فكذّبوه و قتلوه و سلخوا وجهه،
____________
(1)- علل الشرائع: 1/ 77 ح 2 و كامل الزيارات: ص 64 ح 1 و البحار: 44/ 227 ح 7.
(2)- في الأصل و البحار: عن جده، عن علي بن مهزيار، و الصحيح ما أثبتناه من المصدر.
(3)- علل: 1/ 78 ح 3 و كامل ص 64 ح 2 و ص 65 ح 4 و البحار: 44/ 227 ح 8.
(4)- في الأصل: عبد اللّه بن مسلم.
(5)- مريم: 54.
111
أ يرجو معشر قتلوا حسينا * * * شفاعة جدّه يوم الحساب
قالوا: فسألنا منذ كم هذا في كنيستكم؟ قالوا: قبل أن يبعث نبيّكم بثلاث مائة عام (1).
3- مثير الأحزان لابن نما: روى النطنزيّ، عن جماعة، عن سليمان الأعمش، قال: [بينا] أنا في الطّواف أيّام الموسم، إذا رجل يقول: اللّهم اغفر لي و أنا أعلم إنّك لا تغفر، فسألته عن السبب فقال: كنت أحد الأربعين الذين حملوا رأس الحسين (عليه السّلام) إلى يزيد على طريق الشام، فنزلنا أوّل مرحلة رحلنا من كربلا على دير النصارى و الرأس مركوز على رمح، فوضعنا الطعام و نحن نأكل إذا بكفّ على حائط الدير يكتب عليه بقلم حديد سطرا بدم:
أ ترجو أمّة قتلت حسينا * * * شفاعة جدّه يوم الحساب
فجزعنا جزعا شديدا، و أهوى بعضنا إلى الكفّ ليأخذه فغابت، فعاد أصحابي (2).
4- و حدّث: عبد الرحمن بن مسلم، عن أبيه أنّه قال: غزونا بلاد الرّوم، فأتينا كنيسة من كنائسهم قريبة من القسطنطينيّة و عليها شيء مكتوب، فسألنا اناسا من أهل الشام يقرءون بالروميّة، فإذا [هو] مكتوب هذا البيت (3).
5- و ذكر أبو عمرو الزاهد في كتاب الياقوت قال: قال عبد اللّه بن الصفّار صاحب أبي حمزة الصوفيّ: غزونا غزاة، و سبينا سبيا و كان فيهم شيخ من عقلاء النصارى، فأكرمناه و أحسنّا إليه، فقال لنا: أخبرني أبي، عن آبائه أنّهم حفروا في بلاد الرّوم حفرا قبل أن يبعث [محمّد] العربيّ بثلاث مائة سنة، فأصابوا حجرا عليه مكتوب بالمسند هذا البيت:
أ ترجو عصبة قتلت حسينا * * * شفاعة جدّه يوم الحساب
و المسند كلام أولاد شيث (4).
6- المناقب لابن شهرآشوب: قال سعد بن أبي وقّاص: إنّ قسّ بن ساعدة
____________
(1)- ص 113 ح 6 و البحار: 44/ 224 ح 3.
(2)- ص: 96، البحار: 44/ 224.
(3)- ص: 96، البحار: 44/ 224.
(4)- البحار: 44/ 225 ذ ح 4.
110
فغضب اللّه له عليهم فوجّه إليه سطاطائيل ملك العذاب، فقال له: يا إسماعيل أنا سطاطائيل ملك العذاب وجّهني ربّ العزّة إليك لاعذّب قومك بأنواع العذاب إن شئت، فقال له إسماعيل: لا حاجة لي في ذلك يا سطاطائيل.
فأوحى اللّه إليه: فما حاجتك يا إسماعيل؟ فقال إسماعيل: يا رب إنّك أخذت الميثاق لنفسك بالربوبيّة، و لمحمد (صلى اللّه عليه و آله) بالنبوّة، و لأوصيائه بالولاية، و أخبرت (خير) خلقك بما تفعل امّته بالحسين (عليه السّلام) من بعد نبيّها، و إنّك وعدت الحسين (عليه السّلام) أن تكرّه إلى الدنيا حتّى ينتقم بنفسه ممّن فعل ذلك به، فحاجتي إليك يا ربّ أن تكرّني إلى الدنيا حتّى أنتقم ممّن فعل ذلك بي ما فعل، كما تكرّ الحسين (عليه السّلام) فوعد اللّه إسماعيل بن حزقيل ذلك، فهو يكرّ مع الحسين بن علي (عليهما السّلام) (1).
7- باب ما وجد من خبر شهادته في الكتب السالفة و البيع و الكنائس و غيرها
الكتب السالفة و غيرها
1- أمالي الصدوق: ابن المتوكّل، عن محمّد العطّار، عن ابن عيسى، عن عليّ ابن الحكم، عن عمر (2) بن حفص، عن زياد بن المنذر، عن سالم بن أبي جعدة، قال: سمعت كعب الأحبار يقول: [إنّ] في كتابنا أنّ رجلا من ولد محمّد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يقتل و لا يجفّ عرق دوابّ أصحابه حتى يدخلوا الجنّة فيعانقوا الحور العين فمرّ بنا الحسن، فقلنا: هو هذا؟ قال: لا. (قال:) فمرّ بنا الحسين (عليه السّلام)، فقلنا: هو هذا؟ قال: نعم (3).
2- و منه: أبي، عن سعد، عن ابن أبي الخطّاب، عن نصر بن مزاحم، عن عمر ابن سعد، عن أبي الشعيب التغلبيّ، عن يحيى بن يمان، عن إمام لبني سليم، عن أشياخ لهم، قالوا: (4) غزونا بلاد الرّوم، فدخلنا كنيسة من كنائسهم فوجدنا فيها مكتوبا:
____________
(1)- ص 65 ح 3 و البحار: 44/ 237 ح 28 و ج: 13/ 390 ح 6 و ج: 53/ 105 ح 132.
(2)- محمد/ خ.
(3)- ص 121 ح 4 و البحار: 44/ 224 ح 2.
(4)- قال/ خ.
112
الأيادي، قال قبل مبعث النبيّ (صلى اللّه عليه و آله).
تخلّف المقدار منهم عصبة * * * ثاروا بصفّين و في يوم الجمل
و التزم الثأر الحسين بعده * * * و احتشدوا على ابنه (1)حتّى قتل (2)
توضيح: «تخلّف المقدار» أي جازوا قدرهم و تعدّوا طورهم أو كثروا حتّى لا يحيط بهم مقدار و عدد، قوله: ثاروا من الثوران أو من الثأر، من قولهم ثأرت القتيل أي قتلت قاتله، فإنّهم كانوا يدّعون طلب دم عثمان و من قتل منهم في غزوات الرسول (صلى اللّه عليه و آله)، و يؤيّده قوله: و التزم الثأر أي طلبوا الثأر بعد ذلك من الحسين (عليه السّلام) لأجل من قتل منهم في الجمل و صفّين و غير ذلك، أو المعنى أنهم قتلوه حتّى لزم ثأره انتهى.
____________
(1)- عليه بعده/ خ.
(2)- 3/ 218 و البحار: 44/ 240 ح 32.
113
11- أبواب إخبار اللّه تعالى نبيّنا (صلى اللّه عليه و آله) بشهادته
1- باب إخبار اللّه تعالى نبيّنا (صلى اللّه عليه و آله) بشهادته وقت حمله بواسطة جبرئيل (عليه السّلام)
الأخبار: الأئمّة: الصادق (عليهم السّلام)
1- كامل الزيارات: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الوشّاء، عن أحمد بن عائذ، عن سالم بن مكرّم، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: لمّا حملت فاطمة بالحسين (عليهما السّلام) جاء جبرئيل (عليه السّلام) إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال: إنّ فاطمة ستلد ولدا (1) تقتله أمّتك من بعدك، فلمّا حملت فاطمة الحسين (عليهما السّلام) كرهت حمله و حين وضعته كرهت وضعه، ثم قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): هل رأيتم في الدنيا امّا تلد غلاما فتكرهه، و لكنّها كرهته لأنّها علمت أنه (2) سيقتل، قال: و فيه نزلت هذه الآية: وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً» (3)
توضيح: قوله: لمّا حملت، لعلّ المعنى قرب حملها أو المراد بقوله: جاء جبرئيل
____________
(1)- غلاما/ خ.
(2)- إنّما/ خ.
(3)- كامل الزيارات: ص 55 ح 2 و البحار: 44/ 231 ح 16، و رواه الشيخ الكليني في الكافي:
1/ 464 ح 3- الأحقاف: 15.
114
(عليه السّلام) مجيئه قبل ذلك أو بقوله: حملت ثانيا شعرت به، و لعلّه على هذا التأويل الباء في قوله:
بوالديه للسببية، و حسنا مفعول وصّينا.
و في بعض القراءات حسنا بالتحريك فهو صفة لمصدر محذوف أي إيصاء حسنا، فعلى هذا يحتمل أن يكون المراد بقوله: وصّينا، جعلناه وصيّا.
قال في مجمع البيان: قرأ أهل الكوفة إحسانا و الباقون حسنا (1)
و روي عن عليّ و أبي عبد الرحمن حسنا بفتح الحاء و السين، انتهى. (2) و الوالدان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و أمير المؤمنين (عليه السّلام) كما في سائر الأخبار و يحتمل الظاهر أيضا.
2- كامل الزيارات: محمّد بن جعفر الرزاز بن أبي الخطّاب، عن محمّد بن عمرو بن سعيد، عن رجل من أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، إنّ جبرئيل (عليه السّلام) نزل على محمّد (صلى اللّه عليه و آله)، فقال: يا محمّد إنّ اللّه يقرأ عليك السلام و يبشرك بمولود يولد من فاطمة تقتله أمّتك من بعدك، فقال: يا جبرئيل و على ربّي السلام لا حاجة لي في مولود يولد من فاطمة تقتله أمّتي من بعدي قال: فعرج جبرئيل (إلى السماء) ثم هبط، فقال له: مثل ذلك فقال (له): يا جبرئيل و على ربّي السلام لا حاجة لي في مولود تقتله أمّتي من بعدي فعرج جبرئيل إلى السماء ثمّ هبط، فقال له: يا محمّد إنّ ربّك يقرؤك السلام، و يبشّرك أنّه جاعل في ذريته الإمامة و الولاية و الوصيّة، فقال: قد رضيت.
ثم أرسل إلى فاطمة أنّ اللّه يبشّرني بمولود يولد منك تقتله أمّتي من بعدي، فأرسلت إليه أن لا حاجة لي في مولود يولد منّي تقتله أمّتك من بعدك، فأرسل إليها أنّ اللّه جاعل في ذرّيته الإمامة و الولاية و الوصيّة، فأرسلت إليه: إنّي قد رضيت «حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى والِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي» (3) فلو أنّه قال: أصالح لي ذريّتي لكانت ذرّيتهم كلّهم أئمّة.
____________
(1)- مجمع البيان: 9/ 84.
(2)- البحار: 69/ 265 عن مجمع البيان.
(3)- الأحقاف: 15.
116
2- باب عموم إخبار اللّه تعالى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) بشهادته خصوصا بعد مولده بواسطة جبرئيل و غيره
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- مثير الأحزان: باسناده عن زوجة العباس بن عبد المطّلب و هي أمّ الفضل لبابة بنت الحارث، قالت: رأيت في النوم قبل مولد الحسين (عليه السّلام) كأنّ قطعة من لحم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قطعت و وضعت في حجري، فقصصت الرؤيا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فقال: إن صدقت رؤياك فإنّ فاطمة ستلد غلاما و أدفعه إليك لترضعيه، فجرى الأمر على ذلك، فجئت به يوما فوضعته في حجره فبال، فقطرت منه قطرة على ثوبه، فقرصته (1) فبكى.
فقال كالمغضب: مهلا يا أمّ الفضل، فهذا ثوبي يغسل و قد أوجعت ابني، قالت:
فتركته و مضيت لآتيه بماء، فجئت فوجدته يبكي، فقلت: ما بكاؤك يا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)؟، فقال: إنّ جبرئيل أتاني و أخبرني أنّ أمّتي تقتل ولدي هذا (2).
قال: و قال أصحاب الحديث: فلمّا أتت على الحسين (عليه السّلام) سنة كاملة هبط على النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) اثنا عشر ملكا على صور مختلفة، أحدهم على صورة بني آدم يعزّونه و يقولون:
إنّه سينزل بولدك الحسين بن فاطمة ما نزل بهابيل من (قبل) قابيل و سيعطى مثل أجر هابيل، و يحمل على قاتله مثل وزر قابيل، و لم يبق ملك إلّا نزل إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) يعزّونه، و النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)، يقول: اللّهمّ اخذل خاذله و اقتل قاتله و لا تمتّعه بما طلبه.
و عن أشعث بن عثمان، عن أبيه، عن أنس بن أبي سحيم، قال: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، يقول: إنّ ابني هذا يقتل بأرض العراق، فمن أدركه منكم فلينصره، فحضر أنس مع الحسين (عليه السّلام) كربلا و قتل معه.
____________
(1)- في الأصل: فقرضته.
(2)- ورد الحديث في تذكرة الخواص ص 232 و الاصابة لابن حجر ج 4 ص 484 نقلا عن ابن سعد في الطبقات ج 8 ص 278، و قد ترك ذيل الخبر.
115
و لم يرضع الحسين (عليه السّلام) من فاطمة و لا من انثى (1) و لكنّه كان يؤتى به النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) فيضع إبهامه في فيه فيمصّ منها ما يكفيه اليومين و الثلاثة، فينبت لحم الحسين من لحم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و دمه [من دمه] و لم يولد مولود لستّة أشهر إلّا عيسى بن مريم و الحسين ابن عليّ (عليهما السّلام).
كامل الزيارات: أبي، عن سعد، عن عليّ بن إسماعيل بن عيسى، عن محمّد بن عمرو بن سعيد، بإسناده، مثله (2).
3- كامل الزيارات: أبي، عن سعد، عن محمّد بن حمّاد، عن أخيه أحمد، عن محمّد بن عبد اللّه، عن أبيه، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: أتى جبرئيل (إلى) رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فقال له: السلام عليك يا محمّد أ لا ابشّرك بغلام تقتله أمّتك من بعدك؟. فقال:
لا حاجة لي فيه، قال: فانتهض (3) إلى السماء ثم عاد إليه الثانية، فقال [له]: مثل ذلك فقال:
لا حاجة لي فيه فانعرج إلى السماء، ثم انقضّ عليه (4) الثالثة فقال له: مثل ذلك، فقال:
لا حاجة لي فيه، فقال: إنّ ربّك جاعل الوصيّة في عقبه، فقال: نعم [أو قال: ذلك]، ثم قام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فدخل على فاطمة، فقال لها: إنّ جبرئيل أتاني فبشّرني بغلام تقتله أمّتي من بعدي، فقالت: لا حاجة لي فيه، فقال لها: إنّ ربّي جاعل الوصيّة في عقبه، فقالت: نعم، إذن.
قال: فأنزل اللّه تبارك و تعالى عند ذلك هذه الآية فيه «حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً» لموضع إعلام جبرئيل إيّاها بقتله فحملته كرها بأنّه مقتول و وضعته كرها لأنّه مقتول (5).
____________
(1)- غيرها شيء/ خ.
(2)- ص 56 ح 4 و 5 و البحار: 44/ 232 ح 17.
(3)- في البحار و في احدى نسختي الأصل: فانقضّ.
(4)- في المصدر: إليه.
(5)- ص 56 ح 3 و البحار: 44/ 233 ح 18.
117
و رويت عن عبد الصمد بن أحمد بن أبي الجيش، عن شيخه أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزيّ، عن رجاله، عن عائشة، قالت: دخل الحسين (عليه السّلام) على النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و هو غلام يدرج، فقال: أي عائشة أ لا اعجّبك لقد دخل عليّ آنفا ملك ما دخل عليّ قطّ، فقال: إنّ ابنك هذا مقتول و إن شئت أريتك من تربته التي يقتل بها، فتناول ترابا أحمر فأخذته أمّ سلمة فخزنته في قارورة، فأخرجته يوم قتل و هو دم.
و روى: مثل هذا عن زينب بنت جحش.
و عن عبد اللّه بن يحيى قال: دخلنا مع عليّ إلى صفّين، فلمّا حاذى نينوى نادى صبرا يا أبا عبد اللّه، فقال: دخلت على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و عيناه تفيضان، فقلت: بأبي أنت و امّي يا رسول اللّه، ما لعينيك تفيضان؟ أغضبك أحد؟ قال: لا، بل كان عندي جبرئيل، فأخبرني أنّ الحسين (عليه السّلام) يقتل بشاطئ الفرات، و قال: هل لك أن أشمّك من تربته؟ قلت: نعم، فمدّ يده و أخذ قبضة من تراب فأعطانيها، فلم أملك عيني أن فاضتا، و اسم الأرض كربلا.
فلمّا أتت عليه سنتان خرج النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) إلى سفر فوقف في بعض الطريق و استرجع و دمعت عيناه، فسئل عن ذلك، فقال (صلى اللّه عليه و آله): هذا جبرئيل يخبرني عن أرض بشط الفرات يقال لها كربلا يقتل فيها ولدي الحسين (عليه السّلام) و كأنّي أنظر إليه و إلى مصرعه و مدفنه بها، و كأنّي أنظر إلى (1) السبايا على أقتاب (2) المطايا، و قد اهدي رأس ولدي الحسين إلى يزيد لعنه اللّه، فو اللّه ما ينظر أحد إلى رأس الحسين (عليه السّلام) و يفرح إلّا خالف اللّه بين قلبه و لسانه، و عذّبه اللّه عذابا أليما.
ثمّ رجع النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) من سفره مغموما مهموما كئيبا حزينا فصعد المنبر و أصعد معه الحسن و الحسين (عليهما السّلام) و خطب و وعظ الناس فلمّا فرغ من خطبته وضع يده اليمنى على رأس الحسن و اليسرى على رأس الحسين (عليهما السّلام)، و قال: اللّهمّ إنّ محمدا عبدك و رسولك
____________
(1)- في البحار: على.
(2)- في الأصل: أقطاب، و القتب بالتحريك: رحل البعير صغير على قدر السنام، و جمعه «أقتاب» كأسباب. «مجمع البحرين: ج 2 ص 139».
119
به أنفسنا، و قاتلنا معهم من ناواهم، فأقول لهم: أبشروا فأنا نبيّكم محمّد، و لقد كنتم في الدنيا كما قلتم، ثمّ أسقيهم من حوضي فيصدرون مرويّين مستبشرين، ثمّ يدخلون الجنّة خالدين فيها أبد الآبدين (1).
3- باب آخر و هو ما أخبر اللّه نبيّنا (صلى اللّه عليه و آله) بشهادته و شهادة أخيه الحسن عموما بواسطة جبرئيل (عليه السّلام) خصوصا
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- روي في بعض مؤلّفات الأصحاب: عن أمّ سلمة رضي اللّه عنها قالت:
دخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ذات يوم و دخل في أثره (2) الحسن و الحسين (عليهما السّلام) و جلسا إلى جانبيه، فأخذ الحسن على ركبته اليمنى و الحسين (عليهما السّلام) على ركبته اليسرى و جعل يقبّل هذا تارة و هذا اخرى، و إذا بجبرئيل (عليه السّلام) قد نزل و قال: يا رسول اللّه إنّك لتحبّ الحسن و الحسين، فقال: و كيف لا احبّهما و هما ريحانتاي من الدنيا و قرّتا عينيّ.
فقال جبرئيل (عليه السّلام): يا نبيّ اللّه، إنّ اللّه قد حكم عليهما بأمر فاصبر له، فقال: و ما هو يا أخي؟ قال: قد حكم على هذا الحسن أن يموت مسموما و على هذا الحسين أن يموت مذبوحا و إنّ لكلّ نبيّ دعوة مستجابة، فإن شئت كانت دعوتك لولديك الحسن و الحسين، فادع اللّه أن يسلّمهما من السمّ و القتل، و إن شئت كانت مصيبتهما ذخيرة في شفاعتك للعصاة من أمّتك يوم القيامة.
فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): يا جبرئيل أنا راض بحكم ربّي لا اريد إلّا ما يريده، و قد أحببت أن تكون دعوتي ذخيرة لشفاعتي في العصاة من أمّتي و يقضي اللّه في ولديّ ما يشاء (3).
2- و منه: و روي عن بعض الثقات الأخيار أنّ الحسن و الحسين (عليهما السّلام) دخلا يوم عيد إلى حجرة جدّهما رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فقالا: يا جدّاه اليوم يوم العيد، و قد تزيّن أولاد العرب بألوان اللباس، و لبسوا جديد الثياب، و ليس لنا ثوب جديد و قد توجهنا لذلك إليك،
____________
(1)- ص 16 و البحار: 44/ 246 ح 46.
(2)- معه/ خ.
(3)- البحار: 44/ 241 ح 35.
120
فتأمّل النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) حالهما و بكى، و لم يكن عنده في البيت ثياب يليق بهما، و لا رأى أن يمنعهما فيكسر خاطرهما، فدعا ربّه و قال: إلهي اجبر قلبهما و قلب أمّهما.
فنزل جبرئيل (عليه السّلام) و معه حلّتان بيضاوان من حلل الجنّة فسرّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)، و قال لهما: يا سيّدي شباب أهل الجنّة خذا أثوابا خاطها خيّاط القدرة (1) على قدر طولكما، فلمّا رأيا الخلع بيضا، قالا: يا جدّاه كيف هذا و جميع صبيان العرب لابسون ألوان الثياب، فأطرق النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) ساعة متفكّرا في أمرهما.
فقال جبرئيل (عليه السّلام): يا محمّد طب نفسا و قرّ عينا إنّ صابغ صبغة اللّه عزّ و جلّ يقضي (2) لهما هذا الأمر و يفرّح قلوبهما بأيّ لون شاءا، فأمر يا محمّد بإحضار الطست و الإبريق، فاحضرا فقال جبرئيل: يا رسول اللّه أنا أصبّ الماء على هذه الخلع و أنت تفركهما بيدك، فتصبغ لهما بأيّ لون شاءا.
فوضع النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) حلّة الحسن (عليه السّلام) في الطست، فأخذ جبرئيل (عليه السّلام) يصبّ الماء، ثم أقبل النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) على الحسن و قال له: يا قرّة عيني بأيّ لون تريد حلّتك؟ فقال:
اريدها خضراء، ففركها النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) بيده في ذلك الماء، فأخذت بقدرة اللّه لونا أخضر فائقا كالزبرجد الأخضر، فأخرجها النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و أعطاها الحسن (عليه السّلام)، فلبسها.
ثم وضع حلّة الحسين (عليه السّلام) في الطست و أخذ جبرئيل (عليه السّلام) يصبّ الماء فالتفت النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) إلى (3) الحسين (عليه السّلام) و كان له من العمر خمس سنين، و قال له: يا قرّة عيني أيّ لون تريد حلّتك؟ فقال الحسين (عليه السّلام): يا جدّ اريدها حمراء، ففركها النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) بيده في ذلك الماء فصارت حمراء كالياقوت الأحمر، فلبسها الحسين (عليه السّلام)، فسرّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) بذلك و توجّه الحسن و الحسين (عليهما السّلام) إلى امّهما فرحين مسرورين.
فبكى جبرئيل لمّا شاهد تلك الحال، فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): يا أخي في مثل هذا اليوم الّذي فرح فيه ولداي تبكي و تحزن؟ فباللّه عليك إلّا ما أخبرتني فقال جبرئيل (عليه السّلام): اعلم يا رسول اللّه إنّ اختيار ابنيك على اختلاف (4) اللّون، فلا بدّ للحسن (عليه السّلام) أن
____________
(1)- في الاصل: القدر.
(3)- في البحار و إحدى نسختي الأصل: إلى نحو.
(2)- يبقي/ خ.
(4)- اختيار/ خ.
121
يسقوه السمّ و يخضرّ لون جسده من عظم السمّ، و لا بدّ للحسين (عليه السّلام) أن يقتلوه و يذبحوه و يخضّب بدنه من دمه، فبكى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و زاد حزنه لذلك (1).
4- باب ما أخبر اللّه تعالى من شهادته في الجنّة بلسان الحوراء و الرضوان
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- تفسير فرات: بإسناده، عن حذيفة، عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)، قال: لما اسري بي (إلى السماء) أخذ جبرئيل بيدي فأدخلني الجنّة، و أنا مسرور فإذا أنا بشجرة من نور مكلّلة بالنّور، في أصلها ملكان يطويان الحلّي و الحلل إلى يوم القيامة، ثمّ تقدّمت أمامي، فإذا أنا بتفّاح لم أر تفّاحا هو أعظم منه، فأخذت واحدة ففلقتها فخرجت عليّ منها حوراء كأنّ أجفانها مقاديم أجنحة النسور، فقلت: لمن أنت؟ فبكت، و قالت (2): لابنك المقتول ظلما الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السّلام).
ثم تقدّمت أمامي فإذا أنا برطب ألين من الزّبد و أحلى من العسل، فأخذت رطبة فأكلتها و أنا أشتهيها فتحوّلت الرّطبة نطفة في صلبي، فلمّا هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة، ففاطمة حوراء إنسيّه، فإذا اشتقت إلى رائحة الجنّة شممت رائحة ابنتي فاطمه (عليها السّلام) (3).
م:
2- في بعض مؤلّفات أصحابنا: روي أنّ الحسن (عليه السّلام) لمّا دنت وفاته و نفدت أيّامه، و جرى السمّ في بدنه، تغيّر لونه و اخضرّ، فقال له الحسين (عليه السّلام): مالي أرى لونك [مائلا] إلى الخضرة؟ فبكى الحسن و قال: يا أخي لقد صحّ حديث جدّي قيّ و فيك، ثمّ اعتنقه طويلا و بكيا كثيرا.
فسئل عن ذلك، فقال: أخبرني جدّي قال: لمّا دخلت ليلة المعراج روضات الجنان، و مررت على منازل أهل الإيمان، رأيت قصرين عاليين متجاورين على صفة
____________
(1)- البحار: 44/ 245 ح 45.
(2)- في البحار: و قال.
(3)- ص 10 و البحار: 44/ 240 ح 33.
118
و هذان أطائب عترتي، و خيار ارومتي (1)، و أفضل ذريّتي و من اخلّفهما في أمّتي، و قد أخبرني جبرئيل (عليه السّلام) أنّ ولدي هذا مقتول بالسمّ و الآخر شهيد مضرّج بالدّم، اللّهمّ فبارك له في قتله و اجعله من سادات الشهداء، اللّهمّ و لا تبارك في قاتله و خاذله و أصله حرّ نارك، و احشره في أسفل درك الجحيم.
قال: فضجّ الناس بالبكاء و العويل، فقال لهم النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): أيّها الناس أ تبكونه و لا تنصرونه، اللّهمّ فكن أنت له وليّا و ناصرا، ثم قال: يا قوم إنّي مخلّف فيكم الثقلين:
كتاب اللّه و عترتي و ارومتي و مزاج مائي، و ثمرة فؤادي، و مهجتي، لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ألا و إنّي لا أسألكم في ذلك إلّا ما أمرني ربّي أن أسألكم عنه، أسألكم عن المودّة في القربى، و احذروا أن تلقوني غدا على الحوض و قد آذيتم عترتي، و قتلتم أهل بيتي و ظلمتموهم.
ألا إنّه سيرد عليّ يوم القيامة ثلاث رايات من هذه الامّة: الاولى راية سوداء مظلمة قد فزعت منها الملائكة، فتقف عليّ، فأقول لهم: من أنتم؟ فينسون ذكري، و يقولون: نحن أهل التوحيد من العرب، فأقول لهم: أنا أحمد نبيّ العرب و العجم، فيقولون: نحن من أمّتك، فأقول: كيف خلّفتموني من بعدي في أهل بيتي و عترتي و كتاب ربّي؟ فيقولون:
أمّا الكتاب فضيّعناه، و أمّا العترة فحرصنا أن نبيدهم عن جديد الأرض، فلمّا أسمع ذلك منهم أعرض عنهم وجهي، فيصدرون عطاشى مسودّة وجوههم.
ثم ترد عليّ راية اخرى أشدّ سوادا من الاولى، فأقول لهم: كيف خلّفتموني من بعدي في الثقلين كتاب اللّه و عترتي؟ فيقولون: أمّا الأكبر فخالفناه و أمّا الأصغر فمزّقناهم كلّ ممزّق، فأقول: إليكم عنّي فيصدرون عطاشى مسودّة وجوههم.
ثمّ ترد عليّ راية تلمع وجوههم نورا، فأقول لهم: من أنتم؟ فيقولون: نحن أهل كلمة التوحيد و التّقوى من أمّة محمّد المصطفى و نحن بقيّة أهل الحقّ، حملنا كتاب ربّنا و حلّلنا حلاله و حرّمنا حرامه و أحببنا ذريّة نبيّنا محمّد (صلى اللّه عليه و آله)، و نصرناهم من كلّ ما نصرنا
____________
(1)- قال الطريحي في مجمع البحرين «ج 6 ص 7»: الأروم بفتح الهمزة: أصل الشجرة و القرن. قاله الجوهري: و الأرومة زنة أكولة: الأصل.
122
واحدة [إلّا أنّ] أحدهما من الزبرجد الأخضر، و الآخر من الياقوت الأحمر، فقلت: يا جبرئيل لمن هذان القصران؟ فقال: أحدهما للحسن (عليه السّلام)، و الآخر للحسين (عليه السّلام).
فقلت: يا جبرئيل فلم لم يكونا على لون واحد؟ فسكت و لم يرد جوابا، فقلت:
لم لا تتكلّم؟ قال (عليه السّلام): حياء منك فقلت له: سألتك باللّه إلّا ما أخبرتني، فقال: أمّا خضرة قصر الحسن (عليه السّلام) فإنّه يموت بالسمّ، و يخضرّ لونه عند موته، و أمّا حمرة قصر الحسين (عليه السّلام)، فإنّه يقتل و يحمّر وجهه بالدّم.
فعند ذلك بكيا و ضجّ الحاضرون بالبكاء و النحيب (1).
5- باب آخر في إخبار اللّه تعالى نبيّنا بشهادته و شهادة أخيه و امّه و أبيه (صلوات الله عليهم أجمعين)
الأخبار: الأئمّة: أمير المؤمنين (عليهم السّلام)
1- كامل الزيارات: ابن الوليد، عن محمّد بن أبي القاسم، عن محمّد بن عليّ القرشيّ، عن عبيد بن يحيى الثوريّ، عن محمّد بن الحسين بن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام)، قال: زارنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ذات يوم فقدّمنا إليه طعاما و أهدت إلينا أمّ أيمن صحفة من تمر و قعبا من لبن و زبد، فقدّمنا إليه فأكل فلمّا فرغ قمت فسكبت على يديه (2) ماء فلمّا غسل يديه (3) مسح وجهه و لحيته ببلّة يديه، ثم قام إلى مسجد في جانب البيت [و صلى] و خرّ ساجدا فبكى، فأطال البكاء، ثم رفع رأسه فما اجترأ منّا أهل البيت أحد يسأله عن شيء.
فقام الحسين (عليه السّلام): يدرج حتّى يصعد (4) على فخذي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فأخذ برأسه إلى صدره و وضع ذقنه على رأس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، ثمّ قال: يا أبه ما يبكيك، فقال:
يا بنيّ إنّي نظرت إليكم اليوم فسررت بكم (5) سرورا لم اسرّ بكم مثله قطّ، فهبط إليّ
____________
(1)- البحار: 44/ 145 ح 13.
(2)- في المصدر: يدي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله).
(3)- في البحار و الأصل: يده.
(4)- في المصدر: صعد.
(5)- في الأصل: إليكم.
123
جبرئيل فأخبرني أنّكم قتلى و أنّ مصارعكم شتّى، فحمدت اللّه على ذلك، و سألته لكم الخيرة.
فقال له: يا أبه فمن يزور قبورنا و يتعاهدها على تشتّتها؟ قال: طوائف من أمّتي يريدون بذلك برّي وصلتي، أتعاهدهم (1) في الموقف و آخذ بأعضادهم فانجّيهم من أهواله و شدائده (2).
الباقر، عن أمير المؤمنين (عليهما السّلام)
2- كامل الزيارات: ابن الوليد، عن سعد، عن اليقطينيّ، عن صفوان، عن الحسين بن أبي غندر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السّلام): زارنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و قد أهدت لنا أمّ أيمن لبنا و زبدا و تمرا [ف] قدّمنا منه فأكل ثم قام إلى زاوية البيت فصلّى ركعات فلمّا كان في آخر سجوده بكى بكاء شديدا فلم يسأله أحد منّا إجلالا و إعظاما له.
فقام الحسين (عليه السّلام). [و قعد] في حجره و قال له: يا أبه لقد دخلت بيتنا فما سررنا بشيء كسرورنا بدخولك، ثمّ بكيت بكاء غمّنا، فما أبكاك؟ فقال: يا بنيّ أتاني جبرئيل (عليه السّلام) آنفا، فأخبرني أنكم قتلى، و أنّ مصارعكم شتّى، فقال: يا أبه فما لمن يزور (3) قبورنا على تشتّتها، فقال: يا بنيّ اولئك طوائف من أمّتي يزورونكم فيلتمسون بذلك البركة، و حقيق عليّ أن آتيهم يوم القيامة حتّى اخلّصهم من أهوال الساعة [و] من ذنوبهم و يسكنهم اللّه الجنّة.
أمالي الطوسي: الحسين بن إبراهيم القزوينيّ، عن محمّد بن وهبان، عن عليّ بن حبيش، عن العبّاس بن محمّد بن الحسين، عن أبيه، عن صفوان مثله (4).
____________
(1)- أعاهدهم/ خ.
(2)- ص 58 ح 7 و البحار: 44/ 234 ح 21 و ج: 66/ 355 ح 11.
(3)- في المصدر: زار.
(4)- كامل الزيارات: ص 57 ح 6 و أمالي الطوسي: 2/ 281 و البحار: 44/ 234 ح 20.
124
6- باب إخبار جبرئيل (عليه السّلام) و غيره نبيّنا (صلى اللّه عليه و آله) من اللّه تعالى بشهادته و إراءة تربته
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- كامل الزيارات: الحسين بن عليّ الزعفراني (1)، عن محمّد بن عمرو الأسلميّ، عن (2) عمرو بن عبد اللّه بن عنبسة، عن محمّد بن عبد اللّه بن عمرو، عن أبيه، عن ابن عباس قال: الملك الذي جاء إلى محمّد (صلى اللّه عليه و آله) يخبره بقتل الحسين (عليه السّلام) كان جبرئيل الروح الأمين منشور الأجنحة، باكيا صارخا قد حمل من تربته (3)، و هي تفوح (4) كالمسك، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): و تفلح أمّة تقتل فرخي؟ أو قال: فرخ ابنتي؟ فقال جبرئيل (عليه السّلام) يضربها اللّه بالاختلاف فيختلف قلوبهم.
كامل الزيارات: عبيد اللّه بن الفضل بن هلال، عن محمّد بن عمرو (5) الأسلميّ، عن عمرو بن عبد اللّه بن عنبسة مثله (6).
2- و منه: أحمد بن عبد اللّه بن عليّ، عن جعفر بن سليمان، عن أبيه، عن عبد الرحمن الغنويّ، عن سليمان (7) قال: و هل بقي في السماوات ملك لم ينزل إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يعزّيه في ولده (8) الحسين (عليه السّلام)؟ و يخبره بثواب اللّه إيّاه، و يحمل إليه تربته مصروعا عليها، مذبوحا مقتولا، [جريحا] طريحا مخذولا، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): اللّهمّ اخذل من خذله، و اقتل من قتله، و اذبح من ذبحه، و لا تمتّعه بما طلب.
قال عبد الرحمن: فو اللّه لقد عوجل الملعون يزيد، و لم يتمتّع بعد قتله [بما طلب
____________
(1)- في المصدر: حدّثني أبي، عن الزعفرانيّ.
(2)- في الأصل: ابن، و الظاهر أنه تصحيف.
(3)- في المصدر: تربة الحسين (عليه السّلام).
(4)- في الاصل و البحار: و هو يفوح.
(5)- هكذا في الأصل، و في البحار: عمرة، و في المصدر: عميرة.
(6)- كامل الزيارات ص 61 ح 7 و ص 62 و البحار: 44/ 237 ح 28.
(7)- في الأصل: سلمان.
(8)- في المصدر: بولده.
126
قالت: كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ذات يوم عندي نائما فجاء الحسين (عليه السّلام) فجعلت أعلّله مخافة أن يوقظ النبي (صلى اللّه عليه و آله) فغافلت عنه فدخل و أتبعته فوجدته و قد قعد على بطن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) فوضع زبيته (1) في سرّة النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) فجعل يبول عليه، فأردت أن آخذه عنه، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): دعي ابني يا زينب حتّى يفرغ من بوله، فلمّا فرغ توضّأ النبي (صلى اللّه عليه و آله) و قام يصلّي فلمّا سجد ارتحله الحسين (عليه السّلام) فلبث النبي (صلى اللّه عليه و آله) حتّى نزل، فلمّا قام (و) عاد الحسين (عليه السّلام) فحمله حتّى فرغ من صلاته فبسط النبي (صلى اللّه عليه و آله) يده و جعل يقول: أرني أرني يا جبرئيل، فقلت: يا رسول اللّه لقد رأيتك اليوم صنعت شيئا ما رأيتك صنعته قطّ قال: نعم جاءني جبرئيل فعزّاني في ابني الحسين (عليه السّلام) و اخبرني أنّ امتي تقتله و أتاني بتربة حمراء.
قال زياد بن عبد اللّه: أنا شككت في اسم الشيخ جدير أو جدمر بن عبد اللّه، و قد أثنى عليه ليث خيرا و ذكر من فضله (2).
5- و منه: عنه، عن أبي المفضّل، عن العبّاس بن خليل، عن محمّد بن هاشم، عن سويد بن عبد العزيز، عن داود بن عيسى الكوفيّ، عن عمارة بن عرية (3)، عن محمّد بن إبراهيم التيمي (4)، عن أبي سلمة، عن عائشة أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أجلس حسينا على فخذه و جعل يقبّله فقال جبرئيل (عليه السّلام): أ تحبّ ابنك هذا؟ قال: نعم قال: فإنّ أمّتك ستقتله بعدك، فدمعت عينا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فقال له: إن شئت أريتك من تربته التي يقتل عليها قال: نعم فأراه جبرئيل (عليه السّلام) ترابا من تراب الأرض التي يقتل عليها و قال: تدعى الطفّ (5).
6- و منه: عنه، عن الحسين بن الحسن بن عامر، عن محمّد بن دليل بن بشر (6)، عن عليّ بن سهل، عن مؤمّل، عن عمارة بن زازان (7)، عن ثابت، عن أنس أنّ ملك المطر
____________
(1)- في المصدر: زبيبته.
(2)- 1/ 323 و البحار: 44/ 229 ح 11.
(3)- هكذا في البحار، و في نسختي الأصل: عميرة، غرية، و في المصدر: عرقة.
(4)- في الأصل: التميمي.
(5)- 1/ 324 و البحار: 44/ 230 ج 13.
(6)- محمد بن وليد بن بشر/ خ.
(7)- في البحار و إحدى نسختي الأصل: زاذان، و في المصدر: رازان.
127
استأذن أن يأتي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) لأمّ سلمة: أملكي علينا الباب لا يدخل علينا أحد، فجاء الحسين (عليه السّلام) ليدخل فمنعته، فوثب حتّى دخل فجعل يثب على منكبي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و يقعد عليهما.
فقال له الملك: أ تحبّه؟ قال: نعم، قال: فإنّ أمّتك ستقتله و إن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه (1)، فمدّ يده فإذا طينة حمراء فأخذتها أمّ سلمة فصيّرتها إلى (2) طرف خمارها، قال ثابت: فبلغنا أنّه المكان الذي قتل به بكربلاء (3).
7- إرشاد المفيد: روى الأوزاعيّ، عن عبد اللّه بن شدّاد، عن أمّ الفضل بنت الحارث أنّها دخلت على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقالت: يا رسول اللّه رأيت الليلة حلما منكرا قال: و ما هو؟ قالت: إنّه شديد، قال: و ما هو؟ قالت: رأيت كأنّ قطعة من جسدك [قد] قطعت و وضعت في حجري، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): خيرا رأيت، تلد فاطمة غلاما فيكون في حجرك.
فولدت فاطمة الحسين (عليه السّلام) قالت: و كان في حجري كما قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فدخلت به يوما على النبي (صلى اللّه عليه و آله) فوضعته في حجر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، ثمّ حانت منّي التفاتة، فإذا عينا رسول اللّه (عليه السّلام) تهرقان بالدّموع، فقلت: بأبي أنت و امّي يا رسول اللّه مالك؟ قال: أتاني جبرئيل (عليه السّلام) فأخبرني أنّ أمّتي تقتل (4) ابني هذا و أتاني بتربة حمراء من تربته (5).
8- و منه: و روي بإسناد آخر عن أمّ سلمة أنّها قالت: خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) من عندنا ذات ليلة فغاب عنّا طويلا، ثمّ جاءنا و هو أشعث أغبر و يده مضمومة، فقلت له:
يا رسول اللّه ما لي أراك شعثا (6) مغبرا؟ فقال: اسري بي في هذا الوقت إلى موضع من العراق يقال له: كربلا فاريت (7) فيه مصرع الحسين (عليه السّلام) ابني و جماعة من ولدي و أهل بيتي
____________
(1)- في المصدر: به.
(2)- في/ خ.
(3)- 1/ 338 و البحار: 44/ 231 ح 14.
(4)- في المصدر: ستقتل.
(5)- ص 281 و البحار: 44/ 238 ح 30.
(6)- في المصدر: أشعث.
(7)- في المصدر: فرأيت.
128
فلم أزل ألقط (1) دماءهم فها هو في يدي و بسطها إليّ فقال: خذيه فاحتفظي به فأخذته فإذا هو شبه تراب أحمر، فوضعته في قارورة و شددت رأسها و احتفظت به.
فلمّا خرج الحسين (عليه السّلام) من مكّة متوجّها نحو العراق، كنت اخرج تلك القارورة في كلّ يوم و ليلة و أشمّها و أنظر إليها ثمّ أبكي لمصابه، فلمّا كان اليوم العاشر من المحرّم و هو اليوم الذي قتل فيه [الحسين] (عليه السّلام) أخرجتها في أوّل النهار و هي بحالها ثمّ عدت إليها آخر النهار فإذا هي دم عبيط فصحت (2) في بيتي و بكيت و كظمت غيظي مخافة أن يسمع أعداؤهم بالمدينة فيتسرّعوا (3) بالشماتة فلم أزل حافظة للوقت و اليوم حتّى جاء الناعي ينعاه فحقّق ما رأيت (4).
9- أقول: روي في بعض كتب المناقب المعتبرة: عن الحسن بن أحمد الهمدانيّ، عن أبي عليّ الحدّاد، عن محمّد بن أحمد الكاتب، عن عبد اللّه بن محمّد، عن أحمد ابن عمرو، عن إبراهيم بن سعيد، عن محمّد بن جعفر بن محمّد، عن عبد الرحمن بن محمّد بن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن جدّه، عن أمّ سلمة «رض» قالت: جاء جبرئيل (عليه السّلام) إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) فقال: إنّ أمّتك تقتله- يعني الحسين (عليه السّلام)- بعدك ثمّ قال: أ لا اريك من تربته؟ قالت: فجاء بحصيات فجعلهنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في قارورة فلمّا كان ليلة قتل الحسين (عليه السّلام)، قالت أمّ سلمة: سمعت قائلا يقول:
أيّها القاتلون جهلا حسينا * * * أبشروا بالعذاب و التنكيل
قد لعنتم على لسان داود * * * و موسى و صاحب الانجيل
قالت: فبكيت ففتحت القارورة فإذا قد حدث فيها دم. (5)
الأئمّة: الصادق (عليهم السّلام)
10- أمالي الصدوق: أبي، عن حبيب بن الحسين التغلبيّ، عن عباد بن
____________
(1)- ألتقط/ خ.
(2)- في المصدر: فضججت.
(3)- في إحدى نسختي الأصل: فتسرعوا، و في المصدر: فيسرعوا.
(4)- ص 281 و البحار: 44/ 239.
(5)- البحار: 44/ 241 ح 34.
129
يعقوب، عن عمرو بن ثابت، عن أبي الجارود، عن أبي عبد اللّه (1) (عليه السّلام) قال: كان النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) في بيت أمّ سلمة، فقال لها: لا يدخل عليّ أحد، فجاء الحسين (عليه السّلام) و هو طفل فما ملكت معه شيئا حتّى دخل على النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)، فدخلت أمّ سلمة على أثره، فإذا الحسين (عليه السّلام) على صدره و إذا النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) يبكي، و إذا في يده شيء يقلّبه (2).
فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): يا أمّ سلمة إنّ هذا جبرئيل يخبرني أنّ هذا مقتول و هذه التربة التي يقتل عليها، فضعيه عندك، فإذا صارت دما فقد قتل حبيبي، فقالت أمّ سلمة: يا رسول اللّه سل اللّه أن يدفع ذلك عنه؟ قال: قد فعلت، فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليّ أنّ له درجة لا ينالها أحد من المخلوقين، و أنّ له شيعة يشفعون فيشفّعون، و إنّ المهديّ من ولده فطوبى لمن كان من أولياء الحسين و شيعته، هم و اللّه الفائزون يوم القيامة (3).
11- أمالي الطوسيّ: ابن حشيش، عن أبي المفضّل الشيبانيّ، عن محمّد بن عليّ بن معمّر، عن ابن أبي الخطّاب، عن ابن أبي عمير و محمّد بن سنان، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سمعته يقول: بينا الحسين (عليه السّلام) عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إذ أتاه جبرئيل فقال: يا محمّد أ تحبّه؟ قال: نعم، قال: أما إنّ أمّتك ستقتله، فحزن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لذلك حزنا شديدا، فقال جبرئيل (عليه السّلام): أ يسرّك أن اريك التربة التي يقتل فيها؟ قال: نعم. قال: فخسف جبرئيل (عليه السّلام) ما بين مجلس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إلى كربلا حتّى التقت القطعتان هكذا- و جمع بين السبابتين- فتناول بجناحيه من التربة فناولها رسول اللّه (4) (صلى اللّه عليه و آله)، ثم دحيت (5) الأرض أسرع من طرف العين، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): طوبى لك من تربة و طوبى لمن يقتل فيك.
كامل الزيارات: محمّد بن جعفر الرزّاز، عن محمّد بن الحسين، عن محمد بن سنان مثله (6).
____________
(1)- في المصدر: عن أبي جعفر (عليه السّلام).
(2)- في المصدر و إحدى نسختي الأصل: يقبله.
(3)- ص 120 ح 3 و البحار: 44/ 225 ح 5.
(4)- في المصدر و إحدى نسختي الأصل: لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله).
(5)- في المصدر و إحدى نسختي الأصل: دحى، و الدحو بمعنى البسط.
(6)- أمالي الطوسي: 1/ 321 و كامل الزيارات: ص 60 ح 5 البحار: 44/ 228 ح 9.
125
قال عبد الرحمن] (1) و لقد اخذ مغافصة (2) بات سكرانا و أصبح ميتا متغيّرا، كأنّه مطليّ بقار، اخذ على أسف و ما بقي أحد ممّن تابعه على قتله أو كان في محاربته إلّا أصابه جنون أو جذام أو برص و صار ذلك وراثة في نسلهم.
و منه: عبيد اللّه بن الفضل (3)، عن جعفر بن سليمان مثله (4)
3- أمالي الطوسي: عنه (5)، عن أبي المفضّل، عن ابن عقدة، عن إبراهيم بن عبد اللّه النّحويّ، عن محمّد بن سلمة (6)، عن يونس بن أرقم، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن أنس بن مالك أنّ عظيما من عظماء الملائكة استأذن ربّه عزّ و جلّ في زيارة النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) فأذن له، فبينما هو عنده إذ دخل عليه الحسين (عليه السّلام) فقبّله النبي (صلى اللّه عليه و آله) و أجلسه في حجره، فقال له الملك: أ تحبّه؟ قال: أجل أشد الحبّ إنّه ابني، قال له: إنّ أمّتك ستقتله، قال: أمّتي تقتل ولدي، [ابني هذا]؟ قال: نعم و إن شئت أريتك من التربة التي يقتل عليها، قال: نعم، فأراه تربة حمراء طيّبة الريح، فقال: إذا صارت هذه التربة دما عبيطا فهو علامة قتل ابنك هذا.
قال سالم بن أبي الجعد: اخبرت أنّ الملك كان ميكائيل (7).
4- و منه: عنه، عن أبي المفضّل، عن هاشم بن نقيبة (8) الموصليّ، عن جعفر بن محمّد بن جعفر المدائنيّ، عن زياد بن عبد اللّه المكاريّ، عن ليث بن أبي سليم، عن جذير أو جدمر (9) بن عبد اللّه المازنيّ، عن زيد مولى زينب بنت جحش، [عن زينب بنت جحش]
____________
(1)- من المصدر.
(2)- في المصدر: مناقصة. و قال الفيروزآبادي في قاموس المحيط «ج 2 ص 310» «غافصة» فاجأه و أخذه على غرّة، و الغافصة من أوازم الدهر.
(3)- في الأصل: عبد اللّه بن الفضل.
(4)- ص 61 ح 8 و ص 62 و البحار: 44/ 236 ح 27 و ج 45/ 309 ح 10.
(5)- المراد منه: محمد بن علي بن خشيش.
(6)- في الأصل: مسلم، و في البحار: مسلمة.
(7)- 1/ 321 و البحار: 44/ 228 ح 10.
(8)- في البحار: نقيّة، و في المصدر: تقية.
(9)- هكذا في المصدر، و في الأصل: صدير أو حدير، و في البحار: حدير أو حدمر و كذا ما بعده.
130
بيان: أقول: قد بيّنا معنى التقاء القطعتين في أحوال بلقيس في كتاب قصص الأنبياء (عليهم السّلام).
12- كامل الزيارات: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الأهوازيّ، عن النضر، عن يحيى الحلبيّ، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إنّ جبرئيل أتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و الحسين (عليه السّلام) يلعب بين يدي رسول اللّه (1) (صلى اللّه عليه و آله) فأخبره أنّ امّته ستقتله، قال: فجزع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال: أ لا اريك التربة التي يقتل فيها؟
قال: فخسف ما بين مجلس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إلى المكان الذي قتل فيه [الحسين (عليه السّلام)] حتّى التقت القطعتان فأخذ منها و دحيت في أسرع من طرفة العين، فخرج و هو يقول: طوبى لك من تربة و طوبى لمن يقتل حولك.
قال: و كذلك صنع صاحب سليمان تكلّم باسم اللّه الأعظم فخسف ما بين سرير سليمان و بين العرش من سهولة الأرض و حزونتها حتّى التقت القطعتان فاجترّ العرش قال سليمان: يخيّل إليّ أنّه خرج من تحت سريري، قال: و دحيت في أسرع من طرفة العين. (2)
13- كامل الزيارات: أبي، عن سعد، عن محمّد بن عبد الحميد، عن أبي جميلة، عن زيد الشحّام، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: نعى جبرئيل الحسين (عليه السّلام) إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في بيت أمّ سلمة فدخل عليه الحسين (عليه السّلام) و جبرئيل عنده فقال: إنّ هذا تقتله أمّتك، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): أرني من التربة التي يسفك فيها دمه، فتناول جبرئيل (عليه السّلام) قبضة من تلك التربة فإذا هي تربة حمراء (3)
و منه: أبي، عن سعد، عن عليّ بن إسماعيل و ابن أبي الخطّاب و ابن هاشم جميعا، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) مثله، و زاد فيه: فلم تزل عند أمّ سلمة حتّى ماتت رحمها اللّه (4).
14- و منه: أبي، عن سعد، عن محمّد بن الوليد الخزّاز، عن حمّاد بن عثمان عن عبد الملك بن أعين قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: إنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كان في
____________
(1)- في المصدر: يديه.
(2)- ص 59 ح 1 و البحار: 44/ 235 ح 22.
(3)- ص 59 ح 2 و البحار: 44/ 236 ح 23.
(4)- ص 60 ح 3 و البحار: 44/ 236 ح 24.
131
بيت أمّ سلمة و عنده جبرئيل (عليه السّلام) فدخل عليه الحسين (عليه السّلام) فقال له جبرئيل: إنّ أمّتك تقتل هذا ابنك أ لا اريك من تربة الأرض التي يقتل فيها؟ فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): نعم فأهوى جبرئيل (عليه السّلام) بيده و قبض قبضة منها فأراها النبيّ (صلى اللّه عليه و آله). (1)
15- و منه: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الوشّاء، عن أحمد بن عائذ عن أبي خديجة، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: لمّا ولدت فاطمة الحسين جاء جبرئيل إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال له: إنّ أمّتك تقتل الحسين (عليه السّلام) من بعدك، ثمّ قال: أ لا اريك من تربته (2) فضرب بجناحه فأخرج من تربة كربلا فأراها إيّاه، ثمّ قال: هذه التربة التي يقتل عليها (3).
7- باب جوامع ما أخبر اللّه تعالى نبيّنا (صلى اللّه عليه و آله) بشهادة الحسين (عليه السّلام)
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- إرشاد المفيد: روى سماك، عن ابن المخارق (4)، عن أمّ سلمة قالت: بينا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ذات يوم جالسا و الحسين (عليه السّلام) [جالس] في حجره إذ هملت عيناه بالدموع، فقلت [له]: يا رسول اللّه ما لي أراك تبكي جعلت فداك؟ [ف] قال: جاءني جبرئيل (عليه السّلام) فعزّاني يا بني الحسين (عليه السّلام) و أخبرني أنّ طائفة من أمّتي تقتله، لا أنا لها اللّه شفاعتي (5).
الأئمّة: الصادق (عليهم السّلام)
2- كامل الزيارات: أبي، عن سعد، عن اليقطينيّ، عن محمّد بن سنان، عن أبي سعيد القمّاط، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: بينا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)
____________
(1)- ص 60 ح 4 و البحار: 44/ 236 ح 25.
(2)- في الأصل و البحار: تربتها.
(3)- ص 61 ح 6 و البحار: 44/ 236 ح 26.
(4)- في الأصل: سماك بن المحارق، و الظاهر أنه اشتباه.
(5)- ص 281 و البحار: 44/ 239 ح 31.
133
جماعة من أصحابه مارّا في بعض الطريق و إذا هم بصبيان يلعبون في ذلك الطريق، فجلس النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) عند صبيّ منهم و جعل يقبّل ما بين عينيه و يلاطفه ثمّ أقعده على حجره و كان يكثر تقبيله فسئل عن علّة ذلك فقال: إنّي رأيت هذا الصبيّ يوما يلعب مع الحسين (عليه السّلام) و رأيته يرفع التراب من تحت قدميه و يمسح وجهه و عينيه فأنا احبّه لحبّه لولدي (1) الحسين (عليه السّلام)، و لقد أخبرني جبرئيل (عليه السّلام) أنّه يكون من أنصاره في وقعة كربلا (2).
____________
(1)- في الأصل: بولدي.
(2)- البحار: 44/ 242 ح 36.
132
في منزل فاطمة و الحسين (عليه السّلام) في حجره إذ بكى و خرّ ساجدا، ثمّ قال: يا فاطمة يا بنت محمّد إنّ العليّ الأعلى تراءى لي في بيتك هذا في ساعتي هذه في أحسن صورة و أهيإ هيئة و قال لي: يا محمّد أ تحبّ الحسين (عليه السّلام)؟ فقلت: نعم قرّة عيني و ريحانتي و ثمرة فؤادي و جلدة ما بين عيني، فقال لي: يا محمّد- و وضع يده على رأس الحسين (عليه السّلام)- بورك من مولود عليه بركاتي و صلاتي و رحمتي و رضواني، [و نقمتي] و لعنتي و سخطي و عذابي و خزيي و نكالي على من قتله و ناصبه و ناواه و نازعه، أما إنّه سيّد الشهداء من الأوّلين و الآخرين في الدنيا و الآخرة، و سيّد شباب أهل الجنّة من الخلق أجمعين و أبوه أفضل منه و خير، فاقرأه (منّي) السلام و بشّره بأنّه راية الهدى و منار أوليائي و حفيظي و شهيدي على خلقي و خازن علمي و حجّتي على أهل السماوات و أهل الأرضين و الثقلين الجن و الإنس (1).
توضيح: إنّ العليّ الأعلى أي رسوله جبرئيل (عليه السّلام) أو يكون الترائي كناية عن غاية الظهور العلمي و حسن الصورة كناية عن ظهور صفات كماله له و وضع اليد كناية عن إفاضة الرحمة.
3- كامل الزيارات: محمّد بن جعفر الرزّاز، عن ابن أبي الخطاب، عن محمّد ابن سنان، عن سعيد بن يسار أو غيره، قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: لمّا أن هبط جبرئيل على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بقتل الحسين (عليه السّلام) أخذ بيد عليّ فخلا به مليّا من النهار فغلبتهما [ال] عبرة فلم يتفرّقا حتّى هبط عليهما جبرئيل أو قال: رسول ربّ العالمين فقال لهما:
ربّكما يقرئكما السلام و يقول: [قد] عزمت عليكما لمّا صبرتما، قال: فصبرا.
و منه: ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن عيسى، عن محمّد بن سنان، عن سعيد مثله.
و منه: ابي، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن سنان، عن سعيد مثله (2).
م:
4- بعض مؤلّفات الأصحاب: روى أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كان يوما مع
____________
(1)- ص 70 ح 6 و البحار: 44/ 238 ح 29.
(2)- ص 55 ح 1 و البحار: 44/ 231 ح 15.
135
12- أبواب ما أخبر به الرسول و أمير المؤمنين و الحسن (عليهم السّلام) بشهادته (عليه السّلام)
1- باب ما أخبر به الرسول (صلى اللّه عليه و آله) بشهادته (عليه السّلام)
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- كتاب سليم بن قيس الهلاليّ: عن عبد اللّه بن جعفر، عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) قال: يقتل ابني الحسن (عليه السّلام) بالسمّ، و يقتل ابني الحسين (عليه السّلام) بالسّيف يقتله طاغ ابن طاغ دعيّ ابن دعي (1).
2- أمالي الصدوق: ابن مسرور، عن ابن عامر، عن عمّه، عن الأزديّ عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): من سرّه أن يحيا حياتي و يموت ميتتي و يدخل جنّة عدن منزلي و يمسك (2) قضيبا غرسه ربّي عزّ و جلّ، ثمّ قال له: كن فكان (3) فليتولّ علي بن أبي طالب (عليه السّلام) و ليأتمّ بالأوصياء من ولده فإنّهم عترتي، خلقوا من طينتي، إلى اللّه أشكو
____________
(1)- ص 233 و البحار: 8/ 582 ط حجر.
(2)- في المصدر: فكان يتمسك.
(3)- في المصدر: فيكون.
136
أعداءهم من أمّتي المنكرين لفضلهم، القاطعين فيهم صلتي، و أيم اللّه ليقتلنّ (1) [ابني] بعدي الحسين (عليه السّلام) لا أنا لهم اللّه شفاعتي (2).
3- بصائر الدرجات: محمّد بن الحسين (3)، عن يزيد بن شعر (4)، عن هارون ابن حمزة، عن أبي عبد الرحمن، عن سعد الاسكاف، عن محمّد بن عليّ بن عمر بن عليّ ابن أبي طالب (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): من سرّه أن يحيا حياتي، و يموت ميتتي، و يدخل جنّة ربّي التي وعدني جنّة عدن منزلي، قضيب من قضبانه غرسه ربّي تبارك و تعالى بيده، فقال له: كن فكان، فليتولّ عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) و الأوصياء من ذرّيّته، إنّهم الأئمّة من بعدي، هم عترتي من لحمي و دمي، رزقهم اللّه فضلي و علمي و ويل للمنكرين فضلهم من أمّتي القاطعين صلتي، و اللّه ليقتلنّ ابني لا أنا لهم اللّه شفاعتي (5).
كامل الزيارات: ابن الوليد، عن الصفّار، عن اليقطيني، عن زكريّا المؤمن عن أيّوب بن عبد الرحمن و زيد بن أبي الحسن و عباد جميعا، عن سعد الاسكاف، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) مثله (6).
توضيح: قوله «قضيب» أي فيها قضيب.
4- المناقب لابن شهرآشوب: ابن عبّاس: سألت هند عائشة أن تسأل النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) تعبير رؤيا، فقال: قولي لها فلتقصص رؤياها، فقالت: رأيت كأنّ الشمس قد طلعت من فوقي، و القمر قد خرج من مخرجي، و كأنّ كوكبا خرج من القمر أسود فشدّ على شمس خرجت من الشمس أصغر من الشمس فابتلعها (7) فاسودّ الافق لابتلاعها ثمّ رأيت كواكب بدت من السماء و كواكب مسودّة في الأرض إلّا أنّ المسودّة أحاطت بافق
____________
(1)- في المصدر: لتقتلنّ.
(2)- ص 39 ح 11 و البحار: 44/ 257 ح 6.
(3)- في المصدر: محمد بن الحسن.
(4)- في البحار: يزيد شعر
(5)- بصائر الدرجات ص 50 ح 7 و البحار: 44/ 258 ح 9.
(6)- كامل الزيارات ص 69 ح 3، و فيه: عن أبي جعفر (عليه السّلام)، و البحار: 44 ص 259 ذ ح 9 و ص 302 ح 12.
(7)- في الأصل: فابتلعتها.
137
الأرض من كلّ مكان.
فاكتحلت عين رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بدموعه ثمّ قال: هند هي اخرجي يا عدوّة اللّه- مرّتين- فقد جددت عليّ أحزاني و نعيت إليّ أحبابي، فلمّا خرجت، قال: اللّهمّ العنها و العن نسلها.
فسئل عن تعبيرها (1) فقال (صلى اللّه عليه و آله): أمّا الشمس التي طلعت عليها فعليّ بن أبي طالب و الكوكب الذي خرج كالقمر أسود فهو معاوية مفتون فاسق جاحد للّه و تلك الظلمة التي زعمت، و رأت كوكبا يخرج من القمر أسود فشدّ على شمس خرجت من الشمس أصغر من الشمس فابتلعها (2) فاسودّت فذلك ابني الحسين (عليه السّلام) يقتله ابن معاوية فتسودّ الشمس و يظلم الافق، و أمّا الكواكب السود (3) في الأرض أحاطت بالأرض (4) من كلّ مكان فتلك بنو اميّة (5).
5- كفاية الأثر: بإسناده، عن ابن عبّاس قال: دخلت على النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و الحسن (عليه السّلام) على عاتقه و الحسين (عليه السّلام) على فخذه يلثمهما و يقبّلهما و يقول: اللّهمّ وال من والاهما، و عاد من عاداهما، ثمّ قال: يا ابن عبّاس كأنّي به و قد خضبت شيبته من دمه، يدعو فلا يجاب، و يستنصر فلا ينصر، قلت: فمن يفعل ذلك يا رسول اللّه؟ قال (أ) شرار أمّتي، ما لهم لا أنا لهم اللّه شفاعتي،- الخبر (6)-.
6- مثير الأحزان: عن ابن عبّاس قال: لمّا اشتدّ برسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) مرضه الذي مات فيه، [و قد] ضمّ الحسين (عليه السّلام) إلى صدره يسيل من عرقه عليه و هو يجود بنفسه، و يقول: ما لي و ليزيد، لا بارك اللّه فيه، اللّهمّ العن يزيد ثمّ غشي عليه طويلا و أفاق و جعل يقبّل الحسين (عليه السّلام) و عيناه تذرفان، و يقول: أما إنّ لي و لقاتلك مقاما بين يدي اللّه عزّ و جل: (7).
الأئمّة: الباقر (عليهم السّلام)، عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)
____________
(1)- في البحار: تفسيرها.
(2)- في الأصل و المصدر: فابتلعتها.
(3)- في المصدر: المسودّة.
(4)- في المصدر: الأرض.
(5)- 3/ 227 و البحار: 44/ 263 ح 21.
(6)- ص 16 و البحار: 36/ 285 ح 107.
(7)- ص: 22 البحار: 44/ 266 ح 24.
139
لحمي و دمي، إلى اللّه أشكو من أمّتي المنكرين لفضلهم، القاطعين فيهم صلتي، و أيم اللّه ليقتلنّ ابني- يعني الحسين (عليه السّلام)- لا أنا لهم اللّه شفاعتي (1).
10- كامل الزيارات: أبي و ابن الوليد معا، عن سعد، عن اليقطينيّ، عن صفوان و جعفر بن عيسى، عن الحسين بن أبي غندر، عمّن حدّثه، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: كان الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) ذات يوم في حجر النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) يلاعبه و يضاحكه فقالت عائشة: يا رسول اللّه ما أشدّ إعجابك بهذا الصبيّ؟ فقال لها: ويلك و كيف لا احبّه و لا اعجب به، و هو ثمرة فؤادي و قرّة عيني، أما إنّ أمّتي ستقتله، فمن زاره بعد وفاته كتب اللّه له حجّة من حججي (2).
قالت: يا رسول اللّه حجّة من حججك؟ قال: نعم، و حجّتين من حججي قالت: يا رسول اللّه حجّتين من حججك؟ قال: نعم، و أربعة، قال: فلم تزل تزاده و يزيد و يضعفه حتّى بلغ تسعين حجّة من حجج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بأعمارها.
أمالي الطوسي: الحسين بن إبراهيم القزوينيّ، عن محمّد بن وهبان، عن عليّ بن حبيش، عن العبّاس بن محمّد بن الحسين، عن أبيه، عن صفوان، عن الحسين مثله. (3)
11- تفسير فرات: جعفر بن محمّد الفزاريّ معنعنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: كان الحسين (عليه السّلام) مع امّه تحمله فأخذه النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و قال: لعن اللّه قاتلك، و لعن اللّه سالبك، و أهلك اللّه المتوازرين عليك، و حكم اللّه بيني و بين من أعان عليك.
قالت فاطمة الزهراء (عليها السّلام): يا أبه أيّ شيء تقول؟ قال: يا بنتاه ذكرت ما يصيبه بعدي و بعدك من الأذى و الظلم و الغدر و البغي، و هو يومئذ في عصبة كأنّهم نجوم السماء يتهادون إلى القتل، و كأنّي أنظر إلى معسكرهم، و إلى موضع رحالهم و تربتهم.
قالت: يا أبه و أين هذا الموضع الذي تصف؟ قال: موضع يقال له: كربلا و هي دار (4) كرب و بلاء علينا و على الأمّة (5) يخرج عليهم شرار أمّتي «لو أنّ أحدهم شفع» (6) له
____________
(1)- ص 52 ح 17 و البحار: 44/ 259 ح 10.
(2)- في نسختي الأصل: حجّتي، حجّي.
(3)- كامل الزيارات ص 68 ح 1 و أمالي الطوسى: 2/ 280 و البحار: 44/ 260 و ج 101/ 35 ح 42.
(4)- ذات/ خ ل.
(5)- في الأصل و خ ل البحار: الأئمة.
(6)- في المصدر: و إنّ أحدهم لو يشفع.
138
7- كامل الزيارات: محمّد الحميري، عن أبيه، عن ابن أبي الخطّاب، عن محمّد بن حمّاد الكوفي، عن إبراهيم بن موسى الأنصاري، عن مصعب، عن جابر، عن محمّد بن عليّ قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): من سرّه أن يحيا حياتي و يموت مماتي و يدخل جنّتي: جنّة عدن غرسها ربّي بيده، فليتولّ عليّا و يعرف فضله و الأوصياء من بعده (1)، و يتبرّأ من عدوّي، أعطاهم اللّه فهمي و علمي، هم عترتي من لحمي و دمي، أشكو إليك (2) ربّي عدوّهم من أمّتي، المنكرين لفضلهم، القاطعين فيهم صلتي، و اللّه ليقتلنّ ابني ثمّ لا تنالهم شفاعتي. (3)
8- و منه: الحسن بن عبد اللّه بن محمّد، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عليّ بن شجرة، [عن سلام الجعفي،] عن عبد اللّه بن محمّد الصنعاني، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال:
كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إذا دخل الحسين (عليه السّلام) اجتذبه (4) إليه ثمّ يقول لأمير المؤمنين (عليه السّلام):
أمسكه ثمّ يقع عليه فيقبّله و يبكي، يقول: يا أبه لم تبكي؟ فيقول: يا بنيّ اقبّل موضع السيوف منك و أبكي، قال: يا أبه و اقتل؟ قال: إي و اللّه و أبوك و أخوك و أنت قال: يا أبه فمصارعنا (5) شتى؟ قال: نعم يا بني، قال: فمن يزورنا من امتك؟ قال: لا يزورني و يزور أباك و أخاك و أنت إلّا الصدّيقون من أمّتي (6).
الصادق، عن أبيه (عليهما السّلام)
9- بصائر الدرجات: سلّام بن أبي عمرة الخراساني، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللّه، عن أبيه أنّه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): من أراد أن يحيا حياتي و يموت ميتتي (7)، و يدخل جنّة [ربّي: جنة] عدن غرسه ربّي، فليتولّ عليّا و ليعاد عدوّه، و ليأتمّ بالأوصياء من بعده فإنّهم أئمّة الهدى من بعدي أعطاهم اللّه تعالى فهمي و علمي، و هم عترتي من
____________
(1)- بعدي/ خ.
(2)- في المصدر: إلى.
(3)- ص 71 ح 7 و البحار: 44/ 260 ح 13.
(4)- في المصدر: جذبه.
(5)- في الاصل و البحار: 100: «فمصادرنا».
(6)- ص 70 ح 4 و البحار: 44/ 261 ح 14 و ج 100/ 119 ح 14.
(7)- في المصدر: مماتي.
140
من في السماوات و الأرضين ما شفّعوا فيه، و هم المخلّدون في النار.
قالت: يا أبه فيقتل؟ قال: نعم يا بنتاه، و ما قتل قتلته (1) أحد كان قبله و تبكيه (أهل) السماوات و الأرضين، و الملائكة، و الوحش، (و الحيتان)، و النباتات، (2) و البحار و الجبال، و لو يؤذن لها ما بقي على الأرض متنفّس، و يأتيه قوم من محبّينا ليس في الأرض أعلم باللّه و لا أقوم بحقّنا منهم، و ليس على ظهر الأرض أحد يلتفت إليه غيرهم اولئك مصابيح في ظلمات الجور، و هم الشفعاء و هم واردون حوضي غدا (3) أعرفهم إذا وردوا عليّ بسيماهم و كلّ أهل دين يطلبون أئمّتهم، و هم يطلبوننا لا يطلبون غيرنا، و هم قوّام الأرض، و بهم ينزل الغيث.
فقالت فاطمة الزهراء (عليها السّلام): يا أبه إنّا للّه و بكت، فقال لها: يا بنتاه «إنّ أفضل أهل الجنان» (4) هم الشهداء في الدنيا بذلوا أنفسهم و أموالهم بأنّ لهم الجنّة يقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون و يقتلون وعدا عليه حقّا (5)، فما عند اللّه خير من الدنيا و ما فيها (6) قتلة أهون من ميتة، [و] من كتب عليه القتل، خرج إلى مضجعه، و من لم يقتل فسوف يموت.
يا فاطمة بنت محمّد أ ما تحبين أن تأمرين غدا بأمر فتطاعين في هذا الخلق عند الحساب؟ أ ما ترضين أن يكون ابنك من حملة العرش؟ أ ما ترضين أن يكون أبوك يأتونه يسألونه الشفاعة؟ أ ما ترضين أن يكون بعلك يذود الخلق يوم العطش عن الحوض فيسقي منه أولياءه و يذود عنه أعداءه؟ أ ما ترضين أن يكون بعلك قسيم النار (7)؛ يأمر النار فتطيعه، يخرج منها من (8) يشاء و يترك من يشاء؟
أ ما ترضين أن تنظرين إلى الملائكة على أرجاء السماء [و] ينظرون إليك و إلى ما تأمرين به، و ينظرون إلى بعلك قد حضر الخلائق و هو يخاصمهم عند اللّه فما ترين اللّه صانع بقاتل ولدك و قاتليك و قاتل بعلك إذا أفلجت (9) حجّته على الخلائق، و امرت النار أن تطيعه؟.
____________
(1)- في المصدر: قتله.
(2)- في/ خ ل.
(3)- في الأصل: هذا.
(4)- في المصدر: إن أهل الجنّة.
(5)- في المصدر: الحق.
(6)- في المصدر: و ما فيه.
(7)- في المصدر: الجنّة.
(8)- في الأصل: ما.
(9)- قال الطريحي في مجمع البحرين «ج 2 ص 323»: و أفلج اللّه حجّته: أي أظهرها.
142
ثمّ أذّن في اذنه اليمنى و أقام في اذنه اليسرى، و قال لعليّ: بما سمّيت ابني (1) هذا؟ قال:
ما كنت لأسبقك باسمه يا رسول اللّه، قال (صلى اللّه عليه و آله): و أنا ما كنت لأسبق ربّي عزّ و جلّ، قال: فهبط جبرئيل (عليه السّلام) و قال: إنّ اللّه يقرأ عليك السلام و يقول لك: يا محمّد عليّ منك بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدك، فسمّ ابنك باسم ابن هارون، قال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): [يا جبرائيل] و ما اسم ابن هارون؟ قال جبرئيل (عليه السّلام): شبّر، قال: و ما شبّر؟
قال: الحسن قالت أسماء: فسمّاه الحسن.
قالت أسماء: فلمّا ولدت فاطمة الحسين (عليهما السّلام) نفستها به فجاءني النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) فقال: هلمّي ابني يا أسماء، فدفعته إليه في خرقة بيضاء ففعل به كما فعل بالحسن (عليه السّلام)، قالت: و بكى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ثمّ قال: إنّه سيكون لك حديث، اللّهمّ العن قاتله، لا تعلمي فاطمة بذلك.
قالت أسماء: فلمّا كان في يوم سابعه جاءني النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) فقال: هلمّي ابني فأتيته به، ففعل به كما فعل بالحسن و عقّ عنه كما عقّ عن الحسن (عليه السّلام) كبشا أملح و أعطى القابلة الورك و رجلا و حلق رأسه و تصدّق بوزن الشعر ورقا، و خلّق رأسه بالخلوق (2)، و قال: إنّ الدّم من فعل الجاهليّة.
قالت: ثمّ وضعه في حجره ثمّ قال: يا أبا عبد اللّه عزيز عليّ، ثمّ بكى، فقلت:
بأبي أنت و امّي فعلت في هذا اليوم و في اليوم الأوّل فما هو؟ قال: أبكي على ابني هذا تقتله فئة باغية كافرة من بني اميّة لا أنا لهم اللّه شفاعتي يوم القيامة، يقتله رجل يثلم الدين و يكفر باللّه العظيم، ثمّ قال: اللّهمّ [و] إنّي أسألك فيهما ما سألك إبراهيم (عليه السّلام) في ذرّيّته، اللّهمّ أحبّهما و أحبّ من يحبّهما، و العن من يبغضهما ملء السماوات و الأرض. (3)
توضيح: نفستها به: لعلّ المعنى كنت قابلتها و إن لم يرد بهذا المعنى فيما عندنا من اللّغة و يحتمل أن يكون من نفس به بالكسر بمعنى ظنّ، أي ظننت به و أخذته منها، و خلّقه
____________
(1)- في المصدر: ابنك.
(2)- قال ابن الاثير في النهاية «ج 2 ص 71»: الخلوق: هو طيب معروف مركب يتّخذ من الزعفران و غيره من أنواع الطيب، و تغلب عليه الحمرة و الصفرة.
(3)- 1/ 377 و البحار: 44/ 250 ح 1.
143
تخليقا طيّبه.
قوله (صلى اللّه عليه و آله): «عزيز عليّ» أي قتلك، قال الجزريّ: عزّ عليّ يعزّ أن أراك بحال سيّئة أي يشتدّ و يشقّ عليّ.
2- باب إخبار أمير المؤمنين (عليه السّلام) بشهادته (عليه السّلام)
الأخبار: الصحابة و التابعين، عن أمير المؤمنين (عليه السّلام)
1- أمالي الصدوق: أبي، عن الكميدانيّ، عن ابن عيسى، عن ابن أبي نجران، عن جعفر بن محمّد الكوفيّ، عن عبد السمين (1)، عن ابن طريف، عن ابن نباتة قال: بينا أمير المؤمنين (عليه السّلام) يخطب الناس و هو يقول: سلوني قبل أن تفقدوني فو اللّه لا تسألوني عن شيء مضى و لا عن شيء يكون إلّا نبّأتكم (2) به، فقام إليه سعد بن أبي وقّاص (3) فقال: يا أمير المؤمنين [عليك السلام] أخبرني كم في رأسي و لحيتي من شعرة، فقال له: أما و اللّه لقد سألتني عن مسألة حدّثني خليلي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إنّك ستسألني (4) عنها، و ما في رأسك [و لحيتك] من شعرة إلّا و في أصلها شيطان جالس، و إنّ في بيتك لسخلا يقتل الحسين ابني و عمر بن سعد يومئذ يدرج بين يديه.
كامل الزيارات: أبي، عن سعد، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن ابن أبي نجران، عن جعفر بن محمد بن حكيم، عن عبد (5) السمين يرفعه إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال: كان أمير المؤمنين (عليه السّلام) يخطب الناس و ذكر مثله (6).
2- أمالي الصدوق: السنانيّ، عن ابن زكريا، عن ابن حبيب، عن ابن
____________
(1)- في المصدر و البحار: عبيد السّمين.
(2)- في المصدر: أنبأتكم.
(3)- راجع حاشية البحار: 44 ص 257، فإنّ السائل المتعنت مشكوك فيه.
(4)- في المصدر: تسألني.
(5)- في البحار: عبيد، و قال المحشي في كامل الزيارات: و الظاهر أنه هو عبد الحميد بن أبي العلاء الكوفي الشهير بالسمين، فما في بعض النسخ من عبيد السمين تصحيف.
(6)- أمالي الصدوق ص 115 ح 1 و كامل الزيارات ص 74 ح 12 و البحار: 44/ 256 ح 5.
141
أ ما ترضين أن تكون الملائكة تبكي لابنك و يأسف (1) عليه كلّ شيء؟ أ ما ترضين أن يكون من أتاه زائرا في ضمان اللّه، و يكون من أتاه بمنزلة من حجّ إلى بيت اللّه [الحرام] و اعتمر، و لم يخل من الرحمة طرفة عين، و اذا مات مات شهيدا و إن بقي لم تزل الحفظة تدعو له ما بقي، و لم يزل في حفظ اللّه و أمنه حتّى يفارق الدنيا.
قالت: يا أبه سلّمت و رضيت و توكلت على اللّه، فمسح على قلبها و مسح عينها، و قال: إنّي و بعلك و أنت و ابنيك (2) في مكان تقرّ عيناك و يفرح قلبك.
كامل الزيارات: محمّد الحميريّ، عن أبيه، عن عليّ بن محمّد بن سالم، عن محمّد بن خالد، عن عبد اللّه بن حمّاد البصريّ، عن عبد اللّه بن عبد الرحمن الأصمّ، عن مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) مثله إلى قوله: بهم ينزل الغيث، ثمّ قال: و ذكر [هذا] الحديث بطوله (3).
توضيح: قوله: «يتهادون إلى القتل» إمّا من الهدية كأنّه يهدي بعضهم بعضا إلى القتل، أو من قولهم: «تهادت المرأة» تمايلت في مشيتها، أو من قولهم: هداه أي يتقدّمه أي يتسابقون، و على التقديرات كناية عن فرحهم و سرورهم بذلك، و الذّود: الطرد و الدفع.
الرضا، عن آبائه، عن عليّ بن الحسين (عليهم السّلام)، عن أسماء بنت عميس
12- أمالي الطوسي: بإسناد أخي دعبل، عن الرضا، عن آبائه، عن عليّ بن الحسين (عليهما السّلام)، قال: حدّثتني أسماء بنت عميس الخثعميّة قالت: (أ) قبلت (4) جدّتك فاطمة بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بالحسن و الحسين (عليهما السّلام) قالت: فلمّا ولدت الحسن (عليه السّلام) جاء النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)، فقال: يا أسماء هاتي ابني، قالت: فدفعته إليه في خرقة صفراء، فرمى بها و قال: أ لم أعهد إليكم أن لا تلفّوا المولود في خرقة صفراء، و دعا بخرقة بيضاء فلفّه بها (5)،
____________
(1)- في البحار: و تأسف.
(2)- في الأصل: و ابنك.
(3)- تفسير فرات ص 55 و كامل الزيارات ص 68 ح 2 و البحار: 44/ 264 ح 22.
(4)- قال ابن الأثير الجزري في النهاية «ج 4 ص 9»: «قبلت القابلة الولد تقبله» إذا تلقته عند ولادته من بطن أمه.
(5)- في المصدر: فيها.
144
بهلول، عن ابن عاصم، عن الحصين بن عبد الرحمن، عن مجاهد، عن ابن عباس قال:
كنت مع أمير المؤمنين (عليه السّلام) في خرجته إلى صفّين، فلمّا نزل بنينوى و هو بشطّ الفرات، قال بأعلى صوته: يا ابن عبّاس أ تعرف هذا الموضع؟ قلت له: ما أعرفه يا أمير المؤمنين، فقال (عليه السّلام): لو عرفته كمعرفتي لم تكن تجوزه حتّى تبكي كبكائي.
قال: فبكى طويلا حتّى اخضلّت (1) لحيته، و سالت الدموع على صدره، و بكينا معا و هو يقول: أوّه أوّه مالي و لآل أبي سفيان؟ مالي و لآل حرب حزب الشيطان و أولياء الكفر (و الطغيان)؟ صبرا يا أبا عبد اللّه فقد لقي أبوك مثل الذي تلقى منهم.
ثمّ دعا بماء فتوضّأ وضوء الصلاة (2) فصلّى ما شاء اللّه أن يصلّي ثمّ ذكر نحو كلامه الأوّل إلّا أنّه نعس عند انقضاء صلاته و كلامه ساعة، ثمّ انتبه فقال: يا ابن عباس، فقلت: ها أنا ذا فقال: أ لا احدّثك بما رأيت في منامي آنفا عند رقدتي، فقلت: نامت عيناك و رأيت خيرا يا أمير المؤمنين.
قال: رأيت كأنّي برجال قد نزلوا من السماء معهم أعلام بيض قد تقلّدوا سيوفهم و هي بيض تلمع، و قد خطّوا حول هذه الأرض خطّة ثمّ رأيت كأنّ هذه النخيل قد ضربت بأغصانها الأرض تضطرب بدم عبيط، و كأنّي بالحسين (عليه السّلام) سخلي (3) و فرخي و مضغتي و مخّي قد غرق فيه يستغيث فيه فلا يغاث، و كأنّ الرجال البيض قد نزلوا من السماء ينادونه و يقولون: صبرا آل الرسول (صلى اللّه عليه و آله) فإنّكم تقتلون على أيدي شرار الناس، و هذه الجنّة يا أبا عبد اللّه إليك مشتاقة ثمّ يعزّونني و يقولون: يا أبا الحسن أبشر، فقد أقرّ اللّه به عينك [يوم القيامة] يوم يقوم الناس لربّ العالمين.
ثمّ انتبهت [و] هكذا و الّذي نفس عليّ بيده، لقد حدّثني الصادق المصدّق أبو القاسم أني سأراها في خروجي إلى أهل البغي علينا، و هذه أرض كرب و بلاء يدفن فيها الحسين (عليه السّلام) و سبعة عشر رجلا من ولدي و ولد فاطمة (عليها السّلام) و إنّها لفي السماوات
____________
(1)- اختضبت/ خ ل.
(2)- في المصدر: وضوءه للصلاة.
(3)- في المصدر و إحدى نسختي الأصل: سخيلي، و السّخل: المولود المحبّب إلى أبويه، و هو في الأصل ولد الغنم. «النهاية ج 2 ص 350».
145
معروفة تذكر أرض كرب و بلاء، كما تذكر بقعة الحرمين و بقعة بيت المقدس.
ثمّ قال لي: يا ابن عبّاس اطلب في حولها بعر الظباء فو اللّه ما كذبت و لا كذّبت و هي مصفرّة، لونها لون الزعفران، قال ابن عباس: فطلبتها فوجدتها مجتمعة فناديته يا أمير المؤمنين قد أصبتها على الصفة التي وصفتها لي، فقال عليّ (عليه السّلام): صدق اللّه و رسوله.
ثمّ قام يهرول إليها فحملها و شمّها، و قال: هي هي بعينها، أتعلم يا بن عباس ما هذه الأبعار؟ هذه قد شمّها عيسى بن مريم (عليه السّلام)، و ذلك إنّه مرّ بها و معه الحواريّون فرأى هاهنا الظباء مجتمعة و هي تبكي، فجلس عيسى (عليه السّلام) و جلس الحواريّون معه فبكى و بكى الحواريّون، و هم لا يدرون لم جلس و لم بكى.
فقالوا: يا روح (1) اللّه و كلمته ما يبكيك؟ قال: أ تعلمون أيّ أرض هذه؟ قالوا: لا.
قال: هذه أرض يقتل فيها فرخ الرسول أحمد (صلى اللّه عليه و آله) و فرخ الحرّة الطاهرة البتول، شبيهة امّي و يلحد فيها طينة أطيب من المسك لأنّها طينة الفرخ المستشهد، و هكذا يكون طينة الأنبياء و أولاد الأنبياء، فهذه الظباء تكلّمني و تقول: إنّها ترعى في هذه الأرض شوقا إلى تربة الفرخ المبارك و زعمت أنّها آمنة في هذه الأرض.
ثمّ ضرب بيده إلى هذه الصيران (2) فشمّها و قال: هذه بعر الظباء على هذه الطيب لمكان حشيشها، اللّهمّ فابقها أبدا حتّى يشمّها أبوه فيكون له عزاء و سلوة، قال: فبقيت إلى يوم الناس هذا و قد اصفرّت لطول زمنها و هذه أرض كرب و بلاء، ثمّ قال بأعلى صوته: يا ربّ عيسى بن مريم لا تبارك في قتلته، و المعين عليه، و الخاذل له.
ثمّ بكى بكاء طويلا و بكينا معه، حتّى سقط لوجهه و غشي عليه طويلا، ثمّ أفاق فأخذ البعر فصرّه في ردائه و أمرني أن أصرّها كذلك، ثمّ قال: يا ابن عباس إذا رأيتها تنفجر دما عبيطا و يسيل منها دم عبيط، فاعلم إنّ أبا عبد اللّه قد قتل بها و دفن.
قال ابن عباس: فو اللّه لقد كنت أحفظها أشدّ من حفظي لبعض ما افترض اللّه
____________
(1)- يا رسول/ خ ل.
(2)- الأبعار/ خ، و الصيران: جمع صوار- كغراب و كتاب- و من معانيها وعاء المسك، كأنه أراد تشبيه البعر بنافخة المسك لطيبها، و يحتمل أن يكون جمع صور- بالفتح- و أراد به الحشيش الملتف النابت في تلك الارض «عن هامش البحار».
146
عليّ و أنا لا احلّها من طرف كمي، فبينما أنا نائم في البيت إذا انتبهت فإذا هي تسيل دما عبيطا، و كان كمي قد امتلأ دما عبيطا، فجلست و أنا باك و قلت: قد قتل و اللّه الحسين، و اللّه ما كذّبني عليّ قط في حديث حدّثني، و لا أخبرني بشيء قطّ أنّه يكون إلّا كان كذلك، لأنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كان يخبره بأشياء لا يخبر بها غيره.
ففزعت و خرجت، و ذلك عند الفجر فرأيت و اللّه المدينة كأنّها ضباب لا يستبين منها أثر عين، ثمّ طلعت الشمس و رأيت كأنّها منكسفة، و رأيت كأنّ حيطان المدينة عليها دم عبيط، فجلست و أنا باك فقلت: قد قتل و اللّه الحسين (عليه السّلام) و سمعت صوتا من ناحية البيت و هو يقول:
اصبروا آل الرسول * * * قتل الفرخ النحول
نزل الروح الأمين * * * ببكاء و عويل
ثمّ بكى بأعلى صوته و بكيت فأثبتّ عندي تلك الساعة، و كان شهر المحرّم يوم عاشورا لعشر مضين منه، فوجدته قتل يوم ورد علينا خبره و تأريخه كذلك فحدّثت هذا الحديث اولئك الذين كانوا معه، فقالوا: و اللّه لقد سمعنا ما سمعت و نحن في المعركة و لا ندري ما هو، فكنّا نرى أنّه الخضر.
كمال الدين: أحمد بن محمّد بن الحسن القطّان و كان شيخا لأصحاب الحديث ببلد الري يعرف بأبي عليّ بن عبد ربّه، عن أحمد بن يحيى بن زكريّا بالاسناد المتقدّم مثله سواء (1).
توضيح: قال الجوهريّ: قولهم عند الشكاية أوه من كذا ساكنة الواو إنّما هو توجّع، و ربّما قلبوا الواو ألفا فقالوا: آه من كذا، و ربّما شدّدوا الواو و كسروها و سكّنوا الهاء فقالوا:
أوّه من كذا و قال: «المضغة» قطعة لحم، و قلب الإنسان مضغة من جسده.
قوله (عليه السّلام): «و لا كذّبت» على بناء المجهول، من قولهم: كذب الرجل أي أخبر بالكذب أي ما أخبرني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بكذب قطّ، و يحتمل أن يكون على بناء التفعيل أي ما أظهر أحد كذبي و الأوّل أظهر، و الضباب بالفتح ندى كالغيم أو سحاب رقيق
____________
(1)- أمالي الصدوق ص 478 ح 5 و إكمال الدين: 2/ 532 ح 1 و البحار: 44/ 252 ح 2 و 3.
147
كالدخان، قوله: «أثر عين» أي من الأعيان الموجودة في الخارج، و النّحول من النّحل بالضّم بمعنى الهزال.
3- أمالي الصدوق: القطّان، عن السكّريّ، عن الجوهريّ، عن قيس بن حفص الدارميّ، عن حسين الأشقر، عن منصور بن الأسود، عن ابي حسّان التيميّ، عن نشيط بن عبيد، عن رجل منهم، عن جرداء بنت سمين، عن زوجها هرثمة بن أبي مسلم، قال: غزونا مع عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) صفّين، فلمّا انصرفنا نزل بكربلاء فصلّى بها الغداة، ثمّ رفع إليه من تربتها فشمّها، ثمّ قال: واها لك أيّتها التربة ليحشرنّ منك أقوام يدخلون الجنة بغير حساب.
فرجع هرثمة إلى زوجته، و كانت شيعة لعليّ (عليه السّلام) فقال: أ لا احدّثك عن (1) وليّك أبي الحسن، نزل بكربلاء فصلّى، ثمّ رفع إليه من تربتها، فقال: واها لك أيّتها التربة ليحشرن منك أقوام يدخلون الجنّة بغير حساب، قالت: أيّها الرجل فإنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) لم يقل إلّا حقّا.
فلمّا قدم الحسين (عليه السّلام)، قال هرثمة: كنت في البعث الذين بعثهم عبيد اللّه بن زياد، فلمّا رأيت المنزل و الشجر ذكرت الحديث فجلست على بعيري ثمّ صرت إلى الحسين (عليه السّلام) فسلمت عليه و أخبرته بما سمعت من أبيه في ذلك المنزل الذي نزل به الحسين (عليه السّلام)، فقال: معنا أنت أم (2) علينا؟ فقلت: لا معك و لا عليك خلّفت صبية أخاف عليهم عبيد اللّه بن زياد، قال: فامض حيث لا ترى لنا مقتلا و لا تسمع لنا صوتا فو الّذي نفس [ال] حسين (عليه السّلام) بيده لا يسمع اليوم واعيتنا احد فلا يعيننا إلّا أكبّه اللّه لوجهه (3) في جهنم (4).
توضيح: قال الجوهري: إذا تعجّبت من طيب شيء قلت: واها له ما أطيبه.
أقول: لعلّ المراد إنّ مع سماع الواعية و ترك النصرة العذاب أشدّ و إلّا فالظاهر وجوب نصرتهم على أي حال.
____________
(1)- في الأصل: من.
(2)- أو/ خ.
(3)- في الأصل: بوجهه.
(4)- ص 117 ح 6 و البحار: 44/ 255 ح 4.
148
4- بصائر الدرجات: عبد اللّه بن محمّد، عن ابن محبوب، عن أبي حمزة، عن سويد بن غفلة قال: إنّا عند أمير المؤمنين (عليه السّلام) إذ [ا] أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين جئتك من وادي القرى و قد مات خالد بن عرفطة، فقال له أمير المؤمنين (عليه السّلام): إنّه لم يمت فأعادها (1) عليه، فقال [له] عليّ (عليه السّلام): (إنه) لم يمت و الذي نفسي بيده لا يموت، فأعادها عليه الثالثة، فقال: سبحان اللّه اخبرك أنّه مات، و تقول: لم يمت، فقال له عليّ (عليه السّلام):
لم يمت و الذي نفسي بيده، لا يموت حتى يقود جيش ضلالة يحمل رايته حبيب بن جمّاز.
قال: فسمع بذلك حبيب فأتى أمير المؤمنين (عليه السّلام) فقال له: اناشدك (2) فيّ و إني لك شيعة، و قد ذكرتني بأمر لا و اللّه ما أعرفه من نفسي.
فقال له عليّ (عليه السّلام): إن كنت حبيب بن جمّاز فتحملنّها (3)، فولّى حبيب بن جمّاز و قال: إن كنت حبيب بن جماز لتحملنّها.
قال أبو حمزة: فو اللّه ما مات حتّى بعث عمر بن سعد إلى الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) و جعل خالد بن عرفطة على مقدّمته و حبيب صاحب رايته.
إرشاد المفيد: الحسن بن محبوب، عن ثابت الثماليّ، عن أبي إسحاق السبيعيّ، عن سويد بن غفلة، عنه مثله و زاد في آخره: و سار بها حتّى دخل المسجد من باب الفيل (4).
5- كمال الدين: بإسناده عن الأصبغ بن نباته، عن عليّ (عليه السّلام) في حديث له: و خير الخلق و سيّدهم بعد الحسن ابني أخوه الحسين المظلوم بعد أخيه المقتول في أرض كرب و بلاء ألا (و) إنّه و أصحابه من سادة (5) الشهداء يوم القيامة (6).
6- كامل الزيارات: محمّد بن جعفر الرزّاز، عن خاله ابن أبي الخطّاب، عن عليّ ابن النعمان، عن عبد الرحمن بن سيّابة، عن أبي داود البصريّ، عن أبي عبد اللّه الجدليّ قال: دخلت على أمير المؤمنين (عليه السّلام) و الحسين إلى جنبه فضرب بيده على كتف الحسين (عليه السّلام) ثمّ قال: إنّ هذا يقتل و لا ينصره أحد قال: قلت: يا أمير المؤمنين و اللّه إنّ تلك (7) لحياة
____________
(1)- هكذا في المصدر و البحار، و في نسختي الأصل: فأعاد، فأعاده.
(2)- في المصدر: ناشدك.
(3)- لتحملنّها/ خ.
(4)- بصائر الدرجات ص 298 ح 11 و إرشاد المفيد ص 190 و البحار: 44/ 259 ح 11 و 12.
(5)- في البحار: سادات.
(6)- 1/ 259 و البحار: 36/ 253.
(7)- هذا/ خ.
149
سوء، قال: إنّ ذلك لكائن.
كامل الزيارات: أبي، عن سعد [و الحميريّ و محمّد العطار جميعا] (1)، عن ابن أبي الخطّاب مثله (2).
7- كامل الزيارات: محمد بن جعفر، عن خاله ابن أبي الخطّاب، عن نصر ابن مزاحم، عن عمرو بن سعيد (3)، عن يزيد بن إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن عليّ (عليه السّلام) قال: ليقتل الحسين (عليه السّلام) قتلا و إنّي لأعرف تربة الأرض التي يقتل عليها (4) قريبا من النهرين.
كامل الزيارات: أبي، عن سعد، عن ابن أبي الخطّاب مثله (5).
8- إرشاد المفيد: روى إسماعيل بن صبيح، عن يحيى بن المسافر (6) العابديّ، عن اسماعيل بن زياد [قال:] إنّ عليّا (عليه السّلام) قال للبراء بن عازب ذات يوم: يا براء يقتل ابني الحسين (عليه السّلام) و أنت حيّ لا تنصره، فلمّا قتل الحسين (عليه السّلام) كان البراء بن عازب يقول: صدق و اللّه عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) قتل الحسين (عليه السّلام) و لم أنصره، ثمّ يظهر على ذلك الحسرة و الندم (7).
9- كشف الغمّة و إرشاد المفيد: روى عبد اللّه بن شريك العامريّ قال: كنت أسمع أصحاب عليّ إذا دخل عمر بن سعد من باب المسجد يقولون: هذا قاتل الحسين (عليه السّلام) و ذلك قبل أن يقتل بزمان طويل (8).
10- أقول: في بعض الكتاب المعتبرة: عن لوط بن يحيى، عن عبد اللّه بن
____________
(1)- ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر و البحار.
(2)- ص 71 ح 1 و البحار: 44/ 261 ح 15.
(3)- في المصدر: عمر بن سعد، و قال المحشي في هامش المصدر: و الظاهر بالقرائن أن الصحيح هو عمرو بن سعيد و هو المدائني الساباطي الثقة الراوي عن الرضا (عليه السّلام).
(4)- في الاصل: فيها.
(5)- ص 72 ح 3 و البحار: 44/ 262 ح 16.
(6)- في المصدر: المساور.
(7)- ص 192 و البحار: 44/ 262 ح 18، و في المصدر: ثم أظهر الحسرة على ذلك و الندم.
(8)- كشف الغمة: 2/ 9 و إرشاد المفيد ص 282 و البحار: 44/ 263 ح 19.
151
حسين فلا تضجرن للفراق * * * فديناك أضحت لتخرابها
سل الدور تخبر و أفصح بها * * * بأن لا بقاء لأربابها
أنا الدين لا شك للمؤمنين * * * بآيات وحي و إيجابها
لنا سمة الفخر في حكمها * * * فصلّت علينا بإعرابها
فصلّ على جدّك المصطفى * * * و سلّم عليه لطلّابها (1)
توضيح: «و لو عمل» «لو» للتمنّي، و قال الجوهريّ: العيمة بالكسر خيار المال و اعتام الرجل إذا أخذ العيمة، و قال: حرقت الشيء حرقا بردته و حككت بعضه ببعض و منه قولهم: حرق نابه يحرقه و يحرقه أي سحقه حتّى سمع له صريف (2).
و قال: «عذيرك من فلان» أي هلمّ من يعذرك منه، بل يلومه و لا يلومك. و قال الرضيّ «رض»: معنى من فلان: من أجل الإساءة إليه و إيذائه أي أنت ذو عذر فيما تعامله به من المكروه، و اضافة الدنيا إلى المخاطب للإشعار بأن لا علاقة بينه (عليه السّلام) و بين الدنيا.
و قال الجوهريّ: الطّاب الطيّب، و قال: المرح شدّة الفرح، و قال: الوصب المرض، و قوله: «سعي» إمّا مفعول به لقوله: «لا تبتغي» أو مفعول مطلق من غير اللفظ، و المحراب محلّ الحرب، و العروس نعت يستوي فيه الرجل و المرأة، و المنتاب مصدر ميميّ من قولهم: انتاب فلان القوم أي أتاهم مرّة بعد اخرى.
و وصف القائم بصاحب القيامة لاتّصال زمانه (عليه السّلام) بها أو لرجعة بعض الأموات في زمانه، و الدأب مصدر دأب في عمله أي جدّ و تعب أو العادة و الشأن و الأتعاب بالفتح جمع التعب و الإعتاب الإرضاء، و التخراب بالفتح مبالغة في الخراب و تخبر على بناء الفاعل أو المفعول، و أفصح بها للتعجب، و الحمل في أنا الدّين للمبالغة، و اشارة إلى قوله تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» (3). و إلى أنّ الإسلام لا يتم إلّا بولايته (عليه السّلام) لقوله تعالى: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ» (4).
و قوله (عليه السّلام): للمؤمنين متعلّق بالنسبة بين أنا و الدّين أو خبر «لا» و بآيات متعلّق
____________
(1)- البحار: 44/ 266 ح 25.
(2)- حريق/ خ.
(3)- المائدة: 3.
(4)- آل عمران: 19.
152
بالنسبة أو بالمؤمنين، قوله: «و إيجابها» أي إيجاب الآيات طاعتي و ولايتي على الناس و المصراع (الذي) بعده إشارة إلى ما نزل في شأن أهل البيت (عليهم السّلام) عموما و إسناد الصلاة إلى الآيات مجاز، و الإعراب الإظهار و البيان.
و قال شارح الديوان: المصراع الذي بعده إشارة إلى قراءة نافع و ابن عامر و يعقوب «آل يس» بالإضافة إلى ما روي أنّ «يس» اسم محمّد (صلى اللّه عليه و آله) [او] إلى قوله تعالى:
«وَ سَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى» (1) و لطف إعرابها على التوجيه الأوّل غير خفيّ
أقول: لا وجه للتخصيص غير التعصب، بل ربع القرآن نازل فيهم (عليهم السّلام) كما عرفت و ستعرفه إن شاء اللّه تعالى.
الأئمّة: الصادق، عن أبيه (عليهم السّلام)
12- قرب الإسناد: محمّد بن عيسى، عن القدّاح، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عليهما السّلام) قال: مرّ عليّ (عليه السّلام) بكربلاء في اثنين من أصحابه قال: فلمّا مرّ بها ترقرقت عيناه للبكاء ثمّ قال: هذا مناخ ركابهم، و هذا ملقى رحالهم، و هاهنا تهراق دماؤهم، طوبى لك من تربة عليك تهراق دماء الأحبّة (2).
وحده 13- كامل الزيارات: محمّد بن جعفر، عن خاله ابن أبي الخطّاب و حدّثني أبي و جماعة، عن سعد و محمّد العطّار معا، عن ابن أبي الخطّاب، عن نصر بن مزاحم، عن عمرو بن سعيد (3)، عن عليّ بن حمّاد، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال عليّ للحسين: يا أبا عبد اللّه اسوة أنت قدما؟ فقال: جعلت فداك ما حالي؟ قال: قد علمت ما جهلوا و سينتفع عالم بما علم، يا بنيّ اسمع و ابصر من قبل أن يأتيك فو الذي نفسي بيده ليسفكنّ بنو اميّة دمك ثمّ لا يزيلونك (4) عن دينك، و لا ينسونك ذكر
____________
(1)- النمل: 59.
(2)- ص 14 و البحار: 44/ 258 ح 8.
(3)- في المصدر: عمر بن سعد.
(4)- في الأصل و البحار: لا يريدونك.
150
قيس، قال: كنت مع من غزى مع أمير المؤمنين (عليه السّلام) في صفّين و قد أخذ أبو أيّوب الأعور السلميّ الماء و حرزه عن الناس فشكى المسلمون العطش فأرسل فوارس على كشفه، فانحرفوا خائبين، فضاق صدره، فقال له ولده الحسين (عليه السّلام): أمضي إليه يا أبتاه؟ فقال:
امض يا ولدي، فمضى مع فوارس فهزم أبا ايّوب عن الماء، و بنى خيمته و حطّ فوارسه، و أتى إلى أبيه و أخبره، فبكى أمير المؤمنين (عليه السّلام) فقيل له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ و هذا أوّل فتح ببركة الحسين (عليه السّلام) فقال: ذكرت أنّه سيقتل عطشانا بطفّ كربلا حتّى ينفر فرسه و يحمحم و يقول: الظليمة الظليمة لامّة قتلت ابن بنت نبيّها. (1)
11- في الديوان المنسوب الى أمير المؤمنين (عليه السّلام):
حسين إذا كنت في بلدة * * * غريبا فعاشر آدابها
فلا تفخرنّ فيهم بالنّهى * * * فكلّ قبيل بألبابها
و لو عمل ابن أبي طالب * * * بهذي الامور كأسبابها
و لكنّه اعتام أمر الإله * * * فأحرق فيهم بأنيابها
عذيرك من ثقة بالّذي * * * ينيلك دنياك من طابها
فلا تمرحنّ لأوزارها * * * و لا تضجرنّ لأوصابها
قس الغد بالأمس كي تستريح * * * فلا تبتغي سعي رغّابها
كأنّي بنفسي و أعقابها * * * و بالكربلاء و محرابها
فتخضب منّا (2)اللّحى بالدّماء * * * خضاب العروس بأثوابها
أراها و لم يك رأي العيان * * * و اوتيت مفتاح أبوابها
مصائب تأباك من أن ترد * * * فاعدد لها قبل منتابها
سقى اللّه قائمنا صاحب * * * القيامة و الناس في دأبها
هو المدرك الثأر لي يا حسين * * * بل لك فاصبر لأتعابها
لكلّ دم ألف ألف و ما * * * يقصّر في قتل (3)أحزابها
هنا لك لا ينفع الظالمين * * * قول بعذر و إعتابها
____________
(1)- البحار: 44/ 266 ح 23.
(2)- في الاصل: مني، منك.
(3)- قلب/ خ.
153
ربّك، فقال الحسين (عليه السّلام): و الذي نفسي بيده حسبي، و أقررت بما أنزل اللّه و اصدّق نبيّ اللّه و لا اكذّب قول أبي (1).
توضيح: الإسوة و يضمّ القدوة و ما يتأسّى به الحزين أي ثبت قديما أنّك اسوة الخلق يقتدون بك، أو يتأسّى بذكر مصيبتك كلّ حزين.
قوله (عليه السّلام): «لا يريدونك عن دينك» أي لا يريدون صرفك عن دينك و الأصوب لا يردّونك.
الكتب:
14- إرشاد المفيد و الاحتجاج: جاء في الآثار أنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) كان يخطب فقال في خطبته: سلوني قبل أن تفقدوني، فو اللّه لا تسألوني عن فئة (2) تضلّ مائة و تهدي مائة إلّا أنبأتكم بناعقها، و سائقها إلى يوم القيامة.
فقام إليه رجل فقال: أخبرني كم في رأسي و لحيتي من طاقة شعر؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السّلام): و اللّه لقد حدّثني خليلي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بما سألت عنه، و إنّ على كلّ طاقة شعر في رأسك ملكا يلعنك، و على كل طاقة شعر في لحيتك شيطان يستفزّك، و إنّ في بيتك لسخلا يقتل ابن بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، و آية ذلك مصداق ما [أ] خبرتك به و لو لا أنّ الّذي سألت [عنه] يعسر برهانه لأخبرتك به، و لكنّ آية ذلك ما أنبأتك (3) به من لعنتك، و سخلك الملعون، و كان ابنه في ذلك الوقت صبيّا صغيرا يحبو.
فلمّا كان من أمر الحسين (عليه السّلام) ما كان تولّى قتله، كما قال أمير المؤمنين (4).
توضيح: استفزّه أي استخفّه و أزعجه.
15- في بعض كتب مقتل أمير المؤمنين (عليه السّلام): عن محمّد بن الحنفيّة في وصيّة أمير المؤمنين (عليه السّلام)، ثمّ قال: يا أبا محمّد و يا أبا عبد اللّه كأنّي بكما و قد خرجت
____________
(1)- ص 71 ح 2 و البحار: 44/ 262 ح 17
(2)- في الاحتجاج: فتنة.
(3)- في الاحتجاج: نبّأتك، و في الإرشاد: نبّأت.
(4)- إرشاد المفيد ص 191 و الاحتجاج: 1/ 388 و البحار: 10/ 125 ح 5 و ج 44/ 258 ح 7.
155
ابن سعد للحسين (عليه السّلام): يا أبا عبد اللّه (عليه السّلام) إنّ قبلنا (ا) ناسا سفهاء يزعمون أنّي أقتلك، فقال له الحسين (عليه السّلام): إنّهم ليسوا سفهاء، و لكنّهم حلماء، أما إنّه يقرّ عيني أن لا تأكل [من] برّ العراق بعدي إلّا قليلا (1).
الأئمّة: الباقر (عليهم السّلام)
2- كامل الزيارات: أبي و ابن الوليد، عن سعد، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن أبيه، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: إنّ الحسين (عليه السّلام) خرج من مكّه قبل التروية بيوم، فشيّعه عبد اللّه بن الزبير فقال: يا أبا عبد اللّه قد حضر الحجّ و تدعه و تأتي العراق؟ فقال: يا ابن الزبير لأن ادفن بشاطئ الفرات أحبّ إليّ من أن ادفن بفناء الكعبة (2).
3- و منه: أبي و جماعة مشايخي، عن سعد، عن عليّ بن إسماعيل و ابن أبي الخطّاب معا، عن محمّد بن عمرو بن سعيد، عن ابن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السّلام)، قال: كتب الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) من مكّة إلى محمّد بن عليّ:
«بسم اللّه الرحمن الرحيم من الحسين بن عليّ إلى محمد بن عليّ و من قبله من بني هاشم أمّا بعد: فإنّ من لحق بي استشهد و من لم يلحق لم يدرك الفتح و السلام».
(و) قال محمّد بن عمرو: و حدّثني كرّام عبد الكريم بن عمرو، عن ميسّر بن عبد العزيز، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: كتب الحسين بن عليّ الى محمّد بن عليّ من كربلا: «بسم اللّه الرحمن الرحيم من الحسين بن عليّ إلى محمّد بن علي و من قبله من بني هاشم أمّا بعد فكأن الدنيا لم تكن، و كأنّ الآخرة لم تزل و السلام».
الصادق، عن أبيه، عن جدّه، عن الحسين (عليهم السّلام)
4- كامل الزيارات: محمّد بن جعفر الرزّاز، عن ابن أبي الخطّاب، عن
____________
(1)- كشف الغمة 2/ 9 و إرشاد المفيد ص 282 و البحار: 44/ 263 ح 20.
(2)- ص 73 ح 6 و البحار: 45/ 86 ح 318- ص 75 ح 15 و 16 و البحار: 45/ 87 ح 23.
154
عليكما من بعدي الفتن [من] هاهنا فاصبرا حتّى يحكم اللّه و هو خير الحاكمين، ثمّ قال:
يا أبا عبد اللّه أنت شهيد هذه الامّة فعليك بتقوى اللّه و الصبر على بلائه. (1)
16- منه: قال أمير المؤمنين (عليه السّلام) عند وفاته للحسن (عليه السّلام) لما رأى كثرة بكائه: يا بني أ تجزع على أبيك و غدا تقتل بعدي مسموما مظلوما؟ و يقتل أخوك بالسيف هكذا و تلحقان بجدّكما و أبيكما و امّكما. (2)
3- باب إخبار الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السّلام) بشهادته (عليه السّلام)
الأخبار: الأئمّة: الصادق (عليهم السّلام)، عن أبيه، عن جدّه، عن الحسن بن عليّ
1- أمالي الصدوق: الفاميّ، عن محمّد الحميريّ، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد ابن يحيى، عن محمّد بن سنان، عن المفضّل بن عمر، عن الصادق، عن أبيه، عن جدّه أنّ الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السّلام) دخل يوما إلى الحسن (عليه السّلام) فلمّا نظر إليه بكى فقال له: ما يبكيك يا أبا عبد اللّه؟ قال: أبكي لما يصنع بك، فقال له الحسن (عليه السّلام): إنّ الذي يؤتى إليّ سمّ يدسّ إليّ فاقتل به، و لكن لا يوم كيومك يا أبا عبد اللّه، يزدلف (3) إليك ثلاثون ألف رجل يدّعون أنّهم من أمّة جدّنا محمّد (صلى اللّه عليه و آله) و ينتحلون دين الإسلام فيجتمعون على قتلك و سفك دمك، و انتهاك حرمتك، و سبي ذراريك و نسائك (4)، و انتهاب ثقلك، فعندها تحلّ ببني اميّة اللعنة، و تمطر السماء رمادا و دما، و يبكي عليك كلّ شيء حتّى الوحوش في الفلوات، و الحيتان في البحار (5).
4- باب إخباره بشهادته (عليه السّلام)
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- كشف الغمّة، إرشاد المفيد: روى سالم بن أبي حفصة قال: قال عمر
____________
(1)- البحار: 42/ 292.
(2)- البحار: 42/ 283.
(3)- قال الطريحي في مجمع البحرين «ج 5 ص 68»: ازدلف القوم: اذا تقدّموا.
(4)- و نسلك/ خ.
(5)- ص 101 ح 3 و البحار: 45/ 218 ح 44.
156
محمّد بن يحيى الخثعميّ، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن جدّه، عن الحسين بن عليّ (عليهم السّلام) قال: قال: و الّذي نفس حسين بيده لا يهنّيء (1) بني اميّة [ملكهم] حتى يقتلوني، و هم قاتلي، فلو قد قتلوني لم يصلوا جميعا أبدا، و لم يأخذوا عطاء في سبيل اللّه جميعا أبدا، إنّ أوّل قتيل هذه الامّة أنا و أهل بيتي، و الّذي نفس حسين بيده لا تقوم الساعة و على الأرض هاشميّ يطرف (2).
و منه: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمّد بن يحيى الخزّاز، عن طلحة، عن جعفر مثله (3).
توضيح: لعلّ المعنى: لم يوفّق الناس للصلاة جماعة (4) مع إمام الحقّ و لا أخذ الزكاة.
و حقوق اللّه على ما يحبّ اللّه إلى قيام القائم (عليه السّلام) و آخر الحديث إشارة إلى ما يصيب بني هاشم من الفتن في آخر الزمان.
وحده، عن الحسين (عليهما السّلام)
5- كامل الزيارات: جماعة مشايخي منهم عليّ بن الحسين، و محمّد بن الحسن، عن سعد، عن أحمد بن محمّد و محمّد بن الحسين و إبراهيم بن هاشم جميعا، عن ابن فضّال، عن أبي جميلة، عن ابن عبد ربّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنّه قال: لمّا صعد الحسين بن علي (عليهما السّلام) عاقبة البطن قال لأصحابه: ما أراني إلّا مقتولا، قالوا: و ما ذاك يا أبا عبد اللّه؟ قال: رؤيا رأيتها في المنام، قالوا: و ما هي؟ قال: رأيت كلابا تنهشني أشدّها عليّ كلبا أبقع. (5)
6- و منه: أبي و جماعة مشايخي، عن ابن عيسى، عن الأهوازيّ، عن النضر، عن يحيى بن عمران الحلبيّ، عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إن الحسين (عليه السّلام) صلّى بأصحابه يوم اصيبوا ثمّ قال: أشهد أنّه قد اذن في قتلكم يا قوم فاتّقوا اللّه و اصبروا (6).
____________
(1)- في المصدر و احدى نسختي الأصل: لا ينتهي.
(2)- في الأصل و المصدر: يطرق.
(3)- ص 74 ح 13 و البحار: 45/ 88 ح 25.
(4)- و الظاهر أنه بالتخفيف من وصل يصل، أي لا يجمع اللّه بينهم حتى يصل بعضهم بعضه هامش البحار.
(5)- ص 75 ح 14 و البحار: 45/ 87 ح 24.
(6)- ص 73 ح 10 و البحار: 45/ 87 ح 22.
157
الكتب:
7- الخرائج و الجرائح: من معجزاته أنّه لمّا أراد العراق قالت له أمّ سلمة:
لا تخرج إلى العراق فقد سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يقول: يقتل ابني الحسين بأرض العراق (1)، و عندي تربة دفعها إليّ في قارورة، فقال: إنّي و اللّه مقتول كذلك و إن لم أخرج إلى العراق يقتلوني أيضا و إن أحببت أن اريك (2) مضجعي و مصرع أصحابي، ثم مسح بيده على وجهها ففسح (3) اللّه عن بصرها حتى رأيا (4) ذلك كلّه و أخذ تربة فأعطاها (5) من تلك التربة أيضا في قارورة اخرى و قال (عليه السّلام): إذا فاضت دما فاعلمي أنّي قتلت.
فقالت أمّ سلمة: فلمّا كان يوم عاشورا نظرت إلى القارورتين بعد الظهر فإذا هما قد فاضتا (6) دما فصاحت، و لم يقلب في ذلك اليوم حجر و لا مدر إلّا وجد تحته دم عبيط (7).
____________
(1)- في المصدر: بالعراق.
(2)- في البحار: أراك.
(3)- في الاصل: ففتح.
(4)- في المصدر: أراها.
(5)- في المصدر: ثمّ أعطاها.
(6)- في المصدر: فاضا
(7)- المخطوط ص 131 و البحار: 45/ 89 ح 27.
159
13- أبواب ما جرى عليه (عليه السّلام) بعد بيعة الناس ليزيد بن معاوية عليهما اللعنة إلى شهادته و أولاده و أصحابه، و لعنة اللّه على ظالميهم و قاتليهم و الراضين بقتلهم و المؤازرين عليهم إلى يوم الدين
1- باب ما جرى عليه (عليه السّلام) بعد بيعة الناس ليزيد إلى شهادته
أقول: بدأت أوّلا في إيراد تلك القصص الهائلة بإيراد رواية أوردها الصدوق (رحمه اللّه) في أماليه، ثمّ جمعت في إيراد تمام القصّة بين ما في الكتاب المعتبرة من رواية المفيد (رحمه اللّه) في الإرشاد، و رواية السيّد ابن طاوس رضي اللّه عنه في كتاب اللهوف، و رواية الشيخ جعفر بن محمد بن نما في كتاب مثير الأحزان، و رواية أبي الفرج الاصفهاني في كتاب مقاتل الطالبيّين، و رواية السيّد العالم محمّد بن أبي طالب بن أحمد الحسيني الحائريّ من كتاب كبير جمعه في مقتله، و رواية كتاب صاحب المناقب الذي ألّفه بعض القدماء من الكتاب المعتبرة، و ذكر أسانيده إليها و مؤلّفه أمّا من الإماميّة، أو من الزيديّة، و رواية المسعودي في كتاب مروج الذهب و هو من علمائنا الإماميّة، و رواية ابن شهر اشوب في المناقب، و رواية صاحب كشف الغمّة و غير ذلك ممّا قد نصرّح باسم من ننقل عنه إن شاء اللّه.
161
قال: فلمّا هلك معاوية و تولّى الأمر بعده يزيد- لعنه اللّه- بعث عامله على مدينة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و هو عمّه عتبة بن أبي سفيان فقدم المدينة و عليها مروان بن الحكم، و كان عامل معاوية، فأقامه عتبة من مكانه و جلس فيه لينفذ فيه أمر يزيد، فهرب مروان، فلم يقدر عليه و بعث عتبة إلى الحسين بن عليّ (عليهما السّلام)، فقال: إنّ أمير المؤمنين أمرك أن تبايع له، فقال الحسين: يا عتبة قد علمت إنّا أهل بيت الكرامة، و معدن الرسالة، و أعلام الحقّ الذين أودعه اللّه عزّ و جلّ قلوبنا، و أنطق به ألسنتنا، فنطقت بإذن اللّه عزّ و جلّ، و لقد سمعت جدّي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يقول: إنّ الخلافة محرّمة على ولد أبي سفيان، و كيف ابايع أهل بيت قد قال فيهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) هذا.
فلمّا سمع عتبة ذلك دعا الكاتب و كتب: بسم اللّه الرحمن الرحيم إلى عبد اللّه يزيد أمير المؤمنين من عتبة بن أبي سفيان. أمّا بعد: فإنّ الحسين بن عليّ ليس يرى لك خلافة و لا بيعة فرأيك في أمره و السلام.
فلمّا ورد الكتاب على يزيد لعنه اللّه كتب الجواب إلى عتبة:
«أمّا بعد فإذا أتاك كتابي هذا فعجّل عليّ بجوابه، و بيّن لي في كتابك كلّ من في طاعتي أو خرج عنها و ليكن مع الجواب رأس الحسين بن عليّ (عليهما السّلام)».
فبلغ ذلك الحسين (عليه السّلام) فهمّ بالخروج من أرض الحجاز إلى أرض العراق، فلمّا أقبل الليل راح إلى مسجد النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) ليودّع القبر، فلمّا وصل إلى القبر سطع له نور من القبر فعلى إلى موضعه، فلمّا كانت الليلة الثانية راح ليودّع القبر فقام يصلّي فأطال فنعس و هو ساجد، فجاءه النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و هو في منامه فأخذ الحسين (عليه السّلام) و ضمّه إلى صدره، و جعل يقبّل بين عينيه و يقول: بأبي أنت كأنّي أراك مرمّلا بدمك بين عصابة من هذه الامّة يرجون شفاعتي، ما لهم عند اللّه من خلاق، يا بنيّ إنّك قادم على أبيك و امّك و أخيك و هم مشتاقون إليك و إنّ لك في الجنّة درجات لا تنالها إلّا بالشهادة.
فانتبه الحسين (عليه السّلام) من نومه باكيا فأتى أهل بيته فأخبرهم بالرؤيا، و ودّعهم و حمل أخواته على المحامل، و ابنته و ابن أخيه القاسم بن الحسن بن عليّ (عليهما السّلام) ثمّ سار في أحد و عشرين رجلا من أصحابه و أهل بيته منهم أبو بكر بن عليّ، و محمّد بن عليّ، و عثمان بن عليّ، و العبّاس بن عليّ، و عبد اللّه بن مسلم بن عقيل، و علي بن
160
الأخبار: الأئمّة: الصادق، عن أبيه، عن جدّه (عليهم السّلام)
1- أمالي الصدوق: محمّد بن عمر البغداديّ الحافظ، عن الحسن بن عثمان ابن زياد التستريّ من كتابه، عن إبراهيم بن عبيد اللّه (1) بن موسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ قاضي بلخ، قال: حدّثتني مريسة بنت موسى بن يونس بن أبي إسحاق و كانت عمّتي، قالت: حدّثتني صفيّة بنت يونس بن أبي إسحاق الهمدانيّة و كانت عمّتي، قالت: حدّثتني بهجة بنت الحارث بن عبد اللّه التغلبيّ، عن خالها عبد اللّه ابن منصور و كان رضيعا لبعض ولد زيد بن عليّ، قال: سألت جعفر بن محمّد بن عليّ ابن الحسين (عليهم السّلام).
فقلت: حدّثني عن مقتل ابن رسول اللّه فقال: حدّثني أبي، عن أبيه (عليهما السّلام) قال: لمّا حضرت معاوية الوفاة دعا ابنه يزيد لعنه اللّه فأجلسه بين يديه، فقال له: يا بنيّ إنّي قد ذلّلت لك الرقاب الصعاب، و وطّدت لك البلاد، و جعلت الملك و ما فيه لك طعمة و إنّي أخشى عليك من ثلاثة نفر يخالفون عليك بجاهدهم و هم: عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب، و عبد اللّه بن الزبير، و الحسين بن عليّ.
فأمّا عبد اللّه بن عمر فهو معك فالزمه و لا تدعه، و أمّا عبد اللّه بن الزبير فقطّعه إن ظفرت به إربا إربا فإنّه يجثو لك كما يجثو الأسد لفريسته، و يوار بك مؤاربة (2) الثعلب للكلب.
و أمّا الحسين- (عليه السّلام)- فقد عرفت حظّه من رسول اللّه و هو من لحم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و دمه، و قد علمت لا محالة أنّ أهل العراق سيخرجونه إليهم ثمّ يخذلونه و يضيّعونه، فإن ظفرت به فاعرف حقّه و منزلته من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و لا تؤاخذه بفعله، و مع ذلك فإنّ لنا به خلطة و رحما، و إيّاك أن تناله بسوء أو يرى منك مكروها.
____________
(1)- في الأصل: عبد الله.
(2)- في الأصل: و يواريك موارية.
162
الحسين الأكبر، و عليّ بن الحسين الأصغر (عليهم السّلام).
و سمع عبد اللّه بن عمر بخروجه، فقدّم راحلته، و خرج خلفه مسرعا، فأدركه في بعض المنازل، فقال: أين تريد يا بن رسول اللّه؟ قال: العراق، قال: مهلا ارجع إلى حرم جدّك، فأبى الحسين (عليه السّلام) عليه، فلمّا رأى ابن عمر إباه، قال: يا أبا عبد اللّه اكشف لي عن الموضع الذي كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يقبّله منك، فكشف الحسين (عليه السّلام)، عن سرّته فقبّلها ابن عمر ثلاثا و بكى، و قال: استودعك اللّه يا أبا عبد اللّه فإنّك مقتول في وجهك هذا.
فسار الحسين (عليه السّلام) و أصحابه، فلمّا نزلوا ثعلبيّة (1)، ورد عليه رجل يقال له: بشر ابن غالب، فقال: يا بن رسول اللّه أخبرني عن قول اللّه عزّ و جلّ «يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ» (2) قال: إمام دعا إلى هدى فأجابوه إليه، و إمام دعا إلى ضلالة فأجابوه إليها، هؤلاء في (3) الجنّة و هؤلاء في النار، و هو قوله عزّ و جلّ «فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ» (4).
ثم سار حتّى نزل العذيب (5)، فقال فيها (6) قائلة الظهيرة، ثم انتبه من نومه باكيا، فقال له ابنه: ما يبكيك يا أبه؟ فقال: يا بنيّ إنّها ساعة لا تكذب الرؤيا فيها و إنّه
____________
(1)- الثّعلبية: منسوب، بفتح أوله: من منازل طريق مكة من الكوفة بعد الشقوق و قبل الخزيمية، و هي ثلثا الطريق. «معجم البلدان ج 2 ص 78».
(2)- الإسراء: 71.
(3)- إلى/ خ.
(4)- الشورى: 7.
(5)- العذيب: تصغير العذب، و هو الماء الطيب: و هو ماء بين القادسية و المغيثة، بينه و بين القادسية أربعة اميال و إلى المغيثة اثنان و ثلاثون ميلا، و قيل هو واد لبني تميم، و هو من منازل حاج الكوفة، و قيل هو حد السواد، و قال أبو عبد اللّه السكونيّ: العذيب يخرج من قادسية الكوفة إليه و كانت مسلحة للفرس، بينها و بين القادسية حائطان متصلان بينهما نخل و هي ستة أميال، فإذا خرجت منه دخلت البادية ثم المغيثة. «معجم البلدان ج 4 ص 92».
(6)- أي نام القيلولة.
163
عرض لي في منامي (1) عارض، فقال: (أ) تسرعون السير و المنايا تسير (2) بكم إلى الجنّة.
ثم سار حتى نزل الرّهيمة فورد عليه رجل من أهل الكوفة يكنّى: أبا هرم، (3) فقال: يا بن النبيّ ما الذي أخرجك من المدينة؟ فقال: و يحك يا أبا هرم (4) شتموا عرضي فصبرت، و طلبوا مالي فصبرت، و طلبوا دمي فهربت، و أيم اللّه ليقتلنّني ثمّ ليلبسنّهم اللّه ذلّا شاملا، و سيفا قاطعا، و ليسلطنّ عليهم من يذلّهم.
قال: و بلغ عبيد اللّه بن زياد لعنه اللّه الخبر و إنّ الحسين قد نزل الرّهيمة (5) فأسرى (6) إليه (ال) حرّ بن يزيد في ألف فارس، قال الحرّ: فلمّا خرجت من منزلي متوجّها نحو الحسين (عليه السّلام) نوديت- ثلاثا-: يا حرّ أبشر بالجنّة فالتفتّ فلم أر أحدا، فقلت: ثكلت الحرّ امّه، يخرج إلى قتال ابن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و يبشّر بالجنّة!؟ فرهقه (7) عند صلاة الظهر، فأمر الحسين (عليه السّلام) ابنه فأذّن و أقام، و قام الحسين (عليه السّلام) فصلّى بالفريقين (جميعا)، فلمّا سلّم وثب الحرّ بن يزيد، فقال: السلام عليك يا بن رسول اللّه و رحمة اللّه و بركاته، فقال الحسين (عليه السّلام): و عليك السلام من أنت يا عبد اللّه؟ فقال: أنا الحرّ بن يزيد، فقال: يا حرّ أ علينا أم لنا؟ فقال الحرّ: و اللّه يا بن رسول اللّه لقد بعثت لقتالك، و أعوذ باللّه أن احشر من قبري و ناصيتي مشدودة إلي (8) و يديّ مغلولة إلى عنقي و اكبّ على حرّ وجهي في النار، يا بن رسول اللّه أين تذهب؟ ارجع إلى حرم جدّك فإنّك مقتول، فقال الحسين (عليه السّلام):
سأمضي فما بالموت عار على الفتى * * * إذا ما نوى حقّا و جاهد مسلما
و واسى الرجال الصالحين بنفسه * * * و فارق مثبورا و خالف مجرما
____________
(1)- في البحار: منام.
(2)- تسرع/ خ.
(3)- أبا هرّ/ خ.
(4)- يا أبا هرّ/ خ.
(5)- في المصدر و إحدى نسختي الأصل: الرهيميّة.
(6)- في المصدر: فأنزل.
(7)- أي دنا منه.
(8)- في المصدر: إلى رجلي.
164
فإن متّ لم أندم و إن عشت لم الم * * * كفى بك ذلّا أن تعيش (1)و ترغما
ثمّ سار الحسين (عليه السّلام) حتّى نزل القطقطانة (2) فنظر إلى فسطاط مضروب، فقال: لمن هذا الفسطاط؟ فقيل: لعبد اللّه (3) بن الحرّ الحنفي فأرسل إليه الحسين (عليه السّلام) فقال: أيّها الرجل إنّك مذنب خاطىء و إنّ اللّه عزّ و جلّ آخذك بما أنت صانع إن لم تتب إلى اللّه تبارك و تعالى في ساعتك هذه فتنصرني، و يكون جدّي شفيعك بين يدي اللّه تبارك و تعالى.
فقال: يا ابن رسول اللّه و اللّه لو نصرتك لكنت أوّل مقتول بين يديك، و لكن هذا فرسي خذه إليك فو اللّه ما ركبته قطّ، و أنا أروم شيئا إلّا بلغته، و لا أرادني أحد إلّا نجوت عليه، فدونك فخذه فأعرض عنه الحسين (عليه السّلام) بوجهه ثمّ قال: لا حاجة لنا (4) فيك و لا في فرسك، «وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً» (5)، و لكن فرّ، فلا لنا و لا علينا فإنّه من سمع واعيتنا أهل البيت، ثمّ لم يجبنا (أ) كبّه اللّه على وجهه في نار جهنّم.
ثمّ سار حتى نزل بكربلاء، فقال: أيّ موضع هذا؟ فقيل: هذا كربلاء يا بن رسول اللّه، فقال: هذا و اللّه يوم كرب و بلاء، و هذا الموضع الذي يهراق فيه دماؤنا، و يباح فيه حريمنا، فأقبل عبيد اللّه بن زياد بعسكره حتى عسكر بالنخيلة و بعث إلى الحسين (عليه السّلام) رجلا يقال له: عمر بن سعد قائده في أربعة آلاف فارس، و أقبل عبد اللّه [بن] الحصين التميميّ في ألف فارس يتبعه شبث بن ربعي في ألف فارس، و محمد بن الأشعث بن قيس الكنديّ أيضا في ألف فارس و كتب لعمر بن سعد
____________
(1)- في الأصل و المصدر و البحار: تموت، و الصحيح ما أثبتناه في المتن على ما رواه الشيخ المفيد في الإرشاد ص 251.
(2)- قال ياقوت الحموي في معجم البلدان ج 4 ص 374: القطقطانة: موضع قرب الكوفة من جهة البرّيّة بالطفّ به كان سجن النعمان بن المنذر.
(3)- في المصدر: عبيد اللّه.
(4)- لي/ خ.
(5)- الكهف: 51.
166
ثمّ قال لأصحابه: قوموا فاشربوا من الماء يكن آخر زادكم، و توضّئوا و اغتسلوا و اغسلوا ثيابكم لتكون أكفانكم، ثمّ صلّى بهم الفجر و عبّأهم تعبئة الحرب، و أمر بحفيرته التي حول عسكره فاضرمت بالنار ليقاتل القوم من وجه واحد.
و أقبل رجل من عسكر عمر بن سعد على فرس له يقال له: ابن أبي جويرية المزنيّ، فلمّا نظر إلى النار تتّقد صفّق بيده و نادى: يا حسين و أصحاب حسين أبشروا بالنار! فقد تعجّلتموها في الدنيا، فقال الحسين (عليه السّلام): من الرجل؟ فقيل: ابن أبي جويرية المزنّي، فقال الحسين (عليه السّلام): اللّهمّ أذقه عذاب النار في الدنيا، فنفر به فرسه و ألقاه في تلك النار فاحترق.
ثمّ برز من عسكر عمر بن سعد رجل آخر يقال له: تميم بن [ال] حصين الفزاريّ فنادى: يا حسين و يا أصحاب [ال] حسين أ ما ترون إلى ماء الفرات يلوح كأنّه بطون الحيّات (1) و اللّه لا ذقتم منه قطرة حتى تذوقوا الموت جزعا (2)، فقال الحسين (عليه السّلام): من الرجل؟ فقيل: تميم بن حصين، فقال الحسين (عليه السّلام): هذا و أبوه من أهل النار، اللهمّ اقتل هذا عطشا في هذا اليوم، قال: فخنقه العطش حتى سقط عن فرسه، فوطأته الخيل بسنابكها فمات.
ثمّ أقبل آخر من عسكر عمر بن سعد يقال له: محمّد بن أشعث بن قيس الكنديّ، فقال: يا حسين بن فاطمة أيّة حرمة لك من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ليست لغيرك؟
فتلا (3) الحسين (عليه السّلام) هذه الآية «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً» (4) الآية، ثمّ قال: و اللّه إنّ محمّدا لمن آل إبراهيم و إنّ العترة الهادية لمن آل محمّد، من الرجل؟ فقيل: محمّد بن أشعث بن قيس الكنديّ، فرفع الحسين (عليه السّلام) رأسه إلى السماء، فقال: اللهمّ أر محمّد بن الأشعث ذلّا في هذا اليوم لا تعزّه بعد هذا اليوم أبدا، فعرض له عارض، فخرج من العسكر يتبرّز، فسلّط اللّه عليه عقربا فلدغته (5)، فمات بادي العورة.
____________
(1)- الحيتان/ خ.
(2)- في الأصل: جرعا.
(3)- في المصدر: قال.
(4)- آل عمران: 33- 34.
(5)- في إحدى نسختي الاصل و المصدر: فلذعه، و في نسخة اخرى: فلدغه.
167
فبلغ العطش من الحسين (عليه السّلام) و أصحابه، فدخل عليه رجل من شيعته يقال له: يزيد بن الحصين الهمدانيّ، قال إبراهيم بن عبد اللّه راوي الحديث: هو خال أبي إسحاق الهمدانيّ فقال: يا ابن رسول اللّه [أ] تأذن لي فأخرج إليهم فاكلّمهم (1)؟ فأذن له، فخرج إليهم، فقال: يا معشر الناس إنّ اللّه عزّ و جلّ بعث محمّدا بالحقّ بشيرا و نذيرا و داعيا إلى اللّه بإذنه و سراجا منيرا، و هذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السواد و كلابها، و قد حيل بينه و بين ابنه، فقالوا: يا يزيد فقد أكثرت الكلام فاكفف (2) فو اللّه ليعطش (3) الحسين كما عطش من كان قبله، فقال الحسين (عليه السّلام): اقعد يا يزيد.
ثم وثب الحسين (عليه السّلام) متوكّئا على سيفه، فنادى بأعلى صوته، فقال:
أنشدكم اللّه هل تعرفوني؟ قالوا: نعم، أنت ابن [بنت] رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و سبطه.
قال: أنشدكم اللّه هل تعلمون أنّ جدّي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)؟ قالوا: اللهمّ نعم.
قال: أنشدكم اللّه هل تعلمون أنّ امّي فاطمة بنت محمّد؟ قالوا: اللهم نعم.
قال: أنشدكم اللّه هل تعلمون أنّ أبي علي بن أبي طالب (عليه السّلام)؟ قالوا: اللّهمّ نعم.
قال: أنشدكم اللّه هل تعلمون أنّ جدّتي خديجة بنت خويلد أوّل نساء هذه الامّة إسلاما؟ قالوا: اللهمّ نعم.
قال: أنشدكم اللّه هل تعلمون أنّ سيّد الشهداء حمزة عمّ أبي؟ قالوا: اللهمّ نعم.
قال: فأنشدكم اللّه هل تعلمون أنّ جعفر الطيّار في الجنّة عمّي؟ قالوا: اللهمّ نعم.
قال: فأنشدكم اللّه هل تعلمون أنّ هذا سيف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و أنا متقلّده؟
قالوا: اللهمّ نعم.
قال: فأنشدكم اللّه هل تعلمون أنّ هذه عمامة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنا لابسها؟
____________
(1)- في المصدر: فأملهم.
(2)- فاكتف/ خ.
(3)- في البحار: ليعطشنّ.
168
قالوا: اللهمّ نعم.
قال: فأنشدكم اللّه هل تعلمون أنّ عليّا كان أوّلهم إسلاما و أعلمهم علما و أعظمهم حلما و أنّه وليّ كلّ مؤمن و مؤمنة؟ قالوا: اللهمّ نعم.
قال: فبم تستحلّون دمي؟ و أبي الذائد عن الحوض غدا يذود عنه رجالا كما يذاد البعير الصادر عن الماء، و لواء الحمد في يد جدّي يوم القيامة، قالوا: قد علمنا ذلك كلّه و نحن غير تاركيك حتى تذوق الموت عطشانا. (1)
فأخذ الحسين (عليه السّلام) بطرف لحيته و هو يومئذ ابن سبع و خمسين سنة، ثم قال:
اشتدّ غضب اللّه على اليهود حين قالوا: عزيز ابن اللّه، و اشتدّ غضب اللّه على النصارى حين قالوا: المسيح ابن اللّه، و اشتدّ غضب اللّه على المجوس حين عبدوا النار من دون اللّه، و اشتدّ غضب اللّه على قوم قتلوا نبيّهم، و اشتدّ غضب اللّه على هذه العصابة الذين يريدون قتل ابن بنت نبيّهم (2).
قال: فضرب الحرّ بن يزيد فرسه و جاز عسكر عمر بن سعد لعنه اللّه إلى عسكر الحسين (عليه السّلام) واضعا يده على رأسه و هو يقول: اللهمّ إليك انيب فتب عليّ، فقد أرعبت قلوب أوليائك و أولاد نبيّك، يا ابن رسول اللّه هل لي من توبة؟ قال: نعم تاب اللّه عليك، قال: يا ابن رسول اللّه ائذن (3) لي فاقاتل عنك، فأذن له فبرز و هو يقول:
أضرب في أعناقكم بالسيف * * * عن خير من حلّ بلاد الخيف
فقتل منهم ثمانية عشر رجلا، ثمّ قتل، فأتاه الحسين (عليه السّلام) و دمه يشخب فقال: بخّ بخّ يا حرّ أنت حرّ كما سمّيت في الدنيا و الآخرة، ثمّ أنشأ الحسين (عليه السّلام) يقول:
لنعم الحرّ حرّ بني رياح * * * صبور عند (4)مختلف الرماح
و نعم الحرّ إذ نادى حسينا * * * فجاد بنفسه عند الصباح
____________
(1)- في المصدر و البحار: عطشا.
(2)- في البحار: قتلي ابن نبيّهم و في المصدر و إحدى نسختي الأصل: قتل ابن نبيّهم.
(3)- في المصدر: أ تأذن.
(4)- في البحار: و نعم الحرّ، و في المصدر و إحدى نسختي الأصل: و نعم الحرّ عند.
169
ثمّ برز من بعده زهير بن القين البجليّ و هو يقول مخاطبا للحسين (عليه السّلام):
اليوم نلقى جدّك النبيّا * * * و حسنا و المرتضى عليّا
فقتل منهم تسعة عشر رجلا ثمّ صرع و هو يقول:
أنا زهير و أنا ابن القين * * * أذبّكم بالسيف عن حسين
ثم برز من بعده حبيب بن مظاهر (1) الأسديّ (رض) و هو يقول:
أنا حبيب و أبي مظاهر (2) * * * لنحن أزكى منكم و أطهر
ننصر خير الناس حين يذكر
فقتل منهم أحدا و ثلاثين رجلا ثمّ قتل (رضوان اللّه عليه).
ثمّ برز من بعده عبد اللّه بن أبي عروة الغفاريّ و هو يقول:
قد علمت حقّا بنو غفار * * * انّي أذبّ في طلاب الثأر
بالمشرفيّ و القنا الخطّار
فقتل منهم عشرين رجلا، ثم قتل (رحمه اللّه).
ثمّ برز من بعده برير بن خضير (3) الهمدانيّ و كان أقرأ أهل زمانه و هو يقول:
أنا برير و أبي خضير (4) * * * لا خير فيمن ليس فيه خير
فقتل منهم ثلاثين رجلا، ثمّ قتل (رضوان اللّه عليه).
ثم برز من بعده مالك بن أنس الكاهليّ و هو يقول:
قد علمت كاهلها و دودان * * * و الخندفيّون و قيس غيلان (5)
بأنّ قومي قصم الأقران * * * يا قوم كونوا كاسود الجان
آل عليّ شيعة الرحمن * * * و آل حرب شيعة الشيطان
فقتل منهم ثمانية عشر رجلا، ثم قتل (رضوان اللّه عليه).
____________
(1)- في البحار و في بعض نسخ المصدر: مظهّر.
(2)- في البحار: مطهّر، و في إحدى نسختي الأصل: مظهّر.
(3)- في البحار: بدير بن حفير، و في بعض نسخ المصدر: بدير بن خضير.
(4)- في البحار: أنا بدير و أبي حفير.
(5)- في المصدر و البحار: عيلان.
165
(الإمارة) على الناس، و أمرهم أن يسمعوا له و يطيعوه.
فبلغ عبيد اللّه بن زياد أنّ عمر بن سعد يسامر الحسين (عليه السّلام) و يحدّثه، و يكره قتاله، فوجّه إليه شمر بن ذي الجوشن في أربعة آلاف فارس، و كتب إلى عمر بن سعد إذا أتاك كتابي هذا فلا تمهلنّ الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) و خذ بكظمه، و حل بين الماء و بينه كما حيل بين عثمان و بين الماء يوم الدار، فلمّا وصل الكتاب إلى عمر بن سعد لعنه اللّه، أمر مناديه فنادى: إنّا قد أجّلنا حسينا و أصحابه يومهم و ليلتهم فشقّ ذلك على الحسين و على أصحابه، فقام الحسين (عليه السّلام) في أصحابه خطيبا، فقال:
«اللهمّ إنّي لا أعرف أهل بيت أبرّ و لا أزكى و لا أطهر من أهل بيتي و لا أصحابا هم خير من أصحابي، و قد نزل بي ما قد ترون و أنتم في حلّ من بيعتي، ليست لي في أعناقكم بيعة، و لا لي عليكم ذمّة، و هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملا و تفرّقوا في سواده، فإنّ القوم إنّما يطلبوني، و لو ظفروا بي لذهلوا عن طلب غيري».
فقام إليه عبد اللّه بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب (عليه السّلام)، فقال: يا ابن رسول اللّه ما ذا يقول لنا الناس إن نحن خذلنا شيخنا و كبيرنا و سيّدنا و ابن سيّد الأعمام و ابن نبيّنا سيّد الأنبياء، لم نضرب معه بسيف، و لم نقاتل معه برمح، لا و اللّه أو نرد موردك و نجعل أنفسنا دون نفسك، و دماءنا دون دمك، فإذا نحن فعلنا ذلك فقد قضينا ما علينا و خرجنا ممّا لزمنا.
و قام إليه رجل يقال له: زهير بن القين البجلي، فقال: يا ابن رسول اللّه وددت أنّي قتلت ثمّ نشرت، ثمّ قتلت ثمّ نشرت، ثمّ قتلت ثمّ نشرت فيك و في الذين معك مائة قتلة، و أنّ اللّه دفع بي عنكم أهل البيت، فقال له و لأصحابه: جزيتم خيرا.
ثمّ إنّ الحسين (عليه السّلام) أمر بحفيرة فحفرت حول عسكره شبه الخندق، و أمر (بحطب) فحشيت حطبا و أرسل عليّا ابنه في ثلاثين فارسا و عشرين راجلا ليستقوا الماء و هم على وجل شديد و أنشأ الحسين (عليه السّلام) يقول:
يا دهر افّ لك من خليل * * * كم لك في الإشراق و الأصيل
من طالب و صاحب قتيل * * * و الدهر لا يقنع بالبديل
و إنّما الأمر إلى الجليل * * * و كلّ حيّ سالك سبيلي
170
و برز من بعده زياد بن مهاصر الكندي فحمل عليهم و أنشأ يقول:
(أنا زياد و أبي مهاصر) (1) * * * أشجع من ليث العرين الخادر
يا رب إنّي للحسين ناصر * * * و لا بن سعد تارك مهاجر
فقتل منهم تسعة، ثمّ قتل (رضوان اللّه عليه).
و برز من بعده وهب بن وهب و كان نصرانيّا أسلم على يدي الحسين (عليه السّلام) هو و امّه فاتّبعوه إلى كربلاء فركب فرسا و تناول بيده عود الفسطاط، فقاتل و قتل من القوم سبعة أو ثمانية ثم استؤسر، فأتي به عمر بن سعد لعنه اللّه فأمر بضرب عنقه فضربت عنقه و رمي [به] إلى عسكر الحسين (عليه السّلام) و أخذت امّه سيفه و برزت، فقال لها الحسين (عليه السّلام): يا أمّ وهب اجلسي فقد وضع اللّه الجهاد عن النساء إنّك و ابنك مع جدّي محمد (صلى اللّه عليه و آله) في الجنّة.
ثمّ برز من بعده هلال بن حجّاج و هو يقول:
أرمي بها معلمة أفواقها (2) * * * و النفس (3) لا ينفعها إشفاقها
فقتل منهم ثلاثة عشر رجلا ثمّ قتل (رضوان اللّه عليه و رحمته).
و برز من بعده عبد اللّه بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب (عليه السّلام) و أنشأ يقول:
أقسمت لا اقتل إلّا حرّا * * * و قد وجدت الموت شيئا مرّا
أكره أن ادعى جبانا فرّا * * * إنّ الجبان من عصى و فرّا
فقتل منهم ثلاثة، ثمّ قتل (رضوان اللّه عليه و رحمته).
و برز من بعده عليّ بن الحسين (عليه السّلام)، فلمّا برز إليهم دمعت عين الحسين (عليه السّلام) فقال: اللهمّ كن أنت الشهيد عليهم، فقد برز إليهم ابن رسولك و أشبه الناس وجها و سمتا به، فجعل يرتجز و هو يقول:
أنا عليّ بن الحسين بن عليّ * * * نحن و بيت اللّه أولى بالنبيّ
أ ما ترون كيف أحمي عن أبي * * * (ضرب غلام هاشميّ عربي) (4)
____________
(1)- ما بين القوسين ليس في المصدر.
(2)- الأفواق جمع الفوق بالضمّ: مشق رأس السهم حيث يقع الوتر.
(3)- و الناس/ خ.
(4)- ما بين القوسين ليس في المصدر و البحار.
172
قتلت خير الناس امّا و أبا * * * و خيرهم إذ ينسبون نسبا
فقال له عبيد اللّه بن زياد لعنه اللّه: ويحك، فإن علمت أنّه خير الناس امّا و أبا لم قتلته إذا، فأمر به فضربت عنقه و عجّل اللّه بروحه إلى النار، و أرسل ابن زياد قاصدا إلى أمّ كلثوم- اخت الحسين (1) (عليه السّلام)- فقال لها: الحمد للّه الذي قتل رجالكم فكيف ترون ما فعل بكم؟
فقالت: يا ابن زياد لئن قرّت عينك (2) بقتل الحسين (عليه السّلام) فطال ما قرّت عين جدّه به، و كان يقبّله و يلثم شفتيه (3)، و يضعه على عاتقه، يا ابن زياد أعدّ لجدّه جوابا فإنّه خصمك غدا (4).
توضيح: «وطدت الشيء أطده وطدا» أي أثبتّه و ثقّلته، و التوطيد مثله «و الأرب» بالكسر العضو، «و جثا» كدعى «و رمى جثوّا و جثيّا بضمّهما» جلس على ركبتيه أو قام على أطراف أصابعه، «و رمّله بالدم فترمّل و ارتمل» أي تلطّخ «و الخلاق» النصيب، «و الظهيرة» شدّة الحرّ نصف النهار «و الإسراء» السير بالليل و يقال: «طلبت فلانا حتى رهقته» أي حتى دنوت منه، فربمّا أخذه و ربّما لم يأخذه، و حرّ الوجه ما بدا من الوجنة، «و الثبور» الهلاك و الخسران، «و الواعية» الصراخ و الصوت، «و المسامرة» الحديث بالليل، و يقال: «أخذت بكظمه» بالتحريك أي بمخرج نفسه.
و قال الجزريّ: يقال للرجل إذا أسرى ليله جمعاء أو أحياها بصلاة أو غيرها من العبادات اتّخذ الليل جملا كأنّه ركبه و لم ينم فيه انتهى، «و شرقت الشمس» أي طلعت «و أشرقت» أي أضاءت، «و الأصيل» بعد العصر إلى المغرب، «و البديل»: البدل «و سنبك الدابّة» هو طرف حافرها، «و البراز» بالفتح الفضاء الواسع «و تبرّز الرجل» أي خرج إلى البراز للحاجة، «و الذود» الطرد و الدفع.
و قال الجوهريّ: «المشرفيّة» سيوف، قال أبو عبيد [ة]: نسبت إلى مشارف
____________
(1)- في المصدر و البحار و إحدى نسختي الأصل: «بنت الحسين» و قد تقدّم التعليق على هذا الموضوع فراجع.
(2)- عينيك/ خ.
(3)- شفته/ خ.
(4)- أمالي الصدوق ص 129 ح 1 و البحار: 44/ 310 ح 1.
173
و هي قرى من أرض العرب تدنو من الريف، يقال: سيف مشرفيّ، «و القنا» بالكسر جمع قناة و هي الرمح «و رمح خطّار» ذو اهتزاز، و يقال: «خطران الرمح» ارتفاعه و انخفاضه للطعن، و «الكاهل» أبو قبيلة من أسد و كذا دودان أبو قبيلة منهم، «و خندف» في الأصل لقب ليلى بنت عمران سمّيت به القبيلة، و قيس أبو قبيلة من مضر، و هو قيس غيلان (1)، «و العرين» مأوى الأسد الذي يألفه.
و في بعض النسخ «العريز» و كأنّه من المعارزة بمعنى المعاندة، «و الخدر» الستر «و أسد خادر» أي داخل الخدر، «و رجل فرّ» أي فرّار، و يقال: «ملك محجّب» أي محتجب عن الناس.
الكتب:
2- قال الشيخ المفيد في الإرشاد: روى الكلبيّ و المدائنيّ و غيرهما من أصحاب السيرة قالوا: لمّا مات الحسن (عليه السّلام) تحرّكت الشيعة بالعراق، و كتبوا إلى الحسين (عليه السّلام) في خلع معاوية و البيعة له، فامتنع عليهم، و ذكر أنّ بينه و بين معاوية عهدا و عقدا لا يجوز له نقضه حتى تمضي المدّة، فإذا مات معاوية نظر في ذلك.
فلمّا مات معاوية و ذلك للنصف من شهر رجب سنة ستّين من الهجرة، كتب يزيد إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، و كان على المدينة من قبل معاوية أن يأخذ الحسين (عليه السّلام) بالبيعة له و لا يرخّص له في التأخير عن ذلك، فأنفذ الوليد إلى الحسين (عليه السّلام) في الليل فاستدعاه فعرف الحسين (عليه السّلام) الذي أراد، فدعا جماعة من مواليه و أمرهم بحمل السلاح، و قال لهم: إنّ الوليد قد استدعاني في هذا الوقت، و لست آمن أن يكلّفني فيه أمرا لا اجيبه (2) إليه و هو غير مأمون، فكونوا معي، فإذا دخلت إليه فاجلسوا على الباب، فإن سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عليه لتمنعوه عنّي.
فصار الحسين (عليه السّلام) إلى الوليد بن عتبة فوجد عنده مروان بن الحكم فنعى إليه الوليد معاوية فاسترجع الحسين (عليه السّلام) ثمّ قرأ عليه كتاب يزيد، و ما أمره فيه من
____________
(1)- في البحار: عيلان.
(2)- في المصدر: لا اجيب.
171
فقتل منهم عشرة، ثمّ رجع إلى أبيه، فقال: يا أبه العطش، فقال له الحسين (عليه السّلام): صبرا يا بنيّ ليسقيك (1) جدّك بالكأس الأوفى، فرجع فقاتل حتى قتل منهم أربعة و أربعين رجلا ثمّ قتل صلّى اللّه عليه.
و برز من بعده القاسم بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السّلام) و هو يقول:
لا تجزعي نفسي فكلّ فان * * * اليوم تلقين ذرى الجنان
فقتل منهم ثلاثة، ثمّ رمي عن فرسه (رضوان اللّه عليه و صلواته).
و نظر الحسين (عليه السّلام) يمينا و شمالا و لا يرى أحدا فرفع رأسه إلى السماء، فقال:
اللهمّ إنّك ترى ما يصنع بولد نبيّك، و حال بنو كلاب بينه و بين الماء، و رمي بسهم فوقع في نحره و خرّ عن فرسه، فأخذ السهم فرمى به، و جعل يتلقّى الدم بكفّه، فلمّا امتلأت لطّخ بها رأسه و لحيته و (هو) يقول: ألقى اللّه عزّ و جلّ و أنا مظلوم متلطّخ بدمي، ثمّ خرّ على خدّه الأيسر صريعا.
و أقبل عدوّ اللّه سنان بن أنس الاياديّ و شمر بن ذي الجوشن العامريّ لعنهما اللّه في رجال من أهل الشام حتّى و قفوا على رأس الحسين (عليه السّلام)، فقال بعضهم لبعض: ما تنتظرون؟ أريحوا الرجل، فنزل سنان بن أنس الأياديّ لعنه اللّه و أخذ بلحية الحسين (عليه السّلام)، و جعل يضرب بالسيف في حلقه و هو يقول: و اللّه إنّي لأجتزّ رأسك و أنا أعلم أنّك ابن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و خير الناس امّا و أبا، و أقبل فرس الحسين (عليه السّلام) حتى لطّخ عرفه و ناصيته بدم الحسين (عليه السّلام) و جعل يركض و يصهل، فسمعت بنات النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) صهيله فخرجن، فإذا الفرس بلا راكب فعرفن أنّ حسينا (عليه السّلام) قد قتل، و خرجت أمّ كلثوم بنت علي (2) (عليه السّلام) واضعة يدها على رأسها تندب و تقول:
وا محمّداه هذا الحسين بالعراء قد سلب العمامة و الرداء، و أقبل سنان لعنه اللّه حتى أدخل رأس الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) على عبيد اللّه بن زياد لعنه اللّه و هو يقول:
إملأ ركابي فضّة و ذهبا * * * إنّي (3)قتلت الملك المحجّبا
____________
(1)- في المصدر و البحار: يسقيك.
(2)- هكذا في إحدى نسختي الأصل، و في الأخرى و المصدر و البحار: «بنت الحسين»، و يؤيّد الأوّل الاعتبار المشهور، و ما سيأتي في آخر الرواية «أمّ كلثوم اخت الحسين».
(3)- في الأصل و البحار: انا.
175
(عليه السّلام) و عبد اللّه بن عمر، و عبد اللّه بن الزبير، و عبد الرحمن بن أبي بكر أخذا عنيفا (1) ليست فيه رخصة فمن يأبى (2) عليك منهم فاضرب عنقه و ابعث إليّ برأسه، فشاور في ذلك مروان، فقال: الرأي أن تحضرهم و تأخذ منهم البيعة قبل أن يعلموا.
فوجّه في طلبهم، و كانوا عند التربة، فقال عبد الرحمن و عبد اللّه: ندخل دورنا و نغلق أبوابنا، و قال ابن الزبير: و اللّه ما ابايع يزيد أبدا، و قال الحسين: أنا لا بدّ لي من الدخول على الوليد و ذكر قريبا ممّا مرّ. (3)
قال المفيد: فقال مروان للوليد: عصيتني لا و اللّه لا يمكنك مثلها من نفسه أبدا، فقال [له] الوليد: ويح غيرك يا مروان إنّك اخترت لي الّتي فيها هلاك ديني و دنياي، و اللّه ما احبّ أنّ لي ما طلعت عليه الشمس و غربت عنه (4) من مال الدنيا و ملكها، و إنّي قتلت حسينا، سبحان اللّه أقتل حسينا [لمّا] إن قال: لا ابايع، و اللّه إنّي لأظنّ أنّ امرأ يحاسب بدم الحسين (عليه السّلام) خفيف الميزان عند اللّه يوم القيامة، فقال له مروان: فإذا كان هذا رأيك فقد أصبت فيما صنعت- يقول هذا و هو غير الحامد له على رأيه- (5).
و قال السيّد: فلمّا أصبح الحسين (عليه السّلام) خرج من منزله يستمع الأخبار فلقيه مروان بن الحكم، فقال له: يا أبا عبد اللّه إنّي لك ناصح فأطعني ترشد، فقال الحسين (عليه السّلام): و ما ذاك؟ قل حتّى أسمع، فقال (له) مروان: إنّي آمرك ببيعة يزيد أمير المؤمنين فإنّه خير لك في دينك و دنياك، فقال الحسين (عليه السّلام): إنّا للّه و إنّا إليه راجعون و على الإسلام السلام، إذ قد بليت الأمّة براع مثل يزيد، و لقد سمعت جدّي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يقول: الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان، و طال الحديث بينه و بين مروان حتّى انصرف مروان و هو غضبان.
فلمّا كان الغداة توجّه الحسين (عليه السّلام) إلى مكّة لثلاث مضين من شعبان سنة ستّين، فأقام بها باقي شعبان و شهر رمضان و شوّالا و ذا القعدة. (6)
____________
(1)- في المصدر: ضيقا.
(2)- في المصدر: تأبّى.
(3)- مناقب ابن شهرآشوب: 3/ 240 و البحار: 44/ 325.
(4)- في الأصل: منه.
(5)- إرشاد المفيد ص 222 و البحار: 44/ 325.
(6)- اللهوف ص 11 و 14 و البحار: 44/ 326.
174
أخذ البيعة منه له، فقال الحسين (عليه السّلام): إنّي لا أراك تقنع ببيعتي ليزيد سرّا حتى ابايعه جهرا فيعرف ذلك الناس، فقال له الوليد: أجل، فقال الحسين (عليه السّلام): فتصبح و ترى رأيك في ذلك، فقال له الوليد: انصرف على اسم اللّه تعالى حتى تأتينا مع جماعة الناس.
فقال له مروان: و اللّه لئن فارقك الحسين- (عليه السّلام)- الساعة و لم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدا حتّى تكثر القتلى بينكم و بينه احبس الرجل و لا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه، فوثب الحسين (عليه السّلام) عند ذلك، و قال: أنت يا بن الزرقاء تقتلني أم هو؟ كذبت و اللّه و أثمت، و خرج يمشي و معه مواليه حتى أتى منزله. (1)
قال السيّد: كتب يزيد إلى الوليد [و كان أمير المدينة] يأمره بأخذ البيعة على أهلها [عامّة] و خاصّة على الحسين (عليه السّلام) و يقول [له]: إن أبى عليك فاضرب عنقه و ابعث إليّ برأسه، فأحضر الوليد مروان و استشاره في أمر الحسين (عليه السّلام)، فقال: إنّه لا يقبل، و لو كنت مكانك ضربت (2) عنقه، فقال الوليد: ليتني لم أك شيئا مذكورا.
ثمّ بعث إلى الحسين (عليه السّلام) فجاءه في ثلاثين [رجلا] من أهل بيته و مواليه، ثمّ ساق الكلام إلى أن قال: فغضب الحسين (عليه السّلام)، ثمّ قال: ويلي عليك (3) يا ابن الزرقاء أنت تأمر بضرب عنقي كذبت و اللّه و أثمت (4).
ثمّ أقبل على الوليد فقال: أيّها الأمير إنّا أهل بيت النبوّة، و معدن الرسالة، و مختلف الملائكة، و بنا فتح اللّه، و بنا ختم اللّه، و يزيد رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحرّمة، معلن بالفسق و مثلي لا يبايع مثله (5)، و لكن نصبح و تصبحون، و ننظر و تنظرون أيّنا أحقّ بالبيعة و الخلافة، ثمّ خرج (عليه السّلام) (6).
و قال ابن شهرآشوب: كتب (يزيد) إلى الوليد بأخذ البيعة من الحسين
____________
(1)- ص 221 و البحار: 44/ 324 ح 2.
(2)- في المصدر: لضربت.
(3)- في المصدر: ويل لك.
(4)- في المصدر: و لؤمت.
(5)- في المصدر: للمثله.
(6)- اللهوف ص 10 و البحار: 44/ 324.
176
قال المفيد (ره): فأقام (1) الحسين (عليه السّلام) في منزله تلك الليلة، و هي ليلة السبت لثلاث بقين من رجب سنة ستّين [من الهجرة]، و اشتغل الوليد بن عتبة بمراسلة ابن الزبير في البيعة ليزيد، و امتناعه عليهم، و خرج ابن الزبير من ليلته عن المدينة متوجّها إلى مكّة، فلمّا أصبح الوليد سرّح في أثره الرجال، فبعث راكبا من موالي بني اميّة في ثمانين راكبا، فطلبوه فلم يدركوه، فرجعوا.
فلمّا كان آخر نهار [يوم] السبت بعث الرجال إلى الحسين (عليه السّلام) ليحضر فيبايع الوليد ليزيد بن معاوية، فقال لهم الحسين (عليه السّلام): اصبحوا ثمّ ترون و نرى! فكفّوا تلك الليلة عنه و لم يلحّوا عليه، فخرج (عليه السّلام) من تحت ليلته و هي ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب متوجّها نحو مكّة، و معه بنوه و بنو أخيه و إخوته و جلّ أهل بيته إلّا محمّد بن الحنفيّة، فإنّه لمّا علم عزمه على الخروج عن المدينة لم يدر أين يتوجّه، فقال له: يا أخي أنت أحبّ الناس إليّ، و أعزّهم عليّ، و لست أدّخر النصيحة لأحد من الخلق إلّا لك، و أنت أحقّ بها تنحّ ببيعتك عن يزيد بن معاوية و عن الأمصار ما استطعت، ثمّ ابعث رسلك إلى الناس ثمّ ادعهم إلى نفسك فإن بايعك الناس و بايعوا لك حمدت اللّه على ذلك، و إن اجتمع الناس على غيرك لم ينقص اللّه بذلك دينك و لا عقلك و لا تذهب به مروّتك و لا فضلك، إنّي أخاف عليك أن تدخل مصرا من هذه الأمصار فيختلف الناس بينهم، فمنهم طائفة معك و اخرى عليك فيقتتلون، فتكون إذا لأوّل الأسنّة غرضا، فإذا خير هذه الامّة كلّها نفسا و امّا و أبا أضيعها دما و أذلّها أهلا.
فقال له الحسين (عليه السّلام): فأين أذهب (2) يا أخي؟ قال: انزل مكّة فإن اطمأنّت بك الدار بها فذاك (3) و إن نبت (4) بك لحقت بالرمال و شعف (5) الجبال، و خرجت من بلد إلى بلد حتّى تنظر إلى ما يصير أمر الناس [إليه]، فإنّك أصوب ما تكون رأيا حين تستقبل الأمر استقبالا. [ف] قال: يا أخي قد نصحت و أشفقت، و أرجو أن يكون رأيك سديدا موفّقا (6).
____________
(1)- في الأصل و البحار: فقام.
(2)- في البحار: أنزل.
(3)- في المصدر: فسبيل ذلك، و في البحار: فستنل ذلك.
(4)- في المصدر: بنت.
(5)- شعوب/ خ، و الشعف: رءوس الجبال.
(6)- إرشاد المفيد ص 222 و البحار: 44/ 326.
177
و قال محمّد بن أبي طالب الموسويّ: لمّا ورد الكتاب على الوليد بقتل الحسين (عليه السّلام) عظم ذلك عليه، ثمّ قال: و اللّه لا يراني اللّه أقتل ابن نبيّه و لو جعل يزيد لي الدنيا بما فيها.
قال: و خرج الحسين (عليه السّلام) من منزله ذات ليلة و أقبل إلى قبر جدّه، فقال:
السلام عليك يا رسول اللّه، أنا الحسين بن فاطمة، فرخك و ابن فرختك، و سبطك الّذي خلّفتني في أمّتك، فاشهد عليهم يا نبيّ اللّه أنّهم قد خذلوني و ضيّعوني و لم يحفظوني، و هذه شكواي إليك حتّى ألقاك، قال: ثمّ قام فصفّ قدميه فلم يزل راكعا (و) ساجدا.
قال: و أرسل الوليد إلى منزل الحسين (عليه السّلام) لينظر أخرج من المدينة أم لا؟
فلم يصبه في منزله، فقال: الحمد للّه الذي خرج (1) و لم يبتلني بدمه، قال: و رجع الحسين (عليه السّلام) إلى منزله عند الصبح.
فلمّا كانت الليلة الثانية، خرج إلى القبر أيضا و صلّى ركعات، فلمّا فرغ من صلاته جعل يقول: اللهمّ هذا قبر نبيّك محمّد، و أنا ابن بنت نبيّك، و قد حضرني من الأمر ما قد علمت، اللّهمّ إنّي احبّ المعروف، و أنكر المنكر، و أنا اسألك يا ذا الجلال و الإكرام بحقّ القبر و من فيه إلّا اخترت لي ما هو لك رضى و لرسولك رضى.
قال: ثمّ جعل يبكي عند القبر حتّى إذا كان قريبا من الصبح وضع رأسه على القبر فاغفي، فإذا هو برسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قد أقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه و عن شماله و بين يديه حتّى ضمّ الحسين (عليه السّلام) إلى صدره و قبّل (ما) بين عينيه، و قال:
حبيبي يا حسين كأنّي أراك عن قريب مرمّلا بدمائك، مذبوحا بأرض كرب و بلاء، بين (2) عصابة من أمّتي، و أنت مع ذلك عطشان لا تسقى، و ظمان لا تروى، و هم مع ذلك يرجون شفاعتي، لا أنا لهم اللّه شفاعتي يوم القيامة، حبيبي يا حسين إنّ أباك و امّك و أخاك قدموا عليّ و هم مشتاقون إليك، و إنّ لك في الجنان لدرجات لن تنالها إلّا بالشهادة.
قال: فجعل الحسين (عليه السّلام) في منامه ينظر إلى جدّه و يقول: يا جدّاه لا حاجة
____________
(1)- أخرج الحسين/ خ.
(2)- في البحار و إحدى نسختي الأصل: من.
179
فتكون لي عينا (عليهم ف) لا تخفي عنّي شيئا من امورهم.
ثمّ دعا الحسين (عليه السّلام) بدواة و بياض و كتب هذه الوصيّة لأخيه محمّد:
بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب إلى أخيه محمّد المعروف بابن الحنفيّة أنّ الحسين (عليه السّلام) يشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له و أنّ محمّدا عبده و رسوله، جاء بالحقّ من عند الحقّ، و أنّ الجنّة و النار حقّ، و أنّ الساعة آتية لا ريب فيها، و أنّ اللّه يبعث من في القبور، و أنّي لم أخرج أشرا و لا بطرا و لا مفسدا و لا ظالما و إنّما خرجت لطلب إلا صلاح في أمّة جدّي، اريد أن آمر بالمعروف و أنهى عن المنكر، و أسير بسيرة جدّي و أبي عليّ بن أبي طالب (عليهما السّلام)، فمن قبلني بقبول الحقّ فاللّه أولى بالحقّ، و من ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي اللّه بيني و بين القوم بالحقّ و هو خير الحاكمين، و هذه وصيّتي يا أخي إليك و ما توفيقي إلّا باللّه عليه توكّلت و إليه انيب.
قال: ثمّ طوى الحسين (عليه السّلام) الكتاب و ختمه بخاتمه، و دفعه إلى أخيه محمّد ثمّ ودّعه و خرج في جوف الليل.
و قال محمّد بن أبي طالب: و روى محمّد بن يعقوب الكليني في كتاب الرسائل عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن أيّوب بن نوح، عن صفوان، عن مروان بن إسماعيل، عن حمزة بن حمران، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال (1): ذكرنا خروج الحسين (عليه السّلام) و تخلّف ابن الحنفيّة، فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): يا حمزة إنّي سأخبرك بحديث لا تسأل عنه بعد مجلسك هذا، إنّ الحسين (عليه السّلام) لمّا فصل (2) متوجّها، دعا بقرطاس و كتب فيه:
«بسم اللّه الرحمن الرحيم من الحسين بن عليّ بن أبي طالب إلى بني هاشم، أمّا بعد فإنّ من لحق بي منكم استشهد، و من تخلّف لم يبلغ مبلغ الفتح و السلام».
و قال شيخنا المفيد بإسناده إلى أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: لمّا سار أبو عبد اللّه
____________
(1)- ثم قال/ خ.
(2)- فصل بمعنى خرج، و منه قوله تعالى: «و لمّا فصلت العير» أي خرجت
178
لي في الرجوع إلى الدنيا فخذني إليك و أدخلني معك في قبرك، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله):
لا بدّ لك من الرجوع إلى الدنيا حتى ترزق الشهادة و ما قد كتب اللّه لك فيها من الثواب العظيم، فإنّك و أباك و أخاك و عمّك و عمّ أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة حتّى تدخلوا الجنّة.
قال: فانتبه الحسين (عليه السّلام) من نومه فزعا مرعوبا فقصّ رؤياه على أهل بيته و بني عبد المطّلب فلم يكن في ذلك اليوم في مشرق و لا مغرب قوم أشدّ غمّا من أهل بيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و لا أكثر باك و لا باكية منهم.
قال: و تهيّأ الحسين (عليه السّلام) للخروج من المدينة، و مضى في جوف الليل إلى قبر امّه فودّعها، ثمّ مضى إلى قبر أخيه الحسن (عليه السّلام) ففعل كذلك، ثمّ رجع إلى منزله وقت الصبح فأقبل إليه أخوه محمّد بن الحنفيّة، و قال: يا أخي أنت أحبّ الخلق إليّ و أعزّهم عليّ و لست و اللّه أدّخر النصيحة لأحد من الخلق، و ليس أحد أحقّ بها منك لأنّك مزاج مائي و نفسي و روحي و بصري و كبير أهل بيتي و من وجبت طاعته في عنقي، لأنّ اللّه قد شرّفك عليّ و جعلك من سادات أهل الجنّة.
و ساق الحديث كمّا مرّ إلى أن قال: تخرج إلى مكّة فإن اطمأنّت بك الدار بها فذاك، و إن تكن الاخرى خرجت إلى بلاد اليمن، فإنّهم أنصار جدّك و أبيك، و هم أرأف الناس، و أرقّهم قلوبا، و أوسع الناس بلادا، فإن اطمأنّت بك الدار، و إلّا لحقت بالرّمال و شعوب الجبال، و جزت (1) من بلد إلى بلد، حتى تنظر ما يؤول إليه أمر الناس و يحكم اللّه بيننا و بين القوم الفاسقين.
قال: فقال الحسين (عليه السّلام): يا أخي و اللّه لو لم يكن (في الدنيا) ملجأ و لا مأوى، لما بايعت يزيد بن معاوية، فقطع محمّد بن الحنفيّة الكلام و بكى، فبكى الحسين (عليه السّلام) معه ساعة ثم قال: يا أخي جزاك اللّه خيرا، لقد نصحت و أشرت بالصواب و أنا عازم على الخروج إلى مكّة، و قد تهيّأت لذلك أنا و إخوتي و بنو أخي و شيعتي، و أمرهم أمري و رأيهم رأيي، و أمّا أنت يا أخي فلا عليك أن تقيم بالمدينة،
____________
(1)- و خرجت/ خ.
180
(عليه السّلام) من المدينة لقيه أفواج من الملائكة المسوّمة في أيديهم الحراب على نجب (1) من نجب الجنّة، فسلّموا عليه، و قالوا: يا حجّة اللّه على خلقه بعد جدّه و أبيه و أخيه، إنّ اللّه سبحانه أمدّ جدّك بنا في مواطن كثيرة، و إنّ اللّه أمدّك بنا، فقال لهم: الموعد حفرتي و بقعتي التي استشهد فيها و هي كربلا، فإذا وردتها فأتوني، فقالوا: يا حجّة اللّه مرنا نسمع و نطع، فهل تخشى من عدوّ يلقاك فنكون معك؟ فقال: لا سبيل لهم عليّ و لا يلقوني بكريهة أو أصل إلى بقعتي.
و أتته أفواج مسلمي الجنّ، فقالوا: يا سيّدنا نحن شيعتك و أنصارك فمرنا بأمرك و ما تشاء فلو أمرتنا بقتل كلّ عدوّ لك و أنت بمكانك لكفيناك ذلك، فجزاهم الحسين (عليه السّلام) خيرا، و قال لهم: أو ما قرأتم كتاب اللّه المنزل على جدّي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) «أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ» (2) و قال سبحانه و تعالى «لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ» (3) و إذا أقمت بمكاني فبما ذا يبتلي هذا الخلق المتعوس؟ و بما ذا يختبرون؟ و من ذا يكون ساكن حفرتي بكربلاء؟ و قد اختارها اللّه تعالى يوم دحا الأرض، و جعلها معقلا لشيعتنا، و يكون لهم أمانا في الدنيا و الآخرة، و لكن تحضرون يوم السبت، و هو يوم عاشوراء الذي في آخره اقتل و لا يبقى بعدي مطلوب من أهلي و نسبي و إخوتي و أهل بيتي، و يسار برأسي إلى يزيد لعنه اللّه.
فقالت الجنّ: نحن و اللّه يا حبيب اللّه و ابن حبيبه، لو لا أنّ أمرك طاعة و أنّه لا يجوز لنا مخالفتك، قتلنا جميع أعدائك قبل أن يصلوا إليك، فقال (صلوات الله عليه) لهم:
نحن و اللّه أقدر عليهم منكم و لكن «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» (4) انتهى ما نقلناه من كتاب محمد بن أبي طالب. (5)
و في بعض الكتاب أنّه لمّا عزم على الخروج من المدينة أتته أمّ سلمة (رض) فقالت: يا بنيّ لا تحزنّي بخروجك إلى العراق فإنّي سمعت جدّك يقول: يقتل ولدي
____________
(1)- النجيب من الإبل: القوي الخفيف السريع. «مجمع البحرين ج 2 ص 169».
(2)- النساء: 78.
(3)- آل عمران: 154.
(4)- الانفال: 42.
(5)- البحار: 44/ 327.
182
(عليه السّلام) في البلد، و أنّ الحسين (عليه السّلام) أطوع في الناس منه و أجلّ.
و بلغ أهل الكوفة هلاك معاوية، فأرجفوا بيزيد، و عرفوا خبر الحسين (عليه السّلام) و امتناعه من بيعته، و ما كان من أمر ابن الزبير في ذلك و خروجها إلى مكّة، فاجتمعت الشيعة بالكوفة في منزل سليمان بن صرد فذكروا هلاك معاوية، فحمدوا اللّه و أثنوا عليه، فقال سليمان: إنّ معاوية قد هلك، و إنّ حسينا قد نقض (1) على القوم ببيعته، و قد خرج إلى مكّة، و أنتم شيعته و شيعة أبيه، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه و مجاهدو عدوّه، فاكتبوا إليه [و أعلموه]، فإن خفتم الفشل و الوهن فلا تغرّوا الرجل في نفسه قالوا: لا، بل نقاتل عدوّه، و نقتل أنفسنا دونه، [قال:] فاكتبوا إليه.
فكتبوا إليه: بسم اللّه الرحمن الرحيم للحسين بن عليّ (عليهما السّلام) من سليمان بن صرد، و المسيّب بن نجبة (2)، و رفاعة بن شدّاد البجليّ، و حبيب بن مظاهر و شيعته المؤمنين و المسلمين من أهل الكوفة، سلام عليك، فإنّا نحمد إليك اللّه الذي لا إله إلّا هو. أمّا بعد:
فالحمد للّه الذي قصم عدوّك الجبّار العنيد، الذي انتزى على هذه الامّة فابتزّها أمرها، و غصبها فيئها، و تأمّر عليها بغير رضى منها، ثمّ قتل خيارها، و استبقى شرارها، و جعل مال اللّه دولة بين جبابرتها و أغنيائها، فبعدا له كما بعدت ثمود، إنّه ليس علينا (3) إمام، فأقبل لعلّ اللّه أن يجمعنا بك على الحقّ، و النعمان بن بشير في قصر الإمارة، لسنا نجتمع معه في جمعة، و لا نخرج معه إلى عيد، و لو قد بلغنا أنّك قد أقبلت إلينا أخرجناه، حتى نلحقه بالشام إن شاء اللّه.
ثمّ سرّحوا الكتاب (4) مع عبد اللّه بن مسمع الهمدانيّ، و عبد اللّه بن وال (5) و أمروهما بالنجا [ء]، (6) فخرجا مسرعين حتّى قدما على الحسين (عليه السّلام) بمكّة لعشر مضين
____________
(1)- في الأصل و البحار: نقض.
(2)- في الأصل و المصدر: نبعية، و الصحيح ما أثبتناه في المتن، كما ضبطه ابن حجر في الإصابة ج 3 ص 495، و ابن سعد في طبقاته الكبرى ج 6 ص 216، حيث قال: المسيّب بن نجبه بن ربيعة بن رياح بن هلال بن شمخ بن فزارة، شهد القادسية و شهد مع عليّ بن أبي طالب مشاهده، و قتل يوم عين الوردة مع التوابين.
(3)- لنا/ خ.
(4)- في المصدر و البحار: بالكتاب
(5)- في البحار: و أل.
(6)- أي السرعة.
183
من شهر رمضان.
ثمّ لبث أهل الكوفة يومين بعد تسريحهم بالكتاب، و أنفذوا قيس بن مسهر الصيداويّ «و عبد اللّه و عبد الرحمن ابني عبد اللّه بن زياد الأرحبي (1)» و عمارة بن عبد اللّه السلولي إلى الحسين (عليه السّلام) و معهم نحو مائة و خمسين صحيفة، من الرجل و الاثنين و الأربعة. (2)
و قال السيّد: و هو مع ذلك يتأبّى (3) و لا يجيبهم، فورد عليه في يوم واحد ستّمائة كتاب، و تواترت الكتاب حتّى اجتمع عنده [منها] في نوب متفرّقة اثنا عشر ألف كتاب. (4)
و قال المفيد (ره): ثم لبثوا يومين آخرين و أخرجوا (5) إليه هانئ بن هانئ السبيعيّ و سعيد بن عبد اللّه الحنفيّ و كتبوا إليه:
بسم اللّه الرحمن الرحيم إلى الحسين (6) بن عليّ من شيعته من المؤمنين و المسلمين. أمّا بعد فحيّهلا فإنّ الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك، فالعجل العجل، ثمّ العجل العجل، و السلام.
ثمّ كتب شبث بن ربعيّ، و حجّار بن أبجر، و يزيد بن الحارث بن رويم، و عروة بن قيس، و عمرو بن حجّاج الزبيديّ لعنه اللّه، و محمّد بن عمرو التيميّ، أمّا بعد: فقد اخضرّ الجناب، (7) و أينعت الثمار، و أعشبت الأرض، و أورقت الأشجار، فإذا شئت فأقبل على جند لك مجنّدة و السلام عليك و على أبيك من قبلك و رحمة اللّه و بركاته.
و تلاقت الرسل كلّها عنده فقرأ الكتاب و سأل الرسل عن الناس، ثم كتب مع هانئ بن هانئ و سعيد بن عبد اللّه، و كانا آخر الرسل:
«بسم اللّه الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى الملا من المؤمنين
____________
(1)- هكذا في البحار، و في الأصل: عبد الله بن شداد بن عبد الله الأرخي، و في المصدر: و عبد الله، و عبد الرحمن ابنا شداد الأرحبي.
(2)- إرشاد المفيد ص 223 و البحار: 44/ 334.
(3)- في المصدر: يتأنّى.
(4)- اللهوف ص 15 و البحار: 44/ 334.
(5)- في المصدر و البحار: و سرّ حول.
(6)- في المصدر: للحسين.
(7)- في البحار: الجنّات، و في إحدى نسختي الأصل: الجنان.
184
و المسلمين، أمّا بعد فإنّ هانئا و سعيدا (قد) قدما عليّ بكتبكم، و كانا آخر من قدم عليّ من رسلكم، و قد فهمت كلّ الذي اقتصصتم و ذكرتم، و مقالة جلّكم، أنّه ليس علينا إمام فأقبل لعلّ اللّه أن يجمعنا بك على الحقّ و الهدى، و أنا (1) باعث إليكم أخي و ابن عمّي و ثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل، فإن كتب إليّ [ب] أنّه قد اجتمع رأي ملإكم، و ذوي الحجى و الفضل منكم، على مثل ما قدمت به رسلكم، و قرأت في كتبكم، فإنّي أقدم إليكم وشيكا إن شاء اللّه تعالى، فلعمري ما الإمام إلّا الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بدين الحقّ، الحابس نفسه على ذلك للّه، (2) و السلام».
و دعا الحسين (عليه السّلام) مسلم بن عقيل فسرّحه مع قيس بن مسهر الصيداوي و عمارة بن عبد اللّه السلولي، و عبد الرحمن بن عبد اللّه الأزدي (3) و أمره بالتقوى و كتمان أمره و اللطف، فإن رأى الناس مجتمعين مستوسقين (4) عجّل إليه بذلك.
فأقبل مسلم (ره) حتى أتى المدينة فصلّى في مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و ودّع من أحبّ من أهله، و استأجر دليلين من قيس، فأقبلا به يتنكّبان الطريق فضلّا عن الطريق، و أصابهما عطش شديد فعجزا عن السير، فأومأ له إلى سنن الطريق بعد أن لاح لهم (5) ذلك، فسلك مسلم ذلك السنن، و مات الدليلان عطشا، فكتب مسلم بن عقيل رحمة اللّه عليهما من الموضع المعروف بالمضيق مع قيس بن مسهر «أمّا بعد فإنّي أقبلت من المدينة مع دليلين فحازا (6) عن الطريق فضلّا و اشتدّ عليهما (7) العطش فلم يلبثا أن ماتا، و أقبلنا حتّى انتهينا إلى الماء فلم ننج إلّا بحشاشة أنفسنا، و ذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبت، و قد تطيّرت من توجّهي هذا، فإن رأيت أعفيتني [منه] (8) و بعثت غيري و السلام».
____________
(1)- في المصدر: و إنّي.
(2)- في المصدر: ذات الله.
(3)- في المصدر: و عبد الله و عبد الرحمن ابنا شدّاد الأرحبي.
(4)- في الأصل: مستوثقين.
(5)- في المصدر: لهما.
(6)- في المصدر: فجازا.
(7)- في البحار: علينا.
(8)- في البحار: عنه.
185
فكتب إليه الحسين (عليه السّلام): «أمّا بعد فقد خشيت (1) أن لا يكون حملك على الكتاب إليّ في الاستعفاء من التوجّه (2) الذي وجّهتك [له] إلّا الجبن، فامض لوجهك الذي وجّهتك فيه و السلام».
فلمّا قرأ مسلم الكتاب قال: أمّا هذا فلست أتخوّفه على نفسي، فأقبل حتّى مرّ بماء لطيّ فنزل [به] ثمّ ارتحل عنه، فإذا رجل يرمي الصيد، فنظر إليه قد رمى ظبيا حين أشرف له فصرعه، فقال مسلم بن عقيل: نقتل عدوّنا إن شاء اللّه تعالى.
ثمّ أقبل حتى دخل الكوفة، فنزل في دار المختار بن أبي عبيدة الثقفي و هي التي تدعى اليوم دار مسلم بن المسيّب، و أقبلت الشيعة تختلف إليه فكلّما اجتمع إليه منهم جماعة قرأ عليهم كتاب الحسين (عليه السّلام) و هم يبكون، و بايعه الناس حتّى بايعه منهم ثمانية عشر ألفا، فكتب مسلم إلى الحسين (عليه السّلام) يخبره ببيعة ثمانية عشر ألفا و يأمره بالقدوم، و جعلت الشيعة تختلف إلى مسلم بن عقيل- (رحمه اللّه)- حتّى علم بمكانه.
فبلغ النعمان (بن) بشير ذلك و كان واليا على الكوفة من قبل معاوية فأقرّه يزيد عليها، فصعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعد فاتّقوا [اللّه] عباد اللّه و لا تسارعوا إلى الفتنة و الفرقة، فإنّ فيها تهلك الرجال، و تسفك الدماء، و تغصب الأموال، إنّي لا اقاتل من لا يقاتلني، و لا آتي على من لم يأت عليّ، و لا انبّه نائمكم و لا أتحرّش بكم، و لا آخذ بالقرف و لا الظنّة و لا التهمة و لكنّكم إن أبديتم صفحتكم لي و نكثتم (3) بيعتكم، و خالفتم إمامكم، فو اللّه الذي لا إله غيره لأضربنّكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، و لو لم يكن لي [منكم] ناصر، أما إنّي أرجو أن يكون من يعرف الحقّ منكم أكثر ممّن يرديه الباطل.
فقام إليه عبد اللّه بن مسلم بن ربيعة الحضرمي حليف بني اميّة، فقال له: إنّه لا يصالح ما ترى [أيّها الأمير] إلّا الغشم (4) و [إنّ] هذا الذي أنت عليه فيما بينك و بين عدوّك، رأي المستضعفين، فقال له النعمان: (ل) إن أكون من المستضعفين في طاعة اللّه
____________
(1)- في البحار: حسبت.
(2)- في المصدر و البحار: الوجه.
(3)- و نقضتم/ خ.
(4)- أي: الظلم.
181
الحسين (عليه السّلام) بأرض العراق في أرض يقال لها: كربلا، فقال لها: يا امّاه و أنا و اللّه أعلم ذلك، و انّي مقتول لا محالة، و ليس لي من هذا بدّ و إنّي و اللّه لأعرف اليوم الذي اقتّل فيه، و أعرف من يقتلني، و أعرف البقعة التي ادفن فيها، و إنّي أعرف من يقتل من أهل بيتي و قرابتي و شيعتي، و إن أردت يا امّاه اريك حفرتي و مضجعي.
ثمّ أشار إلى جهة كربلا فانخفضت الأرض حتّى أراها مضجعه و مدفنه و موضع عسكره و موقفه و مشهده، فعند ذلك بكت أمّ سلمة بكاء شديدا، و سلّمت أمره إلى اللّه، فقال لها: يا امّاه قد شاء اللّه عزّ و جلّ أن يراني مقتولا مذبوحا ظلما و عدوانا و قد شاء أن يرى حرمي و رهطي و نسائي مشرّدين، و أطفالي مذبوحين مظلومين مأسورين مقيّدين، و هم يستغيثون فلا يجدون ناصرا و لا معينا.
و في رواية اخرى: قالت أمّ سلمة: و عندي تربة دفعها إليّ جدّك في قارورة فقال: و اللّه إنّي مقتول كذلك و إنّ لم أخرج إلى العراق، يقتلوني أيضا، ثمّ أخذ تربة فجعلها في قارورة و أعطاها إيّاها، و قال: اجعليها مع قارورة جدّي فإذا فاضتا دما فاعلمي أنّي قد قتلت. (1)
ثم قال المفيد (ره): فسار الحسين (عليه السّلام) إلى مكّة و هو يقرأ «فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» (2) و لزم الطريق الأعظم، فقال له أهل بيته: لو تنكّبت عن الطريق (الأعظم) كما فعل ابن الزبير كيلا يلحقك الطلب، فقال: لا و اللّه لا افارقه حتّى يقضي اللّه ما هو قاض، و لمّا دخل الحسين (عليه السّلام) مكّة كان دخوله إيّاها يوم الجمعة لثلاث مضين من شعبان، دخلها و هو يقرأ «وَ لَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ» (3).
ثمّ نزلها و أقبل أهلها يختلفون إليه، و من كان بها من المعتمرين و أهل الآفاق و ابن الزبير بها قد لزم جانب الكعبة، و هو قائم يصلّي عندها (4) و يطوف، و يأتي الحسين (عليه السّلام) فيمن يأتيه، فيأتيه اليومين المتواليين و يأتيه بين كلّ يومين مرّة، و هو أثقل خلق اللّه على ابن الزبير [لأنّه] قد عرف أنّ أهل الحجاز لا يبايعونه ما دام الحسين
____________
(1)- البحار: 44/ 331.
(2)- القصص: 21، 22.
(3)- القصص: 21، 22.
(4)- في الأصل: بها.
187
(عليه السّلام) أربعون ألفا من أهل الكوفة على أن يحاربوا من حارب، و يسالموا من سالم، فعند ذلك ردّ جواب كتبهم يمنّيهم بالقبول، و يعدهم بسرعة الوصول، و بعث مسلم بن عقيل (رض) (1).
و قال السيّد (ره) بعد ذلك: و كان الحسين (عليه السّلام) قد كتب إلى جماعة من أشراف البصرة كتابا مع مولى له اسمه سليمان و يكنّى أبا رزين، يدعوهم إلى نصرته و لزوم طاعته، منهم: يزيد بن مسعود النهشليّ، و المنذر بن الجارود العبديّ، فجمع يزيد ابن مسعود بني تميم و بني حنظلة و بني سعد، فلمّا حضروا قال: يا بني تميم كيف ترون موضعي فيكم و حسبي منكم؟ فقالوا: بخّ بخّ أنت و اللّه فقرة الظهر، و رأس الفخر حللت في الشرف وسطا و تقدّمت فيه فرطا، قال: فانّي قد جمعتكم لأمر اريد أن اشاوركم فيه و أستعين بكم عليه، فقالوا: إنّما (2) و اللّه نمنحك النصيحة، و نحمد (3) لك الرأي، فقل [حتى] نسمع.
فقال: إنّ معاوية مات فأهون به و اللّه هالكا و مفقودا، ألا و إنّه قد انكسر باب الجور و الاثم، و تضعضعت أركان الظلم، و قد كان أحدث بيعة عقد بها أمرا ظنّ أنّ (ه) قد أحكمه، و هيهات و الّذي أراد، اجتهد و اللّه ففشل و شاور فخذل، و قد قام [ابنه] يزيد شارب الخمور، و رأس الفجور، يدّعي الخلافة على المسلمين، و يتأمّر عليهم [بغير رضى منهم] مع قصر حلم و قلّة علم لا يعرف من الحقّ موطئ قدمه (4).
فاقسم باللّه قسما مبرورا لجهاده على الدين أفضل من جهاد المشركين، و هذا الحسين بن علي، ابن (بنت) رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ذو الشرف الأصيل، و الرأي الأثيل، له فضل لا يوصف، و علم لا ينزف، و هو أولى بهذا الأمر لسابقته و سنّه و قدمته (5) و قرابته، يعطف على الصغير و يحنو على الكبير، فأكرم به راعي رعيّة (6)، و إمام قوم و جبت للّه به الحجّة، و بلغت به الموعظة، فلا تعشوا (7) عن نور الحقّ، و لا تسكّعوا في وهدة الباطل، فقد
____________
(1)- مثير الاحزان ص 26، البحار: 44/ 337.
(2)- في المصدر: إنّا.
(3)- في المصدر: و نجاهد.
(4)- في المصدر: قدميه.
(5)- في المصدر: و قدمه.
(6)- في الأصل: رعيّته.
(7)- في المصدر: تغشوا.
186
أحبّ إليّ من أن أكون من الأعزّين (1) في معصية اللّه ثمّ نزل.
و خرج عبد اللّه بن مسلم و كتب إلى يزيد بن معاوية كتابا: أمّا بعد فإنّ مسلم بن عقيل قد قدم الكوفة و بايعه الشيعة للحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السّلام)، فإن يكن لك في الكوفة حاجة فابعث إليها رجلا قويّا ينفّذ أمرك، و يعمل مثل عملك في عدوّك، فإنّ النعمان بن بشير رجل ضعيف، أو هو يتضعّف.
ثمّ كتب إليه عمارة بن عاقبة بنحو من كتابه، ثمّ كتب إليه عمر بن سعد بن أبي وقّاص مثل ذلك، فلمّا وصلت الكتاب إلى يزيد، دعا سرحون (2) مولى معاوية، فقال: ما رأيك؟ إنّ الحسين قد [أ] نفذ إلى الكوفة مسلم بن عقيل يبايع له، و قد بلغني عن النعمان ضعف و قول سيّئ فمن ترى أن أستعمل على الكوفة؟- و كان يزيد عاتبا على عبيد اللّه بن زياد- فقال له سرحون (3): أ رأيت لو نشر (4) لك معاوية حيّا ما كنت آخذا برأيه؟ قال: بلى، قال: فأخرج سرحون (5) عهد عبيد اللّه على الكوفة، و قال: هذا رأي معاوية، مات و قد أمر بهذا الكتاب فضمّ المصرين إلى عبيد اللّه، فقال له يزيد: أفعل، ابعث بعهد عبيد اللّه بن زياد إليه.
ثمّ دعا مسلم بن عمرو الباهليّ و كتب إلى عبيد اللّه [معه] «أمّا بعد: فإنّه كتب إليّ شيعتي من أهل الكوفة و يخبرونني أنّ ابن عقيل فيها يجمع الجموع ليشقّ عصا المسلمين، فسرحين تقرأ كتابي هذا حتى تأتي الكوفة، فتطلب ابن عقيل طلب الخزرة حتّى تثقفه فتوثقه، أو تقتله أو تنفيه و السلام» و سلّم إليه عهده على الكوفة، فخرج مسلم ابن عمرو حتى قدم على عبيد اللّه البصرة و أوصل إليه العهد و الكتاب، فأمر عبيد اللّه بالجهاز من وقته (الى الحسين (عليه السّلام)) و المسير و التهيّؤ إلى الكوفة من (بعد) الغد، ثمّ خرج من البصرة فاستخلف أخاه عثمان (6).
و قال ابن نما (ره): رويت إلى حصين بن عبد الرحمن أنّ أهل الكوفة كتبوا إليه: إنّا معك مائة ألف. و عن داود بن أبي هند (7)، عن الشعبيّ، قال: بايع الحسين
____________
(1)- في الأصل: الغاوين الأغرّين.
(2)- في المصدر: سرجون.
(3)- في المصدر: سرجون.
(4)- في المصدر: يشير.
(5)- في المصدر: سرجون.
(6)- إرشاد المفيد ص 224 و البحار: 44/ 334.
(7)- في الأصل: نهد.
188
كان صخر بن قيس انخذل بكم يوم الجمل، فاغسلوها بخروجكم إلى ابن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و نصرته، و اللّه لا يقصّر أحد عن نصرته إلّا أورثه اللّه الذّلّ في ولده، و القلّة في عشيرته، و ها أنا [ذا] قد لبست للحرب لامتها، و ادّرعت لها بدرعها، من لم يقتل يمت و من يهرب لم يفت، فأحسنوا رحمكم اللّه ردّ الجواب.
فتكلّمت بنو حنظلة فقالوا: (يا) أبا خالد نحن نبل كنانتك، و فرسان عشيرتك، إن رميت بنا أصبت، و إن غزوت بنا فتحت، لا تخوض و اللّه غمرة إلّا خضناها، و لا تلقى و اللّه شدّة إلّا لقيناها، ننصرك بأسيافنا، و نقيك بأبداننا، إذا شئت [فافعل].
و تكلّمت بنو سعد بن زيد (1)، فقالوا: (يا) أبا خالد إنّ أبغض الأشياء إلينا خلافك و الخروج من رأيك، و قد كان صخر بن قيس أمرنا بترك القتال، فحمدنا أمرنا و بقي عزّنا فينا فامهلنا نراجع المشورة و يأتيك رأينا (2).
و تكلّمت بنو عامر بن تميم، فقالوا: يا أبا خالد نحن [بنو عامر] بنو أبيك و حلفاؤك لا نرضى إن غضبت، و لا نقطن (3) إن ظعنت، و الأمر إليك فادعنا نجبك، و [ا] مرنا نطعك، و الأمر لك إذا شئت، فقال: و اللّه يا بني سعد لئن فعلتموها لا رفع اللّه السيف عنكم أبدا، و لا زال سيفكم فيكم.
ثمّ كتب الى الحسين (عليه السّلام): «بسم اللّه الرحمن الرحيم أمّا بعد فقد وصل إليّ كتابك و فهمت ما ندبتني إليه و دعوتني له، من الأخذ بحظّي من طاعتك و الفوز بنصيبي من نصرتك، و إنّ اللّه لم (4) يخل الأرض قطّ من عامل عليها بخير أو دليل على سبيل نجاة، و أنتم حجّة اللّه على خلقه و وديعته في أرضه، تفرّعتم من زيتونة أحمديّة هو أصلها، و أنتم فرعها، فأقدم سعدت بأسعد طائر، فقد ذلّلت لك أعناق بني تميم، و تركتهم أشدّ تتابعا في طاعتك من الإبل الظماء لورود الماء يوم خمسها [و كظها]، و قد ذلّلت لك رقاب بني سعد و غسلت درن صدورها بماء سحابة مزن حين استهلّ (5) برقها فلمع».
فلمّا قرأ الحسين (عليه السّلام) الكتاب قال: مالك آمنك اللّه يوم الخوف و أعزّك و
____________
(1)- في المصدر: يزيد.
(2)- في المصدر: و نأتيك برأينا.
(3)- في المصدر: نوطن.
(4)- في المصدر: لا.
(5)- في البحار: استحلّ.
189
أرواك يوم العطش، فلمّا تجهّز المشار إليه للخروج إلى الحسين بلغه قتله قبل أن يسير فجزع (1) من انقطاعه عنه.
و أمّا المنذر بن جارود فإنّه جاء بالكتاب و الرسول إلى عبيد اللّه بن زياد، لأنّ المنذر خاف أن يكون الكتاب دسيسا من عبيد اللّه و كانت بحريّة بنت المنذر بن جارود تخت عبيد اللّه (2) بن زياد فأخذ عبيد اللّه الرسول فصلبه، ثم صعد المنبر فخطب و توعّد أهل البصرة على الخلاف و إثارة الأرجاف، ثمّ بات تلك الليلة، فلمّا أصبح استناب عليهم أخاه عثمان بن زياد و أسرع هو إلى قصد (3) الكوفة (4).
و قال ابن نما (ره): (5) كتب الحسين (صلوات الله عليه) كتابا إلى وجوه أهل البصرة، منهم: الأحنف بن قيس، و قيس بن الهيثم، و المنذر بن الجارود، و يزيد بن مسعود النهشلي و بعث الكتاب مع زرّاع السدوسي و قيل مع سليمان المكنّى بأبي رزين فيه: «إنّي أدعوكم إلى اللّه و إلى نبيّه فإنّ السنّة قد اميتت، فإن تجيبوا دعوتي، و تطيعوا أمري، أهدكم سبيل الرشاد» فكتب الأحنف إليه، أمّا بعد «فاصبر إنّ وعد اللّه حقّ و لا يستخفنّك الّذين لا يوقنون» (6) ثمّ ذكر أمر الرجلين مثل ما ذكره السيّد (رحمهما اللّه) إلى أن قال:
فلمّا أشرف على الكوفة نزل حتّى أمسى ليلا فظنّ أهلها أنّه الحسين (عليه السّلام) و دخلها ممّا يلي النجف، فقالت امرأة: اللّه أكبر ابن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و ربّ الكعبة، فتصايح الناس، قالوا: إنّا معك أكثر من أربعين ألفا، و ازدحموا عليه حتّى أخذوا بذنب دابّته و ظنّهم أنّه الحسين (عليه السّلام)، فحسر اللثام، و قال: أنا عبيد اللّه، فتساقط القوم و و وطىء بعضهم بعضا، و دخل دار الإمارة و عليه عمامة سوداء.
فلمّا أصبح قام خاطبا، و عليهم عاتبا، و لرؤسائهم مؤنّبا، و وعدهم بالإحسان على لزوم طاعته، و بالإساءة على معصيته و الخروج عن حوزته، ثمّ قال: يا أهل الكوفة إنّ أمير المؤمنين يزيد ولّاني بلدكم، و استعملني على مصركم، و أمرني بقسمة فيئكم
____________
(1)- في المصدر: فخرج.
(2)- في المصدر: زوجة لعبيد اللّه.
(3)- في المصدر: قصر.
(4)- اللهوف ص 17 و البحار: 44/ 337.
(5)- مثير الاحزان ص 27.
(6)- الروم: 60.
191
و أخذ العرفاء و الناس أخذا شديدا، فقال: اكتبوا إليّ العرفاء! و من فيكم من طلبة أمير المؤمنين، و من فيكم من أهل الحروريّة، و أهل الريب الذين شأنهم الخلاف و النفاق و الشقاق، فمن يجيء لنا بهم فبرئ، و من لم يكتب لنا أحدا فليضمن (1) لنا من في عرافته أن لا يخالفنا منهم مخالف، و لا يبغي علينا (منهم) باغ، فمن لم يفعل برئت منه الذّمة و حلال لنا دمه و ماله، و أيّما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه (2) إلينا صلب على باب داره، و الغيت تلك العرافة من العطاء.
و لمّا سمع مسلم بن عقيل رحمة اللّه عليه مجيء عبيد اللّه إلى الكوفة، و مقالته التي قالها، و ما أخذ به العرفاء و الناس، خرج من دار المختار، حتّى انتهى إلى دار هانئ ابن عروة فدخلها، فأخذت الشيعة تختلف إليه في دار هانئ على تستّر و استخفاء من عبيد اللّه، و تواصوا بالكتمان، فدعا ابن زياد مولى له، يقال له: معقل، فقال (له):
خذ ثلاثة آلاف درهم و اطلب مسلم بن عقيل و التمس أصحابه، فإذا ظفرت بواحد منهم أو جماعة فأعطهم هذه الثلاثة آلاف درهم، و قل لهم: استعينوا بها على حرب عدوّكم و أعلمهم أنّك منهم، فإنّك لو قد أعطيتهم إيّاها لقد اطمأنّوا إليك، و وثقوا بك، و لم يكتموك شيئا من امورهم و أخبارهم، ثمّ اغد عليهم و رح حتّى تعرف مستقرّ مسلم بن عقيل و تدخل عليه.
ففعل ذلك، و جاء حتّى جلس إلى مسلم بن عوسجة الأسديّ في المسجد الأعظم و هو يصلّي، فسمع قوما يقولون: هذا يبايع للحسين، فجاء و جلس إلى جنبه حتّى فرغ من صلاته، ثم قال: يا عبد اللّه إنّي امرؤ من أهل الشام أنعم اللّه عليّ بحبّ أهل البيت و حبّ من أحبّهم و تباكى له، و قال: معي ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنّه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فكنت اريد لقاءه فلم أجد أحدا يدلّني عليه و لا أعرف مكانه، فإنّي لجالس في المسجد الآن إذ سمعت نفرا من المؤمنين يقولون: هذا رجل له علم بأهل هذا البيت، و إنّي أتيتك لتقبض منّي هذا المال و تدخلني على صاحبك، فإنّي أخ من إخوانك، و ثقة عليك، و إن
____________
(1)- فليمض/ خ ل.
(2)- يعرّفه/ خ ل.
190
بينكم، و إنصاف مظلومكم من ظالمكم، و أخذ الحقّ لضعيفكم من قويّكم، و الإحسان للسامع المطيع، و التشديد على المريب، فأبلغوا هذا الرجل الهاشميّ مقالتي ليتّقي غضبي، و نزل، يعني بالهاشميّ: مسلم بن عقيل رضي اللّه عنه (1).
و قال المفيد (ره): و أقبل ابن زياد إلى الكوفة، و معه مسلم بن عمرو الباهليّ و شريك بن الأعور الحارثيّ و حشمه و أهل بيته حتّى دخل الكوفة و عليه عمامة سوداء و هو متلثّم، و الناس قد بلغهم إقبال الحسين (عليه السّلام) إليهم، فهم ينتظرون قدومه، فظنّوا حين رأوا عبيد اللّه أنّه الحسين (عليه السّلام) فأخذ لا يمرّ على جماعة من الناس إلّا سلّموا عليه، و قالوا: مرحبا بك يا بن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قدمت خير مقدم فرأى من تباشرهم بالحسين (عليه السّلام) ما ساءه فقال مسلم بن عمرو- لمّا أكثروا-: تأخّروا، هذا الأمير عبيد اللّه بن زياد.
و سار حتّى وافى القصر بالليل، و معه جماعة قد التفّوا به لا يشكّون أنّه الحسين (عليه السّلام)، فأغلق النعمان بن بشير عليه (الباب) و على خاصّته، فناداه بعض من كان معه ليفتح لهم الباب، فاطّلع عليه النعمان و هو يظنّه الحسين (عليه السّلام)، فقال: أنشدك اللّه إلّا تنحّيت و اللّه ما أنا بمسلّم إليك أمانتي، و ما لي في قتالك من إرب فجعل لا يكلّمه، ثمّ إنّه دنا و تدلّى النعمان من شرف القصر فجعل يكلّمه، فقال: افتح لا فتحت، فقد طال ليلك، و سمعها إنسان خلفه، فنكص إلى القوم الذين اتّبعوه من أهل الكوفة على أنّه الحسين (عليه السّلام)، فقال: يا قوم ابن مرجانة! و الذي لا إله غيره، ففتح له النعمان، فدخل و ضربوا الباب في وجوه الناس و انفضّوا.
و أصبح فنادى في الناس الصلاة جامعة فاجتمع الناس فخرج إليهم، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعد فإنّ أمير المؤمنين يزيد ولّاني مصركم و ثغركم و فيئكم، و أمرني بإنصاف مظلومكم، و إعطاء محرومكم، و الاحسان إلى سامعكم و مطيعكم كالوالد البر و سوطي و سيفي على من ترك أمري و خالف عهدي، فليتّق امرؤ على نفسه، الصدق ينبي عنك لا الوعيد، ثمّ نزل.
____________
(1)- البحار: 44/ 339.
192
شئت أخذت [ب] بيعتي له قبل لقائه.
فقال له ابن عوسجة: أحمد اللّه على لقائك [إيّاي]، فقد سرّني ذلك لتنال الذي تحبّ، و لينصرنّ اللّه بك أهل بيت نبيّه عليه و (عليهم السّلام)، و لقد ساءني معرفة الناس إيّاي بهذا الأمر قبل أن يتمّ مخافة هذا الطاغية و سطوته، [ف] قال له معقل:
لا يكون إلّا خيرا خذ البيعة عليّ، فأخذ بيعته و أخذ عليه المواثيق المغلّظة ليناصحنّ و ليكتمنّ، فأعطاه من ذلك ما رضي به، ثمّ قال له: اختلف إليّ أيّاما في (1) منزلي فانّي طالب لك الإذن على صاحبك، و أخذ يختلف مع الناس فطلب له الإذن، فأذن له، فأخذ مسلم بن عقيل بيعته و أمر أبا ثمامة الصائديّ بقبض المال منه، و هو الّذي كان يقبض أموالهم و ما يعين به بعضهم بعضا، و يشتري لهم به السلاح، و كان بصيرا و فارسا من فرسان العرب و وجوه الشيعة، و أقبل ذلك الرجل يختلف إليهم فهو أوّل داخل و آخر خارج، حتّى فهم ما احتاج إليه ابن زياد [من أمرهم] فكان يخبره [به] وقتا فوقتا (2).
و قال ابن شهر اشوب: لمّا دخل مسلم الكوفة سكن (3) في دار سالم بن المسيّب فبايعه اثنا عشر ألف رجل، فلمّا دخل ابن زياد انتقل من دار سالم إلى دار هانئ في جوف الليل، و دخل في أمانه، و كان يبايعه الناس حتى بايعه خمسة و عشرون ألف رجل، فعزم على الخروج، فقال هانئ: لا تعجل و كان شريك بن الأعور الهمدانيّ جاء من البصرة مع عبيد اللّه بن زياد، فمرض فنزل (في) دار هانئ أيّاما، ثم قال لمسلم: إنّ عبيد اللّه يعودني و إنّي مطاوله الحديث، فاخرج إليه بسيفك فاقتله و علامتك أن أقول: اسقوني ماء، و نهاه هانئ عن ذلك، فلمّا دخل عبيد اللّه على شريك و سأله عن وجعه و طال سؤاله و رأى أنّ أحدا لا يخرج فخشي أن يفوته فأخذ يقول:
ما الانتظار بسلمى (4)أن تحيّيها * * * (كأس المنيّة بالتعجيل اسقوها)
فتوهّم ابن زياد و خرج، فلمّا دخل القصر أتاه مالك بن يربوع التميميّ بكتاب
____________
(1)- في المصدر: إلى.
(2)- في الأصل: دخل.
(3)- إرشاد المفيد ص 227 و البحار: 44/ 340.
(4)- في الأصل و المصدر: لسلمى.
194
و قد استبطأك و الإبطاء و الجفاء لا يحتمل (ه) السلطان، أقسمنا عليك لما ركبت معنا، فدعا بثيابه فلبسها، ثم دعا ببغلته (1) فركبها، حتّى إذا دنا من القصر كأنّ نفسه أحسّت ببعض الذي كان، فقال لحسّان بن أسماء بن خارجة: يا ابن الأخ إنّي و اللّه لهذا الرجل لخائف، فما ترى؟ فقال: يا عمّ، و اللّه ما أتخوّف عليك شيئا، و لم تجعل على نفسك سبيلا، و لم يكن حسّان يعلم في أيّ شيء بعث إليه عبيد اللّه.
فجاء هانئ حتّى دخل على عبيد اللّه بن زياد و عنده القوم، فلمّا طلع، قال عبيد اللّه: أتتك بحائن (2) رجلاه فلمّا دنا من ابن زياد و عنده شريح القاضي التفت نحوه فقال:
اريد حياته (3)و يريد قتلي * * * عذيرك من خليلك من مراد
و قد كان أوّل ما قدم مكرما له ملطفا، فقال له [هانئ]: و ما ذاك أيّها الأمير؟
قال: إيه يا هانئ بن عروة، ما هذه الامور التي تربّص في دارك لأمير المؤمنين و عامّة المسلمين؟ جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك و جمعت له [الجموع، و] السلاح و الرجال في الدور حولك و ظننت أنّ ذلك يخفى عليّ؟ قال: ما فعلت ذلك و ما مسلم عندي، قال: بلى قد فعلت، فلمّا كثر بينهما و أبى هانئ إلّا مجاحدته و مناكرته، دعا ابن زياد معقلا- ذلك العين- فجاء حتّى وقف بين يديه، فقال [له]: أ تعرف هذا؟ قال:
____________
(1)- ببلغة/ خ.
(2)- هكذا في البحار، و في المصدر و الأصل: بخائن، و الحائن: الذي حان حينه و هلاكه، و قال أبو الفضل الميداني في مجمع الأمثال ج 1 ص 21 تحت الرقم 57: كان المفضّل يخبر بقائل هذا المثل فيقول: إنه الحارث بن جبلة الغسّاني، قاله للحارث بن عيف العبدي، و كان ابن العيف قد هجاه، فلما غزا الحارث بن جبلة المنذر ابن ماء السماء كان ابن العيف معه، فقتل المنذر، و تفرّقت جموعه و أسر ابن العيف، فأتى به الى الحارث بن جبلة، فعندها قال: أتتك بحائن رجلاه، يعني مسيره مع المنذر إليه، ثم أمر الحارث سيّافه الدلامص فضربه ضربة دقت منكبه، ثم برأ منها و به خبل. و قيل: أوّل من قاله عبيد بن الأبرص حين عرض للنعمان بن المنذر في يوم بؤسه، و كان قصده ليمدحه، و لم يعرف أنه يوم بؤسه، فلما انتهى إليه قال له النعمان: ما جاء بك يا عبيد؟ قال: أتتك بحائن رجلاه، فقال النعمان:
هلا كان هذا غيرك؟ قال: البلايا على الحوايا، فذهبت كلمتاه مثلا.
(3)- في البحار: حباءه.
193
أخذه من يدي عبد اللّه بن يقطر فإذا فيه: للحسين بن عليّ أمّا بعد فإنّي اخبرك أنّه قد بايعك من أهل الكوفة كذا فإذا أتاك كتابي هذا فالعجل العجل فإنّ الناس كلّهم معك، و ليس لهم في يزيد رأي و لا هوى، فأمر ابن زياد بقتله (1).
و قال ابن نما: فلمّا خرج ابن زياد دخل مسلم و السيف في كفّه، قال له شريك: ما منعك من الأمر؟ قال مسلم: هممت بالخروج فتعلّقت بي امرأة و قالت:
نشدتك اللّه إن قتلت ابن زياد في دارنا و بكت في وجهي، فرميت السيف و جلست، قال هانئ: يا ويلها قتلتني و قتلت نفسها، و الّذي فررت منه وقعت فيه. (2)
و قال أبو الفرج في المقاتل: قال هانئ لمسلم: إنّي لا احبّ أن يقتل في داري. قال: فلمّا خرج مسلم، قال له شريك: ما منعك من قتله؟ قال: خصلتان، أمّا أحدهما فكراهية هانئ أن يقتل في داره، و أمّا الاخرى فحديث حدّثنيه الناس، عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): أنّ الإيمان قيد الفتك، فلا يفتك مؤمن، فقال له هانئ: أما و اللّه لو قتلته لقتلت فاسقا فاجرا كافرا (3).
ثم قال المفيد (ره): و خاف هانئ بن عروة عبيد اللّه على نفسه فانقطع عن حضور مجلسه و تمارض، فقال ابن زياد لجلسائه: مالي لا أرى هانئا؟ فقالوا: هو شاك، فقال: لو علمت بمرضه لعدته، و دعا محمّد بن الأشعث، و أسماء بن خارجة، و عمرو بن الحجّاج الزبيديّ، و كانت رويحة بنت عمرو تحت هانئ بن عروة، و هي أمّ يحيى بن هانئ، فقال لهم: ما يمنع هانئ بن عروة من إتياننا؟ فقالوا: ما ندري و قد قيل: إنّه يشتكي، قال: قد بلغني أنّه قد برىء، و هو يجلس على باب داره، فالقوه و مروه أن لا يدع ما عليه من حقّنا، فانّي لا احبّ أن يفسد عندي مثله من أشراف العرب.
فأتوه حتّى وقفوا عليه عشيّة، و هو جالس على بابه و قالوا له: ما يمنعك من لقاء الأمير؟ فإنّه قد ذكرك و قال: لو أعلم أنّه شاك لعدته.
فقال لهم: الشكوى تمنعني، فقالوا: قد بلغه أنّك تجلس كلّ عشيّة على بابك (4)
____________
(1)- مناقب ابن شهرآشوب: 3/ 242 باختصار، و البحار: 44/ 343.
(2)- مثير الاحزان ص 31 و البحار: 44/ 343.
(3)- مقاتل الطالبيين ص 65 و البحار: 44/ 344.
(4)- في المصدر و البحار: باب دارك.
195
نعم، و علم هانئ عند ذلك أنّه كان عينا عليهم، و أنّه قد أتاه بأخبارهم فاسقط في يده ساعة، ثم راجعته نفسه فقال: اسمع منّي و صدّق مقالتي، فو اللّه ما (1) كذبت، و اللّه ما دعوته إلى منزلي، و لا علمت بشيء من أمره حتّى جاءني يسألني النزول، فاستحييت من ردّه، و داخلني من ذلك ذمام فضيّفته و آويته، و قد كان من أمره ما بلغك، فإن شئت ان أعطيك الآن موثقا مغلظا أن لا أبغيك سوءا و لا غائلة و لآتينّك حتّى أضع يدي في يدك، و إن شئت أعطيتك رهينة تكون في يدك حتّى آتيك، و أنطلق إليه فامره أن يخرج من داري إلى حيث شاء من الأرض فأخرج من ذمامه و جواره.
فقال له ابن زياد: و اللّه لا تفارقني أبدا حتّى تأتيني به، قال: لا و اللّه لا أجيئك به أبدا، أجيئك بضيفي تقتله؟! قال: و اللّه لتأتينّي به، قال: و اللّه لا آتيك به، فلمّا كثر الكلام بينهما قام مسلم بن عمرو الباهليّ- و ليس بالكوفة شاميّ و لا بصريّ غيره- فقال: أصالح اللّه الأمير خلّني و إيّاه حتّى اكلّمه، فقام فخلا به ناحية من ابن زياد و هما منه بحيث يراهما، فإذا رفعا أصواتهما سمع ما يقولان.
فقال له مسلم: يا هانئ، أنشدك اللّه أن تقتل نفسك، و أن تدخل البلاء في عشيرتك، فو اللّه إنّي لأنفس بك عن القتل، إنّ هذا (الرجل) ابن عمّ القوم و ليسوا قاتليه و لا ضائريه، فادفعه إليهم فإنّه ليس عليك بذلك مخزأة و لا منقصة، إنّما تدفعه إلى السلطان، فقال هانئ: و اللّه إنّ عليّ في ذلك الخزي و العار أن أدفع جاري و ضيفي و أنا حيّ صحيح أسمع و أرى، شديد الساعد، كثير الأعوان، و اللّه لو لم «يكن لي» (2) إلّا واحد ليس لي ناصر لم أدفعه حتّى أموت دونه، فأخذ يناشده و هو يقول: و اللّه لا أدفعه إليه أبدا.
فسمع ابن زياد لعنه اللّه ذلك فقال: ادنوه منّي، فأدنوه منه، فقال: و اللّه لتأتينّي به أو لأضربنّ عنقك، فقال هانئ: إذا و اللّه تكثر (3) البارقة حول دارك، فقال ابن زياد: وا لهفاه عليك، أبا لبارقة تخوّفني؟- و هو يظنّ أنّ عشيرته سيمنعونه- ثمّ قال: ادنوه
____________
(1)- في الأصل و المصدر: لا.
(2)- في المصدر: أكن.
(3)- في المصدر: لكثر.
196
منّي فادني منه، فاستعرض (1) وجهه بالقضيب فلم يزل يضرب به أنفه و جبينه و خدّه حتّى كسر أنفه و سالت الدماء على وجهه و لحيته، و نثر لحم جبينه و خدّه على لحيته، حتّى كسر القضيب، و ضرب هانئ يده على (2) قائم سيف شرطيّ، و جاذبه الرجل و منعه.
فقال عبيد اللّه: أ حروريّ سائر اليوم، قد حلّ [لنا] دمك جرّوه، فجرّوه فألقوه في بيت من بيوت الدار و أغلقوا عليه بابه، فقال: اجعلوا عليه حرسا، ففعل ذلك به، فقام [إليه] حسّان بن أسماء فقال: أرسل غدر سائر اليوم! أمرتنا أن نجيئك بالرجل حتّى إذا جئناك به هشمت أنفه و وجهه و سيّلت دماءه على لحيته، و زعمت أنّك تقتله؟ فقال له عبيد اللّه: و إنّك لهاهنا: فأمر به فلهز و تعتع و أجلس ناحية، فقال محمد بن الأشعث: قد رضينا بما رأى الأمير، لنا كان أم علينا، إنّما الأمير مؤدّب.
و بلغ عمرو بن الحجّاج أنّ هانئا قد قتل، فأقبل فى مذحج حتّى أحاط بالقصر و معه جمع عظيم (3) فقال (4): أنا عمرو بن الحجّاج، و هذه فرسان مذحج و وجوهها لم نخلع طاعة و لم نفارق جماعة، و قد بلغهم أنّ صاحبهم [قد] قتل فأعظموا ذلك، فقيل لعبيد اللّه ابن زياد: و هذه فرسان مذحج بالباب؟ فقال لشريح القاضي: ادخل على صاحبهم فانظر إليه ثمّ اخرج و أعلمهم أنّه حيّ لم يقتل، فدخل شريح فنظر إليه، فقال هانئ لمّا رأى شريحا: يا للّه يا للمسلمين، أهلكت عشيرتي؟ أين أهل الدين؟ أين أهل المصر؟
و الدماء تسيل على لحيته إذ سمع الضجّة (5) على باب القصر، فقال: إنّي لأظنّها أصوات مذحج و شيعتي من المسلمين، إنّه إن دخل عليّ عشرة نفر أنقذوني.
فلمّا سمع كلامه (6) شريح خرج إليهم فقال لهم: إنّ الأمير لمّا بلغه كلامكم (7) و مقالتكم في صاحبكم أمرني بالدخول إليه، فأتيته فنظرت إليه فأمرني أن ألقاكم و اعرّفكم أنّه حيّ، و أنّ الذي بلغكم من قتله باطل، فقال له عمرو بن الحجّاج و أصحابه: أمّا إذا لم يقتل فالحمد للّه، ثمّ انصرفوا.
____________
(1)- في المصدر: فاعترض.
(2)- في المصدر: إلى.
(3)- كثير/ خ.
(4)- في المصدر: ثم نادى.
(5)- في المصدر: الرجّة، و في إحدى نسختي الأصل: الصيحة.
(6)- في الأصل: مقالة.
(7)- في المصدر: مكانكم.
197
فخرج عبيد اللّه بن زياد فصعد المنبر و معه أشراف الناس و شرطه و حشمه فقال: أمّا بعد أيّها الناس فاعتصموا بطاعة اللّه و طاعة أئمّتكم، و لا تفرّقوا فتهلكوا و تذلّوا و تقتلوا و تجفوا تحرموا، إنّ أخاك من صدقك، و قد أعذر من أنذر و السلام.
ثم ذهب لينزل فما نزل عن المنبر حتّى دخلت النظّارة المسجد من قبل باب التمّارين يشتدّون و يقولون: قد جاء ابن عقيل، فدخل عبيد اللّه القصر مسرعا (1) و أغلق أبوابه، فقال عبد اللّه بن حازم: أنا و اللّه رسول ابن عقيل إلى القصر لأنظر ما فعل هانئ (2) فلمّا ضرب و حبس ركبت فرسي فكنت أوّل داخل (3) الدار على مسلم بن عقيل بالخبر و إذا نسوة لمراد مجتمعات ينادين: يا عبرتاه (و) يا ثكلاه، فدخلت على مسلم فأخبرته الخبر، فأمرني أن انادي في أصحابه، و قد ملأ بهم الدور حوله (ف) كانوا فيها أربعة آلاف رجل، فقال لمناديه: ناد: يا منصور أمت، فناديت [: يا منصور أمت] فتنادى أهل الكوفة و اجتمعوا عليه.
فعقد مسلم (رحمه اللّه) لرؤوس الأرباع [على القبائل] كندة و مذحج و تميم و أسد و مضر و همدان، و تداعى الناس و اجتمعوا، فما لبثنا إلّا قليلا حتّى امتلأ المسجد من الناس و السوق، و ما زالوا يتوثّبون حتّى المساء، فضاق بعبيد اللّه أمره، و كان أكثر عمله أن يمسك باب القصر، و ليس معه [في القصر] إلّا ثلاثون رجلا من الشرط، و عشرون رجلا من أشراف الناس و أهل بيته و خاصّته، و أقبل من نأى عنه من أشراف الناس يأتونه من قبل الباب الذي يلي دار الروميّين، و جعل من في القصر مع ابن زياد يشرفون عليهم فينظرون إليهم و هم يرمونهم بالحجارة و يشتمونهم و يفترون (4) على عبيد اللّه و على امّه و أبيه (5).
فدعا ابن زياد كثير بن شهاب و أمره أن يخرج فيمن أطاعه من (6) مذحج، فيسير في الكوفة و يخذل الناس عن ابن عقيل، و يخوّفهم الحرب، و يحذّرهم عقوبة السلطان
____________
(1)- في المصدر: سرعا.
(2)- ما فعل بهاني/ خ.
(3)- في المصدر: الداخلين.
(4)- أي يقذفون.
(5)- في المصدر: و على أبيه، و في البحار و إحدى نسختي الأصل: و على امّه.
(6)- في البحار و إحدى نسختي الأصل: في.
198
و أمر محمد بن الأشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كندة و حضر موت فيرفع راية أمان لمن جاءه من الناس، و قال مثل ذلك للقعقاع الذّهلي و شبث بن ربعيّ التميميّ و حجّار بن أبجر السلمي (1) و شمر بن ذي الجوشن العامري، و حبس باقي وجوه الناس عنده استيحاشا إليهم لقلّة عدد من معه من الناس.
فخرج كثير بن شهاب يخذّل الناس عن مسلم و خرج محمّد بن الأشعث حتّى وقف عند دور بني عمارة فبعث ابن عقيل (2) إلى محمّد بن الأشعث [من المسجد] عبد الرحمن بن شريح الشيباني (3). فلمّا رأى ابن الأشعث كثرة من أتاه تأخّر عن مكانه، و جعل محمّد بن الأشعث و كثير بن شهاب و القعقاع بن ثور الذهلي و شبث بن ربعيّ يردّون الناس عن اللحوق بمسلم، و يخوّفونهم السلطان، حتّى اجتمع إليهم عدد كثير من قومهم و غيرهم، فصاروا إلى ابن زياد من قبل دار الروميّين، و دخل القوم معهم.
فقال [له] كثير بن شهاب: أصالح اللّه الأمير! معك في القصر ناس كثير من أشراف الناس و من شرطك و أهل بيتك و مواليك (4) فاخرج بنا إليهم، فأبى عبيد اللّه، و عقد لشبث بن ربعي لواء و أخرجه، و أقام الناس مع ابن عقيل يكثرون حتّى السماء و أمرهم شديد، فبعث عبيد اللّه إلى الأشراف فجمعهم ثمّ أشرفوا على الناس فمنّوا (5) أهل الطاعة الزيادة و الكرامة، و خوّفوا أهل المعصية الحرمان و العقوبة، و أعلموهم وصول الجند من الشام إليهم.
و تكلّم كثير بن شهاب حتّى كادت الشمس أن تجب، فقال: أيّها الناس الحقوا بأهاليكم و لا تعجلوا الشرّ و لا تعرّضوا أنفسكم للقتل، فإنّ هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت، و قد أعطى اللّه الأمير عهدا لئن تمّمتم (6) على حربه و لم تنصرفوا من عشيّتكم، أن يحرم (7) ذريّتكم العطاء، و يفرّق مقاتليكم في مغازي (8) الشام، و أن
____________
(1)- في المصدر: العجلي.
(2)- في المصدر: ابن عقيل محمد.
(3)- في المصدر: الشامي.
(4)- في المصدر: و موالينا.
(5)- في المصدر: فمنعوا.
(6)- في المصدر: صمّمتم، و يقال: تمّ على الأمر: أي استمرّ عليه «النهاية ج 1 ص 197».
(7)- في المصدر: ليحرمنّ.
(8)- في البحار: مفازي، و المفاوز: البرّيّة القفر.
199
يأخذ البريء منكم بالسقيم، و الشاهد بالغائب، حتّى لا يبقى له بقيّة من أهل المعصية إلّا أذاقها وبال ما جنت أيديها، و تكلّم الأشراف بنحو من ذلك.
فلمّا سمع الناس مقالتهم أخذوا يتفرّقون و كانت المرأة تأتي ابنها [أ] و أخاها فتقول: انصرف الناس يكفونك، و يجيء الرجل إلى ابنه و أخيه و يقول: غدا يأتيك أهل الشام فما تصنع بالحرب و الشرّ، انصرف! فيذهب به فينصرف، فما زالوا يتفرّقون حتّى أمسى ابن عقيل و صلّى المغرب و ما معه إلّا ثلاثون نفسا في المسجد.
فلمّا رأى أنّه قد أمسى و ليس (1) معه إلّا اولئك النفر، خرج متوجّها إلى (2) أبواب كندة، فلم يبلغ (3) الأبواب إلّا و معه [منهم] عشرة، ثمّ خرج من الباب، فإذا ليس معه إنسان يدلّه، فالتفت فإذا هو لا يحسّ أحدا يدلّه على الطريق، و لا يدلّه على منزله و لا يواسيه بنفسه إن عرض له عدوّ، فمضى على وجهه متلدّدا في أزقّة الكوفة، لا يدري أين يذهب، حتّى خرج إلى دور بني جبلة من كندة، فمضى (4) حتى (إذا) أتى (5) إلى باب امرأة يقال لها: طوعة أمّ ولد كانت للأشعث بن قيس فأعتقها و تزوّجها أسيد الحضرميّ فولدت له بلالا، و كان بلال قد خرج مع الناس و امّه قائمة تنتظره.
فسلّم عليها ابن عقيل فردّت (عليه السّلام)، فقال لها: يا أمة اللّه اسقيني ماء فسقته، و جلس و دخلت (6) ثمّ خرجت فقالت: يا عبد اللّه أ لم تشرب؟ قال: بلى، قالت:
فاذهب إلى أهلك فسكت، ثمّ أعادت مثل ذلك، فسكت، ثمّ قالت في الثالثة: سبحان اللّه يا عبد اللّه قم عافاك اللّه إلى أهلك فإنّه لا يصالح لك الجلوس على بابي و لا احلّه لك، فقام و قال: يا أمة اللّه ما لي (7) في هذا المصر أهل (8) و لا عشيرة، فهل لك في أجر و معروف و لعلّي مكافيك بعد هذا اليوم، قالت: يا عبد اللّه و ما ذاك؟ قال: أنا مسلم بن عقيل كذّبني هؤلاء القوم و غرّوني و أخرجوني، قالت: أنت مسلم؟ قال: نعم، قالت: ادخل.
فدخل إلى بيت (9) (في) دارها غير البيت الذي تكون فيه، و فرشت له و عرضت
____________
(1)- في المصدر: و ما.
(2)- في المصدر: نحو.
(3)- في المصدر: فما بلغ.
(4)- في المصدر: فمشى.
(5)- في المصدر: انتهى.
(6)- في المصدر: و أدخلت الإناء.
(7)- ليس لي/ خ.
(8)- في المصدر: منزل.
(9)- في المصدر: فدخل بيتا.
201
فبرئت ذمّة اللّه من رجل وجدناه في داره، و من جاء به فله ديته، اتّقوا اللّه عباد اللّه و الزموا الطاعة (1) و بيعتكم، و لا تجعلوا على أنفسكم سبيلا.
يا حصين بن نمير ثكلتك امّك إن ضاع باب سكّة من سكك الكوفة، [أ] و خرج هذا الرجل و لم تأتني به، و قد سلّطتك على دور أهل الكوفة، فابعث مراصد على أهل الكوفة (2) و دورهم، و أصبح غدا و استبرأ الدور و جسّ خلالها، حتّى تأتيني بهذا الرجل، و كان الحصين بن نمير على شرطه (3)، و هو من بني تميم، ثمّ دخل ابن زياد القصر و قد عقد لعمرو بن [ال] حريث راية و أمّره على الناس.
فلمّا أصبح جلس مجلسه و أذن للناس، فدخلوا عليه و أقبل محمّد بن الأشعث فقال: مرحبا بمن لا يستغشّ و لا يتّهم، ثمّ أقعده إلى جنبه. و أصبح ابن تلك العجوز فغدا إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فأخبره بمكان مسلم بن عقيل عند (4) امّه، فأقبل عبد الرحمن حتّى أتى أباه و هو عند ابن زياد فسارّه، فعرف ابن زياد سراره، فقال له ابن زياد بالقضيب في جنبه: قم فأتني به الساعة، فقام و بعث معه قومه لأنّه قد علم أنّ كلّ قوم يكرهون أنّه يصاب فيهم مثل مسلم بن عقيل.
و بعث معه عبيد اللّه بن عبّاس السلميّ في سبعين رجلا من قيس، حتّى أتوا الدار التي فيها مسلم بن عقيل (رحمه اللّه)، فلمّا سمع وقع حوافر الخيل و أصوات الرجال علم أنّه قد اتي، فخرج إليهم بسيفه، و اقتحموا عليه الدار فشدّ عليهم يضربهم (5) بسيفه حتّى أخرجهم من الدار، ثمّ عادوا إليه، فشدّ عليهم كذلك، فاختلف هو و بكر بن حمران الأحمريّ ضربتين، فضرب بكر فم مسلم فقطع شفته العليا، و أسرع السيف في السفلى و فصلت له ثنيّتاه، و ضرب مسلم [في] رأسه ضربة منكرة و ثنّاه باخرى على حبل العاتق كادت تطلع إلى جوفه.
فلمّا رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق البيت، و أخذوا يرمونه بالحجارة و يلهبون
____________
(1)- في المصدر: طاعتكم.
(2)- في المصدر: السكك.
(3)- في المصدر: شرطته.
(4)- في الأصل: من.
(5)- في المصدر: فضربهم.
200
عليه العشاء فلم يتعشّ، و لم يكن بأسرع من أن جاء ابنها، فرآها تكثر الدخول في البيت و الخروج منه، فقال لها: و اللّه إنّه ليريبني كثرة دخولك إلى هذا البيت و خروجك منه منذ الليلة، إنّ لك لشأنا، قالت [له]: يا بنيّ إله عن هذا، قال: و اللّه لتخبريني قالت له: اقبل على شأنك، و لا تسألني عن شيء، فألحّ عليها، فقالت: يا بنيّ لا تخبر [نّ] أحدا من الناس بشيء ممّا اخبرك (1) به، قال: نعم، فأخذت عليه الأيمان، فحلف لها فأخبرته فاضطجع و سكت.
و لمّا تفرّق الناس عن مسلم بن عقيل (رحمه اللّه) طال على ابن زياد و جعل لا يسمع لأصحاب ابن عقيل صوتا كما كان يسمع قبل ذلك، فقال لأصحابه: أشرفوا فانظروا هل ترون منهم أحدا؟ فأشرفوا فلم يجدوا (2) أحدا، قال: فانظروهم لعلّهم تحت الظلال قد كمنوا لكم فنزعوا تخاتج (3) المسجد، و جعلوا يخفضون بشعل النار في أيديهم و ينظرون و كانت أحيانا تضيء لهم، و تارة (4) لا تضيء [لهم] كما يريدون، فدلّوا القناديل و أطنان القصب تشدّ بالحبال ثمّ يجعل فيها النيران، ثمّ تدلّى حتّى ينتهي إلى الأرض، ففعلوا ذلك في أقصى الظلال و أدناها و أوسطها، حتّى فعل ذلك بالظلّة التي فيها المنبر، فلمّا لم يروا شيئا أعلموا ابن زياد بتفرّق القوم.
ففتح باب السدّة التي في المسجد، ثمّ خرج فصعد المنبر و خرج أصحابه معه، و أمرهم فجلسوا قبيل العتمة، و أمر عمرو بن نافع فنادى: ألا برئت الذمّة من رجل من الشرط [أ] و العرفاء و المناكب أو المقاتلة صلّى العتمة إلّا في المسجد، فلم يكن إلّا ساعة حتّى امتلأ المسجد من الناس، ثمّ أمر مناديه فأقام الصلاة و أقام الحرس خلفه و أمرهم بحراسته من أن يدخل إليه من (5) يغتاله و صلّى بالناس، ثمّ صعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال:
أمّا بعد فإنّ ابن عقيل السفيه الجاهل قد أتى ما رأيتم من الخلاف و الشقاق
____________
(1)- في الأصل: أخبرتك.
(2)- في المصدر: يروا.
(3)- في المصدر: تخائج.
(4)- في المصدر: و أحيانا.
(5)- في المصدر: يدخل عليه أحد.
202
النار في أطنان (1) القصب، ثمّ يرمونها (2) عليه من فوق البيت، فلمّا رأى ذلك خرج عليهم مصلّتا بسيفه في السكّة، فقال [له] محمد بن الأشعث: لك الأمان لا تقتل نفسك، و هو يقاتلهم و يقول:
أقسمت لا اقتل إلّا حرا * * * و إن رأيت الموت شيئا نكرا
و يخلط (3)البارد سخنا مرّا * * * ردّ شعاع الشمس فاستقرّا
كلّ امرئ يوما ملاق شرّا * * * أخاف أن اكذب أو اغرّا
فقال [له] محمّد بن الأشعث: إنّك لا تكذب و لا تغرّ و لا تخدع (4) إن القوم بنو عمّك و ليسوا بقاتليك و لا ضائريك، و كان قد اثخن بالحجارة، و عجز عن القتال، فانتهز (5) و أسند (6) ظهره إلى جنب تلك الدار، فأعاد ابن الأشعث عليه القول: لك الأمان، فقال:
[أ] آمن أنا؟ قال: نعم، فقال للقوم الّذين معه: ألي الأمان؟ قال القوم له: نعم، إلّا عبيد اللّه بن العبّاس السلمي فإنّه قال: لا ناقة لي في هذا و لا جمل، ثمّ تنحّى.
فقال مسلم: أما لو لم تأمنوني ما وضعت يدي في أيديكم، فاتي ببغلة فحمل عليها و اجتمعوا حوله و نزعوا (7) سيفه، فكأنّه عند ذلك يئس من نفسه، فدمعت عيناه، ثمّ قال: هذا أوّل الغدر، فقال له محمّد بن الأشعث: أرجو أن لا يكون عليك بأس، قال: و ما هو إلّا الرجاء؟ أين أمانكم؟ إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، و بكى، فقال له عبيد اللّه بن العبّاس [السلمي]: إنّ من يطلب مثل الذي طلبت إذا ينزل (8) به مثل ما (9) نزل بك لم يبك، قال: و اللّه إنّي ما لنفسي بكيت، و لا لها من القتل أرثي، و إن كنت لم احبّ لها طرفة عين تلفا، و لكنّي أبكي لأهلي المقبلين إليّ، (10) أبكي للحسين و آل الحسين (عليه السّلام).
____________
(1)- في المصدر: أطناب، و قال الطريحي في مجمع البحرين ج 6 ص 278: الطنّ بالضم: حزمة من حطب أو قصب، الواحدة طنّة و الجمع أطنان.
(2)- في المصدر: يلقونها.
(3)- في المصدر: و يجعل.
(4)- في المصدر: فلا تجزع.
(5)- في المصدر و إحدى نسختي الأصل: فانبهر.
(6)- في الأصل و البحار: و استند.
(7)- في المصدر: و انتزعوا.
(8)- في المصدر: تطلب إذا نزل.
(9)- في المصدر: الذي.
(10)- في البحار: إنّي.
204
إسماعيل بن أحمد البيهقيّ، عن والده، عن أبي الحسين بن بشران، عن أبي عمرو بن السمّاك، عن حنبل بن إسحاق، عن الحميديّ، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: أرسل الحسين (عليه السّلام) مسلم بن عقيل إلى الكوفة، و كان مثل الأسد، قال عمرو و غيره: لقد كان من قوّته أنّه يأخذ الرجل بيده فيرمى به فوق البيت (1).
رجعنا إلى كلام المفيد (ره): و أقبل ابن الأشعث بابن عقيل إلى باب القصر و استأذن فأذن له، فدخل على عبيد اللّه بن زياد فأخبره خبر ابن عقيل و ضرب بكر إيّاه، و ما كان من أمانه له، فقال له عبيد اللّه: و ما أنت و الأمان، كأنا(2) أرسلناك لتؤمّنه، إنّما (3) أرسلناك لتأتينا به، فسكت ابن الأشعث، و انتهى بابن عقيل إلى باب القصر، و قد اشتدّ به العطش، و على باب القصر ناس جلوس ينتظرون الإذن، فيهم: عمارة بن عاقبة بن أبي معيط، و عمرو بن حريث، و مسلم بن عمرو، و كثير بن شهاب، و إذا قلّة باردة موضوعة على الباب.
فقال مسلم: اسقوني من هذا الماء فقال له مسلم بن عمرو: أ تراها ما أبردها، لا و اللّه لا تذوق منها قطرة أبدا حتّى تذوق الحميم في نار جهنّم، فقال له ابن عقيل رحمة اللّه عليه: ويحك (4) من أنت؟ فقال: أنا الّذي (5) عرف الحقّ إذ أنكرته، و نصح لإمامه إذ غششته، و أطاعه إذ خالفته، أنا مسلم بن عمرو الباهليّ، فقال له ابن عقيل: لامّك الثكل، ما أجفاك و أفظّك (6) و أقسى قلبك، أنت يا بن باهلة أولى بالحميم و الخلود في نار جهنّم منّى.
ثمّ جلس فتساند إلى حائط، و بعث عمرو بن حريث غلاما له فأتاه (7) بقلّة عليها منديل و قدح فصبّ فيه ماء، فقال له: اشرب، فأخذ كلّما شرب امتلأ القدح دما من فمه (8) و لا يقدر أن يشرب، ففعل ذلك [مرة أو] مرّتين، فلمّا ذهب في الثالثة ليشرب سقطت ثناياه في القدح، فقال: الحمد للّه لو كان [لي] من الرزق المقسوم لشربته.
____________
(1)- البحار: 44/ 354.
(2)- ما كنا/ خ.
(3)- في المصدر: أمّا.
(4)- في المصدر: ويلك.
(5)- في المصدر: من.
(6)- في البحار: و أقطعك.
(7)- في المصدر: فجاءه.
(8)- في المصدر: فيه.
203
ثمّ أقبل على محمد بن الأشعث، فقال: يا عبد اللّه، إنّي أراك و اللّه ستعجز عن أماني، فهل عندك خير تستطيع أن تبعث من عندك رجلا على لساني أن يبلّغ حسينا فإنّي لا أراه إلّا و قد خرج اليوم أو خارج غدا و أهل بيته، و يقول له: إنّ ابن عقيل بعثني إليك و هو أسير في يد (1) القوم، لا يرى أنّه يمسي حتّى يقتل، و هو يقول لك: ارجع فداك أبي و امّي بأهل بيتك و لا يغررك (2) أهل الكوفة، فإنّهم أصحاب أبيك الّذي كان يتمنّى فراقهم بالموت أو القتل، إنّ أهل الكوفة قد كذبوك و ليس لمكذوب (3) رأي.
فقال ابن الأشعث: و اللّه لأفعلنّ و لأعلمنّ ابن زياد أنّي قد أمنتك (4).
و قال محمّد بن شهرآشوب: أنفذ عبيد اللّه عمرو بن حريث المخزوميّ و محمّد ابن الأشعث في سبعين رجلا حتّى أطافوا بالدار فحمل مسلم عليهم، و هو يقول:
هو الموت فاصنع ويك (5)ما أنت صانع * * * فأنت لكأس الموت لا شك جارع
فصبرا لأمر اللّه جل جلاله * * * فحكم قضاء اللّه في الخلق ذائع
فقتل منهم واحدا (6) و أربعين رجلا (7).
و قال محمّد بن أبي طالب: لمّا قتل مسلم منهم جماعة كثيرة، و بلغ ذلك ابن زياد، (ف) أرسل إلى محمّد بن الأشعث يقول: بعثناك إلى رجل واحد لتأتينا به، فثلم في أصحابك ثلمة عظيمة، فكيف إذا أرسلناك إلى غيره، فأرسل ابن الأشعث:
أيّها الأمير، أ تظنّ أنّك بعثتني إلى بقّال من بقّالي الكوفة، أو إلى جرمقانيّ من جرامقة الحيرة! أو لم تعلم أيّها الأمير أنّك بعثتني إلى أسد ضرغام، و سيف حسام، في كفّ بطل همام، من آل خير الأنام، فأرسل إليه ابن زياد أن أعطه الأمان فإنّك لا تقدر عليه إلّا به (8).
أقول: روي في بعض كتب المناقب: عن عليّ بن أحمد العاصمي، عن
____________
(1)- في المصدر: أيدي.
(2)- في المصدر: و لا يغرّوك.
(3)- في المصدر: لكذوب.
(4)- إرشاد المفيد ص 230 و البحار: 44/ 344.
(5)- في الأصل: فيك.
(6)- في الاصل و البحار: أحدا.
(7)- المناقب: 3/ 244 و البحار: 44/ 354.
(8)- البحار: 44/ 354.
205
و خرج رسول ابن زياد فأمر بإدخاله إليه، فلمّا دخل لم يسلّم عليه بالإمرة، فقال له الحرسيّ: أ لا تسلّم على الأمير؟ فقال: إن كان يريد قتلي فما سلامي عليه، و إن كان لا يريد قتلي فليكثرنّ سلامي عليه، فقال له ابن زياد: لعمري لتقتلنّ، قال:
كذلك؟ قال: نعم، قال: فدعني اوصي إلى بعض قومي، قال: افعل! فنظر مسلم إلى جلساء عبيد اللّه بن زياد، و فيهم عمر بن سعد بن أبي وقّاص، فقال: يا عمر إنّ بيني و بينك قرابة، و لي إليك حاجة، و قد يجب لي عليك نجح حاجتي، و هي سرّ، فامتنع عمر أن يسمع منه، فقال له عبيد اللّه بن زياد: لم تمتنع أن تنظر في حاجة ابن عمك؟ فقام معه فجلس حيث ينظر إليهما ابن زياد، فقال له: إنّ عليّ بالكوفة دينا استدنته منذ قدمت الكوفة سبعمائة درهم، فبع سيفي و درعي فاقضها عنّي، و إذا قتلت فاستوهب جثّتي من ابن زياد فوارها، و ابعث إلى الحسين (عليه السّلام) من يردّه، فإنّي قد كتبت إليه اعلمه أنّ الناس معه، و لا أراه إلّا مقبلا.
فقال عمر لابن زياد: أ تدري أيّها الأمير ما قال لي؟ إنّه ذكر كذا و كذا، فقال ابن زياد: إنّه لا يخونك الأمين، و لكن قد يؤتمن الخائن، أمّا ماله (1) فهو له (2) و لسنا نمنعك أن تصنع به ما أحبّ (3)، و أمّا جثّته فإنّا لا نبالي إذا قتلناه ما صنع بها، و أمّا حسين فإنّه إن (4) لم يردنا لم نرده.
ثمّ قال ابن زياد لعنه اللّه: إيه ابن عقيل، أتيت النّاس و هم جمع فشتّتت بينهم، و فرّقت كلمتهم، و حملت بعضهم على بعض، قال: كلّا لست لذلك أتيت، و لكنّ أهل المصر زعموا أنّ أباك قتل خيارهم و سفك دماءهم و عمل فيهم أعمال كسرى و قيصر، فأتيناهم لنأمر بالعدل و ندعوا إلى [حكم] الكتاب، فقال له ابن زياد:
و ما أنت و ذاك يا فاسق؟ لم لم تعمل فيهم بذلك إذ أنت بالمدينة تشرب الخمر؟ قال مسلم: أنا أشرب الخمر؟! أما و اللّه إنّ اللّه ليعلم أنّك غير صادق، و أنك قد قلت بغير علم، و أني لست كما ذكرت، و أنك أحقّ بشرب الخمر منّي، و أولى بها من يلغ في دماء
____________
(1)- في المصدر: «لك» بدل «له».
(2)- في المصدر: «لك» بدل «له».
(3)- في المصدر: ما أحببت.
(4)- في المصدر: فإن هو.
207
على عبيد اللّه لم يسلّم عليه، فقال له الحرسيّ: سلّم على الأمير، فقال له: اسكت يا ويحك، (اسكت) و اللّه ما هو لي بأمير، فقال ابن زياد: لا عليك سلّمت أو لم تسلّم فإنّك مقتول، فقال له مسلم: إن قتلتني فلقد قتل من هو شر منك من هو خير منّي، ثمّ قال ابن زياد: يا عاقّ، و يا شاقّ خرجت على إمامك و شققت عصا المسلمين و ألقحت الفتنة، فقال مسلم: كذبت يا بن زياد إنّما شقّ عصا المسلمين معاوية و ابنه يزيد، و أمّا الفتنة فانّما ألقحها أنت و أبوك زياد بن عبيد عبد بني علاج من ثقيف، و أنا أرجو أن يرزقني اللّه الشهادة على يدي شر بريّته.
ثمّ قال السيّد بعد ما ذكر بعض ما مرّ: فضرب عنقه و نزل مذعورا، فقال له ابن زياد: ما شأنك؟ فقال: أيّها الأمير رأيت ساعة قتلته (1) رجلا اسود سيئ الوجه (2) حذائي عاضّا على إصبعه أو قال: شفتيه، ففزعت [منه] فزعا لم أفزعه قطّ! فقال ابن زياد: لعلّك دهشت (3).
و قال المسعوديّ: دعا ابن زياد بكر بن حمران الّذي قتل مسلما، [ف] قال:
أ قتلته؟ قال: نعم، قال: فما كان يقول و أنتم تصعدون به لتقتلوه، قال: كان يكبّر و يسبح و يهلّل و يستغفر اللّه، فلمّا أدنيناه لنضرب عنقه، قال: اللّهمّ احكم بيننا و بين قوم غرّونا و كذبونا ثمّ خذلونا و قتلونا، فقلت [له]: الحمد للّه الّذي أقادني منك و ضربته ضربة لم تعمل شيئا، فقال لي: أو ما يكفيك في خدش منّي وفاء بدمك أيّها العبد؟ قال ابن زياد: و فخرا عند الموت، قال: فضربته الثانية فقتلته (4).
و قال المفيد (ره):
فقام محمّد بن الأشعث إلى عبيد اللّه بن زياد فكلّمه في هانئ بن عروة، فقال:
إنّك قد عرفت موضع (5) هانئ من المصر و بيته في العشيرة و قد علم قومه أنّي و صاحبي سقناه إليك، و أنشدك اللّه لمّا وهبته لي، فإنّي أكره عداوة المصر و أهله [لي] فوعده أن يفعل، ثمّ بدا له و أمر بهانىء في الحال، فقال: أخرجوه إلى السوق فاضربوا عنقه، فاخرج
____________
(1)- في المصدر: قتله.
(2)- في الأصل: الخلق.
(3)- اللهوف ص 23 و البحار: 44/ 357.
(4)- مروج الذهب: 3/ 60 و البحار: 44/ 358.
(5)- في المصدر: منزلة.
206
المسلمين ولغا، فيقتل النفس التي حرّم اللّه قتلها و يسفك الدم «الّذي حرّم اللّه» (1) على الغصب و العداوة و سوء الظنّ، و هو يلهو و يلعب كأن لم يصنع شيئا.
فقال له ابن زياد: يا فاسق إنّ نفسك منّتك (2)، ما حال اللّه دونه، و لم يرك اللّه له أهلا، فقال [له] مسلم: فمن أهله إذا لم نكن نحن أهله؟ فقال ابن زياد: أمير المؤمنين يزيد، فقال مسلم: الحمد للّه على كلّ حال، رضينا باللّه حكما بيننا و بينكم، فقال له ابن زياد: قتلني اللّه إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد في الإسلام من الناس. فقال له مسلم: أما إنّك أحقّ من أحدث في الإسلام ما لم يكن، و أنّك لا تدع سوء القتلة و قبح المثلة و خبث السيرة و لؤم الغلبة (3)، لا أحد أولى بها منك، فأقبل ابن زياد يشتمه و يشتم الحسين و عليّا و عقيلا (عليهم السّلام)، و أخذ مسلم لا يكلّمه.
ثمّ قال ابن زياد: اصعدوا به فوق القصر فاضربوا عنقه ثمّ أتبعوه جسده، فقال مسلم (رحمه اللّه): و اللّه لو كان بيني و بينك قرابة ما قتلتني، فقال ابن زياد: أين هذا الّذي ضرب ابن عقيل رأسه بالسيف؟ فدعى بكر بن حمران الأحمريّ، فقال له: اصعد فلتكن أنت الّذي تضرب عنقه، فصعد به و هو يكبّر (اللّه) و يستغفر اللّه و يصلّي على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، و يقول: اللّهمّ احكم بيننا و بين قوم غرّونا و كذبونا و خذلونا، و أشرفوا به على موضع الحذّائين اليوم، فضرب عنقه و أتبع رأسه جثّته (4).
و قال السيّد (ره): و لمّا قتل مسلم منهم جماعة نادى إليه محمد بن الأشعث:
يا مسلم لك الأمان، فقال مسلم: و أيّ أمان للغدرة الفجرة ثمّ أقبل يقاتلهم و يرتجز بأبيات حمران بن مالك الخثعميّ يوم القرن: «أقسمت لا اقتل إلّا حرّا» إلى آخر الأبيات، فنادى (5) إليه: إنّك لا تكذب و لا تغرّ، فلم يلتفت إلى ذلك و تكاثروا عليه بعد أن اثخن بالجراح، فطعنه رجل من خلفه فخرّ إلى الأرض فاخذ أسيرا، فلمّا (ا) دخل
____________
(1)- في المصدر: الحرام.
(2)- في المصدر: تمنّيك.
(3)- في المصدر: الغيلة.
(4)- الإرشاد ص 238 و البحار: 44/ 354، و في المصدر: جسده رأسه.
(5)- في المصدر: فنادوا.
208
هانئ حتّى «اتي [به] إلى مكان (1)» من السوق كان يباع فيه [من] الغنم، و هو مكتوف، فجعل يقول: وا مذحجاه و لا مذحج لي اليوم، يا مذحجاه يا مذحجاه (و) أين مذحج؟
فلمّا رأى أنّ أحدا لا ينصره جذب يده فنزعها من الكتاف، ثمّ قال: أ ما من عصا أو سكّين أو حجارة أو عظم يحاجز به رجل عن نفسه؟ فوثبوا إليه فشدّوه وثاقا، ثمّ قيل له: امدد (2) عنقك، فقال: ما أنا بها [ب] سخّي و ما أنا بمعينكم على نفسي، فضربه مولى لعبيد اللّه بن زياد تركي يقال له: رشيد بالسيف فلم يصنع شيئا، فقال له هانئ إلى اللّه المعاد، اللّهمّ إلى رحمتك و رضوانك، ثمّ ضربه اخرى فقتله.
و في مسلم بن عقيل و هانئ بن عروة (رحمهما اللّه)، يقول عبد اللّه بن الزبير الأسديّ:
فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري * * * إلى هانئ في السوق و ابن عقيل
إلى بطل قد هشّم السيف وجهه * * * و آخر يهوي من طمار قتيل
أصابهما أمر اللعين (3)فأصبحا * * * أحاديث من يسري بكلّ سبيل
ترى جسدا قد غيّر الموت لونه * * * و نضح دم قد سال كلّ مسيل
فتى كان (4)أحيا من فتاة حييّة * * * و أقطع من ذي شفرتين صقيل
أ يركب أسماء الهماليج آمنا * * * و قد طالبته مذحج بذحول
تطيف حواليه مراد و كلّهم * * * على رقبة من سائل و مسئول
فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم * * * فكونوا بغايا ارضيت بقليل
و لمّا قتل مسلم بن عقيل و هانئ بن عروة بعث ابن زياد برأسيهما مع هانئ بن أبي حيّة الوادعيّ، و الزبير بن الأروح التميميّ إلى يزيد بن معاوية و أمر كاتبه أن يكتب إلى يزيد بما كان من أمر مسلم و هانئ فكتب الكاتب و هو عمرو بن نافع فأطال فيه، و كان أوّل من أطال في الكتاب، فلمّا نظر فيه عبيد اللّه كرهه و قال: ما هذا التطويل و [ما] هذه الفضول؟ أكتب:
____________
(1)- في المصدر: انتهى به مكانا.
(2) في المصدر: مدّ.
(3)- في المصدر: الأمير.
(4)- في المصدر: هو.
209
أمّا بعد: فالحمد للّه الّذي أخذ لأمير المؤمنين بحقّه، و كفاه مئونة عدوّه، اخبر أمير المؤمنين أنّ مسلم بن عقيل لجأ إلى دار هانئ بن عروة المراديّ، و إنّي جعلت عليهما المراصد و العيون، و دسست إليهما الرجال و كدتهما حتّى أخرجتهما (1) و أمكن اللّه منهما فقدّمتهما (2) و ضربت أعناقهما، و قد بعثت إليك برأسيهما مع هانئ بن أبي حيّة الوادعيّ و الزبير بن الأروح التميميّ و هما من أهل السمع و الطاعة و النصيحة، فليسألهما أمير المؤمنين عمّا أحبّ من أمرهما فإنّ عندهما علما و ورعا و صدقا، و السلام.
فكتب إليه يزيد: أمّا بعد فإنّك لم تعد أن كنت كما احبّ عملت عمل الحازم، وصلت صولة الشجاع الرابط الجأش، و قد أغنيت و كفيت و صدّقت ظنّي بك و رأيي فيك، و قد دعوت رسوليك، و سألتهما و ناجيتهما، فوجدتهما في رأيهما و فضلهما كما ذكرت، فاستوص بهما خيرا، و إنّه قد بلغني أنّ حسينا قد توجّه نحو (3) العراق، فضع المناظر و المسالح، و احترس و احبس على الظنّة، و اقتل على التهمة، و اكتب إليّ في كلّ يوم ما يحدث من خبر (4) إن شاء اللّه تعالى. (5)
و قال ابن نما: كتب يزيد إلى ابن زياد: قد بلغني أنّ حسينا قد سار إلى الكوفة، و قد ابتلي به زمانك من بين الأزمان، و بلدك من بين البلدان، و ابتليت به من بين العمّال، و عندها تعتق أو تعود عبدا كما تعبد العبيد (6).
توضيح: قوله: «ويح غيرك»، قال: هذا تعظيما له، أي لا أقول لك ويحك بل أقول لغيرك، و «السّلام» بالكسر الحجر، ذكره الجوهريّ، و قال: نبا بفلان منزله إذا لم يوافقه، و قال: «الشعفة» بالتحريك رأس الجبل، و الجمع شعف و شعوف و شعاف و شعفات و هي رءوس الجبال.
قوله: «من تخلّف لم يبلغ مبلغ الفتح» أي لا يتيسّر له فتح و فلاح في الدنيا أو في الآخرة أو الأعمّ، و هذا [إمّا] تعليل بأنّ ابن الحنفيّة إنّما لم يلحق لأنّه علم أنّه يقتل
____________
(1)- في المصدر: استخرجتهما.
(2)- في المصدر: فقدتهما.
(3)- في المصدر: إلى.
(4)- في الأصل: خير.
(5)- إرشاد المفيد ص 240 و البحار: 44/ 358.
(6)- ص: 40 البحار: 44/ 360.
210
إن ذهب بأخباره أو بيان لحرمانه عن تلك السعادة أو لأنّه لا عذر له في ذلك لأنّه أعلمه (عليه السّلام) و أمثاله بذلك. قوله: «نحمد إليك اللّه» أي نحمد اللّه منهيا إليك، و «التنزّي و الانتزاء»: التوثّب و التسرّع، و ابتززت الشيء استلبته، و «النجا» الإسراع.
و قال الجوهريّ: يقال: حيّ هلا الثريد، فتحت ياؤه لاجتماع الساكنين، و بنيت «حيّ» مع «هل» اسما واحدا مثل خمسة عشر، و سميّ به الفعل، و إذا وقفت عليه قلت حيّ هلا.
و قال: الجناب- بالفتح-: الفناء و ما قرب من محلّة القوم، يقال أخصب جناب القوم، و الحشاشة بالضم بقيّة الروح في المريض.
قال الجزريّ فيه: فانفلتت البقرة بحشاشة نفسها أي برمق بقيّة الحياة و الروح، و «التحريش» الإغراء بين القوم، و «القرف» التهمة، و «الغشم» الظلم.
«طلب الخرزة» كأنه كناية عن شدّة الطلب فإنّ من يطلب الخرزة يفتّشها في كلّ مكان و ثقبة، و «ثقفه»: صادفه، قوله: «فرطا» أي تقدّما كثيرا، من قولهم:
فرطت القوم أي سبقتهم أو هو حال فإنّ الفرط بالتحريك من يتقدّم الواردة إلى الماء و الكلاء ليهيّئ لهم ما يحتاجون إليه.
قوله: «فأهون به» صيغة تعجّب، أي ما أهونه، و «الأثيل» الأصيل، و «التسكّع» التمادي في الباطل، و «قطن بالمكان» كنصر أقام، و ظعن أي سار.
قوله: «لئن فعلتموها» أي المخالف، و «الخمس» بالكسر من أظماء الإبل أن ترعى ثلاثة أيّام و ترد اليوم الرابع، و «المزنة» السحابة البيضاء، و الجمع المزن، ذكره الجوهريّ. و قال الفيروزآباديّ: «المزن» بالضمّ السحاب، أو أبيضه، أو ذو الماء.
قوله: «لا فتحت» دعاء عليه أي لا فتحت على نفسك بابا من الخير، فقد طال ليلك: أي كثر و امتدّ همّك، أو انتظارك.
و في مروج الذهب: «فقد طال نومك» أي غفلتك «و ضربوا الباب» أي أغلقوه.
قوله: «فإنّ الصدق ينبي عنك»، قال الزمخشريّ في المستقصى: «الصدق ينبي عنك لا الوعيد» غير مهموز من أنباه إذا جعله نابيا أي إنّما يبعد عنك العدوّ و يردّه أن
212
الوحشة و فيه تضمين معنى الانضمام، و «المتلدّد» المتحيّر الذي يلتفت يمينا و شمالا، و «التخاتج» لعلّه جمع تختج معرّب «تخته» أي نزعوا الأخشاب من سقف المسجد لينظروا هل فيه أحد منهم و إن لم يرد بهذا المعنى في اللغة، و «المنكب» هو رأس العرفاء، و «الاستبراء» الاختبار و الاستعلام.
قوله: «و جسّ خلالها» من قولهم «جاسوا خلال الديار» أي تخلّلوها فطلبوا ما فيها، قوله: «فانتهز» أي اغتنم الأمان، قوله: «لا ناقة لي في هذا» قال الزمخشريّ في مستقصى الأمثال: أي لا خير لي فيه و لا شرّ، و أصله أنّ الصدوف بنت حليس كانت تحت زيد بن الأخنس و له بنت من غيرها تسمّى الفارعة كانت تسكن بمعزل منها في خباء آخر، فغاب زيد غيبة فلهج بالفارعة رجل عدويّ يدعى شبثا و طاوعته فكانت تركب على عشيّة جملا لأبيها و تنطلق معه إلى متيهة يبيتان فيها، و رجع زيد عن وجهه، فعرّج على كاهنة اسمها طريفة فأخبرته بريبة في أهله، فأقبل سائرا لا يلوي على أحد، و إنّما تخوّف على امرأته حتّى دخل عليها فلمّا رأته عرفت الشرّ في وجهه، فقالت: لا تعجل واقف الأثر لا ناقة لي في ذا و لا جمل، يضرب في التبرّي عن الشيء قال الرّاعي:
و ما هجرتك حتّى قلت معلنة * * * لا ناقة لي في هذا و لا جمل
قال الفيروزآباديّ: «الجرامقة» قوم من العجم صاروا بالموصل في أوائل الإسلام، الواحد جرمقانيّ و «الضرغام» بالكسر الأسد، و «الهمام» كغراب الملك العظيم الهمّة، و «السيّد» الشجاع، قوله (عليه السّلام): «من يلغ» من ولوغ الكلب.
و قال الجوهريّ: «طمار» المكان المرتفع، و قال الأصمعيّ: انصبّ عليه من طمار، مثل قطار، قال الشاعر: «فإن كنت» إلى آخر البيتين، و كان ابن زياد أمر برمي مسلم بن عقيل من سطح انتهى.
قوله: «أحاديث من يسري» أي صارا بحيث يذكر قصتهما كلّ من يسير بالليل
211
تصدّقه القتال، لا التهديد، يضرب للجبان يتوعّد ثم لا يفعل.
و قال الجوهريّ في المثل: «الصدق ينبي عنك لا الوعيد» أي إنّ الصدق يدفع عنك الغائلة في الحرب دون التهديد، قال أبو عبيد: هو ينبي غير مهموز، و يقال: أصله الهمز من الإنباء أي أنّ الفعل يخبر عن حقيقتك لا القول، انتهى.
و في بعض النسخ عليك أي عند ما يتحقّق ما أقول تطلع على فوائد ما أقول لك و تندم على ما فات لا مجرّد وعيدي، و يقال: نبأت على القوم طلعت عليهم، و الظاهر أنّه تصحيف، و «العريف» النقيب و هو دون الرئيس.
قوله: و لم تجعل على نفسك الجملة حاليّة.
و قال الجزريّ في حديث عليّ (عليه السّلام)، قال و هو ينظر إلى ابن ملجم:
«عذيرك، من خليلك من مراد» يقال: عذيرك من فلان بالنصب أي هات من يعذرك فيه، فعيل بمعنى فاعل، قوله إيه أي اسكت و الشائع فيه إيها.
و قال الفيروزآبادي: «ربص بفلان ربصا» انتظر به خيرا أو شرّا يحلّ به كتربّص، و يقال: سقط في يديه أي ندم، و جوّز اسقط في يديه، و «الذّمام» الحقّ و الحرمة، و أذمّ فلانا أجاره، و يقال: أخذتني منه مذمّة أي رقّة و عار من ترك حرمته، و «الغائلة» الداهية، و نفس به بالكسر أي ضنّ به، و «البارقة» السيوف، و «الحروريّ الخارجيّ» أي أنت كنت أو تكون خارجيّا في جميع الأيّام أو في بقيّة اليوم.
و قال الجوهريّ: و من أمثالهم في اليأس عن الحاجة «أ سائر اليوم و قد زال الظهر» (1) أي أ تطمع فيما بعد و قد تبيّن لك اليأس، لأنّ من كان حاجته اليوم بأسره و قد زال الظهر وجب أن ييأس منه بغروب الشمس انتهى. و الظاهر أنّ هذا المعنى لا يناسب المقام.
و «اللّهز» الضرب بجميع اليد في الصدر، و «لهزه بالرّمح» طعنه في صدره، و «تعتعه» حرّكه بعنف و أقلقه، قوله: «استيحاشا إليهم» يقال: «استوحش» أي وجد
____________
(1)- في مجمع الأمثال للميداني ج 1 ص 335 تحت الرقم 1790: «أ سائر القوم و قد زال الظهر» فراجع.
213
في السبيل، و «شفرة السيف» حدّه أي من سلاح مصقول يقطع من الجانبين، و «الصقيل» السيف أيضا و «الهماليج» جمع الهملاج، و هو نوع من البراذين و «أسماء» هو أحد الثلاثة الذين ذهبوا بهانىء إلى ابن زياد، و «الرّقبة» بالفتح الارتقاب، و الانتظار و بالكسر التحفّظ، قوله: فكونوا بغايا أي زواني، و في بعض النسخ: أيامى.
- إرشاد المفيد: قال المفيد (رحمه اللّه): فصل: و كان خروج مسلم بن عقيل (رحمه اللّه) بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجّة سنة ستّين، و قتله رحمة اللّه عليه يوم الأربعاء لتسع خلون منه، يوم عرفة، و كان توجّه الحسين (عليه السّلام) من مكّة إلى العراق في يوم خروج مسلم بالكوفة، و هو يوم التروية بعد مقامه بمكّة بقيّة شعبان و [شهر] رمضان و شوّالا و ذا القعدة و ثمان ليال خلون من ذي الحجّة سنة ستّين، و كان قد اجتمع إلى الحسين (1) (عليه السّلام) مدّة مقامه بمكّة نفر من أهل الحجاز، و نفر من أهل البصرة، انضافوا إلى أهل بيته و مواليه.
و لمّا أراد الحسين (عليه السّلام) التوجّه إلى العراق طاف بالبيت و سعى بين الصفا و المروة، و أحلّ من إحرامه و جعلها عمرة، لأنّه لم يتمكّن من تمام الحج مخافة أن يقبض عليه بمكّة، فينفذ [به] إلى يزيد بن معاوية، فخرج مبادرا بأهله و ولده و من انضمّ إليه من شيعته و لم يكن خبر مسلم بلغه لخروجه (2) يوم خروجه على ما ذكرناه (3).
و قال السيّد «رض»: روى أبو جعفر الطبريّ (4)، عن الواقديّ و زرارة بن صالح (5) قال: لقينا الحسين بن علي (عليهما السّلام) قبل خروجه إلى العراق بثلاثة أيّام فأخبرناه بهوى (6) النّاس بالكوفة، و أنّ قلوبهم معه و سيوفهم عليه، فأومأ بيده نحو السماء ففتحت أبواب السماء و نزلت الملائكة عددا لا يحصيهم إلّا اللّه، فقال (عليه السّلام): لو لا تقارب الأشياء، و حبوط الأجر لقاتلتهم بهؤلاء، و لكن أعلم يقينا أنّ هناك مصرعي و مصرع أصحابي و لا ينجو منهم إلّا ولدي عليّ.
و رويت بالإسناد عن أحمد بن داود القمّيّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال:
____________
(1)- في المصدر: إليه.
(2)- في الأصل و البحار: بخروجه.
(3)- ص 242 و البحار: 44/ 363.
(4)- رواه الطبري في دلائل الإمامة ص 74.
(5)- في المصدر: زرارة بن خلج.
(6)- في المصدر: ضعف.
214
جاء (1) محمّد بن الحنفيّة إلى الحسين (عليه السّلام) في الليلة التي أراد الحسين (عليه السّلام) الخروج في صبيحتها عن مكّة، فقال له: يا أخي إنّ أهل الكوفة قد عرفت غدرهم بأبيك و أخيك، و قد خفت أن يكون حالك كحال من مضى، فإن رأيت أن تقيم فإنّك أعزّ من بالحرم و أمنعه، فقال: يا أخي قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية بالحرم، فأكون الذي يستباح به حرمة هذا البيت، فقال له ابن الحنفيّة: فإن خفت ذلك فصر إلى اليمن أو بعض نواحي البرّ فإنّك أمنع الناس به و لا يقدر عليك أحد، فقال: أنظر فيما قلت.
فلمّا كان السحر ارتحل الحسين (عليه السّلام)، فبلغ ذلك ابن الحنفيّة، فأتاه فأخذ بزمام ناقته- و قد (2) ركبها- فقال: يا أخي أ لم تعدني النظر فيما سألتك؟ قال: بلى، قال: فما حداك (3) على الخروج عاجلا؟ [ف] قال: أتاني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بعد ما فارقتك، فقال: يا حسين اخرج (إلى العراق) فإنّ اللّه قد شاء أن يراك قتيلا، فقال محمّد بن الحنفيّة: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، فما معنى حملك هؤلاء النساء معك و أنت تخرج على مثل هذا الحال؟ «فقال له: قد قال لي (صلى اللّه عليه و آله):» (4) إنّ اللّه قد شاء أن يراهنّ سبايا، فسلّم عليه و مضى. (5)
قال: و جاء عبد اللّه بن العبّاس و عبد اللّه بن الزبير فأشارا عليه (6) بالإمساك، فقال لهما: إنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قد أمرني و أنا ماض فيه، قال: فخرج ابن العبّاس و هو يقول: وا حسيناه، ثمّ جاء عبد اللّه بن عمر فأشار عليه (7) بصالح أهل الضلال و حذّره من القتل و القتال، فقال: يا أبا عبد الرحمن، أ ما علمت أنّ من هوان الدنيا على اللّه تعالى أنّ رأس يحيى بن زكريّا اهدي إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل، أ ما تعلم أنّ بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبيّا، ثمّ يجلسون في أسواقهم يبيعون و يشترون كأن لم يصنعوا شيئا، فلم يعجّل اللّه عليهم بل [أمهلهم و] أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز ذي انتقام، اتّق اللّه يا أبا عبد الرحمن و لا تدع (8) نصرتي (9).
____________
(1)- في المصدر: سار.
(2)- في المصدر: التي.
(3)- جدّك/ خ.
(4)- هكذا في المصدر: و في الأصل و البحار: قال: فقال.
(5)- اللهوف ص 26 و البحار: 44/ 364.
(6)- في المصدر: فأشاروا إليه.
(7)- في المصدر: إليه.
(8)- في المصدر: و لا تدعن.
(9)- اللهوف ص 14 و البحار: 44/ 364.
215
ثمّ قال المفيد (ره): و روي عن الفرزدق أنّه قال: حججت بامّي في سنة ستّين، فبينما (1) أنا أسوق بعيرها حتّى (2) دخلت الحرم إذ لقيت الحسين (عليه السّلام) خارجا من مكّة، معه (3) أسيافه و [أ] تراسه، فقلت: لمن هذا القطار؟ فقيل: للحسين بن عليّ (عليهما السّلام)، فأتيته و سلّمت عليه، و قلت له: أعطاك اللّه سؤلك و أملك فيما تحبّ بأبي أنت و امّي يا بن رسول اللّه، ما أعجلك عن الحجّ؟ قال: لو لم اعجّل لاخذت، ثمّ قال لي:
من أنت؟ قلت: رجل (4) من العرب و لا و اللّه ما فتّشني عن أكثر من ذلك.
ثمّ قال لي: أخبرني عن الناس خلفك؟ فقلت: الخبير سألت قلوب الناس معك و أسيافهم عليك، و القضاء ينزل من السماء و اللّه يفعل ما يشاء، فقال: صدقت، للّه الأمر من قبل و من بعد و كلّ يوم (ربّنا) هو في شأن، إن نزل (5) القضاء بما نحبّ [و نرضى] فنحمد اللّه على نعمائه و هو المستعان على أداء الشكر، و إن حال القضاء دون الرجاء فلم يبعد من كان الحقّ نيّته و التقوى سيرته (6)، فقلت له: أجل بلّغك اللّه ما تحبّ، و كفاك ما تحذر، و سألته عن أشياء من نذور و مناسك فأخبرني بها، و حرّك راحلته و قال: السلام عليك، ثمّ افترقنا.
و كان الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) لمّا خرج من مكّة اعترضاه يحيى بن سعيد بن العاص، و معه جماعة أرسلهم إليه عمرو بن سعيد، فقالوا له: انصرف [إلى] أين تذهب؟ فأبى عليهم و مضى، و تدافع الفريقان و اضطربوا بالسياط، فامتنع الحسين (عليه السّلام) و أصحابه منهم امتناعا قويّا و سار حتّى أتى التنعيم (7)، فلقي عيرا قد أقبلت من اليمن، فاستأجر من أهلها جمالا لرحله و أصحابه، و قال لأصحابها: من أحبّ أن ينطلق معنا إلى العراق وفيناه كراه و أحسنّا صحبته، و من أحبّ أن يفارقنا في بعض الطريق
____________
(1)- في المصدر: فبينا.
(2)- في المصدر و إحدى نسختي الأصل: حين.
(3)- في المصدر: مع.
(4)- في المصدر: امرؤ.
(5)- في المصدر: ينزل.
(6)- في المصدر: سريرته.
(7)- قال ياقوت الحموي في معجم البلدان ج 2 ص 49: التّنعيم: بالفتح ثم السكون، و كسر العين المهملة، و ياء ساكنه، و ميم: موضع بمكة في الحل، و هو بين مكة و سرف، على فرسخين من مكة و قيل: على أربعة، و سمّي بذلك لأن جبلا عن يمينه يقال له: نعيم، و آخر عن شماله يقال له: ناعم، و الوادي نعمان.
216
أعطيناه كراه على قدر ما قطع من الطريق، فمضى معه قوم و امتنع آخرون.
و ألحقه عبد اللّه بن جعفر بابنيه عون و محمّد، و كتب على أيديهما [إليه] كتابا يقول فيه: أمّا بعد فإنّي أسألك باللّه لمّا انصرفت حين تنظر في كتابي هذا، فإنّي مشفق عليك من هذا الوجه (1) الّذي توجّهت له أن يكون فيه هلاكك و استئصال أهل بيتك، إن هلكت اليوم طفئ نور الأرض، فإنّك علم المهتدين، و رجاء المؤمنين، و لا تعجل بالسير فإنّي في أثر كتابي و السلام.
و صار عبد اللّه إلى عمرو بن سعيد فسأله أن يكتب إلى الحسين (عليه السّلام) أمانا و يمنّيه ليرجع عن وجهه، فكتب إليه عمرو بن سعيد كتابا يمنّيه فيه الصلة، و يؤمّنه على نفسه، و أنفذه مع [أخيه] يحيى بن سعيد، فلحقه يحيى و عبد اللّه بن جعفر بعد نفوذ ابنيه، و دفعا إليه الكتاب و جاهدا به في الرجوع، فقال: إنّي رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في المنام و أمرني بما أنا ماض له، فقالوا (2) له: [ف] ما تلك الرؤيا، فقال: ما حدّثت بها أحدا و لا أنا محدّث بها أحدا حتّى ألقى ربّي عزّ و جلّ، فلمّا يئس (3) منه عبد اللّه بن جعفر أمر ابنيه عونا و محمّدا بلزومه، و المسير معه، و الجهاد دونه، و رجع مع يحيى بن سعيد إلى مكّة.
و توجّه الحسين (عليه السّلام) إلى (4) العراق مغذّا (5) لا يلوي إلى (6) شيء حتّى نزل ذاته عرق. (7)
و قال السيّد (ره): و توجّه الحسين (عليه السّلام) من مكّة لثلاث مضين من ذي الحجّة سنة ستّين قبل أن يعلم بقتل مسلم لأنّه خرج من مكّة في اليوم الّذي قتل فيه مسلم (رضوان اللّه عليه).
و روي أنّه لمّا عزم على الخروج إلى العراق قام خطيبا، فقال: الحمد للّه و ما شاء اللّه و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه و صلّى اللّه على رسوله و سلّم خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، و ما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، و خيّر
____________
(1)- في البحار: التوجّه.
(2)- في المصدر: فقالا.
(3)- في المصدر: أيس.
(4)- في المصدر: نحو.
(5)- أي مسرعا في السير، و في المصدر: مجدّا.
(6)- في المصدر: عن.
(7)- إرشاد المفيد ص 243 و البحار: 44/ 365.
217
لي مصرع أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تقطّعها (1) عسلان الفلوات، بين النواويس و كربلا، فيملأن منّي أكراشا جوفا و أجربة سغبا، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم رضى اللّه رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه، و يوفّينا اجور الصابرين، لن نشذّ عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لحمته، و هي مجموعة له في حظيرة القدس تقرّ بهم عينه و تنجز لهم (2) وعده، من كان فينا باذلا مهجته، موطنا على لقاء اللّه نفسه فليرحل معنا فإنّي راحل مصبحا إن شاء اللّه تعالى.
أقول: روى هذه الخطبة في كشف الغمّة، عن كمال الدّين بن طلحة (3).
و قال السيّد و ابن نما رحمة اللّه عليهما: ثمّ سار حتّى مرّ بالتنعيم فلقي هناك عيرا تحمل هديّة قد بعث بها بحير بن ريسان الحميريّ عامل اليمن إلى يزيد بن معاوية- و كان عامله على اليمن- و عليها الورس و الحلل فأخذها (4) لأنّ حكم أمور المسلمين إليه، و قال لأصحاب الإبل (5): من أحبّ منكم أن ينطلق معنا إلى العراق وفيناه كراه و أحسنّا صحبته، و من أحبّ أن يفارقنا من مكاننا هذا أعطيناه من الكرى (6) بقدر ما قطع من الطريق فمضى قوم و امتنع آخرون.
ثمّ سار (عليه السّلام) حتّى بلغ ذات عرق، فلقي بشر بن غالب واردا من العراق، فسأله عن أهلها، فقال: خلّفت القلوب معك، و السيوف مع بني اميّة، فقال: صدق أخو بني أسد: إنّ اللّه يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد.
قال: ثمّ سار حتّى نزل الثعلبيّة وقت الظهيرة فوضع رأسه فرقد ثمّ استيقظ، فقال: قد رأيت هاتفا يقول: أنتم تسرعون و المنايا تسرع بكم إلى الجنّة، فقال له ابنه عليّ: يا أبه أ فلسنا على الحقّ؟ فقال: بلى يا بنيّ و [اللّه] الّذي إليه مرجع العباد، فقال: يا أبه إذا لا نبالي بالموت، فقال له الحسين (عليه السّلام): جزاك اللّه يا بنيّ خير ما جزى ولدا عن والد (ه) ثمّ بات (عليه السّلام) في الموضع [المذكور].
____________
(1)- في الأصل و البحار: يتقطّعها.
(2)- في المصدر: و ينجز بهم.
(3)- اللهوف ص 25 و كشف الغمّة: 2/ 29 و البحار: 44/ 366.
(4)- في ال مصدر: فأخذ الهدية.
(5)- في المصدر: الجمال.
(6)- في المصدر: كراه.
218
فلمّا أصبح إذا برجل من أهل الكوفة يكنّى أبا هرّة الأزديّ قد أتاه فسلّم عليه، ثمّ قال: يا ابن رسول اللّه ما الذي أخرجك عن (1) حرم اللّه و حرم جدّك محمّد (صلى اللّه عليه و آله)، فقال الحسين (عليه السّلام): ويحك [يا] أبا هرّة إنّ بني اميّة أخذوا مالي فصبرت، و شتموا عرضي فصبرت، و طلبوا دمي فهربت، و أيم اللّه لتقتلني الفئة الباغية و ليلبسنّهم اللّه ذلّا شاملا، و سيفا قاطعا، و ليسلطنّ عليهم من يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة منهم فحكمت في أموالهم و دمائهم (2).
و قال محمّد بن أبي طالب: و اتصل الخبر بالوليد بن عتبة أمير المدينة بأنّ الحسين (عليه السّلام) توجّه إلى العراق، فكتب إلى ابن زياد: «أمّا بعد فإنّ الحسين (عليه السّلام) قد توجّه إلى العراق و هو ابن فاطمة، و فاطمة بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فاحذر يا بن زياد أن تأتي إليه بسوء فتهيّج على نفسك و قومك أمرا في هذه الدنيا لا يصدّه شيء، و لا تنساه الخاصّة و العامّة أبدا ما دامت الدنيا» قال: فلم يلتفت ابن زياد إلى كتاب الوليد.
و في كتاب تاريخ: عن الريّاشيّ، بإسناده عن راوي حديثه، قال: حججت فتركت أصحابي و انطلقت أتعسّف (3) الطريق وحدي فبينما أنا أسير إذ رفعت طرفي إلى أخبية و فساطيط، فانطلقت نحوها حتّى أتيت أدناها، فقلت: لمن هذه الأبنية؟ فقالوا:
للحسين (عليه السّلام)، قلت: ابن عليّ و ابن فاطمة (عليهما السّلام)؟ قالوا: نعم. قلت: في أيّها هو؟
قالوا: فى ذلك الفسطاط، فانطلقت نحوه، فإذا الحسين (عليه السّلام) متّك على باب الفسطاط يقرأ كتابا بين يديه، فسلّمت فردّ عليّ، فقلت: يا ابن رسول اللّه، بأبي أنت و امّي ما أنزلك في هذه الأرض القفراء التي ليس فيها ريف و لا منعة؟ قال: إنّ هؤلاء أخافوني و هذه كتب أهل الكوفة و هم قاتلي، فإذا فعلوا ذلك و لم يدعوا للّه محرّما إلّا انتهكوه بعث اللّه إليهم من يقتلهم حتّى يكونوا أذلّ من قوم الأمة.
و قال ابن نما (4): حدّث عاقبة بن سمعان، قال: خرج الحسين (عليه السّلام) من مكّة فاعترضته رسل عمرو بن سعيد بن العاص عليهم يحيى بن سعيد ليردّوه، فأبى عليهم و
____________
(1)- في المصدر: من.
(2)- اللهوف ص 29، مثير الاحزان ص 42 و البحار: 44/ 367.
(3)- أي يتخبّط على غير هداية.
(4)- مثير الاحزان ص 39.
219
تضاربوا بالسياط، و مضى (عليه السّلام) على وجهه، فبادروه و قالوا: يا حسين أ لا تتّقي اللّه تخرج من الجماعة و تفرّق بين هذه الامّة؟ فقال: لي عملي و لكم عملكم، أنتم بريئون ممّا أعمل، و أنا بريء ممّا تعملون.
و رويت أنّ الطرمّاح بن حكم قال: لقيت حسينا و قد امترت لأهلي ميرة (1) فقلت: اذكّرك في نفسك لا يغرنّك أهل الكوفة، فو اللّه لئن دخلتها لتقتلنّ و إنّي لأخاف أن لا تصل إليها، فإن كنت مجمعا على الحرب فانزل أجأ (2) فإنّه جبل منيع و اللّه ما نالنا فيه ذلّ قطّ، و عشيرتي يرون جميعا نصرك، فهم يمنعونك ما أقمت فيهم، فقال: إنّ بيني و بين القوم موعدا أكره أن اخلفهم فإن يدفع اللّه عنّا فقديما ما أنعم علينا و كفى، و إن يكن ما لا بدّ منه ففوز و شهادة إن شاء اللّه.
ثمّ حملت الميرة إلى أهلي و أوصيتهم بامورهم و خرجت اريد الحسين (عليه السّلام)، فلقيني سماعة بن زيد النبهانيّ فأخبرني بقتله فرجعت (3).
و قال المفيد (ره): و لمّا بلغ عبيد اللّه بن زياد إقبال الحسين (عليه السّلام) من مكّة إلى الكوفة بعث الحصين بن نمير صاحب شرطه (4) حتّى نزل القادسيّة، و نظم الخيل ما بين القادسية الى خفّان (5)، و ما بين القادسيّة إلى القطقطانيّة، (6) و قال للناس:
هذا الحسين يريد العراق، و لمّا بلغ الحسين (عليه السّلام) الحاجز من بطن الرّمة، بعث قيس ابن مسهر الصيداويّ، و يقال: إنّه (7) بعث أخاه من الرضاعة عبد اللّه بن يقطر إلى أهل الكوفة، و لم يكن علم بخبر مسلم بن عقيل- (رحمه اللّه)- و كتب معه إليهم:
«بسم اللّه الرحمن الرحيم من الحسين بن عليّ إلى (وجوه) إخوانه [من] المؤمنين و المسلمين، سلام [اللّه] عليكم فإنّي أحمد إليكم اللّه الذي لا إله إلّا هو، أمّا
____________
(1)- قال الفيروزآبادي في قاموس المحيط ج 2 ص 137: الميرة: بالكسر، جلب الطعام، و الميّار: جالب الميرة.
(2)- أجأ: جبل لطيّئ، راجع معجم البلدان ج 1 ص 94.
(3)- البحار: 44/ 368.
(4)- في المصدر: شرطته.
(5)- خفّان: موضع قرب الكوفة يسلكه الحاج، و هو مأسدة «معجم البلدان ج 2 ص 379».
(6)- في البحار: القطقطانة.
(7)- في المصدر: بل.
220
بعد فإنّ كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبر [ني] فيه بحسن رأيكم، و إجماع (1) ملئكم على نصرنا و الطلب بحقّنا، فسألت اللّه أن يحسن لنا الصنيع، و أن يثيبكم على ذلك أعظم الأجر، و قد شخصت إليكم من مكّة يوم الثلاثاء، لثمان مضين من ذي الحجّة يوم التروية، فإذا قدم عليكم رسولي فانكمشوا في أمركم و جدّوا فانّي قادم عليكم في أيّامي هذه، و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته».
و كان مسلم كتب إليه قبل أن يقتل بسبع و عشرين ليلة، و كتب إليه أهل الكوفة أنّ لك هاهنا مائة ألف سيف و لا تتأخّر.
فأقبل قيس بن مسهر [إلى الكوفة] بكتاب الحسين (عليه السّلام)، حتّى إذا انتهى (إلى) القادسيّة أخذه الحصين بن نمير فبعث به إلى عبيد اللّه بن زياد إلى الكوفة، فقال له عبيد اللّه بن زياد: اصعد فسبّ الكذّاب الحسين بن عليّ. (2)
و قال السيّد (ره): فلمّا قارب دخول الكوفة، اعترضاه الحصين بن نمير ليفتّشه فأخرج [قيس] الكتاب و مزّقه فحمله الحصين إلى ابن زياد، فلمّا مثل بين يديه، قال له: من أنت؟ قال: أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب و ابنه (عليهما السّلام)، قال: فلما ذا خرقت الكتاب؟ قال: لئلّا تعلم ما فيه، قال: و ممّن الكتاب و إلى من؟
قال: من الحسين بن عليّ إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم، فغضب ابن زياد، و قال: و اللّه لا تفارقني حتّى تخبرني بأسماء هؤلاء القوم أو تصعد المنبر و تلعن الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) و أباه و أخاه، و إلّا قطّعتك إربا إربا، فقال قيس: أمّا القوم فلا اخبرك بأسمائهم، و أمّا لعن (ة) الحسين (عليه السّلام) و أبيه و أخيه فأفعل، فصعد المنبر و حمد اللّه [و أثنى عليه] و صلّى على النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و أكثر من الترحّم على عليّ (عليه السّلام) و ولده (3) (صلوات الله عليهم)، ثمّ لعن عبيد اللّه بن زياد و أباه، و لعن عتاة بني اميّة عن آخرهم، ثمّ قال:
[أيها الناس] أنا رسول الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) إليكم و قد خلّفته بموضع كذا فأجيبوه (4).
ثمّ قال المفيد (ره): فأمر به عبيد اللّه بن زياد أن يرمى (به) من فوق القصر،
____________
(1)- في المصدر و البحار: و اجتماع.
(3)- في المصدر: و الحسن و الحسين.
(2)- إرشاد المفيد ص 244 و البحار: 44/ 369.
(4)- اللهوف ص 31 و البحار: 44/ 370.
222
أقبل رسول الحسين (عليه السّلام) حتّى سلّم نم دخل، فقال: يا زهير بن القين إنّ أبا عبد اللّه الحسين بعثني إليك لتأتيه، فطرح كلّ إنسان منّا ما في يده حتّى كأنّما على رءوسنا الطير، فقالت له امرأته:- قال السيّد (ره): و هي ديلم بنت عمرو- سبحان اللّه أ يبعث إليك ابن [بنت] رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ثمّ لا تأتيه؟ لو أتيته فسمعت كلامه ثمّ انصرفت.
فأتاه زهير بن القين فما لبث أن جاء مستبشرا، قد أشرق وجهه، فأمر بفسطاطه و ثقله [و رحله] و متاعه، فقوّض و حمل إلى الحسين (عليه السّلام)، ثمّ قال لامرأته: أنت طالق! الحقي بأهلك، فإنّي لا احبّ أن يصيبك بسبي إلّا خير. (1)
و زاد السيّد (ره): و قد عزمت على صحبة الحسين (عليه السّلام) لأفديه بروحي، و أقيه بنفسي، ثمّ أعطاها مالها و سلّمها إلى بعض بني عمّها ليوصلها إلى أهلها، فقامت إليه و بكت و ودّعته، و قالت: [كان اللّه عونا و معينا] (2) خار اللّه لك، أسألك أن تذكرني في القيامة عند جدّ الحسين (صلى اللّه عليه و آله) (3).
و قال المفيد (ره): ثمّ قال لأصحابه: من أحبّ منكم أن يتعبني و إلّا فهو آخر العهد، إنّي سأحدّثكم حديثا إنّا غزونا البحر، ففتح اللّه علينا و أصبنا غنائم. فقال لنا سلمان (ره): أ فرحتم بما فتح اللّه عليكم و أصبتم من الغنائم؟ فقلنا: نعم. [ف] قال: إذا أدركتم سيّد شباب آل محمّد (صلى اللّه عليه و آله) فكونوا أشدّ فرحا بقتالكم معه (4) ممّا أصبتم اليوم من الغنائم، فأمّا أنا فأستودعكم اللّه. قالوا: ثمّ و اللّه ما زال في القوم مع الحسين (عليه السّلام) حتّى قتل رحمة اللّه عليه. (5)
و في المناقب: و لمّا نزل الخزيميّة (6) أقام بها يوما و ليلة، فلمّا أصبح أقبلت إليه
____________
(1)- إرشاد المفيد ص 245 و البحار: 44/ 370.
(2)- ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
(3)- اللهوف ص 30 و البحار: 44/ 372.
(4)- في المصدر: معهم.
(5)- إرشاد المفيد ص 246 و البحار: 44/ 372.
(6)- منزل للحاج بعد الثعلبيّة من الكوفة و قبل الأجفر «معجم البلدان/ ج 2 ص 370».
221
فرمي (1) به و تقطّع، و روي أنّه وقع إلى الأرض مكتوفا فتكسّرت عظامه و بقي به رمق، فأتاه (2) رجل يقال له: عبد الملك بن عمير اللخميّ فذبحه، فقيل له في ذلك و عيب عليه، فقال: أردت أن اريحه.
ثمّ أقبل الحسين (عليه السّلام) من الحاجز يسير نحو الكوفة (3) فانتهى إلى ماء من مياه العرب، فإذا عليه عبد اللّه بن مطيع العدويّ و هو نازل به، فلمّا رأى (4) الحسين (عليه السّلام) قام إليه، فقال: بأبي أنت و امّي يا بن رسول اللّه ما أقدمك و احتمله و أنزله، فقال له الحسين (عليه السّلام): كان من موت معاوية ما قد بلغك، و كتب [إليّ] أهل العراق يدعونني إلى أنفسهم.
فقال له عبد اللّه بن مطيع: اذكّرك اللّه يا بن رسول اللّه و حرمة الإسلام أن تنتهك (5)، أنشدك اللّه في حرمة قريش، أنشدك اللّه في حرمة العرب، فو اللّه لئن طلبت ما في [أ] يدي بني اميّة ليقتلنّك، و لئن قتلوك لا يهابوا بعدك أحدا أبدا، و اللّه إنّها لحرمة الإسلام تنتهك (6)، و حرمة قريش و حرمة العرب، فلا تفعل و لا تأت الكوفة، و لا تعرّض نفسك لبني اميّة، فأبى الحسين (عليه السّلام) إلّا أن يمضي.
و كان عبيد اللّه بن زياد أمر، فأخذ ما بين واقصة إلى طريق الشام و إلى طريق البصرة، فلا يدعون أحدا يلج و لا أحدا يخرج، فأقبل الحسين (عليه السّلام) لا يشعر بشيء حتّى لقي الأعراب فسألهم، فقالوا: لا و اللّه ما ندري غير أنّا لا نستطيع أن نلج و لا أن نخرج، فسار تلقاء وجهه.
و حدّث جماعة من فزارة و من بجيلة قالوا: كنّا مع زهير بن القين البجليّ حين أقبلنا من مكّة، و كنّا نساير الحسين (عليه السّلام)، فلم يكن شيء أبغض علينا (7) من أن ننازله في منزل، فإذا سار الحسين (عليه السّلام) و نزل «في منزل» (8) لم نجد بدّا من أن ننازله، فنزل (9) الحسين (عليه السّلام) في جانب و نزلنا (10) في جانب، فبينا نحن جلوس نتغدّى (11) من طعام لنا إذ
____________
(1)- في المصدر: فرموا.
(2)- في المصدر: فجاء.
(3)- في البحار: العراق.
(4)- في البحار: رآه.
(5)- في البحار و إحدى نسختي الأصل: تنهتك.
(6)- في البحار و إحدى نسختي الأصل: تنهتك.
(7)- في المصدر: إلينا.
(8)- في المصدر: منزلا.
(9)- في الأصل: فينزل، و ننزل.
(10)- في الأصل: فينزل، و ننزل.
(11)- في البحار: نتغذّى.
223
اخته زينب، فقالت: يا أخي أ لا اخبرك بشيء سمعته البارحة؟ فقال الحسين (عليه السّلام): و ما ذاك؟ فقالت: خرجت في بعض الليل لقضاء الحاجة فسمعت هاتفا يهتف، و هو يقول:
ألا يا عين فاحتفلي بجاهد * * * و من يبكي على الشهداء بعدي
على قوم تسوقهم المنايا * * * بمقدار إلى إنجاز وعد
فقال لها الحسين (عليه السّلام): يا اختاه كلّ الذي قضي فهو كائن. (1)
و قال المفيد: و روى عبد اللّه بن سليمان و المنذر بن المشمعلّ الأسديان قالا:
لمّا قضينا حجّتنا لم تكن لنا همّة إلّا اللحاق بالحسين (عليه السّلام) في الطريق لننظر ما يكون من أمره، فأقبلنا ترقل بنا ناقتانا مسرعين، حتّى لحقناه بزرود (2)، فلمّا دنونا منه إذا نحن برجل من [أهل] الكوفة (و) قد عدل عن الطريق حين (3) رأى الحسين (عليه السّلام)، فوقف الحسين (عليه السّلام) كأنّه يريده، ثمّ تركه و مضى و مضينا نحوه، فقال أحدنا لصاحبه:
اذهب بنا إلى هذا لنسأله فإنّ عنده خبر الكوفة، فمضينا حتّى انتهينا إليه، فقلنا: السلام عليك، فقال: و عليكما السلام، قلنا: ممّن الرجل؟ قال: أسديّ، قلنا له: و نحن أسديّان، فمن أنت؟ قال: أنا بكر بن فلان، فانتسبنا له، ثم قلنا له: أخبرنا عن الناس وراءك؟ قال: نعم، لم أخرج من الكوفة حتّى قتل مسلم بن عقيل و هانئ بن عروة، و رأيتهما يجرّان بأرجلهما في السوق.
فأقبلنا حتّى لحقنا بالحسين (عليه السّلام) فسايرناه حتّى نزل الثعلبيّة ممسيا، فجئناه حين نزل فسلّمنا عليه، فردّ علينا السلام، فقلنا له: يرحمك (4) اللّه إنّ عندنا خبرا إن شئت حدّثناك به علانية، و إن شئت سرّا، فنظر إلينا و إلى أصحابه، ثمّ قال: ما دون هؤلاء سرّ، فقلنا له: [أ] رأيت الراكب الذي استقبلته عشيّ (ة) أمس، فقال: نعم (و) قد أردت مسألته، فقلنا: قد و اللّه استبرأنا لك خبره، و كفيناك مسألته، و هو امرؤ منّا ذو رأي
____________
(1)- مناقب ابن شهرآشوب: 3/ 245 مع تفاوت و البحار: 44/ 372.
(2)- زرود: رمال بين الثعلبية و الخزيميّة بطريق الحاج من الكوفة. «معجم البلدان ج 3 ص 139».
(3)- في البحار: حتى.
(4)- في المصدر: رحمك.
225
و قال السيّد (ره): فاستعبر باكيا ثمّ قال: اللّهمّ اجعل لنا و لشيعتنا منزلا كريما و اجمع بيننا و بينهم في مستقرّ من رحمتك إنّك على كلّ شيء قدير. (1)
و قال المفيد (ره): فأخرج للنّاس كتابا، فقرأ (ه) عليهم «فإذا فيه» (2):
بسم اللّه الرّحمن الرحيم، أمّا بعد فإنّه أتانا خبر فظيع: قتل مسلم بن عقيل، و هانئ بن عروة، و عبد اللّه بن يقطر، و قد خذلنا شيعتنا فمن أحبّ منكم الانصراف فلينصرف في غير حرج، ليس عليه (3) ذمام، فتفرّق الناس عنه و أخذوا يمينا و شمالا حتّى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من المدينة، و نفر يسير ممّن انضمّوا إليه، و إنّما فعل ذلك لأنّه علم أنّ الأعراب الذين اتّبعوه إنّما اتّبعوه و هم يظنّون أنّه يأتي بلدا قد استقامت له طاعة أهلها، فكرة أن يسيروا معه إلّا و هم يعلمون على ما يقدمون.
فلما (4) كان السحر أمر أصحابه، فاستقوا ماء و أكثروا، ثمّ سار [وا] حتّى مرّ ببطن العقبة، فنزل عليها، فلقيه شيخ من بني عكرمة يقال له: عمر (و) بن لوذان (5)، قال له: (6) أين تريد؟ [ف] قال له الحسين (عليه السّلام): الكوفة، فقال له الشيخ: أنشدك اللّه لما انصرفت فو اللّه ما تقدم إلّا على الأسنّة، و حدّ السيوف، و إنّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مئونة القتال و وطّأوا لك الأشياء، فقدمت عليهم كان ذلك رأيا، فأمّا على هذه الحال التي تذكر فإنّي لا أرى لك أن تفعل، فقال [له]: يا عبد اللّه ليس يخفى عليّ الرأي و لكنّ (7) اللّه تعالى لا يغلب على أمره.
ثمّ قال (عليه السّلام): و اللّه لا يدعونني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا سلّط اللّه عليهم من يذلّهم، حتّى يكونوا أذلّ فرق الامم، ثمّ سار من (8) بطن العقبة حتّى نزل شراف، فلمّا كان السحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء و أكثروا، ثمّ سار [منها] حتّى انتصف النهار، فبينما هو يسير إذ كبّر رجل من أصحابه، فقال له الحسين (عليه السّلام):
____________
(1)- اللهوف: ص 32 و البحار: 44/ 374.
(2)- في الأصل: كتابا.
(3)- في المصدر: معه.
(4)- في الأصل: فإذا.
(5)- في الأصل: يوزان.
(6)- في المصدر: فسأله.
(7)- في المصدر: و إنّ.
(8)- في المصدر: في.
224
و صدق و عقل، و إنّه حدّثنا أنّه لم يخرج من الكوفة حتّى قتل مسلم بن عقيل و هانئ، و رآهما يجرّان في السوق بأرجلهما، فقال: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، رحمة اللّه عليهما، يردّد ذلك مرارا.
فقلنا له: ننشدك اللّه في نفسك و أهل بيتك إلّا انصرفت من مكانك هذا، فإنّه ليس لك بالكوفة ناصر و لا شيعة، بل نتخوّف أن يكونوا عليك، فنظر إلى بني عقيل، فقال: ما ترون و قد قتل مسلم؟ فقالوا: و اللّه ما (1) نرجع حتّى نصيب ثأرنا أو نذوق ما ذاق، فأقبل [علينا الحسين] (عليه السّلام) فقال: لا خير في العيش بعد هؤلاء، فعلمنا أنّه قد عزم رأيه على المسير، فقلنا له: خار اللّه لك، فقال: يرحمكم اللّه، فقال له أصحابه: إنّك و اللّه ما أنت مثل مسلم بن عقيل و لو قدمت الكوفة لكان أسرع الناس إليك، فسكت (2).
و قال السيّد (ره): أتاه خبر مسلم في زبالة، ثمّ أنّه سار فلقيه الفرزدق فسلّم عليه ثمّ قال: يا ابن رسول اللّه كيف تركن إلى أهل الكوفة و هم الذين قتلوا ابن عمّك مسلم بن عقيل و شيعته؟ قال: فاستعبر الحسين (عليه السّلام) باكيا، ثمّ قال: رحم اللّه مسلما فلقد صار إلى روح اللّه و ريحانه و جنّته (3) و رضوانه، ألا (4) إنّه قد قضى ما عليه و بقي ما علينا، ثمّ أنشأ يقول:
فإن تكن الدنيا تعدّ نفيسة * * * فدار ثواب اللّه أعلى و أنبل (5)
و إن تكن الأبدان للموت انشأت * * * فقتل امرئ بالسيف في اللّه أفضل
و إن تكن الأرزاق قسما مقدّرا * * * فقلّة حرص المرء في الرزق (6)أجمل
و إن تكن الأموال للترك جمعها * * * فما بال متروك به الحرّ يبخل (7)
و قال المفيد (ره): ثمّ انتظر حتّى إذا كان السحر، فقال لفتيانه و غلمانه:
أكثروا من الماء فاستقوا و أكثروا، ثمّ ارتحلوا فسار حتّى انتهى إلى زبالة فأتاه خبر عبد اللّه بن يقطر. (8)
____________
(1)- في المصدر: لا.
(2)- إرشاد المفيد ص 247 و البحار: 44/ 372.
(3)- في الاصل و البحار: و تحيّته.
(4)- في المصدر و البحار: أما.
(5)- في المصدر: فإن ثوبا اللّه أغلى.
(6)- في المصدر: السعي.
(7)- اللهوف: ص 30، و فيه «به المرء يبخل»، و البحار: 44/ 347.
(8) الارشاد: ص 248 و البحار: 44/ 374.
226
اللّه أكبر، لم كبّرت؟ فقال: رأيت النخل، فقال [له] جماعة ممّن صحبه (1): و اللّه إنّ هذا المكان ما رأينا فيه نخلة قطّ. فقال الحسين (عليه السّلام): فما ترونه؟ قالوا: و اللّه نراه أسنّة الرّماح و آذان الخيل، فقال: و أنا و اللّه أرى ذلك.
ثمّ قال: مالنا ملجأ نلجأ إليه و نجعله في ظهورنا و نستقبل القوم بوجه واحد، فقلنا له: بلى هذا ذو جشم (2) إلى جنبك فمل (3) إليه عن يسارك، فإن سبقت إليه فهو كما تريد، فأخذ إليه ذات اليسار، و ملنا معه، فما كان بأسرع من أن طلعت علينا هوادي (4) الخيل فتبيّنّاها و عدلنا، فلمّا رأونا عدلنا عن الطريق عدلوا إلينا، كأنّ أسنّتهم اليعاسيب و كأنّ راياتهم أجنحة الطير، فاستبقنا إلى ذي جشم (5) فسبقناهم إليه و أمر الحسين (عليه السّلام) بأبنيته، فضربت [خيمة]، فجاء القوم زهاء ألف فارس مع الحرّ بن يزيد التميميّ حتّى وقف هو و خيله مقابل الحسين (عليه السّلام) في حرّ الظهيرة، و الحسين (عليه السّلام) و أصحابه معتمّون متقلّدون أسيافهم.
فقال الحسين (عليه السّلام) لفتيانه: اسقوا القوم و ارووهم من الماء و رشّفوا الخيل ترشيفا، ففعلوا و أقبلوا يملئون القصاع و الطساس من الماء ثمّ يدنونها من الفرس فإذا عبّ فيها ثلاثا أو أربعا أو خمسا عزلت عنه، و سقي (6) آخر، حتّى سقوها عن آخرها. (7)
فقال عليّ بن الطعّان المحاربيّ: كنت مع الحرّ يومئذ فجئت في آخر من جاء من أصحابه، فلمّا رأى (8) الحسين (عليه السّلام) ما بي و بفرسي من العطش، قال: أنخ الراوية!- و الراوية عندي السقاء- ثم قال: يا ابن الأخ أنخ الجمل! فأنخته، فقال:
اشرب، فجعلت كلّما شربت سال الماء من السقاء، فقال الحسين (عليه السّلام): اخنث السقاء- أي اعطفه- فلم أدر كيف أفعل، فقام فخنّثه، فشربت و سقيت فرسي.
و كان مجيء الحرّ بن يزيد من القادسيّة، و كان عبيد اللّه بن زياد بعث
____________
(1)- في المصدر: أصحابه.
(2)- في المصدر: حسم.
(3)- في المصدر: تميل.
(4)- قال ابن الأثير في النهاية ج 5 ص 255: «طلعت هوادي الخيل» يعني أوائلها. و الهادي و الهادية:
العنق، لأنها تتقدم على البدن، و لأنها تهدي الجسد.
(5)- في المصدر: حسم.
(6)- في المصدر: و سقوا.
(7)- في المصدر: كلها.
(8)- في المصدر: رآني.
228
فقال [له] الحرّ: أنا و اللّه ما أدري ما هذه الكتاب و الرسل التي تذكر، فقال الحسين (عليه السّلام) لبعض أصحابه: يا عاقبة بن سمعان أخرج الخرجين الذين فيهما كتبهم إليّ، فأخرج خرجين مملوءين صحفا فنثرت بين يديه، فقال له الحرّ: [إنّا] لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، و قد امرنا أنّا إذا لقيناك لا (1) نفارقك حتّى نقدمك الكوفة على عبيد اللّه بن زياد.
فقال الحسين (عليه السّلام): الموت أدنى إليك من ذلك، ثمّ قال لأصحابه: فقوموا و اركبوا، فركبوا و انتظر حتّى ركبت نساؤه (2)، فقال لأصحابه: انصرفوا، فلمّا ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم و بين الانصراف، فقال الحسين (عليه السّلام) للحرّ: ثكلتك امّك ما تريد؟ فقال له الحرّ: أما لو (كان) غيرك من العرب يقولها لي و هو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركت ذكر امّه بالثكل كائنا من كان، و لكن و اللّه ما لي من ذكر امّك من سبيل إلّا بأحسن ما نقدر عليه.
فقال له الحسين (عليه السّلام): فما تريد؟ قال: اريد أن أنطلق بك إلى الأمير عبيد اللّه ابن زياد، فقال: إذا و اللّه لا أتّبعك، فقال: إذا و اللّه لا أدعك، فترادّا القول ثلاث مرّات، فلمّا كثر الكلام بينهما، قال له الحرّ: إنّي لم أومر بقتالك إنّما امرت أن لا افارقك حتّى اقدمك الكوفة، فإذا أبيت فخذ طريقا لا يدخلك الكوفة، و لا يردّك [إلى] المدينة، يكون بيني و بينك نصفا، حتّى أكتب إلى الأمير عبيد اللّه بن زياد فلعلّ اللّه أن [يأتي بأمر] يرزقني [فيه] العافية من أن ابتلى بشيء من أمرك، فخذ هاهنا. فتياسر عن طريق العذيب و القادسيّة، و سار الحسين (عليه السّلام)، و سار الحرّ في أصحابه يسايره و هو يقول له:
يا حسين إنّي اذكّرك اللّه في نفسك، فإنّي أشهد لئن قاتلت لتقتلنّ، فقال له الحسين (عليه السّلام): أ فبالموت تخوّفني؟ و هل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني، و سأقول كما قال أخو الأوس لابن عمّه و هو يريد نصرة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فخوّفه ابن عمّه و قال: أين تذهب فإنّك مقتول؟ فقال:
____________
(1)- في المصدر: ألّا.
(2)- في المصدر: و انتظروا حتى ركب نساؤهم.
227
الحصين بن نمير و أمره أن ينزل القادسيّة، و تقدّم الحرّ بين يديه في ألف فارس يستقبل بهم الحسين (عليه السّلام)، فلم يزل الحرّ مواقفا للحسين (عليه السّلام) حتّى حضرت صلاة الظهر، فأمر الحسين (عليه السّلام) الحجّاج بن مسروق أن يؤذّن.
فلمّا حضرت الإقامة، خرج الحسين (عليه السّلام) في إزار و رداء و نعلين، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال: أيّها الناس إنّي لم آتكم حتّى أتتني كتبكم، و قدمت عليّ رسلكم أن: «أقدم علينا فليس (1) لنا إمام لعلّ اللّه أن يجمعنا و إيّاكم (2) على الهدى و الحقّ» فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم، فأعطوني ما أطمئنّ إليه من عهودكم و مواثيقكم، و إن لم تفعلوا (أ) و كنتم لمقدمي (3) كارهين، انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم، فسكتوا عنه و لم يتكلّموا كلمة (4).
فقال للمؤذّن: أقم، فأقام الصلاة، فقال للحرّ: أ تريد أن تصلّي بأصحابك، فقال الحرّ: لا بل تصلّي أنت و نصلّي بصلاتك، فصلّى بهم الحسين (عليه السّلام)، ثمّ دخل فاجتمع عليه (5) أصحابه، و انصرف الحرّ إلى مكانه الذي كان فيه، فدخل خيمة قد ضربت له، فاجتمع إليه خمسمائة (6) من أصحابه، و عاد الباقون إلى صفّهم الذي كانوا فيه [فأعادوه]، ثمّ أخذ كلّ رجل منهم بعنان فرسه و جلس في ظلّها.
فلمّا كان وقت العصر أمر الحسين (عليه السّلام) أن يتهيّئوا للرحيل، ففعلوا، ثمّ أمر مناديه فنادى بالعصر و أقام، فاستقدم الحسين (عليه السّلام) و قام فصلّى بالقوم، ثمّ سلّم، و انصرف إليهم بوجهه، فحمد اللّه و أثنى عليه و (7) قال: أمّا بعد أيّها الناس فإنّكم إن تتّقوا اللّه و تعرّفوا الحقّ لأهله، يكن أرضى للّه عنكم، و نحن أهل بيت محمّد (صلى اللّه عليه و آله) أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم، و السائرين فيكم بالجور و العدوان، فإن أبيتم إلّا الكراهة لنا، و الجهل بحقّنا، و كان رأيكم الآن غير ما أتتني به كتبكم، و قدمت به عليّ رسلكم، انصرفت عنكم.
____________
(1)- في المصدر: فإنه ليس.
(2)- في المصدر: بك.
(3)- في المصدر: لقدومي.
(4)- في المصدر: و لم يتكلم أحد منهم بكلمة.
(5)- في المصدر: و إحدى نسختي الأصل: إليه.
(6)- في المصدر: جماعة.
(7)- في المصدر: ثم.
229
سأمضي و ما بالموت عار على الفتى * * * إذا ما نوى حقّا و جاهد مسلما
و واسى الرجال الصالحين بنفسه * * * و فارق مثبورا ودّع (1)مجرما
فإن عشت لم أندم و إن متّ لم الم * * * كفى بك ذلّا أن تعيش و ترغما (2)
أقول: و زاد محمّد بن أبي طالب: قبل البيت الأخير هذا البيت:
اقدّم نفسي لا اريد بقاءها * * * لتلقى خميسا في الوغى و عرمرما
ثمّ قال: ثمّ أقبل الحسين (عليه السّلام) على أصحابه و قال: هل فيكم أحد يعرف الطريق على غير الجادّة؟ فقال الطرمّاح: نعم يا بن رسول اللّه أنا أخبر الطريق، فقال الحسين (عليه السّلام): سر بين أيدينا، فسار الطرمّاح و اتّبعه الحسين (عليه السّلام) و أصحابه، و جعل الطرمّاح يرتجز و يقول:
يا ناقتي لا تذعري من زجري * * * و امض بنا قبل طلوع الفجر
بخير فتيان و خير سفر * * * آل رسول اللّه آل الفخر
السادة البيض الوجوه الزّهر * * * الطاعنين بالرّماح السمر
الضاربين بالسيوف البتر * * * حتّى تحلّى بكريم الفخر
الماجد الجدّ رحيب الصدر * * * أثابه اللّه بخير أمر
عمّره اللّه بقاء الدهريا مالك النفع معا و الضرّ (3)
أيّد حسينا سيدي بالنصر
على الطغاة من بقايا الكفر * * * على اللّعينين سليلي صخر
يزيد لا زال حليف الخمر * * * و ابن زياد عهر بن العهر
و قال المفيد (ره): فلمّا سمع الحرّ ذلك تنحّى عنه، و كان يسير بأصحابه ناحية، و الحسين (عليه السّلام) في ناحية [اخرى] حتّى انتهوا إلى عذيب الهجانات، ثمّ مضى الحسين (عليه السّلام) حتّى انتهى إلى قصر بني مقاتل فنزل به فاذا هو بفسطاط مضروب، فقال: لمن هذا؟ فقيل لعبيد اللّه بن الحرّ الجعفيّ، قال: ادعوه [إليّ]، فلمّا أتاه
____________
(1)- في المصدر: و خالف.
(2)- إرشاد المفيد ص 248 و البحار: 44/ 374.
(3)- في البحار: و النصر.
231
فيه: أمّا بعد فجعجع بالحسين حين [ي] بلغك كتابي [هذا] و يقدم عليك رسولي و لا تنزله إلّا بالعراء في غير خضر و على غير ماء، و قد أمرت رسولي أن يلزمك و لا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذك أمري و السلام.
فلما قرأ الكتاب قال لهم الحرّ: هذا كتاب الأمير عبيد اللّه يأمرني أن اجعجع بكم في المكان الذي يأتيني (1) كتابه، و هذا رسوله و قد أمره أن لا يفارقني حتى أنفذ أمره فيكم، فنظر يزيد بن مهاجر الكنديّ- و كان مع الحسين (عليه السّلام)- إلى رسول ابن زياد فعرفه، فقال له: ثكلتك امّك ما ذا جئت فيه قال: أطعت إمامي و وفيت ببيعتي، فقال له ابن المهاجر: بل عصيت ربّك و أطعت إمامك في هلاك نفسك و كسبت (2) العار و النار و بئس الإمام إمامك، قال اللّه تعالى «وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ» (3) فإمامك منهم، و أخذهم الحرّ بالنزول في ذلك المكان على غير ماء و لا في قرية، فقال له الحسين (عليه السّلام): دعنا ويحك ننزل [في] هذه القرية أو هذه- يعني نينوى و الغاضرية- أو هذه يعني شفيّة (4)، قال: لا و اللّه ما (5) أستطيع ذلك، هذا رجل قد بعث إليّ عينا عليّ، فقال له زهير بن القين: إنّي و اللّه لا أرى أن (6) يكون بعد الّذي ترون إلّا أشدّ ممّا ترون، يا ابن رسول اللّه إنّ قتال هؤلاء القوم الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم، فلعمري ليأتينا من بعدهم مالا قبل لنا به، فقال الحسين (عليه السّلام): ما كنت لأبدأهم بالقتال، ثم نزل و ذلك اليوم يوم الخميس و هو اليوم الثاني من المحرّم سنة إحدى و ستّين. (7).
و قال السيد (ره): فقام الحسين (عليه السّلام) خطيبا في أصحابه فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال: إنّه قد نزل [لنا] من الأمر ما قد ترون، و إنّ الدنيا تغيّرت و تنكّرت و أدبر معروفها [و استمرت حذّاء] (8) و لم يبق منها إلّا صبابة كصبابة الإناء، و خسيس عيش كالمرعى
____________
(1)- في المصدر: يأتي.
(2)- في البحار: و كسيت.
(3)- القصص: 41.
(4)- في الأصل: شنفيه.
(5)- في المصدر و إحدى نسختي الأصل: لا.
(6)- في المصدر: ما أراه.
(7)- إرشاد المفيد: 251 و البحار: 44/ 379.
(8)- ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر، و قال ابن الأثير في النهاية ج 1 ص 356: «حذّاء» أي خفيفة سريعة.
230
الرسول، قال له: هذا الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السّلام) يدعوك، فقال عبيد اللّه: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، و اللّه ما خرجت من الكوفة إلّا كراهيّة أن يدخلها الحسين (عليه السّلام) و أنا بها (1)، و اللّه ما اريد أن أراه و لا يراني.
فأتاه الرسول فأخبره، فقام [إليه] الحسين (عليه السّلام) فجاء حتّى دخل عليه و سلّم و جلس، ثمّ دعاه إلى الخروج معه، فأعاد عليه عبيد اللّه بن الحرّ تلك المقالة و استقاله ممّا دعاه إليه، فقال له الحسين (عليه السّلام): فإن لم تكن تنصرنا فاتّق اللّه أن لا تكون ممّن يقاتلنا، فو اللّه لا يسمع واعيتنا أحد ثمّ لم ينصرنا إلّا هلك، فقال له: أمّا هذا فلا يكون أبدا إن شاء اللّه تعالى، ثمّ قام الحسين (عليه السّلام) من عنده حتّى دخل رحله.
و لمّا كان في آخر الليل أمر فتيانه بالاستقاء من الماء، ثمّ أمر بالرحيل، فارتحل من قصر بني مقاتل، فقال عاقبة بن سمعان: فسرنا معه ساعة فخفق (عليه السّلام) و هو على ظهر فرسه خفقة ثمّ انتبه و هو يقول: «إنّا للّه و إنّا إليه راجعون» [و] الحمد للّه ربّ العالمين، ففعل ذلك مرّتين أو ثلاثا، فأقبل إليه ابنه عليّ بن الحسين فقال: ممّ حمدت اللّه و استرجعت؟ (ف) قال: يا بنيّ إنّي خفقت خفقة فعنّ لي فارس على فرس و هو يقول: القوم يسيرون و المنايا تسير (2) إليهم، فعلمت أنّها أنفسنا نعيت إلينا، فقال له:
يا أبت لا أراك اللّه سوءا، ألسنا على الحقّ؟ قال: بلى و اللّه الذي إليه مرجع العباد، فقال: فإننا إذا ما (3) نبالي أن نموت محقّين، فقال له الحسين (عليه السّلام): جزاك اللّه من ولد خير ما جزى ولدا عن والده.
فلمّا أصبح نزل و صلّى بهم الغداة، ثمّ عجّل الركوب و أخذ يتياسر بأصحابه يريد أن يفرّقهم فيأتيه الحرّ بن يزيد فيردّه و أصحابه، فجعل إذا ردّهم نحو الكوفة ردّا شديدا امتنعوا عليه فارتفعوا، فلم يزالوا يتسايرون كذلك حتّى انتهوا إلى نينوى بالمكان الذي نزل به الحسين (عليه السّلام)، فإذا راكب على نجيب له عليه سلاح متنكّبا قوسا مقبلا من الكوفة فوقفوا جميعا ينتظرونه، فلمّا انتهى إليهم سلّم على الحرّ و أصحابه و لم يسلّم على الحسين (عليه السّلام) و أصحابه، و دفع إلى الحرّ كتابا من عبيد اللّه بن زياد لعنه اللّه فإذا
____________
(1)- في البحار: فيها.
(2)- في المصدر: تصير.
(3)- في المصدر: لا.
232
الوبيل، أ لا ترون إلى الحق لا يعمل به و إلى الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربّه محقّا محقّا (1) فإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة و الحياة مع الظالمين إلّا برما.
فقام زهير بن القين فقال: قد سمعنا- هداك اللّه يا بن رسول اللّه- مقالتك، و لو كانت الدنيا لنا باقية، و كنّا فيها مخلّدين، لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها.
قال: و وثب (2) هلال بن نافع البجلي، فقال: و اللّه ما كرهنا لقاء ربّنا، و إنّا على نيّاتنا و بصائرنا، نوالي من والاك و نعادي من عاداك.
قال: و قام برير بن خضير، فقال: و اللّه يا بن رسول اللّه لقد منّ اللّه بك علينا أن نقاتل بين يديك فيقطّع (3) فيك أعضاؤنا، ثمّ يكون جدّك شفيعنا يوم القيامة.
قال: ثم إنّ الحسين (عليه السّلام) ركب و سار، (و) كلّما أراد السير يمنعونه تارة و يسايرونه اخرى، حتى بلغ كربلاء و كان ذلك في اليوم الثامن (4) من المحرّم. (5)
و في المناقب: فقال له زهير: فسر بنا حتى ننزل بكربلاء فإنّها على شاطئ الفرات، فنكون هنالك، فإن قاتلونا قاتلناهم، و استعنّا اللّه عليهم، قال: فدمعت عينا الحسين (عليه السّلام)، ثمّ قال: اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الكرب و البلاء، و نزل الحسين (عليه السّلام) في موضعه ذلك، و نزل الحرّ بن يزيد حذاءه في ألف فارس، و دعا الحسين (عليه السّلام) بدواة و بيضاء و كتب إلى أشراف الكوفة ممن كان يظنّ أنه على رأيه:
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم من الحسين بن عليّ إلى سليمان بن صرد، و المسيّب بن نجبه (6)، و رفاعة بن شدّاد، و عبد اللّه بن و أل، و جماعة المؤمنين، أمّا بعد فقد علمتم أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قد قال في حياته: «من رأى سلطانا جائرا مستحلّا لحرم اللّه، ناكثا لعهد اللّه، مخالفا لسنّة رسول اللّه، يعمل في عباد اللّه بالإثم و العدوان ثم لم يغيّر بقول
____________
(1)- في البحار: حقّا حقّا.
(2)- في المصدر: و قام.
(3)- في الأصل: فينقطع، و في المصدر: و نقطع.
(4)- في المصدر: الثاني.
(5)- اللهوف ص 32 و البحار: 44/ 381.
(6)- في الأصل: نجيه، و قد تقدم ضبطه في ص 182 فراجع.
234
علينا أن نقاتل بين يديك تقطّع (1) فيه أعضاؤنا، ثمّ يكون جدّك شفيعنا يوم القيامة بين أيدينا، لا أفلح قوم ضيّعوا ابن بنت نبيّهم، افّ لهم غدا ما ذا يلاقون؟ ينادون بالويل و الثبور في نار جهنّم.
قال: فجمع الحسين (عليه السّلام) ولده و إخوته و أهل بيته، ثم نظر إليهم فبكى ساعة، ثمّ قال: اللّهم إنّا عترة نبيّك محمد (صلى اللّه عليه و آله) و قد اخرجنا و طردنا و ازعجنا عن حرم جدّنا، و تعدّت بنو اميّة علينا، اللّهمّ فخذ لنا بحقّنا، و انصرنا على القوم الظالمين.
قال: فرحل من موضعه حتى نزل في يوم الأربعاء أو يوم الخميس بكربلاء، و ذلك في الثاني من المحرّم سنة إحدى و ستين، ثم أقبل على أصحابه، فقال: الناس عبيد الدنيا و الدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الديّانون، ثم قال: أ هذه كربلاء؟ فقالوا: نعم يا بن رسول اللّه فقال: هذا موضع كرب و بلاء، هاهنا مناخ ركابنا، و محطّ رحالنا، و مقتل رجالنا، و مسفك دمائنا. قال: فنزل القوم و أقبل الحرّ حتى نزل حذاء الحسين (عليه السّلام) في ألف فارس، ثمّ كتب إلى ابن زياد لعنه اللّه يخبره بنزول الحسين (عليه السّلام) بكربلاء.
و كتب ابن زياد لعنه اللّه إلى الحسين (عليه السّلام): أمّا بعد يا حسين فقد بلغني نزولك بكربلاء، و قد كتب إليّ أمير المؤمنين يزيد أن لا أتوسّد الوثير، و لا أشبع من الخمير، أو الحقك باللطيف الخبير، أو ترجع إلى حكمي و حكم يزيد بن معاوية و السلام.
فلمّا ورد كتابه على الحسين (عليه السّلام) و قرأه رماه من يده ثم قال: لا أفلح قوم اشتروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق، فقال له الرسول: جواب الكتاب أبا عبد اللّه؟
فقال: ما له عندي جواب لأنّه قد حقّت عليه كلمة العذاب، فرجع الرسول إليه فخبّره بذلك، فغضب عدو اللّه من ذلك أشدّ الغضب، و التفت إلى عمر بن سعد و أمره بقتال الحسين (عليه السّلام)- و قد كان ولّاه الري قبل ذلك- فاستعفى عمر من ذلك، فقال ابن زياد:
فاردد إلينا عهدنا، فاستمهله ثم قبل بعد يوم خوفا عن أن يعزل عن ولاية الريّ (2).
____________
(1)- في الأصل: ليقطع.
(2)- البحار: 44/ 381.
235
و قال المفيد (ره): فلمّا كان من الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص من الكوفة في أربعة آلاف فارس فنزل بنينوى، فبعث إلى الحسين (عليه السّلام) عروة بن قيس الأحمسيّ و قال له: ائته فسله ما الّذي جاء بك؟ و ما ذا تريد؟ و كان عروة ممن كتب إلى الحسين، فاستحيا منه أن يأتيه، فعرض ذلك على الرؤساء الذين كاتبوه و كلهم أبى ذلك و كرهه.
فقام إليه كثير بن عبد اللّه الشعبيّ و كان فارسا شجاعا لا يردّ وجهه شيء فقال له: أنا أذهب إليه، و و اللّه لئن شئت لأفتكنّ به فقال له عمر بن سعد: ما اريد أن تفتك به، و لكن ائته فاسأله ما الذي جاء به؟ فأقبل كثير إليه، فلما رآه أبو ثمامة الصيداويّ قال للحسين (عليه السّلام): أصلحك اللّه يا أبا عبد اللّه! قد جاءك شرّ أهل الأرض و أجرأهم على دم (الناس) و أفتكهم (1)، و قام إليه فقال له: ضع سيفك، قال: لا و اللّه و لا كرامة إنّما أنا رسول [ف] إن سمعتم كلامي (2) بلّغتكم ما ارسلت (به) إليكم، و إن أبيتم انصرفت عنكم، قال: فإنّي آخذ بقائم سيفك ثم تكلّم [بحاجتك]، قال: لا و اللّه لا تمسّه، فقال [له]: أخبرني بما جئت به و أنا ابلّغه عنك و لا أدعك تدنو منه، فإنّك فاجر، فاستبّا و انصرف إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر.
فدعا عمر بن سعد قرّة بن قيس الحنظليّ فقال له: ويحك [يا قرّة] الق حسينا فسله ما جاء به و ما ذا يريد؟ فأتاه قرّة، فلمّا رآه الحسين (عليه السّلام) مقبلا قال: أ تعرفون هذا؟ فقال [له] حبيب بن مظاهر: [نعم] هذا رجل من حنظلة تميم، و هو ابن أختنا و قد كنت أعرفه بحسن الرأي، و ما كنت أراه يشهد هذا المشهد، فجاء حتى سلّم على الحسين (عليه السّلام) و أبلغه رسالة عمر بن سعد إليه، فقال له الحسين (عليه السّلام): كتب إليّ أهل مصركم هذا أن أقدم، فامّا إذا كرهتموني فأنا أنصرف عنكم، فقال (3) حبيب بن مظاهر: ويحك يا قرّة أين تذهب؟ إلى القوم الظالمين؟ انصر هذا الرجل الذي بآبائه أيّدك اللّه بالكرامة، [ف] قال له قرّة: أرجع (4) إلى صاحبي بجواب رسالته و أرى رأيي،
____________
(1)- في البحار و إحدى نسختي الأصل: و أجرأه على دم و أفتكه.
(2)- في المصدر: منّي.
(3)- في المصدر: ثم قال له.
(4)- في المصدر: ترجع.
236
فانصرف إلى عمر بن سعد عليه اللّعنة و أخبره الخبر، فقال عمر بن سعد: أرجو أن يعافيني اللّه من حربه و قتاله.
و كتب إلى عبيد اللّه بن زياد: «بسم اللّه الرحمن الرحيم [أمّا بعد] فإنّي حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولي (1) فسألته عمّا أقدمه و ما ذا يطلب؟ فقال: كتب إليّ أهل هذه البلاد و أتتني رسلهم يسألوني القدوم [إليهم] ففعلت، فأمّا إذا كرهتموني، و بدا لهم غير ما أتتني به رسلهم، فأنا منصرف عنهم».
قال حسّان بن قائد العبسيّ: و كنت عند عبيد اللّه بن زياد حين أتاه [هذا] الكتاب فلما قرأه قال:
الآن اذ علقت مخالبنا به * * * يرجو النجاة و لات حين مناص
و كتب إلى عمر بن سعد: «أمّا بعد فقد بلغني كتابك و فهمت ما ذكرت، فاعرض على الحسين أن يبايع ليزيد هو و جميع أصحابه، فإذا [هو] فعل ذلك رأينا رأينا و السلام» فلمّا ورد الجواب على عمر بن سعد قال: قد خشيت أن لا يقبل ابن زياد العافية (2).
و قال محمد بن أبي طالب: فلم يعرض ابن سعد على الحسين (عليه السّلام) ما أرسل به ابن زياد لأنّه علم أنّ الحسين (عليه السّلام) لا يبايع يزيد أبدا، قال: ثم جمع ابن زياد الناس في جامع الكوفة ثم خرج فصعد المنبر ثمّ قال: أيها الناس إنّكم بلوتم آل أبي سفيان فوجدتموهم كما تحبّون، و هذا أمير المؤمنين يزيد قد عرفتموه حسن السيرة، محمود الطريقة، محسنا إلى الرعيّة، يعطي العطاء في حقّه، قد أمنت السبل على عهده، و كذلك كان أبوه معاوية في عصره، و هذا ابنه يزيد من بعده، يكرم العباد، و يغنيهم بالأموال، و يكرمهم، و قد زادكم في أرزاقكم مائة مائة، و أمرني أن اوفّرها عليكم و اخرجكم إلى حرب عدوّه الحسين، فاسمعوا له و أطيعوا.
ثمّ نزل عن المنبر و وفّر الناس العطاء، و أمرهم أن يخرجوا إلى حرب الحسين
____________
(1)- في المصدر: من رسلي.
(2)- إرشاد المفيد 253 و البحار: 44/ 384.
233
و لا فعل، كان حقيقا على اللّه أن يدخله مدخله» و قد علمتم أنّ هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان و تولّوا عن طاعة الرّحمن، و أظهروا الفساد و عطّلوا الحدود و استأثروا بالفيء، و أحلّوا حرام اللّه، و حرّموا حلاله، و إنّي أحقّ بهذا الأمر لقرابتي من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله).
و قد أتتني كتبكم و (قد) قدمت عليّ رسلكم ببيعتكم، أنّكم لا تسلّموني و لا تخذلوني، فإن و فيتم لي ببيعتكم فقد أصبتم حظّكم و رشدكم، و نفسي مع أنفسكم، و أهلي و ولدي مع أهاليكم و أولادكم، فلكم بي اسوة، و إن لم تفعلوا و نقضتم عهودكم و خلعتم بيعتكم، فلعمري ما هي منكم بنكر، لقد فعلتموها بأبي و أخي و ابن عمي و المغرور من اغترّ بكم، فحظّكم أخطأتم، و نصيبكم ضيّعتم، و من نكث فإنّما ينكث على نفسه، و سيغني اللّه عنكم و السّلام.
ثم طوى الكتاب و ختمه و دفعه إلى قيس بن مسهر الصيداوي- و ساق الحديث كما مرّ- ثم قال: و لمّا بلغ الحسين (عليه السّلام) قتل قيس استعبر باكيا، ثم قال: اللّهمّ اجعل لنا و لشيعتنا عندك منزلا كريما، و اجمع بيننا و بينهم في مستقرّ من رحمتك إنّك على كلّ شيء قدير.
قال: فوثب [إلى] الحسين (عليه السّلام) رجل من شيعته يقال له: هلال بن نافع البجليّ، فقال (له): يا ابن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنت تعلم أنّ جدّك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لم يقدر أن يشرب الناس محبّته، و لا أن يرجعوا إلى أمره ما أحبّ، و قد كان منهم منافقون يعدونه بالنصر، و يضمرون له الغدر، يلقونه بأحلى من العسل، و يخلفونه بأمرّ من الحنظل، حتى قبضه اللّه إليه، و إنّ أباك عليّا رحمة اللّه عليه قد كان في مثل ذلك، فقوم قد أجمعوا على نصره و قاتلوا معه الناكثين و القاسطين و المارقين، حتّى أتاه أجله فمضى إلى رحمة اللّه و رضوانه، و أنت اليوم عندنا في مثل تلك الحالة، فمن نكث عهده، و خلع بيعته، فلن يضر إلّا نفسه، و اللّه مغن عنه، فسر بنا راشدا معافى مشرّقا إن شئت، و إن شئت مغرّبا، فو اللّه ما أشفقنا من قدر اللّه، و لا كرهنا لقاء ربّنا، و إنّا على نيّاتنا و بصائرنا، نوالي من والاك و نعادي من عاداك.
ثم وثب إليه برير بن خضير الهمدانيّ فقال: و اللّه يا بن رسول اللّه لقد منّ اللّه بك
237
(عليه السّلام)، و يكونوا عونا لابن سعد على حربه، فأوّل من خرج شمر بن ذي الجوشن في أربعة آلاف، فصار ابن سعد في تسعة آلاف، ثمّ اتّبعه يزيد (1) بن ركاب الكلبيّ في ألفين، و الحصين بن نمير السكونيّ في أربعة آلاف، و فلانا المازنيّ في ثلاثة آلاف، و نصر ابن فلان في ألفين، فذلك عشرون ألفا.
ثم أرسل إلى شبث بن ربعيّ أن أقبل إلينا و إنّا نريد أن نتوجّه (2) بك الى حرب الحسين (عليه السّلام)، فتمارض شبث و أراد أن يعفيه ابن زياد فأرسل إليه: أمّا بعد: فإنّ رسولي أخبرني بتمارضك، و أخاف أن تكون من الذين «إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ» (3) إن كنت في طاعتنا فأقبل إلينا مسرعا.
فأقبل إليه شبث بعد العشاء لئلّا ينظر إلى وجهه فلا يرى عليه أثر العلّة، فلمّا دخل رحّب به و قرّب مجلسه، و قال: احبّ أن تشخص إلى قتال هذا الرجل عونا لابن سعد عليه فقال: أفعل أيها الأمير، فما زال يرسل إليه بالعساكر حتى تكامل عنده ثلاثون ألفا ما بين فارس و راجل، ثمّ كتب إليه ابن زياد: إنّي لم أجعل لك علّة في كثرة الخيل و الرجال، فانظر لا اصبح و لا امسي إلّا و خبرك عندي غدوة و عشيّة، و كان ابن زياد يستحثّ عمر بن سعد لستّة أيام مضين من المحرم.
و أقبل حبيب بن مظاهر إلى الحسين (عليه السّلام) فقال: يا ابن رسول اللّه هاهنا حيّ من بني أسد بالقرب منّا [أ] تأذن لي في المصير إليهم فأدعوهم الى نصرتك، فعسى اللّه أن يدفع بهم عنك قال: قد أذنت لك، فخرج حبيب إليهم في جوف الليل متنكّرا (4) حتى أتى إليهم فعرفوه أنّه من بني أسد، فقالوا: ما حاجتك؟ فقال: إنّي قد أتيتكم بخير ما أتى به وافد إلى (5) قوم، أتيتكم أدعوكم إلى نصر ابن بنت نبيّكم، فإنه في عصابة من المؤمنين، الرجل منهم خير من ألف رجل، لن يخذلوه و لن يسلّموه أبدا، و هذا عمر بن سعد قد أحاط به (6)، و أنتم قومي و عشيرتي و قد أتيتكم بهذه النصيحة فأطيعوني اليوم في نصرته
____________
(1)- في البحار: أتبعه بيزيد.
(2)- في البحار: نوجّه.
(3)- البقرة: 14.
(4)- في الأصل: مستنكرا.
(5)- على/ خ.
(6)- بهم/ خ.
239
و ضيّق عليهم، و لا تدعهم يذوقوا الماء، و افعل بهم كما فعلوا بالزكيّ عثمان، فعندها ضيّق عمر بن سعد عليهم غاية التضييق.
فلمّا اشتدّ العطش بالحسين (عليه السّلام) دعا بأخيه العبّاس فضمّ إليه ثلاثين فارسا و عشرين راكبا، و بعث معه عشرين قربة، فأقبلوا في جوف الليل حتى دنوا من الفرات، فقال عمرو بن الحجاج: من أنتم؟ فقال رجل من أصحاب الحسين (عليه السّلام) يقال له:
هلال بن نافع البجليّ: ابن عمّ لك جئت أشرب من هذا الماء، فقال عمرو: اشرب هنيئا، فقال هلال: ويحك (كيف) تأمرني ان اشرب و الحسين بن عليّ و من معه يموتون عطشا؟ فقال عمرو: صدقت، و لكن امرنا بأمر لا بدّ أن ننتهي إليه، فصاح هلال بأصحابه فدخلوا الفرات، و صاح عمرو بالناس و اقتتلوا قتالا شديدا، فكان قوم يقاتلون و قوم يملئون حتّى ملأوها، و لم يقتل من أصحاب الحسين (عليه السّلام) أحد، ثمّ رجع القوم إلى معسكرهم، فشرب الحسين (عليه السّلام) و من كان معه، و لذلك سمّي العباس السقّاء.
ثم أرسل الحسين (عليه السّلام) إلى عمر بن سعد لعنه اللّه: إنّي اريد أن اكلّمك فالقني الليلة بين عسكري و عسكرك، فخرج إليه ابن سعد في عشرين و خرج إليه الحسين (عليه السّلام) في مثل ذلك، فلمّا التقيا أمر الحسين (عليه السّلام) [أصحابه] فتنحّوا عنه، و بقي معه أخوه العباس و ابنه عليّ الأكبر، و أمر عمر بن سعد أصحابه فتنحّوا عنه و بقي معه ابنه حفص و غلام له.
فقال له الحسين (عليه السّلام): ويلك يا بن سعد أ ما تتّقي اللّه الّذي إليه معادك؟
أ تقاتلني و أنا ابن من علمت؟ ذر هؤلاء القوم و كن معي، فإنّه أقرب لك الى اللّه تعالى، فقال عمر بن سعد: أخاف أن يهدم داري، فقال (له) الحسين (عليه السّلام): أنا أبنيها لك، فقال: أخاف أن تؤخذ ضيعتي فقال الحسين (عليه السّلام): أنا أخلف عليك خيرا منها من مالي بالحجاز، فقال: لي عيال و أخاف عليهم، ثمّ سكت و لم يجبه إلى شيء، فانصرف عنه الحسين (عليه السّلام)، و هو يقول: مالك، ذبحك اللّه على فراشك عاجلا، و لا غفر لك يوم حشرك، فو اللّه إنّي لأرجو ألّا تأكل من برّ العراق إلّا يسيرا، فقال ابن سعد: في الشعير كفاية عن البرّ مستهزئا بذلك القول. (1)
____________
(1)- البحار: 44/ 385.
240
رجعنا إلى سياقة حديث المفيد قال: و ورد كتاب ابن زياد في الأثر إلى عمر بن سعد: أن حل بين الحسين و أصحابه و بين الماء، فلا يذوقوا منه قطرة كما صنع بالتقيّ الزكيّ عثمان بن عفّان، فبعث عمر بن سعد في الوقت عمرو بن الحجّاج في خمسمائة فارس، فنزلوا على الشريعة و حالوا بين الحسين (عليه السّلام) و أصحابه و بين الماء و منعوهم أن يسقوا (1) منه قطرة، و ذلك قبل قتل الحسين (عليه السّلام) بثلاثة أيّام.
و نادى عبد اللّه بن الحصين الأزديّ، و كان عداده في بجيلة، (ف) قال بأعلى صوته: يا حسين أ لا تنظر (ون) إلى الماء كأنّه كبد السماء و اللّه لا تذوقوا منه قطرة واحدة حتّى تموتوا عطشا، فقال الحسين (عليه السّلام): اللّهمّ اقتله عطشا و لا تغفر له أبدا.
قال حميد بن مسلم: و اللّه لعدته في مرضه بعد ذلك فو اللّه الذي لا إله غيره لقد رأيته يشرب الماء حتّى يبغر (2)، ثم يقيئه و يصيح العطش [العطش]، ثم يعود و يشرب حتّى يبغر ثم يقيئه و يتلظّى عطشا، فما زال ذلك دأبه حتّى لفظ نفسه.
و لمّا رأى الحسين (عليه السّلام) نزول العساكر مع عمر بن سعد بنينوى و مددهم لقتاله، أنفذ إلى عمر بن سعد أنّني اريد أن ألقاك، (و أجتمع معك)، فاجتمعا ليلا فتناجيا طويلا، ثم رجع عمر إلى مكانه، و كتب إلى عبيد اللّه بن زياد:
«أمّا بعد: فإنّ اللّه قد أطفأ النائرة، و جمع الكلمة، و أصالح أمر الامّة، هذا حسين قد أعطاني (عهدا) أن يرجع إلى المكان الذي [هو] منه أتى، أو أن يسير إلى ثغر من الثغور، فيكون رجلا من المسلمين، له مالهم و عليه ما عليهم، أو أن يأتي أمير المؤمنين يزيد فيضع يده في يده (3)، فيرى فيما بينه و بينه (فيرى) رأيه، و في هذا لك رضى و للامة صلاح.
فلمّا قرأ عبيد اللّه الكتاب قال: هذا كتاب ناصح مشفق على قومه، فقام إليه
____________
(1)- في المصدر: يستقوا.
(2)- يقال: بغر الرجل: إذا شرب فلم يرو.
(3)- قال سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص ص 248: و قد وقع في بعض النسخ أن الحسين (عليه السّلام) قال لعمر بن سعد: دعوني: أمضي إلى المدينة أو إلى يزيد فأضع يدي في يده و لا يصح ذلك عنه فإن عاقبة بن سمعان قال: صحبت الحسين من المدينة إلى العراق و لم أزل معه إلى أن قتل، و اللّه ما سمعته قال ذلك.
241
شمر بن ذي الجوشن فقال:
أتقبل هذا منه و قد نزل بأرضك و أتى (1) جنبك؟ و اللّه لئن رحل (من) بلادك و لم يضع يده في يدك ليكوننّ أولى بالقوّة، و لتكوننّ أولى بالضعف و العجز، فلا تعطه هذه المنزلة، فإنّها من الوهن و لكن لينزل على حكمك هو و أصحابه، فإن عاقبت فأنت أولى بالعقوبة، و إن عفوت كان ذلك لك.
فقال [له] ابن زياد: نعم ما رأيت، الرأي رأيك، اخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد فليعرض على الحسين (عليه السّلام) و أصحابه النزول على حكمي، فإن فعلوا فليبعث بهم إليّ سلما، و إن هم أبوا فليقاتلهم، فإن فعل فاسمع له و أطع و إن أبى أن يقاتلهم فأنت أمير الجيش، فاضرب عنقه و ابعث إليّ برأسه.
و كتب إلى عمر بن سعد: (إني) لم أبعثك إلى الحسين لتكفّ عنه، و لا لتطاوله و لا لتمنّيه السلامة و البقاء، و لا لتعتذر عنه، و لا لتكون [له] عندي شفيعا (2)، انظر فإن نزل [ال] حسين و أصحابه على حكمي و استسلموا، فابعث بهم إليّ سلما، و إن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم و تمثّل بهم، فإنّهم لذلك مستحقّون، فإن قتلت حسينا (3) فأوطئ الخيل صدره و ظهره، فإنّه عات (4) ظلوم، و لست أرى أنّ هذا يضرّ بعد الموت شيئا، و لكن عليّ قول قد قلته [أن] لو قد قتلته لفعلت (5) هذا به، فإن أنت مضيت لأمرنا [فيه] جزيناك جزاء السامع المطيع، و إن أبيت فاعتزل عملنا و جندنا، و خلّ بين شمر ابن ذي الجوشن و بين العسكر، فإنّا قد أمّرناه بأمرنا، و السلام.
فأقبل شمر بن ذي الجوشن بكتاب عبيد اللّه بن زياد إلى عمر بن سعد فلمّا قدم عليه و قرأه، قال له عمر: مالك ويلك، لا قرّب اللّه دارك، و قبّح اللّه ما قدمت به عليّ، و اللّه إنّي لأظنّك (أنّك) نهيته [أن يقبل] عما كتبت به إليه، و أفسدت علينا أمرا كنّا قد رجونا أن يصالح، لا يستسلم و اللّه حسين، إنّ نفس أبيه لبين جنبيه، فقال له
____________
(1)- في المصدر: و إلى.
(2)- في المصدر: شافعا.
(3)- في المصدر: فإن قتل الحسين.
(4)- في المصدر: عاق.
(5)- في البحار: لفعلته.
238
تنالوا بها شرف الدنيا و الآخرة، فإنّي اقسم باللّه لا يقتل أحد منكم في سبيل اللّه مع ابن بنت رسول اللّه صابرا محتسبا إلّا كان رفيقا لمحمد (صلى اللّه عليه و آله) في علّيين، قال: فوثب إليه رجل من بني أسد يقال له: عبد اللّه بن بشر، فقال: أنا أوّل من يجيب إلى هذه الدعوة، ثم جعل يرتجز و يقول:
قد علم القوم إذا تواكلوا * * * و أحجم الفرسان إذ تناقلوا (1)
إني شجاع بطل مقاتل * * * كأنني ليث عرين باسل
ثم تبادر رجال الحيّ حتى التأم منهم تسعون رجلا فأقبلوا يريدون الحسين (عليه السّلام)، و خرج رجل في ذلك الوقت من الحيّ حتى صار إلى عمر بن سعد فأخبره بالحال، فدعا ابن سعد برجل من أصحابه يقال له: الأزرق، فضمّ إليه أربعمائة فارس و وجّه نحو حيّ بني أسد، فبينما اولئك القوم قد أقبلوا يريدون عسكر الحسين (عليه السّلام) في جوف الليل، إذا استقبلهم خيل ابن سعد على شاطئ الفرات، و بينهم و بين عسكر الحسين (عليه السّلام) اليسير، فناوش القوم بعضهم بعضا و اقتتلوا قتالا شديدا، و صاح حبيب ابن مظاهر الأسدي بالأزرق: ويلك مالك و مالنا انصرف عنّا، و دعنا يشقى بنا غيرك، فأبى الأزرق أن يرجع، و علمت بنو أسد أنّه لا طاقة لهم بالقوم، فانهزموا راجعين إلى حيّهم، ثمّ إنّهم ارتحلوا في جوف الليل خوفا من ابن سعد أن يبيّتهم (2)، و رجع حبيب بن مظاهر إلى الحسين (عليه السّلام) فخبّره بذلك فقال (عليه السّلام): لا حول و لا قوة إلّا باللّه.
قال: و رجعت خيل ابن سعد حتى نزلوا على شاطئ الفرات، فحالوا بين الحسين (عليه السّلام) و أصحابه و بين الماء. و أضرّ العطش بالحسين (عليه السّلام) و أصحابه، فأخذ الحسين (عليه السّلام) فأسا (قال:) و جاء إلى وراء خيمة النساء فخطا في الأرض تسع عشرة خطوة نحو القبلة ثمّ حفر هناك، فنبعت له عين من الماء العذب، فشرب الحسين (عليه السّلام) و شرب الناس بأجمعهم، و ملأوا أسقيتهم، ثم غارت العين فلم ير لها أثر، و بلغ ذلك ابن زياد فأرسل إلى عمر بن سعد: بلغني أنّ الحسين (عليه السّلام) يحفر الآبار، و يصيب الماء، فيشرب هو و أصحابه، فانظر إذا ورد عليك كتابي فامنعهم من حفر الآبار ما استطعت
____________
(1)- تناضلوا/ خ.
(2)- أي يصيبهم و يأخذهم بغتة في الليل.
243
أمر الأمير أن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه، أو نناجزكم، [ف] قال: فلا تعجلوا حتّى أرجع إلى أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فأعرض عليه ما ذكرتم، فوقفوا و قالوا: القه و أعلمه، ثمّ القنا بما يقول لك، فانصرف العباس راجعا يركض إلى الحسين (عليه السّلام) يخبره (ب) الخبر، و وقف أصحابه يخاطبون القوم، و يعظونهم و يكفّونهم عن قتال الحسين (عليه السّلام).
و جاء العباس إلى الحسين (عليه السّلام) و أخبره بما قال القوم، [ف] قال: ارجع إليهم، فإن استطعت أن تؤخّرهم إلى غد و تدفعهم عنّا العشيّة، لعلّنا نصلّي لربّنا الليلة و ندعوه و نستغفره، فهو يعلم أنّي قد كنت احبّ الصلاة له، و تلاوة كتابه، و كثرة الدعاء و الاستغفار.
فمضى العبّاس إلى القوم، و رجع من عندهم، و معه رسول من قبل عمر بن سعد يقول: إنّا قد أجّلناكم إلى غد، فإن استسلمتم سرّحنا بكم (1) إلى [أميرنا] عبيد اللّه بن زياد، و إن أبيتم فلسنا بتاركيكم فانصرف، و جمع الحسين (عليه السّلام) أصحابه عند قرب المساء.
قال عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السّلام): فدنوت منه لأسمع ما يقول لهم و أنا إذ ذاك مريض، فسمعت أبي يقول لأصحابه: اثني على اللّه أحسن الثناء، و أحمده على السرّاء و الضرّاء، اللّهم إنّي أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوّة، و علّمتنا القرآن، و فقّهتنا (و فهّمتنا) في الدين، و جعلت لنا أسماعا و أبصارا و أفئدة، فاجعلنا من الشاكرين.
أمّا بعد فإنّي لا أعلم أصحابا أوفى و لا خيرا من أصحابي، و لا أهل بيت أبرّ و (لا) أوصل من أهل بيتي، فجزاكم اللّه عنّي خيرا، ألا و إنّي لأظنّ (2) يوما لنا من هؤلاء، ألا و إنّي قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعا في حلّ ليس عليكم حرج منّي و لا ذمام (3)، هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملا.
فقال له إخوته و أبناؤه و بنو أخيه و ابنا عبد اللّه بن جعفر: لم نفعل ذلك؟ لنبقى
____________
(1)- في المصدر: سرّحناكم.
(2)- في المصدر: لا أظنّ.
(3)- في المصدر: من ذمام.
242
شمر: أخبرني ما أنت صانع، أ تمضي لأمر أميرك و تقاتل عدوّه؟ و إلّا فخلّ بيني (و بينه) و بين الجند و العسكر، قال: لا و لا كرامة لك، و لكن أنا أتولّى ذلك فدونك، فكن أنت على الرّجالة.
و نهض عمر بن سعد إلى الحسين (عليه السّلام) عشيّة [يوم] الخميس لتسع مضين من المحرّم و جاء شمر حتى وقف على أصحاب الحسين (عليه السّلام) فقال: أين بنو اختنا؟ فخرج إليه جعفر و العباس و عبد اللّه و عثمان بنو عليّ، فقالوا: ما تريد؟ فقال: أنتم يا بني اختي آمنون، فقال له الفتية (1): لعنك اللّه و لعن أمانك، أ تؤمننا و ابن رسول اللّه لا أمان له؟
ثمّ نادى عمر: يا خيل اللّه اركبي، و بالجنة أبشري! فركب الناس ثمّ زحف نحوهم بعد العصر، و الحسين (عليه السّلام) جالس أمام بيته، محتبئ بسيفه إذ خفق برأسه على ركبته (2)، و سمعت اخته الضجّة (3)، فدنت من أخيها و قالت: يا أخي أ ما تسمع هذه الأصوات قد اقتربت؟ فرفع الحسين (عليه السّلام) رأسه فقال: إنّي رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) الساعة في المنام، و هو يقول لي: إنّك تروح إلينا، فلطمت اخته وجهها و نادت بالويل، فقال لها الحسين (عليه السّلام): ليس لك الويل يا اخيّة (4)، اسكتي رحمك اللّه (5).
و في رواية السيد قال: يا اختاه إنّي رأيت الساعة جدّي محمدا و أبي عليا و امّي فاطمة و أخي الحسن و هم يقولون: يا حسين إنّك رائح إلينا عن قريب، و في بعض الروايات: غدا، قال: فلطمت زينب على وجهها و صاحت [و بكت]، فقال لها الحسين (عليه السّلام): مهلا لا تشمتي القوم بنا (6).
قال المفيد: فقال له العباس بن عليّ: يا أخي أتاك القوم، فنهض ثمّ قال:
[يا عباس] اركب [بنفسي] أنت يا أخي حتّى تلقاهم و تقول لهم: ما لكم؟ و ما بدا لكم؟ و تسألهم عمّا جاء بهم، فأتاهم العبّاس في نحو من عشرين فارسا، فيهم زهير بن القين، و حبيب بن مظاهر، فقال لهم العبّاس: ما بدا لكم و ما تريدون؟ قالوا: قد جاء
____________
(1)- في البحار: الفئة.
(2)- في المصدر و البحار: ركبتيه.
(3)- في البحار: الصيحة.
(4)- في البحار: يا اخته، و هو مخفف يا اختاه.
(5)- إرشاد المفيد ص 255 و البحار: 44/ 389.
(6)- اللهوف ص 38 و البحار: 44/ 39.
245
فكاك ابنك فقال: أكلتني السباع حيّا إن فارقتك، قال: فأعط ابنك هذه الأثواب [و] البرود يستعين بها في فداء أخيه، فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار.
قال: و بات الحسين (عليه السّلام) و أصحابه تلك الليلة، و لهم دويّ كدويّ النحل، ما بين راكع و ساجد، و قائم و قاعد، فعبر إليهم (1) في تلك الليلة من عسكر عمر بن سعد اثنان و ثلاثون رجلا.
فلما كان الغداة أمر الحسين (عليه السّلام) بفسطاط [ه] فضرب، و أمر بجفنة فيها مسك كثير، فجعل فيها (2) نورة ثمّ دخل ليطلي، فروي أنّ برير بن خضير الهمدانيّ و عبد الرحمن ابن عبد ربّه الأنصاريّ، وقفا على باب الفسطاط ليطليا [بعده]، فجعل برير يضاحك عبد الرحمن، فقال له عبد الرحمن: يا برير أ تضحك؟ ما هذه ساعة [ضحك و لا] باطل، فقال برير: لقد علم قومي أنّني ما أحببت الباطل كهلا و لا شابا، و إنّما أفعل ذلك استبشارا بما نصير إليه، فو اللّه ما هو إلا أن نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا، نعالجهم [بها] ساعة ثم نعانق الحور العين (3).
رجعنا إلى رواية المفيد، قال: قال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): إنّي جالس في تلك اللّيلة (4) التي قتل أبي في صبيحتها، و عندي عمتي زينب تمرّضني إذ اعتزل أبي في خباء له، و عنده فلان (5) مولى أبي ذر الغفاريّ و هو يعالج سيفه و يصلحه، و أبي يقول:
يا دهر افّ لك من خليل * * * كم لك بالاشراق و الأصيل
من صاحب [أ] و طالب قتيل * * * و الدّهر لا يقنع بالبديل
و إنما الأمر إلى الجليل * * * و كل حيّ سالك سبيلي
فأعادها مرتين أو ثلاثا، حتّى فهمتها و علمت (6) ما أراد فخنقتني العبرة فرددتها و لزمت السكوت، و علمت أنّ البلاء قد نزل، و أمّا عمتي (زينب) فلمّا سمعت ما سمعت و هي امرأة و من شأن النساء الرقّة و الجزع، فلم تملك نفسها أن و ثبت تجرّ
____________
(1)- في المصدر و إحدى نسختي الأصل: عليهم.
(2)- في المصدر: عندها.
(3)- اللهوف ص 39 و البحار: 44/ 394 و ج 45/ 1.
(4)- في المصدر: العشية.
(5)- جون/ خ، و في المصدر: جوين.
(6)- في المصدر: و عرفت.
244
بعدك؟ لا أرانا اللّه ذلك أبدا، بدأهم بهذا القول العبّاس بن عليّ و اتّبعته الجماعة عليه فتكلّموا بمثله و نحوه، فقال الحسين (عليه السّلام): يا بني عقيل حسبكم من القتل بمسلم بن عقيل فاذهبوا أنتم فقد أذنت لكم، فقالوا: سبحان اللّه! [ف] ما نقول للناس (1)؟ نقول (2):
إنّا تركنا شيخنا و سيّدنا و بني عمومتنا خير الأعمام، و لم نرم معهم بسهم و لم نطعن معهم برمح، و لم نضرب معهم بسيف، و لا ندري ما صنعوا، لا و اللّه ما نفعل [ذلك] و لكن نفديك بأنفسنا و أموالنا و أهلنا، و نقاتل معك حتّى نرد موردك، فقبّح اللّه العيش بعدك.
و قام إليه مسلم بن عوسجة، فقال: أ نحن نخلّي عنك، و بما نعتذر إلى اللّه في أداء حقك؟ لا (3) و اللّه حتّى أطعن في صدورهم برمحي، و أضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، و لو لم يكن معي سلاح اقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة، (لا) و اللّه لا نخلّيك حتّى يعلم اللّه أنّا قد حفظنا غيبة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فيك، أما و اللّه لو [قد] علمت أنّي اقتل ثم احيا ثمّ احرق ثم احيا ثم اذرى، يفعل بي ذلك سبعين مرّة، ما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك و إنّما هي قتلة واحدة، ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا.
و قام زهير بن القين (ره) فقال: [و اللّه] لوددت أنّي قتلت ثمّ نشرت ثمّ قتلت، حتّى اقتل هكذا ألف مرّة، و إنّ اللّه يدفع بذلك القتل عن نفسك و عن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك.
و تكلم جماعة [من] أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا في وجه واحد، فجزّاهم الحسين (عليه السّلام) خيرا، و انصرف إلى مضربه (4).
و قال السيد (ره): و قيل لمحمد بن بشر (5) الحضرميّ في تلك الحال: قد اسر ابنك بثغر الرّي، فقال: عند اللّه أحتسبه و نفسي، ما [كنت] احبّ أن يؤسر و أنا أبقى بعده، فسمع الحسين (عليه السّلام) قوله، فقال: رحمك اللّه أنت في حلّ من بيعتي فاعمل في
____________
(1)- في المصدر و البحار و إحدى نسختي الأصل: ما يقول الناس.
(2)- في المصدر: يقولون.
(3)- في المصدر: أما.
(4)- إرشاد المفيد ص 257 و البحار: 44/ 391.
(5)- في المصدر: بشير.
246
ثوبها و هي حاسرة حتّى انتهت إليه، و قالت: وا ثكلاه ليت الموت أعد مني الحياة، اليوم ماتت امّي فاطمة، و أبي عليّ و أخي الحسن، يا خليفة الماضي و ثمال الباقي (1)، فنظر إليها الحسين (عليه السّلام) و قال لها: يا اخيّة لا يذهبنّ حلمك الشيطان! و ترقرقت عيناه بالدموع، و قال: لو ترك القطا [ليلا] (2) لنام، فقالت: يا ويلتا [ه] أ فتغتصب نفسك اغتصابا؟
فذلك أقرح لقلبي و أشد على نفسي، ثمّ لطمت وجهها، و هوت إلى جيبها و شقّته و خرّت مغشيا عليها.
فقام إليها الحسين (عليه السّلام) فصبّ على وجهها الماء و قال لها: [إيه] (3) يا اختاه اتقي اللّه و تعزّي بعزاء اللّه، و اعلمي أنّ أهل الأرض يموتون، و أهل السماء لا يبقون، و إنّ كلّ شيء هالك إلّا وجه اللّه تعالى، الّذي خلق الخلق بقدرته، و يبعث الخلق و يعودون (4) (إليه)، و هو فرد وحده، (جدّي خير منّي) و أبي خير مني و امّي خير منّي و أخي خير منّي، و لي و لكلّ مسلم برسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) اسوة، فعزّاها بهذا و نحوه، و قال لها: يا اختاه إنّي أقسمت عليك فأبرّي قسمي، لا تشقّي عليّ جيبا، و لا تخمشي عليّ وجها، و لا تدعي عليّ بالويل و الثبور إذا أنا هلكت، ثمّ جاء بها حتّى أجلسها عندي. (5)
ثمّ خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقرّب (6) بعضهم بيوتهم من بعض، و أن يدخلوا الأطناب بعضها في (7) بعض، و أن يكونوا بين البيوت فيستقبلون (8) القوم من (9) وجه واحد و البيوت من ورائهم، و عن أيمانهم، و عن شمائلهم، قد حفت بهم، إلّا الوجه الذي يأتيهم منه عدوّهم، و رجع (عليه السّلام) إلى مكانه فقام ليلته كلّها يصلّي و يستغفر و يدعو
____________
(1)- في المصدر: يا خليفة الماضين و ثمال الباقين، و الثّمال- بالكسر- الملجأ و الغياث. «النهاية ج 1 ص 222».
(2)- القطا: طائر معروف في حجم الحمام، و هذا مثل يضرب لمن حمل على مكروه من غير إرادته، و قيل غير ذلك. راجع مجمع الأمثال للميداني ج 2 ص 174 تحت الرقم 3230.
(3)- في المصدر: إيها.
(4)- في المصدر: و يعيدهم.
(5)- في المصدر: عنده.
(6)- في البحار: يقرن.
(7)- في المصدر: من.
(8)- في الأصل: فيقتلون، و في البحار: فيقبلوا.
(9)- في البحار: في.
247
و قام أصحابه كذلك يصلّون و يدعون و يستغفرون (1).
و قال في المناقب: فلمّا كان وقت السّحر خفق الحسين (عليه السّلام) برأسه خفقة ثمّ استيقظ فقال: أ تعلمون ما رأيت في منامي السّاعة؟ فقالوا: و ما الّذي رأيت يا بن رسول اللّه؟ فقال: رأيت كأنّ كلابا قد شدّت عليّ لتنهشني و فيها كلب أبقع رأيته أشدّها عليّ، و أظنّ أنّ الّذي يتولى قتلي رجل أبرص من بين هؤلاء القوم، ثمّ إنّي رأيت بعد ذلك جدّي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و معه جماعة من أصحابه و هو يقول لي: يا بنيّ أنت شهيد آل محمّد (صلى اللّه عليه و آله)، و قد استبشر بك أهل السماوات و أهل الصفيح الأعلى، فليكن إفطارك عندي الليلة، عجّل و لا تؤخّر فهذا ملك قد نزل من السّماء ليأخذ دمك في قارورة خضراء، فهذا ما رأيت و قد أنف (2) الأمر، و اقترب الرحيل من هذه الدنيا، لا شك في ذلك (3).
و قال المفيد: قال الضحّاك بن عبد اللّه: و مرّت بنا خيل لابن سعد تحرسنا، و إنّ حسينا ليقرأ: «وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ. ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ» (4) فسمعها من تلك الخيل رجل يقال له:
عبد اللّه بن سمير و كان مضحاكا و كان شجاعا بطلا فارسا شريفا فاتكا، فقال: نحن و ربّ الكعبة الطيّبون ميّزنا بكم (5)، فقال له برير بن خضير: يا فاسق أنت يجعلك اللّه من الطيّبين؟ فقال له: من أنت ويلك؟ قال: أنا برير بن خضير فتسابّا.
و أصبح الحسين (عليه السّلام) فعبّأ أصحابه بعد صلاة الغداة، و كان معه اثنان و ثلاثون فارسا و أربعون راجلا (6).
____________
(1)- إرشاد المفيد ص 259 و البحار: 45/ 1.
(2)- قال الأزهري: استأنفت الشيء إذا ابتدأته، و فعلت الشيء آنفا، أي في أول وقت يقرب مني «النهاية ج 1 ص 76».
(3)- البحار: 45/ 3.
(4)- آل عمران: 178، 179.
(5)- في المصدر و إحدى نسختي الأصل: منكم.
(6)- إرشاد المفيد ص 260 و البحار: 45/ 3.
248
و قال محمّد بن أبي طالب: و في رواية اخرى اثنان و ثمانون راجلا.
و قال السيّد: روي عن الباقر (عليه السّلام) إنّهم كانوا خمسة و أربعين فارسا و مائة راجل. و كذا قال ابن نما. (1)
و قال المفيد (ره): فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه، و حبيب بن مظاهر في ميسرة أصحابه، و أعطى رايته العبّاس أخاه، و جعلوا البيوت في ظهورهم، و أمر بحطب و قصب كان من وراء البيوت أن يترك في خندق كان قد حفر هناك، و أن يحرق بالنار، مخافة أن يأتوهم من ورائهم.
و أصبح عمر بن سعد في ذلك اليوم، و هو يوم الجمعة، و قيل يوم السبت، فعبّأ أصحابه و خرج فيمن معه من الناس نحو الحسين (عليه السّلام)، و كان على ميمنته عمرو بن الحجّاج، و على ميسرته شمر بن ذي الجوشن، و على الخيل عروة بن قيس، و على الرجّالة شبث بن ربعيّ، و أعطى الراية دريدا مولاه. (2)
و قال محمّد بن أبي طالب: و كانوا نيّفا على اثنين و عشرين ألفا، و في رواية عن الصادق (عليه السّلام): ثلاثين الفا.
و قال المفيد: و روي عن عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) أنّه قال: لمّا أصبحت الخيل تقبل على الحسين (عليه السّلام) رفع يديه و قال: اللّهمّ أنت ثقتي في كلّ كرب و [أنت] رجائي في كلّ شدة، و أنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة و عدّة، كم من كرب (3) يضاعف عنه (4) الفؤاد، و تقلّ فيه الحيلة، و يخذل فيه الصديق، و يشمت (به) (5) العدوّ، أنزلته بك، و شكوته إليك رغبة منّي إليك عمّن سواك، ففرّجته [عنّي] و كشفته، فأنت وليّ كلّ نعمة، و صاحب كلّ حسنة، و منتهى كلّ رغبة.
قال: فأقبل القوم يجولون حول بيت (6) الحسين (عليه السّلام)، فيرون الخندق في ظهورهم و النار تضطرم في الحطب و القصب الّذي كان القي فيه، فنادى شمر بن ذي
____________
(1)- اللهوف ص 42، مثير الاحزان ص 54 و البحار: 45/ 4.
(2)- ارشاد المفيد ص 260 و البحار: 45/ 4.
(3)- في المصدر: همّ.
(4)- في المصدر: فيه.
(5)- في المصدر: فيه.
(6)- في المصدر: بيوت.
249
الجوشن بأعلى صوته: يا حسين أ تعجّلت بالنار قبل يوم القيامة؟ فقال الحسين (عليه السّلام):
من هذا كأنّه شمر بن ذي الجوشن؟ فقالوا [له]: نعم، فقال: يا ابن راعية المعز [ى] أنت أولى بها صليّا، و رام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم فمنعه الحسين (عليه السّلام) من ذلك فقال له: دعني حتى أرميه، فإنّ (1) الفاسق من أعداء اللّه و عظماء الجبّارين، و قد أمكن اللّه منه، فقال له الحسين (عليه السّلام): لا ترمه فإنّي أكره أن أبدأهم بقتال (2).
و قال محمّد بن أبي طالب: و ركب أصحاب عمر بن سعد لعنه اللّه، فقرّب إلى الحسين (عليه السّلام) فرسه فاستوى عليه، و تقدّم نحو القوم في نفر من أصحابه، و بين يديه برير بن خضير، فقال له الحسين (عليه السّلام): كلّم القوم، فتقدّم برير، فقال: يا قوم اتّقوا اللّه فإنّ ثقل محمّد (صلى اللّه عليه و آله) قد أصبح بين أظهركم، هؤلاء ذريّته و عترته و بناته و حرمه، فهاتوا ما عندكم و ما الّذي تريدون أن تصنعوا بهم؟ فقالوا: نريد أن نمكّن منهم الأمير ابن زياد، فيرى رأيه فيهم، فقال لهم (3) برير: أ فلا تقبلون منهم أن يرجعوا إلى المكان الذي جاءوا منه؟ ويلكم يا أهل الكوفة أنسيتم كتبكم و عهودكم الّتي أعطيتموها و أشهدتم اللّه عليها؟ يا ويلكم أ دعوتم أهل بيت نبيّكم و زعمتم أنكم تقتلون أنفسكم دونهم، حتى إذا أتوكم أسلمتموهم إلى ابن زياد، و حلّأتموهم (4) عن ماء الفرات؟ بئس ما خلّفتم نبيّكم في ذريّته، ما لكم لا سقاكم اللّه يوم القيامة، فبئس القوم أنتم.
فقال له نفر منهم: يا هذا ما ندري ما تقول؟ فقال برير: الحمد للّه الذي زادني فيكم بصيرة، اللّهمّ إنّي أبرأ إليك من فعال هؤلاء القوم، اللّهمّ ألق بأسهم بينهم، حتى يلقوك و أنت عليهم غضبان، فجعل القوم يرمونه بالسّهام، فرجع برير إلى ورائه.
و تقدّم الحسين (عليه السّلام) حتّى وقف بإزاء القوم، فجعل ينظر إلى صفوفهم كأنّهم السيل، و نظر إلى ابن سعد واقفا في صناديد الكوفة، فقال: الحمد للّه الّذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء و زوال، متصرّفة بأهلها حالا بعد حال، فالمغرور من غرّته و الشقيّ من فتنته، فلا تغرنّكم هذه الدنيا، فإنّها تقطع رجاء من ركن إليها، و تخيّب طمع من طمع
____________
(1)- في المصدر: فإنه.
(2)- إرشاد المفيد ص 261 و البحار: 45/ 4.
(3)- في الأصل: له.
(4)- أي منعتموهم.
251
أقول و هو الحقّ، و اللّه ما تعمّدت كذبا منذ علمت أنّ اللّه يمقت عليه أهله، و إن كذّبتموني فإنّ فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم، اسألوا جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ، و أبا سعيد الخدريّ، و سهل بن سعد الساعديّ، و زيد بن أرقم، و أنس بن مالك، يخبرونكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لي و لأخي، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟
فقال له شمر بن ذي الجوشن: هو يعبد اللّه على حرف إن كان يدري ما يقول (1)، فقال له حبيب بن مظاهر: و اللّه إنّي لأراك تعبد اللّه على سبعين حرفا، و أنا أشهد أنّك صادق ما تدري ما يقول، قد طبع اللّه على قلبك.
ثم قال لهم الحسين (عليه السّلام): فإن كنتم في شكّ من هذا، أ فتشكّون أنّي ابن بنت نبيّكم؟ فو اللّه ما بين المشرق و المغرب ابن بنت نبيّ غيري فيكم و لا في غيركم، و يحكم أ تطلبوني بقتيل منكم قتلته؟ أو مال لكم استهلكته؟ أو بقصاص [من] جراحة؟
فأخذوا لا يكلّمونه، فنادى: يا شبث بن ربعي، [و] يا حجّار بن أبجر، [و] يا قيس بن الأشعث، [و] يا يزيد بن الحارث أ لم تكتبوا إليّ أن قد أينعت الثمار، و اخضرّ الجناب، و إنّما تقدم على جند لك مجنّد (ة)؟ فقال له قيس بن الأشعث: ما ندري ما تقول و لكن انزل على حكم بني عمّك، فإنّهم لن (2) يروك إلّا ما تحبّ، فقال لهم الحسين (عليه السّلام):
لا و اللّه لا اعطيكم بيدي إعطاء الذليل و لا اقرّ لكم إقرار العبيد (3).
ثمّ نادى: يا عباد اللّه إنّي عذت بربّي و ربّكم أن ترجمون، و أعوذ بربّي و ربّكم من كلّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب، ثمّ إنّه أناخ راحلته و أمر عاقبة بن سمعان بعقلها، فأقبلوا يزحفون نحوه (4).
و في المناقب: روى بإسناده، عن عبد اللّه بن محمد بن سليمان بن عبد اللّه بن الحسن، عن أبيه، عن جدّه، عن عبد اللّه قال: لمّا عبّأ عمر بن سعد أصحابه لمحاربة الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) و رتّبهم مراتبهم، و أقام الرايات في مواضعها، و عبّأ أصحاب
____________
(1)- في البحار و إحدى نسختي الأصل: ما تقول.
(2)- في المصدر: لم.
(3)- في المصدر: و لا أفرّ فرار العبيد.
(4)- إرشاد المفيد: ص 261 و البحار: 45/ 6.
252
الميمنة و الميسرة، فقال لأصحاب القلب: اثبتوا. و أحاطوا بالحسين (عليه السّلام) من كلّ جانب حتى جعلوه في مثل الحلقة، فخرج حتّى أتى الناس فاستنصتهم فأبوا أن ينصتوا حتّى قال لهم: ويلكم ما عليكم أن تنصتوا إليّ فتسمعوا قولي، و إنّما أدعوكم إلى سبيل الرشاد، فمن أطاعني كان من المرشدين، و من عصاني كان من المهلكين، و كلّكم عاص لأمري غير مستمع قولي، فقد ملئت بطونكم من الحرام، و طبع على قلوبكم، ويلكم أ لا تنصتون؟ أ لا تسمعون؟ فتلاوم أصحاب عمر بن سعد بينهم و قالوا:
انصتوا له.
فقام الحسين (عليه السّلام) فقال: تبّا لكم أيّتها الجماعة و ترحا، أ فحين استصرختمونا ولهين متحيّرين فأصرختكم مؤدّين مستعدّين، سللتم علينا سيفا في رقابنا، و حششتم علينا نار الفتن جناها (1) عدوّكم و عدوّنا فأصبحتم إلبا على أوليائكم، و يدا عليهم لأعدائكم، بغير عدل أفشوه فيكم، و لا أمل أصبح لكم فيهم، إلّا الحرام من الدنيا أنالوكم، و خسيس عيش طمعتم فيه، من غير حدث كان منّا، و لا رأي تفيل لنا.
فهلّا- لكم الويلات- إذ كرهتمونا و تركتمونا، تجهّزتمونا (2) و السيف لم يشهر، و الجاش طامن، و الرأي لم يستحصف (3)، و لكن أسرعتم علينا كطيرة الذباب، و تداعيتم كتداعي الفراش، فقبحا لكم، فإنّما أنتم من طواغيت الامّة، و شذاذ الأحزاب، و نبذة الكتاب، و نفثة الشيطان، و عصبة الآثام، و محرّفي الكتاب، و مطفئ السنن، و قتلة أولاد الأنبياء، و مبيري عترة الأوصياء، و ملحقي العهار بالنسب، و مؤذي المؤمنين، و صراخ أئمّة المستهزئين، الذين جعلوا القرآن عضين.
و أنتم ابن حرب و أشياعه تعتمدون، و إيّانا تخاذلون، أجل و اللّه الخذل فيكم معروف، و شجت عليه عروقكم، و توارثته اصولكم و فروعكم، و ثبتت عليه قلوبكم، و غشيت صدوركم، فكنتم أخبث شيء سنخا (4) للناصب و اكلة للغاصب، ألا لعنة اللّه على الناكثين الذين ينقضون الأيمان بعد توكيدها، و قد جعلتم اللّه عليكم كفيلا فأنتم
____________
(1)- في البحار و إحدى نسختي الاصل: خباها.
(2)- في البحار: تجهّزتموها.
(3)- في نسختي الاصل: يستصحف، يستصحف.
(4)- في الأصل: سخنا.
250
فيها، و أراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم اللّه فيه عليكم، و أعرض بوجهه الكريم عنكم، و أحلّ بكم نقمته، و جنّبكم رحمته، فنعم الربّ ربّنا، و بئس العبد أنتم، أقررتم بالطاعة، و آمنتم بالرسول محمّد (صلى اللّه عليه و آله) ثمّ إنّكم زحفتم إلى ذريّته و عترته تريدون قتلهم، لقد استحوذ عليكم الشيطان، فأنساكم ذكر اللّه العظيم، فتبّا لكم و لما تريدون، إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبعدا للقوم الظالمين.
فقال عمر: ويلكم كلّموه فإنّه ابن أبيه، و اللّه لو وقف فيكم هكذا يوما جديدا لما انقطع و لما حصر، فكلّموه، فتقدّم شمر لعنه اللّه فقال: يا حسين ما هذا الّذي تقول؟
أفهمنا حتى نفهم، فقال: أقول: اتّقوا اللّه ربّكم و لا تقتلوني، فإنّه لا يحلّ لكم قتلي، و لا انتهاك حرمتي، فإنّي ابن بنت نبيّكم و جدّتي خديجة زوجة نبيّكم، و لعلّه قد بلغكم قول نبيّكم (صلى اللّه عليه و آله): «الحسن و الحسين سيّدا شباب أهل الجنّة» إلى آخر ما سيأتي برواية المفيد (1).
و قال المفيد: و دعا الحسين (عليه السّلام) براحلته فركبها و نادى بأعلى صوته: يا أهل العراق- و جلّهم يسمعون- فقال: أيّها الناس اسمعوا قولي و لا تعجلوا حتّى أعظكم بما يحقّ لكم عليّ، و حتّى أعذر إليكم (2)، فإن أعطيتموني النصف، كنتم بذلك أسعد، و إن لم تعطوني النصف من أنفسكم فاجمعوا رأيكم، ثمّ لا يكن أمركم عليكم غمّة، ثم اقضوا إليّ و لا تنظرون إنّ وليّي اللّه الّذي نزّل الكتاب، و هو يتولّى الصالحين.
ثمّ حمد اللّه و أثنى عليه، و ذكر اللّه بما هو أهله، و صلّى على النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و على ملائكته و على أنبيائه، فلم يسمع متكلّم قط قبله و لا بعده أبلغ منه في منطق.
ثمّ قال: أمّا بعد فانسبوني، فانظروا من أنا، ثمّ راجعوا أنفسكم و عاتبوها، فانظروا هل يصالح لكم قتلي و انتهاك حرمتي؟ أ لست ابن (بنت) نبيّكم، و ابن وصيّه و ابن عمّه، و أوّل مؤمن مصدّق (3) لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بما جاء به من عند ربّه؟ أو ليس حمزة سيد الشهداء عمّي؟ أو ليس جعفر الطيّار في الجنّة بجناحين عمّي؟ أ و لم يبلغكم ما قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لي و لأخي: هذان سيّدا شباب أهل الجنّة؟ فإن صدّقتموني بما
____________
(1)- البحار: 45/ 5.
(2)- في البحار: عليكم.
(3)- في المصدر: المؤمنين المصدّق.
253
و اللّه هم.
ألا إنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين بين القلّة و الذلّة، و هيهات ما آخذ الدنيّة، أبى اللّه ذلك و رسوله، و جدود طابت، و حجور طهرت، و انوف حميّة، و نفوس أبيّة، لا تؤثر مصارع اللئام على مصارع الكرام، ألا قد أعذرت و أنذرت، ألا إنّي زاحف بهذه الاسرة، على قلّة العتاد، و خذلة الأصحاب، ثم أنشأ يقول:
فإن نهزم فهزّامون قدما * * * و إن نهزم فغير مهزّمينا
و ما إن طبّنا جبن و لكن * * * منايانا و دولة آخرينا
ألا! ثمّ لا تلبثون بعدها إلّا كريث ما يركب الفرس، حتّى تدور بكم (دور) الرحى، عهد عهده إليّ أبي عن جدّي، فأجمعوا أمركم و شركاء كم تم كيدوني جميعا فلا تنظرون، إنّي توكّلت على اللّه ربّي و ربّكم ما من دابّة إلّا هو آخذ بناصيتها إنّ ربّي على صراط مستقيم، اللّهمّ احبس عنهم قطر السماء و ابعث عليهم سنين كسنيّ يوسف، و سلّط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأسا مصبّرة، و لا يدع فيهم أحدا إلّا [قتله] بقتلة و ضربة بضربة، ينتقم لي و لأوليائي و لأهل بيتي و أشياعي منهم، فإنّهم غرّونا و كذبونا و خذلونا، و أنت ربّنا عليك توكّلنا و إليك أنبنا و إليك المصير.
ثمّ قال: أين عمر بن سعد؟ ادعوا لي عمر! فدعي له، و كان كارها لا يحبّ أن يأتيه، فقال: يا عمر أنت تقتلني؟ تزعم أن يولّيك الدّعيّ ابن الدعيّ بلاد الريّ و جرجان، و اللّه لا تتهنّأ بذلك أبدا، عهدا معهودا، فاصنع ما أنت صانع، فإنّك لا تفرح بعدي بدنيا و لا آخرة، و لكأنّي برأسك على قصبة قد نصب بالكوفة، يتراماه الصبيان و يتّخذونه غرضا بينهم.
فاغتاظ عمر من كلامه، ثمّ صرف بوجهه عنه و نادى بأصحابه: ما تنتظرون به؟ احملوا بأجمعكم إنّما هي اكلة واحدة، ثمّ إنّ الحسين (عليه السّلام) دعا بفرس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) المرتجز فركبه، و عبّأ أصحابه (1).
أقول: قد روى الخطبة في تحف العقول نحوا ممّا مرّ، و رواه السيّد بتغيير
____________
(1)- البحار: 45/ 8.
255
فاستقدم أمام الحسين (عليه السّلام) فقال: يا أهل الكوفة لامّكم الهبل و العبر، أ دعوتم هذا العبد الصالح حتّى إذا أتاكم (1) أسلمتموه؟ و زعمتم أنّكم قاتلوا أنفسكم دونه، ثمّ عدوتم عليه لتقتلوه، [و] أمسكتم بنفسه، و أخذتم بكلكله (2)، و أحطتم به من كلّ جانب لتمنعوه من التوجّه إلى (3) بلاد اللّه العريضة، فصار كالأسير في أيديكم، لا يملك لنفسه نفعا، و لا يدفع عنها ضرّا، و حلأتموه و نساءه و صبيته و أهله عن (4) ماء الفرات الجاري، تشربه اليهود و النصارى و المجوس، و تمرغ فيه خنازير السواد و كلابهم، و ها هم قد صرعهم العطش، بئسما خلفتم محمّدا (صلى اللّه عليه و آله) في ذرّيّته، لا سقاكم اللّه يوم الظمأ.
فحمل عليه رجال يرمونه بالنبل، فأقبل حتّى وقف أمام الحسين (عليه السّلام)، و نادى عمر بن سعد: يا دريد أدن رايتك، فأدناها، ثمّ وضع سهما (5) في كبد قوسه ثمّ رمى و قال: اشهدوا أنّي أوّل من رمى الناس. (6)
و قال محمّد بن أبي طالب: فرمى أصحابه كلّهم فما بقي من أصحاب الحسين (عليه السّلام) إلّا أصابه (سهم) من سهامهم، قيل: فلمّا رموهم هذه الرمية، قلّ أصحاب الحسين (عليه السّلام) و قتل في هذه الحملة خمسون رجلا (7).
و قال السيد (ره): فقال (عليه السّلام) لأصحابه: قوموا رحمكم اللّه إلى الموت الذي لا بدّ منه فإنّ هذه السهام رسل القوم إليكم، فاقتتلوا ساعة من النهار حملة و حملة، حتّى قتل من أصحاب الحسين (عليه السّلام) جماعة، قال: فعندها ضرب الحسين (عليه السّلام) يده على (8) لحيته و جعل يقول: اشتدّ غضب اللّه على اليهود إذ جعلوا له ولدا، و اشتدّ غضبه على النصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة، و اشتدّ غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس و القمر دونه، و اشتدّ غضبه على قوم اتّفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيّهم، أما و اللّه لا اجيبهم إلى شيء ممّا يريدون حتى ألقى اللّه تعالى و أنا مخضّب بدمي.
____________
(1)- في المصدر: جاءكم.
(2)- في المصدر: بكظمه.
(3)- في المصدر: في.
(4)- في الأصل: من.
(5)- في المصدر: سهمه.
(6)- إرشاد المفيد ص 263 و البحار: 45/ 10.
(7)- البحار: 45/ 12.
(8)- في المصدر: بيده إلى.
254
و اختصار و ستأتي برواية الاحتجاج أيضا (1).
ثمّ قال المفيد (ره): فلمّا رأى الحرّ بن يزيد أنّ القوم قد صمّموا على قتال الحسين (عليه السّلام) قال لعمر بن سعد: أي عمر أ مقاتل أنت هذا الرجل؟ قال: إي و اللّه قتالا شديدا أيسره أن تسقط الرءوس، و تطيح الأيدي، قال: أ فما لكم فيما عرضه عليكم رضى، قال عمر: أما لو كان الأمر إليّ لفعلت، و لكن أميرك قد أبى، فأقبل الحرّ حتّى وقف من الناس موقفا و معه رجل من قومه يقال له: قرّة بن قيس، فقال له: يا قرّة هل سقيت فرسك اليوم؟ قالا: لا، قال: فما تريد أن تسقيه؟ قال قرّة: فظننت و اللّه أنّه يريد أن يتنحّى و لا يشهد القتال، فكره أن أراه حين يصنع ذلك، فقلت له: لم اسقه و أنا منطلق فأسقيه فاعتزل ذلك المكان الذي كان فيه، فو اللّه لو أنّه أطلعني على الذي يريد لخرجت معه الى الحسين (عليه السّلام).
فأخذ يدنو من الحسين (عليه السّلام) قليلا قليلا، فقال له المهاجر بن أوس: ما تريد يا ابن يزيد؟ أ تريد أن تحمل؟ فلم يجبه فأخذه مثل الأفكل و هي الرعدة، فقال له المهاجر: إنّ أمرك لمريب، و اللّه ما رأيت منك في موقف قطّ مثل هذا، و لو قيل لي: من أشجع [أهل] الكوفة؟ لما عدوتك، فما هذا الذي أرى منك؟ فقال له الحرّ: إنّي و اللّه اخيّر نفسي بين الجنّة و النار، فو اللّه لا أختار على الجنّة شيئا و لو قطّعت و احرقت.
ثمّ ضرب فرسه فلحق (ب) الحسين (عليه السّلام) فقال له: جعلت فداك يا بن رسول اللّه، أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع، و سايرتك في الطريق، و جعجعت بك في هذا المكان، و ما ظننت أنّ القوم يردّون عليك ما عرضته عليهم، و لا يبلغون منك هذه المنزلة، و اللّه لو علمت أنّهم ينتهون بك إلى ما أرى ما ركبت مثل الذي ركبت، و أنا تائب إلى اللّه ممّا صنعت، فترى لي من ذلك توبة؟ فقال له الحسين (عليه السّلام): نعم يتوب اللّه عليك فانزل، فقال: أنا لك فارسا خير منّي راجلا، اقاتلهم [لك] على فرسي ساعة، و إلى النزول [ما] يصير آخر أمري، فقال له الحسين (عليه السّلام): فاصنع يرحمك اللّه ما بدا لك.
____________
(1)- تحف العقول ص 240 و اللهوف ص 40.
256
و روي عن مولانا الصادق (عليه السّلام) أنّه قال: سمعت أبي يقول: لمّا التقى الحسين (عليه السّلام) و عمر بن سعد لعنه اللّه و قامت الحرب، انزل النصر حتّى رفرف على رأس الحسين (عليه السّلام)، ثمّ خيّر بين النصر على أعدائه و بين لقاء اللّه، فاختار لقاء اللّه تعالى.
قال الراوي: ثمّ صاح (عليه السّلام) أ ما من مغيث يغيثنا لوجه اللّه، أ ما من ذابّ يذبّ عن حرم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) (1).
و قال المفيد: و تبارزوا فبرز يسار مولى زياد بن أبي سفيان و برز إليه عبد اللّه ابن عمير، فقال له يسار: من أنت؟ فانتسب له، فقال (له): لست أعرفك «حتّى يخرج» (2) إليّ زهير بن القين أو حبيب بن مظاهر، فقال له عبد اللّه بن عمير: يا ابن الفاعلة و بك رغبة عن (3) مبارزة أحد من الناس، ثمّ شدّ عليه فضربه بسيفه حتّى برد (ه) (4)، و إنّه لمشغول بضربه إذ شدّ عليه سالم مولى عبيد اللّه بن زياد، فصاحوا به:
قد رهقك العبد فلم يشعر (به) حتّى غشيه، فبدره بضربة اتّقاها ابن عمير بيده اليسرى فأطارت أصابع كفّه، ثم شدّ عليه فضربه حتّى قتله، و أقبل و قد قتلهما جميعا و هو يرتجز و يقول:
إن تنكروني فأنا ابن [ال] كلب * * * أنا امرؤ ذو مرّة و عصب (5)
و لست بالخوّار عند النكب
و حمل عمرو بن الحجّاج على ميمنة أصحاب الحسين (عليه السّلام) فيمن كان معه من أهل الكوفة، فلمّا دنا من الحسين (عليه السّلام) جثوا له على الركب و أشرعوا الرماح نحوهم، فلم تقدم خيلهم على الرماح فذهبت الخيل لترجع، فرشقهم أصحاب الحسين (عليه السّلام) بالنبل، فصرعوا منهم رجالا و جرحوا منهم آخرين.
جاء رجل من بني تميم يقال له: عبد اللّه بن خوزة (6) فأقدم على عسكر
____________
(1)- اللهوف ص 42 و البحار: 45/ 12.
(2)- في المصدر: ليخرج.
(3)- في المصدر: من.
(4)- برد أي مات «النهاية ج 1 ص 115».
(5)- في الأصل: غضب، و في المصدر: عضب.
(6)- في المصدر: حوزة.
257
الحسين (عليه السّلام)، فناداه القوم: إلى أين (يا ابن خوزة) ثكلتك امّك؟ فقال: إنّي أقدم على ربّ رحيم و شفيع مطاع، فقال الحسين (عليه السّلام) لأصحابه: من هذا؟ فقيل له: هذا ابن خوزة (1) التميميّ، فقال: اللّهمّ جرّه (2) إلى النار، فاضطرب به فرسه في جدول فوقع و تعلّقت رجله اليسرى في الركاب و ارتفعت اليمنى، و شدّ عليه مسلم بن عوسجة فضرب رجله اليمنى فطارت (3) وعدا به فرسه فضرب برأسه كلّ حجر و كلّ شجر (4)، حتّى مات و عجّل اللّه بروحه إلى النار، و نشب القتال فقتل من الجميع جماعة (5).
و قال محمّد بن أبي طالب و صاحب المناقب و ابن الأثير في الكامل و رواياتهم متقاربة: إنّ الحرّ أتى الحسين (عليه السّلام) فقال: يا ابن رسول اللّه كنت أوّل خارج عليك فأذن لي لأكون أوّل قتيل بين يديك، و أوّل من يصافح جدّك غدا، و إنّما قال الحرّ: لأكون أوّل قتيل بين يديك و المعنى يكون أوّل قتيل من المبارزين و إلّا فإنّ جماعة كانوا قد قتلوا في الحملة الاولى كما ذكر، فكان أوّل من تقدّم إلى براز القوم، و جعل ينشد و يقول:
إنّي أنا الحرّ و مأوى الضيف * * * أضرب في أعناقكم بالسيف
عن خير من حلّ بأرض الخيف * * * أضربكم و لا أرى من حيف
و روي أنّ الحرّ لمّا لحق بالحسين (عليه السّلام) قال رجل من تميم يقال له يزيد بن سفيان: أما و اللّه لو لحقته لأتبعته السنان، فبينما هو يقاتل و إنّ فرسه لمضروب على اذنيه و حاجبيه و إنّ الدماء لتسيل إذ قال الحصين: يا يزيد هذا الحرّ الذي كنت تتمنّاه، قال: نعم، فخرج إليه فما لبث الحرّ أن قتله و قتل أربعين فارسا و راجلا، فلم يزل يقاتل حتّى عرقب فرسه و بقي راجلا و هو يقول:
إنّي أنا الحرّ و نجل الحرّ * * * أشجع من ذي لبد هزبر
و لست بالجبان عند الكرّ * * * لكنّني الوقّاف عند الفرّ
ثمّ لم يزل يقاتل حتّى قتل (رحمه اللّه) فاحتمله أصحاب الحسين (عليه السّلام) حتّى
____________
(1)- في المصدر: حوزة.
(2)- في المصدر: حزه.
(3)- في الأصل و البحار: فأطارت.
(4)- في المصدر: يضرب رأسه بكلّ حجر و مدر.
(5)- إرشاد المفيد: ص 64 و البحار: 45/ 12.
258
و ضعوه بين يدي الحسين (عليه السّلام) و به رمق، فجعل الحسين (عليه السّلام) يمسح وجهه و يقول:
أنت الحرّ كما سمّتك امّك، و أنت الحرّ في الدنيا، و أنت الحرّ في الآخرة، و رثاه من أصحاب الحسين (عليه السّلام) و قيل بل رثاه علي بن الحسين (عليهما السّلام):
لنعم الحرّ حرّ بني رياح * * * صبور عند مختلف الرماح
و نعم الحرّ إذ نادى حسينا * * * فجاد بنفسه عند الصياح
فيا ربّي أضفه في جنان * * * و زوّجه مع الحور الملاح
و روي أنّ الحرّ كان يقول:
آليت لا اقتل حتى أقتلا * * * أضربهم بالسيف ضربا معضلا
لا ناقلا عنهم و لا معلّلا * * * لا عاجزا عنهم و لا مبدلا
أحمي الحسين الماجد المؤمّلا (1)
و قال المفيد (ره): فاشترك في قتله أيّوب بن مسرح و رجل آخر من فرسان أهل الكوفة. انتهى كلامه. (2)
و قال ابن شهر اشوب: قتل نيّفا و أربعين رجلا منهم. (3)
و قال ابن نما: و رويت بإسنادي أنّه قال للحسين (عليه السّلام): لمّا وجّهني عبيد اللّه إليك خرجت من القصر فنوديت من خلفي: أبشر يا حرّ بخير، فالتفت فلم أر أحدا، فقلت: و اللّه ما هذه بشارة و أنا أسير إلى الحسين (عليه السّلام)، و ما احدّث نفسي باتّباعك، فقال (عليه السّلام): لقد أصبت أجرا و خيرا (4).
ثمّ قالوا: و كان كل من أراد الخروج ودّع الحسين (عليه السّلام) و قال: السلام عليك يا بن رسول اللّه، فيجيبه: و عليك السلام و نحن خلفك، و يقرأ (صلوات الله عليه):
«فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا» (5).
ثمّ برز برير بن خضير الهمدانيّ بعد الحرّ و كان من عباد اللّه الصالحين فبرز و هو يقول:
____________
(1)- البحار: 45/ 13.
(2)- الإرشاد ص 266 و البحار: 45/ 14.
(3)- المناقب: 3/ 250 و البحار: 45/ 15.
(4)- مثير الاحزان ص 59 و البحار: 45/ 15.
(5)- الأحزاب: 23.
260
لقد كان ذا عارا عليّ و سبّة * * * يعيّر بها الأبناء عند المعاشر
فيا ليت إنّي كنت في الرحم حيضة * * * و يوم حسين كنت ضمن المقابر
فيا سوأتا ما ذا أقول لخالقي * * * و ما حجّتي يوم الحساب القماطر
ثمّ برز من بعده وهب بن عبد اللّه بن حباب الكلبيّ و قد كانت معه امّه يومئذ، فقالت: قم يا بنيّ فانصر ابن بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فقال: أفعل يا امّاه و لا اقصّر، فبرز و هو يقول:
إن تنكروني فأنا ابن الكلب * * * سوف تروني و ترون ضربي
و حملتي و صولتي في الحرب * * * أدرك ثأري بعد ثأر صحبي
و أدفع الكرب أمام الكرب * * * ليس جهادي في الوغى باللعب
ثمّ حمل فلم يزل يقاتل حتّى قتل منهم جماعة فرجع إلى امّه و امرأته فوقف عليهما فقال: يا امّاه أرضيت؟ فقالت: ما رضيت أو تقتل بين يدي الحسين (عليه السّلام) فقالت امرأته: لا تفجعني في نفسك! فقالت امّه: يا بنيّ لا تقبل قولها و ارجع فقاتل بين يدي ابن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فيكون غدا في القيامة شفيعا لك بين يدي اللّه، فرجع قائلا:
إنّي زعيم لك أمّ وهب * * * بالطعن فيهم تارة و الضرب
ضرب غلام مؤمن بالربّ * * * حتّى يذيق القوم مرّ الحرب
إنّي امرؤ ذو مرّة و عصب (1) * * * و لست بالخوّار عند النكب
حسبي إلهي من عليم حسبي
فلم يزل يقاتل حتّى قتل تسعة عشر فارسا و اثني عشر راجلا، ثمّ قطعت يداه فأخذت امرأته (2) عمودا و أقبلت نحوه و هي تقول: فداك أبي و امّي قاتل دون الطيّبين حرم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فأقبل كي يردّها إلى النساء فأخذت بجانب ثوبه، و قالت: لن أعود أو أموت معك.
فقال الحسين (عليه السّلام): جزيتم من أهل بيتي خيرا ارجعي إلى النساء رحمك اللّه، فانصرفت و جعل يقاتل حتّى قتل (رضوان اللّه عليه)، قال: فذهبت امرأته تمسح الدم
____________
(1)- في الاصل: و غضب.
(2)- امّه/ خ.
259
أنا برير و أبي خضير * * * ليث يروع الأسد عند الزأر
يعرف فينا الخير أهل الخير * * * أضربكم و لا أرى من ضير
كذاك فعل الخير من برير
و جعل يحمل على القوم و هو يقول: اقتربوا منّي يا قتلة المؤمنين، اقتربوا منّي يا قتلة أولاد البدريّين، اقتربوا منّي يا قتلة أولاد رسول ربّ العالمين و ذرّيّته الباقين، و كان برير أقرأ أهل زمانه، فلم يزل يقاتل حتّى قتل ثلاثين رجلا، فبرز إليه رجل يقال له: يزيد بن معقل فقال لبرير: أشهد أنّك من المضلّين، فقال له برير: هلمّ فلندع اللّه أن يلعن الكاذب منّا، و أن يقتل المحقّ منّا المبطل، فتصاولا فضرب يزيد لبرير ضربة خفيفة لم يعمل شيئا، و ضربه برير ضربة قدّت المغفر، و وصلت إلى دماغه، فسقط قتيلا.
قال: فحمل رجل من أصحاب ابن زياد فقتل بريرا رحمة اللّه عليه و كان يقال لقاتله: بحير بن أوس الضبّيّ فجال في ميدان الحرب و جعل يقول:
سلي تخبري عنّي و أنت ذميمة * * * غداة حسين و الرماح شوارع
أ لم آت أقصى ما كرهت و لم يحل * * * غداة الوغى و الرّوع ما أنا صانع
معي مزنيّ لم تخنه كعوبه * * * و أبيض مشحوذ الغرارين قاطع
فجرّدته في عصبة ليس دينهم * * * كديني و إنّي بعد ذاك لقانع
و قد صبروا للطعن و الضرب حسّرا * * * و قد جالدوا لو أنّ ذلك نافع
فأبلغ عبيد اللّه إذ ما لقيته * * * بأنّي مطيع للخليفة سامع
قتلت بريرا ثمّ جلت لهمّه * * * غداة الوغى لمّا دعى من يقارع
قال: ثمّ ذكر له بعد ذلك أنّ بريرا كان من عباد اللّه الصالحين و جاءه ابن عمّ له و قال: ويحك يا بحير قتلت برير بن خضير فبأيّ وجه تلقى ربّك غدا؟ فندم الشقيّ و أنشأ يقول:
فلو شاء ربّي ما شهدت قتالهم * * * و لا جعل النعماء عند ابن جائر
261
عن وجهه فبصر بها شمر، فأمر غلاما له فضربها بعمود كان معه فشدخها و قتلها، و هي أوّل امرأة قتلت في عسكر الحسين (عليه السّلام).
و رأيت حديثا أنّ وهبا هذا كان نصرانيّا فأسلم هو و امّه على يد الحسين، فقتل في المبارزة أربعة و عشرين راجلا و اثني عشر فارسا ثمّ اخذ أسيرا فاتي به عمر بن سعد فقال: ما أشدّ صولتك؟ ثم أمر فضرب عنقه و رمي برأسه إلى عسكر الحسين (عليه السّلام) فأخذت امّه الرأس فقبّلته ثمّ رمت بالرأس إلى عسكر ابن سعد فأصابت به رجلا فقتلته، ثمّ شدّت بعمود الفسطاط فقتلت رجلين، فقال لها الحسين (عليه السّلام): ارجعي يا أمّ وهب أنت و ابنك مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فإنّ الجهاد مرفوع عن النساء، فرجعت و هي تقول: إلهي لا تقطع رجائي، فقال لها الحسين (عليه السّلام): لا يقطع اللّه رجاك يا أمّ وهب.
ثمّ برز من بعده عمرو بن خالد الأزديّ و هو يقول:
إليك يا نفس إلى الرحمن * * * فأبشري بالرّوح و الرّيحان
اليوم تجزين على الإحسان * * * قد كان منك غابر الزمان
ما خطّ في اللّوح لدى الدّيّان * * * لا تجزعي فكلّ حيّ فان
و الصبر أحظى لك بالأماني * * * يا معشر الأزد بني قحطان
ثمّ قاتل حتّى قتل رحمة اللّه عليه (1).
و في المناقب: ثمّ تقدّم ابنه خالد بن عمرو و هو يرتجز و يقول:
صبرا على الموت بني قحطان * * * كي ما تكونوا في رضى الرحمن
ذي المجد و العزّة و البرهان * * * و ذي العلى و الطول و الإحسان
يا أبتا قد صرت في الجنان * * * في قصر ربّ حسن البنيان (2)
ثمّ تقدّم فلم يزل يقاتل حتّى قتل (رحمه اللّه).
و قال محمّد بن أبي طالب: ثمّ برز من بعده سعد بن حنظلة التميميّ و هو
____________
(1)- البحار: 45/ 15.
(2)- مناقب ابن شهرآشوب: 3/ 250 و فيه: في قصر درّ حسن البنيان، و البحار: 45/ 18.
262
يقول:
صبرا على الأسياف و الأسنّة * * * صبرا عليها لدخول الجنّة
و حور عين ناعمات هنّه * * * لمن يريد الفوز لا بالظنّة
يا نفس للراحة فاجاهدنّه * * * و في طلاب الخير فارغبنّه
ثمّ حمل و قاتل قتالا شديدا ثمّ قتل (رضوان اللّه عليه).
و خرج من بعده عمير بن عبد اللّه المذحجيّ و هو يرتجز و يقول:
قد علمت سعد و حيّ مذحج * * * أنّي لدى الهيجاء ليث مخرج
أعلو بسيفي هامة المدجّج * * * و أترك القرن لدى التعرّج
فريسة الضبع الأزلّ الأعرج
و لم يزل يقاتل حتّى قتله مسلم الضبابيّ و عبد اللّه البجليّ.
ثمّ برز من بعده مسلم بن عوسجة- رضي اللّه عنه- و هو يرتجز:
إن تسألوا عنّي فإنّي ذو لبد * * * من فرع قوم من ذرى بني أسد
فمن بغانا حائد عن الرّشد * * * و كافر بدين جبّار صمد
ثمّ قاتل قتالا شديدا. (1)
و قال المفيد (ره) و صاحب المناقب بعد ذلك: و كان نافع بن هلال البجليّ يقاتل قتالا شديدا و يرتجز و يقول:
أنا ابن هلال البجلي (2) * * * أنا على دين علي
و دينه دين النبي
فبرز إليه رجل من بني قطيعة، و قال المفيد: هو مزاحم بن حريث، فقال: أنا على دين عثمان، فقال له نافع: أنت على دين الشيطان فحمل عليه نافع فقتله.
فصاح عمرو بن الحجّاج بالناس: يا حمقى أ تدرون من تقاتلون؟ تقاتلون فرسان أهل المصر، و أهل البصائر، و قوما مستميتين، لا يبرز (نّ) منكم لهم أحد إلّا
____________
(1)- البحار: 45/ 18.
(2)- كذا في الأصل و لكن لا يستقيم الرجز و الظاهران القائل هلال بن حجاج فقال: أنا هلال البجلي ... إلى آخر ما مذكور أعلاه.
264
(عليه السّلام) قتالا شديدا و إنّما هم اثنان و ثلاثون فارسا، فلا يحملون على جانب من أهل الكوفة إلّا كشفوهم، فدعا عمر بن سعد بالحصين بن نمير في خمسمائة من الرماة، فاقتلوا (1) حتّى دنوا من الحسين (عليه السّلام) و أصحابه، فرشقوهم بالنبل فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم و قاتلوهم حتّى انتصف النهار، و اشتدّ القتال و لم يقدروا أن يأتوهم إلّا من جانب واحد لاجتماع أبنيتهم و تقارب بعضها من بعض، فأرسل عمر بن سعد الرجال ليقوّضوها عن أيمانهم و (عن) شمائلهم ليحيطوا بهم، و أخذ الثلاثة و الأربعة من أصحاب الحسين (عليه السّلام) يتخلّلون فيشدّون على الرجل يعرض و ينهب فيرمونه عن قريب فيصرعونه و يقتلونه.
فقال ابن سعد: احرقوها بالنار فأضرموا فيها، فقال الحسين (عليه السّلام): دعوهم يحرقوها فإنّهم إذا فعلوا ذلك لم يجوزوا إليكم، فكان كما قال (صلوات الله عليه).
و قيل: أتاه شبث بن ربعي و قال: أفزعنا النساء ثكلتك امّك، فاستحيا و أخذوا لا يقاتلونهم إلّا من وجه واحد، و شدّ أصحاب زهير بن القين فقتلوا أبا عذرة الضبابيّ من أصحاب شمر، فلم يزل يقتل من أصحاب الحسين (عليه السّلام) الواحد و الاثنان فيبين ذلك فيهم لقلّتهم و يقتل من أصحاب عمر العشرة فلا يبين ذلك فيهم لكثرتهم.
فلمّا رأى ذلك أبو ثمامة الصيداوي قال للحسين (عليه السّلام): يا أبا عبد اللّه نفسي لنفسك الفداء هؤلاء اقتربوا منك و لا و اللّه لا تقتل حتّى اقتل دونك و احبّ أن ألقى اللّه ربّي و قد صلّيت هذه الصلاة، فرفع الحسين رأسه إلى السماء و قال: ذكرت الصلاة جعلك اللّه من المصلّين، نعم هذا أوّل وقتها، ثمّ قال: سلوهم أن يكفّوا عنّا حتّى نصلّي، فقال الحصين بن نمير: إنّها لا تقبل، فقال حبيب بن مظاهر: لا تقبل الصلاة زعمت من ابن رسول اللّه و تقبل منك يا ختّار (2)، فحمل عليه الحصين بن نمير و حمل عليه حبيب فضرب وجه فرسه بالسيف فشبّ به الفرس و وقع عنه الحصين فاحتوشته أصحابه فاستنقذوه، فقال الحسين (عليه السّلام) لزهير بن القين و سعيد (3) بن عبد اللّه: تقدّما أمامي حتّى
____________
(1)- هكذا في الأصل و البحار.
(2)- الختر: الغدر. يقال: ختر يختر فهو خاتر و ختّار للمبالغة. «النهاية ج 2 ص 9».
(3)- في الأصل: سعد.
263
قتلوه على قلّتهم، و اللّه لو لم ترموهم إلّا بالحجارة لقتلتموهم، فقال [له] عمر بن سعد لعنه اللّه: (صدقت) الرأي ما رأيت، فأرسل في الناس من يعزم عليهم أن لا يبارزهم رجل منهم، و قال: لو خرجتم إليهم وحدانا لأتوا عليكم مبارزة.
و دنا عمرو بن الحجّاج من أصحاب الحسين (عليه السّلام) و قال: يا أهل الكوفة الزموا طاعتكم و جماعتكم و لا ترتابوا في قتل من مرق من الدين و خالف الإمام، فقال الحسين (عليه السّلام): يا ابن الحجّاج أ عليّ تحرّض الناس؟ أ نحن مرقنا من الدين و أنتم ثبتّم عليه؟ و اللّه لتعلمنّ أيّنا المارق من الدين و من هو أولى بصلي النار.
ثمّ حمل عمرو بن الحجّاج لعنه اللّه في ميمنة من نحو الفرات، فاضطربوا ساعة، فصرع مسلم بن عوسجة، و انصرف عمرو و أصحابه و انقطعت الغبرة فإذا مسلم صريع (1).
و قال محمّد بن أبي طالب: فسقط إلى الأرض و به رمق فمشى إليه الحسين (عليه السّلام) و معه حبيب بن مظاهر، فقال له الحسين (عليه السّلام): رحمك اللّه يا مسلم «فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا» (2).
ثمّ دنا منه حبيب فقال: يعزّ عليّ مصرعك يا مسلم أبشر بالجنّة، فقال له قولا ضعيفا: بشّرك اللّه بخير، فقال له حبيب: لو لا أعلم أنّي في الأثر لأحببت أن توصي إليّ بكلّ ما أهمّك، فقال مسلم: فإنّي أوصيك بهذا و أشار إلى الحسين (عليه السّلام) فقاتل دونه حتّى تموت، فقال حبيب: لأنعمتك عينا ثمّ مات رضي اللّه عنه.
قال: و صاحت جارية له: يا سيّداه، يا ابن عوسجتاه، فنادى أصحاب ابن سعد مستبشرين: قتلنا مسلم بن عوسجة، فقال شبث بن ربعيّ لبعض من حوله: ثكلتكم امّهاتكم أما إنّكم تقتلون أنفسكم بأيديكم و تذلّون عزّكم، أ تفرحون بقتل مسلم بن عوسجة؟! أما و الّذي أسلمت له لربّ موقف له في المسلمين كريم، لقد رأيته يوم آذربيجان قتل ستّة من المشركين قبل أن تلتام خيول المسلمين.
ثمّ حمل شمر بن ذي الجوشن في الميسرة، فثبتوا له و قاتلهم أصحاب الحسين
____________
(1)- إرشاد المفيد ص 265 و البحار: 45/ 19.
(2)- الأحزاب: 23.
265
اصلّي الظهر فتقدّما أمامه في نحو من نصف أصحابه حتّى صلّى بهم صلاة الخوف.
و روي أنّ سعيد بن عبد اللّه الحنفي تقدّم أمام الحسين (عليه السّلام)، فاستهدف لهم يرمونه بالنبل كلّما أخذ الحسين (عليه السّلام) يمينا و شمالا قام بين يديه، فما زال يرمى به حتّى سقط إلى الأرض و هو يقول: اللّهمّ العنهم لعن عاد و ثمود، اللّهمّ أبلغ نبيّك السلام عنّي و أبلغه ما لقيت من ألم الجراح فإنّي أردت بذلك نصرة ذرّيّة نبيّك، ثمّ مات رضي اللّه عنه فوجد به ثلاثة عشر سهما سوى ما به من ضرب السيوف و طعن الرماح (1).
و قال ابن نما: و قيل: صلّى الحسين (عليه السّلام) و أصحابه فرادى بالإيماء، ثمّ قالوا: ثمّ خرج عبد الرحمن بن عبد اللّه اليزنيّ و هو يقول:
أنا ابن عبد اللّه من آل يزن * * * ديني على دين حسين و حسن
أضربكم ضرب فتى من اليمن * * * أرجو بذاك الفوز عند المؤتمن
ثمّ حمل فقاتل حتّى قتل (2).
و قال السيد (ره): فخرج عمرو بن قرظة الأنصاريّ فاستأذن الحسين (عليه السّلام) فأذن له، فقاتل قتال المشتاقين إلى الجزاء، و بالغ في خدمة سلطان السماء، حتّى قتل جمعا كثيرا من حزب ابن زياد و جمع بين سداد و جهاد، و كان لا يأتي إلى الحسين (عليه السّلام) سهم إلّا اتّقاه بيده، و لا سيف إلّا تلقّاه بمهجته، فلم يكن يصل إلى الحسين (عليه السّلام) سوء حتّى اثخن بالجراح فالتفت إلى الحسين (عليه السّلام) و قال: يا ابن رسول اللّه اوفيت؟! قال: نعم أنت أمامي في الجنّة، فاقرأ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) منّي (3) السلام، و أعلمه أنّي في الأثر، فقاتل حتّى قتل (رضوان اللّه عليه) (4).
و في المناقب أنّه كان يقول:
قد علمت كتيبة الأنصار * * * أن سوف أحمي حوزة الذّمار
ضرب غلام غير نكس شاري * * * دون حسين مهجتي و داري
و قال السيد: ثمّ تقدّم جون مولى أبي ذرّ الغفاريّ و كان عبدا أسود، فقال له
____________
(1)- البحار: 45/ 20.
(2)- البحار: 45/ 22.
(3)- في المصدر: عنّي.
(4)- اللهوف ص 45 و البحار: 45/ 22.
266
الحسين (عليه السّلام): أنت في إذن منّي فإنّما تبعتنا طلبا للعافية فلا تبتل بطريقنا، فقال:
يا ابن رسول اللّه أنا في الرخاء ألحس قصاعكم و في الشدّة أخذ لكم، و اللّه إنّ ريحي لنتن (1)، و إن حسبي للئيم و لوني لأسود، فتنفّس عليّ بالجنّة، فتطيب ريحي، و يشرف حسبي، و يبيضّ وجهي، لا و اللّه لا افارقكم حتّى يختلط هذا الدّم الأسود مع دمائكم. (2)
و قال محمّد بن أبي طالب: ثمّ برز إلى القتال و هو ينشد و يقول:
كيف يرى الكفّار ضرب الأسود * * * بالسيف ضربا عن بني محمد
أذبّ عنهم باللسان و اليد * * * أرجو به الجنّة يوم المورد
ثمّ قاتل حتّى قتل، فوقف عليه الحسين (عليه السّلام) و قال: اللهمّ بيّض وجهه، و طيّب ريحه، و احشره مع الأبرار، و عرّف بينه و بين محمّد و آل محمّد.
و روي عن الباقر (عليه السّلام)، عن عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) أنّ الناس كانوا يحضرون المعركة و يدفنون القتلى، فوجدوا جونا بعد عشرة أيّام يفوح منه رائحة المسك (رضوان اللّه عليه) (3).
و قال صاحب المناقب: كان رجزه هكذا:
كيف يرى الفجّار ضرب الأسود * * * بالمشرفيّ القاطع المهنّد
بالسيف صلتا عن بني محمّد * * * أذبّ عنهم باللسان و اليد
أرجو بذاك الفوز عند المورد * * * من الإله الأحد الموحّد
إذ لا شفيع عنده كأحمد
و قال السيّد: ثمّ برز عمرو بن خالد الصيداويّ، فقال للحسين (عليه السّلام): يا أبا عبد اللّه [جعلت فداك] قد هممت أن ألحق [ب] أصحابي (4) و كرهت أتخلّف و أراك وحيدا من (5) أهلك قتيلا، فقال له الحسين (عليه السّلام): تقدّم فإنّا لاحقون بك عن ساعة، فتقدّم فقاتل حتى قتل.
____________
(1)- في البحار: لمنتن.
(2)- اللهوف: 45 و البحار: 45/ 22.
(3)- البحار: 45/ 22.
(4)- في المصدر: بأصحابك.
(5)- في المصدر: بين.
267
قال: و جاء حنظلة بن (أ) سعد الشباميّ (1) فوقف بين يدي الحسين (عليه السّلام) يقيه السهام و الرماح و السيوف بوجهه و نحره، و أخذ ينادي: يا قوم إنّي أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح و عاد و ثمود و الذين من بعدهم و ما اللّه يريد ظلما للعباد، و يا قوم إنّي أخاف عليكم يوم التناد، يوم تولّون مدبرين، ما لكم من اللّه من عاصم، (و) يا قوم لا تقتلوا حسينا فيسحتكم اللّه بعذاب، و قد خاب من افترى (2).
و في المناقب: فقال له الحسين (عليه السّلام): يا ابن (أ) سعد رحمك اللّه إنّهم قد استوجبوا العذاب حين ردّوا عليك ما دعوتهم إليه من الحقّ، و نهضوا إليك يشتمونك و أصحابك، فكيف بهم الآن و قد قتلوا إخوانك الصالحين، قال: صدقت جعلت فداك أ فلا نروح إلى ربّنا فنلحق بإخواننا؟ فقال له: رح إلى ما هو خير لك من الدنيا و ما فيها، و إلى ملك لا يبلى.
فقال: السلام عليك يا بن رسول اللّه، صلّى اللّه عليك و على أهل بيتك، و جمع بيننا و بينك في جنّته قال: آمين آمين، ثمّ استقدم فقاتل قتالا شديدا فحملوا عليه فقتلوه (رضوان اللّه عليه) (3).
و قال السيّد: فتقدّم سويد بن عمر [و] بن أبي المطاع و كان شريفا، كثير الصلاة، فقاتل قتال الأسد الباسل، و بالغ في الصبر على الخطب النازل، حتى سقط بين القتلى و قد اثخن بالجراح، فلم يزل كذلك و ليس به حراك، حتّى سمعهم يقولون: قتل الحسين (عليه السّلام) فتحامل و أخرج سكّينا من خفّه و جعل يقاتل حتّى قتل. (4)
و قال صاحب المناقب: فخرج يحيى بن سليم المازنيّ و هو يرتجز و يقول:
لأضربنّ القوم ضربا فيصلا * * * ضربا شديدا في العداة معجّلا
____________
(1)- في الأصل و البحار: الشامي، و ما أثبتناه من المصدر، كما في «الكامل لابن الأثير ج 4 ص 72» و الشبام بطن من همدان.
(2)- اللهوف ص 46 و البحار: 45/ 23.
(3)- البحار: 45/ 23.
(4)- اللهوف ص 47 و فيه: و جعل يقاتلهم بها حتى قتل، و البحار: 45/ 24.
268
لا عاجزا فيها و لا مولولا * * * و لا أخاف اليوم موتا مقبلا
لكنّني كاللّيث أحمي أشبلا
ثمّ حمل فقاتل حتّى قتل رحمه الله.
ثمّ خرج من بعده قرّة بن أبي قرّة الغفاريّ و هو يرتجز و يقول:
قد علمت حقّا بنو غفار * * * و خندف بعد بني نزار
بأنّني الليث لدى الغيار * * * لأضربنّ معشر الفجّار
بكلّ عضب ذكر بتّار * * * ضربا وجيعا عن بني الأخيار
رهط النبيّ السادة الأبرار
قال: ثمّ حمل و قاتل حتّى قتل (رحمه اللّه).
و خرج من بعده مالك بن أنس المالكي و هو يرتجز و يقول:
قد علمت مالكها (1)و الدودان * * * و الخندفيّون و قيس عيلان (2)
بأنّ قومي آفة الأقران * * * لدى الوغى و سادة الفرسان
مباشرو الموت بطعن آن * * * لسنا نرى العجز عن الطعان
آل عليّ شيعة الرحمن * * * آل زياد شيعة الشيطان
ثمّ حمل فقاتل حتّى قتل (رحمه اللّه).
و قال ابن نما: اسمه أنس بن الحارث الكاهليّ.
و في المناقب: ثمّ خرج من بعده عمر بن مطاع الجعفيّ و هو يقول:
أنا ابن جعف و أبي مطاع * * * و في يميني مرهف قطّاع
و أسمر في رأسه لمّاع * * * يرى له من ضوئه شعاع
اليوم قد طاب لنا القراع (3) * * * دون حسين الضرب و السطاع
يرجى بذاك الفوز و الدفاع * * * عن حرّ نار حين لا انتفاع
ثمّ حمل فقاتل حتّى قتل (رحمه اللّه).
____________
(1)- في الأصل: مالك.
(3)- النزاع/ خ.
(2)- هكذا ورد وزن البيت الأوّل يختلف عن الثلاثة الاخرى.
270
ثمّ برز حبيب بن مظاهر الأسديّ و هو يقول:
أنا حبيب و أبي مظاهر (1) * * * فارس هيجاء و حرب تسعر
و أنتم عند العديد أكثر * * * و نحن أعلى حجّة و أظهر
و أنتم عند الوفاء أغدر * * * و نحن أوفى منكم و أصبر
حقّا و أنمى منكم و أعذر
و قاتل قتالا شديدا و قال أيضا:
اقسم لو كنّا لكم أعدادا * * * أو شطركم ولّيتم الأكتادا
يا شرّ قوم حسبا و آدا * * * و شرّهم قد علموا أندادا
ثمّ حمل عليه رجل من بني تميم فطعنه فذهب ليقوم فضربه الحصين بن نمير لعنه اللّه على (أمّ) رأسه بالسيف فوقع و نزل التميميّ فاجتزّ رأسه، فهدّ مقتله الحسين (عليه السّلام)، فقال: عند اللّه أحتسب نفسي و حماة أصحابي. و قيل: بل قتله رجل يقال له: بديل بن صريم و أخذ رأسه فعلّقه في عنق فرسه فلمّا دخل مكّة (2) رآه ابن حبيب و هو غلام غير مراهق فوثب إليه فقتله و أخذ رأسه.
و قال محمّد بن أبي طالب: فقتل اثنين و ستّين رجلا فقتله الحصين بن نمير و علّق رأسه في عنق فرسه.
ثمّ برز هلال بن نافع البجلي و هو يقول:
أرمي بها معلمة أفواقها * * * و النفس لا ينفعها إشفاقها
مسمومة تجري بها أخفاقها * * * ليملأنّ أرضها رشاقها
فلم يزل يرميهم حتّى فنيت سهامه، ثمّ ضرب يده إلى سيفه فاستلّه و جعل يقول:
____________
(1)- في خ و البحار: مظهّر.
(2)- هكذا في الأصل و البحار، و هو تصحيف «الكوفة» قال ابن الأثير في الكامل ج 4 ص 71: فلمّا رجعوا الى الكوفة أخذ الرأس و جعله في عنق فرسه ثم أقبل به إلى ابن زياد في القصر، فبصر به القاسم بن حبيب، و قد راهق، فأقبل مع الفارس لا يفارقه، و لم يزل يطلب غرّة أبيه حتى كان زمان مصعب و غزا مصعب باجميرا، و دخل القاسم عسكره فإذا قاتل أبيه في فسطاطه فدخل عليه نصف النهار فقتله.
269
و قالوا (1): ثمّ خرج الحجّاج بن مسروق- و هو مؤذّن الحسين (عليه السّلام)- و (هو) يقول:
أقدم حسينا هاديا مهديّا * * * اليوم تلقى جدّك النبيّا
ثمّ أباك ذا النّدا عليّا * * * ذاك الذي نعرفه وصيّا
و الحسن الخير الرضي الوليّا * * * و ذا الجناحين الفتى الكميّا
و أسد اللّه الشهيد الحيّا
ثمّ حمل فقاتل حتّى قتل.
ثمّ خرج من بعده زهير بن القين رضي اللّه عنه و هو يرتجز و يقول:
أنا زهير و أنا ابن القين * * * أذود كم بالسيف عن حسين
إنّ حسينا أحد السبطين * * * من عترة البرّ التقيّ الزّين
ذاك رسول اللّه غير المين (2) * * * أضربكم و لا أرى من شين
يا ليت نفسي قسمت قسمين
و قال محمّد بن أبي طالب: فقاتل حتّى قتل مائة و عشرين رجلا فشدّ عليه كثير بن عبد اللّه الشعبي و مهاجرين أوس التميميّ فقاتلاه، فقال الحسين (عليه السّلام) حين صرع زهير: لا يبعدك اللّه يا زهير! و لعن قاتلك لعن الذين مسخوا قردة و خنازير.
ثمّ خرج سعيد بن عبد اللّه الحنفيّ و هو يرتجز:
أقدم حسين اليوم تلقى أحمدا * * * و شيخك الخير (3)عليّا ذا النّدا
و حسنا كالبدر وافى الأسعدا * * * و عمّك القرم الهمام الأرشدا
حمزة ليث اللّه يدعى أسدا * * * و ذا الجناحين تبوّأ مقعدا
في جنّة الفردوس يعلو صعدا
و قال في المناقب: و قيل: بل القائل لهذه الأبيات هو سويد بن عمر بن أبي المطاع، قال: فلم يزل يقاتل حتّى قتل.
____________
(1)- في الأصل: و قال محمد بن أبي طالب.
(2)- المين أي الكذب «النهاية ج 4/ ص 383».
(3)- في البحار: الحبر.
271
أنا الغلام اليمنيّ البجليّ * * * ديني على دين حسين و عليّ
إن اقتل اليوم فهذا أملي * * * فذاك رأيي و الاقي عملي
فقتل ثلاثة عشر رجلا فكسروا عضديه و اخذ أسيرا، فقام إليه شمر فضرب عنقه.
قال: ثمّ خرج شابّ قتل أبوه في المعركة و كانت امّه معه، فقالت له امّه:
اخرج يا بنيّ و قاتل بين يدي ابن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فخرج فقال الحسين (عليه السّلام): هذا شابّ قتل أبوه (في المعركة) و لعلّ امّه تكره خروجه. فقال الشابّ: امّي أمرتني بذلك فبرز و هو يقول:
أميري حسين و نعم الأمير * * * سرور فؤاد البشير النذير
عليّ و فاطمة والداه * * * فهل تعلمون له من نظير؟
له طلعة مثل شمس الضحى * * * له غرّة مثل بدر منير
و قاتل حتّى قتل و جزّ رأسه و رمي به إلى عسكر الحسين (عليه السّلام) فحملت امّه رأسه و قالت: أحسنت يا بنيّ يا سرور قلبي و يا قرّة عيني، ثمّ رمت برأس ابنها رجلا فقتلته و أخذت عمود خيمته و حملت عليهم و هي تقول:
أنا عجوز سيّدي ضعيفة * * * خاوية بالية نحيفة
أضربكم بضربة عنيفة * * * دون بني فاطمة الشريفة
و ضربت رجلين فقتلتهما فأمر الحسين (عليه السّلام) بصرفها و دعا لها.
و في المناقب: ثمّ خرج جنادة بن الحارث الأنصاريّ و هو يقول:
أنا جناد و أنا ابن الحارث * * * لست بخوّار و لا بناكث
عن بيعتي حتّى يرثني وارث * * * اليوم شلوي في الصعيد ماكث
قال: ثمّ حمل فلم يزل يقاتل حتّى قتل (رحمه اللّه).
قال: ثمّ خرج من بعده عمرو بن جنادة و هو يقول:
أضق الخناق من ابن هند و ارمه * * * من عامه (1)بفوارس الأنصار
____________
(1)- في الأصل: عامر.
273
و مغفره ثمّ شدّ على الناس فو اللّه لقد رأيته (1) يطرد أكثر من مائتين من الناس، ثمّ إنّهم تعطّفوا عليه من كلّ جانب، فقتل، فرأيت رأسه في أيدي رجال ذوي عدّة، هذا يقول:
أنا قتلته، و الآخر يقول كذلك، فقال عمر بن سعد: لا تختصموا هذا لم يقتله إنسان واحد حتّى فرّق بينهم بهذا القول.
ثمّ جاءه عبد اللّه و عبد الرحمن الغفاريّان، فقالا: يا أبا عبد اللّه السلام عليك إنّه جئنا لنقتل بين يديك، و ندفع عنك، فقال: مرحبا بكما ادنوا منّي، فدنوا منه و هما يبكيان، فقال: يا ابني أخي ما يبكيكما؟ فو اللّه إنّي لأرجو أن تكونا بعد ساعة قريري العين، فقالا: جعلنا اللّه فداك و اللّه ما على أنفسنا نبكي و لكن نبكي عليك، نراك قد احيط بك و لا نقدر على أن ننفعك، فقال (عليه السّلام): جزاكم اللّه يا ابني أخي بوجد كما من ذلك و مواساتكما إيّاي بأنفسكما أحسن جزاء المتّقين. ثمّ استقدما و قالا: السلام عليك يا ابن رسول اللّه، فقال: و عليكما السلام و رحمة اللّه و بركاته فقاتلا حتّى قتلا.
قال: ثمّ خرج غلام تركي كان للحسين (عليه السّلام) و كان قارئا للقرآن فجعل يقاتل و يرتجز و يقول:
البحر من طعني و ضربي يصطلي * * * و الجوّ من سهمي و نبلي يمتلي
إذا حسامي في يميني ينجلي * * * ينشقّ قلب الحاسد المبجّل
فقتل جماعة ثمّ سقط صريعا فجاء [ه] الحسين (عليه السّلام) فبكى و وضع خدّه على خدّه ففتح عينه فرأى الحسين فتبسّم ثمّ صار إلى ربّه رضي اللّه عنه.
قال: ثمّ رماهم يزيد بن زياد بن الشعثاء بثمانية أسهم ما أخطأ منها بخمسة أسهم و كان كلّما رمى قال الحسين (عليه السّلام): اللهمّ سدّد رميته، و اجعل ثوابه الجنّة فحملوا عليه فقتلوه.
و قال ابن نما: حدّث مهران مولى بني كاهل قال: شهدت كربلا مع الحسين (عليه السّلام) فرأيت رجلا يقاتل قتالا شديدا لا يحمل على قوم إلّا كشفهم ثمّ يرجع إلى الحسين (عليه السّلام) و يرتجز و يقول:
____________
(1)- في البحار: رأيت.
272
و مهاجرين مخضّبين رماحهم * * * تحت العجاجة من دم الكفّار
خضبت على عهد النبيّ محمد * * * فاليوم تخضب من دم الفجّار
و اليوم تخضب من دماء أراذل * * * رفضوا القرآن لنصرة الأشرار
طلبوا بثأرهم ببدر إذ أتوا * * * بالمرهفات و بالقنا الخطّار
و اللّه ربي لا أزال مضاربا * * * في الفاسقين بمرهف بتّار
هذا على الأزديّ حق واجب * * * في كلّ يوم تعانق و كرار
قال: ثمّ خرج عبد الرحمن بن عروة فقال:
قد علمت حقّا بنو غفار * * * و خندف بعد بني نزار
لنضربنّ معشر الفجّار * * * بكلّ عضب ذكر بتّار
يا قوم ذودوا عن بني الأخيار * * * بالمشرفيّ و القنا الخطّار
ثمّ قاتل حتّى قتل (رحمه اللّه).
و قال محمّد بن أبي طالب: و جاء عابس بن [أبي] شبيب الشاكريّ و معه شوذب مولى شاكر و قال: يا شوذب ما في نفسك أن تصنع؟ قال: ما أصنع! اقاتل حتى اقتل، قال: ذاك الظنّ بك، فتقدّم بين يدي أبي عبد اللّه حتّى يحتسبك كما احتسب غيرك فإنّ هذا يوم ينبغي لنا أن نطلب فيه الأجر بكلّ ما نقدر عليه فإنّه لا عمل بعد اليوم و إنّما هو الحساب.
فتقدّم فسلّم على الحسين (عليه السّلام) و قال: يا أبا عبد اللّه أما و اللّه ما أمسى على وجه الأرض قريب و لا بعيد أعزّ عليّ و لا أحبّ إليّ منك، و لو قدرت على أن أدفع عنك الضيم أو القتل بشيء أعزّ عليّ من نفسي و دمي لفعلت، السلام عليك يا أبا عبد اللّه أشهد أنّي على هداك و هدى أبيك، ثمّ مضى بالسيف نحوهم.
قال ربيع بن تميم: فلمّا رأيته مقبلا عرفته و قد كنت شاهدته في المغازي و كان أشجع الناس فقلت: أيّها الناس، هذا أسد الاسود، هذا ابن [أبي] شبيب لا يخرجنّ إليه أحد منكم، فأخذ ينادي: أ لا رجل؟. أ لا رجل؟
فقال عمر بن سعد: ارضخوه بالحجارة من كلّ جانب فلمّا رأى ذلك ألقى درعه
274
أبشر هديت الرّشد تلقى أحمدا * * * في جنّة الفردوس تعلو صعدا
فقلت: من هذا؟ فقالوا: أبو عمرو النهشليّ، و قيل: الخثعميّ، فاعترضاه عامر ابن نهشل أحد بني اللات من ثعلبة فقتله و اجتزّ رأسه، و كان أبو عمرو هذا متهجّدا (1) كثير الصلاة.
و خرج يزيد بن مهاجر فقتل خمسة من أصحاب عمر بالنّشّاب، و صار مع الحسين (عليه السّلام) و هو يقول:
أنا يزيد و أبي المهاجر * * * كأنّني ليث بغيل خادر (2)
يا ربّ إنّي للحسين ناصر * * * و لا بن سعد تارك و هاجر (3)
و كان يكنّى أبا الشعثاء من بني بهدلة من كندة.
قال: و جاء رجل فقال أين الحسين؟ فقال: ها أنا ذا، قال: أبشر بالنار تردها الساعة، قال: ابشر بربّ رحيم، و شفيع مطاع، من أنت؟ قال: أنا محمّد بن الأشعث، قال: اللهمّ إن كان عبدك كاذبا فخذه إلى النار، و اجعله اليوم آية لأصحابه. فما هو إلّا أن ثنى عنان فرسه فرمى به و ثبتت رجله في الركاب فضربه حتّى قطعه و وقعت مذاكيره في الأرض، فو اللّه لقد عجبت من سرعة دعائه.
ثمّ جاء آخر فقال: أين الحسين؟ فقال: ها أنا ذا قال: أبشر بالنار، قال: ابشر بربّ رحيم، و شفيع مطاع، من أنت؟ قال: أنا شمر بن ذي الجوشن، قال الحسين (عليه السّلام): اللّه أكبر، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): رأيت كأنّ كلبا أبقع يلغ في (4) دماء أهل بيتي، و قال الحسين (عليه السّلام): رأيت كأنّ كلابا تنهشني و كأنّ فيها كلبا أبقع كان أشدّهم عليّ و هو أنت و كان أبرص (5).
و نقلت من الترمذي: قيل للصادق (عليه السّلام): كم تتأخّر الرؤيا؟ فذكر منام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فكان التأويل بعد ستّين سنة.
و تقدّم سيف بن أبي الحارث بن سريع و مالك بن عبد اللّه بن سريع
____________
(1)- مجتهدا/ خ.
(2)- الغيل: موضع الأسد، و الخادر: الكامن.
(3)- مهاجر/ خ.
(4)- من/ خ.
(5)- مثير الاحزان ص 57 و 61 و 64.
275
الجابريّان- بطن من همدان يقال لهم: بنو جابر- أمام الحسين (عليه السّلام) ثمّ التقيا فقالا:
السلام عليك يا أبا عبد اللّه يا بن رسول اللّه، فقال: و عليكما السلام، ثمّ قاتلا حتّى قتلا.
ثمّ قال محمّد بن أبي طالب و غيره: و كان يأتي الحسين الرجل بعد الرجل فيقول: السلام عليك يا بن رسول اللّه، فيجيبه الحسين (عليه السّلام) و يقول: و عليك السلام و نحن خلفك، ثمّ يقرأ «فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ» (1) حتّى قتلوا عن آخرهم (رضوان اللّه عليهم) و لم يبق مع الحسين (عليه السّلام) إلّا أهل بيته.
و هكذا يكون المؤمن يؤثر دينه على دنياه، و موته على حياته في سبيل اللّه، [و] ينصر الحقّ و إن قتل، قال سبحانه: «وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ» (2).
و لمّا وقف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) على شهداء احد و فيهم حمزة رضي اللّه عنه و قال: أنا أشهد على هؤلاء القوم زمّلوهم (3) بدمائهم فإنّهم يحشرون يوم القيامة و أوداجهم تشخب دما فاللون لون الدم و الريح ريح المسك.
و لمّا قتل أصحاب الحسين (عليه السّلام) و لم يبق إلّا أهل بيته، و هم ولد عليّ، و ولد جعفر، و ولد عقيل، و ولد الحسن، و ولده (عليه السّلام) اجتمعوا يودّع بعضهم بعضا، و عزموا على الحرب، فأوّل من برز من أهل بيته عبد اللّه بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب (4) (عليه السّلام) و هو يرتجز و يقول:
اليوم ألقى مسلما و هو أبي * * * و فتية بادوا على دين النبيّ
ليسوا بقوم عرفوا بالكذب * * * لكن خيار و كرام النسب
من هاشم السادات أهل الحسب
____________
(1)- الأحزاب: 23.
(2)- آل عمران: 169.
(3)- أي لفّوهم.
(4)- هكذا في الأصل و البحار، و هو موافق لما روي في أمالي الصدوق ص 137 و روضة الواعظين ص 225 و مناقب ابن شهرآشوب ج 3 ص 254 و مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 26، لكن المشهور أن أول من برز و استشهد من أهل بيته (عليه السّلام) هو ابنه عليّ الأكبر، على ما روي في إرشاد المفيد ص 267 و إعلام الورى ص 246 و اللهوف ص 47 و تاريخ الطبري ج 4 ص 340 و الكامل في التاريخ ج 4 ص 74 و أنساب الأشراف ج 3 ص 200 و مقاتل الطالبيين ص 52.
276
و قال محمد بن أبي طالب: فقاتل حتّى قتل ثمانية و تسعين رجلا في ثلاث حملات ثمّ قتله عمرو بن صبيح الصيداوي و أسد بن مالك (1).
و قال أبو الفرج: عبد اللّه بن مسلم، امّه رقيّة بنت عليّ بن أبي طالب قتله عمرو بن صبيح فيما ذكرناه عن المدائنيّ و عن حميد بن مسلم، و ذكر أنّ السهم أصابه و هو واضع يده على جبينه فأثبته في راحته و جبهته، و محمّد بن مسلم بن عقيل امّه أمّ ولد قتله فيما رويناه عن أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السّلام) أبو جرهم (2) الأزديّ و لقيط بن إياس الجهنيّ (3).
و قال محمّد بن أبي طالب و غيره: ثمّ خرج من بعده جعفر بن عقيل و هو يرتجز و يقول:
أنا الغلام الأبطحيّ الطالبيّ * * * من معشر في هاشم و غالب
و نحن حقّا سادة الذوائب * * * هذا حسين أطيب الأطائب
من عترة البرّ التقيّ العاقب
فقتل خمسة عشر فارسا (4).
و قال ابن شهر اشوب: و قيل قتل رجلين ثمّ قتله بشر بن سوط الهمدانيّ. (5)
و قال أبو الفرج: امّه أمّ الثغر بنت عامر العامريّ، قتله عروة بن عبد اللّه الخثعميّ فيما رويناه عن أبي جعفر الباقر (عليه السّلام)، و عن حميد بن مسلم (6).
و قالوا: ثمّ خرج من بعده أخوه عبد الرحمن بن عقيل و هو يقول:
أبي عقيل فاعرفوا مكاني * * * من هاشم و هاشم إخواني
كهول صدق سادة الأقران * * * هذا حسين شامخ البنيان
و سيّد الشيب مع الشبّان
فقتل سبعة عشر فارسا ثمّ قتله عثمان بن خالد الجهنّي.
____________
(1)- البحار: 45/ 24.
(2)- في المصدر: أبو مرهم.
(3)- مقاتل الطالبيين ص 62 و البحار: 45/ 32.
(4)- البحار: 45/ 32.
(5)- مناقب ابن شهرآشوب: 3/ 254 و البحار: 45/ 33.
(6)- مقاتل الطالبيين ص 61 و البحار: 45/ 33.
278
ابن بطّة الطائيّ.
قال أبو الفرج بعد ذكر قتل محمّد و عون: و إنّ عونا قتله عبد اللّه بن قطنة التيهاني. و عبيد اللّه بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، ذكر يحيى بن الحسن فيما أخبرني أحمد بن سعيد عنه أنّه قتل مع الحسين (عليه السّلام) بالطفّ (1).
ثمّ قال أبو الفرج و محمّد بن أبي طالب و غيرهما: ثمّ خرج من بعده عبد اللّه ابن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السّلام) و في أكثر الروايات أنّه القاسم بن الحسن و هو غلام صغير لم يبلغ الحلم فلمّا نظر الحسين (عليه السّلام) إليه قد برز اعتنقه (طويلا) و جعلا يبكيان حتّى غشي عليهما، ثم استأذن الحسين (عليه السّلام) في المبارزة فأبى الحسين (عليه السّلام) أن يأذن له فلم يزل الغلام يقبّل يديه و رجليه حتّى أذن له، فخرج و دموعه تسيل على خدّيه و هو يقول:
إن تنكروني فأنا ابن الحسن * * * سبط النبيّ المصطفى و المؤتمن
هذا حسين كالأسير المرتهن * * * بين اناس لاسقوا صوب المزن
و كان وجهه كفلقة القمر، فقاتل قتالا شديدا حتى قتل على صغره خمسة و ثلاثين رجلا.
قال حميد: كنت في عسكر ابن سعد فكنت أنظر إلى هذا الغلام عليه قميص و إزار و نعلان قد انقطع شسع أحدهما ما أنسى أنّه كان اليسرى، فقال عمر [و] بن سعيد (2) الأزديّ: و اللّه لأشدنّ عليه، فقلت: سبحان اللّه و ما تريد بذلك؟ و اللّه لو ضربني ما بسطت إليه يدي، يكفيك (3) هؤلاء الذين تراهم قد احتوشوه، قال: و اللّه لأفعلنّ فشدّ عليه فما ولّى حتّى ضرب رأسه بالسيف و وقع الغلام لوجهه، و نادى: يا عمّاه.
قال: فجاء الحسين (عليه السّلام) كالصقر المنقض فتخلّل الصفوف و شدّ (عليه) شدّة الليث الحرب فضرب عمرا قاتله بالسيف، فاتّقاه بيده فأطنّها من المرفق فصاح ثمّ تنحّى عنه، و حملت خيل أهل الكوفة ليستنقذوا عمرا من الحسين (عليه السّلام)، فاستقبلته
____________
(1)- مقاتل الطالبيين ص 60- 61 و البحار: 45/ 34.
(2)- في الأصل و البحار: سعد و ما اثبتناه من مقاتل الطالبيين.
(3)- في البحار: يكفيه.
277
و قال أبو الفرج: و عبد اللّه بن عقيل (1) بن أبي طالب امّه أمّ ولد [و] قتله عثمان ابن خالد بن أشيم (2) الجهنيّ لعنه اللّه و بشر بن حوط القائضيّ (3)، فيما ذكر سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، و عبد اللّه الأكبر بن عقيل امّه أمّ ولد قتله- فيما ذكر المدائني- عثمان بن خالد الجهنّي، و رجل من همدان و لم يذكر عبد الرحمن أصلا.
ثمّ قال: و محمد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب الأحول، و امّه أمّ ولد، قتله لقيط بن ياسر الجهنّي، رماه بسهم فيما رويناه عن المدائنيّ، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم.
و ذكر محمّد بن عليّ بن حمزة أنّه قتل معه جعفر بن محمد بن عقيل و وصف أنّه قد سمع أيضا من يذكر أنّه قد قتل يوم الحرّة.
و قال أبو الفرج: [و ما رأيت] في كتب (4) الأنساب لمحمّد بن عقيل ابنا يسمّى جعفرا، و ذكر أيضا محمّد بن عليّ بن حمزة، عن عقيل بن عبد اللّه بن عقيل بن محمد بن عبد اللّه بن محمّد بن عقيل بن أبي طالب أنّ عليّ بن عقيل، و امّه أمّ ولد قتل يومئذ (5).
ثمّ قالوا: و خرج من بعده محمّد بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب و هو يقول:
نشكو إلى اللّه من العدوان * * * قتال قوم في الرّدى عميان (6)
قد تركوا معالم القرآن * * * و محكم التنزيل و التبيان
و أظهروا الكفر مع الطغيان
ثمّ قاتل حتّى قتل عشرة أنفس، ثمّ قتله عامر بن نهشل التميميّ.
ثمّ خرج من بعده عون بن عبد اللّه بن جعفر و هو يقول:
إن تنكروني فأنا ابن جعفر * * * شهيد صدق في الجنان أزهر
يطير فيها بجناح أخضر * * * كفى بهذا شرفا في المحشر
ثمّ قاتل حتّى قتل من القوم ثلاثة فوارس و ثمانية عشر راجلا، ثمّ قتله عبد اللّه
____________
(1)- في المصدر: عبد الرحمن بن عقيل، و هو خلاف لكلام المصنّف حيث يقول: «و لم يذكر عبد الرحمن أصلا».
(2)- في المصدر: خالد بن أسيد.
(3)- في البحار: القابضيّ.
(4)- في الأصل: كتاب.
(5)- مقاتل الطالبيين ص 61- 62 و البحار: 45/ 33.
(6)- عيان/ خ.
279
بصدورها، و جرحته بحوافرها، و وطئته حتّى مات (1)، فانجلت الغبرة فإذا بالحسين (عليه السّلام) قائم على رأس الغلام و هو يفحص برجله، فقال الحسين (عليه السّلام): يعزّ و اللّه على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك فلا يعينك، أو يعينك فلا يغني عنك، بعدا لقوم قتلوك.
ثمّ احتمله و كأنّي أنظر إلى رجلي الغلام يخطّان في الأرض، و قد وضع صدره على صدره، فقلت في نفسي: ما يصنع؟ فجاء حتّى ألقاه بين القتلى من أهل بيته، ثمّ قال: اللّهمّ أحصهم عددا، و اقتلهم بددا، و لا تغادر منهم أحدا، و لا تغفر لهم أبدا، صبرا يا بني عمومتي، صبرا يا أهل بيتي، لا رأيتم هوانا بعد هذا (2) اليوم أبدا.
ثمّ خرج عبد اللّه بن الحسن- الذي ذكرناه أوّلا و هو الأصحّ- أنّه برز بعد القاسم و هو يقول:
إن تنكروني فأنا ابن حيدرة * * * ضرغام آجام و ليث قسورة
على الأعادي مثل ريح صرصرة
فقتل أربعة عشر رجلا ثمّ قتله هانئ بن ثبيت الحضرميّ فاسودّ وجهه (3).
قال أبو الفرج: كان أبو جعفر الباقر (عليه السّلام) يذكر أنّ حرملة بن كاهل الأسديّ قتله، و روي عن هانئ بن ثبيت القائضيّ أنّ رجلا منهم قتله.
ثمّ قال: و أبو بكر بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السّلام)، و امّه أمّ ولد.
ذكر المدائنيّ: في إسنادنا عنه، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد أنّ عبد اللّه بن عاقبة الغنويّ قتله، و في حديث عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السّلام) أنّ عاقبة الغنويّ قتله (4).
____________
(1)- في الأصل و البحار: «مات الغلام» و هو سهو ظاهر لما يؤكّده سياق الحديث، حيث يقول بعده: «و هو يفحص برجله» أي يجود بنفسه، و مخاطبة الحسين (عليه السّلام) إيّاه، حيث لا يدع مجالا للشكّ أنّ الذي مات هو عمرو بن سعيد الأزدي، و هذا ما أكّدته النصوص الواردة في: إرشاد المفيد ص 268 و مقاتل الطالبيين ص 58 و تاريخ الطبري ج 4 ص 341 و الكامل في التاريخ ج 4 ص 75 و أنساب الأشراف ج 3 ص 201، فراجع.
(2)- في الأصل: ذلك.
(3)- البحار: 45/ 34.
(4)- مقاتل الطالبيين ص 57- 58 و البحار: 45/ 36.
281
إنّي أنا عثمان ذو المفاخر * * * شيخي عليّ ذو الفعال الظاهر
و ابن عمّ للنبيّ الطاهر * * * أخي حسين خيرة الأخاير
و سيّد الكبار و الأصاغر * * * بعد الرسول و الوصيّ الناصر
فرماه خوليّ بن يزيد الأصبحيّ على جبينه فسقط عن فرسه، و جزّ رأسه رجل من بني أبان بن حازم (1).
قال أبو الفرج: قال يحيى بن الحسن، عن عليّ بن إبراهيم، عن عبيد اللّه بن الحسن (2) و عبد اللّه بن العباس قالا: قتل عثمان بن علي و هو ابن إحدى و عشرين سنة.
و قال الضحّاك بإسناده: إنّ خوليّ بن يزيد رمى عثمان بن عليّ بسهم فأسقطه (3)، و شدّ عليه رجل من بني أبان (بن) دارم (فقتله،) و أخذ رأسه، و روي عن عليّ (عليه السّلام) أنّه قال: إنّما سمّيته باسم أخي عثمان بن مظعون (4).
أقول: و لم يذكر أبو الفرج عمر بن عليّ في المقتولين يومئذ.
قالوا: ثمّ برز من بعده أخوه جعفر بن عليّ، و امّه أمّ البنين أيضا، و هو يقول:
إنّي أنا جعفر ذو المعالي * * * ابن عليّ الخير ذو النوال
حسبي بعمّي شرفا و خالي * * * أحمي حسينا ذا الندى المفضال
ثمّ قاتل (5) فرماه خوليّ الأصبحيّ فأصاب شقيقته أو عينه.
ثمّ برز أخوه عبد اللّه بن عليّ و هو يقول:
أنا ابن ذي النجدة و الإفضال * * * ذاك عليّ الخير ذو الفعال
سيف رسول اللّه ذو النكال * * * في كلّ قوم ظاهر الأهوال
فقتله هانئ بن ثبيت الحضرميّ. (6)
قال أبو الفرج: حدّثني أحمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن، عن عليّ بن إبراهيم، عن عبيد اللّه بن الحسين و عبد اللّه بن العبّاس قالا: قتل عبد اللّه بن عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) و هو ابن خمس و عشرين سنة و لا عقب له، و قتل جعفر بن عليّ و هو
____________
(1)- البحار: 45/ 37.
(2)- في الأصل: عبد اللّه بن الحسن.
(3)- في المصدر: فأوهطه، أي أضعفه و أوهنه.
(4)- مقاتل الطالبيين ص 55 و البحار: 45/ 37.
(5)- قال/ خ.
(6)- البحار: 45/ 38.
282
ابن تسع عشرة سنة.
حدّثني أحمد بن عيسى، عن حسين بن نصر، عن أبيه، عن عمر بن سعد، عن أبي مخنف، عن عبد اللّه بن عاصم، عن الضحّاك المشرقيّ قال: قال العبّاس بن عليّ لأخيه من أبيه و امّه عبد اللّه بن عليّ: تقدّم بين يديّ حتّى أراك و أحتسبك فإنّه لا ولد لك، فتقدّم بين يديه و شدّ عليه هانئ بن ثبيت الحضرميّ فقتله.
و بهذا الإسناد: أنّ العبّاس بن عليّ (عليهما السّلام) قدّم أخاه جعفرا بين يديه فشدّ عليه هانئ بن ثبيب الحضرمي [الذي قتل أخاه] (1) فقتله.
و قال نصر بن مزاحم: حدّثني عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر محمد ابن عليّ أنّ خوليّ بن يزيد الأصبحيّ قتل جعفر بن عليّ (عليه السّلام).
ثمّ قال: و محمّد الأصغر بن عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام)، و امّه أمّ ولد.
حدّثني أحمد بن عيسى، عن حسين بن نصر، عن أبيه، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السّلام)، و حدّثني أحمد بن أبي شيبة، عن أحمد بن الحارث، عن المدائنيّ أنّ رجلا من تميم من بني أبان بن دارم قتله (رضوان اللّه عليه).
قال: و قد ذكر محمد بن عليّ بن حمزة أنّه قتل يومئذ إبراهيم بن عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام)، و امّه أمّ ولد. و ما سمعت بهذا من غيره و لا رأيت لإبراهيم في شيء من كتب الأنساب ذكرا، و ذكر يحيى بن الحسن أنّ أبا بكر بن عبيد اللّه الطلحيّ حدّثه عن أبيه أنّ عبيد اللّه بن عليّ (2) قتل مع الحسين (عليه السّلام)، و هذا خطأ و إنّما قتل عبيد اللّه يوم المذار (3) قتله أصحاب المختار و قد رأيته بالمذار (4).
و قال: كان العبّاس بن علي يكنّى أبا الفضل، و امّه أمّ البنين أيضا و هو أكبر ولدها، و هو آخر من قتل من إخوته لأبيه و امّه فحاز مواريثهم ثم تقدّم فقتل، فورثهم و إيّاه عبيد اللّه و نازعه في ذلك عمّه عمر بن عليّ فصولح على شيء ارضي به.
و كان العبّاس رجلا و سيما جميلا يركب الفرس المطهّم و رجلاه يخطّان في
____________
(1)- ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر و البحار.
(2)- في الأصل: عبد اللّه بن علي.
(3)- في الأصل: الدار، و في المصدر: المدار.
(4)- في الأصل: الدار، و في المصدر: المدار.
280
قالوا: (1) ثمّ تقدّم إخوة الحسين (عليه السّلام) عازمين على أن يموتوا دونه، فأوّل من خرج منهم أبو بكر بن عليّ و اسمه عبيد اللّه (2)، و امّه ليلى بنت مسعود بن خالد بن ربعيّ التميميّة فتقدّم و هو يرتجز:
شيخي عليّ ذو الفخار الأطول * * * من هاشم الصدق الكريم المفضل
هذا حسين بن النبيّ المرسل * * * عنه نحامي بالحسام المصقل
تفديه نفسي من أخ مبجّل
فلم يزل يقاتل حتّى قتله زحر بن بدر النخعيّ، و قيل: عبد اللّه بن عاقبة الغنويّ (3).
قال أبو الفرج: لا يعرف اسمه. و ذكر أبو جعفر الباقر (عليه السّلام) في الإسناد الذي تقدّم أنّ رجلا من همدان قتله.
و ذكر المدائنيّ: أنّه وجد في ساقية مقتولا لا يدرى من قتله (4).
قالوا: ثمّ برز من بعده أخوه عمر بن عليّ و هو يقول:
أضربكم و لا أرى فيكم زحر * * * ذاك الشقيّ بالنبيّ قد كفر
يا زحر يا زحر تدان من عمر * * * لعلّك اليوم تبوّأ من سقر
شرّ مكان في حريق و سعر * * * لأنّك الجاحد يا شرّ البشر
ثمّ حمل على زحر قاتل أخيه فقتله، و استقبل القوم و جعل يضرب بسيفه ضربا منكرا و هو يقول:
خلّوا عداة اللّه خلّوا عن عمر * * * خلّوا عن الليث العبوس المكفرة
يضربكم بسيفه و لا يفرّ * * * و ليس فيها كالجبان المنجحر
فلم يزل يقاتل حتّى قتل.
ثمّ برز من بعده أخوه عثمان بن عليّ، و امّه أمّ البنين بنت حزام بن خالد من بني كلاب و هو يقول:
____________
(1)- في الأصل: قال.
(2)- في الاصل: عبد اللّه.
(3)- البحار: 45/ 36 و فيه: عبيد اللّه بن عاقبة الغنوي.
(4)- مقاتل الطالبيين ص 56 و البحار: 45/ 37.
283
الأرض، و كان يقال له: قمر بني هاشم، و كان لواء الحسين (عليه السّلام) معه [يوم قتل].
حدّثني أحمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن، عن بكر بن عبد الوهّاب، عن ابن أبي أويس، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد (عليهما السّلام) قال: عبّأ الحسين بن عليّ أصحابه فأعطى رايته أخاه العبّاس.
حدّثني أحمد بن عيسى، عن حسين بن نصر، عن أبيه، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السّلام) أنّ زيد بن رقاد و حكيم بن الطفيل الطائيّ قتلا العبّاس بن عليّ، و كانت أمّ البنين أمّ هؤلاء الأربعة الأخوة القتلى تخرج إلى البقيع فتندب بنيها أشجى ندبة و أحرقها، فيجتمع الناس إليها يسمعون منها، فكان مروان يجيء فيمن يجيء لذلك، فلا يزال يسمع ندبتها و يبكي.
ذكر ذلك محمّد بن عليّ بن حمزة، عن النوفليّ، عن حمّاد بن عيسى الجهني، عن معاوية بن عمّار، عن جعفر بن محمّد (عليهما السّلام) (1).
قالوا: و كان العبّاس السّقاء قمر بني هاشم صاحب لواء الحسين (عليه السّلام) و هو أكبر الإخوان، مضى يطلب الماء فحملوا عليه و حمل عليهم و جعل يقول:
لا أرهب الموت إذا الموت رقا * * * حتى اواري في المصاليت لقى
نفسي لنفس المصطفى الطهر وقا * * * إنّي أنا العبّاس أغدو بالسقا
و لا أخاف الشرّ يوم الملتقى
ففرّقهم فكمن له زيد بن ورقاء (2) من وراء نخلة و عاونه حكيم بن الطفيل السنبسيّ فضربه على يمينه فأخذ السيف بشماله و حمل و هو يرتجز:
و اللّه إن قطعتم يميني * * * إنّي احامي أبدا عن ديني
و عن إمام صادق اليقين * * * نجل النبيّ الطاهر الأمين
فقاتل حتّى ضعف، فكمن له الحكيم بن الطفيل الطائيّ (3) من وراء نخلة فضربه على شماله فقال:
____________
(1)- مقاتل الطالبيين ص 54- 57 و البحار: 45/ 38.
(2)- تقدّم عن المقاتل أنّه زيد بن رقاد.
(3)- في البحار: الحكم بن الطفيل الطائيّ.
284
يا نفس لا تخشي من الكفّار * * * و أبشري برحمة الجبّار
مع النبيّ السيّد المختار * * * قد قطعوا ببغيهم يساري
فأصلهم يا ربّ حرّ النار
فضربه ملعون بعمود من حديد فقتله، فلمّا رآه الحسين (عليه السّلام) صريعا على شاطئ الفرات بكى و أنشأ يقول:
تعدّيتم يا شرّ قوم ببغيكم * * * و خالفتم دين النبيّ محمّد
أ ما كان خير الرسل أوصاكم بنا؟ * * * أما نحن من نجل النبيّ المسدّد؟
أ ما كانت الزهراء امّي دونكم؟ * * * أ ما كان من خير البريّة أحمد؟
لعنتم و اخزيتم بما قد جنيتم * * * فسوف تلاقوا حرّ نار توقّد
أقول: في بعض تأليفات أصحابنا أنّ العبّاس لما رأى وحدته (عليه السّلام) أتى أخاه و قال: يا أخي هل من رخصة؟ فبكى الحسين (عليه السّلام) بكاء شديدا ثمّ قال: يا أخي أنت صاحب لوائي و إذا مضيت تفرّق عسكري (1)، فقال العبّاس: قد ضاق صدري و سئمت من الحياة و اريد أن أطلب ثأري من هؤلاء المنافقين.
فقال الحسين (عليه السّلام): فاطلب لهؤلاء ا لأطفال قليلا من الماء، فذهب العبّاس و و عظهم و حذّرهم فلم ينفعهم فرجع إلى أخيه فأخبره فسمع الأطفال ينادون: العطش العطش! فركب فرسه و أخذ رمحه و القربة و قصد نحو الفرات فأحاط به أربعة آلاف ممّن كانوا موكّلين بالفرات، و رموه بالنبال فكشفهم و قتل منهم على ما روي ثمانين رجلا حتّى دخل الماء.
فلمّا أراد أن يشرب غرفة من الماء ذكر عطش الحسين (عليه السّلام) و أهل بيته، فرمى الماء و ملأ القربة و حملها على كتفه الأيمن، و توجّه نحو الخيمة، فقطعوا عليه الطريق و أحاطوا به من كلّ جانب، فحاربهم حتّى ضربه نوفل الأزرق على يده اليمنى
____________
(1)- العسكر ليس دائما بمعنى الجيش، بل يأتي بمعنى الكثير من كلّ شيء و المال و النعم، و في المقام أن العبّاس (عليه السّلام) صاحب لواء الإمام الحسين (عليه السّلام) كان آخر من برز إلى القوم، فببقائه ما انكسر ظهر الإمام و ما انقطع رجاء أهل بيته، فصاحب اللواء يمثّل عسكرا، و يوجب ثباته و خوف العدوّ منه.
285
فقطعها، و حمل القربة على كتفه الأيسر فضربه نوفل فقطع يده اليسرى من الزند، فحمل القربة بأسنانه فجاءه سهم فأصاب القربة و اريق ماؤها، ثمّ جاءه سهم آخر فأصاب صدره، فانقلب عن فرسه و صاح إلى أخيه الحسين (عليه السّلام): أدركني، فلمّا أتاه رآه صريعا فبكى و حمله إلى الخيمة.
ثمّ قالوا: و لمّا قتل العبّاس (عليه السّلام) قال الحسين (عليه السّلام): الآن انكسر ظهري و قلّت حيلتي (1).
قال ابن شهرآشوب: ثمّ برز القاسم بن الحسن (2) و هو يرتجز:
إن تنكروني فأنا ابن حيدرة * * * ضرغام آجام و ليث قسورة
على الأعادي مثل ريح صرصرة * * * أكيلكم بالسيف كيل السندرة (3)
و ذكر هذا بعد أن ذكر القاسم بن الحسن سابقا و فيه غرابة (4).
قالوا: ثمّ تقدّم عليّ بن الحسين (عليهما السّلام).
و قال محمّد بن أبي طالب و أبو الفرج: و امّه ليلى بنت أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثقفي، و هو يومئذ ابن ثماني عشرة سنة (5).
و قال ابن شهرآشوب: و يقال: ابن خمس و عشرين سنة. (6)
قالوا: و رفع الحسين (عليه السّلام) سبّابته نحو السماء و قال: اللهمّ اشهد على هؤلاء القوم فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقا و خلقا و منطقا برسولك، كنّا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إلى وجهه، اللهمّ امنعهم بركات الأرض، و فرّقهم تفريقا، و مزّقهم تمزيقا، و اجعلهم طرائق قددا، و لا ترض الولاة عنهم أبدا، فإنّهم دعونا لينصرونا ثمّ عدوا علينا يقاتلوننا.
ثمّ صاح الحسين (عليه السّلام) بعمر بن سعد: مالك؟ قطع اللّه رحمك، و لا بارك اللّه
____________
(1)- البحار: 45/ 40.
(2)- في المصدر و البحار: القاسم بن الحسين.
(3)- المناقب: 3/ 256 و البحار: 45/ 42، و قد مرّ في ص 314 أن هذا الرجز لعبد اللّه بن الحسن، فراجع.
(4)- الظاهر إنّما كرّره لاختلاف الرواية في ترتيب الشهداء.
(5)- مقاتل الطالبيين ص 52 و البحار: 45/ 42.
(6)- مناقب ابن شهرآشوب: 3/ 257 و البحار: 45/ 42.
287
فلمّا بلغت الروح التراقي قال رافعا صوته: يا أبتاه هذا جدّي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبدا و هو يقول: العجل العجل فإنّ لك كأسا مذخورة حتّى تشربها الساعة، فصاح الحسين (عليه السّلام) و قال: قتل اللّه قوما قتلوك، ما أجرأهم على الرحمن و على رسوله، و على انتهاك حرمة الرسول، (بني) على الدنيا بعدك العفا.
قال حميد بن مسلم: فكأنّي أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنّها الشمس الطالعة تنادي بالويل و الثبور و تقول: يا حبيباه يا ثمرة فؤاداه، يا نور عيناه! فسألت عنها، فقيل: هي زينب بنت علي (عليهما السّلام)، و جاءت و انكبّت عليه فجاء الحسين (عليه السّلام) و أخذ بيدها فردّها إلى الفسطاط، و أقبل (صلوات الله عليه) بفتيانه، و قال: احملوا أخاكم فحملوه من مصرعه فجاءوا به حتّى وضعوه عند الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه (1).
و قال المفيد و ابن نما بعد ذلك: ثمّ رمى رجل من أصحاب عمر بن سعد يقال له: عمرو بن صبيح عبد اللّه بن مسلم بن عقيل بسهم فوضع عبد اللّه يده على جبهته يتّقيه فأصاب السهم كفّه و نفذ إلى جبهته فسمّرها به، فلم يستطع تحريكها، ثمّ انحنى عليه (2) آخر برمحه فطعنه في قلبه فقتله.
و حمل عبد اللّه بن قطبة الطائيّ على عون بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب (عليه السّلام) فقتله، و حمل عامر بن نهشل التميميّ على محمد بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب (عليه السّلام) فقتله، و شدّ عثمان بن خالد الهمداني على عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب فقتله (3).
و قال أبو الفرج في المقاتل: حدّثني أحمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن، عن بكر بن عبد الوهّاب، عن إسماعيل بن أبي زياد بن إدريس، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهما السّلام): إنّ أوّل قتيل قتل من ولد أبي طالب مع الحسين ابنه عليّ (عليه السّلام).
____________
(1)- البحار: 45/ 42.
(2)- في المصدر: انتحى إليه.
(3)- إرشاد المفيد ص 268 و مثير الاحزان ص 67 و البحار: 45/ 44.
286
لك في أمرك، و سلّط عليك من يذبحك بعدي على فراشك كما قطعت رحمي و لم تحفظ قرابتي من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، ثمّ رفع الحسين (عليه السّلام) صوته و تلا: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (1)
ثمّ حمل عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) على القوم و هو يقول:
أنا عليّ بن الحسين بن عليّ * * * من عصبة جدّ أبيهم النبيّ
و اللّه لا يحكم فينا ابن الدعيّ * * * أطعنكم بالرمح حتّى ينثني
أضربكم بالسيف أحمي عن أبي * * * ضرب غلام هاشميّ علويّ
فلم يزل يقاتل حتّى ضجّ الناس من كثرة من قتل منهم.
و روي أنّه قتل على عطشه مائة و عشرين رجلا، ثمّ رجع إلى أبيه و قد أصابته جراحات كثيرة، فقال: يا أبه العطش قد قتلني، و ثقل الحديد أجاهدني، فهل إلى شربة من ماء سبيل أتقوّى بها على الأعداء؟ فبكى الحسين (عليه السّلام) و قال: يا بنيّ يعزّ على محمّد (صلى اللّه عليه و آله) و على عليّ بن أبي طالب و عليّ أن تدعوهم فلا يجيبوك، و تستغيث بهم فلا يغيثوك، يا بنيّ هات لسانك، فأخذ [ب] لسانه فمصّه و دفع إليه خاتمه، و قال (عليه السّلام): أمسكه في فيك و ارجع إلى قتال عدوّك فإنّي أرجو أنّك لا تمسي حتّى يسقيك جدّك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبدا، فرجع إلى القتال و هو يقول:
الحرب قد بانت لها الحقائق * * * و ظهرت من بعدها مصادق
و اللّه ربّ العرش لا نفارق * * * جموعكم أو تغمد البوارق
فلم يزل يقاتل حتّى قتل تمام المائتين، ثمّ ضربه منقذ بن مرّة العبدي (2) لعنه اللّه على مفرق رأسه ضربة صرعته، و ضربه الناس بأسيافهم، ثمّ اعتنق (صلوات الله عليه) فرسه فاحتمله الفرس إلى عسكر الأعداء فقطّعوه بسيوفهم إربا إربا.
____________
(1)- آل عمران: 33، 34.
(2)- هكذا في الأصل و البحار، و المشهور كما في تاريخ الطبري ج 4 ص 340: مرّة بن منقذ بن النعمان العبدي، و هكذا في الكامل لابن الأثير ج 4 ص 74 و أنساب الأشراف ج 3 ص 200 و مقاتل الطالبيين ص 76.
288
و حدّثني أحمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن، عن غير واحد، عن محمّد بن أبي عمير (1)، عن أحمد بن عبد الرحمن البصريّ، عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن حمّاد بن سلمة، عن سعيد بن ثابت قال: لمّا برز عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) إليهم، أرخى الحسين (عليه السّلام) عينيه فبكى ثمّ قال: اللهمّ فكن أنت الشهيد عليهم، فقد برز إليهم غلام أشبه الخلق (2) برسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فجعل يشدّ عليهم ثمّ يرجع إلى أبيه فيقول: يا أبه الطش، فيقول له الحسين (عليه السّلام): اصبر حبيبي فإنّك لا تمسي حتّى يسقيك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بكأسه، و جعل يكرّ كرّة بعد كرّة، حتّى رمي بسهم فوقع في حلقه فخرقه و أقبل يتقلّب في دمه ثمّ نادى: يا أبتاه عليك السلام هذا جدّي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يقرؤك السلام و (هو): يقول: عجّل القدوم علينا (3)، و شهق شهقة فارق الدنيا (عليه السّلام) (4).
قال أبو الفرج: عليّ بن الحسين هذا هو الأكبر و لا عقب له، و يكنّى أبا الحسن، و امّه ليلى بنت أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثقفيّ، و هو أوّل من قتل في الوقعة، و إيّاه عنى معاوية في الخبر الذي حدّثني به محمّد بن محمّد بن سليمان، عن يوسف بن موسى القطّان، عن جرير، عن مغيرة قال: قال معاوية: من أحقّ الناس بهذا الأمر؟ قالوا: أنت، قال: لا، أولى الناس بهذا الأمر عليّ بن الحسين بن عليّ (عليهم السّلام) جدّه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، و فيه شجاعة بني هاشم، و سخاء بني اميّة، و زهو ثقيف.
و قال يحيى بن الحسن العلويّ: و أصحابنا الطالبيّون يذكرون أنّ المقتول لأمّ ولد، و أنّ الذي امّه ليلى هو جدّهم، و ولد في خلافة عثمان. (5)
ثمّ قالوا: و خرج غلام من تلك الأبنية و في اذنيه درّتان و هو مذعور، فجعل يلتفت يمينا و شمالا و قرطاه يتذبذبان، فحمل عليه هانئ بن ثبيت لعنه اللّه فقتله، فصارت شهربانو تنظر إليه و لا تتكلّم كالمدهوشة.
ثمّ التفت الحسين (عليه السّلام) عن يمينه فلم ير أحدا من الرجال، و التفت عن يساره
____________
(1)- في المصدر: محمد بن عمير.
(2)- الناس/ خ.
(3)- في المصدر: القوم إلينا.
(4)- مقاتل الطالبيين ص 76- 77 و البحار: 45/ 45.
(5)- مقاتل الطالبيين ص 52 و البحار: 45/ 456.
290
لو ترك القطا لنام، فتصارخن النساء فسكّتهنّ الحسين (عليه السّلام) و حمل على القوم (1).
و قال أبو الفرج: و عبد اللّه بن الحسين (عليه السّلام) و امّه الرباب بنت امرئ القيس و هي التي يقول فيها أبو عبد اللّه الحسين (عليه السّلام):
لعمرك إنّني لاحبّ دارا * * * تكون بها سكينة و الرباب
احبّهما و أبذل جلّ مالي * * * و ليس لعاتب عندي عتاب
و سكينة التي ذكرها ابنته من الرباب، و اسم سكينة أمينة، و إنّما غلب عليها سكينة، و ليس باسمها. و كان عبد اللّه يوم قتل صغيرا جاءته نشّابة و هو في حجر أبيه فذبحته.
حدّثني أحمد بن شبيب، عن أحمد بن الحارث، عن المدائنيّ، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم قال: دعا الحسين (عليه السّلام) بغلام فأقعده في حجره فرماه عاقبة بن بشر فذبحه.
و حدّثني محمّد بن الحسين الأشنانيّ بإسناده عمّن شهد الحسين (عليه السّلام) قال:
كان معه ابن له صغير فجاء سهم فوقع في نحره، قال: فجعل الحسين (عليه السّلام) يمسح (2) الدم من نحر [ه و] لبّته فيرمي به الى السماء فما رجع منه قطرة (3) و يقول: اللّهمّ لا يكون أهون عليك من فصيل. (4)
ثمّ قالوا: ثمّ قام الحسين (عليه السّلام) و ركب فرسه و تقدّم إلى القتال و هو يقول:
كفر القوم و قدما رغبوا * * * عن ثواب اللّه ربّ الثقلين
قتلوا القوم عليّا و ابنه * * * حسن الخير كريم الأبوين
حنقا منهم و قالوا أجمعوا * * * (و) احشرو الناس إلى حرب الحسين
يا لقوم من اناس رذّل * * * جمع الجمع لأهل الحرمين
ثم صاروا و تواصوا كلّهم * * * باجتياحي لرضاء الملحدين
لم يخافوا اللّه في سفك دمي * * * لعبيد اللّه نسل الكافرين
____________
(1)- البحار: 45/ 47.
(2)- في المصدر: يأخذ.
(3)- في المصدر و البحار: شيء.
(4)- مقاتل الطالبيين ص 59 و البحار: 45/ 47.
289
فلم ير أحدا، فخرج عليّ بن الحسين زين العابدين (عليهما السّلام) و كان مريضا لا يقدر أن يقلّ سيفه، و أمّ كلثوم تنادي خلفه: يا بنيّ ارجع، فقال: يا عمّتاه ذريني اقاتل بين يدي ابن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فقال الحسين (عليه السّلام): يا أمّ كلثوم خذيه لئلّا تبقى الأرض خالية من نسل آل محمّد (صلى اللّه عليه و آله).
و لمّا فجع الحسين (عليه السّلام) بأهل بيته و ولده، و لم يبق غيره و غير النساء و الذراري نادى: هل من ذابّ يذبّ عن حرم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)؟ هل من موحّد يخاف اللّه فينا؟ هل من مغيث يرجو اللّه في إغاثتنا؟ و ارتفعت أصوات النساء بالعويل، فتقدّم إلى باب الخيمة فقال: ناولوني عليّا ابني الطفل حتّى اودّعه، فناولوه الصبيّ (1).
و قال المفيد (ره): دعا ابنه عبد اللّه (2).
قالوا: فجعل يقبّله و هو يقول: ويل لهؤلاء القوم إذا كان جدّك محمد المصطفى خصمهم، و الصبيّ في حجره، إذ رماه حرملة بن كاهل الأسديّ لعنه اللّه بسهم فذبحه في حجر الحسين (عليه السّلام)، فتلقّى الحسين (عليه السّلام) دمه حتّى امتلأت كفّه ثمّ رمى به إلى السماء.
و قال السيّد: ثمّ قال: هوّن عليّ ما نزل بي أنّه بعين اللّه.
قال الباقر (عليه السّلام): فلم يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض (3).
قالوا: ثمّ قال: لا يكون أهون عليك من فصيل، اللهمّ إن كنت حبست عنّا النصر، فاجعل ذلك لما هو خير لنا.
أقول:
و في بعض الكتاب أنّ الحسين (عليه السّلام) لمّا نظر إلى اثنين و سبعين رجلا من أهل بيته صرعى، التفت إلى الخيمة و نادى: يا سكينة، يا فاطمة، يا زينب، يا أمّ كلثوم! عليكنّ منّي السلام، فنادته سكينة: يا أبه استسلمت للموت؟ فقال: كيف لا يستسلم من لا ناصر له و لا معين، فقالت: يا أبه ردّنا إلى حرم جدّنا فقال: هيهات
____________
(1)- البحار: 45/ 46.
(2)- في الإرشاد ص 269: ثم جلس الحسين (عليه السّلام) أمام الفسطاط فأتي بابنه عبد اللّه و هو طفل الخ.
(3)- اللهوف ص 49 و البحار: 45/ 46.
291
و ابن سعد قد رماني عنوة * * * بجنود كوكوف الهاطلين
لا لشيء كان منّي قبل ذا * * * غير فخري بضياء النيّرين
بعليّ الخير من بعد النبيّ * * * و النبيّ القرشيّ الوالدين
خيرة اللّه من الخلق أبي * * * ثمّ امّي فأنا ابن الخيرتين (1)
فضّة قد خلصت من ذهب * * * فأنا الفضّة بين (2)الذّهبين
من له جدّ كجدّي في الورى * * * أو كشيخي فأنا ابن العالمين
فاطم الزهراء امّي و أبي * * * قاصم الكفر ببدر و حنين
عبد اللّه غلاما يافعا * * * و قريش يعبدون الوثنين
يعبدون اللات و العزّى معا * * * و عليّ كان صلّى القبلتين
فأبي شمس و امّي قمر * * * فأنا الكوكب و ابن القمرين
و له في يوم احد وقعة * * * شفت الغلّ بفضّ العسكرين
ثمّ في الأحزاب و الفتح معا * * * كان فيها حتف أهل الفيلقين
في سبيل اللّه ما ذا صنعت * * * أمّة السوء معا بالعترتين (3)
عترة البرّ النبيّ المصطفى * * * و عليّ الورد يوم الجحفلين
ثمّ وقف (صلوات الله عليه) قبالة القوم و سيفه مصلت في يده آيسا من الحياة، عازما على الموت، و هو يقول:
أنا ابن عليّ الطهر من آل هاشم * * * كفاني بهذا مفخرا حين أفخر
و جدّي رسول اللّه أكرم من مضى * * * و نحن سراج اللّه في الأرض (4)نزهر
و فاطم امّي من سلالة أحمد * * * و عمّي يدعى ذا الجناحين جعفر
و فينا كتاب اللّه انزل صادقا * * * و فينا الهدى و الوحي بالخير يذكر
و نحن أمان اللّه للناس كلّهم * * * نسرّ بهذا في الأنام و نجهر
و نحن ولاة الحوض نسقي ولاتنا * * * بكأس رسول اللّه ما ليس ينكر
و شيعتنا في الناس أكرم شيعة * * * و مبغضنا يوم القيامة يخسر (5)
____________
(1)- في البحار و إحدى نسختي الأصل: الخيّرين.
(2)- في البحار: و ابن.
(3)- في البحار: بالعترين.
(4)- في البحار: الخلق.
(5)- البحار 45/ 47.
293
قال السيّد: ثمّ إنّ الحسين (عليه السّلام) دعا الناس الى البراز، فلم يزل يقتل كلّ من برز إليه، حتى قتل مقتلة عظيمة، و هو في ذلك يقول:
القتل أولى من ركوب العار * * * و العار أولى من دخول النار
قال بعض الرواة: فو اللّه ما رأيت مكثورا (1) قطّ قد قتل ولده و أهل بيته و أصحابه (2) أربط جأشا منه، و إن كانت الرجال لتشدّ عليه فيشدّ عليها بسيفه، فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب، و لقد كان يحمل فيهم و قد تكمّلوا ثلاثين ألفا فينهزمون بين يديه كأنّهم الجراد المنتشر، ثمّ يرجع إلى مركزه، و هو يقول: لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم (3).
و قال ابن شهرآشوب و محمد بن أبي طالب: و لم يزل يقاتل حتى قتل ألف رجل و تسعمائة رجل و خمسين رجلا سوى المجروحين، فقال عمر بن سعد لقومه: الويل لكم، أ تدرون لمن تقاتلون؟ هذا ابن الأنزع البطين، هذا ابن قتّال العرب، فاحملوا عليه من كلّ جانب، و كانت الرماة أربعة آلاف، فرموه بالسهام، فحالوا بينه و بين رحله (4).
و قال ابن أبي طالب و صاحب المناقب و السيّد: فصاح بهم: و يحكم يا شيعة آل أبي سفيان إن لم يكن لكم دين و كنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحرارا في دنياكم، و ارجعوا إلى أحسابكم إن (5) كنتم عربا (6). فناداه شمر فقال: ما تقول يا بن فاطمة؟ قال: أقول: أنا الذي اقاتلكم و تقاتلوني، و النساء ليس عليهنّ جناح، فامنعوا عتاتكم عن التعرّض لحرمي ما دمت حيّا، فقال شمر: لك هذا، ثمّ صاح شمر: إليكم عن حرم الرجل فاقصدوه في نفسه، فلعمري لهو كفو كريم، قال: فقصده القوم و هو في ذلك يطلب شربة من ماء، فكلّما حمل بفرسه على الفرات حملوا عليه بأجمعهم، حتّى
____________
(1)- المكثور: المغلوب، و هو الذي تكاثر عليه الناس فقهروه: أي ما رأينا مقهورا أجرأ منه إقداما. «النهاية ج 4 ص 152».
(2)- في الأصل: و صاحبه، و في البحار: و صحبه.
(3)- اللهوف ص 49 و البحار: 45/ 50.
(4)- مناقب ابن شهرآشوب: 3/ 258 و البحار: 45/ 50.
(5)- في البحار: إذ.
(6)- في البحار و إحدى نسختي الأصل: أعرابا.
292
أقول: روي في الاحتجاج أنّه لمّا بقي فردا ليس معه إلّا ابنه عليّ بن الحسين (عليهما السّلام)، و ابن آخر في الرضاع اسمه عبد اللّه، أخذ الطفل ليودّعه، فإذا بسهم قد أقبل حتّى وقع في لبّة الصبيّ فقتله، فنزل عن فرسه و حفر للصبيّ بجفن سيفه، و رمّله بدمه و دفنه، ثمّ وثب قائما و هو يقول إلى آخر الأبيات (1).
و قال محمد بن أبي طالب: و ذكر أبو علي السلاميّ في تأريخه أنّ هذه الأبيات للحسين (عليه السّلام) من إنشائه، و قال: ليس لأحد مثلها:
فإن تكن الدنيا تعدّ نفيسة * * * فإنّ (2)ثواب اللّه أعلى و أنبل
و إن يكن الأبدان للموت انشأت * * * فقتل امرئ بالسيف في اللّه أفضل
و إن يكن الأرزاق قسما مقدّرا * * * فقلّة سعي المرء في الكسب أجمل
و إن تكن الأموال للترك جمعها * * * فما بال متروك به المرء يبخل
ثمّ إنّه (عليه السّلام) دعا الناس إلى البراز، فلم يزل يقتل كلّ من دنا منه من عيون الرجال، حتّى قتل منهم مقتلة عظيمة، ثمّ حمل على الميمنة، و قال: «الموت خير من ركوب العار» ثمّ على الميسرة و هو يقول:
أنا الحسين بن عليّ * * * آليت أن لا أنثني
أحمي عيالات أبي * * * أمضي على دين النبيّ (3)
قال المفيد و السيّد و ابن نما «رحمهم اللّه»: و اشتدّ العطش بالحسين (عليه السّلام) فركب المسنّاة يريد الفرات، و العبّاس أخوه بين يديه، فاعترضاه خيل ابن سعد، فرمى رجل من بني دارم الحسين (عليه السّلام) بسهم فأثبته في حنكه الشريف، فانتزع (صلوات الله عليه) السهم، و بسط يديه (4) تحت حنكه حتى امتلأت راحتاه من الدم، ثمّ رمى به، و قال: اللّهمّ إنّي أشكو إليك ما يفعل بابن بنت نبيّك، ثمّ اقتطعوا العبّاس عنه، و أحاطوا به من كلّ جانب حتى قتلوه، و كان المتولّي لقتله زيد بن و رقاء الحنفيّ و حكيم ابن الطفيل السنبسيّ، فبكى الحسين (عليه السّلام) لقتله بكاء شديدا (5).
____________
(1)- الاحتجاج: 2/ 25 و البحار: 45/ 49.
(2)- فدار/ خ.
(3)- البحار: 45/ 49.
(4)- في البحار و إحدى نسختي الأصل: يده.
(5)- إرشاد المفيد ص 269 و اللهوف ص 49 و مثير الاحزان ص 70- 71 و البحار: 45/ 50.
294
أجلوه عنه (1).
و قال ابن شهرآشوب: روى أبو مخنف، عن الجلوديّ أنّ الحسين (عليه السّلام) حمل على الأعور السلميّ و عمرو بن الحجّاج الزبيديّ و كانا في أربعة آلاف رجل على الشريعة، و أقحم الفرس على الفرات، فلمّا أولغ (2) الفرس برأسه ليشرب، قال (عليه السّلام):
أنت عطشان و أنا عطشان، و اللّه لاذقت (3) الماء حتّى تشرب، فلمّا سمع الفرس كلام الحسين (عليه السّلام) شال رأسه و لم يشرب، كأنّه فهم الكلام، فقال الحسين (عليه السّلام):
(اشرب) فأنا أشرب، فمدّ الحسين (عليه السّلام) يده فغرف من الماء، فقال فارس: يا أبا عبد اللّه تتلذّذ بشرب الماء و قد هتكت حرمك (4)، فنفض الماء من يده و حمل على القوم فكشفهم، فإذا الخيمة سالمة (5).
و قال أبو الفرج: قال: و جعل الحسين (عليه السّلام) يطلب الماء، و شمر لعنه اللّه يقول له: و اللّه لا ترده أو ترد النار، فقال له رجل: أ لا ترى إلى الفرات يا حسين كأنّه بطون الحيّات (6)، و اللّه لا تذوقه أو تموت عطشا، فقال الحسين (عليه السّلام): اللهمّ أمته عطشا، قال: و اللّه لقد كان هذا الرجل يقول: اسقوني ماء فيؤتى بماء فيشرب حتى يخرج من فيه، ثمّ (7) يقول: اسقوني قتلني العطش، فلم يزل كذلك حتى مات (8).
فقالوا: ثمّ رماه رجل من القوم يكنّى أبو الحتوف الجعفيّ لعنه اللّه بسهم فوقع السهم في جبهته، فنزع (ه) من جبهته، فسالت الدماء على وجهه و لحيته، فقال (صلوات الله عليه): اللهمّ إنّك ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلاء العصاة، اللهمّ أحصهم عددا، و اقتلهم بددا، و لا تذر على وجه الأرض منهم أحدا، و لا تغفر لهم أبدا.
ثم حمل عليهم كالليث المغضب، فجعل لا يلحق منهم أحدا إلّا بعجه (9) بسيفه
____________
(1)- اللهوف ص 50 و البحار: 45/ 51، و فيه: حتى أحلوه عنه.
(2)- في المصدر: أولع.
(3)- في المصدر: لا أذوق.
(4)- في المصدر: حرمتك.
(5)- المناقب: 3/ 215 و البحار: 45/ 51.
(6)- في البحار و إحدى نسختي الأصل: الحيتان.
(7)- في المصدر: و هو.
(8)- مقاتل الطالبيين ص 78 و البحار: 45/ 51.
(9)- في الأصل: يعجّه، و الظاهر أنه تصحيف، و في هامش البحار: نفحه.
296
هكذا أكون حتّى ألقى جدّي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و أنا مخضوب بدمي، و أقول: يا رسول اللّه قتلني فلان و فلان.
ثمّ ضعف عن القتال فوقف، فكلّما أتاه رجل و انتهى إليه انصرف عنه حتى جاءه رجل من كندة يقال له: مالك بن اليسر لعنه اللّه، فشتم الحسين (عليه السّلام) و ضربه بالسيف على رأسه و عليه برنس فامتلأ دما، فقال له الحسين (عليه السّلام): لا أكلت بها و لا شربت و حشرك اللّه مع الظالمين، ثمّ ألقى البرنس و لبس قلنسوة و اعتمّ عليها و قد أعيا، و جاء الكنديّ و أخذ البرنس و كان من خزّ، فلمّا قدم بعد الوقعة على امرأته فجعل يغسل الدم عنه، فقالت له امرأته: أ تدخل بيتي بسلب ابن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)؟ اخرج عنّي، حشا اللّه قبرك نارا، فلم يزل بعد ذلك فقيرا بأسوإ حال، و يبست يداه، و كانتا في الشتاء ينضحان دما، و في الصيف تصيران يابستين كأنّهما عودان (1).
و قال المفيد و السيّد: فلبثوا هنيئة، ثمّ عادوا إليه و أحاطوا به فخرج عبد اللّه ابن الحسن بن عليّ (عليهما السّلام) و هو غلام لم يراهق من عند النساء يشتدّ حتّى وقف إلى جنب الحسين (عليه السّلام)، فلحقته زينب بنت عليّ لتحبسه، فقال الحسين (عليه السّلام): احبسيه يا اختي! فأبى و امتنع امتناعا شديدا، و قال: لا و اللّه لا افارق عمّي، و أهوى بحر (2) بن كعب- و قيل: حرملة بن كاهل- إلى الحسين (عليه السّلام) بالسيف، فقال له الغلام:
ويلك يا بن الخبيثة، أ تقتل عمّي؟ فضربه بالسيف، فاتّقاه الغلام بيده، فأطنّها إلى الجلد، فإذا هي معلّقة، فنادى الغلام: يا عمّاه (3)، فأخذه الحسين (عليه السّلام) فضمّه إليه، و قال:
يا ابن أخي اصبر على ما نزل بك، و احتسب في ذلك الخير، فإن اللّه يلحقك بآبائك الصالحين (4).
قال السيّد (ره): فرماه حرملة بن كاهل بسهم فذبحه، و هو في حجر عمّه
____________
(1)- البحار: 45/ 53.
(2)- في الأصل و البحار و الإرشاد: أبجر، و ما أثبتناه من اللهوف، و هو موافق لما في تاريخ الطبري ج 4 ص 344 و الكامل في التاريخ ج 4 ص 77 و أنساب الأشراف ج 3 ص 202.
(3)- في البحار و المصدرين: يا امّاه.
(4)- إرشاد المفيد ص 270 و اللهوف ص 51 و البحار: 45/ 53.
295
فقتله، و السهام تأخذه من كلّ ناحية و هو يتّقيها بنحره و صدره و يقول: يا أمّة السوء بئسما خلفتم محمدا في عترته، أما إنّكم لن تقتلوا بعدي عبدا من عباد اللّه فتهابوا قتله، بل يهون عليكم عند قتلكم إيّاي، و أيم اللّه إنّي لأرجو أن يكرمني ربّي بالشهادة بهوانكم، ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون.
قال: فصاح به الحصين بن مالك السكوني، فقال: يا ابن فاطمة و بما ذا ينتقم لك منا؟ قال: يلقي بأسكم بينكم و يسفك دماءكم ثمّ يصبّ عليكم العذاب الأليم.
ثمّ لم يزل يقاتل حتى أصابته جراحات عظيمة.
و قال صاحب المناقب و السيّد: حتى أصابته اثنتان و سبعون جراحه (1).
و قال ابن شهرآشوب: قال أبو مخنف عن جعفر بن محمد بن علي (عليهم السّلام) قال:
وجدنا بالحسين (عليه السّلام) ثلاثا و ثلاثين طعنة، و أربعا و ثلاثين ضربة. و قال الباقر (عليه السّلام): اصيب الحسين (عليه السّلام) و وجد به ثلاثمائة و بضعة و عشرون طعنة برمح، [أ] و ضربة بسيف، أو رمية بسهم، و روي: ثلاثمائة و ستّون جراحة، و قيل: ثلاث و ثلاثون ضربة سوى السهام، و قيل: ألف و تسعمائة جراحة، و كانت السهام في درعه كالشوك في جلد القنفذ. و روي أنّها كانت كلّها في مقدّمه (2).
قالوا: فوقف يستريح ساعة و قد ضعف عن القتال، فبينما هو واقف إذ أتاه حجر فوقع في جبهته، فأخذ الثوب ليمسح الدم عن وجهه، فأتاه سهم محدّد مسموم له ثلاث شعب، فوقع السهم في صدره- و في بعض الروايات: على قلبه- فقال الحسين (عليه السّلام): «بسم اللّه و باللّه و على ملّة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)» و رفع رأسه إلى السماء و قال:
إلهي إنّك تعلم أنّهم يقتلون رجلا ليس على وجه الأرض ابن نبيّ غيره، ثمّ أخذ السهم فأخرجه من قفاه، فانبعث الدم كالميزاب، فوضع يده على الجرح، فلمّا امتلأت رمى به إلى السماء فما رجع من ذلك الدم قطرة، و ما عرفت الحمرة في السماء حتّى رمى الحسين (عليه السّلام) بدمه إلى السماء، ثمّ وضع يده ثانيا، فلمّا امتلأت لطخ بها رأسه و لحيته، و قال:
____________
(1)- اللهوف ص 50 و البحار: 45/ 52.
(2)- مناقب ابن شهرآشوب: 3/ 258 و البحار: 45/ 52.
297
الحسين (عليه السّلام).
ثمّ إنّ شمر بن ذي الجوشن حمل على فسطاط الحسين (عليه السّلام) فطعنه بالرمح ثم قال: عليّ بالنار أحرقه على من فيه، فقال له الحسين (عليه السّلام): يا ابن ذي الجوشن، أنت الداعي بالنار لتحرق على أهلي! أحرقك اللّه بالنار، و جاء شبث فوبّخه، فاستحيا و انصرف.
قال: و قال الحسين (عليه السّلام): ابعثوا (1) إليّ ثوبا لا يرغب فيه، أجعله تحت ثيابي، لئلّا اجرّد، فاتي بتبّان (2)، فقال: لا، ذاك لباس من ضربت عليه بالذلّة، فأخذ ثوبا خلقا فخرقه و جعله تحت ثيابه- فلمّا قتل جرّدوه منه- ثم استدعى الحسين (عليه السّلام) بسراويل من حبرة ففزّرها (3) و لبسها، و إنّما فزرها (4) لئلّا يسلبها، فلمّا قتل سلبها بحر بن (5) كعب و تركه مجرّدا، فكانت يد (ا) بحر (6) بعد ذلك ييبسان في الصيف كأنّهما عودان [يابسان]، و يترطّبان في الشتاء فينضحان دما و قيحا إلى أن أهلكه اللّه تعالى.
قال: و لمّا اثخن بالجراح و بقي كالقنفذ، طعنه صالح بن وهب المزنيّ (7) على خاصرته طعنة، فسقط عن فرسه إلى الأرض على خدّه الأيمن [و هو يقول: بسم اللّه و باللّه و على ملّة رسول اللّه] (8) (صلوات الله عليه).
قال: و خرجت زينب من الفسطاط و هي تنادي: وا أخاه وا سيّداه وا أهل بيتاه، ليت السماء اطبقت على الأرض، و ليت الجبال تدكدكت على السهل، [و] قال: و صاح شمر [بأصحابه]: ما تنتظرون بالرجل؟ فحملوا عليه من كلّ جانب، فضربه زرعة بن شريك على كتفه [اليسرى]، و ضرب الحسين (عليه السّلام) زرعة فصرعه، و ضربه آخر على عاتقه المقدّس بالسيف ضربة كبا (عليه السّلام) بها لوجهه، و كان قد أعيا، و جعل ينوء و يكبو، فطعنه سنان بن أنس النخعيّ في ترقوته، ثمّ انتزع الرمح فطعنه في
____________
(1)- في المصدر: ابغوا.
(2)- التبّان: سراويل صغير يستر العورة المغلّظة فقط، و يكثر لبسه الملّاحون. «النهاية ج 1 ص 181».
(3)- أي شقّها، و في الأصل: فغرزها- غرزها، و في المصدر: ففرزها- فرزها.
(4)- أي شقّها، و في الأصل: فغرزها- غرزها، و في المصدر: ففرزها- فرزها.
(5)- تقدم الكلام عنه في الصفحة السابقة، فراجع.
(6)- تقدم الكلام عنه في الصفحة السابقة، فراجع.
(7)- في المصدر: المريّ.
(8)- ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
298
بواني (1) صدره، ثمّ رماه سنان أيضا بسهم فوقع السهم في نحره فسقط (عليه السّلام) و جلس قاعدا، فنزع السهم من نحره و قرن كفّيه جميعا و كلّما امتلأتا من دمائه خضّب بهما رأسه و لحيته، و [هو] يقول: هكذا حتّى ألقى اللّه مخضّبا بدمي، مغصوبا عليّ حقّي.
فقال عمر بن سعد لرجل عن يمينه: انزل ويحك إلى الحسين فأرحه، فبدر إليه خوليّ بن يزيد الأصبحيّ ليجتزّ (2) رأسه فارعد، فنزل إليه سنان بن أنس النخعيّ فضربه بالسيف في حلقه الشريف، و هو يقول: و اللّه إنّي لأجتزّ (3) رأسك و أعلم أنّك ابن رسول اللّه و خير الناس أبا و امّا، ثمّ اجتزّ (4) رأسه المقدّس المعظّم صلّى اللّه عليه و سلّم و كرّم.
و روي أنّ سنانا هذا أخذه المختار فقطع أنامله أنملة أنملة، ثمّ قطع يديه و رجليه و أغلى له قدر فيها زيت و رماه فيها و هو يضطرب (5).
و قال ابن شهرآشوب: أنشأ (6) (عليه السّلام) يوم الطفّ «كفر القوم و قدما رغبوا» إلى آخر ما مرّ من الأبيات (7) و زاد فيما بينها من الأبيات:
فاطم الزهراء امّي و أبي * * * وارث الرسل و مولى الثقلين
طحن الأبطال لمّا برزوا * * * يوم بدر و باحد و حنين
و أخو خيبر إذ بارزهم * * * بحسام صارم ذي شفرتين
و الّذي أردى (8)جيوشا أقبلوا * * * يطلبون الوتر في يوم حنين
من له عمّ كعمّي جعفر * * * وهب اللّه له أجنحتين
جدّي المرسل مصباح الهدى * * * و أبي الموفى له بالبيعتين
بطل قرم هزبر ضيغم * * * ماجد سمح قويّ الساعدين
عروة الدين عليّ ذاكم * * * صاحب الحوض مصلّي القبلتين
مع رسول اللّه سبعا كاملا * * * ما على الأرض مصلّ غير ذين
ترك الأوثان لم يسجد لها * * * مع قريش مذ نشا طرفة عين
____________
(1)- البواني: أضلاع الصدر، و في الأصل: بواقي.
(2)- في المصدر: ليحتزّ، لاحتزّ، احتزّ.
(3)- في المصدر: ليحتزّ، لاحتزّ، احتزّ.
(4)- في المصدر: ليحتزّ، لاحتزّ، احتزّ.
(5)- اللهوف ص 51 و البحار: 45/ 54.
(6)- أنشد/ خ.
(7)- تقدّمت الأبيات في ص 290 من كتابنا هذا.
(8)- في الأصل: أروى، و الظاهر أنه تصحيف.
299
و أبي كان هزبرا ضيغما * * * يأخذ الرّمح فيطعن طعنتين
كتمشّي الاسد بغيا فسقوا * * * كأس حتف من نجيع الحنظلين (1)
و قال صاحب المناقب و محمّد بن أبي طالب: و لمّا ضعف (صلوات الله عليه) نادى شمر لعنه اللّه: ما وقوفكم؟ و ما تنتظرون (2) بالرجل؟ قد أثخنته الجراح و السهام احملوا عليه ثكلتكم امّهاتكم، فحملوا عليه من كلّ جانب، فرماه الحصين بن تميم في فيه، و أبو أيّوب الغنويّ بسهم في حلقه، و ضربه زرعة بن شريك التميميّ، و كان قد طعنه سنان بن أنس النخعيّ في صدره، و طعنه صالح بن وهب المزنيّ على خاصرته، فوقع (عليه السّلام) إلى الأرض على خدّه الأيمن، ثمّ استوى جالسا و نزع السهم من حلقه، ثمّ دنا عمر بن سعد من الحسين (عليه السّلام).
قال حميد: و خرجت زينب بنت عليّ و قرطاها يجولان بين اذنيها و هي تقول:
ليت السماء انطبقت على الأرض، يا عمر بن سعد أ يقتل أبو عبد اللّه و أنت تنظر إليه؟ و دموع عمر تسيل على خدّيه و لحيته و هو يصرف وجهه عنها، و الحسين (عليه السّلام) جالس و عليه جبّة خزّ، و قد تحاماه الناس، فنادى شمر: ويلكم ما تنتظرون به؟ اقتلوه ثكلتكم امّهاتكم، فضربه زرعة بن شريك فأبان كفّه اليسرى ثمّ ضربه على عاتقه، ثمّ انصرفوا عنه و هو يكبو مرّة و يقوم اخرى.
فحمل عليه سنان في تلك الحال فطعنه بالرمح فصرعه، و قال خوليّ بن يزيد:
اجتزّ رأسه، فضعف و ارتعدت يده، فقال له سنان: فتّ اللّه عضدك، و أبان يدك، فنزل إليه شمر لعنه اللّه و كان اللعين أبرص، فضربه برجله فألقاه على قفاه ثمّ أخذ بلحيته فقال الحسين (عليه السّلام): أنت الأبقع الذي رأيتك في منامي، فقال: أ تشبهني بالكلاب؟ ثمّ جعل يضرب بسيفه مذبح الحسين (عليه السّلام) و هو يقول:
أقتلك اليوم و نفسي تعلم * * * علما يقينا ليس فيه مزعم
و لا مجال لا و لا تكتّم * * * إنّ أباك خير من تكلّم
و روى في المناقب: بإسناده عن عبد اللّه بن ميمون، عن محمد بن عمرو بن
____________
(1)- المناقب: 3/ 233 و البحار: 45/ 92 ح 32.
(2)- في الأصل: و ما تنظرون.
301
صارخ: أبشر أيّها الأمير فهذا شمر قد قتل الحسين، قال: فخرجت بين الصفّين فوقفت عليه و إنّه ليجود بنفسه، فو اللّه ما رأيت قطّ قتيلا مضمّخا (1) بدمه أحسن منه و لا أنور وجها، و لقد شغلني نور وجهه و جمال هيبته (2) عن الفكر في قتله، فاستسقى في تلك الحالة ماء، فسمعت رجلا يقول: [و اللّه] لا تذوق الماء حتّى ترد الحامية، فتشرب من حميمها، فسمعته يقول: أنا أرد الحامية فأشرب من حميمها (3)؟ بل أرد على جدّي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و أسكن معه في داره في مقعد صدق عند مليك مقتدر، و أشرب من ماء غير آسن، و أشكو إليه ما ارتكبتم منّي و فعلتم بي، قال: فغضبوا بأجمعهم حتّى كأنّ اللّه لم يجعل في قلب أحد منهم من الرحمة شيئا، فاجتزّوا (4) رأسه و إنّه ليكلّمهم، فتعجّبت من قلّة رحمتهم و قلت: و اللّه لا اجامعكم على أمر أبدا.
قال: ثمّ أقبلوا على سلب الحسين (عليه السّلام) فأخذ قميصه إسحاق بن حوية الحضرميّ فلبسه فصار أبرص و امتعط (5) شعره.
و روي أنّه وجد في قميصه مائة و بضع عشرة ما بين رمية و طعنة (6) و ضربة.
و قال الصادق (عليه السّلام): وجد بالحسين (عليه السّلام) ثلاث و ثلاثون طعنة و أربع و ثلاثون ضربة، و أخذ سراويله بحر بن كعب التميميّ (7)، و روي أنّه صار زمنا مقعدا من رجليه و أخذ عمامته أخنس بن مرثد بن علقمة الحضرميّ، و قيل: جابر بن يزيد الأوديّ فاعتمّ بها فصار معتوها، و في غير رواية السيّد: فصار مجذوما، و أخذ درعه مالك ابن بشير الكنديّ فصار معتوها.
فقال السيّد: و أخذ نعليه (8) الأسود بن خالد، و أخذ خاتمه بجدل بن سليم
____________
(1)- في المصدر: مضرّجا.
(2)- في المصدر و إحدى نسختي الأصل: هيئته.
(3)- في المصدر: يا ويلك أنا لا أرد الحامية و لا أشرب من حميمها.
(4)- في المصدر: فاحتزّوا.
(5)- يقال: امعط شعره و تمعّط، إذا تناثر. «النهاية ج 4 ص 343».
(6)- في المصدر: و طعنة سهم.
(7)- في الأصل و البحار: أبجر بن كعب التميميّ، و قد تقدم الكلام عنه.
(8)- في المصدر: نعله.
302
الكلبيّ فقطع إصبعه مع الخاتم، و هذا أخذه المختار فقطع يديه و رجليه و تركه يتشحّط في دمه حتّى هلك، و أخذ قطيفة له (عليه السّلام) كانت من خزّ قيس بن الأشعث، و أخذ درعه البتراء عمر بن سعد، فلمّا قتل عمر بن سعد وهبها المختار لأبي عمرة قاتله [بسيفه]، و أخذ سيفه جميع بن الخلق الأزديّ (1)، و يقال: رجل من بني تميم يقال له:
الأسود بن حنظلة. و في رواية ابن سعد أنّه أخذ سيفه القلافس (2) النهشليّ، و زاد محمّد ابن زكريّا أنّه وقع بعد ذلك الى بنت الحبيب بن بديل، و هذا السيف المنهوب [المشهور] ليس بذي الفقار، و إنّ ذلك كان مذخورا و مصونا مع أمثاله من ذخائر النبوّة و الإمامة، و قد نقل الرواة تصديق ما قلناه و صورة ما حكيناه.
قال: و جاءت جارية من ناحية [م] خيم الحسين (عليه السّلام) فقال لها رجل: يا أمة اللّه إنّ سيّدك قتل، قالت الجارية، فأسرعت إلى سيّدتي و أنا أصيح «فقمن في وجهي و صحن.
قال: و تسابق القوم على نهب بيوت آل الرسول (صلى اللّه عليه و آله) و قرّة عين الزهراء البتول، حتّى جعلوا ينزعون ملحفة المرأة عن ظهرها، و خرجن بنات [آل] الرسول (صلى اللّه عليه و آله) و حرمه يتساعدن (3) على البكاء و يندبن لفراق الحماة و الأحبّاء.
و روى حميد بن مسلم قال: رأيت امرأة من [بني] بكر بن وائل كانت مع زوجها في أصحاب عمر بن سعد فلمّا رأت القوم قد اقتحموا على نساء الحسين (عليه السّلام) (و) فسطاطهنّ و هم يسلبونهنّ أخذت سيفا و أقبلت نحو الفسطاط، و قالت: يا آل بكر ابن وائل أ تسلب بنات رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)؟ لا حكم إلّا للّه يا لثارات (4) رسول اللّه، فأخذها زوجها و ردّها إلى رحله.
قال: ثمّ أخرجوا النساء من الخيمة، و أشعلوا فيها النار، فخرجن حواسر مسلّبات حافيات باكيات، يمشين سبايا في أسر الذلّة، و قلن: بحقّ اللّه إلّا ما مررتم بنا على مصرع الحسين (عليه السّلام)، فلمّا نظرت النسوة إلى القتلى، صحن و ضربن وجوههنّ.
____________
(1)- في المصدر: الأوديّ.
(2)- في الأصل: الفلان، و ما أثبتناه من المصدر، و كذلك تذكرة الخواص ص 253.
(3)- في المصدر: و حريمه يتسارعن.
(4)- في الأصل و البحار: يا ثارات.
303
قال: فو اللّه لا أنسى زينب بنت عليّ و هي تندب الحسين (عليه السّلام) و تنادي بصوت حزين و قلب كئيب: وا محمّداه صلّى عليك مليك (1) السماء، هذا حسين مرمّل بالدماء، مقطّع الأعضاء، و بناتك سبايا، إلى اللّه المشتكى، و إلى محمد المصطفى، و إلى عليّ المرتضى، [و إلى فاطمة الزهراء] و إلى حمزة سيّد الشهداء، وا محمّداه هذا حسين بالعراء، يسفي عليه [ريح] الصبا، قتيل أولاد البغايا، يا حزناه يا كرباه، اليوم مات جدّي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، يا أصحاب محمّداه، هؤلاء ذرّيّة المصطفى يساقون سوق السبايا.
و في بعض الروايات: يا محمّداه بناتك سبايا، و ذرّيّتك مقتّلة، تسفي عليهم ريح الصبا و هذا حسين مجزور (2) الرأس من القفا، مسلوب العمامة و الرداء، بأبي من [أضحى] عسكره في يوم الاثنين نهبا، بأبي من فسطاطه مقطّع العرى، بأبي من لا هو غائب فيرتجى، و لا جريح فيداوى، بأبي من نفسي له الفداء، بأبي المهموم حتّى قضى، بأبي العطشان حتّى مضى، بأبي من شيبته تقطر بالدماء، بأبي من جدّه رسول إله السماء، بأبي من هو سبط نبيّ الهدى، بأبي محمّد المصطفى، بأبي خديجة الكبرى، بأبي عليّ المرتضى، بأبي فاطمة الزهراء سيّدة النساء، بأبي من ردّت له (3) الشمس حتّى صلّى (4).
قال: فأبكت و اللّه كل عدوّ و صديق. ثمّ إنّ سكينة اعتنقت جسد [أبيها] الحسين (عليه السّلام) فاجتمع عدّة من الأعراب حتّى جرّوها عنه، قال: ثمّ نادى عمر بن سعد في أصحابه: من ينتدب للحسين (عليه السّلام) فيوطىء الخيل ظهره [و صدره]، فانتدب منهم عشرة و هم: إسحاق بن حوية الّذي سلب الحسين (عليه السّلام) قميصه، و أخنس بن مرثد، و حكيم بن الطفيل السنبسيّ، و عمرو (5) بن صبيح الصيداويّ، و رجاء بن منقذ العبديّ، و سالم بن خثيمة الجعفيّ، و صالح بن وهب الجعفيّ، و واحظ (6) بن ناعم، و هانئ بن ثبيت الحضرميّ، و اسيد بن مالك، فداسوا الحسين (عليه السّلام) بحوافر خيلهم حتّى رضّوا ظهره و صدره.
____________
(1)- في المصدر: ملائكة.
(2)- في المصدر: محزوز.
(3)- في البحار: عليه.
(4)- في المصدر: و صلى.
(5)- في الأصل و المصدر: عمر.
(6)- في المصدر: و واحد.
304
قال: و جاء هؤلاء العشرة حتّى و قفوا على ابن زياد، فقال اسيد بن مالك- أحد العشرة- شعر:
نحن رضضنا الصدر بعد الظهر * * * بكلّ يعبوب شديد الأسر
فقال ابن زياد: من أنتم؟ فقالوا: نحن الذين وطئنا بخيولنا ظهر الحسين حتّى طحنّا جناجن صدره، فأمر لهم بجائزة يسيرة.
قال أبو عمرو الزاهد: فنظرنا إلى (1) هؤلاء العشرة فوجدناهم جميعا أولاد زنا، و هؤلاء أخذهم المختار فشدّ أيديهم و أرجلهم بسكك الحديد و أوطأ الخيل ظهورهم حتّى هلكوا. (2)
أقول: المعتمد عندي ما سيأتي في رواية الكافي أنّه لم يتيسّر لهم ذلك و هو المعتمد و يحتمل أن يكون هذا مرّة و ما في الكافي مرّة اخرى و يؤيّده ما سيأتي في الباب الآتي من كتاب النوادر لعلي بن أسباط (3) نقلا عن الباقر (عليه السّلام).
و قال صاحب المناقب و محمّد بن أبي طالب: قتل الحسين (عليه السّلام) باتّفاق الروايات يوم عاشورا، عاشر المحرّم سنة إحدى و ستّين، و هو ابن أربع و خمسين سنة و ستّة أشهر و نصف.
قالا: و أقبل فرس الحسين (عليه السّلام) و قد عدا من بين أيديهم أن لا يؤخذ، فوضع ناصيته في دم الحسين (عليه السّلام) ثمّ أقبل يركض نحو خيمة النساء، و هو يصهل و يضرب برأسه إلى الأرض عند الخيمة حتّى مات، فلمّا نظر (ت) أخوات الحسين (عليه السّلام) و بناته و أهله إلى الفرس ليس عليه أحد، رفعن أصواتهنّ بالبكاء و العويل، و وضعت أمّ كلثوم يدها على أمّ رأسها و نادت: وا محمّداه، وا جدّاه، وا نبيّاه، وا أبا القاسماه، وا عليّاه، وا جعفراه، وا حمزتاه، وا حسناه، هذا حسين بالعراء، صريع بكربلاء، مجزوز الرأس من القفاء، مسلوب العمامة و الرداء، ثمّ غشي عليها.
فأقبل أعداء اللّه لعنهم اللّه حتّى أحدقوا بالخيمة، و معهم شمر لعنه اللّه فقال:
____________
(1)- في الأصل و البحار: في.
(2)- اللهوف ص 53 و البحار: 45/ 57.
(3)- يأتي في ص 317 ح 9 من كتابنا هذا.
300
الحسن قال: كنّا مع الحسين (عليه السّلام) بنهر كربلا، و نظر إلى شمر بن ذي الجوشن و كان أبرص، فقال: اللّه أكبر اللّه أكبر، صدق اللّه و رسوله، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): كأنّي أنظر إلى كلب أبقع يلغ في دم أهل بيتي.
ثمّ قال: فغضب عمر بن سعد لعنه اللّه ثمّ قال لرجل عن يمينه: انزل ويحك إلى الحسين (عليه السّلام) فأرحه، فنزل إليه خوليّ بن يزيد الأصبحي لعنه اللّه فاجتزّ رأسه.
و قيل: بل جاء إليه شمر لعنه اللّه و سنان بن أنس و الحسين (عليه السّلام) بآخر رمق يلوك لسانه من العطش، و يطلب الماء، فرفسه شمر لعنه اللّه برجله، و قال: يا ابن أبي تراب أ لست تزعم أنّ أباك على حوض النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) يسقي من أحبّه؟ فاصبر حتّى تأخذ الماء من يده، ثمّ قال لسنان: اجتزّ رأسه قفاء، فقال سنان: و اللّه لا أفعل فيكون جدّه محمّد خصمي.
فغضب شمر لعنه اللّه و جلس على صدر الحسين (عليه السّلام) و قبض لحيته و همّ بقتله، فضحك الحسين (عليه السّلام) فقال له: أ تقتلني و لا تعلم من أنا؟ فقال: أعرفك حقّ المعرفة، امّك فاطمة الزهراء، و أبوك علي المرتضى، و جدّك محمّد المصطفى، و خصمك العليّ الأعلى، أقتلك و لا ابالي، فضربه بسيفه اثنتا عشرة ضربة، ثمّ جزّ رأسه (صلوات اللّه و سلامه عليه)، و لعن اللّه قاتله و مقاتله و السائرين إليه بجموعهم (1).
و قال ابن شهرآشوب: روى أبو مخنف، عن الجلوديّ أنّه كان صرع الحسين (عليه السّلام) فجعل فرسه يحامي عنه، و يثب على الفارس فيخبطه عن سرجه، و يدوسه، حتّى قتل الفرس أربعين رجلا، ثمّ تمرّغ في دم الحسين (عليه السّلام) و قصد نحو الخيمة و له صهيل عال و يضرب بيديه الأرض (2).
و قال السيّد رضي اللّه عنه: فلمّا قتل (صلوات الله عليه) ارتفعت في السماء في ذلك الوقت غبرة شديدة سوداء مظلمة، فيها ريح حمراء، لا ترى فيها عين و لا أثر، حتّى ظنّ القوم أنّ العذاب قد جاءهم، فلبثوا كذلك ساعة ثمّ انجلت عنهم.
و روى هلال بن نافع قال: إنّي لواقف (3) مع أصحاب عمر بن سعد إذ صرخ
____________
(1)- البحار: 45/ 55.
(2)- المناقب: 3/ 215 و البحار: 45/ 56.
(3)- في المصدر: كنت واقفا.
305
ادخلوا فاسلبوا بزّتهنّ (1)، فدخل القوم لعنهم اللّه و أخذوا ما كان في الخيمة، حتّى أفضوا إلى قرط كان في اذن أمّ كلثوم اخت الحسين (عليه السّلام) فأخذوه و خرموا اذنها، حتّى كانت المرأة لتنازع ثوبها على ظهرها حتّى تغلب عليه، و أخذ قيس بن الأشعث لعنه اللّه قطيفة الحسين (عليه السّلام) فكان يسمّى قيس القطيفة، و أخذ نعليه رجل من بني أود، يقال له: الأسود، ثمّ مال الناس على الورس و الحلّي و الحلل و الإبل فانتهبوها (2).
أقول: في بعض كتب الأصحاب أنّ فاطمة الصغرى قالت: كنت واقفة بباب الخيمة و أنا أنظر إلى أبي و أصحابه (3) مجزّزين كالأضاحي على الرمال، و الخيول على أجسادهم تجول، و أنا افكّر فيما يقع علينا بعد أبي من بني اميّة، أ يقتلوننا أو يأسروننا؟ فإذا برجل على ظهر جواده يسوق النساء بكعب رمحه و هنّ يلذن بعضهنّ ببعض، و قد اخذ ما عليهنّ من أخمرة و أسورة، و هنّ يصحن: وا جدّاه، وا أبتاه، و عليّاه، وا قلّة ناصراه، وا حسناه، أ ما من مجير يجيرنا؟ أ ما من ذائد يذود عنّا؟
قالت: فطار فؤادي و ارتعدت فرائصي، فجعلت أجيل بطرفي يمينا و شمالا على عمّتي أمّ كلثوم خشية منه أن يأتيني.
فبينا أنا على هذه الحالة، و إذا به قد قصدني ففررت منهزمة، و أنا أظنّ أنّي أسلم منه، و إذا به قد تبعني (4)، فذهلت خشية منه و إذا بكعب الرمح بين كتفي، فسقطت على وجهي فخرم اذني و أخذ قرطي و مقنعتي، و ترك الدماء تسيل على خدّي، و رأسي تصهره الشمس، و ولّى راجعا إلى الخيم، و أنا مغشيّ عليّ، فإذا أنا بعمّتي عندي تبكي و هي تقول: قومي نمضي ما أعلم ما جرى على البنات و أخيك العليل، فقمت و قلت: يا عمّتاه هل من خرقة أستر بها رأسي عن أعين النظّار؟ فقالت:
يا بنتاه و عمّتك مثلك، فرأيت رأسها مكشوفة، و متنها قد اسودّ من الضرب، فما رجعنا إلى الخيمة إلّا و هي قد نهبت و ما فيها، و أخي عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) مكبوب على وجهه لا يطيق الجلوس من كثرة الجوع و العطش و الأسقام، فجعلنا نبكي عليه و يبكي
____________
(1)- في الأصل: بزينتهن.
(3)- في البحار و احدى نسختى الأصل: و أصحابي.
(2)- البحار: 45/ 60.
(4)- بلغني/ خ.
306
علينا. (1)
و قال المفيد (ره): قال حميد بن مسلم: فانتهينا إلى عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) و هو منبسط على فراش و هو شديد المرض، و مع شمر جماعة من الرجّالة فقالوا له: أ لا نقتل هذا العليل؟ فقلت: سبحان اللّه أ تقتل الصبيان! إنّما هذا صبيّ و إنّه لما به، فلم أزل حتّى دفعتهم عنه، و جاء عمر بن سعد فصاحت النساء في وجهه و بكين، فقال لأصحابه: لا يدخل أحد منكم بيوت هؤلاء النساء و لا تعرّضوا لهذا الغلام المريض، فسألته النسوة أن يسترجع (2) ما اخذ منهنّ ليستترن به، فقال: من أخذ من متاعهنّ (3) شيئا فليردّه [عليهنّ]، فو اللّه ما ردّ أحد منهم شيئا، فوكّل بالفسطاط و بيوت النساء و عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) جماعة ممّن كان معه و قال: احفظوهم لئلّا يخرج منهم أحد و لا يساء إليهم. (4)
و قال محمد بن أبي طالب: ثمّ إنّ عمر بن سعد سرّح برأس الحسين (عليه السّلام) يوم عاشورا مع خوليّ بن يزيد الأصبحيّ و حميد بن مسلم إلى ابن زياد، ثمّ أمر برءوس الباقين من أهل بيته و أصحابه فقطّعت و سرّح بها مع شمر بن ذي الجوشن إلى الكوفة، و أقام ابن سعد يومه ذلك و غده إلى الزوال فجمع قتلاه فصلّى عليهم و دفنهم، و ترك الحسين (عليه السّلام) و أصحابه منبوذين بالعراء، فلمّا ارتحلوا إلى الكوفة عمد أهل الغاضريّة من بني أسد، فصلّوا عليهم و دفنوهم.
و قال ابن شهرآشوب: و كانوا يجدون لأكثرهم قبورا و يرون طيورا بيضاء. (5)
و قال محمد بن أبي طالب: و روي أنّ رءوس أصحاب الحسين (عليه السّلام) و أهل بيته كانت ثمانية و سبعين رأسا، و اقتسمتها القبائل ليتقرّبوا بذلك إلى عبيد اللّه و إلى يزيد، فجاءت كندة بثلاثة عشر رأسا، و صاحبهم قيس بن الأشعث، و جاءت هوازن باثني عشر رأسا، و في رواية ابن شهرآشوب: بعشرين، و صاحبهم شمر لعنه اللّه،
____________
(1)- البحار: 45/ 60، و ستأتي هذه الرواية في ص 360 من كتابنا هذا.
(2)- في المصدر: ليسترجع.
(3)- في البحار: متاعهم.
(4)- الإرشاد ص 272 و البحار: 45/ 61.
(5)- المناقب: 3/ 259 و البحار: 45/ 62.
307
و جاءت تميم بسبعة عشر رأسا و في رواية ابن شهرآشوب: بتسعة عشر، و جاءت بنو أسد بستّة عشر رأسا، و في رواية ابن شهرآشوب: بتسعة رءوس، و جاءت مذحج بسبعة رءوس، و جاءت سائر الناس بثلاثة عشر رأسا، و قال ابن شهرآشوب: و جاء سائر الجيش بتسعة رءوس، و لم يذكر مذحج قال: فذلك سبعون رأسا. ثم قال: و جاء وا بالحرم اسارى إلّا شهربانويه فإنّها أتلفت (1) نفسها في الفرات. (2)
توضيح: و لنوضّح بعض مشكلات ما تقدّم في هذا الباب.
قوله: «لو لا تقارب الأشياء» أي قرب الآجال أو إناطة الأشياء بالأسباب بحسب المصالح، أو أنّه يصير سببا لتقارب الفرج، و غلبة أهل الحقّ و لمّا يأت أوانه، و في بعض النسخ «لو لا تفاوت الأشياء» أي في الفضل و الثواب.
قوله: «فلم يبعد» أي من الخير و النجاح و الفلاح، و قد شاع قولهم: بعدا له و أبعده اللّه، «و الاغذاذ (3) في السير» الإسراع، و قال الجزريّ: في حديث أبي قتادة:
«فانطلق الناس لا يلوي أحد على أحد» أي لا يلتفت و لا يعطف عليه، «و ألوى برأسه و لوّاه» إذا [أ] ماله من جانب إلى جانب انتهى.
«و الوله» الحيرة، و ذهاب العقل حزنا، و المراد هنا شدّة الشوق، و قال الفيروزآباديّ: «عسل الذئب أو الفرس يعسل عسلا و عسلانا» اضطرب في عدوه و هزّ رأسه، و العسل الناقة السريعة، و أبو عسله بالكسر الذئب انتهى، أي يتقطّعها الذئاب الكثيرة العدو السريعة أو الأعمّ منه و من سائر السباع، «و الكرش» من الحيوانات كالمعدة للإنسان، «و الأجربة» جمع الجراب و هو الهميان اطلق على بطونها على الاستعارة، و لعلّ المعنى أنّي أصير بحيث يزعم الناس أنّي أصير كذلك بقرينة قوله
____________
(1)- ألقت/ خ.
(2)- البحار: 45/ 62، و هذا قول لا يعتدّ به، و المعتمد ما رواه الشيخ الصدوق في عيون أخبار الرضا ج 2 ص 26 ح 6، و القطب الراوندي في الخرائج و الجرائح- المخطوط- ص 390 ح 67، و نقله العلامة المجلسي عنهما في البحار ج 46/ ص 8 ح 19 و ص 10 ح 21، حسب الترتيب، حيث قالا: إنها ماتت في نفاسها، فتدبّر.
(3)- في الأصل: الإقذاذ، و الظاهر أنه تصحيف.
309
الكثير، «و الباتر» السيف القاطع، و قال الجوهريّ: «الجعجعة» الحبس، و كتب عبيد اللّه بن زياد إلى عمر بن سعد أن جعجع بالحسين (عليه السّلام)، قال الأصمعيّ: يعني احبسه، و قال ابن الأعرابيّ: يعني ضيّق عليه، و قال: «العراء» بالمدّ الفضاء لا ستر به، قال اللّه تعالى: «لنبذ بالعراء (1)» و يقال: «مالي به قبل» بكسر القاف أي طاقة، و «الصبابة» بالضمّ البقيّة من الماء في الإناء.
و قال الجوهريّ: «الوبلة» بالتحريك الثقل و الوخامة، و قد وبل المرتع و بلا و وبالا فهو و بيل أي وخيم، «و البرم» بالتحريك ما يوجب السأمة و الضجر، «و الوثير» الفراش الوطيء اللّين، «و الخمير» الخبز البائت، «و الفتك» أن يأتي الرجل صاحبه و هو غارّ غافل حتّى يشدّ عليه فيقتله.
و قال البيضاويّ: في قوله تعالى: «و لات حين مناص» (2) أي ليس الحين حين مناص «و لا» هي المشبّهة بليس، زيدت عليها تاء التأنيث للتأكيد كما زيدت على «ربّ» و «ثمّ» و خصّت بلزوم الأحيان، و حذف أحد المعمولين و قيل: هي النافية للجنس أي و لا حين مناص لهم، و قيل: للفعل، و النصب بإضماره، أي و لا أرى حين مناص، و المناص المنجا.
قوله: «قد خشيت» أي ظننت أو علمت، «و كبد السماء» وسطها، «و البغر» بالتحريك داء و عطش، قال الأصمعيّ: هو عطش يأخذ الإبل فتشرب فلا تروى و تمرض عنه فتموت، تقول منه بغر بالكسر «و الزحف» المشي، و «المناجزة» المبارزة و المقاتلة، «و الثمال» بالكسر الغياث، يقال: فلان ثمال قومه أي غياث لهم يقوم بأمرهم، و يقال: حلّأت الإبل عن الماء تحلئة إذا طردتها عنه و منعتها أن ترده، قاله الجوهريّ. و قال: تقول «تبّا لفلان»، تنصبه على المصدر بإضمار فعل أي ألزمه اللّه هلاكا و خسرانا، و «الترح» بالتحريك ضدّ الفرح، و «المستصرخ» المستغيث «و حششت النار» أحشّها حشّا أو قدتها.
قوله: «جناها» أي أخذها و جمع حطبها، و في رواية السيّد: «فأصرخناكم
____________
(1)- القلم: 49.
(2)- ص: 3.
308
(عليه السّلام) «و هي مجموعة له في حظيرة القدس» فيكون استعارة تمثيليّة أو يقال: نسب إلى نفسه المقدّسة ما يعرض لأصحابه أو يقال: إنّها تصير ابتداء الى أجوافها لشدّة الابتلاء ثم تنتزع منها و تجتمع في حظيرة القدس، و يقال: انكمش أي أسرع.
قوله: «كأنمّا على رءوسنا الطير» أي بقينا متحيّرين لا نتحرّك. قال الجزريّ: في صفة الصحابة كأنّما على رءوسهم الطير، و صفهم بالسكون و الوقار، و أنّهم لم يكن فيهم طيش و لا خفّة، لأنّ الطير لا تكاد تقع إلا على شيء ساكن انتهى.
«و التقويض» نقض من غير هدم أو هو نزع الأعواد و الأطناب، «و الإرقال» ضرب من الخبب، و هو ضرب من العدو، و «هوادي الخيل» أعناقها.
قوله: «كأنّ أسنّتهم اليعاسيب»، و هو جمع يعسوب أمير النحل شبّهها في كثرتها بأنّ كلّا منها: كأنّه أمير النحل اجتمع عليه عسكره، قال الجزريّ: في حديث الدجّال «فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل» جمع يعسوب أي تظهر له و تجتمع عنده كما تجتمع النحل على يعاسيبها انتهى، و كذا تشبيه الرايات بأجنحة الطير إنّما هو في الكثرة و اتّصال بعضها ببعض.
و قال الجوهريّ: و قولهم هم زهاء مائة أي قدر مائة، قوله: «و رشّفوا الخيل» أي اسقوهم قليلا، قال الجوهريّ: الرشف المصّ، و في المثل: الرشف أنقع أي إذا ترشّفت الماء قليلا قليلا كان أسكن للعطش، «و الطساس» بالكسر جمع الطسّ و هو لغة في الطست، و لا تغافل عن كرمه (عليه السّلام) حيث أمر بسقي رجال المخالفين و دوابّهم، و بخل المخالفين عليهم اللعنة حيث منعوا ماء الفرات عن ابن النبيّ و لا يمنعوا عن كلابهم.
قوله: «و الراوية عندي السقاية» أي كنت أظنّ أنّ مراده بالرواية المزادة التي يسقى به، و لم أعرف أنّها تطلق على البعير، فصرّح (عليه السّلام) بذكر الجمل قال الفيروزآبادي:
الراوية المزادة فيها الماء، و البعير و البغل و الحمار يستقى عليه، و قال الجزريّ: فيه نهي عن اختناث الأسقية، «خنثت السقاء» إذ اثنيت فمه إلى خارج و شربت منه و قبعته إذا ثنيته إلى داخل، و «الخميس»: الجيش، «و الوغى»: الحرب، و «العرمرم» الجيش
310
موجفين، سللتم علينا سيفا لنا في أيمانكم، و حششتم علينا نارا اقتدحناها على عدوّكم و عدوّنا». و قال الجوهريّ: «ألّبت الجيش» إذا جمعته، و تألّبوا تجمّعوا، و هم ألب و إلب إذا كانوا مجتمعين، و «تفيّل رأيه» أخطأ و ضعف، «و الجأش» رواغ القلب إذا اضطرب عند الفزع و نفس الإنسان، و قد لا يهمز.
قوله (عليه السّلام): «طامن» أي ساكن مطمئنّ، «و استحصف الشيء» استحكم، «و شذاذ الناس» الذين يكونون في القوم و ليسوا من قبائلهم.
قوله: «و نفثة الشيطان» أي ينفث فيهم الشيطان بالوساوس أو أنّهم شرك شيطان، و قال الفيروزآباديّ: نفث ينفث و ينفث و هو كالنفخ، و نفث الشيطان الشعر، و النّفاثة ككناسة ما ينفثه المصدور من فيه، و الشطيبة من السواك تبقى (1) في الفمّ فتنفث، و في تحف العقول: بقيّة الشيطان.
قوله: «جعلوا القرآن عضين» قال الجوهريّ: هو من عضوته أي فرّقته لأنّ المشركين فرّقوا أقاويلهم، فجعلوه كذبا و سحرا و كهانة و شعرا، و قيل: أصله عضهة لأنّ العضة و العضين في لغة قريش السحر.
قوله (عليه السّلام): «قد ركز» أي أقامنا بين الأمرين من قولهم ركز الرمح أي غرزه في الأرض، و في رواية السيّد و التحف «ركن» بالنون أي مال و سكن إلينا بهذين، و الأظهر تركني كما في الاحتجاج، «و القلّة» قلّة العدد بالقتل، و في رواية السيّد و الاحتجاج: «السلّة» و هي بالفتح و الكسر استلال السيوف، و هو أظهر.
قوله: «فغير مهزّمينا» على صيغة المفعول أي إن أرادوا أن يهزّمونا فلا نهزم، أو إن هزّمونا و أبعدونا فليس على وجه الهزيمة بل على جهة المصلحة، و الأوّل أظهر، «و الطبّ» بالكسر العادة و الحاصل أنّا لم نقتل بسبب الجبن فإنّه ليس من عادتنا، و لكن بسبب أن حضر وقت منايانا و دولة الآخرين.
قوله (عليه السّلام): «إلّا ريثما يركب» أي إلّا قدر ما يركب، «و طاح يطوح و يطيح» هلك و سقط، و «الهبل» بالتحريك مصدر قولك هبلته امّه أي ثكلته،
____________
(1)- في الأصل: ما تبقّى.
311
«و الكلكل» الصدر، و في بعض النسخ «بكظمه» و هو بالتحريك مخرج النفس و هو أظهر «و الزئير» صوت الأسد في صدره.
قوله لعنه اللّه: «مزنيّ» أي رمح مزنيّ، و كعوب الرمح: النواشز في أطراف الأنابيب، «و عدم خيانتها» كناية عن كثرة نفوذها و عدم كلالها، «و الغراران»: شفرتا السيف، «و الحاسر» الذي لا مغفر عليه و لا درع، «و يوم قماطر» بالضمّ شديد، قوله:
«هنّه» الهاء للسكت، و كذا في قوله: فاجاهدنّه، و فارغبنّه، «و رجل مدجّج» أي شاك في السلاح و يقال: «عرّج فلان على المنزل» إذا حبس مطيّته عليه و أقام، و كذلك التعرّج ذكره الجوهريّ، و قال: قال أبو عمرو: «الأزل» الخفيف الوركين «و السّمع الأزلّ» الذئب الأرسح يتولد بين الذئب و الضبع، و هذه الصفة لازمة له كما يقال:
الضبع العرجاء، و في المثل هو أسمع من الذئب الأزلّ (1)، و «اللبد» بكسر اللام و فتح الباء جمع اللّبدة، و هي الشعر المتراكب بين كتفي الأسد، و يقال للأسد ذو لبد.
قوله: «لأنعمتك عينا» أي نعم أفعل ذلك إكراما لك و إنعاما لعينك، «و شبّ الفرس» يشبّ و يشبّ شبابا و شبيبا إذا قمص و لعب و أشببته أنا إذا هيّجته، «و احتوش القوم على فلان» أي جعلوه وسطهم.
و قال الجوهريّ: قولهم «فلان حامي الذّمار» أي إذا ذمر و غضب حمى و فلان أمنع ذمارا من فلان، و يقال: الذمار ما وراء الرجل مما يحقّ عليه أن يحميه، قوله:
«شاري» أي شرى نفسه و باعها بالجنّة، «و المهنّد» السيف المطبوع من حديد الهند، و «أصلت سيفه» أي جرّده من غمده، فهو مصلت، و ضربه بالسيف صلتا و صلتا إذا ضربه به، و هو مصلت، «و الباسل»: البطل الشجاع، «و الفيصل» الحاكم و القضاء بين الحقّ و الباطل، «و الولولة» الإعوال، «و الأشبل» جمع الشبل ولد الأسد «و الغيار» بالكسر من الغيرة أو الغارة و قد يكون بمعنى الدخول في الشيء، «و العضب» بالفتح السيف القاطع.
____________
(1)- قال الميداني في مجمع الأمثال ج 1 ص 352 تحت الرقم 1885: «أسمع من سمع» و يقال أيضا:
«أسمع من السّمع الأزلّ». فراجع.
312
و قال الجوهريّ: «سيف ذكر و مذكّر» أي ذو ماء، قال أبو عبيد: هي سيوف شفراتها حديد ذكر، و متونها أنيث، قال: و يقول الناس: إنّها من عمل الجنّ. «و دودان بن أسد» أبو قبيلة، قوله: «بطعن آن» أي حارّ شديد الحرارة، و يقال: «أرهفت سيفي» أي رققته فهو مرهف، «و الأسمر»: الرمح، «و السطاع» لعلّه من سطوع الغبار، «و الكميّ» الشجاع المتكمّي في سلاحه لأنّه كمّى نفسه أي سترها بالدرع و البيضة.
«و القرم» السيّد، «و الأكتاد» جمع الكتد، و هو ما بين الكاهل إلى الظهر، «و الآد» القوّة، «و الأخفاق»: لعلّه جمع الخفق بمعنى الاضطراب أو الخفق بمعنى ضربك الشيء بدرّة أو عريض، أو صوت النعل أو من أخفق الطائر ضرب بجناحيه، «و الرشق» الرمي بالنبل و غيره و بالكسر الاسم، «و الخور» الضعف و الجبن، «و الشّلو» بالكسر العضو من أعضاء اللحم، و أشلاء الإنسان أعضاؤه بعد البلى و التفرّق.
قوله: «من عامه» أي متحيّر ضالّ، و لعلّه بيان لابن هند، «و العجاجة»:
الغبار، «و الذوائب»: جمع الذؤابة و هي من العزّ و الشرف و كلّ شيء أعلاه، «و الصوب»: نزول المطر، «و المزن»: جمع المزنة و هي السحابة البيضاء، «و الفلقة» بالكسر القطعة، «و أسد حرب» بكسر الراء أي شديد الغضب.
قوله: «فأطنّها» أي قطعها، «و الضرغام» بالكسر الأسد، و قال الجزريّ فيه:
«و اقتلهم بددا» يروى بكسر الباء جمع بدّة و هي الحصّة و النصيب أي اقتلهم حصصا مقسّمة لكلّ واحد حصّته و نصيبه، و يروى بالفتح أي متفرّقين في القتل واحدا بعد واحد من التبديد انتهى. «و القسورة»: العزيز و الأسد، و الرماة من الصيادين، و يقال:
«أحجرته» أي ألجأته إلى أن دخل جحره فانجحر.
قوله (عليه السّلام): «إذا الموت رقا» أي صعد كناية عن الكثرة أو القرب و الإشراف، و في بعض النسخ «زقا» بالزاء المعجمة أي صاح، «و المصاليت»: جمع المصلات و هو الرجل الماضي في الامور، «و اللّقا» بالفتح الشيء الملقى لهوانه، و قال الجوهريّ:
«القدّة» الطريقة و الفرقة من الناس إذا كان هوى كلّ واحد على حدة، يقال: كنّا طرائق قددا.
313
و قال الجوهريّ: «العفاء» بالفتح و المدّ التراب، و قال صفوان بن محرز: إذا دخلت بيتي فأكلت رغيفا و شربت عليه ماء فعلى الدنيا العفاء، و قال أبو عبيدة:
العفاء الدروس و الهلاك، و قال: و هذا كقولهم عليه الدّبار إذا دعا عليه أن يدبر فلا يرجع، «و التذبذب»: التحرّك، «و الوكوف» القطرات، «و الهطل» تتابع المطر، «و الفيلق» بفتح الفاء و اللام الجيش، «و الورد» بالفتح الأسد، «و الجحفل» الجيش، «و نفحه بالسيف»: تناوله من بعيد، و في بعض النسخ «بعجه»، من قولهم بعج بطنه بالسكّين إذا شقّه.
و قال الجوهريّ: «البقع» في الطير و الكلاب بمنزلة البلق في الدوابّ، «و الرفس» الضرب بالرجل، «و سفت الريح التراب» تسفيه سفيا أذرته، «و اليعبوب»: الفرس الكثير الجري، «و شددنا أسره» أي خلقه، «و الجناجن» عظام الصدر.
2- باب آخر
و هو من الأوّل أيضا في أخبار أخر متفرّقة موجزة وردت من حين خروجه من المدينة إلى شهادته، و علّة خروجه من مكّة إلى الكوفة مع قلّة الأنصار، و أمارات الظنّ بالقتل و الفوز بسعادته
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- كامل الزيارات: أبي و ابن الوليد معا (1)، عن سعد، عن محمّد بن أبي الصهبان، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن فضيل الرسّان، عن أبي سعيد عقيصا قال: سمعت الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) و خلا به عبد اللّه بن الزبير فناجاه طويلا قال: ثمّ أقبل الحسين (عليه السّلام) بوجهه إليهم و قال (عليه السّلام): انّ هذا يقول لي: كن حماما من حمام الحرم، و لأن اقتل و بيني و بين الحرم باع احبّ إليّ من أن اقتل و بيني و بينه شبر، و لأن اقتل بالطفّ أحبّ إليّ من أن اقتل بالحرم. (2)
____________
(1)- في المصدر: ابي و علي بن الحسين جميعا.
(2)- ص 72 ح 4 و البحار: 45/ 85 ح 16.
314
2- الكافي: عليّ بن محمّد بن عبد اللّه، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن صباح المزني، عن الحارث بن حصيرة، عن الحكم بن عتيبة، قال: لقي رجل الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) بالثعلبيّة و هو يريد كربلاء، فدخل عليه فسلّم عليه، فقال له الحسين (عليه السّلام): من أيّ البلاد أنت؟ قال: من أهل الكوفة، قال: أما و اللّه يا أخا أهل الكوفة لو لقيتك بالمدينة لأريتك أثر جبرئيل من دارنا، و نزوله بالوحي على جدّي، يا أخا أهل الكوفة أ فمستقى الناس العلم من عندنا فعلموا و جهلنا؟! هذا ما لا يكون (1).
3- ثواب الأعمال و عقاب الأعمال: ابن إدريس، عن أبيه، عن الأشعريّ، عن محمّد بن إسماعيل، عن عليّ بن الحكم، عن أبيه، عن أبي الجارود، عن عمرو بن قيس المشرقيّ، قال: دخلت على الحسين (عليه السّلام) أنا و ابن عمّ لي و هو في قصر بني مقاتل، فسلّمنا عليه، فقال له ابن عمّي: يا أبا عبد اللّه هذا الذي أرى خضاب أو شعرك؟ فقال: خضاب و الشيب إلينا بني هاشم يعجل، ثمّ أقبل علينا فقال (عليه السّلام): جئتما لنصرتي؟ فقلت: إنّي رجل كبير السنّ، كثير الدين، كثير العيال، و في يدي بضائع للناس، و لا أدري ما يكون و أكره أن اضيّع أمانتي، و قال له ابن عمّي مثل ذلك، قال لنا فانطلقا فلا تسمعا لي واعية، و لا تريا لي سوادا، فإنّه من سمع واعيتنا أو رأى سوادنا فلم يجبنا و لم يغثنا كان حقّا على اللّه عزّ و جلّ أن يكبّه على منخريه في النار.
رجال الكشّي: وجدت بخطّ محمّد بن عمر السمرقنديّ، و حدّثني بعض الثقات، عن الاشعريّ مثله (2).
الصحابة و التابعين و الأئمّة جميعا
4- المناقب لابن شهر اشوب: الحسن البصريّ و أمّ سلمة: إنّ الحسن
____________
(1)- 1/ 398 ح 2 و البحار: 45/ 93 ح 34.
(2)- ثواب الأعمال ص 308 ح 1 و رجال الكشّي ص 113 ح 181 و البحار: 27/ 204 ح 6 و ج 45/ 84 ح 12.
316
الباقر (عليه السّلام)
6- كامل الزيارات: أبي و جماعة مشايخي، عن سعد، عن محمّد بن يحيى المعاذيّ عن الحسن (1) بن موسى الأصمّ، عن عمرو، عن جابر، (2) عن محمّد بن عليّ (عليهما السّلام) قال: لمّا همّ الحسين (عليه السّلام) بالشخوص من (3) المدينة أقبلت نساء بني عبد المطّلب، فاجتمعن للنياحة حتّى مشى فيهنّ الحسين (عليه السّلام)، فقال: أنشد كنّ اللّه، أن تبدين هذا الأمر معصية للّه و لرسوله، [ف] قالت له نساء بني عبد المطّلب: فلمن نستبقي النياحة و البكاء، فهو عندنا كيوم مات [فيه] رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و عليّ و فاطمة و رقيّة و زينب و أمّ كلثوم. (4) فننشدك اللّه جعلنا اللّه فداك من الموت، يا حبيب (5) الأبرار من أهل القبور، و أقبلت بعض عمّاته تبكي و تقول: أشهد يا حسين لقد سمعت الجنّ ناحت بنوحك و هم يقولون:
و إنّ قتيل الطفّ من آل هاشم * * * أذلّ رقابا من قريش فذلّت
حبيب رسول اللّه لم يك فاحشا * * * أبانت مصيبتك الانوف و جلّت
و قلن أيضا:
بكّوا (6)حسينا سيّدا و لقتله شاب الشعر * * * و لقتله زلزلتم و لقتله انكسف القمر
و احمرّت آفاق السماء من العشيّة و السحر * * * و تغيّرت شمس البلاد بهم و أظلمت الكور
ذاك ابن فاطمة المصاب به الخلائق و البشر * * * أورثتنا ذلّا به جدع الانوف مع الغرر (7)
7- كامل الزيارات: أبي و ابن الوليد (8)، عن سعد، عن أحمد بن محمّد، عن
____________
(1)- في بعض نسخ المصدر: الحسين.
(2)- في الأصل: عمرو بن جابر، و هو تصحيف.
(3)- في المصدر: عن، و في البحار: إلى.
(4)- المقصود بنات رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله).
(5)- في الأصل و البحار: فيا حبيب.
(6)- في المصدر: أبكي، و البكّ: دق العنق «لسان العرب».
(7)- ص 96 وح 9 و البحار: 45/ 88 ح 26.
(8)- في المصدر: أبي و محمد بن الحسين.
317
عليّ بن الحكم، عن أبيه، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السّلام)، قال: إنّ الحسين (عليه السّلام) خرج من مكّة قبل التروية بيوم، فشيّعه عبد اللّه بن الزبير، فقال: يا أبا عبد اللّه حضر الحجّ و تدعه و تأتي العراق؟ فقال: يا ابن الزبير لأن ادفن بشاطئ الفرات أحبّ إليّ من أن ادفن بفناء الكعبة. (1)
8- و منه: أبي و جماعة مشايخي، عن سعد، عن عليّ بن إسماعيل و ابن أبي الخطّاب معا، عن محمّد بن عمرو بن سعيد، عن ابن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: كتب الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) من مكّة إلى محمّد بن عليّ:
«بسم اللّه الرحمن الرحيم من الحسين بن عليّ إلى محمّد بن عليّ و من قبله من بني هاشم، أمّا بعد فإنّ من لحق بي استشهد، و من لم يلحق بي لم يدرك الفتح و السلام».
(و) قال محمّد بن عمرو: و حدّثني كرّام عبد الكريم بن عمرو، عن ميسّر بن عبد العزيز، عن أبي جعفر (عليه السّلام)، قال: كتب الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) إلى محمّد بن عليّ من كربلا، «بسم اللّه الرحمن الرحيم من الحسين بن عليّ إلى محمّد بن عليّ و من قبله من بني هاشم أمّا بعد: فكأنّ الدنيا لم تكن و كأنّ الآخرة لم تزل و السلام» (2).
9- كتاب النوادر لعليّ بن أسباط: عن بعض أصحابه رواه، قال: إنّ أبا جعفر (عليه السّلام)، قال: كان أبي مبطونا يوم قتل أبوه (عليه السّلام) و كان في الخيمة و كنت أرى موالينا (3) كيف يختلفون معه، يتبعونه بالماء، يشدّ على الميمنة مرّة و على الميسرة مرّة، و على القلب مرّة، و لقد قتلوه قتلة نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أن يقتل بها الكلاب، [و] لقد قتل بالسيف و السنان، و بالحجارة، و بالخشب، و بالعصا، و لقد أوطئوه الخيل بعد ذلك (4).
الصادق (عليه السّلام)
10- الكافي: عليّ، عن أبيه و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل، عن
____________
(1)- ص 73 و البحار: 45/ 86 ح 18.
(3)- في المصدر: موالياتنا
(2)- ص 75 ح 15 و 16 و البحار: 45/ 87 ح 23.
(4)- ص 122 و البحار: 45/ 91 ح 30
315
و الحسين (عليهما السّلام) دخلا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و بين يديه جبرئيل (عليه السّلام) فجعلا يدوران حوله يشبهانه بدحية الكلبيّ، فجعل جبرئيل يومىء بيده كالمتناول شيئا فإذا في يده تفّاحة و سفرجلة و رمّانة، فناولهما و تهلّل وجهاهما (1)، و سعيا إلى جدّهما فأخذ منها فشمّهما (2)، ثمّ قال: صيرا إلى امّكما بما معكما، و بدؤكما بأبيكما أعجب، فصارا كما أمرهما، فلم يأكلوا حتّى صار النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) إليهم، فأكلوا جميعا.
فلم يزل كلّما أكل منه عاد إلى ما كان حتّى قبض رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، قال الحسين (عليه السّلام): فلم يلحقه التغيير و النقصان أيّام فاطمة بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) حتّى توفّيت، [فلمّا توفّيت] فقدنا الرمّان و بقي التفّاح و السفرجل أيّام أبي، فلمّا استشهد أمير المؤمنين (عليه السّلام) فقد السفرجل، و بقي التفّاح على هيئته عند الحسن (عليه السّلام)، حتّى مات في سمّه، و بقيت التفّاحة إلى الوقت الذي حوصرت عن الماء فكنت أشمّها إذا عطشت فيسكن (بها) لهب عطشي، فلمّا اشتدّ عليّ العطش عضضتها و أيقنت بالفناء.
قال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): سمعته يقول ذلك قبل مقتله بساعة، فلمّا قضى نحبه وجد ريحها في مصرعه، فالتمست فلم ير لها أثر، فبقي ريحها بعد الحسين (عليه السّلام)، و لقد زرت قبره فوجدت ريحها يفوح من قبره، فمن أراد ذلك من شيعتنا الزائرين للقبر فليلتمس ذلك في أوقات السحر فإنّه يجده إذا كان مخلصا. (3)
الأئمّة: الحسين بن علىّ (عليهم السّلام)
5- إرشاد المفيد: روى سفيان بن عيينة، عن عليّ بن زيد (4)، عن عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) قال: خرجنا مع الحسين (عليه السّلام) فما نزل منزلا و ما ارتحل منه إلّا ذكر يحيى بن زكريّا و قتله، و قال يوما: و من هوان الدنيا على اللّه عزّ و جلّ أنّ رأس يحيى ابن زكريّا اهدي إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل. (5)
____________
(1)- في الأصل و البحار: و تهلّلت وجوههما.
(2)- في البحار: منهما فشمّها.
(3)- 3/ 161 و البحار: 45/ 91 ح 31.
(4)- في الأصل: يزيد.
(5)- ص 283 و البحار: 45/ 89 ح 28.
318
حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ (1)، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: إنّ الحسين ابن عليّ (عليهما السّلام) خرج قبل (يوم) التروية بيوم إلى العراق و قد كان دخل معتمرا. (2)
11- و منه: عليّ بن إبراهيم، [عن أبيه،] عن إسماعيل بن مرّار، عن يونس، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: إنّ المتمتّع مرتبط بالحجّ، و المعتمر إذا فرغ منها ذهب حيث شاء، و قد اعتمر الحسين (عليه السّلام) في ذي الحجّة ثمّ راح يوم التروية إلى العراق، و الناس يروحون إلى منى، و لا بأس بالعمرة في ذي الحجّة لمن لا يريد الحجّ (3).
12- كامل الزيارات: أبي و ابن الوليد معا (4)، عن سعد، عن محمّد بن الحسين، عن صفوان، عن داود بن فرقد، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال عبد اللّه بن الزبير للحسين بن عليّ: لو جئت إلى مكّة فكنت بالحرم، فقال الحسين (عليه السّلام):
لا نستحلّها و لا تستحلّ بنا، و لأن اقتل على تلّ أعفر أحبّ إليّ من أن اقتل بها. (5)
توضيح: قال الجوهريّ: «الأعفر» الرمل الأحمر، و «الأعفر» الأبيض و ليس بالشديد البياض انتهى، و قال المسعودي: «تلّ أعفر» موضع من بلاد ديار ربيعة.
13- بصائر الدرجات: أيّوب بن نوح، عن صفوان، عن مروان بن إسماعيل، عن حمزة بن حمران، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: ذكرنا خروج الحسين (عليه السّلام) و تخلّف ابن الحنفيّة عنه، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام) يا حمزة إنّي سأحدّثك في هذا الحديث و لا تسأل عنه بعد مجلسنا هذا، إنّ الحسين (عليه السّلام) لمّا فصل متوجّها دعا بقرطاس و كتب: «بسم اللّه الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى بني هاشم أمّا بعد فإنّه من لحق بي منكم استشهد معي، و من تخلّف لم يبلغ الفتح و السلام» (6).
____________
(1)- في الاصل: عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عن أبي حمزة الثمالي.
(2)- الكافي: 4/ 535 ح 3، و البحار: 45/ 85 ح 14، و رواه الشيخ الطوسي في التهذيب: 5/ 436 ح 162.
(3)- الكافي: 4/ 535 ح 4، و البحار: 45/ 85 ح 4، و رواه الشيخ الطوسيّ في التهذيب: 5/ 437 ح 165.
(4)- في المصدر: أبي و علي بن الحسين.
(5)- ص 72 ح 5 و البحار: 45/ 85 ح 17.
(6)- ص 481 ح 5 و البحار: 42/ 81 ح 2 و ج 45/ 84 ح 13.
319
14- كامل الزيارات: جماعة مشايخي منهم عليّ بن الحسين و محمّد بن الحسن، عن سعد، عن أحمد بن محمّد و محمّد بن الحسين و إبراهيم بن هاشم جميعا، عن ابن فضّال، عن أبي جميلة، عن ابن عبد ربّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنّه قال: لمّا صعد الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) عاقبة البطن، قال لأصحابه: ما أراني إلّا مقتولا، قالوا: و ما ذاك يا أبا عبد اللّه؟ قال: رؤيا رأيتها في المنام، قالوا: و ما هي؟ قال (عليه السّلام): رأيت كلابا تنهشني أشدّها عليّ كلب أبقع. (1)
15- و منه: أبي، عن سعد، عن عليّ بن إسماعيل، عن صفوان، عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: إنّ الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) قال لأصحابه يوم اصيبوا: أشهد أنّه قد اذن في قتلكم فاتّقوا اللّه و اصبروا. (2)
16- و منه: الحسن بن عبد اللّه بن محمّد، عن أبيه، [عن محمد بن عيسى] (3) عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن الحلبيّ، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول:
إنّ الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) صلّى بأصحابه الغداة، ثمّ التفت إليهم، فقال: إنّ اللّه قد أذن في قتلكم فعليكم بالصبر (4).
توضيح: أي قدّر قتلكم في علمه تعالى.
17- كامل الزيارات: أبي و جماعة مشايخي، عن ابن عيسى، عن الأهوازيّ، عن النضر، عن يحيى بن عمران الحلبيّ، عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إنّ الحسين (عليه السّلام) صلّى بأصحابه يوم اصيبوا، ثمّ قال: أشهد أنّه قد اذن في قتلكم يا قوم فاتّقوا اللّه و اصبروا. (5)
18- الكافي: العدّة، عن سهل، عن ابن يزيد أو غيره، عن سليمان كاتب عليّ بن يقطين، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: إنّ الأشعث بن قيس شرك
____________
(1)- ص 75 ح 14 و البحار: 45/ 87 ح 24.
(2)- ص 73 ح 7 و البحار: 45/ 86 ح 19.
(3)- في المصدر: الحسن بن عبد اللّه، عن محمد بن عيسى، عن أبيه.
(4)- ص 73 ح 8 و البحار: 45/ 86 ح 20.
(5)- ص 73 ح 10 و البحار: 45/ 87 ح 22.
320
في دم أمير المؤمنين (عليه السّلام) و ابنته جعدة سمّت الحسن (عليه السّلام) و محمّد ابنه شرك في دم الحسين (عليه السّلام) (1).
خاتمة:
قال السيّد المرتضى في كتاب تنزيه الأنبياء: فإن قيل ما العذر في خروجه من مكّة بأهله و عياله إلى الكوفة، و المستولي عليها أعداؤه، و المتأمّر فيها من قبل يزيد اللعين يتسلّط (2) الأمر و النهي، و قد رأى صنع أهل الكوفة بأبيه و أخيه (صلوات الله عليهما)، و أنّهم غادرون خوّانون، و كيف خالف ظنّه ظنّ نصحائه في الخروج و ابن عبّاس يشير بالعدول عن الخروج، و يقطع على العطب فيه، و ابن عمر لمّا ودّعه، يقول له:
استودعك اللّه من قتيل إلى غير ذلك ممّن تكلّم في هذا الباب.
ثمّ لمّا علم بقتل مسلم بن عقيل و قد أنفذه رائدا له، كيف لم يرجع لمّا علم (3) الغرور من القوم؟ و تفطّن (4) بالحيلة و المكيدة، ثمّ كيف استجاز أن يحارب بنفر قليل لجموع عظيمة خلفها موادّ لها كثيرة؟ ثمّ لمّا عرض عليه ابن زياد الأمان و أن يبايع يزيد كيف لم يستجب حقنا لدمه و دماء من معه من أهله و شيعته و مواليه؟ و لم ألقى بيده إلى التهلكة و بدون هذا الخوف سلّم أخوه الحسن (عليه السّلام) الأمر إلى معاوية، فكيف يجمع بين فعليهما في الصحّة؟.
الجواب: قلنا: قد علمنا أنّ الإمام متى غلب على (5) ظنّه أنّه يصل إلى حقّه و القيام بما فوّض إليه بضرب من الفعل، وجب عليه ذلك، و إن كان فيه ضرب من المشقّة يتحمّل مثلها (6)، و سيّدنا أبو عبد اللّه (عليه السّلام) لم يسر طالبا الكوفة (7) إلّا بعد توثّق من القوم و عهود و عقود، و بعد أن كاتبوه طائعين غير مكرهين، و مبتدئين غير مجيبين، و قد
____________
(1)- 8/ 167 ح 187 و البحار: 42/ 228 ح 40 و ج 44/ 142 ح 8 و ج 45/ 96 ح 42.
(2)- في المصدر: منبسط.
(3)- في الاصل و البحار: «و يعلم» بدل «لمّا علم».
(4)- في الأصل و البحار: و يفطن.
(5)- في المصدر: في.
(6)- في المصدر: مثلها تحملها.
(7)- في المصدر: للكوفة، و في الأصل: إلى الكوفة.
321
كانت المكاتبة من وجوه أهل الكوفة و أشرافها و قرّائها، تقدّمت إليه في أيّام معاوية و بعد الصالح الواقع بينه و بين الحسين فدفعهم، و قال في الجواب ما وجب، ثمّ كاتبوه بعد وفاة الحسن (عليه السّلام) و معاوية باق فوعّدهم و منّاهم و كانت أيّام معاوية صعبة لا يطمع في مثلها.
فلمّا مضى معاوية و أعادوا المكاتبة (1)، و بذلوا الطاعة و كرّروا الطلب و الرغبة، و رأى (عليه السّلام) من قوّتهم على من كان يليهم في الحال من قبل يزيد عليه اللّعنة و تسلّطهم (2) عليه و ضعفه عنهم ما قوى في ظنّه أنّ المسير هو الواجب، تعيّن عليه ما فعله من الاجتهاد و التسبّب، و لم يكن في حسبانه (عليه السّلام) أنّ القوم يغدر بعضهم، و يضاعف أهل الحقّ عن نصرته، و يتّفق ما اتّفق من الامور الغريبة، فإنّ مسلم بن عقيل لمّا دخل الكوفة أخذ البيعة على أكثر أهلها.
و لمّا وردها عبيد اللّه بن زياد- و قد سمع بخبر مسلم بن عقيل و دخوله بالكوفة و حصوله في دار هانئ بن عروة المرادي على ما شرح في السيرة- و حصل شريك بن الأعور بها، جاء [ه] ابن زياد عائدا، و قد كان شريك وافق مسلم بن عقيل على قتل ابن زياد عند حضوره لعيادة شريك، و أمكنه ذلك، و تيسّر له، فما فعل و اعتذر بعد فوت الأمر إلى شريك بأنّ ذلك فتك، و أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)، قال: «إنّ الإيمان قيد الفتك» و لو كان فعل مسلم «من قتل ابن زياد (3)» ما تمكّن منه و وافقه شريك عليه لبطل الأمر و دخل الحسين (عليه السّلام) الكوفة غير مدافع عنها، و حسر كلّ أحد قناعه في نصرته، و اجتمع له من كان في قلبه نصرته و ظاهره مع أعدائه.
و قد كان مسلم بن عقيل أيضا لمّا حبس ابن زياد هانئا سار إليه في جماعة من أهل الكوفة حتّى حصره (4) في قصره، و أخذ بكظمه (5)، و أغلق ابن زياد الأبواب دونه خوفا و جبنا حتّى بثّ الناس في كلّ وجه يرغّبون الناس و يرهّبونهم و يخذلونهم عن نصرة ابن عقيل، فتقاعدوا (عنه) و تفرّق أكثرهم حتّى أمسى في شرذمة، و انصرف
____________
(1)- في المصدر: عادو الكتابة.
(2)- في المصدر: و تشحّنهم.
(3)- في المصدر: بابن زياد.
(4)- في الأصل البحار: حضره.
(5)- أي أخذ بمخرج نفسه.
322
فكان من أمره ما كان.
و إنما أردنا بذكر هذه الجملة، أنّ أسباب الظفر بالأعداء كانت لائحة متوجّهة، و أنّ الاتّفاق السيّئ عكس الأمر إلى ما يروون (1) من صيره و استسلامه و قلّة ناصره على الرجوع إلى الحقّ دينا أو حميّة، فقد فعل ذلك نفر منهم حتّى قتلوا بين يديه شهداء، و مثل هذا يطمع فيه و يتوقّع في أحوال الشدّة.
فأمّا الجمع بين فعله و فعل أخيه الحسن فواضح صحيح لأنّ أخاه سلّم كفّا للفتنة، و خوفا على نفسه و أهله و شيعته، و إحساسا بالغدر من أصحابه، و هذا (عليه السّلام) لمّا قوي في ظنّه النصرة ممّن كاتبه و وثق له، و رأى من أسباب قوّة نصّار الحقّ و ضعف نصّار الباطل ما وجب معه عليه الطلب و الخروج، فلمّا انعكس ذلك، و ظهرت أمارات الغدر فيه، و سوء الاتّفاق، رام الرجوع و المكافّة و التسليم كما فعل أخوه، فمنع من ذلك و حيل بينه و بينه، فالحالان متّفقان إلّا أنّ التسليم و المكافّة عند ظهور أسباب الخوف لم يقبلا منه (عليه السّلام)، و لم يجب إلى الموادعة، و طلبت نفسه (عليه السّلام)، فمنع منها بجاهده حتّى مضى كريما إلى جنّة اللّه و رضوانه، و هذا واضح لمتأمّله، انتهى كلامه رفع اللّه في الجنّة مقامه (2).
أقول: قد مضت في كتاب الإمامة و كتاب غصب الخلافة و كتاب أحوال أمير المؤمنين (عليه السّلام) و غيرها أخبار كثيرة دالّة على أنّ كلّا منهم (عليهم السّلام) كان مأمورا بامور خاصّة مكتوبة في الصحف السماويّة النازلة على الرسول (صلى اللّه عليه و آله) فهم كانوا يعملون بها، و لا ينبغي قياس الأحكام المتعلّقة بهم على أحكامنا، و بعد الاطّلاع على أحوال الأنبياء (عليهم السّلام) و أنّ كثيرا منهم كانوا يبعثون فرادى على ألوف من الكفرة، و يسبّون آلهتهم، و يدعونهم إلى دينهم، و لا يبالون بما ينالهم من المكاره و الضرب و الحبس و القتل و الإلقاء في النار و غير ذلك، لا ينبغي الاعتراض على أئمّة الدين، (و خلفاء رسول ربّ العالمين) في أمثال ذلك، مع أنّه بعد ثبوت عصمتهم بالبراهين و النصوص المتواترة، لا مجال للاعتراض عليهم بل يجب التسليم لهم في كلّ ما يصدر عنهم.
____________
(1)- في المصدر: ما يرون.
(2)- ص 175 و البحار: 45/ 96.
324
ملكه و خروج الناس عليه، و كان يداريهم ظاهرا على أيّ حال، و لذا صالحه الحسن (عليه السّلام)، و لم يتعرّض له الحسين (عليه السّلام) و لذلك كان يوصي ولده اللعين بعدم التعرّض للحسين (عليه السّلام) لأنّه كان يعلم أنّ ذلك يصير سببا لذهاب دولته.
اللهمّ العن كلّ من ظلم أهل بيت نبيّك و قتلهم و أعان عليهم و رضى بما جرى عليهم من الظلم و الجور لعنا وبيلا، و عذّبهم عذابا أليما، و اجعلنا من خيار شيعة آل محمّد (صلى اللّه عليه و آله) و أنصارهم، و الطالبين بثأرهم مع قائمهم و خاتمهم (صلوات الله عليهم أجمعين) آمين ربّ العالمين (1).
3- باب تاريخ شهادته و مدّة عمره و جملة تواريخه و أحواله (عليه السّلام)
الأخبار: الأئمّة: الصادق (عليهم السّلام)
1- الكافي: روي عن الحسن بن عليّ الهاشميّ، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن سنان، عن أبان، عن عبد الملك، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن صوم تاسوعاء و عاشوراء من شهر المحرّم، فقال: تاسوعاء يوم حوصر فيه الحسين (عليه السّلام) و أصحابه رضي اللّه عنهم بكربلاء، و اجتمع عليه خيل أهل الشام و أناخوا عليه، و فرح ابن مرجانة و عمر بن سعد بتوافر الخيل و كثرتها، و استضعفوا فيه الحسين (عليه السّلام) و أصحابه رضي اللّه عنهم، و أيقنوا أنّه لا يأتي الحسين (عليه السّلام) ناصر، و لا يمدّه أهل العراق، بأبي المستضعف الغريب.
ثمّ قال: و أمّا يوم عاشوراء فيوم اصيب فيه الحسين (عليه السّلام) صريعا بين أصحابه، و أصحابه حوله صرعى عراة، أ فصوم يكون في ذلك اليوم؟! كلّا و ربّ البيت الحرام، ما هو يوم صوم، و ما هو إلّا يوم حزن و مصيبة دخلت على أهل السماء و أهل الأرض و جميع المؤمنين، و يوم فرح و سرور لابن مرجانة و آل زياد و أهل الشام غضب اللّه عليهم و على ذرّياتهم، و ذلك يوم بكت [عليه] جميع بقاع الأرض خلا بقعة الشام، فمن صامه أو تبرّك به حشره اللّه مع آل زياد، ممسوخ القلب، مسخوطا عليه، و من ادّخر
____________
(1)- البحار: 45/ 98.
325
إلى منزله ذخيرة أعقبه اللّه تعالى نفاقا في قلبه إلى يوم يلقاه، و انتزع البركة عنه و عن أهل بيته و ولده، و شاركه الشيطان في جميع ذلك (1).
2- أمالي الطوسيّ: الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمّد بن وهبان، عن عليّ بن حبيش، عن العبّاس بن محمّد بن الحسين، عن أبيه، عن صفوان، عن الحسين بن أبي غندر، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سألته عن صوم يوم عاشوراء، فقال: ذلك يوم قتل [فيه] الحسين (عليه السّلام) فإن كنت شامتا فصم.
ثمّ قال: إنّ آل بني اميّة لعنهم اللّه و من أعانهم على قتل الحسين (عليه السّلام) من أهل الشام نذروا نذرا إن قتل الحسين (عليه السّلام) و سلم من خرج إلى الحسين (عليه السّلام) و صارت الخلافة في آل أبي سفيان أن يتّخذوا ذلك اليوم عيدا لهم يصومون (2) فيه شكرا [و يفرحون أولادهم] فصارت في آل أبي سفيان سنّة إلى اليوم، و اقتدى بهم الناس جميعا لذلك، فلذلك يصومونه و يدخلون على عيالاتهم و أهاليهم الفرح في ذلك اليوم- الخبر- (3).
الرضا (عليه السّلام)
3- الكافي: الحسن بن عليّ الهاشميّ، عن محمد بن عيسى بن عبيد، قال:
حدّثنا جعفر بن عيسى أخوه، قال: سألت الرضا (عليه السّلام) عن صوم عاشوراء و ما يقول الناس فيه فقال: عن صوم ابن مرجانة تسألني؟ ذلك يوم صامه الأدعياء من آل زياد لقتل الحسين (عليه السّلام) و هو يوم يتشاءم به آل محمّد (صلى اللّه عليه و آله) و يتشاءم به أهل الإسلام، و اليوم الذي يتشاءم به أهل الإسلام لا يصام و لا يتبرّك به، و يوم الإثنين يوم نحس، قبض اللّه عزّ و جل فيه نبيّه، و ما اصيب آل محمّد إلّا في يوم الاثنين، فتشاء منا به، و تبرّك به عدوّنا، و يوم عاشوراء قتل الحسين (عليه السّلام) و تبرّك به ابن مرجانة، و تشاءم به آل محمّد (صلى اللّه عليه و آله)، فمن صامهما أو تبرّك بهما لقى اللّه تبارك و تعالى ممسوخ القلب، و كان محشره مع الذين سنّوا صومهما و التبرّك بهما (4).
____________
(1)- 4/ 147 ح 7 و البحار: 45/ 95 ح 40.
(2)- في المصدر: أن يصوموا.
(3)- 2/ 279 و البحار: 45/ 95 ح 41 و ج 96/ 267 ح 17.
(4)- الكافي 4/ 146 ح 5 و البحار: 45/ 94 ح 39، و روي في التهذيب: 4/ 301 ح 17.
323
على أنّك لو تأمّلت حقّ التأمّل علمت أنّه (عليه السّلام) فدى نفسه المقدّسة دين جدّه، و لم يتزلزل أركان دولة بني اميّة إلّا بعد شهادته (عليه السّلام)، و لم يظهر للناس كفرهم و ضلالتهم (و شقاوتهم) إلّا عند فوزه بسعادته، و لو كان يسالمهم و يوادعهم كان يقوى سلطانهم، و يشتبه على الناس أمرهم، فيعود بعد حين أعلام الدين طامسة، و آثار الهداية مندرسة، مع أنّه قد ظهر لك من الأخبار السابقة أنّه هرب من المدينة خوفا من القتل إلى مكّة، و كذا خرج من مكّة بعد ما غلب على ظنّه أنّهم يريدون غيلته و قتله، حتّى لم يتيسّر له- فداه نفسي و أبي و امّي و ولدي- أن يتمّ حجّة، فتحلّل و خرج منها خائفا يترقّب، و قد كانوا لعنهم اللّه ضيّقوا عليه جميع الأقطار و لم يتركوا له موضعا للفرار.
و لقد رأيت في بعض الكتاب المعتبرة أنّ يزيد لعنه اللّه أنفذ عمرو بن سعيد ابن العاص في عسكر عظيم و ولّاه أمر الموسم و أمّره على الحاجّ كلّهم، و كان قد أوصاه بقبض الحسين (عليه السّلام) سرّا و إن لم يتمكّن منه بقتله غيلة، ثمّ إنّه دسّ مع الحاجّ في تلك السنة ثلاثين رجلا من شياطين بني اميّة و أمرهم بقتل الحسين (عليه السّلام) على أيّ حال اتّفق، فلمّا علم الحسين (عليه السّلام) بذلك حلّ من إحرام الحجّ و جعلها عمرة مفردة.
و قد روي بأسانيد أنّه (عليه السّلام) لمّا منعه محمّد بن الحنفيّة عن الخروج إلى الكوفة، قال: و اللّه يا أخي لو كنت في جحر هامّة من هوامّ الأرض لا ستخرجوني منه حتى يقتلوني.
بل الظاهر أنّه (عليه السّلام) لو كان يسالمهم و يبايعهم لا يتركونه لشدّة عداوتهم، و كثرة وقاحتهم، بل كانوا يغتالونه بكلّ حيلة، و يدفعونه بكلّ وسيلة، و إنّما كانوا يعرضون البيعة عليه أوّلا لعلمهم بأنّه (عليه السّلام) لا يوافقهم في ذلك، أ لا ترى إلى مروان لعنه اللّه كيف كان يشير على والي المدينة بقتله قبل عرض البيعة عليه، و كان عبيد اللّه بن زياد عليه لعائن اللّه إلى يوم التناد، يقول: اعرضوا عليه فلينزل على أمرنا ثمّ نرى فيه رأينا، أ لا ترى كيف أمّنوا مسلما رضي اللّه عنه ثمّ قتلوه.
فأمّا معاوية لعنه اللّه فإنّه مع شدّة عداوته و بغضه لأهل البيت (عليهم السّلام) كان ذا دهاء و نكراء و حزم، و كان يعلم أنّ قتلهم علانية يوجب رجوع الناس عنه، و ذهاب
326
الكتب:
4- إرشاد المفيد: و مضى الحسين (عليه السّلام) في يوم السبت العاشر من المحرّم سنة إحدى و ستّين من الهجرة، بعد صلاة الظهر منه قتيلا مظلوما ظمآنا صابرا محتسبا، و سنّه يومئذ ثمان و خمسون سنة، أقام منها (1) مع جدّه (صلى اللّه عليه و آله) سبع سنين، و مع أبيه أمير المؤمنين (عليه السّلام) ثلاثين سنة، و مع أخيه الحسن (عليه السّلام) عشر سنين (2) و كانت مدّة خلافته بعد أخيه أحد عشر سنة. (3)
5- المناقب لابن شهرآشوب: ولد الحسين (عليه السّلام) عام الخندق بالمدينة يوم الخميس أو يوم الثلاثاء لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة بعد أخيه بعشرة أشهر و عشرين يوما. و روي أنّه لم يكن بينه و بين أخيه إلّا الحمل، و الحمل ستّة أشهر.
عاش مع جدّه ستّة سنين و أشهرا، و قد كمل عمره خمسين، و يقال: كان عمره سبعا و خمسين سنة و خمسة أشهر، و يقال: ستّ و خمسون سنة و خمسة أشهر، و يقال:
ثمان و خمسون.
و مدّة خلافته خمس سنين و أشهر في آخر ملك معاوية و أوّل ملك يزيد.
قتله عمر بن سعد بن أبي وقّاص، و خوليّ بن يزيد الأصبحيّ، و اجتزّ رأسه سنان بن أنس النخعيّ، و شمر بن ذي الجوشن، و سلب جميع ما كان عليه إسحاق بن حيوة الحضرميّ، و أمير الجيش عبيد اللّه بن زياد، وجّه (4) به يزيد بن معاوية.
و مضى قتيلا يوم عاشوراء، و هو يوم السبت العاشر من المحرّم قبل الزوال، و يقال: يوم الجمعة بعد صلاة الظهر، و قيل: يوم الاثنين بطفّ كربلاء بين نينوى و الغاضريّة من قرى النهرين بالعراق سنة ستّين من الهجرة، و يقال: سنة إحدى و ستّين،
____________
(1)- في الأصل و البحار: فيها.
(2)- في المصدر: و مع أبيه أمير المؤمنين (عليه السّلام) سبعا و ثلاثين سنة، و مع أخيه الحسن (عليه السّلام) سبعا و أربعين سنة.
(3)- ص 283 و البحار: 45/ 90.
(4)- وجّهه/ خ.
327
و دفن بكربلاء من غربيّ الفرات.
قال الشيخ المفيد- (1) (ره): فأمّا أصحاب الحسين (عليه السّلام) فإنّهم مدفونون حوله و لسنا نحصل لهم أجداثا، و الحائر محيط بهم.
و ذكر المرتضى في بعض مسائله: إنّ رأس الحسين (عليه السّلام) ردّ إلى بدنه (عليه السّلام) بكربلاء من الشام و ضمّ إليه.
و قال الطوسيّ: و منه زيارة الأربعين.
و روى الكليني (2) في ذلك روايتين، إحداهما عن أبان بن تغلب، عن الصادق (عليه السّلام) أنّه مدفون بظهر الكوفة دون قبر أمير المؤمنين (عليه السّلام)، و الاخرى عن يزيد بن عمرو بن طلحة، عن الصادق (عليه السّلام) أنه مدفون بجنب أمير المؤمنين (عليه السّلام). (3)
6- مقاتل الطالبيّين: كان مولده لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة، و قتل يوم الجمعة لعشر خلون من المحرّم، سنة إحدى و ستّين، و له ستّ و خمسون سنة و شهور، و قيل: قتل يوم السبت روى ذلك عن أبي نعيم الفضل بن دكين، و الذي ذكرناه أوّلا أصحّ.
و أمّا ما تقوله العامّة من أنّه قتل يوم الاثنين فباطل، هو شيء قالوه بلا رواية، و كان أوّل المحرّم الذي قتل فيه يوم الأربعاء، أخرجنا ذلك بالحساب الهنديّ من سائر الزيجات، و إذ كان ذلك كذلك فليس يجوز أن يكون اليوم العاشر من المحرّم يوم الاثنين.
قال أبو الفرج: و هذا دليل صحيح واضح تنضاف إليه الرواية.
و روى سفيان الثوريّ، عن جعفر بن محمّد: إنّ الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) قتل و له ثمان و خمسون سنة (4).
7- إعلام الروى: ولد (عليه السّلام) بالمدينة يوم الثلاثاء، و قيل: يوم الخميس
____________
(1)- إرشاد المفيد ص 280.
(2)- الكافي: 4/ 571 ح 1 و 2 و قد وقع هنا تقديم و تأخير في اسناد الروايتين فى الاصل و البحار تبعا للمناقب و الصحيح ما اثبتناه.
(3)- المناقب 3/ 231 و البحار: 44/ 198 ح 15.
(4)- ص 51 و البحار: 44/ 199 ح 16.
328
لثلاث خلون من شعبان، و قيل: لخمس خلون منه سنة أربع من الهجرة، و قيل: ولد آخر شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث من الهجرة، و عاش سبعا و خمسين سنة و خمسة أشهر، كان مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) سبع سنين و مع أمير المؤمنين (عليه السّلام) سبعا و ثلاثين و مع أخيه الحسن سبعا و أربعين سنة، و كانت مدّة خلافته عشر سنين و أشهرا. (1)
8- كشف الغمّة: قال كمال الدين بن طلحة: ولد بالمدينة لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة، علقت البتول به بعد أن ولدت أخاه الحسين بخمسين ليلة، و كذلك قال الحافظ الجنابذي.
و قال كمال الدين: كان انتقاله إلى دار الآخرة في سنة إحدى و ستّين من الهجرة فتكون مدّة عمره ستّا و خمسين سنة و أشهرا، كان منها مع جدّه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ستّ سنين و شهورا، و كان مع أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ثلاثين سنة بعد وفاة النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)، و كان مع أخيه الحسن (عليه السّلام) بعد وفاة أبيه (عليه السّلام) عشر سنين، و بقى بعد وفاة أخيه الحسن (عليه السّلام) إلى وقت مقتله عشر سنين.
قال ابن الخشّاب: حدّثنا حرب بإسناده عن أبي عبد اللّه الصادق (عليه السّلام) قال: مضى أبو عبد اللّه الحسين بن عليّ، امّه فاطمة بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و هو ابن سبع و خمسين سنة، في عام الستّين من الهجرة في يوم عاشورا، كان مقامه مع جدّه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) سبع سنين إلّا ما كان بينه و بين أبي محمّد (صلوات الله عليه) و هو سبعة أشهر و عشرة أيّام، و أقام مع أبيه (عليه السّلام) ثلاثين سنة، و أقام مع أبي محمّد عشر سنين، و أقام بعد مضي أخيه الحسن عشر سنين، فكان عمره سبعا و خمسين سنة إلّا ما كان بينه و بين أخيه من الحمل، و قبض في يوم عاشورا في يوم الجمعة في سنة إحدى و ستّين.
و يقال: في يوم عاشوراء يوم الإثنين، و كان بقاؤه بعد أخيه الحسن (عليه السّلام) أحد عشر سنة.
و قال الحافظ عبد العزيز: الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السّلام) و امّه فاطمة بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، ولد في ليال خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة، و قتل
____________
(1)- ص 214 و البحار: 44/ 200 ح 18.
330
5- باب عدد الجراحات التي في بدنه المقدّس
الأخبار: الأئمّة: الباقر (عليهم السّلام)
1- أمالي الصدوق: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمّد البرقي، عن داود بن أبي يزيد، عن أبي الجارود و ابن بكير و بريد بن معاوية العجلي، عن أبي جعفر الباقر (عليه السّلام)، قال: اصيب الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) و وجد به ثلاثمائة و بضعة و عشرين طعنة برمح، أو ضربة بسيف، أو رمية بسهم، فروي أنّها كانت كلّها في مقدّمه لأنّه (عليه السّلام) كان لا يولّي (1).
2- الكافي: في حديث جابر المتقدّم ذكره في الباب السابق عن الباقر (عليه السّلام): قتل الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) و عليه جبّة خزّ دكناء، فوجدوا فيها ثلاثة و ستّين بين ضربة بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم (2).
الصادق (عليه السّلام)
3- أمالي الطوسي: أحمد بن عبدون، عن عليّ بن محمّد بن الزبير، عن عليّ ابن فضّال، عن العبّاس بن عامر، عن أبي عمارة، عن معاذ بن مسلم قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول وجد بالحسين بن عليّ (عليهما السّلام) (نيّف و سبعون طعنة و) (3) نيّف و سبعون ضربة بالسيف (4).
الكتب:
4- مروج الذهب: و وجد به (عليه السّلام) يوم قتل ثلاث و ثلاثون طعنة، و أربع و ثلاثون ضربة، و ضرب زرعة بن شريك التميميّ لعنه اللّه كفّه اليسرى، و طعنه سنان ابن أنس النخعيّ لعنه اللّه، ثمّ نزل و احتزّ (5) رأسه، و تولّى قتله من أهل الكوفة خاصّة، لم يحضرهم شاميّ (6).
____________
(1)- ص 139 ح 1 و البحار: 45/ 82 ح 7.
(2)- 6/ 452 ح 9 و البحار: 45/ 94 ح 36.
(3)- ما بين القوسين ليس في المصدر.
(4)- 2/ 289 و البحار: 45/ 82 ح 8.
(5)- في الأصل: و اجتزّ.
(6)- 3/ 61- 62 و البحار: 45/ 74.
329
بالطفّ يوم عاشورا سنة إحدى و ستّين، و هو ابن خمس و خمسين سنة و ستّة أشهر (1).
4- باب الوضع الذي صار (عليه السّلام) شهيدا عليه
الأخبار: الأئمّة: الباقر (عليهم السّلام)
1- الكافي: أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن سالم، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: قتل الحسين بن عليّ و عليه جبّة خزّ دكناء، فوجدوا فيها ثلاثة و ستّين من بين ضربة بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم. (2)
الصادق (عليه السّلام)
2- الكافي: العدّة، عن سهل، عن محمّد بن عيسى، عن صفوان، عن يوسف ابن إبراهيم، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: اصيب الحسين (عليه السّلام) و عليه جبّة خزّ. (3)
3- و منه: العدّة، عن البرقيّ، عن عدّة من أصحابه، عن عليّ بن أسباط، عن عمّه يعقوب بن سالم قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): قتل الحسين (عليه السّلام) و هو مختضب بالوسمة. (4)
4- و منه: العدّة عن البرقي، عن أبيه، عن يونس، عن أبي بكر الحضرمي قال:
سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الخضاب بالوسمة، فقال: لا بأس قد قتل الحسين (عليه السّلام) و هو مختضب بالوسمه (5).
الكتب:
5- إرشاد المفيد: و كان يخضب بالحنّاء و الكتم، و قتل (عليه السّلام) و قد نصل (6) الخضاب من عارضيه (7).
____________
(1)- 2/ 3- 40 و البحار: 44/ 200 ح 19.
(2)- 6/ 452 ح 9 و البحار: 45/ 94 ح 36.
(3)- 6/ 442 ح 7 و البحار: 45/ 94 ح 35.
(4)- 6/ 483 ح 5 و البحار: 45/ 94 ح 37.
(5)- 6/ 483 ح 6 و البحار: 45/ 94 ح 38.
(6)- في المصدر: خرج.
(7)- ص 283 و البحار: 45/ 90.
331
14- أبواب أحوال أزواجه و أولاده (عليه السّلام)
1- باب جوامع عدد أزواجه و أولاده
الكتب:
1- إعلام الورى: في ذكر عدد أولاد الحسين (عليه السّلام) كان له ستّة أولاد:
عليّ بن الحسين الأكبر زين العابدين (عليه السّلام)، امّه شاه زنان بنت كسرى يزدجرد بن شهريار، و عليّ الأصغر قتل مع أبيه، و امّه ليلى بنت أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثقفيّة، و الناس يغلطون [و يقولون:] إنّه عليّ الأكبر، و جعفر بن الحسين و امّه قضاعيّة و مات في حياة أبيه و لا بقيّة له، و عبد اللّه قتل مع أبيه صغيرا و هو في حجر أبيه، و قد مرّ ذكره فيما تقدّم، و سكينة بنت الحسين (عليه السّلام)، و امّها الرباب بنت امرئ القيس بن عديّ [بن] أوس و هي أمّ عبد اللّه بن الحسين أيضا، و فاطمة بنت الحسين (عليه السّلام) و امّها أمّ إسحاق بن طلحة بن عبد اللّه تيميّة (1).
____________
(1)- ص 255، و في الأصل: تميميّة.
334
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- رجال الكشيّ: جبرئيل بن أحمد، عن محمّد بن عبد اللّه بن مهران، عن أحمد بن النضر، عن عبد اللّه بن يزيد الأسديّ، عن فضيل بن الزبير قال: مرّ ميثم التمّار على فرس له فاستقبل حبيب بن مظاهر الأسديّ عند مجلس بني أسد، فتحدّثا حتى اختلفت أعناق فرسيهما، ثمّ قال حبيب: لكأنّي بشيخ أصلع ضخم البطن، يبيع البطّيخ عند دار الرزق، قد صلب في حبّ أهل بيت نبيّه، و يبقر بطنه على الخشبة.
فقال ميثم: و إنّي لأعرف رجلا أحمر له ضفيرتان، يخرج لنصرة ابن بنت نبيّه و يقتل و يجال برأسه بالكوفة، ثمّ افترقا.
فقال أهل المجالس: ما رأينا أحدا أكذب من هذين.
قال: و لم يفترق أهل المجالس حتّى أقبل رشيد الهجريّ فطلبهما فسأل أهل المجالس عنهما، فقالوا: افترقا و سمعناهما يقولان: كذا و كذا، فقال رشيد: رحم اللّه ميثما نسي «و يزاد في عطاء الذي يجيء بالرأس مائة درهم» ثمّ أدبر، فقال القوم: هذا و اللّه أكذبهم. فقال القوم: و اللّه ما ذهبت الأيّام و الليالي حتّى رأيناه مصلوبا على باب دار عمرو بن حريث، و جيء برأس حبيب بن مظاهر [و] قد قتل مع الحسين (عليه السّلام) و رأينا كلّ ما قالوا.
و كان حبيب من السبعين الرجال الذين نصروا الحسين (عليه السّلام)، و لقوا جبال الحديد، و استقبلوا الرماح بصدورهم، و السيوف بوجوههم، و هم يعرض عليهم الأمان و الأموال، فيأبون فيقولون: لا عذر لنا عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إن قتل الحسين (عليه السّلام) و منّا عين تطرف، حتّى قتلوا حوله، و لقد مزح (1) حبيب بن مظاهر الأسدي، فقال له يزيد بن حصين (2) الهمدانيّ- و كان يقال له: سيّد القرّاء-: يا أخي ليس هذه بساعة ضحك، قال: فأيّ موضع أحقّ من هذا بالسرور، و اللّه ما هو إلّا أن تميل علينا هذه الطّغام بسيوفهم فنعانق الحور العين.
قال الكشيّ: هذه الكلمة مستخرجة من كتاب مفاخرة الكوفة و البصرة. (3)
بيان: قوله: «اختلفت أعناق فرسيهما» أي كانت تجيء و تذهب و تتقدّم و تتأخّر كما هو شأن الفرس الذي يريد صاحبه أن يقف و هو يمتنع، أو المعنى حاذى عنقاهما
____________
(1)- فرح/ خ.
(2)- برير بن خضير/ خ.
(3)- ص 78 ح 133 و البحار: 45/ 92 ح 33.
335
على الخلاف، «و البقر» الشقّ، و «الضفيرة» العقيصة و يقال: ضفرت المرأة شعرها.
الكتب:
2- إرشاد المفيد: و كان قتل ميثم قبل قدوم الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) بعشرة أيّام (1).
3- باب أسماء الشهداء معه عموما (رضوان اللّه عليهم) و عددهم و جمل أحوالهم و أسماء قاتليهم عليهم لعائن اللّه
الأخبار: الأئمّة: صاحب الأمر (عليهم السّلام)
1- إقبال الأعمال للسيّد ابن طاوس (ره): قال: روينا بإسنادنا إلى جدّي أبي جعفر الطوسيّ، عن محمّد بن أحمد بن عيّاش، عن الشيخ الصالح أبي منصور ابن عبد المنعم بن النعمان البغداديّ (رحمه اللّه)، قال: خرج من الناحية سنة اثنتين و خمسين و مائتين (2) على يد الشيخ محمّد بن غالب الاصفهانيّ حين وفاة أبي (ره) و كنت حديث السنّ، و كتبت أستأذن في زيارة مولاي أبي عبد اللّه (عليه السّلام) و زيارة الشهداء (رضوان اللّه عليهم) فخرج إليّ منه:
بسم اللّه الرحمن الرحيم إذا أردت زيارة الشهداء (رضوان اللّه عليهم) فقف عند رجلي الحسين (عليه السّلام) و هو قبر عليّ بن الحسين (صلوات الله عليهما) فاستقبل القبلة بوجهك فإنّ هناك حومة الشهداء و أومأ و أشر إلى عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) و قل:
السلام عليك يا أوّل قتيل من نسل خير سليل، من سلالة إبراهيم الخليل، صلّى اللّه عليك و على أبيك، إذ قال فيك: قتل اللّه قوما قتلوك يا بنيّ! ما أجرأهم على الرحمن، و على انتهاك حرمة الرسول، على الدنيا بعدك العفا، كأنّي بك بين يديك ماثلا، و للكافرين قاتلا قائلا
أنا عليّ بن الحسين بن عليّ * * * نحن و بيت اللّه أولى بالنبيّ
أطعنكم بالرمح حتّى ينثني * * * أضربكم بالسيف أحمي عن أبي
ضرب غلام هاشميّ عربيّ * * * و اللّه لا يحكم فينا ابن الدعيّ
حتّى قضيت نحبك، و لقيت ربّك، أشهد أنّك أولى باللّه و برسوله، و أنّك ابن رسوله
____________
(1)- ص 188 و البحار: 42/ 125.
(2)- هكذا في جميع النسخ، إلّا أن هذا لتأريخ لا يناسب تأريخ ولادة و غيبة الإمام المهديّ (عج) بفارق عدة سنوات، فيحتمل تصحيف الرقم، أو أنها وردت عن الإمام العسكريّ (عليه السّلام)، و قد ذكر العلّامة المجلسيّ هذين الاحتمالين في البحار: 101/ 274، كما ذكر المصنف في عوالم العلوم ج 63/ 787 (مخطوط) هذه الرواية تحت عنوان: الأخبار: الأئمة: القائم أو أبيه.
336
و حجّته و دينه (1)، و ابن حجّته و أمينه، حكم اللّه على قاتلك مرّة بن منقذ بن النعمان العبديّ لعنه اللّه و أخزاه و من شركه في قتلك، و كانوا عليك ظهيرا، أصلاهم اللّه جهنّم و ساءت مصيرا، و جعلنا اللّه من ملاقيك (و مرافقيك) و مرافقي جدّك و أبيك و عمّك و أخيك و امّك المظلومة، و أبرأ إلى اللّه من أعدائك اولي الجحود، و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته.
السلام على عبد اللّه بن الحسين، الطفل الرضيع، المرميّ الصريع، المتشحّط دما، المصعّد دمه في السماء، المذبوح بالسهم في حجر أبيه، لعن اللّه راميه حرملة بن كاهل الأسدي و ذويه.
السلام على عبد اللّه بن أمير المؤمنين، مبلى البلاء، و المنادي بالولاء في عرصة كربلاء، المضروب مقبلا و مدبرا، لعن اللّه قاتله هانئ بن ثبيت الحضرميّ.
السلام على أبي الفضل العبّاس بن أمير المؤمنين، المواسي أخاه بنفسه، الآخذ لغده من أمسه، الفادي له، الواقي الساعي إليه بمائه، المقطوعة يداه، لعن اللّه قاتله يزيد بن الرقاد الجهنيّ (2) و حكيم بن الطفيل الطائيّ.
السلام على جعفر بن أمير المؤمنين، الصابر بنفسه محتسبا، و النائي عن الأوطان مغتربا، المستسلم للقتال، المستقدم للنزال، المكثور بالرجال، لعن اللّه قاتله هانئ بن ثبيت الحضرميّ.
السلام على عثمان بن أمير المؤمنين، سميّ عثمان بن مظعون، لعن اللّه راميه بالسهم، خوليّ بن يزيد الأصبحيّ الأياديّ، و الأبانيّ الداريّ.
السلام على محمّد بن أمير المؤمنين (عليه السّلام)، قتيل الأبانيّ (3) الداريّ لعنه اللّه، و ضاعف عليه العذاب الأليم، و صلّى اللّه عليك يا محمّد و على أهل بيتك الصابرين.
السلام على أبي بكر بن الحسن بن عليّ الزكيّ الوليّ، المرميّ بالسهم الرديّ، لعن اللّه قاتله (و راميه) عبد اللّه بن عاقبة الغنويّ.
السلام على عبد اللّه بن الحسين الزكيّ، لعن اللّه قاتله و راميه حرملة بن كاهل الأسديّ.
السلام على القاسم بن الحسين بن عليّ، المضروب على هامته، المسلوب لامته، حين نادى الحسين عمّه، فجلّى عليه عمّه كالصقر، و هو يفحص برجليه التراب، و الحسين (عليه السّلام) يقول: «بعدا لقوم قتلوك، و من خصمهم يوم القيامة جدّك و أبوك».
ثمّ قال: «عزّ و اللّه على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك، أو أن يجيبك و أنت قتيل جديل فلا
____________
(1)- في البحار: و أمينه.
(2)- في المصدر و الأصل: الحيتيّ.
(3)- في المصدر و الأصل: الاياديّ.
333
15- أبواب أحوال أصحابه و الشهداء معه (عليه السّلام)
1- باب جمل أحوال أصحابه و أسمائهم عموما
الكتب: (1)
[الاختصاص:] أصحاب الحسين (عليه السّلام) جميع من استشهد معه. و من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السّلام) حبيب بن مظاهر (2)، ميثم التمّار، رشيد الهجريّ، سليم (3) بن قيس الهلاليّ أبو صادق، أبو سعيد عقيصا. (4)
1- المناقب لابن شهرآشوب: و من أصحابه عبد اللّه بن يقطر رضيعه، و كان رسوله رمي به من فوق القصر بالكوفة، و أنس بن الحارث الكاهليّ، و أسعد الشاميّ، عمرو بن ضبيعة، رميث بن عمرو، زيد بن معقل، عبد اللّه بن عبد ربّه الخزرجيّ، سيف بن مالك، شبيب بن عبد اللّه النهشليّ، ضرغامة بن مالك، عاقبة بن سمعان، عبد اللّه بن سليمان، المنهال بن عمرو الأسديّ، الحجّاج بن مالك، بشر بن غالب، عمران بن عبد اللّه الخزاعيّ (5).
2- باب خصوص حال ميثم التمّار و رشيد الهجري و حبيب بن مظاهر من أصحابه (عليه السّلام)
____________
(1)- الأخبار/ خ.
(2)- في المصدر و البحار: مظهّر.
(3)- في الأصل: سلمان.
(4)- ص 5 و البحار: 44/ 200 ح 17.
(5)- 3/ 232 و البحار: 44/ 199.
337
ينفعك، هذا و اللّه يوم كثر واتره، و قلّ ناصره، جعلني اللّه معكما يوم جمعكما، و بوّأني مبوّأكما، و لعن اللّه قاتلك عمر بن سعد بن عروة بن نفيل الأزديّ، و أصلاه جحيما و أعدّ له (1) عذابا أليما.
السلام على عون بن عبد اللّه بن جعفر الطيّار في الجنان، حليف الإيمان، و منازل الأقران، الناصح للرحمن، التالي للمثاني و القرآن، لعن اللّه قاتله عبد اللّه بن قطبة النبهانيّ.
السلام على محمّد بن عبد اللّه بن جعفر، الشاهد مكان أبيه، و التالي لأخيه، و واقيه ببدنه، لعن اللّه قاتله عامر بن نهشل التميميّ.
السلام على جعفر بن عقيل، لعن اللّه قاتله و راميه بشر بن خوط الهمداني.
السلام على عبد الرحمن بن عقيل، لعن اللّه قاتله و راميه عثمان بن خالد بن أشيم الجهنيّ. (2)
السلام على القتيل ابن القتيل، عبد اللّه بن مسلم بن عقيل، و لعن اللّه قاتله عامر بن صعصعة، و قيل: أسد بن مالك.
السلام على أبي عبيد اللّه (3) بن مسلم بن عقيل، و لعن اللّه قاتله و راميه عمرو بن صبيح الصيداويّ.
السلام على محمّد بن أبي سعيد بن عقيل، و لعن اللّه قاتله لقيط بن ناشر الجهنيّ.
السلام على سليمان مولى الحسين بن أمير المؤمنين (عليهما السّلام)، و لعن اللّه قاتله سليمان بن عوف الحضرميّ.
السلام على قارب مولى الحسين بن عليّ (عليهما السّلام).
السلام على منجح مولى الحسين بن عليّ (عليهما السّلام).
السلام على مسلم بن عوسجة الأسديّ، القائل للحسين و قد أذن له في الانصراف:
أ نحن نخلّي عنك؟ و بم نعتذر عند اللّه من أداء حقّك، لا و اللّه حتّى أكسر في صدورهم رمحي هذا، و أضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، و لا افارقك، و لو لم يكن معي سلاح اقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة، و لم افارقك حتّى أموت معك.
و كنت أوّل من شرى نفسه، و أوّل شهيد شهد للّه و قضى نحبه، ففزت و ربّ الكعبة، شكر اللّه استقدامك و مواساتك إمامك، إذ مشى إليك و أنت صريع، فقال: يرحمك اللّه يا مسلم ابن عوسجة، و قرأ: «فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (4)» لعن اللّه المشتركين
____________
(1)- اللّه/ خ.
(2)- في الأصل و المصدر: عمر بن خالد بن أسد الجهنّي.
(3)- في الأصل: أبي عبد اللّه.
(4)- الأحزاب: 23.
339
السلام على شبيب بن عبد اللّه النهشليّ.
السلام على الحجّاج بن زيد السعديّ.
السلام على قاسط و كرش ابني ظهير التغلبيّين.
السلام على كنانة بن عتيق.
السلام على ضرغامة بن مالك.
السلام على حويّ بن مالك الضبعيّ.
السلام على عمرو بن ضبيعة الضبعيّ.
السلام على يزيد (1) بن ثبيت القيسيّ.
السلام على عبد اللّه و عبيد اللّه ابني يزيد بن ثبيت القيسيّ.
السلام على عامر بن مسلم.
السلام على قعنب بن عمرو التمريّ.
السلام على سالم مولى عامر بن مسلم.
السلام على سيف بن مالك.
السلام على زهير بن بشر الخثعميّ.
السلام على زيد بن معقل الجعفيّ.
السلام على الحجّاج بن مسروق الجعفيّ.
السلام على مسعود بن الحجّاج و ابنه.
السلام على مجمّع بن عبد اللّه العائذيّ.
السلام على عمّار بن حسّان بن شريح الطائيّ.
السلام على حباب (2) بن الحارث السلمانيّ الأزديّ.
السلام على جندب بن حجر الخولانيّ.
السلام على عمرو بن خالد الصيداويّ.
السلام على سعيد مولاه.
السلام على يزيد بن زياد بن مهاصر (3) الكنديّ.
السلام على زاهد مولى عمرو بن الحمق الخزاعيّ.
السلام على جبلة بن عليّ الشيبانيّ.
____________
(1)- في المصدر و البحار: زيد.
(2)- في الأصل و المصدر: حيّان.
(3)- في الأصل و المصدر: مظاهر.
340
السلام على سالم مولى بني المدنيّة الكلبيّ.
السلام على أسلم بن كثير الأزديّ الأعرج.
السلام على زهير بن سليم الأزديّ.
السلام على قاسم بن حبيب الأزديّ.
السلام على عمر بن جندب الحضرميّ.
السلام على أبي ثمامة عمر بن عبد اللّه الصائديّ.
السلام على حنظلة بن سعد الشباميّ (1).
السلام على عبد الرحمن بن عبد اللّه بن الكدر الأرحبيّ (2).
السلام على عمّار بن أبي سلامة الهمدانيّ.
السلام على عابس بن أبي شبيب الشاكريّ.
السلام على شوذب مولى شاكر.
السلام على شبيب بن الحارث بن سريع.
السلام على مالك بن عبد بن سريع.
السلام على الجريح المأسور سوّار بن أبي حمير الفهميّ الهمدانيّ.
السلام على المرتّب (3) معه عمرو بن عبد اللّه الجندعيّ.
السلام عليكم يا خير أنصار، السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، بوّأكم اللّه مبوّأ الأبرار، أشهد لقد كشف اللّه لكم الغطاء، و مهّد لكم الوطاء، و أجزل لكم العطاء، و كنتم عن الحقّ غير بطاء، و أنتم لنا فرطاء، و نحن لكم خلطاء في دار البقاء، و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته (4).
توضيح: قوله: «و قيل» لعلّه من السيّد أو بعض الرواة.
الكتب:
2- و قال المسعوديّ في كتاب مروج الذهب: فعدل الحسين (عليه السّلام) إلى
____________
(1)- في الأصل و المصدر: حنظلة بن أسعد الشيبانيّ.
(2)- في الأصل: الأرجيّ.
(3)- المرتث/ خ.
(4)- إقبال الأعمال ص 573 و البحار: 45/ 64.
338
في قتلك: عبد اللّه الضبابيّ، و عبد اللّه بن خشكارة البجليّ، و مسلم بن عبد اللّه الضبابي.
السلام على سعد بن عبد اللّه الحنفيّ، القائل للحسين (عليه السّلام) و قد أذن له في الانصراف: لا و اللّه لا نخلّيك حتّى يعلم اللّه إنّا قد حفظنا غيبة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فيك، و اللّه لو أعلم أنّي اقتل ثمّ احيا ثمّ احرق ثمّ اذرى و يفعل بي ذلك سبعين مرّة ما فارقتك، حتّى ألقى حمامي دونك، و كيف (لا) أفعل ذلك و إنّما هي موتة أو قتلة واحدة، ثمّ هي بعدها الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا.
فقد لقيت حمامك، و واسيت إمامك، و لقيت من اللّه الكرامة في دار المقامة، حشرنا اللّه معكم في المستشهدين، و رزقنا (اللّه) مرافقتكم في أعلى علّيّين.
السلام على بشر بن عمر الحضرميّ (1)، شكر اللّه لك قولك للحسين (عليه السّلام) و قد أذن لك في الانصراف، أكلتني إذن السباع حيّا إن فارقتك، و أسأل عنك الركبان، و أخذ لك مع قلّة الأعوان، لا يكون هذا أبدا.
السلام على يزيد بن حصين الهمدانيّ المشرقيّ (2) القارئ، المجدّل بالمشرفيّ.
السلام على عمر بن كعب الأنصاريّ.
السلام على نعيم بن عجلان الأنصاريّ.
السلام على زهير بن القين البجليّ، القائل للحسين و قد أذن له في الانصراف: لا و اللّه لا يكون ذلك أبدا، أترك ابن رسول اللّه أسيرا في يد الاعداء، و أنجو؟ لا أراني اللّه ذلك اليوم.
السلام على عمرو بن قرظة الأنصاريّ.
السلام على حبيب بن مظاهر الأسديّ.
السلام على الحرّ بن يزيد الرياحي.
السلام على عبد اللّه بن عمير الكلبيّ.
السلام على نافع بن هلال بن نافع البجليّ المراديّ.
السلام على أنس بن كاهل الأسديّ.
السلام على قيس بن مسهر الصيداويّ.
السلام على عبد اللّه و عبد الرحمن ابني عروة بن حراق الغفاريّين.
السلام على جون بن حويّ مولى أبي ذرّ الغفاريّ.
____________
(1)- في الأصل: سعد بن بشر بن عمر الحضرميّ.
(2)- المشرفيّ/ خ.
341
كربلاء و هو في مقدار ألف فارس (1) من أهل بيته و أصحابه و نحو مائة راجل، فلم يزل يقاتل حتّى قتل صلوات اللّه عليه، و كان الذي تولّى قتله رجل من مذحج، و قتل و هو ابن خمس و خمسين سنة، و قيل: ابن تسع و خمسين سنة، و قيل: غير ذلك، و وجد به (صلوات الله عليه) يوم قتل ثلاث و ثلاثون طعنة، و أربع و ثلاثون ضربة، و ضرب زرعة ابن شريك التميميّ لعنه اللّه كفّه اليسرى، و طعنه سنان بن أنس النخعي لعنه اللّه، ثمّ نزل و اجتزّ (2) رأسه، و تولّى قتله من أهل الكوفة خاصّة، لم يحضرهم شاميّ، و كان جميع من قتل معه سبعا و ثمانين، و كان عدّة من قتل من أصحاب عمر بن سعد في حرب الحسين (عليه السّلام) ثمانية و ثمانين رجلا. (3)
3- المناقب لابن شهرآشوب: المقتولون من أصحاب الحسين (عليه السّلام) في الحملة الاولى: نعيم بن عجلان، و عمران بن كعب بن حارث الأشجعيّ، و حنظلة ابن عمرو الشيبانيّ، و قاسط بن زهير، و كنانة بن عتيق، و عمرو بن مشيعة، و ضرغامة ابن مالك، و عامر بن مسلم، و سيف بن مالك النميري، و عبد الرحمن الأرحبيّ (4) و مجمّع العائذي، و حباب بن الحارث، و عمرو الجندعيّ و الجلاس (5) بن عمرو الراسبيّ و سوّار ابن أبي حمير (6) الفهميّ و عمّار بن أبي سلامة الدالانيّ، و النعمان بن عمرو الراسبيّ، و زاهر بن عمرو مولى ابن الحمق، و جبلة بن عليّ، و مسعود بن الحجّاج، و عبد اللّه بن عروة الغفاريّ، و زهير بن بشير (7) الخثعميّ، و عمّار بن حسّان، و عبد اللّه بن عمير، و مسلم بن كثير، و زهير بن سليم، و عبد اللّه و عبيد اللّه ابنا زيد البصريّ، و عشرة من موالي الحسين، و اثنان من موالي أمير المؤمنين (عليه السّلام). (8)
____________
(1)- في المصدر: خمسمائة فارس.
(2)- في المصدر و البحار: و احتزّ.
(3)- 3/ 61- 63 و البحار: 45/ 74 ح 4.
(4)- في الأصل: الأرجيّ.
(5)- في الأصل: الحلاسي و في المصدر: الحلاس.
(6)- في المصدر و إحدى نسختي الأصل: عمير.
(7) في المصدر و إحدى نسختي الأصل: بشر.
(8)- 3/ 260 و البحار: 45/ 64.
342
4- باب آخر في عدد المقتولين من أهل البيت
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- المناقب القديمة: من كتاب بستان الطرف، عن الحسن البصريّ قال:
قتل مع الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) ستّة عشر من أهل بيته، ما كان لهم على وجه الأرض شبيه، و روي عن الحسن بإسناد آخر: سبعة عشر من أهل بيته (1).
الأئمّة: الباقر (عليهم السّلام)
2- مثير الأحزان: قالت الرواة: كنّا إذا ذكرنا عند محمّد بن عليّ الباقر (عليهما السّلام) قتل الحسين (عليه السّلام)، قال: قتلوا (معه) سبعة عشر إنسانا، كلّهم ارتكض في بطن فاطمة، يعني بنت أسد أمّ عليّ. (2)
الصادق (عليه السّلام)
3- المصباح الكبير: عن عبد اللّه بن سنان قال: دخلت على سيّدي أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد (عليهما السّلام) في يوم عاشوراء، فألفيته كاسف اللون، ظاهر الحزن، و دموعه تنحدر من عينيه كاللؤلؤ المتساقط، فقلت: يا ابن رسول اللّه ممّ بكاؤك لا أبكى اللّه عينيك؟ فقال لي: أوفي غفلة أنت؟ أ ما علمت أنّ الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) اصيب في مثل هذا اليوم؟ قلت: يا سيّدي فما قولك في صومه؟ فقال: صمه من غير تبييت، و أفطره من غير تشميت، و لا تجعله يوم صوم كملا، و ليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربة من ماء، فإنّه في مثل ذلك الوقت من ذلك اليوم تجلّت الهيجاء عن (3) آل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، و انكشفت الملحمة عنهم و في الأرض منهم ثلاثون صريعا من (4) مواليهم، يعزّ على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) مصرعهم، و لو كان في الدنيا يومئذ حيّا لكان (صلوات الله عليه) هو المعزّى بهم.
قال: و بكى أبو عبد اللّه (عليه السّلام) حتّى اخضلّت لحيته بدموعه، ثمّ قال: إنّ اللّه
____________
(1)- البحار: 45/ 64.
(2)- ص 111 البحار 45/ 63.
(3)- في الأصل: من.
(4)- في البحار و إحدى نسختي الأصل: في، و في المصدر: و
343
عزّ و جلّ لمّا خلق النور خلقه يوم الجمعة في تقديره في أوّل يوم من شهر رمضان، و خلق الظلمة في يوم الأربعاء يوم عاشوراء في مثل ذلك اليوم، يعني (يوم) العاشر من شهر المحرّم في تقديره، و جعل لكلّ منهما شرعة و منهاجا إلى آخر الخبر. (1)
4- أمالي الطوسيّ: بإسناده عن معاوية بن وهب قال: كنت جالسا عند جعفر بن محمّد (عليهما السّلام) إذ جاء شيخ قد انحنى من الكبر، و ساق الكلام كما يجيء في باب مجيء الحسين (عليه السّلام) مع جدّه إلى المحشر في آخر أبواب هذا الكتاب، و قال في آخره:
قال الصادق (عليه السّلام) للشيخ: يا شيخ ذاك دم يطلب اللّه تعالى به، ما اصيب ولد فاطمة و لا يصابون بمثل الحسين (عليه السّلام)، و لقد قتل (عليه السّلام) في سبعة عشر من أهل بيته نصحوا للّه و صبروا في جنب اللّه، فجزاهم اللّه أحسن جزاء الصابرين- الخبر-. (2)
الكتب:
5- قال ابن شهرآشوب و صاحب المناقب و محمّد بن أبي طالب:
اختلفوا في عدد المقتولين من أهل البيت (عليهم السّلام) فالأكثرون على أنّهم كانوا سبعة و عشرين، سبعة من بني عقيل: مسلم المقتول بالكوفة، و جعفر و عبد الرحمن ابنا عقيل، و محمّد بن مسلم، و عبد اللّه بن مسلم، و جعفر بن محمّد بن عقيل، و محمّد بن أبي سعيد ابن عقيل،- و زاد ابن شهرآشوب: عونا و محمّدا ابني عقيل- و ثلاثة من ولد جعفر بن أبي طالب: محمّد بن عبد اللّه بن جعفر، و عون الأكبر بن عبد اللّه، و عبيد اللّه بن عبد اللّه، و من ولد عليّ (عليه السّلام) تسعة: الحسين (عليه السّلام)، و العبّاس، و يقال: و ابنه محمّد ابن العبّاس، و عمر بن عليّ، و عثمان بن عليّ، و جعفر بن عليّ، و إبراهيم بن عليّ، و عبد اللّه بن عليّ الأصغر، و محمّد بن عليّ الأصغر، و أبو بكر شكّ في قتله، و أربعة من بني الحسن (عليه السّلام): أبو بكر، و عبد اللّه، و القاسم، و قيل: بشر، و قيل: عمرو كان صغيرا، و ستّة من بني الحسين (عليه السّلام) مع اختلاف فيه: عليّ الأكبر، و إبراهيم، و عبد اللّه، و محمّد، و حمزة، و عليّ، و جعفر، و عمر، و زيد، و ذبح عبد اللّه في حجره، و لم
____________
(1)- مصباح المتهجد ص 547 و البحار: 45/ 63 ح 3.
(2)- 1/ 162 و البحار: 45/ 313 ح 14.
345
قتلونا فإنّا نرد على نبيّنا.
قال (عليه السّلام): ثمّ أمكث ما شاء اللّه فأكون أوّل من ينشق الأرض عنه، فأخرج خرجة يوافق ذلك خرجة أمير المؤمنين (عليه السّلام)، و قيام قائمنا، و حياة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، ثمّ لينزلنّ عليّ وفد من السماء من عند اللّه، لم ينزلوا إلى الأرض قطّ، و لينزلنّ إليّ جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل، و جنود من الملائكة، و لينزلنّ محمّد و عليّ و أنا و أخي و جميع من منّ اللّه عليه في حمولات من حمولات الربّ: جمال (1) من نور لم يركبها مخلوق.
ثمّ ليهزّنّ محمّد (صلى اللّه عليه و آله) لواءه، و ليدفعه إلى قائمنا مع سيفه، ثمّ إنّا نمكث من بعد ذلك ما شاء اللّه، ثمّ إنّ اللّه يخرج من مسجد الكوفة عينا من دهن، و عينا من ماء، و عينا من لبن، ثمّ إنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) يدفع إليّ سيف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و يبعثني إلى المشرق و المغرب (2)، فلا آتي على عدوّ للّه إلّا أهرقت دمه، و لا أدع صنما إلّا أحرقته، حتّى أقع إلى الهند فأفتحها، و إنّ دانيال و يوشع يخرجان إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) يقولان: صدق اللّه و رسوله (صلى اللّه عليه و آله)، و يبعث معهما إلى البصرة سبعين رجلا فيقتلون مقاتليهم، و يبعث بعثا إلى الروم، فيفتح اللّه لهم.
ثمّ لأقتلنّ كلّ دابّة حرّم اللّه لحمها، حتّى لا يكون على وجه الأرض إلّا الطيّب، و أعرض على اليهود و النصارى و سائر الملل، و لاخيّرنّهم بين الإسلام و السيف، فمن أسلم مننت عليه، و من كره الإسلام أهرق اللّه دمه، و لا يبقى رجل من شيعتنا إلّا أنزل اللّه إليه ملكا يمسح عن وجهه التراب، و يعرّفه أزواجه و منزلته (3) في الجنّة، و لا يبقى على وجه الأرض أعمى، و لا مقعد، و لا مبتلى، إلّا كشف اللّه عنه بلاءه بنا أهل البيت، و لينزلنّ البركة من السماء إلى الأرض، حتّى أنّ الشجرة لتقصف بما يزيد اللّه فيها من الثمرة، و لتأكلنّ ثمرة الشتاء في الصيف، و ثمرة الصيف في الشتاء، و ذلك قوله عزّ و جلّ: «وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ لكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» (4).
____________
(1)- في المصدر: خيل بلق.
(2)- في المصدر: الشرق و الغرب.
(3)- منزله/ خ، و في المصدر: منازله.
(4)- الأعراف: 96.
346
ثمّ إنّ اللّه ليهب لشيعتنا كرامة لا يخفى عليهم شيء في الأرض و ما كان فيها حتّى أنّ الرجل منهم يريد أن يعلم علم أهل بيته فيخبرهم بعلم ما يعلمون. (1)
توضيح: «لتقصف» أي تنكسر أغصانها لكثرة ما حملت من الثمرة.
الصادق، عن أبيه (عليهما السّلام)
3- غيبة النعماني: ابن عقدة، عن جعفر بن عبد اللّه المحمّديّ، عن التفليسيّ، عن السمنديّ، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عليهما السّلام) أنّه قال: المؤمنون يبتلون ثمّ يميّزهم اللّه عنده، إنّ اللّه لم يؤمن المؤمنين من بلاء الدنيا و مرائرها، (2) و لكن آمنهم من العمى و الشقاء في الآخرة، ثمّ قال: كان الحسين بن عليّ (3) (عليهما السّلام) يضع قتلاه بعضهم على بعض ثمّ يقول: قتلانا قتلى النبيّين و آل النبيّين. (4)
وحده 4- كامل الزيارات: أبي، عن سعد، عن عليّ بن إسماعيل، عن صفوان، عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إنّ الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) قال لأصحابه يوم اصيبوا: أشهد أنّه قد اذن في قتلكم فاتّقوا اللّه و اصبروا. (5)
الحسن العسكريّ (عليه السّلام)
5- تفسير الإمام (عليه السّلام): قال الإمام (عليه السّلام): و لمّا امتحن الحسين (عليه السّلام) و من معه بالعسكر الذين قتلوه و حملوا رأسه، قال لعسكره: أنتم في حلّ من بيعتي، فالحقوا بعشائركم و مواليكم، و قال لأهل بيته: قد جعلتكم في حلّ من مفارقتي فإنّكم (6) لا تطيقونهم لتضاعف أعدادهم و قواهم، و ما المقصود غيري، فدعوني و القوم،
____________
(1)- المخطوط ص 438 ح 66 و البحار: 45/ 80 ح 6.
(2)- و مرارتها/ خ.
(3)- في المصدر: كان عليّ بن الحسين بن علي (عليهم السّلام).
(4)- ص 211 ح 19 و البحار: 45/ 80 ح 5.
(5)- ص 73 ح 7 و البحار: 45/ 86 ح 19.
(6)- في المصدر: فأنتم.
344
يذكر صاحب المناقب إلّا عليّا و عبد اللّه، و أسقط ابن أبي طالب حمزة و إبراهيم و زيدا و عمر.
و قال ابن شهرآشوب: و يقال: لم يقتل محمّد الأصغر بن عليّ لمرضه، و يقال: رماه رجل من بني دارم فقتله. (1)
و قال أبو الفرج: جميع من قتل يوم الطفّ من ولد أبي طالب سوى من يختلف في أمره اثنان و عشرون رجلا. (2)
5- باب بعض أحواله (عليه السّلام) مع أصحابه في الطفّ
الأخبار: الأئمّة: عليّ بن الحسين (عليهم السّلام)
الخرائج و الجرائح: و منها ما روي عن زين العابدين (عليه السّلام) أنّه قال:
لمّا كانت الليلة التي قتل [فيها] الحسين (عليه السّلام) في صبيحتها قام في أصحابه فقال (عليه السّلام): إنّ هؤلاء يريدوني دونكم، و لو قتلوني لم يصلوا (3) إليكم، فالنجاء النجاء، و أنتم في حلّ فإنّكم إن أصبحتم معي قتلتم كلّكم، فقالوا: لا نخذلك، و لا نختار العيش بعدك، فقال (صلوات الله عليه): إنّكم تقتلون كلّكم حتى لا يفلت منكم أحد، فكان كما قال. (4)
الباقر (عليه السّلام)
2- الخرائج و الجرائح: سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن ابن فضل، عن سعد الجلّاب، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: قال الحسين (عليه السّلام) لأصحابه قبل أن يقتل: إنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال لي: يا بنيّ إنّك ستساق إلى العراق، و هي أرض قد التقى بها النبيّون و أوصياء النبيّين، و هي أرض تدعى عمورا، و أنّك تستشهد بها، و يستشهد معك جماعة من أصحابك، لا يجدون ألم مسّ الحديد و تلا: «قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ» (5) يكون الحرب بردا و سلاما عليك و عليهم، فأبشروا فو اللّه لئن
____________
(1)- المناقب: 3/ 260 و البحار: 45/ 62.
(2)- مقاتل الطالبيّين ص 62 و البحار: 45/ 63.
(3)- في المصدر: يلتفتوا.
(4)- المخطوط ص 132 ح 8 و البحار: 45/ 89.
(5)- الأنبياء: 69.
347
فإنّ اللّه عزّ و جلّ يعينني و لا يخلّيني من حسن نظره، كعاداته (1) في أسلافنا الطيّبين، فأمّا عسكره ففارقوه، و أمّا أهله الأدنون من أقربائه (2) فأبوا و قالوا: لا نفارقك، [و يحلّ بنا ما يحلّ بك] (3) و يحزننا ما يحزنك، و يصيبنا ما يصيبك، و إنّا أقرب ما نكون إلى اللّه إذا كنّا معك.
فقال لهم: فإن كنتم قد وطّنتم أنفسكم على ما [قد] وطّنت نفسي عليه، فاعلموا أنّ اللّه إنّما يهب المنازل الشريفة لعباده باحتمال المكاره، و إنّ اللّه و إن كان خصّني- مع من مضى من أهلي الذين أنا آخرهم بقاء في الدنيا- من الكرامات بما يسهل عليّ معها احتمال المكروهات، فإنّ لكم شطر ذلك من كرامات اللّه تعالى، و اعلموا أنّ الدنيا حلوها و مرّها حلم، و الانتباه في الآخرة، و الفائز من فاز فيها، و الشقيّ من شقي فيها. (4)
أقول: تمامه في أبواب أحوال آدم (عليه السّلام). (5)
6- باب فضل الشهداء معه و علّة عدم مبالاتهم و بيان أنّه (عليه السّلام) كان فرحا لا يبالي بما يجري عليه
الكتب المتقدّمة:
1- كامل الزيارات: في حديث كعب الأحبار الآتي تمامه في باب ما ورد في كفر قتلة الحسين (عليه السّلام) و كفر قتلة الأنبياء السابقة في وصيّة عيسى (عليه السّلام) لبني إسرائيل: يا بني إسرائيل العنوا قاتله و إن أدركتم أيّامه فلا تجلسوا عنه، فإنّ الشهيد معه كالشهيد مع الأنبياء مقبل غير مدبر (6).
____________
(1)- في المصدر: كعادته.
(2)- في المصدر: و الأدنون من أقربائنا.
(3)- ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
(4)- ص 73 و البحار: 11/ 149 ح 25 و ج 45/ 90 ح 29، و في المصدر: يشقى فيها.
(5)- تقدم في عوالم العلوم- مخطوط ج 8 جزء 16 ص 17.
(6)- ص 67 ح 2 و البحار: 44/ 301 ح 10، و يأتي في ص 593 ح 2 من كتابنا هذا.
349
ابن عبد المطّلب أسد اللّه و أسد رسوله، و بعده يوم مؤتة قتل فيه ابن عمّه جعفر بن أبي طالب (عليه السّلام).
ثمّ قال (عليه السّلام): و لا يوم كيوم الحسين (عليه السّلام)، ازدلف إليه ثلاثون ألف رجل، يزعمون أنّهم من هذه الامّة، كلّ يتقرّب إلى اللّه عزّ و جلّ بدمه، و هو باللّه يذكّرهم فلا يتّعظون، حتّى قتلوه بغيا و ظلما و عدوانا.
ثمّ قال (عليه السّلام): رحم اللّه العبّاس فلقد آثر و أبلى و فدى أخاه بنفسه حتّى قطعت يداه فأبدله اللّه عزّ و جلّ بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة كما جعل لجعفر بن أبي طالب (عليه السّلام)، و إنّ للعبّاس عند اللّه تبارك و تعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة. (1)
8- باب فضل أولاد عقيل بن أبي طالب (عليه السّلام) بخصوصهم
الأخبار: الأئمّة: أمير المؤمنين (عليهم السّلام)
1- أمالي الصدوق: ابن إدريس، عن أبيه، عن الفزاريّ، عن محمّد بن الحسين بن زيد، عن محمّد بن زياد، عن أبي الجارود، عن ابن جبير، عن ابن عبّاس قال: قال علي (عليه السّلام) لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): يا رسول اللّه إنّك لتحبّ عقيلا؟ قال: اي و اللّه إنّي لاحبّه حبّين حبّا له و حبّا لحبّ أبي طالب له، و إنّ ولده [ل] مقتول في محبّة ولدك، فتدمع عليه عيون المؤمنين، و تصلّي عليه الملائكة المقرّبون، ثمّ بكى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) حتّى جرت دموعه على صدره، ثمّ قال: إلى اللّه أشكو ما تلقى عترتي من بعدي (2).
____________
(1)- الخصال: 1/ 68 ح 101 و أمالي الصدوق ص 373 ح 10 و البحار: 22/ 274 ح 21 و ج 44/ 298 ح 4.
(2)- ص 111 ح 3 و البحار: 44/ 287 ح 27.
348
الأخبار: الأئمّة: أمير المؤمنين (عليهم السّلام).
2- كمال الدين: بإسناده عن ابن نباتة، عن عليّ (عليه السّلام) في حديث له: و خير الخلق و سيّدهم بعد الحسن ابني أخوه الحسين المظلوم بعد أخيه، المقتول في أرض كربلاء، ألا إنّه و أصحابه من سادة (1) الشهداء يوم القيامة (2).
عليّ بن الحسين (عليهما السّلام)
3- علل الشرائع و أمالي الصدوق: في حديث ميثم التمّار: يا جبلة اعلمي أنّ الحسين بن عليّ سيّد الشهداء يوم القيامة، و لأصحابه على سائر الشهداء فضلا و درجة في السماء. (3)
الصادق (عليه السّلام)
4- كامل الزيارات: محمّد بن جعفر، عن ابن أبي الخطّاب، عن محمّد بن إسماعيل عمّن حدّثه، عن عليّ بن أبي حمزة، عن الحسين بن أبي العلاء و أبي المعزاء و عاصم بن حميد جميعا، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: ما من شهيد إلّا و هو يحبّ لو أنّ الحسين بن عليّ حيّ [حتى] يدخلون الجنّة معه (4).
7- باب فضل العبّاس بن علي بخصوصه على الشهداء الذين معه
1- الخصال و أمالي الصدوق: الهمدانيّ، عن عليّ بن إبراهيم، عن اليقطينيّ، عن يونس، عن ابن أسباط، عن عليّ بن سالم، عن أبيه، عن الثماليّ قال:
نظر علي بن الحسين سيّد العابدين إلى عبيد اللّه بن العبّاس بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) فاستعبر، ثمّ قال: ما من يوم أشدّ على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) من يوم احد، قتل فيه عمّه حمزة
____________
(1)- في البحار: سادات.
(2)- ص 259 ح 5 و البحار: 36/ 253 ح 69.
(3)- علل الشرائع: 1/ 228 و أمالي الصدوق ص 110 ح 1 و البحار: 45/ 202 ح 4، و فيهم: «درجة» بدل «فضلا و درجة في السماء».
(4)- ص 111 ح 7 و البحار: 44/ 298 ح 5.
350
9- باب علّة عدم مبالاتهم بالقتل و أنّهم فرحون مسرورون من القتل
الأخبار: الأئمّة: عليّ بن الحسين (عليهم السّلام)
1- الخرائج و الجرائح: سعد، عن ابن عيسى، عن الأهوازيّ، عن النضر، عن عاصم بن حميد، عن الثماليّ قال: قال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): كنت مع أبي في الليلة التي قتل في صبيحتها، فقال لأصحابه: هذا اللّيل فاتّخذوه جنّة(1)، فإنّ القوم إنّما يريدونني، و لو قتلوني لم يلتفتوا إليكم، و أنتم في حلّ وسعة، فقالوا: و اللّه لا يكون هذا أبدا، فقال (عليه السّلام): إنّكم تقتلون غدا كلّكم و لا يفلت (2) منكم رجل، قالوا: الحمد للّه الّذي شرّفنا بالقتل معك.
ثمّ دعا فقال لهم: ارفعوا رءوسكم و انظروا، فجعلوا ينظرون إلى مواضعهم و منازلهم من الجنّة، و هو يقول لهم: هذا منزلك يا فلان [و هذا قصرك يا فلان، و هذه درجتك يا فلان] (3)، فكان الرجل يستقبل الرماح و السيوف بصدره و وجهه ليصل إلى منزله (4) في الجنّة (5).
الصادق (عليه السّلام)
2- علل الشرائع: الطالقانيّ، عن الجلوديّ، عن الجوهريّ، عن ابن عمارة، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: قلت له: أخبرني عن أصحاب الحسين (عليه السّلام) و إقدامهم على الموت فقال: إنّهم كشف لهم الغطاء (6) حتّى رأوا منازلهم من الجنّة، فكان الرجل [منهم] يقدم على القتل ليبادر إلى حوراء يعانقها، و إلى مكانه من الجنّة (7).
محمّد التقيّ، عن آبائه، عن زين العابدين (عليهم السّلام)
3- معاني الأخبار: المفسّر، عن أحمد بن الحسن الحسينيّ، عن الحسن بن
____________
(1)- أي سترا، و في المصدر: جملا.
(2)- في المصدر: كذلك لا يفلت.
(3)- ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
(4)- في البحار: منزلته.
(5)- المخطوط ص 438 ح 65 و البحار: 44/ 298 ح 3.
(6)- في الأصل: فقال لهم كشف الغطاء.
(7)- 1/ 229 ح 1 و البحار: 44/ 297 ح 1.
351
عليّ الناصريّ، عن أبيه، عن أبي جعفر الثاني، عن آبائه (عليهم السّلام)، قال: قال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): لمّا اشتدّ الأمر بالحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السّلام) نظر إليه من كان معه فإذا هو بخلافهم، لأنّهم كلّما اشتدّ الأمر تغيّرت ألوانهم، و ارتعدت فرائصهم، و وجلت قلوبهم، و كان الحسين (عليه السّلام) و بعض من معه من خصائصه تشرق ألوانهم، و تهدأ جوارحهم، و تسكن نفوسهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا لا يبالي بالموت، فقال لهم الحسين (عليه السّلام): صبرا بني الكرام، فما الموت إلّا قنطرة تعبر بكم عن البؤس و الضرّاء إلى الجنان الواسعة و النعيم الدائمة، فأيّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر؟ و ما هو لأعدائكم إلّا كمن ينتقل من قصر إلى سجن و عذاب.
إنّ أبي حدّثني، عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنّ الدنيا سجن المؤمن و جنّة الكافر، و الموت جسر هؤلاء إلى جنانهم (1) و جسر هؤلاء إلى جحيمهم، ما كذبت و لا كذّبت. (2)
____________
(1)- في المصدر: جنّاتهم.
(2)- ص 288 و البحار: 44/ 297 ح 2.
353
16- أبواب الوقائع المتأخّرة عن قتله
1- باب شهادة ولدي مسلم الصغيرين (رضوان اللّه عليهما)
الأخبار: الصحابة و التابعين و غيرهما
1- أمالي الصدوق: أبي، عن عليّ، عن أبيه، عن إبراهيم بن رجا، عن عليّ بن جابر، عن عثمان بن داود الهاشميّ، عن محمّد بن مسلم، عن حمران بن أعين، عن أبي محمّد شيخ لأهل الكوفة، قال: لمّا قتل الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) اسر من معسكره غلامان صغيران، فاتي بهما عبيد اللّه بن زياد، فدعا سجّانا له، فقال: خذ هذين الغلامين إليك، فمن طيب الطعام فلا تطعمهما، و من البارد فلا تسقيهما، و ضيّق عليهما سجنهما. و كان الغلامان يصومان النهار، فإذا جنّهما الليل اتيا بقرصين من شعير، و كوز من ماء القراح.
فلمّا طال بالغلامين المكث حتى صارا في السنة، قال أحدهما لصاحبه: يا أخي قد طال بنا مكثنا، و يوشك أن تفنى أعمارنا، و تبلى أبداننا، فإذا جاء الشيخ فأعلمه مكاننا، و تقرّب إليه بمحمّد (صلى اللّه عليه و آله) لعلّه يوسّع علينا في طعامنا، و يزيدنا في شرابنا.
355
الفاسق حتّى قرع الباب قرعا خفيفا، فقالت العجوز: من هذا؟ قال: أنا فلان، قالت:
ما الّذي أطرقك هذه الساعة و ليس هذا لك بوقت؟ قال: و يحك افتحي الباب قبل أن يطير عقلي، و تنشقّ مرارتي في جوفي، جاهد البلاء قد نزل بي، قالت: ويحك ما الّذي نزل بك؟ قال: هرب غلامان صغيران من عسكر عبيد اللّه بن زياد، فنادى الأمير في معسكره: من جاء برأس واحد منهما فله ألف درهم، و من جاء برأسهما فله ألفا درهم، فقد أتعبت و تعبت و لم يصل في يدي شيء.
فقالت العجوز: يا ختني احذر أن يكون محمّد (صلى اللّه عليه و آله) خصمك في القيامة، قال لها: ويحك إنّ الدنيا محرص عليها، فقالت: و ما تصنع بالدنيا و ليس معها آخرة؟ قال:
إنّي لأراك تحامين عنهما، كأنّ عندك من طلب الأمير شيء، فقومي فإنّ الأمير يدعوك، قالت: و ما يصنع الأمير بي، و إنّما أنا عجوز في هذه البريّة، قال: إنّما لي الطلب، افتحي لي الباب حتى أريح و أستريح، فإذا أصبحت فكّرت (1) في أيّ الطريق آخذ في طلبهما، ففتحت له الباب و أتته بطعام و شراب، فأكل و شرب.
فلمّا كان في بعض الليل سمع غطيط الغلامين في جوف البيت، فأقبل يهيج كما يهيج البعير الهائج، و يخور كما يخور الثور، و يلمس بكفّه جدار البيت حتّى وقعت يده على جنب الغلام الصغير، فقال له: من هذا؟ قال: أمّا أنا فصاحب المنزل، فمن أنتما؟ فأقبل الصغير يحرّك الكبير و يقول: قم يا حبيبي فقد و اللّه وقعنا فيما كنّا نحاذره.
قال لهما: من أنتما؟ قالا له: يا شيخ إن نحن صدقناك فلنا الأمان؟ قال: نعم، قالا: أمان اللّه و أمان رسوله، و ذمّة اللّه و ذمّة رسوله (صلى اللّه عليه و آله)؟ قال: نعم، قالا: و محمّد ابن عبد اللّه على ذلك من الشاهدين؟ قال: نعم، قالا: و اللّه على ما نقول وكيل و شهيد؟ قال: نعم، قالا له: يا شيخ فنحن من عترة نبيّك محمّد (صلى اللّه عليه و آله) هربنا من سجن عبيد اللّه بن زياد من القتل، فقال لهما: من الموت هربتما و إلى الموت وقعتما، الحمد للّه
____________
(1)- في الأصل و البحار: بكرت.
354
فلمّا جنّهما الليل أقبل الشيخ إليهما بقرصين من شعير، و كوز من ماء القراح، فقال له الغلام الصغير: يا شيخ أ تعرف محمّدا؟ قال: فكيف لا أعرف محمّدا و هو نبيّي؟! قال: أ فتعرف جعفر بن أبي طالب؟ قال: و كيف لا أعرف جعفرا و قد أنبت اللّه له جناحين يطير بهما مع الملائكة كيف يشاء؟! قال: أ فتعرف عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام)؟
قال: و كيف لا أعرف عليّا و هو ابن عمّ نبيّي و أخو نبيّي؟! قال له: يا شيخ فنحن من عترة نبيّك محمّد (صلى اللّه عليه و آله) و نحن من ولد مسلم بن عقيل بن أبي طالب بيدك اسارى نسألك من طيب الطعام فلا تطعمنا، و من بارد الشراب فلا تسقينا، و قد ضيّقت علينا سجننا. فانكبّ الشيخ على أقدامهما يقبّلهما، و يقول: نفسي لنفسكما الفداء، و وجهي لوجهكما الوقاء، يا عترة نبيّ اللّه المصطفى، هذا باب السجن بين (أ) يديكما مفتوح، فخذا أيّ طريق شئتما.
فلمّا جنّهما الليل أتاهما بقرصين من شعير، و كوز من ماء القراح، و وقفهما على الطريق، و قال لهما: سيرا يا حبيبيّ الليل، و اكمنا النهار حتّى يجعل اللّه عزّ و جلّ لكما من أمركما فرجا و مخرجا، ففعل الغلامان ذلك.
فلمّا جنّهما الليل انتهيا إلى عجوز على باب، فقالا لها: يا عجوز إنّا غلامان صغيران غريبان حدثان غير خبيرين بالطريق، و هذا الليل قد جنّنا، أضيفينا سواد ليلتنا هذه فإذا أصبحنا لزمنا الطريق، فقالت لهما: فمن أنتما يا حبيبيّ فقد شممت الروائح كلّها فما شممت رائحة هي أطيب من رائحتكما؟ فقالا لها: يا عجوز نحن من عترة نبيّك محمّد (صلى اللّه عليه و آله) هربنا من سجن عبيد اللّه بن زياد من القتل، قالت العجوز: يا حبيبيّ إنّ لي ختنا فاسقا قد شهد الوقعة مع عبيد اللّه بن زياد أتخوّف أن يصيبكما هاهنا فيقتلكما، قالا: (أضيفينا) سواد ليلتنا هذه فإذا أصبحنا لزمنا الطريق، فقالت:
سآتيكما بطعام، ثمّ أتتهما بطعام فاكلا و شربا.
فلمّا ولجا الفراش قال الصغير للكبير: يا أخي إنّا نرجو أن نكون قد أمنّا ليلتنا هذه، فتعال حتّى اعانقك و تعانقني و أشمّ رائحتك و تشمّ رائحتي قبل أن يفرّق الموت بيننا، ففعل الغلامان ذلك و اعتنقا و ناما، فلمّا كان في بعض الليل أقبل ختن العجوز
356
الذي أظفرني بكما، فقام إلى الغلامين فشدّ أكتافهما، فبات (1) الغلامان ليلتهما مكتّفين.
فلمّا انفجر عمود الصبح دعا غلاما له أسود يقال له: فليح، فقال له: خذ هذين الغلامين فانطلق بهما إلى شاطئ الفرات و اضرب أعناقهما و ائتني برءوسهما لأنطلق بهما إلى عبيد اللّه بن زياد و آخذ جائزة ألفي درهم، فحمل الغلام السيف (و مضى بهما) و مشى أمام الغلامين، فما مضى إلّا غير بعيد حتى قال أحد الغلامين: يا أسود ما أشبه سوادك بسواد بلال مؤذّن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، قال: إنّ مولاي [قد] أمرني بقتلكما فمن أنتما؟ قالا له: يا أسود، نحن من عترة نبيّك محمّد، هربنا من سجن عبيد اللّه بن زياد من القتل، أضافتنا عجوزكم هذه، و يريد مولاك قتلنا، فانكبّ الأسود على أقدامهما و يقبّلهما و يقول: نفسي لنفسكما الفداء، و وجهي لوجهكما الوقاء، يا عترة نبيّ اللّه المصطفى، و اللّه لا يكون محمّد خصمي في القيامة، ثمّ عدا فرمى بالسيف من يده ناحية، و طرح نفسه في الفرات، و عبر إلى الجانب الآخر، فصاح به مولاه: يا غلام.
عصيتني فقال: يا مولاي إنّما أطعتك ما دمت لا تعصي اللّه، فإذا عصيت اللّه فأنا بريء منك في الدنيا و الآخرة.
فدعا ابنه، فقال: يا بنيّ إنّما أجمع الدنيا حلالها و حرامها لك، و الدنيا محرص عليها، فخذ هذين الغلامين إليك، فانطلق بهما إلى شاطئ الفرات، فاضرب أعناقهما و ائتني برءوسهما لأنطلق بهما إلى عبيد اللّه بن زياد و آخذ جائزة ألفي درهم، فأخذ الغلام السيف و مشى أمام الغلامين فما مضيا إلّا غير بعيد، حتّى قال (له) أحد الغلامين: يا شابّ ما أخوفني على شبابك هذا من نار جهنّم، فقال: يا حبيبيّ فمن أنتما؟ قالا: من عترة نبيّك محمّد (صلى اللّه عليه و آله) يريد والدك قتلنا، فانكبّ الغلام على أقدامهما يقبلهما و يقول لهما مقالة الأسود، و رمى بالسيف ناحية، و طرح نفسه في الفرات و عبر، فصاح به أبوه: يا بنيّ عصيتني؟ قال: لئن اطيع اللّه و أعصيك أحبّ إليّ من أن أعصي اللّه و اطيعك.
____________
(1)- في الأصل: فقام.
357
قال الشيخ: لا يلي قتلكما أحد غيري، و أخذ السيف و مشى أمامهما، فلمّا صار إلى شاطئ الفرات سلّ السيف عن جفنه، فلمّا نظر الغلامان إلى السيف مسلولا اغر و رقت أعينهما، و قالا له: يا شيخ انطلق بنا إلى السوق و استمتع بأثماننا، و لا ترد أن يكون محمّد (صلى اللّه عليه و آله) خصمك في القيامة غدا فقال: لا و لكن أقتلكما و أذهب برءوسكما (1) الى عبيد اللّه بن زياد و آخذ جائزة ألفين، فقالا له: يا شيخ أ ما تحفظ قرابتنا من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال: ما لكما من رسول اللّه قرابة، قالا له: يا شيخ فائت بنا إلى عبيد اللّه بن زياد حتّى يحكم فينا بأمره، قال: ما [بي] إلى ذلك سبيل إلّا التقرّب إليه بدمكما، قالا له: يا شيخ أ ما ترحم صغر سنّنا؟ قال: ما جعل اللّه لكما في قلبي من الرحمة شيئا.
قالا: يا شيخ إن كان و لا بدّ فدعنا نصلّي ركعات، قال فصلّيا ما شئتما إن نفعتكما الصلاة، فصلّى الغلامان أربع ركعات ثمّ رفعا طرفيهما إلى السماء فناديا: يا حيّ يا حليم (2) يا أحكم الحاكمين، احكم بيننا و بينه بالحقّ، فقام إلى الأكبر فضرب عنقه، و أخذ برأسه و وضعه في المخلاة، و أقبل الغلام الصغير يتمرّغ في دم أخيه و هو يقول: حتى ألقى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و أنا مختضب بدم أخي، فقال: لا عليك سوف الحقك بأخيك، ثمّ قام الى الغلام الصغير فضرب عنقه و أخذ رأسه، و وضعه في المخلاة، و رمى ببدنهما في الماء، و هما يقطران دما، و مرّ حتى أتى بهما عبيد اللّه بن زياد، و هو قاعد على كرسيّ له، و بيده قضيب خيزران فوضع الرأسين بين يديه.
فلمّا نظر إليهما قام ثمّ قعد، ثمّ قام ثمّ قعد ثلاثا، ثمّ قال: الويل لك أين ظفرت بهما؟ قال: أضافتهما عجوز لنا، قال: فما عرفت لهما حقّ الضيافة؟ قال: لا، قال:
فأي شيء قالا لك؟ قال: قالا: يا شيخ اذهب بنا إلى السوق فبعنا فانتفع بأثماننا و لا ترد أن يكون محمّد (صلى اللّه عليه و آله) خصمك في القيامة، قال: فأيّ شيء قلت لهما؟ قال:
قلت: لا، و لكن أقتلكما و انطلق برءوسكما إلى عبيد اللّه بن زياد و آخذ جائزة ألفي درهم، قال: فأيّ شيء قالا لك؟ قال: قالا: ائت بنا إلى عبيد اللّه بن زياد حتّى
____________
(1)- في المصدر: برأسكما، و هكذا فيما يأتي.
(2)- في المصدر: يا حكيم، و هكذا فيما يأتي.
358
يحكم فينا بأمره، قال: فأيّ شيء قلت؟ قال: قلت: ليس إلى ذلك سبيل إلّا التقرّب إليه بدمكما (1)، قال: أ فلا جئتني بهما حيّين؟ فكنت اضعّف (2) لك الجائزة، و أجعلها أربعة آلاف درهم؟ قال: ما رأيت إلى ذلك سبيلا إلّا التقرّب إليك بدمهما.
قال: فأيّ شيء قالا لك أيضا؟ قال: قالا لي: يا شيخ احفظ قرابتنا من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، قال: فأيّ شيء قلت لهما؟ قال: قلت لهما: ما لكما من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قرابة، قال: ويلك فأيّ شيء قالا لك أيضا؟ قال: قالا: يا شيخ ارحم صغر سنّنا، قال: فما رحمتهما؟ قال: قلت: ما جعل اللّه لكما من الرحمة في قلبي شيئا، قال: ويلك فأيّ شيء قالا لك أيضا؟ قال: قالا: دعنا نصلّي ركعات، فقلت: فصلّيا ما شئتما إن نفعتكما الصلاة، فصلّى الغلامان أربع ركعات، قال: فأيّ شيء قالا في آخر صلاتهما؟
قال: رفعا طرفيهما إلى السماء و قالا: يا حيّ يا حليم يا أحكم الحاكمين احكم بيننا و بينه بالحق.
قال عبيد اللّه بن زياد: فإنّ أحكم الحاكمين قد حكم بينكم. من للفاسق (3)؟
قال: فانتدب له (4) رجل من أهل الشام فقال: أنا له، قال: فانطلق به إلى الموضع الذي قتل فيه الغلامين فاضرب عنقه، و لا تترك أن يختلط دمه بدمهما و عجّل برأسه، ففعل الرجل ذلك و جاء برأسه فنصبه على قناة، فجعل الصبيان يرمونه بالنبل و الحجارة و هم يقولون: هذا قاتل ذريّة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله). (5)
توضيح: غطيط النائم و المخنوق نخيرهما.
أقول: روي في المناقب القديم هذه القصة مع تغيير قال: أخبرنا سعد الأئمّة سعيد بن محمّد بن أبي بكر الفقيميّ، عن محمّد بن عبد اللّه السرختكيّ، عن أحمد بن يعقوب، عن طاهر بن محمّد الحداديّ، عن محمّد بن عليّ بن نعيم، عن محمّد بن الحسين ابن عليّ، عن محمّد بن يحيى الذهليّ قال: لمّا قتل الحسين بن عليّ بكربلاء هرب
____________
(1)- في المصدر: إليك بدمهما.
(2)- في المصدر: اضاعف.
(3)- في المصدر: بينكم و بين الفاسق.
(4)- في الأصل: إليه.
(5)- أمالي الصدوق ص 76 ح 2 و البحار 45/ 100 ح 1.
360
بالنار، ففعل به ذلك و صار إلى عذاب اللّه (1).
2- باب بعض ما وقع بعد قتله إلى ذهاب أهل البيت إلى الكوفة زائدا على ما مرّ
الأخبار: الصحابة و التابعين و غيرهما
1- أمالي الصدوق (ره): ابن المتوكّل، عن السّعدآباديّ، عن البرقيّ، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن أبي الجارود زياد بن المنذر، عن عبد اللّه بن الحسن (2)، عن امّه فاطمة بنت الحسين (عليه السّلام) قالت: دخلت العامّة علينا الفسطاط و أنا جارية صغيرة، و في رجلي خلخالان من ذهب، فجعل رجل يفضّ الخلخالين من رجلي و هو يبكي، فقلت: ما يبكيك يا عدوّ اللّه؟ فقال: كيف لا أبكي و أنا أسلب ابنة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فقلت: لا تسلبني، قال: أخاف أن يجيء غيري فيأخذه. قالت: و انتهبوا ما في الأبنية حتّى كانوا ينزعون الملاحف عن ظهورنا (3).
أقول: في بعض كتب الأصحاب أنّ فاطمة الصغرى قالت: كنت واقفة بباب الخيمة و أنا أنظر إلى أبي و أصحابه (4) مجزّرين كالأضاحي على الرّمال، و الخيول على أجسادهم تجول، و أنا افكّر فيما يقع علينا بعد أبي من بني اميّة، أ يقتلوننا أو يأسروننا؟
فإذا برجل على ظهر جواده يسوق النساء بكعب رمحه، و هنّ يلذن بعضهنّ ببعض، و قد أخذ ما عليهنّ من أخمرة و أسورة، و هنّ يصحن: وا جدّاه، وا أبتاه، وا عليّاه، وا قلّة ناصراه، وا حسناه، أ ما من مجير يجيرنا؟ أ ما من ذائد يذود عنّا؟ قالت: فطار فؤادي، و ارتعدت فرائصي، فجعلت أجيل بطرفي يمينا و شمالا على عمّتي أمّ كلثوم خشية منه أن يأتيني.
____________
(1)- البحار: 45/ 105.
(2)- في الأصل و المصدر و البحار: عبد اللّه بن الحسين.
(3)- ص 139 ح 2 و البحار: 45/ 82 ح 9.
(4)- في البحار و إحدى نسختي الأصل: و أصحابي.
359
غلامان من عسكر عبيد اللّه بن زياد، أحدهما يقال له: إبراهيم و الآخر يقال له: محمّد، و كانا من ولد جعفر الطيّار، فإذا هما بامرأة تستسقي، فنظرت إلى الغلامين و إلى حسنهما و جمالهما، فقالت لهما: من أنتما؟ فقالا: نحن من ولد جعفر الطيّار في الجنّة، هربنا من عسكر عبيد اللّه بن زياد.
فقالت المرأة: إنّ زوجي في عسكر عبيد اللّه بن زياد، و لو لا أنّي أخشى أن يجيء الليلة و إلّا ضيّفتكما و أحسنت ضيافتكما، فقالا لها: أيّتها المرأة انطلقي بنا فنرجو أن لا يأتينا زوجك الليلة، فانطلقت المرأة و الغلامان حتّى انتهيا إلى منزلها فأتتهما بطعام، فقالا: مالنا في الطعام من حاجة، ائتينا بمصلّى نقضي فوائتنا، فصلّيا، فانطلقا إلى مضجعهما، فقال الأصغر للأكبر: يا أخي و يا ابن امّي التزمني و استنشق من رائحتي فإنّي أظنّ أنّها آخر ليلتي، لا نصبح بعدها.
و ساق الحديث نحوا مما مرّ إلى أن قال: ثمّ هزّ السيف و ضرب عنق الأكبر و رمى ببدنه الفرات، فقال الأصغر: سألتك (1) باللّه أن تتركني حتّى أتمرّغ بدم أخي ساعة، قال: و ما ينفعك ذلك؟ قال: هكذا احبّ، فتمرّغ بدم أخيه إبراهيم ساعة، ثمّ قال له: قم، فلم يقم فوضع السيف على قفاه، فضرب عنقه من قبل القفا و رمى ببدنه إلى الفرات، فكان بدن الأوّل على وجه الفرات ساعة، حتّى قذف الثاني، فأقبل بدن الأوّل راجعا يشقّ الماء شقّا حتّى التزم بدن أخيه، و مضيا في الماء، و سمع هذا الملعون صوتا من بينهما و هما في الماء: ربّ تعلم و ترى ما فعل بنا هذا الملعون، فاستوف لنا حقّنا منه يوم القيامة.
ثمّ قال: فدعا عبيد اللّه بغلام له أسود يقال له: نادر، فقال له: يا نادر دونك هذا الشيخ شدّ كتفيه فانطلق به إلى الموضع الّذي قتل الغلامين فيه فاضرب عنقه، و سلبه لك، و لك عشرة آلاف درهم، و أنت حرّ لوجه اللّه، فانطلق الغلام به الى الموضع الّذي ضرب أعناقهما فيه، فقال له: يا نادر لا بدّ لك من قتلي؟ قال: فضرب عنقه فرمى بجيفته إلى الماء، فلم يقبله الماء، و رمى به إلى الشطّ و أمر عبيد اللّه بن زياد أن يحرق
____________
(1)- حالفتك/ خ.
361
فبينا أنا على هذه الحالة و إذا به قد قصدني، ففررت منهزمة، و أنا أظنّ أنّي أسلم منه، و إذا (1) به قد تبعني، فذهبت خشية منه و إذا بكعب الرمح بين كتفي، فسقطت على وجهي، فخرم اذني و أخذ قرطي و مقنعتي، و ترك الدماء تسيل على خدّي، و رأسي تصهره الشمس، و ولّى راجعا إلى الخيم، و أنا مغشيّ عليّ، و إذا أنا بعمّتي عندي تبكي و هي تقول: قومي نمضي ما أعلم ما جرى على البنات و أخيك العليل، فقمت و قلت: يا عمّتاه هل من خرقة أستر بها رأسي عن أعين النظّار؟ فقالت: يا بنتاه و عمّتك مثلك فرأيت رأسها مكشوفة، و متنها قد اسودّ من الضرب، فما رجعنا إلى الخيمة إلّا و هي قد انتهبت و ما فيها، و أخي عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) مكبوب على وجهه لا يطيق الجلوس من كثرة الجوع و العطش و الأسقام، فجعلنا نبكي عليه و يبكي علينا. (2)
أقول: قد مرّت الرواية بعينها. (3)
الأئمّة: عليّ بن الحسين (عليهم السّلام)
2- كامل الزيارات: (4) عبيد اللّه (5) بن الفضل بن محمّد بن هلال، عن سعيد ابن محمّد، عن محمّد بن سلام الكوفيّ، عن أحمد بن محمّد الواسطيّ، عن عيسى بن أبي شيبة القاضيّ، عن نوح بن درّاج، عن قدامة بن زائدة، عن أبيه قال: قال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): بلغني يا زائدة أنّك تزور قبر أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أحيانا؟ فقلت: إنّ ذلك لكما بلغك، فقال (عليه السّلام) لي: فلما ذا تفعل ذلك و لك مكان عند سلطانك الّذي لا يحتمل أحدا على محبّتنا و تفضيلنا، و ذكر فضائلنا، و الواجب على هذه الامّة من حقّنا؟
فقلت: و اللّه ما اريد بذلك إلّا اللّه و رسوله و لا أحفل بسخط من سخط، و لا يكبر في
____________
(1)- و إذا أنا/ خ.
(2)- البحار: 45/ 60.
(3)- تقدمت في ص 305 من كتابنا هذا
(4)- هذا الحديث ليس من أصل كتاب كامل الزيارات، بل أدرجه فيه بعض تلامذة ابن قولويه (قدّس سرّه) كما صرح في صدر الخبر، إلّا أن المصنف أورده كما في البحار من غير تنبيه، بحيث يظهر أنه من كتاب كامل الزيارات، راجع المصدر ص 259 ح 1، و هكذا نبّه المحدّث النوري مفصلا في المستدرك ج 3 ص 522 فراجع.
(5)- في الأصل: عبد اللّه.
363
رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و شربوا من ذلك اللّبن، ثمّ أكل و أكلوا من ذلك التّمر و الزبد (1)، ثمّ غسل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يده و عليّ يصبّ عليه الماء.
فلمّا فرغ من غسل يده مسح وجهه، ثمّ نظر إلى عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين نظرا عرفنا فيه (2) السرور في (3) وجهه، ثمّ رمق بطرفه نحو السماء مليّا، ثمّ وجّه وجهه نحو القبلة و بسط يديه يدعو (4)، ثمّ خرّ ساجدا و هو ينشج فأطال النشوج و علا نحيبه و جرت دموعه، ثمّ رفع رأسه و أطرق إلى الأرض و دموعه تقطر كأنّها صوب المطر، فحزنت فاطمة و عليّ و الحسن و الحسين (عليهم السّلام) و حزنت معهم لما رأينا من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، وهبناه أن نسأله حتّى إذا طال ذلك، قال له عليّ و قالت له فاطمة: ما يبكيك يا رسول اللّه لا أبكى اللّه عينيك؟ فقد أقرح قلوبنا ما نرى من حالك، فقال:
يا أخي سررت بكم- و قال مزاحم بن عبد الوارث في حديثه هاهنا (5)- فقال: يا حبيبي إنّي سررت بكم سرورا ما سررت مثله قطّ، و إنّي لأنظر إليكم و أحمد اللّه على نعمته عليّ فيكم إذ هبط عليّ جبرئيل فقال: يا محمّد إنّ اللّه تبارك و تعالى اطّلع على ما في نفسك، و عرف سرورك بأخيك و ابنتك و سبطيك، فأكمل لك النّعمة، و هنّأك العطيّة بأن جعلهم و ذريّاتهم و محبّيهم و شيعتهم معك في الجنّة لا يفرّق بينك و بينهم، يحيون كما تحيا (6) و يعطون كما تعطى حتّى ترضى و فوق الرّضا على بلوى كثيرة تنالهم في الدنيا، و مكاره تصيبهم بأيدي اناس ينتحلون ملّتك، و يزعمون أنّهم من أمّتك، براء من اللّه و منك خبطا خبطا و قتلا قتلا، شتّى مصارعهم، نائية قبورهم، خيرة من اللّه لهم و لك فيهم، فاحمد اللّه جلّ و عزّ على خيرته، و ارض بقضائه، فحمدت اللّه و رضيت بقضائه بما اختاره لكم.
ثمّ قال [لي] جبرئيل (عليه السّلام): يا محمّد إنّ أخاك مضطهد بعدك، مغلوب على
____________
(1)- في البحار: بالزبد.
(2)- في المصدر: به.
(3)- من/ خ.
(4)- في المصدر: و دعا.
(5)- روى الحسين بن أحمد بن المغيرة تلميذ ابن قولويه هذا الحديث بسندين، ذكر المصنف أحدهما في المتن، و لم يذكر الآخر، و مزاحم بن عبد الوارث راوية في السند الآخر، راجع المصدر.
(6)- يحبون كما تحبى/ خ و المصدر.
362
صدري مكروه ينالني بسببه، فقال: و اللّه إنّ ذلك لكذلك، فقلت: و اللّه إنّ ذلك لكذلك يقولها ثلاثا و أقولها ثلاثا، فقال: أبشر ثمّ أبشر ثمّ أبشر فلاخبرنّك بخبر كان عندي في النخب المخزون.
إنّه لمّا أصابنا بالطفّ ما أصابنا، و قتل أبي (عليه السّلام)، و قتل من كان معه من ولده و إخوته و سائر أهله، و حملت حرمه و نساؤه على الأقتاب يراد بنا الكوفة، فجعلت أنظر إليهم صرعى و لم يواروا فيعظم (1) ذلك في صدري، و يشتدّ (2)- لما أرى منهم- قلقي، فكادت نفسي تخرج، و تبيّنت ذلك منّي عمّتي زينب بنت عليّ الكبرى، فقالت: ما لي أراك تجود بنفسك يا بقيّة جدّي و أبي و إخوتي؟ فقلت: و كيف لا أجزع و أهلع (3)، و قد أرى سيّدي و إخوتي و عمومتي و ولد عمّي و أهلي مضرّجين بدمائهم، مرمّلين بالعراء مسلّبين، لا يكفّنون و لا يوارون، و لا يعرج عليهم أحد، و لا يقربهم بشر، كأنّهم أهل بيت من الديلم و الخزر، فقالت: لا يجزعنّك ما ترى فو اللّه إنّ ذلك لعهد من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إلى جدّك و أبيك و عمّك، و لقد أخذ اللّه ميثاق اناس من هذه الامّة لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض (4)، و هم معروفون في أهل السماوات أنّهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرّقة فيوارونها، و هذه الجسوم المضرّجة، و ينصبون لهذا الطفّ علما لقبر أبيك سيّد الشهداء لا يدرس أثره، و لا يعفو رسمه، على كرور اللّيالي و الأيّام و ليجتهدنّ أئمّة الكفر و أشياع الضلالة في محوه و تطميسه، فلا يزداد أثره إلّا ظهورا، و أمره الّا علوّا.
فقلت: و ما هذا العهد؟ و ما هذا الخبر؟ فقالت: [نعم] حدّثتني أمّ أيمن أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) زار منزل فاطمة (عليها السّلام) في يوم من الأيّام فعملت له حريرة (عليهما السّلام)، و أتاه عليّ (عليه السّلام) بطبق فيه تمر، ثمّ قالت أمّ أيمن: فأتيتهم بعسّ فيه لبن و زبد، فأكل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السّلام) من تلك الحريرة، و شرب
____________
(1)- في المصدر و إحدى نسختي الأصل: فعظم.
(2)- في المصدر: و اشتدّ.
(3)- و لا أبكي/ خ.
(4)- في المصدر: هذه الامة.
364
أمّتك، متعوب من أعدائك، ثمّ مقتول بعدك، يقتله [أ] شرّ الخلق و الخليقة، و أشقى البريّة، نظير عاقر النّاقة، ببلد تكون إليه هجرته و هو مغرس شيعته و شيعة ولده، و فيه على كلّ حال يكثر بلواهم، و يعظم مصابهم، و إنّ سبطك هذا- و أومأ بيده إلى الحسين- مقتول في عصابة من ذرّيتك و أهل بيتك و أخيار من أمّتك بضفّة الفرات، بأرض تدعى (1) كربلا، من أجلها يكثر الكرب و البلاء على أعدائك و أعداء ذرّيتك، في اليوم الذي لا ينقضي كربه و لا تفنى حسرته، و هي أطهر (2) بقاع الأرض و أعظمها حرمة، [يقتل فيها سبطك و أهله] و إنّها لمن بطحاء الجنّة.
فإذا كان ذلك اليوم الذي يقتل فيه سبطك و أهله، و أحاطت بهم (3) كتائب أهل الكفر و اللّعنة، تزعزعت الأرض من أقطارها، و مادت الجبال و كثر اضطرابها، و اصطفقت البحار بأمواجها، و ماجت السماوات بأهلها، غضبا لك يا محمّد و لذرّيتك، و استعظاما لما ينتهك من حرمتك، و لشرّ ما تكافى (4) به في ذريّتك و عترتك، و لا يبقى شيء من ذلك إلّا استأذن اللّه عزّ و جلّ في نصرة أهلك المستضعفين المظلومين، الّذين هم حجّة اللّه على خلقه بعدك، فيوحي اللّه إلى السماوات و الأرض و الجبال و البحار و من فيهنّ: إنّي أنا اللّه الملك القادر، [و] الّذي لا يفوته هارب، و لا يعجزه ممتنع، و أنا أقدر (فيه) على الانتصار و الانتقام، و عزّتي و جلالي لاعذّبنّ من وتر رسولي و صفيّي، و انتهك حرمته، و قتل عترته، و نبذ عهده، و ظلم أهله، عذابا لا اعذّبه أحدا من العالمين.
فعند ذلك يضجّ كلّ شيء في السماوات و الأرضين بلعن من ظلم عترتك و استحلّ حرمتك، فإذا برزت تلك العصابة إلى مضاجعها، تولّى اللّه عزّ و جلّ قبض أرواحها بيده، و هبط إلى الأرض ملائكة من السماء السابعة، معهم آنية من الياقوت و الزّمرّد، مملؤة من ماء الحياة، و حلل من حلل الجنّة، و طيب من طيب الجنّة، فغسّلوا جثثهم بذلك الماء، و ألبسوها الحلل، و حنّطوها بذلك الطيب، و صلّى الملائكة صفّا
____________
(1)- في المصدر: يقال لها.
(2)- في المصدر: أطيب.
(3)- في المصدر: به.
(4)- في الأصل: يكافى، و في البحار: يتكافى.
366
كلّها في شياطينه و عفاريته، فيقول: يا معشر الشياطين قد أدركنا من ذريّة آدم الطلبة، و بلغنا في هلاكهم الغاية، و أورثناهم (1) النار، إلّا من اعتصم بهذه العصابة فاجعلوا شغلكم بتشكيك الناس فيهم، و حملهم على عداوتهم، و إغرائهم بهم و أوليائهم، حتّى تستحكم (2) ضلالة الخلق و كفرهم، و لا ينجو منهم ناج، و لقد صدق عليهم إبليس و هو كذوب أنّه لا ينفع مع عداوتكم عمل صالح، و لا يضرّ مع محبّتكم و موالاتكم ذنب غير الكبائر.
قال زائدة: ثم قال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) بعد أن حدّثني بهذا الحديث: خذه إليك أما لو ضربت في طلبه آباط الإبل حولا لكان قليلا. (3)
توضيح: «العسّ» القدح العظيم، قولها: «رمق بطرفه» أي نظر، و نشج الباكي ينشج بالكسر نشيجا إذا غصّ بالبكاء في حلقه من غير انتحاب، و خبطه يخبطه ضربه شديدا، و البعير بيده الأرض وطئه شديدا، و القوم بسيفه جلدهم، «و ضفّة النهر» بالكسر أي جانبه، و التزعزع التحرّك، و كذلك الميد، و الاصطفاق الاضطراب يقال: الريح تصفق الأشجار فتصطفق، و الموتور الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه، تقول منه: وتره يتره وترا وترة، و ضرب آباط الإبل كناية عن الركض و الاستعجال، فإنّ المستعجل يضرب رجليه بإبطي الإبل ليعدو، أي لو سافرت سفرا سريعا في طلبه حولا.
الرضا (عليه السّلام)
3- رجال الكشي: محمّد بن مسعود، عن جعفر بن أحمد، عن حمدان بن سليمان، عن منصور بن العبّاس، عن إسماعيل بن سهل، عن بعض أصحابنا قال:
كنت عند الرّضا (عليه السّلام) فدخل عليه عليّ بن أبي حمزة و ابن السرّاج و ابن المكاريّ، فقال عليّ بعد كلام جرى بينهم و بينه في إمامته: إنّا روينا عن آبائك (عليهم السّلام) أنّ الإمام لا يلي أمره إلّا إمام مثله، فقال له أبو الحسن (عليه السّلام): فأخبرني عن الحسين بن عليّ
____________
(1)- و أوردناهم/ خ.
(2)- في المصدر و إحدى نسختى الأصل: تستحكموا.
(3)- ص 260 و البحار: 45/ 179 ح 30.
365
صفّا عليهم.
ثمّ يبعث اللّه قوما من أمّتك لا يعرفهم الكفّار، (و) لم يشركوا في تلك الدّماء بقول و لا فعل و لا نيّة، فيوارون أجسامهم، و يقيمون رسما لقبر سيّد الشهداء بتلك البطحاء، يكون علما لأهل الحقّ، و سببا للمؤمنين إلى الفوز، و تحفّه الملائكة من كلّ سماء مائة ألف ملك في كلّ يوم و ليلة، و يصلّون عليه، [و يطوفون عليه] و يسبّحون اللّه عنده، و يستغفرون اللّه لزوّاره (1)، و يكتبون أسماء من يأتيه زائرا من أمّتك متقرّبا إلى اللّه و إليك بذلك، و أسماء آبائهم و عشائرهم و بلدانهم، و يوسمون في وجوههم بميسم نور عرش اللّه «هذا زائر قبر خير الشهداء، و ابن خير الأنبياء»، فإذا كان يوم القيامة سطع في وجوههم من أثر ذلك الميسم نور تغشى منه الأبصار يدلّ عليهم و يعرفون به.
و كأنّي بك يا محمّد بيني و بين ميكائيل، و عليّ أمامنا، و معنا من ملائكة اللّه ما لا يحصى عدده (2)، و نحن نلتقط من ذلك الميسم في وجهه بين الخلائق حتّى ينجيهم اللّه من هول ذلك اليوم و شدائده، و ذلك حكم اللّه و عطاؤه لمن زار قبرك يا محمّد أو قبر أخيك أو قبر سبطيك، لا يريد به غير اللّه عزّ و جلّ، و سيجدّ (3) اناس ممن حقّت عليهم من اللّه اللّعنة و السّخط أن يعفوا رسم ذلك القبر و يمحوا أثره، فلا يجعل اللّه تبارك و تعالى لهم إلى ذلك سبيلا.
ثمّ قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): فهذا أبكاني و أحزنني.
قالت زينب: فلمّا ضرب ابن ملجم لعنه اللّه أبي و رأيت [عليه] أثر الموت منه، قلت له: يا أبه حدّثتني أمّ أيمن بكذا و كذا، و قد أحببت أن أسمعه منك، فقال:
يا بنيّة الحديث كما حدّثتك أمّ أيمن، و كأنّي بك و ببنات (4) أهلك (ل) سبايا بهذا البلد، أذلّاء خاشعين تخافون أن يتخطّفكم الناس، فصبرا (ثمّ) صبرا، فو الذي فلق الحبّة و برأ النّسمة ما للّه على ظهر الأرض يومئذ وليّ غيركم و غير محبّيكم و شيعتكم، و لقد قال لنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) حين أخبرنا بهذا الخبر: إنّ إبليس في ذلك اليوم يطير فرحا، فيجول الأرض
____________
(1)- في المصدر: لمن زاره.
(2)- في المصدر: عددهم.
(3)- في المصدر: و سيجتهد.
(4)- في المصدر: و بنساء.
367
(عليهما السّلام) كان إماما أو [كان] غير إمام؟ قال: كان إماما، قال: فمن ولي أمره؟ قال:
عليّ بن الحسين (عليهما السّلام)، قال: و أين كان عليّ بن الحسين (عليهما السّلام)؟ كان (1) محبوسا [بالكوفة] في يد عبيد اللّه بن زياد لعنه اللّه قال: خرج و هم كانوا لا يعلمون حتّى ولي أمر أبيه ثم انصرف، فقال له أبو الحسن (عليه السّلام): إنّ هذا [الذي] أمكن عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) أن يأتي (ب) كربلا فيلي أمر أبيه، فهو يمكّن صاحب [هذا] الأمر أن يأتي بغداد ويلي أمر أبيه. (2)
أقول: تمامه في باب الردّ علي الواقفيّة. (3)
الكتب:
4- قال السيّد ابن طاوس (رحمه اللّه) في كتاب اللهوف على أهل الطفوف و الشيخ ابن نما (رحمه اللّه) في مثير الأحزان و اللفظ للسيّد: إنّ عمر بن سعد لعنه اللّه بعث برأس الحسين (عليه السّلام) في ذلك اليوم و هو يوم عاشورا مع خوليّ بن يزيد الأصبحيّ و حميد بن مسلم الأزديّ إلى عبيد اللّه بن زياد، و أمر برءوس الباقين من أصحابه و أهل بيته فنظّفت و سرّح بها مع شمر بن ذي الجوشن و قيس بن الأشعث و عمرو بن الحجّاج، فأقبلوا بها حتّى قدموا الكوفة، و أقام بقيّة يومه و اليوم الثاني إلى زوال الشمس ثمّ رحل بمن تخلّف من عيال الحسين (عليه السّلام)، و حمل نساءه (صلوات الله عليه) على أحلاس أقتاب بغير وطاء مكشّفات الوجوه بين الأعداء، و هنّ ودائع خير الأنبياء، و ساقوهنّ كما يساق سبي الترك و الروم في أسر (4) المصائب و الهموم و للّه درّ القاتل: (5)
يصلّى على المبعوث من آل هاشم * * * و يغزى بنوه إنّ ذا لعجيب
قال: و لمّا انفصل ابن سعد عن كربلا خرج قوم من بني أسد فصلّوا على الجثث الطواهر المرمّلة بالدّماء و دفنوها على ما هي عليه الآن. (6)
و قال المفيد: دفنوا الحسين (عليه السّلام) حيث قبره الآن، و دفنوا ابنه عليّ بن الحسين الأصغر عند رجليه، و حفروا للشهداء من أهل بيته و أصحابه الّذين صرعوا
____________
(1)- في المصدر: قال: كان.
(2)- ص 463 ح 883 و البحار: 45/ 169 ح 16.
(3)- في عوالم العلوم ج 21 ص 444 (مخطوط).
(4)- في المصدر: أشد.
(5)- في المصدر: قائله.
(6)- اللهوف ص 60- 61، مثير الاحزان ص 84 و البحار: 45/ 107 ح 1.
368
حوله ممّا يلي رجلي الحسين (عليه السّلام)، ثم (1) جمعوهم و دفنوهم جميعا معا، و دفنوا العباس بن عليّ رضي اللّه عنه في موضعه الذي قتل فيه على طريق الغاضريّة حيث قبره الآن. (2)
و قال صاحب الكامل و صاحب المناقب و ابن نما: ذكر أبو مخنف أنّ عمر بن سعد لعنه اللّه لمّا دفع الرأس إلى خوليّ الأصبحي لعنه اللّه ليحمله إلى ابن زياد عليه اللّعنة أقبل به خوليّ ليلا فوجد باب القصر مغلقا فأتى به منزله، و له امرأتان امرأة من بني أسد، و اخرى حضرميّة يقال لها النوار، فآوى إلى فراشها، فقالت له: ما الخبر؟
فقال: جئتك بالذّهب هذا رأس الحسين (عليه السّلام) معك في الدّار، فقالت: ويلك جاء الناس بالذهب و الفضّة، و جئت برأس ابن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، و اللّه لا يجمع رأسي و رأسك و سادة أبدا، قالت: فقمت من فراشي فخرجت إلى الدّار، و دعا بالأسدية فأدخلها عليه، فما زلت و اللّه أنظر إلى نور مثل العمود يسطع من الاجانة التي فيها رأس الحسين (عليه السّلام) إلى السماء، و رأيت طيورا بيضاء ترفرف حولها و حول الرأس. (3)
3- باب فيما وقع من دخول أهل البيت الكوفة إلى خروجهم منها إلى الشام، و خبر قتل الحسين (عليه السّلام) إلى المدينة
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- الاحتجاج: عن حذيم بن شريك الأسديّ قال: لمّا أتى عليّ بن الحسين زين العابدين (عليهم السّلام) بالنسوة من كربلا، و كان مريضا، و إذا نساء أهل الكوفة ينتدبن مشقّقات الجيوب، و الرجال معهنّ يبكون، فقال زين العابدين (عليه السّلام) بصوت ضئيل و قد نهكته العلّة: إنّ هؤلاء يبكون [علينا]، فمن قتلنا غيرهم؟ فأومأت زينب بنت عليّ بن أبي طالب (عليهما السّلام) إلى الناس بالسكوت.
قال حذيم الأسديّ: فلم أر و اللّه خفيرة أنطق منها، كأنّها (4) تنطق و تفرغ عن لسان أمير المؤمنين (عليه السّلام)، و قد أشارت إلى الناس بأن انصتوا، فارتدّت الأنفاس
____________
(1)- في المصدر و البحار: و.
(2)- إرشاد المفيد ص 273 و البحار: 45/ 108.
(3)- الكامل في التاريخ: 4/ 78، مثير الاحزان ص 85 و البحار: 45/ 125.
(4)- في البحار و إحدى نسختي الأصل: كأنّما.
369
و سكنت الأجراس.
ثمّ قالت بعد حمد اللّه تعالى و الصلاة على رسوله (صلى اللّه عليه و آله): أمّا بعد يا أهل الكوفة يا أهل الختل (1) و الغدر و الجدل (2)، ألا فلا رقأت العبرة، و لا هدأت الزّفرة، إنّما مثلكم [ك] مثل التي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثا، تتّخذون أيمانكم دخلا بينكم، هل فيكم إلّا الصّلف و العجب، و الشنف (3) و الكذب، و ملق الإماء و غمز الأعداء، كمرعى (4) على دمنة، أو كفضّة (5) على ملحودة، ألا بئس ما قدّمت لكم أنفسكم أن سخط اللّه عليكم و في العذاب أنتم خالدون.
أ تبكون [على أخي]؟ (اي) أجل و اللّه فابكوا، فإنّكم و اللّه أحقّ (6) بالبكاء، فابكوا كثيرا و اضحكوا قليلا، فقد بليتم بعارها، و منيتم بشنارها، و لن ترحضوها أبدا، و أنّي ترحضون قتل سليل خاتم النبوّة، و معدن الرسالة، و سيّد شباب أهل الجنّة، و ملاذ حربكم، و معاذ حزبكم، و مقرّ سلمكم، و آسي كلمكم، و مفزع نازلتكم، و المرجع إليه عند مقالتكم (7)، و مدرة حججكم، و منار محجّتكم، ألا ساء ما قدّمت لكم أنفسكم، و ساء ما تزرون، ليوم بعثكم، فتعسا تعسا و نكسا نكسا! لقد خاب السّعي، و تبّت الأيدي، و خسرت الصّفقة، و بؤتم بغضب من اللّه، و ضربت عليكم الذلّة و المسكنة.
أ تدرون ويلكم أيّ كبد لمحمّد (صلى اللّه عليه و آله) فريتم (8)؟ و أيّ عهد نكثتم؟ و أيّ كريمة له أبرزتم؟ و أيّ حرمة له هتكتم؟ و أيّ دم له سفكتم؟ لقد جئتم شيئا إدّا تكاد السماوات يتفطّرن منه، و تنشقّ الأرض و تخرّ الجبال هدّا! لقد جئتم بها شوهاء، [صلعاء، عنقاء، سوداء، فقماء] (9) خرقاء [ك] طلاع الأرض و [ملء] السماء، أ فعجبتم أن تمطر (10) السماء دما؟ و لعذاب الآخرة أخزى و هم لا ينصرون، فلا يستخفنّكم المهل، فإنّه
____________
(1)- في البحار و إحدى نسختي الأصل: الختر.
(2)- في المصدر: و الخذل.
(3)- يقال: شنف له شنفا إذا أبغضه «النهاية ج 2 ص 505».
(4)- في المصدر: أو كمرعى.
(5)- في البحار: كقصّة.
(6)- في المصدر: أحرى.
(7)- في المصدر: مقاتلتكم.
(8)- في المصدر: فرثتم.
(9)- ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
(10)- في البحار و إحدى نسختى الأصل: أن لم تمطر.
371
تعسا له و نكسا، و قد يفتح هاهنا للازدواج، أو لأنّه لغة. و في أكثر النسخ هنا «من لا يحفزه» بالحاء المهملة و الزاء المعجمة، يقال: حفزه أي دفعه من خلفه يحفزه بالكسر حفزا، و الليل يحفز النهار أي يسوقه. قولها: «أودى» في أكثر النسخ بالدال المهملة، يقال: «أودى» أي هلك، و أودى به الموت أي ذهب، فكأنّ على هنا بمعنى الباء و في بعضها بالراء من أورى الزند إذا أخرج منه النار.
2- مجالس المفيد و مجالس الطوسي: المفيد، عن محمّد بن عمران، عن أحمد بن محمد الجوهريّ، عن محمّد بن مهران، عن موسى بن عبد الرحمن، عن عمر بن عبد الواحد، عن إسماعيل بن راشد، عن حذلم بن ستير (1) قال: قدمت الكوفة في المحرّم سنة إحدى و ستين عند منصرف عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) بالنسوة من كربلاء و معهم الأجناد يحيطون بهم، و قد خرج الناس للنظر إليهم، فلمّا اقبل بهم على الجمال بغير و طاء، جعل نساء الكوفة يبكين و يندبن، فسمعت عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) و هو يقول بصوت ضئيل، و قد نهكته العلّة، و في عنقه الجامعة، و يده مغلولة إلى عنقه: إنّ هؤلاء النسوة يبكين، فمن قتلنا؟.
قال: و رأيت زينب بنت عليّ (عليهما السّلام)، و لم أر خفرة قطّ أنطق منها كأنّها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال: و قد أومأت إلى الناس أن اسكتوا، فارتدّت الأنفاس و سكنت الأصوات، فقالت: الحمد للّه و الصلاة على أبي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله).
أمّا بعد يا أهل الكوفة، يا أهل الختل و الخذل، فلا رقأت العبرة، و لا هدأت الرّنّة، فإنّما مثلكم كالّتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثا تتّخذون أيمانكم دخلا بينكم، ألا و هل فيكم ألّا الصّلف و السّرف (2)، خوارون في اللقاء، عاجزون عن الأعداء، ناكثون للبيعة، مضيّعون للذمّة، فبئس ما قدّمت لكم أنفسكم أن سخط اللّه عليكم و في العذاب أنتم خالدون.
____________
(1)- في الأصل: «جزام بن ستير»، و في أمالي الطوسي: «حذلم بن كثير».
(2)- هكذا في الأصل و البحار، و في أمالي المفيد: الصّلف النّطف، و الصدر الشّنف، و في أمالي الطوسيّ:
الصّلف الظلف، و الضرم الشرف.
370
عزّ و جلّ من لا يحفزه (1) البدار و لا يخشى (2) عليه فوت الثأر، كلّا إنّ ربّك لنا و لهم لبالمرصاد، ثمّ أنشأت تقول:
ما ذا تقولون إذ قال النبيّ لكم * * * ما ذا صنعتم و أنتم آخر الأمم؟
بأهل بيتي و أولادي و مكرمتي (3) * * * منهم اسارى و منهم ضرّجوا بدم؟
ما كان ذاك جزائي إذ نصحت لكم * * * أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي
إنّي لأخشى علكيم أن يحلّ بكم * * * مثل العذاب الذي أودى على إرم
ثمّ ولّت عنهم.
قال حذيم: فرأيت الناس حيارى قد ردّوا أيديهم في أفواههم، فالتفت إلى شيخ إلى (4) جانبي يبكي و قد اخضلّت لحيته بالبكاء، و يده مرفوعة إلى السماء و هو يقول: بأبي و امّي كهولهم خير الكهول، [و نساؤهم خير النساء،] و شبابهم خير شباب، و نسلهم نسل كريم، و فضلهم فضل عظيم، ثمّ أنشد شعرا:
كهولهم خير الكهول و نسلهم (5) * * * إذا عدّ نسل لا يبور و لا يخزى
فقال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): يا عمّة اسكتي ففي الباقي من الماضي اعتبار، و أنت بحمد اللّه عالمة غير معلّمة، فهمة غير مفهّمة، إنّ البكاء و الحنين لا يردّان من قد أباده الدّهر، فسكتت، ثمّ نزل (عليه السّلام) و ضرب فسطاطه، و أنزل نساءه و دخل الفسطاط (6).
إيضاح: قولها «و آسي كلمكم» الآسي الطبيب، و الكلم الجراحة. و قال الجوهريّ: «النكس» بالضمّ عود المرض بعد النقه، و قد نكس الرجل نكسا، يقال:
____________
(1)- في الأصل: لا يغفره.
(2)- في الأصل: و لا يخاف.
(3)- في المصدر: و تكرمتي.
(4)- في المصدر: في.
(5)- في المصدر: و نسلكم.
(6)- 2/ 29 و البحار: 45/ 162 ح 7.
372
أ تبكون؟ اي و اللّه فابكوا كثيرا و اضحكوا قليلا، فلقد فزتم بعارها و شنارها، و لن تغسلوا دنسها عنكم أبدا، فسليل خاتم الرسالة، و سيّد شباب أهل الجنّة، و ملاذ خيرتكم، و مفزع نازلتكم، و أمارة محجّتكم، و مدرجة حجّتكم خذلتم، و له قتلتم، ألا ساء ما تزرون، فتعسا و نكسا، و لقد خاب السعي، و تبّت الأيدي، و خسرت الصفقة، و بؤتم بغضب من اللّه، و ضربت عليكم الذلّة و المسكنة.
ويلكم أ تدرون أيّ كبد لمحمّد (صلى اللّه عليه و آله) فريتم؟ و أيّ دم له سفكتم؟ و أيّ كريمة له أصبتم؟ لقد جئتم شيئا إدّا، تكاد السّماوات يتفطرن منه، و تنشقّ الأرض، و تخرّ الجبال هدّا، و لقد أتيتم بها خرقاء (1) شوهاء طلاع الأرض و السّماء، أ فعجبتم أن قطرت السماء دما؟ و لعذاب الآخرة أخزى، فلا يستخفنّكم المهل، فإنّه لا يعجزه (2) البدار، و لا يخاف عليه فوت الثأر، كلّا إن ربّك لبالمرصاد.
قال: ثمّ سكتت، فرأيت الناس حيارى قد ردّوا أيديهم في أفواههم، و رأيت شيخا و قد بكى حتّى اخضلّت لحيته و هو يقول:
كهولهم خير الكهول و نسلهم * * * إذا عدّ نسل لا يخيب و لا يخزى (3)
أقول: في بعض الكتاب المعتبرة: روي مرسلا عن مسلم الجصّاص، قال:
دعاني ابن زياد عليه اللعنة لإصلاح دار الإمارة بالكوفة، فبينا أنا اجصّص الأبواب و إذا أنا بالزعقات قد ارتفعت من جنبات الكوفة، فأقبلت على خادم كان معنا، فقلت:
مالي أرى الكوفة تضجّ؟ قال: الساعة أتوا برأس خارجي خرج على يزيد، فقلت: من هذا الخارجي؟ فقال: الحسين بن علي (عليه السّلام)، قال: فتركت الخادم حتى خرج و لطمت وجهي حتّى خشيت على عينيّ أن تذهبا، و غسلت يدي من الجصّ و خرجت من ظهر القصر و أتيت إلى الكناس.
فبينما أنا واقف و الناس يتوقّعون وصول السبايا و الرءوس إذ قد أقبلت نحو
____________
(1)- في البحار و إحدى نسختي الأصل: خرماء.
(2)- في أمالي المفيد: لا يحفزه، و في أمالي الطوسيّ: لا يخفره.
(3)- أمالي المفيد ص 320 ح 8 و أمالي الطوسيّ: 1/ 90 و البحار: 45/ 164 ح 8.
373
أربعين شقّة تحمل على أربعين جملا فيها الحرم و النّساء و أولاد فاطمة، و إذا بعليّ بن الحسين (عليهما السّلام) على بعير بغير وطاء، و أوداجه تشخب دما، و هو مع ذلك يبكي و يقول:
يا أمّة السّوء لا سقيا لربعكم * * * يا أمّة لم نراع جدّنا فينا
لو أنّنا و رسول اللّه يجمعنا * * * يوم القيامة ما كنتم تقولونا
تسيّرونا على الأقتاب عارية * * * كأنّنا لم نشيّد فيكم دينا
بني اميّة ما هذا الوقوف على * * * تلك المصائب لا تلبون داعينا
تصفّقون علينا كفّكم فرحا * * * و أنتم في فجاج الأرض تسبونا
أ ليس جدّي رسول اللّه ويلكم * * * أهدى البريّة من سبل المضلّينا
يا وقعة الطفّ قد أورثتني حزنا * * * و اللّه يهتك أستار المسيئينا
قال: و صار أهل الكوفة يناولون الأطفال الذين على المحامل بعض التمر و الخبز و الجوز، فصاحت بهم أمّ كلثوم و قالت: يا أهل الكوفة إنّ الصدقة علينا حرام، و صارت تأخذ ذلك من أيدي الأطفال و أفواههم و ترمي به إلى الأرض، قال: كل ذلك و الناس يبكون على ما أصابهم.
ثمّ إنّ أمّ كلثوم أطلعت رأسها من المحمل و قالت لهم: صه يا أهل الكوفة تقتلنا رجالكم، و تبكينا نساؤكم؟ فالحاكم بيننا و بينكم اللّه يوم فصل القضاء، فبينما هي تخاطبهنّ إذا بضجّة قد ارتفعت، و إذا هم أتوا بالرؤوس يقدمهم رأس الحسين (عليه السّلام) و هو رأس زهريّ قمريّ أشبه الخلق برسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و لحيته كسواد السّبج (1) قد اتّصل بها (2) الخضاب، و وجهه دارة قمر طالع و الرمح (3) تلعب بها يمينا و شمالا، فالتفتت زينب (عليهما السّلام) فرأت رأس أخيها فنطحت جبينها بمقدّم المحمل، حتّى رأينا الدّم يخرج من تحت قناعها و أومأت إليه بخرقة و جعلت تقول:
يا هلالا لمّا استتمّ كمالا * * * غاله خسفه فأبدا غروبا
____________
(1)- السّبج: معرّب شبى، للقميص بالفارسية. و قيل هو ثوب صوف أسود. «النهاية ج 2 ص 331»، و في نسختي الأصل: الشج، الشيخ، و هو تصحيف.
(2)- في البحار: انتصل منها.
(3)- في الأصل: و الريح.
374
ما تو همّت يا شقيق فؤادي * * * كان هذا مقدّرا مكتوبا
يا أخي فاطم الصغيرة كلّمها * * * فقد كاد قلبها أن يذوبا
يا أخي قلبك الشفيق علينا * * * ماله قد قسى و صار صليبا؟
يا أخي لو ترى عليّا لدى الأسر * * * مع اليتم لا يطيق وجوبا
كلّما أوجعوه بالضرب نادا * * * ك بذلّ يفيض (1)دمعا سكوبا
يا أخي ضمّه إليك و قرّبه * * * و سكّن فؤاده المرعوبا
ما أذلّ اليتيم حين ينادي * * * بأبيه، و لا يراه مجيبا (2)
توضيح: قولها «لا يطيق وجوبا» أي لزوما بالأرض و سكونا أو عملا يواجب على هيئة الاختيار.
3- أمالي الطوسيّ: أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن أحمد بن الحسين بن عبد الملك، عن إسماعيل بن عامر، عن الحكم بن محمد بن القاسم، قال: حدثني أبي، عن أبيه أنّه حضر عبيد اللّه بن زياد حين اتي برأس الحسين (عليه السّلام)، فجعل ينكت بقضيب ثناياه و يقول: إنّه كان لحسن الثغر (3)، فقال له زيد بن أرقم: ارفع قضيبك، فطال ما رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يلثم موضعه، قال: إنّك شيخ قد خرفت، فقام زيد يجرّ ثيابه، ثمّ عرضوا عليه فأمر بضرب عنق عليّ بن الحسين (عليهما السّلام)، فقال له [عليّ]: إن كان بينك و بين هؤلاء النساء رحم فأرسل معهنّ من يؤديهنّ (4)، فقال: نؤدّيهنّ (5) أنت، و كأنّه استحيا، و صرف اللّه عزّ و جلّ عن عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) القتل.
قال أبو القاسم بن محمّد: ما رأيت منظرا قطّ أفضع (6) من إلقاء رأس الحسين (عليه السّلام) بين يديه و هو ينكته. (7)
4- أمالي الطوسي: بالإسناد المتقدّم، عن الحكم بن محمّد، عن أبي إسحاق السبيعيّ، أنّ زيد بن أرقم خرج من عنده يومئذ و هو يقول: أما و اللّه لقد سمعت رسول
____________
(1)- في البحار: يغيض.
(2)- البحار: 45/ 114.
(3)- الشفّة/ خ.
(4)- في الأصل: يردّ بهنّ، تردّ بهنّ.
(5)- في الأصل: يردّ بهنّ، تردّ بهنّ.
(6)- في المصدر: أفزع.
(7)- 1/ 257 و البحار: 45/ 167 ح 10.
376
6- مجالس المفيد: المرزبانيّ، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن عليل، عن عبد الكريم بن محمّد، عن عليّ بن سلمة، عن محمّد بن فخار، عن عبد اللّه بن عامر قال: لمّا أتى نعي الحسين (عليه السّلام) إلى المدينة خرجت أسماء بنت عقيل بن أبي طالب- رضي اللّه عنها- في جماعة من نسائها حتّى انتهت إلى قبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فلاذت به، و شهقت عنده، ثمّ التفتت إلى المهاجرين و الأنصار و هي تقول:
ما ذا تقولون إن قال النبيّ لكم * * * يوم الحساب و صدق القول مسموع
خذلتم عترتي أو كنتم غيبا * * * و الحقّ عند وليّ الأمر مجموع
أسلمتموهم بأيدي الظالمين فما * * * منكم له اليوم عند اللّه مشفوع
ما كان عند غداة الطفّ إذ حضروا * * * تلك المنايا و لا عنهنّ مدفوع
قال: فما رأينا باكيا و لا باكية أكثر ممّا رأينا (في) ذلك اليوم (1).
7- الطرائف: من مسند أحمد بن حنبل بإسناده إلى سهل، قال: قالت أمّ سلمة زوجة النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) حين جاء نعي الحسين بن عليّ (عليهما السّلام): لعنت أهل العراق و قالت: قتلوه قتلهم اللّه، غرّوه و أذلّوه لعنهم اللّه، فإنّي رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و قد جاءته فاطمة (عليهما السّلام) عشيّة (2) ببرمة (3) قد صنعت فيها عصيدة، تحملها في طبق حتّى وضعتها بين يديه، فقال لها: أين ابن عمّك؟ قالت: هو في البيت قال: اذهبي فادعيه و ائتيني بابنيه، قالت: فجاءت تقود ابنيها كلّ واحد منهما بيد، و عليّ يمشي بأثرها (4) حتّى دخلوا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فأجلسهما في حجره و جلس عليّ عن يمينه و جلست فاطمة عن يساره.
قالت أمّ سلمة: فاجتذب من تحتي كساء خيبريّا كان بساطا لنا (5)، فلفّه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و أخذ طرفي الكساء، و ألوى بيده اليمنى إلى ربّه عزّ و جلّ، و قال: اللّهمّ
____________
(1)- ص 138 ح 5 و البحار: 45/ 188 ح 34.
(2)- في المصدر: غدوة.
(3)- البرمة: القدر مطلقا، و جمعها برام، و هي في الأصل المتّخذة من الحجر المعروف بالحجاز و اليمن.
«النهاية ج 1 ص 121.
(4)- في المصدر: في أثرهم.
(5)- في المصدر: بساطا لنا على المثابة في المدينة.
377
هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا، قلت: يا رسول اللّه أ لست من أهلك (1)؟ قال: بلى، قالت: فأدخلني في الكساء بعد ما قضى دعاءه لابن عمّه [عليّ] و ابنته فاطمة و ابنيهما. (2)
الأئمّة: الباقر (عليهم السّلام)
8- التهذيب: محمّد بن يحيى، عن الحسن بن عليّ بن عبد اللّه، عن عبيس ابن هشام، عن سالم، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: جدّدت أربعة مساجد بالكوفة فرحا لقتل الحسين (عليه السّلام)، مسجد الأشعث، و مسجد جرير، و مسجد سماك، و مسجد شبث بن ربعيّ لعنهم اللّه (3).
الكتاب: قال السيّد ابن طاوس (ره) في كتاب اللهوف- و بعد ما ذكرنا عنه في الباب السّابق-: و سار ابن سعد بالسبي المشار إليه فلمّا قاربوا الكوفة اجتمع أهلها للنظر إليهنّ، قال: فأشرفت امرأة من الكوفيّات فقالت: من أيّ الاسارى أنتنّ؟ فقلن:
نحن اسارى (من) آل محمّد (صلى اللّه عليه و آله) فنزلت من سطحها و جمعت ملاء و ازرا و مقانع، فأعطتهنّ فتغطّين، قال: و كان مع النّساء عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) قد نهكته العلّة، و الحسن بن الحسن المثنّى و كان قد واسى عمّه و إمامه في الصبر على [ضرب السيوف و طعن] الرماح و إنّما ارتثّ و قد اثخن بالجراح، و كان معهم أيضا زيد و عمرو ولدا الحسن السبط (عليه السّلام).
فجعل أهل الكوفة ينوحون و يبكون، فقال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): أ تنوحون و تبكون من أجلنا؟ فمن قتلنا؟
قال بشير بن خزيم الأسديّ: و نظرت إلى زينب بنت عليّ (عليهما السّلام) يومئذ و لم أر و اللّه خفرة قطّ أنطق منها كأنّها (4) تفرغ عن لسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
____________
(1)- أهل بيتك/ خ.
(2)- الطرائف ص 126 ح 194 و مسند أحمد بن حنبل: 6/ 298 و البحار: 45/ 198 ح 38.
(3)- التهذيب: 3/ 250 ح 7 و البحار: 45/ 189 ح 35، و رواه في الكافي: 3/ 490 ح 3.
(4)- في البحار: كأنّما.
375
اللّه (صلى اللّه عليه و آله): يقول: اللهمّ إنّي أستودعكه و صالح المؤمنين، فكيف حفظكم لوديعة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)؟. (1)
5- أمالي الصدوق: الطالقانيّ، عن الجلوديّ، عن الجوهريّ، عن أحمد بن محمّد بن يزيد، عن أبي نعيم، قال: حدّثني حاجب عبيد اللّه بن زياد أنّه لمّا جيء برأس الحسين (عليه السّلام) أمر فوضع بين يديه في طست من ذهب، و جعل يضرب بقضيب في يده على ثناياه و يقول: لقد أسرع الشيب إليك يا أبا عبد اللّه، فقال رجل من القوم: مه فإنّي رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): يلثم حيث تضع قضيبك! فقال: يوم بيوم بدر، ثمّ أمر بعليّ بن الحسين (عليهما السّلام) فغلّ و حمل مع النسوة و السبايا إلى السّجن، و كنت معهم، فما مررنا بزقاق إلّا وجدناه ملاء رجال و نساء يضربون وجوههم و يبكون، فحبسوا في السّجن و طبّق عليهم.
ثمّ إنّ ابن زياد لعنه اللّه دعا بعليّ بن الحسين (عليهما السّلام) و النسوة و احضر رأس الحسين (عليه السّلام)، و كانت زينب ابنة عليّ (عليهما السّلام) فيهم، فقال ابن زياد: الحمد للّه الّذي فضحكم و قتلكم و أكذب أحاديثكم، فقالت زينب (عليها السّلام): الحمد للّه الذي أكرمنا بمحمّد (صلى اللّه عليه و آله) و طهّرنا تطهيرا، إنّما يفضح اللّه الفاسق، و يكذب الفاجر، قال: كيف رأيت صنع اللّه بكم أهل البيت؟ قالت: كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، و سيجمع اللّه بينك و بينهم فتتحاكمون عنده، فغضب ابن زياد لعنه اللّه عليها، و همّ بها، فسكّن منه عمرو بن حريث.
فقالت زينب (عليها السّلام): يا ابن زياد حسبك ما ارتكبت منّا فلقد قتلت رجالنا، و قطعت أصلنا، و أبحت حريمنا، و سبيت نساءنا و ذرارينا، فإن كان ذلك للاستشفاء فقد استشفيت (2)، فأمر ابن زياد بردّهم إلى السّجن، و بعث البشائر إلى النواحي بقتل الحسين (عليه السّلام)، ثمّ أمر بالسبايا و رأس الحسين (عليه السّلام) فحملوا إلى الشام إلى آخر ما سيأتي في الباب الآتي (3).
____________
(1)- 1/ 258 و البحار: 45/ 167 ح 11.
(2)- في المصدر و البحار: للاشتفاء فقد اشتفيت.
(3)- ص 140 ح 3 و البحار: 45/ 154 ح 3.
378
(عليه السّلام) و قد أومأت إلى الناس بأن انصتوا (1)، فارتدّت الأنفاس و سكنت الأجراس، ثمّ قالت: الحمد للّه و الصلاة على أبي محمّد و آله الطيّبين الأخيار.
أمّا بعد يا أهل الكوفة، يا أهل الختل و الغدر أ تبكون؟ فلا رقأت الدمعة، (2) و لا هدأت الرنّة، إنّما مثلكم كمثل الّتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، تتخذون أيمانكم دخلا بينكم، ألا و هل فيكم إلّا الصلف و النّطف، [و الصدر الشنف] و ملق الإماء، و غمز الأعداء، أو كمرعى على دمنة، أو كفضّة على ملحودة، ألا ساء ما قدّمت لكم أنفسكم أن سخط اللّه عليكم و في العذاب أنتم خالدون.
أ تبكون و تنتحبون؟ إي و اللّه فابكوا كثيرا و اضحكوا قليلا، فلقد ذهبتم بعارها و شنارها، و لن ترحضوها بغسل بعدها أبدا، و أنّى ترحضون قتل سليل خاتم النبوّة (3)، [و معدن الرسالة،] و سيّد شباب أهل الجنّة، و ملاذ خيرتكم، و مفزع نازلتكم، و منار حجّتكم، و مدره سنّتكم، ألا ساء ما تزرون، و بعدا لكم و سحقا، فلقد خاب السّعي، و تبّت الأيدي، و خسرت الصّفقة، و بؤتم بغضب من اللّه، و ضربت عليكم الذلّة و المسكنة.
ويلكم يا أهل الكوفة [أ تدرون] أيّ كبد لرسول اللّه فريتم؟ و أيّ كريمة له أبرزتم؟ و أيّ دم له سفكتم؟ و أيّ حرمة له انتهكتم؟ لقد جئتم بها صلعاء عنقاء سوداء فقماء- و في بعضها: خرقاء شوهاء- كطلاع الأرض، و ملاء السماء، أ فعجبتم أن قطرت (4) السماء دما و لعذاب الآخرة أخزى و أنتم لا تنصرون، فلا يستخفنّكم المهل، فإنّه لا يحفزه البدار و لا يخاف فوت الثأر و إنّ ربّكم لبالمرصاد.
قال: فو اللّه لقد رأيت الناس [يومئذ] حيارى يبكون، و قد وضعوا أيديهم في أفواههم، و رأيت شيخا واقفا إلى جنبي يبكي حتّى اخضلّت لحيته، و هو يقول: بأبي أنتم و امّي كهولكم خير الكهول، و شبابكم خير الشباب، و نساؤكم خير النساء، و نسلكم خير نسل لا يخزى و لا يبزى.
____________
(1)- في المصدر و البحار: أن اسكتوا.
(2)- العبرة/ خ.
(3)- في الأصل و البحار: الأنبياء.
(4)- في المصدر: مطرت.
380
لكيلا تأسوا على ما فاتكم، و لا تفرحوا بما آتاكم و اللّه لا يحبّ كل مختال فخور.
تبّا لكم فانتظروا اللّعنة و العذاب، و كأن قد حلّ بكم، و تواترت من السماء نقمات فتسحتكم (1) بما كسبتم، و يذيق بعضكم بأس بعض، ثمّ تخلّدون في العذاب الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا ألا لعنة اللّه على الظالمين.
ويلكم أ تدرون أيّة يد طاعنتنا منكم؟ و أيّة نفس نزعت إلى قتالنا؟ أم بأيّة رجل مشيتم إلينا تبغون محاربتنا؟ [و اللّه] قست قلوبكم، و غلظت أكبادكم، و طبع على أفئدتكم، و ختم على سمعكم و بصركم، و سوّل لكم الشيطان و أملى لكم، و جعل على بصركم (2) غشاوة، فأنتم لا تهتدون.
تبّا لكم يا أهل الكوفة أيّ ترات لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قبلكم، و ذحول له لديكم؟ بما عندتم (3) بأخيه عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) جدّي، و بنيه عترة النبيّ الطاهرين الأخيار، و افتخر بذلك مفتخر (من الظالمين) فقال:
نحن قتلنا عليّا و بني عليّ * * * بسيوف هنديّة و رماح
و سبينا نساءهم سبي ترك * * * و نطحناهم فأيّ نطاح
بفيك أيّها القائل الكثكث، و لك الأثلب، افتخرت بقتل قوم زكّاهم اللّه و طهّرهم [اللّه] و أذهب عنهم الرّجس، فاكظم و أقع كما أقعى أبوك، و إنّما لكل امرئ [ما كسب و] ما قدّمت يداه، حسدتمونا ويلا لكم على ما فضّلنا اللّه عليكم.
فما ذنبنا إن جاش دهرا بحورنا * * * و بحرك ساج لا يواري الدعا مصا
ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء و اللّه ذو الفضل العظيم، و من لم يجعل اللّه له نورا فما له من نور.
قال: فارتفعت الأصوات بالبكاء [و النحيب]، و قالوا: حسبك يا ابنة الطيبين، فقد أحرقت قلوبنا، و انضبحت نحورنا، و أضرمت أجوافنا، فسكتت عليها و على أبيها و جدّتها السلام. (4)
____________
(1)- اي تهلككم و تستأصلكم.
(2)- في المصدر: أبصاركم.
(3)- اعتديتم/ خ. و في المصدر: صنعتم.
(4)- اللهوف ص 61 و البحار: 45/ 107.
381
أقول: ذكر في الاحتجاج هذه الخطبة بهذا الاسناد (1)، و لنرجع إلى كلام السيّد.
قال: و خطبت أمّ كلثوم بنت عليّ (عليه السّلام) في ذلك اليوم من وراء كلّتها، رافعة صوتها بالبكاء، فقالت: يا أهل الكوفة سوأة لكم ما (با) لكم خذلتم حسينا و قتلتموه، و انتهبتم أمواله و ورثتموه، و سبيتم نساءه و نكبتموه، فتبّا لكم و سحقا.
ويلكم أ تدرون أيّ دواه دهتكم؟ و أيّ وزر على ظهوركم حملتم؟ و أيّ دماء سفكتموها؟ و أيّ كريمة أصبتموها؟ و أيّ صبيّة سلبتموها؟ و أيّ أموال انتهبتموها؟
قتلتم خير رجالات بعد النبيّ، و نزعت الرّحمة من قلوبكم، ألا إنّ حزب اللّه هم الفائزون، و حزب الشيطان هم الخاسرون، ثمّ قالت:
قتلتم أخي صبرا فويل لامّكم * * * ستجزون نارا حرّها يتوقد
سفكتم دماء حرّم اللّه سفكها * * * و حرّمها القرآن ثمّ محمّد
ألا فابشروا بالنّار إنّكم غدا * * * لفي سقر حقّا يقينا تخلّدوا
و إنّي لأبكي في حياتي على أخي * * * على خير من بعد النبيّ سيولد
بدمع غزير مستهلّ مكفكف * * * على الخدّ منّي ذائبا (2)ليس يجمد
قال: فضجّ الناس بالبكاء و الحنين و النوح، و نشر (ن) النساء شعورهنّ، و وضعن التراب على رءوسهنّ، و خمشن وجوههنّ، و ضربن خدودهنّ، و دعون بالويل و الثبور، و بكى الرجال، فلم ير باكية و باك أكثر من ذلك اليوم.
ثم إنّ زين العابدين (عليه السّلام) أومأ إلى الناس أن اسكتوا فسكتوا، فقام قائما فحمد اللّه و أثنى عليه و ذكر النبيّ و صلّى عليه، ثم قال: أيّها الناس من عرفني فقد عرفني، و من لم يعرفني فأنا [أعرّفه بنفسي، أنا] عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السّلام)، أنا ابن المذبوح بشطّ الفرات من غير ذحل و لا ترات، أنا ابن من انتهك حريمه، و سلب نعيمه (3)، و انتهب ماله، و سبي عياله، أنا ابن من قتل صبرا و كفى بذلك فخرا.
____________
(1)- الإحتجاج: 2/ 27.
(2)- في المصدر: دائما.
(3)- في المصدر: انتهكت حرمته و سلبت نعمته.
382
أيّها الناس، ناشدتكم باللّه هل تعلمون أنّكم كتبتم إلى أبي و خدعتموه، و أعطيتموه من أنفسكم العهد و الميثاق و البيعة، فقاتلتموه و خذلتموه؟ فتبّا (لكم) لما قدّمتم لأنفسكم، و سوأة لرأيكم، بأيّة عين تنظرون إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إذ يقول لكم:
قتلتم عترتي، و انتهكتم حرمتي، فلستم من أمّتي؟.
قال: فارتفعت أصوات الناس (1) (بالبكاء) من كلّ ناحية، و يقول بعضهم لبعض: هلكتم و ما تعلمون، فقال (عليه السّلام): رحم اللّه امرأ قبل نصيحتي، و حفظ وصيّتي في اللّه و في رسوله و أهل بيته، فإنّ لنا في رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) اسوة حسنة، فقالوا بأجمعهم: نحن كلّنا يا بن رسول اللّه سامعون مطيعون حافظون لذمامك، غير زاهدين فيك، و لا راغبين عنك، فمرنا بأمرك يرحمك اللّه، فإنّا حرب لحربك، و سلم لسلمك، لنأخذنّ يزيد و نبرأ ممّن ظلمك و ظلمنا، فقال (عليه السّلام): هيهات هيهات أيّها الغدرة المكرة حيل بينكم و بين شهوات أنفسكم، أ تريدون أن تأتوا إليّ كما أتيتم إلى آبائي من قبل؟ كلّا و ربّ الراقصات، فإنّ الجرح لمّا يندمل، قتل أبي (صلوات الله عليه) بالأمس و أهل بيته معه، و لم ينسني (2) ثكل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و ثكل أبي و بني أبي، و وجده بين لهاتي، و مرارته بين حناجري و حلقي، و غصصه يجري في فراش صدري، و مسألتي أن لا تكونوا لنا و لا علينا، ثمّ قال:
لا غرو أن قتل الحسين و شيخه * * * قد كان خيرا من حسين و أكرما
فلا تفرحوا يا أهل كوفان بالّذي * * * اصيب حسين كان ذلك إعظاما
قتيل بشط النهر روحي فداؤه * * * جزاء الّذي أرداه نار جهنّما (3)
أقول: روى في الاحتجاج هكذا، قال حذيم بن بشير: خرج زين العابدين (عليه السّلام) إلى الناس و أومأ إليهم أن اسكتوا فسكتوا الى آخر الخبر (4).
قال السيّد: ثمّ قال (عليه السّلام): رضينا منكم رأسا برأس فلا يوم لنا و لا [يوم] علينا.
____________
(1)- في المصدر: فارتفعت الأصوات.
(2)- في المصدر: ينس.
(3)- اللهوف ص 65 و البحار: 45/ 112.
(4)- الاحتجاج: 2/ 31 و فيه: قال: حذيم بن شريك.
379
و روى زيد بن موسى قال: حدّثني أبي، عن جدّي (عليهم السّلام) قال: خطبت فاطمة الصغرى، بعد أن ردّت (1) من كربلاء، فقالت: الحمد للّه عدد الرّمل و الحصى، وزنة العرش إلى الثرى، أحمده و اومن به و أتوكّل عليه، و أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له و أنّ محمّدا عبده و رسوله و أنّ ولده (2) ذبحوا بشطّ الفرات بغير ذحل و لا ترات.
اللهمّ إنّي أعوذ بك أن أفتري عليك الكذب و أن أقول عليك خلاف ما أنزلت من أخذ العهود لوصيّه عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) المسلوب حقّه، المقتول من غير ذنب، كما قتل ولده بالأمس في بيت من بيوت اللّه تعالى فيه معشر مسلمة بألسنتهم، تعسا لرؤوسهم ما دفعت عنه ضيما في حياته، و لا عند مماته، حتّى قبضته إليك، محمود النقيبة، طيب العريكة، معروف المناقب، مشهور المذاهب، لم يأخذه اللّهمّ فيك لومة لائم و لا عذل عاذل، هديته يا ربّ للإسلام صغيرا، و حمدت مناقبه كبيرا، و لم يزل ناصحا لك و لرسولك حتّى قبضته إليك زاهدا في الدّنيا، غير حريص عليها، راغبا في الآخرة، مجاهدا لك في سبيلك، رضيته فاخترته و هديته إلى صراط مستقيم.
أمّا بعد يا أهل الكوفة يا أهل المكر و الغدر و الخيلاء، فإنّا أهل بيت ابتلانا اللّه بكم و ابتلاكم بنا، فجعل بلاءنا حسنا و جعل علمه عندنا، و فهمه لدينا، فنحن عيبة علمه، و وعاء فهمه و حكمته، و حجّته في الأرض لبلاده و لعباده (3)، أكرمنا اللّه بكرامته، و فضّلنا بنبيّه محمّد (صلى اللّه عليه و آله) على كثير ممّن خلق تفضيلا بيّنا، فكذّبتمونا و كفّرتمونا، و رأيتم قتالنا حلالا، و أموالنا نهبا، كأنّا أولاد ترك أو كابل، كما قتلتم جدّنا بالأمس، و سيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت لحقد متقدّم، قرّت لذلك عيونكم، و فرحت قلوبكم، افتراء منكم على اللّه، و مكرا مكرتم و اللّه خير الماكرين، فلا تدعونّكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا، و نالت أيديكم من أموالنا، فإنّ ما أصابنا من المصائب الجليلة، و الرزايا العظيمة في كتاب من قبل أن نبرأها، إنّ ذلك على اللّه يسير،
____________
(1)- في المصدر: وردت.
(2)- في المصدر: أولاده.
(3)- في المصدر: و حجّته على الأرض في بلاده لعباده.
383
ثمّ قال السيّد: ثمّ إنّ ابن زياد جلس في القصر للناس، و أذن إذنا عامّا، و جيء برأس الحسين (عليه السّلام) فوضع بين يديه، و ادخل نساء الحسين (عليه السّلام) و صبيانه إليه، فجلست زينب بنت عليّ (عليهما السّلام) متنكّرة، فسأل عنها، فقيل: هذه زينب بنت عليّ، فأقبل عليها (1) فقال: الحمد للّه الذي فضحكم و أكذب احدوثتكم، فقالت: إنّما يفتضح الفاسق و يكذب الفاجر و هو غيرنا، فقال ابن زياد لعنه اللّه: كيف رأيت صنع اللّه بأخيك و أهل بيتك؟ فقالت: ما رأيت إلّا جميلا، هؤلاء قوم كتب اللّه عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، و سيجمع [اللّه] بينك و بينهم فتحاجّ و تخاصم، فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك امّك يا بن مرجانة.
قال: فغضب [ابن زياد] و كأنّه همّ بها، فقال له عمرو بن حريث: إنّها امرأة و المرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها، فقال لها ابن زياد: لقد شفى اللّه [قلبي] من طاغيتك الحسين- (عليه السّلام)- و العصاة المردة من أهل بيتك، فقالت: لعمري لقد قتلت كهلي، و قطعت فرعي، و اجتثثت أصلي، فإن كان هذا شفاؤك فقد اشتفيت، فقال ابن زياد: هذه سجّاعة! و لعمري لقد كان أبوك سجّاعا شاعرا، فقالت: يا ابن زياد ما للمرأة و السّجاعة. (2)
و قال ابن نما: و إنّ لي عن السجّاعة لشغلا و إنّي لأعجب ممّن يشتفي بقتل أئمّته، و يعلم أنّهم منتقمون منه في آخرته. (3)
و قال المفيد (ره): فوضع الرأس بين يديه ينظر إليه و يتبسّم، و بيده قضيب يضرب به ثناياه، و كان إلى جانبه زيد بن أرقم صاحب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و هو شيخ كبير، فلمّا رآه يضرب بالقضيب ثناياه قال [له]: ارفع قضيبك عن هاتين الشفتين، فو اللّه الّذي لا إله إلّا هو لقد رأيت شفتي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عليهما ما لا احصيه يقبّلهما، ثمّ انتحب باكيا، فقال له ابن زياد: أبكى اللّه عينيك، أ تبكي لفتح اللّه؟ و اللّه لو لا أنّك شيخ كبير قد خرفت و ذهب عقلك لضربت عنقك، فنهض زيد بن أرقم من بين
____________
(1)- في المصدر: إليها.
(2)- اللهوف ص 67 و البحار: 45/ 115.
(3)- مثير الاحزان ص 91 و البحار: 45/ 116.
385
و إليه ساعة، ثمّ قال: عجبا للرّحم و اللّه إنّي لأظنّها ودّت أنّي قتلتها معه، دعوه فإنّي أراه لما به (1).
و قال السيّد: فقال عليّ لعمّته: اسكتي يا عمّة حتّى اكلّمه، ثمّ أقبل فقال:
أبا لقتل تهدّدني يا بن زياد؟ أ ما علمت أنّ القتل لنا عادة و كرامتنا الشهادة؟
ثمّ أمر ابن زياد لعنه اللّه بعليّ بن الحسين (عليهما السّلام) و أهله فحملوا إلى دار جنب (2) المسجد الأعظم، فقالت زينب بنت عليّ: لا يدخلنّ علينا عربيّة إلّا أمّ ولد أو مملوكة فإنّهنّ سبين و قد (3) سبينا (4).
و قال ابن نما: رويت أنّ أنس بن مالك قال: شهدت عبيد اللّه بن زياد و هو ينكت بقضيب على أسنان الحسين (عليه السّلام) و (هو) يقول: إنّه كان حسن الثغر، فقلت: أم و اللّه لأسوءنّك، لقد رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يقبّل موضع قضيبك من فيه.
و عن سعيد بن معاذ و عمرو بن سهل أنّهما حضرا عبيد اللّه يضرب بقضيبه أنف الحسين (عليه السّلام) و عينيه و يطعن في فمه، فقال زيد بن أرقم: ارفع قضيبك، إنّي رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) واضعا شفتيه على موضع قضيبك، ثمّ انتحب باكيا، فقال له: أبكى اللّه عينيك عدوّ اللّه لو لا أنك شيخ قد خرفت و ذهب عقلك لضربت عنقك، فقال زيد:
لأحدثنّك حديثا هو أغلظ عليك من هذا: رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أقعد حسنا على فخذه اليمنى و حسينا على فخذه اليسرى، فوضع يده على يافوخ كلّ واحد منهما و قال: اللّهمّ إنّي أستودعك إيّاهما و صالح المؤمنين، فكيف كان وديعتك لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله).
و قال: [و] لمّا اجتمع عبيد اللّه بن زياد و عمر بن سعد عليهما اللعنة بعد قتل الحسين (عليه السّلام) قال عبيد اللّه لعمر: ائتني بالكتاب الّذي كتبته إليك في معنى قتل الحسين- (عليه السّلام)- و مناجزته، فقال: ضاع، فقال: لتجيئنّني به أتراك معتذرا في عجائز قريش؟ (ف) قال عمر: و اللّه لقد نصحتك في الحسين نصيحة لو استشارني بها أبي سعد كنت قد أدّيت حقّه، فقال عثمان بن زياد أخو عبيد اللّه: صدق و اللّه لوددت أنّه ليس
____________
(1)- إرشاد المفيد ص 274، مثير الاحزان ص 91، البحار: 45/ 117.
(2)- في البحار و إحدى نسختي الأصل: إلى جنب.
(3)- في المصدر: كما.
(4)- اللهوف ص 68 و البحار: 45/ 118.
386
من بني زياد رجل إلّا و في أنفه خزامة إلى يوم القيامة و أنّ حسينا لم يقتل، قال عمر بن سعد: و اللّه ما رجع أحد بشرّ ممّا رجعت، أطعت عبيد اللّه، و عصيت اللّه، و قطعت الرحم (1).
و قال السيّد: ثم أمر ابن زياد برأس الحسين (عليه السّلام) فطيف به في سكك الكوفة، و يحقّ لي أن أتمثّل هاهنا بأبيات لبعض ذوي العقول يرثي بها قتيلا من آل الرسول (صلى اللّه عليه و آله)، فقال:
رأس ابن بنت محمّد و وصيّه * * * للناظرين على قناة يرفع
و المسلمون بمنظر و بمسمع * * * لا منكر منهم و لا متفجّع
كحّلت بمنظرك العيون عماية * * * و أصمّ رزؤك كلّ اذن تسمع
ما روضة إلّا تمنّت أنّها * * * لك حفرة و لخطّ قبرك مضجع
أيقظت أجفانا و كنت لها كرى * * * و أنمت عينا لم تكن بك تهجع (2)
و قال ابن شهرآشوب: و روى أبو مخنف، عن الشعبيّ أنّه صلب رأس الحسين (عليه السّلام) بالصيارف في الكوفة، فتنحنح الرأس و قرأ سورة الكهف إلى قوله:
«إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْناهُمْ هُدىً» (3) فلم يزدهم ذلك إلّا ضلالا.
و في أثر: أنّهم لمّا صلبوا رأسه (عليه السّلام) على الشجر سمع منه «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (4).
قال: ثمّ إنّ ابن زياد صعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه، و قال في بعض كلامه:
الحمد للّه الّذي أظهر الحقّ و أهله، و نصر أمير المؤمنين و أشياعه، و قتل الكذّاب ابن الكذّاب، فما زاد على هذا الكلام شيئا حتّى قام إليه عبد اللّه بن عفيف الأزديّ و كان من خيار الشيعة و زهّادها، و كانت عينه اليسرى ذهبت في يوم الجمل و الاخرى في يوم صفّين، و كان يلازم المسجد الأعظم فيصلّي فيه إلى الليل، فقال: يا ابن مرجانة (5) إنّ
____________
(1)- ص 91، البحار: 45/ 118.
(2)- اللهوف ص 68 و البحار: 45/ 119.
(3)- الكهف: 13.
(4)- المناقب: 3/ 218 و البحار: 45/ 304، و الآية من سورة الشعراء: 227.
(5)- في المصدر: يا ابن زياد.
384
يديه و صار إلى منزله (1).
و قال محمّد بن أبي طالب: ثمّ رفع زيد صوته يبكي و خرج و هو يقول: ملك عبد حرّا، أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة و أمّرتم ابن مرجانة، حتّى يقتل خياركم، و يستعبد أشراركم، رضيتم بالذّل فبعدا لمن رضي. (2)
و قال المفيد (ره): و ادخل عيال الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) على ابن زياد، فدخلت زينب اخت الحسين (عليه السّلام) في جملتهم متنكّرة، و عليها أرذل ثيابها، و مضت حتى جلست ناحية [من القصر]، و حفّت بها إماؤها، فقال ابن زياد لعنه اللّه: من هذه الّتي انحازت فجلست ناحية و معها نساؤها؟ فلم تجبه زينب، فأعاد القول ثانية و ثالثة يسأل عنها، فقالت له بعض إمائها: هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فأقبل عليها ابن زياد و قال [لها]: الحمد للّه الذي فضحكم و قتلكم و أكذب احدوثتكم، فقالت [زينب]: الحمد للّه الّذي أكرمنا بنبيّه محمّد (صلى اللّه عليه و آله)، و طهّرنا من الرّجس تطهيرا، إنّما يفتضح الفاسق إلى آخر ما مرّ. (3)
و قال السيد و ابن نما: ثمّ التفت ابن زياد لعنه اللّه إلى عليّ بن الحسين (عليهما السّلام)، فقال: من هذا؟ فقيل: عليّ بن الحسين، فقال: أ ليس قد قتل اللّه عليّ بن الحسين؟ فقال عليّ (عليه السّلام): قد كان لي أخ يسمّى (4) عليّ بن الحسين (عليه السّلام) قتله الناس، فقال: بل اللّه قتله، فقال عليّ (عليه السّلام): «اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها» (5)، فقال ابن زياد لعنه اللّه: و لك جرأة على جوابي؟ اذهبوا به فاضربوا عنقه، فسمعت (6) عمّته زينب، فقالت: يا ابن زياد إنّك لم تبق منّا أحدا، فإن عزمت على قتله فاقتلني معه (7).
و قال المفيد و ابن نما: فتعلّقت به زينب عمّته و قالت: يا ابن زياد حسبك من دمائنا، و اعتنقته، و قالت: و اللّه لا افارقه فإن قتلته فاقتلني معه، فنظر ابن زياد إليها
____________
(1)- ارشاد ص 273 و البحار: 45/ 116.
(2)- البحار 45/ 117.
(3)- إرشاد المفيد ص 273 و البحار: 45/ 117.
(4)- في المصدر: يقال له.
(5)- الزمر: 42.
(6)- في المصدر: فسمعت به.
(7)- اللهوف ص 68، مثير الاحزان ص 91.
و البحار: 45/ 117.
387
الكذّاب ابن الكذّاب أنت و أبوك، و من استعملك و أبوه، يا عدوّ اللّه أ تقتلون أبناء النبيّين، و تتكلّمون بهذا الكلام على منابر المؤمنين؟
قال: فغضب ابن زياد، ثمّ قال: من هذا المتكلّم؟ فقال: أنا المتكلّم يا عدوّ اللّه، (أ) تقتل الذريّة الطاهرة التي قد أذهب اللّه عنهم الرّجس، و تزعم أنّك على دين الإسلام؟ وا غوثاه أين أولاد المهاجرين و الأنصار لينتقموا (1) من طاغيتك اللّعين ابن اللّعين على لسان محمّد رسول ربّ العالمين.
قال: فازداد غضب ابن زياد حتّى انتفخت أوداجه و قال: عليّ به، فبادر (2) إليه الجلاوزة من كلّ ناحية ليأخذوه، فقامت الأشراف من الأزد من بني عمّه فخلّصوه من أيدي الجلاوزة و أخرجوه من باب المسجد و انطلقوا به إلى منزله، فقال ابن زياد:
اذهبوا إلى هذا الأعمى، أعمى الأزد، أعمى اللّه قلبه كما أعمى عينيه (3)، فائتوني به، فانطلقوا [إليه]، فلمّا بلغ ذلك الأزد اجتمعوا و اجتمعت معهم قبائل اليمن ليمنعوا صاحبهم.
قال: و بلغ ذلك إلى ابن زياد فجمع قبائل مضر و ضمّهم إلى محمّد بن الأشعث، و أمرهم بقتال القوم، قال: فاقتتلوا قتالا شديدا حتّى قتل بينهم جماعة من العرب، قال: و وصل أصحاب ابن زياد إلى دار عبد اللّه بن عفيف، فكسروا الباب و اقتحموا عليه، فصاحت ابنته أتاك القوم من حيث تحذر، فقال: لا عليك ناوليني سيفي، فناولته إيّاه فجعل يذبّ عن نفسه و يقول:
أنا ابن ذي الفضل عفيف الطاهر * * * عفيف شيخي و ابن أمّ عامر
كم دارع من جمعكم و حاسر * * * و بطل جدّلته مغاور (4)
قال: و جعلت ابنته تقول: يا أبنته ليتني كنت رجلا اخاصم بين يديك اليوم هؤلاء الفجرة قاتلي العترة البررة، قال: و جعل القوم يدورون عليه من كلّ جهة و هو يذبّ عن نفسه فلم يقدر عليه أحد، و كلّما جاءوا من جهة قالت (ابنته): يا أبت قد
____________
(1)- في الأصل و البحار: لا ينتقمون.
(2)- في المصدر: فتبادرت.
(3)- في المصدر و البحار: عينه.
(4)- في البحار و إحدى نسختي الأصل: مغادر.
388
جاءوك من جهة كذا حتّى تكاثروا عليه و أحاطوا به، فقالت بنته: و اذلّاه يحاط بأبي و ليس له ناصر يستعين به، فجعل يدير سيفه، و يقول:
اقسم لو يفسح (1)لي عن بصري * * * ضاق عليكم موردي و مصدري
قال: فما زالوا به حتّى أخذوه، ثمّ حمل فادخل على ابن زياد فلمّا رآه قال:
الحمد للّه الذي أخزاك، فقال له عبد اللّه بن عفيف: يا عدوّ اللّه! و بما ذا أخزاني اللّه؟
و اللّه لو فرّج (2)لي عن بصري * * * ضاق عليك موردي و مصدري
فقال ابن زياد: يا عدوّ اللّه ما تقول في عثمان بن عفّان؟ فقال: يا عبد بني علاج يا بن مرجانة- و شتمه- ما أنت و عثمان؟ إن أساء أم أحسن، و أصالح أم أفسد؟ و اللّه تعالى وليّ خلقه يقضي بينهم و بين عثمان بالعدل و الحقّ، و لكن سلني عن أبيك و عنك و عن يزيد و أبيه، فقال ابن زياد: و اللّه لا سألتك عن شيء أو تذوق الموت [غصة بعد غصة]، فقال عبد اللّه بن عفيف: الحمد للّه ربّ العالمين، أمّا إنّي قد كنت أسأل اللّه ربّي أن يرزقني الشهادة [من] قبل أن تلدك امّك، و سألت اللّه أن يجعل ذلك على يدي ألعن خلقه و أبغضهم إليه، فلمّا كفّ بصري يئست من الشهادة، و الآن [ف] الحمد للّه الذي رزقنيها بعد اليأس منها، و عرّفني الإجابة منه في قديم دعائي.
فقال ابن زياد: اضربوا عنقه، فضرب عنقه و صلب في السبخة (3).
و قال المفيد: فلمّا أخذته الجلاوزة نادى شعار الأزد، فاجتمع منهم سبعمائة، فانتزعوه من الجلاوزة، فلمّا كان الليل أرسل إليه ابن زياد من أخرجه من بيته، فضرب عنقه و صلبه في السبخة رحمة اللّه عليه (4).
و قال ابن نما: ثم دعا جندب بن عبد اللّه الأزديّ و كان شيخا فقال: يا عدوّ اللّه أ لست صاحب أبي تراب؟ قال: بلى لا أعتذر منه، قال: ما أراني إلّا متقربا إلى اللّه بدمك، فقال: إذا لا يقرّبك اللّه منه بل يباعدك، قال: شيخ قد ذهب عقله، و خلّى سبيله. (5)
____________
(1)- يفتح/ خ.
(2)- في المصدر: يفسح.
(3)- اللهوف ص 69 و البحار: 45/ 119.
(4)- إرشاد المفيد ص 275 و البحار: 45/ 121.
(5)- مثير الاحزان ص 94. البحار: 45/ 121.
389
ثمّ قال المفيد (ره): و لمّا أصبح عبيد اللّه بن زياد بعث برأس الحسين (عليه السّلام) فدير به في سكك الكوفة [كلها] و قبائلها.
فروي عن زيد بن أرقم أنّه قال: (1) مرّ به عليّ و هو على رمح، و أنا في غرفة لي، فلمّا حاذاني سمعته يقرأ (2) «أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً» (3) فقفّ (4) و اللّه شعري عليّ و ناديت: رأسك [و اللّه] يا ابن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أعجب و أعجب. (5)
و قال السيد: و كتب عبيد اللّه بن زياد إلى يزيد بن معاوية يخبره بقتل الحسين (عليه السّلام) و خبر أهل بيته، و كتب أيضا إلى عمرو بن سعيد بن العاص أمير المدينة بمثل ذلك (6).
و قال المفيد: و لمّا أنفذ ابن زياد برأس الحسين (عليه السّلام) إلى يزيد تقدّم إلى عبد الملك بن أبي الحارث السّلميّ، فقال: انطلق حتّى تأتي عمرو بن سعيد بن العاص بالمدينة فبشّره بقتل الحسين، قال عبد الملك: فركبت راحلتي و سرت نحو المدينة فلقيني رجل من قريش، فقال: ما الخبر؟ فقلت: الخبر عند الأمير تسمعه، قال: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، قتل و اللّه الحسين (عليه السّلام)، فلمّا دخلت على عمرو بن سعيد، قال: ما وراءك؟
فقلت: ما يسرّ (7) الأمير، قتل الحسين بن عليّ، فقال: اخرج فناد بقتله، فناديت، فلم أسمع و اللّه واعية قطّ مثل واعية بني هاشم في دورهم على الحسين بن عليّ حين سمعوا النّداء بقتله.
ثمّ دخلت على عمرو بن سعيد، فلمّا رآني تبسّم إليّ ضاحكا ثمّ أنشأ متمثّلا بقول عمرو بن معدي كرب:
عجّت نساء بني زياد عجّة * * * كعجيج نسوتنا غداة الأرنب
____________
(1)- في الأصل: لمّا.
(2)- يقول/ خ.
(3)- الكهف: 9.
(4)- أي تقبض، كأنه قد يبس و تشنج «النهاية ج 4 ص 91».
(5)- إرشاد المفيد ص 275 و البحار: 45/ 121.
(6)- اللهوف ص 71 و البحار: 45/ 121.
(7)- في الأصل و البحار: ما سرّ.
391
ما ذا تقولون إذ (1)قال النبيّ لكم * * * ما ذا فعلتم و أنتم آخر الامم؟
بعترتي و بأهلي بعد مفتقدي * * * منهم اسارى و قتلى (2)ضرّجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم * * * أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي
فلمّا كان الليل في ذلك اليوم الذي خطب فيه عمرو بن سعيد بقتل الحسين (عليه السّلام) بالمدينة، سمع أهل المدينة في جوف اللّيل مناديا ينادي يسمعون صوته و لا يرون شخصه:
أيّها القاتلون جهلا حسينا * * * أبشروا بالعذاب و التنكيل
كلّ أهل السماء يدعو عليكم * * * من نبيّ و مرسل و قبيل
قد لعنتم على لسان ابن داود * * * و موسى و صاحب الإنجيل (3)
و قال ابن نما: و روي أنّ يزيد بن معاوية لعنهما اللّه بعث بمقتل الحسين (عليه السّلام) إلى المدينة محرز بن حريث بن مسعود الكلبيّ من بني عديّ بن حباب و رجلا من بهرا (4) و كانا من أفاضل أهل الشام، فلمّا قدما خرجت امرأة من بنات عبد المطّلب- قيل:
هي زينب بنت عقيل- ناشرة شعرها، واضعة كمّها على رأسها، تتلقّاهم و هي تبكي (و تقول:) «ما ذا تقولون إذ قال النبيّ لكم» إلى آخره.
و قال شهر بن حوشب: بينما أنا عند أمّ سلمة إذ دخلت صارخة تصرخ و قالت:
قتل الحسين (عليه السّلام)، قالت أمّ سلمة: فعلوها ملأ اللّه قبورهم نارا.
و نقلت من تاريخ البلاذري أنّه لمّا وافى رأس الحسين (عليه السّلام) المدينة سمعت الواعية من كلّ جانب، فقال مروان بن الحكم:
ضربت منهم رءوس ضربة (5) * * * أثبتت أوتاد ملك فاستقرّ
____________
(1)- في المصدر: إن.
(2)- و منهم/ خ.
(3)- إرشاد المفيد ص 278 و البحار: 45/ 122.
(4)- في البحار: يهرا.
(5)- في البحار: ضربت دوسر فيهم ضربة.
390
ثمّ قال عمرو: هذه واعية بواعية عثمان، ثمّ صعد المنبر فأعلم النّاس بقتل الحسين (عليه السّلام) و دعا ليزيد و نزل. (1)
و قال صاحب المناقب: قال في خطبته: إنّها لدمة بلدمة و صدمة بصدمة، كم (من) خطبة بعد خطبة، و موعظة بعد موعظة، حكمة بالغة فما تغن النّذر، و اللّه لوددت أنّ رأسه في بدنه، و روحه في جسده، أحيانا كان يسبّنا و نمدحه، و يقطعنا و نصله، كعادتنا و عادته، و لم يكن من أمره ما كان، و لكن كيف نصنع بمن سلّ سيفه يريد قتلنا إلّا أن ندفعه عن أنفسنا.
فقام عبد اللّه بن السائب فقال: لو كانت فاطمة حيّة فرأت رأس الحسين (عليه السّلام) لبكت عليه، فجبهه عمرو بن سعيد و قال: نحن أحقّ بفاطمة منك، أبوها عمّنا، و زوجها أخونا و ابنها ابننا (2)، لو كانت فاطمة حيّة لبكت عينها، و حرّت كبدها، و ما لامت من قتله، و دفعه عن نفسه. (3)
ثمّ قال المفيد: فدخل بعض موالي عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب (عليه السّلام) فنعى إليه ابنيه، فاسترجع، فقال أبو السلاسل مولى عبد اللّه: هذا ما لقينا من الحسين بن عليّ فحذفه (4) عبد اللّه بن جعفر بنعله ثمّ قال: يا ابن اللّخناء (5) أ للحسين تقول هذا؟ و اللّه لو شهدته لأحببت أن لا افارقه حتى اقتل معه، و اللّه إنّه لممّا يسخّي بنفسي عنهما و يعزّي عن المصائب بهما، إنّهما اصيبا مع أخي و ابن عمّي مواسيين له، صابرين معه.
ثمّ أقبل على جلسائه فقال: الحمد للّه، عزّ عليّ مصرع الحسين (6) (عليه السّلام)، إن لا أكن آسيت حسينا بيدي فقد آساه ولداي، فخرجت أمّ لقمان بنت عقيل بن أبي طالب حين سمعت نعي الحسين (عليه السّلام) حاسرة و معها أخواتها أمّ هانئ و أسماء و رملة و زينب بنات عقيل تبكي قتلاها بالطفّ و هي تقول:
____________
(1)- إرشاد المفيد ص 278 و البحار: 45/ 121.
(2)- و أمّها ابنتنا/ خ.
(3)- البحار: 45/ 122.
(4)- فقذفه/ خ.
(5)- اللّخناء: هي المرأة التي لم تختن، و قيل: النتن، و قد لخن السقاء يلّخن. «النهاية ج 4 ص 244»
(6)- في المصدر: الحمد للّه الذي عزّ علي بمصرع الحسين (عليه السّلام).
392
ثمّ أخذ ينكت وجهه بقضيب و يقول:
يا حبّذا بردك في اليدين * * * و لونك الأحمر في الخدّين
كأنّه بات بمجسدين (1) * * * شفيت منك النّفس يا حسين
و ممّا انفرد به النطنزيّ في الخصائص، عن أبي ربيعة، عن أبي قبيل، قيل: سمع في الهواء بالمدينة قائل (يقول):
يا من يقول بفضل آل محمّد * * * بلّغ رسالتنا بغير تواني
قتلت شرار بني اميّة سيّدا * * * خير البريّة ماجدا ذا شأن
ابن المفضّل في السّماء و أرضها * * * سبط النبيّ و هادم الأوثان
بكت المشارق و المغارب بعد ما * * * بكت الأنام له بكلّ لسان (2)
إيضاح: قال الجوهريّ: ارتثّ فلان، هو افتعل على ما لم يسمّ فاعله أي حمل من المعركة رثيثا أي جريحا و به رمق و قال: الخفر بالتحريك شدّة الحياء، و جارية خفرة و متخفّرة، و قال: فرّعت الجبل صعدته، و فرّعت الجبل صعّدت، و يقال: بئسما أفرعت به أي ابتدأت.
أقول: في بعض النسخ تفرغ بالغين المعجمة من الإفراغ بمعنى السكب و هو أظهر، و الختل الخدعة، و في الاحتجاج (3): الختر، و هو أيضا بالتحريك الغدر.
قولها (عليها السّلام) «كمثل التي» إشارة إلى قوله تعالى «وَ لا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً» (4)
قال الطبرسيّ (5) (ره): أي لا تكونوا كالمرأة التي غزلت ثمّ نقضت غزلها من بعد إمرار و فتل للمغزل، و هي امرأة حمقاء من قريش كانت تغزل مع جواريها إلى انتصاف النهار، ثمّ تأمرهنّ أن ينقضن ما غزلن، و لا تزال ذلك دأبها، و قيل: إنّه مثل ضربه اللّه، شبّه فيه حال ناقض العهد بمن كان كذلك، «أنكاثا» جمع نكث، و هو الغزل من
____________
(1)- مجسد و مجسّد: مصبوغ بالزعفران، و كمبرد: ثوب يلي الجسد «القاموس المحيط ح 1 ص 283».
(2)- مثير الاحزان ص 94 البحار: 45/ 123.
(3)- الاحتجاج: 2/ 29، الّا انّ فيه الختل أيضا.
(4)- النحل: 92.
(5)- مجمع البيان: 6/ 382.
394
قولها: «لا يبزى» أي لا يغلب و لا يقهر، و الذحل الحقد و العداوة، يقال: طلب بذحله أي بثأره، و الموتور الّذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه تقول منه: وتره يتره وترا و ترة.
قولها (عليها السّلام): «في بيت» متعلّق بالمقتول، لأنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) قتل في المسجد و سائر الأوصاف بعد ذلك نعوت له، و التعس الهلاك، و الضيم الظلم، و النقيبة النفس، و العريكة الطبيعة، و العذل الملامة، و الجذل بالتحريك الفرح، و سحته و أسحته أي استأصله، و نزع إليه (أي) اشتاق، و في بعض النسخ فزعت أي لجأت.
و قال الجوهريّ: الكثكث و الكثكث فتات الحجارة و التراب مثل الأثلب و الإثلب، و يقال: بفيه الكثكث، و قال: كظم غيضه كظما اجترعه، و الكظوم السكوت، و كظم البعير بكظم كظوما إذا أمسك عن الجرّة و قال: أقعى الكلب إذا جلس على استه مفترشا رجليه، و ناصبا يديه، و قد جاء النّهي عن الإقعاء في الصّلاة، و قال الشاعر:
فأقع كما أقعى أبوك على استه * * * رأى أنّ ريما فوقه لا يعادله
و قال: جاش الوادي زخر و امتدّ جدّا، و قال: سجا يسجو سجوّا سكن و دام، و قوله تعالى: «وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى» (1) أي إذا دام و سكن، و منه البحر الساجي.
قال الأعشى:
فما ذنبنا إن جاش بحر ابن عمّكم * * * و بحرك ساج لا يواري الدّعامصا
و قال: الدّعموص دويبّة تغوص في الماء و الجمع الدّعاميص و الدعامص أيضا، ثمّ ذكر بيت الأعشى، و الكلّة بالكسر الستر الرقيق، و الصبية جمع الصبيّ.
و قال الجزريّ فيه: إنّه نهى عن قتل شيء من الدوابّ صبرا، هو أن يمسك شيء من ذوات الروح حيّا ثمّ يرمى بشيء حتّى يموت و كلّ من قتل في غير معركة و لا حرب و لا خطاء فإنّه مقتول صبرا، قوله: «و لم ينسني» كأنّه على سبيل القلب، و فيه
____________
(1)- الضحى: 2.
393
الصوف و الشعر، يبرم ثمّ ينكث و ينقض ليغزل ثانية، «تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ» أي دغلا و خيانة و مكرا.
و قال الخليل: الصلف مجاوزة قدر الظرف (1) و الادّعاء فوق ذلك تكبّرا و النطف بالتحريك التلطخ بالعيب، و في الاحتجاج: بعد الصلف «و العجب و الشنف و الكذب» و الشنف بالتحريك: البغض و التنكّر، و الدّمنة بالكسر ما تدمنه الإبل و الغنم بأبوالها و أبعارها أي تلبده في مرابضها، فربّما نبت فيها النبات، شبّهتهم تارة بذلك النبات في دناءة أصلهم، و عدم الانتفاع بهم، مع حسن ظاهرهم و خبث باطنهم، و اخرى بفضّة تزيّن بها القبور في أنّهم كالأموات زيّنوا أنفسهم بلباس الأحياء و لا ينتفع بهم الأحياء (2)، و لا يرجى منهم الكرم و الوفاء.
قولها: «بعارها» الضمير راجع إلى الامّة أو الأزمنة، و في الاحتجاج: «أجل و اللّه فابكوا فإنّكم و اللّه أحقّ بالبكاء، فابكوا كثيرا و اضحكوا قليلا، فقد بليتم بعارها و منيتم بشنارها» و الشنار العيب، و رحضه كمنعه غسله كأرحضه، و المدرة بالكسر زعيم القوم و خطيبهم و المتكلّم عنهم و الّذي يرجعون إلى رأيه، و تبّت الأيدي أي خسرت أو هلكت، و الأيدي إمّا مجاز للأنفس أو بمعناها.
و الفري: القطع، و في بعض نسخ الروايات: «فرثتم» بالثاء المثلّثة، قال في النهاية: في حديث أمّ كلثوم بنت عليّ (عليه السّلام) لأهل الكوفة: أ تدرون أيّ كبد فرثتم لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)؟ الفرث تفتيت الكبد بالغمّ و الأذى، و الصلعاء الداهية القبيحة، قال الجزريّ: في حديث عائشة إنّها قالت لمعاوية حين ادّعى زيادا «ركبت الصليعا» أي الداهية و الأمر الشديد أو السوءة الشنيعة البارزة المكشوفة انتهى.
و العنقاء بالقاف الداهية، و في بعض النسخ بالفاء من العنف، و الفقماء من قولهم: تفاقم الأمر أي عظم، و الخرق ضد الرفق، و الشوهاء القبيحة، و الضمير في قولها «جئتم بها» راجع إلى الفعلة القبيحة، و القضيّة الشنيعة الّتي أتوا بها، و الكلام مبنيّ على التجريد، و طلاع الأرض بالكسر ملؤها، و الحفز الحثّ و الاعجال.
____________
(1)- في الأصل: قد الظرف رجاء.
(2)- في البحار: الأحبّاء.
395
لطف أو المعنى لم يتركني، و اللّهاة: اللّحمة في أقصى الفم، و الفراش بالفتح ما يبس بعد الماء من الطين على الأرض، و بالكسر ما يفرش، و موقع اللسان في قعر الفم.
قولها «لا يطيق وجوبا» أي لزوما بالأرض و سكونا، أو عملا بواجب على هيئة الاختيار، و يقال: طعنه فجد له أي رماه بالأرض و رجل مغاور بضمّ الميم أي مقاتل، و هو صفة لقوله «بطل» أو حال عنه بالإضافة إلى ياء المتكلّم، و ضرّجه بدم أي لطخه، و يقال: قفّ شعري أي قام من الفزع، و قال الجوهريّ: اللّدم صوت الحجر أو الشيء يقع بالأرض و ليس بالصوت الشديد، و في الحديث و اللّه لا أكون مثل الضبع تسمع اللدم حتى تخرج فتصاد، ثمّ يسمّى الضرب لدما، و لدمت المرأة وجهها ضربته، و التدام النساء ضربهنّ صدورهنّ في النياحة، و اللّدم بالتحريك الحرم في القرابات، و القبيل الكفيل و العريف، و الجماعة تكون من الثلاثة فصاعدا من قوم شتّى أي كلّ قبيل من قبائل الملائكة.
4- باب فيما وقع من خروج أهل البيت (عليهم السّلام) من الكوفة إلى الشام و منه إلى المدينة
الأخبار: الصحابة و التابعين و الرواة
1- أمالي الصدوق: في حديث أبي نعيم، عن حاجب (1) عبيد اللّه بن زياد لعنه اللّه المتقدّم صدره في الباب المتقدّم، قال:- بعد ما ذكرنا عنه في الباب السّابق- فأمر ابن زياد بردّهم إلى السّجن و بعث البشائر إلى النواحي بقتل الحسين (عليه السّلام)، ثمّ أمر بالسبايا و رأس الحسين (عليه السّلام) فحملوا إلى الشام، فلقد حدّثني جماعة كانوا خرجوا في تلك الصحبة أنّهم كانوا يسمعون بالليالي نوح الجنّ على الحسين (عليه السّلام) إلى الصباح، و قالوا: فلمّا دخلنا دمشق ادخل بالنساء و السبايا بالنهار مكشّفات الوجوه، فقال أهل الشام الجفاة: ما رأينا سبايا أحسن من هؤلاء، فمن أنتم؟ فقالت سكينة ابنة الحسين (عليه السّلام): نحن سبايا (من) آل محمد (صلى اللّه عليه و آله)، فاقيموا على درج المسجد حيث يقام السّبايا
____________
(1)- في الأصل: صاحب.
397
ما جعل اللّه ذلك لك إلّا أن تخرج من ملّتنا، و تدين بغير ديننا، فغضب يزيد، ثمّ قال:
إيّاي تستقبلين بهذا؟ إنّما خرج من الدين أبوك و أخوك، فقالت: بدين اللّه و (ب) دين أبي و أخي و جدّي اهتديت أنت و جدّك و أبوك، قال: كذبت يا عدوّة اللّه، قالت:
أمير يشتم ظالما و يقهر بسلطانه؟ قالت: فكأنّه لعنه اللّه استحيا فسكت، فأعاد الشاميّ، فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية، فقال له: اعزب! وهب اللّه لك حتفا قاضيا (1)
توضيح (2): قال عليّ بن ابراهيم في تفسير «ذلِكَ وَ مَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ» (3)، فهو رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لمّا أخرجته قريش من مكّة، و هرب منهم إلى الغار، و طلبوه ليقتلوه، فعاقبهم اللّه يوم بدر، و قتل عتبة، و شيبة، و الوليد، و أبو جهل، و حنظلة بن أبي سفيان و غيرهم، فلمّا قبض رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) طلب بدمائهم فقتل الحسين (عليه السّلام) و آل محمّد (صلى اللّه عليه و آله) بغيا و عدوانا، و هو قول يزيد حين تمثّل بهذا الشعر:
ليت أشياخي ببدر شهدوا * * * جزع (4)الخزرج من وقع الأسل
[لأهلّوا و استهلّوا فرحا * * * ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل] (5)
لست من خندف إن لم أنتقم * * * من بني أحمد ما كان فعل
و كذاك الشيخ أوصاني به * * * فاتّبعت الشيخ فيما قد سأل
[قد قتلنا القرم من ساداتهم * * * و عدلناه ببدر فاعتدل] (6)
و قال الشاعر في مثل ذلك شعر:
يقول و الرأس مطروح يقلّبه * * * يا ليت أشياخنا الماضين بالحضر
حتى يقيسوا قياسا لا يقاس به * * * أيّام بدر و كان الوزن بالقدر
فقال اللّه تعالى: «و من عاقب» يعني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) «بمثل ما عوقب
____________
(1)- ص 140 ح 3 و البحار: 45/ 154 ح 3.
(2)- ليس التوضيح لما تقدم، بل التوضيح للآية من علي بن إبراهيم.
(3)- الحج: 60.
(4)- في البحار: وقعة.
(5)- ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
(6)- ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر و البحار.
396
و فيهم عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) و هو يومئذ فتى شابّ، فأتاهم شيخ من أشياخ أهل الشام فقال لهم: الحمد للّه الذي قتلكم و أهلككم، و قطع قرن الفتنة، فلم يأل عن شتمهم، فلمّا انقضى كلامه. قال له عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): أ ما قرأت كتاب اللّه عزّ و جلّ؟
قال: نعم، قال (له): أ ما قرأت هذه الآية: «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى» (1)؟ قال: بلى، قال: فنحن اولئك، ثمّ قال: أ ما قرأت «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ (2)؟ قال: بلى، قال: فنحن هم، (قال:) فهل قرأت هذه الآية «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (3)؟ قال: بلى، قال: فنحن هم، فرفع الشاميّ يده إلى السماء، ثمّ قال: اللّهمّ إنّي أتوب إليك- ثلاث مرّات- اللّهمّ إنّي أبرأ إليك من عدوّ آل محمّد (صلى اللّه عليه و آله) و من قتلة أهل بيت محمّد (صلى اللّه عليه و آله)، لقد قرأت القرآن فما شعرت بهذا قبل اليوم.
ثمّ ادخل نساء الحسين (عليه السّلام) على يزيد بن معاوية، فصحن نساء آل يزيد و بنات معاوية و أهله، و ولولن و أقمن الماتم، و وضع رأس الحسين (عليه السّلام) بين يديه، فقالت سكينة: (و اللّه) ما رأيت أقسى قلبا من يزيد، و لا رأيت كافرا و لا مشركا شرّا منه، و لا أجفى منه، و أقبل يقول و ينظر إلى الرأس:
ليت أشياخي ببدر شهدوا * * * جزع الخزرج من وقع الأسل
ثمّ أمر برأس الحسين (عليه السّلام) فنصب على باب مسجد دمشق، فروي عن فاطمة بنت عليّ (عليهما السّلام) أنّها قالت: لمّا اجلسنا بين يدي يزيد بن معاوية رقّ لنا (4) أوّل شيء و ألطفنا، ثمّ إنّ رجلا من أهل الشام أحمر قام إليه، فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية، يعنيني، (5) و كنت جارية وضيئة، فارعبت و فزعت (6)، و ظننت أنّه يفعل ذلك، فأخذت بثياب اختي و هي أكبر منّي و أعقل، فقالت: كذبت و اللّه و لعنت، ما ذاك لك و لا له، فغضب يزيد و قال: بل كذبت و اللّه لو شئت لفعلته، قالت: لا و اللّه
____________
(1)- الشورى: 23.
(2)- الإسراء: 26.
(3)- الأحزاب: 33.
(4)- علينا/ خ.
(5)- في المصدر: تعينني.
(6)- في البحار: و فرقت، أي خفت و فزعت.
398
به» [يعني] حين (1) أرادوا أن يقتلوه «ثمّ بغي عليه لينصرنّه اللّه» [يعنى] بالقائم (عليه السّلام) من ولده (2) انتهى. و قال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة في جملة أبيات ذكرها عن ابن الزّبعرى أنّه قالها لوصف يوم احد:
ليت أشياخي ببدر شهدوا * * * جزع الخزرج من وقع الأسل
حين حطّت بقباء (3)بركها * * * و استحرّ (4) القتل في عبد الأشل
ثمّ قال: كثير من الناس يعتقدون أنّ هذا البيت ليزيد بن معاوية، و قال من أكره التصريح باسمه: هذا البيت ليزيد، فقلت له: إنّما قال [ه] يزيد متمثّلا لمّا حمل إليه رأس الحسين (عليه السّلام)، و هو لابن الزّبعرى، فلم تسكن نفسه إلى ذلك، حتّى أوضحته له، فقلت: أ لا تراه قال: «جزع الخزرج من وقع الأسل» و الحسين (عليه السّلام) لم تحارب عنه الخزرج، و كان يليق أن يقول: «جزع بني هاشم من وقع الأسل»، فقال بعض من كان حاضرا: لعلّه قال [ه] يوم الحرّة، فقلت: المنقول أنّه أنشده لمّا حمل إليه رأس الحسين (عليه السّلام)، و المنقول أنّه شعر ابن الزّبعرى و لا يجوز أن يترك المنقول إلى ما ليس بمنقول (5).
2- الخرائج و الجرائح: أبو الفرج سعيد بن أبي الرجاء، عن محمّد بن عبد اللّه ابن عمر الخانيّ، عن أبي القاسم بكراد (6) بن الطيّب بن شمعون، عن أبي بكر بن أحمد ابن يعقوب، عن أحمد بن عبد الرحمن، عن سعد، عن الحسن بن عمر، عن سليمان بن مهران الأعمش، قال: بينما أنا في الطواف بالموسم إذ رأيت رجلا يدعو و هو يقول: اللهمّ اغفر لي و أنا أعلم أنّك لا تغفر (7)، قال: فارتعدت (8) لذلك و دنوت منه و قلت: يا هذا أنت في حرم اللّه و حرم رسوله، و هذه أيّام حرم في شهر عظيم، فلم تيأس من المغفرة؟ قال:
يا هذا ذنبي عظيم، قلت: أعظم من جبل تهامة؟ قال: نعم، قلت: يوازن الجبال
____________
(1)- في بعض نسخ المصدر: حسين (عليه السّلام).
(2)- تفسير القمي ص 442 و البحار: 45/ 167 ح 12.
(3)- في الأصل: بفناء.
(4)- أي اشتدّ، و في الأصل: و استجرّ.
(5)- شرح نهج البلاغة: 14/ 280 و البحار: 45/ 156.
(6)- بكرار/ خ، و في المصدر: بكران.
(7)- في المصدر: لا تفعل.
(8)- في المصدر: فارتعت.
399
الرواسي؟ قال: نعم، فإن شئت أخبرتك، قلت: أخبرني، قال: اخرج بنا عن الحرم، فخرجنا منه.
فقال لي: أنا أحد من كان في العسكر الميشوم عسكر عمر بن سعد لعنه اللّه حين قتل الحسين (عليه السّلام)، و كنت أحد الأربعين الذين حملوا الرأس إلى يزيد من الكوفة، فلمّا حملناه على طريق الشام نزلنا على دير النصارى، و كان الرأس معنا مركوزا على رمح، و معه الأحراس، فوضعنا الطعام و جلسنا لنأكل، فإذا بكفّ في حائط الدير تكتب:
أ ترجو أمّة قتلت حسينا * * * شفاعة جدّه يوم الحساب
قال: فجزعنا من ذلك جزعا شديدا، و أهوى بعضنا إلى الكفّ ليأخذها فغابت، ثمّ عاد أصحابي إلى الطعام، فإذا الكفّ قد عادت تكتب:
فلا و اللّه ليس لهم شفيع * * * و هم يوم القيامة في العذاب
فقام أصحابنا إليها فغابت ثمّ عادوا إلى الطعام، فعادت تكتب:
و قد قتلوا الحسين بحكم جور * * * و خالف حكمهم حكم الكتاب
فامتنعت من (1) الطعام و ما هنأني أكله، ثمّ أشرف علينا راهب من الدّبر فرأى نورا ساطعا من فوق الرأس، فأشرف فرأى عسكرا، فقال الرّاهب للحرّاس: من أين جئتم؟ قالوا: من العراق، حاربنا الحسين- (عليه السّلام)-، فقال الراهب: ابن فاطمة بنت نبيّكم و ابن ابن عمّ نبيّكم؟ قالوا: نعم، قال: تبّا لكم، و اللّه لو كان لعيسى بن مريم ابن لحملناه على أحداقنا، و لكن لي إليكم حاجة، قالوا: و ما هي؟
قال: قولوا لرئيسكم: عندي عشرة آلاف دينار (2) ورثتها من آبائي [ل] يأخذها منّي و يعطيني الرأس يكون عندي إلى وقت الرّحيل، فإذا رحل رددته إليه، فأخبروا عمر بن سعد بذلك، فقال: خذوا منه الدنانير و أعطوه إلى وقت الرحيل فجاءوا إلى الرّاهب، فقالوا:
هات المال حتّى نعطيك الرأس، فأدلى إليهم جرابين، في كلّ جراب خمسة آلاف
____________
(1)- في المصدر: عن.
(2)- في البحار و إحدى نسختي الأصل: درهم.
400
دينار (1)، فدعا عمر بالناقد و الوزّان، فانتقدها و وزنها و دفعها إلى خازن له (2)، و أمر أن يعطى الرأس.
فأخذ الراهب الرأس، فغسّله و نظّفه و حشّاه بمسك و كافور كان عنده، ثمّ جعله في حريرة و وضعه في حجره، و لم يزل يا نوح و يبكي حتّى نادوه و طلبوا منه الرأس، فقال: يا رأس و اللّه لا أملك إلّا نفسي، فإذا كان غدا فاشهد لي عند جدّك محمّد أنّي أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا عبده و رسوله، أسلمت على يديك و أنا مولاك، و قال لهم: إنّي أحتاج أن أكلّم رئيسكم بكلمة و اعطيه الرأس، فدنا (3) عمر بن سعد (منه) فقال: سألتك باللّه و بحقّ محمّد أن لا تعود إلى ما كنت تفعله بهذا الرأس و لا تخرج هذا الرأس من هذا الصندوق، فقال له: أفعل فأعطاه (4) الرأس و نزل من الدير يلحق ببعض الجبال يعبد اللّه.
و مضى عمر بن سعد ففعل بالرأس مثل ما كان يفعل في الأوّل، فلمّا دنا من دمشق قال لأصحابه: انزلوا و طلب من خازنه (5) الجرابين فاحضرا (6) بين يديه، فنظر إلى خاتمه، ثمّ أمر بفتحهما (7)، فإذا الدنانير قد تحولت خزفة فنظروا في سكّتها فإذا على جانبها مكتوب «وَ لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ» (8) و على الجانب (9) الآخر [مكتوب] «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (10) فقال: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، خسرت الدنيا و الآخرة.
ثمّ قال لغلمانه: اطرحوها في النهر فطرحت و رحل (11) إلى دمشق من الغد، و ادخل الرأس إلى يزيد و ابتدر قاتل الحسين (عليه السّلام) إلى يزيد فقال:
املأ ركابي فضّة و ذهبا * * * إنّي قتلت الملك المحجّبا
____________
(1)- في البحار و إحدى نسختي الاصل: درهم كما تقدم.
(2)- في المصدر: جارية له.
(3)- في الأصل: فدعا.
(4)- في المصدر: فأعطاهم.
(5)- في المصدر و البحار: الجارية.
(6)- في الأصل و البحار: فاحضرت.
(7)- في البحار: أن يفتح، و في المصدر: أن يفتحهما.
(8)- إبراهيم: 42.
(9)- في المصدر: الوجه.
(10)- الشعراء: 227.
(11)- في المصدر و إحدى نسختي الأصل: و دخل.
402
إبراهيم اهبط، فهبط و معه (خلق) كثير من الملائكة، ثمّ سمعت مناديا ينادي: يا موسى اهبط، فهبط و معه كثير من الملائكة، ثمّ سمعت مناد ينادي: يا عيسى اهبط، فهبط و معه كثير من الملائكة، ثمّ سمعت دويّا عظيما و مناد ينادي: يا محمّد اهبط، فهبط و معه خلق كثير من الملائكة، فأحدق الملائكة بالقبّة.
ثمّ إنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) دخل القبّة و أخذ الرأس منها- و في رواية أنّ محمّدا قعد تحت الرأس، فانحنى الرمح و وقع الرأس في حجر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)- فأخذه و جاء به إلى آدم، فقال: يا أبي آدم ما ترى ما فعلت أمّتي بولدي من بعدي؟ فاقشعرّ لذلك جلدي، ثمّ قام جبرئيل (عليه السّلام)، فقال: يا محمّد أنا صاحب الزلزال (1)، فأمرني لازلزل بهم الأرض، و أصيح بهم صيحة واحدة يهلكون فيها، فقال: لا، فقال: يا محمّد دعني و هؤلاء الأربعين الموكّلين بالرأس، قال: فدونك، فجعل ينفخ بواحد واحد (2) فدنا منّي، فقال: تسمع و ترى، فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) دعوه دعوه لا يغفر اللّه له، فتركني و أخذوا الرأس و ولّوا، فافتقد الرأس من تلك الليلة فما عرف له خبر، و لحق عمر بن سعد بالري، فما لحق بسلطانه و محق اللّه عمره، فاهلك في الطريق.
فقال سليمان الأعمش (3): قلت للرجل تنحّ عنّي لا تحرقني بنارك، و ولّيت و لا أدري بعد ذلك ما خبره (4).
توضيح: التكفير أن يخضع الإنسان لغيره كما يكفّر العلج للدهاقين، يضع يده على صدره و يتطأمن له، و الوهن نحو نصف من الليل، قوله: «تسمع و ترى» كأنّه كلام على سبيل التهديد، أي وقفت هاهنا و تنظر و تسمع؟ أو المعنى أنّك كنت في العسكر و إن لم تفعل شيئا فكنت تسمع واعيتهم و ترى ما يفعل بهم.
3- الاحتجاج: روى شيخ صدوق من مشايخ بني هاشم و غيره من الناس أنّه لمّا دخل عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) و حرمه على يزيد لعنه اللّه، جيء (5) برأس الحسين
____________
(1)- في المصدر و البحار: الزلازل.
(2)- في المصدر: بواحد واحد فيهلك.
(3)- في الأصل: سليمان بن الأعمش.
(4)- المخطوط ص 298 ح 75 و البحار: 45/ 184 ح 31.
(5)- في الأصل و المصدر: و جيء
403
(عليه السّلام) و وضع بين يديه في طست، فجعل يضرب ثناياه بمخصرة كانت في يده و هو يقول:
[لعبت هاشم بالملك فلا * * * خبر جاء و لا وحي نزل] (1)
ليت أشياخي ببدر شهدوا * * * جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلّوا و استهلّوا فرحا * * * و لقالوا يا يزيد لا تشل
فجزيناهم (2)ببدر مثلها * * * و أقمنا مثل بدر فاعتدل
لست من خندف إن لم أنتقم * * * من بني أحمد ما كان فعل
فقامت [إليه] زينب بنت عليّ بن أبي طالب (عليهما السّلام) و امّها فاطمة بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و قالت: الحمد للّه ربّ العالمين، و صلّى اللّه على جدّي سيّد المرسلين، صدق اللّه سبحانه كذلك يقول: «ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَ كانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ» (3).
أظننت يا يزيد حين أخذت علينا أقطار الأرض، و ضيّقت علينا آفاق السماء، فأصبحنا لك في إسار، نساق إليك سوقا في قطار، و أنت علينا ذو اقتدار، أنّ بنا من اللّه هوانا، و عليك منه كرامة و امتنانا؟ و أنّ ذلك لعظم خطرك، و جلالة قدرك، فشمخت بأنفك، و نظرت في عطفك، تضرب أصدريك فرحا، و تنفض مذرويك مرحا، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة، و الامور لديك (4) متّسقة، و حين صفى لك ملكنا، و خلص لك سلطاننا، فمهلا مهلا لا تطش جهلا، أنسيت قول اللّه عزّ و جلّ:
«وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (5)».
أمن العدل يا بن الطلقاء نخديرك حرائرك [و إمائك]، و سوقك بنات رسول
____________
(1)- ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
(2)- في المصدر: فجزيناه.
(3)- الروم: 10.
(4)- في الأصل: إليك.
(5)- آل عمران: 178.
401
قتلت خير الناس امّا و أبا
فأمر يزيد بقتله، و قال: إن علمت أنّ حسينا (1) خير الناس امّا و أبا فلم قتلته؟
فجعل الرأس في طست و هو ينظر إلى أسنانه (و هو) يقول:
ليت أشياخي ببدر شهدوا * * * جزع الخزرج من وقع الأسل
فأهلّوا و استهلّوا فرحا * * * ثمّ قالوا (2)يا يزيد لا تشل
و جزيناهم ببدر مثلها * * * و باحد يوم احد فاعتدل
لست من خندف إن لم أنتقم * * * من بني أحمد ما كان فعل
فدخل عليه زيد بن أرقم و رأى الرأس في الطست و هو يضرب بالقضيب على أسنانه، فقال: كفّ عن ثناياه، فطالما رأيت النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) يقبّلها، فقال يزيد:
لو لا أنّك شيخ كبير خرفت لقتلتك، و دخل عليه رأس اليهود فقال: ما هذا الرأس؟، فقال: رأس خارجيّ، قال: و من هو؟ قال: الحسين قال: ابن من؟ قال: ابن عليّ، قال: و من امّه؟ قال: فاطمة، قال: و من فاطمة؟، قال: بنت محمّد قال:
نبيّكم؟ قال: نعم، قال: لا جزاكم اللّه خيرا، بالأمس كان نبيّكم و اليوم قتلتم ابن بنته، ويحك إنّ بيني و بين داود النبيّ نيّفا و ثلاثين أبا، فإذا رأتني اليهود كفّرت إليّ، ثمّ مال إلى الطست و قبّل الرأس و قال: أشهد أن لا إله إلا اللّه و أنّ جدّك محمّدا رسول اللّه و خرج فأمر يزيد بقتله.
و أمر فادخل الرأس القبّة التي بإزاء القبّة (3) التي يشرب فيها، و وكّلنا بالرأس، و كلّ ذلك كان في قلبي فلم يحملني النوم في تلك القبّة (4)، فلمّا دخل الليل وكّلنا أيضا بالرأس، فلمّا مضى و هن من الليل سمعت دويّا من السماء، فإذا مناد ينادي: يا آدم اهبط، فهبط أبو البشر و معه [خلق] كثير من الملائكة، ثمّ سمعت مناديا ينادي (5): يا
____________
(1)- في المصدر و إحدى نسختي الأصل: حين علمت أنّه.
(2)- في المصدر: و لقالوا.
(3)- في المصدر: المجالس.
(4)- في المصدر: السنة.
(5)- في المصدر: ثم سمعت دويا كالأول فإذا مناد ينادي.
404
اللّه (صلى اللّه عليه و آله) سبايا؟ قد هتكت ستورهنّ، و أبديت وجوههنّ، يحدو بهنّ الأعداء من بلد إلى بلد، و يستشرفهنّ أهل المناقل، و يبرزن لأهل المناهل، و يتصفّح وجوههنّ القريب و البعيد، و الغائب و الشهيد، و الشريف و الوضيع، و الدنيّ و الرفيع، ليس معهنّ من رجالهنّ ولي، و لا من حماتهنّ حمي، عتوّا منك على اللّه، و جحودا لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، و دفعا لما جاء به من عند اللّه.
و لا غرو منك، و لا عجب من فعلك، و أنّى يرتجي مراقبة من لفظ فوه أكباد الشهداء، و نبت لحمه بدماء السعداء، و نصب الحرب لسيّد الأنبياء، و جمع الأحزاب، و شهر الحراب، و هزّ السيوف في وجه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، أشدّ العرب للّه جحودا، و أنكرهم له رسولا، و أظهرهم له عدوانا، و أعتاهم على الربّ كفرا و طغيانا.
ألا إنّها نتيجة (1) خلال الكفر، و ضبّ يجرجر في الصدر لقتلى يوم بدر، فلا يستبطئ في بغضنا أهل البيت من كان نظره إلينا شنفا و شنانا و احنا و أضغانا، يظهر (2) كفره برسوله، و يفصح ذلك بلسانه، و هو يقول فرحا بقتل ولده، و سبي ذرّيّته غير متحوّب و لا مستعظم:
لأهلّوا و استهلّوا فرحا * * * و لقالوا يا يزيد لا تشل
منحنيا (3) على ثنايا أبي عبد اللّه (عليه السّلام)- و كان مقبّل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ينكتها بمخصرته، قد التمع السرور بوجهه، لعمري لقد نكأت (4) القرحة، و استأصلت الشأفة بإراقتك دم سيّد شباب أهل الجنّة، و ابن يعسوب العرب، و شمس آل عبد المطّلب، و هتفت بأشياخك، و تقرّبت بدمه إلى الكفرة من أسلافك، ثمّ صرخت(5) بندائك، و لعمري قد ناديتهم لو شهدوك و وشيكا تشهدهم، و يشهدوك و لتودّ يمينك كما زعمت شلّت بك عن مرفقها [و جدّت]، و أحببت امّك لم تحملك، و أباك لم يلدك، (6) حين تصير إلى سخط اللّه و مخاصمك و مخاصم أبيك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله).
____________
(1)- قبيحة/ خ.
(2)- في الأصل يظهره.
(3)- في البحار و إحدى نسختي الأصل: منتحيا.
(4)- يقال نكأت القرحة أنكؤها، إذا قشرتها. «النهاية ج 1 ص 117».
(5)- صرّحت/ خ.
(6)- في المصدر: و إياك لم يلد، أو حين.
406
و النبوّة و الانتجاب (1)، لا تدرك أمدنا، و لا تبلغ غايتنا، و لا تمحو ذكرنا، و لا يرحض عنك عارنا، و هل رأيك إلّا فند، و أيّامك إلّا عدد، و جمعك إلّا بدد، يوم ينادي المنادي ألا لعن (اللّه) الظالم العادي.
و الحمد للّه الذي حكم لأوليائه بالسعادة، و ختم لأصفيائه (2) ببلوغ الإرادة (3)، نقلهم إلى الرحمة و الرأفة، و الرضوان و المغفرة، و لم يشق بهم غيرك، و لا ابتلى بهم سواك، و نسأله أن يكمل لهم الأجر، و يجزل لهم الثواب و الذخر، و نسأله حسن الخلافة، و جميل الإنابة، إنّه رحيم ودود.
فقال يزيد مجيبا لها شعرا:
يا صيحة تحمد من صوائح * * * ما أهون الموت على النوائح
ثمّ أمر بردّهم (4).
توضيح: قال الجزريّ: في حديث الحسن «يضرب أسدريه» أي عطفيه و منكبيه يضرب بيده عليهما، و روي بالزاء و الصاد بدل السين بمعنى واحد، و هذه الأحرف الثلاثة تتعاقب مع الدال، و قال في باب الصاد: في حديث الحسن «يضرب أصدريه» أي منكبيه، و قال في باب الميم و الذال: في حديث الحسن «ما تشاء أن ترى أحدهم ينفض مذرويه» المذروان جانبا الأليتين و لا واحد لهما، و قيل: هما طرفا كلّ شيء، و أراد بهما الحسن فرعي المنكبين، يقال: جاء فلان ينفض مذرويه، إذا جاء باغيا يتهدّد، و كذلك إذا جاء فارغا في غير شغل و الميم زائدة.
و قال الفيروزآباديّ: الأصدران عرقان تحت الصدغين، و جاء يضرب أصدريه أي فارغا، و قال في المذروين: بكسر الميم نحوا ممّا مرّ.
و يقال: «لا غرو» أي ليس بعجب، و الضبّ الحقد الكامن في الصدر، و في بعض النسخ مكان «شنفا و شنانا» «سيفا و سنانا»، و فلان يتحوّب من كذا أي يتأثّم، و التحوّب أيضا التوجّع و التحزّن، و السديل ما اسبل على الهودج، و الجمع
____________
(1)- في المصدر: و الانتخاب.
(2)- في البحار: لأوصيائه.
(3)- في المصدر: و ختم لأصفيائه بالشهادة.
(4)- 2/ 34 و البحار: 45/ 157 ح 5.
407
السدول.
قولها رضي اللّه عنها: «فتلك» إشارة إلى أعوانه و أنصاره، و في بعض النسخ «قبلك» بكسر القاف و فتح الباء أي عندك أو بفتح القاف و سكون الباء إشارة إلى آبائه لعنهم اللّه.
قولها: «ما درج» كلمة ما زائدة كما في قوله تعالى: «فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ» (1) أي بإعانة هؤلاء درجات و مشيت و قمت، أو في حجور هؤلاء الأشقياء ربّيت، و منهم تفرّعت، و الجبوب بضمّ الجيم و الباء الأرض الغليظة، و يقال: وجه الأرض، و في بعض النسخ بالنون فعلى الأوّل الضاحية من قولهم: مكان ضاح أي بارز، و على الثاني من قولهم: ضحيت للشمس أي برزت، و إنّما أوردت بعض الروايات مكرّرا لكثرة اختلافها.
4- الاحتجاج: روى ثقات الرواة و عدولهم (أنّه) لمّا ادخل عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السّلام) في جملة من حمل إلى الشام سبايا من أولاد الحسين بن عليّ (عليهم السّلام) و أهاليه على يزيد لعنه اللّه، قال له: يا علي الحمد للّه الذي قتل أباك، قال [عليّ] (عليه السّلام): قتل أبي الناس، قال يزيد: الحمد للّه الذي قتله فكفانيه، قال (عليّ) (عليه السّلام): على من قتل أبي لعنة اللّه، أ فتراني لعنت اللّه عزّ و جلّ؟ قال يزيد: يا علي اصعد المنبر فأعلم الناس حال الفتنة، و ما رزق اللّه أمير المؤمنين من الظفر! فقال عليّ ابن الحسين (عليهما السّلام): ما أعرفني بما تريد، فصعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه و صلّى على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، ثم قال:
أيّها الناس من عرفني فقد عرفني و من لم يعرفني فأنا اعرّفه بنفسي، أنا ابن مكّة و منى، أنا ابن المروة و الصفا، أنا ابن محمّد المصطفى، أنا ابن من لا يخفى، أنا ابن من علا فاستعالى، فجاز سدرة المنتهى، و كان من ربّه مكان قاب قوسين أو أدنى.
فضجّ أهل الشام بالبكاء حتّى خشي يزيد أن يرحل من مقعده، فقال للمؤذّن: أذّن، فلمّا قال المؤذّن: اللّه أكبر اللّه أكبر، جلس علي بن الحسين (عليهما السّلام) على
____________
(1)- آل عمران: 159.
405
اللّهمّ خذ بحقّنا، و انتقم من ظالمنا، و احلل غضبك بمن (1) سفك (من) دمائنا، و نقض ذمامنا (2)، و قتل حماتنا، و هتك عنّا سدولنا.
و فعلت فعلتك التي فعلت، و ما فريت إلّا جلدك، و ما جززت إلّا لحمك، و سترد على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بما تحمّلت من [دم] ذرّيّته، و انتهكت من حرمته، و سفكت من دماء عترته و لحمته، حيث يجمع به شملهم، و يلمّ به شعثهم، و ينتقم من ظالمهم، و يأخذ لهم بحقّهم من أعدائهم، فلا يستفزّنّك الفرح بقتله (3)، «وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» (4)، و حسبك باللّه وليّا و حاكما، و برسول اللّه خصيما، و بجبرئيل ظهيرا، و سيعلم من بوّأك و مكّنك من رقاب المسلمين أن بئس للظالمين بدلا، و أنكم (5) شرّ مكانا و أضلّ سبيلا.
و ما استصغاري قدرك، و لا استعظامي تقريعك، توهّما لانتجاع الخطاب فيك، بعد أن تركت عيون المسلمين به عبرى، و صدورهم عند ذكره حرّى، فتلك قلوب قاسية، و نفوس طاغية، و أجسام محشوّة بسخط اللّه و لعنة الرسول، قد عشّش فيه الشيطان و فرّخ، و من هناك مثلك ما درج و نهض، فالعجب كلّ العجب لقتل الأتقياء، و أسباط الأنبياء، و سليل الأوصياء، بأيدي الطلقاء الخبيثة، و نسل العهرة الفجرة، تنطف أكفّهم من دمائنا، و تتحلّب أفواههم من لحومنا، و للجثث (6) الزاكية على الجبوب (7) الضاحية، تنتابها العواسل، و تعفّرها [امّهات] الفراعل (8) فلئن اتّخذتنا مغنما، لتجد بنا (9) وشيكا مغرما حين لا تجد إلّا ما قدّمت يداك و ما اللّه بظلّام للعبيد، و إلى اللّه المشتكى و المعوّل، و إليه الملجأ و المؤمّل.
ثمّ كد كيدك و اجاهد جاهدك، فو [اللّه] الذي شرّفنا بالوحي و الكتاب،
____________
(1)- في المصدر و إحدى نسختي الأصل: على من.
(2)- في المصدر: ذمارنا.
(3)- في المصدر: بقتلهم.
(4)- آل عمران: 169- 170.
(5)- في المصدر: و أيّكم.
(6)- في المصدر: تلك الجثث.
(7)- في الأصل: و المصدر: الجيوب.
(8)- أي ولد الضبع، و في المصدر: الفواعل.
(9)- في الأصل: و البحار: لتتّخذنا.
408
المنبر، فلمّا قال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه (و) أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، بكى عليّ بن الحسين (عليهما السّلام)، ثمّ التفت إلى يزيد فقال: يا يزيد هذا أبوك أم أبي؟ قال: بل أبوك، فانزل.
فنزل فأخذ [ب] ناحية باب المسجد، فلقيه مكحول صاحب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال له: كيف أمسيت يا بن رسول اللّه؟ قال: أمسينا بينكم مثل بني اسرائيل في آل فرعون، يذبّحون أبنائهم و يستحيون نسائهم، و في ذلكم بلاء من ربّكم عظيم.
فلمّا انصرف يزيد إلى منزله دعا بعلي بن الحسين (عليهما السّلام) و قال: يا عليّ أ تصارع ابني خالدا؟ قال (عليه السّلام): [و] ما تصنع بمصارعتي إيّاه؟ أعطني سكّينا و أعطه سكّينا، فليقتل أقوانا أضعفنا، فضمّه يزيد إلى صدره، ثمّ قال: لا تلد الحيّة إلّا الحيّة، أشهد أنّك ابن علي بن أبي طالب.
ثمّ قال له علي بن الحسين (عليهما السّلام): يا يزيد بلغني أنّك تريد قتلي، فإن كنت لا بدّ قاتلي، فوجّه مع هؤلاء النسوة من يردّهنّ (1) إلى حرم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله).
فقال له يزيد لعنه اللّه: لا يردّهنّ (1) غيرك، لعن اللّه ابن مرجانة، فو اللّه ما أمرته بقتل أبيك، و لو كنت متولّيا لقتاله ما قتلته، ثمّ أحسن جائزته، و حمله و النساء إلى المدينة (3).
5- الاحتجاج: عن ديلم بن عمر قال: كنت بالشام حتى اتي بسبايا آل محمد (صلى اللّه عليه و آله) فاقيموا على باب المسجد حيث تقام السبايا، و فيهم علي بن الحسين (عليهما السّلام) فأتاهم شيخ من أشياخ أهل الشام، فقال: الحمد للّه الذي قتلكم، و أهلككم، و قطع قرن (4) الفتنة، و لم يأل عن (5) [سبّهم و] شتمهم، فلمّا انقضى كلامه. قال له عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): إنّي قد أنصتّ لك حتّى فرغت من منطقك، و أظهرت ما في نفسك من العداوة و البغضاء، فأنصت لي كما أنصتّ لك، فقال له: هات، قال عليّ (عليه السّلام): أ ما قرأت كتاب اللّه عزّ و جلّ؟ فقال: نعم، قال [له]: أ ما قرأت هذه
____________
(1، 2)- في المصدر: يؤديهن- لا يؤديهن.
(3)- 2/ 38 و البحار: 45/ 161 ح 6.
(4)- في المصدر: قرون.
(5)- في الأصل: على.
410
من صلّى بملائكة السماء مثنى مثنى، أنا ابن من اسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن خديجة الكبرى، أنا ابن المقتول ظلما، أنا ابن المجزوز الرأس من القفا، أنا ابن العطشان حتّى قضى، أنا ابن طريح كربلا، أنا ابن مسلوب العمامة و الرداء، أنا ابن من بكت عليه ملائكة السماء، أنا ابن من ناحت عليه الجنّ في الأرض و الطير في الهواء، أنا ابن من رأسه على السنان يهدى، أنا ابن من حرمه من العراق إلى الشام تسبى.
أيّها الناس إنّ اللّه تعالى و له الحمد ابتلانا أهل البيت ببلاء حسن، حيث جعل راية الهدى و العدل و التقى فينا، و جعل راية الضلال و الردى في غيرنا، فضّلنا أهل البيت بستّ خصال: فضّلنا بالعلم، و الحلم، و الشجاعة، و السماحة، و المحبّة، و المحلّة في قلوب المؤمنين، و آتانا ما لم يؤت أحدا من العالمين من قبلنا، فينا مختلف الملائكة و تنزيل الكتاب. (1)
قال: فلم يفرغ حتّى قال المؤذّن: اللّه أكبر، فقال عليّ (عليه السّلام): نعم لا شيء أكبر من اللّه (2) فقال المؤذّن: أشهد أن لا إله إلّا اللّه، فقال عليّ (عليه السّلام): أشهد بما تشهد به، فلمّا قال المؤذّن: أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، قال عليّ (عليه السّلام): يا يزيد هذا جدّي أو جدّك؟ فإن قلت جدّك فقد كذبت، و إن قلت جدّي فلم قتلت أبي و سبيت حرمه و سبيتني؟
ثمّ قال: معاشر الناس هل فيكم من أبوه و جدّه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)؟ فعلت الأصوات بالبكاء، فقام إليه رجل من شيعته يقال له المنهال بن عمرو الطائي، و في رواية: مكحول صاحب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فقال له: كيف أمسيت يا بن رسول اللّه؟
فقال: ويحك كيف أمسيت؟ أمسينا (3) فيكم كهيئة بني إسرائيل في آل فرعون يذبّحون أبناءهم، و يستحيون نساءهم، الآية (4)، و أمست العرب تفتخر على العجم بأنّ محمدا (صلى اللّه عليه و آله) منها، و أمست قريش تفتخر على العرب بأنّ محمّدا (صلى اللّه عليه و آله) منها، و أمسى آل
____________
(1)- الكتاب/ خ.
(2)- في المصدر و البحار: فقال علي (عليه السّلام): اللّه أكبر كبيرا.
(3)- في «الأصل: أمسيت.
(4)- اقتباس من سورة البقرة، آية: 49.
411
محمّد (صلى اللّه عليه و آله) مقهورين مخذولين، فإلى اللّه نشكو كثرة عدوّنا، و تفرّق ذات بيننا، و تظاهر الأعداء علينا (1).
كتاب النسب: عن يحيى بن الحسن، قال يزيد لعلي بن الحسين (عليهما السّلام):
و اعجبا لأبيك سمّى عليّا و عليّا! فقال: إنّ أبي أحبّ أباه فسمّى باسمه مرارا.
تأريخي الطبري و البلاذري: إنّ يزيد بن معاوية قال لعلي بن الحسين (عليهما السّلام): أ تصارع هذا؟ يعني خالدا ابنه، قال: و ما تصنع بمصارعتي إيّاه؟ أعطني سكّينا و أعطه سكّينا، ثمّ اقاتله، فقال يزيد: «شنشنة أعرفها من أخزم» (2).
هذا العصا من العصيّة (3) * * * هل تلد الحيّة إلّا الحيّة
و في كتاب الأحمر قال: أشهد أنّك ابن علي بن أبي طالب. و روي أنّه قال لزينب (عليهما السّلام): تكلّمي، فقالت: هو المتكلّم، فأنشد (4) السجّاد (عليه السّلام):
لا تطمعوا أن تهينونا فنكرمكم * * * و أن نكفّ الأذى عنكم و تؤذونا
و اللّه يعلم أنّا لا نحبّكم * * * و لا نلومكم أن لا تحبّونا
فقال: صدقت يا غلام و لكن أراد أبوك و جدّك أن يكونا أميرين و الحمد للّه الّذي قتلهما و سفك دماءهما، فقال (عليه السّلام): لم تزل النبوّة و الإمرة لآبائي و أجدادي من قبل أن تولد.
قال المدائني: لمّا انتسب السجّاد إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) قال يزيد لجلوازه: أدخله
____________
(1)- 3/ 305 و البحار: 45/ 174 ح 22.
(2)- قال الميداني في مجمع الأمثال ج 1 ص 361 تحت الرقم 1933: «شنشنة أعرفها من أخزم» قال ابن الكلبيّ: إن الشعر لأبي أخزم الطائي، و هو جدّ أبي حاتم أو جدّ جدّه، و كان له ابن يقال له أخزم، و قيل:
كان عاقّا، فمات و ترك بنين فوثبوا يوما على جدّهم أبي أخزم فأدموه فقال:
إنّ بنيّ ضرجوني بالدم شنشنة أعرفها من أخزم.
يعني أن هؤلاء أشهوا أباهم في العقوق، و الشنشة: الطبيعة و العادة، يضرب في قرب الشبه.
(3)- مثل أصله «إن العصا من العصيّة»، راجع مجمع الأمثال للميداني ج 1 ص 15 تحت الرقم 32، و في المصدر و البحار: «هذا من العصا عصيّة».
(4)- فقال/ خ.
409
الآية «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى» (1)؟ قال: بلى، فقال له عليّ (عليه السّلام): فنحن اولئك، فهل تجد لنا في سورة بني اسرائيل حقّا خاصّة دون المسلمين؟ فقال: لا، قال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): أ ما قرأت هذه الآية «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (2)؟ قال: نعم قال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): فنحن اولئك الذين أمر اللّه عزّ و جلّ نبيّه أن يؤتيهم حقّهم، فقال الشاميّ: إنّكم لأنتم هم؟
فقال عليّ (عليه السّلام): نعم، فهل قرأت هذه الآية «وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى» (3)؟ فقال له الشامي: نعم، (4) فقال عليّ (عليه السّلام): فنحن ذو القربى، فهل تجد لنا في سورة الأحزاب حقّا خاصّة دون المسلمين؟ فقال: لا (و اللّه)، قال عليّ (عليه السّلام): أ ما قرأت هذه الآية «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (5)؟
قال: فرفع الشامي يده إلى السماء، ثم قال: اللهمّ إنّي أتوب إليك ثلاث مرّات، اللهمّ إنّي أتوب إليك من عداوة آل محمّد، و من قتل أهل بيت محمد (6) (صلى اللّه عليه و آله)، و لقد قرأت القرآن منذ دهر فما شعرت بها قبل اليوم (7).
6- المناقب لابن شهرآشوب: في كتاب الأحمر قال الأوزاعيّ: لمّا اتي بعلي ابن الحسين (عليهما السّلام) و رأس أبيه إلى يزيد بالشام، قال لخطيب بليغ: خذ بيد هذا الغلام فأت به [الى] المنبر و أخبر الناس بسوء رأي أبيه و جدّه و فراقهم الحقّ، و بغيهم علينا، قال: فلم يدع شيئا من المساوئ إلّا ذكره فيهم، فلمّا نزل قام عليّ بن الحسين (عليهما السّلام)، فحمد اللّه بمحامد شريفة و صلّى على النبيّ صلاة بليغة موجزة، ثمّ قال:
معاشر الناس من عرفني فقد عرفني، و من لم يعرفني فأنا اعرّفه نفسي، أنا ابن مكّة و منى، أنا ابن مروة (8) و الصفا، أنا ابن محمّد المصطفى، أنا ابن من لا يخفى، أنا ابن من علا فاستعالى، فجاز سدرة المنتهى، و كان من ربّه كقاب قوسين أو أدنى، أنا ابن
____________
(1)- الشورى: 23.
(2)- الإسراء: 26.
(3)- الأنفال: 41.
(4)- في المصدر و البحار و احدى نسختي الأصل: بلى.
(5)- الأحزاب: 33.
(6)- في المصدر: و أبرأ إليك ممن قتل أهل بيت محمد (صلى اللّه عليه و آله).
(7)- 2/ 33 و البحار: 45/ 166 ح 9.
(8)- في الأصل و البحار: المروة.
412
في هذا البستان و اقتله و ادفنه فيه، فدخل به إلى البستان، و جعل يحفر و السجّاد يصلّي، فلمّا همّ بقتله ضربته يد من الهواء فخرّ لوجهه و شهق و دهش، فرآه خالد بن يزيد و ليس لوجهه بقيّة، فانقلب إلى أبيه و قصّ عليه فأمر بدفن الجلواز في الحفرة و إطلاقه. و موضع حبس زين العابدين (عليه السّلام) هو اليوم مسجد (1).
7- الخرائج و الجرائح: عن المنهال بن عمرو قال: أنا و اللّه رأيت رأس الحسين (عليه السّلام) حين حمل و أنا بدمشق و بين يديه رجل يقرأ الكهف حتّى بلغ قوله تعالى «أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً (2)» فأنطق اللّه الرأس بلسان ذرب ذلق، فقال: أعجب من أصحاب الكهف قتلي و حملي (3).
8- المحاسن: الحسن بن ظريف، عن أبيه، عن الحسين بن زيد (4)، عن عمر ابن عليّ بن الحسين (عليهما السّلام)، قال: لمّا قتل الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) لبسن (5) نساء بني هاشم السواد و المسوح، و كنّ لا يشتكين من حرّ و لا برد، و كان عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) يعمل لهنّ الطعام للمأتم (6).
الأئمّة: عليّ بن الحسين (صلوات الله عليهما)
9- بصائر الدرجات: محمّد بن الحسين، عن صفوان، عن داود بن فرقد قال:
ذكر قتل الحسين (عليه السّلام) و أمر عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) لمّا أن حمل إلى الشام فدفعنا (7) إلى السجن، فقال أصحابي: ما أحسن بنيان هذا الجدار! فتراطن (8) أهل الروم (9) بينهم، فقالوا: ما في هؤلاء صاحب دم إن كان إلّا ذلك، يعنوني، فمكثنا يومين ثمّ دعانا و أطلق عنّا (10).
____________
(1)- 3/ 309 و البحار: 45/ 175.
(2)- الكهف: 9.
(3)- المخطوط 298 ح 74 و البحار: 45/ 188 ح 32.
(4)- في الأصل: الحسين بن يزيد.
(5)- في البحار: لبس و في احدى نسخ الأصل: لبست.
(6)- 2/ 420 ح 195 و البحار: 45/ 188 ح 33.
(7)- في المصدر: فرفعنا.
(8)- في المصدر: فطراطن
(9)- في نسخة من الأصل: العراق/ خ، و في اخرى: الروم و العراق.
(10)- ص 339 ح 6 و البحار: 45/ 177 ح 26.
414
(عليه السّلام) يقول: لمّا اتي بعلي بن الحسين (عليهما السّلام) يزيد بن معاوية- عليهما لعائن اللّه- و من معه جعلوه في بيت، فقال بعضهم: إنّما جعلنا في هذا البيت ليقع علينا فيقتلنا، فراطن (1) الحرس فقالوا: انظروا إلى هؤلاء يخافون أن تقع عليهم البيت و إنّما يخرجون غدا فيقتلون.
قال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): لم يكن فينا أحد يحسن الرطانة غيري، و الرطانة عند أهل المدينة: الروميّة. (2)
13- أمالي الطوسي: أحمد بن عبدون، عن علي بن محمّد بن الزبير، عن علي بن فضّال، عن العبّاس بن عامر، عن أبي عمارة، عن عبد اللّه بن طلحة، (3) عن عبد اللّه بن سيّابة، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: لمّا قدم عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) و قد قتل الحسين بن عليّ (صلوات الله عليهم)؛ استقبله إبراهيم بن طلحة بن عبيد اللّه [و] قال:
يا عليّ بن الحسين من غلب؟ و هو يغطّي (4) رأسه و هو [في] المحمل قال: فقال له عليّ ابن الحسين (صلوات الله عليهما): إذا أردت أن تعلم من غلب و دخل وقت الصلاة، فأذّن ثمّ أقم (5).
14- تفسير عليّ بن إبراهيم: قال الصادق (عليه السّلام): لمّا ادخل عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) على يزيد لعنه اللّه نظر إليه، ثمّ قال له: يا عليّ بن الحسين «وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ» (6) فقال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): كلّا ما هذه فينا نزلت، و إنّما نزلت فينا «ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ» (7) فنحن الّذين لا نأسى على ما فاتنا من أمر الدنيا
____________
(1)- الرطانة: بفتح الراء و كسرها، و التراطن: كلام لا يفهمه الجمهور، و إنما هو مواضعة بين اثنين أو جماعة، و العرب تخصّ بها غالبا كلام العجم. «النهاية ج 2 ص 233».
(2)- ص 337 ح 1 و البحار: 45/ 177 ح 25.
(3)- في المصدر: عبيد اللّه بن طلحة.
(4)- في المصدر: مغطى.
(5)- 2/ 289 و البحار: 45/ 177 ح 27.
(6)- الشورى: 30.
(7)- الحديد: 22- 23.
413
توضيح: قوله: «فدفعنا» من كلام عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) و قد حذف صدر الخبر، قوله: «صاحب دم» أي طالب دم المقتول أو من يريد يزيد قتله.
الصادق، عن أبيه، عن زين العابدين (عليهم السّلام)
10- إقبال الأعمال للسيّد ابن طاوس (ره): رأيت في كتاب المصابيح بإسناده إلى جعفر بن محمّد (عليهما السّلام)، قال: قال لي أبي محمّد بن علي (عليهما السّلام): سألت أبي عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) عن حمل يزيد له، فقال (عليه السّلام): حملني على بعير يظلع (1) بغير وطاء، و رأس الحسين (عليه السّلام) على علم، و نسوتنا خلفي على بغال فأكف، و الفارطة خلفنا و حولنا بالرماح، إن دمعت من أحدنا عين قرع رأسه بالرمح، حتّى إذا دخلنا دمشق صاح صائح: يا أهل الشام هؤلاء سبايا أهل البيت الملعون (2).
توضيح: قوله «فأكف» أي أميل و أشرف على السقوط، و الأظهر «واكفة» أي كانت البغال باكاف أي برذعة (3) من غير سرج، و فرط سبق، و في الأمر قصر به و ضيّعه و عليه، (و) في القول أسرف، و فرط القوم تقدّمهم إلى الورد لإصلاح الحوض، و الفرط بضمّتين الظلم و الاعتداء، و الأمر المجاوز فيه الحد، و لعلّ فيه أيضا تصحيف.
11- قرب الإسناد: اليقطيني، عن القدّاح، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عليهما السّلام)، قال: لمّا قدم على يزيد بذراري الحسين (عليه السّلام) ادخل بهنّ نهارا، مكشّفات وجوههنّ (4)، فقال أهل الشام الجفاة: ما رأينا سبيا أحسن من هؤلاء، فمن أنتم؟ فقالت سكينة بنت الحسين (عليه السّلام): نحن سبايا آل محمّد (صلى اللّه عليه و آله). (5)
وحده 12- بصائر الدرجات: أحمد بن محمّد، عن الأهوازيّ و البرقيّ، عن النضر، عن يحيى الحلبيّ، (عن عمران الحلبي،) (6) عن محمّد الحلبيّ، قال: سمعت أبا عبد اللّه
____________
(1)- يطبع/ خ، و في البحار: يطلع.
(2)- ص 583 و البحار: 45/ 154 ح 2.
(3)- فى الأصل: برزعة.
(4)- في المصدر: وجوههم.
(5)- ص 14 و البحار: 45/ 169 خ 15.
(6)- ما بين القوسين ليس في المصدر.
415
و لا نفرح بما اوتينا (1).
15- و منه: قال الصادق (عليه السّلام): لمّا ادخل رأس الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) على يزيد لعنه اللّه و ادخل عليه عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) و بنات أمير المؤمنين (عليه السّلام)، (و) كان عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) مقيّدا مغلولا، فقال يزيد: يا علي بن الحسين الحمد للّه الذي قتل أباك، فقال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): لعنة اللّه على من قتل أبي (2)، قال:
فغضب يزيد و أمر بضرب عنقه، فقال علي بن الحسين (عليهما السّلام): فإذا قتلتني، فبنات رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) من يردّهم إلى منازلهم، و ليس لهم محرم غيري؟ فقال: أنت تردّهم إلى منازلهم، ثمّ دعا بمبرد، فأقبل يبرد الجامعة من عنقه بيده.
ثمّ قال له: يا عليّ بن الحسين أ تدري ما الذي اريد بذلك؟ قال: بلى، تريد أن لا يكون لأحد عليّ منّة غيرك، فقال يزيد: هذا و اللّه ما أردت، ثمّ قال يزيد: يا علي بن الحسين «وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ» فقال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): كلّا ما هذه فينا نزلت، إنّما نزلت فينا «ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها» فنحن الذين لا نأسى على ما فاتنا و لا نفرح بما آتانا منها (3).
الرضا (عليه السّلام)
16- عيون أخبار الرضا: ابن عبدوس، عن ابن قتيبة، عن الفضل قال:
سمعت الرضا (عليه السّلام) يقول: لمّا حمل رأس الحسين (عليه السّلام) إلى الشام امر يزيد لعنه اللّه فوضع و نصب عليه مائدة، فأقبل هو و أصحابه يأكلون و يشربون الفقاع، فلمّا فرغوا أمر بالرأس فوضع في طست تحت سريره، و بسط عليه رقعة الشطرنج و جلس يزيد لعنه اللّه يلعب بالشطرنج و يذكر الحسين (عليه السّلام) و أباه و جدّه (رسول اللّه) (صلوات الله عليهم)،
____________
(1)- ص 603 و البحار: 45/ 168 ح 13.
(2)- في المصدر: لعن اللّه من قتل أبي، أ فترى ألعن ربي؟
(3)- تفسير القمي ص 665 و البحار: 45/ 168 ح 14.
417
لا يتكلّم حتّى يأخذ (ب) سبحة بين يديه، فيقول: اللّهمّ إنّي أصبحت اسبّحك و امجّدك و أحمدك و اهلّلك بعدد ما ادير به سبحتي، و يأخذ السبحة و يديرها، و هو يتكلّم بما يريد من غير أن يتكلّم بالتسبيح، و ذكر أنّ ذلك محتسب (1) له و هو حرز إلى أن يأوي إلى فراشه، فاذا آوى إلى فراشه قال مثل ذلك القول و وضع سبحته تحت رأسه، فهي (2) محسوبة له من الوقت إلى الوقت، ففعلت هذا اقتداء بجدّي.
فقال له يزيد: لا (3) أكلّم أحدا منكم إلّا و يجيبني بما يعوذ به، و عفا عنه و وصله و أمر بإطلاقه. (4)
قال بعض الأفاضل: نقلا من خطّ الشهيد (ره) قال: لمّا جيء برءوس الشهداء و السبايا من آل محمّد (صلى اللّه عليه و آله) أنشد يزيد لعنه اللّه:
لمّا بدت تلك الرءوس و أشرقت * * * تلك الشموس على ربى جيرون
صاح الغراب فقلت صح أولا تصح * * * فلقد قضيت من النبيّ ديوني (5)
18- المناقب القديم: و روي أنّه لمّا حمل رأسه إلى الشام جنّ عليهم الليل، فنزلوا عند رجل من اليهود، فلمّا شربوا و سكروا قالوا: عندنا رأس الحسين، فقال: أروه لي، فأروه، و هو في الصندوق يسطع منه النور نحو السماء، فتعجّب منه اليهود [ي] فاستودعه منهم، و قال للرأس: اشفع لي عند جدّك، فأنطق اللّه الرأس، فقال: إنّما شفاعتي للمحمّديّين، و لست بمحمديّ، فجمع اليهوديّ أقرباءه، ثمّ أخذ الرأس و وضعه في طست و صبّ عليه ماء الورد، و طرح فيه الكافور و المسك و العنبر، ثمّ قال لأولاده و أقربائه: هذا رأس ابن بنت محمّد (صلى اللّه عليه و آله).
ثمّ قال: يا لهفاه حيث لم أجد جدّك محمّد (صلى اللّه عليه و آله) فاسلم على يديه، (ثمّ قال:) يا لهفاه حيث لم أجدك حيّا فاسلم على يديك و اقاتل بين يديك، فلو أسلمت الآن [أ] تشفع لي يوم القيامة؟ فأنطق اللّه الرأس، فقال بلسان فصيح: إن أسلمت فأنا
____________
(1)- محسوب/ خ.
(2)- في الأصل: فهو.
(3)- في البحار: لست.
(4)- ص 61 ح 152 و البحار: 45/ 200 ح 41.
(5)- البحار: 45/ 199 ح 40.
416
و يستهزئ (عليهم) بذكرهم، فمتى قمر صاحبه تناول الفقاع فشربه ثلاث مرّات، ثمّ صبّ فضلته ممّا يلي (1) الطست من الأرض.
فمن كان من شيعتنا فليتورّع عن شرب الفقاع و اللعب بالشطرنج، و من نظر إلى الفقاع أو الى الشطرنج فليذكر الحسين (عليه السّلام) و ليلعن يزيد و آل زياد (2)، يمحو اللّه بذلك ذنوبه و لو كانت كعدد النجوم (3).
و منه: تميم القرشيّ، عن أبيه، عن أحمد الأنصاريّ، عن الهرويّ، قال:
سمعت الرضا (عليه السّلام) يقول: أوّل من اتّخذ له الفقاع في الإسلام بالشام يزيد بن معاوية لعنة اللّه عليه، فاحضر و هو على المائدة، و قد نصبها على رأس الحسين (عليه السّلام) فجعل يشربه و يسقي أصحابه و يقول: اشربوا فهذا شراب مبارك، (و) من بركته أنّا (4) أوّل ما تناولناه و رأس عدوّنا بين أيدينا، و مائدتنا منصوبة عليه، و نحن نأكل و نفوسنا ساكنة، و قلوبنا مطمئنّة.
فمن كان من شيعتنا فليتورّع عن شرب الفقاع، فإنّه [من] شراب أعدائنا (5).
الرواة
17- دعوات الراوندي: و روي أنّه لمّا حمل عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) إلى يزيد لعنه اللّه همّ بضرب عنقه، فوقّف [ه] بين يديه و هو يكلّمه ليستنطقه بكلمة يوجب بها قتله، و عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) يجيبه حسب ما يكلّمه، و في يده سبحة صغيرة يديرها بأصابعه و هو يتكلّم، فقال له يزيد: اكلّمك و أنت تجيبني و تدير أصابعك بسبحة في يدك، فكيف يجوز ذلك؟ فقال: حدّثني أبي عن جدّي أنّه كان إذا صلّى الغداة و انفتل
____________
(1)- في المصدر: على ما يلي.
(2)- في الأصل: و آل يزيد.
(3)- عيون أخبار الرضا: 2/ 21 ح 50 و البحار: 45/ 176 ح 23، و رواه الصدوق في الفقيه: 4/ 419 ح 5915.
(4)- في المصدر: و لو لم يكن إلّا أنّا.
(5)- 2/ 22 ح 51 و البحار: 45/ 176 ح 24.
418
لك شفيع، قاله ثلاث مرّات و سكت، فأسلم الرجل و أقرباؤه.
و لعلّ هذا اليهوديّ كان راهب قنّسرين (1) لأنّه أسلم بسبب رأس الحسين (عليه السّلام)، و جاء ذكره في الأشعار، و أورده الجوهريّ الجرجاني في مرثيّة الحسين (عليه السّلام) (2).
و في بعض مؤلّفات الأصحاب: مرسلا أنّ نصرانيّا أتى رسولا من ملك الروم إلى يزيد لعنه اللّه، و قد حضر في مجلسه الذي أتي إليه فيه برأس الحسين (عليه السّلام)، فلمّا رأى النصرانيّ رأس الحسين (عليه السّلام) بكى و صاح و ناح حتّى ابتلّت لحيته بالدموع، ثمّ قال: اعلم يا يزيد أنّي دخلت المدينة تاجرا في أيّام حياة النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و قد أردت أن آتيه بهديّة، فسألت من أصحابه أيّ شيء احبّ إليه من الهدايا؟ فقالوا: الطيب أحبّ إليه من كلّ شيء، و إنّ له رغبة فيه.
قال: فحملت من المسك فارتين، و قدرا من العنبر الأشهب، و جئت بها إليه و هو يومئذ في بيت زوجته أمّ سلمة رضي اللّه عنها، فلمّا شاهدت جماله ازداد [ل] عيني من لقائه نورا ساطعا، و زادني منه سرور (3)، و قد تعلّق قلبي بمحبّته، فسلّمت عليه و وضعت العطر بين يديه، فقال: ما هذا؟ قلت: هديّة محقّرة أتيت بها إلى حضرتك فقال لي: ما اسمك؟ فقلت: اسمي عبد الشمس، فقال لي: بدّل اسمك فأنا اسمّيك عبد الوهّاب، إن قبلت منّي الإسلام قبلت منك الهديّة، قال: فنظرته و تامّلته، فعلمت أنّه نبيّ و هو النبيّ الذي أخبرنا عنه عيسى (عليه السّلام) حيث قال: «إنّي مبشّر لكم برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد»، فاعتقدت ذلك و أسلمت على يده في تلك الساعة، و رجعت إلى الروم و أنا اخفي الإسلام، ولي مدّة من السنين و أنا مسلم مع خمس من البنين و أربع
____________
(1)- قنّسرين: بكسر أوله و فتح ثانيه و تشديده، و قد كسره قوم، ثم سين مهملة: مدينة بينها و بين حلب مرحلة، كانت عامرة بأهلها، فلما غلب الروم على حلب في سنة إحدى و خمسين و ثلاثمائة خاف أهل قنّسرين و جلوا عنها و تفرقوا في البلاد، و لم يبق بها إلّا خان تنزله القوافل. «مراصد الاطّلاع ج 3 ص 1126».
(2)- البحار: 45/ 172 ح 20.
(3)- في الأصل: بسرور.
420
أحسن تكون (1) قوّته أكثر، فتكاتبنا و جئنا إليه، فوجّهنا إلى أبينا، فلم يحكم بيننا و وجّهنا إليك، فتفكّرت فاطمة (عليها السّلام) بأنّ جدّهما و أباهما ما أرادا كسر خاطرهما، أنا ما ذا أصنع؟ و كيف أحكم بينهما؟ فقالت لهما: يا قرّتي عيني إنّي أقطع قلادتي على رأسكما فأيّكما يلتقط من لؤلؤها أكثر كان خطّه أحسن و تكون قوّته أكثر، قال: و كان في قلادتها سبع لؤلؤات، ثمّ إنّها قامت فقطعت قلادتها على رأسهما، فالتقط الحسن ثلاث لؤلؤات، و التقط الحسين (عليه السّلام) ثلاث لؤلؤات و بقيت الاخرى، فأراد كلّ منهما تناولها، فأمر اللّه تعالى جبرئيل (عليه السّلام) بنزوله إلى الأرض و أن يضرب بجناحيه تلك اللؤلؤة و يقدّها نصفين، فأخذ كلّ منهما نصفا.
فانظر يا يزيد كيف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لم يدخل على أحدهما ألم ترجيح الكتابة، و لم يرد كسر قلبهما، و كذلك أمير المؤمنين و فاطمة (عليهما السّلام)؟ و كذلك ربّ العزّة لم يرد كسر قلبهما بل أمر من قسم اللؤلؤة بينهما لجبر قلبهما، و أنت هكذا تفعل بابن بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)؟ افّ لك و لدينك يا يزيد.
ثمّ إنّ النصرانيّ نهض إلى رأس الحسين (عليه السّلام) و احتضنه و جعل يقبّله و هو يبكي و يقول: يا حسين اشهد لي عند جدّك محمّد المصطفى، و عند أبيك عليّ المرتضى، و عند امّك فاطمة الزهراء (صلوات الله عليهم أجمعين) (2).
و قال في الكتاب المذكور: و نقل أنّ سكينة بنت الحسين (عليه السّلام) قالت: يا يزيد رأيت البارحة رؤيا إن سمعتها منّي قصصتها عليك، فقال يزيد: هاتي ما رأيتي، قالت: بينما أنا ساهرة و قد كللت من البكاء بعد أن صلّيت و دعوت اللّه تعالى بدعوات، فلمّا رقدت عيني رأيت أبواب السماء قد تفتّحت و إذا أنا بنور ساطع من السماء إلى الأرض، و إذا أنا بوصائف من وصائف الجنّة، و إذا أنا بروضة خضراء، و في تلك الروضة قصر، و إذا أنا بخمس مشايخ يدخلون إلى ذلك القصر و عندهم و صيف.
فقلت: يا وصيف أخبرني لمن هذا القصر؟ فقال: هذا لأبيك الحسين (عليه السّلام) أعطاه اللّه ثوابا لصبره، فقلت: و من هذه المشايخ؟ فقال: أمّا الأوّل فادم أبو البشر، و أمّا
____________
(1)- في الأصل: كان.
(2)- البحار: 45/ 189 ح 36.
419
من البنات، و أنا اليوم وزير ملك الروم و ليس لأحد من النصارى اطّلاع على حالنا.
و اعلم يا يزيد أنّي يوم كنت في حضرة النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و هو في بيت أمّ سلمة رأيت هذا العزيز الذي رأسه وضع بين يديك مهينا حقيرا قد دخل على جدّه من باب الحجرة و النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) فاتح باعه ليتناوله و هو يقول: مرحبا بك يا حبيبي، حتّى أنّه تناوله و أجلسه في حجره، و جعل يقبّل شفتيه، و يرشف ثناياه و هو يقول: بعد عن رحمة اللّه من قتلك، لعن اللّه من قتلك يا حسين و أعان على قتلك، و النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) مع ذلك يبكي.
فلمّا كان اليوم الثاني كنت مع النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) في مسجده إذ أتاه الحسين (عليه السّلام) مع أخيه الحسن (عليه السّلام) و قال: يا جدّاه قد تصارعت مع أخي الحسن و لم يغلب أحدنا الآخر، و إنّما نريد أن نعلم أيّنا أشدّ قوّة من الآخر، فقال لهما النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): حبيبيّ يا مهجتيّ إنّ التصارع لا يليق بكما، و لكن اذهبا فتكاتبا، فمن كان خطّه أحسن كذلك تكون قوّته أكثر، قال: فمضيا و كتب كلّ واحد منهما سطرا و أتيا إلى جدّهما النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) فأعطياه اللوح ليقضي بينهما، فنظر النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) إليهما ساعة و لم يرد أن يكسر قلب أحدهما، فقال لهما: يا حبيبيّ إنّي نبيّ امّيّ لا أعرف الخطّ، اذهبا إلى أبيكما ليحكم بينكما و ينظر أيّكما أحسن خطّا.
قال: فمضيا إليه و قام النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أيضا معهما، و دخلوا جميعا إلى منزل فاطمة (عليها السّلام) فما كان إلّا ساعة و إذا النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) مقبل و سلمان الفارسيّ معه، و كان بيني و بين سلمان صداقة و مودّة، فسألته كيف حكم أبوهما، و خطّ أيّهما أحسن؟ قال سلمان (رضوان اللّه عليه): إنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) لم يجبهما بشيء لأنّه تأمّل أمرهما و قال: لو قلت: خطّ الحسن أحسن كان يغتمّ الحسين (عليه السّلام)، و لو قلت: خطّ الحسين (عليه السّلام) أحسن كان يغتمّ الحسن (عليه السّلام)، فوجّههما إلى أبيهما.
فقلت يا سلمان: بحقّ الصداقة و الاخوّة التي بيني و بينك، و بحقّ دين الإسلام إلّا ما أخبرتني، كيف حكم أبوهما بينهما؟ فقال: لمّا أتيا إلى أبيهما و تأمّل حالهما رقّ لهما، و لم يرد أن يكسر قلب أحدهما قال لهما: امضيا إلى امّكما فهي تحكم بينكما، فأتيا إلى امّهما، و عرضا عليها ما كتبا في اللوح، و قالا: يا امّاه إنّ جدّنا أمرنا أن نتكاتب فكلّ من كان خطّه
421
الثاني فنوح نبيّ اللّه، و أمّا الثالث فإبراهيم خليل الرحمن، و أمّا الرابع فموسى الكليم، فقلت له: و من الخامس الذي أراه قابضا على لحيته باكيا حزينا من بينهم؟ فقال لي: يا سكينة أ ما تعرفيه؟ فقلت: لا، فقال: هذا جدّك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فقلت له: إلى أين يريدون؟ فقال: إلى أبيك الحسين (عليه السّلام)، فقلت: و اللّه لألحقنّ جدّي و اخبرنّه بما جرى علينا، فسبقني و لم ألحقه.
فبينما أنا متفكّرة و إذا بجدّي عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام)، و بيده سيفه، و هو واقف، فناديته: يا جدّاه قتل و اللّه ابنك من بعدك، فبكى و ضمّني إلى صدره، و قال:
يا بنيّة صبرا و اللّه المستعان، ثمّ إنّه مضى و لم أعلم إلى أين، فبقيت متعجّبة كيف لم أعلم به، فبينما أنا كذلك إذا بباب قد فتح من السماء، و إذا بالملائكة يصعدون و ينزلون على رأس أبي، قال: فلمّا سمع يزيد ذلك لطم على وجهه و بكى و قال: مالي و لقتل الحسين؟ (1).
و في رواية اخرى: إنّ سكينة قالت: ثمّ أقبل عليّ رجل درّيّ اللون قمريّ الوجه، حزين القلب، فقلت للوصيف: من هذا؟ فقال: جدّك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فدنوت منه و قلت له: يا جدّاه قتلت و اللّه رجالنا، و سفكت و اللّه دماؤنا، و هتكت و اللّه حريمنا، و حملنا على الأقتاب من غير وطاء نساق إلى يزيد، فأخذني إليه و ضمّني إلى صدره، ثمّ أقبل على آدم و نوح و إبراهيم و موسى (عليهم السّلام)، ثمّ قال لهم: ما ترون إلى ما صنعت أمّتي بولدي من بعدي؟
ثمّ قال الوصيف: يا سكينة اخفضي صوتك فقد أبكيتي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، ثم أخذ الوصيف بيدي فأدخلني القصر، و إذا بخمس نسوة قد عظّم اللّه خلقهنّ (2) و زاد في نورهنّ، و بينهنّ امرأة عظيمة الخلقة، ناشرة شعرها، و عليها ثياب سود، و بيدها قميص مضمّخ بالدم، و إذا قامت يقمن معها، و إذا جلست يجلسن معها، فقلت للوصيف: ما هؤلاء النسوة اللّاتي قد عظّم اللّه خلقهنّ (3)؟ فقال: يا سكينة هذه حوّاء أمّ البشر، و هذه مريم ابنة عمران، و هذه خديجة بنت خويلد، و هذه هاجر، و هذه سارة، و هذه الّتي
____________
(1)- البحار: 45/ 194.
(2)- في البحار: خلقتهن.
(3)- في البحار: خلقتهن.
423
يزيد ما أقلّ حياءك و أصلب وجهك؟ تقتل أخي و أهل بيتي و تعطيني عوضهم؟
ثمّ قال: و أمّا أمّ كلثوم فحين توجّهت إلى المدينة جعلت تبكي و تقول:
مدينة جدّنا لا تقبلينا * * * فبالحسرات و الأحزان جئنا
ألا فاخبر رسول اللّه عنّا * * * بأنّا قد فجعنا في أبينا (1)
و أنّ رجالنا بالطفّ صرعى * * * بلا رءوس، و قد ذبحوا البنينا
و أخبر جدّنا أنّا اسرنا * * * و بعد الأسر يا جدّا سبينا
و رهطك يا رسول اللّه أضحوا * * * عرايا بالطفوف مسلّبينا
و قد ذبحوا الحسين و لم يراعوا * * * جنابك يا رسول اللّه فينا
فلو نظرت عيونك للاسارى * * * على أقتاب (2)الجمال محمّلينا
رسول اللّه؛ بعد الصون صارت * * * عيون الناس ناظرة إلينا
و كنت تحوطنا حتّى تولّت * * * عيونك، ثارت الأعدا علينا
أ فاطم لو نظرت إلى السبايا * * * بناتك في البلاد مشتّتينا
أ فاطم لو نظرت إلى الحيارى * * * و لو أبصارت زين العابدينا
أ فاطم لو رأيتينا سهارى * * * و من سهر الليالي قد عمينا
أ فاطم ما لقيتي من عداك * * * و لا قيراط ممّا قد لقينا
فلو دامت حياتك لم تزالي * * * إلى يوم القيامة تندبينا
و عرّج بالبقيع وقف و ناد * * * أ [يا] ابن حبيب ربّ العالمينا
و قل يا عمّ يا حسن المزكّى * * * عيال أخيك أضحوا ضائعينا
أيا عمّاه إنّ أخاك أضحى * * * بعيدا عنك بالرمضا رهينا
بلا رأس تنوح عليه جهرا * * * طيور و الوحوش الموحشينا
و لو عاينت يا مولاي ساقوا * * * حريما لا يجدن لهم معينا
على متن النياق بلا وطاء * * * و شاهدت العيال مكشّفينا
____________
(1)- أخينا/ خ.
(2)- هكذا و الظاهر أنها تصحيف «قتب»، حتى يستقيم الوزن.
422
بيدها القميص المضمّخ و إذا قامت يقمن معها و إذا جلست يجلسن معها هي جدّتك فاطمة الزهراء (عليها السّلام).
فدنوت منها و قلت لها: يا جدّتاه قتل و اللّه أبي و اوتمت على صغر سنّي، فضمّتني إلى صدرها و بكت (بكاء) شديدا، و بكين النسوة كلّهنّ و قلن لها: يا فاطمة يحكم اللّه بينك و بين يزيد يوم فصل القضاء. ثمّ إنّ يزيد تركها و لم يعبأ بقولها.
قال: و نقل عن هند زوجة يزيد قالت: كنت أخذت مضجعي فرأيت بابا من السماء و قد فتحت، و الملائكة ينزلون كتائب كتائب إلى رأس الحسين (عليه السّلام)، و هم يقولون: السلام عليك يا أبا عبد اللّه، السلام عليك يا بن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فبينما أنا كذلك إذ نظرت إلى سحابة قد نزلت من السماء، و فيها رجال كثيرون، و فيهم رجل درّيّ اللون، قمريّ الوجه، فأقبل يسعى حتّى انكبّ على ثنايا الحسين (عليه السّلام) يقبّلها و هو يقول: يا ولدي قتلوك أ تراهم ما عرفوك، و من شرب الماء منعوك، يا ولدي أنا جدّك رسول اللّه، و هذا أبوك عليّ المرتضى، و هذا أخوك الحسن، و هذا عمّك جعفر، و هذا عقيل، و هذان حمزة و العبّاس، ثمّ جعل يعدّد أهل بيته واحدا بعد واحد.
قالت هند: فانتبهت من نومي فزعة مرعوبة، و إذا بنور قد انتشر على رأس الحسين (عليه السّلام) فجعلت أطلب يزيد، و هو قد دخل إلى بيت مظلم و قد دار وجهه إلى الحائط و هو يقول: مالي و للحسين؟ و قد وقعت عليه الهمومات، فقصصت عليه المنام و هو منكّس الرأس.
قال: فلمّا أصبح استدعى بحرم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال لهنّ: أيّما أحبّ إليكنّ:
المقام عندي أو الرجوع إلى المدينة و لكم الجائزة السنيّة؟ قالوا: نحبّ أوّلا أن ننوح على الحسين (عليه السّلام)، قال: افعلوا ما بدا لكم، ثمّ اخليت لهنّ الحجر و البيوت في دمشق، و لم تبق هاشميّة و لا قرشيّة إلّا و لبست السواد على الحسين (عليه السّلام)، و ندبوه على ما نقل سبعة أيّام.
فلمّا كان اليوم الثامن دعاهنّ يزيد و عرض عليهنّ المقام، فأبين و أرادوا الرجوع إلى المدينة، فأحضر لهم المحامل و زيّنها، و أمر بالأنطاع الابريسم، و صبّ عليها الأموال، و قال: يا أمّ كلثوم خذوا هذه الأموال عوض ما أصابكم، فقالت أمّ كلثوم: يا
424
مدينة جدّنا لا تقبلينا * * * فبالحسرات و الأحزان جئنا
خرجنا منك بالأهلين جمعا * * * رجعنا لا رجال و لا بنينا
و كنّا في الخروج بجمع شمل * * * رجعنا حاسرين مسلّبينا
و كنّا في أمان اللّه جهرا * * * رجعنا بالقطيعة خائفينا
و مولانا الحسين لنا أنيس * * * رجعنا و الحسين به رهينا
فنحن الضائعات بلا كفيل * * * و نحن النائحات على أخينا
و نحن السائرات على المطايا * * * نشال على جمال المبغضينا
و نحن بنات يس و طه * * * و نحن الباكيات على أبينا
و نحن الطاهرات (1)بلا خفاء * * * و نحن المخلصون المصطفونا
و نحن الصابرات على البلايا * * * و نحن الصادقون الناصحونا
ألا يا جدّنا قتلوا حسينا * * * و لم يرعوا جناب اللّه فينا
ألا يا جدّنا بلغت عدانا * * * مناها و اشتفى الأعداء فينا
لقد هتكوا النساء و حمّلوها * * * على الأقتاب قهرا أجمعينا
و زينب أخرجوها من خباها * * * و فاطم والهة تبدي الأنينا
سكينة تشتكي من حرّ وجد * * * تنادي: الغوث ربّ العالمينا
و زين العابدين بقيد ذلّ * * * و راموا قتله أهل الخؤونا
فبعدهم على الدنيا تراب * * * فكأس الموت فيها قد سقينا
و هذي قصّتي مع شرح حالي * * * ألا يا سامعون ابكوا علينا
قال الراوي: و أمّا زينب فأخذت بعضادتي باب المسجد و نادت: يا جدّاه إنّي ناعية إليك أخي الحسين (عليه السّلام)، و هي مع ذلك لا تجفّ لها عبرة، و لا تفتر من البكاء و النحيب، و كلّما نظرت إلى عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) تجدّد حزنها و زاد وجدها (2).
____________
(1)- الظاهرات/ خ.
(2)- البحار: 45/ 195.
426
ذنوبك لو كانت مثل قطر الأمطار، و ورق الأشجار، فاستغفرت اللّه غفرها لك، فإنّه غفور رحيم، قال: فقال لي: تعال حتّى اخبرك بقصّتي، فأتيته.
فقال: اعلم أنّنا كنّا خمسين نفرا ممّن سار مع رأس الحسين (عليه السّلام) إلى الشام، و كنّا إذا أمسينا وضعنا (1) الرأس في تابوت و شربنا الخمر حول التابوت، فشرب أصحابي ليلة حتّى سكروا و لم أشرب معهم، فلمّا جنّ الليل سمعت رعدا و رأيت برقا، فإذا أبواب السماء قد فتحت و نزل آدم، و نوح، و إبراهيم، و إسماعيل، و إسحاق، و نبيّنا محمّد (صلى اللّه عليه و آله) و معهم جبرئيل و خلق من الملائكة، فدنا جبرئيل من التابوت فأخرج الرأس و ضمّه إلى نفسه و قبّله، ثمّ كذلك فعل الأنبياء كلّهم، و بكى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) على رأس الحسين (عليه السّلام) فعزّاه الأنبياء، فقال له جبرئيل: يا محمّد إنّ اللّه تعالى أمرني أن اطيعك في أمّتك، فإن أمرتني زلزلت بهم الأرض و جعلت عاليها سافلها كما فعلت بقوم لوط، فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): لا يا جبرئيل، فإنّ لهم معي موقفا بين يدي اللّه يوم القيامة.
قال: ثمّ صلّوا عليه، ثمّ أتى قوم من الملائكة و قالوا: إنّ اللّه تبارك و تعالى أمرنا بقتل الخمسين، فقال لهم (2) النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): شأنكم بهم فجعلوا يضربون بالحربات، ثمّ قصدني واحد منهم بحربة (3) ليضربني، فقلت: الأمان الأمان يا رسول اللّه، فقال:
اذهب فلا غفر اللّه لك، فلمّا أصبحت رأيت أصحابي كلّهم جاثمين رمادا (4).
ثمّ قال صاحب المناقب: و بإسنادي إلى أبي عبد اللّه الحدّاديّ عن أبي جعفر الهندوانيّ بإسناده في هذا الحديث فيه زيادة عند قوله: ليحمله إلى يزيد، قال: كلّ من قتله جفّت يده. و فيه إذ سمعت صوت برق لم أسمع مثله، فقيل: قد أقبل محمّد (صلى اللّه عليه و آله) فسمعت (صوت) صهيل الخيل، و قعقعة السلاح، مع جبرئيل و ميكائيل و اسرافيل و الكرّوبيّين و الروحانيّين و المقرّبين (عليهم السّلام)، و فيه: فشكى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) إلى الملائكة و النبيّين، و قال: قتلوا ولدي و قرّة عيني، و كلّهم قبّل الرأس و ضمّة إلى صدره
____________
(1)- دفعنا/ خ.
(2)- في الأصل: له.
(3)- في البحار: بحربته.
(4)- اللهوف ص 72 و البحار: 45/ 125.
425
الكتب:
19- قال السيّد ابن طاوس (قدّس اللّه سرّه) في كتاب «اللهوف»- بعد ما نقلنا عنه في الباب السابق من كتاب ابن زياد إلى يزيد و بشارته إيّاه بقتل الحسين (عليه السّلام)-: و أمّا يزيد بن معاوية فإنّه لمّا وصل كتاب عبيد اللّه (إليه) و وقف عليه، أعاد الجواب إليه يأمره فيه بحمل رأس الحسين (عليه السّلام) و رءوس من قتل معه، و حمل أثقاله و نسائه و عياله، فاستدعى ابن زياد بمحفّر (1) بن ثعلبة العائذي، فسلّم إليه الرءوس و النساء، فسار بهم (محفّر) (2) إلى الشام كما يسار [ب] سبايا الكفّار، يتصفّح وجوههنّ أهل الأقطار (3).
و قال المفيد (ره): دفع ابن زياد- لعنه اللّه- رأس الحسين (عليه السّلام) إلى زحر (4) بن قيس و دفع إليه رءوس أصحابه و سرّحه إلى يزيد بن معاوية، و أنفذ معه أبي بردة بن عوف الأزديّ، و طارق بن أبي ظبيان في جماعة من أهل الكوفة حتّى وردوا بها على يزيد بدمشق (5).
و قال صاحب المناقب: روى أبو عبد اللّه الحافظ بإسناده عن ابن لهيعة، عن ابن أبي قبيل، قال: لمّا قتل الحسين (عليه السّلام) بعث برأسه إلى يزيد، فنزلوا في أوّل مرحلة، فجعلوا يشربون و يتبجّحون بالرأس فيما بينهم، فخرجت عليهم كفّ من الحائط معها قلم من حديد فكتبت أسطرا بدم:
أ ترجو أمّة قتلت حسينا * * * شفاعة جدّه يوم الحساب (6)
و قال صاحب المناقب و السيّد، و اللفظ لصاحب المناقب: روى ابن لهيعة و غيره حديثا أخذنا منه موضع الحاجة، قال: كنت أطوف بالبيت فإذا أنا برجل يقول:
اللهمّ اغفر لي و ما أراك فاعلا! فقلت له: يا عبد اللّه اتّق اللّه و لا تقل مثل هذا، فإنّ
____________
(1)- في الأصل: بمحضر، و في البحار: بمخفّر.
(2)- ما بين القوسين ليس في البحار، و في الأصل: محضر.
(3)- اللهوف ص 71 و البحار: 45/ 124.
(4)- في المصدر و إحدى نسختي الأصل: زجر.
(5)- إرشاد المفيد ص 275 و البحار: 45/ 124.
(6)- البحار: 45/ 125.
427
و الباقي يقرب بعضها من بعض.
أقول: و في بعض الكتاب أنّهم لمّا قربوا من بعلبك كتبوا إلى صاحبها فأمر بالرايات فنشرت، و خرج الصبيان يتلقّونهم على نحو من ستّة أميال، فقالت أمّ كلثوم:
أباد اللّه كثرتكم، و سلّط عليكم من يقتلكم، ثمّ بكى عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) و قال:
[و] هو الزمان فلا تفنى عجائبه * * * من الكرام و ما تهدأ مصائبه
فليت شعري إلى كم ذا تجاذبنا * * * فنونه و ترانا لم نجاذبه
يسرى بنا فوق أقتاب بلا وطأ * * * و سائق (1)العيس يحمي عنه غاربه
كأنّنا من اسارى الروم بينهم * * * كأنّ ما قاله المختار كاذبه
كفرتم برسول اللّه و يحكم * * * فكنتم مثل من ضلّت مذاهبه (2)
ثمّ قال السيّد (ره): و سار القوم برأس الحسين (عليه السّلام) و نسائه و الأسرى من رجاله، فلمّا قربوا من دمشق دنت أمّ كلثوم من شمر و كان في (3) جملتهم، فقالت (له):
لي إليك حاجة، فقال: ما حاجتك؟ فقالت: إذا دخلت بنا البلد فاحملنا في درب قليل النظّارة، و تقدّم إليهم أن يخرجوا هذه الرءوس من بين المحامل و ينحّونا عنها، فقد خزينا من كثرة النظر إلينا و نحن في هذه الحال، فأمر في جواب سؤالها أن يجعل الرءوس على الرماح في أوساط المحامل بغيا منه و كفرا، و سلك بهم بين النظّارة على تلك الصفة حتّى أتى بهم باب دمشق، فوقفوا على درج باب المسجد الجامع حيث يقام السبي (4).
و روى صاحب المناقب بإسناده عن زيد، عن آبائه، أنّ سهل بن سعد قال:
خرجت إلى بيت المقدس حتّى توسّطت الشام، فإذا أنا بمدينة مطّردة الأنهار، كثيرة الأشجار، قد علّقوا الستور و الحجب و الديباج و هم فرحون مستبشرون، و عندهم نساء يلعبن بالدفوف و الطبول، فقلت في نفسي: لا نرى لأهل الشام عيدا لا نعرفه نحن، فرأيت قوم يتحدّثون، فقلت: يا قوم لكم بالشام عيد لا نعرفه نحن؟ قالوا: يا شيخ نراك غريبا؟ (5) فقلت: أنا سهل بن سعد قد رأيت محمّدا (صلى اللّه عليه و آله)، قالوا: يا سهل ما أعجبك
____________
(1)- في البحار: و سابق.
(2)- البحار: 45/ 126.
(3)- في المصدر: من.
(4)- اللهوف ص 73 و البحار: 45/ 127.
(5)- في البحار: أعرابيا.
429
ثمّ قال السيّد (ره): فروي أنّ بعض فضلاء التابعين لمّا شاهد رأس الحسين (1) (عليه السّلام) بالشام أخفى نفسه شهرا من جميع أصحابه، فلمّا وجدوه بعد إذ فقدوه سألوه عن سبب ذلك، فقال: أ لا ترون ما نزل بنا؟ ثمّ أنشأ يقول:
جاءوا برأسك يا بن بنت محمّد * * * مترمّلا بدمائه ترميلا (2)
قتلوك عطشانا و لمّا يرقبوا (3) * * * في قتلك التأويل و التنزيلا
و يكبّرون بأن قتلت و إنّما * * * قتلوا بك التكبير و التهليلا
قال: و جاء شيخ فدنا من نساء الحسين (عليه السّلام) و عياله و هم اقيموا على درج باب المسجد (4)، فقال: الحمد للّه الّذي قتلكم و أهلككم، و أراح البلاد من (5) رجالكم، و أمكن أمير المؤمنين منكم، فقال له عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): يا شيخ هل قرأت القرآن؟
قال: نعم، قال: فهل عرفت هذه الآية «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى» (6)؟ قال الشيخ: [نعم] قد قرأت ذلك، فقال له عليّ (عليه السّلام): فنحن القربى يا شيخ [فهل قرأت في بني إسرائيل «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (7) فقال الشيخ: قد قرأت، فقال عليّ بن الحسين: فنحن القربى يا شيخ،] (8) فهل قرأت هذه الآية «وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى» (9)؟ قال: نعم، قال عليّ (عليه السّلام): فنحن القربى يا شيخ، و هل قرأت هذه الآية «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (10)؟ قال الشيخ: قد قرأت [ذلك]، قال عليّ (عليه السّلام): فنحن أهل البيت الذين خصّصنا (11) بآية الطهارة يا شيخ.
قال: فبقي (12) الشيخ ساكتا نادما على ما تكلّم به، و قال: باللّه إنّكم هم؟ فقال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): تاللّه إنّا لنحن هم، من غير شكّ، و حقّ جدّنا رسول اللّه
____________
(1)- في الأصل و البحار: شهد برأس الحسين (عليه السّلام).
(2)- في الأصل و البحار: قتلوا جهارا عامدين رسولا.
(3)- في المصدر: و لم يترقّبوا.
(4)- في المصدر: و هم في ذلك الموضع.
(5)- في المصدر: عن.
(6)- الشورى: 23.
(7)- الإسراء: 26.
(8)- ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
(9)- الانفال: 41.
(10)- الأحزاب: 33.
(11)- في المصدر: خصنا اللّه.
(12)- فبكى/ خ.
428
السماء لا تمطر دما و الأرض لا تنخسف بأهلها؟ قلت: و لم ذاك؟ قالوا: هذا رأس الحسين (عليه السّلام) عترة محمّد (صلى اللّه عليه و آله) يهدى من أرض العراق فقلت: وا عجباه، يهدى رأس الحسين (عليه السّلام) و الناس يفرحون؟ قلت: من أيّ باب يدخل؟ فأشاروا إلى باب يقال له باب الساعات.
قال: فبينا أنا كذلك حتّى رأيت الرايات يتلو بعضها بعضا، فإذا نحن بفارس بيده لواء منزوع السنان، عليه رأس من أشبه الناس وجها برسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فإذا أنا من ورائه رأيت نسوة على جمال بغير وطاء، فدنوت من اولاهم، فقلت: يا جارية، من أنت؟ فقالت: أنا سكينة بنت الحسين (عليه السّلام)، فقلت لها: أ لك حاجة إليّ؟ فأنا سهل ابن سعد ممّن رأى جدّك و سمعت حديثه، قالت: يا سهل (1) قل لصاحب هذا الرأس أن يقدّم الرأس أمامنا حتّى يشتغل الناس بالنظر إليه و لا ينظروا إلى حرم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله).
قال سهل: فدنوت من صاحب الرأس فقلت له: هل لك أن تقضي حاجتي و تأخذ منّي أربعمائة دينار؟ قال: ما هي؟ قلت: تقدّم الرأس أمام الحرم، ففعل ذلك، فدفعت إليه ما وعدته.
و وضع الرأس في حقّة، و دخلوا على يزيد فدخلت معهم، و كان يزيد جالسا على السرير و على رأسه تاج مكلّل بالدّر و الياقوت، و حوله كثير من مشايخ قريش، فلمّا دخل صاحب الرأس و هو يقول:
أوقر ركابي فضّة و ذهبا * * * أنا قتلت السيّد المحجّبا
قتلت خير الناس امّا و أبا * * * و خيرهم إذ ينسبون النسبا
قال: لو علمت أنّه خير الناس (امّا و أبا) لم قتلته؟ قال: رجوت الجائزة منك، فأمر بضرب عنقه، فجزّ رأسه، و وضع رأس الحسين (عليه السّلام) على طبق من ذهب و هو يقول:
كيف رأيت يا حسين (2)؟
____________
(1)- في البحار: يا سعد.
(2)- البحار: 45/ 127، و ذكره الخوارزمي في مقتل الحسين ج 2 ص 60.
430
(صلى اللّه عليه و آله) إنّا لنحن هم، فبكى الشيخ و رمى عمامته، و رفع رأسه إلى السماء، و قال:
اللهمّ إنّي أبرأ (1) إليك من عدوّ آل محمّد (صلى اللّه عليه و آله) من الجنّ و الإنس، ثمّ قال: هل لي من توبة؟ (2) فقال له: نعم إن تبت تاب اللّه عليك و أنت معنا، فقال: أنا تائب، فبلغ (ذلك) يزيد بن معاوية حديث الشيخ، فأمر به، فقتل (3).
و قال المفيد و ابن نما: روى عبد اللّه بن ربيعة الحميريّ قال: أنا لعند يزيد ابن معاوية بدمشق إذ أقبل زجر (4) بن قيس حتّى دخل عليه، فقال له يزيد: ويلك ما وراءك؟ و ما عندك؟ قال: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح اللّه و نصره، و رد علينا الحسين ابن عليّ في ثمانية عشر [رجلا] من أهل بيته، و ستّين من شيعته، فسرنا إليهم فسألناهم أن يستسلموا أو ينزلوا على حكم الأمير عبيد اللّه بن زياد أو القتال، فاختاروا القتال على الاستسلام، فعدونا (5) عليهم مع شروق الشمس، فأحطنا بهم من كلّ ناحية حتّى إذا أخذت السيوف مأخذها من هام القوم، جعلوا يهربون إلى غير وزر، و يلوذون منّا بالآكام و الحفر لواذا كما لاذ الحمام من الصقر، فو اللّه يا أمير المؤمنين ما كان إلّا جزر جزور، أو نومة قائل، حتّى أتينا على آخرهم، فهاتيك أجسادهم مجرّدة، و ثيابهم مرمّلة (6)، و خدودهم معفّرة، تصهرهم الشمس و تسفي عليهم الرياح، [و] زوّارهم الرخم و العقبان.
فأطرق يزيد هنيئة، ثمّ رفع رأسه و قال: قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، أما لو كنت (7) صاحبه لعفوت عنه.
ثمّ إنّ عبيد اللّه بن زياد بعد إنفاذه برأس الحسين (عليه السّلام) أمر فتيانه و صبيانه و نساءه فجهّزوا، و أمر بعليّ بن الحسين فغلّ بغلّ في عنقه، ثمّ سرّح بهم في أثر الرءوس مع محفّر (8) بن ثعلبة العائذي و شمر بن ذي الجوشن لعنه اللّه، فانطلقوا بهم حتّى لحقوا
____________
(1)- في المصدر: إنا نبرأ.
(2)- في الأصل: ثم قال لي هل من توبة.
(3)- اللهوف ص 73 و البحار: 45/ 129.
(4)- في البحار: زحر.
(5)- في الأصل: فغدونا.
(6)- في المصدر: مزمّلة.
(7)- في المصدر: أنّي.
(8)- في الأصل: محضر، و في البحار: مخفّر، و كذا الذي يلي.
431
بالقوم الّذين معهم الرءوس (1)، و لم يكن عليّ بن الحسين يكلّم أحدا من القوم [الذين معهم الرأس] في الطريق كلمة واحدة حتّى بلغوا، فلمّا انتهوا إلى باب يزيد لعنه اللّه؛ رفع محفّر بن ثعلبة صوته، فقال: هذا محفّر بن ثعلبة أتى أمير المؤمنين بالفجرة اللئام، فأجاب [ه] عليّ بن الحسين: «ما ولدت أمّ محفّر أشر (2) و ألام» و زاد في المناقب «و لكن قبّح اللّه ابن مرجانة» (3).
قال في المناقب: و كان عبد الرحمن بن الحكم قاعدا في مجلس يزيد- لعنه اللّه- و أنشد:
لهام بجنب الطفّ أدنى قرابة * * * من ابن زياد العبد ذي النسب الوغل
سميّة أمسى نسلها عدد الحصى * * * و بنت رسول اللّه ليست بذي نسل
قال يزيد: نعم، فلعن اللّه ابن مرجانة إذ أقدم على قتل (4) الحسين بن فاطمة، لو كنت صاحبه لما سألني خصلة إلّا أعطيته إيّاها، و لدفعت عنه الحتف بكلّ ما استطعت، و لو بهلاك بعض ولدي، و لكن قضى اللّه أمرا فلم يكن له مردّ.
و في رواية أنّ يزيد أسرّ إلى عبد الرحمن و قال: سبحان اللّه أ في هذا الموضع؟
[أ] ما يسعك السكوت؟ (5)
و قال المفيد: و لمّا وضعت الرءوس بين يدي يزيد لعنه اللّه و فيها رأس الحسين (عليه السّلام)، قال يزيد لعنه اللّه:
نفلّق هاما من اناس (6)أعزّة * * * علينا و هم كانوا أعقّ و أظلما
فقال يحيى بن الحكم ما مرّ ذكره، فضرب يزيد على (7) صدر يحيى يده و قال:
اسكت (8).
____________
(1)- في المصدر و البحار: الرأس.
(2)- في الأصل: أشدّ.
(3)- إرشاد المفيد ص 275 و مثير الاحزان ص 98 و البحار: 45/ 129.
(4)- مثل/ خ و البحار.
(5)- البحار: 45/ 130.
(6)- في المصدر: رجال.
(7)- في المصدر: في.
(8)- إرشاد المفيد ص 276 و البحار: 45/ 131.
432
ثمّ أقبل على أهل مجلسه، فقال: إنّ هذا كان يفخر عليّ، و يقول: «أبي خير من أب يزيد، و امّي خير من امّه، و جدّي خير من جدّه، و أنا خير منه، فهذا الّذي قتله». فأمّا قوله: بأنّ أبي خير من أب يزيد، فلقد حاجّ أبي أباه فقضى اللّه لأبي على أبيه، و أمّا قوله: بأنّ امّي خير من أمّ يزيد، فلعمري لقد صدق فإنّ فاطمة بنت رسول اللّه خير من امّي، و أمّا قوله: جدّي خير من جدّه، فليس لأحد يؤمن باللّه و اليوم الآخر يقول: بأنه خير من محمّد، و أمّا قوله: بأنّه خير منّي، فلعلّه لم يقرأ هذه الآية «قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ» الآية. (1)
و قال ابن نما: نقلت من تاريخ دمشق عن ربيعة بن عمرو الجرشيّ، قال: أنا عند يزيد لعنه اللّه إذ سمعت صوت محفّر يقول: هذا محفّر بن ثعلبة أتى أمير المؤمنين باللّئام الفجرة، فأجابه يزيد لعنه اللّه: ما ولدت أمّ محفّر أشرّ و ألأم (2).
و قال السيّد: ثمّ ادخل ثقل الحسين (عليه السّلام) و نساؤه و من تخلّف من أهله على يزيد لعنه اللّه و هم مقرّنون في الحبال، فلمّا وقفوا بين يديه و هم على تلك الحال، قال له عليّ بن الحسين (عليه السّلام): أنشدك اللّه يا يزيد ما ظنّك برسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لو رآنا على هذه الحالة (3)؟ فأمر يزيد بالحبال فقطّعت، ثمّ وضع رأس الحسين بين يديه و أجلس النساء خلفه لئلّا ينظرن (4) إليه، فرآه عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) فلم يأكل الرءوس بعد ذلك أبدا (5).
و قال ابن نما: قال عليّ بن الحسين: ادخلنا على يزيد لعنه اللّه و نحن اثنا عشر رجلا مغلّلون، فلمّا وقفنا بين يديه قلت: أنشدك اللّه يا يزيد ما ظنّك برسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لو رآنا على هذه الحالة؟ و قالت فاطمة بنت الحسين (عليه السّلام): يا يزيد بنات رسول اللّه سبايا؟ فبكى الناس و بكى أهل داره، حتى علت الأصوات، فقال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): فقلت و أنا مغلول: أ تأذن لي في الكلام؟ فقال: قل و لا تقول هجرا، فقال: لقد وقفت موقفا لا ينبغي لمثلي أن يقول الهجر، ما ظنّك برسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لو رآني في الغلّ؟ فقال لمن حوله: حلّوه.
____________
(1)- آل عمران: 26.
(2)- مثير الاحزان ص 98 و البحار: 45/ 131.
(3)- في المصدر: الصفة.
(4)- في الأصل: ينظرون.
(5)- اللهوف ص 74 و البحار: 45/ 131.
434
الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على رسوله و آله أجمعين، صدق اللّه كذلك [يقول:] «ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَ كانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ» (1) أظننت (2) يا يزيد حيث (3) أخذت علينا أقطار الأرض و آفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الاسارى، أنّ بنا على اللّه هوانا و بك عليه كرامة؟ و إنّ ذلك لعظم خطرك عنده؟ فشمخت بأنفك، و نظرت في عطفك، جذلان مسرورا، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة، و الامور متّسقة، و حين صفا لك (4) ملكنا و سلطاننا، مهلا مهلا، أنسيت قول اللّه تعالى «وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ» (5)؟.
أمن العدل يا بن الطلقاء تخديرك حرائرك و إماءك، و سوقك بنات رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) سبايا، قد هتكت ستورهنّ، و أبديت وجوههنّ، تحدو بهنّ الأعداء من بلد إلى بلد، و يستشرفهنّ أهل المناهل و المناقل و يتصفّح وجوههنّ القريب و البعيد، و الدنيّ و الشريف، ليس معهنّ من رجالهنّ وليّ، و لا من حماتهنّ حمي؟ و كيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأزكياء، و نبت لحمه بدماء الشهداء؟ و كيف يستبطئ في بغضنا (6) أهل البيت من نظر إلينا بالشنف و الشنان، و الإحن و الأضغان؟ ثمّ تقول غير متأثّم و لا مستعظم:
و أهلّوا (7)و استهلّوا فرحا * * * ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل
منتحيا على ثنايا أبي عبد اللّه سيّد شباب أهل الجنّة، تنكتها بمخصرتك، و كيف لا تقول ذلك؟ و لقد نكأت القرحة و استأصلت الشأفة، بإراقتك دماء ذرّيّة محمّد (صلى اللّه عليه و آله) و نجوم الأرض من آل عبد المطّلب، و تهتف بأشياخك زعمت أنّك تناديهم، فلتردنّ وشيكا موردهم، و لتودنّ أنّك شللت و بكمت، و لم يكن قلت ما قلت و فعلت ما فعلت.
«اللهمّ خذ [لنا] بحقّنا، و انتقم من ظالمنا (8)، و أحلل غضبك بمن سفك دماءنا، و قتل حماتنا».
____________
(1)- الروم: 10.
(2)- في الأصل: تقول: أظننت.
(3)- حين/ خ.
(4)- في المصدر: خفالك.
(5)- آل عمران: 178.
(6)- في المصدر: بغضاء.
(7)- في المصدر: لأهلّوا.
(8)- في المصدر: ممن ظلمنا.
433
حدّث عبد الملك بن مروان: لمّا اتي يزيد لعنه اللّه برأس الحسين قال: لو كان بينك و بين ابن مرجانة قرابة لأعطاك ما سألت، ثمّ أنشد يزيد لعنه اللّه:
نفلّق هاما من رجال اعزّة * * * علينا و هم كانوا أعقّ و أظلما
قال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): «ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ» (1).
ثمّ قالوا: و أمّا زينب فإنّها لمّا رأته أهوت إلى جيبها فشقّته، ثمّ نادت بصوت حزين تفزع القلوب: يا حسيناه! يا حبيب رسول اللّه! يا ابن مكّة و منى! يا ابن فاطمة الزهراء سيّدة النساء! يا ابن بنت المصطفى! قال: فأبكت و اللّه كلّ من كان في المجالس، و يزيد لعنه اللّه ساكت.
ثمّ جعلت امرأة من بني هاشم في دار يزيد تندب على الحسين (عليه السّلام) و تنادي:
وا حبيباه! يا سيّد أهل بيتاه! يا ابن محمّداه! يا ربيع الأرامل و اليتامى! يا قتيل أولاد الأدعياء! قال: فأبكت كلّ من سمعها.
ثمّ دعا يزيد لعنه اللّه بقضيب خيزران فجعل ينكت به ثنايا الحسين (عليه السّلام)، فأقبل [عليه] أبو برزة الأسلميّ، و قال: ويحك يا يزيد أ تنكت بقضيبك ثغر الحسين بن فاطمة؟ أشهد لقد رأيت النبيّ يرشف ثناياه و ثنايا أخيه الحسن و يقول: أنتما سيّدا شباب أهل الجنّة، فقتل اللّه قاتلكما [و لعنه] و أعدّ له جهنّم و ساءت مصيرا، قال:
فغضب يزيد و أمر بإخراجه فاخرج سحبا، قال: و جعل يزيد يتمثّل بأبيات ابن الزّبعري:
ليت أشياخي ببدر شهدوا * * * جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلّوا و استهلّوا فرحا * * * ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل
أقول: و زاد محمّد بن أبي طالب:
لست من خندف إن لم أنتقم * * * من بني أحمد ما كان فعل
و في المناقب: «لست من عتبة إن لم أنتقم» (2)
قال السيّد و غيره: فقامت زينب بنت عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) فقالت:
____________
(1)- الحديد: 22.
(2)- مثير الاحزان ص 98- 101 و البحار: 45/ 132.
435
فو اللّه ما فويت إلّا جلدك، و لا جززت (1) إلّا لحمك، و لتردنّ على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بما تحمّلت من سفك دماء ذرّيّته، و انتهكت من حرمته في عترته و لحمته، حيث يجمع اللّه شملهم، و يلمّ شعثهم، و يأخذ بحقّهم، «وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ» (2)، [و] حسبك باللّه حاكما، و بمحمّد (صلى اللّه عليه و آله) خصيما، و بجبرئيل ظهيرا، و سيعلم من سوّى لك (3) و مكّنك من رقاب المسلمين، بئس للظالمين بدلا، و أيّكم شرّ مكانا و أضعف جندا.
و لئن جرت عليّ الدواهي مخاطبتك إنّي لأستصغر قدرك، و أستعظم تقريعك و أستكبر (4) توبيخك، لكن العيون عبرى، و الصدور حرّى، ألا فالعجب كلّ العجب لقتل حزب اللّه النجباء بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الأيدي تنطف من دمائنا، و الأفواه تتحلّب من لحومنا، و تلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل، و تعفّرها (5) امّهات الفراعل، و لئن اتّخذتنا مغنما لتجدنا وشيكا مغرما، حين لا تجد إلّا ما قدّمت [يداك] و ما ربّك بظلّام للعبيد، فإلى اللّه المشتكى و عليه المعوّل، فكد كيدك واسع سعيك، و ناصب جاهدك، فو اللّه لا تمحو ذكرنا، و لا تميت وحينا، و لا تدرك أمدنا، و لا ترحض عنك عارها، و هل رأيك إلّا فند، و أيّامك إلّا عدد، و جمعك إلّا بدد، يوم ينادي المنادي ألا لعنة اللّه على الظالمين.
فالحمد للّه الّذي ختم لأوّلنا بالسعادة [و المغفرة]، و لآخرنا بالشهادة و الرحمة، و نسأل اللّه أن يكمل لهم الثواب، و يوجب لهم المزيد، و يحسن علينا الخلافة إنّه رحيم ودود [و] حسبنا اللّه و نعم الوكيل.
فقال يزيد لعنه اللّه:
يا صيحة تحمد من صوائح * * * ما أهون الموت على النوائح
قال: ثمّ استشار أهل الشام فيما يصنع بهم، فقالوا: «لا تتّخذ [نّ] من كلب سوء جروا» (6)، فقال له النعمان بن بشير: انظر ما كان الرسول يصنعه بهم فاصنعه بهم (7).
____________
(1)- في المصدر: و لا حززت.
(2)- آل عمران: 169.
(3)- في المصدر: سوّل لك.
(4)- في المصدر: و أستكثر.
(5)- في البحار: و تعفوها.
(6)- مثل أصله «لا تقتن من كلب سوء جروا»، راجع مجمع الأمثال ج 2 ص 226 تحت الرقم 3555.
(7)- اللهوف ص 76 و البحار: 45/ 133.
436
و قال المفيد (ره): ثمّ قال لعليّ بن الحسين (عليهما السّلام): يا ابن الحسين أبوك قطع رحمي، و جهل، و نازعني (في) سلطاني، فصنع اللّه به ما قد رأيت، فقال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): «ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ» (1)، فقال يزيد لابنه خالد: اردد عليه! فلم يدر خالد ما يردّ عليه، فقال له يزيد قل: «وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (2)».
و قال صاحب المناقب بعد ذلك: فقال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): يا ابن معاوية و هند و صخر لم تزل النبوّة و الإمرة لآبائي و أجدادي من قبل أن تولد، و لقد كان جدّي عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) في يوم بدر و احد و الأحزاب في يده راية رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و أبوك و جدّك في أيديهما رايات (3) الكفّار، ثم جعل عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) يقول:
ما ذا تقولون إذ قال النبيّ لكم * * * ما ذا فعلتم و أنتم آخر الامم؟
بعترتي و بأهلي عند (4)مفتقدي * * * منهم اسارى و منهم ضرّجوا بدم
ثمّ قال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): ويلك يا يزيد إنّك لو تدري ما ذا صنعت؟ و ما الّذي ارتكبت من أبي و أهل بيتي و أخي و عمومتي إذا لهربت في الجبال، و افترشت الرماد، و دعوت بالويل و الثبور، أن يكون رأس أبي الحسين بن فاطمة و عليّ منصوبا على باب مدينتكم و هو وديعة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فيكم، فابشر بالخزي و الندامة غدا إذا جمع الناس ليوم القيامة (5).
و قال المفيد (ره): ثمّ دعا بالنساء و الصبيان فاجلسوا بين يديه، فرأى هيئة قبيحة، فقال: قبّح اللّه ابن مرجانة لو كانت بينكم و بينه قرابة و رحم ما فعل هذا بكم و لا بعث بكم على هذه الحالة. (6)
فقالت فاطمة بنت الحسين (عليه السّلام): و لمّا جلسنا بين يدي يزيد رقّ لنا، فقام إليه رجل من [أهل] الشام أحمر، فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية- يعنيني-
____________
(1)- الحديد: 22.
(2)- ارشاد المفيد ص 276 و البحار: 45/ 135، و الآية من سورة الشورى: 30.
(3)- راية/ خ.
(4)- بعد/ خ.
(5)- البحار 45/ 135.
(6)- في الأصل و البحار: على هذا.
437
و كنت جارية وضيئة، فارعدت و ظننت أنّ ذلك جائز لهم، فأخذت بثياب عمّتي زينب، و كانت تعلم أنّ ذلك لا يكون.
و في رواية السيّد: قلت: او تمت و استخدم (1)؟
فقالت عمّتي للشاميّ: كذبت و اللّه و لؤمت (2)، و اللّه ما ذلك لك و لا له، فغضب يزيد و قال: كذبت و اللّه إنّ ذلك لي و لو شئت أن أفعل لفعلت، قالت: كلّا و اللّه ما جعل اللّه لك ذلك إلّا أن تخرج من ملّتنا، و تدين بغيرها، فاستطار يزيد لعنه اللّه غضبا، و قال:
إيّاي تستقبلين بهذا؟ إنّما خرج من الدين أبوك و أخوك، قالت زينب (عليها السّلام): بدين اللّه و دين أبي و دين أخي اهتديت أنت و أبوك و جدّك إن كنت مسلما، قال: كذبت يا عدوّة اللّه، قالت [له]: أنت أمير تشتم ظالما و تقهر بسلطانك (3)، فكأنّه استحيا و سكت، و عاد الشاميّ، فقال: هب لي هذه الجارية، فقال له يزيد: اعزب، و هب اللّه لك حتفا قاضيا (4).
و في بعض الكتاب: قالت أمّ كلثوم للشامي: اسكت يا لكع الرجال، قطع اللّه لسانك، و أعمى عينيك، و أيبس يديك، و جعل النار مثواك، إنّ أولاد الأنبياء لا يكونون خدمة لأولاد الأدعياء، قال: فو اللّه ما استتمّ كلامها حتّى أجاب اللّه دعاءها في ذلك الرجل، فقالت: الحمد للّه الّذي عجّل لك العقوبة في الدنيا قبل الآخرة، فهذا جزاء من يتعرّض لحرم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله).
و في رواية السيّد (ره): فقال الشاميّ: من هذه الجارية؟ فقال يزيد: هذه فاطمة بنت الحسين، و تلك زينب بنت عليّ بن أبي طالب، فقال الشامي: الحسين بن فاطمة و عليّ بن أبي طالب (عليهم السّلام)؟! قال: نعم، فقال الشامي: لعنك اللّه يا يزيد، [أ] تقتل عترة نبيّك و تسبي ذرّيّته! و اللّه ما توهّمت إلّا أنّهم [من] سبيّ الروم، فقال يزيد: و اللّه لألحقنّك بهم، ثمّ أمر به فضرب عنقه.
قال السيّد: و دعا يزيد بالخطيب (5) و أمره أن يصعد المنبر فيذمّ الحسين (عليه السّلام) و أباه (صلوات الله عليهما)، فصعد و بالغ في ذمّ أبي الحسن أمير المؤمنين و الحسين الشهيد (صلوات الله عليهما) و المدح لمعاوية و يزيد، فصاح به عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): ويلك أيّها الخطيب (6) اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق فتبوّأ مقعدك من النار.
____________
(1)- اللهوف ص 78.
(2)- في البحار: و لو مت.
(3)- في البحار: لسلطانك.
(4)- ارشاد المفيد ص 276 و البحار 45/ 136.
(5)- في الأصل و البحار: الخاطب.
(6)- في الأصل و البحار: الخاطب.
439
إلّا اللّه.
أنا ابن من ضرب بين يدي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بسيفين، و طعن برمحين، و هاجر الهجرتين، و بايع البيعتين، و قاتل ببدر و حنين، و لم يكفر باللّه طرفة عين، أنا ابن صالح المؤمنين، و وارث النبيّين، و قامع الملحدين، و يعسوب المسلمين، و نور المجاهدين، و زين العابدين، و تاج البكّائين، و أصبر الصابرين، و أفضل القائمين من آل ياسين رسول ربّ العالمين، أنا ابن المؤيّد بجبرئيل، المنصور بميكائيل، أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين، و قاتل المارقين و الناكثين و القاسطين، و المجاهد أعداءه الناصبين، و أفخر من مشى من قريش أجمعين، و أوّل من أجاب و استجاب للّه و لرسوله من المؤمنين، و أوّل السابقين، و قاصم المعتدين، و مبيد المشركين، و سهم من مرامي اللّه على المنافقين، و لسان حكمة العابدين، و ناصر دين اللّه، و وليّ أمر اللّه، و بستان حكمة اللّه، و عيبة علمه.
سمح، سخي، بهي، بهلول، زكي، أبطحيّ، رضيّ، مقدام، همام، صابر، صوّام، مهذّب، قوّام، قاطع الأصلاب، و مفرّق الأحزاب، أربطهم عنانا، و أثبتهم جنانا، و أمضاهم عزيمة، و أشدّهم شكيمة، أسد باسل، يطحنهم في الحروب إذا ازدلفت الأسنّة، و قربت الأعنّة، طحن الرحا، و يذروهم فيها ذر و الريح الهشيم، ليث الحجاز، و كبش العراق، مكيّ مدنيّ، خيفيّ، عقبيّ، بدريّ احديّ، شجريّ، مهاجريّ، من العرب سيّدها، و من الوغى ليثها، وارث المشعرين، و أبو السبطين: الحسن و الحسين، ذاك جدّي عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام).
ثمّ قال: أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن سيّدة النساء، فلم يزل يقول: أنا أنا، حتّى ضجّ الناس بالبكاء و النجيب، و خشي يزيد لعنه اللّه أن يكون فتنة فأمر المؤذّن فقطع عليه الكلام، فلمّا قال المؤذّن: اللّه أكبر اللّه أكبر قال عليّ (عليه السّلام): لا شيء أكبر من اللّه، فلمّا قال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه، قال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): شهد بها شعري و بشري و لحمي و دمي، فلمّا قال المؤذّن: أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) التفت من فوق المنبر إلى يزيد فقال: محمّد هذا جدّي أم جدّك يا يزيد؟ فإن زعمت أنّه جدّك فقد كذبت و كفرت، و إن زعمت أنّه جدّي فلم قتلت عترته؟ قال: و فرغ
440
المؤذّن من الأذان و الإقامة و تقدّم يزيد فصلّى صلاة الظهر.
قال: و روي أنّه كان في مجلس يزيد هذا حبر من أحبار اليهود، فقال: من هذا الغلام يا أمير المؤمنين؟ قال: هو عليّ بن الحسين، قال: فمن الحسين؟ قال: ابن عليّ بن أبي طالب، قال: فمن امّه؟ قال: امّه فاطمة بنت محمّد فقال الحبر: يا سبحان اللّه! فهذا ابن بنت نبيّكم قتلتموه في هذه السرعة؟ بئسما خلفتموه في ذرّيّته، و اللّه لو ترك فينا موسى بن عمران سبطا من صلبه لظنّنا أنّا كنّا نعبده من دون ربّنا، و إنّكم (1) إنّما فارقكم نبيّكم بالأمس، فوثبتم على ابنه فقتلتموه؟ سوأة لكم من أمّة.
قال: فأمر به يزيد- لعنه اللّه-، فوجئ في حلقه ثلاثا، فقام الحبر و هو يقول: إن شئتم فاضربوني، و إن شئتم فاقتلوني أو فذروني (2)، فإنّي أجد في التوراة أنّ من قتل ذرّيّة نبيّ لا يزال (3) ملعونا أبدا ما بقي، فإذا مات يصليه اللّه نار جهنّم (4).
و روى الصدوق في الأمالي: عن ماجيلويه، عن عمّه، عن الكوفيّ، عن نصر بن مزاحم، عن لوط بن يحيى، عن الحارث بن كعب، عن فاطمة بنت عليّ (عليه السّلام) قالت: ثمّ إنّ يزيد- لعنه اللّه- أمر بنساء الحسين (عليه السّلام)، فحبسن مع عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) في محبس لا يكنّهم من حرّ و لا قرّ، حتّى تقشّرت وجوههم، و لم يرفع من بيت (5) المقدس حجر على (6) وجه الأرض إلّا وجد تحته دم عبيط، و أبصار الناس الشمس على الحيطان حمراء، كأنّها الملاحف المعصفرة إلى أن خرج عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) بالنسوة و ردّ رأس الحسين (عليه السّلام) إلى كربلاء (7).
و قال ابن نما: و رأت سكينة في منامها و هي بدمشق كأنّ خمسة نجب من نور قد أقبلت، و على كلّ نجيب شيخ، و الملائكة محدقة بهم، و معهم وصيف يمشي، فمضى النجب و أقبل الوصيف إليّ و قرب منّي و قال: يا سكينة إنّ جدّك يسلّم عليك، فقلت: و على رسول اللّه السلام، [يا رسول] من أنت؟ قال: وصيف من
____________
(1)- في البحار: و أنتم.
(2)- تذروني/ خ.
(3)- لم يزل/ خ.
(4)- البحار: 45/ 137.
(5)- في المصدر و البحار: ببيت.
(6)- في المصدر: عن.
(7)- أمالي الصدوق ص 142 ح 4 و البحار: 45/ 140.
438
و لقد أحسن ابن سنان الخفاجيّ في وصف أمير المؤمنين (عليه السّلام) بقوله:
أعلى المنابر تعلنون بسبّه * * * و بسيفه نصبت لكم أعوادها (1)
؟
و قال صاحب المناقب و غيره: روي أنّ يزيد لعنه اللّه أمر بمنبر و خطيب ليخبر الناس بمساوئ الحسين و عليّ (عليهما السّلام) و ما فعلا، فصعد الخطيب المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ أكثر الوقيعة في عليّ و الحسين (عليهما السّلام)، و أطنب في تقريظ معاوية و يزيد لعنهما اللّه، فذكرهما بكلّ جميل، قال: فصاح به عليّ بن الحسين (صلوات الله عليهما):
ويلك يا أيّها الخاطب اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق، فتبوّأ مقعدك من النار.
ثمّ قال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): يا يزيد ائذن لي حتّى أصعد هذه الأعواد فأتكلّم (2) بكلمات للّه فيهنّ رضا، و لهؤلاء الجلساء فيهنّ أجر و ثواب، قال: فأبى يزيد عليه ذلك، فقال الناس: يا أمير المؤمنين ائذن له فليصعد المنبر فلعلّنا نسمع منه شيئا (3)، فقال: إنّه إن صعد لم ينزل إلّا بفضيحتي و بفضيحة آل أبي سفيان، فقيل له: يا أمير المؤمنين و ما قدر ما يحسن هذا؟ فقال: إنّه من أهل بيت قد زقّوا العلم زقّا.
قال: فلم يزالوا به حتّى أذن له، فصعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ خطب خطبة أبكى منها العيون، و أوجل منها القلوب، ثمّ قال: أيّها الناس اعطينا ستّا و فضّلنا بسبع، اعطينا العلم، و الحلم، و السماحة، و الفصاحة، و الشجاعة، و المحبّة في قلوب المؤمنين، و فضّلنا بأنّ منّا النبيّ المختار محمّدا، و منّا الصدّيق، و منّا الطيّار، و منّا أسد اللّه و أسد رسوله، و منّا سبطا هذه الامّة، من عرفني فقد عرفني، و من لم يعرفني أنبأته بحسبي و نسبي.
أيّها الناس أنا ابن مكّة و منى، أنا ابن زمزم و الصفا، أنا ابن من حمل الركن (4) بأطراف الرداء، أنا ابن خير من ائتزر و ارتدى، أنا ابن خير من انتعل و احتفى، أنا ابن خير من طاف و سعى، أنا ابن خير من حجّ و لبّى، أنا ابن من حمل على البراق في الهواء، أنا ابن من اسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أنا ابن من بلغ به جبرئيل (عليه السّلام) إلى سدرة المنتهى، أنا ابن من دنا فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلّى بملائكة السماء، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن محمّد المصطفى، أنا ابن عليّ المرتضى، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتّى قالوا: لا إله
____________
(1)- اللهوف ص 78 و البحار: 45/ 137.
(2)- في الأصل: فأكلّم.
(3)- ثناء/ خ.
(4)- الزكاة/ خ.
441
وصائف الجنّة، فقلت: من هؤلاء المشيخة الذين جاءوا على النجب؟ قال: الأوّل آدم صفوة اللّه، و الثاني إبراهيم خليل اللّه، و الثالث موسى كليم اللّه، و الرابع عيسى روح اللّه، فقلت: من هذا القابض على لحيته يسقط مرّة و يقوم اخرى؟ فقال: جدّك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فقلت: و أين هم قاصدون؟ قال: إلى أبيك الحسين (عليه السّلام).
فأقبلت أسعى في طلبه لاعرّفه ما صنع بنا الظالمون بعده، فبينما أنا كذلك إذ أقبلت خمسة هوادج من نور في كلّ هودج امرأة، فقلت: من هذه النسوة المقبلات؟ قال:
الاولى حوّاء أمّ البشر، الثانية آسية بنت مزاحم، و الثالثة مريم ابنة عمران، و الرابعة خديجة بنت خويلد، فقلت: من الخامسة الواضعة يدها على رأسها تسقط مرّة و تقوم اخرى؟ فقال: جدّتك فاطمة بنت محمّد (صلى اللّه عليه و آله) أمّ أبيك، فقلت: و اللّه لاخبرنّها ما صنع بنا، فلحقتها و وقفت بين يديها أبكي و أقول: يا امّاه (1) جحدوا و اللّه حقّنا، يا امّاه بدّدوا و اللّه شملنا، يا امّاه استباحوا و اللّه حريمنا، يا امّاه قتلوا و اللّه الحسين أبانا.
فقالت: كفّي صوتك يا سكينة فقد أحرقت (2) كبدي، و قطّعت نياط قلبي، هذا قميص أبيك الحسين (عليه السّلام) معي لا يفارقني حتّى ألقى اللّه به، ثمّ انتبهت و أردت كتمان ذلك المنام، و حدّثت به أهلي فشاع بين الناس (3).
و قال السيّد: و قالت سكينة: فلمّا كان اليوم الرابع من مقامنا، رأيت في المنام [رؤيا]، و ذكرت مناما طويلا تقول في آخره: و رأيت امرأة راكبة في هودج، و يدها موضوعة على رأسها، فسألت عنها، فقيل لي: هذه فاطمة بنت محمّد أمّ أبيك، فقلت: و اللّه لأنطلقنّ إليها و لاخبرنّها بما صنع بنا، فسعيت مبادرة نحوها حتّى لحقت بها، فوقفت بين يديها أبكي و أقول: يا امّاه جحدوا و اللّه حقّنا، يا امّاه بدّدوا و اللّه شملنا، يا امّاه استباحوا و اللّه حريمنا، يا امّاه قتلوا و اللّه الحسين (عليه السّلام) أبانا، فقالت لي:
كفّي صوتك يا سكينة فقد قطّعت نياط قلبي، هذا قميص أبيك الحسين (عليه السّلام) لا يفارقني حتّى ألقى اللّه [به].
____________
(1)- في البحار و احدى نسختي الأصل: يا امتاه، و كذا التي تلي.
(2)- أقرحت/ خ.
(3)- مثير الاحزان ص 104 و البحار: 45/ 140.
442
و قال السيّد و ابن نما: و روى ابن لهيعة، عن أبي الأسود محمّد بن عبد الرحمن قال: لقيني رأس الجالوت، فقال: و اللّه إنّ بيني و بين داود لسبعين (1) أبا، و إنّ اليهود تلقاني فتعظّمني! و أنتم ليس بينكم و بين ابن [بنت] نبيّكم إلّا أب واحد قتلتموه (2).
و روي عن زين العابدين (عليه السّلام) أنّه لمّا اتي برأس الحسين (عليه السّلام) إلى يزيد كان يتّخذ مجالس الشراب و يأتي برأس الحسين (عليه السّلام) و يضعه بين يديه و يشرب عليه، فحضر في مجلسه ذات يوم رسول ملك الروم، و كان من أشراف الروم و عظمائهم، فقال: يا ملك العرب هذا رأس من؟ فقال له يزيد: مالك و لهذا الرأس؟ فقال: إنّي إذا رجعت إلى ملكنا يسألني عن كلّ شيء رأيته، فأحببت أن اخبره بقصّة هذا الرأس و صاحبه، حتّى يشاركك في الفرح و السرور، فقال له يزيد: هذا رأس الحسين بن عليّ ابن أبي طالب، فقال الروميّ: و من امّه؟ فقال: فاطمة بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال النصرانيّ: افّ لك و لدينك، لي دين أحسن من دينك (3) إنّ أبي من حوافد داود (عليه السّلام) و بيني و بينه آباء (4) كثيرة، و النصارى يعظّموني و يأخذون من تراب قدمي، تبرّكا بأنّي (5) من حوافد داود (عليه السّلام)، و أنتم تقتلون ابن بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و ما بينه و بين نبيّكم (6) إلّا أمّ واحدة، فأيّ دين دينكم؟
ثمّ قال ليزيد: هل سمعت حديث كنيسة الحافر؟ فقال له: قل حتّى أسمع، فقال: بين عمّان و الصين بحر مسيرة سنة ليس فيها عمران إلّا بلدة واحدة في وسط الماء طولها ثمانون فرسخا في ثمانين [فرسخا] ما على وجه الأرض بلدة أكبر منها، و منها يحمل الكافور و الياقوت، [و] أشجارهم العود و العنبر، و هي في أيدي النصارى، لا ملك لأحد من الملوك فيها سواهم، و في تلك البلدة كنائس كثيرة أعظمها كنيسة الحافر، في محرابها حقّة [من] ذهب معلّقة، فيها حافر يقولون: إنّ هذا حافر حمار كان يركبه عيسى
____________
(1)- تسعين/ خ.
(2)- في اللهوف: قتلتم ولده.
(3)- في اللهوف: دينكم.
(4)- في اللهوف: مدّة.
(5)- في اللهوف و البحار: يأبى.
(6)- في اللهوف: و ما بينه و بينكم.
443
(عليه السّلام)، و قد زيّنوا حول الحقّة بالذهب و الديباج، يقصدها في كلّ عام عالم من النصارى، و يطوفون حولها و يقبّلونها و يرفعون حوائجهم إلى اللّه تبارك و تعالى [عندها]، هذا شأنهم و دأبهم بحافر حمار يزعمون أنّه حافر حمار كان يركبه عيسى (عليه السّلام) نبيّهم، و أنتم تقتلون ابن بنت نبيّكم؟ فلا بارك اللّه تعالى فيكم و لا في دينكم.
فقال يزيد: اقتلوا هذا النصرانيّ لئلّا يفضحني في بلاده، فلمّا أحسّ النصرانيّ بذلك قال له: [أ] تريد أن تقتلني؟ قال: نعم، قال: اعلم أنّي رأيت البارحة نبيّكم في المنام يقول لي: يا نصرانيّ أنت من أهل الجنّة! فتعجّبت من كلامه، و أنا أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، ثمّ وثب إلى رأس الحسين (عليه السّلام) فضمّه إلى صدره، و جعل يقبّله و يبكي حتّى قتل (1).
و قال ابن شهرآشوب: و سمع أيضا صوته بدمشق يقول: «لا قوّة إلّا باللّه» و سمع أيضا يقول (2): «أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً» (3)، فقال زيد ابن أرقم: أمرك أعجب يا بن رسول اللّه (4).
و قال صاحب المناقب: و ذكر أبو مخنف و غيره أنّ يزيد لعنه اللّه أمر بأن يصلب رأس الحسين (عليه السّلام) على باب داره، و أمر بأهل بيت الحسين (عليه السّلام) أن يدخلوا داره، فلمّا دخلت النسوة دار يزيد لم يبق من آل معاوية و لا أبي سفيان أحد إلّا استقبلهنّ بالبكاء و الصراخ و النياحة على الحسين (عليه السّلام)، و ألقين ما عليهنّ من الثياب و الحليّ و أقمن المأتم عليه ثلاثة أيّام.
و خرجت هند بنت عبد اللّه بن عامر بن كريز امرأة يزيد- و كانت قبل ذلك تحت الحسين (عليه السّلام)- حتّى شقّت الستر (5) و هي حاسرة، فوثبت إلى يزيد و هو في مجلس عام، فقالت: يا يزيد أ رأس ابن فاطمة بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) مصلوب على فناء بابي؟ فوثب إليها يزيد فغطّاها، و قال: نعم، فاعولي عليه يا هند و ابكي على ابن بنت
____________
(1)- اللهوف ص 79 و مثير الاحزان ص 103 و البحار: 45/ 141.
(2)- في المصدر و البحار: يقرأ.
(3)- الكهف: 9.
(4)- مناقب ابن شهرآشوب: 3/ 218 و البحار: 45/ 304.
(5)- في الأصل: الستور.
445
غيرك، و أمّا ما اخذ منكم فأنا اعوّضكم عنه (1) أضعاف قيمته، فقال (عليه السّلام): أمّا مالك فما (2) نريده، و هو موفّر عليك، و إنّما طلبت ما اخذ منّا لأنّ فيه مغزل فاطمة بنت محمّد (صلى اللّه عليه و آله) و مقنعتها و قلادتها و قميصها، فأمر بردّ ذلك و زاد عليه (3) مائتي دينار، فأخذها زين العابدين (عليه السّلام) و فرّقها في الفقراء و المساكين، ثمّ أمر بردّ الاسارى و سبايا البتول (4) إلى أوطانهم بمدينة الرسول (صلى اللّه عليه و آله) (5).
قال ابن نما: و أما الرأس الشريف اختلف الناس فيه، إلى آخر ما سيأتي من كلامه و كلام السيّد و كلام صاحب المناقب في الباب الآتي إن شاء اللّه تعالى. (6)
ثم قال المفيد و صاحب المناقب- و اللفظ لصاحب المناقب-: و روي أنّ يزيد عرض عليهم المقام بدمشق فأبوا ذلك و قالوا: بل ردّنا إلى المدينة فإنّها مهاجر جدّنا، فقال للنعمان بن بشير صاحب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): جهّز هؤلاء بما يصلحهم و ابعث معهم رجلا من أهل الشام أمينا صالحا خيّرا [و ابعث معهم خيلا] و أعوانا، ثمّ كساهم و حباهم و فرض لهم الأرزاق و الأنزال.
ثمّ دعا بعليّ بن الحسين (عليهما السّلام)، فقال له: لعن اللّه ابن مرجانة أما و اللّه لو كنت صاحبه ما سألني خلّة إلّا أعطيتها إيّاه، و لدفعت عنه الحتف بكلّ ما قدرت عليه، و لو بهلاك بعض ولدي، و لكن قضى اللّه ما رأيت، فكاتبني و أنه إليّ كلّ حاجة تكون لك، ثمّ أوصى بهم الرسول.
فخرج بهم الرسول يسايرهم فيكون أمامهم، فإذا نزلوا تنحّى عنهم و تفرّق هو و أصحابه كهيئة الحرس، ثمّ ينزل بهم حيث أراد أحدهم الوضوء، و يعرض عليهم حوائجهم، و يلاطفهم حتّى دخلوا المدينة.
قال الحارث بن كعب: قالت [لي] فاطمة بنت عليّ (عليه السّلام): قلت لاختي زينب: قد وجب علينا حقّ هذا لحسن صحبته لنا، فهل لك أن نصله (7)؟ قالت:
____________
(1)- في الأصل: منه.
(2)- في اللهوف: فلا.
(3)- في اللهوف: و زاد فيه من عنده.
(4)- في اللهوف: الحسين.
(5)- اللهوف ص 81 و البحار: 45/ 143.
(6)- مثير الاحزان ص 106.
(7)- في البحار و إحدى نسختي الأصل: تصله.
444
رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و صريخة قريش، عجّل عليه ابن زياد لعنه اللّه فقتله، قتله اللّه.
ثمّ إنّ يزيد لعنه اللّه أنزلهم في داره الخاصّة، فما كان يتغدّى و لا يتعشّى حتّى يحضر عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) (1).
و قال السيّد و غيره: و خرج زين العابدين (عليه السّلام) يوما يمشي في أسواق دمشق فاستقبله المنهال بن عمرو، فقال له: كيف أمسيت يا بن رسول اللّه؟ قال:
أمسينا كمثل بني إسرائيل في آل فرعون يذبّحون أبناءهم و يستحيون نساءهم، يا منهال أمست العرب تفتخر على العجم بأنّ محمّدا عربيّ، و أمست قريش تفتخر على سائر العرب بأنّ محمّدا منها، و أمسينا معشر أهل بيته و نحن مغصوبون مقتولون مشرّدون، فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون ممّا أمسينا فيه يا منهال.
و للّه در مهيار (2) حيث قال:
يعظّمون له أعواد منبره * * * و تحت أرجلهم أولاده وضعوا
بأيّ حكم بنوه يتبعونكم * * * و فخركم أنّكم صحب له تبع
قال: و دعا يزيد يوما بعليّ بن الحسين (عليهما السّلام) و عمرو بن الحسن (3) (عليه السّلام) و كان عمرو صغيرا يقال انّ عمره أحد عشرة سنة، فقال له: أ تصارع هذا؟- يعني ابنه خالد- فقال له عمرو: لا و لكن اعطني سكّينا و أعطه سكينا ثمّ اقاتله، قال يزيد:
«شنشنة أعرفها من أخزم»، «هل تلد الحيّة إلّا الحيّة».
و قال لعليّ بن الحسين (عليهما السّلام): اذكر حاجاتك الثلاث اللّاتي وعدتك بقضائهنّ، فقال [له]: الاولى: أن تريني وجه سيّدي و أبي و مولاي الحسين (عليه السّلام) فأتزوّد منه و أنظر إليه و اودّعه، و الثانية: أن تردّ علينا ما اخذ منّا، و الثالثة: إن كنت عزمت على قتلي أن توجّه مع هؤلاء النسوة من يردّهنّ إلى حرم جدّهنّ، فقال: أمّا وجه أبيك فلن (4) تراه أبدا، و أمّا قتلك فقد عفوت عنك، و أمّا النساء فلا يردّهنّ (5) إلى المدينة
____________
(1)- البحار: 45/ 142، و ذكره الخوارزمي في مقتل الحسين ج 2 ص 73.
(2)- في الأصل: مهياز.
(3)- في اللهوف: عمرو بن الحسين.
(4)- في اللهوف: فلا.
(5)- في البحار و إحدى نسختي الأصل: فما يؤديهنّ.
446
فقالت: و اللّه ما لنا ما نصله به إلّا أن نعطيه حليّنا، فأخذت سواري و دملجي و سوار اختي و دملجها فبعثنا بها إليه و اعتذرنا من قلّتها، و قلنا: هذا بعض جزائك لحسن صحبتك إيّانا، فقال: لو كان الّذي صنعت [ه] للدنيا كان في دون هذا رضاي، و لكن و اللّه ما فعلته إلّا للّه و قرابتكم من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) (1).
ثمّ قال السيّد: و لمّا رجعت نساء الحسين (عليه السّلام) و عياله من الشام و بلغوا إلى العراق، قالوا للدليل: مرّ بنا على طريق كربلاء، فوصلوا إلى موضع المصرع، فوجدوا جابر ابن عبد اللّه الأنصاريّ- رحمة اللّه عليه- و جماعة من بني هاشم و رجالا (2) من آل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و قد وردوا لزيارة قبر الحسين (عليه السّلام)، فوافوا في وقت واحد، و تلاقوا بالبكاء و الحزن و اللطم، و أقاموا الماتم المقرحة للأكباد، و اجتمع إليهم نساء ذلك السواد، و أقاموا على ذلك أيّاما.
فروي عن أبي حباب الكلبيّ قال: حدّثنا الجصّاصون، قالوا: كنّا نخرج إلى الجبّانة في الليل عند مقتل الحسين (عليه السّلام)، فنسمع الجنّ ينوحون عليه فيقولون:
مسح الرسول جبينه * * * فله بريق في الخدود
أبواه من عليا (3)قريش * * * و جدّه خير الجدود
قال: ثمّ انفصلوا من كربلاء طالبين المدينة. قال بشير بن حذلم (4): فلمّا قربنا منها نزل عليّ بن الحسين (عليهما السّلام)، فحطّ رحله، و ضرب فسطاطه، و أنزل نساءه، و قال: يا بشير رحم اللّه أباك لقد كان شاعرا، فهل تقدر على شيء منه؟ قلت: بلى يا بن رسول اللّه إنّي لشاعر، قال: فادخل المدينة و انع أبا عبد اللّه، قال بشير: فركبت فرسي و ركضت حتّى دخلت المدينة، فلمّا بلغت مسجد النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) رفعت صوتي بالبكاء و أنشأت أقول:
يا أهل يثرب لا مقام لكم بها * * * قتل الحسين فأدمعي مدرار
الجسم منه بكربلاء مضرّج * * * و الرأس منه على القناة يدار
____________
(1)- البحار: 45/ 145.
(2)- في البحار: و رجلا.
(3) في المصدر: أعلى.
(4)- في الأصل: بشير بن جذلم.
448
الحمد للّه ربّ العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين بارئ الخلائق أجمعين، الذي بعد فارتفع في السماوات العلى، و قرب فشهد النجوى، نحمده على عظائم الامور، و فجائع الدهور، و ألم الفجائع، و مضاضة اللواذع، و جليل الرّزء، و عظيم المصائب الفاضعة، الكاظّة الفادحة الجائحة (1).
أيّها الناس (2) إنّ اللّه- و له الحمد- ابتلانا بمصائب جليلة، و ثلمة في الإسلام عظيمة، قتل أبو عبد اللّه و عترته، و سبي نساؤه و صبيته، و داروا برأسه في البلدان، من فوق عامل (3) السنان، و هذه الرزيّة التي لا مثلها رزيّة.
أيّها الناس فأيّ رجالات منكم يسرّون بعد قتله؟ أم أيّة عين منكم تحبس دمعها، و تضنّ عن انهمالها؟! فلقد بكت السبع الشداد لقتله، و بكت البحار بأمواجها، و السماوات بأركانها، و الأرض بأرجائها، و الأشجار بأغصانها، و الحيتان، و لجج البحار، و الملائكة المقرّبون و أهل السماوات أجمعون.
[يا] أيّها الناس أيّ قلب لا ينصدع لقتله؟ أم أيّ فؤاد لا يحنّ إليه؟ أم أيّ سمع يسمع هذه الثلمة التي ثلمت في الإسلام [و لا يصم]؟
أيّها الناس أصبحنا مطرودين مشرّدين مذودين [و] شاسعين عن الأمصار، كأنّا أولاد ترك و كابل، من غير جرم اجترمناه، و لا مكروه ارتكبناه، و لا ثلمة في الإسلام ثلمناها، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين، إن هذا إلّا اختلاق، و اللّه لو أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) تقدّم إليهم في قتالنا كما تقدّم إليهم في الوصاية بنا لما ازدادوا على ما فعلوا بنا، فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون، من مصيبة ما أعظمها، و أوجعها، و أ فجعها، و أكظّها، و أفظّها (4)، و أمرّها، و أفدحها، فعند اللّه نحتسب فيما أصابنا، و ما بلغ بنا، (5) إنّه عزيز ذو انتقام.
قال: فقام صوحان بن صعصعة بن صوحان، و كان زمنا، فاعتذر إليه صلوات
____________
(1)- الجائحة: كلّ مصيبة عظيمة و فتنة مبيرة «النهاية ج 1 ص 312».
(2)- في المصدر: القوم.
(3)- في المصدر: عالي.
(4)- في المصدر: و أفظعها.
(5)- في المصدر: و أبلغ بنا.
447
قال: ثمّ قلت: هذا عليّ بن الحسين مع عمّاته و أخواته قد حلّوا بساحتكم، و نزلوا بفنائكم، و أنا رسوله إليكم، اعرّفكم مكانه. [قال:] فما بقيت في المدينة مخدّرة و لا محجّبة إلّا برزن من خدورهنّ، مكشوفة شعورهنّ، مخمّشة وجوههنّ، ضاربات خدودهنّ، يدعون بالويل و الثبور، فلم أر باكيا أكثر من ذلك اليوم، و لا يوما أمرّ على المسلمين منه، و سمعت جارية تنوح على الحسين (عليه السّلام) فتقول:
نعى سيّدي ناع نعاه فأوجعا * * * و أمرضني ناع نعاه فأفجعا
فعينيّ جودا بالدموع و أسكبا * * * وجودا بدمع بعد دمعكما معا
على من دهى عرش الجليل فزعزعا * * * فأصبح هذا المجد و الدين أجدعا
على ابن نبيّ اللّه و ابن وصيّه * * * و إن كان عنّا شاحط الدار أشسعا (1)
ثمّ قالت: أيّها الناعي جدّدت حزننا بأبي عبد اللّه (عليه السّلام)، و خدشت منّا قروحا لمّا تندمل، فمن أنت رحمك اللّه؟ فقلت: أنا بشير بن حذلم (2) وجّهني مولاي عليّ ابن الحسين (عليهما السّلام) و هو نازل في موضع كذا و كذا مع عيال أبي عبد اللّه (عليه السّلام) و نسائه، قال: فتركوني مكاني و بادروا (3).
فضربت فرسي حتّى رجعت إليهم، فوجدت الناس قد أخذوا الطرق و المواضع، فنزلت عن فرسي و تخطّيت (4) رقاب الناس حتّى قربت من باب الفسطاط و كان عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) داخلا و معه خرقة يمسح بها دموعه، و خلفه خادم معه كرسيّ، فوضعه له و جلس عليه و هو لا يتمالك من العبرة، و ارتفعت أصوات الناس بالبكاء، و حنين الجواري و النساء، و الناس من كلّ ناحية يعزّونه، فضجّت تلك البقعة ضجّة شديدة، فأومأ بيده أن اسكتوا فسكنت (5) فورتهم، فقال (عليه السّلام):
____________
(1)- في المصدر: أشعثا، و يقال: «رجل شاسع الدار» أي بعيدها.
(2)- في الأصل: بشير بن جذلم.
(3)- في المصدر: و بادروني.
(4)- في الأصل: و تخطأت.
(5)- فسكتت/ خ.
449
اللّه عليه بما عنده من زمانة رجليه، فأجابه بقبول معذرته و حسن الظنّ فيه، و شكر له، و ترحّم على أبيه (1).
ثم قال السيّد: روي عن الصادق (عليه السّلام) أنّه قال: إنّ زين العابدين (عليه السّلام) بكى على أبيه أربعين سنة، صائما نهاره قائما ليله، فإذا حضر الإفطار جاء [ه] غلامه بطعامه و شرابه، فيضعه بين يديه، فيقول: كل يا مولاي، فيقول: قتل ابن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) جائعا، قتل ابن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عطشانا، فلا يزال يكرّر ذلك و يبكي حتّى يبلّ طعامه من دموعه، ثمّ يمزج شرابه بدموعه فلم يزل كذلك حتّى لحق باللّه عزّ و جلّ.
و حدّث مولى له أنّه (عليه السّلام) برز يوما إلى الصحراء، قال: فتبعته فوجدته قد سجد على حجارة خشنة، فوقفت و أنا أسمع شهيقه و بكاءه، و أحصيت عليه ألف مرّة [يقول:] لا إله إلّا اللّه حقّا حقّا، لا إله إلّا اللّه تعبّدا و رقّا، لا إله إلّا اللّه إيمانا و صدقا (2)، ثم رفع رأسه من السجود و إنّ لحيته و وجهه قد غمرا بالماء من دموع عينيه، فقلت: يا سيّدي أ ما آن لحزنك أن ينقضي، و لبكائك أن يقلّ؟! فقال لي: ويحك، إنّ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (عليهم السّلام) كان نبيّا ابن نبيّ، كان له اثنا عشر ابنا، فغيّب اللّه سبحانه واحدا منهم، فشاب رأسه من الحزن، و احدودب ظهره من الغمّ، و ذهب بصره من البكاء و ابنه حيّ في دار الدنيا، و أنا فقدت أبي و أخي و سبعة عشر من أهل بيتي صرعى مقتولين، فكيف ينقضي حزني و يقلّ بكائي؟. (3)
توضيح (4): قوله:- لعنه اللّه- «تصهرهم الشمس» أي تذيبهم، و المخصرة بكسر الميم كالسوط، و كلّما اختصر الإنسان بيده فأمسكه من عصا و نحوها، و الأسل الرمح، و شمخ الرجل بأنفه تكبّر، و عطفا الرجل بالكسر جانباه، و النظر في العطف كناية عن الخيلاء، و الجذل بالتحريك الفرح، و قد جذل بالكسر يجذل فهو جذلان.
و قولها: «يحدو بهنّ» أي يسوقهنّ سوقا شديدا، و استشرف الشيء: رفع بصره ينظر إليه، و المنقل الطريق في الجبل، و المنقلة المرحلة من مراحل السفر، قولها (عليها السّلام):
____________
(1)- اللهوف ص 82 و البحار: 45/ 146.
(2)- في الأصل: و تصديقا.
(3)- اللهوف ص 87 و البحار: 45/ 149.
(4)- البحار: 45/ 152.
451
5- باب في موضع رأسه الشريف (عليه السّلام)
الأخبار: الأئمّة: الصادق (عليهم السّلام)
1- كامل الزيارات: أبي و الكلينيّ معا، عن عليّ، عن أبيه، عن يحيى بن زكريّا، عن يزيد بن عمرو بن طلحة قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام) و هو بالحيرة: أ ما تريد ما وعدتك؟ قال: قلت: بلى، يعني الذهاب إلى قبر أمير المؤمنين (عليه السّلام)، قال:
فركب و ركب إسماعيل معه، و ركبت معهم حتّى إذا جاز الثويّة و كان بين الحيرة و النجف عند ذكوات بيض نزل و نزل إسماعيل و نزلت معهم، فصلّى و صلّى إسماعيل و صلّيت، فقال لإسماعيل: قم فسلّم على جدّك الحسين بن عليّ، فقلت:
جعلت فداك أ ليس الحسين (عليه السّلام) بكربلاء؟ فقال: نعم و لكن لمّا حمل رأسه إلى الشام سرقه مولى لنا فدفنه بجنب أمير المؤمنين (صلوات الله عليهما) (1).
2- و منه: محمّد بن الحسن و محمّد بن أحمد بن الحسين معا، عن الحسن بن عليّ بن مهزيار، عن أبيه، عن علي بن أحمد بن أشيم، عن يونس بن ظبيان- أو عن رجل، عن يونس- عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إنّ الملعون عبيد اللّه بن زياد لعنه اللّه لمّا بعث برأس الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) إلى الشام، ردّ إلى الكوفة، فقال: أخرجوه عنها لا يفتتن به أهلها فصيّره اللّه عند أمير المؤمنين (عليه السّلام) فالرأس مع الجسد و الجسد مع الرأس. (2)
توضيح: قوله: «فقال» أي عبيد اللّه، قوله: «فالرأس مع الجسد» أي بعد ما دفن هناك ظاهرا الحق بالجسد بكربلاء، أو صعد به مع الجسد الى السماء كما في بعض الأخبار، أو أنّ بدن أمير المؤمنين (عليه السّلام) كالجسد لذلك الرأس، و هما من نور واحد.
أقول: قد روي غير ذلك من الأخبار في الكافي و التهذيب تدلّ على كون رأسه
____________
(1)- كامل الزيارات ص 34 ح 4، الكافي ج 4 ص 571، و البحار: 45/ 178 ح 28.
(2)- ص 36 ح 10 و البحار: 45/ 178 ح 29.
450
«و كيف يستبطئ في بغضنا» أي لا يطلب منه الإبطاء و التأخير في البغض، و الشنف بالتحريك البغض و التنكّر، و الإحن بكسر الهمزة و فتح الحاء جمع الإحنة بالكسر و هي الحقد، و الانتحاء الاعتماد و الميل، و انتحيت لفلان أي عرضت له، و أنحيت على حلقه السكّين أي عرضت، و نكأت القرحة قشرتها.
و قال الفيروزآباديّ: الشأفة قرحة تخرج في أسفل القدم فتكوى فتذهب، و إذا قطعت مات صاحبها، و الأصل، و استأصل اللّه شأفته أذهبه كما تذهب تلك القرحة، أو معناه أزاله من أصله، انتهى، و يقال: خرج وشيكا أي سريعا، و الفري القطع.
قولها: «و لئن جرت عليّ الدواهي مخاطبتك» يحتمل أن يكون مخاطبتك مرفوعا بالفاعليّة، أي إن أوقعت عليّ مخاطبتك البلايا، فلا ابالي و لا اعظّم قدرك، أو يكون منصوبا بالمفعوليّة، أي إن أوقعتني دواهي الزمان إلى حال احتجت إلى مخاطبتك فلست معظّمة لقدرك.
قولها: «تنطف» بكسر الطاء و ضمّها أي تقطر، و قال الفيروزآباديّ: «تحلّب عينه و فوه» أي سالا، و العواسل الذئاب السريعة العدو، قولها: «و تعفوها امّهات الفراعل» من قولهم: عفت الريح المنزل أي درسته أو من قولهم: فلان تعفوه الأضياف أي تأتيه كثيرا، و في بعض النسخ: تعفّرها أي تلطّخها بالتراب عند الأكل، و في بعضها بالقاف من العقر بمعنى الجرح، و منه كلب عقور، و الفرعل بالضمّ ولد الضبع، و في رواية السيّد: امّهات الفراعل، و هو أظهر، «و الفند» بالتحريك الكذب و ضعف الرأي، و البهلول من الرجال الضحّاك، و ربط العنان كناية عن ترك المحارم و ملازمة الشريعة في جميع الامور، و فلان شديد الشكيمة: إذا كان شديد النفس أنفا أبيّا، و وجأته بالسكين ضربته.
و النياط بالكسر عرق علّق به القلب من الوتين، فإذا قطع مات صاحبه، و الشنشنة الخلق و الطبيعة، الشحط البعد، و الشاسع البعيد، و اللواذع المصائب المحرقة الموجعة و يقال: كظّني هذا الأمر أي جاهدني من الكرب، و الجائحة الشدّة التي تستأصل المال و غيره، و قال الجوهريّ: عامل الرمح ما يلي السنان.
452
مدفونا عند قبر والده (عليهما السّلام) و اللّه يعلم. (1)
الكتب:
قال ابن نما: و أمّا الرأس الشريف اختلف الناس فيه، فقال قوم: إنّ عمرو بن سعيد دفنه بالمدينة.
و عن منصور بن جمهور أنّه دخل خزانة يزيد بن معاوية (و) لمّا فتحت وجد به جؤنة حمراء، فقال لغلامه سليم: احتفظ بهذه الجؤنة فإنّها كنز من كنوز بني اميّة، فلمّا فتحها إذا فيها رأس الحسين (عليه السّلام) و هو مخضوب بالسواد، فقال لغلامه: ائتني بثوب فأتاه به، فلفّه ثمّ دفنه بدمشق عند باب الفراديس عند البرج الثالث ممّا يلي المشرق.
و حدّثني جماعة من أهل مصر أنّ مشهد الرأس عندهم يسمّونه مشهد الكريم، عليه من الذهب شيء كثير، يقصدونه في المواسم و يزورونه و يزعمون أنّه مدفون هناك، و الذي عليه المعوّل من الأقوال أنّه اعيد إلى الجسد بعد أن طيف به في البلاد و دفن معه (2).
و قال السيّد: فأمّا رأس الحسين (عليه السّلام)، فروي أنّه اعيد فدفن بكربلاء مع جسده الشريف (صلوات الله عليه) و كان عمل الطائفة على هذا المعنى (3) المشار إليه، و رويت آثار مختلفة كثيرة غير ما ذكرناه تركنا وضعها لئلّا ينفسخ ما شرطناه من اختصار الكتاب. (4)
و قال صاحب المناقب: و ذكر الإمام أبو العلاء الحافظ بإسناده عن مشايخه أنّ يزيد بن معاوية حين قدم إليه (5) رأس الحسين (عليه السّلام) بعث إلى المدينة فأقدم عليه عدّة من موالي بني هاشم و ضمّ إليهم عدّة من موالي أبي سفيان، ثمّ بعث بثقل الحسين (عليه السّلام) و من بقي (معه) من أهله معهم، و جهّزهم (6) بكلّ شيء، و لم يدع لهم حاجة
____________
(1)- راجع الكافي ج 4 ص 571 باب موضع رأس الحسين (عليه السّلام).
(2)- مثير الاحزان ص 106 و البحار: 45/ 144
(3)- في المصدر: العمل.
(4)- اللهوف ص 82 البحار: 45/ 144.
(5)- في البحار: عليه.
(6)- في الأصل: و جهّز لهم.
453
بالمدينة إلّا أمر لهم بها، و بعث برأس الحسين (عليه السّلام) إلى عمرو بن سعيد بن العاص و هو إذ ذاك عامله على المدينة، فقال عمرو: وددت أنّه لم يبعث به إليّ، ثمّ أمر عمرو به فدفن بالبقيع عند قبر امّه فاطمة (عليها السّلام).
و ذكر غيره أنّ سليمان بن عبد الملك بن مروان رأى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) في المنام كأنّه يبرّه و يلطّفه، فدعا الحسن البصريّ فسأله عن ذلك، فقال: لعلّك اصطنعت إلى أهله معروفا، فقال سليمان: إنّي وجدت رأس الحسين (عليه السّلام) في خزانة يزيد بن معاوية فكسوته خمسة من الديباج، و صلّيت عليه في جماعة من أصحابي و قبرته، فقال الحسن:
إنّ النبيّ رضى عنك (1) بسبب ذلك و أحسن إلى الحسن، و أمره بالجوائز.
و ذكر غيرهما أنّ رأسه صلب بدمشق ثلاثة أيّام و مكث في خزائن بني اميّة حتّى ولي سليمان بن عبد الملك، [فطلب] فجيء به و هو عظيم أبيض، فجعله في سفط و طيّبه و جعل عليه ثوبا و دفنه في مقابر المسلمين بعد ما صلّى عليه، فلمّا ولي عمر بن عبد العزيز بعث إلى المكان يطلب منه الرأس، فاخبر بخبره، فسأل عن الموضع الذي دفن فيه فنبشه و أخذه، و اللّه أعلم ما صنع به، فالظاهر من دينه أنّه بعث إلى كربلاء فدفن مع جسده (عليه السّلام) (2).
أقول: هذه أقوال المخالفين في ذلك، و المشهور بين علمائنا الإماميّة أنّه دفن رأسه مع جسده، ردّه عليّ بن الحسين (عليهما السّلام)، و قد وردت أخبار كثيرة في أنّه مدفون عند قبر أمير المؤمنين (عليه السّلام).
____________
(1)- في البحار: منك.
(2)- البحار: 45/ 145.
455
17- أبواب عظمة مصيبة، و ما ظهر بعد شهادته من بكاء السماء و الأرض عليه (عليه السّلام) و انكساف الشمس و القمر و غيرها، و ما ظهر من شهادته في الملائكة و الجنّ و الوحوش و الطيور
1- باب جوامع ما ظهر بعد شهادته من بكاء السماء و الأرض عليه (عليه السّلام) و انكساف الشمس و القمر و غيرها، و بكاء الجنّ و الإنس و الوحش و الطير، و تزلزل البحار و الجبال و جميع ما خلق اللّه
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- كامل الزيارات: محمّد بن عبد اللّه بن عليّ الناقد، عن عبد الرحمن الأسلمي، عن عبد اللّه بن الحسين، عن عروة بن الزبير قال: سمعت أبا ذرّ و هو يومئذ قد أخرجه عثمان إلى الربذة، فقال له الناس: يا أبا ذرّ أبشر فإنّ هذا قليل في اللّه.
فقال: ما أيسر هذا، و لكن كيف أنتم إذا قتل الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السّلام) قتلا أو قال: ذبح ذبحا، و اللّه لا يكون في الإسلام بعد قتل الخليفة أعظم قتلا (1) منه، و إنّ اللّه سيسلّ سيفه على هذه الامّة لا يغمده أبدا، و يبعث قائما (2) من ذرّيّته فينتقم من الناس، و إنّكم لو تعلمون ما يدخل على أهل البحار، و سكّان الجبال في الغياض و الآكام،
____________
(1)- في البحار: قتيلا.
(2)- في البحار و إحدى نسختي الأصل: ناقما.
456
و أهل السماء من قتله، لبكيتم و اللّه حتّى تزهق أنفسكم، و ما من سماء يمرّ به روح الحسين (عليه السّلام) إلّا فزع له سبعون ألف ملك، يقومون قياما ترعد مفاصلهم إلى يوم القيامة، و ما من سحابة تمرّ و ترعد و تبرق إلّا لعنت قاتله، و ما من يوم إلّا و يعرض روحه على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فيلتقيان (1).
2- و منه: أحمد بن عبد اللّه بن عليّ، عن عبد الرحمن السلمي، و قال أحمد:
و أخبرني عمّي، عن أبيه، عن [أبي] نضرة (2)، عن رجل من أهل بيت المقدس أنّه قال:
و اللّه لقد عرفنا أهل بيت المقدس و نواحيها عشيّة قتل الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السّلام)، قلت: و كيف ذلك؟ قال: ما رفعنا حجرا و لا مدرا و لا صخرا إلّا و رأينا تحتها دما [عبيطا] يغلي، و احمرّت الحيطان كالعلق، و مطرنا ثلاثة أيّام دما عبيطا، و سمعنا مناديا ينادي في جوف الليل يقول:
أ ترجو أمّة قتلت حسينا * * * شفاعة جدّه يوم الحساب
معاذ اللّه لا نلتم يقينا * * * شفاعة أحمد و أبي تراب
قتلتم خير من ركب المطايا * * * و خير الشيب طرّا و الشباب
و انكسفت الشمس ثلاثا (3)، ثمّ تجلّت عنها، و انشبكت النجوم، فلمّا كان من الغد ارجفنا بقتله، فلم يأت علينا كثير شيء حتّى نعي إلينا الحسين (عليه السّلام) (4).
الأئمة: أمير المؤمنين (عليهم السّلام)
3- علل الشرائع و الأمالي للصدوق: ابن إدريس، عن أبيه، عن ابن أبي الخطّاب، عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن أرطاة بن حبيب، عن فضيل الرسّان، عن جبلة المكيّة، قالت (5): سمعت ميثم التمّار (قدّس اللّه روحه) يقول: و اللّه لتقتل هذه الامّة ابن نبيّها في المحرّم لعشر يمضين منه، و ليتّخذنّ أعداء اللّه ذلك اليوم يوم بركة، و إنّ ذلك لكائن قد سبق في علم اللّه تعالى ذكره، أعلم ذلك بعهد (6) عهده إليّ مولاي
____________
(1)- ص 73 ح 11 و البحار: 45/ 219 ح 47.
(2)- في المصدر: أبو نصر.
(3)- في المصدر: ثلاثة أيام.
(4)- ص 76 و البحار: 45/ 204 ح 6.
(5)- في نسختي الأصل و البحار: قال.
(6)- في الأصل و البحار: لعهد.
457
أمير المؤمنين (عليه السّلام)، و لقد أخبرني أنّه يبكي عليه كلّ شيء حتى الوحوش في الفلوات، و الحيتان في البحر، و الطير في السماء (1)، و يبكي عليه الشمس و القمر و النجوم و السماء و الأرض، و مؤمنو الإنس و الجنّ، و جميع ملائكة السماوات و الأرضين، و رضوان و مالك و حملة العرش، و تمطر السماء دما و رمادا.
ثمّ قال: وجبت- لعنة اللّه- على قتلة الحسين (عليه السّلام) كما وجبت على المشركين الذين يجعلون مع اللّه إلها آخر، و كما وجبت على اليهود و النصارى و المجوس.
قالت (2) جبلة: فقلت له: يا ميثم فكيف يتّخذ الناس ذلك اليوم الذي قتل فيه الحسين (عليه السّلام) يوم بركة؟ فبكى ميثم (رض) ثمّ قال:
يزعمون لحديث يضعونه أنّه اليوم الذي تاب اللّه فيه على آدم، و إنّما تاب اللّه على آدم في ذي الحجّة، و يزعمون أنّه اليوم الذي قبل اللّه فيه توبة داود، و إنّما قبل اللّه عزّ و جلّ توبته في ذي الحجّة، و يزعمون أنّه اليوم الذي أخرج اللّه فيه يونس من بطن الحوت، و إنّما أخرج اللّه يونس من بطن الحوت في ذي الحجّة، و يزعمون أنّه اليوم الذي استوت فيه سفينة نوح على الجوديّ، و إنّما استوت على الجوديّ في يوم الثامن عشر من ذي الحجّة، و يزعمون أنّه اليوم الذي فلق اللّه عزّ و جلّ فيه البحر لبني إسرائيل و إنّما كان ذلك في ربيع الأوّل.
ثمّ قال ميثم: يا جبلة اعلمي أنّ الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السّلام) سيّد الشهداء يوم القيامة و لأصحابه على سائر الشهداء درجة (3)، يا جبلة إذا نظرت إلى الشمس حمراء كأنّها دم عبيط فاعلمي أنّ سيّد الشهداء الحسين (عليه السّلام) قد قتل.
قالت جبلة: فخرجت ذات يوم فرأيت الشمس على الحيطان كأنّها الملاحف المعصفرة، فصحت حينئذ و بكيت و قلت: قد و اللّه قتل سيّدنا الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) (4).
4- تفسير عليّ بن إبراهيم: أبي، عن حنّان بن سدير، عن عبد اللّه بن الفضل الهمدانيّ (5)، عن أبيه، عن جدّه، عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال: مرّ عليه رجل
____________
(1)- الهواء/ خ.
(2)- في البحار: قال.
(3)- فضلا/ خ.
(4)- علل الشرائع: 1/ 227 ح 3 و أمالي الصدوق ص 110 ح 1 و البحار: 45/ 202 ح 4.
(5)- في المصدر: عبد اللّه بن الفضيل الهمدانيّ.
459
«فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ وَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ» و الذي فلق الحبّة و برأ النسمة ليقتلنّ هذا، و لتبكينّ عليه السماء و الأرض.
و منه: أبي، عن سعد و الحميريّ معا، عن ابن عيسى مثله (1).
الأئمّة: عليّ بن الحسين (عليهم السّلام)
8- اللهوف: في خطبة خطبها حين قدم من كربلاء إلى المدينة: و هذه الرزيّة التي لا مثلها رزيّة، أيّها الناس فأيّ رجالات منكم يسرّون بعد قتله؟ [أم أيّ فؤاد لا يحزن من أجله؟] (2) أم أيّة عين منكم تحبس دمعها، و تضنّ عن انهمالها، فلقد بكت السبع الشداد لقتله، و بكت البحار بأمواجها، و السماوات بأركانها، و الأرض بأرجائها، و الأشجار بأغصانها، و الحيتان و لجج البحار، و الملائكة المقرّبون، و أهل السماوات أجمعون (3).
الباقر (عليه السّلام)
9- كامل الزيارات: محمّد بن جعفر الرزّاز، عن خاله محمّد بن الحسين، عن ابن بزيع، عن أبي إسماعيل السرّاج، عن يحيى بن معمر، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: بكت الإنس و الجنّ و الطير و الوحش على الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) حتّى ذرفت دموعها.
و منه: أبي و جماعة مشايخي، عن سعد و محمّد العطّار معا، عن محمّد بن الحسين مثله. (4)
توضيح: «ذرفت» أي سالت.
الصادق، عن أبيه، عن جدّه، عن الحسن بن عليّ (عليهم السّلام)
10- أمالي الصدوق: الفاميّ، عن محمّد الحميريّ، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن سنان، عن المفضّل بن عمر، عن الصادق جعفر بن محمّد،
____________
(1)- ص 92 ح 16 و 19 و البحار: 45/ 212 ح 29.
(2)- ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
(3)- ص 84 و البحار: 45/ 148.
(4)- ص 79 ح 1 و البحار: 45/ 205 ح 8.
460
عن أبيه، عن جدّه (عليهم السّلام) أنّ الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السّلام) دخل يوما إلى الحسن (عليه السّلام)، فلمّا نظر إليه بكى، فقال له: ما يبكيك يا أبا عبد اللّه؟ قال: أبكي لما يصنع بك، فقال له الحسن (عليه السّلام): إنّ الذي يؤتى إليّ سمّ يدسّ إليّ فاقتل به، و لكن لا يوم كيومك يا أبا عبد اللّه، يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل يدّعون أنّهم من أمّة جدّنا محمّد (صلى اللّه عليه و آله) و ينتحلون دين الإسلام، فيجتمعون على قتلك و سفك دمك، و انتهاك حرمتك، و سبي ذراريك و نسائك، و انتهاب ثقلك، فعندها تحلّ ببني اميّة اللعنة، و تمطر السماء رمادا و دما، و يبكي عليك كلّ شيء حتّى الوحوش في الفوات، و الحيتان في البحار (1).
وحده 11- قرب الإسناد: عنهما (2)، عن حنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال:
زوروا الحسين (عليه السّلام) و لا تجفوه، فإنّه سيّد شباب الشهداء، و سيّد شباب أهل الجنّة، و شبيه يحيى بن زكريّا، و عليهما بكت السماء و الأرض (3).
12- أمالي الطوسي: المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفّار، عن ابن عيسى عن ابن أبي عمير، عن الحسين بن أبي فاختة، قال: كنت أنا و أبو سلمة السرّاج و يونس بن يعقوب و الفضيل بن يسار عند أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد (عليهما السّلام)، فقلت له: جعلت فداك إنّي أحضر مجالس هؤلاء القوم فأذكر كم في نفسي، فأيّ شيء أقول؟ فقال: يا حسين إذا حضرت مجالس هؤلاء، فقل: «اللهمّ أرنا الرخاء و السرور فإنّك تأتي على ما تريد»، قال: فقلت: جعلت فداك إنّي أذكر الحسين بن عليّ فأيّ شيء أقول إذا ذكرته؟ فقال: قل: «صلّى اللّه عليك يا أبا عبد اللّه» تكرّرها ثلاثا.
ثمّ أقبل علينا، و قال: إنّ أبا عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) لمّا قتل بكت عليه
____________
(1)- ص 101 ح 3 و البحار: 45/ 218 ح 44.
(2)- يعني محمد بن عبد الحميد و عبد الصمد بن محمد.
(3)- ص 48 و البحار: 45/ 201 ح 2.
458
عدوّ للّه و لرسوله (صلى اللّه عليه و آله) فقال: «فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ وَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ» (1) ثمّ مرّ عليه الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) فقال: [و] لكن هذا لتبكينّ عليه السماء و الأرض، و قال: و ما بكت السماء و الأرض إلّا على يحيى بن زكريّا و [على] الحسين بن عليّ (صلوات الله عليهما) (2).
5- كامل الزيارات: أبي و جماعة مشايخي: عليّ بن الحسين، و محمّد بن الحسن، عن سعد، عن ابن يزيد، عن أحمد بن الحسن الميثميّ، عن علي الأزرق، عن الحسن بن الحكم النخعي، عن رجل قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السّلام) و هو يقول في الرحبة: و هو يتلو هذه الآية: «فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ وَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ» و خرج عليه الحسين (عليه السّلام) من بعض أبواب المسجد، فقال: أما إنّ هذا سيقتل و تبكي عليه السماء و الأرض (3).
6- و منه: محمّد بن جعفر الرزّاز، عن محمّد بن الحسين، عن الحكم بن مسكين، عن يزداد (4) بن عيسى الأنصاريّ، عن محمّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن إبراهيم النخعيّ، قال: خرج أمير المؤمنين (عليه السّلام) فجلس في المسجد، و اجتمع أصحابه حوله، و جاء الحسين (عليه السّلام) حتّى قام بين يديه، فوضع يده على رأسه، فقال: يا بنيّ إنّ اللّه عيّر أقواما في القرآن فقال: «فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ وَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ» و أيم اللّه ليقتلنّك [بعدي] ثمّ تبكيك السماء و الأرض.
و منه: أبي، عن سعد، عن ابن ابي الخطّاب بإسناده مثله (5).
7- و منه: أبي و عليّ بن الحسين، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمّد البرقيّ، عن عبد العظيم الحسنيّ، عن الحسن بن الحكم النخعيّ، عن كثير بن شهاب الحارثيّ، قال: بينا نحن جلوس عند أمير المؤمنين (عليه السّلام) في الرحبة إذ طلع الحسين (عليه السّلام) [عليه] فضحك عليّ حتّى بدت نواجذه، ثمّ قال: إنّ اللّه ذكر قوما فقال:
____________
(1)- الدخان: 29.
(2)- ص 616 و البحار: 45/ 201 ح 1.
(3)- ص 88 ح 1 و البحار: 45/ 209 ح 15.
(4)- في المصدر: داود/ خ.
(5)- ص 88 ح 2 و البحار: 45/ 209 ح 16.
461
السماوات السبع و الأرضوان السبع، و ما فيهنّ و ما بينهنّ، و من يتقلّب في الجنّة و النار، و ما يرى و ما لا يرى، إلّا ثلاثة أشياء فإنّها لم تبك عليه، فقلت: جعلت فداك و ما هذه الثلاثة الأشياء الّتي لم تبك عليه؟ فقال: البصرة و دمشق و آل الحكم بن أبي العاص (1).
13- كامل الزيارات: محمّد بن جعفر، عن محمّد بن الحسين، عن الحسن ابن عليّ بن أبي عثمان، عن عبد الجبّار النهاونديّ، عن أبي سعيد، عن الحسين بن ثوير و ابن ظبيان و أبي سلمة السرّاج و المفضّل كلّهم قالوا: سمعنا أبا عبد اللّه يقول: إنّ أبا عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) لمّا مضى بكت عليه السماوات السبع و الأرضوان السبع، و ما فيهنّ و ما بينهنّ، و ما يتقلّب في الجنّة و النار (2) من خلق ربّنا (3)، و ما يرى و ما لا يرى.
و منه: أبي، عن سعد، عن محمّد بن الحسين مثله. (4)
14- و منه: أبي، عن سعد، عن الحسين بن عبيد اللّه (5)، عن الحسن بن عليّ ابن أبي عثمان، عن عبد الجبّار، عن أبي سعيد، عن الحسين بن ثوير، عن يونس و أبي سلمة السرّاج و المفضّل قالوا: سمعنا أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: لمّا مضى أبو عبد اللّه الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) بكى عليه جميع ما خلق اللّه إلّا ثلاثة أشياء: البصرة و دمشق و آل عثمان (6).
15- و منه: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن القاسم بن يحيى، عن جدّه الحسن، عن الحسين بن ثوير قال: كنت أنا و ابن ظبيان و المفضّل و أبو سلمة السرّاج جلوسا عند أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، فكان المتكلّم يونس و كان أكبرنا سنّا و ذكر حديثا طويلا يقول: ثمّ قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ أبا عبد اللّه (عليه السّلام) لمّا مضى بكت عليه السماوات السبع و ما فيهنّ، و الأرضوان السبع و ما فيهنّ و ما بينهنّ، و ما ينقلب في الجنّة و النار من خلق ربّنا، و ما يرى و ما لا يرى بكى على أبي عبد اللّه (عليه السّلام) إلّا
____________
(1)- 1/ 53 و البحار: 45/ 201 ح 3.
(2)- في المصدر و البحار: و من يتقلّب عليهنّ و الجنة و النار.
(3)- في البحار: و من خلق ربنا، و في المصدر: و ما خلق ربنا.
(4)- ص 80 ح 3 و البحار: 45/ 205 ح 10.
(5)- في الأصل: الحسين بن عبد الله.
(6)- ص 80 ح 1 و البحار: 45/ 206 ح 11.
462
ثلاثة أشياء لم تبك عليه، قلت: جعلت فداك ما هذه الثلاثة أشياء؟ قال: لم تبك عليه البصرة، و لا دمشق، و لا آل عثمان بن عفّان عليهم لعنة اللّه، و ذكر الحديث (1).
16- و منه: محمّد بن الحميريّ، عن أبيه، عن عليّ بن محمّد بن سالم، عن محمّد بن خالد، عن عبد اللّه بن حمّاد البصريّ، عن عبد اللّه بن عبد الرحمن الأصمّ، عن أبي يعقوب، عن أبان بن عثمان، عن زرارة قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): يا زرارة إنّ السماء بكت على الحسين (عليه السّلام) أربعين صباحا بالدم، و إنّ الأرض بكت أربعين صباحا بالسواد، و إنّ الشمس بكت أربعين صباحا بالكسوف و الحمرة، و إنّ الجبال تقطّعت و انتثرت، و إنّ البحار تفجّرت، و إنّ الملائكة بكت أربعين صباحا على الحسين (عليه السّلام)، و ما اختضبت منّا امرأة و لا ادّهنت و لا اكتحلت و لا رجّلت، حتّى أتانا رأس عبيد اللّه بن زياد لعنه اللّه، و ما زلنا في عبرة بعده.
و كان جدّي إذا ذكره بكى حتّى تملأ عيناه لحيته، و حتّى يبكي لبكائه رحمة له من رآه، و إنّ الملائكة الذين عند قبره ليبكون [ه] فيبكي لبكائهم كلّ من في الهواء و السماء من الملائكة، و لقد خرجت نفسه فزفرت جهنّم زفرة كادت الأرض تنشقّ لزفرتها، و لقد خرجت نفس عبيد اللّه بن زياد و يزيد بن معاوية لعنهم اللّه فشهقت جهنّم شهقة لو لا أن اللّه حبسها بخزّانها لأحرقت من على وجه (2) الأرض من فورها، و لو يؤذن لها ما بقي شيء إلّا ابتلعته، و لكنّها مأمورة مصفودة، و لقد عتت على الخزّان غير مرّة حتّى أتاها جبرئيل (عليه السّلام) فضربها بجناحه فسكنت، و إنّها لتبكيه و تندبه، و إنّها لتتلظّى على قاتله، و لو لا من على الأرض من حجج اللّه لنقضت الأرض و أكفأت ما عليها، و ما تكثر الزلازل إلّا عند اقتراب الساعة.
و ما [من] عين أحبّ إلى اللّه و لا عبرة من عين بكت و دمعت عليه، و ما من باك يبكيه إلّا و قد وصل فاطمة و أسعدها عليه، و وصل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و أدّى حقّنا، و ما من عبد يحشر إلّا و عيناه باكية إلّا الباكين على [جدّي] الحسين (عليه السّلام) فإنّه يحشر و عينه قريرة، و البشارة تلقاه، و السرور [بيّن] على وجهه، و الخلق في الفزع و هم
____________
(1)- ص 80 ح 5 و البحار: 45/ 206 ح 12.
(2)- في المصدر و البحار: ظهر.
463
آمنون، و الخلق يعرضون (على الحساب) و هم حدّاث الحسين (عليه السّلام) تحت العرش، و في ظلّ العرش، لا يخافون سوء [يوم] الحساب، يقال لهم: ادخلوا الجنّة، فيأبون و يختارون مجلسه و حديثه، و إنّ الحور لترسل إليهم أنّا قد اشتقناكم مع الولدان المخلّدين، فما يرفعون رءوسهم إليهم لما يرون في مجلسهم من السرور و الكرامة، و إنّ أعداءهم من بين مسحوب بناصيته إلى النار، و من قائل: «ما لنا من شافعين و لا صديق حميم».
و إنّهم ليرون منزلتهم (1) و ما يقدرون أن يدنوا إليهم، و لا يصلون إليهم، و إنّ الملائكة لتأتيهم بالرسالة من أزواجهم و من خزّانهم (2) على ما اعطوا من الكرامة، فيقولون: نأتيكم إن شاء اللّه، فيرجعون إلى أزواجهم بمقالاتهم، فيزدادون إليهم شوقا إذا هم خبّروهم بما هم فيه من الكرامة و قربهم من الحسين (عليه السّلام)، فيقولون: الحمد للّه الذي كفانا الفزع الأكبر، و أهوال القيامة، و نجّانا ممّا كنّا نخاف، و يؤتون بالمراكب و الرحال على النجائب، فيستوون (3) عليها، و هم في الثناء على اللّه، و الحمد للّه، و الصلاة على محمّد و على آله حتّى ينتهوا إلى منازلهم (4).
17- و منه: محمّد بن عبد اللّه، عن أبيه، عن عليّ بن محمّد بن سالم، عن محمد بن خالد، عن عبد اللّه بن حمّاد البصريّ، عن عبد اللّه بن عبد الرحمن الأصمّ، عن عبد اللّه بن مسكان، عن أبي بصير قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السّلام) و احدّثه، فدخل عليه ابنه فقال له: مرحبا و ضمّه و قبّله، و قال: حقّر اللّه من حقّركم، و انتقم ممّن وتركم، و خذل اللّه من خذلكم، و لعن اللّه من قتلكم، و كان اللّه لكم وليّا و حافظا و ناصرا، فقد طال بكاء النساء، و بكاء الأنبياء و الصدّيقين، و الشهداء، و ملائكة السماء.
ثمّ بكى، و قال: يا أبا بصير إذا نظرت إلى ولد الحسين (عليه السّلام) أتاني ما لا أملكه بما اتي إلى أبيهم و إليهم، يا أبا بصير إنّ فاطمة لتبكيه و تشهق، فتزفر جهنّم زفرة لو لا أنّ الخزنة يسمعون بكاءها، و قد استعدّوا لذلك مخافة أن يخرج منها عنق أو يشرّد دخانها،
____________
(1)- في المصدر و البحار: منزلهم.
(2)- في المصدر: خدّامهم.
(3)- فيسيرون/ خ.
(4)- ص 80 ح 6 و البحار: 45/ 206 ح 13.
464
فيحرق أهل الأرض فيكبحونها ما دامت باكية، و يزجرونها و يوثقون من أبوابها مخافة على أهل الأرض، فلا تسكن حتّى يسكن صوت فاطمة، و إنّ البحار تكاد أن تنفتق فيدخل بعضها على بعض و ما منها (1) قطرة إلّا بها ملك موكّل، فإذا سمع الموكّل (2) صوتها، أطفأ نارها (3) بأجنحته، و حبس بعضها على بعض، مخافة على الدنيا و من فيها (4) و من على الأرض، فلا تزال الملائكة مشفقين يبكون (5) لبكائها، و يدعون اللّه و يتضرّعون إليه، و يتضرّع أهل العرش و من حوله، و ترتفع أصوات من الملائكة بالتقديس للّه مخافة على أهل الأرض، و لو أنّ صوتا من أصواتهم يصل إلى الأرض لصعق أهل الأرض، و تقلّعت (6) الجبال، و زلزلت الأرض بأهلها.
قلت: جعلت فداك إنّ هذا الأمر عظيم، قال: غيره أعظم منه ما لم تسمعه، ثمّ قال [لي]: يا أبا بصير أ ما تحبّ أن تكون فيمن يسعد فاطمة؟ فبكيت حين قالها، فما قدرت على المنطق، و ما قدرت على كلامي من البكاء، ثمّ قام إلى المصلّى يدعو، و خرجت من عنده على تلك الحال فما انتفعت بطعام، و ما جاءني النوم، و أصبحت صائما وجلا، حتّى أتيته فلمّا رأيته [قد] سكن سكنت و حمدت اللّه حيث لم تنزل بي عقوبة. (7)
توضيح: تقول: «كبحت الدابّة» إذا جذبتها إليك باللجام لكي تقف و لا تجري.
18- كامل الزيارات: محمّد بن جعفر، عن محمّد بن الحسين، عن وهيب ابن حفص، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إنّ الحسين (عليه السّلام) بكتا لقتله السماء و الأرض و احمرّتا، و لم تبكيا أحد قطّ إلّا على يحيى بن زكريّا و الحسين بن علي (عليهما السّلام). (8)
____________
(1)- في الأصل: و ما بها.
(2)- في المصدر و البحار: الملك.
(3)- نأرت نائرة كمنع هاجت هائجة «القاموس المحيط ج 2 ص 137»، و المراد: إطفاء هيجان الماء.
(4)- في المصدر: و ما فيها.
(5)- في المصدر: يبكونه.
(6)- تقلقلت/ خ، و في المصدر: تقطّعت.
(7)- ص 82 ح 7 و البحار: 45/ 208 ح 14.
(8)- ص 89 ح 3 و البحار: 45/ 209 ح 17.
465
19- و منه: أبي و علي بن الحسين، عن سعد، عن ابن عيسى، عن موسى ابن الفضل، عن حنّان قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) ما تقول في زيارة قبر الحسين بن عليّ فإنّه بلغنا عن بعضهم أنّها تعدل حجّة و عمرة؟ قال: لا تعجب (1) ما أصاب من يقول (2) هذا كلّه، و لكن زره و لا تجفه فإنّه سيّد شباب الشهداء، و سيّد شباب أهل الجنّة، و شبيه يحيى بن زكريّا، و عليهما بكت السماء و الأرض.
و منه: [أبي، و] ابن الوليد، عن الصفّار، عن عبد الصمد بن محمّد، عن حنّان ابن سدير، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) مثله.
و منه: أبي و جماعة من مشايخي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن بزيع، عن حنّان مثله (3).
توضيح: قوله: «ما أصاب» محمول على التقيّة.
20- كامل الزيارات: محمّد بن الحسن (4)، عن أبيه، عن جدّه عليّ بن مهزيار، عن الحسن بن سعيد، عن فضالة، عن داود بن فرقد قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: كان الذي قتل الحسين (عليه السّلام) ولد زنا، و الذي قتل يحيى بن زكريّا ولد زنا، و قال: احمرّت السماء حين قتل الحسين (صلوات الله عليه) سنة، ثمّ قال: بكت السماوات و الأرض على الحسين و على يحيى بن زكريّا و حمرتها بكاؤها (5).
21- قصص الراونديّ: عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ الحسين بن عليّ (صلوات الله عليهما) بكى لقتله السماء و الأرض و احمرّتا، و لم يبكيا على أحد قطّ إلّا على يحيى بن زكريّا (صلوات الله عليه) (6).
____________
(1)- في الأصل: ما تعجب.
(2)- في الأصل و المصدر: ما يقول.
(3)- ص 91 ح 13 و البحار: 45/ 211 ح 27.
(4)- في المصدر: «أبي، عن محمد بن الحسن» و هو محلّ تأمل، لأن محمد بن الحسن بن مهزيار من مشايخ ابن قولويه، فتدبّر.
(5)- ص 93 ح 21 و البحار: 45/ 213 ح 31.
(6)- مخطوط ص 190 و البحار: 45/ 219 ح 46.
466
الرضا (عليه السّلام)
22- عيون أخبار الرضا: في خبر ابن شبيب عن الرضا (عليه السّلام) أنّه بكت السماوات [السبع] و الأرضوان لقتله (1).
غير الأئمّة
23- في بعض كتب المناقب المعتبرة: بإسناده عن يعقوب بن سفيان، عن أيّوب بن محمّد الرقيّ، عن سلام (2) بن سليمان الثقفي، عن زيد بن عمرو الكنديّ، عن أمّ حيّان قالت: يوم قتل الحسين (عليه السّلام) أظلمت علينا ثلاثا، و لم يمسّ أحد من زعفرانهم شيئا فجعله على وجهه إلّا احترق، و لم يقلب حجر ببيت المقدس إلّا أصبح تحته دما عبيطا (3).
2- باب آخر في خصوص بكاء السماء عليه (عليه السّلام)
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- المناقب لابن شهرآشوب: أبو نعيم في دلائل النبوّة، و النسويّ في المعرفة:
قالت نضرة الأزديّة: لمّا قتل الحسين (عليه السّلام) أمطرت السماء دما، و حبابنا و جرارنا صارت مملوّة دما.
و قال قرظة (4) بن عبيد اللّه: مطرت السماء يوما نصف النهار عليه شملة بيضاء، فنظرت فإذا هو دم، و ذهبت الإبل إلى الوادي لتشرب فإذا هو دم، و إذا هو اليوم الذي قتل فيه الحسين (عليه السّلام).
اسامة بن شبيب بإسناده عن أمّ سليم قالت: لمّا قتل الحسين (عليه السّلام) مطرت السماء مطرا كالدم، احمرّت منه البيوت و الحيطان. و روى قريبا من ذلك في الإبانة.
____________
(1)- 1/ 233 و البحار: 45/ 201.
(2)- سلمان/ خ.
(3)- البحار: 45/ 216.
(4)- في الأصل و المصدر: قرطة.
467
تفسير القشيريّ و الفتّال: قال السديّ: لمّا قتل الحسين (عليه السّلام) بكت عليه السماء، و علامتها حمرة أطرافها.
محمّد بن سيرين قال: اخبرنا أنّ حمرة أطراف السماء لم تكن قبل قتل الحسين (عليه السّلام).
تاريخ النسويّ: روى حمّاد بن زيد، عن هشام، عن محمّد قال: تعلم هذه الحمرة في الافق ممّ هي (1)؟ ثمّ قال: من يوم قتل الحسين (عليه السّلام). (2)
أقول: قال صاحب المناقب: و روى هذا الحديث أبو عيسى الترمذيّ.
2- المناقب لابن شهرآشوب: الأسود بن قيس لمّا قتل الحسين (عليه السّلام) ارتفعت حمرة من قبل المشرق، و حمرة من قبل المغرب، فكادتا تلتقيان في كبد السماء ستّة أشهر.
تاريخ النسويّ: قال أبو قبيل: لمّا قتل الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) كسفت الشمس كسفة بدت الكواكب نصف النهار حتّى ظننت (3) أنّها هي (4).
توضيح: «أنّها هي» أي القيامة.
أقول: و روي هذا الخبر في بعض كتب المناقب المعتبرة: عن عليّ بن أحمد العاصميّ، عن إسماعيل بن أحمد البيهقيّ، عن والده، عن محمّد بن الحسين القطّان، عن عبيد اللّه بن جعفر بن درستويه النحويّ، عن يعقوب بن سفيان، عن النضر بن عبد الجبّار، عن ابن لهيعة، عن أبي قبيل، مثله.
و بهذا الإسناد، عن يعقوب، عن إسماعيل، عن عليّ بن مسهر، عن جدّته قالت: كنت أيّام الحسين (عليه السّلام) جارية شابّة فكانت السماء أيّاما علقة.
و بهذا الإسناد، عن يعقوب، عن مسلم بن إبراهيم، عن أمّ سرق العبديّة، عن نضرة الأزديّة، قالت: لمّا أن قتل الحسين (عليه السّلام) مطرت السماء دما فأصبحت و كلّ شيء لنا ملآن دما (5).
____________
(1)- في الأصل: هو.
(2)- 3/ 212 و البحار: 45/ 215 ح 38.
(3)- في المصدر و البحار: ظننّا.
(4)- 3/ 212 و البحار: 45/ 216 ح 39.
(5)- البحار: 45/ 216.
468
3- إرشاد المفيد: روى يوسف بن عبدة قال: سمعت محمد بن سيرين يقول: لم تر هذه الحمرة في السماء إلّا بعد قتل الحسين (عليه السّلام) (1).
بيان: يمكن أن يكون المراد كثرة الحمرة و زيادتها.
4- أمالي الطوسيّ: ابن حشيش، عن الحسين بن الحسن، عن محمّد بن دليل، عن عليّ بن سهل، عن مؤمّل، عن حمّاد بن سلمة، عن عمّار بن أبي عمّار قال:
أمطرت السماء يوم قتل الحسين (عليه السّلام) دما عبيطا. (2)
5- الطرائف: روي في أوّل الجزء الخامس من صحيح مسلم في تفسير قوله تعالى: «فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ» (3) قال: لمّا قتل الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) بكت السماء، و بكاؤها حمرتها.
و روى الثعلبيّ: في تفسير هذه الآية أنّ الحمرة التي مع الشفق لم تك قبل قتل الحسين (عليه السّلام).
و روى الثعلبيّ أيضا يرفعه قال: مطرنا دما بأيّام قتل الحسين (عليه السّلام). (4)
6- كامل الزيارات: أبي، عن سعد، عن عبد اللّه بن أحمد، عن عمرو (5) بن سهل، عن عليّ بن مسهر القرشيّ قال: حدّثتني جدّتي أنّها أدركت الحسين بن عليّ حين قتل (صلوات الله عليه) قالت: فمكثنا سنة و تسعة أشهر و السماء مثل العلقة، مثل الدم ما ترى الشمس. (6)
7- و منه: محمّد بن جعفر، عن محمّد بن الحسين، عن نصر بن مزاحم، عن عمرو بن سعد (7)، عن محمّد بن سلمة، عمّن حدّثه قال: لمّا قتل الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) أمطرت السماء ترابا أحمر. (8)
____________
(1)- ص 282 و البحار: 45/ 219 ح 48.
(2)- 1/ 339 و البحار: 45/ 217 ح 41.
(3)- الدخان: 29.
(4)- ص 203 و البحار: 45/ 217 ح 40.
(5)- في المصدر: عمر.
(6)- ص 89 ح 5 و البحار: 45/ 210 ح 19.
(7)- عمر بن سعد/ خ و البحار.
(8)- ص 90 ح 11 و البحار: 45/ 211 ح 25.
469
الأئمّة: عليّ بن الحسين (عليهم السّلام)
8- كامل الزيارات: حكيم بن داود، عن سلمة، عن ابن أبي عمير، عن الحسين بن عيسى، عن أسلم بن القاسم، عن عمرو بن ثبيث، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) قال: إنّ السماء لم تبك منذ وضعت إلّا على يحيى بن زكريّا و الحسين بن عليّ (عليهم السّلام)، قلت: أيّ شيء [كان] بكاؤها؟ قال: كانت إذا استقبلت بالثوب وقع على الثوب شبه أثر البراغيث من الدم. (1)
9- اللهوف: في خطبة خطبها عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) لمّا قدم من كربلاء إلى المدينة: فلقد بكت السبع الشداد لقتله، إلى قوله: و السماوات بأركانها. (2)
الباقر (عليه السّلام)
10- كامل الزيارات: عليّ بن الحسين، عن عليّ بن إبراهيم و سعد معا، عن إبراهيم بن هاشم، عن ابن فضّال، عن أبي جميلة، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: ما بكت السماء على أحد بعد يحيى بن زكريّا إلّا على الحسين بن عليّ (صلوات الله عليهما) فإنّها بكت عليه أربعين يوما. (3)
11- قصص الراونديّ: عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السّلام) في قوله تعالى:
«لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا» (4) قال: يحيى بن زكريّا لم يكن له سميّ قبله، و الحسين ابن عليّ لم يكن له سميّ قبله، و بكت السماء عليهما أربعين صباحا، و كذلك بكت الشمس عليهما، و بكاؤها أن تطلع حمراء و تغيب حمراء، و قيل: أي بكى أهل السماء و هم الملائكة. (5)
____________
(1)- ص 90 ح 12 و البحار: 45/ 211 ح 26.
(2)- ص 84 و البحار: 45/ 148.
(3)- ص 90 ح 9 و البحار: 45/ 211 ح 23.
(4)- مريم: 7.
(5)- مخطوط ص 190 و البحار: 45/ 218 ح 45.
471
لم يكن له من قبل سميّا، و لم تبك السماء إلّا عليهما أربعين صباحا قال: قلت: ما بكاؤها؟ قال: كانت تطلع حمراء و تغرب حمراء (1).
16- و منه: محمّد بن جعفر الرزّاز، عن ابن أبي الخطّاب، عن جعفر بن بشير، عن كليب بن معاوية، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: لم تبك السماء إلّا على الحسين ابن عليّ و يحيى بن زكريّا (عليهم السّلام). (2)
17- و منه: بإسناده عن ابن عيسى، عن غير واحد، عن جعفر بن بشير، عن حمّاد، عن عامر بن معقل، عن الحسن بن زياد، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: كان قاتل يحيى بن زكريّا ولد زنا، و قاتل الحسين ولد زنا، و لم تبك السماء على أحد إلّا عليهما، قال: قلت: و كيف تبكي؟ قال: تطلع الشمس في حمرة و تغيب في حمرة.
و منه: محمّد بن جعفر، عن محمّد بن الحسين، عن جعفر بن بشير مثله. (3)
18- و منه: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمّد البرقي، عن عبد العظيم الحسنيّ، عن الحسن، عن أبي سلمة، قال: قال جعفر بن محمّد (عليهما السّلام): ما بكت السماء [و الأرض] إلّا على يحيى بن زكريّا و الحسين بن عليّ (عليهم السّلام) (4).
19- المناقب لابن شهرآشوب: و قال الصادق (عليه السّلام): بكت السماء على الحسين (عليه السّلام) أربعين يوما بالدم.
زرارة بن أعين، عن الصادق (عليه السّلام) قال: بكت السماء على يحيى بن زكريّا و على الحسين بن عليّ (عليهم السّلام) أربعين صباحا، و لم تبك إلّا عليهما، قلت: فما بكاؤها؟
قال: كانت الشمس تطلع حمراء و تغيب حمراء. (5)
____________
(1)- ص 90 ح 8 و البحار: 45/ 211 ح 22.
(2)- ص 90 ح 10 و البحار: 45/ 211 ح 24.
(3)- ص 91 ح 14 و البحار: 45/ 212 ح 28.
(4)- ص 92 ح 17 و البحار: 45/ 213 ح 30.
(5)- 3/ 212 و البحار: 45/ 215.
470
الصادق (عليه السّلام)
12- كامل الزيارات: عليّ بن الحسين و غيره، عن سعد، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن ابن فضّال، عن حمّاد بن عثمان، عن عبد اللّه بن هلال قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: إنّ السماء بكت على الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) و يحيى بن زكريّا و لم تبك على أحد غيرهما، قلت: و ما بكاؤها؟ قال: مكثوا أربعين يوما تطلع الشمس بحمرة و تغرب بحمرة، قلت: فذاك بكاؤها؟ قال: نعم. (1)
13- و منه: عليّ بن الحسين، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضّال، عن أبي جميلة، عن محمّد الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في قوله تعالى: «فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ وَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ» (2) قال: لم تبك السماء أحدا (3) منذ قتل يحيى بن زكريّا حتّى قتل الحسين (عليه السّلام) فبكت عليه.
قصص الأنبياء (4): بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن عليّ بن إبراهيم مثله. (5)
14- و منه: محمّد بن جعفر الرزّاز، عن ابن أبي الخطّاب، عن صفوان، عن داود بن فرقد، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: احمرّت السماء حين قتل الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) سنة، (قال: ثمّ بكت السماء و الأرض على الحسين سنة) (6) و على يحيى بن زكريّا، و حمرتها بكاؤها. (7)
15- و منه: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن فضّال، عن ابن بكير، عن زرارة، عن عبد الخالق بن عبد ربّه قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: «لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا» الحسين بن عليّ لم يكن له من قبل سميّا، و يحيى بن زكريّا
____________
(1)- ص 89 ح 4 و البحار 45/ 210 ح 18.
(2)- الدخان: 29.
(3)- في المصدر: على أحد.
(4)- في الاصل: «و منه» و ما أثبتناه من البحار.
(5)- كامل الزيارات ص 89 ح 6، قصص الأنبياء: مخطوط ص 190، و البحار: 45/ 210 ح 20.
(6)- ما بين القوسين ليس في المصدر.
(7)- كامل الزيارات ص 90 ح 7 و البحار: 45/ 210 ح 21.
472
3- باب فيما ورد في خصوص بكاء الأرض عليه
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- كامل الزيارات: أحمد بن عبد اللّه بن عليّ الناقد باسناده قال: قال عمر بن سعد حدّثني أبو معشر، عن الزهريّ قال: لمّا قتل الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) لم يبق ببيت المقدس حصاة إلّا وجد تحتها دم عبيط.
و منه: محمّد بن جعفر، عن محمّد بن الحسين، عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد مثله (1).
2- اقول في بعض كتب المناقب المعتبرة: باسناده عن يعقوب بن سفيان، عن سليمان بن حرب، عن حمّاد بن زيد، عن معمر قال: أوّل ما عرف [ت] الزهريّ تكلّم في مجلس الوليد بن عبد الملك فقال الوليد: أيّكم يعلم ما فعلت أحجار بيت المقدس يوم قتل الحسين بن عليّ (عليهما السّلام)؟ فقال الزهريّ: بلغني أنّه لم يقلب حجر إلّا وجد تحته دم عبيط. (2)
الأئمّة: عليّ بن الحسين (عليهم السّلام)
3- اللهوف: في خطبة السجّاد لمّا قدم إلى المدينة من كربلاء؛ فلقد بكت السبع الشداد لقتله ... إلى قوله: و الأرض بأرجائها. (3)
الصادق، عن أبيه (عليهما السّلام)
4- كامل الزيارات: أبي و جماعة مشايخي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الأهوازيّ، عن رجل، عن يحيى بن بشير، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال:
بعث هشام بن عبد الملك إلى أبي فأشخصه إلى الشام فلمّا دخل عليه قال له: يا أبا جعفر
____________
(1)- ص 77 ح 3 و ص 92 ح 20 و البحار: 45/ 205 ح 7.
(2)- البحار: 45/ 216.
(3)- ص 84 و البحار: 45/ 148.
474
4- باب ضجيج الملائكة إلى اللّه تعالى في أمره، و إنّ اللّه بعثهم لنصره، و بكائهم عليه (عليه السّلام)
الأخبار: الأئمّة: عليّ بن الحسين (عليهم السّلام)
1- اللهوف: في خطبة السجّاد لمّا قدم من كربلاء إلى المدينة: لقد بكت السبع الشداد لقتله- إلى قوله- و الملائكة المقرّبون، و أهل السماوات أجمعون. (1)
2- المناقب لابن شهرآشوب: في خطبة السجّاد (عليه السّلام) في مجلس يزيد: أنا ابن من بكت عليه ملائكة السماء. (2)
الباقر (عليه السّلام).
3- علل الشرائع: الدقّاق و ابن عصام معا، عن الكلينيّ، عن القاسم بن العلاء، عن إسماعيل الفزاريّ، عن محمّد بن جمهور العميّ، عن ابن أبي نجران، عمّن ذكره، عن الثمالي، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السّلام): يا ابن رسول اللّه أ لستم كلّكم قائمين بالحقّ؟ قال: بلى، قلت: فلم سمّي القائم قائما؟ قال: لمّا قتل جدّي الحسين (عليه السّلام) ضجّت الملائكة إلى اللّه عزّ و جلّ بالبكاء و النحيب و قالوا: إلهنا و سيّدنا أتغافل عمّن قتل صفوتك و ابن صفوتك، و خيرتك من خلقك؟ فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليهم:
قرّوا ملائكتي، فو عزّتي و جلالي لأنتقمنّ منهم و لو بعد حين، ثمّ كشف اللّه عزّ و جلّ عن الأئمّة من ولد الحسين (عليه السّلام) للملائكة، فسرّت الملائكة بذلك فإذا أحدهم قائم يصلّي، فقال اللّه عزّ و جل: بذلك القائم أنتقم منهم (3).
____________
(1)- ص 84 و البحار: 45/ 148.
(2)- 3/ 305 و البحار: 45/ 174 ح 22.
(3)- 1/ 160 ح 1 و البحار: 45/ 221 ح 4.
473
أشخصناك لنسألك عن مسألة لم يصالح أن يسألك عنها غيري، و لا أعلم في الأرض خلقا ينبغي أن يعرف أو عرف هذه المسألة إن كان إلّا واحدا، فقال أبي: ليسألني أمير المؤمنين عمّا أحبّ فان علمت أجبت (عن) ذلك، و إن لم أعلم قلت: لا أدري، و كان الصدق أولى بي.
فقال هشام: أخبرني عن الليلة الّتي قتل فيها عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام)، بما استدلّ به الغائب عن المصر الّذي قتل فيه على قتله، و ما العلامة فيه للناس فان علمت ذلك و أحببت فأخبرني، هل كان تلك العلامة لغير عليّ (عليه السّلام) [في قتله]؟ فقال له أبي: يا أمير المؤمنين إنّه لمّا كان (ت) [تلك] الليلة الّتي قتل فيها عليّ (عليه السّلام) لم يرفع عن وجه الأرض حجر إلّا وجد تحته دم عبيط حتّى طلع الفجر و كذلك كانت الليلة التي قتل (1) فيها هارون أخو موسى (عليهما السّلام)، و كذلك كانت الليلة التي قتل فيها يوشع بن نون، و كذلك كانت الليلة التي رفع فيها عيسى بن مريم [إلى السماء]، و كذلك كانت الليلة التي قتل فيها شمعون بن حمون الصفا، و كذلك [كانت] الليلة التي قتل فيها علي بن أبي طالب (عليه السّلام)، و كذلك كانت الليلة التي قتل فيها الحسين بن علي (عليهما السّلام).
قال: فتربّد وجه هشام حتّى انتقع لونه، و همّ أن يبطش بأبي، فقال له أبي:
يا أمير المؤمنين الواجب على العباد الطاعة لإمامهم، و الصدق له بالنصيحة، و إنّ الذي دعاني إلى أن اجيب (2) أمير المؤمنين فيما سألني عنه معرفتي له (3) بما يجب له عليّ من الطاعة، فليحسن أمير المؤمنين الظنّ، فقال له هشام: انصرف إلى أهلك إذا شئت، قال: فخرج، فقال له هشام عند خروجه: أعطني عهد اللّه و ميثاقه أن لا توقع (4) هذا الحديث إلى أحد حتّى أموت، فأعطاه أبي من ذلك ما أرضاه، و ذكر الحديث بطوله. (5)
توضيح: قال الجوهري: «تربّد وجه فلان» أي تغيّر من الغضب، و انتقع لونه على بناء المجهول أي تغيّر من حزن أو سرور.
____________
(1)- فقد/ خ.
(2)- فى الأصل و البحار: أجبت.
(3)- في المصدر: إياه.
(4)- في الأصل: لا ترفع.
(5)- ص 75 ح 1 و البحار: 45/ 203 ح 5.
475
4- كامل الزيارات: محمّد بن جعفر الرزّاز، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل، عن أبي إسماعيل السرّاج، عن يحيى بن معمّر القطّان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: أربعة آلاف ملك شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة. (1).
5- و منه: محمّد بن جعفر الرزّاز، عن ابن أبي الخطّاب، عن ابن بزيع، عن أبي إسماعيل السرّاج، عن يحيى بن معمّر العطّار، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: أربعة آلاف ملك شعث غبر يبكون الحسين (عليه السّلام) إلى يوم القيامة، فلا يأتيه أحد إلّا استقبلوه، و لا يمرض أحد إلّا عادوه، و لا يموت أحد إلّا شهدوه.
و منه: أبي، عن سعد، عن ابن أبي الخطّاب بإسناده مثله. (2)
أحدهما:
6- كامل الزيارات: ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن أبي الخطّاب، عن صفوان، عن حريز، عن الفضيل، عن أحدهما (عليهما السّلام) قال: إنّ على قبر الحسين (عليه السّلام) أربعة آلاف ملك شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة. قال محمّد بن مسلم: يحرسونه (3).
الصادق، عن أبيه، عن جدّه، عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)
7- كتاب المحتضر: (4) روى الحسن بن سليمان من كتاب المعراج بإسناده عن الصدوق بإسناده، عن بكر بن عبد اللّه، عن سهل بن عبد الوهّاب، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه (عليهم السّلام) قال: قال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): ليلة اسري بي إلى السماء فبلغت السماء الخامسة نظرت إلى صورة عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) فقلت: حبيبي جبرئيل ما هذه الصورة؟ فقال جبرئيل: يا محمّد اشتهت الملائكة أن ينظروا إلى صورة عليّ (عليه السّلام)، فقالوا: ربّنا إنّ بني آدم في دنياهم يتمتّعون غدوة و عشيّة بالنظر إلى عليّ بن أبي طالب حبيب (5) حبيبك محمّد (صلى اللّه عليه و آله) و خليفته و وصيّه و
____________
(1)- ص 84 ح 4 و البحار: 45/ 222 ح 8.
(2)- ص 85 ح 10 و البحار: 45/ 223 ح 14.
(3)- ص 84 ح 8 و البحار: 45/ 223 ح 12.
(4)- في الأصل: كتاب المختصر.
(5)- في المصدر: ابن عمّ.
476
أمينه، فمتّعنا بصورته قدر ما تمتّع أهل الدنيا به، فصوّر لهم صورته من نور قدسه عزّ و جلّ، فصورة عليّ (1) بين أيديهم ليلا و نهارا يزورونه و ينظرون إليه غدوة و عشيّة.
قال: فأخبرني الأعمش، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عليهما السّلام) قال: فلمّا ضربه اللعين ابن ملجم على رأسه، صارت تلك الضربة في صورته الّتي في السماء، فالملائكة ينظرون إليه غدوة و عشيّة و يلعنون قاتله ابن ملجم.
فلمّا قتل الحسين بن عليّ (صلوات الله عليه) هبطت الملائكة و حملته حتّى أوقفته مع (2) صورة عليّ في السماء الخامسة، فكلّما هبطت الملائكة من السماوات العليا (3)، و صعدت ملائكة السماء الدنيا فما (4) فوقها إلى السماء الخامسة لزيارة صورة عليّ (عليه السّلام) و النظر إليه و إلى الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) متشحّطا بدمه لعنوا [ابن ملجم و] يزيد و ابن زياد و [من] قاتل (5) الحسين بن عليّ إلى يوم القيامة.
قال الأعمش: قال لي الصادق (عليه السّلام): هذا من مكنون العلم و مخزونه لا تخرجه إلّا إلى أهله. (6)
8- أمالي الصدوق: ابن الوليد، عن ابن متيل، عن ابن أبي الخطّاب، عن موسى بن سعدان، عن عبد اللّه بن القاسم، عن عمر بن أبان الكلبيّ، عن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد اللّه الصادق (عليه السّلام): إنّ أربعة آلاف ملك هبطوا يريدون القتال مع الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) فلم يؤذن لهم في القتال، فرجعوا في الاستئذان و هبطوا و قد قتل الحسين (عليه السّلام) فهم عند قبره شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة، و رئيسهم ملك يقال له: منصور.
كامل الزيارات: محمّد بن جعفر الرزّاز، عن ابن أبي الخطّاب مثله. (7)
9- أمالي الطوسي: المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفّار، عن
____________
(1)- في الأصل و البحار: فعليّ.
(2)- ارتفعته إلى/ خ.
(3)- في الأصل و البحار: من علا.
(4)- في الأصل و البحار: فمن.
(5)- في الأصل: و قاتلي.
(6)- ص 146 و البحار: 45/ 228 ح 24.
(7)- أمالي الصدوق ص 509 ح 8، كامل الزيارات ص 83 ح 2، و البحار: 45/ 220 ح 2.
477
محمّد بن عبيد، عن ابن أسباط، عن ابن عميرة، عن محمّد بن حمران، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): لمّا كان من أمر الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) ما كان ضجّت الملائكة إلى اللّه تعالى و قالت: يا ربّ يفعل هذا بالحسين (عليه السّلام) صفيّك و ابن نبيّك؟ قال: فأقام اللّه لهم ظلّ القائم، و قال: بهذا أنتقم له من ظالميه (1).
10- كامل الزيارات: أبي و جماعة مشايخي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد بن عيسى، عن ربعي بن عبد اللّه، عن الفضيل، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: مالكم لا تأتونه يعني قبر الحسين (عليه السّلام) فإنّ أربعة آلاف ملك يبكونه عند قبره إلى يوم القيامة. (2)
11- و منه: أبي و جماعة مشايخي، عن سعد، عن عليّ بن إسماعيل، عن حمّاد بن عيسى، عن ربعي، عن فضيل، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: ما لكم لا تأتونه، يعني قبر الحسين (عليه السّلام) فإنّ أربعة آلاف ملك يبكون عنده إلى يوم القيامة. (3)
12- و منه: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن معروف، عن حمّاد ابن عيسى، عن ربعي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) بالمدينة: أين قبور الشهداء؟
فقال: أ ليس أفضل الشهداء عندكم؟! و الذي نفسي بيده إنّ حوله أربعة آلاف ملك شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة.
و منه: ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن معروف بإسناده مثله. (4)
13- و منه: أبي، عن سعد، عن الحسن بن علي بن المغيرة، عن العبّاس بن عامر، عن أبان، عن الثمالي، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إنّ اللّه وكّل بقبر الحسين (عليه السّلام) أربعة آلاف ملك شعث غبر يبكونه من طلوع الفجر إلى زوال الشمس، و إذا زالت الشمس هبط أربعة آلاف ملك و صعد أربعة آلاف [ملك]، فلم يزل يبكونه حتى يطلع الفجر و ذكر الحديث. (5)
____________
(1)- 2/ 33 و البحار: 45/ 221 ح 3.
(2)- ص 83 ح 1 و البحار: 45/ 222 ح 6.
(3)- ص 84 ح 3 و البحار: 45/ 222 ح 7.
(4)- ص 84 وح 9 و البحار: 45/ 223 ح 13.
(5)- ص 85 ح 11 و البحار: 45/ 223 ح 15.
479
طيّبة روائحهم (1)، و أقبلوا يصلّون بالليل أجمع، فلمّا طلع الفجر سجدت ثمّ رفعت رأسي فلم أر منهم أحدا، فقال لي أبو عبد اللّه (عليه السّلام): إنّه مرّ بالحسين بن علي (عليهما السّلام) خمسون ألف ملك و هو يقتل، فعرجوا إلى السماء فأوحى اللّه إليهم: مررتم بابن حبيبي و هو يقتل فلم تنصروه، فاهبطوا إلى الأرض فاسكنوا عند قبره شعثا غبرا إلى أن تقوم الساعة. (2)
17- و منه: محمّد بن جعفر، عن محمّد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن عبد اللّه بن القاسم، عن عمر بن أبان الكلبيّ، عن أبان بن تغلب، قال: قال (لي) أبو عبد اللّه: هبط أربعة آلاف ملك يريدون القتال مع الحسين (عليه السّلام) فلم يؤذن لهم في القتال، فرجعوا في الاستئذان (3) فهبطوا و قد قتل الحسين (عليه السّلام) و لعن قاتله و من أعان عليه، و من شرك في دمه، فهم عند قبره شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة، رئيسهم ملك يقال له: منصور، فلا يزوره زائر إلّا استقبلوه، و لا يودّعه مودّع إلّا شيّعوه، و لا يمرض (أحد) (4) إلّا عادوه، و لا يموت (أحد) إلّا صلّوا على جنازته، و استغفروا له بعد موته، فكلّ هؤلاء في الأرض ينتظرون قيام القائم عج (5).
18- الكافي: عليّ بن محمّد و محمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن ابن شمّون، عن الأصمّ، عن كرّام قال: حلفت فيما بيني و بين نفسي أن لا آكل طعاما بنهار أبدا حتى يقوم قائم آل محمّد (صلى اللّه عليه و آله)، فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: فقلت له: رجل من شيعتكم جعل للّه عليه أن لا يأكل طعاما بنهار أبدا حتى يقوم قائم آل محمّد (صلى اللّه عليه و آله)؟ قال: فصم إذا يا كرّام و لا تصم العيدين و لا ثلاثة التشريق، و لا إذا كنت مسافرا و لا مريضا، فإنّ الحسين (عليه السّلام) لمّا قتل عجّت السماوات و الأرض و من عليهما و الملائكة، فقالوا: يا ربّنا ائذن لنا في هلاك الخلق حتّى نجدّهم من (6) جديد الأرض بما استحلّوا (من) حرمتك و قتلوا صفوتك، فأوحى اللّه إليهم: يا ملائكتي و يا
____________
(1)- في الأصل و البحار: أرواحهم.
(2)- ص 115 ح 6 و البحار: 45/ 226 ح 20، و في المصدر: إلى يوم تقوم الساعة.
(3)- في الأصل و البحار: الاستئمار.
(4)- في المصدر و إحدى نسختي الأصل: مريض.
(5)- ص 192 ح 9 و البحار: 45/ 226 ح 21.
(6)- في المصدر: عن.
478
14- و منه: أبي و محمّد بن عبد اللّه، عن الحميري، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي، عن أبي القاسم، عن القاسم بن محمد، عن إسحاق بن إبراهيم، عن هارون، قال: سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السّلام) و أنا عنده فقال: ما لمن زار قبر الحسين (عليه السّلام)؟ فقال (عليه السّلام): إنّ الحسين (عليه السّلام) لمّا اصيب بكته حتّى البلاد فوكّل اللّه به أربعة آلاف ملك شعثا غبرا يبكونه إلى يوم القيامة و ذكر الحديث. (1)
15- و منه: بإسناده عن الأصمّ، عن أبي عبيدة البزّاز، عن حريز قال:
قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): جعلت فداك ما أقلّ بقاؤكم أهل البيت و أقرب آجالكم بعضها من بعض، مع حاجة هذا الخلق إليكم؟ فقال: إنّ لكلّ واحد منا صحيفة فيها ما يحتاج إليه أن يعمل به في مدّته، فإذا انقضى ما فيها ممّا امر به عرف أنّ أجله قد حضر، و أتاه النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) ينعى إليه نفسه، و أخبره بما له عند اللّه.
و إنّ الحسين (عليه السّلام) قرأ صحيفته التي اعطيها، و فسّر له ما يأتي و ما يبقى، و بقي منها أشياء لم تنقض فخرج إلى القتال، و كانت تلك الامور الّتي بقيت أنّ الملائكة سألت اللّه في نصرته فأذن لها (2) فمكثت تستعدّ للقتال، و تأهّبت لذلك، حتّى قتل فنزلت [الملائكة] و قد انقطعت مدّته و قتل صلوات اللّه عليه، فقالت الملائكة: يا ربّ أذنت لنا في الانحدار، و أذنت لنا في نصرته، فانحدرنا و قد قبضته؟ فأوحى اللّه تبارك و تعالى إليهم أن الزموا قبّته حتّى ترونه و قد خرج فانصروه، و ابكوا عليه و على ما فاتكم من نصرته، و إنّكم خصّصتم بنصرته و البكاء عليه، فبكت الملائكة تقرّبا (3) و جزعا على ما فاتهم من نصرته، فإذا خرج (صلوات الله عليه) يكونون أنصاره.
الكافي: عليّ، عن أبيه، عن الأصمّ، عن أبي عبد اللّه البزّاز، عن حريز مثله. (4)
16- كامل الزيارات: أبي، عن سعد، عن بعض أصحابه، عن أحمد بن قتيبة الهمدانيّ، عن إسحاق بن عمّار، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّي كنت بالحائر (5) ليلة عرفة، و كنت اصلّي، و ثمّ نحو من خمسين ألفا من الناس، جميلة وجوههم،
____________
(1)- ص 85 ح 12 و البحار: 45/ 223 ح 16.
(2)- في المصدر و البحار: لهم.
(3)- في المصدر: حزنا.
(4)- كامل الزيارات ص 87 ح 17، الكافي: 1/ 283 و البحار: 45/ 225 ح 18.
(5)- في الأصل و البحار: بالحيرة.
480
سماواتي و يا أرضي اسكنوا، ثمّ كشف حجابا من الحجب فإذا خلفه محمّد و اثنا عشر وصيّا له (عليهم السّلام) ثمّ أخذ بيد فلان القائم عج من بينهم، فقال: يا ملائكتي و يا سماواتي و يا أرضي بهذا أنتصر لهذا، قالها ثلاث مرّات. (1)
توضيح: جدّدت الشيء أجدّه جدّا قطعته، و جدّ النخل يجدّه أي صرمه، و الجديد وجه الأرض.
19- كامل الزيارات (2): أبي و عليّ بن الحسين معا، عن سعد، عن ابن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: وكّل اللّه بالحسين بن عليّ سبعين ألف ملك يصلّون عليه كلّ يوم شعثا غبرا منذ يوم قتل إلى ما شاء اللّه، يعني بذلك قيام القائم عج (3).
20- كامل الزيارات: بالإسناد عن سعد، عن إبراهيم بن هاشم، عن ابن فضّال، عن ثعلبة، عن مبارك العطّار، عن محمّد بن قيس قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السّلام): عند قبر أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أربعة آلاف ملك شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة. (4)
21- و منه: أبي و ابن الوليد و عليّ بن الحسين جميعا، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الأهوازيّ، عن القاسم بن محمّد، عن إسحاق بن إبراهيم، عن هارون، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: وكّل اللّه به أربعة آلاف ملك شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة. (5)
22- و منه: أبي و أخي معا، عن أحمد بن إدريس و محمّد بن يحيى معا، عن العمركيّ قال: حدّثنا يحيى- و كان في خدمة أبي جعفر الثاني (عليه السّلام)- عن عليّ، عن صفوان الجمّال، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سألته في طريق المدينة و نحن نريد مكّة، فقلت: يا ابن رسول اللّه مالي أراك كئيبا حزينا منكسرا؟ فقال: لو تسمع ما أسمع
____________
(1)- 1/ 534 ح 19 و البحار: 45/ 228 ح 23.
(2)- في الأصل و البحار: المحاسن، و هو سهو ظاهر بقرينة الاسناد.
(3)- ص 84 ح 5 و البحار: 45/ 222 ح 9.
(4)- ص 84 ح 6 و البحار: 45/ 222 ح 10.
(5)- ص 84 ح 7 و البحار: 45/ 222 ح 11.
481
لشغلك عن مساءلتي، قلت: و ما الذي تسمع؟ قال: ابتهال الملائكة إلى اللّه عزّ و جلّ على فتلة أمير المؤمنين (عليه السّلام) و قتلة الحسين (عليه السّلام)، و نوح الجنّ و بكاء الملائكة الذين حوله و شدّة جزعهم، فمن يتهنّأ مع هذا بطعام أو شراب أو نوم و ذكر الحديث. (1)
الكتب:
23- المناقب لابن شهرآشوب: قال الطبريّ: و سمع نوح الملائكة في أوّل منزل نزلوا قاصدين إلى الشام:
أيّها القاتلون جهلا حسينا * * * أبشروا بالعذاب و التنكيل
كلّ أهل السماء يدعو عليكم * * * من نبيّ و مرسل و قتيل (2)
قد لعنتم على لسان ابن داود * * * و موسى و صاحب الانجيل (3)
5- باب نوح الجنّ (عليه السّلام)
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- كامل الزيارات: أبي، عن سعد، عن محمّد بن الحسين، عن نصر بن مزاحم، عن عبد الرحمن بن أبي حمّاد، عن أبي ليلى الواسطيّ، عن عبد اللّه بن حسّان الكناني قال: بكت الجنّ على الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السّلام) فقالت:
ما ذا تقولون إذ قال النبيّ لكم * * * ما ذا فعلتم و أنتم آخر الامم؟
بأهل بيتي و إخواني و مكرمتي * * * من بين أسرى و قتلى ضرّجوا بدم (4)
2- و منه: أبي و جماعة مشايخي، عن سعد، عن محمّد بن يحيى المعاذيّ، عن عبّاد بن يعقوب، عن عمرو بن ثابت، عن عمرو بن عكرمة قال: أصبحنا ليلة قتل الحسين (عليه السّلام) بالمدينة فإذا مولى لنا يقول: سمعنا البارحة مناديا ينادي و (هو) يقول:
أيّها القاتلون جهلا حسينا * * * أبشروا بالعذاب و التنكيل
____________
(1)- ص 92 ح 18 و البحار: 45/ 226 ح 19.
(2)- في المصدر و إحدى نسختي الأصل: و قبيل.
(3)- 3/ 219 و البحار: 45/ 236.
(4)- ص 95 ح 6 و البحار: 45/ 237 ح 4.
482
كلّ أهل السماء يدعو عليكم * * * من نبيّ و مرسل و قتيل (1)
قد لعنتم على لسان ابن داود * * * و ذي الروح حامل الإنجيل (2)
3- و منه: حكيم بن داود بن حكيم، عن سلمة، عن عبد اللّه بن محمّد بن سنان، عن عبد اللّه بن القاسم بن الحارث، عن داود الرقّي، قال: حدّثتني جدّتي أنّ الجنّ لمّا قتل الحسين (عليه السّلام) بكت عليه بهذه الأبيات:
يا عين جودي بالعبر * * * و ابكي فقد حقّ الخبر
ابكي ابن فاطمة الذي * * * ورد الفرات فما صدر
الجنّ تبكي شجوها * * * لمّا أتى منه الخبر
قتل الحسين و رهطه * * * تعسا لذلك من خبر
فلأبكينّك حرقة * * * عند العشاء و بالسحر
و لأبكينّك ما جرى * * * عرق و ما حمل الشجر (3)
4- أمالي الصدوق: ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن أبي الخطّاب، عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن عمرو بن ثابت، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أمّ سلمة زوجة النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) قالت: ما سمعت نوح الجنّ منذ قبض النبيّ إلّا الليلة، و لا أراني إلّا و قد اصبت بابني، قالت: و جاءت الجنيّة منهم تقول:
ألا يا عين فانهملي بجاهد * * * فمن يبكي على الشهداء بعدي
على رهط تقودهم المنايا * * * إلى متجبّر في ملك عبد
كامل الزيارات: محمّد بن جعفر القرشي، عن ابن أبي الخطّاب مثله.
المناقب: أمالي النيسابوري و الطوسي مثله.
و روي في المناقب القديم: عن شهردار الديلميّ، عن محمود بن إسماعيل، عن أحمد بن فازشاه قال: و أخبرني أبو علي مناولة عن أبي نعيم الحافظ قالا: أخبرنا الطبرانيّ، عن القاسم بن عباد الخطّابيّ، عن سويد بن سعيد، عن عمرو بن ثابت مثله
____________
(1)- في المصدر و إحدى نسختي الأصل: و قبيل.
(2)- ص 97 ح 10 و البحار: 45/ 238 ح 6.
(3)- ص 97 ح 11 و البحار: 45/ 238 ح 7.
484
خرائد و خرد و خرّد.
6- كامل الزيارات: أبي، عن سعد، عن ابن يزيد، عن إبراهيم بن عاقبة، عن أحمد بن عمرو بن مسلم، عن الميثميّ قال: خمسة من أهل الكوفة أرادوا نصر الحسين ابن عليّ فعرّسوا (1) بقرية يقال لها: شاهي (2) إذ أقبل عليهم رجلان شيخ و شابّ فسلّما عليهم قال: فقال الشيخ: أنا رجل من الجنّ و هذا ابن أخي أردنا (3) نصر هذا الرجل المظلوم، قال: فقال لهم الشيخ الجنّي: قد رأيت رأيا، قال: فقال الفتية الإنسيّون: و ما هذا الرأي الذي رأيت؟ قال: رأيت أن أطير فآتيكم بخبر القوم فتذهبون على بصيرة، فقالوا له: نعم ما رأيت، قال: فغاب يومه و ليلته، فلمّا كان من الغد إذا هم بصوت يسمعونه و لا يرون الشخص، و هو يقول:
«و اللّه ما جئتكم حتّى بصرت به» إلى آخر ما مرّ من الأبيات سوى بيتين مصدّرين بقوله «فعاقني» و بقوله «فصلّى»، فأجابه بعض الفتية من الإنسيّين [يقول]
اذهب فلا زال قبر أنت ساكنه * * * إلى القيامة يسقى الغيث ممطورا
و قد سلكت سبيلا كنت (4)سالكه * * * و قد شربت بكأس كان مغزورا
و فتية فرّغوا للّه أنفسهم * * * و فارقوا المال و الأحباب و الدورا (5)
7- و منه: حكيم بن داود، عن سلمة بن الخطّاب، عن عمر بن سعد، عن عمرو بن ثابت (6)، عن أبي زياد القنديّ، قال: كان الجصّاصون يسمعون نوح الجنّ حين قتل الحسين بن عليّ في السحر بالجبّانة و هم يقولون:
مسح الرسول جبينه * * * فله بريق في الخدود
أبواه من (7)عليا قريش * * * جدّه (8) خير الجدود (9)
المناقب القديم: عن أبي العلا الحسن بن أحمد الهمدانيّ، عن محمود بن
____________
(1)- في المصدر: فمرّوا، و التعريس: نزول المسافر آخر الليل نزلة للنوم و الاستراحة «النهاية ج 3 ص 206».
(2)- شاهي: موضع قرب القادسيّة «معجم البلدان ج 3 ص 316».
(3)- في الأصل و البحار: أراد.
(4)- في المصدر: أنت.
(5)- ص 93 ح 2 و البحار: 45/ 240 ح 10.
(6)- في المصدر: عمر بن سعد و عمرو بن ثابت.
(7)- في البحار: في.
(8)- في الأصل: و جدّه.
(9)- ص 94 ح 3 و البحار: 45/ 241 ح 11.
483
و فيه: ألا يا عين فاحتفلي بجاهد. (1)
5- مجالس المفيد و أمالي الطوسي: المفيد، عن عمر بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن عبد الكريم بن محمّد، عن سليمان بن مقبل الحارثيّ، عن المحفوظ بن المنذر قال: حدّثني شيخ من بني تميم كان يسكن الرابية، قال: سمعت أبي يقول: ما شعرنا بقتل الحسين (عليه السّلام) حتى كان مساء ليلة عاشوراء، فإنّي لجالس بالرابية و معي رجل من الحيّ فسمعنا هاتفا يقول:
و اللّه ما جئتكم حتّى بصرت به * * * بالطفّ منعفر الخدّين منحورا
و حوله فتية تدمى نحورهم * * * مثل المصابيح يطفون الدجى نورا
و قد حثثت قلوصي (2)كي اصادفهم * * * من قبل أن تتلاقى الحرّد (3) الحورا
فعاقني قدر، و اللّه بالغه * * * و كان أمرا قضاه اللّه مقدورا
كان الحسين سراجا يستضاء به * * * اللّه يعلم أنّي لم أقل زورا
صلّى الإله على جسم تضمّنه * * * قبر الحسين حليف الخير مقبورا
مجاورا لرسول اللّه في غرف * * * و للوصيّ و للطيّار مسرورا
فقلنا له: من أنت يرحمك اللّه؟ قال: أنا و آلي (4) من جنّ نصيبين، (5) أردنا مؤازرة الحسين و مواساته بأنفسنا، فانصرفنا من الحجّ فأصبناه قتيلا. (6)
توضيح: «حرّد» جمع حارد من قولهم: «أسد حارد» أي غضبان، أو من قولهم: «حرد الرجل حرودا» إذا تحوّل عن قومه، و فيما سيأتي من رواية ابن قولويه «من قبل ما أن يلاقوا الخرّد الحورا» و هو أظهر، قال الفيروزآباديّ: «الخريد» و بهاء و الخرود: البكر لم تمسس أو الخفرة الطويلة السكوت الخافضة الصوت المتستّرة، و الجمع
____________
(1)- أمالي الصدوق ص 120 ح 2، كامل الزيارات ص 93 ح 1، مناقب ابن شهرآشوب: 3/ 219 و البحار:
45/ 238 ح 8.
(2)- القلوص: الناقة الشابّة «النهاية ج 4 ص 100»
(3)- في المصدرين: الخرّد.
(4)- في المصدرين: و أبي.
(5)- نصيبين: مدينة عامرة من بلاد الجزيرة على جادة القوافل من الموصل إلى الشام و فيها و في قراها على ما يذكر أهلها أربعون ألف بستان «معجم البلدان ج 5 ص 288».
(6)- أمالي المفيد ص 320 ح 7، أمالي الطوسي 1/ 89 و البحار: 45/ 239 ح 9.
485
إسماعيل، عن أحمد بن محمّد بن الحسين، عن أبي القاسم اللخميّ، عن محمّد بن عثمان، عن جندل بن والق، عن عبد اللّه بن الطفيل، عن أبي زيد الفقيميّ، عن أبي حباب الكلبيّ، عن الجصّاصين؛ مثله. (1)
8- كامل الزيارات: بالإسناد، عن عمر بن سعد، عن الوليد بن غسّان، عمّن حدّثه قال: كانت الجنّ تنوح على الحسين بن علي (صلوات الله عليهما) فتقول:
لمن الأبيات بالطفّ على كره بنينه * * * تلك أبيات حسين يتجاوبن الرنينة (2)
9- و منه: حكيم بن داود، عن سلمة، عن أيّوب بن سليمان، عن عليّ بن الحزوّر قال: سمعت ليلى و هي تقول: سمعت نوح الجنّ على الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) و هي تقول:
يا عين جودي بالدموع فإنّما * * * يبكي الحزين بحرقة و تفجّع (3)
يا عين ألهاك الرقاد بطيبه * * * من ذكر آل محمّد و توجّع
باتت ثلاثا بالصعيد جسومهم * * * بين الوحوش و كلّهم في مصرع (4)
الأئمّة: علي بن الحسين (عليهم السّلام)
10- المناقب لابن شهرآشوب: في خطبة السجّاد (عليه السّلام) في مجلس يزيد: أنا ابن من ناحت عليه الجنّ في الأرض و الطير في الهواء (5).
الرضا (عليه السّلام)
11- كامل الزيارات: حكيم بن داود، عن سلمة، عن عليّ بن الحسين، عن معمّر بن خلّاد، عن أبي الحسن الرضا (عليه السّلام) قال: بينا الحسين (عليه السّلام) يسير في جوف الليل و هو متوجّه إلى العراق و إذا رجل يرتجز و يقول:
و حدّثني أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن معمّر بن خلّاد، عن الرضا
____________
(1)- البحار: 45/ 241 ح 11.
(2)- ص 95 ح 4 و البحار: 45/ 241 ح 12.
(3)- في الأصل و البحار: و توجع.
(4)- ص 95 ح 5 و البحار: 45/ 241 ح 13.
(5)- 3/ 305 و البحار: 45/ 174.
487
و ذكر ابن الجوزيّ في كتاب النور في فضائل الأيّام و الشهور نوح الجنّ عليه فقالت:
لقد جئن نساء الجنّ يبكين شجيّات * * * و يلطمن خدودا كالدنانير نقيّات
و يلبسن الثياب السود بعد القصبيّات (1).
13- المناقب لابن شهرآشوب: قال دعبل: حدّثني أبي، عن جدّي، عن امّه سعدى بنت مالك الخزاعيّة أنّها سمعت نوح الجنّ على الحسين (عليه السّلام):
يا ابن الشهيد و يا شهيدا عمّه * * * خير العمومة جعفر الطيّار
عجبا لمصقول أصابك حدّه * * * في الوجه منك و قد علاك غبار
إبانة بن بطّة أنّه سمع من نوحهم:
أيا عين جودي و لا تجمدي * * * وجودي على الهالك السيّد
فبالطفّ أمسى صريعا فقد * * * رزئنا الغداة بأمر بدي
و من نوحهم:
نساء الجنّ يبكين من الحزن شجيّات * * * و أسعدن بنوح للنساء الهاشميّات
و يندبن حسينا عظمت تلك الرزيّات * * * و يلطمن خدودا كالدنانير نقيّات
و يلبسن ثياب السود بعد القصبيّات
و من نوحهم:
احمرّت الأرض من قتل الحسين كما * * * اخضرّ عند سقوط الجونة العلق
يا ويل قاتله يا ويل قاتله * * * فإنّه في سعير (2)النار يحترق
[و من نوحهم:]
أبكي ابن فاطمة الذي * * * من قتله شاب الشعر
و لقتله زلزلتم * * * و لقتله خسف القمر
و سمع نوح جنّ قصدوه لمؤازرته:
____________
(1)- مثير الاحزان ص 107 البحار: 45/ 235 ح 2.
(2)- في المصدر: شفير.
486
(عليه السّلام) مثل ألفاظ سلمة قال: و هو يقول:
يا ناقتي لا تذعري من زجري * * * و شمّري قبل طلوع الفجر
بخير ركبان و خير سفر * * * حتّى تحلّى بكريم القدر (1)
بماجد الجدّ رحيب الصدر * * * أبانه (2)اللّه لخير أمر
ثمّت أبقاه بقاء الدهر
فقال الحسين بن عليّ (عليهما السّلام):
سأمضى و ما بالموت عار على الفتى * * * إذا ما نوى حقّا و جاهد مسلما
و واسى الرجال الصالحين بنفسه * * * و فارق مثبورا و خالف مجرما
فإن عشت لم أندم و إن متّ لم الم * * * كفى بك موتا أن تذلّ و تغرما (3)
الكتب:
12- مثير الأحزان: ناحت عليه الجنّ و كان نفر من أصحاب النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) منهم المسور بن مخرمة يستمعون النوح و يبكون.
و ذكر صاحب الذخيرة: عن عكرمة أنّه سمع ليلة قتله بالمدينة مناد يسمعونه و لا يرون شخصه:
أيّها القاتلون جهلا حسينا * * * أبشروا بالعذاب و التنكيل
كلّ أهل السماء تبكي عليكم * * * من نبيّ و ملاك و قبيل (4)
قد لعنتم على لسان ابن داود * * * و موسى و صاحب الإنجيل
و روي أنّ هاتفا سمع بالبصرة ينشد ليلا:
إنّ الرماح الواردات صدورها * * * نحو الحسين تقاتل التنزيلا
و يهلّلون بأن قتلت و إنّما * * * قتلوا بك التكبير و التهليلا
فكأنّما قتلوا أباك محمّدا * * * صلّى عليه اللّه أو جبريلا
____________
(1)- في البحار: البحر.
(2)- في البحار: أثابه.
(3)- ص 95 ح 7، 8 و البحار: 45/ 237 ح 5.
(4)- و قتيل/ خ.
488
و اللّه ما جئتكم حتى بصرت به * * * بالطفّ منعفر الخدّين منحورا (1)
توضيح: «بأمر بديّ» أي بأمر بديع غريب، و قال الجوهريّ: «الجونة» عين الشمس و إنّما سمّيت جونة عند مغيبها لأنّها تسودّ حين تغيب، و العلق القطعة من الدم أي كما يخضرّ الافق عند سقوط الشفق (2)، و لعلّ الأظهر كما احمرّ.
6- باب ما وقع على الوحوش من قتله (عليه السّلام)
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- الكافي: الحسين بن أحمد قال: حدّثني أبو كريب و أبو سعيد الأشجّ قال:
حدّثنا عبد اللّه بن إدريس، عن أبيه إدريس بن عبد اللّه الأوديّ قال: لمّا قتل الحسين (عليه السّلام) أراد القوم أن يوطئوه الخيل، فقالت فضّة لزينب: يا سيّدتي إنّ سفينة كسر به في البحر فخرج به إلى جزيرة فإذا هو بأسد، فقال: يا أبا الحارث أنا مولى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فهمهم بين يديه حتّى وقفه على الطريق، و الأسد رابض في ناحية، فدعيني امضي إليه فاعلمه ما هم صانعون غدا.
قال: فمضت إليه، فقالت: يا أبا الحارث فرفع رأسه، ثمّ قالت: أ تدري ما يريدون أن يعلموا غدا بأبي عبد اللّه (عليه السّلام)؟ يريدون أن يوطئوا الخيل ظهره، قال: فمشى حتى وضع يديه على جسد الحسين (عليه السّلام)، فأقبلت الخيل فلمّا نظروا إليه، قال لهم عمر ابن سعد لعنه اللّه: فتنة لا تثيروها، فانصرفوا. (3)
توضيح: قولها: «إنّ سفينة كسر به» إشارة إلى قصّة سفينة مولى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و أنّ الأسد ردّه إلى الطريق، و قد مرّ بأسانيد في أبواب معجزات الرسول (4) (صلى اللّه عليه و آله) و أبو الحارث من كنى الأسد.
الأئمّة: أمير المؤمنين (عليهم السّلام)
2- كامل الزيارات: أبي و عليّ بن الحسين معا، عن سعد، عن ابن
____________
(1)- 3/ 219 و البحار: 45/ 236 ح 3.
(2)- الشمس/ خ.
(3)- عن الكافي 1/ 465 ح 8 سفينة: لقب مولى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، يكنى: أبا ريحانة، و اسمه قيس، و كسر به في البحر يعني الفلك و البحار: 45/ 169 ح 17.
(4)- راجع المجلد التاسع ج 4 ص 440 من عوالم العلوم (مخطوط).
489
عيسى، عن أحمد بن داود، عن سعيد بن عمرو الجلّاب (1)، عن الحارث الأعور قال: قال عليّ: بأبي و امّي الحسين المقتول بظهر الكوفة و اللّه كأنّي أنظر إلى الوحوش مادّة أعناقها على قبره من أنواع الوحش يبكونه و يرثونه ليلا حتّى الصباح فإذا كان كذلك فإيّاكم و الجفاء (2).
3- علل الشرائع و الأمالي للصدوق: في حديث ميثم التمّار، عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) أنّه يبكي عليه كلّ شيء حتّى الوحوش في الفلوات- الخبر (3)-.
4- كامل الزيارات: محمّد بن جعفر الرزّاز، عن خاله محمّد بن الحسين، عن ابن بزيع، عن أبي اسماعيل السرّاج، عن يحيى بن معمّر، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: بكت الإنس و الجنّ و الطير و الوحش على الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) حتى ذرفت دموعها.
و منه: أبي و جماعة مشايخي، عن سعد و محمّد العطّار معا، عن محمّد بن الحسين مثله (4).
الصادق، عن أبيه، عن جدّه، عن الحسن (صلوات الله عليهم أجمعين)
5- أمالي الصدوق: قد مرّ في باب إخبار الحسن الحسين (عليهما السّلام) بشهادته أنّه قال: يبكي عليك كلّ شيء حتّى الوحوش في الفلوات و الحيتان في البحار. (5)
7- باب ما وقع على الطيور لقتله
الأخبار: الأئمّة: عليّ بن الحسين (عليهم السّلام)
1- المناقب لابن شهرآشوب: في خطبة عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) في مجلس يزيد: أنا ابن من ناحت عليه الجنّ في الأرض و الطير في الهواء. (6)
____________
(1)- في المصدر: سعيد بن عمر الجلّاب.
(2)- ص 79 ح 2 و البحار: 45/ 205 ح 9.
(3)- علل الشرائع: 1/ 227 ح 3، أمالي الصدوق ص 110 ح 1 و البحار: 45/ 202 ح 4.
(4)- ص 79 ح 1 و البحار: 45/ 205 ح 8.
(5)- ص 101 ح 3 و البحار: 45/ 218 ح 44.
(6)- 3/ 305 و البحار: 45/ 174.
490
الصادق، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين (عليهم السّلام)
2- المناقب القديم: عن عليّ بن أحمد العاصميّ، عن إسماعيل بن أحمد البيهقيّ، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه الحافظ، عن يحيى بن محمّد العلويّ، عن الحسين بن محمّد العلويّ، عن أبي عليّ الطرسوسيّ، عن الحسن بن عليّ الحلوانيّ، عن عليّ بن يعمر، عن إسحاق بن عبّاد، عن المفضّل بن عمر الجعفيّ، عن جعفر بن محمّد الصادق، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) قال: لمّا قتل الحسين (عليه السّلام) جاء غراب فوقع في دمه، ثمّ تمرّغ ثمّ طار فوقع بالمدينة على جدار فاطمة بنت الحسين بن عليّ و هي الصغرى فرفعت رأسها فنظرت إليه فبكت بكاء شديدا و أنشأت تقول:
نعب الغراب فقلت: من * * * تنعاه ويلك يا غراب
قال الإمام بدلا من: فقلت: من؟ * * * قال: الموفّق للصواب
إنّ الحسين بكربلاء * * * بين الأسنّة و الضراب
فابكي الحسين بعبرة * * * ترجي الإله مع الثواب
قلت: الحسين؟ فقال لي: حقّا لقد سكن الترابثمّ استقلّ به الجناح
فلم يطق ردّ الجواب
فبكيت ممّا حلّ بي * * * بعد الدعاء المستجاب
قال محمّد بن عليّ: فنعته (1) لأهل المدينة، فقالوا: قد جاءتنا بسحر عبد المطّلب، فما كان بأسرع أن جاءهم الخبر بقتل الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) (2).
توضيح: «نعب الغراب» أي صاح.
وحده 3- الكافي: عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن أحمد، عن الحسن بن عليّ (3)، عن يونس، عن مصقلة الطحّان، قال: سمعت أبا عبد اللّه يقول: لمّا قتل الحسين (عليه السّلام) أقامت امرأته الكلبيّة عليه مأتما و بكت (عليه) و بكين النساء
____________
(1)- في البحار: فنعتته.
(2)- البحار: 45/ 171 ح 19.
(3)- في الأصل و البحار: الحسين بن عليّ.
492
و منه: أبي و جماعة مشايخي، عن سعد، عن الجامورانيّ بإسناده مثله. (1)
6- و منه: ابن الوليد و جماعة مشايخي، عن سعد، عن اليقطينيّ، عن صفوان، عن الحسين بن أبي غندر، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سمعته يقول في البومة، فقال: هل أحد منكم رآها نهارا؟ قيل له: لا تكاد تظهر بالنهار، و لا تظهر إلّا ليلا، قال: أما إنّها لم تزل تأوي العمران أبدا فلمّا أن قتل الحسين (عليه السّلام) آلت على نفسها أن لا تأوي العمران أبدا و لا تأوي إلّا الخراب، فلا تزال نهارها صائمة حزينة حتّى يجنّها الليل، فإذا جنّها الليل فلا تزال ترنّ على الحسين (عليه السّلام) حتّى تصبح (2).
7- و منه: محمّد بن جعفر الرزّاز، عن ابن أبي الخطّاب، عن ابن فضّال، عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إنّ البومة لتصوم النهار فإذا أفطرت تدلّهت (3) على الحسين (عليه السّلام) حتّى تصبح (4).
توضيح: قال الفيروزآباديّ: «الدّله» محرّكة و الدّلوه: ذهاب الفؤاد من همّ و نحوه، و دلّهه العشق تدليها فتدلّه.
8- كامل الزيارات: عليّ بن الحسين، عن سعد، عن موسى بن عمر، عن الحسن بن عليّ الميثمي قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): يا يعقوب (5) رأيت بومة قطّ تنفس بالنهار؟ فقال: لا، قال: و تدري لم ذلك؟ قال: لا، قال: لأنّها تظلّ يومها صائمة [على ما رزقها اللّه] فإذا جنّها الليل أفطرت على ما رزقت، ثمّ لم تزل ترنّم (6) على الحسين (عليه السّلام) حتى تصبح. (7)
توضيح: لعلّ التنفّس كناية عن التصويب أو عن الأكل و الشرب، قال
____________
(1)- ص 98 ح 2 و البحار: 45/ 213 ح 33.
(2)- ص 98 ح 1 و البحار: 45/ 213 ح 34.
(3)- في المصدر: أندبت.
(4)- ص 99 ح 3 و البحار: 45/ 214 ح 36.
(5)- هكذا في النسخ و البحار: 45/ 214 ح 37، و لا يخفى ما فيه من الإشكال، و عليه ففي الرواية احتمالان، الأوّل: انّ يعقوب بن شعيب الميثميّ حاضرا في المجالس و خطاب الإمام معه، و الثاني: انّ العلّامة المجلسي نقل عين الرواية في البحار: 64/ 330 ح 4 بلفظ: «يا با يعقوب» و لعلها كنية الحسن بن عليّ الميثميّ، فلا إشكال إذن.
(6)- ترنّ/ خ.
(7)- ص 99 ح 4 و البحار: 45/ 214 ح 37.
491
و الخدم حتّى جفّت دموعهنّ و ذهبت، فبينا هي كذلك إذ رأت جارية من جواريها تبكي و دموعها تسيل، فدعتها، فقالت لها: مالك أنت من بيننا تسيل دموعك؟ قالت:
إنّي لمّا أصابني الجاهد شربت شربة سويق، قال [أبو عبد اللّه]: فأمرت [زوجته] بالطعام و الأسوقة فأكلت و شربت و أطعمت و سقت و قالت: إنّما نريد بذلك أن نتقوّى على البكاء على الحسين (عليه السّلام).
قال: و اهدي إلى الكلبيّة جؤنا لتستعين بها على مأتم الحسين (عليه السّلام)، فلمّا رأت الجؤن قالت: ما هذه؟ قالوا: هديّة أهداها فلان لتستعيني بها على مأتم الحسين (عليه السّلام)، فقالت: لسنا في عرس فما نصنع بها؟ ثمّ أمرت بهنّ فاخرجن من الدار، فلمّا اخرجن من الدار لم يحسّ لها حسّ كأنّما طرن بين السماء و الأرض، و لم ير لهنّ بعد خروجهنّ من الدار أثر. (1)
توضيح: «الجونيّ» بالضمّ ضرب من القطا سود البطون و الأجنحة، ذكره الجوهريّ و كأنّ الجون بالضمّ أو كصرد جمعه و إن لم يذكره اللغويّون، و قوله:
«و أهدى» أي رجل و الظاهر اهدي على بناء المجهول، و رفع جون، و لعلّ فقد هنّ على سبيل الإعجاز ذهب بهنّ إلى الجنّة، و يحتمل أن يكون الآتي بهنّ من الملائكة أيضا.
4- كامل الزيارات: أبي و عليّ بن الحسين، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفليّ، عن السكونيّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: اتّخذوا الحمام الراعبيّة في بيوتكم فإنّها تلعن قتلة الحسين (عليه السّلام) (2).
5- و منه: أبي و أخي و عليّ بن الحسين و محمّد بن الحسن جميعا، عن أحمد ابن إدريس، عن الجامورانيّ، عن ابن البطائنيّ، عن صندل، عن داود بن فرقد قال:
كنت جالسا في بيت أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فنظرت إلى الحمام الراعبي يقرقر طويلا فنظر إليّ أبو عبد اللّه (عليه السّلام) طويلا، فقال: يا داود [أ] تدري ما يقول هذا الطير؟ قلت:
لا و اللّه جعلت فداك، قال: تدعو على قتلة الحسين صلوات اللّه عليه، فاتّخذوه في منازلكم.
____________
(1)- 1/ 466 ح 9 و البحار: 45/ 170 ح 18.
(2)- ص 98 ح 1 و البحار: 45/ 213 ح 32.
493
الفيروزآباديّ: «تنفّس في الإناء» شرب من غير أن يبينه عن فيه انتهى. أو عن التفرّج و التوسّع يقال: «أنت في نفس من عمرك» أي في سعة و فسحة، و قال الجزريّ فيه:
فلو كنت تنفّست أي أطلت الكلام.
الرضا (عليه السّلام)
9- كامل الزيارات: حكيم بن داود بن حكيم، عن سلمة، عن الحسين بن عليّ بن صاعد البربريّ قيّما لقبر الرضا (عليه السّلام) قال: حدّثني أبي، قال: دخلت على الرضا (عليه السّلام) فقال لي: ترى هذه البومة، ما يقول الناس؟ قال: قلت: جعلت فداك جئنا نسألك، قال: فقال [لي]: هذه البومة كانت على عهد جدّي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) تأوي المنازل و القصور و الدور، و كانت إذا أكل الناس الطعام تطير فتقع أمامهم، فيرمى إليها بالطعام و تسقى ثمّ ترجع إلى مكانها، و لمّا قتل الحسين بن عليّ (صلوات الله عليهما) خرجت من العمران إلى الخراب و الجبال و البراري، و قالت: بئس الأمّة أنتم قتلتم ابن نبيّكم و لا آمنكم على نفسي. (1)
الكتب:
10- في بعض مؤلّفات الأصحاب: قال: و روي عن طريق أهل البيت (عليهم السّلام) أنّه لمّا استشهد الحسين (عليه السّلام) بقي في كربلاء صريعا، و دمه على الأرض مسفوحا، و إذا بطائر أبيض قد أتى و تمسّح بدمه، و جاء و الدم يقطر منه فرأى طيورا تحت الظلال على الغصون و الأشجار، و كلّ منهم يذكر الحبّ و العلف و الماء، فقال لهم ذلك الطير المتلطّخ بالدم: يا ويلكم أ تشتغلون بالملاهي، و ذكر الدنيا و المناهي، و الحسين (عليه السّلام) في أرض كربلاء في هذا الحرّ ملقى على الرمضاء، ظام مذبوح و دمه مسفوح، فعادت الطيور كلّ منهم قاصدا كربلاء، فرأوا سيّدنا الحسين (عليه السّلام) ملقى في
____________
(1)- ص 99 ح 2 و البحار: 45/ 214 ح 35.
494
الأرض جثّة بلا رأس و لا غسل و لا كفن، قد سفت عليه السوافي، و بدنه مرضوض قد هشمته الخيل بحوافرها، زوّاره وحوش القفار، و ندبته جنّ السهول و الأوعار، (و) قد أضاء التراب من أنواره، و أزهر الجوّ من أزهاره.
فلمّا رأته الطيور، تصايحن و أعلنّ بالبكاء و الثبور، و تواقعن على دمه يتمرّغن فيه، و طار كلّ واحد منهم إلى ناحية يعلم أهلها عن قتل أبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام)، فمن القضاء و القدر أنّ طيرا من هذه الطيور قصد مدينة الرسول، و جاء يرفرف و الدم يتقاطر من أجنحته و دار حول قبر سيّدنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يعلن بالنداء: ألا قتل الحسين (عليه السّلام) بكربلاء، ألا ذبح الحسين بكربلاء! فاجتمعت الطيور عليه و هم يبكون عليه و ينوحون.
فلمّا نظر أهل المدينة من الطيور ذلك النوح، و شاهدوا الدم يتقاطر من الطير، لم يعلموا ما الخبر حتّى انقضت مدّة من الزمان، و جاء خبر مقتل الحسين (عليه السّلام) علموا أنّ ذلك الطير كان يخبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بقتل ابن فاطمة البتول، و قرّة عين الرسول (صلى اللّه عليه و آله).
و قد نقل أنّه كان في ذلك اليوم الذي جاء فيه الطير إلى المدينة، كان في المدينة رجل يهوديّ له بنت عمياء زمناء طرشاء مشلولة، و الجذام قد أحاط ببدنها، فجاء ذلك الطائر و الدم يتقاطر منه، و وقع على شجرة، يبكي طول ليلته، و كان اليهوديّ قد أخرج ابنته تلك المريضة إلى خارج المدينة إلى بستان و تركها في البستان الذي جاء الطير و وقع فيه، فمن القضاء و القدر أنّ تلك الليلة عرض لليهوديّ عارض فدخل المدينة لقضاء حاجته، فلم يقدر أن يخرج تلك الليلة إلى البستان التي فيها ابنته المعلولة، و البنت لمّا نظرت أباها لم يأت (1) تلك الليلة لم يأتها نوم لوحدتها، لأنّ أباها كان يحدّثها و يسلّيها حتّى تنام.
فسمعت عند السحر بكاء الطير و حنينه، فبقيت تتقلّب على وجه الأرض إلى أن صارت تحت الشجرة التي عليها الطير، فصارت كلّما حنّ ذلك الطير تجاوبه من قلب
____________
(1)- في البحار: يأتها.
495
محزون، فبينما هي كذلك، إذ وقعت قطرة من الدم، فوقعت على عينها ففتحت، ثمّ قطرة اخرى على عينها الاخرى فبرأت، ثمّ قطرة على يديها فعوفيت، ثمّ على رجليها فبرأت، و عادت كلّما قطرت قطرة من الدم تلطّخ به جسدها، فعوفيت من جميع مرضها من بركات دم الحسين (عليه السّلام).
فلمّا أصبحت أقبل أبوها إلى البستان فرأى بنتا تدور و لم يعلم أنّها ابنته فسألها أنّه كان لي في البستان ابنة عليلة لم تقدر أن تتحرّك، فقالت ابنته: و اللّه أنا ابنتك، فلمّا سمع كلامها وقع مغشيّا عليه، فلمّا أفاق قام على قدميه فأتت به إلى ذلك الطير، فرآه واكرا على الشجرة يئنّ من قلب حزين محترق ممّا رأى ممّا فعل بالحسين (عليه السّلام).
فقال له اليهوديّ: أقسمت عليك بالذي خلقك أيّها الطير أن تكلّمني بقدرة اللّه تعالى، فنطق الطير مستعبرا، ثمّ قال: إنّي كنت واكرا على بعض الأشجار مع جملة الطيور عند الظهيرة، و إذا بطير ساقط علينا، و هو يقول: أيّتها الطيور تأكلون و تتنعّمون، و الحسين في أرض كربلاء في هذا الحرّ على الرمضاء طريحا ظامئا و النحر دام، و رأسه مقطوع، على الرمح مرفوع، و نساؤه سبايا، حفاة عرايا، فلمّا سمعن بذلك تطايرن إلى كربلاء، فرأيناه في ذلك الوادي طريحا، الغسل من دمه، و الكفن الرمل السافي عليه، فوقعنا كلّنا عليه ننوح و نتمرّغ بدمه الشريف، و كان كلّ منّا طار إلى ناحية فوقعت أنا في هذا المكان.
فلمّا سمع ذلك اليهوديّ تعجّب، و قال: لو لم يكن الحسين (عليه السّلام) ذا قدر رفيع عند اللّه ما كان دمه شفاء من كلّ داء، ثمّ أسلم اليهوديّ و أسلمت البنت و أسلم خمسمائة من قومه. (1)
في بعض كتب المناقب المعتبرة: بالإسناد، عن أبي عبد اللّه الحافظ، عن الزبير بن عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه بن وصيف، عن الشطاخ (2) الورّاق قال: سمعت الفتح بن مثخرف (3) العابد يقول: أ فتّ (4) الخبز للعصافير كلّ يوم فكانت تأكل، فلمّا كان
____________
(1)- البحار: 45/ 191.
(2)- في البحار: المشطاح.
(3)- في البحار: الفتح بن شخرف.
(4)- فتّ: كسره بأصابعه.
496
يوم عاشوراء فتّت لها فلم تأكل، فعلمت أنّها امتنعت لقتل الحسين بن عليّ (عليهما السّلام). (1)
8- باب حال الشجر و النباتات من قتله (عليه السّلام)
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- في بعض كتب المناقب المعتبرة: إنّه روي عن السيّد الحفّاظ أبي منصور الديلميّ، عن الرئيس أبي الفتح الهمدانيّ، عن أحمد بن الحسين الحنفيّ، عن عبد اللّه بن جعفر الطبريّ، عن عبد اللّه بن محمّد التميميّ، عن محمّد بن الحسن العطّار، عن عبد اللّه بن محمّد الأنصاريّ، عن عمارة بن زيد، عن بكر بن حارثة، عن محمد بن إسحاق، عن عيسى بن عمر، عن عبد اللّه بن عمر الخزاعيّ، عن هند بنت الجون قالت: نزل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بخيمة خالتها أمّ معبد و معه أصحاب له، فكان من أمره في الشاة ما قد عرفه الناس، فقال في الخيمة هو و أصحابه حتّى أبرد، و كان يوم قائظ شديد حرّه.
فلمّا قام من رقدته دعا بماء فغسّل يديه فأنقاهما ثمّ مضمض فاه و مجّه على عوسجة كانت إلى جنب خيمة خالتها ثلاث مرّات، و استنشق ثلاثا و غسّل وجهه و ذراعيه ثمّ مسح برأسه و رجليه و قال: لهذه العوسجة شأن. ثمّ فعل من كان معه من أصحابه مثل ذلك، ثمّ قام فصلّى ركعتين، فعجبت و فتيات الحيّ من ذلك و ما كان عهدنا و لا رأينا مصلّيا قبله.
فلمّا كان من الغد أصبحنا و قد علت العوسجة حتّى صارت كأعظم دوحة عارية و أبهى و خضد اللّه شوكها، و ساخت عروقها، و كثرت أفنانها، و اخضرّ ساقها و ورقها، ثمّ أثمرت بعد ذلك، و أينعت بثمر كأعظم ما يكون من الكمأة في لون الورس المسحوق، و رائحة العنبر، و طعم الشهد، و اللّه ما أكل منها جائع إلّا شبع، و لا ظمان إلّا روي، و لا سقيم إلّا برأ، و لا ذو حاجة و فاقة إلّا استغنى، و لا أكل من ورقها بعير و لا ناقة و لا شاة إلّا سمنت و درّ لبنها، و رأينا النماء و البركة في أموالنا منذ يوم نزل،
____________
(1)- البحار: 45/ 310.
497
و أخصبت بلادنا و أمرعت، فكنّا نسمّي تلك الشجرة «المباركة» و كان ينتابنا (1) من حولنا من أهل البوادي يستظلّون بها، و يتزوّدون من ورقها في الأسفار، و يحملون معهم في الأرض القفار، فيقوم لهم مقام الطعام و الشراب.
فلم تزل كذلك، و على ذلك أصبحنا ذات يوم و قد تساقط ثمارها، و اصفرّ ورقها، فأحزننا ذلك و فرقنا (2) له، فما كان إلّا قليل حتى جاء نعي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فإذا هو قد قبض ذلك اليوم، فكانت بعد ذلك تثمر ثمرا دون ذلك في العظم و الطعم و الرائحة، فأقامت على ذلك ثلاثين سنة، فلمّا كانت ذات يوم أصبحنا و إذا بها قد تشوّكت من أوّلها إلى آخرها، فذهبت نظارة عيدانها، و تساقط جميع ثمرها، فما كان إلّا يسيرا حتّى وافى مقتل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام)، فما أثمرت بعد ذلك لا قليلا و لا كثيرا، و انقطع ثمرها و لم نزل و من حولنا نأخذ من ورقها و نداوي مرضانا بها، و نستشفي به من أسقامنا.
فأقامت على ذلك برهة طويلة، ثمّ أصبحنا ذات يوم فإذا بها قد انبعث من ساقها دما عبيطا جاريا، و ورقها ذابلة تقطر دما كماء اللحم، فقلنا: إن قد حدث عظيمة، فبتنا ليلتنا فزعين مهمومين نتوقّع الداهية، فلمّا اظلمّ الليل علينا سمعنا بكاء و عويلا من تحتها و جلبة شديدة و رجّة، و سمعنا صوت باكية تقول:
أيا ابن النبيّ و يا ابن الوصيّ * * * و يا بقيّة (3)ساداتنا الأكرمينا
ثم كثرت الرنّات و الأصوات فلم نفهم كثيرا ممّا كانوا يقولون، فأتانا بعد ذلك قتل الحسين (عليه السّلام) و يبست الشجرة و جفّت، فكسرتها الرياح و الأمطار بعد ذلك، فذهبت و اندرس أثرها.
قال عبد اللّه بن محمّد الأنصاري: فلقيت دعبل بن علي الخزاعيّ بمدينة الرسول (صلى اللّه عليه و آله) فحدّثته بهذا الحديث فلم ينكره و قال: حدّثني أبي، عن جدّي، عن امّه سعيدة بنت مالك الخزاعيّة أنّها أدركت تلك الشجرة فأكلت من ثمرها على عهد عليّ بن أبي
____________
(1)- يأتينا/ خ.
(2)- أي خفنا و فزعنا.
(3)- في البحار و إحدى نسختي الأصل: و يا من بقيّة.
499
9- باب ما ظهر من شهادته (عليه السّلام) في البحار و الجبال
الكتب السالفة:
1- بعض مؤلّفات الأصحاب: عن كعب الأحبار حين أسلم في أيّام خلافة عمر بن الخطّاب و جعل الناس يسألونه عن الملاحم التي تظهر في آخر الزمان فصار كعب يخبرهم بأنواع الأخبار و الملاحم و الفتن التي تظهر في العالم ثم قال: و أعظمها فتنة و أشدّها مصيبة لا تنسى إلى أبد الآبدين، مصيبة الحسين (عليه السّلام) و هي الفساد التي ذكره اللّه في كتابه المجيد حيث قال: «ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ» (1) و إنّما فتح الفساد بقتل هابيل بن آدم، و ختم بقتل الحسين (عليه السّلام)، و ساق إلى أن قال: و إنّه يسمّى في السماء حسنا المذبوح، و في الأرض أبا عبد اللّه المقتول، و في البحار الفرخ الأزهر الظلوم، و إنّه يوم قتله تنكسف الشمس بالنهار، و في (2) الليل ينخسف القمر و تدوم الظلمة على الناس ثلاثة أيّام، و تمطر السماء دما (و رمادا)، و تدكدك الجبال و تغطمط (3) البحار، و لو لا بقيّة من ذرّيّته و طائفة من شيعته الذين يطلبون بدمه و يأخذون بثأره لصبّ اللّه عليهم نارا من السماء أحرقت الأرض و من عليها- الخبر-. (4)
2- كامل الزيارات: في حديث أبي ذرّ المتقدّم ذكره في باب جوامع ما ظهر بعد شهادته (5): و إنّكم لو تعلمون ما يدخل على أهل البحار، و سكّان الجبال في الغياض و الآكام، و أهل السماء و من قتله، لبكيتم و اللّه حتّى تزهق أنفسكم- الخبر-. (6)
الأخبار: الأئمّة: أمير المؤمنين (عليهم السّلام)
3- علل الشرائع و أمالي الصدوق: في حديث ميثم التمّار عن أمير المؤمنين
____________
(1)- الروم: 41.
(2)- في البحار و إحدى نسختي الأصل: و من.
(3)- الغطمطة: التطام الأمواج «لسان العرب، مادة غطم».
(4)- البحار: 45/ 315.
(5)- تقدم في ص 455 ح 1 من كتابنا هذا.
(6)- ص 74 و البحار: 45/ 219 ح 47.
500
(عليه السّلام): و إنّه يبكي عليه كلّ شيء حتى الوحوش في الفلوات، و الحيتان في البحر، و الطير في السماء- الخبر- (1).
علي بن الحسين (عليهما السّلام)
4- اللهوف: في خطبة السجّاد حين قدومه المدينة من كربلاء: فقد بكت السبع الشداد لقتله، و بكت البحار بأمواجها- إلى قوله- و الحيتان و لجج البحار. (2)
الصادق، عن أبيه، عن جدّه، عن الحسن (عليهم السّلام)
5- أمالي الصدوق: قد مرّ في إخبار الحسن الحسين (عليهما السّلام) بشهادته أنّه قال للحسين (عليه السّلام): يبكي عليك كلّ شيء حتى الوحوش في الفلوات، و الحيتان في البحار (3).
وحده:
6- كامل الزيارات: في حديث أبي بصير المتقدّم ذكره في باب جوامع ما ظهر بعد شهادته (4)، عن الصادق (عليه السّلام): يا أبا بصير إنّ فاطمة لتبكيه و تشهق فتزفر جهنّم زفرة لو لا أنّ الخزنة يسمعون بكاءها و قد استعدّوا لذلك مخافة أن يخرج منها عنق أو يشرد دخانها فيحرق أهل الأرض، فيكبحونها ما دامت باكية، و يزجرونها و يوثقون من أبوابها مخافة على أهل الأرض، فلا تسكن حتى يسكن صوت فاطمة، و إنّ البحار تكاد أن تنفتق فيدخل بعضها على بعض، و ما منها قطرة إلّا بها ملك موكّل، فإذا سمع الملك صوتها أطفأ نارها بأجنحته، و حبس بعضها على بعض مخافة على الدنيا و من فيها و من على الأرض، فلا تزال الملائكة مشفقين يبكون لبكائها، و يدعون اللّه و يتضرّعون إليه و يتضرّع أهل العرش و من حوله و ترتفع أصوات من الملائكة بالتقديس للّه مخافة على أهل الأرض، و لو أنّ صوتا من أصواتهم يصل إلى الأرض لصعق أهل الأرض
____________
(1)- علل الشرائع: 1/ 227 ح 3، أمالي الصدوق ص 110 ح 1 و البحار: 45/ 202 ح 4.
(2)- ص 84 و البحار: 45/ 148.
(3)- ص 101 ح 3 و البحار: 45/ 218 ح 4.
(4)- تقدّم في ص 511 ح 1 من كتابنا هذا.
498
طالب (عليه السّلام) و أنّها سمعت تلك الليلة نوح الجنّ فحفظت من جنّيّة منهنّ:
يا ابن الشهيد و يا شهيدا عمّه * * * خير العمومة جعفر الطيّار
عجبا (1)لمصقول أصابك حدّه * * * في الوجه منك و قد علاه غبار
قال دعبل: فقلت في قصيدتي:
زر خير قبر في العراق يزار * * * و اعص الحمار فمن نهاك حمار
لم لا أزورك يا حسين لك الفدا * * * قومي و من عطفت عليه نزار
و لك المودّة في قلوب ذوي النّهى * * * و على عدوّك مقتة و دمار
يا ابن الشهيد و يا شهيدا عمّه * * * خير العمومة جعفر الطيّار (2)
توضيح: خضدت الشجر قطعت شوكها.
2- المناقب لابن شهرآشوب: تاريخ النسوي، و تاريخ بغداد، و إبانة العكبري: قال سفيان بن عيينة: حدّثتني جدّتي أنّ رجلا ممّن شهد قتل الحسين (عليه السّلام) كان يحمل ورسا (3) فصار ورسه دما، و رأيت النجم كأنّ فيه النيران يوم قتل الحسين يعني بالنجم النبات.
محمّد بن الحكم، عن امّه قالت (4): انتهب الناس ورسا من عسكر الحسين (عليه السّلام) فما استعملته امرأة إلّا برصت (5).
الأئمّة: علي بن الحسين (عليهم السّلام)
3- اللهوف: في خطبة عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) لمّا ورد من كربلاء إلى المدينة: فلقد بكت السبع الشداد لقتله- إلى قوله- و الأشجار بأغصانها. (6)
____________
(1)- في الأصل: عجبت.
(2)- البحار: 45/ 233 ح 1.
(3)- الورس: نبت أصفر يصبغ به «النهاية ج 5 ص 173».
(4)- في البحار: قال.
(5)- 3/ 213 و البحار: 45/ 300.
(6)- ص 84 و البحار: 45/ 148.
501
و تقلّعت (1) الجبال و زلزلت الأرض بأهلها- الخبر-. (2)
غير الأئمّة
7- كامل الزيارات: الحسين بن عليّ الزعفرانيّ، عن محمّد بن عمر النصيبيّ، عن هشام بن سعد قال: أخبرني المشيخة أنّ الملك الذي جاء إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و أخبره بقتل الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) كان ملك البحار و ذلك أنّ ملكا من ملائكة الفردوس نزل على البحر فنشر أجنحته عليها، ثمّ صاح صيحة و قال: يا أهل البحار البسوا أثواب الحزن فإنّ فرخ الرسول (صلى اللّه عليه و آله) مذبوح، ثمّ حمل من تربته في أجنحته إلى السماوات فلم يلق ملكا [فيها] إلّا شمّها، و صار عنده لها أثر، و لعن قتلته و أشياعهم و أتباعهم (3).
____________
(1)- في المصدر: و تقطّعت.
(2)- ص 82 ح 7 و البحار: 45/ 208 ح 14.
(3)- ص 67 ح 3 و البحار: 45/ 221 ح 5.
504
ما بين هذين الوقتين فإنّهم لا ينطقون و لا يفترون عن البكاء و الدعاء، و لا تشغلونهم في هذين الوقتين عن أصحابهم فإنّما (1) شغلهم بكم إذا نطقتم.
قلت: جعلت فداك و ما الذي يسألونهم عنه، و أيّهم يسأل صاحبه: الحفظة أو أهل الحائر؟ قال: أهل الحائر يسألون الحفظة، لأنّ أهل الحائر من الملائكة لا يبرحون، و الحفظة تنزل و تصعد، قلت: فما ترى يسألونهم عنه؟ قال: إنّهم يمرّون إذا عرجوا بإسماعيل صاحب الهواء فربّما وافقوا النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و عنده فاطمة (2) و الحسن و الحسين و الأئمّة من مضى منهم فيسألونهم عن أشياء و عمّن حضر منكم الحائر، و يقولون:
بشّروهم بدعائكم، فتقول الحفظة: كيف نبشّرهم و هم لا يسمعون كلامنا؟ فيقولون لهم: باركوا عليهم و ادعوا لهم عنّا فهي البشارة منّا، و إذا انصرفوا فحفّوهم بأجنحتكم حتّى يحسّوا مكانكم و إنّا نستودعهم الذي لا تضيع ودائعه.
و لو يعلموا ما في زيارته من الخير، و يعلم ذلك الناس لاقتتلوا على زيارته بالسيوف، و لباعوا أموالهم في إتيانه، و إنّ فاطمة (عليها السّلام) إذا نظرت إليهم و معها ألف نبيّ و ألف صدّيق و ألف شهيد و من الكرّوبيّين ألف ألف يسعدونها على البكاء، و إنّها لتشهق شهقة فلا يبقى في السماوات ملك إلّا بكى رحمة لصوتها، و ما تسكن حتّى يأتيها النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) فيقول: يا بنيّة قد أبكيت أهل السماوات و شغلتهم عن التقديس و التسبيح، فكفّي حتّى يقدّسوا فإنّ اللّه بالغ أمره، و إنّها لتنظر إلى من حضر منكم، فتسأل اللّه لهم من كلّ خير، و لا تزهدوا في إتيانه فإنّ الخير في إتيانه أكثر من أن يحصى (3).
____________
(1)- في الأصل و البحار: فإنّهم.
(2)- في البحار و إحدى نسختي الأصل: عنده و فاطمة.
(3)- ص 86 ح 16 و البحار: 45/ 224 ح 17.
503
18- أبواب ما ظهر بعد شهادته (عليه السّلام) من بكاء الأنبياء و الأئمّة و فاطمة (عليهم السّلام)
1- باب جوامع ما ظهر بعد شهادته من بكاء الملائكة و الأنبياء و الأوصياء و فاطمة (صلوات الله عليهم أجمعين)
الأخبار: الأئمّة: الصادق (عليهم السّلام)
1- كامل الزيارات: محمّد الحميريّ، عن أبيه، عن عليّ بن محمّد بن سالم، [عن محمّد بن خالد،] عن عبد اللّه بن حمّاد البصريّ، عن عبد اللّه الأصمّ قال: و حدّثنا الهيثم بن واقد (1)، عن عبد الملك بن مقرن (2)، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إذا زرتم أبا عبد اللّه (عليه السّلام) فالزموا الصمت إلّا من خير، و إنّ ملائكة الليل و النهار من الحفظة تحضر الملائكة الذين بالحائر فتصافحهم فلا يجيبونها من شدّة البكاء، فينتظرونهم حتّى تزول الشمس و حتّى ينوّر الفجر، ثمّ يكلّمونهم و يسألونهم عن أشياء من أمر السماء، فأمّا
____________
(1)- في الأصل و البحار: و حدثنا الهيثم بن واقد عن عبد اللّه بن حماد البصريّ.
(2)- في الأصل: عن عبد الملك بن مروان.
505
2- باب ما وقع بعد شهادته من صيحة جبرئيل (عليه السّلام) و حضور النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)
الأخبار: الأئمّة: الصادق (عليهم السّلام)
1- كامل الزيارات: ابن الوليد، عن الصفّار، عن العبّاس بن معروف، عن عبد اللّه الأصمّ، عن الحسين، عن الحلبيّ قال: قال [لي] أبو عبد اللّه (عليه السّلام): لمّا قتل الحسين (عليه السّلام) سمع أهلنا قائلا بالمدينة يقول: اليوم نزل البلاء على هذه الامّة، فلا يرون فرحا حتّى يقوم قائمكم فيشفي صدوركم، و يقتل عدوّكم، و ينال بالوتر أوتارا، ففزعوا منه و قالوا: إنّ لهذا القول لحادثا قد حدث ما نعرفه (1)، فأتاهم بعد ذلك خبر الحسين (عليه السّلام) و قتله (2) فحسبوا ذلك فإذا هي تلك الليلة الّتي تكلّم فيها المتكلّم، فقلت له: جعلت فداك إلى متى أنتم و نحن في هذا القتل و الخوف و الشدّة؟ فقال:
حتّى مات سبعون فرخا أخو أب (3) و يدخل (4) وقت السبعين [فإذا دخل وقت السبعين] أقبلت الآيات تترى كأنّها نظام فمن أدرك ذلك [الوقت] قرّت عينه.
إنّ الحسين (عليه السّلام) لمّا قتل أتاهم آت و هم في المعسكر فصرخ فزبر (5) فقال لهم: و كيف لا أصرخ و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قائم ينظر إلى الأرض مرّة و ينظر إلى حربكم (6) مرّة، و أنا أخاف أن يدعو اللّه على أهل الأرض فأهلك فيهم، فقال بعضهم لبعض: هذا إنسان مجنون.
فقال التوّابون: تاللّه ما صنعنا بأنفسنا؟ قتلنا لابن سميّة سيّد شباب أهل الجنّة، فخرجوا على عبيد اللّه بن زياد فكان من أمرهم الذي كان.
____________
(1)- في المصدر و إحدى نسختي الأصل: ما لا نعرفه.
(2)- في المصدر: فأتاهم خبر قتل الحسين بعد ذلك.
(3)- في المصدر: حتى يأتي سبعون فرجا أجواب.
(4)- مذحلّ/ خ.
(5)- أي انتهر و اغلظ عليه.
(6)- في المصدر: حزبكم.
506
قال: قلت له: جعلت فداك من هذا الصارخ؟ قال: ما نراه إلّا جبرئيل (عليه السّلام)، أما إنّه لو اذن له فيهم لصاح بهم صيحة يخطف منها (1) أرواحهم من أبدانهم إلى النار و لكن امهل لهم ليزدادوا إثما و لهم عذاب أليم.
قلت: جعلت فداك ما تقول فيمن ترك زيارته و هو يقدر على ذلك؟ قال: إنّه قد عقّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و عقّنا و استخفّ بأمر هو له، و من زاره كان اللّه له من وراء حوائجه، و كفاه (2) ما أهمّه من أمر دنياه، و إنّه ليجلب الرزق على العبد، و يخلف عليه ما أنفق، و يغفر له ذنوب (3) خمسين سنة، و يرجع إلى أهله و ما عليه وزر (4) و لا خطيئة إلّا و قد محيت من صحيفته، فإن هلك في سفره نزلت الملائكة فغسّلته و فتح له باب الى الجنّة يدخل عليه روحها حتّى ينشر، و إن سلم فتح الباب الذي ينزل منه رزقه، فجعل له بكلّ درهم أنفقه عشرة ألاف درهم [و ذخر ذلك له، فإذا حشر قيل له: لك بكلّ درهم عشرة آلاف درهم] (5) و إنّ اللّه تبارك و تعالى نظر لك و ذخرها لك عنده (6).
3- باب رؤية أمّ سلمة النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) في المنام و إخباره بشهادة الحسين (عليه السّلام)
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- المناقب لابن شهرآشوب: جامع الترمذيّ و كتاب السّديّ و فضائل السمعاني: أنّ أمّ سلمة قالت: رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في المنام و على رأسه التراب، فقلت: مالك يا رسول اللّه؟ فقال: شهدت قتل الحسين (عليه السّلام) آنفا.
ابن فورك في فصوله، و أبو يعلى في مسنده، و العامريّ في إبانته، من طرق منها عن عائشة، و عن شهر بن حوشب، أنّه دخل الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) على النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)
____________
(1)- في المصدر: به.
(2)- في الأصل: و كفى.
(3)- في الأصل: من ذنوبه.
(4)- في المصدر: ذنب.
(5)- ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر و البحار.
(6)- ص 336 ح 14 و البحار: 45/ 172 ج 21.
507
و هو يوحى إليه، فنزل الوحي على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و هو منكبّ على ظهره، فقال جبرئيل: تحبّه؟ فقال: أ لا احبّ ابني؟ فقال: إنّ أمّتك ستقتله من بعدك، فمدّ جبرئيل يده فإذا بتربة بيضاء، فقال: في هذه التربة يقتل ابنك، هذه يا محمّد اسمها الطفّ- الخبر-.
و في أخبار سالم بن الجعد أنّه كان ذلك ميكائيل، و في مسند أبي يعلى أنّ ذلك ملك القطر.
أحمد في المسند عن أنس، و الغزاليّ في كيمياء السعادة، و ابن بطّة في كتاب الإبانة من خمسة عشر طريقا، و ابن حبيش التميميّ و اللّفظ له، قال ابن عباس: بينا أنا راقد في منزلي إذ سمعت صراخا عظيما عاليا من بيت أمّ سلمة و هي تقول: يا بنات عبد المطلب أسعدنني (1) و ابكين معي فقد قتل سيّد كنّ، فقيل: و من أين علمت ذلك؟
قالت: رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في المنام الساعة شعثا مذعورا، فسألته عن ذلك فقال:
قتل ابني الحسين (عليه السّلام) و أهل بيته فدفنتهم.
قالت: فنظرت فإذا بتربة الحسين (عليه السّلام) الّتي أتى بها جبرئيل (عليه السّلام) من كربلا، و قال: إذا صارت دما فقد قتل ابنك، فأعطانيها النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و قال: اجعليها في زجاجة، فلتكن عندك فإذا صارت دما فقد قتل الحسين (عليه السّلام)، فرأيت القارورة الآن (قد) صارت دما عبيطا يفور (2).
2- أقول: في بعض كتب المناقب: روي عن أبي الحسن العاصميّ، عن إسماعيل بن أحمد، عن والده، عن علي بن أحمد بن عبيد، (3) عن تمتام، عن أبي سعيد، عن أبي خالد الأحمر، عن زرّ بن حبيش، عن سلمة (4)، قالت: دخلت على أمّ سلمة و هي تبكي، فقلت لها: ما يبكيك؟ قالت: رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في المنام و على رأسه و لحيته أثر التراب، فقلت: مالك يا رسول اللّه مغبرّا؟ قال: شهدت قتل الحسين آنفا.
____________
(1)- في الأصل و البحار: أسعديني، و هو إسعاد النساء في المناحات، تقوم المرأة فتقوم معها اخرى من جاراتها فتساعدها على النياحة. «النهاية ج 2 ص 366».
(2)- 3/ 213 و البحار: 45/ 227 ح 22.
(3)- في البحار: علي بن أحمد بن عبدان، عن أحمد بن عبيد.
(4)- في البحار: سلمى.
509
عبيطا تفور.
قال: فأخذت أمّ سلمة من ذلك الدّم فلطخت به وجهها، و جعلت ذلك اليوم مأتما و مناحة على الحسين (عليه السّلام)، فجاءت الركبان بخبره و أنّه قتل في ذلك اليوم.
قال عمرو بن ثابت: [قال أبي:] إنّي دخلت على أبي جعفر محمّد بن عليّ منزله فسألته عن هذا الحديث و ذكرت له رواية سعيد بن جبير هذا الحديث عن عبد اللّه ابن عباس، فقال أبو جعفر (عليه السّلام): حدّثنيه عمر بن أبي سلمة، عن امّه أمّ سلمة.
قال ابن عبّاس في رواية سعيد بن جبير عنه قال: فلمّا كانت اللّيلة القابلة رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في منامي أغبر أشعث، فذكرت له ذلك، و سألته عن شأنه فقال لي: أ لم تعلم أنّي فرغت من دفن الحسين و أصحابه.
قال عمرو بن أبي المقدام: فحدّثني سدير، عن أبي جعفر (عليه السّلام) أنّ جبرئيل جاء إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) بالتربة الّتي يقتل عليها الحسين (عليه السّلام)، قال أبو جعفر (عليه السّلام):
فهي عندنا. (1)
الأئمّة: الصادق (عليهم السّلام)
4- مجالس المفيد و أمالي الطوسيّ: المفيد، عن محمّد بن عمران (2)، عن أحمد ابن محمّد الجوهريّ، عن الحسن بن عليل العنزيّ، عن عبد الكريم بن محمّد، عن حمزة بن القاسم العلويّ، عن عبد العظيم بن عبد اللّه العلويّ، عن الحسن بن الحسين العرنيّ (3)، عن غياث بن إبراهيم، عن الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السّلام) قال: أصبحت يوما أمّ سلمة رضي اللّه عنها تبكي، فقيل لها: ممّ بكاؤك؟ فقالت: لقد قتل ابني الحسين الليلة، و ذلك أنّني ما رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) منذ مضى إلّا الليلة فرأيته شاحبا كئيبا، فقالت: قلت:
مالي أراك يا رسول اللّه شاحبا كئيبا؟ قال: ما زلت الليلة أحفر القبور للحسين و أصحابه.
____________
(1)- 1/ 322 و البحار: 45/ 230 ح 2.
(2)- في الأصل: محمد بن حمران.
(3)- في البحار: العربيّ.
508
و جاء في المراسيل أنّ سلمى المدنيّة قالت: دفع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إلى أمّ سلمة قارورة فيها رمل من الطفّ، و قال لها: إذا تحوّل هذا دما عبيطا فعند ذلك يقتل الحسين، قالت سلمى: فارتفعت واعية من حجرة أمّ سلمة، فكنت أوّل من أتاها، فقلت: ما دهاك (1) يا أمّ المؤمنين؟ قالت: رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في المنام و التراب على رأسه، فقلت: مالك؟ فقال: وثب الناس على ابني فقتلوه، و قد شهدته قتيلا السّاعة، فاقشعرّ جلدي فوثبت إلى القارورة، فوجدتها تفور دما، قالت سلمى: فرأيتها موضوعة بين يديها (2).
3- أمالي الطوسيّ: ابن حبيش، عن أبي المفضّل الشيبانيّ، عن عليّ بن محمد بن مخلّد، عن محمد بن سالم بن عبد الرحمن، عن عون (3) بن مبارك الخثعميّ، عن عمرو بن ثابت، عن أبيه أبي المقدام، عن ابن جبير، عن ابن عباس قال: بينا [أنا] راقد في منزلي إذ سمعت صراخا عظيما عاليا من بيت أمّ سلمة زوجة النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)، فخرجت يتوجه بي قائدي إلى منزلها، و أقبل أهل المدينة إليها الرّجال و النساء.
فلمّا انتهيت إليها قلت: يا أمّ المؤمنين ما [با] لك تصرخين و تغوثين؟ فلم تجبني، و أقبلت على النسوة الهاشميّات، و قالت: يا بنات عبد المطلب أسعدنني (4) و ابكين معي فقد قتل و اللّه سيّد كنّ و سيّد شباب أهل الجنّة، قد و اللّه قتل سبط رسول اللّه و ريحانته الحسين، فقلت: يا أمّ المؤمنين، و من أين علمت ذلك؟ قالت: رأيت رسول اللّه في المنام السّاعة شعثا مذعورا، فسألته عن شأنه ذلك، فقال: قتل ابني الحسين (عليه السّلام) و أهل بيته اليوم، فدفنتهم و السّاعة فرغت من دفنهم.
قالت: فقمت حتّى دخلت البيت و أنا لا أكاد أن أعقل، فنظرت فإذا بتربة الحسين الّتي أتى بها جبرئيل من كربلا فقال: إذا صارت هذه التربة دما فقد قتل ابنك و أعطانيها النبيّ فقال: اجعلي هذه التربة في زجاجة- أو قال: في قارورة- و لتكن عندك، فاذا صارت دما عبيطا فقد قتل الحسين، فرأيت القارورة الآن و قد صارت دما
____________
(1)- في الأصل: ما دعاك.
(2)- البحار: 45/ 232.
(3)- في المصدر: غوث.
(4)- في المصدر و البحار: أسعديني.
510
أمالي الصدوق: أبي، عن سعد، عن البرقيّ، عن أبيه، عن وهب بن وهب، عنه (عليه السّلام) مثله. (1)
توضيح: «شحب جسمه» أي تغيّر.
4- باب رؤية ابن عبّاس و غيره النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) في المنام و إخباره بشهادة الحسين (عليه السّلام)
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- في بعض كتب المناقب: روي عن الحسن بن أحمد الهمدانيّ، عن هبة اللّه بن محمّد الشيبانيّ، عن الحسن بن عليّ التميميّ، عن أحمد بن جعفر القطيفيّ، عن إبراهيم بن عبد اللّه، عن سليمان بن حرب، عن حمّاد، عن عمّار: أنّ ابن عبّاس رأى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) في منامه يوما بنصف النهار، و هو أشعث أغبر، في يده قارورة فيها دم، فقال: يا رسول اللّه ما هذا الدم؟ فقال: دم الحسين (عليه السّلام)، لم أزل ألتقطه منذ اليوم، فاحصي ذلك اليوم، فوجد [أنّه] قتل في ذلك اليوم. (2)
2- الطرائف: من كتاب الجمع بين الصحاح الستّة، قال: إنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) رئي في المنام و هو يبكي، فقيل له: مالك (3) يا رسول اللّه؟ قال: قتل الحسين (عليه السّلام) آنفا. (4)
____________
(1)- مجالس المفيد ص 319 ح 6، أمالي الطوسي: 1/ 89، أمالي الصدوق ص 119 ح 1 و البحار: 45/ 230 ح 1.
(2)- البحار: 45/ 231 ح 3 رواه أحمد بن حنبل في مسنده ج 1 ص 242 و ص 283، و الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين ج 4 ص 397، و الحافظ الذهبي في التلخيص بذيله ص 398، و ابن الأثير في اسد الغابة ج 2 ص 22، و ابن حجر العسقلاني في الاصابة ج 1 ص 335، و ابن عبد البرّ في الاستيعاب بذيله ص 381.
(3)- في المصدر: ما يبكيك.
(4)- ص 203 ح 292 و البحار: 45/ 232 ح 4.
511
5- باب آخر في بكاء فاطمة (عليها السّلام)
الأخبار: الأئمّة: الصادق (عليهم السّلام)
1- كامل الزيارات: في حديث أبي بصير، عن الصادق (عليه السّلام)، أنّه قال:
يا أبا بصير إنّ فاطمة لتبكيه و تشهق فتزفر جهنّم زفرة لو لا أنّ الخزنة يسمعون بكاءها و قد استعدّوا لذلك مخافة أن يخرج منها عنق، أو يشرد دخانها فيحرق أهل الأرض فيكبحونها ما دامت باكية، و يزجرونها و يوثقون من أبوابها مخافة على أهل الأرض فلا تسكن حتّى يسكن صوت فاطمة، و إنّ البحار تكاد أن تنفتق فتدخل بعضها على بعض، و ما فيها (1) فطرة إلّا بها ملك موكّل، فإذا سمع الملك صوتها أطفأ نارها بأجنحته، و حبس بعضها على بعض، مخافة على الدنيا و من فيها و من على الأرض، فلا تزال الملائكة مشفقين يبكون (2) لبكائها، و يدعون اللّه و يتضرّعون إليه و يتضرّع أهل العرش و من حوله، و ترتفع أصوات من الملائكة بالتقديس للّه مخافة على أهل الأرض- الخبر-. (3)
2- و منه: في حديث عبد الملك بن مقرن: و إنّ فاطمة إذا نظرت إليهم و معها ألف نبيّ و ألف صدّيق و ألف شهيد، و من الكرّوبيّين ألف ألف يسعدونها على البكاء، و إنّها لتشهق شهقة فلا يبقى في السماوات ملك إلّا بكى رحمة لصوتها، و ما تسكن حتّى يأتيها النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)، فيقول: يا بنيّة قد أبكيت أهل السماوات و شغلتهم عن التسبيح و التقديس، فكفّي حتّى يقدّسوا فإنّ اللّه بالغ أمره، و إنّها لتنظر إلى من حضر منكم فتسأل اللّه لهم من كلّ خير، و لا تزهدوا في إتيانه فإنّ الخير في إتيانه أكثر من أن يحصى. (4)
الكتب:
3- المناقب لابن شهرآشوب: أمالي المفيد، النيشابوريّ: إنّ زرّة النائحة
____________
(1)- و ما بها/ خ، و في المصدر و البحار: و ما منها.
(2)- في المصدر: يبكونه.
(3)- ص 82 ح 7 و البحار: 45/ 208 ح 14.
(4)- ص 87 و البحار: 45/ 225.
512
رأت فاطمة (عليها السّلام) فيما يرى النائم أنّها وقفت (1) على قبر الحسين (عليه السّلام) تبكي و أمرتها أن تنشد:
أيّها العينان فيضا * * * و استهلّا لا تغيضا
و ابكيا بالطفّ ميتا * * * ترك الصدر رضيضا
لم امرّضه قتيلا * * * لا و لا كان مريضا (2)
6- باب ما رئي من أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) بعد شهادته
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- من بعض كتب الأصحاب: قال: حكي عن رجل أسديّ قال: كنت زارعا على نهر العلقميّ بعد ارتحال العسكر، عسكر بني اميّة، فرأيت عجائب لا أقدر أحكي إلّا بعضها، منها أنّه إذا هبّت الرياح تمرّ عليّ نفحات كنفحات (3) المسك و العنبر، إذا سكنت أرى نجوما تنزل من السماء إلى الأرض و يرقى من الأرض إلى السماء مثلها، و أنا منفرد مع عيالي و لا أرى أحدا أسأله عن ذلك، و عند غروب الشمس يقبل أسد من القبلة فأولّي عنه إلى منزلي، فإذا أصبح و طلعت الشمس و ذهبت من منزلي أراه مستقبل القبلة ذاهبا.
فقلت في نفسي: إنّ هؤلاء خوارج قد خرجوا على عبيد اللّه بن زياد فأمر بقتلهم و أرى منهم ما لم أره من سائر القتلى، فو اللّه هذه الليلة لا بدّ من المساهرة لأبصار هذا الأسد يأكل من هذه الجثث أم لا؟
فلمّا صار عند غروب الشمس فإذا به أقبل فحقّقته فإذا هو هائل المنظر فارتعدت منه، و خطر ببالي: إن كان مراده لحوم بني آدم فهو يقصدني، و أنا احاكي نفسي بهذا فمثلته و هو يتخطّى القتلى حتّى وقع على جسد كأنّه الشمس إذا طلعت فبرك عليه فقلت: يأكل منه و إذا به يمرّغ وجهه عليه و هو يهمهم و يدمدم، فقلت: اللّه اكبر ما هذه إلّا اعجوبة، فجعلت أحرسه حتّى اعتكر الظلام، و إذا بشموع معلّقة
____________
(1)- في المصدر: وقعت.
(2)- 3/ 220 و البحار 45/ 227.
(3)- في الأصل: نفخات كنفخات.
515
19- أبواب أنّ مصيبته (عليه السّلام) كانت أعظم المصائب
و ذلّ الناس بقتله، و ردّ قول من قال:
إنّه لم يقتل و لكن شبّه لهم، و العلّة التي من أجلها لم يكفّ اللّه قتلة الأئمّة و من ظلمهم عن قتلهم و ظلمهم، و علّة ابتلائهم (عليهم السّلام)
1- باب أنّ مصيبته كانت أعظم المصائب، و ردّ قول من قال: إنّه لم يقتل و لكن شبّه لهم
الأخبار: الأئمّة: الصادق (عليهم السّلام)
1- علل الشرائع: محمّد بن عليّ بن بشّار القزوينيّ، عن المظفّر بن أحمد، عن الأسديّ، عن سهل، عن سليمان بن عبد اللّه، عن عبد اللّه بن الفضل، قال: قلت
513
ملأت الأرض، و إذا ببكاء و نحيب و لطم مفجع، فقصدت تلك الأصوات فإذا هي تحت الأرض، ففهمت من ناع فيهم يقول: وا حسيناه! وا إماماه! فاقشعرّ جلدي، فقربت من الباكي و أقسمت عليه باللّه و برسوله من تكون؟ فقال: إنّا نساء من الجنّ، فقلت: و ما شأنكنّ؟ فقلن: في كلّ يوم و ليلة هذا عزاؤنا على الحسين الذبيح العطشان، فقلت:
هذا الحسين الذي يجلس عنده الأسد؟ قلن: نعم أ تعرف هذا الأسد؟ قلت: لا، قلن:
هذا أبوه عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام)، فرجعت و دموعي تجري على خدّي. (1)
____________
(1)- البحار: 45/ 193.
516
لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): يا ابن رسول اللّه كيف صار يوم عاشوراء يوم مصيبة و غمّ و جزع و بكاء دون اليوم الذي قبض فيه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، و اليوم الذي ماتت فيه فاطمة (عليها السّلام)، و اليوم الذي قتل فيه أمير المؤمنين (عليه السّلام)، و اليوم الذي قتل فيه الحسن (عليه السّلام) بالسمّ؟
فقال: إنّ يوم قتل الحسين (عليه السّلام) أعظم مصيبة من جميع سائر الأيّام، و ذلك إنّ أصحاب الكساء الذين كانوا أكرم الخلق على اللّه عزّ و جلّ كانوا خمسة، فلمّا مضى عنهم النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) بقي أمير المؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السّلام)، فكان للناس فيهم عزاء و سلوة، فلمّا مضت فاطمة (عليها السّلام) كان في أمير المؤمنين و الحسن و الحسين (عليهم السّلام) للناس عزاء و سلوة، فلمّا مضى منهم أمير المؤمنين (عليه السّلام) كان للناس في الحسن و الحسين (عليهما السّلام) عزاء و سلوة، فلمّا مضى الحسن (عليه السّلام) كان للناس في الحسين (عليه السّلام) عزاء و سلوة.
فلمّا قتل الحسين (عليه السّلام) لم يكن بقي من أصحاب (1) الكساء أحد للناس فيه بعده عزاء و سلوة، فكان ذهابه كذهاب جميعهم، كما كان بقاؤه كبقاء جميعهم، فلذلك صار يومه أعظم الأيّام مصيبة.
قال عبد اللّه بن الفضل الهاشميّ: فقلت له: يا ابن رسول اللّه فلم لم يكن في عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) عزاء و سلوة مثل ما كان لهم في آبائه؟ فقال: بلى، إنّ عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) كان سيّد العابدين، و إماما و حجّة على الخلق بعد آبائه الماضين، و لكنّه لم يلق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و لم يسمع منه، و كان علمه وراثة عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)، و كان أمير المؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السّلام) قد شاهدهم الناس مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في أحوال تتوالى (2)، فكانوا متى نظروا إلى أحد منهم تذكروا حاله مع (3) رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) له و فيه، فلمّا مضوا فقد الناس مشاهدة الأكرمين على اللّه عزّ و جلّ، و لم يكن في أحد منهم فقد جميعهم إلّا في فقد (4) الحسين لأنّه مضى في آخرهم فلذلك صار يومه أعظم الأيّام مصيبة.
____________
(1)- في المصدر: أهل.
(2)- في المصدر: في آن يتوالى.
(3)- في البحار: من.
(4)- قتل/ خ.
517
قال عبد اللّه بن الفضل الهاشميّ: فقلت له: يا ابن رسول اللّه، فكيف سمّت العامّة يوم عاشوراء يوم بركة؟ فبكى (عليه السّلام) ثمّ قال: لمّا قتل الحسين (عليه السّلام) تقرّب الناس بالشام إلى يزيد، فوضعوا له الأخبار، و أخذوا عليها الجوائز من الأموال، فكان ممّا وضعوا له أمر هذا اليوم، و أنّه يوم بركة ليعدل الناس فيه من الجزع و البكاء و المصيبة و الحزن الى الفرح و السرور و التبرّك و الاستعداد فيه، حكم اللّه بيننا و بينهم.
قال: ثمّ قال (عليه السّلام): يا ابن عمّ و إنّ ذلك لأقلّ ضررا على الإسلام و أهله ممّا وضعه قوم انتحلوا مودّتنا و زعموا أنّهم يدينون بموالاتنا و يقولون بإمامتنا، زعموا أنّ الحسين لم يقتل، و أنّه شبّه للناس أمره كعيسى بن مريم فلا لائمة إذا على بني اميّة و لا عتب على زعمهم، يا ابن عمّ من زعم أنّ الحسين (عليه السّلام) لم يقتل فقد كذّب رسول اللّه [و عليّا] و كذّب من بعده من الأئمّة (عليهم السّلام) في إخبارهم بقتله، و من كذّبهم فهو كافر باللّه العظيم و دمه مباح لكلّ من سمع ذلك منه.
قال عبد اللّه بن الفضل: فقلت له: يا ابن رسول اللّه فما تقول في قوم من شيعتك يقولون به؟ فقال (عليه السّلام): ما هؤلاء من شيعتي و إنّي بريء منهم، قال: فقلت: فقول اللّه عزّ و جلّ: «وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ» (1) قال: إنّ اولئك مسخوا ثلاثة أيّام ثمّ ماتوا و لم يتناسلوا، و إنّ القردة اليوم مثل اولئك، و كذلك الخنزير و سائر المسوخ، ما وجد منها اليوم من شيء فهو مثله لا يحلّ أن يؤكل لحمه، ثمّ قال (عليه السّلام): لعن اللّه الغلاة و المفوّضة فإنّهم صغّروا عصيان اللّه و كفروا به، و أشركوا و صلّوا و أضلّوا فرارا من إقامة الفرائض و أداء الحقوق. (2)
الرضا (عليه السّلام)
2- عيون أخبار الرضا: تميم القرشيّ، عن أبيه، عن أحمد بن عليّ الأنصاريّ، عن الهرويّ قال: قلت للرضا (عليه السّلام): [يا ابن رسول اللّه] إنّ في سواد الكوفة قوما يزعمون أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) لم يقع عليه السّهو في صلاته، فقال: كذبوا لعنهم اللّه، إنّ الذي لا يسهو هو اللّه الذي لا إله إلّا هو، قال: قلت: يا ابن رسول اللّه و فيهم قوم
____________
(1)- البقرة: 65.
(2)- 1/ 225 ح 1 و البحار: 44/ 269 ح 1.
518
يزعمون أنّ الحسين بن علي (عليهما السّلام) لم يقتل، و أنّه القي شبهه على حنظلة بن أسعد الشاميّ (1)، و أنّه رفع إلى السماء كما رفع عيسى بن مريم و يحتجّون بهذه الآية «وَ لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا». (2)
فقال: كذبوا عليهم غضب اللّه و لعنته، و كفروا بتكذيبهم النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) في إخباره بأنّ الحسين بن عليّ سيقتل، و اللّه لقد قتل الحسين (عليه السّلام)، و قتل من كان خيرا من الحسين أمير المؤمنين و الحسن بن عليّ (عليهم السّلام)، و ما منّا إلّا مقتول، و أنا و اللّه لمقتول بالسمّ باغتيال من يغتالني، أعرف ذلك بعهد معهود إليّ من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أخبره به جبرئيل (عليه السّلام)، عن ربّ العالمين.
و أمّا قول اللّه عزّ و جلّ «وَ لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» فإنّه يقول: و لن يجعل اللّه لكافر على مؤمن حجّة، و لقد أخبر اللّه تعالى عن (3) كفّار قتلوا النبيّين بغير الحقّ و مع قتلهم إيّاهم لن يجعل اللّه لهم على أنبيائه سبيلا من طريق الحجّة (4).
صاحب الأمر (عج)
3- الاحتجاج: الكلينيّ، عن إسحاق بن يعقوب قال: ورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزمان (عج) عليّ، على يد محمّد بن عثمان العمري (ره) بخطه (عج): أمّا قول من زعم أنّ الحسين (عج) لم يقتل، فكفر و تكذيب و ضلال. (5)
2- باب العلّة الّتي من أجلها لم يكفّ اللّه تعالى قتلة الأئمّة و من ظلمهم عن قتلهم و ظلمهم، و علّة ابتلائهم (عليهم السّلام) الأخبار: الأئمّة: الباقر (عليهم السّلام)
1- بصائر الدرجات: أحمد بن محمّد و محمّد بن الحسين، عن ابن محبوب،
____________
(1)- في المصدر: الشباميّ.
(2)- النساء: 141.
(3)- في الأصل و البحار: من.
(4)- 2/ 203 ح 5 و البحار: 44/ 271 ح 4.
(5)- 2/ 283 و البحار: 44/ 271 ح 3.
520
و قال (عليه السّلام): إنّ أيّوب (عليه السّلام) مع جميع ما ابتلي به لم تنتن له رائحة، و لا قبحت له صورة، و لا خرجت منه مدّة من دم و لا قيح، و لا استقذره أحد رآه، و لا استوحش منه أحد شاهده، و لا تدوّد شيء من جسده، و هكذا يصنع اللّه عزّ و جلّ بجميع من يبتليه من أنبيائه و أوليائه المكرّمين عليه، و إنّما اجتنبه الناس لفقره و ضعفه في ظاهر أمره، لجهلهم بما له عند ربّه تعالى ذكره من التأييد و الفرج، و قد قال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله):
«أعظم الناس بلاء الأنبياء ثمّ الأمثال فالأمثل».
و إنّما ابتلاه اللّه عزّ و جلّ بالبلاء العظيم الذي يهون معه على جميع الناس لئلّا يدّعوا له الربوبيّة إذا شاهدوا ما أراد اللّه أن يوصله إليه من عظائم نعمه تعالى (1) متى شاهدوه، ليستدلّوا بذلك على أنّ الثواب من اللّه تعالى ذكره على ضربين، استحقاق و اختصاص، و لئلّا يحتقروا ضعيفا لضعفه، و لا فقيرا لفقره، و لا مريضا لمرضه، و ليعلموا أنّه يسقم من يشاء، و يشفي من يشاء، متى شاء، كيف شاء، بأيّ سبب شاء، و يجعل ذلك عبرة لمن شاء، و شقاوة لمن شاء، و سعادة لمن شاء، و هو عزّ و جلّ في جميع ذلك عدل في قضائه، و حكيم في أفعاله، لا يفعل بعباده إلّا الأصالح لهم، و لا قوّة لهم إلّا به. (2)
وحده:
3- قرب الإسناد: محمّد بن الوليد، عن ابن بكير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ «وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ» (3) قال: فقال هو: «وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ» قال: قلت له: ما أصاب عليّا و أشباهه من أهل بيته من ذلك؟ قال: فقال: إنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كان يتوب إلى اللّه عزّ و جلّ كلّ يوم سبعين مرّة من غير ذنب. (4)
4- معاني الأخبار: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ «وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ
____________
(1)- في الأصل: نعمة اللّه تعالى.
(2)- 2/ 399 ح 108 و البحار: 44/ 275 ح 3.
(3)- الشورى: 30.
(4)- ص 79 و البحار: 44/ 275 ح 2.
519
عن ابن رئاب، عن ضريس قال: سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يقول و اناس من أصحابه حوله: و أعجب (1) من قوم يتولّوننا و يجعلوننا أئمّة، و يصفون بأنّ طاعتنا عليهم مفترضة كطاعة اللّه ثمّ يكسرون حجّتهم و يخصمون أنفسهم بضعف قلوبهم، فينقصون حقّنا، و يعيبون بذلك علينا من أعطاه اللّه برهان حقّ معرفتنا، و التسليم لأمرنا، أ ترون أنّ اللّه تبارك و تعالى افترض طاعة أوليائه على عباده ثمّ يخفي عنهم أخبار السماوات و الأرض، و يقطع عنهم موادّ العلم فيما يرد عليهم ممّا فيه قوام دينهم.
فقال له حمران: جعلت فداك يا أبا جعفر أ رأيت ما كان من أمر قيام عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) و الحسن و الحسين (عليهما السّلام) و خروجهم و قيامهم بدين اللّه و ما اصيبوا به من قتل الطواغيت إيّاهم و الظفر بهم، حتّى قتلوا أو غلبوا؟ فقال أبو جعفر (عليه السّلام): يا حمران إنّ اللّه تبارك و تعالى قد كان قدّر ذلك عليهم و قضاه و أمضاه و حتمه ثمّ أجراه، فبتقدّم علم من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إليهم في ذلك قام عليّ و الحسن و الحسين (صلوات الله عليهم)، و بعلم صمت من صمت منّا، و لو أنّهم يا حمران حيث نزل بهم ما نزل من أمر اللّه و إظهار الطواغيت عليهم، سألوا اللّه دفع ذلك عنهم، و ألحّوا عليه (2) في طلب ازالة ملك الطواغيت، إذا لأجابهم و دفع ذلك عنهم، ثمّ كان انقضاء مدّة الطواغيت و ذهاب ملكهم أسرع من سلك منظوم انقطع فتبدّد، و ما كان الذي أصابهم من ذلك يا حمران لذنب اقترفوه، و لا لعقوبة معصية خالفوا اللّه فيها، و لكن لمنازل و كرامة من اللّه أراد أن يبلغوها، فلا تذهبنّ فيهم المذاهب [بك]. (3)
الصادق، عن أبيه (عليهما السّلام)
2- الخصال: القطّان، عن السكّريّ، عن الجوهريّ، عن ابن عمارة، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عليهما السّلام) قال: إنّ أيّوب ابتلي سبع سنين من غير ذنب، و إنّ الأنبياء لا يذنبون لأنّهم معصومون مطهّرون، لا يذنبون و لا يزيغون و لا يرتكبون ذنبا صغيرا و لا كبيرا.
____________
(1)- في المصدر: إنّي أعجب.
(2)- في المصدر: فيه.
(3)- ص 124 ح 3 و البحار: 44/ 276 ح 5.
521
مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ» أ رأيت ما أصاب عليّا و أهل بيته هو بما كسبت أيديهم و هم أهل بيت طهارة معصومون؟ فقال: إنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كان يتوب إلى اللّه عزّ و جلّ و يستغفره في كلّ يوم و ليلة مائة مرّة من غير ذنب، إنّ اللّه عزّ و جلّ يخصّ أولياءه بالمصائب ليأجرهم عليها من غير ذنب. (1)
توضيح: أي كما أنّ الاستغفار يكون في غالب الناس لحطّ الذنوب و في الأنبياء لرفع الدرجات، فكذلك المصائب.
صاحب الأمر (عليه السّلام)
5- إكمال الدين و علل الشرائع و الاحتجاج: محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقانيّ قال: كنت عند الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (قدّس اللّه روحه) مع جماعة فيهم عليّ بن عيسى القصريّ فقام إليه رجل فقال له: اريد أن أسألك عن شيء فقال له: سل عمّا بدا لك، فقال الرجل: أخبرني عن الحسين بن عليّ أ هو وليّ اللّه؟ قال: نعم، قال: أخبرني عن قاتله لعنه اللّه أ هو عدوّ اللّه؟ قال: نعم، قال الرجل:
فهل يجوز أن يسلّط اللّه عدوّه على وليّه؟
فقال له أبو القاسم (رض): افهم عنّي ما أقول لك: اعلم أنّ اللّه عزّ و جلّ لا يخاطب الناس بشهادة العيان، و لا يشافههم بالكلام، و لكنّه عزّ و جلّ بعث إليهم رسلا من أجناسهم و أصنافهم بشرا مثلهم، فلو بعث إليهم رسلا من غير صنفهم و صورهم لنفروا عنهم، و لم يقبلوا منهم، فلمّا جاءوهم و كانوا من جنسهم يأكلون الطعام و يمشون في الأسواق، قالوا لهم: أنتم [بشر] مثلنا فلا نقبل منكم حتى تأتونا بشيء نعجز أن نأتي بمثله فنعلم أنّكم مخصوصون دوننا بما لا نقدر عليه، فجعل اللّه عزّ و جلّ لهم المعجزات التي يعجز الخلق عنها.
فمنهم: من جاء بالطوفان بعد الإنذار و الإعذار، فغرق جميع من طغى و تمرّد و منهم: من القي في النار فكانت عليه بردا و سلاما، و منهم: من أخرج من الحجر الصّلد ناقة و أجرى في ضرعها لبنا، و منهم: من فلق له البحر، و فجّر له من الحجر
____________
(1)- معاني الأخبار ص 383 ح 15، الكافي: 2/ 450 ح 2، و البحار: 44/ 276 ح 4.
523
3- باب ذلّ الناس بقتله (عليه السّلام)
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- الخصال: الحسن بن محمّد بن يحيى العلويّ، عن جدّه، عن داود، عن عيسى بن عبد الرحمن بن صالح، عن أبي مالك الجهنيّ، عن عمر بن بشر الهمدانيّ قال: قلت لأبي إسحاق: متى ذلّ الناس؟ قال: حين قتل الحسين بن عليّ (عليهما السّلام)، و ادّعي زياد و قتل حجر بن عديّ. (1)
____________
(1)- 1/ 181 ح 248 و البحار: 44/ 271 ح 2.
522
العيون، و جعل له العصا اليابسة ثعبانا فتلقف ما يأفكون، و منهم: من أبرأ الأكمه و الأبرص و أحيا الموتى بإذن اللّه تعالى، و أنبأهم بما يأكلون و ما يدّخرون في بيوتهم، و منهم: من انشقّ له القمر و كلّمته البهائم مثل البعير و الذئب و غير ذلك.
فلمّا أتوا بمثل هذه المعجزات (1)، و عجز الخلق من اممهم عن أن يأتوا بمثله كان من تقدير اللّه عزّ و جلّ، و لطفه بعباده و حكمته، أن جعل أنبياءه مع هذه المعجزات في حال غالبين، و في اخرى مغلوبين، و في حال قاهرين، و في حال مقهورين، و لو جعلهم عزّ و جلّ في جميع أحوالهم غالبين و قاهرين و لم يبتلهم و لم يمتحنهم لاتّخذهم الناس آلهة من دون اللّه عزّ و جلّ، و لما عرف فضل صبرهم على البلاء و المحن و الاختبار.
و لكنّه عزّ و جلّ جعل أحوالهم في ذلك كأحوال غيرهم، ليكونوا في حال المحنة و البلوى صابرين، و في حال العافية و الظهور على الأعداء شاكرين، و يكونوا في جميع أحوالهم متواضعين غير شامخين و لا متجبّرين، و ليعلم العباد أنّ لهم (عليهم السّلام) إلها هو خالقهم و مدبّرهم فيعبدوه و يطيعوا رسله، و تكون حجّة اللّه تعالى ثابتة على من تجاوز الحدّ فيهم و ادّعى لهم الربوبيّة، أو عاند و خالف و عصى و جحد بما أتت به الأنبياء و الرسل، و ليهلك من هلك عن بيّنة، و يحيى من حيّ عن بينة.
قال محمّد بن إبراهيم بن إسحاق (رض): فقدمنا (2) إلى الشيخ أبي القاسم بن روح (قدّس اللّه روحه) من الغد و أنا أقول في نفسي: أ تراه ذكر ما ذكر لنا يوم أمس من عند نفسه؟ فابتدأني فقال لي: يا محمّد بن ابراهيم لئن أخرّ من السماء فتخطفني الطير أو تهوي بي الريح في مكان سحيق، أحبّ إليّ من أن أقول في دين اللّه تعالى ذكره برأيي [أ] و من عند نفسي، بل ذلك من (3) الأصل، و مسموع من (4) الحجّة (صلوات الله عليه). (5)
توضيح: «فتخطّفني» أي تأخذني بسرعة، و السحيق: البعيد.
____________
(1)- في المصادر: فلما أتوا بمثل ذلك.
(2)- في المصادر و البحار: فعدت.
(3)- في المصادر و البحار: عن.
(4)- في المصادر و البحار: عن.
(5)- إكمال الدين: 2/ 507 ح 37، علل الشرائع: 1/ 241 ح 1، الاحتجاج: 2/ 287، و البحار: 44/ 273 ح 1.
525
20- أبواب ثواب البكاء على مصيبته و مصائب سائر الأئمّة و المرثية و غيرها
1- باب ما يعمّ ثواب البكاء على مصيبته و مصيبة سائر الأئمّة (عليهم السّلام)
الأخبار: الأئمّة: أمير المؤمنين (عليهم السّلام)
1- الخصال: الأربع مائة: (قال:) قال أمير المؤمنين (عليه السّلام): إنّ اللّه تبارك و تعالى اطّلع إلى الأرض فاختارنا، و اختار لنا شيعة ينصروننا و يفرحون لفرحنا، و يحزنون لحزننا، و يبذلون أموالهم و أنفسهم فينا، اولئك منّا و إلينا (1).
و قال: كلّ عين يوم القيامة باكية، و كلّ عين يوم القيامة ساهرة، إلّا عين من اختصّه اللّه بكرامته، و بكى على ما ينتهك من الحسين و آل محمّد (صلوات اللّه و سلامه عليهم) (2).
____________
(1)- 2/ 635 و البحار: 44/ 287 ح 26.
(2)- 2/ 625 و البحار: 10/ 103.
526
الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السّلام)
2- مجالس المفيد و أمالي الطوسي: المفيد، عن أبي عمرو عثمان الدقّاق، عن جعفر بن محمّد بن مالك، عن أحمد بن يحيى الأوديّ، عن مخوّل بن إبراهيم، عن الربيع ابن المنذر، عن أبيه، عن الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) قال: ما من عبد قطرت عيناه فينا قطرة، أو دمعت عيناه فينا دمعة إلّا بوّأه اللّه بها في الجنّة حقبا.
قال أحمد بن يحيى الأوديّ: فرأيت الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) في المنام، فقلت:
حدّثني مخوّل بن إبراهيم، عن الربيع بن المنذر، عن أبيه، عنك أنّك قلت: ما من عبد قطرت عيناه فينا قطرة، أو دمعت عيناه فينا دمعة إلّا بوّأه اللّه بها في الجنّة حقبا، قال: نعم قلت، سقط الإسناد بيني و بينك. (1)
توضيح: «الحقب» كناية عن الدوام، قال الفيروزآباديّ: «الحقبة» بالكسر من الدهر مدّة لا وقت لها، و السنة و الجمع كعنب و حبوب و [الحقب] بالضمّ و بضمّتين ثمانون سنة أو أكثر و الدهر و السنة و السنون (2) و الجمع أحقاب و أحقب.
علي بن الحسين (عليهما السّلام)
3- كامل الزيارات: حكيم بن داود بن حكيم، عن سلمة، عن بكّار بن أحمد القسّام، و الحسن بن عبد الواحد، عن مخوّل بن إبراهيم، عن الربيع بن المنذر، عن أبيه قال: سمعت عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) يقول: من قطرت عيناه فينا قطرة و دمعت عيناه فينا دمعة بوّأه اللّه بها في الجنّة (غرفا يسكنها) حقبا (3).
محمد بن عليّ، عن أبيه (عليهما السّلام) (4)
4- تفسير عليّ بن إبراهيم: أبي، عن ابن محبوب، عن العلاء، عن محمّد،
____________
(1)- مجالس المفيد ص 340 ح 6، أمالي الطوسي: 1/ 116 و البحار: 44/ 279 ح 8.
(2)- في الأصل: الثمانون.
(3)- ص 100 ح 4 و البحار: 44/ 292 ح 34، و في المصدر: أحقابا و أحقابا.
(4)- في الأصل: علي بن الحسين (عليهما السّلام)، و هو اشتباه.
527
عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: كان عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) يقول: أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) دمعة حتّى تسيل على خدّه بوّأه اللّه بها في الجنّة غرفا يسكنها أحقابا، و أيّما مؤمن دمعت عيناه [دمعا] حتّى يسيل (دمعه) على خدّه لأذى مسّنا من عدوّنا في الدنيا بوّأه اللّه مبوّأ صدق في الجنّة، و أيّما مؤمن مسّه أذى فينا فدمعت عيناه حتّى يسيل (دمعه) على خدّيه من مضاضة ما اوذي فينا صرف اللّه عن وجهه الأذى و آمنه يوم القيامة من سخطه و النار.
كامل الزيارات: الحسن بن (1) عبد اللّه بن محمّد بن عيسى، عن أبيه، عن ابن محبوب مثله.
ثواب الأعمال: ابن المتوكّل، عن الحميريّ، عن أحمد و عبد اللّه ابني محمّد بن عيسى، عن ابن محبوب مثله. (2)
أقول: روى السيّد ابن طاوس هذا الخبر مرسلا و فيه مكان دمعت أوّلا «ذرفت» و فيه: أيّما مؤمن مسّه أذى فينا صرف اللّه عن وجهه الأذى و آمنه يوم القيامة من سخط النار. (3)
توضيح: «المضاضة» بالفتح وجع المصيبة، و ذرفت عينه سال دمعها.
الصادق (عليه السّلام)
5- قرب الإسناد: ابن سعد، عن الأزديّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال:
قال لفضيل: تجلسون و تحدّثون؟ قال: نعم جعلت فداك، قال: إنّ تلك المجالس احبّها فأحيوا أمرنا يا فضيل، فرحم اللّه من أحيا أمرنا، يا فضيل من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذباب غفر اللّه [له] ذنوبه و لو كانت أكثر من زبد البحر. (4)
6- محاسن البرقي: ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن بكر بن محمّد، عن الفضيل، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: من ذكرنا عنده ففاضت عيناه و لو مثل جناح
____________
(1)- في الاصل: عن.
(2)- تفسير القمي ص 616؛ كامل الزيارات ص 100 ح 1؛ ثواب الاعمال ص 108 ح 1 و البحار:
44/ 281 ح 13.
(3)- اللهوف ص 5 و البحار: 44/ 281.
(4)- ص 18 و البحار: 44/ 282 ح 14.
529
بكر بن محمّد، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) مثله. (1)
11- و منه: حكيم بن داود، عن سلمة، عن عليّ بن سيف، عن بكر بن محمّد، عن فضيل بن فضالة، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: من ذكرنا عنده ففاضت عيناه حرّم اللّه وجهه على النار. (2)
12- و منه: و روي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: لكلّ سرّ (3) ثواب إلا الدمعة فينا. (4)
توضيح: لعلّ المعنى أن أسرار كلّ مصيبة و الصبر عليها موجب للثواب إلّا البكاء عليهم و يحتمل أن يكون مصحف شيء أي لكلّ شيء من الطاعة ثواب مقدّر إلّا الدمعة فيهم فإنّه لا تقدير لثوابها.
13- كامل الزيارات: محمّد الحميريّ، عن أبيه، عن علي بن محمّد بن سالم، عن محمّد بن خالد، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن عبد اللّه الأصم، عن مسمع كردين، قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السّلام): يا مسمع أنت من أهل العراق أ ما تأتي قبر الحسين (عليه السّلام)؟ قلت: لا، أنا رجل مشهور من (5) أهل البصرة، و عندنا من يتّبع هوى هذا الخليفة، و أعداؤنا كثيرة (6) من أهل القبائل من النصّاب و غيرهم و لست آمنهم أن يرفعوا عليّ حالي عند (7) ولد سليمان فيمثلون (8) عليّ (9)، قال لي: أ فما تذكر ما صنع به؟
قلت: بلى (10)، قال: فتجزع؟ قلت: إي و اللّه و استعبر لذلك حتّى يرى أهلي أثر ذلك عليّ فأمتنع من الطعام حتّى يستبين ذلك في وجهي، قال: رحم اللّه دمعتك، أما إنّك من الذين يعدّون في (11) أهل الجزع لنا، و الذين يفرحون لفرحنا، و يحزنون لحزننا، و يخافون لخوفنا، و يأمنون إذا أمنّا، أما إنّك سترى عند موتك و حضور آبائي لك و وصيّتهم ملك
____________
(1)- ص 103 ح 8 و البحار: 44/ 284 ح 20.
(2)- ص 104 ح 10 و البحار: 44/ 285 ح 22.
(3)- في المصدر: شيء.
(4)- ص 106 ح 6 و البحار: 44/ 287 ح 25.
(5)- في المصدر: عند.
(6)- في المصدر: و عدونا كثير.
(7)- إلى/ خ.
(8)- فيميلون/ خ.
(9)- في المصدر: بي.
(10)- في المصدر: نعم.
(11) في المصدر: من.
528
الذباب، غفر اللّه له ذنوبه و لو كانت متل زبد البحر. (1)
7- تفسير علي بن ابراهيم: أبي، عن بكر بن محمّد، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج من عينه دمع مثل جناح بعوضة غفر اللّه له ذنوبه و لو كانت مثل زبد البحر (2).
8- مجالس المفيد و أمالي الطوسي: المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن البرقيّ، عن سليمان بن مسلم (3) الكنديّ، عن ابن غزوان، عن (4) عيسى بن أبي منصور، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: نفس المهموم لظلمنا تسبيح، و همّه لنا عبادة، و كتمان سرّنا جهاد في سبيل اللّه، ثمّ قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): يجب أن يكتب هذا الحديث بالذهب. (5)
9- أمالي الطوسيّ: المفيد، عن الجعابيّ، عن ابن عقدة، عن أحمد بن عبد الحميد، عن محمّد بن عمرو (6) بن عتبة، عن الحسين الأشقر، عن محمّد بن أبي عمارة الكوفيّ قال: سمعت جعفر بن محمّد (عليهما السّلام) يقول: من دمعت عينه فينا دمعة لدم سفك لنا أو حقّ لنا انقصناه، أو عرض انتهك لنا أو لأحد من شيعتنا بوّأه اللّه تعالى بها في الجنّة حقبا.
مجالس المفيد: الجعابيّ مثله (7)
. 10- كامل الزيارات: حكيم بن داود، عن سلمة، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن بكر بن محمّد، عن فضيل، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: من ذكرنا عنده ففاضت عيناه و لو مثل جناح الذباب (8)؛ غفر (اللّه) له ذنوبه و لو كان مثل زبد البحر.
كامل الزيارات: محمّد بن عبد اللّه، عن أبيه، عن البرقيّ، عن أبيه، عن
____________
(1)- 1/ 63 ح 110 و البحار: 44/ 289 ح 30.
(2)- ص 616 و البحار: 44/ 278 ح 3.
(3)- في أمالي المفيد: سلمة.
(4)- في أمالي المفيد: و.
(5)- مجالس المفيد ص 338 ح 3، أمالي الطوسي: 1/ 115 و البحار: 44/ 278 ح 4.
(6)- في المصدر: عمر.
(7)- أمالي الطوسي: 1/ 197، مجالس المفيد: ص 174 ح 5 و البحار: 44/ 279 ح 7.
(8)- في المصدر: بعوضة.
530
الموت بك و ما يلقونك به من البشارة ما تقرّ به عينك قبل (1) الموت، فملك الموت أرقّ عليك و أشدّ رحمة لك من الامّ الشفيقة على ولدها.
قال: ثمّ استعبر و استعبرت معه، فقال: الحمد للّه الذي فضّلنا على خلقه بالرحمة و خصّنا أهل البيت بالرحمة، يا مسمع إنّ الأرض و السماء لتبكي منذ قتل أمير المؤمنين (عليه السّلام) رحمة لنا و ما بكى لنا من الملائكة أكثر و ما رقأت دموع الملائكة منذ قتلنا، و ما بكى أحد رحمة لنا و لما لقينا إلّا (رحمه اللّه) قبل أن تخرج الدمعة من عينه فإذا سالت (2) دموعه على خدّه (غفر اللّه ذنوبه و لو كانت مثل زبد البحر) (3) فلو أنّ قطرة من دموعه سقطت في جهنّم لأطفأت حرّها حتّى لا يوجد لها حرّ، و إنّ الموجع لنا قلبه ليفرح يوم يرانا عند موته فرحة لا تزال تلك الفرحة في قلبه حتّى يرد علينا الحوض، و إنّ الكوثر ليفرح بمحبّنا إذا ورد عليه حتّى أنّه ليذيقه من ضروب الطعام ما لا يشتهي أن يصدر عنه.
يا مسمع من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، و لم يشق بعدها أبدا، و هو في برد الكافور و ريح المسك، و طعم الزنجبيل، أحلى من العسل، و ألين من الزبد، و أصفى من الدمع و أذكى من العنبر يخرج من تسنيم، و تمرّ بأنهار الجنان تجري على رضراض الدرّ و الياقوت، فيه من القدحان أكثر من عدد نجوم السماء، يوجد ريحه من مسيرة ألف عام، قدحانه من الذهب و الفضّة و ألوان الجوهر يفوح في وجه الشارب منه كلّ فائحة (حتّى) يقول الشارب منه: [يا] ليتني تركت هاهنا لا أبغي بهذا بدلا و لا عنه تحويلا.
أما إنّك يا كردين ممّن تروّى منه، و ما من عين بكت لنا إلّا نعمت بالنظر إلى الكوثر، و سقيت منه و أنّ الشارب منه من (4) أحبّنا، فإنّ الشارب منه ليعطى من اللّذة و الطعم و الشهوة له أكثر ممّا يعطاه من هو دونه في حبّنا، و إنّ على الكوثر أمير المؤمنين (عليه السّلام)، و في يده عصا من عوسج يحطم بها أعدائنا، فيقول الرجل منهم:
إنّي أشهد الشهادتين فيقول: انطلق إلى إمامك فلان فاسأله أن يشفع لك، فيقول:
____________
(1)- ذلك/ خ.
(2)- هكذا في المصدر، و في البحار و نسختي الأصل: سال.
(3)- ما بين القوسين ليس في البحار و المصدر.
(4)- ممن/ خ.
532
16- اللهوف للسيّد ابن طاوس: روي عن آل الرسول (صلى اللّه عليه و آله) أنّهم قالوا:
من بكى [أ] و أبكى فينا مائة فله (1) الجنّة، و من بكى [أ] و أبكى خمسين فله الجنّة، و من بكى [أ] و أبكى ثلاثين فله الجنّة، و من بكى [أ] و أبكى عشرين (2) فله الجنّة، و من بكى [أ] و أبكى عشرة فله الجنّة، و من بكى [أ] و أبكى واحدا فله الجنّة، و من تباكى فله الجنّة. (3)
2- باب فيما ورد في ثواب البكاء عليه خصوصا
الأخبار: الأئمّة: الباقر، عن أبيه (عليهم السّلام)
1- تفسير عليّ بن إبراهيم: أبي، عن ابن محبوب، عن العلاء، عن محمّد، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: كان عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) يقول: أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) دمعة حتّى تسيل على خدّه بوّأه اللّه بها في الجنّة غرفا يسكنها أحقابا- الخبر-. (4)
الباقر، عن زين العابدين (عليهما السّلام)
2- كامل الزيارات: أبي و جماعة مشايخنا، عن سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمّد، عن حمزة بن عليّ الأشعريّ، عن الحسن بن معاوية بن وهب، عمّن حدّثه، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: كان عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) يقول: و ذكر مثل حديث أبي هارون المكفوف الآتي. (5)
3- كامل الزيارات: حكيم بن داوود، عن سلمة، عن الحسن بن عليّ، عن العلاء، عن محمّد، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين (عليه السّلام) دمعة حتى تسيل على خدّه بوّأه اللّه بها في الجنّة غرفا يسكنها أحقابا. (6)
____________
(1)- في المصدر: ضمنا له على اللّه.
(2)- في المصدر: عشرة.
(3)- ص 5 و البحار: 44/ 288.
(4)- ص 616 و البحار: 44/ 281 ح 13.
(5)- ص 101 و البحار: 44/ 292.
(6)- ص 104 ح 9 و البحار: 44/ 285 ح 21
531
يتبرّأ منّي إمامي الذي تذكره، فيقول: ارجع [إلى] ورائك فقل للذي كنت تتولّاه و تقدّمه على الخلق، فاسأله إذ كان عندك خير الخلق أن يشفع لك، فإنّ خير الخلق حقيق أن لا يردّ إذا شفع، فيقول: إنّي أهلك عطشا، فيقول: زادك اللّه ظمأ و زادك اللّه عطشا.
قلت: جعلت فداك و كيف يقدر على الدنوّ من الحوض و لم يقدر عليه غيره؟
[ف] قال: ورع عن أشياء قبيحة، و كفّ عن شتمنا [أهل البيت] إذا ذكرنا، و ترك أشياء اجترى عليها غيره، و ليس ذلك لحبّنا و لا لهوى منه (لنا) و لكن ذلك لشدّة اجتهاده في عبادته و تديّنه، و لما قد شغل به نفسه عن ذكر الناس، فأمّا قلبه فمنافق، و دينه النّصب، و اتّباع أهل النّصب و ولاية الماضين و تقدّمه لهما على كلّ أحد. (1)
توضيح: «الرضراض» الحصى أو صغارها، قوله (عليه السّلام): «و سقيت» إسناد السقي إليها مجازيّ لسببيّتها لذلك.
الرضا (عليه السّلام)
14- أمالي الصدوق: الطالقانيّ، عن أحمد الهمدانيّ، عن عليّ بن الحسن ابن فضّال، عن أبيه، قال: قال الرضا (عليه السّلام): من تذكّر مصابنا و بكى لما ارتكب منّا، كان معنا في درجاتنا يوم القيامة، و من ذكّر بمصابنا (2) فبكى و أبكى لم تبك عينه يوم تبكي العيون، و من جلس مجلسا يحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت (فيه) القلوب. (3)
15- عيون أخبار الرضا: القطّان و النقّاش و الطالقانيّ جميعا، عن أحمد الهمدانيّ، عن ابن فضّال، عن أبيه قال: قال الرضا (عليه السّلام): من تذكّر مصابنا فبكى و أبكى لم تبك- إلى آخر الخبر-. (4)
____________
(1)- ص 101 ح 6 و البحار: 44/ 289 ح 31.
(2)- تذكر مصابنا/ خ.
(3)- ص 68 ح 4 و البحار: 44/ 278 ح 1.
(4)- 1/ 229 ح 48 و البحار: 44/ 278 ح 2.
533
الصادق (عليه السّلام)
4- كامل الزيارات: محمّد بن جعفر الرزّاز، عن خاله محمّد بن الحسين الزيّات، عن محمّد بن إسماعيل، عن صالح بن عاقبة، عن أبي هارون المكفوف قال:
قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث طويل [له]: و من ذكر الحسين (عليه السّلام) عنده، فخرج من عينيه من الدموع مقدار جناح ذباب كان ثوابه على اللّه عزّ و جلّ، و لم يرض له بدون الجنّة. (1)
5- و منه: أبي، عن سعد، عن الجامورانيّ، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سمعته يقول: إنّ البكاء و الجزع مكروه للعبد في كلّ ما جزع ما خلا البكاء [و الجزع] على الحسين بن عليّ (عليهما السّلام)، فإنّه فيه مأجور. (2)
6- أمالي الطوسي: المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن أبي محمّد الأنصاريّ، عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: كلّ الجزع و الكباء مكروه سوى الجزع و البكاء على الحسين (عليه السّلام). (3)
7- و منه: المفيد، عن الحسين بن محمّد النحويّ، عن أحمد بن مازن، (4) عن القاسم بن سليمان، عن بكر بن هشام، عن إسماعيل بن مهران، عن الأصمّ، عن محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: إنّ الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) عند ربّه عزّ و جلّ ينظر إلى [موضع] معسكره و من حلّه من الشهداء معه و ينظر إلى زوّاره و هو أعرف بهم (5) و بأسمائهم و أسماء آبائهم و بدرجاتهم و منزلتهم عند اللّه عزّ و جل من أحدكم بولده، و إنّه ليرى من يبكيه فيستغفر له، و يسأل آبائه (عليهم السّلام) أن يستغفروا له و يقول: لو يعلم زائري ما أعدّ اللّه له لكان فرحه أكثر من جزعه، و إنّ زائره لينقلب و ما عليه من ذنب. (6)
8- كامل الزيارات (7): أبي، عن سعد، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن
____________
(1)- ص 100 ح 3 و البحار: 44/ 291 ح 33.
(2)- ص 100 ح 2 و البحار: 44/ 291 ح 32.
(3)- 1/ 163 و البحار: 44/ 280 ح 9.
(4)- في المصدر: ماذن.
(5)- في المصدر: بحالهم.
(6)- 1/ 54 و البحار: 281 ح 13.
(7)- في الأصل: و منه، و الصحيح ما أثبتناه في المتن.
534
عبد اللّه بن زرارة، عن عبد اللّه بن عبد الرحمن الأصمّ، عن عبد اللّه بن بكير قال:
حججت مع أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث طويل فقلت: يا ابن رسول اللّه لو نبش قبر الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) هل كان يصاب في قبره شيء؟ فقال: يا ابن بكير ما أعظم مسائلك! إنّ الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) مع أبيه و امّه و أخيه في منزل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و معه يرزقون و يحبرون، و إنّه لعن يمين العرش متعلّق به يقول: يا ربّ أنجز لي ما وعدتني و إنّه لينظر إلى زوّاره فهو (1) أعرف بهم و بأسمائهم و أسماء آبائهم و ما في رحائلهم من أحدهم بولده، و إنّه لينظر إلى من يبكيه فيستغفر له، و يسأل أباه الاستغفار له، و يقول: أيّها الباكي لو علمت ما أعدّ اللّه لك لفرحت أكثر ممّا حزنت، و إنّه ليستغفر له من كلّ ذنب و خطيئة.
و منه: أبي، عن ابن أبان، عن الأهوازيّ، عن عبد اللّه بن المغيرة، عن الأصمّ مثله. (2)
الكتب:
9- في بعض مؤلفات الأصحاب: روي أنّه لمّا أخبر النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) ابنته فاطمة بقتل ولدها الحسين (عليه السّلام) و ما يجري عليه من المحن بكت فاطمة (عليها السّلام) بكاء شديدا، و قالت: يا أبت متى يكون ذلك؟ قال: في زمان خال منّي و منك و من عليّ فاشتدّ بكاؤها و قالت: يا أبت فمن يبكي عليه و من يلتزم بإقامة العزاء له؟ فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): يا فاطمة إنّ نساء أمّتي يبكين على نساء أهل بيتي و رجالهم يبكون على رجال أهل بيتي و يجدّدون العزاء جيلا بعد جيل في كلّ سنة فإذا كان (يوم) القيامة تشفعين أنت للنساء و أنا أشفع للرجال، و كلّ من بكى منهم على مصاب الحسين (عليه السّلام) أخذنا بيده و أدخلناه الجنّة، يا فاطمة كلّ عين باكية يوم القيامة إلّا عين بكت على مصاب الحسين (عليه السّلام) فإنّها ضاحكة مستبشرة بنعيم الجنّة. (3)
و قال فيه: إنّه حكي عن السيّد عليّ الحسينيّ قال: كنت مجاورا في مشهد
____________
(1)- في المصدر: و إنّه.
(2)- ص 103 ح 7 و البحار: 44/ 292 ح 35.
(3)- البحار: 44/ 292 ح 37.
535
مولاي عليّ بن موسى الرضا (عليهما السّلام) مع جماعة من المؤمنين فلمّا كان [اليوم] العاشر من شهر عاشوراء ابتدأ رجل من أصحابنا يقرأ مقتل الحسين (عليه السّلام) فوردت رواية عن الباقر (عليه السّلام) أنّه قال: من ذرفت عيناه على مصاب الحسين (عليه السّلام) و لو (كان) مثل جناح البعوضة غفر اللّه له ذنوبه و لو كانت مثل زبد البحر، و كان معنا في المجالس جاهل مركّب يدّعي العلم، و لا يعرفه، فقال: ليس هذا بصحيح و العقل لا يعتقده و كثر البحث بيننا و افترقنا عن (1) ذلك المجالس، و هو مصرّ على العناد في تكذيب الحديث، فنام ذلك الرجل تلك الليلة فرأى [في منامه] كأنّ القيامة قد قامت و حشر الناس في صعيد صفصف لا ترى فيها عوجا و لا أمتا و قد نصبت الموازين، و امتدّ الصراط، و وضع الحساب، و نشرت الكتاب، و اسعرت النيران، و زخرفت الجنان، و اشتدّ الحرّ عليه، و إذا هو قد عطش عطشا شديدا، و بقي يطلب الماء، فلا يجده.
فالتفت يمينا و شمالا و إذا هو بحوض عظيم الطول و العرض، قال: فقلت في نفسي: هذا هو الكوثر، فإذا فيه ماء أبرد من الثلج و أحلى من العذب، و إذا عند الحوض رجلان و امرأة أنوارهم تشرق على الخلائق، و مع ذلك لبسهم السواد و هم باكون محزونون، فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: هذا محمّد المصطفى، و هذا الإمام عليّ المرتضى، و هذه الطاهرة فاطمة الزهراء، فقلت: مالي أراهم لابسين السواد و باكين و محزونين؟ فقيل لي: أ ليس هذا يوم عاشوراء، يوم مقتل الحسين (عليه السّلام)؟ فهم محزونون لأجل ذلك.
قال: فدنوت إلى سيّدة النساء فاطمة، فقلت لها: يا بنت رسول اللّه إنّي عطشان فنظرت إليّ شزرا و قالت لي: أنت الذي تنكر فضل البكاء على مصاب ولدي الحسين (عليه السّلام) و مهجة قلبي و قرّة عيني، الشهيد المقتول ظلما و عدوانا؟ لعن اللّه قاتليه و ظالميه و مانعيه من شرب الماء؟ قال الرجل: فانتبهت من نومي فزعا مرعوبا و استغفرت اللّه كثيرا، و ندمت على ما كان منّي، و أتيت إلى أصحابي الذين كنت معهم، و خبّرت برؤياي، و تبت إلى اللّه عزّ و جلّ. (2)
____________
(1)- في الأصل: من.
(2)- البحار: 44/ 293 ح 38.
536
3- باب آخر: إنّه قتيل العبرة لا يذكره مؤمن إلّا بكى
الأخبار: الأئمّة: الصادق، عن آبائه، عن الحسين (عليهم السّلام)
1- أمالي الصدوق: ابن إدريس، عن أبيه، عن ابن أبي الخطّاب، عن الحكم بن مسكين، عن أبي بصير، عن الصادق، عن آبائه قال: قال أبو عبد اللّه الحسين (عليه السّلام): أنا قتيل العبرة لا يذكرني مؤمن إلّا استعبر.
كامل الزيارات: محمّد بن جعفر، عن محمّد بن الحسين، عن الحكم بن مسكين مثله.
و منه: أبي، عن سعد، عن الخشّاب، عن إسماعيل بن مهران، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير مثله. (1)
2- كامل الزيارات: ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن عيسى، عن محمّد البرقيّ، عن أبان الأحمر، عن محمّد بن الحسين الخزّاز، عن ابن خارجة، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: كنّا عنده فذكرنا الحسين بن عليّ عليهما سلام اللّه و على قاتله لعنة اللّه فبكى أبو عبد اللّه (عليه السّلام) و بكينا، قال: ثمّ رفع رأسه فقال: قال الحسين بن عليّ (عليهما السّلام): أنا قتيل العبرة لا يذكرني مؤمن إلّا بكى و ذكر الحديث. (2)
3- و منه: السّعدآباديّ، عن البرقيّ، عن أبيه، عن ابن مسكان، عن ابن خارجة، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال الحسين بن عليّ (عليهما السّلام): أنا قتيل العبرة، قتلت مكروبا و حقيق على اللّه أن لا يأتيني مكروب [قطّ] إلّا ردّه اللّه و اقلبه (3) إلى أهله مسرورا.
و منه: حكيم بن داود، عن سلمة، عن محمّد بن عمرو، عن ابن خارجة مثله. (4)
توضيح: قوله: «أنا قتيل العبرة» أي قتيل منسوب إلى العبرة و البكاء، و سبب
____________
(1)- أمالي الصدوق ص 118 ح 7، كامل الزيارات ص 108 ح 5 و ص 108 ح 3 و البحار: 44/ 284 ح 19.
(2)- ص 108 ح 6 و البحار: 44/ 279 ح 5.
(3)- في البحار: أو أقلبه.
(4)- ص 109 ح 7 و البحار: 44/ 279 ح 6.
537
لها، أو اقتل مع العبرة و الحزن و شدّة الحال و الأوّل أظهر.
وحده، عن أمير المؤمنين (عليه السّلام)
4- كامل الزيارات: أبي، و عليّ بن الحسين و ابن الوليد جميعا، عن سعد، عن ابن عيسى، عن سعيد بن جناح، عن أبي يحيى الحذاء، عن بعض أصحابه (1)، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: نظر أمير المؤمنين إلى الحسين (صلوات الله عليهما) فقال:
يا عبرة كلّ مؤمن، فقال: أنا يا أبتاه، فقال: نعم يا بنيّ. (2)
عن الحسين (عليه السّلام)
5- كامل الزيارات: أبي، عن سعد، عن الخشّاب، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال الحسين (عليه السّلام): أنا قتيل العبرة. (3)
وحده 6- كامل الزيارات: جماعة مشايخي، عن محمّد العطّار، عن الحسين بن عبيد اللّه، عن ابن أبي عثمان، عن الحسن بن عليّ بن عبد اللّه، عن أبي عمارة المنشد قال: ما ذكر الحسين بن عليّ عند أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في يوم قطّ فرئي أبو عبد اللّه (عليه السّلام) متبسّما في ذلك اليوم إلى الليل، و كان أبو عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: الحسين عبرة كلّ مؤمن.
و منه: محمّد بن جعفر، عن ابن أبي الخطّاب، عن الحسن بن عليّ، عن ابن أبي عمير، عن عليّ بن المغيرة، عن أبي عمارة مثله، إلى قوله: في ذلك اليوم و الليل. (4)
____________
(1)- في المصدر: أصحابنا.
(2)- ص 108 ح 1 البحار: 44/ 280 ح 10.
(3)- ص 108 ح 4 و البحار 44/ 280 ح 12.
(4)- ص 108 ح 2، ص 101 ح 5 و البحار: 44/ 280 ح 11.
538
4- باب فيما ورد في أيّام المحرّم و يوم عاشوراء و آداب الماتم و البكاء
الأخبار: الأئمّة: الرضا (عليهم السّلام)
أمالي الصدوق: ابن مسرور، عن ابن عامر، عن عمّه، عن إبراهيم بن أبي محمود قال: قال الرضا (عليه السّلام): إنّ المحرّم شهر كان أهل الجاهلية يحرّمون فيه القتال، فاستحلّت فيه دماؤنا، و هتكت فيه حرمتنا، و سبي فيه ذرارينا و نساؤنا، و اضرمت النيران في مضاربنا، و انتهب ما فيها من ثقلنا، و لم ترع لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) حرمة في أمرنا، إنّ يوم الحسين (عليه السّلام) أقرح جفوننا، و أسبل دموعنا، و أذلّ عزيزنا بأرض كرب و بلاء، أورثتنا الكرب و البلاء (1) إلى يوم الانقضاء فعلى مثل الحسين فليبك الباكون فإنّ البكاء عليه يحطّ الذنوب العظام.
ثمّ قال (عليه السّلام): كان أبي إذا دخل شهر المحرّم لا يرى ضاحكا، و كانت الكابة تغلب عليه حتّى يمضي منه عشرة أيّام، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته و حزنه و بكائه، و يقول: هو اليوم الذي قتل فيه الحسين (عليه السّلام) (2).
2- عيون أخبار الرضا و أمالي الصدوق: ماجيلويه، عن عليّ، عن أبيه، عن الريّان بن شبيب قال: دخلت على الرضا (عليه السّلام) في أوّل يوم من المحرّم، فقال لي:
يا ابن شبيب أ صائم أنت؟ فقلت: لا، فقال: إنّ هذا اليوم هو اليوم الذي دعا فيه زكريّا ربّه عزّ و جلّ، فقال: «رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ» (3) فاستجاب اللّه له و أمر الملائكة فنادت زكريّا و هو قائم يصلّي في المحراب أنّ اللّه يبشّرك بيحيى، فمن صام هذا اليوم ثمّ دعا اللّه عزّ و جلّ استجاب اللّه له كما استجاب لزكريّا (عليه السّلام).
ثمّ قال: يا ابن شبيب إنّ المحرّم هو الشهر الّذي كان أهل الجاهليّة فيما مضى يحرّمون فيه الظلم و القتال لحرمته، فما عرفت هذه الامّة حرمة شهرها، و لا حرمة نبيّها
____________
(1)- في المصدر: و أورثتنا (يا ارض كرب و بلاء أورثتنا) الكرب البلاء.
(2)- ص 111 ح 2 و البحار: 44/ 283 ح 17.
(3)- آل عمران: 38.
539
(صلى اللّه عليه و آله)، لقد قتلوا في هذا الشهر ذرّيّته و سبوا نساءه، و انتهبوا ثقله فلا غفر اللّه لهم ذلك أبدا.
يا ابن شبيب إن كنت باكيا لشيء فابك للحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السّلام) فإنّه ذبح كما يذبح الكبش و قتل معه ثمانية عشر رجلا من أهل بيته، ما لهم في الأرض شبيهون، و لقد بكت السماوات السبع و الأرضوان لقتله، و لقد نزل إلى الارض من الملائكة أربعة آلاف لنصره، «فوجدوه قد قتل» (1) فهم عند قبره شعث غبر إلى أن يقوم القائم (عليهم السّلام) فيكونون من أنصاره، و شعارهم: «يا لثارات الحسين» (عليه السّلام).
يا ابن شبيب لقد حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه (عليهم السّلام)، أنّه لمّا قتل جدّي الحسين (عليه السّلام) أمطرت السماء دما و ترابا أحمر، يا ابن شبيب إن بكيت على الحسين حتّى تصير دموعك على خدّيك غفر اللّه لك كلّ ذنب أذنبته صغيرا كان أو كبيرا، قليلا كان أو كثيرا.
يا ابن شبيب إن سرّك أن تلقى اللّه عزّ و جلّ و لا ذنب عليك فزر الحسين (عليه السّلام)، يا ابن شبيب إن سرّك أن تسكن الغرف المبنيّة في الجنّة مع النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) فالعن قتلة الحسين (عليه السّلام).
يا ابن شبيب إن سرّك أن يكون لك من الثواب مثل ما لمن استشهد مع الحسين (عليه السّلام) فقل متى ما ذكرته «يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما».
يا ابن شبيب إن سرّك أن تكون معنا في الدرجات العلى من الجنان، فاحزن لحزننا، و افرح لفرحنا و عليك بولايتنا، فلو أنّ رجلا تولّى (2) حجرا لحشره اللّه تعالى معه يوم القيامة. (3)
3- أمالي الصّدوق: الطالقانيّ، عن أحمد الهمدانيّ، عن عليّ بن الحسن ابن فضّال، عن أبيه، عن الرضا (عليه السّلام) قال: من ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى اللّه له حوائج الدّنيا و الآخرة، و من كان يوم عاشوراء يوم مصيبته و حزنه و بكائه،
____________
(1)- في العيون: فلم يؤذن لهم.
(2)- في عيون اخبار الرضا: أحبّ.
(3)- عيون اخبار الرضا: 1/ 233 ح 58؛ أمالي الصّدوق ص 112 ح 5 و البحار: 44/ 285 ح 23.
540
جعل اللّه عزّ و جلّ يوم القيامة يوم فرحه و سروره، و قرّت بنا في الجنان عينه، و من سمّى يوم عاشورا يوم بركة و ادّخر فيه لمنزله شيئا لم يبارك له فيما ادّخر، و حشر يوم القيامة مع يزيد و عبيد اللّه بن زياد و عمر بن سعد- لعنهم اللّه- إلى أسفل درك من النار. (1)
5- باب ثواب إنشاد الشعر فيه (عليه السّلام)
الأخبار: الأئمّة: الصادق (عليهم السّلام)
1- أمالي الصدوق: العطّار، عن أبيه، عن الأشعريّ، عن اللؤلؤي، عن ابن أبي عثمان، عن عليّ بن المغيرة، عن أبي عمارة المنشد، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال:
قال لي: يا أبا عمارة انشدني في الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) قال: فأنشدته فبكى ثمّ أنشدته فبكى، قال: فو اللّه ما زلت أنشده و يبكى حتّى سمعت البكاء من الدار.
قال: فقال: يا أبا عمارة من أنشد في الحسين بن علي (عليهما السّلام) [شعرا] فأبكى خمسين فله الجنّة، و من أنشد في الحسين (عليه السّلام) شعرا فأبكى ثلاثين فله الجنّة، و من أنشد في الحسين (عليه السّلام) شعرا فأبكى عشرين فله الجنّة، و من أنشد في الحسين (عليه السّلام) شعرا فأبكى عشرة فله الجنّة، و من أنشد في الحسين (عليه السّلام) شعرا فأبكى واحدا فله الجنّة، و من أنشد في الحسين (عليه السّلام) شعرا فبكى فله الجنّة، و من أنشد في الحسين شعرا فتباكى فله الجنّة.
ثواب الأعمال: ماجيلويه، عن محمّد العطّار، عن الأشعريّ مثله.
كامل الزيارات: محمّد بن جعفر، عن محمّد بن الحسين، عن ابن أبي عثمان مثله. (2)
2- رجال الكشي: نصر بن الصباح، عن ابن عيسى، عن يحيى بن عمران،
____________
(1)- ص 112 ح 4 و البحار: 44/ 284 ح 18.
(2)- أمالي الصدوق ص 121 ح 6، ثواب الأعمال ص 109 ح 2، كامل الزيارات ص 104 ح 2 و البحار: 44/ 282 ح 15.
541
عن محمّد بن سنان، عن زيد الشحّام قال: كنّا عند أبي عبد اللّه (عليه السّلام) و نحن جماعة من الكوفيّين، فدخل جعفر بن عفّان على أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فقرّبه و أدناه ثمّ قال: يا جعفر قال: لبّيك جعلني اللّه فداك، قال: بلغني أنّك تقول الشعر في الحسين (عليه السّلام) و تجيد، فقال له: نعم جعلني اللّه فداك، قال: قل، فأنشده (1) صلّى اللّه عليه فبكى و من حوله حتّى صارت الدموع على وجهه و لحيته.
ثمّ قال: يا جعفر و اللّه لقد شهدت (2) ملائكة اللّه المقرّبون هاهنا يسمعون قولك في الحسين (عليه السّلام) و لقد بكوا كما بكينا [أ] و أكثر، و لقد أوجب اللّه تعالى لك يا جعفر في ساعته الجنّة بأسرها و غفر اللّه لك.
فقال: يا جعفر أ لا أزيدك؟ قال: نعم يا سيّدي، قال: ما من أحد قال في الحسين (عليه السّلام) شعرا فبكى و أبكى به إلّا أوجب اللّه له الجنّة و غفر له. (3)
3- كامل الزيارات: محمّد بن جعفر، عن محمّد بن الحسين، عن ابن أبي عمير، عن عبد اللّه (4) بن حسّان، عن ابن أبي شعبة، عن عبد اللّه بن غالب، قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فأنشدته مرثية الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) فلمّا انتهيت إلى هذا الموضع:
لبليّة تسقوا حسينا * * * بمسقاة الثرى غير التراب
[ف] صاحت باكية من وراء الستر: يا أبتاه. (5)
4- و منه: ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن أبي الخطّاب، عن محمّد بن إسماعيل، عن صالح بن عاقبة، عن أبي هارون المكفوف قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فقال لي: أنشدني فأنشدته، فقال: لا كما تنشدون و كما ترثيه عند قبره، [قال] فأنشدته:
امرر على جدث الحسين * * * فقل لأعظمه الزكيّة
قال: فلمّا بكى أمسكت أنا، فقال: مرّ فمررت، قال: ثمّ قال: زدني [زدني
____________
(1)- في الأصل: فأنشدته.
(2)- في المصدر: شهدك.
(3)- ص 289 ح 508 و البحار: 44/ 282 ح 16.
(4)- محمد/ خ.
(5)- ص 105 ح 3 و البحار: 44/ 286 ح 24.
542
قال:] فأنشدته:
يا مريم قومي فاندبي مولاك * * * و على الحسين فأسعدي ببكاك
قال: فبكى و تهايج النساء، قال: فلمّا أن سكتن قال لي: يا أبا هارون من أنشد في الحسين (عليه السّلام) فأبكى عشرة فله الجنّة، ثمّ جعل ينتقص (1) واحدا واحدا حتى بلغ الواحد، فقال: من أنشد في الحسين (عليه السّلام) فأبكى واحدا فله الجنّة، ثمّ قال: من ذكره فبكى فله الجنّة.
و روي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: لكلّ شيء (2) ثواب إلّا الدّمعة فينا (3).
5- ثواب الأعمال: أبي، عن سعد، عن ابن أبي الخطّاب، عن محمّد بن إسماعيل، عن صالح بن عاقبة، عن أبي هارون المكفوف قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السّلام): يا أبا هارون أنشدني في الحسين (عليه السّلام)، قال: فأنشدته، قال: فقال [لي]:
انشد [ني] كما تنشدون يعني بالرّقة قال: فانشدته شعرا:
امرر على جدث الحسين * * * فقل لأعظمه الزكيّة
قال: فبكى، ثمّ قال: زدني فأنشدته القصيدة الاخرى، قال: فبكى و سمعت البكاء من خلف الستر، قال: فلمّا فرغت، قال: يا ابا هارون من أنشد في الحسين (عليه السّلام) شعرا فبكى و أبكى عشرة كتبت لهم الجنّة، و من أنشد في الحسين (عليه السّلام) شعرا فبكى و أبكى خمسة كتبت لهم الجنّة، و من أنشد في الحسين (عليه السّلام) شعرا فبكى و أبكى واحدا كتب لهما الجنّة، و من ذكر الحسين (عليه السّلام) عنده فخرج من عينيه من الدمع مقدار جناح ذباب كان ثوابه على اللّه عزّ و جلّ، و لم يرض له بدون الجنّة.
كامل الزيارات: محمّد بن جعفر، عن ابن أبي الخطّاب مثله. (4)
توضيح: (قيل في معناه) الرقّة بالفتح بلدة على الفرات واسطة ديار ربيعة و آخر غربيّ بغداد و قرية أسفل منها بفرسخ، ذكره الفيروزآباديّ.
أقول: و يحتمل أن يقرأ بالرقّة بالكسر أي كما تنشدون بالرقّة و الحزن و التأثير.
____________
(1)- في المصدر: ينقص.
(2)- في الأصل و البحار: سرّ.
(3)- ص 105 ح 5 و البحار: 44/ 287 ح 25.
(4)- ثواب الأعمال ص 108 ح 1 و كامل الزيارات ص 100 ح 3 و البحار: 44/ 288 ح 28.
543
6- ثواب الأعمال: ابن المتوكّل، عن محمّد العطّار، عن الأشعريّ، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل، عن صالح بن عاقبة، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: من أنشد في الحسين (عليه السّلام) بيتا من شعر فبكى و أبكى عشرة فله و لهم الجنّة و من أنشد في الحسين (عليه السّلام) بيتا فبكى و أبكى تسعة فله و لهم الجنّة، فلم يزل حتّى قال: و من أنشد في الحسين (عليه السّلام) بيتا (1) فبكى- و أظنّه قال: أو تباكى- فله الجنّة.
كامل الزيارات: محمّد بن جعفر، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل مثله.
و منه: محمّد بن أحمد بن الحسين العسكريّ، عن الحسن بن عليّ بن مهزيار، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن محمّد بن إسماعيل مثله. (2)
6- باب ما قيل من المراثي فيه (عليه السّلام)
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- مجالس المفيد و أمالي الطوسيّ: المفيد، عن محمّد بن عمران، عن محمّد ابن إبراهيم، عن عبد اللّه بن أبي سعيد (3)، عن مسعود بن عمرو، عن إبراهيم بن داحة (4) قال: أوّل شعر رثي به الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) قول عاقبة بن عمرو (5) السهمي من بني سهم بن عوف بن غالب:
إذا العين قرّت في الحياة و أنتم * * * تخافون في الدنيا فأظلم نورها
مررت على قبر الحسين بكربلاء * * * ففاض عليه من دموعي غزيرها
فما زلت ارثيه و أبكي لشجوه * * * و يسعد عيني دمعها و زفيرها
و بكيت من بعد الحسين عصائب * * * أطافت به من جانبيها قبورها
سلام على أهل القبور بكربلاء * * * و قلّ لها منّي سلام يزورها
____________
(1)- في المصدر: شعرا.
(2)- ثواب الأعمال ص 110 ح 3، كامل الزيارات ص 105 ح 4 و 106 ح 7 و البحار: 44/ 289 ح 29.
(3)- في البحار: سعد.
(4)- في أمالي الطوسي: راحه، و في خ: راجه.
(5)- في أمالي الطوسي: عميه و في الأصل: عمر.
544
سلام بآصال العشيّ و بالضحى * * * تؤدّيه نكباء الرياح و مورها
و لا برح الوفّاد زوّار قبره * * * يفوح عليهم مسكها و عبيرها
المناقب لابن شهرآشوب: مرسلا مثله (1)
توضيح: النكباء: الريح الناكبة التي تنكب عن مهابّ الرياح القوّم ذكره الجوهريّ و قال الفيروزآباديّ: ريح انحرفت و وقعت بين ريحين أو بين الصبا و الشمال، و المور بالضمّ: الغبار بالريح.
2- مثير الأحزان لابن نما: رويت إلى ابن عائشة قال: مرّ سليمان بن قتّة العدوي (2) مولى بني تيم بكربلاء بعد قتل الحسين (عليه السّلام) بثلاث فنظر إلى مصارعهم فاتكأ على فرس له عربيّة و (قال) أنشأ:
مررت (3)على أبيات آل محمّد * * * فلم أرها أمثالها يوم حلّت
أ لم تر أنّ الشمس أضحت مريضة * * * لفقد حسين و البلاد اقشعرّت
و كانوا رجاء ثمّ أضحوا رزيّة * * * لقد عظمت تلك الرزايا و جلّت (4)
و تسألنا قيس فنعطي فقيرها * * * و تقتلنا قيس إذا (5)النعل زلّت
و عند غنيّ قطرة من دمائنا * * * سنطلبهم يوما بها حيث حلّت
فلا يبعد اللّه الديار و أهلها * * * و إن أصبحت منهم بزعمي تخلّت
و إنّ قتيل الطفّ من آل هاشم * * * أذلّ رقاب المسلمين فذلّت
و قد أعولت (6)تبكي السماء لفقده * * * و أنجمها ناحت عليه و صلّت (7)
و قيل الأبيات لأبي الرمح الخزاعيّ، حدّث المرزبانيّ قال: دخل أبو الرّمح إلى فاطمة بنت الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) فأنشدها مرثية في الحسين (عليه السّلام):
أجالت على عيني سحائب عبرة * * * فلم تصح بعد الدمع حتّى ارمعلّت (8)
____________
(1)- أمالي المفيد ص 324 ح 9 و أمالي الطوسي: 1/ 91 ح 52 و المناقب: 3/ 268 و البحار: 45/ 242 ح 1.
(2)- في نسختي الأصل: قتيبة العدويّ، قتيبة الأوديّ، و ما أثبتناه هو الأرجح راجع هامش البحار: 45/ 244.
(3)- وردت/ خ.
(4)- في الأصل: و حلّت
(5)- في الأصل: إذ.
(6)- في إحدى النسخ: اقبلت، و الاخرى: اعبلت.
(7)- في الأصل: تبكي النساء «و أنجما».
(8)- ارمقلّت/ خ.
546
توافوا عطاشا بالعراء فليتني * * * توفّيت فيهم قبل حين وفاتي
إلى اللّه أشكو لوعة عند ذكرهم * * * سقتني بكأس الثكل و الفضعات (1)
إذا فخروا يوما أتوا بمحمّد * * * و جبريل و القرآن و السّورات
و عدّوا عليّا ذا المناقب و العلا * * * و فاطمة الزهراء خير بنات
و حمزة و العباس ذا الدين و التّقى * * * و جعفرها الطيّار في الحجبات
اولئك مشؤمون هندا و حربها (2) * * * سميّة من نوكى و من قذرات
هم منعوا الآباء من أخذ حقهم * * * و هم تركوا الأبناء رهن شتات
سأبكيهم ما حجّ للّه راكب * * * و ما ناح قمريّ على الشجرات
فيا عين بكّيهم وجودي بعبرة * * * فقد آن للتسكاب و الهملات
بنات زياد في القصور مصونة * * * و آل رسول اللّه منهتكات
و آل زياد في الحصون منيعة * * * و آل رسول اللّه في الفلوات
ديار رسول اللّه أصبحن بلقعا * * * و آل زياد تسكن الحجرات
و آل رسول اللّه نحف جسومهم * * * و آل زياد غلّظ القصرات
و آل رسول اللّه تدمى نحورهم * * * و آل زياد ربّة الحجلات
و آل رسول اللّه تسبى حريمهم * * * و آل زياد آمنوا السربات
إذا وتروا مدّوا إلى واتريهم * * * أكفّا من (3)الأوتار منقبضات
سأبكيهم ما ذرّ في الأرض (4)شارق * * * و نادى منادي الخير للصلوات
و ما طلعت شمس و حان غروبها * * * و باللّيل أبكيهم و بالغدوات (5)
اقول: سيأتي تمام القصيدة و شرحها في أبواب تاريخ الرضا (عليه السّلام).
4- المناقب لابن شهرآشوب: الكميت:
أضحكني الدّهر و أبكاني * * * و الدّهر ذو صرف و ألوان
لتسعة بالطفّ قد غودروا * * * صاروا جميعا رهن أكفان
و ستة لا يتجازى بهم * * * بنو عقيل خير فرسان
____________
(1)- الغصصات/ خ.
(2)- هند و حزبها/ خ.
(3)- عن/ خ.
(4)- الافق/ خ.
(5)- البحار: 45/ 257 ح 15.
545
تبكي على آل النبيّ محمّد * * * و ما أكثرت في الدمع (1)لا بل أقلّت
اولئك قوم لم يشيموا سيوفهم * * * و قد نكأت أعدائهم حين سلّت
و إنّ قتيل الطفّ من آل هاشم * * * أذلّ رقابا من قريش فذلّت
فقالت فاطمة: يا أبا رمح هكذا تقول، قال: فكيف أقول جعلني اللّه فداك، قالت: قل: «أذلّ رقاب المسلمين فذلّت»، قال: لا أنشدها بعد اليوم إلّا هكذا. (2)
3- أقول: [رأيت] في بعض مؤلّفات المتأخرين أنّه [قال:] حكى دعبل الخزاعيّ قال: دخلت على سيّدي و مولاي عليّ بن موسى الرضا (عليهما السّلام) في مثل هذه الأيّام، فرأيته جالسا جلسة الحزين الكئيب و أصحابه من حوله، فلمّا رآني مقبلا قال لي: مرحبا بك يا دعبل، مرحبا بناصرنا بيده و لسانه، ثمّ إنّه وسّع لي في مجلسه و أجلسني إلى جانبه، ثمّ قال لي: يا دعبل احبّ أن تنشدنا شعرا؛ فإنّ هذه الأيّام أيّام حزن كانت علينا أهل البيت، و أيّام سرور كانت على أعدائنا خصوصا بني اميّة، يا دعبل من بكى و أبكى على مصابنا و لو واحدا كان أجره على اللّه، يا دعبل من ذرفت عيناه على مصابنا و بكى لما أصابنا من أعدائنا حشره اللّه معنا في زمرتنا، يا دعبل من بكى على مصاب جدّي الحسين (عليه السّلام) غفر اللّه له ذنوبه البتّة.
ثمّ إنّه (عليه السّلام) نهض، و ضرب سترا بيننا و بين حرمه، و أجلس أهل بيته من وراء الستر ليبكوا على مصاب جدّهم الحسين (عليه السّلام)، ثمّ التفت إليّ، و قال لي: يا دعبل ارث الحسين (عليه السّلام)، فأنت ناصرنا و ما دحنا ما دمت حيّا، فلا تقصّر عن (3) نصرنا ما استطعت، قال دعبل: فاستعبرت و سالت عبرتي و أنشأت أقول:
أ فاطم لو خلت الحسين مجدّلا * * * و قد مات عطشانا بشط فرات
إذا للطمت الخدّ فاطم عنده * * * و أجريت دمع العين في الوجنات
أ فاطم قومي يا بنة الخير و اندبي * * * نجوم سماوات بأرض فلاة
قبور بكوفان و اخرى بطيبة * * * و اخرى بفخّ نالها صلواتي
قبور ببطن النهر من جنب كربلا * * * معرّ سهم فيها بشطّ فرات
____________
(1)- بالدمع/ خ.
(2)- مثير الاحزان ص 110 و البحار: 45/ 293.
(3)- في/ خ.
547
ثمّ عليّ الخير مولاهم * * * ذكرهم هيّج أحزاني (1)
بيان: التجازي: التقاضي.
5- المناقب لابن شهرآشوب: السريّ الرفا: (2)
أقام روح و ريحان على جدث * * * ثوى الحسين به ظمان آمينا
كأن أحشاءنا من ذكره أبدا * * * تطوى على الجمر أو تحشى السكاكينا (3)
مهلا فما نقضوا أو تار والده * * * و إنّما نقضوا في قتله الدينا (4)
بيان: لعل الاوتار جمع وتر: القوس، كناية عن العهود و المواثيق.
6- المناقب لابن شهرآشوب: دعبل:
هلّا بكيت على الحسين و أهله * * * هلّا بكيت لمن بكاه محمّد
فلقد بكته في (5)السماء ملائك * * * زهر كرام راكعون و سجّد
لم يحافظوا حبّ (6)النبيّ محمّد * * * إذ جرّعوه حرارة ما (7) تبرد
قتلوا الحسين فأثكلوه بسبطه * * * فالثكل من بعد الحسين مبدّد
هذا حسين بالسيوف مبضّع * * * متخضّب (8)بدمائه مستشهد
عار بلا ثوب صريع في الثرى * * * بين الحوافر و السنابك يقصد
كيف القرار و في السبايا زينب * * * تدعو بفرط حرارة يا أحمد
يا جدّ إنّ الكلب يشرب آمنا * * * ريّا و نحن عن الفرات نطرّد
يا جدّ من ثكلي و طول (9)مصيبتي * * * و لما اعاينه أقوم و أقعد (10)
توضيح: قوله: «فالثكل من بعد الحسين مبدّد» أي تفرق و كثر القتل و الثكل بعد قتله (عليه السّلام) في أولاد الرسول (صلى اللّه عليه و آله) أو (في) سائر الخلق أيضا، و لا يبعد أن يكون
____________
(1)- المناقب: 3/ 262 و البحار: 45/ 242 ح 2.
(2)- في المصدر: الوفى السري.
(3)- في المصدر: تخشى.
(4)- 3/ 262 و البحار: 45/ 243 ح 3.
(5)- من/ خ.
(6)- في المصدر: حق.
(7)- في احدى النسخ: لم و في الاخرى: لا.
(8)- في المصدر و احدى النسخ: و ملطخ
(9)- في احدى النسخ: و حرّ مصيبتي، و في الاخرى: و مصيبتي.
(10)- 3/ 263 و البحار: 45/ 243 ح 4.
548
«فالكلّ» فصحّف.
7- المناقب لابن شهرآشوب: كشاجم:
اذا تفكّرت في مصابهم * * * أثقب زند الهموم قادحه (1)
فبعضهم قربت مصارعه * * * و بعضهم بعدت مطارحه
أظلم في كربلاء يومهم * * * ثمّ تجلّى و هم ذبائحه
ذلّ حماه و قلّ ناصره * * * و نال أقوى مناه كاشحه
خالد بن معدان:
جاءوا برأسك يا ابن بنت محمّد * * * مترمّلا بدمائه ترميلا
قتلوك عطشانا و لم يترقبوا * * * في قتلك التنزيل و التأويلا
و كأنّما بك يا ابن بنت محمّد * * * قتلوا جهارا عامدين رسولا
و يكبّرون بأن قتلت و إنّما * * * قتلوا بك التكبير و التهليلا
سليمان بن قتّة (2) الهاشميّ:
مررت على أبيات آل محمّد * * * فلم أرها أمثالها يوم حلّت
أ لم تر أنّ الأرض أضحت مريضة * * * لفقد حسين (3)و البلاد اقشعرّت
و إنّ قتيل الطفّ من آل هاشم * * * أذلّ رقاب المسلمين فذلّت
فكانوا رجاء ثمّ عادوا رزيّة * * * لقد عظمت تلك الرّزايا و جلّت
السّوسيّ:
لهفي على السّبط و ما ناله * * * قد مات عطشانا بكرب الظما
لهفي لمن نكّس عن سرجه * * * ليس من الناس له من حمى
لهفي على بدر الهدى إذ علا * * * في رمحه يحكيه بدر الدجى
لهفي على النسوة إذ برّزت * * * تساق سوقا بالعنا و الجفا
لهفي على تلك الوجوه التي * * * ابرزن بعد الصّون بين الملا
____________
(1)- في المصدر: قاطعه.
(2)- قد مرّ ذكره ص (544) و في المصدر و خ: قبة.
(3)- في المصدر: الحسين.
549
لهفي على ذاك (1)العذار الذي * * * علاه بالطفّ تراب العرا (2)
لهفي على ذاك القوام الّذي * * * حناه بالطفّ سيوف العدا
و له:
كم دموع ممزوجة بدماء * * * سكبتها العيون في كربلاء
لست أنساه بالطفوف غريبا * * * مفردا بين صحبه بالعراء
و كأنّي به و قد خرّ في الترب * * * صريعا مخضّبا بالدّماء
و كأنّي به و قد لحظ النسوا * * * ن يهتكن مثل هتك الإماء
و له:
جودي على حسين يا عين بانغزار * * * جودي على الغريب إذ الجار لا يجار
جودي على النساء مع الصبية الصغار * * * جودي على القتيل مطروح في القفار
و له:
ألا يا بني الرسول لقد قلّ الاصطبار * * * ألا يا بني الرسول خلت منكم الدّيار
ألا يا بني الرسول فلا قرّ لي قرار
و له:
لا عذر للشيعيّ يرقأ دمعه * * * و دم الحسين بكربلاء اريقا
يا يوم عاشورا لقد خلّفتني * * * ما عشت في بحر الهموم غريقا
فيك استبيح حريم آل محمّد * * * و تمزّقت أسبابهم تمزيقا
أ أذوق ريّ الماء و ابن محمّد * * * لم يرو حتّى للمنون اذيقا
و له:
وكّل جفنيّ بالسّهاد * * * مذ عرّس الحزن في فؤادي
ناع نعى بالطّفوف بدرا * * * أكرم به رائحا و غادي
نعى حسينا فدته روحي * * * لمّا أحاطت به الأعادي
في فتية ساعدوا و واسوا * * * و جاهدوا أعظم الجهاد
____________
(1)- تلك/ خ.
(2)- في المصدر: العزا.
551
يا سادتي يا بني عليّ * * * بكى الهدى لفقدكم (1)و ناحا
يا سادتي يا بني إمامي * * * أقولها عنوة صراحا
أو حشتم الحجر و المساعي * * * آنستم القفر و البطاحا
أو حشتم الذكر و المثاني * * * و السور النّوّل (2)الفصاحا (3)
توضيح: «النّوّل» كركّع جمع النائل أي العطاء.
9- المناقب لابن شهرآشوب: و له:
لم أنس يوما للحسين و قد ثوى * * * بالطفّ مسلوب الرداء خليعا
ظمان من ماء الفرات معطّشا * * * ريّان من غصص (4)الحتوف نقيعا
يرنو إلى ماء الفرات بطرفه * * * فيراه عنه محرّما ممنوعا (5)
توضيح: «نقيعا» أي كأنّه نقع له سمّ الحتوف، أو من قولهم سمّ ناقع، أي بالغ و سمّ منقع أي مربّي، و رنا إليه يرنو رنوّا أدام النظر.
10- المناقب لابن شهرآشوب: الزاهيّ:
اعاتب عيني إذا أقصرت * * * و افني دموعي إذا ما جرت
لذكراكم يا بني المصطفى * * * دموعي على الخدّ قد سطّرت
لكم و عليكم جفت غمضها (6) * * * جفوني عن النوم و استشعرت
أمثّل أجسادكم بالعراق؟ * * * و فيها الأسنّة قد كسّرت
أمثلكم في عراص الطفوف * * * بدورا تكسّف إذ أقمرت
غدت أرض يثرب من جمعكم * * * كخطّ الصحيفة إذ أقفرت
و أضحى (7)بكم كربلا مغربا * * * لزهر (8) النجوم إذا غوّرت
كأنّي بزينب حول الحسين * * * و منها الذوائب قد نشّرت
تمرّغ في نحره شعرها * * * و تبدي من الوجد ما أضمرت
____________
(1)- في المصدر: بعدكم و في البحار: فقدكم.
(2)- النزل/ خ، و في المصدر: الطول.
(3)- 3/ 265 و البحار: 45/ 246 ح 6.
(4)- خصص/ خ.
(5)- 3/ 265 و البحار: 45/ 247 ح 7.
(6)- غمزها/ خ.
(7)- و أضحت/ خ.
(8)- في الأصل: كزهر.
550
حتّى تفانوا (1) * * * و ظلّ فردا
و نكّسوه عن الجوادو جاء شمر إليه حتّى
جرّعه الموت و هو صاد
و ركّب الرأس في سنان * * * كالبدر يجلو دجى السواد
و احتملوا أهله سبايا * * * على مطايا بلا مهاد
و له أيضا:
أ أنسى حسينا بالطّفوف مجدّلا * * * و من حوله الأطهار كالأنجم الزهر
أ أنسى حسينا يوم سير برأسه * * * على الرّمح مثل البدر في ليلة البدر
أ أنسى السبايا من بنات محمّد * * * يهتّكن من بعد الصّيانة و الخدر (2)
توضيح: و هو صاد أي عطشان.
8- المناقب لابن شهرآشوب: العونيّ:
فيا بضعة من فؤاد النبيّ * * * بالطّفّ أضحت كثيبا مهيلا
و يا كبدا من فؤاد البتول * * * بالطفّ شلّت (3)فأضحت أكيلا
قتلت فأبكيت عين الرّسول * * * و أبكيت من رحمة جبرئيلا
و له:
يا قمرا غاب حين لاحا * * * أورثني فقدك المناحا (4)
يا نوّب الدّهر لم يدع [لي] * * * صرفك من (5)حادث صلاحا
أبعد يوم الحسين ويحي * * * أستعذب اللّهو و المزاحا
يا بأبي أنفس ظماة (6) * * * ماتوا و لم يشربوا المباحا
يا بأبي غرّة هداة * * * باكرها حتفها صباحا
____________
(1)- في احدى النسخ: تنالوا، و في الاخرى توافوا.
(2)- 3/ 263 و البحار: 45/ 244 ح 5.
(3)- في المصدر: ثلّت.
(4)- في البحار: المنايا.
(5)- في المصدر و خ/ عن.
(6)- في البحار: ظماء.
552
و فاطمة عقلها طائر * * * إذا السوط في جنبها أبصارت
و للسبط فوق الثرى شيبة * * * بفيض (1)دم النحر قد عفّرت
و رأس الحسين أمام الرفاق * * * كغرّة صبح إذا أسفرت
و له أيضا:
لست أنسى النساء في كربلاء * * * و حسين ظام فريد وحيد
ساجد (2)يلثم الثرى و عليه * * * قضب الهند ركّعو سجود
يطلب الماء و الفرات قريب * * * و يرى الماء (3)و هو عنه بعيد (4)
توضيح: «جفت» أي أبعدت و قوله: «جفوني» فاعله، و قوله: «عن النوم» متعلّق به بتضمين معنى الفرار و نحوه أي أبعدت و تركت جفوني غمضها و ضمّها فرارا عن النوم، و «استشعرت» أي أضمرت حزنا يقال: استشعر فلان خوفا أي أضمره، قوله: «إذ أقمرت» أي قبل أن تصل إلى البدريّة و الكمال تكسّفت، قوله: «إذ أقفرت» أي خلت أرض يثرب منكم فبقي فيها منكم آثار خربة كخطّ الصحيفة، يقال: سيف قاضب و قضيب أي قطّاع و الجمع قواضب و قضب.
11- المناقب لابن شهرآشوب: الناشيّ:
مصائب نسل فاطمة البتول * * * نكت (5)حسراتها كبد الرسول
ألا بأبي البدور لقين كسفا * * * و أسلمها الطلوع إلى الافول
ألا يا يوم عاشورا رماني * * * مصابي منك (6)بالداء الدخيل
كأنّي بابن فاطمة جديلا * * * يلاقي الترب بالوجه الجميل
يجرّن (7)في الثرى قدّا و نحرا * * * على الحصباء بالخدّ التليل
صريعا ظلّ فوق الأرض أرضا * * * فوا أسفا على الجسم النحيل
أعاديه توطّأه و لكن * * * تخطّاه العتاق من الخيول
و قد قطع العداة الرأس منه * * * و علّوه على رمح طويل
____________
(1)- في خ و البحار: يفيض.
(2)- في المصدر: ماجد.
(3)- في المصدر: الناس.
(4)- 3/ 266 و البحار: 45/ 247 ح 8.
(5)- نكبت/ خ.
(6)- فيك/ خ.
(7)- في المصدر: يحزن.
554
كم على تربكلمّا صرعوا * * * من دم سال و من دمع جرى
و ضيوف لفلاة قفرة * * * نزلوا فيها على غير قرى
لم يذوقوا الماء حتّى اجتمعوا * * * بحدى (1)السيف على ورد الردى
تكسف الشمس شموس منهم * * * لا تدانيها علوّا و ضيا
و تنوش الوحش من أجسادهم * * * أرجل السبق و أيمان الندا
و وجوها كالمصابيح فمن * * * قمر غاب و من نجم هوى
غيرتهنّ الليالي و غدا * * * جائر الحكم عليهنّ البلى
يا رسول اللّه لو عاينتهم * * * و هم ما بين قتل و سبا
من رميض يمنع الظلّ و من * * * عاطش يسقى أنابيب القنا
و مسوق عاثر يسعى به * * * خلف محمول على غير وطا
جزّروا جزر الأضاحي نسله * * * ثمّ ساقوا أهله سوق الإما
قتلوه بعد علم منهم * * * أنّه خامس أصحاب الكسا
ميّت تبكي له فاطمة * * * و أبوها و عليّ ذو العلا
و له أيضا.
شغل الدموع عن الديار بكاؤها * * * لبكاء فاطمة على أولادها
لم يخلفوها في الشهيد و قد رأى (2) * * * دفع الفرات يذاد عن ورّادها
أ ترى درت أنّ الحسين طريدة * * * لقنا بني الطرداء (3)عند ولادها
كانت ماتم بالعراق تعدّها * * * امويّة بالشام من أعيادها
ما راقبت غضب النبيّ و قد غدا * * * زرع النبيّ مظنّة لحصادها
جعلت رسول اللّه من خصمائها * * * فلبئس ما ادّخرت (4)ليوم معادها
نسل النبيّ على صعاب مطيّها * * * و دم الحسين على رءوس صعادها
وا لهفتاه لعصبة علويّة * * * تبعت اميّة بعد ذلّ قيادها
____________
(1)- بحد/ خ و في المصدر: بحذا.
(2)- في المصدر: رأت.
(3)- في الأصل: الطراد.
(4)- في المصدر: ما ذخرت.
553
و قد برز النساء مهتّكات * * * يجزّزن الشعور من الاصول
يسرن مع اليتامى من قتيل * * * [يخضّب بالدماء إلى قتيل] (1)
فطورا يلتثمن بني عليّ * * * و طورا يلتثمن بني عقيل
و فاطمة الصغيرة بعد عزّ * * * كساها الحزن أثواب الذليل
تنادي جدّها يا جدّ إنّا * * * طلبنا بعد فقدك بالذّحول
توضيح: قال الفيروزآباديّ: داء و حبّ دخيل أي داخل، «و الجديل» الصريع «و جرن الحبّ» طحنه، و جرّن الثوب جرونا: انسحق، «و القدّ» القامة، «و تلّه للجبين» أي صرعه «و الذّحول» جمع الذّحل يقال: طلب بذحله أي ثأره.
المرتضى:
إنّ يوم الطفّ يوما * * * كان للدين عصيبا
لم يدع للقلب منّي * * * في المسرّات نصيبا
لعن اللّه رجالا * * * أترعوا الدنيا غصوبا
سالموا عجزا فلمّا * * * قدروا شنّوا الحروبا
طلبوا أو تار بدر * * * عندنا ظلما و حوبا
و له:
لقد كسّرت للدين في يوم كربلا * * * كسائر لا تؤسى و لا هي تجبر
فإمّا سبيّ بالرماح مسوّق * * * و إمّا قتيل بالتراب معفّر
و جرحى كما اختارت رماح و أنصل * * * و صرعى كما شاءت ضباع و أنسر
توضيح: «يوم عصيب» أي شديد، «و أترعه» أي ملأه (على الترع)، و الترع محركة الإسراع إلى الشرّ، و ترع فلان كفرح اقتحم الامور فرحا و نشاطا، «و الحوب» بالضمّ الإثم و الهلاك و البلاء، قوله: لا تؤسي من أسوت الجرح أي داويته.
الرضيّ:
كربلا لا زلت كربا و بلا * * * ما لقى عندك آل المصطفى
____________
(1)- ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر و البحار.
555
جعلت عران الذلّ في آنافها * * * و غلاظ (1)و سم الضيم في أجيادها
و استأثرت بالأمر عن عيّابها * * * و قضت بما شاءت على أشهادها
طلبت تراث الجاهليّة عندها * * * و شفت قديم الغلّ من (2)أحقادها
يا يوم عاشوراء كم لك لوعة * * * تترقّص الأشياء (3)من إيقادها (4)
أقول: و في بعض الكتاب فيه زيادة:
إن قوّضت تلك القباب فإنّها * * * خرّت عماد الدين قبل عمادها
هي صفوة اللّه الّتي أوحى بها * * * و قضى أوامره إلى أمجادها
يروي مناقب فضلها أعداؤها * * * أبدا فيسندها إلى أضدادها
يا فرقة ضاعت دماء محمّد * * * و بنيه بين يزيدها و زيادها
صفدا (5)بمال اللّه ملء أكفّها * * * و أكفّ آل اللّه في أصفادها
ضربوا بسيف محمّد أبنائه * * * ضرب الغرائب عدن بعد ذيادها (6)
يا يوم عاشوراء كم لك لوعة * * * تترقّص الأحشاء (7)من إيقادها
ما عدت إلّا عاد قلبي علّة * * * حزني (8)و لو بالغت في إيرادها (9)
توضيح: قوله «بحدى السيف» أي حداهم السيف حتّى اجتمعوا على نوبة هلاكهم أو على ما يورد عليه من الهلاك، و يمكن أن يكون بحدّ السيف على التخفيف لضرورة الشعر.
و في بعض النسخ بحذا السيف أي قبال السيف، قوله: «تكسف الشمس» أي هم شموس كلّ منهم يغلب نوره نور الشمس و يكسفها و النوش: التناول، قوله:
«جائر الحكم» حال عن البلى، أي بلى كثير كأنّه جار في الحكم و لعلّ مراده غير المعصوم فإنّه لا يتطرّق إليه البلى، مع أنّه في الشعر قد لا يراعى تلك الامور، قوله: «شغل الدموع» أي شغل البكاء على تلك المصيبة الدموع عن انصبابها لذكر ديار المحبوبين
____________
(1)- في المصدر: و علاظ.
(2)- في المصدر و خ/ عن.
(3)- في المصدر: الأحشاء.
(4)- 3/ 266 و البحار 45/ 248 ح 10.
(5)- في البحار: صغرا و في خ/ صقرا.
(6)- في الأصل: زيادها.
(7) الأشياء/ خ.
(8)- حزنا/ خ.
(9)- البحار: 45/ 250.
557
هذا قتيل الأشقيا * * * ء و ذا قتيل الأدعياء
يوم الحسين هرقت دم * * * ع الأرض بل دمع السماء
يوم الحسين تركت با * * * ب العزّ مهجور الفناء
يا كربلا خلّفت (1)من * * * كرب عليّ و من بلاء
كم فيك من وجه تشرّ * * * ب ماؤه ماء البهاء
نفسي فداء المصطلي * * * نار الوغى أيّ اصطلاء
حيث (2)الأسنّة في الجوا * * * شن كالكواكب في السماء
فاختار درع الصبر حي * * * ث الصبر من لبس السناء
و أبى إباء الاسد إنّ * * * الاسد صادقة الإباء
و قضى كريما إذ قضى * * * ظمان في نفر ظماء
منعوه طعم الماء لا * * * وجدوا لماء طعم ماء
من ذا لمعفور الجوا * * * د ممال أعواد الخباء
من للطريح الشلو عر * * * يانا مخلّى بالعراء
من للمحنّط بالترا * * * ب و للمغسّل بالدماء
من لابن فاطمة المغيّ * * * ب عن عيون الأولياء (3)
توضيح: «الشلو»- بالكسر- العضو من أعضاء اللحم، و أشلاء الانسان أعضاؤه بعد التفرّق.
13- المناقب لابن شهرآشوب: للشافعيّ:
تأوّه قلبي و الفؤاد كئيب * * * و أرقّ نومي فالسهاد عجيب
فمن مبلغ عنّي الحسين رسالة * * * و إن كرهتها أنفس و قلوب
ذبيح بلا جرم كأنّ قميصه * * * صبيغ بماء الأرجوان خضيب
فللسيف إعوال و للرمح رنّة * * * و للخيل من بعد الصهيل نحيب
تزلزلت الدنيا لآل محمّد * * * و كادت لهم صمّ الجبال تذوب
____________
(1)- في المصدر و خ: خلقت.
(2)- في الأصل: حين.
(3)- 3/ 268 و البحار: 45/ 252 ح 11.
556
و منازلهم فالضمير في «بكاؤها» راجع إلى العيون بقرينة المقام و الأصوب شغل العيون أي عن النظر إلى الديار قوله: «لم يخلفوها» أي لم يرعوا حرمة فاطمة (عليها السّلام) في الشهيد، و الدفع بضمّ الدال و فتح الفاء جمع الدفعة أي دفعات الفرات و انصباباتها و الدفاع:
طحمة الموج و السيل.
قوله: درت أي علمت فاطمة (عليها السّلام)، قوله: بني الطرداء أي أبناء الذين كانوا مطرودين ملعونين حين تلد فاطمة تلك الأولاد و الزرع: الولد و هنا معناه الآخر مرعيّ و الصعدة القناة المستوية تنبت كذلك لا تحتاج إلى تثقيف و الصعاد جمعها و العران: العود الّذي يجعل في وترة أنف البختيّ.
12- المناقب لابن شهرآشوب: آخر:
تبيت النشاوى من اميّة نوّما * * * و بالطفّ قتلى ما ينام حميمها
و ما قتل (1)الإسلام إلّا عصابة * * * تامر نوكاها و نام زعيمها
فأضحت قناة الدين في كفّ ظالم * * * إذا اعوجّ منها جانب لا يقيمها
غيره:
وا خجلة الإسلام من أضداده * * * ظفروا له بمعايب و معاير (2)
آل العزير يعظّمون حماره * * * و يرون فوزا لثمهم (3)للحافر
و سيوفكم بدم ابن بنت نبيّكم * * * مخضوبة لرضى يزيد الفاجر
و في رواية:
(وا خجلة الإسلام من أضداده * * * ظفروا له بمعايب و معاير) (4)
رأس ابن بنت محمّد و وصيّه * * * تهدى جهارا للشقيّ الفاجر
الصنوبريّ:
يا خير من لبس النبوّ * * * ة من جميع الأنبياء
و جدي على سبطيك وج * * * د ليس يؤذن بانقضاء
____________
(1)- في المصدر: قتلا.
(2)- في المصدر: معاثر.
(3)- في الأصل: لهم.
(4)- ما بين القوسين ليس في المصدر.
558
و غارت نجوم و اقشعرّت كواكب * * * و هتّك أستار و شقّ جيوب
يصلّى على المبعوث من آل هاشم * * * و يغزى بنوه إنّ ذا لعجيب
لئن كان ذنبي حبّ آل محمّد * * * فذلك ذنب لست عنه أتوب
هم شفعائي يوم حشري و موقفي * * * إذا ما بدت للناظرين خطوب
الجوهريّ:
عاشورنا ذا ألا لهفي على الدين * * * خذوا حدادكم يا آل ياسين
اليوم شقّق جيب الدين و انتهبت * * * بنات أحمد نهب الروم و الصين
اليوم قام بأعلى الطفّ نادبهم * * * يقول من ليتيم أو لمسكين
اليوم خضّب حبيب المصطفى بدم * * * أمسى عبير نحور الحور و العين
اليوم خرّ نجوم الفخر من مضر * * * على مناخر تذليل و توهين
اليوم أطفئ نور اللّه متّقدا * * * و جزّرت (1)لهم التقوى على الطين
اليوم هتّك أسباب الهدى مزقا * * * و برقعت عزّة (2)الإسلام بالهون
اليوم زعزع قدس من جوانبه * * * و طاح بالخيل ساحات الميادين
اليوم نال بنو حرب طوائلها * * * ممّا صلوه ببدر ثمّ صفّين
اليوم جدّل (3)سبط المصطفى شرقا * * * من نفسه بنجيع غير مسنون (4)
توضيح: الحداد بالكسر: ثياب المأتم السود، و طاح أي هلك و سقط، و الطوائل جمع طائلة و هي العداوة و الترة، و النجيع من الدم ما كان إلى السواد و قيل: هو دم الجوف خاصّة، و المسنون: المتغيّر المنتن، و قوله: شرقا فعل و الألف للاشباع أي شرق بسبب مصيبة من هو بمنزلة نفسه بدم طريّ من الحزن.
14- المناقب لابن شهرآشوب: شاعر:
يا كربلا يا كربتي و زفرتي * * * كم فيك من ساق و من جمجمة
و من يمين بالحسام بينت * * * للفاطميّات العظام الحرمة
____________
(1)- في المصدر: و جررت.
(2)- في المصدر: غرّة.
(3)- في البحار: و خ/ جدّك.
(4)- 3/ 269 و البحار: 45/ 253 ح 12.
560
بنفسي رءوس معليات على الفنا * * * إلى الشام تهدى بارقات (1)الأسنّة
بنفسي شفاه ذا بلات من الظما * * * و لم تحظ من ماء الفرات بقطرة
بنفسي عيون غائرات (2)سواهر * * * إلى الماء منها قطرة بعد قطرة (3)
بنفسي من آل النبيّ خرائد * * * حواسر لم تعرف عليهم بسترة (4)
توضيح: قال الجوهريّ: و جم من الأمر وجوما و الواجم الذي اشتدّ حزنه أي (5) أمسك عن الكلام و يوم و جيم أي شديد الحرّ، و قال الفيروزآباديّ: الزفت الملء و الغيظ و الطرد و السوق و الدفع و المنع و بالكسر القار المزفّت المطليّ به و الظاهر بارقات كما ستجيء و الخريدة من النساء الحييّة، و الجمع خرائد، قوله: «لم تعرف» من العرف و المعروف بمعنى الاحسان.
15- المناقب لابن شهرآشوب: لأبي الفرج ابن الجوزيّ:
أ حسين و المبعوث جدّك بالهدى * * * قسما يكون الحقّ فيه مسائلي
لو كنت شاهد كربلا لبذلت في * * * تنفيس كربك جاهد بذل الباذل
و سقيت حدّ السيف من أعدائكم * * * جللا و حدّ السمهريّ الذابل
لكنّني اخّرت عنك لشقوتي * * * فبلابلي بين الغريّ و بابل
إذ لم أفز بالنصر من أعدائكم * * * فأقلّ من حزن و دمع سائل
آخر:
يا حرّ صدري يا لهيب الحشا * * * انهدّ ركني يا أخي و القوى
كنت أخي ركني و لم يبق لي * * * ذخر و لا ركن و لا ملتجا
و كنت أرجوك فقد خانني * * * ما كنت أرجوه فخاب الرجا
يا ابن امّي لو تأمّلتني * * * رأيت منّي ما يسرّ العدا
حلّ بأعدائك ما حلّ بي * * * من ألم السير و ذلّ السبا
____________
(1)- في البحار: بازفات.
(2)- في المصدر: غابرات.
(3)- في الأصل: نظرة بعد نظرة.
(4)- 3/ 270 و البحار: 45/ 254 ح 13.
(5)- في البحار: حتى.
559
قد خرّ أركان العلى و انهدّت * * * و غلّقت أبوابه و سدّت
تلك الرزايا عظمت و جلّت
آخر:
كم سيّد لي بكربلاء * * * فديته السيّد الغريب
(كم سيّد لي بكربلاء * * * للموت في صدره و جيب) (1)
كم سيّد لي بكربلاء * * * عسكره بالعرا نهيب
كم سيّد لي بكربلاء * * * ليس لما يشتهي طبيب
كم سيّد لي بكربلاء * * * خاتمه و الردا سليب
كم سيّد لي بكربلاء * * * خضّب من نحره المشيب
كم سيّد لي بكربلاء * * * ملثمه و الرداء خضيب
كم سيّد لي بكربلاء * * * يسمع صوتي و لا يجيب
كم سيّد لي بكربلاء * * * ينقر في ثغره القضيب
آخر:
رأس ابن بنت محمّد و وصيّه * * * للناظرين على قناة يرفع
و المسلمون بمنظر و بمسمع * * * لا منكر منهم و لا متفجّع
كحلت بمنظرك العيون عماية * * * و اصمّ رزؤك كلّ اذن تسمع
أيقظت أجفانا و كنت لها كرى * * * و أنمت عينا لم تكن بك تهجع
ما روضة إلّا تمنّت أنّها * * * لك منزل و لخطّ قبرك مضجع
آخر:
إذا جاء عاشورا تضاعف حسرتي * * * لآل رسول اللّه و انهلّ عبرتي
هو اليوم فيه اغبرّت الأرض كلّها * * * وجوما عليها و السماء اقشعرّت
اريقت دماء الفاطميّين بالملا * * * فلو عقلت شمس النهار لخرّت
بنفسي خدود في التراب تعفّرت * * * بنفسي جسوم بالعراء تعرّت
____________
(1)- ما بين القوسين لم نجده في المصدر.
561
و يا شفيعي (1)أنا أفديك من * * * يومك هذا و أكون الفدا
و لا هنأني العيش يا سيّدي * * * ما عشت من بعدك أو ادفنا
آخر:
يا من رأى حسينا شلوا لدى الفلاة * * * (2)و الرأس منه عال في ذروة القناة
و زينب تنادي قد قتلوا حماتي * * * يا جدّ لو ترانا أسرى مهتكات (3)
توضيح: الجلل بالتحريك العظيم، و السمهريّ: الرمح الصلب، و البلابل: شدّة الهموم و الوساوس.
16- أقول في بعض مؤلفات الأصحاب: للشيخ الخليعيّ:
لم أبك ربعا للأحبّة قد خلا * * * و عفا و غيّره الجديد و أمحلا
كلّا و لا كلّفت صحبي وقفة * * * في الدار إن لم أشف ضبّا (4)علّلا
و مطارح النادي و غزلان النقا * * * و الجزع لم أحفل بها متغزّلا
و بواكر الأضعان لم أسكب لها * * * دمعا و لا خلّ نأى و ترحّلا
لكن بكيت لفاطم و لمنعها * * * فدكا و قد أتت الخئون الأوّلا
إذ طالبته بإرثها فروى لها * * * خبرا ينافي المحكم المتنزّلا (5)
لهفي لها و جفونها قرحى و قد * * * حملت من الأحزان عبئا مثقلا
و قد اغتدت منفيّة و حميّها * * * متطيّرا ببكائها متشقّلا
تخفي تفجّعها و تخفض (6)صوتها * * * و تظلّ نادبة أباها المرسلا
تبكي على تكدير دهر ما صفا * * * من بعده و قرير عيش ما حلا
لم أنسها إذ أقبلت في نسوة * * * من قومها تروي مدامعها الملا (7)
و تنفّست صعدا و نادت أيّها * * * الأنصار يا أهل الحماية و الكلا
أ ترون يا نجب الرجال و أنتم * * * أنصارنا و حماتنا أن نخذلا
مالي و ما لدعيّ تيم ادّعى * * * إرثي و ضلّ مكذّبا و مبدّلا
____________
(1)- في البحار: يا شقيقي.
(2)- في المصدر: الفرات.
(3)- 3/ 271 و البحار: 45/ 256 ح 14.
(4)- في الأصل: صبا.
(5)- الحكم و التنزيلا/ خ.
(6)- و تخفي/ خ.
(7)- البلا/ خ.
563
و أرى بناتي يشتكين حواسرا * * * نهب المعاجر والهات ثكّلا
و أرى إمام العصر بعد أبيه في * * * صفد الحديد مغلّلا و معلّلا
و أرى كريم مؤمّلي في ذابلي * * * كالبدر في ظلم الدياجي يجتلى
يهدى إلى الرجس اللعين فيشتفي * * * منه فؤاد بالحقود قد امتلى
و يظلّ يقرع منه ثغرا طالما * * * قدما ترشّفه (1)النبيّ و قبّلا
و مضلّل أضحى يوطّئ عذره * * * و يقول و هو من البصيرة قد خلا
لو لم يحرّم أحمد ميراثه * * * لم يمنعوه أهله و تأوّلا
فأجبته: اصر بقلبك أم قذى * * * في العين منك عدتك تبصرة الجلا
أو ليس أعطاها ابن خطّاب لحيدرة * * * الرضا مستعتبا متنصّلا
أ تراه حلّل ما رآه محرّما * * * أم ذاك حرّم ما رآه محلّلا
يا راكبا تطوي المهامة عيسه * * * طيّ الرّدا و تجوب أجواز (2)الفلا
عرّج بأكناف الغريّ مبلّغا * * * شوقي و نادبها الإمام الأفضلا
و من العجيب تشوّقي لمزار من * * * لم يتّخذ إلّا فؤادي منزلا
فاحبس (3)و قل يا خير من وطئ الثرى * * * و أعزّهم جارا و أعذب منهلا
لو شئت قمت بنصر بضعة أحمد * * * الهادي بعقد عزيمة لن تحلّلا
و رميت أعداء الرسول بجمرة * * * من حدّ سيفك حرّها لا يصطلى
لكن صبرت لأن تقام عليهم * * * حجج الإله و لن ترى أن تعجلا
كيلا يقولوا إن عجلت عليهم * * * كنّا نراجع أمرنا لو أمهلا (4)
مولاي يا جنب الإله و عينه * * * يا ذا المناقب و المراتب و العلى
إحياؤك العظم الرميم و ردّك * * * الشمس المنيرة و الدجى قد أسبلا
و خضوعها لك في الخطاب و قولها * * * يا قادرا يا قاهرا يا أوّلا
و كلام أصحاب الرقيم (5)و ردّهم * * * منك السلام و ما استنار و ما انجلى
____________
(1)- الرّشف: المّص.
(2)- و تجوز اطراد/ خ.
(3)- في الأصل: فاجلس.
(4)- في الأصل: اهملا.
(5)- الرّقيم: بفتح أوله، و كسر ثانيه، المذكور في القرآن المجيد، قيل: هو لوح رصاص فيه مكتوب أسماء أهل
562
أ عليه قد نزل الكتاب مبيّنا * * * حكم الفرائض أم علينا نزّلا
أم خصّه المبعوث منه بعلم ما * * * أخفاه عنّا كي نضلّ و نجهلا
أم انزلت آي بمنعي إرثه * * * قد كان يخفيها النبيّ إذا تلا
أم كان في حكم النبيّ و شرعه * * * نقص فتمّمه الغويّ (1)و كمّلا
أم كان ديني غير دين أبي فلا * * * ميراث لي منه و ليس له و لا
قوموا بنصري إنّها لغنيمة * * * لمن اغتدى لي ناصرا متكفّلا
و استعطفوه و خوّفوه و أشهدوا * * * ذلّي له و جفاه لي بين الملا
إن لجّ في سخطي فقد عدم الرضى * * * من ذي الجلال و للعقاب تعجّلا
أو دام في طغيانه فقد اقتنى * * * لعنا على مرّ الزمان مطوّلا
أين المودّة و القرابة يا ذوي * * * الإيمان ما هذي القطيعة و القلا
أ فهل عسيتم إن تولّيتم بأن * * * تمضوا على سنن الجبابرة الاولى
و تنكّبوا نهج السبيل بقطع ما * * * أمر الإله عباده أن يوصلا
و لقد أزالكم الهوى و أحلّكم * * * دار البوار من الجحيم و ادخلا
و لسوف يعقب ظلمكم أن تتركوا * * * ولدي برمضاء الطفوف مجدّلا
في فتية مثل البدور كواملا * * * عرض المحاق بها فأضحت آفلا
و أقوم من خلل اللحود حزينة * * * و القوم قد نزلت (2)بهم غير البلا
و يروعني نقط القنا بجسومهم * * * و يسوؤني شكل السيوف على الطلى
فاقبّل النحر الخضيب و أمسح * * * الوجه التريب مضمّخا و مرمّلا
و يقوم سيّدنا النبيّ و رهطه * * * متلهّفا متأسّفا متقلقلا
فيرى الغريب المستضام النازح * * * الأوطان ملقى في الثرى ما غسّلا
و تقوم آسية و تأتي مريم * * * يبكين من كربي بعرصة كربلا
و يطفن (3)حولي نادبات الجنّ إشفا * * * قا عليّ يفضن دمعا مسبلا
و تضجّ أملاك السماء لعبرتي * * * و تعجّ بالشكوى إلى ربّ العلا
____________
(1)- القوي/ خ.
(2)- بذلت/ خ.
(3)- يطن/ خ.
564
و حديث سلمان و نصرته على * * * أسد الفرات (1)و علم ما قد أشكلا
لا يستفزّ ذوي النهى و يقلّ من * * * أن يرتضي و يجلّ من أن يذهلا
أخذ الإله لك العهود على الورى * * * في الذّرّ لمّا أن برى و بك ابتلى
في يوم قال لهم: أ لست بربّكم * * * و عليّ مولاكم [معا؟] قالوا: بلى
قسما بوردي من حياض معارفي * * * و بشر بي العذب الرحيق السلسلا
و من استجارك من نبيّ مرسل * * * و دعا بحقّك ضارعا متوسّلا
لو قلت إنّك ربّ كلّ فضيلة * * * ما كنت فيما قلته متنحّلا (2)
أو بحت بالخطر الّذي أعطاك ربّ * * * العرش كادوني و قالوا قد غلا
فإليك من تقصير عبدك عذره * * * فكثير ما انهي [ي] رآه مقلّلا
بل كيف يبلغ كنه وصفك قائل * * * و اللّه في علياك أبلغ مقولا
و نفائس القرآن فيك تنزّلت * * * و بك اغتدى متحلّيا متجمّلا
فاستجلها بكرا فأنت مليكها * * * و على سواك تجلّ من أن تجتلى
و لئن بقيت لأنظمنّ قلائدا (3) * * * ينسي ترضعها (4) النظام الأوّلا
شهد الإله بأنّني متبرّئ * * * من حبتر و من الدلام و نعثلا
و براءة الخلعيّ من عصب الخنا * * * تبنى على أنّ البرا أصل الولا
قصيدة لابن حمّاد (رحمه اللّه):
مصاب شهيد الطفّ جسمي أنحلا * * * و كدّر من دهري و عيشي ما حلا
فما هلّ شهر العشر إلّا تجدّدت * * * بقلبي أحزان توسّدني البلى
و أذكر مولاي الحسين و ما جرى * * * عليه من الأرجاس في طفّ كربلا
فو اللّه لا أنساه بالطفّ قائلا * * * لعترته الغرّ الكرام و من تلا
ألا فانزلوا في هذه الأرض و اعلموا * * * بأنّي بها امسي صريعا مجدّلا
____________
الكهف، و قصتهم. و بقرب البلقاء موضع يقال له الرقيم، يزعم بعضهم أن أهل الكهف كانوا به.
و الصحيح أنه ببلاد الروم. و قد روى عن ابن عباس: إن الرقيم اسم الكهف، و الكهف بين عمورية و تيقية، بينه و بين طرسوس عشرة أيام، و قيل: غير ذلك (مراصد الاطلاع الجزء 2 ص 627).
(1)- الغزاة/ خ.
(2)- متخيلا/ خ.
(3)- قدايد/ خ.
(4)- نرخصها/ خ، و الترصع: أي قدره و نسجه.
566
أخي ليتني أصبحت عميا و لا أرى (1) * * * جبينك و الوجه الجميل مرمّلا
و تدعو إلى الزهراء بنت محمّد * * * أيا أمّ ركني قد وهى و تزلزلا
أيا أمّ قد أمسى حبيبك بالعرا * * * طريحا ذبيحا بالدماء مغسّلا
أيا أمّ نوحي فالكريم على القنا * * * يلوّح كالبدر المنير إذا انجلى
و نوحي على النحر الخضيب و اسكبي * * * دموعا على الخدّ التريب المرمّلا
و نوحي على الجسم التريب تدوسه * * * خيول بني سفيان في أرض كربلا
و نوحي على السجّاد في الأسر بعده * * * يقاد إلى الرجس اللعين مغلّلا
فيا حسرة ما تنقصي و مصيبة * * * إلى أن نرى المهديّ بالنصر أقبلا
إمام يقيم الدين بعد خفائه * * * إمام له ربّ السماوات فضّلا
أيا (2)آل طه يا رجائي و عدّتي * * * و عوني أيا أهل المفاخر و العلى
يمينا بأنّي ما ذكرت مصابكم * * * أيا سادتي إلّا أبيت مقلقلا
فحزني عليكم كلّ آن مجدّد * * * مقيم إلى أن أسكن الترب و البلى
عبيدكم العبد الفقير (3)محمّد * * * كئيب و قد أمسى عليكم معوّلا
يؤمّلكم يا سادتي تشفعوا له * * * إذا ما أتى يوم الحساب ليسألا
فو اللّه ما أرجو النجاة بغيركم * * * غدا يوم آتي خائفا متوجّلا
إذا فرّ منّي والدي و مصاحبي * * * و عاينت ما قدّمت في زمن الخلا
و منّوا على الحضّار بالعفو في غد * * * لأنّ بكم قدري و قدرهم علا
عليكم سلام اللّه يا آل أحمد * * * سلام على مرّ الزمان مطوّلا
أيضا لابن حمّاد:
أ هجرت يا ذات الجمال دلالا * * * و جعلت جسمي للصدود خبالا (4)
و سقيتني كأس الفراق مرارة * * * و منعت عذب رضابك السلسالا
أسفا كما منع الحسين بكربلاء * * * ماء الفرات و أوسعوه خبالا
و سقوه أطراف الأسنّة و القنا * * * و يزيد يشرب في القصور زلالا
____________
(1)- عمياء لا أرى/ خ.
(2)- في المصدر و الأصل: ألا.
(3)- في البحار و خ: الحقير.
(4)- المصدر خيالا/ خ.
565
و اسقى بها كأس المنون على ظما (1) * * * و يصبح جسمي بالدماء مغسّلا
و لهفي له يدعو اللئام تأمّلوا * * * مقالي يا شرّ الأنام و أرذلا
أ لم تعلموا أنّي ابن بنت محمّد * * * و والدي الكرّار للدين كمّلا
فهل سنّة غيّرتها أو شريعة * * * و هل كنت في دين الإله مبدّلا؟
أ حلّلت ما قد حرّم الطّهر أحمد * * * أ حرّمت ما قد كان قبل محلّلا
فقالوا له: دع ما تقول فإنّنا * * * سنسقيك كأس الموت غصبا معجّلا
كفعل أبيك المرتضى بشيوخنا * * * و نشفي صدورا من ضغائنكم ملا
فأثنى إلى نحو النساء جواده * * * و أحزانه منها الفؤاد قد امتلا
و نادى ألا يا أهل بيتي تصبّروا * * * على الضّر بعدي و الشدائد و البلا
فإنّي بهذا اليوم أرحل عنكم * * * على الرغم منّي لا ملال و لا قلى
فقوموا جميعا أهل بيتي و أسرعوا * * * اودّعكم و الدمع في الخدّ مسبلا
فصبرا جميلا و اتّقوا اللّه إنّه * * * سيجزيكم خير الجزاء و أفضلا
فأثنى على أهل العناد مبادرا * * * يحامي عن دين المهيمن ذي العلى
و صال عليهم كالهزبر مجاهدا * * * كفعل أبيه لن يزلّ (2)و يخذلا
فمال عليه القوم من كلّ جانب * * * فألقوه عن ظهر الجواد معجّلا
و خرّ كريم السبط يا لك نكبة * * * بها أصبح الدين القويم معطّلا
فأرتجت السبع الشداد و زلزلت * * * و ناحت عليه الجنّ و الوحش في الفلا
و راح جواد السبط نحو نسائه * * * يا نوح و ينعى الظامئ المترمّلا
خرجن بنيّات البتول (3)حواسرا * * * فعاينّ مهر السبط و السرج قد خلا
فأدمين باللطم الخدود لفقده * * * و أسكبن دمعا حرّه ليس يصطلى
و لم أنس زينب تستغيث سكينة * * * أخي كنت لي حصنا حصينا و موئلا
أخي يا قتيل الأدعياء كسرتني * * * و أورثتني حزنا مقيما مطوّلا
أخي كنت أرجو أن أكون لك الفدا * * * فقد خبت (4)فيما كنت فيه اؤمّلا
____________
(1)- على ضمانه/ خ.
(2)- في الأصل: يذل.
(3)- الهاشمي/ خ.
(4)- في الاصل: جئت.
567
لم أنس مولاي الحسين بكربلاء * * * ملقى طريحا بالدماء رمالا
وا حسرتا كم يستغيث بجدّه * * * و الشمر منه يقطع الأوصالا
و يقول يا جدّاه ليتك حاضر * * * فعساك تمنع دوننا الأنذالا
و يقول للشمر اللعين و قد علا * * * صدرا تربّى في تقى و دلالا
يا شمر تقتلني بغير جناية * * * حقّا ستجزى في الجحيم نكالا
و اجتزّ بالعضب المهنّد رأسه * * * ظلما و هزّ برأسه العسّالا (1)
و علا به فوق السنان و كبّروا * * * للّه جلّ جلاله و تعالى
فارتجّت السبع الطباق و أظلمت * * * و تزلزلت لمصابه زلزالا
و بكين أطباق السماء و أمطرت * * * أسفا لمصرعه دما قد سالا
يا ويلكم أتكبّرون لفقد من * * * قتلوا به التكبير و التهلالا
تركوه شلوا في الفلاة و صيّروا * * * للخيل في جسد الحسين مجالا
و لقد عجبت من الإله و حلمه (2) * * * في الحال جلّ جلاله و تعالى
كفروا فلم يخسف بهم أرضا بما * * * فعلوا و أمهلهم به إمهالا
و غدا الحصان من الوقيعة عاريا * * * ينعى الحسين و قد مضى إجفالا
متوجّها نحو الخيام مخضّبا * * * بدم الحسين و سرجه قد مالا
و تقول زينب يا سكينة قد أتى * * * فرس الحسين فانظري ذا الحالا
قامت سكينة عاينته محمحما * * * ملقى العنان فأعولت إعوالا
فبكت و قالت وا شماتة حاسدي * * * قتلوا الحسين و أيتموا الأطفالا
يا عمّتا جاء الحصان مخضّبا * * * بدم الشهيد و دمعه قد سالا
لمّا سمعن الطاهرات سكينة * * * تنعى الحسين و تظهر الإعوالا
أبرزن من وسط الخيول صوارخا * * * يندبن سبط محمّد المفضالا
فلطمن منهنّ الخدود و كشّفت * * * منها الوجوه و أعلنت إعوالا
و خمشن منهنّ الوجوه لفقد من * * * نادى مناد في السماء و قالا
____________
(1)- العسال: الرمح، اضطرب و اشتدّ اهتزازه.
(2)- حكمه/ خ.
569
نصّ بإذن اللّه لا من نفسه * * * ذو العرش نصّ به لكم إفضالا
فتكلّم المختار لمّا جاءه * * * من ربّه جبريلهم أرسالا
إذ قال: هذا وارثي و خليفتي * * * في أمّتي فتسمّعوا ما قالا
أفديكم آل النبيّ بمهجتي * * * و أبي و أبذل فيكم الأموالا
و أنا ابن حمّاد وليّكم الّذي * * * لم يرض غيركم و لم يتوالا
أصبحت معتصما بحبل ولائكم * * * جدّا و إن قصر الزمان و طالا
و أنا الّذي أهواكم يا سادتي * * * أرجو بذاك عناية و نوالا
بعد الصلاة على النبيّ محمّد * * * ما غرّد القمري و أرخى البالا (1)
أقول: روي في بعض كتب المناقب القديمة: بإسناده عن البيهقيّ، عن عليّ بن محمّد الأديب يذكر بإسناد له أنّ رأس الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) لمّا صلب بالشام أخفى خالد بن عفران و هو من أفضل التابعين شخصه من أصحابه، فطلبوه شهرا حتّى وجدوه فسألوه عن عزلته، فقال: أ ما ترون ما نزل بنا؟ ثمّ أنشأ يقول:
جاءوا برأسك يا بن بنت محمّد * * * مترمّلا بدمائه ترميلا
و كأنّما بك يا بن بنت محمّد * * * قتلوا جهارا عامدين رسولا
قتلوك عطشانا و لم يترقّبوا * * * في قتلك التنزيل و التأويلا
و يكبّرون بأن قتلت و إنّما * * * قتلوا بك التكبير و التهليلا
أخبرني سيد الحفّاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه الديلميّ، عن محيي السنّة أبو الفتح إجازة قال: أنشدني أبو الطيّب البابليّ، أنشدني أبو النجم بدر بن إبراهيم بالدينور (2)، للشافعيّ محمّد بن إدريس:
تأوّب غمّي (3)و الفؤاد كئيب * * * و أرقّ نومي فالرقاد غريب
و ممّا نفى جسمي و شيّب لمّتي (4) * * * تصاريف أيّام لهنّ خطوب
____________
(1)- البحار: 45/ 258 ح 16.
(2)- الدينور: مدينة من أعمال الجبل قرب قرميسين، بينهما و بين همذان نيّف و عشرون فرسخا (مراصد الاطلاع الجزء 2 ص 581).
(3)- في البحار: همّي.
(4)- لحيتي/ خ، اللمّة: الشعر المجاوز شحمة الاذن.
568
قتل الإمام ابن الإمام بكربلاء * * * ظلما و قاسى منهم الأهوالا
و تقول يا جدّاه نسل اميّة * * * قتلوا الحسين و ذبّحوا الأطفالا
يا جدّنا فعلوا علوج اميّة * * * فعلا شنيعا يدهش الأفعالا
يا جدّنا هذا الحسين بكربلاء * * * قد بضّعوه أسنّة و نصالا
ملقى على شاطي الفرات مجدّلا * * * في الغاضريّة للورى أمثالا
ثمّ استباحوا في الطفوف حريمه * * * نهبوا السراة و قوّضوا (1)الأحمالا
و غدوا بزين العابدين مكتّفا * * * فوق المطيّة يشتكي الأهوالا
يبكي أباه بعبرة مسفوحة * * * أسروه مضنى لا يطيق نزالا
و أتوا به نحو الخيام و امّه * * * تبكي و تسحب خلفه الأذيالا
و تقول ليت الموت جاء و لم أرى * * * هذي الفعال و أنظر الأنذالا
لو كان والده عليّ المرتضى * * * حيّا لجدّل دونه الأبطالا
و لفرّ جيش المارقين هزيمة * * * من سيفه لا يستطيع قتالا
يا ويلكم فستصبحون (2)أذلّة * * * و ستحملون بفعلكم أثقالا
فعلى ابن سعد و اللعين عبيده * * * لعن تجدّد لا يزول زوالا
و على محمّد ثمّ آل محمّد * * * روح و ريحان يدوم مقالا
و عليهم صلّى المهيمن ما حدا * * * في البيد ركبان تسير عجالا
فمتى تعود لآل أحمد دولة * * * و نرى لملك الظالمين زوالا؟
يا آل أحمد أنتم سفن النجا * * * و أنا و حقّكم لكم أتوالى
أرجوكم لي في المعاد ذريعة * * * و بكم أفوز و أبلغ الآمالا
فلأنتم حجج الإله على الورى * * * من لم يقل ما قلت قال محالا
و اللّه أنزل «هل أتى» في مدحكم * * * و النمل و الحجرات و الأنفالا
و المرتقى من فوق منكب أحمد * * * منكم و لو رام السماء لنالا
و عليكم نزل الكتاب مفصّلا * * * و اللّه أنزله لكم إنزالا
____________
(1)- في الاصل: و فوضوا.
(2)- في البحار و خ: فستسحبون.
570
فمن مبلغ عنّي الحسين رسالة * * * و إن كرهتها أنفس و قلوب
قتيلا بلا جرم كأنّ قميصه * * * صبيغ بماء الارجوان خضيب
و للسيف إعوال و للرمح رنّة * * * و للخيل من بعد الصهيل نحيب
تزلزلت الدنيا لآل محمّد * * * و كادت لها صمّ الجبال تذوب
يصلّى على المهديّ من آل هاشم * * * و يغزى (1)بنوه إنّ ذا لعجيب
لئن كان ذنبي حبّ آل محمّد * * * فذلك ذنب لست منه (2)أتوب
أخبرني أبو منصور الديلميّ، عن أحمد بن عليّ بن عامر الفقيه أنشدني أبو منصور (3) بن عليّ القطيعي المعروف بالقطّان ببغداد لنفسه:
يا أيّها المنزّل المحيل * * * غاثك مستخفر هطول
أودى (4)عليك الزمان لمّا * * * شجاك من أهله (5) الرحيل
لا تغترر بالزمان و اعلم * * * أنّ يد الدهر تستطيل
فانّ آجالنا قصار * * * فيه و آمالنا تطول
تفنى الليالي و ليس يفنى * * * شوقي و لا حسرتي تزول
لا صاحب منصف فأسلوا * * * به و لا حافظ وصول
و كيف أبقى بلا صديق * * * باطنه باطن جميل
يكون في البعد و التداني * * * يقول مثل الّذي أقول
هيهات قلّ الوفاء فيهم * * * فلا حميم و لا وصول
يا قوم ما بالنا جفينا * * * فلا كتاب و لا رسول
لو وجدوا بعض (6)ما وجدنا * * * لكاتبونا و لم يحولوا
لكنّ خانوا و لم يجودوا * * * لنا بوصل و لم ينيلوا (7)
قلبي قريح به كلوم * * * افتنهطرفك البخيل
أنحل جسمي هواك حتّى * * * كأنّه حصرك النحيل
____________
(1)- و يعزى/ خ.
(2)- عنه/ ح.
(3)- في البحار: أحمد بن منصور.
(4)- ادرى/ خ.
(5)- في الاصل: اهلك.
(6)- بعد/ خ.
(7)- و لا ينيبوا/ خ.
572
قتيلا بلا جرم فجيعا بفقده * * * فريدا ينادي أين أين حماتي
أنا الظامئ العطشان في أرض غربة * * * قتيلا و مطلوبا بغير ترات
و قد رفعوا رأس الحسين على القنا * * * و ساقوا نساء ولّها (1)خفرات
فقل لابن سعد عذّب اللّه روحه * * * ستلقى عذاب النار باللعنات
سأقنت طول الدهر ما هبّت الصبا * * * و أقنت بالآصال و الغدوات
على معشر ضلّوا جميعا و ضيّعوا * * * مقال رسول اللّه بالشبهات
قال: و لدعبل أيضا «(رحمه اللّه)»:
يا أمّة قتلت حسينا عنوة * * * لم ترع حقّ اللّه فيه فتهتدي
قتلوه يوم الطّف طعنا بالقنا * * * و بكلّ أبيض صارم و مهنّد
و لطال ما ناداهم بكلامه * * * جدّي النبيّ خصيمكم في المشهد
جدّي النبيّ (و) أبي عليّ فاعلموا * * * و الفخر فاطمة الزكيّة محتدي
يا قوم إنّ الماء يشربه الورى * * * و لقد ظمئت و قلّ منه تجلّدي
قد شفّني عطشي و أقلقني الّذي * * * ألقاه من ثقل الحديد المؤيّد (2)
قالوا له هذا عليك محرّم * * * هذا يباع للغبيّ المؤبد (3)
فأتاه سهم من يد مشئومة * * * من قوس ملعون خبيث المولد
يا عين جودي بالدموع و جوّدي * * * و ابكي الحسين السيّد ابن السيّد
قال و لبعضهم:
إن كنت محزونا فما لك ترقد * * * هلّا بكيت لمن بكاه محمّد
هلّا بكيت على الحسين و نسله * * * إنّ البكاء لمثلهم قد يحمد
لتضعضع الاسلام يوم مصابه * * * فالجود يبكي فقده و السؤدد
أنسيت إذ سارت إليه كتائب * * * فيها ابن سعد و الطغاة الجحّد
فسقوه من جرع الحتوف بمشهد * * * كثر العداة به و قلّ المسعد
____________
(1)- النساء لها/ خ.
(2)- المؤبد/ خ.
(3)- في البحار: هذا حلال من يبايع للغبي، و في خ/ حتى تبايع اللغبي.
573
ثمّ استباحوا الصائنات حواسرا * * * و الشمل من بعد الحسين مبدّد
كيف القرار و في السبايا زينب * * * تدعو المسايا جدّنا يا أحمد
هذا حسين بالحديد مقطّع * * * متخضّب بدمائه مستشهد
عار بلا كفن صريع في الثرى * * * تحت الحوافر و السنابك مقصد
و الطيّبون بنوك قتلى حوله * * * فوق التراب ذبائح لا تلحد
يا جدّ قد منعوا الفرات و قتّلوا * * * عطشا فليس لهم هنالك مورد
يا جدّ من ثكلي و طول مصيبتي * * * و لما اعاينه أقوم و أقعد
و له:
حسب الّذي قتل الحسي * * * ن من الخسارة و الندامة
أنّ الشفيع لدى الإل * * * ه خصيمه يوم القيامة
قال: و لدعبل أيضا «(رحمه اللّه)»:
منازل بين أكناف الغريّ إلى * * * وادي المياه إلى الطويّ
لقد شغل الدموع عن الغواني * * * مصاب الأكرمين بني عليّ
أيا (1)أسفي على هفوات دهر * * * تضاءل فيه أولاد الزكيّ
أ لم تقف البكاء على حسين * * * و ذكرك مصرع الحبر التقيّ
أ لم يحزنك أنّ بني زياد * * * أصابوا بالترات بني النبيّ
و أنّ بني الحصان يمرّ فيهم * * * علانية سيوف بني البغيّ
قال: و للرضيّ الموسويّ نقيب النقباء البغداديّ:
سقى اللّه المدينة من محلّ * * * لباب الودق بالنطف العذاب
و جاد على البقيع و ساكنيه * * * رخيّ البال ملآن الوطاب
و أعلام الغريّ و ما أساخت * * * معالمها من الحسب (2)اللباب
و قبرا بالطفوف يضمّ شلوا * * * قضى ظمأ إلى برد الشراب
و بغدادا و سامرّا و طوسا * * * هطول الودق منخرق العباب
____________
(1)- أتا/ خ و البحار.
(2)- الحبب/ خ.
571
يا قاتلي بالصدود رفقا * * * بمهجة شفّها (1)غليل
غصن من البان حيث مالت * * * ريح الخزامى (2)به تميل
يسطو علينا بغنج لحظ * * * كأنّه مرهف صقيل
كما سطت بالحسين قوم * * * أراذل ما لهم اصول
يا أهل كوفان لم غدرتم * * * بنا و كم أنتم نكول؟
أنتم كتبتم إليّ كتبا * * * و في طرطيّاتها ذحول (3)
فراقبوا اللّه في خباي * * * فيه لنا فتية غفول
و أمّ كلثوم قد تنادي * * * ليس الّذي حلّ بي قليل
تقول لمّا رأته: خلّوا * * * قد خسفت صدره الخيول
جاشت بشطّ الفرات تدعو * * * ما فعل السيّد القتيل
أين الّذي حين أرضعوه * * * ناغاه في المهد جبرئيل
أين الّذي حين غمّدوه * * * قبّله أحمد الرسول
أين الّذي جدّه النبيّ * * * و امّه فاطم (4)البتول
أنا ابن منصور لي لسان * * * على ذوي النصب يستطيل
ما الرفض ديني و لا اعتقادي * * * و لست عن مذهبي أحول
قال: و لدعبل الخزاعيّ «(رحمه اللّه)»:
أ أسبلت دمع العين بالعبرات * * * و بتّ تقاسي شدّة الزفرات
و تبكي لآثار لآل محمّد * * * فقد ضاق منك الصدر بالحسرات
ألا فابكهم حقّا و بلّ عليهم * * * عيونا لريب الدهر منسكبات
فلا تنس في يوم الطفوف مصابهم * * * و داهية من أعظم النكبات
سقى اللّه أجداثا على أرض كربلا * * * مرابيع أمطار من المزنات
و صلّى على روح الحسين حبيبه * * * قتيلا لدى النهرين بالفلوات
____________
(1)- في احدى النسخ: ببهجة شعتها، و في الاخرى: ببهجة شفها.
(2)- الخزامى: نبت زهره من اطيب الازهار.
(3)- في الاصل: دخول. الذحل: الثأر، العداوة و الحقد.
(4)- فاطمة/ خ.
574
بكم في الشعر فخري لا بشعري * * * و عنكم طال باعي (1)في الخطاب
و من أولى بكم منّي وليّا * * * و في أيديكم طرف انتسابي
قال: و لأبي الحسن عليّ بن أحمد الجرجانيّ من قصيدة طويلة يمدح أهل البيت (عليهم السّلام):
وجدي بكوفان ما وجدي بكوفان * * * تهمي عليه ضلوعي قبل أجفان
أرض إذا نفحت (2)ريح العراق بها * * * أتت بشاشتها أقصى خراسان
و من قتيل بأعلى كربلاء على * * * جاهد الصدى فتراه غير صديان
و ذي صفائح يستسقي البقيع به * * * ريّ الجوانح من روح و رضوان
هذا قسيم رسول اللّه من آدم * * * قدّا معا مثل ما قدّ الشريكان (3)
و ذاك سبطا رسول اللّه جدّهما * * * وجه الهدى و هما في الوجه عينان
و اخجلتا من أبيهم يوم يشهدهم * * * مضرّجين نشاوى من دم قان
يقول: يا أمّة حفّ الضلال بها * * * فاستبدلت للعمى كفرا بإيمان
ما ذا جنيت عليكم إذ أتيتكم * * * بخير ما جاء من آي و فرقان
أ لم اجركم (4)و أنتم في ضلالتكم * * * على شفا حفرة من حرّ نيران
أ لم اؤلّف قلوبا منكم فرقا (5) * * * مثارة بين أحقاد و أضغان
أ ما تركت كتاب اللّه بينكم * * * و آية الغرّ (6)في جمع و قرآن
أ لم أك فيكم غوثا لمضطهد * * * أ لم أك فيكم ماء لظمآن
قتلتم ولدي صبرا على ظمأ * * * هذا و ترجون عند الحوض إحساني؟
سبيتم ثكلتكم امّهاتكم * * * بني البتول و هم لحمي و جثماني
مزّقتم (7)و نكثتم عهد و الدهم * * * و قد قطعتم بذاك النكث أقراني
يا ربّ خذلي منهم إذ هم ظلموا * * * كرام رهطي و راموا هدم بنياني
ما ذا تجيبون و الزهراء خصمكم * * * و الحاكم اللّه للمظلوم و الجاني
____________
(1)- ماغي/ خ.
(2)- نفخت/ خ.
(3)- في البحار و خ: الشراكان.
(4)- في الاصل: اخبركم
(5)- في البحار: مزقا [فرقا].
(6)- في الاصل: العز.
(7)- فرقتم/ خ.
576
آل الرسول عباديد (1)السيوف فمن * * * هام على وجهه خوفا و مسجون
يا عين لا تدعي شيئا لغادية * * * تهمي و لا تدعي دمعا لمحزون
قومي على جدث بالطفّ فانتقضي (2) * * * بكلّ لؤلؤ دمع فيك مكنون
يا آل أحمد إنّ الجوهريّ لكم * * * سيف يقطّع عنكم كلّ موصون
قال و لغيره عاشوريّة طويلة انتخبت منها هذه الابيات:
إذا جاء عاشورا تضاعف حسرتي * * * لآل رسول اللّه و انهلّ عبرتي
هو اليوم فيه اغبرّت الأرض كلّها * * * وجوما عليهم و السماء اقشعرّت
مصائب ساءت كلّ من كان مسلما * * * و لكن عيون الفاجرين أقرّت
إذا ذكرت نفسي مصيبة كربلا * * * و أشلاء سادات بها قد تفرّت (3)
أضاقت فؤادي و استباحت تجاربي (4) * * * و عظّم كربي ثمّ عيشي أمرّت
اريقت دماء الفاطميّين بالملا * * * فلو عقلت شمس النهار لخرّت
ألا بأبي تلك الدماء الّتي جرت * * * بأيدي كلاب في الجحيم استقرّت
توابيت من نار عليهم قد اطبقت * * * لهم زفرة في جوفها بعد زفرة
فشتّان من في النار قد كان هكذا * * * و من هو في الفردوس فوق الأسرّة
بنفسي خدود في التراب تعفّرت * * * بنفسي جسوم بالعراء تعرّت
بنفسي رءوس معليات على القنا * * * إلى الشام تهدى بارقات الأسنّة
بنفسي شفاه ذابلات من الظما * * * و لم تحظ من ماء الفرات بقطرة
بنفسي عيون غائرات سواهر * * * إلى الماء منها نظرة بعد نظرة
بنفسي من آل النبيّ خرائد * * * حواسر لم تقذف عليهم بسترة
تفيض دموعا بالدماء مشوبة * * * كقطر الغوادي (5)من مدافع سرّة
على خير قتلى من كهول و فتية * * * مصاليت أنجاد إذا الخيل كرّت
____________
(1)- العباديد و العبابيد بلا واحد: الفرق من الناس أو الخيل.
(2)- فانقضي/ خ.
(3)- تعرت/ خ.
(4)- في البحار: تجارتي.
(5)- في الاصل: الفؤادي. و الغوادي جمع الغادية: السحابة تنشأ غدوة.
575
أهل الكساء صلاة (1)اللّه ما نزلت * * * عليكم الدهر من مثنى و وحدان (2)
أنتم نجوم بني حوّاء ما طلعت * * * شمس النهار و ما لاح السماكان (3)
ما زلت منكم على شوق يهيّجني * * * و الدهر يأمرني فيه و ينهاني
حتّى أتيتك و التوحيد راحلتي * * * و العدل زادي و تقوى اللّه إمكاني
هذي حقائق لفظ كلّما برقت * * * ردّت بلألائها أبصار عميان
هي الحلى لبني طه و عترتهم * * * هي الردى (4)لبني حرب و مروان
هي الجواهر جاء الجوهريّ بها * * * محبّة لكم من أرض جرجان
قال: و له أيضا في يوم عاشورا من قصيدته الطويلة:
يا أهل عاشورا يا لهفي على الدين * * * خذوا حدادكم يا آل ياسين
إلى آخر ما مضى في رواية ابن شهرآشوب و زاد فيه:
زادوا عليه بحبس الماء غلّته * * * تبّا لرأي فريق فيه مغبون
نالوا أزمّة دنياهم ببغيهم * * * فليتهم سمحوا منها بماعون
حتّى يصيح بقنّسرين راهبها * * * يا فرقة الغيّ يا حزب الشياطين
أ تهزءون برأس بات منتصبا * * * على القناة بدين اللّه يوصيني
آمنت ويحكم باللّه مهتديا * * * و بالنبيّ و حبّ المرتضى ديني
فجدّلوه صريعا فوق جبهته * * * و قسّموه (5)بأطراف السكاكين
و أوقروا صهوات الخيل من إحن * * * على اساراهم فعل الفراعين
مصفّدين على أقتاب أرحلهم (6) * * * محمولة بين مضروب و مطعون
أطفال فاطمة الزهراء قد فطموا * * * من الثدي بأنياب الثعابين
يا أمّة ولي الشيطان رايتها * * * و مكّن الغيّ منها كلّ تمكين
ما المرتضى و بنوه من معاوية * * * و لا الفواطم من هند و ميسون؟
____________
(1)- صلوات/ خ.
(2)- من شفّ و وحداني/ خ.
(3)- السماكان: نجمان نيّران، الاعزل و الرمح.
(4)- المدرى/ خ.
(5)- و تساموه/ خ.
(6)- في الاصل: مصعدين على اقتاب أرجلهم.
577
ربيع اليتامى و الأرامل فابكها * * * مدارس للقرآن في كلّ سحرة
و أعلام دين المصطفى و ولاته (1) * * * و أصحاب قربان و حجّ و عمرة
ينادون يا جدّاه أيّة محنة * * * تراه علينا من اميّة مرّت
ضغائن بدر بعد ستّين اظهرت * * * و كانت أجنّت في الحشا و اسرّت
شهدت بأن لم ترض نفس بهذه * * * و فيها من الإسلام مثقال ذرّة
كأنّي ببنت المصطفى قد تعلّقت * * * يداها بساق العرش و الدمع أذرت (2)
و في حجرها ثوب الحسين مضرّجا * * * و عنها جميع العالمين بحسرة
تقول أيا عدل اقض بيني و بين من * * * تعدّى على ابني بعد قهر و قسرة
أجالوا عليه بالصوارم و القنا * * * و كم جال فيهم من سنان و شفرة
على غير جرم غير إنكار بيعة * * * لمنسلخ من دين أحمد عرّة (3)
فيقضي على قوم عليه تألّبوا * * * بسوء عذاب النار من غير فترة
و يسقون من ماء صديد إذا دنا * * * شوى الوجه و الأمعاء منه تهدّت (4)
مودّة ذي القربى رعوها كما ترى * * * و قول رسول اللّه: اوصي بعترة
فكم عجرة قد أتبعوها بعجرة * * * و كم غدرة قد ألحقوها بغدرة
هم أوّل العادين ظلما على الورى * * * و من سار فيهم بالأذى و المضرّة
مضوا و انقضت أيّامهم و عهودهم * * * سوى لعنة باءوا بها مستمرّة
لآل رسول اللّه ودّي خالصا * * * كما لمواليهم و ولائي و نصرتي
و ها أنا مذ أدركت حدّ بلاغتي * * * اصلّي عليهم في عشيّي و بكرتي
و قول النبيّ: المرء مع من أحبّه * * * يقوّي رجائي في إقالة عثرتي
على حبّهم يا ذا الجلال توفّني * * * و حرّم على النيران شيبي و كبرتي
قال: و لعليّ بن الحسين الدوادي من قصيدة طويلة انتخبت منها:
بنو المصطفى المختار أحمد طهّروا * * * و أثنى عليهم محكم السورات
____________
(1)- في الأصل: و ولايه.
(2)- في الأصل: أذوت.
(3)- في الأصل: غرّة.
(4)- في البحار: تهدّدت.
578
بنو حيدر المخصوص بالدرجات * * * من اللّه و الخوّاص في الغمرات
فروع النبيّ المصطفى و وصيّه (1) * * * و فاطم طابت تلك من شجرات
و سائلة لم تسكب الدمع دائبا (2) * * * و تقذف نارا منك في الزفرات
فقلت على وجه الحسين و قد ذرت * * * عليه السوافي ثائر الهبوات
فقد غرقت منه المحاسن في دم * * * و اهدي للفجّار فوق قناة
و حلّىء (3)من ماء الفرات و قد صفت * * * موارده للشاء و الحمرات
على أمّ كلثوم تساق سبيّة * * * و زينب و السجّاد ذي الثفنات
اصيبوا بأطراف الرماح فاهلكوا * * * و هم للورى أمن من الهلكات
بهم عن شفير النار قد نجّى الورى * * * فجازوهم بالسيف ذي الشفرات
فيا أقبرا حطّت (4)على أنجم هوت * * * و فرّقن في الأطراف مغتربات (5)
و ليس قبورا هنّ بل هي روضة * * * منوّرة مخضرّة الجنبات
و ما غفل الرحمن عن عصبة طغت * * * و ما هتكت ظلما من الحرمات
أ مقروعة في كلّ يوم صفاتكم * * * بأيدي رزايا فتن كلّ صفات
فحتّام ألقى جدّكم و هو مطرق * * * غضيض و ألقى الدهر غير موات
فيا ربّ غيّر ما تراه معجّلا * * * تعاليت يا ربّي عن الغفلات
قال: و للصاحب كافي الكفاة إسماعيل بن عبّاد من قصيدة طويلة انتخبت منها هذه الأبيات:
بلغت نفسي مناها * * * بالموالي آل طاها
برسول اللّه من * * * حاز المعالي و حواها
و ببنت المصطفى من * * * أشبهت فضلا أباها
و بحبّ الحسن البالغ * * * في العليا مداها
و الحسين المرتضى * * * يوم المساعي إذ حواها
____________
(1)- في الأصل: و وهيبه.
(2)- في الأصل: رابيا.
(3)- في الاصل: و خلى، و حلّىء: منع عن ورود الماء.
(4)- في احدى النسخ: خطت و في الاخرى: هطت.
(5)- مفتريات/ خ.
579
ليس فيهم غير نجم * * * قد تعالى و تناهى
عترة أصبحت الدنيا * * * جميعا في حماها
ما يحدّث عصب البغي * * * بأنواع عماها
أردت (1)الأكبر بالسمّ * * * و ما كان كفاها
و انبرت تبغي حسينا * * * و عرته و عراها
منعته شربة و الطير * * * قد أروت صداها (2)
فأفاتت نفسه يا ليت * * * روحي قد فداها
بنته تدعو أباها * * * أخته تبكي أخاها
لو رأى أحمد ما * * * كان دهاه و دهاها
و رأى زينب إذ * * * شمر أتاها و سباها
لشكى الحال إلى اللّه * * * و قد كان شكاها
و إلى اللّه سيأتي * * * و هو أولى من جزاها
و للصاحب أيضا منتخبة من قصيدته:
ما لعليّ العلى أشباه * * * لا و الّذي لا إله إلّا هو
مبناه مبنى (3)النبيّ تعرفه * * * و ابناه عند التفاخر ابناه
لو طلب النجم ذات أخمصه * * * أعلاه و الفرقدان نعلاه
يا بأبي السيّد الحسين و قد * * * جاهد في الدين يوم بلواه
يا بأبي أهله و قد قتلوا * * * من حوله و العيون ترعاه
يا قبّح اللّه أمّة خذلت * * * سيّدها لا تريد مرضاه
يا لعن اللّه جيفة نجسا * * * يقرع من بغضه ثناياه
و للصاحب أيضا منتخبة من قصيدته:
برأت من الأرجاس رهط اميّة (4) * * * لما صحّ عندي من قبيح غذائهم
____________
(1)- في احدى النسخ: اروت، و في الاخرى: أدرت.
(2)- حداها/ خ.
(3)- بنى/ خ.
(4)- في الاصل: بني اميّة.
581
و لتصدر اللعنات غير مزالة * * * لعداه من ماض و من مستقبل
و تجرّدوا لبنيه ثمّ بناته * * * بعظائم فاسمع حديث المقتل
منعوا الحسين الماء و هو مجاهد * * * في كربلاء فنح كنوح المعول
منعوه أعذب منهل و كذا غدا * * * يردون في النيران أو خم منهل
أ يجزّ رأس ابن النبيّ و في الورى * * * حيّ أمام ركابه لم يقتل
و بنو السفاح تحكّموا في أهل حيّ * * * على الفلاح بفرصة و تعجّل
نكت الدعيّ ابن البغيّ ضواحكا * * * هي للنبيّ الخير خير مقبّل
تمضي بنو هند سيوف الهند في * * * أوداج أولاد النبيّ و تعتلي
ناحت ملائكة السماء لقتلهم * * * و بكوا فقد سقّوا كئوس الذّبل
فأرى البكاء على الزمان محلّلا * * * و الضحك بعد الطف غير محلّل
كم قلت للأحزان دومي هكذا * * * و تنزّلي في القلب لا تترحّل
و لزينب بنت فاطمة البتول من قصيدة انتخبت منها هذه:
تمسّك بالكتاب و من تلاه * * * فأهل البيت هم أهل الكتاب
بهم نزل الكتاب و هم تلوه * * * و هم كانوا الهداة إلى الصواب
أمامي وحّد الرحمن طفلا * * * و آمن قبل تشديد الخطاب
عليّ كان صدّيق البرايا * * * عليّ كان فاروق العذاب
شفيعي في القيامة عند ربّي * * * نبيّ و الوصيّ أبو تراب
و فاطمة البتول و سيّدا من * * * يخلّد في الجنان مع الشباب
على الطفّ السلام و ساكنيه * * * و روح اللّه في تلك القباب
نفوسا قدّست في الأرض قدما * * * و قد خلصت من النطف العذاب
مضاجع (1)فتية عبدوا فناموا * * * هجودا في الفدافد (2) و الشعاب
علتهم في مضاجعهم كعاب * * * بأوراق منعّمة رطاب
و صيّرت القبور لهم قصورا * * * مناخا ذات أفنية رحاب
____________
(1)- في البحار و خ: فضاجع.
(2)- الفدافد جمع الفدفد: الفلاة، المكان الغليظ.
580
و لعنهم خير الوصيّين جهرة * * * لكفرهم المعدود في شردائهم
و قتلهم السادات من آل هاشم * * * و سبيهم عن جرأة لنسائهم
و ذبحهم خير الرجال ارومة * * * حسين العلا بالكرب في كربلائهم
و تشتيتهم شمل النبيّ محمّد * * * لما ورثوا من بغضه في فنائهم
و ما غضبت إلّا لأصنامها التي * * * اديلت و هم أنصارها لشقائهم
أيا ربّ جنّبني المكاره (1)و اعف عن * * * ذنوبي لما اخلصته من ولائهم
أيا ربّ أعدائي كثير فزدهم * * * بغيظهم لا يظفروا بابتغائهم
أيا ربّ من كان النبيّ و أهله * * * و سائله لم يخش من غلوائهم
حسين توسّل (2)لي إلى اللّه إنّني * * * بليت بهم فادفع عظيم بلائهم
فكم قد دعوني رافضيّا لحبّكم * * * فلم ينثني عنكم طويل عوائهم
و للصاحب أيضا من قصيدة منتخبة:
يا أصل عترة أحمد لولاك لم * * * يك أحمد المبعوث ذا أعقاب (3)
ردّت عليك الشمس و هي فضيلة * * * بهرت فلم تستر بكفّ نقاب
لم أحك إلّا ما روته نواصب * * * عادتك (4)فهي مباحة الأسلاب
عوملت يا تلو النبيّ و صنوه * * * بأوابد جاءت بكلّ عجاب
قد لقّبوك أبا تراب بعد ما * * * باعوا شريعتهم بكفّ تراب
أ تشكّ في لعني اميّة بعد ما * * * كفرت على الأحرار و الأطياب (5)
قتلوا الحسين فيا لعولي بعده * * * و لطول حزني أو أصير لما بي
فسبوا بنات محمّد فكأنّما * * * طلبوا ذحول الفتح و الأحزاب
رفقا ففي يوم القيامة غنية * * * و النار باطشة (6)بصوت عقاب
و للصاحب أيضا من قصيدته الطويلة:
أجروا دماء أخي النبيّ محمّد * * * فلتجر غزر دموعنا و لتهمل
____________
(1)- المكارم/ خ.
(2)- في البحار: توصّل.
(3)- في الأصل: عقاب.
(4)- حادتك/ خ.
(5)- الأصرار و الأطناب/ خ.
(6)- باطنة/ خ.
582
لئن وارتهم أطباق أرض * * * كما أغمدت سيفا في قراب
كأقمار إذا جاسوا رواض * * * و آساد إذا ركبوا غضاب
لقد كانوا البحار لمن أتاهم * * * من العافين و الهلكى السغاب (1)
فقد نقلوا (2)إلى جنّات عدن * * * و قد عيضوا النعيم من العقاب
بنات محمّد أضحت سبايا * * * يسقن مع الاسارى و النهاب
مغبّرة الذيول مكشّفات * * * كسبي الروم دامية الكعاب
لئن ابرزن كرها من حجاب * * * فهنّ من (3)التعفّف في حجاب
أ يبخل في الفرات على حسين * * * و قد أضحى مباحا للكلاب
فلي قلب عليه ذوالتهاب * * * و لي جفن عليه ذو انسكاب
و لدعبل الخزاعيّ من قصيدته الطويلة:
جاءوا من الشام المشومة أهلها * * * للشؤم يقدم جندهم إبليس
لعنوا و قد لعنوا بقتل إمامهم * * * تركوه و هو مبضّع مخموس
و سبوا فوا حزني بنات محمّد * * * عبرى (4)حواسر ما لهنّ لبوس
تبّا لكم يا ويلكم أرضيتم * * * بالنار؟! ذلّ هنا لك المحبوس
بعتم بدنيا غيركم جهلا بكم * * * عزّ الحياة و أنّه لنفيس
أخسر بها (5)من بيعة امويّة * * * لعنت و حظّ البائعين خسيس
بؤسا لمن بايعتم و كأنّني * * * بإمامكم وسط الجحيم (6)حبيس
يا آل أحمد ما لقيتم بعده * * * من عصبة هم في القياس مجوس
كم عبرة فاضت لكم و تقطّعت * * * يوم الطفوف على الحسين نفوس
صبرا موالينا فسوف نديلكم * * * يوما على آل اللعين عبوس
ما زلت متّبعا لكم و لأمركم * * * و عليه نفسي ما حييت أسوس
[و من] قصيدة لجعفر بن عفّان الطائيّ (رحمه اللّه):
____________
(1)- السغاب: الجوع.
(2)- وصلوا/ خ.
ليبك على الإسلام من كان باكيا * * * فقد ضيّعت أحكامه و استحلّت
غداة حسين للرماح ذريّة (1) * * * و قد نهلت منه السيوف و علّت
و غودر في الصحراء لحما مبدّدا * * * عليه عناق الطير باتت و ظلّت
فما نصرته أمّة السوء إذ دعا * * * لقد طاشت الأحلام منها و ظلّت
ألا بل محوا أنوارهم بأكفّهم * * * فلا سلمت تلك الأكفّ و شلّت
و ناداهم جاهدا بحقّ محمّدا (2) * * * فإنّ ابنه من نفسه حيث حلّت
فما حافظوا قرب الرسول و لا رعوا * * * و زلّت بهم أقدامهم و استزلّت
أذاقته حرّ القتل أمّة جدّه * * * هفت نعلها (3)في كربلاء و زلّت
فلا قدّس الرحمن أمّة جدّه * * * و إن هي صامت للإله و صلّت
كما فجعت بنت الرسول بنسلها * * * و كانوا حماة الحرب حين استقلّت
(3)- مع/ خ.
(4)- عبروا/ خ.
(5)- في احدى النسخ: أحريتها و الاخرى: اخربها.
(6)- الجميع/ خ.
584
ينقلن من عند جبّار يعاهده (1) * * * إلى جبابر أمثال السبيّات
أ كان هذا جزائي لا أبا لكم * * * في أقربائي و في أهل الحرمات
ردوا الجحيم فحلّوها بسعيكم * * * ثمّ اخلدوا في عقوبات أليمات
قال و من مرثيّة [زينب] بنت فاطمة اخت الحسين (عليه السّلام) حين ادخلوا دمشق:
أ ما شجاك يا سكن قتل الحسين و الحسن * * * ظمان من طول الحزن و كلّ (2)وغد ناهل
يقول يا قوم أبي عليّ البرّ الوصي * * * و فاطم امّي التي لها التقى و النائل
منّوا على ابن المصطفى بشربة يحيى بها * * * أطفالنا من الظما حيث الفرات سائل
قالوا له لا ماء لا إلّا السيوف و القنا * * * فانزل بحكم الأدعيا فقال بل اناضل
حتّى أتاه مشقص رماه و غد أبرص * * * من سقر لا يخلص رجس دعيّ واغل
فهلّلوا بختله و اعصوصبوا (3)لقتله * * * و موته في نضله قد اقحم المناضل (4)
و عفّروا جبينه و خضّبوا عثنونه * * * بالدم يا معينه ما أنت عنه غافل
و هتّكوا حريمه و ذبّحوا فطيمه * * * و أسّروا (5)كلثومه و سيقت الحلائل
____________
(1)- معاهدة/ خ.
(2)- أوكل/ خ.
(3)- في احدى النسخ: و اغضبوا و في الاخرى و اعضوضبوا. و اعصوصبوا: اجتمعوا و صاروا عصائب.
(4)- التاصّل/ خ.
(5)- في البحار: و آثروا.
583
و من قصيدة طويلة انتخبت منها أبياتا:
بكّي الحسين لركن الدين حين (4)و هى (5) * * * و للامور العظيمات الجليلات
هل لامرئ عاذر في حزن دمعته * * * بعد الحسين و مسبا الفاطميّات
أم هل لمكتئب (6)حرّان فقّده * * * لذاذة العيش تكرار الفجيعات
مثل النجوم الدراري (7)في مراتبها * * * إن غاب نجم بدا نجم لميقات
يا أمّة السوء هاتوا ما حجاجكم * * * إذا برزتم لجبّار السماوات
و أحمد خصمكم و اللّه منصفه * * * بالحقّ و العدل منه لا المحابات
أ لم ابيّن لكم ما فيه رشدكم * * * من الحلال و من ترك الخبيثات
فما صنعتم أضلّ اللّه سعيكم * * * فيما عهدت إليكم في وصيّات
أمّا بنيّ فمقتول و مكبول (8) * * * و هارب في رءوس المشمخرات
و قد أخفتم بناتي بين أظهركم * * * ما ذا أردتم شفيتم من بنيّاتي
____________
(1)- في الاصل: درية.
(2)- و ناداهم جهرا أن ابن محمد/ خ.
(3)- فعلها/ خ.
(4)- خير/ خ.
(5)- و هي: ضعف.
(6)- المكتسب/ خ.
(7)- الدواري/ خ.
(8)- مكبل/ خ.
585
يسقن بالتنائف (1)بضجّة الهواتف * * * و أدمع ذوارف عقولها زوائل
يقلن يا محمّد يا جدّنا يا أحمد * * * قد أسرتنا الأعبد و كلّنا ثواكل
تهدى سبايا كربلا إلى الشام (2)و البلا * * * قد انتعلن بالدما ليس لهنّ ناعل
إلى يزيد الطاغية معدن كلّ داهية من * * * نحو باب الجابية (3)فجاحد (4)و خالل
حتّى دنا بدر الدجى رأس الإمام المرتجى * * * بين يدي شرّ الورى ذاك اللعين القاتل
يظلّ في بنانه قضيب خيزرانه * * * ينكت في أسنانه قطّعت الأنامل
أنامل بجاحد و حافد مراصد * * * مكابد معاند في صدره غوائل
طوائل بدريّة غوائل كفريّة * * * شوهاء جاهليّة ذلّت لها الأفاضل
فيا عيوني اسكبي على بني بنت النبيّ * * * بفيض دمع ناضب كذاك يبكي العاقل
روي أنّ أبا يوسف عبد السلام بن محمّد القزوينيّ ثمّ البغداديّ قال لأبي العلاء المعرّي: هل لك شعر في أهل بيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فانّ بعض شعراء قزوين يقول فيهم ما لا يقول شعراء تنوخ (5)؟ فقال له المعزي: و ما ذا تقول شعراؤهم؟ فقال:
يقولون:
رأس ابن بنت محمد و وصيّه * * * للمسلمين على قناة يرفع
____________
(1)- النتائف/ خ.
(2)- في البحار: الشئام.
(3)- الجائية/ خ.
(4)- و في البحار: يجاحد.
(5)- و تنوح/ خ.
587
فدت نفسي جبينك من جبين * * * جرى دمه على خدّ أسيل
أ يخلو قلب ذي ورع تقيّ * * * من الأحزان و الألم الطويل
و قد شرقت رماح بني زياد * * * بريّ من دماء بني الرسول
فؤادك و السلو فإنّ قلبي * * * سيأبى أن يعود إلى ذهول
فيا طول الأسى من بعد قوم * * * ادير عليهم كأس الافول
تعاورهم أسنة آل حرب * * * و أسياف قليلات الفلول
بتربة كربلا لهم ديار * * * ينام الأهل دارسة السلول
تحيّات و مغفرة و روح * * * على تلك المحلّة و الحلول
و أوصال الحسين ببطن قاع * * * ملاعب للدبور و للقبول
برئنا يا رسول اللّه ممّن * * * أصابك بالاذاء و بالذحول (1)
و لمنصور بن النمريّ:
يقتل ذرّيّة النبيّ و يرجون * * * جنان الخلود للقاتل
ما الشكّ عندي في كفر قاتله * * * لكنّني قد أشكّ في الخاذل
و للصاحب (رحمه اللّه):
لا يشتفي إلّا بسبي بناته * * * وجدانها التخويف و الإبعاد
إن لم أكن حربا لحرب كلّها * * * لنفاني (2)الآباء و الأجداد
إن لم افضّل أحمدا و وصيّه * * * لهدمت مجدا شأوه (3)عباد
يا كربلا تحدّثي ببلايا * * * و بكربنا إنّ الحديث يعاد
أسد نماه أحمد و وصيّه * * * أرداه كلب قد نماه زياد
فالدين يبكي و الملائك تشتكي * * * و الجوّ أكلف و السنون جماد
و لسليمان بن قتّة:
مررت على أبيات آل محمّد * * * فلم أرها أمثالها حين حلّت
____________
(1)- الدخول/ خ.
(2)- في خ: ضعاني و في البحار: فنفاني.
(3)- في احدى النسخ: شناد، و في الاخرى شاده.
586
و المسلمون بمنظر و بمسمع * * * لا جازع منهم و لا متوجّع
أيقظت أجفانا و كنت لها كرى * * * و أنمت عينا لم تكن بك تهجع
كحلت بمنظرك العيون عماية * * * و أصمّ نعيك كل اذن تسمع
ما روضة إلّا تمنّت أنّها * * * لك مضجع و لحطّ قبرك موضع
فقال (له) المعرّي: و أنا أقول:
مسح الرسول جبينه * * * فله بريق في الخدود
أبواه من عليا قريش * * * جدّه خير الجدود
و لبعض التابعين:
يا حسين بن عليّ * * * يا قتيل ابن زياد
يا حسين بن عليّ * * * يا صريعا في البوادي
لو رأت فاطم بكت * * * بدموع كالعهاد (1)
لو رأت فاطم ناحت * * * نوح ورقاء بوادي
و لقامت و هي ولهاء * * * و تبكي و تنادي
ولدي سبطنبيّ * * * قدّ بالسمر (2)الشداد
آه من شمر بغيّ * * * كافر و ابن زياد
لعن اللّه يزيدا * * * و ابن حرب لعن عاد
هم أعادي لرسول ال * * * له أبناء أعادي
و لهم عاجل خزي * * * و عذاب في التناد
و مهاد في الجحيم * * * انّها شرّ مهاد
و لبعض الشيعة:
متى يشفيك دمعك من هموم * * * و يبرد ما بقلبك من غليل
قتيل ما قتيل بني (3)زياد * * * ألا بأبي و نفسي من قتيل
اريق دم الحسين فلم يراعوا * * * و في الأحياء أموات العقول
____________
(1)- العهاد جمع العهد: اوّل مطر الربيع.
(2)- في الاصل/ بالشمر.
(3)- ابن/ خ.
588
فلا يبعد اللّه الديار و أهلها * * * و إن أصبحت منهم بزعمي تخلّت
ألا إنّ قتلى الطفّ من آل هاشم * * * أذلّت رقاب المسلمين فذلّت
و كانوا غياثا ثمّ أضحوا رزيّة * * * ألا عظمت تلك الرزايا و جلّت
و أنشدني الإمام الأجلّ ركن الإسلام أبو الفضل الكرمانيّ (رحمه اللّه) أنشدها الإمام الأجلّ الاستاذ فخر القضاة محمّد بن الحسين الأرسابنديّ لواحد من الشعراء:
عين جودي بعبرة و عويل * * * و اندبي إن بكيت آل الرسول
و اندبي تسعة لصلب عليّ * * * قد اصيبوا و خمسة لعقيل
و اندبي كلّهم فليس إذا ما * * * ضنّ بالخير كلّهم بالبخيل
و اندبي إن ندبت عونا أخاهم * * * ليس فيما ينوبهم بخذول
و سميّ النبيّ غودر فيهم * * * قد علوه بصارم مسلول
قال فخر القضاة: و أنشدني القاضي الإمام محمّد بن عبد الجبّار السمعانيّ من قيله (1):
بمحمّد سلّوا سيوف محمّد * * * رضخوا بها هامات آل محمّد
و لغيره:
محن الزمان سحائب مترادفه * * * هي بالفوادح و الفواجع ساجمه
و إذا الهموم تعاورتك فسلّها * * * بمصاب أولاد البتول (2)فاطمه
و للصاحب كافي الكفاة إسماعيل بن عبّاد (رحمه اللّه):
عين جودي على الشهيد القتيل * * * و اترك الخدّ كالمحيل المحيل
كيف يشفي الكباء في قتل مولاي * * * إمام التنزيل و التأويل
و لو أنّ البحار صارت دموعي * * * ما كفتني لمسلم بن عقيل
قاتلوا اللّه و النبيّ و مولاهم * * * عليّا إذ قاتلوا ابن الرسول
صرعوا حوله كواكب دجن * * * قتلوا حوله ضراغم خيل
إخوة كلّ واحد منهم ليث * * * عرين و حدّ سيف صقيل
____________
(1)- في الأصل: قبله.
(2)- في البحار: البتولة.
589
أو سعوهم ضربا و طعنا و نحرا * * * و انتهابا يا ضلّة من سبيل
و الحسين الممنوع شربة ماء * * * بين حرّ الظبى (1)و حرّ الغليل
مثكّلا بابنه و قد ضمّه و هو * * * غريق (2)من الدماء الهمول
فجّعوه من بعده برضيع * * * هل سمعتم بمرضع مقتول
ثمّ لم يشفهم سوى قتل نفس * * * هي نفس التكبير و التهليل
هي نفس الحسين نفس رسول اللّه * * * نفس الوصيّ نفس البتول
ذبحوه ذبح الأضاحي فيا * * * قلب تصدّع على العزيز الذليل
وطّأوا جسمه و قد قطّعوه * * * و يلهم من عقاب يوم و بيل
أخذوا رأسه و قد بضّعوه * * * إنّ سعي الكفّار في تضليل
نصبوه على القنا فدمائي * * * لا دموعي تسيل كلّ مسيل
و استباحوا بنات فاطمة الزهراء * * * لمّا صرخن حول القتيل
حملوهنّ قد كشفن على الأقتاب * * * سبيا بالعنف و التهويل
يا لكرب بكربلاء عظيم * * * و لرزء على النبيّ ثقيل
كم بكى جبرئيل ممّا دهاه * * * في بنيه صلّوا على جبرئيل
سوف تأتي الزهراء تلتمس * * * الحكم اذا حان محشر التعديل
و أبوها و بعلها و بنوها * * * حولها و الخصام غير قليل
و تنادي يا رب ذبّح أولادي * * * لما ذا؟ و أنت خير مديل
فينادي بمالك ألهب النار * * * و أجّج و خذ بأهل الغلول
يا بني المصطفى بكيت و أبكيت * * * و نفسي لم تأت بعد بسؤل
ليت روحي ذابت دموعا فأبكي * * * للّذي نالكم من التذليل
فولائي لكم عتادي و زادي * * * يوم ألقاكم على سلسبيل
لي فيكم مدائح و مراثي * * * حفظت حفظ محكم التنزيل
____________
(1)- الظبى: حد السيف أو السنان و نحوهما.
(2)- غريز/ خ.
590
قد كفاها في الشرق و الغرب فخرا * * * أن يقولوا هي من قيل (1)إسماعيل
و متى كادني النواصب فيكم * * * حسبي اللّه و خير وكيل
و للصاحب أيضا (رحمه اللّه) [من] قصيدة طويلة:
هم وكّدوا أمر الدعيّ * * * يزيد ملفوظ (2)السفاح
فسطا على روح الحسين * * * و أهله جمّ الجماح
صرعوهم قتلوهم * * * نحروهم نحر الأضاحي
يا دمع حيّ على انسجا * * * م ثمّ حيّ على انسفاح (3)
في أهل حيّ على الصلا * * * ة و أهل حيّ على الفلاح
يحمي يزيد نساءه * * * بين النضائد و الوشاح
و بنات أحمد قد كشف * * * ن على حريم مستباح
ليت النوائح ما سكت * * * ن عن النياحة و الصياح
يا سادتي لكم ودا * * * دي و هو داعية امتداحي
و بذكر فضلكم اغتبا * * * طي؛ كلّ يوم و اصطباحي
لزم ابن عبّاد و لا * * * ء كم الصريح بلا براح (4)
أقول: ما قيل من المراثي في مصيبته (عليه السّلام) جمّة لا تحصى و لا يناسب إيرادها ما نحن بصدده في هذا الكتاب، و إنّما أوردنا قليلا منها رجاء أن يشركني اللّه تعالى مع من يبكي و يا نوح بها في ثوابه، و لذلك عدونا ما التزمناه في صدر الكتاب بذكر بعض القصص عن التواريخ و الكتاب الّتي لم تك في درجة ما أوردته في الفهرست في الوثوق و الاعتماد و تأسّينا في ذلك بسنّة علمائنا الماضين- (رضوان اللّه عليهم)- فإنّهم في إيراد تلك القصص الهائلة اعتمدوا على التواريخ لقلّة ورود خصوصيّاتها في الأخبار على أنّ أكثرها مؤيّدة بالأخبار المعتبرة الّتي أوردتها و اللّه الموفّق للصواب و عليه التكلان (في كلّ باب).
____________
(1)- في احدى النسخ: فهي قيل، و في الاخرى: هي من قبل.
(2)- لفوظ/ خ.
(3)- التسفاح/ خ.
(4)- البحار: 45/ 273.
591
21- أبواب أحوال قاتليه عليهم لعائن اللّه
1- باب ما ورد في كفر قتلته و اللعن عليهم و شدّة عذابهم في الآخرة من الأنباء السابقة و في الكتاب السابقة و الامم الماضية
الأخبار، و الصحابة، و التابعين:
1- في بعض مؤلّفات الأصحاب: عن كعب الأحبار حين أسلم في أيّام خلافة عمر بن الخطّاب، و جعل الناس يسألونه عن الملاحم الّتي تظهر في آخر الزمان، فصار كعب يخبرهم بأنواع الأخبار و الملاحم و الفتن التي تظهر في العالم، ثمّ قال:
و أعظمها فتنة و أشدّها مصيبة (التي) لا تنسى إلى أبد الآبدين (هي) مصيبة الحسين (عليه السّلام) و هي الفساد الذي ذكره اللّه تعالى في كتابه المجيد حيث قال: «ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ» (1) و إنّما فتح الفساد بقتل هابيل بن آدم، و ختم بقتل الحسين (عليه السّلام) أولا تعلمون أنّه يفتح يوم قتله أبواب السماوات و يؤذن السماء بالبكاء فتبكي دما، فإذا رأيتم الحمرة في السماء قد ارتفعت، فاعلموا أنّ السماء تبكي حسينا.
فقيل: يا كعب، لم لا تفعل السماء كذلك و لا تبكي دما لقتل الأنبياء ممّن كان أفضل من الحسين (عليه السّلام)؟ فقال: ويحكم، إنّ قتل الحسين أمر عظيم، و إنّه ابن
____________
(1)- الروم: 41.
592
سيّد المرسلين، و إنّه يقتل علانية مبارزة ظلما و عدوانا، و لا تحفظ فيه وصيّة جدّه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و هو مزاج مائه و بضعة من لحمه، يذبح بعرصة كربلا، فو الّذي نفس كعب بيده لتبكينّه زمرة من الملائكة في السماوات السبع، لا يقطعون بكاءهم عليه إلى آخر الدهر، و إنّ البقعة التي يدفن فيها خير البقاع، و ما من نبيّ إلّا و يأتي إليها و يزورها و يبكي على مصابه، و لكربلاء في كلّ يوم زيارة من الملائكة و الجنّ و الإنس.
فإذا كانت ليلة الجمعة ينزل إليها تسعون ألف ملك يبكون على الحسين (عليه السّلام)، و يذكرون فضله و إنّه يسمّى في السماء: حسينا المذبوح، و في الأرض: أبا عبد اللّه المقتول، و في البحار الفرخ الأزهر المظلوم، و إنّه يوم قتله تنكسف الشمس بالنهار، و من الليل ينخسف القمر، و تدوم الظلمة على الناس ثلاثة أيّام و تمطر السماء دما (و رمادا) و تدكدك الجبال و تغطمط البحار (1)، و لو لا بقيّة من ذرّيّته و طائفة من شيعته الّذين يطلبون بدمه و يأخذون بثأره، لصبّ اللّه عليهم نارا من السماء أحرقت الأرض و من عليها.
ثمّ قال كعب: يا قوم كأنّكم تتعجّبون بما احدّثكم فيه من أمر الحسين (عليه السّلام)، و إنّ اللّه تعالى لم يترك شيئا كان أو يكون من أوّل الدهر إلى آخره إلّا و قد فسّره لموسى (عليه السّلام)، و ما من نسمة خلقت إلّا و قد رفعت إلى آدم (عليه السّلام) في عالم الذرّ، و عرضت عليه، و لقد عرضت عليه هذه الامّة و نظر إليها و إلى اختلافها و تكالبها على هذه الدنيا الدنيّة، فقال آدم: يا ربّ ما لهذه الامّة الزكيّة و بلاء الدنيا و هم أفضل الامم؟ فقال له: يا آدم، إنّهم اختلفوا فاختلفت قلوبهم، و سيظاهرون الفساد في الأرض كفساد قابيل حين قتل هابيل (عليه السّلام)، و إنّهم يقتلون فرخ حبيبي محمّد المصطفى.
ثمّ مثّل لآدم (عليه السّلام) مقتل الحسين (صلوات الله عليه) و مصرعه و وثوب أمّة جدّه عليه، فنظر إليهم فرآهم مسودّة وجوههم، فقال: يا ربّ ابسط عليهم الانتقام كما قتلوا
____________
(1)- غطمط البحر: اضطرب و علت أمواجه.
594
أنت عازم عليه؟ و كان كامل كاسمه ذا رأي و عقل و دين كامل، فقال له ابن سعد لعنه اللّه: إنّي قد ولّيت أمر هذا الجيش في حرب الحسين- (عليه السّلام)-، و إنّما قتله عندي و أهل بيته كأكلة آكل أو كشربة ماء، و إذا قتلته خرجت إلى ملك الريّ، فقال له كامل: افّ لك يا عمر بن سعد، تريد أن تقتل الحسين ابن بنت رسول اللّه، افّ لك و لدينك يا عمر، أ سفهت الحقّ و ضلّلت الهدى، أ ما تعلم إلى حرب من تخرج، و لمن تقاتل، إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، و اللّه لو اعطيت الدنيا و ما فيها على قتل رجل واحد من أمّة محمّد (صلى اللّه عليه و آله) لما فعلت، فكيف تريد تقتل الحسين ابن بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)؟ و ما الذي «تقول غدا لرسول اللّه» (1) (صلى اللّه عليه و آله) إذا وردت عليه و قد قتلت ولده و قرّة عينيه و ثمرة فؤاده، و ابن سيّدة نساء العالمين، و ابن سيّد الوصيّين، و هو سيّد شباب أهل الجنّة من الخلق أجمعين، و إنّه في زماننا هذا بمنزلة جدّه في زمانه، و طاعته فرض علينا كطاعته، و إنّه باب الجنّة و النار، فاختر لنفسك ما أنت مختار، و إنّي أشهد باللّه إن حاربته أو قتلته أو أعنت عليه أو على قتله لا تلبث (2) في الدنيا [بعده] إلّا قليلا.
فقال له عمر بن سعد لعنه اللّه: فبالموت تخوّفني؟! و إنّي إذا فرغت من قتله أكون أميرا على سبعين ألف فارس و أتولّى (3) ملك الريّ، فقال له كامل (4): إنّي احدّثك بحديث صحيح أرجو لك فيه النجاة إن وفّقت لقبوله.
اعلم أنّي سافرت مع أبيك سعد إلى الشام فانقطعت بي مطيّتي عن أصحابي و تهت و عطشت، فلاح لي دير راهب فملت إليه و نزلت عن فرسي و أتيت إلى باب الدير لأشرب ماء، فأشرف عليّ راهب من ذلك الدير، و قال: ما تريد؟ فقلت له:
إنّي عطشان، فقال لي: أنت (5) من أمّة هذا النبيّ الّذين يقتل بعضهم بعضا على حبّ الدنيا مكالبة؟ و يتنافسون فيها على حطامها؟ فقلت له: أنا من الامّة المرحومة أمّة محمّد (صلى اللّه عليه و آله).
فقال: إنّكم أشرّ أمّة فالويل لكم يوم القيامة و قد غدوتم (6) إلى عترة نبيّكم و
____________
(1)- في احدى النسخ: تقول عند رسول اللّه، و في الاخرى تريد غدا لرسول اللّه.
(2)- تبيت/ خ.
(3)- و اوتى/ خ.
(4)- مالك/ خ.
(5)- من أنت/ خ.
(6)- عدوتم/ خ.
593
فرخ نبيّك الكريم عليه أفضل الصلاة و السلام (1).
2- كامل الزيارات: محمّد بن عبد اللّه بن عليّ الناقد، عن أبي هارون العبسيّ، عن جعفر بن حيّان (2)، عن خالد الربعيّ، قال: حدّثني من سمع كعبا يقول: أوّل من لعن قاتل الحسين (عليه السّلام) إبراهيم خليل الرحمن [لعنه] و أمر ولده بذلك، و أخذ عليهم العهد و الميثاق، ثمّ لعنه موسى بن عمران و أمر امّته بذلك، ثمّ لعنه داود و أمر بني إسرائيل بذلك.
ثمّ لعنه عيسى و أكثر أن (3) قال: يا بني إسرائيل العنوا قاتله و إن أدركتم أيّامه فلا تجلسوا عنه فإنّ الشهيد معه كالشهيد مع الأنبياء «مقبلا» غير مدبر، و كأنّي أنظر إلى بقعته، و ما من نبيّ إلّا و قد زار كربلاء و وقف عليها و قال: إنّك لبقعة كثيرة الخير، فيك يدفن القمر الأزهر (4).
توضيح: قوله: «مقبل» الأصوب مقبلا أي: كشهيد استشهد معهم حال كونه مقبلا على القتال غير مدبر و على ما في النسخ صفة لقوله كالشهيد لأنّه في قوّة النكرة.
3- في بعض مؤلّفات المتأخّرين: إنّه لمّا جمع ابن زياد لعنه اللّه قومه لحرب الحسين (عليه السّلام) (و) كانوا سبعين ألف فارس، فقال ابن زياد: أيّها الناس من منكم يتولّى قتل الحسين و له ولاية أي بلد شاء؟ فلم يجبه أحد منهم، فاستدعى بعمر بن سعد لعنه اللّه، و قال له: يا عمر [اريد] أن تتولّى حرب الحسين بنفسك فقال له: اعفني من ذلك، فقال ابن زياد: قد أعفيتك يا عمر فاردد علينا عهدنا الّذي كتبنا إليك بولاية الري، فقال عمر: أمهلنا (5) الليلة، فقال له: قد أمهلتك فانصرف عمر بن سعد إلى منزله، و جعل يستشير قومه و إخوانه، و من يثق به من أصحابه، فلم يشر عليه أحد بذلك، و كان عند عمر بن سعد رجل من أهل الخير يقال له: كامل، و كان صديقا لأبيه من قبله، فقال له: يا عمر، ما لي أراك بهيئة (6) و حركة فما الذي
____________
(1)- البحار: 45/ 315.
(2)- في المصدر: حنان.
(3)- ثمّ/ خ.
(4)- ص 67 ح 2 و البحار: 44/ 301 ح 10.
(5)- في الاصل: أمهلني.
(6)- بهيبة/ خ.
595
تسبون نساءه و تنهبون أمواله، فقلت له: يا راهب، نحن نفعل ذلك؟! قال: نعم، و إنّكم إذا فعلتم ذلك عجّت السماوات و الأرضوان و البحار و الجبال و البراري و القفار و الوحوش و الأطيار باللعنة على قاتله، ثمّ لا يلبث (1) قاتله في الدنيا إلّا قليلا، ثمّ يظهر رجل يطلب بثأره فلا يدع أحدا شرك في دمه إلّا قتله و عجّل اللّه بروحه إلى النار.
ثمّ قال الراهب: إنّي لأرى لك قرابة من قاتل هذا الابن الطيّب، و اللّه إنّي لو أدركت أيّامه لوقيته بنفسي من حرّ السيوف، فقلت: يا راهب إنّي اعيذ نفسي أن أكون ممّن يقاتل ابن بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فقال: إن لم تكن أنت فرجل قريب منك، و إنّ قاتله عليه نصف عذاب أهل النار، و إنّ عذابه أشدّ من عذاب فرعون و هامان، ثمّ ردم الباب في وجهي و دخل يعبد اللّه تعالى و أبى أن يسقيني الماء.
قال كامل: فركبت فرسي و لحقت أصحابي، فقال لي أبوك سعد: ما أبطأك عنّا يا كامل؟ فحدّثته بما سمعته من الراهب، فقال لي: صدقت.
ثمّ إنّ سعدا أخبرني أنّه نزل بدير هذا الراهب مرّة من قبلي فأخبره أنّه هو الرجل الذي يقتل ابن بنت رسول اللّه، فخاف أبوك سعد من ذلك و خشي أن تكون أنت قاتله فأبعدك عنه و أقصاك، فاحذر يا عمر أن تخرج عليه يكون عليك نصف عذاب أهل النار، قال: فبلغ الخبر ابن زياد- لعنه اللّه- فاستدعى بكامل و قطع لسانه فعاش بها يوم أو بعض يوم و مات (رحمه اللّه).
قال: و حكي أنّ موسى بن عمران (عليه السّلام) رآه إسرائيليّ مستعجلا و قد كسته الصفرة و اعترى بدنه الضعف و حكم بفرائصه الرجف و قد اقشعرّ جسمه و غارت عيناه و نحف، لأنّه كان إذا دعاه ربّه للمناجاة يصير عليه ذلك من خيفة اللّه تعالى فعرفه الإسرائيليّ و هو ممّن آمن به، فقال له: يا نبيّ اللّه، أذنبت ذنبا عظيما، فاسأل ربّك أن يعفو عنّى، فأنعم و سار.
فلمّا ناجى ربّه قال له: يا ربّ العالمين أسألك و أنت العالم قبل نطقي [به]، فقال تعالى: يا موسى ما تسألني اعطيك، و ما تريد ابلّغك، قال: ربّ إنّ فلانا عبدك الإسرائيليّ أذنب ذنبا و يسألك العفو، قال: يا موسى أعفو عمّن استغفرني إلّا قاتل الحسين (عليه السّلام).
____________
(1)- يبيت/ خ.
597
الأئمة: الصادق (عليهم السّلام)
2- كامل الزيارات: ابن الوليد، عن الصفّار، عن اليقطينيّ، عن زكريّا المؤمن، عن أيّوب بن عبد الرحمن و زيد أبي الحسن و عبّاد، جميعا عن سعد الإسكاف، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام) (1) قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): من سرّه أن يحيا حياتي (2) و يموت مماتي و يدخل جنّة عدن، [فيلزم] قضيب غرسه ربّي بيده، فليتولّ عليّا و الأوصياء من بعده، و ليسلّم لفضلهم فإنّهم الهداة المرضيّون، أعطاهم اللّه فهمي و علمي و هم عترتي من لحمي (3) و دمي، إلى اللّه أشكو عدوّهم من أمّتي المنكرين لفضلهم، القاطعين فيهم صلتي، و اللّه ليقتلنّ ابني «لا أنالهم اللّه» (4) شفاعتي (5).
الصادق، عن أبيه، عن زين العابدين، عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)
3- الخصال: حمزة العلويّ، عن أحمد الهمدانيّ، عن يحيى بن الحسن، عن محمّد بن ميمون، عن عبد اللّه بن ميمون، عن جعفر بن محمّد عن أبيه، عن عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): ستّة لعنهم اللّه و كلّ نبيّ مجاب، الزائد في كتاب اللّه، و المكذّب بقدر اللّه، و التارك لسنّتي، و المستحلّ من عترتي ما حرّم اللّه، و المتسلّط بالجبروت ليذلّ من أعزّه اللّه و يعزّ من أذلّه اللّه، و المستأثر بفيء المسلمين المستحلّ له (6). أقول: قد مضى مثل هذا الخبر بأسانيد متعدّدة في باب القضاء و القدر.
الرضا، عن آبائه، عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)
4- عيون أخبار الرضا: و بإسناد التميميّ، عن الرضا، عن آبائه (عليهم السّلام)، قال: قال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): يقتل الحسين شرّ الامّة و يتبرّا من ولده من يكفر بي (7).
الحسن العسكريّ، عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)
5- تفسير الإمام (عليه السّلام): قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): لمّا نزلت «وَ إِذْ أَخَذْنا
____________
(1)- في المصدر: أبو جعفر (عليه السّلام).
(2)- في المصدر: محياي.
(3)- في الأصل: خلفي.
(4)- في البحار و خ: لا نالتهم.
(5)- ص 69 ح 3 و البحار: 44/ 302 ح 12.
(6)- 1/ 338 ح 41، و البحار: 44/ 300 ح 6.
(7)- 2/ 64 ح 277 و البحار: 44/ 300 ح 5.
598
مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ» (1) الآية، في اليهود «أي الّذين» (2) نقضوا عهد اللّه، و كذّبوا رسل اللّه، و قتلوا أولياء (3) اللّه، أ فلا انبئكم بمن يضاهيهم من يهود هذه الامّة؟
قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: قوم من أمّتي ينتحلون أنّهم من أهل ملّتي، يقتلون أفاضل ذرّيّتي و أطائب ارومتي، و يبدّلون شريعتي و سنّتي، و يقتلون ولديّ الحسن و الحسين كما قتل أسلاف [هؤلاء] اليهود زكريّا و يحيى.
ألا و إنّ اللّه يلعنهم كما لعنهم، و يبعث على بقايا ذراريهم قبل يوم القيامة هاديا مهديّا من ولد الحسين المظلوم (عليه السّلام) يحرقهم بسيوف أوليائه إلى نار جهنّم، ألا و لعن اللّه قتلة الحسين (عليه السّلام) و محبّيهم و ناصريهم و الساكتين عن لعنهم من غير تقيّة تسكتهم.
ألا و صلّى اللّه على الباكين على الحسين (عليه السّلام) رحمة و شفقة و اللاعنين لأعدائهم و الممتلئين عليهم غيظا و حنقا، ألا و إنّ الراضين بقتل الحسين (عليه السّلام) شركاء قتلته، (4) ألا و إنّ قتلته و أعوانهم و أشياعهم و المقتدين بهم براء من دين اللّه.
إنّ اللّه ليأمر ملائكته المقرّبين أن يتلقّوا دموعهم المصبوبة لقتل الحسين (عليه السّلام) إلى الخزّان في الجنان فيمزجوها بماء الحيوان فتزيد [في] عذوبتها و طيبها ألف ضعفها و إنّ الملائكة ليتلقّون دموع الفرحين الضاحكين لقتل الحسين (عليه السّلام) و يلقونها في الهاوية و يمزجونها بحميمها و صديدها و غسّاقها و غسلينها فيزيد في شدّة حرارتها و [عظيم] عذابها ألف ضعفها تشدّد بها على المنقولين (5) إليها من أعداء آل محمّد عذابهم (6).
الكتب:
6- في بعض مؤلّفات أصحابنا: مرسلا عن بعض الصحابة، قال: رأيت النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) يمصّ لعاب الحسين (عليه السّلام) كما يمصّ الرجل السكّرة، و هو يقول: حسين منّي و أنا من حسين، أحبّ اللّه من أحبّ حسنا، و أبغض اللّه من أبغض حسينا، حسين سبط من الأسباط، لعن اللّه قاتله.
____________
(1)- البقرة: 84.
(2)- في المصدر: هؤلاء اليهود.
(3)- في المصدر: أنبياء.
(4)- في الأصل: قتله.
(5)- في المصدر: المقتولين.
(6)- ص 126 و البحار: 44/ 304 ح 17.
596
قال موسى: يا ربّ و من الحسين؟ قال له: الذي مرّ ذكره عليك بجانب الطور، قال: يا ربّ و من يقتله؟ قال: تقتله أمّة جدّه الباغية الطاغية في أرض كربلا، و تنفر فرسه و تحمحم و تصهل و تقول في صهيلها: الظليمة الظليمة من أمّة قتلت ابن بنت نبيّها فيبقى ملقى على الرمال من غير غسل و لا كفن و ينهب رحله و تسبى نساؤه في البلدان، و يقتل ناصر (و) ه، و تشهر رءوسهم مع رأسه على أطراف الرماح، يا موسى! صغيرهم يميته العطش، و كبيرهم جلده منكمش، يستغيثون و لا ناصر (لهم)، و يستجيرون و لا خافر (لهم).
قال: فبكى موسى (عليه السّلام) و قال: يا ربّ و ما لقاتليه من العذاب؟ قال: يا موسى، عذاب يستغيث منه (1) أهل النار بالنار، لا تنالهم رحمتي، و لا شفاعة جدّه، و لو لم تكن كرامة له لخسفت بهم الأرض، قال موسى: برئت إليك اللهمّ منهم و ممّن رضي بفعالهم، فقال سبحانه: يا موسى، كتبت رحمة لتابعيه من عبادي و اعلم أنّه من بكى عليه أو أبكى أو تباكى حرّمت جسده على النار (2).
2- باب جوامع ما ورد من كفر قتلته و اللعن عليهم و شدّة عذابهم في الدنيا و الآخرة على لسان نبيّنا و أئمّتنا (صلوات الله عليهم أجمعين)
الأخبار: الصحابة و التابعين، عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)
1- كامل الزيارات: محمّد الحميريّ، عن الحسن بن عليّ بن زكريّا، عن عمرو بن المختار، عن إسحاق بن بشر، عن العوّام (3) مولى قريش، قال: سمعت مولاي عمر بن هبيرة، قال: رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و الحسن و الحسين في حجره يقبّل هذا مرّة و (يقبّل) هذا مرّة، و يقول للحسين (عليه السّلام): [إنّ] الويل لمن يقتلك (4).
____________
(1)- به/ خ.
(2)- البحار 44/ 305.
(3)- في المصدر: القوام (العوام خ. ل).
(4)- ص 70 ح 5، البحار: 44/ 302 ح 11.
599
فنزل جبرئيل (عليه السّلام)، و قال: يا محمّد، إنّ اللّه قتل بيحيى بن زكريّا سبعين ألفا من المنافقين و سيقتل بابن ابنتك الحسين (عليه السّلام) سبعين ألفا، و سبعين ألفا من المعتدين، و إنّ قاتل الحسين (عليه السّلام) في تابوت من نار و يكون عليه نصف عذاب أهل النار (1) و قد شدّت يداه و رجلاه بسلاسل من نار و هو منكّس على أمّ رأسه في قعر جهنّم و له ريح يتعوّذ أهل النار من شدّة نتنها، و هو فيها خالد ذائق العذاب الأليم لا يفتّر عنه و يسقى من حميم جهنّم (2).
و روي أيضا في بعض الأخبار أنّ ملكا من ملائكة الصفيح الأعلى اشتاق لرؤية النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و استأذن ربّه بالنزول إلى الأرض لزيارته، و كان ذلك الملك لم ينزل إلى الأرض أبدا منذ خلقت فلمّا أراد النزول أوحى اللّه تعالى إليه يقول: أيّها الملك أخبر رسول اللّه أنّ رجلا من أمّته اسمه يزيد يقتل فرخه الطاهر ابن الطاهرة نظيرة البتول مريم بنت عمران، فقال الملك: لقد نزلت إلى الأرض و أنا مسرور برؤية نبيّك محمّد (صلى اللّه عليه و آله) فكيف اخبره بهذا الخبر الفظيع و إنّني لأستحيي منه أن افجعه بقتل ولده، فليتني لم أنزل إلى الأرض.
قال: فنودي الملك من فوق رأسه أن افعل ما امرت به، فدخل الملك إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و نشر أجنحته بين يديه، و قال: يا رسول اللّه، اعلم أنّي قد استأذنت ربّي في النزول إلى الأرض شوقا لرؤيتك و زيارتك فليت ربّي كان حطّم أجنحتي و لم آتك بهذا الخبر و لكن لا بدّ من انفاذ أمر ربّي عزّ و جلّ، اعلم يا محمّد أنّ رجلا من أمّتك اسمه يزيد، زاده اللّه لعنا في الدنيا و عذابا في الآخرة، يقتل فرخك الطاهر ابن الطاهرة، و لن يتمتّع قاتله في الدنيا من بعده إلّا قليلا و يأخذه اللّه مقاصّا له على سوء عمله و يكون مخلّدا في النار.
فبكى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) بكاء شديدا، و قال: أيّها الملك هل تفلح أمّة [ب] قتل ولدي و فرخ ابنتي؟ فقال: لا يا محمّد، بل يرميهم اللّه باختلاف قلوبهم و ألسنتهم في دار الدنيا و لهم في الآخرة عذاب أليم (3).
____________
(1)- في الاصل: الدنيا.
(2)- البحار: 45/ 314.
(3)- البحار: 45/ 314.
601
أمكنت عبد أبيها من (1) نفسها فحملت يزيد- لعنه اللّه-، و إلى هذا أشار النسّابة الكلبيّ (2) بقوله:
فإن يكن الزمان أتى علينا * * * بقتل الترك و الموت الوحيّ
فقد قتل الدعيّ و عبد كلب * * * بأرض الطفّ أولاد النبيّ
أراد بالدعيّ عبيد اللّه بن زياد لعنه اللّه، فإنّ أباه زياد بن سميّة كانت امّه سميّة مشهورة بالزنا، و ولد على فراش أبي عبيد عبد بني علاج من ثقيف فادّعى معاوية أنّ أبا سفيان زنى بامّ زياد فأولدها زيادا و أنّه أخوه فصار اسمه الدعيّ، و كانت عائشة تسمّيه زياد بن أبيه لأنّه ليس له أب معروف، و مراده بعبد كلب يزيد ابن معاوية لأنّه من عبد بجدل الكلبيّ.
و أمّا عمر بن سعد- لعنه اللّه- فقد نسبوا أباه سعدا إلى غير أبيه، و إنّه من رجل من بني عذرة كان خدنا (3) لامّه، و يشهد بذلك قول معاوية حين قال سعد لمعاوية:
أنا أحقّ بهذا الأمر منك، فقال له معاوية: يأبى عليك ذلك بنو عذرة، و ضرط له، روى ذلك النوفلي بن سليمان من علماء السنّة، و يدلّ على ذلك قول السيّد الحميريّ:
قدما تداعوا زنيما ثمّ سادهم * * * لو لا خمول (4)بني سعد لما سادوا (5)
4- باب فيما ورد في لعن الحمام الراعبيّ على قتلة الحسين (عليه السّلام)
الأخبار: الأئمّة: الصادق (عليهم السّلام)
1- الكافي: العدّة، (عن أحمد بن محمّد)، عن الجامورانيّ، عن ابن أبي حمزة، عن صندل، عن داود بن فرقد، قال: كنت جالسا في بيت أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فنظرت إلى حمام راعبيّ يقرقر [طويلا]، فنظر إليّ أبو عبد اللّه (عليه السّلام)، فقال: يا داود أ تدري ما يقول هذا الطير؟ قلت: لا و اللّه جعلت فداك، قال: يدعو على قتلة الحسين (عليه السّلام)، فاتّخذوا في منازلكم (6).
____________
(1)- في البحار: عن.
(2)- في الأصل: البكري.
(3)- حدثا/ خ، و الخدن: الحبيب و الصاحب.
(4)- فحول/ خ.
(5)- البحار: 44/ 309.
(6)- 6/ 547 ح 10 و البحار: 44/ 305 ح 18.
600
3- باب أنّ قتلته (عليه السّلام) ولد زنا
الأخبار: الأئمّة: الصادق (عليهم السّلام)
1- كامل الزيارات: أبي و جماعة مشايخي، عن سعد، عن ابن عيسى و ابن أبي الخطّاب، عن جعفر بن بشير، عن حمّاد، عن كليب بن معاوية، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: كان قاتل يحيى بن زكريّا (عليهما السّلام) ولد زنا، و كان قاتل الحسين (عليه السّلام) ولد زنا، و لم تبك السماء إلّا عليهما.
كامل الزيارات: ابن الوليد و محمّد بن أحمد بن الحسين معا، عن الحسن بن علي بن مهزيار، عن أبيه، عن الحسن، عن فضالة، عن كليب بن معاوية، مثله.
و منه: ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن عيسى، عن ابن فضّال، عن مروان ابن مسلم، عن إسماعيل بن كثير، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، مثله (1).
2- و منه: أبي و ابن الوليد معا، عن الصفّار، عن ابن عيسى، عن ابن فضّال، عن ابن بكير، عن زرارة، عن عبد الخالق، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: كان قاتل الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) ولد زنا، و قاتل يحيى بن زكريّا ولد زنا.
و منه: محمّد بن جعفر، عن محمّد بن الحسين، عن صفوان، عن داود بن فرقد، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، مثله (2).
3- و منه: أبي، عن سعد، عن ابن هاشم، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن ابن مسكان، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: قاتل الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) ولد زنا (3).
خاتمة:
قال مؤلّف كتاب إلزام النواصب و غيره: إنّ ميسون بنت بجدل الكلبيّة
____________
(1)- ص 77 ح 1 ب 25؛ ص 77 ح 1؛ ص 79 ح 11، و البحار: 44/ 302 ح 13.
(2)- ص 78 ح 44 ص 78 ح 6، و البحار: 44/ 303 ح 14.
(3)- ص 78 ح 8، البحار: 44/ 303 ح 15.
602
2- و منه: عليّ، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكونيّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: اتّخذوا الحمام الراعبيّة في بيوتكم فإنّها تلعن قتلة الحسين بن عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه، و لعن اللّه قاتله (1).
5- باب ثواب اللعن على قتلة الحسين (عليه السّلام) عند شرب الماء و غيره و ما ينبغي أن يقال عند ذكره
الأخبار: الأئمّة: الصادق (عليهم السّلام)
1- كامل الزيارات: محمّد بن جعفر، عن محمّد بن الحسين، عن الخشّاب، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن داود الرقّي، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السّلام) إذا استسقى الماء فلمّا شربه رأيته قد استعبر و اغرورقت عيناه بدموعه، ثمّ قال لي: يا داود، لعن اللّه قاتل الحسين (عليه السّلام)، فما من عبد شرب الماء فذكر الحسين (عليه السّلام) و لعن قاتله إلّا كتب اللّه له مائة ألف حسنة، و حطّ عنه مائة ألف سيّئة، و رفع له مائة ألف درجة، و كأنّما أعتق مائة ألف نسمة، و حشره اللّه تعالى يوم القيامة ثلج الفؤاد.
و منه: الكلينيّ، عن عليّ بن محمّد، عن سهل، عن جعفر بن إبراهيم، عن سعد بن سعد: مثله (2).
2- أمالي الطوسيّ: المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفّار، عن ابن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن الحسن (3) بن أبي فاختة، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّي أذكر الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) فأيّ شيء أقول إذا ذكرته؟ فقال: قل:
صلّى اللّه عليك يا أبا عبد اللّه! تكرّرها ثلاثا- الخبر (4)-.
____________
(1)- 6/ 547 ح 13، و البحار: 44/ 305 ح 19.
(2)- ص 106 ح 1، البحار: 44/ 303 ح 16.
(3)- في المصدر: الحسين.
(4)- ج 1/ 53 س 18 و البحار: 44/ 301 ح 7 و تمامه في ج 45/ 201 ح 3.
603
الرضا (عليه السّلام)
3- عيون أخبار الرضا (1): ما جيلويه، عن عليّ، عن أبيه، عن الريّان بن شبيب، عن الرضا (عليه السّلام)، قال: يا ابن شبيب، إن سرّك أن تسكن الغرف المبنيّة في الجنّة مع النبيّ و آله (صلوات الله عليهم) فالعن قتلة الحسين (عليه السّلام)، يا ابن شبيب، إن سرّك أن يكون لك من الثواب مثل ما لمن استشهد مع الحسين (عليه السّلام) فقل متى ما ذكرته: «يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما»- الخبر (2)-.
4- عيون أخبار الرضا: عن ابن عبدوس، عن ابن قتيبة، عن الفضل، عن الرضا (عليه السّلام)، قال: من نظر إلى الفقاع أو إلى الشطرنج فليذكر الحسين (عليه السّلام)، و ليلعن يزيد و آل زياد، يمحو اللّه عزّ و جلّ بذلك ذنوبه و لو كانت كعدد (3) النجوم (4).
6- باب ما وجد من عذاب قاتليه في الكنائس و غيرها
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- المناقب لابن شهرآشوب: دلائل النبوّة، عن أبي بكر البيهقيّ، بالإسناد إلى أبي قبيل و أمالي أبي عبد اللّه النيسابوريّ أيضا، أنّه لمّا قتل الحسين (عليه السّلام) و اجتزّ رأسه، قعدوا (5) في أوّل مرحلة يشربون النبيذ، و يتحيّون بالرأس فخرج عليهم قلم من حديد من حائط فكتب سطرا بالدم:
أ ترجو أمّة قتلت حسينا * * * شفاعة جدّه يوم الحساب
قال: فهربوا و تركوا الرأس ثمّ رجعوا.
و في كتاب ابن بطّة أنّهم وجدوا ذلك مكتوبا في كنيسة.
و قال أنس بن مالك: احتفر رجل من أهل نجران حفيرة (6) فوجد فيها لوح من ذهب فيه مكتوب هذا البيت و بعده:
فقد قدموا عليه بحكم جور * * * فخالف حكمهم حكم الكتاب
____________
(1)- في البحار: عيون أخبار الرضا و أمالي الصدوق.
(2)- 1/ 233 و البحار: 44/ 299 ح 1.
(3)- في المصدر: بعدد.
(4)- 2/ 21 ح 50 و البحار: 44/ 299 ح 2.
(5)- في الاصل: فغدوا.
(6)- في المصدر: حفرة.
604
ستلقى يا يزيد غدا عذابا * * * من الرحمن يا لك من عذاب
فسألناهم: منذ كم هذا في كنيستكم؟ فقالوا: قبل أن يبعث نبيّكم بثلاثمائة عام (1).
7- باب فيما ورد عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السّلام) في شدّة عذاب قتلته في عالم البرزخ و القيامة عموما
الأخبار الأئمّة: أمير المؤمنين (عليهم السّلام)
1- الفردوس: عن عليّ (عليه السّلام)، قال: قاتل الحسين (عليه السّلام) في تابوت من نار عليه نصف عذاب أهل النار (2).
الباقر (عليه السّلام)
2- عقاب الأعمال: ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن هاشم، عن عثمان ابن عيسى، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السّلام)، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): إنّ في النار منزلة لم يكن يستحقّها أحد من الناس إلّا بقتل الحسين بن عليّ و يحيى بن زكريا (عليهم السّلام).
كامل الزيارات: أبي، عن سعد، عن ابن هاشم مثله (3).
الصادق (عليه السّلام)
3- أمالي الطوسي: المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن أبي محمّد الأنصاريّ، عن معاوية بن وهب، قال: كنت جالسا عند جعفر بن محمّد (عليهما السّلام) إذ جاء شيخ قد انحنى من الكبر، فقال: السلام عليك و رحمة اللّه (و بركاته)، فقال [له] أبو عبد اللّه (عليه السّلام): و عليك السلام و رحمة اللّه [و
____________
(1)- 3/ 218 و البحار: 45/ 305 ح 4.
(2)- البحار: 45/ 322، و في الاصل و البحار: الدنيا.
(3)- عقاب الاعمال ص 257 ح 2، و كامل الزيارات ص 77 و 78 ح 2 و البحار: 44/ 301 ح 9.
606
قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): إنّ قاتل الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) في تابوت من نار عليه نصف عذاب أهل النار و قد شدّ [ت] يداه و رجلاه بسلاسل من نار، منكّس في النار، حتّى يقع في قعر جهنّم و له ريح يتعوّذ أهل النار إلى ربّهم من شدّة نتنه، و هو فيها خالد ذائق العذاب الأليم مع [جميع] من شايع على قتله، كلّما نضجت جلودهم بدّل اللّه عزّ و جلّ عليهم الجلود غيرها حتّى يذوقوا العذاب الأليم لا يفتّر عنهم ساعة، و يسقون من حميم جهنّم، فالويل لهم من عذاب [اللّه تعالى في] النار.
صحيفة الرضا: عنه (عليه السّلام) مثله (1).
6- عيون أخبار الرضا: بهذا الإسناد قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): إنّ موسى ابن عمران (عليه السّلام) سأل ربّه عزّ و جلّ، فقال: يا ربّ إنّ أخي هارون مات فاغفر له، فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليه: يا موسى لو سألتني في الأوّلين و الآخرين لأجبتك ما خلا قاتل الحسين بن عليّ (عليهما السّلام)، فإنّي أنتقم له من قاتله.
صحيفة الرضا: عنه (عليه السّلام) مثله (2).
8- باب شدّة عقاب قاتل الحسين (عليه السّلام) في عالم البرزخ
الأخبار: الأئمّة: الصادق (عليهم السّلام)
1- عقاب الأعمال: ابن المتوكّل، عن محمّد العطّار، عن الأشعريّ، عن أحمد ابن محمّد، عن أبيه، عن عبد اللّه بن المغيرة، عن عبد اللّه بن عبد الرحمن، عن عبد اللّه بن بكر الأرجاني، قال: صحبت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) في طريق مكة من المدينة، فنزل منزلا يقال له عسفان (3)، ثمّ مررنا بجبل أسود على يسار الطريق [م] وحش، فقلت: يا ابن رسول اللّه ما أوحش هذا الجبل! ما رأيت في الطريق جبلا مثله!
____________
(1)- عيون أخبار الرضا: 2/ 46 ح 178، و صحيفة الرضا: ص 23 و البحار: 44/ 300 ح 3.
(2)- عيون أخبار الرضا: 2/ 47 ح 179، و صحيفة الرضا: ص 44 و البحار: 44/ 300 ح 4.
(3)- عسفان: سمّيت عسفان لتعسف السيل فيها كما سميت الابواء لتبوّء السيل بها، و قيل عسفان منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة و مكة، و قيل بين المسجدين و هي من مكة على مرحلتين، و قيل: هي على مرحلتين من مكة على طريق المدينة (راجع معجم البلدان ج 4/ 121- 122).
605
بركاته] يا شيخ، ادن منّي فدنا منه و قبّل يده و بكى.
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السّلام): و ما يبكيك يا شيخ؟ قال له: يا ابن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنا مقيم على رجاء منكم منذ نحو من (1) مائة سنة أقول هذه السنة، و هذا الشهر [و هذا اليوم] و لا أراه فيكم فتلومني أن أبكي، قال: فبكى أبو عبد اللّه (عليه السّلام)، ثم قال: يا شيخ، إن اخّرت منيّتك كنت معنا، و إن عجّلت كنت يوم القيامة مع ثقل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فقال الشيخ: ما ابالي ما فاتني بعد هذا يا بن رسول اللّه، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السّلام): يا شيخ إنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال: إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا: كتاب اللّه المنزّل، و عترتي أهل بيتي تجيء و أنت معنا يوم القيامة.
ثمّ قال: يا شيخ ما أحسبك من أهل الكوفة؟ قال: لا قال: فمن أين؟ قال:
من سوادها جعلت فداك، قال: أين أنت من قبر جدّي المظلوم الحسين (عليه السّلام)؟ قال:
إنّي لقريب منه، قال: كيف إتيانك له؟ قال: إنّي لآتيه و اكثر.
قال: يا شيخ ذاك دم يطلب اللّه تعالى به ما اصيب ولد فاطمة و لا يصابون بمثل الحسين (عليه السّلام)، و لقد قتل (عليه السّلام) في سبعة عشر من أهل بيته نصحوا للّه و صبروا في جنب اللّه فجزاهم اللّه أحسن جزاء الصابرين إنّه إذا كان يوم القيامة أقبل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و معه الحسين (عليه السّلام) و يده على رأسه يقطر دما، فيقول: يا ربّ سل أمّتي فيم قتلوا ابني؟ و قال (عليه السّلام): كلّ الجزع و البكاء مكروه سوى الجزع و البكاء على الحسين (عليه السّلام) (2).
4- عقاب الأعمال: أبي، عن سعد، عن ابن يزيد، عن زياد القنديّ، عن محمّد بن أبي حمزة، عن عيص بن القاسم، قال: ذكر عند أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قاتل الحسين بن عليّ (صلوات الله عليه) فقال بعض أصحابه: كنت أشتهي أن ينتقم اللّه منه في الدنيا، فقال: كأنّك تستقلّ له عذاب اللّه، و ما عند اللّه أشدّ عذابا و أشدّ نكالا (3).
الرضا (عليه السّلام)، عن آبائه، عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)
5- عيون أخبار الرضا: بالأسانيد الثلاثة، عن الرضا، عن آبائه (عليهم السّلام)
____________
(1)- تجوز/ خ.
(2)- 1/ 162 و البحار: 45/ 313 ح 14.
(3)- ص 257 ح 1 و البحار: 44/ 301 ح 8.
607
فقال: يا ابن بكر أ تدري أيّ جبل هذا؟ هذا جبل يقال له: الكمد، و هو على واد من أودية جهنّم فيه قتلة أبي الحسين (عليه السّلام) «استودعهم اللّه فيه (1)» تجري من تحته مياه جهنّم من الغسلين و الصديد و الحميم الآن، و ما يخرج من جهنّم و ما يخرج من طينة خبال، و ما يخرج من لظى و ما يخرج من الحطمة و ما يخرج من سقر، و ما يخرج من الجحيم، و ما يخرج من الهاوية، و ما يخرج من السعير، و ما مررت بهذا الجبل في مسيري، فوقفت إلّا رأيتهما يستغيثان و يتضرّعان و إنّي لأنظر إلى قتلة أبي فأقول لهما: إنّ هؤلاء إنّما فعلوا لما أسّستما، لم ترحمونا إذ ولّيتم و قتلتمونا و حرمتمونا و وثبتم على حقّنا و استبددتم بالأمر دوننا، فلا [ي] رحم اللّه من [ي] رحمكما، ذوقا وبال ما صنعتما، و ما اللّه بظلّام للعبيد.
كامل الزيارات: مثله، و في آخره زيادات أوردناها في باب جميع ما يتضمّن كفر الثلاثة و نفاقهم و لعنهم و عذابهم (2).
9- باب انتقام اللّه تعالى من قتلته (عليه السّلام) في الرجعة و العلّة التي من أجلها يقتل أولاد قتلته (عليه السّلام)
الأخبار: الرسول (صلى اللّه عليه و آله) و الصحابة و التابعين
1- الفردوس لابن شيرويه: عن ابن عبّاس، عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)، قال: قال لي جبرئيل: قال اللّه عزّ و جلّ: قتلت بدم يحيى بن زكريّا سبعين ألفا و إنّي أقتل بدم ابنك الحسين بن عليّ سبعين ألفا و سبعين ألفا (3).
2- المناقب لابن شهرآشوب، تاريخ بغداد و خراسان و الإبانة و الفردوس: قال ابن عبّاس: أوحى اللّه تعالى إلى محمّد (صلى اللّه عليه و آله) إنّي قتلت بيحيى بن زكريّا (عليهما السّلام) سبعين ألفا و أقتل بابن بنتك سبعين ألفا و سبعين ألفا (4).
____________
(1)- في احدى النسخ: اسود بهم فيه، و في الاخرى: استعوذ منه.
(2)- عقاب الأعمال: ص 258 ح 6؛ كامل الزيارات: ص 326 ح 2 و البحار: 8/ 213 طبع حجر.
(3)- البحار: 45/ 322.
(4)- 3/ 237 و البحار: 45/ 298 ح 10.
609
عن حكم الحنّاط، عن ضريس، عن أبي خالد الكابلي، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال:
سمعته يقول في قول اللّه عزّ و جل «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ» (1) قال: عليّ و الحسن و الحسين (عليهم السّلام) (2).
أحدهما (عليهما السّلام)
6- تفسير العيّاشي: عن الحسن بيّاع الهروي، يرفعه عن أحدهما (عليهما السّلام) في قوله «فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ» (3) قال: إلّا على ذرّيّة قتلة الحسين (عليه السّلام) (4).
7- و منه: عن إبراهيم، عمّن رواه، عن أحدهما (عليهما السّلام)، قال: قلت «فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ» قال: لا يعتدي اللّه على أحد إلّا على نسل ولد قتلة الحسين (عليه السّلام) (5).
الصادق (عليه السّلام)
8- عقاب الأعمال: ابن الوليد، عن الصفّار، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد ابن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سمعته يقول: القائم و اللّه يقتل ذراري قتلة الحسين (عليه السّلام) بفعال آبائها (6).
9- كامل الزيارات: محمّد بن جعفر الرزّاز، عن محمّد بن الحسين، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في قول اللّه تبارك و تعالى «فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ» قال: أولاد قتلة الحسين (عليه السّلام).
كامل الزيارات: أبي، عن سعد، عن ابن هاشم و ابن أبي الخطّاب، عن عثمان بن عيسى، مثله (7).
توضيح: لعلّ المراد بالعدوان ما يسمّى ظاهرا عدوانا، و إن كان في الواقع موافقا للعدل.
____________
(1)- الحج: 39.
(2)- ص 63 ح 4 و البحار: 45/ 297 ح 4.
(3)- البقرة: 193.
(4)- 1/ 86 ح 214 و البحار: 45/ 298 ح 8.
(5)- 1/ 78 ح 216 و البحار: 45/ 298 ح 9.
(6)- ص 257 ح 4 و البحار: 45/ 296 ح 3.
(7)- ص 63 ح 6 و ذيله، و البحار: 45/ 296 ح 4.
608
الأئمّة: عليّ بن الحسين (عليهم السّلام)
3- المناقب لابن شهرآشوب: قال: خرجنا مع الحسين (عليه السّلام) فما نزل منزلا و لا ارتحل عنه إلّا و ذكر يحيى بن زكريّا، و قال يوما: من هوان الدنيا على اللّه أنّ رأس يحيى اهدي (1) إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل.
و في حديث مقاتل، عن زين العابدين، [عن أبيه] (عليه السّلام): إنّ امرأة ملك بني إسرائيل كبرت و أرادت أن تزوّج بنتها منه للملك، فاستشار الملك يحيى بن زكريّا فنهاه عن ذلك فعرفت المرأة ذلك و زيّنت بنتها و بعثتها إلى الملك، فذهبت و لعبت بين يديه، فقال لها الملك: ما حاجتك؟ قالت: رأس يحيى بن زكريّا، فقال الملك: يا بنيّة حاجة غير هذا، قالت: ما اريد غيره، و كان الملك إذا كذّب فيهم عزل عن ملكه، فخيّر بين ملكه و بين قتل يحيى، فقتله، ثمّ بعث برأسه إليها في طست من ذهب، فامرت الأرض فأخذتها و سلّط اللّه عليهم بختنصّر فجعل يرمي عليهم بالمجانيق (2) و لا تعمل شيئا، فخرجت إليه (3) عجوز من المدينة، فقالت: أيّها الملك! إنّ هذه مدينة الأنبياء لا تنفتح إلّا بما أدلّك عليه، قال: لك ما سألت قالت: ارمها بالخبث و العذرة ففعل، فتقطّعت فدخلها، فقال: عليّ بالعجوز فقال لها: ما حاجتك؟ قالت: في المدينة دم يغلي فاقتل عليه حتّى يسكن، فقتل عليه سبعين ألفا حتّى سكن، يا ولدي يا عليّ و اللّه لا يسكن دمي حتّى يبعث اللّه المهديّ فيقتل على دمي من المنافقين الكفرة الفسقة سبعين ألفا (4).
الباقر (عليه السّلام)
4- كامل الزيارات: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمّد بن سنان، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: و اللّه لقد قتل قتلة الحسين (عليه السّلام) و لم يطلب بدمه بعد (5).
5- و منه: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن معروف، عن صفوان،
____________
(1)- في الأصل: يهدى.
(2)- في الأصل و البحار: بالمناجيق.
(3)- في المصدر: عليه.
(4)- 3/ 237 و البحار: 45/ 298 ح 10.
(5)- ص 63 ح 2 و البحار: 45/ 298 ح 6 قطعة منه.
610
10- كامل الزيارات: محمّد بن جعفر القرشيّ الرزّاز، عن ابن أبي الخطّاب، عن موسى بن سعدان الحنّاط، عن عبد اللّه بن القاسم الحضرميّ، عن صالح ابن سهل، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في قول اللّه عزّ و جلّ: «وَ قَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ» (1) قال: قتل أمير المؤمنين (عليه السّلام) و طعن الحسن بن عليّ (عليهما السّلام) «وَ لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً» (2) قتل الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) «فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما» (3) قال: إذا جاء نصر الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) «بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ» (4) قوما يبعثهم اللّه قبل قيام القائم عج لا يدعون و ترا لآل محمّد إلّا أحرقوه و كان وعد اللّه مفعولا. (5)
11- و منه: ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن معروف، عن محمّد بن سنان، عن رجل قال: سألت عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في قوله تعالى «وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ.» (6) قال: ذلك قائم آل محمّد يخرج فيقتل بدم الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) فلو قتل أهل الأرض كم يكن (م) سرفا، و قوله تعالى «فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ» لم يكن ليصنع شيئا يكون سرفا.
ثمّ قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): يقتل و اللّه ذراري قتلة الحسين (عليه السّلام) بفعال آبائها (7).
12- المناقب لابن شهرآشوب: الصادق (عليه السّلام): قتل بالحسين مائة ألف و ما طلب بثأره، و سيطلب بثأره (8).
الرضا، عن الصادق (عليهما السّلام)
13- علل الشرائع و عيون أخبار الرضا: الهمدانيّ، عن عليّ، عن أبيه، عن الهرويّ، قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السّلام): يا ابن رسول اللّه ما تقول في حديث روي عن الصادق (عليه السّلام) أنّه قال: إذا خرج القائم عج قتل ذراري قتلة الحسين
____________
(1)- الاسراء: 4.
(2)- الاسراء: 4.
(3)- الاسراء: 5.
(4)- الاسراء: 5.
(5)- ص 62 ح 1 و البحار: 45/ 297 ح 5.
(6)- الاسراء: 33.
(7)- ص 63 ح 5 و البحار: 45/ 298 ح 7.
(8)- 3/ 234 و البحار: 45/ 298 ح 10.
611
(عليه السّلام) بفعال آبائها؟ فقال (عليه السّلام): هو كذلك، فقلت: و قول اللّه عزّ و جلّ «وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى» (1) ما معناه؟ [ف] قال: صدق اللّه في جميع أقواله، و لكن ذراري قتلة الحسين (عليه السّلام) يرضون بفعال (2)آبائهم و يفتخرون بها، و من رضي شيئا كان كمن أتاه، و لو أنّ رجلا قتل بالمشرق فرضي بقتله رجل بالمغرب لكان الراضي عند اللّه عزّ و جلّ شريك القاتل، و إنّما يقتلهم القائم عج إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم، قال: [ف] قلت له: بأي شيء يبدأ القائم عج منكم إذا قام؟ قال: يبدأ ببني شيبة، فيقطع أيديهم لأنّهم سرّاق بيت اللّه عزّ و جلّ (3).
الحسن العسكريّ، عن آبائه، عن زين العابدين (عليهم السّلام)
14- تفسير الإمام و الاحتجاج: بالإسناد إلى أبي محمّد العسكريّ عن آبائه (عليهم السّلام) أنّ عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) كان يذكر حال من مسخهم اللّه قردة من بني إسرائيل و يحكي قصّتهم، فلمّا بلغ آخرها قال: إنّ اللّه تعالى مسخ «اولئك القوم» (4) لاصطياد السمك، فكيف ترى عند اللّه عزّ و جلّ يكون حال من قتل أولاد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و هتك حريمه؟ إنّ اللّه تعالى و إن لم يمسخهم في الدنيا فإنّ المعدّ لهم من عذاب [اللّه في] الآخرة أضعاف أضعاف عذاب المسخ.
فقيل له: يا ابن رسول اللّه فإنّا قد سمعنا منك هذا الحديث، فقال لنا بعض النصّاب: فإن كان قتل الحسين باطلا فهو أعظم [عند اللّه] من صيد السمك في السبت، [أ] فما (5) كان يغضب [اللّه] على قاتليه كما غضب على صيّادي السمك؟! قال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): قل لهؤلاء النصّاب؛ فإن كان إبليس معاصيه أعظم من معاصي من كفر بإغوائه، فأهلك اللّه من شاء منهم كقوم نوح و فرعون؛ و لم يهلك إبليس و هو أولى بالهلاك، فما باله أهلك هؤلاء الذين قصّروا عن إبليس في عمل الموبقات و أمهل إبليس مع إيثاره لكشف المخزيات (6)، ألا (7) كان ربّنا عزّ و جلّ حكيما بتدبيره و حكمه فيمن
____________
(1)- وردت هذه الآية في سورة الأنعام: 164، الاسراء: 15، فاطر: 18، الزمر: 7.
(2)- في عيون اخبار الرضا: بافعال؛ و في علل الشرائع: أفعال.
(3)- علل الشرائع: 1/ 229؛ و عيون أخبار الرضا: 1/ 212 ح 5 و البحار: 45/ 295 ح 1.
(4)- في تفسير الإمام: هؤلاء.
(5)- إنما/ خ.
(6)- في الاحتجاج: المحرمات.
(7)- تفسير الإمام: و ألا فإن؛ و في الاحتجاج: اما.
612
أهلك، و فيمن استبقى، فكذلك هؤلاء الصائدون (للسمك) في السبت، و هؤلاء القاتلون للحسين (عليه السّلام) يفعل في الفريقين ما يعلم أنّه أولى بالصواب و الحكمة، لا يسأل عمّا يفعل و عباده يسألون.
و قال الباقر (عليه السّلام): [ف] لمّا حدّث عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) بهذا الحديث قال له بعض من في مجلسه: يا ابن رسول اللّه، كيف يعاتب (1) اللّه و يوبّخ هؤلاء الأخلاف على قبائح أتى بها (2) أسلافهم؟ و هو يقول: «وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى»؟ فقال زين العابدين (عليه السّلام): إنّ القرآن نزل بلغة العرب فهو يخاطب فيه أهل [هذا] اللسان بلغتهم، يقول الرجل (3) التميميّ- قد أغار قومه على بلد و قتلوا من فيه- أغرتم على بلد كذا (و فعلتم كذا) (4)، و يقول العربيّ أيضا: [و] نحن فعلنا ببني فلان و نحن سبينا آل فلان، و نحن خرّبنا (5) بلد كذا، لا يريد أنّهم باشروا ذلك، و لكن يريد هؤلاء بالعذل و اولئك بالافتخار، (6) إنّ قومهم فعلوا «كذا و قول» (7) اللّه عزّ و جلّ في هذه الآيات (8) إنّما هو توبيخ لأسلافهم و توبيخ العذل على هؤلاء الموجودين، لأنّ ذلك هو اللغة الّتي [ا] نزل بها القرآن، و لأنّ هؤلاء الأخلاف أيضا راضون بما فعل أسلافهم مصوّبون ذلك لهم، فجاز أن يقال لهم: أنتم فعلتم أي إذ رضيتم قبيح فعلهم (9).
10- باب ما عجّل اللّه به قتلة الحسين (عليه السّلام) من العذاب في الدنيا و ما ظهر من إعجازه و استجابة دعائه في ذلك عند الحرب و بعده
الأخبار: الصحابة و التابعين و الرواة
1- المناقب لابن شهرآشوب: روي أنّ الحسين (عليه السّلام) قال لعمر بن سعد:
إنّ ممّا يقرّ لعيني أنّك لا تأكل من برّ العراق بعدي إلّا قليلا، فقال مستهزئا: يا أبا
____________
(1)- في تفسير الامام: يعاقب.
(2)- في الاحتجاج: اتاها؛ و في خ و تفسير الامام: ما أتاه.
(3)- يقال للرجل/ ح.
(4)- في تفسير الامام: و قتلتم كذا.
(5)- ضربنا/ خ.
(6)- في تفسير الإمام: بالامتحان.
(7)- في تفسير الإمام: ذلك فيقول.
(8)- في البحار و في خ: الآية.
(9)- تفسير الإمام: ص 90؛ و الاحتجاج: 2/ 40 و البحار: 45/ 295 ح 2.
614
نعم، قال: ولي ربّ رحيم و شفاعة نبيّ مطاع، اللهمّ إن كان عندك (1) كاذبا فجرّه إلى النار، قال: فما هو إلّا أن ثنّى عنان فرسه فوثب به فرمى به و بقيت رجله في الركاب، و نفر الفرس فجعل يضرب برأسه كلّ حجر و شجر حتّى مات.
و في رواية غيرهما: اللهمّ جرّه إلى النار و أذقه حرّها في الدنيا قبل مصيره إلى الآخرة، فسقط عن فرسه في الخندق و كان فيه نار فسجد الحسين (عليه السّلام) (2).
(تاريخ الطبريّ: قال أبو مخنف: و كان فيه نار فسجد الحسين (عليه السّلام)) (3).
تاريخ الطبريّ: قال أبو مخنف: حدّثني عمرو بن شعيب، عن محمّد بن عبد الرحمن أنّ يدي أبجر (4) بن كعب كانتا في الشتاء تنضحان الماء، و في الصيف تيبسان كأنّهما عودان، و في رواية غيره: كانت يداه تقطران في الشتاء دما و كان هذا الملعون سلب الحسين (عليه السّلام).
و يروى أنّه أخذ عمامته جابر بن زيد (5) الأزديّ و تعمّم بها فصار في الحال معتوها، و أخذ ثوبه جعوبة بن حويّة الحضرميّ و لبسه فتغيّر وجهه، و حصّ شعره، و برص بدنه، و أخذ سراويله الفوقانية بحير بن عمرو الجرميّ و تسرول به فصار مقعدا (6).
توضيح: رجل أحصّ: بين الحصص: أي قليل شعر الرأس، و قد حصّت البيضة رأسه.
4- المناقب لابن شهرآشوب، تاريخ الطبريّ: إنّ رجلا من كندة يقال له مالك بن اليسر أتى الحسين (عليه السّلام) بعد ما ضعف من كثرة الجراحات، فضربه على رأسه بالسيف و عليه برنس من خزّ، فقال (عليه السّلام): لا أكلت بها و لا شربت و حشرك اللّه مع الظالمين، فألقى ذلك البرنس من رأسه، فأخذه الكندي فأتى به أهله، فقالت امرأته:
أسلب الحسين تدخله في بيتي؟ «لا يجتمع رأسي و رأسك أبدا» (7) فلم يزل فقيرا حتّى هلك (8).
____________
(1)- عبدك/ خ.
(2)- 3/ 214 و البحار: 45/ 301 ح 2.
(3)- ما بين القوسين اثبتناه من احدى النسخ.
(4)- في المصدر: أبحر.
(5)- في الاصل: يزيد.
(6)- 3/ 214 و البحار: 45/ 301.
(7)- في المصدر: اخرج فو اللّه لا تدخل بيني أبدا.
(8)- 3/ 251 و البحار: 45/ 302 ح 3.
613
عبد اللّه في الشعير خلف، فكان كما قال لم يصل إلى الري و قتله المختار (1).
2- و منه: أمالي أبي سهل القطّان يرويه عن ابن عيينة، قال: أدركت من قتلة الحسين (عليه السّلام) رجلين، أمّا أحدهما فإنّه طال ذكره حتى كان يلفّه.
و في رواية: كان يحمله على عاتقه، و أمّا الآخر فإنّه كان يستقبل الراوية فيشربها إلى آخرها و لا يروى و ذلك أنّه نظر إلى الحسين (عليه السّلام) و قد أهوى إلى فيه بماء و هو يشرب، فرماه بسهم، فقال الحسين (عليه السّلام): لا أرواك اللّه من [ال] ماء في دنياك و لا في آخرتك.
و في رواية: إنّ رجلا من كلب (2) رماه بسهم فشكّ شدقه فقال الحسين (عليه السّلام):
لا أرواك اللّه، فعطش الرجل حتّى ألقى نفسه في الفرات و شرب حتّى مات (3).
توضيح: الشكّ اللزوم و اللصوق.
3- المناقب لابن شهرآشوب: المقتل عن ابن بابويه، و التاريخ عن الطبريّ، قال أبو القاسم الواعظ: نادى رجل: يا حسين! إنّك لن تذوق من الفرات قطرة حتّى تموت أو تنزل على حكم الأمير، فقال الحسين (عليه السّلام): اللهمّ اقتله عطشا و لا تغفر له أبدا، فغلب عليه العطش، فكان يعبّ المياه و يقول وا عطشاه حتّى تقطّع.
تاريخ الطبريّ: إنّه كان هذا المنادي عبد اللّه بن الحصين الأزديّ رواه حميد بن مسلم، و في رواية: كان رجلا من دارم.
فضائل العشرة: عن أبي السعادات بالإسناد في خبر أنّه لمّا رماه الدارميّ بسهم، فأصاب حنكه جعل يتلقّى الدم، ثمّ يقول هكذا إلى المساء، فكان هذا الدارميّ يصيح من الحرّ في بطنه و البرد في ظهره، بين يديه المراوح و الثلج، و خلفه الكانون (4) و النار، و هو يقول: اسقوني فيشرب العسّ (5) ثمّ يقول: اسقوني أهلكني العطش، قال: فانقدّ بطنه.
ابن بطّة في الإبانة و ابن جرير في التاريخ: إنّه نادى الحسين ابن جوزة فقال: يا حسين أبشر فقد تعجّلت النار في الدنيا قبل الآخرة، قال: ويحك أنا؟ قال:
____________
(1)- 3/ 213 و البحار: 45/ 300 ح 1.
(2)- في الاصل: كليب.
(3)- 3/ 214 و البحار: 45/ 300.
(4)- الكانون: الموقد، المصطلى.
(5)- العس: الإناء الكبير.
615
5- المناقب لابن شهرآشوب: و روي أنّ الحسين (عليه السّلام) دعا [و قال]: اللهمّ إنّا أهل بيت نبيّك و ذرّيّته و قرابته، فاقصم من ظلمنا و غصبنا حقّنا، إنّك سميع قريب، فقال محمّد ابن الأشعث: و أيّ قرابة بينك و بين محمّد (صلى اللّه عليه و آله)، فقرأ الحسين (عليه السّلام) «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ» (1) ثمّ قال: اللهمّ أرني فيه في هذا اليوم ذلّا عاجلا، فبرز ابن الأشعث للحاجة فلسعته عقرب على ذكره فسقط و هو يستغيث و يتقلّب على حدثه (2).
أقول: [روي] في بعض كتب المناقب المعتبرة: بإسناده عن أحمد بن الحسين، عن أبي الحسين بن بشران، عن الحسين بن صفوان، عن عبد اللّه بن محمّد بن أبي الدنيا، عن العبّاس بن هشام (3) بن محمّد الكوفي، عن أبيه، عن جدّه، قال: كان رجل من أبان ابن دارم يقال له زرعة، شهد قتل الحسين (عليه السّلام) فرمى الحسين بسهم فأصاب حنكه، فجعل يتلقّى الدم- ثمّ يقول هكذا إلى السماء- فيرمي به، و ذلك أنّ الحسين (عليه السّلام) دعا بماء ليشرب، فلمّا رماه حال بينه و بين الماء، فقال: اللهمّ ظمّئه اللهمّ ظمّئه.
قال: فحدّثني من شهده و هو يموت و هو يصيح من الحرّ في بطنه، و البرد في ظهره، و بين يديه المرواح و الثلج و خلفه الكانون و هو يقول: اسقوني أهلكني العطش، فيؤتى بعسّ عظيم فيه السويق و الماء و اللبن لو شربه خمسة لكفاهم، قال: فيشربه ثمّ يعود فيقول: اسقوني أهلكني العطش، قال: فانقدّ بطنه كانقداد البعير.
و ذكر أعثم الكوفي هذا الحديث مختصرا، قال: اسم الرامي- لعنه اللّه- عبد الرحمن الأزدي، فقال له الحسين (عليه السّلام): اللهمّ اقتله عطشا و لا تغفر له أبدا.
قال القاسم بن أصبغ: لقد رأيتني عند ذلك الرجل و هو يصيح و الماء يبرّد له فيه السكّر و الأعساس فيها اللبن، و هو يقول: ويلكم اسقوني فقد قتلني العطش، فيعطى القلّة أو العسّ فإذا نزعه من فيه يصيح حتّى انقدّ بطنه و مات شرّ ميتة لعنه اللّه (4).
____________
(1)- آل عمران: 33 و 34.
(2)- 3/ 215 و البحار: 45/ 302.
(3)- اسام/ خ.
(4)- البحار: 45/ 310.
616
11- باب ما نهب من أسبابه (عليه السّلام) و انقلب رمادا و دخانا و دما و غيرها و من استعمله صار مبروصا و غيره
الأخبار: الصحابة و التابعين و الرواة
1- أمالي الطوسي: أحمد بن الصلت، عن ابن عقدة، عن الحسن بن عليّ ابن عفّان، عن الحسن بن عطيّة، عن ناصح، [عن] أبي عبد اللّه، عن قريبة (1) جارية لهم قالت: كان عندنا رجل خرج على الحسين (عليه السّلام) ثمّ جاء بجمل و زعفران، قالت:
فلمّا دقّوا الزعفران صار نارا [قالت:] فجعلت المرأة تأخذ منه الشيء فتلطّخه على يدها فيصير منه برص قال [ت]: و نحروا البعير [قالت:] فلمّا (2) جزّوا بالسكّين صار مكانها نارا، قالت: فجعلوا يسلخونه فيصير مكانه نارا، قالت: فقطّعوه فخرج منه النار، قالت:
فطبخوه فكلّما أوقدوا النار فارت القدر نارا قالت: فجعلوه في الجفنة فصار (ت) نارا، قالت: و كنت صبيّة يومئذ فأخذت عظاما منه فطينت عليه «فوجدته بعد زمان» (3) فلمّا حززناه (4) بالسكّين صار مكانه (5) نار فعرفنا أنّه ذلك العظم فدفنّاه (6).
2- المناقب لابن شهرآشوب، تاريخ النسوي و تاريخ بغداد و إبانة العكبري: قال سفيان بن عيينة: حدّثتني جدّتي أنّ رجلا ممّن شهد قتل الحسين (عليه السّلام) كان يحمل ورسا فصار ورسه دما، و رأيت النجم كأنّ فيه النيران يوم قتل الحسين (عليه السّلام)، يعني بالنجم النبات.
محمّد بن الحكم، عن امّه، قالت: انتهب الناس ورسا من عسكر الحسين (عليه السّلام) فما استعملته امرأة إلّا برصت (7).
____________
(1)- في المصدر: مرية. و في خ: مرييّة.
(2)- في المصدر و خ فكلّما.
(3)- في المصدر: فسقط و أنا يومئذ امرأة فأخذناه نصنع منه اللعب. قالت:
(4)- في المصدر: جررناه، و في خ: جززناه.
(5)- في المصدر: خرج مكانه، و في خ فكأنّه.
(6)- 2/ 336 و البحار: 45/ 322 ح 16، و بدل «فدفناه» في المصدر: قذفناه.
(7)- 3/ 213 و 168، و البحار: 45/ 300 ذ ح 1.
617
3- المناقب لابن شهرآشوب، أحاديث ابن الحاشر: قال: كان عندنا رجل خرج على الحسين (عليه السّلام)، ثمّ جاء بجمل و زعفران، فكلّما دقّوا الزعفران صار نارا، فلطّخت امرأته على يديها فصارت برصاء، و قال: و نحر البعير فكلّما جزّوا بالسكّين صار مكانها نارا، قال: فقطّعوه فخرج منه النار، قال: فطبخوه ففارت القدر نارا.
(و يروى عن سفيان بن عينة و يزيد بن هارون الواسطي أنّهما قالا: نحر إبل الحسين (عليه السّلام)، فاذا لحمه يتوقّد نارا). (1)
تاريخ النسويّ: قال حمّاد بن زيد (2): قال جميل بن مرّة: لمّا طبخوها صارت مثل العلقم (3).
توضيح: العلقم شجر مرّ و يقال للحنظل و لكلّ شيء مرّ علقم.
4- المناقب لابن شهرآشوب، النطنزيّ في الخصائص: لمّا جاءوا برأس الحسين (عليه السّلام) و نزلوا منزلا يقال له قنّسرين (4) اطّلع راهب من صومعته إلى الرأس، فرأى نورا ساطعا يخرج من فيه و يصعد إلى السماء، فأتاهم بعشرة آلاف درهم، و أخذ الرأس و أدخله صومعته فسمع صوتا و لم ير شخصا، قال: طوبى لك و طوبى لمن عرف حرمته فرفع الراهب رأسه، و قال: يا ربّ بحقّ عيسى تأمر هذا الرأس بالتكلّم معي، فتكلّم الرأس، و قال: يا راهب! أيّ شيء تريد؟ قال: من أنت؟ قال: أنا ابن محمّد المصطفى و أنا ابن عليّ المرتضى، و أنا ابن فاطمة الزهراء (و) أنا المقتول بكربلاء، أنا المظلوم، أنا العطشان و سكت، فوضع الراهب وجهه على وجهه، و قال: لا أرفع وجهي عن وجهك حتّى تقول أنا شفيعك يوم القيامة، فتكلّم الرأس و قال: ارجع إلى دين جدّي محمّد (صلى اللّه عليه و آله)، فقال الراهب: أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، فقبل له الشفاعة، فلمّا أصبحوا أخذوا منه الرأس و الدراهم فلمّا بلغوا الوادي نظروا الدراهم قد صارت حجارة.
____________
(1)- ما بين القوسين ليس في المصدر.
(2)- في الأصل: يزيد.
(3)- 3/ 215 و البحار: 45/ 302 ذ ح 3.
(4)- قنّسرين: مدينة بينها و بين حلب مرحلة (راجع مراصد الاطلاع الجزء 3 ص 1126).
618
و في أثر: عن ابن عبّاس أنّ أمّ كلثوم قالت لحاجب ابن زياد: ويلك هذه الألف درهم خذها إليك و اجعل رأس الحسين (عليه السّلام) أمامنا و اجعلنا على الجمال وراء الناس ليشتغل الناس بنظرهم إلى رأس الحسين (عليه السّلام) عنّا، فأخذ الألف و قدّم الرأس فلمّا كان الغد أخرج الدراهم و قد جعلها اللّه حجارة سوداء مكتوبا على أحد جانبيها «وَ لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ» (1) و على الجانب الآخر «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (2).
5- المناقب لابن شهرآشوب، أبو مخنف: في رواية لمّا دخل بالرأس على يزيد- لعنه اللّه- كان للرأس طيب قد فاح على كلّ طيب و لمّا نحر الجمل الذي [حمل] عليه رأس الحسين (عليه السّلام) كان لحمه أمرّ من الصبر و لمّا قتل [الحسين] (عليه السّلام) صار الورس دما و انكسفت الشمس إلى ثلاثة أسبات، و ما في الأرض حجر إلّا و تحته دم، و ناحت عليه الجنّ كلّ يوم فوق قبر النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) إلى سنة كاملة. (3)
توضيح: قوله إلى ثلاثة أسبات أي أسابيع، و إنّما ذكر هكذا لأنّهم ذكروا أنّ قتله (عليه السّلام) كان يوم السبت فابتداء ذلك من هذا اليوم.
6- أقول: [روي] في بعض كتب المناقب المعتبرة باسناده عن أحمد بن الحسين، عن محمّد بن الحسين القطّان، عن عبد اللّه بن جعفر بن درستويه، عن يعقوب ابن سفيان النسوي، عن سليمان بن حرب، عن حمّاد بن زيد، عن جميل بن مرّة قال:
أصابوا إبلا في عسكر الحسين (عليه السّلام) يوم قتل فنحروها و طبخوها، قال: فصارت مثل العلقم، فما استطاعوا أن يسيغوا منها شيئا.
ثم قال و بهذا الإسناد: عن يعقوب بن سفيان، عن أبي بكر الحميديّ، عن سفيان قال: حدّثتني جدّتي، قال [ت]: لقد رأيت الورس عاد رمادا و لقد رأيت اللحم كأنّ فيه النار حين قتل الحسين (عليه السّلام).
و بهذا الإسناد: عن يعقوب بن سفيان، عن أبي نعيم، عن عاقبة بن أبي حفصة، عن أبيه، قال: إن كان الورس من ورس الحسين (عليه السّلام) ليقال به هكذا، فبصير
____________
(1)- إبراهيم: 42.
(2)- 3/ 217 و البحار: 45/ 303، الشعراء: 227.
(3)- 3/ 218 و البحار: 45/ 305 ذ ح 3.
619
رمادا.
و بهذا الإسناد: عن أحمد بن الحسين، عن أبي عبد اللّه الحافظ، عن محمّد بن يعقوب، عن العبّاس بن محمّد الدوري، عن يحيى بن معين، عن جرير، عن زيد بن أبي الزياد (1)، قال: قتل الحسين (عليه السّلام) ولي أربع عشرة سنة و صار الورس رمادا الّذي كان في عسكرهم، و احمرّت آفاق السماء، و نحروا ناقة في عسكرهم، فكانوا يرون في لحمها النيران (2).
____________
(1)- في البحار: الزناد.
(2)- البحار: 45/ 310.
621
22- أبواب بعض ما عجّل ليزيد- عليه اللعنة- في الدنيا من الانتقام و لسائر قتلته (عليه السّلام)
1- باب بعض ما أصاب يزيد- عليه اللعنة- في الدنيا
الأخبار: الصحابة و التابعين و الرواة
1- كامل الزيارات: (1) أحمد بن عبد اللّه بن علي، عن جعفر بن سليمان، عن أبيه، عن عبد الرحمن الغنوي، عن سليمان قال: و هل بقي في السماوات ملك لم ينزل إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يعزّيه في ولده الحسين (عليه السّلام)؟ و يخبره بثواب اللّه إيّاه و يحمل إليه تربته مصروعا عليها، مذبوحا مقتولا، [جريحا] طريحا مخذولا، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): اللهمّ اخذل من خذله و اقتل من قتله و اذبح من ذبحه و لا تمتّعه بما طلب.
قال عبد الرحمن: فو اللّه لقد عوجل الملعون يزيد و لم يتمتّع بعد قتله [بما طلب، قال عبد الرحمن:] و لقد اخذ مغافصة (2)، بات سكرانا و أصبح ميّتا متغيّرا كأنّه مطليّ بقار اخذ على أسف و ما بقي أحد ممّن تابعه على قتله أو كان في محاربته إلّا أصابه جنون أو جذام أو برص و صار ذلك وراثة في نسلهم (3) [لعنهم اللّه].
____________
(1)- في الأصل: بصائر الدرجات و هو اشتباه.
(2)- المغافصة: المفاجأة.
(3)- كامل الزيارات ص 61 ح 8 و البحار: 44/ 236 ح 27.
622
2- باب بعض ما أصاب ابن زياد- لعنه اللّه- من العذاب في الدنيا
الأخبار: الصحابة و التابعين و الرواة
1- في بعض كتب المناقب المعتبرة: عن الحسن بن أحمد الهمدانيّ، عن محمود بن إسماعيل الصيرفيّ، عن أحمد بن محمّد بن الحسين، عن الطبرانيّ، عن محمّد ابن عبد اللّه الحضرميّ، عن محمّد بن يحيى الصوفيّ، عن أبي غسّان، عن عبد السلام بن حرب، عن عبد الملك بن كردوس، عن حاجب عبيد اللّه بن زياد- لعنه اللّه- قال:
دخلت القصر خلف عبيد اللّه بن زياد- لعنه اللّه- فاضطرم في وجهه نارا فقال هكذا بكمّه على وجهه و قال: هل رأيت؟ قلت: نعم، فأمرني أن أكتم ذلك (1).
2- عقاب الأعمال: بإسناده عن عمر بن سعد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عمّار بن عمير التيميّ (2)، قال: لمّا جيء برأس عبيد اللّه بن زياد- لعنه اللّه- و رءوس أصحابه عليهم غضب اللّه، قال: انتهيت إليهم و الناس يقولون قد جاءت، [قال:] فجاءت حيّة تتخلّل الرءوس حتّى دخلت في منخر عبيد اللّه بن زياد- لعنة اللّه عليه- ثم خرجت فدخلت في المنخر الآخر (3).
3- المناقب لابن شهرآشوب: كتابي ابن بطّة و الترمذيّ و خصائص النطنزيّ و اللفظ للأوّل، عن عمارة بن عمير، إنّه لمّا جيء برأس ابن زياد، و رءوس أصحابه إلى المسجد انتهيت إليهم، و الناس يقولون قد جاءت قد جاءت، قال: فجاءت حيّة تتخلّل الرءوس حتّى دخلت في منخره ثمّ خرجت من المنخر الآخر، ثمّ قالوا: قد جاءت، قد جاءت ففعلت ذلك مرّتين أو ثلاثا. (4)
3- باب بعض ما أصاب عمر بن سعد- عليه اللعنة- في الدنيا
الأخبار: الأئمّة (عليهم السّلام)
1- المناقب لابن شهرآشوب: روي أنّ الحسين (عليه السّلام) قال لعمر بن سعد:
إنّ ممّا يقرّ لعيني أنّك لا تأكل من برّ العراق بعدي إلّا قليلا، فقال مستهزئا: يا أبا عبد اللّه في الشعير خلف، فكان كما قال، لم يصل إلى الري و قتله المختار (5).
____________
(1)- البحار: 45/ 309.
(2)- في الأصل: التميمي.
(3)- ص 260 ح 9 و البحار: 45/ 308 ح 8.
(4)- 3/ 218 البحار: 45/ 304.
(5)- 3/ 213 و البحار: 45/ 300 ح 1.
623
[أقول:] روى السائل عن السيّد المرتضى رضي اللّه عنه، عن خبر روى النعمانيّ في كتاب التسلّي عن الصادق (عليه السّلام) أنّه قال: إذا احتضر الكافر حضره رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و عليّ (صلوات الله عليه) و جبرئيل و ملك الموت، فيدنو إليه عليّ (عليه السّلام) فيقول: يا رسول اللّه إنّ هذا كان يبغضنا أهل البيت فأبغضه، فيقول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): يا جبرئيل! إنّ هذا كان يبغض اللّه و رسوله و أهل بيت رسوله فابغضه، فيقول جبرئيل لملك الموت: إنّ هذا كان يبغض اللّه و رسوله و أهل بيته فابغضه و أعنف به، فيدنو منه ملك الموت فيقول: يا عبد اللّه أخذت فكاك رقبتك، أخذت أمان براءتك، تمسّكت بالعصمة الكبرى في دار الحياة الدنيا فيقول: و ما هي؟ فيقول: ولاية عليّ بن أبي طالب، فيقول: ما أعرفها و لا أعتقد بها، فيقول له جبرئيل: يا عدوّ اللّه و ما كنت تعتقد؟ فيقول له جبرئيل: أبشر يا عدوّ اللّه بسخط اللّه و عذابه في النار، أمّا ما كنت ترجو فقد فاتك، و أمّا الذي كنت تخاف قد نزل بك، ثمّ يسلّ نفسه سلا عنيفا، ثمّ يوكّل بروحه مائة شيطان كلّهم يبصق في وجهه و يتأذّى بريحه، فإذا وضع في قبره فتح له باب من أبواب النار يدخل إليه من فوح ريحها و لهبها، ثمّ إنّه يؤتى بروحه إلى جبال برهوت ثمّ إنّه يصير في المركبات بعد أن يجري في كلّ سنخ (1) مسخوط عليه (2) حتى يقوم قائمنا أهل البيت، فيبعثه اللّه فيضرب عنقه، و ذلك قوله «قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ» (3) و اللّه لقد اتي بعمر بن سعد بعد ما قتل، و إنّه لفي صورة قرد في عنقه سلسلة، فجعل يعرف أهل الدار و هم لا يعرفونه و اللّه لا يذهب الأيّام حتّى يمسخ عدوّنا مسخا ظاهرا حتّى أنّ الرجل منهم ليمسخ في حياته قردا أو خنزيرا و من ورائهم عذاب غليظ و من ورائهم جهنّم و ساءت مصيرا (4).
بيان: هذا خبر غريب و لم ينكره السيّد في الجواب، و أجاب بما حاصله إنّا ننكر تعلّق الروح بجسد آخر، و لا ننكر تغيّر جسمه إلى صورة اخرى.
و أقول: يمكن حمله على التغيير في الجسد المثالي أو أجزاء جسده الأصلي إلى
____________
(1)- في الأصل: مسخ. و السنخ بالكسر من كلّ شيء: أصله.
(2)- المسخوط عليه: المغضوب عليه.
(3)- المؤمن: 11.
(4)- البحار: 45/ 312.
624
الصور القبيحة، و سيأتي بعض القول في ذلك إن شاء اللّه في كتاب المعاد.
4- باب ما أصاب سائر قتلته (عليه السّلام) و الحاضرين في محاربته من العقوبات و النقمات في الدنيا
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- المناقب لابن شهرآشوب: إبانة ابن بطّة و جامع الدار قطني و فضائل أحمد، روى قرّة بن أعين، عن خاله (1)، قال: كنت عند أبي رجاء العطارديّ، فقال:
لا تذكروا أهل البيت إلّا بخير، فدخل عليه رجل من حاضري كربلاء و كان يسبّ الحسين (عليه السّلام) فأهوى اللّه عليه نجمين فعميت عيناه.
و سأل عبد اللّه «بن رياح» (2) القاضي أعمى عن عمائه، فقال: كنت حضرت كربلاء و ما قاتلت، فنمت فرأيت شخصا هائلا، قال لي: أجب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فقلت: لا اطيق، فجرّني إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فوجدته حزينا و في يده حربة و بسط قدّامه نطع (3) و ملك قبله قائم في يده سيف من النار يضرب أعناق القوم و تقع النار فيهم فتحرقهم ثمّ يحيون و يقتلهم أيضا هكذا، فقلت: السلام عليك يا رسول اللّه، و اللّه ما ضربت بسيف و لا طعنت برمح و لا رميت سهما، فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أ لست كثّرت السواد؟ فسلّمني و أخذ من طست فيه دم فكحّلني من ذلك الدم، فاحترقت عيناي فلمّا انتبهت كنت أعمى (4).
كنز المذكّرين: قال الشعبيّ: رأيت رجلا متعلّقا بأستار الكعبة و هو يقول:
اللهمّ اغفر لي و لا أراك تغفر لي، فسألته عن ذنبه فقال: كنت من الوكلاء على رأس الحسين (عليه السّلام) و كان معي خمسون رجلا فرأيت غمامة بيضاء من نور [و] قد (ت) نزّلت من السماء إلى الخيمة و جمعا كثيرا أحاطوا بها فإذا فيهم آدم و نوح و إبراهيم و موسى و عيسى، ثمّ نزلت اخرى و فيها النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و جبرئيل و ميكائيل و ملك الموت فبكى
____________
(1)- في الاصل: عن خالد.
(2)- في البحار: ابن رباح و في المصدر: الرياح.
(3)- النطع: بساط من الاديم (قاموس المحيط ج 3 ص 89).
(4)- 3/ 216 و البحار: 45/ 303.
625
النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و بكوا معه جميعا، فدنا ملك الموت و قبض تسعا و أربعين، «فوثب عليّ» (1)، فوثبت على رجلي و قلت: يا رسول اللّه الأمان الأمان، فو اللّه ما شايعت في قتله و لا رضيت، فقال: ويحك و أنت تنظر إلى ما يكون؟ فقلت: نعم، فقال: يا ملك الموت خلّ عن قبض روحه، فإنّه لا بدّ أن يموت يوما فتركني و خرجت إلى هذا الموضع تائبا [على ما كان منّي] (2).
أقول في اللهوف و غيره: عن عبد اللّه بن رياح (3) القاضي قال: لقيت (4) رجلا مكفوفا قد شهد قتل الحسين (عليه السّلام)، فسئل عن [ذهاب] بصره، فقال: (قد) كنت شهدت قتله عاشر عشرة غير أنّي لم أطعن برمح و لم أضرب بسيف و لم أرم بسهم، فلمّا قتل رجعت إلى منزلي و صلّيت العشاء الآخرة و نمت، فأتاني آت في منامي، فقال: أجب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، [فإنّه يدعوك] فقلت: ما لي و له، فأخذ بتلبيبي (5) و جرّني إليه، فإذا النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) جالس في صحراء حاسر عن ذراعيه أخذ بحربة و ملك قائم بين يديه و في يده سيف من نار (و) يقتل (6) أصحابي التسعة، فكلّما ضرب ضربة التهب (ت) أنفسهم نارا فدنوت منه و جثوت بين يديه و قلت: السلام عليك يا رسول اللّه فلم يردّ عليّ [السلام]، و مكث طويلا، ثمّ رفع رأسه و قال: يا عدوّ اللّه انتهكت حرمتي و قتلت عترتي و لم ترع حقّي و فعلت (7) و فعلت، فقلت: يا رسول اللّه! ما ضربت بسيف، و لا طعنت برمح، و لا رميت بسهم، فقال: صدقت و لكنّك كثّرت السواد، ادن منّي! فدنوت منه، فإذا طست مملوء دما، فقال لي: هذا دم ولدي الحسين فكحّلني من ذلك الذم فانتبهت حتّى الساعة لا أبصار شيئا (8).
2- مقاتل الطالبيّين: قال المدائنيّ: حدّثني أبو غسّان، عن هارون بن سعد، عن القاسم بن أصبغ بن نباتة، قال: رأيت رجلا من بني أبان بن دارم أسود الوجه و كنت أعرفه جميلا شديد البياض، فقلت له: ما كدت أعرفك، قال: إنّي قتلت
____________
(1)- في المصدر: فوثب على رجلي (رجل).
(2)- 3/ 216 و البحار: 45/ 303.
(3)- في البحار: رباح.
(4)- في المصدر: رأيت.
(5)- في المصدر: بتلابيبي.
(6)- في المصدر: فقتل.
(7)- في المصدر: ما فعلت.
(8)- اللهوف ص 57 و البحار: 45/ 306 ح 5.
626
شابّا أمرد (1) مع الحسين (عليه السّلام) بين عينيه أثر السجود، فما نمت ليلة منذ قتلته إلّا أتاني فيأخذ بتلابيبي حتّى يأتي جهنّم فيدفعني فيها، فأصيح فما يبقى أحد في الحيّ إلّا سمع صياحي، قال: و المقتول العبّاس بن عليّ (عليهما السّلام) (2).
3- أمالي الطوسيّ: المفيد، عن المراغيّ، عن عليّ بن الحسين بن سفيان، عن محمّد بن عبد اللّه بن سليمان، عن عبّاد بن يعقوب، عن الوليد بن أبي ثور، عن محمّد ابن سليمان، عن عمّه، قال: لمّا خفنا (3) أيّام الحجّاج (4) خرج نفر منّا من الكوفة مستترين، و خرجت معهم فصرنا إلى كربلاء، و ليس بها موضع نسكنه، فبنينا كوخا على شاطئ الفرات، و قلنا نأوي إليه، فبينا نحن فيه إذ جاءنا رجل غريب، فقال: أصير معكم في هذا الكوخ الليلة، فإنّي عابر سبيل، فأجبناه و قلنا غريب منقطع به، فلمّا غربت الشمس و أظلم الليل أشعلنا و كنّا نشعل بالنفط، ثمّ جلسنا نتذاكر أمر الحسين (عليه السّلام) و مصيبته و قتله و من تولّاه، فقلنا: ما بقي [أحد] من قتلة الحسين (عليه السّلام) إلّا رماه اللّه ببليّة في بدنه، فقال ذلك الرجل: فأنا [قد] كنت فيمن قتله، و اللّه ما أصابني سوء و إنّكم يا قوم تكذبون، فأمسكنا عنه (5)، و قلّ ضوء النفط، فقام ذلك الرجل ليصالح الفتيلة بإصبعه، فأخذت النار كفّه فخرج [و] نادى حتّى ألقى نفسه في الفرات يتغوّص (6) به، فو اللّه لقد رأينا [ه] يدخل رأسه في الماء و النار على وجه الماء، فإذا أخرج رأسه سرت النار إليه، فيغوصه إلى الماء ثمّ يخرجه فتعود إليه، فلم يزل ذلك دأبه حتّى هلك (7).
4- عقاب الأعمال: ابن المتوكّل، عن محمّد العطّار، عن الأشعريّ، عن محمّد بن الحسين، عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن محمّد بن يحيى الحجازيّ، عن إسماعيل بن داود، (عن) أبي العبّاس الأسديّ، عن سعيد بن الخليل، عن يعقوب ابن سليمان، قال: سمرت (8) أنا و نفر ذات ليلة، فتذاكرنا مقتل الحسين (عليه السّلام)، فقال
____________
(1)- الأمرد: الشاب الذي طلع شار به و لم تنبت لحيته.
(2)- ص 78 و البحار: 45/ 306.
(3)- في الأصل: رجعنا.
(4)- في المصدر: الحجّ.
(5)- في المصدر: منه.
(6)- في البحار و خ: يتغوث.
(7)- 1/ 163 و البحار: 45/ 307 ح 6.
(8)- سهرت/ خ.
628
ذي الحافر، و قوله أبدى على نفسه أي أظهر و فيه تضمين معنى الطعن أي طاعنا على نفسه.
6- و في بعض كتب المناقب المعتبرة: قال: أخبرنا عليّ بن أحمد العاصميّ، عن إسماعيل بن أحمد البيهقيّ (1)، عن والده أحمد بن الحسين، عن أبي عبد اللّه الحافظ، عن محمّد بن يعقوب، عن العبّاس بن محمّد، عن الأسود بن عامر، عن شريك بن عمير يعني عبد الملك، قال: قال الحجّاج يوما: من كان له بلاء فليقم فلنعطه على بلائه، فقام رجل فقال: أعطني على بلائي، قال: و ما بلاؤك؟ قال: قتلت الحسين، قال: و كيف قتلته؟ قال: دسرته و اللّه بالرمح دسرا (2)، و هبرته بالسيف هبرا (3) و ما أشركت معي في قتله أحدا، قال: أما إنّك و إيّاه لن تجتمعا في مكان أبدا، قال له: اخرج، قال:
و أحسبه لم يعطه شيئا. (4)
7- و منه: بإسناده عن أبي الدنيا، عن إسحاق بن إسماعيل، عن سفيان قال: حدّثتني جدّتي أمّ أبي، قالت: أدركت رجلين ممّن شهد قتل الحسين (عليه السّلام)، فأمّا أحدهما فطال ذكره حتّى كان يلفّه، و أمّا الآخر فكان يستقبل الراوية فيشربها حتّى يأتي على آخرها، قال سفيان: أدركت ابن أحدهما به خبل أو نحو هذا (5).
و روي أنّ رجلا بلا أيد و لا أرجل (6) و هو أعمى، يقول: ربّ نجّني من النار فقيل له: لم تبق لك عقوبة، و مع ذلك تسأل النجاة من النار! قال: كنت فيمن قتل الحسين (عليه السّلام) بكربلاء، فلمّا قتل رأيت عليه سراويلا و تكّة حسنة بعد ما سلبه الناس فأردت أن أنزع منه التكّة فرفع يده اليمنى و وضعها على التكّة فلم أقدر على دفعها فقطعت يمينه، ثمّ هممت أن آخذ التكّة فرفع شماله، فوضعها على تكّته فقطعت يساره، ثمّ هممت بنزع التكّة من السراويل، فسمعت زلزلة فخفت و تركته، فألقى اللّه عليّ النوم فنمت بين القتلى، فرأيت كأنّ محمّدا (صلى اللّه عليه و آله) (قد) أقبل و معه عليّ و فاطمة فأخذوا رأس الحسين (عليه السّلام) فقبّلته فاطمة، ثمّ قالت: يا ولدي قتلوك قتلهم اللّه، من
____________
(1)- البيهقيّ/ خ.
(2)- دسره- دسرا أي طعنه.
(3)- هبر- هبرا أي قطعه قطعا كبارا.
(4)- البحار: 45/ 309.
(5)- البحار: 45/ 311.
(6)- بلا يد و لا رجل/ خ.
627
رجل من القوم: ما تلبّس أحد بقتله إلّا أصابه بلاء في أهله و نفسه، و ماله، فقال شيخ من القوم: فهو و اللّه ممّن شهد قتله و أعان عليه فما أصابه إلى الآن أمر يكرهه، فمقته القوم و تغيّر السراج و كان دهنه نفطا، فقام إليه ليصلحه، فأخذت النار بإصبعه فنفخها فأخذت بلحيته فخرج يبادر إلى الماء فألقى نفسه في النهر و جعلت النار ترفرف (1) على رأسه فإذا أخرجه أحرقته حتّى مات لعنه اللّه (2).
5- و منه: بهذا الإسناد، عن عمر بن سعد، عن القاسم بن الأصبغ قال:
قدم علينا رجل من بني دارم ممّن شهد قتل الحسين (عليه السّلام) مسودّ الوجه و كان رجلا جميلا شديد البياض، فقلت له: ما كدت [أن] أعرفك لتغيّر لونك، فقال: قتلت رجلا من أصحاب الحسين (عليه السّلام) أبيض بين عينيه أثر السجود و جئت برأسه، فقال القاسم:
لقد رأيته على فرس له مرحا و قد علّق الرأس بلبانها و هو يصيب ركبتها (3)، قال: فقلت لأبي: لو أنّه رفع الرأس قليلا، أ [ما] ترى ما تصنع به الفرس بيديها؟
فقال لي: يا بنيّ ما يصنع به أشدّ، لقد حدّثني، فقال: ما نمت ليلة منذ قتلته إلّا أتاني في منامي حتّى يأخذ بتلبيبي (4) فيقودني، فيقول: انطلق فينطلق بي إلى جهنّم فيقذف بي فيها حتّى أصبح، قال: فسمعت بذلك جارة (5) له فقالت: ما يدعنا ننام شيئا من الليل من صياحه، قال: فقمت في شباب من الحيّ فأتينا امرأته فسألناها فقالت:
قد ابدى على نفسه، قد صدقكم (6).
توضيح: قوله مرحا حال عن الراكب أي فرحا و في نسخة قديمة موجا فهو صفة للمركوب أي خصيّ و الأصل فيه موجوء، لكن قد يستعمل هكذا.
قال الجزريّ: و منه الحديث أنّه ضحّى بكبشين موجوئين أي خصيّين و منهم من يرويه موجأين بوزن مكرمين و هو خطأ و منهم موجيين بغير همزة على التخفيف و يكون من وجئه وجئا فهو موجئ.
و قال الفيروزآباديّ: اللبان بالفتح الصدر أو وسطه أو ما بين الثديين أو صدر
____________
(1)- في المصدر: ترفرفت.
(2)- ص 259 ح 7 و البحار: 45/ 307 ح 7.
(3)- في المصدر: ركبتيها.
(4)- في المصدر: بكتفي.
(5)- في البحار: جارية.
(6)- ص 259 ح 8، و البحار: 45/ 308 ح 7.
629
فعل هذا بك؟ فكان يقول: قتلني شمر و قطع يداي هذا النائم و أشار إليّ، فقالت فاطمة لي: قطع اللّه يديك و رجليك و أعمى بصرك و أدخلك النار، فانتبهت فأنا لا أبصار شيئا و سقطت منّي يداي و رجلاي، و لم يبق من دعائها إلّا النار (1).
8- أقول: في بعض مؤلفات المتأخّرين من الأصحاب، عن سعيد بن المسيّب، قال: لمّا استشهد سيّدي و مولاي الحسين (عليه السّلام) و حجّ الناس من قابل دخلت على علي بن الحسين (عليهما السّلام)، فقلت له: يا مولاي قد قرب الحجّ فما ذا تأمرني؟
فقال: امض على نيّتك و حجّ فحججت فبينما (أنا) أطوف بالكعبة و إذا أنا برجل مقطوع اليدين و وجهه كقطع الليل المظلم و هو متعلّق بأستار الكعبة و هو يقول: اللهمّ ربّ هذا البيت [الحرام] اغفر لي و ما أحسبك (أن) تفعل و لو تشفّع فيّ سكّان سماواتك و أرضيك و جميع ما خلقت لعظم جرمي.
قال سعيد بن المسيّب: فشغلت و شغل الناس عن الطواف حتّى حفّ به الناس و اجتمعنا إليه، فقلنا: يا ويلك لو كنت ابليس ما كان ينبغي لك أن تيأس من- رحمة اللّه- فمن أنت؟ و ما ذنبك؟ فبكى و قال: يا قوم أنا أعرف بنفسي و ذنبي و ما جنيت، فقلنا له: تذكره لنا، فقال: أنا كنت جمّالا لأبي عبد اللّه (الحسين) (عليه السّلام) لمّا خرج (1) من المدينة إلى العراق و كنت أراه إذا أراد الوضوء للصلاة يضع سراويله عندي فأرى تكّة تغشي الأبصار بحسن إشراقها و كنت أتمنّاها تكون لي إلى أن صرنا بكربلاء و قتل الحسين (عليه السّلام) و هي معه فدفنت نفسي في مكان من الأرض.
فلمّا جنّ الليل خرجت (2) من مكاني فرأيت من تلك المعركة نورا لا ظلمة، و نهارا لا ليلا، و القتلى مطرّحين على وجه الأرض، فذكرت لخيبتي (3) و شقائي التكّة (4) فقلت و اللّه لأطلبنّ الحسين و أرجو أن تكون التكّة في سراويله فاخذها و لم أزل أنظر في وجوه القتلى حتّى أتيت إلى الحسين (عليه السّلام) فوجدته مكبوبا على وجهه و هو جثة بلا رأس و نوره مشرق مرمّل بدمائه، و الرياح سافية عليه، فقلت: هذا و اللّه الحسين فنظرت إلى
____________
(1)- ما مضمونه في كتاب الهداية للحضيني (مخطوط): ص 85، و البحار: 45/ 311.
(2)- في الاصل: اخرج.
(3)- لحيني/ خ و في البحار: لخبثي.
(4)- التكّة: رباط السراويل.
630
سراويله كما كنت أراها فدنوت منه و ضربت بيدي إلى التكّة لآخذها فإذا هو قد عقدها عقدا كثيرة فلم أزل احلّها حتّى حللت عقدة منها.
فمدّ يده اليمنى و قبض على التكّة فلم أقدر على أخذ يده عنها و لا أصل إليها فدعتني النفس الملعونة إلى أن أطلب شيئا أقطع به يديه فوجدت قطعة سيف مطروح فأخذتها و انتكبت (1) على يده و لم أزل أحزّها (2) حتّى فصلتها عن زنده ثمّ نحّيتها عن التكّة و مددت يدي إلى التكّة لا حلّها فمدّ يده اليسرى فقبض عليها فلم أقدر على أخذها فأخذت قطعة السيف و لم أزل أحزّها حتّى فصلتها عن التكّة و مددت يدي إلى التكّة لآخذها فإذا الأرض ترجف و السماء تهتزّ و إذا بغلبة عظيمة، و بكاء و نداء و قائل يقول: وا ابناه، وا مقتولاه، وا ذبيحاه، وا حسيناه، وا غريباه، يا بنيّ قتلوك و ما عرفوك و من شرب الماء منعوك.
فلمّا رأيت ذلك صعقت (3) و رميت نفسي بين القتلى و إذا بثلاث نفر و امرأة و حولهم خلائق وقوف و قد امتلأت الأرض بصور الناس و أجنحة الملائكة و إذا بواحد منهم يقول: يا ابناه يا حسين، فداك جدّك و أبوك و امّك و أخوك و إذا بالحسين (عليه السّلام) قد جلس و رأسه على بدنه و هو يقول: لبّيك يا جدّاه يا رسول اللّه، و يا أبتاه يا أمير المؤمنين! و يا امّاه! يا فاطمة الزهراء، و يا أخاه المقتول بالسمّ، عليكم منّي السلام، ثمّ إنّه بكى و قال: يا جدّاه قتلوا- و اللّه- رجالنا، يا جدّاه سلبوا- و اللّه- نساءنا، يا جدّاه نهبوا- و اللّه- رحالنا، يا جدّاه ذبحوا- و اللّه- أطفالنا، يا جدّاه يعزّ و اللّه عليك أن ترى حالنا، و ما فعل الكفّار بنا.
و إذا هم جلسوا يبكون حوله على ما أصابه و فاطمة تقول: يا أباه يا رسول اللّه أ ما ترى ما فعلت أمّتك بولدي؟ أ تأذن لي أن آخذ من دم شيبه و اخضّب به ناصيتي؟
و ألقى اللّه عزّ و جلّ و أنا مختضبة بدم ولدي الحسين، فقال لها: خذي و نأخذ يا فاطمة فرأيتهم يأخذون من دم شيبه، و تمسح به فاطمة ناصيتها و النبيّ و عليّ و الحسن (عليهم السّلام) يمسحون به نحورهم و صدورهم و أيديهم إلى المرافق و سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يقول:
____________
(1)- في البحار: و اتّكيت.
(2)- في الأصل: أجزّها.
(3)- ضعفت/ خ.
631
فديتك يا حسين يعزّ و اللّه عليّ أن أراك مقطوع الرأس مرمّل الجبينين دامي النحر مكبوبا على قفاك قد كساك الذاريء من الرمول و أنت طريح مقتول مقطوع الكفّين، يا بنيّ من قطع يدك اليمنى و ثنّى باليسرى؟ (1)
فقال: يا جدّاه كان معي جمّال من المدينة، و كان يراني إذا وضعت سراويلي للوضوء، فيتمنّى أن تكون تكّتي له، فما منعني أن أدفعها إليه إلّا لعلمي أنّه صاحب هذا الفعل.
فلمّا قتلت خرج يطلبني بين القتلى، فوجدني جثّة بلا رأس فتفقّد سراويلي فرأى التكّة و قد كنت عقدتها عقدا كثيرة، فضرب بيده إلى التكّة فحلّ عقدة منها فمددت يدي اليمنى، فقبضت على التكّة، فطلب في المعركة فوجد قطعة سيف مكسور فقطع به يميني، ثمّ حلّ عقدة اخرى فقبضت على التكّة بيدي اليسرى كي لا يحلّها فتنكشف عورتي، فحزّ (2) يدي اليسرى، فلمّا أراد حلّ التكّة حسّ بك فرمى نفسه بين القتلى.
فلمّا سمع النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) كلام الحسين (عليه السّلام) بكى بكاء شديدا، و أتى إليّ بين القتلى إلى أن وقف نحوي، فقال: مالي و مالك يا جمّال؟ تقطع يدين طالما قبّلهما جبرئيل و ملائكة اللّه أجمعين، و تباركت بهما (3) أهل السماوات و الأرضين؟ أ ما كفاك ما صنع به الملاعين من الذلّ و الهوان؟! فهتكوا (4) نساءه من بعد الخدور و انسدال الستور سوّد اللّه وجهك يا جمّال في الدنيا و الآخرة و قطع اللّه يديك و رجليك، و جعلك في حزب من سفك دماءنا و تجرّأ على اللّه، فما استتمّ دعاءه (صلى اللّه عليه و آله) حتّى شلّت يداي و حسست بوجهي كأنّه البس قطعا من الليل مظلما و بقيت على هذه الحالة فجئت إلى هذا البيت أستشفع و أنا أعلم أنّه لا يغفر لي أبدا فلم يبق في مكّة أحد إلّا [و] سمع حديثه و تقرّب إلى اللّه تعالى بلعنته و كلّ يقول حسبك ما جنيت يا لعين «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (5).
____________
(1)- و ثنى اليسرى/ خ.
(2)- في الأصل: فجزّ.
(3)- في البحار: بها.
(4)- انتهكوا/ خ.
(5)- البحار 45/ 316 و الآية من سوره الشعراء: 227.
632
أقول: هذه القصّة وجدتها في كتاب الهداية للحسين بن حمدان، عن سعيد بن المسيّب. (1)
9- منتخب المجالس (2): قال: حكي عن رجل كوفيّ حدّاد، قال: لمّا خرج العسكر من الكوفة لحرب الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) جمعت حديدا عندي، و أخذت آلتي و سرت معهم، فلمّا وصلوا و طنّبوا خيمهم بنيت خيمة و صرت أعمل أوتادا للخيم و سككا و مرابط للخيل و أسنّة للرماح و ما اعوجّ من سنان أو خنجر أو سيف كنت بكلّ ذلك بصيرا فصار رزقي كثيرا و شاع ذكري بينهم حتّى أتى الحسين (عليه السّلام) مع عسكره فارتحلنا إلى كربلا و خيّمنا على شاطئ العلقمي، و قام القتال فيما بينهم و حموا الماء عليه، و قتلوه و أنصاره و بنيه، و كان مدّة إقامتنا و ارتحالنا تسعة عشر يوما فرجعت غنيا إلى منزلي و السبايا معنا، فعرضت على عبيد اللّه- لعنه اللّه- فأمر أن يشهّروهم إلى يزيد- لعنه اللّه- إلى الشام.
فلبثت في منزلي أيّاما قلائل، و إذا أنا ذات ليلة راقد على فراشي، فرأيت طيفا كأنّ القيامة قامت، و الناس يموجون على الأرض كالجراد إذا فقدت دليلها و كلّهم دالع لسانه على صدره من شدّة الظمأ، و أنا أعتقد بأنّ ما فيهم أعظم منّي عطشا لأنّه كلّ سمعي و بصري من شدّته هذا غير حرارة الشمس يغلي منها دماغي و الأرض تغلي كأنّها القير، إذا اشعل تحتها نار، فخلت أنّ رجلي قد تقلّعت قدماها، فو اللّه العظيم لو أنّي خيّرت بين عطشي و تقطيع لحمي حتّى يسيل دمي لأشربه لرأيت شربه خيرا من عطشي.
فبينا أنا في العذاب الأليم، و البلاء العميم، إذا أنا برجل قد عمّ الموقف نوره، و ابتهج الكون بسروره، راكب على فرس، و هو ذو شيبة قد حفّت به ألوف من كلّ نبيّ و وصيّ و صدّيق و شهيد و صالح، فمرّ كأنّه ريح أو سيران فلك، فمرّت ساعة و إذا
____________
(1)- الهداية: ص 85.
(2)- لم يذكر في البحار اسم الكتاب بل كان متصلا بالحديث المنقول عن بعض مؤلّفات أصحابنا و بدله حرف و.
633
أنا بفارس على جواد أغر، له وجه كتمام القمر، تحت ركابه ألوف، إن أمر ائتمروا، و إن زجر انزجروا فاقشعرّت الأجسام من لفتاته، و ارتعدت الفرائص من خطراته فتأسّفت على الأوّل ما سألت عنه خيفة من هذا، و إذا به قد قام في ركابه و أشار إلى أصحابه، و سمعت قوله خذوه، و إذا بأحدهم قاهر بعضدي (1) كلبة (2) حديد (3) خارجة من النار، فمضى بي إليه فخلت كتفي اليمنى قد انقلعت، فسألته الخفّة فزادني ثقلا، فقلت له: سألتك بمن أمّرك عليّ من تكون؟ قال: ملك من ملائكة الجبّار، قلت: و من هذا؟ قال: عليّ الكرّار، قلت: و الذي قبله؟ قال: محمّد المختار، قلت: و الذي حوله؟
قال: النبيّون، و الصدّيقون، و الشهداء، و الصالحون، و المؤمنون، قلت: أنا ما فعلت حتّى أمّرك عليّ؟ قال: إليه يرجع الأمر، و حالك حال هؤلاء، فحقّقت النظر و إذا بعمر بن سعد أمير العسكر، و قوم لم أعرفهم و إذا بعنقه سلسلة من حديد، و النار خارجة من عينيه و اذنيه فأيقنت بالهلاك و باقي القوم منهم مغلّل و منهم مقيّد و منهم مقهور بعضده مثلي.
فبينا نحن نسير، و إذا برسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) الذي وصفه الملك جالس على كرسيّ عال يزهر (4) أظنّه من اللؤلؤ، و رجلين ذي شيبتين بهيّتين (5) عن يمينه، فسألت الملك عنهما، فقال: نوح و إبراهيم و إذا برسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يقول: ما صنعت يا عليّ؟ قال: ما تركت أحدا من قاتلي الحسين إلّا و أتيت به، فحمدت اللّه تعالى على أنّي لم أكن منهم و ردّ إلي عقلي، و إذا برسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يقول: قدّموهم فقدّموهم إليه و جعل يسألهم و يبكي و يبكي كلّ من في الموقف لبكائه لأنّه يقول للرجل: ما صنعت بطفّ كربلاء بولدي الحسين؟ فيجيب يا رسول اللّه أنا حميت الماء عليه و هذا يقول: أنا قتلته و هذا يقول:
أنا وطئت صدره بفرسي، و منهم من يقول: أنا ضربت ولده العليل، فصاح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): وا ولداه وا قلّة ناصراه وا حسيناه وا عليّاه هكذا جرى عليكم بعدي أهل بيتي انظر يا أبي آدم، انظر يا أخي نوح، كيف خلّفوني في ذرّيّتي؟ فبكوا حتّى ارتجّ المحشر، فأمر بهم زبانية جهنّم يجرّونهم أوّلا فأوّلا إلى النار.
و إذا بهم قد أتوا برجل، فسأله فقال: ما صنعت شيئا، فقال: أ ما كنت نجّارا؟
____________
(1)- بعضدتي/ خ.
(2)- كلبتا/ خ.
(3)- في الأصل: حديدة.
(4)- في البحار: يزهو.
(5)- بهيين/ خ.
635
الخيل الّذين أمرهم عمر بن سعد بوطإ جسم الحسين بسنابك الخيل، و هشّمت أضلاعه، و جررت نطعا من تحت عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) و هو عليل حتّى كببته على وجهه، و خرمت اذني صفيّة بنت الحسين (عليه السّلام) لقرطين كانا في اذنيها.
قال السّدي: فبكى قلبي هجوعا، و عيناي دموعا، و خرجت اعالج على إهلاكه و إذا بالسراج قد ضعفت، فقمت أزهرها فقال: اجلس و هو يحكي (لي) متعجّبا من نفسه و سلامته، و مدّ اصبعه ليزهرها (1) فاشتعلت به ففرّكها (2) في التراب، فلم تنطف فصاح بي أدركني يا أخي فكببت الشّربة عليها، و أنا غير محبّ لذلك، فلمّا شمّت النار رائحة الماء ازدادت قوّة، و صاح بي ما هذه النار و ما يطفئها؟ قلت: ألق نفسك في النهر، فرمى بنفسه، [ف] كلّما ركس جسمه في الماء اشتعلت في جميع بدنه كالخشبة البالية في الريح البارح (3)، هذا و أنا أنظره، فو اللّه الّذي لا إله إلّا هو لم تطفأ حتّى صار فحما و صار على وجه الماء ألا لعنة اللّه على الظالمين، «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (4).
10- أمالي الطوسي: بالإسناد عن ابن عطيّة، قال: سمعت جدّي أبا امّي بزيعا، قال: كنّا نمرّ و نحن غلمان زمن خالد على رجل في الطريق جالس أبيض الجسد أسود الوجه، و كان الناس يقولون: خرج على الحسين (عليه السّلام) (5).
الأئمة: الصادق (عليهم السّلام)
11- عقاب الأعمال: أبي، عن محمّد بن يحيى، عن الأشعري، عن عبد اللّه ابن محمّد، عن عليّ بن زياد، عن محمّد بن عليّ الحلبي، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام):
إنّ آل أبي سفيان قتلوا الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) فنزع اللّه ملكهم، و قتل هشام زيد ابن علي (عليهما السّلام) فنزع اللّه ملكه، و قتل الوليد يحيى بن زيد- (رحمه اللّه)- فنزع اللّه ملكه (6).
____________
(1)- لزهرها/ خ.
(2)- فعركها/ خ.
(3)- البارح: الريح الحارة.
(4)- البحار: 45/ 319.
(5)- 2/ 337، و البحار: 45/ 322 ح 17.
(6)- ص 261 ح 11، و البحار: 45/ 308 ح 9.
634
قال: صدقت يا سيّدي لكنّي ما عملت شيئا إلّا عمود الخيمة لحصين بن نمير لأنّه انكسر من ريح عاصف فوصلته، فبكى و قال: كثّرت السواد على ولدي خذوه إلى النار و صاحوا لا حكم إلّا للّه و لرسوله و وصيّه.
قال الحدّاد: فأيقنت بالهلاك فأمر بي فقدّموني فاستخبرني فأخبرته فأمر بي إلى النار فما سحبوني إلّا و انتبهت، و حكيت لكلّ من لقيته، و قد يبس لسانه و مات نصفه و تبرّأ منه كلّ من يحبّه و مات فقيرا لا (رحمه اللّه) «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (1).
قال: و حكي عن السدّي، قال: أضافني رجل في ليلة كنت احبّ الجليس، فرحّبت به و قرّبته و أكرمته، و جلسنا نتسامر و إذا به ينطلق بالكلام كالسيل إذا قصد الحضيض، فطرقت له فانتهى في سمره طفّ كربلاء، و كان قريب العهد من قتل الحسين (عليه السّلام) فتأوّهت (الزفراء) الصعداء، و تزفّرت كملا (2)، فقال: ما بالك؟ قلت:
ذكرت مصابا يهون عنده كلّ مصاب، قال: أ ما كنت حاضرا يوم الطفّ؟ قلت:
لا و الحمد للّه، قال: أراك تحمد على أيّ شيء؟ قلت: على الخلاص من دم الحسين لأنّ جدّه (صلى اللّه عليه و آله) قال: إنّ من طولب بدم ولدي الحسين يوم القيامة لخفيف الميزان.
قال: [قال:] هكذا جدّه؟ قلت: نعم، و قال (صلى اللّه عليه و آله): ولدي الحسين يقتل ظلما و عدوانا، ألا و من قتله يدخل في تابوت من نار، و يعذّب بعذاب نصف أهل النار، و قد غلّت يداه و رجلاه و له رائحة يتعوّذ أهل النار منها، هو و من شايع و بايع أو رضي بذلك «كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ» (3) لا يفتّر عنهم ساعة، و يسقون من حميم جهنّم، فالويل لهم من عذاب جهنّم.
قال: لا تصدّق هذا الكلام يا أخي قلت: كيف هذا؟ و قد قال (صلى اللّه عليه و آله): لا كذبت و لا كذّبت، قال: ترى قالوا: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): قاتل ولدي الحسين لا يطول عمره، و ها أنا و حقّك قد تجاوزت التسعين مع أنّك ما تعرفني، قلت: لا و اللّه، قال: أنا الأخنس بن زيد، قلت: و ما صنعت يوم الطفّ؟ قال: أنا الّذي امّرت على
____________
(1)- الشعراء: 227.
(2)- كملا: تاما.
(3)- النساء: 56.
637
23- أبواب أحوال أزواجه و أولاده (عليه السّلام)
1- باب جمل أحوال أزواجه و أولاده و عددهم عموما
الكتب:
1- إرشاد المفيد: كان للحسين (عليه السّلام) ستّة أولاد: عليّ بن الحسين الأكبر كنيته أبو محمّد [و] امّه شهزنان (1) بنت كسرى يزدجرد، و عليّ بن الحسين الأصغر قتل مع أبيه بالطفّ، و قد تقدّم ذكره فيما سلف و امّه ليلى بنت أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثقفيّة (2)، و جعفر بن الحسين (عليه السّلام) لا بقيّة له، و امّه قضاعيّة و كانت وفاته في حياة الحسين (عليه السّلام)، و عبد اللّه بن الحسين (عليه السّلام) قتل مع أبيه صغيرا جاءه سهم و هو في حجر أبيه فذبحه، و سكينة بنت الحسين (عليه السّلام) و امّها الرباب بنت امرئ القيس بن عدي كلسّة معديّة و هي أمّ عبد اللّه بن الحسين، و فاطمة بنت الحسين و امّها أمّ إسحاق بنت طلحة بن عبد اللّه تميميّة (3). (4)
2- المناقب لابن شهرآشوب: أبناؤه: علي الأكبر الشهيد امّه برّة بنت عروة ابن مسعود الثقفيّ، و عليّ الإمام و هو عليّ الأوسط، و عليّ الأصغر و هما من شهربانويه، و محمّد و عبد اللّه الشهيد من أمّ: الرباب بنت (امرئ القيس (5))، و جعفر و امّه قضاعيّة، و بناته (عليه السّلام) سكينة امّها رباب بنت امرئ القيس الكنديّة، و فاطمة امّها أمّ إسحاق بنت طلحة بن عبد اللّه، و زينب، و أعقب الحسين (عليه السّلام) من ابن واحد و هو زين العابدين (عليه السّلام) و ابنتين و بابه رشيد الهجري (6)
____________
(1)- في البحار: شهربال.
(2)- ابي مرة عروه بن مسعود الثقفية/ ح.
(3)- في البحار: عبيد اللّه تيميّة.
(4)- ص 284 و البحار: 45/ 329 ح 1.
(5)- في الأصل: امرأة الحسن.
(6)- 3/ 231، و البحار: 45/ 330 ح 4.
639
واحدة لابنه الحسين (عليه السّلام)، فأولدها عليّ بن الحسين (عليهما السّلام)، و أعطى الاخرى محمّد ابن أبي بكر فأولدها القاسم بن محمّد فهما ابنا خالة (1).
3- باب آخر في خصوص أحوال أولاده (عليه السّلام)
الكتب:
1- المناقب لابن شهرآشوب: ذكر صاحب كتاب البدع و صاحب كتاب شرح الأخبار أنّ عقب الحسين (عليه السّلام) من ابنه عليّ الأكبر و أنّه هو الباقي بعد أبيه، و إنّ المقتول هو الأصغر منهما، و عليه يعول، فإنّ عليّ بن الحسين الباقي كان يوم كربلاء من أبناء ثلاثين سنة، و إن ابنه محمّد الباقر (عليه السّلام) كان يومئذ من أبناء خمس عشرة سنة، و كان لعليّ الأصغر المقتول نحو اثنتي عشرة سنة.
و تقول الزيديّة: [إنّ العقب] من (2) الأصغر [و] أنّه كان في يوم كربلاء ابن سبع سنين، و منهم من يقول أربع سنين و على هذا النسّابون.
كتاب النسب: عن يحيى بن الحسن قال يزيد لعليّ بن الحسين (عليهما السّلام):
وا عجبا لأبيك سمّى عليّا و عليّا؟ فقال (عليه السّلام): إنّ أبي أحبّ أباه فسمّى باسمه مرارا. (3)
2- كشف الغمّة: قال كمال الدين بن طلحة: كان له من الأولاد ذكور و اناث (4) عشرة: ستّة ذكور و أربع اناث فالذكور: علي الأكبر و علي الأوسط و هو زين العابدين و عليّ الأصغر و محمّد و عبد اللّه و جعفر.
فأمّا عليّ الأكبر فإنّه قاتل بين يدي أبيه حتى قتل شهيدا.
و أمّا عليّ الأصغر فجاءه سهم و هو طفل فقتله، و قيل إنّ عبد اللّه قتل أيضا مع أبيه شهيدا، و أمّا البنات: فزينب و سكينة و فاطمة، هذا قول مشهور.
و قيل: كان له أربع بنين و بنتان (5) و الأوّل أشهر، و كان الذكر المخلّد و البناء المنضّد، مخصوصا من بين بنيه بعليّ الأوسط زين العابدين دون بقيّة الأولاد آخر
____________
(1)- 3/ 207 و البحار: 45/ 330 ح 3.
(2)- في الاصل: في.
(3)- 3/ 309 و البحار: 45/ 329 ح 2.
(4)- هكذا ورد في الاصل و المصدر و البحار.
(5)- في الاصل: و بنات.
638
2- باب خصوص أحوال بعض أزواجه
الكتب:
1- المناقب لابن شهرآشوب: لمّا ورد بسبي الفرس إلى المدينة أراد عمر أن يبيع (1) النساء، و أن يجعل الرجال عبيد العرب و عزم على أن يحمل [وا] العليل و الضعيف و الشيخ الكبير في الطواف و حول البيت على ظهورهم، فقال أمير المؤمنين (عليه السّلام): إنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) قال: أكرموا كريم قوم و إن خالفوكم، و هؤلاء الفرس حكماء كرماء، فقد ألقوا إلينا بالسلم (2) و رغبوا في الإسلام، و قد اعتقت منهم لوجه اللّه حقّي و حقّ بني هاشم، فقال المهاجرون و الأنصار: قد وهبنا حقّنا لك يا أخا رسول اللّه، فقال: اللهمّ فاشهد، إنّهم قد وهبوا و قبلت و أعتقت، فقال عمر: سبق إليها عليّ بن أبي طالب و نقض عزمتي في الأعاجم.
و رغب جماعة في بنات الملوك أن يستنكحوهنّ، فقال أمير المؤمنين (عليه السّلام):
تخيّرهنّ و لا تكرههنّ (3) فأشار أكبرهم إلى تخيير شهر بانويه بنت يزدجرد فحجبت و أبت، فقيل لها: أيا كريمة قومها من تختارين من خطّابك؟ و هل أنت راضية بالبعل؟
فسكتت، فقال أمير المؤمنين (عليه السّلام): قد رضيت و بقي الاختيار بعد سكوتها إقرارها، فأعادوا القول في التخيير، فقالت: لست ممّن تعدل عن النور الساطع، و الشهاب اللامع الحسين، إن كنت مخيّرة، فقال أمير المؤمنين (عليه السّلام): لمن تختارين أن يكون وليّك؟
فقالت: أنت، فأمر أمير المؤمنين (عليه السّلام) حذيفة بن اليمان أن يخطب فخطب فزوّجت من الحسين (عليه السّلام).
قال ابن الكلبيّ: ولّى علي بن أبي طالب حريث بن جابر الحنفيّ جانبا من المشرق فبعث بنت يزدجرد بن شهريار بن كسرى فأعطاها عليّ ابنه الحسين (عليه السّلام) فولدت منه عليّا.
و قال غيره: إنّ حريثا بعث إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) ببنتي يزدجرد فأعطى
____________
(1)- في المصدر: بيع.
(2)- في البحار: السلام.
(3)- في المصدر: و لا نكرههنّ.
640
كلامه.
قلت: عدد أولاده (عليه السّلام) [و] ذكر بعضا و ترك بعضا.
قال ابن الخشّاب: ولد له ستّة بنين و ثلاث بنات، عليّ الأكبر الشهيد مع أبيه و عليّ الامام سيّد العابدين و عليّ الأصغر و محمّد و عبد اللّه الشهيد مع أبيه و جعفر، و زينب و سكينة و فاطمة.
و قال الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذيّ: ولد الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السّلام) ستّة: أربعة ذكور و ابنتان عليّ الأكبر و قتل مع أبيه، و عليّ الأصغر، و جعفر و عبد اللّه، و سكينة و فاطمة، قال: و نسل الحسين (عليه السّلام) من عليّ الأصغر، و امّه أمّ ولد، و كان أفضل أهل زمانه، و قال الزهري: ما رأيت هاشميّا أفضل منه.
قلت: قد أخلّ الحافظ بذكر عليّ زين العابدين حيث قال: عليّ الأكبر و عليّ الأصغر، و أثبته حيث قال: و نسل الحسين من عليّ الأصغر فسقط في هذه الرواية عليّ الأصغر، و الصحيح أنّ العليّين من أولاده ثلاثة كما ذكر كمال الدين و زين العابدين (عليه السّلام) هو الأوسط، و التفاوت بين ما ذكره كمال الدين و الحافظ أربعة (1).
____________
(1)- 2/ 38 و البحار: 45/ 331 ح 5.
641
24- أبواب أحوال عشائره و أهل زمانه (عليه السّلام) و ما جرى بينهم و بين يزيد من الاحتجاج و قد مضى أكثرها في الأبواب السابقة و سيأتي بعضها
1- باب ما جرى بين يزيد و ابن عبّاس
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- روي في بعض كتب المناقب القديمة: عن عليّ بن أحمد العاصميّ، عن إسماعيل بن أحمد البيهقيّ، [عن أحمد بن الحسين البيهقي،] عن أبي الحسين بن فضل القطّان، عن عبد اللّه بن جعفر، عن يعقوب بن سفيان، عن عبد الوهّاب بن الضحّاك، عن عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن شقيق بن سلمة، قال: لمّا قتل الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السّلام) أتى عبد اللّه بن الزبير فدعا ابن عبّاس إلى بيعته فامتنع ابن عبّاس و ظنّ يزيد بن معاوية- عليهما اللعنة- أنّ امتناع ابن عبّاس تمسّكا منه ببيعته فكتب إليه:
أمّا بعد: فقد بلغني أنّ الملحد ابن الزبير دعاك إلى بيعته و الدخول في طاعته لتكون له على الباطل ظهيرا، و في الماثم شريكا، و إنّك اعتصمت ببيعتنا وفاء منك لنا، و طاعة للّه لما عرّفك من حقّنا، فجزاك اللّه عن ذي رحم خير ما يجزي الواصلين بأرحامهم، الموفين بعهودهم، فما أنسى من الأشياء فلست بناس برّك، و تعجيل صلتك بالّذي أنت له أهل من القرابة من الرسول، فانظر من طلع عليك من الآفاق ممّن
642
سحرهم (1) ابن الزبير بلسانه و زخرف قوله، فأعلمهم برأيك، فإنّهم منك أسمع و لك أطوع من المحلّ للمحرم (2) المارق.
فكتب إليه ابن عبّاس: أمّا بعد: فقد جاءني كتابك تذكر دعاء ابن الزبير إيّاي إلى بيعته، و الدخول في طاعته، فإن يكن ذلك كذلك فإنّي و اللّه ما أرجو بذلك برّك و لا حمدك، و لكنّ اللّه بالذي أنوي به عليم، و زعمت أنّك غير ناس برّي و تعجيل صلتي، فاحبس أيّها الإنسان برّك و تعجيل صلتك، فإنّي حابس عنك ودّي، فلعمري ما تؤتينا ممّا لنا قبلك من حقّنا إلّا اليسير، و إنّك لتحبس عنّا منه العريض الطويل، و سألت أن أحثّ الناس إليك، و أن أخذلهم من ابن الزبير فلا ولاء و لا سرورا و لا حباء (3) أنّك تسألني نصرتك، [و] تحثّني على ودّك، و قد قتلت حسينا (عليه السّلام) و فتيان عبد المطّلب مصابيح الهدى، و نجوم الأعلام غادرتهم خيولك بأمرك في صعيد واحد، مرمّلين بالدماء، مسلوبين بالعراء، لا مكفّنين و لا موسّدين تسفي عليهم الرياح، و تنتابهم عرج الضباع حتى أتاح اللّه بقوم لم يشركوا في دمائهم كفّنوهم و أجنّوهم، و جلست مجلسك الّذي جلست.
فما أنسى من الأشياء فلست بناس إطرادك حسينا (عليه السّلام) من حرم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إلى حرم اللّه و تسييرك إليه الرجال لتقتله (في) الحرم، فما زلت بذلك و على ذلك، حتّى أشخصته من مكّة إلى العراق فخرج خائفا يترقّب، فزلزلت به خيلك، عداوة منك للّه و لرسوله و لأهل بيته الّذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا، اولئك لا كآبائك الجلاف الجفاة أكباد [الإبل و] الحمير، فطلب إليكم الموادعة، و سألكم الرجعة فاغتنمتم قلّة أنصاره، و استئصال أهل بيته، تعاونتم عليه كأنّكم قتلتم أهل بيت من الترك فلا شيء أعجب عندي من طلبتك ودّي و قد قتلت ولد أبي و سيفك يقطر من دمي و أنت أحد ثأري فإن شاء اللّه لا يبطل لديك دمي و لا تسبقني بثأري، و إن سبقتني في الدنيا فقبل ذلك ما قتل النبيّون و آل النبيّين فيطلب اللّه بدمائهم فكفى
____________
(1)- سيجرهم/ خ.
(2)- في البحار: للمحلّ للحرم، و في خ: من المحلّ للحرم.
(3)- الحباء: العطية.
643
باللّه للمظلومين ناصرا، و من الظالمين منتقما، فلا يعجبك أن ظفرت بنا اليوم فلنظفرنّ بك يوما.
و ذكرت وفائي و ما عرّفتني من حقّك فإن يك ذلك كذلك فقد و اللّه بايعتك و من قبلك، و إنّك لتعلم أنّي و ولد أبي أحقّ بهذا الأمر منك، و لكنّكم معشر قريش كابرتمونا حتّى دفعتمونا عن حقّنا و ولّيتم الأمر دوننا فبعدا لمن تحرّى ظلمنا، و استغوى السفهاء علينا، كما بعدت ثمود، و قوم لوط و أصحاب مدين، ألا و إنّ من أعجب الأعاجيب و ما عسى أن أعجب حملك بنات عبد المطّلب و أطفالا صغارا من ولده إليك بالشام كالسبي المجلوبين، تري الناس أنّك قهرتنا، و أنت تمنّ علينا، و بنا منّ اللّه عليك، و لعمرو اللّه فلئن كنت تصبح آمنا من جراحة يدي إنّي لأرجو أن يعظّم اللّه جرحك من لساني، و نقضي و إبرامي و اللّه ما أنا بايس من بعد قتلك ولد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أن يأخذك أخذا أليما و يخرجك من الدنيا مذموما مدحورا، فعش لا أبا لك ما استطعت، فقد و اللّه ازددت عند اللّه أضعافا و اقترفت ماثما و السلام على من اتّبع الهدى. (1)
2- باب ما جرى بين محمّد بن الحنفيّة (رض) و يزيد عليه اللعنة
الكتب:
1- من بعض كتب المناقب القديمة: ذكر كتاب يزيد- لعنه اللّه- إلى محمّد بن الحنفيّة و مصيره إليه و أخذ جائزته، كتب يزيد- لعنه اللّه- إلى محمد بن عليّ بن الحنفيّة و هو يومئذ بالمدينة:
أمّا بعد: فإنّي أسأل اللّه لنا و لك عملا صالحا يرضى به عنّا، فإنّي ما أعرف اليوم في بني هاشم رجلا هو أرجح منك حلما و علما و لا أحضر فهما (2) و حكما، و لا أبعد من كلّ سفه و دنس و طيش، و ليس من يتخلّق بالخير تخلّقا و ينتحل الفضل تنحّلا كمن جبله (3) اللّه على الخير جبلا، و قد عرفنا ذلك منك قديما و حديثا، شاهدا و غائبا غير أنّي
____________
(1)- البحار: 45/ 323 ح 1.
(2)- منهم رأيا/ خ.
(3)- جبله: طبعه، خلقه.
644
قد أحببت زيارتك و الأخذ بالحظّ من رؤيتك فإذا نظرت في كتابي هذا فاقبل إليّ آمنا مطمئنّا أرشدك اللّه أمرك، و غفر لك ذنبك و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته.
قال: فلمّا ورد الكتاب على محمّد بن عليّ و قرأه أقبل على ابنيه جعفر و عبد اللّه أبي هاشم، فاستشارهما في ذلك، فقال له ابنه عبد اللّه: يا أبة اتّق اللّه في نفسك و لا تصر إليه فإنّي خائف أن يلحقك بأخيك الحسين و لا يبالي، فقال محمّد: يا بني و لكنّي لا أخاف ذلك منه.
فقال له ابنه جعفر: يا أبه إنّه قد ألطفك في كتابه إليك و لا أظنّه يكتب إلى أحد من قريش بأن أرشدك اللّه أمرك و غفر لك ذنبك، و أنا أرجو أن يكفّ اللّه شرّه عنك قال: فقال محمّد بن عليّ: يا بنيّ إنّي توكّلت على اللّه الّذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلّا بإذنه و كفى باللّه وكيلا.
قال: ثمّ تجهّز محمّد بن عليّ و خرج من المدينة و سار حتى قدم على يزيد بن معاوية بالشام، فلمّا استأذن أذن له و قرّبه و أدناه و أجلسه معه على سريره، ثمّ أقبل عليه بوجهه، فقال: يا أبا القاسم آجرنا اللّه و إيّاك في أبي عبد اللّه الحسين بن عليّ فو اللّه لئن كان نقصك فقد نقصني، و لئن كان أوجعك فقد أوجعني، و لو كنت أنا (1) المتولّي لحربه لما قتلته (و لو كنت أستولي لحربه لما قتلته) و لدفعت عنه القتل و لو بحزّ (2) أصابعي و ذهاب بصري، و لفديته بجميع ما ملكت يدي، و إن كان قد ظلمني و قطع رحمي و نازعني حقّي، و لكن عبيد اللّه بن زياد لم يعلم رأيي في ذلك فعجّل عليه بالقتل فقتله، و لم يستدرك ما فات، و بعد فإنه ليس يجب علينا أن نرضى بالدنيّة في حقّنا و لم يكن يجب على أخيك أن ينازعنا في أمر خصّنا اللّه به دون غيرنا، و عزيز عليّ ما ناله و السلام فهات الآن ما عندك يا أبا القاسم.
قال: فتكلّم محمّد بن عليّ فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال: إنّي قد سمعت كلامك فوصل اللّه رحمك و رحم حسينا و بارك له فيما صار إليه من ثواب ربّه و الخلد الدائم الطويل في جوار الملك الجليل، و قد علمنا أنّ ما نقصنا فقد نقصك و ما عراك فقد
____________
(1)- لها/ خ.
(2)- في الأصل: و لو بجزّ.
646
ثمّ قال: يا أبا القاسم إنّي لا أعلم في أهل بيتك اليوم رجلا هو أعلم منك بالحلال و الحرام، و قد كنت احبّ أن لا تفارقني و تأمرني بما فيه حظّي و رشدي فو اللّه ما احبّ أن تنصرف عنّي و أنت ذامّ لشيء من أخلاقي، فقال له محمّد بن عليّ (عليهما السّلام): أمّا ما كان منك إلى الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) فذاك شيء لا يستدرك، و أمّا الآن فإنّي ما رأيت منك منذ قدمت عليك إلّا خيرا و لو رأيت منك خصلة أكرهها لما وسعني السكوت دون أن أنهاك عنها، و اخبرك بما يحقّ (ا) للّه عليك منها للّذي أخذ اللّه تبارك و تعالى على العلماء في علمهم أن يبيّنوه للناس و لا يكتموه و لست مؤدّيا عنك إلى من ورائي من الناس إلّا خير، غير أنّي أنهاك عن شرب هذا المسكر فإنّه رجس من عمل الشيطان، و ليس من ولّي امور الامّة و دعي له بالخلافة على رءوس الأشهاد على المنابر كغيره من الناس، فاتّق اللّه في نفسك و تدارك ما سلف من ذنبك و السلام.
قال: فسر يزيد بما سمع من محمّد بن عليّ سرورا شديدا ثمّ قال: فإنّي قابل منك ما أمرتني به و أنا احبّ أن تكاتبني في كلّ حاجة تعرض لك من صلة أو تعاهد و لا تقصرنّ في ذلك.
فقال محمّد بن عليّ: أفعل ذلك إن شاء اللّه و لا أكون إلّا عند ما تحبّ.
قال: ثم ودّعه محمّد بن عليّ و رجع إلى المدينة ففرّق (1) ذلك المال كلّه في أهل بيته، و سائر بني هاشم و قريش حتّى لم يبق من بني هاشم و قريش من الرجال و النساء و الذرّيّة و الموالي إلّا صار إليه شيء من ذلك المال، ثمّ خرج محمّد بن عليّ (عليهما السّلام) من المدينة إلى مكّة فأقام بها مجاورا لا يعرف شيئا غير الصوم و الصلاة و صلّى اللّه على محمّد و آله و رضى عنهم و رزقنا شفاعتهم بحوله و منّه و فضله و كرمه إن شاء اللّه تعالى (2).
____________
(1)- فتفرق/ خ.
(2)- البحار: 45/ 325.
647
3- باب ما جرى بين عبد اللّه بن عمر و يزيد لعنه اللّه
الكتب:
1- قال العلّامة- (رحمه اللّه)- روى البلاذريّ قال: لمّا قتل الحسين (عليه السّلام) كتب عبد اللّه بن عمر إلى يزيد بن معاوية: أمّا بعد فقد عظمت الرزيّة و جلّت المصيبة و حدث في الإسلام حدث عظيم و لا يوم كيوم الحسين (عليه السّلام) فكتب إليه يزيد: أمّا بعد يا أحمق فإنّنا جئنا إلى بيوت منجّدة، و فرش ممهّدة، و وسائد منضّدة، فقاتلنا عنها فإن يكن الحقّ لنا فعن حقّنا قاتلنا، و إن يكن الحقّ لغيرنا فأبوك أوّل من سنّ هذا و ابتزّ و استأثر بالحقّ على أهله.
أقول: قد مرّ في كتاب مطاعن الثلاثة و أحوالهم خبر طويل أخرجناه من كتاب دلائل الإمامة بإسناده عن سعيد بن المسيّب أنّه لمّا ورد نعي الحسين (عليه السّلام) المدينة، و قتل ثمانية عشر من أهل بيته و ثلاثة و خمسين رجلا من شيعته، و قتل عليّ ابنه بين يديه بنشّابة و سبي ذراريه خرج عبد اللّه بن عمر إلى الشام منكرا لفعل يزيد، و مستنفرا للناس عليه حتّى أتى يزيد و أغلظ له القول فخلا به يزيد، و أخرج إليه طومارا (1) طويلا كتبه عمر إلى معاوية و أظهر فيه أنّه على دين آبائه من عبادة الأوثان، و إنّ محمّدا كان ساحرا غلب على الناس بسحره، و أوصاه بأن يكرم أهل بيته ظاهرا و يسعى في أن يجتثّهم عن جديد الأرض و لا يدع أحدا منهم عليها في أشياء كثيرة، قد مرّ ذكرها، فلمّا قرأه ابن عمر رضي بذلك و رجع، و أظهر للناس أنّه محقّ فيما أتى به و معذور فيما فعله، و لنعم ما قيل «ما قتل الحسين إلّا في يوم السقيفة» فلعنة اللّه على من أسّس أساس الظلم و الجور على أهل بيت النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) (2).
____________
(1)- الطومار: الصحيفة.
(2)- البحار: 45/ 328.
645
عرانا من فرح و ترح، و كذا أظنّ أن لو شهدت ذلك بنفسك لاخترت أفضل الرأي و العمل، و لجانبت أسوأ الفعل و الخطل و الآن فإنّ حاجتي إليك أن لا تسمعني فيه ما أكره، فإنّه أخي و شقيقي و ابن أبي، و إن زعمت أنّه قد كان ظلمك و كان عدوّا لك كما تقول.
قال: فقال له يزيد: إنّك لن تسمع منّي إلّا خيرا و لكن هلمّ فبايعني و اذكر ما عليك من الدين حتى أقضيه عنك، قال: فقال له محمّد بن عليّ (عليهما السّلام): أمّا البيعة فقد بايعتك و أمّا ما ذكرت من أمر الدين فما عليّ من دين و الحمد للّه، و إنّي من اللّه تبارك و تعالى في كلّ نعمة سابغة لا أقوم بشكرها.
قال: فالتفت يزيد- لعنه اللّه- إلى ابنه خالد، فقال: يا بنيّ إنّ ابن عمّك هذا بعيد من الخبّ (1) و اللؤم و الدنس و الكذب، و لو كان غيره كبعض من عرفت لقال عليّ من الدين كذا و كذا ليستغنم أخذ أموالنا.
قال: ثمّ أقبل عليه يزيد، فقال: بايعتني يا أبا القاسم؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فإنّي قد أمرت لك بثلاث مائة ألف درهم فابعث من يقبضها (2)، فإذا أردت الانصراف عنّا وصلناك إن شاء اللّه؛ قال: فقال [له] محمّد بن عليّ: لا حاجة لي في هذا المال و لا له جئت، قال يزيد: فلا عليك أن تقبضه و تفرّقه فيمن أحببت من أهل بيتك، قال: فإنّي قد قبلت يا أمير المؤمنين قال: فأنزله في بعض منازله، و كان محمّد بن عليّ يدخل عليه في كلّ يوم صباحا و مساء.
قال: و إذا وفد أهل المدينة قد قدموا على يزيد- لعنه اللّه- و فيهم منذر بن الزبير و عبد اللّه بن عمرو بن حفص بن مغيرة المخزوميّ و عبد اللّه بن حنظلة بن أبي عامر الأنصاريّ فأقاموا عند يزيد- لعنه اللّه- أيّاما فأجازهم يزيد لكلّ رجل منهم بخمسين ألف درهم و أجاز المنذر بن الزبير بمائة ألف درهم، فلمّا أرادوا الانصراف إلى المدينة أقبل محمّد بن عليّ حتّى دخل على يزيد فاستأذنه في الانصراف معهم إلى المدينة فأذن له في ذلك و وصله بمائتي ألف درهم و أعطاه عروضا بمائة ألف درهم.
____________
(1)- الخبّ: الخداع.
(2)- يقتضمها/ خ.
649
25- أبواب أحوال المختار بن أبي عبيدة الثقفيّ و ما جرى على يديه و أيدي أوليائه من قتل قتلة الحسين (عليه السّلام)
1- باب في تحقيق حال المختار و ما ورد في مدحه و ذمّه
الأخبار: الأئمّة: أمير المؤمنين (عليهم السّلام)
1- رجال الكشّي: جبرئيل، عن العبيدي (1)، عن ابن أسباط، عن عبد الرحمن بن حمّاد، عن عليّ بن حزوّر، عن الأصبغ، قال: رأيت المختار على فخذ أمير المؤمنين (عليه السّلام)، و هو يمسح رأسه و يقول: يا كيّس يا كيّس (2).
أقول: قد مرّ ذمّ المختار في كتاب أحوال الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السّلام) في أبواب مصالحته مع معاوية عليه اللعنة (3).
عليّ بن الحسين (عليهما السّلام)
2- رجال الكشيّ: محمّد بن مسعود، عن عليّ بن أبي علي، عن خالد (4) بن يزيد، عن الحسين بن زيد، عن عمر بن عليّ بن الحسين، إنّ عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) لمّا اتي برأس عبيد اللّه بن زياد و رأس عمر بن سعد [قال:] خرّ ساجدا و قال:
الحمد للّه الّذي أدرك لي ثأري من أعدائي و جزى [اللّه] المختار خيرا (5).
3- و منه: بهذا الإسناد، عن الحسين بن زيد، عن عمر بن عليّ، إنّ المختار أرسل إلى عليّ بن الحسين (صلوات الله عليهما) بعشرين ألف دينار فقبلها و بنى بهادار
____________
(1)- في الأصل: العبدي.
(2)- ص 127 ح 201 و البحار: 45/ 344 ح 11.
(3)- عوالم العلوم (الامام الحسن ع). ج 16 ص 201.
(4)- في الأصل: خلّاد.
(5)- ص 127 ح 203 و البحار: 45/ 344 ح 13.
650
عقيل بن أبي طالب و دارهم التي هدمت.
قال: ثمّ إنّه بعث إليه بأربعين ألف دينار بعد ما أظهر الكلام الّذي أظهره فردّها، و لم يقبلها و المختار هو الّذي دعا الناس إلى محمّد بن عليّ بن أبي طالب ابن الحنفيّة و سمّوا الكيسانيّة و هم المختاريّة، و كان لقبه كيسان، و لقّب بكيسان لصاحب شرطه المكنّى أبا عمرة، و كان اسمه كيسان، و قيل: إنّه سمّي كيسان بكيسان مولى عليّ ابن أبي طالب (عليه السّلام) و هو الّذي حمله على الطلب بدم الحسين (عليه السّلام) و دلّه على قتلته، و كان صاحب سرّه و الغالب على أمره، و كان لا يبلغه عن رجل من أعداء الحسين (عليه السّلام) أنّه في دار أو في موضع إلّا قصده و هدم الدار بأسرها، و قتل كلّ من فيها من ذي روح، و كلّ دار بالكوفة خراب فهي ممّا هدمها و أهل الكوفة يضربون بها المثل، فإذا افتقر إنسان، قالوا: «دخل أبو عمرة بيته» حتى قال فيه الشاعر:
إبليس بما فيه * * * خير من أبي عمرة
يغويك و يطغيك * * * و لا يعطيك (1)كسرة (2)
4- كتاب المحتضر للحسن بن سليمان: قيل: بعث المختار بن أبي عبيدة (3) إلى عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) بمائة ألف درهم فكره أن يقبلها منه، و خاف أن يردّها فتركها في بيت، فلمّا قتل المختار كتب إلى عبد الملك يخبره بها فكتب إليه: خذها طيّبة هنيئة فكان عليّ (عليه السّلام) يلعن المختار و يقول: كذب على اللّه و علينا لأنّ المختار [كان] يزعم أنّه يوحى إليه (4).
الباقر، عن أبيه (عليهما السّلام)
5- رجال الكشّي: محمّد بن الحسن و عثمان بن حامد، عن محمّد بن يزداد، عن محمّد بن الحسين، عن موسى بن يسار، عن عبد اللّه بن الزبير، عن عبد اللّه ابن شريك قال: دخلنا على أبي جعفر (عليه السّلام) يوم النحر و هو متّكئ، و قد (5) أرسل إلى
____________
(1)- في المصدر: و لا يطغيك.
(2)- ص 127 ح 204 و البحار: 45/ 344 ح 14.
(3)- في البحار: عبيد.
(4)- البحار: 45/ 346 ح 16، و لم نجده في المحتضر.
(5)- في البحار: و قال.
651
الحلّاق، فقعدت بين يديه إذ دخل عليه شيخ من أهل الكوفة فتناول يده ليقبّلها فمنعه، ثمّ قال: من أنت؟ قال: أنا أبو محمّد الحكم (1) بن المختار بن أبي عبيدة (2) الثقفي، و كان متباعدا عن أبي جعفر (عليه السّلام) فمدّ يده إليه حتّى كاد يقعده في حجره بعد منعه يده، ثمّ قال: أصلحك اللّه إنّ الناس قد أكثروا في أبي و قالوا و القول و اللّه قولك، قال: و أيّ شيء يقولون؟ قال: يقولون: كذّاب، و لا تأمرني بشيء إلّا قبلته، فقال: سبحان اللّه أخبرني أبي و اللّه إنّ مهر امّي كان ممّا بعث به المختار، أو لم يبن دورنا؟ و قتل قاتلينا؟ و طلب بدمائنا؟ ف(رحمه اللّه).
و أخبرني- و اللّه- أبي أنّه كان ليسمر (3) عند فاطمة بنت عليّ يمهّدها الفراش و يثني لها الوسائد، و منها أصاب الحديث، رحم اللّه أباك رحم اللّه أباك ما ترك لنا حقّا عند أحد إلّا طلبه، قتل قتلتنا، و طلب بدمائنا (4).
توضيح: ليسمر من السمر و هو الحديث بالليل، و في بعض النسخ ليستمر فهو إمّا افتعال أيضا من السمر أو بتشديد الراء أي كان دائما عندها، و في بعض النسخ ليقيم (5) و في بعضها ليتمّ و الأوّل كان أصوب.
6- رجال الكشّي: جبرئيل بن أحمد، عن العبيدي، عن محمّد بن عمرو، عن يونس بن يعقوب، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: كتب المختار بن أبي عبيدة إلى عليّ ابن الحسين (عليهما السّلام)، و بعث إليه بهدايا من العراق فلمّا و قفوا على باب عليّ دخل الآذن يستأذن لهم، فخرج إليهم رسوله، فقال: أميطوا (6) عن بابي فإنّي لا أقبل هدايا الكذّابين (7) و لا أقرأ كتبهم، فمحوا العنوان و كتبوا للمهدي [محمد] بن عليّ، فقال أبو جعفر: و اللّه لقد كتب إليه بكتاب ما أعطاه فيه شيئا إنّما كتب إليه يا ابن خير من طشى و مشى.
فقال أبو بصير: فقلت لأبي جعفر (عليه السّلام): أمّا المشي فأنا أعرفه فأيّ شيء
____________
(1)- في المصدر: ابو الحكم.
(2)- في المصدر و البحار و خ/ عبيد، و قد مر ذكره.
(3)- في المصدر: ليمر (خ. ل ليقيم، ليسمر).
(4)- ص 125 ح 199 و البحار: 45/ 343 ح 9.
(5)- في البحار: ليتيم.
(6)- ماط: تنحى، و ابتعد.
(7)- هكذا ورد و سيرد في الاحاديث التالية.
652
الطشي، فقال أبو جعفر (عليه السّلام): الحياة (1).
بيان: لم أجد الطشي فيما عندنا من كتب اللغة.
وحده 7- رجال الكشّي: حمدويه، عن يعقوب، عن ابن أبي عمير، عن هشام ابن المثنّى، عن سدير، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: لا تسبّوا المختار، فإنّه قد قتل قتلتنا و طلب بثأرنا، و زوّج أراملنا و قسّم فينا المال على العسرة. (2)
الصادق (عليه السّلام)
8- رجال الكشّي: محمّد بن الحسن و عثمان بن حامد، عن محمد بن يزداد الرازيّ، عن ابن أبي الخطّاب، عن عبد اللّه المزخرف، عن حبيب الخثعميّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: كان المختار يكذّب على عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) (3).
9- و منه: إبراهيم بن محمّد، عن أحمد بن إدريس، عن محمّد بن أحمد، عن الحسن بن عليّ، عن العبّاس بن عامر، عن ابن (أبي) عميرة، عن جارود بن المنذر، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: ما امتشطت فينا هاشميّة و لا اختضبت حتى بعث إلينا المختار برءوس الّذين قتلوا الحسين (صلوات الله عليه). (4)
10- الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن الربيع بن محمّد المسليّ، عن عبد اللّه بن سليمان، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال لي:
ما زال سرّنا مكتوما حتّى صار في يدي ولد كيسان فتحدّثوا به في الطريق و قرى السواد. (5)
توضيح: قال الفيروزآباديّ: كيسان لقب المختار بن أبي عبيدة المنسوب إليه الكيسانيّة.
____________
(1)- ص 126 ح 200 و البحار: 45/ 344 ح 10.
(2)- ص 125 ح 197 و البحار: 45/ 343 ح 7.
(3)- ص 125 ح 198 و البحار: 45/ 343 ح 8.
(4)- ص 127 ح 202 و البحار: 45/ 344 ح 12.
(5)- 2/ 223 ح 6 و البحار: 45/ 345 ح 15.
653
11- قصص الراوندي: بالإسناد إلى الصّدوق، عن أبيه، عن محمّد بن أبي القاسم، عن الكوفي، عن أبي عبد اللّه الخيّاط، عن عبد اللّه بن القاسم، عن عبد اللّه بن سنان قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ اللّه عزّ و جلّ إذا أراد أن ينتصر لأوليائه انتصر لهم بشرار خلقه، و إذا أراد أن ينتصر لنفسه انتصر بأوليائه، و لقد انتصر ليحيى ابن زكريا (عليهما السّلام) ببختنصّر. (1)
12- السرائر لابن ادريس: أبان بن تغلب، عن جعفر بن إبراهيم، عن زراعة، عن سماعة قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: إذا كان يوم القيامة مرّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بشفير النار، و أمير المؤمنين و الحسن و الحسين فيصيح صائح من النار: (يا رسول اللّه أغثني يا رسول اللّه (أغثني) ثلاثا) (2) قال: فلا يجيبه، قال: فينادي يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين [يا أمير المؤمنين ثلاثا أغثني فلا يجيبه [قال: فينادي يا حسن يا حسن يا حسن أغثني فلا يجيبه] قال: فينادي يا حسين يا حسين يا حسين أغثني أنا قاتل أعدائك.
قال: فيقول له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): قد احتجّ عليك، قال: فينقضّ عليه كأنّه عقاب كاسر، قال: فيخرجه من النار، قال: فقلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): و من هذا جعلت فداك؟ قال: المختار، قلت له: و لم عذّب بالنار و قد فعل ما فعل؟ قال: إنّه كان في قلبه منهما شيء، و الّذي بعث محمدا بالحقّ لو أنّ جبرئيل و ميكائيل كان في قلبهما شيء لأكبّهما اللّه في النار على وجوههما (3).
توضيح: انقضّ الطائر: هوى في طيرانه، و كسر الطائر أي ضمّ جناحيه حين ينقضّ.
13- التهذيب: محمّد بن عليّ بن محبوب، عن محمّد بن أحمد بن أبي قتادة، عن أحمد بن هلال، عن اميّة بن عليّ القيسيّ، عن بعض من رواه، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال لي: يجوز النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) الصراط يتلوه عليّ، و يتلو عليّا الحسن، و يتلو
____________
(1)- ص 178 ح 6 و البحار: 45/ 339 ح 4.
(2)- في المصدر: يا رسول اللّه، يا رسول اللّه، يا رسول اللّه أغثني.
(3)- ص 475 و البحار: 45/ 339 ح 5.
654
الحسن الحسين (عليهما السّلام) فإذا توسّطوه نادى المختار الحسين (عليه السّلام): يا أبا عبد اللّه إنّي طلبت بثأرك فيقول النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) للحسين (عليه السّلام): أجبه، فينقضّ الحسين (عليه السّلام) في النار كأنّه عقاب كاسر، فيخرج المختار حممة و لو شقّ عن قلبه لوجد حبّهما في قلبه (1).
توضيح: الحمم بضمّ الحاء و فتح الميم الرّماد و الفحم، و كلّ ما احترق من النار، (و) قوله (عليه السّلام): «حبّهما» أي حبّ الشيخين الملعونين و قيل: حبّ الحسنين (صلوات الله عليهما)، فيكون تعليلا لاخراجه كما أنّه على الأوّل تعليل لدخوله و احتراقه، و يدفعه ما مرّ من خبر سماعة (الأوّل) و قيل: المراد حبّ الرئاسة و المال و الأوّل هو الصواب.
ثمّ اعلم: إنّ هذا الخبر كان وجه جمع بين الأخبار المختلفة الواردة في هذا الباب بأنّه و إن لم يكن كاملا في الايمان و اليقين، و لا مأذونا فيما فعله صريحا من أئمّة الدّين، لكن لمّا جرى على يديه الخيرات الكثيرة، و شفى بها صدور قوم مؤمنين كانت عاقبة أمره آئلة إلى النّجاة فدخل بذلك تحت قوله سبحانه: «وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (2) و أنا في شأنه من المتوقّفين، و إن كان الأشهر بين أصحابنا أنّه من المشكورين (و اللّه يعلم) (3).
2- باب بعض أحوال المختار
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- بصائر الدرجات: أيّوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى، عن شعيب قال: حدّث [ني] أبو جعفر أنّ عليّ بن درّاج حدّثه أنّ المختار استعمله على بعض عمله، و إنّ المختار أخذه فحبسه و طلب منه مالا حتّى إذا كان يوما من الأيّام دعاه هو و بشر بن غالب فهدّدهما بالقتل، فقال له بشر بن غالب و كان رجلا متنكّرا: و اللّه ما
____________
(1)- ص 466 ح 173 و البحار: 45/ 345 ح 16.
(2)- التوبة: 102.
(3)- البحار: 45/ 339/ بيان.
655
تقدر (1) على قتلنا، قال: (و) لم و ممّ ذلك ثكلتك امّك و أنتما أسيران في يدي؟ قال: لأنّه جاءنا في الحديث أنّك [إنّما] تقتلنا حين تظهر على دمشق فتقتلنا على درجها، قال له المختار: صدقت قد جاء هذا، [قال:] فلمّا قتل المختار خرجا من محبسهما. (2)
أقول: تمامه في أبواب معجزات الباقر (عليه السّلام).
الأئمّة: الحسن العسكري، عن أمير المؤمنين (عليهم السّلام)
2- تفسير الإمام: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه): [ف] كما أنّ بعض بني اسرائيل أطاعوا فاكرموا، و بعضهم عصوا فعذّبوا، فكذلك تكونون أنتم، فقالوا: فمن العصاة يا أمير المؤمنين؟ قال: الذين امروا بتعظيمنا أهل البيت و تعظيم حقوقنا، فخانوا و خالفوا ذلك، [و عصوا] و جحدوا حقوقنا (3)، و استخفّوا بها و قتلوا [أولادنا]، أولاد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) الذين امروا بإكرامهم و محبّتهم، قالوا: يا أمير المؤمنين [و] إنّ ذلك لكائن؟ قال:
بلى خبرا حقّا و أمرا كائنا سيقتلون ولديّ هذين الحسن و الحسين.
ثمّ قال أمير المؤمنين (عليه السّلام): و سيصيب [أكثر] الّذين ظلموا رجزا في الدنيا بسيوف بعض من يسلّط اللّه تعالى عليهم للانتقام بما كانوا يفسقون، كما أصاب بني إسرائيل الرّجز، قيل: و من هو؟ قال: غلام من ثقيف يقال له: المختار بن أبي عبيدة.
و قال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): فكان [ذلك] بعد قوله هذا بزمان، و إنّ هذا الخبر اتّصل بالحجّاج بن يوسف- لعنه اللّه- من قول عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) قال:
أمّا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) (ف) ما قال هذا، و أمّا عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) فأنا أشكّ هل (4) حكاه عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)؟ و أمّا عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) فصبيّ مغرور، يقول الأباطيل و يغرّبها متّبعوه، اطلبوا لي المختار.
فطلب فاخذ فقال: قدّموه إلى النّطع فاضربوا عنقه، فاتي بالنطع فبسط و أبرك (5) عليه المختار، ثمّ جعل الغلمان يجيئون و يذهبون لا يأتون بالسيف، قال الحجّاج:
ما لكم؟ قالوا لسنا نجد مفتاح الخزانة و قد ضاع منّا، و السيف في الخزانة، فقال المختار:
____________
(1)- في المصدر: تقدم.
(2)- ص 248 ح 14 و البحار: 45/ 338 ح 3.
(3)- في المصدر: حقنا.
(4)- في المصدر: فيما.
(5)- في المصدر: و انزل.
656
لن تقتلني و لن يكذب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و لئن قتلتني ليحييني اللّه حتّى أقتل منكم ثلاث مائة و ثلاثة و ثمانين ألفا، فقال الحجّاج لبعض حجّابه اعط السيّاف سيفك يقتله، فأخذ السيّاف [ب] سيفه و جاء ليقتله به و الحجّاج يحثّه و يستعجله، فبينا هو في تدبيره إذ عثر (1) و السيف بيده فأصاب السيف بطنه فشقّه فمات، فجاء بسيّاف آخر و أعطاه السيف، فلمّا رفع يده ليضرب عنقه لدغته عقرب و سقط فمات، فنظروا و إذا العقرب فقتلوها.
فقال المختار: يا حجّاج إنّك لا تقدر على قتلي ويحك يا حجّاج أ ما تذكر ما قال نزار بن معد بن عدنان للشابور ذي الأكتاف حين كان يقتل العرب و يصطلمهم فأمر نزار «ولده: فوضع» (2) في زنبيل في طريقه فلمّا رآه، قال [له]: من أنت؟ قال: أنا رجل من العرب اريد أن أسألك لم تقتل هؤلاء العرب و لا ذنوب لهم إليك، و قد قتلت الذين كانوا مذنبين (3) في عملك و المفسدين؟ قال: لأني وجدت في الكتاب أنّه يخرج منهم رجل يقال له: محمّد (صلى اللّه عليه و آله) يدّعي النبوّة فيزيل دولة ملوك الأعاجم و يفنيها فأ [نا أ] قتلهم حتّى لا يكون منهم ذلك الرجل، فقال نزار: لئن كان ما وجدته في كتب الكذّابين فما أولاك أن تقتل البراء غير المذنبين [بقول الكاذبين]، و إن كان ذلك من قول الصادقين، فإن اللّه سيحفظ ذلك الأصل الذي يخرج منه هذا الرجل و لن تقدر على إبطاله، و يجري قضاؤه و ينفذ أمره و لو لم يبق من جميع العرب إلّا واحد.
فقال شابور: صدقت هذا نزار يعني بالفارسيّة المهزول كفّوا عن العرب فكفوا عنهم و لكن يا حجّاج إنّ اللّه قد قضى أن أقتل منكم ثلاث مائة ألف و ثلاثة و ثمانين ألف رجل فإن شئت فتعاط قتلي و إن شئت فلا تتعاط (4) فإنّ اللّه إمّا أن يمنعك عنّي و إمّا أن يحييني بعد قتلك فإنّ قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) حقّ لا مرية فيه.
فقال للسيّاف: اضرب عنقه، فقال المختار: إنّ هذا لن يقدر على ذلك و كنت احبّ أن تكون أنت المتولّي لما تأمره فكان يسلّط عليك أفعى كما سلّط على هذا الأوّل عقربا، فلمّا همّ السيّاف أن يضرب عنقه إذا برجل من خواصّ عبد الملك بن مروان قد دخل فصاح بالسيّاف كفّ [ويحك] عنه و معه كتاب من عبد الملك بن مروان فإذا فيه:
____________
(1)- في المصدر: نعس (خ. ل نسّ).
(2)- في المصدر: أن يوضع.
(3)- في المصدر: متمرّدين.
(4)- في الأصل: فلا تعاط.
657
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم: أمّا بعد يا حجّاج بن يوسف فإنّه قد سقط إلينا طير عليه رقعة [فيها] أنك أخذت المختار بن أبي عبيدة تريد قتله، [و] تزعم أنّه حكى عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فيه أنه سيقتل من أنصار بني اميّة ثلاث مائة و ثلاثة و ثمانين ألف رجل، فإذا أتاك كتابي هذا فخلّ عنه، و لا تعرض له إلّا بسبيل خير فإنّه زوج ظئر (1) ابني (2) الوليد بن عبد الملك بن مروان و [ل] قد كلمني فيه الوليد، و إنّ الذي حكى إن كان باطلا فلا معنى لقتل رجل مسلم بخبر باطل، و إن كان حقّا فانّك لا تقدر على تكذيب قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فخلّى عنه الحجّاج.
فجعل المختار يقول: سأفعل كذا، و أخرج وقت كذا و أقتل من الناس كذا و هؤلاء صاغرون يعني بني اميّة [قاطبة] فبلغ ذلك الحجّاج فاخذ و انزل و أمر بضرب العنق، فقال المختار: إنّك لا تقدر على ذلك فلا تتعاط ردا على اللّه و كان في ذلك إذ (ا) سقط عليه طائر آخر عليه كتاب من عبد الملك بن مروان.
بسم اللّه الرحمن الرّحيم يا حجّاج لا (ت) تعرّض للمختار فإنّه زوج مرضعة ابني (3) الوليد و لئن كان حقّا فستمنع من قتله كما منع دانيال من قتل بختنصّر الذي كان قضى اللّه أن يقتل بني اسرائيل، فتركه الحجّاج و توعّده إن عاد لمثل «مقالته، فعاد لمثل» (4) مقالته و اتّصل بالحجّاج الخبر فطلبه فاختفى مدّة ثمّ ظفر به فلمّا همّ بضرب عنقه إذ قد ورد عليه كتاب عبد الملك (إلى الحجّاج أن ابعث إليّ المختار) فاحتبسه الحجّاج و كتب إلى عبد الملك كيف تأخذ إليك عدوّا مجاهرا يزعم أنّه يقتل من أنصار بني اميّة كذا و كذا ألفا؟ فبعث إليه [عبد الملك] إنّك رجل جاهل لئن كان الخبر فيه باطلا فما أحقّنا برعاية حقّه لحقّ من خدمنا، و إن كان الخبر فيه حقّا فإنّا (5) سنربّيه ليسلّط علينا كما ربّى فرعون موسى (عليه السّلام) حتّى سلّط عليه فبعث به الحجّاج و كان من [أمر] المختار ما كان و قتل من قتل.
و قال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) لأصحابه و قد قالوا له: يا ابن رسول اللّه إنّ
____________
(1)- الظئر: المرضعة.
(2)- في الاصل: ابن.
(3)- في الاصل: ابن.
(4)- ذلك فعاد بمثل/ خ.
(5)- في البحار، و خ: فإنه.
658
أمير المؤمنين (عليه السّلام) ذكر من أمر المختار و لم يقل متى يكون قتله لمن يقتل؟ فقال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): [صدق أمير المؤمنين] أولا اخبركم متى يكون؟ قالوا: بلى، قال: يوم كذا إلى ثلاث سنين من قولي هذا، و سيؤتى برأس عبيد اللّه بن زياد و شمر بن ذي الجوشن- عليهما اللّعنة- في يوم كذا و كذا و سنأكل و هما بين أيدينا ننظر إليهما قال:
فلمّا كان اليوم الّذي أخبرهم أنّه يكون فيه القتل من المختار لأصحاب بني اميّة كان عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) مع أصحابه على مائدة إذ قال لهم: معاشر إخواننا طيّبوا انفسكم (1)، فإنّكم تأكلون و ظلمة بني اميّة يحصدون، قالوا: أين؟ قال: في موضع كذا يقتلهم المختار و سيؤتى برأسين يوم كذا و كذا، فلمّا كان في ذلك اليوم اتي بالرأسين لمّا أراد أن يقعد للأكل و قد فرغ من صلاته، فلمّا رآهما سجد، و قال: الحمد للّه الّذي لم يمتني حتى أراني، فجعل يأكل و ينظر إليهما فلمّا كان وقت الحلوى لم يأت بالحلوى لأنّهم (2) كانوا قد اشتغلوا عن عمله بخبر الرأسين فقال ندماؤه (3): و لم يعمل (4) اليوم الحلوى، فقال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام): لا نريد حلوى أحلى من نظرنا إلى هذين الرأسين ثمّ عاد إلى قول أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال: و ما للكافرين و الفاسقين عند اللّه أعظم و أوفى (5) (6).
توضيح: قوله (عليه السّلام) «فكان [ذلك] بعد قوله هذا» أي ولد المختار، بعد قول أمير المؤمنين (عليه السّلام) هذا بزمان.
3- باب بعض ما جرى على يديه و أيدي أوليائه من قتل قتلة الحسين (عليه السّلام)
الأخبار: الصحابة و التابعين و الرواة
1- أمالي الطوسي: المفيد، عن محمّد بن عمران المرزباني، عن محمّد بن إبراهيم، عن الحارث بن أبي اسامة قال: حدّثنا (7) المدائنيّ، عن رجاله أنّ المختار بن أبي
____________
(1)- في المصدر: نفسا و كلوا.
(2)- في المصدر: لمّا.
(3)- ندماؤه: رفقاؤه.
(4)- في المصدر: نعمل.
(5)- في المصدر: و ابقى.
(6)- ص 214 و البحار: 45/ 339 ح 6.
(7)- في الأصل: حدثني.
659
عبيدة الثقفي- (رحمه اللّه)- ظهر بالكوفة ليلة الأربعاء لأربع عشرة ليلة بقيت من [شهر] ربيع الآخر سنة ستّ و ستّين، فبايعه النّاس على كتاب اللّه و سنّة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و الطلب بدم الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) و دماء أهل بيته- رحمة اللّه عليهم- و الدفع عن الضعفاء فقال الشاعر في ذلك:
و لمّا دعا المختار جئنا لنصره * * * على الخيل تردي (1)من كميت و أشقرا
دعا يا لثارات الحسين فأقبلت * * * تعادي بفرسان الصّباح لتثأرا
و نهض المختار إلى عبد اللّه بن مطيع و كان على الكوفة من قبل ابن الزبير فأخرجه و أصحابه منها منهزمين، و أقام بالكوفة إلى المحرّم، سنة سبع و ستّين، ثمّ عمد على إنفاذ الجيوش إلى ابن زياد- لعنه اللّه- و كان بأرض الجزيرة فصيّر على شرطه أبا عبد اللّه الجدليّ و أبا عمارة كيسان مولى عربيّة (2) و أمر إبراهيم بن الأشتر- رحمة اللّه عليه- بالتأهّب للمسير إلى ابن زياد- لعنه اللّه- و أمّره على الأجناد فخرج إبراهيم يوم السبت لسبع خلون من المحرّم سنة سبع و ستّين في ألفين من مذحج و أسد و ألفين من تميم و همدان، و ألف و خمسمائة من قبائل المدينة و ألف و خمسمائة من كندة و ربيعة و ألفين من الحمراء (3)، و قال بعضهم: كان ابن الأشتر في أربعة آلاف من القبائل (4) و ثمانية آلاف من الحمراء.
و شيّع المختار إبراهيم بن الأشتر- (رحمهما اللّه)- ما شيا فقال له إبراهيم: اركب رحمك اللّه فقال: إنّي لأحتسب الأجر في خطاي معك و احبّ أن تغبّر قدماي في نصر آل محمّد (صلى اللّه عليه و آله)، ثمّ ودّعه و انصرف فسار ابن الأشتر حتّى أتى المدائن ثمّ سار يريد ابن زياد- لعنة اللّه عليه- فشخص المختار عن الكوفة لمّا أتاه أنّ ابن الأشتر قد ارتحل من المدائن و أقبل حتّى نزل المدائن.
فلمّا نزل ابن الأشتر نهر الخازر بالموصل أقبل ابن زياد- لعنه اللّه- في الجموع
____________
(1)- في المصدر: بردى.
(2)- في المصدر: عرينة.
(3)- الحمراء: العجم، لان الغالب على الوان العجم الحمرة، و العرب تسمّي الموالي الحمراء (راجع النهاية لابن الاثير ج 1/ 437- 438).
(4)- في المصدر: القباط.
661
درعه و جسده و صبّ على ناصية فرسه فصهل ثمّ اقتحمه (1) فهذا آخر عهدي به.
قال: و بعث ابن الأشتر برأس ابن زياد إلى المختار و أعيان من كان معه فقدّم بالرؤوس و المختار يتغدّى فالقيت بين يديه، فقال: الحمد للّه ربّ العالمين وضع رأس الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) بين يدي ابن زياد- لعنه اللّه- و هو يتغدّى، و اتيت برأس ابن زياد و أنا أتغدّى، قال: و انسابت (2) حيّة بيضاء تخلّل الرءوس حتّى دخلت في أنف ابن زياد- لعنه اللّه- و خرجت من اذنه و دخلت في اذنه و خرجت من أنفه، فلمّا فرغ المختار من الغداء قام فوطّأ وجه ابن زياد بنعله، ثمّ رمى بها إلى مولى له و قال:
اغسلها فإنّي وضعتها على وجه نجس كافر.
و خرج المختار إلى الكوفة و بعث برأس ابن زياد و رأس حصين بن نمير (و رأس شرحبيل بن ذي الكلاع) (3) مع عبد الرحمن بن أبي عمير الثقفيّ و عبد اللّه بن شدّاد الجشميّ (4) و السائب بن مالك الأشعريّ إلى محمّد بن الحنفية بمكّة، و عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) يومئذ بمكّة و كتب إليه معهم.
أمّا بعد: فإنّي بعثت أنصارك و شيعتك إلى عدوّك يطلبونه بدم أخيك المظلوم الشهيد، فخرجوا محتسبين محنقين أسفين، فلقوهم دون نصيبين (5)، فقتلهم ربّ العباد و الحمد للّه ربّ العالمين الذي طلب لكم الثأر، و أدرك لكم رؤساء (6) أعدائكم فقتلهم في كلّ فجّ و غرّقهم في كل بحر، فشفى بذلك صدور قوم مؤمنين، و أذهب غيظ قلوبهم.
و قدموا بالكتاب و الرءوس عليه فبعث برأس ابن زياد- لعنة اللّه عليه- إلى عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) فادخل عليه و هو يتغدّى فقال عليّ بن الحسين (عليهما السّلام):
ادخلت على ابن زياد- لعنه اللّه- و هو يتغدّى و رأس أبي بين يديه فقلت: اللّهمّ لا تمتني حتى تريني رأس ابن زياد و أنا أتغدّى، فالحمد للّه الذي أجاب دعوتي.
____________
(1)- في المصدر: انقحمه.
(2)- في المصدر: رأينا.
(3)- في المصدر: و ابن بشر بشرحبيل و ابن ذي الكلاع.
(4)- في المصدر: الجشيمي.
(5)- نصيبين: و هي مدينة عامرة من بلاد الجزيرة على جادّة القوافل من الموصل الى الشام (معجم البلدان ج 5/ 288).
(6)- في المصدر و خ: رءوس.
662
ثمّ أمر فرمي به، فحمل إلى ابن الزبير فوضعه ابن الزبير على قصبة فحرّكتها الريح فسقط فخرجت حيّة من تحت الستار فأخذت بأنفه، فأعادوا القصبة فحرّكتها الريح فسقط فخرجت الحيّة فأزمت بأنفه، ففعل ذلك ثلاث مرّات، فأمر ابن الزبير فالقي في بعض شعاب مكّة.
قال: و كان المختار- رحمة اللّه عليه- قد سئل في أمان عمر بن سعد بن أبي وقّاص فامنه على أن لا يخرج من الكوفة، فان خرج منها فدمه هدر، قال: فأتى عمر بن سعد رجل فقال: إنّي سمعت المختار يحلف ليقتلنّ رجلا و اللّه ما أحسبه غيرك، قال:
فخرج عمر حتّى أتى الحمّام (1) فقيل له: أ ترى هذا يخفى على المختار؟ فرجع ليلا فدخل داره، فلمّا كان الغد غدوت فدخلت على المختار، و جاء الهيثم (2) بن الأسود فقعد فجاء حفص بن عمر بن سعد، فقال للمختار: يقول لك أبو حفص: أين لنا (3) بالذي كان بيننا و بينك؟ قال: اجلس فدعا المختار أبا عمرة فجاء رجل قصير يتخشخش (4) في «الحديد فسارّه» (5) و دعا برجلين فقال: اذهبا معه، فذهب فو اللّه ما أحسبه بلغ دار عمر بن سعد حتّى جاء برأسه فقال المختار لحفص: أ تعرف هذا؟ [ف] قال: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، [نعم] قال: يا أبا عمرة ألحقه به فقتله فقال المختار- رحمة اللّه عليه: عمر بالحسين و حفص بعليّ بن الحسين و لا سواء.
قال: و اشتدّ أمر المختار بعد قتل ابن زياد و أخاف الوجوه و قال: لا يسوغ لي طعام و لا شراب حتّى أقتل قتلة الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) و أهل بيته و ما من ديني أترك أحدا منهم حيّا و قال: أعلموني من شرك في دم الحسين و أهل بيته، فلم يكن يأتونه برجل فيقولون إنّ هذا من قتلة الحسين أو ممّن أعان عليه إلّا قتله و بلغه أنّ شمر بن ذي الجوشن- لعنه اللّه- أصاب مع الحسين إبلا فأخذها (6)، فلمّا قدم الكوفة نحرها و قسّم لحومها، فقال المختار: احصوا لي كلّ دار دخل فيها شيء من ذلك اللّحم فأحصوها فأرسل إلى من كان أخذ منها شيئا فقتلهم، و هدم دورا بالكوفة.
____________
(1)- الحمّام: إما أن يكون حمّام سعد: موضع في طريق الحاجّ بالكوفة. و إما أن حمّام أعين: بتشديد الميم:
بالكوفة، و ذكره في الاخبار مشهور، منسوب إلى أعين مولى سعد بن أبي وقاص (معجم البلدان: 2/ 299).
(2)- في البحار و خ: الهشيم
(3)- في المصدر: انزلنا.
(4)- يتخشخش: يسمع له صوت عند اصطكاكه.
(5)- في المصدر: لخده دف فسار.
(6)- في المصدر: فأقعدها.
660
فنزل على أربعة فراسخ من عسكر ابن الأشتر ثمّ التقوا فحضّ ابن الأشتر أصحابه و قال: يا أهل الحقّ و أنصار الدّين هذا ابن زياد قاتل الحسين بن عليّ و أهل بيته قد أتاكم اللّه به و بحزبه حزب الشيطان فقاتلوهم بنيّة و صبر لعلّ اللّه يقتله بأيديكم و يشفي صدوركم.
و تزاحفوا و نادى أهل العراق يا آل ثارات الحسين! فجال أصحاب ابن الأشتر جولة فناداهم يا شرطة اللّه الصبر الصبر فتراجعوا فقال لهم عبد اللّه بن بشّار (1) بن أبي عقب الدئليّ: حدّثني خليلي إنّا نلقى أهل الشام على نهر يقال له الخازر فيكشفونا حتّى نقول: هي هي، ثمّ نكرّ عليهم فنقتل أميرهم فابشروا و اصبروا فانّكم لهم قاهرون.
ثمّ حمل ابن الأشتر (رحمه اللّه) يمينا فخالط القلب، و كسرهم (2) أهل العراق فركبوهم يقتلونهم فانجلت الغمّة و قد قتل عبيد اللّه بن زياد، و حصين بن نمير، و شرحبيل «بن» (3) ذي الكلاع، و ابن حوشب، و غالب الباهليّ، و عبد اللّه بن إياس السلميّ، و أبو الأشرس الّذي كان على خراسان، و أعيان أصحابه لعنهم اللّه.
فقال ابن الأشتر لأصحابه: إنّي رأيت بعد ما انكشف الناس طائفة منهم قد صبرت تقاتل فأقدمت عليهم و أقبل رجل آخر في كبكبة كأنّه بغل أقمر يغري (4) الناس لا يدنو منه أحد إلّا صرعه، فدنا منّي فضربت يده فأبنتها و سقط على شاطئ نهر (فشرقت يداه و غربت) (5) رجلاه فقتلته، و وجدت منه ريح المسك و أظنّه ابن زياد فاطلبوه فجاء رجل فنزع خفّيه و تأمّله فإذا هو ابن زياد- لعنه اللّه- على ما وصف ابن الأشتر فاجتزّ رأسه و استوقدوا عامّة اللّيل بجسده فنظر إليه مهران مولى زياد و كان يحبّه حبّا شديدا فحلف أن لا يأكل شحما أبدا فأصبح الناس فحووا ما في العسكر، و هرب غلام لعبيد اللّه إلى الشام.
فقال له عبد الملك بن مروان: متى عهدك بابن زياد؟ فقال: جال الناس فتقدّم فقاتل و قال: ائتني بجرّة فيها ماء فأتيته فاحتملها فشرب منها و صبّ الماء بين
____________
(1)- في المصدر: يسار.
(2)- في المصدر: و كثرهم.
(3)- في المصدر: و ابن.
(4)- في المصدر: يفري.
(5)- في البحار و خ: فسرقت يداه و عربت.
663
و اتي المختار بعبد اللّه بن اسيد الجهنيّ و مالك بن الهيثم البدّاني (1) من كندة و حمل بن مالك المحاربيّ، فقال: يا أعداء اللّه أين الحسين بن عليّ؟ قالوا: أكرهنا على الخروج إليه، قال: أ فلا مننتم عليه و سقيتموه من الماء؟
و قال للبدّاني: أنت صاحب برنسه لعنك اللّه؟ قال: لا، قال. بلى، ثمّ قال:
اقطعوا يديه و رجليه، و دعوه يضطرب حتّى يموت، فقطّعوه و أمر بالآخرين فضربت أعناقهما و اتي بقرار (2) بن مالك و عمرو (3) بن خالد و عبد الرحمن البجلىّ و عبد اللّه بن قيس الخولانيّ، فقال لهم: يا قتلة الصالحين أ لا ترون اللّه بريئا (4) منكم لقد جاءكم الورس بيوم نحس فأخرجهم إلى السوق، فقتلهم.
و بعث المختار معاذ (5) بن هانئ الكنديّ و أبا عمرة كيسان إلى دار خوليّ بن يزيد الأصبحيّ و هو الّذي حمل رأس الحسين (عليه السّلام) إلى ابن زياد- لعنة اللّه عليه- فأتوا داره فاستخفى في المخرج، فدخلوا عليه فوجدوه (و) قد ركّب (6) على نفسه قوصرّة فأخذوه و خرجوا يريدون المختار، فتلقّاهم في ركب، فردّوه إلى داره و قتله عندها و أحرقه.
و طلب المختار شمر بن ذي الجوشن فهرب إلى البادية فسعى به إلى أبي عمرة (7)
فخرج إليه مع نفر من أصحابه فقاتلهم قتالا شديدا فأثخنته الجراحة، فأخذه أبو عمرة أسيرا و بعث به إلى المختار فضرب عنقه و أغلى له دهنا في قدر فقذفه فيها فتفسّخ، و وطىء مولى لآل حارثة بن مضروب وجهه و رأسه، و لم يزل المختار يتتبع قتلة الحسين (عليه السّلام) و أهله حتّى قتل منهم خلقا كثيرا، و هرب الباقون فهدم دورهم، و قتلت العبيد مواليهم الّذين قاتلوا الحسين (عليه السّلام) و أتوا المختار فأعتقهم (8).
توضيح: «ردى الفرس» بالفتح يردي رديا إذا رجم الأرض رجما بين العدو و المشي الشديد، قوله «تعادى» من العداوة أو من العدو، و الأخير أظهر، قوله «لتثأر» أي لتطلب الثأر بدم الحسين (عليه السّلام).
____________
(1)- في المصدر: البداي و في الأصل: البداني.
(2)- في البحار: بقراد.
(3)- في المصدر: عمر.
(4)- في المصدر و خ: برئنا.
(5)- في المصدر: معاد.
(6)- في المصدر: أكب.
(7)- في المصدر: أبي حمزة.
(8)- 1/ 245 و البحار: 45/ 333 ح 2.
664
و قال الفيروزآباديّ: سرقت مفاصله كفرح ضعف و في بعض النسخ بالشين من الشرق بمعنى الشقّ، أو من قولهم «شرق الدّم بجسده شرقا» إذا ظهر و لم يسل و عرب كفرح: ورم و تقيّح، و في بعض النسخ بالغين المعجمة، من قولهم «غرب كفرح اسودّ».
و قال الجوهريّ: يقال: «أزم الرجل بصاحبه» إذا الزمه، عن أبي زيد «و أزمه أيضا» أي عضّه «و الحمّام» اسم موضع خارج الكوفة.
و قال الجوهريّ: القوصرّة بالتشديد هو الذي يكنز فيه التمر من البواريّ.
الأئمّة: عليّ بن الحسين (عليهم السّلام)
2- أمالي الطوسي: المفيد، عن المظفّر بن محمّد البلخيّ، عن محمّد بن همام، عن الحميريّ، عن داود بن عمر النهديّ، عن ابن محبوب، عن عبد اللّه بن يونس، عن المنهال بن عمرو قال: دخلت على عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) منصرفي من مكّة، فقال لي:
يا منهال! ما صنع (1) حرملة بن كاهل الأسديّ؟ فقلت: تركته حيّا بالكوفة، قال: فرفع يديه جميعا ثمّ قال (عليه السّلام): اللّهمّ أذقه حرّ الحديد، اللّهمّ أذقه حرّ النار.
قال المنهال: فقدمت الكوفة و قد ظهر المختار بن أبي عبيدة الثقفيّ، و كان لي صديقا فكنت في منزلي أيّاما حتّى انقطع الناس عنّي و ركبت إليه فلقيته خارجا من داره فقال: يا منهال لم تأتنا في ولايتنا هذه و لم تهنّئنا بها، و لم تشركنا فيها؟ فأعلمته أنّي كنت بمكّة و أنّي قد جئتك الآن، و سايرته و نحن نتحدّث حتّى أتى الكناس فوقف وقوفا كأنّه ينتظر (2) شيئا و قد كان اخبر بمكان حرملة بن كاهل (ة) فوجّه في طلبه، فلم يلبث أن جاء قوم يركضون و قوم يشتدّون، حتّى قالوا: أيّها الأمير البشارة، قد اخذ حرملة بن كاهل (ة) فما لبثنا أن جيء به، فلمّا نظر إليه المختار، قال لحرملة: الحمد للّه الّذي مكّنني منك، ثمّ قال: الجزّار الجزّار فاتي بجزّار (3). فقال له: اقطع يديه فقطعتا، ثمّ قال له: اقطع رجليه، فقطعتا، ثمّ قال: النار النار فاتي بنار و قصب فالقي عليه فاشتعل
____________
(1)- ما فعل/ خ.
(2)- في البحار: ينظر.
(3)- في نسختي الأصل: الجزاز الجزاز فاتي بجزاز.
665
فيه النار.
فقلت: سبحان اللّه! فقال لي: يا منهال، إنّ التسبيح لحسن ففيم سبّحت؟
فقلت: أيّها الأمير دخلت في سفرتي (1) هذه منصرفي من مكّة على عليّ بن الحسين (عليهما السّلام)، فقال لي: يا منهال ما فعل حرملة بن كاهل (ة) الأسديّ؟ فقلت: تركته حيّا بالكوفة، فرفع يديه جميعا فقال: اللّهمّ أذقه حرّ الحديد، اللّهمّ أذقه حرّ الحديد، اللّهمّ أذقه حرّ النار.
فقال لي المختار: أ سمعت عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) يقول هذا؟ فقلت: (و) اللّه لقد سمعته يقول هذا، قال: فنزل عن دابّته و صلّى ركعتين فأطال السجود، ثمّ قام فركب و قد احترق حرملة و ركبت معه و سرنا فحاذيت (2) داري، فقلت: أيّها الأمير إن رأيت أن تشرّفني و تكرمني و تنزل عندي و تحرّم بطعامي، فقال: يا منهال تعلمني أنّ عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) دعا بأربع دعوات، فأجابه اللّه على يدي ثمّ تأمرني أن آكل؟
هذا يوم صوم، شكرا للّه عزّ و جلّ على ما فعلته بتوفيقه، و حرملة هو الّذي حمل رأس الحسين (عليه السّلام). (3)
توضيح: الحرمة ما لا يحلّ انتهاكه، و منه قولهم: تحرّم بطعامه، و ذلك لأنّ العرب إذا أكل رجل منهم من طعام غيره حصلت بينهما حرمة و ذمّة يكون كلّ منهما آمنا من أذى صاحبه.
4- باب آخر نورد فيه رسالة شرح الثأر الّذي ألّفه الشيخ الفاضل البارع جعفر بن محمّد بن نما، فإنّها مشتملة على جلّ أحوال المختار و من قتله من الأشرار، على وجه الاختصار يشفي به صدور المؤمنين الأخيار و يظهر منها بعض أحوال المختار
و هي هذه:
____________
(1)- منصرفي/ خ.
(2)- في المصدر: فجازيت.
(3)- 1/ 243 و البحار: 45/ 332 ح 1.
667
حججت فلقيت إمامي و كنت يوما عنده فمرّ به غلام شابّ فسلّم عليه فقام فتلقّاه و قبّل ما بين عينيه و خاطبه بالسيادة و مضى الغلام و عاد محمّد إلى مكانه، فقلت له:
عند اللّه أحتسب عناي، فقال: و كيف ذاك؟ قلت: لأنّا نعتقد إنّك الإمام المفترض الطاعة تقوم تتلقّى هذا الغلام، و تقول له: يا سيّدي؟ فقال: نعم هو و اللّه إمامي، فقلت:
و من هذا؟.
قال: عليّ ابن أخي الحسين، اعلم أنّي نازعته الإمامة و نازعني، فقال لي:
أ ترضى بالحجر الأسود حكما بيني و بينك؟ فقلت: و كيف نحتكم إلى حجر جماد؟
فقال: إنّ إماما لا يكلّمه الجماد فليس بإمام، فاستحييت من ذلك، و قلت: بيني و بينك الحجر الأسود فقصدنا الحجر و صلّى و صلّيت و تقدّم إليه، و قال: أسألك بالذي أودعك مواثيق العباد لتشهد لهم بالموافاة إلّا أخبرتنا من الإمام منّا فنطق- و اللّه- الحجر، و قال: يا محمّد سلّم الأمر إلى ابن أخيك فهو أحقّ به منك، و هو إمامك و تحلحل (1) حتّى ظننته يسقط، فأذعنت بإمامته، و دنت له بفرض طاعته، قال أبو بحير:
فانصرفت من عنده و قد دنت بإمامة عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) و تركت القول بالكيسانية.
و روي عن أبي بصير أنّه قال: سمعت أبا جعفر الباقر (عليه السّلام) يقول: كان أبو خالد الكابليّ يخدم محمّد بن الحنفيّة دهرا و لا يشكّ أنّه الإمام حتّى أتاه يوما فقال له:
جعلت فداك إنّ لي حرمة و مودّة فأسألك بحرمة (اللّه و) رسول اللّه و أمير المؤمنين إلّا أخبرتني أنت الإمام الّذي فرض اللّه طاعته على خلقه؟ قال: يا أبا خالد لقد حلّفتني بالعظيم، الإمام عليّ ابن أخي، عليّ و عليك و على كلّ مسلم.
فلمّا سمع أبو خالد قول محمّد بن الحنفيّة جاء إلى عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) فاستأذن و دخل و قال له: مرحبا يا كنكر ما كنت لنا بزائر، ما بدا لك فينا؟ فخرّ أبو خالد ساجدا شاكرا لمّا سمع من زين العابدين (عليه السّلام)، و قال: الحمد للّه الّذي لم يمتني حتّى عرفت إمامي، قال: و كيف عرفت إمامك يا أبا خالد؟ قال: لأنّك دعوتني
____________
(1)- تحلحل عن مكانه: تحرك و تزحزح.
666
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم أمّا بعد: حمدا للّه الّذي جعل الحمد ثمنا لثوابه و نجاة يوم الوعيد من عقابه، و الصلاة على محمّد الّذي شرّفت الأماكن بذكره و عطّرت المساكن بريّا (1) نشره، و على آله و أصحابه الّذين عظم قدرهم بقدره و تابعوه في نهيه و أمره، فإنّي لمّا صنّفت كتاب المقتل الّذي سمّيته مثير الأحزان و منير سبل الأشجان، و جمعت فيه من طرائف الأخبار، و لطائف الآثار ما يربي على الجوهر و النّضار، سألني جماعة من الأصحاب أن اضيف إليه عمل الثأر، و أشرح قضيّة المختار، فتارة اقدم و اخرى احجم، و مرّة أجنح جنوح الشامس (2)، و آونة أنفر نفور العذراء من يد اللّامس، و أردّهم عن عمله فرقا من التعرّض لذكره و إظهار مخفيّ سرّه.
ثمّ كشفت قناع المراقبة في إجابة سؤالهم و الانقياد لمرامهم، و أظهرت ما كان في ضميري، و جعلت نشر فضيلته أنيسي و سميري، لأنّه به خبت نار وجد سيّد المرسلين، و قرّة عين زين العابدين، و ما زال السلف يتباعدون عن زيارته و يتقاعدون عن إظهار فضيلته، تباعد الضبّ عن الماء، و الفراقد من الحصباء، و نسبوه إلى القول بإمامة محمّد بن الحنفيّة، و رفضوا قبره، و جعلوا قربهم إلى اللّه هجره مع قربه (من الجامع) و إنّ قبّته لكلّ من خرج من باب مسلم بن عقيل كالنّجم اللّامع، و عدلوا من العلم إلى التقليد، و نسوا ما فعل بأعداء المقتول الشهيد، و إنّه جاهد في اللّه حقّ الجهاد، و بلغ من رضا زين العابدين (عليه السّلام) غاية المراد، و رفضوا منقبته التي رقّت حواشيها (3) و تفجّرت ينابيع السعادة فيها.
و كان محمّد بن الحنفيّة أكبر من زين العابدين سنّا و يرى تقديمه عليه فرضا و دينا و لا يتحرّك حركة إلّا بما يهواه، و لا ينطق إلّا عن رضاه، و يتأمّر له تأمر الرعيّة للوالي، و يفضّله تفضيل السيّد على الخادم و الموالي، و تقلّد محمّد- رحمة اللّه عليه- أخذ الثّأر إراحة لخاطره الشريف، من تحمّل الأثقال، و الشدّ و الرحال (4) و يدلّ على ذلك ما رويته عن أبي بحير (5) عالم الأهواز، و كان يقول بإمامة ابن الحنفيّة، قال:
____________
(1)- في البحار: برباء، و في خ: برياح. و ريّا: الريح الطيبة.
(2)- الشامس من الخيل: الذي استعصى على راكبه و منع ظهره. (مجمع البحرين ج 4 ص 80).
(3)- جواسيها/ خ.
(4)- في البحار: و الترحال، و في خ/ و الارتحال.
(5)- في البحار: عن أبي بجير.
668
باسمي الذي لا يعرفه سوى امّي، و كنت في عمياء من أمري، و لقد خدمت محمّد بن الحنفيّة عمرا لا أشكّ أنّه إمام حتّى أقسمت عليه فأرشدني إليك و قال: هو الإمام عليّ و عليك و على كلّ مسلم ثمّ انصرف، و قد قال بامامة زين العابدين (عليه السّلام).
و قال قوم من الخوارج لمحمّد بن الحنفيّة: لم غرّر بك في الحروب و لم يغرّر بالحسن و الحسين؟ قال: لأنّهما عيناه و أنا يمينه، فهو يدفع بيمينه عن عينيه.
و روى العبّاس بن بكّار قال: حدّثنا أبو بكر الهذليّ، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لمّا كان يوم من أيّام صفّين دعا عليّ (عليه السّلام) ابنه محمّدا فقال: شدّ على الميمنة فحمل (محمّد) مع أصحابه فكشف ميمنة عسكر معاوية ثمّ رجع و قد جرح، فقال له: العطش فقام إليه (عليه السّلام) فسقاه جرعة من ماء ثمّ صبّ الماء بين درعه و جلده فرأيت علق الدم يخرج من حلق الدّرع ثمّ أمهله ساعة، ثمّ قال: شدّ في الميسرة فحمل مع أصحابه على ميسرة معاوية فكشفهم ثمّ رجع و به جراحة، و هو يقول: الماء الماء، فقام إليه ففعل مثل الأوّل ثمّ قال: شدّ في القلب، فكشفهم ثمّ رجع و قد أثقلته الجراحات و هو يبكي، فقام إليه فقبّل ما بين عينيه و قال: (سررتني) فداك أبوك لقد سررتني و اللّه يا بنيّ، فما يبكيك أفرح أم جزع؟ فقال: كيف لا أبكي و قد عرّضتني للموت ثلاث مرّات فسلّمني اللّه تعالى، و كلّما رجعت إليك لتمهلني فما أمهلتني، و هذان أخواي الحسن و الحسين ما تأمر هما بشيء؟ فقبّل- (عليه السّلام)- رأسه و قال: يا بنيّ أنت ابني و هذان ابنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أ فلا أصونهما؟ قال: بلى يا أباه جعلني اللّه فداك و فداهما.
و إذا كان ذلك رأيه فكيف يخرج عن طاعته و يعدل عن الاسلام بمخالفته مع علم محمّد بن الحنفية أنّ زين العابدين (عليه السّلام) وليّ الدّم و صاحب الثّأر و المطالب بدماء الأبرار، فنهض المختار نهوض الملك المطاع، و مدّ إلى أعداء اللّه يدا طويلة الباع فهشّم عظاما تغذّت بالفجور، و قطّع أعضاء نشأت على الخمور، و حاز إلى فضيلة لم يرق إلى شعاف شرفها عربيّ و لا أعجميّ، و أحرز منقبة لم يسبقه إليها هاشميّ و كان إبراهيم بن مالك الأشتر مشاركا له في هذه البلوى، و مصدّقا على الدّعوى و لم يك إبراهيم شاكّا في دينه، و لا ضالا في اعتقاده و يقينه، و الحكم فيهما واحدا و أنا أشرح بوار الفجّار على يد المختار، معتمدا قانون الاختصار، و سمّيته ذوب النّضار في شرح الثأر، و قد
669
وضعته على أربع مراتب، و اللّه الموفّق للصواب، المكافي يوم الحساب.
المرتبة الأولى في ذكر نسبه و طرف من أخباره:
هو المختار بن أبي عبيدة بن مسعود بن عمير الثقفي و قال المرزبانيّ ابن عمير بن عقدة بن عنزة: كنيته أبو إسحاق و كان أبو عبيدة والده يتنوّق في طلب النساء فذكر له نساء قومه فأبى أن يتزوّج منهنّ فأتاه آت في منامه فقال: تزوّج دومة الحسناء الحومة (1) فما تسمع فيها للائم لومة، فأخبر أهله، فقالوا: قد امرت، فتزوّج دومة بنت وهب بن عمر بن معتّب، فلمّا حملت بالمختار، قالت: رأيت في النوم قائلا يقول:
أبشري بالولد * * * أشبه شيء بالأسد
إذا (2)الرّجال في كبد * * * فقاتلوا (3) على بلد (4)
كان له الحظّ الأشدّ
فلمّا وضعت أتاها ذلك الآتي، فقال لها: إنّه قبل أن يتزعزع (5)، و قبل أن يتشعشع، قليل الهلع، كثير التبع، يدان بما صنع، و ولدت لأبي عبيدة: المختار و جبرا و أبا جبر و أبا الحكم و أبا اميّة، و كان مولده في عام الهجرة، و حضر مع أبيه وقعة قسّ الناطف (6) و هو ابن ثلاث عشرة سنة و كان يتفلّت للقتال فيمنعه سعد بن مسعود عمّه، فنشأ مقداما شجاعا لا يتّقي شيئا، و تعاطى معالي الامور، و كان ذا عقل وافر، و جواب حاضر، و خلال مأثورة، و نفس بالسخاء موفورة، و فطرة تدرك الأشياء بفراستها، و همّة تعلو على الفراقد بنفاستها، و حدس مصيب، و كفّ في الحروب مجيب، و (قد) مارس التجارب فحنّكته، و لا بس الخطوب فهذّبته.
و روي عن الأصبغ بن نباتة أنّه قال: رأيت المختار على فخذ أمير المؤمنين (عليه السّلام) و هو يمسح رأسه و يقول: يا كيّس يا كيّس، فسمّي كيسان و إليه عزّي الكيسانيّة كما عزّي الواقفيّة إلى موسى بن جعفر (عليهما السّلام) و الإسماعيليّة إلى أخيه إسماعيل و غيرهم من الفرق.
____________
(1)- الخوضة/ خ.
(2)- في البحار: إذا.
(3)- في البحار: تقاتلوا.
(4)- لبد/ خ.
(5)- بترعرع/ خ.
(6)- قس الناطف: موضع قريب من الكوفة، على شاطئ الفرات الشرقي، و به كان وقعة لهم على الفرس.
و في الأصل: قيس الناطف، و هو تصحيف. (مراصد الاطلاع ج 3 ص 1092).
670
و عن أبي جعفر الباقر (عليه السّلام) أنّه قال: لا تسبّوا المختار، فإنّه قتل قتلتنا و طلب ثأرنا، و زوّج أراملنا، و قسّم فينا المال على العسرة.
و روي أنّه دخل جماعة على أبي جعفر الباقر (عليه السّلام) و فيهم عبد اللّه بن شريك، قال: فقعدت بين يديه إذ دخل عليهم شيخ من أهل الكوفة، فتناول يده ليقبّلها فمنعه، ثمّ قال: من أنت؟ قال: أنا أبو الحكم بن المختار بن أبي عبيدة الثقفيّ، و كان متباعدا منه (عليه السّلام) فمدّ يده فأدناه حتّى كاد يقعده في حجره بعد منعه يده.
فقال: أصلحك اللّه، إنّ الناس قد أكثروا في أبي، و القول و اللّه قولك، قال: و أيّ شيء يقولون؟ قال: يقولون: كذّاب، و لا تأمرني بشيء إلّا قبلته، فقال: سبحان اللّه، أخبرني أبي أنّ مهر امّي ممّا بعث به المختار إليه، أولم بين دورنا، و قتل قاتلنا، و طلب بثأرنا، فرحم اللّه أباك- و كرّرها ثلاثا- ما ترك لنا حقّا عند أحد إلّا طلبه.
و عن: أبي حمزة الثماليّ قال: كنت أزور عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) في كلّ سنة مرّة في وقت الحجّ، فأتيته سنة و إذا على فخذه صبيّ فقام الصبيّ فوقع على عتبة الباب فانشجّ فوثب إليه مهرولا فجعل ينشف دمه و يقول: إنّي اعيذك أن تكون المصلوب في الكناسة، قلت: بأبي أنت و امّي، و أيّ كناسة؟ قال: كناسة الكوفة، قلت: و يكون ذلك؟ قال: إي و الّذي بعث محمّدا بالحقّ، لئن عشت بعدي لترينّ هذا الغلام في ناحية من نواحي الكوفة و هو مقتول مدفون منبوش مسحوب مصلوب في الكناسة ثمّ ينزل فيحرق و يذرى في البرّ، فقلت: جعلت فداك و ما اسم هذا الغلام؟ فقال: ابني زيد، ثمّ دمعت عيناه و قال: لاحدّثنّك بحديث ابني هذا بينا أنا ليلة ساجد و راكع ذهب بي النوم فرأيت كأنّي في الجنّة و كأنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين قد زوّجوني حوراء من حور العين فواقعتها و اغتسلت عند سدرة المنتهى و ولّيت، هتف بي هاتف، ليهنئك زيد.
فاستيقظت و تطهّرت و صلّيت صلاة الفجر، فدقّ الباب رجل فخرجت إليه فإذا معه جارية ملفوف كمّها على يده، مخمّرة بخمار، قلت: (ما) حاجتك؟ قال: اريد عليّ بن الحسين، قلت: أنا هو، قال: أنا رسول المختار بن أبي عبيدة الثقفيّ يقرؤك السلام و يقول: وقعت هذه الجارية في ناحيتنا فاشتريتها بستّمائة دينار، و هذه ستّمائة
672
تدري ما يحدث اللّه فيه لعلّه يكلّ، قال: عسى، فلم يزل على ذلك حتى مات معاوية، و ولّي يزيد و وجّه الحسين- (عليه السّلام)- مسلم بن عقيل إلى الكوفة فأسكنه المختار داره و بايعه، فلمّا قتل مسلم رحمة اللّه عليه سعي بالمختار إلى عبيد اللّه بن زياد- لعنه اللّه- فأحضره، و قال له: يا ابن عبيدة أنت المبايع لأعدائنا؟ فشهد له عمرو بن حريث أنّه لم يفعل، فقال عبيد اللّه: لو لا شهادة عمرو لقتلتك، و شتمه و ضربه بقضيب في يده فشتر عينه و حبسه و حبس أيضا عبد اللّه بن الحارث بن عبد المطّلب.
و كان في الحبس ميثم التمّار- (رحمه اللّه)- فطلب عبد اللّه حديدة يزيل بها شعر بدنه، و قال: لا آمن ابن زياد يقتلني فأكون قد ألقيت ما عليّ من الشعر، فقال المختار: و اللّه لا يقتلك و لا يقتلني و لا يأتي عليك إلّا قليل حتى تلي البصرة، فقال ميثم للمختار: و أنت تخرج ثائرا بدم الحسين (عليه السّلام) فتقتل هذا الذي يريد قتلنا و تطأ بقدميك على وجنتيه.
و لم يزل ذلك يتردّد في صدره حتى قتل الحسين (عليه السّلام)، كتب المختار إلى اخته صفيّة بنت أبي عبيدة و كانت زوجة عبد اللّه بن عمر تسأله مكاتبة يزيد بن معاوية، فكتب إليه، فقال يزيد: نشفّع أبا عبد الرحمن، و كلّمته هند بنت أبي سفيان في عبد اللّه ابن الحارث، و هي خالته، فكتب إلى عبيد اللّه فأطلقهما بعد أن أجّل المختار ثلاثة أيّام ليخرج من الكوفة، و إن تأخّر عنها ضرب عنقه، فخرج هاربا نحو الحجاز حتى إذا صار بواقصة (1) لقى الصّقعب بن زهير الأزديّ، فقال: يا أبا إسحاق مالي أرى عينك على هذه الحال؟ قال: فعل بي ذلك عبيد اللّه بن زياد، قتلني اللّه إن لم أقتله و اقطّع أعضاءه و لأقتلنّ بالحسين عدد الذين قتلوا بيحيى بن زكريّا و هم سبعون ألفا.
ثمّ قال: و الّذي أنزل القرآن، و بيّن الفرقان، و شرّع الأديان، و كرّه العصيان، لأقتلنّ العصاة من أزد عمان، و مذحج و همدان، و نهد و خولان و بكر «و هران و تعل و تيهان (2) و عبس و دبيان (3)» و قبائل قيس عيلان (4) غضبا لابن بنت نبيّ
____________
(1)- واقصة: منزل بطريق مكة بعد القرعاء نحو مكة و قبل العقبة. (معجم البلدان ج 5 ص 354).
(2)- في البحار: و هزّان و ثعل و نبهان.
(3)- في البحار: و ذبيان و في خ: زيبان.
(4)- في خ: غيلان.
671
دينار فاستعن بها على دهرك، و دفع إليّ كتابا كتبت جوابه، و قلت: ما اسمك؟
قالت: حوراء، فهيّؤوها لي و بتّ بها عروسا فعلقت بهذا الغلام فأسميته زيدا و سترى ما قلت لك.
قال أبو حمزة الثماليّ: فو اللّه لقد رأيت كلّ ما ذكره (عليه السّلام) في زيد.
و روي عن عمر بن عليّ (عليه السّلام) أنّ المختار أرسل إلى عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) عشرين ألف دينار، فقبلها و بنى منها دار عقيل بن أبي طالب و دارهم الّتي هدمت، و كان المختار ذا مقول مشحوذ الغرار (1) مأمون العثار، إن نثر سجع، و إن نطق برع، ثابت الجنان، مقدّم الشجعان، ما حدس إلّا أصاب، و لا تفرّس قطّ خاب، و لو لم يكن كذلك لما قام بأدوات المفاخر، و رأس على الامراء و العساكر.
و ولّى عليّ (عليه السّلام) عمّه على المدائن عاملا و المختار معه، فلمّا وليّ المغيرة بن شعبة الكوفة من قبل معاوية- لعنه اللّه- رحل المختار إلى المدينة، و كان يجالس محمّد ابن الحنفيّة و يأخذ عنه الأحاديث، فلمّا عاد إلى الكوفة ركب مع المغيرة يوما فمرّ بالسوق، فقال المغيرة: يا لها غارة و يا له جمعا، إنّي لأعلم كلمة لو نعق لها ناعق و لا ناعق لها لاتّبعوه، و لا سيّما الأعاجم الذين إذا القي إليهم الشيء قبلوه، فقال له المختار: و ما هي يا عمّ؟ قال: يستئدّون بآل محمّد (صلى اللّه عليه و آله)، فأغضى عليها المختار، و لم يزل ذلك في نفسه، ثمّ جعل يتكلّم بفضل آل محمّد (صلى اللّه عليه و آله) و ينشر مناقب عليّ و الحسن و الحسين (عليهم السّلام) و يسيّر ذلك و يقول: إنّهم أحقّ بالأمر من كلّ أحد بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و يتوجّع لهم ممّا نزل بهم.
ففي بعض الأيّام لقيه معبد بن خالد الجدليّ- جديلة قيس- فقال له: يا معبد إنّ أهل الكتاب ذكروا أنّهم يجدون رجلا من ثقيف يقتل الجبّارين، و ينصر المظلومين، و يأخذ بثأر المستضعفين، و وصفوا صفته، فلم يذكروا صفته في الرجل إلّا و هي فيّ غير خصلتين: أنّه شابّ و قد جاوزت الستّين، و إنّه رديّ البصر، و أنا أبصار من عقاب، فقال معبد: أمّا السنّ فإنّ ابن ستّين، و سبعين عند أهل ذلك الزمان شابّ، و أمّا بصرك فما
____________
(1)- القرار/ خ.
673
الرحمن، نعم يا صقعب و حقّ السميع العليم، العليّ العظيم، العدل الكريم، العزيز الحكيم، الرحمن الرحيم، لأعركنّ عرك الأديم بني كندة و سليم، و الأشراف من تميم، ثمّ سار إلى مكّة.
قال ابن العرق: رأيت المختار أشتر العين، فسألته فقال: شترها ابن زياد يا بن العرق، إنّ الفتنة أرعدت و أبرقت، و كأن قد أينعت، و ألقت خطامها و خبطت و شمست، و هي رافعة ذيلها، و قائلة ويلها، بدجلة و حولها.
فلم يزل على ذلك حتى مات يزيد- لعنه اللّه- يوم الخميس لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة ثلاث و ستين و قيل سنة أربع و عمره على الخلاف فيه ثمان و ثلاثون سنة، و كانت مدّة خلافته سنتين و ثمانية أشهر، و خلّف أحد عشر ولدا منهم أبو ليلى معاوية، و بويع له بالشّام و خلع نفسه و قد ذكرت حديثه في المقتل و أخوه خالد امّه بنت هاشم بن عتبة بن عبد شمس تزوّجها مروان بن الحكم- لعنه اللّه- بعد يزيد- لعنه اللّه- و فيها قال الشاعر:
أسلمي أمّ خالد * * * ربّ ساع لقاعد
و في تلك السنة بويع لعبد اللّه بن الزبير بالحجاز و لمروان بن الحكم بالشام و لعبيد اللّه بن زياد بالبصرة.
و أمّا أهل العراق فإنّهم وقعوا في الحيرة و الأسف و الندم على تركهم نصرة الحسين (عليه السّلام) و كان عبيد اللّه بن الحرّ بن المجمع بن حزيم (1) الجعفيّ من أشراف أهل الكوفة و كان قد مشى إليه (2) الحسين (عليه السّلام) و ندبه إلى الخروج معه فلم يفعل، ثمّ تداخله الندم حتى كادت نفسه تفيض فقال:
فيا لك حسرة ما دمت حيّا * * * تردّد بين حلقي و التراقي
حسين حين يطلب بذل نصري * * * على أهل الضّلالة و النّفاق
غداة يقول لي بالقصر قولا * * * أ تتركنا و تزمع بالفراق
و لو أنّي اواسيه بنفسي * * * لنلت كرامة يوم التلاق
مع ابن المصطفى نفسي فداه * * * تولّى ثمّ ودّع بانطلاق
____________
(1)- في البحار: حريم.
(2)- في البحار: إلى.
675
و كتب سليمان إلى المثنّى بن مخرمة العبديّ كتابا و بعثه مع ظبيان بن عمارة التميميّ من بني سعد فكتب المثنّى الجواب: أمّا بعد: فقد قرأت كتابك و أقرأته إخوانك فحمدوا رأيك و استجابوا لك، فنحن موافوك إن شاء اللّه تعالى للأجل الذي ضربت، و السلام عليك و كتب في أسفل كتابه:
تبصّر كأنّي قد أتيتك معلما (1) * * * على أبلغ الهادي أجشّ هزيم
طويل القرا نهد أشقّ مقلّص * * * ملحّ على قارىء اللّجام رءوم
بكلّ فتى لا يملأ الدرع نحره * * * محشّ لنار الحرب غير سؤم
أخي ثقة يبغي الإله بسعيه * * * ضروب بنصل السيف غير أثيم
و ذكر محمّد بن جرير الطبريّ- في تاريخه- أنّ أوّل ما ابتدأ به الشيعة من أمرهم سنة إحدى و ستّين و هي السنة الّتي قتل فيها الحسين، فما زالوا في جمع آلة الحرب و الاستعداد للقتال، و دعاء الشيعة بعضهم لبعض في السرّ للطّلب بدم الحسين (عليه السّلام) حتى مات يزيد بن معاوية (- عليهما اللعنة و الهاوية-) و كان بين مقتل الحسين (عليه السّلام) و هلاك يزيد (- لعنه اللّه-) ثلاث سنين و شهران و أربعة أيّام، و كان أمير العراق عبيد اللّه (لعنه اللّه) و خليفته بالكوفة عمرو بن حريث المخزوميّ، و كان عبد اللّه ابن الزبير قبل موت يزيد يدعوا الناس إلى طلب ثأر الحسين- (عليه السّلام)- و أصحابه و يغريهم بيزيد، و يوثّبهم عليه، فلمّا مات يزيد أعرض عن ذلك القول، و بان أنّه يطلب الملك لنفسه لا للثأر.
و ذكر المدائنيّ عن رجاله أنّ المختار لمّا قدم على عبد اللّه بن الزبير لم ير عنده ما يريد فقال:
ذو مخاريق و ذو مندوحة * * * و ركابي حيث وجّهت ذلل
لا تبيتنّ منزلا تكرهه * * * و إذا زلّت بك النعل فزل
فخرج المختار من مكّة متوجّها إلى الكوفة فلقيه هانئ بن أبي حيّة الوداعيّ (2) فسأله عن أهلها، فقال: لو كان لهم رجل يجمعهم على شيء واحد لأكل الأرض بهم،
____________
(1)- معلنا/ خ.
(2)- الوادعي/ خ.
676
فقال المختار: أنا و اللّه أجمعهم على الحقّ و ألقى بهم ركبان الباطل و أقتل بهم كل جبّار عنيد إن شاء اللّه، و لا قوّة إلّا باللّه.
ثمّ سأله المختار عن سليمان بن صرد هل توجّه لقتال المحلّين؟ قال: لا، و لكنّهم عازمون على ذلك، ثمّ سار المختار حتى انتهى إلى نهر الحيرة و [هو] يوم الجمعة، فنزل و اغتسل و لبس ثيابه و تقلّد سيفه، و ركب فرسه، و دخل الكوفة نهارا لا يمرّ على مسجد القبائل و مجالس القوم و مجتمع المحالّ إلّا وقف و سلّم و قال: أبشروا بالفرج، فقد جئتكم بما تحبّون، و أنا المسلّط على الفاسقين، و الطالب بدم أهل بيت نبيّ ربّ العالمين.
ثمّ دخل الجامع و صلّى فيه، فرأى الناس ينظرون إليه، و يقول بعضهم لبعض: هذا المختار ما قدم إلّا لأمر، و نرجوا به الفرج، و خرج من الجامع، و نزل داره- و يعرف قديما بسالم بن المسيّب- ثمّ بعث إلى وجوه الشيعة، و عرّفهم أنّه جاء من محمّد بن الحنفيّة للطلب بدماء أهل البيت، و هذا أمر لكم فيه الشفاء، و قتل الأعداء، فقالوا: أنت موضع ذلك و أهله، غير أنّ الناس قد بايعوا سليمان بن صرد الخزاعيّ فهو شيخ الشيعة اليوم فلا تعجل في أمرك، فسكت المختار و أقام ينتظر ما يكون من أمر سليمان، و الشيعة حينئذ يريدون أمرهم سرّا خوفا من عبد الملك بن مروان و من عبد اللّه بن الزبير و كان خوف الشيعة من أهل الكوفة أكثر، لأنّ أكثرهم قتلة الحسين (عليه السّلام) و صار المختار يفخّذ الناس عن سليمان بن صرد و يدعوهم إلى نفسه، فأوّل من بايعه و ضرب على يده عبيد بن عمر و إسماعيل بن كثير.
فقال عمر بن سعد و شبث بن ربعي لأهل الكوفة: إنّ المختار أشدّ عليكم، لأنّ سليمان إنّما خرج يقاتل عدوّكم، و المختار إنما يريد أن يثب عليكم، فسيروا إليه و أوثقوه بالحديد، و خلّدوه السّجن، فما شعر حتّى أحاطوا بداره و استخرجوه.
فقال إبراهيم بن محمّد بن طلحة لعبد اللّه بن يزيد: أوثقه كتافا و مشّه حافيا، فقال له: لم أفعل هذا برجل لم يظهر لنا عداوة و لا حربا إنّما أخذناه على الظنّ، فأتى ببغلة له دهماء فركبها، و أدخلوه السجن. قال يحيى بن أبي عيسى: دخلت مع حميد بن مسلم الأزديّ إلى المختار، فسمعته يقول: أما و ربّ البحار، و النخل و الأشجار،
674
فلو فلق التلهّف قلب حيّ * * * لهمّ اليوم قلبي بانفلاق
فقد فاز الاولى نصروا حسينا * * * و خاب الآخرون اولو (1)النفاق
و لم يكن في العراق من يصالح للقتال و النّجدة و البأس إلّا قبائل العرب بالكوفة، فأوّل من نهض سليمان بن صرد الخزاعيّ و كان [ت] له صحبة مع النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و مع عليّ (عليه السّلام) و المسيّب بن نجبة الفزاريّ (2) و هو من كبار الشيعة و له صحبة مع عليّ (عليه السّلام)، و عبد اللّه بن سعد بن نفيل الأزديّ و رفاعة بن شدّاد البجليّ و عبد اللّه بن و أل التيميّ من بني تيم اللّات بن ثعلبة، و اجتمعوا في دار سليمان و معهم اناس من الشيعة، فبدأ سليمان بالكلام، فحمد اللّه و أثنى عليه فقال:
أمّا بعد: فقد ابتلينا بطول العمر، و التعرّض للفتن، و نرغب إلى ربّنا أن لا يجعلنا ممّن يقول له «أَ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَ جاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ» (3) و قال عليّ (عليه السّلام): العمر الّذي أعذر اللّه فيه ابن آدم ستّون سنة و ليس فينا إلّا من قد بلغها، و كنّا مغرمين بتزكية أنفسنا، و مدح شيعتنا، حتّى بلى اللّه خيارنا، فوجدنا كذّابين في نصر ابن بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و لا عذر دون أن تقتلوا قاتليه، فعسى ربّنا أن يعفو عنّا.
قال رفاعة بن شدّاد: قد هداك اللّه لأصوب القول، و دعوت إلى أرشد الامور جهاد الفاسقين، و إلى التوبة من الذّنب، فمسموع منك، مستجاب لك، مقبول قولك، فإن رأيتم ولّينا هذا الأمر شيخ الشيعة صاحب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) سليمان بن صرد، فقال المسيّب بن نجبة (4): أصبتم و وفّقتم، و أنا أرى الّذي رأيتم، فاستعدّوا للحرب.
و كتب سليمان كتابا إلى من كان بالمدائن من الشّيعة من أهل الكوفة، و حمله مع عبد اللّه بن مالك الطائيّ إلى سعد بن حذيفة بن اليمان (5) يدعوهم إلى أخذ الثأر، فلمّا وقفوا على الكتاب قالوا: رأينا مثل رأيهم، و كتب سعد بن حذيفة الجواب بذلك.
____________
(1)- في الأصل: إلى.
(2)- في احدى النسخ: المسيّب بن نجية الضرائري، و في الاخرى: المسيّب بن نجية الضراري.
(3)- فاطر: 37.
(4)- في الأصل: نجية.
(5)- اليماني/ خ.
677
و المهامة القفار، و الملائكة الأبرار، و المصطفين الأخيار، لأقتلنّ كلّ جبّار بكلّ لدن خطّار، و مهنّد بتّار، في جموع من الأنصار، ليسوا بميّل و لا أغمار، و لا بعزل أشرار، حتّى إذا أقمت عمود الدين، و رأيت صدع المسلمين، و أدركت ثأر النبيّين، لم يكبر عليّ زوال الدنيا، و لم أحفل بالموت إذا أتى.
المرتبة الثانية: في ذكر رجال سليمان بن صرد و خروجه و مقتله
لمّا أراد النهوض بعسكره من النخيلة (1) و هي العبّاسيّة مستهلّ شهر ربيع الآخر سنة خمس و ستّين، و هي السنة التي أمر مروان بن الحكم أهل الشام بالبيعة من بعده لابنيه عبد الملك و عبد العزيز، و جعلهما وليّي عهده، و فيها مات مروان بدمشق مستهلّ شهر رمضان، و كان عمره إحدى و ثمانين سنة، و كانت خلافته تسعة أشهر و كان عبيد اللّه- لعنه اللّه- بالعراق، فسار حتى نزل الجزيرة فأتاه الخبر بموت مروان- لعنه اللّه- و خرج سليمان بن صرد ليرحل فرأى عسكره فاستقلّه، فبعث حكيم بن منقذ الكنديّ و الوليد بن حصين (2) الكنانيّ في جماعة و أمرهما بالنداء في الكوفة: يا آل ثارات الحسين.
فسمع النداء رجل من كثير من الأزد، و هو عبد اللّه بن حازم و عنده ابنته و امرأته سهلة بنت سبرة، و كانت من أجمل النساء و أحبّهم إليه، و لم يكن دخل في القوم فوثب إلى ثيابه فلبسها، و إلى سلاحه و فرسه، قالت له زوجته: ويحك أجننت؟ قال:
لا و لكنّي سمعت داعي اللّه عزّ و جلّ فأنا مجيبه، و طالب بدم هذا الرجل حتى أموت، فقالت: إلى من تودع بيتك هذا؟ قال: إلى اللّه، اللّهمّ إنّي أستودعك ولدي و أهلي، اللّهمّ احفظني فيهم، و تب عليّ فيما فرّطت في نصرة ابن بنت نبيّك.
ثمّ نادوا: يا آل ثارات الحسين في الجامع، و الناس يصلّون العشاء الآخرة فخرج جمع كثير إلى سليمان و كان معه ستّة عشر ألفا مثبّتة في ديوانه، فلم يصف منهم
____________
(1)- النخيلة: تصغير نخلة، موضع قرب الكوفة على سمت الشام (مراصد الاطلاع ج 3 ص 1366).
(2)- في الأصل: عصين.
678
سوى أربعة آلاف، و عزم على المسير إلى الشام المحاربة عبيد اللّه بن زياد- لعنه اللّه- فقال له عبد اللّه بن سعد: إنّ قتلة الحسين (عليه السّلام) كلّهم بالكوفة، (ف)- منهم عمر بن سعد و رءوس الأرباع و أشراف القبائل، و ليس بالشام سوى عبيد اللّه بن زياد- لعنه اللّه- فلم يوافق إلّا على المسير.
فخرج عشية الجمعة لخمس مضين من شهر ربيع الآخر كما ذكرنا فباتوا بدير الأعور، ثمّ سار فنزل على أقساس (1) بني مالك على شاطئ الفرات، ثمّ أصبحوا عند قبر الحسين (عليه السّلام) فأقاموا يوما و ليلة يصلّون و يستغفرون ثمّ ضجّوا ضجّة واحدة بالبكاء و العويل فلم ير يوم أكثر بكاء فيه (2)، و ازدحموا عند الوداع على قبره كالزّحام على الحجر الأسود و قام في تلك الحال وهب بن زمعة (3) الجعفيّ باكيا على القبر و أنشد أبيات عبد اللّه (4) بن الحرّ الجعفيّ:
تبيت النشاوى من اميّة نوّما * * * و بالطفّ قتلى ما ينام حميمها
و ما ضيّع الإسلام إلّا قبيلة * * * تأمر نوكاها (5)و دام نعيمها
و أضحت قناة الدّين في كفّ ظالم * * * إذا اعوجّ منها جانب لا يقيمها
فأقسمت لا تنفكّ نفسي حزينة * * * و عيني تبكي لا يجفّ سجومها
حياتي أو تلقى اميّة خزية * * * يذلّ لها حتّى الممات قرومها
و كان مع الناس عبد اللّه بن عوف الأحمر على فرس كميت (6) يتأكّل تأكّلا و هو يقول:
خرجن يلمعن بنا إرسالا * * * عوابسا قد تحمل الأبطالا
نريد أن نلقى بها الأقيالا * * * الفاسقين الغدّر الضلالا
و قد رفضن الأهل و الأموالا (7) * * * و الخفرات البيض و الحجّالا
____________
(1)- اقتناس/ خ، و اقساس بني مالك: قرية بالكوفة و كورة [يقال لها] أقساس مالك، منسوبة الى مالك بن عبد هند بن لجم. (مراصد الاطلاع ج 1 ص 104).
(2)- منه/ خ.
(3)- وفعة/ خ.
(4)- في البحار: عبيد اللّه.
(5)- نوكاها: أحمقها.
(6)- الكميت: لون بين السواد و الحمرة يكون في الخيل و الإبل، يستوي فيه المذكر و المؤنث. (لسان العرب ج 2 ص 81).
(7)- العيالا/ خ.
679
نرجوا به التحفة و النّوالا * * * لنرضي المهيمن المفضالا
فساروا حتى أتوا هيت، ثمّ خرجوا حتّى انتهوا إلى قرقيسيا (1) و بلغهم أنّ أهل الشام في عدد كثير فساروا سيرا مغذّا حتى و ردوا عين الوردة عن يوم و ليلة ثمّ قام سليمان بن صرد، فوعظهم و ذكّرهم الدار الآخرة و قال: إن قتلت فأميركم المسيّب بن نجبة فإن اصيب المسيّب فالأمير عبد اللّه بن سعد بن نفيل، فإن اصيب فأخوه خالد بن سعد، فإن قتل خالد فالأمير عبد اللّه بن وأل، فإن قتل ابن وأل فأمير كم رفاعة بن شدّاد.
ثمّ بعث سليمان المسيّب بن نجبة في أربعة آلاف فارس رائدا، و أن يشنّ عليهم الغارة، قال حميد بن مسلم: كنت معهم فسرنا يومنا كلّه و ليلتنا، حتى إذا كان السحر نزلنا و هوّمنا (2) ثمّ ركبنا و قد صلّينا الصبح ففرّق العسكر و بقي معه مائة فارس، فلقي أعرابيّا فقال: كم بيننا و بين أدنى القوم؟ فقال: ميل.
أقول: الميل أربعة آلاف ذراع و كلّ ثلاثة أميال فرسخ- و هذا عسكر شرحبيل ابن ذي الكلاع من قبل عبيد اللّه معه أربعة آلاف و من ورائهم حصين بن نمير السكونيّ في أربعة آلاف، و من ورائهم الصلت بن ناحية (3) الغلابي في أربعة آلاف، و جمهور العسكر مع عبيد اللّه بن زياد بالرّقّة (4).
فساروا حتّى أشرفوا على عسكر الشام، فقال المسيّب لأصحابه: كرّوا عليهم، فحمل (عليهم) عسكر العراق فانهزموا فقتل منهم خلق كثير و غنموا منهم غنيمة عظيمة و أمرهم المسيّب بالعود فرجعوا إلى سليمان بن صرد، و وصل الخبر إلى عبيد اللّه فسرّح إليهم الحصين بن نمير و أتبعه بالعساكر حتّى نزل في عشرين ألفا، و عسكر العراق يومئذ ثلاثة آلاف و مائة لا غير.
____________
(1)- في البحار و احدى نسخ الأصل: قرقيسا، و في الاخرى قرسيسا، و ما أثبتناه هو الأرجح. قرقيسياء: بلد على الخابور عند مصبه، و هي على الفرات، جانب منها على الخابور و جانب على الفرات، فوق رحبة مالك بن طوق. (مراصد الاطلاع ج 3 ص 1080).
(2)- هوّم: نام قليلا، هزّالرأس من النعاس.
(3)- في البحار: ناجية.
(4)- الرّقّة: مدينة مشهورة على الفرات من جانبها الشرقي، في بلاد الشام. (مراصد الاطلاع ج 2 ص 626).
681
قد علمت ميّالة الذوائب * * * واضحة الخدّين و الترائب
إنّي غداة الرّوع و التغالب * * * أشجع من ذي لبدة مواثب
قصّاع أقران مخوف الجانب
فلم يزل يكرّ عليهم فيفرّون بين يديه حتّى تكاثروا فقتلوه.
ثمّ أخذ الراية عبد اللّه بن سعد بن نفيل ثمّ حمل على القوم و طعن و هو يقول:
ارحم إلهي عبدك التوّابا * * * و لا تؤاخذه فقد أنابا
و فارق الأهلين و الأحبابا * * * يرجو بذاك الفوز و الثوابا
فلم يزل يقاتل حتّى قتل
ثمّ تقدّم أخوه خالد بن سعد بالراية، و حرّضهم على القتال، و رغّبهم في حميد المال، فقاتل أشدّ قتال، و نكّل بهم أيّ نكال، حتّى قتل.
و تقدّم عبد اللّه بن و أل فأخذ الراية، و قاتل حتّى قطعت يده اليسرى ثمّ استند إلى أصحابه و يده تشخب دما، ثمّ كرّ عليهم و هو يقول:
نفسي فداكم اذكروا الميثاقا * * * و صابروهم و احذروا النفاقا
لا كوفة نبغي و لا عراقا * * * لا بل نريد الموت و العتاقا
و قاتل حتّى قتل، فبينما هم كذلك اذ جاءتهم النجدة مع المثنّى بن مخزمة (1) العبديّ من البصرة و من المدائن مع كثير بن عمرو الحنفيّ فاشتدّت قلوب أهل العراق بهم، و اجتمعوا و كبّروا و اشتدّ القتال، فتقدّم رفاعة بن شدّاد نحو صفوف (أهل) الشام و هو يرتجز و يقول:
يا ربّ انّي تائب إليكا * * * قد اتّكلت سيّدي عليكا
قدما ارجّي (2)الخير من يديكا * * * فاجعل ثوابي أملي إليكا (3)
قال عبد اللّه بن عوف الأزديّ: و اشتدّ القتال حتّى بان في أهل العراق الضعف و القلّة، و تحدّثوا في ترك القتال، فبعضهم يوافق، و بعضهم يقول: إن وليّنا ركبنا السيف، فلا نمشي فرسخا حتّى لا يبقى منّا واحد، و إنّما نقاتل حتّى يأتي اللّيل
____________
(1)- في البحار: مخرمة.
(2)- قديما أرجو/ خ.
(3)- لديكا/ خ.
680
ثمّ تهيّأت العساكر للحرب، فكان على ميمنة أهل الشام عبد اللّه بن الضحّاك بن قيس الفهريّ، و على ميسرتهم مخارق بن ربيعة الغنويّ، و على الجناح شرحبيل بن ذي الكلاع الحميريّ و في القلب الحصين بن نمير السكونيّ، ثمّ جعل أهل العراق على ميمنتهم المسيّب بن نجبة الفزاريّ، و على ميسرتهم عبد اللّه بن سعد بن نفيل الأزديّ، و على الجناح رفاعة بن شدّاد البجليّ، و على القلب الأمير سليمان بن صرد الخزاعيّ و وقف العسكر فنادى أهل الشام: ادخلوا في طاعة عبد الملك بن مروان، و نادى أهل العراق: سلّموا إلينا عبيد اللّه بن زياد و أن يخرج الناس من طاعة عبد الملك و آل الزبير، و يسلّم الأمر إلى أهل بيت نبيّنا (صلى اللّه عليه و آله)، فأبى الفريقان، و حمل بعضهم على بعض و جعل سليمان بن صرد يحرّضهم على القتال و يبشّرهم بكرامة اللّه، ثمّ كسر جفن سيفه و تقدّم نحو أهل الشام و هو يقول:
إليك ربّي تبت من ذنوبي * * * و قد علاني في الورى مشيبي
فارحم عبيدا عرما (1)تكذيب * * * و اغفر ذنوبي سيّدي و حوبي (2)
قال حميد بن مسلم: حملت ميمنتنا على ميسرتهم، و حملت ميسرتنا على ميمنتهم، و حمل سليمان في القلب فهزمناهم و ظفرنا بهم، و حجز الليل بيننا و بينهم ثمّ قاتلناهم في الغد و بعده حتى مضت ثلاثة أيّام ثمّ أمرهم الحصين بن نمير لأهل الشام برمي النبل فأتت السهام كالشرار المتطاير فقتل سليمان بن صرد (رحمه اللّه) فلقد بذل في أهل الثأر مهجته، و أخلص للّه توبته و قد قلت هذين البيتين، حيث مات مبرّأ من العتب و الشين:
قضى سليمان نحبه فغدا * * * إلى جنان و رحمة الباري
مضى حميدا في بذل مهجته * * * و أخذه للحسين بالثار
ثمّ أخذ الراية المسيّب بن نجبة، فقاتل قتالا خرّت له الأذقان، و أثّر في ذلك الجيش الجمّ الطعان ثلاث مرّات، و كان من أعظم الشجعان قتالا و أكرّهم على الأعداء نكالا و هو يقول:
____________
(1)- عرم: اتّهم بما لم يجن.
(2)- الحوب: الإثم.
682
و نمضي. ثمّ تقدّم عبد اللّه بن عوف إلى الراية فرفعها، و اقتتلوا أشدّ قتال، فقتل جماعة من أهل العراق، و انفلت الجموع، و افترق الناس، و عاد العسكر حتّى وصلوا قرقيسيا من جانب البرّ، و جاء سعد بن حذيفة إلى هيت (1)، فلقيه الأعراب فأخبروه بما لقى الناس، ثمّ عاد أهل المدائن و أهل البصرة و أهل الكوفة إلى بلادهم، و المختار محبوس و كان يقول لأصحابه: عدّوا لغارتكم هذه (2) أكثر من عشر و دون الشهر، ثمّ يجيئكم نبأ هتر، من طعن بتر، و ضرب هبر (3)، و قتل جمّ، و أمر همّ، فمن لها، أنالها، لا تكذبنّ أنا لها، و كان المختار يأخذ أفعاله بالرّجز و الفراسة و الخدع و حسن السياسة.
قال المرزبانيّ في كتاب الشعراء: كان له غلام اسمه جبرئيل، و كان يقول:
قال لي جبرئيل، و قلت لجبرئيل، فيتوهّم الأعراب و أهل البوادي أنّه جبرئيل (عليه السّلام) فاستحوذ عليهم بذلك حتّى انتظمت له الامور، و قام بإعزاز الدّين و نصره، و كسر الباطل و قصره.
و لمّا قدم أصحاب سليمان بن صرد من الشام، كتب إليهم المختار من الحبس.
امّا بعد: فانّ اللّه أعظم لكم الأجر، و حطّ عنكم الوزر، بمفارقة القاسطين، و جهاد المحلّين (4)، إنّكم لن تنفقوا نفقة و لم تقطعوا عاقبة، و لم تخطوا خطوة إلّا رفع اللّه لكم بها درجة، و كتب لكم حسنة، فابشروا فإنّي لو خرجت إليكم جرّدت [فيما] بين المشرق و المغرب من عدوّكم بالسيف باذن اللّه، فجعلتهم ركاما، و قتلتهم فذّا و توّاما، فرحّب اللّه لمن قارب و اهتدى، و لا يبعد اللّه إلّا من عصى و أبى و السلام يا أهل الهدى.
فلمّا جاء كتابه وقف عليه جماعة من رؤساء القبائل و أعادوا الجواب قرأنا كتابك و نحن حيث يسرّك، فإن شئت أن نأتيك حتى نخرجك من الحبس فعلنا، فأخبره الرسول، فسرّ باجتماع الشيعة له و قال:- لا تفعلوا هذا فإنّي أخرج في أيّامي هذه،
____________
(1)- هيت: بالكسر، و آخره تاء مثناة، سمّيت باسم بانيها، و هو هيت بن البندى. و يقال البلندي: بلدة على الفرات فوق الأنبار (مراصد الاطلاع ج 3 ص 1468)
(2)- في الأصل و البحار: هذا.
(3)- هتر/ خ.
(4)- في الأصل: المخلّين.
684
في الدّور حوله، و أراد أن يثب (1) على أهل الكوفة.
فجاء رجل من أصحابه من شبام (2) عظيم الشرف و هو عبد الرحمن بن شريح فلقي جماعة منهم سعد بن منقذ، و سعر بن أبي سعر الحنفيّ، و الأسود الكنديّ، و قدّامة بن مالك الجشميّ و قد اجتمعوا، فقالوا له: إنّ المختار يريد الخروج بنا للأخذ بالثأر و قد بايعناه، و لا نعلم أرسله إلينا محمّد بن الحنفيّة أم لا؟ فانهضوا بنا إليه نخبره بما قدم به علينا، «فان رخّص» (3) لنا اتّبعناه و إن نهانا تركناه، فخرجوا و جاءوا إلى ابن الحنفيّة فسألهم عن الناس فخبّروه، و قالوا: لنا إليك حاجة قال: سرّ أم علانية، قلنا: بل سرّ، قال: رويدا إذن، ثمّ مكث قليلا و تنحّى و دعانا، فبدأ عبد الرحمن بن شريح بحمد اللّه و الثناء عليه و قال: أمّا بعد فإنّكم أهل بيت خصّكم اللّه بالفضيلة و شرّفكم بالنبوّة، و عظّم حقّكم على هذه الامّة، و قد اصبتم بحسين (عليه السّلام) مصيبة عمّت المسلمين، و قد قدم المختار يزعم أنّه جاء من قبلكم و قد دعانا إلى كتاب اللّه و سنّة نبيّه (صلى اللّه عليه و آله) و الطلب بدماء أهل البيت فبايعناه على ذلك، فإن أمرتنا باتّباعه اتّبعناه و إن نهيتنا اجتنبناه.
فلمّا سمع كلامه و كلام غيره حمد اللّه و أثنى عليه و صلّى على النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و قال: أمّا ما ذكرتم ممّا خصّنا اللّه فإنّ الفضل للّه يؤتيه من يشاء و اللّه ذو الفضل العظيم، و أمّا مصيبتنا بالحسين فذلك في الذكر الحكيم، و أمّا الطلب بدمائنا. (4)
قال جعفر بن نما مصنّف هذا الكتاب: فقد رويت عن والدي رحمة اللّه عليه أنّه قال لهم: قوموا بنا إلى إمامي و إمامكم عليّ بن الحسين، فلمّا دخل و دخلوا عليه أخبر (ه) خبرهم الذي جاءوا لأجله، قال: يا عمّ لو أنّ عبدا زنجيّا تعصّب لنا أهل البيت، لوجب على الناس مؤازرته و قد ولّيتك هذا الأمر فاصنع ما شئت، فخرجوا، و قد سمعوا كلامه و هم يقولون: أذن لنا زين العابدين (عليه السّلام) و محمّد بن الحنفيّة.
و كان المختار علم بخروجهم إلى محمّد بن الحنفيّة، و كان يريد النهوض
____________
(1)- في نسختي الأصل: يبث.
(2)- شبام: بكسر أوله: جبل عظيم بصنعاء. (مراصد الاطلاع ج 2 ص 779).
(3)- و خصّ/ خ.
(4)- هكذا في البحار و نسختي الأصل.
683
و كان المختار قد بعث إلى عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب: أمّا بعد فإنّي حبست مظلوما و ظنّ بي الولاة ظنونا كاذبة، فاكتب فيّ [رحمك اللّه] إلى هذين الظالمين، و هما عبد اللّه بن يزيد، و إبراهيم بن محمّد كتابا عسى اللّه أن يخلّصني من أيديهما بلطفك و منّك و السلام عليك.
فكتب إليهما ابن عمر: أمّا بعد، فقد علمتما الّذي بينى و بين المختار من الصهر، و الّذي بيني و بينكما من الودّ، فأقسمت عليكما لمّا خلّيتما سبيله، حين تنظران في كتابي هذا و السلام عليكما و رحمة اللّه و بركاته. فلمّا قرأ الكتاب، طلبا من المختار كفلاء فأتاه جماعة من أشراف الكوفة، فاختارا منهم عشرة ضمنوه، و حلّفاه أن لا يخرج عليهما، فإن هو خرج فعليه ألف بدنة (1) ينحرها لدى رتاج (2) الكعبة، و مماليكه كلّهم أحرار، فخرج و جاء داره.
قال حميد بن مسلم: سمعت المختار يقول: قاتلهم اللّه ما أجهلهم و أحمقهم حيث يرون أنّي أفي لهم بأيمانهم هذه، أمّا حلفي باللّه فإنّه ينبغي إذا حلفت يمينا و رأيت ما هو أولى منها أن أتركها و أعمل الأولى و اكفّر عن يميني، و خروجي خير من كفّي عنهم، و أمّا هدي (3) ألف بدنة فهو أهون عليّ من بصقة، و ما يهوّلني ثمن ألف بدنة، و أمّا عتق مماليكي فو اللّه لوددت أنّه استتبّ لي أمري من أخذ الثّأر، ثمّ لم أملك مملوكا أبدا.
و لمّا استقرّ في داره، اختلفت الشيعة إليه، و اجتمعت عليه، و اتّفقوا على الرّضا به، و كان قد بويع له و هو في السجن، و لم يزل يكثرون و أمرهم يقوى و يشتدّ حتى عزل عبد اللّه بن الزبير الواليين من قبله، و هما عبد اللّه بن زيد و إبراهيم بن محمّد بن طلحة المذكورين، و بعث عبد اللّه بن مطيع واليا على الكوفة، و الحارث بن عبد اللّه بن أبي ربيعة على البصرة، فدخل ابن مطيع إليها، و بعث المختار إلى أصحابه فجمعهم
____________
(1)- البدنة: الناقة او البقرة المسمّنة.
(2)- الرتاج: الباب العظيم؛ و قيل: هو الباب المغلق. (لسان العرب ج 2 ص 279).
(3)- الهدي: هو ما يهدى الى البيت الحرام من النعم لتنحر، فاطلق على جميع الابل و إن لم تكن هديا.
(النهاية لابن الأثير ج 5 ص 254).
685
بجماعة الشيعة قبل قدومهم، فلمّا تهيّأ ذلك له، و كان يقول: إنّ نفيرا منكم تحيّروا و ارتابوا، فإن هم أصابوا أقبلوا و أنابوا، و إن هم كبوا و هابوا و اعترضوا و انجابوا (1) فقد خسروا و خابوا، فدخل القادمون من عند محمّد بن الحنفية فقال: ما وراءكم فقد فتنتم و ارتبتم؟ فقالوا: قد امرنا بنصرتك، فقال: أنا أبو إسحاق اجمعوا إليّ الشيعة، فجمع من كان قريبا، فقال: يا معشر الشيعة إنّ نفرا أحبّوا أن يعلموا مصداق ما جئت به، فخرجوا إلى إمام الهدى و النجيب المرتضى و ابن المصطفى المجتبى- يعني زين العابدين (عليه السّلام)- فعرّفهم أنّي (2) ظهيره و رسوله و أمركم باتّباعي و طاعتي و قال كلاما يرغّبهم إلى الطاعة و الاستنفار (3) معه و أن يعلم الحاضر الغائب.
و عرّفه قوم أنّ جماعة من أشراف الكوفة مجتمعون على قتالك مع ابن مطيع، و متى جاء معنا إبراهيم بن الأشتر رجونا بإذن اللّه تعالى القوّة على عدوّنا فله عشيرة، فقال:
ألقوه و عرّفوا الاذن لنا في الطلب بدم الحسين (عليه السّلام) و أهل بيته، فعرّفوه، فقال: قد أجبتكم على أن تولّوني الأمر، فقالوا له: أنت أهل، و لكن ليس إليه سبيل، هذا المختار قد جاءنا من قبل إمام الهدى و من نائبه محمّد بن الحنفية و هو المأذون له في القتال فلم يجب، فانصرفوا و عرّفوه المختار.
فبقي ثلاثا ثم إنّه دعا جماعة من وجوه أصحابه، قال عامر الشعبيّ: و أنا و أبي فيهم، فسار المختار و هو أمامنا يقدّ (4) بنا بيوت الكوفة، لا يدري أين يريد حتى وقف على باب إبراهيم، فأذن له و القيت الوسائد فجلسنا عليها و جلس المختار معه على فراشه، و قال: هذا كتاب محمّد ابن أمير المؤمنين يأمرك أن تنصرنا فإن فعلت (اغتبطت، و إن امتنعت) (5) فهذا الكتاب حجّة عليك و سيغني اللّه محمدا و أهل بيته عنك، و كان المختار قد سلّم الكتاب إلى الشعبيّ فلمّا تمّ كلامه، قال: ادفع (6) الكتاب إليه، ففضّ ختمه و هو كتاب طويل فيه:
بسم اللّه الرحمن الرحيم: من محمّد المهديّ إلى إبراهيم بن الأشتر، سلام عليك
____________
(1)- يخابوا/ خ.
(2)- إلى/ خ.
(3)- في احدى النسخ: الاستغفار، و في الاخرى: الاستنقاذ و ما أثبتناه من البحار.
(4)- يتعد/ خ. و يقدّ: يقطع.
(5)- اغتطبت و ان اقنعت/ خ.
(6)- في البحار: ارفع.
687
و هم متسلّحون، فقال: ما هذا الجمع؟ إنّ أمرك لمريب، و لا أتركك حتّى آتي بك إلى الأمير، فامتنع إبراهيم و وقع التشاجر بينهم، و مع إياس رجل من همدان اسمه أبا قطن قال له إبراهيم: ادن منّي، لأنّه صديقه فظنّ أنّه يريد أن يجعله شفيعه في تخلية القوم، و بيد أبي قطن رمح طويل فأخذه إبراهيم منه و طعن إياس [بن مضارب] في نحره فصرعه و أمرهم فاجتزّوا رأسه و انهزم أصحابه و أقبل إبراهيم إلى المختار و عرّفه ذلك فاستبشر و تفاءل بالنصر و الظفر، ثمّ أمر بإشعال النار في هرادي (1) القصب و بالنداء: يا لثارات (2) الحسين، و لبس درعه و سلاحه و هو يقول:
قد علمت بيضاء حسناء الطلل * * * واضحة الخدّين عجزاء الكفل
إنّي غداة الروع مقدام بطل * * * لا عاجز فيها و لا وغد فشل
فأقبل الناس من كل ناحية و جاء عبد اللّه (3) بن الحرّ الجعفيّ في قومه و تقاتلوا قتالا عظيما، و شرّد الناس و من كان في الطرق و الجبّانات من أصحاب السلاح و استشعروا الحذر، و تفرّقوا في الأزقّة خوفا من إبراهيم و أشار شبث بن ربعيّ على الأمير ابن مطيع بالقتال.
فعلم المختار فخرج في أصحابه حتّى نزل دير هند (4) ممّا يلي بستان زائدة في السبخة، ثمّ جاء أبو عثمان النهديّ في جماعة أصحابه إلى الكوفة و نادوا: يا آل ثارات الحسين يا منصور أمت- و هذه علامة بينهم- يا أيها الحيّ المهتدون، ألا إنّ أمين آل محمّد (صلى اللّه عليه و آله) قد خرج فنزل دير هند و بعثني إليكم داعيا و مبشّرا فاخرجوا إليه رحمكم اللّه، فخرجوا من الدور يتداعون، و في هذا المعنى قلت هذه الأبيات متأسّفا على ما فات، كيف لم أكن من أصحاب الحسين (عليه السّلام) في نصرته، و لا من أصحاب المختار و جماعته؟!
و لمّا دعا المختار للثأر (5)أقبلت * * * كتائب من أشياع آل محمّد
____________
(1)- هرادي القصب: أصفره و يابسه.
(2)- في البحار: يا آل ثارات.
(3)- في البحار: عبيد اللّه.
(4)- نهد/ خ. دير هند الصغرى: بالحيرة، يقارب خطة بني عبد اللّه بن دارم بالكوفة، ممّا يلي الخندق. و هند هذه بنت النّعمان بن المنذر المعروفة بالحرقة. (مراصد الاطلاع ج 2 ص 579).
(5)- في احدى النسخ: بالثأر، و في الاخرى: الثأر.
686
قد بعثت إليك المختار و من ارتضيته لنفسي، و قد أمرته بقتال عدوّي، و الطلب بدماء أهل بيتي فامض معه بنفسك و عشيرتك، و تمام الكتاب بما يرغّب إبراهيم في ذلك.
فلمّا قرأ الكتاب قال: ما زال يكتب إليّ اسمه و اسم أبيه فما باله و يقول في هذا الكتاب المهديّ؟ قال المختار: ذاك زمان، قال إبراهيم: من يعلم أنّ هذا كتاب ابن الحنفيّة إليّ؟ قال يزيد بن أنس و أحمر بن سقيط و عبد اللّه بن كامل و غيرهم:
نحن نعلم و نشهد أنّه كتاب محمّد إليك، قال الشعبيّ: إلّا أنا و أبي لا نعلم، و عند ذلك تأخّر إبراهيم عن صدر الفراش و أجلس المختار عليه، و قال: ابسط يدك فبسط يده فبايعه، و دعا بفاكهة و شراب من عسل فأصبنا منه فأخرجنا معنا إبراهيم إلى أن دخل المختار داره.
فلمّا رجع أخذ بيدي و قال: يا شعبيّ علمت أنّك لا تشهد و لا أبوك أ فترى هؤلاء شهداء على حقّ؟ قلت: شهدوا على ما رأيت و فيهم سادة القرّاء و مشيخة المصر و فرسان العرب، و ما يقول مثل هؤلاء إلّا حقّا.
و كان إبراهيم- (رحمه اللّه)- ظاهر الشجاعة، واري زناد الشهامة، نافذ حدّ الصرامة، مشمّرا في محبّة أهل البيت عن ساقيه، متلقّيا راية النصح لهم بكلتا يديه، فجمع عشيرته و إخوانه و أهل مودّته و أعوانه، و كان يتردّد بهم إلى المختار عامّة الليل، و معه حميد بن مسلم الأزديّ (1) حتّى تصوّب النجوم، و تنقّض (2) الرّجوم، و أجمع رأيهم أن يخرجوا يوم الخميس لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة ستّ و ستّين، و كان إياس بن مضارب صاحب شرطة عبد اللّه بن مطيع أمير الكوفة، فقال له: إن المختار خارج عليك لا محالة، فخذ حذرك، ثمّ خرج إياس مع الحرس، و بعث ولده راشدا إلى الكناسة، و جاء هو إلى السوق و أنفذ (3) ابن مطيع إلى الجبّانات من شحنها بالرجال يحرسها من أهل الريبة.
و خرج إبراهيم بعد المغرب إلى المختار و معه جماعة عليهم الدروع و فوقها الأقبية (4) و قد أحاط الشرط بالسوق و القصر، لقي إياس بن مضارب أصحاب إبراهيم
____________
(1)- الازود/ خ.
(2)- و تنقّص/ خ.
(3)- انفد/ خ.
(4)- الأقية/ خ.
688
و قد لبسوا فوق الدروع قلوبهم * * * و خاضوا بحار الموت في كلّ مشهد
هم نصروا سبط النبيّ و رهطه * * * و دانوا بأخذ الثأر من كلّ ملحد
ففازوا بجنّات النعيم و طيبها * * * و ذلك خير من لجين و عسجد
و لو أنّني يوم الهياج (1)لدى الوغى * * * لأعملت (2) حدّ المشرفيّ المهنّد
فوا أسفا إذ لم أكن من حماته * * * فأقتل فيهم كلّ باغ و معتدي
المرتبة الثالثة: في وصف الوقعة مع ابن مطيع
قال الوالبيّ و حميد بن مسلم، و النعمان بن أبي الجعد: خرجنا مع المختار، فو اللّه ما انفجر الفجر حتّى فرغ من تعبئة عسكره، فلمّا أصبح تقدّم و صلّى بنا الغداة فقرأ «و النازعات» و «عبس» فو اللّه ما سمعنا إماما أفصح لهجة منه، و نادى ابن مطيع في أصحابه، فلمّا جاءوا بعث شبث بن ربعيّ في ثلاثة آلاف، و راشد بن إياس في أربعة آلاف، و حجّار بن أبجر العجليّ في ثلاثة آلاف، و عكرمة بن ربعيّ و شدّاد بن أبجر، و عبد الرحمن بن سويد في ثلاثة آلاف، و تتابعت العساكر نحوا من عشرين ألفا فسمع المختار أصواتا مرتفعة، و ضجّة ما بين بني سليم و سكّة البريد فأمر باستعلام ذلك فإذا هو شبث بن ربعيّ و معه خيل عظيمة و أتاه في الحال سعر بن أبي سعر الحنفيّ و هو ممّن بايع المختار، يركض من قبل مراد، فلقي راشد بن إياس فأخبر المختار فأرسل إبراهيم بن الأشتر في تسعمائة فارس و ستّمائة راجل و نعيم بن هبيرة في ثلاثمائة فارس و ستمائة راجل، و قدّم المختار يزيد بن أنس في موضع مسجد شبث (3) في تسعمائة فقاتلوهم حتّى أدخلوهم البيوت و قتل من الفريقين جمع، و قتل نعيم بن هبيرة، و جاء إبراهيم فلقي راشد بن إياس، و معه أربعة آلاف فارس فقال إبراهيم لأصحابه: لا يهولنّكم كثرتهم فلربّ فئة قليلة غلبت فئة كثيرة و اللّه مع الصابرين.
فاشتدّ قتالهم و بصر خزيمة بن نصر العبسيّ براشد و حمل عليه و طعنه فقتله، ثمّ
____________
(1)- في الأصل: الصياح.
(2)- لا حملت/ خ.
(3)- شيث/ خ.
689
نادى خزيمة: قتلت راشدا و ربّ الكعبة، فانهزم القوم و انكسروا و أجفلوا إجفال النعام و أطلّوا عليهم كقطع الغمام (1)، و استبشر أصحاب المختار، و حملوا على خيل الكوفة فجعلوا صفو حياتهم كدرا، و ساقوهم حتى أوصلوهم إلى الموت زمرا، حتّى أوصلوهم السكك، و أدخلوهم الجامع، و حصروا الأمير ابن مطيع ثلاثا في القصر، و نزل المختار بعد هذه الوقعة جانب السوق، و ولّى حصار القصر إبراهيم بن الأشتر.
فلمّا ضاق عليه و على أصحابه الحصار و علموا أنّه لا تعويل لهم على مكر، و لا سبيل إلى مفرّ، أشاروا عليه أن يخرج ليلا في زيّ امرأة و يستتر في بعض دور الكوفة ففعل و خرج حتّى صار إلى دار أبي موسى الأشعريّ فاواه، (2) و أمّا هم فإنّهم طلبوا الأمان فامنهم و خرجوا و بايعوه و صار يمنّيهم و يستجرّ مودتهم و يحسن السيرة فيهم.
و لمّا خرج أصحاب ابن مطيع من القصر سكنه المختار ثمّ خرج إلى الجامع و أمر بالنداء: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس و رقى المنبر ثمّ قال: الحمد للّه الّذي وعد وليّه النصر، و عدوّه الخسر، وعدا مأتيّا، و أمرا مفعولا، و قد خاب من افترى، أيّها الناس مدّت لنا غاية، و رفعت لنا راية، (3) فقيل في الراية ارفعوها و لا تضيّعوها (4)، و في الغاية خذوها و لا تدعوها، فسمعنا دعوة الداعي، و قبلنا قول الراعي، فكم من باغ و باغية، و قتل [ى] في الراعية، ألا فبعدا لمن طغى و بغى، و جحد و لغى، و كذّب و تولّى، ألا فهلمّوا عباد اللّه إلى بيعة الهدى، و مجاهدة الأعداء و الذبّ عن الضعفاء من آل محمّد المصطفى، و أنا المسلّط على المحلّين (5)، المطالب (6) بدم ابن نبيّ ربّ العالمين، أما و منشئ السحاب، الشديد العقاب، لأنبشنّ قبر ابن شهاب المفتري الكذّاب، المجرم المرتاب، و لأنفينّ الأحزاب إلى بلاد الأعراب، ثمّ و ربّ العالمين لأقتلنّ أعوان الظالمين، و بقايا القاسطين.
ثمّ قعد على المنبر و وثب قائما و قال: أما و الذي جعلني بصيرا، و نوّر قلبي تنويرا، لأحرقنّ بالمصر دورا، و لأنبشنّ بها قبورا، و لأشفينّ بها صدورا، و لأقتلنّ بها
____________
(1)- الحمام/ خ.
(2)- في البحار: فاووه.
(3)- آية/ خ.
(4)- تضعوها/ خ.
(5)- المخلّين/ خ.
(6)- الطالب/ خ.
690
جبّارا كفورا، ملعونا غدورا، و عن قليل و ربّ الحرم، و البيت المحرّم، و حقّ النون و القلم، ليرفعنّ لي علم من الكوفة الى أضم، إلى اكناف ذي سلم، من العرب و العجم، ثمّ لأتخذنّ من بني تميم أكثر الخدم.
ثمّ نزل و دخل قصر الإمارة و انعكف عليه الناس للبيعة فلم يزل باسطا يده حتّى بايعه خلق من العرب و السّادات و الموالي، و وجد في بيت المال بالكوفة تسعة آلاف ألف، فأعطى كلّ واحد من أصحابه الّذين قاتل بهم في حصر ابن مطيع و هم ثلاثة آلاف و ثمانمائة رجل كلّ واحد منهم خمسمائة درهم، و ستّة آلاف رجل من الّذين أتوه [من] بعد حصار القصر مائتين مائتين.
و لمّا علم أنّ ابن مطيع في دار أبي موسى الأشعري، دعا عبد اللّه بن كامل الشاكريّ و دفع إليه عشرة آلاف درهم، و أمره بحملها إليه و أن يقول له: استعن بها على سفرك فإنّى أعلم أنّه ما منعك إلّا ضيق يدك.
فأخذها و مضى إلى البصرة، و لم يمش إلى عبد اللّه بن الزبير حياء ممّا جرى عليه من المختار، و استعمل على شرطته عبد اللّه بن كامل، و على حرسه كيسان أبا عمرة مولى عرينة (1) و عقد لعبد اللّه بن الحارث أخي الأشتر لامّه على أرمينية و لمحمّد بن عطارد (2) على آذربيجان و لعبد الرحمن بن سعيد بن قيس (3) على الموصل و لسعيد بن حذيفة بن اليمان على حلوان و لعمر بن السائب على الريّ و همدان و فرّق العمّال بالجبال و البلاد، و كان يحكم بين الخصوم حتّى إذا شغلته اموره فولّى شريحا قاضيا، فلمّا سمع المختار أنّ عليا (عليه السّلام) عزله أراد عزله فتمارض هو فعزله و ولّاه عبد اللّه بن عتبة بن مسعود فمرض، فجعل مكانه عبد اللّه بن مالك الطائي قاضيا.
و كان مروان بن الحكم لمّا استقامت له الشام بالطاعة بعث جيشين أحدهما إلى الحجاز (4) و الآخر إلى العراق مع عبيد اللّه بن زياد- لعنه اللّه- لينهب الكوفة إذا ظفر بها ثلاثة أيّام، فاجتاز بالجزيرة، عرض له أمر منعه من السير و عاملها من قبل ابن الزبير
____________
(1)- في احدى النسخ: عربية و في الاخرى: عرنية.
(2)- عطار/ خ.
(3)- في الاصل: عميس.
(4)- في الأصل: المختار.
691
قيس عيلان (1)، فلم يزل عبيد اللّه مشغولا بذلك عن العراق، ثمّ قدم الموصل و عامل المختار عليها عبد الرحمن بن سعيد (2) بن قيس، فوجّه عبيد اللّه إليه خيله و رجله فانحاز عبد الرحمن إلى تكريت، (3) و كتب إلى المختار يعرّفه ذلك فكتب الجواب يصوّب رأيه، و يحمد مشورته و أن لا يفارق مكانه حتى يأتيه أمره إن شاء اللّه.
ثمّ دعا المختار يزيد بن أنس و عرّفه جليّة الحال، و رغّبه في النهوض بالخيل و الرجال و حكّمه في تخيير من شاء من الأبطال فتخيّر ثلاثة آلاف فارس ثمّ خرج من الكوفة و شيّعه المختار إلى دير أبي موسى و أوصاه بشيء من أدوات الحرب و إن احتاج إلى مدد عرّفه، فقال: اريد لا تمدّني إلّا بدعائك كفى به مددا، ثمّ كتب المختار إلى عبد الرحمن بن سعيد بن قيس:
«أمّا بعد، فخلّ بين يزيد و بين البلاد إن شاء اللّه و السلام عليك»، فسار حتّى بلغ أرض الموصل فنزل بموضع يقال له: بافكّى (4)، و بلغ خبره إلى عبيد اللّه بن زياد و عرف عدّتهم، فقال: ارسل إلى كلّ ألف ألفين و بعث ستّة آلاف فارس فجاءوا و يزيد بن أنس مريض مدنف (5) فأركبوه حمارا مصريّا و الرجّالة يمسكونه يمينا و شمالا فيقف على الأرباع و يحثّهم على القتال، و يرغّبهم في حميد المال، و قال: إن هلكت فأميركم ورقاء بن عازب الأسديّ فإن هلك فأميركم عبد اللّه بن ضمرة العذريّ فإن هلك فأميركم سعر بن [أبي] سعر الحنفيّ، و وقع القتال بينهم في ذي الحجّة يوم عرفة، سنة ستّ و ستّين قبل شروق الشمس فلا يرتفع الضحى حتّى هزمهم عسكر العراق، و أزالهم عن مأزق الحرب زوال السراب، و قشعوهم انقشاع الضباب، و أتوا يزيد بثلاثمائة أسير و قد أشفى على الموت فأشار بيده أن اضربوا رقابهم فقتلوا جميعا.
____________
(1)- غيلان/ خ.
(2)- في الأصل: سعد.
(3)- تكريت: بفتح التاء، و العامة تكسرها: بلد مشهور، بين بغداد و الموصل، و بينها و بين بغداد ثلاثون فرسخا في غربيّ دجلة، و لها قلعة حصينة أحد جوانبها الى دجلة. (مراصد الاطلاع ج 1 ص 268).
(4)- في احدى النسخ: يأتل و في الاخرى: يأتلي، و بافكّى: ناحية بالموصل في أرض نينوى (مراصد الاطلاع ج 1 ص 155).
(5)- مدنف: براه المرض حتى أشفى على الموت (لسان العرب ج 9 ص 107).
692
ثمّ مات يزيد بن أنس فصلّى عليه و رقاء بن عازب الأسديّ و دفنه و اغتمّ عسكر العراق لموته فعزّاهم ورقاء فيه، و عرّفهم أنّ عبيد اللّه بن زياد في جمع كثير و لا طاقة لكم به، فقالوا: الرأي أن ننصرف في جوف الليل.
قال محمّد بن جرير الطبريّ في تاريخه: كان مع عبيد اللّه (بن زياد لعنه اللّه) ثمانون ألفا من أهل الشام، ثمّ اتّصل بالمختار و أهل الكوفة أرجاف الناس بيزيد بن أنس فظنّوا أنّه قتل و لم يعلموا كيف هلك؟ و استطلع المختار ذلك من عامله على المدائن فأخبره بموته، و إنّ العسكر انصرف من غير هزيمة، و لا كسرة، فطاب قلب المختار، ثمّ ندب الناس.
قال المرزبانيّ: و أمر إبراهيم بن الأشتر بالمسير إلى عبيد اللّه (بن زياد) فخرج في ألفين من مذحج و أسد، و ألفين من تميم و همدان، و ألف و خمسمائة من قبائل المدينة و ألف و أربعمائة من كندة و ربيعة، و ألفين من الحمراء، و قيل خرج في اثني عشر ألفا، أربعة آلاف من القبائل و ثمانية آلاف من الحمراء، و شيّع إبراهيم ماشيا، فقال: اركب (ي) رحمك اللّه، و قال المختار: إنّي لأحتسب الأجر في خطاي (1) معك، و احبّ أن تتغبّر قدماي في نصر آل محمد (صلى اللّه عليه و آله) و الطلب بدم الحسين (عليه السّلام) ثمّ ودّعه و انصرف، و بات إبراهيم بموضع يقال له: حمّام أعين (2)، ثمّ رحل حتّى وافى ساباط المدائن.
فحينئذ توسّم أهل الكوفة في المختار القلّة و الضعف، فخرج أهل الكوفة عليه، و جاهروه بالعداوة، و لم يبق أحد ممّن شرك في قتل الحسين، و كان مختفيا إلّا و ظهر و نقضوا بيعته، و سلّوا عليه سيفا واحدا و اجتمعت القبائل عليه من بجيلة و الأزد و كندة و شمر بن ذي الجوشن، فبعث المختار من ساعته رسولا إلى إبراهيم و هو بساباط (3): «لا تضع كتابي حتى تعود بجميع من معك إليّ» فلمّا جاءهم كتابه نادى بالرجوع فوصلوا
____________
(1)- خطائي/ خ.
(2)- حمّام أعين: بتشديد الميم: موضع بالكوفة، منسوب إلى أعين مولى سعد بن أبي وقاص (مراصد الاطلاع ج 1 ص 423).
(3)- ساباط: (ساباط كسرى) قرية كانت قريبا من المدائن (مراصد الاطلاع ج 2 ص 680).
693
السير بالسرى (1)، و أرخوا الأعنّة و جذبوا البرى (2)، و المختار يشغل أهل الكوفة بالتسويف (3) و الملاطفة حتى يرجع إبراهيم بعسكره فيكفّ عاديتهم و يقمع (4) شرّتهم، و يحصد شوكتهم، و كان مع المختار أربعة آلاف فبغى عليه أهل الكوفة و بدءوه بالحرب، فحاربه يومهم أجمع و باتوا على ذلك فوافاهم إبراهيم في اليوم الثاني بخيله و رجله، و معه أهل النجدة و القوّة.
فلمّا علموا قدومه افترقوا فرقتين ربيعة و مضر على حدّة، و اليمن على حدة فخيّر المختار إبراهيم: إلى أيّ الفريقين (5) تسير، فقال: إلى أيّهما أحببت، و كان المختار ذا عقل وافر، و رأي حاضر فأمره بالسير إلى مضر بالكناسة (6)، و سار هو إلى اليمن (7) إلى جبّانة السبيع (8)، فبدأ بالقتال رفاعة بن شدّاد فقاتل قتال الشديد البأس، القويّ المراس، حتى قتل، و قاتل حميد بن مسلم و هو يقول:
لأضربنّ عن أبي حكيم * * * مفارق الأعبد و الحميم
ثمّ انكسروا كسرة هائلة، و جاء البشير إلى المختار أنّهم ولّوا مدبرين، فمنهم من اختفى في بيته، و منهم من لحق بمصعب بن الزّبير، و منهم من خرج إلى البادية ثمّ وضعت الحرب أوزارها، و حلّت أزرارها، و محّص القتل شرارها فأحصوا القتلى منهم، فكانوا ستّمائة و أربعين رجلا ثمّ استخرج من دور الوادعيّين خمسمائة أسير، كما ذكره الطبريّ و غيره، فجاءوا بهم إلى المختار، فعرضوهم عليه، فقال: كلّ من حضر منهم قتل الحسين (عليه السّلام) فأعلموني به، فلا يؤتى بمن حضر قتله إلّا قيل هذا فيضرب عنقه حتى قتل منهم مائتين و ثمانية و أربعين رجلا، و قتل أصحاب المختار جمعا كثيرا
____________
(1)- بالسير/ خ.
(2)- في البحار: البريء.
(3)- التسويف: المطل.
(4)- يقي/ خ.
(5)- في البحار: الفرقتين.
(6)- الكناسة: بالضم: محلة بالكوفة مشهورة (مراصد الاطلاع ج 3 ص 1180).
(7)- إلى اليمن: أي الى القبائل اليمنية القاطنة في الكوفة.
(8)- جبانة: بالفتح، ثم التشديد. و الجبّان في الأصل: الصحراء. و أهل الكوفة يسمّون المقبرة جبّانة. و بالكوفة محال تسمّى بها؛ فمنها «جبّانة السبيع» (مراصد الاطلاع ج 1 ص 310).
694
بغير علمه، و أطلق الباقين، ثمّ علم المختار أن شمر بن ذي الجوشن- لعنه اللّه- خرج هاربا و معه نفر ممّن شرك في قتل الحسين (عليه السّلام) فأمر عبدا له أسود يقال له رزين، و قيل زربي، و معه عشرة- و كان شجاعا- يتبعه فيأتيه برأسه.
قال مسلم (بن حميد) بن عبد اللّه الضبابيّ: كنت مع شمر حين هزمنا المختار فدنا منّا العبد قال شمر: اركضوا و تباعدوا لعلّ العبد يطمع فيّ فأمعنّا في التباعد عنه، حتى لحقه العبد فحمل عليه فقتله، و مشى فنزل في جانب فرية اسمها الكلتانيّة (1) على شاطئ نهر إلى جانب تلّ، ثمّ أخذ من القرية علجا (2) فضربه و دفع إليه كتابا و قال: عجّل به إلى مصعب بن الزبير، و كان عنوانه للأمير المصعب بن الزبير من شمر ابن ذي الجوشن، فمشى العلج حتى دخل قرية فيها أبو عمرة بعثه المختار إليها في أمر و معه خمسمائة فارس، قرأ (3) الكتاب رجل من أصحابه، و قرأ عنوانه فسأل عن شمر و أين هو؟
فأخبره أنّ بينهم و بينه ثلاثة فراسخ.
قال مسلم بن عبد اللّه: قلت لشمر: لو ارتحلت من هذا المكان فإنّا نتخوّف عليك، فقال: ويلكم أ كلّ هذا الجزع من الكذّاب؟ و اللّه لا برحت فيه ثلاثة أيّام، فبينما نحن في أوّل النوم، أشرفت علينا الخيل من التلّ و أحاطوا بنا و هو عريان مؤتزرا بمنديل فانهزمنا و تركناه، فأخذ سيفه و دنا منهم، و هو يقول:
نبّهتوا ليثا هزبرا باسلا * * * جهما محيّاه يدقّ الكاهلا
لم يك يوما من (4)عدوّ ناكلا * * * إلّا كذا مقاتلا أو قاتلا
فلم يك بأسرع أن سمعنا: قتل الخبيث، قتله أبو عمرة، و قتل أصحابه، ثمّ جيء بالرؤوس إلى المختار، خرّ ساجدا، و نصبت الرءوس في رحبة الحذّائين حذاء (5)
____________
(1)- في الأصل: الكلبانية و هو تصحيف و الصحيح «الكلتانية» قرية ما بين السوس و الصّيمرة، و بها قتل شمر بن ذي الجوشن المشارك في قتل الحسين (عليه السّلام). (مراصد الاطلاع ج 3 ص 1174).
(2)- العلج: بالكسر فالسكون: الرجل الضخم من كفّار العجم، و بعضهم يطلقه على الكفّار مطلقا.
(مجمع البحرين ج 2 ص 319).
(3)- فرأى/ خ.
(4)- في الأصل: عن.
(5)- خلا/ خ.
695
الجامع. و أنا الآن أذكر من قتله المختار من قتلة الحسين (عليه السّلام).
ذكر الطبريّ في تاريخه أنّ المختار تجرّد لقتلة الحسين (عليه السّلام) و أهل بيته، و قال: اطلبوهم، فإنّه لا يسوغ لي الطعام و الشراب، حتى اطهّر الأرض منهم، قال موسى ابن عامر: فأوّل من بدأ به الذين وطئوا الحسين (عليه السّلام) بخيلهم، و أنا مهم على ظهورهم، و ضرب سكك الحديد في أيديهم و أرجلهم، و أجرى الخيل عليهم حتّى قطّعتهم و حرّقهم بالنار، ثمّ أخذ رجلين اشتركا في دم عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب و في سلبه، كانا في الجبّانة فضرب أعناقها، ثمّ أحرقهما بالنار، ثمّ أحضر مالك بن بشير فقتله في السوق.
و بعث أبا عمرة فأحاطوا بدار خوليّ بن يزيد الأصبحيّ، و هو حامل رأس الحسين (عليه السّلام) إلى عبيد اللّه، فخرجت امرأته إليهم و هي النوار (1) ابنة مالك كما ذكر الطبريّ في تاريخه، و قيل اسمها العيوف (2)، و كانت محبّة لأهل البيت (عليهم السّلام) قالت: لا أدري أين هو؟ و أشارت بيدها إلى بيت الخلا، فوجدوه و على رأسه قوصرّة فأخذوه و قتلوه، ثمّ أمر بحرقه.
و بعث عبد اللّه بن كامل إلى حكيم بن الطفيل السنبسيّ و كان قد أخذ سلب العبّاس، و رماه بسهم فأخذوه قبل وصوله إلى المختار، و نصبوه هدفا و رموه بالسهام، و بعث إلى قاتل عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) و هو مرّة بن منقذ العبديّ و كان شيخا فأحاطوا بداره فخرج و بيده الرّمح و هو على فرس جواد، فطعن عبيد اللّه بن ناجية (3) الشباميّ فصرعه، و لم تضرّه الطعنة و ضربه ابن كامل بالسيف فاتّقاها بيده اليسرى فأشرع فيها السيف و تمطّرت به الفرس فأفلت، و لحق بمصعب و شلّت يده بعد ذلك.
و أحضر زيد بن رقاد فرماه بالنبل و الحجارة و أحرقه، و هرب سنان بن أنس لعنه اللّه إلى البصرة فهدم داره ثمّ خرج من البصرة نحو القادسيّة، و كان عليه عيون فأخبروا المختار فأخذه بين العذيب و القادسيّة، فقطع أنامله ثمّ يديه و رجليه و أغلى زيتا
____________
(1)- النعار/ خ.
(2)- في الأصل: العيوق. و ما أثبتناه هو الأرجح (راجع تاريخ الطبري ج 4 ص 531).
(3)- في الاصل: ناحية.
696
في قدر و رماه فيها.
و هرب عبد اللّه بن عاقبة الغنويّ إلى الجزيرة فهدم داره، و فيه و في حرملة بن الكاهل لعنه اللّه (و) قتل واحدا من أصحاب الحسين (عليه السّلام) قال الشاعر:
و عند غنيّ قطرة من دمائنا * * * و في أسد اخرى تعدّ و تذكر
حدّث المنهال بن عمرو، قال: دخلت على زين العابدين (عليه السّلام) أودّعه و أنا اريد الانصراف من مكّة، فقال: يا منهال ما فعل حرملة بن كاهل، و كان معي بشر ابن غالب الأسديّ، فقال: ذلك من بني الحريش أحد بني موقد النار، و هو حيّ بالكوفة فرفع يديه، و قال: اللهمّ (أذقه حرّ النار، اللهمّ أذقه حرّ الحديد (1)) قال المنهال: و قدمت الكوفة و المختار بها فركبت إليه، فلقيته خارجا من داره فقال: يا منهال لم تشركنا في ولايتنا هذه؟ فعرّفته أنّي كنت بمكّة فمشى حتّى أتى الكناس، و وقف كأنّه ينتظر شيئا، فلم يلبث أن جاء قوم (ف) قالوا: أبشر أيّها الأمير فقد اخذ حرملة، فجيء به، فقال:
لعنك اللّه، الحمد اللّه الذي أمكنني منك، الجزّار، الجزّار، فاتي بجزّار فأمره بقطع يديه و رجليه، ثمّ قال: النار النار، فاتي بنار و قصب فاحرق.
فقلت: سبحان اللّه سبحان اللّه فقال: إنّ التسبيح لحسن، لم سبّحت؟
فأخبرته (ب) دعاء زين العابدين (عليه السّلام) فنزل عن دابّته و صلّى ركعتين، و أطال السجود و ركب و سار فحاذى داري، فعزمت عليه بالنزول و التحرّم (2) بطعامي، فقال: إنّ عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) دعا بدعوات فأجابها اللّه على يدي، ثمّ تدعوني إلى الطعام، هذا يوم صوم شكرا للّه تعالى، فقلت: أحسن اللّه توفيقك.
و انهزم عبد اللّه بن عروة الخثعميّ إلى مصعب فهدم داره و طلب عمرو بن صبيح الصيداويّ فأتوه و هو على سطحه بعد ما هدأت العيون، و سيفه تحت رأسه فأخذوه و سيفه، فقال: قبّحك اللّه من سيف ما أبعدك على قربك، فجيء به إلى المختار، فلمّا كان من الغداة طعنوه بالرماح، حتّى مات، و أنفذ إلى محمّد بن الأشعث ابن قيس و قد انهزم إلى قصر له في قرية إلى جنب القادسيّة، فقال: انطلق فإنّك تجده
____________
(1)- اللهمّ أذقه حر النار ثلاثا/ خ.
(2)- التحريم/ خ.
698
على عنقك فيحمله، و يدلي رجليه على صدره إهانة له و لخوفه من سعايته به إلى المختار.
فيا لها منقبة حازها، و مثوبة أحرزها، فقد سرّ النبيّ بفعله، و إدخاله الفرح على عترته و أهله، و قد قلت هذه الأبيات مع كلال الخاطر، و قذى الناظر:
سرّ النبيّ بأخذ الثأر من عصب * * * باءوا بقتل الحسين الطاهر الشيم
قوم غذوا بلبان البغض ويحهم * * * للمرتضى و بنيه سادة الامم
حاز الفخار الفتى المختار إذ قعدت * * * عن نصره سائر الأعراب و العجم
جادته من رحمة الجبّار سارية * * * تهمي على قبره منهلّة الديم
المرتبة الرابعة في ذكر مقتل عمر بن سعد و عبيد اللّه بن زياد و من تابعه و كيفيّة قتالهم و النصر عليهم
فلمّا خلا خاطره، و انجلى ناظره (1)، اهتمّ بعمر بن سعد و ابنه حفص- عليهما اللعنة- حدّث عمر بن الهيثم قال: كنت جالسا عن يمين المختار و الهيثم بن الأسود عن يساره فقال: و اللّه لأقتلنّ رجلا عظيم القدمين، غائر العينين، مشرف الحاجبين، يهمر (2) الأرض برجله، يرضي قتله أهل السماء و الأرض، فسمع الهيثم قوله و وقع في نفسه أنّه أراد عمر بن سعد، فبعث ولده العريان فعرّفه قول المختار، و كان عبد اللّه بن جعدة بن هبيرة أعزّ الناس على المختار، قد أخذ لعمر أمانا حيث اختفى فيه:
«بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا أمان المختار بن أبي عبيدة الثقفيّ لعمر بن سعد بن أبي وقّاص، إنّك آمن بأمان اللّه على نفسك و أهلك و مالك و ولدك، لا تؤاخذ بحدث كان منك قديما ما سمعت و أطعت و لزمت منزلك، إلّا أن تحدث حدثا، فمن لقى عمر بن سعد من شرطة اللّه و شيعة آل محمّد (صلى اللّه عليه و آله) فلا يعرض له إلّا بسبيل خير و السلام» ثمّ شهد فيه جماعة.
قال الباقر (عليه السّلام): إنّما قصد المختار- أن يحدث حدثا- هو أن يدخل بيت الخلاء، و يحدث، فظهر عمر إلى المختار فكان يدنيه و يكرمه و يجلسه معه على سريره.
____________
(1)- ظاهره/ خ.
(2)- في الأصل: يهمز.
697
لاهيا متصدّيا (1) أو قائما متبلّدا، أو خائفا متلدّدا، أو كامنا متعمّدا، فأتني برأسه فأحاطوا بالقصر و له بابان، فخرج و مشى إلى مصعب، فهدم القصر و داره، و أخذ ما كان فيهما.
قال المرزبانيّ: و أتوه بعبد اللّه بن اسيد الجهنّي و مالك بن هيثم (2) البدائيّ و حمل بن مالك المحاربيّ من القادسيّة فقال: يا أعداء اللّه، أين الحسين بن عليّ (عليهما السّلام)؟
قالوا: أكرهنا على الخروج، قال: فألّا مننتم عليه و سقيتموه من الماء؟! و قال للبدائيّ:
أنت (أخذت) برنسه؟ قال: لا، قال: بلى، و أمر بقطع يديه و رجليه، و الآخران ضرب أعناقهما.
و أتوه ببجدل بن سليم الكلبيّ و عرّفوا أنّه أخذ خاتمه، و قطع إصبعه، فأمر بقطع يديه و رجليه، فلم يزل ينزف (3) حتّى مات، و أتوه برقاد بن مالك و عمر بن خالد و عبد الرحمن البجليّ و عبد اللّه بن قيس الخولانيّ، فقال: يا قتلة الحسين (4) لقد أخذتم الورس في يوم نحس، و كان في رحل الحسين ورس فاقتسموه وقت نهب رحله فأخرجهم إلى السوق.
و كان أسماء بن خارجة الفزاريّ ممّن سعى في قتل مسلم بن عقيل رحمة اللّه عليه، فقال المختار: أما و ربّ السماء و ربّ الضياء و الظلماء، لتنزلنّ نار من السماء دهماء حمراء سحماء، تحرق دار أسماء، فبلغ كلامه إليه، فقال: سجع أبو إسحاق، و ليس هاهنا مقام بعد هذا، و خرج من داره هاربا إلى البادية فهدم داره و دور بني عمّه.
و كان الشمر بن ذي الجوشن- لعنه اللّه- قد أخذ من الإبل الّتي كانت تحت رحل الحسين (عليه السّلام) فنحرها و قسم لحمها على قوم من أهل الكوفة فأمر (5) المختار فأحصوا كلّ دار دخلها ذلك اللحم، فقتل أهلها و هدمها، و لم يزل المختار يتبع قتلة الحسين (عليه السّلام) حتّى قتل خلقا كثيرا، و هزّم الباقين، فهدم دورهم و أنزلهم من المعاقل و الحصون، إلى المفاوز و الصحون، قال: و قتلت العبيد مواليها، و جاءوا إلى المختار فأعتقهم، و كان العبد يسعى بمولاه فيقتله المختار حتّى أنّ العبد يقول لسيّده: احملني
____________
(1)- في الأصل: متصيدا.
(2)- في البحار: الهشيم.
(3)- في خ: ينزو: و هي بمعنى ينزف
(4)- الصالحين/ خ.
(5)- فأخذ/ خ.
699
و علم أنّ قول المختار عنه، فعزم على الخروج من الكوفة فأحضر رجلا من بني تيم اللات اسمه مالك و كان شجاعا و أعطاه أربع مائة دينار و قال: هذه معك لحوائجنا و خرجا، فلمّا كان عند حمّام عمر أو نهر عبد الرّحمن وقف و قال: أ تدري لم خرجت؟
قال: لا، قال: خفت المختار، فقال ابن دومة- يعني المختار- أضيق استا من أن يقتلك، و إن هربت هدم دارك، و انتهب عيالك و مالك، و خرّب ضياعك و أنت أعزّ العرب، فاغترّ بكلامه فرجعا على الرّوحاء فدخلا الكوفة مع الغداة.
هذا قول المرزباني و قال غيره: إنّ المختار علم خروجه من الكوفة، فقال: و فينا له و غدر، و في عنقه سلسلة لو جاهد أن ينطلق ما استطاع، فنام عمر على الناقة فرجعت و هو لا يدري حتّى ردّته إلى الكوفة، فأرسل عمر ابنه إلى المختار قال له: أين أبوك؟ قال: في المنزل و لم يكونا يجتمعان عند المختار، و إذا حضر أحدهما غاب الآخر خوفا أن يجتمعا فيقتلهما، فقال حفص: أبي يقول: أ تفي لنا بالأمان؟ قال: اجلس و طلب المختار أبا عمرة، و هو كيسان التمّار فأسرّ إليه أن اقتل عمر بن سعد و إذا دخلت و رأيته يقول: يا غلام عليّ بطيلساني (1) فإنّه يريد السيف فبادره و اقتله فلم يلبث أن جاء و معه رأسه.
فقال حفص: إنّا للّه و إنا إليه راجعون، فقال له: أ تعرف هذا الرأس؟ قال:
نعم، و لا خير في العيش بعده، فقال: إنّك لا تعيش بعده فقال: و أمر بقتله و قال المختار: عمر بالحسين و حفص بعليّ بن الحسين و لا سواء، و اللّه لأقتلنّ سبعين ألفا كما قتل بيحيى بن زكريا (عليهما السّلام). و قيل: إنّه قال: لو قتلت ثلاثة أرباع قريش لما وفوا بأنملة من أنامل الحسين (عليه السّلام).
و كان محمّد بن الحنفيّة يعتب على المختار لمجالسة عمر بن سعد و تأخير قتله فحمل الرأسين إلى مكّة مع مسافر بن سعد الهمدانيّ و ظبيان بن عمارة التميميّ فبينا محمّد بن الحنفيّة جالسا في نفر من الشيعة، و هو يعتب على المختار، فما تمّ كلامه إلّا
____________
(1)- الطيلسان: ثوب يحيط بالبدن ينسج للبس خال عن التفصيل و الخياطة، و هو من لباس العجم. (مجمع البحرين ج 4/ 82).
701
فطوى المراحل حتّى نزل على نهر الخازر (1) على أربعة فراسخ من الموصل و عبيد اللّه بن زياد بها، قال عبد اللّه بن أبي عقب الديلمي: حدّثني خليلي أنّا نلقى أهل الشام على نهر يقال له: الخازر فيكشفونا حتّى نقول هيّ هيّ ثمّ نكرّ عليهم فنقتل أميرهم فابشروا و اصبروا فانّكم لهم قاهرون.
فعلم عبيد اللّه بقدوم إبراهيم فرحل في ثلاثة و ثمانين ألفا حتّى نزل قريبا من عسكر العراق، و طلبهم أشدّ طلب، و جاءهم في جحفل لجب، و كان مع ابن الأشتر أقلّ من عشرين ألفا، و كان في عسكر الشام من أشراف بني سليم عمير بن الحباب، فراسله إبراهيم و وعده بالحباء و الإكرام، فجاء و معه ألف فارس من بني عمّه و أقاربه، فصار مع عسكر العراق فأشار عليهم، بتعجيل القتال و ترك المطاولة، فلمّا كان في السحر صلّوا بغلس (2)، و عبّأ إبراهيم أصحابه فجعل على ميمنته سفيان بن يزيد الأزدي و على ميسرته علىّ بن مالك الجشمي و على الخيل الطفيل بن لقيط النخعيّ و على الرجّالة مزاحم بن مالك السكونيّ، ثمّ زحفوا حتّى أشرفوا على أهل الشام و لم يظنّوا أنّهم يقدمون عليهم لكثرتهم فبادروا إلى تعبئة عسكرهم فجعل عبيد اللّه على ميمنته شرحبيل بن ذي الكلاع، و على ميسرته ربيعة بن مخارق الغنوي و على جناح ميسرته جميل بن عبد اللّه الغنمي (3) و في القلب الحصين بن نمير و وقف العسكران و التقى الجمعان فخرج ابن ضبعان الكلبي و نادى: يا شيعة المختار الكذّاب يا شيعة ابن الاشتر المرتاب:
أنا ابن ضبعان الكريم المفضّل * * * من عصبة يبرون من دين عليّ
كذاك كانوا في الزمان الأوّل
فخرج إليه الأحوص بن شدّاد الهمداني و هو يقول:
أنا ابن شدّاد على دين عليّ * * * لست لعثمان بن اروى (4)بوليّ
____________
(1)- نهر الخازر: نهر بين إربل و الموصل. (مراصد الاطلاع ج 1 ص 445).
(2)- الغلس: الظلمة.
(3)- الغنوي/ خ.
(4)- في الأصل: اردى.
700
و الرأسان عنده فخرّ ساجدا، و بسط كفّيه، و قال: اللهمّ لا تنس هذا اليوم للمختار و أجزه عن أهل بيت نبيّك محمّد (صلى اللّه عليه و آله) خير الجزاء، فو اللّه ما على المختار بعد هذا من عتب.
فلمّا قضى المختار من أعداء اللّه وطره و حاجته، و بلغ فيهم امنيته، قال: لم يبق عليّ أعظم من عبيد اللّه بن زياد، فأحضر إبراهيم بن الأشتر، و أمره بالمسير إلى عبيد اللّه، فقال: إنّي خارج و لكنّي أكره خروج عبيد اللّه بن الحرّ معي، و أخاف أن يغدر بي وقت الحاجة، فقال له: احسن إليه و املأ عينه بالمال و أخاف إن أمرته بالقعود عنك فلا يطيب له، فخرج إبراهيم من الكوفة و معه عشرة آلاف فارس، و خرج المختار في تشييعه و قال: اللهمّ انصر من صبر، و اخذل من كفر، و من عصى و فجر، و بايع و غدر، و علا و تجبّر، فصار إلى سقر، لا تبقي و لا تذر، ليذوق العذاب الأكبر، ثمّ رجع و مضى إبراهيم و هو يرتجز و يقول:
إنّا و حقّ المرسلات عرفا * * * حقّا و حقّ العاصفات عصفا
لنعسفنّ من بغانا عسفا * * * حتّى يسوم القوم منّا خسفا
زحفا إليهم لا نملّ (1)الزحفا (2) * * * حتّى نلاقي بعد صفّ صفّا
و بعد ألف قاسطين ألفا * * * نكشفهم لدى الهياج كشفا
فسار إلى المدائن فأقام بها ثلاثا، و سار الى تكريت فنزلها، و أمر بجباية خراجها، ففرّقه و بعث إلى عبيد اللّه بن الحرّ بخمسة آلاف درهم فغضب فقال: أنت أخذت لنفسك عشرة آلاف درهم، و ما كان الحرّ دون مالك فحلف إبراهيم إنّي ما أخذت زيادة عليك، ثمّ حمل إليه ما أخذه لنفسه فلم يرض، و خرج على المختار و نقض عهده، و أغار على سواد الكوفة، فنهب القرى، و قتل العمّال، و أخذ الأموال و مضى إلى البصرة إلى مصعب بن الزبير.
فلمّا علم المختار أرسل عبد اللّه بن كامل إلى داره فهدمها و إلى زوجته سلمى بنت خالد الجعفيّة حبسها، ثمّ ورد كتاب المختار إلى إبراهيم يحثّه على تعجيل القتال،
____________
(1)- نحل/ خ.
(2)- في البحار: الرجفا.
702
لأصلينّ القوم فيمن يصطلي * * * بحرّ نار الحرب حتّى تنجلي
فقال للشاميّ: ما اسمك؟ قال: منازل الأبطال، قال له الأحوص: و أنا مقرّب الآجال، ثمّ حمل عليه [و] ضربه فسقط قتيلا ثمّ نادى: هل من مبارز؟ فخرج إليه داود الدمشقيّ و هو يقول:
أنا ابن من قاتل في صفّينا * * * قتال قرن لم يكن غبينا
بل كان فيها بطلا جرونا (1) * * * مجرّبا لدى (2) الوغى كمينا
فأجابه الأحوص يقول:
يا ابن الذي قاتل في صفّينا * * * و لم يكن في دينه غبينا
كذبت قد كان بها (3)مغبونا * * * مذبذبا في أمره مفتونا
لا يعرف الحقّ و لا اليقينا * * * بؤسا له لقد مضى ملعونا
ثمّ التقيا فضربه الأحوص فقتله، ثمّ عاد إلى صفّه و خرج الحصين بن نمير السكوني و هو يقول:
يا قادة الكوفة أهل المنكر (4) * * * و شيعة المختار و ابن الأشتر
هل فيكم قوم كريم العنصري * * * مهذّب في قومه بمفخر
يبرز نحوي قاصدا لا يمتري
فخرج إليه شريك بن خزيم (5) التغلبي و هو يقول:
يا قاتل الشيخ الكريم الأزهري * * * بكربلاء يوم التقاء العسكر
أعني حسينا ذا الثنا والمفخر * * * و ابن النبيّ الطاهر المطهّر
و ابن عليّ البطل المظفّر * * * هذا فخذها من هزبر قسور (6)
ضربة قوم ربعيّ مضريّ
فالتقيا بضربتين فجدّ له التغلبيّ صريعا فدخل على أهل الشام من أهل العراق مدخل عظيم.
____________
(1)- جرن: تمرّن عليه.
(2)- تجربا/ خ.
(3)- به/ خ.
(4)- المكر/ خ.
(5)- حزيم/ خ.
(6)- القسور: القوي الشجاع.
703
ثمّ تقدّم إبراهيم و نادى: ألا يا شرطة اللّه ألا يا شيعة الحقّ ألا يا أنصار الدين قاتلوا المحلّين (1) و أولاد القاسطين لا تطلبوا أثرا بعد عين هذا عبيد اللّه بن زياد قاتل الحسين 333 ثمّ حمل على أهل الشام و ضرب فيهم بسيفه و هو يقول:
قد علمت مذحج علما لا خطل * * * إنّي اذا القرن لقيني لا وكل
و لا جزوع عندها و لا نكل * * * أروع مقداما إذا النكس فشل
أضرب في القوم إذا جاء الأجل * * * و أعتلي رأس الطرمّاح البطل
بالذكر البتّار (2)حتّى ينجدل
و حمل أهل العراق معه و اختلطوا و تقدّمت رايتهم و شبّت فيهم نار الحرب و دهمهم العسكر بجناحيه و القلب، إلى أن صلّوا بالايماء و التكبير صلاة الظهر و اشتغلوا بالقتال إلى أن تحلّى (3) صدر الدجى بالأنجم الأزهر، و زحف عليهم عسكر العراق فرحا بالمصاع، و حرصا على القراع، و وثوقا بما وعدهم اللّه به من النصر و حسن الدفاع و انقضّوا عليهم انقضاض العقبان على الرخم، و جالوا فيهم جولان السرحان على الغنم، و عركوهم عرك الأديم، و دحوا (4) بهم إلى عذاب الجحيم و أذاقوهم أسنّة الرماح النازعة للمهج و الأرواح فلم تزل الحرب قائمة و السيوف لأجسادهم منتهبة فولّى عسكر الشام مكسورا، عليه ذلّة الخائب الخجل و ارتياع الخائف الوجل، و عسكر العراق منصورا و على وجوههم مسحة المسرور الثمل و تبعوهم إلى متون النجاد و بطون الوهاد و النبل ينزل عليهم كصيب العهاد (5).
ثمّ انجلت الحرب و قد قتل أعيان أهل الشام، مثل الحصين بن نمير و شرحبيل بن ذي الكلاع (6)، و ابن حوشب و غالب الباهلي و أبي أشرس بن عبد اللّه الذي كان على خراسان، و حاز إبراهيم- رحمة اللّه عليه- فضيلة هذا الفتح، و عاقبة هذا المنح الذي انتشر في الأقطار، و دام دوام الأعصار، و لقد أحسن عبد اللّه بن الزبير الأسدي يمدح إبراهيم (بن) الأشتر فقال:
____________
(1)- المخلّين/ خ.
(2)- في احدى النسخ: التبارك، و في الاخرى: البتاز.
(3)- تجلّى/ خ.
(4)- في الأصل: و رحوا.
(5)- كصيب العهاد: أول مطر الربيع.
(6)- شراحيل بن ذي الكلاع/ خ.
704
اللّه أعطاك المهابة و التقى * * * و أحلّ بيتك في العديد الأكثر
و أقرّ عينك يوم وقعة خازر * * * و الخيل تعثر في القنا المتكسّر
من ظالمين كفتهم أيّامهم * * * تركوا لحاجلة و طير أعثر
ما كان اجرأهم جزاهم ربّهم * * * يوم الحساب على ارتكاب المنكر
قال الرواة: رأينا إبراهيم بعد ما انكسر العسكر، و انكشف العثير (1)، قوما منهم ثبتوا و صبروا و قاتلوا فلقطهم من صهوات الخيل، و قذفهم في لهوات الليل حتّى صبغت الأرض من دمائهم ثيابا حمرا و ملأ الفجاج (2) ببأسه ذعرا، و تساقطت النسور على النسور و أهوت العقبان على أجسادهم و هي كالعقيق المنثور، و اصطلح على أكل لحمهم الذئب و السبع، و السيّد (3) و الضبع.
قال إبراهيم: و أقبل رجل أحمر في كبكبة يغرى الناس كأنّه بغل أقمر لا يدنو منه فارس إلّا صرعه، و لا كميّ إلّا قطعه، فدنا منّي فضربت يده فأبنتها و سقط على شاطئ الخازر، فشرقت يداه و غربت رجلاه فقتلته و وجدت رائحة المسك تفوح منه و جاء رجل نزع خفّيه و ظنّوا أنّه ابن زياد من غير تحقيق فطلبوه فاذا هو على ما وصف إبراهيم فاجتزّوا رأسه، و احتفظوا طول الليل بجسده، فلمّا أصبحوا عرفه مهران مولى زياد، فلمّا رآه إبراهيم قال: الحمد للّه الذي أجرى قتله على يدي و قتل في صفر.
و قال قوم من أصحاب الحديث: يوم عاشوراء و عمره دون الأربعين و قيل تسع و ثلاثون سنة. و أصبح الناس فحووا ما كان و غنموا غنيمة عظيمة، و لقد أجاد أبو السفاح الزبيدي بمدحته إبراهيم و هجائه ابن زياد- لعنه اللّه- فقال:
أتاكم غلام من عرانين (4)مذحج * * * جريء على الأعداء غير نكول
أتاه عبيد اللّه في شرّ (5)عصبة * * * من الشام لمّا ارضيوا بقليل
فلمّا التقى الجمعان في حومة الوغى * * * و للموت فيهم ثمّ جرّ ذيول
فأصبحت قد ودّعت هندا * * * و أصبحت مولّهة ما وجدها بقليل
____________
(1)- الغبر/ خ، و العثير: الغبار.
(2)- الفجاج. الطريق الواسع بين جبلين.
(3)- السيد: الذئب، الأسد.
(4)- عرانين القوم: سادتهم و أشرافهم.
(5)- غير/ خ.
705
و أخلق بهند أن تساق سبيّة * * * لها من أبي إسحاق شرّ خليل (1)
تولّى عبيد اللّه خوفا من الردى * * * و خشية ماضي الشفرتين (2)صقيل
جزى اللّه خيرا شرطة اللّه إنّهم * * * شفوا بعبيد اللّه كلّ غليل
يعني بقوله هند بنت أسماء بن خارجة زوجة عبيد اللّه لمّا قتل حملها عتبة أخوها إلى الكوفة، و بقوله أبي إسحاق هو المختار و هرب غلام لعبيد اللّه إلى الشام فسأله عبد الملك بن مروان عنه، قال: لمّا جال الناس تقدّم فقاتل ثمّ قال: ائتني بجرّة فيها ماء، فأتيته فشرب و صبّ الماء بين درعه و جسده و صبّ على ناصية فرسه ثمّ حمل فهذا آخر عهدي به.
قال يزيد بن مفرّغ يهجو ابن زياد:
إنّ المنايا إذا حاولن طاغية * * * هتكن عنه ستورا بعد أبواب
إنّ الذي عاش غدّارا بذمّته * * * و مات هزلا قتيل اللّه بالزاب
ما شقّ جيب و لا ناحتك نائحة (3) * * * و لا بكتك جياد عند أسلاب
هلّا جموع نزار إذ لقيتهم * * * كنت امرأ من نزار غير مرتاب
أو حمير كنت قيلا (4)من ذوي يمن * * * إنّ المقاويل في ملك و أحباب
و كان المختار قد سار من الكوفة يتطلّع أحوال إبراهيم و استخلف في الكوفة السائب بن مالك، فنزل ساباط ثمّ دخل المدائن و رقى المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه و أمر الناس بالجدّ في النهوض إلى إبراهيم، قال الشعبيّ: كنت معه فأتته البشرى بقتل عبيد اللّه و أصحابه، فكاد يطير فرحا، و رجع إلى الكوفة في الحال مسرورا بالظفر.
و ذكر أبو السائب عن أحمد بن بشير، عن مجالد، عن عامر أنّه قال: الشيعة يتّهموني ببغض عليّ (عليه السّلام) و لقد رأيت في النوم بعد مقتل الحسين (عليه السّلام) كأنّ رجالا نزلوا من السماء، عليهم ثياب خضر، معهم حراب يتبعون قتلة الحسين (عليه السّلام) فما (5) لبثت أن خرج المختار فقتلهم.
____________
(1)- في البحار: سرّ حليل.
(2)- ماضي: قاطع، و الشفرة: حدّ السيف.
(3)- في البحار: ناحية.
(4)- قبلا/ خ.
(5)- في البحار: فلمّا.
706
و ذكر عمر بن شيبة (1) قال: حدّثني أبو أحمد الزبيريّ، عن عمّه قال: قال أبو عمر (2) البزّاز: كنت مع إبراهيم بن الأشتر لمّا لقى عبيد اللّه بن زياد- لعنه اللّه- بالخازر فعددنا القتلى بالقصب لكثرتهم، قيل كانوا سبعين ألفا، [قال:] و صلبه إبراهيم منكّسا فكأنّي أنظر إلى خصييه كأنّهما جعلان، و عن الشعبي أنّه لم يقتل قطّ من أهل الشام بعد صفّين مثل هذه الوقعة بالخازر.
و قال الشعبي: كانت يوم عاشوراء سنة سبع و ستّين و بعث إبراهيم برأس عبيد اللّه بن زياد و رءوس الرؤساء من أهل الشام و في آذانهم رقاع أسمائهم فقدموا عليه و هو يتغدّى، فحمد اللّه تعالى على الظفر فلمّا فرغ من الغداء قام فوطئ وجه ابن زياد بنعله ثمّ رمى بها إلى غلامه، و قال: اغسلها فإنّي وضعتها على وجه نجس كافر.
و عن أبي الطفيل عامر بن واثلة الكناني قال: وضعت الرءوس عند السدّة بالكوفة عليها ثوب أبيض فكشفنا عنها الثوب، و حيّة تتغلغل في رأس عبيد اللّه و نصبت الرءوس في الرحبة، قال عامر: و رأيت الحيّة تدخل في منافذ رأسه و هو مصلوب مرارا.
ثمّ حمل المختار رأسه و رءوس القوّاد إلى مكّة مع عبد الرحمن بن أبي عمير الثقفي و عبد الرحمن بن شدّاد الجشميّ و أنس بن مالك الأشعريّ، و قيل السائب ابن مالك، و معها ثلاثون ألف دينار إلى محمّد بن الحنفيّة، و كتب معهم: «إنّي بعثت أنصاركم و شيعتكم إلى عدوّكم فخرجوا محتسبين أسفين، فقتلوهم فالحمد للّه الّذي أدرك لكم الثأر، و أهلكهم في كلّ فجّ عميق، و غرقهم في كلّ بحر و شفى اللّه صدور قوم مؤمنين» فقدموا بالكتاب و الرءوس عليه، فلمّا رآها خرّ ساجدا و دعا للمختار و قال: جزاه اللّه خير الجزاء، فقد أدرك لنا ثأرنا، و وجب حقّه على كلّ من ولده عبد المطّلب بن هاشم اللهمّ و احفظ لإبراهيم الأشتر و انصره على الأعداء، و وفّقه لما تحبّ و ترضى، و اغفر له في الآخرة و الاولى.
فبعث رأس عبيد اللّه إلى عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) فادخل عليه و هو يتغدّى فسجد شكرا للّه تعالى و قال: الحمد للّه الّذي أدرك لي ثأري من عدوّي، و جزى اللّه
____________
(1)- في البحار: شبّة.
(2)- عمرو/ خ.
708
عمل مع أبي الأئمة الأطهار.
و قد وفيت بما وعدت من الاختصار و أتيت بالمعاني التي تضمّنت حديث الثأر من غير حشو و لا إطالة، و لا سأم و لا ملالة، و أقسمت على قارئيه و مستمعيه و على كلّ ناظر فيه أن لا يخلّيني من إهداء الدعوات [إليّ] و الاكثار من الترحّم عليّ و أسأل اللّه أن يجعلني و إيّاهم ممّن خلصت سريرته من وساوس الأوهام و صفت طويّته من كدر الآثام و أن يباعدنا من الحسد المحبط للأعمال المؤدّي إلى أقبح المال، و أن يحسن لي الخلافة على الأهل و الآل، و يذهب الغلّ عن القلوب، و يوفّق لمراضي علّام الغيوب، فانّه أسمع سميع، و أكرم مجيب، و الحمد للّه ربّ العالمين و صلواته على سيّد المرسلين محمّد و آله الطاهرين (1).
إيضاح: «الشعاف» رءوس الجبال «و تنوّق في الأمر» بالغ و تجوّد.
قوله «قبل أن يتزعزع» كذا فيما عندنا من الكتاب بالزاءين المعجمتين.
يقال «تزعزع» أي تحرّك، و الزعازع الشدائد من الدهر، و لعلّ الأظهر أنّه بالمهملتين من قولهم ترعرع الصبي إذا تحرّك و نشأ، و يقال «تشعشع الشهر» إذا بقي منه قليل و هو أيضا يحتمل أن يكون بالمهملتين يقال «تسعسع الشهر» أي ذهب أكثره و تسعسع حاله انحطّت، و تقول حنكت الفرس إذا جعلت في فيه الرسن و حنكت الصبيّ و حنّكته إذا مضغت تمرا أو غيره ثمّ دلكته بحنكه، و يقال حنّكته السنّ و أحنكته إذا أحكمته التجارب و الامور ذكره الجوهري، و قال: رجل مقول أي لسن كثير القول، و المقول اللسان انتهى.
«و الغرار» بالكسر حدّ السيف و غيره، و تقول استأديت الأمير على فلان فاداني عليه بمعنى استعديته فأعداني عليه، و آديته أعنته، و يقال: «عركه» أي دلكه و حكّه حتّى عفاه، و أرعد تهدّد و توعّد كأبرق، و شمس الفرس منع ظهره «و المغرم» بضمّ الميم و فتح الراء المولع بالشيء، و الهوادي أوّل رعيل من الخيل، و يقال: جششت الشيء أي دقّقته و كسّرته، و فرس أجشّ الصوت (أي) غليظه «و الهزيم» بمعنى الهازم
____________
(1)- البحار: 45/ 346.
709
«و هزيم الرعد» صوته، و القرا الظهر، و فرس نهد أي جسيم مشرف، و فرس أشقّ طويل، و فرس مقلّص بكسر اللّام أي مشرف مشمّر طويل القوائم، و قوله قاري اللجام لعلّ معناه جاذبه و مانعه عن الجري الى العدوّ، و الرؤم المحبّ و المعنى محبّ الحرب الحريص عليه قوله: «بكلّ فتى» أي أتيتك مع كلّ فتى، و قوله: «لا يملأ الدرع نحره» كناية عن عدم احتياجه إلى لبس الدرع لشجاعته، و يقال: حششت «النار أي» (1) أو قدتها، و المحشّ بكسر الميم ما تحرّك به النار من حديد، و منه قيل للرجل الشجاع نعم محشّ الكتيبة، و المخراق: الرجل الحسن الجسم و المتصرّف في الامور، و المنديل يلفّ ليضرب به و هو مخراق حرب أي صاحب حروب.
قوله: «يفخّذ الناس» أي يدعوهم إلى نفسه فخذا فخذا و قبيلة قبيلة مخذلا عن سليمان، و اللدن اللين من كلّ شيء، و خطّر الرجل بسيفه و رمحه: رفعه مرّة و وضعه اخرى، و الرمح اهتزّ فهو خطّار، و هنّد السيف: شحّذه، و البتر: القطع، و الميّل: جمع أميل و هو الكسل الّذي لا يحسن الركوب و الفروسيّة، و الأغمار: جمع غمر بالضمّ و هو الجاهل الغرّ الّذي لم يجرّب الامور.
و العزّل: بالضمّ جمع الأعزل و هو الّذي لا سلاح معه، و يقال: رأب الصدع إذا شعبه و رأب الشيء إذا جمعه و شدّه برفق، و سجم الدمع سجوما: سال، و عين سجوم، و القرم: السيّد، و لمع بالشيء: ذهب، و الرسل محرّكة: القطيع من كلّ شيء و الجمع أرسال، و الأقيال: جمع قيل، و هو أحد ملوك حمير دون الملك الأعظم.
و الخفرة: بكسر الفاء الكثيرة الحياء، و أغذّ في السير: أسرع، و التهويم و التهوّم:
هزّ الرأس من النعاس، و قصعت الرجل قصعا صغّرته و حقّرته، و قصعت هامته إذا ضربتها ببسط كفّك، و الهتر: بالكسر العجب و الداهية، و ضرب هبر أي قاطع، [و] يقال: حيّا اللّه طللك أي شخصك، و الوغد: الدنيّ الّذي يخدم بطعام بطنه.
و قال الجزريّ: فيه كان شعارنا يا منصور امت أمر بالموت، و المراد به التفاؤل بالنصر بعد الأمر بالإماتة مع حصول الغرض للشعار فانّهم جعلوا هذه الكلمة علامة
____________
(1)- التي/ خ.
707
المختار خيرا، ادخلت على عبيد اللّه بن زياد و هو يتغدّى و رأس أبي بين يديه، فقلت:
اللهمّ لا تمتني حتّى تريني رأس ابن زياد. و قسّم محمّد المال في أهله و شيعته بمكّة و المدينة على أولاد المهاجرين و الأنصار.
و روى المرزباني بإسناده عن جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السّلام) أنّه قال: ما اكتحلت هاشميّة و لا اختضبت و لا رئي في دار هاشميّ دخان خمس حجج حتّى قتل عبيد اللّه بن زياد، و عن عبد اللّه بن محمّد بن أبي سعيد، عن أبي العيناء، عن يحيى بن (أبي) راشد، قال: قالت فاطمة بنت عليّ: ما تحنّأت امرأة منّا و لا أجالت في عينها مرودا (1) و لا امتشطت حتّى بعث المختار رأس عبيد اللّه بن زياد.
و روي أنّه قتل ثمانية عشر ألفا ممّن شرك في قتل الحسين (عليه السّلام) أيّام ولايته و كانت ثمانية عشر شهرا أوّلها أربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأوّل سنة ستّ و ستّين و آخرها النصف من شهر رمضان من سنة سبع و ستّين و عمره سبع و ستّون سنة.
قال جعفر بن نما مصنّف هذا الثأر: اعلم أنّ كثيرا من العلماء لا يحصل لهم التوفيق بفطنة توقّفهم على معاني الألفاظ و لا رويّة تنقّلهم من رقدة الغافلة إلى الاستيقاظ، و لو تدبّروا أقوال الأئمة في مدح المختار، لعلموا أنّه من السابقين المجاهدين الّذين مدحهم اللّه تعالى جلّ جلاله في كتابه المبين، و دعاء زين العابدين (عليه السّلام) للمختار (رحمه اللّه) دليل واضح و برهان لائح (2) على أنّه عنده من المصطفين الأخيار و لو كان على غير الطريقة المشكورة، و يعلم أنّه مخالف له في اعتقاده، لما كان يدعو له دعاء لا يستجاب، و يقول فيه قولا لا يستطاب، و كان دعاؤه (عليه السّلام) له عبثا، و الإمام منزّه عن ذلك، و قد أسلفنا من أقوال الأئمة في مطاوي الكتاب تكرار مدحهم له و نهيهم عن ذمّه، ما فيه غنية لذوي الأبصار، و بغية لذوي الاعتبار، و إنّما أعداؤه عملوا له مثالب ليباعدوه من قلوب الشيعة كما عمل أعداء أمير المؤمنين له مساوئ، و هلك بها كثير ممّن حاد عن محبّته، و حال عن طاعته، فالوليّ له (عليه السّلام) لم تغيّره الأوهام و لا باحته تلك الأحلام، بل كشفت له عن فضله المكنون، و علمه المصون، فعمل في قضيّة المختار ما
____________
(1)- المرود: الميل الذي يكتحل به. (النهاية لابن الاثير ج 4/ 321).
(2)- لائح: ظاهر.
710
بينهم يتعارفون بها لأجل ظلمة الليل انتهى.
و اللجين مصغّر الفضّة، و العسجد: الذهب، و أجفل القوم: هربوا مسرعين، و أطلّ عليه: أشرف و إضم كعنب جبل، و الوادي الّذي فيه مدينة الرسول (صلى اللّه عليه و آله) عند المدينة يسمّى القناة، و من أعلا منها عند السدّ الشطاة ثمّ ما كان أسفل من ذلك يسمّى إضما، و المأزق: المضيق، و منه سمّي موضوع الحرب مأزقا، و البرى: بالضمّ جمع برة، و هي حلقة من صفر تجعل في لحم أنف البعير، و المراس بالكسر: الشدّة و الممارسة و المعالجة، و القوصرّة:
بالتشديد و قد يخفّف: وعاء للتمر، و تمطّرت الطير: أسرعت في هويّها، و الخيل جاءت يسبق بعضها بعضا.
و الجحفل: الجيش، و يقال جيش لجب أي ذو جلبة و كثرة، [و] المطاولة:
المماطلة، و الغبين: الضعيف الرأي، و جرن جرونا: تعوّد الأمر و مرّن، و الكمين:
كأمير القوم يكمنون [ه] في الحرب، و الهزبر: الأسد و كذا القسور، و الخطل: الفاسد، المضطرب، و الوكل: بالتحريك العاجز، و النكل: الجبان، و الأروع من الرجال: الذي يعجبك حسنه، و النكس: بالكسر الرجل الضعيف، و الطرمّاح: كسنمّار العالي النسب المشهور، و الذكر: أيبس الحديد و أجوده، و المصاع: المجالدة (1) و المضاربة، و الثمل:
السكران، و الصيّب: السحاب و الانصباب، و العهاد: بالكسر جمع العهد و هو المطر بعد المطر، و الخازر: نهر بين الموصل و إربل، و الحاجلة: الإبل الّتي ضربت سوقها فمشت على بعض قوائمها، و حجل الطائر: إذا نزا في مشيته كذلك، و الأعثر: الأغبر، و طائر طويل العنق، و العثير: بكسر العين و سكون الثاء الغبار، و الصهوة موضع (2) اللبد من ظهر الفرس.
قوله: على النسور أي الذين كانوا في الحرب كالنسور، و يحتمل أن يكون بالثاء المثلّثة من النثر بمعنى التفرّق، و السيّد: بالكسر الأسد و الذئب، و يقال قرى البعير العلف في شدقه أي جمعه، و قرى البلاد تتبّعها يخرج من أرض إلى أرض، و القمرة:
لون إلى الخضرة، و الكميّ كغني (3) الشجاع، أو لابس السلاح و يقال: باحته الودّ أي خالصه.
____________
(1)- المجادلة/ خ.
(2)- في الأصل: مع.
(3)- الغني/ خ.
712
الصادق (عليه السّلام)
3- كامل الزيارات: أبي، و جماعة مشايخي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الحسين (1) بن سعيد، عن حمّاد بن عيسى، عن ربعي بن عبد اللّه، عن الفضيل، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: مالكم لا تأتونه- يعني قبر الحسين (عليه السّلام)- فإنّ أربعة آلاف ملك يبكون عند قبره إلى يوم القيامة (2).
4- و منه: أبي، عن سعد، عن بعض أصحابه، عن أحمد بن قتيبة الهمدانيّ، عن إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّي كنت بالحائر (3) ليلة عرفة و كنت اصلّي و ثمّ نحو من خمسين ألفا من الناس، جميلة وجوههم، طيّبة روائحهم (4) و أقبلوا يصلّون بالليل أجمع، فلمّا طلع الفجر سجدت، ثمّ رفعت رأسي فلم أر منهم أحدا، فقال لي أبو عبد اللّه (عليه السّلام): إنّه مرّ بالحسين بن عليّ (عليهما السّلام) خمسون ألف ملك و هو يقتل فعرجوا إلى السماء فأوحى اللّه إليهم: مررتم بابن حبيبي و هو يقتل فلم تنصروه؟
فاهبطوا إلى الأرض فاسكنوا عند قبره شعثا غبرا إلى أن (5) تقوم الساعة. (6)
أقول: قد مرّت الأحاديث الكثيرة في ذلك في باب ضجيج الملائكة إلى اللّه تعالى في أمره (عليه السّلام).
الكتب:
5- في بعض مؤلّفات أصحابنا: قال: و روى الثقات عن أبي محمّد الكوفيّ، عن دعبل بن عليّ الخزاعيّ قال: لمّا انصرفت عن أبي الحسن الرضا (عليه السّلام) بقصيدتي التائية، نزلت بالري «و أني في» (7) ليلة من الليالي و أنا أصوغ قصيدة و قد ذهب من الليل شطره فإذا طارق يطرق الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أخ لك فبدرت إلى الباب ففتحته فدخل شخص اقشعرّ منه بدني، و ذهلت منه نفسي، فجلس ناحية و قال لي: لا ترع أنا أخوك من الجنّ ولدت في الليلة التي ولدت فيها و نشأت معك، و إنّي جئت احدّثك بما يسرّك و يقوّي نفسك و بصيرتك، قال: فرجعت نفسي و سكن
____________
(1)- في المصدر: الحسن.
(2)- ص 83 ح 1 و البحار: 45/ 222 ح 6.
(3)- في الأصل و البحار: بالحيرة.
(4)- في الأصل و البحار: أرواحهم.
(5)- في المصدر: يوم.
(6)- ص 115 ح 6 و البحار: 45/ 226 ح 20.
(7)- و أتى/ خ.
711
26- أبواب ما يتعلّق بقبره الشريف و زيارته و ما ظهر من المعجزات عند تربته (صلوات اللّه و سلامه عليه)
1- باب زيارته، و إنّ الملائكة عند تربته يبكون على مصيبته و يحرسون زائريه (عليه السّلام)
الأخبار: الرسول (صلى اللّه عليه و آله)
1- كفاية الأثر: باسناده عن ابن عبّاس، عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) في الحسين (عليه السّلام): يا ابن عبّاس من زاره عارفا بحقّه كتب له ثواب ألف حجّة و ألف عمرة، ألا و من زاره فكأنّما قد زارني، و من زارني فكأنّما قد زار اللّه، و حقّ الزائر على اللّه أن لا يعذّبه بالنار (1).
الأئمّة: الباقر (عليهم السّلام)
2- كامل الزيارات: محمّد بن جعفر الرزّاز، عن ابن أبي الخطّاب، عن ابن بزيع، عن أبي إسماعيل السرّاج، عن يحيى بن معمّر العطّار، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: أربعة آلاف ملك شعث غبر يبكون الحسين إلى يوم القيامة فلا يأتيه أحد إلّا استقبلوه، و لا يمرض أحد إلّا عادوه، و لا يموت أحد إلّا شهدوه (2).
____________
(1)- ص 17 و البحار: 36/ 286.
(2)- ص 85 ح 10 و البحار: 45/ 223 ح 14.
714
2- باب إتيان الأنبياء و الأوصياء لزيارته (عليه السّلام)
الأخبار: الصحابة و التابعين و الرواة
1- كامل الزيارات: الحسن بن عبد اللّه بن محمّد بن عيسى، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن الحسين ابن بنت أبي حمزة الثمالي قال: خرجت في آخر زمان بني مروان إلى [زيارة] قبر الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) مستخفيا من أهل الشام حتّى انتهيت (1) إلى كربلاء فاختفيت في ناحية القرية حتّى إذا ذهب من الليل نصفه أقبلت نحو القبر، فلمّا دنوت منه أقبل نحوي رجل فقال لي: انصرف مأجورا فإنّك لا تصل إليه فرجعت فزعا حتّى إذا كاد يطلع الفجر أقبلت نحوه حتّى إذا دنوت منه خرج إليّ الرجل فقال لي: يا هذا إنّك لن (2) تصل إليه، فقلت له: عافاك اللّه و لم لا أصل إليه و قد أقبلت من الكوفة اريد زيارته؟ فلا تحل بيني و بينه عافاك اللّه و أنا أخاف أن اصبح فيقتلوني أهل الشام إن أدركوني هاهنا، قال: فقال لي: اصبر قليلا فانّ موسى بن عمران (عليه السّلام) سأل اللّه أن يأذن له في زيارة قبر الحسين بن علي (عليهما السّلام) فأذن له فهبط من السماء في سبعين ألف ملك فهم بحضرته من أوّل الليل ينتظرون طلوع الفجر، ثمّ يعرجون (3) إلى السماء.
قال: فقلت [له]: فمن أنت عافاك اللّه قال: أنا من الملائكة الّذين امروا بحرس قبر الحسين (عليه السّلام) و الاستغفار لزوّاره، فانصرفت و قد كاد [أن] يطير عقلي لما سمعت منه، قال: فأقبلت (حتّى إذا طلع الفجر أقبلت) (4) نحوه فلم يحل بيني و بينه [أحد] فدنوت منه (5) فسلّمت عليه، و دعوت اللّه على قتلته و صلّيت الصبح و أقبلت مسرعا مخافة أهل الشام. (6)
2- أقول: في بعض مؤلّفات أصحابنا: قال: روي عن سليمان الأعمش
____________
(1)- في الأصل: أتيت.
(2)- في المصدر، و خ: لا.
(3)- في البحار: يرجعون.
(4)- في المصدر: لما طلع الفجر.
(5)- في المصدر: من القبر.
(6)- ص 111 ح 2 و البحار: 45/ 408 ح 14.
713
قلبي فقال: يا دعبل، إنّي كنت من أشدّ خلق اللّه بغضا و عداوة لعليّ بن أبي طالب (عليه السّلام)، فخرجت في نفر من الجنّ المردة العتاة (1)، فمررنا بنفر يريدون زيارة الحسين (عليه السّلام) قد جنّهم الليل فهممنا بهم و إذا ملائكة تزجرنا من السماء، و ملائكة في الأرض تزجر عنهم هوامّها، فكأنّي كنت نائما فانتبهت أو غافلا فتيقّظت، و علمت أنّ ذلك لعناية بهم من اللّه تعالى لمكان من قصدوا له، و تشرّفوا بزيارته.
فأحدثت توبة و جدّدت نيّة و زرت مع القوم، و وقفت بوقوفهم و دعوت بدعائهم، و حججت بحجّهم تلك السنة، و زرت قبر النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و مررت برجل حوله جماعة، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا ابن رسول اللّه الصادق (عليه السّلام)، قال: فدنوت منه و سلّمت عليه فقال لي: مرحبا بك يا أهل العراق أتذكر ليلتك ببطن كربلاء و ما رأيت (2) من كرامة اللّه تعالى لأوليائنا؟ إنّ اللّه قد قبل توبتك، و غفر خطيئتك.
فقلت: الحمد للّه الّذي منّ عليّ بكم، و نوّر قلبي بنور هدايتكم، و جعلني من المعتصمين بحبل ولايتكم، فحدّثني يا ابن رسول اللّه بحديث أنصرف به إلى أهلي و قومي، فقال: نعم، حدّثني أبي محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ، عن أبيه عليّ بن أبي طالب (عليهم السّلام) قال: قال لي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): يا عليّ الجنّة محرّمة على الأنبياء حتّى أدخلها أنا، و على الأوصياء حتّى تدخلها أنت، و على الأمم حتّى تدخلها أمّتي، و على أمّتي حتّى يقرّوا بولايتك و يدينوا بإمامتك، يا عليّ و الّذي بعثني بالحقّ لا يدخل الجنّة أحد إلّا من أخذ منك بنسب أو سبب، ثمّ قال: خذها يا دعبل فلن تسمع بمثلها من مثلي أبدا ثمّ ابتلعته الأرض فلم أره (3).
أقول: سيأتي ثواب زيارته (عليه السّلام) في كتاب المزار إن شاء اللّه تعالى.
____________
(1)- عتا: استكبر و جاوز الحد و الجمع عتاة و عتي.
(2)- و هديت/ خ.
(3)- البحار: 45/ 402.
716
(عليه السّلام) و تعتقد فضله و شرفه، فانتبهت من نومي فزعا مرعوبا و قصدت من وقتي و ساعتي إلى زيارة سيّدي الحسين (عليه السّلام) و أنا تائب إلى اللّه تعالى، فو اللّه يا سليمان لا افارق قبر الحسين (عليه السّلام) حتّى يفارق روحي جسدي. (1)
3- باب أنّ الشفاء في تربته و ما ظهر في ذلك من معجزته (عليه السّلام)
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- الكفاية: في حديث ابن عبّاس عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) في الحسين (عليه السّلام) و أنّ الإجابة تحت قبّته، و الشفاء في تزبته (2).
2- أمالي الطوسي: ابن حشيش، عن أبي المفضّل، عن عمر بن الحسين بن عليّ، عن المنذر بن محمّد القابوسيّ، عن الحسين بن محمّد الأزديّ، عن أبيه قال:
صلّيت في جامع المدينة و إلى جانبي رجلان على أحدهما ثياب السفر فقال أحدهما لصاحبه: يا فلان أ ما علمت أنّ طين قبر الحسين (عليه السّلام) شفاء من كلّ داء؟ و ذلك أنّه كان بي وجع الجوف، فتعالجت بكلّ دواء فلم أجد فيه عافية، و خفت على نفسي و آيست منها، و كانت عندنا امرأة من أهل الكوفة عجوز كبيرة، فدخلت عليّ و أنا في أشدّ ما بي من العلّة، فقالت لي: يا سالم ما أرى علّتك إلّا كلّ يوم زائدة، فقلت لها:
نعم، فقالت: فهل لك أن اعالجك فتبرأ بإذن اللّه عزّ و جلّ؟ فقلت لها: ما أنا إلى شيء أحوج منّي إلى هذا، فسقتني ماء في قدح فسكنت عنّي العلّة و برئت حتّى كأن لم يكن بي علّة قطّ.
فلمّا كان بعد أشهر دخلت عليّ العجوز، فقلت لها: باللّه عليك يا سلمة- و كان اسمها سلمة- بما ذا داويتني؟ فقالت: بواحدة ممّا في هذه السبحة، من سبحة كانت في يدها، فقلت: و ما هذه السبحة؟
فقالت: إنّها من طين قبر الحسين (عليه السّلام)، فقلت لها: يا رافضيّة داويتني بطين قبر الحسين (عليه السّلام)؟ فخرجت من عندي مغضبة و رجعت و اللّه علّتي كأشدّ ما كانت، و
____________
(1)- البحار: 45/ 401 ح 12.
(2)- كفاية الاثر ص 17 و البحار: 36/ 285 ح 107 قطعة منه.
715
أنّه قال: كنت نازلا بالكوفة و كان لي جار و كنت آتي إليه و أجلس عنده فأتيت ليلة الجمعة إليه، فقلت له: يا هذا ما تقول في زيارة الحسين (عليه السّلام)؟ فقال لي: هي بدعة و كلّ بدعة ضلالة و كلّ ذي ضلالة في النار، قال سليمان: فقمت من عنده و أنا ممتلئ عليه غيظا فقلت في نفسي: إذا كان وقت السحر أتيته و احدّثه شيئا من فضائل الحسين (عليه السّلام) فإن أصرّ على العناد قتلته، قال سليمان: فلمّا كان وقت السحر أتيته و قرعت عليه الباب و دعوته باسمه، فإذا بزوجته تقول لي: إنّه قصد إلى زيارة الحسين (عليه السّلام) من أوّل الليل.
قال سليمان: فسرت في أثره إلى زيارة الحسين (عليه السّلام) فلمّا دخلت إلى القبر فإذا أنا بالشيخ ساجد للّه عزّ و جلّ و هو يدعو و يبكي في سجوده و يسأله التوبة و المغفرة، ثمّ رفع رأسه بعد زمان طويل فرآني قريبا منه، فقلت [له]: يا شيخ بالأمس كنت تقول زيارة الحسين (عليه السّلام) بدعة، و كلّ بدعة ضلالة و كلّ ذي ضلالة في النار، و اليوم أتيت تزوره؟ فقال: يا سليمان لا تلمني فإنّي ما كنت اثبت لأهل البيت إمامة حتّى كانت ليلتي تلك، فرأيت رؤيا هالتني و روّعتني، فقلت له: ما رأيت أيّها الشيخ؟ قال: رأيت رجلا جليل القدر لا بالطويل الشاهق، و لا بالقصير اللاصق لا أقدر أصفه من عظم جلاله و جماله، و بهائه و كماله، و هو مع أقوام يحفّون به حفيفا و يزفّونه زفيفا و بين يديه فارس و على رأسه تاج و للتاج أربعة أركان، و في كلّ ركن جوهرة تضيء من مسيرة ثلاثة أيّام، فقلت لبعض خدّامه: من هذا؟ فقال: هذا محمّد المصطفى (صلى اللّه عليه و آله) قلت: و من هذا الآخر؟ فقال: عليّ المرتضى وصيّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ثمّ مددت نظري فاذا أنا بناقة من نور، و عليها هودج من نور، و فيه امرأتان و الناقة تطير بين السماء و الأرض، فقلت: لمن هذه الناقة؟ فقال: لخديجة الكبرى و فاطمة الزهراء (عليهما السّلام)، فقلت: و من هذا الغلام؟ فقال: هذا الحسن بن عليّ (عليهما السّلام)، فقلت: و إلى أين يريدون بأجمعهم؟
فقالوا: لزيارة المقتول ظلما شهيد كربلاء الحسين بن عليّ المرتضى، ثمّ إنّي قصدت نحو الهودج الّذي فاطمة الزهراء فيه فاذا أنا برقاع مكتوبة تتساقط من السماء فسألت ما هذه الرقاع؟ فقال: هذه رقاع فيها أمان من النار لزوّار الحسين (عليه السّلام) في ليلة الجمعة فطلبت منه رقعة فقال لي: إنّك تقول زيارته بدعة؟ فإنّك لا تنالها حتّى تزور الحسين
717
أنا اقاسي منها الجاهد و البلاء، و قد و اللّه خشيت على نفسي، ثمّ أذّن المؤذّن فقاما يصلّيان و غابا عنّي. (1)
3- و منه: عنه، عن أبي المفضّل، عن الفضل بن محمّد بن أبي ظاهر، عن محمّد بن موسى السريعيّ، عن أبيه موسى بن عبد العزيز قال: لقيني يوحنّا بن سراقيون النصرانيّ المتطبّب في شارع أبي أحمد فاستوقفني و قال لي: بحقّ نبيّك و دينك من هذا الّذي يزور قبره قوم منكم بناحية قصر ابن هبيرة؟ من هو من أصحاب نبيّكم؟ قلت:
ليس هو من أصحابه هو ابن بنته، فما دعاك إلى المسألة لي عنه؟ فقال له (2):
عندي حديث طريف، فقلت: حدّثني به، فقال: وجّه إليّ سابور الكبير الخادم الرشيدي في الليل فصرت إليه، فقال [لي]: تعال معي فمضى و أنا معه حتّى دخلنا على موسى بن عيسى الهاشميّ فوجدناه زائل العقل متّكئا على و سادة و إذا بين يديه طست فيها حشو جوفه، و كان الرشيد استحضره من الكوفة.
فأقبل سابور على خادم كان من خاصّة موسى فقال له: ويحك ما خبره؟
فقال له: اخبرك أنّه كان من ساعة جالسا و حوله ندماؤه، و هو من أصحّ الناس جسما و أطيبهم نفسا إذ جرى ذكر الحسين بن علي (عليهما السّلام) قال يوحنّا: هذا الّذي سألتك عنه؟
فقال موسى: إنّ الرافضة ليغلون (3) فيه حتّى أنّهم فيما عرفت يجعلون تربته دواء يتداوون به، فقال له رجل من بني هاشم كان حاضرا: قد كانت بي علّة عليلة (4) فتعالجت لها بكلّ علاج فما نفعني حتّى وصف لي كاتبي أن آخذ من هذه التربة، فأخذتها فنفعني اللّه بها و زال عنّي ما كنت أجده.
قال: فبقي عندك منها شيء؟ قال: نعم، فوجّه فجاءه منها بقطعة فناولها موسى بن عيسى فأخذها موسى فاستدخلها دبره استهزاء بمن تداوى بها و احتقارا و تصغيرا لهذا الرجل الذي هي تربته- يعني الحسين (عليه السّلام)- فما هو إلّا أن استدخلها دبره حتّى صاح: النار النار الطست الطست فجئناه بالطست فأخرج فيها ما ترى.
____________
(1)- 1/ 327 و البحار: 45/ 399 ح 9.
(2)- في الأصل: لي.
(3)- في المصدر: لتغلوا.
(4)- في البحار: غليلة و في خ: غليظه.
718
فانصرف الندماء، فصار المجالس مأتما، فأقبل عليّ سابور فقال: انظر هل لك فيه حيلة؟ فدعوت بشمعة فنظرت فإذا كبده و طحاله و ريته و فؤاده خرج منه في الطست فنظرت إلى أمر عظيم فقلت: ما لأحد في هذا صنع إلّا أن يكون لعيسى الّذي كان يحيي الموتى فقال لي سابور: صدقت و لكن كن هاهنا في الدار إلى أن يتبيّن ما يكون من أمره، فبتّ عندهم و هو بتلك الحال ما رفع رأسه، فمات في وقت السحر.
قال محمّد بن موسى: قال لي موسى بن سريع: كان يوحنّا يزور قبر الحسين (عليه السّلام) و هو على دينه، ثمّ أسلم بعد هذا و حسن إسلامه. (1)
4- دعوات الراوندي: حدّثني الشيخ أبو جعفر النيسابوري رضي اللّه عنه قال: خرجت ذات سنة إلى زيارة الحسين (عليه السّلام) في جماعة، فلمّا كنّا على فرسخين من المشهد أو أكثر، أصاب رجلا من الجماعة الفالج، و صار كأنّه قطعة لحم، قال: و جعل يناشدنا باللّه أن لا نخلّيه و أن نحمله إلى المشهد فقام عليه من يراعيه و يحافظه على البهيمة.
فلمّا دخلنا الحضرة وضعناه على ثوب و أخذ رجلان منّا طرفي الثوب و رفعناه على القبر، و كان يدعو و يتضرّع و يبكي و يبتهل، و يقسم على اللّه بحقّ الحسين (عليه السّلام) أن يهب له العافية، قال: فلمّا وضع الثوب على الأرض جلس الرجل و مشى و كأنّما نشط من عقال (2).
4- باب نادر
الأخبار: الصحابة و التابعين
1- نوادر عليّ بن أسباط: عن غير واحد [من أصحابنا] قال: لمّا بلغ أهل البلدان ما كان من أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قدمت لزيارته مائة ألف امرأة ممّن كانت لا تلد، فولدن كلّهنّ. (3)
____________
(1)- 1/ 327 و البحار: 45/ 399 ح 10.
(2)- ص 205 ح 558 و البحار: 45/ 408 ح 15.
(3)- ص 123 و البحار: 45/ 200 ح 42 و تمام الحديث مذكور في البحار: 101/ 75 ح 24 و عوالم العلوم:
63/ 690 ح 8 (مخطوط) فراجع.
719
27- أبواب جور الخلفاء على قبره الشريف (صلوات اللّه و سلامه عليه)
1- باب ما وقع من الرشيد على قبره (عليه السّلام)
الأخبار: الرواة
1- أمالي الطوسيّ: عن ابن حشيش، عن أبي المفضّل، عن محمّد بن عليّ بن هاشم الأبليّ، عن الحسن بن أحمد بن النعمان الجوزجانيّ، عن يحيى بن المغيرة الرازيّ، قال: كنت عند جرير بن عبد الحميد إذ جاءه رجل من أهل العراق، فسأله جرير عن خبر الناس، فقال: تركت الرشيد و قد كرب قبر الحسين (عليه السّلام) و أمر أن تقطع السدرة الّتي فيه، فقطعت، قال: فرفع جرير يديه و قال: اللّه أكبر جاءنا فيه حديث من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنّه قال: لعن اللّه قاطع السدرة ثلاثا فلم نقف على معناه حتّى الآن لأنّ القصد بقطعه تغيير مصرع الحسين (عليه السّلام) حتّى لا يقف الناس على قبره (عليه السّلام). (1)
توضيح: تقول: كربت الأرض إذا قلبتها للحرث.
2- باب ما وقع من موسى بن عيسى على قبره الشريف
الأخبار: الرواة
1- أمالي الطوسيّ: ابن حشيش، عن محمّد بن عبد اللّه، عن عليّ بن محمّد بن مخلّد، عن أحمد بن ميثم، عن يحيى بن عبد الحميد الحمّاني (2) أملأ عليّ في منزله قال:
____________
(1)- 1/ 333 و البحار: 45/ 398 ح 7.
(2)- في المصدر: الجماني.
720
خرجت أيّام ولاية موسى بن عيسى الهاشميّ [في] الكوفة من منزلي فلقيني أبو بكر بن عيّاش، فقال لي: امض بنا يا يحيى إلى هذا، فلم أدر من يعني، و كنت اجلّ أبا بكر عن مراجعته، و كان راكبا حمارا له، فجعل يسير عليه، و أنا أمشي مع ركابه.
فلمّا صرنا عند الدار المعروفة بدار عبد اللّه بن حازم، التفت إليّ و قال [لي]:
يا ابن الحمّاني إنّما جرّرتك معي و جشّمتك [معي] أن تمشي خلفي لاسمعك ما أقول لهذا الطاغية. قال: فقلت: من هو يا أبا بكر؟ قال: هذا (1) الفاجر الكافر موسى بن عيسى، فسكتّ عنه و مضى و أنا أتبعه حتّى إذا صرنا إلى باب موسى بن عيسى، و بصر به الحاجب و تبيّنه، و كان الناس ينزلون عند الرحبة، فلم ينزل أبو بكر هناك، و كان عليه يومئذ قميص و إزار، و هو محلول الأزرار. (2)
قال: فدخل على حماره و ناداني: تعال يا بن الحمّاني فمنعني الحاجب فزجره أبو بكر و قال له: أ تمنعه يا فاعل! و هو معي؟ فتركني فما زال يسير على حماره حتّى دخل الإيوان (3) فبصر بنا موسى و هو قاعد في صدر الإيوان على سريره و بجنبتي السرير رجال متسلّحون و كذلك كانوا يصنعون.
فلمّا أن رآه موسى رحّب به و قرّ به و أقعده على سريره، و منعت أنا حين وصلت إلى الإيوان أن أتجاوزه، فلمّا استقرّ أبو بكر على السرير التفت فرآني حيث أنا واقف فناداني فقال: (4) ويحك، فصرت إليه و نعلي في رجلي و عليّ قميص و إزار فأجلسني بين يديه، فالتفت إليه موسى فقال: هذا رجل تكلّمنا فيه؟ قال: لا و لكنّي جئت به شاهدا عليك، قال: في ما ذا؟ قال: إنّي رأيتك و ما صنعت بهذا القبر.
قال: أيّ قبر؟ قال: قبر الحسين بن عليّ بن فاطمة بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و كان موسى قد وجّه إليه من كربه و كرب جميع أرض الحائر و حرثها و زرع الزرع فيها، فانتفخ موسى حتّى كاد أن ينقدّ، (5) ثم قال: و ما أنت و ذا؟
قال: اسمع حتّى اخبرك. اعلم أنّي رأيت في منامي كأنّي خرجت إلى
____________
(1)- في الاصل: هو.
(2)- في المصدر و خ: الإزار.
(3)- في المصدر: الأبواب.
(4)- في المصدر: تعال.
(5)- في المصدر: يتّقد.
721
قومي بنى غاضرة فلمّا صرت بقنطرة الكوفة، اعترضني خنازير عشرة تريدني، فأغاثني اللّه برجل كنت أعرفه من بني أسد، فدفعها عنّي فمضيت لوجهي، فلمّا صرت إلى شاهي (1) ضللت الطريق فرأيت هناك عجوزا فقالت لي: أين تريد أيّها الشيخ؟ قلت: اريد الغاضريّة، قالت لي: تنظر هذا الوادي فإنّك إذا أتيت إلى آخره اتّضح لك الطريق، فمضيت و فعلت ذلك، فلمّا صرت إلى نينوى إذا أنا بشيخ كبير جالس هناك، فقلت:
من أين أنت أيّها الشيخ؟ فقال لي: أنا من أهل هذه القرية، فقلت: كم تعدّ من السنين؟ فقال: ما أحفظ ما مرّ من سنّي و عمري، و لكن أبعد ذكري أنّي رأيت الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) و من كان معه من أهله و من تبعه يمنعون الماء الّذي تراه و لا تمنع الكلاب و لا الوحوش شربه.
فاستعظمت (2) ذلك و قلت له: ويحك أنت رأيت هذا؟ قال: إي و الّذي سمك السماء، لقد رأيت هذا أيّها الشيخ و عاينته، و انّك و أصحابك [هم] الذي تعينون على ما قد رأينا ممّا أقرح عيون المسلمين إن كان في الدنيا مسلم، فقلت: ويحك و ما هو؟
قال: حيث لم تنكروا ما أجرى سلطانكم إليه، قلت: و ما جرى (3)؟ قال: أ يكرب قبر ابن النبيّ و يحرث أرضه، قلت: و أين القبر؟ قال: ها هو ذا أنت واقف في أرضه، فأمّا القبر فقد عمي عن أن يعرف موضعه.
قال أبو بكر بن عيّاش: و ما كنت رأيت القبر (قبل) ذلك الوقت قطّ و لا أتيته في طول عمري، فقلت: من لي بمعرفته؟ فمضى معي الشيخ حتّى وقف بي على حير (4) له باب و آذن و إذا جماعة كثيرة على الباب، فقلت: للآذن اريد الدخول على ابن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال: لا تقدر على الوصول في هذا الوقت، قلت: و لم؟ قال: هذا وقت زيارة إبراهيم خليل اللّه (عليه السّلام)، و محمّد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، و معهما جبرئيل و ميكائيل في رعيل من الملائكة كثير.
____________
(1)- في المصدر: ساهي، و في خ: شاهر.
(2)- في الأصل و البحار: فاستفضعت.
(3)- في المصدر: ما اجرى إليه.
(4)- الحير: في الأصل مجمع الماء، و يراد به حائر الحسين (عليه السّلام)، و هو ما حواه سور المشهد الحسيني على مشرّفه السلام. (مجمع البحرين ج 3 ص 280).
722
قال أبو بكر بن عيّاش: فانتبهت و قد دخلني روع شديد، و حزن و كآبة، و مضت بي الأيّام حتّى كدت أن أنسى المنام، ثمّ اضطررت إلى الخروج إلى بني غاضرة لدين كان لي على رجل منهم، فخرجت و أنا لا أذكر الحديث حتّى [إذا] صرت بقنطرة الكوفة لقيني عشرة من اللصوص فحين رأيتهم ذكرت الحديث و رعبت من خشيتي لهم، فقالوا لي: الق ما معك و انج بنفسك، و كانت معي نفيقة، فقلت: و يحكم أنا أبو بكر بن عيّاش و إنّما خرجت في طلب دين لي، و اللّه [و] اللّه لا تقطعوني عن طلب ديني و تصرّفاني (1) في نفقتي فانّي شديد الاضافة، فنادى رجل منهم: مولاي و ربّ الكعبة لا يعرّض له، ثمّ قال لبعض فتيانهم كن معه حتّى تصير به إلى الطريق الأيمن.
قال أبو بكر: فجعلت أتذكّر ما رأيته في المنام و أتعجّب من تأويل الخنازير حتّى صرت إلى نينوى، (2) فرأيت و اللّه الّذي لا إله إلّا هو الشيخ الّذي كنت رأيته في منامي بصورته و هيئته، رأيته في اليقظة كما رأيته في المنام سواء، فحين رأيته ذكرت الأمر و الرؤيا، فقلت: لا إله إلّا اللّه! ما كان هذا إلّا وحيا ثمّ سألته كمسألتي إيّاه في المنام فأجابني بما كان أجابني ثمّ قال لي: امض بنا فمضيت فوقفت معه على الموضع و هو مكروب فلم يفتني شيء من منامي إلّا الآذن و الحير فانّي لم أر حيرا و لم أر آذنا.
فاتّق اللّه أيّها الرجل فانّي قد آليت على نفسي أن لا أدع إذاعة هذا الحديث و لا زيارة ذلك الموضع و قصده و إعظامه، فإنّ موضعا يؤمّه (3) إبراهيم و محمّد و جبرئيل و ميكائيل لحقيق بأن يرغّب في إتيانه و زيارته، فإنّ أبا حصين حدّثني أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال: من رآني في المنام فإيّاي رأى فإنّ الشيطان لا يتشبّه بي.
فقال له موسى: إنّما أمسكت عن إجابة كلامك لأستوفي هذه الحمقة التي ظهرت منك، «و تالله إن» (4) بلغني بعد هذا الوقت أنّك تحدّث بهذا لأضربنّ عنقك و عنق هذا الّذي جئت به شاهدا عليّ. فقال له أبو بكر: إذا يمنعني اللّه و إيّاه منك فإنّي إنّما أردت اللّه بما كلّمتك به فقال له: أ تراجعني يا ماص ... و شتمه فقال له: اسكت
____________
(1)- في المصدر: و تضروا بي.
(2)- نينوى: ناحية بسواد الكوفة. (راجع مراصد الاطلاع ج 3 ص 1414).
(3)- في المصدر: يأتيه.
(4)- في المصدر: و باللّه لئن.
723
(اسكت) أخزاك اللّه و قطع لسانك فازعل (1) موسى على سريره، ثمّ قال:
خذوه فأخذوا الشيخ عن السرير، و اخذت أنا، فو اللّه لقد مرّ بنا من السحب و الجرّ و الضرب، ما ظننت أنّنا لا نكثر الأحياء أبدا، و كان أشدّ ما مرّ بي من ذلك أنّ رأسي كان يجرّ على الصخر، و كان بعض مواليه يأتيني فينتف لحيتي، و موسى يقول:
اقتلوهما ابني كذا و كذا- بالزاني لا يكنّى- و أبو بكر يقول له: أمسك، قطع اللّه لسانك، و انتقم منك، اللهمّ إيّاك أردنا و لولد نبيّك (2) غضبنا و عليك توكّلنا، فصيّر بنا جميعا الى الحبس، فما لبثنا في الحبس إلّا قليلا، فالتفت إليّ أبو بكر و رأى ثيابي قد خرقت و سالت دمائي، فقال: يا حمّاني «قد قضينا للّه حقّا» (3) و اكتسبنا في يومنا هذا أجرا و لن يضيع ذلك عند اللّه و لا عند رسوله، فما لبثنا إلّا قدر (4) غدائه و نومه، حتّى جاءنا رسوله فأخرجنا إليه و طلب حمار أبي بكر فلم يوجد، فدخلنا عليه، فاذا هو في سرداب له يشبه الدور سعة و كبرا، فتعبنا في المشي إليه تعبا شديدا، و كان أبو بكر إذا تعب في مشيه جلس يسيرا ثمّ يقول: اللهمّ إنّ هذا فيك فلا تنسه، فلمّا دخلنا على موسى و إذا هو على سرير له، فحين بصر بنا قال: لا حيّا اللّه و لا قرّب من جاهل أحمق متعرّض لما يكره، ويلك يا دعيّ ما دخولك فيما بيننا معشر بني هاشم، فقال له أبو بكر:
قد سمعت كلامك، و اللّه حسيبك فقال له: اخرج قبّحك اللّه، و اللّه إن بلغني أنّ هذا الحديث شاع أو ذكر عنك لأضربنّ عنقك، ثمّ التفت إليّ و قال: يا كلب و شتمني و قال: (إيّاك) إيّاك ثمّ إيّاك أن تظهر هذا فإنّه إنّما خيّل لهذا الشيخ الأحمق شيطان يلعب به في منامه اخرجا عليكما لعنة اللّه و غضبه، فخرجنا و قد أيسنا من الحياة.
فلمّا وصلنا إلى منزل الشيخ أبي بكر و هو يمشي و قد ذهب حماره، فلمّا أراد أن يدخل منزله التفت إليّ و قال: احفظ هذا الحديث و اثبته عندك و لا تحدّثنّ هؤلاء الرعاع و لكن حدّث به أهل العقول و الدين (5).
بيان: تقول: «كربت الأرض» أيّ (6) قلّبتها للحرث، و «الرّعيل» القطعة من
____________
(1)- في المصدر، و خ: فارعد.
(2)- في المصدر: وليك.
(3)- قد غضبنا للّه/ خ.
(4)- في المصدر: إلا مقدار.
(5)- 1/ 329 و البحار: 45/ 390 ح 1.
(6)- في الأصل: إذا.
725
بيان: يقال: «مخرت الأرض» أي أرسلت فيه الماء، «و مخرت السفينة» إذا جرت تشقّ الماء مع صوت.
2- أمالي الطوسي: عنه، عن أبي المفضّل، عن محمّد بن إبراهيم بن أبي السلاسل عن أبي عبد اللّه الباقطانيّ قال: ضمّني عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان إلى هارون المعرّي و كان قائدا من قوّاد السلطان أكتب له، و كان بدنه كلّه أبيض شديد البياض، حتّى يديه و رجليه كانا كذلك و كان وجهه أسود شديد السواد، كأنّه القير و كان يتفقّأ مع ذلك مدّة منتنة، قال: فلمّا آنس بي سألته عن سواد وجهه فأبى أن يخبرني، ثمّ إنّه مرض مرضه الّذي مات فيه فقعدت فسألته فرأيته كأنّه يحبّ أن يكتم عليه، فضمنت له الكتمان.
فحدّثني: قال وجّهني المتوكّل أنا و الديزج لنبش قبر الحسين (عليه السّلام) و إجراء الماء عليه فلمّا عزمت على الخروج و المسير إلى الناحية رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في المنام، فقال: لا تخرج مع الديزج و لا تفعل ما امرتم به في قبر الحسين.
فلمّا أصبحنا جاءوا يستحثّوني في المسير فسرت معهم حتّى وافينا كربلاء و فعلنا ما أمرنا به المتوكّل فرأيت النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) في المنام فقال: أ لم آمرك أن لا تخرج معهم؟ و لا تفعل فعلهم؟ فلم تقبل حتّى فعلت ما فعلوا؟ ثمّ لطمني و تفل في وجهي فصار وجهي مسودّا كما ترى و جسمي على حالته الاولى. (1)
توضيح: تفقّأ الدمل و القرح: تشقّق.
3- أمالي الطوسي: عنه، عن أبي المفضّل، عن سعيد بن أحمد أبي القاسم الفقيه، عن الفضل بن محمّد بن عبد الحميد، قال: دخلت على إبراهيم الديزج و كنت جاره أعوده في مرضه الّذي مات فيه، فوجدته بحال سوء فإذا هو كالمدهوش و عنده الطبيب فسألته عن خاله و كانت بيني و بينه خلطة و انس توجب الثقة بي و الانبساط إليّ فكاتمني حاله، و أشار [لي] إلى الطبيب فشعر الطبيب بإشارته، و لم يعرف من حاله ما يصف له من الدواء ما يستعمله، فقام فخرج، و خلا الموضع فسألته عن حاله فقال: اخبرك و اللّه
____________
(1)- 1/ 335 و البحار: 45/ 395 ح 3.
724
الخيل، و «الاضافة» الضيافة.
و قال الجوهريّ: قولهم «يا مصّان و للانثى يا مصّانة» شتم أي يا ماصّ فرج امّه و يقال أيضا رجل مصّان إذا كان يرضع الغنم [من لؤمه] و زاعله أزعجه، قوله انّنا لا نكثر الأحياء أبدا هو كناية عن الموت أي لا نكون بينهم حتّى يكثر عددهم بنا، قوله «بالزاني لا يكنّى» أي كان يقول في الشتم ألفاظ صريحة في الزنا و لا يكتفي بالكناية.
3- باب ما وقع من المتوكّل من الخلفاء على قبره من الجفاء
الأخبار: الرواة
1- أمالي الطوسي: ابن حشيش، عن أبي المفضّل الشيبانيّ، عن أحمد بن عبد اللّه الثقفيّ، عن عليّ بن محمّد بن سليمان، عن الحسين بن محمّد بن مسلمة، عن إبراهيم الديزج قال: بعثني المتوكّل إلى كربلاء لتغيير قبر الحسين (عليه السّلام) و كتب معي إلى جعفر بن محمّد بن عمّار القاضي: اعلمك أنّي قد بعثت إبراهيم الديزج إلى كربلاء لينبش قبر الحسين (عليه السّلام) فاذا (1) قرأت كتابي (هذا) فقف على الأمر حتّى تعرف فعل أو لم يفعل.
قال الديزج: فعرفني جعفر بن محمّد بن عمّار ما كتب به إليه، ففعلت ما أمرني به جعفر بن محمّد بن عمّار، ثمّ أتيته فقال لي: ما صنعت؟ فقلت: قد فعلت ما أمرت به فلم أر شيئا و لم أجد شيئا، فقال لي: أ فلا عمّقته؟ قلت: قد فعلت فما رأيت فكتب إلى السلطان أنّ إبراهيم الديزج قد نبش فلم يجد شيئا و أمرته (2) فمخره بالماء و كربه بالبقر.
قال أبو عليّ العماري: فحدّثني إبراهيم الديزج و سألته عن صورة الامر، فقال لي: أتيت في خاصّة غلماني فقط و إنّي نبشت فوجدت بارية جديدة و عليها بدن الحسين بن عليّ (عليهما السّلام) و وجدت منه رائحة المسك فتركت البارية على حالها و بدن الحسين (عليه السّلام) على البارية و أمرت بطرح التراب عليه و أطلقت عليه الماء و أمرت بالبقر لتمخره و تحرثه، فلم تطأه البقر و كانت إذا جاءت إلى الموضع رجعت عنه فحلفت لغلماني باللّه و بالأيمان المغلّظة، لئن ذكر أحد هذه لأقتلنّه. (3)
____________
(1)- في الأصل: إذا.
(2)- و امر به/ خ.
(3)- 1/ 334 و البحار: 45/ 394 ح 2.
726
و أستغفر اللّه أنّ المتوكّل أمرني بالخروج إلى نينوى إلى قبر الحسين (عليه السّلام) فأمرنا أن نكر به و نطمس أثر القبر، فوافيت الناحية مساء، و معنا الفعلة و الدر كاريّون (1) معهم المساحي و المرود (2) فتقدّمت إلى غلماني و أصحابي أن يأخذوا الفعلة بخراب القبر و حرث أرضه فطرحت نفسي لما نالني من تعب السفر و نمت فذهب بي النوم فإذا ضوضاء شديد، و أصوات عالية، و جعل الغلمان ينبّهوني فقمت و أنا ذعر، فقلت للغلمان: ما شأنكم؟ قالوا:
أعجب شأن، قلت: و ما ذاك؟ إنّ بموضع قالوا: القبر قوما قد حالوا بيننا و بين القبر و هم يرمونا مع ذلك بالنشّاب فقمت معهم لأتبيّن الأمر فوجدته كما وصفوا، و كان ذلك في أوّل الليل من ليالي البيض، فقلت ارموهم فرموا فعادت سهامنا إلينا فما سقط سهم منها إلّا في صاحبه الّذي رمى به فقتله.
فاستوحشت لذلك و جزعت، و أخذتني الحمّى و القشعريرة، و رحلت عن القبر لوقتي و وطّنت نفسي على أن يقتلني المتوكّل لما لم أبلغ في القبر جميع ما تقدّم إليّ به، قال: أبو برزة (3) فقلت له: قد كفيت ما تحذر من المتوكّل قد قتل بارحة الاولى و أعان عليه في قتله المنتصر فقال لي: قد سمعت بذلك، و قد نالني في جسمي ما لا أرجو معه البقاء، قال أبو برزة: كان هذا في أوّل النهار فما أمسى الديزج حتّى مات.
قال ابن حشيش: قال أبو المفضّل: (4) إنّ المنتصر سمع أباه يشتم فاطمة (عليها السّلام) فسأل رجلا من الناس عن ذلك فقال له: قد وجب عليه القتل إلّا أنّه من قتل أباه لم يطل له عمر، قال: ما ابالي إذا أطعت اللّه بقتله أن لا يطول لي عمر فقتله و عاش بعده سبعة أشهر (5).
4- أمالي الطوسي: عنه، عن أبي المفضّل، عن عليّ بن عبد المنعم بن هارون الخديجي الكبير من شاطئ النيل قال: حدّثني جدّي القاسم بن أحمد بن معمّر الأسديّ الكوفيّ و كان له علم بالسيرة و أيّام الناس، قال: بلغ المتوكّل جعفر بن المعتصم أنّ أهل السواد يجتمعون بأرض نينوى لزيارة قبر الحسين (عليه السّلام)، فيصير إلى قبره
____________
(1)- في المصدر: و المرور و الزكار، و في خ: الروزكاريون.
(2)- في الأصل: المرور، و في المصدر: المروز.
(3)- في المصدر: أبو بريرة.
(4)- في المصدر: أبو الفضل.
(5)- 1/ 335 و البحار: 45/ 395 ح 4.
728
الحرّاث إلى ذلك آمن باللّه و حلّ (1) البقر فاخبر المتوكل فأمر بقتله. (2)
6- أقول: في بعض كتب أصحابنا، قال: و روي أنّ المتوكّل- لعنه اللّه- من خلفاء بني العبّاس كان كثير العداوة، شديد البغض لأهل بيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، و هو الّذي أمر الحارثين بحرث قبر الحسين (عليه السّلام)، و إن يخرّبوا بنيانه و يخفوا (3) آثاره، و أن يجروا عليه الماء من النهر العلقمي بحيث لا تبقى له أثر و لا أحد يقف له على خبر و توعّد الناس بالقتل لمن زار قبره، و جعل رصدا من أجناده، و أوصاهم كلّ من وجدتموه يريد زيارة الحسين (عليه السّلام) فاقتلوه، يريد بذلك إطفاء نور اللّه و إخفاء آثار ذرّيّة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فبلغ الخبر إلى رجل من أهل الخير يقال له: زيد المجنون، و لكنّه ذو عقل سديد، و رأي رشيد، و إنّما لقّب بالمجنون لأنّه أفحم كلّ لبيب و قطع حجّة كلّ أديب، و كان لا يعي من الجواب و لا يملّ من الخطاب.
فسمع بخراب بنيان قبر الحسين (عليه السّلام) و حرث مكانه، فعظم ذلك عليه و اشتدّ حزنه و تجدّد مصابه لسيّده الحسين (عليه السّلام)، و كان مسكنه يومئذ بمصر، فلمّا غلب عليه الوجد و الغرام لحرث قبر الإمام (عليه السّلام) خرج من مصر ماشيا هائما على وجهه شاكيا وجده إلى ربّه، و بقى حزينا كئيبا حتّى بلغ الكوفة، و كان البهلول يومئذ بالكوفة، فلقيه زيد المجنون و سلّم عليه فردّ (عليه السّلام)، فقال له البهلول: من أين لك معرفتي و لم ترني قطّ؟ فقال زيد: يا هذا اعلم أنّ قلوب المؤمنين جنود مجنّدة ما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف، فقال له البهلول: يا زيد ما الّذي أخرجك من بلادك بغير دابّة و لا مركوب؟ فقال: و اللّه ما خرجت إلّا من شدّة وجدي و حزني و قد بلغني أنّ هذا اللعين أمر بحرث قبر الحسين (عليه السّلام) و خراب بنيانه و قتل زوّاره، فهذا الّذي أخرجني من موطني و نقّص عيشي و أجرى دموعي و أقلّ هجوعي، فقال البهلول: و أنا و اللّه كذلك فقال له: قم بنا نمضي إلى كربلاء لنشاهد قبور أولاد عليّ المرتضى.
قال: فأخذ كلّ بيد صاحبه حتّى وصلا إلى قبر الحسين (عليه السّلام)، و إذا هو على حاله لم يتغيّر، و قد هدموا بنيانه، و كلّما أجروا عليه الماء غار و حار و استدار بقدرة
____________
(1)- و خل/ خ.
(2)- 3/ 221 و البحار: 45/ 401 ذ ح 11.
(3)- في البحار: و يحفوا.
727
منهم خلق كثير، فأنفذ قائدا من قوّاده و ضمّ إليه كنفا (1) من الجند كثيرا ليشعب (2) قبر الحسين (عليه السّلام) و يمنع الناس من زيارته و الاجتماع إلى قبره، فخرج القائد إلى الطفّ و عمل بما امر، ذلك في سنة سبع و ثلاثين و مائتين، فثار أهل السواد به و اجتمعوا عليه، و قالوا: لو قتلنا عن آخرنا لما أمسك من بقي منّا عن زيارته و رأوا من الدلائل ما حملهم على ما صنعوا، فكتب بالأمر إلى الحضرة.
فورد كتاب المتوكّل إلى القائد بالكفّ عنهم و المسير إلى الكوفة، مظهرا أنّ مسيره إليها في مصالح أهلها، و الانكفاء إلى المصر. (3)
فمضى الأمر على ذلك حتّى كانت سنة سبع و أربعين فبلغ المتوكّل أيضا مصير الناس من أهل السواد و الكوفة إلى كربلاء لزيارة قبر الحسين (عليه السّلام) و أنّه قد كثر جمعهم لذلك (4)، و صار لهم سوق (5) كبير فأنفذ قائدا في جمع كثير من الجند، و أمر مناديا ينادي ببراءة الذمّة ممّن زار قبره و نبش القبر و حرث أرضه و انقطع الناس عن الزيارة و عمل على تتبّع آل أبي طالب و الشيعة، فقتل و لم يتمّ له ما قدّره (6).
توضيح: قوله «كنفا من الجند» أي جانبا كناية عن الجماعة منهم، و في بعض النسخ بالثاء و هو بالفتح الجماعة، قوله «ليشعب» أي يشقّ و ينبش، و في بعض النسخ المصحّحة ليشعّث من قبر [ه]، يقال شعّث منه تشعيثا نضح (7) عنه و ذبّ و دفع، و انكفأ: رجع.
5- المناقب لابن شهرآشوب: و روى جماعة من الثقات أنّه لمّا أمر المتوكّل بحرث قبر الحسين (عليه السّلام) و أن يجري الماء عليه من العلقمي، أتى زيد المجنون و بهلول المجنون إلى كربلاء فنظرا إلى القبر و إذا هو معلّق بالقدرة في الهواء، فقال زيد:
«يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» (8) و ذلك أنّ الحرّاث حرث سبع عشرة مرّة و القبر يرجع إلى (9) حاله فلمّا نظر
____________
(1)- في المصدر: كتفا.
(2)- في المصدر: ليسعب، و في البحار: ليشعث.
(3)- في المصدر: المصير.
(4)- في المصدر: كذلك.
(5)- في المصدر: شوق.
(6)- 1/ 337 و البحار: 45/ 397 ح 5.
(7)- نصح/ خ.
(8)- التوبة/ 32.
(9)- في المصدر: على.
729
العزيز الجبّار، و لم يصل قطرة واحدة إلى قبر الحسين (عليه السّلام)، و كان القبر الشريف إذا جاءه الماء يرتفع أرضه باذن اللّه تعالى فتعجّب زيد المجنون ممّا شاهده و قال: انظر يا بهلول يريدون ليطفئوا نور اللّه بأفواههم و يأبى اللّه إلّا أن يتمّ نوره و لو كره المشركون (1).
قال: و لم يزل المتوكّل يأمر بحرث قبر الحسين (عليه السّلام) مدّة عشرين سنة و القبر على حاله لم يتغيّر، و لا يعلوه قطرة من الماء، فلمّا نظر الحارث إلى ذلك قال: آمنت باللّه و بمحمد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و اللّه لأهربنّ على وجهي و أهيم في البراري و لا أحرث قبر الحسين (عليه السّلام) ابن بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، و إنّ لي مدّة عشرين سنّة أنظر آيات اللّه و اشاهد براهين آل بيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و لا أتّعظ و لا أعتبر، ثمّ إنّه حلّ النيران و طرح الفدان و أقبل يمشي نحو زيد المجنون و قال له: من أين أقبلت يا شيخ؟ قال: من مصر فقال له: و لايّ شيء جئت إلى هنا و أنّه لأخشى عليك من القتل فبكى زيد و قال: و اللّه قد بلغني حرث قبر الحسين (عليه السّلام) فأحزنني ذلك و هيّج حزني و وجدي.
فانكبّ الحارث على أقدام زيد يقبّلهما و هو يقول: فداك أبي و امّي فو اللّه يا شيخ من حين ما أقبلت إليّ أقبلت إليّ الرحمة و استنار قلبي بنور اللّه، و إنّي آمنت باللّه و رسوله، و إنّ لي مدّة عشرين سنة و أنا أحرث هذه الأرض و كلّما أجريت الماء إلى قبر الحسين (عليه السّلام) غار (2) و حار و استدار، و لم يصل إلى قبر الحسين (عليه السّلام) منه قطرة و كأنّي كنت في سكر و أفقت الآن ببركة قدومك إليّ فبكى زيد و تمثّل بهذه الأبيات:
تاللّه إن كانت اميّة قد أتت * * * قتل ابن بنت نبيّها مظلوما
فلقد أتاه بنو أبيه بمثله * * * هذا لعمرك قبره مهدوما
أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا * * * في قتله فتتبّعوه رميما
فبكى الحارث و قال: يا زيد قد أيقظتني من رقدتي و أرشدتني من غفلتي و ها أنا الآن ماض إلى المتوكّل بسرّمنرأى اعرّفه بصورة الحال إن شاء (اللّه) أن يقتلني و إن شاء (اللّه) أن يتركني.
فقال له زيد: و أنا أيضا أسير معك إليه و اساعدك على ذلك، قال: فلمّا
____________
(1)- مقتبس من الآية: 8 من سورة الصف و الآية: 32 من سورة التوبة.
(2)- فمار/ خ.
730
دخل الحارث إلى المتوكّل و خبّره بما شاهد من برهان قبر الحسين (عليه السّلام) استشاط غيضا و ازداد بغضا لأهل بيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و أمر- لعنه اللّه- بقتل الحارث و أمر أن يشدّ (1) رجله في حبل و يسحب على وجهه في الأسواق ثمّ يصلب في مجتمع الناس، ليكون عبرة لمن اعتبر و لا يبقى أحد يذكر أهل البيت بخير أبدا.
و أمّا زيد المجنون فانّه ازداد حزنه و اشتدّ عزاؤه، و طال بكاؤه، و صبر حتّى أنزلوه من الصلب، و ألقوه على مزبلة هناك فجاء إليه زيد فاحتمله إلى دجلة و غسّله و كفّنه و صلّى عليه و دفنه، و بقى ثلاثة أيّام لا يفارق قبره و هو يتلو كتاب اللّه عنده، فبينما هو ذات يوم جالس إذ سمع صراخا عاليا، و نوحا شجيّا و بكاء عظيما، و نساء بكثرة منشّرات الشعور مشقّقات الجيوب مسوّدات الوجوه و رجالا بكثرة يندبون بالويل و الثبور، و الناس كافّة في اضطراب شديد و إذا بجنازة محمولة على أعناق الرجال و قد نشرت لها الأعلام و الرايات، و الناس من حولها أفواجا قد انسدّت الطرق من الرجال و النساء.
قال زيد: فظننت أنّ المتوكّل قد مات، فتقدّمت إلى رجل منهم و قلت له: من يكون هذا الميّت؟ فقال: هذه جنازة جارية المتوكّل و هي جارية سوداء حبشيّة و كان اسمها ريحانة، و كان يحبّها حبّا شديدا، ثمّ إنّهم عملوا لها شأنا عظيما و دفنوها في قبر جديد، و فرشوا فيه الورد و الرياحين، و المسك و العنبر و بنوا عليها قبّة عالية فلمّا نظر زيد إلى ذلك ازدادت أشجانه و تصاعدت نيرانه و جعل يلطم وجهه و يمزّق أطماره و يحثي التراب على رأسه و هو يقول: وا ويلاه وا أسفاه عليك يا حسين أ تقتل (2) بالطفّ غريبا وحيدا ظمآنا شهيدا، و تسبى نساؤك و بناتك و عيالك، و تذبح أطفالك، و لم يبك عليك أحد من الناس، و تدفن بغير غسل و لا كفن، و يحرث بعد ذلك قبرك ليطفئوا نورك، و أنت ابن عليّ المرتضى و ابن فاطمة الزهراء، و يكون هذا الشأن العظيم لموت جارية سوداء و لم يكن الحزن و البكاء لابن محمّد المصطفى (صلى اللّه عليه و آله).
قال: و لم يزل يبكي و يا نوح حتّى غشي عليه و الناس كافّة ينظرون إليه فمنهم من
____________
(1)- في الأصل: يسئد به.
(2)- القتيل/ خ.
731
رقّ له، و منهم من جنى عليه، فلمّا أفاق من غشوته أنشد يقول:
أ يحرث بالطفّ قبر الحسين * * * و يعمر قبر بني الزانية
لعلّ الزمان بهم قد يعود * * * و يأتي بدولتهم ثانية
ألا لعن اللّه أهل الفساد * * * و من يأمن الدنية (1)الفانية
قال: إنّ زيدا كتب هذه الأبيات في ورقة و سلّمها لبعض حجّاب المتوكّل، قال: فلمّا قرأها اشتدّ غيظه و أمر باحضاره، فاحضر و جرى بينه و بينه من الوعظ و التوبيخ ما أغاظه حتّى أمر بقتله، فلمّا مثل بين يديه سأله عن أبي تراب من هو؟
استحقارا له، فقال: و اللّه إنّك عارف به، و بفضله و شرفه، و حسبه و نسبه، فو اللّه ما يجحد فضله إلّا كلّ كافر مرتاب، و لا يبغضه إلّا كلّ منافق كذّاب، و شرع يعدّد فضله و مناقبه حتّى ذكر منها ما أغاظ المتوكّل فأمر بحبسه فحبس.
فلمّا أسدل الظلام و هجع، جاء إلى المتوكّل هاتف و رفسه برجله و قال له:
قم و أخرج زيدا من حبسه و إلّا أهلكك اللّه عاجلا، فقام هو بنفسه و أخرج زيدا من حبسه، و خلع عليه خلعة سنيّة، و قال له: اطلب ما تريد قال: اريد عمارة قبر الحسين (عليه السّلام) و أن لا يتعرّض أحد لزوّاره، فأمر له بذلك، فخرج من عنده فرحا مسرورا و جعل يدور في البلدان و هو يقول من أراد زيارة الحسين (عليه السّلام) فله الأمان طول الأزمان. (2)
بيان: نير الفدّان بالكسر الخشبة المعترضة في عنق الثورين و الجمع النيران و الأنيار، و الفدّان بالتشديد البقرة الّتي تحرث، و الإسدال: إرخاء الستر و إرساله و فيه استعارة، و الرفس: الضرب بالرجل.
4- باب سائر ما وقع على قبره (عليه السّلام) من الجفاء
الأخبار: الرواة
1- أمالي الطوسي: عن ابن حشيش، عن أبي المفضّل، عن عبد الرزّاق بن سليمان بن غالب الأزديّ قال: حدّثني عبد اللّه بن رابية (3) الطوريّ قال: حججت سنة
____________
(1)- الدنيا/ خ.
(2)- البحار 45/ 403.
(3)- في المصدر: دانية.
732
سبع و أربعين و مائتين فلمّا صدرت من الحجّ صرت إلى العراق، فزرت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) على حال خيفة من السلطان، و زرته ثمّ توجّهت إلى زيارة الحسين (عليه السّلام)، فإذا هو قد حرث أرضه، و مخر (1) فيها الماء، و ارسلت الثيران [و] العوامل في الأرض، فبعيني و بصري كنت أرى (2) الثيران تساق في الأرض فتنساق لهم حتّى إذا حازت مكان القبر حادت عنه يمينا و شمالا فتضرب بالعصا الضرب الشديد، فلا ينفع ذلك فيها و لا تطأ القبر بوجه و لا سبب فما أمكنتني الزيارة فتوجّهت إلى بغداد و أنا أقول [في ذلك]:
تاللّه إن كانت اميّة قد أتت * * * قتل ابن بنت نبيّها مظلوما
فلقد أتاه (3)بنو أبيه بمثلها * * * هذا لعمرك قبره مهدوما
أسفوا على أن لا يكونوا شايعوا * * * في قتله فتتبّعوه رميما
فلمّا قدمت بغداد سمعت الهائعة فقلت: ما الخبر؟ قالوا: سقط الطائر بقتل جعفر (بن المعتصم) المتوكّل فعجبت لذلك، و قلت: إلهي ليلة بليلة (4).
توضيح: قال الفيروزآبادي: الهيعة و الهائعة الصوت تفزع منه و تخافه من عدو.
2- المناقب لابن شهرآشوب: أخذ المسترشد من مال الحائر و كربلا، و قال: إنّ القبر لا يحتاج إلى الخزانة و أنفق على العسكر، فلمّا خرج قتل هو و ابنه الراشد.
كتابي ابن بطّة و النطنزيّ: روى أبو عبد الرحمن بن أحمد بن حنبل بإسناده عن الأعمش قال: أحدث رجل على قبر الحسين (عليه السّلام) فأصابه و أهل بيته جنون و جذام و برص، و هم يتوارثون الجذام [و البرص] إلى الساعة (5).
____________
(1)- في المصدر: مجر.
(2)- في الأصل و البحار: رأيت.
(3)- في المصدر و خ/ أتاك.
(4)- 1/ 337 و البحار: 45/ 397 ح 6.
(5)- 3/ 220 و البحار: 45/ 401 ح 11، الفقرة الاولى من الحديث غير موجودة في المصدر.
733
5- باب نادر
الأخبار: الرواة
1- نوادر عليّ بن أسباط: عن غير واحد من أصحابه (1) قال: إنّ مصعب بن الزبير لمّا توجّه إلى عبد الملك بن مروان يقاتله و [لمّا] بلغ الحير، [دخل] فوقف على قبر أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، ثمّ قال (2): يا أبا عبد اللّه أما و اللّه لئن كنت غصبت نفسك ما غصبت دينك، ثمّ انصرف و هو يقول:
و إنّ (3)الاولى بالطفّ من آل هاشم * * * تأسّوا فسنّوا للكرام التأسّيا (4)
6- باب آخر في ما جاء في مجيء الحسين (عليه السّلام) إلى المحشر مع النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)
الأخبار: الرواة
1- أمالي الطوسي: المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن أبي محمّد الأنصاريّ، عن معاوية بن وهب قال: كنت جالسا عند جعفر بن محمّد (عليهما السّلام) إذ جاء شيخ قد انحنى من الكبر فقال: السلام عليك و رحمة اللّه (و بركاته)، فقال [له] أبو عبد اللّه (عليه السّلام): و عليك السلام و رحمة اللّه (و بركاته) يا شيخ ادن منّي، فدنا منه، و قبّل يده و بكى، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السّلام): و ما يبكيك يا شيخ؟ قال له: يا ابن رسول اللّه أنا مقيم على رجاء منكم منذ نحو من مائة سنة أقول: هذه السنة، و هذا الشهر، و هذا اليوم، و لا أراه فيكم فتلومني أن أبكي، قال: فبكى أبو عبد اللّه (عليه السّلام)، ثمّ قال: يا شيخ، إن أخّرت منيّتك كنت
____________
(1)- في المصدر: من أصحابنا.
(2)- في المصدر: له.
(3)- في الأصل: ألا إنّ و في المصدر: إنّ.
(4)- ص 123، و البحار: 45/ 200 ح 42.
735
«فهرست الكتاب»
عناوين الأبواب رقم الصفحة عدد الأحاديث 1- أبواب بدو خلقه و نوره و روحه 5 1- باب نوره و نور أبيه و امّه و أخيه (عليهم السّلام) 5 1
2- باب آخر على وجه آخر 6 1
3- باب آخر على وجه آخر 6 1
2- أبواب ولادته و رضاعه و عقيقته (عليه السّلام) 7 1- باب تاريخ ولادته (عليه السّلام) 7 11
2- باب حمله و كيفيّة ولادته (عليه السّلام) 10 14
3- باب رضاعه (عليه السّلام) 21 7
4- باب في عقيقته و حلق رأسه (عليه السّلام) 26 2
3- أبواب اسمه و كنيته و لقبه و شمائله و نقش خاتمه 27 1- باب اسمه (عليه السّلام) 27 5
2- باب كنيته و ألقابه الشريفة 28 2
3- باب في حليته و شمائله 29 4
4- باب نقش خاتمه 30 4
4- أبواب فضائله و مناقبه بخصوصه زائدا على ما مرّ في كتاب أحوال الحسن (عليه السّلام) مشتركا بينهما 33 1- باب محبّة الرسول له و أنّه سبط من الأسباط 33 4
2- باب أنّ لحمة ثيابه من زغب جناح جبرئيل 34 1
3- باب قصره و حوره في الجنّة 35 1
4- باب أنّه أحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء 35 1
5- باب شفقة النبي (صلى اللّه عليه و آله) له و إلطافه به (عليه السّلام) 36 8
6- باب جوامع فضائله 41 6
5- أبواب معجزاته (عليه السّلام) 45 1- باب معجزته (عليه السّلام) في دفع العاهات 45 4
734
معنا، و إن عجّلت كنت يوم القيامة مع ثقل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فقال الشيخ: ما ابالي ما فاتني بعد هذا يا بن رسول اللّه، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السّلام): يا شيخ، إنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال: إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا: كتاب اللّه المنزل، و عترتي أهل بيتي تجيء و أنت معنا يوم القيامة.
ثمّ قال: يا شيخ ما أحسبك من أهل الكوفة، قال: لا، قال: فمن أين [أنت]؟
قال: من سوادها جعلت فداك، قال: أين أنت من قبر جدّي المظلوم الحسين (عليه السّلام)؟
قال: إنّي لقريب منه، قال: كيف إتيانك له؟ قال: إنّي لآتيه و أكثر، قال: يا شيخ ذاك دم يطلب اللّه تعالى به، (و) ما اصيب (أحد بمثل ما اصيب) ولد فاطمة و لا يصابون بمثل الحسين (عليه السّلام) و لقد قتل (عليه السّلام) في سبعة عشر من أهل بيته، نصحوا للّه و صبروا في جنب اللّه فجزاهم (اللّه) أحسن جزاء الصابرين، إنّه إذا كان يوم القيامة (أقبل رسول اللّه و معه الحسين و يده على رأسه) (1) يقطر دما فيقول: يا ربّ سل أمّتي فيم قتلوا ابني؟ و قال (عليه السّلام): كلّ الجزع و البكاء مكروه سوى الجزع و البكاء على الحسين (عليه السّلام) (2).
تمّ هذا المجلّد في أحوال سيد الشهداء أبي عبد اللّه الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السّلام)، سبط رسول الثقلين، و ابن فاطمة الزهراء، و أخي الحسن المجتبى، و أحد سيدي شباب أهل الجنّة، قتيل أولاد الأدعياء و الأشقياء و الطلقاء، (صلوات الله عليه) و على جده و أبيه و امّه و أخيه، و أولاده المعصومين و ذرّيّته الطاهرين و أصحابه المخلصين، روحي فداهم، و على شيعته و محبّيه، بعون اللّه الملك المنّان.
____________
(1)- في خ/ يجيء الحسين (عليه السّلام) مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و رأسه.
(2)- 1/ 162، و البحار: 45/ 313 ح 14.
736
2- باب معجزته (عليه السّلام) في شفاء المرضى 48 2
3- باب معجزته (عليه السّلام) في استنطاق الرضيع 49 1
4- باب دعوته في إحياء الموتى 49 1
5- باب آخر في إراءته النبي (صلى اللّه عليه و آله) و أمير المؤمنين (عليه السّلام) حيّا 50 1
6- باب استجابة دعائه في الاستسقاء 51 1
7- باب استجابة دعائه (عليه السّلام) على الأعداء 52 1
8- باب آخر في دعائه على الأعداء و لهم أيضا 52 1
9- باب إخباره بالمغيبات 54 5
10- باب جوامع معجزاته (عليه السّلام) 56 1
6- أبواب مكارم أخلاقه و محاسن أوصافه و سيرته 56 1- باب علمه (عليه السّلام) 59 4
2- باب عبادته (عليه السّلام) 61 1
3- باب خوفه (عليه السّلام) من اللّه 61 2
4- باب سخاوته (عليه السّلام) 62 5
5- باب تواضعه (عليه السّلام) 65 3
6- باب شجاعته (عليه السّلام) 66 2
7- باب زهده (عليه السّلام) 68 2
8- باب عفوه (عليه السّلام) 70 1
9- باب سيره و بعض أحواله (عليه السّلام) 70 7
7- أبواب النصوص عليه (عليه السّلام) 73 1- باب نصّ النبي (صلى اللّه عليه و آله) عليه 73 3
2- باب آخر فيما نقلت فاطمة (عليها السّلام) عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) في النصّ على الحسين (عليه السّلام) 74 3
3- باب نصّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) عليه من النبي (صلى اللّه عليه و آله) 75 3
4- باب نصّ علي (عليه السّلام) عليه 76 2
5- باب وصيّة الحسن إليه بنصوصه و النصّ منه عليه بخصوصه 77 2
8- أبواب احتجاجاته (عليه السّلام) على معاوية و أوليائه و ما جرى بينه و بينهم 83
737
1- باب احتجاجه (عليه السّلام) على معاوية و ما جرى بينهما 83 2
2- باب ما جرى بينه و بين عمرو بن العاص عليه اللعنة و العذاب 85 1
3- باب ما جرى بينه و بين مروان بن الحكم 86 7
9- أبواب الآيات المؤوّلة بشهادته (عليه السّلام) 95 1- باب تأويل قوله «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ» الآية 95 4
2- باب في أنّ قوله تعالى «و من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليّه سلطانا» مؤوّل فيه و أنّه يطلب اللّه بثأره 96 3
3- باب سورة الفجر و قوله تعالى «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ» 97 2
4- باب سائر الآيات المؤوّلة بشهادته (عليه السّلام) 98 3
10- أبواب إخبار اللّه تعالى أنبياءه و نبيّنا (عليهم السّلام) بشهادته (عليه السّلام) 101 1- باب جوامع ما أخبر به الأنبياء (عليهم السّلام) من شهادته و لعنهم لقتلته عليهم اللعنة 101 7
2- باب ما ورد في إخبار اللّه تعالى خصوص آدم على نبيّنا و آله و (عليه السّلام) بشهادته 104 1
3- باب إخبار اللّه تعالى نوحا بشهادته (عليه السّلام) 105 1
4- باب إخبار اللّه تعالى إبراهيم (عليه السّلام) بشهادته 106 1
5- باب إخبار اللّه تعالى زكريّا (عليه السّلام) بشهادته 107 1
6- باب إخبار اللّه تعالى إسماعيل بن حزقيل صادق الوعد بشهادته 108 3
7- باب ما وجد من خبر شهادته في الكتاب السالفة و البيع و الكنائس و غيرها 110 6
11- أبواب إخبار اللّه تعالى نبيّنا (صلى اللّه عليه و آله) بشهادته 113 1- باب إخبار اللّه تعالى نبيّنا (صلى اللّه عليه و آله) بشهادته وقت حمله بواسطة جبرئيل (عليه السّلام) 113 3
2- باب عموم إخبار اللّه تعالى النبي (صلى اللّه عليه و آله) بشهادته خصوصا بعد مولده بواسطة جبرئيل و غيره 116 1
3- باب آخر و هو ما أخبر اللّه نبيّنا (صلى اللّه عليه و آله) بشهادته و شهادة أخيه الحسن عموما بواسطة جبرئيل (عليه السّلام) خصوصا 119 2
4- باب ما أخبر اللّه تعالى من شهادته في الجنّة بلسان الحوراء و الرضوان 121 2
5- باب آخر في إخبار اللّه تعالى نبيّنا بشهادته و شهادة أخيه و امّه و أبيه صلوات اللّه عليهم أجمعين 122 2
738
6- باب إخبار جبرئيل (عليه السّلام) و غيره نبيّنا (صلى اللّه عليه و آله) من اللّه تعالى بشهادته و إراءة ربته 124 15
7- باب جوامع ما أخبر اللّه تعالى نبيّنا (صلى اللّه عليه و آله) بشهادة الحسين (عليه السّلام) 131 4
12- أبواب ما أخبر به الرسول و أمير المؤمنين و الحسن (عليهم السّلام) بشهادته (عليه السّلام) 135 1- باب ما أخبر به الرسول (صلى اللّه عليه و آله) بشهادته (عليه السّلام) 135 12
2- باب إخبار أمير المؤمنين (عليه السّلام) بشهادته (عليه السّلام) 143 16
3- باب إخبار الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السّلام) بشهادته (عليه السّلام) 154 1
4- باب إخباره بشهادته (عليه السّلام) 154 7
13- أبواب ما جرى عليه (عليه السّلام) بعد بيعة الناس ليزيد بن معاوية إلى شهادته و أولاده و أصحابه (عليه السّلام) 159
1- باب ما جرى عليه (عليه السّلام) بعد بيعة الناس ليزيد إلى شهادته 159 2
2- باب آخر و هو من الأوّل أيضا في أخبار أخر متفرّقة موجزة وردت من حين خروجه من المدينة إلى شهادته، و علّة خروجه من مكّة إلى الكوفة مع قلّة الأنصار، و أمارات الظنّ بالقتل و الفوز بسعادته 313 18
3- باب تاريخ شهادته و مدّة عمره و جملة تواريخه و أحواله (عليه السّلام) 324 8
4- باب الوضع الّذي صار (عليه السّلام) شهيدا عليه 329 5
5- باب عدد الجراحات الّتي في بدنه المقدّس 330 4
14- أبواب أحوال أزواجه و أولاده (عليه السّلام) 331 1- باب جوامع عدد أزواجه و أولاده (عليه السّلام) 331 1
15- أبواب أحوال أصحابه و الشهداء معه (عليه السّلام) 333 1- باب جمل أحوال أصحابه و أسمائهم عموما 333 1
2- باب خصوص حال ميثم التمّار و رشيد الهجري و حبيب بن مظاهر من أصحابه (عليه السّلام) 333 2
3- باب أسماء الشهداء معه عموما (عليهم السّلام) و عددهم و جمل أحوالهم و أسماء قاتليهم عليهم لعائن اللّه 335 3
4- باب آخر في عدد المقتولين من أهل البيت 342 5
5- باب بعض أحواله (عليه السّلام) مع أصحابه في الطفّ 344 5
740
9- باب ما ظهر من شهادته (عليه السّلام) في البحار و الجبال 499 7
18- أبواب ما ظهر بعد شهادته (عليه السّلام) من بكاء الأنبياء و الأئمّة و فاطمة (عليهم السّلام) 503 1- باب جوامع ما ظهر بعد شهادته من بكاء الملائكة و الأنبياء و الأوصياء و فاطمة (صلوات الله عليهم أجمعين) 503 1
2- باب ما وقع بعد شهادته من صيحة جبرئيل (عليه السّلام) و حضور النبي (صلى اللّه عليه و آله) 505 1
3- باب رؤية أمّ سلمة النبي (صلى اللّه عليه و آله) في المنام و إخباره بشهادة الحسين (عليه السّلام) 506 4
4- باب رؤية ابن عبّاس و غيره النبي (صلى اللّه عليه و آله) في المنام و إخباره بشهادة الحسين (عليه السّلام) 510 2
5- باب آخر في بكاء فاطمة (عليها السّلام) 511 3
6- باب ما رئي من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) بعد شهادته 512 1
19- أبواب أنّ مصيبته (عليه السّلام) كانت أعظم المصائب و ذلّ الناس بقتله، و ردّ قول من قال: إنّه لم يقتل و لكن شبّه لهم، و العلّة الّتي من أجلها لم يكفّ اللّه قتلة الأئمّة و من ظلمهم عن قتلهم و ظلمهم، و علّة ابتلائهم (عليهم السّلام) 515 1- باب أنّ مصيبة كانت أعظم المصائب، و ردّ قول من قال: إنّه لم يقتل و لكن شبّه لهم 515 3
2- باب العلّة الّتي من أجلها لم يكفّ اللّه تعالى قتلة الأئمّة و من ظلمهم عن قتلهم و ظلمهم، و علّة ابتلائهم (عليهم السّلام) 518 5
3- باب ذلّ الناس بقتله (عليه السّلام) 523 1
20- أبواب ثواب البكاء على مصيبته و مصائب سائر الأئمّة و المرثية و غيرها 525 1- باب ما يعمّ ثواب البكاء على مصيبته و مصيبة سائر الأئمّة (عليهم السّلام) 525 16
2- باب فيما ورد في ثواب البكاء عليه خصوصا 532 9
3- باب آخر إنّه قتيل العبرة لا يذكره مؤمن إلّا بكى 536 6
4- باب فيما ورد في أيّام المحرّم و يوم عاشوراء و آداب الماتم و البكاء 538 3
5- باب ثواب إنشاد الشعر فيه (عليه السّلام) 540 6
6- باب ما قيل من المراثي فيه (عليه السّلام) 543 16
739
6- باب فضل الشهداء معه و علّة عدم مبالاتهم و بيان أنّه (عليه السّلام) كان فرحا لا يبالي بما يجري عليه 347 4
7- باب فضل العبّاس بن علي بخصوصه على الشهداء الّذين معه 348 1
8- باب فضل أولاد عقيل بن أبي طالب (عليهم السّلام) بخصوصهم 349 1
9- باب علّة عدم مبالاتهم بالقتل و أنّهم فرحون مسرورون من القتل 350 3
16- أبواب الوقائع المتأخّرة عن قتله 353 1- باب شهادة ولدي مسلم الصغيرين (رضوان اللّه عليهم) 353 1
2- باب بعض ما وقع بعد قتله إلى ذهاب أهل البيت إلى الكوفة زائدا على ما مرّ 360 4
3- باب فيما وقع من دخول أهل البيت الكوفة إلى خروجهم منها إلى الشام، و وصول خبر قتل الحسين (عليه السّلام) إلى المدينة 368 8
4- باب فيما وقع من خروج أهل البيت (عليهم السّلام) من الكوفة إلى الشام و منه إلى المدينة 395 19
5- باب في موضع رأسه الشريف (عليه السّلام) 451 2
17- أبواب عظمة مصيبته، و ما ظهر بعد شهادته من بكاء السماء و الأرض عليه (عليه السّلام) و انكساف الشمس و القمر و غيرها، و ما ظهر من شهادته في الملائكة و الجنّ و الوحوش و الطيور 455 1- باب جوامع ما ظهر بعد شهادته من بكاء السماء و الأرض عليه (عليه السّلام) و انكساف الشمس و القمر و غيرها، و بكاء الجنّ و الإنس و الوحش و الطير، و تزلزل البحار و الجبال و جميع ما خلق اللّه 455 23
2- باب آخر في خصوص بكاء السماء عليه (عليه السّلام) 466 19
3- باب فيما ورد في خصوص بكاء الأرض عليه 472
4- باب ضجيج الملائكة إلى اللّه تعالى في أمره، و إنّ اللّه بعثهم لنصره، و بكائهم عليه (عليه السّلام) 474 23
5- باب نوح الجنّ عليه (عليه السّلام) 481 13
6- باب ما وقع على الوحوش من قتله 488 5
7- باب ما وقع على الطيور لقتله 489 10
8- باب حال الشجر و النباتات من قتله (عليه السّلام) 496 3
741
21- أبواب أحوال قاتليه 591 1- باب ما ورد في كفر قتلته و اللعن عليهم و شدّة عذابهم في الآخرة من الأنباء السابقة و في الكتاب السابقة و الامم الماضية 591 3
2- باب جوامع ما ورد من كفر قتلته و اللعن عليهم و شدّة عذابهم في الدنيا و الآخرة على لسان نبيّنا و أئمّتنا (صلوات الله عليهم أجمعين) 596 6
3- باب أنّ قتلته (عليه السّلام) ولد زنا 600 3
4- باب فيما ورد في لعن الحمام الراعبي على قتلة الحسين (عليه السّلام) 601 2
5- باب ثواب اللعن على قتلة الحسين (عليه السّلام) عند شرب الماء و غيره و ما ينبغي أن يقال عند ذكره 602 4
6- باب ما وجد من عذاب قاتليه في الكنائس و غيرها 603 1
7- باب فيما ورد عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السّلام) في شدّة عذاب قتلته في عالم البرزخ و القيامة عموما 604 6
8- باب شدّة عقاب قاتل الحسين (عليه السّلام) في عالم البرزخ 606 1
9- باب انتقام اللّه تعالى من قتلته (عليه السّلام) في الرجعة و العلّة الّتي من أجلها يقتل أولاد قتلته (عليه السّلام) 607 14
10- باب ما عجّل اللّه به قتلة الحسين (عليه السّلام) من العذاب في الدنيا و ما ظهر من إعجازه و استجابة دعائه في ذلك عند الحرب و بعده 612 5
11- باب ما نهب من أسبابه (عليه السّلام) و انقلب رمادا و دخانا و دما و غيرها و من استعمله صار مبروصا و غيره 616 6
22- أبواب بعض ما عجّل ليزيد عليه اللعنة في الدنيا من الانتقام و لسائر قتلته (عليه السّلام) 621 1- باب بعض ما أصاب يزيد عليه اللعنة في الدنيا 621 1
2- باب بعض ما أصاب ابن زياد لعنه اللّه من العذاب في الدنيا 622 3
3- باب بعض ما أصاب عمر بن سعد عليه اللعنة في الدنيا 622 1
4- باب ما أصاب سائر قتلته (عليه السّلام) و الحاضرين في محاربته من العقوبات و النقمات فى الدنيا 624 11
743
27- أبواب جور الخلفاء على قبره الشريف (عليه السّلام) 719 1- باب ما وقع من الرشيد على قبره 719 1
2- باب ما وقع من موسى بن عيسى على قبره الشريف 719 1
3- باب ما وقع من المتوكّل من الخلفاء على قبره من الجفاء 724 6
4- باب سائر ما وقع على قبره (عليه السّلام) من الجفاء 731 2
5- باب نادر 733 1
6- باب آخر في مجيء الحسين إلى المحشر مع النبي (صلى اللّه عليه و آله) 733 1
742
23- أبواب أحوال أزواجه و أولاده (عليه السّلام) 637 1- باب جمل أحوال أزواجه و أولاده و عددهم عموما 637 2
2- باب خصوص أحوال بعض أزواجه 638 1
3- باب آخر في خصوص أحوال أولاده (عليه السّلام) 639 2
24- أبواب أحوال عشائره و أهل زمانه (عليه السّلام) و ما جرى بينهم و بين يزيد من الاحتجاج 641 1- باب ما جرى بين يزيد و ابن عبّاس رضي اللّه عنه 641 1
2- باب ما جرى بين محمد بن الحنفيّة رضي اللّه عنه و يزيد عليه اللعنة 643 1
3- باب ما جرى بين عبد اللّه بن عمر و يزيد عليه اللعنة 647 1
25- أبواب أحوال المختار بن أبي عبيدة الثقفي و ما جرى على يديه و أيدي أوليائه من قتل قتلة الحسين (عليه السّلام) 649 1- باب في تحقيق حال المختار و ما ورد في مدحه و ذمّه 649 13
2- باب بعض أحوال المختار 654 2
3- باب بعض ما جرى على يديه و أيدي أوليائه من قتل قتلة الحسين (عليه السّلام) 658 2
4- باب آخر نورد فيه رسالة شرح الثأر الّذي ألّفه الشيخ الفاضل البارع جعفر بن محمد بن نما فانّها مشتملة على جلّ أحوال المختار و من قتله من الأشرار على وجه الاختصار يشفي به صدور المؤمنين الأخيار و يظهر منها بعض أحوال المختار 665
26- أبواب ما يتعلّق بقبره الشريف و زيارته و ما ظهر من المعجزات عند تربته (عليه السّلام) 711 1- باب زيارته (عليه السّلام) و انّ الملائكة عند تربته يبكون على مصيبته و يحرسون زائريه (عليه السّلام) 711 5
2- باب اتيان الأنبياء و الأوصياء لزيارته (عليه السّلام) 714 2
3- باب ان الشفاء في تربته و ما ظهر في ذلك من معجزته (عليه السّلام) 716 4
4- باب نادر 718 1
744
شكر متكاثر
نشكرك اللّهم يا رب و أنت الغنيّ عن الشكر على نعمائك و آلائك، شكرا لا مزيد لحدّه
و لا نهاية لعدّه أن وفقتنا لاخراج مشروعنا الحيوي الثقافي الإسلامي المقدّس، أذخر نفيسة قيّمة
و جوهرة غالية و درّة نادرة، موسوعة «عوالم العلوم و المعارف و الأحوال، من الآيات و الأخبار
و الأقوال، للمحدث الكبير، المتتبع الخبير، الشيخ (عبد الله بن نور الله) البحراني الاصفهانى»
التي كانت منذ تأليفه و حتى اليوم في زوايا المخمول و النسيان في رفوف المكتبات، فبرزناها
- و الله الحمد- إلى عالم الطباعة، و النشر فيما بين الملأ العلمي الثقافي.
كما و نشكر اولئك العباقرة الأفذاذ من العلماء الأشاوس أدام الله وجودهم الذي آزرونا
و ساعدونا في مشروعنا المقدّس و ذلك بتهيئة النسخ الموجودة عندهم من هذه الموسوعة الكبرى.
فشكرا متواصلا و ثناء جزيلا إلى تلكم الذوات المقدّسة مع التحيّات.
و آخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، إنّه نعم المولى و نعم النصير.
خادم علوم أهل بيت الرسالة
راجي رحمة ربّه
«السيد محمد الباقر» نجل العلامة الحجة الآية
«السيد المرتضى» الموحد الأبطحى الاصفهانى
قم المقدسة- 10 رجب 1407. ه ق.
